الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بدائع الصنائع - أبو بكر الكاشاني ج 5

بدائع الصنائع

أبو بكر الكاشاني ج 5


[ 1 ]

الجزء الخامس من كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع تأليف الامام علاء الدين ابي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بملك العلماء المتوفى سنة 587 هجرية (الطبعة الاولى) 1409 ه‍ 1989 م‍ الناشر المكتبة الحبيبية كانسي رود حاجي غيبي چوك كوئته پاكستان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الاستصناع) يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صورة الاستصناع ومعناه والى بيان جوازه والى بيان حكمه والى بيان صفته. (فصل) أما صورة الاستصناع فهى أن يقول انسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما اعمل لى خفا أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول الصانع نعم وأما معناه فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم هو مواعدة وليس ببيع وقال بعضهم هو بيع لكن للمشترى فيه خيار وهو الصحيح بدليل ان محمدا رحمه الله ذكر في جوازه القياس والاستحسان وذلك لا يكون في العدات وكذا أثبت فيه خيار الرؤية وأنه يختص بالبياعات وكذا يجرى فيه التقاضى وانما يتقاضى فيه الواجب لا الموعود ثم اختلفت عباراتهم عن هذا النوع من البيع قال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة وقال بعضهم هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل وجه القول الاول ان الصانع لو احضر عينا كان عملها قبل العقد ورضى به المستصنع لجاز ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز لان الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي والصحيح هو القول الاخير لان الاستصناع طلب الصنع فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا فكان مأخذ الاسم دليلا عليه ولان العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما وهذا العقد يسمى استصناعا واختلاف الاسامي دليل اختلاف المعاني في الاصل واما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد ورضى به المستصنع فانما جاز لا بالعقد الاول بل بعقد آخر وهو التعاطى بتراضيهما (فصل) واما جوازه فالقياس ان لا يجوز لانه بيع ما ليس عند الانسان لا على وجه السلم وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم ويجوز استحسانا لاجماع الناس على ذلك لانهم يعملون

[ 3 ]

ذلك في سائر الاعصار من غير نكر وقد قال عليه الصلاة والسلام لا تجتمع امتى على ضلالة وقال عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح والقياس يترك بالاجماع ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالاجر من غير بيان المدة ومقدار الماء الذى يستعمل وفى قطعه الشارب للسقاء من غير بيان قدر المشروب وفى شراء البقل وهذه المحقرات كذا هذا ولان الحاجة تدعو إليه لان الانسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص وصفة مخصوصة وقلما يتفق وجوده مصنوعا فيحتاج إلى ان يستصنع فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج وقد خرج الجواب عن قوله انه معدوم لانه ألحق بالموجود لمساس الحاجة إليه كالمسلم فيه فلم يكن بيع ما ليس عند الانسان على الاطلاق ولان فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والاجارة لان السلم عقد على مبيع في الذمة واستئجار الصناع يشترط فيه العمل وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزا (فصل) واما شرائط جوازه (فمنها) بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته لانه لا يصير معلوما بدونه (ومنها) أن يكون مما يجرى فيه التعامل بين الناس من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الحديد للدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسى والنبل والسلاح كله والطشت والقمقمة ونحو ذلك ولا يجوز في الثياب لان القياس يأبى جوازه وانما جوازه استحسانا لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب (ومنها) أن لا يكون فيه أجل فان ضرب للاستصناع أجلا صار سلما حتى يعتبر فيه شرائط السلم وهو قبض البدل في المجلس ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذى شرط عليه في السلم (وهذا) قول ابى حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد هذا ليس بشرط وهو استصناع على كل حال ضرب فيه اجلا أو لم يضرب ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع كالثياب ونحوها اجلا ينقلب سلما في قولهم جميعا (وجه) قولهما ان العادة جارية بضرب الاجل في الاستصناع وانما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة فلا يخرج به عن كونه استصناعا أو يقال قد يقصد بضرب الاجل تأخير المطالبة وقد يقصد به تعجيل العمل فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع لان ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الاجل فيه تعجيل العمل فتعين ان يكون لتأخير المطالبة بالدين وذلك بالسلم ولابي حنيفة رضى الله عنه انه إذا ضرب فيه أجلا فقد أتى بمعنى السلم إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلا والعبرة في العقود لمعانيها لا لصورة الالفاظ ألا ترى ان البيع ينعقد بلفظ التمليك وكذا الاجارة وكذا النكاح على أصلنا (ولهذا) صار سلما فيما لا يحتمل الاستصناع كذا هذا ولان التأجيل يختص بالديون لانه وضع لتأخير المطالبة وتأخير المطالبة انما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك الا السلم إذا لا دين في الاستصناع ألا ترى ان لكل واحد منهما خيار الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق ثم إذا صار سلما يراعى فيه شرائط السلم فان وجدت صح والا فلا. (فصل) وأما حكم الاستصناع فهو ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكا غير لازم على ما سنذكره ان شاء الله تعالى. (فصل) وأما صفة الاستصناع فهى انه عقد غير لازم قبل العمل في الجانبين جميعا بلا خلاف حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين ان لكل واحد منهما الفسخ لان القياس يقتضى أن لا يجوز لما قلنا وانما عرفنا جوازه استحسانا لتعامل الناس فبقى اللزوم على أصل القياس (وأما) بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع فكذلك حتى كان للصانع ان يبيعه ممن شاء كذا ذكر في الاصل لان العقد ما وقع على عين المعمول بل على مثله في الذمة لما ذكرنا انه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه جاز ولو باعه الصانع واراد المستصنع ان ينقض البيع ليس له ذلك ولو استهلكه قبل الرؤية فهو كالبائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم كذا قال ابو يوسف فأما إذا احضر الصانع العين على الصفة المشروطة فقد سقط خيار الصانع وللمستصنع الخيار لان

[ 4 ]

الصانع بائع ما لم يره فلا خيار له واما المستصنع فمشترى ما لم يره فكان له الخيار وانما كان كذلك لان المعقود عليه وان كان معدوما حقيقة فقد الحق بالموجود ليمكن القول بجواز العقد ولان الخيار كان ثابتا لهما قبل الاحضار لما ذكرنا ان العقد غير لازم فالصانع بالاحضار اسقط خيار نفسه فبقى خيار صاحبه على حاله كالبيع الذى فيه شرط الخيار للعاقدين إذا أسقط احدهما خياره انه يبقى خيار الاخر كذا هذا (هذا) جواب ظاهر الرواية عن ابى حنيفة وابى يوسف ومحمد رضى الله عنهم وروى عن ابى حنيفة رحمه الله ان لكل واحد منهما الخيار وروى عن ابى يوسف انه لا خيار لهما جميعا (وجه) رواية ابى يوسف ان الصانع قد افسد متاعه وقطع جلده وجاء بالعمل على الصفة المشروطة فلو كان للمستصنع الامتناع من اخذه لكان فيه اضرار بالصانع بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل فقال المستصنع لا أريد لانا لا ندري ان العمل يقع على الصفة المشروطة أو لا فلم يكن الامتناع منه اضرار بصاحبه فثبت الخيار (وجه) رواية ابى حنيفة رحمه الله ان في تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه وانه واجب والصحيح جواب ظاهر الرواية لان في اثبات الخيار للصانع ما شرع له الاستصناع وهو دفع حاجة المستصنع لانه متى ثبت الخيار للصانع فكل ما فرع عنه يتبعه من غير المستصنع فلا تندفع حاجة المستصنع وقول ابى يوسف ان الصانع يتضرر باثبات الخيار للمستصنع مسلم ولكن ضرر المستصنع بابطال الخيار فوق ضرر الصانع باثبات الخيار للمستصنع لان المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه لا يمكنه بيع المصنوع من غيره بقيمة مثله ولا يتعذر ذلك على الصانع لكثرة ممارستة وانتصابه لذلك ولان المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته لم يحصل ما شرع له الاستصناع وهو اندفاع حاجته فلا بد من اثبات الخيار له والله سبحانه وتعالى الموفق فان سلم إلى حداد حديدا ليعمل له اناء معلوما بأجر معلوم أو جلدا إلى خفاف ليعمل له خفا معلوما بأجر معلوم فذلك جائز ولا خيار فيه لان هذا ليس باستصناع بل هو استئجار فكان جائزا فان عمل كما امر استحق الاجر وان افسد فله ان يضمنه حديدا مثله لانه لما افسده فكأنه اخذ حديدا له واتخذ منه آنية من غير اذنه والاناء للصانع الان المضمونات تملك بالضمان. (كتاب الشفعة) الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان سبب ثبوت حق الشفعة وفي بيان شرائط ثبوت حق الشفعة وفى بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر وفى بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته وفى بيان ما يملك به المشفوع فيه وفى بيان طريق التمليك وبيان كيفيته وفى بيان شرط التملك وفى بيان ما يتملك به وفى بيان المتملك وفى بيان المتملك منه وفى بيان حكم اختلاف الشفيع والمشترى وفى بيان الحيلة في ابطال الشفعة وفى بيان انها مكروهة ام لا (اما) سبب وجوب الشفعة فالكلام فيه في موضعين احدهما في بيان ماهية السبب والثانى في بيان كيفيته (اما) الاول فسبب وجوب الشفعة احد الاشياء الثلاثة الشركة في ملك المبيع والخلطة وهى الشركة في حقوق الملك والجوار وان شئت قلت احد الشيئين الشركة والجوار ثم الشركة نوعان شركة في ملك المبيع وشركة في حقوقه كالشرب والطريق وهذا عند اصحابنا رضى الله عنهم وقال الشافعي السبب هو الشركة في ملك المبيع لا غير فلاتجب الشفعة عنده بالخلطة ولا بالجوار احتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال انما الشفعة في ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فصدر الحديث اثبات الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم لان كلمة انما لاثبات المذكور ونفى ما عداه وآخره نفى الشفعة عند وقوع الحدود وصرف الطرق والحدود بين الجارين واقعة والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية ولان الاخذ بالشفعة تملك مال المشترى من غير رضاه وعصمة ملكه وكون التملك اضرارا يمنع من ذلك فكان ينبغى ان لا بثبت حق الاخذ اصلا الا انا عرفنا ثبوته فيما لم يقسم بالنص غير معقول المعنى فبقى الامر في المقسوم على الاصل أو ثبت معلولا بدفع ضرر خاص وهو ضرر القسمة لكونه ضررا لازما لا يمكن دفعه الا

[ 5 ]

بالشفعة فأما ضرر الجوار فليس بلازم بل هو ممكن الدفع بالرفع إلى السلطان والمقابلة بنفسه فلا حاجة إلى دفعه بالشفعة (ولنا) ما روى انه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ارض بيعت وليس لها شريك ولها جار فقال عليه الصلاة والسلام الجار أحق بشفعتها وهذا نص في الباب وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الجار أحق بصقبه والصقب الملاصق أي أحق بما يليه وبما يقرب منه وروى الجار أحق بشفعته وهذا نص في الباب ولان حق الشفعة بسبب الشركة انما يثبت لدفع اذى الدخيل وضرره وذلك متوقع الوجود عند المجاورة فورود الشرع هناك يكون ورودا هنا دلالة وتعليل النص بضرر القسمة غير سديد لان القسمة ليست بضرر بل هي تكميل منافع الملك وهى ضرر غير واجب الدفع لان القسمة مشروعة ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في العروض دفعا لضرر القسمة (وأما) قوله يمكن دفع الضرر بالمقابلة بنفسه والمرافعة إلى السلطان فنقول وقد لا يندفع بذلك ولو اندفع فالمقابلة والمرافعة في نفسها ضرر وضرر الجار السوء يكثر وجوده في كل ساعة فيبقى في ضرر دائم واما الحديث فليس في صدره نفى الشفعة عن المقسوم لان كلمة انما لا تقتضي نفى غير المذكور قال الله تبارك وتعالى انما انا بشر مثلكم وهذا لا ينفى ان يكون غيره عليه الصلاة والسلام بشرا مثله وآخره حجة عليه لانه علق عليه الصلاة والسلام سقوط الشفعة بشرطين وقوع الحدود وصرف الطرق والمعلق بشرطين لا يترك عند وجود أحدهما وعنده يسقط بشرط واحد وهو وقوع الحدود وان لم تصرف الطرق ثم هو مؤول وتأويله فإذا وقعت الحدود فتباينت وصرفت الطرق فتباعدت فلا شفعة أو لا شفعة مع وجود من لم ينفصل حده وطريقه أو فلا شفعة بالقسمة كما لا شفعة بالرد بخيار الرؤية لان في القسمة معنى المبادلة فكان موضع الاشكال فأخبر انه لا شفعة ليزول الاشكال والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب (وأما) بيان كيفية السبب فالكلام فيه في موضعين احدهما يعم حال انفراد الاسباب واجتماعها والثانى يخص حالة الاجتماع (اما) الذى يعم الحالين جميعا فهو ان السبب اصل الشركة لا قدرها واصل الجوار لا قدره حتى لو كان للدار شريك واحدا وجار واحد اخذ كل الدار بالشفعة كثر شركته وجواره أو قل وعلى هذا يخرج قول اصحابنا رضى الله عنهم في قسمة الشفعة بين الشركاء عند اتحاد السبب وهو الشركة أو الجوار انها تقسم على عدد الرؤوس لا على قدر الشركة وعند الشافعي رحمه الله على قدر الشركة في ملك المبيع حتى لو كانت الدار بين ثلاثة نفر لاحدهم نصفها وللاخر ثلثها ولاخر سدسها فباع صاحب النصف نصيبه كانت الشفعة بين الباقين نصفين عندنا على عدد الرؤس وعنده اثلاث ثلثاه لصاحب الثلث وثلثه لصاحب السدس على قدر الشركة (وجه) قوله ان حق الشفعة من حقوق الملك لانه ثبت لتكميل منافع الملك فيتقدر بقدر الملك كالثمرة والغلة (ولنا) ان السبب في موضع الشركة اصل الشركة وقد استويا فيه فيستويان في الاستحقاق والدليل على ان السبب اصل الشركة دلالة الاجماع والمعقول اما دلالة الاجماع فلان الشفيع إذا كان واحدا يأخذ كل الدار بالشفعة ولو كان السبب قدر الشركة لتقدر حق الاخذ بقدرها واما المعقول فلان حق الشفعة انما يثبت لدفع اذى الدخيل وضرره والضرر لا يندفع الا بأخذ كل الدار بالشفعة فدل ان سبب الاستحقاق في الشركة هو اصل الشركة وقد استويا فيه فبعد ذلك لا يخلو اما ان يأخذ احدهما الكل دون صاحبه واما ان يأخذ كل واحد منهما الكل لا سبيل إلى الاول لانه ليس احدهما بأولى من صاحبه ولا سبيل إلى الثاني لاستحالة تملك دار واحدة في زمان واحد من اثنين على الكمال فتنصف بينهما عملا بكمال السبب بقدر الامكان ومثل هذا جائز فان من هلك عن ابنين كان ميراثه بينهما نصفين لان بنوة كل واحد منهما سبب لاستحقاق كل الميراث الا انه لا يمكن اثبات الملك في مال واحد لكل واحد منهما على الكمال لتضايق المحل فينصف بينهما فكذا هذا وكذلك إذا كان لدار واحدة شفيعان جاران جوارهما على التفاوت بأن كان جوار احدهما بخمسة اسداس الدار وجوار الاخر لسدسها كانت الشفعة بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق وهو اصل الجوار وعلى هذا يخرج ما إذا كان للدار شفيعان فأسقط احدهما الشفعة ان للآخر ان يأخذ كل الدار

[ 6 ]

بالشفعة لوجود سبب الاستحقاق للكل في حق كل واحد منهما وانما القسمة للتزاحم والتعارض على ما بينا فإذا اسقط احدهما زال التزاحم والتعارض فظهر حق الآخر في الكل فيأخذ الكل وكذلك لو كان الشفعاء جماعة فأسقط بعضهم حقه فللباقين ان ياخذوا الكل بالشفعة لما قلنا ولو كان للدار شفيعان واحدهما غائب فللحاضر ان يأخذ كل الدار بالشفعة لان سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه وقد تأكد حقه بالطلب ولم يعرف تأكذ حق الغائب لانه محتمل يحتمل ان يطلب ويحتمل ان لا يطلب أو يعرض فلم يقع التعارض والتزاحم فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه الثابت المتأكد بحق يحتمل التأكد والعدم بل يقضى له بالكل عملا بكمال السبب من غير تعارض بخلاف ما إذا كان لرجلين على رجل الف درهم فهلك الرجل وترك الف درهم واحد صاحبي الدين غائب انه لا يسلم إلى الحاضر الا خمسمائة لان هناك حق كل واحد منهما يساوى حق الاآخر في التأكد فيقسم بينهما على السوية لوقوع التعارض والتزاحم وكذلك لو كان للدار شفعاء بعضهم غائب وبعضهم حاضر يقضى بالدار بين الحضور على عدد رؤسهم لما قلنا ولو جعل بعضهم نصيبه لبعض لم يصح جعله في حق غيره وسقط حق الجاعل وقسمت على عدد رؤس من بقى لان حق الشفعة مما لا يحتمل النقل لانه ليس بأمر ثابت في المحل فبطل الجعل في حق غيره وسقط حقه لكون الجعل دليل الاعراض وبقى كل الدار بين الباقين فيقسمونها على عدد الرؤس لما ذكرنا ولو كان احدهم حاضرا فقضى له بكل الدار ثم جاء آخر يقضى له بنصف ما في يد الحاضر فان جاء ثالث يقضى له بثلث ما في يد كل منهما لوقوع التعاض والتزاحم لاستواء الكل في سبب ثبوت الحق وتاكده فيقسم بينهم على السوية ولو اخذا الحاضر الكل ثم قدم الغائب واراد ان يأخذ النصف فقال له الحاضر انا اسلم لك الكل فاما ان تأخذ أو تدع فليس له ذلك وللذى قدم ان ياخذ النصف لان القاضى لما قضى للحاضر بكل الدار تضمن قضاؤه بطلان حق الغائب عن النصف وصار الغائب مقضيا عليه في ضمن القضاء للحاضر بالكل فبعد ذلك وان بطل القضاء لكن الحق بعد ما بطل لا يتصور عوده ولو قضى بالدار للحاضر ثم وجد به عيبا فرده ثم قدم الغائب فليس له ان يأخذ بالبيع الاول الا نصف الدار سواء كان الرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء وسواء كان قبل القبض أو بعده لما ذكرنا انه لما قضى القاضى للحاضر بكل الدار بالشفعة فقد أبطل حق الغائب عن النصف وصار هو مقضيا عليه ضرورة القضاء على المشترى فبطلت شفعته في هذا النضف فلا يحتمل العود سواء كان الرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء لانه انما بطل حقه في النصف بالقضاء بالشفعة وبالرد بالعيب لا يتبين ان القضاء بالشفعة لم يكن وكذا يستوى فيه الرد قبل القبض وبعده لما قلنا ولو أراد الغائب أن يأخذ كل الدار بالشفعة برد الحاضر بالعيب ويدع البيع الاول ينظر ان كان الرد بغير قضاء فله ذلك لان الرد بغير قضاء بيع مطلق فكان بيعا جديدا في حق الشفعة فيأخذ الكل بالشفعة كما يأخذ بالبيع المبتدا هكذا ذكر محمد واطللق الجواب ولم يفصل بينما إذا كان الرد بالعيب قبل القبض أو بعده من مشايخنا من قال ما ذكر من الجواب محمول على ما بعد القبض لان الرد قبل القبض بغير قضاء بيع جديد وبيع العقار قبل القبض لا يجوز على اصله وانما يستقيم اطلاق الجواب على اصل ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله (ومنهم) من قال يستقيم على مذهب الكل لان رضا الشفيع ههنا غير معتبر لكونه مجبورا في التمليك فكان رضاه ملحقا بالعدم وان كان بقضاء فليس له ان يأخذ لانه فسخ مطلق ورفع العقد من الاصل كانه لم يكن والاخذ بالشعفة يختص بالبيع ولو اطلع الحاضر على عيب قبل ان يقضى له بالشفعة فسلم الشفعة ثم قدم الغائب فان شاء اخذ الكل وان شاء ترك لان القاضى إذا لم يقض بالشفعة للحاضر لم يبطل حق الغائب بل بقى في كل الدار لوجود سبب استحقاق الكل الا انه لم يظهر لمزاحمة الحاضر في الكل وبالتسليم زالت المزاحمة فظهر حق الغائب في كل الدار ولو رد الحاضر الدار بالعيب بعد ما قضى له بالشفعة ثم حضر شفيعان اخذا ثلثى الدار بالشفعة والحكم في الاثنين والثلاث سواء يسقط حق الغائب بقدر حصة الحاضر لما قلنا وكذا لو كان الشفيع الحاضر اشترى الدار من المشترى ثم حضر الغائب فان شاء اخذ كل الدار بالبيع الاول وان شاء اخذ كلها بالبيع

[ 7 ]

الثاني (أما) الاخذ بالبيع الاول فلان حق الحاضر في الشفعة قد بطل بالشراء من المشترى لكون الشراء منه دليل الاعراض فزالت المزاحمة الموجبة للقسمة فبقى حق الغائب في كل الدار فيأخذ الكل بالبيع الاول ان شاء بخلاف الشفيع إذا اشترى الدار المشفوعة من صاحبها انه لا تبطل شفعته لان البطلان بالاقدام على الشراء ولا حق له قبل الشراء ليبطل به (واما) الاخذ بالبيع الثاني فلان البيع الثاني وجد ولا حق للحاضر في الشفعة لصيرورته معرضا بالشراء فيظهر حق الاخذ بالكل ولو كان المشترى الاول شفيعا للدار فاشتراها الشفيع الحاضر منه ثم قدم الغائب فان شاء اخذ نصف الدار بالبيع الاول وان شاء اخذ كلها بالبيع الثاني (اما) اخذ النصف بالبيع الاول فلان المشترى الاول لم يثبت له حق قبل الشراء حتى يكون بشرائه معرضا عنه فإذا باعه من الشفيع الحاضر لم يثبت للغائب الا مقدار ما كان يخصه بالمزاحمة مع الاول وهو النصف وأما أخذ الكل بالعقد الثاني فلان السبب عند البيع الاول اوجب الشفعة للكل في الدار وقد بطل حق الشفيع الحاضر بالشراء لكون الشراء دليل الاعراض فبقى حق المشترى الاول والغائب في كل الدار فيقسم بينهما للتزاحم فيأخذ الغائب نصف الدار بالبيع الاول ان شاء وان شاء اخذ الكل بالعقد الثاني لان السبب عند العقد الثاني اوجب للشفيع حق الشفعة ثم بطل حق الشفيع الحاضر عند العقد الاول ولم يتعلق باقدامه على الشراء الثاني بعقده حق لاعراضه فكان للغائب ان يأخذ كل الدار بالعقد الثاني ولو كان المشترى الاول اجنبيا اشتراها بألف فباعها من اجنبي بألفين ثم حضر الشفيع فالشفيع بالخيار ان شاء اخذ بالبيع الاول وان شاء اخذ بالبيع الثاني لوجود سبب الاستحقاق وشرطه عند كل واحد من البيعين فكان له الخيار فان اخذ بالبيع الاول سلم الثمن إلى المشترى الاول والعهدة عليه وينفسخ البيع الثاني ويسترد المشترى الثاني الثمن من الاول وان أخذ بالبيع الثاني تم البيعان جميعا والعهدة على الثاني غير أنه ان وجد المشترى الثاني والدار في يده فله ان يأخذ بالبيع الثاني سواء كان المشترى الاول حاضرا أو غائبا وان أراد أن يأخذ بالبيع الاول فليس له ذلك حتى يحضر المشترى الاول والثانى هكذا ذكر القاضى الامام الاسبيجابى عليه الرحمة في شرحه مختصر الطحاوي ولم يحك خلافا وذكر الكرخي عليه الرحمة ان هذا قول ابى حنيفة ومحمد عليهما الرحمة وعند ابى يوسف رحمه الله حضرة الاول ليست بشرط وللشفيع ان يأخذ من الذى في يده ويدفع إليه الفا ويقال له اتبع الاول وخذ منه الفا وان كان الثاني اشتراه بألف يؤخذ منه ويدفع إليه الفا (وجه) قول ابى يوسف ان حق الشفعة حق متعلق بعين الدار فلا يشترط لاستيفائه حضرة المشترى (وجه) قولهما أن الاخذ من غير حضرة المشترى الاول يكون قضاء على الغائب لان الاخذ بالبيع الاول يوجب انفساخ البيع الاول على المشترى الاول على ما نذكره في موضعه ان شاء الله تبارك وتعالى فيكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وانه لا يجوز وقوله حق الشفعة متعلق بالعين ممنوع بل لا حق في العين وانما الثابت حق التمليك على المشترى فلا بد من حضرته ولو كان المشترى باع نصف الدار ولم يبع جميعها فجاء الشفيع وأراد أن ياخذ بالبيع الاول اخذ جميع الدار ويبطل البيع في النصف الثاني من المشترى الثاني لان سبب استحقاق الجميع وشرطه موجود عند البيع الاول فإذا أخذ الكل بالبيع الاول انفسخ البيع في النصف الثاني من المشترى لانه تبين انه تقدم على حق الشفيع في قدر النصف وان أراد ان يأخذ النصف بالبيع الثاني فله ذلك لان شرط الاستحقاق وهو البيع وجد في النصف وبطلت شفعتة في النصف الذى في يد المشترى الاول لوجود دليل الاعراض ولو كان المشترى لم يبع الدار ولكنه وهبها من رجل أو تصدق بها على رجل وقبضها الموهوب له أو المتصدق عليه ثم حضر الشفيع والمشترى والموهوب له حاضران اخذها الشفيع بالبيع لا بالهبة لان كون العقد معاوضة من شرائط الاستحقاق على ما نذكره ان شاء الله تعالى ولا بد من حضرة المشترى حتى لو حضر الشفيع ووجد الموهوب له فلا خصومة معه حتى يجد المشترى فيأخذها بالبيع الاول والثمن للمشترى وتبطل الهبة كذا ذكر القاضى من غير خلاف وأما الكرخي فقد جعله على الخلاف الذى ذكرنا ان الذى في يده الدار وهو الموهوب له

[ 8 ]

لم يكن خصما عندهما وعند ابى يوسف يكون خصما كما في البيع ولو وهب المشترى نصف الدار مقسوما وسلمه إلى الموهوب له ثم حضر الشفيع وأراد أن يأخذ النصف الباقي بنصف الثمن ليس له ذلك ولكنه يأخذ جميع الدار بجميع الثمن أو يدع لان في اخذ البعض دون البعض تفريق الصفقة على المشترى وإذا اخد الكل بطلت الهبة وكان الثمن كله للمشترى لا للموهوب له ولو اشترى دارا بألف ثم باعها بألفين فعلم الشفيع بالبيع الثاني ولم يعلم بالبيع الاول فأخذها بقضاء أو بغير قضاء ثم علم أن البيع الاول كان بألف فليس له ان ينقض اخذه لانه لما اخذها بالبيع الثاني فقد ملكها وحق التمليك بالبيع الاول بعد ثبوت الملك له لا يتصور فسقط حقه في الشفعة في البيع الاول ضرورة ثبوت الملك له والثابت ضرورة يستوى فيه العلم والجهل فان اشتراها بألف ثم زاده في الثمن الفا فعلم الشفيع بالالفين ولم يعلم ان الالف زيادة فأخذها بألفين فإذا اخذ بقضاء القاضى ابطل القاضى الزيادة وقضى له بالالف لان الزيادة غير ثابتة شرعا في حق الشفيع فكان القضاء بالزيادة قضاء بما ليس بثابت فيبطلها القاضى وان اخذها بغير قضاء فليس له ان ينقض اخذه لان الاخذ بغير قضاء بمنزلة شراء مبتدأ فسقط حقه في الشفعة ولو كان المشترى حين اشتراه بالف ناقضه البيع ثم اشتراه بألفين فأخذ الشفيع بألفين ولم يعلم بالبيع الاول ثم علم به لم يكن له ان ينقضه سواء كان بقضاء أو بغير قضاء لانه اجتمع بيعان لا يمكن الاخذ بهما فإذا اخذ باحدهما انتقض الاخر والله عزوجل أعلم وإذا كان للدار جاران أحدهما غائب والاخر حاضر فخاصم الحاضر إلى قاض لا يرى الشفعة بالجوار فأبطل شفعته ثم حضر الغائب فخاصمه إلى قاض يرى الشفعة قضى له بجميع الدار لان قضاء القاضى الاول صادف محل الاجتهاد فنفذ وبطلت شفعة الحاضر فبقى حق الغائب في كل الدار لوجود سبب استحقاق الكل فيأخذ الكل بالشفعة ولو كان القاضى الاول قال ابطلت كل الشفعة التى تتعلق بهذا البيع لم تبطل شفعة الغائب كذا قاله محمد وهو صحيح لانه قضاء على الغائب وانه لا يجوز والله سبحانه وتعالى اعلم (وأما) الذى يخص حالة الاجتماع فهو ان اسباب استحقاق الشفعة إذا اجتمعت يراعى فيها الترتيب فيقدم الاقوى فالاقوى فيقدم الشريك على الخليط والخليط على الجار لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من غيره ولان المؤثر في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل واذاه وسبب وصول الضرر والاذى هو الاتصال والاتصال على هذه المراتب فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال بالخلط والاتصال بالخلط أقوى من الاتصال بالجوار والترجيح بقوة التأثير ترجيح صحيح فان سلم الشريك وجبت للخليط وان اجتمع خليطان يقدم الاخص على الاعم وان سلم الخليط وجبت للجار لما قلنا وهذا جواب ظاهر الرواية وروى عن ابى يوسف انه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره (وجه) رواية أبي يوسف ان الحق عند البيع كان للشريك لا لغيره الا ترى أن غيره لا يملك المطالبة فإذا سلم سقط الحق أصلا والصحيح جواب ظاهر الرواية لان كل واحد من هذه الاشياء الثلاثة سبب صالح للاستحقاق الا أنه يرجح البعض على البعض لقوة في التأثير على ما بينا فإذا سلم الشريك التحقت شركته بالعدم وجعلت كأنها لم تكن فيراعى الترتيب في الباقي كما لو اجتمعت الخلطة والجوار ابتداء وبيان هذا في مسائل دار بين رجلين في سكة غير نافذة طريقها من هذه السكة باع احدهما نصيبه فالشفعة لشريكه لان شركته في عين الدار وشركة اهل السكة في الحقوق فكان الشريك في عين الدار أولى بالشفعة فإذا سلم فالشفعة لاهل السكة كلهم يستوى فيه الملاصق وغير الملاصق لانهم كلهم خلطاء في الطرق فان سلموا فالشفعة للجار الملاصق وعلى ما روى عن ابى يوسف إذا سلم الشريك سقطت الشفعة اصلا ولو انشعبت من هذه السكة سكة اخرى غير نافذة فبيعت دار فيها فالشفعة لاهل هذه السكة خاصة لان خلطة اهل هذه السكة السفلى اخص من خلطة اهل السكة العليا ولو بيعت دار في السكة العليا استوى في شفعتها اهل السكة العليا واهل السكة السفلى لان خلطتهم في السكة العليا سواء فيستوون في الاستحقاق وقال محمد رحمه الله اهل الدرب يستحقون الشفعة بالطريق إذا كان ملكهم أو كان فناء غير مملوك اما إذا كان ملكا لهم فظاهر

[ 9 ]

لوجود الخلطة وهى الشركة في الطريق واما إذا كان فناء غير مملوك فلانهم أخص به من غيرهم فكان في معنى المملوك وان كانت السكة نافذة فبيعت دار فيها فلا شفعة الا للجار الملاصق لان الشركة العامة اباحة معنى لما قلنا وان كان مملوكا فهو في حكم غير النافذ والطريق النافذ الذى لا يستحق به الشفعة ما لا يملك اهله سده لانه إذا كان كذلك يتعلق به حق جميع المسلمين فكانت شركته عامة فيشبه الاباحة وعلى هذا يخرج النهر إذا كان صغيرا يسقى منه اراضى معدودة أو كروم معدودة فبيع أرض منها أو كرم ان الشركاء في النهر كلهم شفعاء يستوى الملاصق وغير الملاصق لاستوائهم في الخلطة وهى الشركة في الشرب وان كان النهر كبيرا فالشفعة للجار الملاصق بمنزلة الشوارع واختلف في الحد الفاصل بين الصغير والكبير قال ابو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا كان تجرى فيه السفن فهو كبير وان كان لا تجرى فهو صغير وروى عن أبي يوسف رحمه الله انه قال لا أستطيع ان أحد هذا بحد هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك وروى عن أبى يوسف رحمه الله رواية اخرى انه ان كان يسقى منه مراحان أو ثلاثة أو بستانان أو ثلاثة ففيه الشفعة وما زاد على ذلك فلا كذا ذكر الكرخي رضى الله عنه الاختلاف بين اصحابنا والقاضى لم يذكر خلافهم وانما ذكر اختلاف المشايخ رحمهم الله قال بعضهم ان كان شركاء النهر بحيث يحصون فهو صغير وان كانوا لا يحصون فهو كبير وقال بعضهم ان كانوا مائة فما دونهم فهو صغير وان كانوا اكثر من مائة فهو كبير وقال بعضهم هو مفوض إلى رأى القاضى فان رآه صغير اقضي بالشفعة لاهله وان رآه كبيرا قضى بها للجار الملاصق ولو نزع من هذا النهر نهرا آخر فيه ارضون أو بساتين وكروم فبيع ارض أو بستان شربه من هذا النهر النازع فأهل هذا النهر أحق بالشفعة من أهل النهر الكبير ألا ترى انهم مختصون بشرب النهر النازع فكانوا أولى كما في السكة المنشعبة من سكة غير نافذه ولو بيعت ارض على النهر الكبير كان اهله واهل النهر النازع في الشفعة سواء لاستوائهم في الشرب قال محمد رحمه الله في قراح واحد في وسط ساقية جارية شرب هذا القراح منها من الجانبين فبيع القراح فجاء شفيعان احدهما يلى هذه الناحية في القراح والاخر يلى الجانب الآخر قال هما شفيعان في القراح وليست الساقية بحائلة لان الساقية من حقوق هذا القراح فلا يعتبر فاصلا كالحائط الممتد ولو كانت هذه الساقية بجوار القراح ويشرب منها ألف جريب من هذا القراح فأصحاب الساقية أحق بالشفعة من الجار لانهم شركاء في الشرب والشريك مقدم على الجار لما مر والله سبحانه وتعالى اعلم وعلى هذا يخرج ما روى عن ابى يوسف أنه قال في دار بين رجلين ولرجل فيها طريق فباع احدهما نصيبه من الدار ان الشريك أحق بالشفعة من صاحب الطريق لان الشريك في عين العقار أحق من الخليط وكذا إذا كانت الدار بين رجلين ولاحدهما حائط بارضه في الدار بينه وبين آخر فباع الذى له شركة في الحائط نصيبه من الدار والحائط فالشريك في الدار احق بشفعة الدار والشريك في الحائط اولى بالحائط لان الشريك في الحائط ليس بشريك في الدار بل هو جار لبقية الدار والشريك مقدم على الجار وكذلك دار بين رجلين ولاحدهما بئر في الدار بينه وبين آخر فباع الذى له شركة في البئر نصيبه من الدار والبئر فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار والشريك في البئر احق بالبئر لما ذكرنا ان الشريك في البئر جار لبقية الدار والشريك مقدم على الجار وكذلك سفل بين رجلين ولاحدهما علو عليه بينه وبين آخر فباع الذى له نصب في السفل والعلو نصيبه فلشريكه في السفل الشفعة في السفل ولشريكه في العلو الشفعة في العلو ولا شفعة لشريكه في السفل في العلو ولا لشريكه في العلو في السفل لان شريكه في السفل جار العلو وشريكه في حقوق العلو وان كان طريق العلو فيه ليس بشريك له في العلو والشريك في عين البقعة أو ما هو في معنى البقعة مقدم على الجار والشريك في الحقوق وشريكه في العلو جار للسفل أو شريكه في الحقوق إذا كان طريق العلو في تلك الدار ولا شركة له في عين البقعة فكان الشريك في عين البقعة اولى ولو كان لرجل علو على دار وطريقه فيها وبقية الدار لاخر فباع صاحب العلو العلو بطريقه فالقياس ان لا شفعة لصاحب السفل في العلو وفى الاستحسان تجب (وجه) القياس ان من شرائط وجوب الشفعة ان يكون المبيع عقار أو العلو

[ 10 ]

منقول فلا تجب فيه الشفعة كما لا تجب في سائر المنقولات (وجه) الاستحسان ان العلو في معنى العقار لان حق البناء على السفل حق لازم لا يحتمل البطلان فاشبه العقار الذى لا يحتمل الهلاك فكان ملحقا بالعقار فيعطى حكمة ولو كان طريق هذا العلو في دار رجل آخر فبيع العلو فصاحب الدار التى فيها الطريق اولى بشفعة العلو من صاحب الدار التى عليها العلو لان صاحب الدار التى فيها الطريق شريك في الحقوق وصاحب الدار التى عليها العلو جار والشريك مقدم على الجار فان سلم صاحب الطريق الشفعة فان لم يكن للعلو جار ملاصق اخذه صاحب الدار التى عليها العلو بالجوار لانه جاره وان كان للعلو جار ملاصق اخذه بالشفعة مع صاحب السفل لانهما جاران وان لم يكن جار العلو ملاصقا وبين العلو وبين مسكنه طائفة من الدار فلا شفعة له لانه ليس بجار ولو باع صاحب السفل للسفل كان صاحب العلو شفيعا لانه جاره وليس شريكه وهو كدارين متجاورتين لاحدهما خشب على حائط الاخر ان صاحب الخشب لا يستحق الا بالجوار ولا يستحق بالخشب شيأ ولو بيعت الدار التى فيها طريق العلو فصاحب العلو أولى بشفعة الدار من الجار لانه شريك في الحقوق فكان مقدما على الجار وروى عن أبى يوسف أنه قال في بيت عليه غرفتان احدهما فوق الاخرى ولكل غرفة طريق في دار أخرى وليس بينهما شركة في الطريق فباع صاحب البيت الاوسط بيته وسلم صاحب الطريق فالشفعة لصاحب العلو ولصاحب السفل جميعا لاستوائهما في الجوار فان باع صاحب العلو كانت الشفعة للاوسط دون الاسفل لان الجوار له لا للاسفل وعلى هذا يخرج ما روى عن أبى يوسف انه قال في دار فيها مسيل ماء لرجل آخر فبيعت الدار كانت له الشفعة بالجوار لا بالشركة وليس المسيل كالشرب لان صاحب المسيل مختص بمسيل الماء لا شركة للاخر فيه فصار كحائط لصحاب احدى الدارين في الاخرى ولو ان حائطا بين دارى رجلين والحائط بينهما فصاحب الشرك في الحائط اولى بالحائط من الجار وبقية الدار ياخذها بالجوار مع الجار بينهما هكذا روى عن أبى يوسف وزفر رحمهما الله وروى عن ابى يوسف رواية اخرى ان الشريك في الحائط أولى بجميع الدار (وجه) هذه الرواية ان الشريك في الحائط شريك في بعض المبيع فكان أولى من الجار الذى لا شركة له كالشريك في الشرب والطريق (وجه) الرواية الاولى ان الشريك في الحائط شريك لكن في بقعة معينة وهى ما تحت الحائط لا في بقية الدار بل هو جار في بقية الدار فكان اولى بما هو شريك فيه وبقية الدار بينه وبين الجار الاخر لاستوائهما في الجوار وكذلك الدار لرجل فيها بيت بينه وبين غيره فباع الرجل الدار وطلب الجار الشفعة وطلبها الشريك في البيت فصاحب الشركة في البيت أولى بالبيت وبقية الدار بينهما نصفان قال الكرخي عليه الرحمة وأصح الروايات عن ابي يوسف ان الشريك في الحائط اولى ببقية الدار من الجار لما ذكرنا من تحقق الشركة في نفس المبيع والشريك مقدم على الجار قال وعن محمد مسألة تدل على ان الشريك في الحائط اولى فانه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم ان الحائط بينهما الا بالخشبة فبيعت احدى الدارين قال فان أقام الاخر بينة ان الحائط بينهما فهو أحق من الجار لانه شريك وان لم يقم بينة لم أجعله شريكا وقوله أحق من الجار أي أحق بالجميع لا بالحائط خاصة وهذا هو مقتضى ظاهر هذا الاطلاق وروى عن أبى يوسف فيمن اشترى حائطا بأرضه ثم اشترى ما بقى من الدار ثم طلب جار الحائط الشفعة فله الشفعة في الحائط ولا شفعة له فيما بقى من الدار لانه لم يكن جارا لبقية الدار وقت البيع إذ الحائط حائل بين ملكه وبقية الدار فلا تجب الشفعة له وروى عن أبى يوسف في دار بين رجلين لرجل فيها طريق فباع احدهما نصيبه من الدار فشريكه في الدار احق بالشفعة في الدار ولصاحب الطريق الشفعة في الطريق لان الطريق إذا كان معينا كان بمنزلة الحائط على ما ذكرنا وهذا على الرواية التى تقول الشريك في الحائط جار في بقية الدار على ما ذكرنا فيما تقدم والله اعلم. (فصل) وأما شرائط وجوب الشفعة فانواع (منها) عقد المعاوضة وهو البيع أو ما هو في معناه فلا تجب الشفعة

[ 11 ]

فيما ليس ببيع ولا بمعنى البيع حتى لا تجب بالهبة والصدقة والميراث والوصية لان الاخذ بالشفعة يملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو فإذا انعدم معنى المعاوضة فلو اخذ الشفيع فاما ان ياخذ بالقيمة واما ان ياخذ مجانا بلا عوض لا سبيل إلى الاول لان المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة ولا سبيل إلى الثاني لان الحد على التبرع ليس بمشروع فامتنع الاخذ اصلا وان كانت الهبة بشرط العوض فان تقابضا وجبت الشفعة لوجود معنى المعاوضة عند التقابض وان قبض أحدهما دون الاخر فلا شفعة عند اصحابنا الثلاثة وعند زفر تجب الشفعة بنفس العقد وهذا بناء على اصل وهو ان الهبة بشرط العوض عندنا تبرع ابتداء معاوضة انتهاء وعنده معاوضة ابتداء وانتهاء ودلائل هذا الاصل في كتاب الهبة نذكرها هناك ان شاء الله تعالى ولو وهب عقارا من غير شرط العوض ثم ان الموهوب له عوضه من ذلك دارا فلا شفعة في الدارين لا في دار الهبة ولا في دار العوض لان اعطاء دار العوض هبة مبتدأة الا انها اختصت بالمنع من الرجوع الا أن تكون عوضا حقيقة بدليل انه لو وهب عشرة دراهم فعوضه بخمسة جاز ولو كان عوضا حقيقة لما جاز لانه يكون ربا دل ان الثاني ليس بعوض عن الاول حقيقة فلم يكن هذا معاوضة بل كان هبة مبتدأة فلم تجب به الشفعة وتجب الشفعة في الدار التى هي بدل الصلح سواء كان الصلح على الدار عن اقرار أو انكار أو سكوت لوجود معنى المعاوضة (أما) في الصلح عن اقرار فظاهر لان المدعى ملك المدعى في حق المدعى والمدعى عليه فكانت الدار التى هي بدل الصلح عوضا عن ملك ثابت في حقهما جميعا فيتحقق معنى المعاوضة في هذا الصلح (وأما) في الصلح عن انكار فلان عند المدعى انه أخذ الدار عوضا عن ملكه الثابت فكان الصلح معاوضة في حقه وكان للشفيع فيها حق الشفعة وكذا في الصلح عن سكوت المدعى عليه لان المدعى ان كان محقا في دعواه كان بدل الصلح عوضا عن ملكه حقيقة وان كان مبطلا كان عوضا عن ملكه في زعمه فيتحقق معنى المعاوضة في زعمه وكذا تجب الشفعة في الدار المصالح عنها عن اقرار لوجود معنى المعاوضة في هذا الصلح من الجانبين جميعا (وأما) عن انكار فلا تجب به الشفعة لان في زعم المدعى عليه ان الدار المدعاة ملكه وانما بذل المال لدفع الخصومة الباطلة فلا يتحقق معنى المعاوضة في حقه فلم يكن للشفيع أن ياخذها منه بالشفعة للحال ولكنه يقوم مقام المدعى في اقامة الحجة فان أقام البينة على صاحب اليد ان الدار كانت للمدعى أو حلف المدعى عليه فنكل فله الشفعة لانه تبين ان الصلح وقع معاوضة حقيقة وان لم تقم له الحجة فلا شفعة له وكذلك لا تجب الشفعة في الدار المصالح عنها عن سكوت لان المدعى ان كان محقا في دعواه كان الصلح معاوضة فتجب الشفعة وان كان مبطلا لم يكن معاوضة في حق المدعى عليه فلا تجب الشفعة مع الاحتمال لان الحكم كما لا يثبت بدون شرطه لا يثبت مع وجود الشك في شرطه لان غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك ولو كان بدل الصلح منافع فلا شفعة في الدار المصالح عنها سواء كان الصلح عن انكار أو اقرار لان بدل الصلح ليس بعين مال فلم يكن هذا الصلح معاوضة عين المال بعين المال وهذا من شرائط ثبوت الشفعة على ما نذكره ان شاء الله تعالى ولو اصطلحا على أن ياخذ المدعى عليه الدار ويعطيه دار اخرى فان كان الصلح عن انكار تجب في كل واحدة من الدارين الشفعة بقيمة الدار الاخرى لان الصلح إذا كان عن انكار كان الصلح على معاوضة دار بدار وان كان عن اقرار لا يصح الصلح ولا تجب الشفعة في الدارين جميعا لانهما جميعا ملك المدعى ولو اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم رد المشترى الدار بخيار الرؤية أو شرط قبل القبض أو بعده فاراد الشفيع ان يأخذ الدار بالشفعة بسبب الرد لم يكن له ذلك لان الرد بخيار الرؤية والشرط ليس في معنى البيع الا ترى انه يرد من غير رضا البائع بل هو فسخ محض في حق الكل ورفع العقد من الاصل كانه لم يكن فيعود إليه قديم ملكه فلم يتحقق معنى البيع فلا تجب الشفعة وكذا لو رد عليه بعيب قبل القبض أو بعده بقضاء القاضى لان الرد بقضاء القاضى فسخ مطلق وان كان بغير قضاء القاضى فللشفيع الشفعة لان الرد بغير قضاء بيع جديد في حق ثالث وكذا الاقالة قبل القبض أو بعده لانها بيع جديد في حق ثالث ولا تجب الشفعة في القسمة وان كان فيها معنى المعاوضة لانها ليست

[ 12 ]

بمعاوضة محضة بل فيها معنى الاقرار والتمييز ألا ترى انه يجرى فيها الجبر فلم تكن معاوضة مطلقة فلا تجب فيها الشفعة كما إذا صالح عن دم عمد على دار انه لا تجب الشفعة (ومنها) معاوضة المال بالمال فلا تجب في معاوضة المال بغير المال لان الاخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشترى فلو وجبت في معاوضة المال بغير المال فاما أن يأخذ بما تملك به المشترى ولا سبيل إليه لانه تملك بالقصاص واما ان ياخذ بقيمة الدار ولا سبيل إليه أيضا لان المشترى لم يتملك به فامتنع التملك أصلا وعلى هذا يخرج ما إذا صالح عن دم العمد على دار انه لا تجب الشفعة لان القصاص ليس بمال فلم توجد معاوضة المال بالمال وكذا لو صالح من جناية توجب القصاص فيما دون النفس على دار لما قلنا ولو صالح من جناية توجب الارش بدون القصاص على دار تجب فيها الشفعة بالارش لوجود معاوضة المال بالمال وكذا لو أعتق عبدا على دار لان العتق ليس بمال فلم توجد معاوضة بالمال (ومنها) معاوضة عين المال بعين المال فلا تجب في معاوضة عين المال بما ليس بعين المال لما ذكرنا ان التملك بما تملكه به المشترى غير ممكن والتملك بعين المال ليس تملكا بما تملك به المشترى فامتنع اصلا وعلى هذا يخرج ما إذا جعل الدار مهرا بأن تزوج على دار أو جعلها بدل الخلع بأن خالع امرأته على دار أو جعلها اجرة في الاجارات بأن استأجر بدار لان هذا معاوضة المال بالمنفعة لان حكم الاجارة ثبت في المنفعة وكذا حكم النكاح وهو الصحيح على ما عرف في مسائل النكاح من الخلاف والمنفعة ليست بمال وهذا عند اصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في هذه المواضع فيأخذها الشفيع بقيمة البضع وهى مهر المثل في النكاح والخلع وفى الاجارة باجرة المثل (وجه) قوله ان الاخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشترى عند الامكان وعند التعذر تقام قيمته مقامه الا ترى انه لو اشترى دارا بعبد فالشفيع يأخذها بقيمة العبد لتعذر الاخذ بمثله إذ لا مثل له فتقوم قيمته مقامه كذا ههنا والمنافع تتقوم بالعقد بلا خلاف فتقام قيمة العوض مقامه (ولنا) انا المنافع في الاصل لا قيمة لها على أصول اصحابنا والاصل فيها أن لا تكون مضمونة لان الشئ يضمن بمثله في الاصل والعرض لا يماثل العين ولهذا قالوا انها لا تضمن بالغصب والاتلاف الا انها تتقوم بالعقد بطريق الضرورة ولحاجة الناس فبقى ما وراء ذلك على الاصيل فلا يظهر تقومها في حق الشفيع ولو تزوج امرأة على دار على أن ترد المرأة عليه الفا فلا شفعة في شئ من الدار عند ابى حنيفة رحمه الله وقال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله تجب الشفعة في حصة الالف (وجه) قولهما ان الدار بعضها مهر وبعضها مبيع فلئن تعذر ايجاب الشفعة في حصة المهر أمكن ايجابها في حصة المبيع فتجب في حصته (وجه) قول أبى حنيفة رحمه الله انه لا يمكن ايجاب الشفعة في حصة المبيع الا بعد قسمة الدار وفى قسمتها تقويم المنافع ولا قيمة لها الا عند الضرورة على ما بينا ولان المهر في الدار هو الاصل لانها انما دفعت الالف لتسلم لها الدار فإذا لم تثبت الشفعة في الاصل فكيف تجب في التابع ولو تزوجها على مهر مسمى ثم باع داره من المرأة بذلك المهر أو تزوجها بغير مهر مسمى ثم باع داره من المرأة بمهر المثل تجب فيها الشفعة لان هذا مبيع مبتدأ فتجب به الشفعة ولو تزوجها على دار أو تزوجها على غير مسمى ثم فرض لها داره مهرا لا تجب فيها الشفعة لان الغرض منه ليس ببيع بل هو تقدير المهر فلا تجب الشفعة (ومنها) أن يكون المبيع عقارا أو ما هو بمعناه فان كان غير ذلك فلا شفعة فيه عند عامة العلماء رضى الله عنهم وقال مالك رضى الله عنه هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في السفن (وجه) قوله ان السفينة احد المسكنين فتجب فيها الشفعة كما تجب في المسكن الاخر وهو العقار ولنا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لاشفعة الا في ربع أو حائط لان الشفعة في العقار ما وجبت لكونه مسكنا وانما وجبت لخوف اذى الدخيل وضرره على سبيل الدوام وذلك لا يتحقق الا في العقار ولا تجب الا في العقار أو ما في معناه وهو العلو على ما نذكره ان شاء الله تعالى سواء كان العقار مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها كالحمام والرحاء والبئر والنهر والعين والدور الصغار عند اصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله لا تجب الشفعة الا في عقار يحتمل القسمة والكلام فيه يرجع إلى اصل تقدم ذكره وهو

[ 13 ]

ان الشفعة عندنا وجبت معلولة بدفع ضرر الدخيل واذاه على سبيل اللزوم وذلك يوجد فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل القسمة على السواء وعنده وجبت معلولة بدفع ضرر خاص وهو ضرر القسمة فلا يتعدى إلى ما لا يحتمل القسمة وهذا مع انه تعليل لمنع التعدية قد أبطلناه فيما تقدم وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال انما الشفعة فيما لم يقسم من غير فصل وإذا بيع سفل عقار دون علوه أو علوه دون سفله أو بيعا جميعا وجبت الشفعة اما السفل فلا شك فيه لانه عقار وأما العلو بدون السفل فتجب فيه الشفعة إذا كان العلو قائما استحسانا لان حق البناء على السفل متعلق به على سبيل التأبيد فصار بمعنى العقار فتجب فيه الشفعة ولو انهدم العلو ثم بيع السفل وجبت الشفعة لصاحب العلو عند ابى يوسف وعن محمد لا شفعة له ذكره محمد في الزيادات (وجه) قول ابى يوسف ان البناء وان بطل فحق البناء قائم وانه حق متعلق بالبقعة على سبيل الاستقرار والتأبيد فكان بمنزلة البقعة (وجه) قول محمد ان الشفعة انما تجب اما بالشركة في الملك أو الحقوق أو بجوار الملك ولم يوجد شئ من ذلك أما الشركة فظاهر الانتفاء وكذا الجوار لان الجوار كان بالبناء وقد زال البناء فلا تجب الشفعة وذكر في الزيادات فيمن باع علو فاحترق قبل التسليم بطل البيع هكذا ذكر ولم يحك خلافا من مشايخنا رحمهم الله من قال هذا قوله (فأما) على أصل أبى يوسف ينبغى أن لا يبطل لانه يجعل في حق البناء بمنزلة العرصة فصار كانه باع العرصة مع البناء فاحترق البناء (ومنها) زوال ملك البائع عن المبيع لان الشفيع يملك المبيع على المشترى بمثل ما ملك به فإذا لم يزل ملك البائع استحال تملك المشترى فاستحال تملك الشفيع فلا تجب الشفعة في المبيع بشرط خيار البائع لان خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه حتى لو اسقط خياره وجبت الشفعة لانه تبين ان المبيع زال عن ملكه من حين وجود المبيع ولو كان الخيار للمشترى تجب الشفعة لان خياره لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحق الشفعة يقف عليه ولو كان الخيار لهما لم تجب الشفعة لاجل خيار البائع ولو شرط البائع الخيار للشفيع فلا شفعة له لان شرط الخيار للشفيع شرط لنفسه وانه يمنع وجوب الشفعة فان اجاز الشفيع البيع جاز البيع ولا شفعة له لان البيع تم من جهته فصار كانه باع ابتداء وان فسخ البيع فلا شفعة له لان ملك البائع لم يزل والحيلة للشفيع في ذلك أن لا يفسخ ولا يجيز حتى يجيز البائع أو يجوز هو بمضي المدة فتكون له الشفعة وخيار العيب والرؤية لا يمنع وجوب الشفعة لانه لا يمنع زوال ملك البائع (ومنها) زوال حق البائع فلا تجب الشفعة في المشترى شراء فاسد الا ان للبائع حق النقض والرد إلى ملكه رد للفساد وفى ايجاب الشفعة تقرير الفساد حتى لو سقط حق الفسخ باسباب مسقطة للفسخ كالزيادة وزوال ملك المشترى ونحو ذلك كان للشفيع ان يأخذ بالشفعة لان المانع قيام الفسخ وقد زال كما لو باع بشرط الخيار له ثم اسقط الخيار وجبت الشفعة لزوال المانع من الوجوب وهو الخيار فكذا هذا ولو باعها المشترى شراء فاسدا بيعا صحيحا فجاء الشفيع فهو بالخيار ان شاء اخذها بالبيع الاول وان شاء اخذها بالبيع الثاني لان حق الشفيع ثابت عند كل واحد من البيعين لوجود سبب الثبوت عند كل واحد منهما وشرائطه فكان له الخيار غير انه ان أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن وان اخذ بالبيع الاول اخذ بقيمة المبيع يوم القبض لان الشفيع يتملك بما تملك به المشترى والمشترى الثاني تملك بالثمن لان البيع الثاني صحيح والبيع الصحيح يفيد الملك بالمسمى وهو الثمن والمشترى الاول تملك المبيع بقيمته لان البيع الفاسد يفيد الملك بقيمة المبيع لا بالثمن وانما تعتبر قيمته يوم القبض لان المبيع بيعا فاسدا مضمون بالقبض كالمغصوب وعلى هذا الاصل يخرج قول ابى حنيفة رضى الله عنه فيمن اشترى أرضا شراء فاسدا فبنى عليها انه يثبت للشفيع حق الشفعة لان حق البائع في القبض قد زال بالبناء وبطل فزال المانع من وجوب الشفعة وعند ابى يوسف ومحمد رحمهما الله لا يثبت لان حق البائع لم يبطل بالبناء فكان المانع قائما وعلى هذا يخرج قول ابى حنيفة رحمه الله في المريض إذا باع الدار من وارثه بمثل قيمتها وشفيعها اجنبي انه لا شفعة له لان بيع المريض مرض الموت عينا من اعيان ماله لوارثه فاسد عنده الا إذا أجاز الورثة وان كان بمثل القيمة ولا شفعة له في البيع الفاسد الا إذا أجاز فتجب الشفعة ولو باعها من اجنبي بمثل قيمتها والوارث شفيعها لا شفعة للوارث عنده

[ 14 ]

أيضا لانه يصير كانه باعها من الوارث ابتداء لتحول ملك الصفقة إليه أو لتقدير صفقة اخرى مع الوارث وذلك فاسد عنده وعندهما تجب الشفعة للوارث لان العقد جائز هذا إذا باع بمثل القيمة فأما إذا باع وحابى بأن باعها بألفين وقيمتها ثلاثة آلاف فان باعها من الوارث وشفيعها أجنبي فلا شك انه لا شفعة عند ابى حنيفة عليه الرحمة لان بيعها من الوارث بمثل القيمة فاسد عنده فبالمحاباة اولى ولا شفعة في البيع الفاسد وعندهما البيع جائز ولكن يدفع قدر المحاباة فتجب الشفعة ولو باع من اجنبي فكذلك لا شفعة للوارث عند ابى حنيفة رحمه الله لان الشفيع ياخذها بتلك الصفقة بالتحول إليه أو بصفقة مبتدأة مقدرة بينهما فكان بيعا من الوارث بالمحاباة وسواء اجازت الورثة أو لم يحيزوا لان الاجازة محلها العقد الموقوف والشراء وقع نافذا من المشترى لان المحاباة قدر الثلث وهى نافذة من الأجنبي فلغت الاجازة في حق المشترى فتلغو في حق الشفيع ايضا واما عندهما فقد اختلفت الروايات فيه في رواية كتاب الشفعة من الاصل والجامع لا شفعة له وفى رواية كتاب الوصايا له الشفعة وهى من مسائل الجامع تعرف ثمة ان شاء الله تعالى (ومنها) ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التى ياخذها بالشفعة لان سبب الاستحقاق جوار الملك ولا سبب انما ينعقد سببا عند وجود الشرط والانعقاد امر زائد على الوجود فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سببا فلا شفعة له بدار يسكنها بالاجارة والاعارة ولا بدار باعها قبل الشراء ولا بدار جعلها مسجدا ولا بدار جعلها وقفا وقضى القاضى بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز الوقف لانه زال ملكه عنها لا إلى أحد ومنها ظهور ملكه للمشترى عند الانكار بحجة مطلقة وهى البينة وهذا في الحقيقة شرط ظهور الحق لا شرط ثبوته وعلى هذا يخرج ما إذ أنكر المشترى كون الدار التى يشفع بها مملوكة للشفيع انه ليس له أن ياخذ بالشفعة حتى يقيم البينة انها داره وهذا قول ابى حنيفة ومحمد واحدى الروايتين عن ابى يوسف وروى عنه رواية اخرى ان هذا ليس بشرط والقول قول الشفيع ولا يحتاج إلى اقامة البينة وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله (وجه) هذه الرواية ان الملك كان ثابتا للشفيع في هذه الدار لوجود سبب الثبوت وما ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل ولان اليد دليل الملك ألا ترى ان من رأى شيأ في يد انسان حل له أن يشهد له بالملك دل ان اليد دليل الملك من حيث الظاهر فكان الملك ثابتا للشفيع ظاهرا (وجه) ظاهر الرواية ان سبب ثبوت الحكم لا يوجب بقاءه وانما البقاء بحكم استصحاب الحال لا يصلح للالزام على الغير كحياة المفقود وحرية الشهود ونحو ذلك والحاجة ههنا إلى الزام المشترى فلا يظهر الملك في حق المشترى وقوله اليد دليل الملك قلنا ان سلم ذلك فالثابت باليد ملك يظهر في حق الدفع لا في حق الاستحقاق على الغير والحاجة ههنا إلى الاستحقاق على المشترى فلا يكفى الملك الثابت بظاهر اليد وذكر عن أبى يوسف في من ادعى على آخر دارا وأقام البينة على ان هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهى في يده أنه يقضى له بالدار فان جاء يطلب بها شفعة دار اخرى إلى جنبها لم يقض له بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك لم يجعل القضاء باليد قضاء بالملك على الاطلاق حيث لم يوجب به الشفعة وعلى هذا يخرج ما ذكر عن محمد أنه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم ان الحائط بينها الا بالخشبة فبيعت احدى الدارين انه ان أقام الآخر بينة ان الحائط بينهما فهو احق من الجار لانه شريك وان لم يقم بينة لم أجعله شريكا لان ملك الحائط بينها لم يثبت الا بظاهر الاستعمال بالخشبة والملك الثابت بمثل هذا الظاهر لا يكفى لاستحقاق الشفعة قال ولو أقر البائع قبل البيع ان الحائط بينهما لم أجعل له بهذا شفعة بمنزلة دار في يد رجل اقر أنها لاخر فبيعت إلى جنبها دار فطلب المقر له الشفعة فلا شفعة له حتى يقيم البينة ان الدار داره لان الملك في الموضعين جميعا ثبت بالاقرار وانه حجة قاصرة فيظهر في حق المقر في المسألة الاولى وفى المسألة الثانية يظهر في حق المقر له خاصة ولا يتعدى إلى المشترى وذكر في المنتقى عن أبى يوسف في رجل في يده دار عرف القاضى انها له فبيعت دار إلى جنب داره فقال الشفيع بعد بيع الدار التى فيها الشفعة دارى هذه لفلان وقد بعتها منه منذ سنة وقال هذا في وقت يقدر على الاخذ بالشفعة أو طلبها لنفسه قال لا شفعة له في الدار حتى يقيم المقر له بينة على المشترى (أما) المقر فلا شك انه لا شفعة له

[ 15 ]

لانه لا ملك له وقت البيع في الدار باقراره بالبيع قبله (واما) المقر له فلما ذكرنا ان الملك الثابت بالاقرار ليس بثابت بحجة مطلقة لكون الاقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الاستحقاق على المشترى وذكر الخصاف في اسقاط الشفعة ان البائع إذا اقر بسهم من الدار للمشترى ثم باع منه بقية الدار ان الجار لا يستحق الشفعة لان المشترى صار شريك البائع في ذلك السهم والشريك مقدم على الجار ومن اصحابنا من خطأ الخصاف في هذا وقال تجب الشفعة للجار لان شركة المشترى لم تثبت الا بالاقرار من البائع والاقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الجار فكان على شفعته وكان يستدل بمسألة الحائط والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) أن لا تكون الدار المشفوعة ملكا للشفيع وقت البيع فان كانت لم تجب الشفعة لاستحالة تملك الانسان مال نفسه وعلى هذا يخرج ما إذا باع المأذون دارا والمولى شفيعها انه ان لم يكن عليه دين فلا شفعة للمولى لانها ملك المولى والعبد كالوكيل عنه بالبيع فلا تثبت له الشفعة وان كان عليه دين فله الشفعة لان المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون فكان بمنزلة الأجنبي وكذا إذا باع المولى دارا والمأذون شفيعها وعليه دين فله الشفعة لان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشترى وشراء كل واحد منهما من صاحبه جائز وان لم يكن عليه دين فلا يتصور الاخذ بالشفعة لان الاخذ يقع تملكا للمولى وتملك المولى محال ولو اشترى المأذون دارا والمولى شفيعها فان كان عليه دين فلمولاه الشفعة لان الملك بالشراء لم يقع للمولى وان يكن عليه دين فلا يستحق الاخذ بالشفعة لان الملك يقع له وكذا إذا اشترى المولى دارا والمأذون شفيعها فان كان عليه دين فله الشفعة وان لم يكن فلا يتصور الاخذ بالشفعة لما قلنا (وأما) المكاتب إذا باع أو اشترى دارا والمولى شفيعها فله أن يأخذ بالشفعة سواء كان عليه دين أو لم يكن لانه فيما يبيع ويشترى مع المولى بمنزلة الأجنبي لانه حر يدا ألا ترى انه لا سبيل لمولاه على ما في يده فكان في حق ما في يده ملحقا بسائر الاجانب والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) عدم الرضا من الشفيع بالبيع وحكمه فان رضى بالبيع أو بحكمه فلا شفعة له لان حق الشفعة انما يثبت له دفعا لضرر المشترى فإذا رضى بالشراء أو بحكمه فقد رضى بضرر جواره فلا يستحق الدفع بالشفعة ثم الرضا قد يكون صريحا وقد يكون دلالة (أما) الصريح فلا يشكل (وأما) الدلالة فنحوان يبيع الشفيع الدار المشفوع فيها بأن وكله صاحب الدار ببيعها فباعها فلا شفعة له لان بيع الشفيع دلالة الرضا بالعقد وثبوت حكمه وهو الملك للمشترى وكذلك المضارب إذا باع دارا من مال المضاربة ورب المال شفيعها بدار له أخرى فلا شفعة لرب الدار سواء كان في الدار ربح أو لم يكن (أما) إذا لم يكن فيها ربح فلان المضارب وكيله بالبيع والرضا بالتوكيل بالبيع رضا بالبيع وحكمه ضرورة وانه يمنع وجوب الشفعة وان كان فيها ربح (أما) في حصة رب المال فلما ذكرنا من وجود دلالة الرضا بالبيع في حصته (وأما) في حصة المضارب فلانه متى امتنع الوجوب في حصة رب المال فلو ثبت في حصة المضارب لادى إلى تفريق الصفقة على المشترى وانه لا يجوز ولان المشترى صار شريكا للمضارب والشريك مقدم على الجار ولو كان الشفيع وكيلا بشراء الدار المشفوع فيها فاشترى لموكله فللشفيع الشفعة لان الشراء لغيره لا يكون فوق الشراء لنفسه والشراء لنفسه لا يمنع وجوب الشفعة حتى لو اشترى الدار المشفوع فيها ثم حضر شفيع آخر كان له أن يأخذ النصف بالشفعة فالشراء لغيره لان لا يمنع الوجوب أولى ولو باع رب المال دارا لنفسه والمضارب شفيعها بدار من المضاربة فان كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدار لم تجب الشفعة لان الاخذ إذ ذاك يقع لرب المال وقد وجد منه دلالة الرضا بثبوت الملك للمشترى وانه يمنع وجوب الشفعة ولو لم يكن في يده وفاء فان لم يكن في الدار ربح فلا شفعة أيضا لان الاخذ يقع لرب المال وان كان فيها ربح فللمضارب أن يأخذها بالشفعة لنفسه لان له نصيبا في ذلك ولم يوجد منه الرضا سقوط حقه ولو اشترى أجنبي دار إلى جنب دار المضاربة فان كان في يد المضارب وفاء بالثمن فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة وله أن يسلم الشفعة لان حق الاخذ له فيملك تسليمه وان لم يكن في يده وفاء فان كان في الدار ربح فالشفعة لرب المال والمضارب جميعا لان الدار مشتركة بينهما وان لم يكن فيها ربح فالشفعة لرب

[ 16 ]

المال خاصة لان الدار ملكه خاصة والشفعة من حقوق الملك وعلى هذا يخرج ما إذا باع الدار على أن يضمن له الشفيع الثمن من المشترى فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع انه لا شفعة للشفيع لان ضمان الثمن من المشترى دلالة الرضا بالشراء وحكمه لان تمام العقد وإبرامه يتعلق به فكان دليل الرضا وكذا لو اشترى المشترى الدار على أن يضمن الشفيع الدرك عن البائع فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع انه لا شفعة للشفيع لانه لما ضمن الدرك فقد صار راضيا بالعقد وحكمه وهو الملك للمشترى فلم تجب الشفعة وأما اسلام الشفيع فليس بشرط لوجوب الشفعه فتجب لاهل الذمة فيما بينهم وللذمي على المسلم لان هذا حق التملك على المشترى بمنزلة الشراء منه والكافر والمسلم في ذلك سواء لانه من الامور الدنيوية وروى عن شريح انه قضى بالشفعة لذمى على مسلم فكتب إلى سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه فأجازه وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم فيكون ذلك اجماعا ولو اشترى ذمى من ذمى دارا بخمر أو خنزير وشفيعها ذمى أو مسلم وجبت الشفعة عند اصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله لا تجب بناء على ان ذلك ليس بمال عنده أصلا حتى لم يكن مضمونا بالاتلاف أصلا ومن شرط وجوب الشفعة معاوضة المال بالمال وعندنا هو مال متقوم في حق أهل الذمة بمنزلة الخل والشاة لنا ثم إذا وجبت الشفعة فان كان الشفيع ذميا أخذ الدار بمثل الخمر وبقيمة الخنزير لان الخمر عندهم من ذوات الامثال كالخل والخنزير ليس من ذوات الامثال بل من ذوات القيم كالشاة وان كان مسلما اخذها بقيمة الخمر والخنزيز لان الاخذ تملك والمسلم ليس من أهل تملك الخمر والخنزير ومتى تعذر عليه التملك بالعين تملك بالقيمة كما لو كان الشراء بالعرض انه يأخذها بقيمة العرض كذا هذا وكذا الحرية والذكورة والعقل والبلوغ والعدالة فتجب الشفعة للمأذون والمكاتب ومعتق البعض والنسوان والصبيان والمجانين واهل البغى لانه حق مبنى على الملك وهؤلاء من أهل ثبوت الملك لهم الا أن الخصم فيما يجب للصبى أو عليه وليه الذى يتصرف في ماله من الاب ووصيه والجد لاب ووصيه والقاضى ووصى القاضى فإذا بيعت دار والصبى شفيعها كان لوليه أن يطالب بالشفعة ويأخذ له لان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشترى والولى يملك ذلك كما يملك الشراء فان سلم الشفعة صح التسليم ولا شفعة للصبى إذا بلغ عند أبى حنيفة وأبى يوسف رضى الله عنهما وعند محمد وزفز رحمهما الله لا يصح تسليمه والصبى على شفعته إذا بلغ (وجه) قوله ان هذا حق ثبت للصبى نظرا فابطاله لا يكون نظرا في حقه ومثل هذا لا يدخل تحت ولاية الولى كالعفو عن قصاص وجب للصبى على انسان والابراء عن كفالته بنفس أو مال ولابي حنيفة وابى يوسف رحمهما الله ما ذكرنا ان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء فتسليمه امتناع من الشراء وللولي ولاية الامتناع من الشراء ألا ترى ان من قال بعت هذا الشئ لفلان الصبى لا يلزم الولى القبول وهذا لان الولى يتصرف في مال الصبى على وجه المصلحة والمصلحة قد تكون في الشراء وقد تكون في تركه والولى أعلم بذلك فيفوض إليه وعلى هذا الخلاف إذا سكت الولى أو الوصي عن الطلب انه يبطل حق الشفعة عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يبطل وذكر في نوادر أبى يوسف رحمه الله فيمن اشترى دارا وابنه الصغير شفيعها كان له أن يأخذ لابنه الصغير بالشفعة فان لم ياخذ وسلم لنفسه جاز لان الشراء لا ينافى الاخذ بالشفعة لان كل واحد منهما تملك بعوض ولهذا لو كان وكيلا بالشراء لغيره كان له ان يأخذ بالشفعة لنفسه فلان يملك الاخذ لابنه أولى وإذا ملك الاخذ ملك التسليم لانه امتناع عن الاخذ ولو باع دارا لنفسه وابنه شفيعها لم يكن له ان يأخذ بالشفعة لان الاخذ بالشفعة تملك والبيع تمليك فينافى التملك ولهذا لا يملك الوكيل بالبيع لغيره أن يأخذ بالشفعة وإذا لم يملك الاخذ لم يملك التسليم فلم يصح تسليمه وتوقف إلى حين بلوغ الصبى كما إذا لم يكن له ولى وأما الوصي إذا اشترى دارا لنفسه والصبى شفيعها لم يكن له أن يأخذ بالشفعة للصغير ولو سلم الشفعة فالصغير على شفعته وكذا إذا باع لانه ملك الدار بالشراء لنفسه فبالاخذ بالشفعة للصغير يريد تمليك ما ملكه من الصغير والوصى لا يملك تمليك مال الصغير الا إذا كان فيه نفع ظاهر له وإذا لم يملك الاخذ بالشفعة لم يكن سكوته عن الطلب تسليما للشفعة فبقى حق الصغير

[ 17 ]

في الشفعة يأخذه إذا بلغ والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) وأما بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر فنقول وبالله تعالى التوفيق انه يتأكد ويستقر بالطلب والكلام في الطلب في مواضع في بيان وقت الطلب وفى بيان شروطه وفى بيان كيفيته وفى بيان حكمه (أما) وقته فالطلب نوعان طلب مواثبة وطلب تقرير (أما) طلب المواثبة فوقته وقت علم الشفيع بالبيع حتى لو سكت عن الطلب بعد البيع قبل العلم به لم تبطل شفعته لانه ترك الطلب قبل وقت الطلب فلا يضره ثم علمه بالبيع قد يحصل بسماعه بالبيع بنفسه وقد يحصل باخبار غيره لكن هل يشترط فيه العدد والعدالة اختلف اصحابنا رحمهم الله فيه فقال أبو حنيفة رضى الله عنه يشترط احد هذين اما العدد في المخبر رجلان أو رجلا وامرأتان واما العدالة وقال أبو يوسف ومحمد لا يشترط فيه العدد ولا العدالة حتى لو أخبره واحد بالشفعة عدلا كان أو فاسقا حرا أو عبد مأذونا بالغا أو صبيا ذكر أو أنثى فسكت ولم يطلب على فور الخبر على رواية الاصل أو لم يطلب في المجلس على رواية محمد بطلت شفعته عندهما إذا ظهر كون الخبر صدقا وهذا على اختلافهم عن عزل الوكيل وعن جناية العبد وعن عجز المولى على ما نذكر في كتاب الوكالة فهما يقولان العدد والعدالة ساقطا الاعتبار شرعا في المعاملات وهذا من باب المعاملة فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة ولابي حنيفة رضى الله عنه ان هذا اخبار فيه معنى الالزام ألا ترى ان حق الشفيع يبطل لو لم يطلب بعد الخبر فاشبه الشهادة فيعتبر فيه احد شرطى الشهادة وهو العدد أو العدالة ولو أخبر المشترى الشفيع بنفسه فقال قد اشتريته فلم يطلب شفعته وان لم يكن المشترى عدلا كذا روى عن أبى حنيفة لان المشترى خصم وعدالة الخصم ليست بشرط في الخصومات وقالوا في المخيرة إذا بلغها التخيير انه لا يشترط في المخبر العدد ولا العدالة والفرق لابي حنيفة رحمه الله ان الاخبار عن التخيير ليس في معنى الشهادة لخلوه عن الزام حكم فلم يعتبر فيه أحد شرطى الشهادة بخلاف الاخبار عن البيع في باب الشفعة على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما شرطه فهو أن يكون على فور العلم بالبيع إذا كان قادرا عليه حتى لو علم بالبيع وسكت عن الطلب مع القدرة عليه بطل حق الشفعة في رواية الاصل وروى عن محمد رحمه الله انه على المجلس كخيار المخيرة وخيار القبول ما لم يقم عن المجلس أو يتشاغل عن الطلب بعمل آخر لا تبطل شفعته وله ان يطلب وذكر الكرخي رحمه الله ان هذا اصح الروايتين (وجه) هذه الرواية ان حق الشفعة ثبت نظرا للشفيع دفعا للضرر عنه فيحتاج إلى التأمل ان هذه الدار هل تصلح بمثل هذا الثمن وانه هل يتضرر بجوار هذا المشترى فيأخذ بالشفعة أو لا يتضرر فيترك وهذا لا يصح بدون العلم بالبيع والحاجة إلى التأمل شرط المجلس في جانب المخيرة والقبول كذا ههنا (وجه) رواية الاصل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الشفعة لمن واثبها وروى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال انما الشفعة كنشط عقال ان قيد مكانه ثبت والا ذهب وفى بعض الروايات انما الشعفة كحل عقال ان قيد مكانه ثبت والا فاللوم عليه ولانه حق ضعيف متزلزل لثبوته على خلاف القياس إذا الاخذ بالشفعة تملك مال معصوم بغير اذن مالكه لخوف ضرر يحتمل الوجود والعدم فلا يتسقر الا بالطلب على المواثبة (وأما) الاشهاد فليس بشرط لصحة الطلب حتى لو طلب على المواثبة ولم يشهد صح طلبه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى جلت عظمته وانما الاشهاد للاظهار عند الخصومة على تقدير الانكار لان من الجائز أن المشترى لا يصدق الشفيع في الطلب أو لا يصدق في الفور ويكون القول قوله فيحتاج إلى الاظهار بالبينة عند القاضى على تقدير عدم التصديق لانه شرط صحة الطلب ونظيره من أخذ لقطة ليردها على صاحبها فهلكت في يده لا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى وانما الحاجة إلى الاشهاد عند أبى حنيفة رضى الله عنه لتوثيق الاخذ للرد على تقدير الانكار الا أنه شرط البراءة عن الضمان حتى لو صدقه صاحبها في ذلك ثم طلب منه الضمان ليس له ذلك بالاجماع كذا هذا وإذا طلب على المواثبة فان كان هناك شهود اشهدهم وتوثق الطلب وان لم يكن بحضرته من يشهده فبعث في طلب شهود لم تبطل شفعته لما قلنا أن الاشهاد لاظهار الطلب عند الحاجة لكن يصح الاشهاد على الطلب على رواية الفور

[ 18 ]

فبطلت الشهادة على الفور ضرورة وعلى رواية المجلس إذا قال وهو في المجلس ادعو إلى شهود اشهدهم فجاء الشهود فاشهدهم صح وتوثق الطلب لان المجلس قائم ولو أخبر ببيع الدار فقال الحمد لله قد ادعيت شفعتها أو سبحان الله قد ادعيت شفعتها فهو على شفعته على رواية محمد لان هذا يذكر لافتتاح الكلام تبركا به فلا يكون دليل الاعراض عن الطلب وكذا إذا سلم أو شمت العاطس لان ذلك ليس بعمل يدل على الاعراض ولهذا لم يبطل به خيار المخيرة وكذلك إذا قال من ابتاعها وبكم بيعت لان الانسان قد يرضى بمجاورة انسان دون غيره وقد تصلح له الدار بثمن دون غيره فكان السؤال عن حال الجار ومقدار الثمن من مقدمات الطلب لا اعراضا عنه وهذا كله على رواية اعتبار المجلس فاما على رواية اعتبار الفور تبطل شفعته في هذه المواضع لانقطاع الفور من غير ضرورة ولو أخبر بالبيع وهو في الصلاة فمضى فيها فالشفيع لا يخلو من ان يكون في الفرض أو في الواجب أو في السنة أو في النفل المطلق فان كان في الفرض لا تبطل شفعته لان قطعها حرام فكان معذورا في ترك الطلب وكذا إذا كان في الواجب لان الواجب ملحق بالفرض في حق العمل وان كان في السنة فكذلك لان هذه السنن الراتبة في معنى الواجب سواء كانت السنة ركعتين أو أربعا كالاربع قبل الظهر حتى لو اخبر بعد ما صلى ركعتين فوصل بهما الشفع الثاني لم تبطل شفعته لانها بمنزلة صلاة واحدة واجبة وقال محمد إذا بلغ الشفيع البيع فصلى بعدا الجمة أربعا لم تبطل شفعته وان صلى أكثر من ذلك بطلت شفعته لان الاربع بتسليمة واحدة سنة فصار كالركعتين والزيادة عليها ليست بسنة وذكر محمد رحمه الله في المخيرة إذا كانت في صلاة النفل فزادت على ركعتين بطل خيارها لان كل شفع من التطوع صلاة على حدة والغائب إذا علم بالشفعة فهو مثل الحاضر في الطلب والاشهاد لانه قادر على الطلب الذى يتأكد به الحق وعلى الاشهاد الذى يتوثق به الطلب ولو وكل الغائب رجلا ليأخذ له بالشفعة فذلك طلب منه لان في التوكيل طلبا وزيادة وإذا طلب الغائب على المواثبة وأشهد فله بعد ذلك من الاجل مقدار المسافة التى يأتي إلى حيث البائع أو المشترى أو الدار لا زيادة عليه لان تأجيل هذا القدر للضرورة ولا ضرورة للزيادة (أما) طلب التقرير فشرطه أن يكون على فور الطلب الاول والاشهاد عليه فإذا طلب على المواثبة وأشهد على فوره ذلك شخصا إلى حيث البائع أو المشترى أو الدار إذا كان قادرا عليه وتفصيل الكلام فيه ان المبيع اما أن يكون في يد البائع واما أن يكون في يد المشترى فان كان في يد البائع فالشفيع بالخيار ان شاء طلب من البائع وان شاء طلب من المشترى وان شاء طلب عند الدار (أما) الطلب من البائع والمشترى فلان كل واحد منهما خصم البائع باليد والمشترى بالملك فكان كل واحد منهما خصما فصح الطلب من كل واحد منهما (وأما) الطلب عند الدار فلان الحق متعلق بها فان سكت عن الطلب من أحد المتبايعين وعند الدار مع القدرة عليه بطلت شفعته لانه فرط في الطلب وان كان في يد المشترى فان شاء طلب من المشترى وان شاء عند الدار ولا يطلب من البائع لانه خرج من أن يكون خصما لزوال يده ولا ملك له فصار بمنزلة الأجنبي ولو لم يطلب من المشترى ولا عند الدار وشخص إلى البائع للطلب منه والاشهاد بطلت شفعته لوجود دليل الاعراض وفى الحقيقة لوجود دليل الرضا ولو تعاقد البائع والمشترى في غير الموضع الذى فيه الدار فليس على الشفيع أن يأتيهما ولكنه يطلب عند الدار ويشهد عليه لان الشفيع إذا كان بجنب الدار والعاقدان غائبان تعينت الدار للطلب عندها والاشهاد فان لم يطلب عندها وشخص إلى العاقدين بطلت شفعته لوجود الاعراض عن الطلب هذا إذا كان قادرا على الطلب من المشترى أو البائع أو عند الدار فاما إذا كان هناك حائل بأن كان بينهما نهر مخوف أو أرض سبعة أو غير ذلك من الموانع لا تبطل شفعته بترك المواثبة إلى ان يزول الحائل (وأما) الاشهاد على هذا الطلب فليس بشرط لصحته كما ليس بشرط لصحة طلب المواثبة وانما هو لتوثيقه على تقدير الانكار كما في الطلب الاول وكذا تسمية المبيع وتحديده ليس بشرط لصحة الطلب والاشهاد في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف أنه شرط لا الطلب لا يصح الا بعد العلم والعقار لا يصير معلوما الا بالتحديد فلا يصح الطلب والا شهاد بدونه (وأما) بيان كيفية الطلب فقد اختلف فيه

[ 19 ]

عبارات المشايخ عن محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله ان الشفيع يقول طلبت الشفعة واطلبها وأنا طالبها وعن محمد بن سلمة رضى الله عنه انه كان يقول طلبت الشفعة فحسب وعن الفقيه أبى جعفر الهندوانى رحمه الله انه لا يراعى فيه ألفاظ الطلب بل لو أتى بلفظ يدل على الطلب أي لفظ كان يكفى نحو أن يقول ادعيت الشفعة أو سألت الشفعة ونحو ذلك مما يدل على الطلب وهو الصحيح لان الحاجة إلى الطلب ومعنى الطلب يتأدى بكل لفظ يدل عليه سواء كان بلفظ الطلب أو بغيره (وأما) حكم الطلب فهو استقرار الحق فالشفيع إذا أتى بطلبين صحيحين استقر الحق على وجه لا يبطل بتأخير المطالبة بالاخذ بالشفعة أبدا حتى يسقطها بلسانه وهو قول أبى حنيفة واحدى الروايتين عن أبى يوسف وفى رواية اخرى قال إذا ترك المخاصمة إلى القاضى في زمان يقدر فيه على المخاصمة بطلت شفعته ولو يؤقت فيه وقتا وروى عنه انه قدره بما يراه القاضى وقال محمد وزفر رحمهما الله إذا مضى شهر بعد الطلب ولم يطلب من غير عذر بطلت شفعته وهو رواية عن أبى يوسف أيضا (وجه) قول محمد وزفر ان حق الشفعة ثبت لدفع الضرر عن الشفيع ولا يجوز دفع الضرر عن الانسان على وجه يتضمن الاضرار بغيره وفى ابقاء هذا الحق بعد تأخير الخصومة أبدا اضرار بالمشترى لانه لا يبنى ولا يغرس خوفا من النقض والقلع فيتضرر به فلابد من التقدير بزمان لئلا يتضرر به فقدرنا بالشهر لانه أدنى الآجال فإذ مضى شهر ولم يطلب من غير عذر فقد فرط في الطلب فتبطل شفعته (وجه) قول أبى حنيفة عليه الرحمة ان الحق للشفيع قد ثبت بالطلبين والاصل ان الحق متى ثبت لانسان لا يبطل الا بابطال ولم يوجد لان تأخير المطالبة منه لا يكون ابطالا كتأخير استيفاء القصاص وسائر الديون وقوله يتضرر المشترى ممنوع فانه إذا علم ان للشفيع أن يأخذ بالشفعة فالظاهر أن يمتنع من البناء والغرس خوفا من النقض والقلع فلئن فعل فهو الذى أضر بنفسه فلا يضاف ذلك إلى الاخذ بالشفعة ولهذا لم يبطل حق الشفعة بغيبة الشفيع ولا يقال ان فيه ضررا بالمشترى بالامتناع من البناء والغرس لما قلنا كذا هذا. (فصل) وأما بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته فنقول وبالله التوفيق ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته في الاصل نوعان اختياري وضرورى والاختياري نوعان صريح وما يجرى مجرى الصريح ودلالة أما الاول فنحو ان يقول الشفيع ابطلت الشفعة أو اسقطتها أو أبرأتك عنها أو سلمتها ونحو ذلك لان الشفعة خالص حقه فيملك التصرف فيها استيفاء واسقاطا كالابراء عن الدين والعفو عن القصاص ونحو ذلك سواء علم الشفيع بالبيع أو لم يعلم بعد أن كان بعد البيع لان هذا اسقاط الحق صريحا وصريح الاسقاط يستوى فيه العلم والجهل كالطلاق والابراء عن الحقوق بخلاف الاسقاط من طريق الدلالة فانه لا يسقط حقه ثمة الا العلم والفرق يذكر بعد هذا ولا يصح تسليم الشفعة قبل البيع لانه اسقاط الحق واسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب وجوبه محال ولو أخبر بالبيع بقدر من الثمن أو جنس منه أو من فلان فسلم فظهر بخلافه هل يصح تسليمه فالاصل في جنس هذه المسائل انه ينظر ان كان لا يختلف غرض الشفيع في التسليم صح التسليم وبطلت شفعته وان كان يختلف غرضه لم يصح وهو على شفعته لان غرضه في التسليم إذا لم يختلف بين ما أخبر به وبين ما بيع به وقع التسليم محصلا لغرضه فصح وإذا اختلف غرضه في التسليم لم يقع التسليم محصلا لغرضه فلم يصح التسليم وبيان هذا في مسائل إذا أخبر ان الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم تبين انها بيعت بألفين فلا شفعة له لان تسليمه كان لاستكثاره الثمن فإذا لم تصلح له باقل الثمنين فبأكثرهما اولى فحصل غرضه بالتسليم فبطلت شفعته لو اخبر انها بيعت بالف فسلم ثم تبين انها بيعت بخمسمائة فله الشفعة لان التسليم عند كثرة الثمن لا يدل على التسليم عند قلته فلم يحصل غرضه بالتسليم فبقى على شفعته ولو أخبر انها بيعت بألف درهم ثم تبين انها بيعت بمائة دينار فان كانت قيمتها الفا أو اكثر فلا شفعة له وان كانت اقل فهو على شفعته عند اصحابنا الثلاثة رضى الله عنهم وقال زفر رحمه الله له الشفعة في الوجهين جمعيا (وجه) قول زفر ان الدراهم والدناينر جنسان مختلفان حقيقة واعتبار الحقائق هو الاصل والغرض يختلف باختلاف الجنس لانه قد يتيسر عليه جنس ويتعذر عليه الاخر فلم يقع

[ 20 ]

التسليم محصلا لغرضه فيبقى على شفعته كما لو اخبر انها بيعت بحنطة فسلم ثم تبين انها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة الحنطة (ولنا) ان الدراهم والدنانير في حق الثمنية كجنس واحد لانها أثمان الاشياء وقيمتها تقوم الاشياء بها تقويما واحدا أعنى انها تقوم بهذا مرة وبذاك اخرى وانما يختلفان في القدر لا غير فوجب اعتبار قدر قيمتهما في الكثرة والقلة كما إذا أخبر انها بيعت بألف درهم أو بمائة دينار فسلم ثم تبين انها بيعت بأكثر أو بأقل على ما بينا كذا هذا بخلاف ما إذا أخبر انها بيعت بحنطة فسلم ثم تبين انها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة الحنطة أو أقل أو اكثر لان هناك اختلف إذ الحنطة والشعير جنسان مختلفان على الاطلاق واختلاف الجنس يوجب اختلاف الغرض فلم يصح التسليم ولو أخبر انها بيعت بألف درهم فسلم ثم تبين انها بيعت بمكيل أو بموزون سوى الدرهم والدنانير أو عددي متقارب فالشفعة قائمة لان الثمن الذى وقع به البيع إذا كان من ذوات الامثال فالشفيع يأخذ بمثله وانه جنس آخر غير الجنس الذى أخبر به الشفيع فاختلف الغرض ولو أخبر انها بيعت بالف فسلم ثم تبين انها بيعت بعرض وما ليس من ذوات الامثال فان كانت قيمته مثل الالف أو أكثر صح تسليمه وان كانت اقل لم يصح تسليمه وله الشفعة لان الشفيع ههنا يأخذ الدار بقيمة العرض لانه لا مثل له وقيمته دراهم أو دنانير فكان الاختلاف راجعا إلى القدر فأشبه الاف والالفين والالف وخمسمائة على ما مر ولو اخبر بشراء نصف الدار فسلم ثم تبين انه اشترى الجميع فله الشفعة ولو اخبر بشراء الجميع فسلم ثم تبين انه اشترى النصف فالتسليم جائز ولا شفعة له هذا هو الرواية المشهورة في الفصلين وقد روى الجواب فيهما على القلب وهو ان التسليم في النصف يكون تسليما في الكل والتسليم في الكل لا يكون تسليما في النصف (وجه) هذه الرواية ان تسليم النصف لعجزه عن الثمن ومن عجز عن القليل كان عن الكثير أعجز فأما العجز عن الكثير لا يدل على العجز عن القليل (وجه) الرواية المشهورة ان التسليم في النصف للاحتراز عن الضرر وهو ضرر الشركة وهذا لا يوجد في الكل فاختلف الغرض فلم يصح التسليم فبقى على شفعته وإذا صح تسليم الكل فقد سلم البعض ضرورة لانه داخل في الكل فصار بتسليم الكل مسلما للنصف لان الشركة عيب فكان التسليم بدون العيب تسليما مع العيب من طريق الاولى ولو اخبر ان المشترى زيد فسلم ثم تبين انه عمرو فهو على شفعته لان التسليم للامن عن الضرر والامن عن ضرر زيد لا يدل على الامن عن ضرر عمرو لتفاوت الناس في الجوار ولو اخبر أن المشترى زيد فسلم ثم تبين انه زيد وعمرو كان له أن يأخذ نصيب عمرو لانه سلم نصيب زيد لا نصيب عمرو فبقى له الشفعة في نصيبه ولو اخبر ان الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم ان البائع حط عن المشترى خمسمائة وقبل المشترى الحط كان له الشفعة لان الحط يلتحق بأصل العقد فتبين ان البيع كان بخمسمائة فصار كما إذا أخبر انها بيعت بألف فسلم ثم تبين انها بيعت بخمسمائة ولو لم يقبل الحط لم تجب الشفعة لان الحط لم يصح إذا لم يقبل فلم يتبين انها بيعت بأنقص من الف فلم تجب الشفعة ولو باع الشفيع داره التى يشفع بها بعد شراء المشترى هل تبطل شفعته فهذا لا يخلو اما ان كان البيع باتا واما ان كان فيه شرط الخيار فان كان باتا لا يخلو اما ان باع كل الدار واما ان باع جزأ منها فان باع كلها بطلت شفعته لان سبب الحق هو جوار الملك وقد زال سواء علم بالشراء أو لم يعلم لان هذا في معنى صريح الاسقاط لان ابطال سبب الحق ابطال الحق فيستوى فيه العلم والجهل فان رجعت الدار إلى ملكه بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو بخيار رؤية أو بخيار شرط للمشترى فليس له أن يأخذ بالشفعة لان الحق قد بطل فلا يعود الا بسبب جديد وكذلك لو باعها الشفيع بيعا فاسدا وقبضها المشترى بطلت شفعته لزوال سبب الحق وهو جوار الملك فان نقض البيع فلا شفعة له لما ذكرنا ان الحق بعد ما بطل لا يعود الا بسبب جديد وان باع جزأ من داره فان باع جزأ شائعا منها فله الشفعة بما بقى لان ما بقى يصلح لاستحقاق الشفعة ابتداء فأولى أن يصلح للبقاء لان البقاء أسهل من الابتداء وان باع جزأ معينا بيتا أو حجرة فان كان ذلك لا يلى الدار التى فيها الشفعة فكذلك لان السبب وهو جوار الملك قائم وان كان مما يلى تلك الدار فان استغرق حدود الدار التى فيها الشفعة بطلت الشفعة لان الجوار قد زال وان بقى من حدها شئ ملاصق لما بقى من الدار فهو على شفعته لما ذكرنا ان

[ 21 ]

هذا القدر يصلح للاستحاق ابتداء فلان يصلح لبقاء المستحق أولى وان كان فيه خيار الشرط فان كان الخيار للبائع وهو الشفيع فهو على شفعته ما لم يوجب البيع لان السبب وهو جوار الملك قائم لان خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه فان طلب الشفعة في مدة الخيار كان ذلك منه نقضا للبيع لان طلب الشفعة دليل استبقاء الملك في المبيع وذلك اسقاط للخيار ونقض للبيع وان كان الخيار للمشترى بطلت شفعته لان الدار خرجت على ملكه بلا خلاف فزال سبب الحق وهو جوار الملك وان كان الشفيع شريكا وجارا فباع نصيبه الذى يشفع به كان له أن يطلب الشفعة بالجوار لانه ان بطل أحد السببين وهو الشركة فقد بقى الآخر وهو الجوار ولهذا استحق به ابتداء فلان يبقى به الاستحقاق أولى ولو صالح المشترى الشفيع من الشفعة على مال لم يجز الصلح ولم يثبت العوض وبطل حق الشفعة أما بطلان الصلح فلانعدام ثبوت الحق في المحل لان الثابت للشفيع حق التملك وانه عبارة عن ولاية التملك وانها معنى قائم بالشفيع فلم يصح الاعتياض عنه فبطل الصلح ولم يجب العوض وأما بطلان حق الشفيع في الشفعة فلانه أسقطه بالصلح فالصلح وان لم يصح فاسقاط حق الشفعة صحيح لان صحته لا تقف على العوض بل هو شئ من الاموال لا يصلح عوضا عنه فالتحق ذكر العوض بالعدم فصار كانه سلم بلا عوض وعلى هذا إذا قال الزوج للمخيرة اختاريني بألف درهم فقالت اخترتك لم يجب العوض وبطل خيارها وكذلك العنين إذا قال لامرأته بعد ما اخبرت بسبب العنة اختاري ترك الفسخ بالعنة بألف فقالت اخترت بطل خيارها ولم يجب العوض وفى الكفالة بالنفس إذا أسقطها بعوض روايتان في رواية لا يجب العوض وتبطل الكفالة كما في الشفعة وفى رواية لا تبطل الكفالة (وجه) الرواية الاولى انه أسقط الكفالة بعوض فالاعتياض ان لم يصح فالاسقاط صحيح لان صحته لا تقف على العوض (وجه) الرواية الاخرى انه ما رضى بالسقوط الا بعوض ولم يثبت العوض فلا يسقط وأما بطلان الشفعة من طريق الدلالة فهو ان يوجد من الشفيع ما يدل على رضاه بالعقد وحكمه للمشترى وهو ثبوت الملك له لان حق الشفعة مما يبطل بصريح الرضا فيبطل بدلالة الرضا أيضا وذلك نحو ما إذا علم بالشراء فترك الطلب على الفور من غير عذر أو قام عن المجلس أو تشاغل عن الطلب بعمل آخر على اختلاف الروايتين لان ترك الطلب مع القدرة عليه دليل الرضا بالعقد وحكمه للدخيل وكذا إذا ساوم الشفيع الدار من المشترى أو سأله أن يوليه اياها أو استاجرها الشفيع من المشترى أو أخذها مزارعة أو معاملة وذلك كله بعد علمه بالشراء لان ذلك كله دليل الرضا أما المساومة فلانها طلب تمليك بعقد جديد وانه دليل الرضا بملك المتملك وكذلك التولية لانها تملك بمثل الثمن الاول من غير زيادة ولا نقصان وانها دليل الرضا بملك المتملك وأما الاستئجار والاخذ معاملة أو مزارعة فلانها تقرير لملك المشترى فكانت دليل الرضا بملكه فرق بين هذا وبين الفصل الاول حيث شرط ههنا على الشفيع بالشراء لبطلان حق الشفعة وهناك لم يشترط وانما كان كذلك لان السقوط في الفصل الاول بصريح الاسقاط والاسقاط تصرف في نفس الحق فيستدعى ثبوت الحق لا غير كالطلاق والعتاق والابراء عن الديون والسقوط ههنا بطريق الدلالة وهى دلالة الرضا لا بالتصرف في محل الحق بل في محل آخر والتصرف في محل آخر لا يصلح دليل الرضا الا بعد العلم بالبيع إذ الرضا بالشئ بدون العلم به محال والله عز وجل اعلم ولو سلم الشفعة في النصف بطلت في الكل لانه لما سلم في النصف بطل حقه في النصف المسلم فيه بصريح الاسقاط وبطل حقه في النصف الباقي لانه لا يملك تفريق الصفقة على المشترى فبطلت شفعته في الكل ولو طلب نصف الدار بالشفعة هل يكون ذلك تسليما منه للشفعة في الكل اختلف فيه أبو يوسف ومحمد قال أبو يوسف لا يكون تسليما وقال محمد يكون تسليما في الكل الا أن يكون سبق منه طلب الكل بالشفعة فلم يسلم له المشترى فقال له حينئذ اعطني نصفها على أن أسلم لك النصف الباقي فان هذا لا يكون تسليما (وجه) قول محمد انه لما طلب النصف بالشفعة فقد أبطل حقه في النصف الآخر لانه ترك الطلب فيه مع القدرة عليه وذا دليل الرضا فبطل حقه فيه فيبطل حقه في النصف المطلوب ضرورة تعذر تفريق الصفقة على المشترى بخلاف ما إذا كان سبق منه الطلب في الكل لانه لما طلب

[ 22 ]

في الكل فقد تقرر حقه في الكل ولم يكن قوله بعد ذلك أعطني النصف على أن أسلم لك النصف الباقي تسليما بخلاف ما إذا قال ابتداء لان الحق لم يتقرر بعد (وجه) قول أبى يوسف ان الحق ثبت له في كل الدار والحق إذا ثبت لا يسقط الا بالاسقاط ولم يوجد فبقى كما كان ان شاء أخذ الكل بالشفعة وان شاء ترك وجواب محمد رحمه الله عن هذا انه وجد منه الاسقاط في النصف الذى لم يطلبه من طريق الدلالة على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الضرورى فنحو أن يموت الشفيع بعد الطلبين قبل الاخذ بالشفعة قتبطل شفعته وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تبطل ولوارثه حق الاخذ ولقب المسألة ان خيار الشفعة هل يورث عندنا لا يورث وعنده يورث والكلام فيه من الجانبين على نحو الكلام في خيار الشرط وسيأتى ذكره في كتاب البيوع ولا يبطل بموت المشترى وللشفيع ان ياخذ من وارثه لان الشفعة حق على المشترى ألا ترى انه مجبور عليه في التملك فلا يسقط بموته كحق الرد بالعيب والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما بيان ما يملك به المشفوع فيه فنقول وبالله التوفيق المشفوع فيه يملك بالتملك وهو تفسير الاخذ بالشفعة فلا ملك للشفيع قبل الاخذ بل حق الاخذ والتملك قبل الاخذ للمشترى لوجود سبب الملك فيه وهو الشراء فله أن يبنى ويغرس ويهدم ويقلع ويؤاجر ويطيب له الاجر ويأكل من ثمار الكرم ونحو ذلك وكذا له أن يبيع ويهب ويوصى وإذا فعل ينفذ الا ان للشفيع أن ينقض ذلك بالاخذ بالشفعة لان حقه سابق على تصرف المشترى فيمتنع اللزوم ولو جعل المشترى الدار مسجدا أو مقبرة فللشفيع أن يأخذها بالشفعة وينقض ما صنع المشترى كذا ذكر في الاصل وقال الحسن بن زياد بطلت شفعته (وجه) قوله ان المشترى تصرف في ملك نفسه فينفذ كما لو باع الا أن البيع ونحوه مما يحتمل النقض بعد وجوده فنفذ ولم يلزم وهذه التصرفات مما لا يحتمل الانتقاض كالاعتاق فكان نفاذها لزومها ولنا ان تعلق حق الشفيع بالمبيع يمنع من صيرورته مسجد الا ان المسجد ما يكون خالصا لله تعالى وتعلق حق العبد به يمنع خلوصه لله عزوجل فيمنع صيرورته مسجدا وله أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة لوجود السبب وهو جوار الملك أو الشركة في ملك المبيع وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى دارا ولها شفيع فبيعت دار إلى جنب هذه الدار فطالب المشترى بالشفعة وقضى له بها ثم حضر الشفيع يقضى له بالدار التى بجواره ويمضى القضاء في الثانية للمشترى أما للشفيع فظاهر وأما للمشترى فلان الجوار كان ثابتا له وقت البيع والقضاء بالشفعة الا انه بطل بعد ذلك بأخذ الشفيع للدار بالشفعة وهذا لا يوجب بطلان القضاء لانه تبين ان جوار الملك لم يكن ثابتا كمن اشترى دارا ولها شفيع فقضى له بالشفعة ثم باع داره التى بها يشفع انه لا يبطل القضاء بالشفعة لما قلنا كذا هذا ولو كان الشفيع جارا للدارين فالمسألة بحالها فيقضى له بكل الدار الاولى وبالنصف من الثانية لانه جار خاص للدار الاولى فيختص بشفعتها وهو مع المشترى جاران للدار الثانية فيشتركان في شفعتها وشراء المشترى لا يبطل حقه في الشفعة ولانه لا ينافيه بل يقرر على ما بينا فيما تقدم وروى عن ابى يوسف رحمه الله فيمن اشترى نصف دار ثم اشترى رجلا آخر نصفها الآخر فخاصمه المشترى الاول فيقضى له بالشفعة بالشركة ثم خاصمه الجار في الشفعتين جميعا ان الجار احق بشفعة النصف الاول ولا حق له في النصف الثاني لانه جار للنصف الاول فيأخذه بالجوار والمشترى شريك عند بيع النصف الثاني لثبوت الملك له في النصف الاول بسبب الشراء وثبوت الحق للشفيع في النصف الاول لا يمنع ثبوت الملك للمشترى فيه فكان شريكا عند بيع النصف الثاني والشريك مقدم على الجار وكذلك لو اشترى نصفها ثم اشترى نصفها الاخر رجل آخر فلم يخاصمه فيه حتى أخذ الجار النصف الاول فالجار أحق بالنصف الثاني لان الملك وان ثبت للمشترى الاول في النصف الاول لكنه قد بطل بأخذ الجار بالشفعة فبطل حقه في الشفعة ولو ورث رجل دارا فبيعت دار بجنبها فاخذها بالشفعة ثم بيعت دار إلى جنب الثانية فاخذها بالشفعة ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة فان المستحق يأخذ الدار الثانية والوارث أحق بالثالثة لان بالاستحقاق تبين ان الدار التى يشفع بها الوارث كانت ملك المستحق فتبين انه أخذ الثانية بغير حق إذ تبين انه لم يكن جارا فكانت الشفعة في الثانية للمستحق والوارث

[ 23 ]

يكون أحق بالثالثة لان الملك كان ثابتا للوارث عند بيع الثالثة فكان السبب وهو جوار الملك ثابتا له عنده ثم بطل الاستحقاق وبطلان الملك لا يوجب بطلان الشفعة وليس للشفيع أن ينقض قسمة المشترى حتى لو اشترى نصف دار من رجل مشاعا وقاسم المشترى البائع ثم حضر الشفيع فالقسمة ماضية ليس للشفيع أن ينقضها ليأخذ نصفها مشاعا سواء كانت قسمته بقضاء أو بغير قضاء لان القسمة من تمام القبض ولهذا لم تصح هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لان القبض شرط صحة الهبة والقبض على التمام لا يتحقق مع الشياع وإذا كانت القسمة من تمام القبض فالشفيع لا يملك نقض القبض بأن اشترى دارا وقبضها ثم حضر الشفيع وأراد أن ينقض قبضه ليأخذها من البائع لم يملك ذلك وإذا لم يملك نقض القبض لا يملك نقض ما به تمام القبض وهو القسمة بخلاف ما إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه من رجل فقاسم المشترى الشريك الذى لم يبع ثم حضر الشفيع له أن ينقض القسمة لان القسمة هناك ليست من جملة القبض لانها من حكم البيع الاول إذ البيع الاول كما أوجب الملك أوجب القسمة في المشاع والبيع الاول لم يقع مع هذا المشترى الذى قاسم فلم تكن هذه القسمة بحكم العقد بل بحكم الملك والتصرف بحكم الملك يملك الشفيع نقضه كالبيع والهبة وللشفيع أن يأخذ النصف الذى أصاب المشترى بالشفعة سواء وقع نصيب المشترى من جانب الشفيع أو من جانب آخر لان الشفعة وجبت له في النصف المشترى والنصف الذى أصاب المشترى هو المشترى لان القسمة افراز ولو وقع نصيب البائع من جانب الشفيع فباعه بعد القسمة قبل طلب الشفيع الشفعة الاولى ثم طلب الشفيع فان قضى القاضى بالشفعة الاخيرة جعل نصف البائع بين الشفيع وبين المشترى وقضى بالشفعة الاولى وهى نصف المشترى للشفيع لان الشفيع مع المشترى جاران لنصف البائع والشفيع جار خاص لنصف المشترى ولو بدأ فقضى للشفيع بالشفعة الاولى قضى له بالاخيرة أيضا لانه لما قضى له بالشفعة الاولى بطل حق جوار المشترى فلم يبق له حق الاخذ بالشفعة وللشفيع أن يرد المشفوع فيه بخيار الرؤية والعيب وللمشترى حق الحبس لاستيفاء الثمن لان الملك فيه لما كان يثبت بالتملك ببدل كان الاخذ بالشفعة شراء فيراعى فيه أحكام البيع والشراء والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) وأما بيان طريق التملك بالشفعة وبيان كيفيته فالتملك بالشفعة يكون بأحد طريقين اما بتسليم المشترى واما بقضاء القاضى أما التملك بالتسليم بالبيع فظاهر لان الاخذ بتسليم المشترى برضاه يبدل يبدله الشفيع وهو الثمن يفسر الشراء والشراء تملك وأما بقضاء القاضى فالكلام فيه في ثلاثة مواضع في بيان كيفية التملك بالقضاء بالشفعة وفى بيان شرط جواز القضاء بالشفعة وفى بيان وقت القضاء بالشفعة أما الاول فالمبيع لا يخلو ما أن يكون في يد البائع واما أن يكون في يد المشترى فان كان في يد البائع ذكر الكرخي رحمه الله أن القاضى إذا قضى بالشفعة ينتقض البيع الذى كان بين البائع وبين المشترى في المشهور من قولهم وروى عن أبى يوسف رحمه الله انه لا ينقض واختلف المشايخ فيه قال بعضهم البيع لا ينتقض بل تتحول الصفة إلى الشفيع وقال بعضهم ينتقض البيع الذى جرى بين البائع والمشترى وينعقد للشفيع بيع آخر كانه كان من البائع ايجابان أحدهما مع المشترى والاخر مع الشفيع فإذا قضى القاضى بالشفعة فقد قبل الشفيع الايجاب الذى أضيف إليه وانتقض ما أضيف إلى المشترى سواء قبل المشترى الايجاب المضاف إليه أو لم يقبل (وجه) قول من قال بالتحول لا بالانتقاض أن البيع لو انتقض لتعذر الاخذ بالشفعة لانه من شرائط وجوب الشفعة فإذا انتقض لم يجب فتعذر الاخذ (وجه) قول من قال انه ينتقض نص محمد والمعقول والاحكام أما الاول فقد ذكر محمد رحمه الله وقال انتقض البيع فيما بين البائع والمشترى وهذا نص في الباب وأما المعقول فمن وجهين احدهما ان القاضى إذا قضى بالشفعة قبل القبض فقد عجز المشترى عن قبض المبيع والعجز عن قبض المبيع يوجب بطلان البيع لخلوه عن الفائدة كما إذا هلك المبيع قبل القبض والثانى ان الملك قبل الاخذ بالشفعة للمشترى لوجود آثار الملك في حقه على ما بينا فيما تقدم ولو تحول الملك إلى الشفيع لم يثبت الملك للمشترى وأما الاحكام

[ 24 ]

فان للشفيع أن يرد الدار على من اخذها منه بخيار الرؤية وإذا رد عليه لا يعود شراء المشترى ولو تحولت الصفة إلى الشفيع لعاد شراء المشترى لان التحول كان لضرورة مراعاة حق الشفيع ولما رد فقد زالت الضرروة فينبغي أن يعود الشراء ولانها لو تحولت إليه لصار المشترى وكيلا للشفيع لان عقده يقع له ولو كان كذلك لما ثبت للشفيع خيار الرؤية إذا كان المشترى رآها قبل ذلك ورضى بها لان خيار الرؤية يبطل برؤية الوكيل ورضاه وكذلك لو كان الشراء بثمن مؤجل فاراد الشفيع أن ياخذها للحال يأخذ بثمن حال ولو تحولت الصفقة إليه لاخذها بثمن مؤجل وكذا لو اشتراها على أن البائع برئ من كل عيب بها عند البيع ثم اخذها الشفيع فوجد بها عيبا فله أن يردها على من أخذها منه ولو تحولت تلك الصفقة إلى الشفيع لما ثبت له حق الرد كما لم يثبت للمشترى فدلت هذه المسائل على أن شراء المشترى ينتقض ويأخذها الشفيع بشراء مبتدأ بعد ايجاب مبتدأ مضاف إليه وقد خرج الجواب عن قولهم ان البيع لو انتقض لتعذر الاخذ بالشفعة لانه لا ياخذ بذلك العقد لانتقاضه بل بعقد مبتدأ مقرر بين البائع وبين الشفيع على ما بينا تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم وان كان المبيع في يد المشترى أخذه منه ودفع الثمن إلى المشترى والبيع الاول صحيح لان التملك وقع على المشترى فيجعل كانه اشترى منه ثم إذا أخذ الدار من يد البائع يدفع الثمن إلى البائع وكانت العهدة عليه ويسترد المشترى الثمن من البائع ان كان قد نقد وان أخدها من يد المشترى دفع الثمن إلى المشترى وكانت العهدة عليه لان العهدة هي حق الرجوع بالثمن عند الاستحقاق فيكون على من قبض الثمن وروى عن ابى يوسف رحمه الله أن المشترى إذا كان نقد الثمن ولم يقبض الدار حتى قضى للشفيع بمحضر منهما أن الشفيع يأخذ الدار من البائع وينقد الثمن للمشترى والعهدة على المشترى وان كان لم ينقد دفع الشفيع الثمن إلى البائع والعهدة على البائع لانه إذا كان نقد الثمن للبائع فالملك لا يقع على البائع أصلا لانه لا ملك له ولابد أيضا لبطلان حق الحبس بنقد الثمن بل يقع على المشترى فيكون الثمن له والعهدة عليه وإذا كان لم ينقد فللبائع حق الحبس فلا يتمكن الشفيع من قبض الدار الا بدفع الثمن إلى البائع فكانت العهدة على البائع وأما شرط جواز القضاء بالشفعة فحضرة المقضى عليه لان القضاء على الغائب لا يجوز وجملة الكلام فيه ان المبيع اما أن يكون في يد البائع واما أن يكون في يد المشترى فان كان في يد البائع فلابد من حضرة البائع والمشترى جميعا لان كل واحد منهما خصم أما البائع فباليد واما المشترى فبالملك فكان كل واحد منهما مقضيا عليه فيشترط حضرتهما لئلا يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وأما ان كان في يد المشترى فحضرة البائع ليست بشرط ويكتفى بحضرة المشترى لان البائع خرج من ان يكون خصما لزوال ملكه ويده عن المبيع فصار كالأجنبي وكذا حضرة الشفيع أو وكيله شرط جواز القضاء له بالشفعة لان القضاء على الغائب كما لا يجوز فالقضاء للغائب لا يجوز ايضا ثم القاضى إذا قضى بالشفعة يثبت الملك للشفيع ولا يقف ثبوت الملك له على التسليم لان الملك للشفيع يثبت بمنزلة الشراء والشراء الصحيح يوجب الملك بنفسه وأما وقت القضاء بالشفعة فوقته وقت المنازعة والمطالبة بها فإذا طالبه بها الشفيع يقضى القاضى له بالشفعة سواء حضر الثمن أو لا في ظاهر الرواية وللمشترى أن يحبس الدار حتى يستوفى الثمن من الشفيع وكذا الورثة لان التملك بالشفعة بمنزلة الشراء من المشترى وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن فان أبى أن ينقد حبسه القاضى لانه ظهر ظلمه بالامتناع من ايفاء حق واجب عليه فيحبسه ولا ينقض الشفعة كالمشترى إذا امتنع من ايفاء الثمن انه يحبس ولا ينقض البيع وان طلب اجلا لنقد الثمن أجله يوما أو يومين أو ثلاثة ايام لانه لا يمكنه النقد للحال فيحتاج إلى مدة يتمكن فيها من النقد فيمهله ولا يحبسه لان الحبس جزاء الظلم بالمطل ولم يظهر مطله فان مضى الاجل ولم ينقد حبسه وقال محمد رحمه الله ليس ينبغى للقاضى أن يقضى بالشفعة حتى يحضر الشفيع المال فان طلب أجلا أجله يوما أو يومين أو ثلاثة أيام ولم يقض له بالشفعة فان قضى بالشفعة ثم أبي الشفيع أن ينقد حبسه وهذا عندي ليس باختلاف على الحقيقة وللقاضي أن يقضى بالشفعة قبل احضار الثمن بلا خلاف لان لفظ محمد رحمه الله ليس ينبغى للقاضى أن يقضى بالشفعة حتى يحضر الشفيع المال لا يدل على أنه ليس له أن يقضى بل هو اشارة إلى نوع احتياط

[ 25 ]

واختيار الاول لا تستعمل لفظة لا ينبغى الا في مثله ولهذا لو قضى جاز ونفذ قضاؤه نص عليه محمد وليس ذلك لكونه محل الاجتهاد ولان القضاء بمذهب المخالف في المجتهدات انما ينفذ بشريطة اعتقاد اصابته فيه وافضاء اجتهاده إليه وقد أطلق القضية في النفاذ من غير هذا الشرط فدل انه لا خلاف في المسألة على التحقيق ثم ان ثبت الخلاف (فوجه) قول محمد ان حق الشفعة انما يثبت لدفع ضرر الدخيل عن الشفيع والقضاء قبل احضار الثمن يتضمن الضرر بالمشترى لاحتمال افلاس الشفيع ودفع الضرر عن الانسان باضرار غيره متناقض فلا يقضى قبل الاحضار ولكن يؤجله يومين أو ثلاثة ان طلب التأجيل تمكينا له من نقد الثمن (وجه) ظاهر الرواية ان الشفيع يصير متملكا المشفوع فيه بمقتضى القضاء بالشفعة كان اشتراه منه والتملك بالشراء لا يقف على احضار الثمن كما في الشراء المبتدأ وقال محمد رحمه الله لو ضرب له القاضى أجلا فقال له ان لم تات بالثمن إلى وقت كذا فلا شفعة لك فلم يأت به بطلت شفعته وكذا إذا قال الشفيع ان لم أعطك الثمن إلى وقت كذا فأنا برئ من الشفعة لان هذا تعليق اسقاط حق الشفعة بالشرط والاسقاطات مما يحتمل التعليق بالشرط كالطلاق والعتاق ونحو ذلك. (فصل) وأما بيان شرط التملك فالتملك بالشفعة له شرطان أحدهما رضا المشترى أو قضاء القاضى لان تملك مال الغير مما لاسبيل إليه في الشرع الا بالتراضى أو بقضاء القاضى فلا يثبت التملك بدونهما والثانى أن لا يتضمن التملك تفريق الصفقة على المشترى فان تضمن ليس له أن يتملك لان في التفريق ضررا بالمشترى وهو ضرر الشركة ودفع الضرر بالضرر متناقض وعلى هذا يخرج ما إذا أراد الشفيع أن يأخذ بعض المشترى بالشفعة دون بعض أنه هل يملك ذلك فجملة الكلام فيه ان المشترى لا يخلو اما أن يكون بعضه ممتازا عن البعض واما أن لا يكون فان لم يكن بأن اشترى دارا واحدة فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها بالشفعة دون البعض أو يأخذ الجانب الذى يلى الدار دون الباقي ليس له ذلك بلا خلاف بين اصحابنا ولكن ياخذ الكل أو يدع لانه لو اخذ البعض دون البعض لتفرقت الصفقة على المشترى لان الملك له في كل الدار ثبت بقول واحد فكان اخذ البعض تفريقا فلا يملكه الشفيع وسواء اشترى واحد من واحدا أو واحد من اثنين أو اكثر حتى لو أراد الشفيع ان يأخذ نصيب أحد البائعين ليس له لما قلنا سواء كان المشترى قبض أو لم يقبض في ظاهر الرواية عن اصحابنا وروى عنهم أن للشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين قبل القبض وليس له أن يأخذ من المشترى نصيب احدهما بعد القبض (وجه) هذه الرواية ان التملك قبل القبض لا يتضمن معنى التفريق لان التملك يقع على البائع وقد خرج نصيبه عن ملكه فلا يلزمه ضرر التفريق وهو ضرر الشركة بخلاف ما بعد القبض لان التملك بعد القبض يقع على المشترى الا ترى ان العهدة عليه وفيه تفريق ملكه والصحيح جواب الرواية لان الملك قبل القبض للمشترى بصفقة واحدة فبملك نصيب احد البائعين تفريق ملكه فيلزمه ضرر الشركة ولو اشترى رجلان من رجل دارا فللشفيع أن يأخذ نصيب احد المشتريين في قولهم جميعا لان الاخذ هنا لا يتضمن التفريق لان الصفقة حصلت متفرقة وقت وجودها إذ الملك في نصيب كل واحد منهما ثبت بقوله فلم تتحد الصفقة فلا يقع الاخذ تفريقا لحصول التفريق قبله وسواء كان بعد القبض أو قبله في ظاهر الرواية وروى انه ليس للشفيع أن يأخذ قبل القبض الا الكل وبعد القبض له أن يأخذ نصيب احد المشتريين (وجه) هذه الرواية أن اخذ البعض قبل القبض يتضمن تفريق اليد على البائع والتملك قبل القبض لا يتضمن التفريق لان التملك يقع على البائع وانه لا يجوز الا ترى ان أحد المشتريين لو أراد أن يقبض حصته دون صاحبه ليس له ذلك (وجه) ظاهر الرواية ما ذكرنا ان الصفقة حصلت متفرقة من الابتداء فلا يكون أخذ البعض تفريقا لحصول التفريق قبل الاخذ وقوله فيه تفريق اليد وهو القبض ممنوع فالشفيع يتملك نصيب احد المشتريين بالشفعة ولكنه لا يفرق اليد حتى لو نقد الثمن ليس له ان يقبض احد النصفين ما لم ينقد الآخر كيلا يتفرق القبض وسواء سمى لكل نصف ثمنا على حدة أو سمى للجملة ثمنا واحدا فالعبرة لاتحاد الصفقة وتعددها لا لاتحاد الثمن وتعدده لان المانع من التفريق هو الضرر والضرر

[ 26 ]

ينشأ عن اتحاد الصفقة لا عن اتحاد الثمن وسواء كان المشترى عاقد لنفسه أو لغيره في الفصلين جميعا حتى لو وكل رجلان جميعا رجلا واحدا بالشراء فاشترى الوكيل من رجلين فجاء الشفيع ليس له أنه يأخذ نصيب أحد البائيعن بالشفعة ولو وكل رجل واحد رجلين فاشتريا من واحد فللشفيع ان يأخد ما اشتراه أحد الوكيلين وكذا لو كان الوكلاء عشرة اشتروا لرجل واحد فللشفيع أن يأخذ من واحد أو من اثنين أو من ثلاثة قال محمد رحمه الله وانا انظر في هذا إلى المشترى ولا أنظر إلى المشترى له وهو نظر صحيح لان الاخذ بالشفعة من حقوق البيع وانها راجعة إلى الوكيل فكانت العبرة لاتحاد الوكيل وتعدده دون الموكل والله سبحانه وتعالى أعلم وان كان المشترى بعضه ممتازا عن البعض بأن اشترى دارين صفقة واحدة فاراد الشفيع أن يأخذ احدهما دون الاخرى فان كان شفيعا لهما جميعا فليس له ذلك ولكن يأخذهما جميعا أو يدعهما وهذا قول اصحابنا الثلاثة رضى الله تعالى عنهم وقال زفر رحمه الله له أن يأخذ احدهما بحصتها من الثمن (وجه) قوله ان المانع من اخذ البعض دون البعض هو لزوم ضرر الشركة ولم يوجد ههنا لانفصال كل واحدة من الدارين عن الاخرى (ولنا) ان الصفقة وقعت مجتمعة لان المشترى ملك الدارين بقبول واحد فلا يملك الشفيع تفريقها كما في الدار الواحدة وقوله ليس فيه ضرر الشركة مسلم لكن فيه ضرر آخر وهو ان الجمع بين الجيد والردئ في الصفقة معتاد فيما بين الناس فلو ثبت له حق أخذ أحدهما لاخذ الجيد فيتضرر له المشترى لان الردئ لا يشترى وحده بمثل ما يشترى مع الجيد فيتضرر به وسواء كانت الداران متلاصقتين أو متفرقتين في مصر واحد أو مصرين فهو على الاختلاف لما ذكرنا من المعنى في الجانبين فان كان الشفيع شفيعا لاحداهما دون الاخرى ووقع البيع صفقة واحدة فهل له أن يأخذ الكل بالشفعة روى عن أبى حنيفة انه ليس له أن يأخذ الا التى تجاوره بالحصة وكذا روى عن محمد في الدار بين المتلاصقين إذا كان الشفيع جارا لاحداهما انه ليس له الشفعة الا فيما يليه وكذا قال محمد في الاقرحة المتلاصقة وواحد منها يلى أرض انسان وليس بين الاقرحة طريق ولا نهر انما هي منساة انه لا شفعة له الا في القراح الذى يليه خاصة وكذلك في القرية إذا بيعت بدورها وأراضيها ان لكل شفيع أن يأخذ القراح الذى يليه خاصة وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنه ان للشفيع أن يأخذ الكل في ذلك كله بالشفعة قال الكرخي رواية الحسن تدل على أن قول أبى حنيفة كان مثل قول محمد رحمه الله ثم رجع عن ذلك فجعله كالدار الواحدة (وجه) الرواية الاولى ان سبب ثبوت الحق وهو الجوار وجد في أحدهما وهو ما يليه فلا يملك الا اخذ أحدهما والصفقة وان وقعت مجتمعة ولكنها اضيفت إلى شيئين أحدهما ثبت فيه حق الشفعة والآخر لم يثبت فيه حق الشفعة فله أن يأخذ ما ثبت فيه الحق كما إذا اشترى عقارا أو منقولا صفقة واحدة انه يأخذ العقار خاصة كذا هذا (وجه) الرواية الاخرى ان سبب الوجوب وان وجد فيما يليه دون الباقي لكن لا سبيل إلى أخذه خاصة بدون الباقي لما فيه من تفريق الصفقة فيأخذ ما يليه قضية للسبب ويأخذ الباقي ضرورة التحرز عن تفريق الصفقة (فصل) واما بيان ما يتملك به فنقول وبالله التوفيق ثمن المشترى لا يخلو اما أن يكون مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة واما ان يكون مما لا مثل له كالمزروعات والمعدودات المتفاوتة كالثوب والعبد ونحو ذلك فان كان مما له مثل فالشفيع يأخذ بمثله لان فيه تحقيق معنى الاخذ بالشفعة إذ هو تمليك بمثل ما تملك به المشترى وان كان مما لامثل له يأخذ بقيمته عند عامة العلماء وقال أهل المدينة ياخذ بقيمة المشترى (وجه) قولهم ان المصير إلى قيمة المبيع عند تعذر ايجاب المسمى من الثمن هو الاصل في الشريعة كما في البيع الفاسد وههنا تعذر الاخذ بالمسمى فصار إلى قيمة الدار والعقار ولنا ان الاخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشترى فان كان الثمن الذى تملك به المشترى من ذوات الامثال كان الاخذ به تملكا بالمثل صورة ومعنى وان لم يكن من ذوات الامثال كان الاخذ بقيمته تملكا بالمثل معنى لان قيمته مقدار ماليته بتقويم المقومين لهذا سميت قيمته لقيامه مقامه فكان مثله معنى واما قيمة الدار فلا تكون مثل العبد والثوب لاصورة ولا معنى فالتملك بها لا يكون تملكا بالمثل فلا

[ 27 ]

يتحقق معنى الاخذ بالشفعة ولو تبايعا دارا بدار فلشفيع كل واحدة من الدارين ان يأخذها بقيمتها لان الدار ليست من ذوات الامثال فلا يمكن الاخذ بمثلها فيأخذ بقيمتها كالعبد والثوب وعلى هذا يخرج ما لو اشترى دارا بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض بطل البيع فيما بين البائع والمشترى وللشفيع الشفعة وكذلك لو كان المشترى قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك أما بطلان البيع فيما بين البائع والمشترى فلان العرض مبيع إذ المبيع في الاصل ما يتعين بالتعيين في البيع والعرض يتعيين بالتعيين في البيع فكان مبيعا وهلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان البيع لتعذر التسليم بعد الهلاك فلم يكن في ابقاء العقد فائدة فيبطل وأما بقاء الشفعة للشفيع فلان الواجب عليه قيمة العرض لا عينه والقيمة مقدور التسليم في حقه فكان بقاء العرض في حق الشفيع وهلاكه بمنزلة واحدة ثم الشفيع انما يأخذ بما وجب بالعقد لا بما اعطى بدلا من الواجب لما ذكرنا ان الاخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشترى والمشترى تملك المبيع بالمسمى وهو الواجب بالعقد فيأخذه الشفيع به حتى لو اشترى الدار بالدراهم والدنانير ثم دفع مكانها عرضا فالشفيع يأخذ بالدراهم والدنانير لا بالعرض لان الدراهم والدنانير هي الواجبة بالعقد وأما العرض فانما اخذه البائع بعقد آخر وهو الاستبدال فلم يكن واجبا بالعقد فصار كان البائع اشترى بالثمن عرضا ابتداء ثم حضر الشفيع ولو كان كذلك لكان ياخذ بالثمن لا بالعرض كذا هذا والله عزوجل اعلم ولو زاد المشترى البائع في الثمن فالزيادة لا تلزم الشفيع لان الشفيع انما يأخذ بما وجب بالعقد والزيادة ما وجبت بالعقد في حق الشفيع لانعدامها وقت العقد حقيقة الا انها جعلت موجودة عند العقد في حق المتعاقدين تصحيحا لتصرفهما فلا يظهر الوجود في حق الشفيع فلم تكن الزيادة ثمنا في حقه بل كانت هبة مبتدأة فلا تتعلق بها الشفعة كالهبة المبتدأة ولو حط البائع عن المشترى أو أبراه عن البعض فالشفيع يأخذ بما بقى لان حط بعض الثمن يلتحق بأصل العقد ويظهر في حق الشفيع كان العقد ما ورد الا على هذا القدر بخلاف الزيادة فان التحاقها لا يظهر في حق الشفيع لما بينا ولان في تصحيح الزيادة ثمنا في حق الشفيع ضررا به ولا ضرر عليه في الحط ولو حط جميع الثمن يأخذ الشفيع بجميع الثمن ولا يسقط عنه شئ لان حط كل الثمن لا يلتحق بأصل العقد لانه لو التحق لبطل البيع لانه يكون بيعا بلا ثمن فلم يصح الحط في حق الشفيع والتحق في حقه بالعدم فيأخذ بجميع الثمن ولا يسقط عنه شئ لان حط كل الثمن لا يلتحق باصل العقد وصح في حق المشترى وان كان ابراء له عن الثمن ولو اشترى دارا بثمن مؤجل فالشفيع بالخيار ان شاء أخذها بثمن حال وان شاء انتظر مضى الاجل فأخذ عند ذلك وليس له أن ياخذها للحال بمثن مؤجل لان الشفيع انما يأخذ بما وجب بالبيع والاجل لم يجب بالبيع وانما وجب بالشرط والشرط لم يوجد في حق الشفيع ولهذا لم يثبت خيار المشترى للشفيع بأن اشترى على انه بالخيار لان ثبوته بالشرط ولم يوجد من الشفيع وكذا البراءة عن العيب لا تثبت في حق الشفيع لان ثبوتها بالشرط ولم يوجد مع الشفيع كذا هذا وله أن يمتنع من الاخذ في الحال لان الشفيع غير مجبور على الاخذ بالشفعة ولو اختار الشفيع أخذ الدار بثمن حال كان الثمن للبائع على المشترى إلى أجل لان الاخذ من المشترى تملك منه بمنزلة التملك المبتدأ كانه اشترى منه فلا يوجب بطلان البيع الاول فبقى الاول على حاله فكان الثمن على حاله إلى أجله وروى عن أبى يوسف في شراء الدار بثمن مؤجل انه يجب على الشفيع ان يطلب عند علمه بالبيع فان سكت إلى حين محل الاجل فذلك تسليم منه ثم رجع وقال إذا طلب عند حل الاجل فله الشفعة وان لم يطلب عند علمه بالبيع (وجه) قوله الاول ان وقت الطلب هو وقت العلم بالبيع لا وقت حل الاجل فقد اخره عن وقته من غير عذر فبطل الحق (وجه) قوله الاخر ان الطلب لا يراد لعينه بل لتأكيد الحق واستقراره والتأكيد لا يراد لنسفه بل لامكان الاخذ وله ان لا ياخذ قبل حل الاجل فله أن لا يطلب قبل حله أيضا والله تعالى أعلم. (فصل) وأما بيان ما يتملك بالشفعة فالذي يتملكه الشفيع بالشفعة هو الذى ملكه المشترى بالشراء سواء ملكه أصلا أو تبعا بعد ان يكون متصلا وقت التملك بالشفعة وذلك نحو البناء والغرس والزرع والثمر وهذا استحسان

[ 28 ]

والقياس ان لا يؤخذ البناء والغرس والزرع والثمر بالشفعة (وجه) القياس ان الشفيع انما يتملك ما يثبت له فيه حق الشفعة وانه يثبت في العقار لا في المنقول وهذه الاشياء منقولة فلم يثبت فيها الحق فلا تتملك بالشفعة وخاصة الزرع والثمر لانهما مبيعان ومقصود ان لا يدخلان في العقد من غير تسمية فلم يثبت الحق فيهما لا أصلا ولا تبعا ولنا ان الحق إذا ثبت في العقار يثبت فما هو تبع له لان حكم التبع حكم الاصل وهذه الاشياء تابعة للعقار حالة الاتصال أما البناء والغرس فظاهران لان قيامهما بالارض وكذلك الزرع والثمر لان قيام الزرع وقيام الثمر بالشجر وقيام الشجر بالارض فكان تبعا للارض بواسط الشجر فيثبت الحق فيهما تبعا فيملكهما بالشفعة بطريق التبعية الا انهما لا يدخلان في العقد الا بالتسمية مع وجود التبعية حقيقة بالنص وهو ما سنروى في كتاب البيوع عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع الا أن يشترطها المبتاع فما دام البناء والشجر متصلا بالارض فللشفيع أن يأخذ الارض معه بالثمن الاول وكذا له أن يأخذ الارض مع الثمر والزرع بالثمن الاول بقلا كان الزرع أو مستحصدا إذا كان متصلا فأما إذا زال الاتصال ثم حضر الشفيع فلا سبيل للشفيع عليه وان كان عينه قائمة سواء كان الزوال بآفة سماوية أو بصنع المشترى أو الأجنبي لان حق الشفعة في هذه الاشياء انما ثبت معدولا به عن القياس معلولا بالتبعية وقد زالت التبعية بزوال الاتصال فيرد الحكم فيه إلى أصل القياس وهل يسقط عن الشفيع حصته من الثمن هذا لا يخلو اما ان كان مما يدخل في العقد من غير تسمية واما ان كان مما لا يدخل فيه الا بالتسمية فان كان مما يدخل في العقد من غير تسمية كالبناء والشجر ينظر ان كان زوال الاتصال بآفة سماوية بأن احترق البناء أو غرق أو جف شجر البستان لا يسقط شئ من الثمن والشفيع ياخذ الارض بجميع الثمن ان شاء اخذ وان شاء ترك وكذلك لو انهدمت الدار سواء بقى عين النقض أو هلك كذا ذكر القدورى رحمه الله في مختصره وسوى بينه وبين الغرق والحرق وفرق الكرخي رحمه الله فقال ان احترق أو غرق ولم يبق منه شئ لا يسقط شئ من الثمن وان انهدم يسقط عن الشفيع حصته من الثمن وسوى بينه وبين ما إذا انهدم بفعل المشترى أو الأجنبي لكنه فرق بينهما من وجه آخر وهو ان هناك تعتبر قيمته متصلا فيقسم الثمن على قيمة البناء مبنيا وعلى قيمة الارض فيأخذ الارض بحصتها من الثمن وههنا يعتبر منفصلا ساقطا ويسقط ذلك القدر من الثمن والصحيح ما ذكره القدورى رحمه الله لان البناء تبع والاتباع لا حصة لها من الثمن الا ان تصير مقصودة بالفعل وهو الاتلاف والقبض ولم يوجد وهذا لو احترق أو غرق لا يسقط شئ من الثمن كذا هذا وان كان زوال الاتصال بفعل المشترى أو أجنبي بأن انهدم البناء أو قطع الشجر تسقط حصته من الثمن لانه صار مقصودا بالاتلاف فصار له حصة من الثمن كاطراف العبد ويقسم الثمن على البناء مبنيا وعلى قيمة الارض لانه انما يسقط حصة البناء فصار مضمونا عليه بفعله وهو الهدم والهدم صادفه وهو مبنى فتعتبر قيمته مبنيا بخلاف ما إذا انهدم بنفسه على رواية الكرخي رحمه الله لانه انهدم لا بصنع احد فيعتبر حاله يوم الانهدام ولو لم يهدم المشترى البناء لكنه باعه بغير أرض ثم حضر الشفيع كان احق بالبناء والارض فيأخذ وينتقض البيع في البناء لانه باع البناء وحق الشفيع متعلق به تبعا للارض لوجود الاتصال فكان سبيل من ابطال البيع كما لو باع الاصل وهو الارض ثم حضر الشفيع ان له أن يأخذ وينتقض البيع كما قلنا كذا هذا وان كان مما لا يدخل في العقد الا بالتسمية كالثمر والزرع يسقط عن الشفيع حصته من الثمن سواء كان زوال الاتصال بصنع العبد أو بآفة سماوية بخلاف الفصل الاول إذا احترق البناء أو غرق أو انهدم على رواية القدورى رحمه الله انه لا يسقط شئ من الثمن لان البناء مبيع تبعا لا مقصودا لثبوت حكم البيع فيها تبعا لا مقصودا بالتسمية والاتباع ما لها حصة من الثمن الا إذا صارت مقصودة بالفعل ولم يوجد فأما الثمر والزرع فكل واحد منهما مبيع مقصصود ألا يرى انه لا يدخل في العقد من غير تسمية فلابد وان يخصه شئ من الثمن فان هلك يهلك بحصته من الثمن سواء هلك بنفسه أو بالاستهلاك لما قلنا وتعتبر قيمته يوم العقد لانه أخذ الحصة بالعقد فتعتبر قيمته يوم العقد فيقسم الثمن على قيمة

[ 29 ]

الارض وعلى قيمة الزرع وقت العقد لكنه كيف تعتبر قيمتها يوم العقد مفصولا مجذوذا أم قائما روى عن أبي يوسف انه تعتبر قيمة الزرع وهو بقل مفصول ومجذوذ فيسقط عنه ذلك القدر وروى عن محمد في النوادر أنه يعتبر قيمته قائما فتقوم الارض وفيها الزرع والثمر وتقوم وليس فيها الزرع والثمر فيسقط عن الشفيع ما بين ذلك (وجه) قول محمد ان الزرع دخل في العقد وهو متصل ويثبت الحق فيه وهو منفصل وكذا الثمر فتعتبر قيمتها على صفة الاتصال على أن في اعتبار حالة الانفصال اضرارا بالشفيع إذ ليس للمفصول والثمر المجذوذ كثير قيمة فيتضرر به الشفيع (وجه) قول أبى يوسف ان حق الشفيع انما سقط بعد زوال الاتصال فتعتبر قيمتها منفصلا لا متصلا وكذا لو كانت الارض مبذورة ولم يطلع الزرع بعد ثم طلع فقصله المشترى عند أبى يوسف يقسم الثمن على قيمة البذر وعلى قيمة الارض فيسقط قدر قيمة البذر عن الثمن وعند محمد تقوم الارض مبذورة وغير مبذورة فيسقط عنه ما بين ذلك إذا آجر الشفيع الارض مع الشجر بحصتها من الثمن وبقيت الثمرة في يد البائع هل يثبت الخيار للمشترى ذكر محمد ان الثمرة لازمة للمشترى ولا خيار له ولو كان البائع اتلف الثمرة قبل أن يأخذ الشفيع الارض بالشفعة فالمشترى بالخيار ان شاء اخذ الارض بحصتها من الثمن وان شاء ترك لانه لما أتلف الثمرة فقد فرق الصفقة على المشترى قبل التمام من غير رضاه وانه يوجب الخيار بخلاف ما إذا كان الشفيع اخذ الارض بالشفعة لان التفريق هناك حصل برضا المشترى لان حق الشفيع كان ثابتا في المأخوذ وانه حق لازم فكان التفريق هناك لضرورة حق ثابت لازم شرعا فكان المشترى راضيا به والتفريق المرضى به لا يوجب الخيار والله سبحانه وتعالى اعلم هذا إذا كانت هذه الاشياء موجودة عند العقد متصلة بالعقار ودام الاتصال إلى وقت التملك بالشفعة أو زال ثم حضر الشفيع فاما إذا لم تكن موجودة عند العقد ووجدت بعده ثم حضر الشفيع فان كان الحادث مما يثبت حكم البيع فيه تبعا وهو الثمر بأن وقع البيع ولا ثمر في الشجر ثم اثمر بعده ثم حضر الشفيع فما دام متصلا يأخذه الشفيع مع الارض بالثمن الاول استحسانا لانه ثبت حكم البيع فيه تبعا لثبوته في الارض بواسطة الشجر فكان مبيعا تبعا فيثبت حق الشفعة تبعا سواء حدث في يد المشترى أو في يد البائع لان الشفعة موجودة في الحالين فان زال الاتصال فحضر الشفيع فان كان حدث في يد المشترى فالشفيع يأخذ الارض والشجر بالثمن الاول ان شاء وان شاء ترك ولا يسقط شئ من الثمن وسواء كان زواله با آفة سماوية وهو قائم بعد الزوال أو هالك أو كان زواله بفعل أحد أما إذا كان بآفة سماوية وهو قائم أو هالك لانه كان تبعا حالة الاتصال ولم يرد عليه فعل يصير به مقصودا والتبع لا يصير له حصة من الثمن بدونه واما إذا كان الزوال بصنع العبد بان جده المشترى وهو قائم أو هالك فلانه لم يرد عليه العقد ولا القبض وان كان حدث في يد البائع فان كان الزوال بآفة سماوية وهو قائم أو هالك فكذلك أخذ الشفيع الارض والشجر بجميع الثمن ان شاء لانه لم يوجد فعل يصير به مقصودا فيقابله الثمن وان كان بفعل البائع بأن استهلكه يسقط عن الشفيع حصته من الثمن لصيرورته مقصودا بالاتلاف وان كان الحادث مما لم يثبت فيه حكم البيع رأسا لا اصلا ولا تبعا بأن بنى المشترى بناء أو غرس أو زرع ثم حضر الشفيع يقضى له بشفعة الارض ويجبر المشترى على قلع البناء والغرس وتسليم الساحة إلى الشفيع الا إذا كان في القلع نقصان الارض فللشفيع الخيار ان شاء اخذ الارض بالثمن والبناء والغرس بقيمته مقلوعا وان شاء اجبر المشترى على القلع وهذا جواب ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه لا يجبر المشترى على قلع البناء والغرس ولكنه ياخذ الارض بثمنها والبناء والغرس بقيمته قائما غير مقلوع ان شاء وان شاء ترك وبه أخذ الشافعي رضى الله عنه واجمعوا على ان المشترى لو زوع في الارض ثم حضر الشفيع انه لا يجبر المشترى على قلعه ولكنه ينتظر ادراك الزرع ثم يقضى له بالشفعة فيأخذ الارض بجميع الثمن (وجه) رواية أبى يوسف رحمه الله ان في الجبر على النقض ضررا بالمشترى وهو ابطال تصرفه في ملكه وفيما قلنا مراعاة الجانبين (أما) جانب المشترى فظاهر لان فيه صيانة حقه عن الابطال (وأما) جانب الشفيع فلانه يأخذ البناء بقيمته وأخذ الشئ بقيمته لاضرر فيه على أحد (وجه) ظاهر

[ 30 ]

الرواية ان حق الشفيع كان متعلقا بالارض قبل البناء ولم يبطل ذلك بالبناء بل بقى فإذا قضى له بالشفعة فقد صار ذلك الحق ملكا له فيؤمر بتسليم ملكه إليه ولا يمكنه التسليم الا بالنقض فيؤمر بالنقض ولهذا أمر الغاصب والمشترى عند الاستحقاق بالنقض كذا هذا قوله في النقض ضرر بالمشترى قلنا ان كان فيه ضرر به فهو الذى أضر بنفسه حيث بنى على محل تعلق به حق غيره ولو اخذ الشفيع الارض بالشفعة وبنى عليها ثم استحقت وامر الشفيع بنقض البناء فان الشفيع يرجع على المشترى بالثمن ولا يرجع عليه بقيمة البناء ان كان اخذ منه ولا على البائع أيضا ان كان اخذ منه في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف رحمه الله انه يرجع عليه (وجه) هذه الرواية ان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشترى ولو كان اشتراه لرجع عليه كذا إذا اخذه بالشفعة له الرجوع بقيمة البناء في الشراء لوجود الغرور من البائع وضمان السلامة للمشترى لان كل بائع مخير للمشترى انه يبيع ملك نفسه وشارط سلامة ما يبنى فيه دلالة فإذا لم يسلم يدفع بحكم الضمان المشروط دلالة إذ ضمان الغرور ضمان الكفالة في الحقيقة ولا غرور من المشترى في حق الشفيع لانه مجبور على التملك منه وحق الرجوع بضمان الغرور على المختار لا على المجبور كالجارية المأسورة إذا اشتراها رجل فأخذها المالك القديم بالثمن واستولدها ثم استحقت من يده وقضى عليه بالعقر وقيمة الولد فانه يرجع على المشترى بالثمن الذى دفعه إليه ولا يرجع عليه بقيمة الولد ومثله إذا استولد جارية بالشراء ثم استحقت فان المشترى يرجع على بائعه بالثمن وبقيمة الولد لصيرورته مغرورا من جهته ولا غرور من المشترى من الحربى لكونه مجبورا في التملك عليه بما اخذه من الحربى كذا هذا والله سبحانه وتعالى اعلم. (فصل) وأما بيان من يتملك منه الشص المشفوع فيه فالشفيع يتملك من الذى في يده ان كان في يد البائع اخذه منه ونقده الثمن والعهدة عليه وان كان في يد المشترى اخذه ودفع الثمن إليه والعهدة عليه سواء كان المشترى عاقدا لنفسه أو لغيره بان كان وكيلا بالشراء وقبض الدار ثم حضر الشفيع وهذا جواب ظاهر الرواية وروى عن ابى يوسف رحمه الله انه لا ياخذها من يد الوكيل (وجه) هذه الرواية ان الوكيل لم يشتر لنفسه وانما اشترى لموكله فلم يكن هو خصما بل الخصم الموكل فلا يأخذ منه ولكن يقال له سلم الدار إلى الموكل فإذا سلم يأخذها الشفيع منه (وجه) ظاهر الرواية ان الشفعة من حقوق العقد وانها راجعة إلى الوكيل والوكيل في الحقوق اصل بمنزلة المشترى لنفسه فكان خصم الشفيع فيأخذ الدار منه بالثمن وكانت العهدة عليه وان كان الوكيل سلم الدار إلى الموكل ثم حضر الشفيع فانه يأخذ الدار من الموكل ويدفع الثمن إليه وكانت العهدة عليه ولا خصوصة للشفيع مع الوكيل لانه بالتسليم إلى الموكل زالت يده عن الدار فخرج من أن يكون خصما بمنزلة البائع إذا سلم الدار إلى المشترى انه لا خصوصة للشفيع مع البائع لما قلنا كذا هذا غير ان الدار إذا كانت في يد البائع لم يكن خصما ما لم يحضر المشترى وإذا كانت في يد الوكيل يكون خصما وان لم يحضر الموكل لان الوكيل بالتوكيل قام مقام الموكل والبائع ليس بقائم مقام المشترى لانعدام ما يوجب ذلك ولو قال المشترى قبل أن يخاصمه الشفيع في الشفعة انما اشتريت لفلان وسلم إليه ثم حضر الشفيع فلا خصومة بينه وبين المشترى لانه أقر قبل أن يكون خصما للشفيع فصح اقراره لانعدام التهمة فصار كما لو كانت الوكالة معلومة ولو اقر بذلك بعد ما خاصمه الشفيع لم تسقط الخصومة عنه لانه متهم في هذا الاقرار لصيرورته خصما للشفيع فلا يقبل في ابطال حقه ولو أقام بينة أنه قال قبل الشراء انما اشترى لفلان لم تقبل بينته لان هذه البينة لو صدقت لم تدفع الخصومة عنه لانه لا يثبت بها الا الشراء لفلان وبهذا الا تندفع عنه الخصوصة وروى عن محمد انها لا تقبل لاثبات الملك للغائب وتقبل لدفع الخصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له. (فصل) وأما بيان حكم اختلاف الشفيع والمتشرى فاختلافهما لا يخلو اما ان يرجع إلى الثمن واما ان يرجع إلى المبيع واما أن يرجع إلى صفة المبيع أما الذى يرجع إلى الثمن فلا يخلو اما أن يقع الاختلاف في جنس الثمن واما ان يقع في قدره وأما يقع في صفته وان وقع في الجنس بأن قال المشترى اشتريت بمائة دينار وقال الشفيع لا بل

[ 31 ]

بألف درهم فالقول قال المشترى لان الشفيع يدعى عليه التملك بهذا الجنس وهو ينكر فكان القول قول المنكر مع يمينه ولان المشترى اعرف بجنس الثمن من الشفيع لان الشراء وجد منه لا من الشفيع فكان اعرف به من الشفيع فيرجع في معرفة الجنس إليه وان وقع الاختلاف في قدر الثمن بأن قال المشترى اشتريت بألفين وقال الشفيع بألف فالقول قول المشترى مع يمينه وعلى الشفيع البينة انه اشتراه بألف لان الشفيع يدعى التملك على المشترى بهذا القدر من الثمن والمشترى ينكر فكان القول قول المنكر ولو صدق البائع الشفيع بان قال بعت بالف ينظر في ذلك ان كان البائع ما قبض الثمن فالقول قول البائع والشفيع يأخذ بالالف سواء كان المبيع في يد البائع أو في يد المشترى إذا لم يكن نقد الثمن لان البائع إذا لم يكن قبض الثمن فالتملك يقع عليه بتمليكه فيرجع في مقدار ماملك به إلى قوله ولان الشراء لو وقع بألف كما قاله البائع اخذ الشفيع به وان وقع بألفين كما قاله المشترى كان قول البائع بعت بألف حط بعض الثمن عن المشترى وحط بعض الثمن يصح ويظهر في حق الشفيع على ما مر وان كان البائع قبض الثمن لا يلتفت إلى تصديقه والقول قول المشترى لانه إذا قبض الثمن لم يبق له حق في المبيع أصلا وصار أجنبيا فالتحق تصديقه بالعدم وقيل انه يراعى التقديم والتأخير في تصديق البائع فان بدأ بالاقرار بالبيع بأن قال بعت الدار بألف وقبضت الثمن فالشفيع يأخذها بألف وان بدأ بالاقرار بقبض الثمن بأن قال قبضت الثمن وهو الالف لا يلتفت إلى قوله لانه لما بدأ بالاقرار بالبيع فقال بعت بألف فقد تعلق به حق الشفعة فهو بقوله قبضت الثمن يريد اسقاط حق متعلق بقوله فلا يصدق وإذا بدأ بالاقرار بقبض الثمن فقد صار أجنبيا فلا يقبل قوله في مقدار الثمن وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنهما ان المبيع إذا كان في يد البائع فأقر بقبض الثمن وزعم انه ألف فالقول قوله لان المبيع إذا كان في يد البائع فالتملك يقع عليه فكان القول قوله في مقدار الثمن ولو اختلف البائع مع المشترى والشفيع والدار في يد البائع أو المشترى لكنه لم ينقد الثمن فالقول في ذلك قول البائع والبائع مع المشترى يتحالفان ويترادان والشفيع يأخذ الدار بما قال البائع ان شاء اما التحالف والتراد فيما بين البائع والمشترى فلقوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا وأما أخد الشفيع بقول البائع ان شاء فلانه إذا لم يقبض الثمن فالتملك يقع عليه فكان القول في مقدار الثمن في حق الشفيع قوله وان كان البائع قد قبض الثمن فلا يلتفت إلى قوله لانه صار أجنبيا على ما بينا هذا إذا لم يكن لاحدهما بينة لا للشفيع ولا للمشترى فان قامت لاحدهما بينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف البينة بينة المشترى (وجه) قوله ان بينة المشترى تظهر زيادة فكانت اولى بالقبول كما إذا اختلف البائع والمشترى في مقدار الثمن فقال البائع بعت بالفين وقال المشترى بألف وأقاما جميعا البينة فالبينة بينة البائع لما قلنا والجامع بينهما من وجهين احدهما ان الزيادة التى تظهرها احدى البينتين لا معارض لها فتقبل في قدر الزيادة لخلوها عن المعارض ولا يمكن الا بالقبول في الكل فتقبل في الكل ضرورة والثانى ان البينة المظهرة للزيادة مثبتة والاخرى نافية والمثبت يترجح على النافي ولابي حينفة رضى الله عنه طريقتان احدهما ذكرها أبو يوسف لابي حنيفة ولم ياخذ بها والثانية ذكرها محمد وأخذ بها أما الاولى فهى ان البينة جعلت حجة للمدعى قال النبي عليه الصلاة والسلام البينة على المدعى والمدعى ههنا هو الشفيع لانه غير مجبور على الخصومة في الشفعة بل إذا تركها ترك والمشترى مجبور على التملك عليه بحيث لو ترك الخصومة لا يترك فكان المدعى منهما هو الشفيع فكانت البينة حجته وأما الثانية فهى ان البينة حجة من حجج الشرع فيجب العمل بها ما أمكن وههنا أمكن العمل بالبينتين في حق الشفيع بأن يجعل كانه وجد عقدان احدها بألف والاخر بألفين لان البيع الثاني لا يوجب انفساخ البيع الاول في حق الشفيع وان كان يوجب ذلك في حق العاقدين الا ترى انه لو باع بألف ثم باع بالفين ثم حضر الشفيع كان له أن يأخذ الدار بألف دل ان البيعين قائما في حق الشفيع وان الفسخ الاول في حقهما فأمكن تقدير عقدين بخلاف ما إذا اختلف البائع والمشترى في مقدار الثمن واقاما البينة أن البينة بينة البائع أما على الطريق الاولى فلان البائع هناك هو

[ 32 ]

المدعى فكانت البينة حجته الا ترى انه لا يجبر على الخصومة والمشترى مجبور عليها وههنا بخلافه على ما بينا وأما على الطريق الثانية فلان تقدير عقدين هنا متعذر لان البيع الثاني يوجب انفساخ الاول في حق العاقدين فكان العقد واحدا والترجيح بجانب البائع لانفراد بينته باظهار فضل فكانت اولى بالقبول الله سبحانه وتعالى أعلم ولو اشترى دارا بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض وانتقض البيع فيما بين البائع والمشترى أو كان المشترى قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك وانتقض البيع فيما بينهما وبقى للشفيع حق الشفعة بقيمة العرض على ما بينا فيما تقدم ثم اختلف الشفيع والبائع في قيمة العرض فالقول قول البائع مع يمينه لان الشفيع يدعى عليه التملك بهذا القدر من الثمن وهو ينكر فان اقام احدهما بينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة فالقول قول البائع عند ابى يوسف ومحمد وهو قول أبى حنيفة على قياس العلة التى ذكرها محمد لابي حنيفة رحمه الله في تلك المسألة أما عند أبى حنيفة فظاهر لان بينة البائع انفردت باثبات زيادة وكذلك عند محمد على قياس ما ذكره لابي حنيفة في تلك المسألة وأخذ به لان تقدير عقدين ههنا غير ممكن لان العقد وقع على عرض بعينه وانما اختلفا في قيمة ما وقع عليه العقد فكان العقد واحدا فلا يمكن العمل بالبينتين فيعمل بالراجح منهما وهو بينة البائع لانفرادها باظهار الفضل وكذلك عند ابى حنيفة على قياس ما علل له محمد واما على قياس ما علل له أبو يوسف فينبغي أن تكون البينة بينة الشفيع لانه هو المدعى وهكذا ذكر الطحاوي رحمه الله والله سبحانه وتعالى اعلم ولو هدم المشترى بناء الدار حتى سقط عن الشفيع قدر قيمته من الثمن ثم اختلفا في قيمة البناء فهذا لا يخلو (أما) ان اختلفا في قيمة البناء واتفقا على قيمة الساحة واما ان اختلفا في قيمة البناء والساحة جميعا فان اختلفا في قيمة البناء لا غير فالقول قول المشترى مع يمينه لان الشفيع يدعى على المشترى زيادة في السقوط وهو ينكر وان اختلفا في قيمة البناء والساحة جميعا فان الساحة تقوم الساعة والقول في قيمة البناء قول المشترى (أما) تقوم الساحة الساعة فلانه يمكن معرفة قيمتها للحال فيستدل بالحال على الماضي ولا يمكن تحكيم الحال في البناء لانه تغير عن حاله والقول قول المشترى لما قلنا فان قامت لاحدهما بينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة قال أبو يوسف البينة بينة الشفيع على قياس قول أبى حنيفة رحمه الله وقال محمد البينة بينة المشترى على قياس قول أبى حنيفة وقال ابو يوسف من تلقاء نفسه البينة بينة المشترى لانها تظهر زيادة وانما اختلفا في القياس على قول ابى حنيفة لاختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما له في تلك المسألة فطريق أبى يوسف ان الشفيع هو المدعى والبينة حجة المدعى وهذا موجود ههنا وطريق محمد رحمه الله العمل بالبينتين بتقدير عقدين وهذا التقدير منعدم هنا فيعمل باحدى البينتين وهى بينة المشترى لانفرادها باظهار زيادة والله سبحانه وتعالى اعلم وان اختلفا في صفة الثمن بأن قال المشترى اشتريت بثمن معجل وقال الشفيع لا بل اشتريته بثمن مؤجل فالقول قول المشترى لان الحلول في الثمن أصل والاجل عارض فالمشترى بتمسك بالاصل فيكون القول قوله ولان العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره ولان الاجل يثبت بالشرط فالشفيع يدعى عليه شرط التأجيل وهو ينكر فكان القول قوله (وأما) الذى يرجع إلى المبيع فهو ان يختلفا فيما وقع عليه البيع انه وقع عليه بصفقة واحدة ام بصفقتين نحو ما إذا اشترى دارا فقال المشترى اشتريت العرصة على حدة بألف والبناء بألف وقال الشفيع لا بل اشتريتهما جميعا بألفين والدار لى ببنيانها فالقول قول الشفيع لان افراد كل واحد منهما بالصفقة حالة الاتصال ليس بمعتاد بل العادة بيعهما صفقة واحدة فكان الظاهر شاهدا للشفيع فكان القول قوله ولان سبب وجوب الشفعة في العرصة يقتضى الوجوب في البناء تبعا له حالة الاتصال وشرط الوجوب هو الشراء وقد أقر المشترى بالشراء الا انه يدعى زيادة أمر وهو تفريق الصفقة فلا يصدق الا بتصديق الشفيع أو ببينة ولم توجد وأيهما أقام البينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة ولم يؤقتا وقتا فالبينة بينة المشترى عند أبى يوسف وعند محمد البينة بينة الشفيع (وجه) قول محمد ان بينة الشفيع اكثر اثباتا لانها تثبت زيادة استحقاق وهو استحقاق البناء فكانت أولى بالقبول ولان العمل بالبينتين ههنا ممكن بأن يجعل كانه باعهما بصفقتين ثم باعهما

[ 33 ]

بصفقة واحدة فكان للشفيع أن يأخذها بأيهما شاء (وجه) قول أبى يوسف ان بينة المشترى أكثر اثباتا لانها تثبت زيادة صفقة فكانت اولى بالقبول فأبو يوسف نظر إلى زيادة الصفقة ومحمد نظر إلى زيادة الاستحقاق وقال أبو يوسف إذا ادعى المشترى انه أحدث البناء في الدار وقال الشفيع لا بل اشتريتها والبناء فيها ان القول قول المشترى لانه لم يوجد من المشترى الاقرار بشراء البناء والشفيع يدعى عليه استحقاق البناء وهو ينكر ولو اشترى دارين ولهما شفيع ملاصق فقال المشترى اشتريت واحدة بعد واحدة وانا شريكك في الثانية وقال الشفيع لا بل اشتريتهما صفقة واحدة ولى الشفعة فيهما جميعا فالقول قول الشفيع لان سبب الاستحقاق ثابت فيهما جميعا وهو الجوار على سبيل الملاصقة وقد اقر المشترى بشرط الاستحقاق وهو شراؤهما الا انه بدعوى تفريق الصفقة يدعى البطلان بعد وجود السبب وشرطه من حيث الظاهر فلا يصدق الا ببينة وأيهما أقام بينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة فهو على الاختلاف الذى ذكرنا بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله ولو قال المشترى وهب لى هذا البيت مع طريقه من هذه الدار ثم اشتريت بقيتها وقال الشفيع لا بل اشتريت الكل فللشفيع الشفعة فيما أقر انه اشترى ولا شفعة له فيما ادعى من الهبة لانه وجد سبب الاستحقاق وهو الجوار ووجد شرطه وهو الشراء باقراره فهو بدعوى الهبة يريد بطلان حق الشفيع فلا يصدق وللشفيع الشفعة فيما اقر بشرائه ولا شفعة له في الموهوب لانه لم يوجد من المشترى الاقرار بشرط الاستحقاق على الموهوب وايهما أقام البينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشترى عند أبى يوسف رحمه الله لانها تثبت زيادة الهبة وينبغى أن تكون البينة بينة الشفيع عند محمد رحمه الله لانها تثبت زيادة الاستحقاق وروى عن محمد فيمن اشترى دارا وطلب الشفيع الشفعة فقال المشترى اشتريت نصفا ثم نصفا فلك النصف الاول وقال الشفيع لا بل اشتريت الكل صفقة واحدة ولى الكل فالقول قول الشفيع لان سبب ثبوت الحق في الكل كان موجودا وقد أقر بشرط الثبوت وهو الشراء ولكنه يدعى امرا زائدا وهو تفريق الصفقة فلا يقبل ذلك منه الا ببينة فان قال المشترى اشتريب ربعا ثم ثلاثة ارباع فلك الربع فقال الشفيع لا بل اشتريت ثلاثة أرباع ثم ربعا فالقول قول الشفيع لان السبب كان موجودا وقد أقر المشترى بشراء ثلاثة أرباع الا انه يدعى أمرا زائدا وهو سبق الشراء في الربع فلا يثبت الا ببينة فان قال المشترى اشتريت صفقة واحدة وقال الشفيع اشتريت نصفا ثم نصفا فأنا آخذ النصف فالقول قول المشترى يأخذ الشفيع الكل أو يدع لان الشفيع يريد تفريق الصفة وفيه ضرر الشركة فلا يقبل قوله الا ببينة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذى يرجع إلى صفة البيع فهو أن يختلفا في البتات والخيار أو في الصحة والفساد بأن اشترى دارا بألف درهم وتقابضا فأراد الشفيع اخذها بالشفعة فقال البائع والمشترى البيع كان بخيار البائع ولم يمض فلا شفعة لك وانكر الشفيع الخيار فالقول قول البائع والمشترى وعلى الشفيع البينة ان البيع كان باتا عند ابى حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو احدى الروايتين عن ابى يوسف رحمه الله وروى عن ابى يوسف رواية اخرى ان القول قول الشفيع (وجه) هذه الرواية ان الظاهر شاهد للشفيع لان البتات أصل في البيع والخيار فيه عارض فكان القول قول من يتمسك بالاصل (وجه) ظاهر الرواية ان الشفيع يدعى ثبوت حق الشفعة وهما ينكران ذلك بقولهما كان فيه خيار لان حق الشفعة لا يجب في بيع فيه خيار فكان القول قول المنكر ولان البيع يقوم بالعاقدين فكانا اعرف بصفقته من الشفيع والرجوع في كل باب إلى من هو أعرف به ولهذا لو تصادقا على ان الثمن كان دنانير والشفيع يدعى انه كان دراهم كان القول قولهما كذا هذا ولو كان البائع غائبا والدار في يد المشترى فأراد الشفيع أن يأخذ منه فقال المشترى كان للبائع فيه خيار وكذبه الشفيع فالقول قول المشترى أيضا لما ذكرنا من المعنين وان اختلف العاقدان فيما بينهما فادعى البائع الخيار وقال المشترى لم يكن فيه خيار كان القول قول المشترى ويأخذ الشفيع الدار في الرواية المشهورة وروى عن أبى يوسف ان القول قول البائع (وجه) هذه الرواية ان البائع بدعوى الخيار منكر للبيع حقيقة لان البيع بشرط الخيار غير منعقد في حق الحكم وخيار البائع يمنع زوال المبيع

[ 34 ]

عن ملكه والمشترى والشفيع يدعيان الزوال عن ملكه فكان القول قول البائع كما لو وقع الاختلاف بينهم في أصل العقد (وجه) ظاهر الرواية ان الخيار لا يثبت الا باشتراطهما فالبائع بدعوى الخيار يدعى الاشتراط على المشترى وهو ينكر فكان القول قوله كما لو ادعى المشترى الشراء بثمن مؤجل وادعى البائع التعجيل فالقول قول البائع لما ان التأجيل لا يثبت الا بشرط يوجد من البائع وهو منكر للشرط فكان القول قوله كذا هذا بخلاف ما لو أنكر البائع البيع والمشترى يدعيه ان القول قول البائع لان انكر زوال ملكه ولم يدع على المشترى فعلا فكان القول قوله ولو أراد الشفيع ان يأخذ الدار المشتراة بالشفعة فقال البائع والمشترى كان البيع فاسدا فلا شفعة لك وقال الشفيع كان جائزا ولى الشفعة فهو على اختلافهم في شرط الخيار للبائع في قول أبى حنيفة ومحمد واحدى الروايتين عن ابى يوسف القول قول العاقدين ولا شفعة للشفيع وفى رواية عن أبى يوسف القول قول الشفيع وله الشفعة فأبو يوسف يعتبر الاختلاف بينهم في الصحة والفساد باختلاف المتعاقدين فيما بينهما لو اختلفا فيما بينهما في الصحة والفساد كان القول قول من يدعى الصحة كذا هذا والجامع ان الصحة اصل في العقد والفساد عارض وهما يعتبران اختلافهم في هذا باختلافهم في البتات والخيار للبائع والجامع ان الشفيع بدعوى البتات والصحة يدعى عليهما حق التمليك وهما بدعوى الخيار والفساد ينكران ذلك فكان القول قولهما وكذا هما اعرف بصفة العقد الواقع منهما لقيامه بهما فكان القول في ذلك قولهما والله سبحانه وتعالى اعلم. (فصل) وأما بيان الحيلة في اسقاط الشفعة فقد ذكروا لاسقاط الشفعة حيلا بعضها يعم الشفعاء كلهم وبعضها يخص البعض دون البعض اما الذى يعم كل الشفاء فنحو ان يشترى الدار بأكثر من قيمتها بان كانت قيمتها الفا فيشتريها بألفين وينقد من الثمن ألفا الا عشرة ثم يبيع المشترى من البائع عرضا قيمته عشرة بالف درهم وعشرة فتحصل الدار للمشترى بألف لا ياخذها الشفيع الا بالفين وهذه الحيلة ليست بمسقطة للشفعة شرعا لكنها مانعة من الاخذ بالشفعة عادة الا ترى أن للشفيع أن ياخذها بالفين ويلتزم الضرر (وأما) الذى يخص بعض الشفعاء دون بعض فأنواع منها أن يبيع دارا الا ذراعا منها في طول الحد الذى يلى دار الشفيع فالشفيع لا يستحق الشفعة اما في قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع وأما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب وهو الجوار ومنها ان يهب البائع الحائط الذى بينه وبين الجار مع اصله للمشترى مقسوما ويسلمه إليه أو يهب له من الارض قدر ذراع من الجانب الذى يلى دار الشفيع ويسلمه إليه ثم يبيع منه البقية بالثمن فلا شفعة للجار لا في الموهوب ولا في المبيع (اما) في الموهوب فلانعدام شرط وجوب الشفعة وهو البيع وأما في المبيع فلانعدام سبب الوجوب وهو الجوار ومنها ان يبيع الدار نصفين فيبيع الحائط باصله اولا بثمن كثير ثم يبيع بقية الدار بثمن قليل فلا شفعة للشفيع شرعا فيما وراء الحائط لانعدام السبب وهو الجوار ولا يأخذ الحائط عادة لكثرة الثمن ومنها يبيع الدار والارض في صفقتين فيبيع من الدار بناها ومن الارض أشجارها أولا بثمن قليل ثم يبيع الارض بثمن كثير فلا شفعة للشفيع في البناء والشجر شرعا لانفرادهما بالصفقة ولا يأخذ الارض بذلك الثمن عادة ليضمن تكثير الثمن ومنها أن يبيع الدار نصفين فيبيع عشرا منها بثمن كثير ثم يبيع البقية بثمن قليل فلا يأخذ الشفيع العشر بثمنه عادة لما فيه من الضرر ولا شفعة له في تسعة أعشارها شرعا لانه حين اشترى البقية كان شريك البائع بالعشر والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط وهذا النوع من الحيلة لا يصلح للشريك لان الشفيع إذا كان شريكا له أن يأخذ نصف البقعة بقليل الثمن أيضا ولو كانت الدار لصغير فلا تباع بقية الدار بقليل الثمن لانه لا يجوز إذ هو بيع مال الصغير بأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس في مثله عادة والولى لا يملك ذلك فالسبيل فيه ان تباع بقية الدار بثمن مثله (ومنها) ما ذكره الخصاف رحمه الله أن يقر البائع بسهم من الدار للمشترى ثم يبيع بقية الدار منه فلا يستحق الشفيع الشفعة أما في القدر المقر به فلانعدام شرط الاستحقاق وهو البيع وأما فيما ورواء ذلك فلان المشترى صار شريك البائع في ذلك السهم والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط ومن

[ 35 ]

مشايخنا من كان يفتى بوجوب الشفعة في هذه الصورة ويخطئ الخصاف لان الشركة في السهم المقر به لم تثبت الا باقراره فلا يظهر في حق الشفيع على ما بينا فيما تقدم والله عزوجل أعلم. (فصل) وأما الكلام في كراهة الحيلة للاسقاط وعدمها فالحيلة اما ان كانت بعد وجوب الشفعة واما ان كانت قبل الوجوب فان كانت بعد الوجوب قيل انها مكروهة بلا خلاف وذلك بأن يقول المشترى للشفيع صالحتك على كذا كذا درهما على أن تسلم لى شفعتك فيقبل فتبطل شفعته ولا يستحق بدل الصلح أو يقول له اشتر الدار منى بكذا فيقول اشتريت فتبطل شفعته ونحو ذلك وان كانت قبل الوجوب فقد اختلف فيه قال أبو يوسف رحمه الله لا تكره وقال محمد رحمه الله تكره (وجه) قول محمد ان شرع الحيلة يؤدى إلى سد باب الشفعة وفيه ابطال هذا الحق اصلا ورأسا (وجه) قول ابى يوسف ان الحيلة قبل الوجوب منع من الوجوب بمباشرة سبب الامتناع شرعا وهذا جائز كالشراء والهبة وسائر التمليكات فان المشترى يمنع حدوث الملك للبائع في المبيع بمباشرة سبب الامتناع شرعا وهو الشراء وكذا الهبة والصدقة وسائر التمليكات وقد خرج الجواب عن قول محمد رحمه الله ان هذا ابطال لحق الشفعة لان ابطال الشئ بعد ثبوته ضرر والحق ههنا لم يثبت بعد ذلك فلا تكون الحيلة ابطالا له بل هو منع من الثبوت بمباشرة سبب الامتناع شرعا وانه جائز فما ذكره أيو يوسف رحمه الله هو الحكم المر وما ذكره محمد رحمه الله احتياطا والاصل في شرع الحيلة قول سبحانه وتعالى في قصة سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث والله سبحانه وتعالى اعلم. (كتاب الذبائح والصيود) يحتاج في هذا الكتاب إلى بيان المأكول وغير المأكول من الحيوانات والى بيان المكروه منها والى بيان شرائط حل الاكل في المأكول والى بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول أما الاول فالحيوان في الاصل نوعان نوع يعيش في البحر ونوع يعيش في البر أما الذى يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الاكل الا السمك خاصة فانه يحل أكله الا ما طفا منه وهذا قول اصحابنا رضى الله تعالى عنهم وقال بعض الفقهاء وابن أبى ليلى رحمهم الله انه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك لكن بالذكاة وهو قول الليث بن سعد رحمه الله الا في انسان الماء وخنزيره انه لا يحل وقال الشافعي رحمه الله يحل جميع ذلك من غير ذكاة واخذه ذكاته ويحل أكل السمك الطافى أما الكلام في المسألة الاولى فهم احتجوا بظاهر قوله تبارك وتعالى أحل لكم صيد البحر واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر فيقتضى ان يكون الكل حلالا وبقول النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن البحر فقال هو الطهور ماؤه والحل ميتته وصف ميتة البحر بالحل من غير فصل بين السمك وغيره ولنا قوله تبارك وتعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزيز من غير فصل بين البرى والبحري وقوله عز شأنه ويحرم عليهم الخبائث والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء فنهى عليه الصلاة والسلام عن قتل الضفادع وذلك نهى عن أكله وروى انه لما سئل عنه فقال عليه الصلاة والسلام خبيثة من الخبائث ولا حجة لهم في الآية لان المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد وهو الاصطياد لانه هو الصيد حقيقة لا المصيد لانه مفعول فعل الصيد واطلاق اسم الفعل يكون مجازا ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل ولان الصيد اسم لما يتوحش ويمتنع ولا يمكن أخذه الا بحيلة اما لطيرانه أو لعدوه وهذا انما يكون حالة الاصطياد لا بعد الاخذ لانه صار لحما بعده ولم يبق صيدا حقيقة لانعدام معنى الصيد وهو التوحش والامتناع والدليل عليه انه عطف عليه قوله عز شأنه وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما والمراد منه الاصطياد من المحرم لا أكل الصيد لان ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بامره فثبت انه لا دليل في الآية

[ 36 ]

على اباحة الاكل بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم والمراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام والحل ميتة السمك خاصة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم احلت لنا ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال فسر عليه الصلاة والسلام بالسمك والجراد فدل ان المراد منها السمك ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر (وأما) المسألة الثانية وهى مسألة الطافى فالشافعى رحمه الله احتج بقوله تعالى وطعامه متاعا لكم معطوفا على قوله أحل لكم صيد البحر أي أحل لكم طعامه وهذا يتناول ما صيد منه وما لم يصد والطافي لم يصد فيتناوله بقوله عليه الصلاة والسلام في صفة البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته وأحق ما يتناوله اسم الميتة الطافى لانه الميت حقيقة وبقوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد فسر النبي عليه الصلاة والسلام الميتة بالسمك من غير فصل بين الطافى وغيره ولنا ماروى عن جابر ابن عبد الله الانصاري رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى عن أكل الطافى وعن سيدنا على رضى الله عنه انه قال لا تبيعوا في أسواقنا الطافى وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال ما دسره البحر فكله وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكله واما الآية فلا حجة له فيها لان المراد من قوله تعالى وطعامه ما قدفه البحر إلى الشط فمات كذا قال أهل التأويل وذلك حلال عندنا لانه ليس بطاف انما الطافى اسم لما مات في الماء من غير آفة وسبب حادث وهذا مات بسبب حادث وهو قذف البحر فلا يكون طافيا والمراد من الحديثين غير الطافى لما ذكرنا ثم السمك الطافى الذى لا يحل أكله عندنا هو الذى يموت في الماء حتف أنفه بغير سبب حادث منه سواء علا على وجه الماء أو لم يعل بعد أن مات في الماء حتف أنفه من غير سبب حادث وقال بعض مشايخنا هو الذى يموت في الماء بسبب حادث ويعلو على وجه الماء فان لم يعل يحل والصحيح هو الحد الاول وتسميته طافيا لعلوه على وجه الماء عادة وروى هشام عن محمد رحمهما الله في السمك إذا كان بعضها في الماء وبعضها على الارض ان كان رأسها على الارض أكلت وان كان رأسها أو اكثره في الماء لم تؤكل لان رأسها موضع نفسها فإذا كان خارجا من الماء فالظاهر انه مات بسبب حادث وإذا كان في الماء أو اكثره فالظاهر انه مات في الماء بغير سبب وقالوا في سمكة ابتلعت سمكة اخرى انها تؤكل لانها ماتت بسبب حادث ولو مات من الحر والبرد وكدر الماء ففيه روايتان في رواية لا يؤكل لان الحر والبرد وكدر الماء ليس من اسباب الموت ظاهرا فلم يوجد الموت بسبب حادث يوجب الموت ظاهرا وغالبا فلا يؤكل وفى رواية يؤكل لان هذه أسباب الموت في الجملة فقد وجد الموت بسبب حادث فلم يكن طافيا فيؤكل ويستوى في حل الاكل جميع أنواع السمك من الجريث والمار ماهى وغيرهما لان ما ذكرنا من الدلائل في اباحة السمك لا يفصل بين سمك وسمك الا ما خص بدليل وقد روى عن سيدنا على وابن عباس رضى الله عنهما اباحة الجريث والسمك الذكر ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك فيكون اجماعا (أما) الذى يعيش في البر فانواع ثلاثة ما ليس له دم أصلا وما ليس له دم سائل وما له دم سائل مثل الجراد والزنبور والذباب والعنكبوت والعضابة والخنفساء والبغاثة والعقرب ونحوها لا يحل أكله الا الجراد خاصة لانها من الخبائث لاستبعاد الطباع السليمة اياها وقد قال الله تبارك وتعالى ويحرم عليهم الخبائث الا أن الجراد خص من هذه الجملة بقوله عليه الصلاة والسلام احلت لنا ميتتان فبقى على ظاهر العموم وكذلك ما ليس له دم سائل مثل الحية والوزغ وسام أبرص وجميع الحشرات وهو ام الارض من الفأر والقراد والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس ونحوها والاختلاف في حرمة هذه الاشياء الا في الضب فانه حلال عند الشافعي واحتج بما روى ابن عباس رضى الله عنهما انه قال أكلت على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم ضب وعن ابن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال انه لم يكن بأرض قومي فاجد نفسي تعافه فلا آكله ولا احرمه وهذا نص على عدم الحرمة الشرعية واشارة إلى الكراهة الطبيعية (ولنا) قوله تبارك وتعالى ويحرم عليهم الخبائث والضب من الخبائث وروى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها ان النبي عليه الصلاة والسلام

[ 37 ]

أهدى إليه لحم ضب فامتنع أن يأكله فجاءت سائلة فأرادت سيدتنا عائشة رضى الله عنها أن تطعمها إياه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتطعمين ما لا تأكلين ولا يحتمل أن يكون امتناعه لما أن نفسه الشريفة عافته لانه لو كان كذلك لما منع من التصدق به كشاة الانصار انه لما امتنع من أكلها أمر بالتصديق بها ولان الضب من جملة المسوخ والمسوخ محرمة كالدب والقرد والفيل فيما قيل والدليل عليه ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال عليه الصلاة والسلام ان أمة مسخت في الارض وانى أخاف أن يكون هذا منها وهكذا روى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كنا في بعض المغازى فاصابتنا مجاعة فنزلنا في أرض كثيرة الضباب فنصبنا القدور وكانت القدور تغلى إذ جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال ما هذا قلنا الضب يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام ان أمة مسخت فاخاف أن يكون هذا منها فأمر بالقاء القدور وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما وما روينا فهو خاطر والعمل بالخاطر أولى وماله دم سائل نوعان مستأنس ومستوحش اما المستأنس من البهائم فنحو الابل والبقر والغنم بالاجماع وبقوله تبارك وتعالى والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون وقوله سبحانه وتعالى الله الذى جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون واسم الانعام يقع على هذه الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة ولا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى وحكى عن بشر المريسى رحمه الله أنه قال لا بأس بأكل الحمار واحتج بظاهر قوله عزوجل قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ولم يذكر الحمير الانسية وروى ان رجلا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال انه فنى مالى ولم يبق الا الحمر الاهلية فقال عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك فانى انما كنت نهيتكم عن جلال القرية وروى عن جوال القرى بتشديد اللام وروى فانما قذرت لكم جالة القرية (ولنا) قوله تبارك وتعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وسنذكر وجه الاستدلال بالآية ان شاء الله تعالى وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن سيدنا عمر رضى الله عنهما أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وعن متعة النساء وروى ان سيدنا عليا رضى الله عنه قال لابن عباس رضى الله عنهما وهو يفتى الناس في المتعة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر فرجع ابن عباس رضى الله عنهما عن ذلك وروى انه قيل للنبى عليه الصلاة والسلام يوم خيبر أكلت الحمر فأمر أبا طلحة رضى الله عنه ينادى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم الحمر فانها رجز وروى فانها رجس وهذه اخبار مستفيضة عرفها الخاص والعام وقبلوها وعملوا بها وظهر العمل بها وأما الاية فقد اختص منها أشياء غير مذكورة فيها فيختص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل مع ما ان ما روينا من الاخبار مشهورة ويجوز نسخ الكتاب بالخبر المشهور وعلى ان في الآية الشريفة أنه لا يحل سوى المذكور فيها وقت نزولها لان الاصل في الفعل هو الحال فيحتمل انه لم يكن وقت نزول الآية تحريم سوى المذكور فيها ثم حرم ما حرم بعد على أنا نقول بموجب الآية لا محرم سوى المذكور فيها ونحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الاهلية إذ المحرم المطلق ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرما على الاطلاق بل نسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عملا مع التوقف في اعتقاد الحل والحرمة وأما الحديث فيحتمل أن يكون المراد من قوله عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك أي من أثمانها كما يقال فلان أكل عقاره أي ثمن عقاره ويحتمل أن يكون ذلك اطلاقا للانتفاع بظهورها بالاكراء كما يحمل على شئ مما ذكرنا عملا بالدلائل كلها ويحتمل انه كان قبل التحريم فانفسخ بما ذكرنا وان جهل التاريخ فالعمل بالخاطر أولى احتياطا فان قيل ما رويتم يحتمل أيضا انه عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل الحمر يوم خيبر لانها كانت غنيمة من الخمس أو لقلة الظهر أو لانها كانت جلالة فوقع التعارض والجواب ان شيئا من ذلك لا يصلح محملا (أما) الاول فلان ما يحتاج إليه الجند لا يخرج منه الخمس كالطعام والعلف (وأما) الثاني فلان المروى أن رسول الله

[ 38 ]

صلى الله عليه وسلم أمر باكفاء القدور يوم خيبر ومعلوم ان ذلك مما لا ينتفع به في الظهر (وأما) الثالث فلانه عليه الصلاة والسلام خص النهى بالحمر الاهلية وهذا المعنى لا يختص بالحمر بل يوجد في غيرها (وأما) لحم الخيل فقد قال أبو حنيفة رضى الله عنه يكره وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكره وبه أخذ الشافعي رحمه الله واحتجا بما روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن جابر رضى الله عنه انه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في الخيل وروى أنه قال أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر وروى عنه انه قال كنا قد جعلنا في قدورنا لحم الخيل ولحم الحمار فنهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نأكل لحم الحمار وأمرنا أن نأكل لحم الخيل وعن سيدتنا أسماء بنت سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنهما أنها قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ولابي حنيفة رضى الله عنه الكتاب والسنة ودلالة الاجماع (أما) الكتاب العزيز فقوله جل شأنه والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة (ووجه) الاستدلال به ما حكى عن ابن عباس رضى الله عنهما فانه روى أنه سئل عن لحم الخيل فقرأ بهذه الآية الشريفة وقال ولم يقل تبارك وتعالى لتأكلوها فيكره أكلها وتمام هذا الاستدلال ان الله تبارك وتعالى ذكر الانعام فيما تقدم ومنافعها وبالغ في ذلك بقوله تعالى والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس ان ربكم لرؤف رحيم وكذا ذكر فيما بعد هذه الآية الشريفة متصلا بها منافع الماء المنزل من السماء والمنافع المتعلقة بالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والمنافع المتعلقة بالبحر على سبيل المبالغة بيان شفاء لا بيان كفاية وذكر في هذه الآية انه سبحانه وتعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ذكر منفعة الركوب والزينة ولم يذكر سبحانه وتعالى منفعة الاكل فدل انه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكرناه ولو كان هناك منفعة أخرى سوى ما ذكرنا لم يحتمل ان لا نذكرها عند ذكر المنافع المتعلقة بها على سبيل المبالغة والاستقصاء وقوله عزوجل يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ولحم الخيل ليس بطيب بل هو خبيث لان الطباع السليمة لا تستطيبه بل تستخبثه حتى لا تجد أحدا ترك بطبعه الا ويستخبثه وينقى طبعه عن أكله وانما يرغبون في ركوبه الا يرغب طبعه فيما كان مجبولا عليه وبه تبين ان الشرع انما جاء باحلال ما هو مستطاب في الطبع لا بما هو مستخبث ولهذا لم يجعل المستخبث في الطبع غذاء اليسر وانما جعل ما هو مستطاب بلغ في الطيب غايته (وأما) السنة فما روى عن جابر رضى الله عنه أنه قال لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة فأخذوا الحمر الاهلية فذبحوها فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الانسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وحرم الخلسة والنهبة وعن خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وعن المقدام بن معدى كرب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال حرم عليكم الحمار الاهلى وخيلها وهذا نص على التحريم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الخيل لثلاثة فهى لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر ولو صلحت للاكل لقال عليه الصلاة والسلام الخيل لاربعة لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر ولرجل طعام (وأما) دلالة الاجماع فهى أن البغل حرام بالاجماع وهو ولد الفرس فلو كانت أمه حلالا لكان هو حلالا أيضا الان حكم الولد حكم أمه لانه منها وهو كبعضها ألا ترى ان حمار وحش لو نزى على حمارة أهلية فولدت لم يؤكل ولدها ولو نزا حمار أهلى على حمارة وحشية وولدت يؤكل ولدها ليعلم ان حكم الوليد حكم أمه في الحل والحرمة دون الفحل فلما كان لحم الفرس حراما كان لحم البغل كذلك وما روى في بعض الروايات عن جابر وما في رواية سيدتنا أسماء رضى الله عنها يحتمل أنه كان ذلك في الحال التى كان يؤكل فيها الحمر لان النبي عليه الصلاة والسلام انما نهى عن أكل لحوم الحمر يوم خيبر وكانت الخيل تؤكل في ذلك الوقت ثم حرمت يدل عليه ما روى عن الزهري أنه قال ما علمنا الخيل أكلت الا في حصار وعن الحسن رضى الله عنه أنه قال

[ 39 ]

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم فهذا يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة كما قال الزهر رحمه الله أو يحمل على هذا عملا بالدليل صيانة لها عن التناقض أو يترجح الحاضر على المبيح احتياطا وهذا الذى ذكرنا حجج أبى حنيفة رضى الله عنه على رواية الحسن انه يحرم أكل لحم الخيل (وأما) على ظاهر الرواية عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه يكره أكله ولم يطلق التحريم لاختلاف الاحاديث المروية في الباب واختلاف السلف فكره أكل لحمه احتياطا لباب الحرمة وأما المتوحش منها نحو الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وابل الوحش فحلال باجماع المسلمين ولقوله تبارك وتعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وقوله عز شأنه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وقوله سبحانه وتعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولحوم هذه الاشياء من الطيبات فكان حلالا وروى أنه لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر فقال الاهلية فقيل نعم فدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف حكم الاهلية والوحشية وقد ثبت أن الحكم في الاهلية الحرمة لما ذكرنا من الدلائل فكان حكم الوحشية الحل ضرورة وروى ان رجلا من فهر جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالروحاء ومع الرجل حمار وحشى عقره فقال هذه رميتي يارسول الله وهى لك فقبله النبي عليه الصلاة والسلام وأمر سيدنا أبا بكر رضى الله عنه فقسمه بين الرفاق والحديث وان ورد في حمار الوحش لكن احلال الحمار الوحشى احلال للضبي والبقر الوحشى والابل الوحشى من طريق الاولى لان الحمار الوحشى ليس من جنسه من الاهلى ما هو حلال بل هو حرام وهذه الاشياء من جنسها من الاهلى ما هو حلال فكانت أولى بالحل وأما المتسأنس من السباع وهو الكلب والسنور الاهلى فلا يحل وكذلك المتوحش منها المسمى بسباع الوحش والطير وهو كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير لما روى في الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وعن الزهري رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذى ناب من السباع حرام فذو الناب من سباع الوحش مثل الاسد والذئب والضبع والنمر والفهد والثعلب والسنور البرى والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد والفيل ونحوها فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة الا الضبع فانه حلال عند الامام الشافعي رحمه الله واحتج بما روى عن عطاء عن جابر رضى الله عنهما أنه قال في الضبع كبش فقلت له أهو صيد فقال نعم فقلت يؤكل فقال نعم فقلت أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم (ولنا) ان الضبع سبع ذو ناب فيدخل تحت الحديث المشهور وما روى ليس بمشهور فالعمل بالمشهور أولى على ان ماروينا محرم وما رواه محلل والمحرم يقضى على المبيح احتياطا ولا بأس بأكل الارنب لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدى له اعرابي أرنبة مشوية فقال لاصحابه كلوا وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه قال أصبت أرنبتين فذبحتمها بمروة وسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بأكلهما وذو المخلب من الطير كالبازي والباشق والصقر والشاهين والحدأة والنعاب والنسر والعقاب وما أشبه ذلك فيدخل تحت نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذى مخلب من الطير وروى انه نهى عن كل ذى خطفة ونهبة ومجثمة وعن كل ذى ناب من الطير والمجثمة روى بكسر الثاء وفتحها من الجثوم وهو تلبد الطائر الذى من عادته الجثوم على غيره ليقتله وهو السباع من الطير فيكون نهيا على أكل كل طير هذا عادته وبالفتح هو الصيد الذى يجثم عليه طائر فيقتله فيكون نهيا عن أكل كل طير قتله طير آخر بجثومه عليه وقيل بالفتح هو الذى يرمى حتى يجثم فيموت وما لا مخلب له من الطير فالمستأنس منه كالدجاج والبط والمتوحش كالحمام والفاختة والعصافير والقبج والكركي والغراب الذى يأكل الحب والزرع والعقعق حلال بالاجماع (فصل) وأما بيان ما يكره من الحيوانات فيكره أكل لحوم الابل الجلالة وهى التى الاغلب من أكلها النجاسة لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الابل الجلالة ولانه إذا كان الغالب من أكلها النجاسات

[ 40 ]

يتغير لحمها وينتن فيكره أكله كالطعام المنتن وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلالة أن تشرب البانها لان لحمها إذا تغير يتغير لبنها وما روى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أن يحج عليها وان يعتمر عليها وان يغزى وأن ينتفع بها فيما سوى ذلك فذلك محمول على انها انتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدورى رحمه الله في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي انه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره الا ان تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل وما ذكر القدورى رحمه الله أجود لان النهى ليس لمعنى يرجع إلى ذاتها بل لعارض جاورها فكان الانتفاع بها حلالا في ذاته الا انه يمنع عنه لغيره ثم ليس لحبسها تقدير في ظاهر الرواية هكذا روى عن محمد رحمه الله أنه قال كان أبو حنيفة رضى الله عنه لا يوقت في حبسها وقال تحبس حتى تطيب وهو قولهما أيضا وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة عليه الرحمة انها تحبس ثلاثة ايام وروى ابن رستم رحمه الله عن محمد في الناقة الجلالة والشاة والبقر الجلال انها انما تكون جلالة إذا تفتتت وتغيرت ووجد منها ريح منتنة فهى الجلالة حينئذ لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها وبيعها وهبتها جائز هذا إذا كانت لا تخلط ولا تأكل الا العذرة غالبا فان خلطت فليست جلالة فلا تكره لانها لا تنتن ولا يكره أكل الدجاج المحلى وان كان يتناول النجاسة لانه لا يغلب عليه أكل النجاسة بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا وقيل انما لا يكره لانه لا ينتن كما ينتن الابل والحكم متعلق بالنتن ولهذا قال اصحابنا في جدى ارتضع بلبن خنزير حتى كبر انه لا يكره أكله لان لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على ان الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول النجاسة ولهذا إذا خلطت لا يكره وان وجد تناول النجاسة لانها لا تنتن فدل ان العبرة للنتن لا لتناول النجاسة والافضل ان تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبس الدجاج ثلاثة ايام ثم يأكله وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبى يوسف عن ابى حنيفة عليهما الرحمة انها تحبس ثلاثة أيام كانه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ذكرنا ان ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرا وغالبا ويكره الغراب الاسود الكبير لما روى عن عروة عن ابيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال من يأكل بعد ما سماه الله تبارك وتعالى فاسقا عنى بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم ولان غالب أكلها الجيف فيكره أكلها كالجلالة ولا بأس بغراب الزرع لانه يأكل الحب والزرع ولا يأكل الجيف هكذا روى بشر بن الوليد عن أبى يوسف قال سألت أبا حنيفة عليه الرحمة عن أكل الغراب فرخص في غراب الزرع وكره الغداف فسألته عن الابقع فكره ذلك وان كان غرابا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الحب لا يكره في قول أبى حنيفة عليه الرحمة قال وانما يكره من الطير ما لا يأكل الا الجيف ولا بأس بالعقعق لانه ليس بذى مخلب ولا من الطير الذى لا يأكل الا الحب كذا روى أبو يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة رحمه الله في أكل العقعق فقال لا بأس به فقلت انه يأكل الجيف فقال انه يخلط فحصل من قول أبى حنيفة ان ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج وقال أبو يوسف رحمه الله يكره لان غالب أكله الجيف (فصل) وأما بيان شرط حل الاكل في الحيوان المأكول فشرط حل الاكل في الحيوان المأكول البرى هو الذكاة فلا يحل أكله بدونها لقوله تبارك وتعالى حرمت عليكم الميتة والدم إلى قوله عز شأنه وما أكل السبع الا ما ذكيتم استثنى سبحانه وتعالى الذكى من المحرم والاستثناء من التحريم اباحة ثم الكلام في الذكاة في الاصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن الذكاة وفى بيان شرائط الركن وفى بيان ما يستحب من الذكاة وما يكره منها فالذكاة نوعان اختيارية وضرورية أما الاختيارية فركنها الذبح فيما يذبح من الشاة والبقرة ونحوهما والنحر فيما ينحر وهو الابل عند القدرة على الذبح والنحر لا يحل بدون الذبح والنحر لان الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح وأنه لا يزول الا بالذبح والنحر ولان الشرع انما ورد باحلال الطيبات قال الله تبارك وتعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وقال سبحانه وتعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ولا يطيب الا بخروج الدم المسفوح وذلك بالذبح والنحر

[ 41 ]

ولهذا حرمت الميتة لان المحرم وهو الدم المسفوح فيها قائم ولذا لا يطيب معه قيامه ولهذا يفسد في أدنى مدة ما يفسد في مثلها المذبوح وكذا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لما قلنا والذبح هو فرى الاوداج ومحله مابين اللبة واللحيين لقول النبي عليه الصلاة والسلام الذكاة ما بين اللبة واللحية أي محل الذكاة ما بين اللبة واللحيين وروى الذكاة في الحلق واللبة والنحر فرى الاوداج ومحله آخر الحلق ولو نحر ما يذبح وذبح ما ينحر يحل لوجود فرى الاوداج ولكنه يكره لان السنة في الابل النحر وفى غيرها الذبح ألا ترى ان الله تعالى ذكر في الابل النحر وفى البقر والغنم الذبح فقال سبحانه وتعالى فصل لربك وانحر قيل في التأويل أي انحر الجزور وقال الله عز شأنه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة وقال تعالى وفديناه بذبح عظيم والذبح بمعنى المذبوح كالطحن بمعنى المطحون وهو الكبش الذى فدى به سيدنا اسماعيل أو سيدنا إسحاق صلوات الله عليهما على اختلاف أصل القصة في ذلك وكذا النبي عليه الصلاة والسلام نحر الابل وذبح البقر والغنم فدل أن ذلك هو السنة وذكر محمد رحمه الله في الاصل وقال بلغنا ان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورضى الله عنهم كانوا ينحرون الابل قياما معقولة اليد اليسرى فدل ذلك على ان النحر في الابل هو السنة لان الاصل في الذكاة انما هو الاسهل على الحيوان وما فيه نوع راحة له فيه فهو أفضل لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ان الله تعالى كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته والاسهل في الابل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف فان قيل اليس انه روى عن جابر رضى الله عنه أنه قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة أي ونحرنا البقرة عن سبعة لانه معطوف على الاول فكان خبر الاول خبرا للثاني كقولنا جاءني زيد وعمرو فالجواب ان الذبح مضمر فيه ومعناه وذبحنا البقرة على عادة العرب في الشئ إذا عطف على غيره وخبر المعطوف عليه لا يحتمل الوجود في المعطوف أو لا يوجد عادة أن يضمر المعارف المعتاد كما قال الشاعر ولقيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا أي متقلدا سيفا ومعتقلا رمحا وقال آخر * علفتها تبنا وماء باردا * أي علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا لان الرمح لا يحتمل التقلد أو لا يتقلد عادة والماء لا يعلف بل يسقى كذا ههنا الذبح في البقر هو المعتاد فيضمر فيه فصار كأنه قال نحرنا البدنة وذبحنا البقرة وهذا الذى ذكرنا قول عامة العلماء رضى الله تعالى عنهم وقال مالك رحمه الله إذا ذبح البدنة لا تحل لان الله تبارك وتعالى أمر في البدنة بالنحر بقوله عز شأنه فصل لربك وانحر فإذا ذبح فقد ترك المأمور به فحلا يحل ولنا ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ما أنهر الدم وفرى الاوداج فكل وبه تبين ان الامر بالنحر في البدنة ليسس لعينه بل لانهار الدم وافراء الاوداج وقد وجد ذلك ولا بأس في الحلق كله أسفله أو أوسطه أو أعلاه لقوله عليه الصلاة والسلام الذكاة ما بين اللبة واللحيين وقوله عليه الصلاة والسلام الذكاة في الحلق واللبة من غير فصل ولان المقصود اخراج الدم المسفوح وتطييب اللحم وذلك يحصل بقطع الاوداج في الحلق كله ثم الاوداج اربعة الحلقوم والمرى والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمرئ فإذا فرى ذلك كله فقد أتى بالذكاة بكمالها وسننها وان فرى البعض دون البعض فعند ابى حنيفة رضى الله عنه إذا قطع أكثر الاوداج وهو ثلاثة منها أي ثلاثة كانت وترك واحدا يحل وقال أبو يوسف رحمه الله لا يحل حتى يقطع الحلقوم والمرئ وأحد العرقين وقال محمد رحمه الله لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الاربعة أكثره وقال الشافعي رحمه الله إذا قطع الحلقوم والمرئ حل إذا استوعب قطعهما (وجه) قول الشافعي رضى الله عنه ان الذبح ازالة الحياة والحياة لا تبقى بعد قطع الحلقوم والمرئ عادة وقد تبقى بعد قطع الودجين إذ هما عرقان كسائر العروق والحياة تبقى بعد قطع عرقين من سائر العروق (ولنا) ان المقصود من الذبح ازالة المحرم وهو الدم المسفوح ولا يحصل الا بقطع الودج (وجه) قول محمد عليه الرحمة انه إذا قطع الاكثر من كل واحد من الاربعة فقد حصل المقصود بالذبح وهو خروج الدم لانه يخرج ما يخرج

[ 42 ]

بقطع الكل (وجه) قول أبى يوسف ان كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الاخر لان الحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والودجين مجرى الدم فإذا قطع أحد الودجين حصل بقطعه المقصود منهما وإذا ترك الحلقوم لم يحصل بقطع ما سواه المقصود منه ولذلك اختلفا ولابي حنيفة عليه الرحمة انه قطع الاكثر من العروق الاربعة وللاكثر حكم الكل فيما بنى على التوسعة في أصول الشرع والذكاة بنيت على التوسعة حيث يكتفى فيها بالبعض بلا خلاف بين الفقهاء وانما اختلقوا في الكيفية فيقام الاكثر فيها مقام الجميع ولو ضرب عنق جزور أو بقرة أو شاة بسيفه وابائها وسمى فان كان ضربها من قبل الحلقوم تؤكل وقد اساء أما حل الاكل فلانه أتى بفعل الذكاة وهو قطع العروق وأما الاساءة فلانه زاد في ألمها زيادة لا يحتاج إليها في الذكاة فيكره ذلك وان ضربها من القفا فان ماتت قبل القطع بأن ضرب على التأني والتوقف لا تؤكل لانها ماتت قبل الذكاة فكانت ميتة وان قطع العروق قبل موتها تؤكل لوجود فعل الذكاة وهى حية الا أنه يكره ذلك لانه زاد في ألمها من غير حاجة وان أمضى فعله من غير توقف تؤكل لان الظاهر ان موتها بالذكاة وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح بالمروة أو بليطة القصب أو بشقة العصا أو غيرها من الآلات التى تقطع انه يحل لوجود معنى الذبح وهو فرى الاوداج وجملة الكلام فيه ان الآلة على ضربين آلة تقطع وآلة تفسخ والتى تقطع نوعان حادة وكليلة أما الحادة فيجوز الذبح بها حديدا كانت أو غير حديد والاصل في جواز الذبح بدون الحديد ما روى عن عدى بن حاتم رضى الله عنه انه قال قلت يا رسول الله أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذكى بمروة أو بشقة العصا فقال عليه الصلاة والسلام أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله تعالى وروى ان جارية لكعب بن مالك رضى الله عنه ذبحت شاة بمروة فسأل كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمر بأكلها ولانه يجوز بالحديد والجواز ليس لكونه من جنس الحديد بل لوجود معنى الحديد بدليل انه لا يجوز بالحديد الذى لا حد له فإذا وجد معنى الحد في المروة والليطة جاز الذبح بهما وأما الكليلة فان كانت تقطع يجوز لحصول معنى الذبح لكنه يكره لما فيه من زيادة إيلام لا حاجة إليها ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحديد الشفرة واراحة الذبيحة وكذلك إذا جرح بظفر منزوع أو سن منزوع جاز الذبح بهما ويكره وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز واحتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال انهر الدم بما شئت الا ما كان من سن أو ظفر فان الظفر مدى الحبشة والسن عظم من الانسان استثنى عليه الصلاة والسلام الظفر والسن من الاباحة والاستثناء من الاباحة يكون حظرا وعلل علية الصلاة والسلام بكون الظفر مدى الحبشة وكون السن عظم الانسان وهذا خرج مخرج الانكار ولنا انه لما قطع الاوداج فقد وجد الذبح بهما فيجوز كما لو ذبح بالمروة وليطة القصب وأما الحديث فالمراد السن القائم والظفر القائم لان الحبشة انما كانت تفعل ذلك لاظهار الجلادة وذاك بالقائم لا بالمنزوع والدليل عليه انه روى في بعض الروايات الا ما كان قرضا بسن أو حزا بظفر والقرض انما يكون بالسن القائم وأما الآلة التى تفسخ فالظفر القائم والسن القائم ولا يجوز الذبح بهما بالاجماع ولو ذبحهما كان ميتة للخبر الذى روينا ولان الظفر والسن إذا لم يكن منفصلا فالذابح يعتمد على الذبيح فيخنق وينفسخ فلا يحل أكله حتى قالوا لو أخذ غيره يده فأمر يده كما امر السكين وهو ساكت يجوز ويحل أكله وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه ان خرج حيا فذكى يحل وان مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف وان خرج ميتا فان لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضا في قولهم جميعا لانه بمعنى المضغة وان كان كامل الخلق اختلف فيه قال أبو حنيفة رضى الله عنه لا يؤكل وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله وقال ابو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله لا بأس بأكله واحتجوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام ذكاة الجنين بذكاة أمه فيقتضى انه يتذكى بذكاة أمه ولانه تبع لامه حقيقة وحكما (أما) الحقيقة فظاهر وأما الحكم فلانه يباع ببيع الام ويعتق بعتقها والحكم في التبع يثبت بعلة الاصل ولا يشترط له علة على حدة لئلا ينقلب التبع أصلا ولابي حنيفة قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم والجنين ميتة لانه لا حياة فيه والميتة ما لا حياة فيه فيدخل تحت النص فان قيل الميتة اسم لزائل الحياة

[ 43 ]

فيستدعى تقدم الحياة وهذا لا يعلم في الجنين فالجواب ان تقدم الحياة ليس بشرط لاطلاق اسم الميت قال الله تبارك وتعالى وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم على انا ان سلمنا ذلك فلا بأس به لانه يحتمل انه كان حيا فمات بموت الام ويحتمل انه لم يكن فيحرم احتياطا ولانه أصل في الحياة فيكون له أصل في الذكاة والدليل على انه أصل في الحياة انه يتصور بقاؤه حيا بعد ذبح الام ولو كان تبعا للام في الحياة لما تصور بقاؤه حيا بعد زوال الحياة عن الام وإذا كان أصلا في الحياة يكون أصلا في الذكاة لان الذكاة تفويت الحياة ولانه إذا تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الام لم يكن ذبح الام سببا لخروج الدم عنه إذ لو كان لما تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الام إذ الحيوان الدموي لا يعيش بدون الدم عادة فبقى الدم المسفوح فيه ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم وانه حرم بقوله سبحانه وتعالى دما مسفوحا وقوله عز شأنه حرمت عليكم الميتة والدم ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم لحمه أيضا وأما الحديث فقد روى بنصب الذكاة الثانية معناه كذكاة أمه إذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه وقد يكون بحذف حرف التشبيه قال الله تعالى وهى تمر مر السحاب وقال عز شأنه ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت أي كنظر المغشى عليه وهذا حجة عليكم لان تشبيه ذكاة الجنين بذكاة أمه يقتضى استواءهما في الافتقار إلى الذكاة ورواية الرفع تحتمل التشبيه ايضا قال الله سبحانه وتعالى وجنة عرضها السموات والارض أي عرضها كعرض السموات فيكون حجة عليكم ويحتمل الكناية كما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال مع أنه من أخبار الآحاد ورد فيما تعم به البلوى وانه دليل عدم الثبوت إذ لو كان ثابتا لاشتهر وإذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا سواء اشتد قشرها أو لم يشتد وعند الشافعي رحمه الله ان اشتد قشرها تؤكل والا فلا (وجه) قوله أنه إذا لم يشتد قشرها فهى من أجزاء الميتة فتحرم بتحريم الميتة وإذا اشتد قشرها فقد صار شيئا آخر وهو منفصل عن الدجاجة فيحل (ولنا) انه شئ طاهر في نفسه مودع في الطير منفصل عنه ليس من اجزائه فتحريمها لا يكون تحريما له كما إذا اشتد قشرها ولو ماتت شاة وخرج من ضرعها لبن يؤكل عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد لا يؤكل وهو قول الشافعي رحمهم الله جميعا الا ان عند الشافعي لا يؤكل لكونه ميتة وعندهما لا يؤكل لنجاسة الوعاء ولابي حنيفة عليه الرحمة قوله تبارك وتعالى وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين والاستدلال بالآية من وجوه أحدها انه وصفه بكونه خالصا فيقتضى ان لا يشوبه شئ من النجاسة والثانى أنه سبحانه وتعالى وصفه بكونه سائغا للشاربين والحرام لا يسوغ للمسلم والثالث انه سبحانه وتعالى من علينا بذلك إذ الآية خرجت مخرج المنة والمنة بالحلال لا بالحرام وعلى هذا الخلاف الانفحة إذا كانت مائعة وان كانت صلبة فعند أبى حنيفة رحمه الله تؤكل وتستعمل في الادوية كلها وعندهما يغسل ظاهرها وتؤكل وعند الشافعي لا تؤكل أصلا (وأما) الاضطرارية فركنها العقر وهو الجرح في أي موضع كان وذلك في الصيد وما هو في معنى الصيد وانما كان كذلك لان الذبح إذا لم يكن مقدورا ولابد من اخراج الدم لازالة المحرم وتطبيب اللحم وهو الدم المسفوح على ما بينا فيقام سبب الذبح مقامه وهو الجرح على الاصل المعهود في الشرع من اقامة السبب مقام المسبب عند العذر والضرورة كما يقام السفر مقام المشقة والنكاح مقام الوطئ والنوم مضطجعا أو متوركا مقام الحدث ونحو ذلك وكذلك ما ند من الابل والبقر والغنم بحيث لا يقدر عليها صاحبها لانها بمعنى الصيد وان كان مستأنسا وقد روى ان بعيرا ند على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرماه رجل فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لهذه الابل أوابد كاوابد الوحش فإذا غلبكم منها شئ فاصنعوا به هكذا وسواء ند البعير والبقر في الصحراء أو في المصر فذكاتهما العقر كذا روى عن محمد لانهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما قال محمد والبعير الذى ند على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة فدل ان ند البعير في الصحراء والمصر سواء في هذا الحكم (وأما) الشاة فان ندت في الصحراء فذكاتها العقر لانه لا يقدر عليها وان ندت في المصر لم يجز عقرها لانه يمكن أخذها إذ هي لا تدفع عن نفسها فكان الذبح مقدورا عليه فلا يجوز العقر وهذا لان العقر خلف من الذبح والقدرة على الاصل تمنع المصير إلى الخلف كما في التراب مع الماء والاشهر

[ 44 ]

مع الاقراء وغير ذلك وكذلك ما وقع منها في قليب فلم يقدر على اخراجه ولا على مذبحه ولا منحره فان ذكاته ذكاة الصيد لكونه في معناه لتعذر الذبح والنحر وذكر في المنتقى في البعير إذا صال على رجل فقتله وهو يريد الذكاة حل أكله إذا كان لا يقدر على اخذه وضمن قيمته لانه إذا كان لا يقدر على أخذه صار بمنزلة الصيد فجعل الصيال منه كنده لانه يعجز عن أخذه فيعجز عن نحره فيقام الجرح فيه مقام النحر كما في الصيد ثم لا خلاف في الاصطياد بالسهم والرمح والحجر والخشب ونحوها انه إذا لم يجرح لا يحل وأصله ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيد المعراض فقال عليه والسلام إذا خرق فكل وان اصابه بعرض فلا تأكل فانه وقيذ (وأما) الاصطياد بالجوارح من الحيوانات اما بناب كالكلب والفهد ونحوهما واما بالمخلب كالبازي والشاهين ونحوهما فكذلك في الرواية المشهورة انه إذا لم يجرح لا يحل حتى لو خنق أو صدم ولم يجرح ولم يكسر عضوا منه لا يحل في ظاهر الرواية وروى عن أبى حنيفة وأبى يوسف انه يحل (وجه) هذه الرواية ان الكلب يأخذ الصيد على حسب ما يتفق له فقد يتفق له الاخذ بالجرح وقد يتفق بالخنق والصدم والحال حال الضرورة فيوسع الامر فيه ويجعل الخنق والصدم كالجرح كما وسع في الذبح (وجه) ظاهر الرواية قوله تعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح وهى من الجراحة فيقتضى اعتبار الجرح ولان الركن هو اخراج الدم وذلك بالذبح في حال القدرة وفى حال العجز أقيم الجرح مقامه لكونه سببا في خروج الدم ولا يوجد ذلك في الخنق وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد المعراض إذا خرق فكل وان أصاب بعرضه فلا تأكل فانه وقيد وروى انه عليه الصلاة والسلام قال ما اصبت بعرضه فلا تأكل فهو وقيذ وما اصبت بحده فكل أراد عليه الصلاة والسلام الحل والحرمة على الجرح وعدم الجرح وسمى عليه الصلاة والسلام غير المجروح وقيذا وانه حرام بقوله تبارك وتعالى والموقوذة ولانها منخنقة وانها محرمة بقوله عزوجل والمنخنقة فان لم يجرحه ولم يخنقه ولكنه كسر عضوا منه فمات فقد ذكر الكرخي رحمه الله انه لم يحك عن أبى حنيفة رحمه الله فيه شئ مصرح وذكر محمد في الزيادات وأطلق انه إذا لم يجرح لم يؤكل وهذا الاطلاق يقتضى انه لا يحل بالكسر وقال أبو يوسف إذا جرح بناب أو مخلب أو كسر عضوا فقتله فلا بأس بأكله فقد جعل الكسر جراحة باطنه فيلحق بالجراحة لظاهره في حكم بنى على الضرورة والعذر (وجه) رواية محمد رحمه الله وهى الصحيحة ان الاصل هو الذبح وانما اقيم الجرح مقامه في كونه سببا لخروج الدم وذلك لا يوجد في الكسر فلا يقام مقامه ولهذا لم يقم الخنق مقامه وقد قالوا إذا اصاب السهم ظلف الصيد فان وصل إلى اللحم فأدماه حل والا فلا وهذا تفريع على رواية اعتبار الجرح ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم قيل وهذا قد يكون في شاة اعتلفت العناب اختلف المشايخ فيه قال ابو القاسم الصفار رحمه الله لا تؤكل لقوله عليه الصلاة والسلام ما فرى الاوداج وانهر الدم فكل يؤكل بشرط انهار الدم ولم يوجد ولان الذبح لم يشرط لعينه بل لاخراج الدم المحرم وتطيب اللحم ولم يوجد فلا يحل وقال أبو بكر الاسكاف والفقيه ابو جعفر الهندوانى رحمهما الله يؤكل لوجود الذبح وهو فرى الاوداج وانه سبب لخروج الدم عادة لكنه امتنع لعارض بعد وجود السببب فصار كالدم الذى احتبس في بعض العروق عن الخروج بعد الذبح وذا لايمنع الحل كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا قطع من الية الشاة قطعة أو من فخذها انه لا يحل المبان وان ذبحت الشاة بعد ذلك لان حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان وقت الابانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الابانة وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل وروى ان اهل الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من الية الشاة ومن سنام البعير فيأكلونها فلما بعث النبي المكرم عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ما أبين من الحى فهو ميت والجزء المقطوع مبان من حى وبائن منه فيكون ميتا وكذلك إذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع وان مات الصيد بعد ذلك لما قلنا وقال الشافعي رحمه الله يؤكل إذا مات الصيد بذلك وسنذكر المسألة ان شاء الله تعالى وان قطع فتعلق العضو بجلده لا يؤكل لان ذلك القدر من التعلق لا يعتبر

[ 45 ]

فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة وان كان متعلقا باللحم يؤكل الكل لان العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به ولو ضرب صيدا بسيف فقطعه نصفين يؤكل النصفان عندنا جميعا وهو قول ابراهيم النخعي لانه وجد قطع الاوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل وان قطع أقل من النصف فمات فان كان مما يلى العجز لا يؤكل المبان عندنا وقال الشافعي يؤكل (وجه) قوله ان الجرح في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاة اضطرارية وانها سبب الحل كالذبح (ولنا) قول النبي عليه الصلاة والسلام ما ابين من الحى فهو ميت والمقطوع مبان من الحى فيكون ميتا واما قوله ان الجرح الذى اتصل به الموت ذكاة في الصيد فنعم لكن حال فوات الحياة عن المحل وعند الابانة المحل كان حيا فلم يقع الفعل ذكاة له وعند ما صار ذكاة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يلحق الجزء المنفصل وان كان مما يلى الرأس يؤكل الكل لوجود قطع الاوداج فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقة فيحل به الكل وان ضرب رأس صيد فأبانه نصفين طولا أو عرضا يؤكل كله في قول أبى حنيفة ومحمد وهو قول أبى يوسف الاول ثم رجع وقال لا يؤكل النصف البأس ويؤكل ما بقى من الصيد والاصل فيه ما ذكرنا أن الاوداج متصلة بالدماغ فتصير مقطوعة بقطع الرأس وكان أبو يوسف على هذا ثم ظن انها تكون الا فيما يلى البدن من الرأس وان كان المبان أكثر من النصف فكذلك يؤكل الكل لانه إذا قطع العروق فلم يكن ذلك ذبحا بل كان جرحا وأنه لا يبيح المبان لما ذكرنا (وأما) شرائط ركن الذكاة فانواع بعضها يعم نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية وبعضها يخص احدهما دون الآخر أما الذى يعمهما فمنها أن يكون عاقلا فلا تؤكل ذبيحة المجنون والصبى الذى لا يعقل والسكران الذى لا يعقل لما نذكر ان القصد إلى التسمية عند الذبح شرط ولا يتحقق القصد الصحيح ممن لا يعقل فان كان الصبى يعقل الذبح ويقدر عليه تؤكل ذبيحته وكذا السكران (ومنها) أن يكون مسلما أو كتابيا فلا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي والوثنى وذبيحة المرتد أما ذبيحة أهل الشرك فلقوله تعالى وأهل لغير الله وقوله عز وجل وما ذبح على النصب أي للنصب وهى الاصنام التى يعبدونها وأما ذبيحة المجوس فلقوله عليه الصلاة والسلام سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم ولان ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة من شرائط الحل عندنا لما نذكر ولم يوجد وأما المرتد فلانه لا يقر على الدين الذى انتقل إليه فكان كالوثني الذى لايقر على دينه ولو كان المرتد غلاما مراهقا لا تؤكل ذبيحته عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف تؤكل بناء على أن ردته صحيحة عندهما وعنده لا تصح وتؤكل ذبيحة أهل الكتاب لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم والمراد منه ذبائحهم إذ لو لم يكن المراد ذلك لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى لان غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول ولان مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها لانه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت اطلاق اسم الطعام فيحل لنا أكلها ويستوى فيه أهل الحرب منهم وغيرهم لعموم الاية الكريمة وكذا يستوى فيه نصارى بنى تغلب وغيرهم لانهم على دين النصارى الا انهم نصارى العرب فيتناولهم عموم الآية الشريفة وقال سيدنا على رضى الله عنه لا تؤكل ذبائح نصارى العرب لانهم ليسوا بأهل الكتاب وقرأ قوله عز شأنه ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى وقال ابن عباس رضى الله عنهما تؤكل وقرأ قوله عزوجل ومن يتولهم منكم فانه منهم والآية الكريمة التى تلاها سيدنا على رضى الله عنه دليل على انهم من اهل الكتاب لانه قال عزوجل ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب أي من أهل الكتاب وكلمة من للتبعيض الا أنهم يخالفون غيرهم من النصارى في بعض شرائعهم وذا يخرجهم عن كونهم نصارى كسائر النصارى فان انتقل الكتابى إلى دين أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته لان المسلم لو انتقل إلى ذلك الدين لا تؤكل ذبيحته فالكتابي أولى ولو انتقل غير الكتابى من الكفرة إلى دين أهل الكتاب تؤكل ذبيحته والاصل انه ينظر إلى حاله ودينه فيه انه ينظر إلى حاله ودينه وقت ذبيحته دون ما سواه وهذا أصل أصحابنا ان من انتقل من ملة يقر عليها يجعل كانه من أهل تلك الملة من الاصل على ما ذكرنا في كتاب

[ 46 ]

النكاح والمولود بين كتابي وغير كتابي تؤكل ذبيحته أيهما كان الكتابى الاب أو الام عندنا وقال مالك يعتبر الاب فان كان كتابيا تؤكل والا فلا وقال الشافعي لا تؤكل ذبيحته رأسا والصحيح قولنا لان جعل الوليد تبعا للكتابى منهما أولى لانه خيرهما دينا بالنسبة فكان باتباعه اياه أولى وأما الصابئون فتؤكل ذبائحهم في قول أبى حنيفة رضى الله عنه وعند أبى يوسف ومحمد لا تؤكل واختلاف الجواف لاختلاف تفسيرهم في الصابئين انهم ممن هم وقد ذكرنا ذلك في كتاب النكاح ثم انما تؤكل ذبيحة الكتابى إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شئ أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده لانه إذا لم يسمع منه شيئا يحمل على أنه قد سمى الله تبارك وتعالى وجرد التسمية تحسينا للظن به كما بالمسلم ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله عزوجل المسيح عليه الصلاة والسلام قالوا تؤكل لانه أظهر تسمية هي تسمية المسليمن الا إذا نص فقال بسم الله هو ثالث ثلاثة فلا تحل وقد روى عن سيدنا على رضى الله عنه انه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون فقال رضى الله عنه قد أحل الله ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون فاما إذا سمع منه أنه سمى المسيح عليه الصلاة والسلام وحده أو سمى الله سبحانه وتعالى وسمى المسيح لا تؤكل ذبيحته كذا روى سيدنا على رضى الله عنه ولم يرو عنه غيره خلافه فيكون اجماعا ولقوله عزوجل وما أهل لغير الله وهذا أهل لغير الله عزوجل به فلا يؤكل ومن أكلت ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذى صاده بالسهم أو بالجوارح ومن لا فلا لان أهلية المذكى شرط في نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية جميعا (ومنها) التسمية حالة الذكر عندنا وعند الشافعي ليست بشرط أصلا وقال مالك رحمه الله انها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسيا عنده والمسألة مختلفة بين الصحابة رضى الله تعالى عنهم أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فانه احتج بقوله تبارك وتعالى قل لا اجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أمر النبي عليه الصلاة والسلام ان يقول انه لا يجد فيما أوحى إليه محرما سوى الاشياء الثلاثة ومتروك التسمية لم يدخل فيها فلا يكون محرما ولا يقال يحتمل انه لم يكن المحرم وقت نزول الآية الكريمة سوى المذكور فيها ثم حرم بعد ذلك متروك التسيمة بقوله عزوجل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه لانه قيل ان سورة الانعام نزلت جملة واحدة ولو كان متروك التسمية محرما لكان واجدا له فيجب ان يستثنيه كما استثنى الاشياء الثلاثة (ولنا) قوله عزوجل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق والاستدلال بالآية من وجهين احدهما ان مطلق النهى للتحريم في حق العمل والثانى انه سمى اكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا بقوله عزوجل وانه لفسق ولا فسق الا بارتكاب المحرم ولا تحمل الا على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول بعض اهل التأويل في سبب نزول الآية الكريمة لان العام لا يخص بالسبب عندنا بل يعمل بعموم اللفظ لما عرف في أصول الفقه مع ما ان الحمل على ذلك حمل على التكرار لان حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر وهى قوله عزوجل حرمت عليكم الميتة وقوله عزوجل وما أهل لغير الله به وقوله عز وجل وما ذبح على النصب فالحمل على ما قاله يكون حملا على ما قلنا ويكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى وقوله عز وجل فاذكروا اسم الله عليها صواف ومطلق الامر للوجوب في حق العمل ولو لم يكن شرطا لما وجب وروى الشعبى عن عدى بن حاتم رضى الله عنهما قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب فقال ما أمسك عليك ولم يأكل منه فكله فأن اخذه ذكاته فان وجدت عند كلبك غيره فحسبت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل لانك انما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاكل وعلل بترك التسمية فدل انها شرط (وأما) الآية الكريمة ففيها انه كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرما سوى المذكور فيها فاحتمل انه كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة وجد تحريم متروك التسمية بعد ذلك لما تلونا كما كان لا يجد تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وتحريم الحمار والبغل عند نزولها ثم وجد بعد ذلك بوحى متلو أو غير متلو على ما ذكرنا (وأما) ما يروى ان سورة الانعام نزلت كلها جملة واحدة فمروى على طريق الآحاد فلا يقبل

[ 47 ]

في إبطال حرمة ثبتت بالكتاب على ان المذكور فيها من جملة المستثنى الميتة فما الدليل على ان متروك التسمية عمدا ليس بميتة بل هو ميتة عندنا مع انه لا يجد فيما أوحى إليه محرما سوى المذكور ونحن لا نطلق اسم المحرم على متروك التسمية إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به ولم يوجد ذلك في محل الاجتهاد إذا كان الاختلاف بين أهل الديانة وانما نسميه مكروها أو محرما في حق الاعتقاد قطعا على طريق التعيين بل على الابهام ان ما أراد الله عز وجل من هذا النهى فهو حق لكنا نمتنع عن أكله احتياطا وهو تفسير الحرمة في حق العمل (وأما) الكلام مع مالك رحمه الله فهو احتج بعموم قوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه من غير فصل بين العمد والسهو ولان التسمية لما كانت واجبة حالة العمد فكذا حالة النسيان لان النسيان لا يمنع الوجوب والحظر كالخطأ حتى كان الناسي والخاطئ جائز المؤاخذة عقلا ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة الافتتاح والطهارة وغيرها من الشرائط والكلام في الصلاة عمدا أو سهوا عندكم كذا ههنا (ولنا) ما روى عن راشد بن سعد عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم ما لم يتعمد وهذا نص في الباب وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية لوجهين أحدهما أنه قال عزوجل وانه لفسق أي ترك التسيمة عند الذبح فسق وترك التسيمة سهوا لا يكون فسقا وكذا كل متروك التسيمة سهوا لا يلحقه سمة الفسق لان المسألة اجتهادية وفيها اختلاف الصحابة فدل ان المراد من الآية الكريمة متروك التسمية عمدا لا سهوا والثانى ان الناسي لم يترك التسيمة بل ذكر اسم الله عزوجل والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب قال الله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا والناسى ذاكر بقلبه لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه سئل عن رجل ذبح ونسى أن يذكر اسم الله عليه فقال رضى الله عنه اسم الله عزوجل في قلب كل مسلم فليأكل وعنه في رواية أخرى قال ان المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الاسلام وعنه رضى الله عنه في رواية أخرى قال في المسلم اسم الله تعالى فإذا ذبح ونسى ان يسمى فكل وإذا ذبح المجوسى وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه وعن سيدنا على رضى الله عنه سئل عن هذا فقال انما هي علة المسألة فثبت ان الناسي ذاكر فكانت ذبيحته مذكور التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة واما قوله ان النسيان لا يدفع التكليف ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذرا في بعض المواضع على ما ضرب من الامثلة فنقول النسيان جعل عذرا مانعا من التكليف والمؤاخذة فيما يغلب وجوده ولم يجعل عذرا فيما لا يغلب وجوده لانه لو لم يجعل عذرا فيما يغلب وجوده لوقع الناس في الحرج والحرج مدفوع والاصل فيه ان من لم يعود نفسه فعلا يعذر في تركه واشتغاله بضده سهوا لان حفظ النفس عن العادة التى هي طبيعة خامسة خطب صعب وأمر أمر فيكون النسيان فيه غالب الوجود فلو لم يعذر للحقه الحرج وليس كذلك إذا لم يعود نفسه مثاله ان الاكل والشرب من الصائم سهوا جعل عذرا في الشرع حتى لا يفسد صومه لانه عود نفسه ذلك ولم يعودها ضده وهو الكف عن الاكل والشرب ولم يجعل ذلك عذرا في المصلى لانه لم يعود نفسه ذلك في كل زمان بل في وقت معهود وهو الغداة والعشي خصوصا في حال الصلاة التى تخالف أوقات الاكل والشرب فكان الاكل والشرب فيها في غاية الندرة فلم يجعل عذرا والكلام في الصلاة من هذا القبيل لان حالة الصلاة تمنع من ذلك عادة فكان النسيان فيها نادرا فلم يجعل عذرا وكذلك ترك تكبيرة الافتتاح سهوا لان الشروع في الصلاة يكون بها وتركها سهوا عند تصميم العزم على الشروع فيها مما يندر فلم يعذر وكذا ترك الطهارة عند حضور وقت الصلاة سهوا لان المسلم على استعداد الصلاة عند هجوم وقتها عادة فالشروع في الصلاة من غير طهارة سهوا يكون نادرا فلا يعذر ويلحق بالعدم فأما ذكر اسم الله تعالى فأمر لم يعوده الذابح نفسه لان الذبح على مجرى العادة يكون من القصابين ومن الصبيان الذين لم يعودوا أنفسهم ذكر الله عزوجل فترك التسمية منهم سهوا لا يندر وجوده بل يغلب فجعل عذرا دفعا للحرج فهو الفرق بين هذه الجملة والله سبحانه وتعالى هو الموفق وإذا ثبت ان التسمية حالة الذكر من شرائط الحل عندنا فبعد ذلك يقع الكلام في بيان ركن التسمية وفى بيان شرائط الركن وفى بيان وقت التسمية أما ركنها فذكر اسم الله عزوجل أي اسم كان

[ 48 ]

لقوله تبارك وتعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم باياته مؤمنين ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله من غير فصل بين اسم واسم وقوله عز شأنه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه لانه إذا ذكر اسما من أسماء الله تبارك وتعالى لم يكن المأكول مما لم يذكر اسم الله عليه فلم يكن محرما وسواء قرن بالاسم الصفة بان قال الله أكبر الله أجل الله أعظم الله الرحمن الله الرحيم ونحو ذلك أو لم يقرن بان قال الله أو الرحمن أو الرحيم أو غير ذلك لانه المشروط بالآية عز شأنه وقد وجد وكذا في حديث عدى بن حاتم رضى الله عنهما إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل من غير فصل بين اسم واسم وكذا التهليل والتحميد والتسبيح سواء كان جاهلا بالتسمية المعهودة أو عالما بها لما قلنا وهذا ظاهر على أصل أبى حنيفة ومحمد رضى الله عنهما في تكبيرة الافتتاح انه يصير شارعا في الصلاة بلا إله إلا الله أو الحمد لله أو سبحان الله فههنا أولى وأما على أصل أبى يوسف رحمه الله فلا يصير شارعا بهده الالفاظ وتصح بها عنده فيحتاج هو إلى الفرق والفرق له أن الشرع من ورد هناك الا بلفظ التكبير وههنا ورد بذكر الله اسم الله تعالى وسواء كانت التمسية بالعربية أو بالفارسية أو أي لسان كان وهو لا يحسن العربية أو يحسنها كذا روى بشر عن أبى يوسف رحمهما الله لو أن رجلا سمى على الذبيحة بالرومية أو بالفارسية وهو يحسن العربية أو لا يحسنها أجزأه ذلك عن التسمية لان الشرط في الكتاب العزيز والسنة ذكر اسم الله تعالى مطلقا عن العربية والفارسية وهذا ظاهر على أصل أبى حنيفة رحمه الله في اعتباره المعنى دون اللفظ في تكبيرة الافتتاح فيستوى في الذبح الكبيرة العربية والعجمية من طريق الاولى فأما على أصلهما فهما يحتاجان إلى الفرق بين التكبير والتسمية حيث قالا في التسمية انها جائزة بالعجمية سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن وفى التكبير لا يجوز بالعجمية الا إذا كان لا يحسن العربية لان المشروط ههنا ذكر اسم الله تعالى وانه يوجد بكل لسان والشرط هناك لفظة التكبير لقوله عليه الصلاة والسلام لاتقبل صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى عليه الصلاة والسلام القبول بدون لفظ التكبير ولا يوجد ذلك بغير لفظ العربية وأما شرائط الركن فمنها أن تكون التسمية من الذابح حتى لو سمى غيره والذابح ساكت وهو ذاكر غير ناس لا يحل لان المراد من قوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أي لم يذكر اسم الله عليه من الذابح فكانت مشروط فيه (ومنها) أن يريد بها التسمية على الذبيحة فان من أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل لان الله سبحانه وتعالى أمر بذكر اسم الله تعالى عليه في الآيات الكريمة ولا يكون ذكر اسم الله عليه الا وأن يراد بها التسمية على الذبيحة وعلى هذا إذا قال الحمد لله ولم يرد به الحمد على سبيل الشكر لا يحل وكذا لو سبح أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على الذبيحة وانما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن صفات الحدوث لا غير لا يحل لما قلنا (ومنها) تجريد اسم الله سبحانه وتعالى عن اسم غيره وان كان اسم النبي عليه الصلاة والسلام حتى لو قال بسم الله واسم الرسول لا يحل لقوله تعالى وما أهل لغير الله به وقول النبي عليه الصلاة والسلام موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس وعند الذبح وقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما جردوا التسمية عند الذبح ولان المشركين يذكرون مع الله سبحانه وتعالى غيره فتجب مخالفتهم بالتجريد ولو قال بسم الله ومحمد رسول الله فان قال ومحمد بالجر لا يحل لانه أشرك في اسم الله عز شأنه اسم غيره وان قال محمد بالرفع يحل لانه لم يعطفه بل استأنف فلم يوجد الاشراك الا انه يكره لوجود الوصل من حيث الصورة فيتصور بصورة الحرام فيكره وان قال ومحمدا بالنصب اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يحل لانه ما عطف بل استأنف الا انه أخطأ في الاعراب وقال بعضهم لا يحل لان انتصابه بنزع الحرف الخافض كانه قال ومحمد فيتحقق الاشراك فلا يحل هذا إذا ذكر الواو فان لم يذكر بأن قال بسم الله محمد رسول الله محمد رسول الله فانه يحل كيفما كان لعدم الشركة (ومنها) أن يقصد بذكر اسم الله تعالى تعظيمه على الخلوص ولا يشوبه معنى الدعاء حتى لو قال اللهم اغفر لي لم يكن ذلك تسيمة لانه دعاء والدعاء لا يقصد به التعظيم المحض فلا يكون تسمية كما لا يكون تكبيرا وفى قوله اللهم اختلف المشايخ كما في التكبير (أما) وقت التسمية فوقتها في الذكاة الاختيارية وقت الذبح لا يجوز تقديمها عليه الا بزمان قليل لا يمكن

[ 49 ]

التحرز عنه لقوله تبارك وتعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه والذبح مضمر فيه معناه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من الذبائح ولا يتحقق ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة الا وقت الذبح وكذا قيل في تأويل الآيتين الاخريين أن الذبح مضمر فيهما أي فكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه ومالكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله تعالى عليه فكان وقت التسمية الاختيارية وقت الذبح (وأما) الذكاة الاضطرارية فوقتها وقت الرمى والارسال لا وقت الاصابة لقول النبي عليه الصلاة والسلام لعدى بن حاتم رضى الله عنه حين سأله عن صيد المعراض والكلب إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله عليه فكل وقوله عليه أي على المعراض والكلب ولا تقع التسمية على السهم والكلب الا عند الرمى والارسال فكان وقت التسمية فيها هو وقت الرمى والارسال والمعنى هكذا يقتضى وهو أن التسمية شرط والشرائط يعتبر وجودها حال وجود الركن لان عند وجودها يصير الركن علة كما في سائر الاركان مع شرائطها هو المذهب الصحيح على ما عرف في أصول الفقه والركن في الذكاة الاختيارية هو الذبح وفى الاضطرارية هو الجرح وذلك مضاف إلى الرمى والمرسل وانما السهم والكلب آلة الجرح والفعل يضاف إلى مستعمل الآلة لا إلى الآلة لذلك اعتبر وجود التسمية وقت الذبح والجرح وهو وقت الرمى والارسال ولا يعتبر وقت الاصابة في الذكاة الاضطرارية لان الاصابة ليست من صنع العبد لا مباشرة ولا سببا بل محض صنع الله عزوجل يعنى به مصنوعه هو مذهب أهل السنة والجماعة وهى المسألة المعروفة بالمتولدات وهذا لان فعل العبد لابد وأن يكون مقدور العبد ومقدور العبد ما يقوم بمحل قدرته وهو نفسه وذلك هو الرمى السابق والارسال السابق فتعتبر التسيمة عندهما على أن الاصابة قد تكون وقد لا تكون فلا يمكن ايقاع التسمية عليها وعلى هذا يخرج ما روى بشر عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى انه قال لو أن رجلا اضجع شاة ليذبحها وسمى ثم بدا له فأرسلها وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجزه ذلك ولا تؤكل لعدم التسمية على الذبيحة عند الذبح ولو رمى صيدا فسمى فأخطأ وأصاب آخر فقتله فلا بأس بأكله وكذلك إذا أرسل كلبا على صيد فأخطأ فأخذ غير الذى أرسله عليه فقتله لوجود التسمية على السهم والكلب عند الرمى والارسال وذكر في الاصل أرأيت الذابح يذبح الشاتين والثلاثة فيسمى على الاولى ويدع التسمية على غير ذلك عمدا قال يأكل الشاة التى سمى عليها ولا يأكل ما سوى ذلك لما بينا ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها ثم ألقى السكين وأخذ سكينا آخر فذبح به يؤكل لان التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على المذبوح لا على الآلة والمذبوح واحد فلا يعتبر اختلاف الآلة بخلاف ما إذا سمى على سهم ثم رمى بغيره انه لا يؤكل لان التسمية في الذكاة الاضطرارية تقع على السهم لا على المرمى إليه وقد اختلف إليهم فالتسمية على أحدهما لا تكون تسمية على الاخر ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها فكلمه انسان فأجابه أو استسقى ماء فشرب أو أخذ السكين فان كان قليلا ولم يكثر ذلك منه ثم ذبح على تلك التسمية تؤكل وان تحدث وأطال الحديث أو أخذ في عمل آخر أو حد شفرته أو كانت الشاة قائمة فصرعها ثم ذبح لا تؤكل لان زمان ما بين التسمية والذبح إذا كان يسيرا لا يعتد به لانه لا يمكن التحرز عنه فيلحق بالعدم ويجعل كان سمى مع الذبح وإذا كان طويلا يقع فاصلا بين التسمية والذبح فيصير كانه سمى في يوم وذبح في يوم آخر فلم توجد التسمية عند الذبح متصلة به ولو سمى ثم انقلبت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها فقد انقطعت التسمية وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا ولم يسم متعمدا ثم سمى بعد ذلك أو أرسل كلبا وترك التسمية متعمدا فلما مضى الكلب في تبع الصيد سمى أنه لا يؤكل لان التسيمة لم توجد وقت الرمى والارسال وكذا لو مضى الكلب إلى الصيد فزجره وسمى وانزجر بزجره انه لا يؤكل أيضا وفرق بين هذا وبين ما إذا تبع الكلب الصيد بنفسه من غير أن يرسله أحد ثم زجره مسلم انه ان انزجر بزجره فأخذ الصيد فقتله يؤكل وان لم ينزجر لا يؤكل (ووجه) الفرق نذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى ولو رمى أو ارسل وهو مسلم ثم ارتد أو كان حلالا فأحرم قبل الاصابة وأخذ الصيد يحل ولو كان مرتدا ثم أسلم وسمى لا يحل لان المعتبر وقت الرمى

[ 50 ]

والارسال كما بينا فتراعى الاهلية عند ذلك وعلى هذا الاصل ينبنى شرط تعيين المحل بالتسيمة في الذكاة الاختيارية وهو بيان القسم الثاني من الشرائط التى تخص احد النوعين دون الآخر وهى أنواع يرجع بعضها إلى المذكى وبعضها يرجع إلى محل الذكاة وبعضها يرجع إلى آلة الذكاة أما الذى يرجع إلى المذكى فهو أن يكون حلالا وهذا في الذكاة الاضطرارية دون الاختيارية حتى ان المحرم إذا قتل صيد البر وسمى لا يؤكل لانه ممنوع عن قتل الصيد لحق الاحرام لقوله تبارك وتعالى يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أي وأنتم محرمون وقوله جل شأنه أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أحلت لكم بهيمة الانعام والصيد الا ما يتلى عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخره غير محلى الصيد وأنتم حرم لانه استثنى سبحانه وتعالى الصيد بقوله تبارك وتعالى غير محلى الصيد وانما يستثنى الشئ من الجملة المذكورة فجعل مذكورا بطريق الاضمار والاستثناء من الاباحة تحريم فكان اصطياد المحرم محرما فكان صيدة ميتة كصيد المجوسى سواء اصطاد بنفسه أو اصطيد له بأمره لان ما صيد له بامره فهو صيده معنى وتحل ذبيحة المستأنس لان التحريم خص بالصيد فبقى غيره على عموم الاباحة ويحل له صيد البحر لقوله تبارك وتعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه وقد مر ذلك وأما الذى يرجع إلى محل الذكاة فمنها تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية ولا يشترط ذلك في الذكاة الاضطرارية وهى الرمى والارسال إلى الصيد لان الشرط في الذكاة الاختيارية ذكر اسم الله تبارك وتعالى على الذبيح لما تلونا من الآيات ولا يتحقق ذلك الا بتعيين الذبيح بالتسمية ولان ذكر الله تبارك وتعالى لما كان واجبا فلا بد وأن يكون مقدورا والتعين في الصيد ليس بمقدور لان الصائد قد يرمى ويرسل على قطيع من الصيد وقد يرمى ويرسل على حس الصيد فلا يكون التعيين واجبا والمستأمن مقدور فيكون واجبا وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح شاة وسمى ثم ذبح شاة اخرى يظن ان التسمية الاولى تجزى عنهما لم تؤكل ولابد من أن يجدد لكل ذبيحة تسمية على حدة ولو رمى سهما فقتل به من الصيد اثنين لا بأس بذلك وكذلك لو أرسل كلبا أو بازيا وسمى فقتل من الصيد اثنين فلا بأس بذلك لان التسمية تجب عند الفعل وهو الذبح فإذا تجدد الفعل تجدد التسمية فأما الرمى والارسال فهو فعل واحد وان كان يتعدى إلى مفعولين فتجزى فيه تسمية واحدة ووزان الصيد من المستأنس ما لو اضجع شاتين وأمر السكين عليهما معا أنه تجرى في ذلك تسمية واحدة كما في الصيد فان قيل هلا جعل ظنه ان التسمية على الشاة الاولى تجزئ عن الثانية عذرا كنسيان التسمية فالجواب ان هذا ليس من باب النسيان بل من الجهل بحكم الشرع والجهل بحكم الشرع ليس بعذر والنسيان عذر ألا ترى ان من ظن أن الاكل لا يفطر الصائم فأكل بطل صومه ولو أكل ناسيا لا يبطل فان نظر إلى جماعة من الصيد فرمى بسهم وسمى وتعمدها ولم يتعمد واحدا بعينه فأصاب منها صيدا فقتله لا بأس بأكله وكذلك الكلب والبازى ولو أن رجلا نظر إلى غنمه فقال بسم الله أخذ واحدة فأضجعها وذبحها وترك التسمية عامدا وظن أن تلك التسمية تجزيه لا تؤكل لانه لم يسم عند الذبح والشرط هو التسمية على الذبيحة وذلك بالتسمية عند الذبح نفسه لا عند النظر وتعيين الذبيحة مقدور فيمكن أن يجعل شرطا وتعيين الصيد بالرمي والارسال متعذر لما بينا فلم يمكن أن يجعل شرطا ولو رمى صيدا بعينه أو أرسل الكلب أو البازى على صيد بعينه فأخطأ فأصاب غيره يؤكل وكذا لو رمى ظبيا فأصاب طيرا أو أرسل على ظبى فأخذ طيرا لان التعيين في الصيد ليس بشرط (ومنها) قيام أصل الحياة في المستأمن وقت الذبح قلت أو كثرت في قول أبى حنيفة رحمه الله وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكتفى بقيام أصل الحياة بل تعتبر حياة مقدورة كالشاة المريضة والوقيذة والنطيحة وجريحة السبع إذا لم يبق فيها الا حياة قليلة عرف ذلك بالصياح أو بتحريك الذنب أو طرف العين أو التنفس وأما خروج الدم فلا يدل على الحياة الا إذا كان يخرج كما يخرج من الحى المطلق فإذا ذبحها وفيها قليل حياة على الوجه الذى ذكرنا تؤكل عند أبى حنيفة رضى الله عنه وعن ابى يوسف روايتان في ظاهر الرواية عنه انه ان كان يعلم انها لا تعيش مع ذلك فذبحها لا تؤكل وان كان

[ 51 ]

يعلم انها تعيش مع ذلك فذبحها تؤكل وفى رواية قال ان كان لها من الحياة مقدار ما تعيش به أكثر من نصف يوم فذبحها تؤكل والا فلا وقال محمد رحمه الله ان كان لم يبق من حياتها الا قدر حياة المذبوح بعد الذبح أو أقل فذبحها لا تؤكل وان كان أكثر من ذلك تؤكل وذكر الطحاوي قول محمد مفسرا فقال ان على قول محمد ان لم يبق معها الا الاضطراب للموت فذبحها فانها لا تحل وان كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت (وجه) قولهما انه إذا لم يكن لها حياة مستقرة على الوجه الذى ذكرنا كانت ميتة معنى فلا تلحقها الذكاة كالميتة حقيقة ولابي حنيفة رضى الله عنه قوله تعالى حرمت عليكم الميتة إلى قوله تعالى والمنخنقة والموقوذة والمتردية النطيحة وما أكل السبع الا ما ذكيتم استثنى سبحانه وتعالى المذكى من الجملة المحرمة والاستثناء من التحريم اباحة وهذه مذكاة لوجود فرى الاوداج مع قيام الحياة فدخلت تحت النص وأما الصيد إذا جرحه السهم أو الكلب فأدركه صاحبه حيا فان ذكاه يؤكل بلا خلاف بين أصحابنا كيف ما كان سواء كانت فيه حياة مستقرة أو لم تكن وخرج الجرح من أن يكون ذكاة في حقه وصار ذكاته الذبح في الحياة المستقرة ذكاة مطلقة فيدخل تحت النص وان لم يكن فيه حياة مستقرة فعلى أصل أبى حنيفة رحمه الله ذكاته الذبح وقد وجد لوجود أصل الحياة فصار مذكى وعلى أصلهما لا حاجة إلى الذبح لانه صار مذكى بالجرح فالذبح بعد ذلك لا يضر ان كان لا ينفع وان لم يذكه وهو قادر على ذبحه فتركه حتى مات فان كانت فيه حياة مستقرة لا يؤكل لان ذكاته تحولت من الجرح إلى الذبح فإذا لم يذبح كان ميتة وان كانت حياته غير مستقرة يؤكل عند أبى حنيفة رضى الله عنه وان قلت من غير ذكاة بخلاف المستأنس عنده والفرق له أن الرمى والارسال إذا اتصل به الجرح كان ذكاة في الصيد فلا تعتبر هذه الحياة بعد وجود الذكاة ولم تتقوم ذكاة في المستأمن فلا بد من اعتبار هذا القدر من الحياة لتحقق الذكاة وأما عندهما فكذلك لكن على اختلاف تفسيرهما للحياة المستقرة وغير المستقرة على ما ذكرنا في المستأمن هكذا ذكر عامة المشايخ رحمهم الله وذكر الجصاص رحمه الله وقال يجب أن يكون قول أبى حنيفة رحمه الله في الصيد مثل قوله في المستأنس على أن قوله يجب الذبح في جميع الاحوال لا يحل بدونه سواء كانت الحياة مستقرة أو غير مستقرة وقد ذكرنا وجه الفرق له على قول عامة المشايخ رحمهم الله وان مات قبل أن يقدر على ذبحه لضيق الوقت أو لعدم آلة الذكاة ذكر القدورى عليه الرحمة انه لا يؤكل عندنا وعند محمد بن شجاع البلخى ومحمد بن مقاتل الرازي رحمهما الله يؤكل استحسانا أشار إلى ان القول بالحرمة قياس ومن مشايخنا رحمهم الله من جعل جواب الاستحسان مذهبنا أيضا وتركوا القياس (وجه) القياس انه لما ثبتت يده عليه فقد خرج من ان يكون صيدا لزوال معنى الصيد وهو التوحش والامتناع فيزول الحكم المختص بالصيد وهو اعتبار الجرح ذكاة وصار كالشاة إذا مرضت وماتت في وقت لا يتسع لذبحها انها لا تؤكل كذا هذا (وجه) الاستحسان ان الذبح هو الاصل في الذكاة وانما يقام الجرح مقامه خلفا عنه وقد وجد شرط بخلافه وهو العجز عن الاصل فيقام الخلف مقامه كما في سائر الاخلاف مع أصولها وقال أصحابنا رحمهم الله لو جرحه السهم أو الكلب فأدركه لكن لم يأخذه حتى مات فان كان في وقت لو أخذه يمكنه ذبحه فلم يأخذه حتى مات لم يؤكل لان الذبح صار مقدورا عليه فخرج الجرح من أن يكون ذكاة وان كان لا يمكنه ذبحه أكل لانه إذا لم يأخذه ولم يتمكن من ذبحه لو أخذه بقى ذكاته الجرح السابق ودلت هذه المسألة على أن جواب الاستحسان في المسألة المتقدمة مذهب اصحابنا جميعا لانه لا فرق بين المسألتين سوى أن هناك أخد وههنا لم يأخذ وما يصنع بالاخذ إذا لم يقدر على ذكاته وجواب القياس عن هذا ان حقيقة القدرة والتمكن لا عبرة بها لان الناس مختلفون في ذلك فان منهم من يتمكن من الذبح في زمان قليل لهدايته في ذلك ومنهم من لا يتمكن الا في زمان طويل لقلة هدايته فيه فلا يمكن بناء الحكم على حقيقة القدرة والتمكن فيقام السبب الظاهر وهو ثبوت اليد مقامها كما في السفر مع المشقة وغير ذلك وذكر ابن سماعة في نوادره رحمه الله عن أبى يوسف لو أن رجلا قطع شاة نصفين ثم ان رجلا فرى أوداجها والرأس يتحرك أو شق بطنها فأخرج ما في جوفها وفرى رجل آخر الاوداج فان هذا لا يؤكل لان

[ 52 ]

الاول قاتل وذكر القدورى رحمه الله ان هذا على وجهين ان كانت الضربة مما يلى العجز لم تؤكل الشاة وان كانت مما يلى الرأس أكلت لان العروق المشروطة في الذبح متصلة من القلب إلى الدماغ فإذا كانت الضربة مما يلى الرأس فقد قطعها فحلت وان كانت مما يلى العجز فلم يقطعها فلم تحل وأما خروج الدم بعد الذبح فيما لا يحل الا بالذبح فهل هو من شرائط الحل فلا رواية فيه واختلف المشايخ على ما ذكرنا فيما تقدم وكذا التحرك بعد الذبح هل هو شرط ثبوت الحل فلا رواية فيه أيضا عن اصحابنا وذكر في بعض الفتاوى انه لابد من احد شيئين اما التحرك واما خروج الدم فان لم يوجد لا يحل كأنه جعل وجود أحدهما بعد الذبح علامة الحياة وقت الذبح فإذا لم يوجد لم تعلم حياته وقت الذبح فلا يحل وقال بعضهم ان علم حياته وقت الذبح بغير التحرك يحل وان لم يتحرك بعد الذبح ولا خرج منه الدم والله أعلم (ومنها) ما يخص الذكاة الاضطرارية وهو أن لا يكون صيد الحرم فان كان لا يؤكل ويكون ميتة سواء كان المذكى محرما أو حلالا لان التعرض الصيد الحرم بالقتل والدلالة والاشارة محرم حقا لله تعالى قال الله تعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وقال النبي عليه الصلاة والسلام في صفة الحرم ولا ينفر صيده والفعل في المحرم شرعا لا يكون ذكاة وسواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إليه لانه يضاف إلى الحرم في الحالين فيكون صيد الحرم وأما الذى يرجع إلى آلة الذكاة (فمنها) أن يكون ما يصطاد به من الجوارح من الحيوانات من ذى الناب من السباع وذى المخلب من الطير معلما لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح معطوفا على قوله سبحانه وتعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات أي أحل لكم الطيبات واحل لكم ما علمتم من الجوارح أي الاصطياد بما علمتم من الجوارح كأنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عما يحل لهم الاصطياد به من الجوارح أيضا مع ما ذكر في بعض القصة ان النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بقتل الكلاب أتاه ناس فقالوا ماذا يحل لنا من هذه الامة التى امرت بقتلها فنزل قوله تعالى جل شأنه يسئولنك الاية ففى الآية الكريمة اعتبار الشرطين وهما الجرح والتعليم حيث قال عز شأنه وما علمتم من الجوارح لان الجوارح هي التى تجرح مأخوذ من الجرح وقيل الجوارح الكواسب قال الله عز شأنه ويعلم ما جرحتم بالنهار أي كسبتم والحمل على الاول أولى لانه حمل على المعنيين لانها بالجراحة تكسب وقوله تعالى مكلبين قرئ بالخفض والنصب وقيل بالخفص صاحب الكلب يقال كلاب ومكلب وبالنصب الكلب المعلم وقيل المكلبين بالخفض الكلاب التى يكالبن الصيد أي ياخذنه عن شدة فالكلب هو الاخذ عن شدة ومنه الكلوب للآلة التى يؤخذ بها الحديد وقوله جلت عظمته تعلمونهن أي تعلمونهن ليمسكن الصيد لكم ولا يأكلن منه وهذا حد التعليم في الكلب عندنا على ما نذكره ان شاء الله تعالى فدلت الآية الكريمة على أن كون الكلب معلما شرط لاباحة أكل صيده فلا يباح أكل صيد غير المعلم وإذا ثبت هذا الشرط في الكلب بالنص ثبت في كل ما هو في معناه من كل ذى ناب من السباع كالفهد وغيره مما يحتمل التعلم بدلالة النص لان فعل الكلب انما يضاف إلى المرسل بالتعلم إذا المعلم هو الذى يعمل لصاحبه فيأخذ لصاحبه ويمسك على صاحبه فكان فعله مضافا إلى صاحبه فأما غير المعلم فانما يعمل لنفسه لا لصاحبه فكان فعله مضافا إليه لا إلى المرسل لذلك شرط كونه معلما ثم لابد من معرفة حد التعليم في الجوارح من ذى الناب كالكلب ونحوه وذى المخلب كالبازي ونحوه أما تعليم الكلب فهو انه إذا أرسل اتبع الصيد وإذا أخذه أمسكه على صاحبه ولا يأكل منه شيئا وهذا قول عامة العلماء وقال مالك رحمه الله تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل ويجيب إذا دعى وهو احد قول الشافعي رحمه الله حتى لو إخذ صيدا فأكل منه لا يؤكل عندنا وعنده يؤكل (وجه) قوله ان كونه معلما انما شرط للاصطياد فيعتبر حالة الاصطياد وهى حالة الاتباع فاما الامساك على صاحبه وترك الاكل يكون بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يعتبر في الحد ولنا الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عزوجل تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم في الآية الكريمة اشارة إلى أن حد تعليم الكلب وما هو في معناه ما قلنا وهو الامساك على صاحبه وترك الاكل منه لانه شرط التعليم ثم أباح أكل ما امسك علينا فكان هذا اشارة إلى أن

[ 53 ]

التعليم هو أن يمسك علينا الصيد ولا يأكل منه يقرره ان الله تعالى انما أباح أكل صيد المعلم من الجوارح الممسك على صاحبه ولو لم يكن ترك الاكل من حد التعليم وكان ما أكل منه حلالا لاستوى فيه المعلم وغير المعلم والممسك على صاحبه وعلى نفسه لان كل كلب يطلب الصيد ويمسه لنفسه حتى يموت ان أرسلت عليه واغريته الا المعلم وأما السنة فما روى عن عدى بن حاتم الطائى أنه قال قلت يا رسول الله انا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها فقال عليه الصلاة والسلام يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم مما علمتموهن من كلب أو باز وذكرتم اسم الله عليه قلت فان قتل قال عليه الصلاة والسلام إذا قتله ولم يأكل منه فكل فانما أمسك عليك وان اكل فلا تأكل فانما أمسك على نفسه فقلت يا رسول الله أرأيت ان خالط كلابنا كلاب أخرى قال عليه الصلاة والسلام ان خالطت كلابك كلاب أخرى فلا تأكل فانك انما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال إذا أكل الكلب من الصيد فليس بمعلم وعنه أيضا انه قال إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل لان الكلب يستطيع أن تضربه الصقر لا وعن ابن سيدنا عمر رضى الله عنهما انه قال إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل واضربه واما المعقول فمن وجهين أحدهما ان أخذ الصيد وقتله مضاف إلى المرسل وانما الكلب آلة الاخذ والقتل وانما يكون مضافا إليه إذا أمسك لصاحبه لا لنفسه لان العامل لنفسه يكون عمله مضاف إليه الا إلى غيره والامساك على صاحبه أن يترك الاكل منه وهو حد التعليم والثانى ان تعليم الكلب ونحوه هو تبديل طبعه وفطامه عن العادة المألوفة ولا يتحقق ذلك الا بامساك الصيد لصاحبه وترك الاكل منه لان الكلب ونحوه من السباع من طباعهم انهم إذا أخذوا الصيد فانما يأخذونه لانفسهم ولا يصبرون على ان لا يتناولوا منه فإذا أخذ واحد منهم الصيد ولم يتناول منه دل انه ترك عادته حيث أمسك لصاحبه ولم يأكل منه فإذا أكل منه دل انه على عادته سواء اتبع الصيد إذا أغرى واستجاب إذا دعى أو لا لانه ألوف في الاصل يحيب إذا دعى ويتبع إذا اغرى فلا يصلح ذلك دليلا على تعلمه فثبت أن معنى التعلم لا يتحقق الا بما قلنا وهو أن يمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ثم في ظاهر الرواية عن أبى حنيفة رضى الله عنه لا توقيت في تعليمه انه إذا أخذ صيدا ولم يأكل منه هل يصير معلما أم يحتاج فيه إلى التكرار وكان يقول إذا كان معلما فكل كذا ذكر في الاصل وهكذا روى بشر بن الوليد رحمه الله عن أبى يوسف قال سألت أبا حنيفة رحمه الله ما حد تعليم الكلب قال ان يقول أهل العلم بذلك انه معلم وذكر الحسن بن زياد في المجرد عن ابى حنيفة رحمه الله أنه قال لا يأكل ما يصيد اولا ولا الثاني ولو أكل الثالث وما بعده وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدراه بالثلاث فقالا إذا أخذ صيدا فلم يأكل ثم صاد ثانيا فلم يأكل ثم صاد ثالثا فلم يأكل فهذا معلم فأبو حنيفة رضى الله عنه على الرواية المشهورة عنه أنما رجع في ذلك إلى أهل الصناعة ولم يقدر فيه تقديرا لان حال الكلب في الامساك وترك الاكل يختلف فقد يمسك للتعليم وقد يمسك للشبع ففوض ذلك إلى أهل العلم بذلك وعلى الرواية الاخرى جعل أصل التكرار دلالة التعلم لان الشبع لا يتفق في كل مرة فدل تكرار الترك على التعلم وابو يوسف ومحمد رحمهما الله قدرا التكرار بثلاث مرات لما أن الثلاث موضوعة لابداء الاعذار أصله قضية سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مع العبد الصالح حيث قال له في المرة الثالثة ان سألتك على شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنى عذرا وروى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه قال من اتجر في شئ ثلاث مرات فلم يربح فلينتقل إلى غيره ثم إذا صار معلما في الظاهر على اختلاف الاقاويل وصاد به صاحبه ثم أكل بعد ذلك فما صاد قبل ذلك لا يؤكل شئ منه ان كان باقيا في قول أبى حنيفة رحمه الله وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله يؤكل كله (وجه) قولهما أن أكل الكلب يحتمل أن يكون لعدم التعلم ويحتمل أن يكون مع التعلم لفرط الجوع ويحتمل ان يكون للنسيان لان المعلم قد ينسى فلا يحرم ما تقدم من الصيود بالشك والاحتمال ولابي حنيفة رحمه الله ان علامة التعلم لما كانت ترك الاكل فإذا أكل بعد ذلك علم انه لم يكن معلما وان امساكه لم يكن لصيرورته معلما بل

[ 54 ]

لشبعه في الحال إذ غير المعلم قد يمسكه بشبعه للحال إلى وقت الحاجة فاستدللنا بأكله بعد ذلك على ان امساكه في الوقت الذى قبله كان على غير حقيقة التعليم أو يحتمل ذلك فلا تحل مع الاحتمال احتياطا ومن المشايخ من حمل جواب أبى حنيفة رحمه الله على ما إذا كان زمان الاكل قريبا من زمان التعليم لانه إذا كان كذلك فالاكل يدل على عدم التعلم وانه انما ترك الاكل فيما تقدم للشبع لا للتعليم لان المدة القصيرة لا تتحمل النسيان في مثلها فإذا طالت المدة فيجوز أن يقال انه يؤكل ما بقى من الصيود المتقدمة لانه يحتمل أن يكون الاكل للنسيان لا لعدم التعلم لوجود مدة لا يندر النسيان في مثلها الا أن ظاهر الرواية عنه مطلق عن هذا التفصيل واطلاق الرواية يقتضى أنه لا يؤكل على كل حال والوجه ما ذكرنا وأما قولهم ان النسيان لا يندر عند طول المدة فنقول من تعلم حرفة بتمامها وكمالها فالظاهر انه لا ينساها بالكلية وان طالت مدة عدم الاستعمال لكن ربما يدخلها خلل كصنعة الكتابة والخياطة والرمى إذا تركها صاحبها مدة طويلة فلما أكل وحرفته ترك الاكل دل انه لم يكن تعلم الحرفة من الاصل وانه انما لم يأكل قبل ذلك لا للتعلم بل لشبعه في الحال فلا تحل صيوده المتقدمة وأما في المستقبل فلا يحل صيده الا بتعليم مستأنف بلا خلاف فاما على قول أبى حنيفة رضى اله عنه فلانه تبين بالاكل انه لم يكن معلما وان ترك الاكل لم يكن للتعلم بل لشبعه للحال وأما على قولهما فلانه يحتمل أن يكون لم يتعلم كما قال أبو حنيفة رحمه الله ويحتمل انه نسى وكيف ما كان لا يحل صيده في المستقبل الا بتعليم مبتدأ وتعليمه في الثاني بما به تعليمه في الاول وقد ذكرنا الاختلاف فيه ولو جرح الكلب الصيد وولغ في دمه يؤكل لانه قد امسك الصيد على صاحبه وانما لو ولغ فيما أمسك على صاحبه لكان لا يأكله صاحبه وذلك من غاية تعلمه حيث تناول الخبيث وأمسك الطيب على صاحبه وذكر في الاصل في رجل أرسل كلبه على صيد وهو معلم فأخذ صيدا فقتله وأكل منه ثم اتبع آخر فقتله ولم يأكل منه قال لا يؤكل واحد منهما لانه لما أكل دل على عدم التعلم أو على النسيان فلا يحل صيده بعد ذلك فان اخذ الكلب المعلم صيدا فأخذه منه صاحبه وأخذ صاحب الكلب من الصيد قطعة فالقاها إلى الكلب فأكلها الكلب فهو على تعلمه لان ترك الاكل انما يعتبر حال أخذه الصيد فاكله باطعام صاحبه بعد الاخذ لا يقدح في التعلم مع ما ان من عادة الصائد بالكلب انه إذا أخذ الكلب الصيد أن يطعمه من لحمه ترغيبا له على الصيد فلا يكون أكله باطعامه دليلا على عدم التعلم وكذلك لو كان صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب ثم وثب الكلب على الصيد فأخذ منه قطعة فأكلها وهو في يد صاحبه فانه على تعلمه لان الاكل بعد ثبوت يد الادمى عليه بمنزلة الاكل من غيره فلا يقدح في التعليم وكذلك قالوا لو سرق الكلب من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه لانه انما يفعل ذلك للجوع لان هذا الاكل لم يدخل في التعليم وان أرسل الكلب المعلم على صيد فتبعه فنهشه فقطع منه قطعة فأكلها ثم اخذ الصيد بعد ذلك فقتله ولم يأكل منه شيئا لا يؤكل لان الاكل منه في حال الاصطياد دليل على عدم التعلم فان نهشه فألقى منه بضعة والصيد حى ثم اتبع الصيد بعد ذلك فأخذه فقتله ولم يأكل منه شيأ يؤكل لانه لم يوجد منه ما يدل على عدم التعليم لانه انما قطع قطعة منه ليثخنه فيتوصل به إلى اخذه فكان بمنزلة الجرح وان اخذ صاحب الكلب الصيد من الكلب بعد ما قطعه ثم رجع الكلب بعد ذلك فمر بتلك القطعة فأكلها يؤكل صيده لانه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضر فإذا أكل مما بان منه أولى وان اتبع الصيد فنهشه فأخذ منه بضعة فأكلها وهو حى فانفلت الصيد منه ثم أخذ الكلب صيدا آخر في فوره فقتله ولم يأكل منه ذكر في الاصل وقال أكره أكله لان الاكل في حالة الاصطياد يدل على عدم التعليم فلا يؤكل ما اصطاده بعده والله تعالى عز شأنه أعلم وأما تعليم ذى المخلب كالبازي أو نحوه فهو أن يجيب صاحبه إذا دعاه ولا يشترط فيه الامساك على صاحبه حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده بخلاف الكلب ونحوه والفرق من وجوه أحدها ان التعلم بترك العادة والطبع والبازى من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه فالفه بالناس واجابته صاحبه إذا دعاه يكفى دليلا على تعلمه بخلاف الكلب فانه ألوف بطبعه يألف بالناس ولا يتوحش منهم فلا يكفى هذا القدر دليل التعلم في حقه فلا بد من زيادة أمر وهو ترك

[ 55 ]

الاكل والثانى ان البازى انما يعلم بالاكل فلا يحتمل أن يخرج بالاكل عن حد التعليم بخلاف الكلب والثالث ان الكلب يمكن تعليمه بترك الاكل بالضرب لان جثته تتحمل الضرب والبازى لا لان جثته لا تتحمل وقد روى عن سيدنا على وابن عباس وسلمان الفارسى رضى الله عنهم انهم قالوا إذا أكل الصقر فكل وان أكل الكلب فلا تأكل ومنها الارسال أو الزجر عند عدمه على وجه ينزجر بالزجر فيما يحتمل ذلك وهو الكلب وما في معناه حتى لو يرسل بنفسه ولم يزجره صاحبه فيما ينزجر بالزجر لا يحل صيده الذى قتله لان الارسال في صيد الجوارح أصل ليكون القتل والجرح مضافا إلى المرسل الا أن عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار فيما يحتمل قيام ذلك مقامه فإذا لم يوجد فلا تثبت الاضافة فلا يحل ولو أرسل مسلم كلبه وسمى فزجره مجوسي فانزجر يؤكل صيده ولو ارسل مجوسي كلبه فزجره مسلم فانزجر لا يؤكل صيده وكذلك لو أرسل مسلم كلبه وترك التسمية عمدا فاتبع الصيد ثم زجره فانزجر لا يؤكل صيده ولو لم يرسله أحد وانبعث بنفسه فاتبع الصيد فزجره مسلم وسمى فانزجر يؤكل صيده وان لم ينزجر لا يؤكل وانما كان كذلك لان الارسال هو الاصل والزجر كالخلف عنه والخلف يعتبر حال عدم الاصل لا حال وجوده ففى المسائل الثلاث وجد الاصل فلا يعتبر الخلف الا أن في المسألة الاولى المرسل من أهل الارسال فيؤكل صيده وفى المسألة الثانية لا فلا يؤكل وفى المسألة الرابعة لم يوجد الاصل فيعتبر الخلف فيؤكل صيده ان انزجر وان لم ينزجر لا يؤكل لان الزجر بدون الانزجار لا يصلح خلفا عن الارسال فكان ملحقا بالعدم فيصير كانه يرسل بنفسه من غير ارسال ولا زجر ولو أرسله مسلم وسمى وزجره رجل ولم يسم على زجره فأخذ الصيد وقتله يؤكل لما ذكرنا ان العبرة للارسال فيعتبر وجود التسمية عنده وأصل آخر لتخريج هذه المسائل ما ذكره بعض مشايخنا ان الدلالة لا تعتبر إذا وجد الصريح وإذا لم يوجد تعتبر ففى المسائل الثلاث وجد من الكلب صريح الطاعة بالارسال حيث عدا بارساله وانزجاره طاعة للزاجر بطريق الدلالة فلا يعتبر في مقابلة الصريح وفى المسألة الرابعة لم يوجد الصريح فاعتبرت الدلالة وعلى هذا يخرج بقية المسائل ومنها بقاء الارسال وهو أن يكون أخذ الكلب أو البازى الصيد في حال فور الارسال لا في حال انقطاعه حتى لو أرسل الكلب أو البازى على صيد وسمى فاخذ صيدا وقتله ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله ثم وثم يؤكل ذلك كله لان الارسال لم ينقطع فكان الثاني كالاول مع ما بينا ان التعيين ليس بشرط في الصيد لانه لا يمكن فكان أخذ الكلب أو البازى الصيد في فور الارسال كوقوع السهم بصيدين فان أخذ صيدا وجثم عليه طويلا ثم مر به آخر فاخذه وقتله لم يؤكل الا بارسال مستقبل أو بزجره وتسيمة على وجه ينزجر فيما يحتمل الزجر لبطلان الفور وكذلك ان ارسل كلبه أو بازه على صيد فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة وتشاغل بغير طلب الصيد وفتر عن سننه ذلك ثم تبع صيدا آخر فاخذه وقتله لا يؤكل الا بارسال مستأنف أو أن يزجره صاحبه ويسمى فينزجر فيما يحتمل الزجر لانه لما تشاغل بغير طلب الصيد فقد انقطع حكم الارسال فإذا صاد صيدا بعد ذلك فقد ترسل بنفسه فلا يحل صيده الا أن يزجره صاحبه فيما يحتمل الزجر لما بينا وان كان الذى أرسل فهدا والفهد إذا أرسل كمن ولا يتبع حتى يستمكن فيمكث ساعة ثم ياخذ الصيد فيقتله فانه يؤكل وكذلك الكلب إذا أرسل فصنع كما يصنع الفهد فلا بأس بأكل ما صاد لان حكم الارسال لم ينقطع بالكمون لانه انما يكمن ليتمكن من الصيد فكان ذلك من أسباب الاصطياد ووسيلة إليه فلا ينقطع به حكم الارسال كالوثوب والعدو وكذلك البازى إذا أرسل فسقط على شئ ثم طار فاخذ الصيد فانه يؤكل لانه انما يسقط على شئ ليتمكن من الصيد فكان سقوطه بمنزلة كمون الفهد وكذلك الرامى إذا رمى صيدا بسهم فما اصابه في سننه ذلك ووجهه أكل لانه إذا مضى في سننه فلم ينقطع حكم الرمى فكان ذهابه بقوة الرامى فكان قتله مضافا إليه فيحل فان أصاب واحدا ثم نفذ إلى آخر وآخر أكل الكل لما قلنا مع ما أن تعيين الصيد ليس بشرط فان أمالت الريح السهم إلى ناحية أخرى يمينا أو شمالا فاصاب صيدا آخر لم يؤكل لان السهم إذا تحول عن سننه فقد انقطع حكم الرمى فصارت الاصابة بغير فعل الرامى فلا يحل كما لو كان على جبل سيف فالقته الريح على صيد فقتله انه

[ 56 ]

لا يؤكل كذا هذا فان لم ترده الريح عن وجهه ذلك أكل الصيد لانه إذا مضى في وجهه كان مضيه بقوة الرامى وانما الريح اعانته ومعونة الريح السهم مما لا يمكن الاحتراز عنه فكان ملحقا بالعدم فان أصابت الريح السهم وهى ريح شديدة فدفعته لكنه لم يتغير عن وجهه فأصاب السهم الصيد فانه يؤكل لانه مضى في وجهه ومعونة الريح إذا لم تعدل السهم عن وجهه لا يمكن التحرز عنه فلا يعتبر ولو أصاب السهم حائطا أو صخرة فرجع فاصاب صيدا فانه لا يؤكل لان فعل الرامى انقطع وصارت الاصابة في غير جهة الرمى فان مر السهم بين الشجر فجعل يصيب الشجر في ذلك الوجه لكن السهم على سننه فأصاب صيدا فقتله فانه يؤكل فان رده شئ من الشجر يمنة أو يسرة لا يؤكل لما بينا فان مر السهم فحجشه حائط وهو على سننه ذلك فاصاب صيدا فقلته أكل لان فعل الرامى لم ينقطع وأنما أصاب السهم الصيد والحائط وذلك لا يمنع الحل وروى عن أبى يوسف رحمه الله ان حكم الارسال لا ينقطع بالتغيير عن سننه يمينا وشمالا الا إذا رجع من ورائه ولو أن رجلا رمى بسهم وسمى ثم رمى رجل آخر بسهم وسمى فأصاب السهم الاول السهم الثاني قبل أن يصيب الصيد فرده عن وجهه ذلك فاصاب صيد فقتله فانه لا يؤكل لانه لما رده السهم الثاني عن سننه انقطع حكم الرمى فلا يتعلق به الحل قال القدورى وهذا محمول على أن الرامى الثاني لم يقصد الاصطياد لان القتل حصل بفعله وهو لم يقصد الاصطياد فلا يحل فاما إذا كان الثاني رمى للاصطياد فيحل أكل الصيد وهو للثاني لانه مات بفعله وان لم يقصده بالرمي وتعيين المرمى إليه ليس بشرط ولو أن رجلين رمى كل واحد منهما صيدا بسهم فاصابا الصيد جميعا ووقعت الرميتان بالصيد معا فمات فانه لهما ويؤكل (أما) حل الاكل فظاهر (وأما) كون الصيد لهما فلانهما اشتركا في سبب الاستحقاق وتساويا فيه فيتساويان في الاستحقاق فان أصابه سهم الاول فوقذه ثم أصابه سهم الآخر فقتله قال أبو يوسف رحمه الله يؤكل والصيد للاول وقال زفر رحمه الله لا يؤكل وهذا فرع اختلافهم في أن المعتبر في الرمى حال الرمى أو حال الاصابة فعند اصحابنا الثلاثة المعتبر حال الرمى وعند زفر حال الاصابة (ووجه) البناء على هذا الاصل ان المعتبر لما كان حال الرمى عندنا فقد وجد الرمى منهما والصيد ممتنع فلا يتعلق بالسهم الثاني حظر الا ان الملك للاول لان سهمه أخرجه من حيز الامتناع فصار السهم الثاني كانه وقع بصيد مملوك فلا يستحق به شئ فكان الاعتبار بحال الرمى في حق الحل والاصابة في حق الملك لان الحل يتعلق بالفعل والملك يتعلق بالمحل ولما كان الاعتبار بحال الاصابة عنده فقد أصابه الثاني والصيد غير ممتنع فصار كمن رمى إلى شاة فقتلها (وجه) قول زفر رحمه الله الاعتبار حال الاصابة ان الملك يقف ثبوته على الاصابة فانه لو لم يصب لا يملك فدل ان المعتبر هو وقت الاصابة ولنا أن حال الرمى هو الذى يفعله والتسمية معتبرة عند فعله فكان الاعتبار بحال الرمى وكذلك ان رمى أحدهما بعد الآخر قبل اصابة الاول فهو كرميهما معا في القولين لان رمى الثاني وجد والصيد ممتنع فصار كما لو رميا معا فان أصابه سهم الاول ولم يخرجه من الامتناع فأصابه الثاني فقتله فهو للثاني لان الاول إذا لم يخرجه عن حد الامتناع ففعل الاصطياد وجد من الثاني وللاول تسبب في الصيد فصار كمن أثار صيدا وأخذه غيره ان الصيد يكون للآخذ لا للمثير كذا هذا وان كان سهم الاول وقذه وأخرجه عن الامتناع ثم أصابه سهم الثاني فهذا على وجوه ان مات من الاول أكل وعلى الثاني ضمان ما نقصته جراحته لان السهم الاول وقع به وهو صيد فإذا قتله حل وقد ملكه الاول بالاصابة فالحجرة الثانية نقص في ملك الاول فيضمنها الثاني وان مات من الجراحة الثانية لم يؤكل لان الثاني رمى إليه وهو غير ممتنع فصار كالرمي إلى الشاة ويضمن الثاني ما نقصته جراحته لانه نقص دخل في ملك الغير بفعله ثم يضمن قيمته مجروحا بجراحتين لانه أتلف بفعله الا أنه غرم نقصان الجرح الثاني فلا يضمنه ثانيا والجرح الاول نقص حصل بفعل المالك للصيد فلا يضمنه الثاني وان مات من الجراحتين لم يؤكل لان أحد الرميين حاضر والآخر مبيح فالحكم للحاظر احتياطا والصيد للاول لانفراده بسبب ملكه وهو الجراحة المخرجة له من الامتناع وعلى الثاني للاول نصف قيمته مجروحا بالجراحتين ويضمن نصف ما نقصته الجراحة الثانية لانه مات بفعلهما قسقط نصف

[ 57 ]

الضمان وثبت نصفه والجراحة الثانية يضمنها الثاني لانها حصلت في ملك غيره ولانه أتلف على شريكه نصيبه حين أخرجه من الاباحة إلى الحظر فيلزمه الضمان ان لم يعلم بأى الجراحتين مات فهو كما لو علم انه مات منهما لان كل واحدة من الجراحتين سبب القتل في الظاهر والله عزوجل أعلم ولو أرسل كلبا على صيد وسمى فأدرك الكلب الصيد فضربه فوقذه ثم ضربه ثانيا فقتله أكل وكذلك لو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقده ثم ضربه الكلب الآخر فقتله فانه يؤكل لان هذا لا يدخل في تعليم الكلب إذ لا يمكن أن يعلم بترك الجرح بعد الجرح الاول فلا يعتبر فكأنه قتله بجرح واحد ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبه على صيد فضربه كلب أحدهما فوقذه ثم ضربه كلب الآخر فقتله فانه يؤكل لما ذكرنا ان جرح الكلب بعد الجرح مما لا يمكن التحفظ عنه فلا يوجب الحظر فيؤكل ويكون الصيد لصاحب الاول لان جراحة كلبه أخرجته عن حد الامتناع فصار ملكا له فجراحة كلب الثاني لا تزيل ملكه عنه ومنها أن يكون الارسال والرمى على الصيد واليه حتى لو ارسل على غير صيد أو رمى إلى غير صيد فأصاب صيدا لا يحل لان الارسال إلى غير الصيد والرمى إلى غيره لا يكون اصطيادا فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافا إلى المرسل والرامي فلا تتعلق به الاباحة وعلى هذا يخرج ما إذا سمع حسا فظنه صيدا فأرسل عليه كلبه أو بازه أو رماه بسهم فأصاب صيدا أو بان له ان الحس الذى سمعه لم يكن حسن صيد وانما كان شاة أو بقرة أو آدميا انه لا يؤكل الصيد الذى أصابه في قولهم جميعا لانه تبين انه أرسل على ما ليس بصيد ورمى إلى ما ليس بصيد فلا يتعلق به الحل لما بينا من الفقه وصار كأنه رمى إلى آدمى أو شاة أو بقرة وهو يعلم به فأصاب صيدا انه لا يؤكل كذا هذا وان كان الحس حس صيد فأصاب صيدا يؤكل سواء كان ذلك الحس حس صيد مأكول أو غير مأكول بعد أن كان المصاب صيدا مأكولا وهذ اقول اصحابنا الثلاثة وقال زفر ان كان ذلك الحس حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع ونحوها لا يؤكل وروى عن أبى يوسف رحمه الله انه ان كان حس ضبع يؤكل الصيد وان كان حس خنزير لا يؤكل الصيد (وجه) قول زفر ان السبع غير مأكول فالرمي إليه لا يثبت به حل الصيد المأكول كما لو كان حس آدمى فرمى إليه فأصاب صيدا ولنا أن الارسال إلى الصيد اصطياد مباح مأكولا كان الصيد أو غير مأكول فتتعلق به اباحة الصيد المأكول لان حل الصيد المأكول يتعلق بالارسال فإذا كان الارسال حلالا يثبت حله الا أنه لا يثبت بحل الارسال حل حكم المرسل إليه لان حرمته ثبتت لمعنى يرجع إلى المحل فلا تتبدل بالفعل ولان المعتبر في الارسال هو قصد الصيد فأما التعيين فليس بشرط لما يينا فيما تقدم وقد قصد الصيد حلالا كان أو حراما بخلاف ما إذا كان الحس حس آدمى لان الارسال على الآدمى ليس باصطياد فضلا عن أن يكون حلالا إذ لا يتعلق حل الصيد بما ليس باصطياد وعلى الوجه الثاني لم يوجد منه قصد الصيد فلا يتعلق به الحل (وجه) رواية أبى يوسف رحمه الله في فصله بين سائر السباع وبين الخنزير أن الخنزير محرم العين حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه فسقط اعتبار الارسال عليه والتحق بالعدم فأما سائر السباع فجائز الانتفاع بها في غير جهة الاكل فكان الارسال إليها معتبرا وان سمع حسا ولكنه لا يعلم انه حس صيد أو غيره فأرسل فأصاب صيدا لم يؤكل لانه إذا لم يعلم استوى الحظر والاباحة فكان الحكم للحظر احتياطا وذكر في الاصل فيمن رمى خنزيرا أهليا فاصاب صيدا قال لا يؤكل لان الخنزير الاهلى ليس بصيد لعدم التوحش والامتناع فكان الرمى إليه كالرمي إلى الشاة فلا يتعلق به حل الصيد وان أصاب صيدا مأكولا وقد قالوا فيمن سمع حسا فظنه آدميا فرماه فأصاب الحس نفسه فإذا هو صيد أكل لانه رمى إلى المحسوس المعين وهو الصيد فصح ونظيره ما إذا قال لامرأته وأشار إليها هذه الكلبة طالق انها تطلق وبطل الاسم وقالوا لو رمى طائرا فأصاب صيدا وذهب المرمى إليه ولم يعلم أوحشي أو مستأنس أكل الصيد لان الاصل في الطير التوحش فيجب التمسك بالاصل حتى يعلم الاستئناس ولو علم ان المرمى إليه داجن تأوى البيوت لا يؤكل الصيد لان الداجن يأويه البيت وتثبت اليد عليه فكان الرمى إليه كالرمي إلى الشاة وذلك لا يتعلق به الحل كذا هذا وقالوا لو رمى بعيرا فاصاب صيدا

[ 58 ]

وذهب البعير فلم يعلم أناد أو غير ناد لم يؤكل الصيد حتى يعلم أن البعير كان نادا لان الاصل في الابل الاستئناس فيتمسك بالاصل حتى يظهر الامر بخلافه واختلفت الرواية عن ابى يوسف رحمه الله فيمن رمى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا فقال في رواية لا يؤكل لان السمك والجراد لا ذكاة لهما وروى عنه أنه يؤكل لان المرمى إليه من جملة الصيد وان كان لا ذكاة له وقالوا لو أرسل كلبه على ظبى موثق فاصاب صيدا لم يؤكل لان الموثق ليس بصيد لعدم معنى الصيد فيه وهو الامتناع فأشبه شاة ولو أرسل بازه على ظبى وهو لا يصيد الظبى فاصاب صيدا لم يؤكل لان هذا ارسال لم يقصد به الاصطياد فصار كمن أرسل كلبا على قتل رجل فاصاب صيدا (ومنها) أن لا يكون ذو الناب الذى يصطاد به من الجوراح محرم العين فان كان محرم العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده لان محرم العين محرم الانتفاع به والاصطياد به انتفاع به فكان حراما فلا يتعلق به الحل (وأما) ما سواه من ذى الناب من السباع فقد قال أصحابنا جميعا كل ذى مخلب وذى ناب علم فتعلم ولم يكن محرم العين فصيد به كان صيده حلالا لعموم قوله عز شأنه وما علمتم من الجوارح وقالوا في الاسد والذئب انه لا يجوز الصيد بهما لا لمعنى يرجع إلى ذاتهما بل لعدم احتمال التعلم لان التعلم بترك العادة وذلك بترك الاكل وقيل ان من عادتهما انهما إذا أخذا صيدا لا يأكلانه في الحال فلا يمكن الاستدلال بترك الاكل فيهما على التعلم حتى لو تصور تعليمهما يجوز وذكر هشام وقال سألت محمدا عن الذئب إذا علم فصاد فقال هذا أرى انه لا يكون فان كان فلا بأس به وقال سألته عن صيد ابن عرس فأخبرني أن أبا حنيفة رحمه الله قال إذا علم فتعلم فكل مما صاد فصار الاصل ما ذكرنا ان ما لا يكون محرم العين من الجوارح إذا علم فتعلم يؤكل صيده والله جل شأنه اعلم (ومنها) أن يعلم أن تلف الصيد بارسال أو رمى هو سبب الحل من حيث الظاهر فان شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل الا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه لانه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل فقد احتمل الحل والحرمة فيرجح جانب الحرمة احتياطا لانه ان أكل عسى انه أكل الحرام فيأثم وان لم يأكل فلا شئ عليه والتحرز عن الضرر واجب عقلا وشرعا والاصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لوابصة بن معبد رضى الله عنه الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما ما اجتمع الحلال والحرام في شئ الا وقد غلب الحرام الحلال وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا وهو يطير فأصابه فسقط على جبل ثم سقط منه على الارض فمات انه لا يؤكل وهو تفسير المتردى لانه يحتمل أنه مات من الرمى ويحتمل أنه مات بسقوطه عن الجبل وكذلك لو كان على جبل فأصابه فسقط منه شئ على الجبل ثم سقط على الارض فمات أو كان على سطح فأصابه فهوى فأصاب حائط السطح ثم سقط على الارض فمات أو كان على نخلة أو شجرة فسقط منها على جذع النخلة أو ند من الشجرة ثم سقط على الارض فمات أو وقع على رمح مركوز في الارض وفيه سنان فوقع على السنان ثم وقع على الارض فمات أو نشب فيه السنان فمات عليه أو أصاب سهمه صيدا فوقع في الماء فمات فيه لا يحل لانه يحتمل انه مات بالرمي ويحتمل أنه مات بهذه الاسباب الموجودة بعده وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال وان وقع في الماء فلا تأكله فلعل الماء قتله بين عليه الصلاة والسلام الحكم وعلل بما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهو وقوعه في الماء والحكم المعلل بعلة يتعمم بعموم العلة ولو أصابه السهم فوقع على الارض فمات فالقياس ان لا يؤكل لجواز موته بسبب وقوعه على الارض وفى الاستحسان يؤكل لانه لا يمكن الاحتراز عن وقوع المرمى إليه على الارض فلو اعتبر هذا الاحتمال لوقع الناس في الحرج وذكر في المنتقى في الصيد إذا وقع على صخرة فانشق بطنه أو انقطع رأسه انه لا يؤكل قال الحاكم الجليل الشهيد المروزى وهذا خلاف جواب الاصل قال القدورى رحمه الله وعنى به أنه خلاف عموم جواب الاصل لانه ذكر في الاصل لو وقع على آجرة موضوعة في الارض أكل ولم يفصل بين أن يكون انشق بطنه أو لم ينشق فهذا يقتضى أن يؤكل في الحالين فيجوز أن يجعل في المسألة روايتان ويجوز أن يفرق بين الحالين من حيث أن

[ 59 ]

لو انشق بطنه أو انقطع رأسه فالظاهر أن موته بهذا السبب لا بالرمي فكان احتمال موته بالرمي احتمال خلاف الظاهر فلا يعتبر وإذا لم ينشق ولم ينقطع فموته بكل واحد من السببين محتمل احتمالا على السواء الا أن التحرز غير ممكن فسقط اعتبار موته بسبب العارض ويجوز أن يكون المذكور في المنتقى تفسيرا لما ذكر في الاصل فيكون معناه أنه يؤكل إذا لم ينشق بطنه أو لم ينقطع رأسه فيحمل المطلق على المقيد ويجعل المقيد بيانا للمطلق عند تعذر العمل بهما ولو وقع على حرف آجرة أو حرف حجر ثم وقع على الارض فمات لم يؤكل لما قلنا ولو كانت الآجرة منطرحة على الارض فوقع عليها ثم مات أكل لان الآجرة المنطرحة كالارض فوقوعه عليها كوقوعه على الارض ولو وقع على جبل فمات عليه أكل لان استقراره على الجبل كاستقراره على الارض وذكر في المنتقى عن أبى يوسف رحمه الله لو رمى صيدا على قلة جبل فأثخنه حتى صار لا يتحرك ولم يستطع أن يأخذه فرماه فقتله ووقع لم يأكله لانه خرج عن كونه صيد بالرمي الاول لخروجه عن حد الامتناع فالرمي الثاني لم يصادف صيدا فلم يكن ذكاة له فلا يؤكل وعلى هذا يخرج ما إذا اجتمع على الصيد معلم وغير معلم أو مسمى عليه وغير مسمى انه لا يؤكل لاجتماع سببي الحظر والاباحة ولم يعلم أيهما قتله ولو أرسل مسلم كلبه فاتبع الكلب كلب آخر غير معلم لكنه لم يرسله احد ولم يزجره بعد انبعاثه أو سبع من السباع أو ذو مخلب من الطير مما يجوز ان يعلم فيصاد به فرد الصيد عليه ونهشه أو فعل ما يكون معونة للكلب المرسل فاخذه الكلب المرسل وقتله لا يؤكل لان رد الكلب ونهشه مشاركة في الصيد فأشبه مشاركة المعلم غير المعلم والمسمى عليه غير المسمى عليه بخلاف ما إذا رد عليه آدمى أو بقرة أو حمار أو فرس أو ضب لان فعل هؤلاء ليس من باب الاصطياد فلا يزاحم الاصطياد في الاباحة فكان ملحقا بالعدم فان تبع الكلب الاول كلب غير معلم ولم يرد عليه ولم يهيب الصيد ولكنه اشتد عليه وكان الذى أخذ وقتل الكلب المعلم لا بأس بأكله لانهما ما اشتركا في الاصطياد لعدم المعاونة فيحل أكله والله جل شأنه أعلم (ومنها) أن يلحق المرسل أو الرامى الصيد أو من يقوم مقامه قبل التوارى عن عينه أو قبل انقطاع الطلب منه إذا لم يدرك ذبحه فان توارى عن عينه وقعد عن طلبه ثم وجده لم يؤكل فاما إذا لم يتوار عنه أو توارى لكنه لم يقعد عن الطلب حتى وجده يؤكل استحسانا والقياس انه لا يؤكل (وجه) القياس انه يحتمل ان الصيد مات من جراحة كلبه أو من سهمه ويحتمل انه مات بسبب آخر فلا يحل أكله بالشك (وجه) الاستحسان ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالروحاء على حمار وحش عقير فتبادر أصحابه إليه فقال دعوه فسيأتي صاحبه فجاء رجل من فهر فقال هذه رميتي يا رسول الله وأنا في طلبها وقد جعلتها لك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا بكر رضى الله عنه فقسمه بين الرفاق ولان الضرورة توجب ذلك لان هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه في الصيد فان العادة ان السهم إذا وقع بالصيد تحامل فغاب وإذا أصاب الكلب الخوف منه غاب فلو اعتبرنا ذلك لادى ذلك إلى انسداد باب الصيد ووقوع الصيادين في الحرج فسقط اعتبار الغيبة التى لا يمكن التحرز عنها إذا لم يوجد من الصائد تفريط في الطلب لمكان الضرورة والحرج وعند قعوده في الطلب لا ضرورة فيعمل بالقياس وقد روى ان رجلا أهدى إلى النبي عليه الصلاة والسلام صيدا فقال له من أين لك هذا فقال رميته بالامس وكنت في طلبه حتى هجم على الليل فقطعني عنه ثم وجدته اليوم ومزراقى فيه فقال عليه الصلاة والسلام انه غاب عنك ولا أدرى لعل بعض الهوام أعانك عليه لا حاجة لى فيه بين عليه الصلاة والسلام الحكم وعلة الحكم وهو ما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهذا المعنى لا يتحقق فيه إذا لم يقعد عن الطلب وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه سئل عن ذلك فقال كل ما أصميت ودع ما أنميت قال أبو يوسف رحمه الله الاصماء ما عاينه والانماء ما توارى عنه وقال هشام عن محمد رحمه الله الاصماء ما لم يتوار عن بصرك والانماء ما توارى عن بصرك الا أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة ولا ضرورة عند عدم الطلب ولانه إذا قعد عن طلبه فمن الجائز انه لو كان طلبه لادركه حيا فيخرج الجرح من أن يكون ذكاة فلا يحل بالشك بخلاف ما إذا لم يقعد عن طلبه لانه لم يدركه حيا فبقى الجرح ذكاة له والله تعالى عزوجل أعلم وأما

[ 60 ]

ما يستحب من الذكاة وما يكره منها (فمنها) ان المستحب ان يكون الذبيح بالنهار ويكره بالليل والاصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الاضحى ليلا وعن الحصاد ليلا وهو كراهة تنزيه ومعنى الكراهة يحتمل أن يكون لوجوه أحدها ان الليل وقت أمن وسكون وراحة فايصال الالم في وقت الراحة يكون أشد والثانى انه لا يأمن من أن يخطئ فيقطع يده ولهذا كره الحصاد بالليل والثالث ان العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل فربما لا يستوفى قطعها (ومنها) انه يستحب في الذبح حالة الاختيار أن يكون ذلك بآلة حادة من الحديد كالسكين والسيف ونحو ذلك ويكره بغير الحديد وبالكليل من الحديد لان السنة في ذبح الحيوان ما كان أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته والاصل فيه ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان الله تعالى عز شأنه كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وفى بعض الروايات وليشد قوائمه وليلقه على شقه الايسر وليوجهه نحو القبلة وليسم الله تعالى عليه والذبح بما قلنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته (ومنها) التذفيف في قطع الاوداج ويكره الابطاء فيه لما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال وليرح ذبيحته والاسراع نوع راحة له (ومنها) الذبح في الشاة والبقرة والنحر في الابل ويكره القلب من ذلك لما ذكرنا فيما تقدم والله عز شأنه اعلم ومنهم أن يكون ذلك من قبل الحلقوم ويكره من قبل القفا لما مر (ومنها) قطع الاوداج كلها ويكره قطع البعض دون البعض لما فيه من ابطاء فوات حياته (ومنها) الاكتفاء بقطع الاوداج ولا يبلغ به النخاع وهو العرق الابيض الذى يكون في عظم الرقبة ولا يبان الرأس ولو فعل ذلك يكره لما فيه من زيادة ايلام من غير حاجة إليها وفى الحديث ألا لا تنخعوا الذبيحة والنخع القتل الشديد حتى يبلغ النخاع (ومنها) أن يكون الذابح مستقبل القبلة والذبيحة موجهة إلى القبلة لما روينا ولما روى أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا إذا ذبحوا استقبلوا القبلة فانه روى عن الشعبى انه قال كانوا يستحبون ان يستقبلوا بالذبيحة القبلة وقوله كانوا كناية عن الصحابة رضى الله عنهم ومثله لا يكذب ولان المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم إلى الاوثان فتستحب مخالفتهم في ذلك باستقبال القبلة التى هي جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنة ويكره أن يقول عند الذبح اللهم تقبل من فلان وانما يقول ذلك بعد الفراغ من الذبح أو قبل الاشتغال بالذبح هكذا روى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله عن حماد عن ابراهيم وكذلك قال أبو يوسف أدع بالتقبل قبل الذبح ان شئت أو بعده وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس وعند الذبح وروينا عن ابن مسعود رضى عنهما انه قال جردوا التسمية عند الذبح ولو قال ذلك لا تحرم الذبيحة لانه ما ذكر اسم غير الله عز شأنه على سبيل الاشراك لكنه يكره لتركه التجريد من حيث الصورة فان قيل أليس انه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته فالجواب انه ليس فيه انه ذكر مع اسم الله تعالى جل شأنه نفسه عليه الصلاة والسلام أو أمته فيحتمل انه ضحى أحدهما وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عنه وضحى الآخر وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عن أمته وهذا لا يوجب الكراهة ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضا وهو أن ينحرها حتى يبلغ النخاع وأن يسلخها قبل أن تبرد لان فيه زيادة ايلام لا حاجة إليها فان نخع أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بأكلها لوجود الذبح بشرائطه ويكره جرها برجلها إلى المذبح لانه الحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في الذكاة وروى عن ابن سيرين عن سيدنا عمر رضى الله عنهما أنه رأى رجلا يسوق شاة ليذبحها سوقا عنيفا فضربه بالدرة ثم قال له سقها إلى الموت سوقا جميلا لا أم لك ويكره أن يضجعها ويحد الشفرة بين يديها لما روى ان رسول الله صلى اله عليه وسلم رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد الشفرة وهى تلاحظه فقال عليه الصلاة والسلام أوددت أن تميتها موتات الا حددت الشفرة قبل أن تضجعها وروى عن سيدنا عمر رضى الله عنه انه رأى رجلا وقد أضجع شاة ووضع رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة فضربه

[ 61 ]

بالدرة فهرب الرجل وشردت الشاة ولان البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك فتتحرز عنها فإذا أحد الشفرة وقد أضجعها يزداد ألمها وهذا كله لا تحرم به الذبيحة لان النهى عن ذلك ليس لمعنى في المنهى بل لما يلحق الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه فكان النهى عنه لمعنى في غير المنهى وانه لا يوجب الفساد كالذبح بسكين مغصوب والاصطياد بقوس مغصوب ونحو ذلك. (فصل) وأما بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول فالذي يحرم أكله منه سبعة الدم المسفوح والذكر والانثيان والقبل والغدة والمثانة والمرارة لقوله عز شأنه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وهذه الاشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة وروى عن مجاهد رضى الله عنه أنه قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة الذكر والانثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم فالمراد منه كراهة التحريم بدليل انه جمع بين الاشياء الستة وبين الدم في الكراهة والدم المسفوح محرم والمروى عن أبى حنيفة رحمه الله انه قال الدم حرام وأكره الستة أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح وسمى ما سواه مكروها لان الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به وحرمة الدم المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من الكتاب العزيز قال الله تعالى عز شأنه قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما إلى قوله عز شأنه أو دما مسفوحا أو لحم خنزير وانعقاد الاجماع أيضا على حرمته فأما حرمة ما سواه من الاشياء الستة فما ثبتت بدليل مقطوع به بل بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتأويل أو الحديث لذلك فصل بينهما في الاسم فسمى ذلك حراما وذا مكروها والله عز اسمه أعلم. (كتاب الاصطياد) قد بينا في كتاب الذبائح والصيود ما يؤكل من الحيوانات وما يحرم أكله منها وما يكره والان نبين في كتاب الاصطياد ما يباح اصطياده وما لا يباح ومن يباح له الاصطياد ومن لا يباح له فقط أما الاول فيباح اصطياد ما في البحر والبر مما يحل أكله وما لا يحل أكله غير أن ما يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه وما لا يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره وعظمه أو لدفع أذيته الا صيد الحرم فانه لا يباح اصطياده الا المؤذى منه لقوله عز شأنه أو لم يروا انا جعلنا حرما آمنا وقول النبي عليه الصلاة والسلام في صيد الحرم في حديث فيه طول ولا ينفر صيده وخص منه المؤذيات بقوله عليه الصلاة والسلام خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم وأما الثاني فيباح اصطياد ما في البحر للحلال والمحرم ولا يباح اصطياد ما في البر للمحرم خاصة لقوله تعالى احل لكم صيد البحر إلى قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما والفصل بين صيد البر والبحر وغير ذلك من المسائل بيناه في كتاب الحج والله عز شأنه الموفق (كتاب التضحية) يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صفة التضحية انها واجبة أو لا والى بيان شرائط الوجوب لو كانت واجبة والى بيان وقت الوجوب والى بيان كيفية الوجوب والى بيان محل اقامة الواجب والى بيان شرائط جواز اقامة الواجب والى بيان ما يستحب أن يفعل قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره كراهة تحريم أو تنزيه أما صفة التضحية فالتضحية نوعان واجب وتطوع والواجب منها أنواع منها ما يجب على الغنى والفقير ومنها ما يجب على الفقير دون الغنى ومنها ما يجب على الغنى دون الفقير أما الذى يجب على الغنى والفقير فالمنذور به بأن قال لله على ان أضحى شاة أو بدنة أو هذه الشاة أو هذه البدنة أو قال جعلت هذه الشاة ضحية أو اضحية وهو غنى أو فقير لان هذه قربة لله تعالى عز شأنه من جنسها ايجاب وهو هدى المتعة والقران والاحصار وفداء اسماعيل عليه الصلاة والسلام وقيل هذه القربة تلزم بالنذر كسائر القرب التى لله تعالى عز شأنه من جنسها ايجاب من الصلاة ونحوهما والوجوب بسبب

[ 62 ]

النذر يستوى فيه الفقير والغنى وان كان الواجب يتعلق بالمال كالنذر بالحج أنه يصح من الغنى والفقير جميعا وأما الذى يجب على الفقير دون الغنى فالمشترى للاضحية إذا كان المشترى فقيرا بان اشترى فقير شاة ينوى أن يضحى بها وقال الشافعي رحمه الله لا تجب وهو قول الزعفراني من أصحابنا وان كان غنيا لا يجب عليه بالشراء شئ بالاتفاق (وجه) قول الشافعي رحمه الله ان الايجاب من العبد يستدعى لفظا يدل على الوجوب والشراء بنية الاضحية لا يدل على الوجوب فلا يكون ايجابا ولهذا لم يكن ايجابا من الغنى (ولنا) ان الشراء للاضحية ممن لا أضحية عليه يجرى مجرى الايجاب وهو النذر بالتضحية عرفا لانه إذا اشترى للاضحية مع فقره فالظاهر أنه يضحى فيصير كانه قال جعلت هذه الشاة أضحية بخلاف الغنى لان الاضحية واجبة عليه بايجاب الشرع ابتداء فلا يكون شراؤه للاضحية ايجابا بل يكون قصد إلى تفريغ ما في ذمته ولو كان في ملك انسان شاة فنوى أن يضحى بها أو اشترى شاة ولو ينو الاضحية وقت الشراء ثم نوى بعد ذلك أن يضحى بها لا يجب عليه سواء كان غنيا أو فقيرا لان النية لم تقارن الشراء فلا تعتبر (وأما) الذى يجب على الغنى دون الفقير فما يجب من غير نذر ولا شراء للاضحية بل شكرا لنعمة الحياة واحياء لميراث الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله تعالى عز اسمه بذبح الكبش في هذه الايام فداء عن ولده ومطية على الصراط ومغفرة للذنوب وتكفيرا للخطايا على ما نطقت بذلك الاحاديث وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وزفر والحسن بن زياد واحدى الروايتين عن أبى يوسف رحمهم الله وروى عن أبى يوسف رحمه الله انها لا تجب وبه أخذ الشافعي رحمه الله وحجة هذه الرواية ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث كتبت على ولم تكتب عليكم الوتر والضحى والاضحى وروى ثلاث كتبت على وهى لكم سنة وذكر عليه الصلاة والسلام الاضحية والسنة غير الواجب في العرف وروى ان سيدنا ابا بكر وسيدنا عمر رضى الله عنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين وروى عن أبى مسعود الانصاري رضى الله عنه أنه قال قد يروح على الف شاة والا أضحى بواحدة مخافة أن يعتقد جارى انها واجبة ولانها لو كانت واجبة لكان لا فرق فيها بين المقيم والمسافر لانهما لا يفترقان في الحقوق المتعلقة بالمال كالزكاة وصدقة الفطر ثم لا تجب على المسافر فلا تجب على المقيم (ولنا) قوله عزوجل فصل لربك وانحر قيل في التفسير صل صلاة العيد وانحر البدن بعدها وقيل صل الصبح بجمع وانحر بمنى ومطلق الامر للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي عليه الصلاة والسلام يجب على الامة لانه قدوة للامة فان قيل قد قيل في بعض وجوه التأويل لقوله عز شأنه وانحر أي ضع يديك على نحرك في الصلاة وقيل استقبل القبلة بنحرك في الصلاة فالجواب ان الحمل على الاول أولى لانه حمل اللفظ على فائدة جديدة والحمل على الثاني حمل على التكرار لان وضع اليد على النحر من أفعال الصلاة عندكم يتعلق به كمال الصلاة واستقبال القبلة من شرائط الصلاة لا وجود للصلاة شرعا بدونه فيدخل تحت الامر بالصلاة فكان الامر بالصلاة أمرا به فحمل قوله عز شأنه وانحر عليه يكون تكرارا والحمل على ما قلناه يكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ضحوا فانها سنة أبيكم ابراهيم عليه الصلاة والسلام أمر عليه الصلاة والسلام بالتضحية والامر المطلق عن القرينة يقتضى الوجوب في حق العمل وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال على أهل كل بيت في كل عام اضحاة وعتيرة وعلى كلمة ايجاب ثم نسخت العتيرة فثبتت الاضحاة وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من لم يضح فلا يقربن مصلانا وهذا خرج مخرج الوعيد على ترك الاضحية ولا وعيد الا بترك الواجب وقال عليه الصلاة والسلام من ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته ومن لم يذبح فليذبح بسم الله أمر عليه الصلاة والسلام بذبح الاضحية واعادتها إذا ذبحت قبل الصلاة وكل ذلك دليل الوجوب ولان اراقة الدم قربة والوجوب هو القرية في القربات (وأما) الحديث فنقول بموجبه ان الاضحية ليست بمكتوبة علينا ولكنها واجبة وفرق ما بين الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والارض على ما عرف في أصول الفقه وقول هي لكم سنة ان ثبت لا ينفى الوجوب إذ السنة تنبئ عن الطريقة أو السيرة وكل ذلك لا ينفى الوجوب (وأما) حديث سيدنا أبى

[ 63 ]

بكر وسيدنا عمر رضى الله عنهما فيحتمل أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين لعدم غناهما لما كان لا يفضل رزقهما الذى كان في بيت المال عن كفايتهما والغنى شرط الوجوب في هذا النوع وقول أبى مسعود رضى الله عنه لا يصلح معارضا للكتاب الكريم والسنة مع ما أنه يحتمل انه كان عليه دين فخاف على جاره لو ضحى ان يعتقد وجوب الاضحية مع قيام الدين ويحتمل انه اراد بالوجوب الفرض إذا هو الواجب المطلق فخاف على جاره اعتقاد الفرضية لو ضحى فصان اعتقاده بترك الاضحية فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يحمل على ما قلنا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض والاستدلال بالمسافر غير سديد لان فيه ضرورة لا توجد في حق المقيم على ما نذكر في بيان الشرائط ان شاء الله تعالى عز شأنه ولو نذر أن يضحى بشاة وذلك في أيام النحر وهو موسر فعليه أن يضحى بشاتين عندنا شاة لاجل النذر وشاة بايجاب الشرع ابتداء الا إذا عنى به الاخبار عن الواجب عليه بايجاب الشرع ابتداء فلا يلزمه الا التضحية بشاة واحدة ومن المشايخ من قال لا يلزمه الا التضحية بشاة واحدة لان هذه الصيغة حقيقتها للاخبار فيكون اخبارا عما وجب عليه بايجاب الشرع فلا يلزمه التضحية باخرى ولنا ان هذه الصيغة في عرف الشرع جعلت انشاء كصيغة الطلاق والعتاق لكنها تحتمل الاخبار فيصدق في حكم بينه وبين ربه عز شأنه ولو قال ذلك قبل أيام النحر يلزمه التضحية بشاتين بلا خلاف لان الصيغة لا تحتمل الاخبار عن الواجب إذ لا وجوب قبل الوقت والاخبار عن الواجب ولا واجب يكون كذبا فتعين الانشاء مراد ايها وكذلك لو قال ذلك وهو معسر ثم أيسر في أيام النحر فعليه أن يضحى بشاتين لانه لم يكن وقت النذر أضحية واجبة عليه فلا يحتمل الاخبار فيحمل على الحقيقة الشرعية وهو الانشاء فوجب عليه أضحية بنذره وأخرى بايجاب الشرع ابتداء لوجود شرط الوجوب وهو الغنى (وأما) التطوع فاضحية المسافر والفقير الذى لم يوجد منه النذر بالتضحية ولا الشراء للاضحية لانعدام سبب الوجوب وشرطه (فصل) وأما شرائط الوجوب فاما في النوعين الاولين فشرائط أهلية النذر وقد ذكرناها في كتاب النذر وأما في النوع الثالث فمنها الاسلام فلا تجب على الكافر لانها قربة والكافر ليس من أهل القرب ولا يشترط وجود الاسلام في جميع الوقت من أوله إلى آخره حتى لو كان كافرا في أول الوقت ثم أسلم في آخره تجب عليه لان وقت الوجوب يفضل عن اداء الواجب فيكفى في وجوبها بقاء جزء من الوقت كالصلاة ومنها الحرية فلا تجب على العبد وان كان مأذونا في التجارة أو مكاتبا لانه حق مالى متعلق بملك المال ولهذا لا تجب عليه زكاة ولا صدقة الفطر ولا يشترط أن يكون حرا من أول الوقت إلى آخره بل يكتفى بالحرية في آخر جزء من الوقت حتى لو اعتق في آخر الوقت وملك نصابا تجب عليه الاضحية لما قلنا في شرط الاسلام ومنها الاقامة فلا تجب على المسافر لانها لا تتأدى بكل مال ولا في كل زمان بل بحيوان مخصوص في وقت مخصوص والمسافر لا يظفر به في كل مكان في وقت الاضحية فلو أوجبنا عليه لاحتاج إلى حمله مع نفسه وفيه من الحرج ما لا يخفى أو احتاج إلى ترك السفر وفيه ضرر فدعت الضرورة إلى امتناع الوجوب بخلاف الزكاة لان الزكاة لا يتعلق وجوبها بوقت مخصوص بل جميع العمر وقتها فكان جميع الاوقات وقتا لادائها فان لم يكن في يده شئ للحال يؤديها إذا وصل إلى المال وكذا تتأدى بكل مال فايجابها عليه لا يوقعه في الحرج وكذلك صدقة الفطر لانها تجب وجوبا موسعة كالزكاة وهو الصحيح وعند بعضهم وان كانت تتوقف بيوم الفطر لكنها تتأدى بكل مال فلا يكون في الوجوب عليه حرج وذكر في الاصل وقال ولا تجب الاضحية على الحاج وأراد بالحاج المسافر فاما اهل مكة فتجب عليهم الاضحية وان حجوا لما روى نافع عن ابن سيدنا عمر رضى الله عنهما ان كان يخلف لمن لم يحج من أهله أثمان الضحايا ليضحوا عنه تطوعا ويحتمل أنه ليضحوا عن أنفسهم لا عنه فلا يثبت الوجوب مع الاحتمال ولا تشترط الاقامة في جميع الوقت حتى لو كان مسافر في أول الوقت ثم أقام في آخره تجب عليه لما بينا في شرط الحرية والاسلام ولو كان مقيما في أول الوقت ثم سافر في آخره لا تجب عليه لما ذكرنا هذا إذا سافر قبل ان يشترى أضحية فان اشترى شاة للاضحية ثم سافر ذكر في المنتفى ان له بيعها ولا يضحي بها وهكذا

[ 64 ]

روى عن محمد رحمه الله انه يبيعها من المشايخ من فصل بين الموسر والمعسر فقال ان كان موسرا فالجواب كذلك لانه ما أوجب بهذا الشراء شيأ على نفسه وانما قصد به اسقاط الواجب عن نفسه فإذا سافر تبين أنه لا وجوب عليه فكان له ان يبيعها كما لو شرع في العبادة على ظن أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه أنه لا يلزمه الاتمام وان كان معسرا ينبغى أن تجب عليه ولا تسقط عنه بالسفر لان هذا ايجاب من الفقير بمنزلة النذر فلا يسقط بالسفر كما لو شرع في التطوع أنه يلزمه الاتمام القضاء بالافساد كذا ههنا وان سافر بعد دخول الوقت قالوا ينبغى أن يكون الجواب كذلك لما ذكرنا ومنها الغنى لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجد سعة فليضح شرط عليه الصلاة والسلام السعة وهى الغنى ولانا أوجبناها بمطلق المال ومن الجائز أن يستغرق الواجب جميع ماله فيؤدى إلى الحرج فلابد من اعتبار الغنى وهو أن يكون في ملكه مائتا درهم أو عشرون دينارا أو شئ تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وخادمه وفرسه وسلاحه وما لا يستغنى عنه وهو نصاب صدقة الفطر وقد ذكرناه وما يتصل به من المسائل في صدقة الفطر ولو كان عليه دين بحيث لو صرف إليه بعض نصابه لا ينقص نصابه لا تجب لان الدين يمنع وجوب الزكاة فلان يمنع وجوب الاضحية أولى لان الزكاة فرض والاضحية واجبة والفرض فوق الواجب وكذا لو كان له مال غائب لا يصل إليه في أيام النحر لانه فقير وقت غيبة المال حتى تحل له الصدقة بخلاف الزكاة فانها تجب عليه لان جميع العمر وقت الزكاة وهذه قربة موقتة فيعتبر الغنى في وقتها ولا يشترط أن يكون غنيا في جميع الوقت حتى لو كان فقيرا في أول الوقت ثم أيسر في آخره يجب عليه لما ذكرنا ولو كان له مائتا درهم فحال عليها الحول فزكاها بخمسة دراهم ثم حضرت أيام النحر وماله مائة وخمسة وتسعون لا رواية فيه وذكر الزعفراني أنه تجب عليه الاضحية لان النصاب وان انتقص لكنه انتقص بالصرف إلى جهة هي قربة فيجعل قائما تقديرا حتى لو صرف خمسة منها إلى النفقة لا تجب لانعدام الصرف إلى جهة القربة فكان النصاب ناقصا حقيقة وتقديرا فلا يجب ولو اشترى الموسر شاة للاضحية فضاعت حتى انتقص نصابه وصار فقيرا فجاءت أيام النحر فليس عليه أن يشترى شاة أخرى لان النصاب ناقص وقت الوجوب فلم يوجد شرط الوجوب وهو الغنى فلو أنه وجدها وهو معسر وذلك في أيام النحر فليس عليه أن يضحى بها لانه معسر وقت الوجوب ولو ضاعت ثم اشترى اخرى وهو موسر فضحى بها ثم وجد الاولى وهو معسر لم يكن عليه أن يتصدق بشئ لما قلنا وجميع ما ذكرنا من الشروط يستوى فيها الرجل والمرأة لان الدلائل لا تفصل بينهما وأما البلوغ والعقل فليسا من شرائط الوجوب في قول أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد وزفر هما من شرائط الوجوب حتى تجب الاضحية في مال الصبى والمجنون إذا كانا موسرين عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله حتى لو ضحى الاب أو الصبى من مالهما لا يضمن عندهما وعند محمد وزفر رحمهما الله يضمن وهو على الاختلاف الذى ذكرنا في صدقة الفطر والحج ذكرت هنالك ومن المتأخرين من قال لا خلاف بينهم في الاضحية انها لا تجب في مالهما لان القربة في الاضحية هي اراقة الدم وانها اتلاف ولا سبيل إلى اتلاف مال الصغير والتصدق باللحم تطوع ولا يجوز ذلك في مال الصغير والصغير في العادة لا يقدر على أن يأكل جميع اللحم ولا يجوز بيعه ولا سبيل للوجوب رأسا والصحيح أنه على الاختلاف وتجب الاضحية عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله ولا يتصدق باللحم لما قلنا لكن يأكل منها الصغير ويدخر له قدر حاجته ويبتاع بالباقي ما ينتفع بعينه كابتياع البالغ بجلد الاضحية ما ينتفع بعينه والذى يجن ويفيق يعتبر حاله في الجنون والافاقة فان كان مجنونا في أيام النحر فهو على الاختلاف وان كان مفيقا يجب بلا خلاف وقيل ان حكمه حكم الصحيح كيف ما كان وما بلغ من الصغار في أيام النحر وهو موسر يجب عليه باجماع بين أصحابنا لان الاهلية من الحرفي آخر الوقت لا في أوله كما لا يشترط اسلامه وحريته واقامته في أول الوقت لما بينا ولا يجب على الرجل أن يضحى عن عبده ولا عن ولده الكبير وفى وجوبها عليه من ماله لولده الصغير روايتان كذا ذكره القدورى رحمه الله وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي انها لا تجب في ظاهر الرواية ولكن الافضل أن يفعل ذلك وأطلق

[ 65 ]

الطحاوي رحمه الله ما يدل على الوجوب فانه قال ويجب على الرجل أن يضحى عن أولاده الصغار (وجه) رواية الوجوب ان ولد الرجل جزؤه فإذا وجب عليه أن يضحى عن نفسه فكذا عن ولده ولهذا وجب عليه أن يؤدى عنه صدقة الفطر ولان له على ولده الصغير ولاية كاملة فيجب كصدقة الفطر بخلاف الكبير فانه لا ولاية له عليه (وجه) ظاهر الرواية ان الاصل ان لا يجب على الانسان شئ على غيره خصوصا في القربات لقول الله تعالى وأن ليس للانسان الا ما سعى وقوله جل شأنه لها ما كسبت ولهذا لم تجب عليه عن عبده وعن ولده الكبير الا ان صدقة الفطر خصت عن النصوص فبقيت الاضحية على عمومها ولان سبب الوجوب هناك رأس يمونه ويلى عليه وقد وجد في الولد الصغير وليس السبب الرأس ههنا ألا ترى أنه يجب بدونه وكذا لا يجب بسبب العبد وأما الوجوب عليه من ماله لولد ولده إذا كان أبوه ميتا فقد روى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله عليه أن يضحى عنه قال القدورى رحمه الله ويجب أن يكون هذا على روايتين كما قالوا في صدقة الفطر وقد مر وجه الروايتين في صدقة الفطر وأما المصر فليس بشرط الوجوب فتجب على المقيمين في الامصار والقرى والبوادى لان دلائل الوجوب لا توجب الفصل والله أعلم (فصل) وأما وقت الوجوب فايام النحر فلا تجب قبل دخول الوقت لان الواجبات الموقتة لا تجب قبل أوقاتها كالصلاة والصوم ونحوهما وأيام النحر ثلاثة يوم الاضحى وهو اليوم العاشر من ذى الحجة والحادي عشر والثانى عشر وذلك بعد طلوع الفجر من اليوم الاول إلى غروب الشمس من الثاني عشر وقال الشافعي رحمه الله تعالى ايام النحر أربعة أيام العاشر من ذى الحجة والحادي عشر والثانى عشر والثالث عشر والصحيح قولنا لما روى عن سيدنا عمر وسيدنا على وابن عباس وابن سيدنا عمر وأنس بن مالك رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها والظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لان أوقات العبادات والقربات لا تعرف الا بالسمع فإذا طلع الفجر من اليوم الاول فقد دخل وقت الوجوب فتجب عند استجماع شرائط الوجوب ثم لجواز الاداء بعد ذلك شرائط أخر نذكرها في موضعها ان شاء الله تعالى فان وجدت يجوز والا فلا كما تجب الصلاة بدخول وقتها ثم ان وجدت شرائط جواز ادائها جازت والا فلا والله تعالى أعلم. (فصل) وأما كيفية الوجوب فانواع (منها) انها تجب في وقتها وجوبا موسعا ومعناه انها تجب في جملة الوقت غير عين كوجوب الصلاة في وقتها ففى أي وقت ضحى من عليه الواجب كان مؤديا للواجب سواء كان في أول الوقت أو وسطه أو آخره كالصلاة والاصل ان ما وجب في جزء من الوقت غير عين يتعين الجزء الذى أدى فيه الوجوب أو آخر الوقت كما في الصلاة وهو الصحيح من الاقاويل على ما عرف في أصول الفقه وعلى هذا يخرج ما إذا لم يكن أهلا للوجوب في أول الوقت ثم صار أهلا في آخره بان كان كافرا أو عبدا أو فقيرا أو مسافر في أول الوقت ثم أسلم أو أعتق أو أيسر أو أقام في آخره أنه يجب عليه ولو كان أهلا في أوله ثم لم يبق أهلا في آخره بان ارتد أو اعسر أو سافر في آخره لا يجب عليه ولو ضحى في أول الوقت وهو فقير ثم أيسر في آخر الوقت فعليه أن يعيد الاضحية عندنا وقال بعض مشايخنا ليس عليه الاعادة والصحيح هو الاول لانه لما أيسر في آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب عليه وتبين ان ما أداه وهو فقير كان تطوعا فلا ينوب عن الواجب وما روى عن الكرخي رحمه الله في الصلاة المؤداة في أول الوقت انها نفل مانع من الوجوب في آخر الوقت فاسد عرف فساده في أصول الفقه ولو كان موسرا في جميع الوقت فلم يضح حتى مضى الوقت ثم صار فقيرا صار قيمة شاة صالحة للاضحية دينا في ذمته يتصدق بها متى وجدها لان الوجوب قد تأكد عليه بآخر الوقت فلا يسقط بفقره بعد ذلك كالمقيم إذا مضى عليه وقت الصلاة ولم يصل حتى سافر لا يسقط عنه شطر الصلاة وكالمرأة إذا مضى عليها وقت الصلاة وهى طاهرة ثم حاضت لا يسقط عنها فرض الوقت حتى يجب عليها القضاء إذا طهرت من حيضها كذا ههنا ولو مات الموسر في أيام النحر قبل أن يضحى سقطت عنه الاضحية وفى الحقيقة لم تجب لما ذكرنا ان الوجوب عند الاداء أو في آخر الوقت فإذا مات قبل الاداء مات قبل أن تجب عليه كمن مات في وقت الصلاة قبل أن

[ 66 ]

يصليها أنه مات ولا صلاة عليه كذا ههنا وعلى هذا تخرج رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله ان الرجل الموسر إذا ولد له ولد في آخر أيام النحر أنه يجب عليه أن يذبح عنه وهى احدى الروايتين اللتين ذكرناهما انه كما يجب على الانسان إذا كان موسرا ان يذبح عن نفسه يجب عليه أن يذبح عن ولده الصغير لانه ولد وقت تأكد الوجوب بخلاف صدقة الفطر أنه إذا ولد له ولد بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أنه لا تجب عليه صدقة فطره لان الوجوب هناك تعلق باول اليوم فلا يجب بعد مضى جزء منه وههنا بخلافه وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة للاضحية وهو موسر ثم انها ماتت أو سرقت أو ضلت في أيام النحر أنه يجب عليه أن يضحى بشاة أخرى لان الوجوب في جملة الوقت والمشترى لم يتعين للوجوب والوقت باق وهو من أهل الوجوب فيجب الا إذا كان عينها بالنذر بان قال لله تعالى على أن اضحى بهذه الشاة وهو موسر أو معسر فهلكت أو ضاعت أنه تسقط عنه التضحية بسبب النذر لان المنذور به معين لاقامة الواجب فيسقط الواجب بهلاكه كالزكاة تسقط بهلاك النصاب عندنا غير أنه ان كان الناذر موسرا تلزمه شاة أخرى بايجاب الشرع ابتداء لا بالنذر وان كان معسرا فاشترى شأه للاضحية فهلكت في أيام النحر أو ضاعت سقطت عنه وليس عليه شئ آخر لما ذكرنا ان الشراء من الفقير للاضحية بمنزلة النذر فإذا هلكت فقد هلك محل اقامة الواجب فيسقط عنه وليس عليه شئ آخر بايجاب الشرع ابتداء لفقد شرط الوجوب وهو اليسار ولو اشترى الموسر شاة للاضحية فضلت فاشترى شاة أخرى ليضحى بها ثم وجد الاولى في الوقت فالافضل أن يضحى بهما فان ضحى بالاولى أجزأه ولا تلزمه التضحية بالاخرى ولا شئ عليه غير ذلك سواء كانت قيمة الاولى أكثر من الثانية أو أقل والاصل فيه ما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها انها ساقت هديا فضاع فاشترت مكانه آخر ثم وجدت الاول فنحرتهما ثم قالت الاول كان يجزئ عنى قبلت الجواز بقولها والفضيلة بفعلها رضى الله عنها ولان الواجب في ذمته ليس الا التضحية بشاة واحدة وقد ضحى وان ضحى بالثانية أجزأه وسقطت عنه الاضحية وليس عليه أن يضحى بالاولى لان التضحية بها لم تجب بالشراء بل كانت الاضحية واجبة في ذمته بمطلق الشاة فإذا ضحى بالثانية فقد أدى الواجب بها بخلاف المتنفل بالاضحية إذا ضحى بالثانية أنه يلزمه التضحية بالاولى أيضا لانه لما اشتراها للاضحية فقد وجب عليه التضحية بالاولى أيضا بعينها فلا يسقط بالثانية بخلاف الموسر فانه لا يجب عليه التضحية بالشاة المشتراة بعينها وانما الواجب في ذمته وقد أداه بالثانية فلا تجب عليه التضحية بالاولى وسواء كانت الثانية مثل الاولى في القيمة أو فوقها أو دونها لما قلنا غير أنها ان كانت دونها في القيمة يجب عليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين لانه بقيت له هذه الزيادة سالمة من الاضحية فصار كاللبن ونحوه ولو لم يتصدق بشئ ولكنه ضحى بالاولى أيضا وهو في أيام النحر أجزأه وسقطت عنه الصدقة لان الصدقة انما تجب خلفا عن فوات شئ من شاة الاضحية فإذا أدى الاصل في وقته سقط عنه الخلف وأما على قول أبى يوسف رحمه الله فانه لا تجزيه التضحية الا بالاولى لانه يجعل الاضحية كالوقف ولو لم يذبح الثانية حتى مضت أيام النحر ثم وجد الاولى ذكر الحسن بن زياد في الاضاحي ان عليه أن يتصدق بافضلهما ولا يذبح وذكر فيها أنه قول زفر وأبى يوسف والحسن بن زياد رحمهم الله لانه لم يجب عليه في آخر الوقت الا التضحية بشاة فإذا خرج الوقت تحول الواجب من الاراقة إلى التصدق بالعين ولو اشترى شاة للاضحية وهو معسر أو كان موسرا فانتقص نصابه بشراء الشاة ثم ضلت فلا شئ عليه ولا يجب عليه شئ آخر أما الموسر فلفوات شرط الوجوب وقت الوجوب وأما المعسر فلهلاك محل اقامة الواجب فلا يلزمه شئ آخر (ومنها) أن لا يقوم غيرها مقامها حتى لو تصدق بعين الشاة أو قيمتها في الوقت لا يجزيه عن الاضحية لان الوجوب تعلق بالاراقة والاصل ان الوجوب إذا تعلق بفعل معين أنه لا يقوم غيره مقامه كما في الصلاة والصوم وغيرهما بخلاف الزكاة فان الواجب أداء جزء من النصاب ولو أدى من مال آخر جاز لان الواجب هناك ليس جزأ من النصاب عند أصحابنا بل الواجب مطلق المال وقد أدى وعند بعضهم وان كان الواجب أداء جزء من النصاب لكن من حيث انه مال لا من حيث انه جزء من النصاب لان مبنى وجوب

[ 67 ]

الزكاة على التيسير والتيسير في الوجوب من حيث انه مال لا من حيث انه العين والصورة وههنا الواجب في الوقت اراقة الدم شرعا غير معقول المعنى فيقتصر الوجوب على مورد الشرع وبخلاف صدقة الفطر أنها تتأدى بالقيمة عندنا لان الواجب هناك معلول بمعنى الاغناء قال النبي عليه الصلاة والسلام اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم والاغناء يحصل باداء القيمة والله عز شأنه أعلم (ومنها) أنه تجزئ فيها النيابة فيجوز للانسان أن يضحى بنفسه وبغيره باذنه لانها قربة تتعلق بالمال فتجزئ فيها النيابة كاداء الزكاة وصدقة الفطر ولان كل أحد لا يقدر على مباشرة الذبح بنفسه خصوصا النساء فلو لم تجز الاستنابة لادى إلى الحرج وسواء كان المأذون مسلما أو كتابيا حتى لو أمر مسلم كتابيا أن يذبح أضحيته يجزيه لان الكتابى من اهل الذكاة الا أنه يكره لان التضحية قربة والكافر ليس من أهل القربة لنفسه فتكره انابته في اقامة القربة لغيره وسواء كان الاذن نصا أو دلالة حتى لو اشترى شاة للاضحية فجاء يوم النحر فاضجعها وشد قوائمها فجاء انسان وذبحها من غير أمره أجزأه استحسانا والقياس أنه لا يجوز وأن يضمن الذابح قيمتها وهو قول زفر رحمه الله وقال الشافعي يجزيه عن الاضحية ويضمن الذابح أما الكلام مع زفر فوجه القياس أنه ذبح شاة غيره بغير أمره فلا يجزى عن صاحبها ويضمن الذابح كما لو غصب شاة وذبحها وهو وجه الشافعي في وجوب الضمان على الذابح وجه الاستحسان أنه لما اشتراها للذبح وعينها لذلك فإذا ذبحها غيره فقد حصل غرضه واسقط عنه مؤنة الذبح فالظاهر أنه رضى بذلك فكان مؤذونا فيه دلالة فلا يضمن ويجزيه عن الاضحية كما لو أذن له بذلك نصا وبه تبين وهى قول الشافعي رحمه الله أنه يجزيه عن الاضحية ويضمن الذابح لان كون الذبح مأذونا فيه يمنع وجوب الضمان كما لو نص على الاذن وكما لو باعها باذن صاحبها ولو لم يرض به وأراد الضمان يقع عن المضحي وليس للوكيل أن يضحى ما وكل بشرائه بغير أمر موكله ذكره أبو يوسف رحمه الله في الاملاء فان ضحى جاز استحسانا لانه أعانه على ذلك فوجد الاذن منه دلالة الا أن يختار أن يضمنه فلا يجزى عنه وعلى هذا إذا غلط رجلان فذبح كل واحد منها أضحية صاحبه عن نفسه أنه يجزى كل واحد منهما أضحيته عنه استحسانا ويأخذها من الذابح لما بينا ان كل واحد منهما يكون راضيا بفعل صاحبه فيكون مأذونا فيه دلالة فيقع الذبح عنه ونية صاحبه تقع لغوا حتى لو تشاحا وأراد كل واحد منهما الضمان تقع الاضحية له وجازت عنه لانه ملكه بالضمان على ما نذكره في الشاة المغصوبة ان شاء الله تعالى وذكر هشام عن أبى يوسف رحمهما الله في نوادره في رجلين اشتريا أضحيتين فذبح كل منهما أضحية صاحبه غلطا عن نفسه واكلها قال يجزى كل واحد منهما في قول أبى حنيفة رحمه الله وقولنا ويحلل كل واحد منهما صاحبه فان تشاحا ضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة شاته فان كان قد انقضت ايام النحر يتصدق بتلك القيمة اما جواز احلالهما فلانه يجوز لكل واحد منهما أن يطعمها لصاحبه ابتداء قبل الاكل فيجوز ان يحلله بعد الاكل وله أن يضمنه لان من اتلف لحم الاضحية يضمن ويتصدق بالقيمة لان القيمة بدل عن اللحم فصار كما لو باعه قال وسألت ابا يوسف رحمه الله عن البقرة إذا ذبحها سبعه في الاضحية ايقتسمون لحمها جزفا أو وزنا قال بل وزنا قال قلت فان اقتسموها مجازفة وحلل بعضهم بعضا قال أكره ذلك قال قلت فما تقول في رجل باع درهما بدرهم فرجح أحدهما فحلل صاحبه الرجحان قال هذا جائز لانه لا يقسم معناه أنه هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة وهو الدرهم الصحيح أما عدم جواز القسمة مجازفة فلان فيها معنى التمليك واللحم من الاموال الربوية فلا يجوز تمليكه مجازفة كسائر الاموال الربوية وأما عدم جواز التحليل فلان الربوي لا يحتمل الحل بالتحليل ولانه في معنى الهبة وهبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح بخلاف ما إذا رجح الوزن (ومنها) انها تقضى إذا فاتت عن وقتها والكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان انها مضمونة بالقضاء في الجملة والثانى في بيان ما تقضى به أما الاول فلان وجوبها في الوقت إما لحق العبودية أو لحق شكر النعمة أو لتكفير الخطايا لان العبادات والقربات انما تجب لهذه المعاني وهذا لا يوجب الاختصاص بوقت دون وقت فكان الاصل فيها أن تكون واجبة في جميع الاوقات وعلى الدوام بالقدر الممكن الا

[ 68 ]

أن الاداء في السنة مرة واحدة في وقت مخصوص أقيم مقام الاداء في جميع السنة تيسيرا على العباد فضلا من الله عز وجل ورحمة كما أقيم صوم شهر في السنة مقام جميع السنة وأقيم خمس صلوات في يوم وليلة مقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار فإذا لم يؤد في الوقت بقى الوجوب في غيره لقيام المعنى الذى له وجبت في الوقت وأما الثاني فنقول انها لا تقضى بالاراقة لان الاراقة لا تعقل قربة وانما جعلت قربة بالشرع في وقت مخصوص فاقتصر كونها قربة على الوقت المخصوص فلا تقضى بعد خروج الوقت ثم قضاؤها قد يكون بالتصدق بعين الشاة حية وقد يكون بالتصدق بقيمة الشاة فان كان أوجب التضحية على نفسه بشاة بعينها فلم يضحها حتى مضت أيام النحر يتصدق بعينها حية لان الاصل في الاموال التقرب بالتصدق بها لا بالاتلاف وهو الاراقة الا أنه نقل إلى الاراقة مقيدا في وقت مخصوص حتى يحل تناول لحمه للمالك والاجنبى والغنى والفقير لكون الناس أضياف الله عز شأنه في هذا الوقت فإذا مضى الوقت عاد الحكم إلى الاصل وهو التصدق بعين الشاة سواء كان موسرا أو معسرا لما قلنا وكذلك المعسر إذا اشترى شاة ليضحى بها فلم يضح حتى مضى الوقت لان الشراء للاضحية من الفقير كالنذر بالتضحية وأما الموسر إذا اشترى شاة للاضحية فكذلك الجواب ومن المشايخ من قال هذا الجواب في المعسر لان الشاة المشتراة للاضحية من المعسر تتعين للاضحية فاما من الموسر فلا تتعين بدليل أنه يجوز له التضحية بشاة أخرى في الوقت مع بقاء الاولى وتسقط عنه الاضحية والصحيح أنها تتعين من الموسر أيضا بلا خلاف بين أصحابنا فان محمدا رحمه الله ذكر عقيب جواب المسألة وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وقولنا (ووجهه) ان نية التعيين قارنت الفعل وهو الشراء فاوجبت تعين المشترى للاضحية الا أن تعيينه للاضحية لا يمنع جواز التضحية بغيرها كتعيين النصاب لاداء الزكاة منه لا يمنع جواز الاداء بغيره وتسقط عنه الزكاة وهذا لان المتعين لا يزاحمه غيره فإذا ضحى بغيره أو ادى الزكاة من غير النصاب لم يبق الاول متعينا فكانت الشاة متعينة للتضحية ما لم يضح بغيرها كالزكاة وان كان لم يوجب على نفسه ولا اشترى وهو موسر حتى مضت أيام النحر تصدق بقيمة شاة تجوز في الاضحية لانه إذا لم يوجب ولم يشتر لم يتعين شئ للاضحية وانما الواجب عليه اراقة دم شاة فإذا مضى الوقت قبل أن يذبح ولا سبيل إلى التقرب بالاراقة بعد خروج الوقت لما قلنا انتقل الواجب من الاراقة والعين أيضا لعدم التعيين إلى القيمة وهو قيمة شاة يجوز ذبحها في الاضحية ولو صار فقيرا بعد مضى أيام النحر لا يسقط عنه التصدق بعين الشاة أو بقيمتها لانه إذا مضى الوقت صار ذلك دينا في ذمته فلا يسقط عنه لفقره بعد ذلك ولو وجب عليه التصدق بعين الشاة فلم يتصدق ولكن ذبحها يتصدق بلحمها ويجزيه ذلك ان لم ينقصها الذبح وان نقصها يتصدق باللحم وقيمة النقصان ولا يحل له أن يأكل منها وان أكل منها شيأ غرم قيمته ويتصدق بها لما يذكر في موضعه وكذلك لو أوجب على نفسه أن يتصدق بها لا يأكل منها إذا ذبحها بعد وقتها أو في وقتها فهو سواء ومن وجبت عليه الاضحية فلم يضح حتى مضت أيام النحر ثم حضرته الوفاة فعليه أن يوصى بان يتصدق عنه بقيمة شاة من ثلث ماله لانه لما مضى الوقت فقد وجب عليه التصدق بقيمة شاة فيحتاج إلى تخليص نفسه عن عهدة الواجب والوصية طريق التخليص فيجب عليه أن يوصى كما في الزكاة والحج وغير ذلك ولو أوصى بان يضحى عنه ولم يسم شاة ولا بقرة ولا غير ذلك ولم يبين الثمن أيضا جاز ويقع على الشاة بخلاف ما إذا وكل رجلا أن يضحى عنه ولم يسم شيأ ولا ثمنا أنه لا يجوز والفرق ان الوصية تحتمل من الجهالة شيأ لا تحتمله الوكالة فان الوصية بالمجهول وللمجهول تصح ولا تصح الوكالة ولو أوصى بان يشترى له شأه بعشرين درهما فيضحى عنه ان مات فمات وثلثه أقل من ذلك فانه يضحى عنه بما يبلغ الثلث على قياس الحج إذا أوصى بان يحج عنه بمائة وثلثه أقل من مائة فانه يحج بمائة بخلاف العتق إذا أوصى بان يعتق عنه عبد بمائة وثلثه أقل ان عند أبى حنيفة رحمه الله تبطل الوصية وعندهما يعتق عنه بما بقى لانه أوصى بمال مقدر فيما هو قربة فتنفذ الوصية فيما أمكن كما في الحج (ووجه) الفرق لابي حنيفة رحمه الله أن مصرف الوصية في العتق هو العبد فكأنه أوصى بعبد موصوف بصفة وهو أن يكون ثمنه مائه فإذا اشترى باقل

[ 69 ]

كان هذا غير ما أوصى به فلا يجوز بخلاف الحج والاضحية فان المصرف ثمة هو الله عز شأنه فسواء كان قيمة الشاة أقل أو مثل ما أوصى به يكون المصرف والمقصود بالكل واحد وهو القربة وذلك حاصل فيجوز (ومنها) أن وجوبها نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة والرجبية والعتيرة كذا حكى أبو بكر الكيساني عن محمد رحمه الله أنه قال قد كانت في الجاهلية ذبائح يذبحونها (منها) العقيقة كانت في الجاهلية ثم فعلها المسلمون في أول الاسلام فنسخها ذبح الاضحية فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل (ومنها) شاة كانوا يذبحونها في رجب تدعى الرجبية كان أهل البيت يذبحون الشاة فيأكلون ويطبخون ويطعمون فنسخها ذبح الاضحية (ومنها) العتيرة كان الرجل إذا ولدت له الناقة أو الشاة ذبح أول ولد تلده فاكل وأطعم قال محمد رحمه الله هذا كله كان يفعل في الجاهلية فنسخه ذبح الاضحية وقيل في تفسير العتيرة كان الرجل من العرب إذا نذر نذرا أنه إذا كان كذا أو بلغ شاة كذا فعليه أن يذبح من كل عشر منها كذا في رجب والعقيقة الذبيحة التى تذبح عن المولود يوم أسبوعه وانما عرفنا انتساخ هذه الدماء بما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها انها قالت نسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الاضحية كل ذبح كان قبلها ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبله والظاهر انها قالت ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لان انتساخ الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد ومنهم من روى هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها وكذا قال أهل التأويل في قوله عز شأنه أأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ان ما أمروا به من تقديم الصدقة على النجوى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ بقوله جل شأنه وآتوا الزكاة وذكر محمد رحمه الله في العقيقة فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل وهذا يشير إلى الاباحة فيمنع كونه سنة وذكر في الجامع الصغير ولا يعق عن الغلام ولا عن الجارية وانه اشارة إلى الكراهة لان العقيقة كانت فضلا ومتى نسخ الفضل لا يبقى الا الكراهة بخلاف الصوم والصدقة فانهما كانا من الفرائض لا من الفضائل فإذا نسخت منهما الفرضية يجوز التنفل بهما وقال الشافعي رحمه الله العقيقة سنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة واحتج بما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين رضى الله عنهما كبشا كبشا وانا نقول انها كانت ثم نسخت بدم الاضحية بحديث سيدتنا عائشة رضى الله عنها وكذا روى عن سيدنا على رضى الله عنه انه قال نسخت الاضحية كل دم كان قبلها والعقيقة كانت قبلها كالعتيرة وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال ان الله تعالى لا يحب العقوق من شاء فليعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة وهذا ينفى كون العقيقة سنة لانه عليه الصلاة والسلام علق العق بالمشيئة وهذا امارة الاباحة والله عز شأنه أعلم. (فصل) وأما محل اقامة الواجب فهذا الفصل يشتمل على بيان جنس المحل الذى يقام منه الواجب ونوعه وجنسه وسنه وقدره وصفته أما جنسه فهو أن يكون من الاجناس الثلاثة الغنم أو الابل أو البقر ويدخل في كل جنس نوعه والذكر والانثى منه والخصى والفحل لانطلاق اسم الجنس على ذلك والمعز نوع من الغنم والجاموس نوع من البقر بدليل أنه يضم ذلك إلى الغنم والبقر في باب الزكاة ولا يجوز في الاضاحي شئ من الوحش لان وجوبها عرف بالشرع والشرع لم يرد بالايجاب الا في المستأنس فان كان متولدا من الوحشى والانسى فالعبرة بالام فان كانت أهلية يجوز والا فلا حتى ان البقرة الاهلية إذا نزا عليها ثور وحشى فولدت ولدا فانه يجوز أن يضحى به وان كانت البقرة وحشية والثور أهليا لم يجز لان الاصل في الولد الام لانه ينفصل عن الام وهو حيوان متقوم تتعلق به الاحكام وليس ينفصل من الاب الا ماء مهين لا حضر له ولا يتعلق به حكم ولهذا يتبع الولد الام في الرق والحرية الا أنه يضاف إلى الاب في بنى آدم تشريفا للولد وصيانة له عن الضياع والا فالاصل أن يكون مضافا إلى الام وقيل إذا نزا ظبى على شاة أهلية فان ولدت شاة تجوز التضحية بها وان ولدت ظبيا لا تجوز وقيل ان ولدت الرمكة من حمار وحشى حمارا لا يؤكل وان ولدت فرسا فحكمه حكم الفرس وان ضحى بظبية وحشية ألفت أو ببقرة وحشية ألفت لم يجز لانها

[ 70 ]

وحشية في الاصل والجوهر فلا يبطل حكم الاصل بعارض نادر والله عز شأنه الموفق واما سنه فلا يجوز شئ مما ذكرنا من الابل والبقر والغنم من الاضحية الا الثنى من كل جنس الا الجذع من الضأن خاصة إذا كان عظيما لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ضحوا بالثنايا لا أن يعز على أحدكم فيذبح الجدع في الضأن وروى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال يجزى الجذع من الضان عما يجزى فيه الثنى من المعز وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى فشم قتارا فقال ما هذا فقالوا أضحية ابى بردة فقال عليه الصلاة والسلام تلك شاة لحم فجاء أبو بردة فقال يا رسول الله عندي عناق خير من شاتى لحم فقال عليه الصلاة والسلام تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك وروى عن البراء بن عازب رضى الله عنهما انه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فقال ان أول نسككم هذه الصلاة ثم الذبح فقام إليه خالي أبو بردة بين دينار فقال يا رسول الله كان يومنا تشتهى فيه اللحم فعجلنا فذبحنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبدها فقال يا رسول الله عندي ماعز جذع فقال هي لك وليست لاحد بعدك وروى ان رجلا قدم المدينة بغنم جذاع فلم تنفق معه فذكر ذلك لابي هريرة رضى الله عنه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نعمت الاضحية الجذغ من الضان وروى الجذع السمين من الضأن فلما سمع الناس هذا الحديث انتهبوها أي تبادروا إلى شرائها وتخصيص هذه القربة بسن دون سن أمر لا يعرف الا بالتوقيف فيتبع ذلك (وأما) معاني هذه الاسماء فقد ذكر القدورى رحمه الله ان الفقهاء قالوا الجذع من الغنم ابن ستة أشهر والثنى منه ابن سنة والجذع من البقر ابن سنة والثنى بن سنتين والجذع من الابل ابن أربع سنين والثنى منها ابن خمس وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي في الثنى من الابل ماتم له أربع سنين وطعن في الخامسة وذكر الزعفراني في الاضاحي الجذع ابن ثمانية أشهر أو تسعة أشهر والثنى من الشاة والمعز ما تم له حول وطعن في السنة الثانية ومن البقر ما تم لو حولان وطعن في السنة الثالثة ومن الابل ما تم له خمس سنين وطعن في السنة السادسة وتقدير هذه الاسنان بما قلنا لمنع النقصان لا لمنع الزيادة حتى لو ضحى بأقل من ذلك سنا لا يجوز ولو ضحى بأكبر من ذلك سنا يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الاضحية حمل ولا جدى ولا عجل ولا فصيل لان الشرع انما ورد بالاسنان التى ذكرناها وهذه لا تسمى بها وأما قدره فلا يجوز الشاة والمعز الا عن واحد وان كانت عظيمة سمينة تساوى شاتين مما يجوز أن يضحى بهما لان القياس في الابل والبقر ان لا يجوز فيهما الاشتراك لان القربة في هذا الباب اراقة الدم وانها لا تحتمل التجزئة لانها ذبح واحد وانما عرفنا جواز ذلك بالخبر فبقى الامر في الغنم على أصل القياس فان قيل أليس انه روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين املحين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته فكيف ضحى بشاة واحدة عن أمته عليه الصلاة والسلام (فالجواب) أنه عليه الصلاة والسلام انما فعل ذلك لاجل الثواب وهو انه جعل ثواب تضحيته بشاة واحدة لامته لا للاجزاء وسقوط التعبد عنهم ولا يجوز بعير واحد ولا بقرة واحدة عن اكثر من سبعة ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل من ذلك وهذا قول عامة العلماء وقال مالك رحمه الله يجزى ذلك عن اهل بيت واحد وان زادوا على سبعة ولا يجزى عن أهل بيتين وان كانوا أقل من سبعة والصحيح قول العامة لما روى عن رسول االله صلى الله عليه وسلم البدنة تجزى عن سبعة والبقرة تجزى عن سبعة وعن جابر رضى الله عنه قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة من غير فصل بين أهل بيت وبيتين ولان القياس يأبى جوازها عن أكثر من واحد لما ذكرنا ان القربة في الذبح وانه فعل واحد لا يتجزأ لكنا تركنا القياس بالخبر المقتضى للجواز عن سبعة مطلقا فيعمل بالقياس فيما ورواءه لان البقرة بمنزلة سبع شياه ثم جازت التضحية بسبع شياه عن سبعة سواء كانوا من أهل بيت أو بيتين فكذا البقرة ومنهم من فصل بين البعير والبقرة فقال البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة فأما البعير فانه يجوز عن عشرة ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال البدنة تجزى عن عشرة ونوع من القياس يؤيده وهو ان الابل أكثر قيمة من البقر ولهذا فضلت الابل على البقر

[ 71 ]

في باب الزكاة والديات فتفضل في الاضحية أيضا (ولنا) ان الاخبار إذا اختلفت في الظاهر يجب الاخذ بالاحتياط وذلك فيما قلنا لان جوازه عن سبعة ثابت بالاتفاق وفى الزيادة اختلاف فكان الاخذ بالمتفق عليه أخذ بالمتيقن وأما ما ذكروا من القياس فقد ذكرنا ان الاشتراك في هذا الباب معدول به عن القياس واستعمال القياس فيما هو معدول به عن القياس ليس من الفقه ولا شك في جواز بدنة أو بقرة عن أقل من سبعة بان اشتراك اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة في بدنة أو بقرة لانه لما جاز السبع فالزيادة أولى وسواء اتفقت الانصباء في القدر أو اختلفت بان يكون لاحدهم النصف وللآخر الثلث ولآخر السدس بعد ان لا ينقص عن السبع ولو اشترك سبعة في خمس بقرات أو في أكثر فذبحوها أجزأهم لان لكل واحد منهم في كل بقرة سبعها ولو ضحوا ببقرة واحدة أجزأهم فالاكثر أولى ولو اشترك ثمانية في سبع بقرات لم يجزهم لان كل بقرة بينهم على ثمانية أسهم فيكون لكل واحد منهم أنقص من السبع وكذلك إذا كانوا عشرة أو أكثر فهو على هذا ولو اشترك ثمانية في ثمانية من البقر فضحوا بها لم تجزهم لان كل بقرة تكون بينهم على ثمانية أسهم وكذلك إذا كان البقر أكثر لم تجزهم ولا رواية في هذه الفصول وانما قيل انه لا يجوز بالقياس ولو اشترك سبعة في سبع شياه بينهم فضحوا بها القياس أن لا تجزئهم لان كل شاة تكون بينهم على سبعة أسهم وفى الاستحسان يجزيهم وكذلك لو اشترى اثنان شاتين للتضحية فضحيا بهما بخلاف عبدين بين اثنين عليهما كفارتان فاعتقاهما عن كفارتيهما انه لا يجوز لان الانصباء تجتمع في الشاتين ولا تجتمع في الرقيق بدليل انه يجبر على القسمة في الشاة ولا يجبر في الرقيق ألا ترى انها لا تقسم قسمة جمع في قول أبى حنيفة رضى الله عنه وعلى هذا ينبغى أن يكون في الاول قياس واستحسان والمذكور جواب القياس وأما صفته فهى ان يكون سليما عن العيوب الفاحشة وسنذكرها في بيان شرائط الجواز بعون الله تعالى والله الموفق (فصل) وأما شرائط جواز اقامة والواجب وهى التضحية فهى في الاصل نوعان نوع يعم ذبح كل حيوان مأكول ونوع يخص التضحية أما الذى يعم ذبح كل حيوان مأكول فقد ذكرناه في كتاب الذبائح وأما الذى يخص التضحية فانواع بعضها يرجع إلى من عليه التضحية وبعضها يرجع إلى وقت التضحية وبعضها يرجع إلى محل التضحية أما الذى يرجع إلى من عليه التضحية فمنها نية الاضحية لا تجزى الاضحية بدونها لان الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة والفعل لا يقع قربة بدون النية قال النبي عليه الصلاة والسلام لا عمل لمن لا نية له والمراد منه عمل هو قربة وللقربة جهات من المتعة والقران والاحصار وجزاء الصيد وكفارة الحلق وغيره من المحظورات فلا تتعين الاضحية الا بالنية وقال النبي عليه الصلاة والسلام انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرى ما نوى ويكفيه ان ينوى بقلبه ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه كما في الصلاة لان النية عمل القلب والذكر باللسان دليل عليها ومنها أن لا يشارك المضحي فيما يحتمل الشركة من لا يريد القربة رأسا فان شارك لم يجز عن الاضحية وكذا هذا في سائر القرب سوى الاضحية إذا شارك المتقرب من لا يريد القربة لم يجز عن القربة كما في دم المتعة والقران والاحصار وجزاء الصيد وغير ذلك وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله هذا ليس بشرط حتى لو اشترك سبعة في بعير أو بقرة كلهم يريدون القربة الاضحية أو غيرها من وجوه القرب الا واحد منهم يريد اللحم لا يجزى واحدا منهم من الاضحية ولا من غيرها من وجوه االقرب عندنا وعنده يجزى (وجه) قوله ان الفعل انما يصير قربة من كل واحد بنيته لا بنية صاحبه فعدم النية من أحدهم لا يقدح في قربة الباقين (ولنا) ان القربة في اراقة الدم وانها لا تتجزأ لانها ذبح واحد فان لم يقع قربة من البعض لا يقع قربة من الباقين ضرورة عدم التجزؤ ولو أرادوا القربة الاضحية أو غيرها من القرب أجزأهم سواء كانت القربة واجبة أو تطوعا أو وجبت على البعض دون البعض وسواء اتفقت جهات القربة أو اختلفت بان أراد بعضهم الاضحية وبعضهم جزاء الصيد وبعضهم هدى الاحصار وبعضهم كفارة شئ اصابه في احرامه وبعضهم هدى التطوع وبعضهم دم المتعة والقران وهذا قول اصحابنا الثلاثة وقال

[ 72 ]

زفر رحمه الله لا يجوز الا إذا اتفقت جهات القربة بان كان الكل بجهة واحدة (وجه) قوله ان القياس يأبى الاشتراك لان الذبح فعل واحد لا يتجزأ فلا يتصور أن يقع بعضه عن جهة وبعضه عن جهة اخرى لانه لا بعض له الا عند الاتحاد فعند الاتحاد جعلت الجهات كجهة واحدة وعند الاختلاف لا يمكن فبقى الامر فيه مردود إلى القياس (ولنا) ان الجهات وان اختلفت صورة فهى في المعنى واحد لان المقصود من الكل التقرب إلى الله عز شأنه وكذلك ان أراد بعضهم العقيقة عن ولد ولد له من قبل لان ذلك جهة التقرب إلى الله تعالى عز شأنه بالشكر على ما انعم عليه من الولد كذا ذكر محمد رحمه الله في نوادر الضحايا ولم يذكر ما إذا أراد أحدهم الوليمة وهى ضيافة التزويج وينبغى ان يجوز لانها انما تقام شكر الله تعالى عز شأنه على نعمة النكاح وقد وردت السنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قال أولم ولو بشاة فإذا قصد بها الشكر أو اقامة السنة فقد أراد بها التقرب إلى الله عز شانه وروى عن أبى حنيفة رحمه الله كره الاشتراك عند اختلاف الجهة وروى عنه انه قال لو كان هذا من نوع واحد لكان أحب إلى وهكذا قال أبو يوسف رحمه الله ولو كان أحد الشركاء ذميا كتابيا أو غير كتابي وهو يريد اللحم أو أراد القربة في دينه لم يجزهم عندنا لان الكافر تتحقق منه القربة فكانت نيته ملحقة بالعدم فكان مريد اللحم والمسلم لو أراد اللحم لا يجوز عندنا فالكافر أولى وكذلك إذا كان أحدهم عبدا أو مدبر أو يريد الاضحية لان نيته باطلة لانه ليس من أهل هذه القربة فكان نصيبه لحما فيمتنع الجواز أصلا وان كان أحد الشركاء ممن يضحى عن ميت جاز وروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه لا يجوز وذكر في الاصل إذا اشترك سبعة في بدنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضى ورثته أن يذبح عن الميت جاز استحسانا والقياس أن لا يجوز (وجه) القياس انه لما مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح وذبح الوارث لا يقع عنه إذ الاضحية عن الميت لا تجوز فصار نصيبه اللحم وانه يمنع من جواز ذبح الباقين من الاضحية كما لو أراد أحدهم اللحم في حال حياته (وجه) الاستحسان أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه ويحج عنه وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته وان كان منهم من قد مات قبل أن يذبح فدل ان الميت يجوز أن يتقرب عنه فإذا ذبح عنه صار نصيبه للقربة فلا يمنع جواز ذبح الباقين ولو اشترى رجل بقرة يريد أن يضحى بها ثم أشرك فيها بعد ذلك قال هشام سألت أبا يوسف فاخبرني ان أبا حنيفة رحمه الله قال أكره ذلك ويجزيهم أن يذبحوها عنهم قال وكذلك قول أبى يوسف قال قلت لابي يوسف ومن نيته أن يشرك فيها قال لا أحفظ عن أبى حنيفة رحمه الله فيها شيأ ولكن لا أرى بذلك بأسا وقال في الاصل قال أرأيت في رجل اشترى بقرة يريد أن يضحى بها عن نفسه فاشرك فيها بعد ذلك ولم يشركهم حتى اشتراها فأتاه انسان بعد ذلك فأشركه حتى استكمل يعنى انه صار سابعهم هل يجزى عنهم قال نعم استحسن وان فعل ذلك قبل ان يشتريها كان أحسن وهذا محمول على الغنى إذا اشترى بقرة لاضحيته لانها لم تتعين لوجوب التضحية بها وانما يقيمها عند الذبح مقام ما يجب عليه أو واجب عليه فيخرج عن عهدة الواجب بالفعل فيما يقيمه فيه فيجوز اشتراكهم فيها وذبحهم الا أنه يكره لانه لما اشتراها ليضحى بها فقد وعد وعدا فيكره أن يخلف الوعد فأما إذا كان فقيرا فلا يجوز له أن يشرك فيها لانه أوجبها على نفسه بالشراء للاضحية فتعينت للوجوب فلا يسقط عنه ما أوجبه على نفسه وقد قالوا في مسألة الغنى إذا اشرك بعد ما اشتراها للاضحية انه ينبغى أن يتصدق بالثمن وان لم يذكر ذلك محمد رحمه الله لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى حكيم بن حزام دينارا وأمره أن يشترى له أضحية فاشترى شاة فباعها بدينارين واشترى بأحدهما شاة وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بشاة ودينار واخبره بما صنع فقال له عليه الصلاة والسلام بارك الله في صفقة يمينك وأمر عليه الصلاة والسلام أن يضحى بالشاة ويتصدق بالدينار لما أنه قصد اخراجه للاضحية كذا ههنا (ومنها) أن تكون نية الاضحية مقارنة للتضحية كما في باب الصلاة لان النية معتبرة في الاصل فلا يسقط اعتبار القران الا لضرورة كما في باب الصوم لتعذر قران النية لوقت الشروع لما فيه من الحرج (ومنها) اذن صاحب

[ 73 ]

الاضحية بالذبح اما نصا أو دلالة إذا كان الذابح غيره فان لم يوجد لا يجوز لان الاصل فيما يعلمه الانسان أن يقع للعامل وانما يقع لغيره باذنه وأمره فإذا لم يوجد لا يقع له وعلى هذا يخرج ما إذا غصب شاة انسان فضحى بها عن صاحبها من غير اذنه واجازته انه لا يجوز ولو اشترى شاة للاضحية فأضجعها وشد قوائمها في أيام النحر فجاء انسان فذبحها جاز استحسانا لوجود الاذن منه دلالة لما بينا فيما تقدم وأما الذى يرجع إلى وقت التضحية فهو انها لا تجوز قبل دخول الوقت لان الوقت كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز اقامة الواجب كوقت الصلاة فلا يجوز لاحد أن يضحى قبل طلوع الفجر الثاني من اليوم الاول من أيام النحر ويجوز بعد طلوعه سواء كان من أهل المصر أو من أهل القرى غير ان للجواز في حق أهل المصر شرطا زائدا وهو أن يكون بعد صلاة العيد لا يجوز تقديمها عليه عندنا وقال الشافعي رحمه الله إذا مضى من الوقت مقدار ما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العيد جازت الاضحية وان لم يصل الامام والصحيح قولنا لما روينا عن رسول الله عليه وسلم انه قال من ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح وروى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال في حديث البراء بن عازب رضى الله عنه من كان منكم ذبح قبل الصلاة فانما هي غدوة أطعمه الله تعالى انما الذبح بعد الصلاة فقد رتب النبي عليه الصلاة والسلام الذبح على الصلاة وليس لاهل القرى صلاة العيد فلا يثبت الترتيب في حقهم وان أخر الامام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح أضحيته حتى يتنصف النهار فان اشتغل الامام فلم يصل العيد أو ترك ذلك متعمدا حتى زالت الشمس فقد حل الذبح بغير صلاة في الايام كلها لانه لما زالت الشمس فقد فات وقت الصلاة وانما يخرج الامام في اليوم الثاني والثالث على وجه القضاء والترتيب شرط في الاداء لا في القضاء كذا ذكره القدورى رحمه الله وان كان يصلى في المصر في موضعين بأن كان الامام قد خلف من يصلى بضعفة الناس في الجامع وخرج هو بالاخرين إلى المصلى وهو الجبانة ذكر الكرخي رحمه الله انه إذا صلى أهل أحد المسجدين أيهما كان جاز ذبح الاضاحي وذكر في الاصل إذا صلى أهل المسجد فالقياس أن لا يجوز ذبح الاضحية وفى الاستحسان يجوز (وجه) القياس ان صلاة العيد لما كانت شرطا لجواز الاضحية في حق أهل المصر فاعتبار صلاة أهل أحد الموضعين يقتضى أن يجوز واعتبار صلاة أهل الموضع الآخر يقتضى أن لا يجوز فلا يحكم بالجواز بالشك بل يحكم بعدم الجواز احتياطا (وجه) الاستحسان ان الشرط صلاة العيد والصلاة في المسجد الجامع تجزى عن صلاة العيد بدليل أنهم لو اقتصروا عليها جاز ويقع الاكتفاء بذلك فقد وجد الشرط فجاز وكذا في الحديث الذى روينا ترتيب الذبح على الصلاة مطلقا وقد وجدت ولو سبق أهل الجبانة بالصلاة قبل أهل المسجد لم يذكر هذا في الاصل وقيل لا رواية في هذا وذكر الكرخي رحمه الله هذا كصلاة أهل المسجد فعلى قوله يكون فيه قياس واستحسان كما إذا صلى أهل المسجد واختلف المتأخرون منهم من قال يجب أن يكون هذا جائز قياسا واستحسانا لان الاصل في صلاة العيد صلاة من في الجبانة وانما يصلى من يصلى في المسجد لعذر فوجب اعتبار الاصل دون غيرهم ومنهم من أثبت فيه القياس والاستحسان كما في المسألة الاولى ووجهها ما ذكرنا ومنهم من قال لا تجوز الاضحية بصلاة أهل الجبانة حتى يصلى اهل المسجد لان الصلاة في المسجد هل الاصل بدليل سائر الصلوات وانما يخرج الامام إلى الجنابة لضرروة ان المسجد لا يتسع لهم فيجب اعتبار الاصل ولو ذبح والامام في خلال الصلاة لا يجوز وكذا إذ ضحى قبل ان يقعد قدر التشهد ولو ذبح بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام قالوا على قياس قول أبى حنيفة رحمه الله لا يجوز كما لو كان في خلال الصلاة وعلى قياس قول ابى يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز بناء على أن خروج المصلى من الصلاة بصفة فرض عندهم وعندهما ليس بفرض ولو ضحى قبل فراغ الامام من الخطبة أو قبل الخطبة جاز لان النبي عليه الصلاة والسلام رتب الذبح على الصلاة لا على الخطبة فيما روينا من الاحاديث فدل ان العبرة للصلاة لا للخطبة ولو صلى الامام صلاة العيد وذبح رجل اضحيته ثم تبين انه يوم عرفة فعلى الامام أن يعيد

[ 74 ]

الصلاة من الغد وعلى الرجل أن يعيد الاضحية لانه تبين ان الصلاة والاضحية وقعنا قبل الوقت فلم يجز وان تبين ان الامام كان على غير وضوء فان علم ذلك قبل ان يتفرق الناس يعيد بهم الصلاة باتفاق الروايات وهل يجوز ما ضحى قبل الاعادة ذكر في بعض الروايات انه يجوز لانه ذبح بعد صلاة يجيرها بعض الفقهاء وهو الشافعي رحمه الله لان فساد صلاة الامام لا يوجب فساد صلاة المقتدى عنده فكانت تلك صلاة معتبرة عنده فعلى هذا يعيد الامام وحده ولا يعيد القوم وذلك استحسانا وذكر في اختلاف زفر رحمه الله أنه يعيد بهم الصلاة ولا يجوز ما ضحى قبل اعادة الصلاة وان تفرق الناس عن الامام ثم علم بعد ذلك فقد ذكر في بعض الروايات ان الصلاة لا تعاد وقد جازت الاضحية عن المضحي لانها صلاة قد جازت في قول بعض الفقهاء فترك اعادتها بعد تفرق الناس أحسن من أن ينادى الناس أن يجتمعوا ثانيا وهو أيسر من أنه تبطل أضاحيهم وروى عن أبى حنيفة رحمه الله انه تعاد الاضحية ولا تعاد بهم الصلاة لان اعادة الاضحية أيسر من اعادة الصلاة وروى أيضا أنه ينادى بهم حتى يجتمعوا ويعيد بهم الصلاة قال البلخى رحمه الله فعلى هذا القياس لا تجزى ذبيحة من ذبح قبل اعادة الصلاة الا ان تكون الشمس قد زالت فتجزى ذبيحة من ذبح في قولهم جميعا وسقطت عنهم الصلاة ولو شهد ناس عند الامام بعد نصف النهار وبعد ما زالت الشمس ان ذلك اليوم هو العاشر من ذى الحجة جاز لهم ان يضحوا ويخرج الامام من الغد فيصلى بهم صلاة العيد وان علم في صدر النهار انه يوم النحر فشعل الامام عن الخروج أو غفل فلم يخرج ولم يأمر أحدا يصلى بهم فلا ينبغى لاحد أن يضحى حين يصلى الامام إلى أن تزول الشمس فإذا زالت قبل أن يخرج الامام ضحى الناس وان ضحى أحد قبل ذلك لم يجز ولو صلى الامام صلاة العيد وذبح رجل أضحيته ثم تبين للامام ان يوم العيد كان بالامس جازت الصلاة وجاز للرجل أضحيته ولو وقعت فتنة في مصر ولم يكن لها امام من قبل السلطان يصلى بهم صلاة العيد فالقياس في ذلك أن يكون وقت النحر في ذلك المصر بعد طلوع الفجر يوم النحر بمنزلة القرى التى لا يصلى فيها ولكن يستحسن أن يكون وقت نحرهم بعد زوال الشمس من يوم النحر لان الموضع موضع الصلاة ألا ترى ان الامام لو كان حاضرا كان عليهم أن يصلوا الا أنه امتنع أداؤها العارض فلا يتغير حكم الاصل كما لو كان الامام حاضرا فلم يصل لعارض أسباب من مرض أو غير ذلك وهناك لا يجوز الذبح الا بعد الزوال كذا ههنا ولو ذبح أضحيته بعد الزوال من يوم عرفة ثم ظهر ان ذلك اليوم كان يوم النحر جازت الاضحية عندنا لان الذبح حصل في وقته فيجزيه والله عز شأنه أعلم هذا إذا كان من عليه الاضحية في المصر والشاة في المصر فان كان هو في المصر والشاة في الرستاق أو في موضع لا يصلى فيه وقد كان أمر أن يضحوا عنه فضحوا بها بعد طلوع الفجر قبل صلاة العيد فانها تجزيه وعلى عكسه لو كان هو في الرستاق والشاة في المصر وقد أمر من يضحى عنه فضحوا بها قبل صلاة العيد فانها لا تجزيه وانما يعتبر في هذا مكان الشاة لا مكان من عليه هكذا ذكر محمد عليه الرحمة في النوادر وقال انما أنظر إلى محل الذبح ولا أنظر إلى موضع المذبوح عنه وهكذا روى الحسن عن أبى يوسف رحمه الله يعتبر المكان الذى يكون فيه الذبح ولا يعتبر المكان الذى يكون فيه المذبوح عنه وانما كان كذلك لان الذبح هو القربة فيعتبر مكان فعلها لا مكان المفعول عنه وان كان الرجل في مصر وأهله في مصر آخر فكتب إليهم أن يضحوا عنه روى عن أبى يوسف أنه اعتبر مكان الذبيحة فقال ينبغى لهم أن لا يضحوا عنه حتى يصلى الامام الذى فيه أهله وان ضحوا عنه قبل أن يصلى لم يجزه وهو قول محمد عليه الرحمة وقال الحسن بن زياد انتظرت الصلاتين جميعا وان شكوا في وقت صلاة المصر الآخر انتظرت به الزوال فعنده لا يذبحون عنه حتى يصلوا في المصرين جميعا وان وقع لهم الشك في وقت صلاة المصر الآخر لم يذبحوا حتى تزول الشمس فإذا زالت ذبحوا عنه (وجه) قول الحسن انه فيما قلنا اعتبار الحالين حال الذبح وحال المذبوح عنه فكان أولى ولابي يوسف ومحمد رحمهما الله ان القربة في الذبح والقربات المؤقتة يعتبر وقتها في حق فاعلها لا في حق المفعول عنه ويجوز الذبح في أيام النحر نهرها ولياليها وهما ليلتان ليلة اليوم الثاني وهى ليلة الحادى عشر وليلة اليوم الثالث وهى ليلة الثاني

[ 75 ]

عشر ولا يدخل فيها ليلة الاضحى وهى ليلة العاشر من ذى الحجة لقول جماعة من الصحابة رضى الله عنهم أيام النحر ثلاثة وذكر الايام يكون ذكر الليالى لغة قال الله عز شأنه في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام الا رمزا وقال عز شأنه في موضع آخر ثلاث ليال سويا والقصة قصة واحدة الا انه لم يدخل فيها الليلة العاشرة من ذى الحجة لانه استتبعها النهار الماضي وهو يوم عرفة بدليل ان من أدركها فقد أدرك الحج كما لو أدرك النهار وهو يوم عرفة فإذا جعلت تابعة للنهار الماضي لا تتبع النهار المستقبل فلا تدخل في وقت التضحية وتدخل الليلتان بعدها غير أنه يكره الذبح بالليل لا لانه ليس بوقت للتضحية بل لمعنى آخر ذكرناه في كتاب الذبائح والله عز شأنه أعلم وأما الذى يرجع إلى محل التضحية فنوعان أحدهما سلامة المحل عن العيوب الفاحشة فلا تجوز العمياء ولا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها وهى التى لا تقدر تمشى برجلها إلى المنسك والمريضة البين مرضها والعجفاء التى لا تنقى وهى المهزولة التى لا نقى لها وهو المخ ومقطوعة الاذن والالية بالكلية والتى لا أذن لها في الخلقة وسئل محمد رحمه الله عن ذلك فقال أيكون ذلك فان كان لا يجزى ويجزى السكاء وهى صغيرة الاذن ولا يجوز مقطوعة احدى الاذنين بكمالها والتى لها أذن واحدة خلقة والاصل في اعتبار هذه الشروط ما روى عن البراء بن عازب رضى الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تجزى من الضحايا أربع العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التى لا تنقى وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال استشرفوا العين والاذن أي تأملوا سلامتهما عن الآفات وروى أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يضحى بعضباء الاذن ولو ذهب بعض هذه الاعضاء دون بعض من الاذن والالية والذنب والعين ذكر في الجامع الصغير ينظر فان كان الذاهب كثيرا يمنع جواز التضحية وان كان يسيرا الا يمنع لان اليسير مما لا يمكن التحرز عنه إذ الحيوان لا يخلوا عن عادة فلو اعتبر مانعا لضاق الامر على الناس ووقعوا في الحرج واختلف أصحابنا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فعن أبى حنيفة رحمه الله أربع روايات روى محمد رحمه الله عنه في الاصل وفى الجامع الصغير أنه ان كان ذهب الثلث أو أقل جاز وان كان أكثر من الثلث لا يجوز وروى أبو يوسف رحمه الله أنه ان كان ذهب الثلث لا يجوز وان كان أقل من ذلك جاز وقال أبو يوسف رحمه الله ذكرت قولى لابي حنيفة رحمه الله فقال قولى مثل قولك وقول أبى يوسف أنه ان كان الباقي أكثر من الذاهب يجوز وان كان أقل منه أو مثله لا يجوز وروى أبو عبد الله البلخى عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه إذا ذهب الربع لم يجزه وذكر الكرخي قول محمد مع قول أبى حنيفة في روايته عنه في الاصل وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي قوله مع قول أبى يوسف (وجه) قول أبى يوسف وهو احدى الروايات عن أبى حنيفة ان القليل والكثير من الاسماء الاضافية فما كان مضافه أقل منه يكون كثيرا وما كان اكثر منه يكون قليلا الا انه قد قال بعدم الجواز إذا كانا سواء احتياطا لاجتماع جهة الجواز وعدم الجواز الا أنه يعتبر بقاء الاكثر للجواز ولم يوجد وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه نهى عن العضباء قال سعيد ابن المسيب العضباء التى ذهب أكثر أذنها فقد اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام الاكثر وأما وجه رواية اعتبار الربع كثيرا فلانه يلحق بالكثير في كثير من المواضع كما في مسح الرأس والحلتى في حق المحرم ففى موضع الاحتياط أولى وأما وجه رواية اعتبار الثلث كثيرا فلقول النبي عليه الصلاة والسلام في باب الوصية الثلث والثلث كثير جعل عليه الصلاة والسلام الثلث كثيرا مطلقا واما وجه رواية اعتباره قليلا فاعتباره بالوصية لان الشرع جوز الوصية بالثلث ولم يجوز بما زاد على الثلث فدل أنه إذا لم يزد على الثلث لا يكون كثيرا وأما الهتماء وهى التى لا أسنان لها فان كانت ترعى وتعتلف جازت والا فلا وذكر في المنتقى عن أبى حنيفة رحمه الله أنه ان كان لا يمنعها عن الاعتلاف تجزيه وان كان يمنعها عن الاعتلاف الا ان يصب في جوفها صبا لم تجزه وقال أبو يوسف في قول لا تجزى سواء اعتلفت أو لم تعتلف وفى قول ان ذهب أكثر اسنانها لا تجزى كما قال في الاذن والالية والذنب وفى قول ان بقى من أسنانها قدر ما تعتلف تجزى والا فلا وتجوز الثولاء وهى المجنونة الا إذا كان ذلك يمنعها عن الرعى والاعتلاف فلا تجوز لانه يفضى إلى

[ 76 ]

هلاكها فكان عيبا فاحشا وتجوز الجرباء إذا كانت سمينة فان كانت مهزولة لا تجوز وتجزى الجماء وهى التى لا قرن لها خلقة وكذا مكسورة القرن تجزى لما روى ان سيدنا عليا رضى الله عنه سئل عن القرن فقال لا يضرك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والاذن وروى ان رجلا من همذان جاء إلى سيدنا على رضى الله عنه فقال يا أمير المؤمنين البقرة عن كم قال عن سبعة ثم قال مكسورة القرن قال لا ضيرثم قال عرجاء فقال إذا بلغت المنسك ثم قال سيدنا على كرم الله وجهه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم انا نستشرف العين والاذن فان بلغ الكسر المشاش لا تجزيه والمشاش رؤس العظام مثل الركبتين والمرفقين وتجزى الشرقاء وهى مشقوقة الاذن طولا وما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة فالخرقاء هي مشقوقة الاذن والمقابلة التى يقطع من مقدم أذنها شئ ولا يبان بل يترك معلقا والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الاذن من الشاة فالنهى في الشرقاء والمقابلة والمدابرة محمول على الندب وفى الخرقاء على الكثير على اختلاف الاقاويل في حد الكثير على ما بينا ولا بأس بما فيه سمة في اذنه لان ذلك لا يعد عيبا في الشاة أو لانه عيب يسير أو لان السمة لا يخلو عنها الحيوان ولا يمكن التحرز عنها ولو اشترى رجل أضحية وهى سمينة فعجفت عنده حتى صارت بحيث لو اشتراها على هذه الحالة لم تجزه لم تجزه ان كان موسرا وان كان معسرا أجزاته لان الموسر تجب عليه الاضحية في ذمته وانما أقام ما اشترى لها مقام ما في الذمة فإذا نقصت لا تصلح أن تقام مقام ما في الذمة فبقى ما في ذمته بحاله وأما الفقير فلا أضحية في ذمته فإذا اشتراها للاضحية فقد تعينت الشاة المشتراة للقربة فكان نقصانها كهلاكها حتى لو كان الفقير أوجب على نفسه أضحية لا تجوز هذه لانها وجبت عليه بايجابه فصار كالغنى الذى وجبت عليه بايجاب الله عز شأنه ولو اشترى أضحية وهى صحيحة ثم اعورت عنده وهو موسرا وقطعت أذنها كلها أو اليتها أو ذنبها أو انكسرت رجلها فلم تستطع أن تمشى لا تجزى عنه وعليه مكانها أخرى لما بينا بخلاف الفقير وكذلك ان ماتت عنده أو سرقت ولو قدم اضحية ليذبحها فاضطربت في المكان الذى يذبحها فيه فانكسرت رجلها ثم ذبحها على مكانها أجزأه وكذلك إذا انقلبت منه الشفرة فاصابت عينها فذهبت والقياس أن لا يجوز (وجه) القياس ان هذا عيب دخلها قبل تعيين القربة فيها فصار كما لو كان قبل حال الذبح (وجه) الاستحسان ان هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه لان الشاة تضطرب فتلحقها العيوب من اضطرابها وروى عن أبى يوسف أنه قال لو عالج أضحية ليذبحها فكسرت أو اعورت فذبحها ذلك اليوم أو من الغد فانها تجزى لان ذلك النقصان لما لم يعتد به في الحال لو ذبحها فكذا في الثاني كالنقصان اليسير والله عز شأنه أعلم والثانى ملك المحل وهو أن يكون المضحي ملك من عليه الاضحية فان لم يكن لا تجوز لان التضحية قربة ولا قربة في الذبح بملك الغير بغير اذنه وعلى هذا يخرج ما إذا اغتصب شاة انسان فضحى بها عن نفسه أنه لا تجزيه لعدم الملك ولا عن صاحبها لعدم الاذن ثم ان أخذها صاحبها مذبوحة وضمنه النقصان فكذلك لا تجوز عن التضحية وعلى كل واحد منهما أن يضحى باخرى لما قلنا وان ضمنه صاحبها قيمتها حية فانها تجزى عن الذابح لانه ملكها بالضمان من وقت الغصب بطريق الظهور والاستناد فصار ذابحا شاة هي ملكه فتجزيه لكنه يأثم لان ابتداء فعله وقع محظورا فتلزمه التوبة والاستغفار وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا تجزى عن الذابح أيضا بناء على ان المضمومات تملك بالضمان عندنا وعند زفر لا تملك وبه أخذ الشافعي وأصل المسألة في كتاب الغصب وكذلك إذا اغتصب شاة انسان كان اشتراها للاضحية فضحاها عن نفسه بغير امره لما قلنا وكذلك الجواب في الشاة المستحقة بان اشترى شاة ليضحى بها فضحى بها ثم استحقها رجل بالبينة أنه ان أخذها المستحق مذبوحة لا تجزى عن واحد منهما وعلى كل واحد منهما أن يضحى بشاة أخرى ما دام في أيام النحر وان مضت أيام النحر فعلى الذابح أن يتصدق بقيمة شاة وسط ولا يلزمه التصدق بقيمة تلك الشاة المشتراة لانه بالاستحقاق تبين ان شراءه اياها للاضحية والعدم بمنزلة بخلاف ما إذا اشترى شاة للاضحية ثم باعها حيث يلزمه التصدق بقيمتها لان شراءه اياها للاضحية قد صح لوجود الملك فيجب عليه

[ 77 ]

التصدق بقيمتها وان تركها عليه وضمنه قيمتها جاز الذبح عندنا كما في الغصب ولو أودع رجل رجلا شاة يضحى بها المستودع عن نفسه يوم النحر فاختار صاحبها القيمة ورضى بها فاخذها فانها لاتجزى المستودع من أضحيته بخلاف الشاة المغصوبة والمستحقة ووجه الفرق ان سبب وجوب الضمان ههنا هو الذبح والملك ثبت بعد تمام السبب وهو الذبح فكان الذبح مصادفا ملك غيره فلا يجزيه بخلاف الغاصب فانه كان ضامنا قبل الذبح لوجود سبب وجوب الضمان وهو الغصب السابق فعند اختيار الضمان أو ادائه يثبت الملك له من وقت السبب وهو الغصب فالذبح صادف ملك نفسه فجاز وكل جواب عرفته في الوديعة فهو الجواب في العارية والاجارة بان استعار ناقة أو ثورا أو بعيرا أو استأجره فضحى به أنه لا يجزيه عن الاضحية سواء أخذها المالك أو ضمنه القيمة لانها أمانة في يده وانما يضمنها بالذبح فصار كالوديعة ولو كان مرهونا ينبغى أن يجوز لانه يصير ملكا له من وقت القبض كما في الغصب بل أولى ومن المشايخ من فصل في الرهن تفصيلا لا بأس به فقال ان كان قدر الرهن مثل الدين أو أقل منه يجوز فاما إذا كانت قيمته أكثر من الدين فينبغي أن لا يجوز لانه إذا كان كذلك كان بعضه مضمونا وبعضه أمانة ففى قدر الامانة انما يضمنه بالذبح فيكون بمنزلة الوديعة ولو اشترى شاة بيعا فاسدا فقبضها فضحى بها جاز لانه يملكها بالقبض وللبائع ان يضمنه قيمتها حية ان شاء وان شاء أخدها مذبوحة لان الذبح لا يبطل حقه في الاسترداد فان ضمنه قيمتها حية فلا شئ على المضحي وان أخذها مذبوحة فعلى المضحي أن يتصدق بقيمتها مذبوحة لانه بالرد أسقط الضمان عن نفسه فصار كانه باعها بمقدار القيمة التى وجبت عليه وكذلك لو وهب له شاة هبة فاسدة فضحى بها فالواهب بالخيار ان شاء ضمنه قيمتها حية وتجوز الاضحية ويأكل منها وان شاء استردها واسترد قيمة النقصان ويضمن الموهوب له قيمتها فيتصدق بها إذا كان بعد مضى وقت الاضحية وكذلك المريض مرض الموت لو وهب شاة من رجل في مرضه وعليه دين مستغرق فضحى بها الموهوب له فالغرماء بالخيار ان شاؤا استردوا عينها وعليه أن يتصدق بقيمتها وان شاؤا ضمنوه قيمتها فتجوز الاضحية لان الشاة كانت مضمونة عليه فإذا ردها فقد أسقط الضمان عن نفسه كما قلنا في البيع الفاسد ولو اشترى شاة بثوب فضحى بها المشترى ثم وجد البائع بالثوب عيبا فرده فهو بالخيار ان شاء ضمنه قيمة الشاة ولا يتصدق المضحي ويجوز له الاكل وان شاء استردها ناقصة مذبوحة فبعد ذلك ينظر ان كانت قيمة الثوب أكثر يتصدق بالثوب كانه باعها بالثوب وان كانت قيمة الشاة اكثر يتصدق بقيمة الشاة لان الشاة كانت مضمونة عليه فيرد ما أسقط الضمان عن نفسه كانه باعها بثمن ذلك القعد من قيمتها فيتصدق بقيمتها ولو وجد بالشاة عيبا فالبائع بالخيار ان شاء قبلها ورد الثمن ويتصدق المشترى بالثمن الاحصة النقصان لانه لم يوجب حصة النقصان على نفسه وان شاء لم يقبل ورد حصة العيب ولا يتصدق المشترى بها لان ذلك النقصان لم يدخل في القربة وانما دخل في القربة ما ذبح وقد ذبح ناقصا الا في جزاء الصيد فانه ينظر ان لم يكن مع هذا العيب عدلا للصيد فعليه أن يتصدق بالفضل لما نذكر ولو وهب لرجل شاة فضحى بها الموهوب له أجزأته عن الاضحية لانه ملكها بالهبة والقبض فصار كما لو ملكها بالشراء فلو أنه ضحى بها ثم أراد الواهب أن يرجع في هبته فعند أبى يوسف رحمه الله ليس له ذلك بناء على أن الاضحية بمنزلة الوقف عنده فإذا ذبحها الموهوب له عن أضحيته أو أوجبها أضحية لا يملك الرجوع فيها كما لو أعتق المرهوب له العبد أنه ينقطع حق الواهب عن الرجوع كذا ههنا وعند محمد عليه الرحمة له ذلك لان الذبح نقصان والنقصان لا يمنع الرجوع ولا يجب على المضحي أن يتصدق بشئ لان الشاة لم تكن مضمونة عليه فصار في الحكم بمنزلة ابتداء الهبة ولو وهبها أو استهكلها لا شئ عليه هذا ولو كان هذا في جزاء الصيد أو في كفارة الحلق أو في موضع يجب عليه التصدق باللحم فإذا رجع الواهب في الهبة فعليه أن يتصدق بقيمتها لان التصدق واجب عليه فصار كما إذا استهلكها ولانه ذبح شاة لغيره حق الرجوع فيها فصار كأنه هو الذى دفع إليه والرجوع في الهبة بقضاء وبغير قضاء سواء في هذا الفصل يفترق الجواب بين ما يجب صدقة وبين ما لا يجب

[ 78 ]

وفى الفصول الاول يستوى الجواب بينهما ولو وهب المريض مرض الموت شاة لانسان وقبضها الموهوب له فضحاها ثم مات الواهب من مرضه ذلك ولا مال له غيرها فالورثة بالخيار ان شاؤا ضمنوا للموهوب له ثلثى قيمتها حية وان شاؤا أخذوا ثلثيها مذبوحة فان ضمنوه ثلثى قيمتها حية فلا شئ على الموهوب له لانها لو كانت مغصوبة فضمن قيمتها لا شئ عليه غير ذلك فهذه أولى وان أخذوا ثلثيها اختلف المشايخ فيه قال بعضهم القياس أن يتصدق بثلثي قيمتها حية لان الموهوب له قد ضمن ثلثى قيمتها حية ثم سقط عنه ثلث قيمتها حية يأخذ الورثة منه ثلثى الشاة مذبوحة فصار كأنه باعها بذلك وقضى دينا عليه بثلثي الشاة فعليه أن يتصدق بذلك القدر وقال بعضهم لا شئ عليه الا ثلثى قيمتها مذبوحة لان الورثة لما أخذوا ثلثيها مذبوحة فقد أبرأوا الموهوب له من فضل ما بين ثلثى قيمتها حية إلى ثلثى قيمتها مذبوحة فلا يجب على الموهوب له الا ثلثا قيمتها مذبوحة وهكذا ذكر في نوادر الضحايا عن محمد عليه الرحمة في هذه المسألة ان الورثة بالخيار ان شاؤا ضمنوا ثلثى قيمية الشاة وسلموا له لحمها وان شاؤا أخذوا ثلثى لحمها وكانوا شركاءه فيها فان ضمنوا ثلثى القيمة أجزأت عنه الاضحية وان شاركوه فيها وأخذوا ثلثى لحمها فعليه أن يتصدق بثلثي قيمتها مذبوحة وقد أجزأت عنه من قبل أنه ذبحها هو يملكها والله عز شأنه أعلم. (فصل) وأما بيان ما يستحب قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره أما الذى هو قبل التضحية فيستحب أن يربط الاضحية قبل أيام النحر بأيام لما فيه من الاستعداد للقربة واظهار الرغبة فيها فيكون له فيه أجر وثواب وأن يقلدها ويجللها اعتبارا بالهدايا والجامع أن ذلك يشعر بتعظيمها قال الله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب وأن يسوقها إلى المنسك سوقا جميلا لا عنيفا وان لا يجر برجلها إلى المذبح كما ذكرنا في كتاب الذبائح ولو اشترى شاة للاضحية فيكره ان يحلبها أو يجز صوفها فينتفع به لانه عينها للقربة فلا يحل له الانتفاع بجزء من أجزائها قبل اقامة القربة فيها كما لا يحل له الانتفاع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها ولان الحلب والجز يوجب نقصا فيها وهو ممنوع عن ادخال النقص في الاضحية ومن المشايخ من قال هذا في الشاة المنذور بها بعينها من المعسر أو الموسر أو الشاة المشتراة للاضحية من المعسر فأما المشتراة من الموسر للاضحية فلا بأس أن يحلبها ويجز صوفها لان في الاول تعينت الشاة لوجوب التضحية بها بدليل أنه لا تقوم التضحية بغيرها مقامها وإذا تعينت لوجوب التضحية بها بتعيينه لا يجوز له الرجوع في جزء منها وفى الثاني لم تتعين للوجوب بل الواجب في ذمته وانما يسقط بها ما في ذمته بدليل أن غيرها يقوم مقامها فكانت جائزة الذبح لا واجبة الذبح والجواب على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المشتراة للاضحية متعينه للقربة إلى أن يقام غيرها مقامها فلا يحل الانتفاع بها ما دامت متعينة ولهذا لا يحل له لحمها إذا ذبحها قبل وقتها فان كان في ضرعها لبن وهو يخاف عليها ان لم يحلبها نضح ضرعها بالماء البارد حتى يتقلص اللبن لانه لا سبيل إلى الحلب ولا وجه لابقائها كذلك لانه يخاف عليها الهلاك فيتضرر به فتعين نضح الضرع بالماء البارد لينقطع اللبن فيندفع الضرر فان حلب تصدق باللبن لانه جزء من شاة متعينة للقربة ما أقيمت فيها القربة فكان الواجب هو التصدق به كما لو ذبحت قبل الوقت فعليه أن يتصدق بمثله لانه من ذوات الامثال وان تصدق بقيمته جاز لان القيمة تقوم مقام العين وكذلك الجواب في الصوف والشعر والوبر ويكره له بيعها لما قلنا ولو باع جاز في قول أبى حنيفة ومحمد عليهما الرحمة لانه بيع مال مملوك منتفع به مقدور التسليم وغير ذلك من الشرائط فيجوز وعند أبى يوسف رحمه الله لا يجوز لما روى عنه انه بمنزلة الوقف ولا يجوز بيع الوقف ثم إذا جاز بيعها على أصلهما فعليه مكانها مثلها أو أرفع منها فيضحى بها فان فعل ذلك فليس عليه شئ آخر وان اشترى دونها فعليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين ولا ينظر إلى الثمن وانما ينظر إلى القيمة حتى لو باع الاولى بأقل من قيمتها واشترى الثانية بأكثر من قيمتها وثمن الثانية أكثر من ثمن الاولى يجب عليه أن يتصدق بفضل قيمة الاولى فان ولدت الاضحية ولدا يذبح ولدها مع الام كذا ذكر في الاصل وقال أيضا وان باعه يتصدق بثمنه لان الام تعينت للاضحية والولد يحدث على وصف الام في الصفات الشرعية فيسرى إلى

[ 79 ]

الولد كالرق والحرية ومن المشايخ من قال هذا في الاضحية الموجبة بالنذر كالفقير إذا اشترى شاة للاضحية فأما الموسر إذا اشترى شاة للاضحية فولدت لا يتبعها ولدها لان في الاول تعين الوجوب فيسرى إلى الولد وفى الثاني لم يتعين لانه لا تجوز التضحية بغيرها فكذا ولدها وذكر القدورى رحمه الله وقال كان أصحابنا يقولون يجب ذبح الولد ولو تصدق به جاز لان الحق لم يسر إليه ولكنه متعلق به فكان كجلالها وخطامها فان ذبحه تصدق بقيمته وان باعه تصدق بثمنه ولا يبيعه ولا يأكله وقال بعضهم لا ينبغى له أن يذبحه وقال بعضهم انه بالخيار ان شاء ذبحه أيام النحر وأكل منه كالام وان شاء تصدق به فان أمسك الولد حتى مضت أيام النحر تصدق به لانه فات ذبحه فصار كالشاة المنذورة وذكر في المنتقى إذا وضعت الاضحية فذبح الولد يوم النحر قبل الام أجزأه فان تصدق به يوم الاضحى قبل أن يعلم فعليه أن يتصدق بقيمته قال القدورى رحمه الله وهذا على أصل محمد عليه الرحمة ان الصغار تدخل في الهدايا ويجب ذبحها ولو ولدت الاضحية تعلق بولدها من الحكم ما يتعلق بها فصار كما فات بمضي الايام ويكره له ركوب الاضحية واستعمالها والحمل عليها فان فعل فلا شئ عليه الا أن يكون نقصها ذلك فعليه أن يتصدق بنقصانها ولو آجرها صاحبها ليحمل عليها قال بعض المشايخ ينبغى أن يغرم ما نقصها الحمل فانه ذكر في المنتفى في رجل أهدى ناقة ثم آجرها ثم حمل عليها فان صاحبها يغرم ما نقصها ذلك ويتصدق بالكراء كذا ههنا (وأما) الذى هو في حال التضحية فبعضها يرجع إلى نفس التضحية وبعضها يرجع إلى من عليه التضحية وبعضها يرجع إلى الاضحية وبعضها يرجع إلى وقت التضحية وبعضها يرجع إلى آلة التضحية أما الذى يرجع إلى نفس التضحية فما ذكرنا في كتاب الذبائح وهو ان المستحب هو الذبح في الشاة والبقر والنحر في الابل ويكره القلب من ذلك وقطع العروق الاربعة كلها والتذفيف في ذلك وأن يكون الذبح من الحلقوم لا من القفا (وأما) الذى يرجع إلى من عليه التضحية فالافضل أن يذبح بنفسه ان قدر عليه لانه قربة فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره كسائر القربات والدليل عليه ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق مائة بدنة فنحر منها نيفا وستين بيده الشريفة عليه الصلاة والسلام ثم أعطى المدية سيدنا عليا رضى الله عنه فنحر الباقين وهذا إذا كان الرجل يحسن الذبح ويقدر عليه فأما إذا لم يحسن فتوليته غيره فيه أولى وقدر روى عن أبى حنيفة رضى الله عنه انه قال نحرت بدنة قائمة معقولة فلم أشق عليها فكدت أهلك ناسا لانها نفرت فاعتقدت أن لا أنحرها الا باركة معقولة وأولى من هو أقدر على ذلك منى وفى حديث أنس رضى الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين أقرنين قال أنس فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام واضعا قدمه على صفاحهما أي على جوانب عنقهما وهو يذبحهما بيده عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة فذبح الاول فقال بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن محمد وعن آل محمد ثم ذبح الآخر وقال عليه الصلاة والسلام اللهم هذا عمن شهد لك بالتوحيد وشهد لى بالبلاغ ويستحب أن يكون الذابح حال الذبح متوجها إلى القبلة لما روينا وإذا لم يذبح بنفسه يستحب له أن يامر مسلما فان أمر كتابيا يكره لما قلنا ويستحب أن يحضر الذبح لما روى عن سيدنا على رضى الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيدتنا فاطمة رضى الله عنها يا فاطمة بنت محمد قومي فاشهدي ضحيتك فانه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب أما انه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك وسبعون ضعفا فقال أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه يا نبى الله هذا لآل محمد خاصة فانهم أصل لما خصوا به من الخير أم لآل محمد وللمسلمين عامة فقال هذا لآل محمد خاصة وللمسلمين عامة وفى حديث عمران بن الحصين رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فانه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه وقولى ان صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وان يدعو فيقول اللهم منك ولك صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين لما روينا وان يقول ذلك قبل التسمية أو بعدها لما روى عن جابر رضى الله عنه قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين فقال حين وجههما وجهت وجهى للذى فطر

[ 80 ]

السموات والارض حنيفا مسلما اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر وروى عن الحسن بن المعتم الكنانى قال خرجت مع سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم الاضحى إلى عيد فلما صلى قال يا قنبر ادن منى أحد الكبشين فاخذ بيده فأضجعه ثم قال وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين ان صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين بسم الله اللهم منك ولك بسم الله والله أكبر اللهم تقبل من على فذبحه ثم دعا بالثاني ففعل به مثل ذلك ويستحب أن يجرد التسمية عن الدعاء فلا يخلط معها دعاء وانما يدعو قبل التسمية أو بعدها ويكره حالة التسمية (وأما) الذى يرجع إلى الاضحية فالمستحب أن يكون أسمنها وأحسنها وأعظمها لانها مطية الآخرة قال عليه الصلاة والسلام عظموا ضحاياكم فانها على الصراط مطاياكم ومهما كانت المطية اعظم وأسمن كانت على الجواز على الصراط أقدر وأفضل الشاء أن يكون كبشا أملح أقرن موجوأ لما روى جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوأين عظيمين سمينين والاقرن العظيم القرن والاملح الابيض وروى عليه الصلاة والسلام أنه قال دم العفراء يعدل عند الله مثل دم السوداوين وان أحسن اللون عند الله البياض والله خلق الجنة بيضاء والموجوء قيل هو مدقوق الخصيتين وقيل هو الخصى كذا روى عن أبى حنيفة رحمه الله فانه روى عنه أنه سئل عن التضحية بالخصى فقال ما زاد في لحمه أنفع مما ذهب من خصيتيه (وأما) الذى يرجع إلى وقت التضحية فالمستحب هو اليوم الاول من أيام النحر لما روينا عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها ولانه مسارعة إلى الخير وقد مدح الله جل شأنه المسارعين إلى الخيرات السابقين لها بقوله عز شأنه اولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون وقال عز شأنه وسارعوا إلى مغفرة من ربكم أي إلى سبب المغفرة ولان الله جل شأنه أضاف عباده في هذه الايام بلحوم القرابين فكانت التضحية في أول الوقت من باب سرعة الاجابة إلى ضيافة الله جل شأنه والمستحب أن تكون بالنهار ويكره أن تكون بالليل لما ذكرنا في كتاب الذبائح والصيود وأفضل وقت التضحية لاهل السواد ما بعد طلوع الشمس لان عنده يتكامل آثار أول النهار والله عزوجل أعلم (وأما) الذى يرجع إلى آلة التضحية فما ذكرنا في كتاب الذبائح وهو أن تكون آلة الذبح حادة من الحديد (وأما) الذى هو بعد الذبح فالمستحب أن يتربص بعد الذبح قدر ما يبرد ويسكن من جميع أعضائه وتزول الحياة عن جميع جسده ويكره أن ينخع ويسلخ قبل أن يبرد لما ذكرنا في كتاب الذبائح ولصاحب الاضحية أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى فكلوا منها ولانه ضيف الله جل شأنه في هذه الايام كغيره فله أن يأكل من ضيافة الله عز شأنه وجملة الكلام فيه ان الدماء انواع ثلاثة نوع يجوز لصاحبه أن يأكل منه بالاجماع ونوع لا يجوز له أن يأكل منه بالاجماع ونوع اختلف فيه فالاول دم الاضحية نفلا كان أو واجبا منذورا كان أو واجبا مبتدأ والثانى دم الاحصار وجزاء الصيد ودم الكفارة الواجبة بسبب الجناية على الاحرام كحلق الرأس ولبس المخيط والجماع بعد الوقوف بعرفة وغير ذلك من الجنايات ودم النذر بالذبح والثالث دم المتعة والقران فعندنا يؤكل وعند الشافعي رحمه الله لا يؤكل وهى من مسائل المناسك ثم كل دم يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح إذ لو وجب عليه التصدق لما جاز له أن يأكل منه وكل دم لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح إذ لو لم يجب لادى إلى التسييب ولو هلك اللحم بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين جميعا أما في النوع الاول فظاهر وأما في الثاني في فلانه هلك عن غير صنعه فلا يكون مضمونا عليه وان استهلكه بعد الذبح ان كان من النوع الثاني يغرم قيمته لانه أتلف مالا متعينا للتصدق به فيغرم قيمته ويتصدق بها وان كان من النوع الاول لا يغرم شيأ ولو باعه نقذ بيعه سواء كان من النوع الاول أو الثاني فعليه أن يتصدق بثمنه ويستحب له أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى عز شأنه فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته ويطعم منه غيره وروى عن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال لغلامه قنبر حين ضحى بالكبشين

[ 81 ]

يا قنبر خذ لى من كل واحد منهما بضعة وتصدق بهما بجلودهما وبرؤوسهما وبأكارعهما والافضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لاقاربه وأصدقائه ويدخر الثلث لقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر وقوله عز شأنه فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير وقول النبي عليه الصلاة والسلام كنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي فكلوا منها وادخروا فثبت بمجموع الكتاب العزيز والسنة ان المستحب ما قلنا ولانه يوم ضيافة الله عزوجل بلحوم القرابين فيندب اشراك الكل فيها ويطعم الفقير والغنى جميعا لكون الكل أضياف الله تعالى عز شأنه في هذه الايام وله أن يهبه منهما جميعا ولو تصدق بالكل جاز ولو حبس الكل لنفسه جاز لان القربة في الاراقة (وأما) التصدق باللحم فتطوع وله أن يدخر الكل لنفسه فوق ثلاثة أيام لان النهى عن ذلك كان في ابتداء الاسلام ثم نسخ بما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال انى كنت نهيتكم عن امساك لحوم الاضاحي فوق ثلاثة أيام الا فامسكوا ما بدا لكم وروى انه عليه الصلاة والسلام قال انما نهيتكم لاجل الرأفة دون حضرة الاضحى الا أن اطعامها والتصدق أفضل الا أن يكون الرجل ذا عيال وغير موسع الحال فان الافضل له حينئذ أن يدعه لعياله ويوسع به عليهم لان حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره قال النبي عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بغيرك ولا يحل بيع جلدها وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذى يحلبه منها بعد ذبحها بشئ لا يمكن الانتفاع به الا باستهلاك عينه من الدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات ولا أن يعطى أجر الجزار والذابح منها لما روى عن رسول صلى الله عليه وسلم انه قال من باع جلد أضحية فلا أضحية له وروى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلى رضى الله عنه تصدق بجلالها وخطامها ولا تعطى أجر الجزار منها وروى عن سيدنا على كرم الله وجهه أنه قال إذا ضحيتم فلا تبيعوا لحوم ضحاياكم ولا جلودها وكلوا منها وتمتعوا ولانها من ضيافة الله عز شأنه التى أضاف بها عباده وليس للضيف أن يبيع من طعام الضيافة شيأ فان باع شيأ من ذلك نفذ عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا ينفذ لما ذكرنا فيما قبل الذبح ويتصدق بثمنه لان القربة ذهبت عنه فيتصدق به ولانه استفاده بسبب محظور وهو البيع فلا يخلو عن خبث فكان سبيله التصدق وله أن ينتفع بجلد أضحيته في بيته بأن يجعله سقاء أو فروا أو غير ذلك لما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها أنها اتخذت من جلد أضحيتها سقاء ولانه يجوز الانتفاع بلحمها فكذا بجلدها وله أن يبيع هذه الاشياء بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت كالجراب والمنخل لان البدل الذى يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقوم مقام المبدل فكان المبدل قائما معنى فكان الانتفاع به كالانتفاع بعين الجلد بخلاف البيع بالدراهم والدنانير لان ذلك مما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فلا يقوم مقام الجلد فلا يكون الجلد قائما معنى والله تعالى عز شأنه أعلم. (كتاب النذر) الكلام في هذا الكتاب في الاصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن النذر وفى بيان شرائط الركن وفى بيان حكم النذر أما الاول فركن النذر هو الصيغة الدالة عليه وهو قوله لله عز شأنه على كذا أو على كذا أو هذا هدى أو صدقة أو مالى صدقة أو ما أملك صدقة ونحو ذلك. (فصل) وأما شرائط الركن فانواع بعضها يتعلق بالناذر وبعضها يتعلق بالمنذور به وبعضها يتعلق بنفس الركن أما الذى يتعلق بالناذر فشرائط الاهلية (منها) العقل (ومنها) البلوغ فلا يصح نذر المجنون والصبى الذى لا يعقل لان حكم النذر وجوب المنذور به وهما ليسا من أهل الوجوب وكذا الصبى العاقل لانه ليس من أهل وجوب الشرائع ألا ترى انه لا يجب عليهما شئ من الشرائع بايجاب الشرع ابتداء فكذا بالنذر إذ الوجوب عند

[ 82 ]

وجود الصيغة من الاهل في المحل بايجاب الله تعالى لا بايجاب العبد إذ ليس للعبد ولاية الايجاب وانما الصيغة علم على ايجاب الله تعالى (ومنها) الاسلام فلا يصح نذر الكافر حتى لو نذر ثم أسلم لا يلزم الوفاء به وهو ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله لان كون المنذور به قربة شرط صحة النذر وفعل الكافر لا يوصف بكونه قربة (وأما) حرية الناذر فليست من شرائط الصحة فيصح نذر المملوك ثم أن كان المنذور به من القرب الدينية كالصلاة والصوم ونحوهما يجب عليه للحال ولو كان من القرب المالية كالاعتاق والاطعام ونحو ذلك يجب عليه بعد العتاق لانه ليس من أهل الملك للحال ولو قال ان اشتريت هذه الشاة فهى هدى أو ان اشتريت هذا العبد فهو حر فعتق لم يلزمه حتى يضيفه إلى ما بعد العتق في قياس قول أبى حنيفة وقد ذكرناه في كتاب العتاق (وأما) الطواعية فليست بشرط عندنا خلافا للشافعي رحمه الله كما في اليمين وكذا الجد والهزل والله عز شأنه أعلم (وأما) الذى يرجع إلى المنذور به فأنواع (منها) أن يكون متصور الوجود في نفسه شرعا فلا يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعا كمن قال لله تعالى على أن أصوم ليلا أو نهارا أكل فيه وكالمرأة إذا قالت لله على أن أصوم أيام حيضى لان الليل ليس محل الصوم والاكل مناف للصوم حقيقة والحيض مناف له شرعا إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعي ولو قالت لله على أن أصوم غدا فحاضت في غد أو قالت لله على أن أصوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم حاضت فيه لا شئ عليها عند محمد وعند أبى يوسف عليها قضاء ذلك اليوم وهى من مسائل الصوم وعلى هذا يخرج ما إذا قال لله تعالى على أن أصوم اليوم الذى يقدم فيه فلان فقدم في النهار انه ان قدم قبل الزوال أو قبل أن تناول شيأ من المفطرات يلزمه صومه وان قدم بعد الزوال أو بعد ما تناول شيأ من المفطرات لا يلزمه شئ لانه أوجب على نفسه صوم يوم موصوف بأنه يوجد فيه قدوم فلان ولا علم له لهذا اليوم قبل القدوم ولا دليل العلم ولا وجوب لهذا الصوم بدون العلم أو دليله لان ما ثبت أداؤه على قصد المؤدى في تحصيله لا يجب أداؤه الا بعد العلم بوجوبه أو دليل العلم فلم يجب الصوم ما لم يوجد اليوم الموصوف ولا وجود الا بالقدوم فصار الوجوب على هذا التخريج متعلقا بالقدوم ووجوب صوم يوم لم تزل فيه الشمس ولم يتناول شيأ من المفطرات متصور كما لو أنشأ النذر فوجب عليه للحال ولا تصور له بعد التناول وبعد الزوال فلا يجب عليه شئ بخلاف اليمين بأن قال والله لاصومن اليوم الذى يقدم فيه فلان فقدم بعد ما أكل أو بعد الزوال حنث في يمينه والفرق ان في باب النذر يجب الفعل حقا لله تعالى لان الوجوب بايجاب الله تعالى عند مباشرة سبب الوجوب من العبد فصار هذا وسائر العبادات المقصودة على السواء (وأما) في باب اليمين فالفعل في نفسه غير واجب بل الواجب هو الامتناع عن هتك حرمة اسم الله تعالى عز شأنه وانما وجب الفعل لضرورة حصول البر وحصول البر أيضا لضرورة الامتناع عن الهتك فوجوبه لا يفتقر إلى العلم فكان وجوب تحصيل البر والامتناع ثابتا قبل وجود دليل الوجوب وهو القدوم فوجب عليه البر من أول وجود هذا اليوم الذى حلف أن يصومه وان لم يكن له به علم فإذا لم يصم بأن أكل أو امتنع من النذر حتى زالت الشمس حنث في يمينه لفوات البر والله عز شأنه أعلم (ومنها) أن يكون قربة فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأسا كالنذر بالمعاصى بأن يقول لله عز شأنه على أن أشرب الخمر أو أقتل فلانا أو أضربه أو أشتمه ونحو ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لا نذر في معصية الله تعالى وقوله عليه الصلاة والسلام من نذر أن يعصى الله تعالى فلا يعصه ولان حكم النذر وجوب المنذور به ووجوب فعل المعصية محال وكذا النذر بالمباحات من الاكل والشرب والجماع ونحو ذلك لعدم وصف القربة لاستوائهما فعلا وتركا وكذا لو قال على طلاق امرأتي لان الطلاق ليس بقربة فلا يلزم بالنذر وهل يقع الطلاق به فيه كلام نذكره ان شاء الله تعالى (ومنها) أن يكون قربة مقصوده فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والاذان وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك وان كانت قربا لانها ليست بقرب مقصودة ويصح النذر بالصلاة والصوم والحج والعمرة والاحرام بهما والعتق والبدنة والهدى والاعتكاف ونحو ذلك لانها قرب مقصودة

[ 83 ]

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه وقال عليه الصلاة والسلام من نذر وسمى فعليه وفاؤه بما سمى الا أنه خص منه المسمى الذى ليس بقربة اصلا والذى ليس بقربة مقصودة فيجب العمل بعمومه فيما وراءه ومن مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال ما له أصل في الفروض يصح النذر به ولا شك أن ما سوى الاعتكاف من الصلاة والصوم وغيرهما له أصل في الفروض والاعتكاف له أصل أيضا في الفروض وهو الوقوف بعرفة وما لا اصل له في الفروض لا يصح النذر به كعيادة المرضى وتشييع الجنازة ودخول المسجد ونحوها وعلل بأن النذر ايجاب العبد فيعتبر بايجاب الله تعالى ولو قال لله على أن أصوم يوم النحر أو أيام التشريق يصح نذره عند أصحابنا الثلاثة ويفطر ويقضى وقال زفر رحمه الله والشافعي لا يصح نذره لهما أنه نذر بما هو معصية لكون الصوم في أيام التشريق منهيا عنه لقوله عليه الصلاة والسلام ألا لا تصوموا في هذه الايام فانها أيام أكل وشرب والمنهى عنه يكون معصية والنذر بالمعاصى لا يصح لما بينا والدليل عليه أن الصوم في هذه الايام لا يلزم بالشروع ولا يضمن بالقضاء عند الافساد بأن أصبح صائما ثم أفطر (ولنا) أنه نذر بقربة مقصودة فيصح النذر كما لو نذر بالصوم في غير هذه الايام ودلالة الوصف النص والمعقول (أما) النص فقوله عليه الصلاة والسلام خبرا عن الله تعالى جل شأنه الصوم لى وأنا أجزى به من غير فصل (وأما) المعقول فهو أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء لان الصائم في زمان الصوم يتقى الحلال فالحرام أولى ويعرف قدر نعم الله تعالى جل شأنه عليه بما تجثم من مرارة الجوع والعطش فيحمله ذلك على الشكر وعلى الاحسان إلى الفقراء لما عرف قدر مقاساة المبتلى بالجوع والفقر وهذه المعاني موجودة في الصوم في هذه الايام وأنها معان مستحسنة عقلا والنهى لا يرد عما عرف حسنه عقلا لما فيه من التناقض فيحمل على غير مجاور له صيانة لحجج الله تعالى عن التناقض عملا بالدلائل بقدر الامكان (وأما) فصل الشروع والقضاء فممنوع عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله وعند أبى حنيفة عليه الرحمة انما يلزم بالشروع ولا يجب القضاء بالافطار لان لزوم الاتمام في صوم التطوع لضرورة صيانة المؤادى عن الابطال لان ابطال العمل حرام وههنا صاحب الحق وهو الله تعالى جلت عظمته رضى بابطال حقه فلا يحرم الابطال فلا يلزم الاتمام ووجوب القضاء ضرورة لزوم الاتمام فإذا لم يلزم لا يجب ولو قال على المشى إلى بيت الله تعالى أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى بكة فعليه حجة أو عمرة ماشيا وان شاء ركب وعليه ذبح شاة لركوبه وجملة الكلام فيه أن المكان نوعان مكان يصح الدخول فيه بغير احرام وهو ما سوى الحرم كمسجد المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ومسجد بيت المقدس وغيرهما من سائر المساجد والاماكن ومكان لا يصح الدخول فيه بغير احرام وهو الحرم والحرم مشتمل على مكة ومكة على المسجد الحرام والمسجد الحرام على الكعبة فالناذر إما أن يسمى في النذر الكعبة أو بيت الله أو مكة أوبكة أو الحرم أو المسجد الحرام والافعال التى يوجبها على نفسه شبه ألفاط المشى والخروج والسفر والركوب والذهاب والاياب فان أوجب على نفسه شيأ من هذه الافعال وأضافه إلى مكان يصح دخوله فيه بغير احرام لا يصح ايجابه لانه أوجب على نفسه التحول من مكان إلى مكان وذا ليس بقربة مقصودة ولا يصح النذر بما ليس بقربة والدليل عليه ما روى أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله انى نذرت أن فتح لك مكة أن أصلى مائتي ركعة في مائة مسجد فقال عليه الصلاة والسلام صلى في مسجد واحد فلم يصحح عليه الصلاة والسلام نذرها بالصلاة في كل مسجد والنذر بخلاف اليمين فان اليمين تنعقد بهذه الالفاظ بأن يقول والله لاذهبن إلى موضع كذا أو لاسافرن أو غيرهما من الالفاظ لان اليمين لا يقف انعقادها على كون المحلوف عليه قربة بل ينعقد على القربة وغيرها بخلاف النذر وأن أضاف ايجاب شئ من هذه الافعال إلى المكان الذى لا يصح الدخول فيه بغير احرام ينظر فان أضاف ايجاب ما سوى المشى إليه لا يصح ولا يلزمه شئ لما ذكرنا أن التحول من مكان إلى مكان ليس بقربة في نفسه وأن اضاف ايجاب المشى إليه فان ذكر سوى ما ذكرنا من الامكنة من الكعبة وبيت الله تعالى ومكة وبكة

[ 84 ]

والمسجد الحرام والحرم بأن أوجب على نفسه المشى إلى الصفا والمروة ومسجد الخيف وغيرها من المساجد التى في الحرم لا يصح نذره بلا خلاف وان ذكر الكعبة وبيت الله عز شأنه أو مكة أو بكة يصح نذره ويلزمه حجة أو عمرة ماشيا وان شاء ركب وذبح لركوبه شاة وهذا استحسان والقياس أن لا يصح ولا يلزمه شئ (وجه) القياس ان من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة ولا قربة في نفس المشى وانما القربة في الاحرام وانه ليس بمذكور ولهذا لم يصح بسائر الالفاظ سوى لفظ المشى (وجه) الاستحسان ان هذا الكلام عندهم كناية عن التزام الاحرام يستعملونه لالتزام الاحرام بطريق الكناية من غير أن يعقل فيه وجه الكناية بمنزلة قوله لله على أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة كناية عن التزام الصدقة باصطلاحهم والاحرام يكون بالحجة أو بالعمرة فيلزمه أحدهما بخلاف سائر الالفاظ فانها ما جرت عادتهم بالتزام الاحرام بها والمعتبر في الباب عرفهم وعادتهم ولا عرف هناك فيلزمه ذلك ماشيا لانه التزم المشى وفيه زيادة قربة قال النبي عليه الصلاة والسلام من حج ماشيا فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم قال عليه الصلاة والسلام واحدة بسبعمائة فجاز التزامه بالنذر كصفة التتابع في الصوم فيمشي حتى يطوف طواف الزيارة لان بذلك يقع الفراغ من أركان الحج الا أن له أن يركب ويذبح لركوبه شاة لما روى أن أخت أبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما نذرت ان تحج ماشية فقال النبي عليه الصلاة والسلام لابي سعيد الخدرى ان الله تعالى غنى غن تعذيب أختك مرها فلتركب ولترق دما وما روى في بعض الروايات أن عقبة بن عامر الجهنى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أن أختى نذرت أن تحج البيت ماشية غير مختمرة فقال عليه الصلاة والسلام ان الله غنى عن تعذيب أختك فلتركب ولتهد شاة وفى بعضها ان أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشى إلى بيت الله تعالى حافية حاسرة فذكر ذلك عقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام ان الله تعالى غنى عن عناء أختك مرها فلتركب ولتهد شاة وتحرم ان شاءت بحجة وان شاءت بعمرة وروى عن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال من جعل على نفسه الحج ماشيا حج وركب وذبح لركوبه شاة رواه في الاصل وانما استوى فيه لفظ الكعبه وبيت الله ومكة وبكة لا ن كل واحد من هذه الالفاظ يستعمل عند استعمال الآخر يقال فلان مشى إلى بيت الله والى الكعبة والى مكة والى بكة ولا يقال مشى إلى الصفا والمروة وان ذكر المسجد الحرام أو الحرم قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح نذره ولا يلزمه شئ وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يلزمه حجة أو عمرة (وجه) قولهما أن الحرم مشتمل على البيت وعلى مكة فصار كانه قال على المشى إلى بيت الله والى مكة ولابي حنيفة رحمه الله أن القياس أن لا يجب شئ بايجاب المشى المضاف إلى مكان ما لما ذكرنا أن المشى ليس بقربة مقصودة إذ هو انتقال من مكان إلى مكان فليس في نفسه قربة ولهذا لا يجب بسائر الالفاظ الا أنا أوجبنا عليه الاحرام في لفظ المشى إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى بكة للعرف حيث تعارفوا استعمال ذلك كناية عن التزام الاحرام ولم يتعارفوا استعمال غيرها من الالفاظ الا ترى أنه يقال مشى إلى مكة والكعبة وبيت الله ولا يقال مشى إلى الحرم أو المسجد الحرام كما يقال مشى إلى الصفا والمروة والكناية يتبع فيها عين اللفظ لا المعنى بخلاف المجاز فانه يراعى فيه المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة لان الكناية ثابتة بالاصطلاح كالاسماء الموضوعة فيتبع فيها العرف واستعمال اللفظ بخلاف المجاز ولو قال على المشى إلى بيت الله وهو ينوى مسجدا من مساجد الله سوى المسجد الحرام لم يلزمه شئ لانه نوى ما يحتمله لفظه لان كل مسجد بيت الله تعالى فصحت نيته على أن الظاهر ان كانت ارادة الكعبة من هذا الكلام لا غير لكن هذا أمر بينه وبين الله تعالى فيكتفى فيه باحتمال اللفظ إياه في الجملة ولو قال أنا أحرم أو أنا محرم أو أهدى أو أمشى إلى البيت فان نوى به الايجاب يكون ايجابا لانه يذكر ويراد به الايجاب كقولنا أشهد أن لا اله الا الله أنه يكون توحيدا وكقول الشاهد عند القاضى أشهد أنه يكون شهادة فقد نوى ما يحتمله لفظه وان نوى أن يعد من نفسه عدة ولا يوجب شيأ كان عدة ولا شئ عليه لان اللفظ يحتمل العدة لانه يستعمل في العدات وان لم يكن له نية

[ 85 ]

فهو على الوعد لانه غلب استعماله فيه فعند الاطلاق يحمل عليه هذا إذا لم يعلقه بالشرط فان علقه بالشرط بأن قال ان فعلت كذا فانا أحرم فهو على الوجوه التى بينا أنه ان نوى الايجاب يكون ايجابا وان نوى الوعد يكون وعدا لما قلنا وان لم يكن له نية فهو على الايجاب بخلاف الفصل الاول لان العدات لا تتعلق بالشروط وان الواجبات تتعلق بها فالمعرفة إلى الايجاب بقرينة التعليق بالشرط ولم توجد القرينة في الفصل الاول فصار الحاصل ان هذا اللفظ في غير المعين بالشرط على الوعد الا أن ينوى به الايجاب وفى المعلق يقع على الايجاب الا أن ينوى به الوعد ولو قال لله تعالى على أن أنحر ولدى أو أذبح ولدى يصح نذره ويلزمه الهدى وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة والافضل هو الابل ثم البقر ثم الشاة وانما ينحر أو يذبح في أيام النحر سواء كان في الحرم أو لا وهذا استحسان وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس أن لا يصح نذره وهو قول أبى يوسف وزفر والشافعي رحمهم الله (وجه) القياس أنه نذر بما هو معصية والنذر بالمعاصى غير صحيح ولهذا لم يصح بلفظ القتل (وجه) الاستحسان قول النبي عليه الصلاة والسلام من نذر أن يطيع الله فليطعه وقوله عليه الصلاة والسلام من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى والمراد من الحديثين النذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة وقد نذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة لانه نذر بذبح الولد تقديرا بما هو خلف عنه وهو ذبح الشاة فيصح النذر بذبح الولد على وجه يظهر أثر الوجوب في الشاة التى هي خلف عنه كالشيخ الفاني إذا نذر أن يصوم رجب أنه يصح نذره وتلزمه الفدية خلفا عن الصوم ودليل ما قلنا الحديث وضرب من المعقول (أما) الحديث فقول النبي عليه الصلاة والسلام أنا ابن الذبيحين أراد أول آبائه من العرب وهو سيدنا اسماعيل عليه الصلاة والسلام وآخر آبائه حقيقة وهو عبد الله بن عبد المطلب سماهما عليه الصلاة والسلام ذبيحين ومعلوم انهما ما كانا ذبيحين حقيقة فكانا ذبيحين تقديرا بطريق الخلافة لقيام الخلاف مقام الاصل (وأما) المعقول فلان المسلم انما يقصد بنذره التقرب إلى الله تعالى الا انه عجز عن التقرب بذبح الولد تحقيقا فلم يكن ذلك مرادا من النذر وهو قادر على ذبحه تقديرا بذبح الخلف وهو ذبح الشاة فكان هذا نذرا بذبح الولد تقديرا بذبح ما هو خلف عنه حقيقة كالشيخ الفاني إذا نذر بالصوم وانما لا يصح بلفظ القتل لان التعيين بالنذر وقع للواجب على سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام والواجب هناك بالايجاب المضاف إلى ذبح الولد بقوله تعالى عز شأنه إنى أرى في المنام أنى أذبحك على ان هذا حكم ثبت استحسانا بالشرع والشرع انما ورد بلفظ القتل ولا يستقيم لان لفظ القتل لا يستعمل في تفويت الحياة على سبيل القربة والذبح يستعمل في ذلك ألا ترى أنه لو نذر بقتل شاة لا يلزمه ولو نذر بذبحها لزمه ولو نذر بنحر نفسه لم يذكر في ظاهر الروايات وذكر في نوادر هشام أنه على الاختلاف الذى ذكرنا ولو نذر بنحر ولد ولده ذكر في شرح الاثار أنه على الاختلاف ولو نذر بنحر والديه أو جده أو جدته يصح نذره عند أبى حنيفة رحمه الله وعند الباقين لا يصح ولو نذر بذبح عبده عند محمد رحمه الله يصح وعند الباقين لا يصح وانما اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما مع اتفاقهما في الولد لاختلافهما في المعنى في الولد فالمعنى في الولد عند أبى حنيفة رحمه الله هو أنه نذر بالتقرب إلى الله تعالى بذبح ما هو أعز الاشياء عنده وهذا المعنى يوجد في الوالدين ولا يوجد في العبد وعند محمد رحمه الله المعنى في الولد ان النذر بذبحه تقرب إلى الله تعالى بما هو من مكاسبه والولد في معنى المملوك له شرعا قال النبي عليه الصلاة والسلام ان أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه فعدى الحكم إلى المملوك حقيقة وهو العبد والى النفس وولد ولده لكونهما في معنى المملوك له ولم يعد إلى الوالدين لانعدام هذا المعنى وعلى هذا القياس ينبغى أن يصح نذر الجد بذبح الحافد وعند محمد لا يصح وإذا أوجب على نفسه الهدى فهو بالخيار بين الاشياء الثلاثة ان شاء أهدى شاة وان شاء بقرة وان شاء ابلا وأفضلها أعظمها لان اسم الهدى يقع على كل واحد منهم ولو أوجب على نفسه بدنة فهو بالخيار بين شيئين الابل والبقر والابل أفضل لان اسم البدانة يقع على كل واحد منهما ولو أوجب جزورا فعليه الابل خاصة لان اسم الجزور يقع عليه خاصة ولا يجوز فيهما الا ما يجوز في الاضاحي وهو الثنى من الابل والبقر والجذع من

[ 86 ]

الضأن إذا كان ضخما ولا يجوز ذبح الهدى الذى أوجب الا في الحرم لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق ولم يرد به نفس البيت بل البقعة التى هو فيها وهى الحرم لان الدم لا يراق في البيت والمراد من قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق نفس البيت لانه هناك ذكر الطواف بالبيت وههنا اضافه إلى البيت لذلك افترقا ولان الهدى اسم لما يهدى إلى مكان الهدايا ومكان الهدايا هو الحرم ولا يحل له الانتفاع بها ولا بشئ منها الا في حال الضرورة فان اضطر إلى ركوبها ركبها ويضمن ما نقص ركوبه عليها وهذه من مسائل المناسك ولو أوجب على نفسه أن يهدى مالا بعينه فان كان مما لا يحتمل الذبح يلزمه أن يتصدق به أو بقيمته على فقراء مكة وان كان مما يذبح ذبحه في الجرم وتصدق بلحمه على فقراء مكة ولو تصدق به على فقراء الكوفة جاز كذا ذكر في الاصل ولو أوجب بدنة فذبحها في الحرم وتصدق على الفقراء جاز بالاجماع ولو ذبح في غير الحرم وتصدق باللحم على الفقراء جاز عن نذره في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبى يوسف رحمه الله لا يجوز ولو أوجب جزورا فله أن ينحره في الحل والحرم ويتصدق بلحمه وهذه من مسائل الحج ولو قال ما أملك هدى أو قال ما أملك صدقة يمسك بعض ماله ويمضى الباقي لانه أضاف الهدى والصدقة إلى جميع ما يملكه فيتناول كل جنس من جنس أمواله ويتناول القليل والكثير الا أنه يمسك بعضه لانه لو تصدق بالكل لاحتاج إلى ان يتصدق عليه فيتضرر بذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول فكان له أن يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى ان يكتسب فإذا اكتسب مالا تصدق بمثله لانه انتفع به مع كونه واجب الاخراج عن ملكه لجهة الصدقة فكان عليه عوضه كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة عليه ولو قال مالى صدقة فهذا على الاموال التى فيها الزكاة من الذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم ولا يدخل فيه ما لا زكاة فيه فلا يلزم ان يتصدق بدور السكنى وثياب البدن والاثاث والعروض التى لا يقصد بها التجارة والعوامل وأرض الخراج لانه لا زكاة فيها ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه لانه مال الزكاة ألا ترى أنه إذا انضم إليه غيره تجب فيه الزكاة ويعتبر فيه الجنس لا القدر ولهذا قالوا إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دين محيط أنه يلزمه أن يتصدق به لانه جنس مال تجب فيه الزكاة وان لم تكن واجبة فان قضى دينه به لزمه التصدق بمثله لما ذكرنا فيما تقدم وهذا الذى ذكرنا استحسان والقياس أن يدخل فيه جميع الاموال كما في فصل الملك لان المال اسم لما يتمول كما ان الملك اسم لما يملك فيتناول جميع الاموال كالملك (وجه) الاستحسان ان النذر يعتبر بالامر لان الوجوب في الكل بايجاب الله جل شأنه وانما وجد من العبد مباشرة السبب الدال على ايجاب الله تعالى ثم الايجاب المضاف إلى المال من الله تعالى في الامر وهو الزكاة في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله عز شأنه وفى أموالهم حق معلوم ونحو ذلك تعلق بنوع دون نوع فكذا في النذر وقد قال أبو يوسف رحمه الله قياس قول أبى حنيفة عليه الرحمة إذا حلف لا يملك مالا ولا نية له وليس له مال تجب فيه الزكاة يحنث لان اطلاق اسم المال لا يتناول ذلك وقال أبو يوسف ولا أحفظ عن أبى حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك داره تدخل في نذره لان اللفظ يحتمله وفيه تشديد على نفسه وقال أبو يوسف ويجب عليه أن يتصدق بما دون النصاب ولا أحفظه عن أبى حنيفة رحمه الله والوجه ما ذكرنا وإذا كانت له ثمرة عشرية أو غلة عشرية تصدق بها في قولهم لان هذا مما يتعلق به حق الله تعالى وهو العشر وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تدخل الارض في النذر وقال أبو يوسف يتصدق بها لابي يوسف انها من جملة الاموال النامية التى يتعلق حق الله تعالى بها فتدخل في النذر ولابي حنيفة رضى الله عنه ان حق الله تعالى لا يتعلق بها وانما يتعلق بالخارج منها فلا تدخل قال بشر عن أبى يوسف إذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين ولم يسم فعليه ذلك فان أطعم خمسة لم يجزه لان النذر يعتبر باصل الايجاب ومعلوم ان ما أوجبه ينبغى أن يكون لعدد من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم الا على التفريق في الايام فكذا النذر ولو قال لله على أن أتصدق بهذه الدراهم على المساكين فتصدق بها على واحد أجزأه لانه يجوز دفع الزكاة إلى مسكين واحد وان كان المذكور فيها جميع المساكين لقول الله تعالى انما الصدقات للفقراء والمساكين كذلك النذر ولو قال لله على أن أطعم هذا المسكين هذا

[ 87 ]

الطعام بعينه فأعطى ذلك الطعام غيره أجزأه لان الصدقة المتعلقة بمال متعين لا يتعين فيها المسكين لانه لما عين المال صار هو المقصود فلا يعتبر تعيين الفقير والافضل أن يعطى الذى عينه ولو قال لله على أن أطعم هذا المسكين شيأ سماه ولم يعينه فلابد أن يعطيه الذى سماه لانه إذا لم يعين المنذور صار تعيين الفقير مقصودا فلا يجوز أن يعطى غيره ولو قال لله على اطعام عشرة مساكين وهو لا ينوى أن يطعم عشرة مساكين انما نوى أن يطعم واحدا ما يكفى عشرة أجزأه لان الطعام اسم للمقدار فكأنه أوجب مقدار ما يطعم عشرة فيجوز أن يطعم بعضهم ولو قال لله على أن أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان ثم قال أن كلمت فلانا فعلى أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا وقدم فلان أجزأه ان يتصدق بتلك الدراهم عنهما جميعا ولا يلزمه غير ذلك وكذلك الصيام إذا سمى يوما بعينه لانه علق وجوب شئ واحد بشرطين لكل واحد منهما بحياله فان وجد الشرطان معا وجبت بالايجابين جميعا لان اجتماع سببين على حكم واحد جائز فان وجدا على التعاقب وجبت بالاول ولا يتعلق بالثاني حكم نظيره إذا قال لعبده ان دخل زيد هذه الدار فأنت حر ثم قال أن دخلها عمرو فأنت حر فان دخلا معا عتق العبد بالايجابين وان دخلا على التعاقب عتق بالاول ولا يتعلق بالثاني حكم كذا هذا ولو قال ان كلمت فلانا فعلى أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا وجب عليه أن يتصدق بها لانه أوجب على نفسه التصدق بها فيجب عليه ذلك فان أعطى ذلك من كفارة يمينه أو من زكاة ماله فعليه لنذره مثل ما أعطى لانه لما أعطى تعين للاخراج بجهة النذر ولم يتعين للاخراج بجهة الزكاة فإذا أخرجه بحق لم يتعين فيه صار مستهلكا له فيضمن مثله كما لو أنفقه بخلاف الفصل الاول لان مثال الواجب تعين لكل واحد عن النذرين فجاز عنهما ولو قال ان قدم فلان فلله على أن أصوم يوم الخميس ثم صام يوم الخميس عن قضاء رمضان أو كفارة يمين أو تطوعا فقدم فلان يومئذ بعد ارتفاع النهار فعليه يوم مكانه لقدوم فلان لانه وجب عليه صوم ذلك اليوم عن جهة النذر لوجود شرط وجوبه وهو قدوم فلان فيه فإذا صام عن غيره فقد منع وقوعه عن النذر فصار كأنه قدم بعد ما أكل فيلزمه صوم يوم آخر مكانه لقدوم فلان ولو كان أراد بهذا القول اليمين لم يحنث في يمينه لوجود شرط البر وهو صوم اليوم الذى حلف على صومه وجهات الصوم لم تتناولها اليمين ولو كان قدم فلان بعد الظهر لم يكن عليه قضاؤه لانه لما قدم بعد الظهر لم يجب الصوم عن النذر كما لو أنشأ النذر بعد الزوال فقال لله على أن أصوم هذا اليوم فلا يجب قضاؤه وان قدم فلان قبل الزوال في يوم قد أكل فيه فعليه أن يقضى لان القدوم حصل في زمان يصح ابتداء النذر فيه وانما امتنع الصوم لوجود المنافى له وهو الاكل فلا يمنع صحة النذر كما لو أوجب ثم أكل ولو قال لله على أن أصوم الشهر الذى يقدم فيه فلان فقدم في رمضان فصامه في رمضان أجزأ عن رمضان ولا يلزمه صوم آخر بالنذر لان شهر رمضان في حال الصحة والاقامة يتعين لصومه لا يحتمل غيره فلم يتعلق بهذا النذر حكم ولا كفارة عليه ان كان أراد به اليمين لتحقق البر وهو الصوم واليمين انعقدت على الصوم دون غيره وقد صام ولو قال لله على أن أصوم اليوم الذى يقدم فيه فلان شكرا لله تطوعا لقدومه ونوى به اليمين فصامه عن كفارة يمين ثم قدم فلان ذلك اليوم عند ارتفاع النهار فعليه قضاؤه والكفارة (اما) القضاء فلانه نذر أن يصوم ذلك اليوم للقدوم وذلك اليوم غير متعين لصوم الكفارة فإذا صام عن جهة يتعين الوقت لها لزمه القضاء (وأما) الكفارة فلانه لم يحلف على مطلق الصوم بل على أن يصوم عن القدوم فإذا صام عن غيره لم يوجد فيحنث ولو كان في رمضان فلا قضاء عليه وعليه الكفارة (اما) عدم وجوب القضاء فلان زمان رمضان يتعين لصوم رمضان فلا يصح ايجاب الصوم فيه لغيره (واما) وجوب الكفارة فيه فلانه لم يصم لما حلف عليه فلم يوجد البر وان صامه ينوى الشكر على قدوم فلان ولا ينوى رمضان بر في يمينه وأجزأه عن رمضان (اما) الجواز عن رمضان فلان صوم رمضان لا يعتبر فيه تعيين النية لكون الزمان متعينا له فوقع عنه (وأما) بره في يمينه فلانه حلف على الصوم بجهة وقد قصد تلك الجهة الا انه وقع عن غيره حكما من غير قصد ولو قال لله على أن أصوم هذا اليوم شهرا فانه يصوم ذلك اليوم حتى يستكمل منه ثلاثين يوما فانه تعذر حمله على ظاهره إذا اليوم الواحد لا يوجب شهرا لانه إذا مضى لا يعود ثانيا فيحمل على التزام صوم اليوم المسمى

[ 88 ]

بذلك اليوم الذى هو فيه من الاثنين أو الخميس كلما تجدد إلى أن يستكمل شهرا ثلاثين يوما حملا للكلام على وجه الصحة ولو قال لله على أن أصوم هذا الشهر يوما نظر إلى ذلك الشهر أنه رجب أو شعبان أو غيره ويصير كأنه قال لله على أن أصوم رجب أو شعبان في وقت من الاوقات إذ الشهر لا يوجد في يوم واحد فلا يمكن حمله على ظاهره وقد قصد تصحيح نذره فيحمل على وجه يصح وهو حمل اليوم على الوقت وقد يذكر اليوم ويراد به مطلق الوقت قال الله تعالى وتلك الايام نداولها بين الناس وقال تعالى ومن يولهم يومئذ دبره ويقال في العرب يوما لنا ويوما علينا على ارادة مطلق الوقت ولو قال لله على أن أصوم هذا اليوم غدا فعليه أن يصوم اليوم الذى قال فيه هذا القول ان قال ذلك قبل الزوال وقبل أن يتناول ما ينقض صومه ويبطل قوله غدا لانه ركب اسما على اسم لا بحرف النسق فبطل التركيب لانه يكون ايجاب صوم هذا اليوم غدا وهذا اليوم لا يوجد في غد فلا يكون الغد ظرفا له بطل قوله غدا وبقى قوله لله على أن أصوم هذا اليوم فينظر في ذلك اليوم فان كان قابلا للايجاب صح والا بطل بخلاف الفصل الاول لان اليوم قد يعتد به عن مطلق الوقت (وأما) الغد فلا يصلح عبارة عن مطلق الوقت ولا يعبر به الا عن عين الغد ولو قال لله على أن أصوم غدا اليوم فعليه أن يصوم غدا وقوله اليوم حشو من كلامه لانه أوجب على نفسه صوم الغد وذلك صحيح ولم يصح قوله اليوم لانه ركبه على الغد لا بحرف النسق فبطل لان صوم غد لا يتصور وجوده في اليوم فلغى قوله اليوم وبقى قوله لله على أن أصوم غدا ولو قال لله على صوم أمس غدا لم يلزمه شئ لان أمس لا يمكن أن يصام فيه لانه لا يعود ثانيا فبطل الالتزام فيه فلا يلزمه بقوله غدا لانه لم يوجب صوم غد وانما جعل الغد ظرفا للامس وانه لا يصلح ظرفا له فلغت تسمية الغد أيضا والاصل في هذا النوع ان اللفظ الثاني يبطل في الاحوال كلها لما ذكرنا وإذا بطل هذا ينظر إلى اللفظ الاول فان صلح صح النذر به والا بطل ولو قال لله على صوم كذا كذا يوما ولا نية له فعليه صوم أحد عشر يوم لانه جمع بين عددين مفردين مجملين لا بحرف النسق فانصرف إلى أقل عددين مفردين يجمع بينهما لا بحرف النسق وذلك أحد عشر لان الاقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها وان نوى شيئا فهو على ما نوى يوما كان أو أكثر لان حمل هذه اللفظ على التكرار جائز في اللغة يقال صوم يوم يوم ويراد به تكراريوم وإذا جاز هذا فقد نوى ما يحتمله كلامه فعلمت نيته ولو قال لله على صوم كذا وكذا يوما فعليه صوم أحد وعشرين يوما أن لم يكن له نية لانه جمع بين عددين مفردين على الاكمال بحرف النسق فحمل على أقل ذلك وأقله أحد وعشرون يوما وان كانت له نية فهو على ما نوى واحدا أو أكثر لان هذا مما يحتمل التكرار يقال صوم يوم يوم ويراد به تكرار يوم واحد ولو قال لله على صوم بضعة عشر يوم ولا نية له كان عليه صوم ثلاثة عشر يوما لان البضع عند العرب عبارة عن ثلاثة فما فوقها إلى تمام العقد وهو عشرة وعشرون وثلاثون واربعون ونحو ذلك فإذا لم يكن له نية صرف إلى أقله وذلك ثلاثة عشر إذ الاقل متيقن ولو قال لله على صوم سنين فهو على ثلاث سنين لان الثلاث مستحقة هذا الاسم بيقين ولو قال السنين فهو على عشر سنين في قول أبى حنيفة رضى الله عنه وعندهما على الابد ولو قال على صوم الشهور فهو على عشرة أشهر عند أبى حنيفة رحمه الله إذا لم يكن له نية وعندهما على اثنى عشر شهرا ولو قال صوم شهور فهو على ثلاثة أشهر بلا خلاف وكذا هذا في الايام وأياما منكرا ومعرفا وعندهما المعرف يقع على الايام السبعة وقد ذكرناه في كتاب الايمان ولو قال لله على صوم جمع هذا الشهر فعليه صوم كل يوم جمعة في ذلك الشهر إذا لم يكن له نية لان هذا اللفظ يراد به في ظاهر العادة عين يوم الجمعة ولو قال لله على صوم أيام الجمعة فعليه صوم سبعة أيام لان أيام الجمعة سبعة في تعارف الناس ولو قال لله على صوم جمعة فان كانت له نية فهو على ما نوى ان نوى عين يوم الجمعة أو نوى أيامها لان ظاهر لفظه يحتمل كلاهما وان لم يكن له نية فهو على أيامها لانه يراد به في أغلب العادات أيامها والله عز شأنه أعلم ولو نذر بقربة مقصودة من صلاة أو صوم فقال رجل آخر على مثل ذلك يلزمه وكذا إذا قال على المشى إلى بيت الله عز شأنه وكل مملوك لى حر وكل امرأة لى طالق إذا دخلت الدار فقال رجل آخر على مثل ذلك ان دخلت الدار ثم

[ 89 ]

دخل الثاني الدار فاته يلزمه المشى ولا يلزمه العتاق والطلاق ثم قال الا ترى أنه لو قال على طلاق امرأتي فان الطلاق لا يقع عليها وهذا يدل على ان من قال الطلاق على واجب انه لا يقع طلاقه قال القدورى رحمه الله وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال الطلاق لى لازم يقع الطلاق لعرف الناس أنهم يريدون به الطلاق وكان محمد بن سلمة يقول ان الطلاق يقع بكل حال وحكى الفقيه أبو جعفر الهندوانى عن على بن أحمد بن نصير بن يحيى عن محمد بن مقاتل رحمهم الله انه قال المسألة على الخلاف قال أبو حنيفة عليه الرحمة إذا قال الطلاق لى لازم أو على واجب لم يقع وقال محمد يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب وحكى ابن سماعة في نوادره عن أبى يوسف في رجل قال ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه أو الزمت نفسي عتق عبدى هذا قال ان نوى به الطلاق والعتاق فهو واقع والا لم يلزمه وكذلك لو قال ألزمت نفسي طلاق أمرأتى هذه أن دخلت الدار أو عتق عبدى هذا فدخل الدار وقع الطلاق والعتاق ان نوى ذلك وان لم ينو فليس بشئ جعله بمنزلة كنايات الطلاق وجه قول محمد عليه الرحمة ان الوقوع للعادة والعادة في اللزوم لانهم يذكرونه على ارادة الايقاع ولا عادة في الايجاب فلا يقع به شئ ولابي يوسف رحمه الله ان الظاهر الالزام والايجاب للنذر ويحتمل أن يراد به التزام حكم الطلاق الواقع فيقف على النية كسائر كنايات الطلاق ولابي حنيفة رحمه الله ان الطلاق لا يحتمل الايجاب والالزام لانه ليس بقربة فبطل وروى ابن سماعة عن أبى يوسف إذا قال رجل أمرأة زيد طالق ثلاثا ورقيقه أحرار وعليه المشى إلى بيت الله جل شأنه ان دخل هذه الدار فقال زيد نعم كان كأنه قد حلف بذلك كله لان نعم جواب لا يستقل بنفسه فيتضمن اضمار ما خرج جوابا له كما في قوله عز شأنه فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم تقديره نعم وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وكالشهود إذا قرأوا على المشهود عليه كتاب الوثيقة فقالوا نشهد عليك بما فيه فقال نعم ان لهم أن يشهدوا لان تقديره نعم اشهدوا على بما في الكتاب ولو لم يكن قال نعم ولكنه قال أجزت ذلك فهذا لم يحلف على شئ لان قوله أجزت ليس بايجاب والتزام فلا يلزمه شئ فان قال قد أجزت ذلك على أن دخلت الدار أو قال ألزمت نفسي ذلك ان دخلت الدار كان لازما له لانه التزم ما قاله فلزمه ولو ان رجلا قال امرأة زيد طالق فقال زيد قد أجزت لزمه الطلاق وكذلك لو قال قد رضيت ما قال أو ألزمته نفسي لان هذا ليس بيمين بل هو ايقاع فيقف على الاجازة فأما اليمين فيحتاج إلى الالتزام ليجوز على الحالف وينفذ عليه فلا بد من لفظا الالتزام ولو ان رجلا قال ان بعت هذا المملوك من زيد فهو حر فقال زيد قد أجزت ذلك أو رضيت ذلك ثم اشتراه لم يعتق لان الحالف أعتق عبده بشرط فوجد الشرط في غير ملكه فلم يحنث ولا يتعلق بالاجازة حكم لان البائع لم يوقت اليمين وانما حلف في ملك نفسه ولو كان البائع قال ان اشترى زيد هذا العبد فهو حر فقال نعم ثم اشتراه عتق عليه لان البائع لم يعقد اليمين في ملك نفسه وانما أضافها إلى ملك المشترى فصار عاقد اليمين موقوفة وقد أجازها من وقفت عليه فتعلق الحكم بها وقال ابن سماعة عن أبى يوسف لو ان رجلا طلق امرأته فقال آخر على مثل ذلك فان هذا لا يلزم الثاني وكذلك لو قال على مثل هذا الطلاق لان قوله على مثل ذلك ايجاب الطلاق على نفسه والطلاق لا يحتمل الايجاب ولو حلف رجل بطلاق امرأته لا يدخل هذه الدار فقال آخر على مثل ذلك ان دخلتها فان دخلها الثاني لم يلزمه طلاق امرأته لانه أوجب على نفسه الطلاق ان دخل الدار والطلاق لا يحتمل الايجاب والالزام لانه ليس بقربة فان أراد بهذا الايجاب اليمين فليست بطلاق حتى تطلق فان لم يفعل حتى مات أحدهما حنث لان النذر إذا أريد به اليمين صار كأنه قال لا طلقتها ولو قال ذلك لا يحنث حتى يموت أحدهما كذا هذا ولو قال عبدى هذا حر ان دخلت هذه الدار فقال آخر على مثل ذلك أن دخلت هذه الدار فدخل الثاني لم يعتق عبده لانه أوجب على نفسه بدخول الدار عتقا غير معين فكان له أن يخرج منه بشراء عبد يعتقه فلا يتعلق العتق بعبيده الموجودين لا محالة وإذا لم يتعلق بهم لا يلزمه عتق في ذمته لانه لو لزمه لم يكن ذلك مثل ما فعله الحالف ولو ان رجلا قال لله على نسمة ان دخلت هذه الدار فقال آخر على مثل ذلك أن دخلت فهذا لازم للاول ولازم للثاني أيهما دخل لزمه نسمة لان الاول أوجب

[ 90 ]

عتقا في ذمته وذلك مما يجب بالنذر وإذا أوجب آخر مثله وجب عليه بخلاف الفصل الاول لان ثمة ما أوجب العتق بل علق فلا يكون على الثاني ايجاب لانه ليس بمثل ولو قال كل مالى هدى وقال آخر وعلى مثل ذلك فعليه أن يهدى جميع ماله سواء كان أقل من مال الاول أو أكثر الا أن يعنى مثل قدره فيلزمه مثل ذلك ان كان مال الثاني أكثر وان كان مال الثاني أقل يلزمه في ذمته تمام مال الاول لان مطلق الايجاب يضاف إلى هدى جميع ماله كما أوجب الاول فإذا أراد القدر فقد نوى ما يحتمله الكلام فيحمل عليه فان قال رجل كل مال أملك إلى سنة فهو هدى فقال آخر على مثل ذلك لم يلزمه شئ لان الثاني لم يضف الهدى إلى الملك فلا تثبت الاضافة بالاضمار والله عز شأنه أعلم (ومنها) أن يكون المنذور به إذا كان مالا مملوك الناذر وقت النذر أو كان النذر مضافا إلى الملك أو إلى سبب الملك حتى لو نذر بهدى ما لا يملكه أو بصدقة ما لا يملكه للحال لا يصح لقوله عليه الصلاة والسلام لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم الا إذا أضاف إلى الملك أو إلى سبب الملك بأن قال كل مال أملكه فيما استقبل فهو هدى أو قال فهو صدقة أو قال كلما اشتريته أو أرثه فيصح عند أصحابنا خلافا للشافعي رحمه الله والصحيح قولنا لقوله عزوجل ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين إلى قوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون دلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف لان الناذر بنذره عاهد الله تعالى الوفاء بنذره وقد لزمه الوفاء بما عهد والمؤاخذة على ترك الوفاء به ولا يكون ذلك الا في النذر الصحيح (ومنها) أن لا يكون مفروضا ولا واجبا فلا يصح النذر بشئ من الفرائض سواء كان عينا كالصلوات الخمس وصوم رمضان أو فرض كفاية كالجهاد وصلاة الجنازة ولا بشئ من الواجبات سواء كان عينا كالوتر وصدقة الفطر والعمرة والاضحية أو على سبيل الكفاية كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام ونحو ذلك لان ايجاب الواجب لا يتصور (وأما) الذى يرجع إلى نفس الركن فخلوه عن الاستثناء فان دخله أبطله. (فصل) (وأما) حكم النذر فالكلام فيه في مواضع الاول في بيان أصل الحكم والثانى في بيان وقت ثبوته والثالث في بيان كيفية ثبوته أما أصل الحكم فالناذر لا يخلو من أن يكون نذر وسمى أو نذر ولم يسم فان نذر وسمى فحكمه وجوب الوفاء بما سمى بالكتاب العزيز والسنة والاجماع والمعقول (أما) الكتاب الكريم فقوله عز شأنه وليوفوا نذورهم وقوله تعالى وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤلا وقوله سبحانه وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم والنذر نوع عهد من الناذر مع الله جل وعلا فيلزمه الوفاء بما عهد وقوله جلت عظمته وأوفوا بالعقود أي العهود وقوله عز شأنه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن إلى قوله تعالى بما أخلفوا الله ما وعدوه ألزم الوفاء بعهده حيث أوعد على ترك الوفاء (وأما) السنه فقول النبي عليه الصلاة والسلام من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه وقوله عليه الصلاة والسلام من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى وعلى كلمة ايجاب وقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم والناذر شرط الوفاء بما نذر فيلزمه مراعاة شرطه وعليه اجماع الامة (وأما) المعقول فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بنوع من القرب المقصودة التى له رخصة تركها لما يتعلق به من المعاقبة الحميدة وهى نيل الدرجات العلى والسعادة العظمى في دار الكرامة وطبعه لا يطاوعه على تحصيله بل يمنعه عنه لما فيه من المضرة الحاضرة وهى المشقة ولا ضرورة في الترك فيحتاج إلى اكتساب سبب يخرجه عن رخصة الترك ويلحقه بالفرائض الموظفة وذلك يحصل بالنذر لان الوجوب يحمله على التحصيل خوفا من مضرة الترك فيحصل مقصوده فثبت ان حكم النذر الذى فيه تسمية هو وجوب الوفاء بما سمى وسواء كان النذر مطلقا أو مقيدا معلقا بشرط بأن قال أن فعلت كذا فعلى لله حج أو عمرة أو صوم أو صلاة أوما أشبه ذلك من الطاعات حتى لو فعل ذلك يلزمه الذى جعله على نفسه ولم يجز عنه كفارة وهذا قول أصحابنا رضى الله عنهم وقال الشافعي رحمه الله أن علقه بشرط يريد كونه لا يخرج عنه بالكفارة كما إذا قال ان شفى الله مريضى أو إن قدم غائبي فعلى كذا وان علقه بشرط لا يريد كونه بأن قال ان كلمت فلانا أو قال ان دخلت الدار فلله على

[ 91 ]

كذا يخرج عنه بالكفارة وهو بالخيار ان شاء وفى بالنذر وان شاء كفر وأصحاب الشافعي رحمه الله يسمون هذا يمين الغصب وروى عامر عن على بن معبد عن محمد رحمهم الله أنه رجع عن ذلك وقال يجزى فيه كفارة اليمين وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن أبى حنيفة رحمه الله أنه يجزيه كفارة اليمين وروى أن أبا حنيفة عليه الرحمة رجع إلى الكفارة في آخر عمره فانه روى عن عبد العزيز بن خالد أنه قال قرأت على أبى حنيفة رحمه الله كتاب الايمان فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال قف فان من رأيى أن أرجع إلى الكفارة قال فخرجت حاجا فلما رجعت وجدت أبا حنيفة عليه الرحمة قد مات فأخبرني الوليد بن أبان أن أبا حنيفة رجع عن الكفارة والمسألة مختلفة بين الصحابة رضى الله عنهم روى عن على و عبد الله بن عباس رضى الله عنهم ان عليه الوفاء بما سمى وعن سيدنا عمر وعبد الله بن سيدنا عمر وسيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة رضى الله عنهم ان عليه الكفارة احتج من قال بوجوب الكفارة بقوله جلت عظمته ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان وقوله جل شأنه ذلك كفارة أيمانكم وهذا يمين لان اليمين بغير الله تعالى جل شأنه شرط وجزاء وهذا كذلك وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال النذر يمين وكفارته كفارة اليمين وهذا نص ولان هذا في معنى اليمين بالله تعالى جل شأنه لا المقصد من اليمين بالله تعالى الامتناع من المخلوف عليه أو تحصيله خوفا من لزوم الحنث وهذا موجود ههنا لانه ان قال ان فعلت كذا فعلى حجة فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط وان قال ان لم أفعل كذا فعلى حجة فقد قصد تحصيل الشرط وكل ذلك خوفا من الحنث فكان في معنى اليمين بالله تعالى فتلزمه الكفارة عند الحنث (ولنا) قوله جل شأنه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية وغيرها من نصوص الكتاب العزيز والسنة المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر عاما مطلقا من غير فصل بين المطلق والمعلق بالشرط والوفاء بالنذر هو فعل ما تناوله النذر لا الكفارة ولان الاصل اعتبار التصرف على الوجه الذى أوقعه المتصرف تنجيزا كان أو تعليقا بشرط والمتصرف أوقعه نذرا عليه عند وجود الشرط وهو ايجاب الطاعة المذكورة لا ايجاب الكفارة واحتج أبو يوسف رحمه الله في ذلك وقال القول بوجوب الكفارة يؤدى إلى وجوب القليل بايجاب الكثير ووجوب الكثير بايجاب القليل لانه لو قال ان فعلت كذا فعلى صوم سنة أو اطعام ألف مسكين لزمه صوم ثلاثة أيام أو اطعام عشرة مساكين ولو قال أن فعلت كذا فعلى صوم يوم أن اطعام مسكين لزمه اطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة ولا حجة لهم بالآية الكريمة لان المراد بها اليمين بالله عز شأنه لان الله تعالى أثبت باليمين المعقودة ما نفاه بيمين اللغو بقوله تعالى جلت كبرياؤه لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان والمراد من النفى اليمين بالله تعالى كذا في الاثبات والحديث محمول على النذر المبهم توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وأما قولهم ان هذا في معنى اليمين بالله تعالى ممنوع بأن النذر المعلق بالشرط صريح في الايجاب عند وجود الشرط واليمين بالله تعالى ليس بصحيح في الايجاب وكذا الكفارة في اليمين بالله تعالى تجب جبرا لهتك حرمة اسم الله عز اسمه الحاصل بالحنث وليس في الحنث ههنا هتك حرمة اسم الله تعالى وانما فيه ايجاب الطاعة فلم يكن في معنى اليمين بالله تعالى ثم الوفاء بالمنذور به نفسه حقيقة انما يجب عند الامكان فاما عند التعذر فانما يجب الوفاء به تقديرا بخلفه لان الخلف يقوم مقام الاصل كانه هو كالتراب حال عدم الماء والاشهر حال عدم الاقراء حتى لو نذر الشيخ الفاني بالصوم يصح نذره وتلزمه الفدية لانه عاجز عن الوفاء بالصوم حقيقة فيلزمه الوفاء به تقديرا بخلفه ويصير كانه صام وعلى هذا يخرج أيضا النذر بذبح الولد أنه يصح عند أبى حنيفة عليه الرحمة ومحمد رحمه الله ويجب ذبح الشاة لانه ان عجز عن تحقيق القربة بذبح الولد حقيقة لم يعجز عن تحقيقها بذبحه تقديرا بذبح خلفه وهو الشاة كما في الشيخ الفاني إذا نذر بالصوم (وأما) وجوب الكفارة عند فوات المنذور به إذا كان معينا بأن نذر صوم شهر بعينه ثم أفطر فهل هو من حكم النذر فجملة الكلام فيه أن الناذر لا يخلو اما ان قال ذلك ونوى النذر ولم يخطر بباله اليمين أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا أو لم يخطر بباله شئ لا النذر ولا اليمين أو نوى اليمين ولم يخطر بباله النذر أو نوى اليمين ونوى أن لا يكون

[ 92 ]

نذرا أو نوى النذر واليمين جميعا فان لم يخطر بباله شئ لا النذر ولا اليمين أو نوى النذر ولم يخطر يباله اليمين أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا يكون نذرا بالاجماع وان نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا ولا يكون نذرا بالاتفاق وان نوى اليمين ولم يخطر بباله النذر أو نوى النذر واليمين جميعا كان نذرا ويمينا في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف يكون يمينا ولا يكون نذرا والاصل عند أبى يوسف لا يتصور أن يكون الكلام الواحد نذرا ويمينا بل إذا بقى نذرا لا يكون يمينا وإذا صار يمينا لم يبق نذرا وعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز أن يكون الكلام الواحد نذر أو يمينا (وجه) قول أبى يوسف ان الصيغة للنذر حقيقة وتحتمل اليمين مجازا لمناسبة بينهما بكون كل واحد منهما سببا لوجوب الكف عن فعل أو الاقدام عليه فإذا بقيت الحقيقة معتبرة لم يثبت المجاز وإذا انقلب مجازا لم تبق الحقيقة لان الكلام الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لما بينهما من التنافى إذ الحقيقة من الاسامي ما تقرر في المحل الذى وضع له والمجاز ما جاوز محل وضعه وانتقل عنه إلى غيره لضرب مناسبة بينهما ولا يتصور أن يكون الشئ الواحد في زمان واحد متقررا في محله ومنتقلا عنه إلى غيره (ولهما) أن النذر فيه معنى اليمين لان النذر وضع لايجاب الفعل مقصودا تعظيما لله تعالى وفى اليمين وجوب الفعل المحلوف عليه الا أن اليمين ما وضعت لذلك بل لتحقيق الوعد والوعيد ووجوب الفعل لضرورة تحقق الوعد والوعيد لا أنه يثبت مقصودا باليمين لانها ما وضعت لذلك وإذا كان وجوب الفعل فيها لغيره لم يكن الفعل واجبا في نفسه ولهذا تنعقد اليمين في الافعال كلها واجبة كانت أو محظورة أو مباحة ولا ينعقد النذر الا فيما لله تعالى من جنسه ايجاب ولهذا لم يصح اقتداء الناذر بالناذر لتغاير الواجبين لان صلاة كل واحد منهما وجبت بنذره فتتغاير الواجبات ولم يصح الاقتداء ويصح اقتداء الحالف بالحالف لان المحلوف عليه إذا لم يكن واجبا في نفسه كان في نفسه نفلا كان اقتدى المتنفل بالمتنفل فصح وإذا ثبت أن المنذور واجب في نفسه والمحلوف واجب لغيره فلا شك ان ما كان واجبا في حق نفسه كان في حق غيره واجبا فكان معنى اليمين وهو الوجوب لغيره موجود في النذر فكان كل نذر فيه معنى اليمين الا أنه لا يعتبر لوقوع النسبة بوجوبه في حق نفسه عن وجوبه في حق غيره فإذا نواه فقد اعتبره فصار نذرا ويمينا وبه تبين أن ليس هذا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لان المجاز ما جاوز محل الحقيقة إلى غيره لنوع مناسبة بينهما وهذا ليس من هذا القبيل بل هو من جعل ما ليس بمعتبر في محل الحقيقة مع وجوده وتقرره معتبرا بالنسبة فلم يكن من باب المجاز والدليل على أنه يجوز اشتمال لفظ واحد على معنيين مختلفين كالكتابة والاعتاق على مال ان كل واحد منهما يشتمل على معنى اليمين ومعنى المعاوضة على ما ذكرنا في كتاب العتاق والمكاتب (وأما) النذر الذى لا تسمية فيه فحكمه وجوب ما نوى ان كان الناذر نوى شيئا سواء كان مطلقا عن شرط أو معلقا بشرط بأن قال لله على نذر أو قال ان فعلت كذا فلله على نذر فان نوى صوما أو صلاة أو حجا أو عمرة لزمه الوفاء به في المطلق للحال وفى المعلق بالشرط عند وجود الشرط ولا تجزيه الكفارة في قول أصحابنا على ما بينا وان لم تكن له نية فعليه كفارة اليمين غير انه ان كان مطلقا يحنث للحال وان كان معلقا بشرط يحنث عند الشرط لقوله عليه الصلاة والسلام النذر يمين وكفارته كفارة اليمين والمراد منه النذر المبهم الذى لا نية للناذر فيه وسواء كان الشرط الذى علق به هذا النذر مباحا أو معصية بأن قال ان صمت أو صليت فلله على نذر ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه لقوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه ولو نوى في النذر المبهم صياما ولم ينو عددا فعليه صيام ثلاثة أيام في المطلق للحال وفى المعلق إذا وجد الشرط وان نوى طعاما ولم ينو عددا فعليه طعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة لانه لو لم يكن له نية لكان عليه كفارة اليمين لما ذكرنا ان النذر المبهم يمين وان كفارته كفارة يمين بالنص فلما نوى به الصيام انصرف إلى صيام الكفارة وهو صيام ثلاثة أيام وانصرف الاطعام إلى طعام الكفارة وهو اطعام عشرة مساكين ولو قال لله على صدقة فعليه نصف صاع ولو قال لله على صوم فعليه صوم يوم ولو قال لله على صلاة فعليه ركعتان لان ذلك أدنى ما ورد

[ 93 ]

الامر به والنذر يعتبر بالامر فإذا لم ينو شيئا ينصرف إلى أدنى ما ورد به الامر في الشرع (وأما) وقت ثبوت هذا الحكم فالنذر لا يخلو اما أن يكون مطلقا وأما أن يكون معلقا بشرط أو مقيدا بمكان أو مضافا إلى وقت والمنذور لا يخلو اما ان كان قربة بدنية كالصوم والصلاة واما ان كان مالية كالصدقة فان كان النذر مطلقا عن الشرط والمكان والزمان فوقت ثبوت حكمه وهو وجوب المنذور به هو وقت وجود النذر فيجب عليه في الحال مطلقا عن الشرط والمكان والزمان لان سبب الوجوب وجد مطلقا فيثبت الوجوب مطلقا وان كان معلقا بشرط نحو أن يقول ان شفى الله مريضى أو ان قدم فلان الغائب فلله على أن أصوم شهرا أو أصلى ركعتين أو أتصدق بدرهم ونحو ذلك فوقته وقت الشرط فما لم يوجد الشرط لا يجب بالاجماع ولو فعل ذلك قبل وجود الشرط يكون نفلا لان المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط وهذا لان تعليق النذر بالشرط هو اثبات النذر بعد وجود الشرط كتعليق الحرية بالشرط اثبات الحرية بعد وجود الشرط فلا يجب قبل وجود الشرط لانعدام السبب قبله وهو النذر فلا يجوز تقديمه على الشرط لانه يكون اداء قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب فلا يجوز كما لا يجوز التكفير قبل الحنث لانه شرط أن يؤديه بعد وجود الشرط فيلزمه مراعاة شرطه لقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم وان كان مقيدا بمكان بان قال لله على أن أصلى ركعتين في موضع كذا أو أتصدق على فقراء بلد كذا يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله لا يجوز الا في المكان المشروط (وجه) قوله أن أوجب على نفسه الاداء في مكان مخصوص فإذا أدى في غيره لم يكن مؤديا ما عليه فلا يخرج عن عهدة الواجب ولان ايجاب العبد يعتبر بايجاب الله تعالى وما أوجبه الله تعالى مقيدا بمكان لا يجوز أداؤه في غيره كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة كذا ما أوجبه العبد (ولنا) ان المقصود والمبتغي من النذر هو التقرب إلى الله عزوجل فلا يدخل تحت نذره الا ما هو قربة وليس في عين المكان وانما هو محل اداء القربة فيه فلم يكن بنفسه قربة فلا يدخل المكان تحت نذره فلا يتقيد به فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة وان كان مضافا إلى وقت بان قال لله على أن أصوم رجب أو أصلى ركعتين يوم كذا أو أتصدق بدرهم في يوم كذا فوقت الوجوب في الصدقة هو وقت وجود النذر في قولهم جميعا حتى يجوز تقديمها على الوقت بلا خلاف بين أصحابنا واختلف في الصوم والصلاة قال أبو يوسف وقت الوجوب فيهما وقت وجود النذر وعند محمد عليه الرحمة وقت مجئ الوقت حتى يجوز تقديمه على الوقت في قول أبى يوسف ولا يجوز في قول محمد رحمه الله (وجه) قول محمد ان النذر ايجاب ما شرع في الوقت نفلا ألا ترى ان النذر بما ليس بمشروع نفلا وفى وقت لا يتصور كصوم الليل وغيره لا يصح والناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص فلا يجب عليه قبل مجيئه بخلاف الصدقة لانها عبادة مالية لا تعلق لها بالوقت بل بالمال فكان ذكر الوقت فيه لغوا بخلاف العبادة البدنية (وجه) قول أبى يوسف ان الوجوب ثابت قبل الوقت المضاف إليه النذر فكان الاداء قبل الوقت المذكور اداء بعد الوجوب فيجوز والدليل على تحقق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان أحدهما ان العبادات واجبة على الدوام بشرط الامكان وانتفاء الحرج بالنصوص والمعقول (أما) النصوص فقوله عز شأنه يا ايها الناس اعبدوا ربكم وافعلوا الخير وقوله تعالى اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ونحو ذلك (وأما) المعقول فهو ان العبادة ليست الا خدمة المولى وخدمة المولى على العبد مستحقة والتبرع من العبد على المولى محال والعبودية دائمة فكان وجوب العبادة عليه دائما ولان العبادات وجبت شكرا للنعمة والنعمة دائمة فيجب أن يكون شكرها دائما حسب دوام النعمة الا ان الشرع رخص للعبد تركها في بعض الاوقات فإذا نذر فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة كالمسافر إذا اختار صوم رمضان فصام سقط عنه الفرض لان الواجب عليه هو الصوم الا أنه رخص له تركه لعذر السفر فإذا صام فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فعاد حكم العزيمة لهذا المعنى كان الشروع في نقل العبادة اللزوم في الحقيقة بما ذكرنا من الدلائل بالشروع الا أنه لما شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخص فعاد حكم العزيمة كذا في النذر والثانى أنه وجه سبب الوجوب للحال وهو

[ 94 ]

النذر وانما الاجل ترفيه يترفه به في التأخير فإذا عجل فقد احسن في اسقاط الاجل فيجوز كما في الاقامة في حق المسافر لصوم رمضان وهذا لان الصيغة صيغة ايجاب أعنى قوله لله على أن أصوم والاصل في كل لفظ موجود في زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه في وضع اللغة ولا يجوز ابطاله ولا تغييره إلى غير ما وضع له الا بدليل قاطع أو ضرورة داعية ومعلوم أنه لا ضرورة إلى ابطال هذه الصيغة ولا إلى تغييرها ولا دليل سوى ذكر الوقت وانه محتمل قد يذكر للوجوب فيه كما في باب الصلاة وقد يذكر لصحة الاداء كما في الحج والاضحية وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الاقامة للمسافر والحول في باب الزكاة فكان ذكر الوقت في نفسه محتملا فلا يجوز ابطال صيغة الايجاب الموجودة للحال مع الاحتمال فبقيت الصيغة موجبة وذكر الوقت للترفيه والتوسعة كيلا يؤدى إلى ابطال الثابت بيقين إلى أمر محتمل وبه تبين ان هذا ليس بايجاب صوم رجب عينا بل هو ايجاب صوم مقدر بالشهر أي شهر كان فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين فاى شهر اتصل الاداء به تعين ذلك الشهر للوجوب فيه وان لم يتصل به الاداء إلى رجب تعين رجب لوجود الاداء فيه فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الاداء به وتعيين رجب بمجيئة قبل اتصال الاداء بشهر قبله كما في باب الصلاة انها تجب في جزء من الوقت غير عين وانما يتعين الوجوب بالشروع ان شرع فيها وان لم يشرع إلى آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب وهو الصحيح من الاقاويل على ما عرف في أصول الفقه وكما في النذر المطلق عن الوقت وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان والكفارة وغيرهما انها تجب في مطلق الوقت في غير عين وانما يتعين الوجوب اما باتصال الاداء به واما بآخر العمر إذا صار إلى حال لو لم يؤد لفات بالموت (وأما) كيفية ثبوته فالنذر لا يخلو اما أن أضيف إلى وقت مبهم واما أن أضيف إلى وقت معين فأن أضيف إلى وقت مبهم بان قال لله على أن اصوم شهرا ولا نية له فحكمه هو حكم الامر المطلق عن الوقت واختلف اهل الاصول في ذلك ان حكمه وجوب الفعل على الفور أم على التراخي حكى الكرخي رحمه الله عن اصحابنا أنه على الفور وروى ابن شجاع البلخى عن أصحابنا أنه يجب وجوبا موسعا فظهر الاختلاف بين أصحابنا في الحج فعند أبى يوسف يجب على الفور وعند محمد على التراخي وروى عن أبى حنيفة عليه الرحمة مثل قول أبى يوسف وقال عامة مشايخنا بما وراء النهر انه على التراخي وتفسير الواجب على التراخي عندهم انه يجب في جزء من عمره غير عين واليه خيار التعيين ففى أي وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب وان لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره إذا بقى من آخر عمره قدر ما يمكنه الاداء فيه بغالب ظنه حتى لو مات قبل الاداء يأثم بتركه وهو الصحيح لان الامر بالفعل مطلق عن الوقت فلا يجوز تقييده الا بدليل فكذلك النذر لان النصوص المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت فلا يجوز تقييدها الا بدليل وكذا سبب الوجوب وهو النذر وجد مطلقا عن الوقت والحكم يثبت على وفق السبب فيجب عليه أن يصوم شهرا من عمره غير عين وخيار التعيين إليه إلى ان يغلب على ظنه الفوت لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذ وكذا حكم الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بان قال لله على أن أعتكف شهرا ولا نية له وهذا بخلاف اليمين بالكلام بأن قال والله لا أكلم فلانا شهرا انه يتعين الشهر الذى يلى اليمين وكذا الاجارة بأن آجر داره أو عبده شهرا فانه يتعين الشهر الذى يلى العقد لانه أضاف النذر إلى شهر منكر والصرف إلى الشهر الذى يلى النذر يعين المنكر ولا يجوز تعيين المنكر الا بدليل هو الاصل وقد قام دليل التعيين في باب اليمين والاجارة لان غرض الحالف منع نفسه عن الكلام والانسان انما يمنع نفسه عن الكلام مع غيره لاهانته والاستخفاف به لداع يدعوه إلى ذلك الحال والاجارة تنعقد للحاجة إلى الانتفاع بالمستأجر والحاجة قائمة عقيب العقد فيتعين الزمان المتعقب للعقد لثبوت حكم الاجارة ويجوز تعيين المبهم عند قيام الدليل المعين ولو نوى شهرا معينا صحت نيته لانه نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد عليه ثم في النذر المضاف إلى وقت مبهم إذا عين شهرا للصوم فهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق بخلاف الاعتكاف انه إذا عين شهر للاعتكاف فلا بد وأن يعتكف متتابعا في النهار والليالي جميعا لان الايجاب في النوعين حصل مطلقا عن صفة التتابع الا أن في

[ 95 ]

ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع وهو كونه لبثا على الدوام فكان مبناه على الاتصال والليالي والنهر قابلة لذلك فلا بد من التتابع ومبنى الصوم ليس على التتابع بل على التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح له وهو الليل فبقى له الخيار وان أضيف إلى وقت معين بأن قال لله على أن اصوم غدا يجب عليه صوم الغد وجوبا مضيقا ليس له رخصة التأخير من غير عذر وكذا إذا قال لله على صوم رجب فلم يصم فيما سبق من الشهور على رجب حتى هجم رجب لا يجوز له التأخير من غير عذر لانه إذا لم يصم قبله حتى جاء رجب تعين رجب لوجوب الصوم فيه على التضييق فلا يباح له التأخير ولو صام رجب وأفطر منه يوما لا يلزمه الاستقبال ولكنه يقضى ذلك اليوم من شهر آخر بخلاف ما إذا قال لله على أن أصوم شهرا متتابعا أو قال أصوم شهر أو نوى التتابع فأفطر يوما انه يستقبل لان هناك أوجب على نفسه صوما موصوفا بصفة التتابع وصح الايجاب لان صفة التتابع زيادة قربة لما يلحقه بمراعاتها من زيادة مشقة وهى صفة معتبرة شرعا ورد الشرع بها في كفارة القتل والظهار والافطار واليمين عندنا فيصح التزامه بالنذر فيلزمه كما التزم فإذا ترك فلم يأت بالملتزم فيستقبل كما في صوم كفارة الظهار والقتل فأما ههنا فما أوجب على نفسه صوما متتابعا وانما وجب عليه التتابع لضرورة تجاور الايام لان أيام الشهر متجاورة فكانت متتابعة فلا يلزمه الا قضاء ما أفطر كما لو أفطر يوما من رمضان لا يلزمه الا قضاؤه وان كان صوم شهر رمضان متتابعا لما قلنا كذا هذا ولانا لو ألزمناه الاستقبال لوقع أكثر الصوم في غير ما أضيف إليه النذر ولو أتم وقضى يوم لكان مؤديا أكثر الصوم في الوقت المعين فكان هذا أولى ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر لانه فوت الواجب عن وقته فصار دينا عليه والدين مقضى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا وجب قضاء رمضان إذا فات عن وقته ولان الوجوب عند النذر بايجاب الله عز شأنه فيعتبر بالايجاب المبتدأ وما أوجبه الله تعالى عز شأنه على عباده ابتداء لا يسقط عنه الا بالاداء أو بالقضاء كذا هذا والله تعالى عز شأنه أعلم. (كتاب الكفارات) الكلام في الكفارات في مواضع في بيان أنواعها وفى بيان وجوب كل نوع وفى بيان كيفية وجوبه وفى بيان شرط وجوبه وفى بيان شرط جوازه (أما) الاول فالكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع كفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة الافطار والكل واجبة الا أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة (أما) الاربعة التى عرف وجوبها بالكتاب العزيز فكفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار قال الله تعالى عز شأنه في كفارة اليمين لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والكفارة في عرف الشرع اسم للواجب وقال جل شأنه في كفارة الحلق فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك وقال تعالى في كفارة القتل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله تعالى فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة وعليه ذلك وعليه صوم شهرين متتابعين لان صيغته وان كانت صيغة الخبر لكن لو حمل على الخبر لادى إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف فيحمل على الايجاب والامر بصيغة الخبر كثير النظير في القرآن قال الله والوالدات يرضعن أولادهن أي ليرضعن وقال عز شأنه والمطلقات يتربصن بأنفسهن أي ليتربصن ونحو ذلك وقال الله تعالى في كفارة الظهار والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا إلى قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل

[ 96 ]

أن يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا أي فعليهم ذلك لما قلنا (وأما) كفارة الافطار فلا ذكر لها في الكتاب العزيز وانما عرف وجوبها بالسنة وهو ما روى أن اعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا صنعت فقال واقعت امرأتي في شهر رمضان متعمدا فقال النبي عليه الصلاة والسلام اعتق رقبة قال ليس عندي ما أعتق فقال له عليه الصلاة والسلام صم شهرين متتابعين قال لا أستطيع فقال له عليه الصلاة والسلام اطعم ستين مسكينا فقال لا أجد ما أطعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال خذها وفرقها على المساكين فقال أعلى أهل بيت أحوج منى والله ما بين لابتى المدينة احد احوج منى ومن عيالي فقال له النبي عليه الصلاة والسلام كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزى أحدا بعدك وفى بعض الروايات ان الاعرابي لما قال ذلك تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال عليه الصلاة والسلام كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزى أحدا بعدك فقد أمر عليه الصلاة والسلام بالاعتاق ثم بالصوم ثم بالاطعام ومطلق الامر محمول على الوجوب والله عز شأنه أعلم. (فصل) وأما بيان كيفية وجوب هذه الانواع فلوجوبها كيفيتان احداهما ان بعضها واجب على التعيين مطلقا وبعضها على التخيير مطلقا وبعضها على التخيير في حال والتعيين في حال (أما) الاول فكفارة القتل والظهار والافطار لان الواجب في كفارة القتل التحرير على التعيين لقوله عز شأنه ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله جل شأنه فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والواجب في كفارة الظهار والافطار ما هو الواجب في كفارة القتل وزيادة الاطعام إذا لم يستطع الصيام لقوله عز شأنه فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا وكذا الواجب في كفارة الافطار لما روينا من الحديث (وأما) الثاني فكفارة الحلق لقوله عز شأنه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وأما الثالث فهو كفارة اليمين لان الواجب فيها أحد الاشياء الثلاثة باختياره فعلا غير عين وخيار التعيين إلى الحالف يعين أحد الاشياء الثلاثة باختياره فعلا وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في الامر بأحد الاشياء انه يكون أمرا بواحد منها غير عين وللمأمور خيار التعيين وقالت المعتزلة يكون أمر بالكل على سبيل البدل وهذا الاختلاف بناء على أصل مختلف بيننا وبينهم معروف يذكر في أصول الفقه والصحيح قولنا لان كلمة أو إذا دخلت بين أفعال يراد بها واحد منها لا الكل في الاخبار والايجاب جميعا يقال جاءني زيد أو عمرو ويراد به مجئ أحدهما ويقول الرجل لآخر بع هذا أو هذا ويكون توكيلا ببيع أحدهما فالقول بوجوب الكل يكون عدولا عن مقتضى اللغة ولدلائل آخر عرفت في أصول الفقه فان لم يجد شيأ من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام على التعيين لقوله عز شأنه فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والثانية أن الكفارات كلها واجبة على التراخي هو الصحيح من مذهب أصحابنا في الامر المطلق عن الوقت حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الامكان ويكون مؤديا لا قضايا ومعنى الوجوب على التراخي هو أن يجب في جزء من عمره غير عين وانما يتعين بتعيينه فعلا أو في آخر عمره بأن أخره إلى وقت يغلب على ظنه انه لو لم يؤد فيه لفات فإذا أدى فقد أدى الواجب وان لم يؤد حتى مات أثم لتضييق الوجوب عليه في آخر العمر وهل يؤخذ من تركته ينظر ان كان لم يوص لا يؤخذ ويسقط في حق أحكام الدنيا عندنا كالزكاة والنذر ولو تبرع عنه ورثته جاز عنه في الاطعام والكسوة وأطعموا في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم وفى كفارة الظهار والافطار أطعموا ستين مسكينا ولا يجبرون عليه ولا يجوز أن يعتقوا عنه لان التبرع بالاعتاق عن الغير لا يصح ولا أن يصوموا عنه لانه عبادة بدنية محضة فلا تجرى فيه النيابة وقد روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد وان كان أوصى بذلك يؤخذ من ثلث ماله فيطعم الوصي في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة لانه لما أوصى فقد بقى ملكه في ثلث ماله وفى كفارة القتل والظهار والافطار تحرير رقبة ان بلغ ثلث ماله قيمة الرقبة وان لم يبلغ أطعم ستين مسكينا في كفارة الظهار والافطار ولا يجب الصوم فيها وان أوصى لان الصوم نفسه لا يحتمل النيابة

[ 97 ]

ولا يجوز الفداء عنه بالطعام لانه في نفسه بدل والبدل لا يكون له بدل ولو أوصى أن يطعم عنه عشرة مساكين عن كفارة يمينه ثم مات فغدى الوصي عشرة ثم ماتوا يستأنف فيغدى ويعشي غيرهم لانه لا سبيل إلى تفريق الغداء والعشاء على شخصين لما نذكر ولا يضمن الوصي شيأ لانه غير متعد إذ لا صنع له في الموت ولو قال أطعموا عنى عشرة مساكين غداء وعشاء ولم يسم كفارة فغدوا عشرة ثم ماتوا يعشوا عشرة غيرهم لانه لم يأمر بذلك على وجه الكفارة ألا ترى انه لم يسم كفارة فكان سببه النذر فجاز التفريق والله تعالى عز شأنه أعلم (فصل) وأما شرائط وجوب كل نوع فكل ما هو شرط انعقاد سبب وجوب هذه الكفارة من اليمين والظهار والافطار والقتل فهو شرط وجوبها لان الشروط كلها شروط العلل عندنا وقد ذكرنا ذلك في كتاب الايمان والظهار والصوم والجنايات ومن شرائط وجوبها القدرة على أداء الواجب وهذا شرط معقول لاستحالة وجوب فعل بدون القدرة عليه غير أن الواجب إذا كان معينا تشترط القدرة على أدائه عينا كما في كفارة القتل والظهار والافطار فلا يجب التحرير فيها الا إذا كان واجدا للرقبة وهو أن يكون له فضل مال على كفايته يؤخذ به رقبة صالحة للتكفير فان لم يكن لا يجب عليه التحرير لقوله جل وعلا فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين شرط سبحانه وتعالى عدم وجدان الرقبة لوجوب الصوم فلو لم يكن الوجود شرطا لوجوب التحرير وكان يجب عليه وجد أو لم يجد لم يكن لشرط عدم وجدان الرقبة لوجوب الصوم معنى فدل ان عدم الوجود شرط الوجوب فإذا كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير يجب عليه تحريرها سواء كان عليه دين أو لم يكن لانه واجد حقيقة فكذا إذا لم يكن في ملكه عين رقبة وله فضل مال على كفايته يجب رقبة صالحة للتكفير لانه يكون واجدا من حيث المعنى فأما إذا لم يكن له فضل مال على قدر كفاية ما يتوصل به إلى الرقبة ولا في ملكه عين الرقبة لا يجب عليه التحرير لان قدر الكفارة مستحق الصرف إلى حاجته الضرورية والمستحق كالمصروف فكان ملحقا بالعدم كالماء المحتاج إليه للشرب في السفر حتى يباح له التيمم ويدخل تحت قوله عز شأنه فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وان كان موجودا حقيقة لكنه لما كان مستحق الصرف إلى الحاجة الضرورية الحق بالعدم شرعا كذا هذا وان كان الواجب واحدا منها كما في كفارة اليمين تشترط القدرة على أداء الواجب على الابهام وهو أن يكون في ملكه فضل على كفاية ما يجد به أحد الاشياء الثلاثة لانه يكون واجدا معنى أو يكون في ملكه واحد من المنصوص عليه عينا من عبد صالح للتكفير أو كسوة عشرة مساكين أو اطعام عشرة مساكين لانه يكون واجدا حقيقة وكذا لا يجب الصيام ولا الاطعام فيما للطعام فيه مدخل الا على القادر عليهما لان ايجاب الفعل على العاجز ممتنع ولقوله عز اسمه في كفارة الظهار فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا شرط سبحانه وتعالى عدم استطاعة الصيام لوجوب الاطعام فدل ان استطاعة الصوم شرط لوجوبه ولا يجب على العبد في الانواع كلها الا الصوم لانه لا يقدر الا عليه لانه ليس من أهل ملك المال لانه مملوك في نفسه فلا يملك شيأ ولو أعتق عنه مولاه أو أطعم أو كسا لا يجوز لانه لا يملك وان ملك وكذا المكاتب لانه عبد ما بقى عليه درهم وكذا المستسعى في قول أبى حنيفة رضى الله عنه لانه بمنزلة المكاتب (ومنها) العجز عن التحرير عينا في الانواع الثلاثة شرط لوجوب الصوم فيها لقوله عز شأنه في كفارة القتل والظهار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين أي من لم يجد رقبة شرط سبحانه وتعالى عدم وجود الرقبة لوجوب الصوم فلا يجب الصوم مع القدرة على التحرير (وأما) في كفارة اليمين فالعجز عن الاشياء الثلاثة شرط لوجوب الصوم فيها لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام أي فمن لم يجد واحدا منها فعليه صيام ثلاثة أيام فلا يجب الصوم مع القدرة على واحد منها (وأما) العجز عن الصيام فشرط لوجوب الاطعام فيما للاطعام فيه مدخل لقوله جل وعلا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا أي من لم يستطع الصيام فعليه اطعام ستين مسكينا فلا يجب الاطعام مع استطاعة الصيام ثم اختلف في ان المعتبر هو القدرة والعجز وقت الوجوب أم وقت الاداء قال أصحابنا رحمهم الله وقت الاداء وقال الشافعي رحمه الله وقت الوجوب حتى لو كان

[ 98 ]

موسرا وقت الوجوب ثم أعسر جاز له الصوم عندنا وعنده لا يجوز ولو كان على القلب لا يجوز عندنا وعنده يجوز (وجه) قوله ان الكفارة وجبت عقوبة فيعتبر فيها وقت الوجوب كالحد فان العبد إذا زنا ثم أعتق يقام عليه حد العبيد (والدليل) على انها وجبت عقوبة ان سبب وجوبها الجناية من الظهار والقتل والافطار والحنث وتعليق الوجوب بالجناية تعليق الحكم بوصف مناسب مؤثر فيحال عليه وربما قالوا هذا ضمان يختلف باليسار والاعسار فيعتبر فيه حال الوجوب كضمان الاعتاق (ولنا) ان الكفارة عبادة لها بدل ومبدل فيعتبر فيها وقت الاداء لا وقت الوجوب كالصلاة بان فاتته صلاة في الصحة فقضاها في المرض قاعدا أو بالايماء انه يجوز (والدليل) على انها عبادة وان لها بدلا ان الصوم بدل عن التكفير بالمال والصوم عبادة وبدل العبادة عبادة وكذا يشترط فيها النية وانها لا تشترط الا في العبادات وإذا ثبت انها عبادة لها بدل ومبدل فهذا يوجب أن يكون المعتبر فيها وقت الاداء لا وقت الوجوب لانه إذا أيسر قبل الشروع في الصيام أو قبل تمامه فقد قدر على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل فيبطل البدل وينتقل الامر إلى المبدل كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعده قبل الفراغ منها عندنا وكالصغيرة إذا اعتدت بشهر ثم حاضت انه يبطل الاعتداد بالاشهر وينتقل الحكم إلى الحيض وذا اعسر قبل التكفير بالمال فقد عجز عن المبدل قبل حصول المقصود به وقدر على تحصيله بالبدل كواجد الماء إذا لم يتوضأ حتى مضى الوقت ثم عدم الماء ووجد ترابا نظيفا انه يجوز له أن يتيمم ويصلى بل يجب عليه ذلك كذا ههنا بخلاف الحدود لان الحد ليس بعبادة مقصودة بل هو عقوبة ولهذا لا يفتقر إلى النية وكذا لا بدل له لان حد العبيد ليس بدلا عن حد الاحرار بل هو أصل بنفسه ألا ترى أنه يحد العبيد مع القدرة على حد الاحرار ولا يجوز المصير إلى البدل مع القدرة على المبدل كالتراب مع الماء وغير ذلك بخلاف الصلاة إذا وجبت على الانسان وهو مقيم ثم سافر أو مسافر ثم أقام انه يعتبر في قضائها وقت الوجوب لان صلاة المسافر ليست بدلا عن صلاة المقيم ولا صلاة المقيم بدل عن صلاة المسافر بل صلاة كل واحد منهما أصل بنفسها ألا ترى انه يصلى احداهما مع القدرة على الاخرى وبخلاف ضمان الاعتاق لانه ليس بعبادة وكذا السعاية ليست ببدل عن الضمان على أصل أبى حنيفة رحمه الله لان الشريك مخير عندهم بين التضمين والاستسعاء ولا يخير بين البدل والمبدل في الشريعة (وأما) قوله ان سبب وجوب الكفارة الجناية فممنوع بل سبب وجوبها ما هو سبب وجوب التوبة إذ هي أحد نوعي التوبة وانما الجناية شرط كما في التوبة هذا قول المحققين من مشايخنا وعلى هذا يخرج ما إذا وجب عليه التحرير أو أحد الاشياء الثلاثة بان كان موسرا ثم أعسر انه يجزئه الصوم ولو كان معسرا ثم أيسر لم يجزه الصوم عندنا وعند الشافعي لا يجزئه في الاول ويجزئه في الثاني لان الاعتبار لوقت الاداء عندنا لا لوقت الوجوب وهو في الاول يعتبر وقت الاداء فوجد شرط جواز الصوم ووجوبه هو عدم الرقبة فجاز بل وجب وفى الثاني لم يوجد الشرط فلم يجز وعنده لما كان المعتبر وقت الوجوب فيراعى وجود الشرط للجواز وعدمه وقت الوجوب ولم يوجد في الاول ووجد في الثاني ولو شرع في الصوم ثم أيسر قبل تمامه لم يجز صومه ذكر هذا في الاصل بلغنا ذلك عن عبد الله بن عباس وابراهيم لما ذكرنا انه قدر على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل فلا يعتبر البدل والافضل ان يتم صوم ذلك اليوم فلو أفطر لا يلزمه القضاء عند اصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله يقضى وأصل هذه المسألة في كتاب الصوم وهو من شرع في صوم على ظن انه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فالافضل له أن يتم الصوم ولو أفطر فهو على الاختلاف الذى ذكرنا وعلى قياس قول الشافعي رحمه الله يمضى على صومه لان العبرة في باب الكفارات لوقت الوجوب عنده ووقت الوجوب كان معسرا ولو أيسر بعد الاتمام جاز صومه لانه قدر على المبدل بعد حصول المقصود بالبدل فلا يبطل البدل بخلاف الشيخ الفاني إذا فدى ثم قدر على الصوم انه تبطل الفدية ويلزمه الصوم لان الشيخ الفاني هو الذى لا ترجى له القدرة على الصوم فإذا قدر تبين انه لم يكن شيخا فانيا ولان الفدية ليست ببدل مطلق لانها ليست بمثل للصوم صورة ومعنى فكانت بدلا ضروريا وقد ارتفعت الضرورة فبطلت القدرة

[ 99 ]

فاما الصوم فبدل مطلق فلا يبطل بالقدرة على الاصل بعد حصول المقصود به والله عز شأنه أعلم (فصل) وأما شرط جواز كل نوع فلجواز هذه الانواع شرائط بعضها يعم الانواع كلها وبعضها يخص البعض دون البعض (أما) الذى يعم الكل فنية الكفارة حتى لاتتأدى بدون النية والكلام في النية في موضعين أحدهما في بيان ان نية الكفارة شرط جوازها والثانى في بيان شرط صحة النية (اما) الاول فلان مطلق الفعل يحتمل التكفير ويحتمل غيره فلا بد من التعيين وذلك بالنية ولهذا لا يتأدى صوم الكفارة بمطلق النية لان الوقت يحتمل صوم الكفارة وغيره فلا يتعين الا بالنية كصوم قضاء رمضان وصوم النذر المطلق ولو اعتق رقبة واحدة عن كفارتين فلا شك انه لا يجوز عنهما جميعا لان الواجب عن كل كفارة منهما اعتاق رقبة كاملة ولم يوجد وهل يجوز عن احداهما فالكفارتان الواجبتان لا يخلو (اما) وجبتا بسببين من جنسين مختلفين واما ان وجبتا بسببين من جنس واحد (فان) وجبتا بسببين من جنسين مختلفين كالقتل والظهار فأعتق رقبة واحدة ينوى عنهما جميعا لا يجوز عن احداهما بلا خلاف بين اصحابنا وعند الشافعي رحمه الله يجوز (وان) وجبتا بسببين من جنس واحد كظهارين أو قتلين يجوز عن احداهما عند اصحابنا الثلاثة رحمهم الله استحسانا وهو قول الشافعي رحمه الله والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر رحمه الله وهذا الاختلاف مبنى على ان نية التعيين والتوزيع هل تقع معتبرة أم تقع لغوا فعند أصحابنا معتبرة في الجنسين المختلفين وعند الشافعي رحمه الله لغو فيهما جميعا (وأما) في الجنس الواحد فهى لغو عند أصحابنا الثلاثة رضى الله عنهم وعند زفر معتبرة قياسا (اما) الكلام مع الشافعي فوجه قوله ان الكفارات على اختلاف أسبابها جنس واحد ونية التعيين في الجنس الواحد لغو لما ذكر (ولنا) ان التعيين في الاجناس المختلفة محتاج إليه وذلك بالنية فكان نية التعيين محتاجا إليها عند اختلاف الجنس فصادفت النية محلها فصحت ومتى صحت أوجبت انقسام عين رقبة واحدة على كفارتين فيقع عن كل واحد منهما عتق نصف رقبة فلا يجوز لا عن هذه ولا عن تلك (وأما) قوله الكفارتان جنس واحد فنعم من حيث هما كفارة لكنهما اختلفا سببا وقدرا وصفة (اما) السبب فلا شك فيه (واما) القدر فان الطعام يدخل في احداهما وهى كفارة الظهار ولا يدخل في الاخرى وهى كفارة القتل (واما) الصفة فان الرقبة في كفارة الظهار مطلقة عن صفة الايمان وفى كفارة القتل مقيدة بها وإذا اختلفا من هذه الوجوه كان التعيين بالنية محتاجا إليه فصادفت النية محلها فصحت فانقسم عتق رقبة بينهما فلم يجز عن احداهما حتى لو كانت الرقبة كافرة وتعذر صرفها إلى الكفارة للقتل انصرفت بالكلية إلى الظهار وجازت عنه كذا قال بعض مشايخنا بما وراء النهر (ونظيره) ما إذا جمع بين امرأة وابنتها أو أمها أو أختها وتزوجهما في عقدة واحدة فان كانتا فارغتين لا يجوز وان كانت احداهما منكوحة والاخرى فارغة يجوز نكاح الفارغة (واما) الكلام بين اصحابنا فوجه القياس في ذلك انه أوقع عتق رقبة واحدة عن كفارتين على التوزيع والانقسام فيقع عن كل واحدة منهما عتق نصف رقبة فلا يجوز عن واحدة منهما لان المستحق عليه عن كل واحدة منهما اعتاق رقبة كاملة ولم يوجد وبهذا لم يجز عن احداهما عند اختلاف الجنس (ولنا) ان نية التعيين لم تصادف محلها لان محلها الاجناس المختلفة إذ لا تقع الحاجة إلى التعيين الا عند اختلاف الجنس فإذا اتحد الجنس لم تقع الحاجة إليها فلغت نية التعيين وبقى أصل النية وهى نية الكفارة فتقع عن واحدة منهما كما في قضاء صوم رمضان إذا كان عليه صوم يومين فصام يوما ينوى قضاء صوم يومين تلغو نية التعيين وبقيت نية ما عليه كذا هذا بخلاف ما إذا اختلف الجنس لان باختلاف الجنس تقع الحاجة إلى التعيين فلا تلغو نية التعيين بل تعتبر ومتى اعتبرت يقع عن كل جنس نصف رقبة فلا يجوز عنه كما إذا كان عليه صوم يوم من قضاء رمضان وصوم يوم من كفارة اليمين فنوى من الليل أن يصوم غدا عنهما كانت نية التوزيع معتبرة حتى لا يصير صائما عن أحدهما لان الانقسام يمنع من ذلك والله تعالى أعلم ولو أطعم ستين مسكينا كل مسكين صاعا من حنطة عن ظهارين لم يجز الا عن أحدهما في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يجزئه عنهما وقال زفر رحمه الله لا يجزئه

[ 100 ]

عنهما وكذلك لو أطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا عن يمينين فهو على هذا الاختلاف ولو كانت الكفارتان من جنسين مختلفين جاز فيهما بالاجماع (وأما) وجه قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله فلما ذكرنا من أصل أصحابنا الثلاثة ان الكفارتين إذا كانتا من جنس واحد لا يحتاج فيهما إلى نية التعيين بل تلغو نية التعيين ههنا ويبقى أصل النية وهو نية الكفارة يدفع ستين صاعا إلى ستين مسكينا من غير تعين ان نصفه عن هذا ونصفه عن ذاك ولو لم يعين لم يجز الا عن احدهما كذا هذا الا ان محمدا يقول ان نية التعيين انما تبطل لانه لا فائدة فيها وههنا في التعيين فائدة وهى جواز ذلك عن الكفارتين فوجب اعتبارها ويقول اطعام ستين مسكينا يكون عن كفارة واحدة والكفارة الواحدة منهما مجهول ولهذا قال إذا أعتق رقبة واحدة عنهما لا يجوز عن واحدة منهما بخلاف ما إذا كانت الكفارتان من جنسين لانه قد صح من أصل أصحابنا جميعا ان نية التعيين عند اختلاف الجنس معتبرة وإذا صح التعيين والمؤدى يصلح عنهما جميعا وقع المؤدى عنهما فجاز عنهما جميعا والله تعالى أعلم (وأما) شرط جواز النية فهو أن تكون النية مقارنة لفعل التكفير فان لم تقارن الفعل رأسا أو لم تقارن فعل التكفير بأن تأخرت عنه لم يجز لان اشتراط النية لتعيين المحتمل وايقاعه على بعض الوجوه ولن يتحقق ذلك الا إذا كانت مقارنة للفعل ولان النية هي الارادة والارادة مقارنة للفعل كالقدرة الحقيقية لان بها يصير الفعل اختياريا وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى أباه أو ابنه ينوى به العتق عن كفارة يمينه أو ظهاره أو افطاره أو قتله أجزأه عندنا استحسانا والقياس أن لا يجزيه وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله بناء على أن شراء القريب اعتاق عندنا فإذا اشتراه ناويا عن الكفارة فقد قارنت النية الاعتاق فجاز وعندهما العتق يثبت بالقرابة والشراء شرط فلم تكن النية مقارنة لفعل الاعتقاق فلا يجوز (وجه) القياس ان الشراء ليس باعتاق حقيقة ولا مجازا أما الحقيقة فلا شك في انتفائها لان واضع اللغة ما وضع الشراء للاعتقاق (وأما) المجاز فلان المجاز يستدعى المشابهة في المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة ولا مشابهة ههنا أصلا لان الشراء تملك والاعتاق ازالة الملك وبينهما مضادة (ولنا) ما روى أبو داود في سننه باسناد عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يجزى ولد والدا الا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه سماه معتقا عقيب الشراء ولا فعل منه بعد الشراء فعلم أن الشراء وقع اعتاقا منه عقلنا وجه ذلك أو لم نعقل فإذا نوى عند الشراء الكفارة فقد اقترنت النية بفعل الاعتاق فجاز وقولهما الشراء ليس باعتاق حقيقة ممنوع بل هو اعتاق حقيقة لكن حقيقة شرعية لا وضعية والحقائق أنواع وضعية وشرعية وعرفية على ما عرف في أصول الفقه وكذلك إذا وهب له أو أوصى له به فقبله لانه يعتق بالقبول فقارنت النية فعل الاعتاق وان ورثه ناويا عن الكفارة لم يجز لان العتق ثبت من غير صنعه رأسا فلم يوجد قران النية الفعل فلا يجوز وعلى هذا يخرج ما إذا قال لعبد الغير ان اشتريتك فأنت حر فاشتراه ناويا عن الكفارة لم يجز لان العتق عند الشراء يثبت بالكلام السابق ولم تقارنه النية حتى لو قال ان اشتريت فلانا فهو حر عن كفارة يمينى أو ظهارى أو غير ذلك يجزيه لقران النية كلام الاعتاق ولو قال ان اشتريت فلانا فهو حر عن ظهارى ثم قال بعد ذلك ما اشتريته فهو حر عن كفارة قتلى ثم اشتراه فهو حر عن الظهار لانه لما قال ان اشتريته فهو حر عن كفارة قتلى فقد أراد فسخ الاول واليمين لا تحتمل الفسخ وكذلك لو قال ان اشتريته فهو حر تطوعا ثم قال ان اشتريته فهو حر عن ظهارى ثم اشتراه كان تطوعا لانه بالاول علق عتقه تطوعا بالشراء ثم أراد بالثاني فسخ الاول واليمين لا يلحقها الفسخ والله عز شأنه أعلم (وأما) الذى يخص البعض دون البعض فأما كفارة اليمين فيبدأ بالاطعام ثم بالكسوة ثم بالتحرير لان الله تعالى عز شأنه بدأ بالاطعام في كتابه الكريم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ابدؤا بما بدأ الله به فنقول لجواز الاطعام شرائط بعضها يرجع إلى صفة الاطعام وبعضها يرجع إلى مقدار ما يطعم وبعضها يرجع إلى محل المصروف إليه الطعام أما الذى يرجع إلى صفة الاطعام فقد قال اصحابنا انه يجوز فيه التمليك وهو طعام الاباحة وهو مروى عن سيدنا على كرم الله وجهه وجماعة من التابعين مثل محمد ابن كعب والقاسم وسالم والشعبى وابراهيم وقتادة ومالك والثوري والازاعى رضى الله عنهم وقال الحكم وسعيد بن

[ 101 ]

جبير لا يجوز الا التمليك وبه أخذ الشافعي رحمه الله فالحاصل أن التمليك ليس بشرط الجواز الاطعام عندنا بل الشرط هو التمكين وانما يجوز التمليك من حيث هو تمكين لا من حيث هو تمليك وعند الشافعي رحمه الله التمليك شرط الجواز لا يجوز بدونه (وجه) قوله أن التكفير مفروض فلا بد وان يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من الاتيان به لئلا يكون تكليف ما لا يحتمله الوسع وطعام الاباحة ليس له قدر معلوم وكذا يختلف باختلاف حال المسكين من الصغر والكبر والجوع والشبع يحققه ان المفروض هو المقدر إذ الفرض هو التقدير يقال فرض القاضى النفقة أي قدر قال الله سبحانه وتعالى فنصف ما فرضتم لهن أي قدرتم فطعام الاباحة ليس بمقدر ولان المباح له يأكل على ملك المبيح فيهلك المأكول على ملكه ولا كفارة بما يهلك في ملك المكفر وبهذا شرط التمليك في الزكاة والعشر وصدقة الفطر (ولنا) أن النص ورد بلفط الاطعام قال الله عز شأنه فكفارته اطعام عشرة مساكين والاطعام في متعارف اللغة اسم للتمكين من المطعم لا التمليك قال الله عز شأنه ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا والمراد بالاطعام الاباحة الا التمليك وقال النبي عليه الصلاة والسلام أفشوا السلام وأطعموا الطعام والمراد منه الاطعام على وجه الاباحة وهو الامر المتعارف بين الناس يقال فلان يطعم الطعام أي يدعو الناس إلى طعامه والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم وانما يطعمون على سبيل الاباحة دون التمليك بل لا يخطر ببال أحد في ذلك التمليك فدل أن الاطعام هو التمكين من التطعم الا أنه إذا ملك جاز لان تحت التمليك تمكينا لانه إذا ملكه فقد مكنه من التطعم والاكل فيجوز من حيث هو تمكين وكذا اشارة النص دليل على ما قلنا لانه قال اطعام عشرة مساكين والمسكنة هي الحاجة واختصاص المسكين للحاجة إلى أكل الطعام دون تملكه تعم المسكين وغيره فكان في اضافة الاطعام إلى المساكين اشارة إلى أن الاطعام هو الفعل الذى يصير المسكين به متمكنا من التطعم لا التمليك بخلاف الزكاة وصدقة الفطر والعشر أنه لا يجوز فيه طعام الاباحة لان الشرع هناك لم يرد بلفط الاطعام وانما ورد بلفظ الايتاء والاداء قال الله تعالى في الزكاة وآتوا الزكاة وقال تعالى في العشر وآتوا حقه يوم حصاده وقال النبي عليه الصلاة والسلام في صدقة الفطر أدوا عن كل حر وعبد الحديث والايتاء والاداء يشعران بالتمليك على أن المراد من الاطعام المذكور في النص ان كان هو التمليك كان النص معلولا بدفع حاجة المسكين وهذا يقتضى جواز التمكين على طريق الاباحة بل أولى من وجهين أحدهما أنه أقرب إلى دفع الجوع وسد المسكنة من التمليك لانه لا يحصل معنى الدفع والسد بتمليك الحنطة الا بعد طول المدة والا بعد تحمل مؤن فكان الاطعام على طريق الاباحة أقرب إلى حصول المقصود من التمليك فكان أحق بالجواز والثانى أن الكفارة جعلت مكفرة للسيئة بما أعطى نفسه من الشهوة التى لم يؤذن له فيها حيث لم يف بالعهد الذى عهد مع الله تعالى عز شأنه فحرج فعله مخرج ناقض العهد ومخلف الوعد فجعلت كفارته بما تنفر عنه الطباع وتتألم ويثقل عليها ليذوق ألم اخراج ماله المحبوب عن ملكه فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة لانه من وجه أذن له فيها ومعنى تألم الطبع فيما قلنا أكثر لان دعاء المساكين وجمعهم على الطعام وخدمتهم والقيام بين أيديهم أشد على الطبع من التصدق عليهم لما جبل طبع الاغنياء عل النفرة من الفقراء ومن الاختلاط معهم والتواضع لهم فكان هذا أقرب إلى تحقيق معنى التكفير فكان تجويز التمليك تكفيرا تجويزا لطعام الاباحة تكفيرا من طريق الاولى (وأما) قوله ان الكفارة مفروضة فلا بد وان تكون معلومة القدر فنقول هي مقدرة بالكفارة لان الله عز شأنه فرض هذا الاطعام وعرف المفروض باطعام الاهل بقوله عز شأنه من أوسط ما تطعمون أهليكم فلا بد وان يكون الاهل معلوما والمعلوم من طعام الاهل هو طعام الاباحة دون التمليك فدل على أن طعام الاباحة معلوم القدر وقدره الكفارة بطعام الاهل فجاز أن يكون مفروضا كطعام الاهل فيمكنه الخروج عن عهدة الفرض وأما قوله أن الطعام يهلك على ملك المكفر فلا يقع عن التكفير فممنوع بل كما صار مأكولا فقد زال ملكه عنه الا أنه يزول لا إلى أحد وهذا يكفى لصيرورته كفارة كالاعتاق (وأما) الذى يرجع إلى مقدار ما يطعم فالمقدار في التمليك هو نصف صاع

[ 102 ]

من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر كذا روى عن سيدنا عمر وسيدنا على وسيدتنا عائشة رضى الله تعالى عنهم وذكر في الاصل بلغنا عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال ليرفأ مولاه إنى أحلف على قوم لا أعطيهم ثم يبدو لى فأعطهم فإذ انا فعلت ذلك فأطعم عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعا من تمر وبلغنا عن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال في كفارة اليمين اطعام عشرة مساكين نصف صاع من حنطة وبه قال جماعة من التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابراهيم ومجاهد والحسن وهو قول أصحابنا رضى الله عنهم وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما وابن سيدنا عمر وزيد بن ثابت رضى الله عنهم ومن التابعين عطاء وغيره لكل مسكين مد من حنطة وبه أخذ مالك والشافعي رحمهما الله والترجيح لقول سيدنا عمر وسيدنا على وسيدتنا عائشة رضوان الله عليهم لقوله تعالى عز اسمه من أوسط ما تطعمون أهليكم والمد ليس من الاوسط بل أوسط طعام الاهل يزيد على المد في الغالب ولان هذه صدقة مقدرة بقوت مسكين ليوم فلا تنقص عن نصف صاع كصدقة الفطر والاذى فان اعطى عشرة مساكين كل مسكين مدا من حنطة فعليه أن يعيد عليهم مدا مدا فان لم يقدر عليهم استقبل الطعام لان المقدار ان لكل مسكين في التمليك مدا فلا يجوز أقل من ذلك ويجوز في التمليك الدقيق والسويق ويعتبر فيه تمام الكيل ولا يعتبر فيه القيمة كالحنطة لانه حنطة الا أنه فرقت أجزاؤها بالطحن وهذا التفريق تقريب إلى المقصود منها فلا تعتبر فيه القيمة ويعتبر في تمليك المنصوص عليه تمام الكيل ولا يقوم البعض مقام بعض باعتبار القيمة إذا كان أقل من كيله حتى لو أعطى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من حنطة لا يجوز لانه منصوص عليه فيقع عن نفسه لا عن غيره فأما الارز والذرة والجاورس فلا يقوم مقام الحنطة والشعير في الكيل لانه غير منصوص عليه وانما جوازه باعتبار القيمة فتعتبر قيمته كالدراهم والدنانير وهذا عند أصحابنا رحمهم الله وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز الا إذا عين المنصوص عليه ولا يجوز دفع القيم والابدال كما في الزكاة وعندنا يجوز (وجه) قوله ان الله تعالى أمر بالاطعام بقوله جل شأنه فكفارته اطعام عشرة مساكين فالقول بجواز اداء القيمة يكون تغييرا لحكم النص وهذا لا يجوز (ولنا) ما ذكرنا ان اطعام المسكين اسم لفعل يتمكن المسكين به من التطعم في متعارف اللغة لما ذكرنا فيما تقدم وهذا يحصل بتمليك القيمة فكان تمليك القيمة من الفقير اطعاما له فيتناول النص وجواز التمليك من حيث هو تمكين لا من حيث هو تمليك على ما مر ان الاطعام ان كان اسما للتمليك فجوازه معلول بدفع الحاجة وهو المسألة عرفنا ذلك باشارة النص وضرب من الاستنباط على ما بينا والقيمة في دفع الحاجة مثل الطعام فورود الشرع بجواز الطعام يكون ورودا بجواز القيمة بل أولى لان تمليك الثمن أقرب إلى قضاء حاجة المسكين من تمليك عين الطعام لان به يتوصل إلى ما يختاره من الغذاء الذى اعتاد الاغتذاء به فكان أقرب إلى قضاء حاجته فكان أولى بالجواز ولما ذكرنا أن التكفير بالاطعام يحمل مكروه الطبع بازاء ما نال من الشهوة وذلك المعنى يحصل بدفع القيمة ولان الكفارة جعلت حقا للمسكين فمتى أخرج من عليه الطعام إلى المستحق بدله وقبله المستحق عن طوع فقد استبدل حقه به فيجب القول بجواز هذا الاستبدال بمنزلة التناول في سائرا الحقوق (وأما) المقدار في طعام الاباحة فاكلتان مشبعتان غداء وعشاء وهذا قول عامة العلماء وعن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبى انه يطعمهم أكلة واحدة وقال الحسن وجبة واحدة والصحيح قول العامة لان الله عزوجل عرف هذا الاطعام باطعام الاهل بقوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم وذلك أكلتان مشبعتان غداء وعشاء كذا هذا ولان الله جل شأنه ذكر الاوسط والاوسط ما له حاشيتان متساويتان وأقل عدد له حاشيتان متساويتان ثلاثة وذلك يحتمل أنواعا ثلاثة أحدهما الوسط في صفات المأكول من الجودة والرداءة والثانى الوسط من حيث المقدار من السرف والقتر والثالث الوسط من حيث أحوال الاكل من مرة ومرتين وثلاث مرات في يوم واحد ولم يثبت بدليل عقلي ولا بسمعي تعيين بعض هذه الانواع فيحمل على الوسط من الكل احتياطا ليخرج عن عهدة الفرض بيقين وهو أكلتان في يوم بين الجيد والردئ والسرف والفتر ولان

[ 103 ]

أقل الاكل في يوم مرة واحدة وهو المسمى بالوجبة وهو في وقت الزوال إلى زوال يوم الثاني منه والاكثر ثلاث مرات غداء وعشاء وفى نصف اليوم والوسط مرتان غداء وعشاء وهو الاكل المعتاد في الدنيا وفى الآخرة أيضا قال الله سبحانه وتعالى في أهل الجنة ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فيحمل مطلق الاطعام على المتعارف وكذلك إذا غداهم وسحرهم أو عشاهم وسحرهم أو غداهم غداءين أو عشاهم عشاءين أو سحرهم سحورين لانهما أكلتان مقصودتان فإذا غداهم في يومين أو عشاهم في يومين كان كاكلتين في يوم واحد معنى الا ان الشرط أن يكون ذلك في عدد واحد حتى لو غدى عدد أو عشى عددا آخر لم يجزه لانه لم يوجد في حق كل مسكين أكلتان ولهذا لم يجز مثله في التمليك بان فرق حصة مسكين على مسكينين فكذا في التمكين وسواء كان الطعام مأدوما أو غير مأدوم حتى لو غداهم وعشاهم خبزا بلا إدام أجزأه لقول الله تبارك وتعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين مطلقا من غير فصل بين المأدوم وغيره وقد أطعم ولان الله عز شأنه عرف الاطعام على وجه الاباحة باطعام الاهل وذلك قد يكون مأدوما وقد يكون غير مأدوم فكذا هذا وكذلك لو أطعم خبز الشعير أو سويقا أو تمرا أجزأه لان ذلك قد يؤكل وحده في طعام الاهل وروى ابن سماعة عن أبى يوسف أنه قال إذا أطعم مسكينا واحدا غداء وعشاء أجزاه من اطعام مساكين وان لم يأكل الا رغيفا واحد لان المعتبر هو الكفاية والكفاية قد تحصل برغيف واحد فلا يعتبر القلة والكثرة فان ملكه الخبز بان أعطاه أربعة أرغفة فان كان يعدل ذلك قيمة نصف صاع من حنطة أجزأه وان لم يعدل لم يجزه لان الخبز غير منصوص عليه فكان جوازه باعتبار القيمة وقال أبو يوسف رحمه الله لو غدى عشرة مساكين في يوم ثم أعطاهم مدا مدا أجزأه لانه جمع بين التمليك والتميكن وكل واحد منهما جائز حال الانفراد كذا حال الاجتماع ولان الغداء مقدر بنصف كفاية المسكين والمد مقدر بنفصف كفايته فقد حصلت له كفاية يوم فيجوز فان أعطى غيرهم مدا مدا لم يجز لانه فرق طعام العشرة على عشرين فلم يحصل لكل واحد منهم مقدار كفايته ولو غداهم وأعطى قيمة العشاء فلوسا أو دراهم أجزأه عندنا خلافا للشافعي رحمة الله لان القيمة في الكفارة تقوم مقام المنصوص عليه عندنا وعنده لا تقوم (وأما) الذى يرجع إلى المحل المصروف إليه الطعام فمنها أن يكون فقيرا فلا يجوز اطعام الغنى عن الكفارة تمليكا واباحة لان الله تبارك وتعالى أمر باطعام عشرة مساكين بقوله سبحانه فكفارته اطعام عشرة مساكين ولو كان له مال وعليه دين له مطالب من جهة العباد يجوز اطعامه لانه فقير بدليل انه يجوز اعطاء الزكاة اياه فالكفارة أولى ومنها أن يكون ممن يستوفى الطعام وهذا في اطعام الاباحة حتى لو غدى عشرة مساكين وعشاهم وفيهم صبى أو فوق ذلك لم يجز وعليه اطعام مسكين واحد لقوله جل جلاله من أوسط ما تطعمون أهليكم وذلك ليس من أوسط ما يطعم حتى لو كان مراهقا جاز لان المراهق يستوفى الطعام فيحصل الاطعام من أوسط ما يطعم ومنها أن لا يكون مملوكه لان الصرف إليه صرف إلى نفسه فلم يجز ومنها أن لا يكون من الوالدين والمولودين فلا يجوز اطعامهم تمليكا واباحة لان المنافع بينهم متصلة فكان الصرف إليهم صرفا إلى نفسه من وجه ولهذا لم يجز صرف الزكاة إليهم ولا تقبل شهادة البعض للبعض ولما ذكرنا ان الواجب بحق التكفير لما اقترف من الذنب بما أعطى نفسه مناها وأوصلها إلى هواها بغير اذن من الآذن وهو الله سبحانه جلت عظمته ففرض عليهم الخروج عن المعصية بما تتألم به النفس وينفر عنه الطبع ليذيق نفسه المرارة بمقابلة اعطائها من الشهوة وهذا المعنى لا يحصل باطعام هؤلاء لان النفس لا تتألم به بل تميل إليه لما جعل الله سبحانه الطبائع بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم وبحيث يجتهد كل في دفع الحاجة عنهم مثل الدفع عن نفسه ولو أطعم أخاه أو أخته وهو فقير جاز لان هذا المعنى لا يوجد في الاخ والاخت فدخل تحت عموم قوله تعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين ولو أطعم ولده أو غنيا على ظن أنه أجنبي أو فقير ثم تبين أجزأه في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يجوز وهو على الاختلاف الذى ذكرنا في الزكاة وقد مر الكلام فيه ومنها ان لا يكون هاشميا لان الله تبارك وتعالى كره لهم غسالة أيدى الناس وعوضهم بخمس الخمس من الغنيمة ولو دفع إليه على ظن أنه ليس

[ 104 ]

بهاشمي ثم ظهر أنه هاشمى فهو على الاختلاف ومنها ان لا يكون زوجا أو زوجة له لان ما شرع له الكفارة وهو تألم الطبع ونفاره بالبذل والاخراج لا يوجد بين الزوجين لما يوجد البذل بينهما شهوة وطبيعة ويكون التناكح لمثله في العرف والشرع على ما روى تنكح المرأة لمالها وجمالها وعلى ما وضع النكاح للمودة والمحبة ولا يتحقق ذلك الا بالبذل ودفع الشح ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر لان أحدهما ينتفع بمال صاحبه فتتمكن التهمة في الشهادة ومنها ان لا يكون حربيا وان كان مستأمنا لان الله تعالى عز شأنه نهانا عن البر بهم والاحسان إليهم بقوله تعالى انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم ولان في الدفع إلى الحربى اعانة له على الحراب مع المسلمين وقد قال الله سبحانه وتعالى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ويجوز اعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور وغير ذلك الا الزكاة في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز الا النذور والتطوع ودم المتعة (وجه) قوله ان هذه صدقة وجبت بايجاب الله عز شأنه فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة بخلاف النذر لانه وجب بايجاب العبد والتطوع ليس بواجب أصلا والتصدق بلحم المتعة غير واجب لان معنى القربة في الاراقة (ولهما) عموم قوله تعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين من غير فصل بين المؤمن والكافر الا أنه خص منه الحربى بما تلونا فبقى الذمي على عموم النص فكان ينبغى أن يجوز صرف الزكاة إليه الا ان الزكاة خصت بقول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين بعثه إلى اليمن خذها من اغنيائهم وردها في فقرائهم أمر عليه الصلاة السلام برد الزكاة إلى من أمر بالاخذ من اغنيائهم والمأخوذ منه المسلمون فكذا المردود عليهم وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام قال أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم وأردها في فقرائهم (ووجه) الاستدلال ما ذكرنا ولان الكفارة وجبت لدفع المسكنة والمسكنة موجودة في الكفرة فيجوز صرف الصدقة إليهم كما يجوز صرفها إلى المسلم بل أولى لان التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الاسلام ويحملهم عليه ولما ذكرنا ان الكفارات وجبت بما اختار من اعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له فتكون كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل له وبذل ما كان في طبعه منعه وهذا المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر بخلاف الزكاة لانها ما وجبت بحق التكفير بل بحق الشكر ألا ترى انها تجب بلا كسب من جهة العبد وحق الشكر الانفاق في طاعة المنعم والصرف إلى المؤمن انفاق على من يصرفه إلى طاعة الله جل شأنه فيخرج مخرج المعونة على الطاعة فيحصل معنى الشكر على الكمال والكافر لا يصرفه إلى طاعة الله عز شأنه فلا يتحقق معنى الشكر على التمام فأما الكفارات فما عرف وجوبها شكرا بل تكفيرا لاعطاء النفس شهوتها باخراج ما في شهوتها المنع وهذا المعنى في الصرف إلى الكافر موجود على الكمال والتمام لذلك افترقا وهل يشترط عدد المساكين صورة في الاطعام تمليكا واباحة قال أصحابنا ليس بشرط وقال الشافعي رحمه الله شرط حتى لو دفع طعام عشرة مساكين وذلك خمسة أصوع إلى مسكين واحد في عشرة أيام كل يوم نصف صاع أو غدى مسكينا واحدا أو عشاه عشرة أيام أجزأه عندنا وعنده لا يجزيه الا عن واحد واحتج بظاهر قوله جل شأنه فكفارته اطعام عشرة مساكين نص على عدد العشرة فلا يجوز الاقتصار على ما دونه كسائر الاعداد المذكورة في القرآن العظيم كقوله عز شأنه فاجلدوهم ثمانين جلدة وقوله جل شأنه يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ونحو ذلك والدليل عليه أنه لو دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد دفعة واحدة في يوم واحد لا يجوز (ولنا) ان في النص اطعام عشرة مساكين واطعام عشرة مساكين قد يكون بأن يطعم عشرة مساكين وقد يكون بأن يكفى عشرة مساكين سواء أطعم عشرة مساكين أو لا فإذا أطعم مسكينا واحد عشرة أيام قدر ما يكفى عشرة مساكين فقد وجد اطعام عشرة مساكين فخرج عن العهدة على ان معنى اطعام مساكين ان كان هو بأن يطعم عشرة مساكين لكن اطعام عشرة مساكين على هذا التفسير قد يكون صورة ومعنى بأن يطعم عشرة من المساكين عددا في يوم واحد أو في عشرة أيام وقد يكون معنى لا صورة وهو ان يطعم مسكينا واحدا في عشرة أيام لان الاطعام لدفع الجوعة وسد المسكنة وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة لان الجوع يتجدد والمسكنة تحدث في كل يوم ودفع عشر جوعات عن مسكين

[ 105 ]

واحد في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يوم واحد أو في عشرة أيام فكان هذا اطعام عشرة مساكين معنى فيجوز ونظير هذا ما روى في الاستنجاء بثلاثة أحجار ثم استنجى بالمدر أو بحجر له ثلاثة أحرف جاز لحصول المقصود منه وهو التطهير كذا هذا ولان ما وجبت له هذه الكفارة يقتضى سقوط اعتبار عدد المساكين وهو ما ذكرنا من اذاقة النفس مرارة الدفع وازالة الملك لابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى لتكفير ما أتبعها هواها وأوصلها إلى مناها كما خالف الله عزوجل في فعله بترك الوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال تمليكا واباحة لا في مراعاة عدد المساكين صورة بخلاف ذكر العدد في باب الحد والعدة لان اشتراط العدد هناك ثبت نصا غير معقول المعنى فلا يحتمل التعدية وههنا معقول على ما بينا وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز اقامة الواحد فيها في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين لان هناك المعنى الذى يحصل بالعدد لا يحصل بالواحد وهو انتفاء التهمة ومنفعة التصديق ونفاذ القول على ما نذكره في كتاب الشهادات ان شاء الله تعالى وههنا معنى التكفير ودفع الحاجة وسد المسكنة لا يختلف لما بينا (وأما) إذا دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة أو دفعات فلا رواية فيه واختلف مشايخنا قال بعضهم يجوز وقال عامة مشايخنا لا يجوز الا عن واحد لان ظاهر النص يقضتى الجواز على الوجه الذى بينا الا أنه مخصوص في حق يوم واحد لدليل كما صار مخصوصا في حق بعض المساكين من الوالدين والمولودين ونحوهم فيجب العمل به فيما وراء المخصوص ولما ذكرنا ان الاصل في الطعام هو طعام الاباحة إذ هو المتعارف في اللغة وهو التغدية والتعشية لدفع الجوع وازالة المسكنة وفى الحاصل دفع عشر جوعات وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون فلا بد من تفريق الدفع على الايام ويجوز أن يختلف حكم التفريق المجتمع كما في رمى الجمار انه إذا رمى بالحصا متفرقا جاز ولو رمى مجتمعا دفعة واحدة لا يجوز الا عن واحدة ووجد في مسئلتنا فجاز وكذلك لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى رجلا واحدا في رمضان عشرين يوما أجزأه عندنا لما ذكرنا وعند الشافعي لا يجوز لان عدد المساكين عنده شرط ولم يوجد والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) الكسوة فالكلام فيها في ثلاثة مواضع في بيان قدرها وفى بيان صفتها وفى بيان مصرفها (أما) الاول فأدنى الكسوة ثوب واحد جامع لكل مسكين قميص أو رداء أو كساء أو ملحفة أو جبة أو قباء أو ازار كبير وهو الذى يستر البدن لان الله تعالى ذكر الكسوة ولم يذكر فيه التقدير فكلما يسمى لابسه مكتسيا يجزى وما لا فلا ولابس ما ذكرنا يسمى مكتسيا فيجزى عن الكفارة ولا تجزى القلنسوة والخفان والنعلان لان لابسهما لا يسمى مكتسيا إذا لم يكن عليه ثوب ولا هي تسمى كسوة في العرف وأما السراويل والعمامة فقد اختلفت الروايات فيها روى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمهم الله انه إذا أعطى مسكينا قباء أو كساء أو سراويل أو عمامة سابغة يجوز وروى عن أبى يوسف أنه لا تجزى السراويل والعمامة وهو رواية عن محمد في الاملاء وروى هشام رحمه الله عنه أن السراويل تجزيه وهذا لا يوجب اختلاف الرواية في العمامة لان في رواية الحسن شرط في العمامة أن تكون سابغة فتحمل رواية عدم الجواز فيها على مااذا لم تكن سابغة وهى أن لا تكفى تقميص واحد (وأما) السراويل (فوجه) رواية الجواز تجوز فيه الصلاة فيجزى عن الكفارة كالقميص (ووجه) رواية عدم الجواز وهى التى صححها القدورى رحمه الله أن لابس السراويل لا يسمى مكتسيا عرفا وعادة بل يسمى عريانا فلا يدخل تحت مطلق الكسوة وذكر الطحاوي انه إذا كسا امرأة فانه يزيد فيه الخمار وهذا اعتبار جواز الصلاة في الكسوة على ما روى عن محمد لان رأسها عورة لا تجوز صلاتها مع انكشافه ولو اعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة ولكنه يجزى من الطعام عندنا إذا كان يساوى نصف صاع من حنطة (أما) عدم جوازه من الكسوة فلان الواجب هو الكسوة ونصف ثوب لا يسمى كسوة لا يجوز أن تعتبر قيمته عن كسوة رديئة لان الشئ لا يكون بدلا عن نفسه (وأما) جوازه عن الطعام إذا بلغ قيمته نصف صاع فلان القيمة تجوز بدلا عن الكسوة عندنا كما تجوز بدلا

[ 106 ]

عن الطعام والوجه فيه على نحو ما ذكرنا في الطعام وهل تشترط نية البدلية قال أبو يوسف تشترط ولا تجزى الكسوة عن الطعام الا بالنية وقال محمد لا تشترط ونية التكفير كافية (وجه) قول محمد ان الواجب عليه ليس الا التكفير فيستدعى نية التكفير وقد وجدت فيجزيه كما لو أعطى المساكين دراهم بنية الكفارة وهى لا تبلغ قيمة الكسوة وتبلغ قيمة الطعام جازت عن الطعام ولو كانت لا تبلغ قيمة الطعام وتبلغ قيمة الكسوة جازت عن الكسوة من غير نية البدلية كذا هذا (وجه) قول أبى يوسف ان المؤدى يحتمل الجواز عن نفسه لانه يمكن تكميله بضم الباقي إليه فلا يصير بدلا الا بجعله بدلا وذلك بالنية بخلاف الدراهم لانه لا جواز لها عن نفسها لانها غير منصوص عليها فكانت متعينة للبدلية فلا حاجة إلى التعيين وكذلك لو كسا كل مسكين قلنسوة أو خفين أو نعلين لم يجزه في الكسوة وأجزأه في الطعام إذا كان يساويه في القيمة عند أصحابنا لما قلنا وكذا لو أعطى عشرة مساكين ثوبا واحدا بينهم كثير القيمة نصيب كل مسكين منهم أكثر من قيمة ثوب لم يجزه في الكسوة وأجزأه في الطعام لما ذكرنا ان الكسوة منصوص عليها فلا تكون بدلا عن نفسها وتصلح بدلا عن غيرها كما لو أعطى كل مسكين ربع صاع من حنطة وذلك يساوى صاعا من تمر انه لا يجزى عن الطعام وان كان مد من حنطة يساوى ثوبا يجزى عن الكسوة لان الطعام يجوز أن يكون قيمة عن الثوب ولا يجوز أن يكون قيمة عن الطعام لان الطعام كله شئ واحد لان المقصود منه واحد فلا يجوز بعضه عن بعض بخلاف الطعام مع الكسوة لانهما متغايران ذاتا ومقصودا فجاز أن يقوم أحدهما مقام الآخر وكذا لو أعطى عشرة مساكين دابة أو عبدا وقيمته تبلغ عشرة أثواب جاز في الكسوة وان لم تبلغ قيمتة عشرة أثواب وبلغت قيمة الطعام أجزأه عنه عندنا لان دفع البدل في باب الكفارة جائز عندنا قال أبو يوسف لو أن رجلا عليه كفارة يمين فأعطى عشرة مساكين مسكينا نصف صاع من حنطة ومسكينا صاعا من شعير ومسكينا ثوبا وغدى مسكينا وعشاه لم يجزه ذلك حتى يكمل عشرة من أحد النوعين لان الله تبارك وتعالى جعل الكفارة أحد الانواع الثلاثة من الاطعام أو الكسوة أو التحرير بقوله تبارك وتعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين إلى قوله تعالى أو كسوتهم وأو تتناول أحدها فلا تجوز الجمع بينها لانه يكون نوعا رابعا وهذا لا يجوز لكنه إذا اختار الطعام جاز له أن يعطى مسكينا حنطة ومسكينا شعيرا ومسكينا تمرا لان اسم الطعام يتناول الكل ولو أعطى نصف صاع من تمر جيد يساوى نصف صاع من بر لم يجز الا عن نفسه بقدره لان التمر منصوص عليه في الاطعام كالبر فلا يجزى أحدهما عن الآخر كما لا يجوز الثمن عن التمر ويجزى التمر عن الكسوة لان المقصود من كل واحد منهما غير المقصود من الآخر فجاز اخراج أحدهما عن الآخر بالقيمة والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) صفة الكسوة فهى انها لا تجوز الا على سبيل التمليك بخلاف الاطعام عندنا لان الكسوة لدفع حاجة الحر والبرد وهذه الحاجة لا تندفع الا بتمليك لانه لا ينقطع حقه الا به فأما الاطعام فلدفع حاجة الجوع وذلك يحصل بالطعم لان حقه ينقطع به ويجوز أداء القيمة عن الكسوة كما يجوز عن الطعام عندنا خلافا للشافعي رحمه الله ولو دفع كسوة عشرة مساكين إلى مسكين واحد في عشرة أيام جاز عندنا وعند الشافعي لا يجوز الا عن مسكين واحد كما في الاطعام ولو أطعم خمسة مساكين على وجه الاباحة وكسا خمسة مساكين فان أخرج ذلك على وجه المنصوص عليه لا يجوز لما ذكرنا أن الله تبارك وتعالى أوجب أحد شيئين فلا يجمع بينهما وان أخرجه على وجه القيمة فان كان الطعام أرخص من الكسوة أجزأه وان كانت الكسوة أرخص من الطعام لم يجزه لان الكسوة تمليك فجاز أن تكون بدلا عن الطعام ثم إذا كانت قيمة الكسوة مثل قيمة الطعام فقد أخرج الطعام وان كانت أعلى فقد أخرج قيمة الطعام وزيادة فجاز وصار كما لو أطعم خمسة مساكين طعام الاباحة وأدى قيمة طعام خمسة مساكين طعام الاباحة وأداء قيمة طعام خمسة مساكين أو أكثر جائز عندنا كذا هذا وإذا كانت قيمة الكسوة أرخص من قيمة الطعام لا يكون الطعام بدلا عنه لان طعام الاباحة ليس بتمليك فلا يقوم مقام التمليك وهو الكسوة لان الشئ لا يقوم مقام ما هو فوقه ولو أعطى خمسة مساكين وكسا خمسة جاز وجعل أغلاهما ثمنا بدلا عن أرخصهما ثمنا أيهما كان لان كل واحد منهما تمليك فجاز أن

[ 107 ]

يكون أحدهما بدلا عن الآخر (وأما) مصرف الكسوة فمصرفها هو مصرف الطعام وقد ذكرناه (وأما) التحرير فلجوازه عن التكفير شرائط تختص به (فمنها) ملك الرقبة حتى لو أعتق انسان عبده عن كفارة الغير لا يجوز وان أجاز ذلك الغير لان الاعتاق وقع عنه فلا توقف على غيره وكذا لو قال لغيره أعتق عبدك عن كفارتي فأعتق لم يجز عن كفارته وعتق العبد ولو قال أعتق عبدك على ألف درهم عن كفارة يمينى فأعتقه أجزأه عند أصحابنا الثلاثة لان العتق يقع عن الآخر وعند زفر رحمه الله لا يجزيه لان العتق عن المأمور ولو قال اعتق عبدك عنى عن كفارة يمينى ولم يذكر البدل لم يجزه عن الكفارة في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله لان العتق يقع عن الآمر والمسألة قد مرت في كتاب الولاء فرق بين هذا وبين الكسوة والاطعام ان هناك يجزيه عن الكفارة وان لم يذكر البدل وعن الاعتاق لا يجوز عندهما (ووجهه) أن التمليك بغير بدل هبة ولا جواز لها بدون القبض ولم يوجد القبض في الاعتاق ووجد في الاطعام والكسوة لان قبض الفقير يقوم مقام قبض المكفر (ومنها) أن تكون الرقبة كاملة للمعتق وهو أن تكون كلها ملك المعتق وان شئت قلت ومنها حصول كمال العتق للرقبة بالاعتاق لان التحرير المطلق مضافا إلى الرقبة لا يتحقق بدونه وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدين بينه وبين رجل انه لا يجزئه عن الكفارة لان اعتاق عبدين بين رجلين يوجب تفريق العتق في شخصين فلا يحصل لكل واحد منهما عتق كامل لانعدام كمال الملك له في كل واحد منهما فالواجب عليه صرف عتق كامل إلى شخص واحد فإذا فرقه لا يجوز كما لو أعطى طعام مسكين واحد إلى مسكينين بخلاف شاتين بين رجلين ذكياهما عن نسكيهما أجزأهما لان الشركة في النسك جائزة إذا صاب كل واحد منهما مقدار شاة بدليل انه يجوز بدنة واحدة لسبعة فكان الشرط في باب النسك أن يكون مقدار شاة وقد وجد وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدا بينه وبين غيره وهو موسر أو معسر انه لا يجوز عن الكفارة عند أبى حنيفة رضى الله عنه لنقصان الملك والعتق لان العتق يتجزأ عنده وعندهما ان كان موسرا يجوز وان كان معسرا لا يجوز لانه تجب السعاية على العبد إذا كان معسرا فيكون اعتاقا بعوض وإذا كان موسرا لا سعاية على العبد (ومنها) أن تكون الرقبة كاملة الرق لان المأمور به تحرير رقبة مطلقا والتحرير تخليص عن الرق فيقتضى كون الرقبة مرقوقة مطلقة ونقصان الرق فوات جزء منه فلا تكون الرقبة مرقوقة مطلقة فلا يكون تحريرها مطلقا فلا يكون آتيا بالواجب وعلى هذا يخرج تحرير المدبر وأم الولد عن الكفارة وانه لا يجوز لنقصان رقهما لثبوت الحرية من وجه أو حق الحرية بالتدبير والاستيلاد حتى امتنع مليكها بالبيع والهبة وغيرهما (وأما) تحرير المكاتب عن الكفارة فجائز استحسانا إذا كان لم يؤد شيأ من بدل الكتابة والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله ولو كان أدى شيأ من بدل الكتابة لا يجوز تحريره عن الكفارة في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنهما انه يجوز ولو عجز عن أداء بدل الكتابة ثم أعتقه جاز بلا خلاف سواء كان أدى شيأ من بدل الكتابة أو لم يؤد (وجه) القياس ان الاعتاق ازالة الملك وملك المولى من المكاتب زائل إذ الملك عبارة عن القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية من الاستخدام والاستفراش والبيع والهبة والاجارة ونحوها وهذه القدرة زائلة عن المولى في حق المكاتب فانه لا يملك شيأ من ذلك عليه والدليل انه لو قال كل مملوك لى حر لا يدخل فيه المكاتب وكذا لو وطئت المكاتبة بشبهة كان العقر لها لا للمولى وإذا جنى على المكاتب كان الارش له لا للمولى فدل ان ملكه زائل فلا يجوز اعتاقه في الكفارة ولهذا نسلم له الاولاد والاكساب ولا يسلم ذلك بالاعتاق المبتدا فدل ان العتق يثبت بجهة الكتابة (ولنا) لبيان ان الملك ملك المولى النص ودلالة الاجماع والمعقول (اما) النص فقول النبي عليه الصلاة والسلام المكاتب عبد ما بقى عليه درهم والعبد المضاف إلى العباد اسم للمملوك من بنى آدم في عرف اللغة والشرع ولهذا لو قال كل عبد لى فهو حر دخل فيه المكاتب والله جل وعلا أعلم (وأما) دلالة الاجماع فانه لو أدى بدل الكتابة أو أبرأه المولى عن البدل يعتق ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 108 ]

(وأما) المعقول فهو ان الملك كان ثابتا له فيه قبل العقد والعارض ليس الا لفظ الكتابة وليس فيه ما ينبئ عن زوال الملك لان الكتابة تستعمل في الفرض والتقدير وفى الكتابة المعروفة وشئ من ذلك لا ينبئ عن زوال الملك فيبقى الملك على ما كان قبل العقد (وأما) قوله ان الملك هو القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية وهى غير ثابتة للمولى فممنوع ان الملك هو القدرة بل هو اختصاص المالك بالمملوك فملك العين هو اختصاص المالك بالعين وكونه أحق بالعين من غيره ثم قد يظهر أثره في جواز التصرفات وقد لا يظهر مع قيامه في نفسه لقيام حق الغير في المحل حقا محترما كالمرهون والمستأجر وانما لا يدخل في اطلاق قوله كل مملوك لى فهو حر لا لخلل في الملك لانه لا خلل فيه كما بينا بل لخلل في الاضافة لكونه حرا يدا فلم يدخل تحت مطلق الاضافة حتى لو نوى يدخل وسلامة الاولاد والاكساب ممنوعة في الفرع والرواية فيما أدى بدل الكتابة أو أبرأه عنها كذا قال أستاذ أستاذى الشيخ الامام فخر الاسلام على بن محمد البزدوى ولئن سلمنا سلامة الاكساب والاولاد ولكن لم قلتم ان السلامة تثبت حكما لثبوت العتق بجهة الكتابة السابقة بل تثبت حكما لثبوت العتق بالاعتاق الموجود في حال الكتابة بدليل انه يسقط عنه بدل الكتابة وبدل الكتابة لا يسقط بثبوت العتق بجهة الكتابة بل يتقرر به (وأما) إذا كان أدى بعض بدل الكتابة فاعتقه عن الكفارة فممنوع على رواية الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنه (وأما) التخريج على ظاهر الرواية فظاهر أيضا لانه لما أدى بعض بدل الكتابة فقد حصل للمولى عوضا عن بعض رقبته فيكون في معنى الاعتاق بعوض وذا لا يجزئ عن التكفير كذا هذا والله عزوجل أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق نصف عبده عن كفارة ثم أعتق النصف الآخر عنها انه يجزئه (أما) على أصل أبى يوسف ومحمد رحمهما الله فظاهر لان اعتاق النصف اعتاق الكل لان العتق لا يتجزأ فلم يتطرق إلى الرق نقصان (واما) على أصل أبى حنيفة رضى الله عنه فالعتق وان كان متجزئا وحصل باعتاق النصف الاول نقصان لكن النقصان حصل مصروفا إلى الكفارة في رق النصف الآخر لاستحقاقه حق الحرية بتخريجه إلى الاعتاق لانه حين ما أعتق النصف الاول كان النصف الآخر على ملكه فامكن صرف النقصان إلى الكفارة فصار كأنه أعتق النصف وبعض النصف الكامل وهو ما انتقص منه ثم أعتق البقية في المرة الثانية بخلاف ما إذا أعتق نصف عبد بينه وبين آخر وهو موسر فضمنه صاحبه نصف قيمته ثم أعتق النصف الآخر انه لا يجوز عند أبى حنيفة رضى الله عنه لان اعتاق النصف الاول أوجب نقصانا في النصف الباقي ولا يمكن أن يجعل كأنه صرف ذلك النقصان إلى الكفارة لانه لا ملك له في ذلك النصف فبطل قدر النقصان ولم يقع عن الكفارة ثم بعد أداء النصف الباقي صرفه إلى الكفارة وهو ناقص فيصير في الحقيقة معتقا عن الكفارة عبدا الاقدر النقصان (وأما) على أصلهما فيجوز في المسئلتين لان العتق عندهما لا يتجزأ فكان اعتاق البعض اعتاق الكل دفعة واحدة فلا يتمكن نقصان الرق في الرقبة فيجوز ولو أعتق عبدا حلال الدم جاز لان حل الدم لا يوجب نقصانا في الرق فكان كامل الرق وانما وجب عليه حق فأشبه العبد المديون (ومنها) أن تكون كاملة الذات وهو أن لا يكون جنس من أجناس منافع أعضائها فائتا لانه إذا كان كذلك كانت الذات هالكة من وجه فلا يكون الموجود تحرير رقبة مطلقة فلا يجوز عن الكفارة وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدا مقطوع اليدين أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة ورجل واحدة من جانب واحد أو يابس الشق مفلوجا أو مقعد أو زمنا أو أشل اليدين أو مقطوع الابهامين من اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كل يد سوى الابهامين أو أعمى أو مفقود العينين أو معتوها مغلوبا أو أخرس أن لا يجوز عن الكفارة لفوات جنس من أجناس المنفعة وهى منفعة البطش بقطع اليدين وشللهما وقطع الابهامين لان قطع الابهامين يذهب بقوة اليد فكان كقطع اليدين وقطع ثلاثة أصابع من كل يد لان منفعة البطن تفوت به ومنفعة المشى بقطع الرجلين وبقطع يد ورجل من جانب والزمانة والفلج ومنعه النظر بالعمى وفق ء العينين ومنفعة الكلام بالخرس ومنفعة العقل بالجنون ويجوز اعتاق الاعور ومفقود احدى العينين والاعشى

[ 109 ]

ومقطوع يد واحدة أو رجل واحدة ومقطوع يد ورجل من خلاف وأشل يد واحدة ومقطوع الاصبعين من كل يد سوى الابهامين والعينين والخصى والمجبوب والخنثى والامة الرتقاء والقرناء وما يمنع من الجماع لان منفعة الجنس في هذه الاعضاء قائمة ويجوز مقطوع الاذنين لان منفعة السمع قائمة وانما الاذن الشاخصة للزينة وكذا مقطوع الانف لان الفائت هو الجمال (واما) منفعة الشم فقائمة وكذا ذاهب شعر الرأس واللحية والحاجبين لان الشعر للزينة وكذا مقطوع الشفتين إذا كان يقدر على الاكل لان منفعة الجنس قائمة وانما عدمت الزينة ولا يجزئ ساقط الاسنان لانه لا يقدر على الاكل ففاتت منفعة الجنس (وأما) الاصم فالقياس أن لا يجوز لفوات جنس المنفعة وهى منفعة السمع فأشبه الاعمى ويجوز استحسانا لان أصل المنفعة لا يفوت بالصمم وانما ينقص لان ما من أصم الا ويسمع إذا بولغ في الصياح الا إذا كان أخرس كذا قيل فلا يفوت بالصمم أصل المنفعة بل ينتقص ونقصان منفعة الجنس لا يمنع جواز التكفير وقيل هذا إذا كان في اذنه وقر فاما إذا كان بحال لو جهر بالصوت في اذنه لا يسمع لا يجوز لو أعتق جنينا لم يجزه عن الكافرة وان كان ولد بعد يوم جنايته لان المأمور به تحرير رقبة والجنين لا يسمى رقبة ولانه لا يبصر فأشبه الاعمى (ومنها) أن يكون الاعتاق بغير عوض فان كان بعوض لا يجوز لان الكفارة عبارة عما يكون شاقا على البدن فإذا قابله عوض لا يشق عليه اخراجه عن ملكه ولما ذكرنا ان كفارة اليمين انما تجب لاذاقة النفس مرارة زوال الملك بمقابلة ما استوفت من الشهوات في غير حلها وهذا المعنى لا يحصل إذا كان بعوض لان الزائل إلى عوض قائم معنى فلا يتحقق ما وضعت له هذه الكفارة وعلى هذا يخرج ما إذا اعتق عبده على مال عن كفارته انه لا يجوز وان أبرأه بعد ذلك عن العوض لا يجوز أيضا لانه وقع لا عن جهة التكفير ومضى على وجه فلا ينقلب كفارة بعد ذلك كما لو أعتق بغير نية الكفارة ثم نوى بعد العتق ولو كان العبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو معسر عن كفارته لا يجزيه لان للشريك أن يستسعى العبد في نفسه بالاتفاق فيصير في معنى الاعتاق بعوض ولو كان في رقبة العبد دين فأعتقه المولى عن كفارته فاختار الغرماء استسعاء العبد أجزأه عن الكفارة لان السعاية ليست بعوض عن الرق وانما هي لدين لزم العبد قبل الحرية فيسعى وهو حر فلا يمنع جواز الاعتاق عن الكفارة وكذا لو أعتق عبدا رهنا فسعى العبد في الدين فانه يرجع على المولى ويجوز عن الكفارة لان السعاية ليست بدل الرق لانها ما وجبت للتخريج إلى الاعتاق لحصول العتق بالاعتاق السابق وانما هي لدين لزمه عن المولى وان كان موسرا لا يجوز عند أبى حنيفة رضى الله عنه لنقصان الملك والرق أيضا على ما بينا ألا ترى أنه لا يعتق الا نصفه عنده لتجزى العتق عنده وعندهما لا يجوز لان العتق لا يتجزأ عندهما فيتكامل ولا يتكامل الملك فيتملك نصيب الشريك بمقتضى الاعتاق ويسار المعتق يمنع استسعاء العبد عندهما فعرى الاعتاق عن العوض فجاز ولو أعتق عبدا في مرض موته عن الكفارة وليس له مال غيره لم يجزه عن الكفارة لانه يعتق ثلثه ويسعى في ثلثيه فيصير بعضه ببدل وبعضه بغير بدل فلم يجز والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) الحنث في كفارة اليمين فلا يجوز تكفير اليمين قبل الحنث وهو قول الشافعي رحمه الله في التكفير بالصوم (وأما) التكفير بالمال فجائز عنده والمسألة مرت في كتاب الايمان (وأما) الموت فليس بشرط في كفارة القتل حتى يجوز التكفير فيها بعد الجرح قبل الموت وقد ذكرنا وجه الفرق بين الكفارتين في كتاب الايمان والله عزوجل الموفق ويستوى في التحرير الرقبة الكبيرة والصغيرة والذكر والانثى لاطلاق اسم الرقبة في النصوص فان قيل الصغير لا منافع لاعضائه فينبغي أن لا يجوز اعتاقه عن الكفارة كالذمي وكذا لا يجزى اطعامه عن الكفارة فكذا اعتاقه فالجواب عن الاول أن أعضاء الصغير سليمة لكنها ضعيفة وهى بعرض أن تصير قوية فأشبه المريض وهذا لان سلامة الاعضاء إذا كانت ثابتة يشق عليه اخراجه عن ملكه أكثر مما يشق عليه اخراج فائت جنس المنفعة وذا جائز فهذا أولى (وأما) اطعامه عن الكفارة فجائز على طريق التمليك وانما لا يجوز على سبيل الاباحة لانه لا يأكل أكلا معتادا ويستوى فيه الرقبة المؤمنة

[ 110 ]

والكافرة وكذا في كفارة الظهار عندنا (وأما) في كفارة القتل فلا يجوز فيها الا المؤمنة بالاجماع وقال الشافعي رضى الله عنه لا يجوز في الكفارات كلها الا المؤمنة والاصل فيه أن النص الوارد في كفارة اليمين وكفارة الظهار مطلق عن قيد ايمان الرقبة والنص الوارد في كفارة القتل مقيد بقيد الايمان فحمل الشافعي رحمه الله المطلق على المقيد ونحن أجرينا المطلق على اطلاقه والمقيد على تقييده (وجه) قوله أن المطلق في معنى المجمل والمقيد في معنى المفسر والمجمل يحمل على المفسر ويصير النصان في معنى كنص المجمل والمفسر ولهذا حمل المطلق على المقيد في باب الشهادة والزكاة وكفارة اليمين حتى شرطت العدالة لوجوب قبول الشهادة والاسامة لوجوب الزكاة وشرط التتابع في صوم كفارة اليمين كذا ههنا (ولنا) وجهان أحدهما طريق مشايخنا بسمرقند وهو ان حمل المطلق على المقيد ضرب النصوص بعضها في بعض وجعل النصين كنص واحد مع امكان العمل بكل واحد منهما وهذا لا يجوز بخلاف المجمل لانه غير ممكن العمل بظاهره والثانى طريق مشايخ العراق وهو أن حمل المطلق على المقيد نسخ للاطلاق لان بعد ورود النص المقيد لا يجوز العمل بالمطلق بل ينسخ حكمه وليس النسخ الا بيان منتهى مدة الحكم الاول ولا يجوز نسخ الكتاب بالقياس ولا بخبر الواحد وقوله المطلق في معنى المجمل ممنوع لان المجمل لا يمكن العمل بظاهره والمطلق يمكن العمل بظاهره إذ هو اسم لما يتعرض للذات دون الصفات فيمكن العمل باطلاقه من غير الحاجة إلى البيان فلا ضرورة إلى حمل المطلق على المقيد وفى الموضع الذى حمل انما حمل لضرورة عدم الامكان وذلك عند اتحاد السبب والحكم لاستحالة ثبوت حكم واحد في زمان واحد مطلقا ومقيدا فيخرج على البيان وعلى الناسخ وعلى الاختلاف المعروف بين مشايخنا أن تقييد المطلق بيان أو نسخ وعند اختلاف السبب لا ضرورة فلا يحمل والله عز وجل أعلم وبه تبين أن شرط الايمان في كفارة القتل ثبت نصا غير معقول المعنى فيقتصر على مورد النص ويمكن أن يقال ان تحرير رقبة موصوفة بصفة الايمان في باب القتل ما وجب بطريق التكفير لان الكفارة كاسمها ستارة للذنوب والمؤاخذات في الآخرة والله سبحانه وتعالى وضع المؤاخذة في الخطأ بدعاء النبي عليه أشرف التحية ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا وقال النبي عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وانما وجبت بطريق الشكر لسلامة نفسه في الدنيا عن القصاص وفى الآخرة عن العقاب لان حفظ النفس عن الوقوع في الخطا مقدور في الجملة بالجهد والجد والتكلف فجعل الله سبحانه وتعالى تحرير رقبة موصوفة بكونها مؤمنة شكرا لتلك النعمة والتحرير في اليمين والظهار يجب بطريق التكفير إذا لم يعرف ارتفاع المؤاخذة الثابتة ههنا فوجب التحرير فيهما تكفيرا فلا يستقيم القياس فان قيل إذا حنث في يمينه خطأ كان التحرير شكرا على ما قلتم فينبغي أن يقاس على القتل في ايجاب تحرير رقبة مؤمنة فالجواب أنه لا يمكن القياس في هذه الصورة أيضا لما ذكرنا أن تحرير المؤمن جعل شكرا لنعمة خاصة وهى سلامة الحياة في الدنيا مع ارتفاع المؤاخدة في الآخرة وفى باب اليمين النعمة هي ارتفاع المؤاخدة في الآخرة فحسب إذ ليس ثمة موجب دنيوى يسقط عنه فكانت النعمة في باب القتل فوق النعمة في باب اليمين وشكر النعمة يجب على قدر النعمة كالجزاء على قدر الجناية ولا يعلم مقدار الشكر الا من علم مقدار النعمة وهو الله سبحانه وتعالى فلا تمكن المقايسة في هذه الصورة أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) كفارة الظهار والافطار والقتل فأما التحرير فجميع ما ذكرنا أنه شرط جوازه في كفارة اليمين فهو شرط جوازه في كفارة الظهار والافطار والقتل وما ليس بشرط لجواز التحرير في كفارة اليمين فليس بشرط لجوازه في تلك الكفارات الا ايمان الرقبة خاصة فانه شرط الجواز في كفارة القتل بالاجماع وكذا كمال العتق قبل المسيس في كفارة الظهار وهذا تفريع على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه خاصة حتى لو أعتق نصف عبده ثم وطئ ثم أعتق ما بقى فعليه أن يستقبل عتق الرقبة في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان العتق يتجزأ عند أبى حنيفة عليه الرحمة فلم يوجد تحرير كامل قبل المسيس فيلزمه الاستقبال (وأما) الصوم فقدر الصوم في كفارة اليمين ثلاثة أيام لقوله سبحانه وتعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وكذا

[ 111 ]

في كفارة الحلق لحديث كعب بن عجرة رضى الله عنه ذكرناه في كتاب الحج وفى القتل والظهار والافطار صوم شهرين لورود النص به (وأما) شرط جواز هذه الصيامات فلجواز صيام الكفارة شرائط مخصوصة منها النية من الليل حتى لا يجوز بنية من النهار بالاجماع لانه صوم غير عين فيستدعى وجوب النية من الليل لما ذكرنا في كتاب الصوم (ومنها) التتابع في غير موضع الضرورة في صوم كفارة الظهار والافطار والقتل بلا خلاف لان التتابع منصوص عليه في هذه الكفارات الثلاثة قال الله تبارك وتعالى في كفارتي القتل والافطار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وقال النبي عليه الصلاة والسلام للاعرابي صم شهرين متتابعين بخلاف صوم قضاء رمضان لان الله سبحانه وتعالى أمر به من غير شرط التتابع بقوله تبارك وتعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر (وأما) صوم كفارة اليمين فيشترط فيه التتابع أيضا عندنا وعند الشافعي لا يشترط بل هو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق واحتج بظاهر قوله تبارك وتعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام من غير شرط التتابع (ولنا) قراءة عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقراءته كانت مشهورة في الصحابة رضى الله تعالى عنهم فكانت بمنزلة الخبر المشهور لقبول الصحابة رضى الله عنهم إياها تفسيرا للقرآن العظيم ان لم يقبلوها في كونها قرآنا فكانت مشهورة في حق حكم الصحابة رضى الله عنهم إياها في حق وجوب العمل فكانت بمنزلة الخبر المشهور والزيادة على الكتاب الكريم بالخبر المشهور جائزة بلا خلاف ويجوز بخبر الواحد وكذا عند بعض مشايخنا على ما عرف في أصول الفقه وعلى هذا يخرج ما إذا أفطر في خلال الصوم انه يستقبل الصوم سواء أفطر لغير عذر أو لعذر مرض أو سفر لفوت شرط التتابع وكذلك لو أفطر يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق فانه يستقبل الصيام سواء أفطر في هذه الايام أو لم يفطر لان الصوم في هذه الايام لا يصلح لاسقاط ما في ذمته لان ما في ذمته كامل والصوم في هذه الايام ناقص لمجاورة المعصية إياه والناقص لا ينوب عن الكامل ولو كانت امرأة فصامت عن كفارة الافطار في رمضان أو عن كفارة القتل فحاضت في خلال ذلك لا يلزمها الاستقبال لانها لا تجد صوم شهرين لا تحيض فيهما فكانت معذورة وعليها أن تصلى أيام القضاء بعد الحيض بما قبله حتى لو لم تصلى وأفطرت يوما بعد الحيض استقبلت لانها تركت التتابع من غير ضرورة ولو نفست تستقبل لعدم الضرورة لانها تجد شهرين لا نفاس فيهما ولو كانت في صوم كفارة اليمين فحاضت في خلال ذلك تستقبل لانها تجد ثلاثة أيام لا حيض فيها فلا ضرورة إلى سقوط اعتبار الشرط ولو جامع امرأته التى لم يظاهر منها بالنهار ناسيا أو بالليل عامدا أو ناسيا أو أكل بالنهار ناسيا لا يستقبل لان الصوم لم يفسد فلم يفت شرط التتابع (ومنها) عدم المسيس في الشهرين في صوم كفارة الظهار سواء فسد الصوم أو لا في قول أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف الشرط عدم فساد الصوم حتى لو جامع امرأته التى ظاهر منها بالليل عامد أو ناسيا أو بالنهار ناسيا استقبل عندهما وعند أبى يوسف يمضى على صومه وبه أخذ الشافعي (وجه) قول أبى يوسف ان هذا الجماع لا ينقطع به التتابع لانه لا يفسد الصوم فلا يجب الاستقبال كما لو جامع امرأة أخرى ثم ظاهر منها والصحيح قولنا لان المأمور به صوم شهرين متتابعين لا مسيس فيهما بقوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فإذا جامع في خلالهما فلم يأت بالمأمور به ولو جامعها بالنهار عامدا استقبل بالاتفاق (أما) عندهما فلوجود المسيس (وأما) عنده فلانقطاع التتابع لوجود فساد الصوم (وأما) وجوب كفارة الحلق فصاحبه بالخيار ان شاء فرق لاطلاق قوله تبارك وتعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك من غير فصل (وأما) الاطعام في كفارتي الظهار والافطار فالكلام في جوازه صفة وقدرا ومحلا كالكلام في كفارة اليمين وقد ذكرناه وعدم المسيس في خلال الاطعام في كفارة الظهار ليس بشرط حتى لو جامع في خلال الاطعام لا يلزمه الاستئناف لان الله تبارك وتعالى لم يشترط ذلك في هذه الكفارة لقوله سبحانه وتعالى فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا من غير شرط ترك المسيس الا أنه منع من الوطئ قبله لجواز أن يقدر على الصوم أو الاعتكاف فتنتقل الكفارة اليهما فيتبين ان الوطئ كان حراما على ما ذكرنا في كتاب الظهار

[ 112 ]

والكلام في الاطعام في كفارة الحلق كالكلام في كفارة اليمين الا في عدد من يطعم وهم ستة مساكين لحديث كعب ابن عجرة رضى الله عنه فأما في الصفة والقدر والمحل فلا يختلفان حتى يجوز فيه التمليك والتمكين وهذا قول أبى يوسف وقال محمد لا يجوز فيها الا التمليك كذا حكى الشيخ القدورى رحمه الله الخلاف وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله قول أبى حنيفة مع أبى يوسف (وجه) قول محمد رحمه الله ان جواز التمكين في طعام كفارة اليمين لورود النص بلفظ الاطعام إذ هو في عرف اللغة اسم لتقديم الطعام على وجه الاباحة والنص ورد ههنا بلفظ الصدقة وانها تقتضي التمليك لكنه معلل بدفع الحاجة والتصدق تمليك فأشبه الزكاة والعشر (ولهما) ان النص وان ورد بلفظ الصدقة وانها تقتضي التمليك لكنه معلل بدفع الحاجة وذا يحصل بالتمكين فوق ما يحصل بالتمليك على ما بينا ولهذا جاز دفع القيمة وان فسرت الصدقة بثلاثة أصوع في حديث كعب بن عجرة رضى الله عنه ولو وجب عليه كفارة يمين فلم يجد ما يعتق ولا ما يكسو ولا ما يطعم عشرة مساكين وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم فأراد أن يطعم ستة مساكين عن صيام ثلاثة أيام لم يجز الا أن يطعم عشرة مساكين لان الصوم بدل والبدل لا يكون له بدل فإذا عجز عن البدل تأخر وجوب الاصل وهو أحد الاشياء الثلاثة إلى وقت القدرة وان كان عليه كفارة القتل أو الظهار أو الافطار ولم يجد ما يعتق وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم ولا يجد ما يطعم في كفارة الظهار والافطار يتأخر الوجوب إلى أن يقدر على الاعتاق في كفارة القتل وعلى الاعتاق أو الاطعام في كفارة الظهار والافطار لان ايجاب الفعل على العاجز محال والله أعلم. (كتاب الاشربة) الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان أسماء الاشربة المعروفة المسكرة وفى بيانها معانيها وفى بيان أحكامها وفى بيان حد السكر (أما) أسماؤها فالخمر والسكر والفضيح ونقيع الزبيب والطلاء والباذق والمنصف والمثلث والجمهوري وقد يسمى أبوسقيا والخليطان والمزر والجعة والبتع (أما) بيان معاني هذه الاسماء أما الخمر فهو اسم للنئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وهذا عند أبى حنيفة عليه الرحمة وعند أبى يوسف ومحمد عليهما الرحمة ماء العنب إذا غلا واشتد فقد صار خمرا أو ترتب عليه أحكام الخمر قذف بالزبد أو لم يقذف به (وجه) قولهما أن الركن فيها معنى الاسكار وذا يحصل بدون القذف بالزبد (وجه) قول أبى حنيفة رحمه الله أن معنى الاسكار لا يتكامل الا بالقذف بالزبد فلا يصير خمرا بدونه (وأما) السكر فهو اسم للنئ من ماء الرطب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد أو لم يقذف على الاختلاف وأما التفضيخ فهو اسم للنئ من ماء البسر المنضوخ وهو المدقوق إذا غلا واشتد وقذف بالزبد أولا على الاختلاف (وأما) نقيع الزبيب فهو اسم للنئ من ماء الزبيب المنقوع في الماء حتى خرجت حلاوته إليه واشتد وقذف بالزبد أولا على الخلاف (وأما) الطلاء فهو اسم للمطبوخ من ماء العنب إذا ذهب أقل من الثلثين وصار مسكرا ويدخل تحت الباذق والمنصف لان الباذق هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء العنب والمنصف هو المطبوع من ماء العنب إذا ذهب نصفه وبقى النصف وقيل الطلاء هو المثلث وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقى معتقا وصار مسكرا (وأما) الجمهوري فهو المثلث يصب الماء بعد ما ذهب ثلثاه بالطبخ قدر الذاهب وهو الثلثان ثم يطبخ أدنى طبخة ويصير مسكرا (وأما) الخليطان فهما التمر والزبيب أو البسر والرطب إذا خلطا ونبذا حتى غليا واشتدا (وأما) المزر فهو اسم لنبيذ الذرة إذ صار مسكرا (وأما) الجعة فهو اسم لنبيذ الحنطة والشعير إذا صار مسكرا (وأما) البتع فهو اسم لنبيذ العسل إذا صار مسكرا هذا بيان معاني هذه الاسماء (وأما) بيان أحكام هذه الاشربة أما الخمر فيتعلق بها أحكام (منها) انه يحرم شرب قليلها وكثيرها الا عند الضرورة لانها محرمة العين فيستوى في الحرمة قليلها وكثيرها (والدليل) على أنها محرمة العين قوله سبحانه وتعالى رجس من عمل الشيطان وصف سبحانه وتعالى الخمر بكونها رجسا

[ 113 ]

وغير المحرم لا يوصف به فهذا يدل على كونها محرمة في نفسها وقوله عز من قائل انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة الاية فدل على حرمة السكر فحرمت عينها والسكر منها وقال عليه الصلاة والسلام حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب الا أنه رخص شربها عند ضرورة العطش أو لاكراه قدر ما تندفع به الضرورة ولان حرمة قليلها ثبتت بالشرع المحض فاحتمل السقوط بالضرورة كحرمة الميتة ونحو ذلك وكذا لا يجوز الانتفاع بها للمداواة وغيرها لان الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا ويحرم على الرجل أن يسقى الصغير الخمر فإذا سقاه فالاثم عليه دون الصغير لان خطاب التحريم يتناوله (ومنها) انه يكفر مستحلها لان حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به وهو نص الكتاب الكريم فكان منكر الحرمة منكر للكتاب (ومنها) انه يحد شاربها قليلا أو كثيرا لاجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم على ذلك ولو شرب خمر ممزوجا بالماء ان كانت الغلبة للخمر يجب الحد وان غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب لان الغلبة إذا كانت للخمر فقد بقى اسم الخمر ومعناها وإذا كانت الغلبة للماء فقد زال الاسم والمعنى الا أنه يحرم شرب الماء الممزوج بالخمر لما فيه من أجزاء الخمر حقيقة وكذا يحرم شرب الخمر المطبوخ لان الطبخ لا يحل حراما ولو شربها يجب الحد لبقاء الاسم والمعنى بعد الطبخ ولو شرب دردى الخمر لا حد عليه الا إذا سكر لانه لا يسمى خمرا ومعنى الخمرية فيه ناقص لكونه مخلوطا بغيره فأشبه المنصف وإذا سكر منه يجب حد السكر كما في المنصف ويحرم شربه لما فيه من أجزأء الخمر ومن وجد منه رائحة الخمر أو قاء خمرا لا حد عليه لانه يحتمل انه شربها مكرها فلا يجب مع الاحتمال ولا حد على أهل الذمة وان سكروا من الخمر لانها حلال عندهم وعن الحسن بن زياد رحمه الله انهم يحدون إذا سكروا لان السكر حرام في الاديان كلها (ومنها) ان حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الاحرار لاجماع الصحابة رضى الله عنهم وقياسهم على حد القذف حتى قال سيدنا على رضى الله عنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترين ثمانون وبأربعين في العبيد لان الرق منصف للحد كحد القذف والزنا قال الله تعالى جل وعلا فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب (ومنها) انه يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك من البيع والشراء وغير ذلك لان كل ذلك انتفاع بالخمر وانها محرمة الانتفاع على المسلم وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال يا أهل المدينة ان الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر فمن كتب هذه الآية وعنده شئ منها فلا يشربها ولا يبيعها فسكبوها في طرق المدينة الا أنها تورث لان الملك في الموروث ثبت شرعا من غير صنع العبد فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك والخمر لم تكن متقومة فهى مال عندنا فكانت قابلة للملك في الجملة (ومنها) انه لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم لانها ليست متقومة في حق المسلم وان كانت مالا في حقه واتلاف مال غير متقوم لا يوجب الضمان وان كانت لذمى يضمن عندنا خلافا للشافعي رحمه الله وهى من مسائل الغصب (ومنها) أنها نجسة غليظة حتى لو أصاب ثوبا أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة لان الله تبارك وتعالى سماها رجسا في كتابه الكريم بقوله رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ولو بل بها الحنطة فغسلت وجففت وطحنت فان لم يوجد منها طعم الخمر ورائحتها يحل أكله وان وجد لا يحل لان قيام الطعم والرائحة دليل بقاء أجزاء الخمر وزوالها دليل زوالها ولو سقيت بهيمة منها ثم ذبحت فان ذبحت ساعة ما سقيت به تحل من غير كراهة لانها في أمعائها بعد فتطهر بالغسل وان مضى عليها يوم أن أكثر تحل مع الكراهة لاحتمال أنها تفرقت في العروق والاعصاب (ومنها) إذا تخللت بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف لقوله عليه الصلاة والسلام نعم الادام الخل وانما يعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلا عند أبى حنيفة رضى الله عنه حتى لو بقى فيها بعض المرارة لا يحل وعند أبى يوسف ومحمد تصير خلا بظهور قليل الحموضه فيها لان من أصل أبى حنيفة رحمه الله ان العصير من ماء العنب لا يصير خمرا الا بعد تكامل معنى الخمرية فيه فكذا الخمر لا يصير خلا الا بعد تكامل معنى الخلية فيه وعندهما يصير خمرا بظهور دليل الخمرية ويصير خلا بظهور دليل الخلية فيه هذا إذا تخللت بنفسها فاما إذا خللها

[ 114 ]

صاحبها بعلاج من خل أو ملح أو غيرهما فالتخليل جائز والخل حلال عندنا وعند الشافعي لا يجوز التخليل ولا يحل الخل وان خللها بالنقل من موضع إلى موضع فلا شك أنه يحل عندنا وللشافعي رحمه الله قولان واحتج بما روى ان بعد نزول تحريم الخمر كانت عند أبى طلحة الانصاري رحمه الله خمور لايتام فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما نصنع بها يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام ارقها فقال أبو طلحة أفلا أخللها قال عليه الصلاة والسلام لا نص عليه الصلاة والسلام على النهى عن التخليل وحقيقة النهى للتحريم ولان في الاشتغال بالتخليل احتمال الوقوع في الفساد ويتجنس الظاهر منه ضرورة وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا تخللت بنفسها (ولنا) ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال أيما اهاب دبغ فقد طهر كالخمر إذا تخلل فيحل فحقق عليه الصلاة والسلام التخليل وأثبت حل الخل شرعا ولان التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا استدلالا بما إذا أمسكها حتى تخللت والدليل على أنه سبب لحصول الحل ان بهذا الصنع صار المائع حامضا بحيث لا يبين في الذوق أثر المرارة فلا يخلوا ما ان كان ذلك لغلبة الحموضة المرارة مع بقائها في ذاتها واما ان كان لتغير الخمر من المرارة إلى الحموضة لا سبيل إلى الاول لانه لا حموضة في الملح لتغلب المرارة وكذا بالقاء حلو قليل يصير حامضا في مدة قليلة لا تتخلل بنفسها عادة والقليل لا يغلب الكثير فتعين ان ظهور الحموضة باجراء الله تعالى العادة على أن مجاوزة الخل يغيرها من المرارة إلى الحموضة في مثل هذا الزمان فثبت ان التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا لانه حينئذ يكون اكتساب مال متقوم عندنا وعنده يكون اكتساب المال وكل ذلك مشروع (وأما) الحديث فقد روى أن أبا طلحة رحمه الله لما قال أفلا أخللها قال عليه الصلاة والسلام نعم فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج على أنه يحمل على النهى عن التخليل لمعنى في غيره وهو دفع عادة العامة لان القوم كانوا حديثى العهد بتحريم الخمر فكانت بيوتهم لا تخلو عن خمر وفى البيت غلمان وجواري وصبيان وكانوا ألفوا شرب الخمر وصار عادة لهم وطبيعة والنزوع عن العادة أمر صعب فقيم البيت ان كان ينزجر عن ذلك ديانة فقل ما يسلم الاتباع عنها لو أمر بالتخليل إذ لا يتخلل من ساعتها بل بعد وقت معتبر فيؤدى إلى فساد العامة وهذا لا يجوز وقد انعدم ذلك المعنى في زماننا ليقرر التحريم ويألف الطبع تحريمها حملناه على هذا دفعا للتناقض عن الدليل وبه تبين ان ليس فيما قلناه احتمال الوقوع في الفساد وقوله تنجيس الظاهر من غير ضرورة نعم لكن لحاجة وانه لجائز كدبغ جلد الميتة والله سبحانه وتعالى أعلم ثم لا فرق في ظاهر الرواية بين ما إذا القى فيها شيئا قليلا من الملح أو السمك أو الخل أو كثيرا حتى تحل في الحالين جميعا وروى عن أبى يوسف أنه ان كان الخل كثيرا لا يحل (وجه) رواية أبى يوسف رحمه الله ان الملقى من الخل إذا كان قليلا فهذا تخليل لظهور الحموضة فيها بطريق التغيير فاما إذا كان كثير فهذا ليس بتخليل بل هو تغليب لغلبة الحموضة المرارة فصار كما لو القى فيها كثيرا من الحلاوات حتى صار حلو أنه لا يحل بل يتنجس الكل فكذا هذا (وجه) ظاهر الرواية ان كل ذلك تخليل أما إذا لكان قليلا فظاهر وكذلك إذا كان كثيرا لما ذكرنا ان ظهور الحموضة عند القاء الملح والسمك لا يكون بطريق التغليب لانعدام الحموضة فيهما فتعين أن يكون بطريق التغيير وفى الكثير يكون أسرع والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) السكر والفضيخ ونقيع الزبيب فيحرم شرب قليلها وكثيرها لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الخمر من هاتين الشجرتين وأشار عليه الصلاة والسلام إلى النخلة والكرمة والتى ههنا هو المستحق لاسم الخمر فكان حراما وسئل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن التداوى بالسكر فقال ان الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال السكر هي الخمر ليس لها كنية وروى أنه لما سئل عن نقيع الزبيب قال الخمر أحيتها أشار إلى علة الحرمة وهى أن ايقاع الزبيب في الماء احياء للخمر لان الزبيب إذا نقع في الماء يعود عنبا فكان نقيعه كعصير العنب ولان هذا لا يتخذ الا للسكر فيحرم شرب قليلها وكثيرها فان قيل اليس أن الله تبارك وتعالى قال ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وهذا خرج مخرج تذكير النعمة والتنبيه على

[ 115 ]

شكرها فيدل على حلها فالجواب قيل ان الآية منسوخة بآية تحريم الخمر فلا يصح الاحتجاج بها والثانى ان لم تكن منسوخة فيحتمل ان ذلك خرج مخرج التغيير أي انكم تجعلون ما أعطاكم الله تعالى من ثمرات النخيل والاعناب التى هي حلال بعضها حراما وهو الشراب والبعض حلالا وهو الدبس والزبيب والخل ونحو ذلك نظيره قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا وعلى هذا كانت الآية حجة عليكم لان التغيير على الحرام لا على الحلال ولا يكفر مستحلها ولكن يضلل لان حرمتها دون حرمة الخمر لثبوتها بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وآثار الصحابة رضى الله عنهم على ما ذكرنا ولا يحد بشرب القليل منها لان الحد انما يجب بشرب القليل من الخمر ولم يوجد بالسكر لان حرمة السكر من كل شراب كحرمة الخمر لثبوتها بدليل مقطوع به وهو نص الكتاب العزيز قال الله تعالى جل شأنه في الآية الكريمة انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وهذه المعاني تحصل بالسكر من كل شرب فكانت حرمة السكر من كل شراب ثابتة بنص الكتاب العزيز كحرمة الخمر ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرمتين في قوله عليه الصلاة والسلام حرمت عليكم الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد به أصل الحرمة لان ذلك لا يقف على السكر في كل شراب دل ان المراد منه الحرمة الكاملة التى لا شبهة فيها كحرمة الخمر وكذا جمع سيدنا على رضى الله عنه بينهما في الحد فقال فيما أسكر من النبيذ ثمانون وفى الخمر قليلها وكثيرها ثمانون ويجوز بيعها عند أبى حنيفة مع الكراهة وعند أبى يوسف ومحمد لا يجوز أصلا (وجه) قولهما ان محل البيع هو المال وانه اسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعا ولم يوجد فلا يكون مالا فلا يجوز بيعها كبيع الخمر (وجه) قول أبى حنيفة رضى الله عنه ان البيع مبادلة شئ مرغوب فيه بشئ مرغوب فيه قال الله تبارك وتعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين وقد وجد ههنا لان الاشربة مرغوب فيها والمال اسم لشئ مرغوب فيه الا أن الخمر مع كونها مرغوبا فيها لا يجوز بيعها بالنص الذى روينا والنص ورد باسم الخمر فيقتصر على مورد النص وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها انسان يضمن عنده وعندهما لا يضمن (ومنها) حكم نجاستها فقد روى عن أبى حنيفة رضى الله عنه انها لو أصابت الثوب أكثر من قدر الدرهم تمنع جواز الصلاة لانه يحرم شرب قليلها وكثيرها كالخمر فكانت نجاستها غليظة كنجاسة الخمر وروى انها لا تمنع أصلا لان نجاسة الخمر انما ثبتت بالشرع بقوله عز شأنه رجس من عمل الشيطان فيختص باسم الخمر وعن أبى يوسف رحمه الله انه اعتبر فيها الكثير الفاحش كما في النجاسة الحقيقية لانها وان كانت محرمة الانتفاع لكن حرمتها دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ولا يحد بشرب القليل منها فاوجب ذلك خفة في نجاستها هذا الذى ذكرنا حكم النئ من عصير العنب ونبيذ التمر ونقيع الزبيب (وأما) حكم المطبوخ منها اما عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة وهو الباذق أو ذهب نصفه وبقى النصف وهو المنصف فيحرم شرب قليله وكثيره عند عامة العلماء رضى الله عنهم وروى بشر عن أبى يوسف رحمهما الله الاول أنه مباح وهو قول حماد بن أبى سليمان ويصح قول العامة لانه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ فالحرام فيه بان وهو ما زاد على الثلث والدليل على أن الزائد على الثلث حرام ماروى عن سيدنا عمر رضى الله عنه انه كتب إلى عمار بن ياسر رضى الله عنه انى أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم نص على ان الزائد على الثلث حرام وأشار إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة فيه قائمة وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضى الله عنهم ولم ينقل عنهم خلافه فكان اجماعا منهم ولا يحد شاربه ما لم يسكر وإذا سكر حدولا يكفر مستحله لما مر ويجوز معه عند أبى حنيفة وان كان لا يحل شربه وعندهما لا يحل شربه ولا يجوز بيعه على ما ذكرنا هذا إذا طبخ عصير العنب فإذا طبخ العنب كما هو فقد حكى أبو يوسف عن أبى حنيفة رضى الله عنهما ان حكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه

[ 116 ]

وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنهما ان حكمه حكم الزبيب حتى لو طبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة الزبيب (وأما) المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة والمنصف منهما فيحل شربه ولا يحرم الا السكر منه وهو طاهر يجوز بيعه ويضمن متلفه وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف رضى الله عنهما وعن محمد رحمه الله روايتان في رواية لا يحل شربه لكن لا يجب الحد الا بالسكر وفى رواية قال لا أحرمه ولكن لا أشرب منه والحجج تذكر في المثلث فأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يحتاجان إلى الفرق بين المطبوخ أدنى طبخة والمنصف من عصير العنب (ووجه) الفرق لهما أن طبخ العصير على هذا الحد وهو أن يذهب أقل من ثلثيه لا أثر له في العصر لان بعد الطبخ بقيت فيه قوة الاسكار بنفسه الا ترى أنه لو ترك يغلى ويشتد من غير أن يخلط بغيره كما كان قبل الطبخ لم يعمل فيه هذا النوع من الطبخ فبقى على حاله بخلاف نبيذ التمر ونقيع الزبيب لانه ليس فيه قوة الاسكار بنفسه ألا ترى أنه لو ترك على حاله ولا يخلط به الماء لم يحتمل الغليان أصلا كعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه الماء يغلى ويسكر إذا خلط فيه الماء وإذا لم يكن مسكرا بنفسه بل بغيره جاز أن يتغير حاله بالطبخ بخلاف العصير على ما ذكرنا والى هذا أشار سيدنا عمر رضى الله عنه فيما روينا عنه من قوله يذهب حرامه وريح جنونه يعنى إذا كان يغلى بنفسه من غير صب الماء عليه فقد بقى سلطانه وإذا صار بحيث لا يغلى بنفسه بأن طبخ حتى ذهب ثلثاه فقد ذهب سلطانه والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا نقع الزبيب المدقوق في الماء ثم طبخ نقيعه أدنى طبخة فأما إذا نقع الزبيب كما هو وصفى ماؤه ثم طبخ أدنى طبخة فقد روى محمد عن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهم الله أنه لا يحل حتى يذهب بالطبخ ثلثاه ويبقى ثلثه ووجهه ما ذكرنا أن انقاع الزبيب احياء للعنب فلا يحل به عصيره الا بما يحل به عصير العنب وروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه يعتبر في ذلك أدنى طبخة لانه زبيب انتفخ بالماء فلا يتغير حكمه والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) المثلث فنقول لا خلاف في أنه ما دام حلوا لا يسكر يحل شربه (وأما) المعتق المسكر فيحل شربه للتداوي واستمراء الطعام والتقوى على الطاعة عند أبى حنيفة وابى يوسف رضى الله عنهما وروى محمد رحمه الله أنه لا يحل وهو قول الشافعي رحمه الله وأجمعوا على أنه لا يحل شربه للهو والطرب كذا روى أبو يوسف رحمه الله في الامالى وقال لو أراد أن يشرب المسكر فقليله وكثيره حرام وقعوده لذلك والمشى إليه حرام (وجه) قول محمد والشافعي رحمهما الله ما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال كل مسكر من عصير العنب انما سمى خمرا لكونه مخامرا للعقل ومعنى المخامرة يوجد في سائر الاشربة المسكرة وأبو حنيفة وأبو يوسف رضى الله عنهما احتجا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة الكرام رضى الله عنهم (أما) الحديث فما ذكره الطحاوي رحمه الله في شرح الآثار عن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام اتى بنبيذ فشمه فقطب وجهه لشدته ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه (وأما) الآثار فمنها ما روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه كان يشرب النبيذ الشديد ويقول انا لننحر الجزور وأن العتق منها لا آل عمر ولا يقطعه الا النبيذ الشديد (ومنها) ما روينا عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر رضى الله عنهما أنى أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم نص على الحل ونبه على المعنى وهو زوال الشدة المسكرة بقوله ويذهب ريح جنونه وندب إلى الشرب بقوله فليتوسعوا من أشربتهم (ومنها) ما روى عن سيدنا على رضى الله تعالى عنه أنه أضاف قوما فسقاهم فسكر بعضهم فحده فقال الرجل تسقينى ثم تحدني فقال سيدنا على رضى الله عنه انما أحدك للسكر وروى هذا المذهب عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال حين سئل عن النبيذ اشرب الواحد والاثنين والثلاثة فإذا خفت السكر فدع وإذا ثبت الاحلال من هؤلاء الكبار من الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم وأنه بدعة ولهذا عد أبو حنيفة رضى الله عنه احلال المثلث من شرائط مذهب السنة والجماعة فقال في

[ 117 ]

بيانها أن يفضل الشيخين ويحب الختنين وأن يرى المسح على الخفين وأن لا يحرم نبيذ الخمر لما أن في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابة رضى الله تعالى عنهم والكف عن تفسيقهم والامساك عن الطعن فيهم من شرائط السنة والجماعة (وأما) ما ورد من الاخبار ففيها طعن ثم بها تأويل ثم قول بموجبها (أما) الطعن فان يحيى بن معين رحمه الله قد ردها وقال لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام وهو من نقلة الاحاديث فطعنه يوجب جرحا في الحديثين (وأما) التأويل فهو أنها محمولة على الشرب للتلهي توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض (وأما) القول بالموجب فهو أن المسكر عندنا حرام وهو القدح الاخير لان المسكر ما يحصل به الاسكار وأنه يحصل بالقدح الاخير وهو حرام قليله وكثيره وهذا قول بموجب الاحاديث ان ثبتت بحمد الله تعالى (وأما) قولهم ان هذه الاشربة خمر لوجود معنى الخمر فيها وهو صفة مخامرة العقل قلنا اسم الخمر للنئ من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة ولسائر الاشربة مجاز لان معنى الاسكار والمخامرة فيه كامل وفى غيره من الاشربة ناقص فكان حقيقة له مجازا لغيره وهذا لانه لو كان حقيقة لغيره لكان الامر لا يخلو من أحد وجهين اما أن يكون اسما مشتركا وأما أن يكون اسما عاما لا سبيل إلى الاول لان شرط الاشتراك اختلاف المعنى فالاسم المشترك ما يقع على مسميات مختلفة الحدود والحقائق كاسم العين ونحوها وههنا ما اختلف ولا سبيل إلى الثاني لان من شرط العموم أن تكون أفراد العموم متساوية في قبول المعنى الذى وضع له اللفظ لا متفاوتة ولم يوجد التساوى ههنا وإذا لم يكن بطريق الحقيقة تعين أنه بطريق المجاز فلا يتناولها مطلق اسم الخمر والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) الجمهوري فحكمه حكم المثلث لانه مثلث يرق بصب الماء عليه ثم يطبخ أدنى طبخة لئلا يفسد (وأما) الخليطان فحكمهما عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد من النئ عنهما والمطبوخ وقد ذكرناه وقد روى عن رسول الله صلى الله عله وسلم أنه نهى عن شرب التمر والزبيب جميعا والزهو والرطب جميعا وهو محمول على النئ والسكر منه والله عزوجل أعلم وروى انه عليه الصلاة والسلام نهى عن نبيذ البسر والتمر والزبيب جميعا ولو طبخ أحدهما ثم صب قدح من النئ فيه أفسده سواء كان من جنسه أو خلاف جنسه لانه اجتمع الحلال والحرام فيغلب الحرام الحلال ولو خلط العصير بالماء فان ترك حتى اشتد لا شك أنه لا يحل وان طبخ حتى ذهب ثلثاه ففيه نظر ان كان الماء هو الذى يذهب أولا بالطبخ يطبخ حتى يذهب قدر الماء ثم يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه فيحل وان كان الماء والعصير يذهبان معا بالطبخ حتى يذهب ثلثا الجملة فلا يحل والله عزوجل أعلم (وأما) المزر والجعة والبتع وما يتخذ من السكر والتين ونحو ذلك فيحل شربه عند أبى حنيفة رضى الله عنه قليلا كان أو كثيرا مطبوخا كان أو نيأ ولا يحد شاربه وان سكر وروى عن محمد رحمه الله أنه حرام بناء على أصله وهو أن ما أسكر كثيره فقليله حرام كالمثلث وقال أبو يوسف رحمه الله ما كان من هذه الاشربة يبقى بعد ما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فانى أكرهه وكذا روى عن محمد ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبى حنيفة رضى الله عنه (وجه) قول أبى يوسف الاول ان بقاءه وعدم فساده بعد هذه المدة دليل شدته وشدته دليل حرمته (وجه) قول ابى حنيفة رحمه الله ان الحرمة متعلقة بالخمرية لا تثبت الا بشدة والشدة لا توجد في هذه الاشربة فلا تثبت الحرمة والدليل على انعدام الخمرية أيضا ما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الخمر من هاتين الشجرتين ذكر عليه الصلاة والسلام الخمر بلام الجنس فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من الشجرتين وانما لا يجب الحد وان سكر منه لانه سكر حصل بتناول شئ مباح وأنه لا يوجب الحد كالسكر الحاصل من تناول البنج والخبز في بعض البلاد بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث أنه يجب الحد لان السكر هناك حصل بتناول المحظور وهو القدح الاخير (وأما) ظروف الاشربة المحرمة فيباح الشرب منها إذا غسلت الا الخزف الجديد الذى يتشرب فيها على الاختلاف الذى عرف في كتاب الصلاة والاصل فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام انى كنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت الا فاشربوا في كل ضرف فان الظروف لا تحل شيأ ولا تحرمه (وأما) بيان حد السكر الذى يتعلق به وجوب الحد فقد اختلف في حده قال

[ 118 ]

أبو حنيفة رضى الله عنه السكران الذى يحد هو الذى لا يعقل قليلا ولا كثيرا ولا يعقل الارض من السماء والرجل من المرأة وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى ومحمد رحمه الله السكران هو الذى يغلب على كلامه الهذيان وروى عن أبى يوسف أن يمتحن بقل يا أيها الكافرون فيستقرأ فان لم يقدر على قراءتها فهو سكران لما روى أن رجلا صنع طعاما فدعى سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليا وسيدنا سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنهم فأكلوا وسقاهم خمرا وكان قبل تحريم الخمر فحضرتهم صلاة المغرب فأمهم واحد منهم فقرأ قل يا أيها الكافرون على طرح لا أعبد ما تعبدون فنزل قوله تبارك وتعالى يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وهذا الامتحان غير سديد لان من السكارى من لم يتعلم هذه السورة من القرآن أصلا ومن تعلم فقد يتعذر عليه قراءتها في حالة الصحو خصوصا من لا اعتناء له بأمر القرآن فكيف في حالة السكر وقال الشافعي رحمه الله إذا شرب حتى ظهر أثره في مشيه وأطرافه وحركاته فهو سكران وهذا أيضا غير سديد لان هذا أمر لا ثبات له لانه يختلف باختلاف أحوال الناس منهم من يظهر ذلك منه بأدنى شئ ومنهم من لا يظهر فيه وان بلغ به السكر غايته (وجه) قولهما شهادة العرف والعادة فان السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى واليه أشار سيدنا على رضى الله عنه بقوله إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون وأبو حنيفة عليه الرحمة يسلم ذلك في الجملة فيقول أصل السكر يعرف بذلك لكنه اعتبر في باب الحدود ما هو الغاية في الباب احتيالا للدرء المأمور به بقوله صلى الله عليه وسلم ادرؤا الحدود ما استطعتم ولا يعرف بلوغ السكر غايته الا بما ذكر والله عزوجل أعلم. (كتاب الاستحسان) وقد يسمى كتاب الحظر والاباحة وقد يسمى كتاب الكراهة والكلام في هذا الكتاب في الاصل في موضعين في بيان معنى اسم الكتاب وفى بيان أنواع المحظورات والمباحات المجموعة فيه (أما) الاول فالاستحسان يذكر ويراد به كون الشئ على صفة الحسن ويذكر ويراد به فعل المستحسن وهو رؤية الشئ حسنا يقال استحسنت كذا أي رأيته حسنا فأحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورد فيه من الاحكام بحسن ليس في غيرها ولكونها على وجه يستحسنها العقل والشرع (وأما) التسمية بالحظر والاباحة فتسمية طابقت معناها ووافقت مقتضاها لاختصاصه ببيان جملة من المحظورات والمباحات وكذا التسمية بالكراهة لان الغالب فيه بيان المحرمات وكل محرم مكروه في الشرع لان الكراهة ضد المحبة والرضا قال الله تبارك وتعالى وعسى أن تكرهوا شيأ وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيأ وهو شر لكم والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به الا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نص الكتاب العزيز أو غير ذلك فعادة محمد أنه يسميه حراما على الاطلاق وما تثبت حرمته بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وأقاويل الصحابة الكرام رضى الله عنهم وغير ذلك يسميه مكروها وربما يجمع بينهما فيقول حرام مكروه اشعارا منه ان حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع (وأما) بيان أنواع المحرمات والمحللات المجموعة فيه فنقول وبالله تعالى التوفيق المحرمات المجموعة في هذا الكتاب في الاصل نوعان نوع ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعا ونوع ثبتت حرمته في حق الرجال دون النساء (أما) الذى ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعا فبعضها مذكور في مواضعه في الكتب فلا نعيده ونذكر ما لا ذكر له في الكتب ونبدأ بما بدأ به محمد رحمه الله الكتاب وهو حرمة النظر والمس والكلام فيها في ثلاث مواضع أحدها في بيان ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من المرأة والمرأة من الرجل والثانى في بيان ما يحل ويحرم للرجل من الرجل والثالث في بيان ما يحل ويحرم للمرأة من المرأة (أما) الاول فلا يمكن الوصول إلى معرفته الا بعد معرفة أنواع النساء فنقول وبالله تعالى التوفيق النساء في هذا الباب سبعة أنواع نوع منهن المنكوحات ونوع منهن المملوكات ونوع منهن ذوات الرحم المحرم

[ 119 ]

وهو الرحم المحرم للنكاح كالام والبنت والعمة والخالة ونوع منهن ذوات الرحم بلا محرم وهن المحارم من جهة الرضاع والمصاهرة ونوع منهن مملوكات الاغيار ونوع منهن من لارحم لهن اصلا ولا محرم وهن الاجنبيات الحرائر ونوع منهن ذوات الرحم بلا محرم وهو الرحم الذى لا يحرم النكاح كبنت العم والعمة والخال والخالة (أما) النوع الاول وهو المنكوحات فيحل للزوج النظر إلى زوجته ومسها من رأسها إلى قدمها لانه يحل له وطؤها لقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين وانه فوق النظر والمس فكان احلالا لهما من طريق الاولى إلى أنه لا يحل له وطؤها في حالة الحيض لقوله تبارك وتعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فصارت حالة الحيض مخصوصة عن عموم النص الذى تلونا وهل يحل الاستمتاع بها فيما دون الفرج اختلف فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضى الله عنهما لا يحل الاستمتاع بما فوق الازار وقال محمد رحمه الله يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك واختلف المشايخ في تفسير قولهما بما فوق الازار قال بعضهم المراد منه ما فوق السرة فيحل الاستمتاع بما فوق سرتها ولا يباح بما تحتها إلى الركبة وقال بعضهم المراد منه مع الازار فيحل الاستمتاع بما تحت سرتها سوى الفرج لكن مع المئزر لا مكشوفا ويمكن العمل بعموم قولهما بما فوق الازار لانه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج مع المئزر إذ كل ذلك فوق الازار فيكون عملا بعموم اللفظ والله سبحانه وتعالى أعلم (وجه) قول محمد ظاهر قوله تبارك وتعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى جعل الحيض أذى فتختص الحرمة بموضع الاذى وقد روى أن سيدتنا عائشة رضى الله عنها سئلت عما يحل للرجل من امرأته الحائض فقالت يتقى شعار الدم وله ما سوى ذلك (ووجه) قولهما ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لنا ما تحت السرة وله ما فوقها وروى ان أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كن إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن ولان الاستمتاع بها بما يقرب من الفرج سبب الوقوع في الحرام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وفى رواية من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه والمستمتع بالفخذ يحوم حول الحمى ويرتع حوله فيوشك ان يقع فيه دل ان الاستمتاع به سبب الوقوع في الحرام وسبب الحرام حرام أصله الخلوة بالاجنبية (وأما) الآية الكريمة فحجة عليه لان ما حول الفرج لا يخلو عن الاذى عادة فكان الاستمتاع به استعمال الاذى وقول سيدتنا عائشة رضى الله عنها له ما سوى ذلك أي مع الازار فحمل على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وكذلك المرأة يحل لها النظر إلى زوجها واللمس من فرقه إلى قدمه لانه حل لها ما هو أكثر من ذلك وهو التمكين من الوطئ فهذا أولى ويحل النظر إلى عين فرج المرأة المنكوحة لان الاستمتاع به حلال فالنظر إليه أولى الا أن الادب غض البصر عنه من الجانبين لما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها أنها قالت قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نظرت إلى ما منه ولا نظر إلى ما منى ولا يحل اتيان الزوجة في دبرها لان الله تعالى عز شأنه نهى عن قربان الحائض ونبه على المعنى وهو كون المحيض أذى والاذى في ذلك المحل أفحش وأذم فكان أولى بالتحريم وروى عن سيدنا على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا فصدقة فيما يقول فهو كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن اتيان النساء في محاشهن أي أدبارهن وعلى ذلك جاءت الآثار من الصحابة الكرام رضى الله عنهم انها سميت اللوطية الصغرى ولان حل الاستمتاع في الدنيا لا يثبت لحق قضاء الشهوات خاصة لان لقضاء الشهوات خاصة دار أخرى وانما يثبت لحق قضاء الحاجات وهى حاجة بقاء النسل إلى انقضاء الدنيا الا أنه ركبت الشهوات في البشر للبعث على قضاء الحاجات وحاجة النسل لا تحتمل الوقوع في الادبار فلو ثبت الحل لثبت لحق قضاء الشهوة خاصة والدنيا لم تخلق له (وأما) النوع الثاني وهن المملوكات فحكمهم حكم المنكوحات فيحل للمولى النظر إلى سائر بدن جاريته ومسها من رأسها إلى قدمها لانه حل له ما هو أكثر منه لقوله عزوجل أو ما ملكت أيمانكم الآية الا أن حالة الحيض صارت

[ 120 ]

مخصوصة فلا يقربها في حالة الحيض ولا يأتي في دبرها لما ذكرنا من الدلائل وفى الاستمتاع بها فيما دون الفرج على الاختلاف وكذا إذا ملكها بسائر أسباب الملك لا يحل له أن يقربها قبل أن يستبرئها والاصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال في سبايا أوطاس الا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة ولان فيه خوف اختلاف المياه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره وكذا فيه وهم ظهور الحبل بها فيدعيه ويستحقها فيتبين انه يستمتع بملك الغير (وأما) الدواعى من القبلة والمعانقة والنظر إلى الفرج عن شهوة فلا يحل عند عامة العلماء الا في المسببة وقال مكحول رحمه الله يحل (وجه) قوله أن الملك في الاصل مطلق التصرف ولهذا لم تحرم الدواعى في المسببة ولا على الصائم فكان ينبغى أن لا يحرم القربان أيضا الا أن الحرمة عرفناها بالنص فتقتصر الحرمة على مورد النص على أن النص ان كان معلولا بخوف اختلاط المياه فهذا معنى لا يحتمل التعدية إلى الدواعى فلا يتعدى إليها (وجه) قول العامة ان حرمة القربان انما تثبت خوفا عن توهم العلوق وظهور الحبل وعند الدعوة والاستحقاق يظهر ان الاستمتاع صادف ملك الغير وهذا المعنى موجود في الدواعى من المستبرأة ونحوها فيتعدى إليها ولا يتعدى في المسببة فيقتصر الحكم فيها على مورد النص ولان الاستمتاع بالدواعى وسيلة إلى القربان والوسيلة إلى الحرام حرام أصله الخلوة وهذا أولى لان الخلوة في التوسل إلى الحرام دون المس فكان تحريمها تحريما للمس بطريق الاولى كما في تحريم التأفيف من الضرب والشتم ومن اعتمد على هذه النكتة منع فضل المسبية وزعم أن لانص فيها عن أصحابنا وهو غير سديد فان حل الدواعى من المسبية منصوص عليه من محمد رحمه الله فلا يستقيم المنع فكان الصحيح هو العلة الاولى وحرمة الدواعى في باب الظهار والاحرام ثبت لمعنى آخر ذكرناه في كتاب الحج والظهار (وأما) النوع الثالث وهو ذات الرحم المحرم فيحل للرجل النظر من ذوات محارمه إلى رأسها وشعرها وأذنيها وصدرها وعضدها وثديها وساقها وقدمها لقوله تبارك وتعالى ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن الآية نهاهن سبحانه وتعالى عن ابداء الزينة مطلقا واستثنى سبحانه ابداءها للمذكورين في الآية الكريمة منهم ذو الرحم المحرم والاستثناء من الحظر اباحة في الظاهر والزينة نوعان ظاهر وهو الكحل في العين والخاتم في الاصبع والفتخة للرجل وباطنة وهو العصابة للرأس والعقاص للشعر والقرط للاذن والحمائل للصدر والدملوج للعضد والخلخال للساق والمراد من الزينة مواضعها لا نفسها لان ابداء نفس الزينة ليس بمنهى وقد ذكر سبحانه وتعالى الزينة مطلقة فيتناول النوعين جميعا فيحل النظر إليها بظاهر النص ولان المخالطة بين المحارم للزيارة وغيرها ثابتة عادة فلا يمكن صيانة مواضع الزينة عن الكشف الا بحرج وانه مدفوع شرعا وكل ما جاز النظر إليه منهن من غير حائل جاز مسه لان المحرم يحتاج إلى اركابها وانزالها في المسافرة معها وتتعذر صيانه هذه المواضع عن الانكشاف فيتعذر على المحرم الصيانة عن مس المكشوف ولان حرمة النظر إلى هذه المواضع ومسها من الاجنبيات انما ثبت خوفا عن حصول الشهوة الداعية إلى الجماع والنظر إلى هذه الاعضاء ومسها في ذوات المحارم لا يورث الشهوة لانهما لا يكونان للشهوة عادة بل للشفقة ولهذا جرت العادة فيما بين الناس بتقبيل أمهاتهم وبناتهم وقد روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من الغزو قبل رأس السيدة فاطمة رضى الله عنها وهذا إذا لم يكن النظر والمس عن شهوة ولا غلب على ظنه انه لا يشتهى فاما إذا كان يشتهى أو كان غالب ظنه وأكبر رأيه انه لو نظر أو مس اشتهى لم يجز له النظر والمس لانه يكون سببا للوقوع في الحرام فيكون حراما ولا بأس أن يسافر بها إذا أمن الشهوة لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثا فما فوقها الا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها ولان الذى يحتاج المحرم إليه في السفر مسها في الحمل والانزال ويحل له مسها فتحل المسافرة معها وكذا لا بأس أن يخلو بها إذا أمن على نفسه لانه لما حل المس فالخلوة أولى فان خاف على نفسه لم يفعل لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 121 ]

انه قال لا يخلون الرجل وان قبل حموها الا حموها الموت وهو محمول على حالة الخوف أو يكون نهى ندب وتنزيه والله سبحانه وتعالى أعلم ولا يحل النظر إلى بطنها وظهرها والى ما بين السرة والركبة منها ومسها لعموم قوله تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الآية الا انه سبحانه وتعالى رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة بقوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن الآية فبقى غض البصر عما وراءها مأمورا به وإذا لم يحل النظر فالمس أولى لانه أقوى ولان رخصة النظر إلى مواضع الزينة للحاجة التى ذكرناها ولا حاجة إلى النظر إلى ما وراءها فكان النظر إليها بحق الشهوة وانه حرام ولان الله تبارك وتعالى جعل الظهار منكرا من القول وزورا والظهار ليس الا تشبيه المنكوحة بظهر الام في حق الحرمة ولو لم يكن ظهر الام حرام النظر والمس لم يكن الظهار منكرا من القول وزورا فيؤدى إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف هذا إذا كانت هذه الاعضاء مكشوفة فاما إذا كانت مستورة بالثياب واحتاج ذو الرحم المحرم إلى اركابها وانزالها فلا بأس بان يأخذ بطنها أو ظهرها أو فخذها من وراء الثوب إذا كان يأمن على نفسه لما ذكرنا ان مس ذوات الرحم المحرم لا يورث الشهوة عادة خصوصا من وراء الثوب حتى لو خاف الشهوة في المس لا يمسه وليجتنب ما استطاع وكل ما يحل للرجل من ذوات الرحم المحرم منه من النظر والمس يحل للمرأة ذلك من ذى رحم محرم منها وكل ما يحرم عليه يحرم عليها والله عزوجل أعلم (وأما) النوع الرابع وهو ذوات المحرم بلا رحم فحكمهن حكم ذوات الرحم المحرم وقد ذكرناه والاصل فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وروى أن أفلح بن أبى القعيس رحمه الله استأذن أن يدخل على سيدتنا عائشة رضى الله تعالى عنها فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ليلج عليك فانه عمك أرضعتك امرأة اخيه (وأما) النوع الخامس وهو مملوكات الاغيار فحكمهن أيضا في حل النظر والمس وحرمتهما حكم ذوات الرحم المحرم فيحل النظر إلى مواضع الزينة منهن ومسها ولا يحل ما سوى ذلك والاصل فيه ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مس ناصية أمة ودعا لها بالبركة وروى ان سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه رأى أمة متقنعة فعلاها بالدرة وقال القى عنك الخمار يادفار أتتشبهين بالحرائر فدل على حل النظر إلى رأسها وشعرها وأذنها وروى عن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه انه مر بجارية تعرض على البيع فضرب بيده على صدرها وقال اشتروا ولو كان حراما لم يتوهم منه رضى الله عنه أن يمسها ولان بالناس حاجة إلى النظر إلى هذه المواضع ومسها عند البيع والشراء لمعرفة بشرتها من اللين والخشونة ونحو ذلك لاختلاف قيمتها باختلاف أطرافها فألحقت بذوات الرحم المحرم دفعا للحرج عن الناس ولهذا يحل بهن المسافرة بلا محرم ولا حاجة إلى المس والنظر إلى غيرها لانها تصير معلومة بالنظر إلى الاطراف ومسها وهذا إذا أمن على نفسه الشهوة فان لم يأمن وخاف على نفسه أن يشتهى لو نظر أو مس فلا بأس أن ينظر إليها وان اشتهى إذا أراد أن يشتريها فلابد له من النظر لما قلنا فيحتاج إلى النظر فصار النظر من المشترى بمنزلة النظر من الحاكم والشاهد والمتزوج فلا بأس بذلك وان كان عن شهوة فكذا هذا وكذا لا بأس له أن يمس وان اشتهى إذا أراد أن يشتريها عند أبى حنيفة رضى الله عنه وروى عن محمد رحمه الله انه يكره للشاب مس شئ من الامة والصحيح قول أبى حنيفة رضى الله عنه لان المشترى يحتاج إلى العلم ببشرتها ولا يحصل ذلك الا باللمس فرخض للضرورة وكذا يحل للامة النظر والمس من الرجل الأجنبي ما فوق السرة ودون الركبة الا ان تخاف الشهوة فتجتنب كالرجل وكل جواب عرفته في القنة فهو الجواب في المدبرة وأم الولد لقيام الرق فيهما (وأما) النوع السادس وهو الاجنبيات الحرائر فلا يحل النظر للاجنبي من الاجنبية الحرة إلى سائر بدنها الا الوجه والكفين لقوله تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الا ان النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهى الوجه والكفان رخص بقوله تعالى ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها والمراد من الزينة مواضعها ومواضع الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولانها تحتاج إلى البيع والشراء والاخذ والعطاء ولا يمكنها

[ 122 ]

ذلك عادة الا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبى حنيفة رضى الله عنه وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله انه يحل النظر إلى القدمين أيضا (وجه) هذه الرواية ما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله تعالى عنها في قوله تبارك وتعالى الا ما ظهر منها القلب والفتخة وهى خاتم أصبع الرجل فدل على جواز النظر إلى القدمين ولان الله تعالى نهى عن ابداء الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان ألا ترى انهما يظهران عند المشى فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح ابداؤهما (وجه) ظاهر الرواية ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما انه قال في قوله جل شأنه الا ما ظهر منها انه الكحل والخاتم وروى عنه في رواية أخرى انه قال الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهى ولان اباحة النظر إلى وجه الاجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الاخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر اليهما ثم انما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها من غيرة شهوة فاما عن شهوة فلا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام العينان تزنيان وليس زنا العينين الا النظر عن شهوة ولان النظر عن شهوة سبب الوقوع في الحرام فيكون حراما الا في حالة الضرورة بان دعى إلى شهادة أو كان حاكما فأراد أن ينظر إليها ليجيز اقرارها عليها فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وان كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك لان الحرمات قد يسقط اعتبارها لمكان الضرورة ألا ترى انه خص النظر إلى عين الفرج لمن قصد اقامة حسبة الشهادة على الزنا ومعلوم ان النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى وكذا إذا أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وان كان عن شهوة لان النكاح بعد تقديم النظر أدل على الالفة والموافقة الداعية إلى تحصيل المقاصد على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام للمغيرة بن شعبة رضى الله عنه حين أراد أن يتزوج امرأة اذهب فانظر إليها فانه أحرى أو يدوم بينكما دعاه عليه الصلاة والسلام إلى النظر مطلقا وعلل عليه الصلاة والسلام بكونه وسيلة إلى الالفة والموافقة (وأما) المرأة فلا يحل لها النظر من الرجل الأجنبي ما بين السرة إلى الركبة ولا بأس أن تنظر إلى ما سوى ذلك إذا كانت تأمن على نفسها والافضل للشاب غض البصر عن وجه الاجنبية وكذا الشابة لما فيه من خوف حدوث الشهوة والوقوع في الفتنة يؤيده المروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما انه قال في قوله تبارك وتعالى الا ما ظهر منها انه الرداء والثياب فكان غض البصر وترك النظر أزكى وأطهر وذلك قوله عزوجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم وروى ان أعميين دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده بعض ازواجه سيدتنا عائشة رضى الله عنها وأخرى فقال لهما قوما فقالتا انهما أعميان يا رسول الله فقال لهما اعميا وان انتما الا إذا لم يكونا من أهل الشهوة بان كان شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما والعبد فيما ينظر إلى مولاته كالحر الذى لا قرابة بينه وبينها سواء وكذا الفحل والخصى والعنين والمخنث إذا بلغ مبلغ الرجال سواء لعموم قوله تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم واطلاق قوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها ولان الرق والخصاء لا يعدمان الشهوة وكذا العنة والخنوثة (أما) الرق فظاهر (وأما) الخصاء فان الخصى رجل الا أنه مثل به إلى هذا أشارت سيدتنا عائشة رضى الله عنها فقالت انه رجل مثل به افتحل له المثلة ما حرم الله تبارك وتعالى على غيره (وأما) العنة والخنوثة فالعنين والمخنث رجلان فان قيل اليس ان المملوك بملك اليمين للمرأة مستثنى من قوله جل وعلا ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن إلى قوله عز شأنه الا ما ملكت أيمانهن من غير فصل بين العبد والامة والاستثناء من الحظر اباحة فالجواب ان قوله سبحانه وتعالى الا ما ملكت أيمانهن ينصرف إلى الاماء لان حكم العبيد صار معلوما بقوله سبحانه وتعالى أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال إذ العبد من جملة التابعين من الرجال فكان قوله عز شأنه الا ما ملكت ايمانهن مصروفا إلى الاماء لئلا يؤدى إلى التكرار فان قيل حكم الاماء صار معلوما بقوله تبارك وتعالى أو التابيعن فالصرف اليهن يؤدى إلى التكرار أيضا فالجواب ان المراد بالنساء الحرائر فوقعت الحاجة إلى تعريف حكم الاماء فأبان بقوله جل شأنه أو ما ملكت أيمانهن ان حكم الحرة والامة فيه سواء

[ 123 ]

وروى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها انها قالت كان يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولى الاربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخل عليكن فحجبوه وكذا روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة رضى الله عنها وعندها مخنث فاقبل على أخى أم سلمة فقال يا عبد الله ان فتح الله عليكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان فانها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال عليه الصلاة والسلام لا أرى يعرف هذا ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا إذا بلغ الأجنبي مبلغ الرجال فان كان صغيرا لم يظهر على عورات النساء ولا يعرف العورة من غير العورة فلا بأس لهن من ابداء الزينة لهم لقوله جل وعلا أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء مستثنى من قوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن الا لمن ذكر والطفل في اللغة الصبى ما بين أن يولد إلى يحتلم وأما الذى يعرف التمييز بين العورة وغيرها وقرب من الحلم فلا ينبغى لها أن تبدى زينتها له ألا ترى ان مثل هذا الصبى أمر بالاستئذان في بعض الاوقات بقوله تبارك وتعالى والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات الا إذا لم يكونا من أهل الشهوة بان كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما وروى ان أعميين دخلا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده بعض أزواجه سيدتنا عائشة وأخرى فقال لهما قوما فقالتا انهما أعميان يا رسول الله فقال اعميا وان أنتما هذا حكم النظر إلى الوجه والكفين وأما حكم مس هذين العضوين فلا يحل مسهما لان حل النظر للضرورة التى ذكرناها ولا ضرورة إلى المس مع ما ان المس في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر واباحة أدنى الفعلين لا يدل على اعلاهما هذا إذا كان شابين فان كانا شيخين كبيرين فلا بأس بالمصافحة لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة لانعدام الشهوة وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصافح العجائز ثم انما يحرم النظر من الاجنبية إلى سائر اعضائها سوى الوجه والكفين أو القدمين أيضا على اختلاف الروايتين إذا كانت مكشوفة فاما إذا كانت مستورة بالثوب فان كان ثوبها صفيقا لا يلتزق ببدنها فلا بأس أن يتأملها ويتأمل جسدها لان المنظور إليه الثوب دون البدن وان كان ثوبها رقيقا يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقا لكنه يلتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها فلا يحل له النظر لانه إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الكاسيات العاريات وروى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها انها قالت دخلت على أختى السيدة أسماء وعليها ثياب شامية رقاق وهى اليوم عندكم صفاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ثياب تمجها سورة النور فامر بها فأخرجت فقلت يا رسول الله زارتني أختى فقلت لها ما قلت فقال يا عائشة ان المرأة إذا حاضت لا ينبغى أن يرى منها الا وجهها وكفاها فان ثبت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام كان تفسيرا لقوله عزوجل الا ما ظهر منها فدل على صحة الرواية ان الحرة لا يحل النظر منها الا إلى وجهها وكفيها والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) النوع السابع وهو ذوات الرحم بلا محرم فحكمهن حكم الاجنبيات الحرائر لعموم الامر بغض البصر والنهى عن ابداء زينتهن الا للمذكورين في محل الاستثناء وذو الرحم بلا محرم غير مذكور في المستثنى فبقيت منهية عن ابداء الزينة له والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) الثاني وهو ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من الرجل فنقول وبالله التوفيق يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده الا ما بين السرة والركبة الا عند الضرورة فلا بأس أن ينظر الرجل من الرجل إلى موضع الختان ليختنه ويداويه بعد الختن وكذا إذا كان بموضع العورة من الرجل قرح أو جرح أو وقعت الحاجة إلى مداواة الرجل ولا ينظر إلى الركبة ولا بأس بالنظر إلى السرة فالركبة عورة والسرة ليست بعورة عندنا وعند الشافعي على العكس من ذلك والصحيح قولنا لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تحت السرة عورة والركبة ما تحتها فكانت عورة الا ان ما تحت الركبة صار مخصوصا فبقيت الركبة تحت العموم ولان الركبة عضو مركب من عظم الساق والفخذ على وجه يتعذر تمييزه والفخذ من العورة والساق ليس من العورة فعند الاشتباه يجب العمل بالاحتياط وذلك فيما قلنا بخلاف السرة لانه اسم لموضع

[ 124 ]

معلوم لا اشتباه فيه وقد روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه كان إذا اتزر أبدى سرته ولو كانت عورة لما احتمل منه كشفها هذا حكم النظر (وأما) حكم المس فلا خلاف في أن المصافحة حلال لقوله عليه الصلاة والسلام تصافحوا تحابوا وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا لقى المؤمن أخاه فصافحه تناثرت ذنوبه ولان الناس يتصافحون في سائر الاعصار في العهود والمواثيق فكانت سنة متوارثة واختلف في القبلة والمعانقة قال أبو حنيفة رضى الله عنه ومحمد رحمه الله يكره للرجل أن يقبل فم الرجل أو يده أو شيأ منه أو يعانقه وروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه لا بأس به (ووجهه) ما روى أنه لما قدم جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من الحبشة عانقه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه وأدنى درجات فعل النبي الحل وكذا روى ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا رجعوا من أسفارهم كان يقبل بعضهم بعضا ويعانق بعضهم بعضا واحتجا بما روى أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل أيقبل بعضنا بعضا فقال لا فقيل أيعانق بعضنا بعضا فقال عليه الصلاة والسلام لا فقيل أيصافح بعضنا بعضا فقال عليه الصلاة والسلام نعم وذكر الشيخ أبو منصور رحمه الله ان المعانقة انما تكره إذا كانت شبيهة بما وضعت للشهوة في حالة التجرد فاما إذا قصد بها المبرة والاكرام فلا تكره وكذا التقبيل الموضوع لقضاء الوطر والشهوة هو المحرم فإذا زال عن تلك الحالة ابيح وعلى هذا الوجه الذى ذكره الشيخ يحمل الحديث الذى احتج به أبو يوسف رحمه الله والله أعلم بالصواب (وأما) الثالث وهو بيان ما يحل من ذلك وما يحرم للمرأة من المرأة فكل ما يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل يحل للمرأة أن تنظر إليه من المرأة وكل ما لا يحل له لا يحل لها فتنظر المرأة من المرأة إلى سائر جسدها الا ما بين السرة والركبة لانه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشهوة والوقوع في الفتنة كما ليس ذلك في نظر الرجل إلى الرجل حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر كما في الرجل ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة الا عند الضرورة بان كانت قابلة فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين والجارية المشتراة على شرط البكارة إذا اختصما وكذا إذا كان بها جرح أو قرح في موضع لا يحل للرجال النظر إليه فلا بأس أن تداويها إذا علمت المداواة فان لم تعلم تعلم ثم تداويها فان لم توجد أمرأة تعلم المداواة ولا امرأة تتعلم وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع لا تحتمله يداويها الرجل لكن لا يكشف منها لا موضع الجرح ويغض بصره ما استطاع لان الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعا لمكان الضرورة كحرمة الميتة وشرب الخمر حالة المخمضة والاكراه لكن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة لان علة ثبوتها الضرورة والحكم لا يزيد على قدر العلة هذا الذى ذكرنا حكم النظر والمس (وأما) حكم الدخول في بيت الغير فالداخل لا يخلو اما أن يكون أجنبيا أو من محارمه فان كان أجنبيا فلا يحل له الدخول فيه من غير استئذان لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قيل تستأنسوا أي تستأذنوا وقيل تستعلموا وهما متقاربان لان الاستئذان طلب الاذن والاستعلام طلب العلم والاذن اعلام وسواء كان السكن في البيت أو لم يكن لقوله تعالى فان لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وهذا يدل على أن الاستئذان ليس للسكان أنفسهم خاصة بل لانفسهم ولاموالهم لان الانسان كما يتخذ البيت سترا لنفسه يتخذه سترا لامواله وكما يكره اطلاع الغير على نفسه يكره اطلاعه على أمواله وفى بعض الاخبار ان من دخل بيتا بغير اذن قال له الملك الموكل به عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كلهم الا الثقلين فيصعد صوته إلى السماء الدنيا فتقول ملائكة السماء أف لفلان عصى ربه وأذى وإذا استأذن فأذن له حل له الدخول يدخل ثم يسلم ولا يقدم التسليم على الدخول كما قال بعض الناس لقوله سبحانه وتعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ولانه لو سلم قبل الدخول فإذا دخل يحتاج إلى التسليم ثانيا وان لم يؤذن له بالدخول وقيل له ارجع فليرجع ويكره له أن يقعد على الباب لقوله عزوجل وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا وفى بعض الاخبار الاستئذان ثلاث مرات من لم يؤذن له فيهن فليرجع أما الاول فيسمع الحى وأما الثاني فيأخذوا حذرهم وأما

[ 125 ]

الثالث فان شاؤا أذنوا وان شاؤا ردوا فإذا استأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له ينبغى أن يرجع ولا يقعد على الباب لينتظر لان للناس حاجات وأشغالا في المنازل فلو قعد على الباب وانتظر لضاق ذرعهم وشغل قلوبهم ولعل لا تلتئم حاجاتهم فكان الرجوع خيرا له من القعود وذلك قوله تعالى هو أزكى لكم هذا إذا كان الدخول للزيارة ونحوها فأما إذا كان الدخول لتغيير المنكر بأن سمع في دار صوت المزامير والمعازف فليدخل عليهم بغير اذنهم لان تغيير المنكر فرض فلو شرط الاذن لتعذر التغيير والله سبحانه وتعالى أعلم وان كان من محارمه فلا يدخل بغير استئذان أيضا وان كان يجوز له النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة لعموم النص الذى تلونا ولو دخل عليها من غير استئذان فربما كانت مكشوفة العورة فيقع بصره عليها فيكرها ذلك وهكذا روى أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقال أنا أخدم أمي وأفرشها ألى أستأذن عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فسأله ثلاثا فقال عليه الصلاة والسلام يسرك أن تراها عريانة فقال لا قال استأذن عليها وكذا روى عن حذيفة رضى الله عنه أن رجلا سأله فقال أستأذن على أختى فقال رضى الله عنه أن لم تستأذن رأيت ما يسوءك الا أن الامر في الاستئذان على المحارم أيسر وأسهل لان المحرم مطلق النظر إلى موضع الزينة منها شرعا هذا الذى ذكرنا حكم الاحرار البالغين (وأما) حكم المماليك والصبيان أما المملوك فيدخل في بيت سيده من غير استئذان الا في ثلاثة أوقات قبل صلاة الفجر وعند الظهر وبعد صلاة العشاء الآخرة لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم إلى قوله تعالى ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض ولان هذه أوقات التجرد وظهور العورة في العادة (أما) قبل صلاة الفجر فوقت الخروج من ثياب النوم ووقت الظهيرة وقت وضع الثياب للقيلولة وأما بعد صلاة العشاء فوقت وضع ثياب النهار للنوم ولا كذلك بعد هذه الاوقات الثلاث لان العورات بعدها تكون مستورة عادة والعبد والامة في ذلك سواء وسواء كان المملوك صغيرا أو كبيرا بعد أن كان يعرف العورة من غير العورة لان هذه أوقات غرة وساعات غفلة فربما يكون على حالة يكره أن يراه أحد عليها وهذا المعنى يستوى فيه الذكر والانثى والكبير والصغير بعد أن يكون من أهل التمييز ويكون الخطاب في الصغار للسادات بالتعليم والتأديب كما في الاباء مع الابناء الصغار (وأما) الصبيان فان كان الصغير ممن لا يميز بين العورة وغيرها فيدخل في الاوقات كلها وان كان من أهل التمييز بأن قرب من البلوغ يمنعه الاب من الدخول في الاوقات الثلاثة تأديبا وتعليما لامور الدين كالامر بالصلاة إذا بلغ سبعا وضربه عليها إذا بلغ عشرا والتفريق بينهم في المضاجع والله عزوجل أعلم هذا إذا كان البيت مسكونا بأن كان له ساكن وأما إذا لم يكن كالخانات والرباطات التى تكون للمارة والخربات التى تقضى فيها حاجة البول والغائط فلا بأس أن يدخله من غير استئذان لقوله سبحانه وتعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم أي منفعة لكم وهى منفعة دفع الحر والبرد في الخانات والرباطات ومنفعة قضاء الحاجة من البول والغائط في الخربات والله سبحانه وتعالى أعلم وروى في الخبر انه لما نزلت آية الاستئذان قال سيدنا أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله فكيف بالبيوت التى بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى عز وجل قوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله عزوجل الموفق هذا الذى ذكرنا حكم الدخول (وأما) حكم ما بعد الدخول وهو الخلوة فان كانت في البيت امرأة أجنبية أو ذات رحم محرم لا يحل للرجل أن يخلوا بها لان فيه خوف الفتنة والوقوع في الحرام وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا يخلون رجل بأمرأة فان ثالثهما الشيطان وان كانت المرأة ذات رحم محرم منه فلا بأس بالخلوة والافضل أن لا يفعل لما روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما أنه قال ما خلوت بامرأة قط مخافة أن أدخل في نهى النبي عليه الصلاة والسلام ويكره للمرأة أن تصل شعر غيرها من بنى آدم بشعرها لقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله الواصلة والمستوصلة ولان الآدمى بجميع أجزائه مكرم والانتفاع بالجزء المنفصل منه اهانة له ولهذا كره بيعه ولا بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها لانه

[ 126 ]

انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه الانتفاع فكذا في التزين ولا بأس للرجل ان يعزل عن أمته بغير اذنها (وأما) المنكوحة فان كانت حرة يكره له العزل من غير اذنها بالاجماع لان لها في الولد حقا وفى العزل فوت الولد ولايجوز تفويت حق الانسان من غير رضاه فإذا رضيت جاز وان كانت أمة فلابد من الاذن أيضا بلا خلاف لكن الكلام في أن الاذن بذلك إلى المولى أم إليها قال أبو حنيفة رحمه الله الاذن فيه إلى مولاها وقال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله إليها (وجه) قولهما ان لها حقا في قضاء الشهوة والعزل يوجب نقصانا فيه ولا يجوز ابطال حق الانسان من غير رضاه (وجه) قول أبى حنيفة رضى الله عنه ان الكراهة في الحرة لمكان خوف فوت الولد الذى لها فيه حق والحق ههنا في الولد للمولى لا للامة وقولهما فيه نقصان قضاء الشهوة فنعم لكن حقها في اصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال ألا ترى ان من الرجال من لا ماء له وهو يجامع امرأته من غير انزال ولا يكون لها حق الخصومة دل ان حقها في اصل قضاء الشهوه لا في وصف الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للرجل أن يقول في دعائه أسألك بحق أنبيائك ورسلك وبحق فلان لانه لا حق لاحد على الله سبحانه وتعالى جل شأنه وكذا يكره أن يقول في دعائه اسألك بمعقد العز من عرشك وروى عن أبى يوسف انه لا بأس بذلك لورود الحديث وهو ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه كان يقول في دعائه اللهم انى أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمه من كتابك وباسمك الاعظم وجدك الاعلى وكلماتك التامة (وجه) ظاهر الرواية ان ظاهر هذا اللفظ يوهم التشبيه لان العرش خلق من خلائق الله تبارك وتعالى جل وعلا فاستحال أن يكون عز الله تبارك وتعالى معقودا به وظاهر الخبر الذى هو في حد الآحاد إذا كان موهما للتشبيه فالكف عن العمل به أسلم ويكره حمل الخرقة لمسح العرق والامتخاط ترفعا بها وتكبرا لان التكبر من المخلوق مذموم وكذا هو تشبيه بزى العجم وقال سيدنا عمر رضى الله عنه اياكم وزى العجم فأما لحاجة فلا بأس به لانه لو لم يحمل لاحتاج إلى الاخذ بالكم والذيل وفيه افساد ثوبه ولا بأس بربط الخيط في الاصبع أو الخاتم للحاجة لان فيه استعانة على قضاء حاجة المسلم بالتذكير ودفع النسيان وانه امر مندوب إليه وروى ان رسول صلى الله عليه وسلم أمر بعض الصحابة بذلك ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة الله تبارك وتعالى فلا تسقبلوها ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا وهذا بالمدينة (وأما) الاستدبار فعن أبى حنيفة رضى الله عنه فيه روايتان في رواية يكره وفى رواية لا يكره لما روى عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنهما أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل الشام مستدبر القبلة ولان فرجه لا يوازى القبلة حالة الاستدبار وانما يوازى الارض بخلاف حالة الاستقبال هذا إذا كان في الفضاء فان كان في البيوت فكذلك عندنا وعند الشافعي عليه الرحمة لا بأس بالاستقبال في البيوت واحتج بما روى عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنهما سئل عن ذلك فقال انما ذلك في الفضاء (ولنا) ما روينا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقا من غير فصل بين الفضاء والبيوت والعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من العمل بقول الصحابي ولان الفارق بين الفضاء وبين البيوت ان كان وجود الحائل من الجدار ونحوه فقد وجد الحائل في الفضاء وهو الجبال وغيرها ولم يمنع الكراهة فكذا هذا ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى متوضا أو مخرج أو حمام لان فيه ترك تعظيم المسجد وأما مسجد البيت وهو الموضع الذى عينه صاحب البيت للصلاة فلا بأس بذلك لانه ليس بمسجد حقيقة فلا يكون له حكم المسجد وتكره التصاوير في البيوت لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قال لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة ولان امساكها تشبه بعبدة الاوثان الا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التى تلقى على الارض ليجلس عليها تكره لان دوسها بالارجل اهانة لها فامساكها في موضع الاهانة لا يكون تشبها بعبدة الاصنام الا أن يسجد عليها فيكره لحصول معنى التشبه ويكره على الستور وعلى الازر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف لما فيه من تعظيمها

[ 127 ]

أو لم يكن لها رأس فلا بأس لانها لا تكون صورة بل تكون نقشا فان قطع رأسه بان خاط على عنقه خيطا فذاك ليس بشئ لانها لم تخرج عن كونها صورة بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الاطواق من الطيور ثم المكروه صورة ذى الروح فاما صورة ما لا روح له من الاشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به ويكره التعشير والنقط في المصحف لقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما جردوا مصاحفكم وذلك في ترك التعشير والنقط ولان ذلك يؤدى إلى الخلل في تحفظ القرآن لانه يتكل عليه فلا يجتهد في التحفظ بل يتكاسل لكن قيل هذا في بلادهم فاما في بلاد العجم فلا يكره لان العجم لا يقدرون على تعلم القرآن بدونه ولهذا جرى التعارف به في عامة البلاد من غير نكير فكان مسنونا لا مكروها ولا بأس بنقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب لان تزيين المسجد من باب تعظيمه سكن مع هذا تركه أفضل لان صرف المال إلى الفقراء أولى واليه أشار عمر بن عبد العزيز رضى الله عنهما حين رأى مالا ينقل إلى المسجد الحرام فقال المساكين أحوج من الاساطين وكان لمسجد رسول صلى الله عليه وسلم جريد النخل وهذا إذا نقش من مال نفسه فاما من مال المسجد فلا ينبغى أن يفعل ولو فعل القيم من مال المسجد قيل انه يضمن ولا يعق عن الغلام والجارية عندنا وعند الشافعي رحمه الله العقيقة سنة واحتج بما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن سيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضى الله عنهما كبشا كبشا (ولنا) ما روى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال نسخت الاضحية كل دم كان قبلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها والعقيقة كانت قبل الاضحية فصارت منسوخة بها كالعتيرة والعقيقة ما كانت قبلها فرضا بل كانت فضلا وليس بعد نسخ الفضل الا الكراهة بخلاف صوم عاشوراء وبعض الصدقات المنسوخة حيث لا يكره التنفل بها بعد النسخ لان ذلك كان فرضا وانتساخ الفرضية لا يخرجه عن كونه قربة في نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ويكره للرجل أن يجعل الراية في عنق عبده ولا بأس بان يقيده اما الراية وهى الغل فلانه شئ أحدثته الجبابرة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فاما التقييد فليس بمحدث بل كان يستعمله الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم روى أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قيد عبدا له يعلمه تأويل القرآن وبه جرت العادة في سائر الاعصار من غير نكير فيكون اجماعا ولان ضرب الراية على العبد لابقاء التمكن من الانتفاع مع الامن عن الاباق الا ان لا يحصل بالراية لان كل أحد إذا رآه يمشى مع الراية يظنه آبقا فيصرفه عن وجهه ويرده إلى مولاه فلا يمكنه الانتفاع به فلم يكن ضرب الراية عليه مفيدا ولا بأس بالحقنة لانها من باب التداوى وأنه أمر مندوب إليه قال النبي عليه الصلاة والسلام تداووا فان الله تعالى لم يخلق داء الا وقد خلق له دواء الا السام والهرم ويكره اللعب بالنرد والشطرنح والاربعة عشر وهى لعب تستعمله اليهود لانه قمار أو لعب وكل ذلك حرام (أما) القمار فلقوله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس) وهو القمار كذا روى ابن عباس وابن سيدنا عمر رضى الله عنهم وروى عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبى وغيرهم رضى الله عنهم أنهم قالوا الميسر القمار كله حتى الجوز الذى يلعب به الصبيان وعن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال الشطرنج ميسر الاعاجم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما الهاكم عن ذكر الله فهو ميسر (وأما) اللعب فلقوله عليه الصلاة والسلام كل لعب حرام الا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه وقوله عليه الصلاة والسلام ما أنا من رد ولا رد منى وحكى عن الشافعي رحمه الله أنه رخص في اللعب بالشطرنج وقال لان فيه تشحيذ الخاطر وتذكية الفهم والعلم بتدابير الحرب ومكايده فكان من باب الادب فاشبه الرماية والفروسية وبهذا لا يخرج عن كونه قمارا ولعبا وكل ذلك حرام لما ذكرنا وكره أبو يوسف التسليم على اللاعبين بالشطرنج تحقيرا لهم لزجرهم عن ذلك ولم يكره أبو حنيفة رضى الله عنه لان ذلك يشغلهم عماهم فيه فكان التسليم بعض ما يمنعهم عن ذلك فلا يكره ولا بأس بعيادة اليهود والنصارى لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد يهوديا فقال له قل لا اله الا الله محمد رسول الله فنظر إلى أبيه

[ 128 ]

فقال له أبوه أجب محمدا فأسلم ثم مات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذى أنقذ بى نسمة من النار ولان عيادة الجار قضاء حق الجوار وأنه مندوب إليه قال الله تبارك وتعالى والجار الجنب من غير فصل مع ما في العيادة من الدعوة إلى الايمان رجاء الايمان فكيف يكون مكروها ويكره الابتداء بالتسليم على اليهودي والنصراني لان السلام اسم لكل بر وخير ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر الا أنه إذا سلم لا بأس بالرد عليه مجازاة له ولكن لا يزيد على قوله وعليك لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فانما يقول السلام عليكم فقولوا وعليك ولا بأس بدخول أهل الذمة المساجد عندنا وقال مالك رحمه الله والشافعي لا يحل لهم دخول المسجد الحرام احتج مالك رحمه الله بقوله عزوجل انما المشركون نجس وتنزيه المسجد عن النجس واجب يحققه أنه يجب تنزيه المسجد عن بعض الطاهرات كالنخامة ونحوها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار فعن النجاسة أولى واحتج الشافعي رحمه الله بقوله جل وعلا (فلا يقربوا المسجد بعد عامهم هذا) خص المسجد الحرام بالنهي عن قربانه فيدل على اختصاص حرمة الدخول به ليكون التخصيص مفيدا (ولنا) أن المشركين من وفود العرب وغيرهم كانوا يدخلون المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه روى أن أبا سفيان دخل المسجد عام الحديبية وكذا وفد ثقيف دخلوا المسجد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة من دخل المسجد فهو آمن جعل عليه الصلاة والسلام المسجد مأمنا ودعاهم إلى دخوله وما كان عليه الصلاة والسلام ليدعوا إلى الحرام (وأما) الآية الكريمة فالمراد أنهم نجس الاعتقاد والافعال لا نجس الاعيان إذ لا نجاسة على أعيانهم حقيقة وقوله عز وجل (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) نهى عن دخول مكة للحج لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لقوله تعالى (وان خفتم عليلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء) ومعلوم ان خوف العيلة انما يتحقق بمنعهم عن دخول مكة لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لانهم إذا دخلوا مكة ولم يدخلوا المسجد الحرام لا يتحقق خوف العيلة ولما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سيدنا عليا رضى الله عنه ينادى الا لا يحجن بعد هذا العام مشرك فثبت ان هذا نهى عن دخول مكة للحج الا أنه سبحانه وتعالى ذكر المسجد الحرام لما أن المقصد من اتيان مكة البيت والبيت في المسجد والله سبحانه وتعالى أعلم مسلم باع خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه ولو كان البائع نصرانيا فلا بأس بأخذه (ووجه) الفرق أن بيع الخمر من المسلم باطل لانها ليست بمتقومة في حق المسلم فلا يملك ثمنها فبقى على حكم ملك المشترى فلا يصح قضاء الدين به وان كان البائع نصرانيا فالبيع صحيح لكونها مالا متقوما في حقه فملك ثمنها فصح قضاء الدين منه والله عزوجل أعلم رجل دعى إلى وليمة أو طعام وهناك لعب أو غناء جملة الكلام فيه ان هذا في الاصل لا يخلو من أحد وجهين أما أن يكون عالما ان هناك ذاك واما أن لم يكن عالما به فان كان عالما به فان كان من غالب رأيه أنه يمكنه التغيير يجيب لان اجابة الدعوى مسنونة قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها وتغيير المنكر مفروض فكان في الاجابة اقامة الفرض ومراعاة السنة وان كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير لا بأس بالاجابة لما ذكرنا ان اجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير ألا ترى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وان كان هناك معصية من النياحة وشق الجيوب ونحو ذلك كذا ههنا وقيل هذا إذا كان المدعو اماما يقتدى به بحيث يتحرم ويحتشم منه فان لم يكن فترك الاجابة والقعود عنها أولى وان لم يكن عالما حتى ذهب فوجد هناك لعبا أو غناء فان أمكنه التغيير غير وان لم يمكنه ذكر في الكتاب وقال لا بأس بان يقعد ويأكل قال أبو حنيفة رضى الله عنه ابتليت بهذا مرة لما ذكرنا أن اجابة الدعوة أمر مندوب إليه فلا يترك لاجل معصية توجد من الغير هذا إذا لم يعلم به حتى دخل فان علمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل وقيل هذا إذا لم يكن اماما يقتدى به فان كان لا يمكث بل يخرج لان في المكث استخفافا بالعلم والدين وتجرئة لاهل الفسق على الفسق وهذا لا يجوز وصبر أبى حنيفة رحمه الله محمول على وقت لم يصر فيه مقتدى به على الاطلاق ولو صار لما صبر ودلت المسألة على أن مجرد الغناء

[ 129 ]

معصية وكذا الاستماع إليه وكذا ضرب القصب والاستماع إليه الا ترى ان أبا حنيفة رضى الله عنه سماه ابتلاء ويكره الاحتكار والكلام في الاحتكار في موضعين أحدهما في تفسير الاحتكار وما يصير به الشخص محتكرا والثانى في بيان حكم الاحتكار (أما) الاول فهو أن يشترى طعاما في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به يكون محتكرا وان كان مصرا كبيرا لا يضر به لا يكون محتكرا ولو جلب إلى مصر طعاما من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارا وروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه يكون احتكارا لان كراهة الاحتكار بالشراء في المصر والامتناع عن البيع لمكان الاضرار بالعامة وقد وجد ههنا ولابي حنيفة رضى الله عنه قول النبي عليه الصلاة والسلام الجالب مرزوق وهذا جالب ولان حرمة الاحتكار بحبس المشترى في المصر لتعلق حق العامة به فيصير ظالما بمنع حقهم على ما نذكر ولم يوجد ذلك في المشترى خارج المصر من مكان بعيد لانه متى اشتراه ولم يتعلق به حق أهل المصر فلا يتحقق الظلم ولكن مع هذا الافضل له أن لا يفعل ويبيع لان في الحبس ضررا بالمسلمين وكذلك ما حصل له من ضياعه بان زرع أرضه فأمسك طعامه فليس ذلك باحتكار لانه لم يتعلق به حق أهل المصر لكن الافضل أن لا يفعل ويبيع لما قلنا ثم الاحتكار يجرى في كل ما يضر بالعامة عند أبى يوسف رحمه الله قوتا كان أو لا وعند محمد رحمه الله لا يجرى الاحتكار الا في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتبن والقت (وجه) قول محمد رحمه الله ان الضرر في الاعم الاغلب انما يلحق العامة بحبس القوت والعلف فلا يتحقق الاحتكار الا به (وجه) قول أبى يوسف رحمه الله ان الكراهة لمكان الاضرار بالعامة وهذا لا يختص بالقوت والعلف (وأما) حكم الاحتكار فنقول يتعلق بالاحتكار أحكام (منها) الحرمة لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال المحتكر ملعون والجالب مرزوق ولا يلحق اللعن الا بمباشرة المحرم وروى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ومثل هذا الوعيد لا يلحق الا بارتكاب الحرام ولان الاحتكار من باب الظلم لان ما بيع في المصر فقد تعلق به حق العامة فإذا امتنع المشترى عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم ومنع الحق عن المستحق ظلم وانه حرام وقليل مدة الحبس وكثيرها سواء في حق الحرمة لتحقق الظلم (ومنها) أن يؤمر المحتكر بالبيع ازالة للظلم لكن انما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله فان لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفع إلى الامام مرة أخرى وهو مصر عليه فان الامام يعظه ويهدده فان لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره زجرا له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع وقال محمد يجبر عليه وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لان الجبر على البيع في معنى الحجر وكذا لا يسعر لقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب من نفسه وروى ان السعر علا في المدينة وطلبوا التسعير من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسعر وقال ان الله تبارك وتعالى هو المسعر القابض الباسط (ومنها) انه إذا خاف الامام الهلاك على أهل المصر أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم فإذا وجدوا ردوا عليهم مثله لانهم اضطروا إليه ومن اضطر إلى مال الغير في مخمصة كان له أن يتناوله بالضمان لقوله تعالى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم وكذا يكره تلقى الركبان إذا كان يضر بأهل المصر لما روى ان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقى الركبان ولان فيه اضرار بالعامة فيكره كما يكره الاحتكار ويكره خرق الزق الذى فيه خمر لمسلم عند أبى حنيفة رحمه الله ولو خرق يضمن وعند أبى يوسف ومحمد لا يكره ولا يضمن وعلى هذا الخلاف كسر آلات الملاهي من البربط والعود والزمارة ونحوها والمسألة تعرف في كتاب البيوع رجل ابتلع درة رجل فمات المبتلع فان ترك مالا كانت قيمة الدرة في تركته وان لم يترك مالا لا يشق بطنه لان الشق حرام وحرمة النفس أعظم من حرمة المال وعليه قيمة الدرة لانه استهلكها وهى ليست من ذوات الامثال فكانت مضمونة بالقيمة فان ظهر له مال في الدنيا قضى منه والا فهو

[ 130 ]

مأخوذ به في الآخرة حامل ماتت فاضطرب في بطنها ولد فان كان في أكبر الرأى انه حى يشق بطنها لانا ابتلينا ببليتين فنختار أهونهما وشق بطن الام الميتة أهون من اهلاك الولد الحى رجل له ورثة صغار فأراد أن يوصى نظر في ذلك فان كان أكبر رأيه انه تقع الكفاية لهم بما سوى ثلث الوصية من المتروك فالوصية بالثلث أفضل لانه فيه رعاية الجانبين وان كان أكبر رأيه انه لا تقع الكفاية لهم الا بكل المتروك فالمتروك لهم أفضل من الوصية لما روى ان سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بكم يوصى الرجل من ماله فقال عليه الصلاة السلام بالثلث والثلث كثير لان تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس رجل رأى رجلا قتل أباه وادعى القاتل انه قتله بقصاص أو ردة ولم يعلم الابن من ذلك شيأ وسع الابن أن يقتله لانه عاين السب الموجب للقصاص في الاصل وهو القتل العمد لقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود الا أن يعفى أو يفادى والقاتل يدعى أمرا عارضا فلا يسمع الا بحجة وكذلك إذا أقر بالقتل في السر ثم ادعى انه قتله بقصاص أو بردة كان الابن في سعة من قتله لان الاقرار بالقتل العمد اقرار بالسبب الموجب للقصاص في الاصل على ما بينا ولو لم يعاين القتل ولا أقر به عنده ولكن شهد عنده شاهدان عدلان على معاينة القتل أو على الاقرار به لم يسعه قتله حتى يقضى القاضى بشهادتهما فرقا بين الاقرار وبين الشهادة ووجه الفرق بينهما ظاهر لان الشهادة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضى لما فيها من تهمة جر النفع فلا تندفع التهمة الا بقضاء القاضى (فاما) الاقرار فحجة بنفسه إذ الانسان غير متهم في الاقرار على نفسه فهو الفرق وكذلك يحل لمن عاين القتل أو سمع اقرار به أن يعين الولى على قتله لانه اعانة لصاحب الحق على استيفاء حقه ظاهرا ولو شهد عند الابن اثنان بما يدعيه القاتل مما يحل دمه من القتل والردة فان كانا ممن يقضى القاضى بشهادتهما لو شهدا عنده لا ينبغى للابن أن يعجل بالقتل لجواز أن يتصل القضاء بشهادتهما فيتبين انه قتله بغير حق والامتناع عن المباح أولى من ارتكاب المحظور وان كانا ممن لا يقضى القاضى بشهادتهما لو شهدا عنده كالمحدودين في القذف والنساء وحدهن كان في سعة من قتله لما ذكرنا ان الشهادة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضى فان كانت ممن لا يتصل بها القضاء كان وجودها وعدمها بمنزلة واحدة ولكن مع هذا ان توقف في ذلك فهو أفضل لاحتمال اتصال القضاء به في الجملة أو لاحتمال أن يكون صدقا حقيقة عند الله عزوجل ولو شهد عنده رجل واحد عدل غير محدود في القذف ينبغى أن يتوقف في القتل لجواز أن ينضم إليه شاهد آخر ولهذا لو شهد عند القاضى لتوقف أيضا فكان الانتظار أفضل ولو لم ينتظر واستعجل في قتله كان في سعة منه لان الموجود احدى شطرى الشهادة وانه لا يعتبر بدون الشطر الآخر ولو عاين الوارث رجلا أخذ مالا من أبيه أو أقر عنده انه أخذ مالا من أبيه وادعى انه كان وديعة له عند أبيه أو كان دينا له عليه اقتضاه منه وسعه أن يأخذه منه لانه لما عاين أخذ المال منه فقد عاين السبب الموجب للضمان في الاصل وهو الاخذ لان الاخذ في الاصل سبب لوجوب ضمان المأخوذ وهو رد عينه ان كان قائما ورد بدله ان كان هالكا لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده ودعوى الايداع والدين أمر عارض فلا يسمع الا بحجة وله أن يأخذه منه ولو امتنع عن الدفع يقاتله عليه لقوله عليه الصلاة والسلام قاتل دون مالك وكذا إذا أقر بذلك لانه أقر بالسبب الموجب للضمان على ما بينا فله أن يأخذه منه وكذلك يسع لمن عاين ذلك أو سمع اقراره أن يعينه على الاخذ منه لكونه اعانة على استيفاء الحق ظاهرا ولو لم يعاين ذلك ولا أقر به عنده ولكن شهد شاهدان عدلان عنده ان هذا الشئ الذى في يد فلان ملك ورثته عن أبيك لا يسعه أخذه منه حتى يقضى القاضى بخلاف الاقرار وقد مر الفرق بينهما في فصل القتل والله عزوجل أعلم (وأما) الذى ثبت حرمته في حق الرجال دون النساء فثلاثة أنواع منها لبس الحرير المصمت من الديباج والقز لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وباحدى يديه حرير وبالاخرى ذهب فقال هذان حرامان على ذكور أمتى حل لاناثها * وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه حلة فقال يا رسول الله كسوتني حلة

[ 131 ]

وقد قلت في حلة عطارد انما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لم أكسكها لتلبسها وفى رواية انما أعطيتك لتكسو بعض نسائك * فان قيل أليس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه قباء من ديباج قيل نعم ثم نسخ لما روى عن أنس رضى الله عنه انه قال لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة حرير أهداها له أكيدر رومة وذلك قبل أن ينهى عنه كذا قال انس وهذا في غير حال الحرب (وأما) في حال الحرب فكذلك عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد لا يكره لبس الحرير في حال الحرب وجه قولهما ان في لبس الحرير في حال الحرب ضرورة لانه يحتاج إلى دفع ضرر السلاح عنه والحرير أدفع له وأهيب للعدو وأيضا فرخص للضرورة ولابي حنيفة رضى الله عنه اطلاق التحريم الذى روينا من غير فصل بين حال الحرب وغيرها وما ذاكره من الضرورة يندفع بلبس ما لحمته حرير وسداه غير حرير لان دفع ضرر السلاح وتهيب العدو يحصل به فلا ضرورة إلى لبس الحرير الخالص فلا تسقط الحرمة من غير ضرورة ولا فرق بين الكبير والصغير في الرحمة بعد ان كان ذكرا لان النبي عليه الصلاة والسلام أدار هذا الحكم على الذكورة بقوله عليه الصلاة والسلام هذان حرامان على ذكور أمتى الا ان اللابس إذا كان صغيرا فالاثم على من ألبسه لا عليه لانه ليس من أهل التحريم عليه كما إذا سقى خمرا فشربها كان الاثم على الساقى لا عليه كذا ههنا هذا إذا كان كله حريرا وهو المصمت فان كانت لحمته حريرا وسداه غير حرير لا يكره لبسه في حال الحرب بالاجماع لما ذكرنا من ضرورة دفع مضرة السلاح وتهييب العدو فاما في غير حال الحرب فمكروه لانعدام الضرورة وان كان سداه حريرا ولحمته غير حرير لا يكره في حال الحرب وغيرها وههنا نكتتان احدهما ان الثوب يصير ثوبا باللحمة لانه انما يصير ثوبا بالنسج والنسج تركيب اللحمة بالسدى فكانت اللحمة كالوصف الاخير فيضاف الحكم إليه وهذه النكتة تقتضي اباحة لبس الثياب العتابى والنكتة الثانية وهى نكتة الشيخ أبى منصور ان السدى إذا كان حرير أو اللحمة غير حرير يصير السدى مستورا باللحمة فأشبه الحشو وهذه النكتة تقتضي أن لا يباح لبس العتابى لان سداه ظاهر غير مستور والصحيح هو النكتة الاولى لان رواية الاباحة في لبس مطلق ثوب سداه حرير ولحمته غير حرير منصوصة فتجرى على اطلاقها فلا تناسبها الا النكتة الاولى ولو جعل حشو القباء حريرا أو قزا لا يكره لانه مستور بالظهارة فلم يحصل معنى التزين والتنعم الا يرى أن لابس هذا الثوب لا يسمى لابس الحرير والقز ولو جعل الحرير بطانة يكره لانه لابس الحرير حقيقة وكذا معنى التنعم حاصل للتزين بالحرير ولطفه هذا إذا كان الحرير كثيرا فان كان قليلا كاعلام الثياب والعمائم قدر أربعة أصابع فما دونها لا يكره وكذا العلم المنسوج بالذهب لانه تابع والعبرة للمتبوع ألا ترى أن لابسه لا يسمى لابس الحرير والذهب وكذا جرت العادة بتعمم العمائم ولبس الثياب المعلمة بهذا القدر في سائر الاعصار من غير نكير فيكون اجماعا وكذا الثوب والقلنسوة الذى جعل على أطرافها حرير لا يكره إذا كان قدر أربعة أصابع فما دونها لما قلنا وروى ان النبي عليه الصلاة والسلام لبس فروة وعلى أطرافها حرير وعن محمد انه لا يسع ذلك في القلنسوة وان كان أقل من أربعة أصابع وانما رخص أبو حنيفة رضى الله عنه إذا كان في عرض الثوب وذكر في نوادر هشام عن محمد رحمه الله انه يكره تكة الديباج والابريسم لانه استعمال الحرير مقصودا لا بطريق التبعية فيكره وان قل بخلاف العلم ونحوه هذا الذى ذكرنا حكم لبس الحرير (فأما) حكم التوسد به والجلوس والنوم عليه فغير مكروه عند أبى حنيفة عليه الرحمة وعند أبى يوسف ومحمد مكروه (لهما) اطلاق التحريم الذى روينا من غير فصل بين اللبس وغيره ولان معنى التزين والتنعم كما يحصل باللبس يحصل بالتوسد والجلوس والنوم ولابي حنيفة ما روى انه كان على بساط عبد الله بن عباس رضى الله عنهما مرفقة من حرير وروى أن أنسا رضى الله عنه حضر وليمة فجلس على وسادة حرير عليها طيور فدل فعليه رضى الله عنه على رخصة الجلوس على الحرير وعلى الوسادة الصغيرة التى عليها صورة وبه تبين ان المراد من التحريم في الحديث تحريم اللبس فيكون فعل الصحابي مبينا لقول النبي عليه الصلاة والسلام لا مخالفا له والقياس باللبس غير

[ 132 ]

سديد لان التزين بهذه الجهات دون التزين باللبس لانه استعمال فيه اهانة المستعمل بخلاف اللبس فيبطل الاستدلال به (وأما) المرأة فيحل لها لبس الحرير المصمت والديباج والقز لان النبي عليه الصلاة والسلام أحل هذا للاناث بقوله عليه الصلاة والسلام حل لاناثها (ومنها) الذهب لان النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الذهب وبين الحرير في التحريم على الذكور بقوله عليه الصلاة والسلام هذان حرامان على ذكور أمتى فيكره للرجل التزين بالذهب كالتختم ونحوه ولا يكره للمرأة لقوله عليه الصلاة والسلام حل لاناثها روى عن النعمان بن بشير رضى الله عنه أنه قال اتخذت خاتما من ذهب فدخلت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك اتخذت حلى أهل الجنة قبل أن تدخلها فرميت ذلك واتخذت خاتما من حديد فدخلت عليه فقال مالك اتخذت حلى أهل النار فاتخذت خاتما من نحاس فدخلت عليه فقال انى أجد منك ريح الاصنام فقلت كيف أصنع يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام اتخذه من الورق ولا تزد على المثقال والاصل ان استعمال الذهب فيما يرجع إلى التزين مكروه في حق الرجل دون المرأة لما قلنا واستعماله فيما ترجع منفعته إلى البدن مكروه في حق الرجل والمرأة جميعا حتى يكره الاكل والشرب والادهان والتطيب من مجامر الذهب للرجل والمرأة لقول النبي عليه الصلاة السلام ان الذى يشرب من آنية الفضة انما يجر جر في بطنه نار جهنم ومعلوم ان الذهب أشد حرمة من الفضة ألا يرى انه رخص عليه الصلاة والسلام التختم بالفضة للرجال ولا رخصة في الذهب أصلا فكان النص الوارد في الفضة واردا في الذهب دلالة من طريق الاولى كتحريم التأفيف مع تحريم الضرب والشتم وكذلك الاكتحال بمكحلة الذهب أو بميل من ذهب مكروه للرجل والمرأة جميعا لان منفعته عائدة إلى البدن فأشبه الاكل والشرب (وأما) الاناء المضبب بالذهب فلا بأس بالاكل والشرب فيه عند أبى حنيفة رضى الله عنه وهو قول محمد ذكره في الموطأ وعند أبى يوسف يكره (وجه) قول ابى يوسف ان استعمال الذهب حرام بالنص وقد حصل باستعمال الاناء فيكره (وجه) قولهما أن هذا القدر من الذهب الذى عليه هو تابع له والعبرة للمتبوع دون التباع كالثوب المعلم والجبة المكفوفة بالحرير وعلى هذا الخلاف الجلوس على السرير المضبب والكرسي والسرج واللجام والركاب والتفر المضببة وكذا المصحف المضبب على هذا الخلاف وكذا حلقة المرأة إذا كانت من الذهب ولبس ثوب فيه كتابة بذهب على هذا الاختلاف (وأما) السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالاجماع وكذلك المنطقة المضببة لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لانه تبع للفص والعبرة للاصل دون التبع كالعلم للثوب ونحوه (وأما) شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي رحمه الله أنه يجوز ولم يذكر خلافا وذكر في الجامع الصغير انه يكره عند أبى حنيفة وعند محمد رحمهما الله لا يكره ولو شدها بالفضة لا يكره بالاجماع وكذا لو جدع أنفه فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق لان الانف ينتن بالفضة فلا بد من انتخاذه من ذهب فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته وقد روى أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فانتن فأمره سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب وبهذا الحديث يحتج محمد على ما ذكر في الجامع لجواز تضبيب السن بالذهب ولانه يباح له أن يشده بالفضة فكذا بالذهب لانهما في حرمة الاستعمال على السواء ولانه تبع للسن والتبع حكمه حكم الاصل وهذا يوافق أصل أبى حنيفة رضى الله عنه وحجة ما ذكر أبو حنيفة رضى الله عنه في الجامع اطلاق التحريم من غير فصل ولا يرخص مباشرة المحرم الا لضرورة وهى تندفع بالادنى وهو الفضة فبقى الذهب على أصل التحريم والاستدلال بالفضة غير سديد لتفاوت بين الحرمتين على ما مر ولو سقط سنه يكره أن يأخذ سن ميت فيشدها مكان الاولى بالاجماع وكذا يكره أن يعيد تلك السن الساقطة مكانها عن أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ولكن يأخذ سن شاة ذكية فيشدها مكانها وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس بسنه ويكره سن غيره قال ولا يشبه سنه سن ميت استحسن ذلك وبينهما عندي فصل ولكن لم يحضرني (ووجه) الفصل له من وجهين أحدهما ان سن نفسه جزء منفصل للحال عنه لكنه يحتمل أن يصير متصلا في الثاني بأن يلتئم فيشتد

[ 133 ]

بنفسه فيعود إلى حالته الاولى واعادة جزء منفصل إلى مكانه ليلتئم جائز كما إذا قطع شئ من عضوه فأعاده إلى مكانه فأما سن غيره فلا يحتمل ذلك والثانى ان استعمال جزء منفصل عن غيره من بنى آدم اهانة بذلك الغير والآدمي بجميع أجزائه مكرم ولا اهانة في استعمال جزء نفسه في الاعادة إلى مكانه (وجه) قولهما ان السن من الآدمى جزء منه فإذا انفصل استحق الدفن ككله والاعادة صرف له عن جهة الاستحقاق فلا تجوز وهذا لا يوجب الفصل بين سنه وسن غيره (ومنها) الفضة لان النص الوارد بتحريم الذهب على الرجال يكون واردا بتحريم الفضة دلالة فيكره للرجال استعمالها في جميع ما يكره استعمال الذهب فيه الا التختم به إذا ضرب على صيغة ما يلبسه الرجال ولا يزيد على المثقال لما روينا من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنها وكذا المنطقة وحلية السيف والسكين من الفضة لما مر وما لا يكره استعمال الذهب فيه لا يكره استعمال الفضة من طريق الاولى لانها أخف حرمة من الذهب وقد ذكرنا جميع ذلك على الاتفاق والاختلاف فلا نعيده (وأما) التختم بما سوى الذهب والفضة من الحديد والنحاس والصفر فمكروه للرجال والنساء جميعا لانه زى أهل النار لما روينا من الحديث (وأما) الاواني المموهة بماء الذهب والفضة الذى لا يخلص منه شئ فلا بأس بالانتفاع بها في الاكل والشرب وغير ذلك بالاجماع وكذا لا بأس بالانتفاع بالسرج والركاب والسلاح السرير والسقف المموه لان التمويه ليس بشئ الا يرى انه لا يخلص والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (كتاب البيوع) الكلام في هذا الكتاب في الاصل في مواضع في بيان ركن البيع وفى بيان شرائط الركن وفى بيان أقسام البيع وفى بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها وفى بيان حكم البيع وفى بيان ما يرفع حكم البيع (أما) ركن البيع فهو مبادلة شئ مرغوب بشئ مرغوب وذلك قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل (أما) القول فهو المسمى بالايجاب والقبول في عرف الفقهاء والكلام في الايجاب والقبول في موضعين أحدهما في صيغة الايجاب والقبول والثانى في صفة الايجاب والقبول (أما) الاول فنقول وبالله التوفيق الايجاب والقبول قد يكون بصيغة الماضي وقد يكون بصيغة الحال (أما) بصيغة الماضي فهى أن يقول البائع بعت ويقول المشترى اشتريت فيتم الركن لان هذه الصيغة وان كانت للماضي وضعا لكنها جعلت ايجابا للحال في عرف أهل اللغة والشرع والعرف قاض على الوضع وكذا إذا قال البائع خذ هذا الشئ بكذا أو أعطيتكه بكذا أو هو لك بكذا أو بذلتكه بكذا وقال المشترى قبلت أو أخذت أو رضيت أو هويت ونحو ذلك فانه يتم الركن لان كل واحد من هذه الالفاظ يؤدى معنى البيع وهو المبادلة والعبرة للمعنى لا للصورة (وأما) صيغة الحال فهى أن يقول البائع للمشترى أبيع منك هذا الشئ بكذا ونوى الايجاب فقال المشترى اشتريت أو قال المشترى اشترى منك هذا الشئ بكذا ونوى الايجاب وقال البائع أبيعه منك بكذا وقال المشترى اشتريه ونويا الايجاب يتم الركن وينعقد وانما اعتبرنا النية ههنا وان كانت صيغة افعل للحال هو الصحيح لانه غلب استعمالها للاستقبال اما حقيقة أو مجازا فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية ولا ينعقد بصيغة الاستفهام بالاتفاق بأن يقول المشترى للبائع اتبيع منى هذا الشئ بكذا أو أبعته منى بكذا فقال البائع بعت لا ينعقد ما لم يقل المشترى اشتريت وكذا إذا قال البائع للمشترى اشتر منى هذا الشئ بكذا فقال اشريت لا ينعقد ما لم يقل البائع بعت وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهى صيغة الامر بأن يقول المشترى للبائع بع عبدك هذا منى بكذا فيقول البائع بعت قال أصحابنا رحمهم الله لا ينعقد ما لم يقل المشترى اشتريت وكذا إذا قال البائع للمشترى اشتر منى هذا الشئ بكذا فقال اشتريت لا ينعقد ما لم يقل البائع بعت عندنا وقال الشافعي رحمه الله ينعقد (وجه) قوله ان هذه الصيغة تصلح شطر العقد في الجملة ألا ترى أن من قال لآخر تزوج ابنتى فقال المخاطب تزوجت أو قال زوج ابنتك منى فقال زوجت ينعقد النكاح فإذا

[ 134 ]

صلحت هذا الصيغة شطرا في النكاح صلحت شطرا في البيع لان الركن في كل واحد منهما هو الايجاب والقبول ولنا ان قوله بع أو اشتر طلب الايجاب والقبول وطلب الايجاب والقبول لا يكون ايجابا وقبولا فلم يوجد الا أحد الشطرين فلا يتم الركن ولهذا لا ينعقد بلفظ الاستفهام لكون الاستفهام سؤال الايجاب والقبول لا ايجابا و قبولا كذا هذا وهذا هو القياس في النكاح الا انا استحسنا في النكاح بنص خاص وهو ما روى أبو يوسف ان بلالا خطب إلى قوم من الانصار فأبوا أن يزوجوه فقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أخطب اليكم لم أخطب فقالوا له أملكت ولم ينقل ان بلالا رضى الله عنه قال قبلت فتركنا القياس هناك بالنص ولا نص في البيع فوجب العمل بالقياس ولان هذه الصيغة مساومة حقيقة فلا تكون ايجابا وقبولا حقيقة بل هي طلب الايجاب والقبول فلا بد للايجاب والقبول من لفظ آخر يدل عليهما ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في باب النكاح لان المساومة لا توجد في النكاح عادة فحملت على الايجاب والقبول على ان الضرورة توجب أن يكون قول القائل زوج ابنتك منى شطر العقد فلو لم تجعل شطر العقد لتضرر به الولى لجواز ان يزوج ولا يقبل المخاطب فيلحقه الشين فجعلت شطرا لضرورة دفع الضرر عن الاولياء وهذا المعنى في باب البيع منعدم فبقيت سؤالا فلا يتم به الركن ما لم يوجد الشطر الآخر (وأما) صفة الايجاب والقبول فهو أن أحدهما لا يكون لازما قبل وجود الآخر فأحد الشطرين بعد وجوده لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر حتى إذا وجد أحد الشطرين من أحد المتبايعين فللاخر خيار القبول وله خيار الرجوع قبل قبول الآخر لما روى عن أبى هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا عن بيعهما والخيار الثابت لهما قبل التفرق عن بيعهما هو خيار القبول وخيار الرجوع ولان أحد الشطرين لو لزم قبل وجود الآخر لكان صاحبه مجبورا على ذلك الشطر وهذا لا يجوز (وأما) المبادلة بالفعل فهى التعاطى ويسمى هذا البيع بيع المراوضة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز البيع بالتعاطي لان البيع في عرف الشرع كلام ايجاب وقبول فاما التعاطى فلم يعرف في عرف الشرع بيعا وذكر القدورى ان التعاطى يجوز في الاشياء الخسيسة ولا يجوز في الاشياء النفيسة ورواية الجواز في الاصل مطلق عن هذا التفصيل وهى الصحيحة لان البيع في اللغة والشرع اسم للمبادلة وهى مبادلة شئ مرغوب بشئ مرغوب وحقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الاخذ والاعطاء وانما قول البيع والشراء دليل عليهما والدليل عليه قوله عزوجل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم والتجارة عبارة عن جعل الشئ للغير ببدل وهو تفسير التعاطى وقال سبحانه وتعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين أطلق سبحانه وتعالى اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع وقال الله عزوجل ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة سمى سبحانه وتعالى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراء وبيعا لقوله تعالى في آخر الآية فاستبشروا ببيعكم الذين بايعتم به وان لم يوجد لفظ البيع وإذا ثبت ان حقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الاخذ والاعطاء فهذا يوجد في الاشياء الخسيسة والنفيسة جميعا فكان التعاطى في كل ذلك بيعا فكان جائزا (فصل) وأما شرائط الركن فلا يمكن الوصول إلى معرفتها الا بعد معرفة أقسام البياعات لان منها ما يعم البياعات كلها (ومنها) ما يخص البعض دون البعض فنقول البيع في القسمة الاولى ينقسم قسمين قسم يرجع إلى البدل وقسم يرجع إلى الحكم (أما) الذى يرجع إلى البدل فينقسم قسمين آخرين أحدهما يرجع إلى البدلين والآخر يرجع إلى أحدهما وهو الثمن أما الاول فنقول البيع في حق البدلين ينقسم أربعة اقسام بيع العين بالعين وهو بيع السلع بالسلع ويسمى بيع المقايضة وبيع العين بالدين وهو بيع السلع بالاثمان المطلقة وهى الدراهم والدنانير وبيعها بالفلوس النافقة وبالمكيل الموصوف في الذمة والموزون الموصوف والعددي المتقارب الموصوف وبيع الدين بالعين وهو السلم وبيع الدين بالدين وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق وهو الصرف (فاما) الذى يرجع إلى أحد البدلين وهو الثمن فينقسم في حق البدل وهو الثمن أقسام بيع المساومة وهو مبادلة المبيع بأى ثمن اتفق

[ 135 ]

وبيع المرابحة وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الاول وزيادة ربح وبيع التولية وهو المبادلة بمثل الثمن الاول من غير زيادة ولا نقصان وبيع الاشتراك وهو التولية لكن في بعض المبيع ببعض الثمن وبيع الوضيعة وهو المبادلة بمثل الثمن الاول مع نقصان شئ منه وأما القسم الذى يرجع إلى الحكم فنذكره في باب حكم البيع ان شاء الله تعالى وإذا عرفت أقسام البياعات فنذكر شرائطها وهى انواع بعضها شرط الانعقاد وبعضها شرط النفاذ وهو ما لا يثبت الحكم بدونه وان كان قد ينعقد التصرف بدونه وبعضها شرط الصحة وهو ما لا صحة له بدونه وان كان قد ينعقد وينقد بدونه وبعضها شرط اللزوم وهو ما لا يلزم البيع بدونه وان كان قد ينعقد وينفذ بدونه (أما) شرائط الانعقاد فانواع بعضها يرجع إلى العاقد وبعضها يرجع إلى نفس العقد وبعضها يرجع إلى مكان العقد وبعضها يرجع إلى المعقود عليه (أما) الذى يرجع إلى العاقد فنوعان أحدهما أن يكون عاقلا فلا ينعقد بيع المجنون والصبى الذى لا يعقل لان أهلية المتصرف شرط انعقاد التصرف والاهلية لا تثبت بدون العقل فلا يثبت الانعقاد بدونه فاما البلوغ فليس بشرط لانعقاد البيع عندنا حتى لو باع الصبى العاقل مال نفسه ينعقد عندنا موقوفا على اجازة وليه وعلى اجازة نفسه بعد البلوغ وعند الشافعي شرط فلا تنعقد تصرفات الصبى عنده اصلا وكذا ليس بشرط النفاذ في الجملة حتى لو توكل عن غيره بالبيع والشراء ينفذ تصرفه وعنده لا ينفذ وهى مسألة كتاب المأذون وكذا الحرية ليست بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه حتى ينفذ بيع العبد المأذون بالاجماع وينعقد بيع العبد المحجور إذا باع مال مولاه موقوفا على اجازته عندنا وكذا الملك أو الولاية ليس بشرط لانعقاد البيع عندنا بل هو شرط النفاذ حتى يتوقف بيع الفضولي وعنده شرط حتى لا يتوقف أصلا والمسألة تأتى في موضعها وكذا اسلام البائع ليس بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه ولا لصحته بالاجماع فيجوز بيع الكافر وشراؤه وقال الشافعي اسلام المشترى شرط جواز شراء الرقيق المسلم والمصحف حتى لا يجوز ذلك من الكافر (وجه) قوله ان في تملك الكافر المسلم اذلالا بالمسلم وهذا لا يجوز ولهذا يجبر على بيعه عندكم ولنا عمومات البيع من غير فصل بين بيع العبد المسلم من المسلم وبين بيعه من الكافر فهو على العموم الا حيث ما خص بدليل ولان الثابت للكافر بالشراء ليس الا الملك في المسلم والكافر من أهل ان يثبت الملك له على المسلم الا ترى ان الكافر يرث العبد المسلم من أبيه وكذا إذا كان له عبد كافر فأسلم بقى ملكه فيه وهو في الحقيقة ملك مبتدأ لان الملك عرض لا بقاء له فدل ان الكافر من أهل ثبوت الملك له في المسلم وقوله فيه اذلال بالمسلم قلنا الملك عندنا لا يظهر فيما فيه اذلال بالمسلم فانه لا يظهر في حق الاستخدام والوطئ والاستمتاع بالجارية المسلمة وانما يظهر فيما لا ذل فيه من الاعتاق والتدبير والكتابة والبيع وبه تبين ان الجبر على البيع ليس لدفع الذل إذ لا ذل على ما بينا ولكن لاحتمال وجود فعل لا يحل ذلك في الاسلام لعداوة بين المسلم والكافر وإذا جاز شراء الذمي العبد المسلم فيجوز اعتاقه وتدبيره واستيلاده وكتابته لان جواز هذه التصرفات مبنى على الملك وقد وجد الا انه إذا دبره يسعى العبد في قيمته لانه لا سبيل إلى ابقائه على ملكه ولا سبيل إلى الازالة بالبيع لانه بيع المدبر وانه لا يجوز فتعليت الازالة بالسعاية وكذا إذا كانت أمة فاستولدها فانها تسعى في قيمتها لما قلنا ويوجع الذمي ضر بالوطئه المسلمة لانه حرام عليه فيستحق التعزير إذا كاتبه لا يعترض عليه لانه أزال يده عنه حتى لو عجز ورد في الرق يجبر على بيعه وكذا الذمي إذا ملك شقصا فالحكم في البعض كالحكم في الكل ولو اشتراه مسلم من الكافر شراء فاسدا فانه يجبر على الرد لان رد الفساد واجب حقا للشرع ثم يجبر الكافر على بيعه والله سبحانه وتعالى أعلم وكذا النطق ليس بشرط لانعقاد البيع والشراء ولا لنفاذهما وصحتهما فيجوز بيع الاخرس وشراؤه إذا كانت الاشارة مفهومة في ذلك لانه إذا كانت الاشارة مفهومة في ذلك قامت الاشارة مقام عبارته هذا إذا كان الخرس أصليا بان ولد أخرس فاما إذا كان عارضا بان طرأ عليه الخرس فلا الا إذا دام به حتى وقع اليأس من كلامه وصارت الاشارة مفهومة فيلحق بالاخرس الاصلى والثانى العدد في العاقد فلا يصلح الواحد عاقد من الجانبين في باب البيع الا الاب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير بمثل

[ 136 ]

قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة أو يشترى مال الصغير بذلك عند أصحابنا الثلاثة استحسانا والقياس أن لا يجوز ذلك أيضا وهو قول زفر رحمه الله وجه القياس ان الحقوق في باب البيع ترجع إلى العاقد وللبيع حقوق متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة فيؤدى إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلما ومتسلما طالبا ومطالبا وهذا محال ولهذا لم يجز أن يكون الواحد وكيلا من الجانبين في باب البيع لما ذكرنا من الاستحالة ويصلح رسولا من الجانبين لان الرسول لا تلزمه الحقوق فلا يؤدى إلى الاستحالة وكذا القاضى يتولى العقد من الجانبين لان الحقوق لا ترجع إليه فكان بمنزلة الرسول وبخلاف الوكيل في باب النكاح لان الحقوق لا ترجع إليه فكان سفيرا محضا بمنزلة الرسول وجه الاستحسان قوله تبارك وتعالى ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن فيملكه الاب وكذا البيع والشراء بمثل قيمته وبما يتغابن الناس فيه عادة قد يكون قربانا على وجه الاحسن بحكم الحال والظاهر ان الاب لا يفعل ذلك الا في تلك الحال لكمال شفقته فكان البيع والشراء بذلك قربانا على وجه الاحسن وقوله يؤدى إلى الاستحالة قلنا ممنوع فانه يجعل كأن الصبى باع أو اشترى بنفسه وهو بالغ فتعدد العاقد حكما فلا يؤدى إلى الاستحالة (وأما) الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير أو اشترى ما الصغير لنفسه فان لم يكن فيه نفع ظاهر لا يجوز بالاجماع وان كان فيه نفع ظاهر جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يجوز لان القياس يأبى جوازه أصلا من الاب والوصى جميعا لما ذكرنا من الاستحالة الا ان الاب لكمال شفقته جعل شخصه المتحد حقيقة متعددا ذاتا ورأيا وعبارة والوصى لا يساويه في الشفقة فبقى الامر فيه على أصل القياس ولابي حنيفة وأبى يوسف رضى الله عنهما ان تصرف الوصي إذا كان فيه نفع ظاهر لليتيم قربان ماله على وجه الاحسن فيملكه بالنص قوله لا يمكن الحاق الوصي بالاب لقصور شفقته قلنا الوصي له شبهان شبه بالاب وشبه بالوكيل اما شبهه بالوكيل فلكونه أجنبيا وشبهه بالاب لكونه مرضى الاب فالظاهر انه ما رضى به الا لوفور شفقته على الصغير فأثبتنا له الولاية عند ظهور النفع عملا بشبه الاب وقطعنا ولايته عند عدمه عملا بشبه الوكيل عملا بالشبهين بقدر الامكان. (فصل) وأما الذى يرجع إلى نفس العقد فهو أن يكون القبول موافقا للايجاب بأن يقبل المشترى ما أوجبه البائع وبما أوجبه فان خالفه بان قبل غير ما أوجبه أو بعض ما أوجبه أو بغير ما أوجبه أو ببعض ما أوجبه لا ينعقد من غير ايجاب مبتدأ موافق بيان هذه الجملة إذا أوجب البيع في العبد فقبل في الجارية لا ينعقد وكذا إذا أوجب في العبدين فقبل في أحدهما بان قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فقال المشترى قبلت في هذا العبد وأشار إلى واحد معين لا ينعقد لان القبول في أحدهما تفريق الصفقة على البائع والصفقة إذا وقعت مجتمعة من البائع لا يملك المشترى تفريقها وقبل التمام لان من عادة التجار ضم الردئ إلى الجيد ترويجا للردئ بواسطة الجيد فلو ثبت للمشترى ولاية التفريق لقبل في الجيد دون الردئ فيتضرر به البائع والضرر منفى ولان غرض الترويج لا يحصل الا بالقبول فيهما جميعا فلا يكون راضيا بالقبول في أحدهما ولان القبول في أحدهما يكون اعراضا عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس وكذا لو أوجب البيع في كل العبد فقبل المشترى في نصفه لان ينعقد لان البائع يتضرر بالتفريق لانه يلزمه عيب الشركة ثم إذا قبل المشترى بعض ما أوجبه البائع كان هذا شراء مبتدأ من البائع فان اتصل به الايجاب من البائع في المجلس فينظر ان كان للبعض الذى قبله المشترى حصة معلومة من الثمن جاز والا فلا بيانه إذا قال بعت منك هذين الكرين بعشرين درهما فقبل المشترى في أحدهما وأوجب البائع جاز لان الثمن ينقسم على المبيع باعتبار الاجزاء فيما له مثل فكان بيع الكرين بعشرين بيع كل كر بعشرة لتماثل قفزان الكرين وكذلك إذا قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فقبل المشترى في أحدهما وبين ثمنه فقال البائع بعت يجوز فاما إذا لم يبين ثمنه لا يجوز وان ابتدأ البائع الايجاب بخلاف مسألة الكرين وسائر الاشياء المتماثلة لما ذكرنا ان الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الاجزاء فكان حصة كل واحد معلوما وفيما لامثل له لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الاجزاء لانعدام تماثل الاجزاء وإذا لم

[ 137 ]

ينقسم بقيت حصة كل واحد منهما من الثمن مجهولة وجهالة الثمن تمنع صحة البيع هذا إذا لم يبين البائع حصة كل واحد من العبدين بأن قال بعت منك هذين العبدين بألف درهم فاما إذا بين بأن قال بعت منك هذين العبدين هذا بألف وهذا بخمسمائة فقبل المشترى في أحدهما دون الآخر جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة من المشترى بل البائع هو الذى فرق الصفقة حيث سمى لكل واحد منهما ثمنا على حدة وعلم انه لا ضرر له فيه ولو كان فهو ضرر مرضى به وانه غير مدفوع * وكذا إذا أوجب البيع في شئ بألف فقبل فيه بخمسمائة لا ينعقد وكذا لو أوجب بجنس ثمن فقبل بجنس آخر الا إذا رضى البائع به في المجلس وعلى هذا إذا خاطب البائع رجلين فقال بعتكما هذا العبد أو هذين العبدين فقبل أحدهما دون الآخر لا ينعقد لانه أضاف الايجاب في العبدين أو عبد واحد اليهما جميعا فلا يصلح جواب أحدهما جوابا للايجاب وكذا لو خاطب المشترى رجلين فقال اشتريت منكما هذا العبد بكذا فأوجب في أحدهما لم ينعقد لما قلنا (فصل) وأما الذى يرجع إلى مكان العقد فواحد وهو اتحاد المجلس بان كان الايجاب والقبول في مجلس واحد فان اختلف المجلس لا ينعقد حتى لو أوجب أحدهما البيع فقام الاخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد لان القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس لانه كما وجد احدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده فوجد الثاني والاول منعدم فلا ينتظم الركن الا ان اعتبار ذلك يؤدى إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكما وجعل المجلس جامعا للشطرين مع تفرقهما للضرورة وحق الضرورة يصير مقضيا عند اتحاد المجلس فإذا اختلف لا يتوقف وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله الفور مع ذلك شرط لا ينعقد الركن بدونه (وجه) قوله ما ذكرنا ان القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر والتأخر لمكان الضرورة وانها تندفع بالفور (ولنا) ان في ترك اعتبار الفور ضرورة لان القابل يحتاج إلى التأمل ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل وعلى هذا إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محمل واحد فان خرج الايجاب والقبول منهما متصلين انعقد وان كان بينهما فصل وسكوت وان قل لا ينعقد لان المجلس تبدل بالمشى والسير وان قل ألا ترى انه لو قرأ آية سجدة وهو يمشى على الارض أو يسير على دابة لا يصلى عليها مرارا يلزمه لكل قراءة سجدة وكذا لو خير امرأته وهى تمشى على الارض أو تسير على دابة لا يصلى عليها فمشت أو سارت يبطل خيارها لتبدل المجلس وان اختارت نفسها متصلا بتخيير الزوج صح اختيارها لان المجلس لم يتبدل فكذا ههنا ولو تبايعا وهما واقفان انعقد لاتحاد المجلس ولو أوجب أحدهما وهما واقفان فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعا ثم قبل لا ينعقد لانه لما سارا وسارا فقد تبدل المجلس قبل القبول فلم يجتمع الشطران في مجلس واحد ولو وقفا فخير امرأته ثم سار الزوج وهى واقفة فالخيار في يدها ولو سارت هي والزوج واقف بطل خيارها فالعبرة لمجلسها لا لمجلس الزوج وفى باب البيع يعتبر مجلسهما جميعا لان التخيير من قبل الزوج لازم ألا ترى انه لا يملك الرجوع عنه فلا يبطل بالاعراض وأحد الشطرين في باب البيع لا يلزم قبل قبول الآخر فاحتمل البطلان بالاعراض ولو تبايعا وهما في سفينة ينعقد سواء كانت واقفة أو جارية خرج الشطران متصلين أو منفصلين بخلاف المشى على الارض والسير على الدابة لان جريان السفينة بجريان الماء لا باجرائه ألا ترى ان راكب السفينة لا يملك وقفها فلم يكن جريانها مضافا إليه فلم يختلف المجلس فأشبه البيت بخلاف المشى والسير أما المشى فظاهر لانه فعله وكذا سير الدابة مضاف إليه ألا ترى انه لو سيرها سارت ولو وقفها وقفت فاختلف المجلس بسيرها ولهذا لو كرر آية السجدة في السفينة وهى جارية لا يلزمه الا سجدة واحدة كما لو كررها في بيت واحد وكذا لو خير امرأته في السفينة وهى جارية فهى على خيارها ما لم يوجد منها دليل الاعراض وعلى هذا إذا أوجب أحدهما البيع والآخر غائب فبلغه فقبل لا ينعقد بان قال بعت عبدى هذا من فلان الغائب بكذا فبلغه فقبل ولو قبل عنه قابل ينعقد والاصل في هذا ان أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الاخر في المجلس ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاجماع الا إذا

[ 138 ]

كان عنه قابل أو كان بالرسالة أو بالكتابة اما الرسالة فهى أن يرسل رسولا إلى رجل ويقول للرسول انى بعت عبدى هذا من فلان الغائب بكذا فاذهب إليه وقل له ان فلانا أرسلني اليك وقال لى قل له انى قد بعت عبدى هذا من فلان بكذا فذهب الرسول وبلغ الرسالة فقال المشترى في مجلسه ذلك قبلت انعقد البيع لان الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل ناقل كلامه إلى المرسل إليه فكأنه حضر بنفسه فاوجب البيع وقبل الاخر في المجلس وأما الكتابة فهى أن يكتب الرجل إلى رجل أما بعد فقد بعت عبدى فلانا منك بكذا فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت لان خطاب الغائب كتابه فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالايجاب وقبل الآخر في المجلس ولو كتب شطر العقد ثم رجع صح رجوعه لان الكتاب لا يكون فوق الخطاب ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الاخر صح رجوعه فههنا أولى وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع لان الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة وذا محتمل للرجوع فههنا أولى وسواء علم الرسول رجوع المرسل أو لم يعلم به بخلاف ما إذا وكل انسانا ثم عزله بغير علمه لا يصح عزله لان الرسول يحكى كلام المرسل وينقله إلى المرسل إليه فكان سفيرا ومعبرا محضا فلم يشترط علم الرسول بذلك فاما الوكيل فانما يتصرف عن تفويض الموكل إليه فشرط علمه بالعزل صيانة له عن التعزير على ما نذكره في كتاب الوكالة وكذا هذا في الاجارة والكتابة ان اتحاد المجلس شرط للانعقاد ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر إذا كان غائبا لان كل واحد منهما عقد معاوضة الا إذا كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع وأما في النكاح فهل يتوقف بان يقول رجل للشهود اشهدوا أنى قد تزوجت فلانة بكذا وبلغها فاجازت أو قالت امرأة اشهدوا أنى زوجت نفسي من فلان بكذا فبلغه فاجاز عند أبى حنيفة ومحمد لا يتوقف أيضا الا إذا كان عن الغائب قابل وعند أبى يوسف يتوقف وان لم يقبل عنه أحد وكذا الفضولي من الجانبين بان قال زوجت فلانة من فلان وهما غائبان فبلغهما فاجازا لم يجز عندهما وعند أبى يوسف يجوز وهذه مسألة كتاب النكاح والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما فاجازا لم يجز بالاجماع والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الشطر في باب الخلع فمن جانب الزوج يتوقف بالاجماع حتى لو قال خالعت امرأتي الغائبة على كذا فبلغها الخبر فقبلت جاز وأما من جانب المرأة فلا يتوقف بالاجماع حتى لو قالت اختلعت من زوجي فلان الغائب على كذا فبلغه الخبر فاجاز لم يجز ووجه الفرق أن الخلع في جانب الزوج يمين لانه تعليق الطلاق بقبول المال فكان يمينا ولهذا لا يملك الرجوع عنه وتصح فيه الاضافة إلى الوقت والتعليق بالشرط بان يقول الزوج خالعتك غدا وان قدم فلان فقد خالعتك على كذا وإذا كان يمينا فغيبة المرأة لا تمنع صحة اليمين كما في التعليق بدخول الدار وغير ذلك وأما من جانب المرأة فهو معاوضة ولهذا لا يصح تعليقه بالشرط من جانبها ولا تصح اضافته إلى وقت وتملك الرجوع قبل اجازة الزوج وإذا كان معاوضة فالشطر في المعاوضات لا يتوقف كما في البيع وغيره وكذا الشطر في اعتاق العبيد على مال من جانب المولى يتوقف إذا كان العبد غائبا ومن جانب العبد لا يتوقف إذا كان المولى غائبا لانه من جانبه تعليق العتق بالشرط ومن جانب العبد معاوضة والاصل ان في كل موضع لا يتوقف الشطر على ما وراء المجلس يصح الرجوع عنه ولا يصح تعليقه بالشرط واضافته إلى الوقت كما في البيع والاجارة والكتابة وفى كل موضع يتوقف الشطر على ما وراء المجلس لا يصلح الرجوع عنه ويصح تعليقه بالشرط واضافته إلى الوقت كما في الخلع من جانب الزوج والاعتاق على مال من جانب المولى والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) وأما الذى يرجع إلى المعقود عليه فانواع (منها) أن يكون موجودا فلا ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم كبيع نتاج النتاج بان قال بعت ولد ولد هذه الناقة وكذا بيع الحمل لانه ان باع الولد فهو بيع المعدوم وان باع الحمل فله خطر المعدوم وكذا بيع اللبن في الضرع لانه له خطر لاحتمال انتفاخ الضرع وكذا بيع الثمر والزرع قبل ظهوره لانهما معدوم وان كان بعد الطلوع جاز وان كان قبل بدو صلاحهما إذا لم يشترط الترك ومن مشايخنا من قال لا يجوز

[ 139 ]

الا إذا صار بحال ينتفع به بوجه من الوجوه فان كان بحيث لا ينتفع به أصلا لا ينعقد واحتجوا بما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولانه إذا لم يبد صلاحها لم تكن منتفعا بها فلا تكون مالا فلا يجوز بيعها وهذا خلاف الرواية فان محمدا ذكر في كتاب الزكاة في باب العشر أنه لو باع الثمار في أول ما تطلع وتركها بامر البائع حتى أدركت فالعشر على المشترى ولو لم يجز بيعها حين ما طلعت لما وجب عشرها على المشترى والدليل على جواز بيعه ما روى عن النبي علليه الصلاة والسلام أنه قال من باع نخلا مؤبرة فثمرته للبائع الا أن يشترطها المبتاع جعل الثمرة للمشترى بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا دل أنها محل البيع كيف ما كان والمعنى فيه وهو أنه باع ثمرة موجودة وهى بعرض أن تصير منتفعا بها في الثاني وان لم يكن منتفعا بها في الحال فيجوز بيعها كبيع جرو الكلب على أصلنا وبيع المهر والجحش والارض السبخة والنهى محمول على بيع الثمار مدركة قبل ادراكها بان باعها ثمرا وهى بسر أو باعها عنبا وهى حصرم دليل صحة هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام في سياق الحديث ارأيت ان منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال صاحبه ولفظة المنع تقتضي أن لا يكون ماقع عليه البيع موجودا لان المنع منع الوجود وما يوجد من الزرع بعضه بعد بعض كالبطيخ والباذنجان فيجوز بيع ما ظهر منه ولا يجوز بيع ما لم يظهر وهذا قول عامة العلماء رضى الله عنهم وقال مالك رحمه الله إذا ظهر فيه الخارج الاول يجوز بيعه لان فيه ضرورة لانه لا يظهر الكل دفعة واحدة بل على التعاقب بعضها بعد بعض فلو لم يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج (ولنا) أن ما لم يظهر منه معدوم فلا يحتمل البيع ودعوى الضرورة والحرج ممنوعة فانه يمكنه أن يبيع الاصل بما فيه من الثمر وما يحدث منه بعد ذلك يكون ملك المشترى وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحبل وحبل الحلب وروى حبل الحبلة وهو بمعنى الاول وانما زيادة الهاء للتأكيد والمبالغة وروى حبل الحبلة بحفظ الهاء من الكلمة الاخيرة والحبلة هي الحبلى فكان نهيا عن بيع ولد الحبلى وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع وبيع عسب الفحل لان عسب الفحل ضرابه وهو عند العقد معدوم وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل ولا يمكن حمل النهى على نفس العسب وهو الضراب لان ذلك جائز بالاعارة فيحمل على البيع والاجارة الا أنه حذف ذلك واضمره فيه كما في قوله تعالى واسأل القرية وغير ذلك ولا يجوز بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيتون والدهن في السمسم والعصير في العنب والسمن في اللبن ويجوز بيع الحنطة وسائر الحبوب في سنابلها لان بيع الدقيق في الحنطة والزيت في الزيتون ونحو ذلك بيع المعدوم لانه لا دقيق في الحنطة ولا زيت في الزيتون لان الحنطة اسم للمركب والدقيق اسم للمتفرق فلا دقيق في حال كونه حنطة ولا زيت حال كونه زيتونا فكان هذا بيع المعدوم فلا ينعقد بخلاف بيع الحنطة في سنبلها لان ما في السنبل حنطة إذ هي اسم للمركب وهى في سنبلها على تركيبها فكان بيع الموجود حتى لو باع تبن الحنطة في سنبلها دون الحنطة لا ينعقد لانه لا يصير تبنا الا بالعلاج وهو الدق فلم يكن تبنا قبله فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وبخلاف بيع الجذع في السقف والآجر في الحائط وذراع من كرباس أو ديباج أنه ينعقد حتى لو نزع وقطع وسلم إلى المشترى يجبر على الاخذ وههنا لا ينعقد أصلا حتى لو طحن أو عصر وسلم لا يجبر المشترى على القبول لان عدم النفاذ هناك ليس لخلل في الركن ولا في العاقد والمعقود عليه بل لمضرة تلحق العاقد بالنزع والقطع فإذا نزع وقطع فقد زال المانع فنفذ اما ههنا فالمعقود عليه معدوم حالة العقد ولا يتصور انعقاد العقد بدونه فلم ينعقد أصلا فلا يحتمل النفاذ فهو الفرق وكذا بيع البزر في البطيخ الصحيح لانه بمنزلة الزيت في الزيتون وبيع النوى في التمر وكذلك بيع اللحم في الشاة الحية لانها انما تصير لحما بالذبح والسلخ فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وكذا بيع الشحم الذى فيها واليتها واكارعها ورأسها لما قلنا وكذا بيع البحير في السمسم لانه انما يصير بحيرا بعد العصر وعلى هذا يخرج ما إذا قال بعتك هذا الياقوت بكذا فإذا هو زجاج أو قال بعتك هذا الفص على أنه ياقوت بكذا فإذا هو زجاج

[ 140 ]

أو قال بعتك هذا الثوب الهروي بكذا فإذا هو مروى أو قال بعتك هذا الثوب على أنه مروى فإذا هو هروى لا ينعقد البيع في هذه المواضع لان المبيع معدوم والاصل في هذا أن الاشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في باب البيع فيما يصلح محل البيع ينظر ان كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعبرة للتسمية ويتعلق العقد بالمسمى وان كان من جنسه لكن يخالفه في الصفة فان تفاحش التفاوت بينهما فالعبرة للتسمية أيضا عندنا ويلحقان بمختلفى الجنس وان قل التفاوت فالعبرة للمشار إليه ويتعلق العقد به وإذا عرف هذا فنقول الياقوت مع الزجاج جنسان مختلفان وكذا الهروي مع المروى نوعان مختلفان فيتعلق العقد فيه بالمسمى وهو معدوم فيبطل ولا ينعقد ولو قال بعتك هذا العبد فإذا هو جارية لا ينعقد عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله يجوز (وجه) قوله أن المسمى ههنا من جنس المشار إليه أعنى العبد والجارية وانما يختلفان في صفة الذكورة والانوثة وهذا لا يمنع تعلق العقد بالمشار إليه كما إذا قال بعتك هذه الشاة على أنها نعجة فإذا هي كبش (ولنا) انهما جنسان مختلفان في المعنى لاختلاف جنس المنفعة المطلوبة اختلافا فاحشا فالتحقا بمختلفى الجنس حقيقة بخلاف النعجة مع الكبش لانهما اتفقا جنسا ذاتا ومعنى اما ذاتا فظاهر لان اسم الشاة يتناولهما وأما معنى فلان المطلوب من كل واحد منهما منفعة الاكل فتجانسا ذاتا ومنفعة فتعلق العقد بالمشار إليه وهو موجود محل للبيع فجاز بيعه ولكن المشترى بالخيار لانه فاتته صفة مرغوبة فأوجب ذلك خللا في الرضا فيثبت له الخيار وكذا لو باع دارا على أن بناءها آجر فإذا هو لبن لا ينعقد لانهما يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا فكانا كالجنسين المختلفين وكذا لو باع ثوبا على انه مصبوغ بعصفر فإذا هو مصبوغ بزعفران لا ينعقد لان العصفر مع الزعفران يختلفان في اللون اختلافا فاحشا وكذا لو باع حنطة في جولق فإذا هو دقيق أو شرط الدقيق فإذا هو خبز لا ينعقد لان الحنطة مع الدقيق جنسان مختلفان وكذا الدقيق مع الخبز ألا ترى ان من غصب من آخر حنطة وطحنها ينقطع حق الملك دل انها تصير بالطحن شيأ آخر فكان بيع المعدوم فلا ينعقد وان قال بعتك هذه الشاة على انها ميتة فإذا هي ذكية جاز بالاجماع لان الميتة ليست بمحل للبيع فلغت التسمية وبقيت الاشارة إلى الذكية ولو قال بعتك هذا الثوب القز فإذا هو ملحم ينظر ان كان سداه من القز ولحمته من غيره لا ينعقد وان كان لحمته من القز فالبيع جائز لان الاصل في الثوب هو اللحمة لانه انما يصير ثوبا بها فإذا كانت لحمته من غير القز فقد اختلف الجنس فكانت العبرة للتسمية والمسمى معدوم فلم ينعقد البيع وإذا كانت من القز فالجنس لم يختلف فتعتبر الاشارة والمشار إليه موجود فكان محلا للبيع الا انه يثبت الخيار للمشترى لان كون السدى منه أمر مرغوب فيه وقد فات فوجب الخيار وكذلك إذا قال بعتك هذا الثوب الخز بكذا فإذا هو ملحم فهو على التفصيل الا أن لحمته إذا كانت خزا وسداه من غيره حتى جاز البيع فقد قيل انه ينبغى أن لا يثبت الخيار للمشترى ههنا لان الخز هكذا ينسج بخلاف القز ولو باع جبة على أن بطانتها وظهارتها كذا وحشوها كذا فان كانت الظهارة من غير ما شرط لا ينعقد البيع وان كانت البطانة والحشو مما شرط وان كانت الظهارة مما شرط جاز البيع وان كانت البطانة والحشو من غير ما شرط لان الاصل هو الظهارة ألا ترى انه ينسب الثوب إليها ويختلف الاسم باختلافها وانما البطانة تجرى مجرى التابع لها وكذا الحشو فكان المعقود عليه هو الظهارة وما سواها جاريا مجرى الوصف لها ففواته لا يمنع الجواز ولكنه يوجب الخيار لانه فات شئ مرغوب فيه ولو قال بعتك هذه الدار على أن فيها بناء فإذا لا بناء فيها فالبيع جائز والمشترى بالخيار ان شاء أخذ بجميع الثمن وان شاء ترك فرق بين هذا وبين ما إذا قال بعتك هذه الدار على أن بناءها آجر فإذا هو لبن انه لا ينعقد (ووجه) الفرق ان الآجر مع اللبن يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا فالتحقا بمختلفى الجنس على ما بينا فيما تقدم (ومنها) أن يكون مالا لان البيع مبادلة المال بالمال فلا ينعقد بيع الحر لانه ليس بمال وكذا بيع أم الولد لانها حرة من وجه لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أعتقها ولدها وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في أم الولد لا تباع ولا توهب وهى حرة من الثلث نفى عليه الصلاة والسلام جواز بيعها مطلقا وسماها حرة فلا تكون مالا على الاطلاق خصوصا على أصل أبى

[ 141 ]

حنيفة رضى الله عنه لان الاستيلاد يوجب سقوط المالية عنده حتى لا تضمن بالغصب والبيع الفاسد والاعتاق وانما تضمن بالقتل لا غير لان ضمان القتل ضمان الدم لا ضمان المال والمسألة تأتى في موضعها ان شاء الله تعالى ولا بيع المدبر المطلق عندنا وقال الشافعي عليه الرحمة بيع المدبر جائز واحتج بما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز بيع المدبر وعن سيدتنا عائشة رضى الله عنها أنها دبرت مملوكة لها فغضبت عليها فباعتها ولان التدبير تعليق العتق بالموت والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط فلم يكن العتق ثابتا أصلا قبل الموت فيجوز بيعه كما إذا علق عتق عبده بدخول الدار ونحو ذلك ثم باعه قبل أن يدخل الدار وكما في المدبر المقيد (ولنا) ما روى أبو سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله الانصاري رضى الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع المدبر ومطلق النهى محمول على التحريم وروى عن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث وهذا نص في الباب ولانه حر من وجه فلا يجوز بيعه كام الولد والدليل على انه حر من وجه الاستدلال بضرورة الاجماع وهو انه يعتق بعد الموت بالاجماع والحرية لابد لها من سبب وليس ذلك الا الكلام السابق وليس هو بتحرير بعد الموت لان التحرير فعل اختياري وانه لا يتحقق من الميت فكان تحريرا من حين وجوده فكان ينبغى أن تثبت به الحرية من كل وجه للحال الا أنها تأخرت من وجه إلى آخر جزء من أجزاء حياته بالاجماع ولا اجماع على التأخير من وجه فبقيت الحرية من وجه ثابتة للحال فلا يكون مالا مطلقا فلا يجوز بيعه وحديث جابر وسيدتنا عائشة رضى الله عنهما حكاية فعل يحتمل انه أجاز عليه الصلاة والسلام بيع مد مقيد أو باع مدبرا مقيدا ويحتمل أن يكون المراد منه الاجارة لان الاجارة بلغة أهل المدينة تسمى بيعا ويحتمل انه كان في ابتداء الاسلام حين كان بيع المدبر مشروعا ثم نسخ فلا يكون حجة مع الاحتمال (وأما) المدبر المقيد فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام السابق ايجابا من حين وجوده لانه علق عتقه بموت موصوف بصفة واحتمل أن يموت من ذلك المرض والسفر أو لا فكان الخطر قائما فكان تعليقا فلم يكن ايجابا مادام الخطر قائما ومتى اتصل به الموت يظهر انه كان تحريرا من وجه من حين وجوده لكن لا يتعلق به حكم والله سبحانه وتعالى أعلم ولا بيع المكاتب لانه حر يدا فلا تثبت يد تصرف الغير عليه ولا بيع معتق البعض موسرا كان المعتق أو معسرا عند أصحابنا الثلاثة رضى الله عنهم لانه بمنزلة المكاتب عند أبى حنيفة رضى الله عنه وعندهما هو حر عليه دين (وأما) عند الشافعي رضى الله عنه فان كان المعتق معسرا فلشريكه الساكت أن يبيع نصيبه بناء على أصله أن المعتق ان كان معسرا فالاعتاق منجز فبقى نصيب شريكه على ملكه فيجوز له بيعه وكل جواب عرفته في هؤلاء فهو الجواب في الاولاد من هؤلاء لان الولد يحدث على وصف الام ولهذا كان ولد الحرة حرا وولد الامة رقيقا وكما لا ينعقد بيع المكاتب وولده المولود في الكتابة لا ينعقد بيع ولده المشترى في الكتابة ووالدته لانهم تكاتبوا بالشراء (وأما) من سواهم من ذوى الارحام إذا اشتراهم يجوز بيعهم عند أبى حنيفة رضى الله عنه لانهم لم يتكاتبوا بالشراء وعند أبى يوسف ومحمد لا يجوز لانهم تكاتبوا وهى مسألة كتاب المكاتب ولا ينعقد بيع الميتة والدم لانه ليس بمال وكذلك ذبيحة المجوسى والمرتد والمشرك لانها ميتة وكذا متروك التسمية عمدا عندنا خلافا للشافعي وهى مسألة كتاب الذبائح وكذا ذبيحة المجنون والصبى الذى لا يعقل لانها في معنى الميتة وكذا ما ذبح من صيد الحرم محرما كان الذابح أو حلالا وما ذبحه المحرم من الصيد سواء كان صيد الحرم أو الحل لان ذلك ميتة ولا ينعقد بيع صيد الحرم محرما كان البائع أو حلالا لانه حرام الانتفاع به شرعا فلم يكن مالا ولا بيع صيد المحرم سواء كان صيد الحرم أو الحل لانه حرام الانتفاع به في حقه فلا يكون مالا في حقه ولو وكل محرم حلالا ببيع صيد فباعه فالبيع جائز عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد باطل وهو على اختلافهم في مسلم وكل ذميا ببيع خمر فباعها (وجه) قولهما ان البائع هو الموكل معنى لان حكم البيع يقع له والمحرم ممنوع عن تمليك الصيد وتلمكه (وجه) قول أبى حنيفة رضى الله عنه أن البائع في الحقيقة هو الوكيل لان بيعه كلامه القائم به حقيقة

[ 142 ]

ولهذا ترجع حقوق العقد إليه الا أن الموكل يقوم مقامه شرعا في نفس الحكم مع اقتصار نفس التصرف على مباشرته حقيقة والحرم من أهل ثبوت الملك له في الصيد حكما لا يتملكه حقيقة ألا يرى انه يرثه وهذا لان المنع انما يكون عما للعبد فيه صنع ولا صنع له فيما يثبت حكما فلا يحتمل المنع ولو باع حلال حلالا صيدا ثم أحرم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع لان الاحرام كما يمنع البيع والشراء يمنع التسليم والقبض لانه عقد من وجه على ما عرف فيلحق به في حق الحرمة احتياطا ولو وكل حلال حلالا ببيع صيد فباعه ثم أحرم الموكل قبل قبض المشترى فعلى قياس قول أبى حنيفة رحمه الله جاز البيع وعلى قياس قولهما يبطل لان الاحرام القائم لا يمنع من جواز التوكيل عنده فالطارئ لا يبطله وعندهما القائم يمنع فالطارئ يبطله حلا لان تبايعا صيدا في الحل وهما في الحرم جاز عن أبى حنيفة وعند محمد لا يجوز (وجه) قول محمد ان كون الحرم مأمنا يمنع من التعرض للصيد سواء كان المتعرض في الحرم أو الحل بعد ان كان المتعرض في الحرم ألا ترى أنه لا يحل للحلال الذى في الحرم أن يرمى إلى الصيد الذى في الحل كما لا يحل له أن يرمى إليه إذا كان في الحرم (وجه) قول أبى حنيفة رضى الله عنه ان كونه في الحرم يمنع من التعرض لصيد الحل لكن حسا لا شرعا بدليل ان الحلال في الحرم إذا أمر حلالا آخر بذبح صيد في الحل جاز ولو ذبح حل أكله ومعلوم ان الامر بالذبح في معنى التعرض للصيد فوق البيع والشراء فلما لم يمنع من ذلك فلان لا يمنع من هذا أولى وهذا لان المنع من التعرض انما كان احتراما للحرم فكل ما فيه ترك احترامه يجب صيانة الحرم عنه وذلك بمباشرة سبب الايذاء في الحرم ولم يوجد في البيع والله سبحانه وتعالى أعلم ولا بيع لحم السبع لانه لا يباح الانتفاع به شرعا فلم يكن مالا وروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه يجوز بيعه إذا ذبح لانه صار طاهرا بالذبح وأما جلد السبع والحمار والبغل فان كان مدبوغا أو مذبوحا يجوز بيعه لانه مباح الانتفاع به شرعا فكان مالا وان لم يكن مدبوغا ولا مذبوحا لا ينعقد بيعه لانه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه فكان حكمه حكم الميتة ولا ينعقد بيع جلد الخنزير كيف ما كان لانه نجس العين بجميع أجزائه وقيل ان جلده لا يحتمل الدباغ وأما عظم الميتة وعصبها وشعرها وصوفها وبرها وريشها وخفها وظلفها وحافرها فيجوز بيعها والانتفاع بها عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز بناء على أن هذه الاشياء طاهرة عندنا وعنده نجسة واحتج بقوله سبحانه وتعالى حرمت عليكم الميتة وهذه من أجزاء الميتة فتكون حراما فلا يجوز بيعها وقال عليه الصلاة والسلام لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب (ولنا) قوله سبحانه وتعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا إلى قوله عزوجل ومن أصوافها وأوبارها الآية أخبر سبحانه وتعالى انه جعل هذه الاشياء لنا ومن علينا بذلك من غير فصل بين الذكية والميتة فيدل على تأكد الاباجة ولان حرمة الميتة ليست لموتها فان الموت موجود في السمك والجراد وهما حلالان قال عليه الصلاة والسلام أحل لنا ميتتان ودمان بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة لانجمادها بالموت ولهذا يظهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه لزوال الرطوبة عنه ولا رطوبة في هذه الاشياء فلا تكون حراما ولا حجة له في هذا الحديث لان الاهاب اسم لغير المدبوغ لغة والمراد من العصب حال الرطوبة يحمل عليه توفيقا بين الدلائل وأما عظم الخنزير وعصبه فلا يجوز بيعه لانه نجس العين وأما شعره فقد روى انه طاهر يجوز بيعه والصحيح انه نجس لا يجوز بيعه لانه جزء منه الا أنه رخص في استعماله للخرازين للضرورة وأما عظم الآدمى وشعره فلا يجوز بيعه لا لنجاسته لانه طاهر في الصحيح من الرواية لكن احتراما له والابتذال بالبيع يشعر بالاهانة وقد روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لعن الله الواصلة والمستوصلة وأما عظم الكلب وشعره فقد اختلف المشايخ فيه على الاصل الذى ذكرنا وروى عن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله انه لا بأس ببيع عظم الفيل والانتفاع به وقال محمد رحمه الله عظم الفيل نجس لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ذكره في العيون ويجوز بيع كل ذى مخلب من الطير معلما كان أو غير معلم بلا خلاف وأما بيع كل ذى ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والاسد والنمر والذئب والهر ونحوها فجائز عند أصحابنا وعند الشافعي

[ 143 ]

رحمه الله لا يجوز ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الاصل فيجوز بيعه كيف ما كان وروى عن أبى يوسف رحمه الله انه لا يجوز بيع الكلب العقور احتج الشافعي رحمه الله بما روى عن النبي المكرم عليه الصلاة والسلام انه قال ومن السحت مهر البغى وثمن الكلب ولو جاز بيعه لما كان ثمنه سحتا ولانه نجس العين فلا يجوز بيعه كالخنزير الا أنه رخص الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد للحاجة والضرورة وهذا لا يدل على جواز البيع كما في شعر الخنزير (ولنا) ان الكلب مال فكان محلا للبيع كالصقر والبازى والدليل على انه مال انه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق فكان مالا ولا شك انه منتفع به حقيقة والدليل على انه مباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق ان الانتفاع به بجهة الحراسة والاصطياد مطلق شرعا في الاحوال كلها فكان محلا للبيع لان البيع إذا صادف محلا منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع به على الاطلاق مست الحاجة إلى شرعه لان شرعه يقع سببا ووسيلة للاختصاص القاطع للمنازعة إذ الحاجة إلى قطع المنازعة فيما يباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق لا فيما يجوز (وأما) الحديث فيحتمل انه كان في ابتداء الاسلام لانهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب فأمر بقتلها ونهى عن بيعها مبالغة في الزجر أو يحمل على هذا توفيقا بين الدلائل قوله انه نجس العين قلنا هذا ممنوع فانه يباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق اصطيادا وحراسة ونجس العين لا يباح الانتفاع به شرعا الا في حالة الضرورة كالخنزيز ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم لانه ليس بمال في حق المسلمين فأما أهل الذمة فلا يمنعون من بيع الخمر والخنزير أما على قول بعض مشايخنا فلانه مباح الانتفاع به شرعا لهم كالخل وكالشاة لنا فكان مالا في حقهم فيجوز بيعه وروى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى عشاره بالشام أن ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع وعن بعض مشايخنا حرمة الخمر والخنزير ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر لان الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات هو الصحيح من مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها لانهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون ولو باع ذمى من ذمى خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع لانه بالاسلام حرم البيع والشراء فيحرم القبض والتسليم أيضا لانه يشبه الانشاء أو انشاء من وجه فيلحق به في باب الحرمات احتياطا وأصله قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا أن كنتم مؤمنين والامر بترك ما بقى من الربا هو النهى عن قبضته يؤيده قوله تعالى في آخر الآية الشريفة وان تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإذا حرم القبض والتسليم لم يكن في بقاء العقد فائدة فيبطله القاضى كمن باع عبدا فأبق قبل القبض ولو كان اسلامهما أو اسلام أحدهما بعد القبض مضى البيع لان الملك قد ثبت على الكمال بالعقد والقبض في حالة الكفر وانما يوجد بعد الاسلام دوام الملك والاسلام لا ينافى ذلك فان من تخمر عصيره لا يؤمر بابطال ملكه فيها ولو أقرض الذمي ذميا خمرا ثم أسلم أحدهما فان أسلم المقرض سقطت الخمر ولا شئ له من قيمة الخمر على المستقرض أما سقوط قيمة الخمر فلان العجز عن قبض المثل جاء من قبله فلا شئ له وان أسلم المستقرض روى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله انه تسقط الخمر وليس عليه قيمة الخمر أيضا كما لو أسلم المقرض وروى محمد وزفر وعافية بن زياد القاضى عن أبى حنيفة رضى الله عنهم ان عليه قيمة الخمر وهو قول محمد رحمه الله (وجه) هذه الرواية ان امتناع التسليم من المستقرض انما جاء لمعنى من قبله وهو اسلامه فكأنه استهلك عليه خمره والمسلم إذا استهلك خمرا لذمى يضمن قيمته (وجه) رواية أبى يوسف رحمه الله انه لا سبيل إلى تسليم المثل لانه يمنع منه ولا إلى القيمة لان ذلك يوجب ملك المستقرض والاسلام يمنع منه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الفرد فعن أبى حنيفة رضى الله عنه روايتان (وجه) رواية عدم الجواز انه غير منتفع به شرعا فلا يكون مالا كالخنزير (وجه) رواية الجواز انه ان لم يكن منتفعا به بذاته يمكن الانتفاع بجلده والصحيح هو الاول لانه لا يشترى للانتفاع بجلده عادة بل للهو به وهو حرام فكان هذا بيع الحرام للحرام وانه لا يجوز ويجوز بيع الفيل

[ 144 ]

بالاجماع لانه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق فكان مالا ولا ينعقد بيع الحية والعقرب وجميع هوام الارض كالوزغة والضب والسلحفاة والقنفذ ونحو ذلك لانها محرمة الانتفاع بها شرعا لكونها من الخبائث فلم تكن أموالا فلم يجز بيعها وذكر في الفتاوى انه يجوز بيع الحية التى ينتفع بها للادوية وهذا غير سديد لان المحرم شرعا لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر والخنزير وقال النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع ولا ينعقد بيع شئ مما يكون في البحر كالضفدع والسرطان الا السمك وما يجوز الانتفاع بجلده أو عظمه لان ما لا يجوز الانتفاع بجلده ولا به ولا بعظمه لا يكون مالا فلا يكون محلا للبيع وقد روى أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الضفدع يجعل في دواء فنهى عنه وقال خبيثة من الخبائث وذكر أبو بكر الاسكاف رحمه الله انه لا يجوز وذكر في الفتاوى انه يجوز لانه الناس ينتفعون به ولا ينعقد بيع النحل الا إذا كان في كوارته عسل فباع الكوارة بما فيها من العسل والنحل وروى هشام عن محمد انه يجوز بيعه منفردا من غير كوارته إذا كان مجموعا وهو قول الشافعي رحمه الله لان النحل حيوان منتفع به فيجوز بيعه (ولنا) انه ليس بمنتفع به فلم يكن مالا بنفسه بل بما يحدث منه وهو معدوم حتى لو باعه مع الكوارة وفيها عسل يجوز بيعه تبعا للعسل ويجوز ان لا يكون الشئ محلا للبيع بنفسه مفردا ويكون محلا للبيع مع غيره كالشرب وأنكر الكرخي رحمه الله هذا فقال انما يدخل فيه تبعا إذا كان من حقوقه كما في الشرب مع الارض وهذا ليس من حقوقه وعلى هذا بيع دود القز لا ينعقد الا إذا كان معه قز وروى محمد انه يجوز بيعه مفردا والحجج على نحو ما ذكرنا في النحل ولا ينعقد بيع بذر الدود عند أبى حنيفة رحمه الله كما لا ينعقد بيع الدود وعندهما يجوز بيعه (ووجه) الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في بيع النحل والدود ويجوز بيع السرقين والبعر لانه مباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق فكان مالا ولا ينعقد بيع العذرة الخالصة لانه لا يباح الانتفاع بها بحال فلا تكون مالا الا إذا كان مخلوطا بالتراب والتراب غالب فيجوز بيعه لانه يجوز الانتفاع به وروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه انه قال كل شئ أفسده الحرام والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه ونبين ذلك وما كان الغالب عليه الحرام لم يجز بيعه ولا هبته كالفأرة إذا وقعت في العجين والسمن المائع وكذلك قال محمد في الزيت إذا وقع فيه ودك الميتة انه ان كان الزيت غالبا يجوز بيعه وان كان الودك غالبا لا يجوز بيعه لان الحلال إذا كان هو الغالب يجوز الانتفاع به استصحابا ودبغا على ما ذكرنا في كتاب الطهارات فكان مالا فيجوز بيعه وإذا كان الحرام هو الغالب لم يجز الانتفاع به بوجه فلم يكن مالا فلا يجوز بيعه ويجوز بيع آلات الملاهي من البربط والطبل والمزمار والدف ونحو ذلك عند أبى حنيفة لكنه يكره وعند أبى يوسف ومحمد لا ينعقد بيع هذه الاشياء لانها آلات معدة للتلهي بها موضوعة للفسق والفساد فلا تكون أموالا فلا يجوز بيعها ولابي حنيفة رحمه الله أنه يمكن الانتفاع بها شرعا من جهة أخرى بان تجعل ظروفا لاشياء ونحو ذلك من المصالح فلا تخرج عن كونها أموالا وقولهما انها آلات التلهى والفسق بها قلنا نعم لكن هذا لا يوجب سقوط ماليتها كالمغنيات والقيان وبدن الفاسق وحياته وماله وهذا لانها كما تصلح للتلهي تصلح لغيره على ماليتها بجهة اطلاق الانتفاع بها لا بجهة الحرمة ولو كسرها انسان ضمن عند أبى حنيفة رحمه الله وعندهما لا يضمن وعلى هذا الخلاف بيع النرد والشطرنج والصحيح قول أبى حينفة رضى الله عنه لان كل واحد منهما منتفع به شرعا من وجه آخر بان يجعل صنجات الميزان فكان مالا من هذا الوجه فكان محلا للبيع مضمونا بالاتلاف ويجوز بيع ما سوى الخمر من الاشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف ونحوها عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد لا يجوز لانه إذا حرم شربها لم تكن مالا فلا تكون محلا للبيع كالخمر ولان ما حرم شربه لا يجوز بيعه لما رووى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وان الله تعالى إذا حرم شيأ حرم بيعه وأكل ثمنه ولابي حنيفة رحمه الله ان حرمة هذه الاشربة ما ثبتت بدليل متيقن مقطوع به لكونها محل الاجتهاد

[ 145 ]

والمالية قبل حدوث الشدة كانت ثابتة بيقين فلا تبطل بحرمة ثابتة بالاجتهاد فبقيت أموالا وبه تبين ان المراد من الحديث محرم ثبتت حرمته بدليل مقطوع به ولم يوجد ههنا بخلاف الخمر لان حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به فبطلت ماليتها والله سبحانه وتعالى أعلم ولا ينعقد بيع الملاقيح والمضامين الذى ورد النهى عنه لان المضمون ما في صلب الذكر والملقوح ما في رحم الانثى وذلك ليس بمال وعلى هذا أيضا يخرج بيع عسب الفحل لان العسب هو الضرب وانه ليس بمال وقد يخرج على هذا بيع الحمل انه لا ينعقد لان الحمل ليس بمال ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه (وجه) قوله ان هذا مشروب طاهر فيجوز بيعه كلبن البهائم والماء (ولنا) ان اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه والدليل على انه ليس بمال اجماع الصحابة رضى الله عنهم والمعقول اما اجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فما روى عن سيدنا عمر وسيدنا على رضى الله تعالى عنهما حكما في ولد المغرور بالقيمة وبالعقر بمقابلة الوطئ وما حكما بوجوب قيمة اللبن بالاستهلاك ولو كان مالا لحكما لان المستحق يستحق بدل اتلاف ماله بالاجماع ولكان ايجاب الضمان بمقابلته أولى من ايجاب الضمان بمقابلة منافع البضع لانها ليست بمال فكانت حاجة المستحق إلى ضمان المال أولى وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم ولم ينكر عليهما أحد فكان اجماعا (وأما) المعقول فهو لانه لا يباح الانتفاع به شرع على الاطلاق بل لضرورة تغذية الطفل وما كان حرام الانتفاع به شرعا الا لضرورة لا يكون مالا كالخمر والخنزير والدليل عليه ان الناس لا يعدونه مالا ولا يباع في سوق ما من الاسواق دل انه ليس بمال فلا يجوز بيعه ولانه جزء من الآدمى والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء ثم لا فرق بين لبن الحرة وبين لبن الامة في ظاهر الرواية وعند أبى يوسف رحمه الله انه يجوز بيع لبن الامة لانه جزء من آدمى هو مال فكان محلا للبيع كسائر أجزائه (ولنا) ان الآدمى لم يجعل محلا للبيع الا بحلول الرق فيه والرق لا يحل الا في الحى واللبن لا حياة فيه فلا يحله الرق فلا يكون محلا للبيع سفل وعلو بين رجلين انهدما فباع صاحب العلو علوه لم يجز لان الهواء ليس بمال ولو جمع بين ما هو مال وبين ما ليس بمال في البيع بان جمع بين حر وعبد أو بين عصير وخمر أو بين ذكية وميتة وباعهما صفقة واحدة فان لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن لم ينعقد العقد أصلا بالاجماع وان بين فكذلك عند أبى حنيفة وعندهما يجوز في العصير والعبد والذكية ويبطل في الحر والخمر والمية ولو جمع بين قن ومدبر أو أم ولد ومكاتب أو بين عبده وعبد غيره وباعهما صفقة واحدة جاز البيع في عبده بلا خلاف (وجه) قولهما ان الفساد بقدر المفسد لان الحكم يثبت بقدر العلة والمفسد خص أحدهما فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة فلو جاء الفساد انما يجئ من قبل جهالة الثمن فإذا بين حصة كل واحد منهما من الثمن فقد زال هذا المعنى أيضا ولهذا جاز بيع القن إذا جمع بينه وبين المدبر أو المكاتب أو أم الولد وباعهما صفقة واحدة كذا هذا ولابي حنيفة رضى الله عنه ان الصفقة واحدة وقد فسدت في احدهما فلا تصح في الآخر والدليل على ان الصفقة واحدة ان لفظ البيع والشراء لم يتكرر والبائع واحد والمشترى واحد وتفريق الثمن وهو التسمية لكل واحد منهما لا يمنع اتحاد الصفقة دل ان الصفقة واحدة وقد فسدت في أحدهما بيقين لخروج الحر والخمر والميتة عن محلية البيع بيقين فلا يصح في الآخر لاستحالة كون الصفقة الواحدة صحيحة وفاسدة ولهذا لم يصح إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمنا فكذا إذا سمى لان التسمية وتفريق الثمن لا يوجب تعدد الصفقة لاتحاد البيع والعاقدين بخلاف الجمع بين العبد والمدبر لان هناك الصفقة ما فسدت في أحدهما بيقين بل بالاجتهاد الذى يحتمل الصواب والخطأ فاعتبر هذا الاحتمال في تصحيح الاضافة إلى المدبر ليظهر في حق القن ان لم يكن اظهاره في حقه ولانه لما جمع بينهما في الصفقة فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرط القبول في الآخر بدليل انه لو قبل العقد في احدهما دون الآخر لا يصح الحر لا يحتمل قبول العقد فيه فلا يصح القبول في الآخر بخلاف المدبر لانه محل لقبول العقد فيه في الجملة فصح قبول العقد فيه الا انه تعذر اظهاره فيه بنوع اجتهاد فيجب اظهاره في القن ولان في تصحيح العقد في

[ 146 ]

أحدهما تفريق الصفقة على البائع قبل التمام لانه أوجب البيع فيهما قالقبول في أحدهما يكون تفريقا وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا جمع بين القن المدبر لان المدبر محل لقبول البيع فيه لكونه مملوكا له الا انه لم ينفذ للحال مع احتمال النفاذ في الجملة بقضاء القاضى لحق المدبر وهذا يمنع محلية القبول في حق نفسه لا في صاحبه فيجعل محلا في حق صاحبه والدليل على التفرقة بين الفصلين ان الحكم ههنا يختلف بين ان يسمى لكل واحد منهما ثمنا أو لا يسمى وهناك لا يختلف دل ان الفرق بينهما لما ذكرنا وعلى هذا الخلاف إذا جمع بين شاة ذكية وبين متروك التسمية عمدا ثم إذا جاز البيع في أحدهما عندهما فهل يثبب الخيار فيه ان علم بالحرام يثبت لان الصفقة تفرقت عليه وان لم يعلم لا لانه رضى بالتفريق والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) أن يكون مملوكا لان البيع تمليك فلا ينعقد فيما ليس بمملوك كمن باع الكلا في أرض مملوكة والماء الذى في نهره أو في بئره لان الكلا وان كان في أرض مملوكة فهو مباح وكذلك الماء ما لم يوجد الاحراز قال النبي صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاث والشركة العامة هي الاباحة وسواء خرج الكلا بماء السماء من غير مؤنة أو ساق الماء إلى أرض ولحقه مؤنة لان سوق الماء إليه ليس باحراز فلم يوجد سبب الملك فيه فبقى مباحا كما كان وكذا بيع الكمأة وبيع صيد لم يوجد في أرضه لا ينعقد لانه مباح غير مملوك لانعدام سبب الملك فيه وكذا بيع الحطب والحشيش والصيود التى في البراري والطير الذى لم يصد في الهواء والسمك الذى لم يوجد في الماء وعلى هذا يخرج بيع رباع مكة واجارتها انه لا يجوز عند أبى حنيفة رضى الله عنه وروى عنه أنه يجوز وبه أخذ الشافعي رحمه الله لعمومات البيع من غير فصل بين أرض الحرم وغيرها ولان الاصل في الاراضي كلها أن تكون محلا للتمليك الا أنه امتنع تملك بعضها شرعا لعارض الوقف كالمساجد ونحوها ولم يوجد في الحرم فبقى محلا للتمليك (ولنا) ماروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال ان الله تبارك وتعالى حرم مكة يوم خلقها لم تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى وانما أحلت لى ساعة من نهار لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يحتش حشيشها أخبر عليه الصلاة والسلام أن مكة حرام وهى اسم للبقعة والحرام لا يكون محلا للتمليك وروى عن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال مكة حرام وبيع رباعها حرام وهذا نص في الباب ولان الله تبارك وتعالى وضع للحرم حرمة وفضيلة ولذلك جعله سبحانه وتعالى مأمنا قال الله تبارك وتعالى جل شأنه أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا فابتذاله بالبيع والشراء والتمليك امتهان وهذا لا يجوز بخلاف سائر الاراضي وقيل ان بقعة مكة وقف حرم سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام ولا حجة في العمومات لانه خص منها الحرم بالحديث المشهور ويجوز بيع بناء بيوت مكة لان الحرم للبقعة لا للبناء وروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه قال كره اجارة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر فاما من المقيم والمجاور فلا بأس بذلك وهو قول محمد رحمه الله ويجوز بيع أراضي الخراج والقطيعة والمزارعة والاجارة والاكارة والمراد من الخراج أرض سواد العراق التى فتحها سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه لانه من عليهم وأقرهم على أراضيهم فكانت ميقاة على ملكهم فجاز لهم بيعها وأرض القطيعة هي الارض التى قطعها الامام لقوم وخصهم بها فملكوها بجعل الامام لهم فيجوز بيعها وأرض المزارعة أن يدفع الانسان أرضه إلى من يزرعها ويقوم بها وبهذا لا تخرج عن كونها مملوكة وأرض الاجارة هي الارض التى يأخذها الانسان من صاحبها ليعمرها ويزرعها وأرض الاكارة التى في أيدى الاكرة فيجوز بيع هذه الارض لانها مملوكة لاصحابها وأما ارض الموات التى أحياها رجل بغير اذن الامام فلا يجوز بيعها عند ابى حنيفة رضى الله عنه لانها لا تملك بدون اذن الامام وعندهما يجوز بيعها لانها تملك بنفس الاحياء والمسألة تذكر في كتاب احياء الموات وذكر القدورى رحمه الله أنه لا يجوز بيع دور بغداد وحوانيت السوق التى للسلطان عليها غلة لانها ليست بمملوكة لما روى أن المنصور أذن للناس في بنائها ولم يجعل البقعة ملكا لهم والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكا للبائع عند

[ 147 ]

البيع فان لم يكن لا ينعقد وان ملكه بعد ذلك بوجه من الوجوه الا السلم خاصة وهذا بيع ما ليس عنده ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم ولو باع المغصوب فضمنه المالك قيمته نفذ بيعه لان سبب الملك قد تقدم فتبين أنه باع ملك نفسه وههنا تأخر سبب الملك فيكون بائعا ما ليس عنده فدخل تحت النهى والمراد منه بيع ما ليس عنده ملكا لان قصة الحديث تدل عليه فانه روى أن حكيم بن حزام كان يبيع الناس أشياء لا يملكها ويأخذ الثمن منهم ثم يدخل السوق فيشترى ويسلم إليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبع ما ليس عندك ولان بيع ما ليس عنده بطريق الاصالة عن نفسه تمليك ما لا يملكه بطريق الاصالة وأنه محال وهو الشرط فيما يبيعه بطريق الاصالة عن نفسه فاما ما يبيعه بطريق النيابة عن غيره ينظر ان كان البائع وكيلا وكفيلا فيكون المبيع مملوكا للبائع ليس بشرط وان كان فضوليا فليس بشرط للانعقاد عندنا بل هو من شرائط النفاذ فان بيع الفضولي عندنا منعقد موقوف على اجازة المالك فان أجاز نفذ وان رد بطل وعند الشافعي رحمه الله هو شرط الانعقاد لا ينعقد بدوه وبيع الفضولي باطل عنده وسيأتى ان شاء الله تعالى (ومنها) أن يكون مقدور التسليم عند العقد فان كان معجوز التسليم عنده لا ينعقد وان كان مملوكا له كبيع الآبق في جواب ظاهر الروايات حتى لو ظهر يحتاج إلى تجديد الايجاب والقبول الا إذا تراضيا فيكون بيعا مبتدأ بالتعاطي فان لم يتراضيا وامتنع البائع من التسليم لا يجبر على على التسليم ولو سلم وامتنع المشترى من القبض لا يجبر على القبض وذكر الكرخي رحمه الله أنه ينعقد بيع الآبق حتى لو ظهر وسلم يجوز ولا يحتاج إلى تجديد البيع الا إذا كان القاضى فسخه بان رفعه المشترى إلى القاضى فطالبه بالتسليم وعجز عن التسليم ففسخ القاضى البيع بينهما ثم ظهر العبد وجه قول الكرخي رحمه الله ان الاباق لا يوجب زوال الملك الا ترى أنه لو اعتقه أو دبره ينفذ ولو وهبه من ولده الصغير يجوز وكان ملكا له فقد باع مالا مملوكا له الا أنه لم ينفذ للحال للعجز عن التسليم فان سلم زال المانع فينفذ وصار كبيع المغصوب الذى في يد الغاصب إذا باعه المالك لغيره أنه ينعقد موقوفا على التسليم لما قلنا كذا هذا وجه ظاهر الروايات ان القدرة على التسليم لذا العاقد شرط انعقاد العقد لانه لا ينعقد الا لفائدة ولا يفيد إذا لم يكن قادرا على التسليم والعجز عن التسليم ثابت حالة العقد وفى حصول القدرة بعد ذلك شك واحتمال قد يحصل وقد لا يحصل وما لم يكن منعقدا بيقين لا ينعقد لفائدة تحتمل الوجود والعدم على الاصل المعهود ان ما لم يكن ثابتا بيقين أنه لا يثبت بالشك والاحتمال بخلاف ما إذا أبق بعد البيع قبل القبض أنه لا ينفسخ لان القدرة على التسليم كانت ثابتة لذا العقد فانعقد ثم زالت على وجه يحتمل عودها فيقع الشك في زوال المنعقد بيقين والثابت باليقين لا يزول بالشك فهو الفرق بخلاف بيع المغصوب من غير الغاصب أنه ينعقد موقوفا على التسليم حتى لو سلم ينفذ ولان هناك المالك قادر على التسليم بقدرة السلطان والقاضى وجماعة المسلمين الا أنه لم ينفذ للحال لقيام يد الغاصب صورة فإذا سلم زال المانع فينفذ بخلاف الآبق لانه معجوز التسليم على الاطلاق إذ لا تصل إليه يد أحد لما أنه لا يعرف مكانه فكان العجز متقررا والقدرة محتملة موهومة فلا ينعقد مع الاحتمال فاشبه بيع الآبق بيع الطير الذى لم يوجد في الهواء وبيع السمك الذى لم يوجد في الماء وذلك باطل كذا هذا ولو جاء انسان إلى مولى العبد فقال ان عبدك عند فلان فبعه منى وأنا أقبضه منه فصدقه وباعه منه لا ينفذ لما فيه من عذر القدرة على القبض على القبض لكنه ينعقد حتى لو قبضه ينفذ بخلاف الفصل المتقدم لان القدرة على القبض ههنا ثابتة في زعم المشترى الا ان احتمال المنع قائم فانعقد موقوفا على قبضه فإذا قبضه تحقق ما زعمه فينفذ بخلاف الفصل الاول لان العجز عن التسليم للحال متحقق فيمنع الانعقاد ولو أخذه رجل فجاء إلى مولاه فاشتراه منه جاز الشراء لان المانع هو العجز عن التسليم ولم يوجد في حقه وهذا البيع لا يدخل تحت النهى لان النهى عن بيع الآبق وهذا ليس بآبق في حقه ثم إذا اشترى منه لا يخلو اما ان احضر العبد مع نفسه واما ان لم يحضره فان احضره صار قابضا له عقيب العقد بلا فصل وان لم يحضره مع نفسه ينظر ان كان أخذه ليرده على صاحبه وأشهد على ذلك لا يصير قابضا له ما لم يصل إليه لان قبضه قبض أمانة وقبض الامانة

[ 148 ]

لا ينوب عن قبض الضان فلا بد من التجديد بالوصول إليه حتى لو هلك العبد قبل الوصول يهلك على البائع ويبطل العقد لانه مبيع هلك قبل القبض وإذا وصل إليه صار قابضا له بنفس الوصول ولا يشترط القبض بالبراجم لان معنى القبض هو التمكين والتخلى وارتفاع الموانع عرفا وعادة حقيقة وان كان أخذه لنفسه لا ليرده على صاحبه صار قابضا له عقيب العقد بلا فصل حتى لو هلك قبل الوصول إليه يهلك على المشترى لان قبضه قبض ضمان وقبض الشراء أيضا قبض الضمان فتجانس القبضان فتناوبا ولو كان أخذه ليرده ولكنه لم يشهد على ذلك فهو على الاختلاف المعروف بين أبى حنيفة وصاحبيه عند أبى حنيفة عليه الرحمة يصير قابضا له عقيب العقد لان هذا قبض ضمان عنده وعندهما لا يصير قابضا الا بعد الوصول إليه لان هذا قبض أمانة عندهما وهى من مسائل كتاب الاباق واللقطة وعلى هذا بيع الطائر الذى كان في يده وطار أنه لا ينعقد في ظاهر الرواية وعلى قياس ما ذكره الشافعي رحمه الله ينعقد وعلى هذا بيع السمكة التى أخذها ثم ألقاها في حظيرة سواء استطاع الخروج عنها أو لا بعد ان كان لا يمكنه أخذها بدون الاصطياد وان كان يمكنه أخذها من غير اصطياد يجوز بيعها بلا خلاف لانه مقدور التسليم كذا البيع وعلى هذا يخرج بيع اللبن في الضرع لان اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة بل شيأ فشيأ فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما فكان المبيع معجوز التسليم عند البيع فلا ينعقد وكذا بيع الصوف على ظهر الغنم في ظاهر الرواية لانه ينمو ساعة فساعة فيختلط الموجود عند العقد بالحادث بعده على وجه لا يمكن التمييز بينهما فصار معجوز التسليم بالجز والنتف استخراج أصله وهو غير مستحق بالعقد وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام انه نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم وروى عن أبى يوسف انه جوز بيعه والصلح عليه لانه يجوز جره قبل الذبح فيجوز بيعه كبيع الفصيل في الارض (ووجه) الفرق بين الفصيل والصوف لظاهر الرواية ان الصوف لا يمكن جزه من أصله من غير ضرر يلحق الشاة بخلاف الفصيل ولا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين لان الدين اما أن يكون عبارة عن مال حكمي في الذمة واما أن يكون عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه وكل ذلك غير مقدور التسليم في حق البائع ولو شرط التسليم على المديون لا يصح أيضا لانه شرط التسليم على غير البائع فيكون شرطا فاسدا فيفسد البيع ويجوز بيعه ممن عليه لان المانع هو العجز عن التسليم ولا حاجة إلى التسليم ههنا ونظير بيع المغصوب انه يصح من الغاصب ولا يصح من غيره إذا كان الغاصب منكرا ولا بينة للمالك ولا يجوز بيع المسلم فيه لان المسلم فيه مبيع ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض وهل يجوز بيع المجمد فنقول لا خلاف في أنه أذا سلم المجمدة أولا إلى المشترى انه يجوز اما إذا باع ثم سلم قال بعض مشايخنا لا يجوز لانه إلى أن يسلم بعضه يذوب فلا يقدر على تسليم جميعه إلى المشترى وقال بعضهم يجوز وقال الفقيه أبو جعفر الهندوانى رحمه الله إذا باعه وسلمه من يومه ذلك يجوز وان سلمه بعد أيام لا يجوز وبه أخذ الفقيه أبو الليث عليه الرحمة لانه في اليوم لا ينقص نقصانا له حصة من الثمن (وأما) الذى يرجع إلى النفاذ فنوعان أحدهما الملك أو الولاية أما الملك فهو أن يكون المبيع مملوكا للبائع فلا ينفذ بيع الفضولي للانعدام الملك والولاية لكنه ينعقد موقوفا على اجازة المالك وعند الشافعي رحمه الله هو شرط الانعقاد ايضا حتى لا ينعقد بدونه وأصل هذا ان تصرفات الفضولي التى لها مجيز حالة العقد منعقدة موقوفة على اجازة المجيز من البيع والاجارة والنكاح والطلاق ونحوها فان أجاز ينفذ والا فيبطل وعند الشافعي رحمه الله تصرفاته باطلة (وجه) قول الشافعي رحمه الله ان صحة التصرفات الشرعية بالملك أو بالولاية ولم يوجد أحدهما فلا تصح وهذا لان صحة التصرف الشرعي هو اعتباره في حق الحكم الذى وضع له شرعا لا يعقل للصحة معنى سوى هذا (فأما) الكلام الذى لا حكم له لا يكون صحيحا شرعا والحكم الذى وضع له البيع شرعا وهو الملك لا يثبت حال وجوده لعدم شرطه وهو الملك أو الولاية فلم يصح ولهذا لم يصح شراؤه فكذا بيعه (ولنا) عمومات البيع من نحو قوله تبارك وتعالى وأحل البيع وقوله عز شأنه يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض عنكم

[ 149 ]

وقوله سبحانه وتعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله شرع سبحانه وتعالى البيع والشراء والتجارة وابتغاء الفضل من غير فصل بين ما إذا وجد من المالك بطريق الاصالة وبين ما إذا وجد من الوكيل في الابتداء أو بين ما إذا وجدت الاجارة من المالك في الانتهاء وبين وجود الرضا في التجارة عند العقد أو بعده فيجب العمل باطلاقها الا ما خص بدليل وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه دفع دينارا إلى حكيم بن حزام رضى الله عنه وأمره أن يشترى له أضحية فاشترى شاتين ثم باع احداهما بدينار وجاء بدينار وشاة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فدعا له بالبركة وقال عليه الصلاة والسلام بارك الله في صفقة يمينك ومعلوم انه لم يكن حكيم مأمورا ببيع الشاة فلو لم ينعقد تصرفه لما باع ولما دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والبركة على ما فعل ولا نكر عليه لان الباطل ينكر ولان تصرف العاقل محمول على الوجه الاحسن ما أمكن وقد أمكن حمله على الاحسن ههنا وقد قصد البر به والاحسان إليه بالاعانة على ما هو خير للمالك في زعمه لعلمه بحاجته إلى ذلك لكن لم يتبين إلى هذه الحالة لموانع وقد يغلب على ظنه زوال المانع فأقدم عليه نظرا لصديقه واحسانا إليه لبيان المحمدة والثناء لتحمل مؤنة مباشرة التصرف الذى هو محتاج إليه والثواب من الله عزوجل بالاعانة على البر والاحسان قال الله تبارك وتعالى وتعاونوا على البر والتقوى وقال تعالى جل شأنه واحسنوا ان الله يحب المحسنين الا أن في هذه التصرفات ضررا في الجملة لان للناس رغائب في الاعيان وقد يقدم الرجل على شئ ظهرت له الحاجة عنه بازالته عن ملكه لحصول غرضه بدون ذلك ونحو ذلك فيتوقف على اجازة المالك حتى لو كان الامر على ما ظنه مباشر التصرف اجازة وحصل له النفع من جهته فينال الثواب والثناء والا فلا يجيزه ويثنى عليه بقصد الاحسان وايصال النفع إليه فلا يجوز القول باهدار هذا التصرف والحاق كلامه وقصده بكلام المجانين وقصدهم مع ندب الله عزوجل إلى ذلك وحثه عليه لما تلونا من الآيات وقوله صحة التصرف عبارة عن اعتباره في حق الحكم قلنا نعم وعندنا هذا التصرف مفيد في الجملة وهو ثبوت الملك فيما يتضرر المالك بزواله موقوفا على الاجازة اما من كل وجه أو من وجه لكن لا يظهر شئ من ذلك عند العقد وانما يظهر عند الاجازة وهو تفسير التوقف عندنا أن يتوقف في الجواب في الحال انه صحيح في حق الحكم أم لا ولا يقطع القول به للحال ولكن يقطع القول بصحته عند الاجازة وهذا جائز وله نظائر في الشرع وهو البيع بشرط الخيار للبائع أو المشترى على ما عرف (وأما) شراء الفضولي ففيه تفصيل نذكره ان شاء الله تعالى في موضعه ثم الاجازة انما تلحق تصرف الفضولي عندنا بشرائط (منها) أن يكون له مجيز عند وجوده فما لا مجيز له عند وجوده لا تلحقه الاجازة لان ماله مجيز متصور منه الاذن للحال وبعد وجود التصرف فكان الانعقاد عند الاذن القائم مفيدا فينعقد وما لا مجيز له لا يتصور الاذن به للحال والاذن في المستقل قد يحدث وقد لا يحدث فان حدث كان الانعقاد مفيدا وان لم يحدث لم يكن مفيدا فلا ينعقد مع الشك في حصول الفائدة على الاصل المعهود ان ما لم يكن ثابتا بيقين لا يثبت مع الشك وإذا لم ينعقد لا تلحقه الاجازة لان الاجازة للمنعقد وعلى هذا يخرج ما إذا طلق الفضولي امرأة البالغ أو أعتق عبده أو وهب ماله أو تصدق به انه ينعقد موقوفا على الاجازة لان البالغ يملك هذه التصرفات بنفسه فكان لها مجيزا حال وجودها فيتوقف على اجازة المالك وبمثله لو فعل ذلك على الصبى لا ينعقد لان الصبى ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه ألا ترى لو فعل ذلك بنفسه لا تنعقد فلم يكن لها مجيز حال وجودها فلم تنعقد وكذلك الصبى المحجور عليه إذا باع مال نفسه أو اشترى أو تزوج امرأة أو زوج أمته أو كاتب عبده أو فعل بنفسه ما لو فعل عليه وليه لجاز عليه يتوقف على اجازة وليه ما دام صغيرا أو على اجازته بنفسه بعد البلوغ ان لم يوجد من وليه في حال صغره حتى لو بلغ الصبى قبل اجازة الولى فأجاز بنفسه جاز ولا يتوقف على نفس البلوغ من غير اجازة لان هذه التصرفات لها مجيز حال وجودها ألا ترى انه لو فعلها وليه جازت فاحتمل التوقف على الاجازة وانما يتوقف على اجازته بنفسه أيضا بعد البلوغ كما يتوقف على اجازة وليه في حال صغره لانه لما بلغ فقد ملك الانشاء فأولى أن يملك الاجازة ولان ولايته على نفسه فوق ولاية وليه عليه في حال صغره فلما

[ 150 ]

جاز باجازة وليه فلان يجوز باجازة نفسه أولى ولا يجوز بمجرد البلوغ لان الاجازة لها حكم الانشاء من وجه وانه فعل فاعل مختار والبلوغ ليس صنعه فلا يعقل اجازة وكذا إذا وكل الصبى وكيلا بهذه التصرفات ففعل الوكيل قبل بلوغ الصبى أو بعده توقف على اجازته بعد البلوغ الا التوكيل بالشراء فانه لا يتوقف بل ينفذ على الوكيل لان الشراء وجد نفاذا على الوكيل فلا يتوقف الا إذا بلغ الصبى قبل أن يشترى الوكيل فأجاز التوكيل ثم اشترى الوكيل بعد ذلك فيكون الشراء للصبى لا للوكيل لان اجازة الوكالة منه بعد البلوغ بمنزلة انشاء التوكيل ولو وكله ابتداء لكان الشراء له لا للوكيل كذا هذا وبمثله إذا طلق الصبى امرأته أو خالعها أو أعتق عبده على غير مال أو على مال أو وهب ماله أو تصدق به أو زوج عبده امرأة أو باع ماله بمحاباة أو اشترى شيأ بأكثر من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس في مثله عادة أو غير ذلك من التصرفات مما لو فعله وليه في حال صغره لا يجوز عليه لا ينعقد حتى لو أجاز وليه أو الصبى بعد البلوغ لا يصح لان هذه التصرفات ليس لها مجيز حال وجودها فلا تحتمل التوقف على الاجازة الا إذا أجازه الصبى بعد البلوغ بلفظ يصلح للانشاء بأن يقول بعد البلوغ أوقعت ذلك الطلاق أو ذلك العتاق فيجوز ويكون ذلك انشاء الاجازة ولو وكل الصبى وكيلا بهذه التصرفات ففعل الوكيل ينظر ان فعل قبل البلوغ لا يتوقف وهو باطل لان فعل الوكيل كفعل الموكل ولو فعل الصبى بنفسه لا يتوقف فكذا إذا فعله الوكيل وان فعل بعد البلوغ يتوقف على اجازته بمنزلة الفضولي على البائع وان بلغ الصبى فأجاز التوكيل بعد البلوغ قبل أن يفعل الوكيل شيأ ثم فعل جاز لان اجازة التوكيل منه بمنزلة انشائه وكذا وصية الصبى لا تنعقد لانها تصرف لا مجيز له حال وجوده ألا ترى انه لو فعل الولى لا يجوز عليه فلا يتوقف وسواء أطلق الوصية أو أضافها إلى حال البلوغ لما قلنا حتى لو أوصى ثم مات قبل البلوغ أو بعده لا تجوز وصيته الا إذا بلغ وأجاز تلك الوصية بعد البلوغ فتجوز لان الاجازة منه بمنزلة انشاء الوصية ولو أنشأ الوصية بعد البلوغ صح كذا هذا وعلى هذا تصرف المكاتب والعبد المأذون ان ما له مجيز حال وجوده يتوقف على اجازة المولى وما لا مجيز له حالة وجوده يبطل ولا يتوقف لما ذكرنا من الفقه الا أن بين المكاتب والعبد المأذون والصبى فرقا من وجه وهو ان المكاتب أو المأذون إذا فعل ما يتوقف على الاجازة بان زوج نفسه امرأة ثم عتق ينفذ بنفس الاعتاق وفى الصبى لا ينفذ بنفس البلوغ ما لم توجد الاجازة (ووجه) الفرق أن العبد بعد الاذن يتصرف بمالكية نفسه على ما عرف فكان ينبغى أن ينفذ للحال الا أنه توقف لحق المولى فإذا عتق فقد زال المانع فنفذ بخلاف الصبى فان في أهليته قصورا لقصور عقله فانعقد موقوفا على الاجازة والبلوغ ليس باجازة على ما مر (وأما) حكم شراء الفضولي فجملة الكلام فيه أن الفضولي إذا اشترى شيأ لغيره فلا يخلو ما ان اضاف العقد إلى نفسه واما أن أضافه إلى الذى اشترى له فان أضافه إلى نفسه كان المشترى له سواء وجدت الاجازة من الذى اشترى له أو لم توجد لان الشراء إذا وجد نفاذا على العاقد نفذ عليه ولا يتوقف لان الاصل أن يكون تصرف الانسان لنفسه لا لغيره قال الله تعالى عز من قائل لها ما كسبت وقال عز من قائل وأن ليس للانسان الا ما سعى وشراء الفضولي كسبه حقيقة فالاصل أن يكون له الا إذا جعله لغيره أو لم يجد نفاذا عليه لعدم الاهلية فيتوقف على اجازة الذى اشترى له بان كان الفضولي صبيا محجورا أو عبدا محجورا فاشترى لغيره يتوقف على اجازة ذلك الغير لان الشراء لم يجد نفاذا عليه فيتوقف على اجازة الذى اشترى له ضرورة فان أجاز نفذ وكانت العهدة عليه لا عليهما لانهما ليسا من أهل لزوم العهدة وان أضاف العقد إلى الذى اشترى له بان قال الفضولي للبائع بع عبدك هذا من فلان بكذا فقال بعت وقبل الفضولي البيع فيه لاجل فلان أو قال البائع بعت هذا العبد من فلان بكذا وقبل المشترى الشراء منه لاجل فلان فانه يتوقف على اجازة المشترى له لان تصرف الانسان وان كان له على اعتبار الاصل الا أن له أن يجعله لغيره بحق الوكالة وغير ذلك وههنا جعله لغيره فينعقد موقوفا على اجازته ولو قال الفضولي للبائع اشتريت منك هذا العبد بكذا لاجل فلان فقال بعت أو قال البائع للفضولي بعت منك هذا العبد بكذا لفلان فقال اشتريت لا يتوقف وينفذ الشراء عليه لانه لم توجد الاضافة إلى فلان

[ 151 ]

في الايجاب والقبول وانما وجدت في أحدهما وأحدهما شطر العقد فلا يتوقف لما ذكرنا ان الاصل ان لا يتوقف وانما توقف لضرورة الاضافة من الجانبين فإذا لم يوجد يجب العمل بالاصل وهذا بخلاف الوكيل بالشراء انه إذا اشترى شيأ يقع شراؤه للموكل وان أضاف العقد إلى نفسه لا إلى الموكل لانه لما أمره بالشراء فقد أنابه مناب نفسه فكان تصرف الوكيل كتصرفه بنفسه ولو اشترى بنفسه كان المشترى له كذا هذا والله تعالى أعلم ولو اشترى الفضولي شيأ لغيره ولم يضف المشترى إلى غيره حتى لو كان الشراء له فظن المشترى والمشترى له ان المشترى يكون للمشترى له فسلم إليه بعد القبض بالثمن الذى اشتراه به وقبل المشترى له صح ذلك ويجعل ذلك تولية كانه ولاه منه بما اشترى ولو علم المشترى بعد ذلك ان الشراء نفذ عليه والمشترى له فأراد أن يسترد من صاحبه بغير رضاه لم يكن له ذلك لان التولية منه قد صحت فلا يملك الرجوع كمن اشترى منقولا فطلب جاره الشفعة فظن المشترى ان له شفعة فسلم إليه ثم أراد أحدهما أن ينقض ذلك من غير رضا الآخر لم يكن له ذلك لانه لما سلم إليه صار ذلك بيعا بينهما ولو اختلفا فقال المشترى له كنت أمرتك بالشراء وقال المشترى اشتريته لك بغير أمرك فالقول قول المشترى له لان المشترى لما قال اشتريته لك كان ذلك اقرارا منه بانه اشتراه بأمره لان الشراء له لا يكون الا بأمره عادة فكان القول قوله ثم ان أخذه بقضاء القاضى لا يحل له ذلك الا إذا كان صادقا في كلامه فيما بينه وبين الله جل شانه وان أخذه بغير قضاء طاب له لانه أخذه برضاه فصار ذلك بيعا منهما بتراضيهما (ومنها) قيام البائع والمشترى حتى لو هلك أحدهما قبل الاجازة من المالك لا تلحقه الاجازة (ومنها) قيام المالك حتى لو هلك المالك قبل اجازته لا يجوز باجازة ورثته (ومنها) قيام المبيع حتى لو هلك قبل اجازة المالك لا يجوز باجازة المالك غير أنه ان هلك في يد المالك يملك بغير شئ وان هلك بعد التسليم إلى المشترى فالمالك بالخيار ان شاء ضمن البائع وان شاء ضمن المشترى لوجود سبب الضمان من كل واحد منهما وهو التسليم من البائع والقبض من المشترى لان تسليم مال الغير وقبضه بغير اذن صاحبه كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان وأيهما اختار تضمينه برئ الآخر ولا سبيل عليه بحال لانه لما ضمن احدهما فقد ملك المضمون فلا يملك تمليكه من غيره لما فيه من الاستحالة وهو تمليك شئ واحد في زمان واحد من اثنين على الكمال فان اختار تضمين المشترى رجع المشترى بالثمن على البائع وبطل البيع وليس له أن يرجع عليه بما ضمن كما في المشترى من الغاصب وان اختار تضمين البائع ذكر الطحاوي رحمه الله أنه ينظر ان كان قبض البائع قبض ضمان بان كان مغصوبا في يده نفذ بيعه لانه لما ضمنه فقد ملك المغصوب من وقت الغصب فتبين انه باع ملك نفسه فينفذ وان كان قبضه قبض امانة بان كان وديعة عنده فباعه وسلمه إلى المشترى لا ينفذ بيعه لان الضمان انما وجب عليه بسبب متأخر عن البيع وهو التسليم فيملك المضمون من ذلك الوقت لا من وقت البيع فيكون بائعا مال غيره بغير اذنه فلا ينفذ وذكر محمد رحمه الله في ظاهر الرواية وقال يجوز البيع بتضمين البائع قيل هذا محمول على ما إذا سلمه البائع أولا ثم باعه لانه إذا سلمه أولا فقد صار مضمونا عليه بالتسليم فتقدم سبب الضمان البيع فتبين انه باع مال نفسه فينفذ ثم ان كان قيام الاربعة التى ذكرنا شرطا للحوق الاجازة لان الاجازة انما تلحق القيام وقيام العقد بهذه الاربعة ولان الاجازة لها حكم الانشاء من وجه ولا يتحقق الانشاء بدون العاقدين والمعقود عليه لذلك كان قيامها شرطا للحوق الاجازة فان وجد صحت الاجازة وصار البائع بمنزلة الوكيل إذ الاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة ويكون الثمن للمالك ان كان قائما لانه بدل ملكه وان هلك في يد البائع يهلك امانة كما إذا كان وكيلا في الابتداء وهلك الثمن في يده ولو فسخه البائع قبل الاجازة انفسخ واسترد المبيع ان كان قد سلم ويرجع المشترى بالثمن على البائع ان كان قد نقده وكذا إذا فسخه المشترى ينفسخ وكذا إذا فسخه الفضولي فمحمد يحتاج إلى الفرق بين البيع والنكاح فان الفضولي من جانب الرجل في باب النكاح إذا زوجت المرأة نفسها لا يملك الفسخ عنده (ووجه) الفرق له ان البيع الموقوف لو اتصلت به الاجازة فالحقوق ترجع إلى العاقد فهو بالفسخ يدفع العهدة عن نفسه فله ذلك بخلاف

[ 152 ]

النكاح لان الحقوق في باب النكاح لا ترجع إلى العاقد بل هو سفير ومعبر فإذا فرغ عن السفارة والعبارة التحق بالاجانب وأما قيام الثمن في يد البائع هل هو شرط لصحة الاجازة أم لا فالامر لا يخلو اما ان كان الثمن دينا كالدراهم والدنانير والفلوس النافقة والموزون الموصوف والمكيل الموصوف في الذمة واما ان كان عينا كالعروض فان كان دينا فقيامه في يد البائع ليس بشرط للحوق الاجازة لان الدين لا يتعين بالتعيين فكان قيامه بقيام الذمة وان كان عينا فقيامه شرط للحوق الاجازة فصار الحاصل ان قيام الاربعة شرط صحة الاجازة إذا كان الثمن دينا وإذا كان عينا فقيام الخمس شرط فان وجدت الاجازة عند قيام الخمس جاز ويكون الثمن للبائع لا للمالك لان الثمن إذا كان عينا كان البائع مشتريا من وجه والشراء لا يتوقف على الاجازة بل ينفذ على المشترى إذا وجد نقاذا عليه بان كان أهلا وهو أهل والمالك يرجع على بقيمة ماله ان لم يكن له مثل وبمثله ان كان له مثل لانه عقد لنفسه ونقد الثمن من مال غيره فيتوقف النقد على الاجازة فإذا جازه مالكه بعد النقد فيرجع عليه بمثله أو بقيمته بخلاف ما إذا كان الثمن دينا لانه إذا كان دينا كان العاقد بائعامن كل وجه ولا يكون مشتريا لنفسه أصلا فتوقف على اجازة المالك فإذا أجاز كان مجيزا للعقد فكان بدله له ولو هلكت العين في يد الفضولي بطل العقد ولا تلحقه الاجازة ويرد المبيع إلى صاحبه ويضمن للمشترى مثله ان كان له مثل وقيمته ان لم يكن له مثل لانه قبضه بعقد فاسد ولو تصرف الفضولي في العين قبل الاجازة ينظر ان تصرف فيه قبل القبض فتصرفه باطل لان الملك في العقد الفاسد يقف على القبض وان تصرف فيه بعد ما قبض باذن المشترى صريحا أو دلالة يصح تصرفه لانه تصرف في ملك نفسه وعليه مثله أو قيمته لان المقبوض بالبيع الفاسد مضمون به ولا تلحقه الاجازة لانه ملك بجواز تصرفه فيه فلا يحتمل الاجازة بعد ذلك ولو تصرف المشترى في المبيع قبل الاجازة لا يجوز تصرفه سواء كان قبض المبيع أو لم يقبضه لعدم اذن مالكه والله تعالى أعلم (وأما) الولاية فالولاية في الاصل نوعان نوع يثبت بتولية المالك ونوع يثبت شرعا لا بتولية المالك أما الاول فهو ولاية الوكيل فينفذ تصرف الوكيل وان لم يكن المحل مملوكا له لوجود الولاية المستفادة من الموكل وأما الثاني فهو ولاية الاب والجد أب الاب والوصى والقاضى وهو نوعان أيضا ولاية النكاح وولاية غيره من التصرفات أما ولا ية النكاح فموضع بيانها كتاب النكاح وأما ولاية غيره من المعاملات فالكلام فيه في مواضع في بيان سبب هذه الولاية وفى بيان شرائطها وفى بيان ترتيب الولاية أما الاول فسبب هذا النوع من الولاية في التحقيق شيئان أحدهما الابوة والثانى القضاء لان الجد من قبل الاب أب لكن بواسطة ووصى الاب والجد استفاد الولاية منهما فكان ذلك ولاية الابوة من حيث المعنى ووصى القاضى يستفيد الولاية من القاضى فكان ذلك ولاية القضاء معنى أما الابوة فلانها داعية إلى كمال النظر في حق الصغير لوفور شفقة الاب وهو قادر على ذلك لكمال رأيه وعقله والصغير عاجز عن النظر لنفسه بنفسه وثبوت ولاية النظر للقادر على العاجز عن النظر أمر معقول مشروع لانه من باب الاعانة على البر ومن باب الاحسان ومن باب اعانة الضعيف واغاثة اللهفان وكل ذلك حسن عقلا وشرعا ولان ذلك من باب شكر النعمة وهى نعمة القدرة إذا شكر كل نعمة على حسب النعمة فشكر نعمة القدرة معونة العاجز وشكر النعمة واجب عقلا وشرعا فضلا عن الجواز ووصى الاب قائم مقامه لانه رضيه واختاره فالظاهر انه ما اختاره من بين سائر الناس الا لعلمه بان شفقته على ورثته مثل شفقته عليهم ولولا ذلك لما ارتضاه من بين سائر الناس فكان الوصي خلفا عن الاب وخلف الشئ قائم مقامه كانه هو والجد له كمال الرأى ووفور الشفقة الا أن شفقته دون شفقة الاب فلا جرم تأخرت ولايته عن ولاية الاب وولاية وصيه ووصى وصيه أيضا لان تلك ولاية الاب من حيث المعنى على ما ذكرنا ووصى الجد قائم مقامه لانه استفاد الولاية من جهته وكذا وصى وصيه وأما القضاء فلان القاضى لاختصاصه بكمال العلم والعقل والورع والتقوى والخصال الحميدة أشفق الناس على اليتامى فصلح وليا وقد قال عليه الصلاة والسلام السلطان ولى من لا ولى له الا أن شفقته دون شفقة الاب والجد لان شفقتهما تنشأ عن القرابة وشفقته لا وكذا وصيه

[ 153 ]

فتأخرت ولايته عن ولايتهما (فصل) وأما شرائطها فأنواع بعضها يرجع إلى الولى وبعضها يرجع إلى المولى عليه وبعضها يرجع إلى المولى فيه أما الذى يرجع إلى الولى فأشياء (منها) أن يكون حرا فلا تثبت ولاية العبد لقوله سبحانه وتعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ولانه لا ولاية له على نفسه فكيف تثبت له الولاية على غيره (ومنها) أن يكون عاقلا فلا ولاية للمجنون لما قلنا (ومنها) اسلام الولى إذا كان المولى عليه مسلما فان كان كافرا لا تثبت له عليه الولاية لقوله عزوجل ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ولان تنفيذ الولاية للكافر على المسلم يشعر بالذل به وهذا لا يجوز (وأما) الذى يرجع إلى المولى عليه فالصغر فلا تثبت الولاية على الكبير لانه يقدر على دفع حاجة نفسه فلا حاجة إلى اثبات الولاية عليه لغيره وهذا لان الولاية على الحر تثبت مع قيام المنافى للضرورة ولا ضرورة حالة القدرة فلا تثبت (وأما) الذى يرجع إلى المولى فيه فهو أن لا يكون من التصرفات الضارة بالمولى عليه لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا اضرار في الاسلام وقال عليه الصلاة والسلام من لم يرحم صغيرنا فليس منا والاضرار بالصغير ليس من المرحمة في شئ فليس له أن يهب مال الصغير من غيره بغير عوض لانه ازالة ملكه من غير عوض فكان ضررا محضا وكذا ليس له أن يهب بعوض عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد له ذلك (وجه) قوله أن الهبة بعوض معاوضة المال بالمال فكان في معنى البيع فملكها كما يملك البيع (ولهما) أنها هبة ابتداء بدليل أن الملك فيها يقف على القبض وذلك من أحكام الهبة وانما تصير معاوضة في الانتهاء وهو لا يملك الهبة فلم تنعقد هبته فلا يتصور أن تصير معاوضة بخلاف البيع لانه معاوضة ابتداء وانتهاء وهو يملك المعاوضة وليس له أن يتصدق بماله ولا ان يوصى به لان التصدق والوصية ازالة الملك من غير عوض مالى فكان ضررا فلا يملكه وليس له أن يطلق امرأته لان الطلاق من التصرفات الضارة المحضة ليس له أن يعتق عبده سواء كان بعوض أو بغير عوض أما بغير عوض فلانه ضرر محض وكذا بعوض لانه لا يقابله العوض للحال لان العتق معلق بنفس القبول وإذا عتق بنفس القبول يبقى الدين في ذمة المفلس وقد يحصل وقد لا يحصل فكان الاعتاق ضررا محضا للحال وكذا ليس له أن يقرض ماله لان القرض ازالة الملك من غير عوض للحال وهو معنى قولهم القرض تبرع وهو لا يملك سائر التبرعات كذا هذا بخلاف القاضى فانه يقرض مال اليتيم (ووجه) الفرق ان الاقراض من القاضى من باب حفظ الدين لان توى الدين بالافلاس أو بالانكار والظاهر أن القاضى يختار أملى الناس وأوثقهم وله ولاية التفحص عن أحوالهم فيختار من لا يتحقق افلاسه ظاهرا وغالبا وكذا القاضى يقضى بعلمه فلا يتحقق التوى بالانكار وليس لغير القاضى هذه الولاية فبقى الاقراض منه ازالة الملك من غير أن يقابله عوض للحال فكان ضررا فلا يملكه وله ان يدين ماله من غيره وصورة الاستدانة أن يطلب انسان من غير الاب أو الوصي أن يبيعه شيأ من أموال الصغير بمثل قيمته حتى يجعل أصل الشئ ملكه وثمن المبيع دينا عليه ليرده فان باعه منه بزيادة على قيمته فهو عينه وانما ملك الادانة ولم يملك القرض لان الادانة بيع ماله بمثل قيمته وليس له أن يزوج عبده لانه يتعلق المهر برقبته وفيه ضرر وليس له أن يبيع ماله بأقل من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة ولو باع لا ينفذ بيعه لانه ضرر في حقه وكذا ليس له ان يؤاجر نفسه أو ماله بأقل من أجرة المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة وليس له أن يشترى بماله شيأ بأكثر من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة لما قلنا ولو اشترى ينفذ عليه ويكون المشترى له لان الشراء وجد نفاذا على المشترى وله أن يقبل الهبة والصدقة والوصية لان ذلك نفع محض فيملكه الولى وقال عليه الصلاة والسلام خير الناس من ينفع الناس وهذا يجرى مجرى الحث على النفع والحث على النفع ممن لا يملك النفع عبث وله أن يزوج أمته لانه نفع وله أن يبيع ماله بأكثر من قيمته ويشترى له شيأ بأقل من قيمته لما قلنا وله أن يبيعه بمثل قيمته وبأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس فيه عادة وله أن يشترى له شيأ بمثل قيمته وبأكثر من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة وكذا له أن يؤاجر نفسه وماله بأكثر من أجر مثله أو بأجر مثله أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس

[ 154 ]

فيه عادة وكذا له أن يستأجر له شيأ بأقل من أجر المثل أو بأجر المثل أو باكثر منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة ولو أجر نفسة أو ماله ثم بلغ الصبى في المدة فله الخيار في اجارة النفس ان شاء مضى عليها وان شاء أبطلها ولا خيار له في اجارة المال (ووجه) الفرق ان اجارة مال الصغير تصرف في ماله على وجه النظر فيقوم الاب فيه مقامه فلا يثبت له خيار الابطال بالبلوغ فأما اجارة نفسه فتصرف على نفسه بالا ضرار وكان ينبغى أن لا يملكه الاب الا أنه ملكها من حيث انها نوع رياضة وتهذيب للصغير وتأديب له والاب يلى تأديب الصغير فوليها على أنها تأديب فإذا بلغ فقد انقطعت ولاية التأديب وهو الفرق وله أن يسافر بماله وله أن يدفع ماله مضاربة وله أن يبضع وله أن يوكل بالبيع والشراء والاجارة والاستئجار لان هذه الاشياء من توابع التجارة فكل من ملك التجارة يملك ما هو من توابعها ولهذا ملكها المأذون وله أن يعير ماله استحسانا والقياس أن لا يجوز (وجه) القياس ان الاعارة تمليك المنفعة بغير عوض فكان ضررا (وجه) الاستحسان ان هذا من توابع التجارة وضروراتها فتملك بملك التجارة ولهذا ملكها المأذون وله أن يودع ماله لان الايداع من ضرورات التجارة وله أن يأذن له بالتجارة عندنا إذا كان يعقل البيع والشراء لان الاذن بالتجارة دون التجارة فإذا ملك التجارة بنفسه فلان يملك الاذن بالتجارة أولى وله أن يكاتب عبده لان المكاتبة عقد معاوضة فكان في معنى البيع وله أن يرهن ماله بدينه لان الرهن من توابع التجارة لان التاجر يحتاج إليه ولانه قضاء الدين وهو يملك قضاء دينه من ماله فيملك الرهن بدينه أيضا وله أن يرهن ماله بدين نفسه أيضا لان عين المرهون تحت يد المرتهن الا أنه إذا هلك يضمن مقدار ما صار مؤديا من ذلك دين نفسه وله أن يجعل ماله مضاربة عند نفسه وينبغى أن يشهد على ذلك في الابتداء ولو لم يشهد يحل له الربح فيما بينه وبين الله تعالى ولكن القاضى لا يصدقه وكذلك إذا شارك ورأس ماله أقل من مال الصغير فان أشهد فالربح على ما شرط وان يشهد يحل فيما بينه وبين الله تعالى ولكن القاضى لا يصدقه ويجعل الربح على قدر رأس مالهما وما عرفت من الجواب في الاب فهو الجواب في وصيه حال عدمه وفى الجد ووصيه حال عدمه الا أن بين الاب ووصيه وبين الجد ووصيه فرقا من وجوه مخصوصة (منها) ان الاب أو الجد إذا اشترى مال الصغير لنفسه أو باع مال نفسه من الصغير بمثل قيمته أو بأقل جاز ولو فعل الوصي ذلك لا يجوز عند محمد أصلا وعند أبى حنيفة وأبى يوسف ان كان خيرا لليتيم جاز والا فلا (ومنها) ان لهما ولاية الاقتصاص لاجل الصغير في النفس وما دونها وللوصي ولاية الاقتصاص فيما دون النفس وليس له ولاية الاقتصاص في النفس (ومنها) ان له ولاية الصلح في النفس وما دونها وعلى قدر الدية من غير حط بلا خلاف وليس لهما ولاية العفو وفى جواز الصلح من الوصي روايتان وقد ذكرنا الوجه في ذك في كتاب الصلح ثم ولى اليتيم هل يأكل من مال اليتيم فنقول لا خلاف في أنه إذا كان غنيا لا يأكل لقوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف فاما إذا كان فقيرا فهل له أن يأكل على سبيل الاباحة أو ليس له أن يأكل الا قرضا اختلف فيه الصحابة رضى الله عنهم روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ان له أن يأكل على سبيل الاباحة لكن بالمعروف من غير اسراف وهو قول سيدتنا عائشة رضى الله عنها وروى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه يأكل قرضا فإذا أيسر قضى وهو احدى الروايتين عن ابن عباس رضى الله عنهما احتج هؤلاء بقوله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم أمر سبحانه وتعالى بالاشهاد على الايتام عند دفع المال إليهم ولو كان المال في أيدى الاولياء بطريق الامانة لكان لا حاجة إلى الاشهاد لان القول قول الولى إذا قال دفعت المال إلى اليتيم عند انكاره وانما الحاجة إلى الاشهاد عند الاخذ قرضا ليأكل منه لان في قضاء الدين القول قول صاحب الدين لا قول من يقضى الدين وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه انه فسر قوله عزوجل ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال قرضا احتج الاولون بظاهر قوله عز شأنه ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف أطلق الله عز شأنه لولى اليتيم أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف وهو الوسط من غير اسراف وروى ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ليس لى مال ولى يتيم فقال عليه الصلاة والسلام كل من مال يتيمك

[ 155 ]

غير مسرف ولا متأثل مالك بماله وذكر محمد ومالك في الموطأ ان الافضل هو الاستعفاف من ماله لما روى ان رجلا أتى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فقال له أوصى إلى يتيم فقال عبد الله لا تشتر من ماله شيأ ولا تستقرض من ماله شيأ والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما ترتيب الولاية فأولى الاولياء الاب ثم وصيه ثم وصى وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم وصى وصيه ثم القاضى ثم من نصبه القاضى وهو وصى القاضى وانما تثبت الولاية على هذا الترتيب لان الولاية على الصغار باعتبار النظر لهم لعجزهم عن التصرف بأنفسهم والنظر على هذا الترتيب لان ذلك مبنى على الشفقة وشفقة الاب فوق شفقة الكل وشفقة وصيه فوق شفقة الجد لانه مرضى الاب ومختاره فكان خلف الاب في الشفقة وخلف الشئ قائم مقامه كانه هو وشفقة الجد فوق شفقة القاضى لان شفقته تنشأ عن القرابة والقاضى أجنبي ولاشك ان شفقة القريب على قريبه فوق شفقة الأجنبي وكذا شفقة وصيه لانه مرضى الجد وخلفه فكان شفقته مثل شفقته وإذا كان ما جعل له الولاية على هذا الترتيب كانت الولاية على هذا الترتيب ضرورة لان ترتيب الحكم على حسب ترتيب العلة والله سبحانه وتعالى أعلم وليس لمن سوى هؤلاء من الام والاخ والعم وغيرهم ولاية التصرف على الصغير في ماله لان الاخ والعم قاصرا الشفقة وفى التصرفات تجرى جنايات لا يهتم لها الا ذو الشفقة الوافرة والام وان كانت لها وفور الشفقة لكن ليس لها كمال الرأى لقصور عقل النساء عادة فلا تثبت لهن ولاية التصرف في المال ولا لوصيهن لان الوصي خلف الموصى قائم مقامه فلا يثبت له الا قدر ما كان للموصى وهو قضاء الدين والحفظ لكن عند عدم هؤلاء ولوصى الام والاخ ان يبيع المنقول والعقار لقضاء دين الميت والباقى ميراث للصغير ثم ينظر ان كان واحد ممن ذكرنا حيا حاضرا فليس له ولاية التصرف أصلا في ميراث الصغير لان الموصى لو كان حيا لا يملكه في حال حياته فكذا الوصي وان لم يكن فله ولاية الحفظ لا غير الا انه يبيع المنقول لما ان بيع المنقول من باب الحفظ لان حفظ الثمن أيسر وليس له أن يبيع العقار لاستغنائه عن الحفظ لكونه محفوظا بنفسه وكذا لا يبيع الدراهم والدنانير لانها محفوظة وليس له أن يشترى شيأ على سبيل التجارة وله أن يشترى ما لا بد منه للصغير من طعامه وكسوته وما استفاد الصغير من المال من جهة أخرى سوى الارث بان وهب له شئ أو أوصى له به فليس له ولاية التصرف فيه أصلا عقارا كان أو منقولا لانه لم يكن للموصى عليه ولاية فكذا الوصي (وأما) وصى المكاتب فله أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين المكاتب ولقضاء دين الكتابة لان المكاتب كان يملكه بنفسه فكذا وصيه وما فضل من كسبه يكون ميراثا لورثته (اما) الاحرار منهم فلا شك وكذا الولد المولود في الكتابة ومن كوتب معه لانه عتق في آخر جزء من أجزاء حياته بعتق أبيه وإذا صار الفاضل من كسبه ميراثا لورثته فهل يملك التصرف في مالهم ذكر في الزيادات انه لا يملك الا الحفظ وجعله بمنزلة وصى الام والاخ والعم وفى كتاب القسمة الحقه بوصى الاب فانه أجاز قسمته في العقارات والقسمة في معنى البيع فمن جازت قسمته يجوز بيعه فكان فيه روايتان وهذا إذا مات قبل أداء بدل الكتابة فاما إذا أدى بدل الكتابة في حال حياته وعتق ثم مات كان وصيه كوصي الحر بلا خلاف والثانى أن لا يكون في المبيع حق لغير البائع فان كان لا ينعقد كالمرهون والمستأجر لان فيه ابطال حق المرتهن والمستأجر وهذا لا يجوز وقد اختلفت عبارات الكتب في هذه المسألة في بعضها ان البيع فاسد وفى بعضها انه موقوف وهو الصحيح لان ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى مال متقوم مملوك له مقدور التسليم من غير ضرر يلزمه والدليل على انه مقدور التسليم انه يمكنه أن يفتك الرهن بقضاء الدين فيسلمه إلى المدين وكذا احتمال الاجازة من المرتهن والمستأجر ثابت في البابين جميعا الا انه لم ينفذ للحال لتعلق حقهما فتوقف ويمكن التوفيق بين الروايتين بان يحمل قوله فاسد على انه لا حكم له ظاهر وهو تفسير الموقوف عندنا فإذا توقف على اجازتهما فان أجازا جاز ونفذ وهل يملكان المطالبة بالفسخ ذكر القدورى رحمه الله في شرحه وقال اما المستأجر فلا يملك واما المرتهن فيجوز أن يقال يملك فرق بينهما من حيث ان حق المستأجر في

[ 156 ]

المنفعة لا في العين إذ الاجارة عقد على المنفعة لا على العين والبيع عقد على العين فلم يكن البيع تصرفا في محل حق المستأجر فلا يثبت له الخيار وحق المرتهن في العين لانه يستوفى الدين من بدل العين بالبيع عند عدم الافتكاك من الراهن ولهذا لو أجاز البيع كان الثمن رهنا عنده فكان البيع تصرفا في محل حقه فيثبت له الخيار وهل يثبت للمشترى خيار الفسخ فان لم يعلم انه مرهون أو مؤجر يثبت لان العقد المطلق يقتضى التسليم للحال وقد فات فيثبت له خيار الفسخ وان علم فلا خيار له لانه رضى بالتسليم في الجملة ولو باع عبده الذى وجب عليه القود نفذ لانه لا حق لولى القتيل في نفس القاتل وانما له ولاية استيفاء القصاص وانها لا تبطل بالبيع فيجوز البيع ولا يصير المولى بالبيع مختارا للفداء سواء علم بالجناية أو لم يعلم لان حق الولى في القصاص والبيع لا يبطل القصاص وكذلك لو أعتقه أو دبره أو كاتب أمة فاستولدها لما قلنا وكذا لو باع عبده الذى هو حلال الدم بالردة لان الردة توجب اباحة الدم لا غير والبيع لا يبطلها وكذا لو أعتقه أو دبره وكذا لو باع عبده الذى وجب قطع يده بالسرقة أو وجب عليه حد من الحدود كحد الزنا والقذف والشرب لان الواجب بهذه الجنايات ولاية استيفاء القطع والحد والبيع لا يبطلها ولو باع عبده الذى وجب دفعه بالجناية يجوز علم المولى بالجناية أو لا ولا سبيل لولى الجناية على العبد ولا على المشترى لانه لا حق له في نفس العبد وانما يخاطب المولى بالدفع الا أن يختار الفداء غير انه ان كان عالما بالجناية يلزمه ارش الجناية بالغا ما بلغ لان اقدامه على البيع بعد العلم بالجناية اختيار للفداء إذ لو لم يختر لما باعه لما فيه من ابطال حق ولى الجناية في الدفع والظاهر انه لا يرضى به وعلى تقدير الاختيار كان البيع ابطالا لحقهم إلى بدل وهو الفداء فكان الاقدام على البيع اختيارا للفداء بخلاف ما إذا كان عليه قتل أو قطع بسبب السرقة أو حد لان البيع لا يوجب بطلان هذه الحقوق فلم يكن الاقدام على البيع اختيارا للفداء فلا تسقط هذه الحقوق بل بقيت على حالها وان كان عالما بالجناية يلزمه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية لانه إذا لم يكن عالما بالجناية كان البيع استهلاكا للعبد من غير اختياره فعليه الاقل من قيمته ومن ارش الجناية لانه ما أتلف على ولى الجناية الا قدر الارش الا إذا كان أقلهما عشرة آلاف درهم فينقص منها عشرة دراهم لان قيمة قتل العبد خطأ إذا بلغ عشرة آلاف درهم ينقص منها عشرة دراهم وكذلك لو أعتقه المولى أو دبره أو كاتب أمة فاستولدها جاز ولا سبيل لولى الجناية على العبد والمدبر وأم الولد غير انه ان علم بالجناية كان ذلك اختيارا منه للفداء وان لم يعلم فعليه الاقل من قيمته ومن الدين وما زاد على هذا نذكره في كتاب جنايات العبيد في آخر كتاب الجنايات ان شاء الله تعالى (فصل) وأما شرائط الصحة فانواع بعضها يعم البياعات كلها وبعضها يخص البعض دون البعض اما الشرائط العامة (فمنها) ما ذكرنا من شرائط الانعقاد والنفاذ لان ما لا ينعقد ولا ينفذ البيع بدونه لا يصح بدونه ضرورة إذ الصحة أمر زائد على الانعقاد والنفاذ فكل ما كان شرط الانعقاد والنفاذ كان شرط الصحة ضرورة وليس كل ما يكون شرط الصحة يكون شرط النفاذ والانعقاد عندنا فان البيع الفاسد ينعقد وينفذ عند اتصال القبض به عندنا وان لم يكن صحيحا (ومنها) أن يكون المبيع معلوما وثمنه معلوما علما يمنع من المنازعة فان كان أحدهما مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فسد البيع وان كان مجهولا جهالة لا تفضى إلى المنازعة لا يفسد لان الجهالة إذا كانت مفضية إلى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم فلا يحصل مقصود البيع وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة لا تمنع من ذلك فيحصل المقصود وبيانه في مسائل إذا قال بعتك شاة من هذا القطيع أو ثوبا من هذا العدل فالبيع فاسد لان الشاة من القطيع والثوب من العدل مجهول جهالة مفضية إلى المنازعة لتفاحش التفاوت بين شاة وشاة وثوب وثوب فيوجب فساد البيع فان عين البائع شاة أو ثوبا وسلمه إليه ورضى به جاز ويكون ذلك ابتداء بيع بالمراضاة ولان البياعات للتوسل إلى استيفاء النفوس إلى انقضاء آجالها والتنازع يفضى إلى التفاني فيتناقض ولان الرضا شرط البيع والرضا لا يتعلق الا بالمعلوم والكلام في هذا الشرط في موضعين أحدهما ان العلم بالمبيع والثمن علما مانعا من المنازعة شرط صحة البيع * والثانى في بيان ما يحصل به العلم بهما (اما) الاول فبيانه في مسائل وكذا إذا قال بعتك أحد هذه الاثواب الاربعة

[ 157 ]

بكذا وذكر خيار التعيين أو سكت عنه أو قال بعتك أحد هذين الثوبين أو أحد هذه الاثواب الثلاثة بكذا وسكت عن الخيار فالبيع فاسد لان المبيع مجهول ولو ذكر الخيار بان قال على انك بالخيار تأخذ أيها شئت بثمن كذا وترد الباقي فالقياس أن يفسد البيع وفى الا ستحسان لا يفسد (وجه) القياس ان المبيع مجهول لانه باع أحدهما غير عين وهو غير معلوم فكان المبيع مجهولا فيمنع صحة البيع كما لو باع أحد الاثواب الاربعة وذكر الخيار (وجه) الاستحسان الاستدلال بخيار الشرط والجامع بينهما مساس الحاجة إلى دفع الغبن وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن وورود الشرع هناك يكون ورودا ههنا والحاجة تندفع بالتحرى في ثلاثة لاقتصار الاشياء على الجيد والوسط والردئ فيبقى الحكم في الزيادة مردودا إلى أصل القياس ولان الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إلى ذلك فان كل أحد لا يمكنه أن يدخل السوق فيشترى ما يحتاج إليه خصوصا الاكابر والنساء فيحتاج إلى أن يأمر غيره ولا تندفع حاجته بشراء شئ واحد معين من ذلك الجنس لما عسى لا يوافق الآمر فيحتاج إلى ان يشترى أحد اثنين من ذلك الجنس فيحملهما جميعا إلى الآمر فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور ويرد الباقي فجوزنا ذلك لتعامل الناس ولا تعامل فيما زاد على الثلاثة فبقى الحكم فيه على أصل القياس وقوله المعقود عليه مجهول قلنا هذا ممنوع فانه إذا شرط الخيار بان قال على أن تأخذ أيهما شئت فقد انعقد البيع موجبا للملك عند اختياره لا للحال والمعقود عليه عند اختياره معلوم مع ما ان هذه جهالة لا تفضى إلى المنازعة لانه فوض الامر إلى اختيار المشترى يأخذ أيهما شاء فلا تقع المنازعة وهل يشترط بيان المدة في هذا الخيار اختلف المشايخ فيه لاختلاف ألفاظ محمد في هذه المسألة في الكتب فذكر في الجامع الصغير على أن يأخذ المشترى أيهما شاء وهو فيه بالخيار ثلاثة أيام وذكر في الاصل على أن يأخذ أيهما شاء بألف ولم يذكر الخيار فقال بعضهم لا يجوز هذا البيع الا بذكر مدة خيار الشرط وهو ثلاثة أيام فما دونها عند أبى حنيفة رحمه الله وعندهما الثلاث وما زاد عليها بعد أن يكون معلوما وهو قول الكرخي والطحاوى رحمهما الله وقال بعضهم يصح من غير ذكر المدة (وجه) قول الاولين ان المبيع لو كان ثوبا واحدا معينا وشرط فيه الخيار كان بيان المدة شرط الصحة بالاجماع فكذا إذا كان واحدا غير معين والجامع بينهما ان ترك التوقيت تجهيل لمدة الخيار وانه مفسد للبيع لان للمشترى أن يردهما جميعا والثابت بخيار التعيين رد أحدهما وهذا حكم خيار الشرط فلا بد من ذكر مدة معلومة (وجه) قول الآخرين ان توقيت الخيار في المعين انما كان شرطا لان الخيار فيه يمنع ثبوت الحكم للحاجة إلى دفع الغبن بواسطة التأمل فكان في معنى الاستثناء فلا بد من التوقيت ليصح استثناء ذلك في الوقت عن ثبوت حكم البيع فيه وخيار التعيين لا يمنع ثبوت الحكم بل يثبت الحكم في أحدهما غير عين وانما يمنع تعين المبيع لا غير فلا يشترط له بيان المدة والله سبحانه وتعالى أعلم والدليل على التفرقة بينهما أن خيار الشرط لا يورث على أصل أصحابنا وخيار التعيين يورث بالاجماع الا أن للمشترى أن يردهما جميعا لا حكما لخيار الشرط المعهود ليشترط له بيان المدة بل لان البيع المضاف إلى أحدهما غير لازم فكان محلا للفسخ كالبيع بشرط خيار معهود على ما نذكر ان شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى ثوبين أو عبدين أو دابتين على أن المشترى أو البائع بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام ولم يعين الذى فيه الخيار من الذى لا خيار فيه ولا بين حصة كل واحد منهما من الثمن أن البيع فاسد فيهما جميعا لجهالة المبيع والثمن (أما) جهالة المبيع فلان العقد في أحدهما بات وفى الآخر خيار ولم يعين أحدهما من الآخر فكان المبيع مجهولا وأما جهالة الثمن فلانه إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمنا فلا يعرف ذلك الا بالحرز والظن فكان الثمن مجهولا والمبيع مجهولا وجهالة أحدهما تمنع صحة البيع فجهالتهما أولى وكذا إذا عين الذي فيه الخيار لكن لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن لان الثمن مجهول وكذا إذا بين ثمن كل واحد منهما لكن لم يعين الذى فيه الخيار من صاحبه لان المبيع مجهول ولو عين وبين جاز البيع فيهما جميعا لان المبيع والثمن معلومان ويكون البيع في أحدهما باتا من غير خيار وفى الآخر فيه خيار لانه هكذا فعل فإذا أجاز من له الخيار البيع فيما له فيه الخيار أو مات أو مضت مدة الخيار من غير فسخ حتى تم البيع ولزم

[ 158 ]

المشترى ثمنهما ليس له أن يأخذ أحدهما أو كلاهما ما لم ينقد ثمنهما جميعا لان الخيار لما سقط ولزم العقد صار كانه اشتراهما جميعا شراء باتا ولو كان كذلك كان الامر على ما وصفنا فكذا هذا ولو اشترى ثوبا واحدا أو دابة واحدة بثمن معلوم على أن المشترى أو البائع بالخيار في نصفه ونصفه بات جاز البيع لان النصف معلوم وثمنه معلوم أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع عددا من جملة المعدودات المتفاوتة كالبطيخ والرمان بدرهم والجملة اكثر مما سمى فالبيع فاسد لجهالة المبيع جهالة مفضية إلى المنازعة فان عزل ذلك القدر من الجملة بعد ذلك أو تراضيا عليه فهو جائز لان ذلك بيع مبتدأ بطريق التعاطى واليه أشار في الكتاب فقال وانما وقع البيع على هذا المعزول حين تراضيا وهذا نص على جواز البيع بالمراوضة ولو قال بعت هذا العبد بقيمته فالبيع فاسد لانه جعل ثمنه قيمته وانها تختلف باختلاف تقويم المقومين فكان الثمن مجهولا وكذلك إذا اشترى من هذا اللحم ثلاثة أرطال بدرهم ولم يبين الموضع فالبيع فاسد وكذلك إذا بين الموضع بان قال زن لى من هذا الجنب رطلا بكذا أو من هذا الفخذ على قياس قول أبى حنيفة في السلم وعلى قياس قولهما يجوز وكذا روى عن محمد رحمه الله أنه يجوز وكذا إذا باع بحكم المشترى أو بحكم فلان لانه لا يدرى بماذا يحكم فلان فكان الثمن مجهولا وكذا إذ قال بعتك هذا بقفيز حنطة أو بقفيزى شعير لان الثمن مجهول وقيل هو البيعان في بيع وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعين في بيع وكذا إذا قال بعتك هذا العبد بالف درهم إلى سنة أو بالف وخمسمائة إلى سنتين لان الثمن مجهول وقيل هو الشرطان في بيع وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شرطين في بيع ولو باع شيأ بربح ده بازده ولم يعلم المشترى رأس ماله فالبيع فاسد حتى يعلم فيختار أو يدع هكذا روى ابن رستم عن محمد لانه إذا لم يعلم رأس ماله كان ثمنه مجهولا وجهالة الثمن تمنع صحة البيع فإذا علم ورضى به جاز البيغ لان المانع من الجواز هو الجهالة عند العقد وقد زالت في المجلس وله حكم حالة العقد فصار كانه كان معلوما عند العقد وان لم يعلم به حتى إذ افترقا تقرر الفساد ولو هلك المبيع قبل العلم بعد القبض فعليه قيمته لان هذا حكم البيع الفاسد وقد تقرر الفساد بالهلاك لان بالهلاك خرج البيع عن احتمال الاجازة والرضا لان الاجازة انما تلحق القائم دون الهالك فتقرر الفساد فلزمته القيمة وروى ابن شجاع عن محمد أن البيع جائز ومعناه أنه موقوف على الاجازة واليه أشار أبو يوسف رحمه الله فانه قال صح وهذه أمارة البيع الموقوف فان مات البائع قبل أن يرضى المشترى وقد قبض أو لم يقبض انتقض البيع ولو كان المبيع عبدا فقبضه ثم أعتقه أو باعه أو مات قبل العلم جاز العتق والبيع وعليه قيمته لوجود الهلاك حقيقة بالموت وبالاعتاق في المبيع فخرج البيع عن احتمال الاجازة فتأكد الفساد فيلزمه القيمة ولو أعتقه بعد ما علم برأس المال فعليه الثمن لان اقدامه على الاعتاق دليل الاجازة ولو عتق بالقرابة قبل العلم بالثمن بعد القبض فعليه قيمته لانه لا صنع له في القرابة فلم يوجد دليل الاجازة فكان العتق بها بمنزلة هلاك العبد قبل العلم وهناك تجب القيمة كذا ههنا وكذا إذا باع الشئ برقمه أو رأس ماله ولم يعلم المشترى رقمه ورأس ماله فهو كما إذا باع شيأ بربح ده بازده ولم يعلم ما اشترى به ولو قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة صح وان كان ققيزا من صبرة مجهولا لكن هذه جهالة لا تفضى إلى المنازعة لان الصبرة الواحدة متماثلة القفزان بخلاف الشاة من القطيع وثوب من الاربعة لان بين شاة وشاة تفاوتا فاحشا وكذا بين ثوب وثوب والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع شيأ بعشرة دراهم أو بعشرة دنانير وفى البلد نقود مختلفة انصرف إلى النقد الغالب لان مطلق الاسم ينصرف إلى المتعارف خصوصا إذا كان فيه صحة العقد وان كان في البلد نقود غالبة فالبيع فاسد لان الثمن مجهول إذ البعض ليس بأولى من البعض وعلى هذا يخرج أصل أبى حنيفة عليه الرحمة أن جملة الثمن إذا كانت مجهولة عند العقد في بيع مضاف إلى جملة فالبيع فاسدا لا في القدر الذى جهالته لا تفضى إلى المنازعة وجملة الكلام فيه أن المبيع لا يخلو اما ان كان من المثليات من المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة واما أن يكون من غيرها من الذرعيات والعدديات المتفاوتة ولا يخلو اما ان سمى جملة الكيل والوزن والعدد والذرع في البيع واما ان لم يسم اما المكيلات فان لم يسم جملتها بان قال بعت منك هذه الصبرة كل فقيز منها

[ 159 ]

بدرهم لم يجز البيع الا في قفيز منها بدرهم ويلزم البيع فيه عند أبى حنيفة ولا يجوز في الباقي الا إذا علم المشترى جملة القفران قبل الافتراق بان كالها فله الخيار ان شاء أخذ كل قفيز بدرهم وان شاء ترك وان لم يعلم حتى افترقا عن المجلس تقرر الفساد وعند أبى يوسف ومحمد يلزمه البيع في كل الصبرة كل قفيز منها بدرهم سواء علم أو لم يعلم وعلى هذا الخلاف إذا قال كل قفيز منها بدرهمين أو كل ثلاثة أقفزة منها بثلاثة دراهم وعلى هذا الخلاف الوزن الذى لا ضرر في تبعيضه كالزيت وتبر الذهب والفضة والعددي المتقارب كالجوز واللوز إذا لم يسم جملتها (وأما) الذرعيات فان لم يسم جملة الذرعان بان قال بعت منك هذا الثوب أو هذه الارض أو هذه الخشبة كل ذراع منها بدرهم فالبيع فاسد في الكل عند أبى حنيفة رحمه رحمه الله الا إذا علم المشترى جملة الذرعان في المجلس فله الخيار ان شاء أخذ وان شاء ترك وان لم يعلم حتى إذا تفرقا تقرر الفساد وعند أبى يوسف ومحمد يجوز البيع في الكل ويلزمه كل ذراع منه بدرهم وعلى هذا الخلاف إذا قال كل ذراعين بدرهمين أو كل ثلاثة أذرع بثلاثة دراهم وعلى هذا الخلاف العدديات المتفاوتة كالاغنام والعبيد بأن قال بعت منك هذا القطيع من الغنم كل شاة منها بعشرة دراهم ولم يسم جملة الشياه وعلى هذا الخلاف الوزنى الذى في تبعيضه ضرر كالمصوغ من الاواني والقلب ونحو ذلك (وجه) قولهما في مسائل الخلاف أن جملة البيع معلومة وجملة الثمن ممكن الوصول إلى العلم بالكيل الوزن والعدد والذرع فكانت هذه جهالة ممكنة الرفع والازالة ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة البيع كما إذا باع بوزن هذا الحجر ذهبا ولابي حنيفة رحمه الله أن جملة الثمن مجهولة حالة العقد جهالة مفضية إلى المنازعة فتوجب فساد العقد كما إذا باع الشئ برقمه ولا شك أن جهالة الثمن حالة العقد مجهولة لانه باع كل فقيز من الصبرة بدرهم وجملة القفزان ليست بمعلومة حالة العقد فلا تكون جملة الثمن معلومة ضرورة وكذلك هذا في الموزون والمعدود والمذروع وقولهما يمكن رفع هذه الجهالة مسلم لكنها ثابتة للحال إلى أن ترتفع وعندنا إذا ارتفعت في المجلس ينقلب العقد إلى الجواز لان المجلس وان طال فله حكم ساعة العقد والبيع بوزن هذا الحجر ذهبا ممنوع على اصل أبى حنيفة رحمه الله وانما اختلف جواب أبى حنيفة بين المثليات وغيرها من وجه حيث جواز البيع في واحد في باب الامثال ولم يجز في غيرها أصلا لان المانع من الصحة جهالة الثمن لكونها مفضية إلى المنازعة وجهالة قفيز من صبرة غير مانعة مع الصحة لانها لا تفضى إلى المنازعة الا ترى لو اشترى قفيزا من هذه الصبرة ابتداء جاز فإذا تعذر العمل بعموم كلمة كل صرفت إلى الخصوص لانه ممكن على الاصل المعهود في صيغة العام إذا تعذر العمل بعمومها أنها تصرف إلى الخصوص عند امكان الصرف إليه بخلاف الاشياء المتفاوتة لان جهالة شاة من قطيع وذراع من ثوب جهالة مفضية إلى المنازعة الا ترى أن بيع ذراع من ثوب وشاة من قطيع لا يجوز ابتداء فتعذر العمل بعموم كلمة كل ففسد البيع في الكل ولو قال بعت منك هذا القطيع من الغنم كل شاتين بعشرين درهما فالبيع فاسد في الكل بالاجماع وان علم المشترى عدد الجملة في المجلس واختار البيع فرق بين المعدود المتفاوت وبين المذروع والمكيل والموزون والمعدود المتقارب أن الواحد والاثنين هناك على الاختلاف وإذا علم في المجلس واختار البيع يجوز بلا خلاف وههنا لا يجوز في الاثنين بلا خلاف وان علم واختار البيع (ووجه) الفرق أن المانع هناك جهالة الثمن وهى محتملة الارتفاع والزوال ثمة بالعلم في المجلس فكان المانع يحتمل الزوال والجهالة ههنا لا تحتمل الارتفاع أصلا لان ثمة كل واحد منهما مجهول لا يدرى كم هو ولو قال بعت منك هذه الصبرة بمائة درهم كل قفيز بدرهم ولم يسم جملة الصبرة ولكنه سمى جملة الثمن لم يذكر هذا في الاصل وذكر الطحاوي رحمه الله انه يجوز وهو صحيح لان المانع جهالة الثمن ولم توجد حيث سماها وصارت تسمية جملة الثمن بمنزلة تسمية جملة المبيع ولو سمى جملة المبيع لجاز على ما نذكره كذا هذا هذا الذى ذكرنا إذا لم يسم جملة المبيع من المكيلات والموزونات والمذروعات والمعدودات فأما إذا سماها بان قال بعت منك هذه الصبرة على أنها مائة قفيز كل قفيز بدرهم أو قال على أنها مائة قفيز بمائة درهم سمى لكل واحد من القفزان ثمنا على حدة أو سمى للكل ثمنا واحدا هما سواء فلا شك في جواز البيع لان جملة المبيع معلومة وجملة الثمن

[ 160 ]

معلومة ثم ان وجدها كما سمى فالامر ماض ولا خيار للمشترى وان وجدها أزيد من مائة قفيز فالزيادة لا تسلم للمشترى بل ترد إلى البائع ولا يكون للمشترى الا قدر ما سمى وهو مائة قفيز ولا خيار له وان وجدها أقل من مائة قفيز فالمشترى بالخيار ان شاء أخذها بحصتها من الثمن وطرح حصة النقصان وان شاء تركها وأصل هذا أن الزيادة فيما لا ضرر في تبعيضه لا تجرى مجرى الصفة بل هي أصل فلا بد وان يقابله الثمن ولا ثمن للزيادة فلا يدخل في البيع فكان ملك البائع فيرد إليه والنقصان فيه تقصان الاصل لا نقصان الصفة فإذا وجدها أنقص مما سمى نقص من الثمن حصة النقصان وان شاء ترك لان الصفقة تفرقت عليه لانها وقعت على مائة قفيز ولم تسلم له فأوجب خللا في الرضا فيثبت له خيار الترك وكذا الجواب في الموزونات التى ليس في تنقيصها ضرر لان الزيادة فيها لا تجرى مجرى الصفة بل هي أصل بنفسها وكذلك المعدودات المتقاربة (وأما) المذروعات من الثوب والارض والخشب وغيرها فان سمى لجملة الذرعان ثمنا واحدا ولم يسم لكل ذراع منها على حدة بان قال بعت منك هذا الثوب على انه عشرة أذرع بعشرة دراهم فالبيع جائز لان المبيع وثمنه معلومان ثم ان وجده مثل ما سمى لزمه الثوب بعشرة دراهم ولا خيار له وان وجده احد عشر ذراعا فالزيادة سالمة للمشترى وان وجده تسعة أذرع لا يطرح لا جل النقصان شيأ من الثمن وهو بالخيار ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك فرق بينهما وبين المكيلات والموزونات التى ليس في تنقيصها ضرر والعدديات المتقاربة (ووجه) الفرق ان زيادة الذرع في الذرعيات جارية مجرى الصفة كصفة الجودة والكتابة والخياطة ونحوها والثمن يقابل الاصل لا الصفة والدليل على انها جارية مجرى الصفة ان وجودها يوجب جودة في الباقي وفواتها يسلب صفة الجودة ويوجب الرداءة فتلحق الزيادة بالجودة والنقصان بالرداءة حكما والجودة والرداءة صفة والصفة ترد على الاصل دون الصفة الا أن الصفة تملك تبعا للموصوف لكونها تابعة قائمة به فإذا زاد صار كأنه اشتراه رديئا فإذا هو جيد كما إذا اشترى عبدا على انه ليس بكاتب أو ليس بخياط فوجده كاتبا أو خياطا أو اشترى عبدا على انه أعور فوجده سليم العينين أو اشترى جارية على انها ثيب فوجدها بكرا تسلم له ولاخيار للبائع كذا هذا وإذا نقص صار كأنه اشتراه على انه جيد فوجده رديئا أو اشترى عبدا على انه كاتب أو خباز أو صحيح العينين فوجده غير كاتب ولا خباز ولا صحيح العينين أو اشترى جارية على انها بكر فوجدها ثيبا لا يطرح شيأ من الثمن لكن يثبت له الخيار كذا هذا بخلاف المكيلات والموزونات التى لا ضرر فيها إذا نقصت والمعدودات المتقاربة لان الزيادة فيها غير ملحقة بالاوصاف لانها أصل بنفسها حقيقة والعمل بالحقيقة واجب ما أمكن الا أنها ألحقت بالصفة في المذروعات ونحوها لان وجودها يوجب الجودة والكمال للباقى وفواتها يوجب النقصان والرداءة له وهذا المعنى ههنا منعدم فبقيت أصلا بنفسها حقيقة وان سمى لكل ذراع منها ثمنا على حدة بأن قال بعت منك هذا الثوب على انه عشرة أذرع كل ذراع بدرهم فالبيع جائز لما قلنا ثم ان وجده مثل ما سمى فالامر ماض ولزمه الثوب كل ذراع بدرهم وان وجده احد عشر ذراعا فهو بالخيار ان شاء أخذ كله باحد عشر درهما وان شاء ترك وان وجده تسعة أذرع فهو بالخيار ان شاء طرح حصة النقصان درهما وأخذه بتسعة دراهم وان شآء ترك لتفرق الصفقة عليه وهذا يشكل على الاصل الذى ذكرنا ان زيادة الذرع في المذروعات تجرى مجرى الصفة لها لان الثمن يقابل الاصل دون الوصف فينبغي أن تكون الزيادة سالمة للمشترى ولا خيار له ولا يطرح لاجل النقصان شيأ كما في الفصل الاول لان الثمن يقابل الاصل دون الصفة بمنزلة زيادة الجودة ونقصان الرداءة على ما ذكرنا وحل هذا الاشكال ان الذرع في المذروعات انما يجرى مجرى الصفة على الاطلاق إذا لم يفرد كل ذراع بثمن على حدة (فأما) إذا أفرد به فلا يجرى مجرى الصفة مطلقا بل يكون أصلا من وجه وصفة من وجه فمن حيث ان التبعيض فيها يوجب تعيب الباقي كانت الزيادة صفة بمنزلة صفة الجودة ومن حيث انه سمى لكل ذراع ثمنا على حدة كان كل ذراع معقودا عليه فكانت الزيادة أصلا من وجه صفة من وجه فمن حيث انها صفة كانت للمشترى لان الثمن يقابل الاصل

[ 161 ]

لا الصفة وانما يدخل في البيع تبعا على ما بينا ومن حيث انها أصل لا يسلم له الا بزيادة ثمن اعتبارا للجهتين جميعا بقدر الامكان فله الخيار في اخذ الزيادة وتركها لانه لو لزمه الاخذ لا محالة يلزمه زيادة ثمن لم يكن لزومها ظاهرا عند العقد واختل رضاه فوجب الخيار وفى النقصان ان شاء طرح قدر النقصان وأخذ الباقي اعتبارا لجهة الاصالة وان شاء ترك لان الصفقة تفرقت عليه وأوجب خللا في الرضا وذا يوجب الخيار هذا إذا كانت الزيادة والنقصان ذراعا تاما فأما إذا كانت دون ذراع لم يذكر هذا في ظاهر الروايات وذكر في غير رواية الاصول اختلاف أقاويل أصحابنا الثلاثة في كيفية الخيار فيه فأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فرقا بين الزيادة والنقصان غير ان أبا حنيفة جعل زيادة نصف ذراع بمنزلة زيادة ذراع كامل فقال ان شاء أخذه باحد عشر درهما وان شاء ترك وجعل نقصان نصف ذراع كلا نقصان لكن جعل له الخيار فقال ان شاء أخذه بعشرة دراهم وان شاء ترك ولا يطرح من الثمن شيأ لاجل النقصان ومحمد جعل على القلب من ذلك فجعل زيادة نصف ذراع كلا زيادة فقال يأخذ المشترى بجميع الثمن ولا خيار له وجعل نقصان نصف ذراع كنقصان ذراع كامل وقال ان شاء أخذ بتسعة دراهم وان شاء ترك (وأما) أبو يوسف رحمه الله فسوى بين الزيادة والنقصان فقال في زيادة نصف ذراع يزاد على الثمن نصف درهم وله الخيار ان شاء أخذه بعشرة دراهم ونصف وان شاء ترك وقال في نقصان نصف ذراع ينقص من الثمن نصف درهم وله الخيار ان شاء أخذه بتسعة دراهم ونصف وان شاء ترك والقياس ما قاله أبو يوسف وهو اعتبار الجزء بالكل الا أنهما كأنهما استحسنا لتعامل الناس فجعل أبو حنيفة زيادة نصف ذراع بمنزلة ذراع تام ونقصان نصف ذراع كلا نقصان لان الناس في العادات في بياعاتهم وأشريتهم لا يعدون نقصان نصف ذراع نقصانا بل يحسبونه ذراعا تاما فبنى الامر في ذلك على تعامل الناس وجعل محمد الامر في ذلك على القلب من ذلك لما أن الباعة يسامحون في زيادة نصف على القدر المسمى في البيع عادة ولا يعدونه زيادة فكانت تلك الزيادة ملحقة بالعدم عادة كأنه لم يزد وكذا يسامحون فيعدون نقصان نصف ذراع في العادات نقصان ذراع كامل فتركنا القياس بتعامل الناس ويجوز أن يكون اختلاف جوابهما لاختلاف عادات الناس والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا جميع المذروعات من الارض والخشب وغيرهما انه ان لم يسم لكل ذراع ثمنا بأن قال بعت منك هذه الارض على انها الف ذراع بألف درهم فالبيع جائز لما قلنا ثم ان وجدها مثل ما سمى فالامر ماض ويلزمه الارض كل ذراع بدرهم وان وجدها أزيد فالزيادة سالمة له ولا خيار وان وجدها أنقص فهو بالخيار ان شاء أخذها بجميع الثمن وان شاء ترك لما ذكرنا ان زيادة الذرع في الذرعيات جارية مجرى الصفات والثمن يقابل الاصل دون الصفة وان سمى لكل ذراع ثمنا على حدة بأن قال كل ذراع بكذا فالبيع جائز لما ذكرنا ثم ان وجدها مثل ما سمى فالامر ماض وان وجدها أزيد فهو بالخيار ان شاء أخذ الزيادة بثمنها وان شاء ترك لانه يلزمه زيادة ثم لم يلتزمه لذا العقد وان وجده أنقص تسقط حصته من الثمن وله الخيار لتفرق الصفقة على ما ذكرنا في الثوب وعلى هذا الخشب وغيره من الذرعيات وعلى هذا الموزونات التى في تبعيضها ضرر بأن قال بعت منك هذه السبيكة من الذهب على انها مثقالان لكذا فالبيع جائز ثم ان وجد على ما سمى فالامر ماض وان وجده أزيد أو أنقص فهو على التفصيل الذى ذكرنا في الذرعيات وعلى هذا إذا باع مصوغا من نحاس أو صفر أو ما أشبه ذلك على أن فيه كذا منا بكذا درهما فوجده أكثر أو أقل فهو على التفصيل الذى ذكرنا لان الوزن في مثله يكون ملحقا بالصفة بمنزلة الذرع في الذرعيات لان تبعيضه يوجب تعييب الباقي وهذا حد الصفة في هذا الباب ولو باع مصوغا من الفضة على ان وزنه مائة بعشرة دنانير ولم يسم لكل عشرة ثمنا على حدة بان قال بعشرة دنانير ولم يقل كل وزن عشرة بدينار وتقابضا وافترقا فالبيع جائز ثم ان وجده على ما سمى فالامر ماض ولا خيار وان وجده أزيد بان كان مائتي درهم مثلا فالكل للمشترى بعشرة دنانير ولا يزاد في الثمن شئ لان الزيادة فيه بمنزلة الصفة والصفات المحضة لا يقابلها الثمن وان وجده تسعين أو ثمانين فهو بالخيار على ما ذكرنا وان سمى لكل عشرة ثمنا على حدة بان قال بعت منك على ان وزنه مائة بعشرة دنانير كل

[ 162 ]

وزن عشرة بدينار وتقابضا فالبيع جائز ثم ان وجده على ما سمى فالامر ماض ولا خيار وان وجد وزنه أزيد بان كان مائة وخمسين نظر في ذلك ان علم ذلك قبل التفرق فله الخيار ان شاء زاد في الثمن خمسة دنانير وأخذ كله بخمسة عشر دينارا وان شاء ترك لان ساعات المجلس لها حكم ساعة العقد وان علم بعد التفرق بطل البيع في ثلث المصوغ لانعدام التقابض فيه وله الخيار في الباقي ان شاء رضى به بعشرة دنانير وان شاء رد الكل واسترد الدنانير لان الشركة في الاعيان عيب وان وجد وزنه خمسين وعلم ذلك قبل التفرق أو بعده فله الخيار ان شاء رده وان شاء رضى به واسترد من الثمن خمسة دنانير وكذلك لو باع مصوغا من ذهب بدراهم فهو على هذا التفصيل ولو باع مصوغا من الفضة بجنسها أو باع مصوغا من الذهب بجنسه مثل وزنه على ان وزنه مائة بمائة ثم وجده أزيد مما سمى فان علم بالزيادة قبل التفرق فله الخيار ان شاء زاد في الثمن قدر وزن الزيادة وأخذ الكل وان شاء ترك لان المجلس له حكم حالة العقد وان علم بها بعد التفرق بطل البيع في الزيادة لان التقابض شرط بقاء الصرف على الصحة ولم يوجد في قدر الزيادة وان وجد أقل مما سمى فله الخيار ان شاء رضى بحصته من الثمن واسترد فضل الثمن وان شاء رد الكل واسترد جميع الثمن سواء سمى الجملة أو سمى لكل وزن درهم درهما لان عند اتحاد الوزن والجنس لا يجوز البيع الا سواء بسواء فصار كانه سمى ذلك وان لم يسم حقيقة الا الجملة (وأما) العدديات المتفاوتة كالغنم والعبيد ونحوها بان قال بعت منك هذا القطيع من الغنم على انها مائة شاة بكذا فان وجده على ما سمى فالبيع جائز وان وجده أزيد فالبيع فاسد في الكل سواء ذكر للكل ثمنا واحد بان قال بعت منك هذا القطيع على انها مائة شاة بألف درهم أو ذكر لكل شاة فيها ثمنا على حدة بأن قال كل شاة بعشرة دراهم لان كل شاة أصل في كونها معقودا عليها والزيادة لم تدخل تحت العقد لانه لا يقابلها ثمن فلم تكن مبيعة وهى مجهولة فكان الباقي مجهولا ضرورة جهالة الزيادة فيصير بائعا مائة شاة من مائة شاة وواحدة فكان المبيع مجهولا وجهالة المبيع تمنع صحة البيع سمى له ثمنا أو لم يسم وان وجده أقل مما سمى فان كان لم يسم لكل واحدة منها ثمنا فالبيع فاسد لان الثمن مجهول لانه يحتاج إلى طرح ثمن شاة واحدة من جملة الثمن المسمى وهو مجهول التفاوت فاحش بين شاة وشاة فصار ثمن الباقي مجهولا ضرورة جهالة حصة الشاة الناقصة وان سمى لكل واحدة منها ثمنا على حدة فالبيع جائز بحصة الباقي منها لان حصته الزائدة معلومة وحصة الباقي معلوم فالفساد من أين من أصحابنا من قال هذا مذهبهما فاما عند أبى حنيفة عليه الرحمة فالبيع فاسد في الكل بناء على أن المذهب عنده ان الصفقة إذا أضيفت إلى ما يحتمل العقد والى ما لا يحتمله فالفساد يشيع في الكل وأكثر أصحابنا على ان هذا بلا خلاف وهكذا ذكر في الاصل ولم يذكر الخلاف وهو الصحيح لان العقد المضاف إلى موجود يجوز أن يفسد لمعنى يوجب الفساد ثم يتعدى الفساد إلى غيره وأما المعدوم فلا يحتمل العقد أصلا لانه ليس بشئ فلا يوصف العقد المضاف إليه بالفساد ليتعدى إلى غيره بل لم تصح الاضافة إليه فيبقى مضافا إلى الموجود فيصح لكن للمشترى الخيار ان شاء أخذ الباقي بما سمى من الثمن وان شاء ترك لتفرق الصفقة عليه وعلى هذا جميع العدديات المتفاوتة ولو قال بعت منك هذا القطيع من الغنم على انها مائة كل شاتين منها بعشرين درهما فالبيع فاسد وان وجده على ما سمى لان ثمن كل واحدة من الشاتين مجهول لانه لا يعرف حصة كل شاة منها من الثمن الا بعد ضم شاة أخرى إليها ولا يعلم اية شاة يضم إليها ليعلم حصتها لانه ان ضم إليها اردأ منها كانت حصتها أكثر وان ضم إليها أجود منها كانت حصتها أقل لذلك فسد البيع والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج قول أبى حنيفة رحمه الله فيمن باع عشرة أذرع من مائة ذراع من هذه الدار أو من هذا الحمام أو من هذه الارض ان البيع فاسد وقال أبو يوسف ومحمد جائز ولو باع عشرة أسهم من مائة سهم جاز بالاجماع والكلام فيه يرجع إلى معرفة معنى الذراع فقالا انه اسم في العرف للسهم الشائع ولو باع عشرة أسهم من مائة سهم من هذه الاشياء جاز فكذا هذا وأبو حنيفة رحمه الله يقول الذراع في الحقيقة اسم لما يذرع به وانما سمى المذروع ذراعا مجاز اطلاقا لاسم الفعل على المفعول فكان

[ 163 ]

بيع عشرة أذرع من دار معناه بيع قدر عشرة أذرع مما يحله الذراع الحقيقي لانه لا يحل الا محلا معينا فكان المبيع قدر عشرة أذرع معين من الدار وهو الذى يحله الذراع الحقيقي وذلك مجهول في نفسه قبل الحلول فكان المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فيوجب فساد البيع بخلاف السهم لانه اسم للشائع وهو جزء معلوم من الثلث والربع والعشر ونحو ذلك فبيع عشرة أسهم من مائة سهم من الدار هو بيع عشرة أجزاء من مائة جزء منها وهو عشرها فقد باع جزأ معلوما منها فيجوز بخلاف الذراع فان قدر عشرة أذرع لا يصير معلوما الا بالحلول على ما مر فقبله يكون مجهولا فكان المبيع مجهولا فلم يصح فوضح الفرق بينهما لابي حنيفة وعلى هذا يخرج ضربة الغائص وهو أن يقول الغائص للتاجر اغوص لك غوصة فما أخرجته فهو لك بكذا وهو فاسد لان المبيع مجهولا وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ضربة الغائص وعلى هذا يخرج أجناس هذه المسائل وبيع رقبة الطريق وهبته منفردا جائز وبيع مسيل الماء وهبته منفردا فاسد (ووجه) الفرق ان الطريق معلوم الطول والعرض فكان المبيع معلوما فجاز بيعه بخلاف المسيل فانه مجهول القدر لان القدر الذى يشغل الماء من النهر غير معلوم فكان المبيع مجهولا فلم يجز (وأما) العلم باوصاف المبيع والثمن فهل هو شرط لصحة البيع بعد العلم بالذات والجهل بها هل هو مانع من الصحة قال أصحابنا ليس بشرط الصحة والجهل بها ليس بمانع من الصحة لكنه شرط اللزوم فيصح بيع ما لم يره المشترى لكنه لا يلزم وعند الشافعي رحمه الله كون المبيع معلوم الذات والصفة من شرائط الصحة حتى لا يجوز بيع ما لم يره المشترى عنده (وجه) قوله ان جهالة الذات انما منعت صحة العقد لافضائها إلى المنازعة لان الاعيان تختلف رغبات الناس فيها لاختلاف ماليتها فالبائع إذا سلم عينا فمن الجائز أن يطلب المشترى عينا أخرى أجود منها باسم الاولى فيتنازعان وجهالة الوصف مفضية إلى المنازعة أيضا لان الغائب عن المجلس إذا أحضره البائع فمن الجائز أن يقول المشترى هذا ليس عين المبيع بل مثله من جنسه فيقعان في المنازعة بسبب عدم الرؤية ولان عدم الرؤية يوجب تمكن الغرر في البيع ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر وبيان تمكن الغرر ان الغرر هو الخطر وفى هذا البيع خطر من وجوه أحدهما في أصل المعقود عليه والثانى في وصفه لان دليل الوجود إذا كان غائبا هو الخبر وخبر الواحد يحتمل الصدق والكذب فيتردد المعقود عليه بأصله ووصفه بين الوجود والعدم والثالث في وجود التسليم وقت وجوبه لان وقت الوجوب وقت نقد الثمن وقد يتفق النقد وقد لا يتفق والغرر من وجه واحد يكفى لفساد العقد فكيف من وجوه ثلاثة وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لا تبع ما ليس عندك وعند كلمة حضرة والغيبة تنافيها والخلاف في البيع والشراء خلاف واحد (ولنا) عمومات البيع من غير فصل ونص خاص وهو ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال من اشترى شيأ لم يره فهو بالخيار إذا رآه ولا خيار شرعا الا في بيع مشروع ولان ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محل هو خالص ملكه فيصح كشراء المرئى وهذا لان وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه ووجوده شرعا لصدوره من أهله وحلوله في محله وقوله جهالة الوصف تفضى إلى المنازعة ممنوع لانه صدقه في خبره حيث اشتراه فالظاهر انه لا يكذبه ودعوى الغرر ممنوعة فان الغرر هو الخطر الذى استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة الشك وههنا ترجح جانب الوجود على جانب العدم بالخبر الراجح صدقه على كذبه فلم يكن فيه غرر على انا ان سلمنا ان الغرر اسم لمطلق الخطر لكن لم قلتم ان كل غرر يفسد العقد وأما الحديث فيحتمل أن يكون الغرر هو الخطر ويحتمل أن يكون من الغرر فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحمله على الغرر في صلب العقد بالتعليق بشرط أو بالاضافة إلى وقت عملا بالدلائل كلها وأما الحديث الثاني فيحتمل أن يكون المراد منه بيع ما ليس بمملوك له عن نفسه لا بطريق النيابة عن مالكه أو بيع شئ مباح على أن يستولى عليه فيملكه فيسلمه وهذا يوافق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال بيع السمك في الماء غرر وعلى هذا الخلاف إذا باع شيأ لم يره البائع انه يجوز عندنا وعنده لا يجوز وإذا جاز عندنا فهل يثبت الخيار للبائع فعن أبى حنيفة روايتان نذكر ذلك في موضعه ان شاء الله

[ 164 ]

تعالى وعلى هذا الخلاف شراء الاعمى وبيعه جائز عندنا وقال الشافعي إذا ولد أعمى لا يجوز بيعه وشراؤه وان كان بصيرا فرأى الشئ ثم عمى فاشتراه جاز وما قاله مخالف للحديث والاجماع (اما) الاول فانه روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه ان النبي عليه الصلاة والسلام حين قال لحبان بن منقد إذا بايعت فقل لا خلابة ولى الخيار ثلاثة أيام وكان حبان ضريرا (وأما) الاجماع فان العميان في كل زمان من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعوا من بياعاتهم وأشريتهم بل بايعوا في سائر الاعصار من غير انكار وإذا جاز شراؤه وبيعه فله الخيار فيما اشترى ولا خيار له فيما باع في أصح الروايتين كالبصير ثم بماذا يسقط خياره نذكره في موضعه وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيأ مغيبا في الارض كالجزر والبصل والفجل ونحوها انه يجوز عندنا وعنده لا يجوز ويثبت له الخيار إذا قلعه وعنده لا يجوز أصلا وأما بيان ما يحصل به العلم بالمبيع والثمن فنقول العلم بالمبيع لا يحصل الا بالاشارة إليه لان التعيين لا يحصل الا بها الا إذا كان دينا كالمسلم فيه فيحصل العلم به بالتسمية والعلم بالثمن لا يحصل الا بالتسمية والاشارة إليه عندنا مجاز عن تسمية جنس المشار إليه ونوعه وصفته وقدره على ما يعرف في موضعه ان شاء الله تعالى غير ان المبيع ان كان أصلا لابد من الاشارة إليه بطريق الاصالة ليصير معلوما وان كان تبعا يصير معلوما بالاشارة إلى الاصل لان البيع كما لا يفرد بعلة على حدة لا يفرد بشرط على حدة إذ لو أفرد لانقلب أصلا وهذا قلب الحقيقة وبيان ذلك في مسائل إذا باع جارية حاملا من غير مولاها أو بهيمة حاملا دخل الحمل في البيع تبعا للام كسائر أطرافها وان لم يسمه ولا أشار إليه ولو باع عقارا دخل ما فيها من البناء والشجر بنفس البيع ولا يدخل الزرع والثمر الا بقرينة وجملة الكلام في بيع العقار ان المبيع لا يخلو من أن يكون أرضا أو كرما أو دارا أو منزلا أو بيتا وكل ذلك لا يخلو اما ان لم يذكر في بيعه الحقوق ولا المرافق ولا ذكر كل قليل وكثير منها واما ان ذكر شيأ من ذلك فان كان المبيع أرضا ولم يذكر شيأ من القرائن دخل ما فيها من الابنية والاشجار ولم يدخل الزرع والثمار عند عامة العلماء وقال مالك رحمه الله ثمار سائر الاشجار كذلك وكذلك ثمر النخل إذا أبر فاما إذا لم يؤبر يدخل واحتج بما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع الا أن يشترطها المبتاع قيد عليه الصلاة والسلام ملك البائع في الثمرة بوصف التأبير ولو لم يكن يختلف الحكم لم يكن للتقييد فائدة (ولنا) ما روى عن محمد رحمه الله في كتاب الشفعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع الا أن يشترطها المبتاع جعل عليه الصلاة والسلام الثمرة للبائع مطلقا عن وصف وشرط فدل ان الحكم لا يختلف بالتأبير وعدمه ولان النخل اسم لذات الشجرة فلا يدخل ما عداه الا بقرينة زائدة ولهذا لم يدخل ثمار سائر الاشجار ولا حجة له فيما روى لان تقييد الحكم بوصف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف بخلافه بل يكون الحكم فيه مسكوتا موقوفا على قيام الدليل وقد قام وهو ماروينا ولا يحمل المطلق على المقيد عندنا لما فيه من ضرب النصوص بعضها في بعض وهذا لا يجوز لما عرف في أصول الفقه وكذلك ان كان كرما يدخل في بيعه ما فيه من الزراعة والعرايش والحوائط من غير ذكر قرينة ولا تدخل الفواكه والبقول والاصل ان كل ما ركب في الارض يدخل وما لم يركب فيها أو ركب لا للبقاء بل لوقت معلوم لا يدخل وكذا يدخل الطريق إلى الطريق الاعظم والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة وان ذكر شيأ من القرائن فان ذكر الحقوق أو المرافق دخل فيها الشرب ومسيل الماء والطريق الخاص الذى يكون في ملك انسان وهو حق المرور في ملكه ولا يدخل الزرع والثمر لانها أعيان قائمة بنفسها فلا يتناولها اسم الحقوق والمرافق بخلاف الشرب والمسيل والتطرق فانها عبارة عن حق الشرب والسقى والتسييل والمرور فيتناولها الاسم وان ذكر القليل والكثير بان قال بعتها منك بكل قليل وكثير هو فيها ومنها فهل يدخل الزرع والثمر ينظر ان قال في آخره من حقوقها فلا يدخلان لان قوله من حقوقها خرج تفسيرا لاول الكلام فكأنه نص على البيع بحقوقها وان لم يقل في آخره من حقوقها دخل فيه الزرع والثمر وكل ما كان متصلا به لان اسم القليل والكثير فيه ومنه يتناول ذلك وأما المنفصل عنها كالثمار المجذوذة والزرع المحصود والحطب

[ 165 ]

واللبن والقصب الموضوع فلا يدخل في البيع الا بالتسمية فرق بين البيع والاجارة ان الشرب والمسيل والطريق الخاص في ملك انسان يدخل في الاجارة من غير ذكر الحقوق والمرافق وفى البيع لا يدخل بدونه والقياس ان لا يدخل في البابين جميعا الا بالتسمية الا أنهم استحسنوا في الاجارة لانها تعقد للانتفاع بالمستأجر ولا يمكن الانتفاع به بدون الحقوق فصارت الحقوق مذكورة بذكر المستأجر دلالة بخلاف البيع فانه يعقد للملك والانتفاع ليس من ضرورات الملك فانه يثبت الملك فيما لا ينتفع به وكذا فرق بين البيع والرهن فان من رهن عند رجل أرضا فيها زرع وأشجار عليها ثمار وسلمها إليه أنه يدخل في الرهن كل ما كان متصلا بها من غير تسمية الحقوق والقليل والكثير (ووجه) الفرق ان تمييز الرهن من غيره شرط صحة الرهن على ما نذكر في كتابه فمتى أقدما على عقد الرهن فقد قصدا صحته ولا صحة له الا بدخول ما كان متصلا بالمرهون فدخل فيه تصحيحا للتصرف إذ لا صحة له بدونه بخلاف البيع فان تمييز المبيع من غيره ليس بشرط لصحة البيع فلا ضرورة في الدخول بغير التسمية فلا يدخل بدونها هذا إذا كان المبيع أرضا أو كرما فان كان دارا يدخل في بيعها جميع ما كان منها من بيت ومنزل وعلو وسفل وجميع ما تجمعه الحدود الاربعة من غير ذكر قرينة وتدخل أغاليق الدار ومفاتيح أغاليقها أما الاغاليق فلانها ركبت للبقاء لا لوقت معلوم فتدخل كالميزاب وأما المفاتيح فلان مفتاح الغلق من الغلق ألا ترى انه لو اشترى الغلق دخل المفتاح فيه من غير تسمية فيدخل في البيع بدخول الغلق ويدخل طريقها إلى طريق العامة وطريقها إلى سكة غير نافذة كما يدخل في الارض والكرم ويدخل الكنيف والشارع والجناح كل ذلك يدخل من غير قرينة وهل تدخل الظلة ينظر ان لم يكن مفتحها إلى الدار لا تدخل بالاتفاق وان كان مفتحها إلى الدار لا تدخل أيضا عند أبى حنيفة رحمه الله وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما تدخل (وجه) قولهما أن الظلة إذا كانت مفتحها إلى الدار كانت من أجزاء الدار فتدخل ببيع الدار كالجناح والكنيف ولابي حنيفة ان ظلة الدار خارجة عن حدودها فانها اسم لما يظل عند باب الدار خارجا منها فلا تدخل تحت بيع الدار كالطريق الخارج وبهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار فدخل ظلتها لا يحنث وأما ما كان لها من بستان فينظر ان كان داخل حد الدار يدخل وان كان يلى الدار لا يدخل من غير تسمية وقال بعضهم ان كانت الدار صغيرة يدخل وان كانت كبيرة لا يدخل لانها إذا كانت صغيرة يمكن أن يجعل تبعا للدار وإذا كانت كبيرة لا يمكن وقال بععضهم يحكم الثمن فان صلح لهما يدخل والا فلا يدخل وأما مسيل الماء والطريق الخاص في ملك انسان وحق القاء الثلج فان ذكر الحقوق والمرافق يدخل وكذا ان ذكر كل قليل وكثير هو فيها ومنها سواء ذكر في آخره من حقوقها أو لم يذكر وتدخل الظلة أيضا بلا خلاف إذا كان مفتحها إلى الدار وإذا كان المبيع بيتا فيدخل في بيعه حوائطه وسقفه وبابه والطريق إلى الطريق العامة والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة وأما الطريق الخاص في ملك انسان فلا يدخل الا بذكر أحد القرائن الثلاث ولا يدخل بيت العلو ان كان على علوه بيت وان ذكر القرائن لان العلو بيت مثله فكان أصلا بنفسه فلا يكون تبعا له وان لم يكن على علوه بيت كان له أن يبنى على علوه وان كان البيت في داره فباعه من رجل لا يدخل في البيع طريقه في الدار الا بذكر الحقوق ثم ان كان البيت يلى الطريق الاعظم يفتح له بابا إليه وان كان لا يلى الطريق الاعظم لا يبطل البيع وله أن يستأجر الطريق إليه أو يستعير من صاحب الدار فرق بين هذا وبين القسمة إذا أصاب أحد الشريكين في الدار بيت أو منزل أو ناحية منها بغير طريق انه ينظر ان أمكنه فتح الباب إلى الطريق ليس له أن يتطرق في نصيب شريكه سواء ذكروا في القسمة الحقوق والمرافق أو لا وكذا إذا كان مسيل مائه في نصيب شريكه قبل القسمة انقطع ذلك الحق ان أمكنه تسييل في نصيب نفسه ليس له أن يسيل في نصيب شريكه وان لم يمكنه تسييل الماء ولا فتح الباب في نصيب نفسه ويمكنه ذلك في نصيب شريكه فانه ينظر ان ذكروا في القسمة الحقوق أو المرافق فالطريق والمسيل يدخلان في القسمة ولا تبطل القسمة وان لم يذكروا ذلك فلا يدخلان وتبطل القسمة (ووجه) الفرق أن القسمة لتتميم المنفعة وتكميلها

[ 166 ]

فإذا أدت إلى تفويتها بطلت والبيع للملك لا للانتفاع بالمملوك على ما ذكرنا ويجوز بيع بيت العلو دون السفل إذا كان على العلو بناء وان لم يكن عليه بناء لا يجوز لانه بيع الهواء على الانفراد وانه لا يجوز ثم إذا باع العلو وعليه بناء حتى جاز البيع فطريقه في الدار لا يدخل الطريق الا بذكر الحقوق ويجوز بيع السفل سواء كان مبنيا أو غير مبنى لانه بيع الساحة وذلك جائز وان لم يكن عليه بناء وان كان المبيع منزلا يدخل في بيعه بيت السفل ولا يدخل بيت العلو ولا الطريق الخاص الا بذكر الحقوق أو المرافق أو بذكر القليل والكثير لان المنزل أعم من البيت وأخص من الدار فكان بين الدار والبيت فيعطى له حكم بين حكمين فلم يدخل العلو في بيع المنزل من غير قرينة اعتبارا للخصوص ويدخل فيه بقرينة اعتبارا للعموم عملا بالجهتين بقدر الامكان والله سبحانه وتعالى أعلم ثم إذا لم تدخل الثمرة بنفس البيع يجير البائع على قطعها من الشجرة وليس له أن يتركها على الشجرة إلى وقت الادراك وكذا الزرع عندنا وعند الشافعي لا يجير وله أن يترك الثمرة على الشجرة إلى وقت الادراك ويترك الزرع إلى أن يستحصد (وجه) قوله ان الجبر على القطع والقلع لوجوب التسليم ووقت وجوب التسليم هو وقت الادراك لانه لا يقطع ولا يقلع الا بعد الادراك عادة فلا يجب عليه التسليم قبله كما إذا انقضت مدة الاجارة والزرع لم يستحصد أنه لا يجير على القلع بل يترك إلى أن يستحصد (ولنا) ان البيع يوجب تسليم المبيع عقيبه بلا فصل لانه عقد معاوضة تمليك بتمليك وتسليم بتسليم فالقول بتأخير التسليم بغير مقتضى العقد وقوله العادة ان الثمرة تترك على الشجرة إلى وقت الادراك قلنا العادة هذا قبل البيع أما بعده فممنوع بل تقطع بعده ولا تترك لان ملك المشترى مشغول بملك البائع فلا بد من ازالة الشغل وذلك بقطع الثمرة هكذا نقول في مسألة الاجارة انه يجب تسليم الارض عند انتهاء المدة وانما تترك باجارة جديدة بأجرة أخرى وهذا حجة عليه لانه لو ترك بالعقد الاول لما وجب أجرة أخرى وسواء أبر أو لم يؤبر بان كان المبيع نخلا بعد ان ظهرت الثمرة من الشجرة وبانت منها ليس له أن يتركها على شجرة المشترى الا برضاه لما قلنا ولو تركها على الشجرة إلى أن أدركت فان كان الترك باذن المشترى طالب له الفضل وان كان بغير اذن المشترى ينظر ان كان قد تناهى عظمها يطيب له الفضل أيضا لانها لا تزداد بعد ذلك بل تنتقص وان كان صغارا لم يتناه عظمها لا يطيب له الفضل لانه تولد من أصل مملوك لغيره ولو استأجر البائع الشجرة ليترك الثمر عليها إلى وقت الجذاذ لم تجز هذه الاجارة لان جواز الاجارة مع ان القياس يأباها لكونها بيع المعدوم لتعامل الناس والناس ما تعاملوا هذا النوع من الاجارة كما لم يتعاملوا استئجار الاشجار لتجفيف الثياب وتجفيف اللحم لكن لو فعل يطيب له الفضل لانه ترك باذن المشترى وهذا بخلاف الاجارة إذا انقضت مدتها والزرع بقل لم يستحصد بعد ان يترك فيه إلى وقت الحصاد بالاجرة لان الترك بالاجرة هناك مما جرى به التعامل فكان جائزا هذا إذا لم يسم الثمرة في بيع الشجر فأما إذا سمى دخل الثمر مع الشجر في البيع وصار للثمرة حصة من الثمن وينقسم الثمن عليها يوم العقد لانه لما سماها فقد صارت مبيعا مقصودا لورود فعل البيع عليه حتى لو هلك الثمن قبل القبض بآفة سماوية أو بفعل البائع تسقط حصته من الثمن عن المشترى كما لو هلك الشجر قبل القبض والمشترى بالخيار ان شاء أخذ الشجر بحصته من الثمن وان شاء ترك لان الصفقة تفرقت عليه ولو جذه البائع والمجذوذ قائم بعينه ينطر ان جذه في حينه ولم ينقصه الجذاذ فلا خيار للمشترى ويقبضهما بجميع الثمن ولو قبضهما بعد جذاذ البائع ثم وجد بأحدهما عيبا له ان يرد المعيب خاصة لانه قبضهما وهما متفرقان وقت القبض فصارا كأنهما كانا متفرقين وقت العقد بخلاف ما إذا جذه المشترى بعد القبض ثم وجد بأحدهما عيبا أنه ليس له أن يرد المعيب خاصة بل يردهما جميعا أو يمسكهما لانهما كانا مجتمعين عند البيع وعند القبض جميعا فافراد أحدهما بالرد يكون تقريق الصفقة بعد وقوعها مجتمعة وهذا لا يجوز هذا إذا لم ينقصه الجذاذ بأن جذه البائع في حينه وأوانه فأما إذا نقصه بأن جذه في غير حينه تسقط عن المشترى حصة النقصان لانه لما نقصه الجذاذ فقد أتلف بعض المبيع قبل القبض فتسقط عن المشترى حصته من الثمن وله الخيار في الباقي لتفرق الصفقة عليه وإذا قبضهما المشترى بعد جذاذ البائع ثم

[ 167 ]

وجذ باحدهما عيبا له أن يرد المعيب خاصة لانه قبضهما وهما متفرقان فصارا كأنهما كانا متفرقين عند العقد وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شجرة أنه هل يدخل في شرائها أصلها وعروقها وأرضها فجملة الكلام فيه أن هذا لا يخلو من ثلاثة أوجه (اما) ان اشتراها بغير أرضها للقلع (واما) ان اشتراها بقرارها من الارض للترك لا للقلع (واما) ان اشتراها ولم يذكر شيأ فان اشتراها بغير أرضها للقلع دخل فيها أصلها ويجبر المشترى على القلع وله أن يقلعها بأصلها لكن قلعا معتادا متعارفا وليس له أن يحفر الارض إلى ما يتناهى إليه العروق لان المعروف بالعرف كالمشروط بالشرط الا إذا شرط البائع القطع على وجه الارض فلا يدخل فيه أصلها أو لم يشتترط لكن في القطع من أصلها ضرر بالبائع بأن كان بقرب حائطه أو على حافة نهره فيخاف الخلل على الحائط أو الشق في النهر فقطعها على وجه الارض دون اصلها لان الضرر لا يستحق بالعقد فان قلع أو قطع ثم نبت من أصلها أو عروقها شجرة أخرى فهى للبائع لا للمشترى لانه رضى ان يكون المبيع القدر المقطوع فيكون الباقي للبائع الا إذا قطع من اعلى الشجرة فالنابت يكون للمشترى لانه نماء ملكه وان اشتراها بقرارها من الارض للترك لا للقلع فيدخل فيها أرضها ولا يجبر على القلع لانه ملك الشجرة مع موضعها فلم يكن ملك البائع مشغولا به فلا يملك اجباره على القلع وله أن يغرس مكانها أخرى لانه يغرس في ملك نفسه (وأما) إذا اشتراها من غير شرط القلع ولا الترك لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وذكر في غير رواية الاصول اختلافا بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله فقال على قول أبى يوسف لا تدخل الارض في البيع وعلى قول محمد تدخل (وجه) قول محمد ان المسمى في البيع هو الشجرة وهى اسم للقائم على أرضها بعروقها فاما بعد القلع فهى خشب لا شجر فلا بد وأن تدخل الارض فيه ولهذا دخلت في الاقرار بالاجماع بأن أقر لرجل بشجر في أرضه حتى كانت الشجرة مع أرضها للمقر له كذا هذا ولابي يوسف ان الارض أصل والشجرة تابعة لها ألا ترى انها تدخل في بيع الارض من غير شرط تبعا للارض فلو دخلت في بيع الشجرة لاستتبع التبع الاصل وهذا قلب الحقيقة وانما دخلت في الاقرار بالشجرة لان الاقرار اخبار عن كائن فلا بد من كون سابق على الاقرار وهو قيامها في الارض التى هي قرارها وذلك دليل كون الارض للمقر له بسبب سابق فكان الاقرار بكون الشجرة له اقرارا بكون الارض له أيضا ومثل هذه الدلالة لم توجد في البيع فلا يدخل والله سبحانه وتعالى أعلم ولو اشترى صدفة فوجد فيها لؤلؤة فهى للمشترى لانها تتولد من الصدفة بمنزلة البيضة تتولد من الدجاجة فكانت بمنزلة أجزائها فتدخل في بيعها كما تدخل البيضة في بيع الدجاجة وكذلك إذا اشترى سمكة فوجد فيها لؤلؤة لان السمك يأكل الصدفة فصار كما لو اشترى سمكة فوجد فيها سمكة أخرى ان الثانية تكون له ولو اشترى دجاجة فوجد فيها لؤلؤة فهى للبائع لان اللؤلؤ لا يتولد من الدجاج ولا هو من علفها فلا يدخل في بيعها وروى عن أبى يوسف رحمه الله ان كل شئ يوجد في حوصلة الطير ان كان مما يأكله الطير فهو للمشترى لانه يكون بمنزلة العلف له وان كان مما لا يأكله الطير فهو للبائع وعلى هذا يخرج ما إذا باع رقيقا وله مال ان ماله لا يدخل في البيع ويكون للبائع الا ان يشترطه المبتاع لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا أن يشترط المبتاع وهذا نص في الباب ولان العبد وما في يده لمولاه لانه مملوك لا يقدر على شئ والمولى ما باع ما في يد العبد لان الداخل تحت البيع هو العبد فلا يدخل في بيعه ما ليس منه والقياس أن لا تدخل ثياب بدنه كما لا يدخل اللجام والسرج والعذار في بيع الدابة لما قلنا لكنهم استحسنوا في ثياب البذلة والمهنة وهى التى يلبسها في اليوم والليلة لتعامل الناس وتعارفهم وأما الثياب النفيسة التى لا يلبسها الا وقت العرض للبيع فلا تدخل في البيع لانعدام التعارف في ذلك فبقى على أصل القياس وهذا مما يختلف باختلاف عرف الناس وعاداتهم في كل بلد فبنى الامر فيه على ذلك وكذا لو أعتق عبده على مال فماله لمولاه لما قلنا وكذا لو أعتق مدبره أو أم ولده لانه مرقوق مملوك فلا يكون له مال ولو كاتب عبده فما كان له من المال وقت الكتابة يكون لمولاه لانه كسب القن وما اكتسب بعد الكتابة يكون له لانه كسب المكاتب ولانه حر يدا فكان كسبه له والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 168 ]

(ومنها) أن يكون مقدور التسليم من غير ضرر يلحق البائع فان لم يمكن تسليمه الا بضرر يلزمه فالبيع فاسد لان الضرر لا يستحق بالعقد ولا يلزم بالتزام العاقد الا ضرر تسليم المعقود عليه فاما ما وراءه فلا وعلى هذا يخرج ما إذا باع جذعا له في سقف أو آجرا له في حائط أو ذراعا في ديباج أو كرباس أنه لا يجوز لانه لا يمكنه تسليمه الا بالنزع والقطع وفيه ضرر بالبائع والضرر غير مستحق بالعقد فكان هذا على هذا التقدير بيع ما لا يجب تسليمه شرعا فيكون فاسدا فان نزعه البائع أو قطعه وسلمه إلى المشترى قبل أن يفسخ المشترى البيع جاز البيع حتى يجبر المشترى على الاخذ لان المانع من الجواز ضرر البائع بالتسليم فإذا سلم باختياره ورضاه فقد زال المانع فجاز البيع ولزم فرق بين هذا وبين بيع الالية في الشاة الحية والنوى في التمر والزيت في الزيتون والدقيق في الحنطة والبزر في البطيخ ونحوها أنه لا ينعقد أصلا حتى لو سلم لم يجز وقد ذكرنا وجه الفرق فيما تقدم والاصل المحفوظ ان ما لا يمكن تسليمه الا بضرر يرجع إلى قطع اتصال ثابت باصل الخلقة فبيعه باطل وما لا يمكن تسليمه الا بضرر يرجع إلى قطع اتصال عارض فبيعه فاسد الا ان يقطع باختياره ويسلم فيجوز والقياس على هذا الاصل ان يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم لانه يمكن تسليمه من غير ضرر يلزمه بالجز الا انهم استحسنوا عدم الجواز للنص وهو ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان الجز من أصله لا يخلو عن الاضرار بالحيوان وموضع الجز فيما فوق ذلك غير معلوم فتجرى فيه المنازعة فلا يجوز ولو باع حلية سيف فان كان يتخلص من غير ضرر يجوز وان كان لا يتخلص الا بضرر فالبيع فاسد الا إذا فصل وسلم وعلى هذا بناء بين رجلين والارض لغيرهما فباع أحدهما نصيبه من البناء لغير شريكه لم يجز لانه لا يمكن تسليمه الا بضرر وهو نقض البناء وكذا زرع بين رجلين أو ثمار بينهما في أرض لهما حق الترك فيها إلى وقت الادراك فباع أحدهما نصيبه قبل الادراك لم يجز لانه لا يمكن تسليمه الا بضرر صاحبه لانه يجبر على القلع للحال وفيه ضرر به ولو باع بعد الادراك جاز لانعدام الضرر وكذا إذا كان الزرع كله لرجل ولم يدرك فباع الزرع لم يجز لانه لا يمكن تسليمه الا بقطع الكل وفيه ضرر ولو كان بعد الادراك جاز لانعدام الضرر دار أو أرض بين رجلين مشاع غير مقسوم فباع أحدهما بيتا منها بعينه قبل القسمة أو باع قطعة من الارض بعينها قبل القسمة لم يجز لا في نصيبه ولا في نصيب صاحبه أما في نصيبه خاصة فظاهر وأما في نصيب صاحبه فلان فيه اضرارا بصاحبه باحداث زيادة شركة ولو باع جميع نصيبه من الدار والارض جاز لانه لم يحدث زيادة شركة وانما قام المشترى مقام البائع ولو باع اللؤلؤة في الصدفة ذكر الكرخي رحمه الله انه لا يجوز لانه لا يمكن تسليمها الا بشق الصدفة وانه ضرر فيما وراء المعقود فصار كبيع الجذع في السقف وروى عن أبى يوسف انه يجوز لانه لا يتضرر بشق الصدفة لان الصدف لا ينتفع به الا بالشق ولو باع قفيزا من هذه الصبرة أو عشرة دراهم من هذه النقرة جاز لانه لا يتضرر بالفصل والتمييز وكذا لو باع القوائم على رؤس الاشجار أو باع الثمار على رؤس الاشجار بشرط القطع أو مطلقا جاز لما قلنا وكذا لو باع بناء الدار دون العرصة أو الاشجار القائمة على الارض دون الارض أو الزرع أو البقول القائمة قبل الجذ انه يجوز لانه يمكنه تسليم هذه الاشياء من غير ضرر والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) الخلو عن الشروط الفاسدة وهى أنواع منها شرط في وجوده غرر نحو ما إذا اشترى ناقة على انها حامل لان المشروط لا يحتمل الوجود والعدم ولا يمكن الوقوف عليه للحال لان عظم البطن والتحرك يحتمل أن يكون لعارض داء أو غيره فكان في وجوده غرر فيوجب فساد البيع لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وغرر والمنهى عنه فاسد وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رضى الله عنهما ان البيع بهذا الشرط جائز لان كونها حاملا بمنزلة شرط كون العبد كاتبا أو خياطا ونحو ذلك وذا جائر فكذا هذا ولو اشترى جارية على انها حامل الا رواية فيه عن أصحابنا واختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز البيع قياسا على البهائم واليه أشار محمد رحمه الله في البيوع فانه قال لو باع وتبرأ من حملها جاز البيع وليس هذا كالشرط وظاهر قوله وليس هذا كالشرط يشير إلى ان شرط الخيار فيه مفسد وقال بعضهم يجوز لان الحبل في الجوارى عيب بدليل أنه لو اشترى

[ 169 ]

جارية فوجدها حاملا له أن يردها فكان ذكر الحبل في الجوارى ابراء عن هذا العيب بخلاف البهائم لان الحبل فيها زيادة الا ترى أنه لو اشترى بهيمة فوجدها حاملا ليس له حق الرد فكان ذكر الحبل فيها شرطا في وجوده غرر فيفسد البيع وبعضهم فصل فيه تفصيلا فقال ان اشتراها ليتخذها ظئرا فالبيع فاسد لانه شرط زيادة في وجودها خطر وهى مجهولة أيضا فاشبه اشتراط الحبل في بيع الناقة وان لم يرد بالشراء ذلك جاز البيع لان ذكره يكون ابراء عن هذا العيب على ما بينا ولو اشترى ناقة وهى حامل على انها تضع حملها إلى شهر أو شهرين فالبيع فاسد لان في وجود هذا الشرط غررا وكذا لو اشترى بقرة على أنها تحلب كذا كذا رطلا لما قلنا ولو اشترى بقرة على أنها حلوبة لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وروى الحسن في المجرد عن أبى حنيفة رحمه الله أنه يجوز وهو قياس روايته في شرط الحبل (ووجهه) ان شرط كونها حلوبة شرط زيادة صفة فاشبه شرط الطبخ والخبز في الجوارى وروى ابن سماعة في نوادره عن محمد رحمهما الله أنه لا يجوز وهو اختيار الكرخي رحمه الله (ووجهه) أن هذا شرط زيادة فيجرى في وجودها غرر وهو مجهول وهو اللبن فلا يصلح شرطا في البيع وكونها حلوبة ان كان صفة لها لكنها لا توصف به الا بوجود اللبن وفى وجوده غرر وجهالة على ما ذكرنا فيوجب فساد البيع ولو اشترى بقرة على أنها لبون ذكر الطحاوي أن هذا الشرط لا يفسد البيع والجواب فيه كالجواب في الحلوبة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو اشترى قمرية على أنها تصوت أو طيرا على أنه يجئ من مكان بعيد أو كبشا على أنه نطاح أو ديكا على أنه مقاتل فالبيع فاسد عند أبى حنيفة رحمه الله وهو احدى الروايتين عن محمد رحمه الله لانه شرط فيه غرر والوقوف عليه غير ممكن لانه لا يحتمل الجبر عليه فصار كشرط الحبل ولان هذه صفات يتلهى بها عادة والتلهى محظور فكان هذا شرطا محظورا فيوجب فساد البيع وروى عن محمد رحمه الله أنه إذا باع قمرية على أنها تصوت فإذا صوتت جاز البيع لانها لما صوتت علم أنها مصوتة فلم يتحقق غرر العدم وعلى هذه الرواية قالوا في المحرم إذا قتل قمرية مصوتة أنه يضمن قيمتها مصوتة ولو اشترى جارية على أنها مغنية على سبيل الرغبة فيها فالبيع فاسد لان التغنية صفة محظورة لكونها لهوا فشرطها في البيع يوجب فساده ولو اشترى جارية على أنها مغنية على وجه اظهار العيب جاز البيع لان هذا بيع بشرط البراءة عن هذا العيب فصار كما لو باعها بشرط البراءة عن عيب آخر فان وجدها لا تغنى لا خيار له لان الغناء في الجوارى عيب فصار كما لو اشترى على أنه معيب فوجده سيما ولو اشترى كلبا أو فهدا على أنه معلم قال أبو يوسف يجوز البيع وهو احدى الروايتين عن محمد لان هذا شرط يمكن الوقوف عليه بان يأخذ المصيد فيمسكه على صاحبه وذا ليس بشرط محظور لان تعليم الكلب والاصطياد به مباح فاشبه شرط الكتابة في العبد والطبخ في الجارية وروى عن محمد أن البيع فاسد لانه شرط فيه غرر إذ لا يمكن الوقوف عليه الا بالاصطياد والجبر عليه غير ممكن ولو اشترى بردونا على أنه هملاج فالبيع جائز لانه شرط يمكن الوقوف عليه بالتسيير فلم يكن في وجوده غرر ولا خطر أيضا وان شئت أفردت لجنس هذا المسائل شرطا على حدة وخرجتها إليه فقلت ومنها أن لا يكون المشروط محظورا فافهم (ومنها) شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو للمشترى أو للمبيع ان كان من بنى آدم كالرقيق وليس بملائم للعقد ولا مما جرى به التعامل بين الناس نحو ما إذا باع دارا على أن يسكنها البائع شهرا ثم يسلمها إليه أو أرضا على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهرا أو ثوبا على أن يلبسه أسبوعا أو على أن يقرضه المشترى قرضا أو على أن يهب له هبة أو يزوج ابنته منه أو يبيع منه كذا ونحو ذلك أو اشترى ثوبا على أن يخيطه البائع قميصا أو حنطة على أن يطحنها أو ثمرة على أن يجذها أو ربطة قائمة على الارض على أن يجذها أو شيأ له حمل ومؤنة على أن يحمله البائع إلى منزله ونحو ذلك فالبيع في هذا كله فاسد لان زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون ربا لانها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وهو تفسير الربا والبيع الذى فيه الربا فاسد أو فيه شبهة الربا وانها مفسدة للبيع كحقيقة الربا على ما نقرره ان شاء الله تعالى وكذا لو باع جارية على أن يدبرها المشترى أو على أن يستولدها فالبيع فاسد لانه شرط فيه منفعة للمبيع وأنه مفسد وكذا لو باعها بشرط أن يعتقها

[ 170 ]

المشترى فالبيع فاسد في ظاهر الرواية عن أصحابنا وروى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنهما أنه جائز وبه أخذ الشافعي رحمه الله (ووجه) هذه الرواية أن شرط الاعتقاد مما يلائم العقد لان الا عتاق انهاء الملك وانهاء الملك تقرير له فكان ملائما والدليل على أن الاعتاق انهاء للملك أن البيع ثبت مقتضى الامر بالاعتقاق في قول الرجل أعتق عبدك عنى على ألف درهم فاعتق حتى يقع العتق عن الآمر ولا عتق الا بالملك ولا ملك الا بالتمليك فلو كان الاعتاق ازالة الملك لما تصور وجود الاعتاق مقتضاه لانه ضده والشئ لا يقتضى ضده وإذا كان انهاء الملك كان تقريرا له فكان ملائما للعقد فلا يوجب فساده ولظاهر الرواية وجهان أحدهما يعم الكل والثانى يخص أبا حنيفة عليه الرحمة أما الاول فهو ان شرط العتق شرط لا يلائمه العقد لان العقد يقتضى الملك والملك يقتضى اطلاق التصرف في المملوك تحصيلا وتركا وشرط الاعتاق يقتضى الاستحقاق واللزوم لا محالة فلا يلائمه بل يضاده وأما الثاني فلان هذا الشرط يلائم العقد من وجه ولا يلائمه من وجه وهذا يوجب الفساد على ما نذكر تقريره ثم إذا باع بهذا الشرط فاعتقه المشترى انقلب العقد جائزا بالاعتاق عند أبى حنيفة استحسانا حتى يجب على المشترى الثمن سواء اعتقه بعد القبض أو قبله هكذا روى ابن شجاع عن أبى حنيفة رحمهما الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا ينقلب جائزا حتى تلزمه قيمة الجارية وهو القياس وهكذا روى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله (ووجهه) ظاهر لان البيع وقع فاسدا من حين وجوده وبالاعتاق لا ينعدم الفساد بل يتقرر لانه انهاء للملك وأنه تقرير فيوجب تقرر الفساد للفاسد والفاسد يفيد الملك بالقيمة لا بالثمن ولهذا لو هلك العبد في يده قبل الاعتاق تلزمه القيمة وكذا لو باعه من رجل أو وهبه فعليه قيمته كذا ههنا ولابي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن شرط الاعتاق يلائم العقد من وجه ولا يلائمه من وجه لانه انهاء من وجه وازالة من وجه فمن حيث انه انهاء كان يلائمه لانه تقرير لكن من حيث انه ازالة لا يلائمه لانه تغيير موجب العقد فيجب العمل بالشبهين فعملنا بشبه الازالة فقلنا بفساد العقد في الابتداء وعملنا بشبه الانهاء فقلنا بجوازه في الانتهاء عملا بالشبهين بقدر الامكان فان قيل لم لا يعمل بهما على القلب مما قلتم قيل لانه لا يمكن لانا لم نجد جائزا انقلب فاسدا في أصول الشريعة ووجدنا فاسدا انقلب جائزا كما في بيع الرقم ونحوه بخلاف ما إذا باع أو وهب لان ذلك ليس انهاء الملك وبخلاف ما إذا باع بشرط التدبير أو الاستيلاد فدبرها المشترى أو استولدها أن البيع لا ينقلب إلى الجواز لان التدبير والاستيلاد لا يوجبان انهاء الملك بيقين لاحتمال قضاء القاضى بجواز بيع المدبر وبجواز بيع أم الولد في الجملة فكان ذلك شرطا لا يلائم العقد أصلا فاوجب لزوم الفساد وكذا لو باع عبدا أو جارية بشرط أن لا يبيعه وأن لا يهبه وأن لا يخرجه عن ملكه فالبيع فاسد لان هذا شرط ينتفع به العبد والجارية بالصيانة عن تداول الايدى فيكون مفسدا للبيع (وأما) فيما سوى الرقيق إذا باع ثوبا على أن لا يبيعه المشترى أو لا يهبه أو دابة على أن لا يبيعها أو يهبها أو طعاما على ان يأكله ولا يبيعه ذكر في المزارعة ما يدل على جواز البيع فانه قال لو شرط أحد المزارعين في المزارعة على أن لا يبيع الآخر نصيبه ولا يهبه فالمزارعة جائزة والشرط باطل وهكذا روى الحسن في المجرد عن أبى حنيفة رحمه الله وفى الاملاء عن أبى يوسف أن البيع بهذا الشرط فاسد (ووجهه) أنه شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا جرى به التعارف بين الناس فيكون مفسدا كما في سائر الشرائط المفسدة والصحيح ما ذكر في المزارعة لان هذا شرط لا منفعة فيه لاحد فلا يوجب الفساد وهذا لان فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض ولم يوجد في هذا الشرط لانه لا منفعة فيه لاحد الا أنه شرط فاسد في نفسه لكنه لا يؤثر في العقد فالعقد جائز والشرط باطل ولو باع ثوبا على أن يحرقه المشترى أو دارا على أن يخربها فالبيع جائز والشرط باطل لان شرط المضرة لا يؤثر في البيع على ما ذكرنا ولو باع جارية على ان لا يطأها المشترى ذكر ذلك في الاختلاف بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله اختلافا ولم يذكر قول أبى حنيفة عليه الرحمة فقال البيع فاسد والشرط باطل عند أبى يوسف وعند محمد البيع جائز والشرط باطل ولو باع بشرط أن

[ 171 ]

يطأها جاز البيع والشرط في قولهم جميعا وروى عن أبى حنيفة رحمه الله أن البيع فاسد في الموضعين جميعا (وجه) قول محمد أن هذا شرط لا منفعة فيه لاحد فلا يؤثر في فساد البيع كما لو باع ما سوى الرقيق على أن لا يبيع أو لا يهب الا أنه نوع مضرة للمشترى فكان باطلا والبيع صحيحا (وجه) قول أبى يوسف ان هذا شرط يخالف مقتضى العقد لان حل الوطئ أمر يقتضيه العقد وهذا الشرط ينفيه بخلاف ما إذا باع بشرط أن يطأها لان ذلك شرط يقرر مقتضى العقد لان اباحة الوطئ مما يقتضيه العقد ولابي حنيفة رحمه الله على ما روى عنه ان شرط الوطئ مما لا يقتضيه العقد أيضا بل ينفيه لان البيع يقتضى الحل لا الاستحقاق وقضية الشرط الاستحقاق واللزوم وهما مما لا يقتضيه العقد بل ينفيه (وأما) الشرط الذى يقتضيه العقد فلا يوجب فساده كما إذا اشترى بشرط أن يتملك المبيع أو باع بشرط أن يتملك الثمن أو باع بشرط أن يحبس المبيع أو اشترى على أن يسلم المبيع أو اشترى جارية على أن تخدمه أو دابة على أن يركبها أو ثوبا على أن يلبسه أو حنطة في سنبلها وشرط الحصاد على االبائع ونحو ذلك فالبيع جائز لان البيع يقتضى هذه المذكورات مان غير شرط فكان ذكرها في معرض الشرط تقريرا لمقتضى العقد فلا توجب فساد العقد ولو اشترى شيأ بشرط أن يوفيه في منزله فهذا لا يخلو اما أن يكون المشترى والبائع بمنزلهما في المصر واما أن يكون أحدهما في المصر والآخر خارج المصر فان كان كلاهما في المصر فالبيع بهذا الشرط جائز عند أبى حنيفة وأبى يوسف استحسانا الا إذا كان في تصحيح هذا الشرط تحقيق الربا كما إذا تبايعا حنطة بحنطة وشرط أحدهما على صاحبه الايفاء في منزله وعند محمد البيع بهذا الشرط فاسد وهو القياس لانه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للمشترى فأشبه ما إذا اشترى بشرط الحمل إلى منزله أو بشرط الايفاء في منزله وأحدهما في المصر والآخر خارج المصر (ولهما) ان الناس تعاملوا البيع بهذا الشرط إذا كان المشترى في المصر فتركنا القياس لتعامل الناس ولا تعامل فيما إذا لم يكونا في المصر ولا في شرط الحمل إلى المنزل فعملنا بالقياس فيه وكذلك الشرط الذى لا يقتضيه العقد لكنه ملائم للعقد لا يوجب فساد العقد أيضا لانه مقرر لحكم العقد من حيث المعنى مؤكدا اياه على ما نذكر ان شاء الله تعالى فيلحق بالشرط الذى هو من مقتضيات العقد وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشترى بالثمن رهنا أو كفيلا والرهن معلوم والكفيل حاضر فقبل وجملة الكلام في البيع بشرط اعطاء الرهن ان الرهن لا يخلو اما أن يكون معلوما أو مجهولا فان كان معلوما فالبيع جائز استحسانا والقياس ان لا يجوز لان الشرط الذى يخالف مقتضى العقد مفسد في الاصل وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسدا الا انا استحسنا الجواز لان هذا الشرط لو كان مخالفا مقتضى العقد صورة فهو موافق له معنى لان الرهن بالثمن شرع توثيقا للثمن وكذا الكفالة فان حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة فكان كل واحد منهما مقررا لمقتضى العقد معنى فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن وانه لا يوجب فساد العقد فكذا هذا ولو قبل المشترى المبيع على هذا الشرط ثم امتنع من تسليم الرهن لا يجبر على التسليم عند اصحابنا الثلاثة وعند زفر يجبر عليه (وجه) قوله ان الرهن إذا شرط في البيع فقد صار حقا من حقوقه والجبر على التسليم من حقوق البيع فيجبر عليه (ولنا) ان الرهن عقد تبرع في الاصل واشتراطه في البيع لا يخرجه عن أن يكون تبرعا والجبر على التبرع ليس بمشروع فلا يجبر عليه ولكن يقال له اما أن تدفع الرهن أو قيمته أو تؤدى الثمن أو يفسخ البائع البيع لان البائع لم يرض بزوال المبيع عن ملكه الا بوثيقة الرهن أو بقيمته لان قيمته تقوم مقامه ولان الدين يستوفى من مالية الرهن وهى قيمته وإذا أدى الثمن فقد حصل المقصود فلا معنى للفسخ ولو امتنع المشترى من هذه الوجوه فللبائع أن يفسخ البيع لفوات الشرط والغرض وان كان الرهن مجهولا فالبيع فاسد لان جواز هذا الشرط مع ان القياس يأباه لكونه ملائما للعقد مقررا لمقتضاه معنى لحصول معنى التوثق والتأكد للثمن ولا يحصل ذلك الا بالتسليم وانه لا يتحقق في المجهول ولو اتفقا على تعيين رهن في المجلس جاز البيع لان المانع هو جهالة الرهن وقد زال فكأنه كان معلوما معينا من الابتداء لان المجلس له حكم حالة واحدة وان افترقا عن المجلس تقرر الفساد وكذا إذا لم يتفقا على تعيين الرهن ولكن المشترى نقد الثمن جاز

[ 172 ]

البيع ايضا لان المقصود من الرهن هو الوصول إلى الثمن وقد حصل فيسقط اعتبار الوثيقة وكذلك البيع بشرط اعطاء الكفيل ان الكفيل ان كان حاضرا في المجلس وقبل جاز البيع استحسانا وان كان غائبا فالبيع فاسد وكذا إذا كان حاضرا ولم يقبل لان الجواز على مخالفة القياس ثبت لمعنى التوثيق وتوكيد الثمن لما فيه من تقرير موجب العقد على ما بينا فإذا كان الكفيل غائبا أو حاضرا ولم يقبل لم تصح الكفالة فلم يحصل معنى التوثيق فبقى الحكم على ما يقتضيه القياس وكذا إذا كان الكفيل مجهولا فالبيع فاسد لان كفالة المجهول لا تصح ولو كان الكفيل معينا وهو غائب ثم حضر وقبل الكفالة في المجلس جاز البيع لانه جازت الكفالة بالقبول في المجلس وإذا حضر بعد الافتراق تأكد الفساد ولو شرط المشترى على البائع أن يحيله بالثمن على غريم من غرمائه أو على أن يضمن الثمن لغريم من غرماء البائع فالبيع فاسد لان شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد والشرط الذى لا يقتضيه العقد مفسد في الاصل الا إذا كان فيه تقرير موجب العقد وتأكيده والحوالة ابراء عن الثمن واسقاط له فلم يكن ملائما للعقد بخلاف الكفالة والرهن وكذلك ان كان مما لا يقتضيه العقد ولا يلائم العقد ايضا لكن للناس فيه تعامل فالبيع جائز كما إذا اشترى نعلا على ان يحدوه البائع أو جرابا على ان يخرزه له خفا أو ينعل خفه والقياس ان لا يجوز وهو قول زفر رحمه الله (وجه) القياس ان هذا شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لاحد العاقدين وانه مفسد كما إذا اشترى ثوبا بشرط أن يخيطه البائع له قميصا ونحو ذلك (ولنا) ان الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع كما تعاملوا الاستصناع فسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع ولو اشترى جارية على انها بكرا وطباخة أو خبازة أو غلاما على انه كاتب أو خياط أو باع عبدا بألف درهم على انها صحاح أو على انها جياد نقد بيت المال أو اشترى على انها مؤجلة فالبيع جائز لان المشروط صفة للمبيع أو الثمن صفة محضة لا يتصور انقلابها أصلا ولا يكون لها حصة من الثمن بحال ولو كان موجودا عند العقد يدخل فيه من غير تسمية وانها صفة مرغوب فيها لا على وجه التلهى والمشروط إذا كان هذا سبيله كان من مقتضيات العقد واشتراط شرط يقتضيه العقد لا يوجب فساد العقد كما إذا اشترى بشرط التسليم وتملك المبيع والانتفاع به ونحو ذلك بخلاف ما إذا اشترى ناقة على انها حامل ان البيع يفسد في ظاهر الرواية لان الشرط هناك عين وهو الحمل فلا يصلح شرطا وكون الناقة حاملا وان كان صفة لها لكن لا تحقق له الا بالحمل وهو عين في وجوده غرر ومع ذلك مجهول فأوجب ذلك فساد البيع ويخرج على هذا أيضا ما ذكرنا من المسائل إذا اشترى ناقة على انها تحلب كذا وكذا رطلا أو على انها حلوبة أو على انها لبون ان ان البيع بهذه الشروط فاسد لان المشروط في هذه المواضع عين فلا يصلح شرطا وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية على انها مغنية على سببيل الرغبة فيها لان جهة الغناء جهة التلهى فاشتراطها في البيع يوجب الفساد وكذا إذا اشترى قمرية على انها تصوت أو طوطيا على انه يتكلم أو حمامة على انها تجئ من مكان بعيد أو كبشا على انه نطاح أو ديكا على انه مقاتل لان هذه الجهات كلها جهات التلهى بخلاف ما إذا اشترى كلبا على انه معلم أو اشترى دابة على انها هملاج لانه صفة لا حظر فيها بوجه والله عز شأنه الموفق ويجوز البيع بشرط البراءة عن العيب عندنا سواء عم العيوب كلها بأن قال بعت على انى برئ من كل عيب أو خص بأن سمى جنسا من العيوب وقال الشافعي رحمه الله ان خص صح وان عم لا يصح وإذا لم يصح الابراء عنده هل يصح العقد له فيه قولان في قول يبطل العقد أيضا وفى قول يصح العقد ويبطل الشرط وعلى هذا الخلاف الابراء عن الحقوق المجهولة ولو شرط على انى برئ من العيب الذى يحدث روى عن أبى يوسف رحمه الله ان البيع بهذا الشرط فاسد (وجه) قول الشافعي رحمه الله ان الابراء عن كل عيب ابراء عن المجهول فلا يصح ولا شك انه ابراء عن المجهول والدليل على ان الابراء عن كل عيب ابراء عن المجهول غير صحيح ان الابراء اسقاط فيه معنى التمليك بدليل أنه يرتد بالرد وهذا آية التمليك إذ الاسقاط لا يحتمل ذلك وتمليك المجهول لا يصح كالبيع ونحوه (ولنا) ان الابراء وان كان فيه معنى التمليك لكن الجهالة لا تمنع صحة التمليك لعينها بل لافضائها إلى المنازعة ألا ترى أنها لا تمنع في موضع لا يفضى إلى المنازعة كما

[ 173 ]

إذا باع قفيزا من هذه الصبرة أو عشرة دراهم من هذه النقرة وهذا النوع من الجهالة ههنا لا يفضى إلى المنازعة لان قوله كل عيب يتناول العيوب كلها فإذا سمى جنسا من العيوب لا جهالة له أصلا مع ما ان التمليك في الابراء يثبت ضمنا وتبعا للاسقاط لان اللفظ ينبئ عن الاسقاط لا عن التمليك فيعتبر التصرف اسقاط لا تمليكا والجهالة لا تمنع صحة الاسقاطات والدليل على جواز الابراء عن الحقوق المجهولة ما روى ان رجلين اختصما إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مواريث قد درست فقال لهما عليه الصلاة والسلام استهما وأوجبا الحق وليحلل كل واحد منكما صاحبه وعلى هذا اجماع المسلمين من استحلال معمالاتهم في آخر أعمارهم في سائر الاعصار من غير انكار وأما بيع الثمر على الشجر بعد ظهوره وبيع الزرع في الارض بشرط الترك فجملة الكلام فيه انه لا يخلو اما ان كان لم يبد صلاحه بعد ان صار منتفعا به بوجه من الوجوه واما ان كان قد بد اصلاحه بان صار منتفعا به وكل ذلك لا يخلو من أن يكون بشرط القطع أو مطلقا أو بشرط الترك حتى يبلغ فان كان لم يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز وعلى المشترى أن يقطع للحال وليس له أن يترك من غير اذن البائع ومن مشايخنا من قال لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه وهو خلاف ظاهر الرواية على ما ذكرنا ولو باع مطلقا عن شرط جاز أيضا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز (وجه) قوله ان المطلق ينصرف إلى المتعارف والمتعارف هو الترك فمكان هذا بيعا بشرط الترك دلالة فصار كما لو شرط الترك نصا (ولنا) ان الترك ليس بمشروط نصا إذ العقد مطلق عن الشرط أصلا فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليل خصوصا إذا كان في التقييد فساد العقد وان اشترى بشرط الترك فالعقد فاسد بالاجماع لانه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لاحد المتعاقدين ولا يلائم العقد ولا جرى به التعامل بين الناس ومثل هذا الشرط مفسد للبيع لما ذكرنا ولانه لا يتمكن من الترك الا باعارة الشجرة والارض وهما ملك البائع فصار بشرط الترك شارطا الاعارة فكان شرطه صفقة في صفقة وانه منهى هذا إذا لم يبد صلاحه وكذا إذا بدا صلاحه فباع بشرط القطع أو مطلقا فأما إذا باع بشرط الترك فان لم يتناه عظمه فالبيع فاسد بلا خلاف لما قلنا وكذا إذا تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبى حنيفة وأبى يوسف وقال محمد يجوز استحسانا لتعارف الناس وتعاملهم ذلك ولهما ما ذكرنا أن شرط الترك شرط فيه منفعة للمشترى والعقد لا يقتضيه وليس بملائم للعقد أيضا ومثل هذا الشرط يكون مفسدا كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهرا قوله الناس تعاملوا ذلك قلنا دعوى تعامل الناس شرط الترك في المبيع ممنوعة وانما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع ولو اشترى مطلقا عن شرط فترك فان كان قد تناهى عظمه ولم يبق الا النضج لم يتصدق بشئ سواء ترك باذن البائع أو بغير اذنه لانه لا يزداد بعد التناهى وانما يتغير إلى حال النضج وان كان لم يتناه عظمه ينظر ان كان الترك باذن البائع جاز وطاب له الفضل وان كان بغير اذنه تصدق بما زاد في ذاته على ما كان عند العقد لان الزيادة حصلت بجهة محظورة فأوجبت خبثا فيها فكان سبيلها التصدق فان استأجر المشترى من البائع الشجر للترك إلى وقت الادراك طاب له الفضل لان الترك حصل باذن البائع ولكن لا تجب الاجرة لان هذه الاجارة باطلة لان جوازها ثبت على خلاف القياس لتعامل الناس فما لم يتعاملوا فيه لا تصح فيه الاجارة ولهذا لم تصح اجارة الاشجار لتجفيف الثياب واجارة الاوتاد لتعليق الاشياء عليها واجارة الكتب للقراءة ونحو ذلك حتى لم تجب الاجرة لما قلنا كذا هذا ولو أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى فهى للبائع سواء كان الترك باذنه أو بغير اذنه لانه نماء ملك البائع فيكون له ولو حللها له البائع جاز وان اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده حتى لايعرف ينظر ان كان قبل التخلية بطل البيع لان المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط للجهالة وتعذر التميز فاشبه العجز عن التسليم بالهلاك وان كان بعد التخلية لم يبطل لان التخلية قبض وحكم البيع يتم ويتناهى بالقبض والثمرة تكون بينهما لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطا لا يمكن التمييز بينهما فكان الكل مشتركا بينهما والقول قول المشترى في المقدار لانه صاحب يد لوجود التخلية فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ولو اشترى ثمرة بدا صلاح

[ 174 ]

بعضها دون بعض بان أدرك البعض دون البعض بشرط الترك فالبيع فاسد على أصلهما لانه لو كان أدرك الكل فاشتراها بشرط الترك فالبيع فاسد عندهما فبادراك البعض أولى (وأما) على أصل محمد رحمه الله وهو اختيار العادة فان كان صلاح الباقي متقاربا جاز لان العادة في الثمار أن لا يدرك الكل دفعة واحدة بل يتقدم ادراك البعض على البعض ويلحق بعضها بعضا فصار كأنه اشتراها بعد ادراك الكل ولو كان كذلك لصح الشراء عنده بشرط الترك كذا هذا وان كان يتأخر ادراك البعض عن البعض تأخيرا فاحشا كالعنب ونحوه يجوز البيع فيما أدرك ولا يجوز فيما لم يدرك لان عند التأخر الفاحش يلتحقان بجنسين مختلفين (ومنها) شرط الاجل في المبيع العين والثمن العين وهو أن يضرب لتسليمها أجل لان القياس يأبى جواز التأجيل أصلا لانه تغيير مقتضى العقد لانه عقد معاوضة تمليك بتمليك وتسليم بتسليم والتأجيل ينفى وجوب التسليم للحال فكان مغيرا مقتضى العقد الا أنه شرط نظر لصاحب الاجل لضرورة العدم ترفيها له وتمكينا له من اكتساب الثمن في المدة المضروبة ولا ضرورة في الاعيان فبقى التأجيل فيها تغييرا محضا لمقتضى العقد فيوجب فساد العقد ويجوز في المبيع الدين وهو السلم بل لا يجوز بدونه عندنا على ما نذكره في موضعه وكذا يجوز في الثمن الدين وهو بيع الدين بالدين لان التاجيل يلائم الديون ولا يلائم الاعيان لمساس حاجة الناس إليه في الديون لا في الاعيان على ما بينا (ومنها) شرط خيار مؤبد في البيع (ومنها) شرط خيار مؤقت بوقت مجهول جهالة متفاحشة كهبوب الريح ومجئ المطر وقدوم فلان وموت فلان ونحو ذلك أو متقاربة كالحصاد والدياس وقدوم الحاج ونحوها (ومنها) شرط خيار غير مؤقت أصلا والاصل فيه ان شرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم للحال فكان شرطا مغيرا مقتضى العقد وأنه مفسد للعقد في الاصل وهو القياس الا أنا عرفنا جوازه استحسانا بخلاف القياس بالنص وهو ماروى ان حبان بن منقد كان يغبن في التجارات فشكا أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إذا بايعت فقل لا خلابة ولى الخيار ثلاثة أيام فبقى ما وراء المنصوص عليه على أصل القياس (ومنها) شرط خيار مؤقت بالزائد على ثلاثة أيام عند أبى حنيفة وزفر وقال أبو يوسف ومحمد هذا الشرط ليس بمفسد واحتجا بما روى أن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنهما شرط الخيار شهرين ولان النص الوارد في خيار ثلاثة أيام معلول بالحاجة إلى دفع الغبن بالتأمل والنظر وهذا لا يوجب الاقتصار على الثلاث كالحاجة إلى التأجيل ولابي حنيفة ان هذا الشرط في الاصل مما يأباه القياس والنص أما القياس فما ذكرنا انه شرط مغير مقتضى العقد ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في الاصل وأما النص فما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع الغرر وهذا بيع الغرر لانه تعلق انعقاد العقد على غرر سقوط الخيار الا أنه ورد نص خاص بجوازه فيتبع مورد النص وانه ورد بثلاثة أيام فصار ذلك مخصوصا عن النص العام وترك القياس فيه فيعمل بعموم النص ومقتضى القياس فيما وراء هذا والعمل بقول سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام أولى من العمل بقول عبد الله بن سيدنا عمر وقولهما النص معلول بالحاجة إلى دفع الغبن قلنا لو كان كذلك فالثلاث مدة صالحة لدفع الغبن لكونها صالحة للتأمل وما وراء ذلك لا نهاية له (وأما) شرط خيار مؤقت بالثلاث فما دونها فليس بمفسد استحسانا لحديث حبان ابن منقد ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن والتدارك عند اعتراض الندم وسواء كان الشرط للعاقد أو لغيره بأن شرط الخيار لثالث عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر رحمه الله لا يجوز شرط الخيار لغير العاقد (وجه) قوله ان اشتراط الخيار للعاقد مع ان القياس يأباه ثبت بالنص فبقى اشتراطه لغيره على أصل القياس (ولنا) ان النص معلول بالحاجة إلى التأمل لدفع الغبن والناس يتفاوتون في البصارة بالسلع فمن الجائز أن يكون المشروط له الخيار أبصر منه ففوض الخيار إليه ليتأمل في ذلك فان صلح أجازه والا فسح وإذا جاز هذا الشرط ثبت الخيار للمشروط له وللعاقد أيضا ولما نذكر ولكل واحد منهما ولاية الاجازة والفسخ وسواء كان العاقد مالكا أو وصيا أو وليا أو وكيلا فيجوز شرط الخيار فيه لنفسه أو لصاحبه الذى عاقده (أما) الاب أو الوصي فلان اشتراط الخيار منهما من باب النظر للصغير فيملكانه (واما)

[ 175 ]

الوكيل فلانه يتصرف بأمر الموكل وقد أمره بالبيع والشراء مطلقا فيجرى على اطلاقه وكذلك المضارب أو الشريك شركة عنان أو مفاوضة يملك شرط الخيار لما قلنا ولو اشترى شيأ على انه لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالقياس أن لا يجوز هذا البيع وهو قول زفر رحمه الله وفى الاستحسان جائز (وجه) القياس ان هذا بيع علقت اقالته بشرط عدم نقد الثمن إلى ثلاثة أيام وتعليق الاقالة بالشرط فاسد فكان هذا بيعا دخله شرط فاسد فيكون فاسدا كسائر الانواع التى دخلتها شروط فاسدة (وجه) الاستحسان ان هذا البيع في معنى البيع بشرط الخيار لوجود التعليق بشرط في كل واحد منهما وتحقق الحاجة المستدعية للجواز أما التعليق فانه علق اقالة هذا البيع وفسخ بشرط عدم النقد إلى ثلاثة أيام وفى البيع بشرط الخيار علق انعقاده في حق الحكم بشرط سقوط الخيار واما الحاجة فان المشترى كما يحتاج إلى التأمل في المبيع انه هل يوافقه أم لا فالبائع يحتاج إلى التأمل انه هل يصل الثمن إليه في الثلاث أم لا وكذا المشترى يحتاج إلى التأمل انه هل يقدر على النقد في الثلاث أم لا فكان هذا بيعا مست الحاجة إلى جوازه في الجانبين جميعا فكان أولى بالجواز من البيع بشرط الخيار فورود الشرع بالجواز هناك يكون ورودا ههنا دلالة ولو اشترى على أنه ان لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام لم يجز عند أبى حنيفة كما لا يجوز شرط الخيار أربعة أيام أو أكثر بعد أن يكون معلوما الا أن أبا يوسف يقول ههنا لا يجوز كما قال أبو حنيفة فأبو حنيفة مر على أصله ولم يجز في الموضعين ومحمد مر على أصله وأجاز فيهما وأبو يوسف فرق بينهما (ووجه) الفرق له ان القياس يأبى الجواز في الموضعين جميعا الا أن الجواز في شرط الخيار عرفناه بأثر ابن سيدنا عمر رضى الله عنهما فبقى هذا على أصل القياس والله سبحانه عز شأنه أعلم ويتصل بالشروط المفسدة ما إذا باع حيوانا واستثنى ما في بطنه من الحمل ان البيع فاسد لان بيع الحمل بانفراده لا يجوز فكان استثناؤه بمنزلة شرط فاسد أدخل في البيع فوجب فساد البيع وكذلك هذا في عقد الاجارة والكتابة والرهن بخلاف النكاح والخلع والصلح عن دم العمد والهبة والصدقة لان استثناء الحمل في هذا العقود لا يبطلها وكذلك في الاعتاق لما أن استثناء ما في البطن بمنزلة شرط فاسد والبيع واخواته تبطلها الشروط الفاسدة فكان الشرط فاسدا والعقد فاسدا فأما النكاح ونحوه فلا تبطله الشروط الفاسدة فجاز العقد وبطل الشرط فيدخل في العقد الام والولد جميعا وكذا في العتق وكذا إذا باع حيوانا واستثنى شيأ من أطرافه فالبيع فاسد ولو باع صبرة واستثنى قفيزا منها فالبيع جائز في المستثنى منه وكذا إذا باع صبرة واستثنى جزأ شائعا منها ثلثها أو ربعها أو نحو ذلك ولو باع قطيعا من الغنم واستثنى شاة منها بغير عينها فالبيع فاسد ولو استثنى شاة منها بعينها فالبيع جائز والاصل في هذا ان من باع جملة واستثنى منها شيأ فان استثنى ما يجوز افراده بالبيع فالبيع في المستثنى منه جائز وان استثنى ما لا يجوز افراده بالبيع فالبيع في المستثنى منه فاسد ولو باع الثمرة على رؤس النخل واستثنى منها صاعا ذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي انه يجوز لانه استثنى ما يجوز افراده بالبيع فاشبه ما إذا باع جزء مشاعا منه من الثلث والربع وكذا لو كان الثمر مجذوذا فباع الكل واستثنى صاعا يجوز وأى فرق بين المجذوذ وغير المجذوذ وذكر الطحاوي في مختصره انه لا يجوز واليه أشار محمد في الموطأ فانه قال لا بأس بان يبيع الرجل ثمرة ويستثنى منها بعضها إذا استثنى شيأ في جملته ربعا أو خمسا أو سدسا قيد الجواز بشرط أن يكون المستثنى مشاعا في الجملة فلو ثبت الجواز في المعين لم يكن لتقييده بهذا الشرط معنى وكذا روى الحسن بن زياد انه قال لا يجوز وكذا ذكر القدورى رحمه الله في مختصره ثم فساد العقد بما ذكرنا من الشروط مذهب أصحابنا وقال ابن أبى ليلى الببع جائز والشرط باطل وقال ابن شبرمة البيع جائز والشرط جائز والصحيح قولنا لما روى أبو حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط والنهى يقتضى فساد المنهى فيدل على فساد كل بيع وشرط الا ما خص عن عموم النص ولان هذه الشروط بعضها فيه منفعة زائدة ترجع إلى العاقدين أو إلى غيرهما وزيادة منفعة مشروطة في عقد البيع تكون ربا والربا حرام والبيع الذى فيه ربا فاسد وبعضها فيه غرر ونهى رسول الله صلى الله عليه

[ 176 ]

وسلم عن بيع فيه غرر والمنهى عنه فاسد وبعضها شرط التلهى وانه محظور وبعضها يغير مقتضى العقد وهو معنى الفساد إذ الفساد هو التغيير والله سببحانه وتعالى أعلم ثم قران الشرط الفاسد بالعقد والحاقه به سواء عند أبى حنيفة رحمه الله حتى لو باع بيعا صحيحا ثم ألحق به شيأ من هذه الشروط المفسدة يلتحق به ويفسد العقد وعندهما لا يلتحق به ولا يفسد العقد وأجمعوا على انه لو ألحق بالعقد الصحيح شرطا صحيحا كالخيار الصحيح في البيع البات ونحو ذلك يلتحق به (وجه) قولهما ان الحاق الشرط الفاسد بالعقد يغير العقد من الصحة إلى الفساد فلا يصح فبقى العقد صحيحا كما كان لان العقد كلام لا بقاء له والالتحاق بالمعدوم لا يجوز فكان ينبغى أن لا يصح الالحاق أصلا الا أن الحاق الشرط الصحيح بأصل العقد ثبت شرعا للحاجة إليه حتى صح قرانه بالعقد فيصح الحاقه به فلا حاجة إلى الحاق الشرط الفاسد في الاصل وقولهما الالحاق تغيير للعقد قلنا ان كان تغييرا فلهما ولاية التغيير ألا ترى أن لهما ولاية التغيير بالزيادة في الثمن والمثمن والحط عن الثمن وبالحاق الشرط الصحيح وان كان تغييرا ولانهما يملكان الفسخ فالتغيير أولى لان التغيير تبديل الوصف والفسخ رفع الاصل والوصف والله سبحانه أعلم (ومنها) الرضا لقول الله تعالى الا أن تكون تجارة عن تراض منكم عقيب قوله عز اسمه يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب من نفسه فلا يصح بيع المكره إذا باع مكرها وسلم مكرها لعدم الرضا فأما إذا باع مكرها وسلم طائعا فالبيع صحيح على ما نذكره في كتاب الاكراه ولا يصح بيع الهازل لانه متكلم بكلام البيع لا على ادارة حقيقته فلم يوجد الرضا بالبيع فلا يصح بخلاف طلاق الهازل انه واقع لان الفائت بالاكراه ليس الا الرضا والرضا ليس بشرط لوقوع الطلاق بخلاف البيع على ان الهزل في باب الطلاق ملحق بالجد شرعا قال عليه الصلاة والسلام ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق الحق الهازل بالجاد فيه ومثل هذا لم يرد في البيع وعلى هذا يخرج بيع المنابذة والملامسة والحصاة الذى كان يفعله أهل الجاهلية كان الرجلان يتساومان السلعة فإذا أراد أحدهما الزام البيع نبذ السلعة إلى المشترى فيلزم البيع رضى المشترى أم سخط أو لمسها المشترى أو وضع عليها حصاة فجاء الاسلام فشرط الرضا وأبطل ذلك كله وعلى هذا يخرج بيع التلجئة وهى ما لجأ الانسان إليه بغير اختياره اختيار الايثار وجملة الكلام فيه أن التلجئة في الاصل لا تخلو اما أن تكون في نفس البيع واما أن تكون في الثمن فان كانت في نفس البيع فاما أن تكون في انشاء البيع واما أن تكون في الاقرار به قان كانت في انشاء البيع بان تواضعوا في السر لامر ألجأهم إليه على أن يظهر البيع ولا بيع بينهما حقيقة وانما هو رياء وسمعة نحو أن يخاف رجل السلطان فيقول الرجل انى أظهر أنى بعت منك دارى وليس بيع في الحقيقة وانما هو تلجئة فتبايعا فالبيع باطل في ظاهر الرواية عن أبى حنيفة وهو قول أبى يوسف ومحمد لانهما تكلما بصيغة البيع لا على قصد الحقيقة وهو تفسير الهزل والهزل يمنع جواز البيع لانه يعدم الرضا بمباشرة السبب فلم يكن هذا بيعا منعقدا في حق الحكم وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة ان البيع جائز لان ما شرطاه في السر لم يذكراه في العقد وانما عقدا عقدا صحيحا بشرائط فلا يؤثر فيه ما تقدم من الشرط كما إذا اتفقا على أن يشترطا شرطا فاسدا عند البيع ثم باعا من غير شرط والجواب ان الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضرورة فلو اعتبرنا وجود الشرط عند البيع لا تندفع الضرورة ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز وان أجازاه جاز كذا ذكر محمد لان الشرط السابق وهو المواضعة منعت انعقاد العقد في حق الحكم بمنزلة شرط خيار المتبايعين فلا يصح الا بتراضيهما ولا يملكه المشترى بالقبض حتى لو كان المشترى عبدا فقبضه وأعتقه لا ينفذ اعتاقه بخلاف المكره على البيع والتسليم إذا باع وسلم فأعتقه المشترى انه ينفذ اعتاقه لان بيع المكره انعقد سببا للحكم لوجود الرضا بمباشرة السبب عقلا لما فيه من صيانة نفسه عن الهلاك فانعقد السبب الا أنه فسد لانعدام

[ 177 ]

الرضا طبعا فتأخر الملك فيه إلى وقت القبض أما ههنا فلم يوجد الرضا بمباشرة السبب في الجانبين أصلا فلم ينعقد السبب في حق الحكم فتوقف على أحدهما فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين هذا إذا كانت التلجئة في انشاء البيع فاما إذا كانت في الاقرار به فان اتفقا على ان يقرا بيع لم يكن فأقرا بذلك ثم اتفقا على انه لم يكن فالبيع باطل حتى لا يجوز باجازتهما لان الاقرار اخبار وصحة الاخبار بثبوت المخبر به حال وجود الاخبار فان كان ثابتا كان الاخبار صدقا والا فيكون كذبا والمخبر به ههنا وهو البيع ليس بثابت فلا يحتمل الاجازة لانها تلحق الموجود لا المعدوم هذا كله إذا كانت التلجئة في نفس البيع انشاء كان أو اقرارا فاما إذا كانت في الثمن فهذا أيضا لا يخلو من أحد وجهين اما ان كانت في قدر الثمن واما ان كانت في جنسه فان كانت في قدره بان تواضعا في السر والباطن على أن يكون الثمن ألفا ويتبايعان في الظاهر بألفين فان لم يقولا عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه لان الثمن اسم للمذكور عند العقد والمذكور عند العقد ألفان فان لم يذكرا ان أحدهما رياء وسمعة صحت تسمية الالفين وان قالا عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة فالثمن ثمن السر والزيادة باطلة في ظاهر الرواية عند أبى حنيفة وهو قول أبى يوسف ومحمد وروى عن أبى يوسف ان الثمن ثمن العلانية (وجه) هذه الرواية ان الثمن هو المذكور في العقد والالفان مذكوران في العقد وما ذكرا في المواضعة لم يذكراه في العقد فلا يعتبر (وجه) ظاهر الرواية ان ما تواضعا عليه في السر هو ما تعاقدا عليه في العلانية الا انهما زادا عليه ألفا أخرى والمواضعة السابقة أبطلت الزيادة لانهما في هزلانها حيث لم يقصداها فلم يصح ذكر الزيادة في البيع فيبقى البيع بما تواضعا عليه وهو الالف وان كانت في جنسه بان اتفقا في السر على ان الثمن الف درهم لكنهما يظهرا ان البيع بمائة دينار فان لم يقولا في المواضعة ان ثمن العلانية رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه لما قلنا وان قالا ذلك فالقياس ان يبطل العقد وفى الاستحسان يصح بمائة دينار (وجه) القياس ان ثمن السر لم يذكراه في العقد وثمن العلانية لم يقصداه فقد هزلا به فسقط وبقى بيعا بلا ثمن فلا يصح (وجه) الاستحسان انهما لم يقصدا بيعا باطلا بل بيعا صحيحا فيجب حمله على الصحة ما أمكن ولا يمكن حمله على الصحة الا بثمن العلانية فكأنهما انصرفا عما شرطاه في الباطن فتعلق الحكم بالظاهر كما لو اتفقا على أن يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا بخلاف الالف والالفين لان الثمن المذكور المشروط في السر مذكور في العقد وزيادة فتعلق العقد به هذا إذا تواضعا في السر ولم يتعاقدا في السر فاما إذا تعاقدا في السر بثمن ثم تواضعا على ان يظهر العقد بأكثر منه أو بجنس آخر فان لم يقولا ان العقد الثاني رياء وسمعة فالعقد الثاني يرفع العقد الاول والثمن هو المذكور في العقد الثاني لان البيع يحتمل الفسخ والاقالة فشروعهما في العقد الثاني ابطال للاول فبطل الاول وانعقد الثاني بما سمى عنده وان قالا رياء وسمعة فان كان الثمن من جنس آخر فالعقد هو العقد الاول لانهما لم يذكرا االرياء والسمعة فقد أبطلا المسمى في العقد الثاني فلم يصح العقد الثاني فبقى العقد الاول وان كان من جنس الاول فالعقد هو العقد الثاني لان البيع يحتمل الفسخ فكان العقد هو العقد الثاني لكن بالثمن الاول والزيادة باطلة لانهما أبطلاها حيث هزلا بها هذا إذا تواضعا واتفقا في التلجئة في البيع فتبايعا وهما متفقان على ما تواضعا فاما إذا اختلفا فادعى أحدهما التلجئة وأنكر الآخر وزعم ان البيع بيع رغبة فالقول قول منكر التلجئة لان الظاهر شاهد له فكان القول قوله مع يمينه على ما يدعيه صاحبه من التلجئة إذا طلب الثمن وان أقام المدعى البينة على التلجئة تقبل بينته لانه أثبت الشرط بالبينة فتقبل بينته كما لو أثبت الخيار بالبينة ثم هذا التفريع على ظاهر الرواية عن أبى حنيفة رحمه الله لانه يعتبر المواضعة السابقة فانا على رواية أبى يوسف عنه فلا يجئ هذا التفريع لانه يعتبر العقد الظاهر فلا يلتفت إلى هذه الدعوى لانها وان صحت لا تؤثر في البيع الظاهر وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي الخلاف بين أبى حنيفة صاحبيه فقال على قول أبى حنيفة القول قول من يدعى جواز البيع وعلى قولهما القول قول من يدعى التلجئة والعقد فاسد ولو اتفقا على التلجئة ثم قالا عند البيع كل شرط كان بيننا فهو باطل تبطل التلجئة ويجوز البيع لانه شرط فاسد زائد فاحتمل السقوط بالاسقاط ومتى سقط صار العقد جائزا الا إذا اتفقا عند المواضعة وقالا ان ما نقوله عند البيع ان

[ 178 ]

كل شرط بيننا فهو باطل فذلك القول منا باطل فإذا قالا ذلك لا يجوز العقد لانهما اتفقا على ان ما يبطلانه من الشرط عند العقد باطل الا إذا حكيا في العلانية ما قالا في السر فقالا انا شرطنا كذاوكذا وقد أبطلنا ذلك ثم تبايعا فيجوز البيع ثم كما لا يجوز بيع التلجئة لا يجوز الاقرار بالتلجئة بان يقول لآخر انى أقر لك في العلانية بمالى أو بداري وتواضعا على فساد الاقرار لا يصح اقراره حتى لا يملكه المقر له والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) الذى يخص بعض البياعات دون بععض فانواع أيضا (منها) أن يكون الاجل معلوما في بيع فيه أجل فان كان مجهولا يفسد البيع سواء كانث الجهالة متفاحشة كهبوب الريح ومطر السماء وقدوم فلان وموته والميسرة ونحو ذلك أو متقاربة كالحصاد والدياس والنيروز والمهرجان وقدوم الحاج وخروجهم والجذاذ والجزار والقطاف والميلاد وصوم النصارى وفطرهم قبل دخولهم في صومهم ونحو ذلك لان الاول فيه غرر الوجود والعدم والنوع الثاني مما يتقدم ويتأخر فيؤدى إلى المنازعة فيوجب فساد البيع ولو باع العين بثمن دين إلى اجل مجهول جهالة متقاربة ثم أبطل المشترى الاجل قبل محله وقبل أن يفسخ العقد بينهما لاجل الفساد جاز العقد عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز ولو لم يبطل حتى حل الاجل وأخذ الناس في الحصاد ثم أبطل لا يجوز العقد بالاجماع وان كانت الجهالة متفاحشة فابطل المشترى الاجل قبل الافتراق ونقد الثمن جاز البيع عندنا وعند زفر لا يجوز ولو افترقا قبل الابطال لا يجوز بالاجماع وعلى هذا إذا باع بشرط الخيار ولم يوقت للخيار وقتا معلوما بأن قال أبدا أو أياما أو لم يذكر الوقت حتى فسد البيع بالاجماع ثم ان صاحب الخيار أبطل خياره قبل مضى ثلاثة أيام قبل أن يفسح العقد بينهما جاز البيع عندنا خلافا لزفر رحمه الله وان أبطل بعد مضى الايام الثلاثة لا يجوز العقد عند أبى حنيفة رحمه الله وزفر وعند أبى يوسف ومحمد يجوز وان وقت وقتا معلوما بان قال أربعة أيام أو شهرا فابطل الخيار قبل مضى ثلاثة أيام وقبل أن يفسخ العقد بينهما لاجل الفساد جاز عندنا وعند زفر لا يجوز وعندهما هذا الخيار جائز ولو مضت الايام الثلاثة ثم أبطل صاحب الخيار خياره لا يجوز البيع بالاجماع وعلى هذا لو عقدا عقد السلم بشرط الخيار حتى فسد السلم ثم ان صاحب الخيار أبطل خياره قبل الافتراق جاز السلم عندنا إذا كان رأس المال قائما في يده ولو افترقا قبل الابطال ثم أبطل لا يجوز بالاجماع وعلى هذا إذا اشترى ثوبا برقمه ولم يعلم المشترى رقمه حتى فسد البيع ثم علم رقمه فان علم قبل الافتراق واختار البيع جاز البيع عندنا وعند زفر لا يجوز وان كان بعد الافتراق لا يجوز بالاجماع والاصل عند زفر ان البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد والاصل عندنا أنه ينظر إلى الفساد فان كان قويا بان دخل في صلب العقد وهو البدل أو المبدل لا يحتمل الجواز برقع المفسد كما قال زفر إذا باع عبدا بالف درهم ورطل من خمر فحط الخمر عن المشترى وان كان ضعيفا لم يدخل في صلب العقد بل في شرط جائز يحتمل الجواز برفع المفسد كما في البيع بشرط خيار لم يوقت أو وقت إلى وقت مجهول كالحصاد والدياس أو لم يذكر الوقت كما في بيع الدين بالدين إلى أجل مجهول على ما ذكرنا ثم اختلف مشايخنا في العبارة عن هذا العقد قال مشايخ العراق انه انعقد فاسدا لكن فسادا غير متقرر فان أبطل الشرط قبل تقرره بأن لم يدخل وقت الحصاد أو اليوم الرابع ينقلب إلى الجواز وان لم يبطل حتى دخل تقرر الفساد وهو قول بعض مشايخنا بما وراء النهر وقال مشايخ خراسان وبعض مشايخنا بما وراء النهر العقد موقوف ان اسقط الشرط قبل وقت الحصاد واليوم الرابع تبين أنه كان جائزا من الاصل وان لم يسقط حتى دخل اليوم الرابع أو أوان الحصاد تبين أنه وقع فاسدا من حين وجوده وذكر عن الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال قال أبو حنيفة لو أن رجلا اشترى عبدا على أنه بالخيار أكثر من ثلاثة أيام فالبيع موقوف فان قال المشترى قبل مضى الثلاث انا أبطل خياري واستوجب المبيع قبل أن يقول البائع شيأ كان له ذلك وتم البيع وعليه الثمن ولم يكن للبائع ان يبطل البيع وان قال البائع قد أبطلت البيع قبل أن يبطل المشترى خياره بطل البيع ولم يكن للمشترى أن يستوجبه بعذ ذلك وأن يبطل خياره فقد نص على التوقف وفسره حيث جعل للبائع حق الفسخ قبل اجازة المشترى وهذا أمارة البيع الموقوف أن يكون لكل

[ 179 ]

واحد من العاقدين حق الفسخ (وجه) قول زفر ان هذا بيع انعقد بوصف الفساد من حين وجوده فلا يتصور أن ينقلب جائزا لما فيه من الاستحالة ولهذا لم ينقلب إلى الجواز إذا دخل اليوم الرابع أو وقت الحصاد والدياس (ولنا) طريقان أحدهما ان هذا العقد موقوف للحال لا يوصف بالفساد ولا بالصحة لان الشرط المذكور يحتمل أن يكون مفسدا حقيقة ويحتمل أن لا يكون فإذا سقط قبل دخول أوان الحصاد واليوم الرابع تبين انه ليس بمفسد لانه تبين أنه ما شرط الاجل والخيار الا إلى هذا الوقت فتبين ان العقد وقع صحيحا مفيدا للملك بنفسه من حين وجوده كما لو أسقط الاجل الصحيح والخيار الصحيح وهو خيار ثلاثة أيام بعد مضى يوم وان لم يسقط حتى مضت الايام الثلاثة ودخل الحصاد تبين ان الشرط كان إلى هذا الوقت وأنه شرط مفسد والثانى ان العقد في نفسه مشروع لا يحتمل الفساد على ما عرف وكذا أصل الاجل والخيار لانه ملائم للعقد وأنه يوصف العقد بالفساد للحال لا لعينه بل لمعنى مجاور له زائد عليه وعلى أصل الاجل والخيار وهو الجهالة وزيادة الخيار على المدة المشروعة فان سقط قبل دخول وقت الحصاد أو اليوم الرابع فقد اسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد فبقى العقد مشروعا كما كان من غير وصف الفساد وإذا دخل الوقت فقد تقرر المفسد فتقرر الفساد والفساد بعد تقرره لا يحتمل الزوال وقوله العقد ما وقع فاسدا من حين وجوده قلنا على الطريق الاول ممنوع بل هو موقوف وعلى الطريق الثاني مسلم لكن لا لعينه بل لغيره وهو الشرط المجاور المفسد وقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد الثابت لمعنى في غيره فبقى مشروعا والله سبحانه وتعالى الموفق ولو باع بثمن حال ثم أخر إلى الآجال المتقاربة جاز التأخير ولو أخر إلى الآجال المتفاحشة لم يجز والدين على حاله حال فرق بين التأجيل والتأخير لم يجوز التأجيل إلى هذه الآجال أصلا وجوز التأخير إلى المتقارب منها ووجه الفرق ان التأجيل في العقد جعل الاجل شرطا في العقد وجهالة الاجل المشروط في العقد وان كانت متقاربة توجب فساد العقد لانها تفضى إلى المنازعة فاما التأخير إلى الآجال المجهولة جهالة متقاربة فلا تفضى إلى المنازعة لان الناس يؤخرون الديون إلى هذه الآجال عادة ومبنى التأخير على المسامحة فالظاهر انهم يسامحون ولا ينازعون وما جرت العادة منهم بالتأخير إلى آجال تفحش جهالتها بخلاف التأجيل لان ما جعل شرطا في البيع مبناه على المضايقة فالجهالة فيها وان قلت تفضى إلى المنازعة ولهذا لا يجوز البيع إلى الآجال المتقاربة وجازت الكفالة إليها لان مبنى الكفالة على المسامحة فان المكفول له لا يضيق الامر على الكفيل عادة لان له سبيل الوصول إلى الدين من جهة الاصيل فالتأجيل إليها لا يفضى إلى المنازعة بخلاف البيع فان الجهالة في باب البيع مفضية إلى المنازعة فكانت مفسدة للبيع ولو اشترى عينا بثمن دين على ان يسلم إليه الثمن في مصر آخر فهذا لا يخلو اما ان يكون الثمن مما لا حمل له ولا مؤنة واما أن يكون مما له حمل ومؤنة وعلى كل ذلك لا يخلو من أن ضرب له الاجل أو لم يضرب فان لم يضرب له الاجل فالبيع فاسد سواء كان الثمن له حمل ومؤنة أو لم يكن لانه إذا لم يضرب له الاجل كان شرط التسليم في موضع على سبيل التاجيل وانه أجل مجهول فيوجب فساد العقد وروى عن أبى يوسف رحمه الله ان الثمن إذا كان لا حمل له ولا مؤنة فالبيع جائز لان شرط التأجيل في مكان آخر ليس بتأجيل حقيقة بل هو تخصيص التسليم بمكان آخر فيجوز البيع ويجبر المشترى على تسليم الثمن في أي موضع طالبه وان ضرب له أجلا على ان يسلم إليه الثمن بعد محل الاجل في مصر آخر فان كان الاجل مقدار ما لا يمكن الوصول إلى الموضع المشروط في قدر تلك المدة فالبيع فاسد أيضا لانه إذا كان لا يمكن الوصول فيه إلى الموضع المشروط صار كان لم يضرب وان كان ضرب أجلا يمكن الوصول فيه إلى المكان المشروط فالبيع صحيح والتأجيل صحيح لانه إذا ضرب له أجلا يمكن الوصول فيه إلى ذلك المكان علم ان شرط التسليم في ذلك المكان لم يكن على سبيل التأجيل بل على تخصيص ذلك المكان بالتسليم فيه فإذا حل الاجل وطالبه البائع بالثمن في غير المكان المشروط ينظر ان كان الثمن مما ليس له حمل ولا مؤنة يجبر المشترى على تسليمه في أي موضع طالبه البائع بعد حل الاجل وان كان الثمن له حمل ومؤنة لا يجبر على تسليمه الا في الموضع المشروط وكذلك لو أراد المشترى ان يسلمه في

[ 180 ]

غير المكان المشروط وأبى البائع ذلك الا في الموضع المشروط فهو على هذا التفصيل ولو كان الثمن عينا فشرط تسليمه في مصر آخر فالبيع فاسد سواء شرط الاجل أو لم يشرط لان فيه غررا والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) القبض في بيع المشترى المنقول فلا يصح بيعه قبل القبض لما روى ان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما لم يقبض والنهى يوجب فاسد المنهى ولانه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لانه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الاول فينفسخ الثاني لانه بناه على الاول وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر وسواء باعه من غير بائعه أو من بائعه لان النهى مطلق لا يوجب الفصل بين البيع من غير بائعه وبين البيع من بائعه وكذا معنى الغرر لا يفصل بينهما فلا يصح الثاني والاول على حاله ولا يجوز اشراكه وتوليته لان كل ذلك بيع ولو قبض نصف المبيع دون النصف فاشرك رجلا لم يجز فيما لم يقبض وجاز فيما قبض لان الاشراك نوع بيع والمبيع منقول فلم يكن غير المقبوض محلا له شرعا فلم يصح في غير المقبوض وصح في قدر المقبوض وله الخيار لتفرق الصفقة عليه ولا تجور اجارته لان الاجارة تمليك المنفعة بعوض وملك المنفعة تابع لملك العين ولا يجوز فيه تمليك العين فلا يجوز تمليك المنفعة ولان الاجارة عقد يحتمل الفسخ فيتمكن فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه ولان ما روينا من النهى يتناول الاجارة لانها نوع بيع وهو بيع المنفعة ويجوز اعتاقه بعوض وغير عوض وكذا تدبيره واستيلاده بان كانت أمة فاقر انها كانت ولدت له لان جواز هذه التصرفات يعتمد قيام ملك الرقبة وقد وجد بخلاف البيع فان صحته تفتقر إلى ملك الرقبة واليد جميعا لافتقاره إلى التسليم وكذا الاجارة بخلاف الاعتاق والتدبير ولان المانع هو القبض وبهذه التصرفات يصير قابضا على ما نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ولان الفساد لتمكن الغرر وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه لما نذكره وهذا التصرفات مما لا يحتمل الانفساخ فلم يوجد فلزم الجواز بدليله وهل تجوز كتابته لا رواية فيه عن أصحابنا فاحتمل أن يقال لا يجوز قياسا على البيع لان كل واحد منهما مما يحتمل الفسخ والاقالة وجائز أن يقال يجوز فرقا بينها وبين البيع لانها أوسع اضرارا من البيع وروى عن أبى يوسف إذا كاتبه المشترى قبل القبض فللبائع أن يبطله فان لم يبطله حتى نقد المشترى الثمن جازت الكتابة ذكرها في العيون ولو وهبه من البائع فان لم يقبله لم تصح الهبة والبيع على حاله لان الهبة لا تصح بدون القبول فان قبله البائع لم تجز الهبة لانها تمليك المبيع قبل القبض وأنه لا يجوز كالبيع وانفسخ البيع بينهما ويكون اقالة للبيع فرق بين الهبة من البائع وبين البيع منه حيث جعل الهبة منه اقالة دون البيع منه (ووجه) الفرق أن بين الهبة والاقالة مقاربة فان كل واحد منهما يستعمل في الحاق ما سلف بالعدم يقال وهبت منك جريمتك كما يقال أقلت عثرتك أو جعلت ذلك كالعدم في حق المؤاخذة به ألا ترى أنه يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر فامكن جعل الهبة مجازا عن الاقالة عند تعذر العمل بالحقيقة بخلاف البيع فانه لا مقاربة بينه وبين الاقالة فتعذر جعله مجازا عنها فوقع لغوا وكذلك لو تصدق به عليه فهو على التفصيل الذى ذكرنا ولو وهب لغير البائع أو تصدق به على غير البائع وأمر بالقبض من البائع أو رهنه عند آخر وأمره أن يقبض من البائع فقبضه بامره أو أقرضه وأمره بالقبض لم يجز هذه العقود كلها عند أبى يوسف وعند محمد جازت (وجه) قول محمد ان صحة هذه العقود بالقبض فإذا أمره بالقبض فقد أنابه مناب نفسه في القبض فصار بمنزلة الوكيل له فإذا قبض بامره يصير قابضا عنه أولا بطريق النيابة ثم لنفسه فيصح ولابي يوسف أن جواز هذه العقود مبنى على الملك المطلق وهو ملك الرقبة واليد جميعا لان به يقع الامن عن غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه وغرر الانفساخ ههنا ثابت فلم يكن الملك مطلقا فلم يجز ولو أوصى به لرجل قبل القبض ثم مات جازت الوصية لان الوصية أخت الميراث ولو مات قبل القبض صار ذلك ميراثا لورثنه كذا الوصية ولو قال المشترى للبائع بعه لى لم يكن نقضا بالاجماع وان باعه لم يجز بيعه ولو قال بعه لنفسك كان نقضا بالاجماع ولو قال بعه مطلقا كان تقضا عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يكون نقضا (وجه) قوله أن اطلاق الامر بالبيع ينصرف إلى البيع للآمر

[ 181 ]

لا للمأمور لان الملك له لا للمأمور فصار كانه قال له بعه لى ولو نص عليه لا يكن نقضا للبيع لانه أمره ببيع فاسد فكذا هذا ولهما أن مطلق الامر بالبيع يحمل على بيع صحيح يصح ولو حملناه على البيع للآمر لما صح لانه يكون أمرا ببيع من لا يملك بنفسه فلا يصح فيحمل على البيع لنفسه كانه نص عليه فقال بعه لنفسك ولا يتحقق البيع لنفسه الا بعد انفساخ البيع الاول فيتضمن الامر بالبيع لنفسه انفساخ البيع الاول فينفسخ مقتضى الامر كما في قول الرجل لغيره اعتق عبدك عنى على ألف درهم ولو قال المشترى للبائع اعتقه فاعتقه البائع فاعتاقه جائز عن نفسه عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف اعتاقه باطل (وجه) قول أبى يوسف أن مطلق الامر بالاعتاق ينصرف إلى الاعتاق عن الآمر لا عن نفسه لان الملك للآمر والاعتاق عنه بمنزلة القبض والبائع لا يصلح نائبا عن المشترى في القبض عنه فلا يصلح نائبا عنه في الاعتاق ولابي حنيفة رحمه الله أن الامر بالاعتاق يحمل على وجه يصح ولو حمل على الاعتاق عن الآمر لم يصح لما ذكرتم فيحمل على الاعتاق عن نفسه فإذا أعتق يقع عنه (وأما) بيع المشترى العقار قبل القبض فجائز عند أبى حنيفة وأبى يوسف استحسانا وعند محمد وزفر والشافعي رحمهم الله لا يجوز قياسا واحتجوا بعموم النهى الذى روينا ولان القدرة على القبض عند العقد شرط صحة العقد لما ذكرنا ولا قدرة الا بتسليم الثمن وفيه غرر ولهما عمومات البياعات من الكتاب العزيز من غير تخصيص ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عندنا أو نحمله على المنقول توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض ولان الاصل في ركن البيع إذا صدر من الاهل في المحل هو الصحة والامتناع لعارض الغرر وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه ولا يتوهم هلاك العقار فلا يتقرر الغرر فيبقى بيعه على حكم الاصل وكما لا يجوز بيع المشترى المنقول قبل القبض لا يجوز بيع الاجرة المنقولة قبل القبض إذا كانت عينا وبدل الصلح المنقول إذا كان عينا والاصل أن كل عوض ملك بعقد ينسخ فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه كالمبيع والاجرة وبدل الصلح إذا كان منقولا معينا وكل عوض ملك بعقد لا ينفسخ العقد فيه بهلاكه قبل القبض يجوز التصرف فيه كالمهر وبدل الخلع وبدل العتق وبدل الصلح عن دم العمد وفقه هذا الاصل ما ذكرنا ان الاصل هو الصحة في التصرف الصادر من الاهل المضاف إلى المحل والفساد بعارض غرر الانفساخ ولا يتوهم ذلك في هذه التصرفات لانها لا تحتمل الفسخ فكان القول بجواز هذه التصرفات عملا بالاصل وأنه واجب وكذلك الميراث يجوز التصرف فيه قبل القبض لان معنى الغرر لا يتقرر فيه ولان الوارث خلف الميت في ملك الموروث وخلف الشئ قائم مقامه كانه هو فكان المورث قائم ولو كان قائما لجاز تصرفه فيه كذا الوارث وكذلك الموصى به بان أوصى إلى انسان بشئ ثم مات الموصى فللموصى له أن يتصرف قبل القبض لان الوصية أخت الميراث ويجوز التصرف في الميراث قبل القبض فكذا في الموصى به وهل يجوز بيع المقسوم بعد القسمة قبل القبض ينظر ان كن ما وقع عليه القسمة مما يجبر عليه الشركاء إذا طلبها واحد منهم جاز لواحد منهم أن يبيع نصيبه بعد القسمة قبل القبض سواء كان منقولا أو غير منقول لان القسمة في مثله افراز وان كان مما لا يجبر عليه الشركاء عند طلب واحد منهم كالاشياء المختلفة والرقيق على قول أبى حنيفة لا يجوز بيعه قبل القبض ان كان منقولا وان كان عقارا فعلى الاختلاف الذى ذكرنا لان قسمة هذه الاشياء فيها معنى المبادلة فتشبه البيع والله عز اسمه أعلم (وأما) بيع الدين قبل القبض فنقول وبالله التوفيق الديون أنواع (منها) مالا يجوز بيعه قبل القبض ومنها ما يجوز أما الذى لا يجوز بيعه قبل القبض فنحو رأس مال السلم لعموم النهى ولان قبضه في المجلس شرط وبالبيع يفوب القبض حقيقة وكذا المسلم فيه لانه مبيع لم يقبض وكذا لو باع رأس مال السلم بعد الاقالة قبل القبض لا يجوز استحسانا والقياس أن يجوز وهو قول زفر (وجه) القياس أن عقد السلم ارتفع بالاقالة لانها فسخ وفسخ العقد رفعه من الاصل وجعله كانه لم يكن وإذا ارتفع العقد من الاصل عاد رأس المال إلى قديم ملك رب المال فكان محلا للاستبدال كما كان قبل السلم ولهذا يجب قبض رأس المال بعد

[ 182 ]

الاقالة في مجلس الاقالة (وجه) الاستحسان عموم النهى الذى روينا الا من حيث خص بدليل وفى الباب نص خاص وهو ما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال رب السلم لا تأخذ الا سلمك أو رأس مالك وفى رواية خذ سلمك أو رأس مالك نهى النبي عليه الصلاة والسلام رب السلم عن الاخذ عاما واستثنى أخذ السلم أو رأس المال فبقى أخذ ما رواءهما على أصل النهى وكذا إذا انفسخ السلم بعد صحته لمعنى عارض نحو ذمى اسلم إلى ذمى عشرة دراهم في خمر ثم اسلما أو أسلم أحدهما قبل قبض الخمر حتى بطل السلم ووجب على المسلم إليه رد رأس المال لا يجوز لرب السلم الاستبدال استحسانا لما روينا ولو كان السلم فاسدا من الاصل ووجب على المسلم إليه رد رأس المال لفساد السلم يجوز الاستبدال لان السلم إذا كان فاسدا في الاصل لا يكون له حكم السلم فكان رأس مال السلم بمنزلة سائر الديون من القرض وثمن المبيع وضمان الغصب والاستهلاك (وأما) بدل الصرف فلا يجوز بيعه قبل القبض في الابتداء وهو حال بقاء العقد ويجوز في الانتهاء وهو ما بعد الاقالة بخلاف رأس مال السلم فانه لا يجوز بيعه في الحالين (ووجه) الفرق أن القياس جواز الاستبدال بعد الاقالة في الناس جميعا لما ذكرنا ان الاقالة فسخ وفسخ العقد رفعه من الاصل كان لم يكن ولو لم يكن العقد لجاز الاستبدال فكذا إذا رفع والحق بالعدم فكان ينبغى أن يجوز الاستبدال فيهما جميعا الا أن الحرمة في باب السلم ثبتت نصا بخلاف القياس وهو ما روينا والنص ورد في السلم فبقى جواز الاستبدال بعد الاقالة في الصرف على الاصل وكذا الثياب الموصوفة في الذمة المؤجلة لا يجوز بيعها قبل القبض للنهى سواء كان ثبوتها في الذمة بعقد السلم أو غيره لان الثياب كما تثبت في الذمة مؤجلة بطريق السلم تثبت دينا في الذمة مؤجلة لا بطريق السلم بان باع عبدا بثوب موصوف في الذمة مؤجل فانه يجوز بيعه ولا يكون جوازه بطريق السلم بدليل ان قبض العبد ليس بشرط وقبض رأس مال السلم شرط جواز السلم وكذا إذا أجر داره بثوب موصوف في الذمة مؤجل جازت الاجارة ولا يكون سلما وكذا لو ادعى عينا في يد رجل فصالحه من دعواه على ثوب موصوف في الذمة مؤجل جاز الصلح ولا يكون هذا سلما ولا يجوز الاستبدال به كما لا يجوز بالمسلم فيه وان لم يكن ثبوته بعقد السلم فهذه جملة الديون التى لا يجوز بيعها قبل القبض وما سواها من ثمن المبيع والقرض وقيمة المغصوب والمستهلك ونحوها فيجوز بيعها ممن عليه قبل القبض وقال الشافعي رحمه الله ثمن المبيع إذا كان عينا لا يجوز بيعه قبل القبض قولا واحدا وان كان دينا لا يجوز في أحد قوليه أيضا بناء على أن الثمن والمثمن عنده من الاسماء المترادفة يقعان على مسمى واحد فكان كل واحد منهما مبيعا فكان بيع المبيع قبل القبض وكذا النهى عن بيع ما لم يقبض عام لا يفصل بين المبيع والثمن وأما على أصلنا فالمبيع والثمن من الاسماء المتباينة في الاصل يقعان على معنيين متباينين على ما نذكره ان شاء الله تعالى في موضعه ولا حجة له في عموم النهى لان بيع ثمن المبيع ممن عليه صار مخصوصا بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما على ما نذكره (وأما) بيع هذه الديون من غير من عليه والشراء بها من غير من عليه فينظر ان أضاف البيع والشراء إلى الدين لم يجز بأن يقول لغيره بعت منك الدين الذى في ذمة فلان بكذا أو يقول اشتريت منك هذا الشئ بالدين الذى في ذمة فلان لان ما في ذمة فلان غير مقدور التسليم في حقه والقدرة على التسليم شرط انعقاد العقد على ما مر بخلاف البيع والشراء بالدين ممن عليه الدين لان ما في ذمته مسلم له وان لم يضف العقد إلى الدين الذى عليه جاز ولو اشترى شيأ بثمن دين ولم يضف العقد إلى الدين حتى جاز ثم أحال البائع على غريمه بدينه الذى له عليه جازت الحوالة سواء كان الدين الذى أحيل به دينا يجوز بيعه قبل القبض أو لا يجوز كالسلم ونحوه وذكر الطحاوي رحمه الله انه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض وهذا غير سديد لان هذا توكيل بقبض الدين فان المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له والتوكيل بقبض الدين جائز أي دين كان ويكون قبض وكيله كقبض موكله ولو باع هذا الدين ممن عليه الدين جاز بأن اشترى منه شيأ بعينه بدينه الذى له في ذمته لانه باع ما هو مقدور التسليم عند الشراء لان ذمته في

[ 183 ]

يده بخلاف الاول وكذا إذا صالح معه من دينه على شئ بعينه جاز الصلح والله سبحانه وتعالى اعلم (ومنها) أن يكون البدل منطوقا به في أحد نوعي المبادلة وهى المبادلة القولية فان كان مسكوتا عنه فالبيع فاسد بأن قال بعت منك هذا العبد وسكت عن ذكر الثمن فقال المشترى اشتريت لما ذكرنا ان البيع في اللغة مبادلة شئ مرغوب بشئ مرغوب وفى الشرع مبادلة المال بالمال فإذا لم يكن البدل منطوقا به ولا بيع بدون البدل إذ هو مبادلة كان بدله قيمته فكان هذا بيع العبد بقيمته وانه فاسد وهكذا السبيل في البياعات الفاسدة انها تكون بيعا بقيمة المبيع على ما نذكر في موضعه هذا إذا سكت عن ذكر الثمن فاما إذا نفاه صريحا بأن قال بعتك هذا العبد بغير ثمن أو بلا ثمن فقال المشترى اشتريت اختلف المشايح فيه قال بعضهم هذا والسكوت عن الثمن سواء والبيع فاسد وقال بعضهم البيع باطل (وجه) قوله الاولين ان قوله بلا ثمن باطل لان البيع عقد مبادلة فكان ذكره ذكرا للبدل فإذا قال بغير ثمن فقد نفى ما أثبتته فبطل قوله بلا ثمن وبقى قوله بعت مسكوتا عن ذكر الثمن فكأنه باع وسكت عن ذكر الثمن (وجه) قول الآخرين ان عند السكوت عن ذكر الثمن يصير البدل مذكورا بطريق الدلالة فإذا نص على نفى الثمن بطلت الدلالة فلم يكن هذا بيعا أصلا والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) الخلو عن الربا وان شئت قلت ومنها المماثلة بين البدلين في أموال الربا حتى لو انتفت فالبيع فاسد لانه بيع ربا والبيع الذى فيه ربا فاسد لان الربا حرام بنص الكتاب الكريم قال الله عزوجل وحرم الربا والكلام في مسائل الربا في الاصل في ثلاثة مواضع أحدها في بيان الربا في عرف الشرع انه ما هو والثانى في بيان علته انها ماهى والثالث في بيان شرط جريان الربا (أما) الاول فالربا في عرف الشرع نوعان ربا الفضل وربا النساء (أما) ربا الفضل فهو زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي وهو الكيل أو الوزن في الجنس عندنا وعند الشافعي هو زيادة مطلقة في المطعوم خاصة عند اتحاد الجنس خاصة (وأما) ربا النساء فهو فضل الحلول على الاجل وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس عندنا وعند الشافعي رحمه الله هو فضل الحلول على الاجل في المطعومات والاثمان خاصة والله تعالى أعلم (وأما) الثاني وهو بيان العلة فنقول الاصل المعلول في هذا الباب باجماع القائسين الحديث المشهور وهو ما روى أبو سعيد الخدرى وعبادة بن الصامت رضى الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا أي بيعوا الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد وروى مثل بمثل بالرفع أي بيع الحنطة بالحنطة مثل بمثل يد بيد جائز فهذا النص معلول باتفاق الاقئسين غير انهم اختلفوا في العلة قال أصحابنا علة ربا الفضل في الاشياء الاربعة المنصوص عليها الكيل مع الجنس وفى الذهب والفضة الوزن مع الجنس فلا تتحقق العلة الا باجتماع الوصفين وهما القدر والجنس وعلة ربا النساء هي احد وصفى علة ربا الفضل اما الكيل أو الوزن المتفق أو الجنس وهذا عندنا وعند الشافعي علة ربا الفضل في الاشياء الاربعة الطعم وفى الذهب والفضة الثمنية في قول وفى قول هما غير معلولين وعلة ربا النساء ما هو علة ربا الفضل وهى الطعم في المطعومات والثمنية في الاثمان دون الجنس إذ الاصل عنده حرمة بيع المطعوم بجنسه (وأما) التساوى في المعيار الشرعي مع اليد مخلص من الحرمة بطريق الرخصة احتج الشافعي لاثبات هذا الاصل بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا تبيعوا الطعام بالطعام الا سواء بسواء هذا الاصل يدل على ان الاصل حرمة بيع المطعوم بجنسه وانما الجواز بعارض التساوى في المعيار الشرعي لانه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام بالطعام مطلقا واستثنى حالة المساواة فيدل على أن الحرمة هي الاصل في بيع المطعوم بالمطعوم من غير فصل بين القليل والكثير وفيه دليل أيضا على جعل الطعم علية لانه أثبت الحكم عقيب اسم مشتق من معنى والاصل ان الحكم إذا ثبت عقيب اسم مشتق من معنى

[ 184 ]

يصير موضع الاشتقاق علة للحكم المذكور كقوله تعالى جل وعلا والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله سبحانه وتعالى الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة والطعام اسم مشتق من الطعم فيدل على كون الطعم علة ولان العلة اسم لوصف مؤثر في الحكم ووصف الطعم مؤثر في حرمة بيع المطعوم والحكم متى ثبت عقيب وصف مؤثر يحال إليه كما في الزنا والسرقة ونحو ذلك وبيان تأثير الطعم انه وصف ينبئ عن العزة والشرف لكونة متعلق البقاء وهذا يشعر بعزته وشرفه فيجب اظهار عزته وشرفه وذلك في تحريم بيع المطعوم بجنسه وتعليق جوازه بشرطي التساوى في المعيار الشرعي واليد لان في تعلقه بشرطين تضييق طريق اصابته وما ضاق طريق اصابته يعز وجوده فيعز امساكه ولا يهون في عين صاحبه فكان الاصل فيه هو الحظر ولهذا كان الاصل في الابضاع الحرمة والحظر والجواز بشرطي الشهادة والولى اظهارا لشرفها لكونها منشأ البشر الذين هم المقصودون في العالم وبهم قوامها والابضاع وسيلة إلى وجود الجنس والفوت وسيلة إلى بقاء الجنس فكان الاصل فيها الحظر والجواز بشرطين ليعز وجوده ولا تتيسر اصابته فلا يهون امساكه فكذا هذا وكذا الاصل في بيع الذهب والفضة بجنسهما هو الحرمة لكونها أثمان الاشياء فيها وعليها فكان قوام الاموال والحياة بها فيجب اظهار شرفها في الشرع بما قلنا (ولنا) في اثبات الاصل اشارات النصوص من الكتاب العزيز والسنة والاستدلال (أما) الكتاب فقوله تعالى أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين وقال سبحانه وتعالى ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها جعل حرمة الربا بالمكيل والموزون مطلقا عن شرط الطعم فدل على ان العلة هي الكيل والوزن وقال سبحانه وتعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألحق الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل والوزن مطلقا من غير فصل بين المطعوم وغيره (وأما) السنة فما روى ان عامل خيبر أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا جنيبا فقال أو كل تمر خيبر هكذا فقال لا ولكني أعطيت صاعين وأخذت صاعا فقال عليه الصلاة والسلام أربيت هلا بعت تمرك بسلعة ثم ابتعت بسلعتك تمرا وكذلك الميزان وأراد به الموزون بطريق الكناية لمجاورة بينهما مطلقا من غير فصل بين المطعوم وغير المطعوم وكذا روى مالك بن أنس ومحمد بن اسحق الحنظلي باسنادهما الحديث المشهور الذى رواه محمد في كتاب البيوع عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال في آخره وكذلك كل ما يكال أو يوزن (وأما) الاستدلال فهو ان الفضل على المعيار الشرعي من الكيل والوزن في الجنس انما كان ربا في المطعومات والاثمان من الاشياء الستة المنصوص عليها لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة وقد وجد في الجص والحديد ونحوهما فورود الشرع ثمة يكون ورودا هنها دلالة وبيان ذلك ان البيع لغة وشرعا مبادلة المال بالمال وهذا يقتضى التساوى في البدلين على وجه لا يخلو كل جزء من البدل من هذا الجانب عن البدل من ذلك الجانب لان هذا هو حقيقة المبادلة ولهذا لا يملك الاب والوصى بيع مال اليتيم بغبن فاحش ولا يصح من المريض الا من الثلث والقفيز من الحنطة مثل القفيز من الحنطة صورة ومعنى وكذلك الدينار مع الدينار (أما) الصورة فلانهما متماثلان في القدر وأما معنى فان المجانسة في الاموال عبارة عن تقارب المالية فكان القفيز مثلا للقفيز والدينار مثلا للدينار ولهذا لو أتلف على آخر قفيزا من حنطة يلزمه فقيز مثله ولا يلزمه قيمته وإذا كان القفيز من الحنطة مثلا للقفيز من الحنطة كان الفقيز الزائد فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة فكان ربا وهذا المعنى لا يخص المطعومات والاثمان بل يوجد في كل مكيل بجنسه وموزون بمثله فالشرع الوارد هناك يكون واردا ههنا دلالة (وأما) قوله الاصل حرمة بيع المطعوم بجنسه فممنوع ولا حجة له في الحديث لانه عليه الصلاة والسلام ما اقتصر على النهى عن بيع الطعام بالطعام ليجعل الحظر فيه أصلا بل قرن به الاستثناء فقال عليه الصلاة والسلام الا سواء بسواء فلا يدل على كون الحرمة فيه أصلا وقوله جعل الطعم علة دعوى ممنوعة أيضا والاسم

[ 185 ]

المشتق من معنى انما يجعل علة للحكم المذكور عقيبه عندنا إذا كان له أثر كالزنا والسرقة ونحوهما فلم قلتم بأن للطعم أثرا وكونه متعلق البقاء لا يكون أثره في الاطلاق أولى من الحظر فان الاصل فيه هو التوسيع دون التضييق على ما عرف والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا الاصل تبنى مسائل الربا نقدا ونسيئة وفروع الخلاف بيننا وبين الشافعي أما ربا النقد ففائدة الخلاف فيه تظهر في موضعين أحدهما في بيع مكيل بجنسه غير مطعوم أو موزون بجنسه غير مطعوم ولا ثمن كبيع قفيز جص بقفيزى جص وبيع من حديد بمنوى حديد عندنا لا يجوز لانه بيع ربا لوجود علة الربا وهو الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس وعنده يجوز لان العلة هي الطعم أو الثمنية ولم يوجد وعلى هذا الخلاف بيع كل مقدر بجنسه من المكيلات والموزونات غير المطعومات والاثمان كالنورة والزرنيخ والصفر والنحاس ونحوها (وأما) بيع المكيل المطعوم بجنسه متفاضلا وبيع الموزون المطعوم بجنسه متفاضلا كبيع قفيز أرز بقفيزى أرز وبيع من سكر بمنوى سكر فلا يجوز بالاجماع أما عندنا فلوجود القدر والجنس وعنده لوجود الطعم والجنس وكذا كل موزون هو مأكول أو مشروب كالدهن والزيت والخل ونحوها ويجوز بيع المكيل بغير جنسه متفاضلا مطعوما كان أو غير مطعوم بعد أن يكون يدا بيد كبيع قفيز حنطة بقفيزى شعير وبيع قفيز جص بقفيزى نورة ونحو ذلك لان علة الربا الفضل مجموع الوصفين وقد انعدم أحدهما وهو الجنس وكذا بيع الموزون بغير جنسه متفاضلا جائز ثمنين كانا أو مثمنين بعد أن يكون يدا بيد كبيع دينار بمائة درهم وبيع من حديد بمنوى نحاس أو رصاص ونحو ذلك لما قلنا ويجوز بيع المذروعات والمعدودات المتفاوتة واحدا باثنين يدا بيد كبيع ثوب بثوبين وعبد بعبدين وشاة بشاتين ونصل بنصلين ونحو ذلك بالاجماع أما عندنا فلانعدام أحد الوصفين وهو الكيل والوزن وعنده لانعدام الطعم والثمنية (وأما) بيع الاواني الصفرية واحدا باثنين كبيع قمقمة بقمقمتين ونحو ذلك فان كان مما يباع عددا يجوز لان العد في العدديات ليس من أوصاف علة الربا فلا يتحقق الربا وان كان مما يباع وزنا لا يجوز لانه بيع مال الربا بجنسه مجازفة ويجوز بيع المعدودات المتقاربة من غير المطعومات بجنسها متفاضلا عند أبى حنيفة وأبى يوسف بعد أن يكون يدا بيد كبيع الفلس بالفلسين باعيانهما وعند محمد لا يجوز (وجه) قوله أن الفلوس أثمان فلا يجوز بيعها بجنسها متفاضلا كالدراهم والدنانير ودلالة الوصف عبارة عما تقدر به مالية الاعيان ومالية الاعيان كما تقدر بالدراهم والدنانير تقدر بالفلوس فكانت أثمانا ولهذا كانت أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها وعند مقابلتها بجنسها حالة المساواة وان كانت ثمنا فالثمن لا يتعين وان عين كالدراهم والدنانير فالتحق التعيين فيهما بالعدم فكان بيع الفلس بالفلسين بغير اعيانهما وذا لا يجوز ولانها إذا كانت أثمانا فالواحد يقابل الواحد فبقى الآخر فضل مال لا يقابله عوض في عقد المعاوضة وهذا تفسير الربا (ولهما) أن علة ربا الفضل هي القدر مع الجنس وهو الكيل أو الوزن المتفق عند اتحاد الجنس والمجانسة ان وجدت ههنا فلم يوجد القدر فلا يتحقق الربا وقوله الفلوس أثمان قلنا ثمنيتها قد بطلت في حقهما قبل البيع فالبيع صادفها وهى سلع عددية فيجوز بيع الواحد بالاثنين كسائر السلع العددية كالقماقم العددية وغيرها الا أنها بقيت أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها وبجنسها حالة المساواة لان خروجها عن وصف الثمنية كان لضرورة صحة العقد وجوازه لانهما قصدا الصحة ولا صحة الا بما قلنا ولا ضرورة ثمة لان البيع جائز في الحالين بقيت على صفة الثمنية أو خرجت عنها والثانى في بيع مطعوم بجنسه ليس بمكيل ولا موزون كبيع حفنة حنطة بحفنتين منها أو بطيخة ببطيختين أو تفاحة بتفاحتين أو بيضة ببيضتين أو جوزة بجوزتين يجوز عندنا لعدم العلة وبقى الكيل مع الجنس والوزن وعنده لا يجوز لوجود الطعم والجنس وكذا لو باع خفنة بخفنة أو تفاحة بتفاحة أو بيضة ببيضة يجوز عندنا لما قلنا وعنده لا يجوز لوجود الطعم لان حرمة بيع المطعوم بجنسه هو العزيمة عنده والتساوي في الكيل أو الوزن مخلص عن الحرمة بطريق الرخصة ولم يوجد المخلص فبقى على أصل الحرمة (وأما) ربا النساء وفروعه وفائدة الاختلاف فيه فالاصل فيه ما روى عن ابراهيم النخعي أنه قال أسلم

[ 186 ]

ما يكال فيما يوزن وأسلم ما يوزن فيما يكال ولا تسلم ما يكال فيما يكال ولا ما يوزن فيما يوزن وإذا اختلف النوعان مما يكال أو يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد ولا خير فيه نسيئة ولا بد من شرح هذه الجملة وتفصيل ما يحتاج منها إلى التفصيل لانه رحمه الله أجرى القضية فيها عامة ومنها ما يحتمل العموم ومنها ما لا يحتمل فلا بد من بيان ذلك فنقول وبالله التوفيق لا يجوز اسلام المكيلات في المكيلات على العموم سواء كانا مطعومين كالحنطة في الحنطة أو في الشعير أو غير مطعومين كالجص في الجص أو في النورة وكذلك بيع المكيل بالمكيل حالا لا سلما لكن دينا موصوفا في الذمة لا يجوز سواء كانا من جنس واحد أو من جنسين مطعومين كانا أو غير مطعومين عندنا لان أحد وصفى علة ربا الفضل جمعهما وهو الكيل وعند الشافعي رحمه الله ان كانا مطعومين فكذلك وان لم يكونا مطعومين جاز لان العلة عنده الطعم (وأما) اسلام الموزونات في الموزونات ففيه تفصيل ان كانا جميعا مما يتعينان في العقد لا يجوز أيضا سواء كانا مطعومين كالسكر في الزعفران أو غير مطعومين كالحديد في النحاس لوجود أحد وصفى علة ربا الفضل الذى هو علة تامة لربا النساء وعند الشافعي يجوز في غير المطعوم ولا يجوز في المطعوم لما قلنا ون كانا مما لا يتعينان في العقد كالدراهم في الدنانير والدناينر في الدراهم أو الدراهم في الدراهم والدنانير في الدنانير أو لا يتعين المسلم فيه كالحديد في الدراهم والدنانير لا يجوز لان المسلم فيه مبيع لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم فهذا يقتضى ان يكون السلم بيع ما ليس عند الانسان لانه رخص في بعض ما دخل تحت النهى والداخل تحت النهى هو البيع دل ان السلم نوع بيع ليستقيم اثبات الرخصة فيه فكان المسلم فيه مبيعا والمبيع مما يتعين بالتعيين والدراهم والدنانير لا يحتملان التعيين شرعا في عقود المعاوضات فلم يكونا متعينين فلا يصلحان مسلما فيهما وان كان رأس المال مما لا يتعين والمسلم فيه مما يتعين كما لو أسلم الدراهم أو الدنانير في الزعفران أو في القطن أو الحديد وغيرها من سائر الموزونات فانه يجوز لانعدام العلة وهى القدر المتفق أو الجنس أما المجانسة فظاهرة الانتفاء وأما القدر المتفق فلان وزن الثمن يخالف وزن المثمن ألا ترى أن الدراهم بالمثاقيل والقطن والحديد يوزنان بالقبان فلم يتفق القدر فلم توجد العلة فلا يتحقق الربا هذا إذا أسلم الدراهم أو الدنانير في سائر الموزونات فاما إذا أسلم نقرة فضة أو تبر ذهب أو المصوغ فيها فهل يجوز ذكر الاختلاف فيه بين أبى يوسف وزفر على قول أبى يوسف يجوز وعلى قول زفر لا يجوز (وجه) قول زفر أنه وجد علة ربا النساء وهى أحد وصفى علة ربو الفضل وهو الوزن في المالين فيتحقق الربا (وجه) قول أبى يوسف ان أحد الوصفين الذى هو علة القدر المتفق لا مطلق القدر ولم يوجد لان النقرة أو التبر من جنس الاثمان وأصل الاثمان ووزن الثمن يخالف وزن المثمن على ما ذكرنا فلم يتفق القدر فلم توجد العلة فلا يتحقق الربا كما إذا أسلم فيها الدراهم والدنانير ولو أسلم فيها الفلوس جاز لان الفلس عددي والعدد في العديات ليس من أوصاف العلة ولو أسلم فيها الاواني الصفرية ينظر ان كانت تباع وزنا لم يجز لوجود الوزن الذى هو أحد وصفى علة ربا الفضل وان كانت تباع عددية جاز لانعدام العلة وأما اسلام المكيلات في الموزونات فهو أيضا على التفصيل فان كان الموزون مما يتعين بالتعيين يجوز سواء كانا مطعومين كالحنطة في الزيت أو الزعفران أو غير مطعومين كالجص في الحديد عندنا لعدم العلة وعند الشافعي لا يجوز في المطعومين لوجود العلة وان كان مما لا يتعين بالتعيين وهو الدراهم والدنانير لا يجوز لما مر ان شرط جواز السلم أن يكون المسلم فيه مبيعا والدراهم والدنانير اثمان أبدا بخلاف سائر الموزونات ثم إذا لم يجز هذا العقد سلما هل يجوز بيعا ينظر ان كان بلفظ البيع يجوز ويكون بيعا بثمن مؤجل لانه ان تعذر تصحيحه أمكن تصحيحه سلما بيعا بثمن مؤجل فيجعل بيعا به وان كان بلفظ السلم اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لان السلم يخالف مطلق البيع في الاحكام والشرائط فإذا لم يصح سلما بطل رأسا وقال بعضهم يجوز لان السلم نوع بيع ألا ترى ان النبي عليه الصلاة والسلام سماه بيعا حين نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم ولهذا ينعقد بلفظ البيع الا أنه اختص بشرائط مخصوصة فإذا تعذر تصحيحه بيعا هو سلم يصحح بيعا بثمن

[ 187 ]

مؤجل تصحيحا للتصرف بالقدر الممكن وأما اسلام الموزونات في المكيلات فجائز على العموم سواء كان الموزون الذى جعله رأس المال عرضا يتعين بالتعيين أو ثمنا لا يتعين بالتعيين وهو الدراهم والدنانير لانه لم يجمعها أحد الوصفين وهو القدر المتفق أو الجنس فلم توجد العلة ولو أسلم جنسا في جنسه وغير جنسه كما إذا أسلم مكيلا في مكيل وموزون لم يجز السلم في جميعه عند أبى حنيفة رحمه الله وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز في حصة خلاف الجنس وهو الموزون وهو على اختلافهم فيمن جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحدة وقد ذكرناه فيما تقدم (وأما) اسلام غير المكيل والموزون في جنسه من الذرعيات والعدديات كالهروي في الهروي والمروى في المروى والحيوان في الحيوان فلا يجوز عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجوز ولقب هذه المسألة أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا وعنده لا يحرم فلا يجوز اسلام الجوز في الجوز والبيض في البيض والتفاح في التفاح والحفنة في الحفنة بالاجماع لوجود الجنس عندنا ولوجود الطعم عنده وأجمعوا على انه يجوز اسلام الهروي في المروى لانعدام أحد الوصفين عندنا وعنده لانعدام الطعم والثمنية ويجوز اسلام الجوز في البيض والتفاح في السفرجل والحيوان في الثوب عندنا لما قلنا وعنده لا يجوز في المطعوم لوجود الطعم ولو أسلم الفلوس في الفلوس لا يجوز عندنا لوجود الجنس وعنده لوجود الثمنية وكذا إذا أسلم الاواني الصفرية في جنسها وهى تباع عددا لا يجوز عندنا لوجود المجانسة وعنده لوجود الثمنية والكلام في مسألة الجنس بانفراده مبنى على الكلام في مسألة الربا وأصل الشافعي فيها ما ذكرنا ان حرمة بيع المطعوم بجنسه وحرمة بيع الاثمان بجنسها هي الاصل والتساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص عن الحرمة بطريق الرخصة أو ربا النساء عنده هو فضل الحلول على الاجل في المطعومات والثمنية في الاثمان وقد ذكرنا ما له من الدليل على صحة هذا الاصل فيما تقدم والكلام لاصحابنا في هذه المسألة على نحو ما ذكرنا في علة ربا الفضل وهو ان السلم في المطعومات والاثمان انما كان ربا لكونه فضلا خاليا عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة لان البيع عقد مبادلة على طريق المقابلة والمساواة في البدلين ولهذا لو كانا نقدين يجوز ولا مساواة بين النقد والنسيئة لان العين خير من الدين والمعجل أكثر قيمة من المؤجل فكان ينبغى أن يكون كل فضل مشروط في البيع ربا سواء كان الفضل من حيث الذات أو من حيث الاوصاف الا ما لا يمكن التحرز عنه دفعا للحرج وفضل التعيين يمكن التحرز عنه بأن يبيع عينا بعين وحالا غير مؤجل وهذا المعنى موجود في غير المطعوم والاثمان فورود الشرع ثمة يكون ورودا ههنا دلالة وابتداء الدليل لنا في المسألة ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لا ربا الا في النسيئة وروى انما الربا في النسيئة حقق عليه الصلاة والسلام الربا في النسيئة من غير فصل بين المطعوم والاثمان وغيرها فيجب القول بتحقيق الربا فيها على الاطلاق والعموم الا ما خص أو قيد بدليل والربا حرام بنص الكتاب العزيز وإذا كان الجنس أحد وصفى علة ربا الفضل وعلة ربا النسيئة عندنا وشرط علة ربا الفضل عنده فلا بد من معرفة الجنس من كل ما يجرى فيه الربا فنقول وبالله التوفيق الحنطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها جنس واحد وكذلك الشعير وكذلك دقيقهما وكذا سويقهما وكذلك التمر وكذلك الملح وكذلك العنب وكذلك الزبيب وكذلك الذهب والفضة فلا يجوز بيع كل مكيل من ذلك بجنسه متفاضلا في الكيل وان تساويا في النوع والصفة بلا خلاف واما متساويا في الكيل متفاضلا في النوع والصفة فنقول لا خلاف في انه يجوز بيع الحنطة بالحنطة السقية بالسقية والنحسية بالنحسية واحداهما بالاخرى والجيدة بالجيدة والرديئة بالرديئة واحداهما بالاخرى والجديدة بالجديدة والعتيقة بالعتيقة واحداهما بالاخرى والمقلوة بالمقلوة وكذلك الشعير على هذا وكذلك دقيق الحنطة ودقيق الشعير فيجوز بيع دقيق الحنطة وسويق الحنطة بسويق الحنطة وكذا دقيق الشعير وسويقه وكذا التمر بالتمر البرنى بالمعقلى والجيد بالردئ والجديد بالجديد والعتيق بالعتيق وأحدهما بالآخر وكذلك العنب بالعنب والزبيب اليابس بالزبيب اليابس ولا خلاف في انه لا يجوز بيع حنطة مقلية بحنطة غير مقلية والمطبوخة بغير مطبوخة وبيع

[ 188 ]

الحنطة بدقيق الحنطة وبسويق الحنطة وبيع تمر مطبوخ بتمر غير مطبوخ متفاضلا في الكيل أو متساويا فيه لان المقلية ينضم بعض أجزائها إلى بعض يعرف ذلك بالتجربة فيتحقق الفضل من حيث القدر في الكيل فيتحقق الربا وكذا المطبوخة بغير المطبوخة لان المطبوخ ينتفخ بالطبخ فكان غير المطبوخة أكثر قدرا عند العقد فيتحقق الفضل وكذلك بيع الحنطة بدقيق الحنطة لان في الحنطة دقيقا الا انه مجتمع لوجود المانع من التفرق وهو التركيب وذلك أكثر من الدقيق المتفرق عرف ذلك بالتجربة الا ان الحنطة إذا طحنت ازداد دقيقها على المتفرق ومعلوم ان الطحن لا أثر له في زيادة القدر فدل انه كان أزيد في الحنطة فيتحقق الفضل من حيث القدر بالتجربة عند العقد فيتحقق الربا وأما بيع الحنطة المبلولة أو الندية بالندية أو الرطبة بالرطبة أو المبلولة بالمبلولة أو اليابسة باليابسة وبيع التمر بالرطب والرطب بالرطب أو بالتمر والمنقع بالمنقع والعنب بالزبيب اليابس واليابس بالمنقع والمنقع بالمنقع متساويا في الكيل فهل يجوز قال أبو حنيفة رحمه الله كل ذلك جائز وقال أبو يوسف رحمه الله كله جائز الا بيع التمر بالرطب وقال محمد رحمه الله كله فاسد الا بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب وقال الشافعي رحمه الله كله باطل ويجوز بيع الكفرى بالتمر والرطب بالبسر متساويا ومتفاضلا بالاجماع لعدم الجنس والكيل إذ هو اسم لوعاء الطلع فأبو حنيفة رحمه الله يعتبر المساواة في الحال عند العقد ولا يلتفت إلى النقصان في المآل ومحمد رحمه الله يعتبرها حالا ومآلا واعتبار أبى يوسف مثل اعتبار أبى حنيفة الا في الرطب بالتمر فانه يفسده بالنص وأصل الشافعي رحمه الله ما ذكرنا في مسألة علة الربا ان حرمة بيع المطعوم بجنسه هي الاصل والتساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص الا انه يعتبر التساوى ههنا في المعيار الشرعي في أعدل الاحوال وهى حالة الجفاف واحتج أبو يوسف ومحمد بما روى عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر وقال عليه الصلاة والسلام انه ينقص إذا جف بين عليه الصلاة والسلام الحكم وعلته وهى النقصان عند الجفاف فمحمد عدى هذا الحكم إلى حيث تعدت العلة وأبو يوسف قصره على محل النص لكونه حكما ثبت على خلاف القياس ولابي حنيفة رحمه الله الكتاب الكريم والسنة المشهورة اما الكتاب فعمومات البيع من نحو قوله تعالى وأحل الله البيع وقوله عز شأنه يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم فظاهر النصوص يقتضى جواز كل بيع الا ما خص بدليل وقد خص البيع متفاضلا على المعيار الشرعي فبقى البيع متساويا على ظاهر العموم وأما السنة المشهورة فحديث أبى سعيد الخدرى وعبادة بن الصامت رضى الله عنهما حيث جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلا بمثل عاما مطلقا من غير تخصيص وتقييد ولا شك ان اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر لانه اسم لتمر النخل لغة فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمنقع وروى ان عامل خيبر أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا جنيبا فقال عليه الصلاة والسلام أو كل تمر خيبر هكذا وكان أهدى إليه رطبا فقد اطلق عليه الصلاة والسلام اسم التمر على الرطب وروى انه نهى عليه الصلاة والسلام عن التمر حتى يزهو أي يحمر أو يصفر وروى حتى يحمار أو يصفار والاحمرار والاصفرار من أوصاف البسر فقد أطلق عليه الصلاة والسلام اسم التمر على البسر فيدخل تحت النص وأما الحديث فمداره على زيد بن عياش وهو ضعيف عند النقلة فلا يقبل في معارضة الكتاب والسنة المشهورة ولهذا لم يقبله أبو حنيفة رحمه الله في المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع انه كان من صيارفة الحديث وكان من مذهبه تقديم الخبر وان كان في حد الآحاد على القياس بعد ان كان راويه عدلا ظاهر العدالة أو بأدلة فيحمله على بيع الرطب بالتمر نسيئة أمر تمرا من مال اليتيم توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك الذهب والفضة لا يجوز بيع كل بجنسه متفاضلا في الوزن سواء اتفقا في النوع والصفة بان كانا مضروبين دراهم أو دنانير أو مصوغين أو تبرين جيدين أو رديئين أو اختلفا للحديث المشهور مثلا بمثل والفضل

[ 189 ]

ربا واما متساويا في الوزن متفاضلا في النوع والصفة كالمصوغ بالتبر والجيد بالردئ فيجوز عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز بيع الجيد بالردئ واحتج بالحديث المشهور مثلا بمثل ولا مماثلة بين الجيد والردئ في القيمة وأما الحديث المشهور مثلا يمثل فالمراد منه المماثلة في الوزن وكذا روى في بعض الروايات وزنا بوزن وقوله عليه الصلاة والسلام جيدها ورديئها سواء وبه تبين ان الجودة عند المقابلة بجنسها لا قيمة لها شرعا فلا يظهر الفضل واللحوم معتبرة بأصولها فان تجانس الاصلان تجانس اللحمان فتراعى فيه المماثلة ولا يجوز الا متساويا وأن اختلف الاصلان اختلف اللحمان فيجوز بيع أحدهما بالآخر متساويا ومتفاضلا بعد ان يكون يدا بيد ولا يجوز نسيئة لوجود أحد وصفى علة ربا الفضل وهو الوزن إذا عرف هذا فنقول لحوم الابل كلها على اختلاف أنواعها من لحوم العراب والبخاتي والهجين وذى السنامين وذى سنام واحد جنس واحد لان الابل كلها جنس واحد فكذا لحومها وكذا لحوم البقر والجواميس كلها جنس واحد ولحوم الغنم من الضأن والنعجة والمعز والتيس جنس واحد اعتبارا بالاصول وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله اللحوم كلها جنس واحد اتحدت أصولها أو اختلفت حتى لا يجوز بيع لحم الابل بالبقر والبقر بالغنم متفاضلا (وجه) قوله ان اللحمين استويا اسما ومنفعة وهى التغذى والتقوى فاتحد الجنس فلزم اعتبار المماثلة في بيع بعضها ببعض (ولنا) ان أصول هذه اللحوم مختلفة الجنس فكذا اللحوم لانها فروع تلك الاصول واختلاف الاصل يوجب اختلاف الفرع قوله الاسم شامل والمقصود متحد قلنا المعتبر في اتحاد الجنس اتحاد المقصود الخاص لا العام ألا ترى ان المطعومات كلها في معنى الطعم متحدة ثم لا يجعل كلها جنسا واحدا كالحنطة مع الشعير ونحو ذلك حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع اتحادهما في معنى الطعم لكن لما كان ذلك معنى عاما لم يوجب اتحاد الجنس كذا هذا وروى عن أبى يوسف انه يجوز بيع الطير بعضه ببعض متفاضلا وان كانا من جنس واحد لانه لا يوزن عادة وعلى هذا الباب هذه الحيوانات حكمها حكم أصولها عند الاتحاد والاختلاف لانها متفرعة من الاصول فكانت معتبرة باصولها وكذا خل الدقل مع خل العنب جنسان مختلفان اعتبارا باصلهما واللحم مع الشحم جنسان مختلفان لاختلاف الاسم والمنافع وكذا مع الالية والالية مع الشحم جنسان مختلفان لما قلنا وشحم البطن مع شحم الظهر جنسان مختلفان وكذا مع الالية بمنزلة اللحم مع شحم البطن والالية لانه لحم سمين وصوف الشاة مع شعر المعز جنسان مختلفان لاختلاف الاسم والمنفعة وكذا غزل الصوف مع غزل الشعر والقطن مع الكتان جنسان مختلفان وكذا غزل القطن مع غزل الكتان ولا يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساويا لان القطن ينقص بالغزل فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر كبيع الدقيق بالحنطة (وأما) الحيوان مع اللحم فان اختلف الاصلان فهما جنسان مختلفان كالشاة الحية مع لحم الابل والبقر فيجوز بيع البعض بالبعض مجاذفة نقدا ونسيئة لانعدام الوزن والجنس فلا يتحقق الربا أصلا وان اتفقا كالشاة الحية مع لحم الشاة من مشايخنا من اعتبرهما جنسين مختلفين وبنوا عيله جواز بيع لحم الشاة بالشاة الحية مجازفة عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعللوا لهما بانه باع الجنس بخلاف الجنس (ومنهم) من اعتبرهما جنسا واحدا وبنوا مذهبهما على أن الشاة ليست بموزونة وجريان ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين الجنس مع القدر فيجوز بيع أحدهما بالآخر مجازفة ومفاضلة بعد أن يكون يدا بيد وهو الصحيح على ما عرف في الخلافيات وقال محمد لا يجوز الا على وجه الاعتبار على أن يكون وزن اللحم الخالص اكثر من اللحم الذى في الشاة الحية بالحزر والظن فيكون اللحم بازاء اللحم والزيادة بازاء اخلاف الجنس من الاطراف والسقط من الراس والاكارع والجلد والشحم فان كان اللحم الخالص مثل قدر اللحم الذى في الشاة الحية أو أقل أو لا يدرى لا يجوز وعلى هذا الخلاف إذا باع الشاة الحية بشحم الشاة أو باليتها وهذا مذهب أصحابنا وقال الشافعي رحمه الله اللحوم كلها جنس واحد فلا يجوز بيع اللحم بالحيوان كيف ما كان سواء اتفق الاصلان أو اختلفا باع مجازفة أو على طريق الاعتبار وأجمعوا على انه لا يجوز بيع الشاة بلحم الشاة نسيئة لوجود الجنس المحرم للنساء لان اللحم الخالص من جنس اللحم الذى في الشاة

[ 190 ]

واجمعوا على أنه لا يجوز بيع دهن السمسم بالسمسم الا على طريق الاعتبار وهو أن يكون الدهن الخالص اكثر من الدهن الذى في السمسم حتى يكون الدهن بازاء الدهن والزائد بازاء خلاف جنسه وهو الكسب وكذلك دهن الجوز بلب الجوز (وأما) دهن الجوز بالجوز فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجوز مجازفة وقال بعضهم لا يجوز الا على طريق الاعتبار وأجمعوا على ان بيع النصال بالحديد غير المصنوع جائز مجازفة بعد أن يكون يدا بيد أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو بنى مذهبه على اصل له ذكرناه غير مرة وهو ان حرمة بيع مأكول بجنسه هو العزيمة والجواز عند التساوى في المعيار الشرعي رخصة ولا يعرف التساوى بين اللحم الخالص وبين اللحم الذى في الشاة فيبقى على اصل الحرمة وقد أبطلنا هذا الاصل في علة الربا (وأما) الكلام مع أصحابنا (فوجه) قول محمد رحمه الله أن في تجويز المجازفة ههنا احتمال الربا فوجب التحرز عنه ما أمكن وأمكن بمراعاة طريق الاعتبار فلزم مراعاته قياسا على بيع الدهن بالسمسم والدليل على أن فيه الربا أن اللحم موزون فيحتمل أن يكون اللحم المنزوع أقل من اللحم الذى في الشاة وزنا فيكون شئ من اللحم مع السقط زيادة ويحتمل أن يكون مثله في الوزن فيكون السقط زيادة فوجب مراعاة طريق الاعتبار تحرزا عن الربا عند الامكان ولهذا لم يجز بيع الدهن بالسمسم والزيت بالزيتون الا على طريق الاعتبار كذا هذا ولهذا قلنا ان هذا بيع الموزون بما ليس بموزون يدا بيد فيجوز مجازفة ومفاضلة استدلالا ببيع الحديد الغير المصنوع بالنصال مجازفة ومفاضلة يدا بيد ودلالة الوصف أن اللحم المنزوع وان كان موزونا فاللحم الذى في الشاة ليس بموزون لان الموزون ماله طريق إلى معرفة مقدار ثقله ولا طريق إلى معرفة ثقل اللحم الذى في الشاة لان الطريق اما أن يكون الوزن بالقبان واما أن يكون الاستدلال بالتجربة واما أن يكون بالحزر والتخمين من غير تفاوت فاحش وشئ من ذلك لا يصلح طريقا لمعرفة مقدار اللحم الذى في الشاة (اما) الوزن بالقبان فلان الشاة لا توزن بالقبان عرفا ولا عادة ولو صلح الوزن طريقا لوزن لان امكان الوزن ثابت والحاجة إلى معرفة مقدار اللحم الذى فيها ماسة حتى يتعرف المشترى ذلك بالجس والمس باليد والرفع من الارض ونحو ذلك ولان الحى يثقل بنفسه مرة ويخف أخرى فيختلف وزنه فدل أن الوزن لا يصلح طريق المعرفة (وأما) التجربة فان ذلك بالذبح ووزن المذبوح ليعرف اللحم الذى كان فيها عند العقد بطريق الظهور لا يمكن لان الشاة تحتمل الزيادة والنقصان والسمن والهزال ساعة فساعة فلا يعرف به مقدار ثقله حالة العقد بالتجربة (وأما) الحزر والظن فانه لا حرز لمن لا بصارة له في هذا الباب بل يخطئ لا محالة ومن له بصارة يغلط أيضا ظاهرا وغالبا ويظهر تفاوت فاحش فدل أنه لا طريق لمعرفة اللحم الذى في الشاة الحية فلم يكن موزونا فلا يكون محلا لربا الفضل بخلاف بيع دهن السمسم بالسمسم لان ذلك بيع الموزون بالموزون لانه يمكن معرفة مقدار الدهن في السمسم بالتجربة بان يوزن قدر من السمسم فيستخرج دهنه فيظهر وزن دهنه الذى في الجملة بالقياس عليه أو يعصر الجملة فيظهر قدر الدهن الذى كان فيها حالة العقد أو يعرف بالحرز والتخمين انه كم يخرج من الدهن من هذا القدر من غير ت فاوت فاحش يلحق الضرر باحد العاقدين فكان ذلك بيع الموزون بالموزون مجازفة فلم يجز لاحتمال الربا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع شاة مذبوحة غير مسلوخة بلحم شاة لا يجوز الا على طريق الاعتبار بالاجماع لان اللحم الذى في الشاة المذبوحة موزون فقد باع الموزون بجنسه وبخلاف جنسه فيراعى فيه طريق الاعتبار بخلاف اللحمم الذى في الشاة الحية فانه غير موزون لما قلنا فلم يتحقق الربا فجازت المجازفة فيه ولو باع شاة حية بشاة مذبوحة غير مسلوخة مجازفة جاز بالاجماع اما عندهما فظاهر لانه باع الموزون بما ليس بموزون فلا يتحقق الربا كما لو باع شاة حية بلحم الشاة وأما عند محمد فلان اللحم يقابل اللحم وزيادة اللحم في احداهما مع سقطها يكون بمقابلة سقط الاخرى فلا يتحقق الربا وكذلك لو باع شاتين حيتين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة جاز بالاجماع على اختلاف الاصلين ولو باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز ويكون اللحم بمقابلة اللحم وزيادة اللحم في أحد الجانبين مع السقط يكون بمقابلة سقط

[ 191 ]

الاخرى ولو باع شاتين مذبوحتين مسلوختين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز ويقابل اللحم باللحم ومقابلة اللحم من المسلوختين بمقابلة سقط الاخرى ولو باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة مذبوحة مسلوخة لا يجوز لان زيادة اللحم من غير المسلوختين مع السقط لا يقابله عوض فيكون ربا ولو باع شاتين مسلوختين بشاة مسلوخة لا يجوز لانهما مالان جمعهما الوزن فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر مفاضلة ومجازفة حتى لو كانا مستويين في الوزن يجوز يدا بيد ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ودهن الكتان بالكتان والعصير بالعنب والسمن بلبن فيه سمن والصوف بشاة على ظهرها صوف واللبن بحيوان في ضرعه لبن من جنسه والتمر بارض ونخل عليه تمر والحنطة بارض فيها زرع قد أدرك ونحو ذلك من أموال الربا حتى يكون المفرد اكثر من المجموع ليكون المثل بالمثل والزيادة بمقابلة خلاف الجنس وسنذكر أجناس هذه المسائل في مواضعها ان شاء الله تعالى هذا إذا قوبل بدل من جنس ببدل من جنسه أو ببدلين من جنسه أو من خلاف جنسه فاما إذا قوبل ابدال من جنسين مختلفين بابدال من جنسين مختلفين فان كان من غير أموال الربا فلا شك أنه يجوز وتقسم الابدال من أحد الجانبين بالابدال من الجانب الآخر قسمة توزيع واشاعة من حيث التقويم وان كان من أموال الربا فيجوز أيضا عند أصحابنا الثلاثة ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس فيقسم قسمة تصحيح لا قسمة اشاعة وتوزيع وعند زفر والشافعي لا يجوز ويقسم قسمة توزيع واشاعة من حيث القيمة كما في غير أموال الربا وبيان ذلك في مسائل إذا باع كر حنطة وكر شعير بكرى حنطة وكرى شعير جاز عند علمائنا الثلاثة وتصرف الحنطة إلى الشعير والشعير إلى الحنطة وعندهما لا يجوز وكذلك إذا باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين ويصرف الدرهم إلى الدينارين والدينار إلى الدرهمين (وجه) قول زفر والشافعي أن هذا بيع ربا فلا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ودلالة الوصف أنه قابل الجملة بالحملة مطلقا ومطلق مقابلة الجملة بالجملة يقتضى انقسام كل بدل من أحد الجانبين بجميع الابدال من الجانب الآخر على سبيل الشيوع من حيث القيمة إذا كانت الابدال مختلفة القيم استدلالا بسائر البياعات في غير أموال الربا فانه إذا باع عبدا وجارية بفرس وثوب وقيمتهما مختلفة يقسم العبد على قيمة الفرس والثوب وكذا لجارية حتى لو وجد بواحد من الجملة عيبا يرده بحصته من البدلين وكذا لو استحق واحد منهما يرده بحصته من البدلين على البائع وكذا لو كان أحد البدلين دارا فالشفيع يأخذها بحصتها من البدلين فكان التقسيم على الوجه الذى قلنا هو الموجب الاصلى في البياعات كلها والانقسام على هذا الوجه في أموال الربا يحقق الربا لانه يصير بائعا كر حنطة وكرى شعير بكرى شعير وبكر حنطة فيتحقق الربا على أنه ان لم يتحقق الربا ففيه احتمال الربا وأنه مفسد للعقد كبيع الصبرة بالصبرة مجازفة (ولنا) عمومات البيع من غير فصل فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل ولان المتعاقدين أطلقا مقابلة الجملة بالجملة والمطلق يتعرض للذات لا للصفات والجهات فلا يكون مقابلة الجنس بالجنس عينا ولا مقابلة الجنس بخلاف الجنس عينا فلا يتحقق الربا لانه اسم لفضل مال في مقابلة الجنس بالجنس عينا ولم يوجد أو نقول مطلق المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس لان كل ذلك مقابلة الجملة بالجملة الا انا لو حملناه على الاول يفسد العقد ولو حملناه على الثاني لصح فالحمل على ما فيه الصحة أولى وقوله موجب البيع المطلق المشتمل على ابدال من الجانبين انقسام كل بدل من أحد الجانبين على جميع الابدال من الجانب الآخر على الشيوع من حيث التقويم قلنا ممنوع لان هذا موجب العقد المطلق في موضع في مسائل البياعات في غير أموال الربا ما ثبت الانقسام موجبا له بل بحكم المعاوضة والمساواة في الابدال لانهما لما أطلقا البيع وهو يشتمل على ابدال من الجانبين من غير تعيين مقابلة البعض بالبعض وليس البعض باولى من البعض في التعيين فلزم القول بالاشاعة والتقسيم من حيث القيمة حكما للمعاوضة والمساواة وعند تحقق الضرورة وهى ضرورة الرد بالعيب بالاشاعة والرجوع عند الاستحقاق ونحو ذلك فلا يثبت الانقسام عند القيمة قبل تحقق الضرورة على

[ 192 ]

ما عرف وقوله فيه احتمال الربا قلنا احتمال الربا ههنا يوجب فساد العقد عند مقابلة الجنس بالجنس عينا كما في بيع الصبرة بالصبرة لا على الاطلاق لان عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة ولم توجد ههنا فلا توجب الفساد وعلى هذا إذا باع دينارا ودرهمين بدرهمين ودينارين انه يجوز عندنا ويكون الدينار بالدرهمين والدرهمان بالدينارين وكذا إذا باع درهمين ودينارا بدينارين ودرهم يجوز عندنا بأن يجعل الدرهمان بالدينارين والدينار بالدرهم وكذا إذا باع عشرة دراهم ودينار انه جائز عندنا وتكون الخمسة بمقابلة الخمسة والخمسة الاخرى بمقابلة الدينار وكذلك إذا باع احد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز عندنا وكانت العشرة بمثلها ودينار بدرهم وكذلك قال أبو حنيفة عليه الرحمة انه إذا باع مائة درهم ودينار بألف درهم يجوز ولا بأس به وتكون المائة بمقابلة المائة والتسعمائة بمقابلة الدينار فلا يتحقق الربا وكذا روى عن محمد انه قال إذا باع الدراهم بالدراهم وفى أحدهما فضل من حيث الوزن وفى الجانب الذى لا فضل فيه فلوس فهو جائز في الحكم ولكني اكرهه فقيل كيف تجده في قلبك قال أجده مثل الجبل والحاصل انه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوزن من خلاف الجنس ان بلغت قيمته قيمة الزيادة أو كانت أقل منها مما يتغابن الناس فيه عادة جاز البيع من غير كراهة وان كانت شيأ قليل القيمة كفلس وجوزة ونحو ذلك يجوز مع الكراهة وان كان شيأ لا قيمة له اصلا ككف من تراب ونحوه لا يجوز البيع أصلا لان الزيادة لا يقابلها عوض فيتحقق الربا (فصل) وأما شرائط جريان الربا (فمنها) أن يكون البدلان معصومين فان كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا وعند أبى يوسف هذا ليس بشرط ويتحقق الربا وعلى هذا الاصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة في حكم الاسلام انه يجوز عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يجوز وعلى هذا الخلاف المسلم الاسير في دار الحرب أو الحربى الذى أسلم هناك ولم يهاجر الينا فبايع أحدا من أهل الحرب (وجه) قول أبى يوسف ان حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهى ثابتة في حق الكفار لانهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الاقوال فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا بايع المسلم الحربى المستأمن في دار الاسلام (ولهما) ان مال الحربى ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه الا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة فإذا بدله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى فكان الاخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك وانه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش وبه تبين ان العقد ههنا ليس بتملك بل هو تحصيل شرط التملك وهو الرضا لان ملك الحربى لا يزول بدونه وما لم يزل ملكه لا يقع الاخذ تملكه لكنه إذا زال فالملك للمسلم يثبت بالاخذ والاستيلاء لا بالعقد فلا يتحقق الربا لان الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد بخلاف المسلم إذا باع حربيا دخل دار الاسلام بأمان لانه استفاد العصمة بدخوله دار الاسلام بأمان والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء فتعين التملك فيه بالعقد وشرط الربا في العقد مفسد وكذلك الذمي إذا دخل دار الجرب فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الاسلام فهو على هذا الخلاف الذى ذكرنا لان ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم الا الخمر والخنزير على ما نذكر ان شاء الله تعالى (ومنها) أن يكون البدلان متقومين شرعا وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد فان كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجرى فيه الربا وعلى هذا الاصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجل أسلم في دار الحرب ولم يهاجر الينا درهما بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الاسلام انه يجوز عند أبى حنيفة وعندهما لا يجوز لان العصمة وان كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده وكذا ماله لا يضمن بالاتلاف لانه تابع للنفس وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان والمسألة تأتى في كتاب السير ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الاسلام

[ 193 ]

لا يجوز لان مال كل واحد منهما معصوم متقوم فكان التملك بالعقد فيفسد بالشرط الفاسد ولو أسلم الحربى الذى بايع المسلم ودخل دار الاسلام أو أسلم أهل الدار فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض وما كان غير مقبوض يبطل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقى من الربا والامر بترك ما بقى من الربا نهى عن قبضه فكأنه تعالى قال اتركوا قبضه فيقتضى حرمة القبض وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمى والوضع عبارة عن الحط والاسقاط وذلك فيما لم يقبض ولان بالاسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد لانه تقرير العقد وتأكيده فيشبه العقد فيلحق به إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة (ومنها) أن لا يكون البدلان ملكا لاحد المتبايعين فان كان لا يجرى الربا وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين وليس عليه دين انه يجوز لانه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه فكان البدلان ملك المولى فلا يكون هذا بيعا فلا يتحقق الربا إذ هو مختص بالبياعات وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز لان البدل من كل واحد منهما مشترك بينهما فكان مبادلة ماله بماله فلا يكون بيعا ولا مبادلة حقيقة وكذلك الشريكان شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة جاز لما قلنا ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز لانهما في غير مال الشركة أجنبيان ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين لا يجوز بالا جماع (أما) عند أبى حنيفة رحمه الله فظاهر لان المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده فلم يجتمع البدلان في ملك واحد وعندهما وان كان يملك لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه لتعلق حق الغرماء به فكان المولى كالأجنبي عنه وكذلك المولى إذا عاقد مكاتبه عقد الربا لم يجز لان المكاتب في حق الاكتساب ملحق بالاحرار لانقطاع تصرف المولى عنها فأشبه الاجانب (وأما) اسلام المتبايعين فليس بشرط لجريان الربا فيجرى الربا بين أهل الذمة وبين المسلم والذمى لان حرمة الربا ثابتة في حقهم لان الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات ان ام يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا قال الله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى محبوس هجر إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله وهذا في نهاية الوعيد فيدل على نهاية الحرمة والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) الخلو عن احتمال الربا فلا تجوز المجازفة في أموال الربا بعضها ببعض لان حقيقة الربا كما هي مفسدة للعقد فاحتمال الربا مفسد له أيضا لقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ما اجتمع الحلال والحرام في شئ الا وقد غلب الحرام الحلال والاصل فيه ان كلما جازت فيه المفاضلة جاز فيه المجازفة وما لا فلا لان التماثل والخلو عن الربا فيما يجرى فيه الربا لما كان شرط الصحة فلا يعلم تحقيق المماثلة بالمجازفة فيقع الشك في وجود شرط الصحة فلا تثبت الصحة على الاصل المعهود في الحكم المعلق على شرط إذا وقع الشك في وجود شرطه انه لا يثبت لان غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك كما ان الثابت بيقين لا يزول بالشك وبيان هذا الاصل في مسائل إذا تبايعا حنطة بحنطة مجازفة فان لم يعلما كيلهما أو علم أحدهما دون الآخر أو علما كيل احدهما دون الآخر لا يجوز لما قلنا وان علم استواؤهما في الكيل فان علم في المجلس جاز البيع لان المجلس وان طال فله حكم حالة العقد فكأنه عند العقد وان علم بعد الافتراق لم يجز وقال زفر يجوز علم قبل الافتراق أو بعده (وجه) قوله ان الحاجة إلى الكيل عند العقد لتحقق المساواة المشروطة وقد تبين انها كانت ثابتة عنده (ولنا) ان علم المتعاقدين بالمساواة عند العقد شرط الصحة ولم يوجد والدليل على ان العلم عند العقد شرط الصحة ان الشرع ألزم رعاية المماثلة عند البيع بقوله عليه الصلاة والسلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل أي بيعوا الحنطة بالحنطة مثلا بمثل أمر المتبايعين بالبيع بصفة المماثلة فلا بد وأن تكون المماثلة معلومة لهما عند البيع لتمكنهما من رعاية هذا الشرط وكذا لو كان بين رجلين حنطة فاقتسماها مجازفة لا يجوز لان القسمة فيها معنى المبادلة فيشبه البيع ولا يجوز البيع فيها مجازفة فكذا الفسمة ولو تبايعا حنطة بحنطة

[ 194 ]

وزنا بوزن متساويا في الوزن لم يجز لان الحنطة مكيلة والتساوي في الكيل شرط جواز البيع في المكيلات ولا تعلم المساواة بينهما في الكيل فكان بيع الحنطة بالحنطة مجازفة وروى عن أبى يوسف رحمه الله انه إذا غلب استعمال الوزن فيها تصير وزنية ويعتبر التساوى فيها بالوزن وان كانت في الاصل كيلية وعلى هذا تخرج المزابنة والمحاقلة انهما لا يجوزان لان المزابنة تبيع التمر على رؤس النخل بمثل كيله من التمر خرصا لا يدرى أيهما أكثر والزبيب بالعنب لا يدرى أيهما أكثر والمحاقلة بيع الحب في السنبل بمثل كيله من الحنطة خرصا لا يدرى أيهما أكثر فكان هذا بيع مال الربا مجازفة لانه لا تعرف المساواة بينهما في الكيل وقد روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة وفسر محمد رحمه الله المزابنة والمحاقلة في الموطأ بما قلنا وهو كان اماما في اللغة كما كان اماما في الشريعة وقال كذلك الجواب إذا كان أكثر من خمسة أوسق أما ما دون خمسة أوسق فلا بأس بما روى ابو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بالتمر فيما دون خمسة أوسق فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة ما حرم والمزابنة ما دون خمسة والمرخص من جملة ما حرم يكون مباحا وتفسير العرية عندنا ما ذكره مالك بن انس في الموطأ رضى الله عنه وهو أن يكون لرجل نخيل فيعطى رجلا منها ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطهما لعياله ثم يثقل عليه دخوله حائطه فيسأله أن يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمرا عند اصرام النخل وذلك ما لا بأس به عندنا لانه لا بيع هناك بل التمر كله لصاحب النخل فان شاء سلم له ثمر النخل وان شاء أعطاه بمكيلتها من التمر الا انه سماه الراوى بيعا لتصوره بصور البيع لا أن يكون بيعا حقيقة بل هو عطية الا ترى انه لم يملكه المعرى له لانعدام القبض فكيف يجعل بيعا ولانه لو جعل بيعا لكان بيع التمر بالتمر إلى أحل وانه لا يجوز بلا خلاف دل أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة بل هي عطية ولان العرية هي العطية لغة قال حسان بن ثابت رضى الله عنه ليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح ولو اشترى بكر من تمر نخلا عليها ثمر وسمى التمر أو ذكر كل قليل وكثير هو منه حتى دخل في البيع يراعى في جوازه طريق الاعتبار وهو أن يكون كيل التمر أكثر من كيل الثمر ليكون الثمر بمثله والزياده بازاء النخل فان كان أقل لا يجوز لان التمر يكون بمثل كيله وزيادة التمر مع النخل تكون زيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا وكذا كان مثله لان النخل يكون فضلا لا يقابله عوض في عقد المعاوضة وكذا إذا كان لا يدرى عندنا خلافا لزفر وسنذكر المسألة ان شاء الله تعالى ثم انما يجوز على طريق الاعتبار إذا كان التمر نقدا فان كان نسيئة لم يجز لتحقق ربا النساء هذا إذا كان ثمر النخل بسرا أو رطبا أو تمرا يابسا عند العقد فان كان كفرى جاز البيع كيف ما كان من غير شرط الاعتبار لانه بيع الكفرى بالتمر وانه جائز كيف ما كان ولو لم يكن التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض كرا أو أكثر من الكر لا يفسد البيع بخلاف ما إذا كان التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض فباعه مع النخل بالتمر وكيل التمر مثل كيل ثمر النخل أو أقل حيث يفسد البيع لان العاقدين أدخلا الربا في العقد لانهما قابلا الثمن بكل المبيع فانقسم الثمن عليهما وبعض المبيع مال الربا فدخل الربا في العقد باشتراطهما واشتراط الربا في العقد مفسد له وههنا البيع كان صحيحا في الاصل لان الثمن خلاف جنس المبيع إذ المبيع هو النخل وحد الا انه إذا زاد فقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما فبقى البيع صحيحا والزيادة ملك المشترى وينقسم الثمن على قيمة النخل وقيمة الزيادة لكن تعتبر قيمة النخل وقت العقد وقيمة الزيادة وقت القبض فيطيب له من التمر قدر حصته من الثمن لان فضل له ذلك القدر ببدل ولا يطيب له الفضل ويتصدق به لانه ربح ما لم يضمن ولو قضى الثمن من التمر الحادث ينظر ان قضاه منه قبل القبض فقضاؤه باطل لان القضاء منه تصرف في المبيع قبل القبض وانه لا يجوز وجعل كأنه لم يقبض حتى لو هلك الثمن في يد البائع بآفة سماوية لا يسقط شئ من الثمن وان أكله البائع تسقط حصته من الثمن وان كان المشترى قبض الثمن ثم قضى منه جاز

[ 195 ]

القضاء لانه تصرف في المبيع بعد القبض وانه جائز وعليه أن يتصدق بما زاد على حصته من الثمن والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والقيمة فيهما مجازفة ولو تبايعا حنطة بشعيرا وذهبا بفضة مجازفة جاز لان المماثلة في بيع الجنس بخلاف الجنس غير مشروطة ولهذا جازت المفاضلة فيه فالمجازفة أولى وكذلك القيمة وعلى هذا يخرج بيع الموزون بجنسه وغير جنسه كما إذا اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة بأن اشترى سيفا محلى بقضة مفردة أو منطقة مفضضة أو لجاما أو سرجا أو سكينا مفضضا أو جارية في عنقها طوق من فضة أو اشترى ذهبا وغيره بذهب مفرد كما إذا اشترى ثوبا منسوجا بالذهب بذهب مفرد أو جارية مع حليتها وحليها ذهب بذهب مفرد ونحو ذلك انه لا يجوز مجازفة عندنا بل يراعى فيه طريق الاعتبار وهو أن يكون وزن الفضة المفردة أو الذهب المفرد أكثر من المجموع مع غيره ليكون قدر وزن المفرد بمثله من المجموع والزيادة بخلاف جنسه فلا يتحقق الربا فان كان وزن المفرد أقل من وزن المجموع لم يجز لان زيادة وزن المجموع مع خلاف الجنس لا يقابله عوض في عقد البيع فيكون ربا وكذلك إذا كان مثله في الوزن لانه يكون الفضة بمثلها والذهب بمثله فالفضل يكون ربا وان كان من خلاف جنسه وكذلك إذا كان لا يعلم وزنه انه أكثر أو مثله أو أقل أو اختلف أهل النظر فيه فقال بعضهم الثمن أكثر وقال بعضهم هو مثله لا يجوز عندنا وعند زفر يجوز (وجه) قوله ان الاصل في البيع جوازه والفساد بعارض الربا وفى وجوده شك فلا يثبت الفساد بالشك لان جهة الفساد في هذا العقد أكثر من جهة الجواز لان وزن المفرد لو كان أقل يفسد وكذلك لو كان مثله ولو كان اكثر يجوز فجاز من وجه وفسد من وجهين فكانت الغلبة لجهة الفساد والحكم للغالب ثم إذا كان وزن المفرد اكثر حتى جاز البيع فيجتمع في هذا العقد صرف وهو بيع الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب والبيع مطلق وهو بيع الذهب أو الفضة بخلاف جنسها فيراعى في الصرف شرائطه وسنذكر شرائط الصرف في موضعه ان شاء الله تعالى وإذا فات شئ من الشرائط حتى فسد الصرف هل يتعدى الفساد إلى البيع المطلق فيه تفصيل نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى هذا إذا اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة أو ذهبا مع غيره بذهب مفرد فاما إذا اشترى ذهبا مع غيره بفضة مفرده أو فضة مع غيرها بذهب مفرد فالبيع جائز لانه لا ربا عند اختلاف الجنس غير أنه يقسم المفرد على قيمة المجموع وقيمة ذلك الغير فما كان بمقابلة الذهب أو الفضة يكون صرفا فيراعى فيه شرائط الصرف وما كان بمقابلة غيرة يكون بيعا مطلقا على ما نذكره في بيان شرائط الصرف وعلى هذا الاصل يخرج بيع تراب معدن الفضة والذهب أما تراب معدن الفضة فلا يخلو اما أن يكون باعه بفضة وأما ام يكون باعه بغيرها فان باعه بفضة لم يجز لان البيع يقع على ما في التراب من الفضة لا على التراب لانه لا قيمة له والمماثلة بين الفضتين ليست بمعلومة فكان هذا البيع بيع الفضة بالفضة مجازفة فلا يجوز وان باعه بذهب جاز لان الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس ويراعى فيه شرائط الصرف ثم ينظر ان لم يخلص منه شئ تبين أن البيع كان فاسدا لانه تبين أنه باع ما ليس بمال فصار كما لو اشترى شخصا على أنه عبد ثم تبين أنه حر أو اشترى شاه مسلوخة على أنها مذبوحة ثم تبين أنها ميتة فان خلص منه شئ فالامر ماض والمشترى بالخيار لانه اشترى شيأ لم يره فاشبه ما لو اشترى ثوبا في سقط أو سمكة في جب ولو باعه بعوض جاز أيضا لما قلنا ثم ينظر ان خلص منه شئ أو لم يخلص على ما ذكرنا ولو باعه بتراب معدن مثله من الفضة لم يجز لان البيع يقع على ما فيها من الفضة ولا يعلم تساويهما في الوزن فكان بيع الفضة بالفضة مجازفة ولو باعه بتراب معدن الذهب جاز لاختلاف الجنس ويراعى فيه شرائط الصرف ثم ان لم يخلص منه شئ تبين أن البيع كان فاسدا لانه تبين أنه باع ما ليس بمال وكذا ان خلص من أحدهما ولم يخلص من الآخر لانه تبين أنه باع المال بما ليس بمال وان خلص من كل واحد منهما فالامر ماض ولهما خيار الرؤية لان كل واحد منهما مشتر ما لم يره وكذلك لو كان تراب معدن الفضة بين رجلين فاقتسماه يجز لان القسمة فيها معنى البيع فلا يحتمل المجازفة كالبيع ولو باع منه قفيزا بغير عينه بذهب أو بعرض لم يجز لان المبيع ما في التراب من الفضة وانه

[ 196 ]

مجهول القدر لانه متقاوت منه قفيز يخلص منه خمسة ومنه قفيز يخلص منه عشرة فكان المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة بخلاف بيع القفيز من صبرة لان قفزان الصبرة الواحدة متماثلة فلم يكن المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة ولو باع نصف جملة التراب أو ثلثها أو ربعها شائعا بذهب أو عرض جاز لان الجنس مختلف فلا يتحقق الربا الا إذا لم يخلص منه شئ فتبين أن البيع كان فاسدا لما قلنا وان خلص منه شئ فيكون ما خلص مشتركا بينها وله الخيار إذا رآه ولو استقرض تراب المعدن جاز وعلى المستقرض مثل ما خلص منه وقبض لان القرض وقع على ما يخلص منه والقول قول القابض في قدر ما قبض وخلص ولو استأجره بنصف هذا التراب أو بثلثه أو بربعه يجوز ان خلص منه شئ كما يجوز لو بيع منه شئ فتبين أن البيع كان فاسدا لما قلنا وان خلص منه شئ فيكون اجره مما ما خلص ولو استأجر أجيرا بتراب المعدن بعينه جازت الاجارة ان خلص منه شئ لانه استأجره بمال والاجير بالخيار لانه آجر نفسه بما لم يره فان شاء رضى به ولا شئ له غيره وان شاء رده ورجع على المستأجر باجر مثله بالغا ما بلغ ولو استأجره بقفيز من تراب بغير عينه لا تجوز الاجارة لان الاجرة ما في التراب من الفضة وأنه مجهول القدر ولهذا لم يجز بيعه ويكون بينهما وله الخيار وان لم يخلص لا يجوز وله أجر مثله وعلى هذا حكم تراب معدن الذهب في جميع ما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) تراب الصاغة فان كان فيه فضة خالصة فحكمه حكم تراب معدن الفضة وان كان فيه ذهب خالص فحكمه حكم تراب معدن الذهب وان كان في ذهب وفضة فان اشتراه بذهب أو فضة لم يجز لاحتمال أيكون ما فيه من الذهب أو الفضة اكثر أو أقل أو مثله فيتحقق الربا ولو اشتراه بذهب وفضة جاز لانه اشترى ذهبا وفضة بذهب وفضة فيجوز ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس ويراعى فيه شرائط الصرف ولو اشتراه بعرض جاز لانعدام احتمال الربا وهذا كله إذا خلص منه شئ فان لم يخلص تبين أن البيع كان فاسدا وعلى هذا الاصل يخرج بيع الدراهم المغشوشة التى الغش فيها هو الغالب بفضة خالصة انه لا يجوز الا على طريق الاعتبار وجملة الكلام فيه أن الدراهم المضروبة أقسام ثلاثة اما أن تكون الفضة فيها هي الغالبة واما أن يكون الغش فيها هو الغالب واما أن يكون الفضة والغش فيها على السواء فان كانت الفضة فيها الغالبة بان كان ثلثاها فضة وثلثها صفرا أو كان ثلاثة أرباعها فضة وربعها صفرا ونحو ذلك فحكمها حكم الفضة الخالصة لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة الا سواء سواء كذا بيع بعضها ببعض لا يجوز الا مثلا بمثل لان اعتبار الغالب والحاق المغلوب بالعدم هو الاصل في احكام الشرع ولان الدراهم الجياد لا تخلو عن قليل غش لان الفضة لا تنطبع بدونه على ما قيل فكان قليل الغش مما لا يمكن التحرز عنه فكانت العبرة للغلبة وان كان الغش فيها هو الغالب فان كانت الفضة لا تخلص بالذوب والسبك بل تحترق ويبقى النحاس فحكمها حكم النحاس الخالص لان الفضة فيها إذا كانت مستهلكة كانت ملحقة بالعدم فيعتبر كله نحاسا لا يباع بالنحاس الا سواء بسواء يدا بيد وان كانت تخلص من النحاس ولا تحترق ويبقى النحاس على حاله أيضا فانه يعتبر فيه كل واحد منهما على حاله ولا يجعل أحدهما تبعا للآخر كأنهما منفصلان ممتازان أحدهما عن صاحبه لانه إذا أمكن تخليص أحدهما من صاحبه على وحه يبقى كل واحد منهما بعد الذوب والسبك لم يكن أحدهما مستهلكا فلا يجوز بيعها بفضة خالصة الا على طريق الاعتبار وهو أن تكون الفضة الخالصة أكثر من الفضة المخلوطة يصرف إلى الفضة المخلوطة مثلها من الفضة الخالصة والزيادة إلى الغش كما لو باع فضة وصفرا ممتازين بفضة خالصة فان كانت الفضة الخالصة أقل من المخلوطة لم يجز لان زيادة الفضة المخلوطة مع الصفر يكون فضلا خاليا من العوض في عقد المعاوضة فيكون ربا وكذا إذا كانت مثلها لان الصفر يكون فضلا لا يقابله عوض وكذا إذا كان لا يدرى قدر الفضتين أيهما أكثر أو هما سواء لا يجوز عندنا وعند زفر يجوز وقد ذكرنا الحجج فيما قبل وذكر في الجامع إذا كانت الدراهم ثلثاها صفرا وثلثها فضة ولا يقدر أن يخلص الفصة من الصفر ولا يدرى إذا خلصت أيبقى الصفر أم يحترق أنه يراعى في بيع هذه الدراهم بفضة خالصة طريق الاعتبار ثم إذا كانت الفضة الخالصة أكثر حتى جاز البيع يكون هذا صرفا وبيعا

[ 197 ]

مطلقا فيراعى في الصرف شرائطه وإذا فسد بفوات شرط منه يفسد البيع في الصفر لانه لا يمكن تميزه الا بضرر وبيع ما لا يمكن تميزه عن غيره الا بضرر فاسد على ما ذكرنا ولو بيعت هذه الدراهم بذهب جاز لان المانع هو الربا واختلاف الجنس يمنع تحقق الربا لكن يراعى فيه شرائط الصرف لانه صرف وإذا فات شرط منه حتى فسد يفسد البيع في الصفر أيضا لما قلنا ولو بيعت بجنسها من الدراهم المغشوشة جاز متساويا ومتفاضلا نص عليه محمد في الجامع ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما لو باع فضة منفصلة وصفرا منفصلا بفضة وصفر منفصلين وقالوا في الستوقة إذا بيع بعضها ببعض متفاضلا أنه يجوز ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس ومشايخنا لم يفتوا في ذلك الا بالتحريم احترازا عن فتح باب الربا وقالوا في الدراهم القطريفينه يجوز بيع واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة منها بدرهم فضة لان ما فيها من الفضة يكون بمثل وزنها من الفضة الخالصة وزيادة الفضة تكون بمقابلة الصفر ولا يجوز بيع ستة منها بدرهم فضة لان الصفر الذي فيها يبقى فضلا خاليا عن العوض في عقد المعاوضة فيكون ربا وكان الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله لا يفتى بجواز هذا وان كانت الفضة والغش فيها سواء فلم يقطع محمد الجواب فيه في الجامع لكنه بناه على قول الصيارفة وحكى عنهم انهم قالوا ان الفضة والصفر إذا خلطا لا تتميز الفضة من الصفر حتى يحترق الصفر لانهما لا يتميزان الا بذهاب أحدهما والصفر أسرعهما ذهابا فقال في هذه الدراهم ان كانت الفضة هي الغالبة أي على ما يقوله الصيارفة ان الصفر يتسارع إليه الاحتراق عند الاذابة والسبك فلا يجوز بيعها بالفضة الخالصة ولابيع بعضها ببعض الا سواء بسواء كبيع الزيوف بالجياد لان الصفر إذا كان يتسارع إليه الاحتراق كان مغلوبا مستهلكا فكان ملحقا بالعدم وان لم يغلب أحدهما على الآخر وبقيا على السواء يعتبر كل واحد منهما على حياله كأنهما منفصلان ويراعى في بيعهما بالفضة الخالصة طريق الاعتبار كما في النوع الاول ويجوز بيع بعضها ببعض متساويا ومتفاضلا ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما في النوع الاول والله سبحانه وتعالى أعلم وهل يجوز استقراض الدراهم المغشوشة عددا (أما) النوع الاول وهو ما كانت فضته غالبة على غشه فلا يجوز استقراضه الا وزنا لان الغش إذا كان مغلوبا فيه كان بمنزلة الدراهم الزائفة ولا يجوز بيع الدراهم الزائفة بعضها ببعض عددا لانها وزنية فلم يعتبر العدد فيها فكان بيع بعضها ببعض مجازفة فلم يجز فلا يجوز استقراضها أيضا لانها مبادلة حقيقة أو فيها شبهة المبادلة فيجب صيانتها عن الربا وعن شبهة الربا ولهذا لم يجز استقراض الكيلى وزنا لما ان الوزن في الكيلى غير معتبر فكان اقراضه مبادلة الشئ بمثله مجازفة أو شبة المبادلة فلم يجز كذا هذا وكذلك النوع الثالث وهو ما إذا كان نصفه فضة ونصفه صفرا لان الغلبة إذا كانت الفضة على اعتبار بقائها وذهاب الصفر في المآل على ما يقوله أهل الصنعة كان ملحقا بالدراهم الزيوف فلا يجوز استقراضه عددا وان كان لا يغلب أحدهما على الآخر ويبقيان بعد السبك على حالهما كان كل واحد منهما أصلا بنفسه فيعتبر كل واحد منهما على حياله فكان استقراض الفضة والصفر جملة عددا وهذا لا يجوز لان اعتبار الصفر ان كان يوجب الجواز لان الفلس عددي فاعتبار الفضة يمنع الجواز لان الفضة وزنية فالحكم بالفساد عند تعارض جهتى الجواز والفساد أحوط وأما النوع الثاني ما كان الغش فيه غالبا والفضة مغلوبة فانه ينظر ان كان الناس يتعاملون به وزنا لا عددا لا يجوز استقراضه عددا لان العدد في الموزون باطل فكان استفراضه مبادلة الموزون بحنسه مجازفة أو شبهة المبادلة وأنه لا يجوز وان كانوا يتعاملون به عددا يجوز استفراضه عددا لانهم إذا تعاملوا به عددا فقد ألحقوه بالفلوس وجعلوا الفضة التى فيه تبعا للصفر وأنه ممكن لانها قليلة وقد يكون في الفلوس في الجملة قليل فضة فثبتت التبعية بدلالة التعامل ومثل هذه الدلالة لم توجد فيما إذا تعاملوا بها وزنا لا عددا فبقيت وزنية فلا يجوز استقراضه عددا وان تعامل الناس بها عددا لان هناك لا يمكن جعل الفضة تبعا للغش لانها أكثر منه أو مثله والكثير لا يكون تبعا للقليل ومثل هذا الشئ لا يكون تبعا أيضا فبقيت على الصفة الاصلية الثابتة لها شرعا وهى كونها وزنية فلا يجوز استقراضها مجازفة كما لا يجوز بيع بعضها ببعض مجازفة وكذا الشراء بالدراهم المغشوشة من الانواع الثلاثة عددا حكمه حكم الاستقراض سواء

[ 198 ]

فلا يجوز الشراء بالنوع الاول الا وزنا لانها في حكم الجياد وانها وزنية فلم يجز الشراء بها الا وزنا إذا لم يكن مشار إليها وكذلك بالنوع الثالث لما ذكرنا في الاستقراض وأما النوع الثالث فالامر فيه على التفصيل الذى ذكرناه في الاستقراض ان الناس ان كانوا يتبايعون بها وزنا لا عددا لا يجوز لاحد أن يبتاع بها عددا لان الوزن صفة أصلية للدراهم وانما تصير عددية بتعامل الناس فان جرى التعامل بها وزنا لا عددا فقد تقررت الصفة الاصلية وبقيت وزنية فإذا اشترى بها عددا على غير وزن والعدد هدر ولم توجد الاشارة فقد بقي الثمن مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة لانه لا يدرى ما وزن هذا القدر من العدد المسمى فيوجب فساد العقد بخلاف ما إذا اشترى بها عددا على غير وزن ولكن أشار إليها فيما يكتفى فيه بالاشارة حيث يجوز لان مقدار وزنها وان كان مجهولا بعد الاشارة إليها لكن هذه جهالة لا تفضى إلى المنازعة لانه يمكن معرفة مقدار المشار إليه بالوزن إذا كان قائما فلا يمنع جواز العقد وان كانوا يتبايعون بها عددا جاز لانها صارت عددية بتعامل الناس وصارت كالفلوس الرائجة هذا إذا اشترى بالانواع الثلاثة عددا على وزن ولم يعينها فاما إذا عينها واشترى بها عرضا بأن قال اشتريت هذا العرض بهذه الدراهم وأشار إليها فلا شك في جواز الشراء بها ولا تتعين بالاشارة إليها ولا يتعلق العقد بعينها حتى لو هلكت قبل أن ينقدها المشترى لا يبطل البيع ويعطى مكانها مثلها من جنسها ونوعها وقدرها وصفتها (أما) النوع الاول فلانها بمنزلة الدراهم الجياد وانها لا تتعين بالاشارة إليها ولا يبطل البيع بهلاكها فكذا هذه (وأما) النوع الثاني فلان الصفة فيها ان كانت هي الغالبة على ما يقوله السباكون فهى في حكم النوع الاول وان لم يغلب أحدهما على الآخر يعتبر كل واحد منهما بحياله فلا يبطل البيع أيضا لان اعتبار الفضة لا يوجب البطلان لانها لاتتعين واعتبار الصفر يوجب لانه يتعين فلا يبطل بالشك (وأما) النوع الثالث فلان الناس ان كانوا يتعاملون بها وزنا فهى وسائر الدراهم سواء فلا تتعين بالاشارة ويتعلق العقد بمثلها في الذمة لا بعينها فلا يبطل البيع بهلاكها وان كانوا يتعاملون بها عددا فهى بمنزلة الفلوس الرائجة وأنها إذا قوبلت بخلاف جنسها في المعاوضات لا تتعين ولا يتعلق العقد بعينها بل بمثلها عددا ولا يبطل بهلاكها كذا هذا ولو كسد هذا النوع من الدراهم وصارت لا تروج بين الناس فهى بمنزلة الفلوس الكاسدة والستوق والرصاص حتى تتعين بالاشارة إليها ويتعلق العقد بعينها حتى يبطل العقد بهلاكها قبل القبض لانها صارت سلعة لكن قالوا هذا إذا كان العاقدان عالمين بحال هذه ويعلم كل واحد منهما ان الآخر يعلم بذلك فاما إذا كانا لا يعلمان أو يعلم أحدهما ولم يعلم الآخر أو يعلمان لكن لا يعلم كل واحد منهما ان صاحبه يعلم قان العقد لا يتعلق بالمشار إليه ولا بجنسا وانما يتعلق بالدراهم الرائجه التى عليها تعامل الناس في تلك البلد هذا إذا صارت بحيث لا تروج أصلا فاما إذا كانت يقبلها البعض دون البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة فيجوز الشراء بها ولا يتعلق العقد بعينها بل يتعلق بجنس تلك الدراهم الزيوف ان كان البائع يعلم بحالها خاصة لانه رضى بجنس الزيوف وان كان البائع لا يعلم لا يتعلق العقد بجنس المشار إليه وانما يتعلق بالجيد من نقد تلك البلد لانه لم يرض الا به إذا كان لا يعلم بحالها والله سبحانه وتعالى أعلم ثم انما لا يبطل البيع بهلاك الدراهم في الانواع الثلاثة بعد الاشارة إليها إذا كان علم عددها أو وزنها قبل الهلاك لانه إذا كان علم ذلك يمكن اعطاء مثلها بعد هلاكها فاما إذا كان لم يعلم لا عددها ولا وزنها حتى هلكت يبطل البيع لان الثمن صار مجهولا إذ المشترى لا يمكنه اعطاء مثل الدراهم المشار إليها (ومنها) الخلو من شبهة الربا لان الشبهة ملحقة بالحقيقة قى باب الحرمات احتياطا وأصله ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لوابصة بن معبد رضى الله عنه الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيأ نقدا أو نسيئة وقبضه المشترى ولم ينقد ثمنه انه لا يجوز لبائعه ان يشتريه من مشتريه باقل من ثمنه الذى باعه منه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجوز (وجه) قوله ان هذا بيع استجمع شرائط جوازه وخلا عن الشروط المفسدة اياه فلا معنى للحكم بفساده كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن ولنا ماروى ان امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة رضى الله عنها وقالت انى ابتعت

[ 199 ]

خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها منه بستمائة فقالت سيدتنا عائشة رضى الله عنها بئس ماشريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد ان الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب (ووجه) الاستدلال به من وجهين أحدهما انها ألقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأى وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة فالظاهر انها قالته سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يلتحق الوعيد الا بمباشرة المعصية فدل على فساد البيع لان البيع الفاسد معصية والثانى انها رضى الله عنها سمت ذلك بيع سوء وشراء والفاسد هو الذى يوصف بذلك لا الصحيح ولان في هذا البيع شبهة الربا لان الثمن الثاني يصير قصاصا بالثمن الاول فبقى من الثمن الاول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة وهو تفسير الربا الا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة بخلاف ما إذا نقد الثمن لان المقاصة لا تتحقق فلا تتمكن الشبهة بالعقد ولو نقد الثمن كله الا شيأ قليلا فهو على الخلاف ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالاجماع لانعدام الشبهة وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن ولان فساد العقد معدول به عن القياس وانما عرفناه بالاثر والاثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الاول فبقى ما ورءه على أصل القياس هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الاول فان اشتراه بخلاف الجنس جاز لان الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس الا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا والقياس أن لا يجوز لانهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الاجناس المختلفة (وجه) الاستحسان انهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع العقدين فكان في العقد الثاني شبهة الربا وهى الربا من وجه ولو تعيب المبيع في يد المشترى فباعه من بائعه بأقل مما باعه جاز لان نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم كانه باعه بمثل ما اشتراه فلا تتحقق شبهة الربا ولو خرج المبيع من ملك المشترى فاشتراه البائع من المالك الثاني بأقل مما باعه قبل نقد الثمن جاز لان اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين فيمنع تحقق الربا ولو مات المشترى فاشتراه البائع من وارثه بأقل مما باع قبل نقد الثمن لم يجز لان الملك هناك لم يختلف وانما قام الوارث مقام المشترى بدليل انه يرد بالعيب ويرد عليه وكذا لو كان المبيع جارية فاستولدها الوارث أو كان دارا فبنى عليها ثم ورد الاستحقاق فأخذ منه قيمة الولد ونقض عليه البناء كان للوارث أن يرحع على بائع المورث بقيمة الولد وقيمة البناء كما كان يرجع المشترى لو كان حيا لان الوارث قائم مقام المشترى فكان الشراء منه بمنزلة الشراء من المشترى فرق بين هذا وبين ما إذا مات البائع فاشترى وارثه من المشترى بأقل مما باع قبل نقد الثمن انه يجوز إذا كان الوارث ممن تجوز شهادته للبائع في حال حياله (ووجه) الفرق أن الوارث يقوم مقام المورث فيما ورثه ووارث المشترى ورث عين المبيع فقام مقامه في عينه فكان الشراء منه كالشراء من المشترى فلم يجز ووارث البائع ورث الثمن والثمن في ذمة المشترى وما عين في ذمة المشترى لا يحتمل الارث فلم يكن ذلك عين ما ورثه عن البائع فلم يكن وارث البائع مقامه فيما ورثه وروى عن أبى يوسف رحمة الله انه لا يجوز الشراء من وارث البائع كما لا يجوز الشراء من وارث المشترى لان الوارث خلف المورث فالمشترى قائم مقامه كانه هو ولو باعه المشترى من غيره فعاد المبيع إلى ملكه فاشتراه بأقل مما باع فهذا لا يخلو اما ان عاد إليه بملك جديد واما ان عاد إليه على حكم الملك فان عاد إليه بملك جديد كالشراء والهبة والميراث والاقالة قبل القبض وبعده والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضى ونحو ذلك من أسباب تجديد الملك جاز الشراء منه بأقل مما باع لان اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين وان عاد إليه على حكم الملك الاول كالرد بخيار الرؤية والرد بخيار الشرط قبل القبض وبعده بقضاء القاضى وبغير قضاء القاضى والرد بخيار العيب قبل القبض بقضاء القاضى وبغير قضاء القاضى وبعد القبض بقضاء القاضى لا يجوز الشراء منه بأقل مما باع لان الرد في هذه المواضع يكون فسخا والفسخ يكون رفعا من الاصل واعادة االى قديم الملك كانه لم يخرح عن ملكه أصلا ولو كان كذلك لكان لا يجوز له الشراء فكذا هذا ولو لم يشتره البائع لكن اشتراه بعض من لا تجوز شهادته له كالوالدين والمولودين والزوج والزوجة

[ 200 ]

لا يحوز عند أبى حنيفة رحمه الله كما لا يجوز من البائع وعند أبى يوسف ومحمد يجوز كما يجوز من الأجنبي (وجه) قولهما ان كل واحد منهما أجنبي عن ملك صاحبه لانفصال ملكه عن ملك صاحبه فيقع عقد كل واحد منهما له لا لصاحبه كسائر الاجانب ثم شراء الاجنبي لنفسه جائز فكذا شراؤه لصاحبه ولابي حنيفة رحمه الله ان كل واحد منهما يبيع بمال صاحبه عادة حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه فكان معنى ملك كل واحد منهما ثابتا لصاحبه فكان عقده واقعا لصاحبه من وجه فيؤثر في فساد العقد احتياطا في باب الربا ولو باع المولى ثم اشتراه مدبره أو مكاتبه أو بعض مماليكه ولا دين عليه أو عليه دين باقل مما باع المولى لا يجوز كما لا يجوز عن المولى وكذا لو باع المدبر أو المكاتب أو بعض مماليكه ثم اشتراه المولى لا يجوز لان عقد هؤلاء يقع للمولى من وجه ولو كان وكيلا فباع واشترى بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز كما لو باع واشترى الموكل لنفسه لان المانع تمكن شبهة الربا وأن لا يفصل بين الوكيل والموكل ولذا سيدتنا عائشة رضى الله عنها لم تستفسر السائلة انها مالكة أو وكيلة ولو كان الحكم يختلف لاستفسرت وكذا لو باع الوكيل ثم اشتراه الموكل لم يجز لانه لو اشتراه وكيله لم يجز فإذا اشتراه بنفسه أولى أن لا يجوز وكذا لو باعه الوكيل ثم اشتراه بعض من لا تجوز شهادة الوكيل له أو بعض من لا تجوز شهادة الموكل له لم يجز عند أبى حنيفة رحمه الله وعندهما يجوز على ما مر ولو باع ثم وكل بنفسه انسانا بان يشترى له ذلك الشئ بأقل مما باع قبل نقد الثمن فاشتراه الوكيل فهو جائز للوكيل والثمنان يلتقيان قصاصا والزيادة من الثمن الاول لا تطيب للبائع ويكون ملكا له وهذا قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف التوكيل فاسد ويكون الوكيل مشتريا لنفسه وقال محمد التوكيل صحيح الا انه إذا اشتراه الوكيل يكون مشتريا للبائع شراء فاسدا ويملكه البائع ملكا فاسدا وهذا بناء على أصل لهم فأصل أبى حنيفة انه ينظر إلى العاقد ويعتبر أهليته ولا يعتبر أهلية من يقع له حكم العقد ولهذا قال ان المسلم إذا وكل ذميا بشراء الخمر أو بيعها انه يجوز وكذا المحرم إذا وكل حلالا ببيع صيد له أو بشراء صيد جاز التوكيل عنده وتعتبر أهلية الوكيل وأصل أبى يوسف ومحمد انهما يعتبران أهلية العقد للعقد والمعقود له جميعا حتى لم يجز التوكيل عندهما في المسئلتين الا أن محمدا خالف أبا يوسف في هذه المسألة وترك أصله حيث قال بصحة التوكيل ولم ينظر إلى الموكل وعلى هذ الخلاف إذا وكل المسلم ذميا بان يشترى له من ذمى عبده بخمر وغير ذلك العبد ففعل الوكيل صح الشراء عند أبى حنيفة ويكون العبد للموكل وعلى الوكيل للبائع الخمر وهو يرجع بقيمة الخمر على موكله وعند ابى يوسف التوكيل فاسد ويكون الوكيل مشتريا لنفسه وعند محمد التوكيل صحيح ويكون مشتريا للموكل شراء فاسدا ولو باع بألف درهم حالة ثم اشتراه بألف درهم مؤجلة فالشراء فاسد لانه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى لان الحالة خير من المؤجلة وكذا لو باع بألف مؤجلة ثم اشتراه بألف مؤجلة إلى أبعد من ذلك الاجل فهو فاسد لما قلنا ولو باع عبدا بألف وقبضه المشترى ثم اشتراه البائع وعبدا آخر قبل نقد الثمن فان الثمن يقسم عليهما على قدر قيمتيهما ثم ينظر قان كانت حصة العبد الذى باعه مثل ثمنه أو أكثر جاز الشراء فيهما جميعا أما في الذى لم يبعه فظاهر وكذا في الذى باعه لانه اشترى ما باع بمثل ما باع أو بأكثر مما باع قبل نقد الثمن وانه جائز وان كان أقل من ثمنه يفسد البيع فيه ولا يفسد في الآخر لان الفساد لكونه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن وذلك وجد في أحدهما دون الآخر وهذا على أصلهما ظاهر وكذا على أصل أبى حنيفة فكان ينبغى أن يفسد فيهما لان من أصله ان الصفقة متى اشتملت على ابدال وفسدت في بعضها أن يتعدى الفساد إلى الكل كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما جميعا صفقة واحدة وانما لم يفسد فيهما لان الفساد هناك باعتبار انه لما جمع بين الحر والعبد وباعهما صفقة واحدة فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرطا لقبول العقد في الآخر والحر ليس بمحل لقبول العقد فيه بيقين فلا يصح القبول فيه فلا يصح في الآخر فلم ينعقد العقد أصلا والفساد ههنا باعتبار شراء ما باع باقل مما باع وذلك وجد في أحدهما دون الآخر فيفسد في أحدهما دون الآخر لان الاصل اقتصار الفساد على قدر المفسد ولهذا لو جمع بين عبدين وباع أحدهما إلى الحصاد أو الدياس أن البيع يفسد فيما

[ 201 ]

في بيعه أجل ولا يفسد في الاآخر وكذا لو جمع بين قن ومدبر وباعهما صفقة واحدة يصح البيع في القن ويفسد في المدبر لوجود المفسد في أحدهما دون الآخر كذا هذا (ومنها) قبض رأس المال في بيع الدين بالعين وهو السلم والكلام في السلم في الاصل في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ركنه والثانى في بيان شرائط الركن والثالث في بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز أما ركن السلم فهو لفظ السلم والسلف والبيع بان يقول رب السلم أسلمت اليك في كذا أو اسلفت لان السلم والسلف مستعملان بمعنى واحد يقال سلفت وأسلفت وأسلمت بمعنى واحد فإذا قال المسلم إليه قبلت فقد تم الركن وكذا إذا قال المسلم إليه بعت منك كذا وذكر شرائط السلم فقال رب السلم قبلت وهذا قول علمائنا الثلاثة وقال زفر لا ينعقد الا بلفظ السلم لان القياس أن لا ينعقد أصلا لانه بيع ما ليس عند الانسان وانه منهى عنه الا ان الشرع ورد بجوازه بلفظ السلم بقوله ورخص في السلم (ولنا) ان السلم بيع فينعقد بلفظ البيع والدليل على انه بيع ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عند الانسان عاما ورخص السلم بالرخصة فيه فدل ان السلم بيع ما ليس عند الانسان ليستقيم تخصيصه عن عموم النهى بالترخص فيه (فصل) وأما شرائط الركن فهى في الاصل نوعان نوع يرجع إلى نفس العقد ونوع يرجع إلى البدل (أما) الذى يرجع إلى نفس العقد فواحد وهو أن يكون العقد باتا عاريا عن شرط الخيار للعاقدين أو لاحدهما لان جواز البيع مع شرط الخيار في الاصل ثبت معدولا به عن القياس لانه شرط يخالف مقتضى العقد بثبوت الحكم للحال وشرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في الاصل الا انا عرفنا جوازه بالنص والنص ورد في بيع العين فبقى ما وراءه على أصل القياس خصوصا إذا لم يكن في معناه والسلم ليس في معنى بيع العين فيما شرع له الخيار لانه شرع لدفع الغبن والسلم مبناه على الغبن ووكس الثمن لانه بيع المفاليس فلم يكن في معنى مورد النص فورود النص هناك لا يكون ورودا ههنا دلالة فبقى الحكم فيه للقياس ولان قبض رأس المال من شرائط الصحة على ما نذكره ولا صحة للقبض الا في الملك وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك فيمنع المستحق صحة القبض بخلاف المستحق انه لا يبطل السلم حتى لو استحق رأس المال وقد افترقا عن القبض وأجاز المستحق فالسلم صحيح لانه لما اجاز تبين ان العقد وقع صحيحا من حين وجوده وكذا القبض إذ الاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة وبخلاف خيار الرؤية والعيب لانه لايمنع ثبوت الملك فلا يمنع صحة القبض ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق بابدانهما ورأس المال قائم في يد المسلم إليه ينقلب العقد جائزا عندنا خلافا لزفر وقد مرت المسألة وان كان هالكا أو مستهلكا لا ينقلب إلى الجواز بالاجماع لان رأس المال يصير دينا على المسلم إليه والسلم لا ينعقد برأس مال دين فلا ينعقد عليه أيضا (وأما) الذى يرجع إلى البدل فأنواع ثلاثة نوع يرجع إلى رأس المال خاصة ونوع يرجع إلى المسلم فيه خاصة ونوع يرجع اليهما جميعا (أما) الذى يرجع إلى رأس المال فأنواع (منها) بيان جنسه كقولنا دراهم أو دنانير أو حنطة أو تمر (ومنها) بيان نوعه إذا كان في البلد نقود مختلفة كقولنا دراهم فتحية أو دنانير نيسابورية أو حنطة سقية أو تمر برنى (ومنها) بيان صفته كقولنا جيدا ووسط أو ردئ لان جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية إلى المنازعة وانها مانعة صحة البيع لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم (ومنها) بيان قدره إذا كان مما يتعلق العقد بقدره من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة ولا يكتفى بالاشارة إليه وهذا قول أبى حنيفة وسفيان الثوري وأحد قولى الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد ليس بشرط والتعيين بالاشارة كاف وهو أحد قولى الشافعي رحمه الله ولو كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة لا يشترط اعلام قدره ويكتفى بالاشارة بالاجماع وكذا اعلام قدر الثمن في بيع العين ليس بشرط والاشارة كافية بالاجماع وصورة المسألة إذا قال أسلمت اليك هذه الدراهم أو هذه الدنانير ولا يعرف وزنها أو هذه الصبرة ولم يعرف كيلها لا يجوز عند أبى حنيفة وعندهما يجوز ولو قال

[ 202 ]

أسلمت اليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف عدده جاز بالاجماع (وجه) قولهما ان الحاجة إلى تعيين رأس المال وانه حصل بالاشارة إليه فلا حاجة إلى اعلام قدره ولهذا لم يشترط اعلام قدر الثمن في بيع العين ولا في السلم إذا كان رأس المال مما يتعلق العقد بقدره ولابي حنيفة رحمه الله ان جهالة قدر رأس المال تؤدى إلى جهالة قدر المسلم فيه وانها مفسدة للعقد فيلزم اعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن كما إذا أسلم في المكيل بمكيال نفسه بعينه ودلالة انها تؤدى إلى ما قلنا ان الدراهم على ما عليه العادة لا تخلو عن قليل زيف وقد يرد الاستحقاق على بعضها فإذا رد الزائف ولم يستبدل في مجلس الرد ولم يتجوز المستحق ينفسخ السلم في المسلم فيه بقدر المردود والمستحق ويبقى في الباقي وذلك غير معلوم فيصير المسلم فيه مجهول القدر ولهذا لم يصح السلم في المكيلات بقفيز بعينه لانه يحتمل هلاك القفيز فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصح كذا هذا بخلاف بيع العين فان الزيف والاستحقاق هناك لا يؤثر في العقد لان قبض الثمن غير مستحق وبخلاف الثياب والعدديات المتفاوتة لان القدر فيها ملحق بالصفة الا ترى انه لو قال أسلمت اليك هذا الثوب على انه عشرة أذرع فوجده المسلم إليه أحد عشر سلمت الزيادة له فثبت ان الزيادة فيها تجرى مجرى الصفة واعلام صفة رأس المال ليس بشرط لصحة السلم إذا كان معينا مشارا إليه وعلى هذا الخلاف إذا كان رأس المال جنسا واحدا مما يتعلق العقد على قدره فأسلمه في جنسين مختلفين كالحنطة والشعير أو نوعين مختلفين من جنس واحد كالهروي والمروى ولم يبين حصة كل واحد منهما فالسلم فاسد عند أبى حنيفة وعندهما جائز ولو كان جنسا واحدا مما لا يتعلق العقد على قدره كالثوب والعددي المتفاوت فأسلمه في شيئين مختلفين ولم يبين حصة كل واحد منهما من ثمن رأس المال فالثمن جائز بالاجماع ولو كان رأس المال من جنسين مختلفين أو نوعين مختلفين فأسلمهما في جنس واحد فهو على الاختلاف والكلام في هذه المسألة بناء على الاصل الذى ذكرنا ان كون رأس المال معلوم القدر شرط لصحة السلم عند أبى حنيفة وعندهما ليس بشرط (ووجه) البناء على هذا الاصل ان اعلام القدر لما كان شرطا عنده فإذا كان رأس المال واحدا وقوبل بشيئين مختلفين كان انقسامه عليهما من حيث القيمة لا من حيث الاجزاء وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف الا بالحزر والظن فيبقى قدر حصة كل واحد منهما من رأس المال مجهولا وجهالة قدر رأس المال مفسدة للسلم عنده وعندهما اعلام قدره ليس بشرط فجهالته لا تكون ضارة ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين جنسهما واحد ونوعهما واحد وصفتهما واحدة وطولهما واحد ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة فالسلم جائز بالاجماع (اما عندهما) فظاهر لان اعلام قدر رأس المال ليس بشرط وأما عنده فلان حصة كل واحد منهما من رأس المال تعرف من غير حزر وظن فكان قدر رأس المال معلوما وصار كما إذا أسلم عشرة دراهم في قفيزى حنطة ولم يبين حصة كل قفيز من رأس المال انه يجوز لما قلنا كذا هذا ولو قبض الثوبين بعد محل الاجل ليس له أن يبيع أحدهما مرابحة على خمسة دراهم عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد له ذلك وله أن يبيعهما جميعا مرابحة على عشرة بالاجماع وكذا لو كان بين حصة كل ثوب خمسة دراهم له أن يبيع أحدهما على خمسة مرابحة بلا خلاف ونذكر دلائل هذه الجملة في مسائل المرابحة ان شاء الله تعالى (ومنها) أن يكون مقبوضا في مجلس السلم لان المسلم فيه دين والافتراق لا عن قبض رأس المال يكون افتراقا عن دين بدين وانه منهى عنه لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ أي النسيئة بالنسيئة ولان مأخذ هذا العقد دليل على هذا الشرط فانه يسمى سلما وسلفا لغة وشرعا تقول العرب أسلمت وأسلفت بمعنى واحد وفى الحديث من أسلم فليسلم في كيل معلوم وروى من سلف فليسلف في كيل معلوم والسلم ينبئ عن التسليم والسلف ينبئ عن التقدم فيقتضى لزوم تسليم رأس المال ويقدم قبضه على قبض المسلم فيه فان قيل شرط الشئ يسبقه أو يقارنه والقبض يعقب العقد فكيف يكون شرطا فالجواب ان القبض شرط بقاء العقد على الصحة لا شرط الصحة فان العقد ينعقد صحيحا بدون قبض ثم يفسد بالافتراق لا عن قبض وبقاء العقد صحيحا يعقب

[ 203 ]

العقد ولا يتقدمه فيصلح القبض شرطا له وسواء كان رأس المال دينا أو عينا عند عامة العلماء استحسانا والقياس ان لا يشترط قبضه في المجلس إذا كان عينا وهو قول مالك رحمه الله (وجه) القياس ان اشتراط القبض للاحتراز عن الافتراق عن دين بدين وهذا افتراق عن عين بدين وانه جائز (وجه) الاستحسان ان رأس مال السلم يكون دينا عادة ولا تجعل العين رأس مال السلم الا نادرا والنادر حكمه حكم الغالب فيلحق بالدين على ما هو الاصل في الشرع في الحاق المفرد بالجملة ولان مأخذ العقد في الدلالة على اعتبار هذا الشرط لا يوجب الفصل بين الدين والعين على ما ذكرنا وسواء قبض في أول المجلس أو في آخره فهو جائز لان ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة وكذا لو لم يقبض حتى قاما يمشيان فقبض قبل أن يفترقا بأبدانهما جاز لان ما قبل الافتراق بأبدانهما له حكم المجلس وعلى هذا يخرج الابراء عن رأس مال السلم انه لا يجوز بدون قبول رب السلم لان قبض رأس المال شرط صحة السلم فلو جاز الابراء من غير قبوله وفيه اسقاط هذا الشرط أصلا لكان الابراء فسخا معنى وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ العقد فلا يصح الابراء وبقى عقد السلم على حاله وإذا قبل جاز الابراء لان الفسخ حينئذ يكون بتراضيهما وانه جائز وإذا جاز الابراء وانه في معنى الفسخ انفسخ العقد ضرورة بخلاف الابراء عن المسلم فيه انه جائز من غير قبول المسلم إليه لانه ليس في الابراء عنه اسقاط شرط لان قبض المسلم فيه ليس بشرط فيصح من غير قبول وبخلاف الابراء عن ثمن المبيع انه يصح من غير قبول المشترى الا انه يرتد بالرد لان قبض الثمن ليس بشرط لصحة البيع الا انه يرتد بالرد لان في الابراء معنى التمليك على سبيل التبرع فلا يلزم دفعا لضرر المنة ولا يجوز الابراء عن المبيع لانه عين والابراء اسقاط واسقاط الاعيان لا يعقل وعلى هذا يخرج الاستبدال برأس مال السلم في مجلس العقد انه لا يجوز وهو ان يأخذ برأس مال السلم شيأ من غير جنسه لان قبض رأس المال لما كان شرطا فبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة وانما يقبض بدله وبدل الشئ غيره وكذلك الاستبدال ببدل الصرف لما قلنا فان أعطى رب السلم من جنس رأس المال أجود أو أردأ أو رضى المسلم إليه بالاردء جاز لانه قبض جنس حقه وانما اختلف الوصف فان كان أجود فقد قضى حقه وأحسن في القضاء وان كان أردأ فقد قضى حقه أيضا لكن على وجه النقصان فلا يكون أخذ الاجود والاردإ استبدالا الا انه لا يجبر على أخذ الاردإ لان فيه فوات حقه عن صفة الجودة فلا بد من رضاه وهل يجبر على الاخذ إذا أعطاه أجود من حقه قال علماؤنا الثلاثة رحمهم الله يجبر عليه وقال زفر لا يجبر (وجه) قوله ان رب السلم في اعطاء الزيادة على حقه متبرع والمتبرع عليه لا يجبر على قبول التبرع لما فيه من الزام المنة فلا يلزمه من غير التزامه (ولنا) ان اعطاء الاجود مكان الجيد في قضاء الديون لا يعد فضلا وزيادة في العادات بل يعد من باب الاحسان في القضاء ولواحق الايفاء فإذا أعطاه الاجود فقد قضى حق صاحب الحق وأجمل في القضاء فيجبر على الاخذ (وأما) الاستبدال بالمسلم فيه بجنس آخر فلا يجوز أيضا لكن بناء على أصل آخر ذكرناه فيما تقدم وهو ان المسلم فيه مبيع منقول وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز وان أعطى أجود أو أردأ فحكمه حكم رأس المال وقد ذكرناه (وأما) استبدال رأس مال السلم بجنس آخر بعد الاقالة أو بعد انفساخ السلم العارض فلا يجوز عندنا خلافا لزفر ويجوز استبدال بدل الصرف بعد الاقالة بالاجماع وقد مر الكلام فيه والفرق فيما تقدم وتجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر والكفالة به لوجود ركن هذه العقود مع شرائط فيجوز كما في سائر العقود فلو امتنع الجواز فانما يمتنع لمكان الخلل في شرط عقد السلم وهو القبض وهذه العقود لا تخل بهذا الشرط بل تحققه لكونها وسائل إلى استيفاء الحق فكانت مؤكدة له هذا مذهب أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر لا يجوز لان هذه العقود شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس فلا يحصل ما شرع له العقد فلا يصح وهذا غير سديد لان معنى التوثيق يحصل في الحقين جميعا فجاز العقد فيهما جميعا ثم إذا جازت الحوالة والكفالة فان قبض المسلم إليه رأس مال السلم من المحال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما إذا كانا في المجلس سواء بقى الحويل والكفيل أو افترقا بعد ان كان العاقدان في المجلس وان افترقا العاقدان بأنفسهما قبل القبض

[ 204 ]

بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة وان بقى المحال عليه والكفيل في المجلس فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما لان القبض من حقوق العقد وقيام العقد بالعاقدين فكان المعتبر مجلسهما وعلى هذا الحوالة والكفالة ببدل الصرف انهما جائزان لما قلنا لكن التقابض من الجانبين قبل تفرق العاقدين بابدانهما شرط وافتراق المحال عليه والكفيل لا يضر لما ذكرنا فان افترق العاقدان بابدانهما قبل التقابض من الجانبين بطل الصرف وبطلت الحوالة والكفالة كما في السلم (وأما) الرهن برأس مال السلم فان هلك الرهن في المجلس وقيمته مثل رأس المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما لانه حصل مستوفيا لرأس المال لان قبض الرهن قبض استيفاء لانه قبض مضمون وقد تقرر الضمان بالهلاك وعلى الراهن مثله من جنسه في المالية فيتقاصان فحصل الافتراق عن قبض رأس المال فتم عقد السلم وان كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل في الباقي لانه استوفى من رأس المال بقدره وان لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال وعليه رد الرهن على صاحبه وكذا هذا الحكم في بدل الصرف إذا أخذ به رهنا انه ان هلك الرهن قبل افتراق العاقدين بابدانهما تم عقد الصرف لانه بالهلاك صار مستوفيا وان لم يهلك حتى افترقا بطل الصرف لفوات شرط الصحة وهو القبض كما في السلم والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا كان رأس المال دينا على المسلم إليه أو على غيره فاسلمه انه لا يجوز لان القبض شرط ولم يوجد حقيقة فيكون افتراقا عن دين بدين وانه منهى فان نقده في المجلس جاز ان كان الدين على المسلم إليه ولان المانع ههنا ليس الا انعدام القبض حقيقة وقد زال وان كان على غيره لا يجوز وان نقده في المجلس لكن هناك مانع آخر وهو العجز عن التسليم لان ما في ذمة الغير لا يكون مقدور التسليم والقدرة على التسليم عند العقد من شرائط الصحة على ما مر وهذا المانع منعدم في الفصل الاول لان ذمة المسلم إليه في يده فكان قادرا على التسليم عند العقد وانما لم يجز لعدم القبض وإذا وجد جاز ولو أسلم دينا وعينا وافترقا جاز في حصة العين وبطل في حصة الدين لان الاصل ان الفساد بقدر المفسد والمفسد عدم القبض وانه يخص الدين فيفسد السلم بقدره كما لو اشترى عبدين ولم يقبضهما حتى هلك أحدهما قبل القبض انه يبطل العقد في الهالك ويبقى في الآخر لما قلنا كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا قبض رأس المال ثم انتقص القبض فيه بمعنى أوجب انتقاصه انه يبطل السلم وبيان ذلك ان جملة رأس المال لا تخلو اما أن تكون عينا وهو ما يتعين بالتعيين واما أن تكون دينا وهو ما لا يتعين بالتعيين والعين لا تخلو اما أن توجد مستحقا أو معيبا والدين لا يخلو اما أن يوجد مستحقا أو زيوفا أو نبهرهة أو ستوقا أو رصاصا وكل ذلك لا يخلو اما أن يكون قبل الافتراق أو بعده وجد كله كذلك أو بعضه دون بعض وكذلك أحد المتصارفين إذا وجد بدل الصرف كذلك فهو على التفاصيل التى ذكرنا فان كان رأس المال عينا فوجده المسلم إليه مستحقا أو معيبا فان لم يجز المستحق ولم يرض المسلم إليه بالعيب يبطل السلم سواء كان بعد الافتراق أو قبله لانه انتقض القبض فيه بالاستحقاق والرد بالعيب ولا يمكن اقامة غيره مقامه في القبض لانه معين فيحصل الافتراق لا عن قبض رأس المال في المجلس فيبطل السلم وان أجاز المستحق ورضى المسلم إليه بالعيب جاز السلم سواء كان قبل الافتراق أو بعده لانه تبين ان قبضه وقع صحيحا فحصل الافتراق عن قبض رأس المال أولا ولا سبيل للمستحق على المقبوض لانه لما أجاز فقد صار المقبوض ملكا للمسلم إليه وله أن يرجع على الناقد بمثله ان كان مثليا وبقيمته ان لم يكن مثليا لانه أتلف عليه ماله بالتسليم وكذا في الصرف غير أن هناك إذا كان البدل المتسحق أو المعيب عينا كالتبر والمصوغ من الفضة ولم يجز المستحق ولا رضى القابض بالمعيب حتى بطل الصرف يرجع على قابض الدينار بعين الدينار ان كان قائما وبمثله ان كان هالكا ولا خيار لقابض الدينار في ظاهر الرواية كما في بيع العين إذا استحق المبيع وأخذه المستحق ولو كان قابض الدينار تصرف فيه وأخرجه من ملكه لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في المقبوض بعقد فاسد هذا إذا كان رأس المال عينا فاما إذا كان دينا فان وجده مستحقا وأجاز المستحق فالسلم ماض سواء كان قبل الافتراق أو بعده لانه ظهر ان القبض كان صحيحا ولا

[ 205 ]

سبيل للمشترى على المقبوض ويرجع على الناقد بمثله لانه أتلفه بالتسليم وهو مثلى فيرجع عليه بمثله وان لم يجز فان كان قبل الافتراق واستبدل في المجلس فالسلم ماض لان رأس المال إذا كان دينا كان الواجب في ذمة رب السلم مثل المستحق لا عينه فقبض المستحق ان لم يصح أو انتقض بالاستحقاق وعدم الاجازة يقوم قبض مثله مقامه فيرجع عليه بمثله ويلحق ذلك الذى كان بالعدم كأنه لم يقبض وأخر القبض فيه إلى آخر المجلس بخلاف ما إذا كان عينا لان المستحق هناك قبض العين وقد انتقض القبض فيه بالاستحقاق وتعذر اقامة قبض غيره مقامه فجعل الافتراق لا عن قبض فيبطل العقد وان كان بعد الافتراق يبطل السلم لانه تبين ان الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال هذا إذا وجده مستحقا فاما إذا وجده زيوفا أو نبهرجة فان تجوز المسلم إليه فالسلم ماض على الصحة سواء وجده قبل الافتراق أو بعده لان الزيوف من جنس حقه لانها دراهم لكنها معيبة بالزيافة وفوات صفة الجودة فإذا تجوز به فقد أبرأه عن العيب ورضى بقبض حقه مع النقصان بخلاف الستوق فانه لا يجوز وان تحوز به لانه ليس من جنس الدراهم على ما نذكره وان لم يتجوز به ورده فان كان قبل الافتراق واستبدله في المجلس فالعقد ماض وجعل كانه أخر القبض إلى آخر المجلس وان كان بعد الافتراق بطل السلم عند أبى حنيفة وزفر سواء استبدل في مجلس الرد أو لا وعند أبى يوسف ومحمد ان لم يستبدل في مجلس الرد فكذلك وان استبدل لا يبطل السلم (وجه) قولهما ان قبض الزيوف وقع صحيحا لانه قبض جنس الحق الا يرى انه لو تجوز بها جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز كالستوق الا انه فاتته صفة الجودة بالزيافة فكانت من جنس حقه أصلا لا وصفا فكانت الزيافة فيها عيبا والمعيب لا يمنع صحة القبض كما في بيع العين إذا كان المبيع معيبا وبالرد ينتقض القبض لكن مقصورا على حالة الرد ولا يستند الانتقاض إلى وقت القبض فيبقى القبض صحيحا كان ينبغى ان لا يشترط قبض بدله في مجلس الرد لان المستحق بعقد السلم القبض مرة واحدة الا انه شرط لان للرد شبها بالعقد حيث لا يجب القبض في مجلس الرد الا بالرد كما لا يجب القبض في مجلس العقد الا بالعقد فالحق مجلس الرد بمجلس العقد (وجه) قول أبى حنيفة وزفر رحمهما الله ان الزيوف من جنس حق المسلم إليه لكن أصلا لا وصفا ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه عن الوصف فكان حقه في الاصل والوصف جميعا فصار بقبض الزيوف قابضا حقه من حيث الاصل لا من حيث الوصف الا انه الا إذا رضى به فقد أسقط حقه عن الوصف وتبين ان المستحق هو قبض الاصل دون الوصف لابرائه اياه عن الوصف فإذا قبضه فقد قبض حقه فيبطل المستحق وان لم يرض به تبين انه لم يقبض حقه لان حقه في الاصل والوصف جميعا فتبين ان الافتراق حصل لا عن قبض رأس مال السلم هذا إذا وجده زيوفا أو نبهرجة فاما إذا وجده ستوقا أو رصاصا فان وجده بعد الافتراق بطل السلم لان الستوق ليس من جنس الدراهم الا يرى انها لا تروج في معاملات الناس فلم تكن من جنس حقه أصلا ووصفا فكان الافتراق عن المجلس لا عن قبض رأس المال فيبطل السلم وسواء تجوز به أو لا لانه إذا لم يكن من جنس حقه كان التجوز به استبدالا برأس مال السلم قبل القبض وانه لا يجوز بخلاف الزيوف فانها من جنس حقه على ما بينا وان وجده في المجلس فاستبدل فالسلم ماض لان قبضه وان لم يصح فقد بقى الواجب في ذمة رب السلم دراهم هي حق المسلم إليه فإذا قبضها فقد قبض حقه في المجلس والتحق قبض الستوق بالعدم كأنه لم يقبض أصلا وأخر قبض رأس المال إلى آخر المجلس وكذا في الصرف غير ان هناك إذا ظهر ان الدراهم ستوقة أو رصاص بعد الافتراق عن المجلس حتى بطل الصرف فقابض الدينار يسترد دراهمه الستوقة وقابض الدراهم يسترد من قابض الدينار عين ديناره ان كان قائما ومثله ان كان هالكا ولا خيار لقابض الدينار كذا ذكر محمد في الاصل لانه إذا ظهر ان المقبوض ستوقة أو رصاص فقد ظهر ان قبضه لم يصح فتبين ان الافتراق حصل لا عن قبض فيبطل السلم وبقى الدينار في يده من غير سبب شرعى فأشبه يد الغصب واستحقاق المبيع في بيع العين وهناك يسترد عينه ان كان قائما كذا ههنا وطعن عيسى بن أبان وقال ينبغى أن يكون قابض الدينار بالخيار ان شاء رد عين الدينار وان شاء

[ 206 ]

رد مثله ولا يستحق عليه رد عين الدينار وان كان قائما لانه لم يكن متعينا في العقد فلا يكون متعينا في الفسخ والاعتبار باستحقاق المبيع غير سديد لان هناك ظهر بطلان العقد من الاصل لانه إذا لم يجز المستحق تبين ان العقد وقع باطلا من حين وجوده وهناك العقد وقع صحيحا وانما بطل في السمتقبل لعارض طرأ عليه بعد الصحة فلا يظهر بطلانه من الاصل وبعض مشايخنا أخذوا بقول عيسى ونصروه وحملوا جواب الكتاب على ما إذا اختار قابض الدينار رد عين الدينار والله سبحانه وتعالى أعلم هذا الذى ذكرنا إذا وجد المسلم إليه كل رأس المال مستحقا أو معيبا أو زيوفا أو ستوقا فأما إذا وجد بعضه دون بعض ففى الاستحقاق إذا لم يجز المستحق ينقص العقد بقدر المستحق سواء كان رأس المال عينا أو دينا بلا خلاف لان القبض انتقص فيه بقدره وكذا في الستوق والرصاص فبطل العقد بقدره قليلا كان أو كثيرا بالاجماع لما قلنا وكذا هذا في الصرف غير ان هناك قابض الستوقة يصير شريكا لقابض الدينار في الدينار الذى دفعه بدلا عن الدراهم فيرجع عليه بعينه وعلى قول عيسى قابض الدينار بالخيار على ما ذكرنا وأما في الزيوف والنبهرجة فقياس قول أبى حنيفة رحمه الله أن ينقص العقد بقدره إذا لم يتجوز ورده استبدل في مجلس الرد أو لا وهو قول زفر لانه تبين ان قبض المردود لم يصح فتبين ان الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال في قدر المردود فيبطل السلم بقدره الا أنه استحسن في القليل وقال ان كان قليلا فرده واستبدل في ذلك المجلس فالعقد ماض في الكل وان كان كثيرا يبطل العقد بقدر المردود لان الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرز عنه لان الدراهم لا تخلو عن ذلك فكانت ملحقة بالعدم بخلاف الكثير واختلفت الرواية عن أبى حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير مع اتفاق الروايات على أن الثلث قليل وفى رواية عنه ان ما زاد على الثلث يكون كثيرا وفى رواية النصف وفى رواية عنه الزائد على النصف وكذا هذا في الصرف غير أن هناك إذا كثرت الزيوف فرد حتى بطل العقد في قدر المردود عند أبى حنيفة يصير شريكا لقابض الدينار فيسترد منه عينه وعلى قول عيسى قابض الدينار بالخيار على ما بينا ولو كان تصرف فيه أو أخرجه عن ملكه لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في البيع الفاسد على ما مر وكل جواب عرفته في السلم والصرف فهو الجواب في عقد تتعلق صحته بالقبض قبل الافتراق مما سوى الصرف والسلم كمن كان له على آخر دنانير فصالح منها على دراهم أو كان له على آخر مكيل أو موزون موصوف في الذمة أو غيرهما مما يثبت مثله في الذمة دينا فصالح منها على دراهم أو نحو ذلك من العقود مما يكون قبض الدراهم فيه قبل الافتراق عن المجلس شرطا لصحة العقد فقبض الدراهم ثم وجدها مستحقة أو زيوفا أو نبهرجة أو ستوقة أو رصاصا كلها أو بعضها قبل الافتراق أو بعده والله سبحانه تعالى أعلم وعلى هذا تخرج مقاصة رأس مال السلم بدين آخر على المسلم إليه بان وجب على المسلم إليه دين مثل رأس المال انه هل يصير رأس المال قصاصا بذلك الدين أم لا فهذا لا يخلو اما ان وجب دين آخر بالعقد واما ان وجب بعقد متقدم على عقد السلم واما ان وجب بعقد متأخر عنه فان وجب بعقد متقدم على السلم بان كان رب السلم باع المسلم إليه ثوبا بعشرة دراهم ولم يقبض العشرة حتى أسلم إليه عشرة دراهم في كر حنطة فان جعلا الدينين قصاصا أو تراضيا بالمقاصة يصير قصاصا وان أبى أحدهما لا يصير قصاصا وهذا استحسان والقياس أن لا يصير قصاصا كيف ما كان وهو قول زفر (وجه) قوله ان قبض رأس المال شرط والحاصل بالمقاصة ليس بقبض حقيقة فكان الافتراق حاصلا لا عن قبض رأس المال فبطل السلم (ولنا) ان العقد ينعقد موجبا للقبض حقيقة لولا المقاصة فإذا تقاصا تبين ان العقد انعقد موجبا قبضا بطريق المقاصة وقد وجد ونظيره ما قلنا في الزيادة في الثمن والمثمن انها جائزة استحسانا وتلتحق بأصل العقد لان بالزيادة تبين ان العقد وقع على المزيد عليه وعلى الزيادة جميعا كذا هذا وان وجب بعقد متأخر عن السلم لا يصير قصاصا وان جعلاه قصاصا الا رواية عن أبى يوسف شاذة لان بالمقاصة لا يتبين ان العقد وقع موجبا قبضا بطريق المقاصة من حين وجوده لان المقاصة تستدعى قيام دينين ولم يكن عند عقد السلم الا دين واحد فانعقد موجبا حقيقة القبض وانه لا يحصل بالمقاصة هذا إذا وجب الدين بالعقد فأما إذا وجب بالقبض كالغصب

[ 207 ]

والقرض فانه يصير قصاصا سواء جعلاه قصاصا أو لا بعد ان كان وجوب الدين الآخر متأخرا عن العقد لان العقد ان انعقد موجبا قبضا حقيقة فقد وجد ههنا لكن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة فيجعل عن قبض رأس المال لانه واجب وقبض الغصب محظور وقبض القرض ليس بواجب فكان ايقاعه عن الواجب أولى بخلاف ما تقدم لان هناك لم يوجد القبض حقيقة والقبض بطريق المقاصة يمكن في أحد الفصلين دون الآخر على ما بينا والله عز وجل أعلم هذا إذا تساوى الدينان فاما إذا تفاضلا بان كان أحدهما أفضل والاخر أدون فرضى أحدهما بالقصاص وأبى الآخر فانه ينظر ان أبى صاحب الافضل لا يصير قصاصا لان حقه في الجودة معصوم محترم فلا يجوز ابطاله عليه من غير رضاه وان أبى صاحب الادون يصير قصاصا لانه لما رضى به صاحب الافضل فقد أسقط حقه عن الفضل كانه قضى دينه فأعطاه أجود مما عليه وهناك يجبر على الاخذ كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك المقاصة في ثمن الصرف تخرج على هذه التفاصيل التى ذكرناها في رأس مال السلم فافهم والله الموفق للصواب ثم ما ذكرنا من اعتبار هذا الشرط وهو قبض رأس المال حال بقاء العقد فأما بعد ارتفاعه بطريق الاقالة أو بطريق آخر فقبضه ليس بشرط في مجلس الاقالة بخلاف القبض في مجلس العقد وقبض بدل الصرف في مجلس الاقالة انه شرط لصحة الاقالة كقبضهما في مجلس العقد (ووجه) الفرق أن القبض في مجلس العقد في البابين ما هو شرط لعينه وانما هو شرط للتعيين وهو أن يصير البدل معينا بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين بدين على ما بينا ولا حاجة إلى العتيين في مجلس الاقالة في السلم لانه لا يجوز استبداله فيعود إليه عينه فلا تقع الحاجة إلى التعيين بالقبض فكان الواجب نفس القبض فلا يراعى له المجلس بخلاف الصرف لان التعيين لا يحصل الا بالقبض لان استبداله جائز فلا بد من شرط القبض في المجلس ليتعين والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما الذى يرجع إلى المسلم فيه فأنواع أيضا (منها) أن يكون معلوم الجنس كقولنا حنطة أو شعير أو تمر (ومنها) أن يكون معلوم النوع كقولنا حنطة سقية أو نحسية تمر برنى أو فارسي هذا إذا كان مما يختلف نوعه فان كان مما لا يختلف فلا يشترط بيان النوع (ومنها) أن يكون معلوم الصفة كقولنا جيد أو وسط أو ردئ (ومنها) أن يكون معلم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع لان جهالة النوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة وانها مفسدة للعقد وقال النبي عليه الصلاة والسلام من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (ومنها) أن يكون معلوم القدر بكيل أو وزن أو ذرع يؤمن عليه فقده عن ايدى الناس فان كان لا يؤمن فالسلم فاسد بان أعلم قدره بمكيال لا يعرف عياره بان قال بهذا الاناء ولا يعلم كم يسع فيه أو بحجر لا يعرف عياره بان قال بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة لا يعرف قدرها بان قال بهذه الخشبة ولا يعرف مقدارها أو بذراع يده ولو كان هذا في بيع العين بان قال بعتك من هذه الصبرة مل ء هذا الاناء بدرهم أو من هذا الزيت وزن هذا الحجر بدرهم يجوز في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله انه لا يجوز في بيع العين أيضا كما لا يجوز في السلم وروى عن أبى يوسف انه كان يقول أولا لا يجوز ثم رجع وقال يجوز (وجه) هذه الرواية ان هذا البيع مكايلة والعلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة ولم يوجد فيفسد كما لو باع قفزانا من هذه الصبرة ولظاهر الرواية الفرق بين السلم وبين بيع العين (ووجه) الفرق بيهما من وجهين أحدهما ان التسليم في باب السلم لا يجب عقيب العقد وانما يجب بعد محل الاجل فيحتمل أن يملك الاناء قبل محل الاجل وهذا الاحتمال ان لم يكن غالبا فليس بنادر أيضا وإذا هلك يصير المسلم فيه مجهول القدر بخلاف بيع العين لانه يوجب التسليم عقيب العقد وهلاك القفيز عقيب العقد بلا فصل نادر والنادر ملحق بالعدم فلا يصير المبيع مجهول القدر والثانى ان القدرة على تسليم المبيع شرط انعقاد العقد وصحته والقدرة على التسليم عند العقد فائتة في باب السلم لان السلم بيع المفاليس وفى ثبوت القدرة عند محل الاجل شك قد تثبت وقد لا تثبت لانه ان بقى المكيال والحجر والخشبة تثبت وان لم يبق لا يقدر فوقع

[ 208 ]

الشك في ثبوت القدرة فلا تثبت بالشك على الاصل المعهود في غير الثابت بيقين إذا وقع الشك في ثبوته انه لا يثبت بخلاف بيع العين لان هناك القدرة على التسليم ثابتة عند العقد وفى فواتها بالهلاك شك فلا تفوت بالشك على الاصل المعهود في الثابت بيقين إذا وقع الشك في زواله أنه لا يزول بالشك وأما قوله ان العلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة فنقول العلم بذلك لا يشترط لعينه بل لصيانة العقد عن الجهالة المفضية إلى المنازعة وهذا النوع من الجهالة لا يفضى إلى المنازعة لامكان الوصول إلى العلم بقدر المبيع بالكيل للحال بخلاف بيع قفزان من الصبرة لان هناك لا طريق للوصول إلى العلم بمقدار المبيع فالمشترى يطلبه بزيادة والبائع لا يعطيه فيتنازعان فكانت الجهالة مفضية إلى المنازعة فهو الفرق بين الفصلين وقيل انما يجوز هذا في بيع العين إذا كان الاناء من خزف أو خشب أو حدبد أو نحو ذلك لانه لا يحتمل الزيادة والنقصان وأما إذا كان مثل الزنبيل والجوالق والغرارة ونحو ذلك فلا يجوز لانه يحتمل الزيادة والنقصان والله سبحانه وتعالى أعلم ولو كان المسلم فيه مكيلا فاعلم قدره بالوزن المعلوم أو كان موزونا فاعلم قدره بالكيل المعلوم جاز لان الشرط كونه معلوم القدر بمعيار يؤمن فقده وقد وجد بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنا بوزن متساويا في الوزن أو باع الموزون بالموزون كيلا بكيل متساويا في الكيل انه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن لان شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر والعلم بالقدر كما يحصل باالكيل يحصل بالوزن فأما شرط الكيل والوزن في الاشياء التى ورد الشرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين ثبت نصا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل والله عزوجل أعلم (ومنها) أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى بعد الوصف الا تفاوت يسير فان كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش لا يجوز السلم فيه لانه إذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقى مجهول القدر أو الوصف جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة وانها مفسدة للعقد وبيان ذلك انه يجوز السلم في المكيلات والموزونات التى تحتمل التعيين والعدديات المتقاربة أما المكيلات والموزونات فلانها ممكنة الضبط قدرا وصفة على وجه لا يبقى بعد الوصف بينه وبين جنسه ونوعه الا تفاوت يسير لانها من ذوات الامثال وكذلك العدديات المتقاربة من الجوز والبيض لان الجهالة فيها يسيرة لا تفضى إلى المنازعة وصغير الجوز والبيض وكبيرهما سواء لانه لا يجرى التنازع في ذلك القدر من التفاوت بين الناس عادة فكان ملحقا بالعدم فيجوز السلم فيها عددا وكذلك كيلا وهذا عندنا وقال زفر لا يجوز (وجه) قوله ان الجوز والبيض مما يختلف ويتفاوت في الصغر والكبر حتى يشترى الكبير منها باكثر مما يشترى الصغير فأشبه البطيخ والرمان (ولنا) ان التفاوت بين صغير الجوز وكبيره يسيرا عرض الناس عن اعتباره فكان ساقط العبرة ولهذا كان مضمونا بالمثل عند الاتلاف بخلاف الرمان والبطيخ فان التفاوت بين آحاده تفاوت فاحش ولهذا كان مضمونا بالقيمة (وأما) السلم في الفلوس عددا فجائز عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يجوز بناء على ان الفلوس اثمان عنده فلا يجوز السلم فيها كما لا يجوز السلم في الدراهم والدنانير وعندهما ثمنيتها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال لانها ثبتت بالاصطلاح فتزول بالاصطلاح واقدام العاقدين على عقد السلم فيها مع علمهما أنه لا صحة للسلم في الاثمان اتفاق منهما على اخراجها عن صفة الثمنية فتبطل ثمنيتها في حق العاقدين سابقا على العقد وتصير سلعا عددية فيصح السلم فيها كما في سائر السلع العددية كالنصال ونحوها (وأما) الذرعيات كالثياب والبسط والحصير والبواري ونحوها فالقياس أن لا يجوز السلم فيها لانها ليست من ذوات الامثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب ولهذا لم تضمن بالمثل في ضمان العدديات بل بالقيمة فاشبه السلم في اللآلئ والجواهر الا انا استحسنا الجواز لقوله عزوجل في آية الدين ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله والمكيل والموزون لا يقال فيه الصغير والكبير وانما يقال ذلك في الذرعيات والعدديات ولان الناس تعاملوا السلم في الثياب لحاجتهم إلى ذلك فيكون اجماعا منهم على الجواز فيترك القياس بمقابلته ولانه إذا بين جنسه وصفته ونوعه

[ 209 ]

ورفعته وطوله وعرضه يتقارب التفاوت فيلحق بالمثل في باب السلم شرعا لحاجة الناس ولا حاجة إلى الالحاق بالمثل في باب الاستهلاك مع ما ان هذا الاعتبار غير سديد لانه قد يحتمل في المعاملات من التفاوت اليسير ما لا يحتمل مثله في الاتلافات فان الاب إذا باع مال ولده بغبن يسير جاز ولا يضمن ولو أتلف عليه شيأ يسيرا من ماله يضمن فلا يستقيم الاستبدال هذا إذا أسلم في ثوب الكرباس أو الكتان فاما إذا أسلم في ثوب الحرير فهل يشترط فيه بيان الوزن بعد بيان الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض ان كان مما تختلف قيمته باختلاف وزنه من القلة والكثرة بعد التساوى في الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض يشترط لان بعد بيان هذه الاشياء تبقى جهالته مفضية إلى المنازعة وان كان مما لا يختلف يجوز لان جهالة الوزن فيه لا تفضى إلى المنازعة ولا يجوز السلم في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلئ والجوز والجلود والادم والرؤس والاركاع والبطيخ والقثاء والرمان والسفرجل ونحوها من العدديات المتفاوتة لانه لا يمكن ضبطها بالوصف إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة لتفاوت فاحش بين جوهر وجوهر ولؤلؤ ولؤلؤ وحيوان وحيوان وكذا بين جلد وجلد ورأس ورأس في الصغر والكبر والسمن والهزال وقال الشافعي رحمه الله يجوز السلم في الحيوان (وجه) قوله ان المانع من الجواز هنا جهالة المسلم فيه وقد زالت ببيان الجنس والنوع والصفة والسن لان الحيوان معلوم الجنس والنوع والصفة فكان مضبوط الوصف والتفاوت فيما وراء ذلك لا يعتبر ولهذا وجب دينا في الذمة في النكاح فاشبه الثياب (ولنا) ان بعد بيان هذه الاشياء يبقى بين فرس وفرس تفاوت فاحش في المالية فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة وانها مانعة صحة العقد لما ذكرنا من الوجوه فيما قبل وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان والسلف والسلم واحد في اللغة والاعتبار بالنكاح غير سديد لانه يتحمل جهالة لا يتحملها البيع ألا ترى أنه يصح من غير ذكر البدل وببدل مجهول وهو مهر المثل ولا يصح البيع الا ببدل معلوم فلا يستقيم الاستدلال ولا يجوز السلم في التبن أحمالا أو أوقارا لان التفاوت بين الحمل والحمل والوقر والوقر مما يفحش الا إذا أسلم فيه بقبان معلوم من قبابين التجار فلا يختلف فيجوز ولا يجوز السلم في الحطب حزما ولا أوقارا للتفاوت الفاحش بين حزمة وحزمة ووقر ووقر وكذا في القصب والحشيش والعيدان الا إذا وصفه بوصف يعرف ويتقارب التفاوت فيجوز ويجوز السلم في اللبن والآجر إذا سمى ملبنا معلوما لا يختلف ولا يتفاوت الا يسيرا وكذا في الطوابيق إذا وصفها بوصف يعرف على وجه لا يبقى بعد الوصف جهالة مفضية إلى المنازعة لان الفساد للجهالة فإذا صار معلوما بالوصف جاز وكذا في طشت أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك ان كان يعرف يجوز وان كان لا يعرف لا يجوز لان المسلم فيه دين حقيقة والدين يعرف بالوصف فان كان مما يحصل تمام معرفته بالوصف بان لم تبق فيه جهالة مفضية إلى المنازعة جاز السلم فيه والا فلا ولو استصنع رجل شيأ من ذلك بغير أجل جاز استحسانا والكلام في الاستصناع في مواضع في بيان جوازه انه جائز أم لا وفى بيان شرائط جوازه وفى بيان كيفية جوازه وفى بيان حكمه (أما) الاول فالقياس يأبى جواز الاستصناع لانه بيع المعدوم كالسلم بل هو أبعد جوازا من السلم لان المسلم فيه تحتمله الذمة لانه دين حقيقة والمستصنع عين توجد في الثاني والاعيان لا تحتملها الذمة فكان جواز هذا العقد أبعد عن القياس عن السلم وفى الاستحسان جاز لان الناس تعاملوه في سائر الاعصار من غير نكير فكان اجماعا منهم على الجواز فيترك القياس ثم هو بيع عند عامة مشايخنا وقال بعضهم هو عدة وليس بسديد لان محمدا ذكر القياس والاستحسان في جوازه وذكر القياس والاستحسان لا يليق بالعدات وكذا ثبت خيار الرؤية للمستصنع وأنه من خصائص البيوع وكذا من شرط جوازه أن يكون فيما للناس فيه تعامل والعدات لا يتقيد جوازها بهذه الشرائط فدل ان جوازه جواز البياعات لا جواز العدات والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) شرائط جوازه (فمنها) بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وصفته لانه مبيع فلا بد وأن يكون معلوما والعلم انما يحصل باشياء (منها) أن يكون ما للناس فيه تعامل كالقلنسوة

[ 210 ]

والخف والآنية ونحوها فلا يجوز فيما لا تعامل لهم فيه كما إذا أمر حائكا أن يحوك له ثوبا بغزل نفسه ونحو ذلك مما لم تجر عادات الناس بالتعامل فيه لان جوازه مع ان القياس يأباه ثبت بتعامل الناس فيختص بما لهم فيه تعامل ويبقى الامر فيما وراء ذلك موكولا إلى القياس (وأما) كيفية جوازه فهى أنه عقد غير لازم في حق كل واحد منهما قبل رؤية المستصنع والرضا به حتى كان للصانع أن يمتنع من الصنع وأن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع وللمستصنع أن يرجع أيضا لان القياس أن لا يجوز أصلا الا ان جوازه ثبت استحسانا بخلاف القياس لحاجة الناس وحاجتهم قبل الصنع أو بعده قبل رؤية المستصنع والرضا به أقرب إلى الجواز دون اللزوم فيبقى اللزوم قبل ذلك على أصل القياس (وأما) حكم الاستصناع فحكمه في حق المستصنع إذا أتى الصانع بالمستصنع على الصفة المشروطة ثبوت ملك غير لازم في حقه حتى يثبت له خيار الرؤية إذا رآه ان شاء أخذه وان شاء تركه وفى حق الصانع ثبوت ملك لازم إذا رآه المستصنع ورضى به ولا خيار له وهذا جواب ظاهر الرواية وروى عن أبى حنيفة أنه غير لازم في حق كل واحد منهما حتى يثبت لكل واحد منهما الخيار وروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه لازم في حقهما حتى لا خيار لاحدهما لا للصانع ولا للمستصنع أيضا (وجه) رواية ابى يوسف ان في اثبات الخيار للمستصنع اضرارا بالصانع لانه قد أفسد متاعه وفرى جلده وأتى بالمستصنع على الصفة المشروطة فلو ثبت له الخيار لتضرر به الصانع فيلزم دفعا للضرر عنه (وجه) الرواية الاولى ان في اللزوم اضرارا بهما جميعا أما اضرار الصانع فلما قال أبو يوسف وأما ضرر المستصنع فلان الصانع متى لم يصنعه واتفق له مشتر يبيعه فلا تندفع حاجة المستصنع فيتضرر به فوجب ان يثبت الخيار لهما دفعا للضرر عنهما (وجه) ظاهر الرواية وهو اثبات الخيار للمستصنع لا للصانع ان المستصنع مشتر شيأ لم يره لان المعقود عليه وهو المستصنع وان كان معدوما حقيقة لكنه جعل موجودا شرعا حتى جاز العقد استحسانا ومن اشترى شيأ لم يره فهو بالخيار إذا رآه والصانع بائع شيأ لم يره فلا خيار له ولان الزام حكم العقد في جانب المستصنع اضرار لان من الجائز أن لا يلائمه المصنوع ولا يرضى به فلو لزمه وهو مطالب بثمنه فيحتاج إلى بيعه من غيره ولا يشترى منه بمثل قيمته فيتضرر به وليس في الالزام في جانب الصانع ضرر لانه ان لم يرض به المستصنع يبيعة من غيره بمثل قيمته وذلك ميسر عليه لكثرة ممارسته هذا إذا استصنع شيأ ولم يضرب له أجلا فاما إذا ضرب له أجلا فانه ينقلب سلما عند أبى حنيفة فلا يجوز الا بشرائط السلم ولا خيار لواحد منهما كما في السلم وعندهما هو على حاله استصناع وذكره الاجل للتعجيل ولو ضرب الاجل فيما لا تعامل فيه ينقلب سلما بالاجماع (وجه) قولهما ان هذا استصناع حقيقة فلو صار سلما انما يصير بذكره المدة وأنه قد يكون للاستعجال كما في الاستصناع فلا يخرج عن كونه استصناعا مع الاحتمال ولابي حنيفة ان الاجل في البيع من الخصائص اللازمة للسلم فذكره يكون ذكر للسلم معنى وان لم يذكره صريحا كالكفالة بشرط براءة الاصيل انها حوالة معنى وان لم يأت بلفظ الحوالة وقوله ذكر الوقت قد يكون للاستعجال قلنا لو حمل على الاستعجال لم يكن مفيدا لان التعجيل غير لازم ولو حمل على حقيقة التأجيل لكان مفيدا لانه لازم فكان الحمل عليه أولى ولا يجوز السلم في اللحم في قول أبى حنفية وقال أبو يوسف ومحمد يجوز إذا بين جنسه ونوعه وصفته وقدره وسنه وموضعه لان الفساد لمكان الجهالة وقد زالت ببيان هذه الاشياء ولهذا كان مضمونا بالمثل في ضمان العدوان ولابي حنيفة ان الجهالة تبقى بعد بيان ما ذكرناه من وجهين (أحدهما) من جهة الهزال والسمن (والثانى) من جهة قلة العظم وكثرته وكل واحدة منهما مفضية إلى المنازعة وقياس الوجه الثاني أنه لو أسلم في منزوع العظم يجوز وهو رواية الكرخي عن أبى حنيفة رحمهما الله وقياس الوجه الاول أنه لا يجوز كيف ما كان وهو ظاهر الرواية عن أبى حنيفة وهو الصحيح لانه ان زالت الجهالة من إحدى الجهتين بقيت من جهة أخرى وهى جهالة السمن والهزال فكان المسلم فيه مجهولا فلا يصح السلم إلا أنه جعل مثلا في ضمان العدوان وسقط اعتبار التفاوت فيه شرعا تحقيقا لمعنى الزجر من وجه لان ذلك لا يحصل بالقيمة لان للناس رغائب في الاعيان ما ليس في قيمتها ويجوز السلم في الالية

[ 211 ]

والشحم وزنا لانه لا تختلف بالسمن والهزال الا يسيرا بخلاف اللحم فان التفاوت بين غير السمين والسمين والمهزول وغير المهزول تفاوت فاحش (وأما) السلم في السمك فقد اختلفت عبارات الاصل في ذلك والصحيح أنه يجوز السلم في الصغار منه كيلا ووزنا مالحا كان أو طريا بعد أن كان في حيزه لان الصغار منه لا يتحقق فيه اختلاف السمن والهزال ولا اختلاف العظم بخلاف اللحم عند أبى حنيفة وفى الكبار عن أبى حنيفة روايتان في رواية لا يجوز طريا كان أو مالحا كالسلم في اللحم لاختلافها بالسمن والهزال كاللحم وفى رواية يجوز كيف ما كان وزنا لان التفاوت بين سمينه ومهزوله لا يعد تفاوتا عادة لقلته وعند أبى حنيفة ومحمد لا يجوز بخلاف اللحم عندهما والفرق لهما ان بيان الموضع من اللحم شرط الجواز عندهما وذلك لا يتحقق في السمك فاشبه السلم في المساليخ والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) السلم في الخبز عددا فلا يجوز بالاجماع لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الصغر والكبر (وأما) وزنا فقد ذكر الكرخي أن السلم في الخبز لا يجوز في قولهم لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الخبز والخفة والثقل فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة ولان جواز السلم ثبت بخلاف القياس بتعامل الناس ولا تعامل في الخبز وذكر في نوادر ابن رستم أنه لا يجوز عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف يجوز (ومنها) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت الاجل فان لم يكن موجودا عند العقد أو عند حل الاجل أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدى الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن واشباه ذلك لا يجوز السلم وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله الشرط وجوده عند محل الاجل لا غير (وجه) قوله ان اعتبار هذا الشرط وهو الوجود ليس لعينه بل للقدرة على التسليم فيعتبر وقت وجوب التسليم وذلك عند محل الاجل فاما قبل ذلك فالوجود فيه والعدم بمنزلة واحدة ونظير هذا في الغقليات ما قلنا في استطاعة الفعل أنها مع الفعل لا تتقدمه لان وجودها للفعل فيجب وجودها عند الفعل لا سابقا عليه كذا هذا (ولنا) ان القدرة على التسليم ثابتة للحال وفى وجودها عند المحل شك لاحتمال الهلاك فان بقى حيا إلى وقت المحل ثبتت القدرة وان هلك قبل ذلك لا تثبت والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك في ثبوتها فلا تثبت مع الشك ولو كان موجودا عند العقد ودام وجوده إلى محل الاجل فحل الاجل ولم يقبضه حتى انقطع عن أيدى الناس لا ينفسخ السلم بل هو على حاله صحيح لان السلم وقع صحيحا لثبوت القدرة على التسليم لكون المسلم فيه موجودا وقت العقد ودام وجوده إلى محل الاجل الا أنه عجز عن التسليم للحال لعارض الانقطاع مع عرضية حدوث القدرة ظاهرا بالوجود فكان في بقاء العقد فائدة والعقد إذا انعقد صحيحا يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء كبيع الآبق إذا أبق قبل القبض فلان يبقى لفائدة عود القدرة في الثاني ظاهرا أولى لكن يثبت الخيار لرب السلم ان شاء فسخ العقد وان شاء انتظر وجوده لان الانقطاع قبل القبض بمنزلة تغير المعقود عليه قبل القبض وأنه يوجب الخيار ولو أسلم في حنطة حديثة قبل حدوثا لا يصح عندنا لانه أسلم في المنقطع وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في حنطة موضع أنه ان كان مما لا يتوهم انقطاع طعامه جاز السلم فيه كما إذا أسلم في حنطة خراسان أو العراق أو فرغانة لان كل واحد منها اسم لولاية فلا يتوهم انقطاع طعامها وكذا إذا أسلم في طعام بلدة كبيرة كسمرقند وبخاري أو كاشان جاز لانه لا ينفد طعام هذه البلاد الا على سبيل الندرة والنادر ملحق بالعدم ومن مشايخنا من قال لا يجوز الا في طعام ولاية لان وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابت والسلم عقد جوز بخلاف القياس لكونه بيع المعدوم فتجب صيانته عن غرر الانقطاع ما أمكن والصحيح ان الموضع المضاف إليه الطعام وان كان مما لا ينفد طعامه غالبا يجوز السلم فيه سواء كان ولاية أو بلدة كبيرة لان الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن وان كان مما لا يحتمل ان ينقطع طعامه فلا يجوز فيه السلم كأرض بعينها أو قرية بعينها لانه إذا احتمل الانقطاع لا على سبيل الندرة لا تثبت القدرة على التسليم لما ذكرنا انه لا قدرة له للحال لانه بيع المفاليس وفى ثبوت القدرة عند محل الاجل شك لاحتمال الانقطاع فلا تثبت القدرة مع الشك وقد روى ان زيد بن شعبة لما أراد أن يسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أسلم اليك في تمر نخلة بعينها فقال عليه الصلاة والسلام أما في تمر نخلة

[ 212 ]

بعينها فلا وذكر في الاصل إذا أسلم في حنطة هراة لا يجوز وأراد قرية من قرى الفرات المسماة بهراة لانه مما يحتمل انقطاع طعامه ثم لو أسلم في ثوب هراة وذكر شرائط السلم يجوز (ووجه) الفرق بينهما ظاهر لان اضافة الثوب إلى هراة ذكر شرط من شرائط السلم لا جواز له بدونه وهو بيان النوع لا تخصيص الثوب بالمكان المذكور بدليل ان المسلم إليه لو أتى بثوب نسج في غير هراة لكن على صفة ثوب هراة يجبر رب السلم على القبول فإذا ذكر النوع وذكر الشرائط الاخر كان هذا عقدا استجمع شرائطه فيجوز فاما اضافة الطعام إلى هراة فليس يفيد شرطا لا جواز للسلم بدونه ألا ترى أنه لو ترك الاضافة أصلا جاز السلم فبقيت الاضافة لتخصيص الطعام بموضع معين يحتمل انقطاع طعامه فلم يجز والله عز وجل أعلم (ومنها) أن يكون مما يتعين بالتعيين فان كان مما لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير لا يجوز السلم فيه لان المسلم فيه بيع لما روينا ان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم سمى السلم بيعا فكان المسلم فيه مبيعا والمبيع مما يتعين بالتعيين والدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات فلم تكن مبيعة فلا يجوز السلم فيها وهل يجوز السلم في التبر والنقرة والمصوغ فعلى رواية كتاب الصرف لا يجوز لانه جعلها بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة وعلى رواية كتاب المضاربة يجوز لانه جعلها بمنزلة العروض حيث لم يجوز المضاربة بها فتتعين بالتعيين فكانت مبيعة فيجوز السلم فيها وعلى هذا أيضا يخرج السلم في الفلوس عددا انه جائز عند أبى حنيفة رحمه الله وأبى يوسف لان الفلوس مما تتعين بالتعيين في الجملة عندهما حتى جوز بيع فلس بفلس باعيانهما وعند محمد لا يجوز السلم فيها كما لا يجوز في الدراهم والدنانير لانها أثمان عنده ولهذا لم يجز بيع واحد منها باثنين باعيانهما ويجوز السلم في القماقم والاوانى الصفرية التى تباع عددا لانها تتعين بالتعيين فكانت مبيعة وان كانت تباع وزنا لا يجوز السلم فيها ما لم يعرف وزنها لانها مجهولة القدر والله عزوجل أعلم (ومنها) أن يكون مؤجلا عندنا حتى لا يجوز السلم في الحال وعند الشافعي هذا ليس بشرط وسلم الحال جائز (وجه) قوله ان الاجل شرع نظرا للمسلم إليه تمكينا له من الاكتساب فلا يكون لازما كما في بيع العين (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم أوجب عليه الصلاة والسلام مراعاة الاجل في السلم كما أوجب مراعاة القدر فيه فيدل على كونه شرطا فيه كالقدر ولان السلم حالا يفضى إلى المنازعة لان السلم بيع المفاليس فالظاهر أن يكون المسلم إليه عاجزا عن تسليم المسلم فيه ورب السلم يطالب بالتسليم فيتنازعان على وجه تقع الحاجة إلى الفسخ وفيه الحاق الضرر برب السلم لانه سلم رأس المال إلى المسلم إليه وصرفه في حاجته فلا يصل إلى المسلم فيه ولا إلى رأس المال فشرط الاجل حتى لا يملك المطالبة الا بعد حل الاجل وعند ذلك يقدر على التسليم ظاهرا فلا يؤدى إلى المنازعة المفضية إلى الفسخ والاضرار برب السلم ولانه عقد لم يشرع الا رخصة لكونه بيع ما ليس عند الانسان لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم فهذا الحديث يدل على أن بيع ما ليس عند الانسان لم يشرع الا رخصة وان السلم بيع ما ليس عند الانسان أيضا على ما ذكرنا من قبل والرخصة في عرف الشرع اسم لما يغير عن الامر الاصلى بعارض عذر إلى تخفيف ويسر كرخصة تناول الميتة وشرب الخمر بالاكراه والمخمصة ونحو ذلك فالترخص في السلم هو تغيير الحكم الاصلى وهو حرمة بيع ما ليس عند الانسان إلى الحل بعارض عذر العدم ضرورة الافلاس فحالة الوجود والقدرة لا يلحقها اسم قدرة الرخصة فيبقى الحكم فيها على العزيمة الاصلية فكانت حرمة السلم الحال على هذا التقرير مستفادة من النص كان ينبغى أن لا يجوز السلم من القادر على تسليم المسلم فيه للحال الا أنه صار مخصوصا عن النهى العام فألحق بالعاجز عن التسليم للحال على اعتبار الاصل والحاق النادر بالعدم في أحكام الشرع والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب (ومنها) أن يكون مؤجلا بأجل معلوم فان كان مجهولا فالسلم فاسد سواء كانت الجهالة متفاحشة أو متقاربة لان كل ذلك يفضى إلى المنازعة

[ 213 ]

وانها مفسدة للعقد لجهالة القدر وغيرها على ما ذكرنا (وأما) مقدار الاجل فلم يذكر في الاصل وذكر الكرخي ان تقدير الاجل إلى العاقدين حتى لو قدرا نصف يوم جاز وقال بعض مشايخنا أقله ثلاثة أيام قياسا على خيار الشرط وهذا القياس غير سديد لان أقل مدة الخيار ليس بمقدر والثلاث اكثر المدة على أصل أبى حنيفة فلا يستقيم القياس وروى عن محمد انه قدر بالشهر وهو الصحيح لان الاجل انما شرط في السلم ترفيها وتيسيرا على المسلم إليه ليتمكن من الاكتساب في المدة والشهر مدة معتبرة يمكن فيها من الاكتساب فيتحقق معنى الترفيه فأما ما دونه ففى حد القلة فكان له حكم الحلول والله عزوجل أعلم ولو مات المسلم إليه قبل الاجل حل الدين وكذلك كل دين مؤجل سواه إذا مات من عليه الدين والاصل في هذا ان موت من عليه الدين يبطل الاجل وموت من له الدين لا يبطل لان الاجل حق المديون لا حق صاحب الدين فتعتبر حياته وموته في الاجل وبطلانه والله عزوجل أعلم (ومنها) بيان مكان ايفائه إذا كان له حمل ومؤنة عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد ليس بشرط وعلى هذا الخلاف بيان مكان الاجرة في الاجارات إذا كان لها حمل ومؤنة وعلى هذا الخلاف إذا جعل المكيل الموصوف أو الموزون الموصوف ثمنا في بيع العين انه لا بد من بيان مكان التسليم عنده خلافا لهما كذا أطلقه الكرخي ولم يفصل بين ما إذا كان مؤجلا أو غير مؤجل ومن أصحابنا من فرقوا فقالوا إذا كان حالا يتعين مكان العقد للتسليم بالاجماع وحاصل الاختلاف راجع إلى مكان العقد هل يتعين للايفاء عنده لا يتعين وعندهما يتعين لانه إذا لم يتعين مكان العقد للايفاء عنده ولم يوجد منهما تعيين مكان آخر بقى مكان الايفاء مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد العقد ولما تعين مكان العقد للايفاء عندهما صار مكان الايفاء معلوما فيصح (وجه) قولهما ان سبب وجوب الايفاء هو العقد والعقد وجد في هذا المكان فيتعين مكان العقد لوجوب الايفاء فيه كما في بيع العين إذا كان المسلم فيه شيأ له حمل ومؤنة فانه يتعين مكان العقد لوجوب الايفاء فيه لما قلنا كذا هذا (ولابي حنيفة رحمه الله) أن العقد وجد مطلقا عن تعيين مكان فلا يتعين مكان العقد للايفاء والدليل على اطلاق العقد عن تعيين مكان الحقيقة والحكم (أما) الحقيقة فلانه لم يوجد ذكر المكان في العقد نصا فالقول بتعيين مكان العقد شرعا من غير تعيين العاقدين تقييد المطلق فلا يجوز الا بدليل (وأما) الحكم فان العاقدين لو عينا مكانا آخر جاز ولو كان تعيين مكان العقد من مقتضيات العقد شرعا لكان تعيين مكان آخر تغييرا لمقتضى العقد وانه يعتبر فيه حكم الشرع فينبغي أن لا يجوز وإذا لم يتعين مكان العقد للايفاء بقى مكان الايفاء مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة لان في الاشياء التى لها حمل ومؤنة تختلف باختلاف الامكنة لما يلزم في حملها من مكان إلى مكان آخر من المؤنة فيتنازعان (وأما) قولهما سبب وجوب التسليم هو العقد في هذا المكان قلنا ليس كذلك فان العقد قائم بالعاقدين لا بالمكان فلم يوجد العقد في هذا المكان وانما هذا مكان المتعاقدين على أن العقد ليس بسبب لوجوب التسليم للحال وانما يصير سببا عند حل الاجل مقصورا عليه وعند ذلك مكان العاقدين ليس بمتحد بل مختلف فيتنازعان (وأما) المسلم فيه إذا لم يكن له حمل ومؤنة فعن أبى حنيفة فيه روايتان في رواية لا يتعين مكان العقد هناك أيضا وهو رواية كتاب الاجارات ويوفيه في أي مكان شاء وهذا لا يوجب الفساد لان الفساد ههنا لمكان الجهالة المفضية إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف الامكنة وما لا حمل له ولا مؤنة لا تختلف قيمته باختلاف الاماكن فلم تكن جهالة مكان الايفاء مفضية إلى المنازعة وفى رواية يتعين مكان العقد للايفاء وهو قول أبى يوسف ومحمد وهو رواية الجامع الصغير ورواية البيوع من الاصل ومن مشايخنا من أول هذه الرواية وقال هي معنى قوله يوفيه في المكان الذى أسلم فيه إذا لم يتنازعا فإذا تنازعا يأخذه بالتسليم حيث ما لقيه ولو شرط رب السلم التسليم في بلد أو قرية فحيث سلم إليه في ذلك الموضع فهو جائز وليس لرب السلم ان يتخير مكانا لان المشروط هو التسليم في مكان منه مطلقا وقد وجد وان سلم في غير المكان المشروط فلرب السلم ان يأبى لقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم فان أعطاه على ذلك أجرا لم يجز له أخذ الاجر عليه لانه لما قبض المسلم فيه فقد تعين ملكه في المقبوض فتبين انه أخذ الاجر على

[ 214 ]

نقل ملك نفسه فلم يجز فيرد الاجر وله أن يرد المسلم فيه حتى يسلم في المكان المشروط لان حقه في التسليم فيه ولم يرض ببطلان حقه الا بعوض ولم يسلم له فبقى حقه في التسليم في المكان المشروط وهذا بخلاف ما إذا صالح الشفيع من الشفعة التى وجبت له على مال انه لا يصح الصلح ويسقط حقه في الشفعة وعليه رد بدل الصلح وإذا رده لا يعود حقه في الشفعة لانه ليس للشفيع حق ثابت في المحل قبل التمليك بالشفعة وانما له حق أن يتملك وهذا ليس بحق ثابت في المحل فلا يحتمل الاعتياض وبطل حقه من الشفعة باعراضه عن الطلب باسقاطه صريحا ولرب السلم حق ثابت في التسليم في المكان المشروط فإذا لم يصح الاعتياض عنه التحق الاعتياض بالعدم وبقى الحق على ما كان والذى يدل على التفرقة بينهما انه لو قال أسقطت حقى في الشفعة يسقط ولو قال أسقطت حقى في التسليم في ذلك المكان لا يسقط والله عزوجل أعلم (فصل) وأما الذى يرجع إلى البدلين جميعا فهو أن لا يجمعهما أحد وصفى علة ربا الفضل وذلك اما الكيل واما الوزن واما الجنس لان احد وصفى علة ربا الفضل هو علة ربا النساء فإذا اجتمع أحد هذين الوصفين في البدلين يتحقق ربا النساء والعقد الذى فيه ربا فاسد وعلى هذا يخرج اسلام المكيل في المكيل أو الموزون في الموزون والمكيل في الموزون والموزون في المكيل وغير المكيل والموزون بجنسهما من الثياب والعدديات المتقاربة وقد ذكرنا جملة ذلك وتفصيله فيما تقدم في مسائل ربا النساء والله تعالى الموفق (فصل) وأما بيان ما يحوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز فنقول وبالله التوفيق لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه بان يأخذ رب السلم مكانه من غير جنسه لما ذكرنا أن المسلم فيه وان كان دينا فهو مبيع ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض ويجوز الابراء عنه لان قبضه ليس بمستحق على رب السلم فكان هو بالابراء متصرفا في خالص حقه بالاسقاط فله ذلك بخلاف الابراء عن رأس المال لانه مستحق القبض حقا للشرع فلا يملك اسقاطه بنفسه بالابراء على ما ذكرنا وتجوز الحوالة بالمسلم فيه لوجود ركن الحوالة مع شرائطه وكذلك الكفالة به لما قلنا الا أن في الحوالة يبرأ المسلم إليه وفى الكفالة لا يبرأ ورب السلم بالخيار ان شاء طالب المسلم إليه وان شاء طالب الكفيل لان الحوالة مبرئة والكفالة ليست بمبرئة الا إذا كانت بشرط براءة المكفول عنه لانها حوالة معنى على ما ذكرنا ولا يجوز لرب السلم الاستبدال مع الكفيل كما لا يجوز ذلك مع المسلم إليه لانه كفيل بما على المسلم إليه لا بدين آخر إذ الدين واحد وانما تعددت المطالبة بالكفالة وهو الصحيح على ما يجئ في كتاب الكفالة ويجوز للكفيل أن يستبدل مع المسلم إليه عند الرجوع فيأخذ بدل ما أدى إلى رب السلم لان الكفالة إذا كانت بامر المكفول عنه كانت اقراضا واستقراضا كان الكفيل اقرض المسلم إليه واستبدال القرض قبل القبض جائز ويجوز الرهن بالمسلم فيه لانه دين حقيقة والرهن بالدين أي دين كان جائز والاقالة جائزة في المسلم فيه كما تجوز في بيع العين لقوله عليه الصلاة والسلام من أقال نادما أقال الله عثراته يوم القيامة مطلقا من غير فصل ولان الاقالة في بيع العين انما شرعت نظرا للعاقدين دفعا لحاجة الندم واعتراض الندم في السلم ههنا أكثر لانه بيع باوكس الاثمان فكان أدعى إلى شرع الاقالة فيه ثم جملة الكلام في الاقالة في السلم انه لا يخلو اما ان تقايلا السلم في كل المسلم فيه واما ان تقايلا في بعض دون بعض فان تقايلا في كل المسلم فيه جازت الاقالة لما قلنا سواء كانت الاقالة بعد حل الاجل أو قبله لان نص الاقالة مطلق لا يفصل بين حال وحال وكذا جواز اعتراض الندم قائم في الحالين وسواء كان رأس المال قائما في يد المسلم إليه أو هالكا أما إذا كان قائما فلا شك فيه وكذا إذا كان هالكا لان رأس مال السلم ثمن والمبيع هو المسلم فيه وقيام الثمن ليس بشرط لصحة الاقالة انما الشرط قيام المبيع وقد وجد ثم إذا جازت الاقالة فان كان رأس المال مما يتعين بالتعيين وهو قائم فعلى المسلم إليه رد عينه إلى رب السلم لقوله عليه الصلاة والسلام من وجد عين ماله فهو احق به وان كان هالكا فان كان مما له مثل فعليه رد مثله وان كان مما لا مثل له فعليه رد قيمته وان كان رأس المال مما لا يتعين بالتعيين فعليه رد مثله هالكا

[ 215 ]

كان أو قائما لانه قبضه عن عقد صحيح وكذلك إذا قبض رب السلم المسلم فيه ثم تقايلا والمقبوض قائم في يده جازت الاقالة وعلى رب السلم رد عين ما قبض لان المقبوض في يده بعد السلم كأنه عين ما ورد عليه عقد السلم ألا ترى انه يجوز لرب السلم أن يبع المقبوض مرابحة على رأس المال وان تقايلا السلم في بعض المسلم فيه فان كان بعد حل الاجل جازت الاقالة فيه بقدره إذا كان الباقي جزأ معلوما من النصف والثلث ونحو ذلك من الاجزاء المعلومة لما ذكرنا أن الاقالة شرعت نظرا وفى اقالة البعض دون البعض ههنا نظر من الجانبين لان السلم بيع بأنجس الاثمان لهذا سماه ابن عباس رضى الله عنهما حسنا جميلا فقال رضى الله عنه ذلك المعروف الحسن الجميل والسلم في الباقي إلى أجله عند عامة العلماء وقال ابن أبى ليلى ينفسخ العقد في الكل والصحيح قول العامة لان الاقالة وجدت في البعض لا في الكل فلا توجب انفساخ العقد في الكل لان الحكم يثبت بقدر العلة هذا هو الاصل وان كان قبل حل الاجل ينظر ان لم يشترط في الاقالة تعجيل الباقي من المسلم جازت الاقالة أيضا والسلم في الباقي إلى أجله وان اشترط فيها تعجيل الباقي لم يصح الشرط والاقالة صحيحة (أما) فساد الشرط فلانه اعتياض عن الاجل وانه لا يجوز لان الاجل ليس بمال فلا يجوز الاعتياض عنه (وأما) صحة الاقالة فلان الاقالة لا تبطلها الشروط الفاسدة فبطل الشرط وصحت الاقالة وهذا على قياس قول أبى حنيفة ومحمد لان الاقالة عندهما فسخ (وأما) على قياس قول أبى يوسف فتبطل الاقالة والسلم على حاله إلى أجله لان الاقالة عنده بيع جديد والبيع تبطله الشروط الفاسدة والله عزوجل أعلم (ومنا) قبض البدلين في بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف والكلام في الصرف في الاصل في موضعين أحدهما في تفسير الصرف في عرف الشرع والثانى في بيان شرائطه (أما) الاول فالصرف في متعارف الشرع اسم لبيع الاثمان المطلقة بعضها ببعض وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة واحد الجنسين بالآخر فاحتمل تسمية هذا النوع من البيع صرفا لمعنى الرد والنقل يقال صرفته عن كذا إلى كذا سمى صرفا لاختصاصه برد البدل ونقله من يد إلى يد ويحتمل أن تكون التسمية لمعنى الفضل إذ الصرف يذكر بمعنى الفضل كما روى في الحديث من فعل كذا لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا فالصرف الفضل وهو النافلة والعدل الفرض سمى هذا العقد صرفا لطلب التاجر الفضل منه عادة لما يرغب في عين الذهب والفضة (فصل) وأما الشرائط (فمنها) قبض البدلين قبل الافتراق لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد وروى عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل ولا تسقوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها شيأ غائبا بناجز وروى عن عبد الله بن سيدنا عمر عن أبيه رضى الله عنهما أنه قال لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز وان استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره انى أخاف عليكم الرماء أي الربا فدلت هذه النصوص على اشتراط قبض البدلين قبل الافتراق وتفسير الافتراق هو أن يفترق العاقدان بابدانهما عن مجلسهما فيأخذ هذا في جهة وهذا في جهة أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر حتى لو كانا في مجلسهما لم يبرحا عنه لم يكونا مفترقين وان طال مجلسهما لانعدام الافتراق بابدانهما وكذا إذا ناما في المجلس أو أغمى عليهما لما قلنا وكذا إذا قاما عن مجلسهما فذهبا معا في جهة واحدة وطريق واحدة ومشيا ميلا أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه فليسا بمفترقين لان العبرة لتفرق الابدان ولم يوجد فرق بين هذا وبين خيار المخيرة إذا قامت عن مجلسها أو اشتغلت بعمل آخر يخرج الامر من يدها لان خيار المخيرة يبطل بالاعراض عما فوض إليها والقيام عن مجلس أو الاشتغال بعمل آخر دليل الاعراض وههنا لا عبرة بالاعراض انما العبرة للافتراق بالابدان ولم يوجد وروى عن محمد أنه ألحق هذا بخيار المخيرة حتى لو نام طويلا أو وجد ما يدل على الاعراض يبطل الصرف كالخيار وروى عن محمد في رجل له على انسان ألف درهم وكذلك الرجل عليه خمسون دينارا فأرسل إليه رسولا فقال

[ 216 ]

بعتك الدنانير التى لى عليك بالدراهم التى لك على وقال قبلت فهو باطل لان حقوق العقد لا تتعلق بالرسول بل بالمرسل وهما مفترقان بابدانهما وكذلك لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار أو ناداه من بعيد لم يجز لانهما مفترقان بابدانهما عند العقد بخلاف البيع المطلق إذا ارسل رسولا إلى انسان فقال بعت عبدى الذى في مكان كذا منك بكذا فقبل ذلك الرجل فالبيع جائز لان التقابض في البيع المطلق ليس بشرط لصحة العقد ولا يكون الافتراق مفسدا له ثم المعتبر افتراق المتعاقدين سواء كانا مالكين أو نائبين عنهما كالاب والوصى والوكيل لان القبض من حقوق العقد وحقوق العقد تتعلق بالعاقدين فيعتبر افتراقهما ثم انما يعتبر التفرق بالابدان في موضع يمكن اعتباره فان لم يمكن اعتباره يعتبر المجلس دون التفرق بالابدان بان قال الاب اشهدوا انى اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل كذا روى عن محمد لان الاب هو العاقد فلا يمكن اعتبار التفرق بالابدان فيعتبر المجلس والله سبحانه وتعالى أعلم ثم بيع الجنس بالجنس وبخلاف الجنس كالذهب بالفضة سواء لا يختلفان في حكم القبض لان كل ذلك صرف فيشترط فيه التقابض وانما يختلفان في جوز التفاضل وعدمه فلا يجوز التفاضل عند اتحاد الجنس ويجوز عند الاختلاف ولكن يجب التقابض اتحد الجنس أو اختلف لما ذكرنا من الدلائل ولو تصارفا ذهبا بذهب أو فضة بفضة مثلا بمثل وتقابضا وتفرقا ثم زاد أحدهما صاحبه شيأ أو حط عنه شيأ وقبل الآخر فسد البيع عند أبى حنيفة وأبى يوسف الزيادة والحط باطلان والعقد الاول صحيح وعند محمد الزيادة باطلة والحط جائز بمنزلة الهبة المستقبلة واختلافهم في هذه المسألة فرع اختلافهم في أصل ذكرناه فيما تقدم وهو أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد في الذكر إذا الحق به هل يلتحق به أم لا فمن أصل أبى حنيفة فيه أنه يلتحق باصل العقد ويفسد العقد والزيادة والحط يلتحقان باصل العقد على أصل أصحابنا كان العقد ورد على المزيد عليه والزياة جميعا فيتحقق التفاضل والجنس متحد فيتحقق الربا فكانت الزيادة والحط بمنزلة شرط فاسد ملتحق بالعقد فيتأخر عنه فيلتحق به ويوجب فساده ومن أصل أبى يوسف ومحمد أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد لا يلتحق بالعقد فطرد أبو يوسف هذا الاصل وقال تبطل الزيادة والحط جميعا ويبقى البيع الاول صحيحا ومحمد فرق بين الزيادة والحط وقال الزيادة باطلة والحط جائز لان الزيادة لو صحت لالتحقت باصل العقد فيوجب فساده فبطلت الزيادة وليس من شرط صحة الحط ان يلتحق بالعقد الا ترى أنه لو حط جميع الثمن صح ولا يلتحق إذ لو التحق لكان البيع واقعا بلا ثمن فيجعل حطا للحال بمنزلة هبة مستأنفة ولو تبايعا الجنس بخلاف الجنس بان تصارفا دينارا بعشرة دراهم ثم زاد أحدهما صاحبه درهما وقبل الآخر أو حط عنه درهما من الدينار جازت الزيادة والحط بالاجماع لان المانع من الجواز والالتحاق تحقق الربا واختلاف الجنس يمنع تحقق الربا الا أن في الزيادة يشترط قبضها قبل الافتراق حتى لو افترقا قبل القبض بطل البيع في حصة الزيادة لان الزيادة لما التحقت باصل العقد صار كان العقد ورد على الزيادة والاصل جميعا الا أنه جاز التفاضل لاختلاف الجنس فإذا لم يقبض الزيادة قبل الافتراق بطل العقد بقدرها (وأما) الحط فجائز سواء كان قبل التفرق أو بعده لان الحط وان كان يلتحق باصل العقد فيؤدى إلى التفاضل لكن التفاضل عند اختلاف الجنس جائز ولا زيادة ههنا حتى يشترط قبضها فصح الحط ووجب عليه رد المحطوط لان الحط لما التحق باصل العقد تبين أن العقد لم يقع على قدر المحطوط من الابتداء فيجب رده ولو حط مشترى الدينار قيراطا منه فبائع الدينار يكون شريكا له في الدينار لانه تبين أن العقد وقع على ما سوى القيراط ولو اشترى سيفا محلى بفضة وحليته خمسون درهما بمائة درهم وتقابضا ثم زاده دينارا في الثمن دفعه إليه قبل أن يفارقه أو بعد ما فارقه يجوز كذا روى عن محمد وتصرف الزيادة إلى النصل والجفن والحمائل لانها تلحق باصل العقد فصار كان العقد ورد على الاصل والزيادة جميعا ولو كان كذلك لكان الامر على ما وصفنا كذا هذا بخلاف بيع المرابحة فانه يقسم على جميع الثمن لما نذكر في مسائل المرابحة وسواء كان دينا بدين وهو الدراهم والدنانير أو عينا بعين وهو التبر والمصوغ أو دينا بعين وهو الدرهم والدنانير بالتبر والمصوغ لان ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين الدين والعين

[ 217 ]

وسواء كان مفردا أو مجموعا مع غيره كما إذا باع ذهبا وثوبا بفضة مفردة لان الفضة تنقسم على الذهب والثوب فما قابل الذهب يكون صرفا فيشترط فيهما القبض وما يقابل الثوب يكون بيعا مطلقا فلا يشترط فيه القبض وكذا إذا باع ذهبا وثوبا بذهب والذهب اكثر حتى جاز البيع أنه في حصة الذهب يكون صرفا وفى حصة الثوب يكون بيعا مطلقا وكذا إذا باع سيفا محلى بالفضة مفردة أو منطقة مفضضة أو لجاما أو سرجا أو سكينا مفضضة أو جارية على عنقها طوق فضة بفضة مفردة والفضة المفردة اكثر حتى جاز البيع كان بحصة الفضة صرفا ويراعى فيه شرائط الصرف وبحصة الزيادة التى هي من خلاف جنسها بيعا مطلقا فلا يشترط له ما يشترط للصرف فان وجد التقابض وهو القبض من الجانبين قبل التفرق بالابدان تم الصرف والبيع جميعا وان لم يوجد أو وجد القبض من أحد الجانبين دون الآخر بطل الصرف لوجود الافتراق من غير قبض وهل يبطل البيع المطلق ينظر ان كانت الفضة المجموعة مع غيرها يمكن فصلها وتخليصها من غير ضرر كالجارية مع الطوق وغير ذلك فالبيع جائز وفساد الصرف لا يتعدى إلى البيع لانه إذ امكن تخليصها من غير ضرر جاز لانهما شيآن منفصلان ولهذا جاز بيع أحدهما دون الآخر ابتداء فلان يبقى جائزا انتهاء أولى لان البقاء أسهل من الابتداء وان كان لا يمكن فصلها وتخليصها الا بضرر بطل البيع أيضا لانه بيع ما لا يمكن تسليمه الا بضرر وأنه لا يجوز ابتداء كبيع الجذع في السقف ونحو ذلك فكذا في حالة البقاء فإذا بطل العقد في قدر الصرف يبطل في البيع أيضا والله عزوجل أعلم هذا إذا انعقد العقد على الصحة ثم فسد في قدر الصرف بطريان المفسد عليه وهو الافتراق من غير تقابض فأما إذا انعقد على الفساد من الابتدا بان شرطا الخيار أو أدخلا الاجل فيه لم يصح الصرف بالاجماع وهل يصح البيع المطلق اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يصح سواء كان يتخلص من غير ضرر أو لا يتخلص الا بضرر وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هذا والاول سواء ان كان يتخلص من غير ضرر يصح وان كان لا يتخلص الا بضرر لا يصح وكذا إذا اشترى دينارا بعشرة دراهم نسيئة ثم نقد بعض العشرة دون البعض في المجلس فسد الصرف في الكل عنده وعندهما يصح بقدر ما قبض وهذا بناء على أصل مختلف بينهم وهو ان الصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عنده وعندهما لا يتعدى فهما سويا بين الفساد الطارئ والمقارن وأبو حنيفة فرق بينهما (ووجه) الفرق ما ذكرنا من قبل ان الفساد إذا كان مقارنا يصير قبول العقد في الفاسد شرط قبول العقد في الآخر وهذا شرط فاسد فيؤثر في الكل ولم يوجد هذا المعنى في الطارئ فاقتصر الفساد فيه على قدر المفسد ثم إذا كانت الفضة المفردة فيه أكثر ولم يوجد فيه شرط الخيار ولا الاجل حتى جاز العقد ثم نقد قدر الفضة المجموعة من المفردة دون غيرها وتقرقا عن قبض من الجانبين بان باع سيفا محلا بمائة درهم وحليته خمسون فنقده المشترى خمسين فالقدر المنقود من الفضة المفردة يقع عن الصرف حتى لا يبطل بالافتراق أو عن البيع حتى يبطل الصرف بالافتراق من غير قبض فهذا لا يخلو من خمسة أوجه إما ان ذكر أن المنقود من ثمن الحلية وإما ان ذكر انه من ثمن الجفن والنصل وإما ان ذكر أنه من ثمنهما جميعا وإما ان ذكر انه من ثمن السيف وإما ان سكت ولم يذكر شيأ فان ذكر أنه من ثمن الحلية يقع عنها ويجوز الصرف والبيع جميعا وهذا ظاهر وكذا إذا ذكر انه من ثمنهما فانه يقع عن الحلية أيضا وجاز البيع والصرف لان قبض التصرف مستحق حقا للشرع وقبض البيع ليس بمستحق فيصرف إلى جهة الاستحقاق ويمكن ايقاع المنقود كله عن هذه الجهة وان أضافه اليهما لان ذكر شيئين على ارادة أحدهما جائز في اللغة قال الله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وانما يخرج من أحدهما وهو المالح وكذا إذا لم يذكر شيأ يقع عن الصرف لان أمور المسلمين محمولة على الصحة والسداد ما أمكن وذلك فيما قلنا لان قبض حصة الحلية مستحق فعند الاطلاق يصرف إلى جهة الاستحقاق وكذا إذا ذكر أنه من ثمن السيف يقع عن الحلية لان الحليه تدخل في اسم السيف وان ذكر انه من ثمن الجفن والنصل ينظر ان أمكن تخليص الفضة من غيرها من غير ضرر يقع عن ثمن المذكور ويبطل الصرف بالافتراق قبل القبض لانه قصد جواز البيع وصرف بفساد الصرف وإذا أمكن

[ 218 ]

تخليصها من غير ضرر أمكن القول بجواز البيع مع فساد الصرف ألا ترى انه يجوز بيع السيف بانفراده فيجوز البيع ويبطل الصرف وان لم يمكن تخليصها الا بضرر فالمنقود يقع عن ثمن الصرف ويجوز البيع والصرف جميعا لانه قصد جواز البيع ولا يجوز الا بحواز الصرف لان بيع السيف بدون الحلية لا يجوز إذا لم يمكن تخليصها من غير ضرر فان أمكن تخليصها من غير ضرر فيجوزان جميعا والله عزوجل أعلم وكذاك في السيف المحلى إذا لم يكن من جنس الحلية فان كانت حيلة السيف ذهبا اشتراه مع حليته بفضة مفردة فحكمه وحكم الجنس سواء في جميع ما وصفنا لانهما في حكم القبض وما يتعلق به لا يختلفان وقد ذكرنا جملة ذلك وتفصيله على الاتفاق والاختلاف وعلى هذا يخرج الابراء عن بدل الصرف وهبته ممن عليه والتصدق به عليه انه لا يصح بدون قبوله وان قبل انتقض الصرف وان لم يقبل لم يصح ويبقى الصرف على حاله لان قبض البدل مستحق والابراء عن الدين اسقاطه والدين بعد ما سقط لا يتصور قبضه فكان الابراء عن البدل جعل البدل بحال لا يتصور قبضه فكان في معنى الفسخ فلا يصح الا بتراضيهما كصريح الفسخ وإذا لم يصح بقى عقد الصرف على حاله فيتم بالتقابض قبل الافتراق بأبدانهما ولو أبى المبرئ أو الواهب أو المتصدق أن يأخذ ما ابرأ أو وهبه أو تصدق يجبر على القبض لانه بالامتناع عن القبض يريد فسخ العقد وأحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ وعلى هذا يخرج الاستبدال ببدل الصرف انه لا يجوز والصرف على حاله يقبض البدل قبل الافتراق ويتم العقد لان قبض البدل شرط بقاء العقد على الصحة وبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة لانه يقبض بدله وبدله غيره وقال زفر ان الاستبدال جائز لان الشراء لا يقع بعين ما في الذمة لان ما في الذمة من الدراهم لا يحتمل التعيين بلا خلاف فكان مشتريا بمثل ما في الذمة فيجب لمن عليه الدين في ذمة المشترى دراهم مثل ما في ذمته في النوع والصفة فلا يفوت قبض البدل بالاستبدال بل يصير قابضا بطريق المعاوضة فيصح الاستبدال (والجواب) عنه ان الدراهم والدنانير وان كانت لا تتعين بالعقد ولكنها تتعين بالقبض وقبضها واجب وبالمقاصة يفوت القبض حقيقة فلم تصح المقاصة فبقى الشراء بها اسقاطا للقبض المستحق حقا للشرع فلا يصح الشراء وبقى الصرف صحيحا موقوفا بقاؤه على الصحة على القبض قبل الافتراق وان أعطاه صاحبه دراهم أجود أو أردأ من حقه فرضى به والمقبوض مما يجرى مجرى الدراهم الواجبة بالعقد في المعاوضات بين الناس جاز لان المقبوض من جنسه أصلا وانما يخالفه في الوصف فإذا رضى به فقد اسقط حقه فكان استيفاء لا استبدالا وتجوز الحوالة ببدل الصرف إذا كان المحتال عليه حاضرا وكذلك الكفالة وكذلك الرهن به والصرف على حاله فان قبض من المحتال عليه أو من الكفيل أو هلك الرهن في يد المرتهن في المجلس فالصرف ماض على الصحة وان افترق المتصارفان قبل القبض وهلك الرهن بطل الصرف وعند زفر لا تجوز الحوالة والكفالة ببدل الصرف وقد مرت المسألة في السلم والعبرة لبقاء العاقدين في المجلس وافتراقهما عنه لا لبقاء المحال عليه والكفيل وافتراقهما لما ذكرنا أن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالعاقدين فيعتبر مجلسهما وكذلك لو وكل كل واحد من العاقدين رجلا أن ينقد عنه يعتبر مجلس الموكلين بقاء وافتراقا لا مجلس الوكيل لما قلنا والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا تخرج المقاصة في ثمن الصرف إذا وجب الدين بعقد متاخر عن عقد الصرف انه لا يصير قصاصا ببدل الصرف وان تراضيا بذلك وقد ذكرنا جملة الكلام في ذلك وتفصيله في السلم وعلى هذا يخرج ما إذا قبض بدل الصرف ثم انتقض بدل الصرف ثم انتقض القبض فيه بمعنى أوجب انتقاضه انه يبطل الصرف وقد مر الكلام فيه جملة وتفصيلا في السلم ثم قبض الصرف في المجلس كما هو شرط بقاء العقد على الصحة فقبضهما في مجلس الاقالة شرط بقاء الاقالة على الصحة أيضا حتى لو تقايلا الصرف وتقابضا قبل الافتراق مضت الاقالة على الصحة وان افترقا قبل التقابض بطلت الاقالة أما على أصل أبى يوسف فظاهر لان الاقالة على أصله بيع جديد فكانت مصارفة مبتدأة فلا بد من التقابض في المجلس وعلى أصلهما ان كانت فسخا في حق المتعاقدين فهى بيع جديد في حق ثالث واستحقاق القبض حق للشرع ههنا ثالث فيعتبر بيعا جديدا في حق هذا الحكم فيشترط فيه التقابض بخلاف السلم

[ 219 ]

فان قبض رأس مال السلم في مجلس الاقالة ليس بشرط لصحة الاقالة وقد ذكرنا وجه الفرق بينهما فيما تقدم ولو وجد ببدل الصرف عيبا وهو عين كما إذا اشترى قلب فضة بذهب فرده ثم افترقا قبل قبض الثمن ان رده عليه بقضاء القاضى فالرد صحيح على حاله وان كان بغير قضاء القاضى يكون فسخا في حق الكل ورفعا للعقد عن الاصل كانه لم يكن واعادة المالك إلى قديم ملكه كانه لم يزل عن ملكه فلا حاجة إلى القبض والرد بغير قضاء يكون فسخا في حق المتعاقدين بيعا جديدا في حق ثالث وحق الشرع وهو القبض يعتبر ثالثا فيجعل بيعا جديدا في حق هذا الحكم وأما التقابض في بيع المطعوم بالمطعوم بجنسه أو بغير جنسه بان باع فقيز حنطة بقفيز حنطة أو بقفيزى شعير وعينا البدلين بالاشارة اليهما فهل هو شرط اختلف فيه قال أصحابنا ليس بشرط وقال الشافعي رحمه الله شرط حتى لو افترقا من غير قبض عندنا يثبت الملك وعنده لا يثبت ما لم يتقابضا في المجلس احتج بقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور الحنطة مثلا بمثل يدا بيد وبقوله عليه والصلاة والسلام لا تبيعوا الطعام بالطعام الا سواء بسواء يدا بيد ولان الافتراق من غير تقابض في بيع المطعوم بجنسه لا يخلو عن الربا لجواز أن يقبض أحد المتعاقدين دون الآخر فيتحقق الربا لان للمقبوض فضلا على غير المقبوض فأشبه فضل الحلول على الاجل وانما يقع التحرز عنه بوجوب التقابض ولهذا صار شرطا في الصرف كذا هذا (ولنا) عمومات البيع من نحو قوله عزوجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقوله عز شأنه وأحل الله البيع وحرم الربا وغير ذلك نهى عن الاكل بدون التجارة عن تراض واستثنى التجارة عن تراض فيدل على اباحة الاكل في التجارة عن تراض من غير شرط القبض وذلك دليل ثبوت الملك بدون التقابض لان أكل مال الغير ليس بمباح وأما الحديث فظاهر قوله عليه الصلاة والسلام يدا بيد غير معمول به لان اليد بمعنى الجارحة ليس بمراد بالاجماع فلان حملها على القبض لانها آلة القبض فنحن نخملها على التعيين لانها آلة التعيين لان الاشارة باليد سبب التعيين وعندنا التعيين شرط فسقط احتجاجه بالحديث بحمد الله تعالى على ان الحمل على ما قلنا أولى لان فيه توفيقا بين الكتاب والسنة وهكذا نقول في الصرف ان الشرط هناك هو التعيين لا نفس القبض الا أنه قام الدليل عندنا ان الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين وانما تتعين بالقبض فشرطنا التقابض للتعيين لا للقبض وههنا التعيين حاصل من غير تقابض فلا يشترط التقابض والله عزوجل أعلم وقوله المقبوض خير من غير المقبوض فيتحقق الربا قلنا هذا انما يستقيم ان لو قلنا بوجوب تسليم أحدهما دون الآخر وليس كذلك (ومنها) أن يكون خاليا عن شرط الخيار فان شرط الخيار فيه لهما أو لاحدهما فسد الصرف لان القبض في هذا العقد شرط بقائه على الصحة وخيار العقد يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع صحة القبض ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق ثم افترقا عن تقابض ينقلب إلى الجواز عندنا خلافا لزفر ولو لم يبطل حتى افترقا تقدر الفساد وقد ذكرنا جنس هذه المسائل بدلائلها فيما تقدم (ومنها) أن يكون خاليا عن الاجل لهما أو لاحدهما فان شراطاه لهما أو لاحدهما فسد الصرف لان قبض البدلين مستحق قبل الافتراق والاجل يعدم القبض فيفسد العقد فان أبطل صاحب الاجل أجله قبل الافتراق فنقد ما عليه ثم افترقا عن تقابض ينقلب جائزا عندنا خلافا لزفر وهاتان الشريطتان على الحقيقة فريعتان لشريطة القبض الا أن احداهما تؤثر في نفس القبض والاخرى في صحته على ما بينا وأما خيار العيب وخيار الرؤية فيثبتان في هذا العقد لانهما لا يمنعان حكم العقد فلا يمنعان صحة القبض لان خيار الرؤية يثبت في العين وهو التبر والنقرة والمصوغ ولا يثبت في الدين وهو الدراهم والدنانير المضروبة لانه لا فائدة في الرد إذ العقد لا ينفسح بالرد لانه ما ورد على عين المردود وقيام العقد يقتضى ولاية المطالبة بمثله فإذا قبض يرده فيطالبه بآخر هكذا إلى ما لا يتناهى وكذا خيار الرؤية لانه لا يثبت في سائر العقود لما قلنا بخلاف ما إذا كان ثمن الصرف عينا لان هناك ينفسخ العقد بالرد فلا يملك المطالبة بعين أخرى فكان الرد مفيدا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما خيار العيب فيثبت في الوجهين جميعا

[ 220 ]

لان السلامة عن العيب مطلوبة عادة ففواتها يوجب الخيار كما في سائر البياعات الا أن بدل الصرف إذا كان عينا فرده بالعيب يفسخ العقد سواء رده في المجلس أو بعد الافتراق ويرجع على البائع بما نقد وان كان دينا بان وجد الدراهم المقبوضة زيوفا أو كاسدة أو وجدها رائجة في بعض التجارات دون البعض وذلك عيب عند التجار فردها في المجلس ينفسخ العقد بالرد حتى لو استبدل مكانه مضى الصرف وان ردها بعد الافتراق بطل الصرف عند أبى حنيفة وزفر لحصول الافتراق لا عن قبض وعند أبى يوسف ومحمد لا يبطل إذا استبدل في مجلس الرد على ما ذكرنا في السلم وخيار المستحق لا يبطل الصرف أيضا ولانه لا يمنع صحة القبض على تقدير الاجازة واحتمال الاجازة قائم فلا يبطل العقد المنعقد ظاهرا بالشك ثم إذا استحق أحد بدلى الصرف بعد الافتراق فان كان أجاز المستحق والبدل قائم أو ضمن الناقد وهو هالك جاز الصرف لانه إذا كان قائما كان بمحل الاجازة والاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة وإذا كان هالكا ضمن الناقذ المضمون بالضمان فتبين انه سلم ملك نفسه وان استرده وهو قائم أو ضمن القابض قيمته وهو هالك بطل الصرف لانه نقض قبضه أو تبين انه لم يصح بخلاف الاول لانه سلم له القبض فجاز الصرف والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) أن يكون الثمن الاول معلوما في بيع المرابحة والتولية والاشراك والوضيعة والاصل في هذه العقود عمومات البيع من غير فصل بين بيع وبيع وقال الله عز شأنه وابتغوا من فضل الله وقال عزوجل ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم والمرابحة ابتغاء للفضل من البيع نصا وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة اشترى سيدنا أبو بكر رضى الله عنه بعيرين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى أحدهما فقال سيدنا أبو بكر رضى االله عنه هو لك بغير شئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بغير بمن فلا فدل طلب التولية على جوازها وروى ان سيدنا أبا بكر رضى الله عنه اشترى بلالا فاعتقه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الشركة يا أبا بكر فقال يارسول الله قد أعتقته لو لم تكن الشركة مشروعة لم يكن ليطلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا الناس توارثوا هذه البياعات في سائر الاعصار من غير نكير وذلك اجماع على جوازها * ثم الكلام في المرابحة في مواضع في تفسير بيع المرابحة وفى بيان شرائطه وفى بيان رأس المال انه ما هو وفى بيان ما يلحق برأس المال وما لا يلحق به وفى بيان ما يجب بيانه عند المرابحة مما ترك بيانه يكون خيانة وما لا يجب بيانه وترك بيانه لا يكون خيانة وفى بيان حكم الخيانة إذا ظهرت أما تفسيره فقد ذكرناه في أول الكتاب وهو أنه بيع بمثل الثمن الاول مع زيادة ربح وأما شرائطه (فمنها) ما ذكرنا وهو أن يكون الثمن الاول معلوما للمشترى الثاني لان المرابحة بيع بالثمن الاول مع زياده ربح والعلم بالثمن الاول شرط صحة البياعات كلها لما ذكرنا فيما تقدم فان لم يكن معلوما له فالبيع فاسد إلى أن يعلم في المجلس فيختار ان شاء فيجوز أو يترك فيبطل أما الفساد للحال فلجهالة الثمن لان الثمن للحال مجهول وأما الخيار فللخلل في الرضا لان الانسان قد يرضى بشراء شئ بثمن يسير ولا يرضى بشرائه بثمن كثير فلا يتكامل الرضا الا بعد معرفة مقدار الثمن فإذا لم يعرف اختل رضاه واختلال الرضا يوجب الخيار ولو لم يعلم حتى افترقا عن المجلس بطل العقد لتتقرر الفساد وقد ذكرنا اختلاف عبارات الرواية عن اصحابنا عن هذا النوع من البيع كبيع الشئ برقمه ونحو ذلك في بعضها انه فاسد وفى بعضها انه موقوف على الاجازة والاختيار إذا علم وكذلك التولية والاشراك والوضيعة في اعتبار هذا الشرط والمرابحة سواء لان التولية بيع بمثل الثمن الاول فلابد أن يكون الثمن الاول معلوما والاشراك تولية لكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن والعلم بالثمن كله شرط صحة البيع والوضيعة بيع بمثل الثمن الاول مع نقصان شئ معلوم منه فلابد وأن يكون الثمن الاول معلوما ليعلم قدر النقصان منه وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى رجلان جملة مما له مثل فاقتسماها ثم أراد كل واحد منهما أن يبيع حصته مرابحة انه يجوز لان القسمة وان كانت لا تخلو عن معنى المبادلة حقيقة لكن معنى المبادلة في قسمة المتماثلات ساقط شرعا بل بعد القسمة فيها تمييزا للنصيب وافرازا محضا وإذا كان كذلك فما يصل إلى كل واحد منهما كانه عين ما كان له قبل القسمة فكان يجوز له أن يبيع له نصيبه مرابحة قبل القسمة كذا بعدها وان اشتريا

[ 221 ]

جملة مما لا مثل له فاقتسماه لا يجوز لاحدهما أن يبيع حصته مرابحة لان معنى المبادلة في قسمة هذا النوع معتبرة إذ الاصل اعتبار الحقيقة فكان ما يصيب كل واحد منهما بالقسمة نصفه ملكه ونصفه بدل ملكه كانه اشتراه به فلا يجوز بيعه مرابحة كما إذا اشترى عرضا بعرض ثم أراد أن يبيعه مرابحة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين متفقين من جنس واحد ونوع واحد وصفة واحدة وطول واحد حتى جاز السلم بالاجماع ولم يبين حصة كل واحد منهما من رأس المال فحل الاجل له أن يبيعهما جميعا مرابحة على العشرة بلا خلاف فان باع أحدهما مرابحة على خمسة لم يجز عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد يجوز ولو كان بين حصة كل واحد من الثوبين من رأس المال جاز أن يبيع أحدهما مرابحة على خمسة بالاجماع لهما ان المقبوض هو المسلم فيه والملك في المسلم فيه يثبت بعقد السلم وعقد السلم أوجب انقسام الثمن وهو رأس المال على الثوبين المقبوضين على السواء لاتفاقهما في الجنس والنوع والصفة والقدر فكانت حصة كل واحد منهما معلومة فتجوز المرابحة عليهما كما إذا أسلم عشرة دراهم في كرى حنطة فحل السلم وقبضهما ثم باع أحدهما مرابحة ولابي حنيفة أن المقبوض ليس عين المسلم فيه لان المسلم فيه دين حقيقة وقبض الدين لا يتصور فلم يكن المقبوض مملوكا بعقد السلم بل بالقبض فكان القبض بمنزلة انشاء العقد كانه اشتراهما جميعا ابتداء ولم يبين حصة كل واحد منهما ثم أراد أن يبيع أحدهما مرابحة وذلك لا يجوز فيما لا مثل له ويجوز فيما له مثل على ما ذكرنا كذا هذا (ومنها) أن يكون الربح معلوما لانه بعض الثمن والعلم بالثمن شرط صحة البياعات (ومنها) أن يكون رأس المال من ذوات الامثال وهو شرط جواز المرابحة على الاطلاق وكذلك التولية وبيان ذلك أن رأس المال لا يخلو اما أن يكون مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة واما أن يكون مما لا مثل له من الذرعيات والمعدودات المتفاوتة فان كان مما له مثل يجوز بيعه مرابحة عل الثمن الاول وتولية مطلقا سواء باعه من بائعه أو من غيره وسواء جعل الربح من جنس رأس المال في المرابحة أو من خلاف جنسه بعد ان كان الثمن الاول معلوما والربح معلوما وان كان مما لا مثل له من العروض لا يجوز بيعه مرابحة ولا تولية ممن ليس ذلك العرض في ملكه لان المرابحة بيع بمثل الثمن الاول وكذلك التولية فإذا لم يكن الثمن الاول مثل جنسه فاما أن يقع البيع على غير ذلك العرض واما أن يقع على قيمته وعينه ليس في ملكه وقيمته مجهولة تعرف بالحزر والظن لاختلاف أهل التقويم فيها ويجوز بيعه تولية ممن العرض في ملكه ويده وأما بيعه مرابحة ممن العرض في ملكه ويده فينظر ان جعل الربح شيأ مفردا عن رأس المال معلوما كالدراهم وثوب معين ونحو ذلك جاز لان الثمن الاول معلوم والربح معلوم وان جعل الربح جزأ من رأس المال بأن قال بعتك الثمن الاول بربح ده يازده لا يجوز لانه جعل الربح جزأ من العرض والعرض ليس متماثل الاجزاء وانما يعرف ذلك بالتقوم والقيمة مجهولة لان معرفتها بالحزر والظن وأما بيعه مواضعة ممن العرض في يده وملكه فالجواب فيها على العكس من المرابحة وهو أنه ان جعل الوضيعة شيأ منفردا عن رأس المال معلوما كالدراهم ونحوه لا يجوز لانه يحتاج إلى وضع ذلك القدر عن رأس المال وهو مجهول وان جعلها من جنس رأس المال بان باعه بوضع ده يازده جاز البيع بعشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من رأس المال لان الموضوع جزء شائع من رأس مال معلوم (ومنها) أن لا يكون الثمن في العقد الاول مقابلا بجنسه من أموال الربا فان كان بان اشترى المكيل أو الموزون بجنسه مثلا بمثل لم يجز له أن يبيعه مرابحة لان المرابحة بيع بالثمن الاول وزيادة والزيادة في أموال الربا تكون ربا لا ربحا وكذا لا يجوز بيعه مواضعة لما قلنا وله أن يبيعه تولية لان المانع هو تحقق الربا ولم يوجد في التولية ولانه بيع بالثمن الاول من غير زيادة ولا نقصان وكذا الاشراك لانه تولية لكن ببعض الثمن والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) عند اختلاف الجنس فلا بأس بالمرابحة حتى لو اشترى دينارا بعشرة دراهم فباعه بربح درهم أو ثوب بعينه جاز لان المرابحة بيع بالثمن الاول وزيادة ولو باع دينارا باحد عشر درهما أو بعشرة دراهم وثوب كان جائزا كذا هذا ولو باع الدينار بربح ذهب بان قال بعتك هذا الدينار الذى اشتريته بربح قيراطين لم يجز عند أبى يوسف وعند محمد جاز (وجه) قوله ان المرابحة بيع بالثمن

[ 222 ]

الاول وزيادة كانه باع دينارا بعشرة دراهم وقيراطين وذلك جائز وطريق جوازه أن يكون القيراطان بمثلهما من الدينار والعشرة ببقية الدينار كذا هذا ولابي يوسف ان في تجويز هذا تغيير المرابحة لان المتصارفين جعلا العشرة رأس المال والدراهم ربحا فلو جوزنا على ما قاله محمد لصار القيراط رأس مال وبعض العشرة ربحا وفيه تغيير المقابلة واخرجها عن كونها مرابحة فلا يصح ولو اشترى سيفا محلى بفضة وحليته خمسون بمائة درهم ثم باعه مرابحة بربح درهم أو بربح دينار أو بربح ثوب بعينه لا يجوز لان المرابحة بيع بالثمن الاول وزيادة ربح والربح ينقسم على كل الثمن لانه جعل ربح كل الثمن فلابد وأن ينقسم على كله ليكون مرابحة على كل الثمن ومتى انقسم على الكل كان للحلية حصة من الربح لا محالة فيتحقق الربا ولا يصح العقد والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) أن يكون العقد الاول صحيحا فان كان فاسدا لم يجز بيع المرابحة لان المرابحة بيع بالثمن الاول مع زيادة ربح والبيع الفاسد وان كان يفيد الملك في الجملة لكن بقيمة المبيع أو بمثله لا بالثمن لفساد التسمية والله عزوجل أعلم (فصل) واما بيان رأس المال فرأس المال ما لزم المشترى بالعقد لا ما نقده بعد العقد لان المرابحة بيع بالثمن الاول والثمن الاول هو ما وجب بالبيع فأما ما نقده بعد البيع فذلك وجب بعقد آخر وهو الاستبدال فيأخذ من المشترى الثاني الواجب بالعقد لا المنقود بعده وكذلك التولية وبيان هذا الاصل إذا اشترى ثوبا بعشرة دراهم ونقد مكانها دينارا أو ثوبا فراس المال هو العشرة لا الدينار والثوب لان العشرة هي التى وجبت بالعقد وانما الدينار أو الثوب بدل الثمن الواجب وكذلك لو اشترى ثوبا بعشرة دراهم جياد ونقد مكانها الزيوف وتجوز بها البائع الاول فعلى المشترى نقد الجياد لما قلنا ولو اشترى ثوبا بعشرة هي خلاف نقد البلد ثم باعه مرابحة فان ذكر الربح مطلقا بأن قال أبيعك بالثمن الاول وربح درهم كان على المشترى الثاني عشرة من جنس ما نقد والربح من دراهم نقد البلد لان المرابحة تبيع بالثمن الاول والثمن الاول هو الواجب بالعقد الاول وهو عشرة وهى خلاف نقد البلد فيجب بالعقد الثاني مثلها والربح من نقد البلد لانه أطلق الربح وما أضافه إلى رأس المال والمطلق ينصرف إلى المتعارف وهو نقد البلد وان أضاف الربح إلى العشرة بأن قال أبيعك بربح العشرة أو بربح ده يازده فالعشرة والربح من جنس الثمن الاول أما إذا قال بربح العشرة فلانه أضاف الربح إلى تلك العشرة إذا كان من جنسها وأما إذا قال بربح ده يازده فلانه جعل الربح جزأ من العشرة فكان من جنسها ضرورة وعلى هذا يخرج ما إذا زاد المشترى البائع الاول في الثمن الاول وقبل انه يبيعه مرابحة وتولية على الاصل والزيادة جميعا لان الزيادة تلتحق بأصل العقد فيصير في التقدير كان العقد على الاصل والزيادة جميعا فكان الاصل مع الزيادة رأس المال لوجوبهما بالعقد تقديرا فيبيعه مرابحة عليهما وكذا لو حط البائع الاول عن المشترى بعض الثمن فانه يبيعه مرابحة على الثاني بعد الحط لان الحط أيضا يلتحق بأصل العقد فكان الباقي بعد الحط رأس المال وهو الثمن الاول فيبعه مرابحة عليه ولو حط البائع الاول عن المشترى بعد ما باعه المشترى حط المشترى الاول ذلك القدر عن المشترى الثاني مع حصته من الربح لما ذكرنا ان الحط يلتحق بأصل العقد فيصير رأس المال وهو الثمن الاول ما وراء قدر المحطوط فيحط المشترى الاول عن المشترى الثاني ذلك القدر ويحط حصته من الربح أيضا لان قدر الربح ينقسم على جميع الثمن فإذا حط شيأ من ذلك الثمن لا بد من حط حصته من الربح بخلاف ما إذا باع مساومة ثم حط عن المشترى الاول شئ من الثمن انه لا يحط ذلك عن المشترى الثاني لان الثمن الاول أصل في بيع المرابحة ولا عبرة به في بيع المساومة ألا ترى انه لو اشترى عبدين قيمتهما سواء أحدهما بألف والاخر بخمسمائة ثم باعهما مساومة انقسم الثمن عليهما على القيمة نصفين ولو باعهما مرابحة أو تولية انقسم الثمن عليهما على قدر الثمن الاول أثلاثا لا على قدر القيمة دل ان الاول أصل في بيع المرابحة ولا عبرة به في بيع المساومة فالحط عن الثمن الاول في بيع المرابحة يوجب الحط عن الثمن الثاني ولا يوجب في المساومة وهذا الذى ذكرنا على أصل أصحابنا الثلاثة لان الزيادة على الثمن تلتحق بأصل العقد وكذا الحط عنه ويصير كأن العقد في الابتداء وقع على هذا القدر

[ 223 ]

(فأما) على أصل زفر والشافعي فالزيادة والحط كل واحد منهما لا يصح زيادة في الثمن وحطا عنه وانما يصح هبة مبتدأة والمسألة تأتى في موضعها ان شاء الله تعالى (فصل) وأما بيان ما يلحق برأس المال وما لا يلحق به فنقول لا بأس بأن يلحق برأس المال أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط والسمسار وسائق الغنم والكراء ونفقة الرقيق من طعامهم وكسوتهم وما لابد لهم منه بالمعروف وعلف الدواب ويباع مرابحة وتولية على الكل اعتبارا للعرف لان العادة فيما بين التجار انهم يلحقون هذه المؤن برأس المال ويعدونها منه وعرف المسلمين وعادتهم حجة مطلقة قال النبي عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الا أنه لا يقول عند البيع اشتريته بكذا ولكن يقول قام على بكذا لان الاول كذب والثانى صدق وأما أجرة الراعى والطبيب والحجام والختان والبيطار وجعل الآبق والفداء عن الجناية وما أنقق على نفسه وعلى الرقيق من تعليم صناعة أو قرآن أو شعر فلا يلحق برأس المال ويباع مرابحة وتولية على الثمن الاول الواجب بالعقد الاول لا غير لان العادة ما جرت من التجار بالحاق هذه المؤن برأس المال وقال عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح وكذا المضارب ما أنفق على الرقيق من طعامهم وكسوتهم وما لابد لهم منه بالمعروف يلحق برأس المال لجريان العادة بذلك وما أنفق على نفسه في سفره لا يلحق به لانه لا عادة فيه والتعويل في هذا الباب على العادة والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما بيان ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب فالاصل فيه ان بيع المرابحة والتولية بيع أمانة لان المشترى أئتمن البائع في إخباره عن الثمن الاول من غير بينة ولا استحلاف فتجب صيانتها عن الخيانة وعن سبب الخيانة والتهمة لان التحرز عن ذلك كله واجب ما أمكن قال الله تعالى عز شأنه يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونو أماناتكم وأنتم تعلمون وقال عليه الصلاة والسلام ليس منا من غشنا وقال عليه الصلاة والسلام لوابصة بن معبد رضى الله عنه الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وروى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال الا ان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه وقال عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم والاحتراز عن الخيانة وعن شبهة الخيانة والتهمة انما يحصل ببيان ما يجب بيانه فلابد من بيان ما يجب بيانه وما لا يجب فنقول وبالله التوفيق إذا حدث بالسلعة عيب في يد البائع أو في يد المشترى فاراد أن يبيعها مرابحة ينظر ان حدث باآفة سماوية له أن يبيعها مرابحة بجميع الثمن من غير بيان عندنا وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يبيعها مرابحة حتى يبين وان حدث بفعله أو بفعل أجنبي لم يبعه مرابحة حتى يبين بالاجماع (وجه) قولهما ان البيع من غير بيان حدوث العيب لا يخلو من شبهة الخيانة لان المشترى لو علم ان العيب حدث في يد المشترى لكان لا يربحه فيه ولانه لما باعه بعد حدوث العيب في يده فقد احتبس عنده جزأ منه فلا يملك بيع الباقي من غير بيان كما لو احتبس بفعله أو بفعل أجنبي (ولنا) أن الفائت جزء لا يقابله ثمن بدليل انه لو فات بعد العقد قبل القبض لا يسقط بحصته شئ من الثمن فكان بيانه والسكوت عنه بمنزلة واحدة وما يقابله الثمن قائم بالكلية فله أن يبيعه مرابحة من غير بيان لانه يكون بائعا ما بقى بجميع الثمن بخلاف ما إذا فات بفعله أو بفعل أجنبي لان الفائت صار مقصودا بالفعل وصار مقابله الثمن فقد حبس المشترى جزأ يقابله الثمن فلا يملك بيع الباقي مرابحة الا ببيان والله سبحانه وتعالى أعلم ولو حدث من المبيع زيادة كالولد والثمرة والصوف واللبن والعقر لم يبعه مرابحة حتى يبين لان الزيادة المتولدة من المبيع مبيعة عندنا حتى تمنع الرد بالعيب وان لم يكن لها حصة من الثمن للحال فهذا حبس بعض المبيع وباع الباقي فلا يجوز من غير بيان وكذا لو هلك بفعله أو بفعل أجنبي ووجب الارش لانه صار مبيعا مقصودا يقابله الثمن ثم المبيع بيعا غير مقصود لم يبعه مرابحة من غير بيان فالمبيع مقصودا أولى ولو هلك بآفة سماوية له أن يبيعه مرابحة من غير بيان لانه ان هلك طرف من أطرافه بآفة سماوية باعه مرابحة من غير

[ 224 ]

بيان على ما مر فالولد أولى لانه ملحق بالطرف ولو استغل الولد والارض جاز له أن يبيعه مرابحة من غير بيان لان الزيادة التى ليست بمتولدة من المبيع لا تكون مبيعة بالاجماع ولهذا لا يمنع الرد بالعيب فلم يكن ببيع الدار أو الارض حابسا جزأ من المبيع فكان له أن يبيعه مرابحة من غير بيان وكذلك لو كان المشترى جارية ثيبا فوطئها جاز له أن يبيعها مرابحة من غير بيان فان الوطئ استيفاء المنفعة حقيقة والمنفعة ليست بجزء لها حقيقة فاستيفاؤها لا يوجب نقصانا في الذات الا أنه ألحق بالجزء عند عدم الملك اظهارا لخطر الابضاع ولا حاجة إلى ذلك في الملك فبقيت مبيعة حقيقة ووطئ الثيب انما منع الرد بالعيب عندنا لا لانه اتلاف جزء من العين بل لمعنى آخر نذكره في موضعه ولو كانت الجارية بكرا فافتضها المشترى لم يبعها مرابحة حتى يبين لان الافتضاض ازالة العذرة وهى عضو منها فكان اتلافا لجزئها فأشبه اتلاف سائر الاجزاء ولو أتلف منها جزأ آخر لكان لا يبيعها مرابحة حتى يبين كذا هذا ولو اشترى شيأ نسيئة لم يبعه مرابحة حتى يبين لان للاجل شبهة المبيع وان لم يكن مبيعا حقيقة لانه مرغوب فيه ألا ترى ان الثمن قد يزاد لمكان الاجل فكان له شبهة أن يقابله شئ من الثمن فيصير كانه اشترى شيئين ثم باع أحدهما مرابحة على ثمن الكل لان الشبهة ملحقة بالحقيقة في هذا الباب فيجب التحرز عنها بالبيان ولو اشترى من انسان شيأ بدين له عليه له أن يبيعه مرابحة من غير بيان ولو أخذ شيأ صلحا من دين له على انسان لا يبيعه مرابحة حتى يبين (ووجه) الفرق أن مبنى الصلح على الحط والاغماض والتجوز بدون الحق فلا بد من البيان ليعلم المشترى أنه سامح أم لا فيقع التحرز عن التهمة ومبنى الشراء على المضايقة والمماكسة فلا حاجة إلى البيان وفرق آخر ان في الشراء لا تتصور الخيانة لان الشراء لا يقع بذلك الدين بعينه بل بمثله وهو أن يجب على المشترى مثل ما في ذمة المديون فيلتقيان قصاصا لعدم الفائدة والدليل على انه كذلك انه لو اشترى ثم تصادقا على انه لم يكن عليه دين لم يبطل الشراء ولو وقع الشراء بذلك الدين بعينه لبطل الشراء وإذا لم يقع الشراء بذلك الدين بعينه لا تتقدر الخيانة كما إذا اشترى منه ثوبا بعشرة دراهم ابتداء بخلاف الصلح فانه يقع بما في الذمة على البدل المذكور ألا ترى انهما لو تصادقا بعد عقد الصلح على انه لم يكن عليه دين يبطل الصلح فاحتمل تهمة المسامحة والتجوز بدون الحق فوجب التحرز عن ذلك بالبيان ولو اشترى ثوبا بعشرة دراهم ورقمه اثنى عشر فباعه مرابحة على الرقم من غير بيان جاز إذا كان الرقم معلوما والربح معلوما ولا يكون خيانة لانه صادق لكن لا يقول اشتريته بكذا لانه يكون كاذبا فيه وروى عن أبى يوسف ان المشترى إذا كان لا يعلم عادة التجار وعنده ان الرقم هو الثمن لم يبعه مرابحة على ذلك من غير بيان وكذلك لو ورث مالا فرقمه ثم باعه مرابحة على رقمه يجوز لما قلنا ولو اشترى شيأ ثم باعه بربح ثم اشتراه فأراد أن يبيعه مرابحة فانه يطرح كل ربح كان قبل ذلك فيبيعه مرابحة على ما يبقى من رأس المال بعد الطرح فان لم يبق منه شئ بان استغرق الربح الثمن لم يبعه مرابحة وهذا عند ابى حنيفة (وأما) عند أبى يوسف ومحمد يبيعه مرابحة على الثمن الاخير من غير بيان ولا عبرة بالعقود المتقدمة ربح فيها أو خسر وبيان ذلك إذا اشترى ثوبا بعشرة فباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة قانه يبيعه مرابحة على خمسة عنده وعندهما على عشرة ولو باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة لم يبعه مرابحة أصلا وعندهما يبيعه مرابحة على عشرة (وجه) قولهما ان العقود المتقدمة لا عبرة بها لانها ذهبت وتلاشت بنفسها وحكمها فأما العقد الاخير فحكمه قائم وهو الملك فكان هذا المعتبر فيبيعه مرابحة على الثمن الاخير ولابي حنيفة عليه الرحمة ان الشراء الاخير كما أوجب ملك الثوب فقد أكد الربح وهو خمسة لانه كان يحتمل البطلان بالرد بالعيب أو بغيره من أسباب الفسخ فإذا اشترى فقد خرج عن احتمال البطلان فتأكد وللتأكد شبهة الاثبات فكان مشتريا للثوب وخمسة الربح بعشرة من وجه فكان فيه شبهة انه اشترى شيئين ثم باع أحدهما مرابحة على ثمن الكل وذا لا يجوز من غير بيان لان الشبهة في هذا الباب لها حكم الحقيقة ألا ترى انه لو اشترى ثوبا بعشرة نسيئة ثم أراد أن يبيعه مرابحة على عشرة نقد لم يبعه مرابحة من غير بيان احترازا عن الشبهة لان للاجل شبهة أن يقابله الثمن على ما مر فوجب التحرز عنه بالبيان كذا هذا فإذا باعه

[ 225 ]

بعشرين ثم اشتراه بعشرة صار كأنه اشترى ثوبا وعشرة بعشرة فيكون العشرة بالعشرة ويبقي الثوب خاليا عن العوض في عقد المعاوضة فيتمكن فيه شبهة الربا فلم يبعه مرابحة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو اشترى ممن لا تجوز شهادته له كالوالدين والمولودين والزوج والزوجة لم يجز له أن يبعه مرابحة حتى يبين عند أبى حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد له ذلك من غير بيان ولو اشترى من مكاتبه أو عبده المأذون وعليه دين أو لا دين عليه لم يبعه مرابحة من غير بيان بالاجماع (وجه) قولهما انه لا خلل في الشراء الاول لان ملك كل واحد منهما ممتاز عن ملك صاحبه منفصل عنه فصح الشراء الاول فلا يجب البيان كما إذا اشترى من الأجنبي ولابي حنيفة رحمه الله ان تهمة المسامحة في الشراء الاول قائمة لان الناس في العادات لا يماكسون في الشراء من هؤلاء فكانت التهمة وهى الشراء بزيادة الثمن قائمة فلا بد من البيان كما في المكاتب والمأذون ولان للشراء من هؤلاء شبهة عدم الصحة لان كل واحد منهما يبيع بمال صاحبه عادة ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه لكونها شهادة لنفسه من وجه فكان مال كل واحد منهما بعد البيع والشراء قائما معنى فكان لهذا الشراء شبهة عدم الصحة والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة فتؤثر في المرابحة كما في المكاتب والعبد المأذون ولو اشترى سلعة من رجل بالف درهم ثم اشترى منه من لا تقبل شهادتة له بالف درهم وخمسمائة فانه يبيعه مرابحة على أقل الثمنين وذلك ألف ولا يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة الا ببيان عند أبى حنيفة وعندهما يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة من غير بيان لما ذكرنا وأجمعوا على انه لو اشترى عبدا بخمسمائة فباعه من المكاتب المديون أو لا دين عليه بألف انه لا يبيعه مرابحة على أكثر الثمنين وكذا لو اشترى المكاتب أو المأذون عبدا بخمسمائة فباعه من المولى بالف لما قلنا ولو اشترى من مضاربه أو اشترى مضاربه منه فانه يبيعه مرابحة على أقل الثمنين وحصة المضارب من الربح ان كان فيه ربح وان لم يكن ربح يبيعه مرابحة على أقل الثمنين بيان ذلك إذا دفع ألفا مضاربة فأشترى رب المال عبدا بخمسمائة فباعه من المضارب بالف فان المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة لان جواز بيع رب المال من المضارب والمضارب من رب المال ليس بمقطوع به بل هو محل الاجتهاد فان عند زفر لا يجوز وهو القياس لانه بيع مال نفسه على نفسه والشراء من الانسان بماله الا انا استحسنا الجواز بالاجتهاد مع احتمال الخطا فكان شبهة عدم الجواز قائمة فتلتحق بالحقيقة في المنع من المرابحة من غير بيان ولانه يحتمل أن رب المال باعه من المضارب باكثر من قيمته لكن ساهله المضارب لانه ما اشتراه بمال نفسه بل بمال رب المال فتمكنت التهمة في هذا البيع فلا يبيعه مرابحة باوفر الثمنين الا ببيان ولو اشترى المضارب عبدا بألف فباعه من رب المال بألف ومائتين فان لرب المال بيعه مرابحة على ألف ومائة ان كانت المضاربة بالنصف لان المائتين ربح وهى بينهما الا أن حصة رب المال فيها شبهة وتهمة على ما ذكرنا فيطرح ذلك القدر من بيع المرابحة وأما حصة المضارب فلا شبهة فيها ولا تهمة إذ لا حق فيها لرب المال فيبيعه مرابحة على الف ومائة وكذلك لو اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من المضارب بمائة باعه المضارب مرابحة على مائة وكذلك لو اشترى المضارب بالف فباعه من رب المال بمائة باعه رب المال مرابحة على مائة وهى أقل الثمنين لانه لا تهمة في الاقل وفى الاكثر تهمة على ما بينا ولو اشترى رب المال بخمسمائة فباعة من المضارب بألف ومائة باعه المضارب مرابحة على خمسمائة وخمسين لان الخمسمائة أقل الثمنين والخمسون قدر حصة المضارب من الربح فتضم إلى الخمسمائة والله عزوجل أعلم (فصل) وأما حكم الخيانة إذا ظهرت فنقول وبالله التوفيق إذا ظهرت الخيانة في المرابحة لا يخلو اما ان ظهرت في صفة الثمن واما ان ظهرت في قدره فان ظهرت في صفة الثمن بأن اشترى شيأ بنسيئة ثم باعه مرابحة على الثمن الاول ولم يبين أنه اشتراه بنسيئة أو باعه تولية ولم يبين ثم علم المشترى فله الخيار بالاجماع ان شاء أخذه وان شاء رده لان المرابحة عقد بنى على الامانة لان المشترى اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثمن الاول فكانت الامانة مطلوبة في هذا العقد فكانت صيانته عن الخيانة مشروطة دلالة ففواتها يوجب الخيار كفوات السلامة عن العيب وكذا لو صالح من دين

[ 226 ]

الف له على انسان على عبد ثم باعه مرابحة على الالف ولم يبين للمشترى أنه كان بدل الصلح فله الخيار لما قلنا وان ظهرت الخيانة في قدر الثمن في المرابحة والتولية بأن قال اشتريت بعشرة وبعتك بربح ده يازدة أو قال اشتريت بعشرة ووليتك بما توليت ثم تبين أنه كان اشتراه بتسعة فقد اختلف في حكمه قال أبو حنيفة عليه الرحمة المشترى بالخيار في المرابحة ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك وفى التولية لا خيار له لكن يحط قدر الخيانة ويلزم العقد بالثمن الباقي وقال أبو يوسف لا خيار له ولكن يحط قدر الخيانة فيهما جميعا وذلك درهم في التولية ودرهم في المرابحة وحصة من الربح وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم وقال محمد رحمه الله له الخيار فيهما جميعا ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء رده على البائع (وجه) قول محمد رحمه الله ان المشترى لم يرض بلزوم العقد الا بالقدر المسمى من الثمن فلا يلزم بدونه ويثبت له الخيار لفوات السلامة عن الخيانة كما يثبت الخيار بفوات السلامة عن العيب إذا وجد المبيع معيبا (وجه) قول أبى يوسف رحمه الله ان الثمن الاول أصل في بيع المرابحة والتولية فإذا ظهرت الخيانة تبين ان تسمية قدر الخيانة لم تصح فلغت تسميته وبقى العقد لازما بالثمن الباقي ولابي حنيفة الفرق بين المرابحة والتولية وهو ان الخيانة في المرابحة لا توجب خروج العقد عن كونه مرابحة لان المرابحة بيع بالثمن الاول وزيادة ربح وهذا قائم بعد الخيانة لان بعض الثمن رأس مال وبعضه ربح فلم يخرج العقد عن كونه مرابحة وانما أوجب تغييرا في قدر الثمن وهذا يوجب خللا في الرضا فيثبت الخيار كما إذا ظهرت الخيانة في صفة الثمن بأن ظهر ان الثمن كان نسيئة ونحو ذلك على ما ذكرنا بخلاف التولية لان الخيانة فيها تخرج العقد عن كونه تولية لان التولية بيع بالثمن الاول من غير زيادة ولا نقصان وقد ظهر النقصان في الثمن الاول فلو أثبتنا الخيار لاخرجناه عن كونه تولية وجعلناه مرابحة وهذا وانشاء عقد آخر لم يتراضيا عليه وهذا لا يجوز فحططنا قدر الخيانة وألزمنا العقد بالثمن الباقي والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان المبيع عند ظهور الخيانة بمحل الفسخ فاما إذا لم يكن بأن هلك أو حدث به ما يمنع الفسخ بطل خياره ولزمه جميع الثمن لانه إذا لم يكن بمحل الفسح لم يكن في ثبوت الخيار فائدة فيسقط كما في خيار الشرط وخيار الرؤية والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما الاشراك فحكمه حكم التولية لا انه تولية حقيقة لكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن وقد ذكرنا ما يتعلق بالتولية من الشرائط والاحكام والذى يختص بالاشراك بيان القدر الذى تثبت فيه الشركة فنقول وبالله التوفيق المشترى لا يخلو إما أن يكون لواحد وإما أن يكون لاثنين أو اكثر فان كان لواحد فاشرك فيه غيره فلا يخلو إما أن يشركه في قدر معلوم كالنصف والثلث والربع ونحو ذلك واما ان أطلق الشركة فان أشركه في قدر معلوما فله ذلك القدر لا شك فيه لان حكم التصرف فيه يثبت في قدر ما أضيف إليه هو الاصل فان أطلق الشركة بأن قال أشركتك في هذا الكر فله نصف الكر كما لو قال اشركتك في نصف الكر لان الشركة المطلقة تقتضي المساواة فتقتضى أن يكون نصيب الرجل مثل نصيبه ولو اشرك رجلا في نصفه فلم يقبضه حتى هلك نصفه فالرجل بالخيار ان شاء أخذ نصف ما بقي وهو ربع الكر وان شاء ترك لانه كان له نصف شائع من ذلك فما هلك هلك على الشركة وما بقى بقى على الشركة وله الخيار إذا كان قبل القبض لان الصفقة قد تفرقت عليه وكذلك لو باع رجلا نصف الكر ثم هلك نصفه قبل القبض لما قلنا ولو كان مكان الهلاك استحقاق بأن استحق نصف الكرفههنا يختلف حكم الشركة والبيع فيكون النصف الباقي للمشترى خاصة في البيع وفى الشركة يكون بينهما وانما كان كذلك لان البيع أضيف إلى نصف شائع وتعذر تنفيذه في النصف المستحق لانعدام الملك وأمكن تنفيذه في نصف المملوك فيجب تنفيذه فيه وكذلك في الشركة الا ان تنفيذه في النصف المملوك يقتضى المساواة بينهما في ذلك النصف وذلك بأن يكون نصفه للرجل ونصفه له ولو اشترى عبدا فقال له رجل أشركني في هذا العبد فقال قد أشركتك ثم قال له رجل آخر مثل ذلك فاشركه فيه ان كان الثاني علم بمشاركة الاول فله الربع وللمشترى الربع والنصف للاول وان كان لم يعلم بمشاركته فالنصف له والنصف للاول ولا شئ للمشترى لانه إذا علم الثاني بمشاركة الاول فلم يطلب الشركة منه الا في نصيبه خاصة

[ 227 ]

والشركة في نصيبه تقتضي المساواة بين النصيبين وهى أن يكون لكل واحد منهما الربع وإذا لم يعلم بالشركة فقوله أشركني طلب الشركة في الكل والاشراك في الكل أن يكون نصفه له والاول قد استحق النصف بالمشاركة فيستحق الثاني النصف البافى تحقيقا للشركة المقتضية للمساواة ولو قال لرجل اشتر جارية فلان بينى وبينك فقال المأمور نعم ثم لقيه غيره فقال له مثل ما قال الاول فقال المأمور نعم ثم اشترى الجارية فالجارية بين الآمرين ولا شئ منها للمأمور لان الاول وكله بشراء نصف الجارية وبقبول الوكالة الثانية لا يخرج عن كونه وكيلا للاول لانه لا يمكن اخراج نفسه عن الوكالة من غير محضر من الموكل فبقى وكيلا له بشراء النصف فإذا قبل الوكالة من الثاني صار وكيلا في شراء النصف الاخر فإذا اشترى الجارية فقد اشتراها لموكليه فكانت بينهما ولو لقيه ثالثا فقال له مثل ما قال الاولان فقال نعم ثم اشتراها كانت الجارية للاولين ولا شئ للثالث لانه قد بقي وكيلا للاولين إذ لا يملك اخراج نفسه عن وكالتهما حال غيبتهما فلم يصح قبوله الوكالة من الثالث شريكان شركة عنان في الرقيق أمر أحدهما صاحبه أن يشترى عبد فلان بينه وبين المأمور ثم أمره آخر بمثل ذلك فاشتراه فالنصف للاجنبي والنصف للشريكين لان كل واحد من الشريكين يملك شراء الرقيق بعقد الشركة من غير أمر فكان الامر سفها فلم يصح وصح من الأجنبي فاستحق النصف واستحقاق النصف تقضية الشركة والله عزوجل أعلم هذا إذا كان المشترى لواحد فاشركه فان كان لاثنين فلا يخلو اما ان يكون اشرك احدهما رجلا واما ان اشركاه جميعا فان أشركه احدهما فاما ان أشرك في نصيبه خاصة بأن قال أشركتك في نصيبي وإما ان أشركه في نصفه بأن قال أشركتك في نصفى وإما أن اشركه مطلقا بأن قال أشركتك في هذا العبد وإما ان اشركه في نصيبه ونصيب صاحبه وإما ان أشركه في نصفه بأن قال أشركتك في نصف هذا العبد فان أشركه في نصيبه خاصة فله النصف من نصيبه لان الشركة المطلقة في نصيبه تقتضي أن يكون نصيبه فيه مثل نصيبه لانها تقتضي المساواة وكذا لو أشركه في نصفه لان الشركة المطلقة في نصفه تقتضي المساواة فيه وان أشركه مطلقا فان أجاز شريكه فله النصف كاملا والنصف لهما وان لم يجز فالربع له لما ذكرنا أن الشركة المطلقة تقتضي المساواة فتقتضى أن يكون نصيبه وحده مثل نصيبهما جميعا الا أنة إذا لم يجز تعذر تنفيذ الاشراك في نصيبه فينفذ في نصيب صاحبه فيكون له الربع وإذا أجاز أمكن اجراء الشركة على اطلاقها وهى باطلاقها تقتضي المساواة وذلك أن يكون له النصف ولكل واحد منهما الربع وان أشركه في نصيبه ونصيب صاحبه فكذلك في ظاهر الرواية أنه ان أجاز صاحبه فله النصف والنصف الآخر لهما وان لم يجز فله الربع وروى عن ابى يوسف في النوادر أنه ان أجاز كان بينهما أثلاثا وان أبى أن يجيز كان له ثلث ما في يد الذى أشركه وهو سدس الكل (وجه) هذه الرواية ان اشراك أحدهما واجازة الاخر بمنزلة اشراكهما معا لان الاجازة تستند إلى حال العقد فكأنهما أشركاه معا ولان الاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة فصار كان العاقد أشرك بوكالة صاحبه (وجه) ظاهر الرواية ان الاشراك والاجازة تثبت على التعاقب لوجود الاشراك والاجازة على التعاقب والحكم يثبت على وفق العلة فصار كما لو اشرك كل واحد منهما على التعاقب قوله الاجازة تستند إلى حالة العقد قلنا نعم لكن الثابت بطريق الاستناد يثبت للحال ثم يستند فكان حكم الاجازة متأخرا عن حكم الاشراك ثبوتا وان أشركه في نصف العبد فاجاز شريكه فله نصف مافى يد هذا ونصف ما في يد الاخر وان لم يجز فله نصف ما في يد الذى أشركه لما قلنا هذا إذا أشركه أحدهما فاما إذا أشركاه جميعا فلا يخلو اما أن أشركاه معا واما ان أشركاه على التعاقب فان أشركاه معا فالقياس أن يكون له النصف كاملا ولكل واحد منهما الربع وفى الاستحسان يكون بينهم اثلاثا وان اشركاه على التعاقب مطلقا ولم يبينا قدر الشركة أو اشركاه في نصيبهما بأن قال كل واحد منهما أشركتك في نصيبي ولم يبين في كم أشركه كان له النصف وللاولين النصف (وجه) القياس أنه لما أشركه كل واحد منهما فقد استحق نصف نصيبه فكان النصف له والنصف لهما جميعا كما لو أشركاه على التعاقب (وجه) الاستحسان وهو الفرق بين حالة الاجتماع والافتراق ان الاشراك المطلق من كل واحد منهما اياه في زمان واحد يقتضى المساواة في

[ 228 ]

أنصباء الكل وهو أن يكون نصيب كل واحد منهم مثل نصيب الآخر في أن يكون المشترى بينهم أثلاثا بخلاف الاشراك على التعاقب لان الاشراك من أحدهما مطلقا في زمان يقتضى أن يكون نصيبه مثل نصيبه وكذلك الاشراك الآخر في الزمان الثاني فيجتمع له ربعان وهو النصف لكل واحد منهما الربع والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) وأما المواضعة فهى بيع بمثل الثمن الاول مع نقصان شئ معلوم منه ويعتبر لها من الشرائط والاحكام ما يعتبر للمرابحة وقد ذكرنا ذلك كله والاصل في معرفة مقدار الثمن في المواضعة أن يضم قدر الوضيعة إلى رأس المال ثم يطرح منه فما بقى بعد الطرح فهو الثمن مثاله إذا قال اشتريت هذا بعشرة وبعتك بوضيعة ده يازدة فإذا أردت أن تعرف الثمن أنه كم هو فسبيلك أن تجعل كل درهم من العشرة التى هي رأس المال أحد عشر جزأ فيكون الكل أحد عشرا طرح منها درهما يكون الثمن تسعة دراهم وجزأ من أحد عشر جزأ من درهم وعلى هذا القياس تجرى مسائل المواضعة والله الموفق الصواب (فصل) وأما شرائط لزوم البيع بعد انعقاده ونفاذه وصحته فواحد وهو أن يكون خاليا عن خيارات أربعة خيار التعيين وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية فلا يلزم مع أحد هذه الخيارات وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله افتراق العاقدين مع الخلو عن الخيارين وهو خيار الشرط وخيار العيب شرط أيضا ولقب المسألة ان خيار المجلس ليس بثابت عندنا وعنده ثابت احتج الشافعي رحمه الله بقوله عليه الصلاة والسلام المتبايعات بالخيار ما لم يفترقا وهذا نص في الباب ولان الانسان قد يبيع شيأ ويشترى ثم يبدو له فيندم فيحتاح إلى التدارك بالفسخ لكان ثبوت الخيار في المجلس من باب النظر للمتعاقدين (ولنا) ظاهر قوله عزوجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم أباح الله سبحانه وتعالى الاكل بالتجارة عن تراض مطلقا عن قيد التفرق عن مكان العقد وعنده إذا فسخ أحدهما العقد في المجلس لا يباح الاكل فكان ظاهر النص حجة عليه ولان البيع من العاقدين صدر مطلقا عن شرط والعقد المطلق يقتضى ثبوت الملك في العوضين في الحال فالفسخ من أحد العاقدين يكون تصرفا في العقد الثابت بتراضيهما أو في حكمه بالرفع والابطال من غير رضا الآخر وهذا لا يجوز ولهذا لم ينفرد أحدهما بالفسخ والاقالة بعد الافتراق كذا هذا (وأما) الحديث فان ثبت مع كونه في حد الآحاد مخالفا لظاهر الكتاب فالخيار المذكور فيه محمول على خيار الرجوع والقبول ماداما في التبايع وهو ان البائع إذا قال لغيره بعت منك كذا فله أن يرجع ما لم يقل المشترى اشتريت وللمشترى أن لا يقبل أيضا وإذا قال المشترى اشتريت منك بكذا كان له أن يرجع ما لم يقل البائع بعت وللبائع أن لا يقبل أيضا وهذا النوع من التأويل للخبر نقله محمد في الموطأ عن ابراهيم النخعي رحمهما الله وأنه موافق لرواية أبى حنيفة لما روى عن ابن سيدنا عمر رضى الله عنهما البيعان بالخيار ما لم يتفرقا عن بيعهما حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل بقدر الامكان والله تعالى جل شأنه أعلم (فصل) وأما بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها فاما البياعات المكروهة (فمنها) التفريق بين الرفيق في البيع والاصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا توله والدة عن ولدها والتفرق بينهما توليه فكان منهيا وروى ان النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة والهة في السبى فسأل عن شأنها فقيل قد بيع ولدها فامر بالرد وقال عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة وهذا خرج مخرج الوعيد وروى أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يجتمع عليهم السبى والتفريق حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية ونهى عن التفريق في حال الصغر وروى أنه عليه الصلاة والسلام وهب من سيدنا على رضى الله عنه غلامين صغيرين فباع أحدهما فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فقال بعت أحدهما فقال عليه الصلاة والسلام بعهما أو رد والامر بالجمع بينهما في البيع أو رد البيع فيهما دليل على كراهة التفريق ولان التفريق بين الصغير والكبير نوع اضرار بهما لان الصغير ينتفع بشفقة الكبير ويسكن إليه والكبير يستأنس بالصغير وذا يفوت

[ 229 ]

بالتفريق فيلحقهما الوحشة فكان التفريق اضرارا بهما بالحاق الوحشة وكذا بين الصغيرين لانهما يأتلفان ويسكن قلب أحدهما بصاحبه فكان التفريق بينهما ايحاشا بهما فكره ولان الصبا من أسباب الرحمة قال عليه الصلاة والسلام من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا وفى التفريق ترك الرحمة فكان مكروها ثم الكلام في كراهة التفريق في مواضع في بيان شرائط الكراهة وفى بيان ما يحصل به التفريق وفى بيان صفة ما يحصل به التفريق انه جائز أم لا (اما) شرائط الكراهة (فمنها) صغر أحدهما وهو أن يكون أحدهما صغيرا أو يكونا صغيرين فان كانا كبيرين لا يكره التفريق بينهما لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال لا يجتمع عليهم السبى والتفريق حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية مد عليه الصلاة والسلام النهى عن التفريق إلى غاية البلوغ فدل على اختصاص الكراهة بحالة الصغر وزوالها بعد البلوغ ولان الكراهة معلولة بالاضرار بزوال الاستئناس والشفقة وترك الرحم وكل ذلك يختص بحالة الصغر (ومنها) الرحم وهو القرابة فان كانا أجنبيين لم يكره التفريق بينهما (ومنها) المحرمية وهو أين يكونا ذوى رحم محرم بان كان بينهما قرابة محرمة للنكاح فلا يكره التفريق بين ابني العم ونحو ذلك لان القربة المحرمة للنكاح محرمة القطع مفترضة الوصل فكانت منشأ الشفقة والانس بخلاف سائر القرابات وكذا المحرمية بدون الرحم لا تحرم التفريق كحرمة الرضاع والمصاهرة لانعدام معنى الشفقة والانس لعدم دليلهما وهو القرابة (ومنها) أن يكون مالكهما واحدا باى سبب ملكهما بشراء أو هبة أو ميراث أو صدقة أو وصية حتى لو كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك ولده الصغير فلا بأس أن يبيع أحدهما دون الآخر وكذا لو كان له ولدان صغيران أحد المملوكين في ملك أحدهما والآخر في ملك الآخر لا بأس للاب أن يبيع أحدهما لان الكراهة في التفريق أن يكونا في ملك واحد وان لم يجمعهما ملك مالك واحد لا يقع البيع تفريقا لانهما كانا متفرقين قبل البيع وكذا إذا كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك مكاتبه لانهما لم يجتمعا في ملك شخص واحد لان المكاتب فيما يرجع إلى الكسب ملحق بالاحرار فاختلف المالك وان كان أحدهما في ملكه والاخر في ملك عبده المأذون فان كان عليه دين مستغرق فلا بأس للمولى أن يبيع العبد الذى عنده فأما على أصل أبى حنيفة فظاهر لان المولى لا يملك كسب المأذون المديون فلم يجود بالاجتماع في ملك مالك واحد وعندهما وان كان يملكه لكنه ملك تعلق به حق الغرماء فكان كالأجنبي عنه فلم يوجد الاجتماع معنى وان لم يكن عليه دين يكره للمولى أن يبيع أحدهما لوجود الاجتماع في ملك شخص واحد ولو كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك مضاربه فلا بأس بالتفريق لان مال المضارب وان لم يكن ملك المضارب لكن له حق قوى فيه حتى جاز بيع المضارب من رب المال وبيع رب المال من المضارب استحسانا فكان رب المال بمنزلة الأجنبي فلم يوجد الاجتماع في ملك رجل واحد وعلى هذا يخرج ما إذا باع جارية كبيرة على انه بالخيار فيها ثلاثة أيام ثم ملك والدها الصغير في مدة الخيار انه يكره ايجاب البيع في الجارية بالاجازة أو بالترك حتى تمضى المدة بل يفسخ البيع حتى لا يحصل التفريق لان خيار البائع يمنع زوال السلعة عن ملكه فكانت الجارية على ملكه فإذا ملك ولدها الصغير فقد اجتمعا في ملك شخص واحد فكانت الاجارة تفريقا فيكره ولو باع الجارية على ان المشترى بالخيار ثلاثة أيام ثم ملك البائع والدها الصغير في المدة فلا بأس للمشترى أن يجيز البيع أو يفسخ لان الجارية خرجت عن ملك البائع بلا خلاف لان خيار المشترى لا يمنع خروج السلعة عن ملك البائع بلا خلاف بين أصحابنا وانما الخلاف في دخولها في ملك المشترى فلم يجتمع المملوكان في ملك شخص واحد فلم تكن الاجازة تفريقا ولو كان الخيار للمشترى ولها ابن عند المشترى لا تكره الاجازة بلا اشكال لان الاجازة لا تكون تفريقا بل تكون جمعا (وأما) الفسخ فكذلك لا يكره أيضا (اما) على أصل أبى حنيفة رحمه الله فلا يشكل أيضا لان الجارية لم تدخل في ملك المشترى لان خيار المشترى يمنع دخول السلعة في ملكه على أصله فلم يقع الفسخ تفريقا لانعدام الاجتماع في ملكه (واما) عندهما فالجارية وان دخلت في ملكه لكن الفسخ حقه فالاجبار

[ 230 ]

على الاجازة ابطال لحقه وهذا لا يجوز فكان له أن يفسخ والله سبحانه وتعالى أعلم (ومنها) أن يملكهما على المكال فان ملك من كل واحد منهما شقصا منه لم يكره أن يبيع نصيبه من أحدهما دون الآخر لان البيع ههنا لا يقع تفريقا مطلقا لحصول التفريق قبله من وجه فلا يدخل تحت النهى عن التفريق على الاطلاق (ومنها) أن يكون كل واحد منهما محلا للبيع عند البيع فان خرج أحدهما عن محلية البيع بالتدبير أو الاستيلاد فلا بأس من بيع الآخر وان كان فيه تفريق لانه تعذر عليه بيعهما جميعا فلو منع عن بيع الآخر لتضرر به المالك وكراهة التفريق شرعا لدفع ضرر زائد فلا يجوز دفعه بالحاق ضرر فوقه بالمالك (ومنها) ان لا يتعلق بأحدهما حق فان تعلق بان لحق أحدهما دين بان استهلك مال انسان أو جنى جناية على بنى آدم أو اشتراهما رجل فوجد بأحدهما عيبا لم يكره التفريق بل يباع بالدين ويدفع بالجناية ويرد بالعيب لان في المنع من التفريق دفع ضرر زائد بضرر أقوى منه وهو ابطال الحق وهذا لا يجوز وروى عن أبى حنيفة رحمه الله انه إذا جنى أحدهما يستحب للمالك أن يفدى لما فيه من مراعاة الحقين ودفع الضرر من الجانبين وانه حسن عقلا وشرعا وروى عن أبى يوسف انه إذا اشتراهما رجل فوجد بأحدهما عيبا يردهما جميعا أو يمسكهما وليس له أن يرد المعيب خاصة لان رده خاصة تفريق وانه اضرار فصار كما إذا اشترى مصراعي باب أو زوجي خف أو نعل ثم وجد بأحدهما عيبا انه ليس له أن يرد المعيب خاصة لكونه اضرارا بالبائع خاصة كذا هذا (ومنها) أن يكون مالكهما مسلما فان كان كافرا لا يكره التفريق وسواء كان المالك حرا أو مكاتبا أو مأذونا عليه دين أو لا دين عليه صغيرا أو كبيرا وسواء كان المملوكان مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافر الان ما ذكرنا من الدلائل الموجبة لكراهة التفريق من النصوص والمعقول لا يوجب الفصل ولو دخل حربى دار الاسلام بامان ومعه عبدان صغيران أو أحدهما صغير والآخر كبير وهما ذوا رحم محرم أو اشتراهما في دار الاسلام من صاحبه الذى دخل معه بامان فأراد أن يبيع أحدهما فلا بأس للمسلم أن يشتريه ولو اشتراهما من مسلم في دار الاسلام أو ذمى أو حربى دخل بأمان من ولاية أخرى لا من ولايته يكره للمسلم أن يشترى أحدهما (ووجه) الفرق ان الضرورة دفعت الكراهة في الفصل الاول لانه لو لم يشتر لادخلهما دار الحرب فيصير عونا لهم على المسلمين وهذه الضرورة تنعدم في هذا الفصل لانه يجبر على بيعهما ولا يمكن من الحاقهما بدار الحرب فلم تتحقق الضرورة (ومنها) أن لا يرضيا بالتفريق فان رضيا لا يكره بان كان الصبى مراهقا ورضى بالبيع ورضيت أمه فبيع برضاهما لان كراهة التفريق لمكان الضرر فإذا رضيا به علم انه لا ضرر فلا يكره والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا اجتمع مع الصغير في ملك شخص واحد قريب واحد هو ذو رحم محرم منه فاما إذا كان معه عدد من الاقارب كل واحد ذو رحم محرم من الصغير فلا يخلو اما ان كانا أبوين أو غيرهما من ذوى الارحام فان كانا أبوين يكره التفريق بينه وبين أحدهما بلا خلاف وان كانا ممن سواهما من ذوى الرحم المحرم فاما ان كان أحدهما أقرب من الصغير والآخر أبعد منه واما ان كانا في القرب منه على السواء فان كان أحدهما أقرب لا بأس بالتفريق بين الصغير وبين الابعد منهما لان شفقة الاقرب تغنى عن شفقة الابعد فلم يكن التفريق اضرارا بالصغير سواء اتفقت قرابة الكبيرين كالاب مع الجد والام مع الجدة أو الخالة أو الخال أو اختلفت كالام مع العمة أو العم وروى عن أبى يوسف انه يكره التفريق بينه وبين أحدهما كيف ما كان لان كل واحد منهما له شفقة على الصغير وتزول بالتفريق وان كان الكبيران في القرب من الصغير شرعا سواء ينطر ان اتفقت جهة قرابتهما كالعمتين والخالتين والاخوين لاب وأم أو لاب أو لام فالقياس أن يكره التفريق بين الصغيرين وبين أحدهما وكذا روى عن أبى يوسف وفى الاستحسان لا يكره إذا بقى مع الصغير قريب واحد لان لكل واحد منهما شفقة على حدة على الصغير فلا تقوم شفقة أحدهما مقام الآخر وكذا قد يختص أحدهما بزيادة شفقة أحدهما مقام الآخر وكذا قد يختص أحدهما بزيادة شفقة ليست في الآخر فكان التفريق اضرارا بتفويت شفقته من حيث الاصل أو من حيث القدر فيكره (وجه) الاستحسان ان كراهة التفريق للاضرار بالصغير بتوفيت النظر وعند اتحاد جهة القرابة والتساوي في القرب من الصغير كان معنى

[ 231 ]

النظر حاصلا ببقاء أحدهما بخلاف ما إذا اختلفت الجهة لان عند اختلاف الشفقة فيحصل من كل واحد منهما ما لا يحصل بالآخر فكان التفريق اضرارا وكذلك لو ملك ستة أخوة أو ستة أخوات ثلاثة منهم كبار وثلاثة صغار لا بأس ببيع كل صغير مع كل كبير لما قلنا ولو كان مع الصغير أبوان حكما بان ادعياه حتى ثبت نسبه منهما ثم اجتمعوا في ملك شخص واحد فالقياس أن لا يكره بيع أحدهما لاتحاد جهة القرابة وهى قرابة الابوة كالعمين والخالين ونحو ذلك وفى الاستحسان يكره لان أباه أحدهما حقيقة فكان الثابت قرابة أحدهما حقيقة الا انا حكمنا بثبات نسبه منهما لاستوائهما في الدعوة ولكن الاب في الحقيقة أحدهما فلو باع أحدهما لاحتمل انه باع الاب فيتحقق التفريق بخلاف ما إذا كان للصغير أب وأم حيث يكره بيع أحدهما لان قرابة كل واحد منهما متحققة فكان البيع تفريقا بين الصغير وبين أحد أبويه بيقين فيكره وان اختلفت جهة قرابة الكبيرين كالعمة مع الخالة والعم مع الخال والاخ لاب مع الاخ لام وما أشبه ذلك يكره التفريق لان من يدلى بقرابة الاب إلى الصغير يقوم مقام الاب والذى يدلى إليه بقرابة الام يقوم مقام الام فصار كما لو كان مع الصغير أبا وأما ولو كان كذلك يكره التفريق كذا هذا امرأة سبيت وفى حجرها بنت صغيرة وقعتا في سهم رجل واحد والمرأة تزعم انها بنتها يكره التفريق بينهما وان كان لا يثبت نسبها بمجرد دعواها في سائر الاحكام لان الاخبار في كراهة التفريق وردت في حق السبايا ولا يظهر كون الصغير ولد المسبية الا بقولها فيدل على قبول قولها في حق كراهة التفريق ولان هذا من باب الديانة وقول المرأة الواحدة في الديانات مقبول خصوصا فيما يسلك فيه طريق الاحتياط ولو كبرت الصغيرة في يد السابى وقد كان وطئ الكبيرة ولم يعلم من المرأة المسبية ارضاع الصغيرة لا ينبغى له أن يقرب البنت وان لم يثبت نسبها منها لدعوتها لاحتمال انها بنتها من النسب أو الرضاع فلا يقربها احتياطا ولكن لا يمنع من قربانها في الحكم لان قول المرأة الواحدة في حقوق العباد غير مقبول وان لم تكن الصغيرة في حجرها وقت السبى فلا بأس بالتفريق والجمع بينهما في الوطئ لانه إذا لم تكن في حجرها عند السبى فلا دليل على كونها ولدا لها في حق الحكم فلا يقبل قولها أصلا ولو ادعى رجل من السبايا صغيرا أو صغيرة انه ولده قبل قوله ويثبت نسبه منه سواء كان قبل الاحراز بدار الاسلام أو بعده بعد ان يكون قبل القسمة أو قبل الدخول في ملك خاص بالبيع وغيره لان دعوى الرجل صحيحة ألا ترى انه يثبت نسبه منه فيظهر في حق كراهة التفريق سواء كان الولد وقت السبى في يده أو لم يكن بخلاف دعوة المرأة وكذلك لو ادعت المرأة ان الولد معها من هذا الرجل وهو زوجها وصدقها تثبت بينهما الزوجية بتصادقهما ويثبت نسب الولد منهما ويكره التفريق بين الصغير وبين أحدهما لانه ولدهما باقرارهما ولو ادعى واحد من الغانمين ولدا صغيرا من السبى انه ولده قبل القسمة أو البيع صحت دعوته ويكون ولده ثم ينظر ان كان معه علامة الاسلام كان مسلما ولا يسترق وان لم يكن معه علامة الاسلام يثبت نسبه من المدعى ولكنه يسترق لان دعوته وان صحت في حق ثبات النسب واستندت إلى وقت العلوق لكنها لم تصح ولم تستند في حق الاسترقاق لان فيه ابطال حق الغانمين فلا يصدق في ابطال حق الغير ويجوز أن يصدق الانسان في اقراره في حق نفسه ولا يصدق في حق غيره إذا تضمن ابطال حتى الغير كمن أقر بحرية عبد انسان ثم اشتراه صح الشراء وعتق عليه وكذا لو اشتراه ثم أقر بحريته صح اقراره في حقه حتى يعتق عليه ولا يصح في حق بائعه حتى لم يكن له أن يرجع بالثمن على بائعه ولهذا نظائر والله عزوجل أعلم (فصل) وأما ما يحصل به التفريق فهو التمليك بالبيع لانه تنقطع به منفعة الانس والشفقة وكذا القسمة في الميراث والغنائم لان القسمة لا تخلو عن معنى التمليك خصوصا فيما لا مثل له فيحصل بها التفريق فيكره ولا بأس أن يعتق أحدهما أو يكاتبه لان الاعتاق ليس بتمليك بل هو ازالة الملك أو انهاؤه فلا يتحقق به التفريق لانه إذا اعتق يمكنه الاستئناس بصاحبه والاحسان إليه فلم يكن الاعتاق تفريقا وكذلك الكتابة لان المكاتب حر يدا فلا تنقطع بها منفعة الانس ونحو ذلك فلا يكون تفريقا والله عزوجل أعلم ولئن كان تقريقا فيقع الاعتاق فوق ضرر التفريق فلا

[ 232 ]

يكون ضررا معنى ولو باع أحدهما نسمة للعتق يكره عند أبى حنيفة وعند محمد لا يكره (وجه) قوله ان الوفاء بالوعد من مكارم الاخلاق فالظاهر من حالة المشترى انجاز ما وعد فيخرج التفريق من أن يكون ضررا لانه يقابله نفع أعظم منه وهو العتق (وجه) قول أبى حنيفة عليه الرحمة ان العتق ليس بمشروط في البيع ولو كان مشروطا لاوجب فساد البيع فبقى قصد الاعتاق وتنفيذ هذا القصد ليس بلازم فبقى البيع تفريقا فيكره حتى لو كان قال المشترى ان اشتريته فهو حر ثم اشتراه قالوا لا يكره بالاجماع لانه يعتق بعد الشراء لا محالة فيخرج البيع من أن يكون ضررا (فصل) وأما صفة البيع الذى يحصل به التفريق انه جائز أم لا فقد اختلف العلماء فيه فقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله البيع جائز مفيد للحكم بنفسه لكنه مكروه والبائع بالتفريق آثم وقال أبو يوسف رحمه الله البيع فاسد في الوالدين والمولودين وفى سائر ذوى الارحام جائز وقال الشافعي رحمه الله البيع باطل في الكل واحتج بما روينا من الاحاديث الواردة للنهى عن التفريق أو ما يجرى مجرى النهى والبيع تفريق فكان منهيا والنهى لا يصلح سببا لثبوت الملك كسائر البياعات التى ورد النهى عنها على أصله فابو يوسف انما خص البيع في الوالدين والمولودين بالفساد لورود الشرع بتغليظ الوعيد بالتفريق فيهم وهو ماروينا ولهما ان قوله تعالى وأحل الله البيع ونحوه من نصوص البيع يقتضى شرعية البيع على العموم والاطلاق فمن ادعى التخصيص أو التقييد فعليه الدليل وأما الاحاديث فهى محمولة على النهى عن غير البيع وهو الاضرار فلا يخرج البيع عن أن يكون مشروعا كالنهي عن البيع وقت النداء وآنما حملناه على غير البيع اما حملا لخبر الواحد على موافقة الكتاب الكريم واما لان النهى لا يرد عما عرف حسنه عقلا على ما عرف (ومنها) البيع وقت النداء وهو أذان الجمعة لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع أمر بترك البيع عند النداء نهيا عن البيع لكن لغيره وهو ترك السعي فكان البيع في ذاته مشروعا جائزا لكنه يكره لانه اتصل به غير مشروع وهو ترك السعي (ومنها) بيع الحاضر للباد وهو أن يكون لرجل طعام وعلف لا يبيعهما الا لاهل البادية بثمن غال لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ولو باع جاز البيع لان النهى لمعنى في غير البيع وهو الاضرار باهل المصر فلا يوجب فساد البيع كالبيع وقت النداء وهذا إذا كان ذلك يضر باهل البلد بان كان أهله في قحط من الطعام والعلف فان كانوا في خصب وسعة فلا بأس به لانعدام الضرر (ومنها) بيع متلقى السلع واختلف في تقسيره. قال بعضهم هو ان يسمع واحد خبر قدوم قافلة بميرة عظمة فيتلقاهم الرجل ويشترى جميع ما معهم من الميرة ويدخل المصر فيبيع على ما يشاء من الثمن وهذا الشراء مكروه لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا تتلقوا السلع حتى تسبط الاسواق وهذا إذا كان يضر بأهل البلد بان كان أهله في جدب وقحط فان كان لا يضرهم لا بأس وقال بعضهم تفسيره هو ان يتلقاهم فيشترى منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون سعر البلد وهذا أيضا مكروه سواء تضرر به أهل البلد أم لا لانه غرهم والشراء جائز في الصورتين جميعا لان البيع مشروع في ذاته والنهى في غيره وهو الاضرار بالعامة على التفسير الاول وتغرير أصحاب السلع على التفسير الثاني (ومنها) بيع المستام على سوم أخيه وهو أن يساوم الرجلان فطلب البائع بسلعته ثمنا ورضى المشترى بذلك الثمن فجاء مشتر آخر ودخل على سوم الاول فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه وروى لا يسوم الرجل على سوم اخيه والنهى لمعنى في غير البيع وهو الايذاء فكان نفس البيع مشروعا فيجوز شراؤه ولكنه يكره وهذا إذا جنح البائع للبيع بالثمن الذى طلبه المشترى الاول فان كان لم يجنح له فلا بأس للثاني أن يشتريه لان هذا ليس استياما على سوم أخيه فلا يدخل تحت النهى ولانعدام معنى الايذاء أيضا بل هو بيع من يزيد وانه ليس بمكروه لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم باع قدحا وحلسا له بيع من يزيد وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبيع بيعا مكروها وكذا في النكاح إذا خطب رجل امرأة وركن قلبها

[ 233 ]

إليه يكره لغيره أن يخطبها لما روينا وان لم يركن فلا بأس به (ومنها) بيع السلاح من أهل الفتنة وفى عساكرهم لان بيعه منهم من باب الاعانة على الاثم والعدوان وانه منهى ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح منهم كالحديد وغيره لانه ليس معدا للقتال فلا يتحقق معنى الاعانة ونظيره بيع الخشب الذى يصلح لاتخاذ المزمار فانه لا يكره وان كره بيع المزامير (وأما) ما يكره مما يتصل بالبيوع (فمنها) الاحتكار وقد ذكرنا جملة الكلام فيه في باب الكراهية والحاقه بهذا الموضع أولى (ومنها) النجش وهو ان يمدح السعلة ويطلبها بثمن ثم لا يشتريه بنفسه ولكن ليسمع غيره فيزيد في ثمنه وانه مكروه لما روى عن رسول الله عليه وسلم انه نهى عن النجش ولانه احتيال للاضرار بأخيه المسلم وهذا إذا كان المشترى يطلب السلعة من صاحبها بمثل ثمنها فاما إذا كان يطلبها بأقل من ثمنها فنجش رجل سلعة حتى تبلغ إلى ثمنها فهذا ليس بمكروه وان كان الناجش لا يريد شراءها والله عزوجل أعلم (فصل) وأما حكم البيع فلا يمكن الوقوف عليه الا بعد الوقوف على تسمية البياعات في حق الحكم فنقول وبالله التوفيق البيع في حق الحكم لا يخلو اما أن يكون صحيحا واما أن يكون فاسدا واما أن يكون باطلا واما أن يكون موقوفا والصحيح لا يخلو اما أن يكون فيه خيار أو لا خيار فيه اما البيع الصحيح الذى لا خيار فيه فله أحكام لكن بعضها أصل وبعضها من التوابع (اما) الحكم الاصلى فالكلام فيه في موضعين في بيان أصل الحكم وفى بيان صفته (اما) الاول فهو ثبوت الملك للمشترى في المبيع وللبائع في الثمن للحال فلا بد من معرفة المبيع والثمن لمعرفة حكم البيع والاحكام المتعلقة بهما فيقع الكلام في موضعين أحدهما في تفسير المبيع والثمن والثانى في بيان الاحكام المتعلقة بهما (اما) اما الاول فنقول ولا قوة الا بالله المبيع والثمن على أصل أصحابنا من الاسماء المتباينة الواقعة على معان مختلفة فالمبيع في الاصل اسم لما يتعين بالتعيين والثمن في الاصل ما لا يتعين بالتعيين وان احتمل تغير هذا الاصل بعارض بان يكون ما لا يحتمل التعيين مبيعا كالمسلم فيه وما يحتمله ثمنا كرأس مال السلم إذا كان عينا على ما نذكره ان شاء الله تعالى (وأما) على أصل زفر رحمه الله وهو قول الشافعي رحمه الله فالمبيع والثمن من الاسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد وانما يتميز أحدهما عن الآخر في الاحكام بحرف الباء وإذا عرف هذا فالدراهم والدنانير على أصل أصحابنا أثمان لا تتعين في عقود المعاوضات في حق الاستحقاق وان عينت حتى لو قال بعت منك هذا الثوب بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير كان للمشترى أن يمسك المشار إليه ويرد مثله ولكنها تتعين في حق ضمان الجنس والنوع والصفة والقدر حتى يجب عليه رد مثل المشار إليه جنسا ونوعا وقدرا وصفة ولو هلك المشار إليه لا يبطل العقد وعلى أصلهما يتعين حتى يستحق البائع على المشترى الدراهم المشار إليها كما في سائر الاعيان المشار إليها ولو هلك قبل القبض يبطل العقد كما لو هلك سائر الاعيان (وجه) قولهما ان المبيع والثمن يستعملان استعمالا واحدا قال الله تعالى ولا تشتروا باياتى ثمنا قليلا سمى سبحانه وتعالى المشترى وهو المبيع ثمنا دل على ان الثمن مبيع والمبيع ثمن ولهذا جاز أن يذكر الشراء بمعنى البيع يقال شريت الشئ بمعنى بعته قال الله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم أي وباعوه ولان ثمن الشئ قيمته وقيمة الشئ ما يقوم مقامه ولهذا سمى قيمة لقيامه مقام غيره والثمن والمثمن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه فكان كل واحد منهما ثمنا ومبيعا دل انه لا فرق بين الثمن والمبيع في اللغة والمبيع يحتمل التعين بالتعيين فكذا الثمن إذ هو مبيع على ما بينا (ولنا) ان الثمن في اللغة اسم لما في الذمة هكذا نقل عن الفراء وهو امام في اللغة ولان أحدهما يسمى ثمنا والآخر مبيعا في عرف اللغة والشرع واختلاف الاسامي دليل اختلاف المعاني في الاصل الا انه يستعمل أحدهما مكان صاحبه توسعا لان كل واحد منهما يقابل صاحبه فيطلق اسم أحدهما على الآخر لوجود معنى المقابلة كما يسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء (فاما) الحقيقة فما ذكرنا وإذا كان الثمن اسما لما في الذمة لم يكن محتملا للتعيين بالاشارة فلم يصح التعيين حقيقة في حق استحقاق العين فجعل كناية عن بيان الجنس المشار إليه ونوعه وصفته وقدره تصحيحا لتصرف العاقل بقدر الامكان ولان التعيين غير مفيد لان كل عوض يطلب من المعين في المعاوضات يمكن استيفاؤه من

[ 234 ]

مثله فلم يكن التعيين في حق استحقاق العين مفيدا فيلغو في حقه ويعتبر في بيان حق الجنس والنوع والصفة والقدر لان التعيين في حقه مفيد ثم الدراهم والدنانير عندنا أثمان على كل حال أي شئ كان في مقابلتها وسواء دخله حرف الباء فيهما أو فيما يقابلهما لانها لا تتعين بالتعيين بحال فكانت أثمانا على كل حال (وأما) ما سواهما من الاموال فان كان مما لا مثل له من العدديات المتفاوتة والذرعيات فهو مبيع على كل حال لانها تتعين بالتعيين بل لا يجوز بيعها الا عينا الا الثياب الموصوفة المؤجلة سلما فانها تثبت دينا في الذمة مبيعة بطريق السلم استحسانا بخلاف القياس لحاجة الناس إلى السلم فيها وكذا الموصوف المؤجل فيها لا بطريق السلم يثبت دينا في الذمة ثمنا استحسانا وان كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة فان كان في مقابلة المكيل أو الموزون دراهم أو دنانير فهو مبيع وان كان في مقابلته ما لا مثل له من الاعيان التى ذكرنا فانه ينظر ان كان المكيل أو الموزون معينا فهو مبيع وان لم يكن معينا يحكم فيه حرف الباء فما دخله فهو ثمن والآخر مبيع وان كان أحدهما معينا والآخر موصوفا أو كان كل واحد منهما موصوفا فانه يحكم فيه حرف الباء فما صحبه فهو الثمن والآخر المبيع (وأما) الفلوس الرائجة فان قوبلت بخلاف جنسها فهى أثمان وكذا ان قوبلت بجنسها متساوية في العدد وان قوبلت بجنسها متفاضلة في العدد فهى مبيعة عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد هي أثمان على كل حال والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يتعلق بهما من الاحكام (فمنها) انه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بالاجماع وفى العقار اختلاف ويجوز التصرف في الاثمان قبل القبض الا الصرف والسلم وقال الشافعي رحمه الله ان كان الثمن عينا لا يجوز التصرف فيها قبل القبض وهذا على أصله مستقيم لان الثمن والمبيع عنده من الاسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد فكان كل واحد منهما مبيعا ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض وان كان دينا فله فيه قولان في قول لا يجوز أيضا لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه نهى عن بيع ما لم يقبض فيتناول العين والدين (ولنا) ما روى عن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنهما انه قال يا رسول الله انا نبيع الابل بالبقيع ونأخذ مكان الدراهم الدنانير ومكان الدنانير الدراهم فقال عليه الصلاة والسلام لا بأس إذا كان بسعر يومهما وافترقتما وليس بينكما شئ وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع ولان قبض الدين بقبض العين لان قبض نفس الدين لا يتصور لانه عبارة عن مال حكمي في الذمة أو عبارة عن الفعل وكل ذلك لا يتصور فيه قبضه حقيقة فكان قبضه بقبض بدله وهو قبض الدين فتصير العين المقبوضة مضمونة على القابض وفى ذمة المقبوض منه مثلها في المالية فيلتقيان قصاصا هذا هو طريق قبض الديون وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما عليه أو من خلاف جنسه لان المقاصة انما تتحقق بالمعنى وهو المالية والاموال كلها في معنى المالية جنس واحد وبه تبين ان المراد من الحديث العين لا الدين لان النهى عن بيع ما لم يقبض يقتضى أن يكون المبيع شيأ يحتمل القبض ونفس الدين لا يحتمل القبض على ما بينا فلا يتناوله النهى بخلاف السلم والصرف (اما) الصرف فلان كل واحد من بدلى الصرف مبيع من وجه وثمن من وجه لان البيع لا بدله من مبيع إذ هو من الاسماء الاضافية وليس أحدهما بجعله مبيعا أولى من الآخر فيجعل كل واحد منهما مبيعا من وجه وثمنا من وجه فمن حيث هو ثمن يجوز التصرف فيه قبل القبض كسائر الاثمان ومن حيث هو مبيع لا يجوز فرجحنا جانب الحرمة احتياطا (وأما) المسلم فيه فلانه مبيع بالنص والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز ورأس المال الحق بالمبيع العين في حق حرمة الاستبدال شرعا فمن ادعى الالحاق في سائر الاموال فعليه الدليل وكذا يجوز التصرف في القرض قبل القبض وذكر الطحاوي رحمه الله انه لا يجوز وفرق بين القرض وسائر الديون (ووجه) الفرق ان الاقراض اعارة لا مبادلة ألا ترى انه لا يلزم الاجل فيه كما في العارية ولو كان مبادلة للزم فيه الاجل وكذا لا يملكه الاب والوصى والمكاتب والمأذون وهؤلاء يملكون المبادلة ولانه لو جعل مبادلة لما جاز لانه يتمكن فيه الربا وهو فضل العين على الدين دل انه اعارة والواجب في العارية رد العين وأنه لا يحصل بالاستبدال (وجه) ظاهر الرواية ان الاقراض في الحقيقة مبادلة الشئ بمثله فان

[ 235 ]

الواجب على المستقرض مثل ما استقرض دينا في ذمته لا عينه فكان محتملا للاستبدال كسائر الديون ولهذا اختص جوازه بما له مثل من المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة دل ان الواجب على المستقرض تسليم مثل ما استقرض لا تسليم عينه الا أنه أقيم تسليم المثل فيه مقام تسليم العين كأنه انتفع بالعين مدة ثم ردها إليه فاشبه دين الاستهلاك وغيره والله عزوجل أعلم (ومنها) أنه لا يجوز بيع ما ليس عند البائع الا السلم خاصة لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم ويجوز الشراء بثمن ليس عند المشترى لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى من يهودى طعاما بثمن ليس عنده ورهنه درعه وعلى هذا يخرج ما إذا قال اشتريت منك هذه الحنطة بدرهم أو دينار إلى شهر أو قال اشتريت منك درهما أو دينارا إلى شهر بهذه الحنطة أنه يجوز لما ذكرنا ان الدراهم والدنانير أثمان على كل حال فكان ما يقابلها مبيعا فيكون مشتريا بثمن ليس عنده وأنه جائز ولو قال بعت منك قفيز حنطة بهذا الدرهم أو بهذا الدينار ووصف الحنطة لكنه لم يذكر شرائط السلم أو قال بعت منك هذا الدرهم أو هذا الدينار بقفيز من حنطة ووصفها ولم يذكر شرائط السلم لا يجوز لان الدراهم والدنانير أثمان بأى شئ قوبلت فكان ما في مقابلتها مبيعا فيكون بائعا ما ليس عنده ولا يجوز بيع ما ليس عند الانسان الا السلم خاصة ولم يذكر شرائط السلم فلو ذكر في هذا البيع شرائط السلم جاز عند أصحابنا الثلاثة وان لم يذكر لفظ السلم وعند زفر لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم والصحيح قولنا لما ذكرنا ان السلم نوع بيع الا أنه بيع اختص بشرائط فإذا أتى بها فقد أتى بالسلم وان لم يتلفظ به ولو تصارفا دينارا بدينار أو عشرة دراهم بعشرة دراهم أو دينارا بعشرة بغير أعيانها وليس عندهما شئ من ذلك فاستقرضا في المجلس ثم تقابضا وافترقا جاز لان الدراهم والدنانير أثمان على كل حال فكان كل واحد منهما مشتريا بثمن ليس عنده لا بائعا وانه جائزا لا أنه لابد من التقابض لانه صرف ولو تبايعا تبرا بتبر بغير أعيانهما وليس عندهما شئ من ذلك ثم استقرضا قبل الافتراق فتقابضا ثم افترقا ففيه روايتان ذكر في الصرف أنه يجوز وجعله بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة وذكر في المضاربة وجعله بمنزلة العروض حيث قال لا تجوز المضاربة فعلى هذه الرواية لا يجوز البيع ويحتمل ان يوفق بين الروايتين بأن تحمل رواية كتاب الصرف على موضع يروج التبر فيه رواج الدراهم والدنانير المضروبة ورواية كتاب المضاربة على موضع لا يروج رواجها وعلى هذا يخرج ما إذا قال بعت منك هذا العبد بكذا كر حنطة ووصفها أنه يجوز لانه جعل الحنطة الموصوفة ثمنا حيث أدخل فيها حرف الباء فيكون الآخر مبيعا فكان هذا بيع العبد بحنطة موصوفة في الذمة فيجوز ولو قال اشتريت منك كذا كر حنطة ووصفها بهذا العبد لا يجوز الا بطريق السلم لانه جعل العبد ثمنا بدلالة حرف الباء فكانت الحنطة مبيعة فكان بائعا ما ليس عنده فلا يجوز الا بشرائط السلم من الاجل وبيان مكان الايفاء وقبض رأس المال ونحو ذلك عندنا وعند زفر لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم على ما مر وعلى هذا يخرج ما إذا قال بعت منك هذه الحنطة على انها قفيز بقفيز حنطة ووصفها أو قال بعت منك هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيزى شعير ووصفهما ما ان البيع جائز لانه جعل العين منهما مبيعا والدين الموصوف في الذمة ثمنا بادخال حرف الباء عليه فيجوز لكن قبض الدين منهما قبل الافتراق بشرط لان من شرط جواز البيع أن يكون الافتراق فيه عن عين بعين وذلك بقبض الدين منهما لان الدين لا يتعين الا بالقبض ولو قبض الدين منهما ثم افترقا عن المجلس قبل قبض العين جاز لانهما افترقا عن عين بعين ولو قال اشتريت منك قفيز حنطة ووصفها بهذا القفيز من الحنطة أو قال اشتريت منك قفيزى شعير ووصفهما بهذه الحنطة على أنها قفيز لا يجوز وان احضر الموصوف في المجلس لانه جعل الموصوف منهما مبيعا والآخر ثمنا بقرينة حرف الباء فيكون بائعا ما ليس عنده وبيع ما ليس عند الانسان لا يكون الا بطريق السلم ولا سبيل إلى تجويزه سلما لان اسلام المكيل لا يجوز ولو تبايعا مكيلا موصوفا بمكيل موصوف أو موزونا موصوفا بموزون موصوف مما يتعين بالتعيين بأن قال بعت منك قفيز حنطة ووصفها بقفيز حنطة ووصفها أو بقفيزى شعير ووصفهما أو قال بعت منك من سكر ووصفه بمن سكر ووصفه وليس

[ 236 ]

عندهما شئ من ذلك ثم استقرضا وتقابضا ثم افترقا لا يجوز البيع لان الذى صحبه منهما حرف الباء يكون ثمنا والآخر مبيعا فيكون بائعا ما ليس عنده فلا يجوز الا سلما والسلم في مثله لا يجوز لانه اسلام المكيل في المكيل واسلام الموزون الذى يتعين في الموزون الذى يتعين وكل ذلك لا يجوز والله عزوجل أعلم وعلى هذا يخرج الشراء بالدين ممن عليه الدين شيأ بعينه أو بغير عينه قبضه أو لم يقبضه وجملة الكلام فيه ان الدين لا يخلو من أن يكون دراهم أو دنانير أو فلوسا أو مكيلا أو موزونا أو قيمة المستهلك فان كان دراهم أو دنانير فاشترى به شيأ بعينه جاز الشراء وقبض المشترى ليس بشرط لانه يكون افتراقا عن عين بدين وأنه جائز فيما لا يتضمن ربا النساء ولا يتضمن ههنا وكذلك ان كان الدين مكيلا أو موزونا أو قيمة المستهلك لما قلنا ولو اشترى بدينه وهو دراهم شيأ بغير عينه بأن اشترى بها دينارا أو فلوسا أو هو فلوس فاشترى بها دراهم أو دنانير أو فلوسا جاز الشراء لكن يشترط قبض المشترى في المجلس حتى لا يحصل الافتراق عن دين بدين لان المشترى لا يتعين الا بالقبض ولو كان دينه دراهم أو دنانير أو فلوسا فاشترى بها مكيلا موصوفا أو موزونا موصوفا أو ثيابا موصوفة مؤجلة لم يجز الشراء لان الدراهم والدنانير أثمان على كل حال وكذا الفلوس عند المقابلة بخلاف جنسها فلم تكن مبيعة فكان الآخر مبيعا بائعا ما ليس عند الانسان ولا يجوز بيع ما ليس عند الانسان الا بطريق السلم ولا سبيل إلى تجويزه بطريق السلم لان رأس المال دين بخلاف الفصل الاول لان كل واحد منهما ثمنا فكان مشتريا بثمن ليس عنده وأنه جائز لكن لابد من التسليم كيلا يكون الافتراق عن دين بدين وان كان الدين مكيلا أو موزونا فباعه بدراهم أو بدنانير أو بفلوس أو اشترى هذه الاشياء بدينه جاز لان الدراهم والدنانير أثمان على كل حال وكذا الفلوس عند مقابلتها بخلاف جنسها فكان من عليه الدين مشتريا بثمن ليس عنده وذلك جائز لكن يشترط القبض في المجلس لئلا يؤدى إلى الافتراق عن دين بدين ولو اشترى بالدين الذى هو مكيل أو موزون مكيلا أو موزونا من خلاف جنسه ينطر ان جعل الدين منهما مبيعا والآخر ثمنا بأن أدخل فيه حرف الباء وان كان بغير عينه جاز لانه يكون مشتريا بثمن ليس عنده الا ان القبض في المجلس شرط فلا يكون افتراقا عن دين بدين وان جعل الدين منهما ثمنا بأن أدخل حرف الباء فيه والآخر مبيعا لم يجز الشراء وان أحضر في المجلس لانه بائع ما ليس عنده وبيع ما ليس عند الانسان لا يجوز الا بطريق السلم وإذا كان رأس المال دينا لا يجوز السلم وان كان الدين قيمة المستهلك فان كان المستهلك مما له مثل فهذا والاول سواء لان الواجب باستهلاكه مثله فإذا اشترى به شيأ من خلاف جنسه فحكمه ما ذكرنا وان كان مما لا مثل له فاشترى به شيأ بعينه جاز وقبض المشترى ليس بشرط لان الواجب باستهلاكه القيمة والقيمة دراهم أو دنانير فصار مشتريا بدين الدراهم والدنانير شيأ بعينه فيجوز ولا يشترط قبض المشترى لانه يحصل الافتراق عن عين بدين ولا بأس به فيما لا يتضمن ربا النساء ولو اشترى به شيأ بغير عينه من المكيل أو الموزون ينظر ان جعل ما عليه مبيعا وهذا ثمنا بان أدخل عليه حرف الباء يجوز الشراء لانه اشترى بثمن ليس عنده فيجوز لكن لابد من القبض في المجلس وان جعل ما عليه ثمنا بان صحبه حرف الباء لا يجوز وان أحضر في المجلس لانه باع ما ليس عند الانسان فلا يجوز الا بطريق السلم ولا سبيل إليه لان رأس ماله دين ولو وقع الصلح عن المستهلك على الدراهم أو الدنانير وقضى به الحاكم جاز ولا يكون القبض شرطا لان هذا ليس شراء بالدين بل هو نفس حقه ولو صالح على دراهم أو دنانير أكثر من قيمة المستهلك جاز الصلح عند أبى حنيفة وعند ابى يوسف ومحمد يجور بقدر القيمة والفضل على القيمة باطل وهى من مسائل الغصب نذكرها ان شاء الله تعالى ولو تبايعا عينا بفلوس باعيانها بان قال بعت منك هذا الثوب أو هذه الحنطة بهذه الفلوس جاز ولا يتعين وان عينت بالاشارة إليها حتى كان المشترى ان يمسكها ويرد مثلها ولو هلكت قبل القبض لا يبطل البيع لانها وان لم تكن في الوضع ثمنا فقد صارت ثمنا باصطلاح الناس ومن شأن الثمن ان لا يتعين بالتعيين وكذا إذا تبايعا درهما بعينه أو دينارا بعينه بفلوس باعيانها فانها لا تتعين أيضا كما لا تتعين الدراهم والدنانير لما قلنا الا ان القبض في المجلس ههنا شرط

[ 237 ]

بقاء العقد على الصحة حق لو افترقا من غير تقابض أصلا يبطل العقد لحصول الافتراق عن دين بدين ولو لم يوجد القبض الا من أحد الجانبين دون الآخر فافترقا مضى العقد على الصحة لان المقبوض صار عينا بالقبض فكان افتراقا عن عين بدين وانه جائز إذا لم يتضمن ربا النساء ولم يتضمن ههنا لانعدام القدر المتفق والجنس وكذا إذا تبايعا فلسا بعينه بفلس بعينه فالفلسان لا يتعينان وان عينا الا أن القبض في المجلس شرط حتى يبطل بترك التقابض في المجلس لكونه افتراقا عن دين بدين ولو قبض أحد البدلين في المجلس فافترقا قبل قبض الآخر ذكر الكرخي أنه لا يبطل العقد لان اشتراط القبض من الجانبين من خصائص الصرف وهذا ليس بصرف فيكتفى فيه بالقبض من أحد الجانبين لان به يخرج عن كونه افتراقا عن دين بدين وذكر في بعض شروح مختصر الطحاوي رحمه الله أنه يبطل لا لكونه صرفا بل لتمكن ربا النساء فيه لوجود أحد وصفى علة ربا الفضل وهو الجنس وهو الصحيح ولو تبايعا فلوسا بدراهم على أن كل واحد منهما بالخيار وتقابضا وافترقا بطل البيع لان الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع صحة التقابض فيحصل الافتراق لا عن قبض أصلا فيبطل البيع ولو كان الخيار لاحدهما فكذلك عند أبى حنيفة وعندهما يجوز بناء على أن شرط الخيار يعمل في الجانبين جميعا عنده وينعدم القبض من الجانبين وعندهما لا يعمل الا من جانب واحد فينعدم القبض من أحد الجانبين وهذا لا يمنع جواز العقد والاصل المحفوظ أن العقد في حق القبض على مراتب منها ما يشترط فيه التقابض وهو القبض من الجانبين وهو الصرف ومنها ما لا يشترط فيه القبض أصلا كبيع العين بالعين مما سوى الذهب والفضة وبيع العين بالدين مما لا يتضمن ربا النساء كبيع الحنطة بالدراهم ونحوها ومنها ما يشترط فيه القبض من أحد الجانبين كبيع الدراهم بالفلوس وبيع العين بالدين مما يتضمن ربا النساء كبيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون إذا كان الدين منهما ثمنا وبيع الدين بالعين وهو السلم ولو تبايعا فلسا بعينه بفلسين بأعيانهما جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف ويتعين كل واحد منهما حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد وكذا إذا رد بالعيب أو استحق ولو أراد أحدهما أن يدفع مثله ليس له ذلك وعند محمد لا يتعين ولا يجوز البيع وقد ذكرنا المسألة مع دلائلها فيما تقدم ولو تبايعا فلسا بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما أو عين أحدهما ولم يعين الاخر لا يجوز في الرواية المشهورة عنهم وعن أبى يوسف أنه يجوز والصحيح جواب ظاهر الرواية لان الفلس في هذه الحالة لا يخلو من أن يكون من العروض أو من الاثمان فان كان من العروض فالتعيين في العروض شرط الجواز ولم يوجد وان كان من الاثمان فالمساواة فيما شرط الجواز ولم يوجد ولان تجويز هذا البيع يؤدى إلى ربح ما لم يضمن لان مشترى الفلسين يقبضهما وينقد أحدهما ويبقى الآخر عن غير ضمان فيكون ربح ما لم يضمن وانه منهى ولو تبايعا فلسا بفلسين وشرطا الخيار ينبغى أن يجوز على قولهما لان الفلوس في هذه الحالة كالعروض وعندهما لا يشترط فيها فلم يكن الخيار مانعا والله عزوجل أعلم ولو اشترى شيأ بفلوس كاسدة في موضع لا تنفق فان كانت بأعيانها جاز وان لم تكن معينة لم يجز لانها في ذلك الموضع عروض والتعيين شرط الجواز في بيع العروض ومنها أن للبائع حق حبس المبيع حتى يقبض الثمن إذا كان الثمن حالا وليس للمشترى أن يمتنع من تسليم الثمن إلى البائع حتى يقبض المبيع إذا كان المبيع حاضرا لان البيع عقد معاوضة والمساواة في المعاوضات مطلوبة المتعاوضين عادة وحق المشترى في المبيع قد تعين بالتعيين في العقد وحق البائع في الثمن لم يتعين بالعقد لان الثمن في الذمة فلا يتعين بالتعيين الا بالقبض فيسلم الثمن أولا ليتعين فتتحقق المساواة وان كان المبيع غائبا عن حضرتهما فللمشترى أن يتمنع عن التسليم حتى يحضر المبيع لان تقديم تسليم الثمن لتتحقق المساواة وإذا كان المبيع غائبا لا تتحقق المساواة بالتقديم بل يتقدم حق البائع ويتأخر حق المشترى حيث يكون الثمن بالقبض عينا مشارا إليه والمبيع لا ولان من الجائز أن المبيع قد هلك وسقط الثمن عن المشترى فلا يؤمر بالتسليم الا بعد احضار المبيع سواء كان المبيع في ذلك المصر أو في موضع آخر بحيث تلحقه المؤنة بالاحضار فرق بين هذا وبين الرهن فان الراهن إذا

[ 238 ]

امتنع من قضاء الدين لاحضار الرهن ينظر في ذلك ان كان الرهن في ذلك المصر بحيث لا يلحق المرتهن مؤنة في الاحضار يؤمر باحضاره أولا كما في البيع لجواز أن الرهن قد هلك وسقط الدين عن المرتهن بقدره وان كان في موضع يلحقه المؤنة في الاحضار لا يؤمر المرتهن بالاحضار أولا بلا يؤمر الراهن بقضاء الدين أولا ان كان مقر ان الرهن قائم ليس بهالك وان ادعى أنه هالك وقال المرتهن هو قائم فالقول قول المرتهن مع يمينه فإذا حلف يؤمر بقضاء الدين (ووجه) الفرق بينهما ان البيع عقد معاوضة ومبنى المعاوضة على المساواة ولا تتحقق المساواة الا بالاحضار على ما مر بخلاف الرهن فانه عقد ليس بمعاوضة بل هو عقد أمانة بمنزلة عقد الوديعة كان المرهون أمانة في يد المرتهن الا أنه إذا هلك يسقط الدين عن الراهن لا لكونه مضمونا بل لمعنى آخر على ما عرف وإذا لم يكن معاوضة لم يكن الدين عوضا عن الرهن فلا يلزم تحقيق المساواة بينهما باحضار الرهن إذا كان بحيث تلحقه المؤنة بالاحضار لا ولو تبايعا عينا بعين سلما معا لما ذكرنا ان المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة للمتعاوضين عادة وتحقيق المساواة ههنا في التسليم معا ولان تسليم المبيع مستحق وليس أحدهما بتقديم التسليم أولى من الآخر لان كل واحد منهما مبيع فيسلما معا وكذا لو تبايعا دينا بدين سلما معا تحقيقا للمساواة التى هي مقتضى المعاوضات المطلقة ولاستواء كل واحد منهما في استحقاق التسليم بخلاف مااذا تبايعا عينا بدين لان الدين لا يصير عينا الا بالقبض فلا تتحقق المساواة الا بتسليمه أولا على ما بينا والله عزوجل أعلم (ومنها) ان هلاك المبيع قبل القبض يوجب انفساخ البيع وجملة الكلام فيه ان المبيع لا يخلو اما أن يكون أصلا واما أن يكون تبعا وهو الزوائد المتولدة من المبيع فان كان أصلا فلا يخلو اما ان هلك كله واما ان هلك بعضه ولا يخلو اما ان هلك قبل القبض واما ان هلك بعده وكل ذلك لا يخلو اما ان هلك بآفة سماوية واما ان هلك بفعل البائع أو بفعل المشترى أو بفعل أجنبي فان هلك كله قبل القبض بآفة سماوية انفسخ البيع لانه لو بقى أوجب مطالبة المشترى بالثمن وإذا طالبه بالثمن فهو يطالبه بتسليم المبيع وأنه عاجز عن التسليم فتمتنع المطالبة أصلا فلم يكن في بقاء البيع فائده فينفسخ وإذا انفسخ البيع سقط الثمن عن المشترى لان انفساخ البيع ارتفاعه من الاصل كأن لم يكن وكذا إذا هلك بفعل المبيع بان كان حيوانا فقتل نفسه لان فعله على نفسه هدر فكأنه هلك بآفة سماوية وكذا إذا هلك بفعل البائع يبطل البيع ويسقط الثمن عن المشترى عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يبطل وعلى البائع ضمان القيمة أو المثل (وجه) قوله انه أتلف مالا مملوكا للغير بغير اذنه فيجب عليه ضمان المثل أو القيمة كما لو أتلفه بعد القبض ولا فرق سوى أن المبيع قبل القبض في يده وهذا لا يمنع وجوب الضمان كالمرتهن إذا أتلف المرهون في يده (ولنا) ان المبيع في يد البائع مضمون بأحد الضمانين وهو الثمن ألا ترى لو هلك في يده سقط الثمن عن المشترى فلا يكون مضمونا بضمان آخر إذ المحل الواحد لا يقبل الضمانين بخلاف الرهن فان المضمون بالرهن على المرتهن معنى المرهون لا عينه بل عينه أمانة حتى كان كفنه ونفقته على الراهن والمضمون بالاتلاف عينه فايجاب ضمان القيمة لا يؤدى إلى كون المحل الواحد مضمونا بضمانين لاختلاف محل الضمان بخلاف البيع وسواء كان البيع باتا أو بشرط الخيار لان المبيع في يد البائع مضمون بالثمن في الحالين فيمنع كونه مضمونا بضمان آخر وان هلك بفعل المشترى لا ينفسخ البيع وعليه الثمن لانه بالاتلاف صار قابضا كل المبيع لانه لا يمكنه اتلافه الا بعد اثبات يده عليه وهو معنى القبض فيتقرر عليه الثمن وسواء كان البيع باتا أو بشرط الخيار للمشترى لان خيار المشترى لا يمنع زوال البيع عن ملك البائع بلا خلاف فلا يمنع صحة القبض فلا يمنع تقرر الثمن وان كان البيع بشرط الخيار للبائع أو كان البيع فاسدا فعليه ضمان مثله ان كان مما له مثل وان كان مما لا مثل له فعليه قيمته لان خيار البائع يمنع زوال السلعة عن ملكه بلا خلاف فكان المبيع على حكم ملك البائع وملكه مضمون بالمثل أو القيمة وكذا المبيع بيعا فاسدا مضمون بالمثل أو القيمة وان هلك بفعل أجنبي فعليه ضمانه لاشك فيه لانه أتلف مالا مملوكا لغيره وبغير اذنه ولا يد له عليه فيكون مضمونا عليه بالمثل أو القيمة والمشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع فيعود المبيع إلى ملك البائع فيتبع الجاني فيضمنه

[ 239 ]

مثله ان كان من ذوات الامثال وقيمته ان لم يكن من ذوات الامثال وان شاء اختار البيع فاتبع الجاني بالضمان واتبعه البائع بالثمن لان المبيع قد تعين في ضمان البائع لانه كان عينا فصار قيمة وتعين المبيع في ضمان البائع يوجب الخيار ثم ان اختار الفسخ وفسخ واتبع البائع الجاني بالضمان وضمنه ينظر ان كان الضمان من جنس الثمن وفيه فضل على الثمن لا يطيب له الفضل لان الفضل ربح ما لم يملك لزوال المبيع عن ملكه بنفس البيع وربح ما لم يضمن لا يطيب لنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ربح ما لم يضمن ولما فيه من شبهة الربا فربح ما لم يضمن أولى وان كان الضمان من خلاف جنس الثمن طاب الفضل لان الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس وان اختار البيع واتبع الجاني بالضمان وضمنه فان كان الضمان من جنس الثمن لا يطيب له الفضل لانه ربح ما لم يضمن في حقه لا ربح ما لم يملك لان المبيع ملكه وان كان من خلاف جنسه طاب الفضل له لما قلنا ولو كان المشترى عبدا فقتله أجنبي قبل القبض فان كان القتل خطأ لا ينفسح البيع وللمشترى خيار الفسخ والبيع لما قلنا الا أن ههنا إذا اختار الفسخ وفسخ البيع اتبع البائع عاقلة القاتل فأخد قيمته في ثلاث سنين وان اختار المبيع اتبع العاقلة بقيمته في ثلاث سنين ولو كان القتل عمدا اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال قال أبو حنيفة عليه الرحمة أن المشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع وللبائع أن يقتص القاتل بعبده وان شاء اختار البيع وله أن يقتص القاتل بعبده وعليه جميع الثمن وقال أبو يوسف رحمه الله المشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع ويعود المبيع إلى ملك البائع وليس للبائع أن يقتص ولكنه يأخذ من مال القاتل القيمة في ثلاث سنين وان شاء اختار البيع وللمشترى أن يقتص وعليه جميع الثمن وقال محمد لا قصاص على القاتل بحال والمشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع والبائع يأخذ القيمة من القاتل في ثلاث سنين وان شاء اختار البيع واتبع القاتل بالقيمة في ثلاث سنين (وجه) قول محمد رحمه الله ان العبد لم يكن على ملك البائع وقت القتل بل كان على ملك المشترى فلم ينعقد السبب موجبا للقصاص للبائع وملك المشترى لم يكن مستقرا بل كان محتملا للعود إلى ملك البائع بالفسخ فلا تثبت ولاية الاقتصاص لاحدهما (وجه) قول أبى يوسف انه لاسبيل إلى اثبات ولاية الاقتصاص للبائع لما قاله محمد وهو ان القتل صادف محلا ليس بمملوك للبائع عند القتل فاما الملك فثابت للمشترى وقت القتل وقد لزم وتقرر باختيار المشترى فتثبت له ولاية الاستيفاء ولابي حنيفة رضى الله عنه انه أمكن القول بثبوت ولاية الاستيفاء لهما على اعتبار اختيار الفسخ وعلى اعتبار اختيار البيع أما على اعتبار اختيار البيع فلما قاله أبو يوسف وأما على اعتبار اختيار الفسخ فلان فسخ العقد رفعه من الاصل وجعله كان لم يكن فتبين ان الجناية وردت على ملك البائع فثبتت له ولاية الاقتصاص هذا إذا هلك المبيع كله قبل القبض فأما إذا هلك كله بعد القبض فان هلك بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشترى لا ينفسح البيع والهلاك على المشترى وعليه الثمن لان البيع تقرر بقبض المبيع فتقرر الثمن وكذلك ان هلك بفعل أجنبي لما قلنا يرجع المشترى على الأجنبي بضمانه ويطيب له الفضل لان هذا الفضل ربح ما قد ضمن وان هلك بفعل البائع ينظر ان كان المشترى قبضه باذن البائع أو بغير اذنه لكن الثمن منقود أو مؤجل فاستهلاكه واستهلاك الأجنبي سواء وان كان قبضه بغير اذن البائع صار مستردا للبيع بالاستهلاك فحصل الاستهلاك في ضمانه فيوجب بطلان البيع وسقوط الثمن كما لو استهلك وهو في يده والله عزوجل أعلم هذا إذا هلك كل المبيع قبل القبض أو بعده فأما إذا هلك بعضه فان كان قبل القبض وهلك بآفة سماوية ينظر ان كان النقصان نقصان قدر بان كان مكيلا أو موزونا أو معدودا ينفسخ العقد بقدر الهالك وتسقط حصته من الثمن لان كل قدر من المقدرات معقود عليه فيقابله شئ من الثمن وهلاك كل المعقود عليه يوجب انفساخ البيع في الكل وسقوط كل الثمن فهلاك بعضه يوجب انقساخ البيع وسقوط الثمن بقدره والمشترى بالخيار في الباقي ان شاء أخذه بحصته من الثمن وان شاء ترك لان الصفقة قد تفرقت عليه وان كان النقصان وصف وهو كل ما يدخل في البيع من غير تسمية كالشجر والبناء في الارض وأطراف الحيوان والجودة في المكيل والموزون لا ينفسخ البيع

[ 240 ]

أصلا ولا يسقط عن المشترى شئ من الثمن لان الاوصاف لا حصة لها من الثمن الا إذا ورد عليها القبض أو الجناية لانها تصير مقصودة بالقبض والجناية فالمشترى بالخيار ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك لتعيب المبيع قبل القبض وان هلك بفعل المبيع بان جرح نفسه لا ينفسخ البيع ولا يسقط عن المشترى شئ من الثمن لان جنايته على نفسه هدر فصار كما لو هلك بعضه بآفة سماوية وهلاك بعضه نقصان الوصف والاوصاف لا تقابل بالثمن فلا يسقط شئ من الثمن ولكن المشترى بالخيار ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك لتغير المبيع ولو كان المشترى حيوانين سوى بنى آدم فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض تسقط حصته من الثمن والمشترى بالخيار ان شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن وان شاء ترك لان فعل العجماء جبار فكأنه اشترى حيوانين ثم مات أحدهما قبل القبض حتف أنفه ولو كان المشترى عبدين فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض أو كانت جارية فولدت قبل القبض فكبر الولد ثم قتل أحدهما صاحبه قبل القبض فالمشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع في الباقي وبطلت الجناية لان الفسخ اعادة إلى ملك البائع فتبين ان القتل حصل في ملك البائع فبطل وان شاء أخذ القاتل منهما بجميع الثمن ولا يسقط عن المشترى شئ من الثمن لانه لو اخذه بحصته من الثمن لصار آخذا بجميع الثمن في الانتهاء فيخير في الابتداء قصرا للمسافة ان شاء أخذ الحى منهما بجميع الثمن وان شاء ترك بيان ذلك انه لو أخذ القاتل منهما بحصته من الثمن لا ينفسخ البيع في المقتول وانفساخ البيع ارتفاع من الاصل وعودة إلى ملك البائع فتبين ان عبد المشترى قتل عبد البائع فيخاطب بالدفع أو بالفداء وأيهما فعل قام مقام المقتول فيحيا المقتول معنى فيأخذه ببقية الثمن فصار في أخذ الباقي منهما بحصته من الثمن في الحال آخذا بجميع الثمن في المآل فخيرناه في الابتداء للاخذ بجميع الثمن والفسخ هذا وان هلك بفعل البائع يبطل البيع بقدره ويسقط عن المشترى حصة الهالك من الثمن وهو قدر النقصان اعتبارا للبعض بالكل سواء كان النقصان نقصان قيمة أو نقصان وصف لان الاوصاف لها حصة من الثمن عند ورود الحناية عليها لانها تصير أصلا بالفعل فتقابل بالثمن والمشترى بالخيار في الباقي ان شاء أخذه بحصته من الثمن وان شاء ترك لتفرق الصفقة عليه ولو اختار المشترى الاخذ فلم يقبضه حتى مات من تلك الجناية أو من غيرها مات على البائع ويسقط الثمن عن المشترى لان المبيع انما يدخل في ضمان المشترى بالقبض ولم يوجد فان قبضه المشترى فمات من جناية البائع أو غيرها سقطت عن المشترى حصة جناية البائع ولزمه ما بقى من الثمن أما إذا مات من الجناية فلان قبض الباقي وجد من المشترى فتقرر قبضه فتقرر عليه ثمنه وكذا إذا مات من جناية البائع لان المشترى قبض الباقي حقيقة وقبض المبيع يوجب تقرر الثمن في الاصل الا إذا وجد من البائع ما ينقصه فيصير مستردا والسراية ليست فعله حقيقة وانما هي صنع الله تعالى يعنى مصنوعه فبقى المقبوض على حكم قبض المشترى فتقرر عليه ثمنه ولان قبض المشترى بمنزلة انشاء العقد فيه لان للقبض شبها بالعقد وانشاء الشراء قاطع للسراية كما لو اشتراه منه بعد جنايته وقبضه ثم سرت إلى النفس ومات فكذلك القبض والله عزوجل أعلم وإذا هلك بفعل المشترى لا يبطل البيع ولا يسقط عنه شئ من الثمن لانه صار قابضا للكل باتلاف البعض أو لا يتمكن من اتلاف البعض الا باثبات اليد على الكل وهو تفسير القبض أو صار قابضا قدر المتلف بالاتلاف والبافي بالتعييب فتقرر عليه كل الثمن ولو مات في يد البائع بعد جناية المشترى ينظر ان مات من تلك الجناية مات على المشترى وعليه الثمن لانه لما مات من جنايته تبين ان فعله السابق وقع اتلافا للكل فتقرر كل الثمن سواء منعه البائع بعد جناية المشترى أو لم يمنعه لان منع البائع بعد وجود الاتلاف من المشترى هدر وان مات من غير الجناية فان كان البائع لم يمنعه مات من مال المشترى أيضا وعليه كل الثمن لما ذكرنا انه بالجناية صار قابضا لكل المبيع ولم يوجد ما ينقض قبضه فبقي حكم ذلك القبض وان كان منعه لزم المشترى حصة ما استهلك وسقط عنه ثمن ما بقي لان البائع لما منع فقد نقض قبض المشترى في قدر القائم فصار مستردا اياه فإذا هلك فقد هلك في ضمانه فيهلك عليه ولو جنى عليه البائع ثم جنى عليه المشترى سقط عن المشترى حصة جناية

[ 241 ]

البائع لما قلنا ولزمه ثمن ما بقى لانه صار قابضا للباقى بجنايته فتقرر عليه ثمنه لان جنايته دليل الرضا بتعييب البائع فان ابتدأ المشترى بالجناية ثم جنى البائع قبل قبض الثمن فان برأ العبد من الجنايتين فالمشترى بالخيار ان شاء أخذه وسقطت عنه حصة جناية البائع من الثمن وان شاء ترك لان المشترى صار قابضا بالجناية لكن الجناية فيه قبض بغير اذن البائع والثمن غير منقود فلما جنى عليه البائع فقد استرد ذلك القدر فحصلت جنايته تعييبا للمبيع وحدوث العيب في المبيع قبل القبض يوحب الخيار فان شاء فسخ وان شاء ترك وعليه ثلاثة أرباع الثمن وسقطت عنه جناية البائع من الثمن وهو الربع لان النصف هلك بجناية المشترى فتقرر عليه الثمن وربع منه قائم فيأخذه بثمنه أيضا والربع هلك بجناية البائع قبل القبض فيسقط عنه ثمنه وان مات العبد في البائع بعد الجنايتين بأن كان المشترى قطع يده ثم قطع البائع رجله من خلاف ثم مات في يد البائع من الجنايتين فعلى المشترى خمسة أثمان الثمن وسقط عنه ثلاثة اثمان الثمن لان المشترى لما قطع يده فقد تقرر عليه نصف الثمن لانه صار قابضا بالقطع ولما قطع البائع رجله استرد نصف القائم من العبد وهو الربع فبقى هناك ربع قائم من العبد فإذا سرت الجناية فقد هلك ذلك الربع من سراية الجنايتين فينقسم ذلك الربع بينهما نصفين فانكسر الحساب بالارباع فيجعل كل سهم أربعة فيصير ثمانية فلذلك جعلنا الحساب من ثمانية فهلك بجناية المشترى النصف وهو أربعة وبسراية جنايته سهم فيتقرر عليهم ثمنه فذلك خمسة أثمان الثمن وهلك بجناية البائع سهمان وبسراية جنايته سهم فذلك ثلاثة أثمان الثمن يسقط عنه لان هلاك هذا القدر يسقط عنه والله عزوجل أعلم هذا إذا جنى المشترى أولا ثم جنى البائع فبرأت الجراحة أو سرت (فأما) إذا جنى البائع أولا ثم المشترى فان برأ العبد فلا خيار للمشترى ههنا لما ذكرنا ان اقدامه على الجناية بعد جناية البائع دليل الرضا بتعييبه فبطل خياره ويلزمه ثمن ما بقى لانه صار قابضا لما بقي وان مات العبد من الجنايتين فالجواب ههنا على القلب من الجواب في المسألة المتقدمة وهو ان على المشترى ثلاثة أثمان وسقط عنه خمسة أثمان الثمن فحكم جناية المشترى ههنا كحكم جناية البائع هناك لما ذكرنا فافهم ولو كان الثمن مقبوضا والعبد في يد البائع فجنى عليه البائع يسقط عن المشترى حصته من الثمن أيضا لما ذكرنا فان كان المشترى جنى عليه أولا ثم جنى البائع يلزم البائع من القيمة ما يلزم الأجنبي لان المشترى صار قابضا بالجناية ولا يملك البائع نقض القبض والاسترداد ههنا لان الثمن مقبوض فصارت جنايته وجناية الأجنبي سواء ولو كان البائع جنى أولا ثم جنى المشترى فما هلك بجناية البائع سقط حصته من الثمن وما هلك بسراية جنايته فعليه قيمته لان ما هلك بجنايته بعد جناية المشترى تجب قيمته على ما ذكرنا فكذا ما هلك بسراية جنايته والله عزوجل أعلم وان هلك بفعل أجنبي فعليه ضمانه لا شك فيه والمشترى بالخيار ان شاء فسخ البيع واتبع البائع الا جنى بضمان ما جنى وان شاء اختار البيع واتبع الجاني بالضمان وعليه جميع الثمن وأيهما اختار فالحكم فيه بعد ذلك على ما ذكرنا في اتلاف الأجنبي كل المبيع والله عزوجل أعلم هذا إذا هلك بعض المبيع قبل القبض فأما إذا هلك بعض المبيع بعد القبض فان هلك بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشترى فالهلاك على المشترى لان المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض المشترى فتقرر عليه الثمن وكذا إذا هلك بفعل أجنبي فالهلاك على المشترى لما قلنا ويرجع بالضمان على الأجنبي لاشك فيه وان هلك بفعل البائع ينظر ان لم يكن له حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن بأن كان المشترى قبضه باذنه أو كان الثمن منقودا أو مؤجلا فهذا وما لو أتلفه أجنبي سواء وقد ذكرنا حكمه وان كان له حق الاسترداد بأن كان قبضه بغير اذنه والثمن حال غير منقود ينفسخ البيع في قدر المتلف ويسقط عن المشترى حصته من الثمن لانه صار مستردا لذلك القدر بالاتلاف فتلف ذلك القدر في ضمانه فيسقط قدره من الثمن ولا يكون مستردا لانه لم يوجد منه اتلاف الباقي لانه لو هلك الباقي في يد المشترى فعليه حصته من الثمن الا إذا هلك الباقي من سراية جناية البائع فيصير مستردا ويسقط عن المشترى جميع الثمن لان تلف الباقي حصل مضافا إلى فعله فصار مستردا للكل فتلف الكل في ضمانه فيسقط كل الثمن ولو اختلف

[ 242 ]

البائع والمشترى في هلاك المبيع فقال البائع هلك بعد القبض ولى عليك الثمن وقال المشترى هلك قبل القبض ولا ثمن لك على فالقول قول المشترى مع يمينه لان البائع يدعى عليه القبض ولا ثمن وهو ينكر ولان الظاهر شاهد للمشترى لان المبيع كان في يد البائع والظاهر بقاء ما كان على ما كان والبائع يدعى أمرا عارضا وهو الزوال والانتقال فكان المشترى متمسكا بالاصل الظاهر فكان القول وان قام أحدهما البينة قبلت بينته ولو أقاما جميعا البينة يقضى ببينة البائع لانها تثبت أمرا بخلاف الظاهر وما شرعت البينات الا لهذا ولانها أكثر اظهارا لانها تظهر القبض والثمن فكانت أولى بالقبول وكذلك لو اختلفا في الاستهلاك فادعى البائع على المشترى أنه استهلكه وأدعى المشترى على البائع أنه استهلكه فالقول قول المشترى لما قلنا هذا إذا لم يكن للبينتين تاريخ فأما إذا كان لهما تاريخ وتاريخ أحدهما أسبق فالاسبق أولى بالهلاك والاستهلاك جميعا هذا إذا لم يكن قبض المشترى المبيع ظاهرا فاما إذا كان ظاهرا فادعيا الاستهلاك فان لم يكن لهما بينة فالقول قول البائع لان الظاهر شاهد له لان المبيع في يد المشترى وأيهما أقام البينة قبلت بينته وان أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشترى لانه هو المدعى ألا ترى أنه يدعى أمرا باطنا ليزيل به ظاهرا وهو الاستهلاك من البائع والمبيع في يده وكذا المشترى لو ترك الدعوى ترك ولا يجبر عليها والبائع لو ترك الدعوى لا يترك بل يجبر عليها وهذه عبارة مشايخنا في تحديد المدعى والمدعى عليه وإذا قامت بينة المشترى ينظر ان كان في موضع للبائع حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن بان كان المشترى قبضه بغير اذن البائع والثمن حال غير منقود يسقط الثمن عن المشترى لانه بالاستهلاك صار مستردا وانفسخ البيع وان كان في موضع ليس له حق الاسترداد للحبس بأن كان المشترى قبض المبيع باذن البائع أو بغير اذنه لكن الثمن منقود أو مؤجل فللمشترى أن يضمن البائع قيمة المبيع لانه إذا لم يكن له حق الاسترداد لم يكن بالاستهلاك مستردا ولا ينفسخ البيع فلا يحصل الاستهلاك في ضمان البائع فتلزمه القيمة كما لو استهلكه أجنبي والله عزوجل أعلم ولو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ عند أبى حنيفة رحمه الله وعلى المشترى رد المبيع ان كان قائما وقيمته أو مثله ان كان هالكا وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع والبائع بالخيار ان شاء فسخ البيع وان شاء أخذ قيمة الفلوس (وجه) قولهما أن الفلوس في الذمة وما في الذمة لا يحتمل الهلاك فلا يكون الكساد هلاكا بل يكون عيبا فيها فيوجب الخيار ان شاء فسخ البيع وان شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمن رطبا فانقطع قبل القبض ولابي حنيفة ان الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنا لان ثمنيتها ثبتت باصطلاح الناس فإذا ترك الناس التعامل بها عددا فقد زال عنها صفة الثمنية ولا بيع بلا ثمن فينفسخ ضرورة ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالاجماع وعلى المشترى أن ينقد مثلها عددا ولا يلتفت إلى القيمة ههنا لان الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية ألا ترى ان الدراهم قد ترخص وقد تغلو وهى على حالها أثمان ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في وقت اعتبار القيمة فاعتبر أبو يوسف وقت العقد لانه وقت وجوب الثمن واعتبر محمد وقت الكساد وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها لانه وقت العجز عن التسليم ولو استقرض فلوسا نافقة وقبضها فكسدت فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عددا في قول أبى حنيفة وأبى يوسف وفى قول محمد عليه قيمتها (وجه) قولهما ان الواجب بقبض القرض رد مثل المقبوض وبالكساد عجز عن رد المثل لخروجها عن رد الثمنية وصيرورتها سلعة فيجب عليه قيمتها كما لو استقرض شيأ من ذوات الامثال وقبضه ثم انقطع عن أيدى الناس ولابي حنيفة رحمه الله ان أثر الكساد في بطلان الثمنية وانه لا يمنع جواز الرد بدليل انه لو استقرضها بعد الكساد جاز ثم اختلفا في وقت اعتبار القيمة على ما ذكرنا ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض بلا خلاف لما ذكرنا أن صفة الثمنية باقية ولو اشترى بدرهم فلوسا وتقابضا وافترقا ثم استحقت الفلوس من يده وأخذها المستحق لا يبطل العقد لان بالاستحقاق وان انتقض القبض والتحق بالعدم فيصير كان الافتراق حصل عن قبض الدراهم دون الفلوس وهذا لا يوجب بطلان العقد وعلى

[ 243 ]

بائع الفلوس أن ينقد مثلها وكذلك ان استحق بعضها وأخذ قدر المستحق لا يبطل البيع لما قلنا وعلى بائع الفلوس أن ينقد مثل القدر المستحق وكذلك إذا وجد المشترى الفلوس من الفلوس الكاسدة لا يبطل البيع لان قبض أحد البدلين فيما لا يتضمن يكفى لبقاء العقد على الصحة وقد وجد قبض أحدهما وهو الدراهم ولو كان المشترى قبض الفلوس ولم ينقد الدراهم وافترقا ثم استحقت الفلوس فالمستحق بالخيار ان شاء أجاز نقد البائع فيجوز العقد لان الاجازة استندت إلى حالة العقد فجاز النقد والعقد ويرجع المستحق على بائع الفلوس بمثلها وينقد المشترى الدراهم لبائع الفلوس وان شاء لم يجز وأخذ الفلوس وبطل العقد لانه لما لم يجز وأخذ الفلوس فقد انتقض القبض والتحق بالعدم فتبين أن افتراقهما حصل لا عن قبض أصلا فبطل العقد وكذلك لو استحق بعض الفلوس فحكم البعض كحكم الكل وقد ذكرناه ولو وجد الفلوس كاسدة لا تروج بطل العقد لانه ظهر انهما افترقا من غير قبض وان وجدها تروج في بعض التجارة ولا تروج في البعض أو يأخذها البعض دون البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة ان تجوز بها المشترى جاز لانها من جنس حقه أصلا وان لم يتجوز بها فالقياس أن يبطل العقد في المردود قل أو كثر وهو قول زفر وعند أبى يوسف ومحمد ان لم يستبدل في مجلس الرد يبطل وان استبدل لا يبطل وعند أبى حنيفة أن كان قليلا فاستبدل لا يبطل وان كان كثيرا يبطل على ما ذكرنا في السلم والله عزوجل أعلم (وأما) بيان صفة الحكم فله صفتان احداهما اللزوم حتى لا ينفرد أحد العاقدين بالفسخ سواء كان بعد الافتراق عن المجلس أو قبله عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يلزم الا بعد الافتراق عن المجلس وقد ذكرنا الكلام فيه من الجانبين فيما تقدم والثانية الحلول وهو ثبوت الملك في البدلين للحال لانه تمليك بتمليك وهو ايجاب الملك من الجانبين للحال فيقتضى ثبوت الملك في البدلين في الحال بخلاف البيع بشرط الخيار لان الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع وقوعه تمليكا للحال وبخلاف البيع الفاسد فان ثبوت الملك فيه موقوف على القبض فيصير تمليكا عنده والله عزوجل أعلم (وأما) الاحكام التى هي من التوابع للحكم الاصلى للبيع (فمنها) وجوب تسليم المبيع والثمن والكلام في هذا الحكم في مواضع أحدها في بيان وجوب تسليم البدلين وما هو من توابع تسليمهما والثانى في بيان وقت وجوب تسليمهما والثالث في تفسير التسليم والقبض والرابع في بيان ما يصير به المشترى قابضا للمبيع من التصرفات وما لا يصير (أما) الاول فتسليم البدلين واجب على العاقدين لان العقد أوجب الملك في البدلين ومعلوم أن الملك ما ثبت لعينه وانما ثبت وسيلة إلى الانتفاع بالمملوك ولا يتهيأ الانتفاع به الا بالتسليم فكان ايجاب الملك في البدلين شرعا ايحابا لتسليمهما ضرورة ولان معنى البيع لا يحصل الا بالتسليم والقبض لانه عقد مبادلة وهو مبادلة شئ مرغوب بشئ مرغوب وحقيقة المبادلة في التسليم والقبض لانها أحذ بدل واعطاء بدل وانما قول البيع والشراء وهو الايجاب والقبول جعل دليلا عليهما ولهذا كان التعاطى بيعا عندنا على ما ذكرنا والله عزوجل أعلم وعلى هذا تخرج أجرة الكيال والوزان والعداد والذراع في بيع المكيل والموزون والمعدود والمذروع مكايلة وموازنة ومعاددة ومذارعة انها على البائع أما أجرة الكيال والوزان فلانها من مؤنات الكيل والوزن والكيل والوزن فيما بيع مكايلة وموازنة من تمام التسليم على ما نذكر والتسليم على البائع فكانت مؤنة التسليم عليه والعدد في المعدود الذى بيع عددا بمنزلة الكيل والوزن في المكيل والموزون عند أبى حنيفة فكان من تمام التسليم فكانت على من عليه التسليم وعندهما هو من باب تأكيد التسليم فكان من توابعه كالذرع فيما بيع مذارعة فكانت مؤنتة على من عليه التسليم وهو البائع وكذا أجرة وزان الثمن على المشترى لما قلنا (وأما) أجرة ناقد الثمن فعن محمد فيه روايتان روى ابراهيم بن رستم عنه أنها على البائع لان حقه في الجيد والنقد لتمييز حقه فكانت مؤنته عليه وروى ابن سماعة عنه ان البائع ان كان لم يقبض الدراهم فعلى المشترى لان عليه تسليم ثمن جيد فكانت مؤنة تسليمه عليه ولو كان قد قبضها فعلى البائع لانه قبض حقه ظاهرا فانما يطلب بالنقد إذا أدى فكان الناقد عاملا له فكانت أجرة عمله عليه (وأما) بيان وقت الوجوب فالوجوب على التوسع ثبت عقيب

[ 244 ]

العقد بلا فصل وأما على التضييق فان تبايعا عينا بعين وجب تسليمهما معا إذا طالب كل واحد منهما صاحبه بالتسليم لما ذكرنا أن المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة المتعاقدين عادة وتحقيق التساوى ههنا في التسليم معا لما ذكرنا انه ليس أحدهما بالتقديم أولى من الآخر وكذلك ان تبايعا دينا بدين لما قلنا وان تبايعا عينا يراعى فيه الترتيب عندنا فيجب على المشترى تسليم الثمن أولا إذا طالبه البائع ثم يجب على البائع تسليم المبيع إذا طالبه المشترى لان تحقيق التساوي فيه على ما بينا فيما تقدم (وأما) تفسير التسليم والقبض فالتسليم والقبض عندنا هو التخلية والتخلى وهو أن يخلى البائع بين المبيع وبين المشترى برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشترى من التصرف فيه فيجعل البائع مسلما للمبيع والمشترى قابضا له وكذا تسليم الثمن من المشترى إلى البائع وقال الشافعي رحمه الله القبض في الدار والعقار والشجر بالتخلية وأما في الدراهم والدنانير فتناولهما بالبراجم وفى الثياب بالنقل وكذا في الطعام إذا اشتراه مجازفة فإذا اشتراه مكايلة فبالكيل وفى العبد والبهيمة بالسير من مكانه (وجه) قوله أن الاصل في القبض هو الاخذ بالبراجم لانه القبض حقيقة الا أن فيما لا يحتمل الاخذ بالبراجم أقيم النقل مقامه فيما يحتمل النقل وفيما لا يحتمله أقيم التخلية مقامه (ولنا) أن التسليم في اللغة عبارة عن جعله سالما خالصا يقال سلم فلان لفلان أي خلص له وقال الله تعالى ورجلا سلما لرجل أي سالما خالصا لا يشركه فيه أحد فتسليم المبيع إلى المشترى هو جعل المبيع سالما للمشترى أي خالصا له بحيث لا ينازعه فيه غيره وهذا يحصل بالتخلية فكانت التخلية تسليما من البائع والتخلى قبضا من المشترى وكذا هذا في تسليم الثمن إلى البائع لان التسليم واجب ومن عليه الواجب لابد وأن يكون له سبيل الخروج عن عهدة ما وجب عليه والذى في وسعه هو التخلية ورفع الموانع فأما الاقباض فليس في وسعه لان القبض بالبراجم فعل اختياري للقابض فلو تعلق وجوب التسليم به لتعذر عليه الوفاء بالواجب وهذا لا يجوز ثم لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الاموال واختلقوا في أنها هل هي قبض تام فيها أم لا وجملة الكلام فيه أن المبيع لا يخلو اما أن يكون مما له مثل واما أن يكون مما لا مثل له فان كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة فالتخلية فيها قبض تام بلا خلاف حتى لو اشترى مذروعا مذارعة أو معدودا معاددة ووجدت التخلية يخرج عن ضمان البائع ويجوز له بيعه والانتفاع به قبل الذرع والعد بلا خلاف وان كان مما له مثل فان باعه مجازفة فكذلك لانه لا يعتبر معرفة القدر في بيع المجازفة وإن باع مكايلة أو موازنة في المكيل والموزون وخلى فلا خلاف في أن المبيع يخرج عن ضمان البائع ويدخل في ضمان المشترى حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل والوزن يملك على المشترى وكذا لا خلاف في أنه لا يجوز للمشترى بيعه والانتفاع به قبل الكيل والوزن وكذا لو اكتاله المشترى أو اتزنه من بائعه ثم باعه مكايلة أو موازنة من غيره لم يحل للمشترى منه أن يبيعه أو ينتفع به حتى يكيله أو يزنه ولا يكتفى باكتيال البائع أو اتزانه من بائعه وان كان ذلك بحضرة هذا المشترى لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان صاع البائع وصاع المشترى وروى انه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يكال لكن اختلفوا في أن حرمة التصرف قبل الكيل أو الوزن لانعدام القبض بانعدام الكيل أو الوزن أو شرعا غير معقول المعنى مع حصول القبض بتمامه بالتخلية قال بعض مشايخنا انها تثبت شرعا غير معقول المعنى وقال بعضهم الحرمة لمكان انعدام القبض على التمام بالكيل أو الوزن وكما لا يجوز التصرف في المبيع المنقول بدون قبضه أصلا لا يجوز بدون قبضه بتمامه (وجه) قول الاولين ما ذكرنا أن معنى التسليم والتسلم يحصل بالتخلية لان المشترى يصير سالما خالصا للمشترى على وجه يتهيأ له تقليبه والتصرف فيه على حسب مشيئته وارادته ولهذا كانت التخلية تسليما وقبضا فيما لا مثل له وفيما له مثل إذا بيع مجازفة ولهذا يدخل المبيع في ضمان المشترى بالتخلية نفسها بلا خلاف دل أن التخلية قبض الا أن حرمة التصرف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبدا غير معقول المعنى والله عزوجل أعلم (وجه) قول الآخرين تعليل محمد رحمه الله في هذه المسألة في كتاب البيوع فانه قال ولا يجوز للمشترى ان يتصرف فيه قبل الكيل لانه باعه قبل أن

[ 245 ]

يقبضه ولم يرد به أصل القبض لانه موجود وانما أراد به تمام القبض والدليل على أن الكيل والوزن في المكيل والموزون الذى بيع مكايلة وموازنة من تمام القبض أن القدر في المكيل والموزون معقود عليه ألا ترى أنه لو كيل فازداد لا تطيب له الزيادة بل ترد أو يفرض لها ثمن ولو نقص يطرح بحصته شئ من الثمن ولا يعرف القدر فيهما الا بالكيل والوزن لاحتمال الزيادة والنقصان فلا يتحقق قبض قدر المعقود عليه الا بالكيل والوزن فكان الكيل والوزن فيه من تمام القبض ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل قبضه بتمامه كما لا يجوز قبل قبضه أصلا ورأسا بخلاف المذروعات لان القدر فيها ليس معقود عليه بل هو جار مجرى الوصف والاوصاف لا تكون معقودا عليها ولهذا سلمت الزيادة للمشترى بلا ثمن وفى النقصان لا يسقط عنه شئ من الثمن فكانت التخلية فيها قبضا تاما فيكتفى بها في جواز التصرف قبل الذرع بخلاف المكيلات والموزونات على ما بينا الا أنه يخرج عن ضمان البائع بالتخلية نفسها لوجود القبض بأصله والخروج عن ضمان البائع يتعلق بأصل القبض لا بوصف الكمال فأما جواز التصرف فيه فيستدعى قبضا كاملا لورود النهى عن بيع ما لم يقبض والقبض المطلق هو القبض الكامل والله عزوجل أعلم (وأما) المعدودات المتقاربة إذا بيعت عدا لا جزافا فحكما حكم المكيلات والموزونات عند أبى حنيفة حتى لا يجوز بيعها الا بعد العد وعند أبى يوسف ومحمد حكمها حكم المذروعات فيجوز بيعها قبل العد (وجه) قولهما ان العددى ليس من أموال الربا كالذرع ولهذا لم تكن المساواة فيها شرطا لجواز العقد كما لا تشترط في المذروعات فكان حكمه كحكم المذروع ولابي حنيفة رحمه الله ان القدر في المعدود معقود عليه كالقدر فيه المكيل والموزون ألا ترى انه لو عده فوجده زائدا لا تطيب الزيادة له بلا ثمن بل يردها أو يأخذها بثمنها ولو وجد ناقصا يرجع بقدر النقصان كما في المكيل والموزون دل أن القدر فيه معقود عليه واحتمال الزيادة والنقصان في عدد المبيع ثابت فلا بد من معرفة قدر المعقود عليه وامتيازه من غيره ولا يعرف قدره الا بالعد فأشبه المكيل والموزون ولهذا كان العد فيه بمنزلة المكيل والموزون في ضمان العدوان الا أنه لم يجز فيه الربا لان المساواة بين واحد وواحد في العد ثبتت باصطلاح الناس واهدارهم التفاوت بينهما في الصغر والكبر لكن ما ثبت باصطلاح الناس جاز أن يبطل باصطلاحهم ولما تبايعا واحدا باثنين فقد اهدر اصطلاح الاهدار واعتبر الكبر لانهما قصد البيع الصحيح ولا صحة الا باعتبار الكبر وسفوط العد فكان أحدهما من أحد الجانبين بمقابلة الكبير من الحانب الآخر فلا يتحقق الربا أما ههنا فلا بدمن اعتبار العد إذا بيع عدد أو إذا اعتبر العد لا يجوز التصرف فيه قبل القبض كما في المكيل والموزون بخلاف المذروع فان القدر فيه ليس بمعقود عليه على مابينا فكانت التخلية فيه قبضا تاما فكان تصرفا في المبيع المنقول بعد القبض وانه جائز والله عزوجل أعلم ولو كاله البائع أو وزنه بحضرة المشترى كان ذلك كافيا ولايحتاج إلى اعادة الكيل لان المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشترى وما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان صاع البائع وصاع المشترى محمول على موضع مخصوص وهو ما إذا اشترى مكيلا مكايلة فاكتاله ثم باعه من غيره مكايلة لم يجز لهذا المشترى التصرف فيه حتى يكيله وان كان هو حاضرا عند اكتيال بائعه فلا يكتفى بذلك وكذلك إذا أسلم إلى رجل في حنطة فلما حل الاجل اشترى المسلم إليه قدر المسلم فيه من رجل مكايلة وأمر رب السلم باقتضائه فانه لا يجوز له التصرف فيه ما لم يكله مرتين مرة للمسلم إليه ومرة لنفسه بالنص ولو كان مكان السلم قرض بأن استقرض المستقرض كرا من انسان وأمر المقرض بقبض الكر فانه يكتفى فيه بكيل واحد للمشترى والمستقرض (ووجه) الفرق ان الكيل والوزن فيما عقد بشرط الكيل والوزن في المكيل والموزون شرط جواز التصرف فهما لانه من تمام القبض على مابينا والسلم عقد بشرط الكيل والمسلم إليه اشترى بشرط الكيل فلا بد من أن يكيل رب السلم أولا للمسلم إليه ليصير قابضا له فيجعل كان المسلم إليه قبضه بنفسه من البائع ثم يكيل لنفسه ليصير قابضا لنفسه من المسلم إليه فاما قبض بدل القرض فليس بشرط لجواز التصرف فيه لان

[ 246 ]

القبض بالكيل في باب البيع لاندفاع جهالة المعقود عليه بتمييز حق المشترى عن حق البائع والقرض يقبل نوع جهالة فلا يشترط له القبض ولان الاقراض اعارة عندنا فالمقبول من بدل القرض كانه عين حقه فصار كما لو أعار عينا ثم استردها فيصح قبضه بدون الكيل وانما يجب كيل واحد للمشترى لا غير والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يصير به المشترى قابضا للمبيع من التصرفات وما لا يصير به قابضا فنقول وبالله التوفيق المبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع وإما أن يكون في يد المشترى فان كان في يد البائع فاتلفه المشترى صار قابضا له لانه صار قابضا بالتخلية فبالاتلاف أولى لان التخلية تمكين من التصرف في المبيع والاتلاف تصرف فيه حقيقة والتمكين من التصرف دون حقيقة التصرف وكذلك لو قطع يده أو شج رأسه وكل تصرف نقص شيأ لان هذا الافعال في الدلالة على التمكين فوق التخلية ثم بالتخلية صار قابضا فبها أولى وكذلك لو فعل البائع شيأ من ذلك بأمر المشترى لان فعله بأمر المشترى بمنزلة فعل المشترى بنفسه ولو أعتقه المشترى يصير قابضا لان لاعتاق اتلاف حكما فيلحق بالاتلاف حقيقة وكذا لو دبره أو استولد الجارية أي أقرانها أم ولد له لان التدبير أو الاستيلاد تنقيص حكما فكان ملحقا بالتنقيص حقيقة ولو زوج المبيع بان كان جارية أو عبدا فالقياس ان يصير قابضا وهو رواية عن أبى يوسف وفى الاستحسان لا يصير قابضا (وجه) القياس أن التزوج تعييب الا ترى أن الزوجية عيب يرد بها وإذا كانت الزوجية عيبا كان التزوج تعييبا والتعييب قبض (وجه) الاستحسان أنه تعييب حكما لا حقيقة لانه لا يوجب نقصان المحل ولا نقصان الملك فيه فلا يصير به قابضا وكذا لو أقر عليه بالدين فالقياس أن يصير قابضا لان الدين عيب حتى يرد به وفى الاستحسان لا يصير قابضا لانه تعييب حكمي وانه لا يوجب النقصان فلا يكون قبضا ولو وطئها الزوج في يد البائع صار المشترى قابضا لان الوطئ اثبات اليد على الموطوءة وانه حصل من الزوج بتسليط المشترى فكان من حيث انه اثبات اليد مضافا إلى المشترى فكان قابضا من المشترى ولو أعار المشترى المبيع للبائع أو أودعه أو آجره لم يكن شئ من ذلك قبضا لان هذه التصرفات لم تصح من المشترى لان يد الحبس بطريق الاصالة ثابتة للبائع فلا يتصور اثبات يد النيابة له بهذه التصرفات فلم تصح والتحقت بالعدم ولو أعاره أو أودعه أجنبيا صار قابضا لان الاعارة والايداع اياه صحيح فقد أثبت يد النيابة لغيره فصار قابضا ولو أرسل المشترى العبد المبيع إلى حاجة صار قابضا لان ارساله في الحاجة استعمال له بدليل أنه صار راضيا به واستعماله اياه اثبات يده عليه وهو معنى القبض ولو جنى أجنبي على المبيع فاختار المشترى اتباع الجاني بالضمان كان اختياره بمنزلة القبض عند أبى يوسف وعند محمد يكون حتى لو توى الضمان على الجاني بان مات مفلسا كان التوى على المشترى ولا يبطل البيع عند أبى يوسف ويتقرر عليه الثمن وعند محمد يبطل البيع والتوى على البائع ويسقط الثمن عن المشترى وكذا لو استبدل المشترى الضمان ليأخذ مكانه من الجاني شيأ آخر جاز عند أبى يوسف وعند محمد لا يجوز لان هذا تصرف في المعقود عليه قبل القبض لان القيمة قائمة مقام العين المستهلكة والتصرف في المعقود عليه قبل القبض لا يجوز لا من البائع ولا من غيره وكذا المبيع إذا كان مصوغا من فضة اشتراها بدينار فاستهلك المصوغ أجنبي قبل القبض فاختار المشترى أن يتبع الجاني بالضمان ونقد الدينار البائع فافترقا قبل قبض ضمان المستهلك لا يبطل الصرف بينهما عند أبى يوسف لان اختياره تضمين المستهلك بمنزلة القبض عنده وعند محمد يبطل الصرف لعدم القبض (وجه) قول محمد ان الضمان حكم العين لان قيمة العين قائمة مقامها ولهذا بقى العقد على القيمة بعد استهلاك العين ثم العين لو كانت قائمة فهلكت قبل القبض كان الهلاك على البائع ويبطل البيع ويسقط الثمن عن المشترى فكذا القيمة ولابي يوسف ان جناية الأجنبي حصلت باذن المشترى وأمره دلالة فيصير قابضا كما لو فعل بنفسه وبيان ذلك أن اختيار المشترى اتباع الجاني بالضمان تمليك من المضمون لان المضمونات تملك باختيار الضمان مستندا إلى وقت سبب الضمان فيصير كان الجناية حصلت بأمر المشترى فيصير

[ 247 ]

قابضا لان فعل الأجنبي بأمر المشترى بمنزلة فعل المشترى بنفسه ولو أمر المشترى البائع أن يعمل في المبيع عملا فان كان عملا لا ينقصه كالقصارة والغسل بأجر أو بغير أجر لا يصير قابضا لان التصرف الذى لا يوجب نقصان المحل مما يملكه البائع باليد الثابتة كما إذا نقله من مكان إلى مكان فكان الامر به استيفاء لملك اليد فلا يصير به قابضا وتجب الاجرة على المشترى ان كان بأجر لان الاجارة قد صحت لان العمل على البائع ليس بواجب فجاز أن تقابله الاجرة وان كان عملا ينقصه يصير قابضا لان تنقيصه اتلاف جزء منه وقد حصل بأمره فكان مضافا إليه كانه فعله بنفسه والله عزوجل أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في كر حنطة فلما حل الاجل أمر رب السلم المسلم إليه أن يكيله في غرائر المسلم إليه أو دفع إليه غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل أنه ان كان رب السلم حاضرا يصير قابضا بالتخلية وان غائبا لا يصير قابضا لان الحنطة التى يكيلها المسلم إليه لملكه لا ملك رب السلم لان حقه في الدين لا في العين فلم يصح أمر المشترى اياه بكيلها فلم يصر وكيلا له فلا تصير يده يد رب السلم سواء كانت الغرائر للمسلم إليه أو لرب السلم لان يد رب السلم عن الغرائر قد زالت فإذا كال فيها الحنطة لم تصر في يد رب السلم فلا يصير قابضا وكذا لو استقرض من رجل كرا ودفع إليه غرائره ليكيله فيها ففعل وهو غائب لا يصير قابضا لان القرض لا يملك قبل القبض فكان الكر على ملك المقرض فلم يصح أمر المستقرض إياه بكيله فلا يصير وكيلا له فلا تصير يده يد المستقرض كما في السلم ولو اشترى من انسان كرا بعينه ودفع غرائر وأمره بأن يكيل فيها ففعل صار قابضا سواء كان المشترى حاضرا أو غائبا لان المعقود عليه معين وقد ملكه المشترى بنفس العقد فصح أمر المشترى لانه تناول عينا هو ملكه فصح أمره وصار البائع وكيلا له وصارت يده يد المشترى وكذلك الطحن إذا طحنه المسلم إليه بأمر رب السلم لم يصر قابضا ولو طحنه البائع بأمر المشترى صار قابضا لان الطحن بمنزلة الكيل في الغرائر ولو استعار المشترى من البائع غرائره وأمره بأن يكيله فيها ففعل فان كان المشترى حاضرا يصير قابضا بالتخلي بالاجماع وان كان غائبا لا يصير قابضا عند محمد ما لم يسلم الغرائر إليه سواء كانت الغرائر بغير عينها أو بعينها وقال أبو يوسف ان كانت بعينها صار المشترى قابضا بنفس الكيل فيها وان كانت بغير عينها بأن قال أعرني غرارة وكل فيها لا يصير قابضا (وجه) قول محمد ان الغرائر عارية في الوجهين جميعا ولم يقبضها والعارية لا حكم لها بدون القبض فبقيت في يد البائع فبقى ما فيها في يد البائع أيضا فلا يصير في يد المشترى قابضا الا بتسليم الغرائر إليه ولابي يوسف الفرق بين حالة التعيين وعدم التعيين وهو أن الغرائر إذا كانت معينة مشارا إليها فان لم يمكن تصحيح التعيين من حيث كونه استعارة يمكن تصحيحه من حيث اقامتها مقام يده وإذا لم تكن متعينة فلا وجه للاعارة بوجه وقول محمد أظهر والله عزوجل أعلم ولو اشترى كرا بعينه وله على البائع كر دين فأعطاه جولقا وقال له كلهما فيه ففعل صار قابضا لهما سواء كان المبيع أولا أو الدين وهذا قول أبى يوسف وقال محمد ان كان المبيع أولا يصير قابضا لهما كما قال أبو يوسف وان كان الدين أولا لم يصر قابضا للدين وكان قابضا للعين وكانا شركين فيه (وجه) قول محمد ان نفس الكيل في الدين ليس بقبض لما ذكرنا فإذا بدأ بكيله لم يصر المشترى قابضا له فإذا كاله بعده فقد خلط ملك المشترى بملك نفسه فيشتركان في المخلوط ونفس الكيل في العين قبض فإذا بدأ بكيله صار المشترى قابضا له ثم إذا كان الدين بعده فقد استهلك العين بالخلط فقام ذك الدين مقام العين فصار قابضا له (وجه) قول أبى يوسف ان البائع خلط ملك المشترى بملك نفسه في الحال بأمر المشترى فكان مضافا إلى المشترى والخلط من أسباب التملك في الجملة فيملك المشترى الدين بالخلط وقد جعله في غرائره بأمره فصار قابضا له والله عزوجل أعلم ولو باع قطنا في فراش أو حنطة في سنبل وسلم كذلك فان أمكن المشترى قبض القطن أو الحنطة من غير فتق الفراش أو دق السنبل صار قابضا له لحصول معنى القبض وهو التخلي والتمكن من التصرف وان لم يمكنه الا بالفتق والدق لم يصر قابضا له لانه لا يملك الفتق أو الدق لانه تصرف في ملك البائع وهو لا يملك التصرف في ملكه فلم يحصل التمكن والتخلى فلا يصير قابضا ولو باع الثمرة على الشجرة وسلم كذلك صار قابضا لانه يمكنه الجذاذ من غير تصرف في ملك

[ 248 ]

البائع فحصل التخلي بتسليم الشجر فكان قبضا بخلاف بيع القطن في الفراش والحنطة في السنبل ولهذا قالوا ان أجرة الجذاذ على المشترى واجرة الفتق والدق على البائع إذا كان المشترى لا يمكنه القبض الا به لانه صار قابضا للثمن بتسليم الشجر فكان الجاذ عاملا للمشترى فكانت الاجرة عليه ولم يحصل القبض بتسليم الفراش والسنبل فكان الفتق والدق على البائع مما يتحقق به التسليم فكانت أجرته عليه هذا إذا كان المبيع في يد البائع وقت البيع فأما إذا كان في يد المشترى فهل يصير قابضا للبيع بنفس العقد أم يحتاج فيه إلى تجديد القبض فالاصل فيه أن الموجود وقت العقد ان كان مثل المستحق بالعقد ينوب منابه وان لم يكن مثله فان كان أقوى من المستحق ناب عنه وان كان دونه لا ينوب لانه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب لان المتماثلين غير ان ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده وان كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة وان كان دونه لا يوجد فيه الا بعض المستحق فلا ينوب عن كله وبيان ذلك في مسائل وجملة الكلام فيها أن يد المشترى قبل الشراء إما ان كانت يد ضمان وإما ان كانت يد أمانة فان كانت يد ضمان فاما ان كانت يد ضمان بنفسه وإما ان كانت يد ضمان بغيره فان كانت يد ضمان بنفسه كيد الغاصب يصير المشترى قابضا للمبيع بنفس العقد ولا يحتاج إلى تجديد القبض سواء كان المبيع حاضرا أو غائبا لان المغصوب مضمون بنفسه والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه فتجانس القبضان فناب أحدهما عن الآخر لان التجانس يقتضى التشابه والمتشابهان ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده سواء كان المبيع حاضرا أو غائبا لان يد الغاصب في الحالين يد ضمان وان كانت يده يد ضمان لغيره كيد الرهن بأن باع الراهن المرهون من المرتهن فانه لا يصير قابضا الا أن يكون الرهن حاضرا أو يذهب إلى حيث الرهن ويتمكن من قبضه لان المرهون ليس بمضمون بنفسه بل بغيره وهو الدين والمبيع مضمون بنفسه فلم يتجانس القبضان فلم يتشابها فلا ينوب أحدهما عن الآخر ولان الرهن أمانة في الحقيقة فكان قبضه قبض أمانة وانما يسقط الدين بهلاكه لمعنى آخر لا لكونه مضمونا على ما عرف وإذا كان أمانة فقبض الامانة لا ينوب عن قبض الضمان كقبض العارية والوديعة وان كانت يد المشترى يد أمانة كيد الوديعة والعارية لا يصير قابضا الا أن يكون بحضرته أو يذهب إلى حيث يتمكن من قبضه بالتخلي لان يد الامانة ليست من جنس يد الضمان فلا يتناوبان والله عزوجل أعلم ولو اختلف البائع والمشترى في قبض المبيع فقال البائع قبضته وقال المشترى لم أقبضه فالقول قول المشترى لان البائع يدعى عليه وجود القبض وتقرر الثمن وهو ينكر ولان عدم القبض أصل والوجود عارض فكان المشترى متمسكا بالاصل والبائع يدعى أمرا عارضا فكان الظاهر شاهدا للمشترى فكان القول قول قوله مع يمينه وكذا إذا قبض بعضه واختلفا في قدر المقبوض فالقول قول المشترى لما قلنا ولو اختلفا في قبض الثمن فالقول قول البائع لما قلنا في قبض المبيع والله عزوجل أعلم ولو اختلفا فقال البائع للمشتري قطعت يده فصرت قابضا وقال المشترى للبائع أنت قطعت يده وانفسخ البيع فيه لم يقبل قول كل واحد منهما على صاحبه ويجعل كان يده ذهبت بآفة سماوية لتعارض الدعوتين وانعدام دليل الترجيح لاحدهما فلا يكون قول أحدهما بالقبول على صاحبه أولى من قول الآخر فلا يقبل ويجعل كأنها ذهبت بآفة سماوية ويخير المشترى لتغير المبيع قبل القبض فان شاء أخذ الباقي بجميع الثمن وان شاء رده على البائع فان اختار الاخذ يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ويأخذ كذا ذكر القدورى رحمه الله في شرحه أما تحليف البائع فلا اشكال فيه لان المشترى يدعى عليه سقوط بعض الثمن وهو ينكر فيحلف لانه إذا حلف لا يسقط عن المشترى شئ من الثمن فكان تحليفه مفيدا (وأما) تحليف المشترى فمشكل لانه لا يفيد شيأ لانه يأخذه بعد الحلف بكل الثمن وهذا فيما إذا اختار المشترى الرد على البائع لانه لا يحلف البائع بل يحلف المشترى وحده لان تحليف البائع لا يفيده شيأ حيث يرده عليه وكذلك لو كان المبيع مما يكال أو يوزن فذهب بعضه فاختلفا فقال البائع للمشترى أنت أكلت وقال المشترى للبائع مثل ذلك أنه لا يقبل قول واحد منهما على صاحبه ويجعل كأنه ذهب بعضه بآفة سماوية لما قلنا ويخير المشترى لتفرق الصفقة الا أن هناك ان اختار

[ 249 ]

الاخذ أخذ الباقي بما بقى من الثمن لان القدر في المكيل والموزون معقود عليه فكان له حصة من الثمن والاطراف من الحيوان جارية مجرى الاوصاف فلا يقابلها الثمن الا إذا صارت مقصودة بالقبض أو بالجناية على ما بينا فيما تقدم وذكر القدورى رحمه الله ههنا أيضا أنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ويأخذ ولا اشكال ههنا في تحليف المشترى لان التحليف مفيد في حقه لان البائع يدعى عليه كل الثمن وهو ينكر فيندفع عنه لزوم كل الثمن بالحلف فكان مفيدا (وأما) تحليف البائع ففيه اشكال لان المشترى يدعى عليه سقوط بعض الثمن وذا حاصل له من غير تحليفه فلم يكن تحليفه مفيدا في حقه فينبغي أن لا يحلف وان اختار الرد على البائع حلف المشترى وحده دون البائع لما قلنا فان أقام أحدهما البينة قبلت بينته لانها قامت على أمر جائز الوجود وان أقاما البينة فالبينة بينة البائع لانها مثبتة الا ترى أنها توجب دخول السلعة في ضمان المشترى وتقرر الثمن عليه وبينة المشترى نافية فالمثبتة أولى والله عزوجل أعلم (ومنها) ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله في قول يسلمان معا وفى قول يسلم المبيع أولا ثم يسلم الثمن أما قوله الاول فبناء على أصله الذى ذكرنا فيما تقدم وهو أن الثمن والمبيع من الاسماء المترادفة عنده ويتعين كل واحد منهما بالتعيين فكان كل ثمن مبيعا وكل مبيع ثمنا (وأما) قوله الثاني وهو أن في تقديم تسليم المبيع صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع وليس ذلك في تقديم تسليم الثمن لانه لو هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد وان قبض الثمن فكان تقديم تسليم المبيع أولى صيانة للعقد عن الانفساخ ما أمكن (ولنا) قوله عليه الصلاة والسلام الدين مقضى وصف عليه الصلاة والسلام الدين بكونه مقضيا عاما أو مطلقا فلو تأخر تسليم الثمن عن تسليم المبيع لم يكن هذا الدين مقضيا وهذا خلاف النص وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ثلاث لا يؤخرن الجنازة إذا حضرت والايم إذا وجدت لها كفأ والدين إذا وجدت ما يقضيه وتقديم تسليم المبيع تأخير الدين وانه منفى بظاهر النص ولان المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة ولا تتحقق المساواة الا بتقديم تسليم الثمن لان المبيع متعين قبل التسليم والثمن لا يتعين الا بالتسليم على أصلنا فلا بد من تسليمه أولا تحقيقا للمساواة وقوله فيما قلته صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع قلنا هلاكه قبل تسليم الثمن نادر والنادر ملحق بالعدم فيلزم اعتبار معنى المساواة ثم الكلام في هذا الحكم في موضعين أحدهما في بيان شرط ثبوت هذا الحكم والثانى في بيان ما يبطل به بعد ثبوته أما شرط ثبوته فشيئان أحدهما أن يكون أحد البدلين عينا والاخر دينا فان كانا عينين أو دينين فلا يثبت حق الحبس بل يسلمان معا لما ذكرنا فيما تقدم والثانى أن يكون الثمن حالا فان كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس لان ولاية الحبس تثبت حقا للبائع لطلبه المساواة عادة لما بينا ولما باع بثمن مؤجل فقد أسقط حق نفسه فبطلت الولاية ولو كان الثمن مؤجلا في العقد فلم يقبض المشترى المبيع حتى حل الاجل فله أن يقبضه قبل نقد الثمن وليس للبائع حق الحبس لانه أسقط حق نفسه بالتأجيل والساقط متلاشى فلا يحتمل العود وكذلك لو طرأ الاجل على العقد بأن أخر الثمن بعد العقد فلم يقبض البائع حتى حل الاجل له أن يقبضه قبل نقد الثمن ولا يملك البائع حبسه لما قلنا ولو باع بثمن مؤجل فلم يقبض المشترى حتى حل الاجل هل له أجل آخر في المستقبل ينظر ان ذكرا أجلا مطلقا بأن ذكرا سنة مطلقة غير معينة فله أجل آخر هو سنة أخرى من حين يقبض المبيع عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد الثمن حال وليس له أجل آخر وان ذكرا أجلا بعينه بأن باعه إلى رمضان فلم يقبضه المشترى حتى مضى رمضان صار الثمن حالا بالاجماع (وجه) قولهما ان السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل فإذا مضت انتهى الاجل كما لو عين الاجل نصا ولابي حنيفة رحمه الله ان الاصل في الثمن شرع نظرا للمشترى لينتفع بالمبيع في الحال مع تأخير المطالبة بالثمن ولن يحصل هذا الغرض له الا وان يكون اعتبار الاجل من وقت قبض المبيع فكان هذا تأجيلا من هذا الوقت دلالة بخلاف مااذا عين الاجل لانه نص على تعينه فوجب اعتبار المنصوص عليه إذ لا دلالة مع النص بخلافها ولو كان في البيع خيار الشرط لهما أو لاحدهما والاجل مطلق فابتداء الاجل من حين وجوب العقد

[ 250 ]

وهو وقت سقوط الخيار لا من حين وجوده لان تأجيل الثمن هو تأخيره عن وقت وجوبه ووقت وجوبه هو وقت وجوب العقد وانبرامه لا قبله إذ لا وجوب للثمن قبله والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يبطل به حق الحبس بعد ثبوته وما لا يبطل فنقول وبالله التوفيق إذا أخر الثمن بعد العقد بطل حق الحبس لانه أخر حق نفسه في قبض الثمن فلا يتأخر حق المشترى في قبض المبيع وكذا المشترى إذا نقد الثمن كله أو أبرأه البائع عن كله بطل حق الحبس لان حق الحبس لاستيفاء الثمن ولا ثمن محال ولو نقد الثمن كله الا درهما كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقي لان المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا يتجزأ فكان كل المبيع محبوسا بكل جزء من أجزاء الثمن وكذلك لو باع شيئين صفقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمنا فنقد المشترى حصة أحدهما كان للبائع حبسهما حتى يقبض حق الاخر لما قلنا ولان قبض أحدهما دون الآخر تفريق الصفقة الواحدة في حق القبض والمشترى لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق القبول بأن يقبل الايجاب في أحدهما دون الآخر فلا يملك التفريق في حق القبض ايضا لان للقبض شبها بالعقد وكذلك لو أبرأه من حصة أحدهما فله حبس الكل لاستيفاء الباقي لما ذكرنا وكذلك لو باع من اثنين فنقد أحدهما حصته كان له حق حبس المبيع حتى يقبض ما على الاخر وروى عن أبى يوسف رحمه الله في النوادر انه إذا نقد أحدهما نصف الثمن يأخذ نصف المبيع (ووجهه) ان الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن فإذا أدى النصف فقد أدى ما وجب عليه فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على اداء صاحبه ولانه لو توقف وصاحبه مختار في الاداء قد يؤدى وقد لا يؤدى فيفوت حقه أصلا ورأسا وهذا لا يجوز ولهذا جعل التخلية والتخلى تسليما وقبضا في الشرع على ما ذكرنا فيما تقدم (وجه) ظاهر الرواية على نحو ما ذكرنا ان المبيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا يحتمل التجزى فكان استحقاق بعضه استحقاق كله وما ذكرنا ان الصفقة واحدة فلا تحتمل التفريق في البعض كما لا تحتمله في القبول فان غاب أحدهما لم يجبر الآخر على تسليم كل الثمن لان الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن لا كله فلا يؤاخذ بتسليم كله فان اختار الحاضر ذلك ونقد كل الثمن وقبض المبيع هل يكون متبرعا فيما تقدم ام لا اختلف فيه قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكون متبرعا فيما نقد وله أن يحبسه عن الشريك الغائب حتى يستوفى ما نقد عنه وقال أبو يوسف رحمه الله هو متبرع في حصته (وجه) قوله ظاهر لانه قضى دين غيره بغير امره فكان متبرعا كما في سائر الديون ولهما انه قضى دين صاحبه بأمره دلالة فلا يكون متبرعا كما لو قضاه بأمره نصا ودلالة ذلك انه لما غاب قبل نقد الثمن مع علمه ان صاحبه استحق قبض نصيبه من المبيع بتسليم حصته من الثمن ولا يمكنه الوصول إليه الا بتسليم كل الثمن كان اذنا له بتسليم حصته من الثمن فكان قاضيا دينه بأمره دلالة فلم يكن متطوعا وصار هذا كمن اعار ماله انسانا ليرهنه بدينه فرهن ثم افتكه الغير من مال نفسه لا يكون متبرعا ويرجع على االراهن لان الراهن لما علم انه علق مال الغير بدينه ولا يزول العلوق الا بانفكاكه فكان اذنا له بالفكاك دلالة كذا هذا وله حق حبس العبد إلى أن يستوفى ما نقد عنه كما لو نقد بأمره نصا ولو أدى جميع الثمن وقبض العبد ثم هلك في يده قبل الحبس يرجع على شريكه بنصف الثمن لانه أدى عنه بأمره دلالة على ما ذكرنا والله عزوجل أعلم والرهن بالثمن والكفالة به لا يبطلان حق الحبس لانهما لا يسقطان الثمن عن ذمة المشترى ولا حق المطالبة به فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة فيبقى حق الحبس لاستيفائه (وأما) الحوالة بالثمن فهل تبطل حق الحبس قال أبو يوسف تبطل سواء كانت الحوالة من المشترى بان أحال المشترى البائع بالثمن على انسان وقبل المحال عليه الحوالة أو من البائع بأن أحال البائع غريما له على المشترى وقال محمد ان كانت الحوالة من المشترى لا تبطل وللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المحال عليه وان كانت من البائع فان كانت مطلقة لا تبطل أيضا وان كانت مقيدة بما عليه تبطل فأبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشترى وذمته برئت من دين المحيل بالحوالة فيبطل حق الحبس ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة لبقاء حق الحبس وحق المطالبة لم يبطل بحوالة

[ 251 ]

المشترى ألا ترى ان له أن يطالب المحال عليه فلم يبطل حق الحبس وبطلت حوالة البائع إذا كانت مقيدة بما على المحال عليه فبطل حق الحبس والصحيح اعتبار محمد لان حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن لا مع قيام الثمن في ذاته بدليل أن الثمن إذا كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس والثمن في ذمة المشترى قائم وانما سقطت المطالبة دل ان حق الحبس يتبع حق المطالبة بالثمن لا قيام الثمن في ذاته وحق المطالبة في حوالة المشترى وحوالة البائع إذا كانت مطلقة فكان حق الحبس ثابتا وفى حوالة البائع في البائع إذا كانت مقيدة ينقطع فلم ينقطع حق الحبس وعلى هذا الخلاف إذا أحال الراهن المرتهن بدينه على رجل أو أحال المرتهن غريما له بدينه على الراهن حوالة مطلقة أو مقيدة انه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن عند أبى يوسف وعند محمد لا يبطل في حوالة الراهن وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة وان كانت مقيدة تبطل ولو أعار البائع المبيع للمشترى أو أودعه بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه لا يبطل وللبائع أن يسترده (وجه) هذا الرواية ان عقد الاعارة والايداع ليس بعقد لازم فكان له ولاية الاسترداد كالمرتهن إذا أعار الرهن من الراهن أو أودعه اياه له أن يسترده لما قلنا كذا هذا (وجه) ظاهر الرواية ان الاعارة والايداع أمانة في يد المشترى وهو لا يصلح نائبا عن البائع في اليد لانه اصل في الملك فكان أصلا في اليد فإذا وقعت العارية أو الوديعة في يده وقعت بجهة الاصالة وهى يد الملك ويد الملك يد لازمة فلا يملك ابطالها بالاسترداد وبخلاف الرهن فان المرتهن في اليد الثابتة بعقد الرهن بمنزلة الملك فيمكن تحقيق معنى الانابة ويد النيابة لا تكون لازمة فملك الاسترداد ولو قبض المشترى المبيع باذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد لانه أبطل حقه بالاذن بالقبض ولو قبض بغير اذنه لم يبطل وله أن يسترده لان حق الانسان لا يجوز ابطاله عليه من غير رضاه ولو كان المشترى تصرف فيه نظر في ذلك ان كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والهبة والرهن والاجارة والامهار فسخه واسترده لانه تعلق به حقه وان كان تصرفا يحتمل الفسخ كالاعتاق والتدبير والاستيلاد لا يملك الاسترداد لان الاسترداد والاعارة إلى الحبس اما ان كان مع نقض هذه التصرفات واما ان كان مع قيامها لا سبيل إلى الاول لان هذه التصرفات لا تحتمل النقض ولا سبيل إلى الثاني لانها إذا بقيت كانت الاعادة إلى الحبس حبس الجزء من كل وجه أو من وجه دون وجه وكل ذلك لا يجوز فبطل حق الحبس أصلا ولو نقد المشترى الثمن فوجده البائع زيوفا أو ستوقا أو مستحقا أو وجد بعضه كذلك فهذا لا يخلو اما أن يكون المشترى قبض المبيع واما أن يكون لم يقبض فان كان لم يقبضه كان له حق الحبس في الفصول كلها لانه تبين انه ما استوفى حقه وان كان قبضه المشترى ينظر ان كان قبضه بغير اذن البائع فللبائع أن يسترده في الفصول كلها لما قلنا وكذلك ان كان المشترى تصرف في المبيع فللبائع أن يفسخ تصرفه ويسترد المبيع الا إذا كان تصرفا لا يحتمل الفسخ فلا يفسخ ويطالب المشترى بالثمن فلو نقد المشترى الثمن قبل أن يفسخ التصرف الذى يحتمل الفسخ لا يفسخ لانه لما نقد الثمن فقد بطل حقه في الحبس فبطل حق الفسخ والاسترداد وان كان قبضه باذن البائع ينظر ان وجده زيوفا فردها لا يملك استرداد المبيع عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر له ان يسترد وهو قول أبى يوسف (وجه) قول زفر ان البائع ما رضى بزوال حق الحبس الا بوصول حقه إليه وحقه في الثمن السليم لا في المعيب فإذا وجده معيبا فلم يسلم له حقه فكان له أن يسترد المبيع حتى يستوفى حقه كالراهن إذا قضى دين المرتهن وقبض الرهن ثم ان المرتهن وجد المقبوض زيوفا كان له أن يرده ويسترد الرهن لما قلنا كذا هذا (ولنا) أن البائع يسلم المبيع بعد استيفاء جنس حقه فلا يملك الاسترداد بعد ما استوفى حقه ودلالة ذلك أن الزيوف جنس حقه من حيث الاصل وانما الفائت صفة الجودة بدليل انه لو تجوز به في الصرف والسلم جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز لانه يكون استبدالا ببدل الصرف والسلم وانه لا يجوز وإذا كان المقبوض جنس حقه فتسلم المبيع بعد استيفاء جنس الحق يمنع من الاسترداد بخلاف الرهن لان الارتهان استيفاء لحقه من الرهن والافتكاك ايفاء من مال آخر فإذا وجد زيوفا تبين انه ما استوفى حقه

[ 252 ]

فكان له ولاية الاسترداد والدليل على التفرقة بين الرهن والبيع انه لو أعار المبيع المشترى بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده ولو أعار المرهون الراهن لا يبطل حق الحبس وله أن يسترده فان وجده ستوقا أو رصاصا أو مستحقا وأخذ منه له أن يرد بخلاف الزيوف لان البائع انما أذن للمشترى بالقبض على أنه استوفى حقه وتبين انه لم يستوف أصلا ورأسا لان الستوق والرصاص ليسا من جنس حقه ألا ترى انه لو تجوز بها في الصرف والسلم لا يجوز وان كان الاذن بالقبض على تقدير استيفاء الحق وقد تبين انه لم يستوف فتبين انه لم يكن آذنا له بالقبض ولا راضيا به فكان له ولاية الاسترداد ولو كان المشترى تصرف فيه فلا سبيل للبائع عليه سواء كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والرهن والاجارة ونحوها أو لا يكون كالاعتاق ونحوه بخلاف ما إذا قبضه بغير اذن البائع قبل نقد الثمن وتصرف فيه تصرفا يحتمل الفسخ انه يفسخ ويسترد لان هناك لم يوجد الاذن بالقبض فكن التصرف في المبيع ابطالا لحقه فيرد عليه إذا كان محتملا للرد وههنا وجد الاذن بالقبض فكان تصرف المشترى حاصلا عن تسليط البائع فنفذ وبطل حقه في الاسترداد كالمقبوض على وجه البيع الفاسد إذا تصرف فيه المشترى انه يبطل حق البائع في الفسخ الا أن في البيع الفاسد إذا أجر المبيع تفسخ الاجارة وههنا لا تفسخ لان الاجارة تفسخ بالعذر وقد تحقق العذر في البيع الفاسد لانه مستحق الفسخ حقا للشرع دفعا للفساد فجعل استحقاق الفسخ بسبب الفساد عذرا في فسخ الاجارة ولا فساد ههنا فلا عذر في الفسخ ولو كان مكان البيع كتابة فادى المكاتب بدل الكتابة فعتق ثم وجد المولى المقبوض زيوفا أو مستحقا فالعتق ماض فان وجده ستوقا أو رصاصا لا يعتق لما ذكرنا أن الزيوف من جنس حقه فصار بقبضها قابضا أصل حقه وكذا قبض الدراهم المستحقة وقع صحيحا ظاهر أو احتمال الاجازة بعد ظهور الاستحقاق ثابت أيضا والعتق بعد ثبوته ظاهرا لا يحتمل الفسخ بخلاف ما إذا وجدها ستوقا أو رصاصا لان ذلك ليس من جنس حق أصلا ورأسا فلم يوجد أو أبدل الكتابة فلا يعتق يحقق الفرق بينهما إذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفى حقه فقبض ثم وجد المقبوض بعد الافتراق زيوفا أو مستحقا فرد الزيوف أو أخذ المالك المستحقة بر في يمينه وان وجده ستوقا أو رصاصا حنث في يمينه والله عزوجل أعلم ولو قبض المشترى المبيع باذن البائع ثم أفلس أو مات قبل نقد الثمن أو بعد ما نقد منه شيأ وعليه ديون لاناس شتى هل يكون البائع أحق به من سائر الغرماء اختلف فيه قال أصحابنا لا يكون له بل الغرماء كلهم أسوة فيه فيباع ويقسم ثمنه بينهم بالحصص وقال الشافعي رحمه الله البائع أحق به وان لم يكن قبضه حتى أفلس أو مات فان كان الثمن مؤجلا فهو على هذا الاختلاف وان كان حالا فالبائع أحق به بالاجماع احتج الشافعي بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أفلس المشترى فوجد البائع متاعه عنده فهو أحق به وهذا نص في الباب ولان العجز عن تسليم المبيع يوجب حق الفسخ للمشترى بالاجماع فان من باع عبدا فأبق قبل القبض أو غصب أو كانت دابة فضلت للمشترى ان يفسخ البيع والعجز عن تسليم الثمن يوجب الفسخ للبائع أيضا لان البيع عقد معاوضة ومبنى المعاوضات على المساواة (ولنا) ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال من باع بيعا فوجده وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه وهذا نص وهو عين مذهبنا ولان البائع لم يكن له حق حبس المبيع حال كون المشترى حيا مليا فلا يكون أحق بثمنه بعد موته وافلاسه لان الثمن بدل المبيع قائم مقامه واعتبار الثمن بالمبيع غير سديد لان بينهما مفارقة في الاحكام ألا ترى ان ملك المبيع شرط جواز العقد وملك الثمن ليس بشرط فانه لو اشترى شيأ بدراهم لا يملكها جاز ولو باع شيأ لا يملكه لا يجوز وكذا لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض والتصرف في الثمن قبل القبض جائز وغير ذلك من الاحكام فكان اعتبار الثمن بالمبيع على الاطلاق فاسد والحديث محمول على ما إذا قبض المبيع بغير اذن البائع وعندنا البائع أحق به في هذه الحالة الا أنه ذكر الافلاس وان كان حق الاسترداد لا يتقيد به لان الملئ يتمكن من دفع الاسترداد بنقد الثمن والمفلس لا يتمكن من ذلك فكان ذكر الافلاس مفيدا فحملناه على ما قلنا توفيقا بين الدلائل والله عزوجل الموفق (ومنها) وجوب

[ 253 ]

الاستبراء في شراء الجارية وجملة الكلام فيه ان الاستبراء نوعان نوع هو مندوب ونوع هو واجب (أما) المندوب إليه فهو استبراء البائع إذا وطئ جارية وأراد أن يبيعها أو يخرجها عن ملكه بوجه من الوجوه عند عامة العلماء وقال مالك رحمه الله هو واجب (وجه) قوله أنه يحتمل شغل الرحم بماء البائع فيلزمه التعرف عن ذلك بالاستبراء كما في جانب المشترى (ولنا) أن سبب الوجوب لم يوجد في حق البائع على ما نذكر والاعتبار بالمشترى غير سديد لان الوجوب عليه لصيانة مائه عن الاختلاط بماء البائع والخلط يحصل بفعل المشترى لا بفعل البائع فتجب الصيانة عليه بالاستبراء لا على البائع الا انه يندب إليه لتوهم اشتغال رحمها بمائه فيكون البيع قبل الاستبراء مباشرة شرط الاختلاط فكان الاستبراء مستحبا وكذا إذا وطئ أمته أو مدبرته أو أم ولده ثم أراد أن يزوجها من غيره يستحب أن لا يفعل حتى يستبرئها لما قلنا وإذا زوجها قبل الاستبراء أو بعده فللزوج أن يطأها من غير استبراء وقال محمد رحمه الله أحب إلى أن يستبرئها بحيضة ولست أوجبه عليه وكذلك الرجل إذا رأى امرأة تزني ثم تزوجها له أن يطأها من غير استبراء وقال محمد أحب إلى أن لا يطأها حتى يستبرئها ويعلم فراغ رحمها والله عزوجل أعلم (وأما) الاستبراء الواجب فهو استبراء المشترى وكل من حدث له حل الاستمتاع بالجارية بحدوث ملك اليمين مطلقا والكلام فيه في مواضع في بيان وجوب هذا النوع من الاستبراء وفى بيان سبب وجوبه وفى بيان ما يقع به الاستبراء (أما) الاول فالاصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة والنص الوارد في السبى يكون واردا في سائر أسباب الملك دلالة ولان الاستبراء طلب براءة الرحم وانه واجب على المشترى لان به يقع الصيانة عن الخلط والخلط حرام لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره والصيانة عن الحرام تكون واجبة ولا تقع الصيانة الا بالاستبراء فيكون واجبا ضرورة فلا يحل له وطؤها قبل الاستبراء ولا أن يلمسها بشهوة أو ينظر إلى فرجها عن شهوة لان كل ذلك داع إلى الوطئ والوطئ إذا حرم حرم بدواعيه كما في باب الظهار وغيره بخلاف الحائض حيث لم تحرم الدواعى منها لان المحرم هناك ليس هو الوطئ بل استعمال الاذى والوطئ حرام لغيره وهو استعمال ولا يجوز ذلك في الدواعى فلا يجوز والله عزوجل أعلم (وأما) سبب وجوبه فهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا يعنى به ملك الرقبة واليد باى سبب حدث الملك من الشراء والسبي والصدقة والهبة والارث ونحوها فلا يجب الاستبراء على البائع لانعدام السبب وهو حدوث الحل ويجب على المشترى لوجود سببه سواء كان بائعه ممن يطأ أو ممن لا يطأ كالمرأة والصبى الذى لا يعقل سواء كانت الجارية بكرا أو ثيبا في ظاهر الرواية لما قلنا وروى عن أبى يوسف انه إذا علم المشترى انها لم توطأ لا يجب الاستبراء لان الاستبراء طلب براءة الرحم وفراغها عما يشغلها ورحم البكر برية فارغة عن الشغل فلا معنى لطلب البراءة والفراغ (والجواب) أن الوقوف على حقيقة الشغل والفراغ متعذر فتعلق الحكم بالسبب الظاهر وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا قد وجد ولا يجب على من حرم عليه فرج أمته بعارض الحيض والنفاس والردة والكتابة والتزويج إذا زالت هذه العوارض بان طهرت وأسلمت وعجزت فطلقها الزوج قبل الدخول بها لان حل الاستمتاع لم يحدث بل كان ثابتا لكن منع منه لغيره وقد زال بزوال العوارض وكذا لم يحدث ملك اليمين فلم يوجد السبب ولا يجب بشراء جارية لا يحل فرجها بملك اليمين بان وطئها أبوه أو ابنه أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها لا بشهوة أو كان هو وطئ أمها أو ابنتها أو نظر إلى فرجها عن شهوة أو كانت مرتدة أو مجوسية ونحو ذلك من الفروج التى لا تحل بملك اليمين لان فائدة الاستبراء التمكن من الاستمتاع بعد حصول انعدام مانع معين منه وهو اختلاط الماءين والاستبراء في هذه المواضع لا يفيد التمكن من الاستمتاع لوجود مانع آخر وهو ان المحل لا يحتمل الحل ولا يجب على العبد والمكاتب والمدبر لانعدام

[ 254 ]

حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين لعدم الملك لهم قال النبي عليه الصلاة والسلام لا يتسرى العبد ولا يسريه مولاه ولا يملك العبد ولا المكاتب شيأ الا الطلان ولو اشترى جارية من عبده المأذون ينظر ان لم يكن على العبد دين أصلا أو عليه دين غير مستغرق لا يجب عليه ان يستبرئها إذا كانت حاضت عند العبد ويجتزى بتلك الحيضة لان كسب المأذون الذى لا دين عليه أو عليه دين غير مستغرق ملك المولى فقد حاضت في ملك نفسه فيجتزى بها عن الاستبراء وان كان عليه دين مستغرق رقبته وكسبه يجب عليه الاستبراء عند أبى حنيفة رحمه الله وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لا يجب عليه بناء على ان المولى كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا عنده وعندهما يملكه ولو تبايعا بيعا صحيحا ثم تقايلا فان كانت الاقالة قبل القبض فالقياس ان يجب الاستبراء على البائع وهو رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله وفى الاستحسان لا يجب وهو رواية محمد عن أبى حنيفة رحمهما الله وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله (وجه) القياس أنه وجد سبب الوجوب في حقه وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين حقيقة وانكار الحقائق مكابرة (وجه) الاستحسان ان الاقالة قبل القبض فسخ والفسخ رفع من الاصل واعادة إلى قديم الملك كانه لم يزل عن ملك البائع فلم يوجد السبب مع ما ان الملك قبل القبض غير متأكد والتأكيد اثبات من وجه فلم يتكامل الملك للمشترى فلم يحدث ملك اليمين للبائع على الاطلاق فلم يتكامل السبب وان كانت الاقالة بعد القبض يجب (أما) عند أبى يوسف فلان الاقالة بيع جديد فكانت استحداثا للملك مطلقا (وأما) عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وان كانت فسخا لكن في حق العاقدين فاما في حق ثالث فبيع جديد والاستبراء يجب حقا للشرع فاعتبر حق الشرع ثالثا في حق وجوب الاستبراء احتياطا ولو رد الجارية بعيب أو خيار رؤية يجب الاستبراء على البائع لوجود السبب وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين لان خيار الرؤية وخيار العيب لا يمنع ثبوت الملك للمشترى (وأما) الرد بخيار الشرط فينظر فيه ان كان الخيار للبائع فلا يجب الاستبراء بالاجماع لان خياره لا يمنع زوال السلعة عن ملكه فلم يوجد حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين وان كان الخيار للمشترى لا يجب الاستبراء على البائع عند أبى حنيفة رحمه الله سواء كان الرد قبل القبض أو بعده بناء على ان خيار المشترى يمنع دخول السلعة في ملكه عند أبى حنيفة وإذا لم تدخل في ملك المشترى وان خرجت عن ملك البائع فلانها لم تخرج وبقيت على ملكه فلم يوجد سبب الوجوب (وأما) عندهما فان كان الرد قبل القبض فالقياس أن يجب لانها زالت عن ملك البائع ودخلت في ملك المشترى فإذا ردت عليه فقد وجد سبب الوجوب في حق البائع وفى الاستحسان لا يجب لان الرد قبل القبض فسخ محض ورفع للعقد من الاصل كانه لم يكن وان كان بعد القبض يجب الاستبراء قياسا واستحسانا لانها دخلت في ملك المشترى وان كان المبيع فاسدا ففسخ وردت الجارية إلى البائع فان كان قبل القبض فلا استبراء على البائع لانها على ملكه فلم يحدث له الحل وان كان بعده فعليه الاستبراء بالاجماع لوجود السبب ولو أسر العدو الجارية ثم عادت إلى المالك فان كان قبل الاحراز بدار الحرب فلا استبراء على المالك لانعدام السبب وهو حدوث الحل بحدوث الملك وان كان بعد الاحراز بدارهم وجب لوجود السبب ولو أبقت من دار الاسلام إلى دار الحرب وأخذها الكفار ثم عادت إلى صاحبها بوجه من الوجوه فلا استبراء عليه عند أبى حنيفة لانهم لم يملكوها فلم يوجد السبب وعندهما عليه الاستبراء لانهم ملكوها لوجود السبب ولو اشترى جارية مع غيره فلا استبراء عليهما لانعدام السبب وهو حدوث الحل إذ لا تحل لاحدهما ولو اشترى جارية ولها زوج فقبضها وطلقها الزوج قبل الدخول بها فلا استبراء على المشترى لانه لم يوجد السبب وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين وقت الشراء لقيام فراش الزوج وبعد زوال الفراش لم يحدث سبب حدوث الحل وهو ملك اليمين وذكر الكرخي رحمه الله ان على قول أبى يوسف يجب الاستبراء على المشترى ومن هذا استخرجوا لاسقاط الاستبراء حيلة وهى أن يزوج البائع الجارية ممن يجوز له نكاحها ولم يكن تحته حرة ونحو ذلك من الشرائط ثم يبيعها ويسلمها إلى

[ 255 ]

المشترى ثم يطلقها الزوج قبل الدخول بها فتحل للمشترى من غير استبراء وان طلقها الزوج قبل القبض ثم قبضها المشترى لا يحل له وطؤها حتى يستبرئها وحيلة أخرى لاسقاط الاستبراء أن يزوجها البائع من المشترى قبل الشراء والمشترى ممن يجوز له نكاحها بان لم يكن تحته حرة ونحو ذلك ثم يشتريها فيفسد النكاح ويحل له وطؤها من غير استبراء وهذا الوجه الثاني أولى لانه يسقط عنه جميع المهر وفى الوجه الاول على الزوج المطلق نصف المهر للبائع فيحتاج إلى ابرائه عنه ولو كانت الجارية في عدة من زوجها عدة طلاق أو عدة وفاة فاشتراها وقبضها ثم انقضت عدتها فلا استبراء عليه لان قيام العدة بمنزلة قيام النكاح ولو كانت منكوحة فطلقها قبل الدخول بها لم يجب الاستبراء كذا هذا وعلى ما ذكره الكرخي رحمه الله على قول أبى يوسف يجب الاستبراء فان انقضت عدتها قبل القبض لم يعتد بذلك ولا تحل له حتى يستبرئها بعد القبض بحيضة أخرى في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف أنه يعتد بذلك كما بعتد بالحيضة قبل القبض عنده وعلى هذا يخرج عدم وجوب الاستبراء في النكاح حتى ان من تزوج جارية فللزوج أن يطأها من غير استبراء لان السبب لم يوجد وهو حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين وقال محمد أحب إلى أن يستبرئها بحيضة ولست أوجبها عليه وذكر الكرخي رحمه الله وقال لا استبراء عليه في قول أبى حنيفة رضى الله عنه وقال أبو يوسف استبرأ بها الزوج استحسانا (وجه) قول أبى يوسف ان المعنى الذى له وجب الاستبراء في ملك اليمين موجود في ملك النكاح وهو التعرف عن براءة الرحم فوجب الاستبراء في الملكين ولابي حنيفة أن جواز نكاحها دليل براءة رحمها شرعا فلا حاجة إلى التعرف بالاستبراء وما ذكره محمد نوع احتياط وهو حسن وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية فلم يقبصها حتى حاضت في يد البائع حيضة أنه لا يجتزى بها في الاستبراء في ظاهر الرواية حتى لو قبضها لا تحل له حتى يسبرئها بحيضة أخرى لانه لم يحدث له حل الاستمتاع قبل القبض ولا حدث له ملك اليمين على الاطلاق لانعدام اليد وهذا لان الملك قبل القبض غير متأكد والتأكد اثبات من وجه فكان له حكم العدم من وجه فلم يجب به الاستبراء وروى عن أبى يوسف أنه يجتزى بها ولا استرباء لان الحيضة قبل القبض تصلح دليلا على فراغ رحمها فحصل المقصود من الاسبراء فيكتفى بها (وأما) بيان ما يقع به الاستبراء فنقول وبالله التوفيق الاجرية في الاصل لا يخلو اما ان كانت ممن تحيض واما ان كانت ممن لا تحيض فان كانت ممن تحيض فاستبراؤها بحيضة واحدة عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله عنهم وعن معاوية رضى الله عنه ان استبراءها بحيضتين لان الاستبراء أخت العدة وعدتها حيضتان والصحيح قول العامة لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة والفعلة للمرة والتقدير الشرعي يمنع من الزيادة عليه الا بدليل ولان ما شرع له الاستبراء وهو حصول العلم بطهارة الرحم يحصل بحيضة واحدة فكان ينبغى أن لا يشترط العدد في باب العدة أيضاء الا أنا عرفنا ذلك نصا بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص وان كانت ممن لا تخيص فلا يخلو اما ان كانت لا تحيض لصغر أو لكبر واما ان كانت لا تحيض لعلة وهى الممتد طهرها (واما) ان كانت لا تحيض لحبل فان كانت لا تحيض لصغر أو لكبر فاستبراؤها بشهر واحد لان الاشهر أقيمت مقام الاقراء في حق الآيسة والصغيرة في العدة فكذا في باب الاستبراء وان كانت لا تحيض لعلة فقد اختلفوا فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يطؤها حق يعلم انها غير حامل ولم يوقت في ذلك وقتا وقال أبو يوسف يستبرئها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعن محمد روايتان في رواية قال يستبرئها بشهرين خمسة أيام عدة الاماء وفى رواية قال يستبرئها باربعة أشهر وعشر مدة عدة الحرائر وقال زفر يستبرئها بسنتين لان الولد الموجود في البطن لا يبقى أكثر من سنتين فإذا مضت سنتان ولم يظهر بها حمل علم أنها غير حامل ويحتمل أن يكون هذا تقسير قول أبى حنيفة لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل هو اختيار الطحاوي ويحتمل أن يكون ما قاله أبو يوسف تفسيرا لقوله لانها مدة يعلم فيها أنها ليست بحامل لان الحبل يظهر في مثل هذه المدة لو كان لظهور آثاره من انتفاخ البطن وغير ذلك فيدل عدم الظهور على براءة رحمها وان كانت لا تحيض لحبل بها فاستبراؤها بوضع الحمل بعد القبض

[ 256 ]

لان وضع الحمل في الدلالة على فراغ رحمها فوق الحيضة فإذا وضعت حملها حل له أن يستمتع بها فيها سوى الجماع مادامت في نفاسها كما في الحائض فان وضعت حملها قبل القبض ثم قبضها لا يطؤها حتى يستبرئها ولا يجتزى بوضع الحمل قبل القبض كما يجتزى بالحيضة قبل القبض وعلى قياس ما روى عن أبى يوسف يجتزى به كما يجتزى بالحيضة قبل القبض والله عزوجل أعلم ثم ما ذكرنا من الحكم الاصلى للبيع وما يجرى مجرى التوابع للحكم الاصلى كما يثبت في المبيع يثبت في زوائد المبيع عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يثبت شئ من ذلك في الزوائد والكلام فيه مبنى على أصل وهو أن زوائد المبيع عندنا سواء كانت منفصلة أو متصلة متولدة من الاصل أو غير متولدة منه الا الهبة والصدقة والكسب وعنده ليست بمبيعة أصلا وانما تملك بملك الاصل لا بالبيع السابق (وجه) قول الشافعي رحمه الله في اثبات هذا الاصل ان المبيع ما أضيف إليه البيع ولم توجد الاضافة إلى الزوائد لكونها منعدمة عند البيع فلا تكون مبيعة ولهذا لم يكن الكسب مبيعا ولان المبيع ما يقابلة ثمن إذ البيع مقابلة المبيع بالثمن والزيادة لا يقابلها ثمن لان كل الثمن مقابل بالاصل فلم تكن كالكسب ولهذا لم تجز الزيادة عنده في المبيع والثمن (ولنا) ان المبيع ما يثبت فيه الحكم الاصلى للبيع والحكم الاصلى للبيع يثبت في الزوائد بالبيع السابق فكانت مبيعة وبيان ذلك ان الحكم الاصلى للبيع هو الملك والزوائد مملوكة بلا خلاف والدليل على انها مملوكة بالبيع السابق ان البيع السابق أوجب الملك في الاصل ومتى ثبت الملك في الاصل ثبت في التبع فكان ملك الزيادة بواسطة ملك الاصل مضافا إلى البيع السابق فكانت الزيادة مبيعة ولكن تبعا لثبوت الحكم الاصلى فيها تبعا وعلى هذا الاصل مسائل بيننا وبين الشافعي رحمه الله (منها) ان للبائع حق حبس الزوائد لاستيفاء الثمن كما له حق حبس الاصل عندنا وعنده ليس له أن يحبس الزوائد (ومنها) ان البائع إذا أتلف الزيادة سقطت حصتها من الثمن عن المشترى عندنا كما لو أتلف جزأ من المبيع وعنده لا يسقط شئ من الثمن وعليه ضمانها كما لو أتلفها أجنبي ولا خيار للمشترى عند أبى حنيفة وعندهما يثبت على ما مر وكذا إذا أتلف الارش أو العقر قبل القبض عندنا لانه بدل الجزء الفائت فكان حكمه حكم الجزء ولو هلكت الزيادة بآفة سماوية لا يسقط شئ من الثمن بالاجماع وان كانت مبيعة عندنا لانها مبيعة تبعا بمنزلة أطراف الام لا مقصودا والاطراف كالاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن الا ان تصير مقصودة بالفعل من القبض أو الجناية ولم يوجد ولا خيار للمشترى لان الصفقة لم تتفرق عليه لان العقد ما أضيف إليها وانما يثبت حكم العقد فيها تبعا فلا يثبت الخيار الا في ولد الجارية إذا هلك قبل القبض بآفة سماية قانه يثبت الخيار للمشترى لا لهلاك الزيادة بل لحدوث نقصان في الام بسبب الولادة وكذا لا خيار بحدوث زيادة ما قبل القبض الا في ولد الجارية لاجل نقصان الام بالولادة لا لحدوث الزيادة (ومنها) ان المشترى إذا قبض الزوائد يصير لها حصة من الثمن بالقبض عندنا فيقسم الثمن على قيمة الاصل يوم العقد وعلى قيمة الزيادة يوم القبض حتى لو اطلع المشترى على عيب بالاصل يرد بحصته من الثمن لا بجميع الثمن عندنا وعنده لا حصة للزيادة من الثمن بحال وعند ظهور العيب بالاصل يرد بكل الثمن ولا يكون بازاء الزيادة شئ وكذا إذا وجد بالزيادة عيبا يردها بحصتها من الثمن وعنده لا يردها بالعيب أصلا وكذا المشترى إذا أتلف الزيادة قبل القبض يصير لها حصة من الثمن عندنا لانه صار قابضا له بالاتلاف وبالقبض يصير لها حصة من الثمن على ما ذكرنا وعنده لا حصة لها من الثمن بحال ولو هلك الاصل وبقيت الزيادة يبقى العقد في قدر الزيادة عندنا ويصير لها حصة من الثمن فينقسم الثمن على الاصل يوم العقد وعلى الزيادة يوم الهلاك فيبطل ملك الثمن بقدر قيمة الاصل ويبقى بحصة الزيادة بخلاف ما إذا هلك قبل حدوث الزيادة حيث ينفسخ العقد أصلا ورأسا ويسقط كل الثمن لان هناك لا فائدة في بقاء العقد إذ لو بقى لطلب البائع من المشترى الثمن فيطلب المشترى منه تسليم المبيع ولا يمكنه تسليمه فينفسخ ضرورة لانعدام فائدة البقاء وإذا بقيت الزيادة كان في بقاء العقد في الزيادة فائدة لامكان تسليمها فبقى العقد فيها وصار لها حصة من الثمن فينقسم على الاصل والزيادة على ما ذكرنا وعنده إذا هلك الاصل انفسخ العقد أصلا ورأسا (ومنها)

[ 257 ]

انه إذا أتلفها أجنبي وضمنها بلا خلاف فالمشترى بالخيار عندنا ان شاء اختار الفسخ ويرجع البائع على الجاني بضمان الجناية وان شاء اختار المبيع واتبع الجاني بالضمان وعليه جميع الثمن كما لو أتلف الاصل وعنده عليه الضمان ولا خيار للمشترى (ومنها) إذا اشترى نخلا بكر من تمر فلم يقبض النخل حتى أثمر النخل كرا فقبض النخل مع الكر الحادث لا يطيب الكر وعليه ان يتصدق به عندنا لان التمر الحادث عندنا زيادة متولدة من المبيع فكان مبيعا وله عند القبض حصة من الثمن كما لغيره من الزوائد والثمر من جنسه زيادة عليه فلو قسم على النخل والكر الحادث يصير ربا فيفسد البيع في الكر الحادث ولا يفسد في النخل بخلاف ما إذا باع نخلا وكرا من تمر بكر من تمر ان العقد يفسد في التمر والنخل جميعا لان هناك الربا دخل في القعد باشتراطهما وصنعهما لان بعض المبيع مال الربا وهو التمر والتمر مقسوم عليها فيتحقق الربا وادخال الربا في العقد يفسد العقد كله وههنا البيع كان صحيحا في الاصل لان الثمن خلاف جنس المبيع وهو النخل وحده الا انه لما زاد بعد العقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما فيفسد في الكر الحادث ويقتصر الفساد عليه (ومنها) إذا اشترى عبدا بألف درهم يساوى ألفين فقتل قبل القبض فاختار البيع واتباع الجاني فأخذ قيمته ألفين يتصدق بالالف الزائد عندنا لانه ربح ما لم يضمن وعنده لا يتصدق بشئ والله عزوجل أعلم (ومنها) إذا غصب كر حنطة فابتلت في يد الغاصب وانتفخت حتى صارت كرا ونصف كر ضمن للمالك كرا مثله فانه يملك ذلك الكر ونصف الكر عندنا لكن يتصدق بنصف الكر الزائد وطاب له ما بقى لان الملك عندنا يثبت من وقت الغصب بالضمان والزيادة بالانتفاخ حصلت بعد ذلك فتعتبر بالزيادة المتولدة وعند الشافعي رحمه الله في هذا الفصل يرد الكل لان المضمونات عنده لا تملك بالضمان (ومنها) ان الزوائد الحادثة بعد القبض مبيعة أيضا عندنا حتى لو وجد المشترى بالاصل عيبا فالزيادة تمنع الرد والفسخ بالعيب وبسائر أسباب الفسخ على ما نذكره في خيار العيب في بيان الاسباب المانعة من الرد بالعيب ان شاء الله تعالى وعنده ليست بمبيعة في أي حال حدثت ولا تمنع رد الاصل بالعيب بكل الثمن ولو اشترى أرضا فيها أشجار مثمرة فان كان عليها ثمر وسماه حتى دخل في البيع فالثمر له حصة من الثمن بلا خلاف حتى لو كانت قيمة الارض خمسمائة وقيمة الشحر خمسمائة وقيمة والثمر كذلك فان الثمن يقسم على الكل اثلاثا بالاجماع لان الكل معقود عليه مقصودا لورود فعل العقد على الكل فان كان للثمر حصة من الثمن حتى لو هلك بآفة سماوية أو بفعل البائع بأن أكله يسقط عن المشترى ثلث الثمن وله الخيار ان شاء أخذ الارض والشجر بثلثي الثمن وان شاء ترك لان الثمن لما كان مبيعا مقصودا بهلاكه تفرقت الصفقة على المشترى قبل التمام فيثبت الخيار وان لم يكن الثمر موجودا وقت العقد وحدث بعده قبل القبض فأكله البائع فقد صار له حصة من الثمن عندنا لصيرورته مبيعا مقصورا بالاتلاف على ما بينا لكن الكلام في كيفية أخذ الحصة فاختلف أصحابنا فيها قال أبو حنيفة ومحمد يأخذ الحصة من الشجر والارض جميعا فيقسم الثمن على الشجر والارض والثمر اثلاثا فيسقط ثلث الثمن باتلاف البائع وقال ابو يوسف يأخذ الحصة من الشجر خاصة فيقسم الثمن على قيمة الارض والشجر ثم ما أصاب الشجر يقسم عليه يوم العقد وعلى قيمة الثمر يوم الاتلاف فيسقط بيانه إذا كانت قيمة الارض ألفا وقيمة الاشجار ألفا وقيمة الثمر كذلك فأكل البائع الثمن قبل القبض يسقط عن المشترى ثلث الثمن عندهما ويأخذ الارض والاشجار بثلثي الثمن ولا خيار له عند أبى حنيفة خاصة وعند محمد له الخيار ان شاء أخذ الارض والشجر بثلثي القيمة وان شاء ترك وعند أبى يوسف يسقط عن المشترى ربع الثمن فيقسم الثمن على الاشجار والارض نصفين ثم ما أصاب الشجر يقسم عليه وعلى الثمر نصفين فكان حصة الثمر ربع الثمن فيسقط ذلك كله وله الخيار ان شاء أخذ الارض والشجر بثلاثة أرباع الثمن وان شاء ترك (وجه) قول أبى يوسف ان الثمر تابع للشجر لان الثمر متولد منها فيأخذ الحصة منها كما لو اشترى جارية مع ولدها فولدت مع ولدها ولدا آخر فالولد الثاني يكون له حصة من الولد الاول ولهما ان الشجر تابع للارض في البيع بدليل انه يدخل في الارض من غير تسمية ولو هلكت بعد ما دخلت قبل القبض

[ 258 ]

لا يسقط شئ من الثمن دل انها تابعة وما كان تابعا لغيره في حكم لا يستتبع غيره في ذلك الحكم فكان نظير مسئلتنا ما لو شترى جارية فولدت ولدا قبل القبض ثم ولد ولدها ولدا لا يكون للولد الثاني حصة من الولد الاول لان الاول في نفسه تابع فلا يستتبع غيره كذا ههنا والله عزوجل أعلم ويتصل بما ذكرنا الزيادة في المبيع والثمن والحط عن الثمن والكلام فيهما في ثلاثة مواضع أحدها في أصل الجواز انهما جائزان أم لا والثانى في شرائط الجواز والثالث في كيفية الجواز (أما) الاول فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا الثلاثة الزيادة في المبيع والثمن جائزة مبيعا وثمنا كأن العقد ورد على المزيد عليه والزيادة جميعا من الابتداء وقال زفر لا تجوز الزيادة مبيعا وثمنا ولكن تكون هبة مبتدأة فان قبضها صارت ملكا له والا تبطل وأظهر أقوال الشافعي رحمه الله مثل قولنا ان كان في مجلس العقد وان كان بعد الافتراق فقوله مثل قول زفر وصورة المسألة إذا اشترى رجل عبدا بألف ودرهم وقال المشترى زدتك خمسمائة أخرى ثمنا وقبل البائع أو قال البائع زدتك هذا العبد الآخر أو قال هذا الثوب مبيعا وقبل المشترى جازت الزيادة كان الثمن في الاصل ألف وخمسمائة والمبيع في الاصل عبدان أو عبد وثوب سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده وكذلك إذا اشترى عبدين بألف درهم ثم زاد المشترى في الثمن مائة درهم جازت الزيادة كان الثمن في الاصل ألف ومائة تنقسم الزيادة على قيمتهما وكذلك لو كان لعبد ثمن مسمى أو كان لكل واحد منهما ثمن مسمى وزاد المشترى في الثمن مائة مطلقا انقسمت الزيادة على قدر القيمتين وعلى هذا الخلاف الزيادة في القيمتين من الوارثين بعد موت العاقدين لان الوارث خلف المورث في ملكه القائم بعد موته ألا ترى أنه يرد بالعيب ويرد عليه كان الوارث حى قائم فزاد وعلى هذا الخلاف الزيادة من الوكيل لانه ينصرف بتولية مستفادة من قبل الموكل وأما الموكل وأما الزيادة من الأجنبي فلا شك ان عندهما لا تجوز وأما عندنا فان زاد بامر العاقد جاز لانه وكيله في الزيادة وان زاد بغير أمره وقفت الزيادة على اجازته ان أجاز جازت وان رد بطلت الا أن يضمن الزائد الزيادة فيجوز ولا يتوقف على اجازة العاقد وان لم يحصل للاجنبي بمقابلة الزيادة شئ وعلى هذا قالوا فيمن اشترى عبدا بألف درهم على أن خمسمائة سوى الالف على رجل ضمنه وقبل فالعبد للمشترى والخمسمائة على الثالث من غير أن يستحق شيأ بالخمسمائة وذكر في الجامع الصغير إذا قال الرجل بع هذه الدار من فلان بألف درهم على انى ضامن لك من الثمن خمسمائة ان البيع على هذا الشرط صحيح والخمسمائة على الأجنبي ولو قال على انى ضامن لك خمسمائة ولم يقل من الثمن كان باطلا لا يلزمه شئ وعلى هذا الخلاف الزيادة في المهر المسمى في النكاح وأما الزيادة في المنكوحة بالمهر الاول فلا تجوز بالاجماع وعلى هذا الخلاف الزيادة في رأس مال السلم وأما الزيادة في المسلم فيه فلا تجوز بالاجماع وعلى هذا الخلاف الزيادة في الرهن وأما الزيادة في الدين فلا تجوز عند أبى حنيفة ومحمد استحسانا وعند أبى يوسف جائز قياسا والفرق لابي حنيفة ومحمد بين الزيادة في الرهن وبين الزيادة في الدين نذكره في كتاب الرهن وعلى هذا الخلاف حط بعض الثمن انه جائز عندنا ويلتحق بأصل العقد والثمن هذا القدر من الابتداء حتى ان المبيع إذا كان دارا فالشفيع يأخذها بالشفعة بما بقي بعد الحط وعندهما هو هبة مبتدأة الا أن قيام الدين عليه أو كونه قابلا لاستئناف العقد ليس بشرط لصحة الحط بلا خلاف بين أصحابنا وفى الزيادة خلاف نذكره ان شاء الله تعالى (وجه) قول زفر والشافعي رحمهما الله ان الثمن والمبيع من الاسماء الاضافية المتقابلة فلا يتصور مبيع بلا ثمن ولا ثمن بلا مبيع فالقول بجواز المبيع والثمن مبيعا وثمنا قول بوجود المبيع ولا ثمن والثمن ولا مبيع لان المبيع اسم لمال يقابل ملك المشترى وهو الثمن والثمن اسم لمال يقابل ملك البائع وهو المبيع فالزيادة من البائع لو صحت مبيعا لا تقابل ملك المشترى بل تقابل ملك نفسه لانه ملك جميع الثمن ولو صحت من المشترى ثمنا لا تقابل ملك البائع بل تقابل ملك نفسه لانه ملك جميع المبيع فلا تكون الزيادة مبيعا وثمنا لانعدام حقيقة المبيع والثمن فيجعل منه هبة مبتدأة ولان كل المبيع لما صار مقابلا بكل الثمن وكل الثمن مقابل بكل المبيع فالزيادة لو صحت مبيعا وثمنا لخلت عما يقابله فكانت فضل مال خال عن العوض في عقد المعاوضة وهذا تفسير الربا (ولنا)

[ 259 ]

في الزيادة في المهر قوله تعالى فاآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة أي من بعد تلك الفريضة لان النكرة إذا أعيدت معرفة يراد بالثاني غير الاول أمر الله سبحانه وتعالى بايتاء المهور المسماة في النكاح وأزال الجناح في الزيادة على المسمى لان ما يتراضاه الزوجان بعد التسمية هو الزيادة في المهر فيدل على جواز الزيادة وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال للوازن زن وأرحج فانا معاشر الانبياء هكذا نزن وهذا زيادة في الثمن وقد ندب عليه الصلاة والسلام إليها بالقول والفعل وأقل أحوال المندوب إليه الجواز وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال المسلمون عند شروطهم فظاهره يقتضى لزوم الوفاء لكل شرط الا ما خص بدليل لانه يقتضى أن يكون كل مسلم عند شرطه وانما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به وانما يلزمه إذا صحت الزيادة مبيعا وثمنا فاما إذا كانت هبة مبتدأة فلا يلزمه الوفاء لان العاقدين أوقعا الزيادة مبيعا وثمنا كما لو تبايعا ابتداء وهذا لان الاصل ان تصرف الانسان يقع على الوجه الذى أوقعه إذا كان أهلا للتصرف والمحل قابلا وله ولاية عليه وقد وجد وقولهما ان الثمن اسم لمال يقابل ملك البائع والمبيع اسم لمال يقابل ملك المشترى قلنا هذا ممنوع بل الثمن اسم لما أزال المشترى ملكه ويده عنه بمقابلة مال أزال البائع ملكه ويده عنه فيملك كل واحد منهما المال الذى كان ملك صاحبه بعد زوال ملكه عنه شرعا على ما عرف ثم نقول ما ذكراه حد المبيع والثمن بطريق الحقيقة والزيادة في المبيع والثمن مبيع وثمن من حيث الصورة والتسمية ربح بطريق الحقيقة لان الربح حقيقة ما يملك بعقد المعاوضة لا بمقابلة ما هو مال حقيقة بل من حيث الصورة والتسمية والزيادة ههنا كذلك فكانت ربحا حقيقة فكان من شرطها أن لا تكون مقابلة بملك البائع الا تسمية وشرط الشئ كيف يمنع صحته على انه أمكن تحقيق معنى المقابلة والزيادة لان الموجب الاصلى في البيع هو قيمة المبيع وهو ماليته لان البيع معاوضة بطريق المعادلة عرفا وحقيقة والمقابلة عند التساوى في المالية ولهذا لو فسدت التسمية تجب القيمة عندنا والثمن تقدير لمالية المبيع باتفاق العاقدين وإذا زاد في المبيع أو الثمن علم أيهما أخطأ في التقدير وغلط فيه وما هو الموجب الاصلى قد ثبت بالبيع فإذا بينا التقدير كان ذلك بيانا للموجب الاصلى الا أنه ابتداء ايجاب فكان عوضا عن ملك العين لا عن ملك نفسه وهذا الكلام في المهر أغلب لان الموجب الاصلى فيه هو مهر المثل على ما عرفت على أنه ان كان لا يمكن تحقيق معنى المقابلة مع بقاء العقد على حاله يمكن تحقيقة مع تغيير العقد من حيث الوصف بأن يجعل الالف بعد الزيادة بمقابلة نصف العبد ليخلو النصف عن الثمن فتجعل الالف الزيادة بمقابلة النصف الخالى وهذا وان كان تغييرا ولكنهما قصدا تصحيح التصرف ولا صحة الا بالتغيير ولهما ولاية التغيير ألا ترى ان لهما ولاية الفسخ وانه فوق التغيير أولى لان الفسخ رفع الاصل والوصف والتغيير تبديل الوصف مع بقاء أصل العقد فلما ثبت لهما ولاية الفسخ فولاية التغيير ولهما حاجة إلى التغيير لدفع الغبن أو لمقصود آخر فمتى اتفقا على الزيادة وقصد الصحة ولا صحة الا بهذا الشرط يثبت هذا الشرط مقتضى تصرفهما تصحيحا له كما في قول الرجل لغيره أعتق عبدك عنى بألف درهم وأما شرائط الجواز فمنها القبول من الآخر حتى لو زاد أحدهما ولم يقبل الآخر لم تصح الزيادة (ومنها) المجلس حتى لو افترقا قبل القبول بطلت الزيادة لان الزيادة في المبيع والثمن ايجاب البيع فيهما فلا بد من القبول في المحلس كما في أصل الثمن والمبيع وأما الحط فلا يشترط له المجلس ولا القبول لانه تصر ف في الثمن بالاسقاط والابراء عن بعضه فيصح من غير قبول الا أنه يرتد بالرد كالابراء عن الثمن كله وأما كون الزيادة والمزيد عليه من غير أموال الربا فهل هو شرط لصحة الزيادة ثمنا ومبيعا وكذا كون الحط من غير أموال الربا هل هو شرط لصحته حطا وهل يؤثران في فساد العقد على قول أبى حنيفة ليس بشرط ويؤثران فيه وعلى قول أبى يوسف شرط فيبطلان ولا يؤثران في العقد وعلى قول محمد شرط في الزيادة لا في الحط على ما نذكر ولا يشترط قبض المبيع والثمن لصحة الزيادة فتصح الزيادة سواء كانت قبل فبض المبيع والثمن أو بعده وكذلك الحط لان دليل جواز الزيادة والحط لا يوجب الفصل وأما قيام البيع وقت الزيادة فهل هو شرط لصحة الزيادة ذكر في الجامع الكبير انه

[ 260 ]

شرط ولم يذكر الخلاف وروى أبو يوسف ومحمد عن أبى حنيفة رحمهم الله في غير رواية الاصول انه ليس بشرط عنده حتى لو هلك المبيع في يد المشترى أو استهلكه أو أعتقه أو دبره أو استولدها أو كان عصيرا فتخمر أو أخرجه المشترى عن ملكه جازت الزيادة عنده وعندهما لا تجوز (وجه) قولهما ان الزيادة تصرف في العقد بالتغيير والعقد منعدم حقيقه الا أنه يعطي له حكم القيام لقيام أثره وهو الملك ولم يبق بهلاك العين حقيقة أو حكما فلم يبق العقد حقيقة وحكما فلا يحتمل التغيير بالزيادة لان الزيادة تثبت عندنا بطريق الاستناد والمستند يثبت للحال ثم يستد فلا بد وأن يجعل شيأ من المبيع بمقابلة الزيادة للحال ولا يتصور ذلك بعد هلاك المبيع فلا يحتمل الاستناد ولان الزيادة لابد وأن يكون لها حصة ولا يتحقق ذلك بعد الهلاك ولابي حنيفة ما ذكرنا ان الزيادة في الثمن والمبيع لا تستدعى المقابلة لانها ربح في الحقيقة وان كانت مبيعا وثمنا صورة وتسمية ومن شأن الربح أن لا يقابله شئ فلا يكون قيام المبيع شرطا لصحتها وقوله العقد منعدم عند الزيادة قلنا الزيادة عندنا تجعل كالموجود عند العقد والعقد عند وجوده يحتمل التغيير ان كانت الزيادة تغييرا على انا لا نسلم ان قيام البيع شرط لبقاء البيع فان البيع بعد هلاك المبيع يحتمل الانتقاض في الجملة بالرد بالعيب فان المشترى إذا اطلع على عيب كان به قبل الهلاك يرجع عليه بالنقصان والرجوع بالنقصان فسخ للبيع في قدر الفائت بالعيب بعد هلاكه وهلاك جميع المعقود عليه دل ان العقد يجوز أن يبقى بعد هلاك المعقود عليه في الجملة إذا كان في بقائه فائدة وههنا في بقائه فائدة فيبقى في حقه كما في حق الرجوع بنقصان العيب وعلى هذا الخلاف الزيادة في مهر المرأه بعد موتها انها جائزة عندنا وعنده لا تجوز ولو اشترى عبدا بجارية وتقابضا ثم مات أحدهما ثم زاد أحدهما صاحبه جازت الزيادة عند أبى حنيفة وأبى يوسف أما عند أبى حنيفة رحمه الله فظاهر لان هلاك المبيع عنده لايمنع الزيادة وأما عند أبى يوسف فلانهما تبايعا عينا بعين والعقد عنده إذا وقع على عين بعين فهلاك أحد العينين لا يمنع صحة الاقالة فلا يمنع صحة الزيادة ولو كان المبيع قائما لكن قطع رجل يده عند المشترى فاخذ ارشها ثم زاد المشترى في الثمن شيا جازت الزيادة (أما) عند أبى حنيفة فظاهر لان هلاك جميع المعقود عليه لا يمنع الزيادة فهلاك البعض أولى (وأما) عندهما فلان المعقود عليه قائم فكان العقد قائما فكان محتملا للتغيير بالزيادة ولو رهن المبيع أو آجره ثم زاد المشترى في الثمن جازت الزيادة بلا خلاف بين أصحابنا على اختلاف الاصلين على ما ذكرنا وقال محمد لو اشترى جارية وقبضها فماتت في يده وزاد البائع المشترى جارية أخرى فالزيادة جائزة لان زيادة المبيع تثبت بمقابلة الثمن والثمن قائم ولو زاد المشترى البائع لم يجز لان زيادة الثمن تثبت مقابلة بالبميع وأنه هالك وهذا على قياس قولهما ان قيام المبيع شرط لجواز الزيادة فهلاكه يكون مانعا أما على أصل أبى حنيفة فالزيادة في الحالين جائزة لان قيام لمبيع عنده ليس بشرط لصحة الزيادة فلا يكون هلاكه مانعا والله عزوجل أعلم (وأما) قيام المعقود عليه فليس بشرط لصحة الحط بالاجماع (أما) عند أبى حنيفة فظاهر لانه ليس بشرط لصحة الزيادة فالحط أولى (وأما) عندهما فلانه ليس من شرط صحة الحط أن يلتحق باصل العقد لا محالة ألا ترى أنه يصح الحط عن جميع الثمن فلا يلتحق إذ لو التحق لعرى العقد عن الثمن فلم يلتحق واعتبر حطا للحال ولان الحط ليس تصرف مقابلة ليشترط له قيام المحل القابل بل هو تصرف في الثمن باسقاط شطره فلا يراعى له قيام المعقود عليه بخلاف الزيادة فلذلك اختلفا ثم الزيادة مع الحط يختلفان في حكم آخر وهو أن الزيادة تنقسم على قدر قيمة البيع والحط لا ينقسم كما لو اشترى عبدين من رجل بالف درهم وزاده المشترى مائة درهم فان الزيادة تنقسم على قدر قيمتهما سواء اشترى ولم يسم لكل واحد منهما ثمنا أو سمى وان حط البائع عن المشترى مائة درهم كان الحط نصفين وانما كان كذلك لان الثمن يقابل المبيع فإذا زاد في ثمن المبيعين مطلقا فلا بد وان تقابلهما الزيادة كأصل الثمن والمقابلة في غير أموال الربا تقتضي الانفساخ من حيث القيمة حكما للمعاوضة والمزاحمة كمقابلة أصل الثمن على ما بينا فيما تقدم بخلاف الحط فانه لا تعلق له بالمبيع لانه تصرف في المبيع خاصة باسقاط بعضه فإذا حط من ثمنهما مطلقا فقد سوى بينهما في الحط فكان الحط بينهما نصفين وان كان

[ 261 ]

ثمن أحدهما أكثر ولا يلتفت إلى زيادة قدر الثمن لان الحط غير مقابل بالثمن حتى تعتبر قيمة القدر والله عزوجل أعلم (وأما) كيفية الجواز فالزيادة في المبيع والثمن عندنا تلتحق باصل العقد كان العقد من الابتداء ورد على الاصل والزيادة جميعا إذا لم يتضمن الالتحاق فساد أصل العقد بلا خلاف بين أصحابنا وكذلك الحط فاما إذا تضمن ذلك بأن كانت الزيادة في الاموال الربوية فهل يلتحق به ويفسده أم لا يلتحق به وكذلك الحط اختلف أصحابنا في ذلك قال أبو حنيفة رضى الله عنه الزيادة والحط يلتحقان باصل العقد ويفسدانه وقال أبو يوسف يبطلانه ولا يلتحقان باصل وأصل العقد صحيح على حاله وقال محمد الزيادة باطلة والعقد على حاله والحط جائز هبة مبتدأة وهذا بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم ان الشرط الفاسد المتأخر عن العقد الصحيح إذا ألحق به هل يلتحق به ويؤثر في فساده أم لا وهو على الاختلاف الذى ذكرنا ان الزيادة بمنزلة شرط فاسد متأخر عن العقد الصحيح ألحق به فابو يوسف يقول لا تصح الزيادة والحط في أموال الربا لان ذلك لو صح لالتحق باصل العقد ولو التحق باصل العقد لاوجب فساد أصل العقد لتحقق الربا فلم يصح فبقي أصل العقد صحيحا كما كان محمد يقول لا تصح الزيادة لما قاله أبو يوسف فلم تؤثر في أصل العقد فبقى على حاله ويصح الحط لان الالتحاق من لوازم الزيادة فما ما ليس من لوازم الزيادة فلا يصح الحط على ما ذكرنا فيما تقدم وأبو حنيفة يقول الزيادة والحط صحيحان زيادة وحطا لان العاقدين أوقعاهما زيادة وحطا ولهما ولاية ذلك فيقعان زيادة وحطا ومن شأن الزيادة والحط الالتحاق بأصل العقد فيلتحقان به فكانت الزيادة والحط ولهما ابطالا للعقد السابق ولهما ولاية الابطال بالفسخ وكذا بالزيادة والحط والله عزوجل أعلم (وأما) البيع الذى فيه خيار فلا يمكن معرفة حكمه الا بعد معرفة أنواع الخيارات فنقول وبالله التوفيق الخيارات نوعان نوع يثبت شرطا ونوع يثبت شرعا لا شرطا والشرط لا يخلو اما أن يثبت نصا واما أن يثبت دلالة (أما) الخيار الثابت بالشرط فنوعان أحدهما يسمى خيار التعيين والثانى خيار الشرط (أما) خيار التعيين فالكلام فيه في جواز البيع الذى فيه خيار التعيين قد ذكرناه في موضعه وانما الحاجة ههنا إلى بيان حكم هذا البيع والى بيان صفة الحكم والى بيان ما يبطل به الخيار بعد ثبوته ويلزم (أما) الاول فحكمه ثبوت الملك للمشترى في أحد المذكورين غير عين وخيار التعيين إليه عرف ذلك بنص كلامهما حيث قال البائع بعت منك أحد هذين الثوبين أو هذين العبدين أو الدابتين أو غيرهما من الاشياء المتفاوتة على أن تأخذ أيهما شئت وقبل المشترى وهذا يوجب ثبوت الملك للمشترى في أحدهما وثبوت خيار التعيين له والآخر يكون ملك البائع أمانة في يده إذا قبضه لانه قبضه باذن المالك لا على وجه التمليك ولا على وجه الثبوت فكان أمانة وليس للمشترى أن يأخذهما جميعا لان المبيع أحدهما ولو هلك أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع لانه يحتمل أن يكون الهالك هو المبيع فيبطل البيع بهلاكه ويحتمل أن يكون غيره فلا يبطل والبيع قد صح بيقين ووقع في بطلانه فلا يبطل بالشك ولكن المشترى بالخيار ان شاء أخذ الباقي بثمنه وان شاء ترك لان المبيع قد تغير قبل القبض بالتعيين قيوجب الخيار وكذلك لو كان اشترى أحد الاثواب الثلاثة فهلك واحد منها وبقى اثنان لا يبطل لما قلنا وللمشترى أن يأخذ أيهما شاء لان المالك إذا لم يعين المبيع كان المبيع أحد الباقين فكان له أن يأخذ أيهما شاء وله أن يتركهما كما لو اشترى أحدهما من الابتداء ولو هلك الكل قبل القبض بطل البيع لان المبيع قد هلك بيقين فيبطل البيع والله عزوجل أعلم (وأما) صفة هذا الحكم فهو ان الملك الثابت بهذا البيع قبل الاختيار ملك غير لازم وللمشترى أن يردهما جميعا لان خيار التعيين يمنع لزوم العقد كخيار العيب وخيار الرؤية فيمنع لزوم الملك لكان محتملا للفسخ وهذا لان جواز هذا النوع من البيع انما يثبت بتعامل الناس لحاجتهم إلى ذلك لما بينا فيما تقدم ولا تنعدم حاجتهم الا بعد اللزوم لانه عسى لا يوافقه كلاهما جميعا فيحتاح إلى ردهما (وأما) بيان ما به الخيار ويلزم البيع فيقول وبالله التوفيق ما يبطل به الخيار ويلزم البيع في الاصل نوعان اختياري وضرورى والاختياري نوعان أحدهما صريح الاختيار وما يجرى مجرى الصريح والثانى الاختيار من طريق الدلالة (أما) الصريح فهو أن يقول

[ 262 ]

اخترت هذا الثوب أو شئته أو رضيت به أو اخترته وما يجرى هذا المجرى لانه لما اختار أحدهما فقد عين ملكه فيه فيسقط خيار التعيين ولزم البيع (وأما) الاختيار من طريق الدلالة فهو أن يوجد منه فعل في أحدهما يدل على تعيين الملك فيه وهو كل تصرف هو دليل اختيار الملك في الشراء بشرط الخيار وسيذكر ذلك في البيع بشرط الخيار ان شاء الله تعالى ولو تصرف البائع في أحدهما فتصرفه موقوف ان تعين ما تصرف فيه للبيع لم ينفذ تصرفه لانه تبين انه تصرف في ملك غيره وان تعين ما تصرف فيه للامانة نفذ بصرفه لانه ظهر انه تصرف في ملك نفسه فينفذ (وأما) الضرورى فنحو أن يهلك أحدهما بعد القبض فيبطل الخيار لان الهالك منها تعين للبيع ولزمه ثمنه وتعين الآخر الامانة لان أحدهما مبيع والآخر أمانة والامانة منهما مستحق الرد على البائع وقد خرج الهالك عن احتمال الرد فيه فتعين الباقي للرد فتعين الهالك للبيع ضرورة ولو هلكا جميعا قبل القبض فلا يخلو اما ان هلكا على التعاقب واما ان هلكا معا فان هلكا على التعاقب فالاول يهلك مبيعا والآخر أمانة لما ذكرنا وان هلكا معا لزمه ثمن نصف كل واحد منها لانه ليس أحدهما بالتعيين أولى من الآخر فشاع البيع فيهما جميعا ولو هلكا على التعاقب لكنهما اختلفا في ترتيب الهلاك فان كان ثمنهما متساويا فلا فائدة في هذا الاختلاف لان أيهما هلك أولا فثمن الآخر مثله فلا يقيد الاختلاف وان كان متفاوتا بان كان ثمن أحدهما أكثر فادعى البائع هلاك أكثرهما ثمنا وادعى المشترى هلاك أقلهما ثمنا كان أبو يوسف أولا يقول يتحالفان وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه وان حلفا جميعا يجعل كأنهما هلكا معا ويلزمه ثمن نصف كل واحد منهما ثم رجع وقال القول قال المشترى مع يمينه وهو قول محمد لانهما اتفقا على أصل الدين واختلفا في قدره والاصل ان الاختلاف متى وقع بين صاحب الدين وبين المديون في قدر الدين أو في جنسه أو نوعه أو صفته كان القول قال المديون مع يمينه لان صاحب الدين يدعى زيادة وهو ينكر فكان القول قوله مع يمينه لانه صاحب الدين وأيهما أقام البينة قبلت بينته وسقطت اليمين وان أقاما البينة فالبينة بينة البائع لانها تظهر زيادة ولو تعيب أحدهما فان كان قبل القبض لا يتعين المعيب للبيع لان التعيين لم يوجد لا نصا ولا دلالة ولا ضرورة إلى التعيين أيضا لامكان الرد والمشترى على خياره وان شاء أخذ المعيب منهما وان شاء أخذ الآخر وان شاء تركهما كما لو لم يتعيب أصلا فان أخذ المعيب منهما أخذه بجميع ثمنه لانه تبين انه هو المبيع من الاصل وكذلك لو تعيبا جميعا فالمشترى على خياره لما قلنا وان كان بعد القبض تعين المعيب للبيع ولزمه ثمنه وتعين الآخر للامانة كما إذا هلك أحدهما بعد القبض لان تعيب المبيع هلاك بعضه فلهذا منع الرد ولزم البيع في المبيع المعين فكذا في غير المعين يمنع الرد وتعين المبيع ولو تعيبا جميعا فان كان على التعاقب تعين الاول للبيع ولزمه ثمنه ويرد الاخر لما قلنا ولا يغرم بحدوث العيب شيأ لما قلنا انه أمانة وان تعيبا معا لا يتعين أحدهما للبيع لانه ليس أحدهما بالتعيين أولى من الآخر وللمشترى أن يأخذ أيهما شاء بثمنه لانه إذا لم يتعين أحدهما للبيع بقى المشترى على خياره الا انه ليس له أن يردهما جميعا لان البيع قد لزم في أحدهما بتعيينهما في يد المشترى وبطل خيار الشرط وهذا يؤيد قول من يقول من المشايخ ان هذا البيع فيه خياران خيار التعيين وخيار الشرط ولا بد له من رتبة معلومة إذ لو لم يكن لملك ردهما جميعا كما لو لم يتعيب أحدهما أصلا لكنه لم يملك لان ردهما جميعا قبل التعييب ثبت حكما لخيار الشرط وقد بطل خيار الشرط بعد تعينهما معا فلم يملك ردهما وبقى خيار التعيين فيملك رد أحدهما ولو ازداد عيب أحدهما أو حدث معه غيره لزمه ذلك لان عدم التعيين للمزاحمة وقد بطلت بزيادة عيب أحدهما أو حدوث عيب آخر معه ولا يبطل هذا الخيار بموت المشترى بل يورث بخلاف خيار الشرط لان خيار التعيين انما يثبت للمورث لثبوت الملك له في أحدهما غير عين وقد قام الوارث مقامه في ذلك الملك فله أن يختار أيهما شاء دون الآخر الا انه ليس له أن يردهما جميعا وقد كان للمورث ذلك وهذا يؤيد قول أولئك المشايخ انه لابد من خيارين في هذا البيع وقد بطل أحدهما وهو خيار الشرط بالموت لانه لا يورث على أصل أصحابنا فبطل الحكم المختص به وهو ولاية ردهما جميعا هذا إذا اشترى أحدهما شراء صحيحا

[ 263 ]

(فاما) إذا اشترى أحدهما شراء فاسدا بأن قال البائع بعت منك أحد هذين العبدين بكذا ولم يذكر الخيار أصلا فان المشترى لا يملك واحدا منهما قبل القبض لان البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض فان قبضهما ملك أحدهما ملكا فاسدا وأيهما هلك لزمته قيمته لانه تعين للبيع والبيع الفاسد يوجب الملك بالقيمة ولو هلكا فان كان على التعاقب لزمته قيمة الهالك الاول لانه تعين للبيع وانه بيع فاسد فيفيد الملك بالقيمة وان هلكا معا لزمه نصف قيمة كل واحد منهما لانه ليس أحدهما بتعيينه للبيع أولى من الآخر فشاع البيع فيهما ولو تعيب أحدهما فعليه أن يردهما جميعا اما غير المعيب فلانه أمانة وأما المعيب فلانه تعين للبيع والمشترى شراء فاسد واجب الرد فيردهما ويرد معهما نصف نقصان العيب لان المتعيب يحتمل أن يكون هو المبيع فيجب نقصان العيب ويحتمل أن يكون هو الامانة فلا يجب شئ ولا دلالة على التعيين فيتنصف الواجب ولو تعيب الآخر بعد ذلك وكذا الجواب في نقصان الاخر لان أحدهما أمانة والاخر مضمون بالقيمة ولو تعيبا معا فكذلك يردهما مع نصف نقصان كل واحد منهما لان أحدهما ليس بأولى من الاخر في التعيين للبيع ولو تصرف المشترى في أحدهما يجوز تصرفه فيه ولزمته قيمته ولا يجوز تصرفه في الآخر بعد ذلك لان المتصرف فيه تعين للبيع ولو تصرف البائع في أحدهما فتصرفه موقوف ان رد ذلك عليه نفذ تصرفه فيه لانه تبين انه تصرف في ملك نفسه وان لم يرد عليه وتصرف فيه المشترى نفذ تصرفه فيه ولزمته قيمته وبطل تصرف البائع فيه وكذلك إذا هلك في يد المشترى والاصل ان في كل موضع يلزم المشترى الثمن في البيع الصحيح تلزمه القيمة في البيع الفاسد والله عزوجل أعلم هذا إذا كان الخيار للمشتر ى أما إذا كان الخيار للبائع فلا يزول أحدهما عن ملكه بنفس البيع وله أن يلزم المشترى أن ثوب شاء قبضه للخيار وليس للمشترى خيار الترك لان البيع بات في جانبه وللبائع أن يفسخ البيع لانه غير لازم وليس للبائع أن يلزمهما المشترى لان المبيع أحدهما ولو هلك أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع ويهلك أمانة لما ذكرنا في خيار المشترى وخيار البائع على حاله ان شاء ألزم المشترى الباقي منهما لانه تعين للبيع وان شاء فسخ البيع فيه لانه غير لازم وليس له أن يلزمه الهالك لانه هلك أمانة وان هلكا جميعا قبل القبض بطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض بيقين وان هلك احدهما بعد القبض كان الهالك أمانة أيضا كما لو هلك قبل القبض والزمه الباقي منهما ان شاء وان شاء فسخ البيع فيه لان خيار البائع يمنع زوال السلعة عن ملكه فيهلك على ملك البائع وله الخيار لما قلنا. وان هلكا جميعا فان كان هلاكهما على التعاقب فالاول يهلك أمانة وعليه قيمة أخرهما هلاكا لانه تعين للبيع انه مبيع هلك في يد المشترى وفيه خيار للبائع فتجب قيمته وان هلكا معا لزمه نصف قيمة كل واحد منهما لانه ليس أحدهما بالتعيين أولى من الآخر ولو تعيب أحدهما أو تعيبا معا قبل القبض أو بعده فخيار البائع عل حاله لان المعيب لم يتعين للعيب لانعدام المعين فكان البائع على خياره له أن يلزم المشترى أيهما شاء كما قبل التعيب ثم إذا لزمه أحدهما ينظر ان كان ذلك غير المتعيب منهما لزمه ما لزمه ولا خيار للمشترى في تركه لانعدام التعيين فيه وان كان ما لزمه هو المتعيب فان تعيب قبل القبض فالمشترى بالخيار لان المبيع قد تغير قبل القبض وتغير المبيع قبل القبض يوجب الخيار للمشترى وان تعيب بعد القبض فلا خيار له لان التعين بعد القبض لا يثبت الخيار وان شاء البائع فسخ البيع واستردهما لان البيع غير لازم فله ولاية الفسخ ثم ينظر ان كان تعيبهما في يد البائع فلا شئ له لانهما تعيبا لا في ضمان المشترى وان كان تعيبهما في يد المشترى فللبائع أن يأخذ من المشترى نصف نقصان كل واحد منهما لان أحدهما مضمون عنده بالقيمة والآخر عنده أمانة ولا يعلم أحدهما من الآخر ولا يجوز للمشترى أن يتصرف فيهما أو في أحدهما لان أحدهما ليس بمبيع بيقين والآخر مبيع لكن لبائعه فيه خيار وخيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه ولو تصرف البائع في أحدهما جاز تصرفه فيه ويتعين الآخر للبيع وله خيار الالزام فيه والفسخ ولو تصرف فيهما جميعا جاز تصرفه فيهما ويكون فسخا للبيع لان تصرفه فيهما دليل اقرار الملك فيهما فيضمن فسخ البيع كما في المبيع المعين والله عزوجل أعلم (واما) خيار الشرط فالكلام في جواز البيع بشرط الخيار

[ 264 ]

وشرائة قد مر في موضعه وانما الحاجة ههنا إلى بيان صفة هذا البيع والى بيان حكمه والى بيان ما يسقط به الخيار ويلزم البيع والى بيان ما ينفسخ به البيع (اما) صفته فهى انه بيع غير لازم لان الخيار يمنع لزوم الصفقة قال سيدنا عمر رضى الله عنه البيع صفقة أو خيار ولان الخيار هو التخيير بين البيع والاجازة وهذا يمنع اللزوم كخيار العيب وخيار الرؤية ثم الخيار كما يمنع لزوم الصفقة فعدم القبض يمنع تمام الصفقة لان الثابت بنفس البيع ملك غير متأكد وانما التأكد بالقبض وعلى هذا يخرج ما إذا كان المبيع شيأ واحد أو أشياء انه ليس لمن له الخيار أن يجيز البيع في البعض دون البعض من غير رضا الآخر سواء كان الخيار للبائع أو للمشترى وسواء كان البيع مقبوضا أو غير مقبوض لان الاجازة في البعض دون البعض تفريق الصفقة في اللزوم وكما لا يجوز تفريق أصل الصفقة وهو الايجاب والقبول الا برضا العاقدين بان يقبل البيع في بعض المبيع دون البعض بعد اضافة الايجاب والقبول إلى الجملة ويوجب البيع بعد اضافة القبول إلى جملته لا يجوز في وصفها وهو ان يلزم البيع في البعض دون البعض الا برضاهما ولو هلك أحد العبدين في يد البائع والخيار له لم يكن له أن يجيز البيع في الباقي الا برضا المشترى لان البيع انفسخ في قدر الهالك فالاجازة في الباقي تكون تفريق الصفقة على المشترى فلا يجوز من غير رضاه ولو هلك أحدهما في يد المشترى فللبائع أن يجيز البيع في الباقي في قياس قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله ينتقض البيع وليس له أن يجبز البيع في الباقي وان كان المبيع مما له مثل من المكيل والموزون والعددي المتقارب فهلك بعضه فللبائع أن يجيز البيع في الباقي بلا خلاف (وجه) قول محمد ان الاجازة ههنا بمنزلة انشاء التمليك لان خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه فكان للاجازة حكم الانشاء والهالك منهما خرج عن احتمال الانشاء والانشاء في الباقي تمليك بحصته من الثمن وهى مجهولة فيما لا مثل له فلم يحتمل الانشاء وفيما له مثل معلومة فاحتمل الانشاء (وجه) قولهما ان هذه الاجازة تظهر ان العقد من حين وجوده انعقد في حق الحكم فلم يكن الهلاك مانعا من الاجازة وقوله الاجازة ههنا انشاء قلنا ممنوع فان العقد ينعقد في حق الحكم بدون الاجازة من انقضاء المدة وبموت من له الخيار ولو كانت الاجازة انشاء لتوقف حكم العقد على وجودها وهذا بخلاف بيع الفضولي إذا هلك المبيع قبل الاجازة ثم أجازه المالك لم يجز وههنا جاز فهلاك المبيع في بيع الفضولي يمنع من الاجازة وههنا لا يمنع (ووجه) الفرق ان بيع الفضولي يثبت بطريق الاستناد والمستند ظاهر من وجه مقتصر من وجه فكانت الاجازة اظهارا من وجه انشاء من وجه فمن حيث انها اظهار كان لا يقف صحته على قيام المحل ومن حيث انها انشاء يقف عليه (فاما) في البيع بشرط الخيار فالحكم يثبت عند الاجازة بطريق الظهور المحض فكانت الاجازة اظهارا ان العقد من وقت وجوده انعقد في حق الحكم والمحل كان قابلا وقت العقد فهلاكه بعد ذلك لا يمنع من الاجازة والله عزوجل اعلم وعلى هذا يخرج قول أبى حنيفة في رجلين اشتريا شيأ على انهما بالخيار فيه ثلاثة أيام فاختارانه يلزم البيع حتى لا يملك الاخر الفسخ احترازا عن تفريق الصفقة في اللزوم وسنذكر المسألة في خيار العيب ان شاء الله تعالى (وأما) حكم هذا البيع فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا لا حكم له للحال والخيار يمنع انعقاد العقد في الحكم للحال لمن له الخيار بل هو للحال موقوف على معنى انه لا يعرف حكمه للحال وانما يعرف عند سقوط الخيار لانه لا يدرى انه يتصل به الفسخ أو الاجازة فيتوقف في الجواب للحال وهذا تفسير التوقف عندنا وقال الشافعي رحمه الله في قول مثل قولنا وفى قول هو منعقد مفيد للتملك لكن ملكا مسلطا على فسخه بالخيار (وجه) قوله ان البيع بشرط الخيار لا يفارق البيع البات الا في الخيار والخيار لا يمنع ثبوت الملك كخيار العيب بالاجماع وخيار الرؤية على أصلكم (ولنا) ان جواز هذا البيع مع انه معدول به عن القياس لحاجة إلى دفع الغبن ولا اندفاع لهذه الحاجة الا بامتناع ثبوت الملك للحال لان من الجائز أن يكون المشترى قريب المشترى فلو ملكه للحال لعتق عليه للحال فلا تندفع حاجته ثم الخيار لا يخلو اما ان كان للبائع والمشترى جميعا واما ان كان للبائع وحده واما ان كان للمشترى وحده واما ان كان لغيرهما بان شرط أحدهما الخيار لثالث فان كان الخيار لهما فلا ينعقد العقد في حق الحكم في البدلين جميعا فلا يزول المبيع عن

[ 265 ]

ملك البائع ولا يدخل في ملك المشترى وكذا لا يزول الثمن عن ملك المشترى ولا يدخل في ملك البائع لان المانع من الانعقاد في حق الحكم موجود في الجانبين جميعا وهو الحيار وان كان البائع وحده فلا ينعقد في حق الحكم في حقه حتى لا يزول المبيع عن ملكه ولا يجوز للمشترى ان يتصرف فيه ويخرج الثمن عن ملك المشترى لان البيع بات في حقه وهل يدخل في ملك البائع عند أبى حنيفة لا يدخل وعند أبى يوسف ومحمد يدخل وان كان للمشترى وحده لا ينعقد في حق الحكم في حقه حتى لا يزول الثمن عن ملكه ولا يجوز للبائع أن يتصرف فيه إذا كان عينا ولا يستحقه على المشترى إذا كان دينا ويخرج المبيع عن ملك البائع حتى لا يجوز له التصرف فيه لان البيع بات في حقه وهل يدخل في ملك المشترى عند أبى حنيفة لا يدخل وعندهما يدخل وجه قولهما ان ثبوت الحكم عند وجود المستدعى هو الاصل والامتناع بعارض والمانع ههنا هو الخيار وانه وجد في أحد الجانبين لا غير فيعمل في المنع فيه لا في الجانب الآخر ألا ترى كيف خرج المبيع عن ملك البائع إذا كان الخيار للمشترى والثمن عن ملك المشترى إذا كان الخيار للبائع فدل ان البيع بات في حق من لا خيار له فيعمل في بتات هذا الحكم الذى وضع له (وجه) قول أبى حنيفة رحمه الله ان الخيار إذا كان للبائع فالمبيع لم يخرج عن ملكه وإذا كان للمشترى فالثمن لم يخرج عن ملكه وهذا يمنع دخول الثمن في ملك البائع في الاول ودخول المبيع في ملك المشترى في الثاني لوجهين أحدهما انه جمع بين البدل والمبدل في عقد المبادلة وهذا لا يجوز والثانى ان في هذا ترك التسوية بين العاقدين في حكم المعاوضة وهذا لا يجوز لانهما لا يرضيان بالتفاوت وقولهما البيع بات في حق من لا خيار له قلنا هذا يوجب البتات في حق الزوال لا في حق الثبوت لان الخيار من أحد الجانبين له أثر في المنع من الزوال وامتناع الزوال من أحد الجانبين يمنع الثبوت من الجانب الآخر ان كان لا يمنع الزوال لما ذكرنا من الوجهين ويتفرع على هذا الاصل بين أبى حنيفة وصاحبيه مسائل (منها) إذا اشترى ذا رحم محرم منه على انه بالخيار ثلاثة أيام لا يعتق عليه عند أبى حنيفة رحمه الله لانه لم يدخل في ملكه عنده ولا عتق بدون الملك وهو على خياره ان شاء فسخ البيع وان شاء أجازه فان فسخ لا يعتق لان العبد عاد إلى ملك البائغ وان اجازه عتق لانه سقط الخيار ولزم العقد فيلزمه الثمن وعندهما يعتق عليه بنفس الشراء ويلزمه الثمن ويبطل خياره لانه دخل في ملكه ولو قال لعبد الغير ان اشتريتك فأنت حر فاشتراه على انه بالخيار ثلاثة أيام عتق عليه بالاجماع (اما) عندهما فظاهر لانه ملكه بنفس الشراء فوجد شرط الحنث فعتق (واما) عند أبى حنيفة فلان المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط ولو نجز عتقه بعد شرائه بشرط الخيار عتق وسقط خياره لكون الاعتاق اجازة واختيارا للملك على ما نذكر كذا هذا والله عزوجل أعلم (ومنها) إذا اشترى جارية قد ولدت منه بالنكاح على انه بالخيار ثلاثة أيام لا تصير أم ولد له عند أبى حنيفة لانها لم تدخل في ملكه وهو على خياره ان شاء فسخ البيع وعادت إلى ملك البائع وان شاء أجازه وصارت أم ولد له ولزمه الثمن وعندهما صارت أم ولده بنفس الشراء لانها دخلت في ملكه فبطل خياره ولزمه الثمن (ومنها) إذا اشترى زوجته بشرط الخيار ثلاثة أيام لا يفسد النكاح عند أبى حنيفة لانها لم تدخل في ملكه عنده وعندهما فسد لدخولها في ملكه وملك أحد الزوجين رقبة صاحبه أو شقصا منها يرفع النكاح فان وطئها في مدة الخيار فان كانت بكرا كان اجازة بالاجماع (اما) عند أبى حنيفة فلاجل النقصان بازالة البكارة وهى العذرة لا لاجل الوطئ لان ملك النكاح قائم فكان حل الوطئ قائما فلا حاجة إلى ملك اليمين (واما) عندهما فلاجل النقصان والوطئ جميعا فان كانت ثيبا لا يبطل خياره عند أبى حنيفة لان بطلان الخيار لضرورة حل الوطئ ولا ضرورة لان ملك النكاح قائم فكان حل الوطئ ثابتا فلا ضرورة إلى ملك اليمين بحل الوطئ فلم يبطل الخيار وعندهما يبطل خياره لضرورة حل الوطئ بملك اليمين لارتفاع النكاح بنفس الشراء بخلاف ما إذا لم تكن الجارية زوجة له ووطئها انه يكون اجازة سواء كانت بكرا أو ثيبا لان حل الوطئ هناك لا يثبت الا بملك اليمين لانعدام النكاح فكان اقدامه على الوطئ اختيارا للملك فيبطل الخيار (ومنها) إذا اشترى جارية على انه بالخيار ثلاثة أيام وقبضها فحاضت عنده في مدة الخيار حيضة

[ 266 ]

كاملة أو بعض حيضة في مدة الخيار فاختار البيع لا تجزى تلك الحيضة في الاستبراء عند أبى حنيفة وعليه ان يستبرئها بحيضة أخرى لانها لم تدخل في ملكه عنده ولم يوجد سبب وجوب الاستبراء وعندهما يحتسب بها لانها دخلت في ملكه فكانت الحيضة بعد وجود سبب وجوب الاستبراء فكانت محسوبة منه ولو اختار فسخ البيع ورد الجارية فلا استبراء على البائع عند أبى حنيفة سواء كان الرد قبل القبض أو بعده وعندهما قبل القبض القياس ان يجب وفى الاستحسان لا يجب وبعد القبض يجب قياسا واستحسانا على ما ذكرنا في مسائل الاستبراء وان كان الخيار للبائع ففسخ العقد لا يجب عليه الاستبراء لانها لم تخرج عن ملكه وان أجازه فعلى المشترى أن يستبرئها بعد الاجازة والقبض بحيضة أخرى بالاجماع لانه ملكها بعد الاجازة وبعد القبض ملكا مطلقا (ومنها) إذا اشترى شيأ بعينه على أنه بالخيار ثلاثة أيام فقبضه باذن البائع ثم أودعه في مدة الخيار فهلك في مدة الخيار أو بعدها يهلك على البائع ويبطل البيع عند أبى حنيفة لانه لم يدخل في ملك المشترى ولما دخل رده على البائع فقد ارتفع قبضه فهلك المبيع قبض القبض وعندهما يهلك على المشترى ويلزمه الثمن لانه دخل في ملكه أعنى المشترى فقد أودع ملك نفسه ويد المودع يده فهلاكه في يده كهلاكه في يد نفسه ولو كان الخيار للبائع فسلمه إلى المشترى ثم ان المشترى أودعه البائع في مدة الخيار فهلك في يد البابع قبل جواز البيع أو بعده بطل البيع بالاجماع ولو كان البيع باتا فقبضه المشترى باذن البائع أو بغير اذنه والثمن منقود أو مؤجل وله خيار رؤية أو عيب فاودعه البائع فهلك عند البائع يهلك على المشترى ويلزمه الثمن بالاجماع لان خيار الرؤية والعيب لا يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فكان مودعا ملك نفسه والله عزوجل أعلم (ومنها) إذا اشترى ذمى من ذمى خمرا أو خنزيرا على انه بالخيار ثلاثة أيام وقبضه ثم اسلم المشترى بطل العقد عند أبى حنيفة لانه لم يدخل في ملك المشترى والمسلم ممنوع عن تملك الخمر بالبيع وعندهما يلزم العقد ولا يبطل لانه دخل في ملك المشترى والاسلام يمنع من اخراجه عن ملكه ولو أسلم البائع لا يبطل البيع بالاجماع لان البيع بات في جانبه والاسلام في البيع البات لا يوجب بطلانه إذا كان بعد القبض والمشترى على خياره فان أجاز البيع جاز ويلزمه الثمن وان فسخه انفسخ وصار الخمر للبائع حكما والمسلم من أهل ان يتملك الخمر حكما ألا ترى أنه يتملكها بالميراث ولو كان الخيار للبائع فاسلم البائع بطل الخيار لان خيار البائع يمنع خروج السلعة عن ملكه والاسلام يمنع اخراج الخمر عن ملكه بالعقد فبطل العقد ولو أسلم المشترى لا يبطل البيع لان البيع بات في جانبه والبائع على خياره فان فسخ البيع عادت الخمر إليه وان أجازه صار الخمر للمشترى حكما والمسلم من أهل أن يتملكها حكما كما في الارث ولو كان البيع باتا فاسلما أو أسلم أحدهما لا يبطل البيع لان الاسلام متى ورد والحرام مقبوض يلاقيه بالعفو لانه لم يثبت بعد الاسلام ملك مبتدأ لثبوتها بالعقد والقبض على الكمال وانما يوجد بعد الاسلام دوام الملك والاسلام لا ينافيه فان المسلم إذا تخمر عصيره فلا يؤمر بابطال حقه فيها هذا كله إذا أسلما أو أسلم أحدهما بعد القبض فاما إذا كان قبل القبض بطل البيع كيف ما كان سواء كان البيع باتا أو بشرط الخيار لهما أو لاحدهما لان الاسلام متى ورد والحرام غير مقبوض يمنع من قبضه بحكم العقد لما في القبض من معنى انشاء العقد من وجه فيلحق به في باب الحرمات احتياطا على ما ذكرنا فيما تقدم وقد تظهر فوائد هذا الاصل في فروع أخر يطول ذكرها وان كان المبيع دارا فان كان الخيار للبائع لا يثبت للشفيع فيها حق الشفعة لان المبيع لم يخرج عن ملك البائع وان كان للمشترى يثبت للشفيع حق الشفعة بالاجماع (أما) على أصلهما فظاهر لان المبيع في ملك المشترى (وأما) على أصل أبى حنيفة فالمبيع وان لم يدخل في ملك المشترى لكنه قد زال عن ملك البائع بالاجماع وحق الشفعة يعتمد زوال ملك البائع لا ثبوت ملك المشترى والله عزوجل أعلم ولو تبايعا عبدا بجارية والخيار للبائع فاعتق البائع العبد نفذ اعتاقه وانفسخ البيع لان خيار البائع يمنع زوال العبد عن ملكه فقد أعتق ملك نفسه فنفذ وان أعتق الجارية نفذ أيضا ولزم البيع (أما) على أصلهما فظاهر لانه ملكها فاعتق ملك نفسه (وأما) على أصل أبى حنيفة وان لم يملكها بالعقد لكن الاقدام على الاعتاق دليل عقد الملك إذ لا وجود للعتق الا بالملك ولا

[ 267 ]

ملك الا بسقوط الخيار فتضمن اقدامه على الاعتاق اسقاط الخيار ولو أعتقهما معا نفذ اعتاقهما جميعا وبطل البيع وعليه قيمة الجارية وعندهما نفذ اعتاقهما ولا شئ عليه أما نفوذ اعتاقهما (أما) العبد فلاشك فيه لانه لم يخرج عن ملك البائع بلا خلاف (وأما) الجارية فكذلك على أصلهما لانها دخلت في ملكه وعند أبى حينفة وان لم تدخل في ملكه بنفس العقد فقد دخلت بمقتضى الاقدام على اعتاقهما على مابينا فاعتاقهما صادف محلا مملوكا للمعتق فنفذ (وأما) لزوم قيمة الجارية عند أبى حنيفة فلان العبد بدل الجارية وقد هلك قبل التسليم بالاعتاق وهلاك المبيع قبل التسليم يوجب بطلان البيع وإذا بطل البيع وجب رد الجارية وقد عجز عن ردها بسبب العتق فيغرم قيمتها ولو اعتق المشترى العبد أو الجارية لم ينفذ اعتاقه (أما) العبد فلانه لم يدخل في ملكه (وأما) الجارية فلانها خرجت عن ملكه والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يسقط به الخيار ويلزم البيع فنقول وبالله التوفيق أما خيار البائع فما يسقط به خياره ويلزم البيع نوعان في الاصل أحدهما اختياري والآخر ضروري أما الاختياري فالاجازة لان الاصل هو لزوم البيع والامتناع بعارض الخيار وقد بطل بالاجازة فيلزم البيع والاجازة نوعان صريح وما هو في معنى الصريح ودلالة (أما) الاول فنحو أن يقول البائع أجزت البيع أو أوجبته أو أسقطت الخيار أو أبطلته وما يجرى هذا المجرى سواء علم المشترى الاجازة أو لم يعلم (وأما) الاجازة بطريق الدلالة فهى أن يوجد منه تصرف في الثمن يدل على الاجازة وايجاب البيع فالاقدام عليه يكون اجازة للبيع دلالة والاصل فيهما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبريرة حين عتقت ملكت بضعك فاختارى وان وطئك زوجك فلا خيار لك فقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام تمكينها من الوطئ دليل بطلان الخيار فصار ذلك أصلا لان الخيار كما يسقط بصريح الاسقاط يسقط بالاسقاط من طريق الدلالة وعلى هذا يخرج ما إذا كان الثمن عينا فتصرف البائع فيه تصرف الملاك بأن باعه أو ساومه أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو آجره أو رهنه ونحو ذلك لان ذلك يكون اجازة للبيع (أما) على أصلهما فلان الثمن دخل في ملك البائع فكان التصرف فيه دليل تقرر ملكه وأنه دليل اجازة البيع (وأما) على أصل أبى حنيفة فالاقدام على التصرف يكون دليل اختيار الملك فيه وذا دليل الاجازة وكذا لو كان الثمن دينا فابرأ البائع المشترى من الثمن أو اشترى به شيأ منه أو وهبه من المشترى فهو اجازة للبيع لما قلنا ويصح شراؤه وهبته لان هبة الدين والشراء به ممن عليه الدين وأنه جائز وكذا لو ساومه البائع بالثمن الذى في ذمته شيأ لانه قصد تملك ذلك الشئ ولا يمكنه التملك الا بثبوت ملكه في الثمن أو تقرره فيه ولو اشترى بالثمن شيأ من غيره لم يصح الشراء وكان اجازة (أما) عدم صحة الشراء فلانه شراء بالدين من غير من عليه الدين (وأما) كونه اجازة للبيع فلان الشراء به من غيره وان لم يصح لكنه قصد التملك وذا دليل الاجازة كما إذا ساومه بل أولى لان الشراء به في الدلالة على قصده التملك فوق المساومة فلما كانت المساومة اجازة فالشراء أولى بخلاف ما إذا كان البائع قبض الثمن الذى هو دين فاشترى به شيأ أنه لا يكون اجازة للبيع لان عين المقبوض ليس بمستحق الرد عند الفسخ لان الدراهم والدنانير لا يتعينان عندنا في الفسخ كما لا يتعينان في العقد فلم يكن المقبوض فيه مستحق الرد فلا يكون التصرف فيه دليل الاجارة بخلاف ما إذا اشترى به قبل القبض لانه أضاف الشراء إلى عين ما هو مستحق بالعقد فكان دليل القصد إلى الملك أو تقرر الملك فيه على ما قلنا ولو كان الخيار للمشترى فابرأه البائع من الثمن قال أبو يوسف رحمه الله لا يصح الابراء لان خيار المشترى يمنع وجوب الثمن والابراء اسقاط واسقاط ما ليس بثابت لا يتصور وروى عن محمد رحمه الله أنه إذا أجاز البيع نفذ الابراء لان الملك يثبت مستندا إلى وقت البيع فتبين ان الثمن كان واجبا فكان ابراؤه بعد الوجوب فينفذ والله عزوجل أعلم (وأما) الضرورى فثلاثة أشياء (أحدهما) مضى مدة الخيار لان الخيار مؤقت به والمؤقت إلى غاية ينتهى عند وجود الغاية لكن هل تدخل الغاية في شرط الخيار بان شرط الخيار إلى الليل أو إلى الغد هل يدخل الليل أو الغد قال أبو حنيفة عليه الرحمة تدخل وقال أبو يوسف ومحمد لا تدخل (وجه) قولهما ان الغاية لا تدخل تحت ما ضربت له الغاية كما في قوله تعالى عز

[ 268 ]

شأنه أتموا الصيام إلى الليل حتى لا يجب الصوم في الليل وكما في التأجيل إلى غاية ان الغاية لا تدخل تحت الاجل كذا هذا ولابي حنيفة ان الغايات منقسمة غاية اخراج وغاية اثبات فغاية الاخراج تدخل تحت ما ضربت له الغاية كما في قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديك إلى المرافق والغاية ههنا في معنى غاية الاخراج ألا ترى أنه لو لم يذكر الوقت أصلا لاقتضى ثبوت الخيار في الاوقات كلها حتى لم يصح لانه يكون في معنى شرط خيار مؤبد بخلاف التأجيل إلى غاية فانه لولا ذكر الغاية لم يثبت الاجل أصلا فكانت الغاية غاية اثبات فلم تدخل تحت ما ضربت له الغاية والثانى موت البائع في مدة الخيار عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يبطل الخيار بموته بل يقوم وارثه مقامه في الفسخ والاجازة والله عز وجل أعلم ولقب هذه المسألة ان خيار الشرط هل يورث أم لا عندنا يورث وعنده لا يورث وأجمعوا على ان خيار القبول لا يورث وكذا خيار الاجازة في بيع الفضولي لا يورث بالاجماع وكذا الاجل لا يورث بالاتفاق وأجمعوا على ان خيار العيب وخيار التعيين يورث (وأما) خيار الرؤية فلم يذكر في الاصل وذكر في الحيل أنه لا يورث وكذا روى ابن سماعة عن محمد أنه لا يورث احتج الشافعي رحمه الله بظواهر آيات المواريث حيث أثبت الله عز وجل الارث في المتروك مطلقا والخيار متروك فيجرى فيه الارث وبما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من ترك مالا أو حقا فلورثته والخيار حق تركه فيكون لورثته ولانه حق ثبت بالبيع فيجرى فيه الارث كالملك الثابت وهذا لان الارث كما يثبت في الاملاك يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع ولهذا يثبت في خيار العيب وخيار التعيين كذا هذا ولنا ان الخيار لو ثبت للوارث لم يخل من أن يثبت ابداء أو بطريق الارث لا سبيل إلى الاول لان الشرط لم يوجد من الوارث ابتداء واثبات الخيار له من غير وجود شرط الخيار منه خلاف الحقيقة ولا سبيل إلى الثاني لان الوارث يعتمد الباقي بعد موت المورث وخياره لا يبقى بعد موته لان خياره يخيره بين الفسح والاجازة ولا يتصور ذلك منه بعد موته فلا يورث بخلاف خيار العيب والتعيين لان الموروث هناك محتمل للارث وهو العين المملوكة (وأما) الآية والحديث فنقول بموجبهما لكن لم قلتم ان الخيار متروك وهذا لان المتروك عين تبقى والخيار عرض لا يبقى فلم يكن متروكا فلا يورث والله عزوجل أعلم (والثالث) اجازة أحد الشريكين عند أبى حنيفة رحمه الله بان تبايعا على انهما بالخيار فاجاز احدهما بطل الخيار ولزم البيع عنده حتى لا يملك صاحبه الفسخ وعندهما لا يبطل وخيار الآخر على حاله وسنذكر المسألة في خيار العيب ولو بلغ الصبى في مدة خيار الشرط للاب أو الوصي لنفسه في بيع مال لا صبى هل يبطل الخيار قال أبو يوسف يبطل ويلزم العقد وقال محمد تنقل الاجازة إلى الصبى فلا يملك الولى الاجازة لكنه يملك الفسخ (وجه) قوله محمد ان الولى يتصرف في مال الصغير بطريق النيابة عنه شرعا لعجزه عن التصرف بنفسه وقد زال العجز بالبلوغ فتنتقل الاجازة إليه الا أنه يملك الفسخ لانه من باب دفع الحق فيملكه كالفضولى في البيع انه يملك الفسخ قبل اجازة المالك وان لم يملك الاجازة (وجه) قول أبى يوسف ان الخيار يثبت للولى وهو ولاية الفسخ والاجازة وقد بطل بالبلوغ فلا يحتمل الانتقال إلى الصبى ولهذا لم ينتقل إلى الوارث بموت من له الخيار ولو عجز المكاتب في مدة خيار شرطه لنفسه في البيع بطل الخيار ولزم البيع في قولهم جميعا لانه لما عجز ورد إلى الرق لم يبق له ولاية الفسخ والاجازة فيسقط الخيار ضرورة كما يسقط بالموت وكذا العبد المأذون إذا حجر عليه المولى في مدة الخيار بطل خياره عند أبى يوسف واحدى الروايتين عن محمد لما قلنا ولو اشترى الاب أو الوصي شيأ بدين في الذمة وشرط الخيار لنفسه ثم بلغ الصبى جاز العقد عليهما والصبى بالخيار ان شاء أجاز البيع وان شاء فسخ (أما) الجواز علهيما فلان ولايتهما قد انقطعت بالبلوغ فلا يملكان التصرف بالفسخ والاجازة فيبطل خيارهما وجاز العقد في حقهما (وأما) خيار الصبى فلان الجواز واللزوم لم يثبت في حقه وانما يثبت في حقهما فكان له خيار الفسخ والاجازة (وأما) خيار المشترى فيسقط بما يسقط خيار البائع وبغيره أيضا فيسقط بمضي المدة وبموت من له الخيار عندنا وأجازة أحد الشركين عند أبى حنيفة والاجازة صريح وما هو في معنى

[ 269 ]

الصريح ودلالة وهو أن يتصرف المشترى في المبيع تصرف الملاك كالبيع والمساومة والا عتاق والتدبير والكتابة والاجارة والهبة والرهن سلم أو لم يسلم لان جواز هذه التصرفات يعتمد الملك فالاقدام عليها يكون دليل قصد التملك أو تقرر الملك على اختلاف الاصلين وذا دليل الاجازة وكذا الوطئ منه والتقبيل بشهوة والمباشرة لشهوة والنظر إلى فرجها لشهوة يكون اجازة منه لانه تصرف لا يحل الا بملك اليمين وأما المس عن غير شهوة والنظر إلى فرجها بغير شهوة فلا يكون اجازة لان ذلك مباح في الجملة بدون الملك للطبيب والقابلة وأما الاستخدام فالقياس أن يكون اجازة بمنزلة المس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة وفى الاستحسان لا يكون اجازة لانه لا يختص بالملك ولانه يحتاج إليه للتجربة والامتحان لينظر انه يوافقه أم لا على ان فيه ضرورة لان الاحتراز عن ذلك غير ممكن بأن يسأله ثوبه عند اوادة الرد فيرده أو يستسرجه دابته ليركبها فيرده فسقط اعتباره لمكان الضرورة ولو قبلت الجارية المشترى بشهوة أو باشرته فان كان ذلك بتمكين بأن علم ذلك منها وتركها حتى فعلت يسقط خياره وكذا هذا في حق خيار الرؤية إذا قبلته بعد الرؤية وكذا في خيار العيب إذا وجد بها عيبا ثم قبلته وكذا في الطلاق إذا فعلت ذلك كان رجعة وان اختلست اختلاسا من غير تمكين المشترى والزوج وهو كاره لذلك فكذلك عند أبى حنيفة وروى عن أبى يوسف انه لا يكون ذلك رجعة ولا اجازة للبيع وقال محمد لا يكون فعلها اجازة للبيع كيف ما كان وأجمعوا على انها لو باضعته وهو نائم بأن أدخلت فرجه فرجها انه يسقط الخيار ويكون رجعة (وجه) قول محمد ان الخيار حق شرط له ولم يوجد منه ما يبطله نصا ولا دلالة وهو فعل يدل عليه فلا يبطل ولابي حنيفة رحمه الله ان الاحتياط يوجب سقوط الخيار إذ لو لم يسقط ومن الجائز أن يفسخ البيع لتبيين ان المس عن شهوة والتمكين من المس عن شهوة حصل في غير ملك وكل ذلك حرام فكان سقوط الخيار وثبوت الرجعة بطريق الصيانة عن ارتكاب الحرام وانه واجب ولان المس عن شهوة يفضى إلى الوطئ والسبب المفضى إلى الشئ يقوم مقامه خصوصا في موضع الاحتياط فأقيم ذلك مقام الوطئ من المشترى ولهذا يثبت حرمة المصاهرة بالمس عن شهوة من الجانبين لكونه سببا مفضيا إلى الوطئ فأقيم مقامه كذا هذا ولو قبل المشترى الجارية ثم قال قبلتها لغير شهوة فالقول قوله كذا روى عن محمد لان الخيار كان ثابتا له فهو بقوله كان لغير شهوة ينكر سقوطه فكان القول قوله وكذلك قال أبو حنيفة في الجارية إذا قبلت المشترى بشهوة انه انما يسقط الخيار ويلزمه العقد إذا أقر المشترى انها فعلت بشهوة (فأما) إذا أنكر أن يكن ذلك بشهوة فلا يسقط لان حكم فعلها يلزم المشترى بسقوط حقه فيتوقف على اقراره ولو حدث في المبيع في يد المشترى ما يمنع الرد على البائع بطل خياره لان فائدة الخيار هو التمكن من الفسخ والرد فإذا خرج عن احتمال الرد لم يكن في بقاء الخيار فائدة فلا يبقى وذلك نحو ما إذا هلك في يده أو انتقص بأن تعيب بعيب لا يحتمل الارتفاع سواء كان ذلك فاحشا أو يسيرا وسواء كان ذلك بفعل المشترى أو بفعل البائع أو بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي لان حدوث هذه المعاني في يد المشترى يمنع الرد (أما) الهلاك فظاهر وكذا النقصان لفوات شرط الرد وهو أن يكون ما قبض كما قبض لانه إذا انتقص شئ منه فقد تعذر رد القدر الفائت فتقرر على المشترى حصته من الثمن لان فواته حصل في ضمان المشترى فلو رد الباقي كان ذلك تفريق الصفقة على البائع قبل التمام وهذا لا يجوز وإذا امتنع الرد بطل الخيار لما قلنا وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وهو قول أبى يوسف أيضا الا في خصلة واحدة وهى ما إذا انتقص بفعل البائع فان المشترى فيهما على خياره عنده ان شاء رد عليه وان شاء أمسكه وأخذ الارش من البائع كذا ذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي الاختلاف وذكر الكرخي رحمه الله الاختلاف بين أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله وان كان العيب مما يحتمل الارتفاع كالمرض فالمشترى على خياره ان شاء فسخ وان شاء أجاز لان كل عارض على أصل إذا ارتفع يلحق بالعدم ويجعل كانه لم يكن هذا هو الاصل وليس له أن يفسخ الا أن يرتفع العيب في مدة الخيار فان مضت المدة والعيب قائم بطل حق الفسخ ولزم البيع لتعذر الرد والله عزوجل أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا ازداد

[ 270 ]

المبيع زيادة متصلة غير متولدة من الاصل كما إذا كان ثوبا فصبغه أو سويقا فلته بسمن أو كان أرضا فبنى عليها أو غرس فيها انه يبطل خياره لان هذه الزيادة مانعة من الرد بالاجماع فكانت مسقطة للخيار ولو كانت الزيادة متصلة متولدة من الاصل كالحسن والجمال والسمن والبراء من المرض وانجلاء البياض من العين ونحو ذلك فكذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يبطل بناء على أن هذه الزيادة تمنع الرد عندهما كما في العيب في المهر في النكاح وعنده لا تمنع والمسألة تأتى في موضعها ان شاء الله تعالى وان كانت الزيادة منفصلة متولدة من الاصل كالولد والثمر واللبن ونحوها أو كانت غير متولدة من الاصل لكنها بدل الجزء الفائت كالارش أو بدل ما هو في معنى الجزء كالعقر يبطل خياره لانها مانعة من الرد عندنا وان كانت منفصلة غير متولدة من الاصل ولا هي بدل الجزء الفائت أو ما هو في معنى الجزء كالصدقة والكسب والغلة لا يبطل خياره لان هذه الزيادة لا تمنع الرد فلا يبطل الخيار فان اختار البيع فالزوائد له مع الاصل لانه تبين انها كسب ملكه فكانت ملكه وان اختار الفسخ رد الاصل مع الزوائد عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد الزوائد تكون له بناء على أن ملك المبيع كان موقوفا فإذا فسخ تبين انه لم يدخل في ملكه فتبين أن الزيادة حصلت على ملك البائع فيردها إليه مع الاصل وعندهما المبيع دخل في ملك المشترى فكانت الزوائد حاصلة على ملكه والفسخ يظهر في الاصل لا في الزيادة فبقيت على حكم ملك المشترى ولو كان المبيع دابة فركبها فان ركبها لحاجة نفسه كان اجازة وان ركبها ليسقيها أو يشترى لها علفا أو ليردها على بائعها فالقياس أن يكون اجازة لانه يمكنه أن يفعل ذلك قودا وفى الاستسحان لا يكون اجازة وهو على خياره لان ذلك مما لا بد منه خصوصا إذا كانت الدابة صعبة لا تنقاد بالقود فكان ذلك من ضرورات الرد فلا يجعل اجازة ولو ركبها لينظر إلى سيرها لا يبطل خياره لانه لا بد له من ذلك للاختبار بخلاف خيار العيب انه إذا ركبها بعد ما علم بالعيب انه يبطل خياره لان له منه بدا ولا حاجة إلى الركوب هناك لمعرفة سيرها فكان دليل الرضا بالعيب ولو كان المبيع ثوبا فلبسه لينظر إلى قصره من طوله وعرضه لا يبطل خياره لان ذلك لا يحتاج إليه للتجربة والامتحان أنه يوافقه أم لا فلم يكن منه بد ولو ركب الدابة ليعرف سيرها ثم ركبها مرة أخرى ينظر ان ركبها لمعرفة سير آخرى غير الاول بأن ركبها مرة ليعرف انها هملاج ثم ركبها ثانيا ليعرف سرعة عدوها فهو على خياره لان معرفة السير مقصودة تقع الحاجة إليها في بعض الدواب وان ركبها لمعرفة السير الاول قالوا يسقط وكذا في استخدام الرقيق إذا استخدمه في نوع ثم استخدمه في ذلك النوع قالوا يسقط خياره وبعض مشايخنا قالوا لا يسقط لان الاختبار لا يحصل بالمرة الواحدة لجواز ان الاول وقع اتفاقا فيحتاج إلى التكرار لمعرفة العادة وفى الثوب إذا لبسه مرة لمعرفة الطول والعرض ثم لبسه ثانيا يسقط خياره لانه لا حاجة إلى تكرار اللبس في الثوب لحصول المقصود باللبس مرة واحدة ولو حمل على الدابة علفا فهو اجازة لانه يمكنه حمل العلف على غيرها ولو قص حوافرها أو أخذ من عرفها شيأ فهو على خياره لانه تصرف لا يختص بالملك إذ هو من باب اصلاح الدابة فيملكه كل واحد ويكون مأذونا فيه دلالة كما إذا علفها أو سقاها ولو ودجها أو بزغها فهو اجازة لانه تصرف فيها بالتنقيص فان كان شاة فجلبها أو شرب لبنها فهو اجازة لانه لا يحل الا بالملك أو الاذن من المالك ولم يوجد الاذن فكان دليلا على قصد التملك أو التقرير فيكون اجازة ولو كان المبيع دارا فسكنها المشترى أو أسكنها غيره باجر أو بغير أجر أو رم شيأ منها أو جصصها أو طينها أو أحدث فيها شيأ أو هدم فيها شيأ فذلك كله اجازة لانه دليل اختيار الملك أو تقريره فكان اجازة دلالة وذكر القاضى في شرحه مختصر الطحاوي في سكنى المشترى روايتان ووفق بينهما فحمل احداهما على ابتداء السكنى والاخرى على الدوام عليه ولو كان فيها ساكن باجر فباعها البائع برضا المستأجر وشرط الخيار للمشترى فتركه المشترى فيها أو استأوى الغلة فهو اجازة لان الاجرة بدل المنفعة فكان أخذها دلالة قصد تملك المنفعة أو تقرير ملك المنفعة وذلك قصد تملك الدار أو تقرر ملكه فيها فكان اجازة ولو كان المبيع أرضا فيها حرث فسقاه أو حصده أو قصل منه شيأ فهو اجازة لان السقى تصرف في الحرث بالتزكية فكافى دليل اختيار البيع وايجابه

[ 271 ]

وكذلك القصل تصرف فيه بالتنقيص فكان دليل قصد التملك أو التقرر ولو شرب من نهر تلك الارض أو سقى منه دوابه لا يكون اجازة لان هذا تصرف لا يختص بالملك لانه مباح ولو كان المبيع رحى فطحن فيها فان هو طحن ليعرف مقدار طحنها فهو على خياره لانه تحقق ما شرع له الخيار ولو دام على ذلك كان اجازة لانه لا حاجة إلى الزيادة للاختيار فكان دليل الرضا بوجوب البيع (وأما) خيار البائع والمشترى جميعا فيسقط بما يسقط به حالة الانفراد فأيهما أجاز صريحا أو ما يجرى مجرى الصريح أو فعل ما يدل على الاجازة بطل خياره ولزم البيع من جانبه والآخر على خياره ان شاء أجاز وان شاء فسخ وأيهما فسخ صريحا أو ما يجرى مجرى الصريح أو فعل ما يدل على الفسخ انفسخ أصلا ورأسا ولا تلحقه الاجازة من صاحبه بعد ذلك وانما اختلف حكم الفسخ والاجازة لان الفسخ تصرف في العقد بالابطال والعقد بعدما بطل لا يحتمل الاجازة لان الباطل متلاشى (وأما) الاجازة فهى تصرف في العقد بالتغيير وهو الالزام لا بالاعدام فلا يخرجه عن احتمال الفسخ والاجازة ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر انفسخ العقد سواء كان على التعاقب أو على القران لان الفسخ أقوى من الاجازة ألا ترى انه يلحق الاجازة فان المجاز يحتمل الفسخ فأما الاجازة فلا تلحق الفسخ فان المفسوخ لا يحتمل الاجازة فكان الفسخ أقوى من الاجازة فكان أولى ولو اختلفا في الفسخ والاجازة فقال أحدهما فسخنا البيع وقال الآخر لا بل أجزنا البيع جميعا فاختلافهما لا يخلو من أن يكون في مدة الخيار أو بعد مضى المدة فان كان في المدة فالقول قول من يدعى الفسخ لان أحدهما ينفرد بالفسخ وأحدهما لا ينفرد بالاجازة ولو قامت لهما بينة فالبينة بينة من يدعى الاجازة لانه المدعى وان كان بعد مضى المدة فقال أحدهما مضت المدة بعد الفسخ وقال الآخر بعد الاجازة فالقول قول من يدعى الاجازة لان الحال حال الجواز وهو ما بعد انقضاء المدة فترجح جانبه بشهادة الحال فكان القول قوله ولو قامت لهما بينة فالبينة بينة مدعى الفسخ لانها تثبت أمرا بخلاف الظاهر والبينات شرعت له وان كان الخيار لاحدهما واختلفا في الفسخ والاجازة في مدة الخيار فالقول قول من له الخيار سواء ادعى الفسخ أو الاجازة لانه يملك الامرين جميعا والبينة بينة الآخر لانه هو المدعى ولو كان اختلافهما بعد مضى مدة الخيار فالقول قول من يدعى الاجازة أيهما كان لان الحال حال الجواز وهى ما بعد مضى المدة ولو أرخت البينات في هذا كله فاسبقهما تاريخا أولى سواء قامت على الفسخ أو على الاجازة والله عزوجل أعلم وان كان خيار الشرط لغير العاقدين بان شرط أحدهما الخيار لاجنبي فقد ذكرنا ان ذلك جائز وللشارط والمشروط له خيار الفسخ والاجازة وأيهما أجاز جاز وأيهما فسخ انفسخ لانه صار شارطا لنفسه مقتضى الشرط لغيره وصار المشروط له بمنزلة الوكيل للشارط في الفسخ والاجازة فان أجاز أحدهما وفسخ الاخر فان كانا على التعاقب فاولهما أولى فسخا كان أو اجازة لان الثابت بالشرط أحد الامرين فايهما سبق وجوده بطل الآخر وان كانا معا ذكر في البيوع أن تصرف المالك عن ولاية الملك أولى نقضا كان أو اجازة وذكر في المأذون أن النقض أولى من أيهما كان (وجه) رواية البيوع ان تصرف المال صدر عن ولاية الملك فلا يعارضه الصادر عن ولاية النيابة (وجه) رواية المأذون ان النقض أولى من الاجازة لان المجاز يحتمل الفسخ أما المفسوخ فلا يحتمل الاجازة فكان الرجحان في المأذون للنقض من أيهما كان وقيل ما روى في البيوع قول محمد لانه يقدم ولاية الملك على ولاية النيابة وما ذكر في المأذون قول أبى يوسف لانه لا يرى تقديم ولاية الملك وأصله ما ذكر في النوادر ان الوكيل بالبيع إذا باع من انسان وباع المالك من غيره وخرج الكلامان مع أن بيع الموكل أولى عند محمد وعند أبى يوسف يجعل العبد بينهما نصفين ويخير كل واحد من المشتريين والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما ينفسخ به فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما ينفسخ به والثانى في بيان شرائطه فنقول وبالله التوفيق ما ينفسخ به في الاصل نوعان اختياري وضرورى والاختياري نوعان أيضا صريح وما هو في معنى الصريح ودلالة (أما) الاول فنحو أن يقول من له الخيار فسخت البيع أو نقضته أو أبطلته وما يجرى هذا المجرى فينفسخ البيع سواء كان الخيار للبائع أو

[ 272 ]

للمشترى أو لهما أو لغيرهما ولا يشترط له التراضي ولا قضاء القاضى لان الفسخ حصل بتسليط صاحبه عليه (وأما) الفسخ من طريق الدلالة فهو أن يتصرف من له الخيار تصرف الملاك ان كان الخيار للبائع وفى الثمن ان كان عينا إذا كان الخيار للمشترى لان الخيار إذا كان للبائع فتصرفه في المبيع تصرف الملاك دليل استيقاء ملكه فيه وإذا كان للمشترى فتصرفه في الثمن إذا كان عينا تصرف الملاك دليل استيفاء ملكه فيه ولا يكون ذلك الا بالفسخ فالاقدام عليه يكون فسخا للعقد دلالة والحاصل ان وجد من البائع في المبيع ما لو وجد منه في الثمن لكان اجازة للبيع يكون فسخا للبيع وقد ذكرنا ذلك كله وهذا النوع من الفسخ لا يقف على علم صاحبه بلا خلاف بخلاف النوع الاول لان الانفساخ ههنا لا يثبت بالفسخ مقصودا وانما يثبت ضمنا لغيره فلا يشترط له ما يشترط للفسخ مقصودا كبيع الشرب والطريق أنه لا يجوز مقصودا ويجوز تبعا للارض والله عز وجل أعلم (وأما) الضرورى فنحو ان يهلك المبيع قبل القبض فيبطل البيع سواء كان الخيار للبائع أو للمشترى أو لهما جميعا لانه لو كان باتا لبطل فإذا كان فيه خيار الشرط أولى لانه أضعف منه وان هلك بعد القبض فان كان الخيار للبائع فكذلك يبطل البيع ولكن تلزمه القيمة ان لم يكن له مثل والمثل ان كان له مثل اما بطلان البيع فلان المبيع صار بحال لا يحتمل انشاء العقد عليه فلا يحتمل الاجازة فينفسخ العقد ضرورة وأما لزوم القيمة فقول عامة العلماء وقال ابن أبى ليلى انه يهلك أمانة (وجه) قوله ان الخيار منع انعقاد العقد في حق الحكم فكان المبيع على حكم ملك البائع أمانة في يد المشترى فيهلك هلاك الامانات (ولنا) ان البيع وان لمن ينعقد في حق الحكم لكن المبيع في قبض المشترى على حكم البيع فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء بل هو فوقه لان هناك لم يوجد العقد لا بنفسه ولا بحكمه وههنا ان لم يثبت حكم العقد فقد وجد بنفسه وذلك مضمون بالقيمة أو بالمثل فهذا أولى وان كان الخيار للمشترى لا يبطل البيع ولكن يبطل الخيار ويلزم البيع وعليه الثمن اما على أصلهما فظاهر لان المشترى ملكه بالعقد فإذا قبضه فقد تقرر عليه الثمن فإذا هلك يهلك مضمونا بالثمن كما كان في البيع البات (واما) على أصل أبى حنيفة فالمشترى وان لم يملكه فقد اعترض عليه في يده قبل القبض ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع لان الهلاك في يده لا يخلو عن تقدم عيب عادة لانه لا يخلو عن سبب موته في الهلاك عادة وانه يكون عيبا وتعيب المبيع في يد المشترى يمنع الرد ويلزم البيع لما ذكرنا فيما تقدم فإذا هلك يهلك بالثمن ولو استهلك المبيع أجنبي والخيار للبائع لا ينفسخ البيع والبائع على خياره لانه يهلك إلى خلف وهو الضمان لوجود سبب الوجوب للضمان وهو اتلاف مال متقوم مملوك لغيره لان خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه والهالك إلى خلف قائم معنى فكان المبيع قائما فكان محتملا للاجازة سواء كان المبيع في يد المشترى أو في يد البائع لانه مضمون بالاتلاف في الحالين جميعا فان شاء فسخ البيع واتبع الجاني بالضمان وكذلك لو استهلكه المشترى لانه وجب الضمان عليه بالاستهلاك لوجود سبب الوجوب والضمان بدل المضمون فيقوم مقامه فكان المبيع قائما معنى فكان الخيار على حاله ان شاء فسخ واتبع المشترى بالضمان وان شاء اجازه واتبعه بالثمن ولو تعيب المبيع في يد البائع فان كان بآفة سماوية أو بفعل المبيع يبطل البيع وهو على خياره لان ما انتقص منه من غير فعله فهو غير مضمون عليه حيث لا يسقط بحصته شئ من الثمن فلا ينفسح البيع في قدر الضمان بابقاء الخيار لانه يؤدى إلى تفريق الصفقة على المشترى فان شاء فسخ البيع وان شاء أجازه فان أجازه فالمشترى بالخيار ان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك لتغير المبيع قبل القبض وان كان بفعل البائع بطل البيع لان ما انتقص بفعله فهو مضمون عليه حتى يسقط عن المشترى حصة قدر النقصان من الثمن فالاجازة تتضمن تفريق الصفقة على المشترى قبل التمام وان كان بفعل أجنبي لم يبطل البيع وهو على خياره لان قدر النقصان هلك إلى خلف وهو الضمان فكان قائما معنى ولم يبطل البيع في قدر الهالك فكان البائع على خياره ان شاء فسخ البيع واتبع الجاني بالارش وان شاء أجاز واتبع المشترى بالثمن والمشترى يتبع الجاني بالارش وكذلك لو تعيب بفعل المشترى لا يبطل البيع والبائع

[ 273 ]

على خياره لان المبيع على ملك البائع فكان قدر النقصان مضمونا على المشترى فكان هلاكا إلى خلف فكان البيع على حاله والبائع على خياره ان شاء فسخ البيع واتبع المشترى بالضمان وان شاء أجازه واتبع المشترى بالثمن وكذلك إذا تعيب في يد المشترى بفعل أجنبي أو بفعل المشترى أو بآفة سماوية فالبائع على خياره فان شاء أجاز البيع وان شاء فسخه فان أجاز أخذ من المشترى جميع الثمن سواء كان التعيب بفعل المشترى أو بفعل الأجنبي أو بآفة سماوية لان البيع جاز في الكل ولا يكون للمشترى خيار الرد بحدوث التغير في المبيع لانه حدث في يده في ضمانه غير أنه ان كان التعييب بفعل المشترى فلا سبيل له على أحد وان كان بفعل الاجنبي فللمشترى أن يتبع الجاني بالارش لانه ملك العبد باجازة البائع من وقت البيع فتبين أن الجناية حصلت على ملكه وان فسخ ينظر ان كان التعيب بفعل المشترى فان البائع يأخذ الباقي ويأخذ ارش الجناية من المشترى لان العبد كان مضمونا على المشترى بالقيمة الا ترى أنه لو هلك في يده لزمته قيمته وبالفسخ وجب عليه رده وقد عجز عن رد قدر الفائت فيلزمه رد قيمته وكذا إذا تعيب بآفة سماوية لما قلنا وان كان التعيب بفعل أجنبي فالبائع بالخيار ان شاء اتبع الأجنبي بالارش لان الجناية حصلت على ملكه وان شاء اتبع المشترى لان الجناية حصلت في ضمان المشترى فان اختار اتباع الأجنبي فالأجنبي لا يرجع على أحد لانه ضمن بفعل نفسه وان اختار اتباع المشترى فالمشترى يرجع بما ضمن من الارش على الأجنبي لان المشترى قام مقام البائع في حق ملك بدل الفائت وان لم يقم مقامه في حق ملك نفس الفائت كغاصب المدبر إذا قتل المدبر في يده وضمنه للمالك ان له ان يرجع بما ضمن على القاتل وان لم يملك نفس المدبر كذا هذا والله عزوجل أعلم (وأما) شرائط جواز الفسخ فمنها قيام الخيار لان الخيار إذا بطل فقد لزم البيع فلا يحتمل الفسخ ومنها علم صاحبه بالفسخ عند أبى حنيفة ومحمد حتى لو فسخ بغير علمه كان فسخه موقوفا عندهما ان علم صاحبه بفسخه في مدة الخيار نفذ وان لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد وكذا لو أجاز الفاسخ العقد نفذ فسخه قبل علم صاحبه وجازت اجازته ولزم العقد وبطل فسخه وهو قول أبى يوسف الاول ثم رجع وقال علم صاحبه ليس بشرط حتى لو فسخ يصح فسخه علم صاحبه بالفسخ أو لا وروى عن أبى يوسف أنه فصل بين خيار البائع وخيار المشترى فلم يشترط العلم في خيار البائع وشرط في خيار المشترى (وأما) خيار الرؤية فهو على هذا الاختلاف ذكره الكرخي ولا خلاف بين أصحابنا في خيار العيب ان العلم بالفسخ فيه شرط سواء كان بعد القضاء أو قبله وأجمعوا على أن عزل الموكل وكيله بغير علمه وان فسخ أحد الشريكين الشركة أو نهى رب المال المضارب عن التصرف بغير علمه لا يصح (وجه) قول أبى يوسف انه يملك الاجازة بغير علم صاحبه فيملك الفسخ والجامع بينهما ان كل واحد منهما حصل بتسليط صاحبه عليه ورضاه فلا معنى للتوقف على علمه كالوكيل بالبيع إذا باع من غير علم الموكل (وجه) قولهما ان الفسخ لو نفذ بغير علم صاحبه لتضرر به صاحبه فلا ينفذ دفعا للضرر عنه كالموكل إذا عزل وكيله بغير علمه وبيان الضرر ان صاحبه إذا لم يعلم بالفسخ فتصرف في المبيع بعد مضى مدة الخيار على ظن أنه ملكه فلو جاز الفسخ من غير علمه لتبين أنه تصرف في ملك غيره وأنه سبب لوجوب الضمان فيتضرر به ولهذا لم يجز عزل الوكيل بغير علمه كذا هذا بخلاف الاجازة أنه يصح من غير علمه لانه لا ضرر فيه كذا لا ضرر في بيع الوكيل بغير علم الموكل ومنها أن لا يكون في الفسخ تفريق الصفقة حتى لا يملك الاجازة في البعض دون البعض لانه تفريق الصفقة قبل تمامها وأنه باطل (وأما) الخيار الثابت بالشرط دلالة فهو خيار العيب والكلام في بيع المعيب في مواضع في بيان حكمه وفى بيان صفة الحكم وفى بيان تفسير العيب الذى يوجب الخيار وتفصيل المفسر وفى بيان شرائط ثبوت الخيار وفى طريق اثبات العيب وفى بيان كيفية الرد والفسخ بالعيب بعد ثبوته وفى بيان من تلزمه الخصومة في العيب ومن لا تلزمه وفي بيان ما يمنع الرد بالعيب وفي بيان ما يسقط بالخيار بعد ثبوته ويلزم البيع وفي بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع وفى بيان طريق الرجوع (أما) حكمه فهو ثبوت الملك للمشترى في المبيع للحال لان ركن البيع مطلق عن الشرط والثابت بدلالة

[ 274 ]

النص شرط السلامة لا شرط السبب ولا شرط الحكم وأثره في منع اللزوم لا في منع أصل الحكم بخلاف البيع بشرط الخيار لان الشرط المنصوص عليه هناك دخل على السبب فيمنع انعقاده في حق الحكم في مدة الخيار (وأما) صفته فهى أنه ملك غير لازم لان السلامة شرط في العقد دلالة فما لم يسلم المبيع لا يلزم البيع فلا يلزم حكمه والدليل على أن السلامة مشروطة في العقد دلالة ان السلامة في البيع مطلوبة المشترى عادة إلى آخره لان غرضه الانتفاع بالمبيع ولا يتكامل انتفاعه الا بقيد السلامة ولانه لم يدفع جميع الثمن الا ليسلم له جميع المبيع فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة فكانت كالمشروطة نصا فإذا فاتت المساواة كان له الخيار كما إذا اشترى جارية على انها بكر أو على انها طباخة فلم يجدها كذلك وكذا السلامة من مقتضيات العقد أيضا لانه عقد معاوضة والمعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة وتحقيق المساواة في مقابلة البدل بالمبدل والسلامة بالسلامة فكان اطلاق العقد مقتضيا للسلامة فإذا لم يسلم المبيع للمشترى يثبت له الخيار لان المشترى يطالبه بتسليم قدر الفائت بالعيب بحكم العقد وهو عاجز عن تسلميه فيثبت الخيار ولان السلامة لما كانت مرغوبة المشترى ولم يحصل فقد اختل رضاه وهذا يوجب الخيار لان الرضا شرط صحة البيع قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم فانعدام الرضا يمنع صحة البيع واختلاله يوجب الخيار فيه اثباتا للحكم على قدر الدليل والاصل في شرعية هذا الخيار ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من اشترى شاة محفلة فوجدها مصراة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام وفى رواية فهو بأحد النظرين إلى ثلاثة ان شاء أمسك وان شاء رد ورد معها صاعا من تمر والنظران المذكوران هما نظر الامساك والرد وذكر الثلاث في الحديث ليس للتوقيت لان هذا النوع من الخيار ليس بموقت بل هو بناء الامر على الغالب المعتاد لان المشترى ان كان به عيب يقف عليه المشترى في هذه المدة عادة فيرخى به فيمسكه أو لا يرضى به فيرده والصاع من التمر كانه قيمة اللبن الذى حلبه المشترى علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق المشاهدة والله عزوجل أعلم (وأما) تفسير العيب الذى يوجب الخيار وتفصيل المفسر فكل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا أو يسيرا فهو عيب يوجب الخيار وما لا فلا نحو العمى والعور والحول والقبل وهو نوع من الحول مصدر الاقبل وهو الذى كانه ينظر إلى طرف أنفه والسبل وهو زيادة في الاجفان والعشا مصدر الاعشى وهو الذى لا يبصر بالليل والخوص مصدر الاخوص وهو غائر العين والحوص مصدر الاحوص وهو الضيق مؤخر العين والغرب وهو ورم في الآماق وهى اطراف العين التى تلى الانف وقيل هو درور الدمع دائما والظفرة وهى التى يقال لها بالفارسية ناخنه والشتر وهو انقلاب جفن العين والبرص والقرع والسلع والشلل والزمانة والفدع وهو اعوجاج في الرسغ من اليد أو الرجل والفجج مصدر الافجج وهو الذى يتدانى عقباه وينكشف ساقاه في المشى والصكك مصدر الاصك وهو الذى يصكك ركبتاه والحنف مصدر الاحنف وهو الذى أقبلت احدى ابهام رجليه على الاخرى والبزى مصدر الابزى وهو خروج الصدر والعسر مصدر الاعسر وهو الذى يعمل بشماله والاصبع الزائدة والناقصة والسن الشاغية والسوداء والناقصة والظفر الاسود والبخر وهو نتن الفم في الجوارى لا في العبيد الا أن يكون فاحشا لانه حينئذ يكون عن داء والزفر وهو نتن الابط في الجارية لا في الغلام الا أن يفحش فيكون عيبا فيهما جميعا والادر مصدر الادرة وهو الذى به أدرة يقال لها بالفارسية فتح والرتق وهو انسداد فرج الجارية والفتق وهو انفتاح فرجها والقرن وهو في النساء كالادرة في الرجال والشمط والشيب في الجوارى والعبيد والسلول والقروح والشجاج والامراض كلها والحبل في الجوارى لا في البهائم لانه زيادة في البهيمة وحذف الحروف في المصحف الكريم أو في بعضه والزنا في الجارية لا في الغلام لانه يفسد الفراش وقد يقصد الفراش في الاماء بخلاف الغلام الا إذا فحش وصار اتباع النساء عادة له فيكون عيبا فيه أيضا لانه يوجب تعطيل منافعه على المولى وكذا إذا ظهر وجوب الخد عليه فهو عيب وقال بعض مشايخنا ببلخ الزنا يكون عيبا في الغلام أيضا لانه لا يؤتمن على أهل البيت فلا يستخدم

[ 275 ]

وهذا ليس بسديد لان الغلام الكبير لا يشترى للاستخدام في البيت بل للاعمال الخارجة وكون المشترى ولد الزنا في الجارية لا في العبيد لما ذكرنا أنه قد يقصد الفراش من الجوارى فإذا جاءت بولد يعير ولده بأمه بخلاف الغلام لانه يشترى للخدمة عادة والكفر في الجارية والغلام عيب لان الطبع السليم ينفر عن صحبة الكافر (وأما) الاسلام فليس بعيب بأن اشترى نصراني عبدا فوجده مسلما لان الاسلام زياده والنكاح في الجارية والغلام لان منافع البضع مملوكة للزوج والعبد يباع في المهر والنفقة فيوجب ذلك نقصانا في ثمنهما والعدة من طلاق رجعى لا من طلاق بائن أو ثلاث لان الرجعى لا يوجب زوال الملك بخلاف البائن والثلاث واحتباس الحيضة في الجارية البالغة مدة طويلة شهران فصاعدا والاستحاضة لان ارتفاع الحيض في أوانه لا يكون الا لداء عادة وكذا استمرار الدم في أيام الطهر والاحرام في الجارية ليس بعيب لان المشترى يملك ازالته فان له ان يحللها والحرمة بالرضاع أو الصهرية ليس بعيب فيها لان الجوارى لا يشترين للاستمتاع عادة بل للاستخدام في البيت وهذه الحرمة لا تقدح في ذلك بخلاف النكاح حيث يكون عيبا وان لم يثبت به الا حرمة الاستمتاع لانه يخل بالاستخدام والثيابة في الجارية ليس بعيب الا أن يكون اشتراها على شرط البكارة فيردها بعد الشرط والدين والجناية لانه يدفع بالجناية ويباع بالدين والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب لانه لا يوجب نقصان الثمن في عادة التجار بل هو حرفة بمنزلة الخياطة ونحوها فانعدامه لا يكون عيبا الا أن يكون ذلك مشروطا في العقد فيردها لفوات الشرط لا للعيب ولو كانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع ثم نسيت في يده فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك ردها وان لم يكن ذلك مشروطا في العقد لانها إذا كانت تحسن ذلك في يد البائع وهى صفة مرغوبة تشترى لها الجارية عادة فالظاهر انه انما اشتراها رغبة فيها فصارت مشروطة دلالة فيردها لانعدام المشروط كما لو شرط ذلك نصار وانعدام الختان في الغلام والجارية إذا كانا مولودين كبيرين فان كانا مولودين صغيرين فليس بعيب لان الختان في حالة الكبر فيه زيادة ألم وهذا الذى ذكر في الجارية في عرف بلادهم لانهم يختنون الجوارى فاما في عرف ديارنا فالجارية لا تختن فعدم الختان فيها لا يكون عيبا أصلا وان كان الغلام كبيرا حربيا لا يكون عيبا لان فيه ضرورة لان أكثر الرقيق يؤتى به من دار الحرب وأهل الحرب لا ختان لهم فلو جعل ذلك عيبا يرد به لضاق الامر على الناس ولان الختان إذا لم يكن من فعل أهل دار الحرب وعادتهم ومع ذلك اشتراه كان ذلك منه دلالة الرضا بالعيب والاباق والسرقة والبول في الفراش والجنون لان كل واحد منهما يوجب النقصان في الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا فكان عيبا الا أنه هل يشترط في هذه العيوب الاربعة اتحاد الحالة وهل يشترط ثبوتها عند المشترى بالحجة لثبوت حق الرد فسنذكره في موضعه ان شاء الله تعالى والحنف مصدر الاحنف من الخيل وهو الذى احدى عينيه زرقاء والاخرى كحلاء والصدف مصدر الاصدف وهو الدابة التى يتدانى فخذاها ويتباعد حافراها ويلتوى رسغاها والعزل مصدر الاعزل وهو من الدواب الذى يقع ذنبه من جانب عادة لا خلقة والمشش وهو ارتفاع العظم لآفة اصابته والجرد مصدر الاجرد وهو من الابل الذى أصابه انقطاع عصب من يده أو رجله فهو ينقصها إذا سار والحران والحرون مصدر الحرون وهو الذى يقف ولا ينقاد للسائق ولا للقائد والجماح والجموح مصدر الجموح وهو أن يشتد الفرس فيغلب راكبه وخلع الرسن ظاهر وبل المخلاة كذلك والهشم في الاواني والصدع في الحوائط والجدوع ونحوها من العيوب فأنواع العيوب فيها كثيرة لا وجه لذكرها ههنا كلها والتعويل في الباب على عرف التجار فما نقص الثمن في عرفهم فهو عيب يوجب الخيار وما لا فلا والله عزوجل أعلم وأما شرائط ثبوت الخيار (فمنها) ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم حتى لو حدث بعد ذلك لا يثبت الخيار لان ثبوته لفوات صفة السلامة المشروطة في العقد دلالة وقد حصلت السلعة سليمة في يد المشترى (ومنها) ثبوته عند المشترى بعد ما قبض المبيع ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت حق الرد في جميع العيوب عند عامة المشايخ وقال بعضهم فيما سوى العيوب الاربعة من الاباق والسرقة والبول في

[ 276 ]

الفراش والجنون فكذلك فأما في العيوب الاربعة فثبوتها عند المشترى ليس بشرط بل الثبوت عند البائع كاف وبعضهم فصل في العيوب الاربعة فقال لا يشترط في الجنون ويشترط في غيره من العيوب الثلاثة (وجه) قول من فصل هذه العيوب الاربعة من سائرها في اعتبار هذا الشرط ان هذه العيوب عيوب لازمة لا زوال لها إذا ثبتت في شخص إلى أن يموت فثبوتها عند البائع يدل على بقائها عند المشترى فكان له حق الرد من غير أن يظهر عنده بخلاف سائر العيوب فانها ليست بلازمة (وجه) قول من فرق بين الجنون وغيره من الانواع الثلاثة ان الجنون لفساد في محل العقد وهو الدماغ وهذا مما لا زوال له عادة إذا ثبت ولهذا قال محمد ان الجنون عيب لازم بخلاف الاباق والبول في الفراش انها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال لزوال أسبابها (وجه) قول العامة قول محمد نصا في الجامع الصغير فانه ذكر فيه أنه لا يثبت للمشترى حق الرد في هذه العيوب الاربعة الا بعد ثبوتها عنده فكان المعنى فيه ان الثابت عند البائع محتمل الزوال قابل الارتفاع فاما ما سوى العيوب الاربعة لا شك فيه وكذلك العيوب الاربعة لان حدوثها في الذات للاسباب الموجبة للحدوث وهى محتملة للزوال فكانت هي محتملة للزوال لاحتمال زوال أسبابها فان بقيت يثبت حق الرد وان ارتفعت لا يثبت فلا يثبت حق الرد بالاحتمال فلابد من ثبوتها عند المشترى ليعلم انها قائمة وقول القائل الجنون إذا ثبت لا يزول عادة ممنوع فان المجنون قد يفيق ويزول جنونه بحيث لا يعود إليه فما لم يوجد عند المشترى لا يعلم بقاؤه كما في الانواع الاخر الا أن الفرق بين الجنون وغيره من الانواع الثلاثة من وجه آخر وهو ان هناك يشترط اتحاد الحالة لثبوت حق الرد وهو أن يكون وجودها عند البائع والمشترى في حالة الصغر أو في حال الكبر حتى لو أبق أو سرق أو بال في الفراش عند البائع وهو صغير عاقل ثم كان ذلك في يد المشترى بعد البلوغ لا يثبت له حق الرد وفى الجنون اتحاد الحالة ليس بشرط وانما كان كذلك لان اختلاف الحال في العيوب الثلاث يوجب اختلاف السبب لان السبب البول على الفراش في حال الصغر هو ضعف في المثانة وفى الكبر هو داء في الباطن والسبب في الاباق والسرقة في الصغر هو الجهل وقلة التميز وفى الكبر الشرارة وخبث الطبيعة واختلاف السبب يوجب اختلاف الحكم فكان الموجود في يد المشترى بعد البلوغ غير الموجود في يد البائع فكان عيبا حادثا وانه يمنع الرد بالعيب بخلاف الجنون لان سببه في الحالين واحد لا يختلف وهو فساد في محل العقل وهو الدماغ فكان الموجود في حالة الكبر عين الموجود في حالة الصغر وهذا والله عزوجل أعلم معنى قول محمد في الكتاب الجنون عيب لازم أبدا لا ما قاله أولئك والله عزوجل الموفق (ومنها) عقل الصبى في الاباق والسرقة والبول على الفراش حتى لو أبق أو سرق أو بال على الفراش في يد البائع وهو صغير لا يعقل ثم كان ذلك في يد المشترى وهو كذلك لا يثبت له حق الرد وهذا إذا فعل ذلك في يد البائع وهو صغير لا يعقل ثم وجد ذلك في يد المشترى بعد ما عقل لان الموجود في يد البائع ليس بعيب ولا بد من وجود العيب في يده (ومنها) اتحاد الحال في العيوب الثلاثة فان اختلف لم يثبت حق الرد بان أبق أو سرق أو بال على الفراش في يد البائع وهو صغير عاقل ثم كان ذلك في يد المشترى بعد البلوغ لان اختلاف الحال دليل اختلاف سبب العيب على ما بينا واختلاف سبب العيب يوجب اختلاف العيب فكان الموجود بعد البلوغ عيبا حادثا عند الرد والله عزوجل أعلم (ومنها) جهل المشترى بوجود العيب عند العقد والقبض فان كان عالم به عند احدهما فلا خيار له لان الاقدام على الشراء مع العلم بالعيب رضا به دلالة وكذا إذا لم يعلم عند العقد ثم علم بعده قبل القبض لان تمام الصفقة متعلق بالقبض فكان العلم عند القبض كالعلم عند العقد (ومنها) عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع عندنا حتى لو شرط فلا خيار للمشترى لان شرط البراءة عن العيب في البيع عندنا صحيح فإذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه فصح الاسقاط فيسقط ضرورة ثم الكلام في البيع بشرط البراءة في الاصل في موضعين أحدهما في جوازه والثانى في بيان ما يدخل تحت البراءة من العيب أما الكلام في جوازه فقد مر في موضعه وانما الحاجة ههنا إلى بيان ما يدخل تحت البراءة من العيب فنقول وبالله التوفيق البراءة لا تخلو اما ان كانت عامة بان قال بعت على انى برئ من

[ 277 ]

العيوب أو قال من كل عيب واما ان كانت خاصة بان قال من عيب كذا وسماه وكل ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه إما ان قيد البراءة بعيب قائم حالة العقد واما ان أطلقها اطلاقا واما ان أضافها إلى عيب يحدث في المستقبل فان قيدها بعيب قائم حالة العقد لا يتناول العيب الحادث بعد البيع قبل القبض بلا خلاف سواء كانت البراءة عامة بان قال أبرأتك من كل عيب به أو خاصة بان قال أبرأتك مما به من عيب كذا لان اللفظ المقيد بوصف لا يتناول غير الموصوف بتلك الصفة وان أطلقها اطلاقا دخل فيه القائم والحادث عند أبى يوسف وعند محمد لا يدخل فيه الحادث وله أن يرده وهو قول زفر (وجه) قول محمد ان الابراء عن العيب يقتضى وجود العيب لان الابراء عن المعدوم لا يتصور والحادث لم يكن موجودا عند البيع فلا يدخل تحت الابراء فلو دخل انما يدخل بالاضافة إلى حالة الحدوث والابراء لا يحتمل الاضافة لان فيه معنى التمليك حتى يرتد بالرد ولهذا لم يدخل الحادث عند الاضافة إليه نصا فعند الاطلاق أولى (وجه) قول أبى يوسف ان لفظ الابراء يتناول الحادث نصا ودلالة (أما) النص فانه عم البراءة عن العيوب كلها أو خصها بجنس من العيوب على الاطلاق نصا فتخصيصه أو تقييده بالموجود عند العقد لا يجوز الا بدليل (وأما) الدلالة فهى ان غرض البائع من هذا الشرط هو انسداد طريق الرد ولا ينسد الا بدخول الحادث فكان داخلا فيه دلالة (وأما) قول محمد ان هذا ابراء عما ليس بثابت فعبارة الجواب عن هذا الحرف من وجهين أحدهما أن يقال هذا ممنوع بل هو ابراء عن الثابت لكن تقديرا وبيانه من وجهين أحدهما ان العيب الحادث قبل القبض كالموجود عند العقد ولهذا يثبت حق الرد به كما يثبت بالموجود عند العقد ولما ذكرنا ان القبض حكم العقد فكان هذا ابراء عن حق ثابت تقديرا والثانى ان سبب حق الرد موجود وهو البيع لان البيع يقتضى تسليم المعقود عليه سليما عن العيب فإذا عجز عن تسليمه بصفة السلامة يثبت له حق الرد ليسلم له الثمن فكان وجود تسليم المبيع سببا لثبوت حق الرد والبيع سبب لوجود تسليم المبيع فكان ثبوت حق الرد بهذه الوسائط حكم البيع السابق والبيع سبب فكان هذا ابراء عن حق الرد بعد وجود سببه وسبب الشئ إذا وجد يجعل هو ثبوتا تقديرا لاستحالة الحكم خلو الحكم عن السبب فكان ابراء عن الثابت تقديرا ولهذا صح الابراء عن الجراحة لكون الجرح سبب السراية فكان ابراء عما يحدث من الجرح تقديرا وكذا الابراء عن الاجرة قبل استيفاء المنفعة يصح وان كانت الاجرة لا تملك عندنا بنفس العقد لما قلنا كذا هذا والثانى ان هذا ابراء عن حق ليس بثابت لكن بعد وجود سببه وهو البيع وانه صحيح كالابراء عن الجرح والابراء عن الاجرة على ما بينا بخلاف الابراء عن كل حق له أنه لا يتناول الحادث لان الحادث معدوم للحال بنفسه وبسببه فلو انصرف إليه الابراء لكان ذلك ابراء عما ليس بثابت أصلا لا حقيقة ولا تقديرا لانعدام سبب الحق فلم ينصرف إليه وقوله لو تناول الحادث لكان هذا تعليق البراءة بشرط أو الاضافة إلى وقت ممنوع بل هذا ابراء عن حق ثابت وقت الابراء تقديرا لما بينا من الوجهين فلم يكن هذا تعليقا ولا اضافة فيصح والله عزوجل أعلم وان أضافها إلى عيب حادث بان قال على أنى برئ من كل عيب يحدث بعد البيع فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا لان الابراء لا يحتمل الاضافة لانه وان كان اسقاطا ففيه معنى التمليك ولهذا لا يحتمل الارتداد بالرد ولا يحتمل الاضافة إلى زمان في المستقبل نصا كما لا يحتمل التعليق بالشرط فكان هذا بيعا أدخل فيه شرطا فاسدا فيوجب فساد البيع ولو اختلفا في عيب فقال البائع هو كان موجودا عند العقد فدخل تحت البراءة وقال المشترى بل هو حادث لم يدخل تحت البراءة فان كانت البراءة مطلقة فهذا لا يتفرع على قول أبى يوسف لان العيب الحادث داخل تحت البراءة المطلقة عنده فأما على قول محمد فالقول قول البائع مع يمينه وقال زفر والحسن بن زياد القول قول المشترى (وجه) قولهما ان المشترى هو المبرى لان البراءة تستفاد من قبله فكان القول فيما أبرأ قوله (وجه) قول محمد ان البراءة عامة والمشترى يدعى حق الرد بعد عموم البراءة عن حق الرد بالعيب والبائع ينكر فكان القول قوله كما لو أبرأه عن الدعاوى كلها ثم ادعى شيأ مما في يده وهو ينكر كان القول قوله دون المشترى لما قلنا كذا هذا ولو كانت مقيدة بعيب يكون

[ 278 ]

عند العقد فاختلف البائع والمشترى على نحو ما ذكرنا فالقول قول المشترى لان البراءة المقيدة بحال العقد لا تتناول الا الموجود حالة العقد والمشترى يدعى العيب لآقرب الوقتين والبائع يدعيه لآبعدهما فكان الظاهر شاهدا للمشترى وهذا لان عدم العيب أصل والوجود عارض فكان احالة الموجود إلى أقرب الوقتين أقرب إلى الاصل والمشترى يدعى ذلك فكان القول قوله ولو اشترى عبدا وقبضه فساومه رجل فقال المشترى اشتره فانه لا عيب به ثم لم ينفق البيع بينهما ثم وجد المشترى به عيبا وأقام البينة على أن هذا العيب كان عند البائع فقال له البائع انك أقررت أنه لا عيب به فقد أكدت شهودك لا يبطل بهذا الكلام حقه في الرد بالعيب وله أن يرده لان مثل هذا الكلام في المتعارف لا يراد به حقيقة وانما يذكر لترويج السلعة ولان ظاهره كذب لانه نفى عنه العيوب كلها والآدمي لا يخلو عن عيب فالتحق بالعدم وصار كانه لم يتكلم به ولو عين نوعا من العيوب بان قال اشتره فانه ليس به عيب كذا ثم وجد به عيبا وأراد الرد فان كان ذلك نوعا آخر سوى النوع الذى عينه له أن يرده لانه لا اقرار منه بهذا النوع وان كان من النوع الذى عين ينظر ان كان مما يحدث مثله في تلك المدة ليس له حق الرد لان مثل هذا الكلام يراد به التحقيق في المتعارف لا ترويح السلعة فصار مناقضا ولان الآدمى يخلو عن عيب معين فلم يتعين بكذبه وان كان مما لا يحدث مثله في مثل تلك المدة له حق الرد لانا تيقنا بكذبه حقيقة فالتحق كلامه بالعدم ولو أبرأه عن عيب واحد شجة أو جرح فوجد شجبين أو جرحين فعلى قول أبى يوسف الخيار للبائع يبرأ من أيهما شاء وعلى قول محمد الخيار للمشترى يرد أيهما شاء وفائدة هذا الاختلاف انما تظهر عند امتناع الرد باعتراض أسباب الامتناع من هلاك المبيع أو حدوث عيب آخر في يد المشترى أو غير ذلك من الاسباب المانعة من الرد وأراد الرجوع بنقصان العيب فأما عند امكان الرد فلا تظهر فائدة في هذا الاختلاف (وجه) قول محمد ان الابراء يستفاد من قبل المشترى والاحتمال جاء من قبله حيث أطلق البراءة إلى شجة واحدة غير عين وإذا كان الاجمال منه كان البيان إليه (وجه) قول أبى يوسف ان الابراء وان كان من المشترى لكن منفعة الابراء عائدة إلى البائع فصار كان المشترى فوض التعيين إليه فكان الخيار له ولو أبرأه من كل داء روى الحسن عن ابى حنيفة انه يقع عن الباطن لان الظاهر يسمى مرضا لاداء وروى عن أبى يوسف انه يقع عن الظاهر والباطن جميعا لان الكل داء ولو أبرأه من كل غائلة فهى على السرقة والاباق والفجور وكل ما كان من فعل الانسان مما يعده التجار عيبا كذا روى عن أبى يوسف لان الغائلة هي الجناية وهى التى تكتب في عهدة المماليك لا داء ولا غائلة على ماكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما اشترى عبدا أو أمة وهذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القد بن خالد بن هوذة عبدا أو أمة لا داء بة ولا غائلة بيع المسلم من المسلم والله عزوجل أعلم (وأما) طريق اثبات العيب فلا يمكن الوصول إلى معرفة أقسام العيوب لان طريق اثبات العيب يختلف باختلاف العيب فنقول وبالله التوقيق العيب لا يخلو (أما) أن يكون ظاهرا شاهدا يقف عليه كل أحد كالاصبع الزائدة والناقصة والسن الشاغية والساقطة وبياض العين والعور والقروح والشجاج ونحوها (أما) أن يكون باطنا خفيا لا يقف عليه الا الخواص من الناس وهم الاطباء والبياطرة (وأما) يكون مما لا يقف عليه الا النساء بان كان على فرج الجارية أو مواضع العورة منها واما ان يكون مما لا يقف عليه النساء بان كان داخل الفرج واما ان يكون مما لا يقف عليه الا الجارية المشتراة كارتفاع الحيض والاستحاضة واما ان يكون مما لا يوقف عليه الا بالتجربة والامتحان عند الخصومة كالاباق والسرقة والبول على الفراش والجنون والمشترى لا يخلو اما أن يريد اثبات كون العيب في يده للحال واما أن يريد اثبات كونه في يد البائع عند البيع والقبض فان أراد اثبات كونه للحال فان كان يوقف عليه بالحس والعيان فانه يثبت بنظر القاضى أو أمينه لان العيان لا يحتاح إلى البيان وان كان لا يقف عليه الا الاطباء والبياطرة فيثبت لقوله عزوجل فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وهم في هذا الباب من أهل الذكر فيسئلون وهل يشترط فيه العدد ذكر الكرخي في مختصره انه يشترط فلا يثبت الا بقول اثنين منهم من أهل

[ 279 ]

الشهادة وهكذا ذكر القاضى الاسبيجابى في شرحه مختصر الطحاوي وذكر شيخي الامام الزاهد علاء الدين محمد ابن أحمد السمرقندى رحمه الله في بعض مصنفاته انه ليس بشرط ويثبت بقول مسلم عدل منهم وكذا ذكر الشيخ الامام الزاهد أبو المعين في الجامع الكبير من تصانيفه (وجه) هذا القول ان هذه الشهادة لا يتصل بها القضاء وانما تصح بها الخصومة فقط فلا يشترط فيها العدد وهذا لان شرط العدد في الشهادة ثبت تبعدا غير معقول المعنى لان رجحان جانب الصدق على جانب الكذب في خبر المسلم لا يقف على عدد بل يثبت بنفس العدالة الا أن الشرع ورد به تعبدا فيراعى فيه مورد التعبد وهو شهادة يتصل بها القضاء وهذه شهادة لا يتصل بها القضاء فبقيت على أصل القياس وحجة القول الاول النصوص المقتضية لاعتبار العدد في عموم الشهادة والمعقول الذى ذكرناه في كتاب الشهادات ولان هذه الشهادة وان كان لا يتصل بها القضاء لكنها من ضرورات القضاء لا وجود للقضاء بدونها ألا ترى انه ما لم يثبت العيب عند البائع والمشترى فالقاضي لا يقضى بالرد فكان من ضرورات القضاء فيشترط فيها العدد كما يشترط في الشهادة على اثبات العيب عند البائع وان كان مما لا يطلع عليه الا النساء فالقاضي يريهن ذلك لقوله عزوجل فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون والنساء فيما لا يطلع عليه الرجال أهل الذكر ولا يشترط العقد منهن بل يكتقى بقول امرأة واحدة عدل والثنتان أحوط لان قولها فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في الشرع كشهادة القابلة في النسب لكن لابد من العدالة لان هذا يرجح جانب الصدق على جانب الكذب في الخبر ولا يثبت بقول المشترى وان كان يطلع عليه لان النظر إلى موضع العيب مباح له لانه متهم في هذا الباب ولا تهمة فيهن ورخصة النظر ثابتة لهن حالة الضرورة على ما ذكرنا في كتاب الاستحسان فيلحق هذا بما لا يطلع عليه الا النساء لما قلنا وان كان لا يطلع عليه الا الجارية المشتراة فلا يثبت بقولها لكونها متهمة وان كان في داخل فرجها فلا طريق للوقوف عليه أصلا فكان الطريق في هذين النوعين هو استحلاف البائع بالله عزوجل ليس به للحال هذا العيب (وأما) الاباق والسرقة والبول في الفراش والجنون فلا يثبت الا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لان هذا مما لا يوقف عليه الا بالخبر ولا ضرورة فيه فلا بد من اعتبار العدد فيه كما في سائر الشهادات فان لم يقم للمشترى حجة على اثبات العيب للحال في هذه العيوب الاربعة هل يستحلف البائع لم يذكر في الاصل وذكر في الجامع انه يستحلف في قول أبى يوسف ومحمد وسكت عن قول أبى حنيفة عن المشايخ من قال يستحلف بلا خلاف بينهم والتنصيص على قولهما لا يدل على ان أبا حنيفة مخالفهما ومنهم من قال المسألة على الاختلاف ذكرت في النوادر وذكر الطحاوي أيضا ان عند أبى حنيفة لا يستحلف وعندهما يستحلف (وجه) قولهما ان المشترى يدعى حق الرد ولا يمكنه الرد الا باثبات العيب عند نفسه وطريق الاثبات البينة أو نكول البائع فإذا لم تقم له بينة يستحلف لينكل البائع فيثبت العيب عند نفسه ولهذا يستحلف عند عدم البينة على اثبات العيب عند البائع كذا هذا ولابي حنيفة ان الاستحلاف يكون عقيب الدعوى على البائع ولا دعوى له على البائع الا بعد ثبوت العيب عند نفسه ولم يثبت فلم تثبت دعواه على البائع فلا يستحلف وقولهما له طريق الاثبات وهو النكول قلنا النكول بعد الاستحلاف وانعدام الدعوى يمنع الاستحلاف لان استحلاف البائع في هذه العيوب على العلم لا على البتات بالله ما يعلم ان هذا العبد أبق عند المشترى ولا سرق ولا بال على الفراش ولا جن ولا يحلف على البتات لانه حلف على غير فعله ومن حلف على غير فعله يحلف على العلم لانه لا علم له بما ليس بفعله ومن حلف على فعل نفسه يحلف على البتات أصله خبر المثنوى فان حلف لم يثبت العيب عند المشترى وان نكل يثبت عنده فيحتاج إلى الاثبات عنده وإذا أراد اثبات العيب عند البائع فينظر ان كان العيب مما لا يحتمل الحدوث أصلا كالاصبع الزائدة ونحوها أو لا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة كالسن الشاغية ونحوها ثبت كونه عند البائع بثبوت كونه عند المشترى لانه إذا لم يحتمل الحدوث أو لا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة فقد تيقنا بكونه عند البائع وان كان مما يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة لا يكتفى بثبوت كونه عند

[ 280 ]

المشترى بل يحتاج المشترى إلى اثبات كونه عند البائع لانه إذا احتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة احتمل أنه لم يكن عند المشترى فلا يثبت حق الرد بالاحتمال فلا بد من اثباته عند البائع بالبينة وهى شهادة رجلين أو رجل وامرأتين طبيبتين كانا أو غير طبيبتين وانما شرط العدد في هذه الشهادة لانها شهادة يقضى بها على الخصم فكان العدد فيها شرطا كسائر الشهادات التى يقضى بها على الخصوم وروى عن أبى يوسف ان فيما لا يطلع عليه الا النساء يرد بثبوته عند المشترى ولا يحتاج إلى الاثبات عند البائع والمشهور من مذهب أبى يوسف ومحمد رحمهما الله انه لا يكتفى بالثبوت المشترى بل لابد من اثباته عند البائع وهو الصحيح لان قول النساء في هذا الباب حجة ضرورة والضرورة في القبول حق ثبوته عند المشترى لتوجه الخصومة وليس من ضرورة ثبوته عند البائع لاحتمال الحدوث فيقبل قولهما في حق توجه الخصومة لان حق الرد على البائع وإذا كان الثبوت عند البائع فيما يحدث مثله شرطا لثبوت حق الرد فيقول القاضى هل كان هذا العيب عندك فان قال نعم رد عليه الا أن يدعى الرضا أو الابراء وان قال لا كان القول قوله الا أن يقيم المشترى البينة لان المشترى يدعى عليه حق الرد وهو ينكر فان أقام المشترى البينة على ذلك رده على البائع الا أن يدعى الدفع أو الابراء ويقيم البينة على ذلك فتندفع دعوى المشترى وان لم يكن له بينة فطلب يمين المشترى حلفه القاضى بالله سبحانه وتعالى ما رضى بهذا العيب والا ابرأه عنه ولا عرضه على البيع منذ رآه وان لم يدع الدفع بالرضا والابراء فان القاضى يقضى بفسخ العقد ولا يستحلف المشترى على الرضا والابراء والعرض على البيع عند أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يفسخ ما لم يستحلفه بالله تعالى ما رضى بهذا العيب ولا أبرأه عنه ولا عرضه على البيع بعدما علم به من العيب (وجه) قول أبى يوسف ان القاضى لو قضى بالفسخ قبل الاستحلاف فمن الجائز أن يدعى البائع على المشترى بالدفع بدعوى الرضا والابراء بعد القضاء بالفسخ ويقيم البينة علية فيفسخ قضاؤه فكان الاستحلاف قبل القسخ فيه صيانة للقضاء عن النقض وانه واجب (وجه) قولهما ان البائع إذا لم يطلب يمين المشترى فتحليف القاضى من غير طلب الخصم انشاء الخصومة والقاضى نصب لقطع الخصومة لا لانشائها وقال أبى يوسف ان في هذا صيانة قضاء القاضى عن الفسخ فنقول الصيانة حاصلة بدونه لان الظاهر ان البائع لم يعلم بوجود الرضا من المشترى إذ لو علم لادعى الدفع بدعوى ولما سكت عن دعوى الدفع عند قيام البينة دل انه لم يظهر له الرضا من المشترى فلا يدعى الدفع بعد ذلك وان لم يقم المشترى بينة على اثبات العيب عند البائع وطلب المشترى يمينه ففيما سوى العيوب الاربعة يستحلف على البتات بالله تعالى لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب وانما يجمع بين البيع والتسليم في الاستحلاف لان الاقتصار على البيع يوجب بطلان حق المشترى في بعض الاحوال لجواز أن يحدث العيب بعد البيع قبل التسليم فيبطل حقه فكان الاحتياط هو الجمع بينهما ومنهم من قال لا احتياط في هذا لانه لو استحلف على هذا الوجه فمن الجائز حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم فيكون البائع صادقا في يمينه لان شرط حنثه وجود العيب عند البيع والتسليم جميعا فلا يحنث بوجوده في أحدهما فيبطل حق المشترى فكان الاحتياط في هذا الاستحلاف على حاصل الدعوى بالله عزوجل ما له حق الرد بهذا العيب الذى ذكره ومنهم من قال يستحلف بالله تعالى لقد سلمته وما به هذا العيب الذى يدعى وهو صحيح لانه يدخل فيه الموجود عند البيع والحادث قبل التسليم وانما لم يستحلف على البتات لانه استحلف على فعل نفسه وهو البيع والتسليم بصفة السلامة ثم إذا حلف فان حلف برئ ولا يرد عليه وان نكل يرد عليه ويفسخ العقد الا إذا ادعى البائع على المشترى الرضا بالعيب أو الابراء عنه أو العرض على البيع بعد العلم به ويقيم البينة فيبرأ ولا يرد عليه وان لم يكن له بينة وطلب تحليف المشترى يحلف عليه وان لم يطلب يفسخ العقد ولا يحلفه عند أبى حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف على ما تقدم (وأما) في العيوب الاربعة ففى الثلاثة منها وهى الاباق والسرقة والبول في الفراش يستحلف بالله تعالى ما أبق عندك منذ بلغ مبلغ الرجال وفى الجنون بالله عزوجل ما جن عندك قط وانما اختلفت هذه العيوب في كيفية

[ 281 ]

الاستحلاف لما ذكرنا فيما تقدم ان اتحاد الحالة في العيوب الثلاثة شرط ثبوت حق الرد وليس بشرط في الجنون بل هو عيب لازم أبدا وأما كيفية الرد والفسخ بالعيب بعد ثبوته فالمبيع لا يخلو اما أن يكون في يد البائع أو في يد المشترى فان كان في يد البائع ينفسخ البيع بقول المشترى رددت ولا يحتاح إلى قضاء القاضى ولا إلى التراضي بالاجماع وان كان في يد المشترى لا ينفسخ الا بقضاء القاضى أو بالتراضى عندنا وعند الشافعي رحمه الله ينفسخ بقوله رددت من غير الحاجة إلى القضاء ولا إلى رضا البائع وأجمعوا على ان الرد بخيار الشرط يصح من غير قضاء ولا رضاء وكذلك الرد بخيار الرؤية متصلا بلا خلاف بين اصحابنا (وجه) قول الشافعي رحمه الله ان هذا نوع فسخ فلا تفتقر صحته إلى القضاء ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاجماع وبخيار الرؤية على أصلكم ولهذا لم يفتقر إليه قبل القبض وكذا بعده (ولنا) أن الصفقة تمت بالقبض وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ الصفقة بعد تمامها كالاقالة وهذا لان الفسخ يكون على حسب العقد لانه يرفع العقد ثم العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر ومن غير قضاء القاضى بخلاف ما قبل القبض لان الصفقة قبل القبض ليست بتامة بل تمامها بالقبض فكان بمنزلة القبول كانه لم يسترد بخلاف الرد بخيار الشرط لان الصفقة غير منعقده في حق الحكم مع بقاء الخيار فكان الرد في معنى الدفع والامتناع من القبول وبخلاف الرد بخيار الرؤية لان عدم الرؤية منع تمام الصفقة لانه أوجب خللا في الرضا فكان الرد كالدفع أما ههنا إذ الصفقة قد تمت بالقيض فلا تحتمل الانفساخ بنفس الرد من غير قرينة القضاء أو الرضا والله عز وجل أعلم وأما بيان من تلزمه الخصومة في العيب فنقول وبالله التوفيق الخصومة في البيع تلزم البائع سواء كان حكم العقد له أو لغيره بعد ان كان من أهل ان تلزمه الخصومة الا القاضى أو أمينه كالوكيل والمضارب والشريك والمكاتب والمأذون والاب والوصى لان الخصومة في العيب من حقوق العقد وحقوق العقد في هذا الباب راجعة إلى العاقد إذا كان أهلا فان لم يكن بان كان صبيا أو محجورا أو عبدا محجورا فالخصومة لا تلزمه وانما تلزم الموكل على ما ذكرنا في كتاب الوكالة وأما القاضى أو أمينه فالخصومة لا تلزمه لان الولاية للقاضى انما ثبتت شرعا نظرا لمن وقع له العقد فلو لزمه العهدة لامتنع عن النظر خوفا من لزوم العهدة فكان القاضى في هذا الباب بمنزلة الرسول فيه والوكيل في باب النكاح وما يلزم الوكيل من العهدة يرجع بها على الموكل والمكاتب والمأذون لا يرجعان على المولى لان الوكيل يتصرف للموكل نيابة عنه وتصرف النائب كتصرف المنوب عنه وأما المكاتب والمأذون فانما يتصرفان بطريق الاصالة لانفسهما لا بطريق النيابة عن المولى لما عرف ان الاذن فك الحجر وازالة المانع فإذا زال الحجر فالعبد يتصرف بمالكية نفسه فكان عاقدا لنفسه لا لمولاه والذى يقع للمولى هو حكم التصرف لا غير وإذا كان عاقدا لنفسه كانت العهدة عليه ولو رد المبيع على الوكيل هل له أن يرده على موكله فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه (اما) أن يرده عليه ببينة قامت على العيب واما أن يرده عليه بنكوله واما أن يرده عليه باقراره بالعيب فان رده عليه ببينة قامت على العيب يرده على الموكل لان البينة حجة مطلقة وهو نائب عنه فيلزم الموكل وان رده عليه بنكوله فكذلك لان نكوله مضاف إلى الموكل لكونه مضطرا ملجأ إليه ألا ترى انه لا يملكه في الخصومة وانما جاء هذا الاضطرار من ناحية الموكل لانه هو الذى أوقعه فيه فكان مضافا إليه وان رده عليه باقراره بالعيب ينظر ان كان عيبا لا يحدث مثله يرد على الموكل لانه علم بثبوته عند البيع بيقين وأما ان كان عيبا يحدث مثله لا يرد على الموكل حتى يقيم البينة فان كان رد عليه بقضاء القاضى باقراره لا يرد لان اقرار المقر يلزمه دون غيره لانه حجة قاصرة فكان حجة في حقه خاصة لا قى حق موكله وان رد عليه بغير قضاء لزم الوكيل خاصة سواء كان العيب يحدث مثله أو لا يحدث مثله لان الرد بغير قضاء وان كان فسخا في حق العاقدين فهو بيع جديد في حق غيرهما فلا يملك الرد على الموكل كما لو اشتراه فاما المضارب والشريك فبقبولهما يلزم رب المال والشريك الآخر لان حكم شركتهما تلزمهما بخلاف الوكيل والله عزوجل أعلم وأما بيان ما يمنع الرد بالعيب يسقط به الخيار بعد ثبوبه ويلزمه البيع وما لا يسقط ولا يلزم فنقول وبالله التوقيق الرد يمتنع بأسباب (منها)

[ 282 ]

الرضا بالعيب بعد العلم به لان حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد دلالة ولما رضى بالعيب بعد العلم به دل انه ما شرط السلامة ولانه ثبت نظرا للمشترى دفعا للضرر عنه فإذا رضى بالعيب فلم ينظر لنقسه ورضى بالضرر ثم الرضا نوعان صريح وما هو في معنى الصريح ودلالة أما الاول فنحو قوله رضيت بالعيب أو أجزت هذا البيع أو أوجبته وما يجرى هذا المجرى وأما الثاني فهو أن يوجد من المشترى بعد العلم بالعيب تصرف في المبيع يدل على الرضا بالعيب نحو ما إذا كان ثوبا فصبغه أو قطعه أو سويقا فلته بسمن أو أرضا فبنى عليها أو حنطة فطحنها أو لحما فشواه ونحو ذلك أو تصرف تصرفا أخرجه عن ملكه وهو عالم بالعيب أو ليس بعالم أو باعه المشترى أو وهبه وسلمه أو أعتقه أو كاتبه أو دبره أو استولده لان الاقدام على هذه التصرفات مع العلم بالعيب دليل الرضا بالعيب ويكون العلم بالعيب وكل ذلك يبطل حق الرد ولو باعه المشترى ثم رد عليه بعيب فان كان قبل القبض له أن يرده على بائعه سواء كان الرد بقضاء القاضى أو بالتراضى بالاجماع وان كان بعد القبض فان كان بقضاء القاضى له أن يرده على بائعه بلا خلاف وان كان قبله البائع بغير قضاء ليس له أن يرده عندنا وعند الشافعي رحمه الله له أن يرده (وجه) قوله ان المانع من الرد خروج السلعة عن ملكه فإذا عادت إليه فقد زال المانع وصار كانه لم يخرج ولهذا إذا رد عليه بقضاء له أن يرده على بائعه وكذا إذا رد عليه بخيار شرط أو بخيار رؤية على أصلكم (ولنا) أن القبول بغير قضاء فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما فصار كما لو عاد إليه بشراء ولو اشتراه لم يملك الرد على بائعه كذا هذا والدليل على أن القبول بغير قضاء بيع جديد في حق غير العاقدين ان معنى البيع موجود فكان شبهة الشراء قائمة فكان الرد عند التراضي بيعا لوجود معنى البيع فيه الا انه اعطى له حكم الفسخ في حق العاقدين فبقى بيعا جديدا في حقهما بمنزلة الشراء المبتدأ ولهذا يثبت للشفيع حق الشفعة وحق الشفعة انما يثبت بالبيع بخلاف الرد بقضاء القاضى لانه لم يوجد فيه معنى البيع أصلا لانعدام التراضي فكان فسخا والفسخ رفع العقد من الاصل وجعله كان لم يكن ولهذا لم يثبت للشفيع حق الشفعة وبخلاف ما قبل القبض لان الصفقة لا تمام لها قبل القبض ألا ترى أن حدوث العيب قبل القبض كوجوده قبل البيع فكان الرد قبل القبض في معنى الامتناع عن القبول كان المشترى رد ايجاب البائع ولم يقبله ولهذا لم يفتقر الرد قبل القبض إلى القاضى بخلاف ما إذا رد عليه بخيار شرط أو رؤية انه يرده على بائعه لان معنى البيع لم يوجد في هذا الرد ألا ترى انه يرد على بائعه من غير رضاه فكان فسخا ورفعا للعقد من الاصل كأنه لم يكن وكذا لو وطئ الجارية المشتراة أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة مع العلم بالعيب لما قلنا وكذا بدون العلم بالعيب وقال الشافعي رحمه الله ان كانت الجارية بكرا فوطئها المشترى فكذلك وأما إذا كانت ثيبا فوطئها بدون العلم بالعيب لا تمنع الرد بالعيب وستأتى المسألة ان شاء الله تعالى ولو قبلت الجارية المشترى لشهوة فقد مر تفصيل الكلام فيه في شرط الخيار ولو استخدم المشترى بعدما علم بالعيب فالقياس ان يسقط خياره وفى الاستحسان لا يسقط وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان في خيار الشرط ولو كان المشترى دابة فركبها بعد العلم بالعيب فان ركبها لحاجة نفسه يسقط خياره وان ركبها ليسقيها أو ليردها على البائع أو ليشترى لها علفا ففيه قياس واستحسان كما في الاستخذام وقد ذكرنا ذلك في خيار الشرط ولو ركبها لينظر إلى سيرها بعد العلم بالعيب يكون رضا يسقط خياره وفى شرط الخيار لا يسقط والفرق بينهما قد تقدم في خيار الشرط وكذا لو اشترى ثوبا فلبسه بعد العلم لينظر إلى طوله وعرضه بطل خياره وفى خيار الشرط لا يبطل (ووجه) الفرق بينهما قد ذكرناه في شرط الخيار وان كان المشترى دارا فسكنها بعدما علم بالعيب أو رم منها شيأ أو هدم يسقط خياره وذكر في بعض شروح مختصر الطحاوي في السكنى روايتان والحاصل ان كل تصرف يوجد من المشترى في المشترى بعد العلم بالعيب يدل على الرضا بالعيب يسقط الخيار ويلزم البيع والله عزوجل أعلم (ومنها) اسقاط الخيار صريحا أو ما هو في معنى الصريج نحو أن يقول المشترى أسقطت الخيار أو أبطلته أو ألزمت البيع أو أوجبته وما يجرى هذا المجرى لان خيار العيب حقه والانسان بسبيل من التصرف في حقه استيفاء واسقاطا (ومنها) ابراء المشترى عن

[ 283 ]

العيب لان الابراء اسقاط وله ولاية الاسقاط لان الخيار حقه والمحل قابل للسقوط ألا ترى كيف احتمل السقوط بالاسقاط صريحا فإذا أسقطه يسقط (ومنها) هلاك المبيع لفوات محل الرد (ومنها) نقصانه وجملة الكلام فيه ان نقصان المبيع لا يخلو اما أن يكون قبل القبض واما أن يكون بعده وكل ذلك لا يخلو اما أن يكون بآفة سماوية أو بفعل المشترى أو بفعل البائع أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي فان كان قبل القبض بآفة سماوية أو بفعل المبيع فهذا وما إذا لم يكن به عيب سواء وقد ذكرنا حكمه في بيع البات فيما تقدم ان المشترى بالخيار ثم ان كان النقصان نقصان قدر فان شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن وان شاء ترك وان كان نقصان وصف فان شاء أخذه بجميع الثمن وان شاء ترك لما ذكرنا هنالك وان كان بفعل البائع فكذلك الجواب فيه وفيما إذا لم يكن به عيب سواء وهو ان المشترى بالخيار ان شاء أخذه وطرح عنه قدر النقصان الذى حصل بفعل البائع من الثمن وان شاء ترك كما إذا لم يجد عيبا وان كان بفعل المشترى لاخيار له ويصير قابضا بالجناية ويتقرر على جميع الثمن ان لم يجد به عيبا كان عند البائع على ما ذكرنا فيما تقدم وان وجد عيبا كان عند البائع فان شاء رجع بنقصان العيب وان شاء رضى به وان قال البائع انا آخذ مع النقصان ليس للمشترى ان يحبسه ويرجع عليه بالنقصان بل يرده عليه ويسقط جميع الثمن وسندكر الاصل في جنس هذه المسائل في بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع هذا إذا لم يوجد من البائع منع المبيع لاستيفاء الثمن بعد ما صار المشترى قابضا بالجناية فاما إذا وجد منه منع بعد ذلك ثم وجد المشترى به عيبا له أن يرده على البائع ويسقط عن المشترى جميع الثمن لانه بالمنع صار مستردا للمبيع ناقضا ذلك القبض فانتقض وجعل كان لم يكن له فكان حق الرد على البائع ويسقط عنه جميع الثمن الا قدر ما نقص بفعله وان كان بفعل اجنبي فالمشترى بالخيار ان شاء رضى به بجميع الثمن واتبع الجاني بالارش وان شاء ترك ويسقط عنه جميع الثمن واتبع البائع الجاني بالارش كما إذا لم يجد المشترى بها عيبا هذا إذا حدث النقصان قبل القبض ثم وجد به عيبا فاما إذا حدث بعد القبض ثم وجد به عيبا فان حدث بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشترى لم يكن له أن يرده بالعيب عند عامة العلماء وقال مالك رحمه الله له أن يرده ويرد معه ارش العيب الحادث (وجه) قوله ان حق الرد بالعيب ثبت نظرا للمشترى فلو امتنع انما يمتنع نظرا للبائع والمشترى باستحقاق النظر أولى من البائع لانه لم يدلس العيب والبائع قد دلس (ولنا) ان شرط الرد أن يكون المردود عند الرد على الصفة التى كان عليها عند القبض ولم يوجد لانه خرج عن ملك البائع معيبا بعيب واحد ويعود على ملكه معيبا بعيبين فانعدم شرط الرد فلا يرد ولو كان المبيع جارية فوطئها المشترى ثم اطلع على عيب بها فان كانت بكرا لم يردها بالاجماع وان كانت ثيبا فكذلك عندنا وقال الشافعي رحمه ترد (وجه) قوله انه وجد سبب ثبوت حق الرد مع شرطه وما بعد السبب وشرطه الا الحكم (أما) السبب فهو العيب وقد وجد (وأما) الشرط فهو أن يكون المردود وقت الرد كما كان وقت القبض وقد وجد لان الوطئ لا يوجب نقصان العين إذ هو استيفاء منافع البضع فاشبه الاستخدام بخلاف وطئ البكر لان العذرة عضو منها وقد أزالها بالوطئ ولنا ان منافع البضع لها حكم الاجزاء والاعيان بدليل أنها مضمونة بالعين وغير العين لا يضمن بالعين هو الاصل واذ قام الدليل على ان المنافع لا تضمن بالاتلاف عندنا أصلا فكان استيفاؤها في حكم اتلاف الاجزاء والاعيان فانعدم شرط الرد فيمتنع الرد كما إذا قطع طرفا منها وكما في وطئ البكر بخلاف الاستخدام لانه استيفاء منفعة محضة ما لها حكم الجزاء والعين ولانه لو رد الجارية وفسخ العقد رفع من الاصل من كل وجه أو من وجه فتبين ان الوطئ صادف ملك البائع من كل وجه أو من وجه وانه حرام فكان المنع من الرد طريق الصيانة عن الحرام وانه واحد وعلى هذا يخرج ما قاله أبو حنيفة رحمه الله فيما إذا اشترى رجلان شيأ ثم اطلعا على عيب به كان عند البائع أنه لا ينفرد أحدهما بالفسخ دون صاحبه وعند أبى يوسف ومحمد ينفرد أحدهما بالفسخ وعلى هذا الخلاف لو اشتريا شيأ على أنهما بالخيار فيه ثلاثة أيام أو اشتريا شيأ لم يرياه (وجه) قولهما انه رد المشترى كما اشترى فيصح كما إذا اشترى عبدا على أنه بالخيار في نصفه ثلاثة أيام فرد النصف ودلالة الوصف انه اشترى النصف لانهما لما اشتريا العبد جملة

[ 284 ]

واحدة كان كل واحد منهما مشتريا نصفه وقد رد النصف فقد رد ما اشترى كما اشترى ولابي حنيفة رحمه الله انه لم يوجد شرط الرد وثبوت حق الرد عند انعدام شرطه ممتنع والدليل على أنه لم يوجد شرط الرد أن الشرط أن يكون المردود على الوصف الذى كان مقبوضا ولم يوجد لانه قبضه غير معيب بعيب زائد فلو رده لرده وهو معيب بعيب زائد وهو عيب الشركة لان الشركة في الاعيان عيب لان نصف العين لا يشترى بالثمن الذى يشترى به لو لم يكن مشتركا فلم يوجد رد ما اشترى كما اشترى فلا يصح الرد دفعا للضرر عن البائع ولهذا لو أوجب البائع البيع في عبد لاثنين فقبل أحدهما دون الآخر لم يصح لان البائع لم يرض بزوال ملكه الا عن الجملة فإذا قبل أحدهما دون الآخر فقد فرق الصفقة على البائع فلم يصح دفعا للضرر عنه كذا هذا وكذلك لو كان النقصان بفعل أجنبي أو بفعل البائع بان قطع يده ووجب الارش أو كانت جارية فوطئها ووجب العقر لم يكن له ان يرد بالعيب لما قلنا ولمعنى آخر يختص به وهو ان النقصان بفعل الأجنبي أو بفعل البائع يؤخذ الارش والعقر للمشترى وأنه زيادة ولهذا يمنع الرد بالعيب على ما سنذكره ان شاء الله تعالى ولو اشترى مأكولا في جوفه كالبطيخ والجوز والقثاء والخيار والرمان والبيض ونحوها فكسره فوجده فاسدا فهذا في الاصل لا يخلو عن أحد وجهين اما ان وجده كله فاسدا واما ان وجد البعض صحيحا فان وجده كله فاسدا فان كان مما لا ينتفع به أصلا فالمشترى يرجع على البائع بجميع الثمن لانه تبين ان البيع وقع باطلا لانه بيع ما ليس بمال وبيع ما ليس بمال لا ينعقد كما إذا اشترى عبدا ثم تبين أنه حر وان كان مما يمكن الانتفاع به في الجملة ليس له ان يرده بالعيب عندنا وعند الشافعي رحمه الله له أن يرده (وجه) قوله انه لما باعه منه فقد سلطه على الكسر فكان الكسر حاصلا بتسليط البائع فلا يمنع الرد ولنا ما ذكرنا فيما تقدم ان شرط الرد أن يكون المردود وقت الرد على الوصف الذى كان عليه وقت القبض ولم يوجد لانه تعيب بعيب زائد بالكسر فلو رد عليه لرد معيبا بعيبين فانعدم شرط الرد وأما قوله البائع سلطه على الكسر فنعم لكن بمعنى انه مكنه من الكسر باثبات الملك له فيكون هو بالكسر متصرفا في ملك نفسه لا في ملك البائع بامره ليكون ذلك منه دلالة الرضا بالكسر وان وجد بعضه فاسدا دون البعض ينظر ان كان الفاسد كثيرا يرجع على البائع بجميع الثمن لانه ظهر ان البيع وقع في القدر الفاسد باطلا لانه تبين انه ليس بمال وإذا بطل في ذلك القدر يفسد في الباقي كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحده وان كان قليلا فكذلك في القياس وفى الاستحسان صح البيع في الكل وليس له أن يرد ولا ان يرجع فيه بشئ لان قليل الفساد فيه مما لا يمكن التحرز عنه إذ هذه الاشياء في العادات لا تخلو عن قليل فساد فكان فيه ضرورة فيلتحق ذلك القدر بالعدم ومن مشايخنا من فصل تفصيلا آخر فقال إذا وجد كله فاسد فان لم يكن لقشره قيمة فالبيع باطل لانه تبين انه ما ليس بمال وان كان لقشره قيمة كالرمان ونحوه فالبيع لا يبطل لانه إذا كان لقشره قيمة كان القشر مالا ولكن البائع بالخيار ان شاء رضى به ناقصا وقبل قشره ورد جميع الثمن وان شاء لم يقبل لانه تعيب بعيب زائد ورد على المشترى حصة المعيب جبرا لحقه وان وجد بعضه فاسدا فعلى هذا التفصيل أيضا لانه ان لم يكن لقشرة قيمة رجع على البائع بحصته من الثمن وان كان لقشرة قيمة رجع بحصة العيب دون القشر اعتبارا للبعض بالكل الا إذا كان الفاسد منه قليلا قدر ما لا يخلو مثله عن مثله فلا يرد ولا يرجع بشئ والله عز وجل أعلم (ومنها) الزيادة المنفصلة المتولدة من المبيع وجملة الكلام في الزيادة أنها لا تخلو اما ان حدثت قبل القبض واما ان حدثت بعده وكل واحدة من الزيادتين لا تخلو من أن تكون متصله أو منفصلة والمتصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الاصل كالحسن والجمال والكبر والسمن والسمع وانجلاء بياض احدى العينين ونحو ذلك أو غير متولدة منه كالصبغ في الثوب والسمن أو العسل الملتوت بالسويق والبناء في الارض ونحوها وكذلك المنفصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الاصل كالولد والثمرة واللبن ونحوها أو غير متولدة من الاصل كالكسب والصدقة والغلة والبيع لا يخلو اما ان يكون صحيحا أو فاسدا (أما) الزيادة في البيع الفاسد فحكمها نذكره في بيان حكم البيع الفاسد ان شاء الله تعالى (وأما) في البيع الصحيح فان حدثت الزيادة قبل القبض فان كانت متصلة متولدة من الاصل

[ 285 ]

فانها لا تمنع الرد بالعيب لان هذه الزيادة تابعة للاصل حقيقة لقيامها بالاصل فكانت مبيعة تبعا والاصل ان ما كان تابعا في العقد يكون تابعا في الفسخ لان الفسخ رفع العقد فينفسخ العقد في الاصل بالفسخ فيه مقصودا وينفسخ في الزيادة تبعا للانفساخ في الاصل وان كانت متصلة غير متولدة من الاصل فانها تمنع الرد بالعيب لان هذه الزيادة ليست بتابعة بل هي أصل بنفسها ألا ترى أنه لا يثبت حكم البيع فيها أصلا ورأسا فلو رد المبيع لكان لا يخلو اما ان يرده وحده بدون الزيادة واما أن يرده مع الزيادة لاسبيل إلى الاول لانه متعذر لتعذر الفصل ولا سبيل إلى الثاني لان الزيادة ليست بتابعة في العقد فلا تكون تابعة في الفسخ ولان المشترى صار قابضا للمبيع باحداث هذه الزيادة فصار كأنها حدثت بعد القبض وحدوثها بعد القبض يمنع الرد بالعيب والله عزوجل أعلم وان كانت منفصلة متولدة من الاصل لا تمنع الرد فان شاء المشترى ردهما جميعا وان شاء رضى بهما بجميع الثمن بخلاف ما بعد القبض عندنا انها تمنع الرد بالعيب وسنذكر الفرق ان شاء الله تعالى ولو لم يجد بالاصل عيبا ولكن وجد بالزيادة عيبا ليس له أن يردها لان هذه الزيادة قبل القبض مبيعة تبعا والمبيع تبعا لا يحتمل فسخ العقد فيه مقصودا الا إذا كان حدوث هذه الزيادة قبل القبض مما يوجب نقصانا في المبيع كولد الجارية فله خيار الرد لكن لا للزيادة بل للنقصان ولو قبض الاصل والزيادة جميعا ثم وجد بالاصل عيبا له ان يرده خاصة بحصته من الثمن بعد ما قسم على قدر الاصل وقت البيع وعلى قيمة الزيادة وقت القبض لان الزيادة انما تأخذ قسطا من الثمن بالقبض كذلك يعتبر قبضها وقت القبض ولو لم يجد بالاصل عيبا ولكنه وجد بالزيادة عيبا فله أن يردها خاصة بحصتها من الثمن لانه صار لها حصة من الثمن بالقبض فيردها بحصتها من الثمن فان كانت الزيادة منفصلة من الاصل فانها لا تمنع الرد بالعيب لان هذه الزيادة ليست بمبيعة لانعدام ثبوت حكم البيع فيها وانما هي مملوكة بسبب على حدة أو بملك الاصل فبالرد ينفسخ العقد في الاصل وتبقى الزيادة مملوكة بوجود سبب الملك فيه مقصودا أو بملك الاصل لا بالبيع فكانت ربحا لا ربا لاختصاص الربا بالبيع لانه فضل مال قصد استحقاقه بالبيع قى عرف الشرع ولم يوجد ثم إذا رد الاصل فالزيادة تكون للمشترى بغير ثمن عند أبى حنيفة لكنها لا تطيب له لانها حدثت على ملكه الا انها ربح ما لم يضمن فلا تطيب وعند أبى يوسف ومحمد الزيادة تكون للبائع لكنها لا تطيب له وهذا إذا اختار المشترى الرد بالعيب فان رضى بالعيب واختار البيع فالزيادة لا تطيب له بلا خلاف لانها ربح ما لم يضمن ونهى رسول الله صلى الله على وسلم عن ذلك ولانها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وأنه تفسير الربا ولو قبض المشترى المبيع مع هذه الزيادة ثم وجد بالمبيع عيبا فان كانت الزيادة هالكة له ان يرد المبيع خاصة بجميع الثمن بلا خلاف وان كانت قائمة فكذا عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد يرد معه الزيادة (وجه) قولهما ان هذه زيادة حدثت قبل القبض فيردها مع الاصل ولابي حنيفة ان هذه الزيادة لا تتبع الاصل في حكم العقد فلا تتبعه في حكم الفسخ ولو وجد بالزيادة عيبا ليس له أن يردها لانه لا حصة لهذه الزيادة من الثمن فلا تحتمل الرد بالعيب لانها لو ردت لردت بغير شئ هذا إذا حدثت الزيادة قبل القبض فاما إذا حدثت بعد القبض فان كانت متصلة متولدة من الاصل فانها لا تمنع الرد ان رضى المشترى بردها مع الاصل بلا خلاف لانها تابعة حقيقة وقت الفسخ فبالرد ينفسخ العقد في الاصل مقصودا وينفسخ في الزيادة تبعا وان أبى أن يرده وأراد أن يأخذ نقصان العيب من البائع وأبى البائع الا الرد مع العيب ودفع جميع الثمن اختلف فيه قال أبو حنيفة رحمه الله وأبو يوسف للمشترى ان يأخذ نقصان العيب من البائع وليس للبائع ان يأبى ذلك ويطلب الرد ويقول لا أعطيك نقصان العيب ولكن رد على المبيع معيبا لادفع اليك جميع الثمن وقال محمد رحمه الله ليس للمشترى أن يرجع بالنقصان على البائع إذا أبى ذلك وللبائع أن يقول له رد على المبيع حتى أرد اليك الثمن كله ولقب المسألة ان الزيادة المتصلة المتولدة من الاصل بعد القبض هل تمنع الرد بالعيب إذا لم يرض صاحب الزيادة وهو المشترى برد الزيادة ويريد الرجوع بنقصان العيب عندهما يمنع وعنده لا يمنع وأصل المسألة في النكاح إذا ازداد المهر زيادة متصلة متولدة من الاصل بعد القبض ثم ورد الطلاق قبل

[ 286 ]

الدخول انها هل تمنع التنصيف عندهما تمنع وعليها نصف القيمة يوم قبضت وعنده لا تمنع ونذكر المسألة في النكاح وان كانت متصلة غير متولدة من الاصل تمنع الرد بالاجماع ويرجع بنقصان العيب لما ذكرنا انه لو رد الاصل فاما أن يرده وحده واما أن يرده مع الزيادة والرد وحده لا يمكن والزيادة ليست بتابعة في العقد فلا يمكن ان يجعلها تابعة في الفسخ الا إذا تراضيا على الرد لانه صار بمنزلة بيع جديد وان كانت الزيادة منفصلة متولدة من الاصل فانها تمنع الرد بالعيب عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تمنع ويرد الاصل بدون الزيادة وكذلك هذه الزيادة تمنع الفسخ عندنا من الاقالة والرد بخيار الشرط وخيار الرؤية والكلام فيه مبنى على أصل ذكرناه فيما تقدم وهو أن الزيادة عندنا مبيعة تبعا لثبوت حكم الاصل فيه تبعا وبالرد بدون الزيادة ينفسخ العقد في الاصل مقصودا وتبقى الزيادة في يد المشترى مبيعا مقصودا بلا ثمن ليستحق بالبيع وهذا تفسير الربا في عرف الشرع بخلاف الزيادة قبل القبض لانها لاترد بدون الاصل أيضا أحترازا عن الربا بل ترد مع الاصل وردها مع الاصل لا يتضمن الربا ثم انما لا يرد الاصل مع الزيادة ههنا ورد هناك اما امتناع رد الاصل بدون الزيادة فلما قلنا انه يؤدى إلى الربا (وأما) رده مع الزيادة فلانه يؤدى إلى أن يكون الولد التابع بعد الرد ربح ما لم يضمن لانه ينفسخ العقد في الزيادة ويعود إلى البائع ولم يصل إلى المشترى بمقابلته شئ من الثمن في الفسخ لانه لا حصة له من الثمن فكان الولد للبائع ربح ما لم يضمن لانه حصل في ضمان المشترى فاما الولد قبل القبض فقد حصل في ضمان البائع فلو انفسخ العقد فيه لا يكون ربح ما لم يضمن بل ربح ما ضمن وان كانت منفصلة غير متولدة من الاصل لا يمتنع الرد بالعيب ويرد الاصل على البائع والزيادة للمشترى طيبة له لما مر ان هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلا لانعدام ثبوث حكم البيع فيها بل ملكت بسبب على حدة فأمكن اثبات حكم الفسخ فيه بدون الزيادة فيرد الاصل وينفسخ العقد فيه وتبقى الزيادة مملوكة للمشترى بوجود سبب الملك فيها شرعا فتطيب له هذا إذا كانت الزيادة قائمة في يد المشترى فاما إذا كانت هالكة فهلاكها لا يخلو من ان يكون بآفة سماوية أو بفعل المشترى أو بفعل أجنبي فان كان بآفة سماوية له أن يرد الاصل بالعيب وتجعل الزيادة كأنها لم تكن وان كان بفعل المشترى فالبائع بالخيار ان شاء قبل ورد جميع الثمن وان شاء لم يقبل ويرد نقصان العيب سواء كان حدوث ذلك أوجب نقصانا في الاصل أو لم يوجب نقصانا فيه لان اتلاف الزيادة بمنزلة اتلاف جزء متصل بالاصل لكونها متولدة من الاصل وذا يوجب الخيار للبائع وان كان بفعل أجنبي ليس له أن يرد لانه يجب ضمان الزيادة على الأجنبي فيقوم الضمان مقام العين فكان عينه قائمة فيمتنع الرد ويرجع بنفصان العيب والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يفسخ به العقد فالكلام ههنا يقع في موضعين أحدهما في بيان ما ينفسخ به والثانى في بيان شرائط جواز الفسخ أما الاول فنوعان اختياري وضرورى فالاختيارى نحو قوله فسخته أو نقضته أو رددته وما هو في معناه والضروري هلاك المعقود عليه قبل القبض (وأما) شرائط جواز الفسخ فمنها سقوط الخيار لان البيع يلزم بسقوط الخيار فيخرج عن احتمال الفسخ ومنها علم صاحبه بالفسخ بلا خلاف بين أصحابنا سواء كان بعد القضاء أو قبله بخلاف خيار الشرط والرؤية وهل يشترط له القضاء أو الرضا ان كان قبل القبض لا يشترط له قضاء القاضى ولا رضا البائع وان كان بعد القبض يشترط له القضاء أو الرضا وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم ومنها أن لا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة على البائع قبل التمام فان تضمن لا يجوز الا أن يرضى به البائع لان تفريق الصفقة على البائع قبل التمام اضرار به على ما نذكر والضرر واجب الدفع ما أمكن الا أن يرضى به البائع لان الضرر المرضى به من جهة المتضرر لا يجب دفعه وعلى هذا يخرج ما إذا وجد المشترى المبيع معيبا فأراد رد بعضه دون بعض قبل القبض وجملة الكلام فيه ان المبيع لا يخلو أما ان يكون شيأ واحدا حقيقة وتقديرا كالعبد والثوب والدار والكرم والمكيل والموزون والمعدود المتقارب في وعاء واحد أو صبرة واحدة واما أن يكون أشياء متعددة كالعبدين والثوبين والدابتين والمكيل والموزون والمعدود في وعاءين أو صبرتين وكل شيئين ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر (وأما) أن يكون شيئين حقيقة وشيأ واحد تقديرا كالخفين والنعلين والمكعبين

[ 287 ]

ومصراعي الباب وكل شئ لا ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر فلا يخلو اما أن يكون المشترى قبض كل المبيع واما ان لم يقبض شيأ منه واما ان قبض البعض دون البعض والحادث في المبيع لا يخلو اما أن يكون عيبا أو استحقاقا اما العيب فان وجده ببعض المبيع قبل القبض لشئ منه فالمشترى بالخيار ان شاء رضى بالكل ولزمه جميع الثمن وان شاء رد الكل وليس له أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن سواء كان المبيع شيأ واحدا أو أشياء لان الصفقة لا تمام لها قبل القبض وتفريق الصفقة قبل تمامها باطل والدليل على ان الصفقة لا تتم قبل القبض ان الموجود قبل القبض أصل العقد والملك لا صفة التأكيد ألا ترى انه يحتمل الانفساخ بهلاك المعقود عليه وهو انه عدم التأكيد وإذا قبض وقع الامر عن الانفساخ بالهلاك فكان حصول التأكيد بالقبض والتأكيد اثبات من وجه أو له شبهة الاثبات وكذا ملك التصرف يقف على القبض فيدل على نقصان الملك قبل القبض ونقصان الملك دليل نقصان العقد وكذا المشترى إذا وجد بالمبيع عيبا ينفسخ البيع بنفس الرد من غير الحاجة إلى قضاء القاضى ولا إلى التراضي ولو كانت الصفقة تامة قبل القبض لما احتمل الانفساخ بنفس الرد كما بعد القبض فيثبت بهذه الدلائل ان الصفقة ليست بتامة قبل القبض والدليل على أنه لا يجوز تفريق الصفقة على البائع قبل تمامها ان التفريق اضرار بالبائع والضرر واجب الدفع ما أمكن وبيان الضرر ان المبيع لا يخلو اما أن يكون شيأ واحد واما أن يكون أشياء حقيقة شيأ واحدا تقديرا والتفريق تضمن الشركة والشركة في الاعيان عيب فكان التفريق عيبا وانه عيب زائد لم يكن عند البائع فيتضرر به البائع وان كان المبيع أشياء فالتفريق يتضمن ضررا آخر وهو لزوم البيع في الجيد بثمن الردئ لان ضم الردئ إلى الجيد والجمع بينهما في الصفقة من عادة التجار ترويجا للردئ بواسطة الجيد فمن الجائز أن يرى المشترى العيب بالردئ فيرده فيلزم البيع في الجيد بثمن الردئ فيتضرر به البائع فدل ان في التفريق ضررا فيجب دفعه ما أمكن ولهذا لم يجز التفريق في القبول بأن أضاف الايجاب إلى جملة فقبل المشترى في البعض دون البعض دفعا للضرر عن البائع بلزوم حكم البيع في البعض من غير اضافة الايجاب إليه لانه ما أوجب البيع الا في الجملة فلا يصح القبول الا في الجملة لئلا يزول ملكه من غير ازالته فيتضرر به على أن تمام الصفقة لما تعلق بالقبض كان القبض في معنى القبول من وجه فكان رد البعض وقبض البعض تفريقا في القبول من وجه فلا يملك الا أن يرضى البائع برد المعيب عليه فيأخذه ويدفع حصته من الثمن فيجوز ويأخذ المشترى الباقي بحصته من الثمن لان امتناع الرد كان لدفع الضرر عنه نظرا له فإذا رضى به فلم ينظر لنفسه وان كان المشترى قبض بعض المبيع دون البعض فوجد ببعضه عيبا فكذلك لا يملك رد المعيب خاصة بحصته من الثمن سواء كان المبيع شيأ واحد أو أشياء وسواء وجد العيب بغير المقبوض أو بالمقبوض في ظاهر الرواية لان الصفقة لا تتم الا بقبض جميع المعقود عليه فكان رد البعض دون البعض تقريق الصفقة قبل التمام وانه باطل وروى عن أبى يوسف أنه إذا وجد العيب بغير المقبوض فكذلك فاما إذا وجد بالمقبوض فله أن يرده خاصة بحصته من الثمن فهو نظر إلى المعيب منهما أيهما كان واعتبر الآخر به فان كان المعيب غير المقبوض اعتبر الآخر غير مقبوض فكأنهما لم يقبضا جميعا وان كان المعيب مقبوضا اعتبر الآخر مقبوضا فكأنه قبضهما جميعا لكن هذا الاعتبار ليس بسديد لانه في حد التعارض إذ ليس اعتبار غير المعيب بالمعيب في القبض وعدمه أولى من اعتبار المعيب بغير المعيب في القبض بل هذا أولى لان الاصل عدم القبض والعمل بالاصل عند التعارض أولى هذا إذا كان المشترى لم يقبض شيأ من المبيع أو قبض البعض دون البعض فان كان قبض الكل ثم وجد به عيبا فان كان المبيع شيأ واحدا حقيقة وتقديرا فكذلك الجواب ان المشترى ان شاء رضى بالكل بكل الثمن وان شاء رد الكل واسترد جميع الثمن وليس له أن يرد قدر المعيب خاصة بحصته من الثمن لما ذكرنا ان فيه الزام عيب الشركة وانها عيب حادث مانع من الرد وان كان أشياء حقيقة شيأ واحد تقديرا فكذلك لان افراد أحدهما بالرد اضرار بالبائع إذ لا يمكن الانتفاع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر فكانا فيما وضعا له من المنفعة كشئ واحد فكان المبيع شيأ

[ 288 ]

واحدا من حيث المعنى فبالرد تثبت الشركة من حيث المعنى والشركة في الاعيان عيب وإذا كان يمكن الانتفاع بأحدهما بدون صاحبه فيما وضع له كان التفريق تعييبا فيعود المبيع إلى البائع بعيب زائد حادث لم يكن عنده وان كان أشياء حقيقة وتقديرا فليس له ان يرد الكل الا عند التراضي وله أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر والشافعي رحمهما الله ليس له ذلك بل يردهما أو يمسكهما (وجه) قولهما ان في التفريق بينهما في الرد اضرارا بالبائع لما ذكرنا أن ضم الردئ إلى الجيد في البيع من عادة التجار ليروج الردئ بواسطة الجيد وقد يكون العيب بالردئ فيرده على البائع ويلزمه البيع في الجيد بثمن الردئ وهذا اضرار بالبائع ولهذا امتنع الرد قبل القبض فكذا هذا (ولنا) ان ما ثبت له حق الرد وجد في أحدهما فكان له ان يرد أحدهما وهذا لان حق الرد انما يثبت لفوات السلامة المشروطة في العقد دلالة والثابتة مقتضى العقد على مابينا والسلامة فاتت في أحدهما فكان له رده خاصة فلو امتنع الرد انما يمتنع لتضمنه تفريق الصفقة وتفريق الصفقة باطل قبل التمام لا بعده والصفقة قد تمت بقبضهما فزال المانع (وأما) قولهما يتضرر البائع برد الردئ خاصة فنعم لكن هذا ضرر مرضى به من جهته لان اقدامه على بيع المعيب وتدليس العيب مع علمه ان الظاهر من حال المشترى أنه لا يرضى بالعيب دلالة الرضا بالرد لخلاف ما قبل القبض لانه لا تمام للعقد قبل القبض فلا يكون قبل القبض دلالة الرضا بالرد فكان الرد ضررا غير مرضى به فيجب دفعه وهذا بخلاف خيار الشرط وخيار الرؤية ان المشترى لا يملك رد البعض دون البعض سواء قبض الكل أو لم يقبض شيأ أو قبض البعض دون البعض وسواء كان المعقود عليه شيأ واحدا أو أشياء لان خيار الشرط والرؤية يمنع تمام الصفقة بدليل أنه يرده بغير قضاء ولا رضا سواء كان قبل القبض أو بعده ولو تمت الصفقة لما احتمل الرد الا بقضاء القاضى أو التراضي دل أن هذا الخيار يمنع تمام الصفقة ولايجوز تفريق الصفقة قبل التمام وههنا بخلافه ولو قال المشترى انا أمسك المعيب وآخذ النقصان ليس له ذلك لان قوله أمسك المعيب دلالة الرضا بالمعيب وانه يمنع الرجوع بالنقصان وكذلك لو كان المبيع أشياء فوجد بالكل عيبا فأراد رد البعض دون البعض ان المردود ان كان مما لو كان العيب به وحده لكان له رده وحده كالعبدين والثوبين فله ذلك لانه إذا أمسك البعض فقد رضى بعيبه فبطل حق الرد فيه لانه تبين ان صفة السلامة لم تكن مشروطة ولا مستحقة بالعقد فيه فصار كأنه كان صحيحا في الاصل ووجد بالآخر عيبا فيرده وان كان المردود مما لو كان العيب به وحده لكان لا يرده كالخفين والنعلين ونحوهما ليس له ذلك لما ذكرنا ان التفريق بينها تعييب ولو اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض فقبض المعيب وهو عالم بالعيب لم يكن له ان يرد وسقط خياره ولزمه العبدان لان قبض المعيب مع العلم بالعيب دليل الرضا وللقبض شبه بالعقد فكان الرضا به عند القبض كالرضا به عند العقد ولو رضى به عند العقد يسقط خياره فلزماه جميعا كذا هذا ولو قبض الصحيح منهما ولو كانا معيبين فقبض أحدهما لم يسقط خياره لانه قبض بعض المعقود عليه والصفقة لا تتم بقبض بعض المعقود عليه وانما تتم بقبض الكل فلو لزمه العقد في المقبوض دون الآخر لتفرقت الصفقة على البائع قبل التمام وتفريق الصفقة قبل التمام باطل ولا يمكن اسقاط حقه عن غير المقبوض لانه لم يرض به فبقي له الخيار على ما كان والله عزوجل أعلم (وأما) الاستحقاق فان استحق بعض المعقود عليه قبل القبض ولم يجز المستحق بطل العقد في القدر المستحق لانه تبين ان ذلك القدر لم يكن ملك البائع ولم توجد الاجازة من المالك فبطل وللمشترى الخيار في الباقي ان شاء رضى به بحصته من الثمن وان شاء رده سواء كان استحقاق ما استحقه يوجب العيب في البافى أو لا يوجب لانه إذا لم يرض المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشترى قبل التمام فصار كعيب ظهر بالسلعة قبل القبض وذلك يوجب الخيار فكذا هذا وان كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض فكذلك الجواب سواء ورد الاستحقاق على المقبوض وعلى غير المقبوض فان كان قبض الكل ثم استحق بعضه بطل البيع في القدر المستحق لما قلنا ثم ينظر ان كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي بأن كان المعقود عليه شيأ واحدا حقيقة وتقديرا

[ 289 ]

كالدار والكرم والارض والعبد ونحوها فالمشترى بالخيار في الباقي ان شاء رضى به بحصته من الثمن وان شاء رد لان الشركة في الاعيان عيب وكذلك ان كان المعقود عليه شيئين من حيث الصورة شيأ واحدا من حيث المعنى فاستحق أحدهما فله الخيار في الباقي وان كان استحقاق ما استحق لا يوجب العيب في الباقي بأن كان المعقود عليه شيئين صورة ومعنى كالعبدين فاستحق أحدهما أو كان صبرة حنطة أو جملة وزنى فاستحق بعضه فانه يلزم المشترى الباقي بحصته من الثمن لانه لا ضرر في تبعيضه فلم يكن له خيار الرد والله عزوجل أعلم (وأما) بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لايمنع فالكلام في حق الرجوع بالنقصان في موضعين أحدهما في بيان شرائط ثبوت حق الرجوع والثانى في بيان ما يبطل به هذا الحق بعد ثبوته وما لا يبطل (أما) الشرائط (فمنها) امتناع الرد وتعذره فلا يثبت مع امكان الرد حتى لو وجد به عيبا ثم أراد المشترى أن يمسك المبيع مع امكان رده على البائع ويرجع بالنقصان ليس له ذلك لان حق الرجوع بالنقصان كالخلف عن الرد والقدرة على الاصل تمنع المصير إلى الخلف ولان امساك المبيع المعيب مع علمه بالعيب دلالة الرضا بالعيب والرضا بالعيب يمنع الرجوع بالنقصان كما يمنع الرد (ومنها) أن يكون امتناع الرد لا من قبل المشترى فان كان من قبله لا يرجع بالنقصان لانه يصير حابسا المبيع بفعله ممسكا عن الرد وهذا يوجب بطلان الحق أصلا ورأسا وعلى هذا يخرج ما إذا هلك المبيع أو انتقص بآفة سماوية أو بفعل المشترى ثم علم انه يرجع بالنقصان لان امتناع الرد في الهلاك لضرورة فوات المحل وفى النقصان لامر يرجع إلى البائع وهو دفع ضرر زائد يلحقه بالرد ألا ترى ان للبائع ان يقول أنا أقبله مع النقصان فأدفع اليك جميع الثمن وإذا كان امتناع الرد لامر يرجع إليه وهو لزوم الضرر إياه بالرد فإذا دفع الضرر عنه بامتناع الرد لا بد من دفع الضرر عن المشترى بالرجوع بالنقصان وسواء كان النقصان يرجع إلى الذات بفوات جزء من العين أو لا يرجع إليه كما إذا كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشترى أو قبلها بشهوة ثم علم بالعيب لان الرد امتنع لا من قبل المشترى بل من قبل البائع ألا ترى أن له أن يقبلها موطوءة ولو كان لها زوج عند البائع فوطئها زوجها في يد المشترى فان كان زوجها قد وطئها في يد البائع لم يرجع بالنقصان لان هذا الوطئ لا يمنع الرد وامكان الرد يمنع الرجوع بالنقصان وان كان لم يطأها عند البائع فوطئها عند المشترى فان كانت بكرا يرجع بالنقصان لان وطئ البكر يمنع الرد بالعيب لانه يوجب نقصان العين بازالة العذرة والامتناع ههنا ليس لمعنى من قبل المشترى بل من قبل البائع فلا يمنع الرجوع بالنقصان وان كانت ثيبا لم يذكر في الاصل انه يمنع الرد أم لا وقيل لا يمنع فلا يرجع بالنقصان مع امكان الرد وكذا لو كان المبيع قائما حقيقة هالكا تقديرا بأن أعطى له حكم الهلاك كما إذا كان المبيع ثوبا فقطعه وخاطه أو حنطة فطحنها أو دقيقا فخبزه أو لحما فشواه فانه يرجع بالنقصان لان امتناع الرد في هذه المواضع من قبل البائع ولو حدث في المبيع أو بسببه زيادة مانعة من الرد كالولد والثمرة واللبن والارش والعقر يرجع بالنقصان لان امتناع الرد ههنا لا من قبل المشترى بل من قبل الشرع لما ذكرنا فيما تقدم انه لو رد الاصل بدون الزياة لبقيت الزيادة مبيعا مقصودا بلا ثمن وهذا تفسير الربا في متعارف الشرع وحرمة الربا تثبت حقا للشرع ولهذا لو تراضيا على الرد لا يقضى بالرد لان الحرمة الثابتة حقا للشرع لا تسقط برضا العبد وإذا كان امتناع الرد لمعنى يرجع إلى الشرع لا إلى المشترى بقى حق المشترى في وصف السلامة واجب الرعاية فكان له أن يرجع بالنقصان جبرا لحقه ولو كانت الزيادة المانعة سمنا أو عسلا لته بسويق أو عصفرا أو زعفرانا صبغ به الثوب أو بناء على الارض يرجع بالنقصان لان التعذر ليس من قبل المشترى ولا من قبل البائع بل من قبل الشرع ألا ترى انه ليس للبائع أن يقول أنا آخذه كذلك وتعذر الرد لحق الشرع لا يمنع الرجوع بالنقصان لما ذكرنا ولو باعه المشترى أو وهبه ثم علم بالعيب لم يرجع بالنقصان لان امتناع الرد ههنا من قبل المشترى لانه بالبيع صار ممسكا عن الرد لان المشترى قام مقامه فصار مبطلا للرد الذى هو الحق فلا يرجع بشئ وكذلك لو كاتبه لانها توجب صيرورة العبد حرا يدا فصار بالكتابة ممسكا عن الرد فأشبه البيع وكذلك لو أعتقه على مال ثم وجد به عيبا لان

[ 290 ]

الاعتاق على مال في حق المعتق في معنى البيع لانه أخذ العوض بمقابلته والبيع يمنع الرجوع بالنقصان كذا هذا وروى عن أبى يوسف رحمه الله لا يمنع ولو أعتقه على غير مال ثم وجد به عيبا فالقياس أن لا يرجع وهو قول الشافعي رحمه الله وفى الاستحسان يرجع (وجه) القياس أن الرد امتنع بفعله وهو الاعتاق فأشبه البيع أو الكتابة (وجه) الاستحسان أن تعذر الرد ههنا ليس من قبل المشترى لان الاعتاق ليس بازالة الملك بل الملك ينتهى بالاعتاق وهذا لان الاصل في الآدمى عدم الملك والمالية إذ الاصل فيه أن يكون حرا لان الناس كلهم أولاد آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام والمتولد من الحرين يكون حرا الا أن الشرع ضرب الملك والمالية عليه بعارض الكفر مؤقتا إلى غاية الاعتاق والمؤقت إلى غاية ينتهى عند وجود الغاية فينتهى الملك والمالية عند الاعتاق فصار كما لو انتهى بالموت وبه تبين ان الاعتاق ليس بحبس بخلاف البيع لانه لما أخذ العوض فقد أقام المشترى مقام نفسه فكأنه استبقاه على ملكه فصار حابسا اياه بفعله ممسكا عن الرد فلم يرجع بالنقصان وكذلك لو دبره أو استولده ثم وجد به عيبا يرجع بالنقصان لان الرد لم يمتنع من قبل المشترى بل من قبل الشرع ولو قتله المشترى لم يرجع بالنقصان في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه يرجع لان المقتول ميت بأجله فتنتهي حياته عند القتل كما تنتهى عند الموت فصار كما لو مات حتف أنفه وهناك يرجع بالنقصان كذا ههنا (وجه) ظاهر الرواية ان فوات الحياة ان لم يكن أثر فعل القاتل حقيقة فهو أثر فعله عادة فجعل في حق القاتل كأنه تفويت الحياة حقيقة وازالتها وان كان انتهاء حقيقة كالاعتاق على مال انه ألحق بالبيع في حق المعتق وان لم يكن كذلك في حق العبد فصار حابسا للعبد بصنعه ممسكا ولو كان المبيع طعاما فأكله المشترى أو ثوبا فلبسه حتى تخرق لم يرجع بالنقصان في قول أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد يرجع (وجه) قولهما ان أكل الطعام ولبس الثوب استعمال الشئ فيما وضع له وانه انتفاع لا اتلاف بخلاف القتل فانه ازالة الحياة في حق القاتل فكان حبسا وامساكا (وجه) قول أبى حنيفة عليه الرحمة ان المشترى بأكل الطعام ولبس الثوب أخرجهما عن ملكه حقيقة إذ الملك فيهما ثبت مطلقا لا مؤقتا بخلاف العبد فاشبه القتل ولو استهلك الطعام أو الثوب بسبب آخر وراء الاكل واللبس ثم وجد به عيبا لم يرجع بالنقصان بلا خلاف لان استهلاكهما في غير ذلك الوجه ابطال محض فيشبه القتل ولو أكل بعض الطعام ثم وجد به عيبا ليس له أن يرد الباقي ولا ان يرجع بالنقصان عند أبى حنيفة لان الطعام كله شئ واحد بمنزلة العبد وقد امتنع رد بعضه بمعنى من قبل المشترى فيبطل حقه أصلا في الرد والرجوع كما لو باع بعض الطعام دون بعض وروى عن أبى يوسف انه قال يرد الباقي ويرجع بأرش الكل المأكول والباقى الا إذا رضى البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن وروى عن محمد انه قال يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب فيما أكل لانه ليس في تبعيض الطعام ضرر فيمكن رد البعض فيه دون البعض وليس للبائع ان يمتنع عن ذلك وبه كان يفتى الفقيه أبو جعفر وهو اختيار الفقيه أبى الليث ولو باع بعض الطعام دون البعض لم يرد الباقي ولا يرجع بالنقصان عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب الا إذا رضى البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن (وجه) قول زفر أن امتناع الرد والرجوع بالنقصان لاجل البيع وانه وجد في البعض دون البعض فيمتنع في البعض دون البعض لان الاصل أن يكون الامتناع بقدر المانع (ولنا) ما ذكرنا أن الطعام كله شئ واحد كالعبد فالامتناع في البعض لمعنى من قبل المشترى يوجب الامتناع في الكل ولو كان المبيع دارا فبناها مسجدا ثم اطلع على عيب لم يرجع بالنقصان لانه لما بناها مسجدا فقد أخرجها عن ملكه فصار كما لو باعها ولو اشترى ثوبا وكفن به ميتا ثم اطلع على عيب به فان كان المشترى وارث الميت وقد اشترى من التركة يرجع بالنقصان لان الملك في الكفن لم يثبت للمشترى وانما يثبت للميت لان الكفن من الحوائج الاصلية للميت وقد امتنع رده بالعيب لا من قبل المشترى فكان له أن يرجع بالنقصان وان كان المشترى أجنبيا فتبرع بالكفن لم يرجع بالنقصان لان الملك في المشترى وقع له فإذا كفن به فقد أخرجه عن ملكه بالتكفين فاشبه البيع والله عزوجل أعلم (ومنها)

[ 291 ]

عدم وصول عوض المبيع إلى المشترى مع تعذر الرد في ظاهر الرواية فان وصل إليه عوضه بأن قتله أجنبي في يده خطأ لا يرجع بالنقصان وان تعذر رده على البائع وروى عن أبى يوسف ومحمد انه يرجع بالنقصان لانه لم يصل إليه حقيقة العيب وانما وصل إليه قيمة المعيب فكان له أن يرجع بمقدار العيب والصحيح جواب ظاهر الرواية لانه لما وصل إليه قيمته قامت القيمة مقام العين فكأنها قائمة في يده لما وصل إليه عوضه فصار كأنه باعه ولو باعه المشترى ثم اطلع على عيب به لم يرجع بالنقصان كذا هذا ومنها عدم الرضا بالعيب صريحا ودلالة وهى أن يتصرف في المبيع بعد العلم بالعيب تصرفا يدل على الرضا بالعيب فان ذلك يمنع ثبوت حق الرد والرجوع جميعا وقد ذكرنا التصرفات التى هي دليل الرضا بالعيب بعد العلم بالعيب فيما تقدم ولو لم يعلم بالعيب حتى تصرف فيه تصرفا يمنع الرد ثم علم فان كان التصرف ممالا يخرج السلعة عن ملكه يرجع بالنقصان الا الكتابة لانعدام دلالة الرضا وفى الكتابة يرجع لانها في معنى البيع على ما مر وان كان التصرف مما يخرج السلعة عن ملكه كالبيع ونحوه لا يرجع بالنقصان الا الاعتاق لا على مال استحسانا على ما ذكرنا فيما تقدم (وأما) بيان ما يبطل به حق الرجوع بعد ثبوته وما لا يبطل