الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط - السرخسي ج 10

المبسوط

السرخسي ج 10


[ 1 ]

(الجزء العاشر من) كتاب المبسوط لشمس الدين السرخسي وكتب ظاهر الرواية أتت * ستا وبالاصول أيضا سميت صنفها محمد الشيباني * حرر فيها المذهب النعماني الجامع الصغير والكبير * والسير الكبير والصغير ثم الزيادات مع المبسوط * تواترت بالسند المضبوط ويجمع الست كتاب الكافي * للحاكم الشهيد فهو الكافي أقوى شروحه الذي كالشمس * مبسوط شمس الامة السرخسي (تنبيه) قد باشر جمع من حضرات أفاضل العلماء تصحيح هذا الكتاب بمساعدة جماعة من ذوي الدقة من أهل العلم والله المستعان وعليه التكلان دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب السير) (قال) الشيخ الامام الاجل الزاهد شمس الائمة وفخر الاسلام أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى رحمه الله تعالى إعلم ان السير جمع سيرة وبه سمى هذا الكتاب لانه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالانكار بعد الاقرار ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وان كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول الواجب دعاؤهم إلى الدين وقتال الممتنعين منهم من الاجابة لان صفة هذه الامة في الكتب المنزلة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وبها كانوا خير الامم قال الله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس الآية ورأس المعروف الايمان بالله تعالى فعلى كل مؤمن ان يكون آمرا به داعيا إليه وأصل المنكر الشرك فهو أعظم ما يكون من الجهل والعناد لما فيه من انكار الحق من غير تأويل فعلى كل مؤمن ان ينهى عنه بما يقدر عليه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا في الابتداء بالصفح والاعراض عن المشركين قا ل الله تعالى فاصفح اصفح الجميل وقال تعالى وأعرض عن المشركين ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالاحسن فقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي أحسن ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم فقال تعالى اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا أي اذن لهم في الدفع وقال تعالى فان قاتلوكم فاقتلوهم وقال تعالى وان جنحوا للسلم فاجنح لها ثم أمر بالبداية بالقتال فقال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وقال تعالى فاقتلوا ؟ المشركين حيث وجدتموهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله فاستقر الامر على فرضية الجهاد مع المشركين وهو فرض قائم إلى قيام

[ 3 ]

الساعة قال النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ماض منذ بعثنى الله تعالى إلى ان يقاتل آخر عصابة من أمتى الدجال وقال صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدى الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي والذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم وتفسيره منقول عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم باربعة سيوف سيف قاتل به بنفسه عبدة الاوثان وسيف قاتل به أبو بكر رضي الله تعالى عنه أهل الردة قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون وسيف قاتل به عمر رضى الله تعالى عنه المجوس وأهل الكتاب قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية وسيف قاتل به على رضى الله تعالى عنه المارقين والناكثين والقاسطين وهكذا روى عنه قال أمرت بقتال المارقين والناكثين والقاسطين قال الله تعالى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ الي أمر الله ثم فريضة الجهاد على نوعين أحدهما عين على كل من يقوى عليه بقدر طاقته وهوما إذا كان النفير عاما قال الله تعالى انفروا خفافا وثقالا وقال تعالى مالكم إذا قيل انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض إلى قوله يعذبكم عذابا أليما ونوع هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وهو كسرشوكة المشركين واعزاز الدين لانه لو جعل فرضا في كل وقت على كل أحد عاد على موضوعه بالنقض والمقصود أن يامن المسلمون ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم فإذا اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دنياهم فلذلك قلنا إذا قام به البعض سقط عن الباقين وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة يخرج وتارة يبعث غيره حتى قال وددت أن لا تخرج سرية أو جيش الا وأنا معهم ولكن لا أجد ما أحملهم ولا تطيب أنفسهم بالتخلف عنى ولوددت أن أقاتل في سبيل الله تعالى حتي أقتل ثم أحيى ثم اقتل ففي هذا دليل على أن الجهاد وصفة الشهادة في الفضيلة بأعلى النهاية حتي تمنى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع درجة الرسالة وفى حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله وسلم قال المجاهد في سبيل الله كالصائم القائم الراكع الساجد الشاهد وفى حديث الحسن رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال غدوة أو روحة في سبيل الله تعالى خير من الدنيا وما فيها والآثار في فضيلة الجهاد كثيرة وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سنام الدين وعلى امام المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه أو يبعث الجيوش

[ 4 ]

والسرايا من المسلمين ثم يثق بجميل وعد الله تعالى في نصرته بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم فإذا بعث جيشا ينبغى أن يؤمر عليهم أميرا هكذا كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان به يجتمع كلامهم وتتألف قلوبهم وبذلك ينصرون قال الله تعالى هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم وانما يؤمر عليهم من يكون صالحا لذلك بأن يكون حسن التدبير في أمر الحرب ورعا مشفقا عليهم سخيا شجاعا ويحكي عن نصربن سيار رحمه الله تعالى قال اجتمع عظماء العجم وغيرهم على أن قائد الجيش ينبغى ان يكون فيه عشر خصال من خصال البهائم شجاعة كشجاعة الديك وتحنن كتحنن الدجاجة وقلب كقلب الاسد وروغان كروغان الثعلب أي صاحب مكر وحيلة وغارة كغارة الذئب وحذر كحذر الغراب وحرص كحرص الكركي وصبر على الجراح كالكلب وحملة كالجبهة وسمن كما يكون لدابة بخراسان لا تهزل بحال وإذا أمر عليهم بهذه الصفة فينبغي له أن يوصيه بهم كما بدأ الكتاب ببيانه ورواه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى عن علقمة بن مرثد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله عنهم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية أوصى صاحبهم بتقوى الله في خاصة نفسه ففي هذا اشارة إلى الفرق بين الجيش والسرية فالسرية عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار والجيش هو الجمع العظيم الذى يجيش بعضهم في بعض قال صلى الله عليه وسلم خير الاصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة إذا كانت كلمتهم واحدة وفيه بيان أنه ينبغي للامام ان يخص صاحب الجيش والسرية بالوصية لانه يجعلهم تحت أمره وولايته فيوصيه بهم وفى تخصيصه بالوصية بيان ان عليهم طاعته فلا تظهر فائدة الامارة الا بذلك وقد أوصي أبو بكر رضى الله عنه يزيد بن أبى سفيان رحمه الله حين وجهه إلى الشام في حديث طويل ذكره في السير الكبير وانما يوصيه بتقوى الله تعالى لانه بالتقوي ينال النصرة والمدد من السماء قال الله تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم وبالتقوي يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد قال صلى الله عليه وسلم ملاك دينكم الورع وقال التقى ملجم وقيل في معنى قوله في خاصة نفسه أنه كان يوصيه سرا حتى لا يقف على جميع ما يوصيه به غيره والاظهر ان المراد أنه كان يوصيه في حق نفسه أولا ثم يوصيه بمن معه من المسلمين خيرا قال صلى الله عليه وسلم ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ونفسه

[ 5 ]

إليه أقرب فكأنه كان يوصيه بحفظ نفسه من المهالك وحفظ من معه من المسلمين حتي لا يرضى لهم الا بما يرضى لنفسه ولا يخص نفسه بشئ دونهم فبذلك يتحقق التألف وانقيادهم له ثم قال اغزوا باسم الله أي اخرجوا واقصدوا والغزو القصد قال الله تعالى أو كانوا غزا وبين أنه ينبغى لهم أن يقصدوا على اسم الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أقطع قال وفى سبيل الله أي ليكن خروجكم لابتغاء مرضاة الله تعالى لا لطلب المال فالمجاهد يبذل نفسه وماله فانما يربح على عمله إذا قصد به ابتغاء مرضاة الله تعالى فاما إذا كان قصده تحصيل المال فهو كرة خاسرة ثم قال قاتلوا من كفر بالله فيه دليل فرضية القتال وانهم يقاتلون لدفع فتنة الكفر ودفع شر الكفار وهذا عام لحقه خصوص فالمراد من كفر بالله من المقاتلين ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم حين رأى امرأة مقتولة يوم فتح مكة استعظم ذلك وقال هاه ما كانت هذه تقاتل والى ذلك أشار في هذا الحديث بقوله ولا تقتلوا وليدا ثم قال ولا تغلوا والغلول السرقة من الغنيمة وهو حرام قال الله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة قيل في التفسير يجعل ذلك في قعر جهنم ويؤمر باخراجه وكل ما انتهي إلى شفير جهنم يرجع في قعرها وقال صلى الله عليه وسلم الغلول من جمر جهنم والاسود الذى كان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصابه سهم غرب فمات قال الصحابة رضى الله تعالى عنهم هنيأ له الشهادة فقال صلى الله عليه وسلم كلا فان العباءة التى غلها من المغنم لتشتعل عليه نارا يوم القيامة وقال في خطبته ردوا الخيط والمخيط فالغلول عار وشنار على صاحبه يوم القيامة قال ولا تغدروا والغدر الخيانة ونقض العهد وهو حرام قال الله تعالى فانبذ إليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين وقال صلى الله عليه وسلم لكل غادر لواء يركز عند باب أسته يعرف به غدرته يوم القيامة وكان صلى الله عليه وسلم يكتب في العهود وفاء لاغدر فيه قال ولا تمثلوا والمثلة حرام كما روى عمران بن حصين رضى الله تعالى عنه قال ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا بعد ما مثل بالعرنيبن الاو يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فتخصيصه بالذكر في كل وقت وخطبة دليل على تأكيد الحرمة فيه قال ولا تقتلوا وليدا والوليد المولود في اللغة وكل آدمى مولود ولكن هذا اللفظ انما يستعمل في الصغار عادة ففيه دليل على أنه لا يحل قتل الصغار منهم إذا كانوا لا يقاتلون وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان وقال

[ 6 ]

اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شروخهم والمراد بالشيوخ البالغين وبالشروخ الاتباع من الصغار والنساء والاستحياء الاسترقاق قال الله تعالى واستحيوا نساءهم وفي وصية أبى بكر رضى لله عنه ليزيد بن أبى سفيان لا تقتل شيخا ضرعا ولاصبيا ضعيفا يعني شيخا فانيا وصغيرا لا يقاتل قال وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الاسلام وفى نسخ أبي حفص رضى الله عنه وإذا حاصرتم حصنا أو مدينة فادعوهم إلى الاسلام وفيه دليل أنه ينبغي للغزاة أن يبدؤا بالدعاء الي الاسلام وهو على وجهين فان كانوا يقاتلون قوما لم تبلغهم الدعوة فلا يحل قتالهم حتي يدعوا لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم الي لاسلام وهذا لانهم لا يدرون على ماذا يقاتلون فربما يظنون أنهم لصوص قصدوا أموالهم ولو علموا أنهم يقاتلون على الدعاء إلى الدين ربما أجابوا وانقادوا للحق فلهذا يجب تقديم الدعوة وان كانوا قد بلغتهم الدعوة فالاحسن أن يدعوهم إلى الاسلام أيضا فالجد والمبالغة في الانذار بما ينفع وكان صلى الله عليه وسلم إذا قاتل قوما من المشركين دعاهم إلى الاسلام ثم اشتغل بالصلاة وعاد بعد الفراغ إلى القتال جدد الدعوة وان تركوا ذلك وبيتوهم فلا بأس بذلك لانهم علموا على ماذا يقاتلون ولو اشتغلوا بالدعوة ربما تحصنوا فلا يتمكن المسلمون منهم فكان لهم أن يقاتلوهم بغير دعوة على ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه أن يغير على أبني صباحا وفي رواية ابنان صباحا فان أسلموا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم وفيه دليل أنهم إذا أظهروا الاسلام وجب الكف عنهم وقبول ذلك عنهم واليه أشار صلى الله عليه وسلم في قوله فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم وقال تعالى ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلم لست مؤمنا (قال) ادعوهم إلى التحول من ديارهم إلى دار المهاجرين وهذا في وقت كانت الهجرة فريضة وذلك قبل فتح مكة كان يفترض على كل مسلم في قبيلته أن يهاجر إلى المدينة ليتعلم أحكام الدين وينضم إلى المؤمنين في القيام بنصره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا الآية انتسخ ذلك بعد الفتح بقوله صلى الله عليه وسلم لاهجرة بعد الفتح وانما هو جهاد ونية وقال صلى الله عليه وسلم المهاجر من هجر السوء وهجر ما نهى الله تعالى عنه قال فان فعلوا ذلك فاقبلوا منهم وكفوا عنهم والا فاخبروهم انهم كاعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجرى على المسلمين وليس لهم في الفئ ولا في الغنيمة نصيب

[ 7 ]

وهذا كان الحكم حين كانت الهجرة فريضة فأمرهم بأن يعلموهم بذلك وهو أن يجرى عليهم حكم الله تعالى لالتزامهم وانقيادهم لدين الحق وليس لهم في الفئ ولافى الغنيمة نصيب لامتناعهم من الجهاد والقيام بنصرة الدين أو الاشتغال بتعلم أحكام الدين ففيه دليل أن النصيب في الغنيمة والفئ لهذين الفريقين والغنيمة اسم للمال المصاب بالقتال على وجه يكون فيه اعلاء كلمة الله تعالى واعزاز دينه والفئ اسم للمصاب من أموالهم بغير قتال كالخراج والجزية قال الله تعالى وما أفاء الله على رسوله الآية فان أبوا فادعوهم إلى اعطاء الجزية وهذا عام دخله الخصوص فالمراد من يقبل منهم الجزية من أهل الكتاب أو المجوس أو عبدة الاوثان من العجم فاما المرتدون وعبدة الاوثان من العرب لاتقبل منهم الجزية ولكنهم يقاتلون إلى أن يسلموا قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون أي حتى يسلموا فان كانوا ممن تقبل منهم الجزية بحب عرض ذلك عليهم إذا امتنعوا من الايمان لانه أصل ما ينتهى به القتال قال الله تعالى حتي يعطوا الجزية عن يد وبقبول ذلك يصيرون من أهل دارنا ويلتزمون أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات فيدعون إليه والمراد بالاعطاء القبول والالتزام فان فعلوا ذلك فاقبلوا منهم وكفوا عنهم وإذا حاصرتم أهل حصن أو مدينة فأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تنزلوهم فانكم لا تدرون ماحكم الله تعالى فيهم وبه يستدل محمد رحمه الله تعالى على أنه لا يجوز انزال المحاصرين على حكم الله تعالى وأبو يوسف رحمه الله تعالى يجوز ذلك ويقول كان هذا في ذلك الوقت فان الوحى كان ينزل والحكم يتغير ساصة فساعة فالذين كانوا بالبعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يدرون ما نزل بعدهم من حكم الله تعالى فأما الآن فقد استقر الحكم وعلى أن الحكم في المشركين الدعاء إلى الاسلام وتخلية سبيلهم ان أجابوا قال الله تعالى فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فان أبوا فالدعاء إلى التزام الجزية فان أبوا فقتل المقاتلة وسبى الذرية ومحمد رحمه الله تعالى يقول لا يجوز الانزال على حكم الله تعالى كما ذكر في الحديث فان الحكم الذى ذكره أبو يوسف رحمه الله تعالى في قوم وقع الظهر عليهم فأما في قوم محصورين ممتنعين في أنفسهم نزلوا على حكم الله تعالى فلا يدري أن الحكم هذا أو غيره وفى هذا اللفظ دليل لاهل السنة والجماعة على أن المجتهد يخطئ ويصيب فانه قال فانكم لا تدرون ماحكم الله فيهم ولو كان كل مجتهد مصيبا لكان يعلم حكم الله فيهم بالاجتهاد

[ 8 ]

لا محالة (فان قيل) فقد قال أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم بما رأيتم ولو لم يكن المجتهد مصيبا للحق لما أمر بانزالهم على حكمنا فانه لا يأمر بالانزال على الخطأ وانما يأمر بالانزال على الصواب (قلنا) نعم نحن لانقول المجتهد يكون مخطئا لا محالة ولكنه على رجاء من الاصابة وهو آت بما في وسعه فلهذا أمر بالانزال على ذلك لا لانه يكون مصيبا للحق باجتهاده لا محالة وفائدة ذلك أنه لا يتمكن فيه شبهة الخلاف إذا نزلوا على حكمنا وحكمنا فيهم بما رأينا ويتمكن ذلك إذا نزلوا على حكم الله تعالى باعتبار ان المجتهد يخطئ ويصيب فهذا فائدة هذا اللفظ (قال) وإذا حاصرتم أهل حصن أو مدينة فارادوكم ان تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تعطوهم ذمة الله ولا ذمة رسوله ولكن أعطوهم ذممككم وذمم آبائكم فانكم ان تخفروا ذممكم وذمم آبائكم فهو اهون والمراد بالذمة العهد ومنه سمى أهل الذمة قال الله تعالى لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة أي عهدا فهو عبارة عن اللزوم ومنه سمى محل الالتزام من الآدمى ذمة والالتزام بالعهد يكون وفيه دليل على أنه لا ينبغى للمسلمين ان يعطوا المشركين عهد الله ولاعهد رسوله لانهم ربما يحتاجون إلى النبذ إليهم ونقض عهد الله وعهد رسوله لا يحل واليه أشار بقوله ولكن اعطوهم ذممكم وذمم آبائكم يعنى عهدكم وعهد آبائكم ممن الممالحة والصحبة التى كانوا يعتقدون الحرمة به في الجاهلية فانكم ان تخفروا ذممكم فهو أهون أي تنقضوا يقال أخفر إذا نقض العهد وخفر أي عاهد ومنه الخفير وهو الذى يسير الناس في امانه سمى خفيرا للمعاهدة مع الذين في امانه أو مع الذين يتعرضون للناس في ان لا يقصدوا من كان في أمانه وهذا بيان فوائد الحديث والله أعلم وعن ابن عباس رضى الله عنه ان الخمس كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم فلله ولرسوله سهم ولذي القربى سهم وللمساكين سهم ولليتامى سهم ولابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم على ثلاثة أسهم لليتامي والمساكين وابن السبيل ومراده بيان قول الله تعالى واعلموا ان ما غنمتم من شئ فان لله خمسه وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم واحد وذكر اسم الله تعالى للتبرك ومفتاح الكلام وكان أبو العالية يقول الغنيمة علي ستة أسهم سهم لله تعالى ويصرف ذلك إلى عمارة الكعبة ان كانت الكعبة بالقرب منها والى عمارة الجامع في كل بلدة هي بالقرب من موضع القسمة لان هذه البقاع مضافة إلى الله تعالى وهذا السهم لله تعالى فيصرف إلى عمارة

[ 9 ]

البقاع المضافة إليه خالصا ولسنا نأخذ بهذا فذكر الله تعالى ليس للاستحقاق لان الدنيا بما فيها لله تعالى ولكن للتبرك أو لتشريف هذا المال لان اضافة شئ من الدنيا إلى الله تعالى على الخصوص لمعني التشريف كالمساجد والناقة وهذا المعني يتحقق في الغنيمة لانها أصيبت بطريق فيه اعلاء كلمة الله تعالى واعزاز دينه واما سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ثابتا في حياته وسقط بموته عندنا وقال الشافعي رحمه الله هو باق يصرف إلى كل خليفة بعده لانه كان يأخذ ذلك السهم في حياته ليستعين به في جوائز الوفود والرسل كما قال صلى الله عليه وسلم والله ما يحل لى من غنائمكم الا الخمس والخمس مردود فيكم والخليفة بعده محتاج إلى مثل ما كان هو محتاجا إليه فيصرف هذا السهم إليه ولكنا نقول الخلفاء الراشدون بعده لم يرفعوا هذا السهم لانفسهم فعرفنا أنه كان له بدرجة الرسالة لا بالقيام بأمور الناس وذلك غير موجود في الخلفاء بعده ولما اجتمع الصحابة رضي الله عنهم ليفرضوا لابي بكر رضى الله عنه قدر كفايته لم يجعلوا ذلك من هذا السهم ولانه كان له من الغنائم ثلاث حظوظ خمس الخمس والصفي والسهم ثم الخليفة لايقام مقامه في استحقاق الصفى فكذلك في استحقاق خمس الخمس والصفي شئ نفيس كان يصطفيه لنفسه من سيف أو ؟ ؟ ؟ ؟ أو جارية كما روى أنه صلى الله عليه وسلم اصطفي ذا الفقار من غنائم بدر وكان سيفا لمنبه بن الحجاج بخلاف ما يزعم الروافض أنه نزل من السماء لعلى رضي الله عنه واصطفي صفية من غنائم خيبر وهذا شئ كان لرأس الجيش في الجاهلية كما قال القائل لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفصول فأما سهم ذوى القربى فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه إليهم في حياته وهم صلبية بني هاشم وبنى المطلب ولم يبق لهم ذلك بعده عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى هو مستحق لهم يجمعون من أقطار الارض فيقسم بين ذكورهم واناثهم بالسوية وكان الكرخي رحمه الله تعالى يقول انما سقط بموته هذا السهم في حق الاغنياء منهم دون الفقراء والطحاوي رحمه الله تعالى كان يقول سقط في حق الفقراء والاغنياء منهم جميعا وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول لم يكن لهم هذا السهم مستحقا بالقرابة بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه إليهم مجازاة على النصرة التى كانت منهم ولم يبق ذلك المعني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاعتماد على هذا والشافعي رحمه الله تعالى استدل

[ 10 ]

بظاهر قوله تعالي ولذي القربى فقد أضاف إليهم سهما بلام التمليك فدل أنه حق مستحق لهم وأن الاغنياء والفقراء فيه سواء لانه ليس له في اسم القرابة ما ينبئ عن الفقر والحاجة بخلاف سهم اليتامى ففي اسم اليتيم ما ينبئ عن الحاجة حتى لو أوصي ليتامى بني فلان وهم لا يحصون فالوصية لفقرائهم بخلاف مالو أوصى لاقرباء فلان وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى الاغنياء منهم فانه أعطى العباس رضي الله عنه وقد كان له عشرون عبدا كل عبد يتجر في عشرين ألفا وأعطى الزبير بن العوام من غنائم خيبر خمسة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وسهما لقرابته وسهما لامه صفية وكانت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها فإذا كان هذا الحكم ثابتا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقى بعده لانه لانسخ بعد وفاته ومن قال من مشايخنا رحمهم الله ان الا ستحقق للفقراء منهم دون الاغنياء احتج بقوله تعالى كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وبين مصارف الخمس ثم بين المعنى فيه وهو ان لا يكون شئ منه دولة بين الاغنياء تتداوله أيديهم واسم ذوى القربى عام يتناول الاغنياء والفقراء فيخصه ويحمله على الفقراء بهذا الليل ومن قال لاحق للفقراء والاغنياء منهم جميعا قال المراد بالآية بيان جواز الصرف إليهم لا بيان وجوب الصرف إليهم وكان هذا مشكلا فان الصدقة لا تحل لهم فكان يشكل أنه هل يجوز صرف شئ من الخمس إليهم ولم يزل هذا الاشكال ببيان سهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لانه ما كان يصرف ما يأخذ إلى حاجة نفسه فازال الله تعالى هذا الاشكال بقوله تعالى ولذي القربى وانما حملناه على هذا لاجماع الخلفاء الراشدين على قسمة الخمس على ثلاثة أسهم ولا يظن بهم أنه خفى عليهم هذا النص ولا انهم منعوا حق ذوى القربي فعرفنا باجماعهم أنه لم يبق الا الاستحقاق لاغنيائهم وفقرائهم والشافعي رحمه الله تعالى يقول لااجماع ويستدل بالحديث الذي ذكره عن أبى جعفر محمد بن على رضى الله عنهما قال كان رأى على رضى الله عنه في الخمس رأى أهل بيته ولكنه كره ان يخالف أبا بكر وعمر رضى الله عنهما قال والاجماع بدون أهل البيت لا ينعقد كيف وقد كان رأى علي رضى الله عنه معهم ولكنه يتحرز من أن ينسب إلى مخالفة أبى بكر وعمر رضي الله عنهما ولكنا نقول ليس في هذا الحديث بيان من كان يرى ذلك من أهل البيت وقد كان فيهم من لا يكون قوله حجة وانما كره علي رضى الله عنه هذه المخالفة لانه رأى الحجة معهما فانه خالفهما في كثير من

[ 11 ]

المسائل حين ظهر الدليل عنده وهذا لانه كان مجتهدا ولا يحل للمجتهد ان يدع رأى نفسه لرأى مجتهد آخر احتشاما له والدليل عليه حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله عن علي رضى الله عنه قال اجتمعت انا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال العباس كبر سنى ورق عظمي وركبتني المؤن فان رأيت ان تأمر لى بكذا وسقا من طعام فافعل ففعل ذلك وقالت فاطمة رضى الله عنها أنت تعلم مكاني منك فان رأيت ان تأمر لى بمثل ما أمرت به لعمك فافعل ففعل لك وقال زيد بن حارثة كنت أعطيتني أرضا فكنت أزرعها وأعيش بها ثم أخذتها منى فان رأيت أن تردها على فافعل ففعل ذلك فقلت أنا ان رأيت أن توليني القسمة فيما هو حقنا كيلا ينازعني أحد بعدك فافعل ففعل ذلك وقال للعباس رضى الله تعالى عنه هلا سألت كما سأل ابن أخيك فقال إلى ذلك انتهت مسألتي فكنت أقسم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عهد أبى بكر وصدرا من خلافة عمر رضى الله تعالى عنهما حتى أناه مال عظيم فدعاني لآخذ ماكنت آخذه وأقسمه بين أهل البيت فقلت له ان بنا اليوم عنه غنى وبالمسلمين خلة فاصرفه إليهم ففعل ذلك وقال لى العباس لقد جرمنا اليوم شيئا لا يعود الينا أبدا وكان رجلا داهيا فكان كما قال فبهذا تبين أن عليا رضى الله تعالى عنه علم أن الصرف إليهم للحاجة لا للاستحقاق حين رد بقوله ان بنا اليوم عنه غنى وذكر عن ابن عباس رضى الله عنهما قال عرض علينا عمر رضى الله عنه أن يزوج من الخمس أيمنا وأن يقضى به عن مغرمنا فأبينا الا أن يسلمه الينا فأبى ذلك علينا قال الشافعي رحمه الله تعالى وفي هذا دليل على أن ابن عباس رضى الله عنه كان يري استحقاق ذلك السهم لهم وذلك ظاهر فيما ذكر بعد هذا من كتابه إلى نجدة وكتبت إلى أن تسألني عن سهم ذوى القربى وانا لنزعم أنه لنا ويأبى علينا ذلك غيرنا ولكنا نقول بعد اجماع الخلفاء الراشدين لا يؤخذ بقول ابن عباس رضى الله عنهم أجمعين في هذا كما لا يؤخذ به في العول وغيره مع أن معني قوله فأبينا الا أن يسلمه الينا لنتولى صرفه إلى المحتاجين منا لا لنصرفه إلى أنفسنا وكل أحد يحب ذلك في أهل بيته ألا ترى أنه قال فأبى ذلك علينا وعمر رضى الله عنه ماكان يعرف بمنع الحق من المستحق بل بايصال الحق إلى المستحق على ما قال صلى الله عليه وسلم أينما دار عمر فالحق معه وعن سعيد بن المسيب رضى الله عنه قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس يوم خيبر فقسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبني المطلب

[ 12 ]

فكلم عثمان بن عفان وجبير بن مطعم رضى الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا نحن وبنو المطلب في النسب اليك سواء فأعطيتهم دوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا لم نزل نحن وبنو المطلب في الجاهلية والاسلام معا وفي بعض الروايات قالا لا ينكر فضل بني هاشم لمكانك الذى وضعك الله تعالى فيهم ولكن نحن واخواننا من بنى المطلب اليك في النسب سواء فما بالك أعطيتهم وحرمتنا فقال انهم لم يفارقوني في الجاهلية ولا في الاسلام وفى رواية فانما بنو هاشم وبنو المطلب كشئ واحد وفي رواية لم نزل معهم هكذا وشبك بين أصابعه واعتمادنا على هذا الحديث فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاستحقاق بالنصرة دون القرابة وأن المراد بالقربى قرب النصرة حين شبك بين أصابعه ومعني الحديث أن أصل النسب وهو عبدمناف كان له أربعة بنين هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أولاد هاشم فانه محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فكانت بنو هاشم أولاد جده وجبير بن مطعم كان من بنى نوفل وعثمان رضى الله عنه كان من بني عبد شمس وولد جد الانسان أقرب إليه من ولد أخ جده فهذا معنى قولهما لاننكر فضل بنى هاشم فأما بنو نوفل وبنو عبد شمس كانوا مع بنى المطلب في القرابة إسوة وقيل بنو نوفل وبنو عبدشمس كانوا أقرب إليه من بني المطلب لان نوفلا وعبد شمس كانا اخوى هاشم لاب وأم والمطلب كان أخا هاشم لابيه لا لامه والاخ لاب وأم أقرب إلى المرء من الاخ لاب ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبدشمس فأشكل ذلك عليهما فلذلك سألاه ثم أزال اشكالهما ببيان علة الاستحقاق أنه النصرة دون القرابة ولم يرد يه نصرة القتال فقد كان ذلك موجودا من عثمان رضي الله عنه وجبير بن مطععم وانما أراد نصرة الاجتماع إليه للمؤانسة في حال ماهجره الناس على ماروى أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى هاشم ورأت قريش آثار الخير فيهم حسدوهم وتعاقدوا فيما بينهم أن لا يجالسوا بني هاشم ولا يكلموهم حتي يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وتعاقد بنو هاشم فيما بينهم على القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بنو نوفل وبنو عبدشمس في عهد قريش ودخل بنو المطلب في عهد بني هاشم حتي دخلوا معهم الشعب فكانوا فيه ثلاث سنين مع رسول الله صلى الله

[ 13 ]

عليه وسلم حتى أكلوا العلهز من الجهد القصة واليه أشار رسول الله صلى عليه وسلم انا لم نزل نحن وبنو المطلب في الجاهلية والاسلام معا وإذا ثبت أن الاستحقاق بتلك النصرة ولا تبقي تلك النصرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقي الاستحقاق لا للانتساخ بعد موته بل لانعدام الحكم لعدم علته وهذا معنى ما قلنا إن ذلك كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم يصرفه إليهم مجازاة على تلك النصرة المخصوصة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكافئ كل من نصره يوما حتى قال يوما لما عرض عليه الاسارى لو كان معظعم بن عدى حيا لو هبت هؤلاء السى ؟ منه مجازاة له على ما صنع وقد كان مات على شركه ولكنه قام بنصرته يوما وفيه قصة معروفة أو نقول ثبت بالكتاب أن الاستحقاق بالقرابة وببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الاستحقاق بالنصرة وما كان ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحي فصار هذا الاستحقاق ثابتا بعلة ذات وصفين القرابة والنصرة وانعدم أحد الوصفين وهو النصرة بعد وفاته فلا يبقي الاستحقاق كما أنه لما انعدم أحد الوصفين في حق بني نوفل وبني عبد شمس في حياته لم يعطهم شيئا فبنو هاشم وبنو المطلب بعد وفاته بمنزلة بني نوفل وبني عبد شمس في حياته وتعليق الاستحقاق بالنصرة أولى منه بالقرابة لان القيام بنصرة رسول الله صلى عليه وسلم قربة وطاعة ومال الله تعالى يجوز أن يستحق بعمل هو قربة ولايجوز ان يستحق بنفس القرابة لان قرابة الرجل سبب لاستحقاق ماله فاما مال الله تعالى لا يستحق بالقرابة ولان درجة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلى من أن تجعل علة لاستحقاق شئ من الدنيا ولا معني لما يقول الخصم ان هذا السهم لهم عوض عن حرمة الصدقة عليهم كما قال صلى الله عليه وسلم يا معشر بنى هاشم ان الله تعالي كره لكم غسالة الناس وعوضكم منها سهما من الخمس وهذا لان حرمة الصدقة عليهم لكرامتهم فلا يدخل به عليهم نقصان يحتاج إلى جبره بالتعويض ولئن كان هذا السهم عوضا من حرمة الصدقة فينبغي ان يستحقه من يستحق الصدقة لو لا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الفقراء دون الاغنياء وينبغى ان يكون استحقاقهم على نحو استحقاق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقاقهم للصدقة لولا قرابة رسول الله صلى عليه وسلم على وجه جواز الصرف إليهم لا وجوب الصرف إليهم فكذلك هذا السهم ونحن نقول إنه يجوز صرف بعض الخمس إليهم وانما ننكر وجوب الصرف إليهم بسبب القرابة وأيد جميع

[ 14 ]

ما قلنا حديث أم هانئ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال سهم ذوى القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي والحديث وان كان شاذا فقد تأكد باجماع الخلفاء الراشدين على العمل به وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال كان يحمل من الخمس في سبيل الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل في غير ذلك وانما اراد به ماكان يصرف من الخمس إلى ذوى القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر بعد هذا عن الضحاك ان أبا بكر الصديق رضى الله عنه استشار المسلمين في سهم ذوى القربى فرأوا ان يجعل في الخيل والسلاح وفي هذا بيان انهم كانوا مجمعين على أنه لااستحقاق لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان استحقاقهم في حياته كان للنصرة ألا ترى أنهم جعلوا مصرفة آلة النصرة وهي الخيل والسلاح وقوله ويعطى منه نائبة القوم قيل المراد بالقوم ذوى القربى كما قال في حديث ابن عباس رضى الله عنهما عرض علينا عمر رضى الله عنه ان يزوج منه ايمنا ويقضى منه عن مغرمنا وقيل المراد بالقوم الغزاة أي يعطى منه ما يحتاج إليه الغزاة في سبيل الله تعالى ومعلوم أن الصرف إلى المستحق المحتاج أولى من الصرف إلى محتاج غير مستحق وقوله فلما كثر المال جعل في غير ذلك تعرض لبعض من كان لا يصرفه إلى مصرفه في وقته يعنى كثرة الاجماع فيه فمع كثرة المال لا يصل إلى المصرف الذى كان يصل إليه عند قلة المال وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رجلا وجد بعيرا في المغنم قد كان المشركون أصابوه قبل ذلك فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان وجدته قبل القسمة فهو لك وان وجدته بعد القسمة أخذته بالثمن ان شئت وفى رواية أخرى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة لرجل من المسلمين بدارهم فاشتراها رجل منهم وأخرجها فخاصم فيها مالكها فقال صلى الله عليه وسلم ان شئت أخذتها بالثمن وفي الحديثين حجة لنا أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاحراز لانهم لو لم يملكوا لرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المالك مجانا بكل حال فان المسلمين انما يملكون على الكفار مالهم لامال المسلم وكذلك المشترى انما يملك على البائع ماله الا أنه جعل له حق الاخذ قبل القسمة بغير شئ وبعد القسمة بالقيمة لان المستولي عليه صار مظلوما وعلى من يذب عن دار الاسلام القيام بنصرته ودفع الظلم عنه وذلك باعادة ماله إليه وقبل القسمة لم يتعين الملك فيه لاحد بل هو باق على حق الغزاة فكان عليهم الرد ليندفع به الظلم عن صاحبه وبعد القسمة قد تعين الملك لمن وقع في

[ 15 ]

سهمه وعليه دفع الظلم عنه ولكن ليس له أن يحول ملكه و حقه إليه الا أن حقه في المالية فلمراعاة النظر من الجانبين قلنا تعاد إليه العين بالقيمة ليصل المستولي عليه إلى عين ماله ويصل الآخر إلى حقه في المالية ودليل أن حقه في المالية أن للامام بيع الغنائم وقسمتها بين الغانمين ومراده بالثمن القيمة فالقيمة ثمن التعديل والمسمى ثمن التراضي ولهذا مكنه من الاخذ من المشترى بالثمن لان حق المشترى فيما أعطى من ماله وهو الثمن فينظر له في ذلك كما ينظر للمستولي عليه في اعادة ماله إليه وعن الشعبي رحمه الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أهل السواد ذمة المراد سواد العراق وفيه دليل على أن الامام إذا فتح بلدة عنوة وقهرا فله أن يجعل أهلها ذمة ويضع الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم كما فعله عمر رضى الله تعالى عنه فانه افتتح السواد عنوة وقهرا وذلك مشهور في كتب المغازى وفيه أشعار وقد كان صاحب جيش العجم رستم بن فرخ هرمزان وقتل في الحرب وأنشد الاعرابي الذى قتله فقال ألم تر أنى حميت الذمار * وأبقيت مكرمة في الامم غداة الهزيمة إذ رستم * يسوق الفوارس سوق النعم رماني بسهم وقد نلته * فصك الركاب ببطن القدم واضرب بالسيف يافوخه * فكانت لعمري فتح العجم وقد كان صاحب جيش المسلمين سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه وكان قد خرج به دماميل فلم يحضر الحرب يوم الفتح وفى ذلك يقول قائلهم الم تر أن الله أنزل نصره * وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم وانما بينا هذا لان بعض أصحاب الشافعي رحمهم الله ينكرون فتح السواد عنوة وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه لاأدرى ماذا أقول في سواد الكوفة ولكني أقول قولا بظن مقرون إلى علم وهذا جهل وتناقض من قائله فان الظن ان يترجح أحد الجانبين من غير دليل فكيف يكون علما وفتح السواد عنوة وقهرا أشهر من أن يخفى على أحد حتى يحتاج إلى هذا التكلف وربما يقول الشافعي رحمه الله أن عمر رضى الله عنه ملك الاراضي للمسلمين واسترقهم ثم تركهم ليعملوا في أراضي المسلمين وما جعل عليهم من الخراج والجزية بمنزلة

[ 16 ]

الضريبة كالمولى يساوى عبده الضريبة ويستعمله وربما يقول من عليهم برقابهم وتملك الاراضي ثم أجرها منهم والخراج الذي جعل عليهم أجرة وهذا بعيد فان جزيتهم أشهر من أن تخفى وقد كانوا يتبايعون ذلك فيما بينهم ويتوارثونه من ذلك الوقت إلى يومنا هذا فعرفنا أن الصحيح ماقاله علماؤنا رحمهم الله تعالى انه من عليهم برقابهم وأرضهم وجعل عليهم الجزية في رؤسهم والخراج في أرضهم وانما فعل ذلك بعدما شاور الصحابة رضى الله عنهم على ماروى أنه استشارهم مرارا ثم جمعهم فقال اما اني تلوت آية من كتاب الله تعالى واستغنيت بها عنكم ثم تلى قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى إلى قوله تعالى للفقراء المهاجرين إلى قوله تعالي والذين تبوؤا الدار هكذا في قراءة عمر رضي الله عنه إلى قوله تعالى والذين جاؤا من بعدهم ثم قال أري لمن بعدكم في هذا الفئ نصيب ولو قسمتها بينكم لمن يكن لمن بعدكم نصيب فمن بها عليهم وجعل الجزية على رؤسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين ولم يخالفه في ذلك الا نفر يسير منهم بلال رضي الله عنه ولم يحمدوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر فقال اللهم اكفني بلالا وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف أي ماتوا جميعا وذكر عن عطاء رحمه الله تعالى قال كتب نجدة إلى ابن عباس رضى الله عنهما يسأله هل للعبد في المغنم سهم وهل كانت النساء يحضرن الحرب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ومتى يجب للصبى سهم في المغنم وعن سهم ذوى القربى فكتب ابن عباس رضى الله عنهما إنه لاحق للعبد في المغنم ولكن يرضخ له الحديث وفي هذا بيان ان الاستفتاء بالكتاب كان معروفا فيهم فان نجدة كان حروريا وهم كانوا قوما يسألون سؤال التعمق فكان كثيرا ما يكتب نجدة إلى ابن عباس رضى الله عنهما حتى ربما كان يضجر ابن عباس رضى الله عنهما ويقول لا يزال يأتينا باحموقة من خاطره ومع هذا كان يجيبه فيما كتب إليه وفيه بيان أنه لا يسهم للعبد كما يسهم للحروبه نأخذ فان العبد تبع للحر وليس من أهل أن يجاهد بنفسه حتى كان للمولى أن يمنعه وهو ممنوع من الخروج بغير اذنه ولا يسوى بين الاصل والتبع في الاستحقاق ولكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته وكتب إليه ان النساء كن يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوين الجرحى وكان يرضخ لهن وخروج النساء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهور في الآثار ومنهن من كانت تقاتل معه على ماروى ان

[ 17 ]

أم سليم بنت ملحان قاتلت يوم حنين شادة على بطنها وكانت حاملا حتى قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لمقامها خير من مقام فلان وفلان يعنى الذين انهزموا وهي التى قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الا نقاتل هؤلاء الفرارين كما قاتلنا المشركين فقال صلي الله عليه وسلم عافية الله أوسع لنا وأم أيمن كانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداوى الجرحي وتقوم على المرضى وبعض العجائز كانت تخرج مع خالد بن الوليد رضى الله عنه للطبخ والخبز وسقي الماء وهذا دليل علي أنه لا بأس بخروج العجائز مع الجيش لهذه الاعمال ثم يرضخ لهن لانهن اتباع كالعبيد ولانهن عاجزات عن القتال بنية والعبيد يعجزون عن ذلك بمنع الموالى فاستويا في المعنى فلهذا يرضخ للفريقين وكتب أنه لاحق للصبي في المغنم حتى يحلم وانما أراد السهم الكامل أنه لا يثبت اسمه فيمن يسهم له ما لم يبلغ وبه نأخذ والاصل فيه حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال عرضت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وانا ابن خمس عشرة سنة فأجازنى ولكن يرضخ للصبى إذا قاتل فقد كان في الصبيان من يقاتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى أنه عرض عليه صبي فرده فقيل إنه رام فأجازه وعرض عليه صبيان فرد احدهما وأجاز لآخر فقال المردود أجزته ورددننى ولو صارعته لصرعته فقال صارعه فصارعه فصرعه فأجازهما والمراد الاجازة في المقاتلين ليرضخ لهما لاليسهم فقد ثبت أنه لا يستحق السهم الا بعد البلوغ وذكر عن عمر رضى الله عنه انه قال لاحق للعبد في المغنم والمراد السهم الكامل فأما الرضخ ثابت له إذا قاتل باذن سيده أو المراد الآبق الخارج بغير اذن مولاه وهذا لاحق له بل يؤدب على فعله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بعدما قدم المدينة وانما أورد هذا ليبين أن الامام لا يشتغل بالقسمة في دار الحرب لانهم كانوا محتاجين في ذلك الوقت ثم أخر القسمة حتى قدم المدينة فدل أنها لا تقسم في دار الحرب والذى يرويه الشافعي رحمه الله تعالى أنه قسمها بالسير شعب من شعاب الصفراء والصفراء من بدر لا يكاد يصح بل المشهور أنه قسم بالمدينة حتى طلب منه عثمان رضى الله تعالى عنه أن يضرب له فيها بسهم ففعل قال وأجرى يارسول الله قال وأجرك وكان خلفه بالمدينة على ابنته رقية يمرضها فماتت قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قاله بعضهم قدم علينا زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر حين سوينا على رقية يعني التراب

[ 18 ]

على قبرها وسأله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن يضرب له بسهم وكان غائبا بالشام فرافق ؟ قدومه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهم قال وأجري يارسول الله قال وأجرك وتكلموا في ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالسهم ولم يشهدا بدرا فذكر الواقدي رحمه الله تعالي أنه ضرب لثمانية نفر ممن لم يشهدوا بدرا بالسهم فقيل انما ضرب لعثمان رضى الله تعالى عنه لان تخلفه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمرض ابنته وكانت تحته وكان في ذلك فراغ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحق هو بمن شهد بدرا ألا ترى أنه وعدله الاجر وطلحة كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتجسس خبر العير فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا وقيل بل كان أسهم لهما لانهما كالمدد أما طلحة فقد كان في دار الحرب عازما على اللحوق بالمسلمين وعثمان رضي الله عنه وان كان بالمدينة فالمدينة انما كان لها حكم دار الاسلام في ذلك الوقت حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين فيها فأما بعد خروجهم فقد كانت الغلبة فيها لليهود والمنافقين وهو دليل لنا على أن المدد إذا لحق الجيش في دار الحرب شركهم في الغنيمة وان لم يشهد الوقعة وقيل انما أسهم لهما لان الامر في غنائم بدر كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى من يشاء ويمنع من يشاء اما لانها أصيبت بمنعة السماء أو لانها كثرت المنازعة بينهم فيها على ماروى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال ساءت أخلاقنا يوم بدر فحرمنا ثم بين ذلك فقال كنا ثلاث فرق فرقة كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرقة جمعوا الغنائم وفرقة اتبعوا المنهزمين فجعلت كل فرقة نقول الغنيمة لنا فارتفعت أصواتنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فأنزل الله تعالى يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فتبين أن الامر كان في غنائم بدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا أعطى من أعطى ممن لم يحضر وذكر عن محمد بن اسحاق والكلبي رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم حنين منصرفه من الطائف بالجعرانة وفي هذا دليل أنها لا تقسم في دار الحرب فانه أخر القسمة حتى انتهي إلى الجعرانة وكانت حدود دار الاسلام في ذلك الوقت لان فتح حنين كان بعد فتح مكة والجعرانة من نواحى مكة وقد روي ان الاعراب طالبوه بالقسمة وأحاطوا به يقولون أقسم بيننا ما أفاء الله تعالى علينا حتى الجؤه إلى سمرة وجذب بعضهم رداءه فتخرق فقال اتركوا لى ردائي فلو كانت هذه العضاه

[ 19 ]

ابلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم ثم لا تجدونني جبانا ولا بخيلا فمع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الاسلام فدل أنها لا تقسم في دار الحرب (قال) واما خيبر فانه افتتح الارض وجرى فيها حكمه فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة وقسم الغنائم فيها قبل أن يخرج منها ففي هذا دليل أن الامام إذا افتتح بلدة وصيرها دار اسلام باجراء أحكام الاسلام فيها فانه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها وقد طال مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الاسلام فيها فكانت من دار الاسلام القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الاسلام (قال) وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم وكان قد افتتحها يعنى صيرها دار الاسلام ودل على ذلك حديث مكحول قال ما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم الا في دار الاسلام وفى هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب لان الافعال المتفقة في الاوقات المختلفة لا تكون الا على صفة واحدة الا لداع يدعو إليها وليس ذلك الالكراهة القسمة في دار الحرب وذكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس سهمين والراجل سهما يوم بدر وانما كان يوم بدر مع المسلمين فرسان وسبعون بعيرا ففي هذا دليل أنه يسهم للفرس دون غيره من البهائم وهذا لان الارهاب الذى يحصل بالخيل لا يحصل بغيره قال الله تعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وفيه دليل أنه يسهم للفرس سهم واحد وهو حجة لابي حنيفة رحمه الله تعالى فانهما يقولان للفرس سهمان وللرجل سهم واحد وقد ورد به بعض الآثار ولكن رجح أبو حنيفة رحمه الله تعالى حديث ابن عباس رضى الله عنهما في غنائم بدر قال السهم الواحد متيقن به لاتفاق الآثار وما زاد عليه مشكوك فيه لاشتباه الآثار فلا أعطينه الا المتيقن ولا أفضل بهيمة على آدمي وسنقرره في موضعه ان شاء الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنهما في جعل القاعد للشاخص ما جعل من ذلك في الكراع والسلاح فلا بأس به وما صنع ذلك في متاع البيت فلا خير فيه وفيه دليل جواز التجاعل بخلاف ما يقوله بعض الناس ان من خرج للجهاد لا يحل له أن يجتعل من غيره واعتمدوا فيه ما روى ان رجلا استؤجر بدينارين للجهاد فلما جاء يطلب الغنيمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بكم استؤجرت قال بدينارين قال انما لك ديناران في الدنيا والآخرة ولكنا نقول بهذا فنقول الاستئجار علي الجهاد لا يجوز والتجاعل ليس

[ 20 ]

باستئجار ولكنه اعانة على السير وهو مندوب إليه وجهاد بالمال والنفس جميعا قال الله تعالى وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وقال جل وعلا ان الله اشتري من المؤمنين أنفسهم واحوال الناس متفاوتة فمنهم من يقدر على اقامة الفرض بهما ومنهم من يقدر على اقامة الجهاد بالنفس لصحة بدنه ويعجز عن الخروج لفقره والآخر يعجز عن الخروج والجهاد بالنفس لمرض أو آفة ويقدر علي الجهاد بالمال فيجهز بماله من يخرج فيجاهد بنفسه حتى يكون الخارج مجاهدا بالنفس والقاعد المعطى المال مجاهدا بالمال والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ولهذا كره ابن عباس رضى الله عنهما لقابض المال أن يجعل ذلك في متاع بيته لان المعطى أمره بالجهاد به وذلك في استعداده له والانفاق في الطريق على نفسه وهو على وجهين عندنا ان قال هذا المال لك فاغز به فله أن يصرفه إلى ما يشاء لانه ملكه المال ثم أشار عليه بان يصرفه الي الجهاد فان شاء قبل مشورته وان شاء لم يقبل وان قال اغز بهذا المال فليس له ان يصرفه إلى متاع بيته ولكن يشتري به الكراع والسلاح وينفق على نفسه في طريق الجهاد وقد بينا نظيره في الحج وعن عمر رضى الله عنه أنه كان يغزى العزب عن ذي الحليلة ويعطى الغازى فرس القاعد وانه كان حسن التدبير والنظر للمسلمين فمن حسن نظره هذا ان ذا الحليلة قبله مع أهله فلا يطيل المقام في الثغر والعزب لا يكون قبله وراء فيتمكن من اطالة المقام فلهذا كان يأمر العزب بالخروج ومنهم من يروى الاعزب وكان يعطى الغازى فرس القاعد ليكون صاحب الفرس مع زوجته يحفظها ويكون مجاهدا بفرسه والخارج يكون مجاهدا ببدنه ثم منهم من يقول انما كان يفعل ذلك بالتراضي فأما عند عدم الرضي ماكان يفعل ذلك بل كان يجهز الغازي من بيت المال ان لم يكن مال فان مال بيت المال معد لذلك والاصح أن نقول للامام أن يفعل ذلك عند الحاجة فان لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فله أن يحكم على الناس بقدر ما يحتاج إليه لذلك لانه مأمور بالنظر للمسلمين وان لم يجهز الجيش للدفع ظهر المشركون على المسلمين فيأخذون المال والذراري والنفوس فمن حسن التدبير أن يتحكم على أرباب الاموال بقدر ما يحتاج إليه لتجهيز الجيش ليأمنوا فيما سوى ذلك وهو المراد بما ذكر بعده عن جرير بن عبد الله ان معاوية رضى الله عنه ضرب بعثا على أهل الكوفة فرفع عن جرير وعن ولده وقال جرير رضى الله عنه لا نقبل ذلك ولكن نجعل أموالنا للغازي ومعنى ضرب البعث

[ 21 ]

التحكم عليهم في أموالهم بقدر الحاجة لتجهيز الجيش فكأنه من على جرير وولده رضى الله عنهم بأن رفع ذلك عنهم فقد كان موقرا فيهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقره حتى قال جرير رضى الله عنه ما نظر إلى الا تبسم ولو في صلاته لكن لم يقبل جرير هذه المنة منه لعلمه أن في الجهاد بالمال معنى الثواب واستحقاق المؤمن التوقير بكونه مستبقا إلى الخيرات والطاعات ولكن قال لاأعطى المال اليك بل أدفع بنفسى إلى من أختاره من الغزاة ليتبين به أنه غير مجبر على ما يعطى وبهذا يستدل من يقول من أصحابنا أن الافضل للمرء أن يشارك أهل محلته في اعطاء النائبة ولكنا نقول هذا كان في ذلك الوقت لانه اعانة على الطاعة فأما في زماننا انما يوجد أكثر النوائب بطريق الظلم ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه فذلك خير له وان أراد الاعطاء فليعطه من هو عاجز عن دفع الظلم عن نفسه وعن أداء المال لفقره حتي يستعين على دفع الظلم فينال المعطى الثواب بذلك وعن ابى مرزوق عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انه افتتح قرية بالمغرب فخطب اصحابه فقال لا احدثكم الا بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول يوم خيبر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماؤه زرع غيره ولا يتبع المغنم حتى يقسم ولا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا اعجفها ردها فيه ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا اخلقه رده فيه ففيه دليل على ان صاحب الجيش عند الفتح ينبغي له ان يخطب ويعلم الناس في خطبته ما يحتاجون إليه في ذلك الوقت فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعند فتح خيبر فمما ذكر عنده في فتح خيبر هذا الحديث وفيه دليل على انه لا يحل وطئ الحبالى من الفئ وبه نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا اوطاس الا لا توطأ الحبالى من الفئ حتى يضعن ولا الحيالي حتى يستبرين بحيضة وفى وطئ الحامل سقى مائه زرع غيره كما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قوة سمع الجنين وبصره وشعره بماء الواطئ ففيه دليل انه ليس للغازي ان يبيع نصيبه قبل القسمة لان الملك لا يثبت له الا بالقسمة وبيع مجرد الحق لا يجوز ولان نصيبه مجهول لا يدرى أين يقع وأى مقدار يكون وللامام رأى في بيع الغنائم وقسمة الثمن فانما يبيع ما هو مجهول جهالة متفاحشة وذلك باطل وفيه دليل على أنه لا يحل لبعضهم الانتفاع بدواب الغنيمة وثيابها قبل القسمة وقد سمى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ربا الغلول في حديث آخر ونهى عنه ولكن هذا عند عدم

[ 22 ]

الحاجة فأما إذا تحققت الحاجة والضرورة فلا بأس بأن يفعل ذلك في دار الحرب بغير ضمان وفى دار الاسلام يشترط ضمان النقصان لان عند الضرورة له أن يدفع الضرر عن نفسه بمال الغير بشرط الضمان مع أنه لاحق له فيه فلان يكون له ذلك فيما له فيه حق أولى وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا من المشركين وقع في الخندق فمات فأعطي المسلمون بجيفته مالا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهاهم وفيه دليل لابي يوسف على أبى حنيفة ومحمد رحمهم الله تعالى في أنه لا يجوز للمسلم بيع الميتة من الحربى في دار الحرب بمال فان مطلق النهى دليل فساد المنهى عنه ولكنهما يقولان انما يجوز ذلك للمسلم المستأمن في دار الحرب وموضع الخندق كان من دار الاسلام فلهذا نهى عن ذلك وهذا ليس بقوى فان في دار الاسلام انما لا يحل ذلك مع الحربى المستأمن فأما مع الحربي الذي لاأمان له يجوز في دار الاسلام ودار الحرب لان ماله مباح فللمسلم أن يأخذه بأى وجه يقدر عليه ولكن الاصح أن نقول انما نهي عن ذلك لما عرف فيه من الكبت والغيظ للمشركين لا لان ذلك حرام أولئلا يظن بالمسلمين أنهم يجاهدون لطلب المال بل لابتغاء مرضاة الله تعالى واعزاز الدين وعن الشعبي وزياد بن علاقة رحمهما الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه انى قد أمددتك بقوم من أهل الشام فمن أتاك تتفقى القتلى فاشركه في الغنيمة فيه بيان أن الامام إذا بعث جيشا ينبغي له أن يمدهم بقوم أخر ليزدادوا بهم قوة وان المدد إذا لحق الجيش بعد اصابة الغنيمة قبل الاحراز فانهم يشاركونهم في المصاب كما هو مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى وان مراد عمر رضى الله عنه في قوله الغنيمة لمن شهد الوقعة إذا كانت الوقعة في دار الاسلام ودار الحرب بمنزلة موضع واحد فمن حصل من المدد في دار الحرب كان شاهدا للوقعة معنى وتكلموا في معني قوله قبل أن تتفقي القتلى قيل معناه قبل أن تتشقق القتلى بطول الزمان فجعل ذلك كناية عن الانصراف الي دار الاسلام وقيل معناه قبل أن يميز قتلى المسلمين من قتلى المشركين والتفقؤ عبارة عن هذا ومنه سمى الفقيه لانه يميز الصحيح من السقيم وقال الشاعر تفقأ فوقه القلع السوارى * وجن الخاز باز به جنونا ومنهم من يروى تتفقي القتلى القاف قبل الفاء ومعناه قبل ان تجعلوا القتلى على قفاكم بالانصراف

[ 23 ]

إلى دار الاسلام وعن ابن ابى قسيط قال بعث أبو بكر رضى الله عنه عكرمة بن أبى جهل في خمسمائة رجل مدد الزياد بن لبيد البياضي والمهاجر بن أمية المخزومي إلى اليمن فاتوهم حتى افتتحوا النجير فاشركهم في الغنيمة وبهذا يستدل من يجعل للمد شركة وان لحقوا بالجيش في دار الاسلام لان بالفتح قد صارت تلك البقعة دار اسلام ولكنا نقول تأويله أنهم فتحوا ولم تجر احكام الاسلام فيها بعد وبمجرد الفتح قبل اجراء احكام الاسلام لا تصير دار اسلام وعليه يحمل ايضا ماروى ان ابا هريرة رضى الله عنه التحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما فتح خيبر وكذلك جعفر مع أصحابه رضى الله عنهم قدموا من الحبشة بعد فتح خيبر حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاأدرى باي الامرين انا اشد فرحا بفتح خيبر أو بقدوم جعفر ولم يشركهم في الغنيمة لانهم انما ادركوا بعد تصير البقعة دار الاسلام فلهذا لم يسهم لهم مع ان غنائم خيبر كانت عدة من الله تعالى لاهل الحديبية خاصة كما قال الله تعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وهما ما كانا من أهل الحديبية فلهذا لم يسهم لهما والدليل على أن للمدد شركة إذا لحقوا بالجيش في دار الحرب ماروى أن أهل الكوفة غزوا نهاوند فأمدهم أهل البصرة بألفي فارس وعليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه فأدركوهم بعد اصابة الغنيمة فطلب عمار رضي الله عنه الشركة وكان على الجيش رجل من عطارد فقال يا أجدع أتريد أن تشركنا في غنائمنا فقال عمار رضي الله عنه خير أذنى سببت وكان قد قطعت احدى أذنيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ثم رفع إلى عمر رضى الله عنه فجعل لهم الشركة في الغنيمة فبهذه الآثار يأخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود قينقاع على بنى قريظة ولم يعطهم من الغنيمة شيئا في هذا دليل أنه لا بأس للمسلمين أن يستعينوا بأهل الذمة في القتال مع المشركين وقد كره ذلك بعض الناس فقالوا فعل المشركين لا يكون جهادا فلا ينبغي أن يخلط بالجهاد ما ليس بجهاد واستدلوا على ذلك بما روى أن رجلين من المشركين خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال لايغز معنا الا من كل على ديننا فأسلما ولكنا نقول في الاستعانة بهم زيادة كبت وغيظ لهم والاستعانة بهم كالاستعانة بالكلاب عليهم وانما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لعلمه ان الرجلين يسلمان إذ أبى ذلك عليهما ألا ترى أنه قال في الحديث فأسلما وقيل كان يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر كما قال الله

[ 24 ]

تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وإذا خاف الامام ذلك فلا ينبغي أن يستعين بهم وان يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين وهو تأويل ما ذكر من حديث الضحاك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد فإذا كتيبة حسناء أو قال خشناء فقال من هؤلاء قالوا يهود كذا وكذا فقال لا نستعين بالكفار أو تأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم لا يقاتلون تحت راية ؟ المسلمين وعندنا انما يستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم وهو تأويل ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لاتستضيؤا بنار المشركين وقال صلى الله عليه وسلم أنا برئ من كل مسلم مع مشرك يعنى إذا كان المسلم تحت راية المشركين وعن الحكم أن أبا بكر رضي الله عنهما كتب إليه في أسيرين من الروم أن لاتفادوهما وان أعطيتم بهما مدين من الذهب ولكن اقتلوهما أو يسلما ففيه دليل أنه لا يجوز مفاداة الاسير بالمال كما هو المذهب عندنا بخلاف ما يقوله الشافعي رحمه الله وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى الاسري يوم بدر وكان الفداء أربعة آلاف الا انه انتسخ ذلك بنزول قوله تعالى ما كان لنبى أن يكون له أسرى إلى قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقد كان أبو بكر رضى الله عند قد أشار عليه بالفداء وعمر رضى الله عنه كان يشير بالقتل فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأى أبى بكر رضى الله عنه لحاجة الصحابة رضي الله عنهم إلى المال في ذلك الوقت واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لو نزل من السماء عذاب مانجى من ذلك الاعمر فلهذا بالغ أبو بكر رضى عنه في النهى عن المفاداة بقوله ولو أعطيتم بهما مدين من ذهب ففيه دليل على أن الاسير يقتل ان لم يسلم وممن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسارى بدر عقبة بن أبى معيط قال صلى الله عليه وسلم لعلى رضى الله عنه قدمه واضرب عنقه وأوف بنذر نبيك ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى عزة يوم بدر بشرط أن لا يعين عليه وكان شاعرا فوقع أسيرا يوم أحد وأمر بقتله وكان طلب أن يمن عليه فقال صلى الله عليه وسلم لاتحدث العرب أني خدعت محمدا مرتين ثم ذكر عن الحسن وعطاء رحمهما الله تعالى قال لا يقتل الاسير ولكن يفادى أو يمن عليه وكانهما اعتمدا ظاهر قوله تعالى فاما منا بعد واما فداء ولسنا نأخذ بقولهما فان حكم المن والمفاداة بالمال قد انتسخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم لان سورة

[ 25 ]

براءة من آخر ما نزل وذكر في بعض النوادر عن محمد رحمه الله تعالى قال كان ذلك في عبدة الاوثان من العرب لانه لا يجوز استرقاقهم فلم يكن في المن والمفاداة ابطال حق المسلمين عما ثبت حقهم فيه ولكن هذا ضعيف والصحيح مابينا أن حكم المن والمفاداة قد انتسخ ولايجوز للامام أن يفعل ذلك الا إذا عرف للمسلمين فيه منفعة عامة كما روى أن ثمامة بن اثال الحنفي سيد أهل اليمامة أسره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وربطوه بسارية المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما وراءك يا ثمامة فقال ان عاقبت عاقبت ذا ذنب وان مننت مننت على شاكر وان أردت المال فعندي من المال ما شئت فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن يقطع الميرة عن أهل مكة ففعل ذلك حتى قحطو وعن عبد الله بن أبى أوفي رضى الله عنه قال لم يخمس طعام خيبر وكان قليلا فكان أحدنا إذا احتاج إلى شئ أخذ قدر حاجته وفى هذا دليل أنه يباح لكل واحد من الغانمين أن يتناول من الطعام والعلف بقدر حاجته وقد رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخمس الغنيمة الا الطعام والعلف فكان يأخذ من ذلك بقدر حاجته وكتب صاحب جيش عمر رضى الله عنه بالشام إليه انا فتحنا أرضا كثيرة الطعام فكرهت أن أمضى في ذلك شيئا الا بأمرك فكتب إليه دع الناس ليصيبوا من ذلك بقدر حاجتهم بشرط أن لا يبيعوا فمن باع شيئا من ذلك فقد وجب فيه خمس الله تعالى ورسوله وبهذه الآثار نأخذ لتساهل في أمر الطعام بالناس وللعلم بتجدد الحاجة إليه في كل وقت وعجزهم عن الحمل من دار الاسلام ما يحتاجون إليه للذهاب والرجوع إذا أمعنوا في دار الحرب فقد روى عن عبد الله بن المفضل قال دلى على جراب من شحم من بعض حصون خيبر فاحتضنته وقلت في نفسي لاأعطى أحدا منه شيئا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ويتبسم ولم ينكر عليه ذلك لعمله بحاجته وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم والمراد باليد النصرة يعني النصرة للمسلمين على من سواهم كما قال الله تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين وفى قوله يتكأفا ؟ دماؤهم دليل لنا على المساواة بين العبيد والاحرار في حكم القصاص ولا معنى لاستدلال الشافعي رحمه الله تعالى بهذا اللفظ أنه لا يقتل مسلم بكافر لان فيه اثبات التساوي في دماء المسلمين

[ 26 ]

لانفي المساواة بين دمائهم ودماء غيرهم بل ذلك مفهوم والمفهوم عندنا ليس بحجة وبقوله يسعى بذمتهم ادناهم يستدل محمد رحمه الله تعالى على صحة أمان العبد فان أدنى المسلمين العبيد ولكنا نقول معناه يسعى بذمتهم أقربهم إلى دار الحرب وهو من يسكن الثغور مشتق من الدنو وهو القرب لامن الدناءة قال الله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى وقيل معناه أقلهم في القرب ويكون ذلك من القلة كما في قوله تعالى ولا أدنى من ذلك ولا أكثر فيكون ذلك دليلا على صحة أمان الواحد أو المراد به الفاسق لانه لا يظن برسول الله صلي الله عليه وسلم أن ينسب العبد الورع الي الدناءة وقيل المراد بالذمة عقد الذمة دون الامان وذلك صحيح من العبد عندنا وعن أبى عمير مولى آبى اللحم قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين فقال لى تقلد هذا السيف فتقلدته فجررته على الارض فأعطاني ؟ من حربى المتاع ومنهم من يروى مولى أبى اللحم والاشهر هو الاول لان مولاه كان يأبي اللحم فسمى بآبى اللحم وفى الحديث اشارة إلى صغره لان جر السيف على الارض لصغره وقيل لا بل فعل ذلك على طريق الخيلاء كما يفعله المبارز بين الصفين وفائدة الحديث أن من قاتل ممن لا يستحق السهم لصغر أو رق فانه يرضخ له لانه أعطاه من حربي المتاع يعنى الشفق منه على سبيل الرضخ وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم لمستهل الشهر وأقام عليها أربعين يوما وفتحها يعنى الطائف في صفر وفى هذا دليل على انه لا بأس بالقتال في الشهر الحرام فان المحاصرة من القتال وقد روى أنه نصب المنجنيق على الطائف ففعله بيان أن ماكان من حرمة القتال في الاشهر الحرم قد انتسخ وكان الكلبى رحمه الله يقول ذلك ليس بمنسوخ ولسنا نأخذ بقوله في ذلك بل بما روى عن مجاهد رحمه الله قال النهى عن القتال في الاشهر الحرم منسوخ نسخه قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقد بينا أن سورة براءة من آخر ما نزل فانتسخ به ماكان من الحكم في قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية (فان قيل) كيف يستقيم دعوى النسخ بهذه الآية وقد قال الله تعالى فإذا انسلخ الاشهر الحرام فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية (قلنا) المراد به مضى مدة الامان الذى كان لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى كما قال فسيحوا في الارض أربعة أشهر ووافق مضى ذلك انسلاخ الاشهر الحرم والدليل على نسخ حرمة القتال في الاشهر الحرم قوله تعالى منها أربعة حرم إلى قوله فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة

[ 27 ]

كما يقاتلونكم كافة قيل معناه لا تظلموا فيهن أنفسكم بالامتناع من قتال المشركين ليجترؤا عليكم بل قاتلوهم كافة لتنكسر شوكتهم وتكون النصرة لكم عليهم وفيما ذكر من الاخبار في الاصل عن الزبير رضى الله عنه عمن شهد المشاهد قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بنى قريظة فقال من كانت له عانة فاقتلوه ومن لم تكن له عانة فحلوا عنه فكنت ممن لاعانة له فحلى عني قلت وما من أحد الا وله عانة فالعانة في اللغة الموضع الذى ينبت عليه الشعر ولكن المراد من نبت الشعر على ذلك الموضع منه وجعل اسم الموضع كناية عنه وبه يستدل مالك رحمه الله تعال فانه يجعل نبات الشعر دليل البلوغ ولسنا نقول به لاختلاف أحوال الناس فيه فنبات الشعر في الهنود يسرع وفى الاتراك يبطئ وتأويل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من طريق الوحى أن نبات الشعر في أولئك القوم يكون عند البلوغ أو أراد تنفيذ حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فانه كان من حكمه بأن يقتل منهم من جرت عليه الموسى لعلمه أنه كان من المقاتلة فيهم وذكر عن محمد بن اسحاق والكلبي رحمهما الله ان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر كان مع سهم عاصم بن عدى وفيه دليل على أن الامام ينبغي له أن يقسم الغنيمة على العرفاء أولا ثم يقسم كل عريف على من تحت رايته ليكون ذلك أسهل وفيه دليل على تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لم يجعل باسم نفسه سهما ولكن جعل نفسه تحت راية غيره وروى أن أول السهام خرج يومئذ سهم عاصم بن عدي لكون سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وذكر عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما يصلح إلى من فيئهم ولامثل هذه الوبرة أخذها من سنام بعيره الا الخمس والخمس مردود فيكم فأدوا الخيط والمخيط فان الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة فجاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر فقال أخذت هذه لاخيط بها بردعة بعير لى فقال صلي الله عليه وسلم أما نصيبي فهو لك فقال أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لى بها وفيه دليل حرمة الغلول وان ذلك في القليل والكثير ويستدل الشافعي رحمه الله تعالى بالحديث في جواز هبة المشاع فقد وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه من الرجل وكان مشاعا ولكنا نقول مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المبالغة في المنع من الغلول يعنى انك تطلب منى أن أجعل لك هذه الكبة ولا ولاية

[ 28 ]

لى الا على نصيبي منها فقد جعلت نصيبي منها لك ان جاز ليبين به أنه ليس للامام ولاية ابطال حق الغانمين وتخصيص أحدهم بشئ منه مع أن الكبة من الشعر لا تحتمل القسمة بين الجند لكثرتهم فانه لا يصيب كل واحد منهم شيئا منتفعا به إذا قسمت وعندنا هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة يجوز وعن أبى المليح أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأول ربا يوضع ربا العباس ابن عبد المطلب زاد في رواية وكل دم كان في الجاهلية موضوع وأول دم يوضع دم ربيعة ابن الحارث وان العباس رضى الله عنه بعدما أسلم يوم بدر رجع إلى مكة باذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يربى بمكة قبل نزول التحريم وبعد نزوله لان حكم الربا لا يجرى بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد كانت مكة يومئذ دار حرب ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه موضوع لا خصومة فيه بعد الفتح وقيل مراده أنه لا مطالبة له بما بقى منه بعد الفتح قال الله تعالى وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين وانما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بربا العباس رضى الله عنه فيما أخبر أنه موضوع ليبين أن فعله ليس على نهج الملوك فالملوك في الاوامر يبدؤن بالاجانب وبدأ رسول الله صلى عليه وسلم بعمه ليبين للناس أن القريب والبعيد عنده في حكم الشرع سواء وذكر عن حبيب بن سلمة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في البداءة الربع وفى الرجعة الثلث وفيه دليل على جواز التنفيل للتحريض على القتال كما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال وبظاهره يستدل الاوزاعي رحمه الله تعالى في جواز التنفيل بعد الاصابة فان التنفيل في الرجعة يكون بعد الاصابة ولكنا نقول المراد أنه كان ينفل السرية الاولى الربع والسرية الثانية الثلث قبل الاصابة لابعدها وهذا لان التنفيل للتحريض والجيش في أول دخولهم ينشطون في القتال مالا ينشطون بعد تطاول المدة ولهذا قلل نفل السرية الاولى وزاد في نفل السرية الثانية ولان السرية الثانية يحتاجون إلى أن يمعنوا في الطلب فلهذا زاد في النفل لهم وذكر عن الزهري رحمه الله تعالى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعقر الخيل في أرض العدو وهو دليلنا على مالك رحمه الله تعالى فانه يجوز العقر فيما يقوم عليه من الدواب من الغنيمة كانت أو من غيرها لحديث جعفر الطيار رضي الله عنه فانه لما استقتل يوم موته وعلم أنه لاينجو منهم عقر فرسه

[ 29 ]

وتقدم في نحر العدو حتى قتل ولكنا نقول في العقر مثله ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور ولعل فعل جعفر رضى الله عنه كان قبل النهي فانتسخ به وعن الضحاك رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال لا تقتلوا وليدا ولا النساء ولا الشيخ الكبير وقد بينا حرمة قتل النساء والصبيان منهم لانهم لا يقاتلون وكذلك الشيخ الكبير الذى أمن من قتاله بنفسه ورأية ولا يرجى له نسل أما إذا كان له رأى يقتل ألا ترى ان دريد بن الصمة قتل يوم حنين وكان ابن مائة وستين سنة وقد ذهب بصره ولكنهم احضروه ليستعينوا برأية وأشار إليهم بأن يرفعوا الثقل إلى عليا بلادهم ويلقوا المسلمين على متون الخيل بسيوفهم فخالفوه في ذلك وفيه يقول أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد الاضحى الغد * وانما قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأية في الحرب وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تدخل المصاحف أرض العدو والمشهور فيه ماروى عن النبي صلي الله عليه وسلم قال لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو وانما نهى عن ذلك مخافة ان تناله أيدى العدو ويستخفوا به فعلي هذا النهى في سرية ليست لهم منعة قوية فاما إذا كانوا جندا عظيما كالصائفة فلا بأس بأن يتبرك الرجل منهم بحمل المصحف مع نفسه ليقرأ فيه لانهم يأمنون من ذلك لقوتهم وشوكتهم (فان قيل) أهل الشرك وان كانوا يزعمون ان القرآن ليس بكلام الله تعالى فيقرون أنه كلام حكيم فصيح فكيف يستخفون به (قلنا) انما يفعلون ذلك مغايظة للمسلمين وقد ظهر ذلك من فعل القرامطة في الموضع الذى أظهروا فيه اعتقادهم على ذكره ابن رزام في كتابه أنهم كانوا يستنجون بالمصاحف وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في مشكل الآثار ان هذا النهى كان في ذلك الوقت لانه يخاف فوت شئ من القرآن من أيدى المسلمين فأما في زماننا فقد كثرت المصاحف وكثر الحافظون للقرآن عن ظهر القلب فلا بأس بحمل المصحف إلى أرض العدو لانه لا يخاف فوت شئ من القرآن وان وقع بعض المصاحف في أيديهم وذكر عن يزيد ابن هرمز قال انا كتبت كتاب ابن عباس رضى الله عنهما إلى نجدة كتبت إلى تسألني عن قتل الوالدان وان عالم موسى قتل وليدا وقد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان فلو كنب تعلم في الولدان ماكان يعلم عالم موسى كان ذلك وقد بينا ان نجدة كان

[ 30 ]

يسأل ابن عباس رضي الله عنهما سؤال التعمق حتى سأله يوما لماذا طلب سليمان عليه السلام الهدهد قال ليخبره بالماء فانه يبصر الماء تحت الارض وان كان إلى مائة ذراع فقال إنه لا يبصر الفخ تحت التراب فكيف يبصر الماء تحت الارض فقال ابن عباس رضى الله عنهما إذا جاء القضاء عمى البصر ومما سأله هذا الذى رواه وجوابه ما قال ابن عباس رضي الله عنهما أن عالم موسى كان يعلم من ذلك الغلام ما أظهره لموسى عليه السلام حين استعظم ذلك فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى أن ذلك الغلام الذى قتله عالم موسى كان بالغا فقد كان عاقلا مميزا والبلوغ في ذلك الوقت كان بالعقل ثم ذكر في الحديث وكتبت تسألني عن اليتيم متى يخرج من اليتم فإذا احتلم يخرج من اليتم ويضرب له بسهم وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لايتم بعد الحلم والذى روى أن الكفار كانوا يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم أبى طالب بعد المبعث قد كانوا يقصدون الاستخفاف به لا انه في الحال يتيم قيل هذا لطف من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فانهم كانوا يشتمون يتيما وهو لم يكن يتيما ولا تتناولة تلك الشتمة كما روي انهم كانوا يسمونه مذمما ويشتمون مذمما وهو كان محمدا صلى الله عليه وسلم فلا تتناوله تلك الشتمة فهذا مثله والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (باب معاملة الجيش مع الكفار) (قال) رضى الله عنه وإذا غزا الجيش أرضا لم تبلغهم الدعوة لا يحل لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم الاسلام ليعرفوا انهم على ماذا يقاتلون وهو معنى حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الاسلام ولو قاتلوهم بغير دعوة كانوا آثمين في ذلك ولكنهم لا يضمنون شيئا مما اتلفوا من الدماء والاموال عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى في القديم يضمنون ذلك لبقاء صفة الحقن والعصمة الا أن يوجد الاباء منهم ولا يتحقق ذلك الا أن تبلغهم الدعوة ولكنا نقول العصمة المقومة تكون بالاحراز وذلك لم يوجد في حقهم ولئن كانت العصمة بالدين كما يدعيه الخصم فهو غير موجود في حقهم أيضا والقتل اما أن يكون للمحاربة كما يقوله علماؤنا رحمهم الله تعالى أو للشرك كما يقوله الخصم وذلك موجود في حقهم ولكن شرط الاباحة تقديم الدعوة فبدونه لا يثبت

[ 31 ]

ومجرد حرمة القتل لا يكفي لوجوب الضمان كما في النساء والولدان منهم وكما نهي عن قتل من بلغته الدعوة منهم بطريق المثلة ثم لا يكون موجبا للضمان عليه على من فعله وان كانوا قد بلغتهم الدعوة فان هم دعوهم فحسن لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا في سرية ؟ وقال لا تقاتلوهم حتى تدعوهم فان أبوافلا تقاتلوهم حتي يبدؤكم فان بدؤكم فلا تقاتلوهم حتي يقتلوا ؟ منكم قتيلا ثم أروهم ذلك القتيل وقولوا لهم هل إلى خير من هذا سبيل فلان يهدي الله تعالى على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت وقد بينا ان المبالغة في الانذار قد تنفع وان تركوا ذلك فحسن أيضا لانهم ربما لا يقوون عليهم إذا قدموا الانذار والدعاء ولا بأس ان يغيروا عليهم ليلا أو نهارا بغير دعوة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم اغار علي بني المصطلق وهم غارون غافلون ويعمهم على الماء بسقي ؟ وعهد إلى اسامة بن زيد رضى الله عنه ان يغيروا على أبنا صباحا ثم يحرق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد ان يغير على قوم صبحهم واستمع النداء فان لم يسمع اغار عليهم حتى روى أنه صبح أهل خيبر وقد خرج العمال ومعهم المساحي والمكاتل فلما رأوهم ولوا منهزمين يقولون محمد والخميس والخميس الجيش وقد كانوا وجدوا في التوراة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم يوم الخميس ويظفر عليهم وكان ذلك اليوم يوم الخميس فلما قالوا ذلك قال رسول الله صلى الله وسلم الله أكبر خربت خيبر انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الاشجار وكان الاوزاعي رحمه الله تعالى يكره ذلك كله لحديث أبى بكر رضى الله عنه في وصية يزيد ابن أبى سفيان رضى الله عنه لا تقطعوا شجرا ولا تخربوا ولا تفسدوا ضرعا ولقوله تعالى وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها الآية وتأويل هذا ما ذكره محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير ان أبا بكر رضى الله عنه كان أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشام تفتح له على ماروى أنه قال يوما انكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر فقد أشار أبو بكر رضى الله عنه إلى ذلك في وصيته حيث قال فان الله ناصركم عليهم وممكن لكم أن تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم الله منكم انكم تأتونها تلهيا فلما علم ان ذلك كله ميراث للمسلمين كره القطع والتخريب لهذا ثم الدليل على جوازه ما ذكره الزهري رحمه الله تعالى ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخيل بني النضير فشق ذلك عليهم حتى نادوه ماكنت ترضى

[ 32 ]

بالفساد يا أبا القاسم فما بال النخيل تقطع فانزل الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها الآية واللينة النخلة الكريمة فيما ذكره المفسرون وأمر بقطع النخيل بخيبر حتى أتاه عمر رضى الله عنه فقال أليس ان الله تعالي وعدلك خيبر فقال نعم فقال إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فأمر بالكف عن ذلك ولما حاصر ثقيفا أمر بقطع النخيل والكروم حتي شق ذلك عليهم وجعلوا يقولون الحبلة لاتحمل الابعد عشرين سنة فلا عيش بعد هذا ففي هذا بيان أنهم يذلون بذلك وان فيه كبتا وغيظا لهم وقد أمرنا بذلك قال الله تعالى ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس يريد الطائف بداله قصر عوف بن مالك النضرى فأمر بأن يحرق وفيه يقول حسان بن ثابت رضى الله عنه وهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير فهذه الآثار تدل على جواز كله وكان الحسن بن زياد رحمه الله تعالى يقول هذا إذا علم أنه ليس في ذلك الحصن أسير مسلم فأما إذا لم يعلم ذلك فلا يحل التحريق والتغريق لان التحرز عن قتل المسلم فرض وتحريق حصونهم مباح والاخذ بما هو الفرض أولى ولكنا نقول لو منعناهم من ذلك يتعذر عليهم قبال المشركين والظهور عليهم والحصون قل ما تخلو عن أسير وكما لا يحل قتل الاسير لا يحل قتل النساء والولدان ثم لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها فكذلك لا يمتنع ذلك بكون الاسير فيها ولكنهم يقصدون المشركين بذلك لانهم لو قدروا على التمييز فعلا لزمهم ذلك فكذلك إذا قدروا على التمييز بالنية يلزمهم ذلك ولا تقسم الغنيمة في دار الحرب حتي يخرجوها إلى دار الاسلام ويحرزوها عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا بأس بقسمتها في دار الحرب بعد ماتم انهزام المشركين وهو بناء على أن الملك عنده ثبت بنفس الاصابة لانه مال مباح فيملك بنفس الاخذ ويجوز قسمته في ذلك الموضع كالصيد وهذا لان السبب الملك الاخذ وذلك محسوس يتم بنفسه وقيام منازعة المشركين لكون الغزاة في دارهم لايمنع تقرر ملكهم لقيام منازعتهم في ثياب الغزاة ودوابهم فانهم لو تمكنوا من الكر عليهم أخذوا جميع ذلك وهذا لان توهم الكرة عليهم سبب يعارض الاستيلاء بالنقض والامن عما ينقض سبب الملك ليس بشرط لوقوع الملك كالملك بالبيع والهبة ألا ترى أنه لو كان القتال في دار السلام أوصير الامام البقعة دار اسلام يجوز له أن يقسم فيها وهذا التوهم باق ولانهم ان كروا

[ 33 ]

فالمسلمون واثقون ؟ بجميل وعد الله تعالى الله في نصرة أوليائه ينصرهم في المرة الثانية كما نصرهم في المرة الاولى فأما عندنا الحق يثبت بنفس الاخذ ويتأكد الاحراز ويتمكن بالقسمة كحق الشفيع يثبت بالبيع ويتأكد بالطلب ويتم الملك بالاخذ وما دام الحق ضعيفا لا تجوز القسمة لانه دون الملك الضعيف في المبيع قبل القبض وبيان هذا الاصل أن السبب لايتم قبل الاحراز لان السبب هو القهر وقبل الاحراز هم قاهرون يدا مقهورون دارا والثابت من وجه دون وجه يكون ضعيفا وهذا لان البقعة انما تنسب الينا أو إليهم باعتبار القوة والشوكة ولما بقيت هذه البقعة منسوبة إليهم عرفنا أن القوة فيها لهم والدليل عليه أنه يحل للامام أن يرجع إلى دار الاسلام ويترك هذه البقعة في أيديهم وانما حل ذلك لعجزه عن المقام في هذا الموضع فعرفنا أنا نحسن العبارة في قولنا أنه هزم المشركين وفى الحقيقة هو المنهزم منهم حين ترك هذا الموضع في أيديهم والدليل عليه أن بالاخذ يملك الاراضي كما يملك الاموال ثم لا يتأكد الحق في الارض التى نزلوا فيها إذا لم يصيرها دار الاسلام فكذلك في الاموال والقصد إلى التملك وجد في الكل فانه مادخل دار الحرب الا قاصدا لملك الاراضي والاموال عليهم بحسب الامكان ولسنا نسلم أن سبب الملك نفس الاخذ بل هو قهر يحصل به اعلاء كلمة الله تعالى ولهذا كان المصاب غنيمة يخمس وهذا القهر لايتم بنفس الاخذ ولا بقهر الملاك بل بقهر جميع أهل دار الحرب وذلك بالاحراز ليكون حينئذ جميع دارهم مقابلا بجميع دارنا فأما قبل الاحراز يقابل جميع دارهم بالجيش وليس بهم قوة المقاومة مع جميع أهل الحرب وبه فارق المراغم إذا أحرز نفسه بمنعة أهل الجيش فانه يعتق لان حاجته إلى قهر مولاه فقط وذلك يتم بالجيش ألا ترى أنه لا يجب الخمس في رقبته وإذا كان القتال في دار الاسلام فبنفس الاخذ يصير المال محرزا بالدار فيتم القهر وإذا صير البقعة دار اسلام فقد تم الاحراز بالدار ألا ترى أنه وان لم يؤخذ المال يتأكد حقهم فيها وان الحق يتأكد في الاراضي أيضا وبه فارق الصيد فسبب الملك هناك الاخذ وهو القهر على الممتنع في نفسه وهنا الامتناع في المال بل فيمن يقاتل دونه وذلك جميع أهل الحرب ولا يتم قهر جميعهم الا بالاحراز حكما نقول فان قسمها جاز لانه أمضى فصلا مجتهدا فيه وقضاء المجتهد في المجتهدات نافذ وبيان هذا أن الاختلاف في سبب القسمة وهو الملك أنه هل يتم بنفس الاخذ أم لافاذا نفذ باجتهاده كان صحيحا كما إذا قضي بشهادة الاعمى أو المحدود في قذف

[ 34 ]

وقيل من مذهبنا كراهة القسمة في دار الحرب لا بطلان القسمة لما في القسمة من قطع شركة المدد فتقل به رغبتهم في اللحوق بالجيش ولانه إذا قسم تفرقوا فربما يكثر العدو على بعضهم وهذا أمر وراء ما يتم به القسمة فلا يمتنع جوازها وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال إذا لم يجد الامام حمولة لها يحمله عليها فليقسمها في دار الحرب هكذا ذكر في بعض روايات هذا ؟ الكتاب ووجهه أن هذه حالة ضرورة لانه لو لم يقسمها يحتاج إلى تركها فيبطل حق الغانمين فيها فكان تقرير حقهم بالقسمة أنفع وان كان فيه قطع شركة المدد وكما لا يقسمها لا يبيعها في دار الحرب لان البيع ينبني على تأكد الحق بالاحراز ولان البيع تصرف كالقسمة ألا ترى أن في البيع قبل القبض يسوى بين البيع والقسمة وإذا كان في الغنيمة طعام أو علف فاحتاج إليه رجل تناول بقدر حاجته وقوله فاحتاج مذكور على وجه العادة دون الشرط فللمحتاج وغير المحتاج ان يتناول من ذلك لحديث ابن عمر رضى الله عنهما ان المسلمين أصابوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو طعاما وعسلا فلم يخمس ذلك وكان الرجل منهم يصيب من ذلك بقدر حاجته وان المسلمين لما ظهروا على كسرى ظفروا بمطبخه وكان قد أركت القدور وظن بعض الاعراب ان ذلك طيب فهموا ان يصبغوا به لحاهم فقيل أنه ماكول فوقعوا في ذلك حتى اتخموا وان غلاما لسلمان رضى الله عنه أتاه بسلة يوم القادسية فقال افتحها فان كان فيها طعام أصبنا منه وان كان فيها مال رددناه على هؤلاء فإذا فيها خبز وجبن وسكين فجعل يأكل من ذلك ويقطع لاصحابه من الجبن ويصف لهم كيف يتخذ الجبن فدل أنه كان معروفا بينهم الرخصة في الطعام والعلف نظير الطعام لانه محتاج إليه لظهره كما يحتاج إلى القوت لنفسه وهذا لانهم لا يمكنهم أن يستصحبوا من الطعام والعلف مقدار حاجتهم للذهاب والرجوع ولا يجدون في دار الحرب من يشترون منه وما يأخذون يكون غنيمة فللعلم بوقوع الحاجة إليه يصير مستثنى من شركة الغنيمة ويبقى على أصل الاباحة ولهذا حل للمحتاج وغير المحتاج ما لم يخرجوا إلى دار الاسلام فإذا خرجوا فقد ارتفعت الضرورة لانهم يجدون في دار الاسلام الطعام والعلف بالشراء فيثبت حكم الغنيمة فيما كان باقيا منها وككذلك يتناول من سلاح الغنيمة إذا احتاج إليه للقتال ثم يرده إذا استغنى عنه ويكره من غير حاجة لان المستثنى من شركة الغنيمة الطعام والعلف للعلم بتجدد الحاجة اليهما في كل وقت وذلك لا يوجد

[ 35 ]

في السلاح وكل واحد منهم يتمكن من أن يستصحب السلاح من دار الاسلام فلا يصير هذا مستثنى من الشركة ونفي المبيع تحقق الحاجة فإذا لم يوجد ذلك يكره الاستعمال وإذا وجد فلا بأس به لان عند الضرورة يجوز له ان ينتفع بملك الغير مما لاحق له فيه فماله فيه حق أولى وهذا لان المبارز قد يبتلى بهذا بان يسقط سيفه من يده فيعالج قرنه ليأخذ منه سيفه فإذا أخذه صار غنيمة له فلو لم يجز له أن يضربه أدى إلى الضرر والحرج والى نحوه أشار قال أرأيت لو رماه العدو بنشابة فرماهم بها أو انتزع سيفا من بعضهم فضربه أكان يكره ذلك هذا ونحوه لا بأس به فأما المتاع والثياب والدواب فيكره الانتفاع ؟ بها قبل القسمة لما روينا من النهي قبل هذا ولان حقهم ثبت فيها وان لم يتأكد قبل الاحراز فلا يكون لبعضهم ان يختص بالانتفاع بشئ منها قبل القسمة اعتبارا للمنفعة بالعين فان احتاجوا إلى ذلك قسمها الامام بينهم في دار الحرب لتحقق الحاجة وهذا لان مراعاة حقهم عند حاجتهم أولى من مراعاة حق المدد ولا يدرى أيلحق بهم المدد أم لا يلحق وان لم يحتاجوا إلى ذلك كرهت القسمة في دار الحرب وهذا للفظ دليل على أن الخلاف في كراهة القسمة لافى الجواز (قال) ألا ترى أن جيشا آخر لو دخلوا دار الحرب شركوهم في تلك الغنيمة وهذا عندنا فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى لاشركة للمدد إذا لحق الجيش بعد الاصابة بناء على أصله أن السبب هو الاخذ والملك يثبت بنفس الاخذ وما قبل الاحراز بدار الاسلام وبعده سواء وعندنا السبب هو القهر وتمام القهر بالاحراز فإذا شارك المدد للجيش في الاحراز الذى به يتم السبب يشاركونهم في تأكد الحق به كما إذا التحقوا بهم في حالة القتال بعدما أخذوا بعض الاموال وهذا لان اجتماع المحاربين في دار الحرب للمحاربة سبب الشركة في المصاب بدليل ان الردء يستوى بالمباشر للقتال وقد سأل على رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت الرجل يكون حامية لقوم وآخر لا يقدر على حمل السلاح أيشتركان في الغنيمة فقال صلى الله عليه وسلم انما تنصرون وترزقون بضعفائكم ولان دخول دار الحرب سبب لقهر المشركين قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه ماغزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا ولهذا جعل الله تعالى الواطئ موطئ العدو بمنزلة النيل في الثواب قال الله تعالى ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الآية فكذلك في الشركة في المصاب يجعل الواطئ موطئ العدو على قصد الحرب بمنزلة النيل

[ 36 ]

منهم لما فيه من الكبت والغليظ لهم ولا يدخل على شئ مما ذكرنا التجار وأهل سوق العسكر والاسير المنقلب منهم والذي أسلم في دار الحرب إذا التحق بالجيش لان قصد هؤلاء ليس هو الحرب بل قصد بعضهم التجارة وقصد بعضهم التخلص فلا يستحقون الشركة الا أن يقاتلوا فيظهر حينئذ بفعلهم أن قصدهم هو القتال وان احتاج رجل من المسلمين إلى شئ من المتاع حاجة يخاف على نفسه منها فلا بأس باستعمالها قبل القسمة كما يجوز تناول ملك الغير عند الحاجة الا أن ذلك بشرط الضمان لثبوت الملك للمأخوذ منه وهذا بغير ضمان لعدم تأكد الحق قبل الاحراز ألا ترى أنه لو أتلف شيئا من المال قبل الاحراز لم يكن ضامنا لما أتلف ولا يقسم السبى بينهم وان احتاج الناس إليه ما لم يخرجوهم إلى دار الاسلام ولا يببعهم كما لا يفعل في شئ من سائر الاموال وهذا لعدم تأكد الحق فيهم قبل الاحراز ولكن يمشيهم حتى يحرزهم بدار الاسلام ان أطاقوا المشى فان لم يطيقوه وكان معهم فضل حمولة من الغنيمة حملهم عليها لان الحمولة حق الغانمين والسبي كذلك فمن النظر لهم أن يحمل حقهم فان لم يكن معهم فضل حمولة ولكن كان مع بعض الغانمين فضل حمولة يحملهم عليها فعل ذلك برضاهم وان لم تطب أنفسهم بذلك لم يفعل لان الحمولة للخاص والسبي حق الجماعة فلا يكون له أن يستعمل في احراز حق الجماعة حمولة الخاص منهم بغير رضاهم أرأيت لو أطاق بعضهم حمل بعض السبى على ظهره أو على عاتقه أكان يجبره الامام علي ذلك ثم يقتل الرجال لما بينا من جواز قتل الاسير قبل تعين الملك فيه إذا كان فيه نظر وفي هذا الموضع لو لم يقتلهم احتاج إلى تركهم فيرجعون إلى دار الحرب حربا على المسلمين فكان النظر في قتلهم ويترك النساء والصبيان في موضع يأمن أيدى المشركين ان تصل إليهم لانه إذا تركهم في موضع تصل إليهم أيديهم يتقوون بهم و بتركه اياهم في هذا الموضع لا يكون متلفا بل يكون تاركا للاحسان إليهم وترك الاحسان لا يكون اساءة وانما جاز له هذا القدر لعجزه عن الاحسان إليهم بالاخراج عن المهلكة وان رأى أن يقسم ليتكلف كل واحد منهم حمل نصيبه فعل ذلك وهو أنفع من الترك وأما السلاح والمتاع فيحرقه بالنار إذا لم يستطع اخراجه الي دار الاسلام لانه مأمور بقطع قوة المشركين عنه واثبات القوة للمسلمين به وقد عجز عن احدهما وقدر على الآخر فيأتى بما يقدر عليه وهو الاحراق بالنار كيلا تصل إليه يد المشركين ليتقووا به قال هذا فيما يحترق فأما مالا

[ 37 ]

يحترق كالحديد ينبغي أن يدفنه في موضع لا يقف عليه أهل الحرب فيستعينوا به وأما الدواب والمواشي إذا قامت عليه فانه لا يعقرها خلافا لمالك رحمه الله تعالى وقد بينا هذا ولا يتركها كذلك خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لما في الترك من تقوى المشركين بها ولكنه يذبحها ثم يحرقها لئلا ينتفع بها العدو فالذبح عند الحاجة مباح شرعا في مأكول اللحم وغير مأكول اللحم وبعد الذبح ربما يتقوون بلحمها فيقطع ذلك عنها بالاحراق بالنار كما يفعل بالثياب والمتاع وفى هذا كبت وغيظ لهم وقد بينا جواز التخريب والاحراق فيما يكون فيه الكبت والغيظ للمشركين وما ظهروا عليه من أرض العدو فالامام فيها بالخيار ان شاء خمسها وقسمها بين الغانمين كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وان شاء من بها على أهلها فتركهم احرار الاصل ذمة للمسلمين والاراضي مملوكة لهم وجعل الجزية على رقابهم والخراج على أراضيهم عندنا كما فعله عمر رضى الله عنه بالسواد وقال الشافعي رحمه الله تعالى له ذلك في الرقاب فأما في الاراضي ليس له ذلك بل عليه أن يقسمها بين الغانمين ويصرف الخمس إلى مصارفه وينبني هذا الكلام على فصلين أحدهما في السواد أنها فتحت عنوة أو صلحا وقد بينا والثاني في فتح مكة فانها فتحت عنوة وقهرا عندنا وزعم الشافعي رحمه الله تعالى أنها فتحت صلحا قال الكرخي رحمه الله تعالى في كتابه ومن له أدني علم بالسير والفتوح لا يقول بهذا وقد كان أهل العلم مجمعين على فتح مكة عنوة وقهرا حتى حدث قول بعد المأتين انها فتحت صلحا وانما قال الشافعي رحمه الله تعالى هذا لان النبي صلى الله عليه وسلم ترك لهم الاراضي والنخيل التي هي حول مكة فلم يجد بدا في اجراء مذهبه من هذا (قال) والدليل على ذلك حديث ابن عباس رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على ان وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ثم دخلها بعد ذلك باثنين وعشرين شهرا فعرفنا أنه دخلها بذلك الصلح وقد أشار الله تعالى الي ذلك في قوله وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ان أظفركم عليهم والدليل عليه أنه لم يضع على أراضيهم وظيفة وفى البلاد المفتوحة عنوة وقهرا لا يجوز ترك الاراضي لهم بغير وظيفة (وحجتنا) في ذلك ان الآثار أشتهرت بنقض قريش الصلح الذى كان بينه وبينهم على ماروى ان بنى خزاعة دخلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وبني بكر في عهد قريش ثم قاتل بنو بكر بنى خزاعة وأردفتهم قريش بالاسلحة والاطعمة

[ 38 ]

وقاتل من قاتل من قريش معهم مستخفيا بالليل حتى جاء وافد بني خزاعة عمرو بن سالم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصره ويقول لاهم انى ناشد محمدا * خلف أبينا وأبيه الا تلدا ان قريشا اخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وبيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا فقال صلي الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم فنشأت سحابة فقال انها تستهل ينصر بني خزاعة إلى أن نزل صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس رضى الله عنه قلت واصباحا قريش لو دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يخرجوا فيستأمنوا لهلكت قريش فركبت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت الاراك لعلى أجد بعض الحطابين فاخبرهم بمجئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت أبا سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام رضوان الله عليهم أجمعين يتراجعان الحديث ويقول احدهما لصاحبه ما هذه النيران فيقول الآخر نيران خزاعة ويقول الآخر هم أقل من ذلك وأذل فقلت يا حنظلة ما شأنك قال يا أبا الفضل ما تفعل ههنا فقلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بمر الظهران في عشرة آلاف قال وما الحيلة قلت لاأعرف لك حيلة ولكن أركب عجز دابتي فأردفته فما مررت بنار الاقيل هذه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عمه حتى مررت بنار عمر رضى الله عنه فعرفه فأخذ السيف وعدا خلفه ليقتله فسرت بالدابة حتى اقتحمت مضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر رضى الله عنه وقال يارسول الله صلى الله عليك ان الله مكنك من عدوك من غير عقد ولا صلح فدعني لاقتله فقلت مهلا فانى أجرته ولو كان من بنى عدى ما قتلته فبكى عمر رضى الله عنه وقال والله ان سروري باسلامك يوم أسلمت أكثر من سروري باسلام الخطاب أن لو أسلم فأمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أحمله إلى رحلى فغدوت به عليه وقال ألم يأن ان تشهد أن لا اله الا الله فقال أبو سفيان انى أقول لو كان مع الله آلهة لجاز أن ينصرونا فقال صلى الله عليه وسلم أتشهد أنى رسول الله فقال ان في النفس بعد من هذا لشيئا فقلت أسلم فان السيف في قفاك فأسلم فقلت ان أبا سفيان رجل يجب الفخر فاجعل له من الامر شيئا يارسول الله فقال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن فقال وكم تسعهم دارى يارسول الله قال من أغلق الباب

[ 39 ]

على نفسه فهو آمن ومن ألقي السلاح فهو آمن ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن الا ابن خطل ويعيش بن صبابة وقينتين لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمرنى أن أحبسه في مضيق الوادي لتمر عليه الكتائب فكلما مرت عليه كتيبة قال من هؤلاء الحديث إلى أن مر رسول الله صلي الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها ألفا رجل من المهاجرين والانصار عليهم السلاح والحلق لا يرى منهم الا الحدق فلما حاذاه سعد بن عبادة وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هز اللواء وقال اليوم يوم الملحمة اليوم تهتك فيه الحرمة فقال أبو سفيان ان ابن أخيك أصبح في ملك عظيم فقلت ليس بملك انما هو نبوة قال أو ذاك ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت باستئصال قومك من قريش فقد قال سعد كذا فقال صلى الله عليه وسلم اليوم يوم المرحمة اليوم تحفظ فيه الحرمة وبعث إلى سعد ليسلم اللواء إلى ابنه قيس الحديث فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل على انتقاض ذلك العهد ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد رضى الله عنه من جانب والزبير بن العوام رضى الله عنه من جانب وقال أترون أوباش قريش احصدوهم حصدا حتى تلقوني على الصفا وفيه يقول قائلهم يخاطب زوجته انك لو شهدت يوم خندمه * إذ فر صفوان وفر عكرمه * لم ينطلق اليوم بأدنى كلمه * وقال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه ينشد بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول خلوا بنى الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله * لاهم أني مؤمن بقيله * فقال له عمر رضى الله عنه أتنشد الشعر في حرم الله تعالى فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم دعه يا عمر فانه أسرع في قلوبهم من وقع النبل حتى جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد انتدب حضرا قريش فلا قريش بعد اليوم فقال صلى الله عليه وسلم الابيض والاسود آمن الا ابن خطل ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب الكعبة وفيها رؤساء قريش فأخذه بعضادتى الباب وقال ماذا ترون أنى صانع بكم فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم ملكت فاسجح فقال صلي الله عليه وسلم انى أقول لكم كما قال أخي

[ 40 ]

يوسف لاخوته لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أنتم الطلقاء لكم أموالكم وصح أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فذلك دليل أنه صلى الله عليه وسلم دخلها مقاتلا وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته ان مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والارض وانها لم تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى وانما أحلت لى ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة وانما مراده حل القتال فيها فدل أنه دخلها مقاتلا وفى قوله تعالى إذا جاء نصرالله والفتح يشهد لما قلنا ونزول قوله تعالى وهو الذي كف أيديهم في صلح الحديبية ألا ترى إلى قوله تعالى والهدي معكوفا ان يبلغ محله وانما لم يضع الخراج على أراضيهم لان الاراضي تابعة للرقاب ولم يضع الجزية على رقابهم إذ لاجزية على عربي ولارق فكذلك لاخراج على أراضيهم فإذا ظهر انها فتحت قهرا اتضح مذهبنا في المسألة التى قلنا وعلى سبيل الابتداء في تلك المسألة فالشافعى رحمه الله تعالى يقول قد تأكد حق الغانمين في الاراضي أما عندي فقد ثبت الملك لهم بنفس الاصابة وعندكم تأكد الحق بالاحراز فقد صارت محرزة بفتح البلدة واجراء أحكام الاسلام فيها وفى المن ابطال حق الغانمين عما تأكد حقهم فيه والامام لا يملك ذلك كما إذا استولى على الاموال بدون الاراضي لم يكن له أن يبطل حق الغانمين عنها بالرد عليهم بخلاف الرقاب فالحق في رقابهم لم يتأكد بدليل أن له أن يقتلهم فكذلك يكون له أن يمن على رقابهم بجزية يأخذها منهم ثم حق مصارف الخمس ثابت بالنص وفى المن ابطال ذلك ولهذا قلت اما تخمس الجزية لان الخمس من الرقاب كان حقا لارباب الخمس فيثبت حقهم في بدل ذلك وهو الجزية وعلماؤنا رحمهم الله تعالى يقولون تصرف الامام وقع على وجه النظروانه نصب لذلك وبيانه أنه لو قسمها بينهم اشتغلوا بالزراعة وقعدوا عن الجهاد فيكر عليهم العدو وربما لا يهتدون لذلك العمل أيضا فإذا تركها في أيديهم وهم أعرف بذلك العمل اشتغلوا بالزراعة وأدوا الجزية ؟ والخراج فيصرف ذلك إلى المقاتلة ويكونون مشغولين بالجهاد وبهذا تبين أنه ليس في هذا ابطال حقهم بل فيه توفير المنفعة عنهم لان منفعة القسمة وان كانت أعجل فمنفعة الخراج أدوم ولانه كما ثبت الحق فيها للذين أصابوا ثبت لمن يأتي بعدهم بالنص قال الله تعالى والذين جاؤا من بعدهم وفى القسمة ابطال حق من يأتي بعدهم أصلا وفى المن عليهم مراعاة الحقين جميعا وانما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لحاجة لاصحابه رضى الله عنهم كانت

[ 41 ]

يومئذ ونحن نقول للامام ذلك عند حاجة المسلمين فاما بدون الحاجة الاولي ما فعله عمر رضي الله عنه بالسواد والاستدلال بما استدل به ولاقول أبعد من قول من أوجب في الجزية الخمس فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر والحلل من بني نجران وقال لمعاذ رضى الله عنه خذ من كل حالم وحالمة دينارا ولم يخمس شيئا من ذلك فدل أنه لا خمس في الجزية وإذا قسم الغنيمة ضرب للفارس بسهمين وللراجل بسهم في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو قول أهل العراق وفى قولهما والشافعي رحمهم الله تعالى يضرب للفارس بثلاثة أسهم وهو قول أهل الشام وأهل الحجاز لحديث عبد الله بن العمرى رضى الله تعالى عنهما عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهم أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية عشر سهما وكانت الرجال ألفا واربعمائة والخيل مائتي فرس وباسم كل كل مائة سهم فتبين أنه جعل سهم الفرس ضعف سهم الرجل وعند تعارض الاخبار المصير إلى ماروينا أولى ما فيه من اثبات الزيادة ولانه اتفق عليه أهل الشام وأهل الحجاز فهم أعرف بذلك من أهل العراق ثم مؤنة الفرس أعظم من مؤنة الرجل والاستحقاق باعتبار التزام المؤنة وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدل بحديث عبيد الله العمرى عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس سهمين سهما له وسهما لفرسه وعبيد الله أوثق من أخيه عبد الله رضى الله تعالى عنهما وفى حديث كريمة بنت المقداد بن الاسود عن أبيها المقداد رضى الله تعالي عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم له يوم بدر سهمين سهما له وسهما لفرسه وفى حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس يوم خيبر سهمين ومارووا أنه قسم خيبر على ثمانية عشر سهما صحيح لكن ذكر في هذا الحديث أن الخيل كانت ثلثمائة ولو ثبت مارووا فالمراد من قوله وكانت الخيل مائتي فرس الخيل بفرسانها والرجال ألف وأربعمائة أي الرجالة قال الله تعالى واجلب عليهم بخيلك ورجلك أي بفرسانك ورجالتك وقال تعالى يأتوك رجالا أي رجالة فتبين بهذا ان الناس كانوا ألفا وستمائة فإذا كان باسم كل مائة سهم كان للفارس سهمان وللراجل سهم ثم المصير إلى ماروينا أولى لانه هو المتيقن وما رجح به من اثبات الزيادة متعارض ففيما روينا أثبات الزيادة في نصيب الراجل ثم في هذا تفضيل البهيمة على الآدمى وذلك غير جائز لان الاستحقاق

[ 42 ]

بالقتال والرجل يقاتل وحده والفرس لا تقاتل ولهذا كان القياس ان لا يسوى بين الفرس والرجل وان لا يستحق بالفرس شيئا لانه آلة من آلات الحرب كسائر الآلات ولكن الآثار اتفقت على سهم واحد فأخذنا بما اتفق عليه الاثر وأبقينا ما اختلف فيه الاثر على أصل القياس ولا معنى لاعتبار المؤنة فصاحب الحمار والبغل يلتزم المؤنة أيضا ولا يستحق به شيئا وصاحب الفيل والبعير مؤنته أكثر ثم لا يستحق بهما شيئا مع أنا لا نسلم ان مؤنة الفرس أكثر فان ما يحتاج إليه الفرس من العلف يوجد مباحا ومطعوم بنى آدم من الخبز واللحم لا يوجد الا بثمن ومذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى مروي عن عمر رضى الله عنه وصاحب البرذون والهجين والمقرف كصاحب الفرس العربي في استحقاق السهم به عندنا سواء وقال أهل الشام لا يسهم للبراذين ورووا فيه حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه شاذ والمشهور لهم حديث عمر رضى الله عنه على ماروي أن الخيل اغارت بالشام وعلى القوم المنذر بن أبى خمصة الوداعى فأدركت العراب اليوم والبراذين ضحى الغد فلم يسهم المنذر للبراذين وقال لاأجعل من أدرك كمن لا يدرك وكتب في ذلك إلى عمر رضى الله عنه فقال هبلت الوداعى أمه لقد أذكت به وفي رواية لقد أذكرته أمضوها على ما قال (وحجتنا) في ذلك أن استحقاق السهم بالخيل لمعني ارهاب العدو قال الله تعالى ومن رباط الخيل الآية والارهاب يحصل بالبرذون كما يحصل بالفرس العربي ثم العربي في الطلب والهرب أقوى والبرذون أقوى على الحرب وأصبر والين عطفا عند اللقاء ففي كل جانب نوع منفعة معتبرة ومعنى التزام المؤنة يجمعهما وتأويل حديث عمر رضى الله عنه أن المنذر فعل ذلك باجتهاده فأمضى عمر رضي الله عنه اجتهاده وهكذا نقول ومن الناس من يقول يستحق بالفرس العربي سهمان وبما سوى ذلك سهم واحد وهذا بعيد فان البرذون فرس العجم والعربي فرس العرب وكما يسوى بين العجمي والعربي في استحقاق السهم فكذلك في الخيل والهجين ما يكون ابوه من الكوادن وأمه عربية والمقرف ما يكون أبوه عربيا وأمه من الكوادن ومعنى قوله لقد اذكت به اتت به ذكيا وقوله اذكرته اتت به ذكرا جلدا (قال) وإذا دخل الغازى دار الحرب مع الجيش فارسا ثم نفق فرسه أو عقر قبل احراز الغنيمة فله سهم الفرسان عندنا وهو قول عمر رضى الله عنه وقال الشافعي رحمه الله له سهم الراجل لقول عمر رضى الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة وقد شهد الوقعة راجلا ولان سبب

[ 43 ]

الاستحقاق الاخذ وعند الاخذ هو راجل فيستحق سهم الراجل كما لو نفق فرسه قبل دخول دار الحرب و هذا لان سهم الفرس لا يكون أقوى من سهم صاحبه ولو مات الغازى بعد مجاوزة الدرب لم يستحق شيئا فإذا نفق الفرس اولى ولانه يستحق السهم بفرسه كما يستحق الرضخ بعبده ولو مات عبده بعد مجاوزة الدرب لم يستحق به شيئا فكذلك الفرس (وحجتنا) انه دخل دار الحرب فارسا على قصد الجهاد فيستحق سهم الفرسان كما لو كان فرسه قائما وقاتل راجلا وهذا لان الاستحقاق بالفرس لمعني ارهاب العدو به وقد حصل به والجيش انما يعرض عند مجاوزة الدرب فمن كان فارسا في ذلك الوقت واثبت اسمه في ديوان الفرسان فقد حصل ارهاب العدو بفرسه لانه ينتشر الخبر في دار الحرب انه دخل كذا وكذا فارس وقل ما يعيش بعد ذلك ولان الاعتبار للقهر الذى يحصل به اعزاز الدين وذلك بدخول دار الحرب علي قصد الجهاد فإذا كان هو عند دخول دار الحرب ملتزما مؤنة الفرس على قصد الجهاد انعقد له سبب الاستحقاق وبالاجماع لا معتبر ببقاء الفرس إلى حال تمام الاستحقاق لانه لو نفق فرسه بعد القتال قبل احراز الغنيمة بدار الاسلام استحق سهم الفرسان فكان المعتبر حال انعقاد السبب ابتداء بخلاف مالو مات قبل مجاوزة الدرب لان معنى الارهاب العود والقهر لم يحصل به وبخلاف ما إذا مات الفارس لانه هو المستحق ولا يبقى الاستحقاق بعد موت المستحق وان كان السبب منعقدا ألا ترى انه لو قتل في دار الحرب أو مات بعد الفراغ قبل الاحراز عندنا لا يستحق شيئا والعبد آدمى كالحر ثم الرضخ ليس نظير السهم ألا ترى انه غير مقدر بشئ فلا يستقيم اعتبار السهم بما دونه ولو باع فرسه بعد ما جاوز الدرب قبل القتال ففي رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى يستحق سهم الفرسان أيضا لانه أثبت اسمه في ديوان الفرسان وفى ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة لانه تبين بالبيع انه ماكان قصده من التزام مؤنة الفرس القتال عليه انما كان قصده التجارة وبمجاوزة الدرب على قصده التجارة لا ينعقد سبب استحقاق الغنيمة بخلاف ما إذا مات فرسه ولانه بالبيع والهبة أزاله عن ملكه باختياره فيكون به مسقطا حقه وبالموت ما أزاله عن ملكه باختياره بل هو مصاب في ذلك ولو باعه بعد الفراغ من القتال لم يسقط سهمه لانه لا يتبين به أنه لم يكن قصده من التزام مؤنة الفرس عدم القتال الا ترى أنه ما لم يفرغ من القتال لم يشتغل بالبيع فيه واختلف مشايخنا رحمهم الله

[ 44 ]

تعالى فيما إذا باعه في حالة القتال قال بعضهم لا يسقط سهمه لان بيع الفرس عند القتال مخاطرة بالنفس فمن ليس له قصد القتال يطلب في ذلك الوقت فرسا ليهرب عليه وبهذا تبين أن بيعه الفرس لاظهار المبالغة في الحرب وهو أنه يرى العدو انه غير عازم على الفرار أصلا (قال) رحمه الله تعالى والاصح عندي أنه لا يستحق سهم الفارس لان تأخيره بيع الفرس إلى وقت القتال يحقق قصد التجارة فيه فان المشترى فيه عند ذلك أرغب والتاجر يحبس مال تجارته إلى وقت عزته وكثرة الرغبة فيه فلهذا يسقط سهمه ببيع الفرس فأما إذا دخل دار الحرب راجلا ثم اشترى فرسا وقاتل فارسا فله سهم الراجل وروى ابن المبارك عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن له سهم الفرسان لان معنى ارهاب العدو والقهر الذى يتم به اعزاز الدين بالقتال على الفرس أظهر منه في مجاوزة الدرب فإذا كان يستحق سهم الفرسان بمجاوزة الدرب فارسا فالقتال علي الفرس أولى وجه ظاهر الرواية أن الامام انما يدون الدواوين ويثبت أسامي الفرسان والرجالة عند مجاوزة الدرب ويشق عليه تفقد أحوالهم بعد ذلك فمن أثبت اسمه في ديوان الرجالة فقد انعقد له سبب الاستحقاق راجلا فلا يتغير ذلك بشراء الفرس كما في الفصل الاول لا يتغير حاله بموت الفرس ومن دخل دار الحرب فارسا ثم قاتل راجلا بان كان القتال على باب حصن أو في السفينة فانه يستحق سهم الفارس اما عندنا فلانه اثبت اسمه في ديوان الفرسان والاستحقاق بحصوله في دار الحرب فارسا وعند الشافعي رحمه الله تعالى لانه قاتل وله فرس معد للقتال عليه لو احتاج إليه فيستحق سهم الفرسان كما يستحق الردء السهم مع المباشر وإذا مات الغازى أو قتل بعد اصابة الغنيمة قبل اخراجها إلى دار الاسلام لم يورث سهمه عندنا وهو قول على رضى الله عنه وقال الشافعي رحمه الله يورث وهو قول عمر رضي الله عنه وهذا ينبنى على الاصل الذي بينا فان عنده الملك يثبت لهم بنفس الاصابة وموت أحد الشركاء لا يبطل ملكه عن نصيبه بل يخلفه وارثه فيه كالشركاء في الاصطياد إذا مات أحدهم بعد الاخذ ومن اصلنا ان الحق يثبت بنفس الاصابة ولا يتأكد الا بالاحراز والحق الضعيف لا يورث كحق القبول فان المشترى إذا مات بعد ايجاب البائع قبل قبوله لا يخلفه وارثه في القبول واما بعد الاحراز الحق يتأكد والارث يجرى في الحق المتأكد كحق الرهن والرد بالعيب وهو نظير مذهبنا في الشفعة وخيار الشرط لا يورث لانه حق ضعيف وقد استدل بعض مشايخنا على

[ 45 ]

ضعف الحق قبل الاحراز باباحة تناول الطعام والعلف لكل واحد منهم من غير ضرورة وضمان وبامتناع وجوب الضمان على من اتلف شيئا من الغنيمة قبل الاحراز بخلاف ما بعد الاحراز وبقبول شهادة الغانمين في الغنيمة قبل الاحراز وامتناع قبول الشهادة بعد الاحراز وتبين بذلك ان الحق ضعيف كحق كل مسلم في مال بيت المال ولكن أصحاب الشافعي رحمهم الله ربما لا يسلمون هذين الفصلين وإذا كان العبد مع مولاه فقاتل باذنه يرضخ له وكذلك الصبى والمرأة والذمي والمكاتب لحديث أبى هريرة رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد وكان يرضخ لهم وعن فضالة بن عبيد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرضخ للمماليك ولا يسهم لهم ولان العبد غير مجاهد بنفسه الا ترى ان للمولى ان يمنعه من الخروج فلا يسوى بينه وبين الحر الذى هو أهل للجهاد بنفسه في استحقاق السهم ولكن يرضخ له إذا قاتل لمعنى التحريض والصبي والمرأة ليس لهما قوة الجهاد بانفسهما ولهذا لا يلحقهما فرض الجهاد والذمي ليس من أهل الجهاد بنفسه فان الكفار لا يخاطبون بالشرائع ما لم يسلموا والرق في المكاتب قائم ويتوهم ان يعجز فيمنعه المولى من الخروج إلى الجهاد وان كان العبد في خدمة مولاه وهو لا يقاتل لا يرضخ له أيضا لان مولاه التزم مؤنته لخدمته لا للقتال به بخلاف الاول فانه التزم مؤنته للقتال به ونظيره ما قررناه من بيع الفرس وأهل سوق العسكر ان لم يقاتلوا فلا يسهم لهم ولا يرضخ لان قصدهم التجارة لاارهاب العدو واعزاز الدين فان قاتلوا استحقوا السهم لانه تبين بفعلهم ان قصدهم القتال ومعنى التجارة تبع لذلك فحالهم كحال التاجر في طريق الحج لا ينتقص به ثواب حجه وفيه نزل قوله تعالى ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم ومن دخل دار الحرب بأفراس لا يستحق السهم الالفرس واحد في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أهل العراق وأهل الحجاز وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يستحق السهم لفرسين وهو قول أهل الشام رحمهم الله تعالي لما روى ان الزبير بن العوام رضى الله عنه شهد خيبر بفرسين فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم سهما له وسهمين لكل فرس ولان الانسان قد يحتاج في القتال إلى فرسين حتى إذا كل أحدهما قاتل على الآخر وهو عادة معروفة في المبارزين فكان ملتزما مؤنة فرسين للقتال فيستحق السهم لهما وما زاد على ذلك غير محتاج إليه للقتال فكان من الجنائب وهما استدلا

[ 46 ]

بما روى ابراهيم بن الحارث التيمى عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لصاحب الافراس الا لفراس واحد يوم حنين وحديث ابن الزبير فانما أعطاه سهم ذوى القربى له ولامه صفية وما أسهم له الا لفرس واحد ثم عند تعارض الآثار يؤخذ بالمتيقن لان القياس يأبى استحقاق السهم بالفرس ولانه لا يقاتل الاعلى فرس واحد ويحمل ما يروى من الزيادة انه أعطى ذلك على سبيل التنفيل كما روى انه اعطى سلمة بن الاكوع رضى الله عنه سهمين وكان راجلا ولكن أعطاه احد السهمين على سبيل التنفيل لجده في القتال فانه قال خير رجالتنا سلمة بن الاكوع وخير فرساننا أبو قتادة وهذه المسألة نظير مابينا في النكاح ان المرأة لا تستحق النفقة الا لخادم واحد في قول أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رحمهم الله تستحق النفقة لخادمين ومن مرض أو كان جريحا في خيمته حتي أصابوا الغنائم فله السهم كاملا لان سبب الاستحقاق وجد في حقه كما قررنا وفى نظيره قال صلى الله عليه وسلم انما تنصرون وترزقون بضعفائكم وإذا بعث الامام سرية من العسكر في دار الحرب فجاءت بغنائم وقد أصاب الجيش غنائم أيضا فان بعضهم يشارك بعضا في المصاب لانهم اشتركوا في سبب الاستحقاق وهو دخول دار الحرب على قصد القتال ولان الجيش في حق أصحاب السرية كالردء لهم حتي يلجؤن إليهم إذا حزبهم أمروهم بمنزلة الردء لاجتماعهم في دار الحرب وقد بينا أن للردء أن يشارك الجيش في المصاب وان لم يلقوا قتالا بعد ما التحقوا بهم فهذا أولى وان أسر فأصاب المسلمون بعده غنيمة ثم انفلت منهم فالتحق بالجيش الذى أسر منه قبل أن يخرجوا فهو شريكهم في جميع ما أصابوا وان لم يلقوا قتالا بعد ذلك لانه انعقد سبب الاستحقاق له معهم فيشاركهم فيما تأكد الحق به وهو الاحراز فلا يعتبر العارض بعد ذلك كما لو مرض أو جرح وان التحق هذا الاسير بعسكر آخر في دار الحرب وقد أصابوا غنائم فانه لا يستحق السهم الا أن يلقوا قتالا فيقاتل معهم لانه ما انعقد له سبب الاستحقاق معهم وانما كان قصده من اللحوق بهم الفوز والنجاة فلا يستحق السهم الا أن يلقوا قتالا فحينئذ تبين بفعله ان قصده القتال معهم ويجعل قتاله للدفع عن المصاب كقتاله للاصابة في الابتداء وكذلك الذى أسلم في دار الحرب إذا التحق بالعسكر أو المرتد إذا تاب فالتحق بالعسكر أو التاجر الذى دخل بأمان إذا التحق بالعسكر فانهم بمنزلة الاسير ان قاتلوا استحقوا السهم والا فلا شئ لهم وفى الاصل ذكر أن عبدا لو جنى جناية

[ 47 ]

خطأ أو أفسد متاعا فلزمه دين ثم أسره العدو ثم أسلموا عليه فهو لهم لقوله صلى الله عليه وسلم من أسلم على مال فهو له ثم الجناية تبطل عنه والدين يلحقه لان حق الجناية في رقبته ولا يبقى بعد زوال ملك المولى ألا ترى أنه لوزال ملكه بالبيع والهبة لا يبقي فيه حق ولى الجناية فأما الدين في ذمته يبطل عنه بزوال ملك المولى كما لا يبطل ببيعه وهذا لان الدين في ذمة العبد يجب شاغلا لماليته فانما يملك العدو ماليته مشغولة بالدين كما أسروه ولهذا يبقى الدين عليه بعدما أسلم ولو اشتراه رجل منهم أو أصابه المسلمون في غنيمة يأخذه المولى بالقيمة أو الثمن فان الجناية والدين يلحقانه لانه يعيده بالاخذ إلى قديم ملكه وحق ولى الجناية كان ثابتا في قديم ملكه وسيأتى بيان هذا الفصل وان كانت الجناية قتل عمد لم يبطل ذلك عنه بحال لان المستحق عليه نفسه قصاصا فلا يبطل ذلك بزوال ملك المولى كما لو باعه أو أعتقه بعد ما لزمه القصاص (قال) ولا ينبغي للامام أن ينفل احدا مما قد أصابه انما النفل قبل احراز الغنيمة أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له وقد كان يستحب ذلك للاغراء على القتال وهذا الكلام يشتمل على فصول أحدها أن القاتل لا يستحق السلب بالقتل عندنا من غير تنفيل الامام وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا قتله مقبلا بين الصفين على وجه المبارزة استحق سلبه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر من قتل قتيلا فله سلبه فمثل هذا اللفظ في لسان صاحب الشرع لبيان السبب كقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فظاهره لنصب الشرع فانه صلى الله عليه وسلم بعث لذلك وفى حديث أبى قتادة رضى الله تعالى عنه قال أصاب المسلمين جولة يوم حنين فلقيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فأتيته من ورائه وضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل على وضمني إلى نفسه ضمة شممت منها رائحة الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول من قتل قتيلا فله سلبه فقلت من يشهد لى فقال رجل صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فارضه عنى فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه لاها الله أيعمد أسد من أسد الله فيقتل عدو الله ثم يعطيك سلبه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان القتل منه قبل مقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه سلبه فظهر أن الاستحقاق بالقتل لا بالتنفيل ولان القاتل أظهر فضل عناية على غيره بمباشرة القتل فيستحق في الاستحقاق كالفارس مع الراجل

[ 48 ]

وهذا لان القاتل على سبيل المبارزة يحتاج إلى زيادة عناء ومخاطرة بالنفس ولهذا لو قتله مدبرا لا يستحق سلبه وكذلك لو رمى سهما من صف المسلمين فقتل مشركا لا يستحق سلبه لانه ليس فيه زيادة العناء فكل واحد يتجاسر على ذلك وأصحابنا استدلوا بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه والسلب من الغنيمة لان الغنيمة مال يصاب بأشرف الجهات فينبغي أن يجب فيه الخمس بظاهر الآية وعندكم لا يجب وهذا مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال السلب من الغنيمة وفيه الخمس واستدل بالآية وجاء رجل من بلقين الي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لمن المغنم قال لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم فقال هل احد أحق بشئ من غيره قال لا حتى لو رميت بسهم في جنبك فاستخرجته لم تكن أحق به من أخيك وعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال كنت واقفا يوم بدر بين شابين حديث أسنانهما أحدهما معوذ بن عفراء والآخر معاذ بن عمرو بن الجموح فقال لى أحدهما أي عم أتعرف أبا جهل قلت وما شأنك به قال بلغني أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لقيته ما فارق سوادى سواده حتى يموت الاعجل منا موتا وعمر بى الآخر إلى مثل ذلك فلقيت أبا جهل في صف المشركين فقلت ذاك صاحبكما الذى تريدانه فابتداره بسيفيهما حتى قتلاه واختصما في سلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل واحد منهما أنا قتلته والسلب لى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسحتما سيفيكما فقالا لا فقال أرياني سيفيكما فارياه فقال كلاكما قتله ثم أعطى السلب معوذ بن عفراء ولو كان الاستحقاق بالقتل لما خص به أحدهما مع قوله صلى الله عليه وسلم كلاكما قتله (فان قيل) كيف يصح هذا والمشهور أن ابن مسعود رضي الله عنه قتله قلناهما انحناه وابن مسعود رضى الله عنه اجهز عليه على ماروى انه قال وجدته صريعا في القتلى وبه رمق فجلست على صدره ففتح عينيه وقال يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى عظيما لمن الدبرة قلت لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقال ما تريد ان تصنع قلت احز رأسك قال لست بأول عبد قتل سيده ولكن خذ سيفي فهو امضى لما تريد وأقطع رأسي من كاهل ليكون اهيب في عين الناظر وإذا لقيت محمدا فاخبره اني اليوم أشد بعضا له مما كنت قبل هذا فقطعت رأسه واتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فالقيته بين يديه وقلت هذا رأس أبى جهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر هذا كان فرعونى وفرعون أمتي شره على امتي

[ 49 ]

أكثر من شر فرعون على بنى اسرائيل ونفلني سيفه ففي هذا بيان انه اجهز عليه وان الاستحقاق ليس بنفس القتل إذا لو كان الاستحقاق بنفس القتل لكان المستحق للسيف من اثخنه فما كان ينفله غيره وان البراء بن مالك رضى الله عنه قتل مرزبان الرازة واخذ سلبه مرصعا باللؤلؤ والجوهر فقوم بعشرين الفا فقال عمر رضى الله عنه كنا لا نخمس الاسلاب وان سلب البراء بلغ هذا المبلغ وما اراني الا خامسه قال انس فبعثنا بالخمس أربعة آلاف إليه فإذا تبين وجوب الخمس فيه ثبت ان الباقي منه مقسوم بين الغانمين وما نقل من قوله من قتل قتيلا فله سلبه كان على سبيل التنفيل منه لاعلى وجه نصب الشرع وانما يكون ذلك نصب الشرع إذا قاله في المدينة في مسجده ولم ينقل انه قال ذلك الا يوم بدر عنه القتال للحاجة إلى التحريض وقد كانوا أذلة يوم حنين حين ولوا منهزمين للحاجة إلى التحريض فعرفنا انه قال ذلك على سبيل التنفيل لاعلى وجه نصب الشرع وعندنا بالتنفيل يستحق ولان القاتل انما تمكن من قتله وأخذ سلبه بقوة الجيش فلا يختص به كما لو أخذ أسيرا أو أصاب مالا آخر لا يختص به وكما يكون منه فضل عناء في القتل يكون ذلك منه بأخذ الاسير واستلاب سلب الحى ثم لا يختص به الا بعد تنفيل الامام وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر من قتيل قتيلا فله سلبه قال من أخذ أسيرا فهو له ثم كان ذلك على وجه التنفيل فكذلك في السلب والاصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم ليس للمرء الا ما طابت به نفس امامه ويستحب للامام ان ينفل قبل الاصابة بحسب ما يرى الصواب فيه للتحريض على القتال قال الله تعالى يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال ولان بالنفل يعينه على البر وهو بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فكان ذلك مستحبا ولكن قبل الاصابة وأما بعد الاصابة لا يجوز النفل الا على قول أهل الشام فانهم يجوزون ذلك وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم نفل بعد الاصابة وتأويل ذلك عندنا انه نفل من الخمس أو من الصفى الذى كان له أو فعل ذلك يوم بدر لان الامر في الغنائم كان إليه كما روينا واليه أشار سعيد بن المسيب رضى الله عنه فقال لانفل بعد الاحراز الا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المعنى فيه أن بعد الاصابة في التنفيل ابطال حق أرباب الخمس وابطال حق بعض الغانمين عما ثبت حقهم فيه وهو سبب لايقاع الفتنة والعداوة بينهم والتنفيل للتحريض على القتال وتسكين الفتنة فإذا نفل بعد الاصابة عاد على موضوعه

[ 50 ]

بالنقض والابطال وذلك لا يجوز وإذا أخذ الرجل علفا من الغنيمة ففضل منه فضلة بعد ما خرج إلى دار الاسلام أعادها في الغنيمة ان كانت لم تقسم لان اختصاصه بذلك كان للحاجة وقد زال بالخروج إلى دار الاسلام وكان ذلك لعدم تأكد الحق في الغنيمة لهم وقد زال ذلك بالاحراز وان كانت الغنائم قد قسمت فذلك بمنزلة للقطة في يده فان كان فقيرا فلا بأس بأن يأكله وان كان غنيا باعه وتصدق بثمنه كما يفعل باللقطة وكذلك لا ينبغى له أن يبيع شيئا من الطعام والعلف لانه أبيح له التناول للحاجة والمباح له التناول لا يملك التصرف فيه بالبيع وان فعل ذلك أعاد الثمن في الغنيمة ان لم تقسم وان كانت قد قسمت صنع مايصنع باللقطة كما بينا وان أقرضه رجلا في دار الحرب من الجند لم يسمع له أن يأخذ منه شيئا لان المقرض والمستقرض في حق اباحة تناوله سواء الا أن الآخذ كان أحق به لانه في يده فإذا زال ما بيده إلى الآخر سقط حقه فلهذا لا يأخذ منه شيئا وإذا أعتق رجل من الجند جارية من الغنيمة نفذ عتقه في القياس لان حقهم تأكد بالاحراز ألا ترى أن بالقسمة يتعين ملك كل واحد منهم والقسمة لتميز الملك لا لابتداء الملك فتبين به أن الملك كان ثابتا لهم من قبل وانه أعتق جارية مشتركة بينه وبين غيره وهذا على أصل الشافعي رحمه الله تعالى أظهر فانه يقول بنفس الاصابة يثبت لهم الملك وفى الاستحسان عندنا لا ينفذ عتقه لان نفوذ العتق يستدعى ملكا قائما في المحل وذلك غير موجود لهم قبل القسمة ألا ترى أن للامام أن يبيع الغنائم ويقسم الثمن وأنه لا يدرى ان نصيب كل واحد منهم في أي موضع يقع عند القسمة فكان ما هو شرط نفوذ العتق منعدما فلهذا لا ينفذ عتقه وكذلك لو استولدها لم يصح استيلاده لان استيلاد يوجب حق العتق وذلك لا يكون الا بعد قيام الملك في المحل بخلاف الاب يستولد جارية ابنه فله ولاية التملك هناك فيتملكها سابقا على الاستيلاد وليس له ولاية تملك هذه الجارية بدون رأى الامام فلا يصح استيلاده فيها ولا يثبت النسب منه ولكن يسقط الحد عنه لثبوت حق متأكد ويلزمه العقر لان الوطئ في دار الاسلام عند ذلك لا ينفك عن حد أو عقر فكانت هي وولدها في الغنيمة لان الولد يتبع الام وعلى قول الشافعي رحمه الله استيلاده صحيح بناء على الاصل الذى بينا ان الملك عنده يثبت بنفس الاصابة وان سرق بعض الغانمين شيئا من الغنيمة لم يقطع لتأكد حقه فيها ولكنه يضمن المسروق ويؤدب ولا يحرق رحله عندنا وقال الاوزاعي رحمه الله يحرق رحله

[ 51 ]

ويستدل بحديث روى ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يحرق رحل الغال وفى السير الكبير ذكر عن محمد رحمه الله ان هذا الحديث لا يكاد يصح وقد كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجيش أعراب جهال يكون منهم الغلول فلو كان يستحق احراق رحل الغال لاشتهر ذلك ونقل نقلا مستفيضا ارأيت لو كان في رحله مصاحف كانت تحرق واستكثر من الشواهد لاستبعاد هذا القول وكما لا يلزمه إذا سرق بنفسه فكذلك إذا سرق عبده أو ذو رحم محرم منه لان فعل هذا في السرقة كفعله وقد بينا هذا في كتاب السرقة وإذا قسمت الغنيمة على الرايات فوقعت جارية بين أهل راية أو عرافة فاعتقها رجل منهم قال يجوز إذا قل الشركاء لان الملك قد ثبت بقسمة الجملة وان لم يتعين لعدم القسمة على الافراد الا تري انه لم يبق للامام رأى البيع بعد ذلك ولا رأى القتل في الاسارى فكانت مشتركة بين أهل تلك العرافة شركة ملك وعتق أحد الشركاء نافذ ولكن هذا إذا قلوا حتي تكون الشركة خاصة فاما إذا كثروا فالشركة عامة وبالشركة العامة لا نثبت ولاية الاعتاق كشركة المسلمين في مال بيت المال ثم قال والقليل إذا كانوا مائة أو أقل ولست اوقت فيه وقتا وفي السير الكبير حكى فيه أقاويل فقال قد قيل أربعون لان النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الاسلام حين كثر المسلمون فكانوا أربعين وقيل خمسون اعتبارا بعدد الايمان في القسامة وقيل مائة استدلالا بقوله تعالى وان يكن منكم مائة صابرة وقيل إذا كانوا يحصون من غير حاجة إلى كتاب وحساب وقيل إذا كانوا بحيث لو ولد لاحدهم ولد يظهر ذلك من يومه فهم قليل والاصح انه موكول إلى رأي الامام في استقلال عددهم واستكثاره لان نصب المقادير لا يكون بالرأي وليس فيه نص فالاولى ان يجعل موكولا الي اجتهاد الامام وإذا سبى الجند امرأة ثم سبوا زوجها بعدها بقليل أو كثير وقد حاضت فيما بين ذلك حيضتين أو لم تحض غير انهم لم يخرجوها من دار الحرب حتى سبوا زوجها فهما على نكاحها وأيهما سبي وأخرج إلى دار الاسلام ثم سبى الاخر وأخرج فلا نكاح بينهما وهذا فصل بيناه في كتاب النكاح ان الموجب للفرقة تباين الدارين لا السبى فإذا انعدم تباين الدارين كانا على نكاحهما سواء سبيا معا أو أحدهما بعد الآخر وإذا أخرج المسبى منهما إلى دار الاسلام وجد تباين الدارين بينهما حقيقة وحكما فارتفع النكاح بينهما ثم لا يعود بعد ذلك وان سبى الآخر منهما والله أعلم بالصواب

[ 52 ]

(باب ما أصيب في الغنيمة مما كان المشركون أصابوه من مال المسلم) (قال) رضى الله عنه بني مسائل الباب على أصل مختلف فيه وهو ان الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر إذا أحرزوه بدارهم عندنا ولا يملكونها عند الشافعي لقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا والتملك بالقهر أقوى جهات السبيل ولما أغار عتيبة بن حصن على سرح المدينة وفيه ناقة رسول الله صلي الله عليه وسلم العضباء وامرأة من الانصار قالت الانصارية فلما جن لليل قصدت الفرار من أيديهم فما وضعت يدى على بعير الارغي حتى وضعت يدى على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء فركنت إلى فركبتها وقلت لئن نجاني الله تعالى عليها لانحرنها ولآكلن من سنامها وكبدها فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصصت عليه هذه القصة قال بئسما جازيتها لانذر فيما لا يملكه ابن آدم وفى رواية رديها فانها ناقة من إبلنا وارجعي إلى أهلك على اسم الله والمعنى فيه أن هذا عدوان محض لانه حرام ليس فيه شبهة الاباحة فلا يكون سببا للملك كاستيلاء المسلم على مال المسلم وهذا لان الملك حكم مشروع مرغوب فيه فيستدعى سببا مشروعا والعدوان المحض ضد المشروع ولان المعصوم بالاسلام لا يملك بالقهر كالرقاب فان الشرع أثبت العصمة بسبب واحد في المال والرقاب قال صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم فذلك دليل المساواة بينهما في المنع من التملك بالقهر وهذا لان الاستيلاء سبب الملك في محل مباح لافي معصوم حتى لا يملك مال المستأمن بالقهر بخلاف مال الحربى الذى لا أمان له ولا يملك صيد الحرم بالاستيلاء بخلاف صيد الحل والسبب لا يعمل الافى محله فإذا صادف الاستيلاء محلا معصوما لم يكن موجبا للملك وبه فارق سائر أسباب الملك من البيع والهبة لانه موجب للملك في محل معصوم وهو مملوك (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم الآية فان الله تعالى سمى المهاجرين فقراء والفقير حقيقة من لاملك له ولو لم يملك الكفار أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء ولما قال على لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ألا تنزل دارك قال وهل ترك لنا عقيل من ربع وقد كان له دار بمكة ورثها من خديجة رضى الله عنها فاستولى عليها عقيل بعد هجرته والمعني فيه أن الاستيلاء سبب يملك به المسلم مال الكافر

[ 53 ]

فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع والهبة وتأثيره أن نفس الاخذ سبب لملك المال إذا تم بالاحراز وبيننا وبينهم مساواة في أسباب اصابة الدنيا بل حظهم أوفر من حظنا لان الدنيا لهم ولانه لا مقصود لهم في هذا الاخذ سوى اكتساب المال ونحن لا نقصد بالاخذ اكتساب المال ثم جعل هذا الاخذ سببا للمك في حق المسلم بدون القصد فلان يكون سببا للملك في حقهم مع وجود القصد أولى وانما يفارقوننا فيما يكون طريقه طريق الجزاء لان الجزاء بوفاق العمل وذلك في تملك رقاب الاحرار لان الآدمى في الاصل خلق مالكا لا مملوكا فصفة المملوكية فيه تكون بواسطة ابطال صفة المالكية وذلك مشروع في حقهم بطريق الجزاء فانهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم الله تعالى على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده ولا يوجد ذلك في حق المسلمين ولا اشكال أن ابطال صفة الحرية يكون بطريق الجزاء والعقوبة ألاتري أن اثبات صفة الحرية في المملوك مشروع بطريق الجزاء والتقرب فابطال صفة الحرية يكون بطريق الجزاء والعقوبة وقد تعذر اثبات هذه الواسطة في رقاب الاحرار المسلمين أو من ثبت له حق العتق منهم حتى أن في حق العبيد لما كان الملك يثبت بدون هذه الواسطة قلنا بأنهم يملكون عبيدنا بالاخذ والمفارقة بيننا وبينهم في الحل والحرمة لايمنع المساواة في حكم الملك عند تقرر سببه ألا ترى أن استكساب المسلم عبده الكافر سبب مباح للملك واستكساب الكافر عبده المسلم حرام ومع ذلك كان موجبا للملك لتقرر السبب مع أن الفعل الذى هو عدوان غير موجب للملك عندنا لان الفعل انما يكون عدوانا في مال معصوم والعصمة بالاحراز والاحراز بالدار لا بالدين لان الاحراز بالدين من حيث مراعاة حق الشرع والاثم في مجاوزة ذلك ولا يتحقق ذلك في حق المنكرين فانما يكون الاحراز في حقهم بالدار التى هي دافعة لشرهم حسا وما بقي المال معصوما بالاحراز بدار الاسلام لا يملك بالاستيلاء عندنا وانما يملك بعد انعدام هذه العصمة بالاحراز بدار الحرب والاخذ بعد ذلك ليس بعدوان محض والمحل غير معصوم أيضا فلهذا كان الاستيلاء فيه سببا للملك والدليل على أن الاحراز بالدين لا يظهر حكمه في حقهم فصل الضمان فانهم لا يضمنون ما أتلفوا من نفوس المسلمين وأموالهم وتأثير العصمة في ايجاب الضمان أظهر منه في دفع الملك ثم لما لم يبق للعصمة بالدين اعتبار في حقهم في ايجاب الضمان فكذلك في دفع الملك وتأويل الحديث أنهم لم يحرزوها بدارهم بعد فلم يملكوها ولا ملكت هي فلهذا

[ 54 ]

استردها وجعل نذرها فيما لا تملك والمراد بالآية حكم الاخذ بدليل قوله تعالى فالله يحكم بينهم يوم القيامة وبه نقول انهم يفارقوننا في دار الآخرة فانها دار الجزاء ولا سبيل لهم علينا في دار الجزاء إذا عرفنا هذا فنقول إذا وقع هذا المال في الغنيمة وقد كان المشركون أحرزوه فان وجده مالكه قبل القسمة أخذه بغير شئ وان وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة ان شاء لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة رجل من المسلمين بدارهم ثم وقعت في الغنيمة فخاصم فيها المالك القديم فقال صلي الله عليه وسلم ان وجدتها قبل القسمة أخذتها بغير شئ وان وجدتها بعد القسمة أخذتها بالقيمة ان شئت ففي هذا دليل أنهم قد ملكوها وانما فرق في الاخذ مجانا بين ما قبل القسمة وما بعدها لان المستولي عليه صار مظلوما وقد كان يفترض على من يقوم بنصرة الدار وهم الغزاة ان يدفعوا الظلم عنه بأن يتبعوا المشركين ليستنقذوا المال من أيديهم وقبل القسمة الحق لعامة الغزاة فعليهم دفع الظلم باعادة ماله إليه فاما بعد القسمة فقد تعين الملك لمن وقع في سهمه وعليه دفع الظلم ولكن لا بطريق ابطال حقه وحقه في المالية حتى كان للامام ان يبيع الغنائم ويقسم الثمن بين الغانمين وحق المالك القديم في العين فيتمكن من الاخذ بالقيمة ان شاء ليتوصل كل واحد منهما إلى حقه فيعتدل النظر من الجانبين ولان قبل القسمة ثبوت حق الغزاة فيه ليس بعوض على شئ بل صلة شرعية لهم ابتداء فلا يكون في أخذ المالك القديم اياه مجانا ابطال حقهم عن عوض كان حقا لهم فاما بعد القسمة فمن وقع في سهمه استحق هذا العين عوضا عن سهمه في الغنيمة فلا وجه لابطال حقه في ذلك العوض فيثبت للمالك القديم حق الاخذ بعد ما يعطى من وقع في سهمه العوض الذى كان حقا له وانما يأخذه إذا أثبت دعواه فان مجرد قوله ليس بحجة في ابطال حق الغانمين قبل القسمة ولافي استحقاق الملك على من وقع في سهمه بعد القسمة وهذا إذا كان المأخوذ شيئا لامثل له فاما الدراهم والدنانير والفلوس والمكيل والموزون فان وجدها قبل القسمة أخذها بغير شئ وان وجدها بعد القسمة فلا سبيل له عليها لان الاخذ شرعا انما ثبت له إذا كان مفيدا وقبل القسمة هو مفيد فاما بعد القسمة لو أخذها أخذها بمثلها وذلك غير مفيد فان المالية في هذا ؟ الاشياء باعتبار الكيل والوزن ولهذا جرى الربا فيها فلكون الاخذ غير مفيد قلنا بأنه لا يكون مشروعا بخلاف مالا مثل له فانه يأخذه بالقيمة وذلك يكون مفيدا لما في العين من الغرض الصحيح للناس وان

[ 55 ]

وجد عبدا كان له فابق إليهم وقد وقع في سهم رجل من الجند أخذه منه بغير شئ في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يأخذه بالقيمة ان شاء لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن عبدا لمسلم أبق إلى دار الحرب ثم وقع في الغنية فخاصم فيه المالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان وجدته قبل القسمة أخذته بغير شئ وان وجدته بعد القسمة أخذته بالقيمة ان شئت وعن الازهر بن يزيد ان أمة لقوم أبقت إلى دار الحرب ثم وقعت في الغنيمة فخاصم فيها مولاها فكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر رضي الله عنهما فرد جوابه ان وجدها قبل القسمة أخذها وان وجدها بعد القسمة فقد مضت القسمة ولان الآبق يملك بسائر أسباب الملك فيملك بالاستيلاء كما لو كان مترددا في دار الاسلام فاحرزوه بدارهم أو كالدابة إذا ندت إليهم وبيان الوصف انه يملك بالارث حتى لو أعتقه الوارث بعد موت المورث ينفذ عتقه ويملك بالضمان حتى إذا كان مغصوبا فضمن الغاصب قيمته يملكه بالضمان ويملك بالهبة من ابنه الصغير وبالبيع ممن في يده وانما لا يجوز بيعه من غيره للعجز عن التسليم لا لانه ليس بمحل للتمليك والدليل عليه آبقهم الينا فانما نملكه بالاستيلاء فكذا آبقنا إليهم لما بينا من تحقق المساواة بيننا وبينهم في أسباب اصابة الدنيا وعلل أبو حنيفة في الكتاب وقال لان الكفار لم يحرزوه ويعنى انه صار في يد نفسه وهى يد محترمة فتكون دافعة لاحراز المشركين اياه كيد المكاتب في نفسه وانما قلنا ذلك لان يد المولى زالت عنه حقيقة بالاباق وحكما بدخوله دار الحرب إذ لا يجوز ان يثبت للمسلم يد على من في دار الحرب حكما كما لا يثبت لامام المسلمين اليد على من كان في دار الحرب فلم يخلفه الآخر اما لانه حين انتهى إلى الموضع الذى لا يأتي فيه المسلمون وأهل الحرب فقد زالت يد المولى ولا تثبت يد أهل الحرب عليه في هذا الموضع أو لان يد أهل الحرب انما تثبت عليه حسا لا حكما فما لم يأخذوه لا تثبت يدهم عليه فصار في يد نفسه لان الآدمى من أهل ان تثبت له اليد على نفسه وان كان مملوكا ألا ترى ان العبد إذا توكل بشراء نفسه من مولاه لا يملك البائع حبسه بالثمن لثبوت اليد له على نفسه وهذا لان المانع من ثبوت يده على نفسه يد المولى فإذا زالت تلك اليد لا إلى من يخلفه تثبت اليد له في نفسه لزوال المانع كما في المكاتب وباعتبار هذه اليد المحترمة يبقى هو محرزا بدار الاسلام لان صاحب اليد من أهل دار الاسلام ولا طريق لهم إلى الحيلولة بينه وبين هذه اليد وما بقى

[ 56 ]

المال محرزا بدار الاسلام لايتم احراز المشركين اياه فهذا معني قوله أن الكفار لم يحرزوه بخلاف المتردد في دار الاسلام فانه في يد مولاه حكما ولهذا لو وهبه لابنه الصغير صار قابضا له فبقاء المانع حكما يمنع ثبوت اليد له في نفسه فيتم احراز المشركين اياه فأما الآبق إلى دار الحرب لا يكون في يد مولاه حكما حتى لو وهبه من ابنه الصغير لا يجوز هكذا ذكره أبو الحسين قاضى الحرمين عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى بخلاف الدابة إذا ندت إليهم لانها ليست من أهل أن تثبت لها اليد في نفسها وبخلاف آبقهم الينا لان يده في نفسه ليست بمحترمة فيتم احراز المسلمين اياه وبخلاف التملك بالارث والضمان فانه تملك حكمي يثبت في المحل الذى لا يقبل الملك قصدا بسببه كالخمر والقصاص يملك بالارث والدين يملك بالارث والضمان وان لم يكن محلا للتمليك بالقهر وهذا لما بينا أنه مع بقاء العصمة والاحراز قد يملك بالارث والضمان ولا يملك بالاخذ وتأويل الحديثين أن الآبق لم يكن وصل إليهم حتى خرجوا إليه فأخذوه وأحرزوه إذا عرفنا هذا فنقول عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لما كان له أن يأخذه بعد القسمة بغير شئ فالامام يعوض لمن وقع في سهمه قيمته من بيت المال لان نصيبه استحق فله أن يرجع على شركائه في الغنيمة وقد تعذر ذلك لتفرقهم في القبائل فيعوضه من بيت المال لان حقه من نوائب المسلمين ومال بيت المال معد لذلك ولانه لو فضل من الغنيمة شئ يتعذر قسمه كالجوهر ونحوه يوضع ذلك في بيت المال فكذلك إذا لحق غرم يجعل ذلك على بيت المال لان الغرم يقابل بالغنم وهكذا يقال على أصل الكل إذا كان المأسور مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد لمسلم فان المالك القديم يأخذه بغير شئ بعد القسمة ويعوض الامام من وقع في سهمه قيمته من بيت المال لما قلنا فان وجد العبد في يد مسلم اشتراه من أهل الحرب فأخرجه فان كان قد أبق إليهم فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى للمولى أن يأخذه بغير شئ لبقائه على ملكه ولا يغرم للمشترى شيئا مما أدى لانه فدى ملكه بغير أمره الا أن يكون أمره بالفداء فحينئذ يرجع عليه بما أدى وعندهما يأخذه منه بالثمن ان شاء وكذلك ان كان العبد مأسورا بالاتفاق لانه لا يستحق على المشترى دفع الظلم عنه بالتزام الخسران في مال نفسه ولانه وصل إليه هذا العبد بعوض وهو ما أدى من الثمن فيبقى حقه مرعيا في ذلك العوض ولهذا يأخذه منه بالثمن ان شاء وان كان أهل الحرب قد وهبوه لرجل أخذ منه مولاه بالقيمة ان شاء لانه صار ملك الموهوب له وهو ملك مرعى

[ 57 ]

محترم فلا يجوز ابطاله عليه مجانا لدفع الظلم عن المأسور منه ولكن حاله في ذلك كحال من وقع في سهمه فلهذا يأخذه منه بالقيمة (فان قيل) هذا الملك يثبت للموهوب له بغير عوض (قلنا) لاكذلك فالعوض والمكافأة في الهبة مقصود وان لم يكن مشروطا ولهذا يثبت حق الرجوع للواهب إذا لم ينل العوض فجعل ذلك المعني معتبرا في اثبات حقه في القيمة وان كان المشترى للعبد من العدو باعه من غيره أخذه المولى من المشترى الثاني بالثمن الذي اشتراه به ان كان من ذوات الامثال فبمثله وان لم يكن فبقيمته ولان المشترى الثاني قائم مقام المشترى الاول وملكه مرعى كملك المشترى الاول وليس للمالك القديم أن يبطل العقد الثاني ليأخذه من يد المشترى الاول بالثمن الاول وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن له ذلك لان حق المولى القديم في العين سابق على حق المشترى الاول ولم يبطل ذلك بتصرفه فيكون متمكنا من نقض تصرفه كما يتمكن الشفيع من نقض تصرف المشترى وهذا لان له في نقض هذا التصرف فائدة لما بين الثمنين من التفاوت وجه ظاهر الرواية ان الشرع جعل للمالك القديم حق الاخذ من غير نقض التصرف ألا ترى أنه لم يجعل له حق نقض القسمة ليأخذه مجانا وفائدته في ذلك أظهر وهذا بخلاف الشفيع لان تصرف المشترى قد يكون مبطلا لحق الشفيع لو لم يكن له حق النقض وربما يهبه من انسان والشفعة تثبت في الشراء دون الهبة فلا بقاء حق الشفيع في العين مكناه من نقض التصرف فأما ههنا ليس في تنفيذ تصرف المشترى ابطال حق المالك القديم فان حق الآخذ يبقي سواء باعه المشترى أو وهبه أو تصدق به ولهذا تمكن من الاخذ من غير نقض التصرف توضيحه ان حق الشفيع يثبت قبل ملك المشترى ولهذا لو اشترى بشرط الخيار يثبت حتى الشفيع وتصرف المشترى بحكم ملكه فينتقض تصرفه بحق من سبق حقه في ملكه فأما حق المولى القديم لم يثبت بعد ملك المشترى ألاتري ان الكفار لو اسلموا قبل ان يبيعوه لم يكن للمولى ان يأخذه ولهذا لا يتمكن من نقض تصرف المشترى فان وقع الاختلاف بينهما في مقدار الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه لانه انما يتملك عليه ماله فلا يتمكن من أخذه الا بما يقر هو له كالمشترى مع الشفيع إذا اختلفا في الثمن الا ان يقيم المالك البينة أنه اشتراه بأقل من ذلك فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت باقرار الخصم وان اشتراه رجل من أهل الحرب و ؟ ؟ ؟ به مولاه فلم يخاصم فيه زمانا ثم أراد ان يأخذه بالثمن فله ذلك وفي رواية ابن سماعة عن

[ 58 ]

محمد ليس له بمنزلة الشفيع إذا لم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع وجه ظاهر الرواية ان سكوت الشفيع جعل مبطلا حقه لدفع الضرر والغرر عن المشتري فانه يتمكن الشفيع من نقض تصرفه فلو لم يبطل حقه بالسكوت كان يتعذر على المشترى تنفيذ التصرف فيه مخافة ان يبطل الشفيع تصرفه وهذا المعني لا يوجد ههنا فان المالك القديم لا يتمكن من نقض تصرف المشترى علي مابينا فلهذا لا يكون سكوته مبطلا لحقه فان لم يأخذه حتى أسروه ثانيا ثم اشتراه رجل آخر منهم ثم حضر مولاه الاول فلا سبيل له على المشترى الثاني لان حق الآخذ انما يثبت للمأسور منه والمأسور منه في هذه المرة المشتري الاول دون المالك القديم فلهذا كان حق الآخذ من يد المشترى الثاني للمشتري الاول فإذا أخذه حينئذ يثبت للمالك الاخذ من يده بالثمنين جميعا ان شاء وان أبى المشترى الاول ان يأخذه فلا سبيل للمالك القديم عليه لان حقه كان ثابتا في ملك المشترى الاول فإذا أخذه فقد ظهر محل حقه وان لم يأخذه لم يظهر محل حقه فلا سبيل له عليه كالموهوب له إذا وهبه لغيره فلا سبيل للواهب الاول عليه بالرجوع الا ان يرجع الموهوب له الاول فيه فحينئذ يثبت للواهب الاول حق الرجوع لهذا المعني (فان قيل) انما كان للمالك القديم حق الاخذ في الملك الذى استفاده المشترى من العدو وهذا ملك آخر استفاده من المشترى الثاني فكيف يثبت حقه فيه (قلنا) لا كذلك لان المأسور منه بالاخذ يعيده إلى قديم ملكه ولهذا لو كان موهوبا كان للواهب ان يرجع فيه وما يغرم المشترى من العدو فداء وليس ببدل عن الملك كالمولى يفدى عبده من الجناية فيبقى على قديم ملكه لا ان يتملكه بالفداء وانما يأخذه بالثمنين لان ذلك هو العوض الذى أدى من ماله فيه مرتين ولو أداه مرة واحدة لم يملك المولى أخذه ما لم يرد عليه جميع ذلك فكذلك إذا غرمه مرتين وإذا أسر العدو عبدا وفي عنقه جناية عمد أو خطأ أو دين انسان فان رجع إلى مولاه الاول بوجه من الوجهين بحق الملك الاول فذلك كله في عنقه كما كان لما بينا أنه بالاخذ أعاده إلى قديم ملكه فالتحق بما لم يزل عن ملكه أصلا وان لم يرجع إليه أو رجع إليه بملك مستأنف بطلت جناية الخطأ لان المستحق بالجناية الخطأ على الملك الذى كان له في وقتها وقد فات ذلك ولم يعدو الحق لا يبقى بعد فوات محله كما لو زال العبد الجاني عن ملكه بالبيع أو بالعتق وأما جناية العمد والدين فهما عليه كما كان يؤخذ بهما لان المستحق بجناية العمد ذمته وذلك باق بعد زوال ملك المولى الا ترى

[ 59 ]

انه لوزال ملكه بالبيع أو الهبة لا يبطل القصاص عنه وكذلك الدين المستحق في ذمته وذمته باقية الا ترى ان بالبيع والعتق لا يبطل الدين عنه والدين في ذمته يكون شاغلا لماليته إذا كان ظاهرا في حق مولاه فلهذا أخذ به وفى الموضع الذى تلحقه الجناية والدين يبدأ بالدفع بالجناية ثم بالبيع ثم بالدين لانه لو بدأ بالبيع بطل حق ولى الجناية ولو دفع بالجناية أولا لم يبطل حق صاحب الدين فلهذا كانت البداية بالدفع بالجناية فان وقع المأسور في سهم رجل فلم يحضر مولاه حتى أعتقه هذا الرجل أو دبره جاز لانه تصرف بحكم ملكه وملكه تام مع قيام حق المأسور منه فينفذ تصرفه ثم لا يكون للمولى عليه سبيل لانه خرج من أن يكون قابلا للنقل من ملك إلى ملك لما ثبت فيه من الحرية أو حقها ولان الولاء عليه قد لزم المشترى الاول على وجه لاسبيل إلى ابطاله وحق المالك القديم بعرض الابطال وهو نظير الموهوب له إذا أعتق أو دبر يبطل حق الواهب في الرجوع لما قلنا وان كانت أمة فزوجها فولدت من الزوج فله أن يأخذها وولدها لانها بالولادة من الزوج لم تخرج من أن تكون قابلة للنقل من ملك الي ملك والولد جزء من عينها فيثبت له حق الاخذ فيه كما في سائر أجزائها بخلاف حق الواهب في الرجوع فانه لا يثبت في الولد لان ذلك حق ضعيف العين ألا ترى أنه لا يبقي بعد تصرف الموهوب له والحق الضعيف لا يعد ومحله والولد وان كان جزءا من العين ففي المال هو محل آخر فأما حق المولي ههنا قوى يتأكد في العين حتي لا يبطل بتصرف المشترى فلهذا يسرى إلى الولد الذى هو جزء من العين ولا يكون له أن يفسخ النكاح لما بينا أنه يتمكن من الاخذ من غير أن ينقض تصرف المشترى والنكاح ألزم من سائر التصرفات ولا يتمكن من نقضه وان كان أخذ عقرها أو أرش جناية جني عليها لم يكن للمولى على ذلك سبيل لان حقه في العين والارش والعقر غير متولد من العين ولم يوجد فيه السبب وهو الاستيلاء عليه في ذلك المال ولانه لو أخذ العقر والارش أخذهما بمثلهما فلا يكون مفيدا شيئا ثم لا ينتقص عن المولى القديم شئ من الثمن بسبب احتباس العقر والارش عند المشترى ألا ترى أنها لو تعببت في يد المشترى بعيب يسير أو فاحش لم ينتقص عن المولى شئ وهذا لما بينا أن ما يعطى فداء وليس ببدل في حقه والفداء لا يقابل بشئ من الاوصاف وان لم يكن زوجها المشترى من العدو حل له وطئها وان كان يعلم قصتها لانها مملوكة ملكا صحيحا وقيام حق المولى في الاخذ لا ينافي ملكه كالجارية

[ 60 ]

الموهوبة يحل للموهوب له وطئها وان كان للواهب فيها حق الرجوع (قال) فان كان المأسور منه يتيما كان للوصي أن يأخذه من مشتريه بالثمن لانه قام مقام الصبي في استيفاء حقوقه نظرا له فلا يكون له أخذه لنفسه لان الاسر لم يقع على ملكه وهو السبب المثبت لحق لاخذ له فإذا كانت الجارية رهنا بألف درهم وهي قيمتها فأسرها العدو ثم اشتراها منهم رجل بألف درهم كان مولاها أحق بها بالثمن لانها أسرت على ملكه وحق الاخذ بالثمن للمأسور منه باعتبار ملكه القديم وذلك للراهن دون المرتهن فان أخذها لم تكن رهنا لانها في حق المرتهن تاوية ولانه لا فائدة للمرتهن في أخذها لان الراهن لم يكن متبرعا فيما أعطي من الالف فانه ما كان يتوصل إلى احياء ملكه الا باداء الالف فلا يتمكن المرتهن من أخذها الابرد الالف على الراهن وانما يأخذها ليستوفى ألفا من ماليتها فلا يفيده اعطاء الالف ليستوفى منه ألفا وهو نظير مالو جنت جناية يبلغ ارشها ألف درهم وأبى المرتهن أن يفديها ففداها الراهن وان كان الثمن أقل من ألف درهم كان للمرتهن أن يؤدى ذلك الثمن الذى أداه المولى فيكون رهنا عنده علي حاله ان شاء وان شاء تركها لان أخذه اياها مفيد له فانه يغرم الخمسمائة ليحيى به حقه في الالف وهو نظير الجناية إذا كان ارشها أقل من الالف ففداها الراهن كان للمرتهن أن يرد عليه الفداء ونكون رهنا عنده على حالها وان شاء تركها فكانت تاوية في حقه وقد بينا فيما سبق أن الثمن الذي يعطيه المالك القديم للمشتري فداء وليس ببدل عن الملك بمنزلة الفداء من الجناية وان كانت في يده وديعة أو عارية أو إجارة لم يكن له إلى أخذها سبيل وكان الحق في أخذها لمولاها لان ثبوت الاخذ باعتبار قديم الملك وذلك للمولى دون ذى اليد وهذا بخلاف الاسترداد من الغاصب فالغصب لا يزيل ملك المولى والمودع والمستعير قائم مقامه في حفظ ملكه فيمكن من الاسترداد ليتوصل إلى الحفظ فاما الاحراز يزيل ملك المولى فيخرج به المستعير والمستودع من ان يكون عاملا له ولو أثبتنا له حق الاخذ بالثمن كان عاملا لنفسه في التملك ابتداء فلهذا لم يكن لهما حق الاخذ بالثمن وبه فارق الفداء من الجناية فان المودع والمستعير لوفداها من الجناية صح وكان متبرعا في ذلك لان الجناية لا تزيل ملك المولى ونظيرها بالفداء يقرر حفظ الملك عليه وأما الاحراز يزيل ملك المولى فان أخذ بالثمن يكون اعادة الملك ؟ لا ان يكون حفظا للملك وهو ما أقامهما في ذلك مقام نفسه فان كان لها زوج قبل

[ 61 ]

ان تؤسر فالنكاح بحاله لانه لم تتباين بهما الدار حكما فانها مسلمة وان كانت مأسورة في دار الحرب فالمسلم من أهل دار الاسلام حكما وان كان في دار الحرب صورة وتباين الدارين حقيقة لاحكما لا يقطع عصمة النكاح وبالاحراز تصير مملوكة لاهل الحرب فيكون ذلك في حكم النكاح كبيع المولى إياها وذلك غير مفسد للنكاح فان غلب العدو على مال المسلمين فاحرزوه وهناك مسلم تاجر مستأمن حل له ان يشتريه منهم فيأكل الطعام من ذلك ويطأ الجارية لانهم ملكوها بالاحراز فالتحقت بسائر أملاكهم وهذا بخلاف ما لو دخل إليهم تاجر بأمان فسرق منهم جارية وأخرجها لم يحل للمسلم ان يشتريها منه لانه احرزها على سبيل الغدر وهو مأمور بردها عليهم فيما بينه وبين ربه وان كان لا يجبره الامام على ذلك لانه غدر بأمان نفسه لا بامان الامام فاما ههنا هذا الملك تام للذى أحرزها بدليل أنه لو أسلم أو صار ذميا كانت سالمة له ولا يفتى بردها فلهذا حل للمشترى منه وطئها وهذا للفقه الذى قلنا ان العصمة الثابتة بالاحراز بدار الاسلام تنعدم عند تمام احراز المشركين اياها وهذا بخلاف مااذا كانت مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة فانها لم تصر مملوكة بالاحراز فلا يحل للتاجر ان يشتريها منهم ولا ان يطأها ألا ترى أنهم لو أسلموا أو صاروا ذمة وجب عليهم ردها على المالك القديم فتكون على ملكه كما كانت وان اشتري التاجر مكاتبا أو مدبرا أو حرا أسره أهل الحرب فاخرجه فالحر على حاله والمكاتب والمدبر كذلك لانهما لا يملكان بشئ من أسباب الملك وان كان المشترى فداهما بغير أمرهما فلا رجوع له عليهما لانه تبرع بما فداهما به وان كان بأمر هما فله ان يرجع عليهما بما فداهما به لانه أدي ماله نفسه في تخليصهما وتوفير المنفعة عليهما بأمرهما وهذا في الحر غير مشكل وكذلك في المكاتب فان موجب جناية المكاتب على نفسه لانه بمنزلة الحر في ملك اليد والمكاسب وان كان المأسور عبدا لمسلم فباعه ملكه من رجل من أهل الحرب فاعتقه فهو حر كما لو باعه من مسلم فاعتقه وقيل على قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ينبغي ان يعتق بنفس البيع لا باعتاقه لان من أصله ان عبد الحربى إذا أسلم فباعه مولاه يعتق فهذا أيضا عبد مسلم لحربي فإذا زال ملكه ويده ببيعه يزول إلى العتق وعندهما بالبيع لا يعتق وانما يعتق بالاعتاق اما عند ابى يوسف فالاعتاق من الحربى صحيح وكذلك عند محمد إذا كان من حكم ملكهم منع المعتق من استرقاق المعتق مع ان العبد ههنا مسلم فلا يكون محلا للاسترقاق بعد الاعتاق فلهذا يعتق باعتاقه وقيل

[ 62 ]

بل هذا قولهم جميعا فان أبا حنيفة انما يقول يعتق بالبيع في عبد ليس لمسلم فيه حق وفى هذا العبد للمولى القديم حق الاعادة إلى ملكه مجانا أو بفداء فلا يعتق بالبيع ما لم يعتقه مالكه وإذا اسلم أهل الحرب على مال أخذوه من أموال المسلمين وصاروا ذمة فهو لهم ولا سبيل للمسلمين عليه لان القياس ان لا يكون للمالك القديم حق الاخذ بعد زوال ملكه بتمام الاحراز وبه كان يقول الزهري والحسن البصري رحمهما الله وانما تركنا القياس بالسنة في الذي وقع في الغنيمة أو اشتراه منهم مسلم والسنة ههنا جاءت بتقرر الملك للذي أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم على مال فهو له والمعنى الذى لاجله ثبت للمالك القديم حق الاخذ هناك وجوب نصرته والقيام بدفع الظلم عنه على المسلم الذى وقع في سهمه كما بينا وهذا غير موجود ههنا فانه ماكان على هذا الحربى القيام بنصرته حين أحرزوه لان ذلك ثابت شرعا وهم لا يخاطبون بذلك ولان القيام بالنصرة علي من هو أهل دار الاسلام وهو ماكان يومئذ من أهل دار الاسلام فلم يثبت حقه في ملكه وإذا أسلم أو صار ذمة فقد تقرر ملكه وكذلك لو كان ذلك الحربي باعه من حربى آخر ثم أسلم المشترى أو صار ذمة فالمشترى بمنزلة البائع في المعنى الذى قررنا وكذلك لو خرج الينا بأمان ومعه ذلك المال فانه لا يتعرض له فيه وهذا أظهر لانه حربي وان كان مستأمنا في دارنا ولم يكن حق المولى ثابتا في ملكه فلو مكناه من الاخذ منه كان غدرا بالامان وذلك حرام الا أنه يجبر المستأمن على بيعه من المسلمين لانه عبد مسلم فلا يمكن الحربي من استذلاله باستدامة الملك واعادته إلى دار الحرب وإذا سبى الصبى من أهل دار الحرب وأخرج إلى دار الاسلام فمات فان كان معه أبواه كافرين أو أحدهما فانه لا يصلى عليه والاصل فيه أن الولد تابع للابوين في الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه اما شاكرا واما كفورا ولا تظهر تبعية الدار عنه تبعية الابوين ألاتري أن أولاد أهل الذمة في دار الاسلام يكونون على دين آبائهم وهذا لان الولد من الابوين ولكنه في الدار لا من الدار فكان اتباعه للابوين أصلا والدار في حكم الخلف فلا يظهر الخلف مع قيام الاصل وكذلك أحد الابوين في هذا الحكم بمنزلتهما ألا ترى أن الذمية إذا ولدت من زنا فان الولد يتبعها في الدين ولا اب هنا فعرفنا أن أحد الابوين يكفي في الاتباع فان كان معه أبواه أو أحدهما فهو على دينه فإذا مات لا يصلى عليه وان كانت جارية لم يحل

[ 63 ]

للسابى وطئها إذا لم يكن أبواها أو أحدهما من أهل الكتاب فان أسلم أبواه أو أحدهما فقد صار الصبى مسلما تبعا لمن أسلم منهما فانه يتبع خير الابوين دينا لانه يقرب من التابع فإذا مات يصلى عليه وان خرج وليس معه أبواه أو أحد من الابوين فمات قبل أن يعقل الاسلام صلى عليه لان التبعية بينه وبين الابوين انقطعت بتباين الدار حقيقة وحكما فيظهر تبعية الدار ويصير محكوما باسلامه تبعا للدار كاللقيط فإذا مات يصلى عليه وان خرج الاب من ناحية والابن من ناحية معا فمات الصبي لم يصل عليه لانه ما حصل في دارنا الا وله أب كافر فيكون تبعا له دون الدار وكذلك ان خرج الاب أولا ثم الصبي بخلاف مالو خرج الصبي أولا ثم الاب فانه حين خرج أولا حكم باسلامه تبعا للدار فلا يحكم بكفره بعد ذلك وان خرج أبواه (فان قيل) إذا خرج معه أحد أبويه فاعتبار جانب الاب يوجب كفره واعتبار جانب الدار يوجب اسلامه فينبغي ان يرجح الموجب لاسلامه كما لو أسلمت أمه قلنا الاشتغال بالترجيح عند المساواة وذلك في حق الابوين فاما الدار خلف عن الابوين في حقه كما بينا ولا يظهر الخلف في حال بقاء الاصل فلا معنى للاشتغال بالترجيح وكذلك لو مات أبوه كافرا في دارنا لان بموته لا ينقطع حكم التبعية الا ترى أن أولاد أهل الذمة لا يحكم باسلامهم وان ماتت آباؤهم وفى هذا نوع اشكال فان من في دار الحرب في حق من هو في دار الاسلام كالميت ثم جعلنا الولد تبعا للدار إذا بقى أبواه في دار الحرب ولا نجمله تبعا للدار إذا مات أبواه في دار الاسلام ولكن نقول الموت لا يقطع العصمة الا ترى ان المتوفي عنها زوجها يبقى حل النكاح بينها وبينه في حق الغسل وتباين الدارين حقيقة وحكما ينافى العصمة والتبعية فمن هذا الوجه يفترقان ولا بأس ببيع السبي من أهل الذمة ما لم يسلموا لانهم صاروا من أهل دارنا ولكنهم كفار فلا بأس ببيعهم من أهل الذمة وان كان الاولى ان لا يفعل الامام ذلك ولكن يبيعهم من المسلمين ليسلموا عسي ويكره ببيعهم من أهل الحرب لانهم صاروا من أهل دارنا فلا يباعون من أهل الحرب ليعيدوهم إلى دار الحرب فيتقووا بهم على المسلمين ومن صار محكوما باسلامه من صغارهم يكره بيعه من أهل الذمة كغيره من العبيد المسلمين وللامام أن يقتل الرجال من الاسارى وله أن يستبقيهم ويقسمهم بين الجند ينظر أي ذلك خيرا للمسلمين فعله لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل سبي بنى قريظة وقسم سبايا أوطاس فعرفنا أن كل

[ 64 ]

ذلك جائز والامام نصب ناظرا فربما يكون النظر في قتلهم لمعنى الكبت والغيظ للعدو وليأمن المسلمون فتنتهم وربما يكون النظر في قسمتهم لينتفع بهم المسلمون فيختار من ذلك ما هو الانفع ولهذا لا يحل للمسلمين قتلهم بدون رأى الامام لان فيه افتياتا علي رأيه الا أن يخاف الآسر فتنة فحينئذ له أن يقتله قبل أن يأتي به إلى الامام وليس لغير من أسره ذلك لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله وان كان لو قتله لم يلزمه شئ لان الاسير ما لم يقسم الامام مباح الدم بدليل أن للامام أن يقتله وقتل مباح الدم لا يوجب ضمانه فان أسلموا لم يقتلهم لقوله صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم ولان القتل لدفع فتنة ؟ الكفر وقد اندفعت بالاسلام ولكنه يقسمهم لانه كان مخيرا فيهم بين القتل والقسمة فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر وهذا لان حق المسلمين قد ثبت فيهم بالاخذ وصاروا بمنزلة الارقاء والاسلام لا ينافي بقاء الرق والقسمة لتعيين الملك لا ان يكون ابتداء الاسترقاق فاسلامهم لايمنع من ذلك فان لم يسلموا ولكنهم ادعوا أمانا فقال قوم من المسلمين قد كنا أمناهم فانهم لا يصدقون على ذلك لان حق المسلمين قد ثبت فيهم فلا يصدقون في ابطال حق المسلمين وقولهم هذا اقرار لا شهادة فانهم أخبروا به عن أنفسهم ومن أخبر بما لا يملك استنئافه كان متهما في خبره فلا يصدق وان شهد قوم من المسلمين عدول على طائفة أخرى من المسلمين أنهم أسروهم وهم ممتنعون جازت شهادتهم لانه لاتهمة في شهادتهم فانهم ان كانوا من الجند ففي شهادتهم ضرر عليهم وان كانوا من غير الجند فليس في شهادتهم منفعة لهم وإذا انتفت التهمة فالثابت بالشهادة كالثابت معاينة ولا يقتل الاعمى ولا المقعد والمعتوه من الاسارى لانه انما يقتل من يقاتل قال الله تعالى وقاتلوهم والمفاعلة تكون من الجانبين ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال هاه ما كانت هذه تقاتل فعرفنا أنه انما يقتل من الاسارى من يقاتل والاعمي والمقعد والمعتوه لا يقاتلون أحدا وان كان ذلك منهم عارضا فقد اندفع بالاسر فلا يقتلون بعد ذلك كالمرأة منهم إذا قاتلت فأسرت لا تقتل بعد ذلك ولا بأس بارساله الماء إلى مدينة أهل الحرب واحراقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق وان كان فيهم اطفال أو ناس من المسلمين اسر أو تجاري وقال الحسن بن زياد رحمه الله تعالى إذا علم ان فيهم مسلم وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له

[ 65 ]

ذلك لان الاقدام على قتل المسلم حرام وترك قتل الكافر حائز ألا ترى ان للامام أن لا يقتل الاسارى لمنفعة المسلمين فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ولكنا نقول أمرنا بقتالهم فلو اعتبرنا هذا المعنى أدى إلى سد باب القتال معهم فان حصونهم ومدائنهم قال ما تخلو من مسلم عادة ولانه يجوز لنا ان نفعل ذلك بهم وان كان فيهم نساؤهم وصبيانهم وكما لا يحل قتل المسلم لا يحل قتل نسائهم وصبيانهم ثم لا يمتنع ذلك لمكان نسائهم وصبيانهم فكذلك لمكان المسلم فلا يستقيم منع هذا وقد روينا ان النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على الطائف وأمر أسامة بن يزيد رضى الله عنه بان يحرق وحرق حصن عوف بن مالك وكذلك ان تترسوا باطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم وان كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم وعلى قول الحسن رضى الله عنه لا يحل له ذلك وهو قول الشافعي لما بينا ان التحرز عن قتل المسلم فرض وترك الرمي إليهم جائز ولكنا نقول القتال معهم فرض وإذا تركنا ذلك لما فعلوا ادى إلى سد باب القتال معهم ولانه يتصرر المسلمون بذلك فانهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا باطفال المسلمين فيجترؤن بذلك على المسلمين وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين والضرر مدفوع الا ان على المسلم الرامى ان يقصد به الحربى لانه لو قدر على التمييز بين الحربى والمسلم فعلا كان ذلك مستحقا عليه فإذا عجز عن ذلك كان عليه ان يميز بقصده لانه وسع مثله ولا كفارة عليه ولادية فيما أصاب مسلما منهم لانه اصابة بفعل مباح مع العلم بحقيقة الحال والمباح مطلقا لا يوجب عليه كفارة ولادية والشافعي يوجب ذلك ويقول هذا قتل خطأ لانه يقصد بالرمي الكافر فيصيب المسلم وهذا هو صورة الخطأ ولكنا نقول إذا كان عالما بحقيقة حال من يصيبه عند الرمى لم يكن فعله خطأ بل كان مباحا مطلقا وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان وله في أيديهم جارية مأسورة كرهت له غصبها ووطئها لانهم ملكوها عليه والتحقت بسائر املاكهم فلو غصبها منهم أو سرقها كان ذلك منه غدرا للامان وقد ضمن ان لا يغدر بهم ولا يأخذ شيئا من أموالهم الا بطيب أنفسهم وان كانت مدبرة أو ام ولد لم يكره له ذلك لانهم لم يملكوها عليه فهو انما يعيد ملكه إلى يده ولا يتعرض لملكهم بشئ فلم يكن ذلك منه غدرا للامان الا تري انهم لو أسلموا كان عليهم ردها بخلاف الامة وان كان الرجل مأسورا فيهم لم اكره له ان يغصب أمته أو يسرقها لانه ماكان بينه وبينهم أمان ولكنه مقهور فيهم مظلوم

[ 66 ]

فكان له ان يدفع الظلم عن نفسه بما يقدر عليه ألا ترى ان له ان يقتل من قدر عليه منهم وان يسرق ما استطاع من أموالهم وأولادهم بخلاف الذى دخل إليهم بأمان وإذا أسلم الحربى في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على تلك الدار ترك له مافى يده من ماله ورقيقه وولده الصغار لان أولاده الصغار صاروا مسلمين باسلامه تبعا فلا يسترقون والمنقولات في يده حقيقة وهى يد محترمة لاسلام صاحبها فلا يتملك ذلك عليه بالاستيلاء ولانه صار محرزا ما في يده من المال بمنعة المسلمين وذلك سبب لتقرير ملك المسلم لاابطال ملكه يوضحه ان يده إلى أمتعته أسبق من يد المسلمين فأما عقاره فانها تصير غنيمة للمسلمين في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى استحسن فاجعل عقاره له لانه ملك محترم له كالمنقول واستدل بحديث الكلبى ومحمد بن اسحاق رحمهما الله تعالى ان نفرا من بنى قريظة أسلموا حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصرا لهم فأحرزوا بذلك أنفسهم وأموالهم قال وعامة أموالهم الدور والاراضي ولكنا نقول هذه بقعة من بقاع دار الحرب فتصير غنيمة للمسلمين كسائر البقاع وهذا لان اليد على العقار انما تثبت حكما ودار الحرب ليست بدار الاحكام فلا معتبر بيده فيها قبل ظهور المسلمين عليها وبعد الظهور يد الغانمين فيها أقوى من يده فلهذا كانت غنيمة بخلاف المنقولات وتأويل الحديث ان صح في المنقول دون العقار وكذلك أولاده الكبار فئ لانهم ما صاروا مسلمين باسلامه ولا كانت له عليهم يدفهم كسائر أهل الحرب وكذلك زوجته الحبلى لانها لا تصير مسلمة باسلام زوجها فتكون فيئا ويده عليها يد حكمية بسبب النكاح ومثله لايمنع الاغتنام كاليد على العقار وكذلك مافى بطنها فئ عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يكون فيئا لان مافى بطنها مسلم باسلام أبيه والمسلم لا يسترق أبدا كالولد المنفصل ولكنا نقول الجنين في حكم جزء من أجزاء الام ؟ وهى قد صارت فيئا بجميع أجزائها ألا ترى أنه لا يجوز أن يستثنى الجنين في اعتاق الام كما لا يستثني سائر أجزائها وكما أن في الاعتاق لا يصير الجنين مستثنى عند اعتاق الام بحال فكذلك في الاسترقاق لا يصير الجنين مستثني بعدما ثبت الرق في الام وهذا لان الحكم في التبع لا يثبت ابتداء بل بثبوته في الاصل يظهر في التبع فيكون هذا في حق التبع بمنزلة بقاء الحكم والاسلام لايمنع بقاء الرق وان كان خرج إلى دار الاسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فأهله وماله وأولاده

[ 67 ]

أجمعون فئ لانه لما أسلم في دارنا الذى في دار الحرب لا يصير مسلما باسلامه لما بينا أن تباين الدارين حقيقة وحكما مناف للتبعية ولانه لايد له على شئ مما خلفه في دار الحرب من أمواله فلهذا كان جميع ذلك فيئا للمسلمين لانهم أحرزوه دونه ولو أسلم في دار الحرب ثم دخل دار الاسلام ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله فئ الا أولاده الصغار لانهم صاروا مسلمين باسلامه لانه حين أسلم في دار الحرب كانت التبعية بينه وبينهم قائمة وبعد ما صاروا مسلمين لا يسترقون فأما الاموال فلم يبق له يد فيها بعد ما خرج إلى دار الاسلام وتركها في دار الحرب وان كان أودع شيئا من ماله مسلما أو ذميا فذلك المال لا يكون فيئا لان يد المسلم والذمى يد صحيحة على هذا المال فتكون مانعة احراز المسلمين اياها كما في سائر أموال المودع وإذا لم تصر غنيمة كانت يد المودع فيها كيد المودع فيصير هو المحرز لها من هذا الوجه فترد عليه وان كان أودع شيئا من ماله حربيا فذلك المال فئ في ظاهر الرواية وقد روى عن أبى حنيفة رحمه الله انه لا يكون فيئا لان يد المودع كيد المودع فجعلت يده باقية على هذا المال حكما بيد من يخلفه وجه ظاهر الرواية ان يد المودع في هذا المال ليست بيد صحيحة الا ترى انها لا تكون دافعة لاغتنام المسلمين عن سائر أمواله فكذلك عن هذه الوديعة وإذا لم تكن يده معتبرة كان هذا والمال الذى لم يودعه احدا سواء وإذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب تاجرا بأمان فاصاب هناك مالا ودورا ثم ظهر المسلمون على ذلك كله فهو له كله الا الدور والارضين فانها فئ لان يده يد صحيحة فانه من أهل دار الاسلام فيكون هو المحرز بيده لامواله وتكون يده دافعة لاحراز المسلمين تلك الاموال فأما الدور والارضين فهي بقعة من بقاع دار الحرب فتصير مغنومة كسائر البقاع وتقرير هذا الكلام ان اليد على هذه البقعة من دار الحرب لا تقوى مقصودة بنفسها وانما تقوى إذا ثبتت على جميع الدار فكانت هذه البقعة في حكم التبع وقد بينا ان ثبوت الحكم في التبع كثبوته في الاصل بخلاف المنقولات فاليد عليها تبقى مقصودة بنفسها وقد سبق ذلك من المسلم فكان هو المحرز لها يوضحه ان المسلم يتحقق منه الاحراز في المنقولات بأن يخرجها إلى دار الاسلام فيجعل أيضا محرزا لها بظهور المسلمين على الدار فأما العقار لا يتحول ولا يتحقق من المسلم احرازه بالاخراج إلى دار الاسلام فانما تصير محرزة بالغانمين ومن قاتل من كبار عبيده فهو فئ لانه نزع نفسه من يده حين قاتل المسلمين فان المسلم يمنع

[ 68 ]

عبده من قتال المسلمين وان لم يبق له عليه يد حقيقة كان فيئا كسائر عبيد أهل الحرب وان كانت له امرأة حبلى فهى وما في بطنها فئ كما بينا وما كان له من وديعة عند مسلم أو ذمي أو حربى فهو له وليست بفئ أما ماكان عند مسلم أو ذمى فلا اشكال فيه وأما ماكان عند حربي فلانه مادام في دار الحرب فيده ثابتة على تلك الوديعة باعتبار يد مودعه وكونه حافظا له فتكون يده دافعة لاحراز المسلمين في ذلك المال بخلاف ما تقدم في ما إذا خرج إلى دار الاسلام (قال) وكذلك ان كان خرج إلى دار الاسلام قبل ذلك فان كان مراده من هذا العطف ما أودعه عند مسلم أو ذمى فهو ظاهر وان كان مراده ما أودعه عند حربى فهو يقوى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويحتاج إلى الفرق بين هذا وبين ما سبق على ظاهر الرواية ووجه الفرق أن التاجر الذى دخل إليهم ماله كان محرزا بدار الاسلام ولم يبطل ذلك الاحراز الا باحراز المشركين اياه وذلك لا يوجد فيما إذا أودعه من الحربي إذا كان الحربى جاريا على وفاق ما أمر به فإذا بقى المال محرزا بدار الاسلام لا يملكه المسلمون بالا ستغنام فأما الذي أسلم في دار الحرب فماله لم يصر محرزا بدار الاسلام فكان محلا لاستغنام الا ما ثبتت عليه يد صحيحة دافعة للاستغنام وذلك غير موجود فيما إذا أودعه من أهل الحرب فان أخذ المسلمون تلك الوديعة فاقتسموها في الغنيمة ثم جاء صاحبها أخذها بغير قيمة لانه مال مسلم لم يحرزه المشركون وان كان المشركون قتلوا هذا المسلم في دارهم وأخذوا ماله ثم ظهر عليهم المسلمون ردوه على ورثة المقتول قبل القسمة بغير شئ لانهم لما قتلوه وأخذوا ماله فقد صاروا محرزين له فيملكونه ثم المسلمون يملكونه عليهم بالاغتنام فهو بمنزلة مال المسلم استولى عليه أهل الحرب وأحرزوه ثم وقع في الغنيمة وقد مات صاحبه فكان لوارثه أن يأخذه قبل القسمة بغير شئ لانه قائم مقام مورثه في ملكه وحقوق ملكه وتمكنه من الاخذ كان لحق ملكه القديم فيقوم فيه وارثه مقامه وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يثبت لوارثه حق الاخذ واعتبر هذا بحق الشفعة وحق الخيار فان ذلك لا يصير ميراثا عنه بعد موته فكذلك في حق المأسور ألا ترى أن هذا الحق دون ذلك الحق فان للشفيع أن ينقض تصرف المشترى وليس للمالك القديم ذلك وان كانوا اقتسموه ثم حضر ورثة المقتول أخذوا الامتعة بالقيمة ان شاؤا ولم ياخذوا الذهب والفضة كما لو كان المورث حيا وان كان هؤلاء المشركون أسلموا على دراهم وصالحوا لم يؤخذوا

[ 69 ]

بشئ من مال المقتول لان اسلامهم يقرر ملكهم ولاضمان عليهم في دمه لانهم قتلوه حين كانوا حربا للمسلمين فلم يكن عليهم ضمان دمه يومئذ ثم لا يجب بعد ذلك باسلامهم ولو كان مسلم دخل دار الحرب بأمان واشترى صبيا وصبية فاعتقهما ثم خرج وتركهما هناك فكبرا هناك كافرين ثم ظهر المسلمون على الدارفهما فئ لان اعتاقه اياهما في دار الحرب ليس بشئ في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فلا يصير محرزا لهما وعند أبى يوسف رضي الله تعالى عنه ان كان ذلك اعتاقا صحيحا فهم كسائر احرار أهل الحرب من الكفار فيكونون فيئا ومقصوده ان الولاء ليس نظير الولاد فان الولد يصير مسلما باسلام أبيه والمعتق لا يصير مسلما باسلام معتقه ان كان صغيرا لان الولاء أثر الملك وهو باعتبار أصل الملك لايتبع مولاه في الدين فباعتبار أثر الملك أولى وإذا كان المسلم في دار الحرب تاجرا أو أسيرا أو أسلم هناك فأمنهم فأمانه باطل لانه مقهور في أيديهم والظاهر أنه مكره على الامان من جهتهم ولانه لا يقصد بالامان منفعة للمسلمين وانما قصده أن يؤمن نفسه ولان الامان يكون عن خوف ولاخوف لهم من جهته فيكون عقده على الغير ابتداء لاعلي نفسه وليس له ولاية العقد على الغير ابتداء فان من أمن رجلا من أهل الجيش جاز أمانه لقوله صلى الله عليه وسلم يسعى بدمتهم أدناهم أي أقلهم وهو الواحد وقال يعقد عليهم أولادهم ويرد عليهم أقصاهم قيل معناه أن السرية الاولى تعقد الامان فينفذ على المسلمين ثم السرية الاخرى تنبذ إليهم فينفذ ذلك أيضا ولان من في الجيش انما يؤمنهم من نفسه لانهم يخافونه فينفذ عقده على نفسه ثم يتعدى الي غيره وهذا لان الامان لا يحتمل الوصف بالتجزى وسببه وهو الايمان لا يتجزى أيضا فينفرد به كل مسلم لتكامل السبب في حقه كالتزويج بولاية القرابة وكذلك لو أمنت المرأة من أهل دار الاسلام أهل الحرب جاز أمانها لما روي أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أمنت زوجها أبا العاص بن الربيع فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها وعن أم هانئ رضى الله عنها قالت أجرت حموين لى يوم فتح مكة فدخل على رضى الله عنه يريد قتلهما وقال اتجيرين المشركين فقلت لا الا أن تبدأ بي قبلهما وأخرجته من البيت وأغلقت الباب عليهما ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأني قال مرحبا بأم هانئ فاختة قلت ماذا لقيت من ابن أمي على أجرت حموين لى وأراد قتلهما فقال صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك

[ 70 ]

وقد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت ولانها من أهل الجهاد فانها تجاهد بمالها وكذلك بنفسها فانها تخرج لمداواة المرضى والخبز وذلك جهاد منها فأما العبد إذا أمن أهل الحرب فان كان مأذونا له في القتال فأمانه صحيح لما روى أن عبدا كتب على سهم بالفارسية مترسيت ورمى بذلك إلى قوم محصورين فرفع ذلك الي عمر رضى الله عنه فأجاز أمانه وقال انه رجل من المسلمين وهذا العبد كان مقاتلا لان الرمى فعل المقاتل ولانه إذا كان متمكنا من القتال لوجود الاذن من مولاه فهم يخافونه فعقده يكون على نفسه ثم يتعدى حكمه إلى الغير وقول العبد وقول العبد في مثله صحيح كما في شهادته على رؤية هلال رمضان واقراره على نفسه بالقود ولايقال قرابته فيهم فهو متهم بايصال المنفعة إليهم دون المسلمين فينبغي ان لا يصح أمانه كالذمي وهذا لانه لا يظن بالمسلم ايثار القرابة على الدين ولو اعتبرنا هذا لم يصح أمانه بعد العتق أيضا ولاوجه للقول به فأما الذمي لم يوجد في حقه سبب ولاية الامان وهو موافق لهم في الاعتقاد فالظاهر أنه يميل إليهم وأنهم لا يخافونه فأما أمان العبد المحجور عليه عن القتال فهو باطل في قول أبى حنيفة رحمه الله صحيح في قول محمد والشافعي رحمهما الله تعالى وذكر الطحاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهما الله تعالى وذكر الكرخي قوله مع محمد رحمهما الله تعالى حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يسعى بذمتهم أدناهم وأدنى المسلمين العبد وفى حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمان العبد والصبي والمرأة سواء وفى حديث أبى موسى رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمان العبد أمان ولانه من أهل الجهاد ولاتهمة في أمره فيصح أمانه كالحر وبيان الاهلية أن المطلوب بالجهاد اعزاز الدين ودفع فتنة الكفر فكل مسلم يكون أهلا له ثم الجهاد يكون بالنفس تارة وبالمال أخرى فالعبد لامال له وهو ممنوع من الجهاد بالنفس لما فيه من ابطال حق المولى عن منافعه وتعريض ماليته للهلاك فاما الامان جهاد بالقول وليس فيه ابطال حق المولى عن شئ فكان العبد فيه كالحر والدليل عليه صحة أمانه إذا كان مأذونا في القتلل ؟ وتأثير الاذن في رفع المانع لافى اثبات الاهلية لمن ليس بأهل ألا ترى ان بالاذن لا يصير أهلا للشهادة ونزول المانع من التصرفات لوجود الاهلية ثم الامان ترك القتال ولا يستفاد بالاذن في القتال لانه ضده وبعد الاذن هو في الامان ليس بنائب عن المولى بدليل ان المعتبر دينه لادين المولى فعرفنا انه كان أهلا لكونه مسلما

[ 71 ]

ولان الامان من فروع الدين وقوله في أصل الدين معتبر ملزم فكذلك في فروعه ولهذا صح احرامه وصح منه عقد الذمة مع قوم من المشركين والذمة أقوى من الامان فيستدل بصحة ما هو أقوى منه على صحة الادنى بطريق الاولى (وحجتنا) قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر علي شئ والامان شئ وهذا عام لا يجوز دعوي التخصيص فيه لان الله تعالى ذكر هذا المثل للاصنام واحدها لا يقدر على شئ ولانه ليس بأهل للجهاد فلا يصح أمانه بنفسه كالذمي والصبى والمجنون وبيان الوصف أن الجهاد يكون بالنفس أو بالمال ونفسه مملوكة لغيره وهو ليس من أهل ملك المال فعرفنا أنه ليس من أهل الجهاد وتأثيره أن صحة الامان من الواحد باعتبار منفعة المسلمين فربما يكون الامان خيرا لهم لحفظ قوة أنفسهم لان القتال حفظ قوة النفس أولا ثم العلو والغلبة ولكن الخيرة في الامان مستورة لا يعرفه الا من يكون مجاهدا فإذا كان العبد المحجور لا يملك القتال لايعرف الخيرة في الامان فلا يكون أمانه جهادا بالقول بخلاف المأذون في القتال فانه لما تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرة في الامان فحكمنا بصحة أمانه ولهذا لا يحكم بصحة أمان الاسير لان الخيرة في الامان مستورة لا يعرفه الا من يكون آمنا على نفسه والاسير خائف فإذا تقرر هذا في المقيد بالاسر ففي المقيد بالرق أولى لان الاسير مالك للقتال وانما لا يتمكن منه حسا والعبد غير مالك للقتال أصلا ولان عقد العبد على الغير ابتداء لانهم لا يخافونه حين لم يكن مالكا للقتال بخلاف المأذون له في القتال فانهم يخافونه فانما يعقد علي نفسه ولا معنى لقول من يقول العبد يؤمن نفسه وهو يخافهم وان كان محجورا عليه لانه يقول أمنتكم ولا يقول أمنت نفسي ولو قال ذلك لا يكون أمانا ولانه نوع ولاية حيث أنه يتقيد القول على الغير بشرط التكليف فيكون نظير ولاية النكاح والعبد لا يملك النكاح بنفسه الا ان يأذن له مولاه فيه فكذلك لا يملك الامان إلا ان يكون ماذونا في القتال لان الامان ترك القتال ضرورة ولكنه من القتال معنى فيملكه من يكون مالكا للقتال والآثار محمولة على المأذون في القتال وقد تقدم بيان ؟ تأويل قوله صلى الله عليه وسلم يسعى بذمتهم أدناهم فاما عقد الذمة فنقول انه يتمحض منفعة للمسلمين لان الكفار إذا طلبوا ذلك افترض على الامام اجابتهم إليه فلو اعتبر ما سبق من العبد احتسب عليهم تلك المدة لاخذ الجزية ولو لم يعتبر كان ابتداء تلك المدة من الحال فلكونه محض منفعة حكمنا بصحته من العبد كقبول

[ 72 ]

الهبة والصدقة فاما الامان يتردد بين المضرة والمنفعة ولهذا لا يفترض اجابة الكفار إليه وفيه ابطال حق المسلمين في الاستغنام والاسترقاق والتصرف الذى فيه توهم الضرر في حق المولى خاصة كالبيع والشراء لا يملكه العبد بنفسه لما فيه من الحاق الضرر بالمولى فالتصرف الذى فيه الحاق الضرر بالمسلمين أولى فأما الصبى إذا كان لا يعقل فلا اشكال ان أمانه باطل وان كان يعقل فعند أبى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله امانه باطل ايضا وهو قول الشافعي رحمه الله كما أنه لا يصح ايمانه ومحمد يقول بصحة امانه كما يقول بصحة ايمانه فان كان هذا الصبى مأذونا في القتال فقد قال بعض مشايخنا لا يصح امانه أيضا لان قوله غير معتبر فيما يضربه وان كان مأذونا كالطلاق والعتاق ففيما يضر بالمسلمين أولى والاصح انه يجوز أمانه إذا كان مأذونا له في القتال لان هذا التصرف يتردد بين المضرة والمنفعة فهو نظير البيع والشراء يملكه الصبى بعد الاذن وإذا قال الامام من أصاب شيئا فهو له فأصاب رجل جارية فاستبرأها فانه لا يطأها ولا يبيعها حتى يخرجها إلى دار الاسلام في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى يحل له ذلك لانه اختص بملكها فيحل له وطئها بعد الاستبراء كالمسلم يشترى جارية في دار الحرب يحل له وطئها بعد الاستبراء وهذا لان ملك المنفعة سببه ملك الرقبة وقد تحقق هذا السبب في حقه حين اختص بملكها بتنفيل الامام وهذا بخلاف اللص في دار الحرب إذا أخذ جارية واستبرأها فانه لا يحل له وطئها لانه ما اختص بملكها ألا ترى انه لو التحق بجيش المسلمين في دار الحرب شاركوه فيها وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا سبب الملك في المنفل القهر فلا يتم الا بالاحراز بدار الاسلام كما في الغنيمة في حق الجيش وهذا لما بينا أنه قبل الاحراز قاهر يدا مقهور دارا فيكون السبب ثابتا من وجه دون وجه ولا أثر للتنفيل في إتمام القهر انما تأثير التنفيل في قطع شركة الجيش مع المنفل له فأما سبب الملك للمنفل له ما هو السبب لولا التنفيل وهو القهر فاشبه من هذا الوجه ما أخذه اللص في دار الحرب وهذا لان لحوق الجيش به موهوم والموهوم لا يعارض الحقيقة فعرفنا ان امتناع ثبوت الحل لعدم تمام القهر بخلاف المشتراة فسبب الملك فيها تم بالعقد والقبض وعلى هذا الخلاف لو قسم الامام الغنائم في دار الحرب فأصاب رجل جارية فاستبرأها لان بقسمة الامام لا ينعدم المانع من تمام القهر وهو كونهم مقهورين دارا ومن أصحابنا من يقول لما نفذت

[ 73 ]

القسمة من الامام تصير هي بمنزلة المشتراة لان من وقعت في سهمه يملك عينها بالقسمة وقدم تم فينبغي ان يحل الوطئ عندهم جميعا والاول اظهر وإذا خرج القوم من مسلحة او عسكر فأصابوا غنائم فانها تخمس وما بقى فهو بينهم وبين أهل العسكر سواء كان باذن الامام أو بغير اذن الامام وسواء كانت لهم منعة أو لم تكن لان أهل العسكر بمنزلة المدد للخارجين فان المصاب صار محرزا بالدار بقوتهم جميعا إذ هم الردء لهم يستنصرونهم إذا حزبهم أمر لانهم دخلوا دار الحرب لينصر بعضهم بعضا والامام أذن لهم في ان يأخذوا ما يقدرون عليه من أموال المشركين لانه ادخلهم في دار الحرب لهذا فلا حاجة إلى اذن جديد بعد ذلك وكذلك ان بعث الامام رجلا طليعة فأصاب ذلك لان أهل العسكر ردء له وان كانوا خرجوا من مدينة عظيمة مثل المصيصة وملطية بعثهم الامام سرية منها فأصابوا غنائم لم يشركهم فيها أهل المدينة لانهم ساكنون في دار الاسلام فلا يكونون ردءا للمقاتلين في دار الحرب وهذا لان توطنهم على قصد المقام في أهاليهم بخلاف أهل العسكر فان توطنهم في العسكر للقتال فكانوا بمنزلة الردء للسرية ألا ترى أن من نوى منهم الاقامة في العسكر في دار الحرب لا تصح نيته بخلاف ساكن المدينة ولان الاحراز ههنا حصل بالسرية خاصة وهناك الاحراز بدار الاسلام حصل بالسرية والجيش فمن هذا الوجه يقع الفرق ثم الذين خرجوا من مصر من أمصار المسلمين اما أن يكونوا قوما لهم منعة أولا منعة لهم خرجوا باذن الامام أو بغير اذنه فان كانت لهم منعة فسواء خرجوا باذن الامام أو بغير اذنه فان ما أصابوه غنيمة حتى يخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الفرسان والرجالة المصيب وغير المصيب فيه سواء لان دخولهم لا يخفى على الامام عادة وعليه ان ينصرهم ويمدهم فانهم لو اصيبوا مع منعتهم كان فيه وهنا بالمسلمين ويجترئ عليهم المشركون فإذا كان على الامام نصرتهم كانوا بمنزلة الداخلين باذنه ولان الغنيمة اسم لما اصيب بطريق فيه اعلاء كلمة الله تعالى واعزاز دينه وذلك موجود ههنا لان المصيبين أهل منعة يفعلون ما يفعلون جهارا فاما إذا كانوا قوما لامنعة لهم كالواحد والاثنين فان كان دخولهما باذن الامام فكذلك الجواب لان على الامام ان ينصره ويمده إذا حزبه أمر ولان الامام لا يأذن للواحد في الدخول الا ان يعلم قوته على ما بعثه لاجله وعند ذلك يكون الواحد سرية على ماروى ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن أنيس رضى الله عنه سرية وحده وبعث دحية الكلبي رضي

[ 74 ]

الله عنه يوم الخندق طليعة وقد ذكر في النوادر انه لا يخمس ما أصاب هذا الواحد لان أخذه ليس على طريق اعزاز الدين فانه لا يجاهر بما يأخذ وانما يفعله سرا إذ هو غير ممتنع من أهل الحرب فهو كالداخل بغير اذن الامام فان كان دخول القوم الذين لامنعة لهم بغير اذن الامام على سبيل التلصص فلاخمس فيما أصابوا عندنا ولكن من أصاب منهم شيئا فهو له خاصة وان أصابوا جميعا قسم بينهم بالسوية ولا يفضل الفارس على الراجل وقال الشافعي رحمه الله تعالى يخمس ما أصابوا ويقسم ما بقى بينهم قسمة الغنيمة لقوله تعالى واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه والغنيمة اسم مال يأخذه المسلمون من الكفرة بطريق القهر وذلك موجود ههنا فانهم دخلوا للمحاربة والقهر لان القهر تارة يكون بالقوة جهارا وتارة يكون بالمكر والحيلة سرا قال صلي الله عليه وسلم الحرب خدعة ألاتري انهم لو دخلوا باذن الامام كان ما يأخذون غنيمة وصفة أحدهم لا تختلف بوجود اذن الامام وعدمه (وحجتنا) ماروى ان المشركين أسروا ابنا لرجل من المسلمين فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو ما يلقى من الوحشة فأمره ان يستكثر من قول لاحول ولاقوة الا بالله العلى العظيم ففعل ذلك فخرج الابن عن قليل بقطيع من الغنم فسلم ذلك له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ منه شيئا والمعنى مابينا أن الغنيمة اسم لمال مصاب بأشرف الجهات وهو أن يكون فيه اعلاء كلمة الله تعالى واعزاز الدين ولهذا جعل الخمس منه لله تعالى وهذا المعنى لا يحصل فيما يأخذه الواحد على سبيل التلصص فيتمحض فعله اكتسابا للمال بمنزلة الاصطياد والاحتطاب بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة وشوكة والدليل على الفرق أن الواحد من الذين لهم منعة لو أمنهم صح أمانه واللص في دار الحرب لو أمنهم لم يصح أمانه وقد بينا اختلاف الرواية فيما إذا كان دخول الواحد باذن الامام ووجه الفرق على ظاهر الرواية وان دخل مسلم دار الحرب بأمان فاشترى جارية كتابية ؟ واستبرأها كان له أن يطأها هناك لان ملكه فيها تم بتمام سببه فان الشراء في كونه سبب الملك تام لا يختلف بدار الحرب ودار الاسلام بخلاف المتلصص إذا أصاب جارية فان سبب ملكه هناك لم يتم قبل الاحراز لكونه مقهورا في دارهم ولانه ربما يتصل بجيش في دار الحرب فيشاركونه فيها إذا شاركوه في الاحراز (قال) واكره للرجل أن يطأ أمته أو امرأته في دار الحرب مخافة أن يكون له فيها نسل لانه ممنوع من التوطن في دار الحرب قال صلى صلى الله عليه وسلم أنا برئ من كل مسلم مع مشرك

[ 75 ]

وإذا خرج ربما يبقى له نسل في دار الحرب فيتخلق ولده باخلاق المشركين ولان موطوءته إذا كانت حربية فإذا علقت منه ثم ظهر السلمون على الدار ملكوها مع مافى بطنها ففي هذا تعريض ولده للرق وذلك مكروه ولا بأس بأن يعطى الامام أبا الغازى شيئا من الخمس إذا كان محتاجا لانه لو عرف حاجة الغازى إلى ذلك جاز له أن يضعه فيه ففي ابيه أولى وهذا لان المقصود سد خلة المحتاج بخلاف الزكاة فانها تجب على صاحب المال والواجب فعل الايتاء فانما يتم ذلك إذا جعله لله خالصا بقطع منفعته منه من كل وجه وههنا الخمس ليس بواجب على الغزاة بل خمس ما أصابوه لله تعالى يصرف إلى المحتاجين بأمر الله تعالى والغازي وأبوه في ذلك كغيره وإذا غزا أمير الشام في جيش عظيم فانه يقيم الحدود في العسكر وقد بينا هذا في كتاب الحدود وفرقنا بينه وبين أمير الجيش الذى فوض إليه الحرب خاصة فان حاصر أمير الشام مدينة مدة طويلة لم يتم الصلاة ولم يجمع لانه مسافر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلة وكان يقصر الصلاة وابن عمر رضى الله عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر الصلاة وقد بينا في كتاب الصلاة أن نية المحارب في دار الحرب الاقامة لا تصح لانه لا يتمكن من التوطن فانه بين ان يهزم عدوه فيقرأ وينهزم فيفر وإذا أراد قوم من المسلمين ان يغزوا أرض الحرب ولم تكن لهم قوة ولامال فلا بأس بأن يجهز بعضهم بعضا ويجعل القاعد للشاخص وقد بينا ذلك في حديث عمر رضى الله عنه والمعني فيه ان الجهاد بالنفس تارة وبالمال أخرى والقادر على الخروج بنفسه يحتاج إلى مال كثير ليتمكن به من الخروج وصاحب المال يحتاج إلى مجاهد يقوم بدفع أذى المشركين عنه وعن ماله فلا بأس بالتعاون بينهما والتناصر ليكون القاعد مجاهدا بماله والخارج بنفسه والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ثم دافع المال إلى الخارج ليغزو بماله يعينه على اقامة الفرض وذلك مندوب إليه في الشرع وان كانت عندهم قوة أو عند الامام كرهت ذلك أما إذا كان في بيت المال فذلك المال في يد الامام معد لمثل هذه الحاجة فعليه ان يصرفه إليها ولا يحل له ان يأخذ من المسلمين شيئا لاستغنائه عن ذلك بما في يده وكذلك ان كان الغازى صاحب مال فلا حاجة به إلى الاخذ من غيره وتمام الجهاد بالمال والنفس ولانه لو أخذ من غيره مالا فعمله في الصورة كعمل من يعمل بالاجرة فلا يكون ذلك لله تعالى خالصا الا ترى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك

[ 76 ]

الاجير بكم استؤجرت قال بدينارين قال انما لك ديناراك في الدنيا والآخرة ولان الاشتراك ينفي معنى العبادة قال صلى الله عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه من عمل لى عملا واشرك فيه غيرى فهو كله لذلك الشريك وأنا منه برئ فلهذا يكره له الاشراك بأخذ المال من غيره إذا كان مستغنيا عنه وإذا وجد من يكفيه الحرس فالصلاة بالليل أفضل له من الحرس وكل واحد منهما طاعة أما الصلاة بالليل فظاهر وأما الحرس فلقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث أعين لا تمسها نار جهنم عين غضت من محارم الله تعالى وعين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله الا أنه إذا كان له من يكفيه الحرس فالصلاة أولى لانها عبادة بجميع البدن فهى تنهى عن الفحشاء وتدفع الخواطر الردية وتمنع اللغو فالاشتغال بها أولى وان لم يجد من يكفيه الحرس فان أمكنه أن يجمع بين الصلاة والحرس فالجمع بينها أفضل وقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير عن بعض الصحابة أنه كان يجمع بينهما وإذا تعذر عليه الجمع بينهما فالحرس أفضل لانه أعم نفعا وقال صلى الله عليه وسلم خير الناس من ينفع الناس ولان الصلاة بالليل ممكن إذا رجع إلى أهله ولا يتمكن من الحرس الافي هذا الموضع فالاشتغال في هذا الموضع بما هو متعين أولى وهو كالطواف بالبيت للغرباء أفضل من الصلاة بخلاف أهل مكة وإذا طعن المسلم بالرمح في جوفه لم يكن له أن يمشي إلى صاحبه والرمح في جوفه حتى يضربه بالسيف ولايكون به معينا على نفسه لان المسلم مندوب إلى بذل نفسه في قهر المشركين واعزاز الدين وليس في هذا أكبر من بذل النفس لهذا المقصود ولكن هذا إذا كان يعلم أن يصيب من قرنه إذا فعل ذلك وهو نظير مالو حمل الواحد على جمع عظيم من المشركين فان كان يعلم أنه يصيب بعضهم أوينكى فيهم نكاية فلا بأس بذلك وان كان يعلم انه لاينكى فيهم فلا ينبغى له أن يفعل ذلك لقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة والاصل فيه ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى يوم أحد كتيبة من اليهود فقال من لهذه الكتيبة ؟ ؟ ؟ ؟ وهب بن قابوس أنا لها يارسول الله فحمل عليهم حتى فرقهم ثم رأى كتيبة أخرى ؟ فقال من لهذه الكتيبة فقال وهب أنا لها فقال صلى الله عليه وسلم ؟ ؟ ؟ وأبشر بالشهادة فحمل عليهم حتى فرقهم وقتل هو فذلك دليل على انه ؟ ؟ ينكى فعله فيهم فلا بأس بأن يحمل عليهم وإذا كان المسلمون في سفينة فألقيت إليهم النار لم يصيق على أحد منهم أن يصبر على النار أو يلقي نفسه في البحر أما إذا كان

[ 77 ]

يرجو النجاة في أحد الجانبين تعين عليه ذلك لانه مأمور بدفع الهلاك عن نفسه بما يقدر عليه وذلك في الميل إلى الطريق الذى يرجو النجاة فيه وان كان يرجو النجاة في الجانبين يخير لاختلاف أحوال الناس فمنهم من يصبر على الماء فوق ما يصبر على النار ومنهم من يكون صبره على الدخان والنار أكثر على غم الماء وان كان لا يرجو النجاة في واحد من الجانبين فعلي قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالي يتخيرو على قول محمد رحمه الله تعالى ليس له أن يلقي نفسه في الماء لانه لو صبر على النار كان هلاكه بفعل العدو ولو ألقى نفسه كان هلاكه بفعل نفسه فيتعين عليه الصبر لذلك ولانه انما يجوز له ان يلقى في نفسه الماء لدفع الهلاك وذلك عند رجاء النجاة فيه فإذا كان لا يرجو النجاة لم يكن فعله دفعا للهلاك عن نفسه وهما يقولان ان طبائع الناس تختلف فمنهم من يختار غم الماء على ألم النار فهو بالالقاء يدفع ألم النار عن نفسه لعلمه انه لا يجد الصبر عليه فكان في سعة من ذلك لانه مضطر ومن ابتلى ببليتين يختار أهونهما عليه ثم هو وان ألقي نفسه مدفوع بفعل المشركين فقد ألجؤه إلى ذلك وأفسدوا عليه اختياره فلا يبقى فعله معتبرا بعد ذلك في اضافة الفعل إليه فلهذا يخير والله أعلم بالصواب (باب في توظيف الخراج) (قال) رضي الله عنه وإذا جعل الامام قوما من الكفار أهل ذمة وضع الخراج على رؤس الرجال وعلى الارضين بقدر الاحتمال اما خراج الرؤس ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون واما السنة ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وأخذ الحلل من نصاري نجران وكانت جزية وقال سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب يعني في أخذ الجزية منهم وقد طعن بعض الملحدين قال كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذى هو أعظم الجرائم بمال يؤخذ منه ولو جاز ذلك جاز تقرير الزانى على الزنا بمال يؤخذ منه والكلام في هذا يرجع إلى الكلام في اثبات الصانع وانه حكيم واثبات النبوة ثم نقول المقصود ليس هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه لانه بعقد الذمة يترك القتال أصلا ولا يقاتل من لا يقاتل ثم يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الدين ويعظه واعظ فربما يسلم الا أنه إذا سكن دار

[ 78 ]

الاسلام فما دام مصرا على كفره لا يخلا عن صغار وعقوبة وذلك بالجزية التى تؤخذ منه ليكون ذلك دليلا على ذل الكافر وعز المؤمن ثم يأخذ المسلمون الجزية منه خلفا عن النصرة التى فاتت باصراره على الكفر لان من هو من أهل دار الاسلام فعليه القيام بنصرة الدار وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لانهم يميلون إلى أهل الدار المعادية فيشوشون علينا أهل الحرب فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدار ولهذا يختلف باختلاف حاله في الغنى والفقر فانه معتبر بأصل النصرة والفقير لو كان مسلما كان ينصر الدار راجلا ووسط الحال كان ينصر الدار راكبا والفائق في الغنى يركب ويركب غلاما فما كان خلفا عن النصرة يتفاوت بتفاوت الحال أيضا والاصل في معرفة المقدار حديث عمر رضى الله عنه فانه وضع الجزية على رؤس الرجال اثني عشر درهما وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين ونصب المقادير بالرأي لا يكون فعرفنا انه اعتمد السماع من رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخذنا به وقلنا المعتمل الذي يكتسب أكثر من حاجته ولامال له يؤخذ منه كل سنة اثنى عشر درهما والمعتمل الذى له مال ولكنه لا يستغني بماله عن العمل يؤخذ منه أربعة وعشرون درهما في كل سنة والفائق في الغنى وهو صاحب المال الكثير الذى لا يحتاج الي العمل يؤخذ منه ثمانية وأربعون درهما ولا يمكن أن يقدر في المال بتقدير فان ذلك يختلف باختلاف البلدان فبالعراق من يملك خمسين ألفا يعد وسط الحال وفي ديارنا من يملك عشرة آلاف درهم يعد غنيا فيجعل ذلك موكولا إلى رأى الامام والحسن البصري كان يقول انما يؤخذ ثمانية وأربعون ممن يركب البغلة الشهباء ويتختم بخاتم الذهب وقد قيل انه بدل عن السكنى لانه مع الاصرار على الكفر لا يكون من أهل دار الاسلام أصلا ولا يمكن من السكنى في دار الغير الا بكراء فالفقير يكفيه لمؤنة السكني في كل شهر درهم ووسط الحال يحتاج الي أكثر من ذلك فيضعف عليه وكذلك الفائق في الغني والاصح هو الاول انه خلف عن النصرة كما بينا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى تتقدر الجزية بدينار ولا يختلف باختلاف حاله في الفقر والغنى بناء على أصله ان وجوب هذا المال بحقن الدم وذلك لا يختلف بفقره وغناه واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه خذ من كل حالم وحالمة دينارا ولكنا نقول ثبوت الحقن ليس بالمال بل بانعدام علة الاباحة وهو القتال ولصحة احرازه نفسه وماله في دارنا لانه بقبول عقد الذمة يصير من أهل دارنا حتى لا يمكن من الرجوع

[ 79 ]

إلى دار الحرب بحال وحديث معاذ رضى الله عنه في مال كان وقع الصلح عليه دون الجزية ألا ترى انه أمر بالاخذ من النساء والجزية لا تجب على النساء واما خراج الارض فالاصل فيه حديث عمر رضى الله عنه فانه وضع على كل أرض تصلح للزرع على الجريب درهما وقفيزا وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم واعتمد في ما صنع السنة أيضا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال منعت العراق قفيزها ودرهمها فيما ذكر من اشراط الساعة بعده ثم تفاوت الواجب بتفاوت ريع الاراضي ولان أصل الوجوب باعتبار الريع فان الخراج مؤنة الارض النامية فيتفاوت بتفاوت الريع وقد روى انه بعث لذلك عثمان بن حنيف وحذيفة ابن اليمان رضى الله عنهما فلما رجعا إليه قال لعلكما حملتما الارض مالا تطيق فقالا لا بل حملناها ما تطيق ولو زدنا لا طاقت وبظاهر هذا الحديث يستدل أبو يوسف رضى الله عنه ويقول لا تجوز الزيادة على وظيفة عمر رضى الله عنه وان كانت الارض تطيق الزيادة لانهما قالا لو زدنا لاطاقت فلم يأمرهما بالزيادة ومحمد رحمهما الله تعالى يقول انه فيما وظف اعتبر الطاقة حيث قال لعلكما حملتما الارض مالا تطيق فإذا كانت تطيق الزيادة يزاد بقدر الطاقة ألاتري انها إذا كانت لا تطيق تلك الوظيفة لقلة ريعها تنقص فكذلك إذا كانت تطيق الزيادة لكثرة ريعها يزاد وقد قررنا هذا في شرح الزيادات ثم في خراج الاراضي الرجال والنساء والصبيان سواء لانها مؤنة الاراضي النامية وهم في حصول النماء لهم سواء فأما خراج الرؤس لا يؤخذ من النساء والصبيان لما بينا أنه خلف عن النصرة التى فاتت باصرارهم علي الكفر ونصرة القتال لو كانوا مسلمين على الرجال دون النساء والصبيان ولان في حقهم الوجوب بطريق العقوبة كالقتل وانما يقتل الرجال منهم دون النساء والصبيان حين كانوا حربيين فكذلك حكم الجزية بعد عقد الذمة ولئن كان مؤنة السكني فالنساء والصبيان في السكنى تبع وأجرة السكنى على من هو الاصل دون التبع ولكن الاول أصح فانه لا تؤخذ الجزية من الاعمى والشيخ الفاني والمعتوه والمقعد مع انهم في السكني أصل ولكن لا يلزمه أصل النصرة ببدنه لو كان مسلما فكذلك لا يؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة وعن أبى يوسف ان الاعمى والمقعد إذا كان صاحب مال ورأى يؤخذ منه لانه يقاتل برأيه وان كان لا يقاتل ببدنه لو كان مسلما وعجزه لنقصان في بدنه ولا نقصان في ماله فيؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة والفقير الذى لايستطيع أن يعمل لا تؤخذ منه الجزية لان الجزية مال يؤخذ منه ولامال له والعاجز عن الاداء معذور شرعا

[ 80 ]

فيما هو حق العباد قال الله تعالى وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ففي الجزية أولى وهذا لان الجزية صلة مالية وليست بدين واجب ألا ترى أنها سميت خراجا في الشرع والخراج اسم لما هو صلة قال الله تعالي فهل نجعل لك خرجا أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير والصلة المالية لا تكون الا ممن يجد للمال فأما من لا يجد يعان بالمال فكيف يؤخذ منه ولاخراج علي رؤس المماليك لانه خلف عن النصرة والمملوك لا يملك نصرة القتال في نفسه ان لو كان مسلما فلا يلزمه ما هو خلف عن النصرة ثم هو أعسر من الحر الذى لا يجد شيئا لانه ليس من أهل الملك أصلا ثم المملوك في السكنى تبع لمولاه ولاخراج في الاتباع كالنساء والصبيان ولا صدقة في أموال أهل الذمة من السوائم ومال التجارة في أوطانهم لان الامام في الباب عمر رضى الله عنه وهو لم يتعرض لاموالهم في ذلك بشئ لا أن يمروا على العاشر فقد بينا ذلك في الزكاة وكان المعنى فيه أن الاخذ من أموال المسلمين بطريق العبادة المحضة دون المؤنة فان الشرع جعل الزكاة احد أركان الدين والكافر ليس بأهل لذلك بخلاف الخراج والعشر فالاخذ من المسلم بطريق مؤنة الارض ولهذا جاز أخذه من الكافر ولكن يؤخذ من الكافر ما هو أبعد عن معنى العبادة وأقرب إلى معني الصغار وهو الخراج ومن أسلم من أهل الذمة قبل استكمال السنة أو بعدها قبل ان يؤخذ منه خراج رأسه سقط عنه ذلك عندنا وقال الشافعي ان أسلم بعد كمال السنة لم يسقط عنه وان أسلم قبل كمال السنة فله فيه وجهان وحجته في ذلك انه دين استقر وجوبه في ذمته فلا يسقط عنه باسلامه كسائر الديون وبيان الوصف وهو انه مطالب بادائه مجبر على ذلك محبوس فيه كسائر الديون أو أقوى حتي إذا بعث بالجزية على يد نائبه لاتقبل بخلاف سائر الديون وبان كان لا تجب ابتداء على المسلم فهذا لايمنع بقاءه عليه بعد الاسلام كخراج الاراضي فالمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج على الارض ثم يبقي وكذلك الرق لا يبتدأ به المسلم ثم يبقى رقيقا بعد الاسلام وكذلك الفقير لا تجب عليه الزكاة ابتداء ثم تبقى إذا أستهلك النصاب بعد الوجوب عليه وهذا لانه مؤنة السكني فالاسلام لا ينافي استيفاءه كالاجرة وانما لا يوجب عليه بعد الاسلام ابتداء لانه صار من أهل دار الاسلام أصلا وهذا بدل حقن الدم بمنزلة المال الواجب بالصلح عن القصاص فالاسلام لايمنع استيفاءه إذا حصل له الحقن به فيما مضى ولكن لا يجب بعد الاسلام ابتداء لانه حقن دمه بالاسلام (وحجتنا) في ذلك حديث ابن عباس رضى الله عنهما ان النبي صلي

[ 81 ]

الله عليه وسلم قال على مسلم جزية وفى حديث عمر رضى الله عنه ان ذميا طولب بالجزية فأسلم فقيل له انك أسلمت تعوذا فقال ان أسلمت تعوذا ففى الاسلام لمتعوذ فرفع ذلك إلى عمر رضى الله عنه فقال صدق فأمر بتخلية سبيله والمعني فيه ما قررنا ان الوجوب عليهم بطريق العقوبة لا بطريق الديون وعقوبات الكفر تسقط بالاسلام كالقتل والدليل على انه نظير القتل انه يختص بالوجوب عليه من يقتل على كفره حتى لا يوجب على النساء والصبيان وبه فارق خراج الاراضي والاسترقاق مع ان الاسترقاق عقوبة من حيث تبديل صفة المالكية بالمملوكية وقد تم ذلك حين استرق فهو عقوبة مستوفاة ووزانها جزية استوفيت قبل الاسلام ثم في حق المسلمين هذا المال خلف عن النصرة كما بينا وإذا أسلم فقد صار من أهل النصرة فيسقط ما هو الخلف لانه لابقاء للخلف بعد وجود الاصل ولان أخذ الجزية منهم بطريق الصغار كما قال تعالى وهم صاغرون ولهذا لاتقبل منه لو بعثها على يد نائبه بل يكلف بأن يأتي به بنفسه فيعطي قائما والقابض منه قاعد وفي رواية يأخذ بتلبيبه فيهزه هزا ويقول إعط الجزية يا ذمى وبعد الاسلام لا يمكن استيفاؤه بطريق الصغار لان المسلم يوقر لايمانه وإذا تعذر استيفاؤه من الوجه الذى وجب امتنع الاستيفاء لانه لا يجوز أن يستوفي غير الواجب وانما يتحقق استيفاء الواجب إذا استوفي بالصفة التى وجب وهذا بخلا مااذا استهلك النصاب في مال الزكاة بعد وجوبها لان وجوب الزكاة على المسلم بطريق العبادة وبعدما افتقر يستوفي بطريق العبادة أيضا حتى لو خرج من أن يكون أهلا للعبادة بان ارتد نقول بأنه لا يبقى وقد بينا أن الجزية ليست بدين ولابدل عن السكني ولابدل عن حقن الدم ولئن سلمنا له ذلك فانما هو بدل عن الحقن في المستقبل لافيما مضى وقد استفاد الحقن بالاسلام فلا معني لاخذ الجزية منه بعد ذلك وعلى هذا الخلاف لو مات بعد مضي السنة عندنا لا يستوفى الجزية من تركته وعنده يستوفى اعتبارا بسائر الديون وطريقنا ما قررنا في المسألة الاولى ولان هذه صلة والصلات لا تتم الا بالفبض وتبطل بالموت قبل التسليم كالنفقات ودليل أنها صلة مابينا أنها ليست ببدل عن السكنى لانه بعقد الذمة صار من أهل دارنا فانما يسكن دار نفسه ولا يسكن ملك نفسه حقيقة وقولنا دار الاسلام نسبة للولاية فلا يستحق باعتباره الاجرة ولاهو بدل عن حقن الدم لان الآدمى في الاصل محقون الدم والاباحة بعارض القتال فإذا زال ذلك بعقد الذمة عاد الحقن الاصلى

[ 82 ]

ولان قتل الكافر جزاء مستحق لحق الله تعالى فلا يجوز اسقاطه بمال أصلا فإذا ثبت أنه ليس بعوض عن شئ عرفنا أنه صلة وفى الصلات المعتبر الفعل دون المال والافعال لا يمكن استيفاؤها من التركة فانما يبقى بعد الموت ما يمكن استيفاؤه ألا ترى أنه لو استأجر خياطا ليخيط ثوبه بيده فمات الخياط بطل العقد لان المستحق الفعل ولا يمكن استيفاؤه من التركة وان لم يمت ومرت عليه سنون قبل أن يؤخذ خراج رأسه لم يؤخذ بذلك في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى الا باعتبار السنة التى هو فيها ويؤخذ في قولهما بجميع ما مضى إذا لم يكن ترك ذلك لعذر وتلقب هذه المسألة بالموانيذ وهما يقولان الموانيذ في خراج الرأس كالموانيذ في خراج الارض ثم يستوفى جميع ذلك وان طالت المدة فكذلك هنا وهذا لانه ما بقى حيا مصرا على كفره فاستيفاؤه من الوجه الذى وجب ممكن بخلاف ما بعد اسلامه وموته ولابي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان أحدهما أن الواجب عليهم بطريق العقوبة والعقوبات التى تجب لحق الله تعالى إذا اجتمعت تداخلت كالحدود وفى حقنا خلف عن النصرة وهذا المعنى يتم باستيفاء جزية واحدة منه فلا حاجة إلى استيفاء ما مضى ولان المقصود ليس هو المال بل المقصود استذلال الكافر واستصغاره لان اصراره على الشرك في دار التوحيد جناية فلا ينفك عن صغار يجرى عليه وهذا المقصود يحصل باستيفاء جزية واحدة فلو أخذناه بالموانيذ لم يكن ذلك الا لمقصود المال وقد بينا ان المال غير مقصود ولهذا لا يبقى بعد موته واسلامه ثم أو ان أخذ خراج الرأس منه آخر السنة قبل ان يتحول وقد روى عن أبي يوسف انه يؤخذ منه في كل شهرين بقسط ذلك وعن محمد انه يؤخذ شهرا فشهرا ليكون أشد عليه وأقرب إلى تحصيل المنفعة للمسلمين والاصح هو الاول من ان المعتبر الحول كما في زكاة المال في حق المسلم وخراج الاراضي ولا يؤخذ بخراج الارض في السنة الامرة واحدة وان استغلها صاحبها مرات لحديث عمر رضى الله عنه فانه ما أخذ الخراج من أهل الذمة في السنة الامرة واحدة ولان ريع عامة الاراضي في السنة يكون مرة واحدة وانما يبنى الحكم على العام الغالب والاراضي يكون فيها الشجر الكبير يوضع عليها من الخراج بقدر الطاقة لان عمر رضى الله عنه فيما وظفه اعتبر الطاقة فعرفنا ان ذلك هو الاصل فإذا عطل أرضه لم يسقط عنه خراجها لانه هو الذى اختار ترك الاستغلال والانتفاع بها وقصد بذلك اسقاط حق مصارف الخراج فرد عليه قصده

[ 83 ]

بخلاف العشر فالواجب هناك جزء من الخراج والايجاب بدون المحل لا يتحقق وههنا الواجب مال في ذمته باعتبار تمكنه من الانتفاع بالارض فلم ينعدم ذلك بتعطيله الارض وان زرعها فأصاب الزرع آفة فذهب لم يؤخذ الخراج لانه مصاب فيستحق المعونة ولو أخذناه بالخراج كان فيه استئصاله ومما حمد من سير الاكاسرة انهم كانوا إذا اصطلم الارض آفة يردون على الدهاقين من خزائنهم ما أنفقوا في الارض ويقولون التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فان لم يرد عليه شيئا فلا أقل من أن لا يؤخذ منه الخراج وهذا بخلاف الاجر فانه يجب بقدر ماكان الارض مشغولا بالزرع لان الاجر عوض المنفعة فبقدر ما استوفى من المنفعة يصير الاجر دينا في ذمته فأما الخراج صلة واجبة باعتبار الاراضي فلا يمكن ايجابها بعدما اصطلم الزرع آفة لانه ظهر أنه لم يتمكن من استغلال الارض بخلاف مااذا عطلها وإذا أسلم الذمي على أرضه كان عليه خراجها كما كان عندنا وقال مالك رحمه الله تعالى يسقط ذلك وكذلك إذا باعها من مسلم واعتبر خراج الارض بخراج الرأس فكما لا يجب على المسلم بعد اسلامه خراج الرأس فكذلك خراج الاراض ولكنا نقول الخراج مؤنة الارض النامية كالعشر والمسلم من أهل التزام المؤنة وهذا لانه بعد الاسلام لا يخلى أرضه عن مؤنة فابقاء ما تقرر واجبا أولى لانا ان أسقطنا ذلك احتجنا إلى ايجاب العشر بخلاف خراج الرأس فانا لو أسقطنا ذلك عنه بعد اسلامه لانحتاج إلى ايجاب مؤنة أخرى عليه ولايكره للمسلم اداء خرج الارض لما روى عن ابن مسعود والحسن بن على وشريح رضى الله عنهم انه كانت لهم أرضون بالسواد يؤدون خراجها فبهذا تبين ان خراج الارض لا يعد من الصغار وانما الصغار خراج الاعناق بخلاف ما يقوله المتقشفة ويستدلون بما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيئا من آلات الحراثة فقال مادخل هذا بيت قوم الا ذلوا ظنوا ان المراد الذل بالتزام الخراج وليس كذلك بل المراد ان المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة واتبعوا اذناب البقر وقعدوا عن الجهاد كر عليهم عدوهم فجعلوهم أذلة تغلبى اشترى ارضا من أرض الخراج فعليه الخراج كما كان لانه انما يضعف عليه ما يبتدأ المسلم بالايجاب عليه هكذا جرى الصلح بيننا ولا يبتدأ المسلم بتوظيف الخراج على أرضه الا ترى ان أهل بلدة لو اسلموا طوعا يجعل على أراضيهم العشر دون الخراج فلهذا لا يضعف الخراج على التغلبي وان اشترى أرضا من أرض العشر ضوعف عليه العشر لان

[ 84 ]

العشر يبتدأ به المسلم فيضعف على التغلبي كالزكاة والرجل والمرأة والصبي منهم في ذلك سواء وقد بينا تمام هذه الفصول في كتاب الزكاة وذكرنا قول محمد ان التضعيف عليهم في الاراضي التي وقع الصلح عليها فأما فيما اشتراها من مسلم لا تتغير الوظيفة بتغير المالك كما لا تتغير وظيفة الخراج إذا اشترى مسلم أرضا خراجية وكما لا تتغير وظيفة العشر إذا اشتراها مكاتب أو صبى (قال) أرأيت لو أن أرضا بمكة في الحرم اشتراها ذمى أو تغلبى كانت تصير خراجية أو تتحول عن العشر الذي كان عليها قبل ذلك وإذا دخل الحربى دار الاسلام مستأمنا فتزوج امرأة ذمية لم يصر ذميا لان الرجل ليس بتابع لامرأته في السكنى فهو بالنكاح لم يصر راضيا بالمقام في دارنا على التأبيد وانما استأمن الينا للتجارة والتاجر قد يتزوج في موضع لا يقصد التوطن فيه فلهذا لا يصير ذميا فان أطال المقام وأوطن فحينئذ توضع عليه الجزية وينبغى للامام أن يتقدم إليه ويأمره بالخروج إلى دار الحرب على سبيل الانذار والاعذار وفى التقدم إليه إن بين مدة فقال ان خرجت إلى وقت كذا والا جعلتك ذميا فان خرج إلى ذلك الوقت تركه ليذهب وان لم يخرج لم يمكنه من الخروج بعد ذلك وجعله ذميا لان مقامه بعد التقدم إليه حتى مضت المدة رضا منه بالمقام في دارنا على التأبيد وان لم يقدر له مدة فالمعتبر هو الحول فإذا أقام في دارنا بعد ذلك حولا لا يمكنه من الخروج لان هذا لابلاء العذر والحول لذلك حسن كما في أجل العنين ونحوه وان اشتري أرض خراج فزرعها يوضع عليه خراج الارض والرأس أما خراج الارض فلانه مؤنة الارض النامية وقد تقرر ذلك في حقه حين استغل الارض ثم بالتزام خراج الارض صار راضيا بالتزام أحكام دار الاسلام فيكون بمنزلة لذمي لان الذمي ملتزم أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات والالتزام تارة يكون نصا وتارة يكون دلالة والحربية المستأمنة إذا تزوجت مسلما أو ذميا فقد توطنت وصارت ذمية لان المرأة في السكنى تابعة للزوج ألا ترى أنها لا تملك الخروج الا باذنه فجعلها نفسها تابعة لمن هو من دارنا رضى بالتوطن في دارنا على التأبيد فرضاها بذلك دلالة كالرضا بطريق الافصاح فلهذا صارت ذمية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب

[ 85 ]

(باب صلح المملوك والموادعة) (قال) رضى الله عنه ملك من ملوك أهل الحرب له أرض واسعة فيها قوم من أهل مملكته هم عبيد له يبيع منهم ما شاء صالح المسلمين وصار ذمة لهم فان أهل مملكته عبيد له كما كانوا يبيعهم ان شاء لان عقد الذمة خلف عن الاسلام في حكم الاحراز ولو أسلم كانوا عبيدا له لقوله صلى الله عليه وسلم من أسلم على مال فهو له فكذلك إذا صار ذميا وهذا لانه كان مالكا لهم بيده القاهرة وقد استقرت يده وازدادت وكادة بعقد الذمة فان ظهر عليهم عدو غيرهم ثم استنقذهم المسلمون من أيدى أولئك فانهم يردون على هذا الملك بغير شئ قبل القسمة وبالقيمة بعد القسمة بمنزلة سائر أموال أهل الذمة وهذا لان على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة كما عليهم ذلك في حق المسلمين وعلى هذا لو أسلم الملك وأهل أرضه أو أسلم أهل أرضه دونه فهم عبيد له كما كانوا لانه كان محرزا لهم بعقد الذمة فيزداد ذلك قوة باسلامه واسلام مملوكه الذمي لا يبطل ملكه عنه وان كان طلب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في دار الاسلام لم يجب إلى ذلك لان التقرير على الظلم مع امكان المنع منه حرام ولان الذمي من يلتزم أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات فشرطه بخلاف موجب العقد باطل كما لو أسلم بشرط أن يرتكب شيئا من الفواحش كان الشرط باطلا والاصل فيه ماروى أن وفد تقيف جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نؤمن بشرط أن لا ننحني للركوع والسجود فانا نكره ان تعلونا استاهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاخير في دين لاصلاة فيه ولاخير في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فان أعطى الصلح والذمة على هذا بطل من شروطه مالا يصلح في الاسلام لقوله صلى الله عليه وسلم كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فان رضى بما يوافق حكم الاسلام والا أبلغ مأمنه وأصحابه لان عقد الذمة يعتمد الرضى وماتم رضاه بدون هذا الشرط وقد تعذر الوفاء بهذا الشرط فإذا أبى ان يرضى بدون هذا الشرط يبلغ مأمنه كغيره من المستأمنين فان التحرز عن الغدر واجب قال صلى الله عليه وسلم في العهود وفاء لاغدر فيه بخلاف مالو أسلم بشرط أن لا يصلى فان الاسلام صحيح بدون تمام الرضى كما لو أسلم مكرها ولا يترك بعد صحة اسلامه ليرتد فيرجع إلى الكفر فان صار ذمة ثم وقفت منه على أنه يخبر المشركين بعورة المسلمين ويقرى عيونهم لم يكن هذا منه نقضا للعهد ولكن يعاقب

[ 86 ]

على هذا ويحبس وقال مالك رحمه الله تعالى هو ناقض للعهد بما صنع فيقتل وكذلك ان كان لا يزال يغتال رجلا من المسلمين فيقتله أو يفعل ذلك أهل أرضه لم يكن هذا نقضا للعهد عندنا وقال مالك رحمه الله تعالى هو نقض لانه خلاف موجب العقد فان الذمي من ينقاد لحكم الاسلام في المعاملات ويكون مقهورا في دار الاسلام تحت يد المسلمين ومباشرة ماكان يخالف موجب العقد يكون نقضا للعهد ولكنا نقول لو فعل هذا مسلم لم يكن به ناقضا لايمانه فكذلك إذا فعله ذمى لا يكون ناقضا لامانه والاصل فيه حديث حاطب بن أبى بلتعة وفيه نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء وقصته فيما صنع معروفة في المغازى وقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ذلك وحديث أبى لبابة بن المنذر وفيه نزل قوله تعالي يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وقصته فيما أخبر به بنى قريظة معروفة وقد سماه الله مؤمنا فعرفنا ان مثل هذا لا يكون نقضا للايمان ولا للذمة ولكن من ثبت عليه القتل بالبينة يقتص منه فان لم يعرف القاتل ووجد القتيل في قرية من قراهم ففيه القسامة والدية كما قضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتيل الموجود بخيبر فيحلف الملك خمسين يمينا بالله ما قتلت ولاعرفت قاتله ثم يغرم الدية ولا يحلف بقية أهل مملكته لانهم عبيده والعبيد لا يزاحمون الاحرار في القسامة والدية فان كانوا احرارا فعليهم القسامة والدية لانهم يساوونه في الحرية والسكنى في القرية فيشاركونه في القسامة والدية وإذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين بغير شئ نظر الامام في ذلك فان رآه خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله لقوله تعالى وان جنحو للسلم فاجنح لها ولان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على ان وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين فكان ذلك نظرا للمسلمين لمواطئة كانت بين أهل مكة وأهل خيبر وهى معروفة ولان الامام نصب ناظرا ومن النظر حفظ قوة المسلمين أولا فربما يكون ذلك في الموادعة إذا كانت للمشركين شوكة أو احتاج إلى أن يمعن في دار الحرب ليتوصل إلى قوم لهم بأس شديد فلا يجد بدا من أن يوادع من على طريقه وان لم تكن الموادعة خيرا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعهم لقوله تعالى ولا تهنوا وتدعوا الي السلم وأنتم الاعلون ولان قتال المشركين فرض وترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز فان رأى الموادعة خيرا فوادعهم ثم نظر فوجد موادعتهم شرا للمسلمين نبذ إليهم الموادعة وقاتلهم لانه ظهر في الانتهاء

[ 87 ]

مالو كان موجودا في الابتداء منعه ذلك من الموادعة فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة وهذا لان نقض الموادعة بالنبذ جائز قال صلى الله عليه وسلم يعقد عليهم أولاهم ويرد عليهم أقصاهم ولكن ينبغى أن ينبذ إليهم على سواء قال تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن وكان ذلك للتحرز عن الغدر فان حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على أن يؤدي إليهم المسلمون شيئا معلوما كل سنة فلا ينبغي للامام أن يجيبهم إلى ذلك لما فيه من الدينة والذلة بالمسلمين الا عند الضرورة وهو ان يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم ويرى الامام أن هذا الصلح خير لهم فحينئذ لا بأس بأن يفعله لما روى ان المشركين احاطوا بالخندق وصار المسلمون كما قال الله تعالى هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبيدة بن حصن وطلب منه ان يرجع بمن معه على ان يطعيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فابى الا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام سيد الانصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضى الله عنهما وقالا يارسول الله ان كان هذا عن وحى فامض لما أمرت به وان كان رأيا رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة الا بشراء أو قرى فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدينة لا نعطيهم الا السيف فقال صلى الله عليه وسلم انى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فاحببت ان أصرفهم عنكم فإذا أبيتم ذلك فانتم واولئك اذهبوا فلا نعطيكم الا السيف فقد مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان رضى الله عنهما امتنع من ذلك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقة لدفع ضررهم عن المسلمين فدل على انه لا بأس بذلك عند خوف الضرر وهذا لانهم ان ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الاموال وسبوا الذرارى فدفع بعض المال ليسلم المسلمون في ذراريهم وسائر أموالهم أهون وأنفع وان أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة سنين معلومة على ان يؤدى أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئا معلوما على ان لا تجرى أحكام الاسلام عليهم في بلادهم لم يفعل ذلك الا ان يكون في ذلك

[ 88 ]

خير للمسلمين لانهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الاسلام ولا يخرجون من ان يكونوا أهل حرب وقد بينا ان ترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز الا ان يكون خيرا للمسلمين فإذا رأي الامام منفعة في ذلك فصالحهم فان كان قد احاط مع الجيش ببلادهم فما يأخذ منهم يكون غنيمة يخمسها ويقسم ما بقى بينهم لانه توصل إليها بقوة الجيش فهو كما لو ظهر عليهم بالفتح فان لم ينزل مع الجيش بساحتهم ولكنهم أرسلوا إليه وادعوه على هذا فما يأخذ منهم بمنزلة الجزية لا خمس فيها بل يصرف مصارف الجزية وان وقع الصلح على ان يؤدوا إليهم كل سنة مائة رأس فان كانت هذه المائة الرأس يؤدونها من أنفسهم وأولادهم لم يصح هذا لان الصلح وقع علي جماعتهم فكانوا جميعا مستأمنين واسترقاق المستأمن لا يجوز الا ترى ان واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصالح لم يجز وكذلك لا يجوز تمليك شئ من نفوسهم وأولادهم بحكم تلك الموادعة لان حريتهم تأكدت بها وان صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة وقالوا أمنونا على أن هؤلاء لكم ونصالحكم ثلاث سنين مستقبلة على أن نعطيكم كل سنة مائة رأس من رقيقنا فهذا جائز لان المعينين في السنة الاولى لا تتناولهم الموادعة وباعتباره يثبت الامان فإذا جعلوهم مستثنين من الموادعة بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا مماليك للمسلمين بالموادعة ثم شرطوا في السنين المستقبلة مائة رأس من رقيقهم في كل سنة ورقيقهم قابل للملك والتملك بالبيع فكذا بالموادعة وهذا لان الموادعة ليست بمال في نفسها واشتراط الحيوان دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال صحيح إذا كان معلوم الجنس كما في النكاح والخلع وإذا وقع الصلح على هذا ثم سرق منه مسلم شيئا لم يصح شراء ذلك منه لانهم استفادوا الامان في أنفسهم وأموالهم ومال المستأمن لا يملك بالسرقة وإذا لم يملكه السارق لم يحل شراؤه منه ولان ما صنعه غدر يؤدبه الامام علي ذلك إذا علمه منه وفى الشراء منه اغراء له على هذا الغدر وتقرير ذلك لا يحل فان أغار عليهم قوم من أهل الحرب جاز أن يشترى منهم ما أخذوا من أموالهم ورقيقهم لانهم تملكوها عليهم بالاحراز ولو تملكوا ذلك من أموال المسلمين جاز شراؤها منهم فمن أموال أهل الحرب أولى ثم لايرد عليهم شئ من ذلك مجانا ولا بالثمن لانهم بالموادعة ما خرجوا من ان يكونوا أهل حرب حين لم ينقادوا الحكم الاسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم وبه فارق مال المسلمين وأهل لذمة ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم الا الكراع والسلاح والحديد لانهم أهل حرب

[ 89 ]

وان كانوا موادعين ألا ترى أنهم بعد مضى المدة يعودون حربا للمسلمين ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ماخلا الكراع والسلاح فانه يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم وكذلك الحديد فانه أصل السلاح قال الله تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومن دخل منهم دار الاسلام بغير أمان جديد سوى الموادعة لم يتعرض له لانه آمن بتلك الموادعة ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الاسلام قد دخل أبو سفيان رضي الله عنه المدينة في زمن الهدنة ولم يتعرض له أحد بشئ وكذلك لو دخل رجل منهم دار حرب أخرى فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له لانه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمى يدخل دار الحرب ثم يظهر المسلمون على تلك الدار وإذا اشتري الحربى المستأمن في دار الاسلام عبدا مسلما أو ذميا أو أسلم بعض عبيده الذين أدخلهم لم يترك ليرده إلى دار الحرب لانه مسلم ولا يترك في ملك الكافر ليستذله ولكن يجبر على بيعه من المسلمين بمنزلة الذمي يسلم عبده (فان قيل) الذمي ملتزم أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات والمستأمن غير ملتزم لذلك (قلنا) المستأمن ملتزم ترك الاستخفاف بالمسلمين فانا ما أعطيناه الامان ليستذل المسلم إذ لا يجوز اعطاء الامان على هذا فلهذا يجبر على بيعه وان رجع المستأمن إلى دار الحرب وقد أدان في دار الاسلام وأودع ودبر ثم أسر وظهر على تلك الدار وقتل فنقول اما مدبروه وأمهات أولاده فهم احرار ان قتل فغير مشكل وكذلك إذا استرق لانه صار مملوكا والرق اتلاف له حكما ولانهم خرجوا من ملكه لوجود المنافي ولا يصيرون في ملك غيره لان المدبر وأم الولد لا يحتمل ذلك فلهذا كان حرا واما الدين فهو يسقط عمن عليه لخروجه من أن يكون أهلا للملك ولان الدين لايرد عليه القهر ليصير مملوكا للسابى إذ هو في ذمة من عليه ويده الي مافى ذمته اسبق من يد غيره فصار محرزا له والودائع فئ لانها تدخل تحت القهر ويد المودع كيد المودع ولو كانت في يده حين سبى كان ذلك فيئا فكذلك ان كان في يد مودعه وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى انها مملوكة للمودعين لان أيديهم إليها أسبق حين سقط عنها يد الحربى بالاسر فصاروا محرزين لها دون الغانمين وهذا كله لان بقاء حكم الامان له في هذه الاموال ما لم يتقرر المنافي وقد تقرر ذلك حين أسر وظهر المسلمون على الدار وان دخل بعبده المسلم الذى اشتراه أو أسلم في يده في دار الحرب عتق في قول أبي حنيفة رحمه الله ولم يعتق في قول

[ 90 ]

أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حتى يظهر المسلمون على الدار أو يخرج مراغما لمولاه لانه كان قاهرا له في دارنا حكما بعقد الامان وفى دار الحرب حسا بقوته فيبقى مملوكا له حتى يصير العبد قاهرا له وذلك بخروجه مراغما أو ظهور المسلمين عليه الا ترى انه لو كان في دار الحرب حين أسلم عبده لم يعتق الا بأحد هذين الوجهين فكذلك إذا أدخله دار الحرب وقد بينا طريق أبى حنيفة رحمه الله لهذه المسألة في كتاب العتاق وفيه طريق آخر نذكره ههنا وهو انه حين انتهي به إلى آخر جزء من أجزاء دار الاسلام فقد ارتفع حكم الامان الذى بيننا وبينه وبقاء ملكه بعد اسلام العبد كان بحكم الامان فإذا ارتفع زال ذلك الملك وحصل العبد في يد نفسه فيعتق وهى يد محترمة فتكون دافعة لقهره وان أدخله دار الحرب فلا يثبت له باعتبار هذا القهر الملك في دار الحرب (فان قيل) بارتفاع الامان زال صفة الحظر لاأصل الملك كمن أباح لغيره شيئا لا يزول أصل ملكه به فملكه المباح في دار الحرب ابقاء ماكان من الملك لا اثبات ملك له فيه ابتداء (قلنا) ماكان ملكه بعد اسلام العبد في دار الاسلام الا باعتبار صفة الحظر فانه لو لم يكن مستأمنا لكان العبد قاهرا له في دار الاسلام وكان حرا فإذا زال الحظر بزوال الامان زال أصل الملك (قال) ألا ترى أنه في دار الحرب لو قتل مولاه وأخذ ماله وخرج الينا كان حرا وكان ما خرج به من المال له وهذا اشارة إلى مابينا أنه ظهرت يده في نفسه وهي يد محترمة وكذلك لو كان هذا العبد الذى اشتراه وأدخله ذميا لان للذمي يدا محترمة في نفسه كما للمسلم ولو أسلم عبد الحربي في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فالعبد حر لاحرازه نفسه بمنعة المسلمين وان أسلم مولاه قبل أن يظهر المسلمون عليه فهو عبد له على حاله لان بالاسلام العبد لم يزل ملكه عنه ومن أسلم على مال فهو له ولو كان حين أسلم عبده باعه من مسلم أو ذمى أو حربى فهو حر في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان العبد المسلم متي زال ملك الحربى عنه يزول إلى العتق كما لو خرج مراغما وكان أبو بكر الرازي يقول بمجرد البيع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتق ما لم يخرجه من يده بالتسليم فإذا أخرجه ثم زال قهره عنه فحينئذ يعتق ولا يثبت عليه قهر المشترى لانه مسلم في يد نفسه ويده دافعة للقهر عنه سواء كان من مسلم أو ذمى أو حربى وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يعتق لان ملك المشترى ويده كملك البائع ويده وقبل البيع كان مملوكا للبائع باعتبار يده فكذلك بعد البيع وقد بينا هذه

[ 91 ]

المسألة مع أخواتها في كتاب العتاق وإذا مات المستأمن في دار الاسلام عن مال وورثته في دار الحرب وقف ماله حتي يقدم ورثته لانه وان كان في دارنا صورة فهو في الحكم كأنه في دار الحرب فيخلفه ورثته في دار الحرب في املاكه وبموته في دارنا لا يبطل حكم الامان الذى كان ثبت له بل ذلك باق في ماله فيوقف لحقه حتى يقدم ورثته وإذا قدموا فلابد من أن يقيموا البينة ليأخذوا المال لانهم بمجرد الدعوى لا يستحقون شيئا فان أقاموا بينة من أهل الذمة ففي القياس لاتقبل هذه البينة لان المال في يد امام المسلمين وحاجتهم إلى استحقاق اليد على المسلمين وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في الاستحقاق على المسلمين وفى الاستحسان تقبل شهادتهم ويدفع المال إليهم إذا شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا غيرهم لانهم يستحقون المال على المستأمن فان المال موقوف لحقه وشهادة أهل الذمة حجة على المستأمن ولانهم لا يجدون شهودا مسلمين على وراثتهم عادة فان انسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون فهو بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ويؤخذ منهم كفيل بما أدرك في المال من درك قيل هو قولهما دون قول أبى حنيفة رحمهم الله تعالى كما فيما بين المسلمين وقيل بل هذا قولهم جميعا لان المال مدفوع إليهم بحجة ضعيفة فلا يدفع الا بعد الاحتياط بكفيل ولا يقبل كتاب ملكهم في ذلك لان ملكهم كافر لاأمان له ولو شهد لم تقبل شهادته فكيف يقبل كتابه وان شهد على كتابه وختمه قوم من المسلمين فكذلك الجواب لانه في حق المسلمين كواحد من العوام أو دونه وكتابه وختمه لا يكون حجة وإذا أراد الحربى المستأمن أن يرجع إلى دار الحرب لم يترك أن يخرج معه كراعا وسلاحا أو حديد اأو رقيقا اشتراهم في دار الاسلام مسلمين أو كفارا كما لا يترك تجار المسلمين ليحملوا إليهم هذه الاشياء وهذا لانهم يتقوون بها على المسلمين ولايجوز اعطاء الامان له ليكتسب به ما يكون قوة لاهل الحرب على قتال المسلمين وفى العبيد لااشكال لانهم مسلمون وأهل الذمة فلا يترك أن يدخل بهم ليعودوا حربا للمسلمين ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الاشياء لانه كان معه في دار الحرب فباعادته لا يزدادون قوة لم تكن لهم بخلاف ما اشتراه في دار الاسلام ولانا أمناه على مافى يده من المال وكما لايمنع هو من الرجوع للوفاء بذلك الامان فكذلك لايمنع من أن يرجع بما جاء به فان كان جاء بسيف فباعه واشترى مكانه قوسا أوزمحا أو ترسا لم يترك أن يخرج به مكان سيفه

[ 92 ]

لان معنى القوة يختلف باختلاف الاسلحة فانما قصد بما صنع أن يزداد قوة علينا ولانه قد يكثر فيهم نوع من أنواع الاسلحة ويعز نوع آخر خير فيقصدون تحصيل ذلك لهم بهذا الطريق وكذلك إذا استبدل بسيفه سيفا آخر خيرا منه لان بتلك الزيادة يزدادون قوة ولم يكن استحق ذلك حين أمناه فيمنع من تحصيل تلك الزيادة ولا يمكن منعه من ذلك الا بأن يمنع من ادخاله هذا السيف بأصله دارهم وان كان هذا السيف مثل الاول أو شرا منه لم يمنع أن يدخل به لانه بمنزلة الاول إذ ليس فيه زيادة قوة لهم وجنس المنفعة واحد فكما لو أعاد الاول إلى دار الحرب لم يمنع منه فكذلك إذا أعاد مثله وله أن يخرج بما شاء من الامتعة سوى ما ذكرنا كما للتاجر المسلم أن يحمل إليهم ما شاء من سائر الامتعة للتجارة وللشافعي رحمه الله تعالى قول أنه يمنع من ذلك أيضا لانهم يزدادون قوة بما يحمل طعاما كان أو ثيابا أو سلاحا ولكنا نستدل بما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اهدي إلى أبى سفيان رضى الله عنه تمر عجوة حين كان بمكة حربيا واستهداه ادما وبعث بخمسمائة دينار إلى أهل مكة حين قحطوا لتفرق بين المحتاجين منهم ولان بعض ما يحتاج إليه المسلمون من الادوية وغيرها يحمل من دار الحرب فإذا منعنا تجار المسلمين من أن يحملوا إليهم ما سوى السلاح فهم يمنعون ذلك أيضا وفيه من الضرر مالا يخفي وإذا بعث الحربى عبدا له تاجرا إلى دار الاسلام بأمان فأسلم العبد فيها بيع وكان ثمنه للحربى لان الامان يثبت له في مالية العبد حين خرج العبد بأمان منقادا له ولو كان المولى معه فأسلم أجبر على بيعه وكان ثمنه له فكذلك إذا لم يكن المولى معه قلنا يباع لازالة ذل الكفر عن المسلم ويكون ثمنه للحربى للامان له في هذه المالية وإذا وجد الحربي في دار الاسلام فقال انا رسول فان أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان آمنا حتى يبلغ رسالته ويرجع لان الرسل لم تزل آمنة في الجاهلية والاسلام وهذا لان أمر القتال أو الصلح لايتم الا بالرسل فلا بد من أمان الرسل ليتوصل إلى ما هو المقصود ولما تكلم رسول بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم بما كرهه قال لولا انك رسول لقتلتك وفى هذا دليل ان الرسول آمن ثم لا يتمكن من اقامة البينة على أنه رسول فلو كلفناه ذلك أدى إلى الضيق والحرج وهذا مدفوع فلهذا يكتفي بالعلامة والعلامة ان يكون معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم فإذا أخرج ذلك فالظاهر أنه صادق والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته وان لم يخرج كتابا أو أخرج ولم يعلم أنه كتاب ملكهم فهو

[ 93 ]

وما معه فئ لان الكتاب قد يفتعل وإذا لم يعلم أنه كتاب ملكهم بختم وتوقيع معروف فالظاهر أنه افتعل ذلك وأنه لص مغير في دار الاسلام فحين أخذناه احتال بذلك ليتخلص من أيدينا ولهذا كان فيئا مع ما معه وان ؟ ادعى أنه دخل بأمان لم يصدق وهو فئ لان حق المسلمين قد ثبت فيه حين تمكنوا منه من غير أمان ظاهر له فلا يصدق هو في ابطال حقهم وإذا خرج قوم من أهل الحرب مستأمنين لم يعرض لهم فيما كان جرى بينهم في دار الحرب من المداينات لانهم بالدخول بأمان ما صاروا من أهل دارنا وقد كانت هذه المعاملة بينهم حين لم يكونوا تحت يد الامام فلا يسمع الامام الخصومة في شئ من ذلك الا أن يلتزموا حكم الاسلام وذلك يكون بعقد الذمة فان كان ذلك جرى بينهم في دار الاسلام أخذوا به لانهم كانوا تحت يد الامام حين جرت هذه المعاملة بينهم وما أمناهم ليظلم بعضهم بعضا بل التزمنا لهم ان نمنع الظلم عنهم فلهذا تسمع الخصومة التى جرت بينهم في دارنا كما لو جرت بينهم وبين المسلمين ولو ان حربيا دخل دار الاسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين فهو فئ لجماعة المسلمين في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهى رواية بشر عن أبى يوسف رحمه الله تعالى وظاهر المذهب عند أبى يوسف وهو قول محمد رحمهما الله تعالى انه لمن أخذه خاصة وحجتهما في ذلك ان يد الآخذ سبقت إليه وهو مباح في دارنا فمن سبقت يده إليه صار محرزا له فاختص بملكه كالصيد والحطب والركاز الذى يجده في دار الاسلام وهذا لانه وان دخل دارنا فلم يصر به مأخوذا مقهورا لعدم علم المسلمين به ألا ترى انه لو عاد إلى دار الحرب قبل ان يعلم به كان حرا فانما صار مقهورا بالاخذ فكان للآخذ خاصة كما لو أخذه في دار الحرب وأخرجه ولابي حنيفة رحمه الله تعالى فيه طريقان أحدهما ان نواحى دار الاسلام تحت يد امام المسلمين ويده يد جماعة المسلمين فهو كما دخل دار الاسلام صار في يد المسلمين حكما فصار مأخوذا وثبت فيه حق جماعة المسلمين فمن أخذه بعد ذلك فانما استولى على ما ثبت فيه حق المسلمين فلا يختص به كما إذا استولي على مال بيت المال ولكن هذا اليد حكمية فتظهر في حق المسلمين ولا تظهر في حق أهل الحرب فلهذا إذا عاد إلى دار الحرب قبل أن يعلم به كان حرا حربيا علي حاله ولان الحق الثابت فيه ضعيف فهو بمنزلة حق الغانمين في دار الحرب وهناك من عاد من الاسرى إلى منعة أهل الحرب قبل الاحراز يكون حرا فهنا من عاد قبل أن يعلم به يكون حرا ولكنه لا يختص به الآخذ لثبوت الحق للجماعة

[ 94 ]

فيه والثانى أن الآخذ انما تمكن منه بقوة المسلمين لانه رقبانى مثله يدفعه عن نفسه فانما صار قاهرا له بقوة المسلمين فلهذا لا يختص به ؟ وهو نظير السرية مع الجيش في دار الحرب فان السرية لا تختص بما أخذت لان تمكنهم بقوة الجيش فهذا مثله والمسلمون بمنزلة المدد للآخذ وتأكد الحق بالاخذ والاحراز وقد شاركوه في الاحراز وان اختص هو بالاخذ وقد بينا أن المدد يشاركون الجيش الا أن الاحراز هناك بعد الاخذ وههنا الاحراز سبق الاخذ فإذا شاركوه بالمشاركة في الاحراز بعد الاخذ فلان يشاركوه بالاحراز منهم قبل أخذه أولى وبه فارق الصيد والحطب لان تمكنه من هذه الاشياء لم يكن بقوة المسلمين إذ لا دفع في المال ولكن الطريق الاول أصح فان على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو رقيق للمسلمين ومن أسلم قبل الاخذ فحريته تتأكد باسلامه كما لو أسلم في دار الحرب فلولا أنه صار مأخوذا بالدار لكان حرا إذا أسلم قبل أن يؤخذ وعندهما إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو حر لاسبيل عليه لان سبب الرق فيه الاخذ والمسلم لا يسترق فكان حرا ولو أسلم ثم رجع إلى دار الحرب قبل أن يؤخذ فهو حر بالاتفاق كما لو رجع قبل أن يسلم ثم في وجوب الخمس فيه إذا أخذ روايتان عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في احدى الروايتين قال المأخوذ بمنعة الدار كالمأخوذ بمنعة الجيش يكون غنيمة يخمس وفى الرواية الاخرى قال الخمس فيما أوجف عليه المسلمون ولم يوجد ذلك ههنا فهو بمنزلة الجزية والخراج لا خمس فيها ولان الحق فيه لجماعة المسلمين يصرف إلى بيت المال فلا فائدة في ايجاب الخمس فيه وكذلك عن محمد رحمه الله تعالى روايتان في ايجاب الخمس فيه في احدى الروايتين جعله كالحطب والصيد فلا خمس فيه لانه ما أصيب بطريق فيه اعزاز الدين وفي الرواية الاخرى قال فيه الخمس بمنزلة الركاز وهذا لان الواجد انما أخذه بقوة المسلمين وأذن الامام له في ذلك فان الامام أذن في مثله لكل مسلم ولو أخذه في دار الحرب بهذا الطريق اختص به وكان فيه الخمس فكذلك إذا أخذه في دار الاسلام وان دخل الحرم قبل أن يؤخذ فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى يؤخذ ويكون فيئا للمسلمين لان حقهم ثبت فيه قبل أن يدخل الحرم فهو كعبد من عبيد بيت المال دخل الحرم وهذا لانه قبل أن يدخل الحرم كان يجوز قتله واسترقاقه فبدخوله الحرم استفاد الامن من القتل فيبقى حكم الرق فيه للمسلمين كما لو أسلم فأما عندهما لا يتعرض له في الحرم لانه لم يصر مأخوذا عندهما فهو حر مباح الدم

[ 95 ]

التجأ إلى الحرم فلا يتعرض له في الحرم ولكن لا يطعم ولا يسقي ولا يؤوى حتى يخرج وقد بينا هذا في المناسك فان أسلم الحربي في الحرم قبل أن يخرج فهو حر عندهما لانه لم يصر مأخوذا بالدار فتتأكد حريته بالاسلام وليس لاحد أن يتعرض له بعد ذلك بشئ وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فداينهم أو داينوه أو غصبهم شيئا أو غصبوه لم يحكم فيما بينهم بذلك فانهم فعلوا ذلك حيث لا تجرى عليهم أحكام المسلمين أما إذا غصبهم فلان أموالهم في حقنا على أصل الاباحة وانما ضمن المستأمن لهم أن لا يخونهم وانما غدر بأمان نفسه دون أمان الامام فيفتى بالرد ولا يجبر عليه في الحكم وان غصبوه فقد غدروا بأمانهم حين لم يكونوا ملتزمين لحكم الاسلام ولو قتلوه لم يضمنوا فإذا أتلفوا ماله أو غصبوه شيئا أولى وهذا لانه عرض نفسه لذلك حين فارق منعة المسلمين ودخل إليهم فاما في المداينة فهم وان خرجوا بأمان لم يلتزموا أحكام المسلمين فلا تسمع الخصومة عليهم في مداينة كانت في دارهم ولا تسمع الخصومة على المسلم منهم أيضا لتحقيق معني التسوية بين الخصمين الاعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فانه يقول تسمع الخصومة على المسلم لانه ملتزم أحكام الاسلام حيث ما يكون وان بايعهم المستأمن إليهم الدرهم بالدرهمين نقد أو نسيئة أو بايعهم في الخمر والخنزير والميتة فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولايجوز شئ من ذلك في قول أبى يوسف رحمه الله لان المسلم ملتزم أحكام الاسلام حيثما يكون ومن حكم الاسلام حرمة هذا النوع من المعاملة ألا ترى أنه لو فعله مع المستأمنين منهم في دارنا لم يجز فكذلك في دار الحرب وهما يقولان هذا أخذ مال الكافر بطيبة نفسه ومعني هذا ان أموالهم على أصل الاباحة الا أنه ضمن أن لا يخونهم فهو يسترضيهم بهذه الاسباب للتحرز عن الغدر ثم يأخذ أموالهم بأصل الاباحة لا باعتبار العقد وبه فارق المستأمنين في دارنا لان أموالهم صارت معصومة بعقد الامان فلا يمكنه أخذها بحكم الاباحة والاخذ بهذه العقود الباطلة حرام وتمام هذه الفصول في كتاب الصرف وان قتل المسلم في دارنا حربيا مستأمنا عمدا أو خطأ أو قطع يده فلا قود عليه لبقاء شبهة الاباحة في دم المستأمن فانه حربى حكما فلا يمكن المساواة بينه وبين من هو أهل دارنا في العصمة والقصاص يعتمد المساواة ولكن عليه دية الحر المسلم لان أصل العصمة تثبت موجبة للتقوم في نفسه حين استأمن الينا ألاتري أن العصمة المتقومة تثبت في ماله بهذا القدر من الاحراز حتى يضمن بالاتلاف

[ 96 ]

ففى نفسه أولى وصار حاله في قيمة نفسه كحال الذمي فكما يسوى بين دية الذمي والمسلم عندنا فكذلك يسوي بين دية المسلم والمستأمن والله أعلم بالصواب (باب نكاح أهل الحرب ودخول التجار إليهم بأمان) (قال) رضى الله عنه حربى تزوج امرأة حربية لها زوج ثم أسلما وخرجا إلى دارنا لم تحل له الا بنكاح جديد لان العقد الذى كان بينهما في دار الحرب لغو فانها كانت منكوحة الغير يومئذ ونكاح المنكوحة لا يحله أحد من أهل الاديان فكانا أجنبين حين أسلما فلا يحل له أن يطأها الا بنكاح جديد كما لو لم يسبق بينهما ذلك العقد في دار الحرب وإذا تزوج الحر الحربي أربع نسوة ثم سبى وسبين معه فلا نكاح بينه وبينهن سواء تزوجهن في عقدة أو في عقد لان الرق المعترض في الزوج ينافى نكاح الاربع بقاء وابتداء وليس بعضهن بأولى من البعض في التفريق بينه وبينها فتقع الفرقة بينه وبينهن كما لو تزوج رضيعتين فجاءت امرأة فارضعتهما ولافرق فالمنافي هناك عارض في المحل بعد صحة نكاحهما وهو الاختية وههنا عارض في الزوج بعد صحة نكاحهن فان كانت قد ماتت امرأتان منهن فنكاح الباقيتين جائز لانه حين استرق فليس في نكاحه الا اثنتين ورقه لا ينافي نكاح اثنتين ابتداء ولابقاء وقد تقدم بيان هذه الفصول في النكاح وذكرنا أنه يكره للمسلم ان يتزوج كتابية في دار الحرب ولا بأس له ان يتناول من ذبائح أهل الكتاب منهم وذلك منقول عن على رضى الله عنه ثم كراهة النكاح لمعنى كراهة التوطن فيهم أو مخافة ان يبقى له نسل في دار الحرب أو ما فيه من تعريض ولده للرق إذا سبيت والولد في بطنها وذلك لا يوجد في الذبائح وإذا قتل المسلم المستأمن في دار الحرب انسانا منهم أو استهلك ماله لم يلزمه غرم ذلك إذا خرجوا لانهم لو فعلوا ذلك به لم يلزمهم غرم فكذلك إذا فعل بهم وهذا لانهم غير ملتزمين أحكام الاسلام في دار الحرب حيث جرى ذلك بينهم وأكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم لان الغدر حرام قال صلى الله عليه وسلم لكل غادر لواء ؟ يركز عند باب أسته يوم القيامة يعرف به غدرته فان غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الاسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك لانه حصله بكسب خبيث وفى الشراء منه اغراء له على مثل هذا السبب وهو مكروه للمسلم والاصل فيه حديث المغيرة بن شعبة رضى الله عنه حين قتل أصحابه وجاء بمالهم إلى المدينة فأسلم وطلب من رسول

[ 97 ]

الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس ماله فقال أما اسلامك فمقبول وأما مالك فمال غدر فلا حاجة لنا فيه فان اشتراه أجزته لانه صار مالكا للمال بالاحراز والنهى عن الشراء منه ليس لمعنى في عين الشراء فلا يمنع جوازه وان كانت جارية كرهت للمشترى وان يطأها لانه قائم فيها مقام البائع وكان يكره للبائع وطئها فكذلك للمشترى وهذا بخلاف المشتراة شراء فاسدا إذا باعها المشترى جاز للثاني وطئها بعد الاستبراء لان الكراهة في حق الاول لبقاء حق البائع في الاسترداد وقد زال بالبيع الثاني وههنا الكراهة لمعني الغدر وكونه مأمورا بردها عليهم دينا وهذا المعنى في حق الثاني كهو في حق الاول فان أصاب أهل هذه الدار سبايا من غيرهم من أهل الحرب وسع هذا المسلم أن يشتريها منهم لانهم ملكوا ذلك بالاحراز بمنعتهم فانهم نهبة يملك بعضهم على بعض نفسه وماله بالاحراز فحل للمستأمن إليهم شراء ذلك منهم كسائر أموالهم وكذلك ان سبى أهل الدار التى هو فيها جاز له أن يشتريهم من السابين لانهم ملكوهم بالاحراز وقد كانوا على أصل الاباحة في حقه انما كان الواجب عليه أن لا يغدر بهم وليس ذلك من الغدر في شئ وكذلك لو أن المسلمين وادعوا قوما من أهل الحرب ثم أغار عليهم قوم آخرون أهل حرب لهم فلهذا المسلم أن يشترى السبي منهم لانهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب ولكن علينا أن لا نغدر بهم وقد صاروا مملوكين للسابى بالاحراز فيجوز شراؤه منهم كسائر الاموال وان كان الذين سبوهم قوم من المسلمين غدروا بأهل الموادعة لم يسمع المسلمون أن يشتروا من ذلك السبي وان اشتروا رددت البيع لانهم كانوا في أمان من المسلمين فان أمان بعض المسلمين كأمان الجماعة ولا يملك المسلمون رقاب المستأمنين وأموالهم بالاحراز وهذا بخلاف مالو كان دخل إليهم رجل بأمان ثم استولى عليهم المسلمون لان هناك المسلم ما أمنهم ولكنهم أمنوه وكيف يقال قد أمنهم وهو مقهور غير ممتنع منهم فلهذا حل للمسلمين سبيهم وههنا هم في أمان من المسلمين لانه أمنهم من له منعة من المسلمين وإذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم لان في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك الا على وجه اعلاء كلمة الله عزوجل واعزاز الدين وذلك لا يوجد ههنا لان أحكام أهل الشرك غالبة فيهم فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الاسلام فكان قتالهم في الصورة

[ 98 ]

لاعلاء كلمة الشرك وذلك لا يحل الا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم لا لاعلاء كلمة الشرك والاصل فيه حديث جعفر رضى الله عنه فانه قاتل بالحبشة مع العدو الذى كان قصد النجاشي وانما فعل ذلك لانه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنا عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف وان أغار أهل الحرب الذي فيهم المسلمون المستأمنون على دار من المسلمين فأسروا ذرارى المسلمين إذا كانوا يطيقون القتال لانهم ما ملكوا ذرارى المسلمين بالاحراز فهم ظالمون في استرقاقهم والمستأمنون ما ضمنوا لهم التقرير على الظلم فلا يسعهم الا قتالهم لاستنقاذ ذراري المسلمين من أيديهم بخلاف الاموال لانهم ملكوها بالاحراز وقد ضمن المستأمنون أن لا يتعرضوا لهم في أموالهم وكذلك ان كانوا أغاروا على الخوارج وسبوا ذراريهم لانهم مسلمون فلا تملك ذراريهم بالاحراز بدار الحرب وكذلك ان كان في بلاد الخوارج الذين أغار عليهم أهل الحرب قوم من أهل العدل لم يسعهم الا أن يقاتلوا عن بيضة المسلمين وحريمهم لان الخوارج مسلمون ففي القتال معهم اعزاز الدين ولانهم بهذا القتال يدفعون أهل الحرب عن المسلمين ودفع أهل الحرب عن المسلمين واجب على كل من يقدر عليه فلهذا لا يسعهم الا أن يقاتلوهم والله سبحانه وتعالى أعلم (باب المرتدين) (قال) رضى الله عنه وإذا ارتد المسلم عرض عليه الاسلام فان أسلم والاقتل مكانه الا أن يطلب أن يؤجل فإذا طلب ذلك أجل ثلاثة أيام والاصل في وجوب قتل المرتدين قوله تعالى أو يسلمون قيل الآية في المرتدين وقال صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وقتل المرتد على ردته مروى عن على وابن مسعود ومعاذ وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم وهذا لان المرتد بمنزلة مشركي العرب أو أغلظ منهم جناية فانهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن نزل بلغتهم ولم يراعوا حق ذلك حين أشركوا وهذا المرتد كان من أهل دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرف محاسن شريعته ثم لم يراع ذلك حين ارتد فكما لا يقبل من مشركي العرب الا السيف أو الاسلام فكذلك من المرتدين الا أنه إذا طلب التأجيل أجل ثلاثة أيام لان الظاهر أنه دخل عليه شبهة ارتد لاجلها فعلينا ازالة تلك الشبهة أو هو يحتاج إلى

[ 99 ]

التفكر ليتبين له الحق فلا يكون ذلك الا بمهلة فان استمهل كان على الامام ان يمهله ومدة النظر مقدرة بثلاثة أيام في الشرع كما في الخيار فلهذا يمهله ثلاثة أيام لا يزيده على ذلك وان لم يطلب التأجيل يقتل من ساعته في ظاهر الرواية وفى النوادر عن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه يستحب للامام أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجب على الامام أن يؤجله ثلاثة أيام ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لما روى أن رجلا قدم على عمر رضى الله عنه فقال له هل من مغربة خبر فقال نعم رجل كفر بعد ايمانه فقال ماذا صنعتم به قال قدمناه فضربنا عنقه فقال هلا طينتم عليه الباب ثلاثة أيام ورميتم إليه كل يوم برغيف فلعله أن يتوب ويراجع الحق ثم رفع يديه وقال اللهم انى لم أشهد ولم أرض إذ بلغني وقد روى هذا الحديث بطريق آخر أن عمر رضى الله عنه قال لو وليت منه مثل الذى وليتم لاستتبته ثلاثة أيام فان تاب والا قتلته فهذا دليل أنه يستحب الامهال وتأويل اللفظ الاول أنه لعله كان طلب التأجيل إذ كان في ذلك الوقت فقد كان فيهم من هو حديث عهد بالاسلام فربما يظهر له شبهة ويتوب إذا رفعت شبهته فلهذا كره ترك الامهال والاستتابة فأما في زماننا فقد استقرحكم الدين وتبين الحق فالاشراك بعد ذلك قد يكون تعنتا وقد يكون لشبهة دخلت عليه وعلامة ذلك طلب التأجيل وإذا لم يطلب ذلك فالظاهر أنه متعنت في ذلك فلا بأس بقتله الا أنه يستحب أن يستتاب لانه بمنزلة كافر قد بلغته الدعوة وتجديد الدعوة في حق مثله مستحب وليس بواجب فهذا كذلك قال استتيب فتاب خلى سبيله ولكن توبته أن يأتي بكلمة الشهادة ويتبرأ عن الاديان كلها سوى الاسلام أو يتبرى عما كان انتقل إليه فان تمام الاسلام من اليهودي التبرى عن اليهودية ومن النصراني التبرى عن النصرانية ومن المرتد التبرى عن كل ملة سوى الاسلام لانه ليس للمرتد ملة منفعة وان تبرأ عما انتقل إليه فقد حصل ما هو المقصود فان ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يفعل به في كل مرة فإذا أسلم خلى سبيله لقوله تعالى فان تابوا ؟ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وكان علي وابن عمر رضى الله عنهما يقولان إذا ارتد رابعا لم تقبل توبته بعد ذلك ولكن يقتل على كل حال لانه ظهر أنه مستخف مستهزئ وليس بتائب واستدلا بقوله عز وجل ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولكنا نقول الآية في حق من ازداد كفر الا في حق من آمن وأظهر التوبة والخشوع فحاله في

[ 100 ]

المرة الرابعة كحاله قبل ذلك وإذا أسلم يجب قبول ذلك منه لقوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا وروى أن أسامة بن زيد رضى الله عنه حمل على رجل من المشركين فقال لا اله الا الله فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقتلت رجلا قال لا اله الا الله من لك بلا إله الا الله يوم القيامة فقال انما قالها تعوذا فقال هلا شققت عن قلبه فقال لو فعلت ذلك ماكان يتبين لى فقال صلى الله عليه وسلم فانما يعبر عن قلبه لسانه الا أنه ذكر في النوادر أنه إذا تكرر ذلك منه يضرب ضربا مبرحا لجنايته ثم يحبس إلى ان يظهر توبته وخشوعه وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا فعل ذلك مرارا يقتل غيلة وهو أن ينتظر فإذا أظهر كلمة الشرك قتل قبل أن يستتاب لانه قد ظهر منه الاستخفاف وقتل الكافر الذى بلغته الدعوة قبل الاستتابة جائز فان أبى المرتد أن يسلم فقتل كان ميراثه بين ورثته المسلمين على فرائض الله تعالى في قول علمائنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى ماله فئ يوضع في بيت مال المسلمين لقوله صلي الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر والمرتد كافر فلا يرثه المسلم ولان المرتد لا يرث أحدا فلا يرثه أحد كالرقيق يوضحه أنه لا يرثه من يوافقه في الملة والموافقة في الملة سبب التوريث والمخالفة في الملة سبب الحرمان فلما لم يرثه من يوافقه في الملة مع وجود سبب التوريث فلان لا يرثه من يخالفه في الملة أولى وإذا انتفي التوريث عن ماله فهو في أحد الوجهين لانه مال حربى لاأمان له فيكون فيئا للمسلمين وفى الوجه الآخر هو مال ضائع فمصيبه بيت المال كالذمي إذا مات ولا وارث له من الكفار يوضع ماله في بيت المال (وحجتنا) في ذلك ظاهر قوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك والمرتد هالك لانه ارتكب جريمة استحق بها نفسه فيكون هالكا ولما مات عبد الله بن أبي سلول جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله لورثته المسلمين وهو كان مرتدا وان كان منافقا فقد شهد الله بكفره بعد الايمان وفيه نزل قوله تعالي ان الذين آمنوا ثم كفروا وان عليا رضى الله عنه قتل المستورد العجلى على الردة وقسم ماله بين ورثته المسلمين وذلك مروي عن ابن مسعود ومعاذ رضى الله تعالى عنهما والمعنى فيه أنه كان مسلما مالكا لماله فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله كما لو مات المسلم وتحقيق هذا الكلام أن الردة هلاك فانه يصير به حربا وأهل الحرب في حق المسلمين كالموتى الا أن تمام هلاكه حقيقة بالقتل أو الموت فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة وقد كان مسلما عند ذلك

[ 101 ]

فيخلفه وارثه المسلم في ماله ويكون هذا توريث المسلم من المسلم وهذا لان الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب كالبيع بشرط الخيار إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائد المتصلة والمنفصلة جميعا فعلى هذا الطريق يكون فيه توريث المسلم من المسلم (فان قيل) زوال ملكه اما أن يكون قبل الردة أو معها أو بعدها والحكم لا يسبق السبب ولا يقترن به بل يعقبه وبعد الردة هو كافر (قلنا) نعم المزيل للملك ردته كما أن المزيل للملك موت المسلم ثم الموت يزيل الملك عن الحى لا عن الميت فكذلك الردة تزيل الملك عن المسلم وكما أن الردة تزيل ملكه فكذلك تزيل عصمة نفسه وانما تزيل العصمة عن معصوم لا عن غير معصوم فعرفنا أنه يتحقق بهذا الطريق توريث المسلم من المسلم ولهذا لا يرثه ورثته الكفار لان التوريث من المسلم والكافر لا يرث المسلم وهو دليلنا فانه كان تعلق باسلامه حكمان حرمان ورثته الكفار وتوريث ورثته المسلمين ثم بقي أحد الحكمين بعد ردته باعتبار أنه مبقى على حكم الاسلام فكذلك الحكم الآخر وانما لا يرث المرتد أحد لجنايته فهو كالقاتل لا يرث المقتول لجنايته ويرثه المقتول لو مات القاتل قبله ولانه لاوجه لجعل ماله فيئا فان هذا المال كان محرزا بدار الاسلام ولم يبطل ذلك الاحراز بردته حتى لا يغنم في حياته والمال المحرز بدار الاسلام لا يكون فيئا وبهذا تبين ثبوت حق الورثة فيه لانه انما لا يغنم في حياته لالحقه فانه لاحرمة له بل لحق الورثة فكذلك بعد موته وان قال يوضع في بيت المال ليكون للمسلمين باعتبار أنه مال ضائع (قلنا) المسلمون يستحقون ذلك بالاسلام وورثته ساووا المسلمين في الاسلام وترجحوا عليهم بالقرابة وذو السببين مقدم في الاستحقاق على ذي سبب واحد فكان الصرف إليهم أولى فأما ما اكتسب في حال ردته فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى هو فئ يوضع في بيت المال وعندهما هو ميراث لورثته المسلمين لان كسبه يوقف على أن يسلم له بالاسلام فيخلفه وارثه فيه بعد موته ككسب الاسلام وما ذكرنا من المعاني يجمع ؟ الكسبين وليس في الردة أكثر من أنه صاربه مشرفا على الهلاك فيكون كالمريض والمكتسب في مرض الموت كالمكتسب في الصحة في حكم الارث وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول الوراثة خلافة في الملك والردة تنافى بقاء الملك فتنافي ابتداء الملك بطريق الاولى فما اكتسب في اسلامه كان مملوكا له فيخلفه وارثه فيه إذا تم انقطاع حقه عنه وكسب الردة لم يكن مملوكا له لقيام

[ 102 ]

المنافى عند الاكتساب وانما كان له حق ان يتملك ان لو أسلم والوارث لا يخلفه في مثل هذا الحق فبقى هذا مالا ضائعا بعد موته يوضع في بيت المال والاصح ان نقول اسناد التوريث إلى أول الردة في كسب الاسلام ممكن لان السبب يعمل في المحل والمحل كان موجودا عند أول الردة فاما اسناد التوريث في كسب الردة غير ممكن لانعدام المجل عند السبب في هذا الكسب فلو ثبت فيه حكم التوريث ثبت مقصورا على الحال وهو كافر بعد الاكتساب والمسلم لا يرث الكافر فيبقى موقوفا على ان يسلم له بالاسلام فإذا زال ذلك بأن مات أو قتل فهذا كسب حربى لاأمان له فيكون فيئا للمسلمين يوضع في بيت مالهم ثم اختلفت الروايات عن أبى حنيفة رحمه الله تعالي فيمن يرث المرتد فروي الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه من كان وارثا له وقت ردته وبقى إلى موت المرتد فانه يرثه ومن حدث له صفة الوراثة بعد ذلك لا يرثه حتى لو أسلم بعض قرابته بعد ردته أو ولد له من علوق حادث بعد ردته فانه لا يرثه على هذه الرواية لان سبب التوريث الردة فمن لم يكن موجودا عند ذلك السبب لم ينعقد له سبب الاستحقاق ثم تمام الاستحقاق بالموت فانما يتم في حق من انعقد له السبب لافي حق من لم ينعقد له السبب ثم في حق من انعقد له السبب يشترط بقاؤه إلى وقت تمام الاستحقاق فإذا مات قبل ذلك يبطل السبب في حقه كما في بيع الموقوف يتم الملك عند الاجازة من وقت السبب ولكن بشرط قيام المعقود عليه عند الاجازة حتى إذا هلك قبل ذلك بطل السبب وفى رواية أبى يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى يعتبر وجود الوارث وقت الردة ثم لا يبطل اسحقاقه بموته قبل موت المرتد لان الردة في حكم التوريث كالموت ومن مات من الورثة بعد موت المورث قبل قسمة ميراثه لا يبطل استحاقه ولكن يخلفه وارثه فيه فهذا مثله وأما رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى وهو الاصح انه يعتبر من يكون وارثا له حين مات أو قتل سواء كان موجودا عند الردة أو حدث بعده لان الحادث بعد انعقاد السبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب الا ترى ان الزيادة التى تحدث من المبيع قبل القبض تجعل كالموجود عند ابتداء العقد في انه يصير معقودا عليه بالقبض ويكون له حصة من الثمن ؟ فههنا أيضا من يحدث قبل انعقاد السبب يجعل كالموجود عند ابتداء السبب ولو تصور بعد الموت الحقيقي ولد له من علوق حادث لكنا نجعله كذلك أيضا الا أن ذلك لا يتصور فأما بعد الهلاك بالحكم بالردة

[ 103 ]

يتصور فيجعل الحادث كالموجود عند ابتداء السبب وكذلك ان لحق بدار الحرب قسم الامام ماله بين ورثته وكان لحاقه بدار الحرب بمنزلة موته وعند الشافعي رحمه الله تعالى يبقى ماله بعد لحاقه موقوفا كما كان قبل لحاقه لن ذهابه إلى دار الحرب نوع غيبة فلا يتغير به حكم ماله كما لو كان مترددا في دار الاسلام ولكنا نقول انه صار حربيا حقيقة وحكما لانه قد أبطل حياة نفسه بدار الحرب حين عاد إلى دار الحرب حربا للمسلمين والحربي في دار الحرب كالميت في حق المسلمين قال الله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وقد قررنا هذا في النكاح في مسألة تباين الدارين ولانه قد خرج من يد الامام حقيقة وحكما ولو كان في يده لموته حقيقة بان يقتله ويقسم ماله فإذا عجز عن ذلك بخروجه عن يده موته حكما فيقسم ماله بين ورثته وحكم بعتق امهات أولاده ومدبريه وبحلول آجاله ثم قال أبو يوسف يعتبر من يكون وارثا له وقت قضاء القاضى بلحاقه وعند محمد وقت لحاقه وهذا لان عندهما ملكه لا يزول بالردة ولهذا ينفذ تصرف المرتد عندهما على ما نبينه فانما زوال ملكه بسبب الردة عند لحاقه فيعتبر وارثه عند ذلك ولحاقه موت حكمي فهو كالموت الحقيقي بالقتل ولكن أبو يوسف يقول اللحاق في الحقيقة غيبة وانما يصير موتا حكما بقضاء القاضى فيعتبر من يكون وارثا له عند القضاء باللحاق في استحقاق ماله وكذلك ترث منه امرأته ان كانت في العدة لان النكاح بينهما وان ارتفع بنفس الردة لكنه فار عن ميراثها وامرأة الفار ترث إذا كانت في العدة عند موته وعلى رواية أبي يوسف ترث وان كانت منقضية العدة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان سبب التوريث كان موجودا في حقها عند ردته وعلى تلك الرواية انما يعتبر قيام السبب عند أول الردة وتبطل وصاياه لان تنفيذ الوصايا لحق الموصى ولم يبق له حق بعدما قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وهذا بخلاف التدبير فان حق العبد في العتق بالتدبير قد ثبت للمدبر فيكون عتقه كعتق أم الولد أو حقه كحق أصحاب الديون وفى الكتاب يقول ردته كرجوعه عن الوصية لانه بالردة يبطل حقه وتنفيذ الوصية كان لحقه فرجوعه يعمل في ابطال وصاياه ولا يعمل في ابطال تدبيره فكذلك ردته وهو لا يفعل شيئا من ذلك مادام المرتد مقيما في دار الاسلام لانه في يده حقيقة وحكما فيموته بالقتل حقيقة ان لم يسلم أولا ثم يقسم ماله وان فعل ذلك بعد لحاقه بدار الحرب ثم رجع تائبا قد مضى جميع ما فعله الامام غير أنه إذا وجد شيئا من ملكه بعينه في يد وارثه أخذه

[ 104 ]

منه لان الوراثة خلافة والخلف يسقط اعتباره إذا ظهر الاصل ولما جاء تائبا فقد صار حيا حكما وانما كانت خلافة الوارث اياه في هذا الملك كموته حكما فإذا انعدم ذلك ظهر حكم الاصل ولهذا قلنا لو كان الوارث كاتب عبدا يعاد إليه ذلك العبد مكاتبا لان الحكم لا يكون منتقلا من الخلف إلى الاصل وتأثير الكتابة في منع النقل ولكن ينعدم الخلف بظهور الاصل فيكون الملك لصاحب الاصل بطريق البقاء ولا يعاد إليه شئ مما باعه وارثه لان الاصل والخلف في الحكم فلا بد من قيامه عند ظهور الاضل ؟ ليكون عاملا وما تصرف الوارث من بيع أو غيره فهو نافذ منه لمصادفته ملكه ولاضمان عليه في شئ مما أتلفه لان الملك كان خالصا له وفعله فيما خلص حقا له لا يكون سبب الضمان فلو لم يفعل الامام شيئا من ذلك حتى رجع تائبا فجميع ذلك له كما كان قبل ردته لان اللحاق قبل أن يتصل به القضاء بمنزلة الغيبة فهو والمتردد في دار الاسلام في الحكم سواء (قال) وجميع ما فعل المرتد في حال ردته من بيع أو شراء أو عتق أو تدبير أو كتابة باطل ان لحق بدار الحرب وقسم الامام ماله والحاصل أن تصرفات المرتد أربعة أنواع نوع منها نافذ بالاتفاق وهو الاستيلاد حتى إذا جاءت جاريته بولد فادعى نسبه ثبت النسب منه وورث هذا الولد مع ورثته وكانت الجارية أم ولد له لان حقه في ملكة أقوى من حق الاب في جارية ولده واستيلاد الاب صحيح فاستيلاد المرتد أولى لانها موقوفة على حكم ملكه حتى إذا أسلم كانت مملوكة له وحقه فيها أقوى من حق المولى في كسب المكاتب وهناك يصح منه دعوة النسب فههنا أولى الا ان هناك يحتاج إلى تصديق المكاتب لاختصاصه بملك اليد والتصرف وههنا لا يحتاج إلى تصديق الورثة لانه لم يثبت لهم ملك اليد والتصرف في الحال ومنها ما هو بالاتفاق باطل في الحال كالنكاح والذبيحة لان الحل بهما يعتمد الملة ولاملة للمرتد فقد ترك ماكان عليه وهو غير مقر على ما اعتمده ومنها ما هو موقوف بالاتفاق وهو المفاوضة فانه إذا شارك غيره شركة مفاوضة توقف صفة المفاوضة بالاتفاق وان اختلفوا في توقف أصل الشركة ومنها ما هو مختلف فيه وهو سائر تصرفاته عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف بين أن ينفذ بالاسلام أو يبطل إذا مات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وعندهما نافذ الا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يقول ينفذ كما ينفذ من الصحيح حتى يعتبر تبرعاته من جميع المال وعند محمد رحمه الله تعالى ينفذ كما ينفذ من المريض

[ 105 ]

وحجتهما في ذلك أنه من أهل التصرف لاقي تصرفه ملكه فينفذ وبيان ذلك أن التصرف قول والاهلية له باعتبار قوله شرعا ولا ينعدم ذلك بالردة والمالكية باعتبار صفة الحرية ولا ينعدم ذلك بالردة انما تأثير ردته في اباحة دمه وذلك لا يحصل بالمالكية كالمقضى عليه بالرجم والقصاص والدليل عليه أن تصرف المكاتب بعد الردة نافذ بالاتفاق وحال الحر في التصرف فوق حال المكاتب فإذا كانت الردة لا تنافي ملك اليد الذى ينبني عليه تصرف المكاتب حتى ينفذ تصرفه فلان لا ينافي ملك الحر وتصرفه أولى الا أن محمد رحمه الله تعالى قال هو مشرف على الهلاك فيكون بمنزلة المريض في التصرف ألا ترى أن زوجته ترثه بحكم الفرار وذلك لا يتحقق الا في المريض وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول هو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بسبب يستحق عليه مرغوب فيه فلا يصير في حكم المريض كمن قصد أن يلقى نفسه من شاهق جبل لا يصير به في حكم المريض يوضحه أن المقضى عليه بالرجم والقصاص لا يصير كالمريض مادام في السجن لتمكنه من دفع الهلاك عن نفسه بادعاء شبهة فالمرتد أولى وأبو حنيفة يقول بالردة يزول ملكه عن المال وكان موقوفا على العود إليه بالاسلام وتصرفه بحكم الملك فيتوقف بتوقف الملك ودليل الوصف ان المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء وانما يكون ذلك حكما باعتبار العصمة الا ترى ان الشرع جعل عصمة النفس والمال بسبب واحد ثم عصمة نفسه تزول بالردة حتى يقتل فكذلك عصمة ماله والدليل عليه أنه هالك حكما وإذا كان الهلاك حقيقة ينافى مالكية المال ولا ينافى توقف المال على حقه كالتركة المستغرقة بالدين فكذلك الهلاك الحكمى ولان تأثير الردة في نفي المالكية فوق تأثير الرق فان الرق ينافى مالكية المال ولا ينافى مالكية النكاح والردة تنافيهما وهذا بخلاف المقضي عليه بالقصاص والرجم فهناك لم يزل ما به عصمة المال والنفس وانما استحق عليه نفسه بما هو من حقوق تلك العصمة فيبقى مالكا حقيقة لبقاء عصمة ماله وقد انعدم ههنا ما به كانت العصمة في حق النفس فكذلك في حق المال لانها تابعة للنفس في العصمة بخلاف المكاتب فان تصرفه باعتبار عقد الكتابة والردة لا تؤثر فيه ألاتري أن الهلاك الحقيقي لايمنع بقاء الكتابة فالهلاك الحكمى أولى ولهذا نفذ تصرف المكاتب بعد لحاقه بدار الحرب وههنا بالاتفاق لا ينفذ تصرفه في ماله بعد لحاقه بل يتوقف فكذلك قبل لحاقه لان الهلاك بردته لابلحاقه وكذلك التوريث باعتبار ردته على ما قررنا

[ 106 ]

أنه يستند التوريث إلى أول الردة ليكون فيه توريث المسلم من المسلم والدليل عليه أنه بالردة صار حربيا ولهذا يقتل والحربي المقهور في أيدينا يتوقف تصرفه كالمأسورين الا أن هناك توقف حالهم بين الاسترقاق والقتل والمن ههنا بين القتل والاسلام ثم توقف تصرفهم هناك لتوقف حالهم فكذلك ههنا وإذا أعتق المرتد عبده ثم أعتقه ابنه أيضا ولا وارث له غيره لم يجز عتق واحد منهما اما عتق المرتد فكان موقوفا فبموته يبطل واما عتق الوارث فقد سبق ملكه لان قبول موت المرتد لاملك للوارث في ماله بل الملك موقوف على حق المرتد فلا ينفذ تصرف الوارث وهذا بخلاف التركة المستغرقة بالدين إذا أعتق الوارث عبدا منها ثم سقط الدين لاسبب التوريث هناك قد تم والتوقف لحق الغرماء والعتق بعد تمام سبب الملك لا يتوقف وههنا أصل السبب انعقد بالردة ولكن لايتم لقيام الاصل حقيقة وحكما والخلافة تكون بعد فوات الاصل فلهذا لا تنفذ تصرفات لوارث وان ملك بعد ذلك وإذا مات الابن وله معتق والاب مرتد ثم مات الاب وله معتق كان ميراث الاب لمعتقه دون معتق الابن لما بينا ان أصل السبب وان انعقد بالردة فإذا مات الابن قبل وقت تمام السبب بطل ذلك لان بقاءه إلى وقت تمام السبب شرط وقد بينا اختلاف الرواية في هذا الفصل وما اكتسبه في ردته فهو فئ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهما يستدلان على أبى حنيفة رحمه الله تعالي بكسب الردة أنه ينفذ تصرفه فيه حتى لو قضى دينه بكسب ردته أو رهنه بدين عليه كان صحيحا فكذلك كسب الاسلام ومن أصحابنا من سلم واشتغل بالفرق فقال تصرفه في كسب الردة باعتبار أنه كسبه لا باعتبار أنه ملكه لان الردة تنافي الملك فاما في كسب الاسلام تصرفه باعتبار ملكه وقد بينا توقف ملكه والاصح ان عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف تصرفه في الكسبين جميعا ويبطل ذلك بموته واختلفت الروايات عنه في قضاء ديونه فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يقضي ديونه من كسب الردة فان لم يف بذلك فحينئذ من كسب الاسلام لان كسب الاسلام حق ورثته ولا حق لورثته في كسب ردته بل هو خالص حقه فلهذا كان فيئا إذا قتل فكان وفاء الدين من خالص حقه أولى فعلى هذا نقول عقد الرهن لقضاء الدين وإذا قضى دينه من كسب الردة أو رهنه بالدين فقد فعل عين ماكان يحق فعله فلهذا كان نافذا وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يبدأ بكسب الاسلام في قضاء ديونه فان لم تف بذلك فحينئذ من كسب الردة لان قضاء الدين من

[ 107 ]

ملك المديون وكسب الاسلام كان مملوكا له ولهذا يخلفه الوارث فيه وخلافة الوارث بعد الفراغ من حقه فأما كسب الردة لم يكن مملوكا له فلا يقضي دينه منه الا إذا تعذر قضاؤه من محل آخر فعلى هذا لا ينفذ تصرفه في الرهن وقضاء الدين من كسب الردة إذا كان في كسب الاسلام وفاء بذلك وروي زفر عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن ديون اسلامه تقضى من كسب الاسلام وما استدان في الردة يقضي من كسب الردة لان المستحق للكسبين مختلف وحصول كل واحد من الكسبين باعتبار السبب الذي وجب به الدين فيقضى كل دين من الكسب المكتسب في تلك الحالة ليكون الغرم بمقابلة الغنم وبه أخذ زفر رحمه الله تعالى وان جنى المرتد جناية لم يعقله العاقلة لان تحمل العقل باعتبار معني النصرة وهو أن تمكنه من الجناية بقوة العاقلة وأحد لا ينصر المرتد أو ذلك للتخفيف على الجاني لعذر الخطأ والمرتد غير مستحق للتخفيف فيكون الارش في ماله وكذلك ما غصب وأتلف من أموال الناس فذلك كله دين عليه وان لم يكن له مال الا ما اكتسبه في ردته كان ذلك كله فيه لانه كسبه فيكون مصروفا إلى دينه ككسب المكاتب والجناية على المرتد هدر لان اعتبار الجناية عليه لعصمة نفسه وقد انعدمت العصمة بردته فكانت الجناية عليه هدرا مسلم قطع يد مسلم عمدا أو خطأ ثم ارتد المقطوعة يده عن الاسلام فمات أو قتل أو لحق بدار الحرب فعلى القاطع دية اليد في ماله ان كان عمدا وعلى عاقلته ان كان خطأ لان قطع اليد كانت جناية موجبة للضمان وقد انقطعت السراية بزوال عصمة نفسه بالردة فصار كما لو انقطع بالبرء فيلزمه دية اليد فقط وان أسلم قبل اللحوق بدار الحرب ثم مات من تلك الجناية فعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله عليه دية النفس استحسانا وعند محمد وزفر رحمهما الله ليس عليه الا دية اليد قياسا لان السراية قد انقطعت بزوال عصمة نفسه بالردة ثم بالاسلام بعد ذلك لا يتبين أن العصمة لم تكن زائلة فحكم السراية بعدما انقطع لا يعود وكان موته من تلك الجناية وموته بسبب آخر سواء ألا ترى انه لو لحق بدار الحرب ثم عاد ثانيا فمات من تلك الجناية لم يجب على القاطع الادية اليد فكذلك قبل اللحوق ولان اعتبار الجناية والسرية لحقه بعد سقوط حقه بالردة فيصير هو كالمبرئ عن سراية تلك الجناية كما لو قطع يد عبد ثم اعتقه مولاه أو باعه صار مبرئا عن السراية بازالة ملكه وبعد ماصح الابراء ليس له ولاية اعادة حقه في السراية فكان وجود اسلامه في حكم السراية كعدمه وهما يقولان حقه توقف بالردة على ما قررنا

[ 108 ]

فإذا أسلم زال التوقف فصار ما اعترض كأن لم يكن بخلاف العبد إذا باعه أو اعتقه فقد تم زوال ملكه هناك واعتبار الجناية كان لملكه يوضح الفرق ان ضمان الجناية في المماليك باعتبار صفة المملوكية ولهذا يجب الضمان لتمكن النقصان في المالية شيئا فشيئا وقد انعدم ذلك بالعتق أصلا وبالبيع في حق من كان مستحقا له فاما وجوب ضمان الجزء باعتبار النفسية ولا ينعدم بالردة ولكن العصمة شرط فانما يراعى وجوده عند ابتداء السبب لينعقد موجبا وعند تقرره بالموت لتقرر الحكم فلا يعتبر فيه بقاء العصمة وهو نظير مالو قال لعبده ان دخلت الدار فانت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل الدار يعتق لهذا المعني فاما إذا لحق بدار الحرب فان كان القاضي قضى بلحاقه فقد صار ميتا حكما وبقاء حكم الجناية باعتبار بقاء النفسية وذلك لا يتحقق بعد موته حكما إذ لاتصور لبقاء الحكم بدون المحل وإذا لم يقض القاضى بلحاقه فالاصح انه على الخلاف فمن أصحابنا من سلم وقال بنفس اللحاق صار حربيا والحربي في حق من هو في دار الاسلام كالميت ولهذا لو كانت امرأة تسترق كسائر الحربيات فيتم به انقطاع حكم السراية بخلاف ما قبل لحاقه بدار الحرب يوضحه ان الردة عارض فإذا زال قبل تقرره صار كان لم يكن كالعصير المشترى إذا تخمر قبل القبض ثم تخلل بقى العقد صحيحا ولا يعتبر زواله بعد تقرره كما في العصير إذا تخمر فقضى القاضى بفسخ العقد ثم تخلل وباللحاق قد تقرر خصوصا إذا قضى به القاضى فلا يعتبر زواله بعد ذلك بخلاف ما قبل اللحاق وان كان القاطع هو الذى ارتد فقتل ومات المقطوعة يده من ذلك مسلما فان كان عمدا فلا شئ له لان الواجب في العمد القود وقد فات محله حين قتل على ردته أو مات وان كان خطأ فعلى عاقلة القاطع دية النفس لانه عند الجناية كان مسلما وجناية المسلم إذا كانت خطأ على عاقلته وتبين بالسراية ان جنايته كانت قتلا فلهذا كان على عاقلته دية النفس وان كانت الجناية منه في حال ردته كانت الدية في الخطأ في ماله لما بينا ان المرتد لا يعقل جنايته أحد ولا تقتل المرتدة ولكنها تحبس وتجبر على الاسلام عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى تقتل ان لم تسلم وهكذا يقول أبو يوسف رحمه الله تعالى في الابتداء ثم رجع وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انها تخرج في كل قليل وتعذر تسعة وثلاثين سوطا ثم تعاد إلى الحبس إلى أن تتوب أو تموت واستدل الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وهذه الكلمة تعم الرجال والنساء كقوله تعالى

[ 109 ]

فمن شهد منكم الشهر فليصمه وتبين ان الموجب للقتل تبديل الدين لان مثل هذا في لسان صاحب الشرع لبيان العلة وقد تحقق تبديل الدين منها وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتدة يقال لها أم مروان وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه قتل مرتدة يقال لها أم فرقة ولانها اعتقدت دينا باطلا بعدما اعترفت ببطلانه فتقتل كالرجل وهذا لان القتل جزاء على الردة لان الرجوع عن الاقرار بالحق من أعظم الجرائم ولهذا كان قتل المرتد من خالص حق الله تعالى وما يكون من خالص حق الله فهو جزاء وفى اجزية الجرائم الرجال والنساء سواء كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر وبهذا تبين أن الجناية بالردة أغلظ من الجناية بالكفر الاصلى فان الانكار بعد الاقرار أغلظ من الاصرار في الابتداء على الانكار كما في سائر الحقوق وبأن كانت لا تقتل إذا لم تتغلظ جنايتها فذلك لا يدل على أنها لا تقتل إذا تغلظت جنايتها ثم في الكفر الاصلى إذا تغلظت جنايتها بأن كانت مقاتلة أو ساحرة أو ملكة تحرض على القتال تقتل فكذلك بعد الردة والدليل عليه انها تحبس وتعزر وتجبر على الاسلام بعد الردة ولا يفعل ذلك بها في الكفر الاصلى وكذلك الشيوخ وأصحاب الصوامع والرهبان يقتلون بعد الردة ولا يقتلون في الكفر الاصلى وذوو الاعذار كالاعمى والزمن كذلك وكذلك الرق في الكفر الاصلى يمنع القتل وهوما إذا استرق الاسير وفى الردة لايمنع ثم في الكفر الاصلى لاتسلم لها نفسها حتى تسترق لينتفع المسلمون بها فكذلك بعد الردة وبالاتفاق لاتسترق في دار الاسلام فقلنا انها تقتل (وحجتنا) في ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء وفيه حديثان أحدهما ما رواه رباح بن ربيعة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بعض الغزوات قوما مجتمعين على شئ فسأل عن ذلك فقالوا ينظرون إلى امرأة مقتولة فقال لواحد أدرك خالدا وقل له لا يقتلن عسيفا ولاذرية والثانى حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة فقال من قتل هذه قال رجل أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأهوت إلى سيفي لتقتلني فقتلتها فقال ما شأن قتل النساء وارها ولا تعدو لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة امرأة مقتولة فقال ها ما كانت هذه تقاتل ففي هذا بيان أن استحقاق القتل بعلة القتال وأن النساء لا يقتلن لانهن لا يقاتلن وفى هذا لافرق بين الكفر الاصلى وبين الكفر الطارئ وما روى من الحديث غير مجرى

[ 110 ]

على ظاهره فالتبديل يتحقق من الكافر إذا أسلم فعرفنا أنه عام لحقه خصوص فنخصه ونحمله على الرجال بدليل ما ذكرنا والمرتدة التى قتلت كانت مقاتلة فان أم مروان كانت تقاتل وتحرض علي القتال وكانت مطاعة فيهم وأم قرفة كان لها ثلاثون ابنا وكانت تحرضهم على قتال المسلمين ففي قتلها كسر شوكتهم ويحتمل أنه كان ذلك من الصديق رضى الله عنه بطريق المصلحة والسياسة كما أمر بقطع يد النساء اللاتى ضربن الدف لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاظهار الشماتة والمعنى فيه أنها كافرة فلا تقتل كالاصلية وهذا لان القتل ليس بجزاء على الردة بل هو مستحق باعتبار الاصرار على الكفر ألا ترى أنه لو أسلم يسقط لانعدام الاصرار وما يكون مستحقا جزاء لا يسقط بالتوبة كالحدود فانه بعدما ظهر سببها عند الامام لا تسقط بالتوبة وحد قطاع الطريق لا يسقط بالتوبة بل توبته برد المال قبل أن يقدر عليه فلا يظهر السبب عند الامام بعد ذلك يقرره ان تبديل الدين وأصل الكفر من أعظم الجنايات ولكنها بين العبد وبين ربه فالجزاء عليها مؤخر الي دار الجزاء وما عجل في الدنيا سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد كالقصاص لصيانة النفوس وحد الزنا لصيانة الانساب والفرش وحد السرقة لصيانة الاموال وحد القذف لصيانة الاعراض وحد الخمر لصيانة العقول وبالاصرار على الكفر يكون محاربا للمسلمين فيقتل لدفع المحاربة الا أن الله تعالى نص علي العلة في بعض المواضع بقوله تعالى فان قاتلوكم فاقتلوهم وعلى السبب الداعي إلى العلة في بعض المواضع وهو الشرك فإذا ثبت أن القتل باعتبار المحاربة وليس للمرأة بنية صالحة للمحاربة فلا تقتل في الكفر الاصلى ولافى الكفر الطارئ ولكنها تحبس فالحبس مشروع في حقها في الكفر الاصلى فانها تسترق والاسترقاق حبس نفسها عنها ثم الحبس مشروع في حق كل من رجع عما أقربه كما في سائر الحقوق وليس ذلك باعتبار الكفر ولا باعتبار المحاربة وما يدعى من تغلظ الجناية لا يقوي فالرجوع عن الاقرار والاصرار على الانكار بعد قيام الحجة في الجناية سواء مع أن الجناية في الاصرار أغلظ من وجه لانه بعد الردة لايقر علي ما اعتقده والشئ قبل تقرره يكون أضعف منه بعد تقرره ولو سلمنا تغلظ الجناية فانما يعتبر بمن يغلظ جنايتها في الكفر الاصلى المشركة العربية فكما لا تقتل تلك فكذلك لا تقتل هذه وإذا كانت مقاتلة أو ملكة أو ساحرة فقتلها الدفع وبدون القتل ههنا يحصل المقصود إذا حبست وأجبرت كما بينا على الاسلام وأما الرق لايمنع القتل في

[ 111 ]

الكفر الاصلى فانه تقتل عبيدهم كأحرارهم وانما الاسترقاق بمتزلة اعطاء الامان وبعقد الذمة ينتهي القتال في حق من يجوز أخذ الجزية منه لافى حق من لا يجوز أخذ الجزية منه كما في مشركي العرب والمرتدون لا تؤخذ منهم الجزية فلهذا لا ينتهى القتال في حقهم بعقد الذمة والشيخ إذا كان له رأى يقتل في الكفر الاصلى والردة لا تتصور الا ممن له رأى والترهب لا يتحقق بعد الاسلام لان القيام بنصرة دين الحق واجب على كل مسلم قال صلى الله عليه وسلم لا رهبانية في الاسلام وبدون تحقق السبب لا يثبت الحكم واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالي في ذوى الاعذار من مشركي العرب فمنهم من يقول يقتلون في الكفر الاصلى لان حلول الآفة كعقد الذمة فانه ينعدم به القتال فمن لا يسقط القتال عنه بعقد الذمة في الكفر الاصلى فكذلك بحلول الآفة فعلى هذا القول ذوو الاعذار من المرتدين يقتلون وقيل حلول الآفة بمنزلة الانوثة لانه تخرج به بنيته من أن تكون صالحة للقتال فعلى هذا القول لا يقتلون بعد الردة كما لا يقتلون في الكفر الاصلى وإذا ثبت أن المرتدة لا تقتل قلنا تسترق إذا لحقت بدار الحرب لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم فان بني حنيفة لما ارتدوا استرق أبو بكر رضى الله عنه نساءهم وأصاب على رضى الله عنه جارية من ذلك السبى فولدت له محمد بن حنفية رحمهما الله تعالى وذكر عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس رضى الله عنهما في النساء إذا ارتددن بسبين ولا يقتلن وهذا لانها كالحربية والاسترقاق مشروع في الحربيات وما دامت في دار الاسلام في ظاهر الرواية لاتسترق لان حريتها المتأكدة بالاحراز لم تبطل بنفس الردة وهي دافعة للاسترقاق ولان دار الاسلام ليست بدار الاسترقاق وفي النوادر عن أبى حنيفة رحمه الله انها تسترق لانا لما جعلنا المرتد بمنزلة حربى مقهور لا أمان له فكذلك المرتدة بمنزلة حربية مقهورة لاأمان لها فتسترق وان كانت في دارنا فان تصرفت في مالها بعد الردة نفذ تصرفها مادامت في دار الاسلام لانها تصرفت في خالص ملكها بخلاف الرجل على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وأشار إلى الفرق قال المرأة لا تقتل والرجل يقتل ومعنى هذا ان عصمة المال تبع لعصمة النفس فبالردة لاتزول عصمة نفسها حتى لا تقتل فكذلك عصمة مالها بخلاف الرجل ولهذا استوت بالرجل في التصرف بعد اللحوق لان عصمة نفسها تزول بلحاقها حتى تسترق والاسترقاق اتلاف حكما فكذلك عصمة مالها فان ماتت في الحبس أو لحقت بدار الحرب

[ 112 ]

قسم مالها بين ورثتها ويستوي في ذلك كسب اسلامها وكسب ردتها لما بينا ان العصمة باقية بعد ردتها فكان كل واحد من الكسبين ملكها فيكون ميراثا لورثتها ولا ميراث لزوجها منها لانها بنفس الردة قد بانت منه ولم تصر مشرفة علي الهلاك فلا تكون في حكم الفارة المريضة ولزوجها ان يتزوج بأختها بعد لحاقها قبل انقضاء عدتها لانها صارت حربية فكانت كالميتة في حقه وبعد موتها له ان يتزوج أختها ولانه لاعدة على الحربية من المسلم لان العدة فيها حق الزوج وتباين الدارين مناف له فان سبيت أو عادت مسلمة لم يضر ذلك نكاح الاخت لانه بعدما سقطت العدة عنها لاتعود معتدة ثم ان جاءت مسلمة فلها ان تتزوج من ساعتها لانها فارغة عن النكاح والعدة وان سبيت أجبرت على الاسلام كما كانت تجبر عليه قبل لحاقها وان ولدت بأرض الحرب ثم سبيت ومعها ولدها كان ولدها فيئا معها لان ولدها بمنزلتها وهى حربية تسترق فكذلك ولدها وإذا رفعت المرتدة إلى الامام فقالت ما ارتددت وأنا أشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فهذا توبة منها لما بينا ان توبة المرتد بالاقرار بكلمة الشهادتين والتبرى عما كان انتقل إليه وقد حصل ذلك فانه بالانكار يحصل نهاية التبرى فلهذا كان ذلك توبة من الرجل والمرأة جميعا ويقتل المملوك على الردة لانه محارب كالحر وكسبه إذا قتل لمولاه لانه بملك الرقبة يخلفه في ملك الكسب ولا تقتل المملوكة وتحبس لانها ليس لها بنية صالحة للقتال كالحرة وإذا كان أهلها يحتاجون إلى خدمتها دفعتها إليهم وأمرتهم باجبارها على الاسلام لان حق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى لحاجة العبد ولان الجمع بين الحقين ممكن فان حق الله تعالى في إجبارها على الاسلام ومولاها ينوب في ذلك عن الامام فتدفع إليه ليستخدمها ويجبرها على الاسلام وجناية الامة والمكاتب في الردة كجنايتهم في غيرة الردة لان الملك فيهم باق بعد الردة والمكاتب أحق بكسبه بعد الردة يدا وتصرفا كما كان قبله فيكون موجب جنايته في كسبه والجناية على المماليك في الردة هدر أما في الذكور منهم فلاستحقاق قتلهم بالردة ومن استوفي قتلا مستحقا يكون محسنا لاجانيا وفي الاناث قتل المملوكة بعد الردة كقتل الحرة ومن قتل حرة مرتدة لم يضمن شيئا وان ارتكب مالا يحل ويؤدب على ذلك فكذلك الامة قال لان بعض الفقهاء يرى عليها ولانها كالحربية والحربية لا تقتل ولو قتلها قاتل لا يلزمه شئ فكذلك المرتدة (فان قيل) فلما إذا لاتسترق في دارنا قلنا لبقاء

[ 113 ]

الاحراز ومن ضرورة تأكد الحرمة بالاحراز منع الاسترقاق وليس من ضرورته تقوم الدم كما في المقضى عليها بالرجم وإذا كان هدر الدم مما يثبت مع الاحراز يثبت ذلك في حق المرتدة فكانت فيه كالحربية وإذا باع الرجل عبده المرتد أو أمته المرتدة فالبيع جائز لبقاء صفة المملوكية والرق فيه بعد الردة (فان قيل) جواز البيع باعتبار المالية والتقوم ولا مالية فيهما حتى لا يضمن قاتلهما (قلنا) لاكذلك بل المالية في الآدمي بسبب المملوكية وهو ثابت على الاطلاق والتقوم بالاحراز وهو باق فيهما وان كان لا يجب على المتلف الضمان لعارض وهو الردة ألا ترى ان غاصبهما يكون ضامنا وان الردة عيب فيهما والعيب لا يعدم المالية والتقوم ولهذا لو كان البائع اعلم المشتري فالبيع لازم لانتفاء التدليس حين أعلمه العيب مدبرة أو أم ولد ارتدت ولحقت بدار الحرب فمات مولاها في دار الاسلام ثم أخذت أسيرة فهي فئ بخلاف مالو أسرت قبل موت المولى فانها ترد عليه لقيام ملكه فأما بعد موت المولى فقد عتقت لان عتقها كان تعلق بموت المولى وتباين الدارين لايمنع نزول العتق عند وجود شرطه وإذا عتقت فهي حرة مرتدة أسرت من دار الحرب فتكون فيئا عبد ارتد مع مولاه ولحقا بدار الحرب فمات المولى هناك وأسر العبد فهو فئ لانه مال حربى فقد أحرزه مع نفسه بدار الحرب وذلك مانع من ثبوت حق ورثته المسلمين فيه فيكون فيئا ويقتل ان لم يسلم لردته وكذلك كل ما ذهب به المرتد من ماله مع نفسه فهو فئ فان كان خرج من دار الحرب مغيرا فأخذ مالا من ماله قد قسم بين ورثته وذهب به ثم قتل مرتدا وأصيب ذلك المال فهو لورثته بغير قيمة قبل القسمة وبالقيمة بعد القسمة لانهم ملكوا ذلك المال حين قسمه القاضى بينهم فهذا حربى أحرز مال المسلم بدار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه وقد بينا الحكم فيه ولو ارتد العبد وأخذ مال مولاه فذهب به إلى دار الحرب ثم أخذ مع ذلك المال لم يكن فيئا ويرد على مولاه لان العبد باق على ملكه فلان يكون محرزا نفسه بدار الحرب ألا ترى أنه لو أبق منه غير مرتد فدخل دار الحرب لم يكن محرزا نفسه عليه فكذلك إذا أبق مرتدا وكذلك لا يكون محرزا لما معه من المال فيرد ذلك كله على المولى ثم هذا لا يشكل على أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى كما هو مذهبه في الآبق وكذلك عندهما لان أهل الحرب لم يأخذوه وانما يزول ملك المولى عندهما باحراز المشركين اياه بالاخذ فإذا لم يوجد ذلك بقي على ملك مولاه قوم ارتدوا عن الاسلام وحاربوا المسلمين وغلبوا على مدينة من

[ 114 ]

مدائنهم في أرض الحرب ومعهم نساؤهم وذراريهم ثم ظهر المسلمون عليهم فانه تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم والحاصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى انما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط أحدها أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين والثاني أن لا يبقى فيها مسلم آمن بايمانه ولا ذمي آمن بامانه والثالث أن يظهروا أحكام الشرك فيها وعن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار الحرب حرب لان البقعة انما تنسب الينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الاسلام فالقوة فيه للمسلمين ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر تمام القهر والقوة لان هذه البلدة كانت من دار الاسلام محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الاحراز الا بتمام القهر من المشركين وذلك باستجماع الشرائط الثلاث لانها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون باحاطة المسلمين بهم من كل جانب فكذلك ان بقى فيها مسلم أو ذمى آمن فذلك دليل عدم تمام القهر منهم وهو نظير مالو أخذوا مال المسلم في دار الاسلام لا يملكونه قبل الاحراز بدارهم لعدم تمام القهر ثم ما بقى شئ من آثار الاصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقى فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين وهذه الدار كانت دار اسلام في الاصل فإذا بقى فيها مسلم أو ذمى فقد بقى أثر من آثار الأصل فيبقى ذلك الحكم وهذا أصل لابي حنيفة رحمه الله حتى قال إذا اشتد العصير ولم يقذف بالزبد لا يصير خمر البقاء صفة السكون وكذلك حكم كل موضع معتبر بما حوله فإذا كان ما حول هذه البلدة كله دار اسلام لا يعطى لها حكم دار الحرب كما لو لم يظهر حكم الشرك فيها وانما استولى المرتدون عليها ساعة من نهار ثم في كل موضع لم تصر الدار دار حرب فإذا ظهر المسلمون عليها قتلوا الرجال واجبروا النساء والذراري على الاسلام ولم يسب واحد منهم وفى كل موضع صار دار حرب فالنساء والذراري والاموال فئ فيه الخمس ويجبرون على الاسلام لردتهم فلا يحل لمن وقعت امرأة منهم في سهمه ان يطأها مادامت مرتدة وان كانت متهودة أو متنصرة لان الردة تنافى الحل وانما يحل بملك اليمين من يحل بالنكاح فان كان عليها دين فقد بطل بالسبي لانها صارت أمة وما كان من الدين على حرة لا يبقي بعد ان تصير أمة لان بالرق تتبدل نفسها ولان الدين لا يجب على المملوك الا شاغلا مالية رقبته

[ 115 ]

وهذه مالية حادثة بالسبي فتخلص للسابى فلهذا لا يبقى الدين عليها وإذا ارتد الزوجان وذهبا إلى دار الحرب بولدهما الصغير ثم ظهر المسلمون فالولد فئ لانه خرج من ان يكون مسلما حين لحقابه إلى دار الحرب فان ثبوت حكم الاسلام للصغير باعتبار تبعية الابوين والدار فقد انعدم كل ذلك حين ارتدا ولحقا به بدار الحرب فلهذا كان الولد فيئا يجبر على الاسلام إذا بلغ كما تجبر الأم عليه وان كان الاب ذهب به وحده والام مسلمة في ذار الاسلام لم يكن الولد فيئا لانه بقى مسلما تبعا لامه (فان قيل) كيف يتبعها بعد تباين الدارين (قلنا) تباين الدارين يمنع الاتباع في الاسلام ابتداء لافى ابقاء ماكان ثابتا ألاتري أن الحربى لو أسلم في دار الحرب وله ولد صغير ثم خرج إلى دارنا بقى الولد مسلما باسلامه حتى إذا وقع الظهور عليه لا يكون فيئا بخلاف مالو أسلم في دارنا وله ولد في دار الحرب فههنا فدكان الولد مسلما فيبقى كذلك ببقاء الام مسلمة وان كانت في دار الاسلام وكذلك ان كانت الام ماتت مسلمة لان اسلامها يتأكد بموتها ولا يبطل وكذلك ان كانت الام نصرانية ذمية لانها من أهل دارنا وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا توفيرا للمنفعة على الولد ولانه لايتم احراز الولد بدار الحرب لان اعتبار جانب الاب يوجب ان يكون الولد حربيا واعتبار جانب الام يوجب ان يكون الولد من أهل دار الاسلام فيترجح هذا الجانب عند المعارضة توفير اللمنفعة على الولد وإذا بقي من أهل دار الاسلام فكأنه من أهل دارنا حقيقة فلا يسترق وكذلك ان كان الاب ذميا نفض العهد فهو كالمسلم يرتد في أنه يصير من أهل دار الحرب إذا التحق بهم وإذا ولد للمرتدين في دار الحرب ولد ثم ولد لولدهما ولد ثم وقع الظهور عليهم أجبر ولدهما على الاسلام ولم يجبر ولد ولدهما على الاسلام لان حكم الاسلام قد ثبت لولدهما باعتباران الابوين كانا مسلمين في الاصل والولد تابع لهما فكذلك يجبر على الاسلام فأما ولد الولد لم يثبت له حكم الاسلام لانه تابع لابيه في الدين لا لجده وأبوه ما كان مسلما قط ألا ترى أنه لو أسلم الجد لا يصير ولد الولد مسلما باسلامه فكذلك لا يجبر على الاسلام باسلام جده وهذا لانه لو اعتبر اسلام جده في حق النافلة كان الجد الاعلى والادنى في ذلك سواء فيؤدي إلى ان يكون الكفار كلهم مرتدين يجبرون على الاسلام باسلام جدهم آدم أو نوح عليهما السلام وذكر في النوادر انهما إذا ارتدا أو لحقا بولد صغير لهما بدار الحرب فولد لذلك الولد بعدما كبر ثم ظهر المسلمون على ولد الولد فهو

[ 116 ]

يجبر على الاسلام في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا يجبر عليه في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لان هذا الولد ماكان مسلما بنفسه وانما ثبت حكم الاسلام في حقه تبعا فهو والمولود في دار الحرب بعد ردتهما سواء وهما يقولان قد كان هذا الولد محكوما باسلامه تبعا لابويه أو لدار الاسلام والولد يتبع أباه في الدين فإذا كان الاب مسلما في يثبت لولده حكم الاسلام فيجبر على الاسلام بخلاف ما إذا ولد في دار الحرب بعد ردتهما لان هذا الولد لم يكن مسلما قط وإذا نقض قوم من أهل الذمة العهد وغلبوا على مدينة فالحكم فيها كالحكم في المرتدين الا ان للامام ان يسترق رجالهم بخلاف المرتدين لانهم كفار في الاصل وانما كانوا لا يسترقون لكونهم من أهل دارنا وقد بطل ذلك حين نقضوا العهد وصارت دارهم دار الحرب فأما المرتدون كانوا مسلمين في الاصل فلا يقبل منهم الا السيف أو الاسلام وكذلك ان رجع الذين كان نقضوا العهد إلى الصلح والذمة قبل ذلك منهم ؟ بخلاف المرتدين لانهم لما نقضوا العهد التحقوا بالحربيين وأهل الحرب إذا انقادوا للذمة قبل ذلك منهم بخلاف المرتدين والاصل أن من جاز استرقاقه جاز ابقاؤه على الكفر بالجزية لان القتال ينتهي بكل واحد من الطريقين وفيه منفعة للمسلمين ثم إذا عادوا إلى الذمة أخذوا بالحقوق التى كانت قبل نقض الذمة عليهم من القصاص والمال لبقاء نفوسهم وذممهم على ما كانت قبل نقض العهد ونقض العهد كان عارضا فإذا انعدم صار كأن لم يكن ولم يؤخذوا بما أصابوا في المحاربة لانهم أهل حرب حين باشروا السبب وقد بينا أن أهل الحرب لا يضمنون ما أتلفوا من النفوس والاموال في حال حربهم إذا تركوا المحاربة بالاسلام أو الذمة وكذلك المرتدون في هذا هم بمنزلة أهل الذمة لان القصاص المستحق عليهم عقوبة ثابتة لحق المسلم والردة ونقض العهد لا ينافيهما وان تعذر استيفاؤها لقصور يد صاحب الحق عمن عليه والمال كذلك فإذا تمكن من الاستيفاء كان له أن يستوفي حقه وإذا نقض الذمي العهد مع امرأته ولحقا بأرض الحرب ثم عادا على الذمة فهما على نكاحهما لانه لم يتباين بهما دين ولادار ولو ارتد المسلمان ثم أسلما كانا على نكاحهما فالذميان أولى بذلك وان كان خلف في دار الاسلام امرأة ذمية بانت منه بتباين الدار حقيقة وحكما والتى بقيت في دارنا من أهل دارنا وكذلك المرتد إذا لحق بدار الحرب وخلف امرأته المرتدة معه في دار الاسلام انقطعت العصمة بينهما لان المرأة من أهل دارناوان كانت مرتدة فقد تباينت بينهما الدار حقيقة وذلك قاطع للعصمة بينهما وإذا منع

[ 117 ]

المرتدون دارهم وصارت دار كفر ثم لحقوا بدار الحرب فأصابوا سبايا منهم وأصابوا مالا من أموال المسلمين وأهل الذمة ثم أسلموا كان ذلك كله لهم لانهم ملكوا ذلك كله بالاحراز بدارهم ومن أسلم على مال فهو له الا أن يكونوا أخذوا من المسلمين أو أهل الذمة حرا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد فعليهم تخلية سبيلهم لان هؤلاء لا يملكون بالاحراز لتأكد حقيقة الحربة أو حقها فيهم بالاسلام فان كان أهل الاسلام أصابو من هؤلاء في حربهم مالا أو ذرية فاقتسموها على الغنيمة لم يردوا عليهم شيئا من ذلك لانهم أصابوا أموال أهل الحرب وذراريهم وملكوها بالاحراز والقسمة فلا ترد عليهم وان أسلموا بعد ذلك كما لو أصابوا ذلك من غيرهم من أهل الحرب وان طلب المرتدون أن يجعلوا ذمة للمسلمين لم يفعلوا ذلك بهم لانه انما تقبل الذمة ممن تجوز استرقافه ولان المرتدين كمشركي العرب فان أولئك جناة على قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء على دينه وكمالاتقبل الذمة من مشركي العرب عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع في جريرة العرب دينان فكذلك لا يقبل ذلك من المرتدين وان طلبوا الموادعة مدة لينظروا في أمورهم فلا بأس بذلك ان كان ذلك خيرا للسلمين ولم يكن للمسلمين بهم طاقة لانهم لما ارتدوا دخلت عليهم الشبهة ويزول ذلك إذا نظروا في أمرهم وقد بينا أن المرتد إذا طلب التأجيل يؤجل الا أن هناك لا يزاد على ثلاثة أيام لتمكن المسلمين من قتله وههنا لا طاقة بهم للمسلمين فلا بأس بأن يمهلوهم مقدار ما طلبوا من المدة لحفظ قوة أنفسهم ولعجزهم عن مقاومتهم وان كانوا يطيقونهم وكان الحرب خيرا لهم من الموادعة حاربوهم لان القتال معهم فرض إلى أن يسلموا قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون ولايجوز تأخير اقامة الفرض مع التمكن من اقامته فإذا وادعوهم لم يأخذ الامام منهم في الموادعة خراجا لان ذلك حينئذ يشبه عقد الذمة وقد بينا أنه لاتقبل منهم الذمة فكذلك لا يؤخذ منهم على الموادعة خراج بخلاف أهل الحرب فان أخذ منهم مالا جاز لان العصمة زالت عن مالهم ألا ترى أنه لو ظهر المسلمون عليهم كانت أموالهم غنيمة وكذلك ان أخذوا شيئا من مالهم ملكوا ذلك بأى طريق أخذوا منهم (قال) ولا يقبل من مشركي العرب الصلح والذمة ولكن يدعون إلى الاسلام فان أسلموا والا قوتلوا وتسترق نساؤهم وذراريهم ولا يجبرون علي الاسلام وهم في ذلك بمنزلة المرتدين الافي حكم الاجبار على الاسلام فان نساء المرتدين وذراريهم كانوا مسلمين في الاصل فيجبرون على العود وأما النساء والذراري

[ 118 ]

من مشركي العرب ما كانوا مسلمين في الاصل فلا يجبرون على الاسلام ولكنهم يسترقون لان النبي صلى الله عليه وسلم سبى النساء والذراري بأوطاس وقسمهم وقد بينا أن أبا بكر رضى الله عنه سبي النساء والذراري من بنى حنيفة فإذا جاز ذلك في المرتدين ففى مشركي العرب أولى وأما الرجال منهم لا يسترقون عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يسترقون لان المعني لاجله جاز الاسترقاق في حق سائر الكفار موجود في حق مشركي العرب وهو منفعة للمسلمين في عملهم وخدمتهم ولان الاسترقاق اتلاف حكمي ومن جاز في حقه الاتلاف الحقيقي من الكفار الاصليين يجوز الاتلاف الحكمي بطريق الاولى لان فيه تحقيق معنى العقوبة بتبديل صفة المالكية بالمملوكية وهو الاليق بحال كل كافر فانهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى عاقبهم على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده وهكذا كان ينبغى في المرتدين الا ان قتل المرتد على ردته حد فقلنا لا يترك اقامة الحد لمنفعة المسلمين ولان حريته كانت متأكدة بالاسلام فلا يحتمل النقض بالاسترقاق وذلك لا يوجد في حق مشركي العرب (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون قيل معناه إلى أن يسلموا والآية فيمن كان يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى عبدة الاوثان من العرب فدل أنهم يقتلون ان لم يسلموا وقال صلى الله عليه وسلم لارق على عربي وقال يوم أوطاس لو جرى رق على عربي لكان اليوم وانما هو القتل أو الاسلام وظاهر قوله تعالى ماكان لنبى ان يكون له اسري حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا يدل على تحريم الاسترقاق كما يدل على المنع من المفاداة لان المقصود بكل واحد منهما ابتغاء عرض الدنيا ولانه لا يقبل منهم عقد الذمة بالاتفاق والاسترقاق والذمة يتقاربان في المعنى لان في كل واحد من الامرين ابقاء الكافر على كفره لمنفعة المسلمين في ذلك من مال أو عمل وفى الجزية معنى الصغار والعقوبة في حقهم كما في الاسترقاق بل أظهر والاسترقاق ثابت في حق النساء والصغار والجزية لا تجب الاعلى الرجال البالغين فإذا لم يجز ابقاء عبدة الاوثان من العرب على الشرك بالجزية فكذلك بالاسترقاق وقد بينا أنهم في تغلظ جنايتهم كالمرتدين فكما لا يسترق المرتدون فكذلك عبدة الاوثان من العرب بخلاف سائر المشركين وأهل الكتاب من العرب حكمهم حكم غيرهم من أهل الكتاب حتى يجوز استرقاقهم وأخذ الجزية منهم لانهم ليسوا من العرب في الاصل وان توطنوا في أرض العرب بل هم في الاصل من

[ 119 ]

بنى اسرائيل ولئن كانوا في الاصل من العرب فجنايتهم في الغلظ ليست كجناية عبدة الاوثان فان أهل الكتاب يدعون التوحيد ولهذا تؤكل ذبائحهم وتجوز مناكحة نسائهم بخلاف عبدة الاوثان والاصل فيه ماروى ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من يهود تيماء ووادى القري وكذلك من بهزاو تنوخ وطى وعمر رضى الله عنه أراد أن يوظف الجزية على نصاري بنى تغلب ثم صالحهم على الصدقة المضعفة وقال هذه جزية فسموها ما شئتم وكانوا من العرب فأما عبدة الاوثان من العجم فلا خلاف في جواز استرقاقهم وانما الخلاف في جواز أخذ الجزية منهم فعندنا يجوز ذلك وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز بمنزلة عبدة الاوثان من العرب فان الله تعالى خص أهل الكتاب بحكم الجزية بقوله تعالي ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وزعم الشافعي ان المجوس أهل كتاب وروى فيه أثرا عن على رضى الله عنه أنه قال كان لهم كتاب يقرؤن إلى أن واقع ملكهم ابنته فاصبحوا وقد أسرى بكتابهم حديث فيه طول (وحجتنا) في ذلك ان الجزية تؤخذ من المجوس بالاتفاق ولا كتاب لهم فان النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب ففى هذا تنصيص على أنه لاكتاب لهم وقال الله تعالى ان تقولوا انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ولو كان للمجوس كتاب لكانوا ثلاث طوائف والاثر بخلاف نص القرآن لا يكاد يصح عن على رضى الله عنه فثبت ان لاكتاب للمجوس ومع ذلك تؤخذ منهم الجزية وهم مشركون فانهم يدعون الاثنين وان اختلفت عبارتهم في ذلك من النور والظلمة أو يزدان واهرمن وليس الشرك الا هذا فإذا جاز أخذ الجزية منهم فكذلك من غيرهم من المشركين وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر وبهذا تبين أن ذكر أهل الكتاب في الآية ليس لتقييد الحكم بل لبيان جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب ومن أصلنا أن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل علي أن الحكم فيما عداه بخلافه قوم غزوا أرض الحرب فارتد منهم طائفة واعتزلوا عسكرهم وحاربوا ونابذوهم فأصاب المسلمون غنيمة وأصاب أولئك المرتدون غنيمة من أهل الشرك ثم تابوا قبل أن يخرجوا من دار الحرب لم يشارك أحد الفريقين الآخر فيما أصابوا لان بعضهم لم يكن ردءا للبعض فالمسلمون لا ينصرون المرتدين ولا يستنصرون بالمرتدين إذا حزبهم أمر ولان مصاب المرتدين ليس بغنيمة إذ لم يكن قصدهم عند الاصابة اعزاز الدين والمرتدون في حق

[ 120 ]

المسلمين كاهل الحرب فانهم في دار الحرب وأهل الحرب إذا أسلموا والتحقوا بالجيش لم يشاركوهم فيما أصابوا قبل ذلك وكذلك المرتدون الا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا قبل أن يخرجوا إلى دار الاسلام فحينئذ يشارك بعضهم بعضا لانهم قاتلوا دفعا عن ذلك المال فكأنهم أصابوه بهذا القتال واشتركوا في احرازه بالدار فيشارك بعضهم بعضا في ذلك ثم هذا فيما أصابه المسلمون غير مشكل بمنزلة من أسلم من أهل الحرب والتحق بالجيش إذا لقوا قتالا فقاتل بعضهم وما أصاب المرتدون وان لم يكن له حكم الغنيمة فانه يأخذ حكم الغنيمة بهذا القتال كالمتلصص إذا أصاب مالاثم لحقه جيش المسلمين فان مصابه يأخذ حكم الغنيمة حتى يخمس ولا شئ على من قتل المرتدين قبل أن يدعوهم إلى الاسلام لانهم بمنزلة كفار قد بلغتهم الدعوة فان جددوها فحسن وان قاتلوهم قبل أن يدعوهم فحسن (قال) وإذا ارتد الغلام المراهق عن الاسلام لم يقتل وهنا فصلان إذا أسلم الغلام العاقل الذى لم يحتلم فاسلامه صحيح عندنا استحسانا وفى القياس لا يصح اسلامه في أحكام الدنيا وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم ومن كان مرفوع القلم فلا ينبني الحكم في الدنيا على قوله ولانه غير مخاطب بالاسلام ما لم يبلغ فلا يحكم بصحة اسلامه كالذى لا يعقل إذا لقن فتكلم به وتقريره من أوجه أحدها أنه لا عبرة لعقله قبل البلوغ حتى يكون تبعا لغيره في الدين والدار بمنزلة الذى لا يعقل وتقرير هذا انه يحكم باسلامه إذا أسلم أحد أبويه مع كونه معتقدا للكفر بنفسه فإذا لم يعتبر اعتقاده ومعرفته في ابقاء ما كان ثابتا فكيف يعتبر ذلك في اثبات ما لم يكن ثابتا وبين كونه أصلا في حكم وتبعا فيه بعينه مغايرة على سبيل المنافاة والثانى انه لو صح اسلامه بنفسه كان ذلك منه فرضا لاستحالة القول بكونه مستقلا في الاسلام ومن ضرورة كونه فرضا ان يكون مخاطبا به وهو غير مخاطب باتفاق فإذا لم يمكن تصحيحه فرضا لم يصح أصلا بخلاف سائر العبادات فانه يتردد بين الفرض والنفل وبخلاف ما إذا جعل مسلما تبعا لغيره لان صفة الفرضية في الاصل تغني عن اعتباره في التبع كالاقرار باللسان والاعتقاد بالقلب ولان اعتبار عقله قبل البلوغ لضرورة الحاجة إليه وذلك يختص بما لا يمكن تحصيله له من قبل غيره ففيما يمكن تحصيله له من جهة غيره لا حاجة إلى اعتبار عقله فلا يعتبر والدليل عليه انه لو لم يصف الاسلام بعدما عقل لا تقع الفرقة بينه وبين امرأته ولو صار عقله معتبرا في الدين لوقعت الفرقة إذا لم يحسن ان

[ 121 ]

يصف كما بعد البلوغ ولان أحكام الاسلام في الدنيا تنبنى على قوله وقوله اما ان يكون اقرارا أو شهادة ولا يتعلق به حكم الشرع كسائر الاقارير والشهادات وأما فيما بينه وبين ربه إذا كان معتقدا لما يقول فنحن نسلم ان له في أحكام الآخرة مالمسلمين (وحجتنا) في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حتي يعرب عنه لسانه اما شاكرا واما كفورا وقد أعرب هنا لسانه شاكرا شكورا فلا نجعله كافرا كفورا وان عليا رضى الله عنه أسلم وهو صبى وحسن اسلامه حتى افتخر به في شعره قال سبقتكم إلى اسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي واختلفت الروايات في سنه حين أسلم وحين مات فقال محمد ابن جعفر رضى الله عنهما أسلم وهو ابن خمس سنين ومات وهو ابن ثمانية وخمسين سنة لان النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الاسلام في أول مبعثه ومدة البعث ثلاث وعشرون سنة والخلافة بعده ثلاثون انتهي بموت على رضي الله عنه فإذا ضممت خمسا إلى ثلاث وخمسين فيكون ثمانية وخمسين وقال العتيبى أسلم وهو ابن سبع سنين ومات وهو ابن ستين سنة بهذا الطريق أيضا وقال الجاحظ أسلم وهو ابن عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين وهكذا ذكره محمد في السير الكبير والمعنى فيه أنه أتى بحقيقة الاسلام وهو من أهله فيحكم باسلامه كالبالغ وبيان الوصف ان الاسلام اعتقاد بالقلب واقرار باللسان وهو من أهل الاعتقاد ومن رجع إلى نفسه علم أنه كان معتقد للتوحيد قبل بلوغه ولانه من أهل اعتقاد سائر الاشياء والمعروفة به ومن أهل معرفة أبويه والرجوع اليهما إذا حزبه أمر فعرفنا ضرورة أنه من أهل معرفة خالقه وقد سمعنا اقراره بعبارة مفهومة ونحن نرى صبيا يناظر في الدين ويقيم الحجج الظاهرة حتي إذا ناظر الموحدين أفهم وإذا ناظر الملحدين أفحم فلا يظن بعاقل ان يقول أنه ليس من أهل المعرفة والدليل على الاهلية أنه يجعل مسلما تبعا لغيره وبدون الاهلية لا يتصور ذلك ولانه مع الصبا أهل للرسالة قال الله تعالى وآتيناه الحكم صبيا فعلم ضرورة أنه أهل للاسلام ثم بعد وجود الشئ حقيقة اما ان يسقط اعتباره بحجر شرعى فلا يظن ذلك ههنا والناس عن آخرهم دعوا إلى الاسلام والحجر عن الاسلام كفر أولا يحكم بصحته لضرر يلحقه ولاتصور لذلك في اللاسلام فانه سبب للفوز والسعادة الابدية فيكون محض منفعة في الدنيا والآخرة وان حرم ميراث مورثه الكافر أو بانت منه وزجته ؟ الكافرة فانما

[ 122 ]

يحال بذلك على خبثها لاعلى اسلامه ألا ترى ان هذا الحكم يثبت إذا جعل تبعا لغيره والتبعية فيما يتمحض منفعة لافيما يشوبه ضرر وانما تبعا لتوفير المنفعة عليه وفى اعتبار منفعته مع ابقاء التبعية معنى توفير المنفعة لانه ينفتح عليه باب تحصيل هذه المنفعة بطريقين فكان ذلك انفع وانما يمتنع الجمع بين معنى التبعية والاصالة إذا كان بينهما مضادة فاما إذا تأيد أحدهما بالآخر فذلك مستقيم كالمرأة إذا سافرت مع زوجها ونوت السفر فهى مسافرة بنيتها مقصودا وتبعا لزوجها أيضا وانما لم يعتبر اعتقاده عند اسلام أحد الابوين لتوفير المنفعة عليه فهذا يدل على اعتبار اعتقاده إذا أسلم مع كفرهما لتوفير المنفعة عليه وانما لم يكن مخاطبا بالاداء لدفع الحرج عنه إذا امتنع من الاداء وهذا يدل على انه يحكم بصحته إذا أدي باعتبار ان عند الاداء يجعل الخطاب كالسابق لتحصيل المقصود كالمسافر لا يخاطب بأداء الجمعة فإذا أدى يجعل ذلك فرضا منه بهذا الطريق وهذا لان عدم توجه الخطاب إليه بالاسلام لدفع الضرر ولاضرر عليه إذا أدرج الخطاب بهذا الطريق بل تتوفر المنفعة عليه مع أنه يحكم باسلامه لوجود حقيقته من غير أن يتعرض لصفته وانما لاتبين زوجته منه إذا لم يحسن أن يصف بعدما عقل لبقاء معنى التبعية ولتوفير المنفعة عليه ولاوجه لاعتبار هذا القول بسائر الاقاويل فانا نجعله فيها كاذبا أو لاغيا وإذا أقر بوحدانية الله تعالى فلا يظن بأحد أن يقول انه كاذب في ذلك أو لاغ بل يتيقن بأنه صادق في ذلك فجرينا الحكم عليه فأما إذا ارتد هذا الصبى العاقل فأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول لا تصح ردته وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو القياس لان الردة تضره وانما يعتبر معرفته وعقله فيما ينفعه لا فيما يضره ألا ترى أن قبول الهبة منه صحيح والرد باطل وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا يحكم بصحة ردته استحسانا لعلته لا لحكمه فان من ضرورة اعتبار معرفته والحكم باسلامه بناء على علته اعتبار ردته أيضا لانه جهل منه بخالقه وجهله في سائر الاشياء معتبر حتى لا يجعل عارفا إذا علم جهله فكذلك جهله بربه ولان من ضرورة كونه أهلا للعقد أن يكون أهلا لرفعه كما انه لما كان أهلا لعقد الاحرام والصلاة كان أهلا للخروج منهما وانما لم يصح منه رد الهبة لما فيه من نقل الملك إلى غيره ألاتري أن ضرر الردة يلحقه بطريق التبعية إذا ارتد أبواه ولحقا به بدار الحرب وضرر رد الهبة لايلحقه من جهة أبيه فبهذا يتضح الفرق بينهما وإذا حكم بصحة

[ 123 ]

ردته بانت منه امرأته ولكنه لا يقبل استحسانا لان القتل عقوبة وهو ليس من أهل أن يلتزم العقوبة في الدنيا بمباشرة سببها كسائر العقوبات ولكن لو قتله انسان لم يغرم شيئا لان من ضرورة صحة ردته اهدار دمه وليس من ضرورته استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل ولو قتلها قاتل لم يلزمه شئ وهذه فصول أحدها في الذى أسلم تبعا لابويه إذا بلغ مرتدا في القياس يقتل لارتداده بعد اسلامه وفى الاستحسان لا يقتل ولكن يجبر علي الاسلام لانه ماكان مسلما مقصودا بنفسه وانما يثبت له حكم الاسلام تبعا لغيره فيصير ذلك شبهة في اسقاط القتل عنه وان بلغ مرتدا والثانى إذا أسلم في صغره ثم بلغ مرتدا فهو على هذا القياس والاستحسان لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحة اسلامه في الصغر والثالث إذا ارتد في صغره والرابع المكره على الاسلام إذا ارتد فانه لا يقتل استحسانا لانا حكمنا باسلامه باعتبار الظاهر وهو أن الاسلام مما يجب اعتقاده ولكن قيام السيف على رأسه دليل على أنه غير معتقد فيصير ذلك شبهة في اسقاط القتل عنه وفى جميع ذلك يجبر على الاسلام ولو قتله قاتل قبل أن يسلم لا يلزمه شئ وإذا ارتد السكران في القياس تبين منه امرأته لان السكران كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله حتى لو طلق امرأته بانت منه ولو باع أو أقر بشئ كان صحيحا منه ولكنه استحسن وقال لاتبين منه امرأته لان الردة تنبنى على الاعتقاد ونحن نعلم أن السكران غير معتقد لما يقول ولانه لاينجو سكران من التكلم بكلمة الكفر في حال سكره عادة والاصل فيه ماروى أن واحدا من كبار الصحابة رضى الله عنهم سكر حين كان الشرب حلالا وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم الاعبيدى وعبيد آبائى ولم يجعل ذلك منه كفرا وقرأ سكران سورة قل يا أيها الكافرون في صلاة المغرب فترك اللاآت فيه فنزل فيه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتى تعلموا ما تقولون فهو دليل على أنه لا يحكم بردته في حال سكره كما لا يحكم به في حال جنونه فلا تبين منه امرأته والمكره على الردة في القياس تبين منه أمرأته وبه أخذ الحسن لانا لا نعلم من سره ما نعلم من علانيته وانما ينبني الحكم على ما نسمع منه ولهذا يحكم باسلامه ان أسلم مكرها ولا أثر لعذر الاكراه في المنع من وقوع الفرقة كما لو أكره على الطلاق وفى الاستحسان لا تقع الفرقة بينه وبين امرأته لان قيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه غير معتقد لما يقول وانما قصد به دفع الشر عن نفسه والردة ننبني على

[ 124 ]

الاعتقاد وبخلاف الاسلام فهناك بمقابلة هذا الظاهر ظاهر آخر وهو أن الاسلام مما يجب اعتقاده بخلاف الطلاق لان ذلك انشاء سببه التكلم والاكراه لا ينافي الانشاء وهذا اخبار عن اعتقاده والاكراه دليل على أنه كاذب فيه فوز انه الاكراه على الاقرار بالطلاق وإذا طلب ورثة المرتد كسبه الذى اكتسبه في ردته وقالوا أسلم قبل أن يموت فعليهم البينة في ذلك وهذا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالي لانه يفرق بين الكسبين والمعنى فيه أن سبب حرمانهم ظاهر وهو ردته عند اكتسابه فهم يدعون عارضا مزيلا لذلك وهو اسلامه قبل موته فعليهم أن يثبتوا ذلك بالبينة وان نقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب عمل في تركته ورثته ما يعمل في تركة المرتد لانه صار حربيا حقيقة وحكما فيكون كالميت في حق من هو من أهل دارنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والماب (باب الخوارج) (قال) رضي الله عنه اعلم أن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته هكذا رواه الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النارر وقال لواحد من أصحابه في الفتنة كن حلسا من أحلاس بيتك فان دخل عليك فكن عبد الله المقتول أوقال عند الله معناه كن ساكنا في بيتك لا قاصدا فان كان المسلمون مجتمعين على واحد وكانوا آمنين به والسبيل آمنة فخرج عليه طائفة من المسلمين فحينئذ يجب على من يقوى على القتال أن يقاتل مع امام المسلمين الخارجين لقوله تعالى فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغي والامر حقيقة للوجوب ولان الخارجين قصدوا أذى المسلمين واماطة الاذي من أبواب الدين وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نهى عن المنكر وهو فرض ولانهم يهيجون الفتنة قال صلى الله عليه وسلم الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها فمن كان ملعونا على لسان صاحب الشرع صلوات الله عليه يقاتل معه والذى روى أن ابن عمر رضى الله عنهما وغيره لزم بيته تأويله انه لم يكن له طاقة على القتال وهو فرض على من يطيقه والامام فيه علي رضى الله عنه فقد قام بالقتال وأخبر أنه مأمور بذلك بقوله رضى الله عنه أمرت بقتال المارقين ؟ الناكثين والقاسطين ولهذا بدأ الباب بحديث كثير الحضرمي حيث قال دخلت مسجد

[ 125 ]

الكوفة من قبل أبواب كندة فإذا نفر خمسة يشتمون عليا رضى الله عنه وفيهم رجل عليه برنس يقول أعاهد الله لاقتلنه فتعلقت به وتفرق أصحابه فأتيت به عليا رضى الله عنه فقلت انى سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنك قال ادن ويحك من أنت قال أنا سوار المنقرى فقال على رضي الله عنه خل عنه فقلت أخلى عنه وقد عاهد الله ليقتلنك فقال أفأقتله ولم يقتلني قلت وأنه قد شتمك قال فاشتمه ان شئت أو دعه وفى ؟ هذا دليل على أن من لم يظهر منه خروج فليس للامام أن يقتله وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال ما لم يعزموا على الخروج فالامام لا يتعرض لهم فإذا بلغه عزمهم على الخروج فحينئذ ينبغى له أن يأخذهم فيحبسهم قبل أن يتفاقم الامر لعزمهم على المعصية وتهييج الفتنة وكان هؤلاء لم يكونوا مغلبين الخروج عليه ولم يعزموا على ذلك أولم يصدقه على رضي الله تعالى عنه فيما أخبره به من عزمه على قتله فلهذا أمره بأن يخلى عنه وليس مراده من قوله فاشتمه ان شئت أن ينسبه إلى ما ليس فيه فذلك كذب وبهتان لا رخصة فيه وانما مراده أن ينسبه إلى ما علمه منه فيقول يا فتان يا شرير لقصده إلى الشر والفتنة وما أشبه ذلك من الكلام وهو معنى قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم (قال) وبلغنا عن على رضى الله تعالى عنه أنه بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ حكمت الخوارج من ناحية المسجد فقال على رضى الله عنه كلمة حق أريد بها باطل لن نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله ولن نمنعكم الفئ مادامت أيديكم مع أيدينا ولن نقاتلكم حتي تقاتلونا ثم أخذ في خطبته ومعني قوله إذ حكمت الخوارج أي نادوا الحكم لله وكانوا يتكلمون بذلك إذا أخذ على رضي الله عنه في خطبته ليشوشوا خاطره فانهم كانوا يقصدون بذلك نسبته إلى الكفر لرضاه بالحكمين وتفويضه الحكم إلى أبى موسى رضى الله عنه ولهذا قال على رضي الله عنه كلمة حق أريد بها باطل يعني ان ظاهر قول المرء الحكم لله حق ولكنهم يقصدون به الباطل وهو نسبته إلى الكفر ثم فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالامام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل فان المتكلمين بذلك ما كانوا عازمين على الخروج عند ذلك فلهذا قال لن نمنعكم مساجد الله ولن نمنعكم الفئ وفيه دليل على أن التعريض بالشتم لا يوجب التعزير فانه لم يعزرهم وقد عرضوا بنسبته إلى الكفر والشتم بالكفر موجب للتعزير وفيه دليل على ان الخوارج إذا كانوا يقاتلون الكفار تحت راية أهل العدل فانهم يستحقون من الغنيمة ما يستحقه غيرهم

[ 126 ]

لانهم مسلمون وفيه دليل على أنهم يقاتلون دفعا لقتالهم فانه قال ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا معناه حق تعزموا على القتال بالتجمع والتحيز عن أهل العدل (قال) وبلغنا عن على رضى الله عنه أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تقتلوا أسيرا ولا تدففوا على جريح ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال وبهذا كله نأخذ فنقول إذا قاتل أهل العدل أهل البغى فهزموهم فلا ينبغى لاهل العدل أن يتبعوا مدبرا لانا قاتلناهم لقطع بغيهم وقد اندفع حين ولوا مدبرين ولكن هذا إذا لم يبق فئة يرجعون إليها فان بقى فئة فانه يتبع مدبرهم لانهم ما تركوا قصدهم لهذا حين ولوامنهم منهرمين بل تحيزوا إلى فئتهم ليعودوا فيتبعون لذلك ولهذا يتبع المدبر من المشركين لبقاء الفئة لاهل الحرب وكذلك لا يقتلون الاسير إذا لم يبق لهم فئة وقد كان على رضى الله عنه يحلف من يؤسر منهم ان لا يخرج عليه قط ثم يخلى سبيله وان كانت له فئة بأس بأن يقتل أسيرهم لانه ما اندفع شره ولكنه مقهور ولو تخلص انحاز إلى فئته فإذا رأى الامام المصلحة في قتله لا بأس بأن يقتله وكذلك لا يجهزوا على جريحهم إذا لم يبق لهم فئة فان كانت باقية فلا بأس بأن يجهز على جريحهم لانه إذا برئ عاد إلى تلك الفتنة والشر بقوة تلك الفئة ولان في قتل الاسير والتجهيز على الجريح كسره شوكة أصحابه فإذا بقيت لهم فئة فهذا المقصود يحصل بذلك بخلاف ما إذا لم يبق لهم فئة وقوله لا يكشف سترقيل معناه لا يسبي الذرارى ولا يؤخذ مال على سبيل التملك بطريق الاغتنام وبه نقول لا تسبي نساؤهم وذراريهم لانهم مسلمون ولا يتملك أموالهم لبقاء العصمة فيها بكونها محرزة بدار الاسلام فان التملك بالقهر يخص بمحل ليس فيه عصمة الاحراز بدار الاسلام (قال) وما أصاب أهل العدل من كراع أهل البغى وسلاحهم فلا بأس باستعمال ذلك عليهم عند الحاجة لانهم لو احتاجوا إلى سلاح أهل العدل كان لهم أن يأخذوه للحاجة والضرورة وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان دروعا في حرب هوازن وكان ذلك بغير رضاه حيث قال أغصبا يا محمد فإذا كان يجوز ذلك في سلاح من لا يقاتل ففي سلاح من يقاتل من أهل البغى أولى فإذا وضعت الحرب أو زارها رد جميع ذلك عليهم لزوال الحاجة وكذلك ما أصيب من أموالهم يرد إليهم لانه لم يتملك ذلك المال عليهم لبقاء العصمة والاحراز فيه ولان الملك بطريق القهر لا يثبت ما لم يتم وتمامه بالاحراز بدار تخالف دار المستولي عليه وذلك لا يوجد بين أهل البغي وأهل العدل لان دار الفئتين واحدة (قال)

[ 127 ]

وبلغنا عن علي رضى الله عنه أنه ألقي ما أضاب من عسكر أهل النهروان في الرحبة فمن عرف شيئا أخذه حتى كان آخر من عرف شيئا لانسان قدر حديد فأخذها ولما قيل لعلى رضى الله عنه يوم الجمل الا تقسم بيننا ما أفاء الله علينا قال فمن يأخذ منكم عائشة وانما قال ذلك استبعادا لكلامهم واظهارا لخطأهم فيما طلبوا وإذا أخذت المرأة من أهل البغي فان كانت تقاتل حبست حتى لا يبقى منهم أحد ولا تقتل لان المرأة لا تقتل على ردتها فكيف تقتل إذا كانت باغية وفى حال اشتغالها بالقتال انما جاز قتلها دفعا وقد اندفع ذلك حين أسرت كالولد يقتل والده دفعا إذا قصده وليس له ذلك بعدما اندفع قصده ولكنها تحبس لارتكابها المعصية ويمنعها من الشر والفتنة وإذا أخذ رجل حر أو عبد كان يقاتل وكان عسكر أهل البغى على حاله قتل لانه ممن يقاتل عبدا كان أو حرا وقد بينا جواز قتل الاسير إذا بقيت له فئة وان كان عبدا يخدم مولاه ولم يقاتل حبس حتى لا يبقي من أهل البغى أحد ولم يقتل لانه ما كان مقاتلا والقتل في حق أهل البغى للدفع فمن لم يقاتل ولم يعزم على ذلك لا يقتل ولكنه مال الباغي وقد بينا أنه يوقف حتى لا يبقي أحد منهم وانما يوقف العبد بحبسه لكيلا يهرب فيعود إلى مولاه وما أصاب المسلمون منهم من كراع أو سلاح وليس لهم إليه حاجة قال اما الكراع فيباع ويحبس الثمن لانه يحتاج إلى النفقة فلا ينفق عليه الامام من بيت المال لما فيه من الاحسان إلى صاحبه الباغي ولان حبس الثمن أهون عليه من حبس الكراع فلهذا يبيعه ويحبس ثمنه حتى يتفرق جمعهم فيرد ذلك على صاحبه وأما السلاح فيمسكه ليرده على صاحبه إذا وضعت الحرب أو زارها وهذا لان في الرد في الحال اعانة لهم على أهل العدل وذلك لا يجوز فلهذا يوقف لتفرق الجمع فان طلب أهل البغي الموادعة أجيبوا إليها ان كان خيرا للمسلمين لما بينا أنهم قد يحتاجون إلى الموادعة لحفظ قوة أنفسهم إذا لم يقووا على قتالهم وكما يجوز ذلك في حق المرتدين يجوز في حق أهل البغى ولم يؤخذ منهم عليها شئ لانهم مسلمون ولايجوز أخذه الجزية من المسلمين وقد بينا مثله في حق المرتدين الا ان هناك إذا أخذوا ملكوا لانهم بعدما صاروا أهل حرب تغنم أموالهم وههنا ان أخذوا لا يملكون لان أموال الخوارج لاتغنم بحال وإذا تاب أهل البغي ودخلوا إلى أهل العدل لم يؤخذوا بشئ مما أصابوا يعني بضمان ما أتلفوا من النفوس والاموال ومراده إذا أصابوا ذلك بعد ما تجمعوا وصاروا أهل منعة فاما ما أصابوا قبل ذلك فهم ضامنون لذلك لانا أمرنا

[ 128 ]

في حقهم بالمحاجة والالزام بالدليل فلا يعتبر تأويلهم الباطل في إسقاط الضمان قبل أن يصيروا أهل منعة فاما بعدما صارت لهم منعة فقد انقطع ولاية الالزام بالدليل حسا فيعتبر تأويلهم وان كان باطلا في اسقاط الضمان عنهم كتأويل أهل الحرب بعدما أسلموا والاصل فيه حديث الزهري قال وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا متوافرين فاتفقوا ؟ على ان كل دم أريق بتأويل القرآن فهو موضوع وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال أتلف بتأويل القرآن فهو موضوع وما كان قائما بعينه في أيديهم فهو مردود على صاحبه لانهم لم يملكوا ذلك بالاخذ كما أنا لانملك عليهم مالهم والتسوية بين الفئتين المقاتلتين بتأويل الدين في الاحكام أصل وقد روى عن محمد قال افتيهم إذا تابوا بأن يضمنوا ما أتلفوا من النفوس والاموال ولا الزمهم ذلك في الحكم وهذا صحيح فانهم كانوا معتقدين الاسلام وقد ظهر لهم خطأهم في التأويل الا أن ولاية الالزام كان منقطعا للمنعة فلا يجبر على اداء الضمان في الحكم ولكن يفتي به فيما بينه وبين ربه ولا يفتى أهل العدل بمثله لانهم محقون في قتالهم وقتلهم ممنثلون ؟ للامر وان كان أهل البغى قد استعانوا بقوم من أهل الذمة على حربهم فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضا للعهد ألا ترى أن هذا الفعل من أهل البغي ليس ينقض للايمان فكذلك لا يكون من أهل الذمة نقضا للعهد وهذا لان أهل البغى مسلمون فان الله تعالى سمى الطائفتين باسم الايمان بقوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وقال على رضى الله عنه اخواننا بغوا علينا فالذين انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من ان يكونوا ملتزمين حكم الاسلام في المعاملات وان يكونوا من اهل دار الاسلام فلهذا لا ينتقض عهدهم بذلك ولكنهم بمنزلة أهل البغى فيما أصابوا في الحرب لانهم قاتلوا تحت راية البغاة فحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة وينبغى لاهل العدل إذا لقوا أهل البغي أن يدعوهم إلى العدل هكذا روى عن على رضى الله عنه أنه بعث ابن عباس رضى الله عنهما إلى أهل حرورا حتى ناظرهم ودعاهم إلى التوبة ولان المقصود ربما يحصل من غير قتال ؟ بالوعظ والانذار فالاحسن ان يقدم ذلك على القتال لان الكى آخر لدواء وان لم يفعلوا فلا شئ عليهم لانهم قد علموا ما يقاتلون عليه فحالهم في ذلك كحال المرتدين وأهل الحرب الذين بلغتهم الدعوة ولهذا يجوز قتالهم بكل ما يجوز القتال به من أهل الحرب كالرمي بالنبل والمنجنيق وارسال الماء والنار عليهم والبيات بالليل

[ 129 ]

لان قتالهم فرض كقتال أهل الحرب والمرتدين وإذا وقعت الموادعة بينهم فأعطى كل واحد من الفريقين رهنا على انه ايهما غدر فقتل الرهن فدماء الآخرين لهم حلال فغدر أهل البغى وقتلوا الرهن الذين في أيديهم لم ينبغ لاهل العدل ان يقتلوا الرهن الذين في أيديهم ولكنهم يحبسونهم حتى يهلك أهل البغي أو يتوبوا لانهم صاروا آمنين فينا إما بالموادعة أو بأن أعطيناهم الامان حين أخذناهم رهنا وانما كان الغدر من غيرهم فلا يؤاخذون بذنب الغير قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ولكنه لا يخلى سبيلهم لانهم يخاف فتنتهم وان يعودوا إلى فئتهم فيحاربون أهل العدل فلهذا حبسوا إلى ان يتفرق جمعهم وكذلك ان كان هذا الصلح بين المسلمين والمشركين فغدر المشركون حبس رهنهم في أيدى المسلمين حتى يسلموا وان أبوا فهم ذمة المسلمين يوضع عليهم الجزية لانهم حصلوا في أيدينا آمنين فلا يحل قتلهم بغدر كان من غيرهم ولكنهم احتبسوا في دارنا على التأبيد لانهم كانوا راضين بالمقام في دارنا إلى أن يرد علينا رهننا وقد فات ذلك حين قتلوا رهننا فقلنا انهم بحتبسون في دارنا على التأبيد والكافر لا يترك في دارنا مقيما الا بجزية فتوضع عليهم الجزية ان لم يسلموا ويحكي أن الدوانيقي كان ابتلى بهذا الصلح مع أهل الموصل ثم انهم غدروا فقتلوا رهنه فجمع العلماء ليستشيرهم في رهنهم فقالوا يقتلون كما شرطوا على أنفسهم وفيهم أبو حنيفة رحمه الله تعالى ساكت فقال له ما تقول قال ليس لك ذلك فانك شرطت لهم مالا يحل وشرطوا لك مالا يحل وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولا تزر وازرة وزر أخرى فاغلظ عليه القول وأمر باخراجه من عنده وقال ما دعوتك لشئ الا أتيتني بما أكره ثم جمعهم من الغد وقال قد تبين لى أن الصواب ما قلت فماذا نصنع بهم قال سل العلماء فسألهم فقالوا لاعلم لنا بذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى توضع عليهم الجزية فقال لم وهم لا يرضون بذلك قال لانهم رضوا بالمقام في دارنا إلى أن يرد علينا رهننا وقد تحقق فوات ذلك فكانوا راضين بالمقام في درانا على التأبيد والكافر إذا رضى بذلك توضع عليه الجزية فاستحسن قوله واعتذر إليه ورده إلى بيته بمحمل وإذا أمن الرجل من أهل العدل رجلا من أهل البغي جاز أمانه لان وجوب قتل الباغي لا يكون أقوى من وجوب قتل المشرك ثم هناك يصح أمان واحد من المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم يسعى بذمتهم ادناهم فكذلك ههنا ولانه ربما يحتاج الي أن يناظره فعسى أن يتوب من غير قتال ولا يتأتى ذلك ما لم يأمن كل

[ 130 ]

واحد منهما من صاحبه وكذا ان قال لاسبيل عليك أو أمنه بالفارسية أو النبطية هكذا روى عن عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى أمراء الاجناد أيما مسلم قال لكافر مبرس أولا يذهل أولاده فهو أمان وكل من يصح أمانه للحربي يصح أمانه للباغى كالمرأة والعبد الذي يقاتل مع مولاه فان كان العبد لا يقاتل مع مولاه فأمانه لاهل البغى على الخلاف ولايجوز أمان الذمي وان كان يقاتل مع أهل العدل كما لا يجوز أمانه للكفار وإذا قاتل النساء من أهل البغي أهل العدل وسعهم قتلهن دفعا لقتالهن فإذا لم يقاتلن لم يسعهم قتالهن كما في حق أهل الحرب بل أولى فهذا القتال دفع محض فإذا قاتلن قتلن للدفع وإذا لم يقاتلن فلا حاجة إلى دفعهن وإذا كان قوم من أهل العدل في يدي أهل البغى تجار أو أسري فجني بعضهم على بعض ثم ظهر عليهم أهل العدل لم يقتص لبعضهم من بعض لانهم فعلوا ذلك حيث لا تصل إليهم يد امام أهل العدل ولا يجري عليهم حكمه فكأنهم فعلوا ذلك في دار الحرب ولا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضى أهل البغى لان أهل البغي فسقة وما لم يخرجوا ففسقهم فسق اعتقاد فأما بعدما خرجوا ففسقهم فسق التعاطى فكما لاتقبل شهادة الفاسق فكذلك كتاب الفاسق ولانهم يستحلون دماءنا وأموالنا فربما حكم قاضى أهل البغى بناء على هذا الاستحلال من غير حجة وان ظهر أهل البغى على مصر فاستعملوا عليه قاضيا من أهله وليس من أهل البغي فانه يقيم الحدود والقصاص والاحكام بين الناس بالحق لا يسعه الا ذلك لان شريحا رحمه الله تعالى تقلد القضاء من جهة بعض بني أمية والحسن رحمه الله تعالى كذلك وعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه بعدما استخلف لم يتعرض لقضاء القضاة الذين تقلدوا من جهة بني أمية والمعني فيه أن الحكم بالعدل ودفع الظلم عن المظلوم من باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وذلك فرض على كل مسلم الا أن كل من كان من الرعية فهو غير متمكن من الزام ذلك فانما تمكن من ذلك بقوة من قلده كان عليه أن يحكم بما هو فرض عليه سواء كان من قلده باغيا أو عادلا فان شرط التقليد التمكن وقد حصل فان كتب هذا القاضى كتابا الي قاضى أهل العدل بحق لرجل من أهل المصر بشهادة من شهد عنده بذلك أجازه إذا كان هذا القاضى الذى أتاه الكتاب يعرف الشهود الذين شهدوا عند ذلك القاضى وليسوا من أهل البغى لانهم لو شهدوا عنده بذلك كان عليه أن يقضى بشهادتهم فكذلك إذا نقل القاضى بكتابه شهادتهم إلى مجلسه وان كانوا من أهل البغى لا يجيز كتابه كما لو

[ 131 ]

شهدوا عنده بذلك لم يقض بشهادتهم على مابينا وكذلك ان كان لا يعرفهم لان الظاهر في منعة أهل البغى أن من يسكن فيهم فهو منهم فما لم يعلم خلافه وجب عليه الاخذ بالظاهر (قال) وما أصاب أهل البغي من القتل والاموال قبل أن يخرجوا ويحاربوا ثم صالحوا بعد الخروج على ابطال ذلك لم يجز وأخذوا بجميع ذلك من القصاص والاموال لان ذلك حق لزمهم للعباد وليس للامام ولاية اسقاط حقوق العباد فكان شرطهم اسقاط ذلك عنهم شرطا باطلا فلا يوفي به ويصنع بقتلى أهل العدل مايصنع بالشهيد فلا يغسلون ويصلى عليهم هكذا فعل على رضى الله عنه بمن قتل من أصحابه وأوصى عمار بن ياسر وحجر بن عدى وزيد بن صوحان رضي الله عنهم حين استشهدوا وقد رويناه في كتاب الصلاة ولا يصلى على قتلى أهل البغي ولا يغسلون أيضا ولكنهم يدفنون لاماطة الاذى هكذا روى عن على رضي الله عنه أنه لم يصل على قتلى النهروان ولان الصلاة عليهم الدعاء لهم والاستغفار قال الله تعالى وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم وقد منعنا من ذلك في حق أهل البغى ولان القيام بغسلهم والصلاة عليهم نوع موالاة معهم والعادل ممنوع من الموالاة مع أهل البغي في حياة الباغي فكذلك بعد وفاته وكان الحسن بن زياد رحمهما الله تعالى يقول هذا إذا بقيت لهم فئة فان لم يبق لهم فلا بأس للعادل بأن يغسل قريبه من أهل البغي ويصلى عليه وجعل ذلك بمنزلة قتل الاسير والتجهيز على الجريح لان في القيام بذلك مراعاة حق القرابة ولا بأس بذلك إذا لم يبق لهم فئة (قال) وأكره ان تؤخذ رؤسهم فيطاف بها في الآفاق لانه مثلة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور ولانه لم يبلغنا ان عليا رضى الله عنه صنع ذلك في شئ من حروبه وهو المتبع في الباب ولما حمل رأس يباب البطريق إلى أبى بكر رضي الله عنه كرهه فقيل ان الفرس والروم يفعلون ذلك فقال لسنا من الفرس ولا الروم يكفينا الكتاب والخبر وقد جوز ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا ان كان فيه كسر شوكتهم أو طمأنينة قلب أهل العدل استدلالا بحديث ابن مسعود رضى الله عنهم حين حمل رأس أبى جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه وإذا قتل العادل في الحرب أباه الباغي ورثه لانه قتل بحق فلا يحرمه الميراث كالقتل رجما أو في قصاص وهذا لان حرمان الميراث عقوبة شرعت جزاء على قتل محظور فالقتل المأمور به لا يصلح ان يكون سببا له وكذلك الباغي إذا قتل مورثه العادل

[ 132 ]

يرثه في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا يرثه في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لانه قتل بغير حق فيحرمه الميراث كما لو قتله ظلما من غير تأويل وهذا لان اعتقاده تأويله لا يكون حجة على مورثه العادل ولا على سائر ورثته وانما يعتبر ذلك في حقه خاصة يوضحه ان تأويل أهل البغى عند انضمام المنعة يعتبر على الوجه الذي يعتبر في حق أهل الحرب وتأثير ذلك في اسقاط ضمان النفس والمال لافي حكم التوريث إذ لا توارث بين المسلم والكافر فكذلك تأويل أهل البغى وهما يقولان المقاتلة بين الفئتين بتأويل الدين فيستويان في الاحكام وان اختلفا في الآثام كما في سقوط الضمان وكما في حق أهل الحرب مع المسلمين وكما ان قتل الباغي مورثه بغير حق فقتل الحربي كذلك بغير حق ثم لا يتعلق به حرمان الميراث حتى إذا جرح الكافر مورثه ثم أسلم ثم مات من تلك الجراحة ورثه وكما أن اعتقاده لا يكون حجة على العادل في حكم التوريث فكذلك في حكم سقوط حقه في الضمان لا يكون حجة ولكن قيل لما انقطعت ولاية الالزام بانضمام المنعة الي التأويل جعل الفاسد من التأويل كالصحيح في ذلك الحكم فكذلك في حكم التوريث ويكره للعادل أن يلي قتل أخيه وأبيه من أهل البغى اما في حق الاب لا يشكل فانه يكره له قتل أبيه المشرك كما قال تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا فالمراد في الابوين المشركين كذلك تأول الآية وهو قوله تعالى وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ولما استأذن حنظلة بن أبى عامر رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه المشرك كره له ذلك وقال يكفيك ذلك غيرك وكذلك لما استأذن عبد الله بن عبد الله بن أبى سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه المشرك نهاه عن ذلك ولا بأس بقتل اخيه إذا كان مشركا ويكره إذا كان باغيا لان في حق الباغي اجتمع حرمتان حرمة القرابة وحرمة الاسلام فيمنعه ذلك من القصد إلى قتله وفى حق الكافر انما وجد حرمة واحدة وهو حرمة القرابة فذلك لا يمنعه من القتل كالحرمة في حق الدين في حق الاجانب من أهل البغى فان قصده أبوه المشرك أو الباغي ليقتله كان للابن أن يمتنع منه يقتله لانه يقصد بفعله الدفع عن نفسه لاقتل أبيه وكل واحد مأمور بأن يدفع قصد الغير عن نفسه وان كان الرجل من أهل العدل في صف أهل البغى فقتله رجل لم يكن عليه فيه الدية كما لو كان في صف أهل الحرب لانا أمرنا بقتال الفريقين فكل من كان واقفا في صفهم فقتاله حلال

[ 133 ]

والقتال الحلال لا يوجب شيئا ولانه أهدر دمه حين وقف في صف أهل البغي وإذا دخل الباغى عسكر أهل العدل بأمان فقتله رجل من أهل العدل فعليه الدية كما لو قتل المسلم مستأمنا في دارنا وهذا لبقاء شبهة الاباحة في دمه حين كان دخوله بامان ألا ترى أنه يجب تبليغه مأمنه ليعود حربا فالقصاص يندرئ بالشبهات ووجوب الدية للعصمة والتقوم في دمه للحال (قال) وإذا حمل العادل على الباغي في المحاربة فقال قد تبت وألقى السلاح كف عنه لانه انما يقاتله ليتوب وقد حصل المقصود فهو كالحربي إذا أسلم ولانه يقاتله دفعا لبغيه وقتاله وقد اندفع ذلك حين ألقى السلاح وكذلك لو قال كف عني حتى أنظر في أمري فلعلي أتابعك وألقى السلاح لانه استأمن لينظر في أمره فعليه أن يجيبه إلى ذلك رجاء أن يحصل المقصود بدون القتال وفي حق أهل الحرب لا يلزمه اعطاء الامان لان الداعي إلى المحاربة هناك شركه ولا ينعدم ذلك بالقاء السلاح وههنا أهل البغي مسلمون وانما يقاتلون لدفع قتالهم فإذا ألقي السلاح واستمهله كان عليه أن يمهله ولو قال أنا على دينك ومعه السلاح لم يكف عنه بذلك لانه صادق فيما قال وقد بينا أن البغاة مسلمون وقد كان العادل مأمورا بقتالهم مع علمه بذلك فلا يتغير ذلك باخباره اياه بذلك وهذا لانه مادام حاملا للسلاح فهو قاصد للقتال ان تمكن منه فيقتله دفعا لقتاله وإذا غلب قوم من أهل البغي على مدينة فقاتلهم قوم آخرون من أهل البغى فهزموهم فأرادوا أن يسبوا ذرارى أهل المدينة لم يسع أهل المدينة الا أن يقاتلوا دون الذرارى لان ذرارى المسلمين لا يسبون فان البغاة ظالمون في سبيهم وعلي كل من يقوى على دفع الظلم عن المظلوم أن يقوم به كما قال صلى الله عليه وسلم لا حتى تأخذوا علي يدى الظالم فتأطروه على الحق أطرا وإذا وادع أهل البغى قوما من أهل الحرب لم يسع لاهل العدل أن يغزوهم لانهم من المسلمين وأمان المسلم إذا كان في فئة ممتنعة نافذ على جميع المسلمين فان غدر بهم أهل البغي فسبوهم لم يشتر منهم أهل العدل شيئا من تلك السبايا لاتهم ؟ كانوا في موادعة وأمان من المسلمين فالذين غدروا بهم لا يملكونهم ولكنهم يؤمرون باعادتهم إلى ما كانوا عليه حتى إذا تاب أهل البغى أمروا بردهم وكذلك ان كان أهل العدل هم الذين وادعوهم وان ظهر أهل البغى علي أهل العدل حتى ألجؤهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغى لان حكم أهل الشرك ظاهر عليهم ولا يحل لهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغى من

[ 134 ]

المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر ولا بأس بأن يستعين أهل العدل يقوم ؟ من أهل البغى وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرا لانهم يقاتلون لاعزاز الدين والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب وإذا لم يكن لاهل البغى منعة وانما خرج رجل أو رجلان من أهل مصر على تأويل يقاتلان ثم يستأمنان أخذا بجميع الاحكام لانهما بمنزلة اللصوص وقد بينا أن التأويل إذا تجرد عن المنعة لا يكون معتبرا لبقاء ولاية الالزام بالمحاجة والدليل انهما معتقدان الاسلام فيكونان كاللصين في جميع ما أصابا وإذا اشتد رجل على رجل في المصر بعصا أو حجر فقتله المشدود عليه بحديدة قتل به في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا اشتد عليه بشئ لو قتله به قتله فقتله المشدود عليه فدمه هدر وينبغى له ان يقتله وهذه المسألة تنبني على مسألة كتاب الديات ان القتل بالحجر والعصا لا يوجب القصاص عند أبى حنيفة رحمه الله وعندهما مالا يثبت من الحجر الكبير والعصا بمنزلة السلاح في انه يجب القصاص به بخلاف العصا الصغير ثم المشدود عليه يتمكن من دفع شر القتل عن نفسه إذا صار مقصودا بالقتل وإقدامه علي ما هو مباح له أو مستحق عليه شرعا لا يوجب عليه شيئا فإذا كان عندهما الحجر الكبير كالسلاح فنقول الشاد لو حقق مقصوده لزمه القصاص فبمجرد قصده يهدر دمه بل أولى لان هدر الدم واباحة القتل بمجرد القصد أسرع ثبوتا حتى كان للابن ان يقتل اباه إذا قصده دفعا للضرر وان كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القود وكذلك الصبي والمجنون إذا قصد قتل انسان بالسلاح يباح قتله دفعا وان كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص ثم مالا يثبت عندهما آلة القتل كالسلاح فالمقصود بالقتل دفع شر القتل عن نفسه فلا يلزمه شئ وعند أبى حنيفة العصا والحجر ليس بآلة القتل فهو لا يدفع القتل عن نفسه وانما يدفع الاذى عن نفسه وبالحاجة إلى دفع الاذى لا يباح له الاقدام على القتل ولان الشاد لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص فبمجرد القصد أيضا لا يهدر دمه (فان قيل) ان كان لا يخاف على نفسه من جهة القتل بخلاف الجرح وحرمة أطرافه لا تكون دون حرمة ماله ولو قصد ماله كان له ان يقتله دفعا فهنا أولى (قلنا) بناء هذا الحكم على قصده وقصده ههنا النفس لا الطرف والمشدود عليه لا يخاف القتل من جهة لانه في المصر بالنهار فيلحقه الغوث قبل ان يأتي على نفسه فلهذا

[ 135 ]

لا يباح الاقدام على قتله بخلاف ما إذا كان بالليل أو كان بالمفازة لان الغوث بالبعد منه عادة فالى ان ينتبه الناس ويخرجوا ربما يأتي على نفسه فكان هو دافعا شر القتل عن نفسه وبخلاف السلاح فانه آلة القتل من حيث أنه جارح فالظاهر أنه يأتي على نفسه قبل أن يلحقه الغوث فيباح له أن يقتله دفعا فلا يلزمه به شئ ولا يفصل بين قصده إلى المال أو إلى النفس بل هو على التقسيم الذي قلنا سواء أراد نفسه أو ماله ومقصوده من ايراد هذه المسألة ههنا الفرق بين اللصوص وبين أهل البغي فان في حق اللصوص المنعة تجردت عن تأويل وقد بينا ان في حق أهل البغى ان المغير للحكم اجتماع المنعة والتأويل وأنه إذا تجرد احدهما عن الآخر لا يتغير الحكم في حق ضمان المصاب والعبد في جميع ما ذكرنا كالحر وعلى هذا لو ان لصوصا غير متأولين غلبوا على مدينة فقتلوا الانفس واستهلكوا الاموال ثم ظهر عليهم أهل العدل أخذوا بجميع ذلك لتجرد المنعة عن التأويل وإذا غلب أهل البغى على مدينة فاستعملوا عليها قاضيا فقضى باشياء ثم ظهر أهل العدل على تلك المدينة فرفعت قضاياه إلى قاضى أهل العدل فانه ينفذ منها ماكان عدلا لانه لو نقضها احتاج الي إعادة مثلها والقاضى لا يشتغل بما لا يفيد ولا ينقض شيئا ليعيده وكذلك ان قضى بما رآه بعض الفقهاء لان قضاء القاضى في المجتهدات نافذ فلا ينقض ذلك قاضى أهل العدل من قضايا من تقلد من أهل البغى وان كان مخالفا لرأيه وإذا اجتمع عسكر أهل العدل والبغى على قتال أهل الحرب فغنموا غنيمة اشتركوا فيها لانهم مسلمون اشتركوا في القتال لاعزاز الدين وفى احراز الفئ بدار الاسلام وهو معني قول على رضى الله عنه لن نمنعكم الفئ مادامت أيديكم مع أيدينا ويأخذ خمسها أهل العدل ليصرفوا ذلك إلى المصارف فان أهل البغى لا يفعلون ذلك لانهم يستحلون أموالنا فالظاهر أنهم لا يصرفون الخمس إلى مصارفه ولان أهل العدل يؤمرون بأن يتكلفوا لتكون الراية لهم وانما يظهر ذلك إذا كانوا هم الذين أخذوا الخمس وكذلك ان غنم أحد الفريقين دون الآخر اشتركوا فيها لان بعضهم ردء البعض وقد اشتركوا في الاحراز وكذلك إذا غزا الامام بجند المسلمين فمات في أرض الحرب واختلف الجند فيمن يستخلفونه ثم غنموا أو غنمت طائفة منهم اشتركوا فيها لانهم مع هذا الاختلاف يجتمعون على قتال أهل الحرب لاعلاء كلمة الله تعالى واعزاز الدين فيشتركون في المصاب وقد بينا ان جيشا لهم منعة لو دخلوا دار الحرب من غير اذن الامام خمس ما أصابوا وقسم ما بقى بينهم علي سهام الغنيمة

[ 136 ]

فكذلك حال الذين قاتلوا بعد ما مات الامام قبل أن يستخلفوا غيره وإذا استعان قوم من أهل البغي بقوم من أهل الحرب على قتال أهل العدل وقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل قال يسبى أهل الحرب وليست استعانة أهل البغى بهم بأمان لهم لان المستأمن يدخل دار الاسلام تاركا للحرب وهؤلاء ما دخلوا دار الاسلام الا ليقاتلوا المسلمين من أهل العدل فعرفنا أنهم غير مستأمنين ولان المستأمنين لو تجمعوا وقصدوا قتال المسلمين وناجزوهم كان ذلك منهم نقضا للامان فلان يكون هذا المعنى مانعا ثبوت الامان في الابتداء أولى وكذلك أهل البغي إذا دعوا قوما من أهل الحرب فأعان أولئك القوم من أهل الحرب على أهل العدل فقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل فانهم يسبونهم لما بينا أن موادعة أهل البغي وان كانت عاملة في حق أهل العدل فهم بالقصد إلى مال أهل العدل صاروا ناقضين لتلك الموادعة والتحقوا بمن لاموادعة لهم من أهل الحرب في حكم السبى من لحق بعسكر أهل البغى وحارب معهم لم يكن فيه حكم المرتد حتى لا يقسم ماله بين ورثته ولا تنقطع العصمة بينه وبين امرأته فان عليا رضي الله تعالى عنه لم يفعل ذلك في حق أحد ممن التحق من أهل عسكره بمن خالف ولما قال للذى أتاه بعد ذلك يخاصم في زوجته أنت الممالئ علينا عدونا قال أو يمنعنى ذلك عدلك فقال لاو قضى له بزوجته ولان الموت الحكمى انما يثبت بتباين الدارين حقيقة وحكما وذلك لا يوجد ههنا فمنعة أهل البغي وأهل العدل كلها في دار الاسلام فلهذا لا يقسم ماله بين ورثته ولا تنقطع العصمة بينه وبين زوجته والله أعلم (باب آخر في الغنيمة) (قال) قال أبو حنيفة رحمه الله المقطوع في الحرب وصاحب الديون في الغنيمة سواء لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغنيمة قال لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم فقال السائل فهل أحدا حق بشئ من غيره قال لاحتى لو رميت بسهم في جنبك فاستخرجته لم تكن أحق به من صاحبك ولان السبب هو القهر على وجه يكون فيه اعزاز الدين والمتطوع في ذلك كصاحب الديون ومن دخل دار الحرب للتجارة وهو في عسكر المسلمين فلا حق له في الغنيمة الا ان يلقى المسلمون العدو فيقاتل معهم فيشاركهم حينئذ لان التاجر ماكان

[ 137 ]

قصده عند الانفصال إلى دار الحرب القتال لاعزاز الدين وانما كان قصده التجارة فلا يكون هو من الغزاة وان كان فيهم الا ان يقاتل فحينئذ يتبين بفعله ان مقصوده القتال ومعنى التجارة تبع فلا يحرمه ذلك سهمه وقيل نزل قوله عزوجل ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم يعنى التجارة في طريق الحج فكذلك في طريق الغزو وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير الذى لا يطيق القتال والذين بهم زمانة لا يطيقون القتال فنهى عن ذلك وكرهه والاصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأي امرأة مقتولة هاما كانت هذه تقاتل فهذا تنصيص على انها لا تقتل والشيخ الكبير ومن به زمانة بهذه الصفة قالوا وهذا إذا كان لا يقاتل برأيه وأما إذا كان يقاتل برأيه ففي قتله كسر شوكتهم فلا بأس بذلك فان دريد بن الصمة قتل يوم حنين وكان ابن مائة وستين سنة وقد عمى وكان ذا رأي في الحرب (قال) وسألته عن أصحاب الصوامع والرهبان فرأي قتلهم ؟ حسنا وفى السير الكبير مروي عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انهم لا يقتلون وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله وقيل لا خلاف في الحقيقة فانهم ان كانوا يخالطون الناس يقتلون عندهم جميعا لان المقاتلة يصدرون عن رأيهم وهم الدين يحثونهم على قتال المسلمين وان كانوا طينوا على أنفسهم الباب ولا يخالطون الناس أصلا فانهم لا يقتلون لانهم لا يقاتلون بالفعل ولا بالحث عليه وقيل بل في المسألة خلاف فهما استدلا بوصية أبى بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبى سفيان حيث قال وستلقى أقواما من أصحاب الصوامع والرهبان زعموا انهم فرغوا أنفسهم للعبادة فدعهم وما فرغوا أنفسهم له والمعني فيه انهم لا يقاتلون والقتل لدفع القتال فكانوا هم في ذلك كالنساء والصبيان وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول هؤلاء من ائمة الكفر قال تعالى فقاتلوا ائمة الكفر فمعني هذا الكلام انهم فرغوا أنفسهم للاصرار على الكفر والاشتغال بما يمنع عنه في الاسلام والظاهر ان الناس يقتدون بهم فهم يحثون الناس على القتال فعلا وان كانوا لا يحثونهم على ذلك قولا ولانهم بما صنعوا لا تخرج بنيتهم من أن تكون صالحة للمحاربة وان كانوا لا يشتغلون بالمحاربة كالمشغولين بالتجارة والحراثة منهم بخلاف النساء والصبيان (قال) وسألته عن الرجل يأسر الرجل من أهل العدو هل يقتله أو يأتي به الامام قال أي ذلك فعل فحسن لان بالاسر ما تسقط الاباحة من دمه حتى يباح للامام ان يقتله فكذلك يباح لمن أسره كما قبل أخذه

[ 138 ]

ولما قتل أمية بن خلف بعدما أسر يوم بدر لم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتله وان أتى به الامام فهو أقرب إلى تعظيم حرمة الامام والاول أقرب إلى اظهار الشدة على المشركين وكسر شوكتهم فينبغي ان يختار من ذلك ما يعلمه أنفع وأفضل للمسلمين (قال) وسألته عن الرجل من أهل الحرب يقتله المسلمون هل يبيعون جيفته من أهل الحرب قال لا بأس في ذلك بدار الحرب في غير عسكر المسلمين وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أكره ذلك وأنهي عنه وأصل الخلاف في عقود الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد بيناه وأشار إلى المعنى ههنا فقال أموال أهل الحرب تحل للمسلمين بالغصب فبطيب أنفسهم أولى معناه أو في غير عسكر المسلمين لا امان لهم في المال الذى جاؤا به فان للمسلمين أن يأخذوه بأي طريق يتمكنون من ذلك ولايكون هذا أخذا بسبب بيع الميتة والدم بل بطريق الغنيمة ولهذا يخمس ويقسم ما بقي بينهم على طريق الغنيمة وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال لا بأس بذلك ان كان حكم الاسلام هو الظاهر الغالب لان قتالهم بهذه الصفة لاعزاز الدين والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب ولكن يرضخ لاولئك ولا يسهم لان السهم للغزاة والمشرك ليس بغاز فان الغزو عبادة والمشرك ليس من أهلها وأما الرضخ لتحريضهم على الاعانة إذا احتاج المسلمون إليهم بمنزلة الرضخ للعبيد والنساء (قال) وسألته عن الاسير يقتل أو يفادى قال لا يفادي ولكنه يقتل أو يجعل فيئا أي ذلك كان خيرا للمسلمين فعله الامام والكلام ههنا في فصول (أحدها) مفاداة الاسير بمال يؤخذ من أهل الحرب فان ذلك لا يجوز عنده وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجوز بالمال العظيم وذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير ان ذلك يجوز إذا كان بالمسلمين حاجة إلى المال لقوله تعالى فإما منا بعد واما فداء والمراد به الاسارى بدليل أول الآية فشدوا الوثاق ولما شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضى الله تعالى عنهم في الاسارى يوم بدر أشار أبو بكر رضى الله عنه بالمفاداة فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لما رأي من حاجة أصحابه الي المال في ذلك الوقت والمعنى فيه أن استرقاق الاسير جائز وفيه منفعة للمسلمين من حيث المال فإذا فادوه بمال عظيم فمنفعة المسلمين من حيث المال في ذلك أظهر فيجوز ذلك ولايجوز قتله وفيه ابطال حق الغانمين عنه بغير عوض فلان يجوز بعوض وهو المال

[ 139 ]

الذى يفادى به كان أولى (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فبهذا تبين أن قتل المشرك عند التمكن منه فرض محكم وفى المفاداة ترك اقامة هذا الفرض وسورة براءة من آخر ما نزل فكانت هذه الآية قاضية على قوله تعالى فاما منا بعد واما فداء على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفاداة الاسارى يوم بدر كيف وقد قال تعالى لولا كتاب من الله اسبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال صلى الله عليه وسلم لو نزل العذاب مانجى منه الا عمر فانه كان أشار بقتلهم واستقصي في ذلك وقال تعالى وان يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم فما أخبر الله تعالى عن الامم السالفة على وجه الانكار عليهم ففائدتنا أن لانفعل مثل ما فعلوا وحديث أبى بكر رضى الله عنه في الاسير حيث قال لاتفادوه وان أعطيتم به مدين من ذهب ولانه صار من أهل دارنا فلا يجوز اعادته إلى دار الحرب ليكون حربا علينا بمال يؤخذ منه كأهل الذمة وبه فارق الاسترقاق لان في ذلك تقرير كونه من أهل دارنا لا لمقصود المال كأخذ الجزية من أهل الذمة ولان تخلية سبيل المشرك ليعود حربا للمسلمين معصية وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز وقتل المشرك فرض ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة إلى المال فكذلك لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة يوضحه أن في هذا تقوية المشركين بمعنى يختص بالقتال وذلك لا يجوز لمنفعة المال كما لا يجوز بيع الكراع والسلاح منهم بل أولى لان قوة القتال بالمقاتل أظهر منه بآلة القتال وعن ممحد رحمه الله تعالى قال لا يجوز المفاداة للشيخ الكبير الذى لا يرجي له نسل ولا رأى له في الحرب بالمال لان مثله لا يقتل وليس في المفاداة ترك القتل المستحق ولا تقوية المشركين باعادة المقاتل إليهم فهو كبيع الطعام وغيره من الاموال منهم فأما مفاداة الاسير بالاسير لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي رواية عنه أنه جوز ذلك وهو قولهما لان في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين وذلك جائز كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح أو غير ذلك وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان قتل المشركين فرض محكم فلا يجوز تركه بالمفاداة وهذا لانه إذ ابتلى الاسير المسلم بعذاب أو فتنة من جهتهم فذلك لا يكون مضافا إلى فعل المسلم وإذا خلينا سبيل المشرك ليعود حربا لنا فذلك بفعل مضاف الينا فمراعاة هذا الجانب أولى وهذا لانا أمرنا ببذل النفوس والاموال لنتوصل إلى

[ 140 ]

قتلهم فبعد التمكن من ذلك لا يجوز تركه للخوف على الاسير المسلم ولان أسيرهم صار من أهل دارنا بمنزلة الذمي فكما لا يجوز اعادة الذمي إليهم بطريق المفاداة بأسير المسلمين فكذلك بأسيرهم ويستوى ان طلب مفاداة أسير بأسير أو أسيرين بأسير منهم لان الظاهر انهم انما يطلبون ذلك لقوة قتال ذلك الاسير وفى المفاداة تقويتهم على قتال المسلمين وقد بينا أن ذلك ممتنع شرعا ثم قال أبو يوسف رحمه الله تعالى تجوز المفاداة بالاسير قبل القسمة ولايجوز بعد القسمة لان قبل القسمة لم يتقرر كونه من أهل دارنا حتى كان للامام أن يقتله وقد تقرر ذلك بعد القسمة حتى ليس للامام أن يقتله فكان بمنزلة الذى بعد القسمة وجعل قوله حتى تضع الحرب أوزارها كناية عن القسمة لان تحققه يكون عند ذلك ومحمد رحمه الله تعالى يجوز المفاداة بالاسير بعد القسمة لان المعني الذى لاجله جوزنا ذلك قبل القسمة الحاجة الي تخليص المسلم من عذابهم وهذا موجود بعد القسمة وحقهم في الاسترقاق ثابت قبل القسمة وقد صار بذلك من أهل دارنا ثم تجوز المفاداة به لهذه الحاجة فكذلك بعد القسمة وقال لو انفلتت إليهم دابة مسلم فأخذوها في دارهم ثم ظهر المسلمون عليها أخذها صاحبها قبل القسمة بغير شئ وبعد القسمة بالقيمة لانه لايد للدابة في نفسها فتحقق احراز المشركين اياها بالاخذ في دارهم بخلاف الآبق على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقد بيناه وان خرج رجل من المشركين بمال أصابه من المسلمين ليبيعه في دار الاسلام فلا سبيل المالك القديم عليه كما لو أسلم أو صار ذميا لانا أعطيناه الأمان فيما معه من المال وفى أخذ ذلك منه ترك الوفاء بالامان الا في العبد الآبق فان أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال يأخذه مولاه حيث ما وجده بغير شئ لانهم لم يملكوه وانما أعطيناه الامان فيما هو مملوك له وإذا أسر المشركون جارية لمسلم فأحرزوها ثم اشتراها منهم مسلم فعميت عندهم لم يكن لمولاها أن يأخذها الا بجميع الثمن في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيما أعلم لان الثمن يعطيه المالك القديم فداء وليس ببدل والفداء بمقابلة الاصل دون الوصف ألا ترى أن العبد الجاني إذا عمى عند مولاه واختار الفداء لزمه الفداء بجميع الدية ولان المولى إذا اختار الاخذ بالثمن يصير المشتري كالمأمور من جهته بالشراء له ولو كان أمره بذلك فعميت عنده لم يسقط عنه شئ من الثمن فهذا مثله وكذلك لو قطعت يدها فأخذ المشترى أرشها فان مولاها يأخذها دون الارش بجميع الثمن لان الارش دراهم ودنانير

[ 141 ]

وهى لاتفدى فإذا كان حق المولى في الارش لا يثبت كان هذا في حقه وما لو سقطت اليد بآفة سواء فلا يسقط شئ من الفداء عن المولى بسلامة الارش للمشترى ألا ترى أن المشترى لو كان هو الذى قطع يدها أو فقأ عينها لم ينتقص شئ من الفداء باعتباره فكذلك إذا فعل ذلك غيره لان سلامة البدل كسلامة الاصل وبه يظهر الفرق بين هذا وبين الشفعة فان هناك لو هدم المشترى شيئا من البناء سقط عن الشفيع حصته من الثمن فكذا إذا فعله غيره يسلم للمشترى بدله وهذا لان ما يعطيه الشفيع بدل وما صار مقصودا من الاوصاف يكون له حصة من البدل كما لو فقأ البائع عين المبيعة قبل القبض وكذلك ان ولدت عند المشترى فاعتق المشتري الام أو الولد أخذ الباقي منهما بجميع الثمن وكذلك لو قتل الولد فاختار الاخذ فله ان يأخذ الامام بجميع الثمن لان الولد جزء من الاصل فاتلاف الولد كاتلاف جزء منها وإذا بقى الولد فبقاء الجزء في حكم الفداء كبقاء الاصل ولم يذكر الخلاف ههنا فيما إذا أتلف الام وبقى الولد وفى ذلك اختلاف بين أبي يوسف ومحمد وقد قررنا ذلك فيما أمليناه من شرح الجامع ولو ان رجلا باع أمة من رجل فلم يقبضها المشترى ولم ينقد الثمن حتى أسرها أهل الحرب فاشتراها منهم رجل لم يكن للمشترى عليها سبيل حتى يأخذها البائع لان قبل الاسر كان البائع أحق بها ليحبسها بالثمن فكذلك بعد الاسر هو أحق بأن يأخذها بالثمن ليعيد حقه في الحبس وإذا أخذها بالثمن كان للمشترى أن يأخذها بالثمنين جميعا الثمن الاول الذى اشتراها به والثاني الذى افتكها به لان قصده بما أدي من الفداء إحياء حقه وكان لا يتوصل إلى احياء حقه الا بذلك فلم يكن متبرعا فيما أدى وكل حر اسره أهل الحرب ثم اسلموا عليه فهو حر لانهم لم يملكوه بالاسر فكانوا ظالمين في حبسه فيؤمرون بعد الاسلام بتخلية سبيله وكذلك أم الولد والمدبر والمكاتب لان أهل الحرب لم يملكوهم لما ثبت فيهم من حق الحرية أو اليد المحترمة للمكاتب في نفسه ولهذا لا يملكون بالبيع فكذلك بالاسر ولو ان الحر أمر تاجرا في دراهم فاشتراه منهم كان للمشترى ان يرجع عليه بالثمن لانه أمره بأن يعطى مال نفسه في عمل يباشره له فيرجع عليه بذلك كما لو أمره بأن ينفق عليه أو على عياله والمكاتب كذلك لان أحق بكسبه وأمره بالفداء صحيح في كسبه كأمر الحر وأما المدبر وأم الولد فانه يرجع عليهما بالثمن إذا أعتقا لان كسبهما ملك مولاهما وأمرهما غير معتبر في حق المولى ولكنه معتبر في حقهما فيكون هذا بمنزلة

[ 142 ]

كفالة أو اقرار منهما بمال فيؤخذان به بعد العتق وان اشتراهم بغير امرهم لم يملكهم لان البائع يكن مالكا لهم فكذلك المشترى لا يملكهم وبطل ماله لانه متبرع فيما فدى به غير مجبر على ذلك شرعا ولا مأمور به من جهة من حصلت له المنفعة فلا يرجع عليه بشئ كما لو انفق على عيال رجل بغير أمره ولو ان رجلا حرا أمر رجلا ان يشترى حرا من دار الحرب بعينه بمال سماه فاشتراه لم يكن له على الحر الذى اشتراه من ذلك شئ لانه لم يأمره بما فعل وكان للمأمور ان يرجع على الذى أمره ان كان ضمن له الثمن أو قال اشتره لي لانه استعمله وضمن له ما يؤدي من مال نفسه وان كان قال له اشتره لنفسه واحتسب فيه لم يرجع عليه بشئ لانه أشار عليه بما هو تبرع واحسان ولم يستعمله ولاضمن له شيئا والرجوع عليه بهذا الطريق يكون وإذا اشترى من المشركين عبدا كانوا أسروه من المسلمين فرهنه المشترى ثم جاء مولاه الاول لم يكن له عليه سبيل حتى يفتكه الراهن لان الراهن بعقد الرهن أوجب الحق للمرتهن في ماليته وصح ذلك منه بمصادفة تصرفه ملكه ولا يتمكن المولى من أخذه من المرتهن لانه ليس بمالك له ولامن الراهن قبل الفكاك لقصور يده عنه بحق المرتهن فان أراد ان يتطوع بأداء الدين ثم يعطى الراهن الثمن فذلك له لانه أوصل إلى المرتهن حقه وهو متطوع في الدين الذى أدى لانه متبرع بقضاء الدين عن الغير ولانه فادى ملك الغير وهذا بخلاف البائع فانه قبل التسليم هو بمنزلة المالك يدا وانما فادى حقا له يوضحه ان هناك لا طريق له في التواصل إلى احياء حقه الا بما أدى من الفداء فلا يجعل متبرعا فيه وههنا للمولى القديم طريق إلى ذلك بدون قضاء الدين وهو ان يصبر حتى يفتك الراهن فيأخذه حينئذ (قال) ولا يجبر الراهن على افتكاكه لان الاحياء لحق ثابت في العين في الحال ولاحق للمولى القديم في الاخذ ما لم يسقط حق المرتهن فلهذا لا يجبر على افتكاكه ولو كان أجره المشترى إجارة كان لمولاه أن يأخذه بالثمن ويبطل الاجارة فيما بقي لان الاجارة عقد ضعيف ينقض بالعذر ألا ترى انها تنقض بالرد بسبب فساد البيع والرد بالعيب بخلاف الرهن فكذلك تنقض بالرد على المالك القديم بالثمن بخلاف الرهن وإذا غلب قوم من أهل الحرب على قوم آخرين من أهل الحرب فاتخذوهم عبيد للملك ثم ان الملك وأهل أرضه أسلموا أو صاروا ذمة فأولئك المغلوبون عبيد له يصنع بهم ما شاء لما بينا أنهم نهبة فالمقهورون منهم صاروا مملوكين للقاهر باحرازه اياهم بمنعته لان قهره بالذين هم جنده

[ 143 ]

يطيعونه كقهره بنفسه وأما جنده الذين غلب بهم فهم احرار لانه كان قاهرا بهم لا لهم فكانوا قبل الاسلام احرارا وبالاسلام تتأكد حريتهم ولا تبطل وان حضر الملك الموت فورث ماله بعض بنيه دون بعض أو جعل لكل واحد من بنيه موضعا معلوما فان كان صنع ذلك قبل أن يسلم أو يصير ذمة ثم أسلم ولده بعده فهو جائز على ما صنع لان الولد الذي ملكه أبوه صار قاهرا مالكا لما أعطاه ولو فعل ذلك بعد موت أبيه بقوته بنفسه أو أتباعه كان يتم ملكه فكذلك إذا فعله بقوة أبيه ومنعته وما كان هو مالكا له قبل الاسلام فبالاسلام يتأكد ملكه فيه وكذلك ان كان فعله وهو موادع للمسلمين جاز أيضا لان بالموادعة لا تخرج أمواله من أن تكون نهبة تملك بالقهر وانما يحرم علينا أخذه لمعنى الغدر وهذا لان بالموادعة لا يصير محرزا له فان داره لا تصير دار الاسلام فكان ما فعله بعد الموادعة من تخصيص بعض الاولاد بتمليك المال منه كالمفعول قبل الموادعة ولانه ما التزم أحكام الاسلام والمنع من إيثار بعض الاولاد على البعض من حكم الاسلام وان كان جعله لابنه فظهر عليه ابن آخر له بعده فقتله أو نفاه وغلب على ما في يده ثم أسلم كان للابن القاهر ما غلب عليه من ذلك لما بينا أنه بالقهر يصير متملكا عليه ذلك المال لبقائه على الاباحة بعد الموادعة في حق ما بينهم فان ذلك هذا الابن بعدما أسلم الابن المقهور أو صار ذمة غلبه على جميع ذلك أو أخرج منه أخاه فان صنعه وهو محارب فجميع ما غلبه عليه له ان أسلم أو صار ذمة لانه تم احرازه لمال المسلم أو الذمي فيملكه ويتأكد ملكه باسلامه وان صنعه وهو مسلم أو ذمى أمر برد ذلك عليه لانهم جميعا من أهل دار الاسلام فلا يملك بعضهم مال بعض بالقهر وان صنع وهو محارب ثم ظهر المسلمون على ذلك فان وجد الابن الاول قبل القسمة أخذه بغير شئ وان وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة وان اشتراه مسلم منهم وسعه ذلك وكان للاول أن يأخذه منه بالثمن ان شاء كما هو الحكم في أهل الحرب إذا أحرزوا مال المسلمين وان كان الابن القاهر صنع ذلك وهما مسلمان أو ذميان فلا ينبغي للمسلمين ان يشتروا منه شيئا من ذلك لانه غاصب غير مالك وهو مأمور بالرد ولا يسع أحد أن يشترى منه شيئا من ذلك وان اشتراه أخذه منه الاول بغير ثمن لان البائع لم يكن مالكا فكذلك المشترى منه لا يكون مالكا بل يؤمر برده على المالك مجانا وان ارتد هذا الابن القاهر بعد ذلك ومنع الدار وأجرى حكم الشرك في داره فقد تم إحرازه وصارت داره

[ 144 ]

دار حرب عندهما باجراء أحكام الشرك فيها وعند أبى حنيفة رضى الله عنه بالشرائط الثلاثة كما بينا فان ظهر المسلمون على تلك الدار بعد ذلك أخذ الابن المقهور ما وجد من ماله قبل القسمة بغير شئ وما وجده بعد القسمة بالقيمة لانه مال مسلم احرزه أهل الحرب بدارهم ثم ظهر المسلمون عليه وقد بينا الحكم فيه فيما سبق والله أعلم انتهى شرح السير الصغير المشتمل على معني اثير باملاء المتكلم بالحق المنير المحصور لاجله شبه الاسير المنتظر للفرج من العالم القدير السميع البصير المصلى على البشير الشفيع لامته النذير وعلى كل صاحب له ووزير والله هو اللطيف الخبير

[ 145 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الاستحسان) (قال) الشيخ الامام الاجل الزاهد الاستاذ شمس الائمة وفخر الاسلام أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى كان شيخنا الامام يقول الاستحسان ترك القياس والاخذ بما هو أوفق للناس وقيل الاستحسان طلب السهولة في الاحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام وقيل الاخذ بالسعة وابتغاء الدعة وقيل الاخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر وهو أصل في الدين قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال صلى الله عليه وسلم خير دينكم اليسر وقال لعلى ومعاذ رضى الله تعالى عنهما حين وجههما إلى اليمن يسرا ولا تعسرا قربا ولا تنفرا وقال صلى الله عليه وسلم الا أن هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق ؟ ولا تبغضوا عبادة الله فان المنبت ؟ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى القياس والاستحسان في الحقيقة قياسان احدهما جلى ضعيف أثره فسمى قياسا والآخر خفي قوى اثره فسمى استحسانا أي قياسا مستحسنا فالترجيح بالاثر لا بالخفاء والظهور كالدنيا مع العقبى فان الدنيا ظاهرة والعقبي باطنة وترجحت بالصفاء والخلود وقد يقوى أثر القياس في بعض الفصول فيؤخذ به وهو نظير الاستدلال مع الطرد فانه صحيح والاستدلال بالمؤثر أقوي منه والاصل فيه قوله تعالى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه والقرآن كله حسن ثم أمر باتباع الاحسن وبيان هذا ان المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المرأة عورة مستورة ثم أبيح النظر الي بعض المواضع منها للحاجة والضرورة فكان ذلك استحسانا لكونه أرفق بالناس كما قلنا والكرخي رحمه الله تعالى في كتابه ذكر مسائل هذا الكتاب وسماه كتاب الحظر والاباحة لما فيه من بيان ما يحل ويحرم من المس والنظر ولو سماه كتاب الزهد والورع كان مستقيما لان بين فيه غض البصر وما يحل ويحرم من المس والنظر وهذا

[ 146 ]

هو الزهد والورع ثم بدأ الكتاب بمسائل النظر وهو ينقسم أربعة أقسام نظر الرجل إلى الرجل ونظر المرأة إلى المرأة والمرأة إلى الرجل والرجل إلى المرأة اما بيان القسم الاول فانه يجوز للرجل أن ينظر إلى الرجل الا إلى عورته وعورته مابين سرته حتى يجاوز ركبتيه لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن وجده رضى الله عنهم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته وفي رواية ما دون سرته حتى يجاوز ركبته وبهذا تبين ان السرة ليست من العورة بخلاف ما يقوله أبو عصمة سعد بن معاذ أنه احد حدى العورة فيكون من العورة كالركبة بل هو أولى لانه في معنى الاشتهاء فوق الركبة (وحجتنا) في ذلك ماروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان إذا تزر أبدى عن سرته وقال أبو هريرة للحسن رضى الله عنهما أرنى الموضع الذى كان يقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منك فابدي عن سرته فقبلها أبو هريرة رضى الله عنه والتعامل الظاهر فيما بين الناس انهم إذا اتزروا في الحمامات أبدوا عن السرة من غير نكير منكر دليل على انه ليس بعورة فأما ما دون السرة عورة في الرواية للحديث الذى روينا وكان أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى يقول إلى موضع نبات الشعر ليس من العورة أيضا لتعامل العمال في الابداء عن ذلك الموضع عند الاتزار وفي النزع عن العادة الظاهرة نوع حرج وهذا بعيد لان التعامل بخلاف النص لا يعتبر وانما يعتبر فيما لانص فيه فأما الفخذ عورة عندنا وأصحاب الظواهر يقولون العورة من الرجل موضع السرة وأما الفخذ ليس بعورة لقوله تعالى بدت لهما سوآتهما والمراد منه العورة وفى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في حائط رجل من الانصار وقد دلى ركبته في ركية وهو مكشوف الفخذ إذ دخل أبو بكر رضى الله عنه فلم يتزحزح ثم دخل عمر رضى الله عنه فلم يتزحزح ثم دخل عثمان رضى الله عنه فتزحزح وغطى فخذه فقيل له في ذلك فقال الا أستحيى ممن تستحيى منه الملائكة فلو كان الفخذ من العورة لما كشفه بين يدى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما (وحجتنا) في ذلك ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقال له جرهد وهو يصلى مكشوف الفخذ فقال له عليه الصلاة والسلام وار فخذك اما علمت أن الفخذ عورة وحديث عمرو بن شعيب رضى الله عنه نص فيه فأما الحديث الذى رواه فقد ذكر في بعض الروايات أنه كان مكشوف الركبة ثم تأويله أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما حين دخلا جلسا في موضع لم يقع بصرهما

[ 147 ]

على الموضع الذى كان مكشوفا منه فلما دخل عثمان رضى الله عنه لم يبق الا موضع لو جلس فيه وقع بصره على ركبته فلهذا غطاه فأما الآية فالمراد بالسوأة العورة الغليظة وبه نقول ان العورة الغليظة هي السوأة ولكن حكم العورة ثبت فيما حول السوأتين باعتبار القرب من موضع العورة فيكون حكم العورة فيه أخف فأما الركبة فهي من العورة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليست من العورة لحديث أنس رضى الله عنه ما أبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبته بين يدى جليس قط وانما قصد بهذا ذكر الشمائل فلو كانت الركبة من العورة لم يكن هذا من جملة الشمائل لان ستر العورة فرض ولانه حد العورة فلا يكون من العورة كالسرة وهذا لان الحد لايدخل في المحدود (وحجتنا) في ذلك حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الركبة من العورة وما ذكر في حديث عمرو بن شعيب حتى تجاوز الركبة دليل على أن الركبة من العورة ولان الركبة ملتقي عظم الساق والفخذو عظم الفخذ عورة وعظم الساق ليس بعورة فقد اجتمع في الركبة المعنى الموجب لكونها عورة وكونها غير عورة فترجح الموجب لكونها عورة احتياطا قال صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحلال والحرام في شئ الاغلب الحرام الحلال فأما حديث أنس رضى الله عنه فالمروى مامد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجليه بين يدى جليس قط وهذا من الشمائل وابداء الركبة على ما ذكر في بعض الروايات كناية عن هذا المعنى أيضا ثم حكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ لتعارض المعنيين فيه ولهذا قلنا من رأى غيره مكشوف الركبة عليه برفق ولا ينازع عليه ان لج وان رآه مكشوف الفخذ أنكر عليه بعنف ولا يضربه ان لج وان رآه مكشوف العورة أمره بسترها وأدبه على ذلك ان لج وما يباح إليه النظر من الرجل فكذلك المس لان ما ليس بعورة يجوز مسه كما يجوز النظر إليه فأما نظر المرأة إلى المرأة فهو كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجانسة ألا ترى أن المرأة تغسل المرأة بعد موتها كما يغسل الرجل الرجل وقد قال بعض الناس نظر المرأة الي المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه حتى لا يباح لها النظر إلى ظهرها وبطنها لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء من دخول الحمامات بمئزر وبغير مئزر وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول امنعوا النساء من دخول الحمامات الا مريضة أو نفساء ولتدخل مستترة ولكنا نقول المراد منع النساء من الخروج وبالقرار في البيوت وبه نقول والعرف الظاهر

[ 148 ]

في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات دليل على صحة ما قلنا وحاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال لان المقصود تحصيل الزينة والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل ويتمكن الرجل من الاغتسال في الانهار والحياض والمرأة لا تتمكن من ذلك فأما نظر المرأة إلى الرجل فهو كنظر الرجل إلى الرجل لما بينا أن السرة وما فوقها وما تحت الركبة ليس بعورة من الرجل وما لا يكون عورة فالنظر إليه مباح للرجال والنساء كالثياب وغيرها وأشار في كتاب الخنثى إلى أن نظر المرأة إلى الرجل كنظر الرجل إلى ذوات محارمه حتى لا يباح لها أن تنظر إلى ظهره وبطنه لانه قال الخنثى ألا ينكشف بين الرجال ولابين النساء ووجه ذلك أن حكم النظر عند اختلاف الجنس غلظ ألا ترى أنه لا يباح للمرأة أن تغسل الرجل بعد موته ولو كانت هي في النظر كالرجل لجاز لها ان تغسله بعد موته وانما يباح النظر إلى هذه المواضع إذا علم أنه لايشتهي ان نظر ولا يشك في ذلك فأما إذا كان يعلم أنه يشتهى أو كان على ذلك أكبر رأيه فلا يحل له النظر لان النظر عن شهوة نوع زنا قال صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشى والفرج يصدق ذلك كله أو يكذب والزنا حرام بجميع أنواعه وقال صلى الله عليه وسلم النظر عن شهوة سهم من سهام الشيطان فاما نظر الرجل إلى المرأة فهو ينقسم إلى أربعة أقسام نظره إلى زوجته ومملوكته ونظره إلى ذوات محارمه ونظره إلى اماء الغير ونظره إلى الحرة الاجنبية فاما نظره إلى زوجته ومملوكته فهو حلال من قرنها إلى قدمها عن شهوة أو عن غير شهوة لحديث أبى هريرة رضى الله عنه قال غض بصرك الاعن زوجتك وأمتك وقالت عائشة رضي الله عنها كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكنت أقول بق لى وهو يقول بقي لى ولو لم يكن النظر مباحا ما تجرد كل واحد منهما بين يدي صاحبه ولان ما فوق النظر وهو المس والغشيان حلال بينهما قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم الآية الا أن مع هذا الاولي أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأي منى مع طول صحبتي اياه وقال صلى الله عليه وسلم إذا اتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجرد ان تجرد العير ولان النظر إلى العورة يورث النسيان وفى شمائل الصديق

[ 149 ]

رضى الله عنه ما نظر إلى عورته قط ولامسها بيمينه فإذا كان هذا في عورة نفسه فما ظنك في عورة الغير وكان ابن عمر رضى الله تعالى عنهما يقول الاولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معني اللذة فاما نظره إلى ذوات محارمه فنقول يباح له أن ينظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن الآية ولم يردبه عين الزينة فانها تباع في الاسواق ويراها الاجانب ولكن المراد منه موضع الزينة وهى الرأس والشعر والعنق والصدر والعضد والساعد والكف والساق والرجل والوجه فالرأس موضع التاج والا كليل والشعر موضع القصاص والعنق موضع القلادة والصدر كذلك فالقلادة والوشاح قد ينتهي إلى الصدر والاذن موضع القرط والعضد موضع الدملوج والساعد موضع السوار والكف موضع الخاتم والخضاب والساق موضع الخلخال والقدم موضع الخضاب وجاء في الحديث ان الحسن والحسين رضى الله عنهما دخلا على أم كلثوم وهي تمتشط فلم تستتر ولان المحارم يدخل بعضهم على بعض من غير استئذان ولا حشمة والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها عادة ولا تكون مستترة فلو أمرها بالتستر من ذوى محارمها أدى إلى الحرج وكما يباح النظر إلى هذه المواضع يباح المس لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل فاطمة رضي الله عنها ويقول أجد منها ريح الجنة وكان إذا قدم من سفر بدأ بها فعانقها وقبل رأسها وقبل أبو بكر رأس عائشة رضي الله عنهما وقال صلى الله عليه وسلم من قبل رجل أمه فكانما قبل عتبة الجنة وقال محمد بن المنكدر رحمه الله بت أغمز رجل أمي وبات أخى أبو بكر يصلى وما أحب ان تكون ليلتي بليلته ولكن انما يباح المس والنظر إذا كان يأمن الشهوة على نفسه وعليها فأما إذا كان يخاف الشهوة على نفسه أو عليها فلا يحل له ذلك لما بينا ان النظر عن شهوة والمس عن شهوة نوع زنا وحرمة الزنا بذوات المحارم أغلظ وكما لا يحل له ان يعرض نفسه للحرام لا يحل له ان يعرضها للحرام فإذا كان يخاف عليها فليجتنب ذلك ولا يحل له أن ينظر إلى ظهرها وبطنها ولا ان يمس ذلك منها وقال الشافعي رحمه الله في القديم لا بأس بذلك وجعل حالهما كحال الجنس في النظر وهذا ليس بصحيح فان حكم الظهار ثابت بالنص وصورته ان يقول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمي وهو منكر من القول لما فيه من تشبيه المحللة بالمحرمة فلو كان النظر إلى ظهر الام حلالا له لكان هذا تشبيه محللة بمحللة وإذا ثبت هذا في الظهر يثبت في البطن لانه أقرب إلى المأتى وإلى ان يكون مشتهى منها والجنبان كذلك

[ 150 ]

وذوات المحارم بالنسب كالامهات والجدات والاخوات وبنات الاخ وبنات الاخت وكل امرأة هي محرمة عليه بالقرابة على التأبيد فهذا الحكم ثابت في حقها وكذلك المحرمة بالرضاع لقوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ولحديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت يارسول الله ان أفلح بن أبى قعيس يدخل على وأنا في ثياب فضل فقال ليلج عليك أفلح فانه عمك من الرضاعة وان عبد الله بن الزبير كان يدخل على زينب بنت أم سلمة وهي تمتشط فيأخذ بقرون رأسها ويقول اقبلي علي وكانت أخته من الرضاعة ولان الرضاع لما جعل كالنسب في حكم الحرمة فكذلك في حل المس والنظر وكذلك المحرمة بالمصاهرة لان الله تعالى سوى بينهما بقوله فجعله نسبا وصهرا الا أن مشايخنا رحمهم الله تعالى يختلفون فيما إذا كان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا فقال بعضهم لا يثبت به حل المس والنظر لان ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزانى لا بطريق النعمة ولانه قد جرب مرة فظهرت خيانته فلا يؤمن ثانيا والاصح أنه لا بأس بذلك لانها محرمة عليه التأبيد فلا بأس بالنظر إلى محاسنها كما لو كان ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح ولايجوز أن يقال ثبوت الحرمة بطريق العقوبة هناك لانا انما نثبت الحرمة هناك بالقياس على النكاح فإذا جعلناها بطريق العقوبة لم تكن تلك الحرمة واثبات الحرمة ابتداء بالرأى لا يجوز ثم يحل له أن يخلو بهؤلاء وأن يسافر بهن لقوله صلي الله عليه وسلم ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل فان ثالثهما الشيطان معناه ليست بمحرم له فدل أنه يباح له أن يخلو بذوات محارمه ولكن بشرط أن يأمن على نفسه وعليها لما روي عن عمار بن ياسر رضى الله عنه أنه خرج من بيته مذعورا فسئل عن ذلك فقال خلوت بابنتي فخشيت على نفسي فخرجت وكذلك المسافرة لقوله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها الا ومعها زوجها أوذو رحم محرم منها فدل أنه لا بأس بأن تسافر مع المحرم وان احتاج إلى أن يعالجها في الا ركاب والانزال فلا بأس يمسها وراء ثيابها ويأخذ بظهرها وبطنها لما روي أن محمد ابن أبي بكر رضي الله عنهما أدخل يده في هو دج عائشة رضى الله عنها ليأخذها من الهودج فوقعت يده على صدرها فقالت من الذى وضع يده على لم يضعه أحد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا أخوك وروى أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان أمي كانت سيئة الخلق فغضب وقال أكانت سيئة الخلق حين

[ 151 ]

حملتك أكانت سيئة الخلق حين أرضعتك حولين الحديث إلى أن قال الرجل أرأيت لو حملتها على عاتقي وحججت بها أكنت قاضيا حقها فقال لا ولا طلقة ورأى ابن عمر رضى الله عنه في موضع الطواف رجلا قد حمل أمه على عاتقه يطوف بها فلما رأى ابن عمر رضى الله عنهما ارتجز فقال انا لها بعيرها المذلل * إذا الركاب ذعرت لم اذعر حملتها ما حملتني أكثر * فهل ترى جازيتها يابن عمر فقال لا ولاطلقة يالكع ولان بسبب الستر ينعدم معنى العورة وبالمحرمية ينعدم معنى الشهوة فلا بأس يحملها ومسها في الا ركاب والانزال كما في حق الجنس وأما النظر إلى اماء الغير والمدبرات وامهات الاولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالي يدنين عليهن من جلا بيبهن الآية وقد كانت الممازحة مع اماء الغير عادة في العرب فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الاماء فدل أن الاماء لا تتخذ الجلباب وكان عمر رضى الله عنه إذا رأي أمة متقنعة علاها بالدرة وقال القي عنك الخمار يا دفار وقال عمر رضى الله عنه ان الامة القت قرونها من وراء الجدار أي لا تتقنع قال أنس رضى الله عنه كن جواري عمر رضى الله عنه يخد من الضيفان كاشفات الرؤس مضطربات البدن ولان الامة تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها وانما تخرج في ثياب مهنتها وحالها مع جميع الرجال في معنى البلوى بالنظر والمس كحال الرجل في ذوات محارمه ولا يحل له أن ينظر إلى ظهرها وبطنها كما في حق ذوات المحارم وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول لا ينظر إلى مابين سرتها إلى ركبتها ولا بأس بالنظر إلى ما وراء ذلك لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما في حديث طويل قال ومن أراد أن يشترى جارية فلينظرها إليها الا إلى موضع المئزر ولكن تأويل هذا الحديث عندنا ان المرأة قد تتزر على الصدر فهو مراد ابن عباس رضي الله عنه وكل ما يباح النظر إليه منها يباح مسه منها إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها لما روي عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه مر بجارية تباع فضرب في صدرها ومس ذراعها ثم قال اشتروا فانها رخيصة فهذا ونحوه لا بأس به لمن يريد الشراء أو لا يريد وهذا لانه بمنزلة ذوات المحارم في حكم المس ولانه كما يحتاج إلى النظر يحتاج إلى المس ليعرف لين بشرتها فيرغب في شرائها وتحل الخلوة والمسافرة بينهما كما في ذوات المحارم الا أن عند بعض مشايخنا

[ 152 ]

رحمهم الله تعالى ليس له أن يعالجها في الا ركاب والانزال لان معني العورة وان انعدم بالستر فمعنى الشهوة باق فيها فانها ممن يحل له والاصح أنه لا بأس بذلك إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها لان المولى قد يبعثها في حاجته من بلد إلى بلد ولا تجد محرما ليسافر معها وهي تحتاج إلى من يركبها وينزلها فلا بأس بذلك وكذلك لا بأس بأن يخلو بها كالمحارم ألا ترى ان جارية المرأة قد تغمز رجل زوجها وتخلو به ولا يمتنع أحد من ذلك والمدبرة وأم الولد والمكاتبة في هذا كالامة القنة لقيام الرق فيهن والمستسعاة في بعض القيمة كذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالي لانها بمنزلة المكاتب وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا بلغت الامة لم ينبغ ان تعرض في ازار واحد قال محمد وكذلك إذا بلغت ان تجامع وتشتهي لان الظهر والبطن منها عورة لمعني الاشتهاء فإذا صارت مشتهاة كانت كالبالغة لا تعرض في ازار واحد فاما النظر إلى الاجنبيات فنقول يباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة منهن دون الباطنة لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وقال على وابن عباس رضى الله عنهم ما ظهر منها الكحل والخاتم وقالت عائشة رضى الله عنها احدى عينيها وقال ابن مسعود رضى الله عنه خفها وملاءتها واستدل في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم النساء حبائل الشيطان بهن يصيد الرجال وقال صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء وجرى في مجلسه صلى الله عليه وسلم يوم ماخير ما للرجال من النساء وما خير ما للنساء من الرجال فلما رجع على رضي الله عنه إلى بيته أخبر فاطمة رضى الله عنها بذلك فقالت خير ما للرجال من النساء أن لا يراهن وخير ما للنساء من الرجال أن لايرينهن فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال هي بضعة منى فدل أنه لا يباح النظر إلى شئ من بدنها ولان حرمة النظر لخوف الفتنة وعامة محاسنها في وجهها فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الاعضاء وبنحو هذا تستدل عائشة رضي الله تعالى عنها ولكنها تقول هي لاتجد بدا من أن تمشى في الطريق فلابد من أن تفتح عينها لتبصر الطريق فيجوز لها أن تكشف احدى عينيها لهذه الضرورة والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ولكنا نأخذ بقول على وابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقد جاءت الاخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها من ذلك ماروي أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى وجهها فلم ير فيها رغبة ولما قال عمر رضى الله عنه في خطبته ألا لاتغالوا في أصدقة

[ 153 ]

النساء فقالت امرأة سفعاء الخدين أنت تقوله برأيك أم سمعته من رسول الله صلي الله عليه وسلم فانا نجد في كتاب الله تعالى بخلاف ما تقول قال الله تعالى وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فبقى عمر رضى الله عنه باهتا وقال كل الناس أفقه من عمر حتي النساء في البيوت فذكر الراوي أنها كانت سفعاء الخدين وفى هذا بيان أنها كانت مسفرة عن وجهها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة غير مخضوب فقال أكف رجل هذا ولما ناولت فاطمة رضى الله عنها أحد ولديها بلالا أو انسا رضى الله عنهم قال أنس رأيت كفها كأنه فلقة قمر فدل انه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكف فالوجه موضع الكحل والكف موضع الخاتم والخضاب وهو معنى قوله تعالى الا ما ظهر منها وخوف الفتنة قد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضا قال القائل وما غرني الاخضاب بكفها * وكحل بعينيها وأثوابها الصفر ثم لاشك انه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك فكذلك إلى وجهها وكفها وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة انه يباح النظر إلى قدمها أيضا وهكذا ذكر الطحاوي لانها كما تبتلى بابداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبابداء كفها في الاخذ والاعطاء تبتلى بابداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة وربما لاتجد الخف في كل وقت وذكر في جامع البرامكة عن أبى يوسف انه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا لانها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بابداء ذراعيها أيضا قيل وكذلك يباح النظر إلى ثناياها أيضا لان ذلك يبدو منها في التحدث مع الرجال وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة فان كان يعلم انه ان نظر اشتهي لم يحل له النظر إلى شئ منها لقوله صلى الله عليه وسلم من نظر إلى محاسن أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة وقال لعلي رضى الله عنه لاتتبع النظرة بعد النظرة فان الاولى لك والاخرى عليك يعنى بالاخرى ان يقصدها عن شهوة وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى نظرت إلى امرأة فاشتهيتها فاتبعتها بصرى فأصاب رأسي جدار فقال صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبد خيرا عجل عقوبته في الدنيا وكذلك ان كان أكبر رأيه أنه ان نظر اشتهي لان أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين وذلك فيما هو مبني على الاحتياط وكذلك لا يباح لها أن تنظر إليه إذا كانت تشتهى أو كان على ذلك أكبر رأيها لما روى أن ابن أم مكتوم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة

[ 154 ]

وحفصة رضي الله عنهما فقال لهما احتجبا فقالتا انه أعمى يارسول الله فقال أو اعميان انتما ولا يحل له أن يمس وجهها ولاكفها وان كان يأمن الشهوة لقوله صلى الله عليه وسلم من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع في كفه جمرة يوم القيامة حتى يفصل بين الخلائق ولان حكم المس أغلظ حتى ان المس عن شهوة يثبت حرمة المصاهرة والنظر إلى غير الفرج لا يثبت والصوم يفسد بالمس عن شهوة إذا اتصل به الانزال ولا يفسد بالنظر فالرخصة في النظر لا يكون دليل الرخصة في المس والبلوى التى تتحقق في النظر تتحقق في المس أيضا وعلى هذا نقول للمرأة الحرة أن تنظر إلى ما سوى العورة من الرجل ولا يحل لها أن تمس ذلك منه لان حكم المس أغلظ وهذا إذا كانت شابة تشتهى فإذا كانت عجوزا لا تشتهي فلا بأس بمصافحتها ومس يدها لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصافح العجائز في البيعة ولا يصافع الشواب ولكن كان يضع يده في قصعة ماء ثم تضع المرأة يدها فيها فذلك بيعتها الا أن عائشة رضى الله عنها أنكرت هذا الحديث وقالت من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مس امرأة أجنبية فقد أعظم الفرية عليه وروى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان في خلافته يخرج إلى بعض القبائل التى كان مسترضعا فيها فكان يصافح العجائز ولما مرض الزبير رضى الله عنه بمكة استأجر عجوزا لتمرضه فكانت تغمز رجليه وتفلى رأسه ولان الحرمة لخوف الفتنة فإذا كانت ممن لا تشتهي فخوف الفتنة معدوم وكذلك ان كان هو شيخا يأمن على نفسه وعليها فلا بأس بأن يصافحها وان كان لا يأمن عليها أن تشتهى لم يحل له أن يصافحها فيعرضها للفتنة كما لا يحل له ذلك إذا خاف على نفسه فأما النظر إليها عن شهوة لا يحل بحال الا عند الضرورة وهو ما إذا دعى إلى الشهادة عليها أو كان حاكما ينظر ليوجه الحكم عليها باقرارها أو بشهادة الشهود على معرفتها لانه لا يجد بدا من النظر في هذا الموضع والضرورات تبيح المحظورات ولكن عند النظر ينبغى أن يقصد أداء الشهادة أو الحكم عليها ولا يقصد قضاء الشهوة لانه لو قدر على التحرز فعلا كان عليه أن يتحرز فكذلك عليه أن يتحرز بالنية إذا عجز عن التحرز فعلا كما لو تترس المشركون بأطفال المسلمين فعلى من يرميهم أن يقصد المشركين وان كان يعلم أنه يصيب المسلم واختلفوا فيما إذا دعى إلى تحمل الشهادة وهو يعلم أنه ان نظر إليها اشتهى فمنهم من جوز له ذلك أيضا بشرط أن يقصد تحمل الشهادة لاقضاء الشهوة ألا ترى أن شهود الزنا لهم أن ينظروا إلى موضع العورة على قصد

[ 155 ]

تحمل الشهادة والاصح أنه لا يحل له ذلك لانه لاضرورة عند التحمل فقد يوجد من يتحمل الشهادة ولا تشتهى بخلاف حالة الاداء فقد التزم هذه الامانة بالتحمل وهو متعين لادائها وكذلك ان كان أراد أن يتزوجها فلا بأس بأن ينظر إليها وان كان يعلم أنه يشتهيها لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة لما أراد أن يتزوج امرأة أبصرها فانه أحري أن يؤدم بينكما وكان محمد بن أم سلمة يطالع بنية تحت اجار لها فقيل له أتفعل ذلك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ألقى الله خطبة امرأة في قلب رجل أحل له النظر إليها ولان مقصوده اقامة السنة لاقضاء الشهودة وانما يعتبر ما هو المقصود لا ما يكون تبعا وان كان عليها ثياب فلا بأس بتأمل جسدها لان نظره إلى ثيابها لا الى جسدها فهو كما لو كانت في بيت فلا بأس بالنظر إلى حدرانه والاصل فيه ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي امرأة عليها شارة حسنة فدخل بيته ثم خرج وعليه أثر الاغتسال فقال إذا هاجت بأحدكم الشهوة فليضعها فيما أحل الله له وهذا إذا لم تكن ثيابها بحيث تلصق في جسدها وتصفها حتى يستبين جسدها فان كان كذلك فينبغي له ان يغض بصره عنها لما روى عن عمر رضي الله تعالى عنه انه قال لا تلبسوا نساءكم الكتان ولا القباطي فانها تصف ولا تشف وكذلك ان كانت ثيابها رقيقة لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لعن الله الكاسيات العاريات يعني الكاسيات الثياب الرقاق اللاتى كانهن عاريات وقال صلى الله عليه وسلم صنفان من أمتى في النار رجال بأيديهم السياط كأنها أذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات متمايلات كأسنمة البخت ولان مثل هذا الثوب لا يسترها فهو كشبكة عليها فلا يحل له النظر إليها وهذا فيما إذا كانت في حد الشهوة فان كانت صغيرة لا يشتهى مثلها فلا بأس بالنظر إليها ومن مسها لانه ليس لبدنها حكم العورة ولافى النظر والمس معنى خوف الفتنة والاصل فيه ماروى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ؟ ؟ ؟ ؟ رب الحسن والحسين رضى الله تعالى عنهما وهما صغيران وروى انه كان يأخذ ذلك من أحدهما فيجره والصبي يضحك ولان العادة الظاهرة ترك التكلف لستر عورتها قبل ان تبلغ حد الشهوة وأما النظر إلى العورة حرام لما روى عن سلمان رضى الله عنه قال لان أخر من السماء فانقطع نصفين أحب لي من أن أنظر إلى عورة أحد أو ينظر أحد إلى عورتى ولما ذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم الوعيد

[ 156 ]

في كشف العورة قيل يارسول الله فإذا كان أحدنا خاليا فقال ان الله أحق أن يستحيى منه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة فرأى راعيها تجرد في الشمس فعزله وقال لا يعمل لنا من لاحياء له ولكن مع هذا إذا جاء العذر فلا بأس بالنظر إلى العورة لاجل الضرورة فمن ذلك ان الخاتن ينظر ذلك الموضع والخافضة كذلك تنظر لان الختان سنة وهو من جملة الفطرة في حق الرجال لا يمكن تركه وهو مكرمة في حق النساء أيضا ومن ذلك عند الولادة المرأة تنظر إلى موضع الفرج وغيره من المرأة لانه لابد من قابلة تقبل الولد وبدونها يخاف على الولد وقد جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة القابلة على الولادة فذاك دليل على أنه يباح لها النظر وكذلك ينظر الرجل إلى موضع الاحتقان عند الحاجة اما عند المرض فلان الضرورة قد تحققت والاحتقان من المداواة وقال صلى الله عليه وسلم تداووا عباد الله فان الله لم يخلق داء الا وخلق له دواء الا الهرم وقد روي عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا كان به هزال فاحش وقيل له أن الحقنة تزيل ما بك من الهزال فلا بأس بأن يبدي ذلك الموضع للمحتقن وهذا صحيح فان الهزال الفاحش نوع مرض يكون آخره الدق والسل وحكي عن الشافعي رحمه الله تعالى قال إذا قيل له ان الحقنة تقويك على المجامعة فلا بأس بذلك أيضا ولكن هذا ضعيف لان الضرورة لاتتحقق بهذا وكشف العورة من غير ضرورة لمعنى الشهوة لا يجوز وإذا أصاب امرأة قرحة في موضع لا يحل للرجل ان ينظر إليه لا ينظر إليه ولكن يعلم امرأة دواءها لتداويها لان نظر الجنس الي الجنس أخف ألاتري ان المرأة تغسل المرأة بعد موتها دون الرجل وكذلك في امرأة العنين ينظر إليها النساء فان قلن هي بكر فرق القاضي بينهما وان قلن هي ثيب فالقول قول الزوج مع يمينه والمقصود في هذا الموضع بيان اباحة النظر عند الضرورة فاما ما وراء ذلك من الفرق بين الاخبار ببكارتها وثيابتها ليس من مسائل هذا الكتاب وحاصله ان شهادتهن متى تايدت بمؤيد كانت حجة والبكارة في النساء أصل فإذا قلن انها بكر تأيدت شهادتهن بما هو الاصل وان قلن هي ثيب تجردت شهادتهن عن مؤبد فلا بد من أن يستحلف الزوج حتى ينضم نكوله إلى شهادتهن وكذلك لو اشترى جارية على أنها بكر فقبضها وقال وجدتها ثيبا فان النساء ينظرن إليها للحاجة إلى فصل الخصومة بينهما فان قلن هي بكر فلا يمين على البائع لان شهادتهن قد تأيدت باصل البكارة وبمقتضى البيع وهو اللزوم وان قلن هي ثيب

[ 157 ]

يستحلف البائع لتجرد شهادتهن عن مؤبد ؟ فإذا انضم نكول البائع إلى شهادتهن ردت عليه وان لم يجدوا امرأة تداوى تلك القرحة ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك إذا علمت وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاء أو وجع لا تحتمله فلا بأس ان يستروا منها كل شئ الا موضع تلك القرحة ثم يداويها رجل ويغض بصره ما استطاع الا عن ذلك الموضع لان نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ فيعتبر فيه تحقق الضرورة وذلك لخوف الهلاك عليها وعند ذلك لا يباح الا بقدر ما ترتفع الضرورة به وذوات المحارم وغيرهم في هذا سواء لان النظر إلى موضع العورة لا يحل بسبب المحرمية فكان المحرم وغير المحرم فيه سواء (قال) والعبد فيما ينظر من سيدته كالحر الأجنبي معناه أنه لا يحل له أن ينظر الا إلى وجهها وكفيها عندنا وقال مالك نظره إليها كنظر الرجل إلى ذوات محارمة لقوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن ولا يجوز أن يحمل ذلك على الاماء لان ذلك دخل في قوله تعالى أو نسائهن ولان هذا مما لا يشكل لان للامة أن تنظر إلى مولاتها كما للاجنبيات فانما بحمل البيان على موضع الاشكال وعن أم سلمة انه كان لها مكاتب فلما انتهى إلى آخر النجوم قالت له أتقدر على الاداء فقال نعم فاحتجبت وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ؟ ؟ ؟ إذا كان لاحداكن مكاتب فأدى آخر النجوم فلتحتجب منه والمعنى فيه أن بينهما سبب محرم للنكاح ابتداء وبقاء فكان بمنزلة المحرمية بينهما واباحة النظر عند المحرمية لاجل الحاجة وهو دخول البعض على البعض من غير استئذان ولا حشمة وهذا يتحقق فيما بين العبد ومولا به ؟ (حجتنا) في ذلك ماروى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير رضى الله عنهما قالا لا يغرنكم سورة النور فانها في الاناث دون الذكور ومرادهما قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن والموضع موضع الاشكال لان حال الامة يقرب من حال الرجل حتى تسافر بغير محرم فكان يشكل أنه هل يباح لها الكشف بين يدى أمتها ولم يزل هذا الاشكال بقوله تعالى أو نسائهن لان مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر دون الاماء والمعني فيه أنه ليس بينهما زوجية ولا محرمية وحل النظر إلى مواضع الزينة الباطنة ينبني على هذا السبب وحرمة المناكحة التى بينهما بعارض على شرف الزوال فكانت في حقه بمنزلة منكوحة الغير أو معتدته ولان وجوب الستر عليها وحرمة الخلوة بالرجل لمعنى خوف الفتنة وذلك موجود ههنا وانما ينعدم بالمحرمية لان الحرمة المؤبدة تقلل الشهوة فأما الملك لا يقلل الشهوة بل يحملها

[ 158 ]

على رفع الحشمة ومعنى البلوى لا يتحقق لان اتخاذ العبيد للاستخدام خارج البيت لا داخل البيت على ما قيل من اتخذ عبدا للخدمة داخل بيته فهو كشحان وحديث أم سلمة رضى الله عنها محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فان قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالاخذ والاعطاء فتبدى وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالاداء فلتحتجب منه ثم قال خصيا أو فحلا هكذا نقل عن عائشة رضى الله عنها قالت الخصا مثلة فلا يبيح ماكان محرما قبله ولان الخصى في الاحكام من الشهادات والمواريث كالفحل وقطع تلك الآلة منه كقطع عضو آخر ومعنى الفتنة لا ينعدم فالخصي قد يجامع وقد قيل هو أشد الناس جماعا فانه لاتفتر آلته بالانزال وكذلك المجبوب لانه قد يستحق فينزل وان كان مجبوبا قد جف ماؤه فقد رخص بعض مشايخنا في حقه بالاختلاط بالنساء لوقوع الامن من الفتنة والاصح انه لا يحل له ذلك ومن رخص فيه تأويل قوله تعالى أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال وبين أهل التفسير كلام في معني هذا فقيل هو المجبوب الذى جف ماؤه وقيل هو المخنث الذى لا يشتهى النساء والكلام في المخنث عندنا انه إذا كان مخنثا في الردى من الافعال فهو كغيره من الرجال بل من الفساق ينحى عن النساء واما من كان في اعضائه لين وفى لسانه تكسر باصل الخلقة ولا يشتهي النساء ولايكون مخنثا في الردى من الافعال فقد رخص بعض مشايخنا في ترك مثله مع النساء لما روى ان مخنثا كان يدخل بعض بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة فاحشة قال لعمر بن أبي سلمة لئن فتح الله الطائف على رسوله لادلنك على ماوية بنت غيلان فانها تقبل فانها تقبل باربع وتدبر بثمان فقال صلى الله عليه وسلم ماكنت أعلم أنه يعرف مثل هذا إخرجوه وقيل المراد بقوله تعالى أو التابعين الابله الذى لا يدرى مايصنع بالنساء انما همه بطنه وفى هذا كلام عندنا فقيل إذا كان شابا ينحى عن النساء وانما كان ذلك إذا كان شيخا كبيرا قد ماتت شهوته فحينئذ يرخص في ذلك والاصح أن نقول قوله تعالى أو التابعين من المتشابه وقوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا محكم فنأخذ بالمحكم فنقول كل من كان من الرجال فلا يحل لها أن تبدى موضع الزينة الباطنة بين يديه ولا يحل له أن ينظر إليها الا أن يكون صغيرا فحينئذ لا بأس بذلك لقوله تعالى أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء فأما جماع الحائض في الفرج حرام بالنص يكفر مستحله ويفسق مباشره لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض وفى قوله تعالى ولا

[ 159 ]

تقربوهن حتى يطهرهن دليل على أن الحرمة تمتد إلى الطهر وقال صلى الله عليه وسلم من أتى امرأة في غير مأتاها أو أتاها في حالة الحيض أو أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ولكن لا يلزمه بالوطئ سوى التوبة والاستغفار ومن العلماء من يقول ان وطئها في اول الحيض فعليه ان يتصدق بدينار وان وطئها في آخر الحيض فعليه ان يتصدق بنصف دينار وروي فيه حديثا شاذا ولكن الكفارة لا يثبت بمثله (وحجتنا) في ذلك ماروى ان رجلا جاء إلى الصديق رضى الله عنه وقال انى رأيت في المنام كأني أبول دما فقال أتصدقنى قال نعم قال انك تأتى امرأتك في حالة الحيض فاعترف بذلك فقال أبو بكر رضى الله عنه استغفر الله ولا تعد ولم يلزمه الكفارة واختلفوا فيما سوى الجماع فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى له ان يستمتع بما فوق المئزر وليس له ما تحته وقال محمد رحمه الله تعالى يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وذكر الطحاوي قول أبى يوسف مع أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وذكره الكرخي مع محمد رحمهما الله تعالى وجه الاستدلال بقوله تعالى قل هو أذى ففيه بيان ان الحرمة لمعني استعمال الاذى وذلك في محل مخصوص وروي ذلك في الكتاب عن الصلت بن دينار عن معاوية بن قرة رضى الله عنهم قال سألت عائشة رضى الله عنها ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض قالت يتجنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وفى حديث آخر عن عائشة رضى الله عنها قالت يحل للرجل من امرأته الحائض كل شئ الا النكاح يعني الجماع والمعنى فيه ان ملك الحل باق في زمان الحيض وحرمة الفعل لمعني استعمال الاذى فكل فعل لا يكون فيه استعمال الاذى فهو حلال مطلق كما كان قبل الحيض وقاسه بالاستمتاع فوق المئزر وحجة أبى حنيفة رحمه الله قوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض فظاهره يقتضى تحريم الاستمتاع بكل عضو منها فما اتفق عليه الآثار صار مخصوصا من هذا الظاهر وبقى ما سواء على الظاهر وروى أن وفدا سألوا عمر رضى الله عنه عما يحل للرجل من امرأته الحائض وعن قراءة القرآن في البيوت وعن الاغتسال من الجنابة فقال أسحرة أنتم لقد سألتموني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للرجل من امرأته ما فوق المئزر وليس له ما تحته وقراءة القرآن نور فنور بيتك ما استطعت وذكر الاغتسال من الجنابة وفى حديث أم سلمة رضى الله عنها قالت كنت في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضت فانسللت من الفراش فقال مالك

[ 160 ]

أنفست قلت نعم ائتزرى وعودي إلى مضجعك ففعلت فعانقني طول الليل والمعني فيه أن الاستمتاع في موضع الفرج محرم عليه وإذا قرب من ذلك الموضع فلا يأمن على نفسه أن يواقع الحرام فليجتنب من ذلك بالاكتفاء بما فوق المئزر وكان هذا نوع احتياط ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم ألا ان لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ومحمد أخذ بالقياس وقال ليس المراد بالاتزار حقيقة الاتزار بل المراد موضع الكرسف في ذلك الموضع وبين التابعين اختلاف في معني قوله عليه الصلاة والسلام ما فوق المئزر فكان ابراهيم رحمه الله تعالى يقول المراد به الاستمتاع بالسرة وما فوقها وكان الحسن رحمه الله تعالى يقول المراد أن يتدفأ بالازار ويقضى حاجته منها فيما دون الفرج فوق الازار ولا ينبغى له أن يعتزل فراشها لان ذلك تشبه باليهود وقد نهينا عن التشبه بهم وروى ان ابن عباس رضى الله عنهما فعل ذلك فبلغ ميمونة رضى الله عنها فانكرت عليه وقالت اترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضاجعنا في فراش واحد في حالة الحيض وإذا أراد ان يشترى جارية فلا بأس بان ينظر إلى شعرها وصدرها وساقها وان اشتهى لان المالية مطلوبة بالشراء فلا يصير مقداره معلوما الا بالنظر إلى هذه المواضع فللحاجة جاز النظر ولا يحل له أن يمس ان اشتهى أو كان ذلك أكبر رأيه لانه لا حاجة به إلى المس فمقدار المالية يصير معلوما بدونه ولان حكم المس أغلظ من النظر كما قررنا وقد بينا في كتاب الصلاة حكم غسل كل واحد من الزوجين لصاحبه بعد موته وما فيه من الاختلاف وحكم غسل أم الولد لمولاها وإذا ماتت المرأة مع الرجال ولا امرأة معهم لم يغسلوها وان كانوا محارمها وقال الشافعي رحمه الله تعالى لابنها أو ابيها أن يغسلها بناء على مذهبه أن الظهر والبطن في حق المحرم ليس بعورة فهو بمنزلة نظر الجنس عنده وعندنا الظهر والبطن عورة في حق المحارم وبالموت تتأكد الحرمة ولا ترتفع ولان هذه الحرمة لحق الشرع والآدمي محترم شرعا حيا وميتا ولهذا لا يغسلها المحرم ولاغير المحرم ولكنها تيمم بالصعيد هكذا روي عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن امرأة ماتت مع الرجال ليس معهم أمرأة قال تيمم بالصعيد ولانه تعذر غسلها لانعدام من يغسلها فصار كما لو تعذر غسلها لانعدام ما تغسل به وان كان من يتممها محرما لها يممها بغير خرقة وان كان غير محرم لها يممها بخرقة يلفها على كفه لانه لم يكن له أن يمسها في حال

[ 161 ]

حياتها فكذلك بعد وفاتها بخلاف المحرم ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها ويعرض بوجهه عن ذراعيها كما في حال الحياة كان له أن ينظر إلى وجهها دون ذراعيها وكذلك يفعل زوجها لانه التحق بالاجنبي كما قال عمر رضى الله عنه في امرأة له هلكت نحن أحق بها حين كانت حية فأما إذا ماتت فأولياؤها أحق بها وان مات رجل مع نساء ليس فيهن امرأته يممنه على مابينا الا أن من تيممه إذا كانت حرة تيممه بخرقة تلفها على كفها لانه ماكان لها أن تمسه في حياته فذلك بعد موته وان كانت مملوكة تيممه بغير خرقة لانه كان لها أن تمسه في حياته فكذلك بعد موته فان الامة بمنزلة المحرم في حق الرجال وأمته وأمة غيره في هذا سواء لان ملكه قد انتقل إلى وارثه بموته فان كان معهن رجل كافر علمنه الغسل وكذلك ان كان مع الرجال امرأة كافرة علموها الغسل لتغسلها لان نظر الجنس إلى الجنس لا يختلف بالموافقة في الدين والمخالفة الا ان الكافر لايعرف سنة غسل الموتي فيعلم ذلك وكذلك ان كان معهن صبية صغار لم يبلغوا حد الشهوة علموهم غسل الموتى ليغسلنها وهذا عجيب فالرجال قد يعجزون عن غسل الميت فيكف يقوى عليه الصغار الذين لم يبلغوا حد الشهوة ولكن مراد محمد بيان الحكم ان تصور فان ارتدت امرأته عن الاسلام بعد موته ثم رجعت إلى الاسلام أو فجربها ابنه لم يكن لها ان تغسله عندنا وقال زفر رحمه الله لها ذلك لان حل المس والغسل ههنا باعتبار العدة حتى لو انقضت عدتها بوضع الحمل لم يكن لها ان تغسله وبما اعترض لم يتغير حكم العدة بخلاف مااذا كان العارض قبل موته لان الحل هناك باعتبار النكاح وقد ارتفع بهذا العارض (وحجتنا) في ذلك ان ردتها وفعل ابن الزوج بها لو صادف حلا مطلقا كان رافعا له فكذلك إذا صادف ما بقى من الحل بعد موته وهو حل الغسل والمس فيكون رافعا له بطريق الاولى ولا نقول ان هذا الحل لاجل العدة فان العدة من نكاح فاسد والوطئ بالشبهة لا يفيد حل الغسل والمس وذكره في اختلاف زفر ويعقوب ان المجوسى لو أسلم ومات ثم أسلمت امرأته فليس لها ان تغسله عند زفر ولها ذلك في قول أبى يوسف فزفر يعتبر وقت الموت فإذا لم يكن بينهما حل الغسل والمس عند الموت لا يثبت بعد ذلك بخلاف مالو أسلمت قبل موته أو انقضت عدة الاخت وقاس بحكم الفرار في الميراث فانها لو أعتقت بعد موته أو أسلمت لم ترث منه بخلاف مالو أسلمت في حال الحياة أو أعتقت ثم طلقها ثلاثا وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول الحل قائم بينهما بعد وطئ الاخت ولكن عدتها

[ 162 ]

مانعة ولو زال هذا المانع في حال حياته ثبت حل الاستمتاع مطلقا فكذلك إذا زال بعد موته ثبت من الحل بقدر ما يقبله المحل وهو حل الغسل والمس وأما الصغير الذى لم يبلغ حد الشهوة إذا مات مع النساء فلا بأس بأن يغسلنه وكذلك الصغيرة مع الرجال لما بينا أنه ليس لعورته حكم العورة في الحياة حتى لا يجب ستره ويباح النظر إليه فكذلك بعد الموت والمعتوهة كالعاقلة لانها تشتهى وإذا حضر المسافر الصلاة ولم يجد ماء الا في اناء أخبره رجل أنه قذر وهو عنده مسلم مرضى لا يتوضأ به وهذا لان خبر الواحد حجة في أمر الدين في حق وجوب العمل به عندنا بخلاف ما يقوله بعض الناس أن ما لا يوجب علم اليقين لا يوجب العمل أيضا فان العمل بغير علم لا يجوز قال الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى واذ أخذ الله ميثاق الله الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ومن ضرورة وجوب البيان على كل واحد وجوب القبول منه وفائدة القبول منه العمل به قال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين واسم الطائفة يتناول الواحد فصاعدا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبى إلى قيصر ليدعوه إلى الاسلام وعبد الله بن انيس إلى كسرى ومع كل واحد منهما كتاب فلو لم يكن خبر الواحد ملزما لما اكتفي ببعث الواحد وبعث عليا ومعاذا رضى الله تعالى عنهما الي اليمن والاثار في خبر الواحد كثيرة ذكر محمد بعد هذا بعضها وليس من شرط وجوب العمل ان يكون الخبر موجبا للعلم كما انه ليس من شرط جواز العمل بما يخبر في المعاملات ان يكون موجبا للعلم حتى يكتفي فيها بخبر الواحد بالاتفاق والدليل عليه وجوب العمل بالقياس وغالب الرأى وان لم يكن ذلك موجبا علم اليقين إذا عرفنا هذا فنقول هذا المخبر بنجاسة الماء ان يكون عدلا مرضيا أو فاسقا أو مستورا فان كان عدلا فليس له ان يتوضأ بذلك الماء لترجيح جانب الصدق في خبره لظهور عدالته وان كان فاسقا فله ان يتوضأ بذلك الماء لعدم ترجيح الصدق في خبره فان اعتبار دينه يدل على صدقه في خبره واعتبار تعاطيه الكذب وارتكابه ما يعتقد الحرمة فيه دليل على كذبه في خبره فتتحقق المعارضة بينهما ولهذا أمر الله تعالى بالتوقف في خبر الفاسق بقوله تعالى فتبينوا وعند المعارضة الاصل في الماء الطهارة فيتمسك به ويتوضأ وهذا بخلاف المعاملات فانه يجوز الاخذ فيها بخبر الفاسق لان الضرورة هناك تتحقق فالعدل لا يوجد في كل موضع ولا دليل هناك يعمل به سوى الخبر وهنا لاضرورة ومعنا

[ 163 ]

دليل آخر يعمل به سوى الخبر وهو ان الاصل في الماء الطهارة (فان قيل) اليس ان خبر الفاسق لا يقبل في رواية الاخبار وليس هناك دليل سوى الخبر (قلنا) الضرورة هناك لاتتحقق لان في العدول الذين يروون ذلك الخبر كثرة يوضح الفرق ان الخبر في المعاملات غير ملزم فيسقط فيه اعتبار شرط العدالة وفي الديانات الخبر ملزم فلابد من اعتبار شرط العدالة فيه وكذلك ان كان مستورا فالحق المستور في ظاهر الرواية بالفاسق وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال المستور في هذا الخبر كالعدل وهو ظاهر على مذهبه فانه يجوز القضاء بشهادة المستورين إذا لم يطعن الخصم ولكن الاصح ما ذكره لانه لابد من اعتبار أحد شرطى الشهادة ليكون الخبر ملزما وقد سقط اعتبار العدد فلم يبق الا اعتبار العدالة فإذا ثبت ان العدالة شرطا قلنا ماكان شرطا لا يكتفي بوجوده ظاهرا كمن قال لعبده ان لم تدخل الدار اليوم فأنت حر ثم مضي اليوم فقال العبد لم أدخل وقال المولى دخلت فالقول قول المولى لان عدم الدخول شرط فلا يكتفي بثبوته ظاهر النزول العتق وكذلك ان كان المخبر عبدا لان في أمور الدين خبر العبد كخبر الحر كما في رواية الاخبار وهذا لانه يلزم نفسه ثم يتعدي منه إلى غيره فلا يكون هذا من باب الولاية على الغير وبالرق يخرج من أن يكون أهلا للولاية فأما فيما هو الزام يسوى بين العبد والحر لكونه مخاطبا وكذلك ان كان مخبرا امرأة حرة أو أمة كما في رواية الاخبار وهذا لانها تلتزم كالرجل ثم يتعدى إلى غيرها ورواية النساء من الصحابة رضى الله عنهم كانت مقبولة كرواية الرجال قال صلى الله عليه وسلم تأخذون شطر دينكم من عائشة رضى الله عنها ثم بين في الفاسق والمستور أنه يحكم رأيه فان كان أكبر رأيه أنه صادق تيمم ولا يتوضأ به لان أكبر الرأى فيما بني على الاحتياط كاليقين وان أراقه ثم تيمم كان أحوط وان كان أكبر رأيه أنه كاذب توضأ به ولم يتيمم (فان قيل) كان ينبغي أن يتيمم احتياطا لمعني التعارض في خبر الفاسق كما قلنا في سؤر الحمار أنه يجمع بين التوضئ وبين التيمم لتعارض الادلة في سؤر الحمار (قلنا) حكم التوقف في خبر الفاسق معلوم بالنص وفى الامر بالتيمم هنا عمل بخبره من وجه فكان بخلاف النص ولما ثبت التوقف في خبره بقى أصل الطهارة للماء فلا حاجة إلى ضم التيمم إليه واستدل بحديث عمر رضى الله تعالى عنه حين ورد ماء حياض مع عمرو بن العاص فقال عمرو لرجل من أهل الماء أخبرنا عن السباع أترد ماءكم هذا فقال عمر رضى الله عنه لا تخبرنا عن شئ فلولا

[ 164 ]

أن خبره عد خبرا لما نهاه عن ذلك وعمرو بن العاص بالسؤال قصد الاخذ بالاحتياط وقد كره عمر رضى الله تعالى عنه لوجود دليل الطهارة باعتبار الاصل فعرفنا أنه ما بقي هذا الدليل فلا حاجة إلى احتياط آخر وان كان الذى أخبره بنجاسة الماء رجل من أهل الذمة لم يقبل قوله لا لان الكفر ينافى معنى الصدق في خبره ولكن لانه ظهر منهم السعي في افساد دين الحق قال الله تعالى لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في افساد أمركم فكان متهما في هذا الخبر فلا يقبل منه كما لاتقبل شهادة الولد لوالده لمعنى التهمة يقول فان وقع في قلبه أنه صادق فأحب إلى أن يريق الماء ثم يتيمم وان توضأ به وصلى أجزأه وفى خبر الفاسق قال وإذا وقع في قلبه أنه صادق تيمم ولا يتوضأ به وهذا لان الفاسق أهل للشهادة ولهذا نفذ القضاء بشهادته فيتأيد ذلك بأكبر رأيه وليس الكافر من أهل الشهادة في حق المسلم يوضحه ان الكافر يلزم المسلم ابتداء بخبره ولا يلتزم ولاولاية له على المسلم فاما الفاسق المسلم يلتزم وهو من أهل الولاية على المسلم (قال) وكذلك الصبى والمعتوه إذا عقلا ما يقولان من أصحابنا رحمهم الله تعالى من يقول مراده بهذا العطف ان الصبى كالبالغ إذا كان مرضيا ولانه كان في الصحابة رضى الله تعالى عنهم من سمع في صغره ولو روى كان مقبولا منه وكما سقط اعتبار الحرية والذكورة يسقط اعتبار البلوغ كما في المعاملات والاصح ان مراده العطف على الذمي وان خبر الصبى والمعتوه في هذا كخبر الذمي لانهما لا يلتزمان شيئا ولكن يلزمان الغير ابتداء فانهما غير مخاطبين فليس لهما ولاية الالزام فكان خبرهما في معنى خبر الكافر رجل دخل على قوم من المسلمين يأكلون طعاما ويشربون شرابا فدعوه إليه فقال رجل مسلم ثقة قد عرفه هذا اللحم ذبيحة مجوسي وهذا الشراب قد خالطه الخمر وقال الذين دعواه إلى ذلك ليس الامر كما قال وهو حلال فانه ينظر إلى حالهم فان كانوا عدولا لا يلتفت إلى قول ذلك الواحد لان خبر الواحد لا يعارض خبر الجماعة فان خبر الجماعة حجة في الديانات والاحكام وخبر الواحد لبس بحجة في الاحكام ولان الظاهر من حال المسلمين أنهم لا يأكلون ذبيحة المجوسى ولا يشربون ما خالطه الخمر فخبر الواحد في معارضة خبرهم خبر مستنكر فلا يقبل وان كانوا متهمين أخذ بقوله ولم يسعه ان يقرب شيئا من ذلك لان خبره باعتبار حالهم مستقيم صالح ولا معتبر بخبرهم لفسقهم في حكم العمل به ولان خبر العدل بالحرمة يريبه في هذا الموضع باعتبار حالهم وقال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى مالا يريبك

[ 165 ]

ويستوي ان كان المخبر بالحرمة حرا أو مملوكا ذكرا أو أنثي لانه أخبر بأمر دينى فان الحل والحرمة من باب الدين ولو كان في القوم رجلان مرضيان أخذ بقولهما لان الحجة في الاحكام تتم بخلاف المثنى فلا يعارض خبرهما خبر الواحد وان كان فيهم ثقة واحد عمل فيه على أكبر رأيه لاستواء الخبرين عنده وان لم يكن له فيه رأى واستوى الحالان عنده فلا بأس بأكل ذلك وشربه وكذلك الوضوء منه في جميع ذلك اما المصير إلى غالب الرأى فللمعارضة بين الخبرين لان عند المعارضة لابد من ترجيح أحد الجانبين وغالب الرأى يصلح ان يكون دليلا للعمل في بعض المواضع فلان يصلح للترجيح أولي فان لم يكن له رأى تمسك بأصل الطهارة (فان قيل) لا معارضة بين الخبرين لان احدهما ينفي الحرمة والآخر يثبت ولا تعارض بين النفي والاثبات (قلنا) هذا في الشهادات فأما في الاخبار المعارضة تتحقق ؟ بين النفي والاثبات لان كل واحد منهما بانفراده مقبول (فان قيل) لاكذلك في الشاهد إذا زكاه أحد المزكين وجرحه الآخر كان الجرح أولى لان الجرح مثبت والآخر ناف (قلنا) نعم ولكن في كل موضع يكون النافي معتمدا لدليل في خبره تتحقق المعارضة في ذلك بين النفى والاثبات وفي كل موضع لا يكون النافي معتمدا لدليل يترجح المثبت فهنا النافي معتمد لدليل لان طهارة الماء ونجاسته تعلم حقيقة وكذلك حل الطعام وحرمته فلهذا تحققت المعارضة والذى زكى الشاهد لا يعتمد دليلا في خبره لان نفي أسباب الجرح لا يعلم حقيقة فلهذا يرجح المثبت هناك على النافي فان كان الذى أخبره بأنه حلال مملوكان ثقتان والذى زعم أنه حرام واحد حر فلا بأس بأكله لان في الخبر الدينى المملوك والحر سواء ولا تتحقق المعارضة بين الواحد والمثني في الخبر لانه يحصل منه طمأنينة القلب بخبر الاثنين مالا يحصل بخبر الواحد وان كان الذي زعم أنه حرام مملوكا ثقتان والذي زعم أنه حلال حر واحد ثقة ينبغى له أن لا يأكله لما بينا أن خبر الواحد لا يكون معارضا لخبر الاثنين وكذلك لو أخبره بأحد الامرين عبد ثقة وبالآخر حر ثقة يعمل بأكبر رأيه فيه لان الحجة لا تتم من طريق الحكم بخبر حر واحد ومن حيث الدين خبر الحر والمملوك سواء فلتحقق المعارضة بين الخبرين يصير الي الترجيح بأكبر الرأى وان أخبره بأحد الامرين مملوكان ثقتان وبالامر الآخر حران ثقتان أخذ بقول الحرين لان الحجة تتم بقول الحرين ولا تتم بقول المملوكين فعند التعارض يترجح قول الحرين لان في قولهما زيادة الزام فان الالزام بقول المملوكين ينبنى على الالزام

[ 166 ]

اعتقادا والالزام في قول الحرين لا ينبني على الالزام اعتقادا حتى كان ملزما فيما لا يكون المرء معتقدا له فعرفنا أن في خبرهما زيادة الزام فالترجيح بقوة السبب صحيح قال ألا ترى ان أبا بكر رضي الله عنه شهد عنده المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الجدة أم الام السدس فقال ائت معك بشاهد آخر فجاء بمحمد بن سلمة فشهد على مثل شهادته فأعطاها أبو بكر رضى الله عنه السدس وهذا من أمر الدين وعمر بن الخطاب رضى الله عنه شهد عنده أبو موسى الاشعري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال ائت معك بشاهد آخر فشهد أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه على مثل شهادته قال محمد فهذا انما فعلاه للاحتياط والواحد يجزى وكان عيسى بن ابان يقول بل انما طلبنا شاهدا آخر على طريق الشرط لان طمأنينة القلب تحصل بقول المثنى دون الواحد ولم يكن في ذلك الوقت ضرورة في الاكتفاء بخبر الواحد لكثرة الرواة فاما في زماننا فقد تحقق معني الضرورة في الاكتفاء بخبر الواحد والاصح ما أشار إليه محمد رحمه الله تعالى انهما طلبا ذلك للاحتياط وكانا يقبلان ذلك وان لم يشهد شاهد آخر الا ترى ان عمر رضى الله عنه قبل شهادة عبد الرحمن بن عوف حين شهد عنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ولم يطلب شاهدا آخر وأجاز قول عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه في الطاعون حين أراد ان يدخل الشام وبها الطاعون فاستشارهم فاشار عليه بعض المهاجرين بالدخول فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه يا أمير المؤمنين اتفر من قدر الله فقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا وقع هذا الرجز بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فأخذ عمر رضى الله عنه بقوله ورجع وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في مشكل الآثار هذا الحديث فقال تأويله انه إذا كان بحال لو دخل فابتلى وقع عنده انه ابتلى بدخوله ولو خرج فنجى وقع عنده أنه نجى بخروجه فلا يدخل ولا يخرج صيانة لاعتقاده فأما إذا كان يعلم أن كل شئ بقدر وأنه لا يصيبه الا ماكتب الله تعالى فلا بأس بأن يدخل ويخرج واستدل محمد رحمه الله تعالى أيضا بحديث عمر رضي الله عنه فانه كان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى شهد عنده الضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها أشيم فأخذ بقوله

[ 167 ]

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي إلى قيصر بكتابه يدعوه إلى الاسلام فكان حجة عليه فهذا كله دليل ان خبر الواحد في أمر الدين كان ملزما في ذلك الوقت كما هو اليوم وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه كنت إذا لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فحدثني به غيره استحلفته على ذلك وحدثني أبو بكر رضى الله تعالى عنه وصدق أبو بكر وهذا مذهب تفرد به على رضي الله عنه فانه كان يحلف الشاهد ويحلف المدعي مع البينة ويحلف الراوي ولم يتبع ذلك فكأنه كان يقول ان خبره يصير مزكى بيمينه كالشهادات في باب اللعان من كل واحد من الزوجين حتى تصير مزكاة باليمين ومن لم يعصم عن الكذب لا يكون خبره حجة ما لم يصر مزكى بيمينه الا أبو بكر رضى الله عنه فان تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه الصديق كاف في جعل خبره مزكى ولسنا نأخذ بهذا القول لان الله تعالى أمرنا باستشهاد شاهدين وبطلب العدالة في الشهود فاشتراط اليمين مع ذلك يكون زيادة على ما في الكتاب وقد وقعت الدعاوى والخصومات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه حلف أحدا من الشهود ولاحلف المدعى مع البينة ولايجوز أن يقال إنهم قد تركوا نقله لان هذا لا يظن بهم خصوصا فيما تعم البلوى فقد نقلوا كل مادق وجل من أقواله وأفعاله (قال) وبلغنا ان نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو طلحة كانوا يشربون شرابا لهم من الفضيخ فأتاهم آت فاخبرهم ان الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إليها فكسرتها حتى اهراق ما فيها ولو لم يكن خبر الواحد حجة ما وسعهم ذلك لما فيه من اضاعة المال وتأويل كسر الجرار ان الخمر كانت تشرب فيها فلا تصلح للانتفاع بها بوجه آخر وكان ذلك لاظهار الانقياد وتحقيق الانزجار عن العادة المألوفة وعلى هذا يحمل ماروي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكسر الدنان وشق الروايا وذكر حديث عكرمة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة اعرابي وحده على رؤية هلال رمضان حين قدم المدينة فاخبرهم بأنه رآه فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصوموا بشهادته فهذا يدل على أن شهادة الواحد في الدين مقبولة ولا يقبل في هلال الفطر أقل من شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين والكلام في هذا الفصل قد بيناه في كتاب الصوم وذكر ابن سماعة في نوادره قال قلت لمحمد فإذا قبلت شهادة الواحد في هلال رمضان وأمرت بالصوم ثلاثين يوما ولم يروا

[ 168 ]

الهلال أليس أنهم يفطرون وهذا فطر بشهادة الواحد فقال لاأتهم المسلم بتبديل يوم مكان يوم ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال الفطر غير ثابت بشهادته وان كانت تفضى إليه شهادته كما لو شهدت القابلة بالنسب يثبت استحاق الميراث ولا يستحق المال بشهادة القابلة وهذا على قول محمد فأما على رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى لا يفطرون وان صاموا ثلاثين يوما إذا لم يروا الهلال قال الحاكم وهلال الاضحى كهلال الفطر ذكره في كتاب الشهادات وفى النوادر عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان الشهادة على هلال الاضحى كالشهادة على هلال رمضان لما يتعلق به من امر ديني وهو ظهور وقت الحاج وذلك حق الله تعالى فأما في ظاهر الرواية قال هذا في معنى هلال الفطر لان فيه منفعة للناس هنا من حيث التوسع بلحوم الاضاحي في اليوم العاشر كما في هلال الفطر ولا يقبل في هلال رمضان قول مسلم ولا مسلمين ممن لا تجوز شهادتهم للتهمة لما بينا أن خبر الفاسق في أمر الدين غير ملزم وذكر الطحاوي أن شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان مقبول عدلا كان أو غير عدل قيل المراد بقوله غير عدل ان يكون مستورا فيكون موافقا لرواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالي في المستور وقيل بل مراداه الفاسق وجه هذه الرواية ان التهمة متنفية عن خبره هذا لانه يلزمه من الصوم ما يلزم فأما عبد مسلم ثقة أو أمة مسلمة أو امرأة مسلمة حرة فشهادتهم في ذلك جائزة لان في الخبر الديني الذكور والاناث والاحرار والمماليك سواء وكذلك ان شهد واحد على شهادة واحد وبهذا تبين أنه خبر لا شهادة حتى لا يشترط فيه لفظ الشهادة وذكر أنه إذا كان محدودا في قذف قد حسنت توبته فشهادته جائزة أيضا وروي الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن شهادته لاتقبل لانه محكوم بكذبه وإذا كانت شهادة المتهم بالكذب لاتقبل هنا فالمحكوم بالكذب أولى ووجه هذه الرواية ان خبر المحدود في أمر الدين مقبول الا ترى ان أبا بكرة بعدما أقيم عليه حد القذف كانت تعتمد روايته وهذا لان رد شهادته لحق المقذوف وهو دفع العار عنه باهدار قوله وذلك في الاحكام التي يتعلق بها حقوق العباد وينعدم هذا المعنى في أمور الدين فكان المحدود فيه كغيره يقول فإذا كان الذى شهد بذلك في المصر ولا علة في السماء من ذلك لاتقبل شهادته لان الذى يقع في القلب من ذلك انه باطل وقد بينا في كتاب الصوم أقاويل العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الفصل وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه اعتبر فيه عدد الخمسين على قياس الايمان في القسامة وفيما ذكر هناك اشارة إلى أنه إذا جاء

[ 169 ]

من خارج المصر فانه تقبل شهادته فقد ذكر بعد هذا أيضا أو جاء من مكان آخر وأخبر بذلك وهكذا ذكره الطحاوي رحمه الله تعالى في كتابه لان يتفق من الرؤية في الصحارى مالا يتفق في الامصار لما فيها من كثرة الغبار وكذلك ان كان في المصر على موضع مرتفع فقد يتفق له من الرؤية مالا يتفق لمن هو دونه في الموقف رجل تزوج امرأة فجاء رجل مسلم ثقة أو امرأة فأخبر انهما ارتضعا من امرأة واحدة فأحب إلى التنزه عنها فيطلقها ويعطيها نصف الصداق ان لم يكن دخل بها والكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في الحكم والآخر في التنزه اما في الحكم فالحرمة لا تثبت بشهادة امرأة واحدة على الرضاع عندنا ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان وعند الشافعي يثبت بشهادة أربع نسوة كما هو مذهبه فيما لا يطلع عليه الرجال وزعم ان الرضاع لا يحل مطالعته للاجانب من الرجال ولكن نقول الارضاع يكون بالثدي وذلك مما يحل مطالعته لذى الرحم المحرم ثم قد يكون بالايجار وذلك مما يطلع عليه الاجانب ومالك كان يقول يكتفى بشهادة الواحد لاثبات الحرمة بالرضاع وذلك مروي عن عثمان رضى الله عنه واستدل فيه بحديث ابن أبى مليكة بن عقبة أن عقبة بن الحارث رضي الله تعالى عنهما تزوج بنت اهاب فجاءت امرأة سوداء فأخبرت أنها أرضعتهما جميعا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل هذا القدر ذكره محمد رحمه الله تعالى وأهل الحديث يروون ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فهو حجة مالك رحمه الله تعالى (وحجتنا) في ذلك حديث عكرمة بن خالد قال عمر رضى الله عنه لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين ولان هذه شهادة تقوم لابطال الملك ولا تتم الحجة فيه الا بشاهدين كالعتق والطلاق فأما الحديث ففيه اشارة إلى التنزه بقوله كيف وقد قيل ولو ثبتت الحرمة بخبرها لما أشار إلى التنزه بهذا اللفظ والزيادة التى يرويها أهل الحديث لم تثبت عندنا والدليل على ضعفه ماروى عن عقبة بن الحارث رحمه الله تعالى أنه قال تزوجت بنت أبى اهاب فجاءت امرأة سوداء تستطعمنا فأبينا أن نطعمها فجاءت من الغد تشهد على الرضاع ومثل هذه الشهادة تكون عن ضغن فلا تتم الحجة بها فأما بيان وجه التنزه أن المخبر إذا كان ثقة فالذي يقع في قلوب السامعين أنه صادق فيه فصحبتها تريبه ومفارقتها لاتريبه ولو أمسكها ربما يطعن فيه أحد ويتهمه وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف

[ 170 ]

التهم وقال صلى الله عليه وسلم اياك وما يسبق إلى القلوب انكاره وان كان عندك اعتذاره فليس كل سامع نكرا تطيق أن توسعه عذرا ولان يدع وطءا حلالا خير له من أن يقدم على وطئ حرام ولكن ينبغى له أن يطلقها لانها منكوحته في الحكم فإذا لم يطلقها لا تقدر على التزوج ؟ بغيره فتبقى معلقة ثم يعطيها نصف الصداق بعد الطلاق وان لم يكن دخل بها لانها استوجبت في الحكم ذلك عليه فلا ينبغي له أن يمنعها بنظره لنفسه والمستحب لها أن لا تأخذ شيئا ان كان لم يدخل بها لجواز أن يكون المخبر صادقا والنكاح لم يكن منعقدا بينهما وان كان دخل بها فلا بأس بأن تأخذ مقدار مهر مثلها بما استحل من فرجها وينبغى أن لا تأخذ الزيادة على ذلك الي تمام المسمى ولكن تبريه عن ذلك لانه حق مستحق لها في الحكم فلا يسقط الا باسقاطها ولا يبعد أن يندب كل واحد منهما إلى ما قلنا كما ان الله تعالى أثبت نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول ثم ندب كل واحد من الزوجين إلى العفو وكذلك الرجل يشترى الجارية فيخبره عدل انها حرة الابوين أو أنها أخته من الرضاع فان تنزه عن وطئها فهو افضل وان لم يفعل وسعه ذلك وفرق بين هذين الفصلين وبين ما تقدم من الطعام والشراب فاثبت الحرمة هناك بخبر الواحد العدل ولم يثبت هنا لان حل الطعام و الشراب يثبت بالاذن بدون الملك حتى لو قال لغيره كل طعامي هذا أو توضأ بمائي هذا أو اشربه وسعه أن يفعل ذلك فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل به الملك وحل الوطئ لا يثبت بدون الملك حتى لو قال طأ جاريتي هذه فقد أذنت لك فيه أو قالت له ذلك حرة في نفسها لم يحل له الوطئ فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل به الملك وهو خبر الواحد وتقرير هذا الفرق من وجهين احدهما ان الحل والحرمة فيما سوى البضع مقصود بنفسه لما كان يثبت بدون ملك الحل وتثبت الحرمة مع قيام الملك فكان هذا خبرا بامر دينى وقول الواحد فيه ملزم فاما في الوطئ الحل والحرمة يثبت حكما للملك وزواله لا يثبت مقصودا بنفسه وقول الواحد في ابطال الملك ليس بحجة فكذلك في الحل الذي ينبنى عليه والثانى ان في الوطئ معنى الالزام على الغير لان المنكوحة يلزمها الانقياد للزوج في الاستفراش والمملوكة يلزمها الاتقياد ؟ لمولاها وخبر الواحد لا يكون حجة في ابطال الاستحقاق الثابت لشخص على شخص فأما حق الطعام والشراب فليس فيه استحقاق حق على أحد يبطل ذلك بثبوت الحرمة وانما ذلك أمر ديني وخبر الواحد في مثله حجة مسلم اشتري لحما فلما قبضه أخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي لم ينبغ له أن

[ 171 ]

يأكله لانه أخبر بحرمة العين وهو أمر دينى فتتم الحجة بخبر الواحد فيه وكما لا يأكله لا يطعمه غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها في نظيره أتطعمين ما لا تأكلين ولا يرده على صاحبه لان فسخ البيع معتبر بنفس البيع وكما لا تتم الحجة بخبر الواحد في البيع فكذلك فيما يفسخه ولا يستحل منع البائع ثمنه لانه قد استوجبه بالعقد قبله وقول الواحد ليس بحجة في اسقاط حق مستحق للعباد ولان العين قد بقي مملوكا له متقوما لان نقض الملك فيه بقول الواحد لا يجوز فعليه أداء ثمنه (فان قيل) الحل هنا انما يثبت حكما للمالك فينبغي ان لا تثبت الحرمة الا بما يبطل كما في المسألة الوطئ (قلنا) لاكذلك بل ثبوت حل التناول بالاذن لان الموجب للبيع اذن المشترى في التناول مسلطا له على ذلك وهو كاف لثبوت الحل في هذا العين فما زاد عليه غير معتبر في حكم الحل وبنحوه علل في البيوع في تنفيذ تصرف المشترى بشراء فاسد فقال لان البائع سلطه على ذلك والدليل على هذا تمام البيع بهذا اللفظ حتى لو قال كل هذا الطعام بدرهم لى عليك فأكله كان هذا بيعا وكان قد أكله حلالا بخلاف الوطئ فان الحرة لو قالت طأني بكذا لا يحل له ان يفعل ولا ينعقد النكاح بينهما لو فعله يوضحه ان المعتبر هو الجملة دون الاحوال وإذا كان حل الطعام في الجملة يثبت بغير ملك فكذلك الحرمة تثبت مع قيام الملك ولو لم يبعه هذا الرجل ولكن اذن له في التناول فاخبره مسلم ثقة انه محرم العين لم يحل له تناوله فكذلك إذا باعه يوضحه ان قبل البيع انما لا يحل له تناوله لان حرمة العين تثبت في حقه بخبر الواحد والبيع ليس له تأثير في ازالة حرمة ثابتة للعين فإذا ثبت انه لو اشتراه بعد الاذن أو ملكه بسبب آخر لم يحل له تناوله فكذلك إذا اشتراه قبل الاذن فاخبره عدل بانه محرم العينى ولو اشترى طعاما أو جارية أو ملك ذلك بهبة أو ميراث أو صدقة أو وصية فجاء مسلم ثقة فشهد ان هذا لفلان الفلاني غصبه منه البائع أو الواهب أو الميت فأحب إلى ان يتنزه عن أكله وشربه والوضوء منه ووطئ الجارية لان خبر الواحد يمكن ريبة في قلبه والتنزه عن مواضع الريبة أولى وان لم يتنزه كان في سعة من ذلك لان المخبر هنا لم يخبر بحرمة العين وانما أخبر ان من تملك من جهته لم يكن مالكا وهو مكذب في هذا الخبر شرعا فان الشرع جعل صاحب اليد مالكا باعتبار يده ولهذا لو نازعه فيه غيره كان القول قوله وعلى هذا أيضا لو أذن له ذو اليد في تناول طعامه وشرابه فأخبره ثقة أن هذا الطعام والشراب في يده غصب من فلان وذو

[ 172 ]

اليد يكذبه وهو متهم غير ثقة فان تنزه عن تناوله كان أولى وان لم يتنزه كان في سعة وفى الماء إذا لم يجد وضوء غيره توضأ به ولم يتمم لان الشرع جعل القول قول ذي اليد فيما في يده وهذا بخلاف ما سبق لان هناك المخبر انما أخبر بملك الغير في المحل وخبره في هذا ليس بحجة وهناك أخبر بحرمة ثابتة في المحل لحق الشرع وخبر الواحد فيه حجة (فان قيل) الحل والحرمة ليس بصفة للمحل حقيقة وانما هو صفة للفعل الصادر من المخاطب وهو التناول وقد أخبره بحرمة التناول في الفصلين جميعا (قلنا) هذا شئ توهمه بعض أصحابنا وهو غلط عظيم فانا لو جعلنا الحرمة صفة للفعل حقيقة ثم توصف العين به مجازا كان شروعا في المحل من وجه وذلك ممتنع بعد ثبوت حرمة الامهات وحرمة الميتة بالنص ولكن نقول الحرمة صفة العين حقيقة باعتبار أنه خرج شرعا من أن يكون محلا للفعل الحلال وكذلك حقيقة موجبه النفى والنسخ ثم ينتفي الفعل باعتبار انعدام المحل لان الفعل لا يتصور الا في المحل كالقتل لا يتصور في الميت وكان هذا امامة العين مقام الفعل في أن صفة الحرمة تثبت له حقيقة ويتضح ذلك بالتأمل في مورد الشرع فان الله تعالى في مال الغير نهى عن الاكل فانه قال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلى قوله لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم فعرفنا أن المحرم هو الاكل وفي الميتة قال تعالى حرمت عليكم الميتة فقد جعل الحرمة صفة للعين وكذلك قال حرمت عليكم أمهاتكم وبمعرفة حدود كلام صاحب الشرع يحسن الفقه وكذلك من حيث الاحكام من قال لامرأته أنت علي كالميتة كان بمنزلة قوله أنت على حرام بخلاف مالو قال أنت علي كمتاع فلان فإذا تقرر هذا قلنا الحرمة الثابتة صفة للعين محض حق الشرع فتثبت بخبر الواحد ولهذا لا يسقط الا باذن الشرع وحرمة التناول في طعام الغير ثابتة لحق الغير ولهذا يسقط باذنه وحق الغير لا يثبت بخبر الواحد فلا تثبت الحرمة أيضا ولو أن رجلا مسلما شهد عنده رجل أن هذه لجارية التي هي في يد فلان وهى مقرة له بالرق أمة لفلان غصبها والذي هي في يده يجحد ذلك وهو غير مأمون على ما ذكر فأحب إلى أن لا يشتريها وان اشتراها ووطئها فهو في سعة من ذلك لان المخبر مكذب فيما أخبر به شرعا والقول قول ذى اليد أنها مملوكة له فله ان يعتمد الدليل الشرعي فيشتريها وان احتاط فلم يشترها كان أولى له لانه متمكن من تحصيل مقصوده بغيرها وابن مسعود رضي الله عنه كان يقول في مثله كنا ندع تسعة اعشار الحلال مخافة الحرام ولو أخبره انها حرة الاصل أو انها كانت أمة لهذا الذى

[ 173 ]

في يده فاعتقها وهو مسلم ثقة فهذا والاول سواء لما بينا ان المخبر مكذب شرعا وان تصادقهما على أنها مملوكة لذى اليد حجة شرعا في اثبات الملك له فللمشترى ان يعتمد الحجة الشرعية والتنزه أفضل له (فان قيل) في هذا الموضع أخبر بحرمة المحل حين زعم انها معتقة أو حرة فلو جعلت هذا نظير ما سبق (قلنا) لاكذلك فحرمة المحل هنا لعدم الملك والملك ثابت بدليل شرعى ومع ثبوت الملك لاحرمة في المحل وفي الكتاب قال هذا بمنزلة النكاح الذى يشهد فيه بالرضاع وهو اشارة إلى ما قلنا أن حل الوطئ لا يكون الا بملك والملك المحكوم به شرعا لا يبطل بخبر الواحد فكذلك ما ينبنى عليه من الحل وإذا كانت الجارية لرجل فأخذها رجل آخر وأراد بيعها لم ينبغ لمن عرفها للاول ان يشتريها من هذا حتى يعلم أنها قد خرجت من ملكه وانتقلت إلى ملك ذى اليد بسبب صحيح أو يعلم انه وكله ببيعها لان دليل الملك الاول ظهر عنده فلا يثبت الملك للثاني في حقه الا بدليل يوجب النقل إليه والشراء من غير المالك لا يحل الا باذن المالك ولو علم القاضى ما علمه هو كان يحق عليه تقريره على ملك الاول حتي يثبت الثاني سبب الملك لنفسه فكذلك إذا علمه هذا الذى يريد شراءه فان سأل ذا اليد فقال انى قد اشتريتها منه أو وهبها لى أو تصديق بها على أو وكلني ببيعها فان كان ثقة فلا بأس بان يصدفه على ذلك ويشتريها منه ويطأها لانه أخبر بخبر مستقيم صالح فيكون خبره محمولا على الصدق ما لم يعارضه مانع يمنع من ذلك والمعارض انكار الاول ولم يوجد ولو كلفناه الرجوع إلى الاول ليسأله كان في ذلك نوع حرج لجواز ان يكون غائبا أو مختفيا وان كان غير ثقة الا ان أكبر رأية فيه أنه صادق فكذلك أيضا لما بينا ان في المعاملات لا يمكن اعتبار العدالة في كل خبر لمعنى الحرج والضرورة لان الخبر غير ملزم إياه شرعا مع أن أكبر الرأى إذا انضم إلى خبر الفاسق تأيد به وقد بينا نظيره في الاخبار الدينية فههنا أولى وان كان أكبر رأية أنه كاذب لم ينبغ له أن يتعرض لشئ من ذلك لان أكبر الرأى فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين ولو تيقن بكذبه لم يحل له أن يعتمد خبره فكذلك إذا كان أكبر رأيه في ذلك والاصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لو ابصة بن معبد رضى الله تعالى عنه ضع يدك على صدرك واستفت قلبك فيما حاك في صدرك فهو السالم وان أفتاك الناس به وقال صلى الله عليه وسلم الاثم حراز القلوب أي على المرء ان يترك ما حرز في قلبه تحرزا عن الاثم وكذلك لو لم يعلم ان ذلك الشئ لغير الذى هو في يديه حتي أخبره الذى في يديه أنه لغيره وانه وكله

[ 174 ]

ببيعه أو وهبه له أو اشتراه منه لان اقراره بالملك للغير حجة في حق المقر شرعا فهذا في حق السامع بمنزلة ما لو علم ملك الغير بأن عاينه في يده فان كان المخبر ثقة صدقه فيما أخبر به من سبب الولاية له في بيعه وكذلك ان كان غير ثقة وأكبر رأية انه صادق فيه صدقه أيضا وان كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يقبل ذلك منه ولم يشتره وان كان لم يخبره ان ذلك الشئ لغيره فلا بأس بشرائه منه وقبوله هبته وان كان غير ثقة لان دليل الملك شرعا ثابت له وهو اليد والفاسق والعدل في هذا الدليل سواء حتي إذا نازعه غيره فالقول قوله ويحل لمن رآه في يده ان يشهد له بالملك والمصير إلى أكبر الرأي عند انعدام دليل ظاهر كما لا يصار إلى القياس عند وجود النص (قال) الا ان يكون مثله لا يتملك مثل ذلك العين فأحب ان يتنزه عنه ولا يتعرض له بالشراء أو غيره وذلك كدرة يراها في يد فقير لا يملك شيئا أو رأى كتابا في يد جاهل ولم يكن في آبائه من هو أهل لذلك فالذي سبق إلى قلب كل أحد أنه سارق لذلك العين فكان التنزه عن شرائه منه أفضل وان اشترى أو قبل وهو لا يعلم أنه لغيره رجوت أن يكون في سعة من ذلك لانه يزعم أنه مالك والقول قوله شرعا فالمشتري منه يعتمد دليلا شرعيا وذلك واسع له الا أنه مع هذا لم يبت الجواب وعلقه بالرجاء لما ظهر من عمل الناس ولما سبق إلى وهم كل أحد أن مثله لا يكون مالكا لهذه العين فان كان الذى أتاه به عبد أو أمة لم ينبغ له أن يشترى ولا يقبله حتى يسأله عن ذلك لان المنافى للملك وهو الرق معلوم فيه فما لم يعلم دليلا مطلقا للتصرف في حق من رآه في يده لا يحل له الشراء منه لانه عالم أنه لغيره واليد في حق المملوك ليس بمطلق للتصرف وان الرق مانع له من التصرف ما لم يوجد الاذن فان سأله فأخبره أن مولاه قد أذن له فيه وهو ثقة مأمون فلا بأس بشرائه منه وقبوله لانه أخبر بخبر مستقيم صالح وهو محتمل في نفسه فيعتمد خبره إذا كان ثقة وان كان غيره ثقة فهو على ما يقع في قلبه فان كان أكبر رأيه أنه صادق فيما قال صدقه بقوله وان كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يعرض لشئ من ذلك وكذلك ان كان لا رأي له فيما قال لان الحاجز له عن التصرف ظاهر فلا يكون له أن يتصرف معه بمجرد خبره ما لم يترجح جانب الصدق فيه بنوع دليل ولم يوجد ذلك وكذلك الغلام الذى لم يبلغ حرا كان أو عبدا فيما يخبر أنه أذن له في بيعه أو ان فلانا بعث معه إليه هدية أو صدقة فان كان اكبر رأيه أنه صادق وسعه ان يصدقه وهذا للعادة الظاهرة في بعث الهدايا على أيدى المماليك والصبيان وفى

[ 175 ]

التورع عنه من الجرح ما لا يخفى وان كان أكبر رأيه أنه كاذب لم ينبغ له أن يقبل منه شيئا لان أكبر الرأى فيما لا يوقف على حقيقة كاليقين (قال) وكان شيخنا الامام رحمه الله تعالى يقول الصبى إذا أتي بقالا بفلوس يشترى منه شيئا وأخبره أن أمه أمرته بذلك فان طلب الصابون ونحوه فلا بأس ببيعه منه وان طلب الزبيب وما يأكله الصبيان عادة فينبغي له أن لا يبيعه لان الظاهر أنه كاذب فيما يقول وقد عثر على فلوس أمه فيريد أن يشترى بها حاجة نفسه وان قال الصبي هذا لى وقد أذن لى أبى في أن أهبه لك أو أتصدق به عليك لم ينبغ له أن يقبله منه لان ليس للاب ولاية الاذن بهذا التصرف لولده بخلاف ما إذا قال أبى بعثه اليك على يدى صدقة أو هبة لان للاب هذه الولاية في مال نفسه فكان ما أخبره مستقيما وكذلك الفقير إذا أتاه عبد أو أمة بصدقة من مولاه ولو أن رجلا علم أن جارية لرجل يدعيها ثم رآها في يد رجل آخر يبيعها ويزعم أنها كانت في يد فلان وذلك الرجل يدعى أنها له وكانت مقرة له بالملك غير أنه زعم أنها كانت لى وانما أمرته بذلك الامر خفية وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا بأس بشرائها منه لانه أخبر بخبر مستقيم محتمل ولو كان ما أخبر به معلوما للسامع كان له ان يشتريها منه فكذلك إذا أخبره بذلك ولا منازع له فيه وان كان في رأيه انه كاذب لم ينبغ له ان يشتريها ولا يقبلها لانه ثبت عنده انها مملوكة للاول فان اقرار ذى اليد بان الاول كان يدعى انها مملوكته حين كانت في يده يثبت الملك له وكذلك سماع هذا الرجل منه انها له دليل في حق اثبات الملك له والذى أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه انه كاذب في ذلك ولو لم يقل هذا ولكنه قال ظلمنى وغضبني وأخذتها منه لم ينبغ له ان يتعرض لشراء ولا قبول ان كان المخبر ثقة أو غير ثقة والفرق من وجهين أحدهما انه أخبر هناك بخبر مستنكر قان الظلم والغصب مما يمنع كل أحد عنه عقله ودينه فلم يثبت لم بخبره غصب ذلك الرجل بقى قوله أخذتها منه وهذا أخذ بطريق العدوان ألا ترى ان القاضى لو عاين ذلك منه أمره برده عليه حتي يثبت ما يدعيه وإذا سقط اعتبار يده بقى دعواه الملك فيما ليس في يده وذلك لا يطلق الشراء منه وفى الاول أخبر بخبر مستقيم كما قررنا فان دينه وعقله لايمنه من التلجئة عند الخوف والثانى ان خبر الواحد عند المسالمة حجة وعند المنازعة لا يكون حجة لانه يحتاج فيه إلى الالزام وذلك لا يثبت بخبر الواحد وفى الفصل الثاني

[ 176 ]

أخبر عن حال منزعة بينهما في غضب الاول واسترداد هذا فلا يكون خبره حجة وفى الاول أخبر عن حال مسالمة ومواضعة كان بينهما فيعتمد خبره ان كان ثقة وان قال انه كان ظلمنى وغصبني ثم رجع عن ظلمه فأقر لى بها ودفعها إلى فان كان عنده ثقة فلا بأس بشرائها وقبولها منه لانه أخبر عن مسالمة وهو اقراره له بها ودفعها إليه ولان القاضي لو عاين ما أخبره به قضى بالملك له فيجوز للسامع ان يعتمد خبره ان كان ثقة وفى الاول لو عاين القاضى أخذها منه قهرا أو أمره بالرد ولم يلتفت إلى قوله كان غصبني وكذلك ان قال خاصمته إلى القاضى فقضى لى بها ببينة أقمتها عليه أو بنكوله عن اليمين لانه أخبر بخبر مستقيم وهو اثباته ملك نفسه بالحجة ثم الاخذ بقضاء القاضي وذلك أقوي من الاخذ بتسليم من كان في يده إليه بعد اقراره له بها وان كان غير ثقة وأكبر رأيه انه كاذب لم يشترها منه في جميع هذه الوجوه لان أكبر الرأي في هذا كاليقين وان قال قضى لى بها القاضى وأخذها منه فدفعها إلى أو قال قضى لى بها وأخذتها من منزله باذنه أو بغير اذنه فهذا وما سبق سواء لانه أخبر ان أخذه كان بقضاء القاضى أو أن القاضى دفعها إليه وهذا خبر مستقيم صالح وهو بمنزلة حالة المسالمة معنى لان كل ذى دين يكون مستسلما لقضاء القاضى وان قال قضى لى بها فجحدني قضاه فأخذتها منه لم ينبغ له أن يشتريها منه لانه لما جحد القضاء فقد جاءت المنازعة فانما أخبر بالاخذ في حالة المنازعة وخبر الواحد في هذا لا يكون حجة لما فيه من الالزام ولان القضاء سبب مطلق للاخذ له كالشراء ولو قال اشتريتها ونقدته الثمن ثم جحدني الشراء فأخذتها منه لم يجز له أن يعتمد خبره وكذلك إذا قال جحدني القضاء وهذلان الشرع جعل القول قول الجاحد فيكون سبب استحقاقه عند جحود الآخر كالمعدوم ما لم يثبته بالبينة يبقى قوله أخذتها منه ولو قال اشتريتها من فلان وقبضتها بأمره ونقدته الثمن وكان تقة عنده مأمونا فقال له رجل آخر ان فلانا جحد هذا الشراء وزعم أنه لم يبع منه شيئا والذى قال هذا أيضا ثقة مأمون لم ينبغ له أن يتعرض لشئ من ذلك بشراء ولاغيره لان الاول لو خبر أنه جحد الشراء لم يكن له أن يشتريها فكذلك إذا أخبره غيره وهذا لان المعارضة تحققت بين الخبرين في الامر بالقبض وعدم الامر والجحود والاقرار فالاصل فيه الجحود وان كان الذى أخبره الثاني غير ثقة الا أن أكبر رأيه أنه صادق فكذلك الجواب لان خبر الفاسق يتأيد بأكبر رأى السامع وان كان رأيه

[ 177 ]

أنه كاذب وهو غير ثقة فلا بأس بشرائها منه لان خبره غير معتبر إذا كان أكبر رأى السامع بخلافه فكان المعني فيه أن خبر العدل كان مقبولا لترجح جانب الصدق فيه بأكبر الرأى لا بطريق اليقين فان العدل غير معصوم من الكذب فإذا وجد مثله في خبر الفاسق كان خبره كخبر العدل وان كانا جميعا غير ثقة وأكبر رأيه أن الثاني صادق لم يتعرض لشئ من ذلك بمنزلة مالو كان الثاني ثقة وفي الكتاب قال لان هذا من أمر الدين وعليه أمور الناس وهو اشارة الي أن كل ذى دين معتقد لما هو من أمور الدين فتتم الحجة بخبر الثقة لوجود الالتزام من السامع اعتقادا أو التعامل الظاهر بين الناس اعتماد هذه الاخبار ولو لم يعمل في مثل هذه الا بشاهدين لضاق الامر على الناس فلدفع الحرج يعتمد فيه خبر الواحد كما جعل الشرع شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة تامة لدفع الضيق والحرج (قال) ألاتري لو أن تاجرا قدم بلدا بجواري وطعام وثياب فقال أنا مضارب فلان أو أنا مفاوضه وسع الناس أن يشتروا منه ذلك وكذلك العبد يقدم بلدا بتجارة ويدعى أن مولاه قد أذن له في التجارة فان الناس يعتمدون خبره ويعاملونه ولو لم يطلق لهم ذلك كان فيه من الحرج ما لا يخفي واستدل عليه بحديث رواه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى عن ابي الهيثم أن عاملا لعلى رضى الله عنه أهدى إليه جارية فسألها أفارغة أنت فأخبرته أن لها زوجا فكتب إلى عامله انك بعثت بها إلى مشغولة قال أفترى أنه كان مع الرسول شاهدان أن عاملك أهدى هذه اليك وقد سألها علي رضى الله عنه أيضا فلما أخبرته أن لها زوجا صدقها وكف عنها ولم يسألها عن ذلك الا أنها لو أخبرته أنها فارغة لم ير بأسا بوطئها (قال) وأكبر الرأى والظن مجوز للعمل فيما هو أكبر من هذا كالفروج وسفك الدماء فان من تزوج امرأة ولم يرها فأدخلها عليه انسان وأخبره أنها امرأته وسعه أن يعتمد خبره إذا كان ثقة أو كان في أكبر رأيه انه صادق فيغشاها وكذلك لو دخل على غيره ليلا وهو شاهر سيفه أو ماد رمحه يشتد نحوه ولا يدرى صاحب المنزل انه لص أو هارب من اللصوص فانه يحكم رأيه فان كان في أكبر رأيه انه لص قصده ليأخذ ماله ويقتله ان منعه وخافه ان ان زجره أو صاح به أن يبادره بالضرب فلا بأس بأن يشد عليه صاحب البيت باليسف فيقتله وان كان في أكبر رأيه أنه هارب من اللصوص لم ينبغ له أن يعجل عليه ولا يقتله وانما أورد هذا لايضاح ما تقدم أن أهم الامور الدماء والفرج فان الغلط إذا وقع فيهما

[ 178 ]

لا يمكن التدارك ثم جاز العمل فيهما بأكبر الرأي عند الحاجة ففيما دون ذلك أولي وانما يتوصل إلى أكبر الرأى في حق الداخل عليه بأن يحكم رأيه وهيئته فان كان قد عرفه قبل ذلك بالجلوس مع أهل الخير فيستدل به على أنه هارب من اللصوص وان عرفه بالجلوس مع السراق استدل عليه أنه سارق وإذا قال الرجل إن فلانا الرجل أمرنى ببيع جاريته التى هي في منزله ودفعها إلى مشتريها فلا بأس بشرائها منه وقبضها من منزل مولاها بأمر البائع أو بغير أمره أو إذا فاه ثمنها وكان البائع ثقة أو كان غير ثقة ووقع في قلبه أنه صادق لان الجارية لو كانت في يده جاز شراؤها منه لا باعتبار يده بل باخباره أنه وكيل بالبيع فان هذا خبر مستقيم صالح وهذا موجود وان لم تكن في يده وبعد صحة الشراء له أن يقبضها إذا أوفي الثمن من غير أن يحتاج إلى اذن أحد في ذلك وان كان وقع في قلبه أنه كاذب قبل الشراء أو بعده قبل أن يقبض لم ينبع له أن يتعرض لشئ حتي يستأمر مولاها في أمرها لان أكبر الرأى بمنزلة اليقين في حقه فان ظهر كذبه قبل الشراء فهو مانع له من الشراء وان ظهر بعد الشراء فهو مانع له من القبض بحكم الشراء لان ما يمنع العقد إذا اقترن به يمنع القبض بحكمه أيضا كالتخمر في العصير وكذلك لو قبضها ووطئها ثم وقع في قلبه أن البائع كذب فيما قال وكان عليه أكبر ظنه فانه يعتزل وطأها حتى يتعرف خبرها لان كل وطأة فعل مستأنف من الواطئ ولو ظهر له هذا قبل الوطأة الاولى لم يكن له أن يطأها فكذلك بعدها وهكذا أمر الناس ما لم يجئ التجاحد من الذى كان يملك الجارية فإذا جاز ذلك لم يقربها وردها عليه لان الملك له فيها ثابت بتصادقهم وتوكيله لم يثبت بقول البائع فعليه أن يردها ويتبع البائع بالثمن لبطلان البيع بينهما عند جحود التوكيل وينبغي للمشتري أن يدفع العقر إلى مولى الجارية لانه وطئها وهي غير مملوكة له وقد سقط الحد بشبهة فيلزمه العقر وان كان المشترى حين اشتراها شهد عنده شاهدا عدل أن مولاها قد أمره ببيعها ثم حضر مولاها فجحد أن يكون أمره ببيعها فالمشترى في سعة من امساكها والتصرف فيها حتى يخاصمه إلى القاضى لان شهادة الشاهدين حجة حكمية ولو شهدا عند القاضى لم يلتفت القاضى إلى جحود المالك وقضى بالوكالة وبصحة البيع فكذلك إذا شهدا عنده فإذا خاصم إلى القاضى فقضى له بها لم يسعه امساكها بشهادة الشاهدين لان قضاء القاضى أنفذ من الشهادة التى لم يقض بها ومعني هذا أن الشهادة لم تكن ملزمة بدون القضاء وقضاء القاضى يلزمه بنفسه والضعيف لا يظهر

[ 179 ]

في مقابلة القوي رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى غاب عنها فأخبره مخبر أنها قد ارتدت عن الاسلام والمخبر ثقة عنده وهو حر أو مملوك أو محدود في قذف وسعه أن يصدقه ويتزوج أربعا سواها لانه أخبره بامر دينى وهو حل نكاح الاربع له وهذا أمر بينه وبين ربه وكذلك ان كان غير ثقة وكان أكبر رأيه أنه صادق لان خبر الفاسق يتأكد بأكبر الرأى ولان هذا الخبر غير ملزم اياه شيئا والمعتبر في مثله التمييز دون العدالة وانما اعتبار العدالة في خبر ملزم وان كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يتزوج أكثر من ثلاث لان خبر الفاسق يسقط اعتباره بمعارضة أكبر الرأى بخلافه ولو كان المخبر أخبر المرأة أن زوجها قد ارتد فلها أن تتزوج بزوج آخر في رواية هذا الكتاب أيضا وفي السير الكبير يقول ليس لها ذلك حتى يشهد عندها بذلك رجلان أو رجل وامرأتان قال لان ردة الزوج أغلظ حتي يتعلق بها استحقاق القتل بخلاف ردة المرأة وما ذكر هنا أصح لان المقصود الاخبار بوقوع الفرقة لا اثبات موجب الردة ألا ترى أنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين والقتل بمثله لا يثبت وكذلك ان كانت صغيرة فأخبر أنها قد رضعت من أمه أو أخته ولو أخبر أنه تزوجها يوم تزوجها وهى مرتدة أو أخته من الرضاعة والمخبر ثقة لم ينبغ له أن يتزوج أربعا سواها ما لم يشهد بذلك عنده شاهدا عدل لانه أخبر بفساد عقد حكمنا بصحته ولا يبطل ذلك الحكم بخبر الواحد وفى الاول أصل النكاح بل أخبر بوقوع الفرقة بأمر محتمل يوضحه أن اخباره بأن أصل النكاح كان فاسدا مستنكر لان المسلم لا يباشر العقد الفاسد عادة فأما اخباره بوقوع الفرقة بسبب عارض غير مستنكر وان شهد عنده شاهدا عدل بذلك وسعه أن يتزوج أربعا لانهما لو شهدا بذلك عند القاضى حكم ببطلان النكاح فكذلك إذا شهدا به عند الزوج وعلى هذا لو أن أمرأة غاب عنها زوجها فأخبرها مسلم ثقة أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات عنها أو كان غير ثقة فأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا الا أن أكبر رأيها أنه حق فلا بأس بأن تعتد وتتزوج ولو أتاها فأخبرها أن أصل نكاحها كان فاسدا وان زوجها كان أخاها من الرضاعة أو مرتدا لم يسعها أن تتزوج بقوله وان كان ثقة لانه في هذا الفصل أخبرها بخبر مستنكر وقد ألزمها الحكم بخلافه وفى الاول أخبرها بخبر محتمل وهو أمر بينها وبين ربها فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوج وهى نظير امرأة قالت لرجل قد طلقني زوجي ثلاثا وانقضت

[ 180 ]

عدتي ووقع في قلبه أنها صادقة فلا بأس بأن يتزوجها بقولها وكذلك المطلقة ثلاثا إذا قالت لزوجها الاول انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بى ثم طلقني وانقضت عدتي فلا بأس على زوجها الاول أن يتزوجها إذا كانت عنده ثقة أو وقع في قلبه أنها صادقة لانها أخبرت بحلها له بأمر محتمل وفى هذا بيان أنها لو قالت لزوجها الاول حللت لك لا يحل له أن يتزوجها ما لم يستفسرها لاختلاف بين الناس في حلها له بمجرد العقد قبل الدخول فلا يكون له أن يعتمد مطلق خبرها بالحل حتي تفسره ولو أن جارية صغيرة لاتعبر عن نفسها في يد رجل يدعى أنها له فلما فلما كبرت لقيها رجل من بلد آخر فقالت أنا حرة الاصل لم يسعه أن يتزوجها لانه علم أنها كانت مملوكة لذي اليد فان اليد فيمن لا يعبر عن نفسه دليل الملك والقول قول ذى اليد أنها مملوكته فاخبارها بخلاف المعلوم لا يكون حجة له وهو خبر مستنكر وان قالت كنت أمة له فأعتقني وكانت عنده ثقة أو وقع في قلبه أنها صادقة لم أر بأسا بأن يتزوجها لانها أخبرت بحلها له بسبب محتمل لم يعلم هو خلافه فيجوز له أن يعتمد خبرها وكذلك الحرة نفسها لو تزوجت رجلا ثم أتت غيره فأخبرته أن نكاحها الاول كان فاسدا وان زوجها كان على غير الاسلام لم ينبغ لهذا أن يصدقها ولا يتزوجها لانها أخبرته بخبر مستنكر يعلم هو خلاف ذلك وان قالت إنه طلقني بعد النكاح أو ارتد عن الاسلام وسعه ان يعتمد خبرها ويتزوجها لانها أخبرت بحلها له بسبب محتمل فمتى أقرت بعد النكاح أنه كان مرتدا حين تزوجني أو انى كنت أخته من الرضاعة لا يعتمد خبرها لانه خلاف المعلوم وإذا أخبرت بالحرمة بسبب عارض بعد النكاح من رضاع أو غير ذلك وثبتت على ذلك فان كانت ثقة مأمونة أو غير ثقة الا ان أكبر رأيه انها صادقة فلا بأس بأن يتزوجها وفيه شبهة فان الملك الثابت للغير فيها لا يبطل بخبرها وقيام الملك للغير يمنعه من أن يتزوج بها ولكن قيام الملك للغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال فما عرف ثبوته فالاصل بقاؤه وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال فاما صحة النكاح في الابتداء بدليل موجب له وهو العقد الذى عاينه فلا يبطل ذلك بخبر الواحد واستدل بحديث بريرة أنها اتت عائشة رضى الله عنها بهدية إليها فاخبرتها انها صدقة تصدق بها عليها فكرهت عائشة رضى الله عنها ان تأكله حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم هي لها صدقة ولنا هدية فقد صدق بريرة بقولها وقد علم ان العين كان مملوكا لغيرها وصدق

[ 181 ]

عائشة رضى الله عنها بقولها أيضا حين تناول منها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (باب الرجل يرى الرجل يقتل اباه أو يره) (وقال) وإذا رأى الرجل رجلا يقتل أباه متعمدا فأنكر القاتل أن يكون قتله أو قال لابنه فيما بينه وبينه أن قتلته لانه قتل وليى فلانا عمدا أو لانه ارتد عن الاسلام ولا يعلم الابن مما قال القاتل شيئا ولا وارث للمقتول غيره فالابن في سعة من قتل القاتل لانه تيقن بالسبب الموجب لحل دمه للقاتل فكان له أن يقتص منه معتمدا على قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا وعلى قوله صلى الله عليه وسلم العمد قود وحاصل المسألة على أربعة أوجه أحدها إذا عاين قتله والثاني إذا أقر عنده أنه قتله فهذا ومعاينة القتل سواء لان الاقرار موجب بنفسه حتى لا يملك المقر الرجوع عن اقراره فهذا ومعاينة السبب سواء والثالث أن يقيم البينة بأنه قتل أباه فيقضى له القاضى بالقود فهو في سعة من قتله لان قضاء القاضى ملزم فيثبت به السبب المطلق لاستيفاء القود له والرابع أن يشهد عنده شاهدا عدل أن هذا الرجل قتل أباه فليس له أن يقتله بشهادة لان الشهادة لا توجب الحق ما لم يتصل بها قضاء القاضى فلا يتقرر عنده السبب المطلق لاستيفاء القود بمجرد الشهادة ما لم ينضم إليه القضاء والذى بينا في الابن كذلك في غيره إذا عاين القتل أو سمع اقرار القاتل به أو عاين قضاء القاضي به كان في سعة من أن يعين الابن على قتله لانه يعينه على استيفاء حقه وذلك من باب البر والتقوى ولو شهد عنده بذلك شاهدان لم يسعه ان يعينه على قتله بشهادتهما حتي يقضي القاضى له بذلك وان أقام القاتل عند الابن شاهدين عدلين ان أباه كان قتل ابا هذا الرجل عمدا فقتله به لم ينبغ للابن ان يجعل بقتله حتى ينظر فيما شهدا به لانهما لو شهدا بذلك عند القاضى حكم ببطلان حقه فكذلك إذا شهدا عنده وكذلك لا ينبغي لغيره ان يعينه على ذلك إذا شهد عنده عدلان لما قلنا أو بانه كان مرتدا حتى يتثبت فيه وهذا لان القتل إذا وقع فيه الغلط لا يمكن تداركه فيتثبت فيه حتى يكون إقدامه عليه عن بصيرة وان شهد بذلك عنده محدودان في قذف أو عبدان أو نسوة عدول لارجل معهن أو فاسقان فهو في سعة من قتله لانهما لو شهدا بذلك عند القاضى لم يمنعه من قتله بل يعينه على ذلك فكذلك إذا شهدوا عنده وان تثبت فيه فهو خير له لانه أقرب إلى الاحتياط فان القتل لا يمكن تداركه إذا وقع فيه الغلط وفرق بين القصاص وحد القذف فقال القاذف

[ 182 ]

إذا أقام أربعة من الفساق يشهدون على صدق مقالته لايقام عليه حد القذف والقاتل إذا أقام فاسقين على العفو أو على ان قتله كان بحق لا يسقط القود عنه والفرق ان هناك السبب الموجب للحد لم يتقرر فان نفس القذف ليس بموجب للحد لانه خبر متمتل بين الصدق والكذب وانما يصير موجبا بعجزه عن اقامة أربعة من الشهداء ولم يظهر ذلك العجز لان للفساق شهادة وان لم تكن مقبولة والموجب للقود هو القتل وقد تقرر ذلك فالعفو بعده مسقط وهذا المسقط لا يظهر الا بقبول شهادته وليس للفاسق شهادة مقبولة وبيان هذا ان الله تعالى قال والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء والمعطوف على الشرط شرط وفي باب القتل أوجب القود بنفس القتل فقال تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى ثم قال فمن تصدق به فهو كفارة له فعرفنا ان العفو مسقط بعد الوجوب لاأن يكون عدم العفو مقررا سبب الوجوب وان شهد بذلك عنده شاهد عدل ممن يجوز شهادته فقال القاتل عندي شاهد آخر مثله ففي القياس له أن يقتله لان المانع لا يظهر بشهادة الواحد وفى الاستحسان لا يعجل بقتله حتى ينظر ايأتيه بآخر ام لانه لو أقام شاهد عدل عند القاضى وادعى ان له شاهدا آخر حاضرا أمهله الي آخر مجلسه فكذلك الولى يمهله حتى يأتي بشاهد آخر وان قتله كان في سعة لان السبب المثبت لحقه مقرر والمانع لم يظهر وعلى هذا مال في يدى رجل شهد عدلان عند رجل أن هذا المال كان لابيك غصبه هذا الرجل منه ولا وارث للاب غيره فله أن يدعى بشهادتهم وليس له أن يأخذ ذلك المال ما لم تقم البينة عند القاضى ويقضي له بذلك لان الشهادة لا تكون ملزمة بدون القضاء وفى الاخذ قصر يد الغير وليس في الدعوى الزام أحد شيئا فيتمكن من الدعوى بشهادتهما ولا يتمكن من الاخذ حتى يقضى له القاضى بذلك لان ذا اليد مزاحم له بيده ولا تزول مزاحمته الا بقضاء القاضى وكذلك لا يسع غير الوارث أن يعين الوارث على أخذه بهذه الشهادة ما لم يتصل به القضاء وان كان الوارث عاين أخذه من أبيه وسعه أخذه منه وكذلك ان أقر الآخذ عنده بالاخذ لان اقراره ملزم فهو كمعاينة السبب أو قضاء القاضى له به ويسعه أن يقاتله عليه وكذلك يسع من عاين ذلك اعانته عليه وان أتى ذلك على نفسه إذا امتنع وهو في موضع لا يقدر فيه على سلطان يأخذ له بحقه لانه يعلم أنه ملكه وكما ان له أن يقاتل دفعا عن ملكه إذا قصد الظالم أخذه منه فكذلك له أن يقاتل في استرداده والاصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم من

[ 183 ]

قتل دون ماله فهو شهيد وإذا شهد عدلان عند امرأة أن زوجها طلقها ثلاثا وهو يجحد ذلك ثم ماتا أو غابا قبل أن يشهدا عند القاضى بذلك لم يسع امرأته ان تقيم عنده وكان ذلك بمنزلة سماعها لو سمعته يطلقها ثلاثا لانهما لو شهدا بهذا عند القاضى حكم بحرمتها عليه فكذلك إذا شهدا بذلك عندها وهذا بخلاف ما تقدم لان القتل وأخذ المال قد يكون بحق وقد يكون بغير حق فاما التطليقات الثلاث لا تكون الا موجبة للحرمة فان قال قائل فقد يطلق الرجل غير امرأته ولايكون ذلك طلاقا (قلنا) هذا على أحد وجهين اما أن تكون امرأته فيكون الطلاق واقعا عليها أو تكون غير امرأته فليس لها أن تمكنه من نفسها وحاصل الفرق أن هناك الشبهة من وجهين (أحدهما) احتمال الكذب في شهادتهما والآخر كون القتل بحق فيصير ذلك مانعا من الاقدام على مالا يمكنه تداركه وهنا الشبهة من وجه واحد وهو احتمال الكذب في شهادتهما فأما إذا كانا صادقين فلا مدفع للطلاق وبظهور عدالتهما عندها ينعدم هذا الاحتمال حكما كما ينعدم عند القاضى (فان قيل) كما أن في شهادة شاهدين احتمال الكذب ففى اقرار المقر ذلك وقد قلتم يسعه أن يقتله إذا سمع اقراره (قلنا) هذا الاحتمال يدفعه عقل المقر فالانسان لايقر على نفسه بالسبب الموجب لسفك دمه كاذبا إذا كان عاقلا وان لم يكن عاقلا فلا معتبر باقراره وكذلك لو شهدا على رضاع بينهما لم يسعها المقام على ذلك النكاح لانهما لو شهدا بذلك عند القاضى فرق بينهما فكذلك إذا شهدا عندها فان مات الشاهدان وجحد الزوج وحلف ينبغي لها أن تفتدي بمالها أو تهرب منه ولا تمكنه من نفسها بوجه من الوجوه لانه تمكين من الزنا وكان اسماعيل الزاهد رحمه الله تعالى يقول تسقيه ما تنكسر به شهوته فان لم تقدر على ذلك قتلته إذا قصدها لانه لو قصد أخذ مالها كان لها أن تقتله دفعا عن مالها فإذا قصد الزنا بها أولى أن يكون لها أن تقتله دفعا عن نفسها ولو هربت منه لم يسعها أن تعتد وتتزوج لانها في الحكم زوجة الاول فلو تزوجت غيره كانت ممكنة من الحرام فعليها أن تكف عن ذلك قالوا وهذا في القضاء فأما فيما بينها وبين الله تعالى فلها أن تتزوج بعد انقضاء عدتها ولا يشتبه ما وصفت لك قضاء القاضى فيما يختلف فيه الفقهاء مما يرى الزوج فيه خلاف ما يرى القاضى وبيان هذا الفصل أنه لو قال لامرأته اختاري فاختارت نفسها وهو يري ان ذلك تطليقة بائنة والمرأة لا ترى ذلك فاختصما في النفقة والقاضى يراه تطليقة رجعية فقضى القاضى بانه يملك رجعتها جاز قضاؤه ووسع الرجل

[ 184 ]

ان يراجعها فيمسكها وكذلك ان كانت المرأة هي التى تراه تطليقة بائنة فراجعها الزوج وحكم القاضى له بذلك وسعها المقام بذلك معه ولم يسعها ان تفارقه لان قضاء القاضى هنا اعتمد دليلا شرعيا وفى الاول قضى بالنكاح لعدم ظهور الدليل الموجب للحرمة فكان ابقاء لما كان لاقضاء بالحل بينهما حقيقة ثم حاصل الكلام في المجتهدات ان المبتلى بالحادثة إذا كان غائبا لا رأى له فعليه ان يتبع قضاء القاضى سواء قضى القاضي له بالحل أو بالحرمة وان كان عالما مجتهدا فقضى القاضى بخلاف اجتهاده فان كان هو يعتقد الحل وقضي القاضي عليه بالحرمة فعليه ان يأخذ بقضاء القاضي ويدع ؟ رأي نفسه لان القضاء ملزم للكافة ورأيه لا يعدوه وان قضى له بالحل وهو يعتقد الحرمة ففي قول أبى يوسف رحمه الله تعالى عليه ان يتبع رأى نفسه وفى قول محمد رحمه الله تعالى يأخذ بقضاء القاضى لان الاجتهاد لا يعارض القضاء ألا ترى ان للقاضى ولاية نقض اجتهاد المجتهد والقضاء عليه بخلافه وليس له ولاية نقض القضاء في المجتهدات والقضاء بخلاف الاول والضعيف لا يظهر مع القوى وأبو يوسف يقول اجتهاده ملزم في حقه وقضاء القاضى يكون عن اجتهاد فمن حيث ولاية القضاء ما يقضي به القاضى أقوى ومن حيث حقيقة الاجتهاد يترجح ما عنده في حقه على ما عند غيره فتتحقق المعارضة بينهما فيغلب الموجب للحرمة عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحرام والحلال في شئ الاغلب الحرام الحلال يوضحه أن عنده ان قضاء القاضى ليس بصواب ولو كان ما عنده غير القاضى لم يقض بالحل فكذلك إذا كان ذلك عنده لا يعتقد فيه الحل فان الله تعالى قال ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام الآية ففي هذا بيان أن قضاء القاضى لا يحل للمرء ما يعتقد فيه الحرمة وعلى هذا الاموال فان القاضى لو قضي بالميراث للجد دون الاخ والاخ ففيه يعتقد فيه قول زيد رضي الله عنه فعليه أن يتبع رأى القاضى وان قضى القاضى بالمقاسمة على قول زيد رحمه الله تعالي والاخ يعتقد مذهب الصديق رضى الله عنه فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ليس له أن يأخذ المال وعلى قول محمد رحمه الله تعالى له أن يأخذ المال وعلى هذا الطلاق المضاف إذا كان الزوج يعتقد وقوع الطلاق فقضى القاضى بخلافه فهو على الخلاف وان كان الزوج غائبا أو كان يعتقد أن الطلاق غير واقع فعليه أن يتبع رأى القاضى أوقضي بخلاف اعتقاده وعلى هذا لو استفتى العامي أقوى الفقهاء عنده فأفتى له بشئ فذلك بمنزلة اجتهاده لانه وسع مثله ثم فيما يقضي القاضى بعد ذلك بخلافه

[ 185 ]

حكمه كحكم المجتهد في جميع مابينا وكذلك لو حكمنا ففيها فحكمه كفتواه لان سببه تراضيهما لاولاية ثابتة له حكما فكان تراضيهما على تحكيمه كسؤالهما اياه والفتوى لا تعارض قضاء القاضي فإذا قضى القاضى عليه بخلاف ذلك كان عليه ان يتبع رأى القاضى الا ترى ان للقاضى ان يقضى بخلاف حكم الحكم في المجتهدات وليس له ان يقضي بخلاف ما قضى به غيره في المجتهدات ولو قضى به لم ينفذ قضاؤه فهذا معنى قولنا حكم الحكم في حقهما كفتواه وعلى هذا لو شهد عدلان عند جارية ان مولاها أعتقها أو أقرأنه أعتقها لم يسعها أن تدعه يجامعها إن قضى القاضى به أولم يقض لان حجة حرمتها عليه تمت عندها فهو والطلاق سواء ولا يسعها أن تتزوج إذا كان المولى يجحد العتق وكذلك إذا شهدا بعتق العبد والمولى يجحد لم يسع العبد ان يتزوج بشهادتهما حتى يقضي له القاضي بالعتق لانهما مملوكان له في الحكم فلو تزوجا بغير اذنه كانا مرتكبين للحرام عند القاضي وعند الناس والتحرز عن ارتكاب الحرام فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (كتاب التحري) (قال) رضى الله عنه اعلم بان التحري لغة هو الطلب والابتغاء كقول القائل لغيره اتحرى مسرتك أي اطلب مرضاتك قال تعالى فاولئك تحروا رشدا وهو والتوخى سواء الا ان لفظ التوخى يستعمل في المعاملات والتحرى في العبادات قال صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين اختصما في المواريث إليه اذهبا وتوخيا واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه وقال صلى الله عليه وسلم في العبادات إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب وفى الشريعة عبارة عن طلب الشئ بغالب الرأى عند تعذر الوقوف على حقيقته وقد منع بعض الناس العمل بالتحرى لانه نوع ظن والظن لا يغني من الحق شيئا ولا ينتفي الشك به من كل وجه ومع الشك لا يجوز العمل ولكنا نقول التحرى غير الشك والظن فالشك أن يستوى طرف العلم بالشئ والجهل به والظن أن يترجح احدهما بغير دليل والتحرى أن يترجح احدهما بغالب الرأى وهو دليل يتوصل به إلى طرف العلم وان كان لا يتوصل به إلى ما يوجب حقيقة العلم ولاجله سمى تحريا فالحر اسم لجبل على طرف المفاوز والدليل على ما قلنا الكتاب

[ 186 ]

والسنة أما الكتاب فقوله تعالى فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات وذلك بالتحرى وغالب الرأى فقد أطلق عليه العلم والسنة قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن ينظر بنور الله وقال صلى الله عليه وسلم فراسة المؤمن لا تخطئ وقال صلى الله عليه وسلم لو ابصة ضع يدك على صدرك فالاثم ما حاك في قلبك وان أفتاك الناس وشئ من المعقول يدل عليه فان الاجتهاد في الاحكام الشرعية جائز للعمل به وذلك عمل بغالب الرأى ثم جعل مدركا من مدارك أحكام الشرع وان كان لا يثبت به ابتداء فكذلك التحرى مدرك من مدارك التوصل إلى أداء العبادات وان كانت العبادة لا تثبت به ابتداء والدليل عليه أمر الحروب فانه يجوز العمل فيها بغالب الرأى مع ما فيها من تعريض النفس المحترمة للهلاك (فان قيل) ذلك من حقوق العباد وتتحقق الضرورة لهم في ذلك كما في قيم المتلفات ونحوها ونحن انما أنكرنا هذا في العبادات التى هي حق الله تعالى (قلنا) في هذا أيضا معنى حق العبد وهو التوصل الي اسقاط ما لزمه أداؤه وكذلك في أمر القبلة فان التحرى لمعرفة حدود الاقاليم وذلك من حق العبد وفى الزكاة التحرى لمعرفة صفة العبد في الفقر والغنى فيجوز أن يكون غالب الرأى طريقا للوصول إليه إذا عرفنا هذا فنقول بدأ الكتاب بمسائل الزكاة وكان الاولى أن يبدأ بمسائل الصلاة لانها مبتدأة في القرآن وكأنه انما فعل ذلك لان معني حق العبد في الصدقة أكثر فانه يحصل بها سد خلة المحتاج أو لانه وجد في باب الصدقة نصا وهو حديث يزيد السلمى على ما بينه فبدأ بما وجد فيه النص ثم عطف عليه ماكان مجتهدا فيه ومسألة الزكاة على أربعة أوجه أحدها أن يعطى زكاة ماله رجلا من غير شك ولا تحر ولا سؤال فهذا يجز به ما لم يتبين انه غنى لان مطلق فعل المسلم محمول على ما يصح شرعا وعلي ما يصح فيه تحصيل مقصوده وعلى ما هو المستحق عليه حتى يتبين خلافه فان الفقر في القابض أصل فان الانسان يولد ولا شئ له والتمسك بالاصل حتى يظهر خلافه جائز شرعا فالمعطى في الاعطاء يعتمد دليلا شرعيا فيقع المؤدى موقعه ما لم يعلم أنه غنى فإذا علم ذلك فعليه الاعادة لان الجواز كان باعتبار الظاهر ولا معتبر بالظاهر إذا تبين الامر بخلافه فان شك في أمره بأن كان عليه هيئة الاغنياء أو كان في أكبر رأيه أنه غنى ومع ذلك دفع إليه فانه لا يجزيه ما لم يعلم أنه فقير لان بعد الشك لزمه التحرى فإذا ترك التحرى بعدما لزمه لم يقع المؤدى موقع الجواز الا أن يعلم أنه فقير فحينئذ يجوز لان التحرى كان لمقصود

[ 187 ]

وقد حصل ذلك المقصود بدونه فسقط وجوب التحرى كالسعي إلى الجمعة واجب لمقصود وهو اداء الجمعة فإذا توصل إلى ذلك بأن حمل إلى الجامع مكرها سقط عنه فرض السعي والثالث ان يتحرى بعد الشك ويقع في أكبر رأيه أنه غني فدفع إليه مع ذلك فهذا لا يشكل أنه لا يجزيه ما لم يعلم بفقره فإذا علم فهو جائز وهو الصحيح وقد زعم بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى ان عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه لا يجزيه على قياس ما نبينه في الصلاة والاصح هو الفرق فان الصلاة لغير القبلة مع العلم لا تكون طاعة فإذا كان عنده أن فعله معصية لا يمكن اسقاط الواجب عنه فأما التصديق على الغنى صحيح ليس فيه معنى المعصية فيمكن اسقاط الواجب بفعله هذا إذا تبين وصول الحق إلى مستحقه بظهور فقر القابض والفصل الرابع ان يتحرى ويقع في أكبر رأيه أنه فقير فدفع إليه فإذا ظهر أنه فقير أو لم يظهر من حاله شئ جاز بالاتفاق وان ظهر أنه كان غنيا فكذلك في قول أبى حنيفة ومحمد وهو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الاول وفى قوله الآخر تلزمه الاعادة وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وكذلك لو كان جالسا في صف الفقراء يصنع صنيعهم أو كان عليه زي الفقراء أو سأله فأعطاه فهذه الاسباب بمنزلة التحرى وجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه تبين له الخطأ في اجتهاده بيقين فسقط اعتبار اجتهاده كمن توضأ بماء وصلى ثم تبين له أنه كان نجسا أو صلى في ثوب علم أنه كان نجسا أو القاضى قضى في حادثة ؟ بالاجتهاد ثم ظهر نص بخلافه وبيانه ان صفة الفقر والغنى يوقف عليهما حقيقة فان الشرع علق بهما أحكاما من النفقة وضمان العتق وغير ذلك وانما تتعلق الاحكام الشرعية بما يوقف عليه وإذا ثبت الوصف فتأثيره أن المقصود ليس هو عين الاجتهاد بل المقصود اتصال الحق إلى المستحق فإذا تبين أنه لم يوصله إلى مستحقه صار اجتهاده وجود أو عدما بمنزلة لان غالب الرأى معتبر شرعا في حقه ولكن لا يسقط به الحق المستحق عليه لغيره والزكاة صلة مستحقة للمحاويج على الاغنياء فلا يسقط ذلك بعذر في جانبه إذا لم يوصل الحق إلى مستحقه وبه فارق الصلاة على أصل أبى يوسف رحمه الله تعالى لان فريضة التوجه إلى القبلة لحق الشرع وهو معذور عند الاشتباه فيمكن اقامة الاجتهاد مقام ما هو المستحق عليه في حق الشرع وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالي أنه مؤد لما كلف فيسقط به الواجب كما لو لم يظهر شئ من حال المصروف إليه وبيانه أنه مأمور بالاداء إلى من هو فقير عنده لا الى من هو فقير حقيقة لانه

[ 188 ]

لا طريق إلى معرفة ذلك حقيقة فالانسان قد لايعرف من نفسه حقيقة الفقر والغنى فكيف يعرفه من غيره والتكليف يثبت بحسب الوسع والذى في وسعه الاستدلال على فقره بدليل ظاهر من سؤال أو هيئة عليه أو جلوس في صف الفقراء وعند انعدام ذلك كله المصير إلى غالب الرأي وقد أتى بذلك وانما يكتفي بهذا القدر لمعنى الضرورة ولا يرتفع ذلك بظهور حاله بعد الاداء لانه ليس له أن يسترد المقبوض من القابض ولا أن يضمنه بالاتفاق فلو لم يجز عنه ضاع ماله فلبقاء الضرورة قلنا يجعل المؤدى مجزيا عنه ولانه لا يعلم حقيقة غناه وانما يعرف ذلك بالاجتهاد وما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وتعلق الاحكام الشرعية بالغنى لا يدل على أنه يعرف صفة الغني حقيقة لان الاحكام تنبنى على ما يظهر لنا كما ينبنى الحكم على صدق الشهود وان كان لا يعلم حقيقة وبه فارق النص لانه يوقف عليه حقيقة فكان المجتهد مطالبا بالوصول إليه وان كان قد تعذر إذا كان يلحقه الحرج في طلبه فإذا ظهر بطل حكم الاجتهاد وكذلك نجاسة الماء ونجاسة الثوب يعرف حقيقة فيبطل بظهور النجاسة حكم الاجتهاد في الطهارة ولا نقول في الزكاة حق الفقراء بل هي محض حق الله تعالى والفقير مصرف لا مستحق كالكعبة لاداء الصلاة جهة تستقبل عند أدائها والصلاة تقع لله تعالى ثم هناك يسقط عنه الواجب إذا أتي بما في وسعه ولا معتبر بالتبين بعد ذلك بخلافه فكذلك هنا ولو تبين أن المدفوع إليه كان أبا الدافع أو ابنه فهو على هذا الاختلاف أيضا وذكر ابن شجاع عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يجزئه هنا كما هو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أما طريق أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه من لا يكون مصرفا للصدقة مع العلم بحاله لا يكون مصرفا عند الجهل بحاله إذا تبين الامر بخلافه وجه رواية ابن شجاع أن النسب مما يعرف حقيقة ولهذا لو قال لغيره لست لابيك لا يلزم الحد والحد يدرأ بالشبهة فكان ظهور النسب بمنزلة ظهور النص بخلاف الاجتهاد وجه ظاهر الرواية ما احتج به في الكتاب فانه روى عن اسرائيل عن أبى الجويرية عن معن بن يزيد السلمى قال خاصمت أبى إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقضى لي عليه وذلك أن أبى أعطى صدقته الرجل في المسجد وأمره بأن يتصدق بها فأتيته فأعطانيها ثم أتيت أبى فعلم بها فقال والله يا بنى ما أياك أردت بها فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا يزيد لك ما نويت ويا معن لك ما أخذت ولا معني لحمله على التطوع لان ترك الاستفسار من رسول الله صلى

[ 189 ]

الله عليه وسلم دليل على ان الحكم في الكل واحد مع ان مطلق الصدقة ينصرف إلى الواجب وفى بعض الروايات قال صدقة ماله وهو تنصيص إلى الواجب وكان المعني فيه ان الواجب فعل هو قربة في محل يجري فيه الشح والضن وهو المال باعتبار مصرف ليس بينهما ولاد ثم عند الاشتباه والحاجة أقام الشرع أكثر هذه الاوصاف مقام الكل في حكم الجواز والحاجة ماسة لتعذر استرداد المقبوض من القابض وبهذا يستدل في المسألة الاولى أيضا فان الصدقة على الغني فيها معنى القربة كالتصدق على الولد ولهذا لا رجوع فيه فيقام أكتر ؟ الاوصاف مقام الكل في حق الجواز ثم طريق معرفة البنوة الاجتهاد الا تري انه لما نزل قوله تعالى الدين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم قال عبد الله بن سلام رضى الله عنه والله إني بنبوته أعرف منى بولدى فانى أعرفه نبيا حقا ولا أدري ماذا أحدث النساء بعدى وإذا كان طريق المعرفة الاجتهاد كان هذا والاول سواء من حيث انه لا ينتقض الاجتهاد باجتهاد مثله فان تبين انه هاشمى فكذلك الجواب في ظاهر الرواية لان المنع من جواز صرف الواجب إليه باعتبار النسب مع ان التصدق عليه قربة فهو وفصل الاب سواء وفى جامع البرامكة روى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انه يلزمه الاعادة لان كونه من بنى هاشم مما يوقف عليه في الجملة ويصير كالمعلوم حقيقة فكان هذا بمنزلة ظهور النص بخلاف الاجتهاد ودليله انه لو قال لهاشمي لست بهاشمي فانه يحد أو يعزر على حسب ما اختلفوا فيه ولو تبين أن المدفوع إليه ذمى فهو على هذا الخلاف أيضا وفى الامالى روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يجزئه لان الكفر مما يوقف عليه ولهذا لو ظهر أن الشهود كفار بطل قضاء القاضى وفى ظاهر الرواية قال ما يكون في الاعتقاد فطريق معرفته الاجتهاد والتصدق على أهل الذمة قربة فهو وما سبق سواء وفى الكتاب قال أعطى ذميا أخبره انه مسلم أو كان عليه سيما المسلمين وفى هذا دليل انه يجوز تحكيم السيما في هذا الباب قال تعالى يعرف المجرمون بسيماهم وقال تعالى تعرفهم بسيماهم وفيه دليل ان الذمي إذا قال أنا مسلم لا يصير مسلما لانه قال أخبره انه مسلم ثم علم أنه ذمى وهذا لان قوله أنا مسلم أن منقاد للحق مستسلم وكل أحد يدعى ذلك فيما يعتقده وقد قال بعض المتأخرين المجوسى يا ذا قال أنا مسلم يحكم باسلامه لانهم يتشاءمون بهذا اللفظ ويتبرؤن منه بخلاف أهل الكتاب وان تبين أن المدفوع إليه مستأمن حربى فهو جائز على ما

[ 190 ]

ذكر في كتاب الزكاة وفي جامع البرامكة روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى الفرق بين الذمي والحربي المستأمن فقال قد نهينا عن البر مع من يقاتلنا في ديننا فلا يكون فعله في ذلك قربة وبدون فعل القربة لا يتأدى الواجب ولم ننه عن المبرة مع من لا يقاتلنا قال تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين فيكون فعله في حق الذمي قربة يتأدى به الواجب عند الاشتباه ولو تبين أن المدفوع إليه عبده أو مكاتبه لا يجزئه لقصور فعله فان الواجب عليه بالنص الايتاء وذلك لا يكون الا باخراجه عن ملكه وجعله لله تعالى خالصا وكسب العبد مملوك له وله في كسب المكاتب حق الملك فبقاء حقه يمنع جعله لله تعالى خالصا وهذا بخلاف مالو تبين أن المدفوع إليه عبد لغني أو مكاتب له فانه يجزئه وفي حق المكاتب مع العلم أيضا ولا ينظر إلى حال المولى لان اخراجه من ملكه على وجه التقرب هناك فصار لله تعالى خالصا فأما في عبد نفسه ومكاتبه لم يتم اخراجه عن ملكه وبقاء حقه يمنعه أن يصير لله تعالى خالصا فلهذا لا يسقط به الواجب والاصل في فريضة التوجه إلى الكعبة للصلاة قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يصلى إلى بيت المقدس ويجعل البيت بينه وبين بيت المقدس فلما هاجر إلى المدينة اضطر إلى استدبار الكعبة والتوجه إلى بيت المقدس وكان يحب ان تكون الكعبة قبلته كما كانت قبلة ابراهيم صلوات الله عليه فسأل جبريل عليه السلام ان يسأل الله له في ذلك وكان يديم النظر إلى السماء رجاء ان يأتيه جبريل عليه السلام بذلك فانزل الله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها الآية ثم لا خلاف في حق من هو بمكة ان عليه التوجه إلى عين الكعبة فاما من كان خارجا من مكة فقد كان أبو عبد الله الجرجاني يقول الواجب على التوجه إلى عين الكعبة أيضا لظاهر الآية ولان وجوب ذلك لاظهار تعظيم البقعة فلا يختلف بالقرب منه والبعد وغيره من مشايخنا رحمهم الله يقول الواجب في حق من هو خارج عن مكة التوجه إلى الجهة لان ذلك في وسعه والتكليف بحسب الوسع ومعرفة الجهة اما بدليل يدل عليه أو بالتحرى عند انقطاع الادلة فمن الدليل المحاريب المنصوبة في كل موضع لان ذلك كان باتفاق من الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم فان الصحابة رضي الله عنهم فتحوا العراق وجعلوا القبلة مابين المشرق والمغرب ثم فتحوا خراسان وجعلوا قبلة أهلها مابين المغربين مغرب الشتاء ومغرب الصيف فكانوا يصلون إليها ولما ماتوا جعلت قبورهم

[ 191 ]

إليها أيضا من غير نكير منكر من أحد منهم وكفي باجماعهم حجة وقد كانت عنايتهم في أمر الدين أظهر من عناية من كان بعدهم فيلزمنا اتباعهم في ذلك ومن الدليل السؤال في كل موضع ممن هو من أهل ذلك الموضع لان أهل كل موضع أعرف بقبلتهم من عيرهم عادة وقال تعالى فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ومن الدليل النجوم أيضا على ما حكى عن عبد الله بن المبارك رضى الله عنه أنه قال أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف القفا في استقبال القبلة ونحن نجعل الجدى خلف الاذن اليمنى وكان الشيخ أبو منصور الما تريدي رحمه الله تعالى يقول السبيل في معرفة الجهة ان ينظر الي مغرب الصيف في أطول أيام السنة فيعينه ثم ينظر إلى مغرب الشمس في أقصر أيام الشتاء فيعينه ثم ؟ يدع الثلثين على يمينه والثلث على يساره فيكون مستقبلا للجهة إذا واجه ذلك الموضع ولا معنى للانحراف إلى جانب الشمال بعد هذا لانه إذا مال بوجه يكون إلى حد غروب الشمس في أقصر أيام السنة أو يجاوز ذلك فلا يكون مستقبلا للقبلة ولا للحرم أيضا على ما حكي عن الفقيه أبي جعفر الهندوانى رحمه الله تعالى ان الحرم من جانب الشمال ستة أميال ومن الجانب الآخر اثنى عشر ميلا ومن الجانب الآخر ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الآخر أربعة وعشرون ميلا وقيل قبلة أهل الشام الركن الشامي وقبلة أهل المدينة موضع الحطيم والميزاب من جدار البيت وقبلة أهل اليمن الركن اليماني وما بين الركن اليماني إلى الحجر قبلة أهل الهند وما يتصل بها وقبلة أهل خراسان والمشرق الباب ومقام ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإذا انحرف بعد هذا وان قل انحرافه يصير غير مستقبل للقبلة وعند انقطاع الادلة فرضه التحرى وزعم بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى ان الجهة التي يؤديه إليها تحريه تكون قبلة حقيقة في حقه لانه أتى بما في وسعه والتكليف بحسب الوسع وهذا غير مرضى ففيه قول بأن كل مجتهد مصيب ولكنه مؤد لما كلف وانما كلف طلب الجهة على رجاء الاصابة والمقصود ليس عين الجهة انما المقصود وجه الله تعالى كما قال فأينما تولوا فثم وجه الله ولا جهة لوجه الله تعالى الا أنا لو قلنا يتوجه إلى أي جانب شاء انعدم الابتلاء وانما يتحقق معني العبادة إذا كان فيه معنى الابتلاء فأنما نوجب عليه التحرى لرجاء الاصابة لتحقيق الابتلاء وإذا فعل ذلك كان مؤديا لما عليه وان لم يكن مصيبا للجهة حقيقة والدليل على أن الصحيح هذا مابينا في كتاب الصلاة أن المصلين بالتحرى إذا أمهم أحدهم فصلاة من يعلم أنه مخالف للامام

[ 192 ]

في الجهة فاسدة ولو انتصب ما ظن الامام إليه قبلة حقيقة يصح اقتداء هذا الرجل به وان خالفه في الجهة كما إذا صلوا في جوف الكعبة إذا عرفنا هذا نقول من اشتبه عليه القبلة في السفر في ليلة مظلمة واحتاج إلى أداء الصلاة فعليه التحري ثم المسألة على أربع أوجه فاما أن يصلى إلى جهة من غير شك ولا تحر أو يشك ثم يصلى إلى جهة من غير تحر أو يتحرى فيصلى إلى جهة التحرى أو يعرض عن الجهة التى أدى إليها اجتهاده فيصلى إلى جهة أخرى فأما بيان الفصل الاول أنه إذا صلى من غير شك ولا تحر فان تبين أنه أصاب أو أكبر رأيه أنه أصاب أو لم يتبين من حاله شئ بأن ذهب من ذلك الموضع فصلاته جائزة لان فعل المسلم محمول على الصحة ما أمكن فكل من قام لاداء الصلاة يجعل مستقبلا للقبلة في أدائها باعتبار الظاهر وحمل أمره على الصحة حتى يتبين خلافه وان تبين أنه أخطأ القبلة فعليه اعادة الصلاة لان الظاهر يسقط اعتباره إذا تبين الحال بخلافه لان الحكم بجواز الصلاة هنا لانعدام الدليل المفسد لا للعلم بالدليل المجوز فإذا ظهر الدليل المفسد وجب الاعادة وكذلك ان كان أكبر رأيه أنه أخطأ فعليه الاعادة لان اكبر الرأى كاليقين خصوصا فيما يبني على الاحتياط وأما إذا شك ولم يتحر ولكن صلى إلى جهة فان تبين أنه أخطأ القبلة أو اكبر رأيه أنه أخطأ أو لم يتبين من حاله شئ فعليه الاعادة لانه لما شك فقد لزمه التحرى لاجل هذه الصلاة وصار التحرى فرضا من فرائض صلاته فإذا ترك هذا الفرض لا تجزيه صلاته بخلاف الاول لان التحرى انما يفترض عليه إذا شك ولم يشك في الفصل الاول فأما إذا تبين أنه أصاب القبلة جازت صلاته لان فريضة التحرى لمقصود وقد توصل إلى ذلك المقصود بدونه فسقط فريضة التحرى عنه وان كان أكبر رأيه انه أصاب فكان الشيخ الامام الزاهد أبو بكر محمد بن حامد رحمهم الله تعالى يفتى بالجواز هنا أيضا لان اكبر الرأى بمنزلة اليقين فيما لا يتوصل إلى معرفته حقيقة والاصح أنه لا يجزيه لان فرض التحرى لزمه بيقين فلا يسقط اعتباره الا بمثله ولان غالب الرأي يجعل كاليقين احتياطا والاحتياط هنا في الاعادة فأما إذا شك وتحرى وصلى إلى الجهة التي أدى إليها اجتهاده فان تبين انه أصاب أو أكبر رأيه أنه أصاب أو لم يتبين من حاله شئ فصلاته جائزة بالاتفاق وكذلك ان تبين انه أخطأ فصلاته جائزة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى ان تبين أنه تيامن أو تياسر فكذلك الجواب وان تبين انه استدبر الكعبة فصلاته فاسدة وعليه الاعادة في أحد القولين لانه تبين الخطأ

[ 193 ]

في اجتهاده فيسقط اعتبار اجتهاده كالقاضي فيما يقضي باجتهاده إذا ظهر النص بخلافه والمتوضئ بماء إذا علم بنجاسته بخلاف مااذا تيامن أو تياسر لان هناك لا يتيقن بالخطأ فان وجه المرء مقوس فان عند التيامن أو التياسر يكون أحد جوانب وجهه إلى القبلة وأما عند الاستدبار لا يكون شئ من وجهه إلى الكعبة فيتيقن بالخطأ به (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى ولله المشرق والمغرب الآية وفي سبب نزولها حديثان أحدهما ماروي عن عبد الله بن عامر رحمه الله تعالى قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة طحياء مظلمة فاشتبهت علينا القبلة فتحرى كل واحد منا وخط بين يديه خطأ فلما أصبحنا إذا الخطوط على غير القبلة فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سألناه عن ذلك فنزلت الآية فقال صلي الله عليه وسلم أجزأتكم صلاتكم وفى حديث جابر رضى الله عنه قال كنا في سفر في يوم ذى ضباب فاشتبهت علينا القبلة فتحرى وصلى كل واحد منا إلى جهة فلما انكشف الضباب فمنا من أصاب ومنا من أخطأ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت الآية ولم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باعادة الصلاة وقال علي رضي الله عنه قبلة المتحري جهة قصده معناه تجوز صلاته إذا توجه إلى جهة قصده والمعنى فيه انه مؤد لما كلف فيسقط عنه الفرض مطلقا كما لو تيامن أو تياسر وبيان الوصف ما قررناه فيما سبق ان المقصود من طلب الجهة ليست عين الجهة انما المقصود وجه الله تعالى الا انه يؤمر بطلب الجهة لتحقيق معنى الابتلاء وما هو المقصود وهو الابتلاء قد تم بتحريه فيسقط عنه ما لزمه من الفرض ألاتري ان في التيامن والتياسر علي وجه لا يجوز مع العلم يحكم بجواز صلاته عند التحرى للمعنى الذى قلنا فكذلك في الاستدبار وايضاح ما قلنا فيما نقل عن بعض العارفين قال قبلة البشر الكعبة وقبلة أهل السماء البيت المعمور وقبلة ؟ ؟ ؟ ؟ الكرسي وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله تعالى وهذا بخلاف مااذا ظهرت النجاسة في الثوب أوفى الماء لما قلنا ان ذلك مما يمكن الوقوف على حقيقته ولان التوضي بالماء النجس ليس بقربة فلا يمكن أداء الواجب به بحال فأما الصلاة إلى غير القبلة قربة ألا ترى ان الراكب يتطوع على دابته حيث ما توجهت به اختيارا ويؤدى الفرض كذلك عند العذر أيضا وبنحو هذا فرق في الزكاة أيضا ان التصدق على الاب وعلى الغنى قربة ولهذا لا يثبت له حق الاسترداد كما قررنا فأما إذا أعرض عن الجهة التى أدى إليها اجتهاده وصلى إلى جهة أخرى

[ 194 ]

ثم تبين انه أصاب القبلة فعليه اعادة الصلاة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال أخشي عليه الكفر لاعراضه عن القبلة عنده وروى عنه أيضا أنه قال أما يكفيه أن لا يحكم بكفره وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى تجوز صلاته لان لزوم التحرى كان لمقصود وقد أصاب ذلك المقصود بغيره فكان هذا ومالو أصابه بالتحرى سواء وهذا على أصله مستقيم لانه يسقط اعتبار التحرى إذا تبين الامر بخلافه كما قال في الزكاة وإذا سقط اعتبار التحرى فكأنه صلى إلى هذه الجهة من غير تحر وقد تبين أنه أصاب فتجوز صلاته وجه قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنه اعتقد فساد صلاته لان عنده أنه صلى إلى غير القبلة فلا يجوز الحكم بجواز صلاته مع اعتقاده الفساد فيه كما لو اقتدى بالامام وهو يصلى إلى غير جهته لم تجز صلاته إذا علم لاعتقاده أن امامه على الخطأ يوضحه أن الجهة التي أدى إليها اجتهاده صارت بمنزلة القبلة في حقه عملا حتي لو صلى إليها جازت صلاته وان تبين الامر بخلافه فصار هو في الاعراض عنها بمنزلة مالو كان معاينا الكعبة فأعرض عنها وصلى إلى جهة أخري فتكون صلاته فاسدة ولهذا لا يحكم بكفره لان تلك الجهة ما انتصبت قبلة حقيقة في حق العمل وان انتصبت قبلة في حق العمل فان كان تبين الحال له في خلال الصلاة فنقول أما في هذا الفصل فعليه استقبال الصلاة لانه لو تبين له بعد الفراغ لزمه الاعادة فإذا تبين في خلال الصلاة أولى ولم يرو عن أبى يوسف رضى الله عنه خلاف هذا وينبغى ان يكون هذا مذهبه أيضا لانه قد يقول قوى حاله بالتيقن بالاصابة في خلال الصلاة ولا ينبني القوى على الضعيف كالمومى إذا قدر على الركوع والسجود في خلال الصلاة فاما إذا كان مصليا إلى الجهة التى أدى إليها اجتهاده فتبين أنه أخطأ فعليه ان يتحول إلى جهة الكعبة ويبنى على صلاته لانه لو تبين له بعد الفراغ لم يلزمه الاعادة فكذلك إذا تبين له في خلال الصلاة وهذا لان افتتاحه الي جهة تلك الجهة قبلة في حقه عملا فيكون حاله كحال أهل قباحين كانوا يصلون الي بيت المقدس فأتاهم آت وأخبرهم ان القبلة حولت إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم وهم ركوع ثم جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتهم وعلى هذا قالوا لو صلى بعض الصلاة إلى جهة بالتحرى ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى يستقبل تلك الجهة ويتم صلاته لان الاجتهاد لا ينقض بمثله ولكن في المستقبل يبني على ما أدى إليه اجتهاده حتى روي عن محمد انه قال لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات

[ 195 ]

بهذه الصفة يجوز واختلف المتأخرون فيما إذا تحول رأيه إلى الجهة الاولى فمنهم من يقول يستقبل تلك الجهة أيضا فتتم صلاته جريا على طريقة القياس ومنهم من يستقبح هذا ويقول إذا آل الامر إلى هذا فعليه استقبال الصلاة لانه كان أعرض عن هذه الجهة في هذه الصلاة فليس له أن يستقبلها في هذه الصلاة أيضا فأما إذا افتتح الصلاة مع الشك من غير تحر ثم تبين له في خلال الصلاة انه أصاب القبلة أو أكبر رأيه انه أصاب فعليه الاستقبال لان افتتاحه كان ضعيفا حتى لا يحكم بجواز صلاته ما لم يعلم بالاصابة فإذا علم في خلال الصلاة فقد تقوى حاله وبناء القوى على الضعيف لا يجوز فيلزمه الاستقبال بخلاف مااذا علم بعد الفراغ فانه لا يحتاج إلى البناء ونظيره في المومى والمتيمم وصاحب الجرح السائل يزول ما بهم من العذر إذا كان بعد الفراغ لا يلزمهم الاعادة وان كان في خلال الصلاة يلزمهم الاستقبال فأما إذا كان افتتحها من غير شك وتحر فان تبين في خلال الصلاة أنه أخطأ فعليه الاستقبال وان تبين أنه أصاب فهذا الفصل غير مذكور في الكتاب وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل رحمهم الله تعالى يقول يلزمه الاستقبال أيضا لان افتتاحه كان ضعيفا ألا ترى انه إذا تبين الخطأ تلزمه الاعادة فإذا تبين الصواب في خلال الصلاة فقد تقوى حاله فيلزمه الاستقبال وكان الشيخ الامام أبو بكر محمد بن حامد رحمه الله تعالى يقول لا يلزمه الاستقبال وهو الاصح لان صلاته هنا في الابتداء كانت صحيحة لانعدام الدليل المفسد فبالتبين لا تزداد القوة حكما فلا يلزمه الانتقال بخلاف ما بعد الشك لان هناك صلاته ليست بصحيحة الا بالتيقن بالاصابة فإذا تبين أنه أصاب فقد تقوى حاله حكما فلهذا لزمه الاستقبال رجل دخل مسجدا لا محراب فيه وقبلته مشكلة وفيه قوم من أهله فتحرى القبلة وصلي ثم علم أنه أخطأ القبلة فعليه أن يعيد الصلاة لان التحرى حصل في غير أوانه فان أوان فان التحرى ما بعد انقطاع الادلة وقد بقى هنا دليل له وهو السؤال فكان وجود التحرى كعدمه فيصير كانه صلى بعد الشك من غير التحرى فلا تجزيه صلاته الا إذا تبين أنه أصاب فكذا هذا عليه الاعادة لما تبين أنه أخطأ فان تبين أنه أصاب فصلاته جائزة واستشهد لهذا بمن أتي ماء من المياه أوحيا من الاحياء وطلب الماء فلم يجده فتيمم وصلى ثم وجده فان كان في الحى قوم من أهله ولم يسألهم حتى تيمم وصلى ثم سألهم فأخبروه لم تجز صلاته وان سألهم فلم يخبروه أو لم يكن بحضرته من يسأله أجزأته صلاته وكذلك لو افتتح الصلاة بالتيمم ثم رأى انسانا فظن أن عنده خبر الماء يتم صلاته

[ 196 ]

ثم يسأله فان أخبره أن الماء قريب منه يعيد الصلاة فان لم يعلم من خبر الماء شيئا فليس عليه اعادة الصلاة وقد بينا في كتاب الصلاة هذه الفصول والفرق بينهما وبين مااذا سأله في الابتداء فلم يخبره حتى صلى بالتيمم ثم أخبره فليس عليه اعادة الصلاة فأمر القبلة كذلك ولم يذكر في الكتاب أن هذا الاشتباه لو كان له بمكة ولم يكن بحضرته من يسأله فصلى بالتحري ثم تبين أنه أخطأ هل يلزمه الاعادة فقد ذكر ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى أنه لااعادة عليه وهذا هو الاقيس لانه لما كان محبوسا في بيت وقد انقطعت عنه الادلة ففرضه التحرى ويحكم بجواز صلاته بالتحرى فلا تلزمه الاعادة كما لو كان خارج مكة وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول هنا تلزمه الاعادة لانه تيقن بالخطأ إذا كان بمكة (قال) وكذلك إذا كان بالمدينة لان القبلة بالمدينة مقطوع بها فانه انما نصبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي بخلاف سائر البقاع ولان الاشتباه بمكة يندر والحكم لا ينبني على النادر فلا يندر تحريه للحكم بالجواز هنا بخلاف سائر البقاع فان الاشتباه يكثر فيها والاصل في المسائل بعد هذا أن الحكم للغالب لان المغلوب يصير مستهلكا في مقابلة الغالب والمستهلك في حكم المعدوم ألا ترى أن الاسم للغالب فان الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير ثم يطلق على الكل اسم الحنطة وعلى هذا قالوا في قرية عامة أهلها المجوس لا يحل لاحد أن يشترى لحماما لم يعلم أنه ذبيحة مسلم وفى القرية التى عامة أهلها مسلمون يحل ذلك بناء للحكم على الغالب ويباح لكل أحد الرمى في دار الحرب إلى كل من يراه من بعدما لم يعلم أنه مسلم أو ذمى ولا يحل له ذلك في دار الاسلام ما لم يعلم انه حربى ولو ان أهل الحرب دخلوا قرية من قرى أهل الذمة لم يجز استرقاق واحد منهم الا من يعلم بعينه انه حربى لان الغالب في هذه المواضع أهل الذمة ولو دخل قوم من أهل الذمة قرية من قري أهل الحرب جاز للمسلمين استرقاق أهل تلك القرية الا من يعلم انه ذمى ثم المسائل نوعان مختلط منفصل الاجزاء ومختلط متصل الاجزاء فمن المختلط الذى هو منفصل الاجزاء مسألة المساليخ وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام اما ان تكون الغلبة للحلال أو للحرام أو كانا متساويين وفيه حالتان حالة الضرورة بان كان لا يجد غيرها وحالة الاختيار ففى حالة الضرورة ويجوز له التحري في الفصول كلها لان تناول الميتة عند الضرورة جائز له شرعا فلان يجوز له التحرى عند الضرورة واصابة الحلال بتحريه مأمول كأن أولى واما في حالة الاختيار فان كانت الغلبة للحلال بأن كانت المساليخ ثلاثة أحدها ميتة جاز له التحرى أيضا

[ 197 ]

لان الحلال هو الغالب والحكم للغالب فبهذا الطريق جاز له التناول منها الا ما يعلم انه ميتة فالسبيل ان يوقع تحريه على احدها انها ميتة فيتجنبها ويتناول ما سوى ذلك لا بالتحرى بل بغلبة الحلال وكون الحكم له وان كان الحرام غالبا فليس له ان يتحرى عندنا وله ذلك عند الشافعي لانه يتيقن بوجود الحلال فيها ويرجو إصابته بالتحرى فله ان يتحرى كما في الفصول الاول وهذا لان الحرمة في الميتة محض حق الشرع والعمل بغالب الرأى جائز في مثله كما في استقبال القبلة فان جهات الخطأ هناك تغلب على جهات الصواب ولم يمنعه ذلك من العمل بالتحرى فهذا مثله (وحجتنا) في ذلك ان الحكم للغالب وإذا كان الغالب هو الحرام كان الكل حراما في وجوب الاجتناب عنها في حالة الاختيار وهذا لانه لو تناول شيئا منها انما يتناول بغالب الرأى وجواز العمل بغالب الرأى للضرورة ولا ضرورة في حالة الاختيار بخلاف مااذا كان الغالب الحلال فان حل التناول هناك ليس بغالب الرأى كما قررنا وهذا بخلاف أمر القبلة لان الضرورة هناك قد تقررت عند انقطاع الادلة عنه فوز انه ان لو تحققت الضرورة هنا بأن لم يجد غيرها مع ان الصلاة إلى غير جهة الكعبة قربة جائزة في حالة الاختيار وهو التطوع على الدابة وتناول الميتة لا يجوز مع الاختيار بحال ولهذا لا يجوز له العمل بغالب الرأى هنا في حالة الاختيار وكذلك ان كانا متساويين لان عند المساواة يغلب الحرام شرعا قال صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحرام والحلال في شئ الاغلب الحرام الحلال ولان التحرز عن تناول الحرام فرض وهو مخير في تناول الحلال ان شاء أصاب من هذا وان شاء أصاب من غيره ولا يتحقق المعارضة بين الفرض والمباح فيترجح جانب الفرض وهو الاجتناب عن الحرام ما لم يعلم الحلال بعينه أو بعلامة يستدل بها عليه ومن العلامة أن الميتة إذا ألقيت في الماء تطفو لما بقى من الدم فيها والذكية ترسب وقد يعرف الناس ذلك بكثرة النشيش وبسرعة الفساد إليها ولكن هذا كله ينعدم إذا كان الحرام ذبيحة المجوسى أو ذبيحة مسلم ترك التسمية عمدا ومن المختلط الذى هو متصل الاجزاء مسألة الدهن إذا اختلط به ودك الميتة أو شحم الخنزير وهي تنقسم ثلاثة أقسام فان كان الغالب ودك الميتة لم يجز الانتفاع بشئ منه لا بأكل لا بغيره من وجوه الانتفاع لان الحكم للغالب وباعتبار الغالب هذا محرم العين غير منتفع به فكان الكل ودك الميتة واستدل عليه بحديث جابر رضى الله عنه قال جاء نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ان لنا سفينة في البحر وقد

[ 198 ]

احتاجت إلى الدهن فوجدنا ناقة كثيرة الشحم ميتة افندهنها بشحمها فقال صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة بشئ وكذلك ان كانا متساويين لان عند المساواة يغلب الحرام فكان هذا كالاول فأما إذا كان الغالب هو الزيت فليس له أن يتناول شيئا منه في حالة الاختيار لان ودك الميتة وان كان مغلوبا مستهلكا حكما فهو موجود في هذا المحل حقيقة وقد تعذر تمييز الحلال من الحرام ولا يمكنه أن يتناول جزءا من الحلال الا بتناول جزء من الحرام وهو ممنوع شرعا من تناول الحرام ويجوز له أن ينتفع بها من حيث الاستصباح ودبغ الجلود بها فان الغالب هو الحلال فالانتفاع انما يلاقى الحلال مقصودا وقد روينا في كتاب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن على رضى الله تعالى عنه جواز الانتفاع بالدهن النجس لانه قال وان كان مائعا فانتفعوا به دون الاكل وكذلك يجوز بيعه مع بيان العيب عندنا ولا يجوز عند الشافعي رحمه الله تعالى لانه نجس العين كالخمر ولكنا نقول النجاسة للجار لالعين الزيت فهو كالثوب النجس يجوز بيعه وان كان لا تجوز الصلاة فيه وهذا لان إلى العباد احداث المجاورة بين الاشياء لاتقليب الاعيان وان كان التنجس يحصل بفعل العباد عرفنا أن عين الطاهر لا يصير نجسا وقد قررنا هذا الفصل في كتاب الصلاة فان باعه ولم يبين عيبه فالمشترى بالخيار إذا علم به لتمكن الخلل في مقصوده حين ظهر أنه محرم الاكل وان دبغ به الجلد فعليه أن يغسله ليزول بالغسل ما على الجلد من أثر النجاسة وما يشرب فيه فهو عفو ومن المختلط الذى هو منفصل الاجزاء مسألة الموتي إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار وهى تنقسم ثلاثة أقسام فان كانت الغلبة لموتي المسلمين فانه يصلى عليهم ويدفنون في مقابر المسلمين لان الحكم للغالب والغالب موتى المسلمين الا أنه ينبغي لمن يصلى عليهم ان ينوي بصلاته المسلمين خاصة لانه لو قدر على التمييز فعلا كان عليه ان يخص المسلمين بالصلاة عليهم فإذا عجز عن ذلك له ان يخص المسلمين بالنية لان ذلك في وسعه والتكليف بحسب الوسع ونظيره مالو تترس المشركون باطفال المسلمين فعلى من يرميهم ان يقصد المشركين وان كان يعلم انه يصيب المسلم وان كان الغالب موتى الكفار لا يصلى على أحد منهم الا من يعلم انه مسلم بالعلامة لان الحكم للغالب والغلبة للكفار هنا وان كانا متساويين فكذلك الجواب لان الصلاة على الكافر لا تجوز بحال قال الله تعالى ولاتصل على أحد منهم مات أبدا ويجوز ترك الصلاة على بعض المسلمين كأهل البغي وقطاع الطريق

[ 199 ]

فعند المساواة يغلب ما هو الاوجب وهو الامتناع عن الصلاة على الكفار ولايجوز المصير إلى التحرى هنا عندنا لما بينا ان العمل بغالب الرأى في موضع الضرورة ولا تتحقق الضرورة هنا وذكر في ظاهر الرواية انهم يدفنون في مقابر المشركين لان في حكم ترك الصلاة عليه جعل كأنهم كفار كلهم فكذلك في حكم الدفن هذا قول محمد رحمه الله تعالى فأما على قول أبى يوسف رحمه الله ينبغى أن يدفنوا في مقابر المسلمين مراعاة لحرمة المسلم منهم فان الاسلام يعلو ولا يعلى ودفن المسلم في مقابر المشركين لا يجوز بحال وقيل بل يتخذ لهم مقبرة على حدة لامن مقابر المسلمين ولامن مقابر المشركين فيدفنون فيها وأصل هذا الخلاف بين الصحابة رضى الله عنهم في نظير هذه المسألة وهو ان النصرانية إذا كانت تحت مسلم فماتت وهى حبلى فانه لا يصلى عليها لكفرها ثم تدفن في مقابر المشركين عند على وابن مسعود رضى الله عنهما ومنهم من يقول تدفن في مقابر المسلمين لان الولد الذى في بطنها مسلم ومنهم من يقول يتخذ لها مقبرة على حدة فهذا مثله وهذا كله إذا تعذر تمييز المسلم بالعلامة فان أمكن ذلك وجب التمييز ومن العلامة للمسلمين الختان والخضاب ولبس السواد فاما الختان فلانه من الفطرة كما قال صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة وذكر من جملتها الختان الا ان من أهل الكتاب من يختتن فانما يمكن التمييز بهذه العلامة إذا اختلط المسلمون بقوم من المشركين يعلم انهم لا يختتنون واما الخضاب فهو من علامات المسلمين قال صلى الله عليه وسلم غير والشيب ولا تتشبهوا باليهود وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يختضب بالحناء والكتم حتى قال الراوي رأيت ابن أبى قحافة رضى الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته كأنها ضرام عرفج واختلفت الرواية في ان النبي صلى الله عليه وسلم هل فعل ذلك في عمره والاصح انه لم يفعل ولا خلاف انه بأس للغازي أن يختضب في دار الحرب ليكون أهيب في عين قرنه وأما من اختضب لاجل التزين للنساء والجوارى فقد منع من ذلك بعض العلماء رحمهم الله تعالى والاصح أنه لا بأس به وهو مروي عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال كما يعجبني أن تتزين لى يعجبها أن أتزين لها وأما السواد من علامات المسلمين جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء وقال صلى الله عليه وسلم إذا لبست امتى السواد فابغوا الاسلام ومنهم من روى فانعوا والاول أوجه فقد صح ان النبي صلي الله عليه وسلم

[ 200 ]

بشر العباس رضى الله عنه بانتقال الخلافة إلى أولاده بعده وقال من علاماتهم لبس السواد والكفار لا يلبسون السواد فان أمكن التمييز بشئ من هذه العلامة وجب المصير إليها كما إذا أمكن معرفة جهة القبلة بشئ من العلامات وجب المصير إليها عند الاشتباه ومن المختلط الذي هو منفصل الاجزاء مسألة الثياب إذا كان في بعضها نجاسة كثيرة وليس معه ثوب غير هذه الثياب ولا ما يغسلها به ولا يعرف الطاهر من النجس فانه يتحرى ويصلى في الذى يقع تحريه أنه طاهر سواء كانت الغلبة للثياب النجسة أو للثياب الطاهرة أو كانا متساويين بخلاف مسألة المساليخ وعند التأمل لان فرق لان هناك يجوز له التحرى عند الضرورة أيضا والضرورة هنا قد تحققت لانه لا يجد بدا من ستر العورة في الصلاة ولا ثوب معه سوى هذه الثياب فجوزنا له التحرى للضرورة ثم الفرق ان عين الثوب ليس بنجس ولا يلزمه الاجتناب عنه بل له ان يلبسه لغير الصلاة وان كان نجسا فإذا لم تكن النجاسة صفة العين كان له ان يلبس أي هذه الثياب شاء في غير الصلاة فانما يتحرى لما هو من شرائط الصلاة على الخصوص وهو طهارة الثوب فكان هذا والتحرى لاستقبال القبلة سواء بخلاف المساليخ فان الميتة محرمة العين فإذا كانت الغلبة للحرام كان بمنزلة مالو كان الكل حراما في وجوب الاجتناب عنه والى نحو هذا أشار في الكتاب وقال لان الثياب لو كانت كلها نجسة لكان عليه ان يصلى في بعضها ثم لا يعيد الصلاة معناه ليس عليه الاجتناب عن لبس الثوب النجس في هذه الحالة فلان يكون له أن يتحري واصابة الطاهر بتحريه مأمول أولى وفى المساليخ في حالة الاختيار عليه الاجتناب عن الحرام فإذا كانت الغلبة للحرام كان عليه الاجتناب أيضا وإذا وقع تحريه في ثوبين على أحدهما انه هو الطاهر فصلى فيه الظهر ثم وقع في أكبر رأيه علي الآخر انه هو الطاهر فصلى فيه العصر لا يجوز لاناحين حكمنا بجواز الظهر فيه حكمنا بان الطاهر ذلك الثوب ومن ضرورته الحكم بنجاسة الثوب الآخر فلا يعتبر أكبر رأيه بعد ما جري الحكم بخلافه وهذا بخلاف أمر القبلة فانه إذا صلى الظهر إلى جهة ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى فصلى العصر اجزأه لان هناك ليس من ضرورة الحكم بجواز الظهر الحكم بأن تلك الجهة هي جهة الكعبة ألا ترى أنه وان تبين الخطأ جازت صلاته فكان تحريه عند العصر إلى جهة أخرى مصادفا محله وهنا من ضرورة الحكم بجواز الظهر الحكم بان الطاهر ذلك الثوب ألا ترى انه لو تبينت النجاسة فيه تلزمه الاعادة يوضحه ان الصلاة إلى

[ 201 ]

غير جهة الكعبة يجوز في حالة الاختيار مع العلم وهو التطوع على الدابة والصلاة في الثوب الذى فيه نجاسة كثيرة لا يجوز في حالة الاختيار مع العلم فمن ضرورة جواز الظهر تعين صفة الطهارة في ذلك الثوب والنجاسة في الثوب الآخر والاخذ بالدليل الحكمى واجب ما لم يعلم خلافه فان استيقن أن الذي صلى فيه الظهر هو النجس اعاد صلاة الظهر لانه تبين له الخطأ بيقين فيما يمكن الوقوف عليه في الجملة وكذلك لو لم يحضره التحرى ولكنه أخذ احد الثوبين فصلي فيه الظهر فهذا ومالو فعله بالتحرى سواء لان فعل المسلم محمول على الصحة ما لم يتبين الفساد فيه فيجعل كان الطاهر هذا الثوب ويحكم بجواز صلاته الا ان يتبين خلافه وكذلك لو لم يعلم ان في احدهما نجاسة حتى صلى وهو ساه في احدهما الظهر وفى الاخر العصر وفى الاول المغرب وفى الآخر العشاء ثم نظر فإذا في أحدهما قذر ولا يدرى انه هو الاول أو الآخر فصلاة الظهر والمغرب جائزة وصلاة العصر والعشاء فاسدة لانه لما صلى الظهر في احدهما جازت صلاته باعتبار الظاهر فذلك بمنزلة الحكم بطهارة ذلك الثوب وبنجاسة الثوب الآخر فكل صلاة أداها في الثوب الاول فهى جائزة وكل صلاة أداها في الثوب الثاني فعليه اعادتها ولا يلزمه اعادة ما صلى في الثوب الاول من المغرب لمكان الترتيب لانه حين صلى المغرب ماكان يعلم أن عليه اعادة العصر والترتيب بمثل هذا العذر يسقط ومن المختلط الذى هو منفصل الاجزاء مسألة الاواني إذا كان في بعضها ماء نجس وفي بعضها ماء طاهر وليس معه ماء طاهر سوى ذلك ولا يعرف الطاهر من النجس فان كانت الغلبة للاواني الطاهرة فعليه التحري لان الحكم للغالب فباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطاهر وإصابته بتحريه مأمول وان كانت الغلبة للاواني النجسة أو كانا سواء فليس له أن يثحري ؟ عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يتحرى ويتوضأ بما يقع في تحريه أنها طاهرة وهذا ومسألة المساليخ سواء والفرق بين مسألة الثياب وبين مسألة الاواني لنا أن الضرورة لاتتحق في الاواني لان التراب طهور له عند العجز عن الماء الطاهر فلا يضطر إلى استعمال التحرى للوضوء عند غلبة النجاسة لما أمكنه اقامة الفرض بالبدل وفى مسألة الثياب الضرورة مست لانه ليس للستر بدل يتوصل به إلى اقامة الفرض حتى أن في مسألة الاواني لما كان تتحقق الضرورة في الشرب عند العطش وعدم الماء الطاهر يحوز له أن يتحرى للشرب لانه لما جاز له شرب الماء النجس عند الضرورة فلان

[ 202 ]

يجوز التحرى واصابة الطاهر مأمول بتحريه أولى يوضحه أن في مسألة الاواني لو كانت كلها نجسة لا يؤمر بالتوضى بها لو فعل لا تجوز صلاته فإذا كانت الغلبة له فكذلك أيضا وفي مسألة الثياب وان كان الكل نجسة يؤمر بالصلاة في بعضها ويجزيه ذلك فكذلك إذا كانت الغلبة للنجاسة وفى الكتاب يقول إذا كانت الغلبة للماء النجس يريق الكل ثم يتيمم وهذا احتياط وليس بواجب ولكنه ان أراق فهو أحوط ليكون تيممه في حال عدم الماء بيقين وان لم يرق أجزأه أيضا لانه عدم آلة الوصول إلى الماء الطاهر وهو العلم والطحاوى رحمه الله تعالي يقول في كتابه يخلط الماءين يتيمم وهذا أحوط لان بالاراقة ينقطع عنه منفعة الماء وبالخلط لا فانه بعد الخلط يسقى دوابه ويشرب عند تحقق العجز فهو أولى وبعض المتأخرين من أئمة بلخ كان يقول يتوضأ بالاناءين جميعا احتياطا لانه يتيقن بزوال الحدث عند ذلك لانه قد توضأ مرة بالماء الطاهر وحكم نجاسة الاعضاء أخف من حكم الحدث فإذا كان قادرا على ازالة أغلظ الحدثين لزمه ذلك وقاسوا بمن كان معه سؤر الحمار يؤمر بالتوضي به مع التيمم احتياطا ولسنا نأخذ بهذا لانه إذا فعل ذلك كان متوضئا بما يتيقن بنجاسته وتتنجس أعضاؤه أيضا خصوصا رأسه فانه بعد المسح بالماء ينجس وان مسحه بالماء الطاهر لا يطهر فلامعني للامر به بخلاف سؤر الحمار فانه ليس بنجس ولهذا لو غمس الثوب فيه جازت صلاته فيه فيستقيم الامر بالجمع بينه وبين التيمم احتياطا ثم الاصل بعد هذا أن التحرى في الفروج لا يجوز بحال لان التحرى انما يجوز فيما يحل تناوله عند الضرورة على ما قررنا أن استعمال التحرى نوع ضرورة والفرج لا يحل بالضرورة ألا ترى أن المكره على الزنا لا يحل له الاقدام عليه ومن خاف الهلاك من فرط الشبق لا يحل له الاقدام على الوطئ في غير الملك فلهذا لا يحل الفرج بالتحرى بحال بخلاف جميع ما تقدم من الفصول إذا عرفنا هذا فنقول رجل له أربع جوار أعتق واحدة منهن بعينها ثم نسيها لم يسعه أن يتحرى للوطئ لان المعتقة بعينها محرمة عليه فلا يحل له أن يقرب واحدة منهن حتي يعرف المحرمة بعينها وهذا لان قيام الملك في المحل شرط منصوص للحل وبتحريه لا يصير هذا الشرط معلوما بيقين بخلاف مااذا أعتق احداهن بغير عينها فان العتق في المنكر لا يزيل الملك عن المعين الا بالبيان فكان له أن يطأ من شاء منهن باعتبار الملك المتيقن به في المحل وكما لا يتحرى للوطئ هنا لا يتحرى للبيع لان جواز البيع واباحته شرعا لا يكون الا باعتبار قيام الملك في المحل

[ 203 ]

فان الحرة ليست بمحل للبيع شرعا ولا يخلى الحاكم بينه وبينهن حتي يبين المعتقة من غيرها فانه لا يسعه الا ذلك لانه علم أن احداهن محرمة عليه فليس له أن يخلى بينه وبين المحرمة ليرتكب الحرام بوطئها فيحول بينه وبينهن حتى يتبين المعتقة وكذلك إذا طلق احدى نسائه بعينها ثلاثا ثم نسيها وهذا أبلغ من الاول لان المطلقة ثلاثا محرمة العين لا تحل له بنكاح ولاغيره ما لم تتزوج بزوج آخر وكذلك ان متن كلهن الا واحدة لم يسعه أن يقربها حتى يعلم أنها غير المطلقة بخلاف ما إذا أوقع الطلاق على احداهن بغير عينها لان بموت الثلاث هناك يتعين الطلاق في الرابعة وهنا الطلاق وقع على عين فلا يتحول بالموت من محل إلى محل فحال هذه التى بقيت بعد موت ضرائرها كحالها قبل موتهن لا يسعه أن يقربها حتى يعلم أنها غير المطلقة فإذا أخبر بذلك فقد أخبر بحلها وهذا أمر بينه وبين ربه فيصدق في ذلك مع اليمين ويستحلفه ما طلق هذه بعينها ثلاثا ثم يخلى بينهما اما إذا كانت تدعى هي الثلاث فغير مشكل وكذلك ان كانت لا تدعى ففي الحرمة معني حق الشرع الا تري ان البينة تقبل فيه من غير دعوى فلهذا يستحلفه القاضى إذا اتهمه فان حلف وهو جاهل بذلك فلاينبغي له ان يقربها لانه مجازف في يمينه واليمين الكاذبة لا تحل الحرام وان ادعت كل واحدة منهن انها المطلقة حلفه القاضي لكل واحدة منهن فان نكل عن اليمين لهن فرق بينه وبينهن لان النكول في حق كل واحدة منهن بمنزلة الاقرار وان حلف لهن بقى حكم الحيلولة كما كان لانا نتيقن انه كاذب في بعض هذه الايمان وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى انه قال إذا حلف لثلاث منهن يتعين الطلاق في الرابعة ضرورة فيفرق بينه وبينها كما لو أخبر انها هي المطلقة ولكن هذا لا يستقيم فيما إذا وقع على المعينة في الابتداء لانه ليس إليه البيان انما عليه ان يتذكر وذلك لا يحصل بيمينه لبعضهن بخلاف مااذا كان الايقاع على غير المعينة في الابتداء فان باع في المسألة الاولى ثلاثا من الجوارى فحكم الحاكم بجواز بيعهن وكان ذلك من رأيه وجعل الباقية هي المعتقة ثم رجع إليه مما باع شئ بشراء أو بهبة أو ميراث لم ينبغ له ان يطأها لان القاضي في ذلك قضى بغير علم ولا معتبر للقضاء عن جهل ولانا نعلم أنه مخطئ في قضائه لانه حكم بجواز البيع في محل لايعرف فيه الملك بيقين فيكون باطلا وأدنى الدرجات فيه أن يكون حكمه بجواز البيع في شخص متردد الحال بين الرق والحرية فلا ينفذ حكمه كما لو حكم بجواز

[ 204 ]

بيع المكاتب بغير رضاه ولا ينبغي للمولى أن يطأ شيئا منهن بالملك الا أن يتزوجها فان نزوجها فلا بأس بوطئها لانها ان كانت حرة فالنكاح بينه وبينها صحيح وان كانت أمة فهي حلال له بالملك فهي إما زوجته أو أمته فله أن يقربها ولو أن قوما كان لكل واحد منهم جارية فأعتق أحدهم جاريته ثم لم يعرفوا المعتقة فلكل واحد منهم أن يطأ جاريته حتى يعلم المعتقة بعينها لانا علمنا قيام الملك لكل واحد منهم في جاريته وحل وطئها له ولم نتيقن باكتساب سبب الحرمة من كل واحد منهم فله أن يتمسك بما يتيقن به لان اليقين لا يزال بالشك بخلاف ما تقدم لانا تيقنا هناك باكتساب سبب الحرمة من المولى في بعضهن فليس له الاقدام على الوطئ ما لم يعلم أن الموطوءة خارجة عن تلك الحرمة وهذا لان القضاء بالحرمة يصح على المعلوم دون المجهول ففي المسألة الاولى المقضى عليه المولى وهو معلوم فالجهالة في جانب الجوارى لايمنع القضاء بحرمة هي حق الشرع وهنا المقضى عليه بالحرمة من الموالى مجهول ولا يمكن القضاء على المجهول فلكل واحد منهم ان يتمسك في جاريته بالحل الذى تيقن به حتى يعلم خلافه فان كان أكبر رأى أحدهم انه هو الذى أعتق فأحب إلى أن لا يقربها وان قرب لم يكن ذلك عليه حراما حتي يستيقن لان أكبر الرأى يوجب الاحتياط ولا يزيل الملك والحرمة في هذا المحل باعتبار زوال الملك وذلك لا يثبت بأكبر الرأى ولو اشتراهن جميعا رجل واحد قد علم ذلك لم يحل له أن يقرب واحدة منهن حتى يعرف المعتقة اما إذا اشتراهن بعقد واحد فهذا البيع باطل لان فيه الجمع بين الحرة والاماء وبيع الكل بثمن واحد وان اشتراهن بعقود متفرقة فنقول لما اجتمعن عنده وهو متيقن بأن احداهن محرمة عليه كان هذا ومالو مكان ؟ المولى في الابتداء واحدا سواء لان المقضى عليه معلوم هنا ولو اشتراهن الا واحدة حل له وطئهن لانه لا يتيقن بالحرمة فيما اشتري فلعل المعتقة تلك الواحدة التى لم يشترها فلا يصير المقضى عليه بالحرمة معلوما بهذا فان وطئهن ثم اشترى الباقية لم يحل له وطئ شئ منهن ولابيعه حتى يعلم المعتقة منهن لانه يعلم ان احداهن محرمة عليه وليس لما سبق من الوطئ تأثير في تمييز المعتقة من غير المعتقة ؟ ؟ ؟ ؟ لذلك الا التذكر والوطئ ليس من التذكر في شئ وكذلك لو كان المشترى أحد أصحاب الجوارى لانهن قد اجتمعن عنده فصار المقضي عليه بالحرمة معلوما ثم أعاد المسألة الاولى لايضاح مابينا ان التحرى لا يجوز في الفروج فقال لو مات المولى بعدما أعتق واحدة منهن بعينها ونسيها فليس للقاضى أن يتحرى

[ 205 ]

ولا يأمر الورثة بذلك أيضا في تعيين المعتقة حتى لا يقول لهم اعتقوا التى أكبر رأيكم انها حرة واعتقوا أيتهن شئتم وكيف يقول لهم ذلك والعتق الواقع على شخص بعينه لا يتصور انتقاله إلى شخص آخر بحال ولكنه يسألهم عن ذلك فان زعموا ان الميت أعتق فلانة بعينها أعتقها واستحلفهم على علمهم في الباقيات لانهم خلفاء المورث وخبرهم كخبر المورث أن المعتقة هذه الا ان اليمين في حقهم على العلم لانه استحلاف على فعل الغير فان لم يعرفوا شيئا من ذلك أعتقهن جميعا وأبطل من قيمتهن قيمة واحدة بينهن بالحصص ويسعين فيما بقى لانه تعذر استدامة الملك فيهن لحق الشرع فيخرجن إلى الحرية بالسعاية كام ولد النصرانية أسلمت تخرج إلى الحرية بالسعاية الا أنه يسقط عنهن ما يتيقن بسقوطه وهو قيمة واحدة ثم ختم الكتاب بهذا في بعض النسخ ذكر بابا من كتاب الاجارات وكانه تذكر تلك المسائل حين صنف هذا الكتاب فاثبتها لكيلا يفوت فقال رجل أجر عنده من رجل سنة بمائة درهم للخدمة فخدمه ستة أشهر ثم أعتقه المولى فالعتق نافذ لقيام الملك في رقبته وحق المستأجر انما يثبت في المنفعة دون الرقبة ولا تأثير لما استحقه من اليد الا في عجز المولى عن تسليمه والقدرة على التسليم ليس يشرط لنفوذ العتق حتى ينفذ العتق في الآبق والجنين في البطن ثم يتخير العبد في فسخ الاجارة لان على احدى الطريقين الاجارة في حكم عقود متفرقة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنفعة ولو أجره ابتداء بعد العتق لا يلزم العقد الا برضاه فكذلك لا يتجدد انعقاد العقد لازما بعد العقد الا برضاه وعلى الطريق الآخر العقد وان انعقد جملة فهو يحتمل الفسخ بعذر والعذر قد تحقق هنا لان لزوم تسليم النفس للخدمة بعد العتق بعقد باشره المولى يلحق الشين به ويكون ذلك عذرا له في فسخ الاجارة أرأيت لو تفقه وقلد القضاء أكان يجبر على الخدمة بسبب ذلك العقد يقرره ان في اجارة النفس للخدمة كذا وتعبا فلا يلزم من المولى على العبد الا في منافع مملوكة للمولى والمنافع بعد العتق تحدث على ملك العبد فيثبت له الخيار بظهور هذا النوع من الملك له كالمنكوحة إذا أعتقت يثبت لها الخيار لملكها أمر نفسها أو زيادة ملك الزوج عليها فان فسخ العقد فأجر ما مضى للمولى لان ما يقابله استوفي على ملكه بعقده وان مضى على الاجارة فللعبد أجر ما بقى من المدة لانه بدل ما هو مملوك للعبد فان المنافع بعد العتق تحدث على ملكه والبدل انما يملك بملك الاصل وهذا بخلاف المنكوحة فانها إذا لم تختر نفسها بعد العتق فالصداق للمولى وان لم يدخل بها الزوج قبل العتق لان الصداق وجب بالعقد جملة واستحقه

[ 206 ]

المولى عوضا عن ملكه وهنا الاجر يجب شيئا فشيئا بحسب ما يستوفى من المنفعة أو يتجدد انعقاد العقد على احد الطريقين هنا فهو بمنزلة مالو أجره بعد العتق برضاه فيكون الاجر للعبد الا ان المولى هو الذى يتولى قبضه لان الوجوب بعقده وحقوق العقد تتعلق بالعاقد وليس للعبد ولاية ان يقبضها الا بوكالة المولى وليس له ان ينقض العقد بعد اختياره المضي عليها لانه أسقط خياره كالمعتقة إذا اختارت زوجها فان كان المستأجر عجل الاجرة كلها للمولى قبل ان يعمل العبد شيئا في أول الاجارة فهذا والاول سواء الا خصلة واحدة إذا اختار العبد المضى على الاجارة فالاجر كله للمولى لانه ملك الاجر بالقبض وما ملكه المولى من كسب العبد يبقى على ملكه بعد عتقه بخلاف الاول لانه ماملك الاجر بنفس العقد هناك وانما يملكه شيئا فشيئا بحسب ما يستوفى من المنفعة وان فسخ العبد الاجارة في بقية المدة فعلى المولى رد حصة ذلك من الاجر على المستأجر كما لو تفاسخا العقد وهذا لان المولي أكسب سبب ثبوت الخيار للعبد وفسخ العقد من العبد بناء عليه فيصير مضافا إلى المولى فلهذا يلزمه الرد بحساب ما بقى من المدة وإذا اختار المضي فقد بقى العقد على ما باشر المولى والملك في جميع الاجر قد ثبت للمولى بذلك العقد فيبقى ولا يتحول شئ منه إلى العبد وان كان الاجر شيئا بعينه في جميع هذه الوجوه فالجواب فيه والجواب في الدراهم والدنانير سواء وهذا أظهر لان الاجرة لما كانت بعينها لا تملك قبل التعجيل ولا تجب وجوبا مؤجلا ولاحالا وفى الاجر إذا كان بغير عينه كلام أنه هل يجب بنفس العقد وجوبا مؤجلا أم لا فإذا كان هناك حصة ما بقي من المدة للعبد فهنا أولى (قال) وكذلك الجواب في العبد إذا ولى اجارة نفسه باذن المولى الا أن العبد هو الذى يلى القبض هنا إذا اختار المضى على الاجارة لانه المباشر للعقد وحقوق العقد تتعلق بالعاقد وهو الذي يطالب برد ما يجب رده من المقبوض عند الفسخ لانه هو الذي قبضه بحكم العقد ثم يرجع هو على المولى به عينا كان ذلك في يد المولى أو مستهلكا لانه انما وجب بعد العتق والفسخ وهو من أهل أن يستوجب على مولاه دينا في هذه الحالة وقد لزمه هذا الدين بسبب كان هو في مباشرته عاملا لمولاه باذنه فيثبت له به حق الرجوع عليه ثم ذكر في الكتاب سؤالا فقال كيف يكون للعبد أن يفسخ الاجارة وهو الذى يليها ثم أجاب فقال لانها تمت في حال رقه باذن المولى فكأن المولى هو الذى باشر العقد ألا ترى لو أن أمة زوجت نفسها باذن مولاها ثم عتقت كان لها الخيار كما

[ 207 ]

لو كان المولى هو الذي زوجها وكذلك الصبى إذا أجره الوصي في عمل من الاعمال فلم يعمل حتى بلغ الصبي مبلغ الرجال فهو بالخيار بين المضى على الاجارة وفسخها وكذلك الاب إذا أجر ابنه ثم أدرك الابن لما بينا أن في اجارة النفس كدا وتعبا فلا يلزم من الاب والوصى في حق الصبي بعد بلوغه وما يلحقه من المشقة يصير عذرا له في الفسخ بخلاف ما لو أجر داره أو عبده سنين معلومة فأدرك الغلام لم يكن له أن يبطل الاجارة والشافعي رحمه الله تعالى يسوى بينهما فيقول العقد نفذ بولاية تامة فلا يثبت له حق الفسخ بعد ذلك في الفصلين والفرق لنا بين الفصلين من وجهين أحدهما أنه ليس في اجارة الدار والعبد معني الكد والعار في حق الصبى إذا أدرك فلا يثبت له حق الفسخ بخلاف اجارة النفس والثانى أن اجارة الدار والعبد يملك بالولاية ألاتري أن من لاولاية له من القرابات ممن يعول الصبي ليس له ولاية اجارة داره وعبده فإذا نفذ باعتبار قيام ولايتهما يجعل كأنهما باشراه بعد البلوغ بالولاية فأما صحة اجارة النفس ليس باعتبار الولاية بل باعتبار المنفعة والمصلحة للولد في ذلك ليتأدب ويتعلم ما يحتاج إليه الا تري ان من يعول اليتيم بملك ذلك منه وببلوغه زال هذا المعني لانه صار من أهل النظر لنفسه فيما يحتاج إليه فلهذا يثبت له الخيار وإذا أجر العبد المحجور عليه نفسه من رجل سنة بمائة درهم للخدمة فخدمه ستة أشهر ثم أعتق فالقياس ان لا يحب الاجر لان المستأجر كان ضامنا له حين استعمله بغير اذن مولاه والاجر والضمان لا يجتمعان ولكنا نستحسن إذا سلم العبدان يجعل له الاجر فيما مضى لان في ذلك محض منفعة لا يشوبه ضرر والعبد غير محجور عن اكتساب المال وما يكون فيه محض منفعة كالاحتطاب والاحتشاش بخلاف مااذا هلك فان الضمان قد تقرر عليه من حين استعمله وهو يملكه بالضمان من ذلك الوقت فتبين انه استعمل عبد نفسه فلا يجب الاجر وبه فارق الصبي المحجور إذا أجر نفسه ومات في خلال العمل فانه يجب الاجر بحساب ما عمل لان الصبى الحر لا يملك بالضمان فلا ينعدم السبب الموجب للاجر فيما مضي وان هلك الصبى من استعماله غرم ديته وإذا سلم العبد من العمل حتى وجب الاجر بحساب مامضي يقبضه العبد فيدفعه الي مولاه لانه وجب بعقده ولكن بمقابلة منافع هي مملوكة للمولى فيلزمه دفعه إلى المولى وتجوز الاجارة فيما بقى من السنة للعبد ولاخيار له في نقض الاجارة لانها نفذت بعد عتقه بغير اجارة المولى فكأنه باشره بعد العتق ألا ترى ان أمة

[ 208 ]

لو زوجت نفسها بغير اذن المولى ثم أعتقها المولى نفذ العتق ولاخيار لها بخلاف مااذا كان عقدها باذن المولى أو اجازه المولى قبل العتق فكذلك في الاجارة وكذلك الجواب هنا ان كان قبض الاجر في حال رقه لان للعبد منه حصة ما بقي وللمولى حصة ما مضى بخلاف ما تقدم لان العقد هناك كان نافذا فالاجر كله بالقبض صار ملكا للمولى وهنا العقد لم يكن نافذا لان مباشره محجور عليه فانما ينفذ بحسب ما يستوفى من المنفعة لانه حينئذ يتمحض منفعة فحصة ما استوفى من المنفعة صار مملوكا من الآجر فيكون للمولى وحصة ما لم يستوف من المنفعة لم يصر مملوكا وان كان مقبوضا وانما يملك بعد العتق باعتبار ابقاء المنفعة وانما أو في فيما بقي من المدة المنافع التى هي مملوكة له فلهذا كان الاجر بحساب ما بقى من المدة للعبد والله أعلم بالصواب

[ 209 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب اللقيط) (قال) الشيخ الامام الاجل الزاهد شمس الائمة وفخر الاسلام أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى رضى الله عنه اللقيط لغة اسم لشئ موجود فعيل بمعني مفعول كالقتيل والجريح بمعنى المقتول والمجروح وفي الشريعة اسم لحى مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الريبة مضيعه آثم ومحرزه غانم لما في احرازه من احياء النفس فانه على شرف الهلاك واحياء الحي بدفع سبب الهلاك عنه قال تعالى ومن أحياها فكانما أحيا الناس جميعا ولهذا كان رفعه أفضل من تركه لما في تركه من ترك الترحم على الصغار قال صلى الله عليه وسلم من لم يرحم صغيرا ولم يوقر كبيرا فليس منا وفى رفعه اظهار الشفقة وهو أفضل الاعمال بعد الايمان على ما قيل أفضل الاعمال بعد الايمان بالله التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله وقد دل على ما قلنا الحديث الذى بدأ به الكتاب ورواه عن الحسن البصري أن رجلا التقط لقيطا فأتى به عليا رضى الله تعالى عنه فقال هو حر ولان أكون وليت من أمره مثل الذى وليت منه أحب إلى من كذا وكذا فقد استحب على رضى الله تعالى عنه مع جلالة قدره أن يكون هو الملتقط له فدل على أن رفعه أفضل من تركه (فان قيل) ما معنى هذا الكلام وكان متمكنا من أخذه بولاية الامامة (قلنا) نعم ولكن احياؤه كان في التقاطه حين كان على شرف الهلاك ولا يحصل ذلك بالاخذ منه بعد ما ظهر له حافظ ومتعهد فلهذا استحب ذلك مع أنه لا ينبغي للامام أن يأخذه من الملتقط الا بسبب يوجب ذلك لان يده سبقت إليه فهو أحق به باعتبار يده وفى هذا الحديث دليل على أن اللقيط حر وهو المذهب أنه حر مسلم اما باعتبار الدار لان الدار دار حرية واسلام فمن كان فيها فهو حر مسلم باعتبار الظاهر أو باعتبار الغلبة لان الغالب فيمن يسكن دار الاسلام الاحرار المسلمون والحكم للغالب أو باعتبار الاصل فالناس أولاد آدم وحواء عليهما السلام وكانا حرين

[ 210 ]

فلهذا كان اللقيط حرا وفى حديث آخر أن عليا رضى الله عنه فرض له وهذا يدل على أن نفقة اللقيط في بيت المال لانه عاجز عن الكسب محتاج إلى النفقة ومال بيت المال معد للصرف إلى المحتاجين وفى حديث آخر أن عليا رضى الله عنه قال ولاؤه وعقله للمسلمين وهو المذهب أن عقل جنايته على بيت المال لانه لو مات وترك مالا كان ماله مصروفا إلى بيت المال ميراثا للمسلمين فكذلك عقل جنايته ونفقته على بيت المال لان الغنم مقابل بالغرم وهو مروي عن عمر رضى الله عنه أيضا قال اللقيط حر وولاؤه وعقله للمسلمين وذكر في حديث الزهري رضى الله عنه سنين ابن جميلة قال وجدت منبوذا على بابي فأتيت به عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال عمر رضى الله عنه عسى الغوير ابؤسا هو حر ونفقته علينا معنى المنبوذ المطروح قال تعالى فنبذوه وراء ظهورهم وهو الاسم الحقيقي للموجود لانه مطروح وانما سمى لقيطا باعتبار مآله وتفاؤلا لاستصلاح حاله فاما معنى قول عمر رضي الله عنه عسى الغوير أبؤسا مثل معروف لما يكون باطنه بخلاف ظاهره وأول من تكلم به الزباء الملكة حين رأت الصناديق فيها الرجال وقد أخبرت ان فيها الاموال فلما أحست بذلك أنشأت تقول ما للجمال مشيها وئيدا * أجند لاتحمل أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا * أم الرجال جثما قعودا ثم قالت عسى الغوير أبؤسا فطار كلامها مثلا وكان عمر رضى الله عنه ظن ان هذا الرجل جاء إليه بولده يزعم أنه لقيط ليستوفى منه نفقته فلهذا ذكر هذا المثل وفى الحديث دليل أن الملتقط ينبغى له أن يأتي باللقيط إلى الامام وينبغي للامام أن يعطى نفقته من بيت المال وأنه يكون حرا كما قال عمر رضى الله عنه نفقته علينا وهو حر وان انفق عليه الملتقط فهو في نفقته متطوع لا يرجع بها على اللقيط إذا كبر لانه غير مجبور على ما صنع شرعا والمتطوع من يكون مخيرا غير مجبر على ايجاد شئ شرعا ولو أنفق على ولد له أب معروف بغير اذن أبيه كما متطوعا في ذلك فكذلك إذا أنفق على اللقيط وهذا لان بالالتقاط يثبت له من الحق بقدر ما ينتفع به اللقيط وهو الحفط ؟ والتربية ولم يثبت له عليه ولاية الزام شئ في ذمته لان ذلك لا ينفعه ولانه ليس بينهما سبب مثبت للولاية ولهذا لا يرجع بالنفقة عليه ولان الغالب من أحوال الناس أنهم بمثل هذا يتبرعون وفى الرجوع لا يطمعون ومطلق الفعل محمول على ما هو المعتاد فان أمره

[ 211 ]

القاضى أن ينفق عليه على ان يكون ذلك دينا عليه فهو جائز وهو دين عليه لان القاضى نصب ناظرا ومعنى النظر فيما أمر به فانه إذا لم يكن في بيت المال مال وأبى الملتقط أن يتبرع بالانفاق فتمام النطر بالامر بالانفاق عليه لانه لا يبقى بدون النفقة عادة وللقاضي عليه ولاية الالزام لانه ولى كل من عجز عن التصرف بنفسه يثبت ولايته بحق الدين ومن وجه هذه الولاية فوق الولاية الثابتة بالابوة فلهذا اعتبر أمره في الزام الدين عليه وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى مجرد أمر القاضى بالانفاق عليه يكفي ولا يشترط ان يكون دينا عليه ولان أمر القاضى نافذ عليه كامره بنفسه ان لو كان من أهله ولو أمر غيره بالانفاق عليه كان ما ينفق دينا عليه فكذلك إذا أمر القاضى به والاصح ما ذكره في الكتاب أن يأمره على أن يكون دينا عليه لان مطلقه محتمل قد يكون للحث والترغيب في اتمام ما شرع فيه من التبرع فانما يزول هذا الاحتمال إذا اشترط أن يكون دينا له عليه فلهذا قيد الامر به فإذا ادعى بعد بلوغه أنه أنفق عليه كذا وصدقه اللقيط في ذلك رجع عليه به وان كذبه فالقول قول اللقيط وعلي المدعى البينة لانه يدعى لنفسه دينا في ذمته وهو ليس بأمين في ذلك وانما يكون أمينا فيما ينفي به الضمان عن نفسه فلهذا كان عليه اثبات ما يدعيه بالبينة وشهادة اللقيط بعدما ادرك جائزة إذا كان عدلا لانه حر مسلم فيكون مقبول الشهادة في الامور كلها إذا ظهرت عدالته وكان مالك يقول لاتقبل شهادته في الزنا لانه في الناس متهم بانه ولد الزنا فيعير بذلك فربما يقصد بشهادته الحاق عار الزنا بغيره ليسويه بنفسه ولكن هذا ضعيف فان الزانى بعد ظهور توبته مقبول الشهادة في الزنا والسارق كذلك ثم تهمة الكذب كما تنفى عنه في سائر الشهادات بترجح جانب الصدق عند ظهور عدالته فكذلك في الشهادة بالزنا وجنايته والجناية عليه وحدوده كغيره من الاحرار المسلمين لانه محكوم بحريته باعتبار الظاهر كما قررنا رجل التقط لقيطا فادعى رجل ابنه صدقته استحسانا وثبت نسبه منه ألا ترى ان الذى التقط لو ادعاه يثبت نسبه منه والقياس والاستحسان في الفصلين أما الملتقط إذا ادعاه في القياس لا يصدق لانه مناقض في كلامه فقد زعم انه لقيط في يده وابنه لا يكون لقيطا في يده ولانه يلزمه النسبة إليه إذا بلغ وليس له عليه ولاية الالزام وفي الاستحسان هو يقر له بما يحتاج إليه اللقيط فانه محتاج إلى النسب ليتشوف به ويندفع العار عنه فهو في هذا الاقرار يكتسب له ما ينفعه وبالالتقاط ثبت له عليه هذا المقدار يوضحه

[ 212 ]

أنه يلتزم حفظه ونفقته بهذا الاقرار وهذا الالتزام تصرف منه على نفسه وله هذه الولاية ثم التناقض لايمنع ثبوت النسب بالدعوة كالملاعن إذا أكذب نفسه وهذا لان سببه خفي فربما اشتبه عليه الامر في الابتداء فظن أنه لقيط ثم تبين له أنه ولده وان ادعاه غير الملتقط في القياس لا يثبت نسبه منه وهذا قياس آخر سوى الاول لاته يقصد بهذه الدعوة أن يأخذه من الملتقط وحق الحفظ قد ثبت للملتقط على وجه ليس لغيره أن يأخذه منه فلا يقبل مجرد دعواه في ابطال الحق الثابت له وجه الاستحسان أن اللقيط محتاج إلى النسب فهو في دعوة النسب يقر له بما ينفعه ويلتزم حقا له فكان دعواه كدعوى الملتقط لنسبه ثم يترجح هو على الملتقط في الحفظ حكما لثبوت نسبه ومثل هذا يجوز أن يثبت حكما وان لم يتمكن من اثباته قصدا كما أن النسب والميراث يثبت بشهادة القابلة على الولادة حكما وان كان لا يثبت المال بشهادتها قصدا يوضحه أنه إذا قصد أخذ اللقيط من يده فانما منازعته في عين ما باشره الاول فيترجح الاول بالسبق وأما إذا ادعى نسبه فمنازعته ليست في شئ باشره الملتقط فصحت دعوته لمصادفتها محلها ولا منازع له في ذلك ثم من ضرورة ثبوت النسب ان يكون هو أحق بحفظ ولده من أجنبي وإذا أبي الملتقط ان ينفق على اللقيط وسأل القاضى ان يقبله منه فللقاضي ان لا يصدقه في ذلك ما لم يقم البينة على انه لقيط لاته متهم فيما يقول فلعله ولده أو بعض من تلزمه نفقته واحتال بهذه الحيلة ليسقط نفقته عن نفسه فلهذا لا يصدقه ما لم يقم البينة فإذا أقام البينة انه لقيط قبل منه البينة من غير خصم حاضر إما لانها تقوم لكشف الحال والبينة لكشف الحال مسموعة من غير خصم أو لانها غير ملزمة واشتراط حضور الخصم لمعني الالزام ثم القاضى مخير ان شاء قبضه منه وإن شاء لم يقبض ولكن يوليه ما تولى فيقول له قد التزمت حفظه فأنت وما التزمت وليس لك ان تلزمني ما التزمته والاولى أن يقبضه إذا علم بعجزه عن حفظه والانفاق عليه لان في تركه في يده تعريضه للهلاك ولان الاخذ الآن من باب النظر والقاضى منصوب لذلك فان أخذه ووضعه في يد رجل وأمره بأن ينفق عليه على ان يكون ذلك دينا على اللقيط ثم ان الذى التقطه سأل القاضى ان يرده عليه فهو بالخيار ان شاء رده عليه وان شاء لم يرد لانه أسقط ماكان له من حق الاختصاص فحاله بعد ذلك كحال غيره من الناس في طلب الرد رجل التقط لقيطا فجاء رجل آخر قانتزعه منه فاختصما فيه فانه يدفع إلى الاول لان يده سبقت إليه فكان هو أحق بحفظه

[ 213 ]

ثم الثاني بالاخذ فوت عليه يدا محقة فيؤمر باعادتها بالرد عليه وهذا لان الاول أخذ ما هو مندوب الي أخذه والثانى أخذ ما هو ممنوع من أخذه لحق الاول فلا تكون يده معارضة ليد الاول ولا ناسخة لها وإذا كبر اللقيط فادعاه رجل فذلك إلى اللقيط لانه في يد نفسه وله قول معتبر إذا كان يعبر عن نفسه فيعتبر تصديقه لاثبات النسب منه وهذا لان المدعى يقر له بالنسب من وجه ويدعى عليه وجوب النسبة إليه من وجه فلا يثبت حكم كلامه في حقه الا بتصديقه دعوى كان أو اقرارا وإذا صدقه يثبت النسب منه إذا كان مثله يولد لمثله فأما إذا كان مثله لا يولد لمثله لا يثبت النسب منه لان الحقيقة تكذبهما وجناية اللقيط على بيت المال لان ولاءه لبيت المال فان الولاء مطلوب لمعنى التناصر والتقوى به ومن ليس له مولى معين فتناصره بالمسلمين وانما يتقوى بهم فإذا كان ولاؤه لهم كان موجب جنايته عليهم يؤدى من بيت المال لانه مالهم وميراثه لبيت المال دون الذى التقطه ورباه لان استحقاق الميراث لشخص بعينه بالقرابة أو ما في معناه من زوجية أو ولاء وليس للمتلقط شئ من ذلك (فان قيل) هو بالالتقاط والتربية قد أحياه فينبغي أن يثبت له عليه الولاء كما يثبت للمعتق بالاعتاق الذى هو احياء حكما (قلنا) هذا ليس في معنى ذلك لان الرقيق في صفة مالكية المال هالك والمعتق محدث فيه لهذا الوصف واللقيط كان حيا حقيقة ومن أهل الملك حكما فالملتقط لا يكون محييا له حقيقة ولا حكما فلا يثبت له عليه ولاء ما لم يعاقده عقد الولاء بالبلوغ وإذا ثبت أنه لا ميراث للملتقط منه كان ميراثه لبيت المال لانه مسلم ليس له وارث معين فيرثه جماعة المسلمين يوضع ماله في بيت المال وان والي رجلا بعدما أدرك جاز كما لو والى الملتقط لان ولاءه لبيت المال لم يتأكد بعد فله أن يوالى من شاء بخلاف مااذا جنى جناية وعقله بيت المال فان هناك قد تأكد ولاؤه للمسلمين حين عقلوا جنايته فلا يملك ابطال ذلك بعقد الموالاة مع أحد كالذى أسلم من أهل الحرب له أن يوالى من شاء الا أن يجني جناية ويعقله بيت المال ولايجوز للملتقط على اللقيط ذكرا كان أو أنثي عقد النكاح ولابيع ولاشراء لان نفوذ هذه التصرفات على الغير يعتمد الولاية كما قال صلى الله عليه وسلم لانكاح الا بولي ولا ولاية للملتقط على اللقيط وانما له حق الحفظ والتربية لكونه منفعة محضة في حقه وبهذا السبب لا تثبت الولاية وان ادعى ان اللقيط عبده لم يصدق بعد ان يعرف أنه لقيط لانه محكوم بحريته باعتبار الظاهر فلا يبطل ذلك بمجرد قوله ولان يده يد حفظ فلا

[ 214 ]

يمكنه أن يحول يده يد ملك بمجرد قوله من غير حجة وهذا بخلاف مااذا ادعى أنه ابنه لان ذلك اقرار للقيط بما ينفعه وهذا دعوى عليه بما يضره وهو تبديل صفة المالكية بالمملوكية ولو أن رجلا وجد لقيطا معه مال فوضعه القاضى على يده وقال انفق عليه منه فهو جائز لان ذلك المال للقيط فانه موجود معه فكانت يده أسبق إليه من يد غيره وانما ينفق عليه من ماله ولان الظاهران واضعه وضع ذلك المال لينفق عليه منه والبناء على الظاهر جائز ما لم يظهر خلافه وهو مصدق في نفقة مثله لانه أمين يخبر بما هو محتمل وينكر وجوب الضمان عليه فيقبل قوله في ذلك كمن دفع إلى انسان مالا وأمره بأن ينفق على عياله يقبل قوله في نفقة مثلهم وما اشترى من طعام أو كسوة فهو جائز عليه لان القاضى لما أمره بانفاق المال عليه فقد أمره بأن يشتري به ما يحتاج إليه من الطعام والكسوة وللقاضي عليه هذه الولاية فكذلك ما يملكه الملتقط بأمر القاضى وإذا مات اللقيط وترك ميراثا أو لم يترك فادعي رجل أنه ابنه لم يصدق لان نسبه لا يثبت بعد موت فان حكم النسب وجوب الانتساب والمقصود به الشرف وذلك لا يتحقق بعد الموت ولان صحة الدعوة باعتبار أنه أقر له بما يحتاج إليه وهو بالموت قد استغنى عن النسب فبقى كلامه دعوى الميراث فلا يصدق الا بحجة وإذا أدرك اللقيط كافرا وقد وجد في مصر من امصار المسلمين حبس وأجبر على الاسلام استحسانا لما وجد في مصر من أمصار المسلمين فقد حكم له بالاسلام باعتبار المكان فانه مكان المسلمين ومن حكم له بالاسلام تبعا لغيره إذا أدرك كافرا يجبر على الاسلام ولا يقتل استحسانا كالمولود من المسلمين إذا بلغ مرتدا وفى القياس يقتل ان أبى ان يسلم لانه كان محكوما باسلامه فيقتل على الردة كما لو وصف الاسلام بنفسه قبل البلوغ ثم ارتد ولكن في الاستحسان لا يقتل لان حقيقة الاسلام تكون بالاعتقاد بالقلب والاقرار باللسان وقد انعدم ذلك منه فيصير هذا شبهة في اسقاط القتل الذى هو نهاية في العقوبة في الدنيا وهذا لان ثبوت حكم الاسلام له بطريق التبعية كان لتوفير المنفعة عليه وليس في القتل معنى توفير المنفعة وهو نظير ما نقول في الصبي العاقل إذا أسلم يحسن اسلامه ثم إذا بلغ مرتدا يحبس ويجبر على الاسلام ولا يقتل فان مات هذا اللقيط قبل ان يعقل صليت عليه سواء كان وجده مسلم أو ذمى لانه حكم باسلامه تبعا للمكان فيصلى عليه إذا مات كالصبى إذا سبى وأخرج إلى دار الاسلام وليس معه أحد من أبويه يصلى عليه إذا مات (قال) ولو كان وجد في بيعة أو كنيسة أو قرية ليس

[ 215 ]

فيها الا مشرك لم يجبر على الاسلام إذا بلغ كافرا وان مات قبل أن يعقل لم يصل عليه لان الظاهر أنه من أولاد أهل تلك القرية وهم كفار كلهم وهذه المسألة على أربعة أوجه في الحاصل أحدها أن يجده مسلم في مكان المسلمين كالمسجد ونحوه فيكون محكوما له بالاسلام والثانى أن يجده كافر في مكان أهل الكفر كالبيعة والكنيسة فيكون محكوما بالكفر لا يصلى عليه إذا مات والثالت أن يجده كافر في مكان المسلمين والرابع أن يجده مسلم في مكان الكفار ففي هذين الفصلين اختلفت الرواية ففى كتاب اللقيط يقول العبرة للمكان في الفصلين جميعا وفى رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى قال العبرة للواجد في الفصلين جميعا وهكذا ذكر في بعض النسخ من كتاب الدعوى وفى بعض النسخ قال أيهما كان موجبا للاسلام يعتبر ذلك وفى بعض النسخ قال يحكم زيه وعلامته وجه رواية هذا الكتاب أن المكان إليه أسبق من يد الواجد وعند التعارض يترجح السابق والظاهر يدل عليه فان المسلمين لا يضعون أولادهم في البيعة عادة وكذلك أهل الذمة لا يضعون أولادهم في مساجد المسلمين عادة فيبنى على الظاهر ما لم يعلم خلافه وجه رواية ابن سماعة رضى الله تعالى عنه أن يد الواجد أقوى لانه احراز له والمباح بالاحراز يظهر حكمه وانما يعتبر تبعية المكان عند عدم يد معتبرة ألا ترى أن من سبي ومعه أحد أبويه لا يحكم له بالاسلام باعتبار الدار فكذلك مع يد الواجد لا معتبر بالمكان فكان المعتبر فيه حال الواجد ووجه الرواية الاخرى أن اعتبار أحدهما يوجب الاسلام واعتبار الآخر يوجب الكفر فيترجح الموجب للاسلام كما في المولود بين مسلم وكافر ووجه الرواية التى يعتبر فيها الزى قال عند الاشتباه اعتبار الزي والعلامة أصل كما إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار يعتبر الزى والعلامة للفصل وكذلك المسلمون إذا فتحوا القسطنطينية فوجدوا شيخا عليه سيما المسلمين يعلم صبيانا حوله القرآن ويزعم أنه مسلم فانه يجب الاخذ بقوله ولايجوز استرقاقه لاعتبار الزى والعلامة والاصل فيه قوله تعالى تعرفهم بسيماهم فهذا اللقيط إذا كان عليه زى المسلمين يحكم باسلامه أيضا وإذا كان عليه زى الكفار بأن كان في عنقه صليب أو عليه ثوب ديباج أو هو محروز وسط الرأس فالذي يسبق إلى وهم كل أحد أنه من أولاد الكفار فيحكم بكفره وان وجد مسلم في قرية فيها مسلمون وكفار صليت عليه إذا مات استحسانا وعلى رواية هذا الكتاب يعتبر المكان وجه القياس أنه لما تعارض الدليلان وتساويا لا يصلى عليه كموتى الكفار والمسلمين إذا اختلطوا واستووا لم يصل

[ 216 ]

عليهم على ما بيناه في التحري ووجه الاستحسان أن الادلة لما تعارضت في حق المكان يترجح الاسلام باعتبار الواجد لانه مسلم أو باعتبار علو حالة الاسلام فلهذا يصلى عليه إذا مات وإذا وجد اللقيط على دابة فالدابة له لسبق يده إليها فان المركوب تبع لراكبه وهو كمال آخر يوجد معه وقد بينا أن ذلك له باعتبار الظاهر أن من وضع معه المال فانما وضع لينفق عليه منه فكذلك من حمله على الدابة فانما حمله عليها لينفق عليه مالية تلك الدابة وإذا وجد اللقيط بالكوفة فادعاه رجل من أهل الذمة أنه ابنه فلا يصدق في القياس لانه حكم له بالحرية والاسلام فلو جعل ابن الكافر بدعواه لكان تبعا له في الدين وذلك ممتنع بعد ماحكم باسلامه ولان تنفيذ قوله عليه في دعوة النسب نوع ولاية ولاولاية للكافر على المسلم ولكنا نستحسن أن يكون ابنه ويكون مسلما لانه محتاج إلى النسب بعدما حكم باسلامه فمن ادعى نسبه وان كان ذميا فهو مقر له بما ينفعه فيكون اقراره صحيحا وموجب كلامه شيئان أحدهما ثبوت نسبه منه وذلك ينفعه والآخر كفره وذلك يضره وليس من ضرورة امتناع قبول قوله في أحد الحكمين امتناعه في الآخر لان النسب ينفصل عن الدين ألا ترى أن ولد الكافر من امرأة مسلمة يكون ثابت النسب من الكافر ويكون مسلما فهذا مثله فإذا ادعى مسلم ان اللقيط عبده وأقام البينة قضى له به لانه أثبت دعواه بالحجة وثبوت حريته باعتبار الظاهر والظاهر لا يعارض البينة (فان قيل) كيف تقبل هذه البينة ولاخصم عن اللقيط لان الملتقط ليس بولي فلا يكون خصما عنه فيما يضره (قلنا) الملتقط خصم له باعتبار يده لانه يمنعه منه ويزعم أنه أحق بحفظه لانه لقيط فلا يتوصل المدعى إلى استحقاق يده عليه الا باقامة البينة على رقه فلهذا كان خصما عنه فان أقام الذمي البينة من أهل الذمة انه ابنه لم تجز شهادتهم على المسلمين قيل مراده انه أقام البينة من أهل الذمة في معارضة بينة المسلم الذى أقامها على رقه ولا تحصل المعارضة بهذه لان شهادة أهل الذمة لا تكون حجة على الخصم المسلم والاصح ان مراده إذا ادعى الذمي ابتداء انه ابنه وأقام البينة من أهل الذمة فان النسب قد ثبت منه بالدعوة ولكنه محكوم له بالاسلام فلا يبطل ذلك بهذه البينة ولا يحكم بكفره لان هذه الشهادة في حكم الدين انما تقوم على المسلم وشهادة أهل الذمة بالكفر على المسلم لاتقبل وان كان شهوده مسلمين قضيت له به لانه أثبت نسبه منه بما هو حجة على المسلم فيصير تبعا له في الدين ولا يأخذه الملتقط بما أنفق عليه لانه كان متطوعا

[ 217 ]

فيما فعل وإذا وجد اللقيط مسلم وكافر فتنازعا في كونه عبد أحدهما قضى به للمسلم لانه محكوم له بالاسلام فكان المسلم أحق بحفظه ولان المسلم يعلمه أحكام الاسلام والكافر يعلمه أحكام الكفر إذا كان عنده وكونه عند المسلم أنفع له حتى يتخلق بأخلاق المسلمين واللقيط يعرف ما هو أنفع له وان ادعت امرأة اللقيط انه ابنها لم تصدق الا بشهود بخلاف مااذا ادعاه رجل لان النسب يثبت باعتبار الفراش فانما يثبت من صاحب الفراش أولا وهو الرجل فالمرأة بالدعوة تحمل النسب على غيرها وهو صاحب الفراش حتى إذا ثبت منه يثبت منها وقولها ليس بحجة على الغير والرجل يدعي النسب لنفسه ابتداء ويقربه علي نفسه يوضح الفرق أن سبب ثبوت النسب من الرجل خفى لا يقف عليه غيره وهو الوطئ فيقبل فيه مجرد قوله وسبب ثبوت النسب من المرأة الولادة وذلك يقف عليه غيرها وهو القابلة فلم يكن مجرد قولها فيه حجة فان أقامت رجلا وامرأتين على الولادة يثبت النسب منها لان النسب مما يثبت مع الشبهات فيثبت بشهادة الرجال مع النساء وان ادعته امرأتان وأقامت كل كل واحدة امرأة أنه ابنهما فهو ابنهما جميعا في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهذا في رواية أبى حفص رحمه الله تعالى وأما في رواية أبى سليمان رضي الله عنه لا يكون ابن واحدة منهما وجه رواية أبي حفص ان شهادة المرأة الواحدة حجة تامة في اثبات الولادة لانه لا يطلع عليها الرجال فكان اقامة كل واحدة منهما امرأة واحدة بمنزلة اقامتها رجلين أو رجل وامرأتين وجه رواية أبى سليمان رضى الله عنه ان شهادة المرأة الواحدة حجة ضعيفة لانها شهادة ضرورية فلا تكون حجة عند المعارضة والمزاحمة ألا ترى أنه لو أقامت إحداهما رجلين والاخرى امرأة واحدة لم تكن شهادة المرأة الواحدة حجة في معارضة شهادة رجلين فلا يثبت النسب من واحدة منهما الا ان يقيم كل واحدة منهما البينة رجلين أو رجلا وامرأتين فحينئذ يثبت النسب منهما في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى قولهما لا يثبت من واحدة منهما وقد بينا هذه المسألة فيما أمليناه من شرح كتاب الدعوي مع أختها وهو أن يدعى رجلان أو أكثر من ذلك وما في ذلك من اختلاف الروايات فان أقامت احداهما رجلين والاخري امرأتين جعلته ابن التى شهد لها الرجلان لان شهادة الرجلين حجة قوية وشهادة المرأتين حجة ضعيفة والضعيف ساقط الاعتبار في مقابلة القوى وإذا وجد العبد أو المكاتب أو الذمي أو الحربى لقيطا في مصرمن أمصار المسلمين فهو حر لانه لما علم أنه لقيط

[ 218 ]

فقد حكم بحريته باعتبار الدار أو الاصل فلا يتغير ذلك الحكم بصفة الملتقط بعد ذلك وإذا وجد اللقيط قتيلا في مكان غير ملك الملتقط فالقسامة والدية على أهل ذلك المكان وتلك المحلة لبيت المال لانه حر محترم فانه لما حكم باسلامه وحريته كانت لنفسه من الحرمة والتقوم ما لسائر نفوس الاحرار ووجوب الدية والقسامة لصيانة النفوس المحترمة عن الاهدار كما قال صلي الله عليه وسلم لا يترك في الاسلام دم مفرج أي مهدر ثم بدل النفس ميراث عنه وقد بينا أن ميراثه لبيت المال وإذا وجد العبد لقيطا فلم يعرف ذلك الا بقوله وقال المولى كذبت بل هو عبدى فالقول قول المولى إذا كان العبد محجورا لانه ليست له يد معتبرة فيما هو قابض له بل يده يد مولاه فكأنه في يد مولاه وان كان مأذونا له في التجارة فالقول قول العبد لان له يدا معتبرة في كسبه فان الاذن في التجارة فك الحجر واطلاق اليد في الكسب ومن له يد معتبرة في شئ فقوله فيه مسموع يوضح الفرق ان العبد بقوله هذا لقيط في يدى يخبر بسقوط حتى مولاه عنه لانه حر والمحجور لاقول له فيما في يده في اسقاط حق المولى عنه ألاتري أنه لو أقر على نفسه بالدين لا يسقط به حق مولاه عما في يده بخلاف المأذون فقوله فيما يده مقبول في اسقاط حق المولى عن أخذه كما لو أقر بدين على نفسه وإذا وجد الرجل لقيطا فأقر بذلك ثم قتله هو أو غيره خطأ فالدية على عاقلة القاتل لبيت المال لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله واللقيط حر مؤمن فيجب على قاتله الدية على عاقلته إذا كان خطأ والملتقط وغيره في ذلك سواء وان قتله عمدا فان شاء الامام قتله به وان شاء صالحه على الدية في قول أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رضوان الله عليهم أجمعين عليه الدية في ماله ولا أقتله به والحربي إذا أسلم وخرج إلى دارنا ثم قتله انسان عمدا فعلي قاتله القصاص في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفيه روايتان عن أبى يوسف رحمه الله تعالى وجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى انا نعلم ان للقيط وليا في دار الاسلام من عصبة أو غير ذلك وان بعد الا أنا نعرفه ؟ بعينه وحق استيفاء القصاص يكون إلى الولى كما قال الله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا فيصير ذلك شبهة مانعة للامام من استيفاء القصاص وإذا تعذر استيفاء القصاص بشبهة وجبت الدية في مال القاتل لانها وجبت بعمد محض وعلى هذا الطريق نقول في الذى أسلم من أهل الحرب

[ 219 ]

يجب القصاص لانا نعلم أنه لاولى له في دار الاسلام والطريق الآخر ان القصاص عقوبة مشروعة ليشفي الغيظ ودرك الثار وهذا المقصود يحصل للاولياء ولا يحصل للمسلمين والامام نائب عن المسلمين في استيفاء ما هو حق لهم وحقهم فيما ينفعهم وهو لدية لانه مال مصروف إلى مصالحهم فلهذا أوجبنا الدية دون القصاص وعلى هذا الطريق الذى أسلم من أهل دار الحرب واللقيط سواء وحجة أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى العمومات الموجبة للقود كقوله تعالى كتب عليكم القصاص وقال صلى الله عليه وسلم العمد قود ولان من لايعرف له ولى فالامام وليه كما قال صلى الله عليه وسلم السلطان ولى من لاولى له وإذا ثبت ان السلطان هو الولى تمكن من استيفاء القصاص لقوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا والمراد سلطان استيفاء القود ألا ترى أنه عقبه بالنهي عن الاسراف في القتل بقوله تعالى فلا يسرف في القتل وهذا يتضح في الذى أسلم وكذلك في اللقيط لان مالا يوقف عليه في حكم المعدوم ولان وليه لما كان عاجزا عن الاستيفاء ناب الامام منابه في ذلك وليس هنا شبهة عفو لان ذلك الولى غير معلوم حتى يتوهم العفو منه وحديث الهرمزان حجة لهما أيضا فان عبيدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما لما قتله بتهمة دم أبيه واستقر الامر على عثمان رضى الله تعالى عنه طلب منه على رضى الله تعالى عنه أن يقتص منه فقال عثمان رضى الله تعالى عنه هذا رجل قتل أبوه بالامس فأنا أستحيى أن أقتله اليوم وان الهرمزان رجل من أهل الارض وأنا وليه أعفو عنه وأؤدي لدية فقد اتفقا على وجوب القصاص ثم القصاص مشروع لحكمة الحياة كما قال تعالى ولكم في القصاص حياة الآية و ذلك بطريق الزجر حتى ضر إذا تفكر في نفسه أنه متى قتل غيره قتل به انزجر عن قتله فيكون حياة لهما جميعا ولهذا قيل القتل انفي للقتل وهذا المعنى متحقق في اللقيط والذى أسلم كتحققه في غيرهما فكان للامام أن يستوفى القصاص ان شاء وان شاء صالح على الدية لانه مجتهد وله أن يميل باجتهاده إلى المطالبة بالدية ولانه ناظر للمسلمين فربما يكون استيفاء الدية أنفع للمسلمين وليس له أن يعفو بغير مال لانه نصب لاستيفاء حق المسلمين لا لابطاله ويحد قاذف اللقيط في نفسه ولا يحد قاذفه في أمه لانه محصن فانه عفيف عن الزنا أولا معتبر بالنسب في احصان القذف فيحد قاذفه في نفسه فأما أمه ليست بمحصنة بل هي في صورة الزانيات لان لها ولد لايعرف له والد فلهذا لا يحد قاذفه في أمه وفي حد القذف

[ 220 ]

والقصاص اللقيط كغيره من الاحرار لانه محكوم بحريته فعليه الحد الكامل إذا ارتكب السبب الموجب له فان أقر بعد ما أدرك أنه عبد لفلان وادعاه فلان كان عبدا له لانه غير متهم فيما يقربه على نفسه وليس في قبول اقراره ابطال حق ثابت لاحد فيه وليس له نسب معروف فكان ما أقر به من الرق محتملا ولكن هذا إذا لم تتأكد حريته بقضاء القاضى عليه بما لا يقضى به الاعلى الحر كالحد الكامل والقصاص في الطرف فأما إذا اتصلت حريته بقضاء القاضي بذلك لم يقبل اقراره بالرق بعد ذلك لانه يبطل حكم الحاكم باقراره وقوله ليس بحجة في ابطال الحكم ولانه مكذب في هذا الاقرار شرعا ولو كذبه المقر له كان حرا فإذا كذبه الشرع أولى ومتى ثبت الرق باقراره فأحكامه بعد ذلك في الجنايات والحدود كاحكام العبد لانه صار محكوما عليه بالرق وان كان اللقيط امرأة فأقرت بالرق لرجل وادعى ذلك الرجل كانت أمة له لتصادقهما على ما هو محتمل ولاحق لغيرهما في ذلك الا انها ان كانت تحت زوج لاتصدق في إبطال النكاح لان ذلك حق الزوج وليس من ضرورة الحكم برقها انتفاء النكاح لان الرق لا ينافي النكاح ابتداء وبقاء بخلاف مااذا أقرت أنها ابنة أبى زوجها وصدقها الاب في ذلك فانه يثبت النسب ويبطل النكاح لتحقق المنافي فان الاختية تنافى النكاح ابتداء وبقاء ولو أعتقها المقر له لم يكن لها خيار أيضا لان اقرارها بالرق في حق الزوج لم يكن صحيحا ولانه نتمكن تهمة المواضعة بينهما وبين المقر له في أن تقر له بالرق ثم يعتقها فتختار نفسها لتخلص من الزوج فلهذا لاتصدق في حقه والاصل في كل حكم لحق الزوج فيه ضرر لا يمكنه دفعه عن نفسه فانها لاتصدق في ذلك الحكم وفى كل ما يمكنه دفع الضرر عن نفسه تكون مصدقة في حقه حتى إذا طلقها واحدة فأقرت بالرق صار طلاقها اثنتين لانه يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بمراجعتها وامساكها بحكم التطليقة الثانية ولو كان طلقها اثنتين ثم أقرت بالرق فانه يملك رجعتها لانا لو جعلنا طلاقها اثنتين باقرارهما لحق الزوج ضرر لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه فلا نصدقها في ذلك وكذا حكم العدة ان أقرت بالرق بعد مضي حيضتين فله أن يراجعها في الحيضة الثالثة وان أقرت بالرق بعد مضي حيضة فعدتها حيضتان لما قلنا ولو قذفها زوجها لم يكن عليه حد ولالعان لان الرق ثبت في حقها باقرارها والمملوكة لا تكون محصنة فلا يجب بقذفها حد ولالعان ولو كانت دبرت عبدا

[ 221 ]

أو أمة ثم أقرت بالرق لم تصدق على ابطاله لان المدبر استحق حق العتق بالتدبير ولو استحق حقيقة العتق بأن أعتقته لم تصدق على ابطاله لكونها متهمة في حقه فكذلك في التدبير فإذا ماتت عتق من ثلثها وسعى في ثلثي قيمته لمولاها لان السعاية حقها وقد زعمت ان كسبها لمولاها واقرارها في حق نفسها صحيح ولو أن مولاها أعتقها كان المدبر على حاله غير أن خدمته للمولى وسعايته بعد موتها له لانها أقرت له بذلك واقرارها بذلك صحيح لانه خالص حقها ثم باعتاق المولى إياها لا يسقط حقه عن كسبها الذى كان قبل العتق فلهذا كانت خدمة مدبرها وسعايته بعد موتها لمولاها وإذا أدرك اللقيط فتزوج امرأة ثم أقر أنه عبد لفلان ولامرأته عليه صداق فصداقها لازم له ولا يصدق على ابطاله لان ذلك دين ظهر وجوبه عليه لصحة سببه فكان هو متهما في قراره فيما يرجع إلى ابطاله وكذلك ان استدان دينا أو باع انسانا أو كفل بكفالة أو وهب هبة أو تصدق بصدقه وسلمها أو كاتب عبدا أو أعتقه أو دبره ثم أقر بأنه عبد لفلان لا يصدق على ابطال شئ من ذلك لانه متهم في ذلك ولان ثبوت الحكم بحسب الحجة وقوله ليس بحجة على أحد من هؤلاء فيما يرجع إلى ابطال حقهم فوجود اقراره في ذلك وعدمه سواء والله سبحانه أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب * تم الجزء العاشر من كتاب المبسوط * (تم الجزء العاشر من كتاب المبسوط ويليه الجزء الحادى عشر) (وأوله كتاب اللقيطة)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية