الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط - السرخسي ج 1

المبسوط

السرخسي ج 1


[ 1 ]

(الجزء الاول من) كتاب المبسوط لشمس الدين السرخسي وكتب ظاهر الرواية أتت * ستا وبالاصول أيضا سميت صنفها محمد الشيباني * حرر فيها المذهب النعماني الجامع الصغير والكبير * والسير الكبير والصغير ثم الزيادات مع المبسوط * تواترت بالسند المضبوط ويجمع الست كتاب الكافي * للحاكم الشهيد فهو الكافي أقوى شروحه الذي كالشمس * مبسوط شمس الامة السرخسي (تنبيه) قد باشر جمع من حضرات أفاضل العلماء تصحيح هذا الكتاب بمساعدة جماعة من ذوي الدقة من أهل العلم والله المستعان وعليه التكلان دار المعرفة بيروت - لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم (قال الشيخ) الامام الاجل الزاهد شمس الائمة ابو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى رحمه الله ونور ضريحه وهو في الحبس بأوزجند إملاء (الحمد) لله بارئ النسم. ومحيى الرمم ومجزل القسم. مبدع البدائع. وشارع الشرائع. دينا رضيا. ونورا مضيا. لتكليف المحجوجين. ووعد المؤتمرين. ووأد المعتدين. بينة للعالمين. على لسان سيد المرسلين. وامام المتقين. خاتم النبيين. سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى جميع الانبياء والمرسلين (وبعد) فان أقوى الفرائض بعد الايمان بالله تعالى طلب العلم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة والعلم ميراث النبوة كما جاء في الحديث أن الانبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر * والعلم علمان علم التوحيد والصفات وعلم الفقه والشرائع * فالاصل في علم التوحيد التمسك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة كما كان عليه الصحابة والتابعون والسلف والصالحون رضوان الله عليهم أجمعين الذين أخفاهم التراب. وآثارهم بتصانيفهم باقية في هذا الباب. وقد عزمت على جمع أقاويلهم في تأليف هذا الكتاب تذكرة لاولى الالباب * وأما علم الفقه والشرائع فهو الخير الكثير كما قال الله عزوجل ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا قال ابن عباس رضى الله تعالى عنه الحكمة معرفة الاحكام من الحلال والحرام * وقد ندب الله تعالى إلى ذلك بقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فقد جعل ولاية الانذار والدعوة للفقهاء. وهذه درجة الانبياء. تركوها ميراثا للعلماء. كما قال عليه الصلاة والسلام العلماء ورثة الانبياء. وبعد انقطاع النبوة. هذه الدرجة أعلى النهاية في القوة. وهو معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام من يرد الله به خيرا يفقهه

[ 3 ]

في الدين وقال عليه الصلاة والسلام خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا ولهذا اشتغل به أعلام الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم (وأول) من فرع فيه وألف وصنف سراج الامة أبو حنيفة رحمة الله عليه بتوفيق من الله عزوجل خصه به واتفاق من أصحاب اجتمعوا له كأبى يوسف يعقوب بن ابراهيم بن خنيس الانصاري رحمه الله تعالى المقدم في علم الاخبار. والحسن بن زياد اللؤلؤي المقدم في السؤال والتفريع. وزفر بن الهذيل رحمه الله ابن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو المقدم في القياس. ومحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى المقدم في الفطنة وعلم الاعراب والنحو والحساب * هذا مع أنه ولد في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ولقى منهم جماعة كأنس ابن مالك وعامر بن الطفيل وعبد الله بن خبر الزبيدى رضوان الله عليهم أجمعين * ونشأ في زمن التابعين رحمهم الله وتفقه وأفتى معهم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام خير القرون قرنى الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد ويحلف قبل أن يستحلف * فمن فرع ودون العلم في زمن شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهله بالخير والصدق كان مصيبا مقدما كيف وقد أقر له الخصوم بذلك حتى قال الشافعي رضى الله عنه الناس كلهم عيال على أبى حنيفة رحمه الله في الفقه (وبلغ) ابن سريج رحمه الله وكان مقدما من أصحاب الشافعي رحمه الله أن رجلا يقع في أبى حنيفة رحمه الله فدعاه وقال يا هذا أتقع في رجل سلم له جميع الامة ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم لهم الربع قال وكيف ذلك قال الفقه سؤال وجواب وهو الذى تفرد بوضع الاسئلة فسلم له نصف العلم ثم اجاب عن الكل وخصومه لا يقولون انه أخطأ في الكل فإذا جعلت ما وافقوه مقابلا بما خالفوه فيه سلم له ثلاثة أرباع العلم وبقى الربع بينه وبين سائر الناس فتاب الرجل عن مقالته (ومن) فرغ نفسه لتصنيف ما فرعه أبو حنيفة رحمه الله محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله فانه جمع المبسوط لترغيب المتعلمين والتيسير عليهم ببسط الالفاظ وتكرار المسائل في الكتب ليحفظوها شاؤا أو أبوا إلى أن رأى الحاكم الشهيد أبو الفضل محمد بن أحمد المروزى رحمه الله اعراضا من بعض المتعلمين عن قراءة المبسوط لبسط في الالفاظ وتكرار في المسائل فرأى الصواب في تأليف المختصر بذكر معاني كتب محمد ابن الحسن رحمه الله المبسوطة فيه وحذف المكرر من مسائلة ترغيبا للمقتبسين ونعم ما صنع

[ 4 ]

(قال الشيخ الامام) رحمه الله تعالى ثم انى رأيت في زماني بعض الاعراض عن الفقه من الطالبين لاسباب. فمنها قصور الهمم لبعضهم حتى اكتفوا بالخلافيات من المسائل الطوال. ومنها ترك النصيحة من بعض المدرسين بالتطويل عليهم بالنكات الطردية التى لافقه تحتها. ومنها تطويل بعض المتكلمين بذكر ألفاظ الفلاسفة في شرح معاني الفقه وخلط حدود كلامهم بها (فرأيت) الصواب في تأليف شرح المختصر لا أزيد على المعنى المؤثر في بيان كل مسألة اكتفاء بما هو المعتمد في كل باب وقد انضم إلى ذلك سؤال بعض الخواص من أصحابي زمن حبسي. حين ساعدوني لانسى. أن أملى عليهم ذلك فأجبتهم إليه (وأسأل) الله تعالى التوفيق للصواب. والعصمة عن الخطأ وما يوجب العقاب. وأن يجعل ما نويت فيما أمليت سببا لخلاصي في الدنيا ونجاتي في الآخرة انه قريب مجيب (ثم انه بدأ بكتاب الصلاة) لان الصلاة من أقوى الاركان بعد الايمان بالله تعالى قال الله تعالى فان تابوا وأقاموا الصلاة وقال عليه الصلاة والسلام الصلاة عماد الدين فمن أراد نصب خيمة بدأ بنصب العماد والصلاة من أعلى معالم الدين ما خلت عنها شريعة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد سمعت شيخنا الامام الاستاذ شمس الائمة الحلواني رحمه الله تعالى يقول في تأويل قوله تعالى وأقم الصلاة لذكرى أي لانى ذكرتها في كل كتاب منزل على لسان كل نبى مرسل وفى قوله عزوجل ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ما يدل على وكادتها. فحين وقعت بها البداية. دل على أنها في القوة بأعلى النهاية. وفي اسم الصلاة ما يدل على أنها ثانية الايمان فالمصلى في اللغة هو التالى للسابق في الخيل قال القائل ولا بدلى من أن أكون مصليا * إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق وفي رواية * أما كنت ترضى أن أكون مصليا * والصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء والثناء قال الله تعالى وصلى عليهم ان صلاتك سكن لهم أي دعاءك وقال القائل وقابلها الريح في دنها * وصلى على دنها وارتسم أي دعا وأثنى على دنها * وفى الشريعة عبارة عن أركان مخصوصة كان فيها الدعاء أو لم يكن

[ 5 ]

فالاسم شرعى ليس فيه معنى اللغة فالدلائل من الكتاب والسنة على فرضيتها مشهورة يكثر تعدادها (ثم بدأ بتعليم الوضوء) فقال (إذا أراد الرجل الصلاة فليتوضأ) وهذا لان الوضوء مفتاح الصلاة قال صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور ومن أراد دخول بيت مغلق بدأ بطلب المفتاح وانما فعل محمد رحمه الله ذلك اقتداء بكتاب الله تعالى فانه امام المتقين قال الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فاقتدى بالكتاب في البداية بالوضوء لهذا وفى ترك الاستثناء هاهنا وذكره في الحج كما قال الله لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين وفي اضمار الحدث فانه مضمر في الكتاب ومعنى قوله إذا قمتم إلى الصلاة من منامكم أو وأنتم محدثون هذا هو المذهب عند جمهور الفقهاء رحمهم الله فأما على قول اصحاب الظواهر فلا اضمار في الآية * والوضوء فرض سببه القيام إلى الصلاة فكل من قام إليها فعليه ان يتوضأ وهذا فاسد لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح أو يوم الخندق صلى الخمس بوضوء واحد فقال له عمر رضى الله عنه رأيتك اليوم تفعل شيئا لم تكن تفعله من قبل فقال عمدا فعلت يا عمر كى لا تحرجوا فقياس مذهبهم يوجب أن من جلس فتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوء آخر فلا يزال كذلك مشغولا بالوضوء لا يتفرغ للصلاة وفساد هذا لا يخفى على أحد * قال (وكيفية الوضوء أن يبدأ فيغسل يديه ثلاثا) لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده ولانه انما يطهر أعضاءه بيديه فلا بد من أن يطهرهما أولا بالغسل حتى يحصل بهما التطهير * ثم الوضوء على الوجه الذى ذكره محمد رحمة الله عليه في الكتاب رواه حمران عن أبان عن عثمان رضى الله عنه أنه توضأ بالمقاعد ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا وضوءه وذكر أهل الحديث أنه مسح برأسه وأذنيه ثلاثا (قال) أبو داود في سننه والصحيح من حديث عثمان رضى الله تعالى عنه أنه مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة وعلم أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه الناس الوضوء على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة ورواه عبد خير عن على رضى الله عنه أنه توضأ في رحبة الكوفة بعد صلاة الفجر بهذه الصفة ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء

[ 6 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى وضوئي هذا واختلفت الروايات في حديثه في المسح بالرأس فروى ثلاثا وروى مرة فبهذه الآثار أخذ علماؤنا رحمهم الله وقالوا الافضل أن يتمضمض ثلاثا ثم يستنشق ثلاثا (وقال) الشافعي رضى الله عنه الافضل ان يتمضمض ويستنشق بكف ماء واحد لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد وله تأويلان عندنا. أحدهما أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما فعل في غسل الوجه. والثانى أنه فعلهما باليد اليمنى فيكون ردا على قول من يقول يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى لان الانف موضع الاذى كموضع الاستنجاء * قال (ثم يغسل وجهه ثلاثا) وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى الاذنين لان الوجه اسم لما يواجه الناظر إليه غير أن ادخال الماء في العينين ليس بشرط لان العين شحم لا يقبل الماء وفيه حرج أيضا فمن تكلف له من الصحابة رضوان الله عليهم كف بصره في آخر عمره كابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم والرجل الامرد والملتحي والمرأة في ذلك سواء الا في رواية عن أبى يوسف رحمه الله قال في حق الملتحى لا يلزمه ايصال الماء إلى البياض الذى بين العذار وبين شحمة الاذن هذه العبارة أصح فان الشيخ الامام رحمه الله جعل العذار اسما لذلك البياض وليس كذلك بل العذار اسم لموضع نبات الشعر وهو غير البياض الذى بين الاذن ومنبت الشعر قال لان البشرة التى نبت عليها الشعر لا يجب ايصال الماء إليها فما هو أبعد أولى لكن الصحيح من المذهب أنه يجب امرار الماء على ذلك الموضع لان الموضع الذى نبت عليه الشعر قد استتر بالشعر فانتقل الفرض منه إلى ظاهر الشعر فأما العذار الذى لم ينبت عليه الشعر فالامرد والملتحي فيه سواء ويجب ايصال الماء إليه بصفة الغسل وانه لا يحصل الا بتسييل الماء عليه * وقد روى عن أبى يوسف رحمه الله أن في المغسولات إذا بله بالماء سقط به الفرض وهذا فاسد لانه حد المسح فأما الغسل فهو تسييل الماء على العين وازالة الدرن عن العين قال القائل فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * واذ هي تذرى دمعها بالانامل (ثم يغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا) وانما لم يقل يديه لانه في الابتداء قد غسل يديه ثلاثا وانما بقى غسل الذراعين إلى المرفقين والمرفق يدخل في فرض الغسل عندنا وكذلك الكعبان وقال زفر رحمه الله لايدخل لانه غاية في كتاب الله تعالى والغاية حد فلا يدخل تحت

[ 7 ]

المحدود اعتبارا بالممسوحات واستدلالا بقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل والذى يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل المرافق فمحمول على اكمال السنة دون اقامة الفرض * ولنا أن من الغايات ما يدخل ويكون حرف إلى فيه بمعنى مع قال الله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي مع أموالكم فكان هذا مجملا في كتاب الله بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله فانه توضأ وأدار الماء على مرافقه ولم ينقل عنه ترك غسل المرافق في شئ من الوضوء فلو كان ذلك جائزا لفعله مرة تعليما للجواز. ثم ان الاصل أن ذكر الغاية متى كان لمد الحكم إلى موضع الغاية لم يدخل فيه الغاية كما في الصوم فانه لو قال ثم أتموا الصيام اقتضى صوم ساعة ومتى كان ذكر الغاية لاخراج ما وراء الغاية يبقى موضع الغاية داخلا وهاهنا ذكر الغاية لاخراج ما وراء الغاية فانه لو قال وأيديكم اقتضى غسل اليدين الي الآباط كما فهمت الصحابة رضوان الله عليهم ذلك في آية التيمم في الابتداء فذكر الغاية لاخراج ما وراء الغاية فيبقى المرفق داخلا (ثم يمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة) وتمام السنة في أن يستوعب جميع الرأس بالمسح كما رواه عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر والبداية على ما ذكره هشام عن محمد من الهامة إلى الجبين ثم منه إلى القفا والذى عليه عامة العلماء رحمهم الله البداية من مقدم الرأس كما في المغسولات البداية من أول العضو * والمسنون في المسح مرة واحدة بماء واحد عندنا وفى المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث مرات بماء واحد (وقال) الشافعي رضى الله تعالى عنه السنة أن يمسح ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله ذكره في شرح المجرد لابن شجاع رحمه الله ووجهه الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلى فينصرف هذا اللفظ إلى الممسوح والمغسول جميعا ولانه ركن هو أصل في الطهارة بالماء فيكون التكرار فيه مسنونا كالمغسولات بخلاف المسح بالخف فانه ليس بأصل وبخلاف التيمم فانه ليس بطهارة بالماء ويلحقه الحرج في تكرار استعمال التراب من حيث تلويث الوجه وذلك الحرج معدوم في الطهارة بالماء (ولنا) حديث البراء بن عازب رضى الله تعالى عنه فانه قال لاصحابه في مرضه انى مفارقكم عن قريب أفلا أعلمكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم فتوضأ ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة

[ 8 ]

وانما كان ينقل في مثل هذه الحالة ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم هذا ممسوح في الطهارة فلا يكون التكرار فيه مسنونا كالمسح بالخف والتيمم. وتأثيره أن الاستيعاب في الممسوح بالماء ليس بفرض حتى يجوز الاكتفاء بمسح بعض الرأس. وبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل اقامة السنة والفريضة فلا حاجة إلى التكرار بخلاف المغسولات فان الاستيعاب فيها فرض فلابد من التكرار ليحصل به اقامة السنة ومعنى الحرج متحقق هاهنا ففى تكرار بل الرأس بالماء افساد العمامة ولهذا اكتفي في الرأس بالمسح عن الغسل. ووجه رواية المجرد حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح برأسه وأذنيه ثلاث مرات بماء واحد والكلام في مسح الاذنين مع الرأس يأتي بيانه في موضعه من الكتاب * قال (ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا) ومن الناس من قال وظيفة الطهارة في الرجل المسح وقال الحسن البصري رحمه الله المضرور يتخير بين المسح والغسل وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال نزل القرآن بغسلين ومسحين يريد به القراءة بالكسر في قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين فانه معطوف على الرأس وكذلك القراءة بالنصب عطف على الرأس من حيث المحل فان الرأس محله من الاعراب النصب وانما صار مخفوضا بدخول حرف الجر وهو كقول القائل معاوى اننا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (ولنا) أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على غسل الرجلين وبه أمر من علمه الوضوء ورأى رجلا يلوح عقبه فقال ويل للاعقاب من النار وفى رواية ويل للعراقيب من النار وكذلك القراءة بالنصب تنصيص علي الامر بالغسل وانه عطف على اليد لان العطف على المحل لا يجوز في موضع يؤدي إلى الالتباس انما ذلك في موضع لا يؤدي إلى الاشتباه كما في البيت والقراءة بالخفض عطف على الايدى أيضا وانما صار مخفوضا بالمجاورة كما يقال جحر ضب خرب وماء شن بارد أي خرب وبارد (فان قيل) الاتباع بالمجاورة مع حرف العطف لم تتكم به العرب (قلنا) لا كذلك بل جوزوا الاتباع في الفعل مع حرف العطف قال القائل * علفتها تبنا وماء باردا * والماء لا يعلف ولكنه اتباع للمجاورة وكذلك في الاعراب قال جرير فهل أنت ان ماتت أتانك راحل * إلى آل بسطام بن قيس فحاطب

[ 9 ]

أي فخاطب جوز الاتباع مع حرف العطف وهو الفاء * وأما الكعب فهو العظم الناتئ المتصل بعظم الساق وهو المفهوم في اللسان إذا قيل ضرب كعب فلان وقال عليه الصلاة والسلام الصقوا الكعاب بالكعاب في الصلاة وفى قوله إلى الكعبين دليل على هذا لان ما يوحد من خلق الانسان يذكر تثنيته بعبارة الجمع كما قال تعالى ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي قلباكما وما كان مثنى يذكر تثنيته بعبارة التثنية فلما قال إلى الكعبين عرفنا أنه مثنى في كل رجل وذلك العظم الناتئ. وروى هشام عن محمد رحمه الله أنه قال المفصل الذى في وسط القدم عند معقد الشراك ووجهه أن الكعب اسم للمفصل ومنه كعوب الرمح أي مفاصله والذى في وسط القدم مفصل وهو المتيقن به وهذا سهو من هشام لم يرد محمد رحمه الله تعالى تفسير الكعب بهذا في الطهارة وانما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين انه يقطع خفيه أسفل من الكعبين وفسر الكعب بهذا فأما في الطهارة فلا شك انه العظم الناتئ كما فسره في الزيادات فان توضأ مثنى مثنى أجزأه وان توضأ مرة سابغة أجزأه وتفسير السبوغ التمام وهو أن يمر الماء على كل جزء من المغسولات جاء في حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا وذراعيه مرتين. وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان كثيرا ما يتوضأ مرة مرة. والاصل فيه ما رواه ابن عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة الا به ثم توضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الاجر مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلى ووضوء خليل الله ابراهيم عليه السلام فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم أي زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه أو زاد على الثلاث معتقدا ان كمال السنة لا يحصل بالثلاث فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر فلا بأس به لان الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة وقد أمر بترك ما يريبه إلى مالا يريبه. ولم يذكر الا ستنجاء بالماء هنا لان مقصوده تعليم الوضوء عند القيام من المنام وليس فيه استنجاء ولان الاستنجاء بالماء بعد الانقاء بالحجر ليس من السنن الراتبة * وكان الحسن البصري رحمه الله يقول ان هذا شئ أحدث بعد انقضاء عصر الصحابة رضوان الله عليهم وربما قال هو طهور النساء والمذهب أنه ليس من السنن الراتبة بل لاكتساب زيادة الفضيلة جاء في

[ 10 ]

الحديث أنه لما نزل قوله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا قال عليه الصلاة والسلام لاهل قباء ما هذه الطهرة التى خصصتم بها فقالوا انا كنا نتبع الاحجار الماء فقال هو ذاك. ولم يذكر فيه مسح الرقبة. وبعض مشايخنا يقول انه ليس من أعمال الوضوء والاصح أنه مستحسن في الوضوء. قال ابن عمر رضى الله عنهما امسحوا رقابكم قبل أن تغل بالنار. ولم يذكر تحريك الخاتم ولا نزعه * وذكر أبو سليمان عن محمد رحمه الله أن نزع الخاتم في الوضوء ليس بشئ والحاصل أنه ان كان واسعا يدخله الماء فلا حاجه إلى النزع والتحريك وان كان ضيقا لايدخل الماء تحته فلا بد من تحريكه. وفى التيمم لابد من نزعه ولو لم يفعل لا تجزئه صلاته * ثم سنن الوضوء وأدابه فرقها محمد رحمه الله تعالى في الكتاب فنذكر كل فصل في موضعه ان شاء الله تعالى تحرزا عن التطويل (كيفية الدخول في الصلاة) قال (إذا أراد الرجل الدخول في الصلاة كبر ورفع يديه حذاء أذنيه) وظن بعض أصحابنا رحمهم الله أنه لم يذكر النية وليس كما ظنوا فان ارادة الدخول في الصلاة هي النية والنية لابد منها لقوله عليه الصلاة والسلام ان الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وقال عليه الصلاة والسلام الاعمال بالنيات والنية معرفة بالقلب أي صلاة يصلى وحكى عن الشافعي رحمه الله أنه قال مع هذا في الفرائض يحتاج إلى نية الفرض وهذا بعيد فانه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض فالظهر لا يكون الا فرضا فان كان منفردا أو إماما فحاجته إلى نية ماهية الصلاة. وان كان مقتديا احتاج مع ذلك إلى نية الاقتداء وان نوى صلاة الامام جاز عنهما. وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله يحتاج إلى نية الكعبة أيضا. والصحيح أن استقباله إلى جهة الكعبة يغنيه عن نيتها. والافضل أن تكون نيته مقارنة للتكبير فان نوى قبله حين توضأ ولم يشتغل بعده بعمل بقطع نيته جاز عندنا وهو محفوظ عن أبى يوسف ومحمد جميعا ولا يجوز عند الشافعي رحمه الله قال الحاجة إلى النية ليكون عمله عن عزيمة واخلاص وذلك عند الشروع فيها ونحن هكذا نقول ولكن يجوز تقديم النية ويجعل ما قدم من النية إذا لم يقطعه بعمل كالقائم عند الشروع حكما كما في الصوم. وكان محمد بن سليمان البلخي يقول إذا كان عند الشروع بحيث لو سئل أي صلاة يصلى أمكنه أن يجيب على البديهة من غير تفكر فهو نية كاملة تامة والتكلم بالنية لا معتبر به فان

[ 11 ]

فعله ليجتمع عزيمة قلبه فهو حسن * وأما التكبير فلا بد منه للشروع في الصلاة الا على قول أبى بكر الاصم واسماعيل بن علية فانهما يقولان يصير شارعا بمجرد النية. والاذكار عندهما كالتكبير والقراءة (1) ونية الصلاة ليست من الواجبات قالا لان مبنى الصلاة على الافعال لا على الاذكار ألا ترى أن العاجز عن الاذكار القادر على الافعال يلزمه الصلاة بخلاف العاجز عن الافعال القادر على الاذكار * ولنا قوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى أي ذكر اسم الله عند افتتاح الصلاة وظاهر قوله تعالى وأقم الصلاة لذكرى يبين أن المقصود ذكر الله تعالى على وجه التعظيم فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون واجبا وهذا المعنى فان الصلاة تعظيم بجميع الاعضاء وأشرف الاعضاء اللسان فلا بد من أن يتعلق به شئ من أركان الصلاة. وقال عليه الصلاة والسلام وتحريمها التكبير فدل أن بدونه لا يصير شارعا وتحريمة الصلاة تتناول اللسان ألا ترى أن الكلام مفسد للصلاة ولو لم يتناوله التحريم لم يكن مفسدا كالنظر بالعين ومبنى الصلاة على الافعال دون الكف فكل ما يتناوله التحريم يتعلق به شئ من أركان الصلاة * فأما رفع اليدين عند التكبير فهو سنة لان النبي عليه الصلاة والسلام علم الاعرابي الصلاة ولم يذكر له رفع اليد لانه ذكر الواجبات وواظب على رفع اليد عند التكبير فدل أنه سنة والمروى عن أبى يوسف رحمه الله أنه ينبغى أن يقرن التكبير برفع اليدين والذى عليه أكثر مشايخنا أنه يرفع يديه أولا فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر لان في فعله وقوله معنى النفى والاثبات فانه برفع اليد ينفي الكبرياء عن غير الله تعالى وبالتكبير يثبته لله تعالى فيكون النفى مقدما على الاثبات كما في كلمة الشهادة. ولا يتكلف للتفريق بين الاصابع عند رفع اليد والذى روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر ناشرا اصابعه معناه ناشرا عن طيها بأن لم يجعله مثنيا بضم الاصابع إلى الكف * والمسنون عندنا أن يرفع يديه حتى يحاذي ابهاماه شحمتي أذنيه ورؤس أصابعه فروع أذنيه وهو قول أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه وعند الشافعي رحمه الله المسنون أن يرفع يديه إلى منكبيه وهو قول ابن عمر رضى الله تعالى عنهما واحتج بحديث أبى حميد الساعدي رضى الله عنه انه كان في عشرة من أصحابه فقال الا اخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم فقال كان رسول الله


(1) قوله والقراءة الخ لعله لا القراءة ونية الصلاة اه‍ مصححه

[ 12 ]

صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه * ولنا حديث وائل بن حجر رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر رفع يديه حذاء أذنيه والمصير إلى هذا أولى لان فيه اثبات الزيادة. وتأويل حديثهم أنه كان عند العذر في زمن البرد حين كانت أيديهم تحت ثيابهم. والمعنى ان خلف الامام أعمى وأصم فأمر بالجهر بالتكبير ليسمع الاعمى وبرفع اليدين ليرى الاصم فيعلم دخوله في الصلاة وهذا المقصود انما يحصل إذا رفع يديه إلى أذنيه * وكان طاوس رحمه الله يرفع يديه فوق رأسه ولا نأخذ بهذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شخص ببصره إلى السماء ورفع يديه فوق رأسه فقال له عليه الصلاة والسلام غض بصرك فانك لن تراه وكف يدك فانك لن تناله. ولا يطأطئ رأسه عند التكبير ذكره في كتاب الصلاة للحسن بن زياد رحمه الله وقال فيه التزاوج بين القدمين في القيام أفضل من أن ينصبهما نصبا. ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. جاء عن الضحاك رحمه الله في تفسير قوله تعالى فسبح بحمد ربك حين تقوم انه قول المصلى عند الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك وروى هذا الذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وعلى وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أنه كان يقوله عند افتتاح الصلاة ولم يذكر وجل ثناؤك لانه لم ينقل في المشاهير. وذكر محمد رحمه الله في كتاب الحج عن أهل المدينة ويقول المصلى أيضا وجل ثناؤك وعن أبى يوسف في الامالي قال أحب الي أن يزيد في الافتتاح وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين لحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند افتتاح الصلاة وجهت وجهي للذى فطر السموات والارض حنيفا إلى آخره والشافعي رضى الله تعالى عنه يقول بهذا ويزيد عليه أيضا ما رواه علي رضى الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال اللهم انى ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا انت فاغفر لي مغفرة من عندك وتب على انك أنت التواب الرحيم وفى بعض الروايات اللهم أنت الملك لا اله الا انت ربى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوءلك بنعمتك وأبوء لك بذنبى فاغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب الا أنت واهدنى لاحسن الاخلاق انه لا يهدى لاحسنها الا أنت واصرف عنى سيئها فانه لا

[ 13 ]

يصرف عنى سيئها الا انت أنابك ولك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب اليك فتأويل هذا كله عندنا أنه كان في التهجد بالليل والامر فيه واسع فأما في الفرائض فانه لا يزيد على ما اشتهر فيه الاثر. ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسه لما روى أن أبا الدرداء رضى الله تعالى عنه قام ليصلى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ بالله من شياطين الانس والجن. والذين نقلوا صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكروا تعوذه بعد الافتتاح قبل القراءة ولان من أراد قراءة القرآن ينبغى له أن يتعوذ لقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وأصحاب الظواهر أخذوا بظاهر الآية وقالوا نتعوذ بعد القراءة لان الفاء للتعقيب ولكن هذا ليس بصحيح لان هذه الفاء عندنا للحال كما يقال إذا دخلت على السلطان فتأهب أي إذا أردت الدخول عليه فتأهب فكذا معنى الآية إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ. بيانه في حديث الافك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كشف الرداء عن وجهه فقال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم الايات. وبظاهر الآية قال عطاء الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وهو مخالف لاجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنه سنة * وبين القراء اختلاف في صفة التعوذ فاختيار أبى عمرو وعاصم وابن كثير رحمهم الله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم زاد حفص من طريق هبيرة أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان واختيار نافع وابن عامر والكسائي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو السميع العليم واختيار حمزة الزيات أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول محمد بن سيرين وبكل ذلك ورد الاثر. وانما يتعوذ المصلى في نفسه إماما كان أو منفردا لان الجهر بالتعوذ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان يجهر به لنقل نقلا مستفيضا والذى روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه جهر بالتعوذ تأويله أنه كان وقع اتفاقا لا قصدا أو قصد تعليم السامعين أن المصلى ينبغي أن يتعوذ كما نقل عنه الجهر بثناء الافتتاح. فأما المقتدى فلا يتعوذ عند محمد رحمه الله لانه لا يقرأ خلف الامام فلا يتعوذ حتى أن المسبوق إذا قام لقضاء ما سبق به حينئذ يتعوذ في احدى الروايتين عن محمد. وعن أبي يوسف يتعوذ المقتدى فان التعوذ عنده بمنزلة الثناء لما يأتي بيانه في باب العيدين. والتعوذ عند افتتاح الصلاة خاصة الا على قول ابن سيرين رحمه الله فانه يقول يتعوذ في كل ركعة كما يقرأ وهذا فاسد

[ 14 ]

فان الصلاة واحدة فكما لا يؤتى لها الا بتحريمة واحدة فكذا التعوذ والله أعلم * قال ولا يرفع يديه في شئ من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الافتتاح) وقال الشافعي يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ومن الناس من يقول وعند السجود وعند رفع الرأس منه يرفع اليدين أيضا قالوا قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند كل تكبيرة فمن ادعى النسخ فعليه اثباته * وفي المسألة حكاية فان الاوزاعي لقى أبا حنيفة رحمهم الله في المسجد الحرام فقال ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع وقد حدثنى الزهري عن سالم عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى حدثنى حماد عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيره الاحرام ثم لا يعود فقال الاوزاعي عجبا من أبى حنيفة أحدثه بحديث الزهري عن سالم وهو يحدثني بحديث حماد عن ابراهيم عن علقمة فرجح حديثه بعلو اسناده فقال أبو حنيفة أما حماد فكان أفقه من الزهري وأما ابراهيم فكان أفقه من سالم ولولا سبق ابن عمر رضى الله عنه لقلت بأن علقمة أفقه منه وأما عبد الله فرجح حديثه بفقه رواته وهو المذهب لان الترجيح بفقه الرواة لا بعلو الاسناد فالشافعى اعتمد حديث ابن عمر رضى الله عنه وقال تكبير الركوع يؤتى به حالة القيام فليسن رفع اليد عنده كتكبيرة الافتتاح ألا ترى أنه محسوب من تكبيرات العيد ورفع اليد مسنون في تكبيرات العيد فكذا هذا * ولنا أن الآثار لما اختلفت في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحاكم إلى قوله وهو الحديث المشهور ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لاترفع الايدى الا في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة وفى العيدين والقنوت في الوتر وذكر أربعة في كتاب المناسك وحين رأى بعض الصحابة رضوان الله عليهم يرفعون أيديهم في بعض أحوال الصلاة كره ذلك فقال مالى أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكتوا وفى رواية قاروا في الصلاة والمعنى فيه أن هذا التكبيرة يؤتى به في حال الانتقال فلا يسن رفع اليد عنده كتكبيرة السجود وفقهه ما بينا أن المقصود من رفع اليد اعلام الاصم الذى خلفه وهذا انما يحتاج إليه في التكبيرات التى يؤتى بها في حالة الاستواء كالتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبير القنوت ولا حاجة إليه فيما يؤتى به في حالة الانتقال فان الاصم

[ 15 ]

يراه ينحط للركوع فلا حاجة إلى الاستدلال برفع اليد (ثم يفتتح القراءة ويخفى ببسم الله الرحمن الرحيم) فقد أدخل التسمية في القراءة بهذا اللفظ وهذا اشارة إلى انها من القرآن وكان مالك رحمه الله تعالى يقول لا يأتي المصلى بالتسمية لاسرا ولا جهرا لحديث عائشة رضى الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين * ولنا حديث أنس قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم وتأويل حديث عائشة رضى الله عنها انه كان يخفى التسمية وهو مذهبنا وهو قول علي وابن مسعود * وقال الشافعي رحمه الله يجهر بها الامام في صلاة الجهر وهو قول ابن عباس وأبى هريرة رضى الله عنهما وعن عمر فيه روايتان واحتج بحديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالتسمية ولما صلى معاوية بالمدينة ولم يجهر بالتسمية أنكروا عليه وقالوا أسرقت من الصلاة أين التسمية فدل أن الجهر بها كان معروفا عندهم * ولنا حديث عبد الله بن المغفل رضى الله تعالى عنه انه سمع ابنه يجهر بالتسمية في الصلاة فنهاه عن ذلك فقال يا بني اياك والحدث في الاسلام فانى صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر رضى الله عنهما فكانوا لا يجهرون بالتسمية وهكذا روى عن أنس رضى الله تعالى عنه. والمسألة في الحقيقة تنبنى على أن التسمية ليست بآية من أول الفاتحة ولا من أوائل السور عندنا وهو قول الحسن رحمه الله فانه كان يعد إياك نعبد وإياك نستعين آية * وقال الشافعي رحمه الله التسمية آية من أول الفاتحة قولا واحدا وله في أوائل السور قولان * وكان ابن المبارك يقول التسمية آية من أول كل سورة حتى قال من ختم القرآن وترك التسمية فكأنما ترك مائة وثلاث عشرة آية أو مائة وأربع عشرة آية والشافعي رحمه الله ربما احتج بحديث أبي الجوزاء عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة فقال بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية ثم قال الحمد لله رب العالمين وعدها اية ولانها مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي لمبدأ الفاتحة وكل سورة وقد أمرنا بتجريد القرآن في المصاحف من النقط والتعاشير ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات ولا تكون سبع ايات الا بالتسمية وقول من يقول اياك نعبد آية واياك نستعين آية ضعيف تشهد المقاطع بخلافه * ولنا حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بينى

[ 16 ]

وبين عبدى نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدى وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدنى عبدى وإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى أثنى على عبدى وإذا قال اياك نعبد واياك نستعين قال الله تعالى هذا بينى وبين عبدى نصفين ولعبدي ما سأل فالبداءة بقوله الحمد لله رب العالمين دليل على ان التسمية ليست باية من أول الفاتحة إذ لو كانت آية من أول الفاتحة لم تتحقق المناصفة فانه يكون في النصف الاول أربع آيات الا نصفا وقد نص على المناصفة والسلف اتفقوا على ان سورة الكوثر ثلاث آيات وهي ثلاث آيات بدون التسمية ولان أدنى درجات اختلاف الاخبار والعلماء إيراث الشبهة والقرآن لا يثبت مع الشبهة فان طريقه طريق اليقين والاحاطة (وعن) معلى قال قلت لمحمد التسمية آية من القرآن أم لا قال ما بين الدفتين كله قرآن قلت فلم لم تجهر فلم يجبنى فهذا عن محمد بيان أنها آية أنزلت للفصل بين السور لامن أوائل السور ولهذا كتبت بخط على حدة وهو اختيار أبى بكر الرازي رحمه الله حتى قال محمد رحمه الله يكره للحائض والجنب قراءة التسمية على وجه قراءة القرآن لان من ضرورة كونها قرآنا حرمة قراءتها على الحائض والجنب وليس من ضرورة كونها قرآنا الجهر بها كالفاتحة في الاخرتين ودليل هذا ماروى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لعثمان لم لم تكتب التسمية بين التوبة والانفال قال لان التوبة من آخر ما نزل فرسول الله صلى الله عليه وسلم توفى ولم يبين لنا شأنها فرأيت أوائلها يشبه أواخر الانفال فألحقتها بها فهذا بيان منهما انها كتبت للفصل ببن السور * وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمة الله عليهما أن المصلى يسمى في أول صلاته ثم لا يعيد لانها لافتتاح القراءة كالتعوذ (وروى) المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه يؤتى بها في أول كل ركعة وهو قول أبى يوسف رحمه الله وهو أقرب الي الاحتياط لاختلاف العلماء والآثار في كونها آية من الفاتحة (وروى) ابن أبى رجاء عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال إذا كان يخفى القراءة يأتي بالتسمية بين السورة والفاتحة لانه أقرب إلى متابعة المصحف وإذا كان يجهر لا يأتي بها بين السورة والفاتحة لانه لو فعل لاخفى بها فيكون ذلك سكتة له في وسط القراءة ولم ينقل ذلك مأثورا * ثم قال (ويجهر الامام في صلاة الجهر ويخافت في صلاة المخافتة) وهي الظهر والعصر وكان ابن عباس رضى الله عنه يقول لا قراءة في هاتين الصلاتين لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام صلاة النهار عجماء أي ليس فيها قراءة والدليل على فساد

[ 17 ]

هذا القول قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة الا بقراءة. وقيل لخباب بن الارت رضى الله تعالى عنه بم عرفتم قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر قال باضطراب لحيته وقال قتادة رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعنا الاية والآيتين في صلاة الظهر أحيانا (وقال) أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر فظننا أنه قرأ الم تنزيل السجدة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء يجهر بالقرآن في الصلاة كلها وكان المشركون يؤذونه ويسبون من أنزل ومن أنزل عليه فأنزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا فكان يخافت بعد ذلك في صلاة الظهر والعصر لانهم كانوا مستعدين للاذي في هذين الوقتين ويجهر في صلاة المغرب لانهم كانوا مشغولين بالاكل وفى صلاة العشاء والفجر لانهم كانوا نياما ولهذا جهر في الجمعة والعيدين لانه أقامها بالمدينة وما كان للكفار بها قوة الاذى. وقد صح رجوع ابن عباس رضى الله عنه عن هذا القول فان رجلا سأله أأقرأ خلف امامى فقال أما في الظهر والعصر فنعم وتأويل قوله عجماء أي ليس فيها قراءة مسموعة ونحن نقول به * وحد القراءة في هاتين الصلاتين أن يصحح الحروف بلسانه على وجه يسمع من نفسه أو يسمع منه من قرب أذنه من فيه فأما ما دون ذلك فيكون تفكرا ومجمجة لا قراءة فان كان وحده يخافت في هاتين الصلاتين كالامام فاما في صلاة الجهر فيتخير فان شاء خافت لان الجهر لاسماع من خلفه وليس خلفه أحد وان شاء جهر وهو أفضل لانه يكون مؤديا صلاته على هيئة الصلاة بالجماعة والمنفرد مندوب إلى هذا وكذلك في التهجد بالليل ان شاء خافت وان شاء جهر وهو أفضل لما روى عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم في تهجده كان يؤنس اليقظان ولا يوقظ الوسنان. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبى بكر وهو يتهجد ويخفي بالقراءة وبعمر وهو يجهر بالقراءة وببلال وهو ينتقل من سورة إلى سورة فلما أصبحوا سأل كل واحد منهم عن حاله فقال ابو بكر رضى الله عنه كنت أسمع من أناجيه وقال عمر رضى الله عنه كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان وقال بلال رضى الله عنه كنت أنتقل من بستان إلى بستان فقال لابي بكر ارفع من صوتك قليلا ولعمر اخفض من صوتك قليلا ولبلال إذا ابتدأت سورة فأتمها وكان ابن ليلى رحمه الله يقول يتخير الامام في التسمية بين الجهر والمخافتة وهذا مذهبه في كل ما اختلف فيه الاثر كرفع اليد عند الركوع وتكبيرات العيد ونحوها

[ 18 ]

يستدل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من استجمر فليوتر من فعل هذا فقد أحسن ومن لا فلا حرج وهذا ضعيف فان آخر الفعلين يكون ناسخا لاولهما والقول بالتخيير بين الناسخ والمنسوخ عملا لا يجوز * قال (والقراءة في الركعتين الاوليين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة وفى الاخيرتين بفاتحة الكتاب) وان تركها جاز والمذهب عندنا ان فرض القراءة في الركعتين من كل صلاة. وكان الحسن البصري يقول في ركعة واحدة وكان مالك يقول في ثلاث ركعات والشافعي رضى الله تعالى عنه يقول في كل ركعة واستدل الحسن البصري بقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة الا بقراءة وهذا يقتضى فرضية القراءة لاتكرارها فان الكل صلاة واحدة وهذا ضعيف فانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم الاكتفاء بالقراءة في ركعة واحدة في شئ من الصلوات ولو جاز ذلك لفعله مرة تعليما للجواز وقد سمى الله تعالى الفاتحة مثانى لانها تثنى في كل صلاة أي تقرأ مرتين والشافعي رضى الله عنه احتج فقال أجمعنا على فرضية القراءة في كل ركعة من التطوع والفرض أقوى من التطوع فثبتت الفرضية في كل ركعة من الفرض بطريق الاولى ولان كل ركعة تشتمل على أركان الصلاة وسائر الاركان كالقيام والركوع والسجود فرض في كل ركعة فكذلك ركن القراءة وهكذا قال مالك رحمه الله الا أنه قال أقيم القراءة في أكثر الركعات مقامها في الجميع تيسيرا * ولنا اجماع الصحابة فان أبا بكر كان يقرأ في الركعتين الاخيرتين زمن النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الثناء * وروى أنه قرأ في الاخيرتين آمن الرسول على جهة الثناء وعمر رضى الله تعالى عنه ترك القراءة في ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الركعة الثالثة وجهر. وعثمان رضى الله تعالى عنه ترك القراءة في الاوليين من صلاة العشاء فقضاها في الاخيرتين وجهر. وعن على وابن مسعود رضى الله عنهما انهما كانا في الاخيرتين يسبحان وسأل رجل عائشة رضى الله تعالى عنها عن قراءة الفاتحة في الاخيرتين فقالت أقرأ ليكون على جهة الثناء وكفى باجماعهم حجة * قال (ثم القراءة في الاخيرتين ذكر يخافت بها في كل حال) فلا تكون ركنا كثناء الافتتاح وتأثيره أن مبنى الاركان على الشهرة والظهور ولو كانت القراءة في الاخيرتين ركنا لما خالف الاوليين في الصفة كسائر الاركان وكل شفع من التطوع صلاة على حدة بخلاف الفرض حتى ان فساد الشفع الثاني في التطوع لا يوجب فساد الشفع الاول * وروي الحسن عن أبى حنيفة أن الافضل له أن يقرأ الفاتحة في

[ 19 ]

الاخيرتين وان ترك ذلك عامدا كان مسيئا وان كان ساهيا فعليه سجود السهو * وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه يتخير بين قراءة الفاتحة والتسبيح والسكوت ولا يلزمه سجود السهو بترك القراءة فيهما ساهيا وهو الاصح فسجود السهو يجب بترك الواجبات أو السنن المضافة إلى جميع الصلاة. ووجه رواية الحسن أنه إذا سكت قائما كان سامدا متحيرا وتفسير السامد المعرض عن القراءة فقد كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه فقال مالى أراكم سامدين * قال (ثم قراءة الفاتحة لاتتعين ركنا في الصلاة عندنا) وقال الشافعي رحمه الله تعالى تتعين حتى لو ترك حرفا منها في ركعة لا تجوز صلاته واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم لاصلاة الا بفاتحة الكتاب وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على قراءتها في كل ركعة * ولنا قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يثبت بخبر الواحد ثم المقصود التعظيم باللسان وذلك لا يختلف بقراءة الفاتحة وغيرها * والحاصل أن الركنية لا تثبت الا بدليل مقطوع به وخبر الواحد موجب للعمل دون العلم فتعين الفاتحة بخبر الواحد واجبا حتى يكره له ترك قراءتها وتثبت الركنية بالنص وهو الآية. ولا يفترض عليه قراءة السورة مع الفاتحة في الاوليين الا على قول مالك رحمه الله تعالى يستدل بقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وسورة معها أو قال وشئ معها ونحن نوجب العمل بهذا الخبر حتى لا نأذن له بالاكتفاء بالفاتحة في الاوليين ولكن لا نثبت الركنية به للاصل الذى قلنا * قال (وإذا أراد أن يركع كبر) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر حين يهوى إلى الركوع ومن الناس من يقول لا يكبر عند الركوع ولا عند السجود وهو قول ابن عمر وأصحابه ويروون عن عثمان رضى الله تعالى عنه أنه كان لا يتم التكبير فأما عمر وعلي وابن مسعود رضوان الله عليهم فكانوا يكبرون عند الركوع والسجود حتى روى أن عليا رضى الله عنه صلى بأصحابه يوما فقام أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه وقال ذكرني هذا الفتى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع أو قال عند كل خفض ورفع. وتأويل حديث عثمان رضى الله عنه كان لايتم التكبير أي جهرا أي يخافت بآخر التكبير كما هو عادة بعض الائمة * قال (ووضع يديه على ركبتيه) وهو قول عامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وكان ابن مسعود رضى الله

[ 20 ]

تعالى عنه وأصحابه يقولون بالتطبيق * وصورته أن يضم احدى الكفين إلى الاخرى ويرسلهما بين فخذيه. ورأى سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه ابنا له يطبق فنهاه فقال رأيت عبد الله بن مسعود يفعل هكذا فقال رحم الله ابن أم عبد كنا أمرنا بهذا ثم نهينا عنه * وفى حديث الاعرابي حين علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال ثم اركع وضع يديك على ركبتيك. وهكذا في حديث أنس رضى الله عنه * قال (وفرج بين أصابعه) ولا يندب إلى التفريق بين الاصابع في شئ من أحوال الصلاة الا هذا ليكون أمكن من الاخذ بالركبة فان عمر رضى الله تعالى عنه قال يا معشر الناس أمرنا بالركب فخذوا بالركب * قال (وبسط ظهره) لحديث أبى هريرة رضى الله عنه وعائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع بسط ظهره حتى لو وضع على ظهره قدح من ماء لاستقر * قال (ولا ينكس رأسه ولا يرفعه) ومعناه يسوى رأسه بعجزه. لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يذبخ المصلى تذبخ الحمار يعنى إذا شم البول أو أراد أن يتمرغ * قال (وإذا اطمأن راكعا رفع رأسه) والطمأنينة مذكورة في حديث الاعرابي قال ثم اركع حتى يطمئن كل عضو منك. وكذلك قال في السجود وعند رفع الرأس وهكذا في حديث أنس رضى الله تعالى عنه حين علمه الصلاة قال ثم اركع حتى يستقر كل عضو منك ثم قال في آخر الحديث فانها من سنتى ومن تبع سنتى فقد تبعني ومن تبعني كان معى في الجنة ثم (يقول سمع الله لمن حمده ويقول من خلفه ربنا لك الحمد) ولم يقلها الامام في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويقولها في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله. لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد. وعن على رضى الله عنه قال ثلاث يخفيهن الامام وقال ابن مسعود رضى الله عنه أربع يخفيهن الامام وفي جملته ربنا لك الحمد ولانا لا نجد شيئا من أذكار الصلاة يأتي به المقتدى دون الامام فقد يختص الامام ببعض الاذكار كالقراءة * ولابي حنفية رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وسلم وإذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد فقسم هذين الذكرين بين الامام والمقتدى ومطلق القسمة يقتضى أن لا يشارك كل واحد منهما صاحبه في قسمه ولان المقتدى يقول ربنا لك الحمد عند قول الامام سمع الله لمن حمده فلو قال الامام ذلك لكانت مقالته بعد مقالة المقتدى وهذا خلاف موضوع الامامة * وتأويل الحديث المرفرع

[ 21 ]

في التهجد حالة الانفراد وبه نقول فأما المنفرد على قولهما فيجمع بين الذكرين وعن أبى حنيفة فيه روايتان في رواية الحسن هكذا وفي رواية أبى يوسف قال يقول ربنا لك الحمد ولا يقول سمع الله لمن حمده وهو الاصح لانه حث لمن خلفه على التحميد وليس خلفه احد. وعلى قول الشافعي رضى الله تعالى عنه كل مصل يجمع بين الذكرين وهذا بعيد فان الامام يحث من خلفه على التحميد فلا معنى لمقابلة القوم اياه بالحث بل ينبغى أن يشتغلوا بالتحميد والشافعي رضى الله تعالى عنه يزيد على هذا ما نقل في حديث على رضى الله تعالى عنه مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبدالخ. وتأويله عندنا في التهجد * قال (ثم يكبر ويسجد فإذا اطمأن ساجدا رفع رأسه وكبر فإذا اطمأن قاعدا سجد أخرى وكبر) وقد بينا أو تكلموا أن السجود لماذا كان في كل ركعة مثنى والركوع واحد فمذهب الفقهاء أن هذا تعبدي لا يطلب فيه المعنى كاعداد الركعات. وقيل انما كان السجود مثنى ترغيما للشيطان فانه أمر بسجدة فلم يفعل فنحن نسجد مرتين ترغيما له واليه أشار صلى الله عليه وسلم في سجود السهو فقال هما ترغيمتان للشيطان. وقيل انه في السجدة الاولى يشير إلى أنه خلق من الارض وفى الثانية يشير إلى أنه يعاد إليها. قال الله تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم الاية (ويقول في ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثا وفى سجوده سبحان ربى الاعلى ثلاثا وذلك أدناه) لحديث عقبة بن عامر الجهني رضى الله تعالى عنه قال لما نزل قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله تعالى سبح اسم ربك الاعلى قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم قال عقبة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثا وفي سجود سبحان ربى الاعلى ثلاثا وروى ابن مسعود رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال في ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثا فقدتم ركوعه وذلك أدناه ومن قال في سجوده سبحان ربى الاعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه ولم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز وانما أراد به أدنى الكمال فان الركوع والسجود يجوزان بدون هذا الذكر الاعلى قول ابن أبى مطيع البلخي فانه كان يقول كل فعل هو ركن يستدعى ذكرا فيه يكون ركنا كالقيام ولكنا نقول لو شرع في الركوع ذكر هو ركن لكان من القرآن فان الركوع مشبه بالقيام وحين علم رسول الله

[ 22 ]

صلى الله عليه وسلم الاعرابي الصلاة لم يذكر له في الركوع والسجود شيئا من الاذكار وقد بين له الاركان. ولو زاد على الثلاث كان أفضل الا أنه إذا كان اماما لا ينبغى له أن يطول على وجه يمل القوم لانه يصير سببا للتنفير وذلك مكروه فان معاذا لما طوع القراءة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتان أنت يا معاذ. وكان الثوري رحمه الله يقول ينبغى أن يقولها الامام خمسا ليتمكن المقتدى من أن يقولها ثلاثا والشافعي رحمه الله تعالى يقول بهذا ويزيد في الركوع ما روى عن على رضى الله تعالى عنه اللهم لك ركعت ولك خشعت ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وفى السجود سجد وجهى للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين وهذا محمول عندنا على التهجد بالليل ويضع يديه في السجود حذاء أذنيه لحديث وائل بن حجر رضى الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع يديه حذاء أذنيه ولان آخر الركعة معتبر بأولها فكما يجعل رأسه بين يديه في أول الركعة عند التكبير فكذلك في آخرها والذى روى عن أبى حميد الساعدي رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع يديه حذو منكبيه محمول على حالة العذر للكبر أو المرض ويوجه أصابعه نحو القبلة * لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع أصابعه تجاه القبلة وفى حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنه قال النبي صلي الله عليه وسلم إذا سجد العبد سجد كل عضو معه فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع ويعتمد على راحتيه * لحديث وائل بن حجر فانه قال لاصحابه ألا أصف لكم سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم فسجد وادعم على راحتيه ورفع عجيزته ثم قال هكذا كان يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويبدى ضبعيه) للحديث المشهور أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أبدى ضبعيه أو أبد ضبعيه والابداء والتبديد كل واحد منهما لغة وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى يرى بياض ابطيه وفى رواية حتى يرثى له أن يرحم من جهده وفى حديث جابر رضى الله تعالى عنه حتى لو أن بهيمة أرادت أن تمر لمرت (ولا يفترش ذراعيه لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يفترش المصلى ذراعيه افتراش الكلب أو الثعلب فذكره هذا المثل دليل على شدة الكراهة * وكان مالك يقول في النفل لا بأس

[ 23 ]

بأن يفترش ذراعيه ليكون أيسر عليه ولكن النهي عام يتناول النفل والفرض جميعا وهذا في حق الرجال فأما المرأة فتحتفز وتنضم وتلصق بطنها بفخذيها وعضديها بجنبيها هكذا عن علي رضى الله تعالى عنه في بيان السنة في سجود النساء ولان مبني حالها على الستر فما يكون أستر لها فهو أولى لقوله صلى الله عليه وسلم المرأة عورة مستورة وينهض على صدور قدميه حتى يستتم قائما في الركعة الثانية عندنا) وقال الشافعي رضى الله عنه الاولى أن يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض. لحديث مالك بن الحويرث رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود في السجدة الثانية جلس جلسة خفيفة ثم ينهض ولان كل ركعة تشتمل على جميع أركان الصلاة ومن أركانها القعدة فينبغي أن يكون ختم كل ركعة بقعدة قصيرة أو طويلة * ولنا حديث وائل بن حجر رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود إلى الركعة الثانية نهض على صدور قدميه ولانه لو كان هاهنا قعدة لكان الانتقال إليها ومنها بالتكبير ولكان لها ذكر مسنون كما في الثانية والرابعة وتأويل حديثهم أنه فعل لاجل العذر بسبب الكبر كما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال انى امرؤ قد بدنت فلا تبادروني بركوع ولا سجود ومنهم من يروي بدنت وهو تصحيف فان البدانة هي الضخامة ولم ينقل في صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم * وفى قوله نهض على صدور قدميه اشارة إلى أنه لا يعتمد بيديه على الارض عند قيامه كما لا يعتمد على جالس بين يديه والمعنى أنه اعتماد من غير حاجة فكان مكروها والذى روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في صلاته شبه العاجز تأويله أنه كان عند العذر بسبب الكبر (ويحذف التكبير حذفا ولا يطوله) لحديث ابراهيم النخعي موقوفا ومرفوعا الاذان جزم والاقامة جزم والتكبير جزم ولان المد في أوله لحن من حيث الدين لانه ينقلب استفهاما وفي آخره لحن من حيث اللغه فان أفعل لا يحتمل المبالغة (ويوجه أصابع رجليه في سجوده نحو القبلة) لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سجد فتح أصابعه أي أمالها إلى القبلة ولقوله عليه الصلاة والسلام فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع * قال (ويعتمد بيمينه على يساره في قيامه في الصلاة) وأصل الاعتماد سنة الا على قول الاوزاعي فانه كان يقول يتخير المصلى بين الاعتماد والارسال وكان يقول انما أمروا بالاعتماد اشفاقا عليهم لانهم كانوا يطولون القيام

[ 24 ]

فكان ينزل الدم إلى رؤس أصابعهم إذا أرسلوا فقيل لهم لو اعتمدتم لاحرج عليكم والمذهب عند عامة العلماء أنه سنة واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام انا معشر الانبياء أمرنا أن نأخذ شمائلنا بأيماننا في الصلاة وقال على رضى الله تعالى عنه ان من السنة أن يضع المصلى يمينه على شماله تحت السرة في الصلاة * وأما صفة الوضع ففي الحديث المرفوع لفظ الاخذ وفى حديث على رضى الله تعالى عنه لفظ الوضع واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بان يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى ويحلق بالخنصر والابهام على الرسغ ليكون عاملا بالحديثين * فأما موضع الوضع فالافضل عندنا تحت السرة وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه الافضل أن يضع يديه على الصدر لقوله تعالى فصل لربك وانحر قيل المراد منه وضع اليمين على الشمال على النحر وهو الصدر ولانه موضع نور الايمان فحفظه بيده في الصلاة أولى من الاشارة إلى العورة بالوضع تحت السرة وهو أقرب إلى الخشوع والخشوع زينة الصلاة * ولنا حديث على رضى الله تعالى عنه كما روينا والسنة إذا أطلقت تنصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الوضع تحت السرة أبعد عن التشبه بأهل الكتاب وأقرب إلى ستر العورة فكان أولى والمراد من قوله وانحر نحر الاضحية بعد صلاة العيد ولئن كان المراد بالنحر الصدر فمعناه لتضع بالقرب من النحر وذلك تحت السرة. ثم قال في ظاهر المذهب الاعتماد سنة القيام * وروى عن محمد رحمه الله أنه سنة القراءة وانما يتبين هذا في المصلى بعد التكبير عند محمد رحمه الله يرسل يديه في حالة الثناء فإذا أخذ في القراءة اعتمد وفى ظاهر الرواية كما فرغ من التكبير يعتمد * قال (وإذا قعد في الثانية أو الرابعة افترش رجله اليسرى فيجعلها بين أليتيه ويقعد عليها وينصب اليمنى نصبا ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة) وقال مالك في القعدتين جميعا المسنون أن يقعد متوركا وذلك بأن يخرج رجليه من جانب ويفضى بأليتيه إلى الارض لحديث أبى حميد الساعدي رضى الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في صلاته قعد متوركا * والشافعي يقول في القعدة الاولى مثل قولنا لانها لاتطول وهو يحتاج إلى القيام والقعود بهذه الصفة أقرب إلى الاستعداد للقيام وفى القعدة الثانية يقول مالك رحمه الله لانها تطول ولايحتاج إلى القيام بعدها فينبغي أن يكون مستقرا على الارض * ولنا حديث عائشة رضى الله تعالى عنها أنها وصفت قعود رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فذكرت أنه كان إذا قعد افترش رجله اليسرى

[ 25 ]

ويقعد عليها وينصب اليمنى نصبا وما روى بخلافه فهو محمول على حالة العذر للكبر ولان القعود على الوجه الذى بينا أشق على البدن (وسئل) رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الاعمال فقال أحمزها أي أشقها على البدن * ويقول الشافعي رضى الله عنه ما كان متكررا من أفعال الصلاة فالثاني لا يخالف الاول في الصفة كسائر الافعال فأما المرأة فينبغي لها أن تقعد متوركة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين تصليان فلما فرغتا دعاهما وقال اسمعان إذا قعدتما فضما بعض اللحم إلى الارض ولان هذا أقرب إلى الستر في حقهن * قال (ويكون منتهى بصره في صلاته حال القيام موضع سجوده) لحديث أبى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى سما ببصره نحو السماء فلما نزل قوله تعالى وقوموا لله قانتين رمى ببصره إلى موضع سجوده. ولما نزل قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون قال أبو طلحة رضى الله عنه ما الخشوع يارسول الله قال أن يكون منتهى بصر المصلى حال القيام موضع سجوده ثم فسر الطحاوي في كتابه فقال في حالة القيام ينبغي أن يكون منتهى بصره موضع سجوده وفي الركوع على ظهر قدميه وفي السجود على أرنبة أنفه وفى القعود على حجره زاد بعضهم وعند التسليمة الاولى على منكبه الايمن وعند التسليمة الثانية على منكبه الايسر. فالحاصل أن يترك التكلف في النظر فيكون منتهى بصره مابينا * قال (ولا يلتفت في الصلاة) لقوله صلى الله عليه وسلم لو علم المصلى من يناجي ما التفت ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة قال تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة أحدكم. وحد الالتفات المكروه أن يلوى عنقه ووجهه على وجه يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة الكعبة فأما إذا نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوى عنقه فلا يكون مكروها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ أصحابه في صلاته بمؤخر عينيه (ولا يعبث في الصلاة بشئ من جسده وثيابه) لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال ان الله تعالى كره لكم ثلاثا الرفث في الصوم والعبث في الصلاة والضحك في المقابر ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلى وهو يعبث بلحيته قال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه فجعل فعله دليل نفاقه * قال الطحاوي تأويله أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف بطريق الوحى أن الرجل منافق مستهزئ فأما أن يكون هذا الفعل من علامات النفاق فلا لان المصلي قلما ينجو منه

[ 26 ]

ألا ترى أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطيق ذلك قال ليكن في الفريضة إذا فالحاصل أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس أن يأتي به أصله ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرق ليلة في صلاته فسلت العرق عن جبينه لانه يؤذيه فكان مفيدا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الصيف إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة لانه كان مفيدا حتى لا يبقى صورة فأما ما ليس بمفيد فيكره للمصلي أن يشتغل به. لقوله صلى الله عليه وسلم ان في الصلاة لشغلا والعبث غير مفيد له شيئا فلا يشتغل به (ولا يقلب الحصى) لانه نوع عبث غير مفيد والنهي عن تقليب الحصى يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر وأبو ذر ومعيقيب بن أبى فاطمة وأبو هريرة حتى قال في بعضها وان تتركها فهو خير لك من مائة ناقة سود الحدقة تكون لك فان كان الحصى لا يمكنه من السجود فلا بأس بأن يسويه مرة واحدة وتركه أحب الي لقوله صلى الله عليه وسلم لابي ذر يا أبا ذر مرة أو ذر ولان هذا عمل مفيد له ليتمكن من وضع الجبهة والانف على الارض فلا بأس به بعد أن يكون قليلا لا يزيد على مرة وتركه أقرب إلى الخشوع فهو أولى قال (ولا يفرقع أصابعه) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الفرقعة في الصلاة ومر بمولى له وهو يصلى ويفرقع أصابعه فقال أتفرقع أصابعك وأنت تصلى لا أم لك. وكان عليه الصلاة والسلام ينهي المنتظر للصلاة أن يفرقع أصابعه في تلك الحالة ففي الصلاة أولى وهو نوع عبث غير مفيد * قال (ولا يضع يديه على خاصرته) لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن التخصر في الصلاة * وقيل انه استراحة أهل النار ولا راحة لهم وان الشيطان أهبط متخصرا ولانه فعل المصاب وحال الصلاة حال يناجى فيه العبد ربه تعالى فهو حال الافتخار لاحال اظهار المصيبة ولانه فعل أهل الكتاب وقد نهينا عن التشبه بهم * قال (ولايقعى اقعاء) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعى المصلى اقعاء الكلب. وفى تفسير الاقعاء وجهان * أحدهما أن ينصب قدميه كما يفعله في السجود ويضع أليتيه على عقبيه وهو معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن عقب الشيطان * الثاني أن يضع أليتيه على الارض وينصب ركبتيه نصبا وهذا أصح لان اقعاء الكلب يكون بهذه الصفة الا أن اقعاء الكلب يكون في نصب اليدين واقعاء الآدمى يكون في نصب الركبتين إلى صدره * قال (ولا يتربع من غير عذر) لما روى أن عمر رضى الله تعالى عنه رأي ابنه

[ 27 ]

يتربع في الصلاة فنهاه عن ذلك فقال رأيتك تفعله يا أبت فقال ان رجلي لا تحملاني. ومن مشايخنا من غلل فيه فقال التربع جلوس الجبابرة فلهذا كره في الصلاة وهذا ليس بقوى فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتربع في جلوسه في بعض أحواله حتى روى أنه كان يأكل يوما متربعا فنزل عليه الوحي كل كما تأكل العبيد وهو كان منزها عن أخلاق الجبابرة وكذلك عامة جلوس عمر رضى الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متربعا ولكن العبارة الصحيحة أن يقال الجلوس على الركبتين أقرب إلى التواضع من التربع فهو أولى في حال الصلاة الا عند العذر * قال (لو مسح جبهته من التراب قبل أن يفرغ من صلاته لا بأس به) لانه عمل مفيد فان التصاق التراب بجبهته نوع مثلة فربما كان الحشيش الملتصق بجبهته يؤذيه فلا بأس به ولو مسح بعد ما رفع رأسه من السجدة الاخيرة لا خلاف في أنه لا بأس به فأما قبل ذلك فلا بأس به في ظاهر الرواية وعن أبى يوسف قال أحب إلى أن يدعه لانه يتترب ثانيا وثالثا فلا يكون مفيدا ولو مسح لكل مرة كان عملا كثيرا ومن مشايخنا من كره ذلك قبل الفراغ من الصلاة وجعلوا القول قول محمد رحمه الله في الكتاب لا مفصولا عن قوله أكرهه فانه قال في الكتاب قلت لو مسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته قال لا أكرهه يعنى لا تفعل فاني أكرهه لحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أربع من الجفاء أن تبول قائما وأن تسمع النداء فلم تجبه وأن تنفخ في صلاتك وأن تمسح جبهتك في صلاتك * وتأويله. عند من لا يكرهه من أصحابنا المسح باليدين كما يفعله الداعي إذا فرغ من الدعاء في غير الصلاة * قال (والتشهد أن يقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) وهو تشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه والمختار عند الشافعي رضى الله تعالى عنه تشهد ابن عباس رضى الله تعالى عنه * وصفته أن يقول التحيات المباركات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهو يقول بأن ابن عباس رضى الله تعالى عنه كان من فتيان الصحابة رضوان الله عليهم فانما يختارون ما استقر عليه الامر آخرا فأما ابن مسعود فهو من الشيوخ ينقل ما كان في الابتداء كما نقل التطبيق وغيره ولان تشهد ابن عباس رضى الله تعالى عنه أقرب إلى موافقة القرآن قال الله تعالى تحية

[ 28 ]

من عند الله مباركة طيبة والسلام بغير الالف واللام أكثر في القرآن قال الله تعالى سلام عليكم طبتم سلام عليكم بما صبرتم * ومالك رحمه الله يأخذ بتشهد عمر رضى الله تعالى عنه * وصورته التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله وقال ان عمر رضى الله تعالى عنه علم الناس التشهد بهذه الصفة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس من اختار تشهد أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه * وهو ان يقول التحيات لله الطيبات والصلوات لله والباقي كتشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه * وفيه حكاية فان أعرابيا دخل على أبى حنيفة رحمه الله تعالى في المسجد فقال أبواو أم بواوين فقال بواوين فقال بارك الله فيك كما بارك في لا ولا ثم ولى فتحير أصحابه وسألوه عن ذلك فقال ان هذا سألني عن التشهد أبواوين كتشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أم بواو كتشهد أبى موسى قلت بواوين قال بارك الله فيك كما بارك في شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية وانما أخذنا بتشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه لحسن ضبطه ونقله من رسول الله صلى الله عليه وسلم فان أبا حنيفة قال أخذ حماد بيدى وقال حماد أخذ ابراهيم بيدى وقال ابراهيم أخذ علقمة بيدى وقال علقمة أخذ عبد الله بن مسعود بيدى وقال ابن مسعود أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى وعلمني التشهد كما كان يعلمنى السورة من القرآن وكان يأخذ علينا بالواو والالف * وقال علي بن المدينى لم يصح من التشهد الا ما نقله أهل الكوفة عن عبد الله بن مسعود وأهل البصرة عن أبى موسى. وعن خصيف قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت كثر الاختلاف في التشهد فبماذا تأمرني أن آخذ قال بتشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه ولان تشهد ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أبلغ في الثناء فان الواوات تجعل كل لفظ ثناء بنفسه (والسلام بالالف واللام ليكون أبلغ منه بغير الالف واللام) وترجيح الشافعي رحمه الله تعالى بعيد فانه يؤدى إلى تقديم الاحداث على المهاجرين الاولين وأحد لا يقول به * وترجيح مالك ليس بقوى أيضا فان أبا بكر رضى الله تعالى عنه علم الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كما هو تشهد ابن مسعود فدل ان الاخذ به أولى (ويكره أن يزيد في التشهد شيئا أو يبتدئ قبله بشئ) ومراده ما نقل شاذا في أول التشهد باسم الله وبالله أو باسم الله خير الاسماء وفى آخره أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فانه لم يشتهر نقل هذه الكلمات وابن مسعود يقول وكان يأخذ علينا بالواو

[ 29 ]

والالف فذلك تنصيص على أنه لا تجوز الزيادة عليه بخلاف التطوعات فانها غير محصورة بالنص فجوزنا الزيادة عليه ولا يزيد في الفرائض على التشهد في القعدة الاولى عندنا وقال الشافعي يزيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بحديث أم سلمة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال في كل ركعتين تشهد وسلام على المرسلين ومن تبعهم من عباد الله الصالحين * ولنا حديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على التشهد في القعدة الاولى وروى أنه كان يقعد في القعدة الاولى كأنه علي الرضف يعنى الحجارة المحماة يحكى الراوى بهذا سرعة قيامه فدل أنه كان لا يزيد على التشهد. وتأويل حديث أم سلمة رضى الله تعالى عنها في التطوعات فان كل شفع من التطوع صلاة على حدة أو مراده سلام التشهد فأما في الرابعة فيدعو بعده ويسأل حاجته ولم يذكر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأورد الطحاوي في مختصره أن بعد التشهد يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو حاجته ويستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات وهو الصحيح فان التشهد ثناء على الله تعالي ويعقبه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما في التحميد المعهود وهو مروي عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه وكان ابراهيم النخعي يقول يجزى من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله السلام عليك أيها النبي * ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ليست من جملة الاركان عندنا وقال الشافعي هي من جملة أركان الصلاة لا تجوز الصلاة الا بها * وفى الصلاة على آله وجهان واستدل بقوله عليه الصلاة والسلام لاصلاة لمن لم يصل علي في صلاته ولان الله تعالى أمرنا بالصلاة عليه ومطلق الامر للايجاب ولا تجب في غير الصلاة فدل أنها تجب في الصلاة * ولنا حديث كعب بن عجرة رضى الله تعالى عنه قال يارسول الله عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك فقال قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد فهو لم يعلمهم حتى سألوه ولو كان من أركان الصلاة لبينه لهم قبل السؤال وحين علم الاعرابي أركان الصلاة لم يذكر الصلاة عليه ولانه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أركان الصلاة كالصلاة على ابراهيم عليه الصلاة والسلام * وتأويل الحديث نقول أراد به نفى الكمال كقوله لاصلاة لجار المسجد الا في المسجد وبه نقول والآية تدل على أن الصلاة واجبة عليه في العمر مرة فان مطلق الامر لا يقتضى التكرار وبه نقول وكان الطحاوي يقول كلما سمع ذكر النبي صلى

[ 30 ]

الله عليه وسلم من غيره أو ذكره بنفسه يجب عليه أن يصلى عليه وهو قول مخالف للاجماع فعامة العلماء على أن ذلك مستحب وليس بواجب. (ثم يدعو بحاجته) لقوله تعالى فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب قيل معناه إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء وارغب إلى الله تعالى بالاجابة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صلاته يتعوذ بالله من المغرم والمأثم ومن فتنة المحيا والممات ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود رضى الله عنه التشهد قال له وإذا قلت هذا فاختر من الدعاء أعجبه وكان ابن مسعود يدعو بكلمات منهن اللهم انى أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم * قال (ثم يسلم تسليمتين احداهما عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله والاخرى عن يساره مثل ذلك) لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتحليلها السلام وقد جاء أوان التحليل ومن تحرم للصلاة فكأنه غاب عن الناس لا يكلمهم ولا يكلمونه وعند التحليل يصير كأنه رجع إليهم فيسلم والتسليمتان قول جمهور العلماء وكبار الصحابة عمر وعلى وابن مسعود رضى الله عنهم وكان مالك رحمه الله تعالى يقول يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه وهكذا روت عائشة وسهل ابن سعد الساعدي رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والاخذ برواية كبار الصحابة أولى فانهم كانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ليليني منكم أولوا الاحلام والنهى فأما عائشة رضى الله تعالى عنها فكانت تقف في صف النساء وسهل بن سعد كان من جملة الصبيان فيحتمل أنهما لم يسمعا التسليمة الثانية على ماروى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين الثانية أخفض من الاولى (ثم في التسليمة الاولى يحول وجهه على يمينه وفى الثانية على يساره) لحديث ابن مسعود رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجهه في التسليمة الاولى حتى يري بياض خده الايمن أو قال الايسر يحكى الراوى بهذا شدة التفاته * قال (وينوى بالتسليمة الاولى من عن يمينه من الحفظة والرجال وبالتسليمة الثانية من عن يساره منهم) لانه يستقبلهم بوجهه ويخاطبهم بلسانه فينويهم بقلبه فان الكلام انما يصير عزيمة بالنية قال عليه الصلاة والسلام ان الله تعالى وراء لسان كل متكلم فلينظر امرؤ ما يقول وقد ذكر الحفظة هنا وأخر في الجامع الصغير حتى ظن بعض أصحابنا أن ما ذكر هنا بناء على قول أبى حنيفة الاول في تفضيل الملائكة على البشر وما ذكر في الجامع الصغير بناء على قوله الآخر في تفضيل البشر على الملائكة وليس

[ 31 ]

كما ظنوا فان الواو لا توجب الترتيب ومن سلم على جماعة لا يمكنه أن يرتب بالنية فيقدم الرجال على الصبيان ولكن مراده تعميم الفريقين بالنية وأكثر مشايخنا على أنه يخص بهذه النبية من يشاركه في الصلاة من الرجال والنساء فأما الحاكم الشهيد رحمه الله فكان يقول ينوى جميع الرجال والنساء من يشاركه ومن لا يشاركه وهذا عندنا في سلام التشهد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال العبد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصاب كل عبد صالح من أهل السماء والارض فأما في سلام التحليل فيخاطب من بحضرته فيخصه بالنية والمقتدى ينوي كذلك فكان ابن سيرين يقول المقتدى يسلم ثلاث تسليمات احداهن لرد سلام الامام وهذا ضعيف فان مقصود الرد حاصل بالتسليمتين إذ لا فرق في الجواب بين أن يقول عليكم السلام وبين قوله السلام عليكم فان كان الامام في الجانب الايمن نواه فيهم وان كان في الجانب الايسر نواه فيهم وان كان بحذائه نواه في الاولى عند أبى يوسف لانه لما استوى الجانبان في حقه ترجح الجانب الايمن وقال محمد ينويه في التسليمتين لان له حظا من الجانبين قال (ويكره في الصلاة تغطية الفم) لحديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطى المصلي فاه ولانه ان غطاه بيده فقد قال كفوا أيديكم في الصلاة وان غطاه بثوب فقد نهى عن التلثم في الصلاة وفيه تشبه بالمجوس في عبادتهم النار * قال (ويكره أن يصلى وهو معتجر) لنهي الرسول عليه الصلاة والسلام عن الاعتجار في الصلاة وتفسيره أن يشد العمامة حول رأسه ويبدى هامته مكشوفا كما يفعله الشطار وقيل ان يشد بعض العمامة على رأسه وبعضها على بدنه وعن محمد قال لا يكون الاعتجار الا مع تنقب وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه وطرفا منه يجعله شبه المعجر للنساء وهو أن يلفه حول وجهه * قال (ويكره أن يصلي وهو عاقص) لحديث أبى رافع رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يصلي الرجل ورأسه معقوص وان الحسن بن على رضى الله عنهما كان يصلى وهو عاقص شعره فقام أبو هريرة رضى الله عنه إلى جنبه فحله فنظر إليه شبه المغضب فقال أقبل على صلاتك يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن هذا والعقص في اللغة الاحكام في الشد حتى قيل في تفسيره أن يجمع شعره على هامته ويشده بخيط أو بخرقة أو بصمغ ليتلبد وقيل أن يلف ذوائبه حول رأسه كما يفعله النساء في بعض أحوالهن * قال (ويضع ركبتيه على الارض قبل يديه إذا انحط للسجود) وقال

[ 32 ]

ابن سيرين يضع يديه قبل ركبتيه لحديث أبى حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يديه قبل ركبتيه * ولنا حديث وائل بن حجر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يديه قبل ركبتيه * وروى الاعرج عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم نهى أن يبرك المصلى بروك الابل وقال ليضع ركبتيه قبل يديه يعنى أن الابل في بروكها تبدأ باليد فينبغي أن يبدأ المصلى بالرجل ولانه يضع أولا ما كان أقرب إلى الارض فيضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه وفي الرفع يرفع أولا ما كان أبعد عن الارض فيرفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه * قال (ويخفى الامام التعوذ والتسمية والتشهد وآمين وربنا لك الحمد) أما التعوذ والتسمية فقد بينا والتشهد كذلك فانه لم ينقل الجهر بالتشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس توارثوا الاخفاء بالتشهد من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا والتوارث كالتواتر * وأما قوله اللهم ربنا لك الحمد فقد طعنوا فيه وقالوا من مذهب ابى حنيفة أن الامام لا يقولها أصلا فكيف يستقيم جوابه أنه يخفى بها ولكنا نقول عرف أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن بعض الائمة لا يأخذون بقوله لحرمة قول علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما ففرع على قولهما أنه يخفى بها إذا كان يقولهما كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها. فأما آمين فالامام يقولها بعد الفراغ من الفاتحة الا على قول مالك رحمه الله وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم إذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين والقسمة تقتضي أن الامام لا يقولها * ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الامام فأمنوا فان الملائكة تؤمن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وفى الحديث الذى رووا زيادة فانه قال فقولوا آمين فان الامام يقولها وهذا اللفظ دليل على أن الامام لا يجهر بها وهو قول علمائنا ومذهب علي وابن مسعود رضى الله تعالى عنهما وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه يجهر بها وهو قول ابن الزبير وأبى هريرة واستدل بحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الفاتحة في الصلاة قال آمين ومد بها صوته ولكنا نستدل بحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاته آمين وخفض بها صوته وتأويل حديثهم أنه قال اتفاقا لاقصدا أو كان لتعليم الناس أن الامام يؤمن كما يؤمن القوم فانه دعاء فان معناه علي ما قال الحسن اللهم أجب وفي قوله تعالى قد أجيبت

[ 33 ]

دعوتكما ما يدل عليه فان موسى عليه السلام كان يدعو وهارون كان يؤمن والاخفاء في الدعاء أولى قال الله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال عليه الصلاة والسلام خير الدعاء الخفى وخير الرزق ما يكفى وفي التأمين لغتان أمين بالقصر وآمين بالمد والمد يدل علي ياء النداء معناه يا آمين كما يقال في الكلام أزيد يعنى يا زيد وما كان من النفخ غير مسموع فهو تنفس لابد للحى منه فلا يفسد الصلاة وان كان مسموعا أفسدها في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يفسدها في قول أبى يوسف الا أن يريد به التأفيف ثم رجع وقال صلاته تامة وان أراد به التأفيف واستدل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الكسوف أف أف ألم تعدني أنك لا تعذبهم وأنا فيهم ولان هذا تنفس وليس بكلام فالكلام ما يجرى في مخاطبات الناس وله معنى مفهوم ولهذا قال في قوله الاول إذا أراد به التأفيف وهو في اللغة أفف يؤفف تأفيفا كان قطعا ثم رجع فقال عينه ليس بكلام فلو بطلت صلاته انما تبطل بمجرد النية وذلك لا يجوز وقاسه بالتنحنح والعطاس فانه لا يكون قطعا وان سمع فيه حروف مهجاة وهو أصوب (ولنا) حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بمولى له يقال له رباح وهو ينفخ التراب من موضع سجوده فقال أما علمت أن من نفخ في صلاته فقد تكلم ولان قوله أف من جنس كلام الناس لانه حروف مهجاة وله معنى مفهوم يذكر لمقصود قال الله تعالى ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما فجعله من القول والقائل يقول أفا وتفا لمن مودته * ان غبت عنه سويعة زالت ان مالت الريح هكذا وكذا * مال مع الريح أينما مالت والكلام مفسد للصلاة بخلاف التنحنح فانه لاصلاح الحلق ليتمكن به من القراءة والعطاس مما لا يمكنه الامتناع منه فكان عفوا بخلاف التأفيف فانه بمنزلة مالو قال في الصلاة هر ونحوه وتأويل حديث الكسوف أنه كان في وقت كان الكلام في الصلاة مباحا ثم انتسخ ولا بأس بأن يصلى الرجل في ثوب واحد متوشحا به لما روى في حديث أم هانئ رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ثمان ركعات في ثوب واحد متوشحا به وسأل ثوبان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال يا ثوبان أو لكلكم ثوبان أو قال أو كلكم يجد ثوبين (وصفة) التوشح أو يفعل بالثوب ما يفعله القصار في المقصرة

[ 34 ]

إذا لف الكرباس على نفسه. جاء في الحديث إذا كان ثوبك واسعا فاتشح به وان كان ضيقا فاتزر به وانما يجوز هذا إذا كان الثوب صفيقا يحصل به ستر العورة وان كان رقيقا يصف ما تحته لا يحصل به ستر العورة فلا تجوز صلاته وكذلك الصلاة في قميص واحد (وذكر) ابن شجاع رحمه الله تعالى أنه ان لم يزره ينظر ان كان بحيث يقع بصره على عورته في الركوع والسجود لا تجوز صلاته وان كان ملتحقا لا يقع بصره على عورته تجوز صلاته * والحاصل أنه تكره الصلاة في ازار واحد لحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شئ وسأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن الصلاة في ثوب واحد فقال أرأيت لو أرسلتك في حاجة كنت منطلقا في ثوب واحد فقال لا فقال الله أحق أن تتزين له. وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان الصلاة في ازار واحد فعل أهل الجفاء وفى ثوب واحد متوشحا به أبعد عن الجفاء وفى ازار ورداء من أخلاق الكرام (ويكره للمصلى أن يرفع ثيابه أو يكفها أو يرفع شعره) لحديث ابن عباس رضى الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف ثوبا ولا شعرا وقال إذا طول أحدكم شعره فليدعه يسجد معه. قال ابن مسعود رضى الله عنه له أجر بكل شعرة ثم كفه الثوب والشعر لكيلا يتترب نوع تجبر ويكره للمصلى ما هو من أخلاق الجبابرة ويسجد على جبهته وأنفه وأظب على هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه تمام السجود فان سجد على الجبهة دون الانف جاز عندنا وعند الشافعي لا يجوز وان سجد على الانف دون الجبهة جاز عند أبى حنيفة رحمه الله ويكره ولم يجز عند أبى يوسف ومحمد رحمة الله عليهما وهو رواية أسيد بن عمرو عن أبى حنيفة رحمه الله أما الشافعي استدل بحديث أبى هريرة رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يمس أنفه الارض في سجوده كما يمس جبهته فلا سجود له والمراد بهذا عندنا نفى الكمال لانفى الجواز. واستدل أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم السجود على الجبهة فريضة وعلى الانف تطوع فإذا ترك ما هو الفرض لا يجزئه ثم الانف تبع للجبهة في السجود كما أن الاذن تبع للرأس في المسح ولو اكتفى بمسح الاذن عن مسح الرأس لا يجزئه فهذا مثله. وأبو حنيفة احتج بقول ابن عمر رضى الله عنه فان زيد بن ركانة كان يصلى وعليه برنس فكان إذا سجد سقط على جبهته فناداه ابن

[ 35 ]

عمر رضي الله عنهما إذا أمسست أنفك الارض أجزأك ولان المأمور به السجود على الوجه كما فسر الاعضاء السبعة في الحديث المعروف الوجه واليدان والركبتان والقدمان ووسط الوجه الانف فبالسجود عليه يكون ممتثلا للامر وهو أحد أطراف الجبهة فان عظم الجبهة مثلث والسجود على أحد أطرافه كالسجود على الطرف الآخر ولان الانف مسجد حتى إذا كان بجبهته عذر يلزمه السجود على الانف وما ليس بمسجد لا يصير مسجدا بالعذر في المسجد كالخد والذقن وإذا ثبت أنه مسجد فبالسجود عليه يحصل امتثال الامر وقال الله تعالى يخرون للاذقان سجدا والمراد ما يقرب من الذقن والانف أقرب إلى الذقن من الجبهة فهو أولى بأن يكون مسجدا والله أعلم. (باب افتتاح الصلاة) قال (وإذا انتهى الرجل إلى الامام وقد سبقه بركعتين وهو قاعد يكبر تكبيرة الافتتاح ليدخل بها في صلاته ثم كبر أخرى ويقعد بها) لانه التزم متابعة الامام وهو قاعد والانتقال من القيام إلى القعود يكون بالتكبير * والحاصل أنه يبدأ بما أدرك مع الامام لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون عليكم بالسكينة والوقار ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا * وكان الحكم في الابتداء أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته حتى ان معاذا رضى الله عنه جاء يوما وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الصلاة فتابعه فيما بقى ثم قضى ما فاته فقال عليه الصلاة والسلام ما حملك على ما صنعت يا معاذ فقال وجدتك على حال فكرهت أن أخالفك عليه فقال عليه الصلاة والسلام سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها * ثم لا خلاف ان المسبوق يتابع الامام في التشهد ولا يقوم للقضاء حتى يسلم الامام * وتكلموا أن بعد الفراغ من التشهد ماذا يصنع فكان ابن شجاع رحمه الله يقول يكرر التشهد وأبو بكر الرازي يقول يسكت لان الدعاء مؤخر إلى آخر الصلاة والاصح أنه يأتي بالدعاء متابعة للامام لان المصلى انما لا يشتغل بالدعاء في خلال الصلاة لما فيه من تأخير الاركان وهذا المعنى لا يوجد هنا لانه لا يمكنه أن يقوم قبل سلام الامام. ويجوز افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل والتحميد في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وفى قول أبى يوسف رحمه الله إذا كان يحسن التكبير ويعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير لا يصير شارعا بغيره وان كان لا يحسنه أجزأه * وألفاظ التكبير عنده أربعة الله أكبر الله الاكبر

[ 36 ]

الله الكبير الله كبير وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يصير شارعا الا بلفظتي الله أكبر الله الاكبر وعند مالك رحمه الله لا يصير شارعا الا بقوله الله أكبر واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر وبهذا احتج الشافعي ولكنه يقول الله الاكبر أبلغ في الثناء بادخال الالف واللام فيه فهو أولى وأبو يوسف استدل بقوله صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبير فلابد من لفظة التكبير وفى العبادات البدنية يعتبر المنصوص عليه ولا يشتغل بالتعليل حتى لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والانف. والاذان لا ينادى بغير لفظ التكبير فالتحريم للصلاة أولى وأبو حنيفة رحمه الله ومحمد رحمه الله استدلا بحديث مجاهد رضى الله عنه قال كان الانبياء صلوات الله عليهم يفتتحون الصلاة بلا اله الا الله ولان الركن ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم وهو الثابت بالنص قال الله تعالى وذكر اسم ربه فصلى وإذا قال الله أعظم أو الله أجل فقد وجد ما هو الركن فأما لفظ التكبير وردت به الاخبار فيوجب العمل به حتى يكره افتتاح الصلاة بغيره لمن يحسنه ولكن الركن ما هو الثابت بالنص. ثم من قال الرحمن أكبر فقد اتى بالتكبير قال الله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية والتكبير بمعنى التعظيم قال الله تعالى فلما رأينه أكبرنه أي عظمنه وربك فكبر أي فعظم والتعظيم حصل بقوله الله أعظم (فاما) الاذان فالمقصود منه الاعلام وبتغيير اللفظ يفوت ما هو المقصود فان الناس لا يعلمون انه أذان فان قال الله لا يصير شارعا بهذا اللفظ عند محمد رحمه الله لان تمام التعظيم بذكر الاسم والصفة وعند أبى حنيقة رحمه الله يصير شارعا لان في هذا الاسم معنى التعظيم فانه مشتق من التأله وهو التحير وان قال اللهم اغفر لي لا يصير شارعا لان هذا سؤال والسؤال غير الذكر قال عليه الصلاة والسلام فيما يأثر عن ربه عزوجل من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين فان قال اللهم فالبصريون من أهل النحو قالوا الميم بدل عن ياء النداء فهو كقولك يا ألله فيصير شارعا عند ابى حنيفة والكوفيون قالوا الميم بمعنى السؤال أي يا ألله آمنا بخير فلا يصير شارعا به ولو كبر بالفارسية جاز عند أبى حنيفة رحمه الله بناء على أصله أن المقصود هو الذكر وذلك حاصل بكل لسان ولا يجوز عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله الا أن لا يحسن العربية فأبو يوسف رحمه الله تعالى مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه ومحمد فرق فقال للعربية من الفضيلة

[ 37 ]

ما ليس لغيرها من الالسنة فإذا عبر إلى لفظ آخر من العربية جاز وإذا عبر إلى الفارسية لا يجوز وأصل هذه المسألة إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند ابى حنيفة رحمه الله ويكره وعندهما لا يجوز إذا كان يحسن العربية وإذا كان لا يحسنها يجوز وعند الشافعي رضى الله عنه لا تجوز القراءة بالفارسية بحال ولكنه ان كان لا يحسن العربية وهو أمي يصلى بغير قراءة وكذلك الخلاف فيما إذا تشهد بالفارسية أو خطب الامام يوم الجمعة بالفارسية فالشافعى رحمه الله يقول ان الفارسية غير القرآن قال الله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا وقال الله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية فالواجب قراءة القرآن فلا يتأدى بغيره بالفارسية والفارسية من كلام الناس فتفسد الصلاة وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا القرآن معجز والا عجاز في النظم والمعنى فإذا قدر عليهما فلا يتأدى الواجب الا بهما وإذا عجز عن النظم أتى بما قدر عليه كمن عجز عن الركوع والسجود يصلى بالايماء وأبو حنيفة رحمه الله استدل بما روى أن الفرس كتبوا إلى سلمان رضى الله عنه ان يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرؤن ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية. ثم الواجب عليه قراءة المعجز والاعجاز في المعنى فان القرآن حجة على الناس كافة وعجز الفرس عن الاتيان بمثله انما يظهر بلسانهم والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث واللغات كلها محدثة فعرفنا أنه لا يجوز أن يقال انه قرآن بلسان مخصوص كيف وقد قال الله تعالى وانه لفي زبر الاولين وقد كان بلسانهم. ولو آمن بالفارسية كان مؤمنا وكذلك لو سمي عند الذبح بالفارسية أو لبى بالفارسية فكذلك إذا كبر وقرأ بالفارسية (وروى الحسن) عن أبى حنيفة رحمهما الله أنه إذا أذن بالفارسية والناس يعلمون أنه أذان جاز وان كانوا لا يعلمون ذلك لم يجز لان المقصود الاعلام ولم يحصل به ثم عند أبى حنيفة رحمه الله انما يجوز إذا قرأ بالفارسية إذا كان يتيقن بأنه معنى العربية فأما إذا صلى بتفسير القرآن لا يجوز لانه غير مقطوع به إذا افتتح الصلاة قبل الامام ثم كبر الامام فصلى الرجل بصلاته لا يجزئه لقوله عليه الصلاة والسلام انما جعل الامام اماما ليؤتم به فلا تختلفوا عليه والاتمام لا يتحقق إذا لم يكبر الامام وقد اختلف عليه حين كبر قبله فلا يجزئه الا أن يجدد التكبير بعد تكبير الامام بنية الدخول في صلاته وحينئذ يصير قاطعا لما كان فيه شارعا في صلاة الامام والتكبيرة الواحدة تعمل هذين العملين كمن كان في النافلة فكبر ينوى الفريضة. ومن غير هذا

[ 38 ]

الباب إذا باع بألف ثم جدد بيعا بألفين كان فسخا للاول وانعقاد عقد آخر وأشار في الكتاب إلى أنه بالتكبير قبل تكبير الامام يصير شارعا في الصلاة لانه قال تكبيره الثاني قطع لما كان فيه فقيل تأويله ان لم يكن نوى الاقتداء وقيل ان نوى الاقتداء صار شارعا في صلاة نفسه وهو قول أبى يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله لا يصير شارعا في الصلاة بناء على أصل وهو أن الجهة إذا فسدت يبقى أصل الصلاة عند ابى يوسف رحمه الله وعند محمد لا يبقى وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان يأتي بيانه في موضعه. ثم الافضل عند أبي حنيفة أن يكبر المقتدى مع الامام لانه شريكه في الصلاة وحقيقة المشاركة في المقارنة وعندهما الافضل أن يكبر بعد تكبير الامام لانه تبع للامام وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام إذا كبر الامام فكبروا يشهد لهذا وكذلك سائر الافعال. وفى التسليم روايتان عن أبى حنيفة رحمه الله احداهما أنه يسلم بعد الامام ليكون تحلله بعد تحلل الامام والاخرى أنه يسلم مع الامام كسائر الافعال وإذا سلم الامام ففى الفجر والعصر يقعد في مكانه ليشتغل بالدعاء لانه لاتطوع بعدهما ولكنه ينبغى أن يستقبل القوم بوجهه ولا يجلس كما هو مستقبل القبلة وان كان خير المجالس ما استقبلت به القبلة للاثر المروى جلوس الامام في مصلاه بعد الفراغ مستقبل القبلة بدعة وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر استقبل أصحابه بوجهه وقال هل رأى أحد منكم رؤيا فيه بشرى بفتح مكة ولانه يفتتن الداخل بجلوسه مستقبل القبله لانه يظنه في الصلاة فيقتدى به وانما يستقبلهم بوجهه إذا لم يكن بحذائه مسبوق يصلى فان كان فلينحرف يمنة أو يسرة لان استقبال المصلى بوجهه مكروه لحديث عمر رضى الله تعالى عنه فانه رأى رجلا يصلي إلى وجه رجل فعلاهما بالدرة وقال للمصلى أتستقبل الصورة وقال للآخر أتستقبل المصلى بوجهك فأما في صلاة الظهر والعشاء والمغرب يكره له المكث قاعدا لانه مندوب إلى التنفل بعد هذه الصلوات والسنن لجبر نقصان ما يمكن في الفرائض فيشتغل بها وكراهية القعود في مكانه مروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر رضى الله تعالى عنهم ولا يشتغل بالتطوع في مكان الفريضة للحديث المروي أيعجر أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر بسبحته أي بنافلته ولانه يفتتن به الداخل أي يظنه في الفريضة فيقتدى به ولكنه يتحول إلى مكان آخر للتطوع استكثارا من شهوده فان مكان المصلى يشهد له يوم القيامة. والاولى أن يتقدم المقتدى ويتأخر الامام ليكون حالهما في التطوع

[ 39 ]

خلاف حالهما في الفريضة فان كان الامام مع القوم في المسجد فانى أحب لهم أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الامام والقوم جميعا في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وان أخروا التكبير حتى يفرغ المؤذن من الاقامة جاز وقال أبو يوسف رحمه الله لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الاقامة وقال زفر إذا قال المؤذن مرة قد قامت الصلاة قاموا في الصف وإذا قال ثانيا كبروا وقال لان الاقامة تباين الاذان بهاتين الكلمتين فتقام الصلاة عندها وأبو يوسف احتج بحديث عمر رضى الله تعالى عنه فانه بعد فراغ المؤذن من الاقامة كان يقوم في المحراب ويبعث رجالا يمنة ويسرة ليسووا الصفوف فإذا نادوا استوت كبر ولانه لو كبر الامام قبل فراغ المؤذن من الاقامة فات المؤذن تكبيرة الافتتاح فيؤدى إلى تقليل رغائب الناس في هذه الامانة. وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله استدلا بحديث بلال حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما سبقتني بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين فدل على أنه كان يكبر بعد فراغه من الاقامة ولان المؤذن بقوله قد قامت الصلاة يخبر بأن الصلاة قد أقيمت وهو أمين فإذا لم يكبر كان كاذبا في هذا الاخبار فينبغي أن يحققوا خبره بفعلهم لتحقق أمانته وهذا إذا كان المؤذن غير الامام فان كان هو الامام لم يقوموا حتى يفرغ من الاقامة لانهم تبع للامام وامامهم الآن قائم للاقامة لا للصلاة وكذلك بعد فراغه من الاقامة ما لم يدخل المسجد لا يقومون فإذا اختلط بالصفوف قام كل صف جاوزهم حتى ينتهى إلى المحراب وكذلك إذا لم يكن الامام معهم في المسجد يكره لهم أن يقوموا في الصف حتى يدخل الامام لقوله عليه الصلاة والسلام لا تقوموا في الصف حتى ترونى خرجت وان عليا رضى الله تعالى عنه دخل المسجد فرأى الناس قياما ينتظرونه فقال مالى أراكم سامدين أي واقفين متحيرين. ومن تثاءب في الصلاة ينبغي له أن يغطى فاه لقوله عليه الصلاة والسلام إذا تثاءب أحدكم في صلاته فليغط فاه فان الشيطان يدخل فيه أو قال فمه ولان ترك تغطية الفم عند التثاؤب في المحادثة مع الناس تعد من سوء الادب ففى مناجاة الرب أولى * قال (واكره أن يكون الامام على الدكان والقوم على الارض) لان النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن المنبر لصلاة الجمعة فلولم يكره كون الامام على الدكان لصلى على المنبر ليكون أشهر وان حذيفة رضى الله تعالى عنه قام على دكان يصلى لاصحابه فجذبه سلمان حتى أنزله فلما فرغ قال أما علمت أن أصحابك يكرهون

[ 40 ]

ذلك قال فلهذا اتبعتك حين جذبتني (وروى) ان عمار بن ياسر رضى الله تعالى عنه قام بالمدائن على دكان يصلى بأصحابه فجذبه حذيفة رضى الله تعالى عنه فلما فرغ قال أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن هذا قال لقد تذكرت ذلك حين جذبتني، وفى قيامه على الدكان تشبه باليهود واظهار التكبر على القوم وذلك مكروه فان كان الامام على الارض والقوم على الدكان فذلك مكروه في رواية الاصل لان فيه استخفافا من القوم لائمتهم. وفى رواية الطحاوي هذا لا يكره لانه مخالف لاهل الكتاب وكذلك ان كان مع الامام بعض القوم لم يكره ولم يبين في الاصل حد ارتفاع الدكان (وذكر) الطحاوي أنه ما لم يجاوز القامة لا يكره لان القليل من الارتفاع عفو ففى الارض هبوط وصعود والكثير ليس بعفو فجعلنا الحد الفاصل أن يجاوز القامة لان القوم حينئذ يحتاجون إلى التكلف للنظر إلى الامام وربما يشتبه عليهم حاله * قال (ويجوز امامة الاعمى والاعرابي والعبد وولد الزنا والفاسق وغيرهم أحب الي) والاصل فيه أن مكان الامامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم فانه أول من تقدم للامامة فيختار له من يكون أشبه به خلقا وخلقا ثم هو مكان استنبط منه الخلافة فان النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالت الصحابة بعد موته انه اختار أبا بكرلامر دينكم فهو المختار لامر دنياكم فانما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس (وتكثير الجماعة مندوب إليه) قال عليه الصلاة والسلام صلاة الرجل مع اثنين خير من صلاته وحده وصلاته مع الثلاثة خير من صلاته مع اثنين وكلما كثرت الجماعة فهو عند الله أفضل وفى تقديم المعظم تكثير الجماعة فكان أولى. إذا ثبت هذا فنقول تقديم الفاسق للامامة جائز عندنا ويكره وقال مالك رضى الله تعالى عنه لا تجوز الصلاة خلف الفاسق لانه لما ظهرت منه الخيانة في الامور الدينية فلا يؤتمن في أهم الامور ألا ترى أن الشرع أسقط شهادته لكونها أمانة (ولنا) حديث مكحول ان النبي صلى الله عليه وسلم قال الجهاد مع كل أمير والصلاة خلف كل امام والصلاة على كل ميت وقال صلى الله عليه وسلم صلوا خلف كل بر وفاجر ولان الصحابة والتابعين كانوا لا يمتنعون من الاقتداء بالحجاج في صلاة الجمعة وغيرها مع انه كان أفسق أهل زمانه حتى قال الحسن رحمه الله تعالى لوجاء كل أمة بخبيثاتها ونحن جئنا بأبى محمد لغلبناهم وانما يكره لان في تقديمه تقليل الجماعة وقلما يرغب الناس في الاقتداء به وقال أبو يوسف في

[ 41 ]

الامالى أكره أن يكون الامام صاحب هوى أو بدعة لان الناس لا يرغبون في الاقتداء به وانما جاز امامة الاعمى لان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرة وعتبان بن مالك مرة وكانا أعميين والبصير أولى لانه قيل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعد ماكف بصره ألا تؤمهم قال كيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة ولان الاعمي قد لا يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات فالبصير أولى بالامامة. وأما جواز امامة الاعرابي فان الله تعالى أثني على بعض الاعراب بقوله ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله الآية وغيره أولى لان الجهل عليهم غالب والتقوى فيهم نادرة وقد ذم الله تعالى بعض الاعراب بقوله تعالى الاعراب أشد كفرا ونفاقا. وأما العبد فجواز إمامته لحديث أبى سعيد مولى أبى أسيد قال عرست وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر فحضرت الصلاة فقدموني فصليت بهم وغيره أولى لان الناس قلما يرغبون في الاقتداء بالعبيد والجهل عليهم غالب لا شتغالهم بخدمة المولى عن تعلم الاحكام والتقوى فيهم نادرة وكذلك ولد الزنا فانه لم يكن له أب يفقهه فالجهل عليه غالب والذى روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد الزنا شر الثلاثة فقد روت عائشة رضى الله تعالى عنها هذا الحديث وقالت كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم المراد شر الثلاثة نسبا أو قاله في ولد زنا بعينه نشأ مرتدا فأما من كان منهم مؤمنا فالاقتداء به صحيح * قال (ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة وأفضلهم ورعا وأكبرهم سنا) لحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فان كانوا سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا سواء فأكبرهم سنا وأفضلهم ورعا وزاد في حديث عائشة رضى الله تعالى عنها فا كانوا سواء فأحسنهم وجها فبعض مشايخنا اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا من يكون أقرأ لكتاب الله تعالى يقدم في الامامة لان النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به وقال النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته * والاصح أن الاعلم بالسنة إذا كان يعلم من القرآن مقدار ما تجوز به الصلاة فهو أولى لان القراءة يحتاج إليها في ركن واحد والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لايعرف الا بالعلم وانما قدم

[ 42 ]

الاقرأ في الحديث لانهم كانوا في ذلك الوقت يتعلمون القرآن باحكامه على ماروي ان عمر رضى الله تعالى عنه حفظ سورة البقرة في ثنتى عشرة سنة فالاقرأ منهم يكون أعلم فأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القرآن ولاحظ له في العلم فالاعلم بالسنة أولى الا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم لان الناس لا يرغبون في الاقتداء به (فان استووا في العلم بالسنة فأفضلهم ورعا) لقوله صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عالم تقى فكانما صلى خلف نبى (وقال) صلى الله عليه وسلم ملاك دينكم الورع * وفى الحديث يقدم أقدمهم هجرة لانها كانت فريضة يومئذ ثم انتسخ بقوله صلى الله عليه وسلم لاهجرة بعد الفتح ولان أقدمهم هجرة يكون أعلمهم بالسنة لانهم كانوا يهاجرون لتعلم الاحكام فان كانوا سواء فاكبرهم سنا لقوله صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر ولان أكبرهم سنا يكون أعظمهم حرمة عادة ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر * والذى قال في حديث عائشة رضى الله عنها فان كانوا سواء فأحسنهم وجها قيل معناه أكثرهم خبرة بالامور كما يقال وجه هذا الامر كذا وان حمل على ظاهره فالمراد منه أكثرهم صلاة بالليل جاء في الحديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار قال ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته الا باذنه لقوله صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه ولان في التقدم عليه ازدراء به بين عشيرته وأقاربه وذلك لا يليق بحسن الخلق الا أن يكون الضيف سلطانا فحق الامامة له حيث يكون وليس للغير أن يتقدم عليه الا باذنه وإذا كان مع الامام رجلان فانه يتقدم الامام ويصلى بهما لان للمثنى حكم الجماعة قال صلى الله عليه وسلم الاثنان فما فوقهما جماعة وكذلك معنى الجمع من الاجتماع وذلك حاصل بالمثنى * والذى روى أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه صلى بعلقمة والاسود في بيت واحد فقام في وسطهما قال ابراهيم النخعي رحمه الله كان ذلك لضيق البيت والاصح أن هذا كان مذهب ابن مسعود رضى الله تعالي عنه ولهذا قال في الكتاب وان لم يتقدم الامام وصلى بهما فصلاتهم تامة لان فعلهم حصل في موضع الاجتهاد وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة والتقدم للامامة من سنة الجماعة ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالي في صلاة الجمعة النصاب ثلاثة سوى الامام (وان كان القوم كثيرا فقام الامام وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرة الصف فقد أساء الامام وصلاتهم

[ 43 ]

تامة) أما جواز الصلاة فلان المفسد تقدم القوم على الامام ولم يوجد وأما الكراهة فلان النبي صلى الله عليه وسلم تقدم للامامة بأصحابه رضوان الله عليهم وواظب على ذلك والاعراض عن سنته مكروه ولان مقام الامام في وسط الصف يشبه جماعة النساء ويكره للرجال التشبه بهن (وان تقدم المقتدى على الامام لا يصح اقتداؤه به الا على قول مالك رحمه الله تعالى فانه يقول الواجب عليه المتابعة في الافعال فإذا أتى به لم يضره قيامه قدام الامام) (ولنا) الحديث ليس مع الامام من يقدمه ولانه إذا تقدم على الامام اشتبه عليه حالة افتتاحه واحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليقتدى به فلهذا لا يجوز فان كان مع الامام واحد وقف على يمين الامام لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال بت عند خالتي ميمونة رضى الله تعالى عنها لاراقب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فانتبه فقال نامت العيون وغارت النجوم وبقى الحي القيوم ثم قرأ آخر سورة آل عمران ان في خلق السموات والارض إلى آخر الآية ثم قام إلى شن ماء معلق فتوضأ وافتتح الصلاة فقمت وتوضأت ووقفت على يساره فأخذ بأذنى وأدارني خلفه حتى أقامنى عن يمينه فعدت إلى مكاني فأعادني ثانيا وثالثا فلما فرغ قال ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذى أوقفتك قلت أنت رسول الله ولا ينبغى لاحد أن يساويك في الموقف فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. فاعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه إلى الجانب الايمن دليل على أنه هو المختار إذا كان مع الامام رجل واحد (وفى ظاهر الرواية لا يتأخر المقتدى عن الامام وعن محمد رحمه الله تعالى قال ينبغى أن يكون أصابعه عند عقب الامام وهو الذى وقع عند العوام) وان كان المقتدى أطول فكان سجوده قدام الامام لم يضره لان العبرة بموضع الوقوف لا بموضع السجود كما لو وقف في الصف ووقع في سجوده أمام الامام لطوله وان صلى خلفه امرأة جازت صلاته لحديث أنس رضى الله عنه أن جدته مليكة رضى الله تعالى عنها دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال قوموا لاصلى بكم فأقامني واليتيم من ورائه وأمى أم سليم وراءنا وصلاة الصبى تخلق فبقي أنس رضى الله تعالى عنه واقفا خلفه وحده وأم سليم وقفت خلف الصبى وحدها. وفى الحديث دليل على أنه إذا كان مع الامام اثنان يتقدمهما الامام ويصطفان خلفه (قال) وكذلك ان وقف على يسار الامام لان ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وقف في الابتداء عن يساره واقتدى

[ 44 ]

به ثم جواز اقتدائه به وفى الادراة حصل خلفه فدل أن شيئا من ذلك غير مفسد * قال (وهو مسئ من أصحابنا من قال هذه الاساءة إذا وقف عن يسار الامام لاخلفه) لان الواقف خلفه أحد الجانبين منه على يمينه فلايتم اعراضه عن السنة بخلاف الواقف على يساره (والاصح أن جواب الاساءة في الفصلين جميعا لانه عطف أحدهما على الآخر بقوله وكذلك) والله سبحانه وتعالى أعلم (باب الوضوء والغسل) قال (يبدأ في غسل الجنابة بيديه فيغسلهما ثم يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثم يتنحى فيغسل قدميه هكذا روت عائشة رضى الله تعالى عنها وأنس وميمونة رضي الله تعالى عنهما اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكملها حديث ميمونة رضى الله تعالى عنها قالت وضعت غسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل به من الجنابة فأخذ الاناء بشماله وأكفأه على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم أنقى فرجه بالماء ثم مال بيديه على الحائط فدلكهما بالتراب ثم توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم تنحى فغسل قدميه. وفى ظاهر الرواية يمسح برأسه في الوضوء وروى الحسن عن ابى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يمسح لانه قد لزمه غسل رأسه وفرضية المسح لا تظهر عند وجوب الغسل. ويبدأ بغسل ما على جسده من النجاسة لانه ان لم يفعل ذلك ازدادت النجاسة باسالة الماء والبداءة بالوضوء قبل افاضة الماء ليس بواجب عندنا ومن العلماء من قال هو واجب ومنهم من فصل بين ما إذا أجنب وهو محدث أو طاهر فقال إذا كان محدثا يلزمه الوضوء لانه قبل الجنابة قد كان لزمه الوضوء والغسل فلا يسقط بالجنابة (ولنا) قوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا والاطهار يحصل بغسل جميع البدن ولان مبنى الاسباب الموجبة للطهارة على التداخل ألا ترى أن الحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد. ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد افاضة الماء وقد روى انكار ذلك عن علي وابن مسعود رضى الله عنهما * وسئل ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن ذلك فقال للسائل قد تعمقت أما يكفيك غسل جميع بدنك * والاصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت (والدلك

[ 45 ]

في الاغتسال ليس بشرط الاعلى قول مالك يقيسه بغسل النجاسة العينية (ولنا) أن الواجب بالنص الاطهار والدلك يكون زيادة عليه والدلك لمقصود ازالة عين من البدن وليس على بدن الجنب عين يزيلها بالاغتسال فلا حاجة إلى الدلك وانما يؤخر غسل القدمين عن الوضوء لان رجليه في مستنقع الماء المستعمل حتى لو كان على لوح أو حجر لا يؤخر غسل القدمين * فالحاصل أن امرار الماء على جميع البدن فرض لقوله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة. وبافاضة الماء ثلاثا يتضاعف الثواب وبتقديم الوضوء تتم السنة وهو نظير لمراتب الوضوء على مابينا * وأدنى ما يكفى في غسل الجنابة من الماء صاع وفى الوضوء مد لحديث جابر رضى الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فقيل له ان لم يكفنا فغضب وقال لقد كفى من هو خير منكم وأكثر شعرا وهذا التقدير ليس بتقدير لازم فأنه لو أسبغ الوضوء بدون المد أجزأه لحديث عبد الرحمن بن زيد رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد وان لم يكفه المد في الوضوء يزيد الا أنه لا يسرف في صب الماء لحديث سعيد رضى الله عنه حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ ويصب الماء صبا فاحشا فقال اياك والسرف قال أوفى الوضوء سرف قال نعم ولو كنت على ضفة نهر جار. ثم التقدير بالصاع لماء الافاضة فإذا أراد تقديم الوضوء زاد مدا له والتقدير بالمد في الوضوء إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء فان احتاج إلى ذلك استنجي برطل وتوضأ بمد وان كان لابسا للخف وهو لا يحتاح إلى الاستنجاء يكفيه رطل كل هذا غير لازم لاختلاف طباع الناس وأحوالهم وكذلك غسل المرأة من الحيض فالواجب فيهما الاطهار * قال الله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن وان لم تنقض رأسها الا أن الماء بلغ أصول شعرها أجزأها لحديث أم سلمة رضى الله تعالى عنها فانها قالت يارسول الله صلى الله عليك وسلم انى امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه إذا اغتسلت فقال لا. يكفيك أن تفيضي الماء على رأسك وسائر جسدك ثلاثا. وبلغ عائشة رضى الله تعالى عنها أن ابن عمر رضى الله تعالى عنه كان يأمر المرأة بنقض رأسها في الاغتسال فقالت لقد كلفهن شططا ألا أمرهن بجز نواصيهن. وقال انما شرط تبليغ الماء أصول الشعر لحديث حذيفة رضى الله تعالى عنه فانه كان يجلس إلى جنب امرأته إذا اغتسلت ويقول يا هذه أبلغي الماء أصول شعرك ومتون رأسك. واختلف مشايخنا في وجوب بل الذوائب فقال بعضهم تبل

[ 46 ]

ذوائبها ثلاثا مع كل بلة عصرة والاصح أن ذلك ليس بواجب لما فيه من الحرج وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة يشهد للقول الاول (جنب) اغتسل فانتضح من غسله في إنائه لم يفسد عليه الماء لقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ومن يملك سيل الماء. ولما سئل الحسن عن هذا فقال انا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا أشار إلى أن ما لا يستطاع الامتناع منه يكون عفوا فان كان ذلك الماء يسيل في انائه لم يجز الاغتسال بذلك الماء يريد به أن الكثير يمكن التحرز عنه فلا يجعل عفوا. والحد الفاصل بين القليل والكثير ان كان يستبين مواقع القطر في الاناء يكون كثيرا. قال (ولا يجوز التوضؤ بماء مستعمل في وضوء أو في غسل شئ من البدن) وقال مالك رحمه الله يجوز لان بدن الجنب والمحدث طاهر حتى لو عرق في ثوبه أو لبس ثوبا مبلولا لم يفسد الثوب واستعمال الماء في محل طاهر لا يغير صفته كما لو غسل به اناء طاهر (ولنا) قوله عليه الصلاة والسلام لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة فالتسوية بينهما تدل على أن الاغتسال يفسد الماء وقال علي وابن عباس رضى الله تعالى عنهما في مسافر معه ماء يحتاج إليه لشربه انه يتيمم ويمسك الماء لعطشه فلولم يتغير الماء بالاستعمال لامرا بالتوضئ في اناء ثم بالامساك للشرب والعادة جرت بصب الغسالة في السفر والحضر مع عزة الماء في السفر فذلك دليل ظاهر على تغير الماء بالاستعمال * ثم اختلفوا في صفة الماء المستعمل فقال أبو يوسف رحمه الله هو نجس الا أن التقدير فيه بالكثير الفاحش وهو روايته عن أبى حنيفة رضى الله عنه وروى الحسن عن أبى حنيفه أنه نجس لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم وقال محمد رحمه الله تعالى هو طاهر غير طهور وهو رواية زفر وعافية القاضى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وجه قول أبى يوسف أن الحدث الحكمى أغلظ من النجاسة العينية ثم ازالة النجاسة العينية بالماء تنجسه فأزالة الحدث الحكمى به أولى ولهذا قال في رواية الحسن رحمه الله التقدير فيه بالدرهم كما في النجاسة العينية ولكنه بعيد فان للبلوى تأثيرا في تخفيف النجاسة ومعنى البلوى في الماء المستعمل ظاهر فان صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه. وجه قول محمد رحمه الله ماروي أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبادرون إلى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحون به أعضاءهم ومن لم يصبه أخذ بللا من كف صاحبه والتبرك بالنجس لا يكون. والمعنى

[ 47 ]

ان أعضاء المحدث طاهرة ولكنه ممنوع من اقامة القربة فإذا استعمل الماء تحول ذلك المنع إلى الماء فصارت صفة الماء كصفة العضو قبل الاستعمال فيكون طاهرا غير طهور بخلاف ما إذا أزال النجاسة بالماء فالنجاسة هناك تتحول إلى الماء (وروى) المعلى عن أبى يوسف رحمه الله أن المتوضئ بالماء ان كان محدثا يصير الماء نجسا وان كان طاهرا لا يصير الماء نجسا ولكن باستعمال الطاهر يصير الماء مستعملا الا على قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى فانهما يقولان إذا لم يحصل ازالة حدث أو نجاسة بالماء لا يصير الماء مستعملا كما لو غسل به ثوبا طاهرا (ولنا) أن اقامة القربة حصل بهذا الاستعمال قال عليه الصلاة والسلام الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة فنزل ذلك منزلة ازالة الحدث به بخلاف غسل الثوب والاناء الطاهر فانه ليس فيه اقامة القربة (وذكر) الطحاوي رحمه الله أنه إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملا وهذا غلط منه الا أن يكون تأويله ان كان محدثا فيزول الحدث باستعمال الماء وان كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملا * قال (وسؤر الآدمي طاهر) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعس من لبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيا كان على يمينه فشربه ثم ناوله أبا بكر رضى الله عنه فشربه ولان عين الآدمي طاهر وانما لا يؤكل لكرامته لا لنجاسته وسؤره متحلب من عينه وعينه طاهر فكذلك سؤره * وكذلك سؤر الحائض لما روي أن عائشة رضى الله عنها شربت من إناء في حال حيضها فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمه على موضع فيها وشرب. ولما قال لها ناوليني الخمرة (1) فقالت اني حائض فقال حيضتك ليست في يدك. إذا ثبت هذا في اليد فكذلك في الفم. وكذلك سؤر الجنب لما روى أن حذيفة رضى الله عنه استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يصافحه فحبس يده وقال انى جنب فقال عليه الصلاة والسلام ان المؤمن لا ينجس وكذلك سؤر المشرك عندنا وبعض أصحاب الظواهر يكرهون ذلك لقوله تعالى انما المشركون نجس ولكنا نقول المراد منه خبث الاعتقاد بدليل ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين ولو كان عين المشرك نجسا لما أنزلهم في المسجد. وكذلك سؤر ما يؤكل لحمه من الدواب والطيور (1) (الخمرة) بضم الخاء المعجمة وسكون الميم وفتح الراء هي حصيرة صغيرة من السعف وتطلق على غير ذلك كما في القاموس كتبه مصححه

[ 48 ]

لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بسؤر بعير أو شاة وقال ما يؤكل لحمه فسؤره طاهر ما خلا الدجاجة المخلاة فان سؤرها مكروه لانها تفتش الجيف والاقذار فمنقارها لا يخلو عن النجاسة ولكن مع هذا لو توضأ به جاز لانه على يقين من طهارة منقارها وفى شك من النجاسة والشك لا يعارض اليقين فان كانت الدجاجة محبوسة فسؤرها طاهر لان منقارها عظم جاف ليس بنجس ولان عينها طاهر مأكول فكذلك ما يتحلب منه والذى روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يقول بحرمة الدجاجة شاذ غير معمول به فقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل لحم الدجاجة. وصفة المحبوسة أن لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها فانه إذا كان يصل ربما تفتش ما يكون منها فهي والمخلاة سواء والذى بينا في سؤر هؤلاء فكذلك في اللعاب والعرق إذا أصاب لعاب ما يؤكل لحمه أو عرقه ثوب انسان تجوز الصلاة فيه لان ذلك متحلب من عينه فكان طاهرا كلبنه * قال (ولا يصح التطهر بسؤر ما لا يؤكل لحمه من الدواب والسباع ولعابه يفسد الماء * وهنا مسائل) احداها سؤر الخنزير فانه نجس بالاتفاق لان عينه نجس قال الله تعالى أو لحم خنزير فانه رجس والرجس والنجس سواء (والثانية) سؤر الكلب فانه نجس الا على قول مالك رحمه الله بناء على مذهبه في تناول لحمه. وكان يقول الامر بغسل الاناء من ولوغ الكلب كان تعبدا لا للنجاسة كما أمر المحدث بغسل أعضائه تعبدا أو كان ذلك عقوبة عليهم والكلاب فيهم كانت تؤذى الغرباء فنهوا عن اقتنائها وأمروا بغسل الاناء من ولوغها عقوبة عليهم (ولنا) حديث عطاء بن ميناء عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال طهور أناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله ثلاثا. وفى بعض الروايات قال سبعا وتعفر الثامنة بالتراب فقوله طهور اناء أحدكم دليل على تنجس الاناء بولوغه وان الامر بالغسل للتنجيس لا للتعبد فان الجمادات لا يلحقها حكم العبادات والزيادة في العدد والتعفير بالتراب دليل على غلظ النجاسة والصحيح من المذهب عندنا ان عين الكلب نجس واليه يشير محمد رحمه الله في الكتاب في قوله وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير. وبعض مشايخنا يقول عين الكلب ليس بنجس ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغ وسنقرره من بعد وأما سؤر مالا يؤكل لحمه من السباع كالاسد والفهد والنمر عندنا نجس. وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه طاهر لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن

[ 49 ]

النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلها وفى حديث جابر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التى بين مكة والمدينة وما ينوبها من السباع فقال لها ما ولغت في بطونها وما بقى فهو لنا شراب وطهور ولان عينها طاهرة بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار وجواز بيعها فيكون سؤرها طاهرا كسؤر الهرة (ولنا) ماروى أن ابن عمر وعمرو بن العاص رضى الله عنهما وردا حوضا فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا فقال ابن عمر رضى الله تعالى عنه يا صاحب الحوض لا تخبرنا. فلولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك * والمعنى فيه أن عين هذه الحيوانات مستخبث غير طيب فسؤرها كذلك كالكلب والخنزير وهذا لان سؤرها يتحلب من عينها كلبنها ثم لبنها حرام غير مأكول فكذلك سؤرها وهو القياس في الهرة أيضا لكن تركنا ذلك بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم والطوافات أشار إلى العلة وهى كثرة البلوى لقربها من الناس وهذا لا يوجد في السباع فانها تكون في المفاوز لا تقرب من الناس اختيارا وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم لحم السباع. أو السؤال وقع عن الحياض الكبار وبه نقول ان مثلها لا ينجس بورود السباع فأما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي رحمه الله تعالى وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما فانه كان يقول الحمار يعلف القت والتبن فسؤره طاهر وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته ولا بنجاسته فان ابن عمر رضى الله عنهما كان يقول انه رجس فيتعارض قوله وقول ابن عباس رضى الله عنهما وكذلك الاخبار تعارضت في أكل لحمه * فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر * وروى أن أبجر ابن غالب رضى الله عنه قال لم يبق لى من مالى الا حميرات فقال عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته واعتباره بلبنه يدل على نجاسته ولان الاصلى الذى أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة موجود في الحمار لانه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فانه لايدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لانقول بنجاسته ولكون البلوى فيه متقاعدا لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكا فيه وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض والحكم فيها الوقف * وكان أبو طاهر الدباس رحمه الله

[ 50 ]

ينكر هذا ويقول لا يجوز أن يكون شئ من حكم الشرع مشكوكا فيه ولكن يحتاط فيه فلا يجوز أن يتوضأ به حالة الاختيار وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين التيمم احتياطا فبأيهما بدأ أجزأه الا على قول زفر فانه يقول يبدأ بالوضوء فلا يعتبر تيممه مادام معه ماء هو مأمور بالتوضئ به ولكنا نقول الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب فان كان طاهرا فقد توضأ به قدم أو أخر وان كان نجسا ففرضه التيمم وقد أتى به ولا يقال في هذا ترك الاحتياط من وجه لانه ان كان نجسا تتنجس به أعضاؤه وهذا لان معنى الشك في طهارته لا في كونه طاهرا لان الحدث يقين فأما العضو والثوب فطاهر بيقين فلا يتنجس بالشك والحدث موجود بيقين فالشك وقع في طهارته واليقين لا يزال بالشك وهو الصحيح من المذهب * وذكر أبو يوسف في الاملاء عن أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه في لعاب الحمار إذا أصاب الثوب تجوز الصلاة فيه ما لم يفحش وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أجزأه وان فحش وقال محمد رحمه الله تعالى لو غمس فيه الثوب تجوز الصلاة في ذلك الثوب وجميع ما بينا في الحمار كذلك في البغل فان والده غير مأكول اللحم والصحيح في عرقهما أنه طاهر وأشار في بعض النسخ إلى جواز الصلاة فيه ما لم يفحش والاصح هو الاول فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب حمارا معروريا والحر حر تهامة ولا بد أن يعرق الحمار ولان معنى البلوى في عرقه ظاهر لمن يركبه فأما سئور الفرس طاهر في ظاهر الرواية وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه مكروه كلحمه * وجه ظاهر الرواية وهو أن السؤر لمعنى البلوى أخف حكما من اللحم كما في الحمار والبغل والكراهة التى في اللحم تنعدم في السؤر ليظهر به خفة الحكم * فأما سؤر حشرات البيت كالفأرة والحية ونحوهما في القياس فنجس لانها تشرب بلسانها ولسانها رطب من لعابها ولعابها يتحلب من لحمها ولحمها حرام ولكنه استحسن فقال طاهر مكروه لان البلوى التى وقعت الاشارة إليها في الهرة. موجودة هنا فانها تسكن البيوت ولا يمكن صون الاواني عنها وأما سؤر سباع الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب وما لا يؤكل لحمه من الطير في القياس نجس لان مالا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبر بما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش ولكنا استحسنا فقلنا بأنه طاهر مكروه لانها تشرب بمنقارها ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش فانها تشرب بلسانها ولسانها رطب بلعابها ولان في سؤر سباع الطير

[ 51 ]

تتحقق البلوى فانها تنقض من الهواء فلا يمكن صون الاواني عنها خصوصا في الصحارى بخلاف سباع الوحش. وعن أبى يوسف رحمه الله قال ما يقع على الجيف من سباع الطير فسؤره نجس لان منقاره لا يخلو عن نجاسة عادة وأما سؤر السنور ففي كتاب الصلاة قال وان توضأ بغيره أحب إلى وفى الجامع الصغير قال هو مكروه وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس بسؤره لحديث عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغي الاناء لهرة حتى تشرب ثم يتوضأ بالباقي (ولنا) حديث ابن عمر رضى الله عنهما يغسل الاناء من ولوغ الهرة مرة وهو اشارة إلى الكراهة. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الهرة سبع وهى من السباع التى لا يؤكل لحمها فهذا الحديث يدل على النجاسة وحديث عائشة رضى الله عنها يدل على الطهارة فأثبتنا حكم الكراهة عملا بهما جميعا. وكان الطحاوي رحمه الله يقول كراهة سؤره لحرمة لحمه وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب وقال الكرخي رحمه الله كراهة سؤره لانه يتناول الجيف فلا يخلو فمه عن النجاسة عادة وهذا يدل على أن الكراهة كراهة تنزيه وهو الاصح والاقرب إلى موافقة الاثر * قال (وان مات في الاناء ذباب أو عقرب أو غير ذلك مما ليس له دم سائل لم يفسده عندنا) وقال الشافعي رضى الله عنه يفسده الا ما خلق منه كدود الخل يموت فيه وسوس الثمار يموت في الثمار واستدل بقوله تعالى حرمت عليكم الميته فهو تنصيص على نجاسة كل ميته وإذا تنجس بالموت تنجس ما مات فيه الا أن فيما خلق منه ضرورة ولا يمكن التحرز عنه فصار عفوا لهذا (ولنا) حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع الذباب في اناء أحدكم فامقلوه ثم امقلوه ثم انقلوه فان في أحد جناحيه سما وفى الآخر شفاء وانه ليقدم السم على الشفاء ومعلوم أن الذباب إذا مقل مرارا في الطعام الحار يموت فلو كان مفسدا لما أمر بمقله. وفى حديث سلمان الفارسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ليس له دم سائل إذا مات في الاناء فهو الحلال أكله وشربه والوضوء به ولان الحيوان إذا مات فانما يتنجس لما فيه من الدم المسفوح حتى لو ذكى فسال الدم منه كان طاهرا وهذا لان المحرم هو الدم المسفوح قال الله تعالى أو دما مسفوحا فما ليس له دم سائل لا يتناوله نص التحريم فلا ينجس بالموت ولا يتنجس ما مات فيه قياسا على

[ 52 ]

ما خلق منه * قال (وان وقع فيه دم أو خمر أو عذرة أو بول افسده عندنا) وقال مالك رحمه الله لا يفسده الا أن يتغير به أحد أوصافه من لون أو ريح أو طعم واحتج بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيه الجيف ومحايض النساء فلما ذكر له ذلك قال خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (ولنا) قوله عليه الصلاة والسلام لايبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة فلو لم يكن ذلك مفسدا للماء ما كان للنهي عنه معنى وفائدة. وفيه طريقتان احداهما أن الماء ينجس بوقوع النجاسة فيه لان صفة الماء تتغير بما يلقى فيه حتى يضاف إليه كماء الزعفران وماء الباقلا * والثانية أن عين الماء لا يتنجس ولكن يتعذر استعماله لمجاورة الفاسد لان النجاسة تتفرق في أجزاء الماء فلا يمكن استعمال جزء من الماء الا باستعمال جزء من النجاسة واستعمال النجاسة حرام * وأما الحديث فقد قيل ان بئر بضاعة كان ماؤه جاريا يسقى منه خمس بساتين وعندنا الماء الجارى لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أو صافه. وقيل انما كان يلقى فيه الجيف في الجاهلية فان في الاسلام نهوا عن مثل هذا وكان برسول الله صلى الله عليه وسلم من التنزه والتقذر ما يمنعه من التوضئ والشرب من بئر يلقى فيه ذلك في وقته وانما أشكل عليهم أن ما كان في الجاهلية هل يسقط اعتباره بتطهير البئر في الاسلام فأزال اشكالهم بما قال (وان بزق في الماء أو امتخط لم يفسده لانه طاهر لاقي طاهرا) والدليل على طهارة البزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان في محو بعض الكتابة به والدليل على طهارة المخاط أن النبي صلى الله عليه وسلم امتخط في صلاته فأخذه بثوبه ودلكه ثم المخاط والنخامة سواء ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضى الله عنه يغسل ثوبه من النخامة قال ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذى في ركوتك الا سواء (وان أدخل جنب أو حائض أو محدث يده في الاناء قبل أن يغسلها وليس عليها قذر لم يفسد الماء استحسانا) وكان ينبغى في القياس أن يفسده لان الحدث زال عن يده بادخاله في الاناء فيصير الماء مستعملا كالماء الذى غسل به يده * وجه الاستحسان ماروى أن المهراس كان يوضع على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها ماء فكان أصحاب الصفة رضوان الله عليهم يغترفون منه للوضوء بأيديهم ولان فيه بلوى وضرورة فقد لا يجد شيئا يغترف به الماء من الاناء العظيم

[ 53 ]

فيجعل يده لاجل الحاجة كالمغرفة وإذا ثبت هذا في المحدث فكذلك في الجنب والحائض لما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد فربما بدأت أنا وربما بدأ هو وكنت أقول أبقى لى وهو يقول بقى لى * وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى في الامالى قال إذا أدخل الجنب يده أو رجله في البثر لم يفسده وان أدخل رجله في الاناء أفسده وهذا لمعنى الحاجة ففى البئر الحاجة إلى ادخال الرجل لطلب الدلو فجعل عفوا وفى الاناء الحاجة إلى ادخال اليد فلا تجعل الرجل عفوا فيه وان أدخل في البئر بعض جسده سوى اليد والرجل أفسده لانه لا حاجة إليه. وقال في الاصل إذا اغتسل الطاهر في البئر أفسده وهو بناء على ما تقدم أن المستعمل للماء على قصد التقرب وان كان طاهرا فالماء بفعله يصير مستعملا فإذا اغتسل في البئر صار الماء مستعملا. وقوله أفسده دليل على أن الصحيح من قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن الماء المستعمل نجس لان الفاسد من الماء هو النجس وإذا انغمس فيه لطلب دلو وليس على بدنه قذر لم يفسد الماء لانه لم يوجد فيه ازالة الحدث ولا اقامة القربة لما لم يغتسل فيه وان انغمس في جب يطلب دلوا لم يفسد الماء ولم يجزئه من الغسل في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا يفسد الماء ويجزئه من الغسل. وعن أبى يوسف في الامالى أن الماء يفسد ولا يجزئه من الغسل. من أصحابنا من قال هذا الخلاف ينبنى على أصل وهو أن عند أبى يوسف الماء يصير مستعملا بأحد شيئين إما بازالة الحدث أو باقامة القربة فلو زال الحدث هنا صار الماء مستعملا فلا يجزئه من الاغتسال فلهذا قال الرجل بحاله والماء بحاله ومن أصل محمد أن الماء لا يصير مستعملا الا باقامة القربة والاغتسال يتحصل بغير نية فكان الرجل طاهرا والماء غير مستعمل لعدم القصد منه إلى اقامة القربة وهذا ليس بقوى فان هذا المذهب غير محفوظ عن محمد نصا ولكن الصحيح أن ازالة الحدث بالماء مفسد للماء الا عند الضرورة كما بينا في الجنب يدخل يده في الاناء وفي البئر معنى الضرورة موجود فانهم إذا جاؤا بغواص لطلب دلوهم لا يمكنهم ان يكلفوه الاغتسال أولا فلهذا لا يصير الماء مستعملا ولكن الرجل يطهر لان الماء مطهر من غير قصد * وجه رواية الاملاء أنه كما أدخل بعض اعضائه في البئر صار الماء مستعملا فبعد ذلك سواء اغتسل أو لم يغتسل لم يطهره الماء المستعمل * قال (وان وقع في البئر بول ما يؤكل لحمه أفسده في قول أبى حنيفة

[ 54 ]

وابى يوسف رحمهما الله تعالى ولا يفسده في قول محمد ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه) أو اصل المسألة أن بول ما يؤكل لحمه نجس عندهما طاهر عند محمد رحمه الله تعالى واحتج بحديث أنس رضي الله تعالى عنه أن قوما من عرنة جاؤا إلى المدينة فأسلموا فاجتووا المدينة فاصفرت ألوانهم وانتفخت بطونهم فامرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى ابل الصدقة فيشربوا من ابوالها والبانها الحديث فلو لم يكن طاهرا لما أمرهم بشربه والعادة الظاهرة من أهل الحرمين بيع ابوال الابل في القوارير من غير نكير دليل ظاهر على طهارتها. ولهما قول النبي صلى الله عليه وسلم استنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه ولما ابتلى سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه بضغطة القبر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سببه فقال انه كان لا يستنزه من البول ولم يرد به بول نفسه فان من لا يستنزه منه لا تجوز صلاته وانما أراد أبوال الابل عند معالجتها. والمعنى أنه مستحيل من أحد الغذاءين إلى نتن وفساد فكان نجسا كالبعر. فأما حديث أنس رضى الله تعالى عنه فقد ذكر قتادة عن أنس رضى الله تعالى عنه انه رخص لهم في شرب ألبان الابل ولم يذكر الابوال وانما ذكره في حديث حميد عن أنس رضى الله تعالى عنهما والحديث حكاية حال فإذا دار بين أن يكون حجة أولا يكون حجة سقط الاحتجاج به ثم نقول خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك لانه عرف من طريق الوحي ان شفاءهم فيه ولا يوجد مثله في زماننا وهو كما خص الزبير رضى الله تعالى عنه بلبس الحرير لحكة كانت به وهي مجاز عن القمل فانه كان كثير القمل أو لانهم كانوا كفارا في علم الله تعالى ورسوله علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر في النجس. إذا عرفنا هذا فنقول إذا وقع في الماء فعند محمد رحمه الله هو طاهر فلا يفسد الماء حتى يجوز شربه ولكن إذا غلب على الماء لم يتوضأ به كسائر الطاهرات إذا غلبت على الماء وعند أبي حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله هو نجس فكان مفسدا للماء والبئر والاناء فيه سواء وعلى قول ابى حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز شربه للتداوي وغيره لقوله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وعند محمد يجوز شربه للتداوي وغيره لانه طاهر عنده وعند ابى يوسف يجوز شربه للتداوي لاغير عملا بحديث العرنيين ولا يجوز لغيره ولو اصاب الثوب لم ينجسه عند محمد رحمه الله تعالى حتى تجوز الصلاة فيه وإن امتلا الثوب منه وعلى

[ 55 ]

قول ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله تعالى ينجس الثوب الا انه يجوز الصلاة فيه ما لم يكن كثيرا فاحشا لانه مختلف في نجاسته وفيه بلوى لمن يعالجها فخفت نجاسته لهذين المعنيين فكان التقدير بالكثير الفاحش. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى الكثير الفاحش في الثوب الربع فصاعدا قيل أراد به ربع الموضع الذي أصابه من ذيل أو غيره وقيل أراد به ربع جميع الثوب وهو الصحيح وهذا لان الربع ينزل منزلة الكمال بدليل ان المسح بربع الرأس كالمسح بجميعه وعن أبى يوسف في روايته الكثير الفاحش شبر في شبر وفى رواية ذراع في ذراع وعن محمد رحمه الله تعالى فيما يقدر الكثير الفاحش على قوله كالارواث. وغيره أنه قدر موضع القدمين وهذا قريب من شبر في شبر (ويستحب للرجل حين يبتدئ الوضوء أن يقول بسم الله وان لم يقل أجزأه) وعلى قول أصحاب الظواهر التسمية من الاركان لا يجوز الوضوء الا بها لقوله عليه الصلاة والسلام لا وضوء لمن لم يسم وعندنا التسمية من سنن الوضوء لامن أركانه فان الله تعالى بين أركان الوضوء بقوله فاغسلوا وجوهكم الآية ولم يذكر التسمية وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية فتبين بهذا أن المراد من قوله عليه الصلاة والسلام لا وضوء لمن لم يسم نفى الكمال لا نفى الجواز كما قال في حديث آخر من توضأ وسمى كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يسم كان طهورا لاعضاء وضوئه وفي الحديث المعروف كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع أي ناقص غير كامل وهذا بخلاف التسمية على الذبيحة فانا أمرنا بها اظهارا لمخالفة المشركين لانهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح فكان الترك مفسدا وهنا أمرنا بالتسمية تكميلا للثواب لا مخالفة للمشركين فانهم كانوا لا يتوضؤن فلم يكن الترك مفسدا لهذا. قال (وان بدأ في وضوئه بذراعيه قبل وجهه أو رجليه قبل رأسه أجزأه عندنا) ولم يجزه عند الشافعي رضى الله عنه فان الترتيب في الوضوء عندنا سنة وعنده من الاركان واستدل بقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم الآية والفاء للوصل والترتيب فظاهره يقتضى أنه يلزمه وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة ولا يجوز تقديم غيره عليه ثم ان الله تعالى عطف البعض على البعض بحرف الواو وذلك موجب للترتيب كما في قوله تعالى اركعوا واسجدوا ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعي بين الصفا والمروة بأيهما نبدأ فقال ابدؤا بما بدأ الله تعالى به فدل على أن الواو للترتيب وقال عليه

[ 56 ]

الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ولا شك ان حرف ثم للترتيب (ولنا) ما ذكره أبو داود رحمه الله تعالى في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فبدأ بذراعيه ثم بوجهه والخلاف فيهما واحد * وروى انه صلى الله عليه وسلم نسى مسح رأسه في وضوئه فتذكر بعد فراغه فمسحه ببلل في كفه ولان الركن تطهير الاعضاء وذلك حاصل بدون الترتيب ألا ترى أنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه ولم يوجد الترتيب ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الترتيب في الوضوء لاتدل على أنه ركن فقد كان يواظب على السنن كما واظب على المضمضة والاستنشاق وأهل اللغة اتفقوا على أن الواو للعطف مطلقا من غير أن تقتضي جمعا ولا ترتيبا فان الرجل إذا قال جاءني زيد وعمرو كان اخبارا عن مجيئهما من غير ترتيب في المجئ قال الله تعالى واسجدي واركعى مع الراكعين فلا يدل ذلك على ترتيب الركوع علي السجود وكذلك في الآية أمر بغسل الاعضاء لا بالترتيب في الغسل ألا ترى أن ثبوت الحدث في الاعضاء لا يكون مرتبا فكذلك زواله والحديث محمول على صفة الكمال وبه نقول (وان غسل بعض أعضائه وترك البعض حتى جف ما قد غسل أجزأه لان الموالاة سنة عندنا) وقال مالك رحمه الله تعالى وهو أحد قولى الشافعي رحمه الله تعالى الموالاة ركن فلا يجزئه تركه لان النبي صلى الله عليه وسلم واظب على الموالاة فلو جاز تركه لفعله مرة تعليما للجواز. وقال ابن أبى ليلى ان كان في طلب الماء أجزأه لان ذلك من عمل الوضوء فان كان أخذ في عمل آخر غير ذلك وجف وجب علينا اعادة ما جف وجعله قياس أعمال الصلاة إذا اشتغل في خلالها بعمل آخر (ولنا) ما بينا أن المقصود تطهير الاعضاء وذلك حاصل بدون الموالاة والمنصوص عليه في الكتاب غسل الاعضاء فلو شرطنا الموالاة كان زيادة على النص وقد بينا أن مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكون لبيان السنة وأفعال الصلاة تؤدى بناء على التحريمة والاشتغال بعمل آخر مبطل للتحريمة فكان مفسدا بخلاف الوضوء فان أركان الوضوء لاتنبنى على التحريمة حتى لم يكن الكلام في الوضوء مفسدا له والله أعلم * قال (ولا يفسد خرء الحمام والعصفور الماء فانه طاهر عندنا) وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه نجس يفسد الماء والثوب والقياس ما قال لانه مستحيل من غذاء الحيوان إلى فساد لكن استحسنه علماؤنا رحمهم الله تعالى لحديث ابن

[ 57 ]

مسعود رضى الله تعالى عنه انه خرئت عليه حمامة فمسحه بأصبعه وابن عمر رضى الله تعالى عنهما ذرق عليه طائر فمسحه بحصاة وصلى ولم يغسله ولان الحمام تركت في المساجد حتى في المسجد الحرام مع علم الناس بما يكون منها وأصله حديث أبى أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر الحمامة وقال انها أوكرت على باب الغار حتى سلمت فجازاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها فهو دليل على طهارة ما يكون منها * قال (وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور ذكر في الجامع الصغير أنه تجوز الصلاة فيه وان كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى لا يجوز بمنزلة خرء ما لا يؤكل لحمه من السباع) والمعنى أنه مستحيل من غذائه إلى فساد. واختلف مشايخنا رحمهم الله على قول ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله تعالى فمنهم من قال هو نجس عندهما لكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لمعنى البلوى والاصح أنه طاهر عندهما فان الخرء لافرق فيه بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم في النجاسة ثم خرء ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر فكذلك ما لا يؤكل لحمه * قال (وبول الخفافيش لا يفسد الماء لانه لا يستطاع الامتناع منه ولا يستقذره الناس عادة) ويفسده خرء الدجاج لانه أشبه الاشياء بالعذرة لونا ورائحة فكان نجسا نجاسة غليظة * قال (وموت الضفدع والسمك والسرطان في الماء لا يفسده) لوجهين. أحدهما أن الماء معدنه والشئ إذا مات في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة كمن صلى وفى كمه بيضة مذرة حال محها دما تجوز صلاته وهذا لان التحرز عن موته في الماء غير ممكن. والثانى أنه ليس لهذه الحيوانات دم سائل فان ما يسيل منها إذا شمس ابيض والدم إذا شمس اسود وهذا الحرف أصح لانه كما لا يفسد الماء بموت هذه الحيوانات فيه لا يفسد غير الماء كالخل والعصير ويستوى ان تقطع أولم يتقطع الاعلى قول أبى يوسف رحمه الله فانه يقول إذا تقطع في الماء أفسده بناء على قوله ان دمه نجس وهو ضعيف فانه لادم في السمك انما هو ماء آجن ولو كان فيه دم فهو مأكول فلا يكون نجسا كالكبد والطحال. وأشار الطحاوي رحمه الله إلى أن الطافى من السمك يفسد الماء وهو غلط منه فليس في الطافى أكثر من أنه غير مأكول فهو كالضفدع والسرطان * وعن محمد رحمه الله تعالى قال الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت شربه لا لنجاسته ولكن لان أجزاء الضفدع فيه والضفدع غير مأكول (وإذا ماتت الفأرة

[ 58 ]

في البئر فاستخرجت حين ماتت نزح من البئر عشرون دلوا وان ماتت في جب أريق الماء وغسل الجب لانه تنجس بموت الفأرة فيه) القياس في البئر أحد شيئين أما ما قاله بشر رحمه الله انه يطم رأس البئر ويحفر في موضع آخر لانه وان نزح ما فيها من الماء يبقى الطين والحجارة نجسا ولا يمكن كبه ليغسل فيطم. وأما ما نقل عن محمد رحمه الله تعالى قال اجتمع رأيى ورأي يوسف رحمه الله تعالى أن ماء البئر في حكم الماء الجارى لانه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب فيه من جانب ويؤخذ من جانب لم يتنجس بادخال يد نجسة فيه. ثم قلنا وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء ولا نخالف السلف وتركنا القياس لحديث علي رضى الله تعالى عنه قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها دلاء وفى رواية سبع دلاء. وفى حديث أبي سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال في الدجاجة تموت في البئر ينزح منها أربعون دلوا (ولنا) حديث النخعي والشعبى في الفأرة تموت في البئر ينزخ منها عشرون دلوا. وروي عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا ولكنه شاذ. وعن ابن عباس وابن عمر رضى الله تعالى عنهم في الزنجي الذى وقع في بئر زمزم فمات أنهما أمرا بنزح جميع الماء. ثم في الاصل جعله على ثلاث مراتب في الفأرة عشرون دلوا وفى السنور والدجاجة أربعون دلوا وفى الشاة والآدمي جميع الماء. وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى جعله على خمس درجات في الجلة والفأرة الصغيرة عشر دلاء وفى الفأرة الكبيرة عشرون دلوا وفى الحمامة ثلاثون دلوا وفى الدجاجة أربعون دلوا وفى الشاة والآدمي جميع الماء وهذا لانه انما يتنجس من الماء ما جاوز النجاسة والفأرة تكون في وجه الماء فإذا نزح عشرون دلوا فالظاهر أنه نزح جميع ما جاوز الفأرة فما بقى يبقى طاهرا والدجاجة تغوص في الماء أكثر مما تغوص الفأرة فيتضاعف النزح لهذا والشاة والآدمي يغوص إلى قعر الماء فيموت ثم يطفو فلهذا نزح جميع الماء وهذا إذا لم يتفسخ شى ء من هذه الحيوانات فان انتفخ أو تفسخ نزح جميع الماء الفأرة وغيرها فيه سواء لانه ينفصل منها بلة نجسة وتلك البلة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة من خمر أو بول تقع في البئر. ولهذا قال محمد رحمه الله تعالى إذا وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء لان موضع القطع فيه لا ينفك عن نجاسة مائعة بخلاف الفأرة فان غلبهم الماء في موضع وجب نزح جميع الماء فالمروي

[ 59 ]

عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا نزح منها مائة دلو يكفى وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها. وعن محمد رحمه الله تعالى في النوادر أنه ينزح منها ثلاثمائة دلو أو مائتا دلو. وانما أجاب بهذا بناء على كثرة الماء في آبار بغداد. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى ينزح قدر ما كان فيها من الماء قيل معناه أنه ينظر إلى عمق البئر وعرضه فيحفر حفيرة مثلها ويصب ما ينزح فيها فإذا امتلات فقد نزح ما كان فيها. وقيل يرسل قصبة في الماء ويجعل على مبلغه علامة ثم ينزح عشر دلاء ثم يرسل القصبة ثانيا فينظركم انتقص فان انتقص العشر علم أن في البئر مائة دلو والاصح أنه ينظر إليها رجلان لهما بصر في الماء فبأي مقدار قالا في البئر ينزح ذلك القدر وهذا أشبه بالفقه فان كان توضأ رجل منها بعدما ماتت الفأرة فيها فعليه اعادة الوضوء والصلوات جميعا لانه تبين انه توضأ بالماء النجس وان كان لا يدرى متى وقع فيها وقد كان وضوءه من ذلك البئر فان كانت منتفخة أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى احتياطا وان كانت غير منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ليس عليه أن يعيد شيئا من صلاته ما لم يعلم أنه توضأ منها وهو فيها والقياس ما قالا لانه على يقين من طهارة البئر فيما مضى وفى شك من نجاسته واليقين لا يزال بالشك كمن رأي في ثوبه نجاسة لا يدرى متى أصابته لا يلزمه اعادة شئ من الصلوات لهذا وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول أولا بقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى حتى رأى طائرا في منقاره فأرة ميتة وألقاها في بئر فرجع إلى هذا القول وقال لا يعيد شيئا من الصلاة بالشك وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول ظهر لموت الفأرة سبب وهو وقوعها في البئر فيحال موتها عليه كمن جرح انسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات يحال موته على تلك الحالة لانه هو الظاهر من السبب. ثم الانتفاخ دليل تقادم العهد وأدنى حد التقادم ثلاثة أيام ألا ترى أن من دفن قبل أن يصلى عليه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام ولا يصلى بعد ذلك لانه يتفسخ في هذه المدة وقولهما ان في نجاسة البئر فيما مضى شكا * قلنا يؤيد هذا الشك تيقن النجاسة في الحال فوجب اعتباره والقول به للاحتياط فيه وفى مسألة الثوب قال معلى الخلاف فيهما واحد وعند أبى حنيفة رحمه الله ان كانت النجاسة بالية يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وان كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة ومن سلم فرق بينهما لابي حنيفة رحمه الله فقال الثوب كان يقع بصره

[ 60 ]

عليه في كل وقت فلو كانت فيه نجاسة فيما مضى لرآها فأما البئر فمغيب عن بصره والموضع موضع الاحتياط فان كانت غير منتفخة قال أبو حنيفة رحمه الله يعيد صلاة يوم وليلة لانه لما وجب عليه اعادة الصلاة أمرنا باعادة صلاة يوم وليلة احتياطا (وإذا صلى وفى ثوبه من الروث أو السرقين أو بول ما لا يؤكل لحمه من الدواب أو خرء الدجاجة أكثر من قدر الدرهم لم تجز صلاته) والاصل في هذا ان القليل من النجاسة في الثوب لايمنع جواز الصلاة فيه عندنا. وقال الشافعي رحمه الله إذا كان بحيث يقع بصره عليه يمنع جواز الصلاة قال لان الطهارة عن النجاسة العينية شرط جواز الصلاة كالطهارة عن الحدث الحكمى فكما أن الشرط ينعدم بالقليل من الحدث وكثيره فكذلك ينعدم بالقليل من النجاسة وكثيرها * وحجتنا ما روي عن عمر رضى الله تعالى عنه انه سئل عن قليل النجاسة في الثوب فقال ان كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة ولان القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنه فان الذباب يقعن على النجاسات ثم يقعن على ثياب المصلى ولابد من أن يكون على أجنحتهن وأرجلهن نجاسة فجعل القليل عفوا لهذا بخلاف الحدث فانه لابلوى في القليل منه والكثير. ثم ان الصحابة رضى الله تعالى عنهم كانوا يكتفون بالاستنجاء بالاحجار وقلما يتطيبون بالماء والاستنجاء بالحجر لا يزيل النجاسة حتى لو جلس بعده في الماء القليل نجسه فاكتفاؤهم به دليل على ان القليل من النجاسة عفو ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث هكذا قال النخعي رحمه الله تعالى واستقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم. وكان النخعي يقول إذا بلغ مقدار الدرهم منع جواز الصلاة. وكان الشعبى يقول لايمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم وأخذنا بهذا لانه أوسع ولانه قد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من هو مبطون ولوث المبطون أكثر ومع هذا كانوا يكتفون بالاستنجاء بالاحجار والدرهم أكبر ما يكون من النقد المعروف فأما المنقطع من النقود كالسهليلى وغيره فقد قيل انه يعتبر به وهو ضعيف والتقدير بالدرهم فيما اتفقوا على نجاسته كالخمر والبول وخرء الدجاج وفى الخرء إذا كان أكثر من وزن مثقال ولا عرض له يمنع جواز الصلاة أيضا. فأما الروث والسرقين فنقول روث ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل سواء وهو نجس عندنا. وقال مالك رحمه الله روث ما يؤكل لحمه طاهر لما روى أن الشبان من الصحابة في منازلهم في

[ 61 ]

السفر كانوا يترامون بالجلة فلو كانت نجسة لم يمسوها وقال لانه وقود أهل المدينة يستعملونه استعمال الحطب (ولنا) ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ابن مسعود أحجارا للاستنجاء ليلة الجن فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال انها ركس أي نجس. وقيل لمحمد رحمه الله لم قلت بطهارة بول ما يؤكل لحمه ولم تقل بطهارة روثه قال لما قلت بطهارته أجزت شربه فلو قلت بطهارة روثه لاجزت أكله وأحد لا يقول بهذا * ثم التقدير فيه عند أبى حنيفة رحمه الله بالدرهم وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى بالكثير الفاحش وقال زفر في روث ما يؤكل لحمه ما لم يكن كثيرا فاحشا لم يمنع وفي روث ما لا يؤكل لحمه الجواب ما قال أبو حنيفة رحمه الله واعتبر الروث بالبول فقال في بول ما يؤكل لحمه التقدير بالكثير الفاحش لكونه مختلفا في نجاسته فكذلك في روثه وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا في الارواث بلوى وضرورة خصوصا لسائر الدواب وللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة فكان التقدير فيه بالكثير الفاحش وأبو حنيفة رحمه الله يقول الروث منصوص على نجاسته كما روينا في حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فتتغلظ نجاسته ولا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم كالخمر والبلوى لا تعتبر في موضع النص فان البلوي للآدمي في بوله أكثر وكذا في بول الحمار فانه يترشش فيصيب الثياب ومع ذلك لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم لانه منصوص على نجاسته * وروى عن محمد رحمه الله تعالى قال في الروث وان كان كثيرا فاحشا لايمنع جواز الصلاة وهذا آخر أقاويله حين كان بالري وكان الخليفة بها فرأى الطرق والخانات مملوءة من الارواث وللناس فيه بلوى عظيمة فاختار هذا القول لهذا * قال (وأدنى ما ينبغي أن يكون بين البئر والبالوعة خمسة أذرع في رواية أبى سليمان والنوادر والامالي) وفى رواية أبى حفص سبعة أذرع * والحاصل انه ليس فيه تقدير لازم بشئ انما الشرط أن لا يخلص من البالوعة والبئر شئ وذلك يختلف باختلاف الاراضي في الصلابة والرخاوة ألا ترى أنه قال فان كان بينهما خمسة أذرع فوجد في الماء ريح البول أو طعمه فلا خير فيه وان لم يوجد شئ من ذلك فلا بأس به وان كان بينهما أقل من خمسة أذرع فعرفنا أن المعتبر هو الخلوص (ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من اناء واحد) لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها وقد رويناه فإذا جاز أن يفعلا معا فكذلك أحدهما بعد الآخر. جاء في الحديث أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه

[ 62 ]

وسلم اغتسلت من اناء فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت انى كنت جنبا فقال عليه الصلاة والسلام الماء لا يجنب والذى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل شاذ فيما تعم به البلوى فلا يكون حجة (وإذا نسى المضمضة والاستنشاق في الجنابة حتى صلى لم يجزه) وهو عندنا فان المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء. وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه سنتان فيهما وقال أهل الحديث فرضان فيهما ومنهم من أوجب الاستنشاق دون المضمضة واستدلوا بمواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها في الوضوء ولكنا نقول كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل الكمال كما يواظب على الاركان وفي كتاب الله تعالى أمر بتطهير أعضاء مخصوصة والزيادة على النص لا تجوز الا بما يثبت به النسخ وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاعرابي الوضوء ولم يذكرهما فيه. والشافعي رحمه الله تعالى استدل بقوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا والاطهار امرار الطهور على الظواهر من البدن والفم في حكم الباطن بدليل أن الصائم إذا ابتلع بزاقه لم يضره وبدليل الوضوء فالفم والانف موضعهما الوجه والغسل فرض فيهما. وبدليل غسل الميت فانه ليس فيه مضمضة ولا استنشاق وإمامنا في المسألة ابن عباس رضى الله عنهما فانه قال هما فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء وقال صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة وفى الفم بشرة. قال ابن الاعرابي البشرة الجلدة التى تقى اللحم من الاذى وقال صلى الله عليه وسلم من ترك موضع شعرة في الجنابة عذبه الله بالنار كذا قال على رضى الله تعالى عنه فمن ثم عاديت شعرى وفي الانف شعرات والمعنى ان للفم حكمين حكم الظاهر من وجه حتى إذا أخذ الصائم الماء بفيه لم يضره وحكم الباطن من وجه كما قال ففيما يعم جميع الظاهر ألحقناه بالظاهر وفيما يخص بعضه ألحقناه بالباطن لانه لما جعل بعض ما هو ظاهر من كل وجه عفوا فما هو باطن من وجه أولى ولان الجنابة تحل الفم والانف بدليل أن الجنب ممنوع عن قراءة القرآن والحدث لا يحلهما بدليل أن المحدث لايمنع من قراءة القرآن وفي غسل الميت سقوط المضمضة والاستنشاق للتعذر لانه لا يمكنه كبه حتى يخرج الماء من فيه وبدونه يكون سقيا لا مضمضة. إذا ثبت هذا فنقول في كل موضع ترك شيئا من الفرائض لم يصح شروعه في الصلاة حتى إذا قهقه لا يلزمه اعادة الوضوء

[ 63 ]

لانه لم يصادف حرمة الصلاة في كل موضع ترك شيئا من المسنون صح شروعه في الصلاة فإذا قهقه فعليه اعادة الوضوء وإن كان متنفلا فعليه اعادة الصلاة وإن مسح رأسه بماء أخذه من لحيته لم يجزه لانه مسح بالماء المستعمل فان الماء إذا فارق عضوه يصير مستعملا وذلك مروى عن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهما والذى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الماء من لحيته واستعمله في لمعة رآها تأويله في الجنابة وجميع البدن في الجنابة كعضو واحد وإن كان في كفه بلل فمسحه به أجزأه لان الماء الذى بقى في كفه غير مستعمل فهو كالباقي في انائه وقال الحاكم وهذا إذا لم يكن استعمله في شئ من أعضائه وهو غلط منه فانه إذا استعمله في شئ من المغسولات لم يضره لان فرض الغسل تأدى بما جرى على عضوه لا بالبلة الباقية في كفه الا أن يكون استعمله في المسح بالخف وحينئذ الامر على ماقاله الحاكم لان فرض المسح يتأدى بالبلة * قال ولا يجزئ مسح الرأس بأصبع ولا باصبعين ويجزئه بثلاثة أصابع * والكلام هنا في فصول. أحدها في قدر المفروض من مسح الرأس ففى الاصل ذكر قدر ثلاثة أصابع وفى موضع الناصية وفى موضع ربع الرأس وقال الشافعي رحمه الله أدنى ما يتناوله الاسم ولو ثلاث شعرات * وقال مالك رحمه الله تعالى المفروض مسح جميع الرأس. وقال الحسن رحمه الله تعالى أكثر الرأس. واستدل مالك بفعل رسول الله صلى الله على وسلم فانه مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر وبه استدل الحسن رضي الله تعالى عنه الا أنه قال الاكثر يقوم مقام الكل وقد بينا أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الركنية فقد يكون ذلك لاكمال الفريضة واعتبر الممسوح بالمغسول وهو فاسد فان المسح بنى على التخفيف وفى كتاب الله تعالى ما يدل على التبعيض في المسح وهو حرف الباء في قوله تعالى وامسحوا برؤسكم فهو اشارة إلى البعض كما يقال كتبت بالقلم وضربت بالسيف أي بطرف منه. ولهذا قال الشافعي يتأدى بادنى ما يتناوله الاسم ولكنا نقول من مسح ثلاث شعرات لا يقال انه مسح برأسه عادة وفي الآية ما يدل على البعض وهو مجمل في مقدار ذلك البعض بيانه في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه المغيرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح على ناصيته وذلك الربع فان الرأس ناصية وقذال وفودان ولان الربع بمنزلة الكمال فان من رأى وجه انسان يستجيز له أن يقول رأيت فلانا وانما رأى احد

[ 64 ]

جوانبه الاربعة. إذا عرفنا هذا فنقول ذكر في نوادر ابن رستم أنه إذا وضع ثلاثة أصابع ولم يمرها جاز في قول محمد رحمه الله تعالى في الرأس والخف ولم يجز في قول أبى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله تعالى حتى يمرها بقدر ما تصيب البلة مقدار ربع الرأس فهما اعتبرا الممسوح عليه ومحمد رحمه الله تعالى اعتبر الممسوح به وهو عشرة أصابع وربعها أصبعان ونصف الا أن الاصبع الواحد لا يتجزأ فجعل المفروض ثلاثة اصابع لهذا وإن مسح بأصبع أو باصبعين لم يجزه عندنا. وقال زفر رحمه الله تعالى يجوز إذا مسح به مقدار ربع الرأس قال لان المعتبر اصابة البلة دون الاصابع حتى لو أصاب رأسه ماء المطر أجزأه عن المسح (ولنا) أنه كما وضع الاصابع صار مستعملا فلا يجوز إقامة الفرض به بالامرار فان قيل إذا وضع ثلاثة أصابع ومسح بها جميع رأسه جاز وكما لا يجوز اقامة الفرض بالماء المستعمل فكذلك اقامة السنة بالممسوح. قلنا الرأس تفارق المغسولات في المفروض دون المسنون ألا ترى أن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملا فكذلك في حكم اقامة السنة في الممسوح إلى هذا الطريق يشير محمد رحمه الله تعالى حتى قال في نوادر ابن رستم لو اعاد الاصبع إلى الماء ثلاث مرات يجوز وهكذا قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى لو مسح بأصبعه بجوانبه الاربعة يجوز والاصح عندي أنه لا يجوز وأن الطريقة غير هذا فقد ذكر في التيمم أنه إذا مسح بأصبع أو باصبعين لا يجوز فالاستيعاب هناك فرض وليس هناك شئ يصير مستعملا ولكن الوجه الصحيح أن المفروض هو المسح باليد فاكثر الاصابع يقوم مقام الكل فإذا استعمل في مسح الرأس أو الخف أو التيمم ثلاثة أصابع كان كالماسح بجميع يده فيجوز والا فلا وان كان شعره طويلا فمسح ما تحت أذنيه لم يجزه وإن مسح ما فوقهما أجزأه لان المسح على الشعر بمنزلة المسح على البشرة التى تحته وما تحت الاذنين عنق وما فوقهما رأس والافضل أن يمسح ما أقبل من أذنيه وما أدبر مع الرأس وان غسل ما أقبل منهما مع الوجه جاز لان في الغسل مسحا وزيادة ولكن الاول أفضل لان الاذنين من الرأس والفرض في الرأس المسح بالنص وانما قلنا انهما من الرأس لانهما على الرأس واعتبرا بآذان الكلاب والسنانير والفيل ومن فغرفاه فيزول عظم اللحيين عن عظم الرأس وتبقى الاذن مع الرأس وعلى هذا قلنا لا يأخذ لاذنيه ماء جديدا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يأخذ لاذنيه ماء

[ 65 ]

جديدا. واستدل بما روى أبو أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وأخذ لاذنيه ماء جديدا وقال لان الاذن مع الرأس كالفم والانف مع الوجه ثم يأخذ للمضمضة والاستنشاق ماء جديدا سوى ما يقيم به فرض غسل الوجه فهذا مثله (ولنا) حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان النبي صلى الله عليه سلم مسح برأسه وأذنيه بماء واحد وقال الاذنان من الرأس. فاما أن يكون المراد بيان الحقيقة وهو مشاهد لا يحتاج فيه إلى بيانه أو يكون المراد أنهما ممسوحان كالرأس وهذا بعيد فاتفاق العضوين في الفرض لا يوجب اضافة أحدهما إلى الآخر فعرفنا ان المراد أنهما ممسوحان بالماء الذى مسح به الرأس وتأويل ما رواه أنه لم يبق في كفه بلة فلهذا أخذ في أذنيه ماء جديدا. وذكر الحاكم رحمه الله في المنتقى إذا أخذ غرفة من الماء فتمضمض بها وغسل وجهه أجزأه وبعد التسليم قلنا المضمضة والاستنشاق مقدمان على غسل الوجه فإذا أقامهما بماء واحد كان المفروض تبعا للمسنون وذلك لا يجوز وهاهنا إذا أقامهما بماء واحد يكون المسنون تبعا للمفروض وذلك مستقيم * قال (وان مسح أذنيه دون رأسه لم يجزه) لانه ترك المفروض والمسنون لا يقوم مقام المفروض (فان قيل) لكم أين ذهب قولكم الاذنان من الرأس (قلنا) هما من الرأس وليسا برأس كالثمار من الشجرة وليست بشجرة والواحد من العشرة وليس بعشرة والفقه فيه أن فرض المسح بالرأس ثابت بالنص وكون الاذن من الرأس ثابت بخبر الواحد فلا يتأدى به ما يثبت بالنص كمن استقبل الحطيم بالصلاة فلا تجزئه وان كان الحطيم من البيت لان فرضية استقبال الكعبة ثابت بالنص وكون الحطيم من البيت ثابت بخبر الواحد فلا يتأدى به ما ثبت بالنص (ومن توضأ ومسح رأسه ثم جز شعره أو نتف ابطيه أو قلم أظفاره أو أخذ من شاربه لم يكن عليه أن يمس شيئا من ذلك الماء ولا أن يجدد وضوءه) وكان ابن جرير رحمه الله تعالى يقول عليه أن يتوضأ وكان ابراهيم رحمه الله تعالى يقول يجب عليه امرار الماء على ذلك الموضع وهو فاسد لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وضوء الا من حدث وفعله هذا تطهير فكيف يكون حدثا واليه اشار على رضى الله تعالى عنه لما سئل عن هذا فقال ما ازداد الا طهر أو نظافة * قال (ثم المسح على الشعر مثل المسح على البشرة التى تحته) لا أنه بدل عنه بدليل أن الاصبع إذا مسح على الشعر جاز ولا يجوز المصير إلى البدل مع القدرة على الاصل فكان جز الشعر بعد المسح كتقشير

[ 66 ]

الجلد عن العضو المغسول بعد الغسل فكما لا يلزمه امرار الماء ثمة فكذلك هنا بخلاف الماسح على الخفين إذا نزعهما فان المسح لم يكن بمنزلة الغسل ولكن استتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم بدليل أنه لو كان رجله باديا وقت الحدث لم يجزه المسح فبخلع الخف يسرى الحدث إلى القدم * قال (وكذلك ان مس ذكره بعد الوضوء فلا وضوء عليه وهذا عندنا) وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا مس بباطن كفه من غير حائل فعليه الوضوء والرجل والمرأة في مس الفرج سواء عنده لحديث بسرة بنت صفوان رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مس ذكره فليتوضأ. وسئلت عائشة رضى الله تعالى عنها عن امرأة مست فرجها فقالت إن كانت ترى ماء هنالك فلتتوضأ ولان مس الذكر سبب لاستطلاق وكاء المذى فيجعل به كالممذى كما أن التقاء الختانين لما كان سببا لاستطلاق وكاء المني جعل به كالممني وإقامة السبب الظاهر مقام المعنى الخفى أصل في الشرع (ولنا) حديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن مس ذكره هل عليه أن يتوضأ فقال لا هل هو الا بضعة منك أو قال جذوة منك. وعن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلى وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم مثل قولنا حتى قال بعضهم ان كان شئ منك نجسا فاقطعه (وقال) بعضهم ما أبالى أمسسته أم أنفى وهو المعنى فانه عضو من أعضائه فاما أن يكون طاهرا أو نجسا وليس في مس شئ من الطاهرات ولا من النجاسات وضوء ولو مس ما يخرج منه لم ينتقض به وضوءه واقامة السبب الظاهر مقام المعنى الخفى عند تعذر الوقوف على الخفى وذلك غير موجودهنا فان المذي يرى ويشاهد وهو فاسد على أصله فان من مس ذكر غيره عنده يجب الوضوء على المماس دون الممسوس ذكره واستطلاق وكاء المذى هنا ينبغى في حق الممسوس ذكره وحديث بسرة لا يكاد يصح فقد قال يحيى بن معين ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا وما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا بين يدى كبار الصحابة حتى لم ينقله أحد منهم وإنما قاله بين يدى بسرة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ولو ثبت فتأويله من بال فجعل مس الذكر كناية عن البول لان من يبول يمس ذكره عادة كقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط والغائط هو المطمئن من الارض كنى به عن الحدث لانه يكون في

[ 67 ]

مثل هذه المواضع عادة أو المراد بالوضوء غسل اليد استحبابا كما في قوله صلى الله عليه وسلم الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم والمراد منه غسل اليد (قال) وكذلك إذا نظر إلى فرج امرأة لقول ابن عباس رضى الله عنهما الوضوء مما خرج وبمجرد النظر لا يخرج منه شئ فهو والتفكر سواء * قال (وفى المنى الغسل) لقوله صلى الله عليه وسلم انما الماء من الماء يعنى الاغتسال من المنى ومراده إذا خرج على وجه الدفق والشهوة فان خرج لا على هذه الصفة لحمله شيئا ثقيلا أو سقوطه على ظهره يلزمه الاغتسال عند الشافعي رحمه الله تعالى لعموم الحديث ولا يلزمه عندنا لان خروجه بصفة خروج المذى فحكمه حكم المذى في ايجاب الوضوء. ثم المعتبر عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى مفارقة المنى عن مكانه على وجه الشهوة والدفق وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى المعتبر ظهوره. بيانه في فصلين. أحدهما أن من أحتلم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم سال منه المنى فعليه الغسل عندهما ولا غسل عليه عند أبى يوسف رحمه الله تعالى. والثانى أن المجامع إذا اغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المنى فعليه الاغتسال عندهما ثانيا وليس عليه ذلك عند أبى يوسف رحمه الله تعالى * قال (وفى المذى الوضوء) لحديث على رضى الله تعالى عنه قال كنت فحلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته تحتي فأمرت المقداد بن الاسود حتى سأله فقال كل فحل يمذي وفيه الوضوء (وكذلك الودى) فانه الغليظ من البول فهو كالرقيق منه * ثم فسر هذه المياه فقال (المنى خائر ابيض ينكسر منه الذكر) وذكر الشافعي رضي الله تعالى عنه في كتابه أن له رائحة الطلع (والمذى رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والودي رقيق يخرج منه بعد البول) وتفسير هذا المياه مروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الصفة * قال (ولا يجب الوضوء من القبلة ومس المرأة بشهوة أو غير شهوة) وهو قول على وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجب الوضوء من ذلك وهو قول عمروابن مسعود رضى الله تعالى عنهما وهو اختلاف معتبر في الصدر الاول حتى قيل ينبغي لمن يؤم الناس أن يحتاط فيه وقال مالك رحمه الله ان كان عن شهوة يجب والا فلا فالشافعى رحمه الله استدل بقوله تعالى أو لامستم النساء وحقيقة المس باليد قال الله تعالى فلمسوه بأيديهم ولا يعارض القراءة الا ترى قوله أو لامستم فأكثر مافى الباب أن يثبت أن المراد بتلك القراءة الجماع

[ 68 ]

فيعمل بهما جميعا والمعنى ما ذكرنا أن التقبيل والمس سبب لاستطلاق وكاء المذى فيقام مقام خروج المذي حقيقة في ايجاب الوضوء أخذا بالاحتياط في باب العبادة كما فعله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في المباشرة الفاحشة (ولنا) حديث عائشة وأم سلمة رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ وعن عمر رضى الله تعالى عنه أنه انصرف يوما من صلاته فلما فرغ الناس رأوه يصلى في آخر الصفوف فقال انى توضأت فمرت بى جاريتي رومية فقبلتها فلما افتتحت الصلاة وجدت مذيا فقلت أمضى في صلاتي حياء منكم ثم قلت لان أراقب الله تعالى خير لى من أن أراقبكم فانصرفت وتوضأت فهذا دليل رجوع عمر رضى تعالى الله عنه لانه افتتح الصلاة بعد التقبيل حتى إذا أحس بالمذي انصرف وتوضأ ولان عين المس ليس بحدث بدليل مس ذوات المحارم فبقى الحدث ما يخرج عند المس وذلك ظاهر يوقف عليه فلا حاجة إلى اقامة السبب الظاهر مقامه. وأما الآية فقد قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما المراد بالمس الجماع الا أن الله تعالى حي يكنى بالحسن عن القبيح كما كنى بالمس عن الجماع وهو نظير قوله تعالى وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن والمراد الجماع وهذا لانه لو حمل على الجماع كان ذكرا للحدث الكبرى بعد ذكر الحدث الصغرى بقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط فأما إذا حمل على المس باليد كان تكرارا محضا * قال (فان باشرها وليس بينهما ثوب فانتشر لها فعليه الوضوء) عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى استحسانا وقال محمد رحمه الله تعالى لا وضوء عليه وهو القياس لقول ابن عباس رضى الله عنهما الوضوء مما خرج وقد تيقن أنه لم يخرج منه شئ فهو كالتقبيل ووجه قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أن الغالب من حال من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه حقيقة فيجعل كالممذى بناء للحكم على الغالب دون النادر كمن نام مضطجعا انتقض وضوءه وان تيقن بأنه لم يخرج منه شئ وكذلك من عدم الماء في المصر لا يجزئه التيمم بناء على الغالب أن الماء في المصر لا يعدم * وفسر الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى عنهم المباشرة الفاحشة بأن يعانقها وهما متجردان ويمس ظاهر فرجه ظاهر فرجها * قال (وإذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل) وهو قول المهاجرين عمر وعلى وابن مسعود رضى الله تعالى عنهم فأما الانصاري كأبى سعيد وحذيفة وزيد بن ثابت الانصاري رضى الله تعالى عنهم قالوا

[ 69 ]

لا يجب الاغتسال بالاكسال ما لم ينزل وبه أخذ سليمان الاعمش رضى الله تعالى عنه لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم انما الماء من الماء (ولنا) حديث شاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل وهو قول المهاجرين عمر وعلي وابن مسعود والاصح أن عمر رضى الله تعالى عنه لم يسوغ للانصار هذا الاجتهاد حتى قال لزيد أي عدو نفسك ما هذه الفتوى التى تقشعت عنك فقال سمعت عمومتي من الانصار يقلن ذلك فجمعهن عمر وسألهن فقلن كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانغتسل فقال عمر أو كان يعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن لا فقال ليس بشئ وبعث إلى عائشة رضى الله تعالى عنها فسألها فقالت فعلت ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا فقال عمر رضى الله تعالى عنه لزيد لئن عدت إلى هذا لاذيتك والمعنى أن هذا الفعل سبب لاستطلاق وكاء المنى عادة فقام مقام خروج المنى احتياطا لانه مغيب عن بصره فربما لم يقف عليه ما خرج لقلته فالموضع موضع الاحتياط من هذا الوجه * قال (ولا يجب الغسل بالجماع فيما دون الفرج ما لم ينزل) لان ما دون الفرج ليس نظير الفرج في استطلاق وكاء المنى بمسه. والدليل عليه حكم الحد واليه أشار على رضى الله تعالى عنه في الاكسال فقال يوجب فيه الحد ولا يوجب فيه صاعا من ماء * قال (ومن احتلم ولم ير شيئا فلا غسل عليه) لانه تفكر في النوم فهو كالتفكر في اليقظة إذا لم يتصل به الانزال (قال) فان علم أنه لم يحتلم ولكنه استيقظ فوجد على فخذه أو فراشه مذيا فعليه الغسل عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى احتياطا (وقال) أبو يوسف لاغسل عليه لانه بات طاهرا بيقين فلا يصبح جنبا بالشك وخروج المذى يوجب الوضوء دون الاغتسال. وحجتهما في ذلك ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أصبح فوجد ماء ولم يتذكر شيئا فليغتسل ومن احتلم ثم اصبح على جفاف فلا غسل عليه ولسنا نوجب الاغتسال بخروج المذى إنما نوجبه بخروج المنى ولكن من طبع المنى أن يرق باصابة الهواء فالظاهر أن هذا الخارج كان منيا قد رق قبل أن يستيقظ ومراد محمد رحمه الله تعالى من قوله فوجد مذيا ما يكون صورته صورة المذى لاحقيقة المذى. ثم ان أبا حنيفة رحمه الله تعالى في هذه المسألة ومسألة المباشرة الفاحشة ومسألة الفأرة المنتفخة أخذ بالاحتياط وأبو يوسف رحمه الله تعالى وافقه في الاحتياط في مسألة المباشرة

[ 70 ]

لوجود فعل من جهته هو سبب خروج المذى وخالفه في الفصلين الآخرين لانعدام الفعل منه ومحمد رحمه الله وافقه في الاحتياط في مسألة النائم لانه غافل عن نفسه فلا يحس بما يخرج منه فكان الموضع موضع الاحتياط بخلاف الفصلين الآخرين فان المباشر ليس بغافل عن نفسه فيحس بما يخرج منه * قال (والمرأة كالرجل في الاحتلام) لحديث أم سليم حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل فقال ان كان منها مثل ما يكون من الرجل فلتغتسل وروى عن محمد رحمه الله تعالى أن المرأة إذا تذكرت الاحتلام والتلذذ ولم تر شيئا فعليها الغسل لان منيها يتدفق في رحمها فلا يظهر وهو ضعيف فان وجوب الغسل متعلق بخروج المنى والمني يخرج منها عند المواقعة كما يخرج من الرجل * قال (وإذا احتلمت المرأة ثم أدركها الحيض فان شاءت اغتسلت وان شاءت أخرت حتى تطهر من الحيض) لان الاغتسال للتطهير حتى تتمكن به من أداء الصلاة وهذا لا يتحقق من الحائض قبل انقطاع الدم وان شاءت اغتسلت لان استعمال الماء يعين على درور الدم (وكان مالك) رحمه الله تعالى يقول عليها أن تغتسل بناء على أصله أن الجنب ممنوع عن قراءة القرآن والحائض لا تمنع * قال (وإذا عرق الجنب أو الحائض في ثوب لم يضره) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر الحائض من نسائه بالاتزار ثم كان يعانقها طول الليل والحر حر الحجاز فكانا يعرقان لا محالة ولم يتحرز رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرقها ولانه ليس على بدن الانسان الجنب والحائض نجاسة عينية فهو وأعضاء المحدث سواء * قال (وإذا وقعت الجيفة أو النجاسة في الحوض فان كان صغيرا فهو قياس الاواني والجباب يتنجس والاصل فيه الحديث يغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا وان كان الحوض كبيرا فهو قياس البحر لا يتنجس) لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته. والفصل بين الصغير والكبير يعرف بالخلوص فإذا كان بحال لو ألقى فيه الصبغ يظهر أثره في الجانب الآخر فهو صغير لانا علمنا أن النجاسة تخلص إلى الجانب الآخر كما خلص اللون هكذا حكى عن الشيخ الامام أبى حفص الكبير رحمه الله تعالى والمذهب الظاهر في تفسير الخلوص أنه إذا كان بحال لو حرك جانب منه يتحرك الجانب الآخر فهو صغير وان كان لا يتحرك الجانب الآخر فهو كبير. وصفة التحريك المروى فيه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه اعتبر تحريك المتوضئ وأبو يوسف رحمه الله اعتبر تحريك

[ 71 ]

المنغمس فرواية أبى حنيفة أوسع ثم قال بعض مشايخنا في الحوض الكبير انه لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه لانه كالماء الجارى والاصح أن الموضع الذي وقع فيه النجاسة يتنجس واليه أشار في الكتاب وقال لا بأس بأن يتوضأ من ناحية أخرى ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ لان النجاسة لا تخلص إلى ما وراء ذلك هو مفسر في الاملاء عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى وعلى هذا قالوا من استنجى في موضع من حوض لا يجزئه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء وأما التقدير بالمساحة فقد قال أبو عصمة كان محمد رحمه الله تعالى يقدر في ذلك عشرة في عشرة ثم رجع إلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال لاأقدر فيه شيئا والمشهور عن محمد رحمه الله أنه لما سئل عن هذا فقال ان كان مثل مسجدي هذا فهو كبير فلما قام مسحوا مسجده فروى انه كان ثمانيا في ثمان وروى أنه اثنا عشر في أثني عشر فكان من روى ثمانيا في ثمان مسح المسجد من داخل ومن روى اثني عشر مسحه من خارج ولا عبرة بعمق الماء حتى قالوا إذا كان بحيث لا ينحسر بالاغتراف فهذا القدر يكفى. هذا كله في بيان مذهبنا (وقال الشافعي) إذا كان الماء بقدر القلتين لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه حتى يتغير أحد أوصافه والقلة اسم لجرة تحمل من اليمن تسع فيها قربتين وشيئا فالقلتان خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين منا. واستدل بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا (قلنا) هذا ضعيف فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه بلغني باسناد لم يحضرني من ذكره إذا بلغ الماء قلتين الحديث ومثل هذا دون المرسل ثم قيل معناه ليس لهذا القدر من القوة ما يحتمل النجاسة فيتنجس به كما يقال مال فلان لا يحتمل السرف لقلته. وقد تكلم الناس في القلة فقيل انها القامة وقيل انه رأس الجبل فيكون معناه إذا بلغ ماء الوادي قامتين أو رأس الجبلين ومثل هذا يكون معناه بحرا وبه نقول (وكان) مالك رحمه الله تعالى يقول القليل والكثير سواء لا يتنجس الا بتغير أحد أوصافه وقد بينا مذهبه * قال (ويتوضأ الرجل من الحوض الذى يخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقنه قبل أن يسأل عنه) لان الاصل في الماء الطهارة فعليه التمسك به حتى يتبين له غيره وخوفه بناء على الظن والظن لا يغنى من الحق شيئا وليس عليه أن يسأل عنه لان السؤال للحاجة عند عدم الدليل وأصل الطهارة دليل مطلق له الاستعمال فلا حاجة إلى السؤال ألا ترى أن ابن عمر رضي

[ 72 ]

الله عنه أنكر على عمرو بن العاص سواله بقوله يا صاحب الحوض لا تخبرنا وكذلك ان أنتن من غير أن يكون فيه جيفة لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى على بئر رومة فوجد ماءها منتنا فأخذه بفيه ثم مجه في البئر فعاد الماء طيبا ولان تغير اللون قد يكون بوقوع الطاهر كالاوراق وغيرها وتغير الرائحة يكون بطول المكث كما قيل الماء إذا سكن منتنه تحرك نتنه وإذا طال مكثه ظهر خبثه فلا يزول أصل الطهارة بهذا المحتمل فلهذا لا ندع التوضؤ به * قال (وإذا نسى المتوضئ مسح رأسه فأصابه ماء المطر مقدار ثلاثة أصابع فمسح بيده أو لم يمسحه أجزأه عن مسح الرأس) وكذلك الجنب إذا وقف في المطر الشديد حتى غسله وقد أنقى فرجه وتمضمض واستنشق وكذلك المحدث إذا جرى الماء على أعضاء وضوئه لان الماء مطهر بنفسه قال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره فلا يتوقف حصول التطهر به على فعل يكون منه كالنار فانه لا يتوقف حصول الاحتراق بها على فعل يكون من العبد وإذا ثبت هذا في المغسول ثبت على الممسوح بطريق الاولى لانه دون المغسول والمعتبر فيه اصابة البلة وعلى هذا الاصل قلنا بجواز الوضوء والغسل من الجنابة بدون النية (وقال) الشافعي رحمه الله لا يجوز الا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ولانها طهارة هي عبادة فلا تتأدى بدون النية كالتيمم وهذا لان معنى العبادة لا يتحقق الا بقصد وعزيمة من العبد بخلاف غسل النجاسة فان ليس بعبادة (ولنا) آية الوضوء ففيها تنصيص على الغسل والمسح وذلك يتحقق بدون النية فاشتراط النية يكون زيادة على النص إذ ليس في اللفظ المنصوص ما يدل على النية والزيادة لا تثبت بخير الواحد ولا بالقياس بخلاف التيمم فانه عبارة عن القصد لغة قال الله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ففى اللفظ ما يدل على اشتراط النية فيه ولانها طهارة بالماء فكانت كغسل النجاسة وتأثير ما قلنا ان الماء مطهر في نفسه والحدث الحكمى دون النجاسة العينية فإذا عمل الماء في ازالة النجاسة العينية بدون النية ففى ازالة الحدث الحكمى أولى ونحن نسلم ان الوضوء بغير نية لا يكون عبادة ولكن معنى العبادة فيها تبع غير مقصود انما المقصود ازالة الحدث وزوال الحدث يحصل باستعمال الماء فوجد شرط جواز الصلاة وهو القيام إليها طاهرا بين يدى الله تعالى فيجوز كما لو لم يكن محدثا في الابتداء وبه نجيب عن استدلاله بالحديث فان المراد أن ثواب العمل بحسب النية وبه نقول وعن التيمم فان التراب غير مزيل

[ 73 ]

للحدث أصلا ولهذا لو أبصر المتيمم الماء كان محدثا بالحدث السابق فلم يبق فيه الا معنى التعبد وذلك لا يحصل بدون النية. يوضح الفرق أن النية تقترن بالفعل ولا بد من الفعل في التيمم حتى إذا أصاب الغبار وجهه وذراعيه لا يجزئه عن التيمم. وفى الوضوء والاغتسال لا معتبر بالفعل حتى إذا سال ماء المطر على أعضائه زال به الحدث فكذلك بدون النية * قال (ولا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل) لحديث قيس بن سعد رضى الله تعالى عنه قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر فوضعنا له ماء فاغتسل والتحف بملحفة وزسية حتى أثر الورس في عكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه لا بأس بأن يلبس ثيابه فان من اغتسل في ليلة باردة لا يأمره أحد بالمكث عريانا حتى يجف فلعله يموت قبله ولا فرق بين التمسح بثيابه أو بمنديل ولان المستعمل ما زايل العضو فأما البلة الباقية غير مستعملة حتى لو جف كان طاهرا فلا بأس بأن يمسح ذلك بالمنديل * قال (ولا بأس للجنب أن ينام أو يعاود أهله قبل أن يتوضأ) لحديث الاسود عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيب من أهله ثم ينام من غير أن يمس ماء فإذا انتبه ربما عاود وربما قام فاغتسل وفى حديث أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد فكنا نتحدث بذلك فيما بيننا ونقول ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوة أربعين رجلا * قال (وان توضأ قبل أن ينام فهو أفضل) لحديث عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أصاب من أهله فتوضأ ثم نام وهذا لان الاغتسال والوضوء محتاج إليه للصلاة لا للنوم والمعاودة الا أنه إذا توضأ ازداد نظافة فكان أفضل (فان أراد أن يأكل فالمستحب له أن يغسل يديه ويتمضمض ثم يأكل) لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنب أيأكل ويشرب قال نعم إذا توضأ والمراد غسل اليد لان يده لا تخلو عن نجاسة عادة فالمستحب ازالتها بالماء وكذلك لو لم يتوضأ حتى شرب كان من وجه شاربا للماء المستعمل فان ترك ذلك لم يضره لان طهارة يده أصل وفى النجاسة شك * قال (وان كانت الجبائر في موضع من مواضع الوضوء مسح عليها) والاصل فيه ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه يوم أحد فداواه بعظم بال وعصب عليه فكان يمسح على العصابة ولما كسرت احدى زندي على رضى الله تعالى عنه يوم حنين حتى سقط اللواء من يده قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في يساره

[ 74 ]

فانه صاحب لوائى في الدنيا والآخرة فقال ماذا أصنع بجبائرى فقال امسح عليها * والحاصل أنه إذا كان لا يضره الغسل بنوع من الماء حار أو بارد فعليه أن يغسله وان كان بحيث يضره المسح على الجبائر لم يمسح عليه لان الغسل أقوى من المسح ولما سقط الغسل عن هذا الموضع لخوف الضرر فكذلك المسح وان كان لا يضره المسح مسح عليها لان الطاعة بحسب الطاقة فان ترك المسح وهو لا يضره قال في الاصل لم يجزه في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يذكر قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى غير رواية الاصول عن أبى حنيفة رحمه الله أنه يجزئه وقيل هو قوله الاول ثم رجع عنه إلى قولهما. وجه قولهما أنه لو ترك الغسل وهو لا يضره لم يجزه فكذلك المسح اعتبارا للبدل بالاصل وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال لو ألزمناه المسح كان بدلا عن الغسل ونصب الابدال بالآحاد من الاخبار لا يجوز ثم وجوب البدل في موضع كان يجب الاصل وهاهنا لو كان هذا الموضع باديا لم يجب غسله فكذلك لا يجب المسح على الجبيرة بدلا عنه وبه فارق الخف * قال (وان مسح على الجبائر ثم دخل في الصلاة ثم سقطت الجبائر عنه مضى على صلاته) وهذا إذا كان سقوطها عن غير برء فان كان عن برء فعليه غسل ذلك الموضع واستقبال الصلاة لزوال العذر فأما إذا سقط عن غير برء فالمسح على الجبائر كالغسل لما تحته ما دامت العلة باقية ولهذا لا يتوقف بخلاف المسح بالخف * قال (وان كانت الجراحة في جانب رأسه لم يجزه الا أن يمسح على الجانب الآخر مقدار المسح) لان المفروض من المسح مقدار ربع الرأس وقد وجد هذا القدر من المحل صحيحا فلا حاجة به إلى المسح على الجبائر والعراقيون يقولون في مثل هذا ان ذهب عير فعير في الرباط * قال (وإذا قلس أقل من مل ء فيه فلا وضوء عليه) الا على قول زفر رحمه الله تعالى فانه يقول ثبت من أصلنا أن القلس حدث فلا فرق بين قليله وكثيره كالخارج من السبيلين (ولنا) قول على رضى الله تعالى عنه حين عد الاحداث فقال أودسعة (1) تملا الفم ولان القياس أن القلس لا يكون حدثا لان الحدث خارج نجس بقوة نفسه والقلس مخرج لا خارج فان من طبع الاشياء السيالة أنها لا تسيل من فوق إلى فوق الا بدافع دفعها أو جاذب جذبها فهو كالدم إذا ظهر على رأس الجرح


(1) { أودسعة } قال في اللسان ودسع فلان بقيئة إذا رمى به وفي حديث علي كرم الله وجهه وذكر ما يوجب الوضوء فقال أودسعة تملا الفم يريد الدفعة الواحدة من القئ اه‍ كتبه مصححه.

[ 75 ]

فمسحه ولكنا تركنا القياس عند مل ء الفم بالآثار فبقى ما دونه على أصل القياس ولان في القليل منه بلوى فان من يملا من الطعام إذا ركع في الصلاة يعلو شئ إلى حلقه فللبلوى جعلنا القليل عفوا والدليل عليه إذا تجشأ لم ينتقض وضوءه وهو لا يخلو عن قليل شئ ولهذا خبث ريحه وبهذا فارق الخارج من السبيلين فان الفساء جعل حدثا. وحد مل ء الفم أن يعمه أو يمنعه من الكلام وقيل أن يزيد على نصف الفم وعلى هذا حكاية عابد ببلخ يقال له على بن يونس أن ابنته سألته فقالت ان خرج من حلقي شئ فقال لها إذا وجدت طعمه في حلقك فأعيدي الوضوء ثم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لا يا على حتى يملا الفم قال فجعلت على نفسي أن لا أفتى بعد هذا أبدا (فان قاء ملا الفم مرة أو طعاما أو ماء فعليه الوضوء) لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم وعلى قول الشافعي القئ ليس بحدث بناء على قوله في الخارج من غير السبيلين على ما نبينه وقال الحسن رحمه الله تعالى إذا شرب الماء وقاء من ساعته لا يخالطه شئ لا ينتقض وضوءه وجعله قياس خروج الدمع والعرق والبزاق وهذا فاسد فانه بالوصول إلى المعدة يتنجس فانما يخرج وهو نجس فكان كالمرة والطعام سواء (وان قاء بلغما أو بزاقا لم ينتقض وضوءه) أما البزاق طاهر وبخروج الطاهر من البدن لا ينتقض الوضوء والبلغم كذلك في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو بحس ينقض الوضوء إذا ملا الفم قيل انما أجاب أبو يوسف رحمه الله تعالى فيما يعلو من جوفه وهما فيما ينحدر من رأسه وهذا ضعيف فالمنحدر من رأسه طاهر بالاتفاق سواء خرج من جانب الفم أو الانف لان الرأس ليس بموضع للنجاسات وانما الخلاف فيما يعلو من الجوف فأبو يوسف رحمه الله يقول البلغم احدى الطبائع الاربعة فكان نجسا كالمرة والصفراء ولان خروجه من موضع النجاسات فكان نجسا بالمجاورة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا البلغم بزاق والبزاق طاهر ومعني هذا أن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتكون بزاقا وفي أسفله تثخن فيكون بلغما وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق وهو ليس بموضع للنجاسة فالبلغم هو النخامة وقال صلى الله عليه وسلم لعمار رضى الله تعالى عنه ما نخامتك ودموع عينك والماء الذى في ركوتك الا سواء (قال) وان قاء دما فعلى

[ 76 ]

قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ينتقض وضوءه بقليله وكثيره وقال محمد رحمه الله تعالى لا ينتقض وضوءه حتى يملاء الفم لانه أحد انواع القئ فيعتبر بسائر الانواع واحتجا بأن المعدة ليس بموضع الدم فخروج الدم من فرجه في الجوف فإذا سال بقوة نفسه إلى موضع يلحقه حكم التطهير كان ناقضا للوضوء كالسائل من جرح في الظاهر (وروى) الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه قال هذا إذا قاء دما رقيقا فان كان شبه العلق لم ينتقض الوضوء حتى يملاء الفم لانه ليس بدم في الحقيقة انما هو سوداء محترق * قال (وان خرج من جرحه دم أو صديد أو قيح فسال عن رأس الجرح نقض الوضوء عندنا) وهو قول على وابن مسعود رضى الله تعالى عنهما وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا ينتقض الوضوء وهو قول ابن عباس وأبي هريرة رضى الله تعالى عنهما واحتج الشافعي رضى الله تعالى عنه بقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء الا من حدث قيل وما الحدث قال صوت أو ريح وهذا اشارة إلى موضع الحدث لا عينيه فدل أن الحدث ما يكون من السبيل المعتاد والمعنى فيه أن قليل الخارج من غير السبيل ليس بحدث بالاتفاق وما يكون حدثا فالقليل منه والكثير سواء كالخارج من السبيل والدليل عليه الريح إذا خرج من الجرح لم يكن حدثا بخلاف ما إذا خرج من السبيل وهذا لان الشرع أقام المخرج مقام الخارج في ثبوت حكم الحدث فما لا يخرج منه الا النجاسة جعل الخارج منه حدثا ونجسا وما يختلف الخارج منه لم يكن حدثا وان خرج منه ما هو نجس تيسيرا للامر (ولنا) حديث زيد بن علي رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوضوء من كل دم سائل وقال سلمان رضى الله تعالى عنه مر بى رسول الله صلى الله عليه وسلم والدم يسيل من أنفى فقال أحدث لما حدث بك وضوأ والمعنى فيه أنه خارج نجس وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فكان حدثا كالخارج من السبيل وهذا لان الحكم للخارج دون المخرج حتى يختلف الواجب باختلاف الخارج فخروج المنى يوجب الغسل وخروج المذي يوجب الوضوء والمخرج واحد وهو بخلاف القليل الذى لم يسل لانه ما صار خارجا انما تقشر عنه الجلد فظهر ما هو في موضعه والشئ في موضعه لا يعطى له حكم النجاسة وفى السبيل وان قل ما ظهر فقد فارق مكانه وكذلك الريح إذا خرج من السبيل ومعه قليل شئ وذلك كاف في انتقاض الطهارة بخلاف الخارج من غير السبيل. يقرر ما قلنا أنه وجب عليه غسل ذلك الموضع لمعنى من

[ 77 ]

بدنه فيكون حدثا كالخارج من السبيل بخلاف ما إذا لم يسل فانه لم يلزمه غسل ذلك الموضع وبخلاف ما إذا أصابته نجاسة لان وجوب غسله لم يكن لمعنى من بدنه فلا تتغير صفة طهارة بدنه. ثم حاصل المذهب أن الدم إذا سال بقوة نفسه حتى انحدر انتقض به الوضوء وان لم ينحدر ولكنه علا فصار أكثر من رأس الجرح لم تنتقض به الطهارة الا في رواية شاذة عن محمد رحمه الله تعالى فانه ان مسحه قبل أن يسيل فان كان بحال لو ترك لسال فعليه الوضوء وان كان بحال لو تركه لم يسل فلا وضوء عليه لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال في الدم إذ سال عن رأس الجرح فهو حدث والا فلا * قال (فان بزق فخرج من بزاقه دم فان كان البزاق هو الغالب فلا وضوء عليه) لان الدم ما خرج بقوة نفسه وانما أخرجه البزاق والحكم للغالب (وان كان الدم هو الغالب فعليه الوضوء) لانه خارج بقوة نفسه وان كانا سواء ففى القياس لا وضوء عليه لانه تيقن بصفة الطهارة وهو في شك من الحدث ولكنه استحسن فقال البزاق سائل بقوة نفسه فما ساواه يكون سائلا بقوة نفسه أيضا. ثم اعتبار أحد الجانبين يوجب الوضوء واعتبار الجانب الآخر لا يوجب الوضوء فالاخذ بالاحتياط أولى لقوله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحلال والحرام في شئ الا وقد غلب الحرام الحلال وفى الكتاب قال أحب إلى أن يعيد الوضوء وهو اشارة إلى أنه غير واجب وهو اختيار محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى وأكثر المشايخ على أنه يجب الوضوء بما بينا * قال (والقهقهة في الصلاة تنقض الوضوء والتبسم لا ينقضه) أما التبسم فلحديث جرير بن عبد الله البجلى قال ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تبسم ولو في الصلاة وروى أنه صلى الله عليه وسلم تبسم في صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك فقال أتانى جبريل عليه الصلاة والسلام فقال من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا فدل أن التبسم لا يضر المصلى فأما القهقة في الصلاة لا تنقض الوضوء قياسا وهو قول الشافعي رحمه الله لان انتقاض الوضوء يكون بالخارج النجس ولم يوجد ولو كان هذا حدثا لم يفترق الحال فيه بين الصلاة وغيرها كسائر الاحداث وقاس بالقهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة واستحسن علماؤنا رحمهم الله لحديث زيد بن خالد الجهنى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه رضوان الله عليهم إذ أقبل أعمى فوقع في بئر أو ركية هناك فضحك بعض القوم فلما فرغ النبي صلى الله عيله وسلم من صلاته قال من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة وفى حديث جابر رضى الله عنه قال قال

[ 78 ]

صلى الله عليه وسلم من ضحك في صلاته حتى قرقر فليعد الوضوء والصلاة وتركنا القياس بالسنة. والضحك في غير الصلاة ليس في معنى الضحك في الصلاة لان حال الصلاة حال المناجاة مع الله تعالى فتعظم الجناية منه بالضحك في حال المناجاة وصلاة الجنازة ليست بصلاة مطلقة وكذلك سجدة التلاوة والمخصوص من القياس بالنص لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه * قال (ولا ينقض النوم الوضوء مادام قائما أو راكعا أو ساجدا أو قاعدا وينقضه مضطجعا أو متكئا أو على احدى اليتيه) أما نوم المضطجع ناقض للوضوء وفيه وجهان * أحدهما أن عينه حدث بالسنة المروية فيه لان كونه طاهرا ثابت بيقين ولا يزال اليقين الا بيقين مثله وخروج شئ منه ليس بيقين فعرفنا أن عينه حدث * والثانى وهو أن الحدث ما لا يخلو عنه النائم عادة فيجعل كالموجود حكما فان نوم المضطجع يستحكم فتسترخي مفاصله واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء وهو ثابت عادة كالمتيقن به. وكان أبو موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه يقول لا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعا حتى يعلم بخروج شئ منه وكان إذا نام أجلس عنده من يحفظه فإذا انتبه سأله فان أخبر بظهور شئ منه أعاد الوضوء. والمتكئ كالمضطجع لان مقعده زائل عن الارض فأما القاعد إذا نام لم ينتقض وضوءه وقال مالك رحمه الله ان طال النوم قاعدا انتقض وضوءه. وحجتنا حديث حذيفة رضى الله تعالى عنه قال نمت قاعدا في المسجد حتى وقع ذقنى على صدري فوجدت بردكف على ظهرى فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أعلى في هذا وضوء فقال لا حتى تضطجع ولانه مقعده مستقر على الارض فيأمن خروج شئ منه فلا ينتقض وضوءه كما لم يطل نومه. فأما إذا نام قائما أو راكعا أو ساجدا لم ينقض وضوءه عندنا. عند الشافعي رضى الله عنه ينتقض وضوءه لحديث صفوان بن عسال المرادى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ان لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها الا من جنابة لكن من بول أو غائط أو نوم فهذا دليل على أن النوم حدث الا أنا خصصنا نوم القاعد من هذا العموم بدليل الاجماع فبقى ما سواه على أصل القياس ولان مقعده زائل عن الارض في حال نومه فهو كالمضطجع (ولنا) حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وضوء على من نام قائما أو راكعا أو ساجدا انما الوضوء على من نام

[ 79 ]

مضطجعا فانه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله وهو المعنى فان الاستمساك باق مع النوم في هذه الاحوال بدليل أنه لم يسقط وبقاء الاستمساك يؤمنه من خروج شئ منه فهو كالقاعد بخلاف المضطجع وعن أبى يوسف رحمه الله قال إذا تعمد النوم في السجود انتقض وضوءه وان غلبته عيناه لم ينتقض لان القياس في نوم الساجد أنه حدث كنوم المضطجع ومن الناس من يعتاد النوم على وجهه. تركنا القياس للبلوي فيه للمجتهدين وهذا إذا غلبته عيناه لا إذا تعمد. وجه ظاهر الرواية ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نام العبد في سجوده يباهي الله تعالى به ملائكته فيقول انظروا إلى عبدى روحه عندي وجسده في طاعتي وانما يكون جسده في الطاعة إذا بقى وضوءه ولان الاستمساك باق فانه لو زال لسقط على أحد شقيه * وذكر ابن شجاع عن محمد رحمه الله تعالى أن نوم القائم والراكع والساجد انما لا يكون حدثا إذا كان في الصلاة فأما خارج الصلاة يكون حدثا وفى ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء الاستمساك فان كان القاعد مستندا إلى شئ فنام قال الطحاوي رحمه الله تعالى ان كان بحال لو أزيل سنده عنه يسقط انتقض وضوءه لزوال الاستمساك. والمروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا ينتقض وضوءه على كل حال لان مقعده مستقر على الارض فيأمن خروج شئ منه. فان نام قاعدا فسقط روي عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال ان انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الارض لم ينتقض وضوءه لانه لم يوجد شئ من النوم مضطجعا وهو الحدث وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال ينتقض وضوءه لزوال الاستمساك بالنوم حين سقط وعن محمد رحمه الله تعالى ان انتبه قبل أن يزايل مقعده الارض لم ينتقض وضوءه وان زايل مقعده الارض قبل أن ينتبه انتقض وضوءه * قال (ولا ينقض الكلام الفاحش الوضوء) لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الوضوء مما خرج يعنى الخارج النجس ولانه لاكلام أفحش من الردة والمتوضئ إذا ارتد نعوذ بالله ثم أسلم فهو على وضوئه. والذى روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت للمتسابين ان بعض ما أنتم فيه شر من الحدث فجددوا الوضوء انما أمرت به استحسانا ليكون الوضوء على الوضوء مكفرا لذنوبهما * قال (ولا وضوء في شئ من الاطعمة ما مسته النار وما لم تمسه فيه سواء) وأصحاب الظواهر يوجبون الوضوء مما مسته النار ومنهم من أوجب من لحم الابل خاصة لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال توضؤا

[ 80 ]

مما مسته النار وفى حديث آخر توضؤا من لحوم الابل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم (ولنا) حديث أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وقال جابر توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ قام ليخرج فرأى عرقا أي عظما في يد بعض صبيانه فأكل منه ثم صلى ولم يتوضأ وحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ضعيف قد رده ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال ألسنا نتوضأ بالحميم ولو ثبت فالمراد منه غسل اليد بدليل حديث عكراش بن ذؤيب قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فأدخلني بيت أم سلمة رضى الله تعالى عنها فأتينا بقصعة كثيرة الثريد والودك فجعلت آكل من كل جانب فقال صلى الله عليه وسلم كل مما يليك فان الطعام واحد ثم أتينا بطبق من رطب فجعلت آكل مما يلينى فقال أجل يدك فان الرطب ألوان ثم أتي بماء فغسل يديه وقال هذا هو الوضوء مما مسته النار ولهذا فصل في روايته بين لحم الابل وغيره لان للحم الابل من اللزوجة ما ليس لغيره والمعنى أنه لو أكل الطعام نيئا لم يلزمه الوضوء فالنار لا تزيده الا نظافة * قال (ويخلل لحيته وأصابعه في الوضوء) فان لم يخلل لحيته أجزأه وأما تخليل الاصابع سنة لقوله صلى الله عليه وسلم خللوا أصابعكم حتى لا يتخللها نار جهنم وأما اللحية فقد روى المعلي عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهم الله تعالى أن مواضع الوضوء ما ظهر منها وخلال الشعر ليس من مواضع الوضوء وهذا اشارة إلى أنه يلزمه امرار الماء على ظاهر لحيته. ووجهه أن البشرة التى استترت بالشعر كان يجب امرار الماء عليها قبل نبات الشعر فإذا استترت بالشعر يتحول الحكم إلى ما هو الظاهر وهو الشعر. وعن أبى حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى قالا ان مسح من لحيته ثلثا أو ربعاأجزأه ووجهه أن الاستيعاب في الممسوح ليس بشرط كما في المسح بالرأس * وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى على قال ان ترك مسح اللحية أجزأه لانه لا يجتمع في عضو واحد غسل ومسح وغسل الوجه فرض فلا يجب المسح فيه واللحية من جملة الوجه فأما تخليل اللحية فقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في شرح الآثار أنه بالخيار ان شاء فعل وان شاء لم يفعل فلم يعده من سنن الوضوء كما أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لانه باطن لا يبدو للناظر وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى التخليل سنة لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ وقال أنس رضى الله تعالى عنه رأيت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحيته كأنها أسنان المشط وقال نزل على جبريل صلوات

[ 81 ]

الله عليه فأمرني أن أخلل لحيتى إذا توضأت * قال (وإذا حت النجاسة عن الثوب لم يجزه الا في المنى اليابس خاصة) لان الثوب رقيق تتداخل النجاسة في أجزائه فلا يخرجه الماء فأما الحت يزيل ما على ظاهره دون ما يتداخل في أجزائه * فأما المنى فالكلام فيه في فصلين. أحدهما أنه نجس عندنا وقال الشافعي رحمه الله طاهر لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال المنى كالمخاط فأمطه عنك ولو باذخرة ولانه أصل لخلقة الآدمى فكان طاهرا كالتراب لاستحالة أن يقال ان الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم خلقوا من شئ نجس وهذا لان المستحيل من غذاء الحيوان انما يكون نجسا إذا كان يستحيل إلى نتن وفساد والمنى غير مستحيل إلى فساد ونتن فهو كاللبن والبيضة (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر انما يغسل الثوب من خمس من البول والغائط والخمر والدم والمنى ولانه خارج من البدن يجب الاغتسال بخروجه فكان نجسا كدم الحيض وخروجه من مكان النجاسات فلابد أن يتنجس بالمجاورة وان لم يكن نجسا في نفسه وكونه أصل خلقة الآدمى لا ينفى صفة النجاسة عنه كالعلقة والمضغة وان ابن عباس رضى الله عنهما شبهه بالمخاط في المنظر لافى الحكم وأمر بالاماطة ليتمكن من غسله فان قبل الاماطة تنتشر النجاسة في الثوب إذا أصابه الماء * والفصل الثاني أنه ما دام رطبا لا يطهر الا بالغسل فان جف فحته وفرك الثوب القياس أن لا يطهر لانه دم الا أنه نضيج فهو كسائر أنواع الدم لا يطهر الا بالغسل. استحسن علماؤنا رحمهم الله تعالى فقالوا يطهر بالفرك لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضى الله تعالى عنها في المنى إذا رأيتيه رطبا فاغسليه وإذا رأيتيه يابسا فافركيه. وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولان جرم المنى لا يتداخل في أجزاء الثوب بل هو على ظاهره يزول بالفرك فهو نظير سيف المجاهد وسكين القصاب إذا مسحه بالتراب يطهر به * وقد روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في المنى إذا أصاب البدن لا يطهر الا بالغسل لان لين البدن يمنع زوال أثره بالحت وروى عن محمد رحمه الله تعالى قال إذا كان المنى غليظا فجف يطهر بالفرك وان كان رقيقا لا يطهر الا بالغسل وقال إذا أصاب المنى ثوبا ذا طاقين فالطاق الاعلى يطهر بالفرك والاسفل لا يطهر الا بالغسل لانه انما يصيبه البلة دون الجرم وهذه مسألة مشكلة فان الفحل لايمنى حتى يمذى والمذى لا يطهر بالفرك الا أنه جعل

[ 82 ]

المذى في هذه الحالة مغلوبا مستهلكا بالمنى فكان الحكم للمنى دون المذى * قال (وان أصابت النجاسة الخف أو النعل فما دام رطبا لا يطهر الا بالغسل) لان المسح بالارض لا يزيله الا في رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال إذا مسح بالارض حتى لم تبق عين النجاسة ولا رائحتها يحكم بطهارة الخف واعتبر البلوى فيه للناس. وان كان يابسا فهو على وجهين اما أن لا يكون للنجاسة جرم كالبول والخمر فلا يطهر الا بالغسل لان البلة تداخلت في أجزاء الخف وليس على ظاهره جرم حتى يزول بالمسح بالارض فأما إذا كانت النجاسة لها جرم كالعذرة والروث فمسحه بالارض ففى القياس لا يطهر الا بالغسل وهو قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى لان النجاسة تداخلت في أجزاء الخف ألا ترى أنها بعد الجفاف تبقى متصلة بالخف فلا يطهرها الا الغسل كما إذا أصابت الثوب أو البساط استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى فقالا يطهر بالمسح بالارض لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في صلاته فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته قال أتانى جبريل صلوات الله عليه وأخبرني أن فيهما أذى فإذا أتي أحدكم المسجد فليقلب نعليه فان رأى فيهما قذرا فليمسحه بالارض وقالت أم سلمة رضى الله تعالى عنها يارسول الله انى ربما أمشى على مكان نجس ثم على مكان طاهر فقال الارض يطهر بعضها بعضا والمعنى فيه أن للجلد صلابة تمنع دخول أجزاء النجاسة في باطنه ولهذه النجاسة جرم ينشف البلة المتداخلة إذا جف فإذا مسحه بالارض فقد زال عين النجاسة فيحكم بطهارة الجلد كما كان عليه قبل الاصابة بخلاف الثوب أو البساط فانه رقيق تتداخل أجزاء النجاسة في باطنه فلا يخرجه الا الماء فان الماء للطافته يتداخل في أجزاء الثوب فيخرج النجاسة ثم يخرج على أثرها بالعصر * قال (ولا يجب عليه بتغميض الميت وغسله وحمله وضوء ولا غسل الا أن يصيب يده أو جسده شئ فيغسله) لقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الوضوء مما خرج ولان الميت المسلم طاهر ومس الطاهر ليس بحدث ولو كان نجسا فمس النجس ليس بحدث أيضا. والذى روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غمض ميتا فليتوضأ ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمل جنازة فليتوضأ ضعيف قد رده ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال أيلزمنا الوضوء بمس عيدان يابسة ولو ثبت فالمراد من قوله من غمض ميتا فليتوضأ غسل اليد لان ذلك لا يخلو عن قذارة عادة وقوله من غسل ميتا فيلغتسل إذا

[ 83 ]

أصابته الغسالات النجسة وقوله من حمل جنازة فليتوضأ إذا كان محدثا ليتمكن من أداء الصلاة عليه * قال (والحجامة توجب الوضوء وغسل موضع المحجمة) وهو عندنا وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه يوجب غسل موضع المحجمة ولا يوجب الوضوء لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما اغسل موضع المحاجم وحسبك. وعلماؤنا قالوا معناه وحسبك من الاغتسال فان أصحاب على رضى الله عنه كانوا يوجبون لاغتسال من ماء الحمام وغسل الميت والحجامة فابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال هذا ردا عليهم فأما الوضوء واجب بخروج النجس كما بينا فان توضأ ولم يغسل موضع المحجمة فان كان أكثر من قدر الدرهم لم تجزه الصلاة وان كان دون ذلك أجزأته وعلى قول الشافعي رضى الله تعالى عنه لا تجزئه فان القليل من النجاسة كالكثير عنده في المنع من جواز الصلاة * قال (وان خرج من دبره دابة أو ريح ينتقض وضوءه) والمراد بالدابة الدود وهو لا يخلو عن قليل بلة تكون معه وقد بينا أن فيما يخرج من الدبر القليل كالكثير في انتقاض الطهارة بخلاف ما إذا سقط الدود عن رأس الجرح فانه لا يخلو عن بلة يسيرة وذلك القدر من الخارج ليس بناقض للوضوء لانه غير سائل بقوة نفسه فأما الريح إذا خرج من الدبر كان ناقضا للوضوء لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه ويقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن أحدكم من صلاته حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. فان خرج الريح من الذكر فقد روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه حدث لانه خرج من موضع النجاسة وعامة مشايخنا يقولون هذا لا يكون حدثا وانما هو اختلاج فلا ينتقض به الوضوء وكذلك ان خرج الريح من قبل المرأة قال الكرخي رحمه الله تعالى انه لا يكون حدثا الا أن تكون مفضاة يخرج منها ريح منتن فيستحب لها أن تتوضأ ولا يلزمها ذلك لانا لا نتيقن بخروج الريح من موضع النجاسة * قال (وان رعف قليلا لم يسل لم ينقض وضوءه) ومراده إذا كان فيما صلب من انفه لم ينزل إلى إلى مالان منه فقد قال محمد رحمه الله تعالى في النوادر إذا نزل الدم إلى قصبة الانف انتقض به الوضوء بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر لان هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير وفى الانف قد وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير فالاستنشاق في الجنابة فرض وفى الوضو سنة * قال (ويتوضأ صاحب الجرح السائل لوقت كل صلاة ويصلى بذلك ما شاء من الفرائض

[ 84 ]

والنوافل مادام في الوقت) وأصل المسألة في المستحاضة فان دم المستحاضة حدث عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى خلافا لمالك رحمه الله تعالى فانه يقول ما ليس بمعتاد من الخارج لا يكون حدثا. والدليل على أنه حدث قوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة ثم عندنا يلزمها الوضوء في كل وقت صلاة وقال الشافعي رحمه الله تعالى تتوضأ لكل صلاة مكتوبة ولها أن تصلى ما شاءت من النوافل بذلك ولا تجمع بين الفرضين بوضوء واحد لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استحيضت توضئى لكل صلاة ومطلقه يتناول المكتوبة ولان طهارتها طهارة ضرورية لاقتران الحدث بها ويتجدد باعتبار كل مكتوبة ضرورة فيلزمها وضوء جديد فأما النوافل تبع للفرائض فثبوت حكم الطهارة في الاصل يوجب ثبوته في التبع (ولنا) حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وما روى لكل صلاة فالمراد منه الوقت فالصلاة تذكر بمعني الوقت قال صلى الله عليه وسلم ان للصلاة أولا وآخرا أي لوقت الصلاة والرجل يقول لغيره آتيك صلاة الظهر أي وقته والمعني فيه أن الاوقات مشروعة للتمكن من الاداء فيها فان الناس في الاداء مختلفون فمن بين مطول وموجز فشرع للاداء وقت يفصل عنه تيسيرا وإذا قام الوقت مقام الصلاة لهذا فتجدد الضرورة يكون بتجدد الوقت وما بقى الوقت يجعل الضرورة كالقائمة حكما تيسيرا عليها في اقامة الوقت مقام الفعل وبعد ما فرغت من الاداء ان بقيت طهارتها فلها أن تصلى فرضا آخر وان لم تبق طهارتها ليس لها أن تصلى النوافل لان الطهارة من شرطها. ثم انتقاض طهارتها بخروج الوقت عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وبدخول الوقت عند زفر رحمه الله تعالى وبهما عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ويتبين هذا الخلاف فيما إذا توضأت في وقت الفجر فطلعت الشمس تنتقض طهارتها الا على قول زفر رحمه الله ولو توضأت وقت الضحوة فزالت الشمس لا تنتقض طهارتها الا على قول أبى يوسف وزفر رحمهما الله تعالى وهما يقولان طهارتها قبل وقوع الحاجة غير معتبر فبدخول الوقت تتجدد الحاجه لوجوب الاداء عليها فيلزمها به الطهارة (ولنا) أن انتقاض طهارتها بوقوع الاستغناء عنها وذلك بخروج الوقت. ثم صاحب الجرح السائل عندنا في معنى المستحاضة لان الخارج من غير السبيل حدث عندنا فيتوضأ لوقت كل صلاة ولو قلنا بما قاله زفر رحمه الله لادى إلى الحرج لانه أذا كان بيته بعيدا عن الجامع فلو انتظر للوضوء

[ 85 ]

زوال الشمس فاتته الصلاة فلا يجد بدا من أن يتوضأ قبل الزوال * قال (وان سال الدم بعد الوضوء حتى نفذ الرباط فذلك لا يمنعه من أداء الصلاة ما بقى الوقت * لان فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها لما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم انى أثج الدم ثجا قال احتشى والتجمى وصلى وان قطر الدم على الحصير قطرا فان أصاب ثوبه من ذلك الدم فعليه أن يغسله وهذا إذا كان مفيدا بأن كان لا يصيبه مرة بعد أخرى حتى إذا لم يغسله وصلى وهو أكثر من قدر الدرهم لم يجزه الا إذا لم يكن الغسل مفيدا بان كان يصيبه ثانيا وثالثا وكان محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله يقول عليه غسل ثوبه في وقت كل صلاة مرة بالقياس على الوضوء وغيره من مشايخنا يقول لا يلزمه ذلك لان حكم الوضوء عرفناه بالنص ونجاسة الثوب ليست في معنى الحدث حتى ان القليل منه يكون عفوا فلا يلحق به فان سال الدم من موضع آخر أعاد الوضوء وان كان الوقت باقيا لان هذا حدث جديد وتقدر طهارته بالوقت كان للحدث الموجود باعتبار تحقق الضرورة فما يتجدد من الحدث فهو كغيره * قال (ومن خاض ماء المطر إلى المسجد أو داس الطين لم ينقض ذلك وضوءه) لان انتقاض الوضوء بالخارج النجس من البدن وروى أن عليا رضى الله تعالى عنه خرج يوما والسماء تسكب فاخذ نعليه بيده وخاض الماء حتى أتى المسجد فمسح قدميه ودخل وصلى وهكذا روى عن أنس رضى الله تعالى عنه فتبين أنه لا وضوء عليه ولاغسل القدمين بل يمسح قدميه ويصلى هذا إذا كان التراب طاهرا فان الطين من الماء النازل من السماء والتراب الطاهر طاهر فأما إذا كان احدهما اما الماء واما التراب نجسا فالطين نجس لابد من غسله وهو الصحيح من المذهب وانما مسح قدميه خارج المسجد كي لا يؤدي إلى تلويث المسجد * وروى أن أبا حنيفة رحمه الله رأى رجلا يمسح خفيه بأسطوانة المسجد فقال له لو مسحته بلحيتك كان خيرا لك الا أن يكون موضعا معدا لذلك في المسجد فحينئذ لا بأس به لان ذلك الموضع لا يصلى فيه عادة * قال (ومن سال عليه من موضع شئ لا يدرى ما هو فغسله أحسن) لان غسله لا يريبه وتركه يريبه وقال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى مالا يريبك فان تركه جاز لانه على يقين من الطهارة في ثوبه وفى شك من حقيقة النجاسة فان كان في أكبر رأيه أنه نجس غسله لان أكبر الرأى فيما لاتعلم حقيقته كاليقين قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ينظر بنور الله تعالى وكان شيخنا الامام شمس الائمة الحلواني رحمه الله يقول في بلدتنا لابد من غسله لان

[ 86 ]

الظاهر أنه انما يراق البول أو الماء النجس من السطوح * قال (وان انتضح عليه من البول مثل رؤس الابر لم يلزمه غسله لان فيه بلوى فان من بال في يوم ريح لابد أن يصيبه ذلك خصوصا في الصحارى وقد بينا أن ما لا يستطاع الامتناع عنه يكون عفوا * قال (ومن شك في بعض وضوئه وهو أول ما شك غسل الموضع الذى شك فيه) لان غسله لا يريبه ولانه على يقين من الحدث في ذلك الموضع وفى شك من غسله ولم يرد بهذا اللفظ أنه لم يصبه قط مثل هذا انما مراده أن الشك في مثله لم يصر عادة له حتى قال بعد ذلك فان كان يعرض له ذلك كثيرا لم يلتفت إليه لانه من الوساوس والسبيل في الوساوس قطعها وترك الالتفات إليها لانه لو اشتغل بها لم يتفرغ لاداء الصلاة فكلما قام إليها يبتلى بمثل هذا الشك * قال (ومن شك في الحدث فهو على وضوئه وان كان محدثا فشك في الوضوء فهو على حدثه لان الشك لا يعارض اليقين وما تيقن به لا يرتفع بالشك) وعن محمد رحمه الله تعالى قال المتوضئ إذا تذكر أنه دخل الخلاء لقضاء الحاجة وشك أنه خرج قبل أن يقضيها أو بعد ما قضاها فعليه أن يتوضأ لان الظاهر من حاله أنه ما خرج الا بعد قضائها وكذلك المحدث إذا علم أنه جلس للوضوء ومعه الماء وشك في أنه قام قبل أن يتوضأ أو بعد ما توضأ فلا وضوء عليه لان الظاهر أنه لا يقوم حتى يتوضأ والبناء على الظاهر واجب ما لم يعلم خلافه * قال (ومن توضأ ثم رأى البلل سائلا عن ذكره أعاد الوضوء) لان البول سال منه وهو ناقض للوضوء وانما قال رآه سائلا لان مجرد البلة محتملة أن تكون من ماء الطهارة فان علم أنه بول ظهر عليه فعليه الوضوء وان لم يكن سائلا وان كان الشيطان يريه ذلك كثيرا ولا يعلم أنه بول أو ماء مضى على صلاته لانه من جملة الوساوس فلا يلتفت إليها لقوله صلى الله عليه وسلم ان الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه ويقول أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وفى الحديث ان شيطانا يقال له الولهان لا شغل له الا الوسوسة في الوضوء فلا يلتفت إلى ذلك وينبغى أن ينضح فرجه وازاره بالماء إذا توضأ قطعا لهذه الوسوسة حتى إذا أحس بشئ من ذلك أحاله على ذلك الماء وقد روى أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينضح ازاره بالماء إذا توضأ وفى بعض الروايات قال نزل على جبريل عليه السلام وأمرني بذلك * قال (وليس دم البق والبراغيث بشئ لانه ليس بدم سائل ولا يستطاع الامتناع عنه) خصوصا في زمن الصيف في حق من ليس له

[ 87 ]

الا ثوب واحد ينام فيه كما كان لاصحاب الصفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك دم السمك ليس بشئ يعنى ليس بنجس وقد بينا أنه ليس بدم حقيقة وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله في الكبار الذى يسيل منه دم كثير أنه نجس ولا اعتماد على تلك الرواية وأما دم الحلم فان كان أكثر من قدر الدرهم أعاد ما صلى وهو عليه لانه دم سائل وقد روى أن الاذى الذى كان في نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلع نعليه في الصلاة كان دم حلم * قال (وإذا أراد أن يتوضأ بماء فأخبره بعض أنه قذر لم يتوضأ به) لان خبر الواحد في أمر الدين حجة إذا كان المخبر ثقة حتى كان روايته الحديث موجبا للعمل فكذلك اخباره بنجاسة الماء من أمر الدين فيجب العمل بخبره * قال (وإذا أدخل الصبى يده في كوزماء ولا يعلم على يده قذر فالمستحب أن لا يتوضأ به) لانه لا يتوقى النجاسات عادة فالظاهر أن يده لا تخلو عن نجاسة فالاحتياط في التوضؤ بغيره وان توضأ به أجزأه لانه على يقين من الطهارة وفى شك من النجاسة وحاله كحال الدجاجة المخلاة وقد بينا حكم سؤرها * قال (ولا بأس بالتوضوء من حب (1) يوضع كوزه في نواحى الدار ما لم يعلم أنه قذر) لانه عمل الناس ويلحقهم الحرج في النزوع عن هذه العادة والاصل فيه الطهارة فيتمسك به ما لم يعلم بالنجاسة وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع استسقى العباس رضى الله تعالى عنه فقال ألا نأتيك بالماء من بعض البيوت فان الناس يدخلون أيديهم في ماء السقاية فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحن منهم * قال (وإذا وقع بعر الغنم أو الابل في البئر لم يضره ما لم يكن كثيرا فاحشا) وفي القياس يتنجس البئر لانه بمنزلة الاناء يخلص بعضه إلى بعض فيتنجس بوقوع النجاسة فيه ولكنا استحسنا وقلنا بأنه لا ينجس للبلوى فيه فان عامة الآبار في الفيافي والمواشى تبعر حولها ثم الريح تسفى به فتلقيه في البئر فلو حكمنا بنجاسته كان فيه انقطاع السبل والرسل ولكن هذه الرخصة في القليل دون الكثير وإذا كان كثيرا فاحشا أخذنا فيه بالقياس فقلنا عليهم أن ينزحوا ماء البئر كله والكثير ما استكثره الناظر إليه وقيل أن يغطي ربع وجه الماء وقيل أن لا تخلو دلو عن بعرة وهو الصحيح وعن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في الاملاء قال هذا إذا كان يابسا فان كان رطبا تفسد البئر بقليله وكثيره ثم قال لان الرطب ثقيل لا يسفي به الريح ولانه ليس للرطب من الصلابة والاستمساك ما لليابس وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنهما سواء لان اليابس

[ 88 ]

بالوقوع في البئر يصير رطبا وما على الرطب من الرطوبة رطوبة الامعاء وهذا كله في غير المتفتت فان كان متفتتا فقليله وكثيره سواء لان الماء يدخل في أجزائه فيتنجس ثم يخرج وهو نجاسة مائعة وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى انه استحسن في القليل من المتفتت لان البلوى فيه قائمة. وأما السرقين فقليله وكثيره سواء يفسد الماء رطبا كان أو يابسا لانه ليس له من الصلابة كما للبعر وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال في تبنة أو تبنتين من الارواث تقع في البئر استحسن أنه لا يفسده ولا أحفظه عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو الاصح لقيام البلوى فيه حتى قال خلف بن أيوب لو حلب عنزا فبعرت في المحلب يرمى بالبعرة ويحل شربه لان فيه بلوى فان العنز لا يمكن أن تحلب من غير أن تبعر في المحلب * قال (ولا يتوضأ بشئ من الاشربة سوى الماء) الا بنبيذ التمر عند عدم الماء أما نبيذ التمر ففى الاصل قال يتوضأ به عند عدم الماء ولو تيمم مع ذلك أحب إلى وفي الجامع الصغير قال يتوضأ به ولا يتيمم وقال محمد رحمه الله لابد من الجمع بينه وبين التيمم وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال ابو يوسف يتيمم ولا يتوضأ به وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. وروى نوح في الجامع عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه رجع إليه واحتج أبو يوسف بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وخبر نبيذ التمر كان بمكة وآية التيمم نزلت بالمدينة فانتسخ بها خبر نبيذ التمر لان نسخ السنة بالكتاب جائز والقياس هكذا فانه ليس بماء مطلق فلا يتوضأ به كسائر الانبذة ترك أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا القياس بحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فلما انصرف إليه عند الصباح قال أمعك ماء يا ابن مسعود قال لا الا نبيذ تمر في اداوة فقال تمرة طيبة وماء طهور وأخذه وتوضأ به وعن على وابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال نبيذ التمر طهور من لا يجد الماء والقياس يترك بالسنة وبقول الصحابي إذا كان فقيها فأما آية التيمم تتناول حال عدم الماء وهذا ماء شرعا كما قال صلى الله عليه وسلم وماء طهور وانما جمع بينهما محمد رحمه الله تعالى لان الآية توجب التيمم والخبر يوجب التوضؤ بالنبيذ فيجمع بينهما احتياطا وإذا قلنا بالاحتياط في سؤر الحمار انه يجمع بينه وبين التيمم فهاهنا أولى. وصفة نبيذ التمر الذى يجوز التوضؤ به أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الاعضاء كالماء فان كان ثخينا فهو كالرب لا يتوضأ به فان كان مشتدا فهو حرام شربه فكيف يجوز التوضؤ به وان كان مطبوخا فالصحيح أنه لا يجوز التوضؤ به حلوا

[ 89 ]

كان أو مشتدا لان النار غيرته فهو كماء الباقلا فاما سائر الانبذة فكان الاوزاعي رحمه الله يقول بجواز التوضؤ بها بالقياس على نبيذ التمر وعندنا لا يجوز لان نبيذ التمر مخصوص من القياس بالاثر فلا يقاس عليه غيره واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى في الاغتسال بنبيذ التمر عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى فمنهم من لم يجوزه لان الاثر في الوضوء خاصة والاصح أنه يجوز لان المخصوص من القياس بالنص يلحق به ما في معناه من كل وجه * قال (والاغماء ينقض الوضوء في الاحوال كلها) لان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ في مرضه فلما أراد أن يقوم أغمى عليه فلما أفاق توضأ ثانيا ولان الاغماء في غفلة المرء عن نفسه فوق النوم مضطجعا فان هناك إذا نبه انتبه وهاهنا لا ينتبه وكذلك يقطع الصلاة لو عرض في خلال الصلاة ويمنع من البناء عليها لان البناء على الصلاة عند سبق الحدث مستحسن فيما تعم به البلوى والاغماء ليس من هذا في شئ. وكذلك لو مات الامام استقبل القوم الصلاة بامام آخر لان عمله انقطع بموته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث وهذا ليس من جملتها والبناء على المنقطع غير ممكن فلهذا استقبلوا * قال (وليس الغسل بواجب يوم الجمعة ولكنه سنة) الا على قول مالك رحمه الله تعالى وحجته ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم أو قال حق (ولنا) حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل ولما دخل عثمان رضى الله تعالى عنه المسجد يوم الجمعة وعمر رضي الله عنه يخطب فقال أية ساعة المجئ هذه قال ما زدت بعد أن سمعت النداء على أن توضأت فقال والوضوء أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالاغتسال في هذا اليوم ثم لم يأمره بالانصراف فدل أنه ليس بواجب. وتأويل الحديث مروي عن عائشة وابن عباس رضى الله تعالى عنهما قالا كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه والمسجد قريب السمك فكان يتأذى بعضهم برائحة البعض فأمروا بالاغتسال لهذا ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وتركوا العمل بأيديهم. واختلف أبو يوسف والحسن ابن زياد رحمهما الله تعالى ان الاغتسال يوم الجمعة لليوم أم للصلاة فقال الحسن رحمه الله تعالى لليوم اظهارا لفضيلته كما قال صلى الله عليه وسلم سيد الايام يوم الجمعة وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى للصلاة لانها مؤادة بجمع عظيم فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها وفائدة هذا

[ 90 ]

الاختلاف فيما إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث فتوضأ وصلى الجمعة. عند أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يكون مقيما للسنة وعند الحسن رحمه الله يكون. والاغتسال في الحاصل أحد عشر نوعا. خمسة منها فريضة. الاغتسال من التقاء الختانين ومن انزال الماء ومن الاحتلام ومن الحيض والنفاس. وأربعة منها سنة. الاغتسال يوم الجمعة ويوم عرفة وعند الاحرام وفى العيدين. وواحد واجب وهو غسل الميت. وآخر مستحب وهو الكافر إذا أسلم فانه يستحب له أن يغتسل به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاءه يريد الاسلام وهذا إذا لم يكن جنبا فان أجنب ولم يغتسل حتى أسلم فقد قال بعض مشايخنا لا يلزمه الغسل لان الكفار لا يخاطبون بالشرائع والاصح أنه يلزمه لان بقاء صفة الجنابة بعد اسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء به والله سبحانه وتعالى أعلم (باب البئر) * قال (وإذا ماتت الفأرة في البئر ينزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون بعد اخراج الفأرة فعشرون واجب وثلاثون أحوط) وقد بينا هذا فيما مضى وأصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم يطعنون في هذا ويقولون دلو يميز الماء النجس من الطاهر دلو كيس وهذا طعن في السلف وقد بينا أن طهارة البئر بنزح بعض الدلاء قول السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ثم هم قالوا بالرأى ما هو أشد من هذا فقالوا في بئر فيها قلتان من الماء ماتت فيها فأرة فنزح منها دلو فان حصلت الفأرة في الدلو فالماء الذى في الدلو نجس والذى بقى في البئر طاهر وان بقيت الفأرة في البئر فالماء الذى في الدلو طاهر والذى في البئر نجس فدلوهم هذا أكيس * قال (فان نزح منها عشرون دلوا قبل اخراج الفأرة لم تطهر) لان بقاء الفأرة فيها بعد النزح كابتداء الوقوع ولان سبب نجاسة البئر حصول الفأرة الميتة فيها ولا يمكن الحكم بالطهارة مع بقاء السبب الموجب للنجاسة * قال (فان أخرجت الفأرة ثم نزح منها عشرون دلوا وهو يقطر فيها لم يضرها ذلك) لان النزح على وجه لا يقطر شئ منه فيها متعذر وما لا يستطاع الامتناع عنه يكون عفوا لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا وسعها * قال (وان صب الدلو الآخر في بئر أخرى فعليهم أن ينزحوا دلوا مثله كما لو صب في البئر الاولى) لان حال البئر الثانية بعد ما حصل هذا الدلو فيها كحال البئر الاولى حين كان

[ 91 ]

هذا الدلو فيها (وان صب الدلو الاول منها في بئر طاهرة كان عليهم أن ينزحوا منها عشرين دلوا) لان حال البئر الثانية بعد حصول هذا الدلو فيها كحال البئر الاولى حين كان هذا الدلو فيها ولو صب دلو في بئر أخرى قبل اخراج الفأرة ينزح جميع ما في البئر الثانية كذا قاله أستاذنا رضى الله تعالى عنه وكان الكرخي رحمه الله تعالى يقول لا أعرف هذه المسائل الا تقلدا فان ماء الدلو الاخير نجس كماء الدلو الاول والفرق بينهما بطريق المعنى غير ممكن وشبه هذا بالثوب النجس إذا غسل ثلاثا فالماء الثالث في النجاسة كالماء الاول إذا أصاب ثوبا آخر نجسه وكان الامام الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى يقول في مسألة الثوب على قياس مسألة البئر إذا أصاب الماء الاول ثوبا لا يطهر الا بالغسل ثلاثا وان أصابه الماء الثاني يطهر بالغسل مرتين وان أصابه الماء الثالث يطهر بالغسل مرة والاصح الفرق بينهما فنقول النجاسة في الثوب عينية وينجس الماء بحصول النجاسة فيه وفى هذا لافرق بين الماء الاول والثالث. فأما تنجيس الماء فحكمي وطهارته بالنزح بغالب الرأي فكان ماء الدلو الاخير أخف من الماء الذى في الدلو الاول لان عند نزح الدلو الاول يتيقن بكون الماء النجس في البئر وهو ما جاوز الفأرة وعند نزح الدلو الاخير لا يتيقن بذلك فلعل ما جاوز الفأرة الماء الذى نزح فيما سبق من الدلاء فهذا معنى قول محمد رحمه الله تعالى كلما نزح الماء كان أطهر للبئر فلهذا فرقنا بين الدلو الاول إذا صب في بئر أخرى وبين الدلو الاخير وان صب الدلو الثاني فيها كان عليهم أن ينزحوا منها تسعة عشر دلوا لان حالها كحال البئر الاولى وان صبوا الدلو العاشر فيها كان عليهم أن ينزحوا منها عشر دلاء هكذا ذكر في نسخ أبى سليمان رحمه الله وفى نسخ أبى حفص رحمه الله قال أحد عشر دلوا وهو الصواب فان حال البئر الثانية بعد ما صب الدلو العاشر فيها كحال البئر الاولى حين كان هذا الدلو فيها * وتأويل ما ذكر في نسخ أبى سليمان أنه ينزح منها عشر دلاء سوى المصبوب فيها والمصبوب فيها واجب النزح بيقين وان أخرجت الفأرة فألقيت في البئر الثانية وصب فيها عشرون دلوا من البئر الاولى فعليهم اخراج الفأرة ونزح عشرين دلوا لما بينا أن حال البئر الثانية كحال البئر الاولى وقد روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أن عليهم أن ينزحوا منها عشرين دلوا سوى المصبوب فيها وجعل المصبوب فيها كالفأرة في البئر الاولى والاصح هو الاول لانا نتيقن أنه ليس في هذه البئر الانجاسة فأرة ونجاسة الفأرة يطهرها نزح

[ 92 ]

عشرين دلوا * قال (وإذا خرجت الفأرة وجاؤا بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم فاستقوا منها دلوا واحدا أجزأهم وقد طهرت البئر) لان النجس ما جاوز الفأرة من الماء فلا فرق بين أن يؤخذ ذلك في دلو واحد أو في عشرين دلوا وكان الحسن بن زياد رحمه الله تعالى يقول لا يطهر بهذا النزح لان عند تكرار نزح الماء ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجارى وهذا لا يحصل بنزح دلو عظيم منها. ونحن نقول لما قدر الشرع الدلاء بقدر خاص عرفنا أن المعتبر قدر المنزوح وأن معنى الجريان ساقط لان ذلك يحصل بدونه ويزداد بزيادته ولهذا قلنا لو نزحها عشرة أيام ونحوه يطهر لوجود القدر مع عدم الجريان ثم اللفظ المذكور في الكتاب يدل على أنه يعتبر في كل بئر دلو تلك البئر لقوله بدلوهم وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن المعتبر دلو يسع فيه صاعا من الماء ليتمكن كل أحد من النزح به من رجل أو امرأة أو صبي * قال (ولو توضأ رجل من هذه البئر بعد ما نحى الدلو الاخير عن رأسها جاز وضوءه لانا حكمنا بطهارة البئر فان صب ذلك الدلو فيها لم يفسد وضوء الرجل لان تنجيس البئر حصل الآن وان كان الدلو بعد في البئر لم يفصل عن وجه الماء لا يجوز لاحد أن يتوضأ بذلك الماء وان فصل الدلو عن وجه الماء وهو معلق في هواء البئر فتوضأ رجل منها لم يجزه في قول ابى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى أجزأه. وجه قوله أن الماء الطاهر تميز عن الماء النجس فكأنه نحى عن رأس البئر وكون الماء النجس معلقا في هواء البئر لا يكون أقوى من خمر أو بول في دلو معلق في هواء البئر فلا يحكم هناك بنجاسة البئر بهذا وانما جعل التقاطر عفوا لاجل الضرورة كما بينا ولابي حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أن الماء النجس متصل بماء البئر حكما بدليل أن التقاطر فيه يجعل عفوا ولولا الاتصال حكما لما جعل التقاطر عفوا كما في البول والخمر فصار بقاء الاتصال حكما كبقائه حقيقة ولو كان باقيا حقيقة بان لم يفصل عن وجه الماء فلا يحكم بطهارة البئر وهذا لان البئر موضع الماء فاعلاه كأسفله كالمسجد لما كان موضع الصلاة جعل كله كمكان واحد في حكم الاقتداء * قال (ولو غسل ثوب نجس في اجانة بماء نظيف ثم في أخرى ثم في أخرى فقد طهر الثوب) وهذا استحسان والقياس أن لا يطهر الثوب ولو غسل في عشر اجانات وبه قال بشر بن غياث. ووجهه أن الثوب النجس كلما حصل في الاجانة تنجس ذلك الماء فانما غسل الثوب بعد ذلك في الماء النجس فلا يطهر

[ 93 ]

حتى يصب عليه الماء أو يغسل في الماء الجارى. وجه الاستحسان قوله صلى الله عليه وسلم طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله ثلاثا فتبين بهذا الحديث أن الاناء النجس يطهر بالغسل من غير حاجة إلى تقوير أسفله ليجرى الماء على النجاسة. والمعنى فيه أن الثياب النجسة يغسلها النساء والخدم عادة وقد يكون ثقيلا لا تقدر المرأة على حمله لتصب الماء عليه والماء الجارى لا يوجد في كل مكان فلو لم يطهر بالغسل في الاجانات أدى إلى الحرج. ثم النجاسة على نوعين مرئية وغير مرئية. ثم المرئية لابد من ازالة العين بالغسل وبقاء الاثر بعد زول العين لا يضر هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دم الحيض حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه ولا يضرك بقاء الاثر ولان المرأة إذا خضبت يدها بالحناء النجس ثم غسلته تجوز صلاتها ولا يضرها بقاء أثر الحناء وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول بعد زوال عين النجاسة يغسل مرتين لانه التحق بنجاسة غير مرئية غسلت مرة فأما النجاسة التى هي غير مرئية فانها تغسل ثلاثا لقوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده فلما أمر بالغسل ثلاثا في النجاسة الموهومة ففى النجاسة المحققة أولى وهذا مذهبنا وعلى قول الشافعي رضى الله عنه العبرة بغلبة الرأى فيما سوى ولوغ الكلب حتى ان غلب على ظنه أنه طهر بالمرة الواحدة يكفيه ذلك لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ثم اغسليه فلا يشترط فيه العدد ولكنا نقول غلبة الرأى في العام الغالب لا تحصل الا بالغسل ثلاثا وقد تختلف فيه قلوب الناس فأقمنا السبب الظاهر مقامه تيسيرا وهو الغسل ثلاثا * قال وان أصابت النجاسة عضوا من أعضائه فأبو يوسف رحمه الله تعالى أخذ فيه بالقياس فقال لا يطهر بالغسل في الاجانات لان صب الماء عليه ممكن من غير حرج ولان استعمال الماء في العضو في تغير صفة الماء أقوى منه في الثوب فان العضو الطاهر إذا غسل بالماء الطاهر صار مستعملا بخلاف الثوب الطاهر فلا يمكن قياس العضو على الثوب ومحمد رحمه الله تعالى سوى بين الثوب والعضو في أنه يطهر بالغسل في الاجانات وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال لان الضرورة تحققت في بعض الاعضاء فان من دمى أنفه أو فمه لا يمكنه صب الماء عليه حتى يشرب الماء النجس أو يعلو على دماغه وفيه حرج بين فأخذنا بالاستحسان في العضو كما أخذنا به في الثوب. ثم ماء الاجانات كلها نجس ولان النجاسة تحولت إلى الماء (فان قيل) جزء من الماء

[ 94 ]

الثالث قد بقى في الثوب بعد العصر فكيف يحكم بطهارة الثوب (قلنا) مالا يستطاع الامتناع عنه يكون عفوا مع أن الماء يتداخل في أجزاء الثوب فيخرج النجاسة ثم يخرج على أثرها بالعصر فما بقى من البلة بعد العصر لم تجاوزه النجاسة ألا ترى أنه لو كان مكان النجاسة صبغ كالزعفران وغيره يتحول إلى الماء ولا يبقى شئ من ذلك اللون في الثوب ببقاء البلة فكذلك النجاسة * قال (جنب اغتسل في ثلاثة آبار وليس على بدنه نجاسة عينية فقد أفسد ماء الآبار ولا يجزئه غسله) في قول أبى يوسف وقال محمد رحمه الله تعالى يخرج من البئر الثالث طاهرا وهذا لان الحدث الحكمى معتبر بالنجاسة العينية فالآبار كالاجانات وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى النجاسة لاتزول عن البدن بالغسل في الاجانات فكذلك الحدث قال ولو كان يزول بالغسل في الآبار لكان يخرج الجنب من البئر الاولى طاهرا كما إذا صب الماء على بدنه مرة بعد مرة وعند محمد رحمه الله تعالى النجاسة العينية عن البدن تزول بالغسل في الاجانات فكذلك الجنابة قال ولما كان ثبوت هذا الحكم بالقياس على النجاسة شرطنا فيه عدد الثلاث كما يشترط في غسل النجاسة بخلاف صب الماء على رأسه * قال (فأرة وقعت في بئر فماتت فيها ووقعت فأرة أخرى في بئر أخرى فماتت فاستقى من احداهما عشرون دلوا وصب في الاخرى أجزأهم نزح عشرين دلوا من البئر الثانية) والاصل أن الشئ ينتظم ما هو مثله أو دونه لا ما هو فوقه فإذا كان ما في البئر الثانية مثل ما صب فيها انتظم احدهما الآخر فتطهر بنزح عشرين دلوا من البئر الثانية ولان هذا في معنى مالو ماتت فأرتان في بئر وحكم الفأرتين كحكم الفأرة الواحدة في أن البئر تطهر بنزح عشرين دلوا منها وان ماتت فأرة في بئر ثالثة فصب منها عشرون دلوا أيضا في هذه البئر فانها تطهر بنزح أربعين دلوا لان المصبوب فيها أكثر فينتظم ما كان فيها فتطهر بنزح القدر المصبوب فيها وذلك أربعون دلوا ولان هذه بمنزلة ثلاث فأرات ماتت في بئر وثلاث فأرات في ظاهر الرواية كالدجاجة الا في رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى (قال) ما لم يكن خمس فأرات لا يكون بمنزلة الدجاجة فإذا كان الثلاث كالدجاجة في ظاهر الرواية يطهرها نزح أربعين دلوا وان صبوا من البئر الثالثة فيها دلوا أو دلوين فعليهم أن ينزحوا منها عشرين دلوا مع هذه الزيادة لان المصبوب فيها أكثر فينتظم ما كان فيها وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى في هذه الفصول كلها أن بعد نزح القدر المصبوب ينزح منها عشرون دلوا * قال (وان ماتت فأرة في جب

[ 95 ]

فصب ماؤها في بئر فعند أبى يوسف رحمه الله تعالى ينزح منها ما صب فيها وبعده عشرون دلوا وعند محمد رحمه الله تعالى ينظر إلى ماء الجب فان كان عشرين دلوا أو أكثر ينزح ذلك القدر وان كان دون عشرين دلوا ينزح منها عشرون دلوا لان الحاصل في البئر نجاسة الفأرة * قال (وان ماتت فأرة في سمن فان كان جامدا يرمى بها وما حولها ويؤكل ما بقى وان كان ذائبا لم يؤكل منه شئ) لحديث أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال ان كان جامدا فألقوها وما حولها وكلو ما بقى وان كان ذائبا فأريقوه ولان في الجامد النجاسة انما جاورت موضعا واحدا فإذا قور ذلك كان الباقي طاهرا وفى الذائب النجاسة جاورت الكل فصار الكل نجسا. وحد الجمود والذوب إذا كان بحال لوقور ذلك الموضع لا يستوى ماساعته فهو جامد وان كان يستوى من ساعته فهو ذائب. ثم الذائب لا بأس بالانتفاع به سوى الاكل من حيث الاستصباح ودبغ الجلد به وكذلك يجوز بيعه مع بيان عيبه عندنا فإذا باعه ولم يبين عيبه فالمشترى بالخيار إذا علم به وعند الشافعي رضى الله عنه لا يجوز شئ من ذلك لانه بصفة النجاسة صار كالخمر فان عينه نجس فلا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجامد أمر بالقاء ما حول الفأرة وفى الذائب أمر باراقة الكل فدل أنه لا يجوز الانتفاع به * وعلماؤنا احتجوا بحديث علي رضى الله تعالى عنه في النجاسة إذا وقعت في الدهن قال يستصبح به ويدبغ به الجلود وفى حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فان كان مائعا فانتفعوا به ولان نجاسته لالعينه بل لمجاورة النجاسة اياه فكان بمنزلة الثوب النجس بخلاف الخمر فان عينها نجس * وتأويل حديث أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه أن مراده صلى الله عليه وسلم بيان حرمة الاكل فمعظم وجوه الانتفاع بالسمن هو الاكل وإذا دبغ به الجلد ثم غسل بالماء طهر به الجلد وما تشرب فيه عفو لان عين الدهن يزول بالغسل انما بقى لينه وذلك غير معتبر * قال (وان ماتت فأرة في جب فيه خل فادخل رجل يده فيه ثم أدخلها قبل أن يغسلها في عشر خوابى خل أو ماء فقد أفسدهن كلهن) فان كان في الخوابى ماء فهذا الجواب قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فأما على قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تخرج يده من الخابية الثالثة طاهرة بناء على غسل العضو المتنجس في الاجانات كما بينا الا أن يكون مراده أدخلها في الخابية الاولى إلى الابط حتى تتنجس

[ 96 ]

كلها ثم أدخلها في الخابية الثانية إلى الرسغ وكذلك في كل خابية زاد قليلا فحينئذ الكل نجس كما قالا فان كان في الخوابى خل فالجواب قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فأما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تخرج يده من الخابية الثالثة طاهرة وهو بناء على أن ازالة النجاسات بالمائعات الطاهرة سوى الماء لا يجوز عند محمد وزفر رحمهما الله تعالى وكذا الشافعي رحمه الله تعالى الثوب والبدن فيه سواء وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يجوز في الثوب والبدن جميعا وهو احدي الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله تعالى * وفى الرواية الاخرى فصل بين الثوب والبدن فقال في البدن لاتزول النجاسة عنه الا بالماء وفي الثوب تزول عنه بكل مائع طاهر ينعصر بالعصر فأما مالا ينعصر كالدهن والسمن لا تجوز ازالة النجاسة به * حجة محمد رحمه الله تعالى قوله تعالى. وأنزلنا من السماء ماء طهورا فقد خص الماء بكونه مطهرا واعتبر ازالة النجاسة بازالة الحدث لان كل واحد منها طهارة وفى شرط الصلاة فإذا كان أحدهما لا يحصل الا بالماء فكذلك الآخر ولا عبرة بزوال العين فكما تزول بالاشياء الطاهرة تزول بالاشياء النجسة كبول ما يؤكل لحمه ولم يعتبر ذلك فهذا مثله * وحجة أبى حنيفة رحمه الله أن الثوب قبل اصابة النجاسة كان طاهرا وبعد الاصابة الواجب ازالة عين النجاسة حتى لو قطعه بالمقراض بقى الثوب طاهرا وازالة العين كما تحصل بالماء تحصل بسائر المائعات وربما يكون تأثير الخل في قلع النجاسة أكثر من تأثير الماء فإذا زالت به عين النجاسة يبقى طاهرا كما كان بخلاف ما لا ينعصر فانه يتشرب في الثوب فتزاد به النجاسة ولا تزول. وفي بول ما يؤكل لحمه فقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله ان النجاسة الاولى تزول به لكن تبقى نجاسة البول حتى يكون التقدير فيه بالكثير الفاحش والاصح أن التطهير بالنجس لا يكون لما بين الوصفين من التضاد فأما الطهارة عن الحدث فطهارة حكمية فيها معنى العبادة فلا تجوز الا بما تعبدنا به وانما تعبدنا بالماء لانه أهون موجود لا يلحق الناس حرج في افساده بالاستعمال بخلاف سائر المائعات فانها أموال يلحق الناس حرج في فسادها بالاستعمال وأبو يوسف رحمه الله لهذا المعنى فرق بين النجاسة على البدن وعلى الثوب فقال ما كان على البدن فهو نظير الحدث الحكمى لان في تطهير البدن معنى العبادة بخلاف ما لو كان على الثوب قال فان صب خابية منها في بئر ماء فعليهم أن ينزحوا الاكثر من عشرين دلوا ومن مقدار الخابية لان الحاصل فيها نجاسة فأرة

[ 97 ]

لاغير وقد مر * قال (ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها ما لم يعلم أن فيها قذرا) لان الاصل في الثوب الطهارة وخبث الكافر في اعتقاده لا يتعدى إلى ثيابه فثوبه كثوب المسلم وعامة من ينسج الثياب في ديارنا المجوس ولم ينقل عن أحد التحرز عن لبسها وكفى بالاجماع حجة الا الازار والسراويل فانه يكره الصلاة فيهما قبل الغسل وان صلى جاز أما الجواز فلانه على يقين من الطهارة وفى شك من النجاسة وأما الكراهة فلانه بلى موضع الحدث وهم لا يحسنون الاستنجاء ويعرقون فيهما لا محالة والظاهر أن ازارهم لا ينفك عن نجاسة فتكره الصلاة فيه وهو نظير كراهة سؤر الدجاجة المخلاة وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشرب في أواني المجوس فقال ان لم تجدوا منها بدا فاغسلوها ثم اشربوا فيها وانما أمر به لان ذبائحهم كالميتة وأوانيهم قلما تخلو عن دسومة فيها * قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى وكذلك الجواب في ثياب بعض الفسقة من المسلمين فان الظاهر أنهم لا يتوقون اصابة الخمر لثيابهم في حالة الشرب وقالوا في الديباج الذى ينسجه أهل فارس لا تجوز الصلاة فيه لانهم يستعملون فيه عند النسج البول ويزعمون أنه يزيد في بريقه ثم لا يغسلونه لان ذلك يفسده فان صح هذا لا يشكل أنه لا تجوز الصلاة فيه والله سبحانه وتعالى أعلم (باب المسح على الخفين) (اعلم) أن المسح على الخفين جائز بالسنة فقد اشتهر فيه الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا. من ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنه قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكنت أصب الماء عليه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فأخرج يديه من تحت ذيله ومسح على خفيه فقلت نسيت غسل القدمين فقال لا بل أنت نسيت بهذا أمرنى ربى. ومن ذلك حديث جرير بن عبد الله البجلي رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه فقيل له أكان ذلك بعد نزول المائدة فقال وهل أسلمت الا بعد نزول المائدة وقال ابراهيم رحمه الله تعالى وكان يعجبهم حديث جرير رضى الله عنه لانه أسلم بعد نزول المائدة وانما قال هذا لما روى عن ابن عباس

[ 98 ]

رضى الله تعالى عنهما قال سلوا هؤلاء الذين يروون المسح هل مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة ولان أمسح على ظهر عنز في الفلاة أحب إلى من أن أمسح على الخفين وقد صح رجوعه عنه على ما قال عطاء بن أبى رباح رضى الله تعالى عنه لم يمت ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حتى اتبع أصحابه في المسح على الخفين. والذى روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها لان تقطع قدماى أحب إلى من أن أمسح على الخفين فقد صح رجوعها عنه على ماروى شريح بن هانئ قال سألت عائشة رضى الله تعالى عنها عن المسح على الخفين فقالت لا أدرى سلوا عليا رضى الله تعالى عنه فانه كان أكثر سفرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا عليا رضى الله تعالى عنه فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين. وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها فبلغ ذلك عائشة رضى الله تعالى عنها فقالت هو أعلم. ولكثرة الاخبار فيه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار. قال أبو يوسف رحمه الله خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به لشهرته وقال الكرخي رحمه الله تعالى أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لان الآثار التى وردت فيه في حيز التواتر. وهو مؤقت في حق المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليها لحديث علي رضى الله تعالى عنه وحديث خزيمة بن ثابت رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال خرجت إلى العراق فرأيت سعدا يمسح على الخفين فقلت ماهذا فقال إذا رجعت إلى أبيك فسله فسألت أبى فقال عمك أفقه منك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين وسمعته يقول يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولان المسح رخصة لدفع المشقة وذلك مؤقت في حق المقيم بيوم وليلة لانه يلبس خفيه حين يصبح ويخرج فيشق عليه النزع قبل أن يعود إلى بيته ليلا والمسافر يلحقه الحرج بالنزع في كل مرحلة فقدر في حقه بثلاثة أيام ولياليها أدنى مدة السفر إذ لا نهاية لاكثره. وكان الحسن البصري رضى الله عنه يقول المسح مؤبد للمسافر لحديث عمار بن ياسر رضى الله عنه قال قلت يارسول الله أمسح على الخفين يوما فقال نعم فقلت يومين فقال نعم حتى انتهيت إلى سبعة

[ 99 ]

أيام فقال إذا كنت في سفر فامسح ما بدالك * وتأويله أن مراده صلى الله عليه وسلم بيان أن المسح مؤبد غير منسوخ وأن ينزع في هذه المدة والاخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ وكان مالك رحمه الله تعالى يقول لا يمسح المقيم أصلا ويمسح المسافر ما بداله لحديث عقبة بن عامر الجهنى رضى الله تعالى عنه قال وفدت على عمر رضى الله تعالى عنه من الشام فقال متى عهدك بالخف فقلت منذ أسبوع قال أصبت. وتأويله أن المراد بيان أول اللبس وخروجه مسافرا لا أنه لم ينزع بين ذلك. ثم ابتداء المدة من وقت الحدث لان سبب وجوب الطهارة الحدث واستتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم فما هو موجب لبس الخف انما يظهر عند الحدث فلهذا كان ابتداء المدة منه ولانه لا يمكن ابتداء المدة من وقت اللبس فانه لو لم يحدث بعد اللبس حتى يمر عليه يوم وليلة لا يجب عليه نزع الخف بالاتفاق ولا يمكن اعتباره من وقت المسح لانه لو أحدث ولم يمسح ولم يصل أياما لااشكال أنه لا يمسح بعد ذلك فكان العدل في الاعتبار من وقت الحدث * قال (وانما يجوز المسح من كل حدث موجب للوضوء دون الاغتسال) لحديث صفوان بن عسال المرادى رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها الا من جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم ولان الجنابة الزمته غسل جميع البدن ومع الخف لا يتأتى ذلك والرجل معتبرة بالرأس فمتى كان الفرض في الرأس المسح كان في الرجل في حق لابس الخف كذلك وفى الجنابة الفرض في الرأس الغسل فكذلك في الرجل عليه نزع الخف وغسل القدمين * قال (وانما يجوز المسح إذا لبس الخف على طهارة كاملة) لحديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين مسح على خفيه انى أدخلتهما وهما طاهرتان ولان موجب لبس الخف المنع من سراية الحدث إلى القدمين لا تحويل حكم الحدث من الرجل إلى الخف وانما يتحقق هذا إذا كان اللبس على طهارة * قال (فان غسل رجليه أولا ولبس خفيه ثم أحدث قبل اكمال الطهارة لم يجز له أن يمسح عليهما) لان أول الحدث بعد اللبس ما طرأ على طهارة كاملة فهو وما لبس قبل غسل الرجل سواء وان أكمل وضوءه قبل الحدث جاز له أن يمسح عندنا ولم يجز عند الشافعي رحمه الله تعالى بناء على أن الترتيب في الوضوء ليس بركن عندنا فأول الحدث بعد لبس الخف طرأ على طهارة كاملة * قال (ولو توضأ وغسل احدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الرجل الاخرى ولبس الخف ثم أحدث جاز

[ 100 ]

له عندنا أن يمسح وقال الشافعي رحمه الله تعالى ان لم ينزع الخف الاول فلا يجوز له أن يمسح وان نزعه ثم لبسه جاز له المسح لان الشرط أن يكون لبسه بعد اكمال الطهارة وهذا اشتغال بما لا يفيد ينزع ثم يلبس من غير أن يلزمه فيه غسل وهو ليس من الحكمة فلا يجوز له اشتراطه * قال (ومسح الخف مرة واحدة) وقال عطاء رضى الله تعالى عنه ثلاثا كالغسل (ولنا) حديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنهما قال كأنى أنظر إلى أثر المسح على ظهر خف رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوطا بالاصابع وانما لم تبق الخطوط إذا لم يمسحه الا مرة واحدة ولان في كثرة اصابة البلة افساد الخف وفيه حرج فيكتفى فيه بالمرة الواحدة ويبدأ من قبل الاصابع حتى ينتهى إلى أسفل الساق اعتبارا بالغسل فالبداءة فيه من الاصابع لان الله تعالى جعل الكعبين غاية * قال (وان مسح خفيه باصبع أو اصبعين لم يجزه حتى يمسح بثلاثة أصابع) وعلى قول زفر رضى الله تعالى عنه يجزئه والكلام فيه مثل الكلام في المسح بالرأس وقد مر * قال (والخرق اليسير في الخف لايمنع من المسح عليه وفي القياس يمنع) وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لان القدر الذى بدا من الرجل وجب غسله اعتبارا للبعض بالكل وإذا وجب الغسل في البعض وجب في الكل لانه لا يتجزأ ووجه الاستحسان أن الخف قلما يخلو عن قليل خرق فانه وان كان جديدا فآثار الزور والاشافى خرق فيه ولهذا يدخله التراب فجعلنا القليل عفوا لهذا فأما إذا كان الخرق كبيرا لا يجوز المسح عليه وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى إذا كان بحيث يمكن المشى فيه سفرا يجوز المسح عليه لان الاصل في هذه الرخصة الصحبة رضوان الله تعالى عليهم وعامتهم كانوا محتاجين لا يجدون الا الخلق من الخفاف وقد جوز لهم المسح ولكنا نقول الخرق اليسير انما جعل عفوا للضرورة ولا ضرورة في الكثير فيبقى على أصل القياس. والفرق بين القليل والكثير ثلاث أصابع فان كان يبدو منه ثلاث أصابع لم يجز له أن يمسح عليه لان الاكثر معتبر بالكمال وفى رواية الزيادات عن محمد رحمه الله تعالى ثلاث أصابع من أصغر اصابع الرجل لان الممسوح عليه الرجل وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمها الله تعالى قال ثلاث أصابع من أصابع اليد لان الممسوح به اليد وسواء كان الخرق في ظاهر الخف أو باطنه أو من ناحية العقب ولكن هذا إذا كان يبدو منه مقدار ثلاث أصابع فان كان صلبا لا يبدو منه شئ يجوز المسح عليه وان كان يبدو في حالة المشى دون حال وضع القدم

[ 101 ]

على الارض لم يجزه المسح لان الخف يلبس للمشى. واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما إذا كان يبدو ثلاثة أصابع من الانامل والاصح أنه لا يجوز المسح عليه وتجمع الخروق في خف واحد ولا تجمع في خفين لان أحد الخفين منفصل عن الآخر * قال (وان مسح باطن الخف دون ظاهره لم يجزه) فان موضع المسح ظهر القدم لما روينا من حديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنه وقال الشافعي رحمه الله تعالى المسح على ظاهر الخف فرض وعلى باطنه سنة فالاولى عنده أن يضع يده اليمنى على ظاهر الخف ويده اليسرى على باطنه فيمسح بهما على كل رجل وعندنا المسح على ظاهر الخف فقط لحديث على رضي الله تعالى عنه قال لو كان الدين بالرأى لكان باطن الخف أولى من ظاهره ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهر خفيه دون باطنهما ولان باطن الخف لا يخلو عن لوث عادة فيصيب يده ذلك اللوث وفيه بعض الحرج والمسح مشروع لدفع الحرج * قال (ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة) ومن العلماء من جوزه لحديث بلال رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأمرهم بأن يمسحوا على المشاوذ والتساخين فالمشاوذ العمائم والتساخين الخفاف (ولنا) حديث جابر رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حسر العمامة عن رأسه ومسح على ناصيته وكأن بلالا رضي الله عنه كان بعيدا منه فظن أنه مسح على العمامة حين لم يضعها عن رأسه * وتأويل الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم خص به تلك السرية لعذرهم فقد كان عليه الصلاة والسلام يخص بعض أصحابه بأشياء كما خص عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه بلبس الحرير وخزيمة رضى الله تعالى عنه بشهادته وحده. ثم المسح انما يكون بدلا عن الغسل لاعن المسح والرأس ممسوح فكيف يكون المسح على العمامة بدلا عنه بخلاف الرجل ولانه لايلحقه كثير حرج في ادخال اليد تحت العمامة والمسح على الرأس * قال (وكذلك المرأة لا تمسح على خمارها) لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها أنها أدخلت يدها تحت الخمار ومسحت برأسها وقالت بهذا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فان مسحت على خمارها فنفذت البلة إلى رأسها حتى ابتل قدر الربع أجزأها حتى قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى إذا كان الخمار جديدا يجوز وان لم يكن جديدا لا يجوز لان ثقوب الجديد لم تنسد بالاستعمال فتنفذ البلة منها إلى الرأس * قال (وأما المسح على الجوربين فان كانا

[ 102 ]

ثخينين منعلين يجوز المسح عليهما) لان مواظبة المشى سفرا بهما ممكن وان كانا رقيقين لا يجوز المسح عليهما لانهما بمنزلة اللفافة وان كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز المسح عليهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لان مواظبة المشى بهما سفرا غير ممكن فكانا بمنزلة الجورب الرقيق وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجوز المسح عليهما وحكى أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى في مرضه مسح على جوربيه ثم قال لعواده فعلت ما كنت أمنع الناس عنه فاستدلوا به على رجوعه وحجتهما حديث أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه وقد روى المسح على الجورب عن أبى بكر وعلي وأنس رضى الله تعالى عنهم * وتأويله عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه كان منعلا أو مجلدا والثخين من الجورب أن يستمسك على الساق من غير أن يشده بشئ. والصحيح من المذهب جواز المسح على الخفاف المتخذة من اللبود التركية لان مواظبة المشى فيها سفراممكن * قال (ويجوز المسح على الجرموقين فوق الخفين) عندنا وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه ان لبس الجرموقين وحدهما مسح وان لبسهما فوق الخف لم يمسح عليهما لان ما تحتهما ممسوح والمسح لا يكون بدلا عن المسح (ولنا) حديث عمر رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الجرموقين ولان الجرموق فوق الخف في معنى خف ذى طاقين ولو لبس خفا ذا طاقين كان له أن يمسح عليه فهذا مثله وانما يجوز المسح عندنا على الجرموقين إذا لبسهما فوق الخفين قبل أن يحدث ويمسح فأما إذا كان مسح على الخف أولا ثم لبس الجرموق فليس له ان يمسح على الجرموق لان حكم المسح استقر على الخف فبهذا يتبين الجواب عما قاله الشافعي رحمه الله تعالى عنه. وكذلك لو أحدث بعد ما لبس الخف ثم لبس الجرموقين فليس له أن يمسح على الجرموق لان ابتداء مدة المسح من وقت الحدث وقد انعقد في الخف فلا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك وان مسح على الخفين ثم نزع أحدهما انتقض مسحه في الرجلين وعليه غسلهما. وقال ابن أبى ليلى رحمه الله لا شئ عليه وعن ابراهيم النخعي رحمه الله فيه ثلاثة أقوال روي حماد رحمه الله تعالى عنه كما هو مذهبنا وروى ابن أبى يعلى عن الحكم رحمه الله أنه لا شئ عليه وروى الحسن بن عمارة عن الحكم أن عليه استقبال الوضوء. وجه هذه الرواية أن انتقاض الوضوء لا يحتمل التجزى كانتقاضه بالحدث ووجه الرواية الاخرى أن الطهارة الكاملة لاتنتقض الا بالحدث في شئ من الاعضاء ونزع الخف ليس بحدث

[ 103 ]

. ووجه قولنا ان استتار القدم بالخف كان يمنع سراية الحدث إلى القدم وذلك الاستتار بالخلع يزول فيسرى ذلك إلى القدم فكأنه توضأ ولم يغسل رجليه فعليه غسلهما والرجلان في حكم الطهارة كشئ واحد فإذا وجب غسل احداهما وجب غسل الاخرى ضرورة أنه لا يجمع بين المسح والغسل في عضو واحد * قال (ولو مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق الباقي) وفى بعض روايات الاصل قال ينزع الجرموق الثاني ويمسح على الخفين وقال زفر رحمه الله تعالى عنه يمسح على الخف الذي نزع الجرموق عنه وليس عليه في الآخر شئ. وجه قوله ان الاستتار باق فكان الفرض المسح ففيما زال الممسوح بالنزع عليه أن يمسح وفيما كان الممسوح باقيا لا يلزمه شئ بخلاف ما إذا خلع احدي خفيه. ووجه ما ذكر في بعض النسخ أن نزع أحد الجرموقين كنزعهما جميعا كما إذا خلع احد الخفين يكون كخلعهما. ووجه ظاهر الرواية أنه في الابتداء لو لبس الجرموق على احدي الخفين كان له أن يمسح عليه وعلى الخف الباقي فكذلك إذا نزع أحد الجرموقين الا أن حكم الطهارة في الرجلين لا يحتمل التجزي فإذا انتقض في أحدهما بنزع الجرموق ينتقض في الآخر فلهذا مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق الباقي * قال (وإذا انقضى مدة مسحه ولم يحدث فعليه نزع الخفين وغسل القدمين) لان الاستتار كان مانعا في المدة فإذا انقضى سرى ذلك الحدث إلى القدمين فعليه غسلهما وليس عليه اعادة الوضوء كما لو كانت السراية بخلع الخفين * قال (وإذا توضأ فنسى مسح خفيه ثم خاض الماء فانه يجزئه من المسح) لان تأدى الفرض باصابة البلة ظاهر الخف وقد وجد وهل يصير الماء مستعملا بهذا قال أبو يوسف رحمه الله لا يصير الماء مستعملا بهذا وعن محمد رحمه الله تعالى ان الماء يصير مستعملا ولا يجزئه من المسح إذا كان الماء قليلا غير جار وأصل الخلاف في الرأس فأبو يوسف رحمه الله يقول تأدى فرض المسح بالبلة الواصلة إلى موضعها لا بالماء الباقي في الاناء فبقى الاناء كما كان ومحمد رحمه الله يقول لو تأدى به الفرض لصار الماء مستعملا بازالة الحدث فانما أخرج رأسه من الماء المستعمل وذلك يمنع من جواز المسح به * قال (وإذا استكمل المقيم مسح الاقامة ثم سافر نزع الخف) لان حكم الحدث سرى إلى القدمين بانقضاء مدة المسح فلا يتغير ذلك بالسفر) * قال (وان لبس خفيه وهو مقيم ثم سافر قبل أن يحدث فله أن يمسح كمال مدة السفر) لان ابتداء المدة انعقد وهو مسافر فأما إذا أحدث وهو مقيم أو مسح قبل استكمال يوم وليلة

[ 104 ]

ثم سافر جاز له عندنا أن يمسح كمال ثلاثة أيام ولياليها وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يمسح الا يوما وليلة قال لان المدة انعقدت وهو مقيم فلا يمسح أكثر من يوم وليلة والشروع في مدة المسح كالشروع في الصلاة ومن افتتح الصلاة في السفينة وهو مقيم ثم صار مسافرا لم يجز له أن يتم صلاة السفر وانما يتم صلاة المقيمين (ولنا) أن المسح جاز له وهو مسافر فله أن يمسح كمال مدة السفر كما لو سافر قبل الحدث وفعل الصلاة. دليلنا أنه بالحدث صار شارعا في وقت المسح فوزانه أن لو دخل وقت الصلاة وهو مقيم ثم صار مسافرا فهناك يصلى صلاة المسافرين * قال (وإذا قدم المسافر مصره بعد ما مسح يوما وليلة أو أكثر من ذلك فعليه نزع الخفين) لانه صار مقيما والمقيم لا يمسح أكثر من يوم وليلة الا أنه إذا كان قدومه بعد ما مسح يومين نزع خفيه ولم يعد شيئا من الصلاة لانه حين مسح كان مسافرا * قال (وإذا توضأ ومسح على الجبائر ولبس خفيه ثم أحدث فله أن يمسح على الخفين ما لم يبرأ جرحه) لان المسح على الجبائر كالغسل لما تحته ما دامت العلة قائمة وقد بينا هذا فيما مضى فكان اللبس حاصلا على طهارة تامة ما بقيت العلة فله أن يمسح على الخفين فان برئ جرحه فعليه أن ينزع خفيه لان المسح على الجبائر طهارة تامة ما بقيت العلة واللبس بعد البرء غير حاصل على طهارة تامة فلم يكن له أن يمسح وان لم يحدث بعد لبس الخف حتى برئ جرحه فان لم يحدث حتى غسل ذلك الموضع جاز له أن يمسح على الخفين لان أول الحدث بعد اللبس طرأ على طهارة تامة وان أحدث قبل غسل ذلك الموضع لم يجز له أن يمسح على الخف لان أول الحدث بعد اللبس طرأ على طهارة ناقصة * قال (وللماسح على الخفين أن يؤم الغاسلين) لانه صاحب بدل صحيح وحكم البدل حكم الاصل ولان المسح على الخف جعل كالغسل لما تحته في المدة بدليل جواز الا كتفاء به مع القدرة على الاصل وهو غسل الرجلين فكان الماسح في حكم الامامة كالغاسل * قال (وإذا أراد أن يبول فلبس خفيه ثم بال فله أن يمسح على خفيه) لان لبسهما حصل على طهارة تامة ولما سئل أبو حنيفة رحمه الله عن هذا فقال لا يفعله الا فقيه فقد استدل بفعله على فقهه لانه تطرق به إلى رخصة شرعية * قال (وإذا بدا للماسح أن يخلع خفيه فنزع القدم من الخف غير أنه في الساق بعد فقد انتقض مسحه) لان موضع المسح فارق مكانه فكأنه ظهر رجله وهذا لان ساق الخف غير معتبر حتى لو لبس خفا لاساق له جاز له المسح إذا كان الكعب مستورا فيكون الرجل في ساق الخف

[ 105 ]

وظهوره في الحكم سواء وان نزع بعض القدم عن مكانه فالمروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في الاملاء أنه إذا نزع أكثر العقب انتقض مسحه لانه لا يمكنه المشى بهذه الصفة وللاكثر حكم الكمال وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى ان نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع انتقض مسحه وعن محمد رحمه الله تعالى قال ان بقى من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع لم ينتقض مسحه لانه لو كان بعض رجله مقطوعا وقد بقى من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع فلبس عليه الخف جاز له أن يمسح فهذا قياسه والله أعلم * قال (وإذا لبس الخفين على طهارة التيمم أو الوضوء بنبيذ ثم وجد الماء نزع خفيه) لان طهارة التيمم غير معتبرة بعد وجود الماء وكذلك طهارة النبيذ فصار بعد وجود الماء كأنه لبس على غير طهارة * قال (وإذا لبست المستحاضة الخفين فان كان الدم منقطعا من حين توضأت إلى أن لبست الخفين فلها أن تمسح كمال مدة المسح لان وضوءها رفع الحدث السابق ولم يقترن الحدث بالوضوء ولا باللبس فانما طرأ أول الحدث بعد اللبس على طهارة تامة) فأما إذا توضأت والدم سائل أو سال بعد الوضوء قبل اللبس فلبست الخفين كان لها أن تمسح في الوقت إذا أحدثت حدثا آخر ولم يكن لها أن تمسح بعد خروج الوقت عندنا. وقال زفر رحمه الله تعالى لها أن تمسح كمال مدة المسح لان سيلان الدم عفو في حقها بدليل جواز الصلاة معه فكان اللبس حاصلا على طهارة (ولنا) أن سيلان الدم عفو في الوقت لابعده حتى تنتقض الطهارة بخروج الوقت وخروج الوقت ليس بحدث فكان اللبس حاصلا على طهارة معتبرة في الوقت لابعد خروج الوقت فلهذا كان لها أن تمسح في وقت الصلاة لا بعد خروج الوقت * قال (واذ كان مع المسافر ماء قدر ما يتوضأ به وفى ثوبه دم أكثر من قدر الدرهم غسل الدم بذلك الماء ثم تيمم للحدث) وقال حماد بن أبى سليمان رحمه الله تعالى يتوضأ بذلك الماء وهو رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى وقيل هذه أول مسألة خالف فيها أبو حنيفة رحمه الله تعالى استاذه. ووجه قول حماد رحمه الله تعالى أن حكم الحدث أغلظ من حكم النجاسة بدليل أن القليل من النجاسة عفو ومن الحدث لا وبدليل جواز الصلاة في الثوب النجس إذا كان لا يجد ماء يغسله به ولا تجوز الصلاة مع الحدث بحال فصرف الماء إلى أغلظ الحدثين أولى ووجه قول أبى حنيفة رحمه الله أنه قادر على الجمع بين الطهارتين بأن يغسل النجاسة بالماء فيطهر به الثوب ثم يكون عادما للماء فيكون طهارته التيمم ومن قدر على الجمع بين الطهارتين لا يكون له

[ 106 ]

أن يأتي بأحدهما ويترك الآخر فلهذا كان صرف الماء إلى النجاسة أولى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (باب التيمم) قال رضى الله تعالى عنه التيمم في اللغة القصد ومنه قول القائل وما أدرى إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يلينى أي قصدت * وفى الشريعة عبارة عن القصد إلى الصعيد للتطهير الاسم شرعى فيه معنى اللغة (وثبوت التيمم بالكتاب والسنة) أما الكتاب فقوله تعالى فلم تجدوا ماء فيتمموا صعيدا طيبا ونزول الآية في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فسقط عقد عائشة رضى الله عنها فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلين في طلبه ونزلوا ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر رضى الله تعالى عنه على عائشة رضى الله تعالى عنهما وقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت آية التيمم فلما صلوا جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة رضى الله تعالى عنها فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبى بكر وفي رواية يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه الا جعل الله للمسلمين فيه فرجا * والسنة ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال جعلت لى الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت وقال عليه الصلاة والسلام التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء * إذا عرفنا هذا فنقول ينتظر من لا يجد الماء آخر الوقت ثم يتيمم صعيدا طيبا وهذا إذا كان على طمع من وجود الماء فان كان لا يرجو ذلك لا يؤخر الصلاة عن وقتها المعهود لان الانتظار انما يؤمر به إذا كان مفيدا فإذا كان على طمع فالانتظار مفيد لعله يجد الماء فيؤدي الصلاة بأكمل الطهارتين وإذا لم يكن على طمع من الماء فلا فائدة في الانتظار فلا يشتغل به * ثم بين صفة التيمم فقال (يضع يديه على الارض ثم يرفعهما فينفضهما ويمسح بهما وجهه ثم يضع يديه ثانية على الارض ثم يرفعهما فينفضهما ثم يمسح بهما كفيه وذراعيه من المرفقين. قال فان مسح وجهه وذراعيه ولم يمسح ظهر كفيه لم يجزه) فقد ذكر الوضع والآثار جاءت بلفظ الضرب قال صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر أما يكفيك ضربتان والوضع جائز والضرب أبلغ ليتخلل التراب بين أصابعه وينفضهما مرة وعن أبى يوسف رحمه الله أنه

[ 107 ]

قال ينفضهما مرتين وفى الحقيقة لا خلاف فان ما التصق بكفه من التراب ان تناثر بنفضة واحدة يكتفي بها وان لم يتناثر نفض نفضتين لان الواجب التمسح بكف موضوع على الارض لا استعمال التراب فان استعمال التراب مثله * ثم التيمم ضربتان عند عامة العلماء وكان ابن سيرين يقول ثلاث ضربات ضربة يستعملها للوجه وضربة في الذراعين وضربة ثالثة فيهما وحديث عمار حجة عليه كما روينا وكذلك ظاهر قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه يوجب المسح دون التكرار * ثم التيمم إلى المرافق في قول علمائنا والشافعي رحمهم الله تعالى. وقال الاوزاعي والاعمش إلى الرسغين وقال الزهري رحمه الله إلى الآباط وحديث عمار رضى الله عنه قد ورد بكل ذلك فرجحنا روايته إلى المرفقين لحديثين * أحدهما حديث أبى أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين * والثانى حديث الاشلع أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين والمعنى فيه أن التيمم بدل عن الوضوء ثم الوضوء في اليدين إلى المرفقين فالتيمم كذلك وتقريره انه سقط في التيمم عضوان أصلا وبقى عضوان فيكون التيمم فيهما كالوضوء في الكل كما أن الصلاة في السفر سقط منه ركعتان كان الباقي منها بصفة الكمال ولهذا شرطنا الاستيعاب في التيمم حتى إذا ترك شيئا من ذلك لم يجزه الا في رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال الاكثر يقوم مقام الكمال لان في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في المسح بالخف والرأس فأما في ظاهر الرواية الاستيعاب في التيمم فرض كما في الوضوء ولهذا قالوا لابد من نزع الخاتم في التيمم ولابد من تخليل الاصابع ليتم به المسح. ومن قال التيمم إلى الرسغ استدل بآية السرقة قال الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ثم كان القطع من الرسغ ولكنا نقول ذاك عقوبة وفى العقوبات لا يؤخذ الا باليقين والتيمم عبادة وفى العبادات يؤخذ بالاحتياط ومن قال إلى الآباط قال اسم الايدى مطلقا يتناول الجارحة من رؤس الاصابع إلى الاباط ولكنا نقول التيمم بدل عن الوضوء فالتنصيص على الغاية في الوضوء يكون تنصيصا عليه في التيمم يقول في الكتاب. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن التيمم فقال الوجه والذراعان إلى المرفقين فقلت كيف فمال بيده على الصعيد فأقبل بيده وأدبر ثم نفضهما ثم مسح وجهه ثم أعاد كفيه جميعا على الصعيد فأقبل بهما وأدبر ثم رفعهما

[ 108 ]

ونفضهما ثم مسح بكل كف ظهر ذراع الاخرى وباطنها إلى المرفقين وفى قوله أقبل بهما وأدبر وجهان. أحدهما أنه قبل الوضع على الارض أقبل بهما وأدبر لينظر هل التصق بكفه شئ يصير حائلا بينه وبين الصعيد. والثانى أقبل بهما على الصعيد وأدبر بهما وهذا هو الاظهر. قال (وان كان مع رفيق له ماء فطلب منه فلم يعطه فتيمم وصلى أجزأه) لانه عادم للماء حين منعه صاحب الماء وهو شرط التيمم وان لم يطلب منه حتى تيمم وصلى لم يجزه لان الماء مبذول في الناس عادة خصوصا للطهارة فلا يصير عادما للماء الا بمنع صاحبه فلا يظهر ذلك الا بطلبه فإذا لم يطلب لا يجزئه فأما إذا لم يكن مع أحد من الرفقة ماء وتيمم وصلى جازت صلاته وان لم يطلب الماء عندنا. وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه لابد من طلب الماء أولا يمنة ويسرة فيهبط واديا ويعلو شرفا ان كان ثمة لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وذلك لا يتبين الا بطلبه ولكنا نقول الطلب انما يلزمه إذا كان على طمع من الوجود فأما إذا لم يكن على طمع منه فلا فائدة في الطلب وقد يلحقه الحرج فربما ينقطع عن أصحابه وما شرع التيمم الا لدفع الحرج قال الله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج قال (وكل شئ من الارض تيمم به من تراب أو جص أو نورة أو زرنيخ فهو جائز) في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول أولا لا يجوز التيمم الا بالتراب والرمل ثم رجع فقال لا يجزئه الا بالتراب الخالص وهو قول الشافعي رضى الله تعالى عنه واحتج بقوله تعالى فتيمموا صيعدا طيبا. قال ابن عباس رضى الله تعالى عنه الصعيد هو التراب الخالص. وقال صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم والجص والنورة ليسا بتراب فلا يجوز التيمم بهما وما سوى التراب مع التراب بمنزلة سائر المائعات مع الماء في الوضوء فكما يختص الوضوء بالماء دون سائر المائعات فكذلك التيمم وفيه اظهار كرامة الآدمي فانه مخلوق من التراب والماء فخصا بكونهما طهورا لهذا وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى استدلا بالآية فان الصعيد هو الارض قال صلى الله عليه وسلم يحشر العلماء في صعيد واحد كأنها سبيكة فضة فيقول الله تعالى يا معشر العلماء اني لم أضع علمي فيكم الا لعلمي بكم انى لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم انطلقوا مغفورا لكم فدل أن الصعيد هو الارض. وقال صلى الله عليه وسلم جعلت لى الارض مسجدا وطهورا ثم ما سوى التراب من الارض أسوة التراب في كونه مكان الصلاة فكذلك في كونه طهورا

[ 109 ]

وبين أن الله يسر عليه وعلى أمته وقد تدركه الصلاة في غير موضع التراب كما تدركه في موضع التراب فيجوز التيمم بالكل تيسيرا * ثم حاصل المذهب أن ما كان من جنس الارض فالتيمم به جائز ومالا فلا حتى لا يجوز التيمم بالذهب والفضة لانهما جوهوان مودعان في الارض ليس من جنسه حتى يذوب بالذوب وكذلك الرماد من الحطب لانه ليس من جنس الارض هكذا ذكر الشيخ الامام السرخسى وغيره من مشايخنا رحمهم الله * قال (ان كان الملح جبليا يجوز لانه من جنس التراب وان كان مائعا لا يجوز لانه ليس من جنس التراب داء سبخ) وأما الكحل والمرداء سبخ من جنس الارض فيجوز التيمم بهما والاجر كذلك لانه طين مستحجر فهو كالحجر الاصلى والتيمم بالحجر يجوز في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وان لم يكن عليه غبار. وعن محمد رحمه الله تعالى فيه روايتان في احدى الروايتين لا يجوز الا ان يكون عليه غبار. والدليل على الجواز حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بال فسلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى بحيطان المدينة فضرب بيده على الحائط فتيمم ثم رد عليه السلام وحيطانهم كانت من الحجر فدل على جواز التيمم بها وكذلك الطين عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يجوز به التيمم لانه من جنس الارض وفى احدى الروايتين عن محمد رحمه الله تعالى لا يجوز بالطين * قال (وإذا نفض ثوبه أو لبده وتيمم بغباره وهو يقدر على الصعيد أجزأه) في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا يجزئه عند أبى يوسف رحمه الله تعالى الا إذا كان لا يقدر على الصعيد ووجهه أن الغبار ليس بتراب خالص ولكنه من التراب من وجه والمأمور به التيمم بالصعيد فان قدر عليه لم يجزه الا بالصعيد وان لم يقدر فحينئذ تيمم بالغبار كما أن العاجز عن الركوع والسجود يصلى بالايماء وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى احتجا بحديث عمر رضى الله تعالى عنه فانه كان مع أصحابه في سفر فنظروا بالخابية فأمرهم أن ينفضوا لبودهم وسروجهم ويتيمموا بغبارها ولان الغبار تراب فان من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب الا أنه دقيق وكما يجوز التيمم بالخشن من التراب على كل حال فكذلك بالدقيق منه * قال (وان تيمم في أول الوقت أجزأه) وكذلك قبل دخول الوقت عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجزئه قبل دخول الوقت لانها طهارة ضرورية فلا يعتد بها قبل تحقق الضرورة لكنا نستدل بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فشرط عدم الماء فقط وجعله في حال

[ 110 ]

عدم الماء كالوضوء. ثم التوضؤ بالماء قبل دخول الوقت لتقرر سببه وهو الحدث فكذلك التيمم فان وجد الماء بعد ذلك فهو على أوجه ان وجده قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه الا على قول أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنهما قال الطهارة متى صحت لا يرفعها الا الحدث ووجود الماء ليس بحدث ولكنا نستدل بقوله صلى الله عليه وسلم التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك ولان التيمم لا يرفع الحدث ولكنه طهارة شرعا إلى غاية وهو وجود الماء ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها خلاف ما قبلها فعند وجود الماء يصير محدثا بالحدث السابق وان وجد الماء في خلال الصلاة فعليه أن يتوضأ ويستقبل القبلة عندنا وهو أحد أقاويل الشافعي رحمه الله تعالى. وفى قول آخر يقرب الماء منه حتى يتوضأ ويبنى وأظهر أقاويلة أنه يمضى على صلاته. وجه قوله أن الشروع في الصلاة قد صح بطهارة التيمم فلا يبطل برؤية الماء كما لو رأى بعد الفراغ من الصلاة وإذا لم يبطل ما أدى فحرمة الصلاة تمنعه من استعمال الماء فلا يكون واجدا للماء كما لو كان بينه وبين الماء مانع أو كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستسقاء (ولنا) أن طهارة التيمم انتهت بوجود الماء فلو أتم صلاته أتمها بغير طهارة وذلك لا يجوز وحرمة الصلاة انما تمنعه من استعمال الماء أن لو بقيت ولم تبق هاهنا لما بينا ان التيمم لا يرفع الحدث فعند وجود الماء يصير محدثا بحدث سابق على الشروع في الصلاة وذلك يمنعه من البناء كخروج الوقت في حق المستحاضة لان البناء على الصلاة عرف بالاثر وذلك في حدث يسبقه للحال فلهذا ألزمناه الوضوء واستقبال الصلاة والشروع في الصلاة وان صح كما قال الا أن المقصود لم يحصل به لانه اسقاط الفرض عن ذمته ومتى قدر على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل سقط اعتبار البدل كالمعتدة بالاشهر إذا حاضت وان وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة والسلام لم تلزمه الاعادة الا على قول مالك رحمه الله فانه يقول إذا وجد الماء في الوقت يعيد الصلاة لان طهارة التيمم لضرورة التمكن به من أداء الصلاة والاداء باعتبار الوقت فإذا ارتفعت هذه الضرورة بوجود الماء في الوقت سقط اعتبار التيمم كالمريض إذا أحج رجلا بماله ثم برئ فعليه حجة الاسلام لبقاء الوقت فان العمر للحج كالوقت للصلاة (ولنا) ماروي أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صليا بالتيمم في الوقت ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الاخر فسألا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذى أعاد أتاك أجرك مرتين

[ 111 ]

وللذى لم يعد أجزأتك صلاتك وعن ابن عمر رضى الله عنهما أنه صلى العصر بالتيمم وانصرف من ضيعته وهو ينظر إلى أبيات ثم دخلها قبل غروب الشمس فلم يعد الصلاة والمعنى أن المقصود هو اسقاط الفرض عن ذمته وقد حصل بالبدل فلا يعود إلى ذمته بالقدرة على الاصل كالمعتدة بالاشهر إذا حاضت بعد انقضاء العدة وهذا بخلاف الحج فان جواز الاحجاج باعتبار وقوع اليأس عن الاداء بالبدن وذلك لا يحصل الا بالموت وهاهنا جواز التيمم باعتبار العجز عن استعمال الماء وكان متحققا حين صلى * قال (ويؤم المتيمم المتوضئين) في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما وقال محمد رحمه الله تعالى لا يؤم وهو قول على رضى الله تعالى عنه فانه كان يقول لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين ولان طهارة المتيمم طهارة ضرورة فلا يؤم من لا ضرورة له كصاحب الجرح السائل لا يؤم الاصحاء. وهما استدلا بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه فان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله أميرا على سرية فلما انصرفوا سألهم عن سيرته فقالوا كان حسن السيرة ولكنه صلى بنا يوما وهو جنب فسأله عن ذلك فقال احتلمت في ليلة باردة فخشيت الهلاك ان اغتسلت فتلوت قول الله عزوجل ولا تقتلوا أنفسكم فتيممت وصليت بهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وقال يالك من فقه عمرو بن العاص ولم يأمرهم باعادة الصلاة ولان المتيمم صاحب بدل صحيح فهو كالماسح على الخفين يؤم الغاسلين وهذا لان البدل عند العجز عن الاصل حكمه حكم الاصل بخلاف صاحب الجرح فانه ليس بصاحب بدل صحيح * قال (والجنب والحائض والمحدث في التيمم سواء) وهو قول على وابن عباس رضى الله عنهما وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه لا يجوز التيمم للحائض والجنب وروى أن عمار بن ياسر رضى الله عنه قال لعمر رضى الله عنه أما تذكر إذ كنت معك في الابل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصرت حمارا أما يكفيك ضربتان فقال له عمر اتق الله فقال ان شئت فلا أذكره أبدا فقال عمر ان شئت فاذكره وان شئت فلا تذكره ولما ذكر لابن مسعود رضى الله عنه حديث عمار فقال لم يقنع به عمر رضى الله عنه وأصل الاختلاف في قوله تعالى أو لامستم النساء فقال عمر وابن مسعود رضى الله عنهما المراد المس باليد فجوز التيمم للمحدث خاصة وقال على وابن عباس رضى الله عنهما المراد المجامعة فهذا القول أولى فان الله تعالى ذكر نوعي الحدث

[ 112 ]

عند وجود الماء في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة وقوله وان كنتم جنبا فاطهروا وذكر نوعي الحدث عند عدم الماء وأمر بالتيمم لهما بصفة واحدة فكان الحمل علي المجامعة أكثر افادة من هذا الوجه. والدليل على جوازه للحائض والجنب حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن قوما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا انا نكون في هذه الرمال وربما لانجد الماء شهرا وفينا الجنب والحائض فقال صلى الله عليه وسلم عليكم بأرضكم وفى حديث أبى ذر رضى الله عنه قال اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ابل الصدقة فقال لى أبديها فبدوت إلى الربذة فأصابتني الجنابة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك فسكت فقال ثكلتك أمك مالك فقلت انى جنب فأمر جارية سوداء فأتت بعس من ماء وسترتني بالبعير والثوب فاغتسلت فكأنما وضعت عن عاتقي حملا فقال النبي صلى الله عليه وسلم كان يكفيك التيمم ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء * قال (ويجوز للمريض أن يتيمم إذا لم يستطع الوضوء أو الغسل) أما إذا كان يخاف الهلاك باستعمال الماء فالتيمم جائز له بالاتفاق لقوله تعالى وان كنتم مرضى أو على سفر قال ابن عباس رضى الله عنه نزلت الآية في المجدور والمقروح. وروى أن رجلا من الصحابة كان به جدري فاحتلم في سفر فسأل أصحابه فأمروه بالاغتسال فاغتسل فمات فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلوه قتلهم الله كان يكفيه التيمم وان كان يخاف زيادة المرض من استعمال الماء ولا يخاف الهلاك جاز له التيمم عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز لان التيمم مشروع عند عدم الماء وهو واجد للماء والعجز انما يتحقق عند خوف الهلاك ولا يجوز التيمم لمن لا يخاف الهلاك (ولنا) أن زيادة المرض بمنزلة الهلاك في اباحة الفطر وجواز الصلاة قاعدا أو بالايماء فكذلك في حكم التيمم وهذا لان حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال ولو كان يلحقه الخسران في المال باستعمال الماء بأن كان لا يباع الا بثمن عظيم جاز له أن يتيم فعند خوف زيادة المرض أولى هذا كله إذا كان يستضر بالماء فان كان لا يستضر بالماء ولكنه للمرض عاجز عن التحرك للوضوء فظاهر المذهب أنه ان وجد من يستعين به في الوضوء لا يجوز له التيمم وان لم يجد من يعينه في الوضوء فحينئذ يتيمم لتحقق عجزه عن الوضوء وروي عن محمد رحمه الله تعالى * قال وان لم يجد من يعينه في الوضوء من الخدم فليس له أن يتيمم في المصر الا أن يكون مقطوع اليدين ووجهه أن الظاهر أنه في المصر

[ 113 ]

يجد من يستعين به من قريب أو بعيد والعجز بعارض على شرف الزوال فإذا لم يجد من يوضئه جاز له التيمم لهذا ثم يصلى بتيممه ما شاء من الصلاة ما لم يحدث أو تزل العلة وكذلك المسافر يصلى بتيممه ما شاء ما لم يحدث أو يجد الماء عندنا * وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد وله أن يصلى من النوافل ما شاء وحجته أنها طهارة ضرورة وباعتبار كل فريضة تتجدد الضرورة فعليه تجديد الوضوء والنوافل تبع للفرائض وهو نظير مذهبه في طهارة المستحاضة وقد بينا. وحجتنا قوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طهارة التيمم ممتدا إلى غاية وجود الماء ويتبين بهذا أنه في حال عدم الماء كالوضوء ثم المتوضئ له أن يصلى بوضوء واحد ما شاء ما لم يحدث فهذا مثله ولان بالفراغ من المكتوبة لم تنتقض طهارته حتى جاز له أداء النافلة وإذا بقيت الطهارة فله أن يؤدى الفرض لان الشرط أن يقوم إليه طاهرا وقد وجد * قال (وان وجد المتيمم الماء فلم يتوضأ حتى حضرت الصلاة وقد عدم ذلك الماء فعليه اعادة التيمم) لانه لما قدر على استعمال الماء بطل تيممه وصار محدثا بالحدث السابق فهذا محدث لا ماء معه فعليه التيمم للصلاة والله أعلم * قال (ولا يجوز بأقل من ثلاثة أصابع) فهو والمسح بالرأس والخف سواء وقد بينا. قال (وان أجنب المسافر ومعه من الماء مقدار ما يتوضأ به يتيمم عندنا ولم يستعمل الماء) وقال الشافعي رحمه الله تعالى يتوضأ بذلك الماء ثم يتيمم. وكذلك المحدث إذا كان معه من الماء ما يكفيه لغسل بعض الاعضاء عندنا يتيمم وعنده يستعمل الماء فيما يكفيه ثم يتيمم واستدل بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فذكره منكرا في موضع النفى وذلك يتناول القليل والكثير فما بقى واجدا لشئ من الماء لا يجوز له أن يتيمم ولان الضرورة لاتتحقق الا بعد استعمال الماء فيما يكفيه فهو كمن أصابته مخمصة ومعه لقمة من الحلال لا يكون له أن يتناول الميتة ما لم يتناول تلك اللقمة الحلال ولا يبعد الجمع بين التيمم واستعمال الماء كما قلتم في سؤر الحمار (ولنا) قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فان المراد ماء يطهره. ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه عن التيمم ولانه معطوف على ما سبق وقد سبق بيان حكم الوضوء والاغتسال ثم عطف عليه قوله تعالى فلم تجدوا ماء فيكون المفهوم منه ذلك الماء الذى يتوضؤن به ويغتسلون به عند الجنابة وهو غير واجد لذلك الماء ولانه إذا لم يطهره استعمال هذا الماء لا يكون في استعماله الا مضيعه

[ 114 ]

ولان الاصل لا يوفى بالابدال لانهما لا يلتقيان كما لا يكمل التكفير بالمال بالصوم ولا العدة بالشهور بالحيض ولو قلنا يتيمم بعد استعمال الماء كان فيه رفو الاصل بالبدل ولا نقول في مسألة المخمصة انه يلزمه مراعاة الترتيب فان ما معه من الحلال إذا كان لا يكفيه لسد الرمق فله أن يتناول معه الميتة. وفى سؤر الحمار الجمع بينهما عندنا للاحتياط لا لرفو الاصل بالبدل ولذلك لو أنه وجد الماء بعد التيمم فان كان يكفيه لما خوطب به يبطل تيممه وان كان لا يكفيه لا يبطل تيممه اعتبارا للانتهاء بالابتداء * قال (وان تيمم للجنابة ثم أحدث ومعه من الماء ما يتوضأ به توضأ به) لان ذلك التيمم أخرجه من الجنابة إلى أن يجد ما يكفيه للاغتسال فهو الآن محدث معه من الماء ما يكفيه للوضوء فيتوضأ به فان توضأ به ولبس خفيه ثم مر بالماء فلم يغتسل ثم حضرت الصلاة وعنده من الماء قدر ما يوضئه فانه يتيمم لانه لما مر بما يكفيه للاغتسال عاد جنبا كما كان فعليه أن يتيمم ولا يلزمه نزع الخف إذ لا تيمم في الرجل * قال (فان تيمم ثم حضرت الصلاة الاخرى وقد سبقه الحدث فانه يتوضأ) لانه بالتيمم الاول خرج من الجنابة إلى أن يجد ماء يكفيه للاغتسال ولم يجد بعد فهذا محدث معه ماء يتوضأ به فعليه أن يتوضأ وينزع خفيه لانه لما مر بماء يكفيه للاغتسال بعد لبس الخف وجب عليه نزع الخفين فلا يكون له أن يمسح بعد ذلك وان لم يكن مر بالماء قبل ذلك مسح على خفيه لان اللبس حصل على طهارة كاملة ما لم يجد ما يكفيه للاغتسال فكان له أن يمسح * قال (وان كان مع المحدث ماء يكفيه للوضوء غير أنه يخاف العطش تيمم ولم يتوضأ به) هكذا قال على وابن عباس رضي الله عنهما ولانه يخاف الهلاك من العطش إذا استعمل الماء فكان عاجزا عن استعماله حكما بمنزلة ما لو كان بينه وبين الماء عدو أو سبع وقد بينا ان حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال * قال (وإذا تيمم المسافر والماء منه قريب وهو لا يعلم به أجزأه تيممه به) لانه عاجز عن استعمال الماء حين عدم آلة الوصول إليه وهو العلم به فهو كما لو كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستقاء فله أن يتيمم. ولم يفسر حد القرب في ظاهر الرواية في حالة العلم به والمروي عن محمد رحمه الله تعالى قال إذا كان بينه وبين الماء دون ميل لا يجزئه التيمم وان كان ميلا أو أكثر أجزأه التيمم والميل ثلث فرسخ وقال الحسن بن زياد رحمه الله تعالى إذا كان الماء أمامه يعتبر ميلين وان كان يمنة أو يسرة فميل واحد لان الميل للذهاب ومثله في الرجوع فكان ميلين وقال

[ 115 ]

زفر رحمه الله إذا كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزئه التيمم وان كان لا يصل إلى الماء قبل خروج الوقت يجزئه التيمم وان كان الماء قريبا منه لان التيمم لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت ولكنا نقول التفريط جاء من قبله بتأخير الصلاة فليس له أن يتيمم إذا كان الماء قريبا منه ومن العلماء من يقول إذا كان لا يبلغه صوتهم فبعيد فحينئذ يجوز له التيمم * قال (وإذا كان مع رفيقه ماء فعليه أن يسأله) الا على قول الحسن بن زياد رحمه الله تعالى فانه كان يقول السؤال ذل وفيه بعض الحرج وما شرع التيمم الا لدفع الحرج ولكنا نقول ماء الطهارة مبذول بين الناس عادة وليس في سؤال ما يحتاج إليه مذلة فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض حوائجه من غيره فان سأله فأبى أن يعطيه الا بالثمن فان لم يكن معه ثمنه يتيمم لعجزه عن استعمال الماء وان كان معه ثمنه فان أعطاه بمثل قيمته في ذلك الموضع أو بغبن يسير فليس له أن يتيمم وان أبى أن يعطيه الا بغبن فاحش فله أن يتيمم * وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى يلزمه الشراء بجميع ماله لانه لا يخسر على هذه التجارة ولا نأخذ بهذا فان حرمة مال المسلم كحرمة نفسه فإذا كان يلحقه خسران في ماله ففرضه التيمم والغبن الفاحش خسران وقد بين ذلك في النوادر فقال ان كان الماء الذى يكفي للوضوء يوجد في ذلك الموضع بدرهم فأبى أن يعطيه الا بدرهم ونصف فله أن يشترى وان أبى أن يعطيه الا بدرهمين تيمم ولم يشتر فجعل الغبن الفاحش في تضعيف الثمن. وانما قلنا إذا كان يعطيه بمثل الثمن فعليه أن يشترى لان قدرته على بدل الماء كقدرته على عينه كما أن القدرة على ثمن الرقبة كالقدرة على عينها في المنع من التكفير بالصوم، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى في الاملاء سألت أبا حنيفة رضى الله تعالى عنه عن المسافر لا يجد الماء أيطلبه عن يمين الطريق وعن يساره قال ان طمع في ذلك فليفعل ولا يبعد فيضر بأصحابه ان انتظروه أو بنفسه ان انقطع عنهم ولا يطلب ذلك الا أن يخبر بماء فيطلبه الغلوة ونحوها لان الطلب انما يؤمر به إذا كان على رجاء من وجوده فان لم يكن على رجاء منه فلا فائدة في الطلب وعدم الوجود كالوجود يتحقق من غير تقدم الطلب يقال وجد فلان لقطة وقال الله تعالى ووجدك عائلا فأغنى * قال (وان كان المسافر في ردغة وطين لا يجد الماء ولا الصعيد نفض ثوبه أو لبده وتيمم بغباره) ولا يؤمر بالتيمم بالطين وان كان لو فعل أجزأه في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان فيه تلويث الوجه وهو مثلة ولكنه ينفض لبده

[ 116 ]

فيتيمم بغباره وقد بينا فيه حديث عمر رضى الله تعالى عنه فان كان المطر عم جميع ذلك لطخ بالطين بعض جسده فإذا جف حته وتيمم به وان لم يجف لم يصل بغير وضوء ولا تيمم وان ذهب الوقت وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يصلى ثم يعيد إذا قدر على الطهور. ووجهه أنه لا ينبغى أن يمضى وقت صلاة على المسلم ولا يتشبه فيه بالمصلين فعليه أن يأتي بما قدر عليه تشبها كمن تسحر بعد طلوع الفجر كان عليه الامساك تشبها بالصائمين ولكنا نقول الصلاة بغير طهارة معصية والتشبه بالمطيعين لا يحصل بمباشرة المعصية بخلاف الامساك فانه ليس بمعصية * قال (وان وجد سؤر حمار أو بغل توضأ به وتيمم) وان قدم التيمم أجزأه الا على قول زفر رحمه الله تعالى فانه يقول مادام معه ما هو مأمور باستعماله فلا عبرة بتيممه ولكنا نقول الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب فلا يلزمه اعادة الترتيب وان كان الافضل أن يقدم في التوضؤ به * قال (وإذا أصاب بدن المتيمم نجاسة لم ينقض ذلك تيممه) ولكنه يمسح بخرقة أو تراب لتتقلل به النجاسة ثم يصلى فان صلى لم يمسحه وأجزأه لان المسح لا يزيل النجاسة فهو عاجز عن ازالتها فجازت صلاته معها * قال (وإذا توضأ الكافر أو اغتسل ثم أسلم فله أن يصلى بذلك الوضوء والاغتسال) عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى بناء على ما تقدم من اشتراط النية فعنده الوضوء لا يجزئ الا بنية القربة والكافر ليس من أهلها وعندنا يجزئ من غير نية ويزول به الحدث فيصح من الكافر كغسل النجاسة وروى أن عمر رضي الله تعالى عنه لما طلب من أخته أن تناوله الصحفة قبل أن يؤمن حتى يغتسل ناولته فذلك دليل على صحة الاغتسال من الكافر * قال (وان تيمم الكافر في حال عدم الماء ثم أسلم فليس له أن يصلى بذلك التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى) وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى إذا تيمم بنية الاسلام أو الطهر فله أن يصلى به بعد الاسلام. وجه قوله أن التيمم يفارق الوضوء في اشتراط النية وبنية الطهر صح لانه من أهله ونية الاسلام نية قربة فإذا اقترن بالتيمم نية القربة صح منه كما يصح من المسلم (ولنا) أن من شرط التيمم نية الصلاة به والكافر ليس من أهلها والتيمم لا يصح بغير نية ونية الاسلام لا تعتبر في التيمم انما تعتبر نية قربة ونية القربة لا تصح الا بالطهارة * ألا ترى أن المسلم إذا تيمم بنية الصوم أو الصدقة لا تصح نيته ثم اصراره على الكفر إلى أن يفرغ من التيمم معصية فكيف يصح فيه معنى القربة * قال (ولو توضأ المسلم أو اغتسل ثم ارتد نعوذ

[ 117 ]

بالله لم يبطل وضوءه) لان الردة ليست بحدث وهو كفر والكفر لايمنع ابتداء الوضوء فلا يمنع البقاء بطريق الاولى (فان قيل) أليس أن الردة تحبط عمله ووضوءه من عمله (قلنا) الردة تحبط ثواب العمل وذلك لايمنع زوال الحدث كمن توضأ على قصد المراآة زال الحدث به وان كان لا يثاب على وضوئه) قال (ولو تيمم المسلم ثم ارتد لم يبطل تيممه) الا على قول زفر رحمه الله تعالى فانه يقول الكفر يمنع ابتداء التيمم فيمنع البقاء كمن صلى ثم ارتد بطلت صلاته حتى لو أسلم في الوقت لم تلزمه الاعادة ولكنا نقول تيممه قد صح باقتران نية القربة فلا ينقضه الا الحدث أو وجود الماء والردة ليست بحدث وهذا لان التيمم انما يفارق الوضوء في اشتراط النية وذلك في الابتداء لافى البقاء ففي البقاء الوضوء والتيمم سواء فكما يبقى وضوءه بعد ردته فكذلك تيممه * قال (وللمسافر أن يطأ جاريته وان علم أنه لا يجد الماء) وقال مالك رحمه الله تعالى يكره ذلك * وروي أن رجلا سأل ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن ذلك فقال أما ابن عمر فلا يفعل ذلك وأما أنت إذا وجدت الماء فاغتسل قال مالك رحمه الله تعالى الضرورة لاتتحقق في اكتساب سبب الجنابة في حال عدم الماء والصلاة مع الجنابة أمر عظيم فلا ينبغى أن يتعرض لذلك من غير ضرورة (ولنا) قوله تعالى أو لامستم النساء فذلك يفيد اباحة الملامسة في حال عدم الماء ثم التيمم للجنابة والحدث بصفة واحدة وكما يجوز له اكتساب سبب الحدث في حال عدم الماء فكذلك اكتساب سبب الجنابة لان في منع النفس بعد غلبة السبق بعض الحرج وما شرع التيمم الا لدفع الحرج * قال (ومن تيمم وهو يريد تعليم الغير ولا يريد به الصلاة لم يجزه) لما بينا أن التيمم في اللغة هو القصد وذلك يدل على اشتراط النية فيه وظاهر ما يقول في الكتاب أنه يحتاج إلى نية الصلاة. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن نية الطهارة تكفى وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول يحتاج إلى نية التيمم للحدث أو الجنابة لان التيمم لهما بصفة واحدة فلا يتميز أحدهما من الآخر الا بالنية * قال (ولو تيمم بنية النفل جاز له أداء الفرض) عندنا خلافا للشافعي رضى الله عنه وقد بينا هذا أنه يعتبر الضرورة للتيمم ثم أداء النافلة بالتيمم يجوز عندنا كأداء الفرض وقال الزهري رضي الله تعالى عنه لا يجوز لانه لاضرورة في أداء النافلة * قال (مسافرة طهرت من حيضها فلم تجد ماء فتيممت وصلت فلزوجها أن يقربها) لانا حكمنا بطهارتها حين صح تيممها وتأكد ذلك بجواز صلاتها ولم يذكر ما إذا تيممت ولم تصل

[ 118 ]

فقيل هو على الاختلاف عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ليس للزوج أن يقربها وعند محمد رحمه الله له ذلك بناء على قصد الرجعة والاصح أنه ليس للزوج أن يقربها عندهم جميعا لان محمدا رحمه الله تعالى انما جعل التيمم كالاغتسال فيما هو مبنى على الاحتياط وهو قطع الرجعة والاحتياط في الوطئ تركه فلم يجعل التيمم فيه قبل تأكده بالصلاة كالاغتسال كما لم يفعله في الحل للازواج * قال (مسافر مر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب ولا يجد غيره فانه يتيمم لدخول المسجد) لان الجنابة تمنعه من دخول المسجد على كل حال عندنا سواء قصد المكث فيه أو الاجتياز وعند الشافعي رحمه الله تعالى له أن يدخله مجتاز الظاهر قوله تعالى ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ولكن أهل التفسير قالوا ان الا هنا بمعني ولا أي ولا عابري سبيل وهذا محتمل فبقى المنع بقوله لا تقربوا وهو عاجز عن الماء قبل دخول المسجد فيتيمم ثم يدخل المسجد فيستقى منه وان لم يكن معه ما يستقي به ولا يستطيع أن يغترف منه ولكنه يستطيع أن يقع فيه فان كان ماء جاريا أو حوضا كبيرا اغتسل فيه وان كان عينا صغيرا فالاغتسال فيه ينجس الماء ولا يطهره فلا يشتغل به ولكنه يتيمم للصلاة وهذا اشارة منه إلى أنه لا يصلى بالتيمم الآول لان قصده عند ذلك دخول المسجد ونية الصلاة شرطه لصحة التيمم في ظاهر الرواية فلهذا تيمم ثانيا وكذلك لو تيمم لمس المصحف فليس له أن يصلى به بخلاف ما إذا تيمم لسجدة تلاوة لان السجدة من أركان الصلاة فنيته للسجدة عند التيمم كنية الصلاة فأما مس المصحف ودخول المسجد ليس من أركان للصلاة فلا يصير بنيته ذلك ناويا للصلاة * قال (ولا يتوضأ بسؤر الكلب) الا على قول مالك رحمه الله تعالى وقد بينا أن عنده سؤره طاهر والامر بغسل الاناء من ولوغه تعبد وعند عامة العلماء سؤره نجس وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم طهور اناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله ثلاثا دليل على نجاسته والتطهير لا يحصل بالنجس فكان فرضه التيمم * قال (ويتيمم لصلاة الجنازة في المصر إذا خاف فوتها) وكذلك لصلاة العيد عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لايتيمم لهما لان التيمم طهور شرع عند عدم الماء فمع وجوده لا يكون طهورا ولا صلاة الا بطهور ومذهبنا مذهب ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال إذا فاجأتك جنازة فخشيت فوتها فصل عليها بالتيمم ونقل عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما في صلاة العيد مثله وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام بطهارة التيمم حين خاف الفوت

[ 119 ]

لمواراة المسلم عن بصره فصار هذا أصلا إلى أن كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء وصلاة العيد تفوت لا إلى بدل لانها لا تقضى إذا فاتت مع الامام وكذلك صلاة الجنازة تفوت لا إلى بدل لانها لا تعاد عندنا وكأن الخلاف مبنى على هذا الاصل والفقه فيه ان التوضؤ بالماء انما يلزمه إذا كان يتوصل به إلى أداء الصلاة وهنا لا يتوصل بالتوضؤ إلى أداء الصلاة لانه تفوته الصلاة لو اشتغل بالوضوء فإذا سقط عنه الخطاب باستعمال الماء صار وجود الماء كعدمه فكان فرضه التيمم وبهذا فارق صلاة الجمعة فانه لايتيمم لها وان خاف الفوت لان الوضوء هناك يتوصل به إلى الصلاة وهو الطهر الذى هو أصل فرض الوقت فكان مخاطبا باستعمال الماء وبخلاف سجدة التلاوة لانها غير مؤقتة فلا تفوته وبالوضوء يتوصل إلى أدائها فلا يجزئه أداؤها بالتيمم لهذا * قال (وان سبقه الحدث بعد ما شرع في صلاة العيد فان كان شروعه بالتيمم تيمم وبنى بالاتفاق وان كان شروعه بالوضوء تيمم للبناء) عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لايتيمم لانه لا يخاف الفوت فانه إذا ذهب للوضوء كان له أن يبنى وان عاد بعد فراغ الامام وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول لما جاز الافتتاح بطهارة التيمم فالبناء أجوز لان حالة البناء أسهل وخوف الفوت قائم فربما يبتلى بالمعالجة مع الناس لكثرة ازدحامهم فتفسد صلاته ولا يصل إلى الماء حتى تزول الشمس فتفوته بمضي الوقت وقيل هذا الجواب بناء على جبائية الكوفة فان الماء بعيد لا يصل إليه حتى يعود إلى المصر فأما في ديارنا الماء محيط بالمصلى فلا يتيمم للابتداء ولا للبناء لانه لا يخاف الفوت وقد روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهم الله أن ولى الميت لا يصلى على الجنازة بالتيمم بخلاف غيره لانه لا يخاف الفوت فان الناس وان صلوا عليها كان له حق الاعادة * قال (ولا يجوز التيمم من مكان قد كان فيه بول أو نجاسة وان ذهب الاثر) وذكر ابن كاسر النخعي عن أصحابنا رضى الله تعالى عنهم أنه يجوز لانه حكم بطهارة ذلك المكان حين ذهب أثر النجاسة بدليل جواز الصلاة عليها. وجه ظاهر الرواية ان شرط جواز التيمم طيبة الصعيد كما قال الله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا وهذا المكان صار طاهرا وليس من ضرورة الطهارة الطيبة ولم يصر طيبا ثم طهارة هذا المكان ثابتة بخبر الواحد واشتراط الطهارة في الصعيد ثابت بنص مقطوع به فلا يتأدى بما يثبت بخبر الواحد كمن استقبل الحطيم في الصلاة دون البيت لا تجوز صلاته لهذا وقد قررناه * قال (وان افتتح الصلاة بالوضوء ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء تيمم وبنى) لان افتتاح الصلاة بالتيمم عند عدم

[ 120 ]

الماء جائز فالبناء أجوز لانه بنى الضعيف على القوي وذلك مستقيم فان وجد ماء ينظر فان كان بعدما عاد إلى مكانه توضأ واستقبل بالاتفاق وان كان قبل أن يعود إلى مكانه فالقياس يتوضأ ويستقبل الصلاة وهو قول محمد رحمه الله تعالى لان حرمة الصلاة باقية بعد التيمم وهذا متيمم وجد الماء في خلال صلاته فيتوضأ ويستقبل الصلاة. استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى فقالا يتوضأ ويبنى ويجعل كأنه لم يتيمم أصلا ولكنه كان في طلب الماء إلى أن يجد الماء بخلاف مااذا عاد إلى مكان الصلاة فان هناك لو جعلناه كأنه لم يتيمم كانت صلاته فاسدة وهذا لانه انما لا يتوضأ للبناء إذا أدى شيئا من الصلاة بطهارة التيمم وقبل العود إلى مكان الصلاة لم يؤد شيئا بطهارة التيمم فكان له أن يتوضأ ويبنى * قال (وان كان الامام متيمما فأحدث فاستخلف متوضئا ثم وجد الماء الامام الاول فسدت صلاته وحده) لان الامامة تحولت منه إلى الثاني وصار هو كواحد من القوم ففساد صلاته لا يفسد صلاة غيره وان كان الامام متوضئا والخليفة متيمما فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته وصلاة الاول والقوم جميعا لان الامامة تحولت إليه وصار الاول كواحد من المقتدين به وفساد صلاة الامام تفسد صلاة القوم * قال (وإذا أم المتيمم المتوضئين فأبصر بعض القوم الماء ولم يعلم به الامام والآخرون حتى فرغوا فصلاة الامام والقوم تامة الا من أبصر الماء) فان صلاته فاسدة عندنا وقال زفر رضى الله عنه تعالى لا تفسد صلاته وهو رواية عن أبى يوسف رحمه الله ووجهه أنه لابد لفساد الصلاة من سبب وهو في نفسه متوضئ فرؤية الماء لا تكون مفسدا في حقه وانما تفسد صلاته لفساد صلاة الامام وصلاة الامام هنا صحيحة فلا معنى لفساد صلاته (ولنا) أن طهارة الامام معتبرة في حق المقتدى بدليل أنه لو تبين أن الامام محدث لم تجز صلاة القوم وطهارته هنا تيمم فيجعل في حق من أبصر الماء كأنه هو المتيمم فلهذا فسدت صلاته لانه اعتقد الفساد في صلاة امامه لانه عنده أنه يصلى بطهارة التيمم مع وجود الماء والمقتدى إذا اعتقد الفساد في صلاة امامه تفسد صلاته كما لو اشتبهت عليهم القبلة فتحرى الامام إلى جهة والمقتدي إلى جهة أخرى لا يصح اقتداؤه به إذا كان عالما أن امامه يصلى إلى غير جهته * قال (متيمم رأى في صلاته سرابا فظن أنه ماء فمشى إليه فإذا هو سراب فعليه أن يستقبل الصلاة) لان مشيه كان على وجه الرفض لتلك الصلاة بدليل أن ما ظن لو كان حقا كانت صلاته فاسدة فلم يكن له

[ 121 ]

أن يبنى كما لو ظن في خلال الصلاة أنه نسى مسح الرأس فمشى ليمسح ثم تذكر أنه كان مسح فليس له أن يبنى بخلاف ما إذا ظن أنه سبقه الحدث فمشى ليتوضأ فعلم قبل أن يخرج من المسجد أنه ليس بحدث كان له أن يبنى لان انصرافه هناك كان لا صلاح الصلاة دون رفضها بدليل أن ما ظن لو كان حقا كان له أن يتوضأ ويبنى فما لم يفارق مكان الصلاة جعل كأنه في موضعه فبنى لهذا * قال (ومن استيقن بالتيمم فهو على تيممه حتى يستيقن بالحدث أو بوجود الماء) للاصل الذى قدمناه في الوضوء أن اليقين لا يزول بالشك * قال (وإذا أراد التيمم فتمعك في التراب ودلك بذلك جسده كله فان كان أصاب التراب وجهه وذراعيه وكفيه أجزأه) لانه أتى بالواجب وزاد عليه وقد بينا فيه حديث عمار رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يكفيك ضربتان يعنى ضربة للوجه وضربة للذراعين على ما عرف * قال (وان بدأ بذراعيه في التيمم أو مكث بعد تيمم وجهه ساعة ثم تيمم على ذارعيه أجزأه) لانه بدل عن الوضوء وقد بينا أن الترتيب والموالاة في الوضوء مسنون لايمنع تركه الجواز فكذلك في التيمم * قال (وإذا تيمم جنب أو حائض من مكان ثم وضع آخر يده على ذلك المكان فتيمم به أجزأه) لان الصعيد الباقي في المكان بعد تيمم الاول نظير الماء الباقي في الاناء بعد وضوء الاول واغتساله به فيكون طهورا في حق الثاني كذا هذا * قال (وإذا تيمم وهو مقطوع اليدين من المرفقين فعليه مسح موضع القطع من المرفق عندنا) خلافا لزفر رحمه الله تعالى بناء على أن المرفق يدخل في فرض الطهارة عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى ثم موضع القطع صار باديا في حقه فهو نظير الكف في حق من هو صحيح اليدين فعليه مسحه في التيمم وان كان القطع من فوق المرفق لم يكن عليه مسحه لان موضع الطهارة من يده فائت فان ما فوق المرفق ليس بموضع الطهارة * قال (وإذا تيمم وفى رحله ماء لا يعلم به بأن كان نسيه بعد ما وضعه أو وضعه بعض أهله فصلاته بالتيمم جائزة) عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا تجوز عند أبي يوسف رحمه الله تعالى قال لان الماء في السفر من أهم الاشياء عند المسافر فقد نسى ما لا ينسى عادة فلا يعتبر نسيانه كما لو كان الماء على ظهره أو معلقا في عنقه فنسيه لا يعتبر نسيانه ولان جواز التيمم عند عدم الماء وهو واجد للماء لكونه في رحله فان رحله في يده فلا يجزئه التيمم كالمكفر بالصوم إذا نسى الرقبة في ملكه لا يجزئه لهذا. وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى احتجا في الكتاب

[ 122 ]

وقالا بأن الله تعالى لم يكلفه الا علمه ومعنى هذا أن التكليف بحسب الوسع وليس في وسعه استعمال الماء قبل علمه به وإذا لم يكن مخاطبا باستعماله فوجوده كعدمه كالمريض ومن يخاف العطش على نفسه تقديره أنه عدم آلة الوصول إلى الماء وهو العلم به فكان نظير الواقف على شفير البئر وليس معه آلة الاستقاء ففرضه التيمم بخلاف الرقبة فالمعتبر هناك ملكها حتى لو عرض انسان عليه الرقبة كان له أن لا يقبل ويكفر بالصوم وبالنسيان لم ينعدم ملكه وهنا المعتبر القدرة على استعمال الماء حتى لو عرض انسان عليه الماء لا يجزئه التيمم وبالنسيان زالت هذه القدرة فجاز تيممه وهو بخلاف ما إذا كان عالما به وظن أنه قد نفذ لان القدرة على الاستعمال ثابتة بعلمه فلا ينعدم بظنه وعليه التفتيش فإذا لم يفعل لا يجزئه التيمم بخلاف ما نحن فيه على ما بينا * قال (وإذا كان به جدري أو جراحات في بعض جسده فان كان محدثا فالمعتبر أعضاء الوضوء) فان كان أكثره صحيحا فعليه الوضوء في الصحيح وان كان أكثره مجروحا فعليه التيمم دون غسل الصحيح منه وان كان جنبا فالعبرة بجميع الجسد فان كان أكثره مجروحا تيمم وصلى عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يلزمه الغسل فيما هو صحيح في الوجوه جميعا لان سقوط الغسل عما هو مجروح لضرورة الضرر في اصابة الماء والثياب والضرورة تتقدر بقدرها (ولنا) ان الاقل تابع للاكثر فان النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجدور كان يكفيه التيمم وأحد لا يقول انه يغسل ما بين كل جدريين فدل على أن العبرة للاكثر وإذا كان الاكثر مجروحا فكأن الكل مجروح وقد بينا أنه لا يجمع بين الاصل والبدل على سبيل رفو أحدهما بالآخر فإذا كان الاكثر مجروحا لم يكن له بد من التيمم فسقط فرض الغسل لهذا * قال (وان أجنب الصحيح في المصر فخاف أن يقتله البرد ان اغتسل فانه يتيمم) في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى كالمسافر إذا خاف ذلك وعندهما يجزئه ذلك في السفر ولا يجزئه في المصر قالا لان السفر يتحقق فيه خوف الهلاك من البرد فانه لا يجد ماء سخينا ولا ثوبا يتدفأ به ولا مكانا يأويه واما المصر لا يعدم أحد هذه الاشياء الا نادرا ولا عبرة بالنادر ولهذا لم يجعل عدم الماء في المصر مجوزا للتيمم بخلاف خارج المصر وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول المسافر يجوز له التيمم مع وجود الماء لخوف الهلاك من البرد فإذا تحقق ذلك في حق المقيم كان هو كالمسافر لان معنى الحرج من استعمال الماء ثابت فيهما ولان من جاز له التيمم مع وجود الماء فالمصر والسفر له سواء كالمريض

[ 123 ]

وأما المحبوس في السجن فان كان في موضع نظيف وهو لا يجد الماء كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول ان كان خارج المصر صلى بالتيمم وان كان في المصر لم يصل وهو قول زفر رضى الله تعالى عنه ثم رجع فقال يصلى ثم يعيد وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. وجه قوله الاول أن عدم الماء في المصر غير معتبر شرعا حتى لا يسقط عنه الفرض بالتيمم ويلزمه الاعادة فلم يكن التيمم طهورا له ولا صلاة الا بطهور. وجه قوله الآخر أن عدم الماء في المصر انما لا يعتبر لانه لا يكون الا نادرا فأما في السجن فعدم الماء ليس بنادر فكان معتبرا فأمر بالصلاة بالتيمم لعجزه عن الماء فأما الاعادة ففي القياس لا يلزمه وهو رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى كما لو كان في السفر وفى الاستحسان يعيد لان عدم الماء كان لمعنى من العباد ووجوب الصلاة عليه بالطهارة لحق الله تعالى فلا يسقط بما هو من عمل العباد بخلاف المسافر فان هناك جواز التيمم لعدم الماء لا للحبس فلا صنع للعباد فيه فهو نظير المقيد إذا صلى قاعدا تلزمه الاعادة إذا رفع القيد عنه بخلاف المريض * وان كان محبوسا في مكان قذر لا يجد صعيدا طيبا ولا ماء يتوضأ به فانه لا يصلى في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يصلى بالايماء تشبها بالمصلين واختلفت الروايات عن محمد رحمه الله تعالى فذكر في الزيادات ونسخ أبى حفص رحمه الله تعالى من الاصل كقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى نسخ أبي سليمان رحمه الله تعالى ذكر قوله كقول أبى يوسف رحمه الله تعالى ووجهه ان العاقل المسلم لا يجوز أن يمضى عليه وقت الصلاة وهو لا يتشبه بالمصلين فيه بحسب الامكان والتكليف انما يثبت بحسب وسعه ووجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن الصلاة بغير طهور معصية ولا يحصل التشبه بالمصلين فيما هو معصية وقد تقدم نظيره. ومن نظائره الهارب من العدو ماشيا والمشتغل بالقتال في حال المسايفة والسابح في البحر بعد ما انكسرت السفينة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى يصلون بالايماء تشبها ثم يعيدون. وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يصلون لان مع العمل من القتال والسباحة والمشى لا تكون الصلاة قربة وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق لكونه كان مشغولا بالقتال فدل أنه لا يصلى في هذه الحالة * قال (مسافر جنب غسل فرجه ووجهه وذراعيه ورأسه ثم أهراق الماء فتيمم وافتتح الصلاة ثم قهقه فيها ووجد الماء فعليه أن يغسل وجهه وذراعيه ويمسح برأسه ويغسل

[ 124 ]

ما بقى من بعض جسده) لان شروعه في الصلاة قد صح بالتيمم والقهقهة في الصلاة لو طرأ على غسل جميع الاعضاء نقض طهارته فيها فكذلك إذا طرأ على غسل بعض الاعضاء بمنزلة سائر الاحداث. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى في الاملاء قال القهقهة في الصلاة ناقض للطهارة التى بها شرع في الصلاة وشروعه في الصلاة هنا بالتيمم لا بغسل وجهه وذراعيه ولا تنتقض بالقهقهة طهارته في الوجه والذراعين ولا يلزمه اعادة الغسل فيهما كما لا يلزمه اعادة الغسل فيما غسل من جسده سوى أعضاء الوضوء * قال (جنب اغتسل فبقى على بدنه لمعة لم يصبها الماء فانه يتيمم ويصلى) لان زوال الجنابة معتبر ثبوتها حكما فكما لا يتحقق ثبوتها في بعض البدن دون البعض فكذلك لا يتحقق زوالها ما بقى شئ لم يصبه الماء فان وجد الماء بعد ذلك غسل ذلك الموضع لانه قدر على ما يطهره ولا يتيمم لانه طاهر عن الحدث فان كان أحدث قبل غسل ذلك الموضع فالمسألة على أوجه ان كان الماء الذى وجده يكفيه للمعة والوضوء غسل اللمعة ليخرج من الجنابة ثم يتوضأ لانه محدث معه ما يوضئه وان كان لا يكفي لواحد منهما يتيمم للحدث وتيممه للجنابة باق ولكنه يستعمل ذلك الماء في اللمعة لتقليل الجنابة وان كان يكفيه للمعة دون الوضوء غسل به اللمعة ليخرج من الجنابة ثم يتيمم للحدث وان كان يكفيه للوضوء دون اللمعة توضأ به وتيممه للجنابة باق وان كان يكفيه لكل واحد منهما على الانفراد غسل به اللمعة لتزول به الجنابة فان حكمها أغلظ من الحدث حتى يمنع الجنب من القراءة دون المحدث ثم يتيمم للحدث فان بدأ بالتيمم للحدث أجزأه في رواية كتاب الصلاة ولم يجزه في رواية الزيادات وقيل ما ذكر في الزيادات قول محمد رحمه الله تعالى. ووجهه أنه تيمم ومعه ماء يكفيه للوضوء فلا يعتبر تيممه وما ذكر في الاصل قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ووجه أن الماء مستحق للمعة فهو كالمعدوم في حق الحدث كالمستحق للعطش وشبه هذا بسؤر الحمار في أنه يجمع المسافر بين التوضؤ به والتيمم والاولى أنه يبدأ بالوضوء به فان بدأ بالتيمم أجزأه فكذلك هنا * قال (متيمم افتتح الصلاة ثم وجد سؤر حمار مضى على صلاته فإذا فرغ توضأ به وأعاد الصلاة) لان سؤر الحمار مشكوك في طهارته وشروعه في الصلاة قد صح فلا ينتقض بالشك فلهذا يتم للصلاة ثم يتوضأ به ويعيد احتياطا لجواز أن يكون سؤر الحمار طاهرا * قال (ولو وجد نبيذ التمر في خلال الصلاة فكذلك) عند محمد رحمه الله تعالى يتم صلاته ثم يتوضأ به ويعيد

[ 125 ]

لانه كسؤر الحمار عنده وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يتم صلاته ولا يعيد لان النبيذ عنده ليس بطهور وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يقطع صلاته لان نبيذ التمر بمنزلة الماء عنده في حال عدم الماء فتنتقض صلاته بوجوده فيتوضأ به ويتستقبل * وان وجد سؤر الحمار والنبيذ جميعا فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تفسد صلاته فيتوضأ بهما ثم يستقبل لان سؤر الحمار ان كان طاهرا فالنبيذ معه ليس بطهور فلهذا توضأ بهما وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يمضى في صلاته فإذا فرغ توضأ بهما وأعاد الصلاة احتياطا (فصل في ذكر المسائل المعدودة لابي حنيفة رحمه الله تعالى) إذا فرغ المصلى من تشهده ولم يسلم حتى انقضى وقت مسحه أو وجد في خفه شيئا فنزعه فانتقض به مسحه فسدت صلاته في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وكذلك المتيمم إذا وجد الماء ومصلى الجمعة إذا خرج وقتها ومصلى الفجر إذا طلعت عليه الشمس والعارى إذا وجد ثوبا والامى إذا تعلم القراءة والقارئ إذا استخلف أميا والمومى إذا قدر على الركوع والسجود والمصلى إذا تذكر الفائتة وصاحب الجرح السائل إذا برئ جرحه أو ذهب وقته وكذلك المستحاضة ومصلى الفائتة إذا تغيرت الشمس. وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قد مضت في جميع ذلك وخرج بها عنها وجازت عنه. فمن أصحابنا من قال هذه المسائل تبتنى على أصل وهو أن الخروج من الصلاة بصنع المصلى فرض عند أبى حنيفة رحمه الله وعندهما ليس بفرض واحتجاجهما بحديث عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رفع المصلى رأسه من آخر سجدة وقعد قدر التشهد فقد تمت صلاته ولانه بالاتفاق لو تكلم أو قهقه أو أحدث متعمدا أو حادث المرأة الرجل في هذه الحالة لم تفسد الصلاة ولو بقى عليه شئ من فرائض الصلاة لفسدت في هذه الامور كما تفسد قبل القعدة ولابي حنيفة رحمه الله تعالى أن هذه عبادة لها تحريم وتحليل فلا يخرج منها على وجه التمام الا بصنعه كالحج وتقريره أن بعد التشهد لو أراد استدامة التحريمة إلى خروج الوقت أو إلى دخول صلاة أخرى منع منه ولو لم يبق عليه شئ من الصلاة لم يمنع من ذلك وتأويل الحديث أي قارب التمام كما قال من وقف بعرفة فقد تم حجه أي قارب التمام والكلام والحدث العمد والمحاذاة والقهقهة صنع من جهته (فان قيل) فنزع الخف أيضا صنعه (قلنا) هو

[ 126 ]

صنع غير قاطع حتى ان غاسل الرجلين لو فعله في خلال الصلاة لا يضره ولهذا قيل تأويله ان كان الخف واسع الساق لا يحتاج في نزعه إلى المعالجة فان كان يحتاج إلى ذلك فصلاته تامة بالاتفاق (فان قيل) فالاستخلاف أيضا صنعه (قلنا) نعم ولكنه صنع غير مفسد بدليل أنه لو استخلف القارئ في خلال الصلاة لم يضره ولكن هذا ليس بقوى لاستحالة أن يقال يتأدي فرض الصلاة بالكلام والحدث العمد ولو كان الخروج بصنع المصلى فرضا لاختص بما هو قربة كالخروج من الحج ولكن الصحيح لابي حنيفة ان التحريمة باقية بعد الفراغ من التشهد واعتراض المغير للفرض في هذه الحالة كاعتراضه في خلال الصلاة بدليل أن المسافر لو نوى الاقامة في هذه الحالة يتغير فرضه كما لو نوى الاقامة في خلال الصلاة وهذه العوارض مغيرة للفرض بخلاف الكلام فانه قاطع لامغير والقهقهة والحدث العمد والمحاذاة مبطل لامغير (فان قيل) فطلوع الشمس في خلال الفجر مبطل لامغير وقد جعلتموه على الاختلاف (قلنا) لا كذلك بل هو مغير للصلاة من الفرض إلى النفل فانه لا يصير خارجا به من التحريمة وجميع ما بينا فيما إذا اعترض قبل السلام كذلك في سجود السهو أو بعد ما سلم قبل أن يتشهد أو بعد التشهد وقبل أن يسلم لان التحريمة باقية فان عرض له شئ من ذلك بعد ما سلم قبل ان يسجد للسهو فصلاته تامة أما عندهما فلاشك وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانه بالسلام يخرج من التحريمة ولهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الاقامة في هذه الحالة وكذلك ان كان يسلم احدى التسليمتين لان انقطاع التحريمة يحصل بسليمة واحدة وهذا كله بناء على قولنا فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى تفسد صلاته بالكلام والحدث العمد والعوارض المفسدة في هذه الحالة لان الخروج بالسلام عنده من فرائض الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم وتحليلها التسليم فكما أن التحريم من الصلاة مختص بما هو قربة فكذلك التحليل (ولنا) حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه التشهد قال له إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فان شئت أن تقوم فقم وان شئت أن تقعد فاقعد ولان التسليم خطاب منه للناس حتى لو باشره في خلال الصلاة عمدا تفسد صلاته وما يكون من أركان الصلاة لا يكون مفسدا للصلاة وتبين بهذا أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم وتحليلها التسليم الاذن بانقضائها فان من تحرم للصلاة فكأنه غاب عن الناس لا يكلمهم ولا يكلمونه وعند التسليم يصير كالعائد إليهم فلهذا يسلم

[ 127 ]

عليهم لا أن التسليم من أركان الصلاة ولو عرض له شئ من ذلك قبل أن يقعد قدر التشهد أعاد الصلاة لان القعدة من الاركان لما روينا من حديث ابن مسعود. وزعم بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى أن القدر المفروض من القعدة ما يأتي فيه بكلمة الشهادتين والاصح أن المفروض قدر ما يتمكن فيه من قراءة التشهد إلى قوله عبده ورسوله فالتشهد إذا أطلق يفهم منه هذا * وفى الاملاء عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول أولا في الامي يتعلم السورة في خلال الصلاة انه يقرأ ويبنى كالقاعد يقدر على القيام ثم رجع عن ذلك وقال ان صلاة الامي ضرورة محضة حتى لا يجوز ترك القراءة مع القدرة في النفل والفرض فهو قياس المومى يقدر على الركوع والسجود والله سبحانه وتعالى أعلم (باب الاذان) الاذان في اللغة الاعلام ومنه قوله تعالى وأذان من الله ورسوله الآية وتكلموا في سبب ثبوته فروى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن علقمة بن مرثد عن أبي بردة عن أبيه قال مر أنصارى بالنبي صلى الله عليه وسلم فرآه حزينا وكان الرجل ذا طعام فرجع إلى بيته واهتم لحزنه صلى الله عليه وسلم فلم يتناول الطعام ولكنه نام فأتاه آت فقال أتعلم حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مماذا هو من هذا الناقوس فمره فليعلم بلالا الاذان وذكره إلى آخره * والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يؤخر الصلاة تارة ويعجلها أخرى فاستشار الصحابة في علامة يعرفون بها وقت أدائه الصلاة لكي لا تفوتهم الجماعة فقال بعضهم ننصب علامة حتى إذا رآها الناس أذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك وأشار بعضهم بضرب الناقوس فكرهه لاجل النصارى وبعضهم بالنفخ في الشبور (1) فكرهه لاجل اليهود وبعضهم بالبوق فكرهه لاجل المجوس فتفرقوا قبل أن يجتمعوا على شئ قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الانصاري فبت لا يأخذني النوم وكنت بين النائم واليقظان أذ رأيت شخصا نزل من السماء وعليه ثوبان أخضران وفى يده شبه الناقوس فقلت اتبعينى هذا فقال ما تصنع به فقلت نضربه عند صلاتنا فقال ألا أدلك على ما هو خير من هذا


(1) - (الشبور) بالشين المعجمة والباء الموحدة على وزن تنور هو البوق ينفخ فيه هذا ما يفهم من كلام القاموس ويفهم من كلام السيد عاصم ان البوق أعم وشبور في الفارسي باؤه بثلاث نقط ا ه‍ كتبه مصححه

[ 128 ]

فقلت نعم فقام على حذم (1) حائط مستقبل القبلة فأذن ثم مكث هنيهة ثم قام فقال مثل مقالته الاولى وزاد في آخره قد قامت الصلاة مرتين فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بذلك فقال رؤيا صدق أو قال حق ألقها على بلال فانه أمد صوتا منك فألقيتها عليه فقام على سطح أرملة كان أعلى السطوح بالمدينة وجعل يؤذن فجاء عمر رضى الله تعالى عنه في ازار وهو يهرول ويقول لقد طاف بى الليلة ما طاف بعبدالله الا أنه قد سبقني فقال صلى الله عليه وسلم هذا اثبت. وروى أن سبعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة. وكان أبو حفص محمد بن علي ينكر هذا ويقول تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فتقولون ثبت بالرؤيا كلا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حين أسرى به إلى المسجد الاقصى وجمع له النبيون أذن ملك وأقام فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نزل به جبريل عليه الصلاة والسلام حتى قال كثير بن مرة أذن جبريل في السماء فسمعه عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه ولا منافاة بين هذه الاسباب فيجعل كأن كل ذلك كان * ثم يختلفون في الاذان في ثلاثة مواضع (أحدها) في الترجيع فانه ليس من سنة الاذان عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى (وصفته) أن يأتي بكلمة الشهادتين مرتين يخفض بهما صوته ثم يرجع فيأتى بهما مرتين أخريين يرفع بهما صوته واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بحديث أبى محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاذان تسع عشرة كلمة والاقامة سبع عشرة كلمة ولا يكون تسع عشرة كلمة الا بالترجيع وروى أنه أمر بالترجيع نصا وجعل كلمة الشهادتين قياس التكبير فكما أنه يأتي بلفظة التكبير أربع مرات فكذلك كلمة الشهادتين (ولنا) حديث عبد الله بن زيد رضى الله تعالى عنه فهو الاصل وليس فيه ذكر الترجيع ولان المقصود من الاذان قوله حى على الصلاة حى الفلاح ولا ترجيع في هاتين الكلمتين ففيما سواهما أولى * وأما لفظ التكبير فدليلنا فان ذكر التكبير مرتين لما كان بصوت واحد فهو كلمة واحدة فأما حديث أبى محذورة قلنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعلمه وهو كان عادته فيما يعلم أصحابه فظن أنه أمره بالترجيع. وقيل ان أبا محذورة كان مؤذن مكة فلما انتهى إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خفض صوته استحياء من أهل مكة لانهم لم


(1) (على حذام) بالحاء المهملة والذال المعجمة المراد به قطعة حائط مرتفعة اه‍ كتبه مصححه

[ 129 ]

يعهدوا ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم جهرا ففرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أذنه وأمره أن يعود فيرفع صوته ليكون تأديبا له (والثانى) في التكبير عندنا أربع مرات وعند مالك رحمه الله تعالى مرتين وهو رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قاسه بكلمة الشهادتين يأتي بهما مرتين (ولنا) حديث عبد الله بن زيد وحديث أبى محذورة رضى الله تعالى عنهما في الاذان تسع عشرة كلمة ولن يكون ذلك إذا كان التكبير مرتين ثم قد بينا أن كل تكبيرتين بصوت واحد فكأنهما كلمة واحدة فيأتى بهما مرتين كما يأتي بالشهادتين (والثالث) أن آخر الاذان لا اله الا الله وعلى قول أهل المدينة لا اله الا الله والله أكبر فاعتبروا آخره بأوله ويروون فيه حديثا ولكنه شاذ فيما تعم به البلوى والاعتماد في مثله على المشهور وهو حديث عبد الله بن زيد رضى الله تعالى عنه على ما توارثه الناس إلى يومنا هذا * قال (وينبغي للمؤذن أن يستقبل القبلة في أذانه حتى إذا انتهى إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يمينا وشمالا وقدماه مكانهما) ولان الاذان مناجاة ومناداة ففي حالة المناجاة يستقبل القبلة وعند المناداة يستقبل من ينادى لانه يخاطبه بذلك كما في الصلاة يستقبل القبلة فإذا انتهى إلى السلام حول وجهه يمينا وشمالا لانه يخاطب الناس بذلك فإذا فرغ من الصلاة والفلاح حول وجهه إلى القبله لانه عاد إلى المناجاة * قال (والاقامة مثنى مثنى كالاذان عندنا) وقال الشافعي رحمه الله الاقامة فرادى فرادى الا قوله قد قامت الصلاة فانها مرتين واستدل بحديث أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يشفع الآذان ويوتر الاقامة ولان الاذان للاعلام فمع التكرار أبلغ في الاعلام والاقامة لاقامة الصلاة فالافراد بها أعجل لاقامة الصلاة فهو أولى (ولنا) حديث عبد الله بن زيد رضى الله تعالى عنه فهو الاصل كما بينا. ومر على بمؤذن يوتر الاقامة فقال اشفعها لا ام لك ولانه أحد الاذانين وهو مختص بقوله قد قامت الصلاة فلو كان من سنته الافراد لكان أولى به هذه الكلمة وحديث أنس رضى الله تعالى عنه معناه أمر بلالا أن يؤذن بصوتين ويقيم بصوت واحد بدليل ماروى عن ابراهيم قال أول من أفرد الاقامة معاوية رضى الله تعالى عنه وقال مجاهد رضى الله تعالى عنه كانت الاقامة مثنى كالاذان حتى استخفه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم (وقال) مالك رحمه الله تعالى يفرد وقد قامت الصلاة أيضا ويروى فيه حديثا عن سعد القرظى ولكنه شاذ فيما تعم به

[ 130 ]

البلوى والشاذ هي مسألة لا تكون حجة * قال (ويجعل أصبعيه في أذنيه عند أذانه) لقوله صلى الله عليه وسلم لبلال إذا أذنت فاجعل أصبعيك في أذنيك فانه أندى لصوتك وقال أبو جحيفة رأيت بلالا يؤذن في صومعته يتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنيه وان لم يفعل لم يضره لان المقصود وهو الاعلام حاصل * قال (وان استدار في صومعته لم يضره) لانه ربما لا يحصل المقصود بتحويل الوجه يمينا وشمالا بدون الاستدارة لتباعد جوانب المحلة فالاستدارة للمبالغة في الاعلام * قال (ولا يثوب في شئ من الصلاة الا في الفجر) وكان التثويب الاول في الفجر بعد الاذان الصلاة خير من النوم مرتين فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن * أما معني التثويب لغة فالرجوع ومنه سمي الثواب لان منفعة عمله تعود إليه ويقال ثاب إلى المريض نفسه إذا برأ فهو عود إلى الاعلام بعد الاعلام الاول بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص كحصاص (1) الحمار فإذا فرغ رجع فإذا ثوب أدبر فإذا فرغ رجع فإذا أقام أدبر فإذا فرغ رجع وجعل يوسوس إلى المصلى انه كم صلى. فهذا دليل على أن التثويب بعد الاذان وكان التثويب الاول الصلاة خير من النوم لما روى أن بلالا رضى الله تعالى عنه أذن لصلاة الفجر ثم جاء إلى باب حجرة عائشة رضى الله تعالى عنها فقال الصلاة يا رسول الله فقالت عائشة رضى الله تعالى عنها الرسول نائم فقال بلال الصلاة خير من النوم فلما انتبه أخبرته عائشة رضى الله تعالى عنها بذلك فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوله) فأحدث الناس هذا التثويب اشارة إلى تثويب أهل الكوفة فانهم ألحقوا الصلاة خير من النوم بالاذان وجعلوا التثويب بين الاذان والاقامة حى على الصلاة مرتين حى على الفلاح مرتين * قال (والتثويب في كل بلدة ما يتعارفونه اما بالتنحنح أو بقوله الصلاة الصلاة أو بقوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) لانه للمبالغة في الاعلام فانما يحصل ذلك بما يتعارفونه * قال (ولا تثويب الا في صلاة الفجر) لما روى أن عليا رضى الله تعالى عنه رأى مؤذنا يثوب في العشاء فقال أخرجوا هذا المبتدع من المسجد ولحديث مجاهد رضى الله تعالى عنه قال دخلت مع ابن عمر رضى الله تعالى عنهما مسجدا نصلي فيه الظهر فسمع المؤذن يثوب فغضب وقال قم حتى نخرج من عند


(1) (حصاص كحصاص) بضم الحاء المهملة وهو شدة العدو وحدته وقيل أن يمصع الحمار بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو وقيل هو الضراط اه‍ كتبه مصححه

[ 131 ]

هذا المبتدع فما كان التثويب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا في صلاة الفجر ولان صلاة الفجر تؤدى في حال نوم الناس ولهذا خصت بالتطويل في القراءة فخصت أيضا بالتثويب لكى لا تفوت الناس الجماعة وهذا المعنى لا يوجد في غيرها وفسره الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال يؤذن للفجر ثم يقعد بقدر ما يقرأ عشرين آية ثم يثوب ثم يقعد مثل ذلك ثم يقيم لحديث بلال رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له إذا أذنت فأمهل الناس قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر (1) من قضاء حاجته وانما استحسن التثويب لان الدعاء إلى الصلاة في الاذان كان بهاتين الكلمتين فيستحسن التثويب بهما أيضا هذا اختيار المتقدمين وأما المتأخرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات لان الناس قد ازداد بهم الغفلة وقلما يقومون عند سماع الاذان فيستحسن التثويب للمبالغة في الاعلام ومثل هذا يختلف باختلاف أحوال الناس. وقد روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لا بأس بأن يخص الامير بالتثويب فيأتى بابه فيقول السلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته حى على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الصلاة يرحمك الله لان الامراء لهم زيادة اهتمام بأشغال المسلمين ورغبة في الصلاة بالجماعة فلا بأس بأن يخصوا بالتثويب وقد روى عن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه لما كثر اشتغاله نصب من يحفظ عليه صلاته غير أن محمدا رحمه الله تعالى كره هذا وقال أفا لابي يوسف حيث خص الامراء بالذكر والتثويب لما روى أن عمر رضى الله تعالى عنه حين حج أتاه مؤذن مكة يؤذنه بالصلاة فانتهره وقال ألم يكن في أذانك ما يكفينا * قال (ويترسل في الاذان ويحدر (2) في الاقامة) لحديث جابر رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر ولان المقصود من الاذان الاعلام فالترسل فيه أبلغ في الاعلام والمقصود من الاقامة اقامة الصلاة فالحدر فيها أبلغ في هذا المقصود * قال (فان ترسل فيهما أو حدر فيهما أو ترسل في الاقامة وحدر في الاذان أجزأه) لانه أقام الكلام بصفة التمام وحصل المقصود وهو الاعلام فترك ما هو زينة فيه لا يضره * قال (ويجوز الاذان والاقامة على غير وضوء ويكره مع الجنابة حتى يعاد أذان الجنب ولا يعاد أذان


(1) (المعتصر) قال في المختار والمعتصر والعاصر الذي يصيب من الشئ ويأخذ منه اه‍ (2) (ويحدر) بضم الدال المهملة بمعنى يسرع يقال حدر في قراءته واذانه يحدر حدرا إذا اسرع اه‍ كتبه مصححه

[ 132 ]

المحدث) وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يعاد فيهما وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يعاد فيهما ووجهه أن الاذان ذكر والجنب والمحدث لا يمنعان من ذكر الله تعالى وما هو المقصود به وهو الاعلام حاصل ووجه رواية الحسن رحمه الله تعالى أن الاذان مشبه بالصلاة ولهذا يستقبل فيه القبلة والصلاة مع الحدث لا تجوز فما هو من أسبابه مشبه به يكره معه ثم المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة فإذا لم يكن متأهبا لها دخل تحت قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم. وجه ظاهر الرواية ما روى أن بلالا ربما أذن وهو على غير وضوء ثم الاذان ذكر معظم فيقاس بقراءة القرآن والمحدث لايمنع من ذلك ويمنع منه الجنب فكذلك الاذان * وفى ظاهر الرواية جعل الاقامة كالاذان في أنه لا بأس به إذا كان محدثا. وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى الفرق بينهما فقال أكره الاقامة للمحدث لان الاقامة يتصل بهما اقامة الصلاة فلا يتمكن من ذلك مع الحدث بخلاف الاذان * قال (ويكره الاذان قاعدا) لانه في حديث الرؤيا قال فقام الملك على حذم حائط ولان المقصود الاعلام وتمامه في حالة القيام ولكنه يجزئه لان أصل المقصود حاصل * قال (ولا بأس بأن يؤذن واحد ويقيم آخر) لما روى أن عبد الله بن زيد رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون له في الاذان نصيب فأمر بأن يؤذن بلال ويقيم هو ولان كل واحد منهما ذكر مقصود فلا بأس بأن يأتي بكل واحد منهما رجل آخر والذى روى أن الحرث الصدائى أذن في بعض الاسفار وبلال كان غائبا فلما رجع بلال وأراد أن يقيم قال صلى الله عليه وسلم أن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم انما قاله على وجه تعليم حسن العشرة لا أن خلاف ذلك لا يجزئ * قال (وان ترك استقبال القبلة في أذانه أجزأه وهو مكروه) لان المقصود به حصل وهو الاعلام والكراهية لمخالفته السنة * قال (ويؤذن المسافر راكبا ان شاء) لما روى أن بلالا في السفر ربما أذن راكبا ولان المسافر له أن يترك الاذان أصلا فله أن يأتي به راكبا بطريق الاولى * قال (وينزل للاقامة أحب إلى) لان الاقامة يتصل بها اقامة الصلاة وانما يصلى على الارض فينزل للاقامة لهذا * قال (وان اقتصر المسافر بالاقامة أجزأه) لان السفر عذر مسقط لشطر الصلاة فلان يكون مسقطا لاحد الاذانين أولى ولان الاذان لاعلام الناس حتى يجتمعوا وهم في السفر مجتمعون والاقامة لاقامة الصلاة وهم إليها محتاجون فيؤتى بها في السفر ويكره تركه لهذا

[ 133 ]

والاولى أن يؤتى بهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث وابن عم له ان سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكثركما قرآنا وقال صلى الله عليه وسلم من أذن في أرض قفر وأقام صلى بصلاته ما بين الخافقين من الملائكة ومن صلى بغير أذان واقامة لم يصل معه الا ملكاه * قال (وليس على النساء أذان ولا اقامة) لانهما سنة الصلاة بالجماعة وجماعتهن منسوخة لما في اجتماعهن من الفتنة وكذلك أن صلين بالجماعة صلين بغير أذان ولا اقامة لحديث رابطة قالت كنا جماعة من النساء عند عائشة رضى الله عنها فأمتنا وقامت وسطنا وصلت بغير أذان ولا اقامة ولان المؤذن يشهر نفسه بالصعود إلى أعلى المواضع ويرفع صوته بالاذان والمرأة ممنوعة من ذلك لخوف الفتنة فان صلين بأذان واقامة جازت صلاتهن مع الاساءة لمخالفة السنة والتعرض للفتنة * قال (وان صلى أهل المصر بجماعة بغير أذان ولا اقامة فقد أساؤا) لترك سنة مشهورة وجازت صلاتهم لاداء أركانها والاذان والاقامة سنة ولكنهما من أعلام الدين فتركهما ضلالة هكذا قال مكحول السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها لا بأس به وسنة أخذها هدى وتركها ضلالة كالاذان والاقامة وصلاة العيدين وعلى هذا قال محمد رحمه الله تعالى إذا أصر أهل المصر على ترك الاذان والاقامة أمروا بهما فان أبوا قوتلوا على ذلك بالسلاح كما يقاتلون عند الاصرار على ترك الفرائض والواجبات وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى المقاتلة بالسلاح عند ترك الفرائض والواجبات فأما في السنن فيؤدبون على تركها ولا يقاتلون على ذلك ليظهر الفرق بين الواجب وغير الواجب ومحمد رحمه الله تعالى يقول ما كان من أعلام الدين فالاصرار على تركه استخفاف بالدين فيقاتلون على ذلك لهذا * قال (فان صلى رجل في بيته فاكتفي بأذان الناس واقامتهم أجزأه) لما روى أن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه صلى بعلقمة والاسود في بيت فقيل له ألا تؤذن فقال أذان الحى يكفينا وهذا بخلاف المسافر فانه يكره له تركهما وان كان وحده لان المكان الذى هو فيه لم يؤذن فيه لتلك الصلاة فأما هذا الموضع الذى فيه المقيم فقد أذن وأقيم فيه لهذه الصلاة فله أن يتركهما * قال (وان أذن وأقام فهو حسن) لان المنفرد مندوب إلى أن يؤدى الصلاة على هيئة الصلاة بالجماعة ولهذا كان الافضل أن يجهر بالقراءة في صلاة الجهر وكذلك ان أقام ولم يؤذن فهو حسن لان الاذان لاعلام الناس حتى يجتمعوا وذلك غير موجود هنا والاقامة لاقامة الصلاة وهو يقيمها

[ 134 ]

* قال (وليس لغير الصلوات الخمس والجمعة أذان ولا اقامة) أما لصلاة العيد فلحديث جابر بن سمرة رضى الله تعالى عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه سلم في العيدين بغير أذان ولا اقامة وكذلك توارثه الناس إلى يومنا هذا وأما في صلاة الوتر فلانها لا تؤدى بالجماعة الا في التراويح في ليالى رمضان وعند أدائها هم مجتمعون وأما في السنن والنوافل فلانها لا تؤدى بالجماعة الا التراويح في ليالى رمضان وهى تبع لصلاة العشاء وقد أذن وأقيم لها وهم مجتمعون عند أدائها * فأما الجمعة يؤذن لها ويقام لانها فرض مكتوب والاذان له منصوص في القرآن قال الله تعالى إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة * واختلفوا في الاذان المعتبر الذى يحرم عنده البيع ويجب السعي إلى الجمعة فكان الطحاوي يقول هو الاذان عند المنبر بعد خروج الامام فانه هو الاصل الذى كان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى عن السائب بن يزيد قال كان الاذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخرج فيستوى على المنبر وهكذا في عهد أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما ثم أحدث الناس الاذان على الزوراء في عهد عثمان فكان الحسن بن زياد يقول المعتبر هو الاذان على المنارة لانه لو انتظر الاذان عند المنبر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيدا عن الجامع والاصح أن كل أذان يكون قبل زوال الشمس فذلك غير معتبر والمعتبر أول الاذان بعد زوال الشمس سواء كان علي المنبر أو علي الزوراء * قال (ولا يتكلم المؤذن في أذانه واقامته) لانه ذكر معظم كالخطبة فيكره التكلم في خلاله لما فيه من ترك الحرمة وروى المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يكره رد السلام في خلال الاذان وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول لا بأس برد السلام لانها فريضة ولكنا نقول يحتمل التأخير إلى أن يفرغ من أذانه * قال (وان أذن قبل دخول الوقت لم يجزه ويعيده في الوقت) لان المقصود من الاذان اعلام الناس بدخول الوقت فقبل الوقت يكون تجهيلا لا اعلاما ولان المؤذن مؤتمن قال صلى الله عليه وسلم الامام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الائمة واغفر للمؤذنين وفي الاذان قبل الوقت اظهار الخيانة فيما أئتمن فيه ولو جاز الاذان قبل الوقت لاذن عند الصبح خمس مرات لخمس صلوات وذلك لا يجوزه أحد ولا خلاف فيه الا في صلاة الفجر فقد قال أبو يوسف رحمه الله تعالى آخرا لا بأس بأن يؤذن للفجر في النصف الآخر من الليل وهو قول للشافعي رضى الله عنه واستدلا

[ 135 ]

بتوارث أهل الحرمين ولما روي أن بلالا كان يؤذن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فدل أنه لا بأس به ولان وقت الفجر مشتبه وفي مراعاته بعض الحرج ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قاسا الاذان للفجر بالاذان لسائر الصلوات بالمعنى الذى بينا وفى الاذان للفجر قبل الوقت اضرارا بالناس لانه وقت نومهم فيلتبس عليهم وذلك مكروه وقد روى أن الحسن البصري رحمه الله تعالى كان إذا سمع من يؤذن قبل طلوع الفجر قال علوج فراح لا يصلون الا في الوقت لو أدركهم عمر لادبهم فأما أذان بلال فقد أنكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاذان بالليل وأمره أن ينادى على نفسه ألا أن العبد قد زام فكان يبكى ويطوف حول المدينة ويقول ليت بلالا لم تلده أمه وابتل من نضح دم جبينه وانما قال ذلك لكثرة معاتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه وقيل ان أذان بلال ماكان لصلاة الفجر ولكن كان لينام القائم ويقوم النائم فقد كانت الصحابة فرقتين فرقة يتهجدون في النصف الاول من الليل وفرقة في النصف الآخر وكان الفاصل أذان بلال. وانما كان صلاة الفجر بأذان ابن أم مكتوم كما قال صلى الله عليه وسلم لا يغرنكم أذان بلال فانه يؤذن ليرجع قائمكم ويتسحر صائمكم ويقوم نائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وكان هو أعمى لا يؤذن حتى يسمع الناس يقولون أصبحت أصبحت * قال (وإذا دخل القوم مسجدا قد صلى فيه أهله كرهت لهم أن يصلوا جماعة باذان واقامة ولكنهم يصلون وحدانا بغير أذان ولا اقامة) لحديث الحسن قال كانت الصحابة إذا فاتتهم الجماعة فمنهم من اتبع الجماعات ومنهم من صلى في مسجده بغير أذان ولا اقامة وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليصلح بين الانصار فاستخلف عبد الرحمن بن عوف فرجع بعد ما صلى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته وجمع أهله فصلى بهم بأذان وأقامة فلو كان يجوز اعادة الجماعة في المسجد لما ترك الصلاة في المسجد والصلاة فيه أفضل وهذا عندنا وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه لا بأس بتكرار الجماعة في مسجد واحد لان جميع الناس في المسجد سواء وانما بنى لاقامة الصلاة بالجماعة وهو قياس المساجد على قوارع الطرق فانه لا بأس بتكرار الجماعة فيها (ولنا) أنا أمرنا بتكثير الجماعة وفى تكرار الجماعة في مسجد واحد تقليلها لان الناس إذا عرفوا أنهم تفوتهم الجماعة يعجلون للحضور فتكثر الجماعة وإذا علموا أنه لا تفوتهم يؤخرون فيؤدى إلى تقليل الجماعات وبهذا فارق المسجد الذى على قارعة

[ 136 ]

الطريق لانه ليس له قوم معلومون فكل من حضر يصلى فيه فاعادة الجماعة فيه مرة بعد مرة لا تؤدى إلى تقليل الجماعات ثم في مسجد المحال ان صلى غير أهلها بالجماعة فلاهلها حق الاعادة لان الحق في مسجد المحلة لاهلها ألا ترى أن التدبير في نصب الامام والمؤذن إليهم فليس لغيرهم أن يفوت عليهم حقهم فأما إذا صلى فيه أهلها أو أكثر أهلها فليس لغيرهم حق الاعادة الا في رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال ان وقف ثلاثة او اربعة ممن فاتتهم الجماعة في زاوية غير الموضع المعهود للامام فصلو بأذان واقامة فلا بأس به وهو حسن لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فدخل أعرابي وقام يصلي فقال صلى الله عليه وسلم ألا أحد يتصدق على هذا يقوم فيصلى معه فقام أبو بكر رضى الله عنه وصلى معه * قال (ومن فاتته صلاة عن وقتها فقضاها في وقت آخر أذن لها وأقام واحدا كان أو جماعة) لان النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة التعريس بعد ما انتبه مع أصحابه بعد طلوع الشمس فقضى الفجر بأذان واقامة أمر بلالا بهما وشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن بعد هوي من الليل قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أمر بلالا فأذن وأقام للاولى ثم أقام لكل صلاة بعدها وقال جابر رضي الله تعالى عنه أمره فأذن وأقام لكل صلاة وقال أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أمره بالاقامة لكل صلاة * قال (وان اكتفوا بالاقامة جاز) لان الاذان لاعلام الناس حتى يجتمعوا وذلك معدوم في القضاء والاقامة لا قامة الصلاة وان أذن وأقام فهو حسن ليكون القضاء على سنن الاداء * قال (ولا يجوز لمن فاته ظهر أمسه أن يقتدى بمن يصلى ظهر يوم غير ذلك) وهاهنا مسائل. احداها اقتداء المتنفل بالمفترض فهو جائز بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم سيكون أمراء بعدي يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فإذا فعلوا فصلوا أنتم في بيوتكم ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة أي نافلة ولان المقتدي بني صلاته على صلاة امامه كما ان المنفرد يبنى آخر صلاته على أول صلاته وبناء النفل على تحريمة انعقدت للفرض يجوز وكذلك اقتداء المتنفل بالمفترض فأما المفترض إذا اقتدى بالمتنفل عندنا فلا يصح الاقتداء. وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه يصح لحديث معاذ رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلى بهم ولان المشاركة بين الامام والمقتدى في التحريمة. والنفل والفرض يستدعى كل واحد منهما تحريمة مطلقة

[ 137 ]

فكما يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض فكذلك المفترض بالمتنفل (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم الامام ضامن معناه تتضمن صلاته صلاة القوم وتضمين الشئ فيما هو فوقه يجوز وفيما هو دونه لا يجوز وهو المعنى في الفرق فان الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة والنفل يشتمل على أصل الصلاة فإذا كان الامام مفترضا فصلاته تشتمل علي صلاة المقتدى وزيادة فصح اقتداؤه به وإذا كان الامام متنفلا فصلاته لا تشتمل على ما تشتمل عليه صلاة المقتدى فلا يصح اقتداؤه به لانه بنى القوي على أساس ضعيف وحديث معاذ تأويله كان يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنية النفل ليتعلم منه سنة القراءة ثم يأتي قومه فيصلى بهم الفرض وهذا على أن تغاير الفرضين عندنا يمنع صحة الاقتداء حتى إذا اقتدى مصلى الظهر بمصلى العصر أو مصلى عصر يومه بمصلى عصر أمسه لم يجز الاقتداء. وعند الشافعي رحمه الله يجوز وإذا اقتدى مصلى الظهر بمصلى الجمعة أو مصلى الظهر بالمصلى على الجنازة فله فيه وجهان وهذا الخلاف ينبنى على أصل نذكره بعد هذا هو أن المشاركة بين الامام والمقتدى لا تقوى عنده حتى إذا تبين أن الامام محدث فصلاة المقتدى عنده صحيحة. وعندنا المشاركة تقوى بينهما فتغاير الفرضين يمنع صحة المشاركة ثم المذكور في هذا الباب أنه يصير شارعا في التطوع مقتديا بالامام حتى لو ضحك قهقهة يلزمه الوضوء لان الاقتداء في أصل الصلاة صحيح انما لا يصح في الجهة وفى باب الحدث قال لا يصير شارعا حتى لو قهقه لا يلزمه الوضوء وما ذكر هنا قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى بناء على أصلهما أن أصل الصلاة ينفصل عن الجهة ابتداء وبقاء وما ذكر بعد هذا قول محمد رحمه الله تعالى بناء على مذهبه أن الجهة متى فسدت صار خارجا من الصلاة وعليه نص في زيادات الزيادات * قال (ويجوز أذان العبد والاعمى وولد الزنا والاعرابي) لان المقصود وهو الاعلام حاصل وغيرهم أولى. أما العبد فلانه مشغول بخدمة المولى لا يتفرغ لمحافظة المواقيت وروى أن وفدا جاؤا إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فقال من يؤذن لكم فقالوا عبيدنا قال ان هذا لنقص بكم. وأما الاعمى فهو محتاج إلى الرجوع إلى غيره في معرفة المواقيت وكان لابراهيم النخعي رحمه الله تعالى مؤذن أعمى يقال له معبد فقال له لا تكن آخر من يقيم ولا أولهم. وأما ولد الزنا والاعرابي فالغالب عليهم الجهل وقد بينا أن الاذان ذكر معظم فيختار له من يكون محترما في الناس متبركا به ولهذا قال أحب إلى أن يكون

[ 138 ]

المؤذن عالما بالسنة وفيه حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤمكم قراؤكم ويؤذن لكم خياركم * قال (وان أذن للقوم غلام مراهق أجزأهم) لحصول المقصود بأذانه وهو الاعلام والبالغ أولى لانه أقرب إلى مراعاة الحرمة ولان الصبى غير مخاطب بالصلاة والاذان للمكتوبات خاصة فالاولى أن يؤذن من هو مخاطب بالمكتوبات * قال (وان أذنت لهم امرأة جاز) لحصول المقصود وهو مكروه لان أذان النساء من المحدثات لم يكن في السلف وكل محدثة بدعة ولان في صوتها فتنة وهي منهية عن الخروج إلى الجماعات والاذان لاقامة الصلاة بالجماعة * قال (ويؤذن المؤذن حيث يكون أسمع للجيران) لان المقصود اعلامهم ويرفع صوته لان الاعلام لا يحصل الا به وفى الحديث يشهد للمؤذن من سمع صوته أو يستغفر للمؤذن مدى صوته * قال (ولا يجهد نفسه فربما يضره ذلك) ورأى عمر رضي الله تعالى عنه مؤذن بيت المقدس يجهد نفسه فقال أما تخشى أن ينقطع مريطاؤك والمريطاء عرق مستبطن بالصلب فإذا انقطع لم يكن معه حياة * قال (ولا أكره له أن يتطوع في صومعته) لما روي أن بلالا رضى الله تعالى عنه كان ربما تطوع في صومعته ولانه بمنزلة السطح فلا بأس بالصلاة عليه * قال (وأحب إلى أن يجزم قوله الله أكبر) وقد بينا هذا في تكبيرة الافتتاح * قال (والتلحين في الاذان مكروه) لما روى أن رجلا جاء إلى عمر رضى الله تعالى عنه فقال انى أحبك في الله فقال انى أبغضك في الله فقال لم قال لانه بلغني أنك تغنى في أذانك يعنى التلحين وأما التفخيم فلا بأس به لانه احدى اللغتين * قال (وان افتتح الاذان فظن أنها الاقامة فأقام في آخرها بأن قال قد قامت الصلاة ثم علم فانه يتم الاذان ثم يقيم وان كان في الاقامة فظن أنها الاذان فصنع فيها ما صنع في الاذان أعادها من أولها) لان هنا وقع التعيين في جميعها وفي الاول في آخرها وحقيقة المعنى في الفرق أن المقصود من الاذان اعلام الناس ليحضروا وبالاقامة في آخرها لا يفوت هذا المقصود بل يزداد لان الناس يعجلون على ظن أنها الاقامة فلهذا لا يعيدها وعند الاقامة اقامة الصلاة والتعجيل للادراك فإذا صنع في الاقامة ما يصنع في الاذان يفوت هذا المقصود لان الناس يظنون أنه الاذان فينتظرون الاقامة فلهذا يعيد الاقامة من أولها * قال (فان غشى عليه ساعة في الاذان أو الاقامة ثم أفاق فأحب إلى أن يبتدئها من أولها) ألا ترى أنه لو غشى عليه في الصلاة لم يبن على صلاته فكذلك فيما هو من

[ 139 ]

أسباب الصلاة * قال (وان رعف فيها أو أحدث فذهب وتوضأ ثم جاء فأحب إلى أن يبتدئها من أولها) لان بذهابه انقطع النظم فربما يشتبه على الناس أنه كان يؤذن أو يتعلم كلمات الاذان والاولى له إذا أحدث في أذانه أو اقامته أن يتمها ثم يذهب فيتوضأ ويصلى لان ابتداء الاذان أو الاقامة مع الحدث يجوز فاتمامه أولى * قال (وإذا قدم المؤذن في أذانه أو اقامته بعض الكلمات على بعض فالاصل فيه أن ما سبق أداؤه يعتد به حتى لا يعيده في أذانه) وما يقع مكررا لا يعتد به فكأنه لم يكرر * قال (وإذا وقع في اقامته فمات أو أغمى عليه فأحب إلى أن يبتدئ الاقامة غيره من أولها) لان عمله قد انقطع بالموت ولا بناء على المنقطع * قال (مؤذن أذن ثم ارتد فان اعتدوا بأذانه وأمروا من يقيم ويصلى بهم أجزأهم) لانه المقصود وهو الاعلام قد حصل بأذانه وبطلان ثواب عمله بالردة في حقه لا يبطله في حق غيره كما لو ارتد الامام بعد فراغه من الصلاة تبطل صلاته ولا تبطل في حق القوم * قال (ويقعد المؤذن بين الاذان والاقامة في جميع الصلوات الا في المغرب في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أما في سائر الصلوات فيكره له أن يصل الاقامة بالاذان ولا يقعد بينهما) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال اجعل بين أذانك واقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والاولى به في الصلاة التى قبلها تطوع مسنون أو مستحب أن يتطوع بين الاذان والاقامة جاء في تأويل قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا أنه المؤذن يدعو الناس بأذانه ويتطوع بعده قبل الاقامة فأما في صلاة المغرب فيكره له وصل الاقامة بالاذان كما في غيرها والافضل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن يفصل بينهما بسكتة وذكر الحسن رحمه الله تعالى عنه بقدر ما يقرأ ثلاث آيات وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الافضل أن يفصل بينهما بجلسة مقدار جلسة الخطيب بين الخطبتين لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يفصل بين أذان المغرب والاقامة بجلسة ولان السكتة تشبه السكتات بين كلمات الاذان فلا يتحقق بها الفصل فالجلسة للفصل أولى وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال أمرنا بتعجيل المغرب قال صلى الله عليه وسلم لا تزال أمتى بخير ما لم يؤخروا المغرب وقال بادروا بالمغرب قبل اشتباك النجوم ولا تتشبهوا باليهود فانهم يصلون والنجوم مشتبكة والفصل بالسكتة أقرب إلى تعجبل المغرب. وحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما محمول على حالة العذر لكبر أو مرض وبه

[ 140 ]

نقول * قال (ويكره أن يؤذن في مسجدين ويصلى في أحدهما لانه بعد ما صلى يكون متنفلا بالاذان في المسجد الثاني والتنفل بالاذان غير مشروع ولان الاذان مختص بالمكتوبات فانما يؤذن ويقيم من يصلى المكتوبة على أثرهما وهو في المسجد الثاني يصلى النافلة على أثرهما * قال (ويكره للامام والمؤذن طلب الاجر على ذلك من القوم) لانهما يعملان لانفسهما فكيف يشترطان الاجر على غيرهما ثم هما خليفتان للرسول في الدعاء والامامة وقال الله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى فمن يكون خليفته ينبغي أن يكون مثله وقال عثمان بن أبى العاص الثقفى رضى الله تعالى عنه آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صل بالناس صلاة أضعفهم وإذا اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الاذان أجرا وقال رجل لعمر رضى الله تعالى عنه اني أحبك في الله فقال انى أبغضك في الله قال ولم قال لانه بلغني أنك تأخذ على الاذان أجرا فان عرف القوم حاجته فواسوه بشئ فما أحسن ذلك بعد أن لا يكون عن شرط لانه فرغ نفسه لحفظ المواقيت واعلامه لهم فربما لا يتفرغ للكسب فينبغي لهم أن يهدوا إليه بهدية فقد كان الانبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم يقبلون الهدية وعلى هذا قالوا الفقيه الذي يفتى في بلدة أو قرية لا يحل له أن يأخذ على الفتيا شيئا عن شرط فان عرفوا حاجته فأهدوا إليه فهو حسن لانه محسن إليهم في تفريغ نفسه عن الكسب وحراسة أمر دينهم فينبغي أن يقابلوا احسانه بالاحسان إليه * قال (والذى يواظب على الصلوات كلها أولى بالاذن من غيره) لان صوته يصير معهودا للقوم فلا يقع الاشتباه وان أذن السوقى في صلاة الليل وأذن في صلاة النهار غيره فذلك جائز ايضا لان السوقي محتاج إلى الكسب فيلحقه الحرج بالرجوع إلى المحلة في وقت كل صلاة * قال (وإذا أذن السكران أو المجنون فأحب إلى أن يعيدوا) لان معنى التعظيم لا يحصل بأذانهما وعامة كلام السكران والمجنون هذيان فلا يحصل به الاعلام فربما يشتبه على الناس فالاولى اعادة أذانهم * قال (ولا يجوز لاهل المسجد أن يقتسموا المسجد وينصبوا وسطه حائطا) لان بقعة المسجد تحررت عن حقوق العبد فصار خالصا لله تعالى والقسمة من التصرفات في الملك فلا يشتغل بها في المسجد كالزراعة وغيرها فان فعلوا ذلك فليصل كل فريق منهم بامام ومؤذن على حدة ما لم ينتقضوا القسمة لانهما في حكم مسجدين متجاورين فينبغي أن يكون لكل واحد منهما امام ومؤذن على حدة والله أعلم

[ 141 ]

(باب مواقيت الصلاة) (اعلم) أن الصلاة فرضت لاوقاتها قال الله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ولهذا تكرر وجوبها بتكرار الوقت وتؤدى في مواقيتها قال الله تعالى ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي فرضا مؤقتا وقال صلى الله عليه وسلم من حافظ على الصلوات الخمس في مواقيتها كان له عند الله عهدا يغفر له يوم القيامة وتلا قوله تعالى الا من اتخذ عند الرحمن عهدا. وللمواقيت اشارة في كتاب الله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون أي صلوا لله فقوله حين تمسون المراد به العصر وعند بعضهم المغرب وحين تصبحون الفجر وعشيا العشاء وحين تظهرون الظهر وقال الله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر قال ابن عباس رضى الله تعالى عنه دلوك الشمس الزوال فالمراد به الظهر وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه دلوكها غروبها والمراد المغرب إلى غسق الليل العشاء وقرآن الفجر صلاة الفجر وقال الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهو العصر وقال الله تعالى أقم الصلاة طرفي النهار وقال الحسن الفجر وزلفا من الليل قال محمد بن كعب رضى الله تعالى عنه المغرب والعشاء * ثم بدأ الباب ببيان وقت الفجر لانه متفق عليه لم يختلفوا في أوله ولا في آخره * قال (وقت صلاة الفجر من حين يطلع الفجر المعترض في الافق إلى طلوع الشمس) والفجر فجران كاذب تسميه العرب ذنب السرحان وهو البياض الذى يبدو في السماء طولا ويعقبه ظلام والفجر الصادق وهو البياض المنتشر في الافق فبطلوع الفجر الكاذب لا يدخل وقت الصلاة ولا يحرم الاكل على الصائم ما لم يطلع الفجر الصادق لقوله صلى الله عليه وسلم لا يغرنكم الفجر المستطيل ولكن كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير يعنى المنتشر في الافق وقال الفجر هكذا ومد يده عرضا لا هكذا ومد يده طولا والاصل حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمنى جبريل عليه السلام عند البيت فصلى بى الفجر في اليوم الاول حين طلوع الفجر وفى اليوم الثاني حين أسفر جدا ثم قال ما بين هذين وقت لك ولامتك وهو وقت الانبياء قبلك وفي حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للصلاة أولا وآخرا وان أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وآخره حين تطلع الشمس وفى حديث

[ 142 ]

ابى موسى رضى الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة فلم يجبه ولكنه صلى الفجر في اليوم الاول حين طلع الفجر وفى اليوم الثاني حين كادت الشمس تطلع ثم قال أين السائل عن الوقت الوقت بين هذين والدليل على أن آخر الوقت حين تطلع الشمس قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك وفي حديث جرير بن عبد الله رضى الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم انكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم تلا قوله تعالي فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها * قال (ووقت الظهر من حين تزول الشمس إلى أن يكون ظل كل شئ مثله) في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين ولا خلاف في أول وقت الظهر أنه يدخل بزوال الشمس الا شئ نقل عن بعض الناس إذا صار الفئ بقدر الشراك لحديث أمامة جبريل عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم صلى بى الظهر في اليوم الاول حين صار الفئ بقدر الشراك. ولكنا نستدل بقوله تعالى لدلوك الشمس أي لزوالها والمراد من الفئ مثل الشراك الفئ الاصلى الذى يكون للاشياء وقت الزوال وذلك يختلف باختلاف الامكنة والاوقات فاتفق ذلك القدر في ذلك الوقت وقد قيل لابد أن يبقى لكل شئ فئ عند الزوال في كل موضع الا بمكة والمدينة في أطول أيام السنة فلا يبقى بمكة ظل على الارض وبالمدينة تأخذ الشمس الحيطان الاربعة وذلك الفئ الاصلى غير معتبر في التقدير بالظل قامة أو قامتين بالاتفاق وأصح ما قيل في معرفة الزوال قول محمد بن شجاع رضى الله عنه أنه يغرز خشبة في مكان مستو ويجعل على مبلغ الظل منه علامة فما دام الظل ينقص من الخط فهو قبل الزوال وإذا وقف لا يزداد ولا ينتقص فهو ساعة الزوال وإذا أخذ الظل في الزيادة فقد علم أن الشمس قد زالت * واختلفوا في آخر وقت الظهر فعندهما إذا صار ظل كل شئ مثله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو رواية محمد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالي وان لم يذكره في الكتاب نصا في خروج وقت الظهر وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يخرج وقت الظهر حتى يصير الظل قامتين وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله أنه إذا صار الظل قامة يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين

[ 143 ]

وبينهما وقت مهمل وهو الذى تسميه الناس بين الصلاتين كما أن بين الفجر والظهر وقتا مهملا واستدل بحديث امامة جبريل صلوات الله وسلامه عليه فانه قال صلى بى العصر في اليوم الاول حين صار ظل كل شئ مثله وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثله أو قال حين صلى العصر بالامس وهكذا في حديث أبى هريرة وأبى موسى رضى الله عنهما في بيان المواقيت قولا وفعلا وأبو حنيفة رحمه الله تعالي استدل بالحديث المعروف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما مثلكم ومثل أهل الكتابين من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرا فقال من يعمل لى من الفجر إلى الظهر بقيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لى من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم أنتم فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا قال الله تعالى فهل نقصت من حقكم شيئا قالوا لا قال فهذا فضلى أوتيه من أشاء بين أن المسلمين أقل عملا من النصارى فدل أن وقت العصر أقل من وقت الظهر وانما يكون ذلك إذا امتد وقت الظهر إلى أن يبلغ الظل قامتين وقال صلى الله عليه وسلم أبردوا بالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم وأشد ما يكون من الحر في ديارهم إذا صار ظل كل شئ مثله ولانا عرفنا دخول وقت الظهر بيقين ووقع الشك في خروجه إذا صار الظل قامة لاختلاف الآثار واليقين لا يزال بالشك * والاوقات ما استقرت على حديث امامة جبريل عليه السلام ففيه أنه صلى الفجر في اليوم الثاني حين أسفر والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس وفيه أيضا انه صلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده وقال مالك رحمه الله تعالى إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر فإذا مضى بقدر ما يصلى فيه أربع ركعات دخل وقت العصر فكان الوقت مشتركا بين الظهر والعصر إلى أن يصير الظل قامتين لظاهر حديث إمامة جبريل عليه السلام فانه ذكر أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذى صلى العصر في اليوم الاول وهذا فاسد عندنا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى وتأويل حديث امامة جبريل صلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثله أي قرب منه وصلى بي العصر في اليوم الاول حين صار ظل كل شئ مثله أي تم وزاد عليه وهو نظير قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن أي قارب بلوغ أجلهن وقال تعالى فبلغن أجلهن فلا

[ 144 ]

تعضلوهن أي تم انقضاء عدتهن وحكى أبو عصمة عن أبى سليمان عن أبى يوسف رحمهم الله تعالى قال خالفت أبا حنيفة رحمه الله تعالى في وقت العصر فقلت أوله إذا زاد الظل على قامة اعتمادا على الآثار التى جاءت به وهو اشارة إلى ما قلنا فأما آخر وقت العصر غروب الشمس عندنا وقال الحسن بن زياد رضى الله تعالى عنه تغير الشمس إلى الصفرة وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لحديث امامة جبريل عليه السلام وصلى بى العصر في اليوم الثاني حين كادت الشمس تتغير (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك أي أدرك الوقت ولكن يكره تأخير العصر إلى أن تتغير الشمس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك صلاة المنافقين يقعد أحدهم حتى إذا كانت الشمس بين قرنى الشيطان قام ينقر اربعا لا يذكر الله تعالى فيها الا قليلا وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه ما أحب أن يكون لى صلاة حين ما تحمار الشمس بفلسين * واختلفوا في تغير الشمس ان العبرة للضوء أم للقرص فكان النخعي يعتبر تغير الضوء والشعبى يقول العبرة لتغير القرص وبهذا أخذنا لان تغير الضوء يحصل بعد الزوال فإذا صار القرص بحيث لاتحار فيه العين فقد تغيرت * قال (ووقت المغرب من حين تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق عندنا) وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس للمغرب الا وقت واحد مقدر بفعله فإذا مضى بعد غروب الشمس مقدار ما يصلى فيه ثلاث ركعات خرج وقت المغرب لحديث امامة جبريل عليه السلام فانه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد (ولنا) حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أول وقت المغرب حين تغيب الشمس وآخره حين يغيب الشفق وتأويل حديث امامة جبريل عليه السلام أنه أراد بيان وقت استحباب الاداء وبه نقول انه يكره تأخير المغرب بعد غروب الشمس الا بقدر ما يستبرئ فيه الغروب رواه الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم لا تزال أمتى بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء وأخر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أداء المغرب يوما حتى بدا نجم فأعتق رقبة وعمر رضى الله تعالى عنه رأى نجمين طالعين قبل أدائه فأعتق رقبتين فهذا بيان كراهية التأخير فأما وقت الادراك يمتد إلى غيبوبة الشفق والشفق البياض الذى بعد الحمرة في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهو قول أبى بكر وعائشة رضى الله تعالى عنهما واحدى الروايتين عن ابن عباس رضى الله

[ 145 ]

تعالى عنهما وفى قول أبي يوسف محمد والشافعي رحمهم الله تعالى الحمرة التى قبل البياض وهو قول عمر وعلى وابن مسعود رضى الله تعالى عنهم واحدى الروايتين عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وهكذا روى أسد بن عمرو عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى. ووجه هذا أن الطوالع ثلاثة والغوارب ثلاثة ثم المعتبر لدخول الوقت الوسط من الطوالع وهو الفجر الثاني فكذلك في الغوارب المعتبر لدخول الوقت الوسط وهو الحمرة فبذهابها يدخل وقت العشاء وهذا لان في اعتبار البياض معنى الحرج فانه لا يذهب الا قريبا من ثلث الليل (وقال) الخليل بن أحمد راعيت البياض بمكة فما ذهب الا بعد نصف الليل وقيل لا يذهب البياض في ليالى الصيف أصلا بل يتفرق في الافق ثم يجتمع عند الصبح فلدفع الحرج جعلنا الشفق الحمرة وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال الحمرة أثر الشمس والبياض أثر النهار فما لم يذهب كل ذلك لا يصير إلى الليل مطلقا وصلاة العشاء صلاة الليل كيف وقد جاء في الحديث وقت العشاء إذا ملا الظلام الظراب وفى رواية إذا ادلهم الليل أي استوى الافق في الظلام وذلك لا يكون الا بعد ذهاب البياض فبذهابه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء. فأما آخر وقت العشاء فقد قال في الكتاب إلى نصف الليل والمراد بيان وقت اباحة التأخير فأما وقت الادراك فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني حتى إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل طلوع الفجر فعليه صلاة العشاء وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى آخر وقت العشاء حين يذهب ثلث الليل لحديث امامة جبريل عليه الصلاة والسلام وصلى بى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل (ولنا) حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر وقت العشاء حين يطلع الفجر وصلاة العشاء صلاة الليل فيبقى وقتها ما بقي الليل وقوله صلى الله عليه وسلم لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى دليل لنا أيضا ان ثبت هذا اللفظ ولكنه شاذ والمشهور اللفظ الذي روينا * قال (والتنوير بصلاة الفجر أفضل من التغليس بها عندنا) وقال الشافعي التغليس بها أفضل وذكر الطحاوي ان كان من عزمه تطويل القراءة فالافضل أن يبدأ بالتغليس ويختم بالاسفار وان لم يكن من عزمه تطويل القراءة فالاسفار أفضل من التغليس واستدل الشافعي بحديث عائشة رضى الله عنها قالت كن النساء ينصرفن من الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من شدة الغلس وقال أنس رضى

[ 146 ]

الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الفجر ولا يعرف أحدنا من إلى جنبه من شدة الغلس ولان في هذا اظهار المسارعة في أداء العبادة وهو مندوب إليه لقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم (ولنا) حديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسفروا بالفجر فانه أعظم للاجر وحديث الصديق عن بلال رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نوروا بالفجر أو قال أصبحوا بالصبح يبارك لكم ولان في الاسفار تكثير الجماعة وفى التغليس تقليلها وما يؤدى إلى تكثير الجماعة فهو أفضل ولان المكث في مكان الصلاة حتى تطلع الشمس مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد اسماعيل وإذا أسفر بها تمكن من احراز هذه الفضيلة وعند التغليس قلما يتمكن منها فأما حديث عائشة رضى الله عنها فالصحيح من الروايات اسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قبل ميقاتها الا صلاة الفجر صبيحة الجمعة فانه صلاها يومئذ بغلس فدل أن المعهود اسفاره بها فان ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك حين يحضر النساء الصلاة بالجماعة ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت * قال (والافضل في صلاة الظهر أن يوخرها ويبرد بها في الصيف وفي الشتاء يعجلها بعد الزوال) وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه ان كان يصلى وحده يعجلها بعد الزوال في كل وقت وان كان يصلى بالجماعة يؤخر يسيرا واستدل بحديث خباب ابن الارت رضى الله تعالى عنه قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في خيامنا فلم يشكنا أي لم يجبنا إلى شكوانا فدل أنه كان يعجل الظهر وأصحابنا استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم أبردوا بالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم وفي حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلما زالت الشمس جاء بلال ليؤذن فقال له أبرد هكذا مرارا فلما صار للتلال فئ قال أذن ولان في التعجيل في الصيف تقليل الجماعات واضرارا بالناس فان الحر يؤذيهم وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة أصلا على أن معنى قوله فلم يشكنا أي لم يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها فأما في الشتاء فالمستحب تعجيلها لحديث أنس رضى الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الظهر في الشتاء فلا يدرى أن ما مضى من النهار

[ 147 ]

أكثر أم ما بقى وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه الي اليمن إذا كان الصيف فأبرد فان تقيلوك فأمهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فان الليالى طوال فأما العصر فالمستحب تأخيرها في الصيف والشتاء عندنا بعد أن يؤديها والشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغير وقال الشافعي رحمه الله تعالى المستحب تعجيلها لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي ولحديث أنس رضي الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي وينحر الجزور ويطبخ ويأكل قبل غروب الشمس (ولنا) حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى العصر والشمس بيضاء نقية وهذا منه بيان تأخير للعصر وقالت أم سلمة رضى الله تعالى عنها أنتم أشد تأخيرا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تأخيرا للعصر منكم وقيل سميت العصر لانها تعصر أي تؤخر ولان في تأخير العصر تكثير النوافل وأداء النافلة بعدها مكروه ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل لان أداء النافلة قبلها مكروه ولان المكث بعد العصر إلى غروب الشمس في موضع الصلاة مندوب إليه قال عليه الصلاة والسلام من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكانما أعتق ثمانية من ولد اسماعيل عليه السلام وإذا أخر العصر يتمكن من أحراز هذه الفضيلة فهو أفضل فأما حديث عائشة رضى الله تعالى عنها فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير وحديث أنس فقد كان ذلك في وقت مخصوص لعذر * فأما صلاة المغرب فالمستحب تعجيلها في كل وقت وقد بينا ان تأخيرها مكروه وكان عيسى بن أبان رحمه الله تعالى يقول الاولى تعجيلها للآثار ولكن لا يكره التأخير مطلقا ألا ترى أن بعذر السفر والمرض تؤخر المغرب ليجمع بينها وبين العشاء فعلا فلو كان المذهب كراهة التأخير لما أبيح ذلك بعذر السفر والمرض كما لا يباح تأخير العصر إلى أن تتغير الشمس واستدل فيه بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الاعراف في صلاة المغرب ليلة وانما يحمل ذلك على بيان امتداد الوقت واباحة التأخير. فأما صلاة العشاء فالمستحب عندنا تأخيرها إلى ثلث الليل ويجوز التأخير بعد ذلك إلى نصف الليل ويكره التأخير بعد ذلك وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه المستحب تعجيلها بعد غيبوبة الشفق لحديث نعمان

[ 148 ]

ابن بشير قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى العشاء حين يسقط القمر الليلة الثالثة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون ولان في تعجيلها تكثير الجماعة خصوصا في زمان الصيف (ولنا) ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال أما انه لا ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم ولو لا سقم السقيم وضعف الضعيف لاخرت العشاء إلى هذا الوقت وفي حديث آخر لولا أن أشق على أمتى لاخرت العشاء إلى ثلث الليل (وكتب) عمر رضى الله تعالى عنه إلى أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه أن صلى العشاء حين يذهب ثلث الليل فان أبيت فالي نصف الليل فان نمت فلا نامت عيناك وفى رواية فلا تكن من الغافلين * والحاصل أن الشافعي رضى الله تعالى عنه يختار أداء الصلاة في أول الوقت لقوله عليه الصلاة والسلام أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله والعفو يكون بعد التقصير ولان فيه احراز الفضيلة قبل أن يعترض عليه عذر يعجزه عن احرازها وأصحابنا اختاروا التأخير ففيه انتظار للصلاة وقال صلى الله عليه وسلم المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها وفى التأخير تكثير الجماعة أيضا وفيه تقليل النوم فهو أفضل وما كان امتداد الوقت الا للتيسير وفي التأخير أظهار معنى التيسير وهو الذى أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وآخره عفو الله فالمراد بالعفو الفضل قال تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ولا يجوز أن يحمل العفو هاهنا على التجاوز عن التقصير فقد ذكر في امامة جبريل عليه السلام تأخير الاداء للصلاة في اليوم الثاني إلى آخر الوقت وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد إلى شئ يكون فيه تقصير فان الزلة التى تجوز على الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين ما تكون من غير تقصير * قال (وفى يوم الغيم المستحب تأخير الفجر والظهر والمغرب وتعجيل العصر والعشاء) وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى التأخير في جميع الصلوات في يوم الغيم أفضل ووجهه أنه أقرب إلى الاحتياط فأداء الصلاة في وقتها أو بعد ذهابه يجوز ولا يجوز أداؤها قبل دخول الوقت ووجه ظاهر الرواية أن في الفجر المستحب التأخير لانه لو عجل بها لم يأمن أن يقع قبل طلوع الفجر الثاني ولان الناس يلحقهم الحرج في التعجيل عند الظلمة بسبب الغيم فيؤخر ليكون فيه تكثير الجماعة وكذلك في الظهر يؤخر لكيلا يقع قبل الزوال ويعجل العصر لكيلا يقع في حال تغيير الشمس ويؤخر المغرب لكيلا يقع قبل غروب الشمس

[ 149 ]

وتعجل العشاء لدفع الحرج عن الناس فانهم يتضررون بالمطر يأخذهم قبل الرجوع إلى منازلهم وعند الغيم ينتظر المطر ساعة فساعة فتعجل العشاء لينصرفوا إلى منازلهم قبل أن يمطروا * قال (ولا يجمع بين صلاتين في وقت احداهما في حضر ولا في سفر) ما خلا عرفة ومزدلفة فان الحاج يجمع بين الظهر والعصر بعرفات فيؤديهما في وقت الظهر وبين المغرب والعشاء بمزدلفة فيؤديهما في وقت العشاء عليه اتفق رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله وفيما سوى هذين الموضعين لا يجمع بينهما وقتا عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجمع بينهما لعذر السفر والمطر وقال مالك رحمه الله ولعذر المرض أيضا. وهو أحد قولى الشافعي رحمه الله تعالى وقال أحمد بن حنبل يجوز الجمع بينهما في الحضر من غير عذر السفر واحتجوا بحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تبوك وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين إذا جد به السفر وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا جمعا وثمانيا جمعا فالمراد بالسبع المغرب والعشاء وبالثمان الظهر والعصر وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أيضا قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر (ولنا) قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أي في مواقيتها وقال تعالى ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي فرضا مؤقتا وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من جمع بين صلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر وقال عمر رضى الله تعالى عنه ان من أكبر الكبائر الجمع بين الصلاتين فكما لا يجمع بين العشاء والفجر ولا بين الفجر والظهر لاختصاص كل واحد منهما بوقت منصوص عليه شرعا فكذلك الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء. وتأويل الاخبار أن الجمع بينهما كان فعلا لا وقتا وبه نقول وبيان الجمع فعلا أن المسافر يؤخر الظهر إلى آخر الوقت ثم ينزل فيصلى الظهر ثم يمكث ساعة حتى يدخل وقت العصر فيصليها في أول الوقت وكذلك يؤخر المغرب إلى آخر الوقت ثم يصليها في آخر الوقت والعشاء في أول الوقت فيكون جامعا بينهما فعلا. الدليل عليه حديث نافع قال خرجنا مع ابن عمر رضى الله تعالى عنهما من مكة فاستصرخ بامرأته فجعل يسير حتى غربت الشمس فنادى الركب الصلاة فلم يلتفت إليهم حتى إذا دنا غيبوبة الشفق نزل فصلى المغرب ثم مكث حتى غاب الشفق

[ 150 ]

ثم صلى العشاء ثم قال هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير وعن على رضى الله تعالى عنه أنه فعل مثل ذلك في بعض أسفاره صلى المغرب في آخر الوقت والعشاء في أوله وتعثى بينهما وفى الحقيقة تنبنى هذه المسألة على أصل وهو أن عنده بين وقت الظهر والعصر تداخلا حتى إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في وقت العصر يلزمها قضاء الظهر وكذلك المغرب مع العشاء وعندنا لا تداخل بل كل واحد منهما مختص بوقته ودليلنا ماروينا لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت الاخرى * قال (ووقت الوتر من حين يصلى العشاء إلى الفجر والافضل تأخيرها إلى آخر الليل) لحديث خارجة بن حذافة رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله تعالى أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ألاوهى الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر وقال صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر يوتر لك ما قبله وكان أبو بكر رضى الله تعالى عنه يوتر من أول الليل وعمر رضى الله تعالى عنه من آخر الليل وقال صلى الله عليه وسلم لابي بكر رضى الله تعالى عنه أخذت بالثقة ولعمر رضى الله تعالى عنه أخذت بفضل القوة (فان أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلى العشاء وهو ذاكر لذلك لم يجزه بالاتفاق) لانه أداها قبل وقتها أو ترك الترتيب المأمور به من بناء الوتر على العشاء. فأما إذا صلى العشاء بغير وضوء وهو لا يعلم به ثم جدد الوضوء فأوتر ثم علم أنه كان صلى العشاء بغير وضوء فعليه اعادة العشاء دون الوتر في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان الترتيب كان ساقطا عنه بعذر النسيان وعندهما يلزمه اعادة الوتر لان عندهما دخول وقت الوتر بعد أداء العشاء على وجه الصحة ولم يوجد فكان مصليا قبل وقته وعند أبى حنيفة رحمه الله يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء انما كان عليه مراعاة الترتيب وقد سقط ذلك بالنسيان وانما ينبنى هذا على اختلافهم في صفة الوتر فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى واجب أو فرض فلا يكون تبعا للعشاء وعندهما سنة فكان تبعا للعشاء وسيأتي بيان هذا الفصل * قال (ولا يتطوع بعد طلوع الفجر الا بركعتي الفجر إلى أن تطلع الشمس وترتفع) واعلم بأن الاوقات التى تكره فيها الصلاة خمسة ثلاثة منها لا يصلى فيها جنس الصلوات عند طلوع الشمس إلى أن

[ 151 ]

تبيض وعند غروبها الا عصر يومه فانه يؤديها عند الغروب والاصل فيه حديث عقبة بن عامر رضى الله تعالى عنه قال ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلى فيهن وأن نقبر فيهن موتانا عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند زوالها حتى تزول وحين تضيف للغروب حتى تغرب. وفى حديث الصنابحى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وقال انها تطلع بين قرني الشيطان كأن الشيطان يزينها في عين من يعبدونها حتى يسجدوا لها فان ارتفعت فارقها فإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها فإذا مالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فلا تصلوها في هذه الاوقات وفى حديث عمر بن عنبسة قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل من الليل والنهار ساعة لا يصلى فيها فقال إذا صليت المغرب فالصلاة مشهودة مقبولة إلى أن تصلى الفجر ثم أمسك حتى تطلع الشمس ثم الصلاة مشهودة مقبولة إلى وقت الزوال ثم أمسك فانها ساعة تسعر فيها جهنم ثم الصلاة مشهودة مقبولة إلى أن تصلى العصر ثم أمسك حتى تغرب الشمس والامكنة في هذا النهى سواء عندنا لعموم الآثار. وقال الشافعي لا بأس بالصلاة في هذه الاوقات بمكة لحديث روى الا بمكة ولم تثبت هذه الزيادة عندنا لانها شاذة فلا تعارض المشاهير وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لا بأس بالصلاة في هذه الاوقات وقت الزوال يوم الجمعة وقد روي شاذا الا يوم الجمعة به أخذ أبو يوسف وقال للناس بلوى في تحية المسجد عند الزوال يوم الجمعة فالآثار التى روينا توجب الكراهة في الكل * ثم كل وقت ينهى فيه عن عبادة لا يختلف الحال فيه بين الجمعة وغيرها وبين مكة وغيرها كالنهي عن الصوم في يوم العيد وفى هذه الاوقات الثلاثة لا تؤدى الفرائض عندنا. وقال الشافعي النهى عن أداء النوافل فأما الفرائض فلا بأس بأدائها في هذه الاوقات لقوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها (ولنا) حديث ليلة التعريس فان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل آخر الليل قال من يكلؤنا الليلة فقال بلال أنا فناموا فما أيقظهم الا حر الشمس وفى رواية انتبهوا وقد بدا حاجب الشمس فقال عليه الصلاة والسلام لبلال أين ما وعدتنا قال ذهب بنفسى الذى ذهب بنفوسكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرواحنا بيد الله تعالى وأمرهم فانتقلوا عن ذلك الوادي ثم نزلوا فأوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أذن بلال فصلى ركعتي الفجر ثم قام فصلى بهم

[ 152 ]

قضاء وانما انتقل من ذلك الوادي لانه تشاءم والاصح أنه أراد أن ترتفع الشمس فلو جاز الفجر المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه والآثار المروية في النهى عامة في جنس الصلوات وبها يثبت تخصيص هذه الاوقات من الحديث الذى رواه الخصم * قال (ولا يصلى في هذه الاوقات على الجنازة أيضا) لقوله وان نقبر فيهن موتانا فليس المراد به الدفن لان ذلك جائز بالاتفاق ولكنه كناية عن الصلاة على الجنازة أيضا * قال (ولا يسجد فيهن للتلاوة أيضا) لان الكراهة للتحرز عن التشبه بمن يعبد الشمس والتشبه يحصل بالسجود والنهى عن الصلاة على الجنازة وعن سجدة التلاوة في هذه الاوقات مروى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ولو أدى سقط عنه لان الوجوب في هذا الوقت والنهى ليس لمعنى في عين السجود والصلاة فلا يمنع الجواز (الا عصر يومه فانه يؤديها عند غروب الشمس) لان هذا الوقت سبب لوجوبها حتى لو أسلم الكافر أو بلغ الصبى في هذا الوقت يلزمه أداؤها فيستحيل أن يجب عليه الاداء في هذا الوقت ويكون ممنوعا من الاداء وعلى هذا لو غربت الشمس وهو في خلال العصر يتم الصلاة بالاتفاق ولو طلعت الشمس وهو في خلال الفجر فسدت صلاته عندنا وعند الشافعي لا تفسد اعتبارا بحالة الغروب واستدل بقوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك. والفرق بينهما عندنا أن بالغروب يدخل وقت الفرض فلا يكون منافيا للفرض وبالطلوع لا يدخل وقت الفرض فكان مفسدا للفرض كخروج وقت الجمعة في خلالها مفسد للجمعة لانه لا يدخل وقت مثلها * قال والاصح عندي في الفرق أن الطلوع بظهور حاجب الشمس وبه لا تنتفى الكراهة بل نتحقق فكان مفسدا للفرض والغروب باخره وبه تنتفي الكراهة فلم يكن مفسدا للعصر لهذا وتأويل الحديث أنه لبيان الوجوب بادراك جزء من الوقت قل أو كثر وعن أبى يوسف أن الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصبر حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته وكانه استحسن هذا ليكون مؤديا بعض الصلاة في الوقت ولو أفسدناها كان مؤديا جميع الصلاة خارج الوقت وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أداء الكل خارج الوقت * ووقتان آخران ما بعد العصر قبل تغير الشمس وما بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فانه لا يصلى فيهما شئ من النوافل لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي

[ 153 ]

صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وهذا الحديث يرويه أبو سعيد الخدرى ومعاذ بن عفراء رضوان الله عليهم وجماعة ولكن يجوز أداء الفريضة في هذين الوقتين وكذلك الصلاة على الجنازة وسجدة التلاوة انما النهى عن التطوعات خاصة ألا ترى أنه يؤدى فرض الوقت فيهما فكذلك سائر الفرائض فأما الصلوات التى لها سبب من العباد كركعتي الطواف وركعتي تحية المسجد لا تؤدى في هذين الوقتين عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما صلى في مسجد الخيف رجلين لم يصليا معه فقال ما بالكما لم تصليا معنا فقالا انا صلينا في رحالنا فقال إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما امام قوم فصليا معهم فقد جوز لهما الاقتداء بالامام بعد الفجر تطوعا (ولنا) ماروى أن عمر رضى الله تعالى عنه طاف بالبيت سبعا بعد صلاة الفجر ثم خرج من مكة حتى إذا كان بذى طوى فطلعت الشمس صلى ركعتين فقال ركعتان مكان ركعتين فقد أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد طلوع الشمس وتأويل الحديث الذى روى أنه كان قبل النهي عن الصلاة في هذا الوقت. فكذلك المنذورة لا تؤدى في هذين الوقتين لان وجوبها بسبب من العبد فهى كالتطوع وركعتي الطواف وكذلك بعد طلوع الفجر قبل أن يصلى الفجر لا يصلى تطوعا الا ركعتي الفجر لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوع في هذا الوقت مع حرصه على الصلاة حتى كان يقول وجعلت قرة عينى في الصلاة (فان قيل) لم يذكر في هذا الكتاب وقتا آخر وهو بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب والتطوع فيه مكروه أيضا (قلنا) نعم ولكن هذا النهي ليس لمعنى في الوقت بل لما فيه من تأخير المغرب كالنهي عن الصلاة عند الخطبة ليس لمعنى بل لما فيه من الاشتغال عن سماع الخطبة فلهذا لم يذكره هنا * قال (وإذا نسى الفجر حتى زالت الشمس ثم ذكرها بدأ بها ولو بدأ بالظهر لم يجزه عندنا) لان الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت مستحق عندنا وهو مستحب عند الشافعي رحمه الله تعالى فإذا بدأ بالظهر جاز عنده لان ما بعد زوال الشمس وقت للظهر بالآثار المشهورة وأداء الصلاة في وقتها يكون صحيحا كما إذا كان ناسيا للفائتة ثم الترتيب في أداء الصلوات في أوقاتها لضرورة الترتيب في أوقاتها وذلك لا يوجد في الفوائت لانها صارت مرسلة عن الوقت ثابتة في الذمة فكان قياس قضاء الصوم مع الاداء (ولنا)

[ 154 ]

قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت التذكر وقتا للفائتة فمن ضرورتها أن لا يكون وقتا لغيرها وأداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز بخلاف حالة النسيان فانه ليس بوقت للفائتة فكان وقتا لفرض الوقت. ثم القضاء بصفة الاداء فكما يراعي الترتيب بين الفجر والظهر أداء في الوقت فكذلك قضاء بعد خروج الوقت والاصل فيه حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال صلى الله عليه وسلم من نسى صلاة فلم يذكرها الا وهو مع الامام فليصل معه وليجعلها تطوعا ثم ليقض ما ذكره ثم ليعد ما كان فيه وبعين هذا نقول. وفيه تنصيص على أن الترتيب شرط ثم يسقط الترتيب بثلاثة أشياء * أحدها النسيان لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوما ثم قال هل رأني أحد منكم صليت العصر فقالوا لا فصلى العصر ولم يعد المغرب * والثانى ضيق الوقت حتى إذا كان بحيث لو اشتغل بالفائتة خرج الوقت قبل أداء فرض الوقت فليس عليه مراعاة الترتيب لانه ليس من الحكمة تدارك الفائتة بتفويت مثلها ولو اشتغل بالفائتة فانه فرض الوقت ولكن هنا في هذا الفصل لو بدأ بالفائتة أجزأه بخلاف الاول فان هناك هو مأمور بالبداءة بالفائتة ولو بدأ بفرض الوقت لم يجزه لان النهى عن البداءة بفرض الوقت هناك لمعنى في عينها ألا ترى أنه ينهى عن الاشتغال بالتطوع أيضا والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي عنه لا يمنع جوازه * والثالث كثرة الفوائت فانه يسقط به الترتيب عندنا وحد الكثرة أن تصير الفوائت ستالان واحدة منها تصير مكررة وهذا يرجع إلى ضيق الوقت أيضا فلو أمرناه بمراعاة الترتيب مع كثرة الفوائت لفاته فرض الوقت عن وقته وعن زفر أنه تلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر فكأنه جعل حد الكثرة بأن يزيد على شهر وكان بشر المريسى يقول من ترك صلاة لم يجزه صلاة في عمره بعد ذلك ما لم يقضها إذا كان ذاكرا لها لان كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريطه فلا يستحق به التخفيف ثم عند كثرة الفوائت كما لا تجب مراعاة الترتيب بينها وبين فرض الوقت لا يجب مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت. وعند قلة الفوائت يجب لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن بعد هوى من الليل مرتبا ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلى وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى أن بدخول وقت السادسة لا تجب مراعاة الترتيب وجعل أول وقت السادسة كآخره وهذا لا يصح فبدخول وقت السادسة لا تدخل الفوائت

[ 155 ]

في حد التكرار وانما تدخل الفوائت في حد التكرار بخروج وقت السادسة * قال (وان ذكر الوتر في الفجر فسد فرضه إذا كان الوقت واسعا) في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يفسد لان الوتر أضعف من الفجر والضعيف لا يفسد القوى واستدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره فان ذلك وقته فقد ذكر في الوتر ما ذكر في سائر المكتوبات فدل على وجوب الترتيب بين الوتر والمكتوبة ولا يبعد افساد القوى بما هو أضعف منه لمراعاة الترتيب كالمصلى إذا قعد قدر التشهد ثم تذكر سجدة التلاوة فسجد لها تبطل القعدة والسجدة أضعف من القعدة وفي الحقيقة هذه المسألة تنبنى على معرفة صفة الوتر فنقول لا خلاف بيننا أن الوتر أقوى من سائر السنن حتى انها تقضى إذا انفردت بالفوات ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة التعريس بدأ بقضاء الوتر والذى روى لا وتر بعد الصبح المراد النهى عن تأخيرها لا نفى قضائها وكذلك تقضى بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فدل أنها أقوى من السنن وهي دون الفرائض حتى لا يكفر جاحدها ولا يؤذن لها ولا تصلى بالجماعة الا في شهر رمضان * واختلفوا وراء هذا فروى حماد بن زيد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن الوتر فريضة وروى يوسف بن خالد السمتى عنه أنها واجبة وهو الظاهر من مذهبه وروى أسد بن عمرو عنه أنها سنة مؤكدة وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وحجتهما حديث الاعرابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه خمس صلوات في اليوم والليلة فقال هل على غيرهن فقال لا الا أن تطوع * وروى أن رجلا من الانصار يقال له أبو محمد قال الوتر فريضة فبلغ ذلك عبادة بن الصامت فقال كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فرض الله على عباده في اليوم والليلة خمس صلوات وقال على الوتر سنة وليس بحتم وفى القرآن اشارة إلى ما قلنا فان الله تعالى قال حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ولن تتحقق الوسطى الا إذا كان عدد الواجبات خمسا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدل بحديث أبى بسرة الغفاري رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله تعالى زادكم صلاة ألا وهى الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فبهذا تبين أن وجوب الوتر كان بعد سائر المكتوبات لانه قال زادكم وأضاف إلى الله تعالى لا إلى نفسه والسنن تضاف إلى رسول الله صلى الله

[ 156 ]

عليه وسلم وكذلك الزيادة انما تتحقق في الواجبات لانها محصورة بعدد النوافل فانها لا نهاية لها * وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه الوتر ثلاث ركعات كالمغرب وفى رواية وتر الليل كوتر النهار ثم وتر النهار واجب فكذلك وتر الليل. وفى اتفاق الصحابة رضوان الله عليهم على تقدير التراويح بعشرين ركعة دليل على ان الواجبات في اليوم والليلة عشرون ركعة وذلك لا يكون الا إذا كان الوتر واجبا غير أن وجوب الوتر ثبت بدليل موجب للعمل غير موجب علم اليقين فلهذا لا يكفر جاحده وتحط رتبته بسائر المكتوبات فلا يسمى فرضا مطلقا أما الفرض خمس صلوات كما ذكروا من الآثار فيه والفرق بين الفرض والواجبات ظاهر عندنا * قال (فان افتتح تطوعا ثم تذكر فائتة عليه لم يفسد تطوعه) لان وجوب مراعاة الترتيب مختص بالواجبات فانها مؤقتة دون التطوعات ولو تذكر فائتة في خلال الفرض أنقلبت صلاته تطوعا فإذا تذكر في التطوع لان يبقى تطوعا كان أولى * قال (والتطوع قبل الظهر أربع ركعات لا فصل بينهن وبعدها ركعتان) ومراده السنة ولكنه في الكتاب يسمى السنن تطوعات والاصل في سنن الصلاة حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابر على ثنتى عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة ركعتين قبل الفجر وأربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء * وفى حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ذكر عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وفى حديث ابن عمر ذكر ثنتى عشرة ركعة ولكن ذكر أربعا قبل الظهر بتسليمتين وبه أخذ الشافعي رحمه الله تعالى ونحن أخذنا بحديث عائشة رضى الله تعالى عنها وقلنا الاربع قبل الظهر بتسليمة واحدة لحديث أبي أيوب الانصاري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى بعد الزوال أربع ركعات فقلت ما هذه الصلاة التى تداوم عليها فقال هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب ان يصعد لى فيها عمل صالح فقلت أفى كلهن قراءة فقال نعم فقلت أبتسليمة واحدة أم بتسليمتين فقال بتسليمة واحدة (فأما قبل العصر فان تطوع بأربع ركعات فهو حسن) لحديث أم حبيبة رضى الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى قبل العصر أربع ركعات كانت له جنة من النار ولا تطوع بعدها والذى روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر في بيت أم سلمة رضى الله تعالى عنها ركعتين فسألته أم سلمة رضى الله تعالى عنها فقال ركعتان بعد الظهر شغلنى الوفد عنهما فقضيتهما فقالت

[ 157 ]

أنقضيهما نحن فقال لا (وكذلك لا تطوع بعد غروب الشمس قبل المغرب وبعده ركعتان) لما ذكرنا من الآثار (وان تطوع بعد المغرب بست ركعات فهو أفضل) لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الاوابين وتلا قوله تعالى فانه كان للاوابين غفورا ولم يذكر التطوع قبل العشاء وان تطوع بأربع ركعات فحسن لان العشاء نظير الظهر من حيث انه يجوز التطوع قبلها وبعدها (فأما التطوع بعد العشاء فركعتان فيما روينا من الآثار وان صلى أربعا فهو أفضل) لحديث ابن عمر رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن له كمثلهن من ليلة القدر (فأما قبل الفجر فركعتان) اتفقت الآثار عليهما وهو أقوى السنن لحديث عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما في تأويل قوله تعالى وأدبار السجود أنه الركعات بعد المغرب * قال (ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلى الفجر الا بخير) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع أصحابه والحادي يحدو فلما طلع الفجر قال أمسك فانها ساعة ذكر وكان الكلام عزيزا على ابن مسعود في هذا الوقت أي شديدا ولان هذه ساعة يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار جاء في تأويل قوله تعالى ان قرآن الفجر كان مشهودا انه يشهده ملائكة الليل والنهار فلا ينبغي أن يشهدوهم الا على خير * قال (والتطوع بعد الجمعة أربع لا فصل بينهن الا بتشهد وقبل الجمعة أربع) أما قبل الجمعة فلانها نظير الظهر والتطوع قبل الظهر أربع ركعات وفى حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع قبل الجمعة أربع ركعات وأختلفوا بعدها قال ابن مسعود رضى الله عنه أربعا وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لحديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربع ركعات وقال على رضي الله عنه يصلى بعدها ستا أربعا ثم ركعتين وبه أخذ أبو يوسف رحمه الله وقال عمر ركعتين ثم أربعا فمن الناس من رجح قول عمر بالقياس على التطوع بعد الظهر وأبو يوسف رحمه الله أخذ بقول على رضي الله عنه فقال يبدأ بالاربع لكيلا يكون متطوعا بعد الفرض مثلها وهذا ليس بقوى فان الجمعة بمنزلة أربع ركعات لان الخطبة شطر الصلاة * قال (ولا صلاة قبل صلاة العيد) فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوع قبل العيد مع حرصه على الصلاة

[ 158 ]

ولما قدم على الكوفة خرج يوم العيد فرأى بعض الناس في الصلاة فقال مالهم أيصلون العيد قبلنا قيل لا ولكنهم يتطوعون فقال ألا أحد ينهاهم قيل له انههم أنت فقال أنى أحتشم قوله تعالى أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى فنهاهم بعض الصحابة وكان محمد ابن مقاتل الرازي يقول انما يكره له ذلك في المصلى لكيلا يشبه على الناس فأما في بيته فلا بأس بأن يتطوع بعد طلوع الشمس وغيره من أصحابنا يقول لا يفعل ذلك في بيته ولا في المصلى فأول الصلاة بعد طلوع الشمس في هذا اليوم صلاة العيد * قال (وان تطوع بعدها بأربع ركعات بتسليمة فحسن) لحديث على رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبت وبكل ورقة حسنة * قال (وطول القيام أحب إلى من كثرة السجود) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصلاة فقال طول القنوت وسئل عن أفضل الاعمال فقال أحمزها أي اشقها على البدن وطول القيام أشق ولان فيه جمعا بين فرضين القيام والقراءة وكل واحد منهما فرض وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال ان كان له ورد من القرآن يقرؤه فكثرة السجود أحب إلى وأفضل لانه يقرأ فيه ورده لا محالة وان لم يكن فطول القيام أحب * قال (والتطوع بالليل ركعتان ركعتان أو أربع أربع أو ست ست أو ثمان ثمان أي ذلك شئت) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بالليل خمس ركعات سبع ركعات تسع ركعات احدى عشرة ركعة ثلاث عشرة ركعة. الذى قال خمس ركعات ركعتان صلاة الليل وثلاث وتر الليل والذى قال تسع ست صلاة الليل وثلاث وتر والذي قال ثلاث عشرة ركعة ثمان صلاة الليل وثلاث وتر وركعتان سنة الفجر وكان يصلى هذا كله في الابتداء ثم فضل البعض عن البعض هكذا ذكره حماد بن سلمة ولم يذكر كراهة الزيادة على ثمان ركعات بتسليمة والاصح أنه لا يكره لان فيه وصلا بالعبادة وذلك أفضل * ثم قال (والاربع أحب إلى) وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فأما عندهما والشافعي فالافضل ركعتان لحديث ابن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى ففى كل ركعتين فسلم واستدلا لا بالتراويح فان الصحابة اتفقوا على ان كل ركعتين منها بتسليمة فدل ان ذلك أفضل (ولنا) ماروي عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها سئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالى رمضان فقالت كان قيامه في رمضان وغيره

[ 159 ]

سواء كان يصلى بعد العشاء أربع ركعات لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم أربعا لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم كان يوتر بثلاث ولان في الاربع بتسليمة معنى الوصل والتتابع في العبادة فهو أفضل والتطوع نظير الفرائض والفرض في صلاة الليل العشاء وهي أربع بتسليمة فكذلك النفل وأما قوله ففى كل ركعة فسلم معناه فتشهد والتشهد يسمى سلاما لما فيه من السلام وصلاة التراويح انما جعلوها ركعتين بتسليمة واحدة ليكون أرواح على البدن وما يشترك فيه العامة يبنى على اليسر فأما الافضل فهو أشق على البدن (وأما تطوع النهار فالافضل أربع ركعات بتسليمة) عندنا على قياس الفرائض في صلاة النهار ولحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب في صلاة الضحي على أربع ركعات وعند الشافعي رحمه الله تعالى الافضل ركعتان بتسليمة لما فيها من زيادة التكبير والتسليم ولحديث عمارة بن رؤبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين وانما بدأ بما هو الافضل وتأويل الاثر الذى جاء لا يصلى بعد صلاة مثلها في ترك القراءة في الاخريين وهذا الاثر مروى عن عمر وعلى وابن مسعود رضى الله تعالى عنهم وبظاهره أخذ الشافعي فقال الاربع قبل الظهر بتسليمتين لكيلا يكون مصليا بعد صلاة مثلها وكذلك بعد العشاء يتطوع بركعتين لهذا ونحن نقول المراد صفة القراءة لاعدد الركعات فان في الفرض القراءة في ركعتين بفاتحة الكتاب وسورة وفى النفل في كل ركعة ألا ترى أن التطوع قبل الفجر ركعتان والمخالفة في صفة القراءة بالتطويل في الفرض دون السنة لا في عدد الركعات * قال (رجل افتتح التطوع ينوى أربع ركعات ثم تكلم فعليه قضاء ركعتين) في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لان كل شفع من التطوع صلاة على حدة ألا ترى أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الاول فلا يصير شارعا في الشفع الثاني ما لم يفرغ من الاول وبدون الشروع أو النذر لا يلزمه شئ وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى في رواية ابن سماعة أنه يلزمه الاربع ولا يلزمه أكثر من أربع ركعات وان نواها وفي رواية بشر بن أبي الازهر يلزمه ما نوى وان نوى مائة ركعة. ووجهه أن الشروع ملزم كالنذر فنيته عند الشروع كتسميته عند النذر فيلزمه ما نوى. ووجه الرواية الاخرى ان التطوع نظير الفرائض وأربع بالتسليمة مشروع في الفرائض فيلزمه بالشروع في التطوع بخلاف ما زاد عليه وبعض المتأخرين من أصحابنا اختاروا قوله فيما يؤدى من الاربع بتسليمة كالاربع قبل

[ 160 ]

الظهر ونحوها * قال (فان صلى أربع ركعات بغير قراءة فعليه قضاء ركعتين) في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفى قول أبو يوسف رحمه الله تعالى عليه قضاء الاربع قال لان ترك القراءة لا يفسد التحريمة ألا ترى ان ابتداء التحريمة صحيح قبل مجئ أوان القرأة فصح قيامه إلى الشفع الثاني وقد أفسد كل واحد منهما بترك ما هو ركن وهو القراءة فيلزمه قضاء الكل وأما عند محمد رحمه الله فالتحريمة تنحل بترك القراءة في الاوليين لان مع صفة الفساد لا بقاء لتحريمة الصلاة فلا يصح قيامه إلى الشفع الثاني وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى بصفة الفساد لا تنحل التحريمة ولكنها تضعف فقيامه إلى الشفع الثاني حصل بصفة الفساد والضعف فلا يكون ملزما اياه ما لم يؤكده كما قال في الشروع في صوم يوم النحر وهذه على ثمانية أوجه * أحدها ما بينا * والثانى إذا قرأ في الاوليين ولم يقرأ في الاخريين فعليه قضاء الاخريين لان شروعه في الشفع الثاني بعد اتمام الاول صحيح وقد أفسده بترك القراءة * والثالث إذا قرأ في الاخريين دون الاوليين فعليه قضاء ركعتين أما عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فالتحريمة لم تنحل فصار شارعا في الشفع الثاني وقد أتمها فعليه قضاء ما أفسد وهو الشفع الاول وعند محمد رحمه الله تعالى التحريمة انحلت بترك القراءة في الاوليين فعليه قضاؤها فقط والاخريان لا يكونان قضاء عن الاوليين لانه بناهما على تلك التحريمة والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها القضاء والاداء * والرابع إذا قرأ في احدى الاليين واحدى الآخريين فعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالي يلزمه قضاء أربع ركعات وعند محمد رحمه الله تعالى يلزمه قضاء ركعتين ومحمد مر على أصله أن التحريمة أنحلت بترك القراءة في احدى الاوليين وأبو يوسف رحمه الله تعالى مر على أصله أن التحريمة باقية فصح شروعه في الشفع الثاني وقد أفسده فأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقد جرت محاورة بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في مذهبه حتى عرض عليه الجامع الصغير فقال أبو يوسف رويت لك عنه أن عليه قضاء ركعتين وقال محمد رحمه الله تعالى بل رويت لى أن عليه قضاء أربع ركعات وقيل ما حفظه أبو يوسف رحمه الله تعالى هو قياس مذهبه لان التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع فيه بهذه التحريمة والاستحسان ما حفظه محمد رحمه الله تعالى لان الشروع وان حصل بصفة الفساد فقد أكده بوجود القراءة في ركعة فصار ذلك ملزما اياه لتأكده. والدليل على أن التأكد

[ 161 ]

يحصل بالقراءة في ركعة قوله لا صلاة الا بقراءة وبالقراءة في كل ركعة تكون صلاته بقراءة ولهذا قال بعض العلماء لا تجب القراءة في كل صلاة الا في ركعة * والوجه الخامس قرأ في الاوليين واحدى الاخريين فعليه قضاء ركعتين * والسادس قرأ في الاخريين واحدى الاوليين فعليه قضاء ركعتين أيضا وهو ظاهر * والسابع قرأ في احدى الاوليين فقط فعند أبى يوسف رحمه الله تعالى عليه قضاء أربع ركعات وعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى عليه قضاء ركعتين لانه لم يؤكد الشفع الثاني بالقراءة في ركعة منها * والثامن قرأ في احدى الآخريين فقط فعند أبى يوسف رحمه الله تعالى عليه قضاء أربع ركعات وعند محمد رحمه الله تعالى عليه قضاء ركعتين وهو الاصح عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانه لم يؤكد الشفع الاول بالقراءة فلا يصح شروعه في الشفع الثاني فان ترك القراءة في الاوليين ثم اقتدى به رجل في الاخريين فصلاهما معه فعليه قضاء الاوليين كما يقضى الامام لانه لما شارك الامام في التحريمة فقد التزم ما التزمه الامام بهذه التحريمة وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فأما عند محمد رحمه الله تعالى تحريمة الامام قد انحلت فلم يصح اقتداء الرجل به وليس عليه قضاء شئ وان دخل معه في الاوليين رجل فلما فرغ منها تكلم الرجل ومضى الامام في صلاته حتى صلى أربع ركعات فعلى الرجل الذى كان خلفه أن يقضى ركعتين وهما الاوليان فقط وان كانت الصلاة كلها صحيحة لم يكن على الرجل قضاء ركعتين لانه خرج من صلاة الامام قبل قيام الامام إلى الشفع الثاني وقد بينا أن الامام انما يلزمه الشفع الثاني بالقيام إليها فإذا خرج هذا الرجل من صلاته قبل قيام الامام إلى الشفع الثاني لم يلزمه شئ من هذا الشفع وانما يلزمه قضاء الشفع الاول ان كان فسد بترك القراءة فيهما أو في احداهما وان حصل أداؤهما بصفة الصحة فليس عليه قضاء شئ * قال (ولو صلى الرجل الفجر ثم ذكر أنه لم يصل ركعتي الفجر لم يقضهما) في قول أبي حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى أحب الي أن يقضيهما إذا ارتفعت الشمس أما سائر السنن إذا فاتت عن موضعها لم تقض عندنا خلافا للشافعي رضى الله تعالى عنه (ودليلنا) حديث أم سلمة رضى الله تعالى عنها حين قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنقضيها نحن فقال لا ولان السنة عبارة عن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تطوع به وهذا المقصود لا يحصل بالقضاء بعد الفوات وهى

[ 162 ]

مشروعة للفصل بين الاذان والاقامة فلا يحصل هذا بالقضاء بعد الفراغ من المكتوبة فأما سنة الفجر فلو فاتت مع الفجر قضاها معه استحسانا لحديث ليلة التعريس فان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر ثم صلى الفجر ولان لهذه السنة من القوة ما ليس لغيرها قال صلى الله عليه وسلم صلوها فان فيها الرغائب وان انفردت بالفوات لم تقض عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى لان موضعها بين الاذان والاقامة وقد فات ذلك بالفراغ من الفرض وعند محمد رحمه الله تعالى يقضيها إذا ارتفعت الشمس قبل الزوال هكذا روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ولان ما قبل الزوال في حكم أول النهار وعند الشافعي رحمه الله تعالى يقضيها قبل طلوع الشمس بناء على أصله في الصلوات التى لها سبب والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب القيام في الفريضة) * قال محمد رحمه الله تعالى في الاصل بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم فان فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة وفى هذا دليل أنه لا ينبغى للاملام أن يطول القراءة على وجه يمل القوم لقوله صلى الله عليه وسلم ان من الائمة الطرادين ولما شكا قوم معاذا رضى الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطويل القراءة دعاه قال الراوى فما رأيته في موعظة أشد منه في تلك الموعظة قال أفتان أنت يا معاذ قالها ثلاثا أين أنت من والسماء والطارق والشمس وضحاها وقال صلى الله عليه وسلم تكلفوا من الاعمال ما تطيقون فان الله تعالى لا يمل حتى تملوا وقال أنس رضى الله تعالى عنه ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ المعوذتين في صلاة الفجر يوما فلما فرغ قالوا أو جزت قال سمعت بكاء صبى فخشيت على أمه أن تفتن فدل أن الامام ينبغى له أن يراعى حال قومه * قال (ويقرأ الامام في الفجر في الركعتين جميعا بأربعين آية مع فاتحة الكتاب) يعنى سواها وفى الجامع الصغير قال بأربعين خمسين ستين وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال ما بين الستين إلى مائة آية وهذا لاختلاف الآثار فيه فعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر

[ 163 ]

يوم الجمعة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الانسان وعن مورق العجلى قال تلقفت سورة ق واقتربت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة قراءته لهما في صلاة الفجر وعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قرأ والمرسلات وعم يتساؤلون في صلاة الفجر وفى رواية إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وان أبا بكر رضى الله تعالى عنه قرأ في الفجر سورة البقرة فلما فرغ قال له عمر كادت الشمس تطلع يا خليفة رسول الله فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين وعمر رضى الله تعالى عنه قرأ في الفجر سورة يوسف فلما انتهى إلى قوله انما أشكو بثي وحزني إلى الله خنقته العبرة فركع فلما اختلفت الاثار اختلفت الروايات فيه كما بينا. ووجه التوفيق أن القوم ان كانوا من علية الرجال يرغبون في العبادة قرأ مائة آية كما في رواية الحسن وان كانوا كسالى غير راغبين في العبادة يقرأ أربعين آية كما في الاصل وان كانوا فيما بين ذلك يقرأ خمسين ستين كما في الجامع الصغير وقيل يبنى على كثرة اشتغال القوم وقلة ذلك ويختلف ذلك باختلاف الاوقات وقيل يبنى على طول الليالى وقصرها وقيل يبنى على حال نفسه في الخفة والثقل وحسن الصوت والحاصل أنه يتحرز عما ينفر القوم عنه لكيلا يؤدى إلى تقليل الجماعة ويقرأ في الظهر بنحو ذلك أو دونه لحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه حزرنا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر في الركعتين بثلاثين آية قال سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر فظننا أنه قرأ الم تنزيل السجدة وعن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الجمعة سورة الجمعة والمنافقين والقراءة في الظهر نحو القراءة في الجمعة * قال (ويقرأ في العصر بعشرين آية مع فاتحة الكتاب) لحديث أبى هريرة رضى الله عنه وجابر بن سمرة رضى الله تعالى عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العصر بعشرين آية سورة سبح اسم ربك الاعلى وهل أتاك حديث الغاشية وفى العشاء مثل ذلك في رواية الاصل وفى رواية الحسن مثل قراءته في الظهر وفى المغرب بسورة قصيرة خمس آيات أو ستا مع فاتحة الكتاب لحديث عمر رضى الله تعالى عنه فانه كتب إلى أبى موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل ومن أصحابنا من تكلف فيه لمعنى قال الفجر يؤدى في حال نوم الناس فيطول القراءة فيها لكى لا تفوتهم الجماعة وكذلك الظهر في الصيف فان الناس يقيلون

[ 164 ]

وأما العصر يؤدى في حال حاجة الناس إلى الرجوع إلى منازلهم فلتكن القراءة فيها دون ذلك وكذلك العشاء تؤدى في حال عزم الناس على النوم والمغرب تؤدى في حال عزم الناس على الاكل فلتكن القراءة فيها أقصر لقلة صبر الناس على الاكل خصوصا للصائمين * قال (وما قرأ في الوتر من شئ فهو حسن) وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الركعة الاولى من الوتر بسبح اسم ربك الاعلى وفى الثانية بقل يا أيها الكافرون وفى الثالثة بقل هو الله أحد * والكلام فيه في فصول (أحدها) أن الوتر ثلاث ركعات لا يسلم الا في أخرهن عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى ركعة واحدة وقال مالك رحمه الله تعالى ثلاث ركعات بتسليمتين واستدل الشافعي بقوله عليه الصلاة والسلام ان الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ومالك استدل بحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة يوتر لك ما قبله وكان سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه يوتر بركعة واحدة (ولنا) حديث عائشة رضى الله تعالى عنها كما روينا في صفة قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يوتر بثلاث وبعث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أمه لتراقب وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أنه أوتر بثلاث ركعات قرأ في الاولى سبح اسم ربك الاعلى وفى الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد وقنت قبل الركوع وهكذا ذكر ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حين بات عند خالته ميمونة ليراقب وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما رأى عمر رضى الله تعالى عنه سعدا يوتر بركعة فقال ما هذه البتيراء لتشفعنها أو لاوذينك وانما قال ذلك لان الوتر اشتهر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه والله ما أخرت ركعة قط ولانه لو جاز الاكتفاء بركعة في شئ من الصلوات لدخل في الفجر قصر بسبب السفر ولا حجة له فيما روى فان الله تعالى وتر لامن حيث العدد (والفصل الثاني) أنه يقنت في الوتر في جميع السنة عندنا لما روينا وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يقنت الا في النصف الاخير من رمضان لما روي أن عمر رضى الله تعالى عنه لما أمر أبى بن كعب بالامامة في ليالى رمضان أمره بالقنوت في النصف الاخير منه وتأويله عندنا أن المراد بالقنوت طول القراءة لا القنوت في الوتر (والثالث) أنه يقنت قبل الركوع عندنا لما روينا من الآثار ولان القنوت في معنى القراءة فان قوله اللهم أنا نستعينك

[ 165 ]

مكتوب في مصحف أبي وابن مسعود في سورتين فالقراءة قبل الركوع فكذلك القنوت وعند الشافعي رحمه الله تعالى بعد الركوع ولا أثر له في قنوت الوتر في ذلك انما الاثر في القنوت في صلاة الفجر فقاس به القنوت في الوتر * قال (ولا قنوت في شئ من الصلوات سوى الوتر عندنا) وقال الشافعي رحمه الله تعالى يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية بعد الركوع واستدل بحديث أنس رضى الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر إلى أن فارق الدنيا وقد صح قنوته فيها فمن قال أنه انتسخ فعليه اثباته بالدليل وقد صح أن عليا رضى الله تعالى عنه في حروبه كان يقنت على من ناواه في صلاة الفجر (ولنا) حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر شهرا يدعو على حى من أحياء العرب ثم تركه وهكذا عن أنس رضى الله تعالى عنه قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر شهرا أو قال اربعين يوما يدعو على رعل وذكوان ويقول في قنوته اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف فلما نزل قوله تعالى ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم الآية ترك ذلك وقال أبو عثمان النهدي رضى الله تعالى عنه صليت خلف أبي بكر سنين وخلف عمر كذلك فلم أر واحدا منهما يقنت في صلاة الفجر. ورووا القنوت ورووا تركه كذلك ففعله المتأخر ينسخ فعله المتقدم وقد صح أنه كان يقنت في صلاة المغرب كما يقنت في صلاة الفجر ثم انتسخ أحدهما بالاتفاق فكذلك الآخر * قال (وكان يقال مقدرا القيام في القنوت إذا السماء انشقت وليس فيها دعاء مؤقت) يريد به سوى قوله اللهم انا نستعينك فالصحابة اتفقوا على هذا في القنوت والاولى أن يأتي بعده بما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن على رضى الله تعالى عنهما في قنوته اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره والقراءة أهم من القنوت فإذا لم يؤقت في القراءة في شئ في الصلاة ففى دعاء القنوت أولى. وقد روى عن محمد رحمه الله تعالى التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب ومشايخنا قالوا مراده في أدعية المناسك فأما في الصلاة إذا لم يؤقت فربما يجرى على لسانه ما يفسد صلاته * قال ويرفع يديه حين يفتتح القنوت) للحديث المعروف لا ترفع الايدى الا في سبعة مواطن في افتتاح الصلاة وقنوت الوتر وفي العيدين وعند استلام الحجر وعلى الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعند المقامين وعند الجمرتين (ثم يكفيهما) قيل معناه يرسلهما ليكون حال الدعاء مخالفا لحال القراءة

[ 166 ]

وقيل يضع احداهما على الاخرى لان القنوت مشبه بالقراءة وهو الاصح فالوضع سنة القيام فكل قيام فيه ذكر فانه يطول فالوضع فيه أولى وعن محمد بن الحنيفة رضى الله تعالى عنه قال الدعاء أربعة دعاء رغبة ودعاء رهبة ودعاء تضرع ودعاء خفية ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء وفى دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشئ وفى دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالابهام والوسطى ويشير بالسبابة ودعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه وعلى هذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى في الاملاء يستقبل بباطن كفيه القبلة عند افتتاح الصلاة واستلام الحجر وقنوت الوتر وتكبيرات العيد ويستقبل بباطن كفيه السماء عند رفع الايدى على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعند الجمرتين لانه يدعو في هذه المواقف بدعاء الرغبة. والاختيار الاخفاء في دعاء القنوت في حق الامام والقوم لقوله صلى الله عليه وسلم خير الدعاء الخفي وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى ان الامام يجهر والقوم يؤمنون على قياس الدعاء خارج الصلاة * قال (وإذا أم الرجل نساء في مسجد جماعة ليس معهن رجل فلا بأس بذلك) لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه أمر أبى بن كعب أن يصلى بالرجال في ليالى رمضان وسليمان بن أبي حثمة بأن يصلى بالنساء ولان المسجد ليس بموضع الخلوة فلا بأس للرجل أن يجمع معهن فيه فأما في غير المسجد من البيوت ونحوها فانه يكره ذلك الا أن يكون معهن ذو رحم محرم منهن لقوله صلى الله عليه وسلم ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل فان ثالثهما الشيطان وبتفرد النساء يزداد معنى خوف الفتنة فلا تزول الكراهة الا أن يكون معهن محرم لحديث أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في بيتهم قال فأقامني واليتيم من ورائه وأقام أمي أم سليم وراءنا ولان بوجود المحرم يزول معنى خوف الفتنة ويستوى ان كان المحرم لهن أو لبعضهن وتجوز الصلاة بكل حال لان الكراهة لمعنى في غير الصلاة * قال (رجل فاتته الصلاة بالجماعة في مسجد حيه فان أتى مسجدا آخر يرجو ادراك الجماعة فيه فحسن وان صلى في مسجد حيه فحسن) لحديث الحسن قال كانوا إذا فاتتهم الجماعة فمنهم من يصلى في مسجد حيه ومنهم من يتبع الجماعة ومراده الصحابة ولان في كل جانب مراعاة جهة وترك أخرى في احد الجانبين مراعاة حرمة مسجده وترك الجماعة وفى الجانب الآخر مراعاة فضيلة الجماعة وترك حق مسجده فإذا تعذر الجمع بينهما مال إلى

[ 167 ]

أيهما شاء والاولى في زماننا ان لم يدخل مسجده بعد أن يتبع الجماعة فان دخل مسجده صلى فيه * قال (ولا بأس بأن يتطوع قبل المكتوبة إذا لم يخف فوات الوقت) وكان الكرخي رحمه الله تعالى يستدل بهذا اللفظ أن له أن يترك الاربع قبل الظهر إذا فاتته الجماعة لانه قال لا بأس بأن يفعل فدل أن له أن يترك وهو الذى وقع عند العوام والمعنى فيه أن من فاتته الجماعة فهو كالمدد لهم فليعجل أداء الفريضة ليلحق بهم في أن لا يتطوع قبل المكتوبة إذا لم يخف فوات الوقت والاصح أنه لا ينبغي له أن يدعه لان التطوع مشروع جبرا لنقصان الفرائض وحاجة من فاتته الجماعة إلى هذا أمس * قال (وإذا أخذ المؤذن في الاقامة كرهت للرجل أن يتطوع لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة الا ركعتي الفجر فانى لم أكرههما) وكذلك إذا انتهى إلى المسجد وقد افتتح القوم صلاة الفجر يأتي بركعتي الفجر ان رجا أن يدرك مع الامام ركعة في الجماعة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى يدخل مع الامام على قياس سائر التطوعات (ولنا) ماروى عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أنه دخل المسجد والامام في صلاة الفجر فقام إلى سارية من سوارى المسجد وصلى ركعتي الفجر ثم دخل مع الامام وعن أبى عثمان النهدي قال انى لا ذكر أن أبا بكر كان يفتتح صلاة الفجر فيدخل الناس ويصلون ركعتي الفجر ثم يدخلون معه وهذا بناء على أن عندنا لا يقضى هاتين الركعتين بعد الفوات فيحرزهما إذا طمع في ادراك ركعة من الصلاة كادراك جميع الصلاة قال صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك وعند الشافعي رحمه الله تعالى يقضيهما بعد الفراغ من الصلاة فيشتغل باحراز فضيلة تكبيرة الافتتاح وان خاف فوت الجماعة دخل مع القوم لان أداء الصلاة بالجماعة من سنن الهدى قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه عليكم بالجماعات فانها من سنن الهدى ولو صليتم في بيوتكم كما فعل هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (وقال) عمر رضى الله تعالى عنه لقد هممت أن آمر من يصلى بالناس ثم أنظر إلى من لم يشهد الجماعة فأمر فتياني أن يحرقوا بيوتهم فدل أن الجماعة أقوى السنن فيشتغل باحراز فضيلتها ولم يذكر إذا كان يرجو ادراك التشهد وقيل على قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله ادرك التشهد كادراك ركعة كما في صلاة الجمعة فيبدأ بركعتي الفجر وعند محمد رحمه الله تعالى لا يعتبر ادراك التشهد كادراك ركعة فيدخل مع الامام * قال (رجل سلم على تمام من صلاته في نفسه

[ 168 ]

ثم اقتدى به رجل وكبر ثم ذكر الامام أن عليه سجدة التلاوة أو أنه لم يقرأ التشهد في الرابعة فاقتداء الرجل به صحيح لان سلام الامام سهو وسلام السهو لا يخرجه من الصلاة فحصل الاقتداء في حال بقاء تحريمة الامام فان عاد الامام إلى سجدة التلاوة أو قرأ قرأءة التشهد تابعه الرجل ثم يقوم لاتمام صلاته بعد فراغ الامام من التشهد أو من سجود السهو وان لم يعد الامام إليها لم تفسد صلاته لان ما تذكر ليس من الاركان وكذلك لا تفسد صلاة المقتدى فيقوم لاتمام صلاته وان ذكر الامام أن عليه سجود السهو فعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهم الله تعالى اقتداء الرجل به موقوف فان عاد الامام إلى سجود السهو صح الاقتداء وتابعه الرجل وان لم يعد لا يصح اقتداؤه به وعند محمد وزفر رحمهم الله تعالى الاقتداء صحيح على كل حال وقال بشر لا يصح الاقتداء على كل حال لان مذهبه أن سجود السهو ليس من الصلاة فانه يؤدى بعد السلام وعندنا سجود السهو من الصلاة لانه جبر لنقصانها ثم عند محمد وزفر رحمهما الله تعالى من سلم وعليه سجود السهو لا يصير خارجا من الصلاة لانه قد بقى عليه واجب من واجبات الصلاة فهو كسجدة التلاوة وقراءة التشهد ولو خرج من الصلاة لم يعد فيها الا بتحريمة جديدة فإذا لم يخرج صح اقتداء الرجل به على كل حال وعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله بالسلام يخرج من الصلاة لان السلام محلل قال صلى الله عليه وسلم وتحليلها التسليم وقد أتى به في موضعه مع العلم بحاله فيعمل عمله في التحليل الا أنه إذا عاد يعود إلى حرمة الصلاة ضرورة ولا تتحقق تلك الضرورة قبل عوده فيخرج بالسلام من الصلاة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ثم يعود إليها بالعود إلى سجود السهو وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يتوقف حكم خروجه من الصلاة فلهذا كان الاقتداء به موقوفا * وينبنى على هذا الاصل أربع مسائل (احداها) ما بينا (والثانية) إذا نوى المسافر الاقامة بعد ما سلم وعليه سجود السهو فعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى لا يتعين فرضه ويسقط عنه سجود السهو وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى يتعين فرضه فيقوم لا تمام صلاته (والثالثة) إذا ضحك قهقهة في هذه الحالة لم يلزمه الوضوء في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى يلزمه الوضوء لصلاة أخرى (والرابعة) إذا اقتدى به رجل بنية التطوع ثم تكلم قبل عود الامام إلى سجود السهو فليس عليه قضاء شئ عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وان عاد الامام إلى سجود

[ 169 ]

السهو بعد ذلك وعند محمد رحمه الله تعالى عليه قضاء التطوع لان أقتداءه به حصل في حال بقاء الحرمة فصار شارعا في التطوع ثم مفسدا فعليه القضاء والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب الحدث في الصلاة) * (مصل سبقه الحدث في الصلاة من بول أو غائط أو ريح أو رعاف بغير قصده انصرف فتوضأ وبنى على صلاته ما لم يتكلم استحسانا وان تكلم واستقبل فهو أفضل) وفي القياس عليه استقبال الصلاة بعد الوضوء وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وكان مالك رحمه الله تعالى يقول يبنى ثم رجع عنه فعابه محمد رحمه الله تعالى في كتاب الحجج برجوعه من الآثار إلى القياس. وجه القياس أن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط فكذلك بقاؤها ولان الحدث مناف للصلاة قال صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بطهور ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها. وجه قولنا حديث عائشة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم وان أبا بكر رضى الله تعالى عنه سبقه الحدث في الصلاة فتوضأ وبنى وعمر رضى الله تعالى عنه سبقه الحدث فاستخلف وتوضأ وبنى على صلاته وعلى رضى الله تعالى عنه كان يصلى خلف عثمان فرعف فانصرف وتوضأ وبني على صلاته وهو مروى عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله تعالى عنهم والقياس يترك بالآثار. ثم الذى سبقه الحدث اما أن يكون منفردا واما أن يكون مقتديا أو أماما فأما المنفرد يذهب فيتوضأ ثم يتخير بين اتمام بقية الصلاة في بيته وبين الرجوع إلى مصلاه ليكون مؤديا جميع الصلاة في مكان واحد وهو أفضل وان أتم في بيته فلم يوجد منه الا ترك المشى في الصلاة وذلك لا يضره وأما المقتدي إذا فرغ من الوضوء فان لم يفرغ امامه من الصلاة فعليه أن يعود ولو أتم بقية صلاته في بيته لا يجزئه لان بينه وبين امامه ما يمنع صحة الاقتداء وان كان قد فرغ امامه يخير هو كما بينا وان كان اماما تأخر وقدم رجلا ممن خلفه يصلى بالقوم والشافعي رحمه الله تعالى في هذا يوافقنا فان على أصله بحدث الامام لا تفسد صلاة القوم لانه لو ظهر أنه كان محدثا جاز صلاة القوم فيستخلف لهم ثم يتوضأ ويستقبل وعندنا يستخلف لانه عجز

[ 170 ]

عن اتمام ما ضمن لهم الوفاء به فيستعين بمن قدر عليه والدليل على جواز هذا أن رسول الله صلى الله عيله وسلم لما أمر أبا بكر رضى الله تعالى عنه أن يصلى بالناس وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين اثنين بعدما افتتح أبو بكر الصلاة فلما سمع أبو بكر حس رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما تأخر لانه عجز عن المضى لقوله تعالى لا تقدموا بين يدى الله ورسوله فصار هذا أصلا في حق كل امام عجز عن الاتمام أنه يتأخر ويستخلف ثم يتوضأ ويبنى على صلاته ما لم يتكلم فان تكلم واستقبل فهو افضل ليكون أبعد عن شبهة الاختلاف وأقرب إلى الاحتياط فان كان حين يرجع إلى أهله بال واستمشى لم يبن على صلاته لان هذا حدث عمد فهو بمنزلة الكلام أو فوقه في افساد الصلاة وجواز البناء كان بالآثار في الحدث الذى يسبقه فلا يقاس من يتعمد الحدث لان فيما يسبقه بلوى وضرورة بخلاف ما يتعمده ولهذا لو ابتلى بالجنابة في خلال الصلاة لم يبن بعد الاغتسال لانه مما لا تعم به البلوى * قال (فان تكلم في صلاته ناسيا أو عامدا مخطئا أو قاصدا استقبل الصلاة) وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا كان ناسيا أو مخطئا لا يستقبل الا إذا طال كلامه واحتج بقوله تعالى ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به وبقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه واعتماده على حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى صلاتي العشى اما الظهر واما العصر فسلم على رأس ركعتين فقام رجل يقال له ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة أم نسيتها فقال كل ذلك لم يكن فقال بعض ذلك قد كان فنظر إلى أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما وقال احق ما يقول ذو اليدين فقالا نعم فأتم صلاته وسجد للسهو فقد تكلم ناسيا ثم بنى على صلاته وقاس الكلام بالسلام لان كل واحد منهما قاطع ثم في السلام فصل بين العمد والنسيان فكذلك الكلام بخلاف الحدث فانه مناف للصلاة لانه ينعدم به شرطها فسوينا بين النسيان والعمد لهذا * ولنا ما روينا وليبن على صلاته ما لم يتكلم فدل أن بعد الكلام لا يجوز البناء قط وفي حديث أبن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قدم من الحبشة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فسلم عليه فلم يرد عليه السلام قال فأخذني ما قرب وما بعد فلما فرغ قال يا ابن مسعود ان الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة وفي حديث معاوية بن الحكم رضى الله

[ 171 ]

تعالى عنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس بعض القوم فقلت يرحمك الله فرمانى القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه مالى أراكم تنظرون إلى شزرا فضربوا بأيديهم على أفخاذهم فعلمت أنهم يسكتونني فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما رأيت معلما أحسن تعليما منه صلى الله عليه وسلم ما نهرني ولا زجرني ولكن قال ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هي للتسبيح والتهليل وقراءة القرآن وما لا يصلح للصلاة فمباشرته مفسدة للصلاة ألا ترى أن الا كل والشرب مبطل للصلاة ناسيا أو عامدا لهذا والخروج في الاعتكاف كذلك والجماع في الاحرام كذلك ولهذا لو طال الكلام كان مفسدا ولو كان النسيان فيه عذرا لا ستوى فيه أن يطول أو يقصر كالاكل في الصوم. والقياس في السلام أنه مفسد وان كان ناسيا ولكن استحسنا ما فيه لمعنى لا يوجد ذلك في الكلام وهو أن السلام من جنس أركان الصلاة فان المتشهد يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين وهو اسم من أسماء الله تعالى وانما أخذ حكم الكلام لكاف الخطاب وانما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد وإذا كان ناسيا شبهناه بالاذكار وإذا كان عالما شبهناه بالكلام فأما الكلام فهو ليس من أذكار الصلاة فكان منافيا للصلاة على كل حال والخطأ والنسيان عذر في رفع الاصر وعليه تحمل الآية والخبر فأما حديث ذى اليدين فقد كان في وقت كان الكلام فيه مباحا في الصلاة ثم انتسخ الكلام في الصلاة ألا ترى أن ذا اليدين كان عامدا بالكلام وكذلك أبو بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما ولم يأمرهم بالاستقبال (فان قيل) كيف يستقيم هذا واسلام أبى هريرة رضى الله تعالى عنه بعد فتح خيبر وقد قال صلى بنا وحرمة الكلام في الصلاة كانت ثابتة حين جاء من الحبشة وذلك في أول الهجرة (قلنا) معنى قوله بنا بأصحابنا ولا وجه للحديث الا هذا لان ذا اليدين قتل ببدر واسمه مشهور في شهداء بدر وذلك قبل خيبر بزمان طويل * قال (وان قهقه في صلاة استقبل الصلاة والوضوء عندنا ناسيا كان أو عامدا) لان القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة ولهذا جعلت ناقضة للوضوء ثم سوى بين النسيان والعمد وفى القهقهة أولى والبناء لاجل البلوى وذلك لا يتحقق في القهقهة وان قهقه بعد ما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم لم تفسد صلاته كما لو تكلم في هذه الحالة لانه لم يبق عليه شئ من أركان الصلاة ولكن

[ 172 ]

يلزمه الوضوء لصلاة أخرى عندنا ولا يلزمه عند زفر رحمه الله تعالى قال القهقهة عرفناها حدثا بالنص بخلاف القياس والنص ورد باعادة الصلاة والوضوء بالقهقهة فكل قهقهة توجب اعادة الصلاة توجب الوضوء وما لا يجب اعاة الصلاة لا يوجب الوضوء لانه ليس في معنى المنصوص من كل وجه (ولنا) أن الضحك صادف حرمة الصلاة لبقائها ما لم يسلم حتى لو نوى المسافر الاقامة في هذه الحالة لزمه الاتمام وبالنص صار الضحك حدثا لمصادفته حرمة الصلاة فان الجناية تفحش بالقهقهة في حالة المناجاة وذلك باق ببقاء التحريمة فألزمناه الوضوء لهذا فأما اعادة الصلاة فلبقاء البناء عليه وعجزه عنه بالقهقهة لفساد ذلك الجزء ولم يبق عليه البناء هنا فلم تلزمه الاعادة لهذا وكذلك لو قهقه في سجدتي السهو لان العود اليهما يرفع السلام دون القعدة فكأنه قهقه بعد القعدة قبل السلام الا في رواية شاذة عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أن العود إلى سجود السهو يرفع القعدة كالعود إلى سجدة التلاوة فعلى تلك الرواية تلزمه اعادة الصلاة * قال (وان قهقهه الامام والقوم جميعا فان كان الامام سبق بها فعليه اعادة الوضوء وليس ذلك على القوم) لانهم صاروا خارجين من الصلاة بخروج الامام منها فضحكهم لم يصادف حرمة الصلاة (وان قهقه القوم أولا ثم الامام فعلى الكل اعادة الوضوء) لان قهقهة القوم صادفت حرمة الصلاة وكذلك قهقهة الامام لانه لا يصير خارجا منها بخروج القوم وان ضحكوا معا فكذلك لان ضحك القوم لما اقترن بضحك الامام كان مصادفا حرمة الصلاة في حقهم فان خروجهم من حكم خروج الامام فيعقبه ولا يقترن به * قال (امام أحدث فقدم رجلا قد فاتته ركعة فعليه أن يصلى بهم بقية صلاة الامام) والاولى للامام أن يقدم مدركا لا مسبوقا لان المدرك أقدر على اتمام صلاته من المسبوق وقال صلى الله عليه وسلم من قلد انسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين ولكن مع هذا المسبوق شريكه في التحريمة وصحة الاستخلاف بوجود المشاركة في التحريمة والحاجة إلى اصلاح صلاته فجاز تقديمه وقام مقام الاول فيتم ما بقى على الاول فإذا انتهى إلى موضع السلام تأخر وقدم رجلا من المدركين ليسلم بهم لانه عاجز عن السلام لبقاء ركعة عليه فيستعين بمن يقدر عليه فان اتمامه بعد سلام الامام فلهذا قدم مدركا ليسلم بهم ثم يقوم فيقضى ما بقى عليه من صلاته * قال (فان توضأ الاول وصلى في بيته ما بقي من صلاته

[ 173 ]

فان كان صلى بعد فراغ الامام الثاني من بقية صلاته فصلاته تامة) لان الامامة تحولت إلى الثاني وصار الاول كواحد من المقتدين به وقد بينا أن المقتدى إذا أتم بقية صلاته في بيته بعد فراغ الامام جاز ولو صلى قبل أن يفرغ الامام الثاني فصلاته فاسدة كغيره من المقتدين إذا سبقه الحدث * قال (فان قعد الامام الثاني في الرابعة قدر التشهد ثم قهقه فعليه اعادة الوضوء والصلاة) لانه قد بقى عليه ركعة فضحكه حصل في خلال الصلاة في حقه وصلاة القوم تامة لانه لم يبق عليهم البناء وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال صلاة القوم فاسدة لفساد ما مضى ولو ضحكوا بأنفسهم في هذه الحالة كانت صلاتهم تامة فضحك الامام في حقهم لا يكون أكثر تأثيرا من ضحكهم فأما الامام الاول فان كان قد فرغ من صلاته خلف الامام الثاني مع القوم فصلاته تامة كغيره من المدركين وان كان في بيته لم يدخل مع الامام الثاني في الصلاة فصلاته فاسدة وفى رواية أبى حفص رحمه الله تعالى قال صلاته تامة. وجه هذه الرواية أنه مدرك لاول صلاته فيكون كالفارغ بقعدة الامام قدر التشهد والرواية الاولى أصح وأشبه بالصواب لانه قد بقى عليه البناء وضحك الامام في حقه في المنع من البناء كضحكه ولو ضحك هو في هذه الحالة فسدت صلاته فكذلك ضحك الامام في حقه ورواية أبى حفص رحمه الله تعالى كأنه غلط وقع من الكاتب لانه اشتغل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بأن صلاته تامة وظاهر هذا التقسيم يستدعى المخالفة في الجواب * قال (رجل سلم في الركعتين من الظهر ناسيا ثم ذكر فظن أن ذلك يقطع الصلاة فاستقبل التكبير ينوى به الدخول في الظهر ثانية وهو امام قوم وكبروا معه ينوون معه ذلك فهم على صلاتهم الاولى يصلون ما بقى منها ويسجدون للسهو) لما بينا أن سلام الامام لا يقطع التحريمة فهم في صلاتهم بعد قد نووا ايجاد الموجود وذلك لغو. بقى مجرد التكبير وهو لا يقطع الصلاة بخلاف من كان في الظهر فنوى العصر وكبر لانه نوى ايجاد ما ليس بموجود فصار خارجا من الاولى داخلا في الثانية فان صلوا العصر أربع ركعات هكذا فان قعدوا في الثانية جازت صلاتهم وما زادوا من الركعتين نافلة لهم فان لم يقعدوا في الثانية فسدت صلاتهم لاشتغالهم بالنفل قبل اكمال الفرض حتى لو سلم ساهيا بعد ثلاث ركعات فجدد التكبير وصلى أربع ركعات لا تجزئه صلاته لانه لم يقعد بعد الركعة الرابعة حتى صلى ركعة أخرى وذلك مفسد لفرضه * قال (رجل صلى ركعة ثم جاء قوم فاقتدوا به

[ 174 ]

فلما فرغ من صلاته وقعد قدر التشهد قهقه أو أحدث متعمدا فصلاته تامة) لانه لم يقعد بعد الركعة الرابعة حتى صلى ركعة أخرى وذلك مفسد للصلاة لانه لم يبق عليه البناء وصلاة القوم فاسدة في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا تفسد لانه لا سبب لافساد صلاتهم فان الضحك والحدث لم يوجدا منهم فلو فسدت صلاتهم انما تفسد بفساد صلاة الامام ولم تفسد صلاة الامام هنا فهو قياس ضحكه بعد السلام ولان الامام لما قعد قدر التشهد فقد صار المسبوق في حكم المنفرد يقوم لاتمام صلاته ألا ترى أن سلام الامام وكلامه لا يؤثر في حقه ولا يمنعه من البناء فكذلك ضحك الامام وحدثه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال ما لم يسلم الامام فالمسبوق مقتد به ألا ترى أنه لو نوى الامامة أثر ذلك في حق المسبوق وانه ممنوع من القيام حتى يسلم الامام والضحك والحدث إذا لاقى جزأ من الصلاة كان مفسدا لذلك الجزء وبفساد ذلك الجزء من صلاة الامام يفسد مثله من صلاة المقتدى الا أن الامام لم يبق عليه البناء بفساد ذلك الجزء ولا يضره والمسبوق قد بقى عليه البناء ففساد ذلك الجزء يمنعه من بناء ما بقى عليه فيلزمه الاستقبال ألا ترى أنه لو ضحك بنفسه أو أحدث في هذه الحالة لزمه الاستقبال فكذلك فعل الامام في حقه بخلاف السلام والكلام فالسلام منه للصلاة والكلام قاطع لا مفسد لانه لا يفوت به شرط الصلاة وهو الطهارة فلم يؤثر ذلك في حق المسبوق فأما الضحك والحدث مفسد لا قاطع لانه يفوت به شرط الصلاة وهو الطهارة ولهذا قيل لو تكلم الامام بعد ما قعد قدر التشهد فعلى القوم أن يسلموا ولو أحدث الامام متعمدا أو قهقه لم يسلم القوم وخروج الامام من المسجد في كونه قاطعا لكلامه فلا يفسد صلاة المسبوقين * قال (وإذا افتتح الرجل صلاة المكتوبة في المسجد وحده ثم أقيم له فيها ففى ذوات الاربع كالظهر والعصر والعشاء ان كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى وقعد وسلم ثم دخل مع الامام) لانه لو قطعها كذلك كان مبطلا عمله فان الركعة الواحدة لا تكون صلاة فيضيف إليها ركعة أخرى ليصير شفعا ثم يسلم فيدخل مع الامام لاحراز فضيلة الجماعة فان النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة (فان قيل) كيف يقطع فرضة بعد الشروع فيها (قلنا) لا يقطعها رافضا لها وانما يقطعها ليعيدها على أكمل الوجوه وذلك جائز كما يقطع الظهر إذا أقيمت الجمعة وكذلك أن قام إلى الثالثة ولم يقيدها بالسجدة عاد فقعد وسلم لكيلا

[ 175 ]

تفوته فضيلة الجماعة ولا يسلم كما هو قائما لان ما أتى به من القعدة كان سنة وقعدة الختم فرض فعليه أن يعود إلى القعدة ثم يسلم ليكون متنفلا بركعتين فان قيد الثالثة بالسجدة مضى في صلاته لانه أتى بأكثرها وللاكثر حكم الكمال فإذا فرغ منها دخل مع الامام في الظهر والعشاء بنية النفل لان التنفل بعدهما جائز ولو خرج من المسجد ربما توهم أنه ممن لا يرى الجماعة فلهذا دخل معه فأما في العصر لا يدخل لان التنفل بعده مكروه كما بينا. وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه يدخل بناء على أصله في الصلاة التى لها سبب فإذا لم يدخل معه خرج من المسجد لان في المكث تطول مخالفته للامام وفي الخروج انما يظهر مخالفته في لحظة فهو أولى ولم يذكر في الكتاب أنه إذا كان في الركعة الاولى ولم يقيدها بالسجدة كيف يصنع والصحيح أنه يقطعها ليدخل مع الامام فيحرز به ثواب تكبيرة الافتتاح لان ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة حتى ان من حلف أن لا يصلى لا يحنث على ما دون الركعة ألا ترى انه من الركعة الثالثة يعود إذا لم يقيدها بالسجدة فكذلك في الركعة الاولى يقطعها ليدخل مع الامام (فأما في الفجر فان كان صلى ركعة قطعها) لانه لو أدى ركعة أخري ثم فرضه وفاتته الجماعة فالاولى أن يقطعها ليعيدها على أكمل الوجوه (وان كان قيد الركعة الثانية بسجدة أتمها) لانه أدى أكثرها ثم انه لا يدخل مع الامام لانه يكون متنفلا بعد الفجر وذلك مكروه والذى روى من حال الرجلين حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف صلاة الفجر كما روينا فقد ذكر أبو يوسف رحمه الله تعالى في الاملاء أن تلك الحادثة كانت في صلاة الظهر ولئن كانت في صلاة الفجر فقد كان في وقت لم ينههم عن صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ثم انتسخ بالنهي (وأما المغرب فان صلى ركعة قطعها) لانه لو أضاف إليها ركعة أخرى كان مؤديا أكثر الصلاة فلا يمكنه القطع بعد ذلك ولو قطع كان متنفلا بركعتين قبل المغرب وذلك منهى عنه فلهذا قطع صلاته ليعيدها على أكمل الوجوه وان كان قيد الركعة الثانية بسجدة أتم صلاته لانه قد أدى أكثرها ثم لا يدخل مع الامام وذلك مروي عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما وانما لا يدخل لا لان التنفل بعد المغرب منهى عنه ولكن لانه لو دخل معه فأما أن يسلم معه فيكون متنفلا بثلاث ركعات وهو غير مشروع أو يضيف إليها ركعة أخرى فيكون

[ 176 ]

مخالفا لامامه فلهذا لا يدخل معه وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يدخل معه فإذا فرغ الامام قام فصلى ركعة أخرى ليصير شفعا له ولا يبعد أن يقوم لاتمامه بعد فراغ الامام كالمسبوق وهو بالشروع قد التزم ثلاث ركعات فكأنه التزمها بالنذر فيلزمه أربع وعندنا ان دخل فعل كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وقال بشر المريسي يسلم مع الامام لان هذا التغير كان بحكم الاقتداء وذلك جائز كالمسبوق يدرك الامام في القعدة يقعد معه وابتداء الصلاة لا يكون بالقعدة وجاز ذلك بحكم الاقتداء فهذا مثله * قال (وإذا صلى الظهر في بيته يوم الجمعة ثم صلى الجمعة مع الامام فالجمعة فرضه ويصير الظهر تطوعا له) لان بأداء الظهر ما سقط عنه الخطاب بالسعي إلى الجمعة فكان في أدائها مفترضا ولا يجتمع فرضان في وقت واحد فمن ضرورة كون الجمعة فرضا له أن ينقلب ما قبله تطوعا وهذا بخلاف مااذا صلى الظهر في بيته يوم الخميس ثم أدركها بالجماعة فصلاها فالاولى فرض والثانية تطوع بعد أداء الفرض هو غير مخاطب بشهود الجماعة في تلك الصلاة فان شهدها كان متنفلا. يوضح الفرق ان الجمعة أقوى من الظهر لانها تستدعى من الشرائط مالا يستدعيه الظهر والضعيف لا يظهر في مقابلة القوى وإذا ظهر القوى بأدائه لا سقاط فرض الوقت به سقط اعتبار الضعيف وكان تطوعا فأما الظهر المؤدى في الجماعة في حكم القوة كالمؤدى في بيته فان أحدهما يستدعى شرطا لا يستدعيه الآخر فإذا استويا ترجح السابق منهما لا سقاط فرض الوقت به فكانت الثانية نفلا * قال (وإذا أحدث الامام فلم يقدم أحدا حتى خرج من المسجد فان صلاة القوم فاسدة) لانهم مقتدون فيها ولم يبق لهم امام في مكانه وهو في المسجد ولم يبين في الكتاب حال الامام وذكر الطحاوي رحمه الله تعالي أن صلاته تفسد أيضا لان بعد سبق الحدث كان الاستخلاف ليصير هو في حكم المقتدى به كغيره فبترك الاستخلاف لما فسدت صلاة القوم فلان تفسد صلاته كان أولى وذكر أبو عصمة رحمه الله تعالى أن صلاته لا تفسد لانه في حق نفسه كالمنفرد فلا تفسد صلاته بالخروج من المسجد بعد سبق الحدث فعلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله تعالى فساد صلاة القوم بطريق القياس على فساد صلاة امامهم وعلى ما ذكره أبو عصمة وهو الاصح فساد صلاة القوم استحسان فكان ينبغي في القياس أن لا تفسد فان بعد حدث الامام بقوا مقتدين به حتى لو وجد الماء في المسجد

[ 177 ]

فتوضأ وعاد إلى مكانه وأتم بهم الصلاة أجزأهم فكذلك بعد خروجه ولكنه استحسن وأراه قبيحا أن يكون القوم في الصلاة في مسجد وامامهم في أهله فأما مادام في المسجد فكأنه في المحراب لان المسجد في كونه مكان الصلاة كبقعة واحدة فليس بينه وبينهم ما ينافي الاقتداء فأما بعد خروجه فقد صار بينه وبينهم ما ينافى الاقتداء فلهذا فسدت صلاتهم * قال (فان قدموا رجلا قبل خروج الامام من المسجد فصلاته وصلاتهم تامة) لان تقديم القوم اياه كاستخلاف الامام الاول ألا ترى أن في الامامة العظمى لا فرق بين اجتماع الناس على رجل وبين استخلاف الامام الاعظم. وهذا لان الامام في الاستخلاف ينظر لهم في اصلاح صلاتهم فيكون لهم أن ينظروا إلى أنفسهم أيضا فان قدم كل فريق من القوم رجلا فسدت صلاتهم لانها افتتحت بامام واحد فلا يجوز اتمامها بامامين ولو جاز ذلك لجاز بأكثر من اثنين فينوي كل واحد أن يؤم نفسه وهذا إذا استوى الفريقان في العدد لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر فأما إذا اقتدى جماعة من القوم بأحد الامامين الا رجلا أو رجلين اقتديا بالثاني فصلاة من اقتدى به الجماعة صحيحة وصلاة الاخرين فاسدة لقوله صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار وقال عمر رضى الله تعالى عنه في الشورى ان اتفقوا على شئ وخالفهم واحد فاقتلوه فأما إذا اقتدى بكل امام جماعة وأحد الفريقين أكثر عددا من الآخر فقد قال بعض مشايخنا صلاة الاكثرين جائزة ويتعين الفساد في الآخرين كما في الواحد والمثنى والاصح أن تفسد صلاة الفريقين لان كل واحد منهما جمع تام يتم به نصاب الجمعة فيكون الاقل مساويا للاكثر حكما كالمدعيين يقيم أحدهما شاهدين والآخر عشرة من الشهود وكذلك ان كان الامام هو الذى قدم رجلين فهذا وتقديم القوم اياهما سواء وان وصل أحدهما إلى موضع الامامة قبل الآخر تعين للامامة وجاز صلاته وصلاة من اقتدى به لان الاستخلاف كان للضرورة وقد ارتفعت بوصوله إلى موضع الامامة فاستخلاف الآخر وجوده كعدمه * قال (وان أحدث الامام ولم يكن خلفه الا رجل واحد صار هو اماما قدمه الامام أو لم يقدمه نوى هو الامامة أولم ينو) لانه تعين للاستخلاف فان صلاحيته للاستخلاف بكونه شريك الامام في الصلاة ولا مزاحم له والحاجة في هذا إلى الاستخلاف أو النية للتمييز وذلك عند المزاحمة لا عند التعين فإذا توضأ الامام رجع ودخل مع هذا في صلاته لان الامامة تحولت إليه وان لم

[ 178 ]

يرجع الامام حتى أحدث هذا فخرج من المسجد فسدت صلاة الامام الاول لانه في حكم المقتدى به ولم يبق له امام في المسجد وان لم يخرج حتى رجع الاول ثم خرج الثاني فقد صار الامام هو الاول لانه متعين لاصلاح الصلاة وان جاء ثالث واقتدى بالثاني ثم سبقه الحدث فخرج من المسجد تحولت الامامة إلى الثالث لكونه متعينا فان أحدث فخرج من المسجد قبل رجوع أحد الاولين فسدت صلاتهما لانه لم يبق لهما امام في المسجد وان كان قد رجع أحد الاولين قبل خروج الثالث تحولت الامامة إليه بخروج الثالث فان كانا رجعا جميعا فان استخلف الثالث أحدهما صار هو الامام وان لم يستخلف حتى خرج فسدت صلاتهما لانه ليس أحدهما بأولى بالامامة من الآخر * وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى إذا أحدث وليس معه الارجل واحد فوجد الماء في المسجد فتوضأ قال يتم صلاته مقتديا بالثاني لانه متعين للامامة فبنفس انصرافه تتحول الامامة إليه وان كان معه جماعة فتوضأ في المسجد عاد إلى مكان الامامة وصلى بهم لان الامامة لم تتحول منه إلى غيره في هذه الحالة الا بالاستخلاف ولم يوجد * قال (امام أحدث فانفتل وقدم رجلا جاء ساعتئذ فان كان كبر قبل الحدث من الامام صح استخلافه) لانه شريك الامام في الصلاة وان لم يكن كبر فلما استخلفه كبر ينوى الاقتداء به صح الاستخلاف أيضا الا على قول بشر فانه يقول لا يصح اقتداؤه بالامام لان حدث الامام في حق المقتدي كحدثه بنفسه وكونه محدثا يمنع الشروع في الصلاة ابتداء فيمنع من الاقتداء به أيضا فان بقاء الاقتداء بعد الحدث عرفناه بالسنة والابتداء ليس في معنى البقاء ولكنا نقول التحريمة في حق الامام باقية حتى إذا عاد بنى على صلاته وكذلك صفة الامامة له ما لم يخرج من المسجد حتى لو توضأ في المسجد وعاد إلى مكان الامامة جاز فاقتداء الغير به صحيح في هذه الحالة وإذا صح الاقتداء جاز استخلافه وان كان حين كبر نوى أن يصلى بهم صلاة مستقبلة ولم ينو الاقتداء بالاول فصلاته تامة لانه افتتحها منفردا بها وقد أداها وصلاة القوم فاسدة لانهم كانوا مقتدين بالاول فلا يمكنهم اتمامها مقتدين بالثاني فان الصلاة الواحدة لا تؤدى بامامين بخلاف خليفة الاول فانه قائم مقامه فكأنه هو بعينه فكان الامام واحدا معنى وان كان مثنى في الصورة وهنا الثاني ليس بخليفة الاول فانه لم يقيد به قط فتحقق أداء الصلاة الواحدة خلف امامين صورة ومعنى فلهذا لا يجزئهم * قال (امام أحدث وهو مسافر وخلفه مقيمون ومسافرون

[ 179 ]

فقدم مقيما صح ذلك) لان المقيم شريكه في هذه الصلاة ولا يتغير به فرض المسافرين بخلاف مالو نوى الاول الاقامة لانهم لما قصدوا الاقتداء بالاول فقد ألزموا أنفسهم حكم الاقتداء وما قصدوا الاقتداء بالثاني انما لزمهم الاقتداء لضرورة الحاجة إلى اصلاح صلاتهم والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة وعلى هذا قلنا لو قدم مسافرا فنوى الثاني الاقامة لا يتغير فرض المسافرين ثم على الثاني أن يتم بهم صلاة المسافرين لانه خليفة الاول فيأتى بما كان على الاول فإذا قعد قدر التشهد قدم مسافرا ليسلم بهم لانه عاجز عن التسليم بنفسه لبقاء البناء عليه ثم يقوم هو مع المقيمين فيتمون صلاتهم وحدانا هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بعرفات أتموا يا أهل مكة صلاتكم فانا قوم سفر فان اقتدوا فيما يقضون فسدت صلاتهم لان الاقتداء في موضع يحق فيه الانفراد كالانفراد في موضع يحق فيه الاقتداء لما بينهما من المخالفة في الحكم وان مضى الامام الثاني في صلاته حتى أتمها صلاة الاقامة والقوم معه فان قعد في الثانية قدر التشهد فصلاته وصلاة المسافرين تامة لانه في حق نفسه منفرد لا تتعلق صلاته بصلاة غيره والمسافرون انما اشتغلوا بالنفل بعد اكمال الفرض فلا يضرهم فأما صلاة المقيمين فاسدة لان عليهم الانفراد في الاخريين فإذا اقتدوا به فسدت صلاتهم فان لم يقعد الثاني في الركعتين فسدت صلاته وصلاة القوم كلهم لانه خليفة الاول فيفترض عليه ما على الاول والاول لو ترك القعدة الاولى فسدت صلاته وصلاة القوم فكذلك الثاني إذا تركها فتفسد به صلاة الامام الاول أيضا لانه كغيره من المقتدين به * قال (امام افتتح الصلاة فركع قبل أن يقرأ ثم رفع رأسه فقرأ وركع وسجد وأدرك معه رجل هذا الركوع الثاني فهو مدرك للركعة) لان الركوع الاول انتقض بالثاني فان الاول سبق أوانه لان أوان الركوع بعد القراءة فما سبقه كان منتقضا والركوع الثاني حصل في أوانه فهو المعتد به وقد أدركه الرجل وان كان قرأ قبل الركوع الاول فالركوع هو الاول ومن أدرك الركوع الثاني لا يصير به مدركا للركعة لان الاول حصل في أوانه فهو المعتد به والثانى وقع مكررا ولا تكرار في الركوع في ركعة واحدة فالمنتقض ما وقع مكررا وذكر في باب السهو في نوادر أبى سليمان أن المعتبر هو الركوع الثاني ومدركه مدرك للركعة ووجهه أن اعتبار الركوع باتصال السجود به وانما اتصل السجود بالركوع الثاني دون الاول فكان المنتقض هو الاول والاصح ما ذكر في كتاب الصلاة أن الفرض بالركوع الاول صار

[ 180 ]

مؤدى فيقف ينتظر السجود فيجعل السجود متصلا به حكما وكذلك أن كان الامام أحدث حين فرغ من الركوع واستخلف رجلا فان الخليفة يعتد بذلك الركوع ان كان الامام قرأ قبله وان لم يكن قرأ قبله لم يعتد به لانه قائم مقام الاول فحاله في هذا كحال الاول * قال (امام أحدث فقدم رجلا على غير وضوء فصلاته وصلاة القوم فاسدة) لان المحدث لا يصلح للاستخلاف فاشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له أعراض منه عن صلاته فتفسد صلاته وصلاة القوم وهذا عندنا فان حدث الامام إذا تبين للقوم بعد الفراغ فصلاتهم فاسدة فكذلك في حالة الاستخلاف وعند الشافعي رحمه الله تعالى إذا اقتدوا به مع العلم بأنه محدث لا يصح الاقتداء به وإذا لم يعلموا به فصلاتهم تامة في حالة الاستخلاف واستدل بحديث روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه أم في صلاة أصحابه ثم ظهر أنه كان جنبا فأعاد ولم يأمرهم بالاعادة (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أم قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته وأعادوا وقد روى نحو هذا عن عمر وعلى حتى ذكر أبو يوسف في الامالى أن عليا رضى الله تعالى عنه صلى بأصحابه يوما ثم علم أنه كان جنبا فأمر مؤذنه ابن التياح أن ينادى ألا ان أمير المؤمنين كان جنبا فأعيدوا صلاتكم وتأويل حديث عمر ما ذكره في بعض الروايات أنه رأى أثر الاحتلام في ثوبه بعد الفراغ ولم يعلم متى أصابه فأعاد صلاته احتياطا وعندنا في هذا الموضع لا يجب على القوم أعادة الصلاة وكذلك لو قدم الامام المحدث صبيا فسدت صلاتهم وصلاته لان صلاة الصبي تخلق وأعتياد أو نافلة فلا يصلح هو خليفة للامام في الفرض كما لا يصلح للامامة في هذه الصلاة أصلا بنفسه وهذا بناء على أصلنا أيضا فأما الشافعي رضى الله تعالى عنه فانه يجوز الاقتداء بالصبي في المكتوبة وهو بناء على اقتداء المفترض بالمتنفل وقد مر وأما الاقتداء بالصبي في التطوع فقد جوزه محمد بن مقاتل الرازي للحاجة إليه والاصح عندنا أنه لا يجوز لان نفل الصبى دون نفل البالغ حتى لا يلزمه القضاء بالافساد وبناء القوى على الضعيف لا يجوز كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الامام ضامن والصبي لا يصلح ضامنا لفلس فكيف يصح منه الضمان لصلاة المقتدى وكذلك ان قدم الامام المحدث امرأة فصلاته وصلاتها وصلاة القوم كلهم فاسدة لان المرأة لا تصلح لامامة الرجال قال عليه الصلاة والسلام أخروهن من حيث أخرهن الله فاشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له اعراض

[ 181 ]

منه عن الصلاة فتفسد صلاته وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم لان الامامة لم تتحول منه إلى غيره وعند زفر رحمه الله تعالى صلاة النساء صحيحة انما تفسد صلاة الرجال لان المرأة تصلح لامامة النساء انما لا تصلح لامامة الرجال وفيما ذكرنا الجواب عن كلامه * قال (أمي * صلى بقوم أميين وقارئين فصلاة الامام والقوم كلهم فاسدة) عند أبى حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى صلاة الامام والاميين تامة لان الامي صاحب عذر فإذا اقتدى به من هو في مثل حاله ومن لا عذر به جازت صلاته وصلاة من هو في مثل حاله كالعارى يؤم العراة واللابسين والمومي يؤم من يصلى بالايماء ومن يصلى بالركوع والسجود وصاحب الجرح السائل يؤم من هو في مثل حاله والاصحاء * ولابي حنيفة رحمه الله تعالى طريقان (أحدهما) أنه لما جاؤا مجتمعين لاداء هذه الصلوات بالجماعة فالامي قادر على أن يجعل صلاة بالقراءة بأن يقدم القارئ فتكون قراءة امامه قراءة له قال صلى الله عليه وسلم من كان له امام فقراءة الامام له قراءة فإذا تقدم بنفسه فقد ترك أداء الصلاة بالقراء مع قدرته عليه بنفسه فتفسد صلاته وصلاة القوم أيضا بخلاف سائر الاعذار فلبس الامام لا يكون لبسا للمقتدين والركوع والسجود من الامام لا ينوب عن المقتدى ووضوء الامام لا يكون وضوأ للمقتدى فهو غير قادر على ازالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له (فان قيل) لو كان الامام يصلى وحده وهناك قارئ يصلى بتلك الصلاة جازت صلاة الامي ولم ينظر إلى قدرته على أن يجعل صلاته بقراءة بالاقتداء بالقارئ (قلنا) ذكر أبو حازم أن على قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا تجوز صلاته وهو قول مالك رحمه الله تعالى وبعد التسليم قلنا لم يظهر هناك من القارئ رغبة في أداء الصلاة بالجماعة فلا يعتبر وجوده في حق الامي بخلاف ما نحن فيه (والطريق الثاني) أن افتتاح الكل للصلاة قد صح لانه أوان التكبير فالامي قادر عليه كالقارئ فبصحة الاقتداء صار الامي متحملا فرض القراءة عن القارئ ثم جاء أوان القراءة وهو عاجز عن الوفاء بما تحمل فتفسد صلاته وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم بخلاف سائر الاعذار فانها قائمة عند الافتتاح فلا يصح الاقتداء ممن لا عذر له بصاحب العذر ابتداء (فان قيل) لو أقتدى القارئ بالامى بنية النفل لا يلزمه القضاء ولو صح شروعه في الابتداء للزمه القضاء (قلنا) انما لا يلزمه القضاء لانه صار شارعا في صلاة لا قراءة فيها والشروع كالنذر ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه شئ الا في رواية عن أبى

[ 182 ]

يوسف رحمه الله فكذلك إذا شرع فيها * قال (أمي تعلم سورة وقد صلى بعض صلاته فقرأها فيما بقى فصلاته فاسدة مثل الاخرين) لزوال أميته في خلال الصلاة وكذلك لو كان قارئا في الابتداء فصلى بعض الصلاة بقراءة ثم نسى فصار أميا فصلاته فاسدة مثل الآخرين وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعند زفر رحمه الله تعالى لا تفسد في الموضعين جميعا وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله إذا تعلم السورة استقبل وإذا نسى بنى استحسانا لزفر رحمه الله تعالى إذ فرض القراءة في الركعتين ألا ترى أن القارئ لو ترك القراءة في الركعتين الاوليين وقد قرأ الاخريين أجزأه فإذا كان قارئا في الابتداء فقد أدى فرض القراءة في الاوليين فعجزه عنه بعد ذلك لا يضره كتركه مع القدرة وإذا تعلم السورة وقرأ في الاخريين فقد أدى فرض القراءة فلا يضره عجزه عنه في الابتداء كما لا يضره تركه وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قالا إذا تعلم السورة في خلال الصلاة فلو استقبلها كان مؤديا لها على أكمل الوجوه فأمرناه بالاستقبال فأما إذا نسى القراءة فلو أمرناه بالاستقبال كان مؤديا جميع الصلاة بغير قراءة فالاولى هو البناء ليكون مؤديا بعضها بقراءة وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول حين افتتحها وهو أمي فقد انعقدت صلاته بصفة الضعف فحين تعلم السورة فقد قوى حاله وبناء القوي على الضعيف لا يجوز كالعارى إذا وجد الثوب في خلال الصلاة وكالمتيمم إذا وجد الماء في خلالها وإذا كان قارئا في الابتداء فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة ثم عجز عن الوفاء بما التزم فكان عليه الاستقبال في الفصلين هذا وكذلك ان كان الامام قارئا فقرأ في الركعتين الاوليين ثم أحدث فاستخلف أميا فسدت صلاتهم الا على قول زفر رحمه الله تعالى فانه يقول الامام الاول أدى فرض القراءة وليس في الاخريين قراءة فاستخلاف القارئ والامى فيه سواء (ولنا) أن القراءة فرض في جميع الصلاة تؤدى في موضع مخصوص فإذا كان الامام قارئا فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة والامى عاجز عن ذلك فلا يصلح خليفة له واشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له يفسد صلاته كما لو استخلف صبيا أو امرأة وعلى هذا لو رفع رأسه من آخر السجدة ثم سبقه الحدث فاستخلف أميا فسدت صلاته وصلاة القوم عندنا فأما إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فاستخلف أميا فهو على الخلاف المعروف بين أبى حنيفة رحمه الله تعالى وصاحبيه * قال (أمي اقتدى بقارئ بعد ما صلى ركعة فلما فرغ الامام قام الامي لاتمام صلاته فصلاته فاسدة في القياس) وهو قول

[ 183 ]

أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى الاستحسان يجزئه وهو قولهما. وجه القياس أنه بالاقتداء بالقارئ قد التزم أداء هذه الصلاة بقراءة وقد عجز عن ذلك حين قام للقضاء لانه منفرد فيما يقضى فلا تكون قراءة الامام له قراءة فتفسد صلاته. وجه الاستحسان أنه انما يلتزم القراءة ضمنا للاقتداء وهو مقتد فيما بقى على الامام لا فيما سبقه به الامام يوضحه أنه لو بنى كان مؤديا بعض الصلاة بالقراءة ولو استقبل كان مؤديا جميعها بغير قراءة وأداء البعض مع القراءة أولى من اداء الكل بغير قراءة * قال (رجل صلى أربع ركعات تطوعا ولم يقعد في الثانية ففي القياس لا يجزئه وهو قول محمد وزفر رحمهما الله) لان كل شفع من التطوع صلاة على حدة تفترض القعدة في آخرها فترك القعدة الاولى هنا كتركها في صلاة الفجر والجمعة فتفسد به الصلاة وفي الاستحسان تجزئه وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهم الله تعالى بالقياس على الفريضة لان حكم التطوع أخف من حكم الفريضة ويجوز أداء الفريضة أربع ركعات بقعدة واحدة فكذلك التطوع ألا ترى أن في التطوع يجوز الاربع بتسليمة واحدة وبتحريمة واحدة بالقياس على الفرض فكذلك في القعدة وعلى هذا قالوا لو صلى التطوع بثلاث ركعات بقعدة واحدة ينبغى أن يجوز بالقياس على صلاة المغرب والاصح أنه لا يجوز لان التطوع بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما اتصل به القعدة وبفسادها يفسد ما قبله. واختلف مشايخنا فيمن تطوع بست ركعات بقعدة واحدة فجوزها بعضهم بالقياس على التحريمة والتسلمية والاصح أنه لا يجوز لان استحسانه في الاربع كان بالقياس على الفريضة وليس في الفرائض ست ركعات يجوز أداؤها في قعدة واحدة فيعاد فيه إلى أصل القياس لهذا * قال (امرأة صلت خلف الامام وقد نوى الامام امامة النساء فوقفت في وسط الصف فانها تفسد صلاة من عن يمينها ومن عن يسارها ومن خلفها بحذائها عندنا استحسانا) وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه لا تفسد صلاة أحد بسبب المحاذاة لان محاذاة المرأة الرجل لا تكون أقوى من محاذاة الكلب أو الخنزير اياه وذلك غير مفسد لصلاة الرجل ولو فسدت الصلاة بسبب المحاذاة لكان الاولى أن تفسد صلاتها لانها منهية عن الخروج إلى الجماعة والاختلاط بالصفوف يدل عليه ان المحاذاة في صلاة الجنازة أو سجدة التلاوة غير مفسد على الرجل صلاته فكذلك في سائر الصلوات (ولنا) أنه ترك المكان المختار له في الشرع فتفسد صلاته كما لو أخرها وشرها أولها فالمختار للرجال التقدم على النساء فإذا وقف بجنبها أو خلفها

[ 184 ]

فقد ترك المكان المختار له وترك فرضا من فروض الصلاة أيضا فان عليه أن يؤخرها عند اداء الصلاة بالجماعة قال عليه الصلاة والسلام أخروهن من حيث أخرهن الله والمراد من الامر بتأخيرها لاجل الصلاة فكان من فرائض صلاته وهذا لان حال الصلاة حال المناجاة فلا ينبغى أن يخطر بباله شئ من معاني الشهوة فيه ومحاذاة المرأة اياه لا تنفك عن ذلك عادة فصار الامر بتأخيرها من فرائض صلاته فإذا ترك تفسد صلاته وانما لا تفسد صلاتها لان الخطاب بالتأخير للرجل وهو يمكنه أن يؤخرها من غير أن يتأخر بأن يتقدم عليها ولهذا لم تفسد صلاة الجنازة بالمحاذاة لانها ليست بصلاة مطلقة هي مناجاة بل هي قضاء لحق الميت ثم ليس لها في الصلاة على الجنازة مقام لكونها منهية عن الخروج في الجنائز ولا تفسد صلاة من هو على يمين من هو على يمينها ومن على يسار من هو على يسارها إذ هناك حائل بينها وبينهما بمنزلة الاسطوانة أو كان من الثياب فان كان صف تام من النساء وراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها استحسانا والقياس مثل الاول انه لا تفسد الا صلاة صف واحد خلف صفوف النساء لان تحقق المحاذاة في حقهم ولكنه استحسن حديث عمر رضى الله تعالى عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بينه وبين الامام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له ولان الصف من النساء بمنزلة الحائط بين المقتدى وبين الامام ووجود الحائط الكبير الذى ليس عليه فرجة بين المقتدى والامام يمنع صحة الاقتداء فكذلك في الصف من النساء فأما المرأتان والثلاث إذا وقفن في الصف فالمروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى ان المرأتين تفسدان صلاة أربعة نفر من عن يمينهما ومن عن يسارهما ومن خلفهما بحذائهما والثلاث يفسدن صلاة من عن يمينهن ومن عن يسارهن وثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف وقال الثلاث جمع متفق عليه فهو قياس الصف التام فأما المثنى فليستا بجمع تام فهما قياس الواحدة لا يفسدان الا صلاة من خلفهما وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى روايتان في احداهما جعل الثلاث كالاثنتين وقال لا يفسدن الا صلاة خمسة نفر من عن يمينهن ومن عن يسارهن ومن خلفهن بحذائهن لان الاثر جاء في صف تام والثلاث ليس بصف تام من النساء وفى الرواية الاخرى جعل المثنى كالثلاث وقال يفسدان صلاة من عن يمينهما ومن عن يسارهما وصلاة رجلين خلفهما إلى آخر الصفوف لان للمثنى حكم الثلاث في الاصطفاف حين يصطفان خلف الامام قال عليه

[ 185 ]

الصلاة والسلام الاثنان فما فوقهما جماعة فان وقفت بحذاء الامام تأتم به وقد نوى امامتها فسدت صلاة الامام والقوم كلهم لان صلاة الامام بسبب المحاذاة في صلاة مشتركة تفسد وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم وكان محمد بن مقاتل يقول لا يصح اقتداؤها لان المحاذاة اقترنت بشروعها في الصلاة ولو طرأت كانت مفسدة لصلاتها فإذا اقترنت منعت صحة اقتدائها وهذا فاسد لان المحاذاة لا تؤثر في صلاتها وانما تبطل صلاتها بفساد صلاة الامام فلا تفسد صلاة الامام الا بعد شروعها لان المحاذاة ما لم تكن في صلاة مشتركة لا تؤثر في صلاتها الا فسادا حتى ان الرجل والمرأة إذا وقفا في مكان واحد فصلى كل واحد منهما وحده لا تفسد صلاة الرجل لان الترتيب في المقام انما يلزمه عند المشاركة كالترتيب بين المقتدى والامام والاصل فيه حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل وأنا نائمة بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة فكان إذا سجد خنست رجلى وإذا قام مددتهما. وأما إذا لم ينو الامام امامتها لم تكن داخلة في صلاته فلا تفسد الصلاة على أحد بالمحاذاة عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى يصح اقتداؤها به وان لم ينو امامتها والقياس ماقاله زفر فان الرجل صالح لامامة الرجال والنساء جميعا ثم اقتداء الرجال بالرجل صحيح وان لم ينو الامامة فكذلك اقتداء النساء واستدل بالجمعة والعيدين فان اقتداء المرأة بالرجل صحيح فيهما وان لم ينو امامتها (ولنا) أن الرجل لما كان يلحق صلاته فساد من جهة المرأة أمكنه التحرز عنه بالنية كالمقتدى لما كانت صلاته يلحقها فساد من جهة الامام أمكنه التحرز عنه بالنية وهو أن لا ينوي الاقتداء به وهذا لانا لو صححنا اقتداءها بغير النية قدرت على افساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت بأن تقتدي به فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر مالا يخفي وفى صلاة الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا قالوا لا يصح اقتداؤها به ما لم ينو امامتها وان كان الجواب مطلقا في الكتاب ومنهم من سلم فقال الضرورة في جانبها هاهنا لانها لا تقدر على أداء صلاة العيد والجمعة وحدها ولا تجد اماما آخر تقتدي به والظاهر أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الامام في هذه الصلوات لكثرة الازدحام فصححنا اقتداءها به لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات وروي الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنها إذا وقفت خلف الامام جاز اقتداؤها به وان لم ينو امامتها ثم أذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله

[ 186 ]

تعالى الاول ووجهه أنها إذا وقفت خلفه فقصدها أداء الصلاة لافساد صلاة الرجل فلا يشترط نية الامامة فإذا وقفت إلى جنبه فقد قصدت افساد صلاته فرد قصدها بافساد صلاتها الا أن يكون الرجل قد نوى امامتها فحينئذ هو ملتزم بهذا الضرر * قال (وإذا سبق الرجل المرأة ببعض الصلاة فلما سلم الامام قاما يقضيان فوقفت بحذاء الرجل لم تفسد صلاته ولو كانا لا حقين بأن أدركا أول الصلاة ثم ناما أو سبقهما الحدث فوقفت المرأة بحذائه فيما يتمان فصلاة الرجل فاسدة) لان المسبوق فيما يقضي كالمنفرد حتى تلزمه القراءة وسجود السهو إذا سها فلم توجد المحاذاة في صلاة مشتركة فأما اللاحق فيما يتم كالمقتدي حتى لا يقرأ ولوسها لا يلزمه سجود السهو فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة. وفقه هذا الحرف أن اللاحق لما اقتدى بالامام في أول الصلاة قد التزم أداء جميع الصلاة بصفة الاقتداء فلا يجوز أداؤه بدون هذه الصفة فأما المسبوق انما التزم بحكم الاقتداء ما بقى على الامام دون ما فرغ منه لان ذلك لا يتصور فجعلناه كالمنفرد فيما يقضى بهذا * قال (وان كان الامام يصلى الظهر فائتمت به امرأة تريد التطوع وقد نوى الامام امامتها ثم وقفت بحذائه فسدت صلاته وصلاتها) لان اقتداء المتنفل بالمفترض صحيح فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة وعليها قضاء التطوع لان الفساد كان بعد صحة شروعها بسبب فساد صلاة الامام وان كانت نوت العصر لم تجزها صلاتها ولم تفسد على الامام صلاته لان تغاير الفرضين يمنع صحة الاقتداء على ما مر في باب الاذان وما ذكرناها هنا دليل على أنها لا تصير شارعة في الصلاة أصلا بخلاف ما ذكره في باب الاذان ففيه روايتان وبعض مشايخنا قال الجواب ما ذكر في باب الاذان ومعنى ما ذكر هاهنا أن الامام لم ينو امامتها في صلاة العصر فتجعل هي في الاقتداء به بنية العصر بمنزلة ما لم ينو امامتها فلهذا لا تصير شارعة في صلاة التطوع * قال (ويصلى العراة وحدانا قعودا بايماء) وقال بشر المريسى رحمه الله تعالى يصلون قياما بركوع وسجود وهو قول الشافعي رضى الله تعالى عنه لانهم عجزوا عن شرط الصلاة وهو ستر العورة فهم قادرون على أركانها فعليهم الاتيان بما قدروا عليه وسقط عنهم ما عجزوا عنه ومذهبنا مروى عن ابن عباس وابن عمر رضى الله تعالى عنهم قالا العارى يصلى قاعدا بالايماء ولان القعود والايماء أستر لهم وفى القيام والركوع والسجود زيادة كشف العورة وذلك حرام في الصلاة وغير الصلاة فكل ركوع وسجود لا يمكنه

[ 187 ]

أن يأتي به الا بكشف العورة فذلك حرام فلا يكون من أركان صلاته فلهذا لا يلزمه القيام والركوع والسجود. وان صلوا جماعة قياما بركوع وسجود أجزأهم لان تمام الستر لا يحصل بالقعود فتركه لا يمنع جواز الصلاة وانما أمرناهم بترك الجماعة ليتباعد بعضهم من بعض فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض لان الستر يحصل به ولكن الاولى لامامهم إذا صلوا بجماعة أن يقوم وسطهم لكيلا يقع بصرهم على عورته وان تقدمهم جاز أيضا وحالهم في حال الموضع كحال النساء في الصلاة فالاولى أن يصلين وحدهن فان صلين بالجماعة قامت امامهن وسطهن وان تقدمتهن جاز فكذلك حال العراة. وان كان مع العارى ثوب فيه نجاسة فان كان قدر الربع من الثوب طاهرا يلزمه أن يصلى فيه فلو صلى عريانا لم تجز لان الربع بمنزلة الكمال في بعض الاحكام ألا ترى أن نجاسة الربع في حالة الاختيار في المنع من جواز الصلاة كنجاسة الكل فكذلك طهارة الربع في حالة الضرورة كطهارة الكل لوجوب الصلاة فيه وأما إذا كان الثوب كله مملوأ دما أو كان الطاهر منه دون ربعه فعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يخير بين أن يصلى عريانا وبين أن يصلى فيه وهو الافضل وقال محمد رحمه الله تعالى لا تجزئه الصلاة الا فيه لان الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز من الصلاة عريانا فان القليل من النجاسة في الثوب لا يمنع الجواز فكذلك الكثير في قول بعض العلماء وقال عطاء من صلى وفى ثوبه سبعون قطرة من دم جازت صلاته ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانا في حالة الاختيار ولانه لو صلى عريانا كان تاركا لفرائض منها ستر العورة ومنها القيام والركوع والسجود فإذا صلى فيه كان تاركا فرضا واحدا وهو طهارة الثوب فهذا الجانب أهون. وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين الا اختار أهونهما فمن ابتلى ببليتين فعليه أن يختار أهونهما وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا الجانبان في حكم الصلاة سواء على معنى أن كل واحد منهما ضرورة محضة لا تجوز عند الاختيار في النفل ولا في الفرض يعنى الصلاة عريانا والصلاة في ثوب مملوء دما وانما يعتبر التفاوت في حكم الصلاة فإذا استويا خير بينهما والاولى أن يصلى فيه لان ستر العورة غير مختص بالصلاة وطهارة الثوب عن النجاسة تختص بها فلهذا كان الافضل أن يصلى فيه * قال (وإذا أحدث الرجل في ركوعه أو سجوده فذهب وتوضأ وجاء لم يجزئه الاعتداد بالركوع والسجود الذى أحدث فيه) لان الحدث قد نقضه ومعنى

[ 188 ]

هذا أن القياس أن يفسد جميع الصلاة بالحدث تركناه بالنص المجوز للبناء على الصلاة فبقى معمولا به في حق الركن الذى أحدث فيه لان انتقاض ذلك الركن لا يمنع من البناء ولان تمام الركن بالانتقال عنه ولا يمكن أن يجعل رفع رأسه بعد الحدث اتماما لذلك الركن لانه جزء من صلاته وأداء جزء من صلاته بعد سبق الحدث مفسد لصلاته وإذا جاء بعد الوضوء فعليه اتمام ذلك الركن ولا يمكنه اتمامه الا باعادته فعليه الاعادة لهذا * قال (فان كان اماما فاحدث وهو راكع فتأخر وقدم رجلا مكث الرجل راكعا كما هو حتى يكون قدر ركوعه) لان الاستدامة فيما يستدام كالانشاء والثانى قائم مقام الاول وعلى الاول انشاء الركوع فعلى الثاني استدامته أيضا فان لم يحدث ولكن تذكر في الركوع في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الركعة الاولى فخر ساجدا ثم رفع رأسه فان احتسب لذلك الركوع جاز وان أعاده فهو أحب إلى لان تذكره السجود غير ناقض لركوعه ولان رفع رأسه يمكن أن يجعل اتماما للركوع بعد تذكره السجدة ألا ترى أنه لو أخرها إلى آخر صلاته جاز فلهذا كان له أن يعتد به والاعادة أفضل لانه ما قصد اتمام الركن بالانتقال عنه انما قصد إذا تذكر وقال زفر رحمه الله عليه أن يعيد القيام والقراءة والركوع لان من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة ركن واجب فالتحقت هذه السجدة بمحلها وبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع لترك الترتيب فأما عندنا مراعاة الترتيب ليست بركن ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الامام فيه ولو كان الترتيب ركنا لما جاز له تركها بعذر الجماعة كالترتيب بين الصلوات ولئن كان الترتيب واجبا فقد سقط بعذر النسيان. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أن عليه اعاة الركوع لا محالة وهو بناء على أصله أن القومة التى بين الركوع والسجود ركن حتى لو تركها لا تجوز صلاته وأصل المسألة أن الاعتدال في أركان الصلاة سنة مؤكدة أو واجب عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعند أبى يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى هو ركن حتى أنه ان لم يتم ركوعه وسجوده في الصلاة ولم يقم صلبه تجوز صلاته عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ويكره أشد الكراهة وروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال اخشى أن لا تجوز صلاته وعند أبى يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى لا تجوز صلاته أصلا لحديث الاعرابي فانه دخل المسجد وخفف فقال له عليه الصلاة والسلام ارجع فصل فانك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاثا ثم حين

[ 189 ]

علمه قال له اركع حتى يطمئن كل عضو منك ثم ارفع رأسك حتى يطمئن كل عضو منك الحديث ورأى حذيفة بن اليمان رجلا يصلى ولا يتم الركوع والسجود فقال مذكم تصلى هكذا فقال مذ كذا فقال انك لم تصل منذ كذا ومثل هذا لا يعلم بالرأي وانما يقال سماعا (ولنا) ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في المسجد مع أصحابه فدخل رجل وصلى وخفف فلما خرج أساؤا القول فيه فقالوا أخرها ثم لم يحسن أداءها فقال عليه الصلاة والسلام ألا أحد يشترى صلاته منه فخرج أبو هريرة رضى الله تعالى عنه فاشتراها بدرهم فأبى فما زال يزيد حتى ضجر الرجل فقال لو أعطيتني مل ء الارض ذهبا ما بعتكها فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال ألم أنهكم عن المصلين فقد جعل فعله صلاة معتبرة وسئل ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن صلاة الاعراب الذين ينقرون نقرا فقال ذلك خير من لا شئ ولان الركنية لا تثبت الا باليقين وانما ورد النص بالركوع والسجود ومطلق الاسم يتناول الادنى فبقيت الركنية بذلك القدر والزيادة على ذلك للاكمال ولكن ترك ما هو لاكمال الفريضة مما ليس بركن لا يفسده وقد نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الاعرابي فيما علمه فانه قال إذا فعلت ذلك فقد أتممت صلاتك وان نقصت من ذلك فقد نقصت صلاتك. إذا عرفنا هذا فنقول عند أبى يوسف رحمه الله تعالى القومة التى بين الركوع والسجود ركن فانه إذا تذكر السجدة في الركوع إما السجدة الصلاتية أو التلاوية فخر لها ساجدا ولم يأت بتلك القومة فعليه اعادة الركوع ليأتي بتلك القومة. وعندنا تلك القومة ليست بركن فتركها لا يفسد الصلاة والاولى الاعادة ليأتي بها. ثم قدر الركن من الركوع أدنى الانحطاط على وجه يسمى راكعا في الناس وفى السجود امساس جبهته أو أنفه على الارض عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمفروض من الرفع بين السجدتين قدر ما يزايل جبهته وأنفه الارض ليتحقق به الفصل بين السجدتين. وقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى لا يجوز الا أن يرفع بقدر ما يكون إلى القعود أقرب منه إلى السجود والاول أقيس * قال (وإذا أدرك الرجل ركعة مع الامام من المغرب فلما سلم الامام قام يقضى قال يصلى ركعة ويقعد) وهذا استحسان والقياس يصلى ركعتين ثم يقعد لانه يقضى ما فاته فيقضى كما فاته ويؤيد هذا القياس بالسنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فاقضوا ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق والقعدة بعد الركعة الثانية في صلاة

[ 190 ]

المغرب سنة وهذا لان الثانية هي الثالثة للاولى والثانية للاولى في حقه هذه الركعة وروى أن جندبا ومسروقا رضى الله تعالى عنهما ابتليا بهذا فصلى جندب ركعتين ثم قعد ومسروق ركعة ثم قعد ثم صلى ركعة أخرى فسألا عن ذلك ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فقال كلاكما أصاب ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق وتأويل قوله كلاكما أصاب طريق الاجتهاد فأما الحق فواحد غير متعدد ثم ما يصلى المسبوق مع الامام آخر صلاته حكما عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وعند محمد رحمه الله تعالى في القراءة والقنوت هو آخر صلاته وفى حكم القعدة هو أول صلاته ومذهبه مذهب ابن مسعود ومذهبهما مذهب على رضي الله تعالى عنه وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه هو أول صلاته فعلا وحكما لانه لا يتصور الآخر الا بعد الاول في الاداء ألا ترى أن تكبيرة الافتتاح في حقه أول الصلاة فكذلك ما بعده ولكنا نقول لو كان هذا مؤديا لاول الصلاة كان مخالفا لامامه ولا يصح الاقتداء به كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فاتكم فاقضوا فهو نص على أنه مؤد مع الامام ما أدرك لا ما فاته ولكن محمد رحمه الله تعالى جعله في حكم القراءة هكذا احتياطا حتى تلزمه القراءة فيما يقضى لان القراءة مكررة في صلاة واحدة وكذلك في حكم القنوت لانه يتكرر في صلاة واحدة فلو جعلنا ما يؤديه مع الامام أول الصلاة للزمه القنوت فيما يقضى فيؤدى إلى تكرار القنوت في صلاة واحدة فأما في حكم القعدة فتتم الصلاة بقعدة في ركن ولن يكون ذلك الا بعد أن يجعل ما يؤديه مع الامام أول الصلاة فلهذا قعد إذا صلى ركعة * وحكي عن يحيى البناء وكان من أصحاب محمد رحمه الله تعالى أنه سأله عن هذه المسألة فأجاب بما قلنا فقال على وجه السخرية هذه صلاة معكوسة فقال محمد رحمه الله تعالى لا أفلحت قال وكان كما قال أفلح أصحابه ولم يفلح بدعائه * قال (وأحب أن يكون بين يدى المصلى في الصحراء شئ أدناه طول ذراع) لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة وكانت العنزة تحمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركز في الصحراء بين يديه فيصلى إليها حتى قال عون بن جحيفة عن أبيه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء في قبة حمراء من أدم فركز بلال العنزة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى إليها والناس يمرون من ورائها وانما قال بقدر ذراع طولا ولم يذكر العرض وكان ينبغي أن تكون

[ 191 ]

في غلظ أصبع لقول ابن مسعود يجزئ من السترة السهم فان المقصود أن يبدو للناظر فيمتنع من المرور بين يديه وما دون هذا لا يبدو للناظر من بعد (وإذا اتخذ السترة فليدن منها) لما جاء في الحديث إذا صلى أحدكم إلى سترة فليرهقها وان لم يكن بين يديه شئ فصلاته جائزة لان الامر باتخاذ السترة ليس لمعنى راجع إلى عين الصلاة فلا يمنع تركه جواز الصلاة وان مر بين يديه مار من رجل أو أمرأة أو حمار أو كلب لم يقطع صلاته عندنا وقال أصحاب الظواهر مرور المرأة والحمار والكلب بين يدى المصلى يفسد صلاته لحديث أبى ذر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب وفى بعض الروايات قال الكلب الاسود فقيل له وما بال الاسود من غيره فقال أشكل على ما أشكل فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الكلب الاسود شيطان (ولنا) حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع الصلاة مرور شئ وادرؤا ما استطعتم والحديث الذى رووا ردته عائشة رضى الله تعالى عنها فانها قالت لعروة يا عرية ماذا يقول أهل العراق قال يقولون تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب فقالت يا أهل العراق والشقاق والنفاق قرنتمونى بالكلاب والحمير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة والدليل على أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى في بيت أم سلمة فأراد عمر بن أبى سلمة أن يمر بين يديه فأشار عليه فوقف ثم أرادت زينب أن تمر بين يديه فأشار عليها فلم تقف فلما فرغ من صلاته قال هن أغلب صاحبات يوسف يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام والدليل على أن مرور الحمار والكلب لا يقطع الصلاة حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال زرت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخى الفضل على حمار في البادية فنزلنا فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فصلينا معه والحمار يرتع بين يديه. وينبغى أن يدفع المار عن نفسه لكيلا يشغله عن صلاته عملا بقوله صلى الله عليه وسلم وادرؤا ما استطعتم الا أنه يدفعه بالاشارة أو الاخذ بطرف ثوبه على وجه ليس فيه مشى ولا علاج ومن الناس من قال ان لم يقف باشارته جاز دفعه بالقتال لحديث أبى سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه أنه كان يصلى فأراد أن يمر ابن مروان بين يديه فأشار عليه فلم يقف فلما حاذاه ضربه على صدره ضربة أقعده على

[ 192 ]

استه فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فدعاه فقال لم ضربت ابني فقال ما ضربت ابنك انما ضربت الشيطان قال لم تسمى ابني شيطانا قال لانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا صلى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانه شيطان ولكنا نستدل بقوله عليه الصلاة والسلام ان في الصلاة لشغلا يعنى بأعمال الصلاة وتأويل حديث أبى سعيد رضى الله عنه أنه كان في وقت كان العمل مباحا في الصلاة (ويكره للمار أن يمر بين يدي المصلي) لقوله صلى الله عليه وسلم لو علم المار بين يدى المصلى ما عليه لوقف ولو إلى أربعين ولم يوقت يوما ولا شهرا ولا سنة (وحد المرور بين يديه غير منصوص في الكتاب وقيل إلى موضع سجود وقيل بقدر الصفين) وأصح ما قيل فيه أن المصلى لو صلى بخشوع فالى الموضع الذى يقع بصره على المار يكره المرور بين يديه وفيما وراء ذلك لا يكره وحكى أبو عصمة عن محمد رحمه الله تعالى إذا لم يجد سترة يخط بين يديه فان الخط وتركه سواء لانه لا يبدو للناظر من بعد ومن الناس من يقول يخط بين يديه اما طولا شبه ظل السترة أو عرضا شبه المحراب لقوله عليه الصلاة والسلام إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة فان لم يجد فليخط بين يديه خطا ولكن الحديث شاذ فيما تعم به البلوي فلم نأخذ به لهذا * قال (وإذا انفرد المصلى خلف الامام عن الصف لم تفسد صلاته) وقال أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تفسد صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمنفرد خلف الصف وعن فرافصة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلى في حجرة من الارض فقال أعد صلاتك فانه لا صلاة لمنفرد خلف الصف (ولنا) حديث أنس رضى الله تعالى عنه قال فأقامني واليتيم من ورائي وأمى أم سليم وراءنا فقد جوز اقتداءها وهى منفردة خلف الصف وفى هذا الحديث دليل على أنها تفسد صلاة الرجل لانه أقامها خلفهما مع النهي عن الانفراد فما كان ذلك الا صيانة لصلاتهما وان أبا بكر رضى الله تعالى عنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع فكبر وركع ثم دب حتى لصق بالصف فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال زادك الله حرصا ولا تعد أو قال ولا تعد فقد جوز اقتداءه به وهو خلف الصف. يدل عليه أنه لو كان بجنبه مراهق تجوز صلاته بالاتفاق وصلاة المراهق تخلق فهو في الحقيقة منفرد خلف الصف ولذلك لو تبين أن من كان بجنبه كان محدثا تجوز صلاته وهو منفرد خلف الصف وتأويل الحديث نفى الكمال لقوله صلى الله

[ 193 ]

عليه وسلم لاصلاة لجار المسجد الا في المسجد والامر بالاعادة شاذ ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الامام ما يمنع الاقتداء وفى الحديث ما يدل عليه فانه قال في حجرة من الارض أي ناحية ولكن الاولى عندنا أن يختلط بالصف ان وجد فرجة وان لم يجد وقف ينتظر من يدخل فيصطفان معه فان لم يدخل أحد وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علما وحسن الخلق لكيلا يصعب عليه فيصطفان خلفه فان لم ينجر إليه أحد حينئذ يقف خلف الصف بحذاء الامام لاجل الضرورة فان كان بين الامام وبين المقتدى حائط أجزأته وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا تجزئه واليه أشار في الاصل في تعليل مسألة المحاذاة. وفى الحاصل هذا على وجهين ان كان الحائط قصيرا دليلا يعنى به الصغير جدا حتى يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة لا يمنع الاقتداء وان كان كبيرا فان كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك وان لم يكن عليه شئ من ذلك ففيه روايتان. وجه الرواية التى قال لا يصح الاقتداء أنه يشتبه عليه حال امامه ووجه الرواية الاخرى ما ظهر من عمل الناس كالصلاة بمكة فان الامام يقف في مقام ابراهيم وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من الجانب الآخر فبينهم وبين الامام حائط الكعبة ولم يمنعهم أحد من ذلك فان كان بينهما طريق يمر الناس فيه أو نهر عظيم لم تجز صلاته لما روي عن عمر رضى الله تعالى عنه من كان بينه وبين الامام نهر أو طريق فلا صلاة له وفى رواية فليس. معه والمراد طريق تمر فيه العجلة فما دون ذلك طريق لا طريق والمراد من النهر ما تجرى فيه السفن فما دون ذلك بمنزلة الجدار لا يمنع صحة الاقتداء فان كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز الاقتداء حينئذ لان باتصال الصفوف خرج هذا الموضع من أن يكون ممرا للناس وصار مصلى في حكم هذه الصلاة وكذلك ان كان على النهر جسر وعليه صف متصل فبحكم اتصال الصفوف صار في حكم واحد فيصح الاقتداء * قال (والفتح على الامام لا يفسد الصلاة) يعنى المقتدى فأما غير المقتدى إذا فتح على المصلى تفسد به صلاة المصلى وكذلك المصلى إذا فتح على غير المصلى لانه تعليم وتعلم والقارئ إذا استفتح غيره فكأنه يقول بعد ما قرأت ماذا فذكرني والذي يفتح عليه كأنه يقول بعد ما قرأت كذا فخذ مني ولو صرح بهذا لم يشكل فساد صلاة المصلى فأما المقتدي إذا فتح على امامه هكذا في القياس ولكنه استحسن لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة المؤمنين فترك حرفا فلما

[ 194 ]

فرغ قال ألم يكن فيكم أبى فقالوا نعم يارسول الله فقال هلا فتحت على فقال ظننت أنها نسخت فقال لو نسخت لانبأتكم بها وعن على رضى الله تعالى عنه قال إذا استطعمك الامام فأطعمه وابن عمر قرأ الفاتحة في صلاة المغرب فلم يتذكر سورة فقال نافع إذا زلزلت الارض زلزالها فقرأها ولان المقتدي يقصد اصلاح صلاته فان قرأ الامام فلتحقق حاجته قلنا لا تفسد صلاته وبهذا لا ينبغى أن يعجل بالفتح على الامام ولا ينبغي للامام أن يحوجه إلى ذلك بل يركع أو يتجاوز إلى آية أو سورة أخرى فان لم يفعل وخاف أن يجري على لسانه ما يفسد الصلاة فحينئذ يفتح لقول على رضى الله تعالى عنه إذا استطعمك الامام فأطعمه وهو مليم أي مستحق اللوم لانه أحوج المقتدي إلى ذلك وقد قال بعض مشايخنا ينوي بالفتح على امامه التلاوة وهو سهو فقراءة المقتدي خلف الامام منهي عنها والفتح على امامه غير منهي عنه ولا يدع نية ما رخص له بنية شئ هو منهى عنه وانما هذا إذا أراد أن يفتح على غير امامه فحينئذ ينبغي أن ينوي التلاوة دون التعليم فلا يضره ذلك * قال (وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها) لقوله عليه الصلاة والسلام اقتلوا الاسودين ولو كنتم في الصلاة ولدغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقرب في صلاته فوضع عليه نعله وغمزه حتى قتله فلما فرغ قال لعن الله العقرب لا تبالي نبيا ولا غيره أو قال مصليا ولاغيره ولانه رخص للمصلي أن يدرأ عن نفسه ما يشغله عن صلاته وهذا من جملة ذاك وقيل هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقرب فأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فليستقبل الصلاة كما لو قاتل انسانا في صلاته لان هذا عمل كثير والاظهر أن الكل سواء فيه لان هذا عمل رخص فيه للمصلي فهو كالمشى بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ وأذا رمى طائرا بحجر لم تفسد صلاته لان هذا عمل قليل ولكنه مكروه لانه اشتغال بما ليس من أعمال الصلاة ولم يذكر الكراهة في قتل الحية والعقرب لانه محتاج إلى ذلك لدفع أذاها عن نفسه وليس في أذى الطير ما يحوجه إلى هذا لدفع أذاها عن نفسه فلهذا ذكر الكراهة فيه. وان أخذ قوسا ورمى به فسدت صلاته وبعض أهل الادب عابوا عليه في هذا اللفظ وقالوا الرمى بالقوس اسقاطه من يده وانما يقال يرمى إذا رمى بالسهم غير أن المقصود لمحمد كان تعليم عامة الناس ووجد هذا اللفظ معروفا في لسان العامة فلهذا ذكره وانما فسدت صلاته لانه عمل كثير فان أخذ القوس

[ 195 ]

وتثقيف السهم عليه والمد حتى رمى عمل كثير يحتاج فيه إلى استعمال اليدين والناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فكان مفسدا لهذا وكذلك لوادهن أو سرح رأسه أو أرضعت المرأة صبيها من أصحابنا من جعل الفاصل بين العمل القليل والكثير أن يحتاج فيه إلى استعمال اليدين حتى قالوا إذا زر قميصه في الصلاة فسدت صلاته وإذا حل ازاره لم تفسد والاصح أن يقال فيه ان كل عمل إذا نظر إليه الناظر من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو مفسد لصلاته وكل عمل لو نظر إليه الناظر فربما يشتبه عليه أنه في الصلاة فذلك غير مفسد فما ذكر من الاعمال إذا نظر الناظر إليه لا يشك أنه في غير الصلاة فان المرأة إذا حملت صبيها أو أرضعته لم يشكل على أحد أنها في غير الصلاة وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ المعوذتين في صلاة الفجر ثم قال سمعت بكاء صبي فخشيت على أمه أن تفتتن فلو كان الارضاع غير مفسد للصلاة لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة القراءة لاجل بكائه وان قاتل في صلاته فسدت صلاته لان النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق لكونه مشغولا بالقتال فلو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها وكذلك ان أكل أو شرب في الصلاة ناسيا أو عامدا بخلاف الصوم فانه يفصل بين النسيان والعمد لانه قد اقترن بحال المصلى ما يذكره فان حرمة الصلاة مانعة من التصرف في الطعام المؤدي إلى الاكل فلهذا سوى بين النسيان والعمد وفي الصوم لم يقترن بحاله ما يذكره فان الصوم لا يمنعه ما يؤدي إلى الاكل وهو التصرف في الطعام ثم الاكل عمل لو نظر إليه الناظر لا يشك أنه في غير الصلاة وعلى هذا قال محمد مضغ العلك في الصلاة يفسدها لان الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة وان كان في أسنانه شئ فابتلعه لم يضره لان ما يبقى بين الاسنان في حكم التبع لريقه فلهذا لا يفسد الصوم وهذا إذا كان دون الحمصة فان ذلك يبقى بين الاسنان عادة وكذلك ان قلس أقل من مل ء الفم ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه فهذا بمنزلة ريقه ألا ترى أنه لا ينقض وضوءه فكذلك لا يفسد صلاته والمتهجد بالليل قد يبتلى بهذا خصوصا في ليالى رمضان إذا امتلا من الطعام عند الفطر فللبلوى قلنا لا تفسد صلاته * قال (وان انتضح البول على المصلى أكثر من قدر الدرهم من موضع فانفتل فغسله لم يبن على صلاته) وفى الاملاء عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال يبنى لان هذا بعض ما ورد به النص فقد روينا في الرعاف ومن رعف يحتاج إلى غسل أنفه إلى الوضوء فإذا كان له أن يبنى ثمة فها هنا أولى. وجه ظاهر

[ 196 ]

الرواية أن البناء على الصلاة حكم ثبت بالآثار بخلاف القياس فلا يلحق به الا ما يكون في معناه من كل وجه وهذا ليس في معنى المنصوص عليه لان الانصراف هناك كان للوضوء ولابد منه والانصراف هاهنا لغسل النجاسة عن الثوب وقد لا يحتاج إليه بأن يكون عليه ثوبان فيلقى ما تنجس من ساعته فلهذا أخذنا فيه بالقياس وقلنا لا يبنى * قال (وان سال من دمل به دم توضأ وغسل وبنى على صلاته كما لو رعف) ومراده من هذا إذا سال بغير فعله فأما أذا عصره حتى سال أو كان في موضع ركبتيه فانفتح من اعتماده على ركبتيه في سجوده فهذا بمنزلة الحدث العمد قال لايبنى على صلاته وان أصابته بندقة فشجته فسال منه دم لم يبن على صلاته في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يبنى إذا توضأ لان عمر رضى الله تعالى عنه لما طعن في المحراب استخلف عبد الرحمن بن عوف ولو فسدت صلاته لفسدت صلاة القوم فلم يستخلفه ولان الحدث سبقه بغير صنعه فهو كالحدث السماوي (ولنا) أن الحدث كان بصنع العباد فيمنعه كما لو كان بصنعه لان هذا ليس في معنى المنصوص عليه فان الحدث السماوي العذر المانع من المضى ممن له الحق وهنا العذر من غير من له الحق وبينهما فرق فان المريض يصلى قاعدا ثم لا يعيد إذا برأ والمقيد يصلى قاعدا ثم تلزمه الاعادة عند اطلاقه وحديث عمر رضى الله تعالى عنه كان قبل افتتاح الصلاة ليفتتح الصلاة ألا ترى أنه روى أنه لما طعن قال آه قتلني الكلب من يصلى بالناس ثم قال تقدم يا عبد الرحمن وهذا كلام يمنع البناء على الصلاة * قال (وان نام في صلاته فاحتلم في القياس يغتسل ويبنى) يريد القياس على الاستحسان في الحدث الصغرى ولكني أستحسن أن يستقبل يريد العود إلى القياس الاول لان هذا ليس في معنى المنصوص عليه فانه يحتاج في الاغتسال إلى كشف العورة ولا يحتاج إليه في الوضوء ولان المصلى قد يبتلى بالحدث الصغرى عادة فمن النادر أن يبتلى بالحدث الموجب للاغتسال والنادر ليس في معنى ما تعم به البلوى * قال (وإذا سقط عن المصلى ثوبه فقام عريانا وهو لا يعلم ثم تذكر من ساعته فتناول ثوبه ولبسه فانه يمضى على صلاته) وفى القياس يستقبل الصلاة لوجود انكشاف العورة في الصلاة وهو مناف لما ابتدأها ولكنه استحسن فقال الانكشاف الكثير في المدة اليسيرة بمنزلة الانكشاف اليسير في المدة الطويلة وذلك لا يمنع جواز الصلاة فهذا مثله وهذا إذا لم يؤد ركنا ولم يمكث عريانا بقدر ما يتمكن فيه من أداء ركن

[ 197 ]

فان مكث عريانا ذلك القدر فليس له أن يبنى قياسا واستحسانا وكذلك ان سال عليه نجاسة كثيرة وعليه ثوبان فان القى النجس من ساعته فهو على القياس والاستحسان كما مروان أدى ركنا أو مكث بقدر ما يتمكن من أداء ركن استقبل الصلاة * قال (وإذا صلت المرأة وربع ساقها مكشوف أعادت الصلاة) وان كان أقل من ذلك لم تعد عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال ابو يوسف رحمه الله تعالى لا تعيد حتى يكون النصف مكشوفا. فالحاصل أن ستر العورة فرض لقوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد والمراد ستر العورة لاجل الصلاة لا لاجل الناس والناس في الاسواق أكثر منهم في المساجد ورأس المرأة عورة قال عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة امرأة حائض الا بخمار أي صلاة بالغة فان الحائض لا تصلى. ثم القليل من الانكشاف عفو عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى وهو نظير القليل من النجاسة. ودليلنا فيه ضرورة وبلوى خصوصا في حق الفقراء والذين لا يجدون الا الخلق من الثياب فقد روى عن عمر بن أبى سلمة قال كنت أؤم أصحابي يعنى الصبيان وعلى ازار متخرق فكانوا يقولون لامى غطى عنا است ابنك فدل أن القليل من الانكشاف عفو لا يمنع جواز الصلاة والكثير يمنع فقدر أبو يوسف ذلك بالنصف لان القلة والكثرة من الاسماء المشتركة فان الشئ إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلا وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرا فإذا كان المكشوف دون النصف فهو في مقابلة المستور قليل وإذا كان أكثر من النصف فهو في مقابلة المستور كثير وفى النصف سواء روايتان عن أبى يوسف رحمه الله تعالى. في احداهما لا يمنع لان الانكشاف الكثير مانع ولم يوجد. وفى الاخرى استوى لجانب المفسد والمجوز فيغلب المفسد احتياطا للعبادة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قدرا الكثير بالربع فان الربع يحكى الكمال ألا ترى أن المسح بربع الرأس كالمسح بجميعه ومن نظر إلى وجه انسان يستجيز من نفسه أن يقول رأيت فلانا وانما رأى أحد جوانبه الاربعة والذى بينا في الرأس كذلك في البطن والشعر والفخذ فأما في القبل والدبر فقد ذكر الكرخي أن التقدير فيهما بالدرهم دون الربع لانها عورة غليظة فتقاس بالنجاسة الغليظة وهذا ليس بقوى فانه ليس في هذا اظهار معنى التغليظ لان الدبر مقدر بالدرهم فعلى قياس قوله إذا انكشف الدبر ينبغي أن تجوز الصلاة حتى تكون أكثر من الدرهم فان قدر الدرهم من الصلاة لا يمنع جواز الصلاة حتى يكون أكثر منه والاصح

[ 198 ]

أن التقدير بالربع في الكل واليه أشار في الزيادات * قال (وإذا صلت وشئ من رأسها وشئ من بطنها وشئ من عورتها باد فان كان ذلك إذا جمع بلغ قدر ربع عضو يمنع جواز الصلاة) والا فلا * قال (وتقعد المرأة في صلاتها كأستر ما يكون لها) لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتلك المرأة ضمى بعض اللحم إلى الارض ولان مبنى حالها على التستر في خروجها فكذلك في صلاتها ينبغى أن تتستر بقدر ما تقدر عليه قال عليه الصلاة والسلام المرأة عورة مستورة * قال (رجل دعا في صلاته فسأل الله تعالى الرزق والعافية لم تفسد صلاته) لقوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال عليه الصلاة والسلام وأما في سجودكم فاجتهدوا بالدعاء فانه قمن أن يستجاب لكم. وحاصل المذهب عندنا أنه إذا دعا في صلاته بما في القرآن أو بما يشبه ما في القرآن لم تفسد صلاته وان دعا بما يشبه كلام الناس نحو قولهم اللهم ألبسني ثوبا اللهم زوجنى فلانة تفسد صلاته وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه إذا دعا في صلاته بما يباح له أن يدعو به خارج الصلاة لم تفسد صلاته لقوله تعالى واسئلوا الله من فضله وقال عليه الصلاة والسلام سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم والملح لقدوركم وان عليا رضى الله تعالى عنه في حروبه كان يقنت في صلاة الفجر يدعو على من ناواه (ولنا) حديث معاوية بن الحكم فقد جعل قوله يرحمك الله من جنس كلام الناس وقال ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس فهو كلامهم وان سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه رأى ابنا له يدعو في صلاته فقال اياك أن تكون من المعتدين فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون في أمتى أقوام يعتدون في الدعاء وتلا قوله تعالى انه لا يحب المعتدين ثم قال أما يكفيك أن تقول اللهم أنى أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ولا حجة في حديث علي فانهم لم يسوغوا له ذلك الاجتهاد حتى كتب إليه أبو موسى الاشعري رضى الله تعالى عنه أما بعد فإذا أتاك كتابي فأعد صلاتك. وفى الاصل قال أرأيت لو أنشد شعرا أما كان مفسدا لصلاته ومن الشعر ما هو ذكر نحو قول القائل * الا كل شئ ما خلا الله باطل * قال (وإذا مر المصلى بآية فيها ذكر الجنة فوقف عندها وسأل أو بآية فيها ذكر النار فوقف عندها وتعوذ بالله منها فهو حسن في التطوع إذا كان وحده) لحديث حذيفة رضى الله تعالى عنه أنه صلى مع رسول الله صلى الله

[ 199 ]

عليه وسلم قال فما مر بآية فيها ذكر الجنة الا وقف وسأل الله الجنة وما مر بآية فيها ذكر النار الا وقف وتعوذ بالله جل وعلا وما مر بآية فيها مثل الا وقف وتفكر فأما إذا كان اماما كرهت له ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله في المكتوبات والائمة بعده إلى يومنا هذا فكان من جملة المحدثات وربما يمل القوم بما يصنع وذلك مكروه ولكن لا تفسد صلاته لانه لا يزيد في خشوعه والخشوع زينة الصلاة وكذلك ان كان خلف الامام فانه يستمع وينصت لان القوم بالاستماع أمروا والى الانصات ندبوا وعلى هذا وعدوا الرحمة لقوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. ويترتب هذا الفصل على اختلاف العلماء في قراءة المقتدى خلف الامام فالمذهب عند أهل الكوفة أنه لا يقرأ في شئ من الصلوات وعند أهل المدينة منهم مالك رحمه الله تعالى يقرأ في صلاة الظهر والعصر ولا يقرأ في صلاة الجهر وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه يقرأ في كل صلاة الا أن في صلاة الجهر أو ان قراءة الفاتحة بعد فراغ الامام منها فان الامام ينصت حتى يقرأ المقتدى الفاتحة واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بقراءة وفي حديث عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فلما فرغ قال لعلكم تقرؤن خلفي فقلنا نعم فقال لا تقرؤن الا بفاتحة الكتاب فانه لا صلاة الا بها وفي رواية لا صلاة لمن لم يقرأها والمعنى فيه ان القراءة ركن من أركان الصلاة فلا تسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود بخلاف ما إذا أدرك الامام في الركوع لان تلك الحالة حالة الضرورة فانه يخاف فوت الركعة بسبب الضرورة قد تسقط بعض الاركان ألا ترى أن القيام بعد التكبير ركن وقد يسقط هذا للضرورة (ولنا) قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون وأكثر أهل التفسير على أن هذا خطاب للمقتدى ومنهم من حمله على حال الخطبة ولا تنافى بينهما ففيه بيان الامر بالاستماع والانصات في حالة الخطبة لما فيها من قراءة القرآن قال صلى الله عليه وسلم من كان له امام فقراءة الامام له قراءة وقال في الحديث المعروف وإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا ومنع المقتدى من القراءة خلف الامام مروى عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة وقد جمع أساميهم أهل الحديث. وقال سعد بن أبى وقاص من قرأ خلف الامام فسدت صلاته والمعنى فيه أن القراءة

[ 200 ]

غير مقصودة لعينها بل للتدبر والتفكر والعمل به قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملا وحصول هذا المقصود عند قراءة الامام وسماع القوم فإذا اشتغل كل واحد منهم بالقراءة لا يتم هذا المقصود وهذا نظير الخطبة فالمقصود منها الوعظ والتدبر وذلك بأن يخطب الامام ويستمع القوم لا أن يخطب كل واحد منهم لنفسه دل عليه إذا أدرك الامام في حالة الركوع فان خاف فوت الركعة سقط عنه فرض القراءة ولو كان من الاركان في حق المقتدى لما سقط بهذا العذر كالركوع والسجود ولا يقال ان ركن القيام يسقط فانه لا بد من أن يكبر قائما وفرض القيام يتأدي بأدنى ما يتناوله الاسم ولا حجة لهم في الحديث فانه بقراءة الامام تصير صلاة القوم بالقراءة كما أن بخطبة الامام تصير صلاتهم جميعا بالخطبة وحديث عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه يحمل على أنه كان ركنا في الابتداء ثم منعهم عن القراءة خلفه بعد ذلك ألا ترى أنه لما سمع رجلا يقرأ خلفه قال مالى أنازع في القرآن. والقراءة مخالفة لسائر الاركان فما هو المقصود بها لا يحصل بفعل الامام بخلاف القراءة على ما مر ومذهب مالك رحمه الله تعالى مروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فان رجلا سأله أأقرأ خلف الامام فقال له أما في الظهر والعصر فنعم * قال (وإذا مرت الخادم بين يدى المصلى فقال سبحان الله أو أومأ بيده ليصرفها لم تقطع صلاته) لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار على زينب فلم تقف وقال صلى الله عليه وسلم إذا نابت أحدكم نائبة فليسبح فان التسبيح للرجال والتصفيق للنساء قال في الكتاب وأحب إلى أن لا يفعل معناه ولا يجمع بين التسبيح والاشارة باليد فان له بأحدهما كفاية فمنهم من قال المستحب أن لا يفعل شيئا من ذلك وتأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في وقت كان العمل فيه مباحا في الصلاة فان استأذن عليه انسان فسبح وأراد أعلامه أنه في الصلاة لحديث علي رضى الله عنه كان لى مدخلان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم بأيهما شئت دخلت فكنت إذا أتيت الباب فان لم يكن في الصلاة فتح الباب فدخلت وان كان في الصلاة رفع صوته بالقراءة فانصرفت ولانه قصد بهذا صيانة صلاته ولو لم يفعل ربما يلح المستأذن حتى يبتلى هو بالغلط في القراءة وان أخبر بخبر يسوءه فاسترجع لذلك فان أراد جوابه قطع صلاته وان لم يرد جوابه لم يقطع لان مطلق الكلام محمول على قصد التكلم فإذا أراد به الجواب كان جوابا ومعنى استرجاعه

[ 201 ]

أعينوني فانى مصاب ولو صرح بهذا لم يشكل فساد صلاته فكذلك إذا أراده بالاسترجاع وإذا أخبر بخبر يسره فقال الحمد لله أو أخبر بما يتعجب منه فقال سبحان الله وأراد جواب المخبر فقد قطع صلاته عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف التحميد وأشباه ذلك لا يقطع الصلاة وان أراد به الجواب لان النبي صلى الله عليه وسلم قال انما هي للتسبيح والتهليل وقراءة القرآن فما تلفظ به شرعت الصلاة لاجله فلو فسدت صلاته انما تفسد بنيته ومجرد نية الكلام غير مفسد. ولم يذكر خلاف أبى يوسف في مسألة الاسترجاع والاصح أن الكل على الخلاف ومن سلم قال الاسترجاع اظهار المصيبة وما شرعت الصلاة لاجله والتحميد اظهار الشكر والصلاة شرعت لاجله (ولنا) قوله عليه الصلاة والسلام من سبح من غير غضب ولا عجب فله من الاجر كذا وانما جعله مسبحا إذا لم يقصد به التعجب فثبت له أنه إذا قصد به التعجب كان متعجبا لا مسبحا وهذا لان الكلام مبنى على غرض المتكلم فمن رأى رجلا اسمه يحيى وبين يديه كتاب فقال يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأراد به خطابه لم يشكل على أحد أنه متكلم لا قارئ وإذا قيل للمصلي بأى موضع مررت فقال ببئر معطلة وقصر مشيد وأراد الجواب لا يشكل أنه متلكم به وإذا أنشد شعرا فيه ذكر اسم الله لم يشكل أنه كان منشدا لا ذاكرا حتى تفسد صلاته فكذلك فيما نحن فيه * قال (وإذا قرأ في صلاته في المصحف فسدت صلاته) عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى صلاته تامة ويكره ذلك وقال الشافعي رضى الله عنه لا يكره لحديث ذكوان مولى عائشة رضى الله عنها أنه كان يؤمها في شهر رمضان وكان يقرأ في المصحف ولانه ليس فيه الا حمل المصحف بيده والنظر فيه ولو حمل شيأ آخر لم تفسد صلاته فكذلك المصحف الا أنهما كرها ذلك لانه تشبه بفعل أهل الكتاب والشافعي رحمه الله تعالى قال ما نهينا عن التشبه بهم في كل شئ فانا نأكل كما يأكلون ولابي حنيفة رحمه الله تعالى طريقان. أحدهما أن حمل المصحف وتقليب الاوراق والنظر فيه والتفكر فيه ليفهم عمل كثير وهو مفسد للصلاة كالرمي بالقوس في صلاته وعلى هذا الطريق يقول إذا كان المصحف موضوعا بين يديه أو قرأ بما هو مكتوب على المحراب لم تفسد صلاته. والاصح ان يقول انه يلقن من المصحف فكأنه تعلم من معلم وذلك مفسد لصلاته ألا ترى أن من يأخذ من المصحف يسمى صحفيا ومن لا

[ 202 ]

يحسن قراءة شئ عن ظهر قلبه يكون أميا يصلى بغير قراءة فدل أنه متعلم من المصحف وعلى هذا الطريق لا فرق بين أن يكون موضوعا بين يديه أو في يديه وليس المراد بحديث ذكوان أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة انما المراد بيان حاله انه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليس بفرض * قال (رجل صلى ومعه جلد ميتة مدبوغ فلا بأس بذلك عندنا) وقال مالك رحمه الله تعالى لا تجوز صلاته ولا ينتفع عنده بجلد الميتة وان كان مدبوغا الا في الجامد من الاشياء واستدل بحديث عبد الله بن حكيم الليثى قال أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بسبعة أيام وفيه لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم أيما اهاب دبغ فقد طهر وتأويل حديث عبد الله أنه كان قبل الدباغة قال الاصمعي رحمه الله تعالى الاهاب اسم لجلد لم يدبغ فإذا دبغ يسمى أديما ثم المحرم بالموت ما يدخل تحت مصلحة الاكل قال صلى الله عليه وسلم انما حرم من الميتة أكلها وبالدباغ خرج الجلد من أن يكون صالحا للاكل وتبين أن نجاسته بما اتصل به من الدسومات النجسة وقد زال بذلك بالدباغ فصار طاهرا كالخمر تخلل وأصح ما قيل في حد الدباغ عندنا ما يعصمه من النتن والفساد حتى إذا شمسه أو تربه كان ذلك دباغا عندنا وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يكون دباغا الا بما يزيل الدموسات النجسة عنه وذلك باستعمال الشب والقرض والعفص (ودليلنا) فيه أن المقصود اخراجه من أن يكون صالحا لمنفعة الاكل وقد حصل ذلك وبه تبين أنه لم يبق فيه الدسومات النجسة فانها لو بقيت فيه لانتن بمضي الزمان وكذلك جلود السباع عندنا ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه مالا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغ وقاس بجلد الخنزير والآدمي (ولنا) عموم الحديث أيما اهاب دبغ فقد طهر وما طهر من لبس الناس كجلد الثعلب والفيل والسمور ونحوها في الصلاة وغير الصلاة من غير نكير منكر يدل على طهارته بالدباغ فأما جلد الخنزير فقد روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يطهر بالدباغ أيضا وفى ظاهر الرواية لا يحتمل الدباغة فان له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض كما للادمي وانما لا يطهر لعدم احتماله المطهر وهو الدباغ أو لان عينه نجس وجلده من عينه فأما في سائر الحيوانات النجس ما اتصل بالعين من الدسومات وعلى هذا جلد الكلب يطهر عندنا بالدباغ وقال

[ 203 ]

الحسن بن زياد رحمه الله تعالى لا يطهر وهو قول الشافعي رضى الله تعالى عنه لان عين الكلب نجس عندهما ولكنا نقول الانتفاع به مباح في حالة الاختيار فلو كان عينه نجسا لما أبيح الانتفاع به فان كان الجلد غير مدبوغ فصلى فيه أو صلى ومعه شئ كثير من لحم الميتة فصلاته فاسدة لانه حامل للنجاسة وان صلى ومعه شئ من أصوافها وشعورها أو عظم من عظامها فصلاته تامة عندنا وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه فيهما حياة وقال مالك رضى الله تعالى عنه في العظم حياة دون الشعر واستدلوا بقوله تعالى قال من يحيى العظام وهى رميم ولانه ينمو بتمادى الروح فكان فيه حياة فيحله الموت فيتنجس به ومالك يقول العظم يتألم ويظهر ذلك في السن بخلاف الشعر (ولنا) أنه مبان من الحي فلا يتألم به ويجوز الانتفاع وقال صلى الله عليه وسلم ما أبين من الحى فهو ميت فلو كان فيه حياة لما جاز الانتفاع به ولا نقول ان العظم يتألم بل ما هو متصل به فاللحم يتألم وبين الناس كلام في السن أنه عظم أو طرف عصب يابس فان العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة وتأويل قوله تعالى من يحيى العظام وهي رميم أي النفوس وفى العصب روايتان في احدى الروايتين فيها حياة لما فيها من الحركة وينجس بالموت ألا ترى أنه يتألم الحي بقطعه بخلاف العظم فان قطع قرن البقرة لا يؤلمها فدل أنه ليس في العظام حياة فلا يتنجس بالموت واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بشاة ملقاة لميمونة فقال هلا انتفعتم باهابها فقيل انها ميتة فقال انما حرم من الميتة أكلها وهذا نص على أن ما لا يدخل تحت مصلحة الاكل لا يتنجس بالموت وعلى هذا شعر الآدمى طاهر عندنا خلافا للشافعي رضى الله تعالى عنه فان النبي صلى الله عليه وسلم حين حلق شعره قسم شعره أصحابه فلو كان نجسا لما جاز لهم التبرك به ولكن لا ينتفع به لحرمته لا لنجاسته وكذلك عظمه لا ينتفع به لحرمته والذى قيل إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة لم يؤكل وذلك لحرمة الآدمى لا لنجاسته فأما الخنزير فهو نجس العين عظمه وعصبه في النجاسة كلحمه فأما شعره فقد قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز استعماله للخراز لاجل الضرورة وفى طهارته عنه روايتان في رواية طاهر وهكذا روى عن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنه طاهر لما كان الانتفاع به جائزا ولهذا جوز أبو حنيفة بيع لان الانتقاع لا يتأدى به الا بعد الملك وهو نجس في احدى الروايتين لان الثابت بالضرورة لا يعدو موضعها وقد روى عن محمد رحمه الله تعالى انه ألحق الفيل

[ 204 ]

بالخنزير والاصح أنه كسائر الحيوانات عظمه طاهر وقد جاء في حديث ثوبان ان النبي صلى الله عليه وسلم اشترى لفاطمة سوارين من عاج وظهر استعمال الناس العاج من غير نكير فدل على طهارته * قال (رجل صلى وقدامه عذرة قال لا يفسد ذلك صلاته) لان شرط الصلاة طهارة مكان الصلاة وقد وجد فالنجاسة فيما وراء ذلك لا تضره والمستحب أن يبعد من موضع النجاسة عند أداء الصلاة لان لمكان الصلاة حرمة فيختار لها أقرب الاماكن إلى الحرمة وان كانت النجاسة في موضع قيامه فصلاته فاسدة إذا كانت كثيرة لان القيام ركن فلا يتأدى على مكان نجس وكونه على النجاسة ككون النجاسة عليه في افساد الصلاة فان كانت النجاسة في موضع سجوده فكذلك عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو الظاهر من قول أبى حنيفة وروى أبو يوسف عنه أن صلاته جائزة ووجهه أن فرض السجود يتأدى بوضع الارنبة على الارض عنده وذلك دون مقدار الدرهم. ووجه ظاهر الرواية أن السجود فرض فإذا وضع الجبهة والانف تأدى الفرض بالكل كما إذا طول القراءة أو طول الركوع كان مؤديا للفرض واداء الكل بالفرض في المكان النجس لا يجوز والجبهة والانف أكثر من قدر الدرهم وقد روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا سجد على مكان نجس ثم أعاد على مكان طاهر جاز وقال زفر رحمه الله تعالى لا تجوز صلاته. وجه قوله أن السجدة قد فسدت بأدائها على مكان نجس والصلاة الواحدة لا تتجزأ فإذا فسد بعضها فسد كلها كما لو أقام على النجاسة عند التحرم. ووجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ان الركن لا يتأدى على مكان نجس فكأنه لم يؤدها أصلا حتى أداها على مكان طاهر وهكذا نقول إذا كان عند التحرم على مكان نجس يصير كانه لم يتحرم للصلاة أصلا حتى لو كان متطوعا لا يلزمه القضاء وان كان النجاسة في موضع الكفين أو الركبتين جازت صلاته عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى لا تجزئه لان أداء السجدة بوضع اليدين والركبتين والوجه جميعا فكانت النجاسة في موضع الركبتين كهى في موضع الوجه فأكثر ما في الباب أن له بدأ من موضع اليدين والركبتين وهذا لا يدل على الجواز لا إذا وضع يده على المكان النجس كما لو لبس ثوبين بأحدهما نجاسة كثيرة لا تجوز صلاته وله بد من لبس الثوب النجس كما بالاكتفاء بثوب واحد (ولنا) أن وضع اليدين والركبتين على مكان نجس كترك الوضع أصلا وترك وضع اليدين والركبتين في السجود لايمنع

[ 205 ]

الجواز كما قاله ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مثل الذى يصلى وهو عاقص شعره كمثل الذى يصلى وهو مكتوف وبه فارق الوجه فان ترك الوضع فيه يمنع جواز السجود بخلاف الثوبين فان اللابس للثوب مستعمل له فإذا كان نجسا كان حاملا للنجاسة فلهذا تفسد صلاته كما لو كان يمسكه بيده والمصلى ليس بحامل للمكان حتى تفسد صلاته بهذا الطريق بل الطريق ما قلناه أن ما وضعه على مكان نجس يجعل كأنه لم يضعه أصلا * قال (رجل صلى على مكان من الارض قد كان فيه نجاسة فجفت وذهب أثرها جازت صلاته عندنا) وقال زفر رحمه الله تعالى لا تجزئه لان الشرط طهارة المكان ولم يوجد بدليل أن التيمم لا يجوز بهذا الموضع (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم أيما أرض جفت فقد زكت أي طهرت وقال زكاة الارض يبسها ثم النجاسة تحرقها الشمس وتفرقها الريح وتحول عينها الارض وينشفها الهواء فلا تبقى عينها بعد تأثير هذا الاشياء فيها فتعود الارض كما كانت قبل الاصابة وقد مر الفرق بين الصلاة والتيمم الصحيح من الجواب أنه لا فرق بين موضع تقع عليه الشمس أو لا تقع وبين موضع فيه حشيش نابت أو ليس فيه لان الحشيش تابع للارض فان أصاب الموضع ماء فابتل أو ألقي من ترابه في ماء قليل ففيه روايتان احداهما أنه يعود نجسا كما قبل الجفاف والاخرى وهو الاصح أنه لا يتنجس لان بعد الحكم بطهارته لم يوجد الا اصابة الماء والماء لا ينجس شيئا بخلاف ما إذا أصابت النجاسة البساط فذهب أثرها لان النجاسة تتداخل في أجزاء البساط فلا يخرجها الا الغسل بالماء وليس من طبع البساط أن يحول شيئا إلى طبعه ومن طبع الارض تحويل الاشياء إلى طبعها فان الثياب إذا طال مكثها في التراب تصير ترابا فإذا تحولت النجاسة إلى طبع الارض بذهاب أثرها حكمنا بطهارة الموضع لهذا وان كان الاثر باقيا لم تجز الصلاة لان طهور الاثر دليل على بقاء النجاسة * قال (ولا بأس بأن يصلى على الثلج إذا كان ممكنا يستطيع أن يسجد عليه) معناه أن يكون موضع سجوده متلبدا لانه حينئذ يجد جبينه حجم الارض فأما إذا لم يكن متلبدا حتى لا يجد جبينه حجم الارض حينئذ لا يجزئه لانه بمنزلة السجود على الهواء على هذا السجود على الحشيش أو القطن ان شغل جبينه فيه حتى وجد حجم الارض أجزأ والا فلا وكذلك إذا صلى على طنفسة محشوة جازت صلاته إذا كان متلبدا الا على قول مالك رحمه الله تعالى وقد روى عن بعض الصحابة قال ما أبالى صليت على

[ 206 ]

عشر طنافس أو أكثر وكذلك الصلاة على الحصير لانه عمل الناس في مساجدهم بخلاف ما يقوله بعض من لا يعتد بقوله انه لا يجوز الصلاة على الحصير لان سائلا سأل عائشة رضى الله تعالى عنها هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحصير فاني سمعت قول الله تعالى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا فقال لا ولكن هذا الحديث شاذ فقد اشتهر عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى على الخمرة وهو اسم لقطعة حصير ومعنى قول الله تعالى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي محتبسا وجاء في الحديث الصلاة على ما تنبته الارض أفضل من الصلاة على ما لم تنبته الارض فلهذا اختاروا الحشيش والحصير على البساط * قال (ويكره ان يكون قبلة المسجد إلى حمام أو قبر أو مخرج) لان جهة القبلة يجب تعظيمها والمساجد كذلك قال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ومعنى التعظيم لا يحصل إذا كانت قبلة المسجد إلى هذه المواضع التى لا تخلو عن الاقذار * وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال هذا في مساجد الجماعة فأما في مسجد الرجل في بيته فلا بأس بأن يكون قبلته إلى هذه المواضع لانه ليس له حرمة المساجد حتى يجوز بيعه وللناس فيه بلوى بخلاف مسجد الجماعة ولو صلى في مثل هذا المسجد جازت صلاته الا على قول بشر بن غياث المريسى وكذلك لو صلى في أرض مغصوبة أو صلى وعليه ثوب مغصوب عنده لا يجوز لان العبادة لا تتأدى بما هو منهى عنه والنهى عندنا إذا لم يكن لمعنى في الصلاة لا يمنع جوازها وأصل النهى في هذا الباب حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبع مواطن المجزرة والمزبلة والمقبرة والحمام وقوارع الطريق ومعاطن الابل وفوق ظهر بيت الله. فأما المجزرة والمزبلة فموضع النجاسات لا يجوز الصلاة فيهما لانعدام شرطها وهو الطهارة من حيث المكان. وأما المقبرة فقيل انما نهى عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود كما قال صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجدا ورأى عمر رضى الله تعالى عنه رجلا يصلى بالليل إلى قبر فناداه القبر القبر فظن الرجل أنه يقول القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى بينه فعلى هذا القول تجوز الصلاة وتكره وقيل معني النهى أن المقابر لا تخلو عن النجاسات فالجهال يستترون بما يشرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه فعلى هذا

[ 207 ]

لا تجوز الصلاة لانعدام طهارة المكان. ومعنى النهى في الحمام أنه مصب الغسالات والنجاسات عادة فعلى هذا إذا صلى في موضع جلوس الحمامى لا يكره وقيل معنى النهى أن الحمام بيت الشيطان فعلى هذا الكراهة في كل موضع منه سواء غسل ذلك الموضع أو لم يغسل. ومعنى النهى في قوارع الطريق انه يستضر به المار فعلى هذا إذا كان الطريق واسعا لا يكره وحكي ابن سماعة أن محمدا رحمه الله تعالى كان يصلى على الطريق في البادية وقيل معنى النهى في قوارع الطرق أنها لا تخلو عن الارواث والابوال عادة فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق. ومعنى النهى في معاطن الابل قيل لانها لا تخلو عن النجاسة عادة الا أنه جاء في الحديث صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الابل وفيما يكون منها المعاطن والمرابض سواء وقيل معنى النهى أن الابل ربما تصول على المصلى فيبتلى بما يفسد صلاته وهذا لا يتوهم من الغنم. وأما فوق ظهر بيت الله النهى عندنا لان الانسان منهى عن الصعود على سطح الكعبة لما فيه من ترك التعظيم فلا يمنع جواز الصلاة وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه هذا النهي لا فساد صلاته حتى إذا صلى على سطح الكعبة وليس بين يديه سترة لا تجوز صلاته عنده على ما بينه في آخر الكتاب * قال (ومن زحمه الناس فلم يجد موضعا للسجود فسجد على ظهر رجل أجزأه) لقول عمر رضى الله تعالى عنه اسجد على ظهر أخيك فانه مسجد لك وقال في خطبته حين طلب من الناس أن يوسع المسجد أيها الناس أن هذا مسجد بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والانصار معه فمن لم يجد موضعا فليسجد على ظهر أخيه * وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال ان كان السجود علي ظهر شريكه في الصلاة يجوز والا فلا لان الجواز للضرورة وذلك عند المشاركة في الصلاة ومن أصحابنا من قال المراد ظهر القدم فأما إذا سجد علي ظهره فهو راكع لا ساجد فلا يجزئه وهو قول الحسن بن زياد والاصح أنه يجوز لان الرخصة فيه ثابتة شرعا للضرورة ومن اقتدى بامام ينوى صلاته ولم يدر أنها الظهر أو الجمعة أجزأه أيهما كان لانه بني صلاته علي صلاة الامام وذلك معلوم عند الامام فالعلم في حق الاصل يغني عنه في حق التبع والبناء والاصل فيه حديث علي وأبى موسى رضي الله تعالى عنهما فانهما قدما من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بم أهللتما فقالا باهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجوز ذلك لهما وان لم يكن معلوما عندهما وقت الا هلال فان

[ 208 ]

لم ينو صلاة الامام ولكنه نوى الظهر والاقتداء إذا كان امامه في الجمعة فصلاته فاسدة لانه يؤدى غير صلاة الامام وتغاير الفرضين يمنع الاقتداء وفي غير رواية أبى سليمان قال إذا نوى صلاة الامام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته وهذا صحيح فقد تحقق البناء بنية صلاة الامام ولا يعتبر بما زاد بعد ذلك وهو كمن نوى الاقتداء بهذا الامام وعنده أنه زيد فإذا هو عمرو وكان الاقتداء صحيحا بخلاف ما إذا نوى الاقتداء بزيد فإذا هو عمرو * قال (وإذا صلى الرجل المكتوبة كرهت له أن يعتمد على شئ الا من عذر) لان في الاعتماد تنقيص القيام ولايجوز ترك القيام في المكتوبة الا من عذر فكذلك يكره تنقيصه بالاعتماد الا من عذر وان فعل جازت صلاته لوجود أصل القيام ولم يبين الاعتماد في التطوع فقيل لا بأس به لان ترك القيام يجوز في التطوع فتنقيصه أولى وقيل بل يكره لان في الاعتماد بعض التنعم والتجبر ولا ينبغي للمصلى أن يفعل شيأ من ذلك بغير عذر وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المسجد حبلا ممدودا فقال لمن هذا فقيل لفلانة تصلى بالليل فإذا أعيت اتكأت فقال لتصل فلانة بالليل ما بسطت فإذا أعيت فلتنم * قال (ومن نسى تكبيرة الافتتاح حتى قرأ لم يكن داخلا في الصلاة) وكان عطاء يقول تكبيرة الركوع تنوب عن تكبيرة الافتتاح وهذا فاسد فان أركان الصلاة لا تكون الا بعد التحريمة والتحرم للصلاة بالتكبير يكون فإذا لم يكبر للافتتاح لم يكن داخلا في الصلاة * قال (وإذا افتتح التطوع قائما ثم أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند أبى حنيفة استحسانا) وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجزئه قياسا لان الشروع ملزم كالنذر ومن نذر أن يصلى ركعتين قائما لم يجزه ان يقعد فيهما فكذلك إذا شرع قائما لم يجزه أن يقعد فيهما فكذلك إذا شرع قاعدا وأبو حنيفة يقول القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر ثم هناك لا فرق بين حال الابتداء أو البقاء فكذلك هنا وهذا لانه في الابتداء كان مخيرا بين القيام والقعود وخياره فيما لم يؤد باق والشروع انما يلزمه ما باشر ولا صحة لما باشر الا به وللركعة الاولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر فهو التزام بالتسمية وقد نص فيه على صفة القيام ولا رواية فيما إذا أطلق النذر فقيل يلزمه بصفة القيام اعتبارا لما يوجبه على نفسه بما يوجب الله تعالى عليه مطلقا وقيل لا يلزمه لان القيام وراء ما به يتم التطوع

[ 209 ]

ولا يلزمه الا بالتنصيص عليه كالتتابع في الصوم وقيل هو على الخلاف على قياس ما مر في الشروع فان افتتحها قاعدا فقضى بعضها قائما وبعضها قاعدا أجزأه لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح التطوع قاعدا فيقرأ ورده حتى إذا بقى عشر آيات أو نحوها قام مقام قراءته ثم ركع وسجد وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية فقد انتقل من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود فدل أن ذلك جائز في التطوع * قال (وإذا افتتح التطوع على غير وضوء أو في ثوب نجس لم يكن داخلا في صلاته ولا يلزمه القضاء) لان الشروع لم يصح ووجوب القضاء والا تمام ينبنى عليه (وان افتتحها نصف النهار أو حين تحمر الشمس أو عند طلوعها فان صلى كذلك فقد أساء ولا يبنى عليه) لانه أداها كما شرع فيها وان قطعها فعليها القضاء الاعلى قول زفر رحمه الله تعالى فانه يعتبر الشروع في الصلاة في الاوقات المكروهة بالشروع في صوم يوم النحر لعله ان يرتكب المنهى والفرق لنا أن بالشروع هناك يصير صائما مرتكبا للمنهي وهاهنا بنفس الشروع لا يصير مصليا ما لم يقيد الركعة بالسجدة وارتكاب المنهى فيه ولان هناك لا يتصور الاداء بذلك الشروع الا بصفة الكراهة وهاهنا يتصور بأن يصبر حتى يذهب الوقت فلهذا ألزمناه القضاء والفرق بين هذا وبين ما سبق أن الشروع كالنذر والنذر بالصلاة في هذه الاوقات يصح فكذلك الشروع فأما النذر بالصلاة بغير وضوء لا يصح * وهنا مسائل. إذا نذر أن يصلى ركعتين بغير وضوء أو عريانا أو بغير قراءة فعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالي في المواضع كلها يلزمه ما سمى في الصلاة الصحيحة وما زاد في كلامه فهو لغو وعند زفر رحمه الله تعالى لا يلزمه شئ في الاحوال كلها لان ما سماء في نذره ليس بقربة وعند محمد رحمه الله إذا سمى ما لا يجوز أداء الصلاة معه بحال كالصلاة بغير طهارة لا يلزمه شئ وإذا سمى ما يجوز أداء الصلاة معه في بعض الاحوال كالصلاة بغير قراءة تلزمه * قال (وان افتتح صلاة التطوع وقت طلوع الشمس ثم قطعها ثم قضاها وقت تغير الشمس أجزأه) لانه لو أتمها في ذلك الوقت أجزأه فكذلك إذا قضاها في مثل ذلك الوقت * قال (وإذا صلت المرأة وهى حاملة ابنتها أجزأها) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى في بيته وأمامة بنت أبى العاص يحملها على عاتقه فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها * قال (وهي مسيئة في ذلك لانها شغلت نفسها بما ليس من أعمال صلاتها وأدنى ما فيه أن ذلك يمنعها من سنة الاعتماد (فان قيل)

[ 210 ]

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يفعل في صلاته ما هو مكروه (وقلنا) تأويله أنه كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحا أولم يكن الاعتماد سنة * قال (وان صلى وفي فمه شى يمسكه جازت صلاته) وهذا إذا كان في فمه درهم أو دينار أو لؤلؤة على وجه لا يمنعه من القراءة فان كان يمنعه من القراءة لا تجوز صلاته لانه أكل وكذلك ان كان في فمه سكرة لا تجوز صلاته لانه أكل ولذلك ان كان في كفه متاع يمسكه جازت صلاته كما لو ترك الاعتماد أو وضع اليدين على الركبتين في الركوع. والمصلى قاعدا تطوعا أو فريضة بعذر يتربع ويعقد كيف شاء من غير كراهة ان شاء محتبيا وان شاء متربعا لانه لما جاز له ترك أصل القيام فترك صفة القعود أولى وقال زفر رحمه الله تعالى يقعد على ركبتيه كما يفعله في التشهد وقال أبو يوسف يؤدي جميع صلاته متربعا في حال قيامه فإذا أراد أن يركع قعد على ركبتيه ليكون أيسر عليه * قال (وإذا صلى فوق المسجد مقتديا بالامام أجزأه) لحديث أبى هريرة أنه وقف على سطح المسجد واقتدى بالامام وهو في جوفه وهذا إذا كان وقوفه خلف الامام أو بحذائه فإذا كان متقدما عليه لم يجزه كما لو افتتحها في جوف المسجد * قال (وكذلك ان كان على سطح بجنب المسجد وليس بينهما طريق) وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يصح اقتداؤه لانه ترك مكان الصلاة بالجماعة من غير ضرورة (ولنا) أن اقتداءه وهو على سطح بجنب المسجد بمنزلة اقتدائه به وهو في جوف المسجد معه لانه لا يشتبه عليه حال امامه وليس بينهما مانع من الاقتداء فلهذا جوزناه * قال (ولا بأس بالصلاة في بيت في قبلته تماثيل مقطوعة الرأس) لان التمثال تمثال برأسه فبقطع الرأس يخرج من أن يكون تمثالا بيانه فيما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه ثوب عليه تمثال طائر فأصبحوا وقد محا وجهه وروى أن جبريل صلوات الله عليه استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذن له فقال كيف أدخل وفى البيت قرام فيه تمثال خيول ورجال فاما أن تقطع رؤسها أو تتخذ وسائد فتوطأ ولان بعد قطع الرأس صار بمنزلة تماثيل الشجر وذلك غير مكروه انما المكروه تمثال ذى الروح هكذا روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه نهى مصورا عن التصوير فقال كيف أصنع وهو كسبى قال ان لم يكن بد فعليك بتمثال الاشجار وان عليا رضى الله تعالى عنه قال من صور تمثال ذى الروح كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ. وان لم تكن مقطوعة الرأس كرهتها في القبلة لان فيه تشبيها بمن يعبد الصور ولكن هذا إذا كان كان كبيرا يبدو

[ 211 ]

للناظرين من بعيد فان كان صغيرا فلا بأس لان من يعبد الصورة لا يعبد الصغير منها جدا وقد كان على خاتم أبى موسى ذبابتان ولما وجد خاتم دانيال صلوات الله وسلامه عليه كان على فصه اسدان بينهما رجل يلحسانه كأنه كان يحكى بهذا ابتداء حاله أو لان التمثال في شريعة من قبلنا كان حلالا قال الله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وكما يكره في القبلة يكره في السقف أو عن يمين القبلة أو عن يسارها لان الاثر قد جاء أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة فيجب تنزيه مواضع الصلاة عن ذلك الا أنه إذا كانت الصورة على الحائط الذى هو خلف المصلى فالكراهة فيه أيسر لان معنى التعظيم والتشبيه بمن يعبد الصور تنعدم هنا وكذلك ان كانت الصورة على الارض والازر والستور وأما على البساط فنقول اتخاذ الصورة على البساط مكروه ولكن لا بأس بالنوم والجلوس عليه لان البساط يوطأ فلا يحصل فيه معنى التعظيم وكذلك الوسادة ألا ترى أنه قال في حديث جبريل أو تتخذ وسائد فتوطأ فان كان المصلى على البساط ان كانت الصورة في موضع وجهه أو أمامه فهو مكروه لان فيه معنى التعظيم يحصل بتقرب الوجه من الصورة وان كانت في موضع قدميه فلا بأس به لان معنى التعظيم فيه لا يحصل فصلاته جائزة على كل حال لان الكراهة ليست لمعنى راجع إلى الصلاة * قال (رجل قارئ دخل في صلاة أمي تطوعا أو في صلاة امرأة أو جنب ثم أفسدها علي نفسه فليس عليه قضاؤها) لان شروعه في الصلاة لم يصح حين اقتدى بمن لا يصلح اماما له ولا يتمكن من أداء الصلاة خلفه ووجوب القضاء يكون بالافساد بعد صحة الشروع * قال (وإذا وقفت جارية مراهقة تعقل الصلاة بجنب رجل خلف الامام وهما في صلاته فسدت صلاة الرجل) استحسانا وفى القياس لا تفسد لان صلاة غير البالغة تخلق وليست بصلاة حقيقية ووجه الاستحسان أنها تؤمر بالصلاة وتضرب على ذلك كما ورد به الحديث فكانت كالبالغة في المشاركة في أصل الصلاة وعليه ينبنى الفساد بسبب المحاذاة لانها تشتهى فلا يصفو قبل الرجل عن الشهوة في حال المناجاة عند محاذاتها وهذا المعنى موجود هنا قال ألا ترى أنها لو صلت بغير وضوء أو عريانة أمرتها أن تعيد الصلاة لانها انما تؤمر بالصلاة لتتعود فلا يشق عليها إذا بلغت وذلك إذا أدت بصفة يجوز أداؤها بتلك الصفة بعد البلوغ بحال فان أدت بغير طهارة أو عريانة لا يحصل هذا المقصود فلهذا أمرت بالاعادة ولو صلت بغير قناع في القياس تؤمر بالاعادة كما إذا صلت

[ 212 ]

عريانة لان الرأس منها عورة ولكنه استحسن فقال تجزئها صلاتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة حائض الا بخمار معناه صلاة بالغة فثبت أن صلاة غير البالغة تجوز بغير الخمار ولان من البالغات من تصلى بغير قناع وهى المملوكة وتجوز صلاتها فصلاة غير البالغة أولى بخلاف العريانة * قال (وللامة أن تصلى بغير قناع) لحديث عمر رضى الله تعالى عنه أنه كان إذا رأى جارية متقنعة علاها بالدرة وقال ألقى عنك الخمار يادفار أتتشبهين بالحرائر وكذلك المكاتبة والمدبرة وأم الولد لان الرق قائم فيهن فليس لرؤسهن حكم العورة فان أعتقت في صلاتها أخذت قناعها ومضت في صلاتها استحسانا وفى القياس تستقبل كالعريانة إذا وجدت ثوبا في خلال الصلاة. وجه الاستحسان أن فرض الستر لزمها في خلال الصلاة مقصورا عليها وقد أتت به كما لزمها بخلاف العريانة لان فرض الستر كان عليها قبل الشروع ولكنها كانت عريانة بعذر العجز فإذا أزيل استقبلت كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة توضأ واستقبل والمتوضئ إذا سبقه الحدث توضأ وبنى على صلاته فهذا مثله * (باب صلاة المريض) * الاصل في صلاة المريض قوله تعالى الذين يذكروه الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال الضحاك في تفسيره هو بيان حال المريض في أداء الصلاة على حسب الطاقة ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمران بن حصين يعوده في مرضه فقال كيف أصلى فقال عليه الصلاة والسلام صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى الجنب تومئ ايماء فان لم تستطع فالله أولى بالعذراى بقبول العذر منك ولان الطاعة على حسب الطاقة قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا الا وسعها ولقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم. فإذا عرفنا هذا فنقول المريض إذا كان قادرا على القيام يصلى قائما فإذا عجز عن القيام يصلى قاعدا بركوع وسجود وإذا كان عاجزا عن القعود يصلى بالايماء لانه وسع مثله فان كان قادرا على القيام في أول الصلاة وعجز عن القيام فانه يقعد وفرق بين هذا وبين الصوم فان المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز فانه لا يصوم أصلا وهنا يصلى. وجه الفرق بينهما وذلك لان في الصوم لما أفطر في آخر اليوم لم يكن فعله في أول اليوم معتدا فلا يشتغل به وفى الصلاة وان

[ 213 ]

قعد في آخره ولكن فعله في أول الصلاة وقع معتدا فيشتغل به وأما إذا كان قادرا على القيام وعاجزا عن الركوع والسجود فانه يصلى قاعدا بايماء وسقط عنه القيام لان هذا القيام ليس بركن لان القيام انما شرع لافتتاح الركوع والسجود به فكل قيام لا يعقبه سجود لا يكون ركنا ولان الايماء انما شرع للتشبه بمن يركع ويسجد والتشبه بالقعود أكثر ولهذا قلنا بأن المومئ يجعل السجود أخفض من ركوعه لان ذلك أشبه بالسجود الا أن بشرا يقول انما سقط عنه بالمرض ما كان عاجزا عن ايتانه فأما فيما هو قادر عليه لا يسقط عنه ولكن الانفصال عنه على ما بينا ان كان عاجزا عن القعود يصلى بالايماء مضطجعا مستلقيا على قفاه ووجهه نحو القبلة عند علمائنا رحمهم الله تعالى وهو مذهب عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما وقال الشافعي رحمه الله تعالى يضطجع على جنبه الايمن ووجهه نحو القبلة واحتج بحديث عمران ابن حصين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الجنب تومئ ايماء فالنبى صلى الله عليه وسلم نص على الجنب ولان فيما قلنا وجهه إلى القبلة كما إذا احتضر يضطجع على شقه الايمن هكذا يصلى أيضا وكذلك يوضع في القبر هكذا الا أن أصحابنا قالوا بانه إذا استلقى على قفاه كان أقرب إلى استقبال القبلة فالجانبان منه إلى القبلة ووجهه إلى ما هو القبلة وفيما قاله الشافعي رحمه الله تعالى وجهه إلى رجله وذا ليس بقبلة وكذلك إذا قدر على القيام فوجهه أيضا يكون إلى القبلة بخلاف ما إذا احتضر فان هناك لم يكن مرضه على شرف الزوال فافترقا من هذا الوجه. وأما الجواب عن احتجاجه بحديث عمران بن حصين رضى الله تعالى عنه فلما قيل بأن مرضه كان باسورا فلا يمكنه أن يستلقى على قفاه. والثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فعلى الجنب تومئ ايماء يعنى ساقطا على الجنب كقوله فإذا وجبت جنوبها أي سقطت فكذلك هنا * قال (المومئ إذا اقتدى بالمومئ يصح اقتداؤه به) لقوله عليه الصلاة والسلام الامام ضامن معناه صلاة الامام تتضمن صلاة المقتدى وتضمن الشئ انما يتحقق فيما هو مثله أو فوقه ولا يتحقق فيما هو دونه وهاهنا حال المقتدى مثل حال الامام أو دونه فيصح اقتداؤه به فإذا عرفنا هذا فنقول بأن الامام ان كان قائما أو قاعدا أو موميا يصح اقتداؤه به لان حاله مثل حال الامام أو دونه فان كان الامام قارئا والمقتدى قارئا أو أميا يصح اقتداؤه به لان حاله مثل حال الامام أو دونه فأما إذا كان الامام قاعدا والمقتدى قائما يصح عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى استحسانا وعند محمد

[ 214 ]

رحمه الله تعالى لا يصح قياسا. وجه قول محمد رحمه الله تعالى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحد بعدى جالسا وهذا نص عن على رضى الله عنه أنه قال لا يؤم المتيم المتوضئين ولا المقيد المطلقين وهذا نص والمعنى فيه وذلك أن الامام صاحب عذر فمن كان حاله مثل حال الامام يصح اقتداؤه به وما لا فلا كامامة صاحب الجرح السائل للاصحاء ولا صحاب الجروح. وتأثير هذا الكلام وهو ان القيام ركن والمقتدى ينفرد بهذا الركن فلو قلنا بانه يصح اقتداؤه به يكون هذا مقتديا بالبعض دون البعض وهذا لا يجوز ووجه قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى بأصحابه وكان قاعدا وهم قيام خلفه فانه لما ضعف في مرضه قال مروا أبا بكر يصلى بالناس فقالت عائشة لحفصة قولى له أن أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه فلو أمرت غيره فقالت ذلك كرتين فقال انكن صاحبات يوسف مروا أبا بكر يصلى بالناس فلما شرع أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة في نفسه فخرج وهو يهادى بين الفضل بن عباس وبين على وكان رجلاه تخطان الارض حتى دخل المسجد فسمع أبو بكر حس مجئ النبي صلى الله عليه وسلم فتأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقعد وكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم يكبرون بتكبير أبي بكر وأبو بكر يكبر بتكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يكبرون بكبير ابي بكر وهذا آخر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فيكون ناسخا لما كان قبله على ما جاء في حديث جابر رضى الله تعالى عنه أنه قال سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه فجحش شقه الايسر فلم يخرج أياما فالصحابة دخلوا عليه فوجدوه في الصلاة قاعدا فاقتدوا به قياما فأشار إليهم أن اقعدوا فلما فرغ من صلاته قال انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا على ائمتكم فان صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين وان صلى قائما فصلوا قياما أجمعين ولا يؤمن أحد بعدى جالسا ولكنا نقول صار هذا منسوخا بفعله الاخر وهو ما روينا في حديث مرض موته صلى الله عليه وسلم وأما حديث على رضى الله تعالى عنه قلنا لا يمكن العمل به لان في الحديث زيادة وهو قوله ولا الماسح للغاسلين وبالاجماع امامة الماسح للغاسل جائزة فدل انه لا يمكن العمل به. والفقه فيه أن الامام صاحب بدل صحيح فاقتداء صاحب الاصل به صحيح كالماسح على الخفين إذا أم الغاسلين بخلاف صاحب

[ 215 ]

الجرح السائل ونحوه لانه ليس بصاحب بدل صحيح ولان بين القيام والعقود تقاربا في الصلاة حتى يجوز القعود في التطوع من غير عذر وهذا لان القائم كلا الجانبين منه مستوفا لقاعد أحد الجانبين منه منثن فكان بينهما تقارب فيصح اقتداؤه به كاقتداء القائم بالراكع وان كان الامام يصلي بالايماء مضطجعا والمقتدى يصلى بركوع وسجود لا يصح اقتداؤه به عندنا خلافا لزفر رحمه الله هو يقول كل واحد منهما مؤدما هو مستحق عليه بصفة الصحة فيصح اقتداؤه به نظيره اقتداء المتوضئ بالمتيمم والغاسل بالماسح ولكنا نقول بان حال المقتدى فوق الامام لان الاكتفاء بالايماء مع القدرة على الركوع والسجود يمنع جواز الصلاة فيمنع صحة الاقتداء ولان الايماء ليس ببدل عن الركوع والسجود لانه بعضه فلو قلنا بأنه يصح اقتداؤه به يكون هذا اقتداء بالبعض دون البعض وهذا لا يجوز بخلاف التيمم والمسح فان التيمم بدل عن الوضوء والمسح بدل عن الغسل فيصح اقتداؤه به بالاجماع. فان كان الامام يصلى قاعدا بالايماء والمأموم يصلى قائما بالايماء يصح اقتداؤه به لان هذا القيام ليس بركن حتى كان الاولى تركه فيجعل كأن لم يكن ولو كان معدوما أصلا يصح اقتداؤه به لان هذا اقتداء القاعد بالقاعد فكذلك هنا فان كان الامام يصلى بالايماء مضطجعا والمقتدى يصلى بالايماء قاعدا أو قائما لا يصح اقتداؤه بالاجماع لان حاله فوق حال الامام فيمنع صحة الاقتداء * قال (فان نزع الماء من عينيه وأمر بأن يستلقى على قفاه أياما ونهى عن القيام والقعود له أن يصلى بالايماء مضطجعا عند علمائنا) وقال مالك رحمه الله ليس له ذلك واحتج بما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال له طبيب بعد ما كف بصره لو صبرت أياما مستلقيا على قفاك لصحت عيناك فشاور في ذلك عائشة رضى الله تعالى عنها والصحابة فلم يرخصوا له في ذلك وقالوا له أرأيت لومت في هذه الايام كيف تصنع بصلاتك فلو جاز ذلك لجوزوا له الا أن علماءنا قالوا بأن حرمة الاعضاء كحرمة النفس ثم إذا خاف الهلاك على نفسه من عدو أو سبع كان معه له أن يصلى مستلقيا على قفاه فكذلك هنا وأما حديث عبد الله بن عباس قلنا يحتمل أنه انما لم يرخصوا له في ذلك لانه لم يظهر عندهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعى فلهذا لم يرخصوا له * قال (ولو أن المريض إذا صلى إلى غير القبلة متعمدا لا تجوز وان أخطا تجوز) معناه إذا اشتبهت عليه القبلة فتحرى إلى جهة وصلى إليها ثم تبين أنه أخطأ القبلة تجوز صلاته وان تعمد لا تجوز لحديث على رضى الله تعالى عنه أنه قال قبلة المتحري جهة قصده. فالحاصل أن المريض انما

[ 216 ]

بفارق الصحيح فيما هو عاجز عنه وأما فيما هو قادر عليه هو والصحيح سواء ثم الصحيح إذا اشتبهت عليه القبلة في المغارة فتحرى إلى جهة وصلى إليها ثم تبين أنه أخطأ القبلة تجوز صلاته ولو تعمد لا تجوز فكذلك هذا وقال محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله تعالى إذا كان وجهه إلى غير القبلة ولا يمكنه أن يحول وجهه إلى القبلة ولا يجد أحدا بأن يحول وجهه إلى القبلة له أن يصلى إلى غير القبلة فإذا برأ أعاد الصلاة ولكنا نقول في ظاهر الرواية لا يجب عليه اعادة الصلاة لان التوجه إلى القبلة شرط جواز الصلاة والقيام والقراءة والركوع والسجود أركان الصلاة ثم ما سقط عنه من الاركان بعذر المرض لا يجب عليه اعادة الصلاة فكذلك ما سقط عنه من الشروط بعذر المرض لا يجب عليه اعادة الصلاة. وأما إذا صلى بغير طهارة أو بغير قراءة أو عريانا لا تجوز صلاته لما بينا أنه فيما هو قادر عليه هو والصحيح سواء ثم الصحيح إذا صلى بغير طهارة أو بغير قراءة أو عريانا لا تجوز صلاته فكذلك هنا * قال (قوم مرضى في بيت مظلم اشتبهت عليهم جهة القبلة صلوا بجماعة فتحرى كل واحد منهم إلى جهة وصلى إليها جازت صلاة الكل) لانها تجوز من الاصحاء بهذه الصفة فمن المرضى أولى قال الحاكم رحمه الله تعالى انما جازت صلاة المقتدى إذا كان المقتدى لا يعلم أنه خالف امامه فأما إذا علم أنه خالف امامه لا تجوز صلاته لانه اعتقد فساد صلاة الامام والاصل أن المقتدى إذا اعتقد فساد صلاة الامام تفسد صلاته وهذا بخلاف ما إذا صلى في جوف الكعبة وان علم أنه خالف امامه جازت صلاته لانه ما اعتقد فساد صلاة الامام الا إذا كان مقدما على الامام فحينئذ لا تجوز صلاته * قال (مريض متحر أو مسافر متحرتبين له في خلال الصلاة أنه أخطأ القبلة له أن يحول وجهه إلى القبلة ويبنى على صلاته ولا يجب عليه أن يستقبل) لحديث أهل قباء أخبروا في خلال الصلاة أن القبلة حولت من بيت المقدس إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم وهم في ركوع فجوز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان المؤدى حصل بالاجتهاد وهذا اجتهاد آخر والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله كالقاضي إذا قضى في حادثة بالاجتهاد ثم ظهر أن اجتهاده كان خطأ في تلك الحادثة باجتهاد آخر لا ينقض قضاؤه فكذلك ها هنا * قال (المريض المومى إذا وجب عليه سجدتا السهو يومئ ايماء لسهوه) لان سجدتي السهو دون الصلبية وتلك تتأدى بالايماء فهذا أولى فلو أنه عجز عن الايماء بالرأس سقط عنه الصلاة عند علمائنا

[ 217 ]

الثلاثة وقال زفر والحسن رحمهما الله تعالى يومئ بعينيه وان عجز عن الايماء بالعينين قال زفر رحمه الله تعالى وحده يومئ بالقلب لانه وسع مثله ولكنا نقول بأن الايماء عبارة عن الاشارة والاشارة انما تكون بالرأس فأما العين يسمى انحاء ولا يسمى ايماء وبالقلب يسمى نية وعزيمة وبمجرد النية لا تتأدى الصلاة ونصب الابدال بالرأى لا يجوز. ثم إذا برأ ينظر ان كان معتقا بعد هذه الحالة حتى إذا برأ يجب اعادة الصلاة فان كان مغمى عليه ينظر إذا كان مغمى عليه يوما وليلة أو أقل يجب عليه اعادة الصلاة وان كان أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه اعادة الصلاة عند علمائنا وقال بشر تجب عليه اعادة الصلاة وان طال الاغماء. هو يقول الاغماء نوع مرض فلا يسقط القضاء كالنوم وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه إذا استوعب وقت صلاة كاملة لا يجب عليه اعادة الصلاة ويقول وجوب القضاء ينبنى على وجوب الاداء ولا يجب عليه الاداء فلا يجب عليه القضاء (ولنا) ماروى عن على رضى الله تعالى عنه أنه أغمي عليه في أربع صلوات فقضاهن وعن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه يوما وليلة فقضاهما وعبد الله بن عمر أغمى عليه ثلاثة أيام ولياليها فلم يقضها. والفقه فيه هو أن الاغماء إذا طال يجعل كالطويل عادة وهو الجنون والصغر وإذا قصر يجعل كالقصير عادة وهو النوم فيحتاج إلى الحد الفاصل بين القصير والطويل فان كان يوما وليلة أو أقل فهو قصر لان الصلاة لم تدخل في حد التكرار وان كان أكثر من يوم وليلة يكون طويلا لان الصلاة دخلت تحت حد التكرار * وروى عن أبى حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال إذا أغمى عليه يوما وليلة يجب عليه القضاء ولكن يعتبر بالساعات لا بالصلوات والاول أصح * قال (وإذا لم يستطع السجود لمرض أو جرح أو خوف فهو كله سواء ويومئ) لانه وسع مثله * قال (فان عجز عن القراءة تسقط عنه القراءة) لان القراءة ركن كما أن القيام ركن فلو عجز عن القيام سقط عنه القيام فكذلك هنا * قال (وان كان على جبهته جراحة ولا يمكنه أن يسجد على الجبهة قال يسجد على أنفه) لان الانف مسجد كالجبهة * قال (ويكره للمريض المومى أن يرفع إليه عود أو وسادة ليسجد عليه) لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل على مريض ليعوده فوجده يسجد على عوده فقال له ان قدرت أن تسجد على الارض فاسجد والا فأوم برأسك وعبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه دخل على أخيه عتبة يعوده في مرضه فرأى عودا يرفع بين يديه وكان يسجد عليه فأخذ العود من يد من كان في يديه

[ 218 ]

وقال ان هذا شئ عرض لكم الشيطان فأوم بسجودك وعبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنه رأى مريضا يفعل هكذا فقال أتتخذون مع الله آلهة فدل أنه يكره له ذلك وان سجد هل يجوز له ذلك قال ينظر ان خفض رأسه للركوع ثم للسجود يجوز بالايماء لا بوضع الرأس على العود حتى أنه لو رفع العود إلى جبهته ووضع عليه جبهته لا يجوز لانه ترك ركنا من أركان الصلاة وهو الايماء فقلنا بأنه لا يجوز وأما إذا سجد على الوسادة يجزئه لما روى عن أم سلمة أنها كان بها رمد فسجدت على المرفقة فجوز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال (ولو أن المريض إذا صلى بالايماء مضطجعا ثم قدر على الركوع والسجود في آخر الصلاة يجب عليه أن يستقبل الصلاة) ولا يبنى الا على قول زفر رحمه الله تعالى وهذا بناء على أصل وهو أن المنفرد يبنى آخر صلاته على أول صلاته كالمقتدى يبنى صلاته على صلاة الامام ففى كل موضع يصح الاقتداء يصح البناء والا فلا فنقول بأن الامام إذا صلى بالايماء مضطجعا والمقتدى يصلى بالركوع والسجود لا يصح اقتداؤه به فكذلك هنا لا يجوز له البناء وأما إذا صلى قاعدا بالركوع والسجود ثم برأ وقدر على القيام في بعض الصلاة له أن يبنى على صلاته ولا يجب عليه أن يستقبل لان الامام إذا صلى قاعدا والمقتدى قائما يصح الاقتداء به عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فكذلك يصح البناء وأما إذا شرع في الصلاة قائما ثم عجز عن القيام في خلال الصلاة وقعد له أن يبنى على صلاته لان هذا بناء القوى على الضعيف وذلك يصح والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب سجود السهو) * الاصل في سجود السهو ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سها في صلاته فسجد وفي حديث ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل سهو سجدتان بعد السلام وكان أبو الحسن الكرخي يقول هو واجب استدلالا بما قال محمد رحمه الله تعالى إذا سها الامام وجب على المؤتم أن يسجد. ووجهه أنه جبر لنقصان العبادة فكان واجبا كدماء الجبر في باب الحج وهذا لان أداء العبادة بصفة الكمال واجب وصفة الكمال لا تحصل الا بجبر النقصان. وغيره من أصحابنا كان يقول انه سنة استدلالا بما قال محمد رحمه الله تعالى ان العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد ولو كان واجبا لكان رافعا للتشهد كسجدة التلاوة

[ 219 ]

ولانه يجب بترك بعض السنن والخلف لا يكون أقوى فوق الاصل. إذا عرفنا هذا فنقول إذا سها ولم يدر أثلاثا صلى أم أربعا وذلك أول ما سها استقبل الصلاة لحديث عبد الله ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شك في صلاته فلم يدركم صلى ثلاثا أم أربعا فليستقبل ولان الاستقبال لا يريبه والمضى يريبه بعد الشك والاحتياط في العبادة ليؤديها بكمالها واجب. ومعنى قوله وذلك أول ما سها أن السهو ليس بعادة له لانه لم يسه في عمره قط وان لقى ذلك غير مرة تحرى الصواب وأتم الصلاة على ذلك لحديث أبن مسعود رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شك في صلاته فليتحر الصواب ولانا لو أمرناه بالاستقبال يقع في الشك ثانيا وثالثا إذا صار ذلك عادة له فيتعذر عليه المضى في الصلاة فلهذا تحرى وشهادة القلب في التحرى تكفى عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم المؤمن ينظر بنور الله وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يكفى ما لم ينضم إليه دليل آخر لانه مجرد الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا وان لم يكن له تحر أخذ بالاقل لحديث عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شك في صلاته فليأخذ بالاقل وليصل حتى يشك في الزيادة كما يشك في النقصان ولانه متيقن بوجوب الاداء عليه فلا يترك هذا اليقين الا بيقين مثله وذلك في الاقل الا أنه في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته فيقعد لا محالة لان قعدة الختم ركن والاشتغال بالنافلة قبل اكمال الفرض مفسد لصلاته ثم يسجد للسهو بعد السلام عندنا. وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه قبل السلام لحديث عبد الله بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو قبل السلام وما روى بعد السلام أي بعد التشهد كما قلتم في قوله وفى كل ركعتين فسلم أي فتشهد ولان سجود السهو مؤدى في حرمة الصلاة ولهذا لو أدرك الامام فيه صح اقتداؤه به والسلام محلل له فينبغي أن يتأخر عن كل ما يؤدي في حرمة الصلاة فكان هذا قياس سجدة التلاوة (ولنا) حديث ابن مسعود وعائشة وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو بعد السلام وما روى قبل السلام أي قبل السلام الثاني فان عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضا إذ بما وقع الاختلاف في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصار إلى قوله وفى حديث ثوبان لكل سهو سجدتان بعد السلام ولان سجود السهو مؤخر عن محله فلو كان

[ 220 ]

مؤدى قبل السلام لكان الاولى أن يؤدي في محله كسجدة التلاوة وانما كان مؤخرا ليتأخر أداؤه عن كل حالة يتوهم فيها السهو وفيما قبل السلام يتوهم السهو فيؤخر عنه لهذا ولكنه جبر لنقصان الصلاة فبالعود إليه يكون عائدا إلى حرمة الصلاة ضرورة فلهذا يسلم بعده. وقال مالك رحمه الله تعالى ان كان سهوه عن نقصان سجد قبل السلام لانه جبر للنقصان ولو كان عن زيادة سجد بعد السلام لانه ترغيم للشيطان الا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى قال له بين يدى الخليفة أرأيت لو زاد ونقص كيف يصنع فتحير مالك رحمه الله (ومن سها عن قيام أو قعود فعليه سجود السهو) لحديث المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الثانية إلى الثالثة ولم يقعد فسبحوا له فلم يعد وسجد لسهوه ولانه تارك للقعدة مقدم للقيام على وقته وكذلك ان قعد في موضع القيام فهو زائد في صلاته قعدة ليست منها مؤخر للقيام عن وقته فيتمكن النقصان في فعله فلهذا سجد للسهو * قال (فان سها عن قراءة التشهد في القعدة الاولى وتكبيرات العيد أو قنوت الوتر ففى القياس لا يسجد للسهو) لان هذه الاذكار سنة فبتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة كما إذا ترك الثناء والتعوذ ولهذا كان مبنى الصلاة على الافعال دون الاذكار وسجود السهو عرف بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نقل ذلك عنه صلى الله عليه وسلم الا في الافعال. وجه الاستحسان أن هذه السنة تضاف إلى جميع الصلاة يقال تكبيرات العيد وقنوت الوتر وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان والتغير للصلاة فأما ثناء الافتتاح غير مضاف إلى جميع الصلاة بل الافتتاح والتعوذ غير مضاف إلى الصلاة بل هو للقراءة فبتركه لا يتمكن النقصان والتغير في الصلاة * قال (وان سها عن التكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح فعليه سجود السهو عند مالك رحمه الله تعالى إذا سها عن ثلاث تكبيرات فعليه سجود السهو بالقياس على تكبيرات العيد) ولكنا نقول تكبيرة الانتقال سنة لا تضاف إلى جميع الصلاة فبتركها لا يتمكن التغير في الصلاة وكذلك لوسها عن تسبيحات الركوع والسجود لانها سنة تضاف إلى ركن منها لا إلى جميعها فكان كالتعوذ وثناء الافتتاح * قال (وان سها عن القراءة في الاوليين فعليه سجود السهو) لان القراءة ركن والاوليان تعينتا لاداء هذا الركن واجبا وبترك الواجب يتمكن النقصان في الصلاة * قال (وان سها عن فاتحة الكتاب في الركعة الاولى وبدأ بغيرها فلما قرأ بعض

[ 221 ]

السورة تذكر يعود فيقرأ بفاتحة الكتاب ثم السورة) لان الفاتحة سميت فاتحة الكتاب لا فتتاح القراءة بها في الصلاة فإذا تذكر في محله كان عليه مراعاة الترتيب كما لوسها عن تكبيرات العيد حتى اشتغل بالقراءة ثم تذكر عاد الي التكبيرات ثم القراءة بعدها وعليه سجدتا السهو لان الترتيب في القراءة واجب فبتركه يتمكن النقصان * قال (وان قرأ في الاوليين سورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد قراءة الفاتحة في الاخريين) لان الاخريين محل الفاتحة أداء فلا يكون محلا لها قضاء فانه لو قضى الفاتحة قرأها مرتين وذلك غير مشروع في قيام واحد * قال (ولو قرأ الفاتحة في الاوليين ولم يقرأ السورة قضاها في الاخريين) لحديث عمر رضى الله تعالى عنه أنه ترك القراءة في ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الركعة الثالثة وجهر بها وعثمان رضى الله تعالى عنه ترك قراءة السورة في الاوليين من صلاة العشاء فقضاها في الاخريين وجهر ولان الاخريين ليستا بمحل للسورة أداء فتكونان محلا لها قضاء * ثم قال في الكتاب (وجهر) قال البلخي أي بالسورة خاصة لان القضاء بصفة الاداء فأما الفاتحة فهو مؤد فيخافت بها في الاخريين والاصح أنه يجهر بهما لان القراءة في قيام واحد لا يكون بعضه جهرا دون البعض وقد وجب عليه الجهر بالسورة فيجهر بالفاتحة أيضا وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى انه يخافت فيهما لان افتتاحه القراءة بالفاتحة والسنة المخافتة في الاخريين فكذلك ما ينبنى عليها وعنه في رواية أخرى أنه لا يقضى السورة في الاخريين كما لا يقضى الفاتحة لانها سنة فات موضعها وعن الحسن بن زياد رحمه الله تعالى أنه يقضى الفاتحة في الاخريين كما يقضى السورة لان الفاتحة أوجب من غيرها فالقضاء فيها أولى ولكنا نقول الفاتحة لافتتاح القراءة بها وذلك لا يحصل إذا قضاها في الآخرتين لانه لا يقرأ بعدها السورة وهذا كله إذا تذكر بعد ما قيد الركعة بالسجدة فان تذكر قراءة السورة في الركوع أو بعد ما رفع رأسه منها عاد إلى قراءة السورة وانتقض به ركوعه لان القراءة ركن فإذا طولها فالكل فرض فلمراعاة الترتيب بين الفرائض ينتقض الركوع لبقاء محل القراءة ما لم يقيد الركعة بالسجدة * قال (وإذا قرأ في كل ركعة من صلاته بآية أجزأه) في قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه الآخر قصيرة كانت أو طويلة وفى قوله الاول وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا تجزئ ما لم يقرأ في كل ركعة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة وفى بعض الروايات عن أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يجزئه أقل من ثلاث آيات

[ 222 ]

لان الواجب عليه قراءة المعجزة وهى السورة وأقصرها الكوثر وهى ثلاث آيات ولانه لابد ان يأتي بما يسمى به قارئا ومن قال ثم نظر أو قال مدهامتان لا يسمى به قارئا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدل بقوله تعالى فأقرؤا ما تيسر من القرآن والذى تيسر عليه قراءة آية واحدة فيكون ممتثلا للامر ولانه يتعلق بالقراءة حكمان جواز الصلاة وحرمة القراءة على الجنب والحائض ثم في أحد الحكمين لا فرق بين الآية القصيرة والطويلة فكذلك في الحكم الآخر وهو بناء على الاصل الذى بيناه لابي حنيفة رحمه الله تعالى أن الركن يتأدي بأدنى ما يتناوله الاسم (وان جهر الامام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر به يسجد للسهو) لان مراعاة صفة القراءة في كل صلاة بالجهر والمخافتة واجب على الامام فإذا ترك فقد تمكن النقصان والتغير في صلاته فعليه السهو وذكر في نوادر أبى سليمان رحمه الله تعالى ان جهر فيما يخافت فعليه السهو قل أو أكثر ذلك وان خافت فيما يجهر فان كان في أكثر الفاتحة أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة فعليه السهو والافلا. ووجهه أن صفة المخافتة في صلوات النهار ألزم من صفة الجهر في صلوات الليل ألا تري أن المنفرد في صلاة الجهر يتخير وفي صلاة المخافتة لا يتخير فبنفس الجهر في صلوات المخافتة يتمكن النقصان وبنفس المخافتة في صلوات الجهر لا يتمكن النقصان ما لم يكن في مقدار ثلاث آيات أو أكثر * وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى التسوية بين الفصلين أنه ان تمكن التغير في ثلاث آيات أو أكثر فعليه سجود السهو والا فلا وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في آية واحدة وهو بناء على ما سبق أن عندهما لا يتأدى فرض القراءة الا بثلاث آيات فما لم يتمكن التغير في هذا المقدار لا يجب سجود السهو وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يتأدى الفرض بآية واحدة فإذا تمكن التغير في هذا القدر وجب السهو * قال (وان كان منفردا فليس عليه سجود السهو بهذا) أما في صلاة الجهر هو مخير بين الجهر والمخافتة فلا يتمكن النقصان في صلاته جهر أو خافت وأما في صلاة المخافتة فجهر المنفرد بقدر اسماعه نفسه وهو غير منهى عن ذلك فلهذا لا يلزمه السهو * قال (وسهو الامام يوجب عليه وعلى المؤتم سجدتي السهو) لانه شريك الامام تبع له وقد تقرر السبب الموجب في حق الاصل فيجب على التبع بوجوبه على الاصل وسهو المؤتم لا يوجب شيئا أما على الامام فلا اشكال لانه ليس بتبع للمؤتم وأما على المؤتم فلانه لو سجد كان مخالفا لامامه وقد قال عليه الصلاة والسلام فلا تختلفوا عليه * قال (وإذا سلم

[ 223 ]

في الرابعة ساهيا بعد قعود مقدار التشهد ولم يقرأ التشهد أو كان عليه سجدة تلاوة أو سجدة صلاتية عاد إلى قضاء ما عليه) لان سلامه سلام سهو وقد بقى عليه واجب محل أدائه قبل السلام وقد ذكرنا أن بسلام السهو لا يصير خارجا من الصلاة ثم ان عاد إلى سجدة التلاوة أو قراءة التشهد انتقض به القعدة كما لو عاد إلى سجدة صلاتية لان قراءة التشهد واجبة محله قبل الفراغ من القعدة وكذلك سجدة التلاوة محلها قبل القعدة فالعود إليها يرفع القعدة كالعود إلى الصلاتية حتى لو تكلم قبل أن يقعد بعدها فسدت صلاته لترك القعدة الا خيرة بخلاف العود إلى سجود السهو فانه رافع للسلام دون القعدة لان محله بعد الفراغ من القعدة والسلام الا أن ارتفاع السلام به للضرورة حتى يكون مؤديا في حرمة الصلاة ولا ضرورة إلى ارتفاع القعدة به حتى لو تكلم بعد ما سجد قبل أن يقعد فصلاته تامة وان كان قد سلم عامدا فقد قطع صلاته بسلام العمد فان كان ما ترك سجدة صلاتية فعليه اعادة الصلاة لانها ركن وان كان ما ترك سجدة التلاوة أو قراءة التشهد فليس عليه اعادة لانها واجبة وترك الواجب يوجب الكراهة والنقصان ولا يفسد الصلاة لان حكم الجواز متعلق بأداء الاركان وعن زفر رحمه الله تعالى التسوية بين سجدة التلاوة والصلاتية والفرق بينهما واضح فان سجدة الصلاتية من موجبات التحريمة وسجدة التلاوة ليست من موجبات التحريمة ولكنها وجبت بعارض قراءة آية السجدة فبتركها لا تفسد الصلاة وانما يتمكن النقصان وليس عليه سجود السهو كاسمه يجب عند تمكن السهو ولا سهو إذا كان عامدا * قال (وإذا شك في شئ من صلاته ثم استيقن به فان طال تفكره حين شك حتى شغله عن شئ من صلاته سجد للسهو وان بطل تفكره فليس عليه سهو) وفي القياس هما سواء ولا سهو عليه لانه لا يتمكن النقصان في صلاته حين تذكر أنه أداها على وجهها ومجرد التفكر لا يوجب عليه السهو كما لو شك في صلاته قبل هذا ثم تذكر أنه أداها لا سهو عليه وان طال تفكره. وجه الاستحسان أنه إذا طال تفكره حتى شغله عن شئ من صلاته فقد تمكن النقصان بتأخير الركن عن أوانه بخلاف ما إذا لم يطل تفكره ثم السهو انما يوجب السجدة إذا كان هذا في هذه الصلاة فإذا شك في صلاة أخرى لم يكن سهوه في هذا الصلاة فلهذا لا سهو عليه * قال (وإذا نهض من الركعتين ساهيا فلم يستتم قائما فقعد فعليه سجود السهو) لتمكن السهو له في صلاته وفى ظاهر الرواية إذا لم يستتم قائما يعود وإذا استتم قائما

[ 224 ]

لا يعود لانه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبحوا به فعاد وروى أنه لم يعد ولكنه سبح بهم فقاموا. ووجه التوفيق بين الحديثين أن ماروى أنه عاد كان قبل أن يستتم قائما وما روى أنه لم يعد كان بعد ما استتم قائما وهذا لانه لما استتم قائما اشتغل بفرض القيام وليس من الحكمة ترك الفرض للعود إلى السنة بخلاف ما قبل أن يستتم قائما وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال ان كان إلى العود أقرب يعود لانه كالقاعد وان كان أقرب إلى القيام لا يعود كما لو استتم قائما * قال (وإذا سها في صلاته مرات لا يجب عليه الا سجدتان) لقوله عليه الصلاة والسلام سجدتان تجزئان عن كل زيادة أو نقصان ولان سجود السهو انما يؤخر إلى آخر الصلاة لكيلا يتكرر في صلاة واحده بتكرر السهو * قال (وإذا أراد أن يقرأ سورة فأخطأ وقرأ غيرها لم يكن عليه سجود السهو) لان ما قرأ وما أراد أن يقرأ في حكم الصلاة سواء فلا يتمكن النقصان في صلاته بهذا السبب وإذا سجد للسهو قبل السلام أجزأه لان فعله حصل في موضع الاجتهاد ولانا لو أمرناه بالاعادة بعد التسليم كان ساجدا للسهو مرتين في صلاة واحدة ولم يقل به أحد ولان يكون فعله على وجه قال به بعض العلماء أولى من أن يكون على وجه لم يقل به أحد * قال (وان كان شك في سجود السهو عمل بالتحرى ولم يسجد للسهو) لما بينا ان تكرار سجود السهو في صلاة واحدة غير مشروع ولانه لو سجد بهذا السهو ربما يسهو فيه ثانيا وثالثا فيؤدى إلى مالا نهاية له * وحكى أن محمدا رحمه الله تعالى قال للكسائي وكان ابن خالته لم لا تشتغل بالفقه مع هذا الخاطر فقال من أحكم علما فذلك يهديه إلى سائر العلوم فقال محمد رحمه الله تعالى أنى ألقى عليك شيئا من مسائل الفقه فخرج جوابه من النحو فقال هات فقال ما تقول فيمن سها في سجود السهو ففكر ساعة فقال لا سهو عليه فقال من أي باب من النحو خرجت هذا الجواب فقال من باب ان المصغر لا يصغر فتعجب من فطنته * قال (وان سلم وهو يريد أن لا يسجد لسهوه لم يكن ذلك قطعا ويسجد) لان أوان السجود ما بعد السلام فلم يفته بهذا السلام شئ ونيته أن لا يسجد حديث النفس فلا يعتد حكما كما لو نوي أنه يتكلم في حال صلاته لم تفسد صلاته * قال (وان سبقه الحدث بعد ما سلم وبعد ما سجد سجدة واحدة للسهو توضأ وعاد فأتم) لان حرمة الصلاة باقية وسبق الحدث لا يمنعه من البناء بعد الوضوء وان كان اماما استخلف

[ 225 ]

من يتم بالقوم كما لو سبقه الحدث في خلال الصلاة * قال (وإذا أحدث الامام في خلال صلاته وقد سها فاستخلف رجلا يسجد خليفته للسهو بعد السلام) لانه قائم مقام الاول فعليه أن يأتي بما كان يأتي به الاول وان سها خليفته فيما يتم أيضا كفته سجدتان كما لو كان الاول سها مرتين لان الثاني قائم مقامه * قال (وان لم يكن الامام الاول سها لزمه سجود السهو لسهو الثاني) لانه صار مقتديا بالثاني كغيره من القوم فيلزمه السهو لسهو امامه ألا ترى أن الثاني لو أفسد الصلاة على نفسه فسدت على الاول فكذلك بسهوه يتمكن النقصان في حق الاول * قال (ولو سها الاول بعد الاستخلاف لا يوجب سهوه شيئا) لانه صار في حكم المقتدى ألا ترى أنه لو أفسد صلاته لم تفسد به صلاة الثاني ولا صلاة القوم * قال (ويسجد المسبوق مع الامام سجود السهو قبل أن يقوم إلى قضاء ما سبق به) وعن ابراهيم النخعي رحمه الله تعالى أنه لا يسجد معه لان أوان سجود السهو بعد السلام وهو لا يتابعه في السلام فكيف يتابعه فيما يؤدى بعد السلام ولكنا نقول بأن سجود السهو وجب على الامام لعارض في صلاته فيتابعه المسبوق فيها كما يتابعه في سجدة التلاوة ولان أوان قيامه إلى القضاء ما بعد فراغ الامام فما دام الامام مشغولا بواجب من واجبات الصلاة مؤديا في حرمة الصلاة لا يمكنه أن يقوم إلى القضاء فعليه متابعة الامام فيها وان لم يفعل سجد في آخر صلاته استحسانا وفى القياس لا يسجد لان وجوب هذه السجدة عليه في حالة الاقتداء وقد صار منفردا فيما يقضى وكان هذا بمنزلة ما لو اشتغل بصلاة أخرى لان حكم صلاة المنفرد مخالف لحكم صلاة المقتدى. ووجه الاستحسان في ذلك أنه يبنى ما يقضى على تلك التحريمة وهو بعد القضاء منفرد في الافعال مقتد في التحريمة حتى لا يصح اقتداء الغير به فلهذا يسجد لذلك السهو * قال (وان سها فيما يقضى كفاه سجدتان لسهوه) ولما عليه من قبل الامام لان التحريمة واحدة فبتكرر السهو فيها لا يتكرر السجود وان كان قد سجد مع الامام لسهوه سجد في أخر صلاته لان ما أداه مع الامام كان بطريق المتابعة فلا ينوب عما لزمه مقصودا بنفسه (فان قيل) قد تكرر عليه سجود السهو في تحريمة واحدة (قلنا) التحريمة واحدة صورة فأما الافعال مختلفة في الحكم لكونه منفردا فيما يقضى بعد ان كان مقتديا في أصل الصلاة فنزل هذا بمنزلة اختلاف الصلوات * قال (وإذا دخل المسبوق في صلاته بعد ما سلم قبل أن يسجد سجد

[ 226 ]

معه الامام) لان الامام حين عاد إلى سجود السهو صح اقتداء المقتدى به فيتابعه فيما أدرك معه وان لم يسجد معه قضى في آخر صلاته استحسانا كما بينا * قال (وإذا دخل في صلاته بعد ما سجد سجدة واحدة وهو في الثانية فانه يسجدها معه) وهو لا يقضى الاول وكذلك إذا دخل في صلاته بعد ما سجدها لم يقضها لان الوجوب عليه بحكم المتابعة وانما يتحقق ذلك فيما لم يفرغ الامام منه قبل اقتدائه به فأما فيما فرغ منه الامام فلا متابعة ولا يتقرر السبب في حقه * قال (ولا يتابع المسبوق الامام في التكبير في أيام التشريق) بخلاف سجود السهو لان التكبير غير مؤدى في حرمة الصلاة حتى أن من اقتدى به في حالة التكبير لا يصح اقتداؤه به وكذلك لا يسلم بعد التكبير بخلاف سجود السهو لانه مؤدى في حرمة الصلاة حتى يسلم بعده ويصح اقتداء المقتدى به في هذه الحالة والتكبير في هذا كالتلبية في حق المحرم بعد فراغه من الصلاة فكما لا يتابعه المسبوق في التلبية فكذلك في التكبير الا أنه ان تابعه في التكبيرات لا تفسد صلاته لانه من أذكار الصلاة وان تابعه في التلبية تفسد صلاته لانه من جنس الكلام فانه اجابة للداعى والدليل عليه كاف الخطاب فيه * قال (وإذا ذكر سجدتين من ركعتين بدأ بالاولى منهما) لان القضاء معتبر بالاداء كما ان الثانية تترتب على الاولى في الاداء فكذلك في القضاء وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه من ترك سجدة وصلى بعدها ركعة أو ركعتين يأتي بتلك السجدة ويعيد ما صلى بعدها لانه حصل قبل أوانه وهو بناء على أصله أن زيادة ركعة أو ركعتين كزيادة ما دون الركعة في احتمال الالغاء فأما عندنا زيادة الركعة الواحدة لا تحتمل الالغاء والركعة تتقيد بالسجدة الواحدة فأداء الركعة الثانية إذا معتبر فليس عليه الاقضاء المتروك وترك السجود مخالف لترك الركوع لان كل سجود لم يسبقه ركوع لا يعتد به فان السجود تتقيد الركعة به وذلك لا يتحقق قبل الركوع وكذلك إذا كانت احداهما لتلاوة وقال زفر رحمه الله يبدأ بالصلاتية لانها أقوى ولكنا نقول القضاء معتبر بالاداء فإذا كانت سجدة التلاوة من الركعة الاولى والصلاتية من الركعة الثانية بدأ بالتلاوة لتقدم وجوبها * قال (وإذا سلم وانصرف ثم تذكر ان عليه سجدة صلاتية أو سجدة تلاوة فان كان في المسجد ولم يتكلم عاد إلى صلاته استحسانا) وفي القياس إذا صرف وجهه عن القبلة لم يمكنه أن يعود إلى صلاته وهى رواية عن محمد رحمه الله تعالى فان صرف الوجه عن القبلة مفسد للصلاة كالكلام فيمنعه من البناء

[ 227 ]

. وجه الاستحسان هو أن المسجد مكان الصلاة فبقاؤه فيه كبقائه في مكان الصلاة والدليل على أنه في حكم مكان واحد صحة الاقتداء بالامام لمن هو في المسجد وان كان بينهما فرجة صرف الوجه عن القبلة غير مفسد للصلاة كما في حق الملتفت في الصلاة وان كان قد خرج من المسجد استقبل الصلاة في الصلاتية خاصة لما بينا أنها ركن والخروج من مكان الصلاة يمنعه من البناء وان كان في الصحراء فان تذكر قبل أن يجاوز أصحابه عاد في الصلاة لان بحكم اتصال الصفوف صار ذلك الموضع كالمسجد بدليل صحة الاقتداء ولم يذكر في الكتاب إذا كان يمشى أمامه قيل وقته بقدر الصفوف خلفه اعتبارا لاحد الجانبين بالآخر والاصح أنه إذا جاوز موضع سجوده فذلك في حكم خروجه من المسجد يمنعه من البناء بعد ذلك * قال (رجل صلى الظهر خمس ركعات ولم يقعد في الرابعة قال صلاته فاسدة) وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه لا تفسد لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا ولم ينقل أنه كان قعد في الرابعة ولا أنه أعاد صلاته وهو بناء على الاصل الذى بينا أن الركعة الكاملة في احتمال النقص وما دونها سواء فكما أنه لو تذكر قبل أن يقيد الخامسة بالسجدة تمكن من اصلاح صلاته بالعود إلى القعود فكذلك بعد ما قيدها بالسجدة (ولنا) انه اشتغل بالنفل قبل اكمال الفريضة ولان القعدة من أركان الصلاة والركعة الخامسة نفل لا محالة لان الظهر لا يكون أكثر من أربع ركعات ومن ضرورة استحكام شروعه في النفل خروجه عن الفرض والخروج من الفرض قبل اكماله مفسد للفرض بخلاف ما قبل تقيد الركعة بالسجدة لان ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة حتى أن من حلف أن لا يصلى لم يحنث بما دون الركعة فلم يستحكم شروعه في النفل بما دون الركعة والحديث تأويله أنه كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل أنه قال صلى الظهر والظهر اسم لجميع أركان الصلاة ومنها القعدة وهو الظاهر فانما قام إلى الخامسة على تقدير انها هي القعدة الاولى حملا لفعل رسول الله عليه وسلم على ما هو أقرب إلى الصواب * قال (وأحب إلى أن يشفع الخامسة بركعة ثم يسلم ثم يستقبل الظهر) وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فأما عند محمد رحمه الله تعالى فبالفساد يصير خارجا من الصلاة لان للصلاة عنده جهة واحدة ولان ترك القعدة في التطوع في كل شفع عنده مفسد للصلاة فأما عندهما تفسد الفريضة ويبقى أصل الصلاة تطوعا فيشفعها بركعة واحدة لان

[ 228 ]

ترك القعدة عقيب كل شفع عندهما غير مفسد للتطوع وان كان قعد في الرابعة قدر التشهد فقد تمت الظهر والخامسة تطوع لان قيامه إلى النافلة كان بعد اكمال الفرض فلا يفسد به الفرض ويشفع الخامسة بركعة فيكون متطوعا بركعتين وان لم يفعل فلا شئ عليه وقال زفر رحمه الله تعالى عليه قضاء ركعتين وهو بناء على ما إذا شرع في صوم أو في صلاة على ظن انه عليه لان شروعه ههنا في الخامسة على ظن انها عليه والاولى أن يشفعها بركعة لان ما دون الركعة لا يكون صلاة تامة كما قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه والله ما أخرت ركعة قط وإذا شفعها بركعة فعليه ان يسجد للسهو استحسانا وفى القياس لا سهو عليه لان تمكن السهو كان في الفرض وقد أدى بعدها صلاة أخرى وفى الاستحسان انما بنى النفل على التحريمة التى يمكن فيها السهو فيأتى بسجود السهو لبقاء التحريمة وهو قياس المسبوق الذى قدمناة والاصح أن هاتين الركعتين لا تنوبان عن السنة التى بعد الظهر لان شروعه كان لا عن قصد ولهذا لم يلزمه والسنة ما شرع فيه عن قصد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما واظب عليه * قال (رجل افتتح الصلاة فقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ وسجد ولم يركع فهذا قد صلى ركعة) لان ركوعه الاول توقف على ان يتقيد بالسجدة والقيام والقراءة بعده غير معتد به فحين سجد تقيد ركوعه به فكان مصليا ركعة واحدة وكذلك ان ركع أولا ثم قرأ وركع وسجد فانما صلى ركعة لان ركوعه الاول حصل في أوانه والثانى وقع مكررا فلا يعتد به فبسجوده يتقيد الركوع الاول وكذلك ان قرأ أولا وسجد سجدتين ولم يركع ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ وسجد ولم يركع فانما صلى ركعة لان سجوده الاول حصل قبل أوانه فلا يعتد به فحين قرأ وركع توقف هذا الركوع على التقيد بسجود بعده فحين سجد بعد القراءة تقيد به ذلك الركوع فكان مصليا ركعة وكذلك ان ركع في الاولى ولم يسجد وركع في الثانية ولم يسجد وسجد في الثالثة ولم يركع فانما صلى ركعة واحدة لان الركوع الاول توقف على السجود فحين سجد في الثالثة تقيد بها الركوع الاول فصار مصليا ركعة وعليه سجود السهو لتمكن السهو له بما زاد ولا تفسد صلاته الا في رواية عن محمد رحمه الله تعالى فانه يقول زيادة السجدة الواحدة كزيادة الركعة بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة بيانه في سجود الشكر فأما عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى السجدة الواحدة ليست بقربة الا سجدة التلاوة وزيادة ما دون الركعة لا يكون مفسدا للصلاة * قال (وإذا سها المصلى

[ 229 ]

فسجد في ركعة واحدة ثلاث سجدات أو ركع ركوعين لم تفسد صلاته) لما بينا أنه انما زاد ما دون الركعة * قال (وإذا سها الامام ثم أحدث فاستخلف مسبوقا فأتم المسبوق بقية صلاة الامام تأخر من غير أن يسلم) لان عليه القضاء لما فاته فكان عاجزا عن التسليم وأوان سجود السهو ما بعد التسليم فقلنا يتأخر ويقدم مدركا يسلم بهم ويسجد سجدتي السهو وسجد هو معهم كما لو كان الامام الاول هو الذى يسجد لسهوه ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به وحده وان لم يسجد مع خليفته سجد للسهو في آخر صلاته استحسانا وقد بينا هذا في حق الامام الاول فكذلك هنا * قال (وكذلك المقيم خلف المسافر يتابعه في سجود السهو) ثم يقوم إلى اتمام صلاته وان سها فيما يقضى سجد أيضا * وهذه ثلاث فصول * أحدها في المسبوق وقد بيناه * والثانى في اللاحق إذا نام خلف الامام أو أحدث فذهب وتوضأ ثم جاء فانه يبدأ باتمام صلاته أولا ولا يتابع الامام في سجود السهو قبل اتمام صلاته لان اللاحق في حكم المقتدى فيما يتم وسهو المقتدى متعطل ولهذا لا يقرأ فيما يتم والمسبوق يقضى كالمنفرد ولهذا تلزمه القراءة فيلزمه سجود السهو أيضا ولا يقوم إلى القضاء الا بعد اتمام خروج الامام من صلاته وذلك بعد سجود السهو * والثالث في المقيم خلف المسافر إذا قام إلى اتمام صلاته لم تلزمه القراءة فيما يتم رواية واحدة لان فرض القراءة في الاوليين وقراءة الامام فيهما تكون قراءة له فأما في حكم السهو ففى الكتاب جعله كالمسبوق فقال يتابع الامام في سجود السهو وإذا سها فيما يتم فعليه سجود السهو أيضا لانه في الاتمام غير مقتدو كيف يكون مقتديا فيما ليس على امامه والامام لو أتم صلاته أربعا كان متنفلا في الاخريين ولو جعلناه مقتديا فيهما كان كاقتداء المفترض بالمتنفل وذكر الكرخي رحمه الله تعالى في مختصره أنه كالاحق لا يتابع الامام في سجود السهو وإذا سها فيما يتم لم يلزمه سجود السهو لانه مدرك لاول الصلاة فكان في حكم المقتدى فيما يؤديه بتلك التحريمة كاللاحق * قال (وان سجد اللاحق مع الامام للسهو لم يجزه) لانه سجد قبل أوانه في حقه فعليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه ولكن لا تفسد صلاته لانه ما زاد الا سجدتين (فان قيل) أليس أن المسبوق لو تابع الامام في سجود السهو تبين أنه لم يكن على الامام سهو فصلاة المسبوق فاسدة وما زاد الا سجدتين (قلنا) فساد صلاته ليس للزيادة بل لانه اقتدى في موضع كان عليه الانفراد في ذلك الموضع ومثله غير موجود هاهنا فاللاحق مقتد في جميع ما يؤدى

[ 230 ]

فلهذا لم تفسد صلاته * قال (ولو كان الامام لم يقرأ في الاوليين ثم اقتدى به انسان في الاخريين فقرأ الامام فيهما ثم قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به فعليه القراءة وان ترك ذلك لم تجزئه صلاته) لان الامام قضى في الاخريين ما فاته من القراءة في الاوليين والفائت إذا قضى التحق بمحله فكأنه قرأ في الاوليين ما فاته من القراءة فلهذا يجب على المسبوق القراءة أيضا بخلاف المقيم خلف المسافر فان القراءة من الامام في الاوليين كانت أداء والمقيم شريكه فيهما وكذلك إذا كان المسبوق قرأ خلف الامام فيما صلى معه فعليه القراءة فيما يقضى لان قراءته فيما هو مقتد فيه مكروهة غير معتد بها فلا يتأدى بها فرض القراءة في حقه * قال (وإذا قام المسبوق إلى قضاء ما عليه بعد ما تشهد الامام قبل أن يسلم فقضاه أجزأه) لان قيامه حصل بعد فراغ الامام من أركان الصلاة ولكنه مسئ في ترك الانتظار لسلام الامام فان أوان قيامه للقضاء ما بعد خروج الامام من الصلاة فان قام إليه وقضى قبل أن يقعد الامام قدر التشهد لم يجزه لان قيامه كان قبل أوانه فان الامام لم يفرغ من أركان الصلاة بعد لان القعدة من أركانها. ثم فسر هذه المسألة في نوادر أبى سليمان فقال ان كان مسبوقا بركعة أو بركعتين فان قرأ بعد فراغ الامام من التشهد مقدار ما يتأدى به فرض القراءة جازت صلاته والافلا لان قيامه وقراءته غير معتد بهما ما لم يفرغ الامام من التشهد ويجعل هو في الحكم كالقاعد معه لان ذلك مستحق عليه فانما تعتبر قراءته بعد فراغ الامام من التشهد وان كان مسبوقا بثلاث ركعات فان لم يركع حتى فرغ الامام من التشهد ثم ركع وقرأ في الركعتين بعد هذه جازت صلاته وان كان ركع قبل فراغ الامام من التشهد لم تجزه صلاته لان القيام فرض في كل ركعة فلا يعتد بقيامه ما لم يفرغ الامام من التشهد ففرض القراءة هو الركعتان فإذا فرغ الامام من التشهد قبل أن يركع هو فقد وجد القيام في هذه الركعة والقراءة في الركعتين بعده فتجوز صلاته وان كان ركع قبل فراغ الامام من التشهد فلم يوجد منه قيام معتد به في هذه الركعة فلهذا فسدت صلاته وان كان قام بعد ما تشهد الامام وعليه سجود السهو فقرأ وركع فانه يرفض ذلك ويخر فيسجد مع الامام لانه لم يستحكم انفراده بأداء ما دون الركعة فعليه أن يعود إلى متابعة الامام ثم يقوم للقضاء ولا يعتد بما كان يصنع لانه صار رافضا لها بالعود إلى المتابعة فان لم يعد إلى المتابعة جازت صلاته ويسجد للسهو في آخر صلاته استحسانا * قال (وان كان ركع وسجد ثم عاد

[ 231 ]

الامام إلى سجود السهو لم يعد إلى متابعته) لانه قد استحكم انفراده بأداء ركعة كاملة وان عاد إلى متابعته فسدت صلاته لانه اقتدى في موضع كان عليه الانفراد في ذلك الموضع * وهذه ثلاث فصول * أحدها في السهو وقد بيناه * والثانى في الصلاتية إذا تذكر الامام سجدة صلاتية بعد ما قام المسبوق إلى القضاء فان لم يكن قيد الركعة بالسجدة عاد إلى متابعة الامام فيها وسجد وان لم يفعل فصلاته فاسدة وان كان قيد ركعته بالسجدة فصلاته فاسدة عاد إلى المتابعة أو لم يعد لان الصلاتية من أركان الصلاة ألا ترى أن الامام لو لم يأت بها كانت صلاته فاسدة فكذلك إذا لم يتابعه المسبوق بها وبعد اكمال الركعة هو عاجز عن المتابعة * والثالث إذا تذكر الامام سجدة التلاوة فان كان المسبوق لم يقيد ركعته بالسجدة فعليه أن يعود إلى متابعة الامام وان لم يفعل فصلاته فاسدة لان عود الامام إلى سجدة التلاوة يرفع القعدة بدليل أنه لو لم يقعد بعدها لم تجز صلاته والقعدة من أركانها كالصلاتية وان كان المسبوق قيد ركعته بالسجدة قبل أن يعود الامام إلى سجدة التلاوة ثم عاد الامام فان تابعه المسبوق فصلاته فاسدة رواية واحدة وان لم يتابعه ففيه روايتان قال في الاصل صلاته فاسدة أيضا لان عود الامام إلى سجدة التلاوة ينقض القعدة وهو والصلاتية سواء وفى نوادر أبى سليمان لا تفسد صلاته لانه لو ترك تلك القعدة جازت صلاته بخلاف الصلاتية. وفقه هذا أن قعوده كان معتدا به وانما انتقض في حقه بالعود إلى سجدة التلاوة وذلك بعد ما استحكم انفراد المسبوق عنه فلا يتعدى حكمه ألا ترى أن اماما لو صلى بقوم ثم ارتد بطلت صلاته ولا تبطل صلاة القوم وكذلك لو صلى الظهر بقوم يوم الجمعة ثم راح إلى الجمعة فادركها انقلب المؤدي في حقه تطوعا وبقى فرضا في حق القوم * قال (وإذا اقتدى أحد المسبوقين بالآخر فيما يقضيان فسدت صلاة المؤتم) لانه اقتدى في موضع كان عليه الانفراد ولانه كان مقتديا بالامام الاول في بعض صلاته والاخر ليس بخليفة الاول وكان هذا أداء صلاة بامامين وذلك لا يجوز لما بينا وكذلك المقيمان خلف المسافر إذا قاما إلى اتمام صلاتهما فاقتدى أحدهما بالآخر فصلاة المقتدى فاسدة لما بينا * قال (وإذا اقتدى مصلى التطوع بمصلى الظهر في القعدة الاخيرة فعليه قضاء أربع ركعات) وكذلك لو اقتدى به في أول الصلاة ثم قطعها لانه صار بالاقتداء ملتزما صلاة الامام وصلاة الامام أربع ركعات * قال (وإذا افتتح الظهر وهو ينوى أن يصليها ستا ثم بداله فسلم على الاربع تمت صلاته)

[ 232 ]

وليس عليه شئ لانه أساء فيما نوى ثم ندم والندم توبة ومجرد النية لا يوجب شيئا ما لم يشرع وانما حصل شروعه في الظهر والظهر لا يكون أكثر من أربع ركعات وقد أداها (وكذلك لو افتتحها المسافر ينوى أن يصليها أربعا ثم بدا له فصلى ركعتين فصلاته تامة) لان الظهر في حق المسافر ركعتان كالفجر في حق المقيم فنية الزيادة على ذلك لغو وكذلك لو نوى أن يقطعها بكلام أو غيره فتلك النية ساقطة ما لم يعمل بها لقوله عليه الصلاة والسلام ان الله تجاوز عن أمتى ما حدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يعملوا * قال (وإذا لم يقرأ في ركعة من التطوع أو في ركعة من الفجر فسدت صلاته) لان فرض القراءة في الركعتين والقراءة في الركعة الواحدة وان طالت لا تنوب عن القراءة في الركعتين ولا يمكنه أن يصلى بعد الركعة ركعتين لان الفجر لا يكون ثلاث ركعات فلهذا تعين جهة الفساد في صلاته * قال (وإذا توهم مصلى الظهر أنه قد أتمها فسلم ثم علم أنه صلى ركعتين وهو على مكانه فانه يتمها ثم يسجد للسهو لان سلامه كان سهوا فلم يصر به خارجا من الصلاة وهذا بخلاف ما إذا ظن أنه مسافر أو أنه يصلى الجمعة فسلم على رأس الركعتين فصلاته فاسدة لانه علم بالقدر الذى أدى فسلامه سلام عمد وذلك قاطع لصلاته وظنه ليس بشئ فأما إذا كان عنده ان هذه هي القعدة الاخيرة فسلامه سلام سهو فلم تفسد به صلاته * قال (وإذا لم يسلم ولكنه نوى القطع لصلاته والدخول في صلاة أخرى تطوعا وهو ساه وقد كبر ثم ذكر ذلك فانه يمضى على التطوع ثم يعيد الظهر) لان تكبيره بنية التطوع قطع لما كان فيه وشروع في التطوع فيتم ما شرع فيه ثم يعيد ما كان قطعه قبل اتمامه * قال (وإذا سها الامام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه فيهما الطائفة الثانية فأما الطائفة الاولى فانما يسجدون إذا فرغوا من الاتمام) لان الطائفة الثانية بمنزلة المسبوقين لم يدركوا مع الامام أول الصلاة والطائفة الاولى بمنزلة اللاحقين قد أدركوا مع الامام أول الصلاة * قال (رجل افتتح الصلاة فقرأ ثم شك في تكبيرة الافتتاح وأعاد التكبير والقراءة ثم علم أنه كان كبر فعليه سجود السهو) لانه زاد على التكبيرة والقراءة ساهيا وكذلك ان كان ركع قبل أن يشك بنى على ذلك الركوع وليس تكبير الثاني يقطع الصلاة لانه نوى عندها ايجاد الموجود ونية الايجاد فيما هو موجود لغو بقى مجرد التكبير وهو ليس يقطع الصلاة. وان كان في الظهر فتوهم انه في العصر وصلى في ذلك ركعة أو ركعتين فلا سهو عليه لانه ساعين شيئا من أفعال الصلاة وتعين النية كأصلها شرط

[ 233 ]

افتتاح الصلاة لا شرط البقاء فان تفكر في ذلك تفكرا شغله عن ركن فعليه سجود السهو وقد بينا * قال (وإذا قعد المصلى في آخر صلاته قدر التشهد ثم شك في شئ من صلاته حتى شغله ذلك عن التسليم ثم ذكر أنه في الصلاة فسلم فعليه سجود السهو) لتأخيره السلام ولهذا قلنا أوان سجود السهو ما بعد السلام لان بعد الفراغ من التشهد قبل السلام أوان وجوب سجود السهو فيؤخر الاداء عنه كما قبل القعدة وان عرض له ذلك بعد ما سلم تسليمة واحدة فلا سهو عليه لانه بالتسليمة الواحدة صار خارجا من الصلاة والثانية لتعميم القوم بها فلم يتمكن له سهو في صلاته * قال (وإذا أحدث في صلاته فذهب فتوضأ فعرض له هذا الشك حتى شغله عن وضوئه ساعة فعليه سجدتا السهو) لان حرمة الصلاة باقية بعد الحدث فانما تمكن له هذا السهو في صلاته * قال (وإذا صلى ركعتين تطوعا وسها فيهما فسجد لسهوه بعد التسليم ثم أراد أن يبنى عليهما ركعتين لم يكن له ذلك) لانه لو فعل كان سجوده للسهو في وسط الصلاة وذلك غير مشروع بخلاف المسافر إذا صلى الظهر ركعتين وسجد للسهو ثم نوى الاقامة فانه يقوم لاتمام صلاته لان هناك ان حصل سجود السهو في خلال الصلاة فذلك لمعنى شرعى لا يفعل مباشرة باختياره. وحقيقة الفرق أن السلام محلل ثم بالعود إلى سجود السهو تعود حرمة الصلاة للضرورة وهذه الضرورة فيما يرجع إلى إكمال تلك الصلاة لا في صلاة أخرى ونية الاقامة عملها في وجوب اكمال تلك الصلاة فيظهر عود الحرمة في حقها فأما كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولم تعد الحرمة في حق صلاة أخرى فلهذا لا يمكنه أن يبنى عليها ركعتين * قال (رجل صلى العشاء فسها فيها فقرأ آية التلاوة ولم يسجدها وترك سجدة من ركعة ساهيا ثم سلم فان كان ناسيا للكل لم تفسد صلاته) لان هذا سلام السهو (وان كان ذاكر للصلاتية حين سلم فصلاته فاسدة) لانه سلام عمد (وان كان ذاكرا لسجدة التلاوة ناسيا للصلاتية فصلاته فاسدة) أيضا وروى أصحاب الاملاء عن أبى يوسف رحمه الله تعالى انه لا تفسد صلاته ووجهه أن سجدة التلاوة من الواجبات دون الاركان فسلامه فيما هو ركن سلام سهو وذلك لا يفسد الصلاة ووجهه ظاهر الرواية أنه سلم وهو ذاكر لواجب يؤدى قبل السلام فكان سلامه قطعا لصلاته وانما قطعها قبل اتمام أركانها ولانا لو لم تفسد صلاته حتى يأتي بالصلاتية لزمنا أن نقول يأتي بسجدة التلاوة أيضا لبقاء التحريمة ولا وجه إلى ذلك فقد سلم وهو ذاكر

[ 234 ]

للتلاوة فكان قطعا في حقه وقراءة التشهد الاخير في هذا الحكم كسجدة التلاوة لانه واجب ليس بركن * قال (وإذا قرأ الرجل في الصلاة شيئا من التوراة والانجيل والزبور وهو يحسن القرآن أو لا يحسنه لم تجزئه) لانه كلام ليس بقرآن ولا تسبيح ومعنى هذا أن قد ثبت لنا أنهم قد حرفوا وبدلوا فلعل ما قرأ مما حرفوه وهذا كلام الناس ولان النقل المتواتر الذى لا يثبت كلام الله الا به غير موجود فيما هو في أيديهم الآن والواجب عليه بالنص قراءة القرآن وهذا ليس بقرآن فلا يقطع القول بأن ما قرأ كلام الله تعالى فلهذا فسدت صلاته وقيل هذا إذا لم يكن موافقا لما في القرآن وأما إذا كان ما قرأ موافقا لما في القرآن تجوز به الصلاة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانه تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الالسنة فيجعل كأنه قرأ القرآن بالسريانية والعبرانية فتجوز الصلاة عنده لهذا * قال (وان نسى القنوت في الوتر ثم ذكر بعد ما رفع رأسه من الركوع لم يقنت) لانه سنة فاتت عن موضعها فان أوان القنوت قبل الركوع وما كان سنة في محله يكون بدعة في غير محله ولانه لو قنت لكان بعد الركوع والفرض لا ينتقض بالسنة وبه فارق قراءة السورة لان القراءة ركن وإذا قرأ السورة كان مفترضا فيما يقرأ فينتقض به الركوع * قال (وإذا تذكر القنوت وهو راكع ففيه روايتان * في احداهما يعود لان حالة الركوع كحالة القيام ولهذا لو أدرك الامام فيها كان مدركا للركعة ولهذا يعود لتكبيرات العيد إذا ذكرها في الركوع فكذلك للقنوت. وفي الرواية الاخرى لا يعود للقنوت لان الركوع فرض ولا يترك الفرض بعد ما اشتغل به للعود إلى السنة كما لو قام إلى الثالثة قبل أن يقعد بخلاف تكبيرات العيد فانها لم تسقط فالركوع محل لها حتى إذا أدرك الامام في الركوع يأتي بها فلهذا يعود لاجلها فأما القنوت فقد سقط بالركوع لانه ليس بمحل له فالقنوت مشبه بالقراءة وحالة الركوع ليس بحالة القراءة فبعد ما سقط لا يعود لاجله وعليه سجدة السهو على كل حال عاد أو لم يعد قنت أو لم يقنت لتمكن النقصان في صلاته لسهوه * قال (ولو صلى ركعتين تطوعا فسها فيهما وتشهد ثم قام فصلى ركعتين فعليه أن يسجد لسهوه في الاوليين) لان الشفع الثاني مبنى على التحريمة التى تمكن فيها السهو فلا يمنعه من أداء سجود السهو والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

[ 235 ]

(باب صلاة المسافر) قال رضى الله تعالى عنه (وأقل ما يقصر فيه الصلاة في السفر إذا قصد مسيرة ثلاثة أيام) وفسره في الجامع الصغير بمشى الاقدام وسير الابل فهو الوسط لان أعجل السير سير البريد وأبطأ السير سير العجلة وخير الامور أوسطها وهذا مذهب ابن عباس رضى الله تعالى عنهما واحدى الروايتين عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما وعنه في رواية أخرى التقدير بيوم وليلة وهو قول الزهري والاوزاعي رحمهما الله تعالى وقال مالك رحمه الله تعالى أربعة برد كل بريد اثنا عشر ميلا واستدل بحديث مجاهد وعطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة فيما دون مكة إلى عسفان وذلك أربعة برد وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه في قول التقدير بيوم وليلة وفي قول التقدير بستة وأربعين ميلا لحديث مجاهد رضى الله تعالى عنه قال سألت ابن عمر رضى الله تعالى عنه عن أدنى مدة السفر فقال أتعرف السويداء فقلت قد سمعت بها فقال كنا إذا خرجنا إليها قصرنا ومن السويداء إلى المدينة ستة وأربعون ميلا وقال نفاة القياس لا تقدير لادنى مدة السفر لظاهر قوله تعالى وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح الآية فاثبات التقدير يكون زيادة ولكنا نقول ثبت بالنص أن المراد السفر وقد قال في آية أخرى فمن كان منكم مريضا أو على سفر والخارج إلى حانوت أو إلى ضيعة لا يسمى مسافرا فلا بد من اثبات التقدير لتحقيق اسم السفر وانما قدرنا بثلاثة ايام لحديثين. أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها الا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها معناه ثلاثة أيام وكلمة فوق صلة كما في قوله تعالى فاضربوا فوق الاعناق وهي لا تمنع من الخروج لغيره بدون المحرم. وقال صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها فهو تنصيص على أن مدة السفر لا تنقص عما يمكن استيفاء هذه الرخصة فيها والمعنى فيه أن التخفيف بسبب الرخصة لما فيه من الحرج والمشقة ومعنى الحرج والمشقة أن يحتاج إلى أن يحمل رحله من غير أهله ويحطه في غير أهله وذلك لا يتحقق فيما دون الثلاثة لان في اليوم الاول يحمل رحله من غير أهله وفى اليوم الثاني إذا كان مقصده يحطه في أهله وإذا كان التقدير بثلاثة أيام ففى اليوم الثاني يحمل رحله من غير أهله ويحطه في غير أهله فيتحقق معني الحرج فلهذا قدرنا بثلاثة أيام ولياليها ولهذا قدر

[ 236 ]

بعض اصحابنا بثلاث مراحل لان المعتاد من السفر في كل يوم مرحلة واحدة خصوصا في أقصر أيام السنة وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قدر بيومين والاكثر من اليوم الثالث فأقام الاكثر من اليوم الثالث مقام الكمال وهكذا رواه الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى لانه إذا بكر واستعجل في اليوم الثالث وصل إلى المقصد قبل غروب الشمس فأقمنا الاكثر من اليوم الثالث مقام الكمال ولا معنى للتقدير بالفراسخ فان ذلك يختلف باختلاف الطرق في السهول والجبال والبحر والبر وانما التقدير بالايام والمراحل وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه فإذا قصد مسيرة ثلاثة أيام قصر الصلاة حين تخلف عمران المصر لانه ما دام في المصر فهو ناوى السفر لا مسافر فإذا جاوز عمران المصر صار مسافرا لاقتران النية بعمل السفر والاصل فيه حديث على رضى الله تعالى عنه حين خرج من البصرة يريد الكوفة صلى الظهر أربعا ثم نظر إلى خص أمامه فقال لو جاوزنا ذلك الخص صلينا ركعتين * قال (وأقل مدة الاقامة خمسة عشر يوما) وهو قول ابن عمر وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه أربعة أيام وهو قول عثمان رضى الله تعالى عنه فانه كان يقول من أقام أربعا صلى أربعا ولم يأخذ به لحديث جابر رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة صبيحة الرابع من ذى الحجة وخرج منها إلى منى في الثامن من ذى الحجة وكان يقصر الصلاة حتى قال بعرفات يا أهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر وانما قدرنا بخمسة عشر يوما لان التقدير انما يكون بالايام أو بالشهور والمسافر لا يجد بدا من المقام في المنازل أياما للاستراحة أو لطلب الرفقة فقدرنا أدنى مدة الاقامة بالشهور وذلك نصف شهر ولان مدة الاقامة في معنى مدة الطهر لانه يعيد ما سقط من الصوم والصلاة فكما يتقدر أدنى مدة الاقامة في معنى الطهر بخمسة عشر يوما فكذلك أدنى مدة الاقامة ولهذا قدرنا أدنى مدة السفر بثلاثة أيام اعتبارا بأدنى مدة الحيض واستدل الشافعي رضى الله تعالى عنه بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجرين بالمقام بمكة بعد قضاء المناسك ثلاثة أيام فهو دليل على أن بالزيادة على ذلك يثبت حكم الاقامة ولكنا نقول انما قدرنا بهذا لانه علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة لا لتقدير أدنى مدة الاقامة * قال (وإذا قدم الكوفى مكة وهو ينوى أن يقيم فيها وبمنى خمسة عشر يوما فهو مسافر) لان نية الاقامة ما يكون في موضع واحد فان الاقامة ضد السفر والانتقال من

[ 237 ]

أرض إلى أرض يكون ضربا في الارض ولو جوزنا نية الاقامة في موضعين جوزنا فيما زاد على ذلك فيؤدى إلى القول بأن السفر لا يتحقق لانك إذا جمعت اقامة المسافر المراحل ربما يزيد ذلك على خمسة عشر يوما وهذا إذا نوى الاقامة في موضعين بمكة ومنى والكوفة والحيرة فان كان عزم على أن يقيم بالليالى في أحد الموضعين ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر فان دخل أولا الموضع الذى عزم على المقام فيه بالنهار لا يصير مقيما وان دخل الموضع الذى عزم على الاقامة فيه بالليالى يصير مقيما ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا لان موضع اقامة الرجل حيث يثبت فيه ألا ترى أنك إذا قلت للسوقى أين تسكن يقول في محلة كذا وهو بالنهار يكون في السوق * وكان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة فانه كان مشغولا بطلب الحديث قال فدخلت مكة في أول العشر من ذى الحجة مع صاحب لى وعزمت على الاقامة شهرا فجعلت أتم الصلاة فلقينى بعض أصحاب أبى حنيفة رحمه الله تعالى فقال أخطأت فانك تخرج إلى منى وعرفات فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت أن أصاحبه فجعلت أقصر الصلاة فقال لى صاحب أبى حنيفة أخطأت فانك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا تكون مسافرا فقلت أخطأت في مسألة في موضعين ولم ينفعني ما جمعت من الاخبار فدخلت مجلس محمد رحمه الله تعالى واشتغلت بالفقه * قال (فان لم يعزم على الاقامة مدة معلومة ولكنه مكث أياما في المصر وهو على عزم الخروج لا يصير مقيما عندنا وان طال مكثه) وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه إذا زاد على ثمان عشرة ليلة أتم الصلاة لان النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد الفتح ثمان عشرة ليلة وكان يقصر الصلاة والقياس أن السفر ينعدم بالمقام لانه ضده تركناه في هذه المدة للنص فبقى ما رواه على أصل القياس (ولنا) ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة وابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وأنس أقام بنيسابور شهرا يقصر الصلاة وعلقمة بن قيس أقام بخوارزم سنين يقصر الصلاة ولانه لو خرج خلف غريم له لم يصر مسافرا ما لم ينو أدنى مدة السفر وان طاف جميع الدنيا فكذلك لا يصير مقيما ما لم ينو المكث أدنى مدة الاقامة وان طال مقامه اتفاقا * قال (وان خرج من مصره مسافرا بعد ما دخل وقت الصلاة صلى صلاة المسافر عندنا) وقال ابن شجاع رحمه الله تعالى يصلى صلاة المقيم وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه إذا مضى من الوقت مقدار

[ 238 ]

ما يصلى فيه أربع ركعات ثم خرج مسافرا صلى أربعا وهو بناء على ان وجوب الصلاة عندهما بأول الوقت فإذا كان مقيما في أول الوقت وجب عليه صلاة المقيمين فلا يسقط ذلك بالسفر وعندنا الوجوب يتعلق بآخر الوقت لانه مخير في أول الوقت بين الاداء والتأخير والوجوب ينفى التخير والتخير ينفى الوجوب ولو مات في الوقت لقى الله تعالى ولا شئ عليه فدل أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت فإذا كان مسافرا في آخر الوقت كان عليه صلاة السفر وقال زفر رحمه الله تعالى إذا خرج مسافرا وقد بقى من الوقت مقدار ما يمكنه أن يصلى فيه يصلى صلاة السفر وان كان الباقي من الوقت ما دون ذلك صلى صلاة المقيم لان التأخير لا يسعه إلى وقت لا يتمكن فيه من أداء الصلاة في الوقت ولكنا نقول جزء من الوقت بمنزلة جميعه ألا ترى أن ادراك جزء من الوقت وان قل سبب لوجوب الصلاة فوجود السفر في ذلك الجزء كوجوده في جميع الوقت والدليل عليه أن الصلاة لا تصير دينا في ذمته الا بخروج الوقت فإذا صار مسافرا قبل أن تصير دينا في ذمته صلى صلاة المسافرين فإذا صارت دينا في ذمته بخروج الوقت قبل أن يصير مسافرا لا يتغير ذلك بالسفر ويعتبر جانب السفر بجانب الاقامة فانه لو دخل مصره قبل فوات الوقت صلى صلاة المقيمين وان كان الباقي من الوقت شيئا يسيرا فكذلك في جانب السفر ولا يحتاج إلى نية الاقامة إذا دخل مصره لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج مسافرا إلى الغزوات ثم يعود إلى المدينة ولا يجدد نية الاقامة * قال (وإذا قرب المسافر مصره فحضرت الصلاة صلى صلاة المسافر ما لم يدخل مصره) لان عليا رضى الله تعالى عنه صلى صلاة السفر وهو ينظر إلى بيوت الكوفة حين قدمها من البصرة وهكذا روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال للمسافر صلى ركعتين ما لم تدخل منزلك ولانه في موضع لو خرج من المصر إليه على قصد السفر صار مسافرا فلان يبقى مسافرا بعد وصوله إليه أولى وان كان خرج من مصره مسافرا ثم بدا له أن يرجع إلى مصره لحاجة له قبل أن يسير مسيرة ثلاثة أيام صلى صلاة المقيم في انصرافه لانه فسخ عزيمة السفر بعزمه على الرجوع إلى وطنه وبينه وبين وطنه دون مسيرة السفر فصار مقيما من ساعته بخلاف الاول فانه ماض على سفره ما لم يدخل مصره * قال (رجل خرج من مصره مسافرا فحضرت الصلاة فافتتحها ثم أحدث فانفتل ليأتي مصره فتوضأ ثم علم أن امامه ما صلى فانه يتوضأ ويصلى صلاة المقيم فان تكلم

[ 239 ]

صلى صلاة المسافر) لانه من عزم على الانصراف إلى أهله فقد صار مقيما وبعد ما صار مقيما في صلاته لا يصير مسافرا فيها ألا ترى أن المسافر إذا نوى الاقامة في خلال الصلاة يصح والمقيم في السفينة إذا جرت به السفينة لا يصير مسافرا في هذه الصلاة لان السفر عمل وحرمة الصلاة تمنعه عن مباشرة العمل فأما الاقامة ترك السفر وحرمة الصلاة لا تمنع من ذلك فإذا تكلم فقد ارتفعت حرمة الصلاة وهو متوجه أمامه على عزم السفر فصار مسافرا والاصل أن النية متى تجردت عن العمل لا تكون مؤثرة فإذا نوى الاقامة في موضع الاقامة فقد اقترنت النية بعمل الاقامة فصار مقيما وإذا نوى السفر فقد تجردت النية عن العمل ما لم يخرج فلا يصير مسافرا وهو نظير مالو نوى في عبد التجارة أن يكون للخدمة صار للخدمة ولو نوى في عبد الخدمة أن يكون للتجارة لا يصير لها ما لم يتجر فيه * قال (مسافر صلى في سفره أربعا أربعا فان كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد فصلاته تامة والاخريان تطوع له وان كان لم يقعد فصلاته فاسدة عندنا) وقال مالك رضى الله تعالى عنه يعيد ما دام في الوقت على كل حال وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه صلاته تامة وكان الاربع فرضا له وهو بناء على أن القصر عزيمة في حق المسافر عندنا وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه رخصة واستدل بقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة فهو تنصيص على أن أصل الفرض أربع والقصر رخصة وعن على بن ربيعة الوابى قال سألت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه ما بالنا نقصر الصلاة في السفر ولا نخاف شيئا وقد قال الله تعالى ان خفتم فقال أشكل على ما أشكل عليك فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انها صدقة تصدق الله عليكم فاقبلوا صدقته فهو تنصيص على أن القصر رخصة وان عائشة رضى الله تعالى عنها كانت تتم الصلاة في السفر وعثمان رضى الله تعالى عنه صلى بعرفات أربع ركعات واعتبر الصلاة بالصوم فان السفر مؤثر فيها ثم الفطر رخصة ومن صام في السفر كان مؤديا للفرض فكذلك القصر في الصلاة (ولنا) حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت فرضت الصلاة في الاصل ركعتين الا المغرب فانها وتر النهار ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر على ما كانت وعن عمر رضى الله تعالى عنه قال صلاة المسافر ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنه قال صلاة المسافر ركعتان من خالف السنة فقد كفر وابن عباس رضى الله تعالى عنه قال صلاة المسافر ركعتان وصلاة الفجر

[ 240 ]

ركعتان وسأله رجلان أحدهما كان يتم الصلاة في السفر والثانى يقصر عن حالهما فقال للذى قصر أنت الذي أكملت وقال للآخر أنت قصرت ولما صلى عثمان رضى الله تعالى عنه بعرفات أربعا قال ابن مسعود رضى الله عنه صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام ركعتين ومع أبى بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ركعتين ثم اختلف بكم الطرق فليت حظى من الاربع مثل حظي من الركعتين فلما بلغ ذلك إلى عثمان قال انى نأهلت بمكة وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تأهل ببلدة فهو من أهلها فانكار عبد الله ابن مسعود واعتذار عثمان دليل على أن فرض المسافر ركعتان الا أن ابن مسعود أحب أن يأمن عثمان غيره لتكون اقامة الصلاة على هيئة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان رضى الله تعالى عنه أقام بنفسه لكثرة الاعراب بعرفات كيلا يظن ظان أن الصلاة في حق المقيم ركعتان والمعنى فيه أن الشفع الثاني ساقط عن المسافر لا إلى بدل وبقاء الفرضية يوجب القضاء أو الاداء فحين لم يثبت في حقه واحد منهما عرفنا أنه لم تبق الفرضية فيما زاد على الركعتين في حقه وأن الظهر في حقه كالفجر في حق المقيم ثم المقيم إذا صلى أربعا فان لم يقعد في الثانية فسدت صلاته لاشتغاله بالنفل قبل اكمال الفرض وان قعد في الثانية جازت صلاته والاخريان تطوع له فكذلك هنا وبه فارق الصوم فان الفرضية لما بقيت هناك لم ينفك عن قضاء أو أداء. وتأويل حديث عائشة رضى الله تعالى عنها ما قيل انها كانت تتنقل من بيت بعض أولادها إلى بيت بعض فلم تكن مسافرة وفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبلوا صدقته ما يدل على أن القصر عزيمة لانه أمر به والامر يدل على الوجوب وتأويل الآية التجوز في القراءة والاركان عند الخوف فأما صلاة المسافر عرفناه بالسنة كما روينا من الآثار * قال (مسافر صلى الظهر ركعتين وسلم وعليه سهو ثم نوى الاقامة فصلاته تامة) لان نيته لم تصادف حرمة الصلاة عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فلا يتغير به فرضه وليس عليه سجود السهو لانه لو سجد للسهو كان عائدا إلى حرمة الصلاة فيتغير فرضه بنية الاقامة ويكون سجوده في خلال الصلاة وكما يسجد بترك الاتمام للصلاة فلا فائدة في الاشتغال به وان كان بنية الاقامة بعدما عاد الي سجود السهو قام فأتم صلاته لان نيته حصلت في حرمة الصلاة وعند محمد رحمه الله تعالى هما سواء يقوم فيتم صلاته ثم يسجد للسهو لان عنده بالسلام لا يصير خارجا من الصلاة

[ 241 ]

إذا كان عليه سهو وقد بينا هذا * قال (مسافر أم مسافرين ومقيمين فصل بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلا دخل معه في الصلاة ساعتئذ وهو مسافر فلا ينبغى لذلك الرجل أن يتقدم) لان غيره أقدر على اتمام صلاة الامام وان تقدم جاز لانه شريك الامام وينبغي له أن يسجد تلك السجدة لانه خليفة الاول فيبدأ بما كان على الامام الاول أن يبدأ به فان لم يفعله ولكنه صلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلا جاء ساعتئذ فذهب وتوضأ ورجع الامام الاول والثانى قال يسجد الثالث السجدة الاولى لانه خليفة الامامين ويسجدها معه الامام الاول والقوم لانهم صلوا تلك الركعة فاتما بقى عليهم تلك السجدة ولا يسجدها الامام الثاني لانه مسبوق في تلك الركعة فعليه اعادتها فلا يبدأ بالسجدة منها وفي نوادر أبى سليمان قال يسجدها معهم لانه كالمقتدى بالامام الثالث فيتابعه فيما يأتي به وان لم يكن محسوبا من صلاته كمن أدرك الامام في السجود ثم سجد السجدة الاخرى وسجدها معه الامام الثاني والقوم لانهم صلوا هذه الركعة ولا يسجدها معه الامام الاول الا أن يكون صلى تلك الركعة وانتهى إلى هذه السجدة فحينئذ سجدها لانه لاحق فيبدأ بالاول فالاول ولهذا قلنا يصلى الامام الاول الركعة الثانية بغير قراءة ثم يتشهد الامام الثالث ويتأخر ويقدم رجلا قد أدرك أول الصلاة فيسلم بهم لانه عاجز عن السلام بنفسه فيستعين بمن يقدر عليه ثم يسجد للسهو ويسجدون معه ثم يقوم الثاني فيقضى الركعة التى سبق بها بقراءة ويكمل المقيمون صلاتهم * ثم ذكر بعد هذا فصلين في المقيمين (أحدهما) في اللاحقين إذا صلى الائمة الاربعة كل واحد منهم ركعة وسجدة ثم أحدث الرابع وقدم خامسا وجاء الائمة الاربعة فانه ينبغى للخامس أن يبدأ بالسجدة الاولى ويسجدها معه الائمة والقوم لانهم صلوا تلك الركعة ثم يسجد السجدة الثانية ويسجدونها معه غير الامام الاول فانه لم يؤد تلك الركعة بعد الا أن يكون عجل فصلى الركعة الثانية وأدرك الامام في السجدة الثانية فحينئذ سجد الثالثة ويسجدها معه ثم يسجد الثالثة ويسجدونها معه من غير الامام الاول والثانى لانهما لم يصليا الركعة الثانية ثم يسجد الرابعة ويسجدونها معه غير الامام الاول والثانى والثالث لانهم ما صلوا هذه الركعة بعد ثم يقوم الامام الاول فيقضى ثلاث ركعات والامام الثاني ركعتين والامام الثالث الركعة الرابعة بغير قراءة لانهم مدركون لاول الصلاة ثم يسلم الخامس ويسجد للسهو والقوم معه وكل امام فرغ من اتمام صلاته وأدركه

[ 242 ]

تابعه في سجود السهو ومن لم يفرغ أخر سجود السهو إلى آخر صلاته (والفصل الثاني) في الائمة الاربعة إذا كانوا مسبوقين وقد صلى كل واحد منهم ركعة وسجدة ثم أحدث الرابع وقدم رجلا خامسا وتوضأ الائمة الاربعة وجاؤا فينبغي للخامس أن يسجد السجدة الاولى ويسجدها معه القوم والامام الاول ولا يسجدها معه الامام الثاني والثالث والرابع لانهم مسبوقون في تلك الركعة وفي رواية النوادر يسجدونها معه للمتابعة ثم يسجد السجدة الثانية ويسجدها معه القوم والامام الثاني لانه صلى تلك الركعة بعد ولا يسجدها معه الامام الاول لانه ما صلى تلك الركعة بعد ولا الثالث ولا الرابع لانهما مسبوقان في هذه الركعة الا على رواية النوادر ثم يسجد الثالثة ويسجدها معه القوم والامام الثالث لانه صلوا هذه الركعة ولم يسجدوا هذه السجدة ثم يسجد الرابعة ويسجدها معه القوم والامام الرابع ثم يتشهد ويتأخر ويقدم سادسا ليسلم بهم ويسجد سجدتي السهو ثم يقوم الخامس فيصلى أربع ركعات لانه مسبوق فيها فيقرأ في الاوليين وفى الاخريين هو بالخيار وأما الامام الاول يقضى ثلاث ركعات بغير قراءة لانه أدرك أول الصلاة ولا قراءة على اللاحق فيما يقضى والامام الثاني يقضى ركعتين بغير قراءة لانه لا حق فيهما ثم ركعة بقراءة والامام الثالث يقضى الرابعة أولا بغير قراءة ثم يقضى ركعتين بقراءة لانه مسبوق فيهما والامام الرابع يقضى ثلاث ركعات يقرأ في ركعتين منها وفى الثالثة هو بالخيار لانه مسبوق فيها (فان قيل) لماذا أورد هذا المسائل مع تيقن كل عاقل بأنها لا تقع ولا يحتاج إليها (قلنا) لا يتهيأ للمرء أن يعلم ما يحتاج إليه الا بتعلم ما لا يحتاج إليه فيصير الكل من جملة ما يحتاج إليه لهذا الطريق وانما يستعد للبلاء قبل نزوله * قال (مسافر أم مسافرين فصلى بهم ركعة ثم نوى الاقامة فعليه أن يكمل بهم الصلاة) لان نيته استندت إلى أول الصلاة وهم قد التزموا متابعته فعليهم ما عليه من اتمام الصلاة بخلاف ما إذا كان الناوى للاقامة خليفة الامام المسافر لان القوم ما التزموا متابعته وانما لزمهم ذلك لضرورة اصلاح صلاتهم ففيما وراء ذلك ليس عليهم متابعته * قال (امام أحدث فاستخلف مدركا ثم نام خلفه حتى صلى الامام ركعة وقدمه فان تأخر هو وقدم غيره فهو أولى) لان غيره أقدر على اتمام صلاة الامام فانه محتاج إلى البداءة بما فرغ منه الامام وان لم يفعل ولكنه أشار عليهم بأن ينتظروه ليصلى ركعة أولا ثم يصلى بهم بقية الصلاة جاز أيضا لانه شريك الامام

[ 243 ]

فيصلح أن يكون خليفة الامام وان لم يفعل ولكنه صلى بهم الثلاث ركعات بقية صلاة الامام وتشهد ثم قدم مدركا وسلم بهم وقام وقضى ما عليه أجزأه ذلك عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى لا يجزئه لانه مأمور بالبداءة بالركعة الاولى فإذا لم يفعل فقد ترك الترتيب المأمور به فتفسد صلاته كالمسبوق إذا بدأ بقضاء ما فاته قبل أن يتابع الامام فيما أدرك معه (ولنا) أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة واجبة وليست بركن ألا ترى أنه لو ترك سجدة من الركعة الاولى إلى آخر صلاته لم تفسد صلاته وان المسبوق إذا أدرك الامام في السجود يتابعه فيه فدل أن مراعاة الترتيب في صلاة واحدة ليست بركن فتركها لا يفسد الصلاة بخلاف المسبوق ففساد صلاته هناك للعمل بالمنسوخ لا لترك الترتيب ولان حكم ما هو مسبوق فيه مخالف لحكم ما أدركه معه لانه فيما هو مسبوق فيه كالمنفرد فإذا انفرد في موضع يحق عليه الاقتداء تفسد صلاته صلاته وههنا حكم الكل واحد في حقه فترك الترتيب لا يكون مفسدا صلاته * قال (وان صلى بهم ركعة ثم ذكر ركعته تلك فالافضل أن يومئ إليهم لينتظروه حتى يقضى تلك الركعة ثم يصلى بهم بقية الصلاة) كما كان في الابتداء يفعله وان لم يفعل وتأخر حين تذكر ذلك وقدم رجلا منهم فصلى بهم فهو أفضل أيضا كما في الابتداء وان لم يفعل ولكنه صلى بهم وهو ذاكر لركعته أجزأه أيضا لما بينا * قال (وليس للمسافر أن يقتدى بالمقيم بعد فوات الوقت وللمقيم أن يقتدى بالمسافر في الوقت وبعد فوات الوقت) أما في الوقت فلان النبي صلى الله عليه وسلم جوز اقتداء أهل مكة بعرفات حين قال أتموا صلاتكم يا أهل مكة فانا قوم سفر وكذلك بعد فوات الوقت لان فرض المقيم لا يتعين بالاقتداء. وأما اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت يجوز ويتغير فرضه هكذا روى عن ابن عمر وابن عباس رضى الله تعالى عنهما وبعد فوات الوقت لا يصح اقتداؤه لان فرضه لا يتغير بالاقتداء فان المغير للفرض اما نية الاقامة أو الاقتداء بالمقيم ثم الفرض بعد خروج الوقت لا يتغير بنية الاقامة فكذلك الاقتداء بالمقيم وإذا لم يتغير فرضه كان هذا عقدا لا يفيد موجبه ولو صلى ركعتين وسلم كان قد فرغ قبل امامه وان أتم أربعا كان خالطا النفل بالمكتوبة قصدا وذلك لا يجوز ثم القعدة الاولى نفل في حق الامام فرض في حقه واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز على ما بينا هذا الفروق كما أمليناه من شرح الجامع * قال (والغلام المراهق إذا كان معه رجل في الصف أجزأهما

[ 244 ]

ذلك) لحديث أنس رضى الله تعالى عنه فأقامني واليتيم من ورائه * قال (رجل ترك صلاة واحدة ثم صلى شهرا وهو ذاكر لها فعليه أن يقضى تلك الصلاة وحدها استحسانا) وان كان صلى يوما أو أقل من ذلك أعاد ما صلى بعدها في هذه عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهذه المسألة التى يقال لها واحدة تفسد خمسا وواحدة تصحح خمسا لانه ان صلى السادسة قبل الاشتغال بالقضاء صح الخمس عنده وان أدى المتروكة قبل أن يصلى السادسة فسد الخمس وعلى قولهما عليه قضاء الفائتة وخمس صلوات بعدها وهو القياس لان الخمس فسدت بسبب ترك الترتيب حتى لو اشتغل بالقضاء في ذلك الوقت كان عليه قضاء الكل فبتأخر القضاء لا ينقلب صحيحا وأبو حنيفة رضى الله تعالى عنه يقول الفساد كان بوجوب مراعاة الترتيب وقد سقط ذلك عنه بالاتفاق عند تطاول الزمان والدليل عليه أنه لو أعادها غير مرتب يجوز فكيف يلزمه اعادتها لترك الترتيب مع أنه ليس عليه مراعاة الترتيب بالاعادة ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلاة المؤداة على ما تبين في الثاني كمصلى الظهر يوم الجمعة ان أدرك الجمعة تبين أن المؤداة كانت تطوعا والا كان فرضا وصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها وصلت صلوات ثم عاودها الدم تبين انها لم تكن صلاة صحيحة وان لم يعاودها كانت صحيحة قال وإذا زاد على أيام عادتها فإذا انقطع لتمام العشرة تبين أن الكل حيض وليس عليها قضاء الصلوات وان جاوزها كان عليها قضاء الصلوات) وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى إذا صلى الحاج المغرب في طريق المزدلفة فعليهم اعادتها ان وصل إلى المزدلفة قبل طلوع الفجر وان لم يصل فليس عليهم اعادتها فهذا مثله. وحاصل كلام أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان هذا الصلوات مؤداة في أوقاتها والفساد بسبب ترك الترتيب فساد ضعيف فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب وهما يقولان ما يحكم بفساده لمراعاة الترتيب لا يصح لسقوط الترتيب كمن افتتح الصلاة في أول الوقت وهو ذاكر للفائتة فطولها حتى يضيق الوقت لم يحكم بجوازها الا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال هناك لم يسقط الترتيب لان بعد السقوط لا يعود الترتيب وهناك إذا خرج الوقت فعليه مراعاة الترتيب وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يلزمه اعادة المتروكة وصلاة شهر بعده بناء على مذهبه في حد الكثرة التى سقط بها الترتيب وقد بينا * قال (رجل صلى الظهر على غير وضوء ثم صلى العصر على وضوء ذاكر الذلك وهو يظن أنه يجزئه فعليه أن يعيدها جميعا) لوجوب مراعاة الترتيب وظنه جهل فلا

[ 245 ]

يسقط عنه ما هو مستحق عليه وكان الحسن بن زياد رحمه الله تعالى يقول انما يجب مراعاة الترتيب على من يعلم فأما من لا يعلم فليس عليه ذلك لانه ضعيف في نفسه فلا يثبت حكمه في حق من لا يعلم به وكان زفر رحمه الله تعالى يقول إذا كان عنده ان ذلك يجزئه فهو في معنى الناسي للفائتة فيجزئه فرض الوقت (ولنا) أن نقول إذا كان الرجل مجتهدا قد ظهر عنده ان مراعاة الترتيب ليس بفرض فهو دليل شرعى وكذلك إذا كان ناسيا فهو معذور غير مخاطب بأداء الفائتة قبل أن يتذكر فأما إذا كان ذاكرا وهو غير مجتهد فمجرد ظنه ليس بدليل شرعى فلا يعتبر فان أعاد الظهر وحدها ثم صلى المغرب وهو يظن ان العصر له جائز قال يجزئه المغرب ويعيد العصر فقط لان ظنه هذا استند إلى خلاف معتبر بين العلماء فكان دليلا شرعيا وحاصل الفرق ان فساد الصلاة بترك الطهارة فساد قوى مجمع عليه فيظهر أثره فيما يؤدى بعده فأما فساد العصر بسبب تذكر الترتيب فساد ضعيف مختلف فيه فلا يتعدى حكمه إلى صلاة أخرى فهو كمن جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد بطل العقد فيهما بخلاف مااذا جمع بين قن ومدبر * قال (رجل أسلم في دار الحرب فمكث فيها شهرا ولم يصل ولم يعلم ان عليه الصلاة فليس عليه قضاؤها) وقال زفر رحمه الله تعالى عليه قضاؤها لان بقبول الاسلام صار ملتزما لما هو من أحكامه ولكن قصر عنه خطاب الاداء لجهله به وذلك غير مسقط للقضاء بعد تقرر السبب الموجب كالنائم إذا انتبه بعد مضى وقت الصلاة عليه. وجه قولنا أن ما يجب بخطاب الشرع لا يثبت حكمه في حق المخاطب قبل علمه به ألا ترى أن أهل قباء افتتحوا الصلاة إلى بيت المقدس بعد فرضية التوجه إلى الكعبة وجوز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لم يبلغهم. وشرب بعض الصحابة الخمر بعد نزول تحريمها قبل علمه بذلك وفيه نزل قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وهذا لان الخطاب بحسب الوسع وليس في وسع المخاطب الائتمار قبل العلم فلو ثبت حكم الخطاب في حقه كان فيه من الحرج مالا يخفى ولهذا قلنا ان عزل الوكيل والحجر على المأذون لا يثبت في حقه ما لم يعلم (وان كان ذميا أسلم في دار الاسلام فعليه قضاؤها استحسانا) وفى القياس لاقضاء عليه أيضا وهو الحد لما بينا. ووجه الاستحسان هو أن الخطاب شائع في دار الاسلام فيقوم شيوع الخطاب مقام العلم لانه ليس في وسع المبلغ أن يبلغ كل أحد انما الذى وسعه أن يجعل الخطاب شائعا وهذا لانه في دار الاسلام يسمع الاذان

[ 246 ]

والاقامة ويرى شهود الناس الجماعات في كل وقت فانما يشتبه عليه ما لا يشتبه ولان في دار الاسلام يجد من يسأل منه فترك السؤال تقصير منه بخلاف دار الحرب فان بلغه في دار الحرب رجل واحد فعليه القضاء فيما ترك بعد ذلك عندهما وهو احدى الروايتين عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما لم يخبره رجلان أو رجل وامرأتان لا يلزمه القضاء لان هذا خبر ملزم ومن أصله اشتراط العدد في الخبر الملزم كما قال في حق الحجر على المأذون وعزل الوكيل والاخبار بجناية العبد. وجه الرواية الاخرى وهو الاصح أن كل أحد مأمور من صاحب الشرع بالتبليغ قال عليه الصلاة والسلام نضر الله أمرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من لم يسمعها فهذا المبلغ نظير الرسول من المولى والموكل وخبر الرسول هناك ملزم فههنا كذلك * قال (رجل ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين لا يدرى لعل الظهر الذى ترك أولا أو العصر فانه يتحرى في ذلك) لان عليه مراعاة الترتيب ولا يتوصل إليها الا بالتحرى فعليه أن يتحرى كما إذا اشتبهت عليه القبلة فان لم يكن له في ذلك رأى وأراد الاخذ بالثقة صلاهما ثم أعاد الاولى منهما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقالا ليس عليه سوى التحرى لانا نعلم يقينا أنه ما ترك الاصلاتين فكيف يلزمه قضاء ثلاث صلوات وهذا نظير من اشتبهت عليه القبلة لا يؤمر بالصلاة إلى الجهات كلها احتياطا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول الاخذ بالاحتياط في العبادات أصل وفى اعادة الاولى منهما تيقن بأداء ما كان عليه من الترتيب بخلاف أمر القبلة فان الصلاة إلى غير جهة القبلة لا تكون قربة فلا يحصل معنى الاحتياط بمباشرة ما ليس بقربة. فأما ههنا اعادة الاولى اما أن تكون فرضا أو نفلا وهو قربة وهو نظير من تذكر فأئتة لا يدرى أيما هي من صلوات اليوم أو الليلة فعليه صلاة يوم وليلة احتياطا وكذلك لو تذكر أنه ترك سجدة من صلاة وكان محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله تعالى يقول يعيد الفجر والمغرب ثم يصلى أربعا بنية ما عليه ومن أصحابنا من يقول يصلى أربع ركعات بنية ما عليه بثلاث قعدات وهذا كله فاسد فان القضاء لا يتأدى الا بتعيين النية وفيما قالوا تضييع النية فكيف يتأدى به القضاء والصحيح ما قلنا أنه يعيد صلاة يوم وليلة احتياطا فهذا مثله * قال (رجل أم نساء ليس معهن رجل فأحدث فذهب وتوضأ فصلاته تامة وصلاة النسوة فاسدة) لان الامام في حق نفسه كالمنفرد لا تتعلق صلاته بصلاة غيره ولم يبق للنسوة امام في المسجد فتفسد

[ 247 ]

صلاتهن لهذا * قال (فان استخلف امرأة فسدت صلاته وصلاتهن) وقال زفر رحمه الله تعالى تجوز صلاة النسوة لان المرأة تصلح لامامة النساء دون الرجل بدليل الابتداء ولكنا نقول اشتغاله باستخلاف من لا يصلح أن يكون خليفة له مفسد لصلاته فانما فسدت صلاته قبل تحول الامامة منه إلى غيره فتفسد به صلاة المقتدين * قال (فان تقدمت امرأة منهن من غير أن يقدمها قبل أن يخرج من المسجد فهذا والاول سواء) وهذا جواب مبهم فقد تقدم فصلان حكمهما مختلف ثم ذكر الفصل الثالث ولم يبين بأى فصل يعتبره فمن أصحابنا من قال معناه هذا واستخلاف الامام اياها سواء حتى تفسد صلاة الامام لما بينا في باب الحدث لانه لا فرق بين تقدم واحد من القوم وبين تقديم الامام اياه والاصح أن هذا نظير الفصل الاول حتى لا تفسد صلاة الامام لانه لم يشتغل باستخلاف من لا يصلح خليفة له وليس للنساء عليه ولاية في افساد الصلاة فصار في حقه كأن لم يقدم واحدة منهن فتجوز صلاته لانه في حق نفسه كالمنفرد * قال (مسافر صلى الظهر ركعتين بغير قراءة ثم نوى المقام فعليه أن يصلى ركعتين بقراءة) وهو والمقيم فيه سواء عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى صلاته فاسدة وهذا بناء على ما سبق أن فساد الصلاة بترك القراءة يخرجه من حرمة الصلاة عند محمد رحمه الله تعالى ولا يخرجه منها عندهما وأما على سبيل الابتداء فههنا حجة محمد رحمه الله تعالى ان ظهر المسافر كفجر المقيم ثم الفجر في حق المقيم يفسد بترك القراءة فيهما أو في احداهما على وجه لا يمكنه اصلاح صلاته الا بالاستقبال فكذلك الظهر في حق المسافر إذ لا تأثير لنية الاقامة في رفع الفساد ولهما أن نية الاقامة في آخر الصلاة كهي في أولها ولو كان مقيما في أولها لم تفسد صلاته بترك القراءة في الاوليين فهذا مثله وتبين بهذا أن المفسد لم يتقرر لان صلاة المسافر بعرض أن يلحقه مدد نية الاقامة والمفسد خلو الصلاة عن القراءة في ركعتين منها ولا يتحقق ذلك بترك القراءة في الاوليين بخلاف فجر المقيم وكذلك ان قام إلى الثالثة وركع ثم نوى الاقامة الا أنه أن كان لم يقرأ في الاوليين يعيد القراءة وان كان قرأ في الاوليين يعيد القيام والركوع لان ما أدى كان نفلا لانه حين قام إلى الثالثة لم يكن نوى الاقامة فكانت هذه الركعة بقدر ما أدى إلى وقت نية الاقامة نافلة فلا تنوب عن الفرض فكان عليه الاعادة لهذا * قال (مسافر دخل في صلاة المقيم ثم ذهب الوقت لم تفسد صلاته) لان الاتمام لزمه بالشروع مع الامام في الوقت فالتحق بغيره من

[ 248 ]

المقيمين بخلاف ما لو اقتدى به بعد خروج الوقت فان الاتمام لم يلزمه بهذا الاقتداء فان أفسدها الامام على نفسه كان على المسافر أن يصلى صلاة السفر لان وجوب الاتمام عليه بمتابعة الامام وقد زال ذلك بالافساد (فان قيل) فقد كان هو مقيما في هذه الصلاة عند خروج الوقت فبأن صار في حكم المسافر بعد خروج الوقت لا يتغير ذلك الفرض (قلنا) لم يكن مقيما فيها وانما يلزمه الاتمام لمتابعة الامام ألا ترى أنه لو أفسد الاقتداء في الوقت كان يصلى صلاة السفر والقصر في السفر في الظهر والعصر والعشاء لان القصر عبارة عن سقوط شطر الصلاة وفى هذه الصلاة بعد سقوط الشطر تبقى صلاته كاملة بخلاف الفجر فان بعد سقوط الشطر منها لا يبقى الا ركعة وهى لا تكون صلاة تامة وكذلك في المغرب بعد سقوط شطر منها لا تبقى صلاة تامة فلهذا لم يدخلها القصر والسنن والتطوعات لا يدخلها القصر بسبب السفر لان القصر في الصلاة بسبب السفر توقيف لم يعرف بالرأى ومن الناس من قال بترك السنن في السفر ويروون عن بعض الصحابة انه قال لو أتيت بالسنن لاتممت الفريضة وتأويل هذا عندنا في حالة الخوف على وجه لا يمكنه المكث في موضع لاداء السنن * قال (ويخفف القراءة في جميع الصلوات) لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر في السفر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وأطال القراءة في صلاة الفجر ولان السفر لما أسقط عنه شطر الصلاة دفعا للحرج فلان يسقط مراعاة سنة القراءة أولى ولكن المستحب أن تكون قراءته في الفجر والظهر أطول اعتبارا بحالة الاقامة فيقرأ والسماء والطارق والشمس وضحاها وما أشبههما وفى العصر والمغرب والعشاء قل هو الله أحد وما أشبهها * قال (ودخول المسافر في صلاة المقيم يلزمه الا كمال ان دخل في أولها أو في آخرها قبل السلام) لان الاقتداء بالمقيم في تغير الفرض كنية الاقامة ولا فرق فيه بين أول الصلاة وآخرها فهذا مثله * قال (وتوطين أهل العسكر أنفسهم على الاقامة وهم في دار الحرب محاصرون لاهل المدينة ساقط وهم مسافرون) لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن رجلا سأله فقال انا نطيل الثوى في دار الحرب فقال صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك ولان نية الاقامة لا تصح الا في موضع الاقامة ودار الحرب ليس بموضع لاقامة المحاربين من المسلمين لانه غير متمكن من الفرار بنفسه بل هو بين أن يهزم العدو فيفر وبين أن ينهزم فيفر ولان فناء البلدة تبع لجوفها والبلدة في يد أهل الحرب فالموضع الذى فيه العسكر كان في أيديهم أيضا

[ 249 ]

حكما وكذلك إذا نزلوا المدينة وحاصروا أهلها في الحصن فلا قرار لهم ماداموا محاربين فكان نية الاقامة في غير موضع الاقامة مقاس نية السفر في غير موضعها وكذلك ان حاربوا أهل البغى في دار الاسلام وحاصروهم وقال زفر رحمه الله تعالى في الفصلين جميعا ان كانت الشوكة والغلبة للعدو لم تصح نيتهم الاقامة وان كانت الشوكة لهم صحت نيتهم الاقامة لانهم يتمكنون من الفرار باعتبار الظاهر وقال ابو يوسف رحمه الله تعالى ان كانوا في الاخبية والفساطيط خارج البلدة لم تصح نيتهم الاقامة وان كانوا في البيوت والابنية صحت نيتهم الاقامة لان الابنية موضع الاقامة دون الصحراء وعلى هذا اختلف المتأخرون في الذين يسكنون الاخبية في دار الاسلام كالاعراب والا تراك فمنهم من يقول لا يكونون مقيمين أبدا لانهم ليسوا في موضع الاقامة والاصح أنهم مقيمون لان الاقامة للمرء أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر قط انما ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى فكانوا مقيمين باعتبار الاصل * قال (وإذا مر الامام بمدينة وهو مسافر فصلى بهم الجمعة أجزأه وأجزأهم) وقال زفر رحمه الله تعالى لا يجوز لانه لا جمعة على المسافر قال صلى الله عليه وسلم أربعة لا جمعة عليهم المسافر والمريض والعبد والمرأة فكان هذا في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل ولكنا نقول قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بمكة وهو كان مسافرا بها ثم صلاة الجمعة من غيره في هذا الموضع انما تجوز بأمره فلان تجوز منه أولى وانما لا يجب الحضور على المسافر لدفع الحرج فإذا حضر وأدى كان مفترضا كالمريض وكذلك الامير يطوف في بلاد عمله وهو مسافر فهو والامام سواء في هذا * قال (ويصلى المسافر التطوع على دابته بايماء حيثما توجهت به) لحديث أبن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى على دابته تطوعا حيثما توجهت به وتلا قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله وعن جابر رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة انما يتطوع على دابته بالايماء ووجهه الي المشرق الا أن في حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنه أنه كان ينزل للوتر والمكتوبة وفي حديث جابر رضى الله تعالى عنه ذكر أنه كان يوتر على دابته وينزل للمكتوبة ولو لم يكن له في التطوع على الدابة من المنفعة الا حفظ اللسان وحفظ النفس عن الوساوس والخواطر الفاسدة لكان ذلك كافيا * قال (وان كان على سرجه قذر فكذلك تجوز صلاته) وكان محمد بن مقاتل وأبو حفص النجارى رحمهما الله تعالى يقولان لا تجوز إذا كانت النجاسة في

[ 250 ]

موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم اعتبارا للصلاة على الدابة بالصلاة على الارض وكانا يقولان تأويل ما ذكره من القذارة عرق الدابة وأكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى يقولون تجوز لما قال في الكتاب والدابة أشد من ذلك يعنى أن باطنها لا يخلو عن النجاسات ويترك عليها الركوع والسجود مع التمكن من النزول والاداء والاركان أقوى من الشرائط فإذا سقط اعتبار الاركان هنا لحاجة فشرط طهارة المكان أولى ثم الايماء لا يصيب موضعه انما هو اشارة في الهواء وانما يشترط طهارة الموضع الذى يؤدى عليه ركنا وهو لا يؤدى على موضع سرجه وركابيه ركنا فلا تضره نجاستهما. وكذلك المقيم يخرج من مصره فرسخين أو ثلاثة فله أن يتطوع على دابته لانه في معنى المسافر يحتاج إلى قطع الوساوس عن نفسه ولا سير على الدابة هاهنا مديد كسير المسافر ولم يذكر في الكتاب إذا كان راكبا في المصر هل يتطوع على دابته وذكر في الهارونيات أن عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز التطوع على الدابة في المصر وعند محمد رحمه الله تعالى يجوز ويكره عند أبى يوسف رحمه الله تعالى لا بأس به وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال التطوع على الدابة بالايماء جوزناه بالنص بخلاف القياس وانما ورد النص به خارج المصر والمصر في هذا ليس في معنى خارج المصر لان سيره على الدابة في المصر لا يكون مديدا عادة فرجعنا فيه إلى أصل القياس. وحكى أن أبا يوسف رحمه الله تعالى لما سمع هذا من أبى حنيفة رحمه الله تعالى قال حدثنى فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة وكان يصلى وهو راكب فلم يرفع أبو حنيفة رحمه الله تعالى رأسه قيل انما لم يرفع رجوعا منه إلى الحديث وقيل بل هذا حديث شاذ فيما تعم به البلوى والشاذ في مثله لا يكون حجة عنده فلهذا لم يرفع رأسه وأبو يوسف رحمه الله تعالى أخذ بالحديث ومحمد رحمه الله تعالى كذلك الا أنه كره ذلك في المصر لان اللغط يكثر فيها فلكثرة اللغط ربما يبتلى بالغلط في القراءة فلذلك كره * قال (ولا يصلى المسافر المكتوبة على الدابة من غير عذر) لان المكتوبة في أوقات محصورة فلا يشق عليه النزول لا دائها فيها بخلاف التطوع فانه ليس بمقدر بشئ فلو ألزمناه النزول لادائها تعذر عليه إذا ما ينشطه فيه من التطوعات أو ينقطع سفره وكذلك ينزل للوتر عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانها واجبة وعندهما له أن يؤتر على الدابة لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان مع أصحابه في سفر فمطروا

[ 251 ]

فأمر مناديا ينادى حتى نادى صلوا على رواحلكم فنزل ابن رواحة فطلب موضعا يصلى فيه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فلما أقبل إليه فقال أما انه يأتيكم وقد لقن حجته قال ألم تسمع ما أمرت به أمالك في أسوة قال يارسول الله أنت تسعى في رقبة قد فكت وأنا أسعى في رقبة لم يظهر فكاكها قال ألم أقل لكم انه يأتيكم وقد لقن حجته ثم قال له أنى لارجو على هذا أن أكون أخشاكم لله تعالى فقد جوز لهم الصلاة على الدابة عند تعذر النزول بسبب المطر فكذلك بسبب الخوف من سبع أو عدو ولان مواضع الضرورة مستثناة * قال (وإذا افتتح التطوع على الارض ثم ركب فأتمها راكبا لم تجزه ولو افتتحها راكبا ثم نزل فأتمها أجزأه) قيل لان النزول عمل يسير والركوب عمل كثير لانه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين عادة وفى النزول يجعل رجليه من جانب فينزل من غير حاجة إلى معالجة وقيل إذا افتتح على الارض فلو أتمها راكبا كان دون ما شرع فيها لانه شرع فيها بركوع وسجود والايماء دون ذلك والراكب إذا نزل يؤديها أتم مما شرع فيها لانه شرع فيها بالايماء ويؤديها بركوع وسجود وعن زفر رحمه الله تعالى فيهما جميعا يبنى لانه لما جاز له افتتاح التطوع على الدابة بالايماء مع القدرة على النزول فالاتمام أولى وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى فيهما جميعا يستقبل لانه لو بنى بعد النزول كان هذا بناء القوى على الضعيف وذلك لا يجوز كالمريض المومئ يقدر على الركوع والسجود في خلال الصلاة وفى ظاهر الرواية فرق فقال هناك ليس له أن يفتتح بالايماء على الدابة مع القدرة على الركوع والسجود فكذلك إذا قدر على ذلك في خلال الصلاة لا يبنى وبينا له أن يفتتح بالايماء على الدابة مع القدرة على الركوع والسجود فقدرته على ذلك بالنزول لا تمنعه من البناء * قال (ومن قال لله على أن أصلى ركعتي فصلاهما على الدابة من غير عذر لم يجز) اعتبارا بما يوجبه على نفسه بما أوجب الله عليه وكذلك ان سمع تلاوة على الارض فسجدها على الدابة بالايماء لم تجزه لانها لزمته بالسجود بالسماع على الارض حيث سمعها قبل الركوب ولو سمعها وهو راكب فسجدها بالايماء جاز لانه أداها كما لو التزمها ولو سجد على الارض أجزأه لانه أداها أتم مما التزمها * قال (رجلان في محل اقتدى أحدهما بالآخر في التطوع أجزأهما) كما لو كانا على الارض إذ ليس بين المقتدى والامام ما يمنع من الاقتداء ويكره له أن يأتم إذا كان عن يسار الامام اعتبارا بما لو كان على الارض وان كان كل واحد منهما على

[ 252 ]

دابة لم تجز صلاة المؤتم لان بين الدابتين طريقا والطريق العظيم بين المقتدى والامام يمنع الاقتداء وعن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى قال أستحسن أن يجوز اقتداؤه بالامام إذا كانت دابتهم بالقرب من دابة الامام على وجه لا يكون الفرجة بينهم وبين الامام الا بقدر الصف بالقياس على الصلاة على الارض * قال (ونية اللاحق للاقامة وهو في قضاء ما عليه وقد فرغ الامام من صلاته ساقطة لا يلزمه الاتمام) لانه فيما يتم مقتد بالامام فنيته في هذه الحالة كنية امامه ونية الامام للاقامة لا يلزمه اتمام هذه الصلاة ويعني بعد ما فرغ منها فكذلك نيته (فان قيل) نية المقتدى معتبرة في حقه ما لم يخرج من حرمة الصلاة وفي حق الامام انما تعتبر بخروجه عن حرمة الصلاة (قلنا) المقتدي تبع فيجعل كالخارج من الصلاة حكما لخروج امامه منها وكذلك لو دخل مصره فان دخول موضع الاقامة ونية الاقامة في الحكم سواء ونية المسبوق في قضاء ما عليه للاقامة أو دخوله مصره يلزمه الاتمام لان المسبوق فيما يقضى كالمنفرد ونية المنفرد الاقامة معبر فرضه في الوقت فكذلك نية المسبوق لانه أصل بنفسه ونية المنفرد الاقامة بعد خروج الوقت في صلاة افتتحها في الوقت ساقطة وكذلك دخوله المصر لان بخروج الوقت صار صلاة السفر دينا في ذمته فلا يتغير باقامته فأما في الوقت لا يصير دينا في ذمته بعد ألا ترى أن في الوقت يسقط بعذر الحيض وبعد خروج الوقت لا يسقط * قال (خراساني قدم الكوفة فأقام بها شهرا ثم خرج منها إلى الحيرة فوطن نفسه على اقامة خمسة عشر يوما ثم خرج منها يريد خراسان ويمر بالكوفة فانه يصلى ركعتين) لان وطنه بالكوفة كان وطنا مستعارا فانتقض بمثله * فالحاصل أن الاوطان ثلاثة. وطن قرار ويسمى الوطن الاصلى وهو أنه إذا نشأ ببلدة أو تأهل بها توطن بها. ووطن مستعار وهو أن ينوى المسافر المقام في موضع خمسة عشر يوما وهو بعيد عن وطنه الاصلى ووطن سكنى وهو أن ينوى المسافر المقام في موضع أقل من خمسة عشر يوما أو خمسة عشر يوما وهو قريب من وطنه الاصلى ثم الوطن الاصلى لا ينقضه الا وطن أصلي مثله والوطن المستعار ينقضه الوطن الاصلى ووطن مستعار مثله والسفر لا ينقضه وطن السكنى لانه دونه ووطن السكنى ينقضه كل شئ الا الخروج منه لاعلى نية السفر. وقد قررنا هذا الاصل فيما أمليناه من شرح الزيادات فأكثر المسائل على هذا الاصل بخروجها ثمة والقدر الذى ذكرنا ههنا ما بينا انه حين توطن بالحيرة خمسة عشر يوما كان هذا وطنا مستعارا له فانتقض به

[ 253 ]

وطنه بالكوفة والتحق بمن لم يدخلها قط فلهذا يصلى بها ركعتين وان لم يوطن على اقامة خمسة عشر يوما بالحيرة صلى بالكوفة أربعا ما لم يخرج منها فان الحيرة كانت وطن السكنى له فلم ينتقض به وطنه بالكوفة فهو مقيم بها ما لم يخرج على قصد خراسان منها * قال (كوفى خرج إلى القادسية لحاجة ثم خرج منها إلى الحفيرة ثم خرج من الحفيرة يريد الشام وله بالقادسية نقل يريد أن يحمله منها من غير ان يمر بالكوفة فانه يصلى بها ركعتين) لان القادسية كانت وطن السكنى في حقه سواء عزم على الاقامة بها خمسة عشر يوما أو لم يعزم لانه من فناء الوطن الاصلى فان بينها وبين الكوفة دون مسيرة السفر فلما خرج إلى الحفيرة انتقض وطنه بالقادسية لان وطن السكنى ينقضه مثله وقد ظهر له بالحفيرة وطن السكنى فالتحق بمن لم يدخل القادسية فلهذا صلى بها ركعتين وشرطه أن لا يمر بالكوفة لانه إذا كان يمر بها فقد عزم على الرجوع إلى وطنه الا صلى وبينه وبين وطنه الاصلى دون مسيرة السفر فكان مقيما من ساعته * قال (وان كان لم يأت الحفيرة ولكنه خرج من القادسية لحاجة حتى إذا كان قريبا من الحفيرة بدا له أن يرجع إلى القادسية فيحمل ثقله منها ويرتحل إلى الشام ولا يمر بالكوفة صلى أربعا حتى يرتحل من القادسية استحسانا) وفى القياس يصلى ركعتين لان وطن السكنى الذى كان له بالقادسية قد انتقض بخروجه منها على قصد الحفيرة كما ينتقض لو دخلها ولكنه استحسن فقال القادسية كانت لى وطن السكنى ولم يظهر له بقصد الحفيرة وطن سكني آخر ما لم يدخلها فبقى وطنه بالقادسية أرأيت لو خرج منها لبول أو غائط أو تشييع جنازة أو لا ستقبال قادم أكان ينتقض وطنه بهذا القدر من الخروج لا ينتقض فكذلك بالخروج إلى الحفيرة ما لم يدخلها فلهذا صلى بالقادسية أربعا حتى يرتحل منها (تم الباب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب) (وبتمامه يتم الجزء الاول من التقسيم الذى أجرينا الطبع على اعتباره) (ويتلوه الجزء الثاني وأوله باب الصلاة في السفينة)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية