الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إعانة الطالبين - البكري الدمياطي ج 2

إعانة الطالبين

البكري الدمياطي ج 2


[ 1 ]

حاشية اعانة الطالبين للعلامة أبى بكر المشهور بالسيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي

[ 3 ]

حاشية اعانة الطالبين للعلامة أبى بكر المشهور بالسيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي على حل الفاظ فتح المعين قره المعين لشرح قره العين بمهمات الدين لزين الدين بن عبد العزيز المليبارى الفنانى

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة الجماعة (1) أي في بيان ما يتعلق بالصلاة من حيث الجماعة، من: شروطها، وآدابها، ومكروهاتها، ومسقطاتها، وحقيقة الجماعة هنا: الارتباط الحاصل بين الامام والمأموم، ولو واحدا، وهي من خصائص هذه الامة، كالجمعة والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء. قال المناوي: وحكمة مشروعيتها: قيام نظام الالفة بين المصلين، ولذا شرعت المساجد في المحال ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلاة بين الجيران، ولانه قد يعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ولان مراتب الناس متفاوتة في العبادة، فتعود بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاة الجميع. اه‍. وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها: الخبر المتفق عليه الآتي، ومنها: ما رواه الطبراني عن أنس: من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة: فهي كحجة، ومن مشى إلى الصلاة تطوع: فهي كعمرة نافلة. ومنها: ما رواه الترمذي عن أنس أيضا: من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الاولى كتب له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق. وفي (المنح السنية على الوصية المتبولية) للقطب الشعراني ما نصه: وقد كان السلف يعدون فوات صلاة الجماعة مصيبة. وقد وقع أن بعضهم خرج إلى حائط له - يعني حديقة نخل - فرجع وقد صلى الناس صلاة العصر، فقال: إنا لله فاتتني صلاة الجماعة أشهدكم علي أن حائطي على المساكين صدقة. وفاتت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صلاة العشاء في الجماعة، فصلى تلك الليلة حتى طلع الفجر جبرا لما فاته من صلاة العشاء في الجماعة. وعن عبيد الله بن عمر القواريري رحمه الله تعالى قال: لم تكن تفوتني صلاة في الجماعة، فنزل بي ضيف، فشغلت بسببه عن صلاة العشاء في المسجد، فخرجت أطلب المسجد لاصلي فيه مع الناس، فإذا المساجد كلها قد


(1) ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم كثير من الاحاديث في فضل صلاة الجماعة والحث عليها وبيان فضلها " عن أبي سعيد الخدرى انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم 646 ط دار الفكر. وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحديث الذي تقدم، رواه البخاري الحديث رقم 645 ط دار الفكر وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صلاة الجميع تژيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة فان أحدكم المسجد كان في صلاة ما كانت تحبه وتصلي يعنى عليه الملائكة ما دام فص مجلسه الذى يصلى فيه اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه " اخرجه الخاري في صحيحه الحديث رقم 477 ط دار الفكر. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه " صلاة في الجماعة تضعف فئ‍ صلاته في بيته الحديث " أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم 647

[ 6 ]

صلى أهلها وغلقت، فرجعت إلى بيتي وأنا حزين على فوات صلاة الجماعة، الجماعة تزيد على صلاة الفذ سبعا وعشرين. فصليت العشاء سبعا وعشرين مرة، ثم نمت، فرأيتني في المنام على فرس مع قوم على خيل، وهم أمامي وأنا أركض فرسي خلفهم فلا ألحقهم، فالتفت إلي واحد منهم وقال: تتعب فرسك فلست تلحقنا. فقلت: ولم يا أخي ؟ قال: لانا صلينا العشاء في الجماعة، وأنت قد صليت وحدك فاستيقظت وأنا مهموم حزين. وقال بعض السلف: ما فاتت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب أصابه. وقد كانوا يعزون أنفسهم سبعة أيام إذا فاتت أحدهم صلاة الجماعة، وقيل ركعة، ويعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الاولى مع الامام، فاعلم ذلك يا أخي. اه‍. (قوله: وشرعت) أي الجماعة. وقوله: بالمدينة أي لا بمكة، لقهر الصحابة بها. وفي المغنى ما نصه: مكث (ص) مدة مقامه بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة، لان الصحابة رضي الله عنهم كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم، فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها، وانعقد الاجماع عليها. اه‍. واستشكل ذلك بصلاته (ص) والصحابة صبيحة الاسراء جماعة مع جبريل، وبصلاته (ص) بعلي وبخديجة، فكان أول فعلها بمكة، وكان يصلي بها (ص) جماعة. وأجيب بأن المراد يصلي بغير جماعة، أي ظاهرة أو مع المواظبة. (قوله: وأقلها) أي الجماعة. وقوله: إمام ومأموم هذا مأخوذ من قوله (ص): الجماعة إمام ومأموم. أي سواء كان الرجل مع ولده أو زوجته أو رقيقه. قال ابن الرفعة: لا يقال المشهور من مذهب الامام الشافعي رضي الله عنه أن أقل الجمع ثلاث، لانا نقول الحكم هنا على الاثنين بالجماعة أمر شرعي مأخذه التوقيف. وأقل الجمع ثلاثة بحث لغوي مأخذه اللسان. اه‍. ثم إن محل كون أقلها ما ذكر: في غير جماعة الجمعة، أما هي: فلا بد فيها من أربعين. (قوله: ثم في صبحها) أي ثم الجماعة في صبح الجمعة أفضل، لخبر: ما من صلاة أفضل من صلاة الفجر يوم الجمعة في جماعة، وما أحسب من شهدها منكم إلا مغفورا له. رواه الطبراني وصححه. وفي سم على المنهج: ولا يبعد أن كلا من عشاء الجمعة ومغربها وعصرها جماعة آكد من عشاء ومغرب وعصر غيرها - على قياس ما قيل في صبحها. اه‍. (قوله: ثم الصبح) أي في سائر الايام، وذلك لان الجماعة فيه أشق منها في بقية الصلوات، وللخبر الآتي. (قوله: ثم العشاء) أي لانها أشق بعد الصبح، ولما رواه مسلم: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله. (قوله: ثم العصر) أي لانها الصلاة الوسطى عند الجمهور. (قوله: صلاة الجماعة) أي الصلاة من حيث الجماعة، وبما ذكر اندفع ما قيل إن الصلاة واجبة مطلقا، سواء وقعت في جماعة أم لا، فلا يصح الاخبار بأنها سنة.. وحاصل الدفع أن المراد أنها سنة من حيث الجماعة، لا من حيث ذاتها. (قوله: في أداء مكتوبة) سيذكر محترز قوله في أداء، وقوله: مكتوبة. وإنما قيد بالثاني، مع أن الجماعة تسن في غيرها أيضا كالعيدين، والتروايح، لاجل الخلاف الذي سيذكره، فإنه لا يجرى إلا فيها. وأما في غيرها فهي سنة بالاتفاق. (قوله: لا جمعة) أما الجماعة فيها ففرض عين، كما يعلم من بابها. (قوله: سنة) أي سنة عين حتى على النساء، إلا أنها لا تتأكد في حقهن كتأكدها على الرجال، كما سيأتي. (قوله: للخبر المتفق عليه) دليل للسنية. (قوله: من صلاة الفذ) بالفاء والذال المعجمة، أي المنفرد. (قوله: بسبع وعشرين) في رواية: بخمس وعشرين. قال في شرح الروض: ولا منافاة، لان القليل لا ينفي الكثير، أي الاخبار بالقليل لا ينافي الاخبار بالكثير، أو أنه أخبر أولا بالقليل. ثم أخبره الله بزيادة الفضل فأخبر بها، أو أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين. (قوله: درجة) قال ابن دقيق العيد: الاظهر أن المراد بالدرجة الصلاة، لانه

[ 7 ]

ورد كذلك في بعض الروايات. وفي بعضها التعبير بالضعف، وهو مشعر بذلك أيضا. (قوله: تقتضي الندبية فقط) أي ولا تقتضي الفرضية. (قوله: وحكمة السبع والعشرين إلخ) قال في النهاية: وحكمة كونها سبعا وعشرين - كما أفاده السراج البلقيني - أن الجماعة ثلاثة، والحسنة بعشر أمثالها، فقد حصل لكل واحد عشرة، فالجملة ثلاثون، لكل واحد رأس ماله واحد، يبقى تسعة، تضرب في ثلاثة بسبع وعشرين، وربنا جل وعلا يعطي كل إنسان ما للجماعة، فصار لكل واحد سبعة وعشرون. وحكمة أن أقل الجماعة اثنان: أن ربنا جل وعلا يعطيهما بمنه وكرمه ما يعطي الثلاثة. اه‍. (قوله: أن فيها) أي في الجماعة. (وقوله: فوائد تزيد على صلاة الفذ) وهي تعيين الاسباب المقتضية للدرجات إجابة المؤذن بنية الصلاة في جماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيا، وصلاة التحية عند دخوله، كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. وانتظار الجماعة، وصلاة الملائكة عليه وشهادتهم له، وإجابة الاقامة والسلامة من الشيطان حين يفر عند الاقامة، والوقوف منتظرا إحرام الامام، وإدراك تكبيرة الامام معه، وتسوية الصفوف وسد فرجها، وجواب الامام عند قوله: سمع الله لمن حمده، والامن من السهو غالبا، وتنبيه الامام إذا سها، وحصول الخشوع، والسلامة مما يلهي غالبا، وتحسين الهيئة غالبا، واحتفاف الملائكة به، والتدرب على تجويد القرآن، وتعلم الاركان والابعاض، وإظهار شعار الاسلام، وإرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة، ونشاط المتكاسل، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به أنه ترك الصلاة، ونية رد السلام على الامام، والانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص، وقيام نظام الالفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات. فهذه خمس وعشرون خصلة، ورد في كل منها أمر أو ترغيب. وبقي أمران يختصان بالجهرية، وهما: الانصات عند قراءة الامام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة. وبهذا يترجح أن رواية السبع تختص بالجهرية. أفاده في الكردي نقلا عن الحافظ ابن حجر. (قوله: وخرج بالاداء القضاء) أي فلا تسن فيه الجماعة. (قوله: نعم، إن اتفقت مقضية الامام والمأموم) تقييد لعدم سنية الجماعة في القضاء، والمراد باتفاق ذلك: اتفاق شخصه كظهر وظهر، لا ظهر وعصر أو عشاء، لانهما مختلفان شخصا وإن اتفقا عددا. (وقوله: سنت الجماعة) أي لما في الصحيحين: أنه (ص) صلى بالصحابة جماعة حين فاتتهم في الوادي. (قوله: وإلا) أي وإن لم تتفق مقضيتهما شخصا فهي خلاف الاولى ولا تكره. (قوله: كأداء خلف إلخ) الكاف للتنظير في أن الجماعة في ذلك خلاف الاولى. (قوله: المنذورة) أي إلا إن كانت الجماعة فيها مندوبة قبل النذر - كالعيد - فتستمر على سنيتها، وتحب الجماعة فيها إذا نذرها. اه‍ بجيرمي. (قوله: والنافلة) أي التي لا تسن الجماعة فيها كالرواتب والضحى. (قوله: قال النووي إلخ) مقابل قوله سنة، ودليله خبر: ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيها الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان أي غلب. رواه ابن حبان وغيره وصححوه، ففي الحديث الوعيد على ترك الجماعة. ودل قوله: لا تقام فيهم الجماعة على أنها فرض كفاية، ولو كانت فرض عين لقال: لا يقيمون. وقوله: فرض كفاية أي في الركعة الاولى فقط، لا في جميع الصلاة وفرض الكفاية هو عبارة عن كل مهم يقصد حصوله من المكلف من غير نظر بالذات إلى فاعله، فخرج فرض العين، فإنه منظور فيه بالذات إلى فاعله، حيث قصد حصوله من كل مكلف، ولم يكتف فيه بقيام غيره به عنه. اه‍ بجيرمي. (قوله: للرجال إلخ) خرج بهم النساء والخناثى. وقوله: البالغين خرج بهم الصبيان. وقوله: الاحرار خرج بهم الارقاء. وقوله: المقيمين خرج بهم المسافرون. وقوله: في المؤداة خرج بها ما عداها. وزيد على ذلك شرطان: أن يكونوا مستورين، وأن يكونوا غير معذورين. وخرج بذلك العراة والمعذورون بشئ من أعذار الجماعة.

[ 8 ]

ففي الجميع ليست الجماعة فرض كفاية. (قوله: بحيث يظهر شعارها) أي الجماعة. والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي ويحصل فرض الكفاية بحيث - أي بحالة هي - ظهور الشعار. وفي التحفة: الشعار، بفتح أوله وكسره لغة: العلامة، والمراد به هنا - كما هو ظاهر - ظهور أجل علامات الايمان وهي الصلاة، بظهور أجل صفاتها الظاهرة، وهي الجماعة اه‍. وقوله: بمحل إقامتها أي الجماعة. ويختلف ظهور الشعار فيه باختلافه كبرا وصغرا. ففي القرية الصغيرة عرفا يكفي إقامتها في محل، وفي الكبيرة والبلد تقام في محال بحيث يمكن قاصدها أن يدركها من غير كثير تعب. والمدار على ظهور الشعار ولو بطائفة قليلة، ولا يشترط إقامتها بجمهورهم، فإن أقاموها في الاسواق أو في البيوت وإن ظهر بها الشعار، أو في غيرهما ولم يظهر، أثم الكل، وقوتلوا. (قوله: وقيل إنها فرض عين) أي لخبر الشيخين: ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار. ورد بأنه ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون. (قوله: وقيل شرط لصحة الصلاة) في النهاية ما نصه: وعلى القول بأنها فرض عين فليست شرطا في صحة الصلاة، كما في المجموع اه‍. وعليه يكون القول المذكور مفاده غير مفاد القول بأنها فرض عين. (قوله: ولا يتأكد الندب للنساء إلخ) وذلك لمزية الرجال عليهن، قال تعالى: * (وللرجال عليهن درجة) * (1) وهذا جار على القول بأنها سنة للرجال. ولو قدمه على قوله قال النووي: كان أولى. (قوله: فلذلك) أي لما ذكر من عدم تأكدها لهن كتأكدها لهم، بل تأكدها في حقهم أكثر من تأكدها في حقهن. وقوله: يكره تركها أي الجماعة. وقوله: لهن أي للرجال. وقوله: لا لهن أي لا للنساء. (قوله: والجماعة في مكتوبة لذكر بمسجد أفضل) وذلك لخبر: صلوا - أيها الناس - في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. أي فهي في المسجد أفضل لانه مشتمل على الشرف، وكثرة الجماعة غالبا، وإظهار الشعار. وخرج بالذكر المرأة، فإن الجماعة لها في البيت أفضل منها في المسجد، لخبر: لا تمنعوا نساءكم المسجد، وبيوتهن خير لهن. نعم، يكره لذوات الهيئات حضور المسجد مع الرجال، لما في الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو أن رسول الله (ص) رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل ولما في ذلك من خوف الفتنة. وعبارة شرح م ر: ويكره لها - أي للمرأة - حضور جماعة المسجد إن كانت مشتهاة - ولو في ثياب بذلة - أو غير مشتهاة - وبها شئ من الزينة أو الريح الطيب. وللامام أو نائبه منعهن حينئذ، كما له منع من تناول ذا ريح كريه من دخول المسجد. ويحرم عليهن بغير إذن ولي أو حليل أو سيد أوهما في أمة متزوجة، ومع خشية فتنة منها أو عليها. اه‍. (قوله: نعم، إن وجدت) أي الجماعة. وقوله: في بيته فقط أي من غير وجودها في المسجد. وقوله: فهو أفضل أي فالبيت أفضل من المسجد. والمراد أن الصلاة مع الجماعة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد مع الانفراد، وذلك لخبر: صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى. رواه ابن حبان وصححوه، ولما يأتي من أن الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أفضل من الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانها. (قوله: وكذا لو كانت إلخ) أي وكذلك الجماعة في البيت أفضل إذا كانت فيه أكثر من الجماعة في المسجد، للخبر المتقدم. ويستثنى من ذلك المساجد الثلاثة، فإن الجماعة فيها - ولو قلت - أفضل، بل قال المتولي: إن الانفراد فيها أفضل من الجماعة في غيرها. (قوله: على ما اعتمده إلخ) راجع لما بعد كذا. (قوله: والاوجه خلافه) أي خلاف ما اعتمده الاذرعي، وهو أنها في المسجد ولو قلت، أفضل منها في البيت وإن كثرت،


البقرة: 228

[ 9 ]

وذلك لان مصلحة طلبها في المسجد تربو على مصلحة وجودها في البيت، ولان اعتناء الشارع بإحياء المساجد أكثر. (قوله: ولو تعارضت فضيلة الصلاة في المسجد والحضور خارجه) المتبادر من السياق أن المراد من الحضور حضور الجماعة خارج المسجد، فيكون المعنى: تعارضت فضيلة المسجد وحضور الجماعة خارجه، فإن صلى في المسجد تكون من غير جماعة ولكنه يحوز فضيلة المسجد، وإن صلى خارجه يحوز فضيلة الجماعة ولكنه تفوته فضيلة المسجد، فالمقدم حضور الجماعة. ويرد عليه أن هذا قد علم من قوله: نعم إن وجدت في بيته فقط فهو أفضل، ويحتمل على بعد أن المراد حضور القلب. وتفرض المسألة فيما إذا كانت صلاته في البيت وفي المسجد بالجماعة، ولكنه إذا صلى في المسجد لا يحصل له حضور وخشوع، وإذا صلى في البيت يكون بالحضور والخشوع، فالمقدم الصلاة في غير المسجد مع الحضور، وإن فاتته فضيلة المسجد، لان الفضيلة المتعلقة بالعبادة - وهو الحضور - أولى من المتعلقة بالمكان - وهو الصلاة في المسجد -. ولكن يرد على هذا أنه سيأتي التنبيه عليه في قوله: ولو تعارض الخشوع والجماعة فهي أولى، إلا أن يقال أن ما سيأتي مفروض فيما إذا تعارضت الصلاة منفردا مع الخشوع والصلاة جماعة بدونه. تأمل. (قوله: والمتعلقة بزمانها أولى إلخ) كما إذا تعارضت عليه صلاة الضحى في المسجد أول النهار، وصلاتها خارج المسجد قريب ربع النهار، فالمقدم الصلاة خارجه - كما تقدم - (قوله: وتسن إعادة إلخ) أي لانه (ص) صلى الصبح فرأى رجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا ؟ قالا: صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلياها معهم، فإنها لكما نافلة. وقد جاء رجل بعد صلاة العصر إلى المسجد، فقال عليه السلام: من يتصدق على هذا فيصلي معه ؟. فصلى معه رجل. رواهما الترمذي وحسنهما. وقوله: صليتما، يصدق بالانفراد والجماعة. (تنبيه) قال في المغنى: المراد بالاعادة، الاعادة اللغوية، لا الاصلاحية. وهي التي سبقت بأداء مختل، أي بترك ركن أو شرط. (قوله: المكتوبة) أي على الاعيان، وخرج بها المنذورة، فلا تسن إعادتها، ولا تنعقد لو أعيدت، لعدم سن الجماعة فيها. نعم، لو نذر صلاة تسن الجماعة فيها - كتراويح - سنت إعادتها. وخرج صلاة الجنازة، فلا تسن إعادتها، فإن أعيدت انعقدت نفلا مطلقا. وقولهم في صلاة الجنازة لا يتنفل بها: المراد لا يؤتى بها على جهة التنفل ابتداء من غير ميت، وخرج أيضا النافلة التي لا تسن الجماعة فيها. أما ما تسن فيها فتسن إعادتها، ولو وترا، خلافا لمر، فإن الوتر عنده لا تصح إعادته. ودخل في المكتوبة صلاة الجمعة، فمقتضاه أنها تسن إعادتها. ومحله عند جواز تعددها، بأن عسر اجتماعهم في مكان واحد، أو عند انتقاله لبلد أخرى رآهم يصلونها، خلافا لمن منع ذلك، وإلا فلا تعاد لانها لا تقام مرة بعد أخرى. (قوله: بشرط أن تكون في الوقت) أي بأن يدرك في وقتها ركعة. فالمراد وقت الاداء، ولو وقت الكراهة. فلو خرج الوقت لا تسن إعادتها قطعا. وقوله: وأن لا تزاد في إعادتها على مرة هذا في غير صلاة الاستسقاء، أما هي فتطلب إعادتها أكثر من مرة إلى أن يسقيهم الله من فضله. وحاصل ما ذكره صراحة من شروط سن الاعادة ثلاثة: كونها في الوقت، وعدم زيادتها على مرة، وسيذكر الثالث، وهو نية الفرضية. وبقي من الشروط: كون المعادة مؤداة لا مقضية. وكون الاولى صحيحة وإن لم تغن عن القضاء كمتيمم لبرد. فلو تذكر خللا في الاولى لم تصح المعادة، أي لم تقع عن الاولى، بل تجب الاعادة، وأن تقع جماعة من أولها إلى آخرها عند م ر، فلا يكفي وقوع بعضها في جماعة، حتى لو أخرج نفسه فيها من القدوة، أو سبقه الامام ببعض الركعات، لم تصح. وقضية ذلك أنه لو وافق الامام من أولها وتأخر سلامه عن الامام بحيث يعد منقطعا عنه بطلت، ولو رأى جماعة وشك: هل هم في الاولى أو الثانية مثلا ؟ امتنعت الاعادة معهم. واكتفى ابن حجر فيها بركعة كالجمعة وحصول ثواب الجماعة ولو عند التحرم، فلو أحرم منفردا عن الصف لم

[ 10 ]

تصح، وأن لا تكون في شدة الخوف، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حقه، بخلاف نحو العاري، فإنها لا تنعقد منه. وأن لا تكون إعادتها للخروج من الخلاف، فإن كانت إعادتها لذلك تنعقد منه، إلا أنها ليست الاعادة الشرعية المرادة هنا، وذلك كما لو مسح الشافعي بعض رأسه وصلى، أو صلى في الحمام، أو بعد سيلان الدم من بدنه، فصلاته باطلة عند مالك في الاولى، وعند أحمد في الثانية، وعند الحنفي في الثالثة، فتسن إعادتها في الاحوال الثلاثة بعد وضوئه على مذهب المخالف، خروجا من الخلاف، ولو منفردا، ولا تسمى إعادة بالمعنى المراد هنا. وأن تكون من قيام للقادر عليه، فلا تصح صلاة قاعد قادر على القيام. وأن ينوي الامام في المعادة الامامة - كما في الجمعة - وقد نظم معظم ذلك بعضهم في قوله: ثمان شروط للمعادة قد أتت * * فصحة الاولى نية الفرض أولا وينوي إمامة إعادة مرة * * ومكتوبة، ثم القيام فحصلا جماعتها فيها جميعا، ووقتها * * ولو ركعة فيه فكن متأملا ونفي انفراد الشخص عن صف جنسه * * فقد زاده بعض المشايخ فانقلا وقال العلامة الكردي: ومما ينسب لشيخنا العلامة الشيخ عبد الوهاب الطندتائي ا لمصري قوله: شرط المعادة أن تكون جماعة * * في وقتها والشخص أهل تنفل مع صحة الاولى وقصد فريضة * * تنوي بها صفة المعاد الاول فضل الجماعة سادس وغيره * * قيل ونفلا مثل فرض فاجعل كالعيد، لا نحو الكسوف فلا تعد * * وجنازة لو كررت لم تهمل ومع المعادة إن يعد بعدية * * تقبل ولا وتر إن صح فعول ومتى رأيت الخلف بين أئمة * * في صحة الاولى أعد بتجمل لو كنت فردا بعد وقت أدائها * * فاتبع فقيها في صلاتك تعدل وقوله: خلافا لشيخ شيوخنا أبي الحسن البكري أي في قوله أنها تعاد من غير حصر ما لم يخرج الوقت. (قوله: ولو صليت الاولى جماعة) غاية في سنية الاعادة، وهي للرد. (قوله: مع آخر) الظرف متعلق بإعادة، أي تسن إعادة المكتوبة مع شخص آخر، ويشترط فيه أن يري جواز الاعادة، وأن لا يكون ممن يكره الاقتداء به، فلا تصح الاعادة خلف الفاسق، والمبتدع، ومعتقد سنية بعض الاركان. (قوله: ولو واحدا) أي ولو كان ذلك الآخر واحدا. وفيه أن الآخر وصف للمفرد المذكر، فينحل المعنى ولو كان ذلك الواحد الآخر واحدا، ولا معنى له. ولو قال - كما في المنهج - بدل قوله مع آخر: مع غيره، ثم قال ولو واحدا: لكان أولى وأنسب. والمعنى أنه تسن الاعادة مع واحد أو مع جماعة، ويشترط فيها أن تكون غير مكروهة، فلو كانت الجماعة مكروهة - كما إذا كانت في مسجد غير مطروق له إمام راتب بغير إذنه - فتحرم الاعادة معهم، ولا تنعقد. (قوله: إماما كان) أي ذلك المعيد. (قوله: في الاولى أو الثانية) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكل من إماما ومأموما، والمراد بالاولى التي صلاها أولا، وبالثانية التي صلاها ثانيا. (قوله: بنية فرض) متعلق بإعادة، أي تسن الاعادة بشرط نية الفرض في المعادة، وذلك لانه إنما أعادها لينال ثواب الجماعة في فرض، وإنما ينال ذلك إذا نوى الفرض. (قوله: وإن وقعت نفلا) غاية في اشتراط نية الفرضية. (قوله: فينوي إعادة الصلاة المفروضة) هو جواب عن سؤال مقدر تقديره: كيف ينوي الفرض مع أنها تقع نفلا ؟ وحاصل الجواب أن المراد أنه ينوي إعادة الصلاة المفروضة لاجل أن لا تكون نفلا مبتدأ، أي لم يسبق له اتصاف بالفرضية، وليس المراد إعادتها

[ 11 ]

فرضا. وعبارة المغنى: واستشكله الامام بأنه كيف ينوي الفرضية مع القطع بأن الثانية ليست فرضا ؟ قال: بل الوجه أنه ينوي الظهر أو العصر ولا يتعرض للفرضية، ويكون ظهره نفلا كظهر الصبي وأجاب عنه السبكي بأن المراد أنه ينوي إعادة الصلاة المفروضة حتى لا تكون نفلا مبتدأ، لا إعادتها فرضا. وقال الرازي: ينوي ما هو فرض على المكلف، لا الفرض عليه - كما في صلاة الصبي - ورجح في الروضة ما اختاره الامام. وجمع شيخي بين ما في الكتاب وما في الروضة بأن ما في الكتاب إنما هو لاجل محل الخلاف وهو: هل فرضه الاولى أو الثانية أو يحتسب الله إليه ما شاء منهما ؟ وما في الروضة على القول الصحيح وهو أن فرضه الاولى والثانية نفل فلا يشترط فيها نية الفرضية، وهذا جمع حسن. اه‍. (قوله: والفرض الاولى) لخبر: إذا صليتما المار، ولسقوط الخطاب بها. (قوله: ولو إلخ) الاولى فلو - بفاء التفريع - لان المقام يقتضيه. وقوله: بأن فساد الاولى أي باختلال شرط فيها أو ركن. وقوله: لم تجزئه الثانية، أي لانها نفل محض، وهو لا يقوم مقام الفرض. (قوله: على ما اعتمده إلخ) أي أن عدم الاجزاء بالثانية مبني على ما اعتمده النووي، وتبعه شيخنا، وعبارة شيخنا في التحفة: ولو بان فساد الاولى لم تجزئه الثانية على المنقول المعتمد عند المصنف في رؤوس المسائل وكثيرين. وقال الغزالي: تجزئه. وتبعه ابن العماد، وتبعه شيخنا في منهجه، غافلين عن بنائه على رأيه أن الفرض أحدهما، كذا قيل، وفيه نظر، بل الوجه البطلان على القولين. أما على الثاني فواضح، لانه صرفها عن ذلك بنية غير الفرض، وكذا على الاول، لانه ينوي به غير حقيقة الفرض. اه‍. وقوله: كذا قيل ممن قال به: الخطيب في مغنيه، وعبارته: ولو تذكر - على الجديد - خللا في الاولى وجبت الاعادة. كما نقله المصنف في رؤوس المسائل عن القاضي أبي الطيب وأقره، معللا بأن الثانية تطوع محض. وما أفتى به الغزالي وترجاه السبكي، من عدم وجوب الاعادة، يحمل على أن الفرض أحدهما، لا بعينه. اه‍. (قوله: خلافا لما قاله إلخ) أي من إجزاء الثانية. وقوله: أي إذا نوي بالثانية الفرض أي أن الاجزاء: محله إذا نوي بالثانية الفرض، وقد علمت تنظير ابن حجر فيه، فلا تغفل، (قوله: وهي) أي الصلاة. وقوله: بجمع كثير أي مع جمع كثير، فالباء بمعنى مع. وقوله: أفضل أي للمصلي، سواء كان في المساجد أو غيرها، فالصلاة مع الجمع الكثير في المساجد أفضل منها مع الجمع القليل فيها، وكذا الصلاة في البيوت مع الجمع الكثير أفضل منها مع الجمع القليل. نعم، الجماعة في المساجد الثلاثة أفضل مطلقا - كما تقدم - وقوله: منها أي من الصلاة نفسها. (قوله: للخبر الصحيح) دليل الافضلية. (قوله: وما كان إلخ) هذا عجز الحديث، وقد تقدم ذكره بتمامه، وما: موصوله، مبتدأ، وهي واقعة على جمع. وجملة فهو أحب إلى الله، خبر المبتدأ، أي والجمع الكثير أحب إلى الله من الجمع القليل. (قوله: إلا لنحو بدعة إمامه) استثناء من محذوف، أي أن الصلاة مع الجمع الكثير أفضل في كل حال إلا حالة كون إمام الجمع الكثير ذا بدعة، والمراد بها التي لم يكفر مرتكبها - كالمجسمة - أي القائلين بأنه تعالى جسم، على المعتمد، فإن كفر بها - كمنكر البعث والحشر للاجسام، وعلم الله تعالى بالجزئيات - فلا تصح القدوة خلفه. (قوله: أي الكثير) تفسير للضمير. (قوله: كرافضي) تمثيل لذي البدعة، ومثله الشيعي، والزيدي. قال الكردي: الرافضة والشيعة والزيدية متقاربون. قال في المواقف: الشيعة: اثنان وعشرون فرقة يكفر بعضهم بعضا، أصولهم ثلاث فرق: غلاة، وزيدية، وإمامية. أما الغلاة فثمانية عشر. ثم قال: وأما الزيدية فثلاث فرق: الجارودية إلخ. والزيدية منسوبون إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين. اه‍. (قوله: ولو بمجرد التهمة) غاية في الفاسق، أي لانه لا فرق في الفاسق بين أن يكون فسقه متحققا أو متهما به. وقيد في التحفة التهمة بأن يكون لها نوع قوة، وقال: كما هو واضح. (قوله: فالاقل جماعة) تفريع على مفهوم الاستثناء، وهو صفة لموصوف محذوف، أي فالامام أو الصلاة

[ 12 ]

أو المسجد الاقل جماعة أفضل. والمناسب للمتن أن يقول: فهي مع الجمع القليل الذي إمامه غير مبتدع أفضل. وقوله: بل الانفراد الذي اعتمده الجمال الرملي أن الصلاة خلف الفاسق والمخالف ونحوهما أفضل من الانفراد، وتحصل له فضيلة الجماعة. قال البجيرمي: والكراهة لا تنفي الفضيلة والثواب لاختلاف الجهة، وإن توقف في ذلك الزيادي، بل الحرمة لا تنفي الفضيلة، كالصلاة في أرض مغصوبة. اه‍. وقوله: أفضل خبر كل من: فالاقل، والانفراد. (قوله: كذا قاله إلخ) مرتبط بقوله بل الانفراد. وعبارة شرح المنهج: بل الانفراد في الاولى أفضل. كما قاله الروياني. اه‍. (قوله: وكذا لو كان إلخ) أي وكذلك الصلاة مع الاقل جماعة، بل مع الانفراد أفضل منها مع الاكثر جماعة، إذا كان إمام الاكثر لا يعتقد وجوب بعض الاركان - كالحنفي - فإنه لا يعتقد وجوب البسملة. وقوله: أو الشروط أي أو لا يعتقد وجوب بعض الشروط عندنا، كاستقبال عين القبلة عند الحنفي، فإنه ليس بشرط، بل الشرط عنده استقبال الجهة، وكستر ما بين السرة والركبة عند الامام أحمد، فإنه ليس بشرط، بل الشرط عنده ستر السوأتين فقط. (قوله: وإن أتى بها) أي ببعض الاركان والشروط. وإنما أنث الضمير مع كون مرجعه مذكرا لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، ومع ذلك فالاولى التذكير. (قوله: لانه) أي إمام الجمع الكثير غير المعتقد وجوب بعض الاركان أو بعض الشروط. وهو تعليل لافضلية الصلاة مع الجمع القليل، بل مع الانفراد إذا كان الامام للجمع الكثير أتى بذلك البعض غير معتقد وجوبه. وقوله: يقصد بها أي بذلك البعض، ويأتي فيه ما مر. (قوله: وهو مبطل) أي قصد النفلية في الفرض مبطل. قال في التحفة بعده: ومن ثم أبطل الاقتداء به مطلقا بعض أصحابنا، وجوزه الاكثر رعاية لمصلحة الجماعة، واكتفاء بوجود صورتها - وإلا لم يصح اقتداء بمخالف، وتعطلت الجماعات. ومثله في النهاية. اه‍. (قوله: أو كون القليل) بالجر عطف على نحو، أي أو إلا لكون الجمع القليل في مسجد متيقن حل أرضه، والجمع الكثير في مسجد ليس كذلك. وقوله: أو مال بانيه - بالجر، معطوف على أرضه، أي أو متيقن حل مال من بناه. (قوله: أو تعطل مسجد) معطوف على نحو، أي أو إلا لتعطل مسجد قريب أو بعيد لو لم يحضر هو فيه، فمتى كان يلزم على الذهاب لكثير الجمع تعطيل قليل الجمع صلى فيه، سواء كان قريبا منه أو بعيدا. ومحل ذلك إذا سمع أذانه، وإلا فلا عبرة بتعطله. ح ل. وقال عميرة: لو كان بجواره مسجدان واستويا في الجماعة راعى الاقرب. وبحث الاسنوي العكس، لكثرة الخطا، أو التساوي للتعارض، وهو أن للقريب حق الجوار، والبعيد فيه أجر بكثرة الخطا. اه‍. بجيرمي. وقوله: منها متعلق بتعطل. والمناسب للمتن أن يقول: منه، بتذكير الضمير العائد على الجمع. وقوله: بغيبته متعلق بتعطل أيضا، والباء سببية. (قوله: لكونه إمامه أو يحضر الناس بحضوره) علة لتعطله بغيبته، فإن لم يتعطل بذلك، بأن لم يكن إماما، أو لم يحضر بحضوره الناس، فالذهاب لمسجد كثير الجماعة أولى. (قوله: فقليل الجمع إلخ) تفريع على مفهوم قوله أو كون القليل إلخ. وقوله: في ذلك أي فيما ذكر من المسجد المتيقن حل أرضه أو مال بانيه ومن المسجد الذي يتعطل لو لم يحضر. وقوله: له أفضل من كثيره أي الجمع. وقوله: في غيره أي غير ما ذكر من المسجد المتيقن حل أرضه أو مال الباني له، ومن المسجد الذي يتعطل لو لم يحضر بأن كان المسجد مشكوكا في حل أرضه أو مال الباني له. بأن يعلم أن المتولي عليه ظالم، فإن تيقن أن محل الصلاة بعينه حرام حرمت الصلاة فيه - كما مر - وبأن لم يتعطل لو لم يحضر. (قوله: أن الانفراد بالمتعطل إلخ) أي أن الصلاة منفردا في المسجد المتعطل بسبب غيبته أفضل من الصلاة مع الجماعة. وقوله: والاوجه خلافه وهو أن الصلاة مع الجماعة أولى. (قوله: ولو كان إمام إلخ) هذا أيضا مستثنى من

[ 13 ]

كون الصلاة مع الجمع الكثير أفضل. وقوله: أولى بالامامة أي أحق بها. وقوله: لنحو علم متعلق بقوله أولى. ونحو العلم ما يأتي في صفات الائمة: ككونه أورع، أو أقرأ، أو أقدم في الاسلام. وقوله: كان الحضور أي حضور الصلاة. وقوله: عنده أي عند إمام الجمع القليل. وقوله: أولى أي من الحضور عند إمام الجمع الكثير. ويستثنى أيضا من ذلك ما لو كان قليل الجمع يبادر إمامه بالصلاة في الوقت المحبوب فإن الصلاة معه أولى، وما لو كان إمام الجمع الكثير سريع القراءة والمأموم بطيئها لا يدرك معه الفاتحة ويدركها مع إمام الجمع القليل فإن الصلاة معه أولى. (قوله: ولو تعارض الخشوع والجماعة) يعني لو صلى منفردا خشع، ولو صلى مع جماعة لم يخشع. وقوله: فهي أي الجماعة، أي حضورها من غير خشوع. وقوله: أولى أي من الصلاة منفردا مع الخشوع. (قوله: كما أطبقوا عليه) الظاهر أن الكاف تعليلية بمعنى اللام، أي لما اتفق الفقهاء عليه من أن فرض الكفاية أفضل من السنة والجماعة من فروض الكفاية. وقوله: حيث قالوا إلخ بيان لما أطبقوا عليه. ولو قال لما أطبقوا عليه من أن فرض الكفاية أفضل من السنة لكان أوضح وأخصر. وقال في التحفة بعده: وأيضا فالخلاف في كونها فرض عين وكونها شرطا لصحة الصلاة أقوى منه في شرطية الخشوع. اه‍. قوله: وأفتى الغزالي إلخ صرح في التحفة بعد أن نقل عنه الافتاء المذكور بأنه رأى له إفتاء آخر فيمن لازم الرياضة في الخلوة حتى صارت طاعاته تتفرق عليه بالاجتماع بأنه رجل مغرور، إذ ما يحصل له في الجماعة من الفوائد أعظم من خشوعه. اه‍. (قوله: لمن لا يخشع مع الجماعة في أكثر صلاته) لم يقيد به في المغنى، وعبارته: وأفتى الغزالي أنه لو كان إذا صلى منفردا خشع ولو صلى في جماعة لم يخشع فالانفراد أفضل، وتبعه ابن عبد السلام. قال الزركشي: والمختار، بل الصواب، خلاف ما قالاه، وهو كما قال. اه‍. ومثله شرح الروض. (قوله: قال شيخنا إلخ) لم أره في التحفة ولا في فتح الجواد، بل الذي صرح به في فتح الجواد خلافه، وهو أنه لو فاته الخشوع فيها رأسا تكون الجماعة أولى. وعبارته وأفتى الغزالي أولا وابن عبد السلام بأولوية الانفراد لمن لا يخشع مع الجماعة في أكثر صلاته، وهو حقيق بتصويب خلافه الذي سلكه الاذرعي والزركشي وأطالا فيه، بل الاوجه أنه لو فاته فيها من أصله تكون الجماعة أولى، لانها أكثر منه، إذ هي فرض عين أو شرط للصحة عند جماعة، وشعار الاسلام قائم بها أكثر منه، فلتكن مراعاته أحق، ولو فتح ذلك لتركها الناس واحتجوا، لا سيما جهلة الصوفية، بأنهم لا يحصل لهم معها خشوع، فتسقط عنهم، فوجب سد هذا الباب عنهم بالكلية. اه‍. وقوله: وهو أي إفتاء الغزالي بأولوية الانفراد. وقوله: كذلك أي صحيح، كما أفتى به. لكن إن فات الخشوع في جميعها. (قوله: أولى مطلقا) أي سواء فات الخشوع مع الجماعة في جميعها أو في بعضها. (قوله: إنما يأتي) الجملة خبر المبتدأ وهو إفتاء. وقوله: أن الجماعة سنة مقول القول. (قوله: ولو تعارض إلخ) هذا من جملة ما استثنى من قولهم الجمع الكثير أفضل. (قوله: وعدم سماعه) معطوف على فضيلة، فهو بالرفع. (قوله: كان الاول) أي سماع القرآن من الامام مع قلة الجماعة. وقوله: أفضل أي من عدم سماعه مع كثرتها. (قوله: ويجوز لمنفرد إلخ) لا يناسب ذكره هنا لانه من متعلقات نية القدوة، فلو أخره وذكره عند قوله وشرط القدوة نية اقتداء أو جماعة مع تحرم لكان أنسب. (قوله: أثناء صلاته) أي صلاة نفسه، بأن صلى ركعتين ثم نوى القدوة بالامام. (قوله: وإن اختلفت ركعتهما) أي الامام والمأموم، كأن كان الامام في الاولى والمأموم في الثانية. (قوله: لكن

[ 14 ]

يكره) أي ولا يحصل له فضل الجماعة حتى فيما أدركه مع الامام. اه‍. شرح الرملي. (وقوله: ذلك) أي نية الاقتداء في الاثناء. (قوله: له) أي للمنفرد الذي شرع في صلاته حال كونه منفردا. (قوله: دون مأموم خرج من الجماعة) أي بنية المفارقة. (وقوله: لنحو حدث إمامه) أي وقد علمه. واندرج تحت نحو كل مبطل عرض للامام، فتلزمه المفارقة إذا علمه، كما سيصرح به. (قوله: فإذا اقتدى) أي المنفرد. وقوله: في الاثناء أي أثناء صلاته. (قوله: لزمه موافقة الامام) أي الجري على نظم صلاته. (قوله: ثم إن فرغ) أي الامام من صلاته. وقوله: أولا أي قبل فراغ المأموم، بأن أتى بركعة منفردا واقتدى بالامام وهو في الركعة الثالثة مثلا. وقوله: أتم أي المأموم، صلاته كمسبوق. (قوله: وإلا) أي وإن لم يفرغ الامام أولا، بل فرغ المأموم أولا. وقوله: فانتظاره أفضل أي من المفارقة، أي ليسلم معه. قال ع ش: وإنما كان الانتظار أفضل نظرا لبقاء صورة الجماعة، وقد نهي عن الخروج من العبادة، وإن انتفى ثواب الجماعة بالاقتداء المذكور، لانه من القدوة في خلال الصلاة، لكن يحصل له فضيلة في الجملة بربط صلاته بصلاة الامام، فكان انتظاره أفضل ليحوز الفضيلة بمجرد الربط. اه‍. (قوله: وتجوز المفارقة) هذا كلام مستأنف وليس مرتبطا بقوله وإلا فانتظاره أفضل، لان المفارقة فيه جائزة بلا كراهة، كما صرح به في شرح المنهج. والمعنى: يجوز للمأموم أن ينوي المفارقة بقلبه، ولكن مع الكراهة إن لم يكن عذر، ومحل جواز المفارقة: في غير الركعة الاولى من الجمعة في حق الاربعين، لان الجماعة فيها شرط. وقال في النهاية: ولو ترتب على خروجه من الجماعة تعطيلها وقلنا أنها فرض كفاية اتجه عدم الخروج منها، لان فرض الكفاية إذا انحصر في شخص تعين عليه. (قوله: فتفوت) أي المفارقة فضيلة الجماعة. (قوله: والمفارقة بعذر) هو مبتدأ خبره قوله لا تفوت فضيلتها. (قوله: كمرخص ترك جماعة) خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك بعذر كمرخص ترك جماعة، وهو كمرض، ومدافعة حدث، وخوف من ظالم على نفس أو مال أو غيرهما. (قوله: وتركه) أي الامام، وهو بالجر معطوف على مرخص. وقوله: سنة مقصودة قال في التحفة: الذي يظهر في ضبط المقصودة أنها ما جبرت بسجود السهو، أو قوي الخلاف في وجوبها، أو وردت الادلة بعظم فضلها. اه‍. قال البجيرمي: ومما قوي الخلاف في وجوبه التسبيحات، وليس مثلها تكبير الانتقالات ولا جلسة الاستراحة، ولا رفع اليدين من قيام التشهد الاول، لعدم التفويت فيه على المأموم، لانه يمكنه الاتيان به وإن تركه إمامه. اه‍. (قوله: وتطويله) بالجر معطوف أيضا على مرخص، أي وكتطويل الامام. (قوله: بالمأموم ضعف) أي والحال أن بالمأموم ضعفا أو شغلا. قال في التحفة: ولو خفيفا بأن يذهب خشوعه فيما يظهر. اه‍. (قوله: وقد تجب المفارقة) أي بالنية القلبية إزالة للقدوة الصورية. ومحل وجوب نية المفارقة حيث بقي الامام على صورة المصلين، أما لو ترك الصلاة وانصرف أو جلس على غير هيئة المصلين أو مات لم يحتج لنية المفارقة. (قوله: كأن عرض مبطل لصلاة إمامه) وذلك كحدث، أو تنحنح، أو ضحك، أو كلام مبطل. وقوله: فيلزمه أي المأموم نيتها، أي المفارقة. (قوله: وإلا بطلت) أي وإن لم ينو المفارقة فورا بطلت صلاته. وقوله: وإن لم يتابعه أي في ركن من أركان الصلاة. وقوله: اتفاقا راجع لقوله بطلت، أي بطلت اتفاقا. (قوله: وتدرك جماعة) اعلم أن الاقسام الناشئة من القدوة أربعة: إدراك فضيلة الجماعة، وإدراك الجمعة، وإدراك فضيلة التحرم، وإدراك الركعة. وتستفاد من كلامه. (قوله: في غير جمعة) قال البجيرمي: قال شيخنا: لا يخفى أن هذا القيد ومفهومه المذكور بعده، وهو قوله أما الجمعة إلخ غير مستقيم، لان الكلام في إدراك الجماعة، وإن لم تدرك الجمعة. فتأمل. اه‍. (قوله: أي فضيلتها) بيان لمعنى إدراك الجماعة. (قوله: ما لم يسلم إمام) ما

[ 15 ]

مصدرية ظرفية، أي تدرك مدة عدم سلام الامام، وهذا هو الصحيح، ومقابله أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة. (قوله: أي لم ينطق بميم عليكم) تفسير مراد لما قبله، وهذا هو ما جرى عليه شيخه ابن حجر، واعتمد م ر - تبعا لوالده - أن المراد ما لم يشرع الامام في التسليمة الاولى، فعلى الاول: إذا شرع في التحرم بعد شروع الامام في السلام وأتمه قبل النطق بالميم، صح اقتداؤه وأدرك الفضيلة. وعلى الثاني: تنعقد فرادى، وقيل: لا تنعقد أصلا. (قوله: وإن لم يقعد) أي المأموم. وقوله: معه أي الامام، أي يدرك فضيلة الجماعة باقتدائه به قبل السلام وإن لم يجلس معه. وقوله: بأن سلم أي الامام، وهو تصوير لعدم قعوده معه. قال ع ش: ويحرم عليه حينئذ القعود، لانه كان للمتابعة وقد فاتت بسلام الامام، فإن قعد عامدا عالما بطلت صلاته، وإن كان ناسيا أو جاهلا لم تبطل. ويجب عليه القيام فورا إذا علم ويسجد للسهو في آخر صلاته، لانه فعل ما يبطل عمده. اه‍ بتصرف. وقوله: عقب تحرمه أي المأموم، فإن لم يسلم الامام عقب تحرمه قعد وجوبا، فإن لم يقعد عامدا عالما بأن اسمتر قائما إلى أن سلم، بطلت صلاته، لما فيه من المخالفة الفاحشة. (قوله: لادراكه ركنا) علة لادراك الجماعة ما لم يسلم إلخ، أي وإنما أدرك الجماعة إذا اقتدى به قبل السلام لادراكه ركنا مع الامام، وهو تكبيرة الاحرام. قال البجيرمي: فيه أنه أدرك ركنين، وهما النية، والتكبيرة، إلا أن يراد بالركن الجنس، أو أن النية لما كانت مقارنة للتكبير عدهما ركنا. اه‍. وعبارة التحفة: لادراكه معه ما يعتد له به من النية وتكبيرة الاحرام. اه‍. (قوله: فيحصل له إلخ) تفريع على كونه يدرك الجماعة ما لم يسلم الامام، وهذا يغني عنه قوله أولا أي فضيلتها، إلا أن يقال أتى به للاستدراك بعده. وقوله: جميع ثوابها وفضلها هما بمعنى واحد، وهو السبع والعشرون، أو الخمس والعشرون. وقوله: لكنه دون فضل إلخ أي كيفا لا عددا، فلا ينافي ما قبله. وفي النهاية: ومعنى إدراكها حصول أصل ثوابها. وأما كماله: فإنما يحصل بإدراكها مع الامام من أولها إلى آخرها، ولهذا قالوا لو أمكنه إدراك بعض جماعة ورجا إقامة جماعة أخرى فانتظارها أفضل، ليحصل له كمال فضيلتها تامة. اه‍. وقوله: وأما كماله أي كيفا، كما علمت. (قوله: ومن أدرك إلخ) هو مما شمله قوله وتدرك جماعة ما لم يسلم، لان المراد تدرك الجماعة بإدراك جزء من الصلاة مع الامام من أولها أو أثنائها، بأن بطلت صلاة الامام عقب اقتدائه، أو فارقه بعذر. أو من آخرها بأن اقتدى به قبيل السلام. (قوله: أما الجمعة إلخ) مفهوم قوله غير جمعة. وقوله: فلا تدرك إلا بركعة قال ع ش: وعليه فلو أدرك الامام بعد ركوع الثانية صحت قدوته، وحصلت فضيلة الجماعة، وإن فاتته الجمعة وصلى ظهرا. فقوله أو لا في غير الجمعة، لعل مراده أن الجمعة لا تدرك بما ذكر من الاقتداء به قبيل السلام، لا أن فضيلة الجماعة لا تحصل له. وإن كان ذلك هو الظاهر من عبارته. اه‍. وقوله: لعل مراده إلخ: يدفع به اعتراض البجيرمي السابق. (قوله: ويسن لجمع حضروا إلخ) عبارة المغني: (فرع) دخل جماعة المسجد والامام في التشهد الاخير ؟ فعند القاضي حسين يستحب لهم الاقتداء به، ولا يؤخرون الصلاة. وجزم المتولي بخلافه، وهو المعتمد. بل الافضل للشخص - إذا سبق ببعض الصلاة في الجماعة، ورجا جماعة أخرى يدرك معها الصلاة جميعها في الوقت - التأخير ليدركها بتمامها معها. وهذا إذا اقتصر على صلاة واحدة، وإلا فالافضل أن يصليها مع هؤلاء، ثم يعيدها مع الآخرين. اه‍. (قوله: أن يصبروا) قال في فتح الجواد: وإن خرج وقت الاختيار، على الاوجه. (قوله: إلى أن يسلم) أي الامام. (قوله: ثم يحرموا) أي ثم بعد السلام يحرم الذين حضروا. (قوله: ما لم يضق الوقت) قيد لسنية الصبر، أي محل سنية ذلك إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق الوقت بصبرهم، بأن يخرج جميع الصلاة أو بعضها به عن الوقت، فلا يسن لهم الصبر، بل يحرم حينئذ. (قوله: وكذا لمن سبق إلخ) أي وكذلك يسن لمن سبق ببعض الصلاة بأن أدرك جماعة لا من أولها، ورجا جماعة

[ 16 ]

أخرى، أن يصبر إلى أن يسلم ويصلي مع الاخرى. وقوله: ورجا جماعة أي غلب على ظنه وجودهم، وكانوا مساوين لهذه الجماعة في جميع ما مر، فمتى كان في هذه صفة مما يقدم بها الجمع القليل كانت أولى. اه‍. فتح الجواد. وقوله: كانت أولى أي من الجماعة الاخرى. (قوله: لكن قال شيخنا إلخ) مرتبط بقوله وكذا لمن سبق إلخ، وقوله: إن محله أي محل كونه يسن لمن سبق ورجا جماعة، أن يصبر ليصلي معهم. وقوله: ما لم يفت بانتظارهم أي الجماعة الاخرى. والاضافة من إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف الفاعل، أي بانتظاره إياهم. فإن فات ذلك فالاولى الاقتداء بالاولى. (قوله: سواء في ذلك) أي في تقييد سنية الانتظار بعدم فوات فضيلة أول الوقت أو وقت الاختيار. وقوله: الرجاء واليقين أي رجاء جماعة أخرى أو تيقنها. (قوله: وأفتى بعضهم بأنه لو قصدها) أي الجماعة، فلم يدركها. كأن خرج من بيته مثلا ليصلي مع الجماعة في المسجد، فلما وصل المسجد وجدهم قد أتوا صلاتهم. وقوله: كتب إلخ قال في التحفة والنهاية بعده: وهو ظاهر دليلا لا نقلا. اه‍. (قوله: لحديث فيه) أي لورود حديث فيما ذكر من كتابة الاجر لمن قصد الجماعة ولم يدركها، وهو ما رواه أبودواد بإسناد حسن: من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عزوجل مثل أجر من صلاها أو حضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا. (قوله: وتدرك فضيلة تحرم إلخ) لو تعارض في حقه الصف الاول وتكبيرة الاحرام مع الامام، قدم الصف الاول، أو الصف الاول وآخر ركعة مع الامام، قدم آخر ركعة - عند الزيادي - والصف الاول عند الرملي الكبير. اه‍ ش ق. وسيأتي في الشرح التصريح بما قاله الزيادي. (قوله: بحضوره) متعلق بتدرك، والاضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله. وقوله: التحرم أي تحرم الامام، وهو مفعول حضور. (قوله: واشتغال به) بالجر عطف على حضوره، أي وتدرك فضيلة التحرم بحضوره تحرم الامام واشتغاله بالتحرم عقب تحرم الامام لخبر: إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا. والفاء للتعقيب. (قوله: من غير تراخ) متعلق باشتغاله، ولا حاجة إليه بعد قوله عقب. (قوله: فإن لم يحضره) أي فإن لم يحضر المأموم تحرم الامام. وقوله: أو تراخى أي أو حضر تحرم الامام، لكن لم يحرم عقب تحرمه بل تأخر عنه. وقوله: فضيلته أي التحرم. (قوله: نعم، يغتفر له إلخ) استثناء من اشتراط العقبية. وقوله: وسوسة خفيفة وهي التي لا يؤدي الاشتغال بها إلى فوات ركنين فعليين، ولو طويلا وقصيرا من الوسط المعتدل، وإلا كانت ثقيلة. هكذا ذكره الحلبي وع ش في حواشي المنهج. والمعتمد ما ذكره في حواشي الرملي من أنها ما لا يطول الزمان بها عرفا، حتى لو أدت الوسوسة إلى فوات القيام أو معظمه، فاتت بها فضيلة التحرم. (قوله: فضيلة مستقلة) أي غير فضيلة الجماعة، فيندب الحرص على إدراكها. (قوله: لكونه) أي التحرم. وقوله: صفوة الصلاة أي لما ورد: إن لكل شئ صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الاولى، فحافظوا عليها. وإنما كانت صفوة الصلاة - أي خالصها - لان الانعقاد يتوقف عليها على النية. (قوله: ولان ملازمه) أي تحرم الامام. (قوله: كما في الحديث) وهو: من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الاولى كتب له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق. وهذا الحديث - كما في النهاية - منقطع، غير أنه من الفضائل التي يتسامح فيها. (قوله: وقيل: يحصل إلخ) مقابل قوله وتدرك بحضوره إلخ. (قوله: بإدراك بعض القيام) أي لانه محل التحرم. وقيل: تحصل بإدراك أول ركوع، لان حكمه حكم القيام. ومحل ما ذكر من الوجهين - كما في التحفة والنهاية - فيمن لم

[ 17 ]

يحضر إحرام الامام، وإلا بأن حضره وأخر، فاتته عليهما أيضا، وإن أدرك الركعة. (قوله: ويندب ترك الاسراع) أي في المشي ليدرك تكبيرة الاحرام، وذلك لخبر: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. قال ع ش: وفي فضل الله تعالى حيث قصد امتثال أمر الشارع بالتأني أن يثيبه على ذلك قدر فضيلة التحرم أو فوقها. وقوله: وإن خاف أي لو لم يسرع، وهو غاية لندب ترك الاسراع. (قوله: وكذا الجماعة) أي وكذلك يندب ترك الاسراع وإن خاف فوت الجماعة. وقوله: على الاصح مقابلة يقول إذا خاف فوتها ندب له الاسراع. (قوله: إلا في الجمعة فيجب) أي الاسراع. والمناسب أن يقول إلا في الجمعة فلا يندب ترك الاسراع بل يجب. وفي النهاية: فإن ضاق الوقت وخشي فواته إلا به أسرع كما لو خشي فوات الجمعة. قال الاذرعي: ولو امتد الوقت وكانت لا تقوم إلا به، ولو لم يسرع لتعطلت، أسرع أيضا. وكتب ع ش: قوله أسرع أي وجوبا، وقوله: وكانت أي الصلوات. وقوله أسرع أيضا أي وجوبا. (قوله: ويسن لامام ومنفرد انتظار إلخ) أي بشروط تسعة، ذكر معظمها: أن يكون الانتظار في الركوع أو التشهد الاخير، وأن لا يخشى فوت الوقت، وأن يكون الذي ينتظره داخل محل الصلاة دون من هو خارجها، وأن ينتظره لله تعالى لا لتودد ونحوه وإلا كره، وأن لا يبالغ في الانتظار، وأن لا يميز بين الداخلين، وأن يظن أن يقتدي به ذلك الداخل، وأن يظن أنه يرى إدراك الركعة بالركوع، وأن يظن أن يأتي بالاحرام على الوجه المطلوب من كونه في القيام. فإن اختل شرط من هذه الشروط كره الانتظار. نص عليه في التحفة. وفصل الخطيب في مغنيه، فقال: إن خالف في اشتراط الركوع والتشهد، بأن انتظر في غيرها كره، وإن خالف في غير ذلك فخلاف الاولى لا مكروه. قال: نبه على ذلك شيخي. اه‍. بالمعنى. (قوله: داخل) أي متلبس بالدخول وشارع فيه بالفعل. وخرج به ما لو أحس الامام به قبل شروعه في الدخول فلا يسن له الانتظار. وقوله: محل الصلاة أي وإن اتسع جدا، إذا كان مسجدا أو بناء. فإن كان فضاء فلا بد أن يقرب من الصف الآخر عرفا إن تعددت الصفوف. (قوله: مريد الاقتداء به) حال من داخل أو من الضمير المستتر فيه، أي حال كونه مريدا الاقتداء بالامام، أي بحسب ظنه بأن عرف من عادته ذلك، فإن لم يرد الاقتداء به بحسب ذلك لم يسن له انتظاره. (قوله: في الركوع والتشهد الاخير) الجار والمجرور متعلق بانتظار. وإنما سن في الاول إعانة على إدراك الركعة، وفي الثاني إعانة على إدراك الجماعة. ومحل سنية الانتظار في الركوع إذا لم يكن الركوع الثاني من صلاة الكسوف، وإلا فلا ينتظر فيه لان الركعة لا تحصل بإدراكه. وقوله: لله تعالى متعلق بانتظار. ومعنى كونه لله تعالى أن لا يكون له غرض في الانتظار إلا إدراك الركعة أو الفضيلة. (قوله: بلا تطويل) متعلق بانتظار أيضا. والمراد به أنه لو وزع على القيام والركوع والسجود ونحوها من أفعال الصلاة لعد كل منها طويلا في عرف الناس، وهذا القيد بالنسبة للامام فقط. أما المنفرد فلا يكره التطويل في حقه مطلقا، بل ينتظره، ولو مع التطويل، لانتفاء المشقة على المأمومين المعلل بها كراهة التطويل. كذا في التحفة وغيرها. وفي سم ما نصه: لا يبعد أنه - أي المنفرد - ينتظر أيضا غير الداخل، ولو مع نحو تطويل لتحصل الجماعة. اه‍. وعليه فيكون قوله داخل محل الصلاة قيد في الامام فقط أيضا، ولو اقتصر الشارح - كغيره - على الامام في قوله ويسن لامام ومنفرد، لكان أولى. فتدبر. ولو انتظر الامام واحدا بلا مبالغة وجاء آخر وانتظره كذلك - أي بلا مبالغة - وكان مجموع الانتظارين فيه مبالغة: فإنه يكره بلا شك كما في التحفة والنهاية وغيرهما. وقوله: وتمييز أي وبلا تمييز بين الداخلين، بل يسوي بينهم في الانتظار، فإن ميز، ولو لعلم، أو شرف، أو أبوه، كره ذلك. وفي البجيرمي مانصه: وانظر ما صورة الانتظار لله مع التمييز لانه متى ميز لم يكن الانتظار لله. وذكر في الروضة أن الانتظار لغير الله هو التمييز، فليحرر. ح ل. ويمكن أن يكون أصل الانتظار لله لكنه انتظر زيدا مثلا لخصاله الحميدة. ولم ينتظر عمرا مثلا لفقد تلك الخصال فيه، فالانتظار لله وجد مع التمييز. ألا ترى أنه إذا كان يتصدق لله ويعطي زيدا لكونه فقيرا ولم يعط عمرا لكونه غنيا فوجد هنا التمييز مع كون

[ 18 ]

التصدق لله ؟ شيخنا. اه‍. (قوله: ولو لنحو علم) غاية للتمييز المنفي، أي لا يميز ولو كان لاجل نحو علم كشرف وأبوة وأخوة، فإنه لا يسن الانتظار. (قوله: وكذا في السجدة الثانية إلخ) أي وكذلك يسن الانتظار في السجدة الثانية ليلحق الموافق المتخلف لاتمام فاتحته، إعانة له على إدراك الركعة. (قوله: لا خارج عن محلها) بالجر عطف على قوله داخل، أي لا يسن له انتظار خارج عن محل الصلاة، لانه إلى الآن لم يثبت له حق. وهذا محترز قوله داخل محل الصلاة. ولم يأت إلا بهذا المحترز فقط، وكان الاولى له أن يأتي بجميع المحترزات. (قوله: ولا داخل يعتاد إلخ) هذا ليس محترز الشئ من القيود المادة وإنما هو استثناء من سنية الانتظار، فكان الاولى أن يأتي بصيغة الاستدراك بأن يقول: نعم، لو كان الداخل يعتاد إلخ. واستثنى في المعنى صورا منها هذه الصورة، وعبارته: ويستثنى من استحباب الانتظار صور، منها إذا خشي خروج الوقت بالانتظار، ومنها إذا كان الداخل لا يعتقد إدراك الركعة أو فضيلة الجماعة بإدراك ما ذكر إذ لا فائدة في الانتظار، ومنها إذا كان الداخل، يعتاد البطء وتأخير التحرم إلى الركوع، ومنها إذا كان صلاة المأموم تجب عليه إعادتها، كفاقد الطهورين، بناء على أن صلاة المحدث في جماعة كلا جماعة. والمتجه في هذه استحباب انتظاره. اه‍. (قوله: وتأخير الاحرام) الواو بمعنى أو، أي أو لم يعتد البطء، أي في المشي، ولكن يعتاد تأخير الاحرام إلى الركوع. (قوله: بل يسن عدمه) أي الانتظار، والاضراب انتقالي. وقوله: زجرا له أي نهيا عما اعتاده من البطء أو تأخير الاحرام إلى الركوع. قال ع ش: ينبغي أنه لو لم يفد ذلك معه لا ينتظره أيضا، لئلا يكون انتظاره سببا لتهاون غيره. اه‍. قوله: قال الفوراني: يحرم إلخ عبارة التحفة: فإن ميز بعضهم ولو لنحو علم، أو شرف، أو أبوة، أو انتظرهم كلهم لا لله بل للتودد، كره. وقال الفوراني: يحرم للتودد. اه‍. وإذا علمت ذلك تعلم أن في عبارة الشارح سقطا من النساخ. (قوله: ويسن للامام تخفيف الصلاة) وذلك لخبر: إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف، والسقيم، وذا الحاجة. وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء. وخبر أنس رضي الله عنه قال: ما صليت خلف أحد قط أخف صلاة ولا أتم من النبي (ص). وما أحسن قول بعضهم: رب إمام عديم ذوق * قد أم بالناس وهو مجحف خالف في ذاك قول طه: * * من أم بالناس فليخفف (قوله: مع فعل أبعاض وهيئات) أي أن التخفيف المسنون لا يكون بترك الابعاض والهيئات، بل يكون مع فعلهما. (قوله: بحيث لا يقتصر) هذا تصوير للتخفيف المطلوب. (وقوله: على الاقل) كتسبيحة واحدة. وقوله: ولا يستوفي الاكمل كالاحدى عشرة تسبيحة، بل يأتي بأدنى الكمال كثلاث تسبيحات. ويستثنى ما ورد بخصوصه ك‍ آلم السجدة، وهل أتى في صبح يوم الجمعة فيأتي بهما. وكتب ع ش ما نصه: قوله ولا يستوفي الاكمل.. لعله غير مراد بالنسبة للابعاض، فإنه لا يترك شيئا من التشهد الاول ولا من القنوت، ولا من الصلاة على النبي (ص) فيه. اه‍. (قوله: إلا أن رضي إلخ) أي لفظا أو سكوتا مع علمه برضاهم عند م ر. وعند ابن حجر: لا بد من اللفظ ولا يكتفي عنده بالسكوت. (وقوله: محصورون) هذا صادق بكون المحصورين الراضين بعض الجملة الغير المحصورة، فيفيد حينئذ أنه إن رضي قوم محصورون من جماعة غير محصورين، راعى المحصورين وطول، وليس كذلك، فلا بد من تخصيصهم بكونهم ليس هناك غيرهم. وزاد في التحفة لفظ جميع، بعد قول المتن إلا أن يرضى، لدفع هذا الايهام. وزاد أيضا قيودا أخر، وعبارته مع الاصل.. إلا أن يرضى الجميع بتطويله باللفظ لا بالسكوت، وهم محصورون بمسجد

[ 19 ]

غير مطروق لم يطرأ غيرهم، ولا تعلق بعينهم حق كأجراء عين على عمل ناجز، وأرقاء، ومتزوجات - كما مر - فيندب له التطويل، كما في المجموع عن جمع. واعتمده جمع متأخرون، وعليه تحمل الاخبار الصحيحة في تطويله (ص) أحيانا. أما إذا انتفى شرط مما ذكر فيكره له التطويل، وإن أذن ذو الحق السابق في الجماعة، لان الاذن فيها لا يستلزم الاذن في التطويل، فاحتيج للنص عليه. نعم، أفتى ابن الصلاح فيما إذا لم يرضى واحد أو اثنان أو نحوهما لعذر بأنه يراعي في نحو مرة لا أكثر رعاية لحق الراضين، لئلا يفوت حقهم بواحد، أي مثلا. وفي المجموع أنه حسن متعين. اه‍. ومثله في النهاية. (قوله: وكره له تطويل) أي إلا إن رضي به محصورون، كما يؤخذ مما قبله. (قوله: وإن قصد لحوق آخرين) أي لما في ذلك من ضرر الحاضرين مع تقصير من لم يحضر بعدم المبادرة. وأشار بالغاية المذكورة إلى أن الكراهة لا تختص بقصد لحوق الآخرين بل هي ثابتة مطلقا إلا أن رضي المحصورون، كما تقدم. (قوله: ولو رأى مصل) أي مطلقا منفردا، أو إماما، أو مأموما. (قوله: خفف) جواب لو. وانظر: هل المراد بالتخفيف هنا ما مر، وهو أن لا يقتصر على الاقل ولا يستوفي الاكمل ؟ أو المراد به الاقتصار على الواجبات فقط. (قوله: وهل يلزم أم لا ؟) أي وهل يلزمه التخفيف أم لا ؟ وفي بعض نسخ الخط: وهل يلزمه القطع أم لا ؟ وهذا هو الموافق لما في التحفة والنهاية. لكن يرد عليه شيآن: الاول عدم ملاءمته لما قبله، خصوصا على ما في ع ش من أن التخفيف مندوب، لانه إذا كان التخفيف مندوبا فمثله بالاولى القطع فيكون مندوبا بلا تردد. الثاني أن تردده في لزوم القطع ينافيه كلامه بعد، حيث جزم فيه بلزوم الابطال إن كان في الصلاة. ويمكن دفع الاول بحمل التخفيف على الوجوب لا على الندب، كما قال ع ش: وأما الثاني فلا يندفع أصلا. تأمل. (وقوله: والذي يتجه أنه) أي أن التخفيف أو القطع على ما مر. (وقوله: يلزمه إلخ) قال ع ش: هل محله إذا لم يمكنه إنقاذه إذا صلى، كشدة الخوف ؟ أو يجب القطع وإن أمكنه ذلك ؟ فيه نظر. ولا يبعد الاول قياسا على ما قالوه فيمن خطف نعله في الصلاة. (وقوله: ويجوز) أي التخفيف أو القطع على ما مر. قال ع ش: قضية التعبير بالجواز عدم سنه، والاقرب خلافه. اه‍. (قوله: ومن رأى) أي سواء كان مصليا أو غيره. وهذه المسألة لم يذكرها في التحفة ولا في النهاية هنا، فلو أسقطها الشارح لم يرد عليه الشئ الثاني المار. ثم رأيته في التحفة في باب صلاة شدة الخوف نقلها عن بعضهم. ونص عبارته هناك، وفي الجيلي: لو ضاق الوقت وهو بأرض مغصوبة أحرم ماشيا، كهرب من حريق. وفيه نظر. والذي يتجه أنه لا تجوز له صلاتها صلاة شدة الخوف، ومن ثم صرح بعضهم بأن من رأى حيوانا محترما يقصده ظالم أي ولا يخشى منه قتالا أو نحوه أو يغرق، لزمه تخليصه، وتأخيرها أو إبطالها إن كان فيها، أو مالا جاز له ذلك، وكره له تركه. اه‍. بحذف. إذا علمت ذلك تعلم أن ضم الشارح هذه المسألة لما هنا موجب للتنافي وعدم الالتئام بين المسائل، فكان الاولى عدم ذكرها هنا. (قوله: حيوانا محترما) المراد بالمحترم ما يحرم قتله، وبغيره ما لا يحرم قتله كمرتد، وزان محصن، وتارك الصلاة. والكلب ثلاثة أقسام: عقور، وهذا لا خلاف في عدم احترامه. والثاني محترم بلا خلاف، وهو ما فيه نفع من صيد أو حراسة. والثالث ما فيه خلاف، وهو ما لا نفع فيه ولا ضرر. والمعتمد عند م ر أنه محترم يحرم قتله. (قوله: أو مالا) معطوف على حيوانا. أي أو رأى مالا يقصده ظالم أو يغرق. (وقوله: جاز له ذلك) أي التخليص وتأخير الصلاة أو

[ 20 ]

إبطالها إن كان فيها. (قوله: وكره له) أي لمن رأى مالا. (وقوله: تركه) أي ما ذكر من التخليص وما بعده. (قوله: وكره ابتداء نفل) أي كراهة تنزيه لمن أراد أن يصلي مع الجماعة، وذلك للخبر الصحيح: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. ومثل النفل الطواف كما في التحفة. (وقوله: بعد شروع إلخ) وكذا عند قرب شروعه فيها إن أراد الصلاة، (قوله: ولو بغير إذن الامام) أي يكره ذلك، ولو كان المقيم شرع في الاقامة بغير إذن إمامه. (قوله: فإن كان فيه إلخ) اسم كان يعود على معلوم من المقام، وهو مريد الجماعة، وضمير فيه يعود على النفل، وفي الكلام حذف الواو مع ما عطفت، أي فإن كان من ذكر متلبسا بالنفل وشرع المقيم في الاقامة. (وقوله: أتمه) أي ندبا، سواء الراتبة والمطلقة، إذا نوى عددا، فإن لم ينوه اتجه الاقتصار على ركعتين. اه‍. تحفة. (قوله: إن لم يخش بإتمامه) أي النفل. (وقوله: فوت جماعة) أي بسلام الامام. (قوله: وإلا) أي وإلا لم يخش بأن خشي بإتمامه فوت جماعة بأن سلم الامام قبل فراغه من النفل. (وقوله: قطعة) أي النفل، لان الجماعة أولى منه. (وقوله: ندبا) أي في غير الجمعة. أما فيها: فقطعة واجب لادراكها بإدراك ركوعها الثاني. اه‍. نهاية. (قوله: ودخل فيها) أي في الجماعة. (قوله: ما لم يرج جماعة أخرى) أي محل ندب قطعه ما لم يغلب على ظنه تحصيل جماعة أخرى، وإلا فلا يندب، بل يتمه. (قوله: وتدرك ركعة لمسبوق) وهو من لم يدرك زمنا يسع الفاتحة مع الامام. (قوله: راكعا) حال من الامام. (قوله: بأمرين) متعلق بتدرك، أي تدرك الركعة بأمرين، أي مجموعهما. وهما تكبيرة الاحرام وإدراك ركوع الامام، وذلك لقوله عليه السلام: من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الامام صلبه فقد أدركها. (قوله: بتكبيرة الاحرام) بدل بعض من الجار والمجرور قبله، وهذه التكبيرة واجبة في القيام أو بدله. (قوله: ثم أخرى لهوي) أي ثم تكبيرة أخرى للهوي، وهذه التكبيرة مندوبة، لان الركوع محسوب له، فندب له التكبير. (قوله: فإن اقتصر على تكبيرة) أي فإن أراد الاقتصار على تكبيرة. (وقوله: اشترط أن يأتي بها الاحرام) أي اشترط أن يقصد بها تكبيرة الاحرام فقط. (قوله: وأن يتمها إلخ) أي واشترط أن يتم هذه التكبيرة إلخ، فهو شرط ثان. (قوله: قبل أن يصير إلى أقل الركوع) صادق بما إذا أتمها وهو قريب من الركوع، فيفيد أنه حينئذ يدرك الركعة، وليس كذلك، بل يشترط في إدراك الركعة أن يتمها، وهو إلى القيام أقرب منه إلى أقل الركوع - كما صرح بذلك في التحفة والنهاية -. ثم رأيت في فتح الجواد ما نصه: قبل أن يصير أقرب إلى الركوع. اه‍. فلعل لفظة أقرب ساقطة من الناسخ، وبقي ما إذا صار بينهما على السواء. فمقتضى عبارة الفتح أنه لا يضر، ومقتضى عبارة التحفة والنهاية أنه يضر. (قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم يتمها قبل إلخ، بأن أتمها بعد أن صار إلى أقل الركوع. وقد علمت ما فيه. (قوله: لم تنعقد) أي أصلا، لا فرضا ولا نفلا. (قوله: إلا لجاهل) أي بأنه يشترط تمام تكبيرته قبل أن يصير أقرب إلى الركوع. (قوله: فتنعقد له نفلا) الظاهر من كلامهم أنها لا تنعقد منه أيضا، كما في البجيرمي، ونص عبارته: فإن أتمها أو بعضها وهو إلى الركوع أقرب، أو إليهما على حد سواء، لم تنعقد له فرضا ولا نفلا. وظاهر كلامهم: ولو جاهلا، وهو مما تعم به البلوى ويقع كثيرا للعوام. وفي شرح الارشاد: وتنعقد نفلا للجاهل. اه‍. (قوله: بخلاف إلخ) شروع في مفاهيم قوله أن يأتي بها الاحرام فقط، فالاول والثالث مفهوم قوله يأتي بها لاحرام، والثاني مفهوم قوله فقط. (قوله: لخلوها عن التحرم) تعليل لمحذوف، أي فلا تنعقد لخلوها عن التحرم. (قوله: أو مع التحرم) أي أو نوى الركوع مع التحرم. (قوله: للتشريك) أي فلا تنعقد للتشريك بين فرض وسنة مقصودة، فأشبه نية الظهر وسنته. (قوله: أو أطلق) أي لم ينو شيئا، لا الاحرام ولا الركوع، ومثله ما لو نوى أحدهما مبهما. زاد في التحفة: ما لو شك: أنوى بها التحرم

[ 21 ]

وحده أم لا ؟ قال في فتح الجواد: وفي هذه الاحوال لا تنعقد فرضا مطلقا ولا نفلا إلا لجاهل. اه‍. قال سم: والنظر قوي جدا في نحو نية الركوع وحده كما لا يخفى، بل يجب أن لا يكون هذا مرادا. اه‍. (قوله: لتعارض إلخ) أي فلا تنعقد لتعارض قرينتين، وهما الافتتاح والهوي. قال في التحفة: لان قرينة الافتتاح تصرفها إليه، وقرينة الهوي تصرفها إليه، فاحتيج لقصد صارف عنهما وهو نية التحرم فقط لتعارضهما. وبه يرد استشكال الاسنوي له بأن قصد الركن لا يشترط، لان محله حيث لا صارف، وهنا صارف كما علمت. اه‍. (قوله: فوجبت نية التحرم) أي بالتكبيرة. (وقوله: لتمتاز) أي تكبيرة التحرم. (وقوله: عما عارضها) متعلق بتمتاز، والضمير البارز عائد على تكبيرة التحرم. (وقوله: من تكبيرة الهوى) بيان لما. (قوله: وبإدراك ركوع) معطوف على تكبيرة الاحرام. (وقوله: محسوب) أي بأن يكون متطهرا في ركعة أصلية غير الثاني في الكسوف. اه‍. كردي. (قوله: وإن قصر المأموم) غاية في إدراك الركعة بما ذكر، أي يدرك المسبوق الركعة بما ذكر، وإن قصر إلخ. (وقوله: إلا وهو) أي الامام راكع. (قوله: وخرج بالركوع) أي بإدراك الامام في الركوع. (وقوله: غيره) أي غير الركوع. (وقوله: كالاعتدال) تمثيل للغير. (قوله: وبالمحسوب) أي وخرج بالركوع المحسوب. (وقوله: غيره) أي غير المحسوب له. (وقوله: كركوع محدث) أي أو متنجس. قال الكردي: ولو أحدث الامام في اعتداله أدرك الركعة، كما في المغنى والنهاية، بل في شرحي الارشاد والعباب: أنه إذا أحدث الامام بعد أن اطمأن معه المأموم يكون مدركا للركعة. اه‍. بتصرف. (وقوله: ومن ركعة زائدة) معطوف على محدث، أي وكركوع من في ركعة زائدة قام إليها سهوا. ومثله الركوع الثاني من صلاة الكسوفين، لانه تابع للركوع الاول، فلا يدرك الركعة إذا أدركه. (قوله: أنه يشترط) أي في إدراك الركعة، والمصدر المؤول من أن والفعل فاعل وقع. (قوله: لم يكن) أي المأموم المقتدي به وهو راكع. (قوله: لانه) أي الصبي: (قوله: تام) صفة ثانية لركوع. (قوله: بأن يطمئن) أي المأموم. وهو تصوير الركوع التام الذي أدركه المسبوق، ودخول على المتن - أعني قوله يقينا -. (قوله: وهو) أي أقل الركوع بلوغ إلخ. أي مع اعتدال الخلقة. (قوله: يقينا) منصوب بإسقاط الخافض، أي يطمئن مع الامام بيقين، بأن يرى البصير الامام، والاعمى يضع يده على ظهر الامام أو يسمع تسبيح الامام، فلا يكفي الظن، ولا سماع صوت المبلغ. وكتب العلامة الكردي ما نصه: قوله إلا بيقين: هذا منقول المذهب. وقال سم في حواشي التحفة، نفلا عن بحث م ر، أنه يكفي الاعتقاد الجازم. وعبارة القليوبي على الجلال.. ومثل اليقين ظن لا تردد معه، كما هو ظاهر في نحو بعيد أو أعمى. واعتمده شيخنا الرملي. ونظر العلامة المنلا إبراهيم الكوراني في منقول المذهب بما بينته في الاصل، وكذلك نظر الزركشي، ولا يسع الناس إلا هذا، وإلا لزم أن المقتدي بالامام في الركوع مع البعد لا يكون مدركا للركعة مطلقا. اه‍. وقد وقفت على سؤال وجواب في ذلك لبعض المحققين. وصورة السؤال (سئل) رضي الله عنه عن المسبوق إذا أدرك الامام في الركوع ولم يره لمانع، هل تحسب له تلك الركعة أم لا. (وصورة الجواب) قال الزركشي في الخادم. عند قول الشارح. ولو شك في إدراك الحد المعتبر، ما نصه: فإن غلب على ظنه شئ اتبع. اه‍. فعليه: إن غلب على ظنه إدراك الحد المعتبر من الركوع مع الامام تحسب له تلك الركعة، وإلا فلا. وأطال في الجواب. ونظر في قول التحفة لا بد من أن يكون ذلك يكفي يقينا، فلا يكفي الشك ولا الظن،

[ 22 ]

بل ولا غلبة الظن، إلى أن قال: ويزيد ما قلناه تأييدا قوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وإلزام من لا يرى الامام تيقن الادراك فيه حرج كبير منفي في الدين. اه‍. (قوله: فلو لم يطمئن إلخ) أي بأن لم يطمئن أصلا، أو اطمأن بعد ارتفاع الامام من أقل الركوع. (وقوله: فيه) أي الركوع. (قوله: أو شك إلخ) هذا مفهوم قوله يقينا، وما قبله مفهوم قوله قبل ارتفاع الامام. (قوله: فلا يدرك الركعة) جواب لو. أي فيجب عليه حينئذ أن يأتي بعد سلام الامام بركعة. (قوله: ويسجد الشاك للسهو) عبارة الامداد: وحيث أتى الشاك بالركعة بعد سلام الامام يسجد للسهو. كما استظهره في المجموع، وعلله بأنه شاك بعد سلام الامام في عدد ركعاته، فلا يتحمل عنه. اه‍. (قوله: وبحث الاسنوي وجوب ركوع إلخ) صورة المسألة: أن يضيق الوقت، ويجد مصليا راكعا، ولو اقتدى به يدرك ركعة في الوقت ولو لم يقتد به، بل صلى منفردا، لا يدركها فيه، فيجب عليه حينئذ أن يقتدي به، لاجل إدراك ركعة في الوقت. (فقوله: وجوب ركوع) في العبارة اختصار، أي وجوب الاقتداء بالامام الراكع، والركوع معه لاجل إدراك ركعة في الوقت. وعبارة التحفة والنهاية: ولو ضاق الوقت وأمكنه إدراك ركعة بإدراك ركوعها مع من يتحمل عنه الفاتحة لزمه الاقتداء به، كما هو ظاهر. انتهت. (قوله: ويكبر ندبا مسبوق) أي موافقة لامامه في التكبير وإن لم يحسب له ذلك الفعل. (وقوله: انتقل معه) الجملة صفة مسبوق، وضمير معه يعود على الامام. (قوله: لانتقاله) متعلق بيكبر. واللام تعليلية. (قوله: فلو أدركه) أي أدرك المأموم الامام. (وقوله: معتدلا) حال من الضمير البارز. (قوله: كبر للهوي) أي للمتابعة. (قوله: وما بعده) أي وما بعد الهوي من الاركان. (قوله: أو ساجدا) معطوف على معتدلا، أي أو أدرك الامام حال كونه ساجدا. (قوله: غير سجدة تلاوة) أما هي فيكبر لها للمتابعة لانها محسوبة له، كما قال الاذرعي. قال في التحفة بعد نقله كلام الاذرعي: وفي كون التلاوة محسوبة له نظر ظاهر، إذ من الواضح أنه إنما يفعلها للمتابعة، فحينئذ الذي يتجه أنه لا يكبر للانتقال إليها. اه‍. (قوله: لم يكبر للهوي إليه) أي السجود، وذلك لانه لم يتابعه في الهوي ولا هو محسوب له. وعبارة الروض وشرحه: لو أدركه في السجود الاول أو الثاني أو الجلوس بينهما أو التشهد الاول والاخير لم يكبر للهوي إليه، لانه لم يتابعه فيه ولا هو محسوب له، بخلاف انتقاله معه بعد ذلك من ركن إلى آخر، وبخلاف الركوع. اه‍. (قوله: ويوافقه) أي ويوافق المأموم الامام. (وقوله: في ذكر ما أدركه) أي في ذكر الفعل الذي أدرك الامام فيه، سواء كان ذلك الذكر واجبا أو مندوبا. (وقوله: من تحميد إلخ) بيان لذكر، لا لما. وكتب البجيرمي ما نصه: قوله من تحميد: أي في الاعتدال، وهو قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول سمع الله لمن حمده. كما أفاده شيخنا. اه‍. (قوله: وتسبيح) أي في الركوع والسجودين، (قوله: وتشهد) قال في التحفة: واعترض ندب الموافقة في التشهد بأن فيه تكرير ركن قولي، وفي إبطاله خلاف. ويرد بشذوذه أو منع جريانه هنا، لانه لصورة المتابعة. اه‍. (قوله: ودعاء) أي حتى عقب التشهد والصلاة على النبي (ص)، لان الصلاة لا سكوت فيها. (قوله: وكذا صلاة على الآل) أي وكذا يوافقه في الصلاة على الآل. (قوله: ولو في تشهد المأموم لاول) أي يوافقه المأموم في الصلاة على الآل ولو كان في تشهده الاول. وخالف م ر ذلك وقيد الموافقة فيها بما إذا كان في غير محل تشهده، فخرج به ما إذا كان في محل تشهده بأن كان تشهدا أول له فلا يأتي بالصلاة على الآل. قال البجيرمي: وهو


(1) الحج: 78

[ 23 ]

ظاهر، لاخراجه التشهد الاول عما طلب فيه، وليس هو حينئذ لمجرد المتابعة. اه‍. (قوله: قاله شيخنا) أي في التحفة، وقال فيها: ولا نظر لعدم ندبها فيه لما تقرر أن ملحظ الموافقة رعاية المتابعة لا حال المأموم. (قوله: ويكبر مسبوق للقيام). الواو من المتن، فأدخلها الشارح على مقدر معلوم مما قبله هو متعلق الظرف بعده، أي ويسن للمسبوق أن يكبر إذا أراد أن يأتي بما عليه عند قيامه بعد سلامي الامام إن كان إلخ. (قوله: بعد سلاميه) أي الامام. (قوله: إن كان إلخ) قيد في ندب التكبير للقيام بعد سلام الامام. وقوله: المحل الذي جلس أي المأموم. وقوله: معه أي الامام. وقوله: فيه أي في المحل. (قوله: موضع جلوسه) أي المأموم. (قوله: لو انفرد) أي لو صلى منفردا. (قوله: كأن أدركه إلخ) الكاف استقصائية، ولو أتى بباء التصوير لكان أولى. (قوله: وإلا لم يكبر) أي وإن لم يكن موضع جلوسه لو انفرد لم يكبر للقيام، كأن أدركه في ثانية أو رابعة رباعية، أو ثالثة ثلاثية، وذلك لانه ليس محل تكبيرة، وليس فيه موافقة لامامه. (قوله: ويرفع يديه إلخ) يعني يرفع المسبوق ندبا، عند قيام الامام من تشهده الاول تبعا في ذلك. ومقتضى التعليل بالتبعية أنه لو لم يأت به الامام لا يأتي هو به. لكن نقل ع ش عن حجر أنه يأتي به ولو لم يأت به إمامه. فتنبه. (قوله: وإن لم يكن إلخ) الواو للحال، وإن زائدة، لان التبعية لامامه في الرفع لا تكون إلا إذا لم يكن محل تشهده. أي يرفع يديه تبعا في حال أنه لم يكن المحل الذي قام منه المأموم محل تشهده، كأن اقتدى بالامام في ركعته الثانية. (قوله: ولا يتورك) أي لا يسن للمسبوق أن يتورك، وإنما أتى به لدفع ما يتوهم من موافقته أيضا في كيفية الجلوس. وتقدم معنى التورك وهو أن يخرج يسراه من جهة يمناه، ويلصق وركه بالارض. وقوله: في غير تشهده أي تشهد نفسه. وقوله: الاخير هو ما يعقبه سلام، كما تقدم (قوله: ويسن له) أي للمسبوق. وهذا ليس مكررا مع قوله سابقا: ويكبر مسبوق للقيام بعد سلاميه، لان ذلك في سنية التكبير للقيام بعد سلاميه، وهذا في سنية القيام بعد ذلك. فتنبه. وقوله: أن لا يقوم إلا بعد تسليمتي الامام أي فيسن له انتظار سلامه الثاني، لانه من لواحق الصلاة، وهذا هو محل انصباب السنية. أما انتظار سلامة الاول فهو واجب كما يستفاد من قوله بعد: ولا يقوم قبل سلام إلخ. (قوله: وحرم مكث بعد تسليمتيه) أي فيجب عليه القيام فورا. قال الكردي: المخل بالفورية ما يبطل في الجلوس بين السجدتين، وهو الزيادة على الوارد فيهما بقدر أقل التشهد، هذا عند الشارح، وعند الجمال الرملي على طمأنينة الصلاة، فمتى مكث بعد تسليمتي الامام زائدا على ذلك بطلت صلاته عنده. اه‍. (قوله: إن لم يكن محل جلوسه) أي لو كان منفردا، فإن مكث في محل جلوسه لو كان منفردا جاز وإن طال. اه‍. نهاية. (قوله: ولا يقوم قبل سلام الامام) أي ولا يجوز أن يقوم قبل سلام الامام ولا معه، كما صرح به في شرح البهجة حيث قال: ويجوز أن يقوم عقب الاولى، فإن قام قبل تمامها عامدا بطلت صلاته. قال ع ش: وظاهره ولو عاميا. وينبغي خلافه حيث جهل التحريم، لما تقدم من أنه لو قام قبل سلام الامام سهوا لا تبطل صلاته، لكن لا يعتد بما فعله، فيجلس وجوبا ثم يقوم. اه‍. (قوله: فإن تعمده) أي تعمد القيام قبل سلام الامام. (قوله: بلا نية مفارقة) خرج به ما لو نوى المفارقة ثم قام فلا تبطل صلاته. (قوله: بطلت) أي صلاته. ولا يقال: كيف تبطل مع أنه إنما سبق بركن فقط، وهو لا يبطل ؟ لانا نقول هنا قد تمت الصلاة بما وقع السبق به وهو السلام. ومحل عدم البطلان إذا وقع السبق قبل التمام. (قوله: والمراد مفارقة إلخ) أي والمراد بالقيام المخل مفارقة حد القعود، لا الانتصاب قائما. قال سم: يقال ينبغي البطلان بمجرد الاخذ في النهوض وإن لم يفارقه حد القعود، لانه شروع في المبطل وهو مبطل كما لو قصد ثلاث فعلات متوالية، فإن مجرد الشروع في الاولى مبطل. فليتأمل. اه‍. (قوله: فإن سها

[ 24 ]

إلخ) الاولى التعبير بالواو، لان ما دخلت عليه مقابل قوله فإن تعمده، لا مفرع عليه حتى يعبر بالفاء. والمراد أنه قام قبل السلام ساهيا أنه في الصلاة أو جاهلا تحريم قيامه قبل السلام. (قوله: لم يعتد بجميع ما أتى به) أي من الاركان. والمناسب في الجواب أن يقول: وجب عليه الجلوس ولا يعتد إلخ. (قوله: حتى يجلس) قال سم: أي وإن سلم الامام قبل أن يجلس، وإذا جلس قبل سلام الامام وكان موضع جلوسه كما هو الفرض لم يجب قيامه فورا بعد سلام الامام كما لو لم يقم، وكذا إذا جلس بعد سلام الامام فيما يظهر، لان قيامه لغو، فكأنه باق في الجلوس، وهو لو بقي في الجلوس لم يلزمه القيام فورا بعد سلام الامام. اه‍. (قوله: ومتى علم) أي أو تذكر أنه قام قبل سلام الامام. (قوله: بطلت صلاته) أي لعدم الاتيان بالجلوس الواجب عليه. اه‍ ع ش. (قوله: وبه فارق) أي وبلزوم جلوسه المفهوم من قوله حتى يجلس ثم قيامه فارق من قام إلخ، وذلك لانه لا يلزم الجلوس والقيام حتى لا يعتد بما قرأه. (قوله: لانه لا يلزمه العود إليه) أي إلى التشهد. (قوله: وشرط لقدوة) أي لصحتها المستلزمة صحة الصلاة. وقوله: شروط أي سبعة، نظمها ابن عبد السلام بقوله: وسبعة شروط الاقتداء: * * نية، قدوة بلا امتراء كذا اجتماع لهما في الموقف * * مع المساواة أو التخلف وعلم مأموم بالانتقال * * توافق النظمين في الافعال توافق الامام في السنة إن * * كان بخلفه تفاحش يبن تتابع الامام فيما فعلا * * تأخر المأموم عنه أولا ونظمها بعضهم في بيتين فقال: وافق النظم وتابع واعلمن * * أفعال متبوع مكان يجمعن واحذر لخلف فاحش تأخرا * * في موقف مع نية - فحررا (قوله: منها نية اقتداء) أي نية المأموم الاقتداء، وذكر خمس كيفيات لنية القدوة. وإنما اشترطت النية لصحة القدوة لانها عمل، فافتقرت للنية. (قوله: أو جماعة) أي أو نية جماعة، ويصح للامام نيتها أيضا، فيكون معناها في حقه غير معناها في حق المأموم. ولا يضر ذلك في حالة الاطلاق لانها تنزل في كل على ما يليق به، لان قرائن الاحوال قد تخصص النيات. (قوله: أو ائتمام) أي أو نية ائتمام. (قوله: بالامام) متعلق بكل من الاقتداء والجماعة والائتمام. قال

[ 25 ]

الكردي: ذكر في الايعاب في اشتراط ذلك خلافا طويلا اعتمد منه الاكتفاء بنية الائتمام أو الاقتداء أو الجماعة، وهو كذلك في شرحي الارشاد والتحفة والنهاية. واعتمد الخطيب في المغني خلافه، فقال: لا يكفي كما قاله الاذرعي، إطلاق نية الاقتداء من غير إضافة إلى الامام. اه‍. وقوله: الحاضر أي الذي وصفه هذا في الواقع، لا أنه ملحوظ في نيته، فلا ينافي أنه لا يجب تعيين الامام باسمه أو صفته التي منها الحاضر. (قوله: أو الصلاة معه) بالجر معطوف على اقتداء، أي أو نية الصلاة معه، أي مع الامام. (قوله: أو كونه مأموما) أي أو نية كونه مأموما. (قوله: مع تحرم) الظرف متعلق بمحذوف حال من نية اقتداء، أي حال كونها كائنة مع التحرم. قال سم: ينبغي الانعقاد إذا نوى في أثناء التكبيرة أو آخرها. اه‍. (قوله: أي يجب أن تكون إلخ) هذا إن أراد الاقتداء به ابتداء، فلا ينافي ما مر أنه لو صلى منفردا ثم نوى القدوة في أثناء صلاته جاز. وقوله: مقترنة مع التحرم المناسب مقترنة بالتحرم، بالباء بدل مع، ثم إن وجوب الاقتران بالنسبة للجمعة لاجل انعقادها، لان الجماعة شرط فيها، وبالنسبة لغيرها لاجل تحصيل فضيلة الجماعة، كما يفيده كلامه بعد. (قوله: وإذا لم تقترن إلخ) المناسب التعبير بالفاء، لان المقام يفيد التفريع. وقوله: نية نحو الاقتداء أي كالجماعة والائتمام. وقوله: بالتحرم متعلق بتقترن. (قوله: لم تنعقد الجمعة) مثلها المعادة والمجموعة بالمطر والمنذورة جماعتها لاشتراط الجماعة فيها. (قوله: لاشتراط الجماعة فيها) أي في الجمعة. (قوله: وتنعقد) الاولى وينعقد بياء الغيبة. (وقوله: غيرها) أي الجمعة. (قوله: فلو ترك هذه النية) أي تحقق عدم الاتيان بها، ولو لنسيان أو جهل. اه‍. برماوي. (قوله: أو شك فيها) أي في هذه النية. وفي هذه الحالة هو منفرد، فليس له المتابعة. (قوله: وتابع إلخ) هذا في غير الجمعة، أما فيها فيؤثر الشك إن طال زمنه وإن لم يتابع ومضى معه ركن، كما لو شك في أصل النية. وقوله: مصليا مفعول تابع، وهو صادق بمن كان إماما لجماعة وبغيره. (قوله: في فعل) أي ولو بالشروع فيه، كما يفيده قوله بعد: كأن هوى إلخ: (قوله: أو في سلام) معطوف على في فعل، أي بأن وقف سلامه على سلام غيره من غير نية قدوة. وخرج بالسلام غيره من الاقوال، فلا تضر المتابعة فيه. (قوله: بأن قصد ذلك) أي تعمد ما ذكر من المتابعة في فعل أو سلام، والجار والمجرور حال من فاعل تابع، أي تابع حال كونه متلبسا بقصد المتابعة، فلو تابع اتفاقا لا يضر، وقال ع ش: هو تصوير للمتابعة. (قوله: من غير اقتداء به) متعلق بقصد. (قوله: وطال عرفا انتظاره له) أي لما ذكر من الفعل أو السلام لاجل أن يتبعه فيه. وخرج به ما إذا تابعه من غير انتظار أو بعد انتظار لكنه غير طويل فلا يضر، ومثله إذا طال ولكنه لم يتابعه. والتقييد في مسألة الشك بالطول والمتابعة هو المعتمد - كما في التحفة والنهاية والمغني - خلافا لجمع منهم الاسنوي، والاذرعي، والزركشي - جعلوا الشك في نية القدوة كالشك في أصل النية، فأبطلوا الصلاة بالطويل وإن لم يتابع، وباليسير حيث تابع. (قوله: بطلت صلاته) أي لانه متلاعب لكونه وقفها على صلاة غيره بلا رابط بينهما. قال في النهاية: هل البطلان عام في العالم بالمنع والجاهل أو مختص بالعالم ؟ قال الاذرعي: لم أر فيه شيئا، وهو محتمل، والاقرب أنه يعذر. لكن قال في الوسيط: إن الاشبه عدم الفرق. وهو الاوجه. اه‍. (قوله: ونية إمامة) مبتدأ، خبره سنة. قال في الزبد: ونية المأموم أولا تجب * * وللامام غير جمعة ندب قال في التحفة: ووقتها - أي نية الامامة، عند التحرم، وما قيل إنها لا تصح معه - لانه حينئذ غير إمام - قال الاذرعي: غريب، ويبطله وجوبها على الامام في الجمعة عند التحرم. (قوله: أو جماعة) قد تقدم أنها صالحة له، كما

[ 26 ]

هي صالحة للمأموم والتعيين بالقرائن. (قوله: سنة لامام) أي ولو كان راتبا. وفي البجيرمي: وإذا لم ينو الامام الامامة استحق الجعل المشروط له، لانه لم يشرط عليه نية الامامة، وإنما الشرط ربط صلاة المأمومين بصلاته، وتحصل لهم فضيلة الجماعة، ويتحمل السهو وقراءة المأمومين على المعتمد. وصرح به سم، خلافا للشبراملسي. اه‍. (قوله: في غير جمعة) سيأتي محترزه. (قوله: لينال فضل الجماعة) أي ليحوز ثواب الجماعة، وهو تعليل لسنية نية الامامة للامام. (قوله: وتصح نيتها) أي الامامة. (قوله: إن وثق بالجماعة) قيد لصحة نيتها إذا لم يكن خلفه أحد، ومفاده أنه إذا لم يثق بها لا تصح نيته للامامة، فإن نوى بطلت، لتلاعبه. وبه صرح سم، وعبارته: (فرع) المتبادر من كلامهم أن من نوى الامامة وهو يعلم أن لا أحد يريد الاقتداء به لم تنعقد صلاته، لتلاعبه، وأنه لا أثر لمجرد احتمال اقتداء جني أو ملك به. نعم، إن ظن ذلك لم يبعد جواز نية الامامة أو طلبها. اه‍. (وقوله: على الاوجه) مقابله أنها لم تصح، وإن وثق بالجماعة. (قوله: لانه سيصير إماما) تعليل لصحة نية الامامة إذا لم يكن خلفه أحد. (قوله: فإن لم ينو) أي الامامة أصلا. (قوله: دونه) أي الامام، أي فلا يحصل له فضل الجماعة، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. (قوله: وإن نواه) أي ما ذكر من الامامة أو الجماعة. والاولى أن يقول نواها بضمير المؤنث. (قوله: في الاثناء) أي أثناء الصلاة. (قوله: حصل له الفضل من حينئذ) أي من حين النية. فإن قلت: مر أن من أدرك الجماعة في التشهد الاخير حصل له فضلها كلها فما الفرق ؟. قلت: انعطاف النية على ما بعدها هو المعهود، بخلاف عكسه، ويرد عليه الصوم، فإنه إذا نواه في النفل قبل الزوال تنعطف نيته على ما قبله. ويمكن الفرق بأن الصلاة يمكن فيها التجزي، أي يقع بعضها جماعة وبعضها فرادى، بخلاف الصوم. (فإن قلت): نية المأموم الجماعة في الاثناء لا يجوز بها الفضيلة، بل هي مكروهة. فما الفرق بينه وبين الامام. قلت: الفرق أن الامام مستقل في الحالتين، والمأموم كان مستقلا وصار تابعا، فانحطت رتبته، فكره في حقه ذلك. (قوله: أما في الجمعة فتلزمه مع التحرم) أي فتلزمه نية الامامة مقترنة بالتحرم، فلو تركها معه لم تصح جمعته، سواء كان من الاربعين أو زائدا عليهم، وإن لم يكن من أهل وجوبها. نعم، إن لم يكن من أهل الوجوب ونوى غير الجمعة لم تجب عليه نية الامامة. ومثل الجمعة: المعادة، والمجموعة جمع تقديم بالمطر، فتلزمه نية الامامة فيهما. وقال في النهاية: ومثلها في ذلك المنذورة جماعة إذا صلى فيها إماما. اه‍. أي فتلزمه فيها نية الامامة، فلو لم ينوها لا تنعقد. وقال ع ش: فيه نظر، لانه لو صلاها منفردا انعقدت، وأثم بعدم فعل ما التزمه. فالقياس انعقادها حيث لم ينو الامامة فرادى، لان ترك نية الامامة لا يزيد على فعلها منفردا ابتداء. اه‍. (قوله: ومنها) أي من شروط صحة القدوة. (وقوله: عدم تقدم إلخ) أي لما صح من قوله (ص): إنما جعل الامام ليؤتم به الائتمام: الاتباع. والمتقدم غير تابع فإن تقدم عليه - بما سيأتي في غير صلاة شدة الخوف - في جزء من صلاته بشئ مما ذكر لم تصح صلاته. وفي الكردي ما نصه: في الايعاب بحث بعضهم أن الجاهل يغتفر له التقدم، لانه عذر بأعظم من هذا، وإنما يتجه في معذور لبعد محله أو قرب إسلامه. وعليه، فالناسي مثله. اه‍. ونقله الشوبري في حواشي المنهج، والهاتفي في حواشي التحفة. اه‍.

[ 27 ]

(قوله: بعقب) هو ما يصيب الارض من مؤخر القدم. (وقوله: وإن تقدمت أصابعه) أي أن الشرط عدم تقدمه بالعقب فقط، سواء تقدمت الاصابع أو تأخرت، فإنه لا يضر ذلك. وذلك لان فحش التقدم إنما يظهر بالعقب. قال في التحفة: فلا أثر لتقدم أصابع المأموم مع تأخر عقبه ولا للتقدم ببعض العقب المعتمد على جميعه إن تصور فيما يظهر ترجيحه من خلاف. حكاه ابن الرفعة عن القاضي. وعلل الصحة بأنها مخالفة لا تظهر، فأشبهت المخالفة اليسيرة في الافعال. اه‍. واعتبار التقدم المضر بالعقب هو في حق القائم، وكذا الراكع. أما القاعد فبألييه. والمضطجع بجنبه وفي المستلقي احتمالان. قال ابن حجر: العبرة فيه بالعقب. وقال غيره برأسه. قال في التحفة: ومحل ما ذكر في العقب وما بعده إن اعتمد عليه، فإن اعتمد على غيره وحده، كأصابع القائم وركبة القاعد، اعتبر ما اعتمد عليه على الاوجه. حتى لو صلى قائما معتمدا على خشبتين تحت أبطه فصارت رجلاه معلقتين في الهواء، أو مما ستين للارض من غير اعتماد بأن لم يمكنه غير هذه الهيئة، اعتبرت الخشبتان فيما يظهر. ويتردد النظر في مصلوب اقتدى بغيره، لانه لا اعتماد له على شئ، إلا أن يقال اعتماده في الحقيقة على منكبيه، لانهما الحاملان له. فليعتبر. اه‍. (قوله: أما الشك إلخ) هذا محترز قوله يقينا. (قوله: لكنها مكروهة) أي كراهة مفوتة لفضيلة الجماعة فيما ساواه فيه فقط. وكذا يقال في كل مكروه من حيث الجماعة. قال في التحفة - كالنهاية - الفائت هنا فيما إذا ساواه في البعض السبعة والعشرون في ذلك البعض الذي وقعت فيه المساواة. لكن قال السيد عمر البصري أن أراد فضيلة السبعة والعشرين، من حيث ذلك المندوب الذي فوته فواضح، أو مطلقا فعدم الاتيان بفضيلة لا يخل بفضيلة ما أتى به. وسبقه إلى ذلك سم والطبلاوي. ويجري ذلك في غيره من المكروهات الآتية وغيرها. اه‍. بشرى الكريم. (قوله: وندب وقوف ذكر) التعبير بالوقوف هنا وفيما سيأتي للغالب، فلو لم يصل واقفا كان الحكم كذلك. (قوله: لم يخضر غيره) خرج به ما إذا حضر غيره معه إلى الصف، فيندب لهما الوقوف معا خلفه. وسيصرح به. (قوله: عن يمين الامام) متعلق بوقوف. قال الكردي: رأيت في شرح البخاري للقسطلاني ما نصه: وقال أحمد: من وقف على يسار الامام بطلت صلاته. (قوله: وإلا سن) أي وإن لم يقف على يمينه بأن وقف على يساره، سن للامام تحويله من غير فعل كثير. وعبارة المغنى: فإن وقف عن يساره أو خلفه سن له أن يندار مع اجتناب الافعال الكثيرة، فإن لم يفعل، قال في المجموع: سن للامام تحويله. اه‍. وقال سم: فإن خالف ذلك كره، وفاتته فضيلة الجماعة. كما أفتى به شيخنا الرملي. اه‍. وقوله: للاتباع دليل لندب وقوف الذكر عن يمينه، ولندب التحويل. وذلك ما رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي (ص) يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فحولني عن يمينه. قال في النهاية: ويؤخذ منه أنه لو فعل أحد من المقتدين خلاف السنة استحب للامام إرشاده إليها بيده أو غيرها، إن وثق منه بالامتثال. ولا يبعد أن يكون المأموم مثله في الارشاد المذكور. اه‍. (قوله: متأخرا) حال من ذكر، أي حال كونه متأخرا عن الامام، وهو سنة مستقلة. (وقوله: قليلا) صفة لمصدر محذوف، أي تأخر قليلا، وهو سنة أيضا. فهاتان سنتان، فكان الاولى أن يقول: ويسن تأخره عنه، وكونه قليلا. (قوله: بأن تتأخر أصابعه) تصوير للقلة. وهذا هو ما في التحفة. وصوره في الايعاب بخروجه عن المحاذاة، وفي فتح الجواد بأن لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع. قال: ويحتمل ضبطه بالعرف. ومحل سنية التأخر هنا، وفيما سيأتي، إذا كان الامام مستورا، فإذا كان عاريا وكان المأموم بصيرا في ضوء وقفا متحاذيين. (قوله: وخرج بالذكر الانثى) أي والخنثى. (قوله: فتقف) أي الانثى. وقوله: خلفه أي الامام. (وقوله: مع مزيد تأخر) ظاهره ولو زاد على ثلاثة أذرع.

[ 28 ]

ثم رأيت في فتاوي ابن حجر ما يفيد ذلك، ونص عبارتها: سئل - نفع الله به - عن قولهم: يستحب أن لا يزيد ما بين الامام والمأمومين على ثلاثة أذرع، فلو ترك هذا المستحب هل يكون مكروها ؟ كما لو ساواه في الموقف وتفوت به فضيلة الجماعة أم لا تفوت ؟ وكذلك لو صف صفا ثانيا قبل إكمال الاول، هل يكون كذلك مكروها تفوت به فضيلة الجماعة أم لا ؟ فأجاب بقوله: كل ما ذكر مكروه مفوت لفضيلة الجماعة. فقد قال القاضي وغيره، وجزم به في المجموع، السنة التي لا يزيد ما بين الامام ومن خلفه من الرجال على ثلاثة أذرع تقريبا، كما بين كل صفين. أما النساء فيسن لهن التخلف كثيرا. اه‍. بحذف. (قوله: فإن جاء ذكر آخر) أي بعد اقتداء الجائي أولا بالامام. (قوله: أحرم عن يساره) أي الامام. هذا إن كان بيساره محل، وإلا أحرم خلفه ثم تأخر عنه من هو على اليمين. (قوله: ثم بعد إحرامه تأخرا) أي أو تقدم الامام، والتأخر أفضل، فإن لم يمكن إلا أحدهما فعل، وأصل ذلك خبر مسلم عن جابر رضي الله عنه: قمت عن يسار رسول الله (ص) فأدارني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فأقامه عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه. وخرج بقوله بعد إحرامه، ما إذا تأخر من على يمين الامام قبل إحرام الثاني. وبقول تأخرا: ما إذا لم يتأخرا. وبقوله في قيام أو ركوع: ما إذا تأخرا في غير ذلك. ففي الجميع يكره ذلك، ويفوت به فضل الجماعة. (قوله: ووقوف رجلين جاءآ معا) أي وندب وقوف رجلين حضرا ابتداء، أي أو مرتبا. ولو قال ذكرين لكان أولى، لشمولهما الصبيين والرجل والصبي. (وقوله: خلفه) ظرف متعلق بوقوف. وكذا إذا حضرت المرأة وحدها أو النسوة وحدهن فإنها تقوم، أو يقمن خلفه، لا عن اليمين ولا عن اليسار. ولو حضر ذكر وامرأة قام الذكر عن يمينه، والمرأة خلف الذكر. أو ذكران وامرأة صفا خلفه، والمرأة خلفهما. أو ذكر وامرأة وخنثى، وقف الذكر عن يمينه، والخنثى خلفهما، والمرأة خلف الخنثى. (قوله: وندب وقوف في صف أول) قال القطب الغوث سيدنا الحبيب عبد الله الحداد في نصائحه: ومن المتأكد الذي ينبغي الاعتناء به، والحرص عليه، الملازمة للصف الاول، والمداومة على الوقوف فيه، لقوله عليه السلام: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة. ولقوله عليه السلام: لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا. ومعنى الاستهام: الاقتراع. ويحتاج من يقصد الصلاة في الصف الاول لفضله إلى المبادرة قبل ازدحام الناس وسبقهم إلى الصف الاول، فإنه مهما تأخر ثم أتى وقد سبقوه ربما يتخطى رقابهم فيؤذيهم، وذلك محظور، ومن خشي ذلك فصلاته في غير الصف الاول أولى به، ثم يلوم نفسه على تأخره حتى يسبقه الناس إلى أوائل الصفوف. وفي الحديث: لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى. ومن السنن المهملة المغفول عنها تسوية الصفوف والتراص فيها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتولى فعل ذلك بنفسه، ويكثر التحريض عليه والامر به، ويقول: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم. ويقول: إني لارى الشياطين تدخل في خلل الصفوف. يعني بها: الفرج التي تكون فيها. فيستحب إلصاق المناكب مع التسوية، بحيث لا يكون أحد متقدما على أحد ولا متأخرا عنه، فذلك هو السنة. ويتأكد الاعتناء بذلك، والامر به من الائمة، وهم به أولى من غيرهم من المسلمين فإنهم أعوان على البر والتقوى، وبذلك أمروا، قال تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * فعليك - رحمك الله تعالى - بالمبادرة إلى الصف الاول، وعليك برص الصفوف وتسويتها ما استطعت، فإن هذه سنة مثبتة من سنن رسول الله (ص)، من أحياها كان معه في الجنة، كما ورد. اه‍.


(1) المائدة: 2 (

[ 29 ]

وقال في الروض وشرحه: ويستحب قبل التكبير للاحرام أن يأمرهم الامام بتسوية الصفوف، كأن يقول: استووا رحمكم الله، أو سووا صفوفكم، لخبر الصحيحين: اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من ورائي. قال أنس - رواية - فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. ولخبر مسلم: كان يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح. وأن يلتفت لذلك يمينا وشمالا لانه أبلغ في الاعلام. اه‍. (قوله: وهو ما يلي الامام) أي الصف الاول هو الذي يلي الامام، أي الذي لم يحل بينه وبين الامام صف آخر من المصلين. وإذا صلى الامام خلف المقام في المسجد الحرام واستدار المصلون حول الكعبة، فالصف الاول - في غير جهة الامام - ما اتصل بالصف الذي وراء الامام، لا ما قرب من الكعبة - كما في فتح الجواد - ونص عبارته: والصف الاول في غير جهة الامام ما اتصل بالصف الذي وراء الامام، لا ما قرب للكعبة، كما بينته ثم. أي في الاصل. اه‍. ومثله في النهاية ونصها: ويسن أن يقف الامام خلف المقام للاتباع. والصف الاول صادق على المستدير حول الكعبة المتصل بما وراء الامام، وعلى من في غير جهته وهو أقرب إلى الكعبة منه، حيث لم يفصل بينه وبين الامام صف. اه‍. وكتب ع ش - ما نصه: قوله حيث لم يفصل بينه وبين الامام: المتبادر أن الضمير راجع لقوله وهو أقرب إلى الكعبة منه، وهو يقتضي أنه لو وقف صف خلف الاقرب وكان متصلا بمن وقف خلف الامام، كان الاول المتصل بالامام. لكن في حاشية سم على المنهج ما يخالفه، وعبارته: (فرع) أفتى شيخنا الرملي، كما نقله م ر، بما حاصله أن الصف الاول في المصلين حول الكعبة هو المتقدم، وإن كان أقرب في غير جهة الامام، أخذا من قولهم: الصف الاول هو الذي يلي الامام، لان معناه الذي لا واسطة بينه وبينه، أي ليس قدامه صف آخر بينه وبين الامام. وعلى هذا فإذا اتصل المصلون بمن خلف الامام الواقف خلف المقام وامتدوا خلفه في حاشية المطاف، ووقف صف بين الركنين اليمانيين قدام من في الحاشية من هذه الحلقة الموازين لمن بين الركنين، كان الصف الاول من بين الركنين، لا الموازين لما بينهما من هذه الحلقة، فيكون بعض الحلقة صفا أول، وهم من خلف الامام في جهته، دونه بقيتها في الجهات إذا تقدم عليهم غيرهم. وفي حفظي أن الزركشي ذكر ما يخالف ذلك. اه‍. وفي كلام شيخنا الزيادي ما نصه: والصف الاول حينئذ في غير جهة الامام ما اتصل بالصف الاول الذي وراءه، لا ما قارب الكعبة. اه‍. وهذا هو الاقرب الموافق للمتبادر المذكور. اه‍. (قوله: وإن تخلله منبر) أي حيث كان من بجانب المنبر محاذيا لمن خلف الامام، بحيث لو أزيل ووقف موضعه شخص مثلا صار الكل صفا واحدا. اه‍. ع ش. والغاية للرد على من يقول أن تخلل نحو المنبر يقطع الصف الاول، كما يستفاد من فتاوي ابن حجر، ونص عبارتها. (سئل) رضي الله عنه بما صورته: ما ضابط الصف الاول ؟ وهل يقطعه تخلل نحو منبر أو لا ؟ (فأجاب) بقوله: قال في الاحياء: إن المنبر يقطع الصف الاول، وغلطه النووي في شرح مسلم، وبين أن الصف الاول الممدوح هو الذي يلي الامام، سواء كان صاحبه متقدما أم متأخرا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا. ثم قال: وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الاحاديث، وصرح به الجمهور، ثم نقل فيه قولا: إنه الذي يلي الامام من غير أن يتخلله نحو مقصورة، وقولا آخر إنه الذي سبق إلى المسجد، وإن صلى في صف متأخر، وغلطهما. وقد يؤخذ من قوله أم متأخرا: أنه لو بقي في الصف الاول فرجة كان المقابل لها من الصف الثاني أو الثالث مثلا صفا أول بالنسبة لمن بعده، وهو قريب إن تعذر عليه الذهاب إليها، وإلا فوقوفه دونها مكروه، إذ يكره الوقوف في صف قبل إكمال الذي أمامه. اه‍.

[ 30 ]

(قوله: ثم ما يليه) أي ثم يندب الوقوف فيما يلي الصف الاول. (واعلم) أن أفضلية الاول فالاول تكون للرجال والصبيان، وإن كان ثم غيرهم، وللخناثى الخلص، أو مع النساء وللنساء الخلص، بخلاف النساء مع الذكور أو الخناثى، فالافضل لهن التأخر، وكذا الخناثى مع الذكور. وأصل ذلك خبر مسلم: خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها. وخير صفوف النساء - أي مع غيرهن - آخرها، وشرها أولها. (قوله: وأفضل كل صف يمينه) أي ما كان على يمينه، وذلك لما روي عن أبي هريرة: الرحمة تنزل على الامام، ثم من على يمينه الاول، فالاول. وكتب سم ما نصه: قوله وأفضل كل صف يمينه: لعله بالنسبة ليساره، لا لمن خلف الامام. وعبارة العباب وشرحه: والوقوف بقرب الامام في صف أفضل من البعد عنه فيه، وعن يمين الامام وإن بعد عنه، أفضل من الوقوف عن يساره وإن قرب منه. ومحاذاته، بأن يتوسطوه ويكتنفوه من جانبيه أفضل. اه‍. (قوله: ولو ترادف) أي تعارض. (وقوله: يمين الامام) أي الوقوف عن يمين الامام في غير الصف الاول. (وقوله: والصف الاول) أي الوقوف فيه في غير يمين الامام. (وقوله: قدم) أي الصف الاول. (قوله: ويمينه إلخ) أي فلو تعارض الوقوف في يمين الامام مع البعد عنه، والوقوف في يساره مع القرب منه، قدم الاول، وإن كان من باليسار يسمع الامام ويرى أفعاله. (قوله: وإدراك الصف الاول إلخ) يعني لو تعارض عليه إدراك الصف الاول وإدراك ركوع غير الركعة الاخيرة، فإن ذهب للصف الاول يفوته ركوع ذلك، وإن وقف في غير الصف الاول أدركه، فالاولى له الذهاب إلى الصف الاول ليحوز فضله. (قوله: فإن فوتها إلخ) أي فوت الركعة الاخيرة قصد الصف الاول، بأن كان لو ذهب إلى الصف الاول رفع الامام رأسه من الركوع، ولو لم يذهب إليه، أدرك ركوع الامام في الركعة الاخيرة. (قوله: فإدراكها) أي الركعة الاخيرة. (وقوله: أولى من الصف الاول) تقدم عن الرملي الكبير أن إدراك الصف أولى. (قوله: وكره لمأموم انفراد إلخ) أي ابتداء ودواما - كما في ح ل - وتفوت به فضيلة الجماعة. قال م ر في شرحه، وحجر وسم: إن الصفوف المتقطعة تفوت عليهم فضيلة الجماعة. اه‍. وقال م ر في الفتاوي، تبعا للشرف المناوي، إن الفائت عليهم: فضيلة الصفوف، لا فضيلة الجماعة. ومال ع ش إلى ما في شرح الرملي، لانه إذا تعارض ما فيه وغيره قدم ما في الشرح اه‍. بجيرمي. (قوله: الذي من جنسه) أي المأموم، كأن كان رجلا وأهل الصف كلهم رجال، أو أنثى وأهل الصف كلهم إناث، أو خنثى وأهل الصف كلهم خناثى. وخرج بالجنس غيره. كامرأة وليس هناك نساء، أو خنثى وليس هناك خناثى، فلا كراهة بل يندب. (قوله: إن وجد فيه) - أي الصف - سعة، بأن كان لو دخل في الصف وسعه، من غير إلحاق مشقة لغيره، وإن لم تكن فيه فرجة فإن لم يجد السعة أحرم، ثم بعده جر إليه شخصا من الصف ليصطف معه، خروجا من الخلاف، ولما رواه الطبراني عن وابصة: أيها المصلي وحده، ألا وصلت إلى الصف فدخلت معهم ؟ أو جررت إليك رجلا إن ضاق بك المكان فقام معك ؟ أعد صلاتك فإنه لا صلاة لك. (وقوله: أعد إلخ) محمول على الندب، وسن لمجروره مساعدته بموافقته، فيقف معه صفا لينال فضل المعاونة على البر والتقوى. وظاهر أنه لا يجر أحدا من الصف إذا كان اثنين، لانه يصير أحدهما منفردا. (والحاصل) شروط الجر أربعة: أن يكون الجر بعد إحرامه. وأن يجوز موافقته، وإلا امتنع خوف الفتنة، وأن يكون حرا، لئلا يدخل غيره في ضمانه بالاستيلاء عليه. وأن لا يكون الصف اثنين. وقد نظمها (1) بعضهم بقوله: لقد سن جر الحر من صف عدة * * يري الوفق فاعلم في قيام قد احرما


لقد وقد نظمها أي مع زيادة شرط وهو ان يكون في القيام اه‍ مؤلف

[ 31 ]

وقوله قد أحرما: بنقل همزة أحرم للدال. (قوله: بل يدخله) أي الصف الذي فيه سعة. ولو وجدها وبينه وبينها صفوف كثيرة خرق جميعها ليدخل تلك الفرجة، لانهم مقصرون بتركها، ولكراهة الصلاة لكل من تأخر عن صفها. وبهذا يعلم ضعف ما قيل من عدم فوت الفضيلة هنا على المتأخرين. نعم، إن كان تأخرهم لعذر، كوقت الحر بالمسجد الحرام، فلا كراهة، ولا تقصير كما هو ظاهر. كذا في التحفة والنهاية. (قوله: وشروع في صف إلخ) أي وكره شروع في صف قبل إتمام الصف الذي أمامه. (وسئل) الشهاب ابن حجر عما عم الابتلاء به في المسجد الحرام. وهو أنه لا يتم فيه غير صف الحاشية - أي حاشية المطاف - على أنه إنما يتم في بعض الفروض لا كلها، وأكثر الناس يتخلفون عن الصف الاول أو الثاني مع نقصه فهل يكره ذلك وتفوت به فضيلة الجماعة أو لا ؟. (فأجاب) رضي الله عنه: نعم، يكره ذلك للاحاديث الآتية فيه، وتفوت به فضيلة الجماعة، لا بركتها المانعة لتسلط الشيطان ووسوسته، ولا صورتها المسقطة لفرض الكفاية أو العين في الجمعة. فعلم أنه لا يلزم من سقوط فضيلتها سقوط صورتها، خلافا لكثيرين وهموا فيه. وقد صرح في شرح المهذب بكراهة ذلك، لانه خالف فيه فاعله المتابعة المندوبة في المكان ونحوه. وسبقه الاصحاب إلى ذلك حيث قالوا: يكره إنشاء صف من قبل إتمام ما قبله، وصرحوا بأن كل مكروه من حيث الجماعة يكون مبطلا لفضيلتها، أي التي هي سبع وعشرون درجة. وقد ورد خبر: من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله تعالى. أي عن الخير والكمال. وأخذ منه ابن حزم: بطلان الصلاة. والبخاري أن فاعل ذلك يأثم. ورد بأن غيرهما حكى الاجماع على عدم الوجوب. اه‍. ملخصا من هامش على شرح المنهج بخط العلامة الشيخ محمد صالح الرئيس المكي، رحمه الله تعالى. (قوله: ووقوف الذكر الفرد عن يساره) أي ويكره وقوف الذكر الفرد عن يسار الامام. وهذا محترز قوله عن يمين الامام، وكذا قوله ووراءه ومحاذيا له. (قوله: ومحاذيا له) أي مساويا. (قوله: ومتأخرا كثيرا) أي بأن يكون زائدا على ثلاثة أذرع. وهذا محترز قوله متأخرا قليلا. (قوله: وكل هذه) أي وكل واحدة من هذه الصور، وهي الانفراد عن الصف، والشروع في صف قبل إتمام ما قبله، ووقوف الذكر الفرد عن يساره أو وراءه أو محاذيا له أو متأخرا كثيرا. (قوله: تفوت فضيلة الجماعة) أي التي هي سبع وعشرون درجة، أو خمس وعشرون. ولا تغفل عما سبق لك من أن المراد فوات ذلك الجزء الذي حصل فيه ذلك المكروه، لا في كل الصلاة. (قوله: ويسن أن لا يزيد إلخ) فلو زيد على ذلك كره للداخلين أن يصطفوا مع المتأخرين، فإن فعلوا لم يحصلوا فضيلة الجماعة، أخذا من قول القاضي: لو كان بين الامام ومن خلفه أكثر من ثلاثة أذرع فقد ضيعوا حقوقهم، فللداخلين الاصطفاف بينهما، وإلا كره لهم. أفاده في التحفة. (قوله: والاول والامام) أي ويسن أن لا يزيد ما بين الصف الاول والامام. (قوله: ويقف إلخ) أي ويسن إذا تعددت أصناف المأمومين أن يقف خلفه الرجال، ولو أرقاء، ثم بعده - إن كمل صفهم - الصبيان، ثم بعدهم - وإن لم يكمل صفهم - النساء. وذلك للخبر الصحيح: ليليني منكم أولو الاحلام والنهي - أي البالغون العاقلون - ثم الذين يلونهم. ثلاثا. ومتى خولف الترتيب المذكور كره. (تنبيه) النسوة إذا صلين جماعة تقف ندبا إمامتهن وسطهن، لانه أستر لها. ومثلهن العراة البصراء، فيقف إمامهم غير المستور وسطهم، ويقفون صفا واحدا إن أمكن، لئلا ينظر بعضهم إلى عورة أحد.

[ 32 ]

(قوله: ولا يؤخر الصبيان للبالغين) أي إذا حضر الصبيان أولا وسبقوا إلى الصف الاول، ثم حضر البالغون، فلا ينحى الصبيان لاجلهم، لانهم حينئذ أحق به منهم. (وقوله: لاتحاد جنسهم) أي أن جنس الصبيان والبالغين واحد، وهو الذكورية. وأفهم التعليل المذكور أن النساء لو سبقن للصف الاول ثم حضر غيرهن يؤخرن لاجله، وذلك لعدم اتحاد الجنس. وانظر إذا أحرمن ثم بعده حضر غيرهن، هل يؤخرن بعد الاحرام أو لا ؟. ثم رأيت ع ش استقرب الاول وقال: حيث لم يترب على تأخرهن أفعال مبطلة. (قوله: ومنها) أي ومن شروط صحة القدوة. (قوله: علم بانتقال إمام) أي علم المأموم بانتقال إمامه. وأراد بالعلم ما يشمل الظن، بدليل قوله أو صوت مبلغ. (قوله: برؤية له) متعلق بعلم، أي أن علمه بذلك يحصل برؤية إمامه. (قوله: أو لبعض صف) أي أو رؤية لبعض صف من يمينه أو يساره أو أمامه. (قوله: أو سماع لصوته) معطوف على رؤية، أي أو يحصل علمه بسماع لصوت إمامه. (قوله: أو صوت مبلغ) أي أو سماع صوت مبلغ، أي وإن لم يكن مصليا. (وقوله: ثقة) قال في النهاية: المراد بالثقة هنا عدل الرواية، إذ غيره لا يقبل إخباره. ثم قال: ولو ذهب المبلغ في أثناء صلاته لزمته نية المفارقة، أي إن لم يرج عوده قبل مضي ما يسع ركنين في ظنه فيما يظهر. فلو لم يكن ثم ثقة وجهل المأموم أفعال إمامه الظاهرة، كالركوع والسجود، لم تصح صلاته، فيقضي لتعذر المتابعة حينئذ. اه‍. (قوله: ومنها) أي ومن شروط صحة القدوة. (وقوله: اجتماعهما) حاصل الكلام على ما يتعلق بهذا الشرط، أن لاجتماعهما أربع حالات. الحالة الاولى: أن يجتمعا في مسجد. الحالة الثانية: أن يجتمعا في غيره، وهذه تحتها أربع صور، وذلك لانهما إما أن يجتمعا في فضاء، أو في بناء، أو يكون الامام في بناء والمأموم في فضاء، أو بالعكس. الحالة الثالثة: أن يكون الامام في المسجد، والمأموم خارجه. الحالة الرابعة: بعكس هذه. ففي الاولى يصح الاقتداء مطلقا وإن بعدت المسافة بينهما، وحالت أبنية واختلفت، كأن كان الامام في سطح أو بئر، والمأموم في غير ذلك. لكن يشترط فيها أن تكون نافذة إلى المسجد نفوذا لا يمنع الاستطراق عادة، كأن كان في البئر مرقى يتوصل به إلى الامام من غير مشقة. ولا يشترط هنا عدم الازورار والانعطاف، ولا يكفي الاستطراق من فرجة في أعلى البناء، لان المدار على الاستطراق العادي. ولا يضر غلق أبوابها، ولو ضاع مفتاح الغلق، بخلاف التسمير، فيضر. وعلم أنه يضر الشباك الكائن في جدار المسجد، فلا تصح الصلاة من خلفه، لانه يمنع الاستطراق عادة. وخالف الاسنوي فقال: لا يضر، لان جدار المسجد منه. وهو ضعيف، لكن محل الضرر في الشباك، إذا لم يكن الجدار الذي هو فيه متصلا بباب المسجد، ويمكن الوصول منه إلى الامام من غير ازورار وانعطاف. فإن كان كذلك فلا يضر. وقال ح ل: متى كان متصلا بما ذكر لا يضر، سواء وجد ازورار وانعطاف أو لا. وفي الصورة الاولى من الحالة الثانية يشترط لصحة القدوة قرب المسافة بأن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع. وفي الصور الثلاث منها يشترط - زيادة على ذلك - عدم حائل يمنع مرورا أو رؤية أو وقوف واحد حذاء منفذ في الحائل إن وجد. ويشترط - في الواقف - أن يرى الامام أو بعض من يقتدي به. وحكم هذا الوقف حكم الامام بالنسبة لمن خلفه، فلا يحرمون قبله، ولا يسلمون قبله. وعند م ر: يشترط أن يكون ممن يصح الاقتداء به، فإن حال ما يمنع ذلك أو لم يقف واحد حذاء منفذ فيه بطلت القدوة.

[ 33 ]

وفي الحالة الثالثة والرابعة يشترط فيهما أيضا ما ذكر، من قرب المسافة، وعدم الحائل، أو وقوف واحد حذاء المنفذ. وقد أشار إلى هذه الاحوال وشروطها بعضهم في قوله: والشرط في الامام والمأموم: * * الاجتماع، فاحفظن مفهومي وأن يكونا في محل الموقف * * مجتمعين يا أخي فاعرف وإن يكن بمسجد فأطلقا، * * ولا تقيده بشرط مطلقا وإن يكن كل بغير المسجد * * أو فيه شخص منهما فقيد بشرط قرب، وانتفاء الحائل * * فاعلم تكن بالعلم خير فاضل وذرع حد القرب حيث يعتبر * * هنا ثلاث من مئين تختبر وقوله وإن يكن بمسجد: ا سم يكن يعود على كل من الامام والمأموم، بدليل ما بعده. (قوله: بمكان) أي في مكان. فالباء بمعنى في. والمراد ما يشمل المسجد وغيره، كما علمت. (قوله: كما عهد إلخ) الكاف للتعليل، وما واقعة على الاجتماع المذكور، أي لما عهد عليه الجماعات في العصر الماضية من اجتماع الامام والمأموم في مكان واحد، أي ومبنى العبادات على رعاية الاتباع. (قوله: فإن كانا إلخ) شروع فيما يتعلق بالشرط المذكور من الاحوال التي ذكرتها سابقا، فالفاء تفريعية. (وقوله: بمسجد) أي أو مساجد متلاصقة تنافذت أبوابها وإن كانت مغلقة غير مسمرة، أو انفرد كل مسجد بإمام ومؤذن وجماعة. (قوله: ومنه) أي ومن المسجد. (قوله: وهي) أي الرحبة. (وقوله: ما خرج عنه) أي المسجد. قال العلامة الكردي: اختلف فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فقال الاول: هي ما كان خارجه محجرا عليه لاجله. وقال ابن الصلاح: هي صحن المسجد. وطال النزاع بينهما، وصنف كل منهما تصنيفا. والصواب ما قاله ابن عبد السلام. اه‍. وفي فتاوي ابن حجر ما نصه: (سئل) رضي الله عنه: ما حقيقة رحبة المسجد ؟ وما الفرق بينها وبين حريمه ؟ وهل لكل حكم المسجد ؟ (فأجاب) بقوله: قال في المجموع: ومن المهم بيان حقيقة هذه الرحبة. ثم نقل عن صاحب الشامل والبيان أنها ما كان مضافا إلى المسجد محجرا عليه لاجله، وأنها منه، وأن صاحب البيان وغيره نقلوا عن نص الشافعي - رضي الله عنه - وغيره صحة الاعتكاف فيها. قال النووي: واتفق الاصحاب على أن المأموم لو صلى فيها مقتديا بإمام المسجد صح، وإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق، لانها منه، وليست توجد لكل مسجد. وصورتها: أن يقف الانسان بقعة محدودة مسجدا، ثم يترك منها قطعة أمام الباب، فإن لم يترك شيئا لم يكن له رحبة، وكان له حريم. أما لو وقف دارا محفوفة بالدور مسجدا فهذا لا رحبة له ولا حريم، بخلاف ما إذا كان بجانبها موات، فإنه يتصور أن يكون له رحبة وحريم، ويجب على الناظر تمييزها منه، فإن لها حكم المسجد دونه، وهو ما يحتاج إليه لطرح القمامات والزبل اه‍. بحذف. (قوله: لكن حجر) أي حوط عليه. (وقوله: لاجله) أي لاجل المسجد، أي اتساعه. (قوله: سواء أعلم إلخ) تعميم في كون الرحبة من المسجد، أي لا فرق في كونها منه بين أن يعلم وقفيتها أو يجهل. (وقوله: عملا بالظاهر) علة

[ 34 ]

في إثبات كونها منه مع جهل وقفيتها. (قوله: وهو) أي الظاهر التحويط، أي عليها. (قوله: لكن ما لم يتيقن إلخ) مرتبط بقوله ورحبته، أي من المسجد رحبته إذا لم يتيقن حدوثها بعد المسجد وأنها غير مسجد، فإن تيقن ذلك فهي ليست من المسجد. (قوله: وأنها غير مسجد) قال السيد عمر البصري في حاشية التحفة: التعبير بأو أولى. فتأمل. اه‍. ولعل وجهه أن الواو لكونها موضوعة للجمع تقتضي أنه لا بد في عد الرحبة من المسجد من عدم مجموع شيئين، وهما تيقن الحدوث بعده، وتيقن أنها غير مسجد، مع أنه يكفي في ذلك عدم أحدهما. فمتى لم يتيقن الحدوث بعده، أو لم يتيقن أنها غير مسجد، فهي من المسجد. ومتى ما تيقن أحدهما، فهي ليست منه. وعدم تيقن غير المسجدية صادق بما إذا تيقنت المسجدية وبما إذا جهل الحال، وكذلك عدم تيقن الحدوث صادق بما إذا تيقن غيره وبما إذا جهل الحال. تأمل. (قوله: لا حريمه) معطوف على جداره، أي وليس من المسجد حريم المسجد. (قوله: وهو) أي الحريم. (وقوله: اتصل به) أي بالمسجد. (قوله: كانصباب إلخ) تمثيل للمصلحة العائد على المسجد. (قوله: ووضع نعال) أي في الحريم. (قوله: صح الاقتداء) جواب فإن كانا. (قوله: وإن زادت إلخ) غاية لصحة الاقتداء. (وقوله: بينهما) أي الامام والمأموم. (قوله: أو اختلفت الابنية) أي كبئر وسطح ومنارة. وهنا قيد ساقط يعلم من قوله بعد بخلاف إلخ وهو: وكانت نافذة إلى المسجد نفوذا يمكن الاستطراق منه عادة. وقد صرح به في المنهج، وعبارته: فإن كانا بمسجد صح الاقتداء، وإن حالت أبنية نافذة. اه‍. وكان على الشارح التصريح به، كغيره. (قوله: بخلاف من ببناء فيه) أي المسجد. (وقوله: لا ينفذ بابه) أي البناء. (وقوله: إليه) أي المسجد. (قوله: بأن سمر) أي الباب. وهو تصوير لعدم النفوذ، وإنما صور به ليخرج ما لو أغلق فإنه لا يضركما علمت. قال السيد عمر البصري في فتاويه: الفرق بين التسمير والاغلاق في القدوة: أن التسمير أن يضرب مسمار على باب المقصورة. والاغلاق منع المرور بقفل أو نحوه. فالتسمير يخرج الموقفين عن كونهما مكانا واحدا، وهو مدار صحة القدوة، بخلاف الاغلاق. اه‍. (قوله: أو كان سطحا) انظر هو معطوف على أي شئ قبله ؟ فإن كان على متعلق الجار والمجرور الواقع صلة الموصول انحل المعنى، وبخلاف من كان سطحا، ولا معنى له، إلا أن يجعل سطحا منصوبا بإسقاط الخافض، أي بسطح. وإن كان معطوفا على الموصول وصلته انحل المعنى، وبخلاف كان إلخ، ولا معنى له أيضا. وإن كان معطوفا على سمر الواقع تصويرا للبناء الذي لا ينفذ بابه إليه، صح ذلك، إلا أنه يرد عليه أن سطح المسجد ليس من جملة البناء الكائن فيه. إذا علمت ذلك، فكان الاولى والاخصر أن يقول: أو بسطح، ويكون معطوفا على ببناء. فتنبه. (قوله: لا مرقى له) أي للسطح منه. أي المسجد، وإن كان له مرقى من خارجه. ولو كان له مرقى من المسجد وزال في أثناء الصلاة ضر، كما قاله القليوبي. (قوله: حينئذ) أي حين إذ كان ببناء لا منفذ له إليه، أو كان بسطح لا مرقى له إليه. (قوله: كما لو وقف إلخ) الكاف للتنظير في عدم صحة القدوة لعدم الاجتماع. قال العلامة الكردي: هذا هو المعتمد في ذلك. وقد أفرد الكلام عليه السيد السمهودي بالتأليف وأطال في بيانه. وفي فتاوي السيد عمر البصري كلام طويل فيه. حاصله: أنه يجوز تقليد القائل بالجواز مع ضعفه: فيصلي في الشبابيك التي بجوار المسجد الحرام، وكذلك مسجد المدينة وغيره. اه‍. وقال في التحفة: وبحث الاسنوي أن هذا في غير شباك بجدار المسجد. وإلا كالمدارس التي بجدار المساجد الثلاثة صحت صلاة الواقف فيها، لان جدار المسجد منه، والحيلولة فيه لا تضر. رده جمع، وإن انتصر له آخرون بأن شرط الابنية في المسجد تنافذ أبوابها - على ما مر - فغاية جداره أن يكون كبناء فيه، فالصواب أنه لا بد من وجود باب أو خوخة فيه يستطرق منه إليه من غير أن يزور. اه‍. (قوله: ولا يصل إليه) أي الامام. (وقوله: إلا بازورار أو انعطاف) أو بمعنى الواو، ولو عبر بها لكان أولى. والعطف من عطف

[ 35 ]

أحد المترادفين على الآخر، فإن وصل إليه لا بذلك صحت صلاته، لكن بشرط أن يكون في الجدار باب أو خوخة يتوصل منه للامام، كما يعلم ذلك من عبارة التحفة المتقدمة. (قوله: بأن إلخ) تصوير للازورار أو الانعطاف. (وقوله: ينحرف عن جهة القبلة) أي بحيث تكون خلف ظهره، بخلاف ما إذا كانت عن يمينه أو يساره فإنه لا يضر. (قوله: ولو كان أحدهما) أي إماما أو مأموما. (وقوله: والآخر) أي إماما أو مأموما أيضا. (وقوله: خارجه) أي المسجد. (قوله: بأن لا يزيد إلخ) تصوير لقرب المسافة. (وقوله: ما بينهما) أي بين الذي في المسجد وبين الآخر الذي خارجه. (وقوله: على ثلثمائة ذراع) هي معتبرة من طرف المسجد الذي يلي من هو خارجه إن كان الامام فيه والمأموم خارجه، أو من طرفه الذي يلي الامام إن كان المأموم فيه والامام خارجه. (وقوله: تقريبا) أي لا تحديدا. فلا تضر زيادة غير متفاحشة كثلاثة أذرع وما قاربها. (قوله: عدم حائل) نائب فاعل شرط. والمراد أن يعدم ابتداء، فلو طرأ في أثنائها وعلم بانتقالات الامام ولم يكن بفعله لم يضر. أفاده م ر، ونقله ابن قاسم عن شرح العباب. ونص الثاني: قال في شرح العباب، ورجح الاذرعي: أنه لو بني بين الامام والمأموم حائل في أثناء الصلاة يمنع الاستطراق والمشاهدة لم يضر، وإن اقتضى إطلاق المنهاج وغيره خلافه. وظاهر مما مر أن محله ما إذا لم يكن البناء بأمره. اه‍. (قوله: يمنع مرور أو رؤية) سيذكر محترزه. (قوله: أو وقوف واحد) معطوف على عدم حائل، أي فإن وجد حائل شرط وقوف واحد حذاء المنفذ، ولا يتصور هذا إلا في أحد قسمي الحائل، وهو ما يمنع الرؤية فقط. وأما لو كان يمنع المرور فلا يكون فيه منفذ. (وقوله: في الحائل) متعلق بمحذوف صفة لمنفذ، أي كائن في الحائل. (وقوله: إن كان) أي إن وجد ذلك المنفذ، ولا يوجد إلا فيما يمنع الرؤية كما علمت. (قوله: كما إذا كانا) أي الامام والمأموم. والكاف للتنظير. (قوله: كصحن) قال في المصباح: صحن الدار وسطها اه‍. ولعله هو المسمى بالمجلس عند أهل الحرمين. (وقوله: وصفة) وهي خلاف الصحن، وتكون أمامه، أو عن يمينه أو شماله. (قوله: أو كان أحدهما) أي المأموم أو الامام. (وقوله: والآخر) أي المأموم أو الامام أيضا. (وقوله: بفضاء) هو ما ليس بناء. (قوله: فيشترط أيضا) أي كما يشترط فيما إذا كان أحدهما بمسجد والآخر خارجه. (وقوله: هنا) أي فيما إذا كان ببناءين أو أحدهما به والآخر في فضاء. (وقوله: ما مر) أي من قرب المسافة وعدم الحائل، أو وقوف واحد حذاء منفذ فيه. (قوله: فإن حال ما يمنع) أي حائل يمنع مرورا. (وقوله: كشباك) تمثيل لما يمنع المرور. (قوله: أو رؤية) أي أو حال ما يمنع رؤية. (وقوله: كباب مردود) تمثيل له. (قوله: وإن لم تغلق ضبته) غاية في تأثير الباب المردود، أي أنه يؤثر في صحة القدوة مطلقا، سواء أغلقت ضبته أم لا، فالمضر هنا مجرد الرد، سواء وجد غلق أو تسمير أم لا، بخلاف الابنية الكائنة في المساجد فإنه لا يضر فيها إلا التسمير، والفرق أنها فيه كبناء واحد، كما مر. (قوله: لمنعه) أي الباب المردود المشاهدة، أي مشاهدة الامام. وهو تعليل لكون الباب المردود يؤثر في صحة القدوة. (وقوله: وإن لم يمنع الاستطراق) أي الوصول للامام، وهذا إذا لم يغلق الباب. (قوله: ومثله) أي الباب المردود، في الضرر. (وقوله: الستر) بكسر السين، اسم للشئ الذي يستر به، وبالفتح، اسم للفعل. (وقوله: المرخى) أي بين الامام والمأموم. (قوله: أو لم يقف أحد) معطوف على جملة حال ما يمنع إلخ، أي أو لم يحل ما يمنع المرور أو الرؤية، بأن حال ما لا يمنع ذلك ولكن لم يقف أحد حذاء منفذ في ذلك الحائل. (قوله: لم يصح الاقتداء) جواب إن. (قوله: فيهما) أي في صورة ما إذا حال ما يمنع ما ذكر، وصورة ما إذا لم يقف واحد حذاء المنفذ. (قوله: وإذا وقف واحد إلخ) قال الكردي: قال الحلبي: لا بد أن يكون هذا الواقف يصل إلى الامام من غير ازورار

[ 36 ]

وانعطاف، أي بحيث لا يستدبر القبلة بأن تكون خلف ظهره، بخلاف ما إذا كانت عن يمينه أو يساره فإنه لا يضر. اه‍. وقال أيضا: بقي الكلام في المراد من وقوف الرابطة في المسجد حذاء المنفذ، أي مقابله، هل المراد منه أن يكون المنفذ أمامه أو عن يمينه أو يساره أو لا فرق ؟ ظاهر التحفة والنهاية وغيرهما: الثالث. وظاهر كلام غير واحد يفيد أن محل كلامهم فيما إذا كان المنفذ أمام الواقف. اه‍. (قوله: حتى يرى الامام) أي ليرى الامام، فحتى تعليلية بمعنى اللام، وقضيته: أنه لو علم بانتقالات الامام ولم يره ولا أحدا ممن معه، كأن سمع صوت المبلغ، لا يكفي، وهو كذلك. وعبارة شرح العباب: ويشترط في هذا الواقف قبالة المنفذ أن يكون يرى الامام أو واحدا ممن معه في بنائه. اه‍. أفاده سم. قال البجيرمي: قال شيخنا ح ف: ومقتضاه اشتراط كون الرابطة بصيرا، وأنه إذا كان في ظلمة بحيث تمنعه من رؤية الامام أو أحد ممن معه في مكانه، لم يصح. اه‍. (قوله: أو بعض من معه في بنائه) أي أو يرى بعض من يصلي مع الامام من المأمومين، حالة كون ذلك البعض كائنا في البناء الذي يصلي فيه الامام. فالظرف متعلق بمحذوف صلة من، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من بعض. (قوله: فحينئذ إلخ) جواب إذا، والصواب حذف حينئذ والاقتصار على ما بعده، لان إثباته يورث ركاكة في العبارة، إذ التقدير عليه: تصح صلاة من بالمكان الآخر إذا وقف واحد حذاء منفذ حين إذ وقف واحد إلخ، وإنما كان التقدير ما ذكر لان إذا منصوبة بجوابها. فتنبه. (قوله: تبعا لهذا المشاهد) أي للامام أو بعض من معه، فهو بصيغة اسم الفاعل، ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول. وعلى كل فالمراد به الواقف حذاء المنفذ. فالاول: باعتبار أنه هو مشاهد للامام أو من معه. والثاني: باعتبار أن المأمومين الذين في بنائه يشاهدونه. (قوله: فهو) أي هذا المشاهد. (وقوله: في حقهم) أي من بالمكان الآخر. (قوله: حتى لا يجوز إلخ) حتى تفريعية والفعل بعدها مرفوع، أي وإذا كان كالامام فلا يجوز التقدم إلخ. (قوله: ولا بأس بالتقدم عليه في الافعال) علل ذلك في التحفة بكونه ليس بإمام حقيقة، قال: ومن ثم اتجه جواز كونه امرأة، وإن كان من خلفه رجالا. اه‍. وقياسه: جواز كونه أميا، أو ممن يلزمه القضاء كمقيم، ومتيمم. وخالف الجمال الرملي: فاعتمد أنه يضر التقدم بالافعال كالامام، وعدم جواز كونه امرأة لغير النساء. وقياسه عدم الاكتفاء بالامي ومن يلزمه القضاء. (قوله: ولا يضرهم بطلان صلاته) أي لا يضر المأمومين الذين بالمكان الآخر بطلان صلاة هذا المشاهد الواقف حذاء المنفذ. قال في التحفة: فيتمونها خلف الامام إن علموا بانتقالاته. اه‍. (قوله: كرد الريح الباب) الكاف للتنظير في عدم الضرر. وخرج بالريح ما لو رده هو، فإنه يضر. وفي ع ش ما نصه: (فرع) المعتمد أنه إذا رد الباب في الاثناء بواسطة ريح أو غيره امتنع الاقتداء وإن علم انتقالات الامام، لتقصيره بعدم إحكام فتحه، بخلاف ما لو زالت الرابطة في الاثناء بحدث أو غيره لا يمنع بقاء الاقتداء، بشرط العلم بالانتقالات. اه‍ سم على منهج وقوله: أو غيره ظاهره ولو كان عاقلا. اه‍. (وقوله: أثناءها) أي الصلاة وخرج به ما لو رده ابتداء، فإنه يضر. وهذا مؤيد لما مر. (قوله: لانه يغتفر إلخ) تعليل لعدم الضرر في صورة بطلان صلاة المشاهد ورد الريح الباب. (قوله: لو وقف أحدهما) أي الامام أو المأموم. (وقوله: في علو) بضم العين وكسرها، مع سكون اللام. (قوله: والآخر) أي وقف الآخر إماما أو مأموما. (وقوله: في سفل) بضم السين وكسرها، مع سكون الفاء. (قوله: اشتراط عدم الحيلولة) أي اشتراط أن لا يوجد حائل بينهما يمنع الاستطراق إلى الامام عادة. ويشترط أيضا القرب، بأن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع إن كانا - أو أحدهما - في غير المسجد، وإلا فلا يشترط. قال في المغني:

[ 37 ]

وينبغي أن تعتبر المسافة من السافل إلى قدم العالي. اه‍. (وقوله: لا محاذاة إلخ) معطوف على عدم الحيلولة، أي لا يشترط محاذاة قدم الاعلى رأس الاسفل. وهذا هو طريقة العراقيين، وهي المعتمدة. وطريقة المراوزة الاشتراط، وهي ضعيفة ومعنى المحاذاة عليها: أنه لو مشى الاسفل جهة الاعلى مع فرض اعتدال قامته أصاب رأس الاسفل قدميه مثلا، وليس المراد كونه لو سقط الاعلى سقط على الاسفل. والخلاف في غير المسجد، أما هو فليست المحاذاة بشرط فيه، باتفاق الطريقتين، فقوله وإن كانا في غير المسجد: الغاية للرد على من شرط المحاذاة في غيره. (وقوله: خلافا لجمع متأخرين) أي شرطوا ذلك في غير المسجد، كما علمت. (قوله: ويكره إلخ) أي للنهي عن ارتفاع الامام عن المأموم. أخرجه أبو داود والحاكم، وللقياس عليه في العكس. (وقوله: ارتفاع أحدهما على الآخر) أي ارتفاعا يظهر حسا، وإن قل، حيث عده العرف ارتفاعا، وما نقل عن الشيخ أبي حامد أن قلة الارتفاع لا تؤثر يظهر حمله على ما تقرر. اه‍. نهاية. ومثله في التحفة. ومحل الكراهة.. إذا أمكن وقوفهما على مستو، وإلا بأن كان موضع الصلاة موضوعا على هيئة فيها ارتفاع وانخفاض فلا كراهة. قال الكردي: وفي فتاوي الجمال الرملي: إذا ضاق الصف الاول عن الاستواء يكون الصف الثاني الخالي عن الارتفاع أولى مع الصف الاول من الارتفاع. اه‍. (قوله: بلا حاجة) متعلق بارتفاع، أي يكره الارتفاع إذا لم توجد حاجة، فإن وجدت حاجة كتعليم الامام المأمومين صفة الصلاة، وكتبليغ المأموم تكبير الامام، فلا يكره، بل يندب. (قوله: ومنها) أي ومن شروط صحة القدوة. (وقوله: موافقة في سنن) أي أن يوافق المأموم الامام في فعل أو ترك سنن تفحش مخالفة المأموم فيها له، فإن فعلها الامام وافقه في فعلها، وإن تركها وافقه فيه. (وقوله: فعلا أو تركا) تمييز لكل من موافقة ومخالفة، أو منصوب بنزع الخافض، أي الموافقة أو المخالفة في السنن من جهة الفعل أو الترك، أو بالفعل أو الترك. (قوله: فتبطل إلخ) مفرع على مفهوم الشرط المذكور. (وقوله: مخالفة في سنة) أي تفحش المخالفة بها. (قوله: كسجدة إلخ) تمثيل للسنة التي تفحش المخالفة بها. (قوله: فعلها الامام وتركها المأموم) أي أو فعلها المأموم عامدا عالما وتركها الامام. (قوله: عامدا عالما) أي تركها حال كونه عامدا عالما بالتحريم، فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا تبطل، لعذره. (قوله: وتشهد أول فعله الامام وتركه المأموم) أي على تفصيل فيه مر في سجود السهو. وحاصله: أن المأموم إن تركه سهوا أو جهلا، ثم تذكر أو علم قبل انتصاب الامام ولم يعد تبطل صلاته، وإن تركه عامدا عالما لا تبطل صلاته، بل يسن له العود. (قوله: أو تركه الامام) أي تركه كله وفعله المأموم. فإن ترك بعضه فللمأموم أن يتخلف لاتمامه - كما سيذكره - قال في النهاية: وقول جماعة: إن تخلفه لاتمام التشهد مطلوب فيكون كالموافق هو الاوجه إلخ. اه‍. قال الاجهوري: وحينئذ إذا كمل تشهده وأدرك زمنا خلف الامام لا يسع الفاتحة، أو أدركه راكعا، وجب عليه أن يقرأ الفاتحة، ويغتفر له التخلف بثلاثة أركان طويلة. اه‍. وشرط ابن حجر في شرح الارشاد، لجواز التخلف لاتمامه، أن لا يتخلف عن الامام بركنين فعليين متواليين، بأن يفرغ الامام منهما وهو فيما قبلهما. (قوله: عامدا عالما) راجع للصورة الثانية فقط. أي فعله المأموم حال كونه عامدا عالما بالتحريم، فإن فعله ناسيا أو جاهلا فلا تبطل. (قوله: وإن لحقه على القرب) غاية في البطلان، أي تبطل بفعله وإن لحق إمامه على القرب. وهي للرد على يمن يقول لا تبطل حينئذ. (قوله: حيث لم يجلس الامام للاستراحة) متعلق بمقدر، أي تبطل بفعل المأموم له حيث لم يجلس الامام لذلك، وسيذكر قريبا مفهومه. (قوله: لعدو له عن إلخ) تعليل لبطلانها في جميع الصور. (قوله: أما إذا لم

[ 38 ]

تفحش المخالفة) محترز قوله تفحش مخالفة فيها. (قوله: كقنوت إلخ) تمثيل للسنة التي لا تفحش المخالفة فيها، ومثله جلسة الاستراحة، فلا يضر الاتيان بها. (قوله: في سجدته الاولى) قد تقدم أنه إن علم أنه يدرك الامام فيها سن له التخلف للاتيان به، وإن علم أنه لا يتم قنوته إلا بعد جلوس الامام بين السجدتين كره له التخلف، وإن علم أنه لا يتمه إلا بعد هويه للسجدة الثانية حرم عليه التخلف، فإن تخلف لذلك ولم يهو للاولى إلا بعد هوي الامام للسجدة الثانية بطلت صلاته. (قوله: وفارق) أي القنوت التشهد الاول، أي حيث قلنا ببطلان صلاة المأموم بالتخلف له وإن أدرك الامام في القيام. (وقوله: بأنه) أي المأموم فيه، أي التشهد. (وقوله: وهذا) أي المتخلف للقنوت. (قوله: ما كان فيه الامام) أي وهو الاعتدال. (قوله: فلا فحش) أي بتخلفه للقنوت. (قوله: وكذا لا يضر إلخ) لو قال - كما في التحفة - ومن ثم لا يضر إلخ لكان أسبك. (قوله: إن جلس إمامه للاستراحة) خالف في ذلك الرملي والخطيب، فقالا: إن تخلف الامام لجلسة الاستراحة لا يبيح للمأموم التخلف للتشهد الاول. (قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم يجلس الامام للاستراحة لم يجز الاتيان بالتشهد، وأبطل ذلك الاتيان صلاة العالم العامد، لا الجاهل ولا الناسي. وهذا قد علم من قوله أو تركه الامام وفعله المأموم عامدا عالما. إلا أن يقال ذكره لاجل تقييده بالقيد بعده. (قوله: ما لم ينو مفارقته) قيد في البطلان. (وقوله: وهو فراق) أي المفارقة لاجل إتيانه بالتشهد الذي تركه الامام فراق أي مفارقة بعذر فلا تفوته فضيلة الجماعة. (وقوله: فيكون) أي الفراق لذلك. (وقوله: أولى) أي من المتابعة مع تركه التشهد. (قوله: وإذا لم يفرغ المأموم منه) أي التشهد. (وقوله: جاز له) أي للمأموم. (وقوله: بل ندب) أي التخلف. (قوله: إن علم إلخ) قيد في الندبية. وخرج به ما إذا لم يعلم ذلك، فلا يندب له، بل يباح له، ويغتفر له ثلاثة أركان على مر. (قوله: لا التخلف لاتمام سورة) أي لا يندب التخلف له، بل يكره. (قوله: إذا لم يلحق إلخ) أي إذا لم يعلم أنه يلحق الامام في الركوع إذا تخلف للاتيان بالسورة، فإن علم ذلك فلا كراهة. (قوله: ومنها) أي ومن شروط صحة القدوة. (قوله: عدم تخلف إلخ) أي أن لا يتخلف المأموم عن إمامه بركنين إلخ. (وقوله: فعليين) سيذكر محترزهما. (قوله: متواليين) خرج به ما إذا تخلف بركنين غير متواليين كركوع وسجود فلا يضر. (وقوله: تامين) تمام الركن يكون بشروعه فيما بعده. وخرج به ما إذا تخلف بركنين غير تامين، بأن يكون لم ينتقل الامام من الركن الثاني فإنه لا يضر. وعلم من هذا أن المأموم لو طول الاعتدال بما لا يبطله حتى سجد الامام وجلس بين السجدتين ثم لحقه لا يضر، لانه لم يتخلف عنه بركنين تامين. ولا يشكل على هذا ما لو سجد الامام للتلاوة وفرغ منه والمأموم قائم فإن صلاته تبطل وإن أتى به، مع أنه لم يتخلف عنه بركنين تامين، لان سجود التلاوة لما كان يوجد خارج الصلاة كان كالفعل الاجنبي، ففحشت المخالفة، بخلاف ما هو من أجزاء الصلاة فإنه لا تفحش المخالفة به إلا إن تعدد. أفاده في التحفة: (قوله: بلا عذر) متعلق بتخلف. وخرج به ما إذا وجد عذر، فإنه لا يضر تخلفه بركنين، بل يغتفر له ثلاثة أركان طويلة، كما سيصرح به. (قوله: مع تعمد وعلم) لا حاجة إليه بعد قوله بلا عذر، لان العذر صادق بالنسيان والجهل وغيرهما من الاعذار الآتية، إلا أن يخص العذر بغير النسيان والجهل من بقية الاعذار. (قوله: وإن لم يكونا طويلين) صاد بما إذا كانا قصيرين، أو طويلا وقصيرا. والاول غير مراد، لعدم تصوره

[ 39 ]

والغاية لبطلان التخلف بهما، ولو أخرها عن المفهوم لكان أولى. (قوله: فإن تخلف بهما إلخ) مفهوم قوله عدم تخلف إلخ. (وقوله: بطلت صلاته) أي إن كان التخلف بلا عذر، كما يعلم مما قبله. (قوله: لفحش المخالفة) علة البطلان. (قوله: كأن ركع إلخ) تمثيل للتخلف بركنين فعليين تامين. (قوله: أي زال من حد القيام) تفسير مراد للهوي إلى السجود، فإن لم يزل من حد القيام بأن كان أقرب للقيام من أقل الركوع، أو كان إليهما على حد سواء، فلا يضر، لانه لم يخرج من حد القيام. (قوله: وخرج بالفعليين القوليان) أي كالتشهد الاخير والصلاة على النبي (ص) فيه. (وقوله: أو القولي والفعلي) أي كالفاتحة والركوع. (قوله: وعدم تخلف إلخ) معطوف على عدم تخلف السابق. أي ومن الشروط أيضا: عدم تخلف المأموم عن إمامه إلخ. (وقوله: معهما) أي مع التعمد والعلم. ويقال فيه ما مر أيضا. (قوله: بأكثر من ثلاثة أركان طويلة) قال في النهاية: المراد بالاكثر أن يكون السبق بثلاثة والامام في الرابع، كأن تخلف بالركوع أو السجدتين والقيام، والامام في القيام، فهذه ثلاثة أركان طويلة. فلو كان السبق بأربعة أركان والامام في الخامس، كأن تخلف بالركوع والسجدتين والقيام، والامام حينئذ في الركوع، بطلت صلاته. اه‍. ويوافقه تصوير شارحنا الآتي. (قوله: فلا يحسب منها إلخ) أي لا يعد الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الاركان الطويلة، لانهما ركنان قصيران. (قوله: بعذر أوجبه) متعلق بتخلف. (واعلم) أن الاعذار التي توجب التخلف كثيرة: منها أن يكون المأموم بطئ القراءة لعجز خلقي لا لوسوسة، والامام معتدلها، وأن يعلم أو يشك قبل ركوعه وبعد ركوع إمامه أنه ترك الفاتحة، وأن يكون المأموم لم يقرأها منتظرا سكتة إمامه عقبها فركع الامام عقب قراءته الفاتحة، وأن يكون المأموم موافقا واشتغل بسنه كدعاء الافتتاح والتعوذ، وأن يطول السجدة الاخيرة عمدا أو سهوا، وأن يتخلف لاكمال التشهد الاول أو يكون قد نام فيه متمكنا، وأن يشك هل هو مسبوق أو موافق ؟ فيعطى حكم الموافق المعذور ويتخلف لقراءة الفاتحة، وأن يكون نسي أنه في الصلاة ولم يتذكر إلا والامام راكع أو قريب منه، أو يكون سمع تكبيرة الامام بعد الركعة الثانية فظنها تكبيرة التشهد فإذا هي تكبيرة قيام فجلس وتشهد، ثم قام فرأى الامام راكعا. وقد ذكر الشارح بعضها. ومما ينسب للشيخ العزيزي: إن رمت ضبطا للذي شرعا عذر * * حتى له ثلاث أركان غفر: من في قراءة لعجزه بطئ * * أو شك إن قرا ومن لها نسي وصف موافقا لسنة عدل * * ومن لسكتة انتظاره حصل من نام في تشهد أو اختلط * * عليه تكبير الامام ما انضبط كذا الذي يكمل التشهدا * * بعد إمام قام منه قاصدا والخلف في أواخر المسائل * * محقق فلا تكن بغافل وقوله: والخلف في أواخر المسائل، وهي ثلاثة: من نام في تشهده الاول ممكنا مقعده بمقره فما انتبه من نومه إلا وإمامه راكع، ومن سمع تكبير إمامه للقيام فظنه لجلوس التشهد فجلس له وكبر إمامه للركوع فظنه للقيام من التشهد الاول ثم على أنه للركوع. ففي هاتين المسألتين جرى الخلاف بين العلامتين ابن حجر، والشمس الرملي، فقال الاول: هو مسبوق، فيلزمه أن يقرأ من الفاتحة ما تمكن منها. وقال الثاني: هو موافق، يغتفر له ثلاثة أركان طويلة. والمسألة الثالثة: من مكث بعد قيام إمامه لاكمال التشهد الاول، فلا انتصب وجد إمامه راكعا أو قارب أن يركع. فقال الرملي: هو موافق، يغتفر له ما مر من الاركان. وقال حجر: هو كالموافق المتخلف لغير عذر، فإن أتم فاتحته قبل هوي

[ 40 ]

الامام للسجدة أدرك الركعة، وإن لم يتمها قبل الهوي نوى المفارقة، وجرى على نظم صلاة نفسه، فإن خالف بطلت صلاته. وزيد مسألة رابعة جرى فيها الخلاف، وهي: ما لو نسي كونه مقتديا وهو في السجود مثلا، ثم تذكر فلم يقم من سجدته إلا والامام راكع أو قارب أن يركع، فقال الرملي: هو كموافق. وعند حجر: كالمسبوق. ومسألة خامسة، وهي: ما لو شك هل أدرك زمنا يسع الفاتحة أم ؟ فجرى في التحفة على أنه يلزمه الاحتياط فيتخلف لا تمامها ولا يدرك الركعة إلا إن أدركه في الركوع، فلو أتمها والامام آخذ في الهوي للسجود لزمه المتابعة ويأتي بعد سلام الامام بركعة، ولو لم يتم حتى هوي الامام للسجود لزمه نية المفارقة، وإلا بطلت صلاته. والذي جرى عليه الرملي ومثله الخطيب، أنه كالموافق، فيجري على ترتيب صلاة نفسه ويدرك الركعة، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان طويلة. وبه أفتى الشهاب الرملي، وظاهر الامداد يميل إليه. (قوله: كإسراع إمام قراءة) تمثيل للعذر. والمراد بالاسراع: الاعتدال، فإطلاق الاسراع عليه لانه في مقابلة البطء الحاصل للمأموم. وأما لو أسرع الامام حقيقة بأن لم يدرك معه المأموم زمنا يسع الفاتحة للمعتدل فإنه يجب على المأموم أن يركع مع الامام ويتركها لتحمل الامام لها، ولو في جميع الركعات. اه‍. ع. ش. (قوله: أو الحركات) انظر على أي شئ يعطف ؟ فإن يعطف على قوله - في الشرح - القراءة، ويكون المعنى: والمأموم بطئ في القراءة أو في الحركات، فلا يناسب أن يكون مقابلا لاسراع الامام في القراءة. وإن يعطف على قوله - في المتن - قراءة، ويكون المعنى: وكإسراع إمام قراءة، أو الحركات، فلا يناسب أن يكون مقابلا له بطء المأموم في القراءة. ثم ظهر صحة العطف على كل منهما، لكن بتقدير مقابل يناسبه، فإن عطف على القراءة في الشرح قدر في المتن أو حركة، وإن عطف على قراءة في المتن قدر في الشرح أو الحركة. والمعنى على الاول: وكإسراع إمام قراءة أو حركة والمأموم بطئ في القراءة أو في الحركات. وعلى الثاني: وكإسراع إمام قراءة أو الحركات والمأموم بطئ في القراءة أو الحركات، وإنما احتيج إلى ذلك لان إسراع الامام في الحركة مع بطء المأموم فيها عذر مستقل. وبالجملة فلو أسقطه الشارح لكان أولى، بل إن نظرت إلى قوله بعد: فيلزم المأموم في الصور المذكورة إلخ، كان متعينا كما ستقف عليه. (قوله: وانتظار إلخ) معطوف على إسراع، أي وكانتظار مأموم سكتة إمامه، فهو عذر مستقل. (قوله: ليقرأ) أي المأموم. (وقوله: فيها) أي السكتة. (قوله: فركع) أي الامام عقبها، أي عقب قراءته الفاتحة. (قوله: وسهوه) أي وكسهوه - أي المأموم - عن الفاتحة، فهو معطوف على إسراع. (قوله: وشكه) أي وكشكه - أي المأموم - هل قرأها أم لا ؟ (وقوله: قبل ركوعه) أي المأموم. (قوله: أما التخلف لوسوسة إلخ) مفهوم قوله لا لوسوسة. (قوله: فليس بعذر) أي فيجب عليه حينئذ أن يقرأ الفاتحة ولا يسقط منها شئ، فإذا تخلف لاكمالها فله ذلك إلى قرب فراق الامام من الركن الثاني، فحينئذ يلزمه نية المفارقة إن بقي عليه شئ منها، لبطلان صلاته بشروع الامام فيما بعده. (قوله: أن يأتي فيه) أي ذي الوسوسة. (قوله: ما في بطئ الحركة) أي ما ذكروه في بطئ الحركة، ولا بد من تقدير مضاف في كلامه، أي نظير ما ذكروه فيه، وذلك أن بطئ الحركة لا يتخلف لاتمام الفاتحة، وإنما يتخلف لاتمام ما عليه من الافعال، ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة. وأما ذو الوسوسة فيتخلف لاتمام الفاتحة، ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة، فهو يأتي فيه نظير ما ذكروه في بطئ الحركة في مطلق التخلف والاغتفار المذكور، ولا يأتي فيه عينه. (قوله: فيلزم المأموم في الصور المذكورة) أي غير بطئ الحركة. وذلك لما علمت أن

[ 41 ]

بطئ الحركة لا يلزمه التخلف لاتمام الفاتحة، بل هو كالمزحوم عن السجود يتخلف لاتمام ما عليه من الافعال، ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة. فإذا أتى بما عليه ووجد الامام راكعا سقطت عنه الفاتحة، لانه في حكم المسبوق. (وقوله: إتمام الفاتحة) أي والمشي على ترتيب صلاة نفسه. (والحاصل) يلزم المأموم في الصور المذكورة وغيرها مما يشبهها، تمام الفاتحة، ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة، فإن فرغ من الفاتحة قبل أن يتلبس الامام بالرابع - ولو صورة: كالتشهد الاول - مشى على نظم صلاة نفسه، فيركع، ويعتدل، ويسجد السجودين. فإذا فرغ من ذلك وقام: فإن وجد الامام راكعا ركع معه، وسقطت عنه الفاتحة. وإن وجده في القيام قبل أن يركع وقف معه، فإن أدرك معه زمنا يسع الفاتحة، فهو موافق، فيجب عليه إتمام الفاتحة. وإن لم يدرك زمنا يسع الفاتحة فهو مسبوق يقرأ ما أمكنه من الفاتحة. وإن وجده فيما بعد الركوع وافقه فيما هو فيه، وتدارك بعد سلام الامام ما فاته. وإن فرغ المأموم من فاتحته بعد تلبس الامام بالرابع بأن وصل إلى حد تجزئ فيه القراءة، بأن انتصب قائما أو استقر جالسا، فهو مخير بين المتابعة للامام وبعد السلام يأتي بركعة، وبين نية المفارقة ويمشي على نظم صلاة نفسه. فإن انتقل الامام للخامس ولم يتابع ولم ينو المفارقة بطلت صلاته. وكذا تبطل أيضا فيما إذا مشى على نظم صلاة نفسه من غير نية المفارقة بعد تلبس الامام بالرابع. (قوله: وإن تخلف مع عذر) مقابل قوله: وعدم تخلف إلخ. ويوجد في بعض نسخ الخط (وإلا) بأن تخلف مع عذر إلخ، وهو أولى، لان قوله فليوافق عليه جواب إن الشرطية المدغمة في لا النافية، وعلى ما في غالب النسخ لا يكون بينه وبين ما قبله ارتباط. (قوله: بأن لا يفرغ من الفاتحة) تصوير للتخلف بأكثر من ثلاثة أركان. (وقوله: إلا والامام قائم إلخ) فلا عبرة بشروعه في الانتصاب للقيام أو الجلوس، بل لا بد من أن يستقر في أحدهما، إذ لا يصدق عليه أنه سبق بالاكثر إلا حينئذ، لان ما قبله مقدمة للركن، لا منه. اه‍. بجيرمي. (قوله: فليوافق) جواب إن الشرطية المدغمة في لا النافية - على ما في بعض نسخ الخط - أو جواب إن الشرطية التي قدرها الشارح - على ما في غالب النسخ - كما علمت. (قوله: في الركن الرابع) متعلق بيوافق، أي يوافقه في الركن الرابع الذي هو القيام أو الجلوس للتشهد. والموافقة تكون بالقصد إن كان في القيام وبالفعل إن كان في التشهد. ويعتد له بما قرأه من الفاتحة في الاولى، ويلغي ما قرأه منها في الثانية بسبب فراقه حد القائم. هكذا يستفاد من سم. وعبارته: أقول: إذا قعد وهو في القيام فقعد معه كما هو الواجب عليه ثم قام للركعة الاخرى: فهل يبني على ما قرأه من الفاتحة في الركعة السابقة ؟ الوجه أنه لا يجوز البناء، لانقطاع قراءته بمفارقة ذلك القيام إلى قيام آخر من ركعة أخرى، بخلاف ما لو سجد لتلاوة في أثناء الفاتحة،، كأن تابع إمامه فيها لرجوعه بعد السجود إلى قيام تلك الركعة بعينه. وأما مسألة ما لو قام وهو في القيام: فلا يبعد حينئذ بناؤه على قراءته لعدم مفارقته حين قيامه. فليتأمل. اه‍. (قوله: ويترك ترتيب نفسه) أي وجوبا. وإذا تركه وتابع إمامه فيما هو فيه، ثم ركع الامام قبل أن يكمل هو الفاتحة، تخلف لاكمالها، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان أيضا. (قوله: ثم يتدارك إلخ) أي فهو كالمسبوق. (قوله: فإن لم يوافقه إلخ) مفهوم قوله فليوافق. (قوله: ولم ينو المفارقة) هذا يفيد أن عند قول المصنف فليوافق، سقطا من النساخ، وهو أو ينو المفارقة. (قوله: بطلت صلاته) أي لفحش المخالفة بسعيه على نظم صلاة نفسه. (قوله: إن علم) أي وجوب المتابعة. وهذا مكرر مع قوله أولا مع علمه بوجوب المتابعة. فالصواب الاقتصار على أحدهما. (وقوله: وتعمد) أي عدم المتابعة، فإن تركها جاهلا أو ناسيا وجرى على نظم صلاة نفسه

[ 42 ]

لا تبطل صلاته، لكن لا يعتد بما أتى به على ترتيب نفسه، فلا يعتد له بتلك الركعة، كما في فتح الجواد، وعبارته: فإن خالفه جهلا منه بوجوب المتابعة لغا ما يأتي به على ترتيب نفسه، فلا يعتد له بتلك الركعة. اه‍. (قوله: وإن ركع المأموم إلخ) هذا مقابل قوله وشكه فيها قبل ركوعه. (وقوله: مع الامام) خرج به ما إذا ركع قبله فشك، فإنه يلزمه العود، كما في التحفة. (وقوله: فشك هل قرأ الفاتحة) أي أو لم يقرأها ؟ فالمقابل محذوف. (قوله: أو تذكر) أي تيقن. (قوله: لم يجز له العود) أي لقراءتها، لفوات محلها بالركوع. (قوله: وتدارك بعد سلام الامام ركعة) قال الزركشي: فلو تذكر في قيام الثانية أنه كان قد قرأها حسبت له تلك الركعة. (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يعد عالما عامدا بأن عاد جاهلا أو ناسيا فلا تبطل صلاته، لكن لا يدرك هذه الركعة، وإن قرأ الفاتحة بعد عوده. كذا في سم. (قوله: فلو تيقن القراءة) هذا محترز قوله فشك هل قرأ إلخ. وعبارة فتح الجواد: وخرج بهل قرأ ما لو تيقن القراءة وشك في إكمالها، فإنه لا يؤثر. اه‍. (قوله: ولو اشتغل مسبوق) (اعلم) أن حاصل مسألة المسبوق أنه إذا ركع الامام وهو في الفاتحة، فإن لم يكن اشتغل بافتتاح أو تعوذ، وجب عليه أن يركع معه، فإن ركع معه أدرك الركعة، وإن فاته ركوع الامام فاتته الركعة، ولا تبطل صلاته إلا إذا تخلف بركنين من غير عذر. وأما إذا اشتغل بافتتاح أو تعوذ فيجب عليه إذا ركع الامام أن يتخلف ويقرأ بقدر ما فوته، فإن خالف وركع معه عمدا بطلت صلاته وإن لم يركع معه، بل تخلف، فإن أتى بما يجب عليه وأدرك الامام في الركوع أدرك الركعة، فإن رفع الامام من الركوع قبل ركوعه فاتته الركعة، فإن هوى الامام للسجود وكمل ما فوته وافقه فيه، وإلا فارقه وجوبا. (قوله: وهو من لم يدرك من قيام الامام إلخ) أي سواء كان قيام الركعة الاولى أو غيرها، ويتصور كونه مسبوقا في كل الركعات لنحو زحمة أو بطء حركة. ومنه بالنسبة للركعة الثانية مثلا الموافق المنذور إذا مشى على نظم صلاته فما انتصب إلا وإمامه راكع أو قارب الركوع كما مر. ويقع لكثير من الائمة أنهم يسرعون القراءة فلا يمكن المأموم بعد قيامه من السجود قراءة الفاتحة بتمامها قبل ركوع الامام، فيركع معه، وتحسب له الركعة، ولو وقع له ذلك في جميع الركعات، لانه مسبوق. فلو تخلف لاتمام الفاتحة حتى رفع الامام رأسه من الركوع، أو ركع معه ولم يطمئن قبل ارتفاع إمامه عن أقل الركوع فاتته الركعة، فيتبع الامام فيما هو فيه، ويأتي بركعة بعد سلام الامام، كما تقدم. (قوله: بالنسبة إلى القراءة المعتدلة) أي لا بالنسبة لقراءته ولا لقراءة إمامه. اه‍. تحفة. ونحوها النهاية، وفي فتاوي ابن حجر ما نصه: (سئل) رحمه الله تعالى عن تعريف المسبوق بمن لم يدرك زمنا يسع الفاتحة: هل ذلك بقراءة نفسه ؟ أم بقراءة معتدلة إذا كان هو بطئ القراءة ؟ (فأجاب) بقوله: الذي اعتمده الزركشي في المسبوق، والموافق، أن العبرة بحال الشخص نفسه في السرعة والبطء. والذي رجحته في شرح الارشاد، وبينته في غيره، أن العبرة بالوسط المعتدل، لانه الذي يتصور عليه قولهم: أن الموافق بطئ القراءة يتخلف لاتمام الفاتحة، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، ولو اعتبروا قراءة نفسه لكان مسبوقا، وهو لا يجوز له التخلف. اه‍. (قوله: وهو) أي المسبوق. (وقوله: ضد الموافق) أي فهو الذي يدرك قدرا يسع الفاتحة بالنسبة إلى القراءة المعتدلة. (قوله: ولو شك هل أدرك إلخ) قد تقدم أن هذه المسألة جرى الخلف فيها بين حجر وم ر، فلا تغفل. وشارحنا جار على ما جرى عليه الاول. (وقوله: ولا يدرك) أي الشاك في ذلك. (وقوله: ولا يدرك) أي الشاك في ذلك. (وقوله: ما لم يدركه في الركوع) ما مصدرية ظرفية، أي لا يدرك الركعة مدة عدم إدراك إمامه في الركوع، فإن أدركه فيه أدرك الركعة. (قوله: بسنة) متعلق باشتغل، والسنة في حقه أن لا يشتغل بسنة، بل يشتغل بالفاتحة، إلا أن يظن إدراكها مع اشتغاله بالسنة فيأتي بها ثم بالفاتحة. (قوله: كتعوذ إلخ) تمثيل للسنة.

[ 43 ]

(قوله: أو لم يشتغل بشئ) معطوف على جملة ولو اشتغل. (قوله: بأن سكت إلخ) تصوير لعدم اشتغاله بشئ. (قوله: وهو عالم إلخ) الجملة واقعة حالا من كل فاعل اشتغل وفاعل لم يشتغل بشئ، أي اشتغل مسبوق بسنة والحال أنه عالم أن واجبه الاشتغال بالفاتحة، أو لم يشتغل والحال أنه عالم أن واجبه ذلك، وسيذكر محترزه بقوله: أما إذا جهل أن واجبه ذلك إلخ. (قوله: أو استمع قراءة الامام) يحتمل عطفه على اشتغل فيكون قسما ثالثا، ويحتمل عطفه على سكت فيكون من أفراد القسم الثاني، وهو ساقط من التحفة والنهاية والمغني، وهو أولى، لان السكوت يشمله، إذ هو تارة يكون مع استماع، وتارة يكون بدونه. (قوله: قرأ وجوبا إلخ) جواب لو. (قوله: قبل رفعه من سجوده) الذي في التحفة: قبل سجوده، وهو المتعين، كما يستفاد من مقابل الاوجه الآتي قريب. ولعل لفظ (رفعه ومن) زيد من النساخ. (قوله: على الاوجه) أي خلافا لما في شرح الرملي عن الفارقي أن صورة تخلفه للقراءة أن يظن أنه يظن أنه يدرك الامام قبل سجوده، وإلا فيتابعه قطعا، ولا يقرأ. وذكر مثله الروياني في حليته، والغزالي في إحيائه، ولكنه مخالف لنص الام، على أن صورتها أن يظن أنه يدرك الامام في ركوعه وإلا فيفارقه، ويتم صلاته. نبه على ذلك الاذرعي، وهو المعتمد. لكن يتجه لزوم المفارقة له عند عدم ظنه ذلك، فإن لم يفعل أثم، ولكن لا تبطل صلاته حتى يصير متخلفا بركنين. اه‍. ومثله في شرح الروض والمغني. (قوله: قدرها) أي السنة، وهو مفعول قرأ. (قوله: حروفا) تمييز. (قوله: في ظنه) متعلق بقدرها، أي قدرها بحسب ظنه، وهذا هو ما جرى عليه في التحفة والنهاية، والذي في فتح الجواد أنه يجب أن يعد أو يحتاط اه‍. وعليه: لا بد من اليقين في القدر المذكور. (قوله: أو قدر زمن) بالنصب معطوف على قدرها، أي أو قرأ قدر زمن، (وقوله: من سكوته) من بمعنى اللام، أي لسكوته. ولو حذف لفظ (من) لكان أولى. والمناسب لقوله أو استمع: أن يزيد هنا: أو استماعه لقراءة إمامه. (قوله: لتقصيره إلخ) تعليل لوجوب قراءة القدر المذكور. قال في شرح الروض: قال الاذرعى: وقضية التعليل بما ذكر، أنه إذا ظن إدراكه في الركوع فأتى بالافتتاح والتعوذ فركع الامام على خلاف العادة بأن قرأ الفاتحة وأعرض عن السنة التي قبلها والتي بعدها يركع معه وإن لم يكن قرأ من الفاتحة شيئا. ومقتضى إطلاق الشيخين وغيرهما أنه لا فرق. اه‍. وهذا المقتضى هو المعتمد، لبقاء محل القراءة، ولا نسلم أن تقصيره بما ذكر منتف في ذلك، ولا عبرة بالظن البين خطؤه. اه‍. (وقوله: لا فرق) أي بين ظنه إدراك الفاتحة وعدمه. قال سم: أقول ينبغي أن المراد بالمقتضى المذكور، أي مقتضى كلام الشيخين، أنه إذا كان الزمن الذي أدركه يسع جميع الفاتحة تخلف لها، كبطء القراءة، أو بعضها لزمه التخلف لقراءة قدره. اه‍. (قوله: وعذر) معطوف على قرأ. (قوله: من تخلف لسنة) أي لقراءة قدر السنة من الفاتحة. وإنما قدرت ما ذكر لان التخلف لا للسنة، وإنما هو للقراءة المذكورة. وكان المناسب في الحل أن يقول: وعذر المسبوق المتخلف لقراءة قدر ما ذكر من السنة التي اشتغل بها ومن السكوت ومن استماع قراءة الامام. (قوله: كبطء القراءة) متعلق بمحذوف صفة لمصدر عذر، أي عذر عذرا كالعذر ببطء القراءة. والكاف للتنظير، أي فيغتفر له ثلاثة أركان طويلة. (قوله: على ما قاله الشيخان) أي عذر من ذكر على ما قاله الشيخان. فالجار والمجرور متعلق بعذر. (قوله، لوجوب التخلف) علة للعذر. (قوله: فيتخلف إلخ) هذا مقتضى العذر. (قوله: ما لم يسبق إلخ) أي يتخلف للقراءة، ثم يجري على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبق بذلك، فإن سبق وافق الامام وجوبا فيما هو فيه، وأتى بعد السلام بركعة أو نوى المفارقة، كما مر. (قوله: خلافا لما اعتمده جمع محققون) منهم: المتولي، والقاضي. (وقوله: من كونه) بيان لما، وضميره يعود على المتخلف للقراءة التي عليه. (وقوله: غير معذور) أي فلا يغتفر له ثلاثة

[ 44 ]

أركان طويلة. (قوله: لتقصيره إلخ) عله لما اعتمده جمع. (وقوله: بالعدول المذكور) أي وهو العدول عن فرض إلى سنة. (قوله: وجزم به) أي بما اعتمده الجمع المحققون. (وقوله: في شرح المنهاج) عبارته: وعلى الاول - يعني وعلى لزوم قراءة قدر السنة - متى ركع قبل وفاء ما لزمه بطلت صلاته، إن علم وتعمد كما هو ظاهر. وإلا لم يعتد بما فعله، ومتى ركع الامام وهو متخلف لما لزمه وقام من الركوع فاتته الركعة، بناء على أنه متخلف بغير عذر. ومن عبر بعذره فعبارته مؤولة. ثم إذا فرغ قبل هوي الامام للسجود وافقه ولا يركع، وإلا بطلت إن علم وتعمد، وإن لم يفرغ وقد أراد الامام الهوي للسجود فقد تعارض في حقه وجوب وفاء ما لزمه، وبطلان صلاته بهوي الامام للسجود، لما تقرر أنه متخلف بغير عذر، فلا مخلص له عن هذين إلا نية المفارقة، فتتعين عليه، حذرا من بطلان صلاته عند عدمها. اه‍. ببعض حذف. وإذا تأملت العبارة المذكورة تعلم أن شيخه لم يجزم بأنه غير معذور، وإنما رتب حكما ذكره على القول بأنه غير معذور بقوله: ومتى ركع الامام وهو متخلف... إلى أن قال: بناء على أنه متخلف بغير عذر. وهذا لا يفيد جزمه بذلك. نعم، ظاهر العبارة يقتضي ترجيحه على ما سواه. فتنبه (قوله: ثم قال) أي شيخه، أي في شرح المنهاج. (قوله: فعبارته مؤولة) أي بأن المراد بعذره: عدم الكراهة وعدم البطلان بتخلفه أقل من ركنين قطعا. بخلاف غيره، فإن تخلفه بركن: قيل مبطل، وقيل مكروه، وليس المراد به أنه يعذر في سائر الاحوال، حتى أنه لو تخلف عن الامام بثلاثة أركان طويلة سعى خلفه ولم تبطل صلاته. (والحاصل) من قال بعذره أراد ما ذكر، ومن قال بعدمه أراد أنه لا يغتفر له ثلاثة أركان طويلة. (قوله: وعليه) أي على ما اعتمده جمع محققون من كون المتخلف لقراءة قدر السنة التي اشتغل بها غير معذور. ولا يخفى أن عبارته توهم أن من هنا إلى قوله قال شيخنا في شرح الارشاد كلام شيخه في شرح المنهاج، وليس كذلك، كما يعلم من عبارته السابقة، بل هي عبارة شيخه في شرح الارشاد، فكان عليه أن ينص على ذلك. (والحاصل) من تأمل عبارته المذكورة وجدها غير حسنة السبك، بل هي موهمة خلاف المراد. والسبب في ذلك أنه أدخل بعض العبارات في بعض. فتنبه. (قوله: إن لم يدرك الامام في الركوع إلخ) مقابله محذوف، وهو إن أدركه فيه أدرك الركعة. (قوله: ولا يركع إلخ) يعني إذا قرأ القدر الواجب عليه من الفاتحة بعد أن رفع الامام رأسه من الركوع فلا يمشي على نظم صلاة نفسه ويركع ويعتدل، لعدم الاعتداد بذلك، فلا فائدة فيه، بل يتابع الامام في الهوي للسجود، ويأتي بعد سلام الامام بركعة، فإن لم يفعل ذلك، بطلت صلاته. (قوله: وإلا بطلت صلاته) أي وإن لم يتابع إمامه في الهوي للسجود بل ركع بطلت صلاته. (قوله: إن علم وتعمد) قيدان، فإن لم يعلم ويتعمد ذلك لا تبطل صلاته، لكن لا يعتد بما فعله، فيأتي بركعة بعد سلام الامام. (قوله: ثم قال) أي شيخه في فتح الجواد، كما علمت. (قوله: والذي يتجه إلخ) انظره مع قوله وعليه أنه إلخ. هل مفادهما واحد، أو بينهما فرق ؟ فإن كان الاول - وهو الظاهر - لزم التكرار، وإن كان الثاني: فلا يظهر الفرق، إلا إذا حمل قوله بل يتابعه في هويه على الاطلاق، أي أنه يتابعه مطلقا، سواء فرغ من قراءة القدر الذي عليه، أم لم يفرغ منه. ثم رأيت الشارح أسقط من عبارة فتح الجواد - قبل قوله والذي يتجه إلخ - كلاما يترتب ذلك عليه. وعبارته - بعد كلام - وعليه: فإذا لم يدركه إلا في هويه للسجود وجبت متابعته ولا يركع، وإلا بطلت صلاته إن علم وتعمد. وإنما يتخلف المتدارك إن ظن أنه يدركه قبل سجوده، وإلا تابعه، وهو ما قاله جمع. وإن ظن أنه يدركه في ركوعه وإلا فارقه، وهو ما في الام. والذي يتجه: أنه يتخلف لقراءة ما لزمه حتى يريد الامام الهوي للسجود، فإن كمله وافقه فيه، وإلا فارقه. اه‍.

[ 45 ]

فقوله: والذي يتجه أنه يتخلف: أي مطلقا، سواء ظن أنه يدركه قبل سجوده أو قبل ركوعه، أم لم يظن ذلك. فتأمل (قوله: فإن كمل) أي ما لزمه من القراءة (قوله: وافقه فيه) أي وافق المأموم إمامه في الهوي للسجود (قوله: ولا يركع) أي ويترك الموافقة (قوله: وإلا) أي وإن لم يوافقه فيه، بل ركع (قوله: بطلت صلاته إن علم وتعمد) فإن لم يعلم ذلك ولم يتعمده لا تبطل صلاته، ولكن لا يعتد بما أتى به، كما مر. (قوله: وإلا فارقه بالنية) أي وإن لم يكمل ما لزمه من القراءة نوى المفارقة وجوبا، لما مر عن ابن حجر من أنه تعارض عليه وجوب وفاء ما لزمه، وبطلان صلاته بهوي إمامه للسجود، فلا مخلص له إلا نية المفارقة، فإن لم ينوها بطلت صلاته. (قوله: الاول) وهو ما عليه الشيخان من أنه يعذر. (قوله: أما إذا ركع بدون قراءة قدرها) مقابل قوله: قرأ قدرها. (قوله: فتبطل صلاته) أي إن كان عامدا عالما، وإلا لم يعتد بما فعله، أي فيأتي بركعة بعد سلام الامام. اه‍. بجيرمي. (قوله: وفي شرح المنهاج له) أي لشيخه. وهذا قول مقابل لقوله: قرأ وجوبا. (والحاصل) أن هناك قولين - فيمن اشتغل بسنة - أحدهما: إنه يجب عليه أن يقرأ من الفاتحة بقدر ما قرأه من السنة، واختلف فيه، فقيل إنه يعذر في تخلفه لذلك ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة، وقيل لا يعذر، وهو المعتمد. وثانيهما: أنه لا يلزمه أن يقرأ بقدر السنة، بل إذا ركع الامام ركع معه، لحديث: إذا ركع الامام فاركعوا. فتسقط عنه الفاتحة عنه أو بقيتها، كالمسبوق. (قوله: واختير) أي ما نقل عن معظم الاصحاب. (قوله: أما إذا جهل أن واجبه ذلك) أي الاشتغال بالفاتحة. وهذا محترز قوله: وهو عالم بأن واجبه الفاتحة. (قوله: فهو) أي الجاهل بما ذكر. (وقوله: بتخلفه إلخ) الظاهر أن الباء للملابسة متعلقة بمحذوف حال من المبتدأ - على رأي سيبويه - أي فهو حال كونه متلبسا بتخلفه لما لزمه من قراءة قدر السنة من الفاتحة: متخلف بعذر، وذلك العذر هو جهله بأن الواجب عليه أن يشتغل بالفاتحة. قال سم: قضية هذا أنه كبطئ القراءة، مع أنه فرضه في المسبوق والمسبوق لا يدرك الركعة إلا بالركوع مع الامام. اه‍. وقال الرشيدي: أقول يحتمل أن يكون هذا - أي ما ذكر من أنه كبطئ القراءة - هو مراد القاضي، فيكون مخصصا لقولهم: إن المسبوق لا يدرك الركعة إلا بالركوع مع الامام، فيكون محله - في العالم - بأن واجبه القراءة. ويحتمل - وهو الاقرب واقتصر عليه شيخنا في الحاشية -: أن مراد القاضي أن صلاته لا تبطل بتخلفه إلى ما ذكر فيكون محل بطلانها بهوي الامام للسجود، إذ لم يفارقه في غير هذه الصورة، لكن تفوته الركعة. وليس معنى كونه متخلفا بعذر أنه يعطى حكم المعذور من كل وجه. اه‍. (قوله: قاله القاضي) أي قال ما ذكر من أنه إن جهل ذلك إلخ (قوله: وخرج بالمسبوق الموافق) هو من أدرك مع الامام زمنا يسع الفاتحة، كما تقدم. (قوله: فإنه) أي الموافق. (قوله: لاشتغاله بسنة) علة لعدم التمام، أي لم يتم الفاتحة لاجل كونه اشتغل بسنة ثم ركع إمامه. (قوله: كدعاء افتتاح) أي أو تعوذ. (قوله: وإن لم يظن إدراك الفاتحة) غاية لعذره بذلك، أي أنه يعذر إذا ركع إمامه قبل أن يتم الفاتحة لكونه قد اشتغل بالسنة، وإن كان اشتغل بها وهو لم يظن

[ 46 ]

إدراك الفاتحة. ولو أخر الغاية عن قوله يكون كبطئ القراءة لكان أولى. وعبارة التحفة: وظاهر كلامهم هنا عذره وإن لم يندب له دعاء الافتتاح، بأن ظن أنه لا يدرك الفاتحة لو اشتغل به، وحينئذ يشكل بما مر في تارك الفاتحة متعمدا حيث إنه لا يعذر بذلك، إلا أن يفرق بأن له هنا نوع شبهة لاشتغاله بصورة سنة، بخلاف ما مر. ويشكل أيضا بما يأتي في المسبوق أن سبب عدم عذره كونه اشتغل بالسنة عن الفرض، إلا أن يفرق بأن المسبوق يتحمل عنه الامام، فاحتيط له بأن لا يكون صرف شيئا لغير الفرض، والموافق لا يتحمل عنه، فعذر للتخلف لاكمال الفاتحة، وإن قصر بصرفه بعض الزمن لغيرها. اه‍. بتصرف (قوله: يكون إلخ) جواب إذا. (قوله: فيما مر) أي من أنه يعذر ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة. (قوله: وسبقه إلخ) لما أنهى الكلام على بيان حكم من يتخلف عن الامام شرع يتكلم على بيان حكم من تقدم عليه، فذكر أنه إن تقدم عليه بركنين فعليين عامدا عالما بطلت صلاته، وإن تقدم عليه بركن فعلي فقط حرم، ولا تبطل صلاته. ثم إن سبق: مصدر مضاف لفاعله واقع مبتدأ، خبره مبطل، وكان الاولى والملائم لما قبله أن يقول وعدم سبقه إلخ، ويحذف لفظ مبطل، وذلك ليفيد صراحة أن من شروط صحة القدوة عدم ذلك أيضا. (قوله: على إمام) متعلق بسبقه، وعداه بعلى لكونه بمعنى التقدم، وهو يتعدى بنفسه، وبعلى. (قوله: عامدا عالما) حالان من فاعل المصدر. وسيذكر محترزهما. (قوله: بتمام ركنين) متعلق بسبق، أي عدم سبقه بركنين فعليين تامين. ولا بد أن يكونا متواليين. فخرج بالفعليين القوليان، كالتشهد الاخير والصلاة على النبي (ص) فيه. والقولي والفعلي: كالفاتحة، والركوع. وخرج بالتامين التقدم بركن وبعض ركن، وبالمتواليين غيرهما، فلا ضرر في جميع ذلك. (قوله: وإن لم يكونا طويلين) أي أنه يضر التقدم بركنين فعليين، سواء كانا طويلين كالسجدة الثانية والقيام، أو طويلا وقصيرا كالركوع، والاعتدال. والغاية تشمل القصيرين، لكنه غير مراد، لعدم تصورهما. (قوله: لفحش المخالفة) علة للبطلان بالتقدم بهما. (قوله: وصورة إلخ) هذه الصورة المعتمدة عند شيخ الاسلام والخطيب وم ر، قياسا على التخلف عن الامام بهما، فإن صورته - كما تقدم - أن يركع الامام قبله ويعتدل ويهوي للسجود، وهو متلبس بالقيام. (قوله: وأن يركع إلخ) هذه صورة ثانية للتقدم على الامام بهما. قال الكردي: رجح هذه الصورة ابن حجر في شرحه على الارشاد والعباب، وفي الاسنى هو الاولى (1) وأوردهما - أي الصورتين - معا في التحفة ولم يرجح منهما شيئا. اه‍. ويفارق التقدم حينئذ ما تقدم في التخلف بأن التقدم أفحش، فأبطل بركنين ولو على التعاقب. (قوله: فلم يجتمع) أي المأموم. (وقوله معه) أي الامام (قوله: ولو سبق) أي المأموم الامام بهما، أي بركنين. (قوله: سهوا أو جهلا) أي حال كونه ساهيا أي ناسيا أنه مقتد، أو حال كونه جاهلا بالتحريم. وكتب سم ما نصه: قوله سهوا أو جهلا: فيه إشارة إلى أنه يجب العود إلى الامام عند زوال السهو والجهل، وهو قريب، ويوجه بأن في السبق بهما فحش المخالفة، ولهذا عللوا به البطلان عند التعمد. اه‍. (قوله: لم يضر) أي لا يبطل الصلاة. (قوله، لكن لا يعتد له) أي للمأموم. (وقوله بهما) أي بالركنين اللذين سبق الامام بهما سهوا أو جهلا. (قوله: فإذا لم يعد إلخ) تفريع على عدم الاعتداد له بهما، وكان المناسب في التفريع أن يقول فيجب عليه


(1) (وقوله: وفي الاسنى هو الاولى) أي أن هذا التصوير هو الاولى، بفتح الهمزة وسكون الواو ز وعباراته مع الروض: ومثله العراقيون بأن يركع قبله، فلما أراد أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد، وهو مخالف لما سبق في التخلف، فيجوز أن يستويا، وأن يختص هذا بالتقدم لفحش المخالفة، وهو الاولى، لانه أفحش أه‍. وهذا لا ينافى ما تقدم من أن الصورة الاولى المعتدة عن شيخ الاسلام، لان ما جرى عليه في الاسنى ضعيف. فتنبه، اه‍. مولف

[ 47 ]

العود، ثم يرتب عليه قوله فإذا لم يعد إلخ. فتنبه. (وقوله للاتيان بهما) أي عند زوال سهوه أو جهله. (وقوله سهوا أو جهلا) حالان من فاعل يعد. (قوله: وإلا) أي وإن لم يكن عدم العود لسهوه أو جهله، بل كان من عمد أو علم، بطلت صلاته، فتجب عليه إعادتها. (قوله: وسبقه) أي المأموم. وهو مصدر مضاف لفاعله، كالذي قبله. وكان الملائم لما قبله أن يقول: بخلاف سبقه بركن، فإنه غير مبطل، إلا أنه حرام. وذلك لانه مفهوم قوله بركنين. (وقوله عليه) أي على الامام. (قوله: عامدا عالما) حالان من فاعل المصدر. (قوله: بتمام ركن) يفهم منه أن التقدم ببعض ركن كأن ركع قبل الامام ولحقه الامام في الركوع، لا يحرم، وإنما يكره. وهو كذلك عند ابن حجر. والذي في المغني والنهاية أن السبق ببعض ركن كالسبق به تاما، أخذا من الحديث الآتي. (وقوله فعلي) خرج القولي، ففيه تفصيل. فإن كان تكبيرة الاحرام أو السلام أبطل الصلاة، وإن كان الفاتحة أو التشهد فلا يبطل ولا يحرم. (قوله: كأن ركع إلخ) تمثيل للسبق بتمام ركن فعلي. (قوله: حرام) أي لخبر السلم: لا تبادروا الامام إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعو. وفي رواية صحيحة رواها الشيخان: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل رأس الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار ؟. ومعنى ذلك أن يجعل الله رأسه على صورة رأس الحمار، ويبقى بدنه بدن إنسان أو يمسخ صورته كلها فيجعل جميع بدنه بدن حمار. وفيه دليل على جواز المسخ - أعاذنا الله منه - وهو لا يكون إلا من شدة الغضب. قال الكردي: وقد وقع ذلك في الدنيا. (قوله: بخلاف التخلف به) أي بتمام ركن. (وقوله: فإنه مكروه) أي على الاصح. ومقابله أنها تبطل بالتخلف بركن أيضا. وعبارة المنهاج مع شرح م ر: وإن تخلف بركن، بأن فرغ الامام منه والمأموم فيما قبله، لم تبطل في الاصح. والثاني تبطل، لما فيه من المخالفة من غير عذر. اه‍. (قوله: ومن تقدم) أي على إمامه. (وقوله: سن له العود) أي إلى إمامه. (وقوله إن تعمد) أي التقدم بركن (قوله: وإلا تخير) أي وإن لم يكن تقدمه عمدا، بأن كان سهوا، تخير بين العود للركن الذي سبق الامام منه، كما قبل الركوع في المثال الذي ذكره وبين الدوام - أي البقاء - في الركن الذي هو فيه، كاعتدال في المثال المذكور، ولا ينتقل عنه حتى يلحقه الامام فيه. وإنما سن العود للعامد جبرا لما فاته، وخير غيره لعدم تقصيره. قال سم في حواشي التحفة: فإذا عاد إليه، هل يلغو الركن الذي أتى به أو لا، بل هو محسوب له، وركوعه مع الامام لمحض المتابعة، حتى لو رفع منه قبل أن يطمئن المأموم لم يلزم الطمأنينة ؟ فيه نظر. (فإن قلت): إذا عاد إلى الامام صار هذا اعتدالا، ويلزمه تطويله. (قلت): لا نسلم أنه اعتدال له، بل هو موافقة للامام في قيامه. اه‍. (قوله: ومقارنته) هو مبتدأ. والمناسب أن يكون من إضافة المصدر لفاعله، وإن كانت المقارنة مفاعلة فهي من الجانبين. (قوله: في أفعال) متعلق بمقارنته. (قوله: وكذا أقوال) أي ومثل الافعال الاقوال، في كراهة المقارنة. وفي ع ش: قال بعضهم: إن المقارنة في الافعال مكروهة تفوت فضيلة الجماعة لفحش المخالفة، بخلاف المقارنة في الاقوال. فليراجع. اه‍. (قوله: غير تحرم) سيأتي محترزه (قوله: مكروهة) قال البجيرمي: وقيل خلاف الاولى ومحل الخلاف: إذا قصد ذلك، دون ما إذا وقع اتفاقا - كما هو ظاهر - وهل الجاهل بكراهتها كمن لم يقصدها لعذره ؟ قياس كلامهم - في غير هذا المحل - أنه مثله. اه‍. (قوله: كتخلف عنه) أي ككراهة التخلف عنه بركن (قوله: وتقدم عليه) أي وكتقدم عليه، فهو معطوف على تخلف. (وقوله: بابتدائه) أي الركن (قوله: وعند تعمد أحد هذه الثلاثة) هي: المقارنة. والتخلف عنه بركن. والتقدم عليه بابتداء الركن، بأن يشرع فيه قبل شروع الامام (قوله: تفوته فضيلة الجماعة) أي في الجزء الذي قارنته الكراهة فقط، فإذا قارنته في الركوع مثلا فاته سبعة وعشرون ركوعا. قال في فتح الجواد: والاوجه اختصاص الفوات بما صحبته الكراهة فقط، وأن الفائت أصل الثواب لان الكراهة لذات الجماعة، لا لامر

[ 48 ]

خارج. ا. ه‍. (قوله: فيسقط إثم تركها) أي على القول بأن الجماعة واجبة، إما على العين أو الكفاية. (وقوله: أو كراهته) معطوف على إثم، أي أو يسقط كراهة تركها، أي على القول بأنها سنة مؤكدة. (قوله: فقول جمع) مبتدأ، خبره وهم. (قوله: حتى يصير) أي من انتقى عنه فضيلة الجماعة. (قوله: لا تصح له الجمعة) عطفه على ما قبله من عطف اللازم على الملزوم، وذلك لان الجماعة شرط في الجمعة، فإذا صار كالمنفرد بطلت الجمعة لانتفاء شرطها. (قوله: ويجري ذلك) أي ما ذكر من تفويت فضيلة الجماعة فقط. (وقوله: في كل مكروه من حيث الجماعة) أي متعلق بذات الجماعة، وخرج به المكروه لا من حيث الجماعة، وهو الذي يتصور وجوده مع غيرها، كالصلاة حاقنا أو حازقا أو رافعا بصره إلى السماء، فلا يفوت فضيلتها. (قوله: بأن لم يتصور وجوده) أي المكروه في غيرها، أي الجماعة. وهو تصوير لكون الكراهة من حيث الجماعة. (قوله: فالسنة للمأموم إلخ) مفرع على كون المقارنة والتخلف بركن والتقدم بابتدائه: مكروهات. (قوله: ويتقدم) أي ابتداء فعل المأموم. (وقوله: على فراغه) أي الامام منه، أي الفعل. (قوله: والاكمل من هذا) أي مما ذكر من أن السنة تأخر ابتداء فعله عن ابتداء فعل الامام وتقدمه على فراغه منه. (قوله: ولا يشرع) أي المأموم. وهذا عين ما قبله. تأمل. ثم رأيته في التحفة عبر بالفاء التي للتفريع بدل الواو. وهو أولى. (قوله: حتى يصل الامام لحقيقة المنتقل إليه) أي لحقيقة الركن الذي انتقل إليه. قال سم: قضيته أنه يطلب من المأموم أن لا يخرج عن الاعتدال حتى يتلبس الامام بالسجود وقد يتوقف فيه. اه‍. قال الكردي: وأقول لا توقف، فقد بينت في الاصل ما يصرح بذلك من الاحاديث الصحيحة، نعم، رأيت في شرح مسلم استثناء ما إذا علم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد لرفع الامام قبل سجوده. اه‍. وهو ظاهر. ولعله وجه توقف سم فيما ذكر. اه‍. (قوله: فلا يهوي) أي المأموم، وهو مفرع على الاكمل المذكور. (قوله: إلى المسجد) أي مكان السجود، فهو مصدر ميمي (1) أريد منه المكان. (قوله: ولو قارنه بالتحرم) هذا محترز قوله غير تحرم، ومثل المقارنة: ما لو شك هل قارنه فيه أو لا ؟ وطال زمن الشك، ومضى ركن مع الشك. أما إذا لم يطل ولم يمض ركن معه بل زال عن قرب فلا يضر. (وقوله: أو تبين إلخ) أي أو اعتقد أن تحرمه متأخر عنه ثم تبين له خلاف ذلك (وقوله: لم تنعقد صلاته) أي إن نوى الاقتداء مع تحرمه. أما لو أحرم منفردا ثم اقتدى به في خلال صلاته صحت قدوته، وإن كانت تكبيرته متقدمة على تكبيرة الامام أو مقارنة له. (قوله: ولا بأس بإعادته) أي الامام - التكبير - يعني إذا أعاد الامام التكبير سرا بعد إحرام المأمومين، لكونه تبين له فقد شرط من شروطه مثلا، فلا ضرر عليهم بذلك، لكن إذا أعاده وهم لم يشعروا به، وإلا بطلت صلاتهم لتبين تقدم تحرمهم على تحرمه. وعبارة البجيرمي - بعد كلام -: وكذا لو كبر عقب تكبير إمامه ثم كبر إمامه ثانيا خفية لشكه في تكبيره مثلا ولم يعلم المأموم به لم يضر على أصح الوجهين، وهو المعتمد، كما في ق ل على الجلال، وح ل وش م ر اه‍. (قوله: ولا بالمقارنة في السلام) أي ولا بأس بالمقارنة فيه، لكنها تكره وتفوت فضيلة الجماعة. (قوله: وإن سبقه) أي وإن سبق المأموم الامام (قوله: بأن فرغ)


(1) قوله: فهو مصدر ميمي) أي وتكسر عينه سماعا، والقياس فتحها. وعند سيبويه هو بفتح الجيم لاغير، إذا اريد منه موضع السجود ز اه‍. مولف

[ 49 ]

أي المأموم، وهو تصوير لسبقه بأحدهما. (وقوله: فيه) أي في أحدهما من التشهد أو الفاتحة. (قوله: لم يضر) جواب أن، وذلك لاتيانه به في محله من غير فحش مخالفة. (قوله: وقيل تجب الاعادة) أي إعادة ما قرأه من الفاتحة أو التشهد قبل الامام. (قوله: وهو أولى) أي إعادته بعد فعل الامام أولى منها مع فعله. قال سم: كذا قال ر م. وهو يفيد سن تأخر جميع تشهد المأموم عن جميع تشهد الامام، ولعله خاص بالاخير وإلا أشكل. إذ كيف يطلب التأخير بالاول المقتضي للتخلف عن قيام الامام إلخ ؟ اه‍. (قوله: فعليه) أي على القول بوجوب الاعادة. (قوله: إن لم يعده) أي ما سبق به من الفاتحة أو التشهد. (قوله: بطلت) أي لان فعله مترتب على فعل الامام، فلا يعتد بما سبقه به. (قوله: ويسن مرعاة هذا الخلاف) أي فيسن له إعادته. قال في التحفة: (فإن قلت). لم قدمتم رعاية هذا الخلاف على خلاف البطلان بتكرير القولي ؟ (قلت): لان هذا الخلاف أقوى. والقاعدة - أخذا من كلامهم - أنه إذا تعارض خلافان قدم أقواهما، وهذا كذلك لان حديث فلا تختلفوا عليه يؤيده. وتكرير القولي لا نعلم له حديثا يؤيده. اه‍. (قوله: كما يسن إلخ) الكاف للتنظير. وعبارة التحفة: بل يسن، بالاضراب الانتقالي. (قوله: تأخير جميع فاتحته) قال ع ش: أي وجميع تشهده أيضا، فلو قارنه فقضية قولهم إن ترك المستحب مكروه كراهة هذا وإنه مفوت لفضيلة الجماعة - فيما قارن فيه. اه‍. (قوله: ولو في أوليي السرية) أي يسن التأخير، ولو كان في أوليي الصلاة السرية كالظهر. (قوله: إن ظن) أي المأموم، أنه، أي إمامه. وهو قيد في سنية تأخير الفاتحة مطلقا في الجهرية والسرية. (قوله: ولو علم إلخ) مفهوم قوله إن ظن، وكان المناسب أن يقول: وإلا بأن علم أن إمامه إلخ. (قوله: لزمه أن يقرأها) قال في التحفة: وفيه نظر ظاهر، إلا أن يكون المراد أنه متى أراد البقاء على متابعته، وعلم من نفسه أنه بعد ركوعه لا يمكنه قراءتها إلا وقد سبقه بأكثر من ركنين، يتحتم عليه قراءتها معه، لانه لو سكت عنها إلى أن ركع يكون متخلفا بغير عذره لتقصيره، بخلاف نحو منتظر سكتة الامام، لانه لم يعلم من حال الامام شيئا، فعلم أن محل ندب تأخير فاتحته إن رجا أن إمامه يسكت بعد الفاتحة قدرا يسعها أو يقرأ سورة تسعها، وأن محل ندب سكوت الامام إذا لم يعلم أن المأموم قرأها معه ولا يرى قراءتها. اه‍. (قوله: ولا يصح قدوة إلخ) شروع في بيان ما يقتضي بطلان القدوة. (قوله: بمن اعتقد بطلان صلاته) المراد بالاعتقاد: الظن القوي، وليس المراد ما اصطلح عليه الاصوليون، وهو الجزم المطابق للواقع، ولم يبرز الضمير مع أن الصلة جرت على غير من هي له، لان فاعل اعتقد يعود على المأموم، جريا على طريقة الكوفيين المجوزين ذلك عند أمن اللبس. (قوله: بأن ارتكب) أي الامام، وهو تصوير للبطلان. (قوله: كشافعي اقتدى بحنفي) تمثيل لمن ارتكب مبطلا في اعتقاد المأموم. (فإن قيل) فكيف صح اقتداء الشافعي المتم بالحنفي القاصر في محل لا يجوز للشافعي القصر فيه ؟ وذلك فيما لو كانا مسافرين - أي الشافعي والحنفي - ونويا إقامة أربعة أيام بموضع يصلح للاقامة وقصر الحنفي مع أن الشافعي يرى بطلان صلاة الحنفي أيضا ؟ (أجيب) بأن الشافعي يجوز القصر في الجملة، أي بخلاف الحدث، فإنه لا يجوز الصلاة معه أصلا، ويرد على هذا فاقد الطهورين، ويجاب بأن هذا حالة ضرورة. (قوله: دون ما إذا اقتصد) أي الحنفي، فإنه لا يضر اقتداء الشافعي به. قال في النهاية: صور المسألة صاحب الخواطر السريعة بما إذا نسي الامام كونه مقتصدا، أي وعلم المأموم بذلك، لتكون نيته جازمة في اعتقاده، بخلاف ما إذا علمه - أي الامام - لانه متلاعب عندنا أيضا لعدم جزمه بالنية. اه‍. ورد ذلك في التحفة بما حاصله: إن كونه متلاعبا عندنا ممنوع، إذ غاية أمره أنه حال النية عالم بمبطل عنده، وعلمه به مؤثر في جزمه عنده، لا عندنا، فتأمله. وأيضا فالمدار هنا على وجود صورة صلاة صحيحة عندنا، وإلا لم يصح الاقتداء بمخالف مطلقا اه‍. (قوله: نظرا لاعتقاد المقتدي) أي في المس وفي الفصد، فهو تعليل لمحذوف مرتبط بكل

[ 50 ]

منهما، أي لا يصح اقتداء الشافعي بحنفي مس فرجه نظرا لاعتقاد المقتدي، ويصح اقتداؤه بمن افتصد نظرا لذلك أيضا. (قوله: لان الامام إلخ) علة للعلة مع المعلل. أي وإنما إذا نظر لاعتقاد المقتدي تبطل في صورة المس وتصح في صورة الفصد، لان الامام محدث عنده بالمس دون الفصد. (وقوله: فيتعذر إلخ) مفرع على كون الامام محدثا عنده. (وقوله: لانه) أي الامام، وهو علة للتعذر. (وقوله: عنده) أي المقتدي. (قوله: ولو شك شافعي إلخ) خرج بالشك ما إذا تيقن تركه لبعض الواجبات كالبسملة بأن سمعه يصل تكبيرة التحرم أو القيام بالحمد لله، فإنه يؤثر في صحة الاقتداء به. وعبارة النهاية: ولو ترك الامام البسملة لم تصح قدوة الشافعي به، ولو كان المقتدى به الامام الاعظم أو نائبه. كما نقلاه عن تصحيح الاكثرين، وقطع به جماعة، وهو المعتمد. وإن نقلا عن الحليمي والادوني الصحة خلفه واستحسناه. وتعليل الجواز بخوف الفتنة ممنوع، فقد لا يعلم الامام بعدم اقتدائه أو مفارقته، كأن يكون في الصف الاخير مثلا. اه‍. وقوله: الصحة خلفه أو خلف الامام الاعظم، وبها قال في التحفة أيضا. (قوله: لم يؤثر في صحة الاقتداء به) قال سم: ظاهره وإن علم الشافعي أنه لا يطلب عند ذلك المخالف توقي ذلك الخلاف، وليس بعيدا لاحتمال أن يأتي بها احتياطا، وإن لم يطلب عنده توقي الخلاف فيها. اه‍. وقال ع ش: لو أخبره بعد الصلاة بترك شئ من الواجبات فهل يؤثر ذلك وتجب الاعادة أو لا ؟ للحكم بمضي الصلاة على الصحة ؟ فيه نظر. والاقرب الاول. اه‍. (قوله: تحسينا للظن به) أي بالامام: قال في الروض وشرحه: ومحافظة على الكمال عنده. اه‍. (وقوله: في توقي الخلاف) متعلق بتحسينا، أي يحسن الشافعي الظن بالمخالف في توقي الخلاف، أي مراعاته، بأن يأتي بما هو واجب عند المخالف لتصح صلاته وصلاة المأمومين على مذهبه ومذهب المخالف. وفي البجيرمي ما نصه: (سئل) الشهاب الرملي عن إمام مسجد يصلي بعموم الناس بأن كان راتبا هل يجب عليه أن يراعي الخلاف أو لا ويقتصر على مذهبه ؟ (فأجاب) بأنه يجب عليه رعاية الخلاف اه‍. قال شيخنا: أما لو قرر إمام للحنفية مثلا فلا يلزمه ذلك. وهو قضية إفتاء م ر. ثم قال شيخنا بعد ذلك: إذا كان يصلي خلفه شافعي، ينبغي وجوب رعاية الخلاف. قلت: وفيه ما فيه، إذ هو مقيد بإمامة على مذهب معين ولا يلزم الامام تصحيح صلاة الغير ا ه‍. ا ج. ا ه‍. (قوله: فلا يضر عدم إلخ) الاولى التعبير بالواو. لان الفاء ليس لها محل هنا، إذ المقام لا يقتضي التفريع. وعبارة ع ش: بقي أن يقال سلمنا أنه أتى به لكن على اعتقاد السنية ومن اعتقد بفرض معين نفلا كان ضارا، كما تقدم. وأشار الشيخ في شرح الروض إلى دفعه بقوله: ولا يضر عدم اعتقاد الوجوب إلخ (وحاصله) أن اعتقاد عدم الوجوب إنما يؤثر إذا لم يكن مذهبا للمعتقد، وإلا بأن كان مذهبا له لم يؤثر، ويكتفي منه بمجرد الاتيان به. اه‍. ملخصا. (قوله: لو قام إمامه لزيادة) أي على صلاته. (قوله: كخامسة) تمثيل للزيادة. (قوله: ولو سهوا) أي ولو قام حال كونه ساهيا بأن صلاته قد كملت. (قوله: لم يجز له متابعته) أي لم يجز للمأموم أن يتابعه في الركعة الزائدة، فإن تابعه بطلت صلاته لتلاعبه، ومحله إن كان المأموم عالما بالزيادة، فإن كان جاهلا بها وتابعه فيها لم تبطل صلاته، وحسبت له تلك الركعة إذا كان مسبوقا لعذره، وإن لم تحسب للامام. (قوله: ولو مسبوقا أو شاكا) غاية في عدم جواز المتابعة له، أي ولو كان المأموم مسبوقا أو شاكا في ركعة، فإنه لا تجوز له المتابعة. (قوله: بل يفارقه) أي ينوي المفارقة. (وقوله: ويسلم) أي بعد أن يتشهد. ومحل هذا إذا لم يكن مسبوقا. أو شاكا في الركعة ركعة، فإن كان كذلك: قام بعد نيته المفارقة للاتيان بما عليه، كما هو ظاهر. (قوله: أو ينتظره) أي أو ينتظر الامام في التشهد. (قوله: على المعتمد) متعلق بينتظر. ومقابله يقول: لا يجوز له الانتظار، كما نص عليه ابن حجر في فتاويه. وعبارتها بعد كلام:

[ 51 ]

قال الزركشي كالاسنوي نقلا عن المجموع في الجنائز: ولا يجوز له انتظاره، بل يسلم، فإنه في انتظاره مقيم على متابعته فيما يعتقده مخطئا فيه. والمعتمد خلاف ما قاله إلخ اه‍. (قوله: ولا قدوة بمقتد) أي ولا يصح قدوة بمقتد حال قدوته لاستحالة اجتماع كونه تابعا متبوعا، وما في الصحيحين من أن الناس اقتدوا بأبي بكر خلف النبي (ص)، محمول على أنهم كانوا مقتدين به (ص) وأبو بكر يسمعهم التكبير، كما في الصحيحين أيضا. (قوله: ولو احتمالا) أي شكا، وهو منصوب على أنه خبر لكان محذوفا بتأويله باسم الفاعل، أي ولا يصح قدوته بمقتديا، ولو كان مريد القدوة شاكا في كونه مقتديا بأن تردد في كونه إماما أو مأموما، كأن رأى رجلين يصليان جماعة، وشك أيهما الامام ؟ قال ح ل: فإن ظنه أحدهما بالاجتهاد عمل باجتهاده. واعترض بأن شرط الاجتهاد أن يكون للعلامة فيه مجال، ولا مجال لها هنا، لان مدار المأمومية على النية لا غير، وهي لا يطلع عليها. وأجيب بأن للقرائن مدخلا في النية. ا. ه‍. (قوله: وإن بان إماما) أي لا تصح القدوة فيما إذا شك في أنه مقتد أو لا ؟ ولو تبين له بعد ذلك أنه إمام. وصورة ذلك، فيما إذا اقتدى بأحد شخصين متساويين في الموقف معتقدا أن من اقتدى به هو الامام، ثم بعد ذلك طرأ له شك في كونه إماما أو مأموما، فلا تصح القدوة به، ولو تبين له بعد ذلك أنه إمام. لكن محله - كما في سم - ما إذا طال زمن التردد، أو مضى معه ركن (قوله: كأن سلم الامام إلخ) تمثيل لمن انقطعت قدوته. (وقوله: فقام مسبوق) أي ليأتي بما بقي عليه. (وقوله: فاقتدى به) أي بالمسبوق بعد قيامه للاتيان بما عليه. (قوله: صحت) محل الصحة في هذه الصورة وفي الثانية التي بعدها في غير الجمعة، أما فيها فلا تصح القدوة في الصورتين عند الجمال الرملي، وفي الصورة الثانية عند ابن حجر. أما في الصورة الاولى فتصح عنده، لكن مع الكراهة، أفاده الكردي (قوله: لكن مع الكراهة) ظاهره أنه مرتبط بالصورة الثانية، وهو أيضا ظاهر عبارة شيخه في التحفة، وظاهر عبارة النهاية أنه مرتبط بالصورتين، كما نبه عليه ع ش، وعبارته: قوله لكن مع الكراهة، ظاهر في الصورتين، وعليه: فلا ثواب فيها من حيث الجماعة. وفي ابن حجر التصريح برجوعه للثانية فقط والكراهة، خروجا من خلاف من أبطلها. ا. ه‍. (قوله: ولا قدوة قارئ) أي ولا تصح قدوة قارئ. (قوله: بأمي) نسبة للام، كأنه على حالته التي ولد عليها، وهو لغة من لا يقرأ ولا يكتب، ثم استعمل فيما ذكره الشارح مجازا. (قوله: وهو) أي الامي. (وقوله: من يخل بالفاتحة) أي لا يحسن حروف الفاتحة. قال سم: وخرج نحو التشهد فلمن لا يخل بذلك فيه الاقتداء بمن يخل بذلك فيه. م ر. ويفرق بأن من شأن الامام أن يتحمل الفاتحة، والمخل لا يصلح للتحمل، وليس من شأنه تحمل التشهد. ومما يدل على التشهد أوسع: أنه لا يشترط فيه الترتيب. ا. ه‍. وفي حاشية البرماوي أن هذا غير مستقيم، لما تقدم أن الاخلال ببعض الشدات في التشهد مخل أيضا، أي فلا تصح صلاته حينئذ، ولا إمامته. ا. ه‍. (قوله: أو بعضها) بالجر، عطف على الفاتحة. أو يخل ببعض الفاتحة. (قوله: ولو بحرف منها). غاية في البعض. أي ولو كان ذلك البعض الذي يخل به حرفا واحدا. (قوله: بأن يعجز إلخ) تصوير للاخلال بحرف منها. (وقوله: أو عن إخراجه عن مخرجه) أي أو يعجز عن إخراج الحرف من مخرجه. وانظر ما الفرق بينه وبين ما قبله ؟ فإنه إذا عجز عنه بالكلية فقد عجز عن إخراجه من مخرجه، ومثله العكس، فحينئذ يغني أحدهما عن الآخر. وفي النهاية: الاقتصار على الثاني. ويمكن أن يفرق بينهما بأن المراد بعجزه عنه بالكلية أن لا يستطيع النطق به ولا ببدله في محله. والمراد بعجزه عن إخراجه من مخرجه: أن لا يستطيع النطق به من مخرجه مع إتيانه ببدله في محله، كأن يقول المتقيم. (قوله: أو عن أصل تشديدة) أي أو يعجز عن أصل تشديده، وعطفه على ما قبله من عطف المغاير، لان التشديدة هيئة للحرف، وليست بحرف، فليس العطف هنا من عطف الخاص على العام، وذلك كتخفيف إياك ولو أحسن أصل التشديدة وتعذرت عليه المبالغة صحت القدوة به مع الكراهة. (قوله: وإن لم يمكنه التعلم) غاية في عدم

[ 52 ]

صحة اقتداء القارئ به، أي لا تصح القدوة به مطلقا سواء أمكنه التعلم أم لا. (قوله: ولا علم بحاله) أي وإن لم يعلم القارئ بحاله، فهي غاية ثانية. قال سم: فلا تنعقد للجاهل بحاله. فلا بد من القضاء، وإن لم يبن الحال إلا بعد. ا. ه‍. ويرد على هذه الغاية: أن عدم العلم بحاله صادق بما إذا كان مترددا في كونه أميا أو لا ؟ فيفيد عدم صحة القدوة به في هذه الحالة، فينافي حينئذ ما سيصرح به من صحة القدوة في هذه الحالة. (قوله: لانه) أي الامي، وهو علة لعدم صحة الاقتداء بالامي، أي وإنما لم تصح القدوة به، لانه لا يصلح لتحمل القراءة عنه إذا كان مسبقا، أي ومن شأن الامام تحملها. وعبارة شرح المنهج: لان الامام بصدد تحمل القراءة عن المسبوق، فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل. ا. ه‍. (قوله: عنه) أي المأموم (وقوله: لو أدركه راكعا) أي لو أدرك المأموم الامام حال كونه راكعا. (قوله: ويصح الاقتداء بمن يجوز) من واقعة على إمام، ويجوز يحتمل قراءته بتشديد الواو مع ضم الياء، ويحتمل قراءته بتخفيفها مع فتح الياء، والمعنى على الاول: ويصح الاقتداء بإمام يجوز المأموم القارئ كونه أميا. وعلى الثاني بإمام يحتمل كونه أميا. (قوله: إلا إذا لم يجهر في جهريه) أي فلا يصح الاقتداء به. فجواب إذا محذوف. (وقوله: فيلزم مفارقته) تفريع على الجواب المحذوف، ويحتمل أن يكون هو الجواب ولا حذف، والاول أنسب. وإنما لزمت مفارقته حينئذ لان الظاهر من حاله أنه لو كان قارئا لجهر بها، وهذا ما في التحفة. والذي يستفاد من النهاية أنه لا تلزمه المفارقة، بل يتابعه إلى أن يسلم، ثم بعده إن أخبر الامام أنه أسر ناسي، أو لجواز الاسرار، وصدقه المأموم، فلا تلزمه الاعادة بل تستحب، ويلزمه البحث عن حاله أما في السرية فلا إعادة عليه عملا بالظاهر، ولا يلزمه البحث عن حاله، كما لا يلزمه البحث عن طهارة الامام، واعتمد ذلك سم. وعبارته. قوله فتلزمه مفارقته إلخ: المعتمد أنه لا تلزم مفارقته، وأنه إذا استمر - ولو مع العلم: خلافا لتقييد السبكي بالجهل: حتى سلم - لزمه الاعادة، ما لم يبن أنه قارئ. ا. ه‍. (قوله: فإن استمر جاهلا إلخ) مفرع على ما قبل الاستثناء، يعني إذا اقتدى بمن جوز كونه أميا، فإن استمر جاهلا بحال إمامه حتى سلم بأن كانت الصلاة سرية، لزمته الاعادة، ما لم يتبين للمأموم أن الامام قارئ، فإن تبين له ذلك لم تلزمه الاعادة. (قوله: ومحل عدم صحة إلخ) الاولى تأخير هذا وذكره قبيل قوله وكره اقتداء بنحو تأتاء إلخ. فتنبه. (قوله: إن لم يستو الامام إلخ) فإن استويا في ذلك صحت القدوة ولو في الجمعة، إذ كلاهما حينئذ أمي، فاستويا في النقص، كالمرأتين. قال في الامداد: ولو اتفق أربعون أميا في المعجوز عنه فتصح إمامة أحدهم، بل تلزمهم الجمعة حينئذ. ا. ه‍. (وقوله: في الحرف المعجوز عنه) أي في عينه. ولا فرق بين أن يتفقا في كيفية العجز بذلك الحرف، كما لو أبدل الامام والمقتدي به الراء غينا، ويختلفا فيها، كما لو أبدلها أحدهما عينا والآخر لاما. (قوله: بأن أحسنه إلخ) تصوير لعدم استوائهما في الحرف المعجوز عنه. (وقوله: أو أحسن كل منهما) أي من الامام والمأموم (وقوله: غير ما أحسنه الآخر) أي كأن أحسن الامام الراء ولم يحسن السين، والمأموم بالعكس (قوله: ومنه أرت) أي ومن الامي أرت، وهو بالتاء المثناة. (وقوله: يدغم إلخ) بيان لمعنى الارت: أي الارت هو الذي يدغم إلخ. (وقوله: في غير محله) أي الادغام المفهوم من يدغم. (وقوله: بإبدال) متعلق بيدغم، أي يدغم مع إبدال الحرف المدغم بآخر، كأن يقول المتقيم بإبدال السين تاء وإدغامها في التاء. وخرج به ما إذا كان يدغم فقط، كتشديد لام أو كاف مالك فلا يضر ولا يسمى هذا أرت. (قوله: وألثغ) معطوف على أرت، أي ومن الامي، ألثغ، وهو بالثاء المثلثة. (وقوله: يبدل إلخ) بيان لمعنى الالثغ. ولا فرق في الابدال المذكور بين أن يكون مع إدغام أو لا، فهو أعم مما قبله. وقيل هو الذي يبدل من غير إدغام. فعليه يكون مغايرا. وخرج بقوله يبدل إلخ: ما إذا لم يبدل حرفا بآخر، بأن كانت لثغته يسيرة لم تمنع أصل مخرجه، وإن كان غير صاف، فلا يؤثر.

[ 53 ]

وحكى الروياني عن ابن غانم مقرئ ابن سريج قال: انتهى ابن سريج إلى هذه المسألة فقال: لا تصح إمامة الالثغ، وكان لثغته يسيرة، وفي مثلها، فاستحييت أن أقول له: هل تصح إمامتك ؟ فقلت له: هل تصح إمامتي ؟ قال: وإمامتي أيضا. (قوله: فإن أمكنه التعلم) لا يظهر له ارتباط بما قبله إلا بتكلف. أي وإذا لم تصح القدوة بالامي، فهل تصح صلاة نفسه أو لا ؟ في ذلك تفصيل، وهو ما ذكره بقوله: فإن أمكنه إلخ. وكان الاولى والاسبك أن يقول: وكما لا تصح القدوة به لا تصح صلاته، إن أمكنه التعلم ولم يتعلم، وإلا صحت. تفطن (قوله: وكره اقتداء بنحو تأتاء) أي في الفاتحة وغيرها. (وقوله: وفأفاء) أي في غير الفاتحة، إذ لا فاء فيها. والتأتاء: هو الذي يكرر التاء. والفأفاء: هو الذي يكرر الفاء. ومثلهما: الوأواء، وهو الذي يكرر الواو. وإنما كره الاقتداء بمن ذكر لزيادته حرفا، ونفرة الطبع عن سماعه. وإنما صحت القدوة بهم، لعذرهم في تلك الزيادة. (قوله: ولاحن بما لا يغير معنى) أي وكره اقتداء بلاحن بما لا يغير المعنى. ويحرم تعمده مع صحة الصلاة والقدوة. (والحاصل) أن اللحن حرام على العامد العالم القادر مطلقا، وأن ما لا يغير المعنى لا يضر في صحة الصلاة والقدوة مطلقا، وأما ما يغير المعنى ففي غير الفاتحة لا يضر فيهما إلا إن كان عامدا عالما قادرا، وأما في الفاتحة فإن قدر وأمكنه التعلم ضر فيهما، وإلا فكأمي. ا. ه‍. بجيرمي. (قوله: كضم هاء لله) أي وكضم صاد الصراط وهاء اهدنا، وإن لم تسمه النحاة لحنا (قوله: فإن لحن لحنا يغير المعنى إلخ) مقابل قوله بما لا يغير معنى. والمراد بتغيير المعنى أن ينقل معنى الكلمة إلى معنى آخر، كضم تاء أنعمت وكسرها، أو يصيرها لا معنى لها أصلا كالزين بالزاي. أفاده البجيرمي. (وقوله: في الفاتحة) أي أو بدلها. وسيذكر مقابله بقوله أو في غيرها. (قوله: أبطل) أي لحنه المغير للمعنى. (وقوله: صلاة إلخ) أي والقدوة به بالاولى، (وقوله: من أمكنه التعلم) وزمن الامكان من وقت إسلامه فيمن طرأ إسلامه كما قاله البغوي، ومن التمييز في غيره على الاوجه. ا. ه‍. تحفة، وقال م ر: الاوجه خلافه، لما يلزم عليه من تكليفه بها قبل بلوغه. (قوله: لانه ليس بقرآن) أي لان الحرف الملحون لحنا يغير المعنى ليس بقرآن، أي والتكلم بما ليس بقرآن يبطل الصلاة مع العلم والتعمد، كما مر. (قوله: نعم إن ضاق الوقت) أي على من أمكنه التعلم وتركه. قال ع ش: ومفهومه أنه لا يصلي ما دام الوقت واسعا، وظاهره وإن أيس ممن يعلمه، وقياس ما في التيمم من أن فاقد الطهورين إن لم يرج الماء صلى في أول الوقت أنه هنا بقرآن، أي التعلم وتركه. قال ع ش: ومفهومه أنه لا يصلي ما دام الوقت واسعا، وظاهره وإن أيس ممن يعلمه، وقياس ما في التيمم من أن فاقد الطهورين إن لم يرج الماء صلى في أول الوقت أنه هنا كذلك، إلا أن يفرق بأن فقد الطهورين من أصله لا اختيار للمكلف فيه، بخلاف ترك التعلم، فإن المكلف منسوب فيه إلى تقصير لحصول التفويت من جهته. ا. ه‍. (قوله: وأعاد) أي الصلاة (وقوله: لتقصيره) أي بتركه التعلم (قوله: ويظهر أنه) أي اللاحن الذي ضاق عليه الوقت وصلى لحرمته. (قوله: لا يأتي بتلك الكلمة) أي التي يلحن فيها لحنا بغير المعنى (قوله: لانه) أي تلك الكلمة، وذكر الضمير مراعاة للخبر. (قوله: فلم تتوقف إلخ) تفريع على العلة. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ كانت غير قرآن. (وقوله: عليها) أي على تلك الكلمة، أي على الاتيان بها. (قوله: بل تعمدها) أي تلك الكلمة، أي تعمد الاتيان بها. (وقوله: ولو من مثل هذا) أي اللاحن الذي ضاق عليه الوقت وصلى لحرمته. (قوله: أو في غيرها) عطف على قوله في الفاتحة، أي أو

[ 54 ]

إن لحن لحنا يغير المعنى في غير الفاتحة. أي وغير بدلها. (قوله: صحت صلاته) جواب إن المقدرة. (قوله: إلا إذا قدر) أي على النطق به على الصواب وعلم - أي التحريم - وتعمد - أي اللحن - أي فلا تصح حينئذ صلاته ولا القدوة به. ومثل تعمده اللحن: ما إذا سبق إليه لسانه ولم يعده على الصواب. (قوله: لانه) أي الملحون، وهو تعليل لمحذوف، أي فلا تصح صلاة اللاحن في غير الفاتحة، لانه كلام أجنبي. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ قدر وعلم وتعمد. ومفاده أنه إذا لم يقدر ولم يعلم ولم يتعمد ليس كلاما أجنبيا، وليس كذلك، بل هو كلام أجنبي مطلقا، قدر وعلم وتعمد أو لا. فالاولى أن يقول بدل هذه العلة لانه حينئذ غير مغتفر، بخلاف ما إذا لم يقدر ولم يعلم ولم يتعمد، فإنه مغتفر، لان الكلام اليسير يغتفر في الصلاة مع الجهل والنسيان. فتنبه. (قوله: وحيث بطلت صلاته هنا) أي في غير الفاتحة، كأن قرأ ورسوله من قوله تعالى * (أن الله برئ من المشركين ورسوله) * بالجر، (وقوله: يبطل الاقتداء به) يرد عليه أن بطلان الاقتداء به قد علم من قوله إلا إذا قدر إلخ، إذ المراد فلا تصح صلاته ولا القدوة به، إلا أن يقال صرح بما هو معلوم للتقييد بقوله: لكن للعالم بحاله، ومع ذلك فالاخصر والانسب أن يقول: وحيث بطلت القدوة هنا، فهو للعالم بحاله. (قوله: لكن للعالم بحاله) أما إذا لم يعلم بحاله فتصح قدوته به، ويفرق بينه وبين الامي - حيث بطل اقتداء الجاهل به - بأن هذا يعسر الاطلاع على حاله قبل القدوة. (قوله: واختار السبكي) ضعيف. ع ش. وهذا مقابل قوله صحت صلاته والقدوة به إلا إذا قدر إلخ. (قوله: ليس إلخ) مقول قول الامام، (وقوله: لهذا) أي اللاحن في غير الفاتحة. (قوله: لانه) أي اللاحن المذكور، وهو تعليل لقوله ليس لهذا إلخ. (وقوله: بلا ضرورة) أي بلا حاجة إلى التكلم به. (قوله: من البطلان) بيان لما. (وقوله: مطلقا) أي سواء قدر على النطق به على الصواب أو عجز عنه. وأما النسيان أو الجهل فلا يقتضي البطلان عنده أيضا إلا مع الكثرة، أفاده سم (قوله: ولو اقتدى بمن ظنه أهلا للامامة) خرج به ما إذا ظنه ليس أهلا لها، فلا تنعقد صلاته، وإن تبين أن لا خلل، لعدم صحة القدوة في الظاهر، للتردد عندها. (قوله: فبان خلافه) أي ظهر له خلاف ما ظنه. (قوله: كأن ظنه إلخ) تمثيل لمن ظنه أهلا فبان خلافه. (وقوله: قارئا) أي أو مسلما أو ليس زنديقا، أو كبر للاحرام، أو لم يسجد على كمه الذي يتحرك بحركته. (قوله: فبان أميا) أي أو كافرا أو زنديقا، أو لم يكبر للاحرام أو لم يسجد ساجدا على كمه الذي يتحرك بحركته. (تنبيه) وقع خلاف في بان - فقيل هي من أخوات كان، والمنصوب بعدها خبرها. وقيل إنها ليست من أخوات كان، والمنصوب بعدها إما تمييز محول عن الفاعل، أي بان أميته أو كفره أو زندقته مثلا، أو منصوب على الحال. ورد السيوطي كونها من أخوات كان بأن أخوات كان محصورة معدودة، ولم يذكر أحد أن بان منها. وقال: المتجه أن المنصوب بعدها تميز محول عن الفاعل، كطاب زيد نفسا. (قوله: أعاد) أي المقتدي، وهو جواب لو، ومحل الاعادة إن بان بعد الفراغ من الصلاة، فإن بان في أثنائها وجب استئنافها. وفي البجيرمي ما نصه: (قاعدة) كل ما يوجب الاعادة إذا طرأ في الاثناء أو ظهر أوجب الاستئناف، ولا يجوز الاستمرار مع نية المفارقة. وكل ما لا يوجب الاعادة مما يمنع صحة الاقتداء ابتداء عند العلم إذا طرأ في الاثناء أو ظهر لا يوجب الاستئناف، ويجوز الاستمرار مع نية المفارقة. ا. ه‍. (قوله: لتقصيره بترك البحث) صريحه أنه يجب البحث

[ 55 ]

على المأموم عن حال الامام قبل اقتدائه، وليس كذلك على الاصح، فلو قال لكون الامام ليس من أهل الامامه لذاته لكان أولى. اه‍. بجيرمي (وقوله: في ذلك) أي في كونه أهلا أو لا ؟ (قوله: لا إن اقتدى) أي لا يعيدها إن اقتدى إلخ، وهو استدراك من وجوب الاعادة إذا ظنه أهلا ثم بان خلافه. (وقوله: بمن ظنه متطهرا) أي أو ناويا أو عاجزا عن ستر العورة. (قوله: فبان ذا حدث) أي أو أنه لم ينو، أو أنه كان قادرا على ستر العورة. (قوله: أو ذا خبث خفي) أي أو بان ذا خبث خفي، وسيذكر ضابط الخفي وضده. (قوله: ولو في جمعة) أي ولو بان كذلك في جمعه فلا تجب الاعادة. (وقوله: إن زاد) أي الامام، وهو قيد في عدم وجوب الاعادة بالنسبة للجمعة. وخرج به ما إذا كان تمام الاربعين، فتجب الاعادة، لتبين بطلان صلاته ببطلان صلاة الامام، لعدم استكمال العدد. (قوله: وإن كان الامام عالما) أي بحدث نفسه أو بالخبث الذي فيه، وهي غاية ثانية لعدم وجوب الاعادة. (قوله: لانتقاء إلخ) تعليل لعدم وجوب الاعادة. (قوله: إذ لا أمارة إلخ) علة للعلة، والامارة هنا، بفتح الهمزة، وهي العلامة، وأما بكسرها: فهي الولاية كما في المصباح. (وقوله: عليهما) أي الحدث والخبث الخفي. (قوله: ومن ثم) أي من أجل انتفاء التقصير منه. (وقوله: حصل له) أي للمقتدي. (وقوله: فضل الجماعة) هو سبع وعشرون أو خمس وعشرون درجة. (قوله: أما إذ أبان) أي الامام. (وقوله: ذا خبث ظاهر) هو محترز قوله خفي. (فائدة) يجب على الامام إذا كانت النجاسة ظاهرة إخبار المأموم بذلك ليعيد صلاته، أخذا من قولهم: لو رأى على ثوب مصل نجاسة وجب إخباره بها، وإن لم يكن آثما. ومن قولهم: لو رأى صبيا يزني بصبية وجب منعه من ذلك، لان النهي عن المنكر لا يتوقف على علم من أريد نهيه. ا. ه‍. ع ش. (قوله: فيلزمه الاعادة) أي فيلزم المأموم الاعادة، ولو لم ير ذلك الخبث الظاهر، لوجود حائل بين الامام والمأموم، أو ظلمه، أو بعد عن الامام، أو اشتغال بالصلاة، أو كون الامام صلى قائما والمأموم صلى جالسا لعجزه، ففي جميع هذه الصور تلزمه الاعادة عند ابن حجر والرملي، وخالف الروياني في الصورة الاخيرة، فقال: لا تلزمه الاعادة فيها لعدم تقصيره، لكون فرضه الجلوس. (قوله: على غير الاعمى) المناسب أن يقول إن كان غير أعمى - كما هو ظاهر. وخرج به الاعمى، فلا تجب عليه الاعادة، لعدم تقصيره. قال الكردي: وفي الايعاب للشارح مثل الاعمى - فيما يظهر - ما لو كان في ظلمة شديدة لمنعها أهلية التأمل والتخرق في ستر العورة، كالخبث فيما ذكر من التفصيل فيما يظهر. ا ه‍. (قوله: وهو) أي الخبث الظاهر. (وقوله: ما بظاهر الثوب) أي الذي يكون بظاهر الثوب. (وقوله: وإن حال بين الامام والمأموم حائل) أي أن الخبث الظاهر هو ما كان بظاهر الثوب ولم يره المأموم، بأن حال حائل بينهما كجدار. ومثل الحائل ما مر آنفا. (قوله: والاوجه في ضبطه) أي الخبث الظاهر. وهذا الضبط للانوار، ولعل وجه أوجهية هذا الضبط: شمول الخفي عليه للخبث الحكمي الكائن على ظهر الثوب، وذلك لانه لو تأمله المأموم لا يراه، بخلافه على الضبط الاول، فإنه لا يشمله، بل يدخله في الظاهر مع أنه ليس منه، بل هو من الخفي. (وقوله: أن يكون) أي الخبث الظاهر. (وقوله: بحيث لو تأمله) الباء للملابسة، أي يكون متلبسا بحالة، وهي لو تأمله إلخ. (وأعلم) أن هذا الضبط لا ينافي الضبط الذي نقله القليوبي عن شيخه الزيادي والرملي، ونقله البجيرمي عن الشوبري من أن الظاهرة هي العينية، والخفية هي الحكمية، بل هو متبادر منه. (وقوله: رآه) أي أدركه بإحدى الحواس، ولو بالشم، ليشمل الاعمى، وإن حال بينهما حائل. ا ه‍. بجيرمي. (قوله: والخفي بخلافه) وهو الذي لو تأمله المأموم لم يره. (قوله: مطلقا) أي سواء كان الخبث الذي تبين في الامام ظاهرا أو خفيا. (قوله: وصح اقتداء إلخ) وذلك لصحة صلاتهم من غير إعادة. (وقوله: بسلس) هو بكسر اللام.

[ 56 ]

(قوله: وقائم بقاعد) أي وصح اقتداء قائم بقاعد، لخبر البخاري: عن عائشة رضي الله عنها: أنه (ص) صلى في مرض موته قاعدا، وأبو بكر والناس قياما. (قوله: متوضئ بمتيمم) أي وصح اقتداء متوضئ بمتيمم. (وقوله: لا تلزمه إعادة) قيد في صحة القدوة بمتيمم. وخرج به من تلزمه الاعادة كمتيمم في محل يغلب وجود الماء فيه، فلا تصح القدوة به، لعدم كمال حاله. (تنبيه) تصح أيضا قدوة الكامل بالصبي، لان عمرو بن سلمة - بكسر اللام - كان يؤم قومه على عهد رسول الله (ص) وهو ابن ست أو سبع سنين - كما رواه البخاري. وبالعبد، وإن كان صبيا، لان صلاته معتد بها، ولان ذكوان - مولى عائشة - كان يؤمها. وتصح أيضا قدوة البصير بالاعمى، كعكسه، لتعارض فضيلتهما، لان الاعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ. (قوله: وكره اقتداء إلخ) المناسب لما قبله أن يقول: وصح اقتداء بفاسق ومبتدع، لكن مع الكراهة. (وقوله: ومبتدع) أي لا نكفره ببدعته، كالمعتزلي، وهو القائل بخلق القرآن أو عدم الرؤية. والقدري، وهو القائل بخلق العبد أفعاله الاختيارية. والجهمي، وهو القائل بمذهب جهم بن صفوان الترمذي، وهو أنه لا قدرة للعبد بالكلية. والمرجئ، وهو القائل بالارجاء، وهو أنه لا يضر مع الايمان معصية. والرافضي، وهو القائل بأن عليا - كرم الله وجهه - أسر إليه النبي (ص) بالخلافة، وأنه أولى من غيره. أما الذي نكفره ببدعته فلا تصح القدوة به أصلا، وذلك كالمجسمة، وهم القائلون بأن الله جسم كالاجسام تعالى الله عن ذلك كالفلاسفة، وهم منكرو حدوث العالم، وعلمه تعالى بالجزئيات، والبعث للاجسام. وهذه الثلاثة هي أصل كفرهم. ونظمها بعضهم في قوله: بثلاثة: كفر الفلاسفة العدا * * إذ أنكروها وهي قطعا مثبته علم بجزئي، حدوث عوالم، * * حشر لاجساد وكانت ميته (قوله: كرافضي) تمثيل للمبتدع، لا تنظير. (قوله: وإن لم يوجد أحد سواهما) أي يكره الاقتداء بهما وإن لم يوجد إلخ، وذلك للخلاف في صحة الاقتداء بهما لعدم أمانتهما، فقد لا يحصل منهما محافظة على بعض الواجبات، ولقوله (ص): إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. وإنما صحت الصلاة خلفهما - على المعتمد - لما روى الشيخان: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج. قال الشافعي - رضي الله عنه -: وكفى به فاسقا. (وقوله: ما لم يخش فتنة) أي ما لم يخش المأموم إن لم يأتم بهما فتنة، كأن يكون الامام الفاسق، أو المبتدع واليا ظالما. (قوله: وقيل لا يصح الاقتداء بهما) أي الفاسق والمبتدع. (قوله: وكره أيضا اقتداء بموسوس) هو الذي يقدر ما لم يكن كائنا ثم يحكم بحصوله من غير دليل ظاهر، كأن يتوهم وقوع نجاسة بثوبه ثم يحكم بوجودها من غير ذلك، وإنما كره الاقتداء خلفه لانه يشك في أفعال نفسه. (وسئل) ابن حجر عن الاقتداء بالموسوس هل يصح أم لا ؟ وعن الفرق بين الوسوسة والشك ؟ (فأجاب) بأن الصلاة خلفه صحيحة إلا أنها مكروهة، لانه يشك في أفعال نفسه. والفرق بين الوسوسة والشك، أن الشك يكون بعلامة، كترك ثياب من عادته مباشرة النجاسة، والاحتياط هنا مطلوب، بخلاف الوسوسة، فإنها الحكم بالنجاسة من غير علامة، بأن لم يعارض الاصل شئ، كإرادة غسل ثوب جديد اشتراه احتياطا، وذلك من البدع. كما صرح به النووي في شرح المهذب. فالاحتياط حينئذ ترك هذا الاحتياط. ا ه‍. من الفتاوي ملخصا. (قوله: وأقلف) أي وكره أيضا اقتداء بأقلف، وهو الذي لم يختن، سواء ما قبل البلوغ وما بعده، لانه قد لا يحافظ على ما يشترط لصحة صلاته، فضلا عن إمامته، وهو غسل جميع ما يصل إليه البول مما تحت قلفته، لانها لما كانت واجبة الازالة كان ما تحتها في حكم الظاهر. (قوله: لا بولد الزنا) أي لا يكره الاقتداء بولد الزنا. قال شيخ الاسلام في شرح التحرير: وإن عده الاصل في المكروه. وكتب محشيه ما نصه: كلام الاصل هو المعتمد في ولد الزنا ومن لا يعرف له أب، لكن بشرط أن يكون الاقتداء به من ابتداء الصلاة، ولم يكن المقتدي مثله. وعبارة الرملي: وأطلق جماعة كراهة ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه، وهي مصورة بكون ذلك في ابتداء الصلاة ولم تساوي

[ 57 ]

المأموم، فإن ساواه أو وجده قد أحرم واقتدى به فلا بأس. اه‍. لكن بحث في التفصيل المذكور بأن من كره الاقتداء به لا فرق بين أن يقتدي به من هو مثله أو غيره، ولا بين الابتداء والانتهاء. اه‍. (قوله: لكنه) الاقتداء بولد الزنا، ومثله ولد الملاعنة، ومن لا يعرف له أب كاللقيط. (وقوله: خلاف الاولى) أي لغير مثله وغير من وجده قد أحرم، أما لمثله أو لمن وجده قد أحرم فلا بأس بذلك. اه‍. ش ق. (قوله: واختار السبكي ومن تبعه انتفاء الكراهة) أي كراهة الاقتداء بمن ذكر من الفاسق ومن بعده. (قوله: إذا تعذرت الجماعة) أي إقامتها. وقوله: إلا خلف من تكره خلفه أي فإنها حينئذ لا تتعذر. (قوله: بل هي) أي الجماعة خلف من تكره خلفه، والاضراب انتقالي. وقوله: أفضل قال سم: بذلك أفتى شيخنا الشهاب الرملي. اه‍. (قوله: وجزم شيخنا) عبارته: ولو تعذرت إلا خلف من يكره الاقتداء به لم تنتف الكراهة، كما شمله كلامهم، ولا نظر لادامة تعطلها لسقوط فرضها حينئذ. وبما تقرر علم ضعف اختيار السبكي ومن تبعه: أن الصلاة خلف هؤلاء، ومنهم المخالف، أفضل من الانفراد. اه‍. (قوله: بأنها) أي الكراهة. (وقوله: لا تزول حينئذ) أي حين إذ تعذرت الجماعة إلا خلف من تكره خلفه. (قوله: ما قاله السبكي) أي من انتفاء الكراهة حينئذ. (قوله: تتمة) أي في بيان الاعذار المرخصة لترك الجماعة حتى تنتفي الكراهة، حيث سنت، والاثم: حيث وجبت، والاصل فيها خبر ابن حيان والحاكم في صحيحيهما: من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له - أي كاملة - إلا من عذر وهي على قسمين: عامة: كالمطر، والريح، وشدة الحر، وشدة البرد. وخاصة: كشدة نعاس، ومرض يشق، وتمريض قريب. قوله: وعذر الجماعة هو مفرد مضاف لمعرفة، فيعم جميع الاعذار التي ذكرها. وقوله: كالجمعة ومتعلق بمحذوف حال من الجماعة أي حال كونها كالجمعة. أي فأعذارهما متحدة. وكان الاولى أن يعد أولا أعذار الجماعة ثم يقول: وأعذار الجمعة هي أعذار الجماعة، أي مما يمكن مجيئه في الجمعة كما سيأتي التنبيه عليه في بابها. (قوله: مطر) هو وما عطف عليه خبر عذر، ولا فرق فيه بين أن يكون ليلا أو نهارا. ومثل المطر الثلج، والبرد. وقوله: يبل ثوبه قال في الايعاب ولو كان عنده ما يمنع بلله كلباد لم ينتف عنه كونه عذرا فيما يظهر، لان المشقة مع ذلك موجودة، ويحتمل خلافه. اه‍. كردي. (قوله: للخبر الصحيح) دليل لكون المطر عذرا، ولفظ الخبر: روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن أبي المليح عن أبيه قال: كنا مع النبي (ص) زمن الحديبية، فأصابنا مطر لم يبل أسفل نعالنا، فنادى منادي رسول الله (ص): صلوا في رحالكم. (قوله: بخلاف إلخ) محترز قوله يبل ثوبه. (قوله: ما لا يبله) أي الثوب، بأن كان خفيفا أو كان يمشي في ركن. (قوله: نعم، قطر الماء إلخ) استدراك من عدم عدما لا يبل الثوب عذرا. يعني أن تقاطر الماء من السقوف بعد فراغ المطر يعد عذرا، وإن كان لا يبل الثوب، وذلك لغلبة نجاسته أو استقذاره. (وقوله: من سقوف الطريق) أي من السقوف التي في طريق مريد الجماعة، فالاضافة لادنى ملابسة. (قوله: ووحل) معطوف على مطر، وهو بفتح الحاء، وإسكانها لغة رديئة، وإنما كان عذرا لانه أشق من المطر. (وقوله: لم يأمن إلخ) يفيد أنه يشترط فيه أن يكون شديدا. فعليه: غير الشديد لا يكون عذرا. وقد صرح بالقيد المذكور في المنهاج - وهو المعتمد عند شيخ الاسلام والرملي والخطيب - وعبارة الاخير مع الاصل: وكذا وحل شديد على الصحيح، ليلا كان أو نهارا، لانه أشق من المطر، بخلاف الخفيف منه. والشديد هو الذي لا يأمن معه التلويث، كما جزم به في الكفاية، لكن ترك في المجموع

[ 58 ]

والتحقيق التقييد بالشديد، ومقتضاه أنه لا فرق بينه وبين الخفيف. قال الاذرعي: وهو الصحيح، والاحاديث دالة عليه. وجرى على التقييد ابن المقري في روضه تبعا لاصله. وينبغي اعتماده. (فإن قيل) حديث ابن حبان المتقدم أصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم، ونادى منادي رسول الله (ص): صلوا في رحالكم (أجيب) بأن النداء في الحديث كان للمطر كما مر، والكلام في الوحل بلا مطر. اه‍. (وقوله: معه) أي الوحل. (وقوله: التلوث) أي لاسفل الرجل. قال ش ق: وكالرجل: الثوب، لا النعل، لان أقل شئ يلوثه. اه‍. (وقوله: بالمشي) الباء سببية متعلقة بتلوث. (وقوله: فيه) أي في الوحل. (وقوله: أو الزلق) معطوف على التلوث، أي أو لم يأمن من الزلق بالمشي فيه. (قوله: وحر شديد) معطوف على مطر أيضا. وقيده في التحفة وغيرها بكون الوقت ظهرا. والذي اعتمده الجمال الرملي - في النهاية وغيرها - عدم التقييد به، فهو عنده عذر مطلقا. (قوله: وإن وجد ظلا يمشي فيه) غاية لعد الحر عذرا. وكتب عليها سم ما نصه: أقول لا يخفى على متأمل أن هذا الكلام مما لا وجه فيه، وذلك لان من البديهي أن الحر إنما يكون عذرا إذا حصل به التأذي، فإذا وجد ظلا يمشي فيه، فإن كان ذلك الظل دافعا للتأذي بالحر فلا وجه حينئذ، لكون الحر عذرا. اه‍. (قوله: وبرد شديد) معطوف على مطر أيضا، أي وعذر الجماعة برد شديد. ولا فرق فيه بين أن يكون ليلا أو نهارا، وأن يكون مألوفا في ذلك المحل أو غير مألوف إذ المدار على ما يحصل به التأذي والمشقة. (قوله: وظلمة شديدة بالليل) أي أو وقت الصبح كما في التحفة والنهاية - وإنما كانت عذرا فيه - دون النهار - لعظم مشقتها فيه. (قوله: ومشقة مرض) من إضافة الصفة إلى الموصوف. أي والمرض الذي يشق معه الحضور مشقة تسلبه كمال الخشوع. (قوله: وإن لم تبح الجلوس في الفرض) غاية في كون مشقة المرض عذرا، أي أنها تعد عذرا، وإن كانت لا تبيح له الجلوس في صلاة الفرض. (وقوله: لا صداع يسير) بالرفع، معطوف على مشقة، وهو محترزها. وعبارة النهاية: أما الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر، لانه لا يسمى مرضا. (قوله: ومدافعة حدث) بالرفع، معطوف أيضا على مطر، أي وعذر الجماعة مدافعة حدث - أي غلبته -. ومحل كون المدافعة عذرا في ترك الجماعة: إن لم يتمكن من تفريغ نفسه والتطهر قبل فوت الجماعة، فإن تمكن من ذلك ولم يفعله لا تكون عذرا في ذلك. ومثلها: مدافعة كل خارج من الجوف، كغلبة القئ، ودم القروح، وكل مشوش للخشوع. (قوله: من بول إلخ) بيان للحدث. فالمراد بالحدث هنا: ما يخرج من أحد السبيلين. (قوله: فتكره الصلاة معها) أي المدافعة، أي وإذا كرهت الصلاة فالجماعة أولى. والاصل في ذلك خبر مسلم: لا صلاة بحضرة طعام، ولا صلاة وهو يدافعه الاخبثان أي البول والغائط. (قوله: وإن خاف إلخ) غاية في الكراهة، أي تكره الصلاة مع المدافعة المذكورة. وإن خاف أن الجماعة تفوته لو فرغ نفسه من الحدث، فالسنة في حقه أن يتخلف عن الجماعة ليفرغ نفسه. (قوله: وحدوثها) أي المدافعة. (وقوله: في الفرض) أي في أثناء الصلاة المفروضة. (وقوله: لا يجوز قطعه) أي الفرض، أي فيحرم عليه ذلك. نعم، إن اشتد الحال وخاف ضررا يبيح التيمم بكتمه إلى تمام الصلاة فله القطع، بل قد يجب. (قوله: ومحل ما ذكر في هذه) انظر على أي شئ، ما واقعة ؟ وعلى أي شئ يعود اسم الاشارة ؟ والذي يظهر من سياقه أن ما واقعة على كون مدافعة الحدث عذرا في ترك الجماعة، واسم الاشارة يعود على المدافعة المذكورة، أو على البول والغائط والريح. والتقدير: ومحل كون مدافعة الحدث من البول والغائط والريح عذرا في هذه، أي المدافعة المذكورة، أو البول، والغائط والريح. وفي ذلك ركاكة لا تخفى. ولو جعلت ما واقعة على العذر من حيث هو، واسم الاشارة يعود على المدافعة صح ذلك، والتقدير: ومحل العذر، أي كونه يعذر في هذه المدافعة: أي بها. لصح ذلك، إلا أنه بعيد. فكان الاولى والاخصر أن يحذف قوله في هذه وعبارة الفتح مع الاصل وإنما يكون ذلك - أي الحقن وما عطف عليه - عذرا بسعة أي مع سعة وقت لتفريغ نفسه من ذلك وللصلاة كاملة

[ 59 ]

فيه، وإلا لزمته الصلاة معه، ولا كراهة إلا أن يخشى من كتمه مبيح تيمم. ويجري التقييد بسعة في أكثر الاعذار. ويسن أن يتخلف عن الجماعة ليفرغ نفسه، بل يكره له الصلاة مع الحقن، وإن خاف فوت الجماعة لو فرغ، كما صرح به جمع. وما اقتضاه صنيعه أن الجماعة عند ضيق الوقت لا تسقط، اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما، لانتفاء كراهة الصلاة معه. اه‍. بتصرف. (قوله: إن اتسع الوقت) أي وقت الصلاة. (قوله: بحيث إلخ) تصوير لاتساع الوقت. (وقوله: لو فرغ نفسه) أي من البول أو الغائط أو الريح. (قوله: وإلا حرم التأخير لذلك) أي وإن لم يتسع الوقت حرم تأخير الصلاة لذلك، أي لتفريغ نفسه، بل يصلي معها من غير كراهة، محافظة على حرمة الوقت. لكن محل الحرمة ما لم يخش من كتم ذلك ضررا، وإلا فرغ نفسه، وإن خشي خروج الوقت. (قوله: وفقد لباس لائق به) معطوف أيضا على مطر، أي وعذر الجماعة فقد لباس يليق به، بأن لم يجد لباسا أصلا، أو وجده لكنه غير لائق به لبسه. وإنما كان ذلك عذرا في ترك الجماعة لان عليه مشقة في خروجه كذلك. قال الكردي في الامداد والنهاية: يظهر أن العجز عن مركوب لمن لا يليق به المشي كالعجز عن لباس لائق: اه‍. زاد في العباب: ويؤخذ من ذلك أنه لو كان بمحل الجماعة من لا تليق به مجالسته أو من يتأذى بحضوره كان عذرا، وهو محتمل. ويحتمل أنه غير عذر هنا مطلقا. ويفرق بينه وبين فقد اللباس اللائق. بأن فقده يخل بالمروءة. اه‍. وهذا الاحتمال أوجه من الاول. اه‍. (قوله: وإن وجد ساتر العورة) غاية في كون فقد اللائق عذرا، أي يعذر بفقد اللائق به، وإن وجد ما يستر عورته، أي أو وجد ما يستر بدنه إلا رأسه مثلا، لان عليه مشقة في خروجه كذلك، كما مر. (قوله: وسير رفقة) معطوف على مطر أيضا، أي وعذر الجماعة سير رفقة، أي يريد السفر معهم ويخاف من التخلف للجماعة على نفسه أو ماله أو يستوحش فقط للمشقة في التخلف عنهم. (قوله: لمريد سفر مباح) أي وإن قصر، ولو سفر نزهة، لا السفر لمجرد رؤية البلاد. (قوله: وإن أمن) أي في السفر وحده على نفسه أو ماله، وهو غاية لكون سير الرفقة عذرا في ترك الجماعة. (وقوله: لمشقة استيحاشه) أي فيما إذا أمن. والاضافة للبيان، أي لمشقة وهي استيحاشه. أي حصول وحشة تحصل له بسبب سيره وحده. (قوله: وخوف ظالم) بالرفع، معطوف على مطر أيضا، أي وعذر الجماعة خوف ظالم، أي خوف منه. فالاضافة على معنى من، وذكر ظالم مثال، لا قيد، إذ الخوف على خبزه في التنور، وطبيخه في القدر على النار، ولا متعهد يخلفه عذر. قال الزركشي: هذا إذا لم يقصد بذلك إسقاط الجماعة، وإلا فليس بعذر. (وقوله: على معصوم) خرج به الحربي، والمرتدي، والزاني المحصن، وتارك الصلاة أموالهم، فالخوف عليهم ليس عذرا. (وقوله: من عرض) بيان للمعصوم، وهو بكسر العين، محل المدح والذم، ويصور الخوف عليه من ظالم، بما إذا كان يقذفه لو خرج للجماعة. (قوله: وخوف من حبس إلخ) معطوف على مطر أيضا. أي وعذر الجماعة خوف من حبس إلخ. (وقوله: غريم معسر) بتنوين غريم وجعل ما بعده وصفا له إن أريد منه المدين. وبترك تنوينه مضافا إلى ما بعده إن أريد منه الدائن. وعلى الاول يكون إضافة حبس إليه من إضافة المصدر لمفعوله. والمعنى عليه: وخوف من أن يحبس الدائن غريمه المعسر. وعلى الثاني تكون الاضافة من إضافة المصدر لفاعله، والمعنى عليه: وخوف من أن يحبس الغريم مدينه المعسر. ويوجد في بعض نسخ الخط: وخوف من حبس غريم لمعسر، بزيادة لام الجر. وهو يؤيد الثاني. ولو قال وخوف من حبس غريم له وهو معسر. لكان أنسب بما قبله وأولى. إذ عبارته فيها إظهار في مقام الاضمار، وذلك لان فاعل الخوف مقدر، أي وخوفه، أي مريد الجماعة، من حبس غريم. فالمناسب لذلك أن يأتي بالضمير، بأن يقول بعده له، ثم يأتي بالقيد وهو قوله وهو معسر. وعبارة المنهج مع شرحه: وخوف من ملازمة أو حبس غريم له، وبه - أي بالخائف - إعسار يعسر عليه إثباته. اه‍. وهي ظاهرة. (قوله: وحضور مريض) بالرفع معطوف أيضا على مطر، أي وعذر الجماعة حضور مريض، ولا فرق فيه بين أن يكون فاسقا أو

[ 60 ]

لا، فيسن القيام بخدمته من حيث المرض، لا من حيث الفسق. كما قيل في إيناس الضيف أنه يسن من حيث كونه ضيفا، لا من حيث كونه فاسقا. (قوله: وإن لم يكن نحو قريب) أي أن حضور المريض الذي لا متعهد له عذر مطلقا سواء كان نحو قريب كزوج، وصديق، وصهر، ومملوك، وأستاذ، وعتق، ومعتق أم لا كأجنبي. (قوله: بلا متعهد له) الجار، والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمريض، ولو قدمه على الغاية لكان أولى. إذ الغاية إنما هي بالنسبة له. (قوله: أو كان إلخ) المناسب أو وكان، بزيادة واو العطف - كما صرح بها في المنهج - أي أو بمتعهد وكان نحو قريب محتضرا أو لم يكن محتضرا ولكن يأنس المريض بحضوره. (والحاصل) أن هذا المريض إذا لم يكن له متعهد يطعمه ويسقيه ويقوم بما يحتاجه فحضور الشخص عنده عذر في ترك الجماعة مطلقا، سواء كان نحو قريب أم لا. وإذا كان له متعهد: فإن كان المريض نحو قريب محتضرا أو يأنس به يكون عذرا أيضا، وإن لم يكن كذلك بأن كان غير نحو قريب، أو كان ولم يكن محتضرا ولا يأنس بالحاضر فلا يكون عذرا. (قوله: لكن يأنس) أي نحو القريب غير المحتضر. (وقوله به) أي بالحاضر. (قوله: وغلبة نعاس) بالرفع معطوف أيضا على مطر، أي وعذر الجماعة غلبة نعاس، ومثلها بالاولى غلبة النوم، والمراد بها أن يعجز عن دفع ما ذكر من النعاس والنوم من الصلاة. وخرج بالغلبة مجرد النعاس والسنة - بكسر السين - وهما ما يتقدم النوم من الفتور، فليسا بعذر. (وقوله: عند انتظاره للجماعة) الظرف متعلق بمحذوف صفة لغلبة، أي غلبة حاصلة له عند انتظاره للجماعة. قال في فتح الجواد: وعند عزمه على الذهاب إليها. اه‍. (قوله: وشدة إلخ) بالرفع معطوف على مطر أيضا، أي وعذر الجماعة شدة جوع وعطش، لكن بحضرة مأكول أو مشروب يشتاقه وقد اتسع الوقت، للخبر الصحيح: لا صلاة بحضرة طعام. وقريب الحضور كالحاضر، فيبدأ بالاكل أو الشرب، فيأكل لقما يكسر بها شدة الجوع، إلا أن يكون الطعام مما يتناول مرة واحدة، كسويق ولبن. (قوله: وعمى) بالرفع معطوف على مطر أيضا، أي وعذر الجماعة عمى. (قوله: حيث إلخ) قيد في كون العمى عذرا، أي محل كونه عذرا إذا لم يجد قائدا بأجرة المثل، أي وكان قادرا عليها، وهي فاضلة عما يعتبر في الفطرة. فإن وجد قائدا بما ذكر فلا يكون العمى عذرا في ترك الجماعة. (قوله: وإن أحسن) أي الاعمى، وهي غاية في كون العمى عذرا. أي أنه يعد عذرا وإن كان يحسن المشي بالعصا، وذلك لانه قد تحدث له وهدة يقع فيها فيتضرر بذلك. (تتمة) بقي من الاعذار أكل منتن كبصل، أو ثوم، أو كراث، وكذا فجل في حق من يتجشأ منه، نئ أو مطبوخ بقي له ريح يؤذي، لما صح من قوله (ص): من أكل بصلا أو ثوما أو كراثا فلا يقربن المساجد وليقعد في بيته، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم قال جابر - رضي الله عنه - ما أراه يعني إلا نيئه. زاد الطبراني: أو فجلا. ومثل ذلك كل من ببدنه أو ثوبه ريح خبيث. وإن عذر كذي بخر، أو صنان مستحكم، وحرفة خبيثة. وإنما يكون ما ذكر عذرا إذا لم يسهل إزالته بغسل أو معالجة، فإن سهلت لم يكن عذرا. وزلزلة، وسمن مفرط، واشتغال بتجهيز ميت، وحمله، ودفنه، ووجود من يؤذيه في طريقه - ولو بنحو شتم - ما لم يمكن دفعه من غير مشقة، وتطويل الامام على المشروع، وتركه سنة مقصودة، وكونه سريع القراءة والمأموم بطيئها، أو من يكره الاقتداء به، وكونه يخشى الافتتان به لفرط جماله، وهو أمرد، أو يخشى هو افتتانا ممن هو كذلك. وقد نظم ابن رسلان معظم الاعذار في قوله: وعذر تركها وجمعة مطر * * ووحل وشدة البرد وحر ومرض وعطش وجوع * * قد ظهرا أو غلب الهجوع مع اتساع وقتها وعري * * وأكل ذي الريح الكريه ني

[ 61 ]

(قوله تنبيه) أي في بيان حكم هذه الاعذار. (قوله: إن هذه الاعذار) أي ونحوها مما مر. (قوله: تمنع إلخ) محل كونها تمنع ما ذكر إذا لم يتأت له إقامة الجماعة في بيته، وإلا فلا يسقط عنه طلبها، لكراهة انفراده، وإن حصل بغيره شعارها. اه‍. نهاية. (وقوله: كراهة تركها) أي الجماعة. (وقوله: حيث سنت) أي حيث قلنا إن الجماعة سنة. (قوله: وإثمه) بالنصب، معطوف على كراهة، أي وتمنع إثم الترك. (وقوله: حيث وجبت) أي حيث قلنا إن الجماعة واجبة. (والحاصل) الاعذار المذكورة تسقط الحرمة على القول بالفرضية، والكراهة على القول بالسنية. (قوله: ولا تحصل فضيلة الجماعة) أي لمن تركها بعذر. (قوله: واختار غيره) أي غير النووي. (قوله: ما عليه إلخ) مفعول اختار. (وقوله: من حصولها) أي فضيلة الجماعة، وهو بيان لما. (وقوله: إن قصدها لولا العذر) قيد في حصول الفضيلة له، أي أنها تحصل له إن قصد فعلها لولا العذر موجود. وظاهره أنها تحصل له الفضيلة كفضيلة من صلى جماعة. وفي البجيرمي أن الذي يحصل له دون فضل من يفعلها. وفيه أيضا الجمع بين القولين. وعبارته: وقيل بل يحصل له فضل الجماعة، لكن دون فضل من فعلها، أي حيث قصد فعلها لولا العذر. وقرر شيخنا زي اعتماده، ونقل شيخنا م ر أن بعضهم حمل القول بعدم حصول فضلها على من تعاطى سبب العذر، كأكل البصل، ووضع الخبز في التنور. والقول بحصول فضلها على غيره كالمطر والمرض. قال: وهو جمع لا بأس به. اه‍. (والحاصل) أن من رخص له ترك الجماعة حصلت له فضيلتها، وحينئذ يقال: لنا منفرد يحصل له فضيلة الجماعة. وحينئذ تقبل شهادة من داوم على تركها لعذر، وإذا أمر الامام الناس بالجماعة لا تجب على من ذكر لقيام العذر. اه‍ ح ل. اه‍. (قوله: قال في المجموع: يستحب إلخ) الاولى ذكره في باب الجمعة، وإن كان له مناسبة هنا من جهة أن أعذار الجمعة كأعذار الجماعة. (وقوله: لخبر أبي داود وغيره) قال في الزواجر: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم: من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار وفي رواية للبيهقي: بدرهم، أو نصف درهم، أو صاع، أو مد. وفي أخرى لابن ماجه مرسله: أو صاع حنطة، أو نصف صاع. اه‍. والله سبحانه تعالى أعلم.

[ 62 ]

(فصل في صلاة الجمعة) أي في بيان شرائط وجوبها، وشرائط صحتها، وبيان آدبها. وهي من خصائص هذه الامة، وليست ظهرا مقصورا وإن كان وقتها وقته وتتدارك به، بل صلاة مستقلة لانه لا يغني عنها، ولقول سيدنا عمر - رضي الله عنه -: الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم (ص) - وقد خاب من افترى. رواه الامام أحمد وغيره. وميم الجمعة: تضم، وتسكن، وتفتح، وحكي كسرها. وجمعها: جمعات. وهذه اللغات في اسم اليوم. وأما اسم الاسبوع، فهو بالسكون، لا غير. (قوله: هي فرض عين) أي لقول الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) *. وجه الدلالة أن المراد بالذكر فيها الصلاة مجازا، وقيل: الخطبة، فأمر بالسعي. وظاهره الوجوب، وإذا وجب السعي وجب ما يسعى إليه. ونهى عن البيع، وهو مباح، ولا ينهى عن فعل المباح إلا لفعل واجب، ولقول النبي (ص): رواح الجمعة واجب على كل محتلم. وقوله عليه السلام: الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض. (قوله: عند اجتماع شرائطها) أي شرائط وجوبها، من الذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان. وشرائط صحتها، من كونها تقام في البلد، ووقوعها بأربعين، وغير ذلك مما يأتي. (قوله: وفرضت بمكة) أي ليلة الاسراء، وعورض هذا بقول الحافظ ابن حجر: دلت الاحاديث الصحيحة على أن الجمعة فرضت بالمدينة. ويمكن حمل قوله فرضت بالمدينة على معنى أنه استقدر وجوبها عليهم فيها، لزوال العذر الذي كان قائما بهم. (والحاصل) أنها طلب فعلها بمكة لكن لم يوجد فيها شرائط الوجوب. ووجدت في المدينة، فكأنهم لم يخاطبوا بها إلا فيها. أفاده ع ش. (قوله: ولم تقم) أي الجمعة. (وقوله: بها) أي بمكة. (وقوله: لفقد العدد) أي استكمال العدد الذي هو شرط في وجوبها. (قوله: أو لان شعارها الاظهار) فيه نظر، لان هذا ألا يسقط الجمعة ا. ه‍. بجيرمي. (قوله: وكان إلخ) الجملة حالية، وهي من تتمة التعليل. (وقوله: مستخفيا فيها) أي في مكة. (قوله: بالمدينة) أي بجهة المدينة، أو أن المدينة تطلق على ما قرب منها، وإلا نافى في قوله بقرية على ميل من المدينة. (قوله: بقرية) بدل من قوله بالمدينة،. ويقال لهذه القرية نقيع الخضمات لبني بياضة بطن من الانصار، وكانوا

[ 63 ]

أربعين. وعبارة الدميري: وأول جمعة صليت بالمدينة جمعة أقامها أسعد بن زرارة في بني بياضة بنقيع الخضمات، وكان النبي (ص) أنفذ مصعب بن عمير أميرا على المدينة، وأمره أن يقيم الجمعة، فنزل على أسعد، وكان (ص) جعله من النقباء الاثني عشر، فأخبره بأمر الجمعة، وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه. وفي البخاري عن ابن عباس: أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد النبي (ص) جمعة بجواثي قرية من قرى البحرين. اه‍. وفي القسطلاني على البخاري في باب الجمعة في القرى والمدن ما نصه: جمعت - بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة - في الاسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله (ص) - أي في المدينة - في مسجد عبد القيس بجواثي - بضم الجيم، وتخفيف الواو، وقد تهمز، ثم مثلثه خفيفة مفتوحة مقصورة. اه‍. (قوله: وصلاتها أفضل الصلوات) ويومها أيضا أفضل أيام الاسبوع، وخير يوم طلعت فيه الشمس، يعتق الله فيه ستمائة ألف عتيق من النار. من مات فيه كتب له أجر شهيد، ووقي فتنة النار. قال سيدنا القطب الغوث سيدي الحبيب عبد الله بن علوي الحداد: (واعلم) أسعدك الله أن يوم الجمعة سيد الايام، وله شرف عند الله العظيم، وفيه خلق الله آدم عليه السلام، وفيه يقيم الساعة، وفيه يأذن لاهل الجنة في زيارته، والملائكة تسمي يوم الجمعة يوم المزيد لكثرة ما يفتح الله فيه من أبواب الرحمة، ويفيض من الفضل، ويبسط من الخير. وفي هذا اليوم ساعة شريفة يستجاب فيها الدعاء مطلقا، وهي مبهمة في جميع اليوم، كما قاله الامام الغزالي - رحمه الله - وغيره. فعليك في هذا اليوم بملازمة الاعمال الصالحة، والوظائف الدينية، ولا تجعل لك شغلا بغيرها إلا أن يكون شغلا ضروريا لا بد منه، فإن هذا اليوم للآخرة خصوصا، وكفى بشغل بقية الايام بأمر الدنيا غبنا وإضاعة. وكان ينبغي للمؤمن أن يجعل جميع أيامه ولياليه مستغرقة بالعمل لآخرته، فإذا لم يتيسر ذلك وعوقته عنه أشغال دنياه فلا أقل له من التفرغ في هذا اليوم لامور الآخرة. اه‍. (قوله: وسميت بذلك) أي سميت الصلاة بذلك، أي الجمعة. (قوله: أو لان آدم اجتمع فيها) أي الجمعة، أي يومها. وهذه العلة لتسمية اليوم بالجمعة، لا لتسمية الصلاة بذلك، مع أن الكلام فيها، إلا أن يقال أن المراد من الصلاة - بالنسبة لهذه العلة - اليوم، على سبيل المجاز المرسل من إطلاق الحال وإرادة المحل. (قوله: من مزدلفة) أي فيها، فمن بمعنى في، والجار والمجرور بدل من قوله فيها. وفي البجيرمي: في عرفة بدل من مزدلفة. (قوله: فلذلك سميت جمعا) أي فلسكون آدم اجتمع مع حواء في مزدلفة سميت مزدلفة جمعا بفتح فسكون. (قوله: تجب جمعة) أي عينا، وقيل كفاية. (قوله: على كل مكلف) ومثله - كما تقدم أول باب الصلاة - متعد بمزيل عقله، فتلزمه الجمعة كغيرها، فيقضيها ظهرا، وإن كان غير مكلف. (وقوله: أي بالغ عاقل) بيان للمكلف. وخرج بهما الصبي، والمجنون، فلا تجب عليهما كغيرها من الصلوات. (قوله: ذكر) أي واضح الذكورة، بدليل المحترز. (وقوله: حر) أي كامل الحرية، بدليل المحترز أيضا. (قوله: فلا تلزم على أنثى وخنثى) على زائدة، وما بعدها مفعول الفعل، أو أصلية، ويضمن تلزم معنى فعل يتعدى بعلى: كتجب. ثم رأيت في بعض نسخ الخط: فلا تجب على أنثى وخنثى، وهو أولى. (قوله: ومن به رق) أي ولا تلزم من به رق، وإن قل، ولا فرق فيه بين أن يكون بينه وبين سيده مهايأة ووقعت الجمعة في نوبته أو لا، لكن يستحب لمالك القن أن يأذن له في حضورها. (قوله: وإن كوتب) أي لا تلزم من به رق وإن كان مكاتبا لانه قن ما بقي عليه درهم. والغاية للرد على من أوجبها عليه. (قوله: لنقصه) أي من ذكر من الانثى والخنثى، ومن به رق، فهو تعليل لقوله فلا تلزم المسلط على من ذكر. (قوله: متوطن) فيه أن الاستيطان من شروط الصحة، لا من شروط الوجوب الذي الكلام فيه، فكان الاولى إسقاطه، والاقتصار على المقيم، ثم يذكر قيد الاستيطان في شروط الصحة. (وقوله: بمحل الجمعة) أي محل إقامتها. (وقوله: لا يسافر إلخ) بيان لمعنى المتوطن، يعني أن المتوطن هو الذي لا يسافر صيفا ولا

[ 64 ]

شتاء من محل إقامتها إلا لحاجة. وسيذكر الشارح حكم من له مسكنان ببلدين. (وقوله: كتجارة وزيارة) تمثيل للحاجة. (قوله: غير معذور) صفة لمكلف. (قوله: بنحو مرض) متعلق بمعذور. (قوله: من الاعذار إلخ) بيان لنحو مرض. (وقوله: التي مرت في الجماعة) أي مما يمكن مجيئه في الجمعة، فإن الريح بالليل لا يمكن أن يكون عذرا هنا. والجوع فإنه يبعد أن يكون عذرا في تركها. وتوقف السبكي في قياس الجمعة على غيرها وقال: كيف يلحق فرض العين بما هو سنة أو فرض كفاية ؟ بل ينبغي أن كل ما ساوت مشقته مشقة المرض يكون عذرا قياسا على المرض المنصوص، وما لا فلا، إلا بدليل. لكن قال ابن عباس: الجمعة كالجماعة، وهو مستند الاصحاب. (قوله: فلا تلزم إلخ) مفرع على مفهوم قوله غير معذور. (وقوله: على مريض) أي ونحوه من كل معذور، ويقال فيه ما تقدم. (قوله: إن لم يحضر بعد الزوال) أي بأن لم يحضر أصلا محل إقامتها، أو حصر قبل الزوال، فله الانصراف من محل إقامتها، فإن حضر بعد الزوال يحرم انصرافه، لان المانع في حقه مشقة الحضور، وبه زال المانع، إلا أن يريد ضرره بانتظاره لفعلها ولم تقم الصلاة، فيجوز انصرافه حينئذ. (قوله: وتنعقد بمعذور) يعني إذا تكلف الحضور وصلى الجمعة تنعقد به، لكن إن استكمل شروط الانعقاد. (واعلم) أن الناس في الجمعة ستة أقسام: أولها: من تجب عليه، وتنعقد به، وتصح منه، وهو من توفرت فيه الشروط كلها. وثانيها: من تجب عليه، ولا تنعقد به، وتصح منه، وهو المقيم غير المستوطن، ومن سمع نداء الجمعة، وهو ليس بمحلها. وثالثها: من تجب عليه، ولا تنعقد به، ولا تصح منه، وهو المرتد، فتجب عليه، بمعنى أننا نقول له أسلم وصل الجمعة، وإلا فلا تصح منه، ولا تنعقد به، وهو باق بحاله. ورابعها: من لا تجب عليه، ولا تنعقد به، ولا تصح منه، وهو الكافر الاصلي، وغير المميز من صغير، ومجنون ومغمى عليه، وسكران عند عدم التعدي. وخامسها: من لا تجب عليه، ولا تنعقد به وتصح منه، وهو الصبي المميز، والرقيق، وغير الذكر من نساء وخناثى، والمسافر. وسادسها: من لا تجب عليه وتنعقد به، وتصح منه، وهو المريض ونحوه ممن له عذر من الاعذار المرخصة في ترك الجماعة. (قوله: وتجب على مقيم بمحل إقامتها) أي ناو الاقامة فيه مدة مطلقة أو أربعة أيام بلياليها، ولو أقيمت الجمعة قبل تمام الاربعة أيام، أو ماكث أربعة أيام بلياليها وأقيمت الجمعة بعدها ولو من غير نية الاقامة، فقوله بعد: كمن أقام بمحل جمعة إلخ: تمثيل للمقيم بالنسبة للثاني. (قوله: وهو على عزم العود إلى وطنه) خرج به ما لو عزم عدم العود إلى وطنه، فإنه يصير متوطنا. (قوله: لو بعد مدة طويلة) أي ولو كان عزمه بعد مدة طويلة، كعشرين سنة أو أكثر، فإنه يكون مقيما، ولا يكون متوطنا بذلك. (قوله: وعلى مقيم إلخ) أي وتجب على مقيم إلخ لخبر أبي داود: الجمعة على من سمع النداء. (وقوله: متوطن) الاولى حذفه، لان التوطن ليس بشرط، فمتى أقام بمحل يسمع منه نداء الجمعة وجبت عليه،

[ 65 ]

سواء توطن فيه أم لا. وعبارة التحفة: مقيم بمحلها، أو بما يسمع منه النداء. اه‍. ومثلها النهاية. ويمكن أن يقال إنه قيد به لاجل الاستدراك الآتي. (قوله: يسمع منه) أي من المحل الذي أقام فيه. والمراد من طرفه الذي يليه. (وقوله: النداء) أي الاذان الكائن من الواقف بطرف بلد الجمعة، والمعتبر سماع واحد فأكثر من ذلك المحل بالقوة، مع اعتدال الصوت، واستواء المكان، وعدم المانع من هواء أو شجر، مثلا. (قوله: ولا يبلغ أهله) أي ذلك المحل الذي يسمع منه النداء، فإن بلغوا ذلك لا يجب عليهم الذهاب إلى محل النداء، بل يحرم عليهم، فيلزمهم إقامتها في محلهم، لئلا يتعطل عن الجمعة. (قوله: فتلزمهما) أي المقيم غير المتوطن بمحل الجمعة، والمقيم المتوطن في محل يسمع منه النداء. ولا حاجة إلى هذا التفريع لانه عين قوله وتجب على مقيم إلخ. تأمل. (قوله: ولكن لا تنعقد الجمعة) استدراك على المتن أو على قوله فتلزمهما. (قوله: أي بمقيم إلخ) تفسير لضمير به. (قوله: ولا بمتوطن) أي ولا تنعقد بمتوطن في محل خارج محل إقامة الجمعة، وهذا هو الحامل له على التقييد فيما سبق بمتوطن، كما مر التنبيه عليه. (قوله: وإن وجبت) أي الجمعة. وهذه الغاية تورث ركاكة في العبارة، إذ قوله ولكن لا تنعقد: استدراك من وجوبها عليهما. فيكون التقدير: تجب الجمعة على المقيم المتوطن بمحل يسمع منه النداء، ولكن لا تنعقد به، وإن وجبت عليه بسماعه النداء، فالاولى إسقاطها. فتنبه. (وقوله: منها) متعلق بمحذوف حال من النداء، أي حال كون النداء كائنا من بلد الاقامة. (قوله: ولا بمن به رق) معطوف على الجار والمجرور قبله، أي ولا تنعقد الجمعة بمن به رق، ومقتضى العطف أن ما ذكر داخل في حيز الاستدراك من وجوبها على المقيم والمتوطن السابقين، وهو لا يصح، كما هو ظاهر. ولو حذف أداة الاستدراك فيما مر أو قال هنا ومن به رق كذلك لكان أولى. فتأمل: (وقوله: وصبا) معطوف على رق، أي ولا تنعقد بمن به صبا، ومثل الرقيق والصبي، الانثى والخنثى، والمسافر، والمقيم بمحل لا يسمع منه النداء، فلا تنعقد بهم الجمعة، وتصح منهم. (قوله: بل تصح) أي الجمعة. والاضراب انتقالي. (وقوله: منهم) الصواب منهما، أي ممن به رق ومن به صبا، ولا يقال أن ضمير الجمع عائد على جميع من مر من المقيم، والمتوطن، ومن به رق، ومن به صبا لان الاولين قد صرح بوجوبها عليهما، ويعلم منه صحتها منهما. (قوله: لكن ينبغي إلخ) أي يجب وهو استدراك صوري من كونها تصح منهم. (وقوله: تأخر إحرامهم) ضمير الجمع هنا في محله، لانه عائد على المقيم، والمتوطن، ومن به رق ومن به صبا. (قوله: على ما اشترطه إلخ) أي أن انبغاء تأخر إحرامهم مبني على ما اشترطه جمع محققون، كابن الرفعة، والاسنوي، وشيخ الاسلام، من تقدم إحرام من تنعقد به على من لا تنعقد به. (قوله: وإن خالف فيه) أي فيما اشترطه بعضهم كثيرون، وهذا هو الراجح عند ابن حجر والخطيب والرملي. وعبارة الفتح: قال جمع: ولا بد من تقدم إحرام من تنعقد بهم لتصح لغيرهم، لانهم تبع، ورده آخرون، وأطالوا فيه. وهو الاوجه: اه‍. وعبارة المغنى: وهل يشترط تقدم إحرام من تنعقد بهم الجمعة لتصح لغيرهم لانه تبع أو لا ؟ اشترط البغوي ذلك. ونقله في الكفاية عن القاضي. والراجح صحة تقدم إحرامهم، كما اقتضاه إطلاق كلام الاصحاب، ورجحه جماعة من المتأخرين كالبلقيني والزركشي، بل صوبه وأفتى به شيخي. اه‍. وعبارة النهاية: ولا يشترط لصحتها تقدم إحرام أربعين ممن تنعقد بهم على إحرام الناقصين، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، واقتضاه كلام الاصحاب، ورجحه جماعة من المتأخرين كالبلقيني والزركشي، بل صوبه. اه‍. (قوله: وشرط لصحة الجمعة) أي انعقادها. والشروط المارة إنما هي للوجوب. (قوله: مع شروط غيرها) أي غير الجمعة من بقية الصلوات، كالطهارة، وستر العورة. واستقبال القبلة، ودخول الوقت. (قوله: ستة) نائب فاعل شرط، وفيه أن المعدود خمسة، إلا أن يكون عد قوله: ومن شروطها أن لا يسبقها بتحرم إلخ. سادسا، لكن كان ينبغي له

[ 66 ]

أن يقول: وسادسها أن إلخ. وفي نسخة: خمسة، وهي موافقة للعد، لا الواقع. (قوله: أحدها) أي الشروط الستة. (وقوله: وقوعها جماعة) أي لانها لم تقع في عصر النبي (ص) والخلفاء الراشدين إلا كذلك. (قوله: بنية إمامة) متعلق بمحذوف صفة لجماعة. أي جماعة مصحوبة بنية الامام الامامة، لان نية الامامة في الجمعة واجبة على الامام لتحصل له الجماعة، فإن لم ينوها بطلت جمعته، وكذا تبطل جمعة المأمومين خلفه إن لم يكن الامام زائدا على الاربعين، لعدم تمام العدد ببطلان صلاته، فإن كان زائدا على الاربعين لم تبطل جمعتهم، كما لو بان أنه لم ينو أصلا، وأنه محدث، كما مر التنبيه عليه في مبحث القدوة. (قوله: واقتداء) أي ونية اقتداء من المأمومين. (قوله: مقترنة) بالنصب، حال من نية: أي حال كون النية مقترنة بالتحرم. وبالجر، صفة لها. (قوله: في الركعة الاولى) أي للمأموم، والجار والمجرور متعلق بوقوعها. (قوله: فلا تصح إلخ) مفهوم قوله جماعة. (وقوله: بالعدد) أي مع استكمال العدد. (وقوله: فرادى) حال من العدد. أي فلا تصح الجمعة بالعدد، أي بأربعين حال كونهم منفردين، أي لم يصلو جماعة. (قوله: ولا تشترط الجماعة في الركعة الثانية) تصريح بمفهوم قوله في الركعة الاولى، وهذا بخلاف العدد، فإنه شرط في جميعها كما سيذكره. (قوله: فلو صلى الامام) مفرع على عدم اشتراط الجماعة في الركعة الثانية. (وقوله: بالاربعين) أفاد أن الامام زائد على الاربعين، وهو متعين بالنسبة لما إذا أحدث، لما سيذكره أنه يشترط بقاء العدد إلى السلام. (قوله: ثم أحدث) أي الامام. (قوله: بل فارقوه) أي ولو بلا عذر. (قوله: أجزأتهم الجمعة) جواب لو. (قوله: نعم، يشترط إلخ) استدراك من قوله ولا تشترط الجماعة في الركعة الثانية، أو من قوله أجزأتهم الجمعة. (وقوله: بقاء العدد) المراد بقاؤه مستكملا لشروط الصحة، بحيث لا تبطل صلاة واحد من الاربعين بحدث أو غيره. (وقوله: حتى لو أحدث إلخ) تفريع على أنه يشترط بقاء العدد. (قوله: قبل سلامه) أي قبل سلام نفسه. وانظر: هل هذا القيد له مفهوم أولا ؟ والظاهر الثاني، لانه إذا أحدث بعد سلامه وقبل سلام من عداه، صدق عليه أن العدد لم يبق. ثم رأيت هذا القيد ساقطا من عبارة الفتح، وهو الاولى، ونصها: ومتى أحدث منهم واحد لم تصح جمعة الباقين. وبه يلغز فيقال: جمع بطلت صلاتهم بحدث غيرهم، مع أنه ليس بإمام لهم، ولا مؤتم بأحدهم. اه‍. (قوله: بطلت جمعة الكل) أي وإن كان المحدث هو الآخر، وإن ذهب الاولون إلى أماكنهم، فيلزمهم إعادتها جمعة إن أمكن، وإلا فظهرا، - كما في البجيرمي - ولا يشكل على ذلك أنه لو بان الاربعون أو بعضهم محدثين صحت جمعة الامام، والمتطهر منهم تبعا، لانه هناك لم يتبين إلا بعد السلام، فوجدت صورة العدد إلى السلام، فلم يؤثر تبين الحدث الرافع له، بخلاف ما هنا، فإن خروج أحد الاربعين قبل سلام الكل بطل صورة العدد قبل السلام، فاستحال القول بالصحة هنا. (قوله: ولو أدرك المسبوق ركوع الثانية) أي ركوع الامام في الركعة الثانية. (قوله: واستمر معه إلى أن سلم) أي واستمر المأموم مع الامام إلى أن سلم، فلو فارقه أو بطلت صلاة الامام لم يدرك الجمعة. وهذا معتمد ابن حجر تبعا لظاهر تعبير الشيخين. والذي اعتمده الجمال الرملي والخطيب وسم وغيرهم: أنه لا يشترط استمراره معه إلى السلام، بل متى أدرك ركوع الامام أدرك الجمعة، ولو نوى المفارقة وبطلت صلاة الامام. (قوله: أتى) أي المأموم، وهو جواب لو. (وقوله: جهرا) منصوب بإسقاط الخافض، أي بالجهر في قراءتها، أو على الحالية من فاعل أتى بتأويله باسم الفاعل، أي حال كونه جاهرا في قراءته. وبه يلغز ويقال: لنا منفرد يصلي بعد الزوال الصلاة المفروضة يجهر فيها. (قوله: وتمت جمعته) أي للخبر الصحيح: من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى. وفي رواية صحيحة: من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة. قال في التحفة:

[ 67 ]

وتحصل الجمعة أيضا بإدراك ركعة أولى معه، وإن فارقه بعدها، لما مر أن الجماعة لا تجب إلا في الركعة الاولى، وبإدراك ركعة معه، وإن لم تكن أولى الامام ولا ثانيته، بأن قام لزائده، ولو عامدا. اه‍. (قوله: إن صحت جمعة الامام) أي بأن كان متطهرا. وخرج به ما إذا لم تصح بأن محدثا أو ذا خبث، فلا تتم له جمعته. (قوله: وكذا من اقتدى به) أي وكذلك تتم جمعة من اقتدى بالمسبوق بعد انقطاع قدوته في ركوع ركعته الثانية إن صحت جمعته. وفي التحفة ما نصه: لو أراد آخر أن يقتدي به في ركعته الثانية ليدرك الجمعة جاز. كما في البيان عن أبي حامد، وجرى عليه الريمي وابن كبن وغيرهما. قال بعضهم: وعليه، لو أحرم خلف الثاني عند قيامه لثانيته آخر وخلف الثالث آخر وهكذا، حصلت الجمعة للكل، ونازع بعضهم أولئك بأن الذي اقتضاه كلام الشيخين وصرح به غيرهما أنه لا يجوز الاقتداء بالمسبوق المذكور. اه‍. وفيه نظر. وليس هنا فوات العدد في الثانية، وإلا لم تصح للمسبوق نفسه، بل العدد موجود حكما، لان صلاته كمن اقتدى به، وهكذا تابعة للاولى. اه‍. وفي الكردي: وخالف الجمال الرملي فأفتى بانقلابها ظهرا. قال القليوبي: إن كانوا جاهلين، وإلا لم ينعقد إحرامهم من أصله. وهو الوجه الوجيه. قال: بل أوجه منه عدم انعقاد إحرامهم مطلقا. فتأمله. اه‍. (قوله: وتجب على من جاء إلخ) أي إن كان ممن تجب عليه الجمعة، وإلا بأن كان مسافرا أو عبدا أو نحوهما ممن لا تلزمه الجمعة، فينوي ذلك استحبابا. وعليه يحمل كلام الروض والانوار، حيث عبر الاول بالاستحباب، والثاني بالوجوب. شويري. بجيرمي. وإنما وجبت نية الجمعة موافقة للامام، ولان اليأس منها لا يحصل إلا بالسلام، إذ قد يتذكر الامام ترك ركن فيتداركه بالاتيان بركعة فيدرك المسبوق الجمعة. وبذلك يلغز ويقال: نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى. وجوابه ما ذكر، فإنه نوى الجمعة ولم يصلها، وصلى ظهرا ولم ينوها. (قوله: وإن كانت إلخ) الواو للحال، وإن زائدة، أي والحال أن الظهر هي التي تلزمه. ولا يصح جعل ذلك غاية، إذ لا معنى لها. ولو صلاها ظهرا، ثم أدرك جماعة يصلون الجمعة لزمه أن يصليها معهم. كما في النهاية. (قوله: وقيل تجوز نية الظهر) هذا مقابل الاصح. (قوله: وأفتى به) أي بجواز نية الظهر. (قوله: وأطال) أي البلقيني. (وقوله: الكلام فيه) أي في الاستدلال على الجواز. قال في النهاية: ومحل الخلاف فيمن علم حال الامام. وإلا بأن رآه قائما ولم يعلم هل هو معتدل أو في القيام ؟ فينوي الجمعة جزما. (قوله: وثانيها) أي ثاني شروط صحة الجمعة. (قوله: وقوعها بأربعين) أي لخبر ابن مسعود رضي الله عنه: أنه (ص) جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا. ولقوله (ص): إذا اجتمع أربعون فعليهم الجمعة. وقوله (ص): لا جمعة إلا في أربعين. وحكمة هذا العدد أنه مقدار زمن بعث الانبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه مقدار زمن ميقات موسى عليه السلام، وأنه - كما قيل - مقدار عدد لم يجتمع مثله إلا وفيهم ولي الله تعالى. واشتراط وقوعها بهذا العدد قول من أربعة عشر قولا في العدد الذي تنعقد به الجمعة. ثانيها: أنها تصح من الواحد، رواه ابن حزم: ثالثها: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي، وأهل الظاهر. رابعها: ثلاثة مع الامام، عند أبي حنيفة، وسفيان الثوري - رضي الله عنهما -. خامسها: اثنان مع الامام عند أبي يوسف، ومحمد، والليث. سادسها: سبعة عند عكرمة. سابعها: ستة عند ربيعة. ثامنها: اثنا عشر عند ربيعة أيضا في رواية، ومالك رضي الله عنه. تاسعها: مثله غير الامام عند إسحاق، عاشرها: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. حادي عشرها: ثلاثون كذلك.

[ 68 ]

ثاني عشرها: خمسون عند أحمد، في رواية، وحكيت عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. ثالث عشرها: ثمانون، حكاه المازري. رابع عشرها: جمع كثير بغير حصر. (قوله: تنعقد بهم الجمعة) أي حال كون الاربعين ممن تنعقد بهم الجمعة، بأن كانوا مكلفين ذكورا أحرارا مستوطنين. (قوله: ولو مرضى) هذه الغاية كالتي بعدها، للرد على القائل بعدم انعقادها من المرضى، وبأنه لا بد أن يكون الامام غير الاربعين. وعبارة المنهاج مع المغني: والصحيح من قولين: انعقادها بالمرضى، لانهم كاملون، وعدم الوجوب عليهم تخفيف. والثاني لا، كالمسافرين. والصحيح، من قولين أيضا، أن الامام لا يشترط كونه فوق أربعين إذا كان بصفة الكمال، لاطلاق الحديث المتقدم اه‍. (قوله: ولو كانوا) أي الحاضرون لاقامة الجمعة. (قوله: قصر في التعلم) أي بأن أمكنه وتركه. (قوله: فينقصون) أي وإذا بطلت صلاته نقص العدد الذي هو شرط لصحة الجمعة. (قوله: أما إذا لم يقصر الامي في التعلم) أي بأن لم يجد من يعلمه أو عجز عنه لبلادته. (قوله: فتصح الجمعة به) أي لعدم بطلان صلاته حينئذ. (قوله: كما جزم به شيخنا) عبارة شرح الارشاد له ولو كانوا أربعين فقط وفيهم أمي قصر في التعلم لم تصح جمعتهم، لبطلان صلاته، فينقصون، فإن لم يقصر والامام قارئ صحت جمعتهم، كما لو كانوا أميين في درجة واحدة. اه‍. (قوله: تبعا لما جزم به شيخه في شرح الروض) عبارته مع الاصل: لا بأربعين وفيهم أمي واحد أو أكثر، لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض. فصار كاقتداء القارئ بالامي. نقله الاذرعي عن فتاوي البغوي. وظاهر أن محله، إذا قصر الامي في التعلم، وإلا فتصح الجمعة إن كان الامام قارئا. اه‍. (قوله: ثم قال) أي شيخه. وقوله في شرح المنهاج، عبارته: فلو كانوا قراء إلا واحدا منهم فإنه أمي، لم تنعقد بهم الجمعة، كما أفتى به البغوي، لان الجماعة المشروطة هنا للصحة صيرت بينهما ارتباطا كالارتباط بين صلاة الامام والمأموم، فصار كاقتداء قارئ بأمي. وبه يعلم أنه لا فرق هنا بين أن يقصر الامي في التعلم وأن لا، وأن الفرق بينهما غير قوي، لما تقرر من الارتباط المذكور على أن المقصر لا يحسب من العدد، لانه إن أمكنه التعلم قبل خروج الوقت فصلاته باطلة، وإلا فالاعادة لازمة له، ومن لزمته لا يحسب من العدد، كما مر آنفا، فلا تصح إرادته هنا. اه‍. (قوله: لا فرق هنا) أي في عدم صحة الجمعة إذا كان فيهم أمي، واحترز به عن غير الجمعة من الصلوات فإنه يفصل فيه بين أن يقصر فلا يصح منه، وبين أن لا يقصر فيصح منه. (قوله: الفرق بينهما) أي بين المقصر وغيره. (قوله: ولو نقصوا) أي نقص الاربعون، بأن نوى أحدهم المفارقة، أو بطلت صلاته بخروج حدث منه. هذا إذا كان النقص في الركعة الاولى، وأما إذا كان في الركعة الثانية فلا بد أن يكون بالبطلان، أما بنية المفارقة فلا يضر لما مر أن الجماعة شرط في الركعة الاولى فقط. (قوله: بطلت) أي الجمعة فقط إن تعذر استئناف جمعة أخرى فيجب الظهر بناء على ما صلوه منها، وبطلت الصلاة من أصلها إن أمكن استئناف جمعة أخرى. ومحل بطلانها: حيث لم يكمل العدد قبل النقص، وإلا فلا تبطل، وإن لم يكن المكمل له سمع الخطبة، وحيث كان النقص بعد الرفع من الركوع. أما لو كان قبله فإن عاد واقتدى بالامام قبل ركوعه، أو فيه وقد قرأ الفاتحة واطمأن مع الامام استمرت جمعتهم. وعبارة زي: قوله ولو نقصوا فيها إلخ: شامل لما لو نقصوا في الركعة الاولى أو الثانية، وشامل لما إذا عادوا فورا أو لا، وهو كذلك، إلا في الركعة الاولى، فإنهم إذا عادوا فورا وكان قبل الركوع وأدركوا الفاتحة واطمأنوا قبل رفع الامام رأسه عن أقل الركوع صحت جمعتهم اه‍. ملخصا. (قوله: أو في خطبة) أي أو نقصوا في خطبة، فالجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. (قوله: لم يحسب إلخ) جواب لو المقدرة. (وقوله:

[ 69 ]

ركن) أي من الخطبة. (وقوله: فعل) أي ذلك الركن. (وقوله: حال بعضهم) أي نقص الذين نقصوا. (قوله: لعدم سماعهم) أي الذين نقصوا. والسماع واجب، لقوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * إذ المراد به الخطبة، كما قاله أكثر المفسرين. (وقوله: له) أي للركن المفعول حال غيبتهم. (قوله: فإن عادوا) أي عاد الذين نقصوا إلى الخطبة، وهو تفريع على عدم حسبان الركن المفعول حال نقصهم. (وقوله: قريبا عرفا) أي أن المعتبر في القرب العرف. قال البجيرمي: وضبطه الرافعي بما بين صلاتي الجمع، وهو دون ركعتين بأخف ممكن. (قوله: جاز البناء على ما مضى) أي قبل نقصهم، ولا بد من إعادة ما فعل حال نقصهم. (قوله: وإلا وجب الاستئناف) أي وإن لم يعودوا عن قرب، بل بعد طول الفصل عرفا، وجب استئناف الخطبة، وإن حصل النقص بعذر. وضبطوا طول الفصل بما يسع ركعتين بأخف ممكن. (وقوله: كنقصهم بين الخطبة والصلاة) أي فإنهم إن لم يعودوا قريبا عرفا وجب الاستئناف. (وقوله: لانتفاء الموالاة) علة لوجوب الاستئناف. (وقوله: فيهما) أي في الصورتين، هما نقصهم في أثناء الخطبة ونقصهم بينها وبين الصلاة. (قوله: فرع إلخ) هذا الفرع مرتب على اشتراط التوطن. ولو قدمه وذكره في مبحث قوله متوطن لكان أنسب. (قوله: من له مسكنان ببلدين) أي كأهل القاهرة الذين يسكنون تارة بها، وأخرى بمصر القديم، أو ببولاق. وفي فتاوي شيخنا الشهاب الرملي: لو كان له زوجتان، كل واحدة منهما في بلدة يقيم عند كل يوما مثلا، انعقدت به في البلدة التي إقامته بها أكثر دون الاخرى. فإن استويا فيها انعقدت في البلدة التي ماله فيها أكثر، دون الاخرى. فإن استويا فيها اعتبرت نيته في المستقبل. فإن لم يكن له نية اعتبر الموضع الذي هو فيه. اه‍. وفيها أيضا فيمن سكن بزوجته في مصر مثلا، وبأخرى في الخانكاه مثلا، وله زراعة بينهما، ويقيم في الزراعة غالب نهاره، ويبيت عند كل منهما ليلة في غالب أحواله، أنه يصدق عليه أنه متوطن في كل منهما، حتى يحرم عليه سفره يوم الجمعة بعد الفجر لمكان تفوته به، إلا لخوف ضرر. اه‍. سم. (قوله: فالعبرة بما كثرعت فيه إقامته) ما هنا وفي جميع ما يأتي، يصح وقوعها على المسكن وعلى البلد، أي فالعبرة في انعقاد الجمعة بالشخص بالبلد أو المسكن الذي كثر إقامته فيه. (وقوله: فيما فيه أهله وماله) أي فإن استوت إقامته فيهما فالعبرة بالذي فيه أهله وماله. (قوله: وإن كان بواحد أهل) أي وإن كان له في بلد. (وقوله: وبآخر مال) أي وكان له في بلد آخر مال. (وقوله: فيما فيه أهله) أي فالعبرة بالبلد الذي فيه أهله. (قوله: فإن استويا) أي البلدان، أو المسكنان. (وقوله: في الكل) أي في كل ما مر، بأن استوت الاقامة فيهما، أو كان له في كل واحد منهما أهل ومال، أو في كل واحد أهل فقط أو مال فقط. (وقوله: فبالمحل إلخ) أي فالعبرة بالمحل الذي هو فيه حال إقامة الجمعة فتنعقد الجمعة به. (قوله: ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين) محترز قوله بأربعين. (قوله: خلافا لابي حنيفة) أي في عدم اشتراط الاربعين. (قوله: فتنعقد) أي الجمعة. (وقوله: عنده) أي أبي حنيفة. (وقوله: بأربعة) أي مع الامام. (وقوله: ولو عبيدا أو مسافرين) أي ولو كانت الاربعة عبيدا أو مسافرين فإنها تنعقد عنده بهم، فلا يشترط عنده الحرية ولا الاستطيان. نعم، يشترط عنده إذن السلطان في إقامتها، وأن يكون محلها مصرا، كما سيصرح به. (قوله: ولا يشترط عندنا إذن السلطان) عبارة الروض وشرحه: ولا يشترط حضور السلطان الجمعة ولا إذنه فيها - كسائر العبادات - لكن يستحب استئذانه فيها. اه‍. وعبارة ش ق: (واعلم) أن إقامة الجمعة لا تتوقف على إذن

[ 70 ]

الامام أو نائبه - باتفاق الائمة الثلاثة خلافا لابي حنيفة - وعن الشافعي والاصحاب، أنه يندب استئذانه فيها خشية الفتنة، وخروجا من الخلاف. أما تعددها: فلا بد فيه من الاذن، لانه محل اجتهاد. اه‍. (قوله: ولا كون محلها مصرا) أي ولا يشترط كون محلها مصرا. وسيأتى محل اجتهاده. اه‍. (قوله: ولا كون محلها مصرا) أي ولا يشترط كون محلها مصرا. وسيأتي بيانه: (قوله: خلافا له فيهما) أي خلافا للامام أبي حينفة في إذن السلطان لاقامتها وكون محلها مصرا، فيشترطهما. (قوله: وقد أجاز جمع من العلماء) أي غير الامام الشافعي (1). وقد علمت اختلافهم في تعيين العدد الذي تنعقد به الجمعة. (قوله: وهو قوي) أي القول بالجواز قوي. (قوله: فإذا قلدوا) أي فلو لم يقلدوا لا تنعقد الجمعة. وقال بعضهم: اعلم أن أمر الجمعة عظيم، وهي نعمة جسيمة امتن الله بها على عباده. فهي من خصائصنا، جعلها الله محط رحمته، ومطهرة لآثام الاسبوع. ولشدة اعتناء السلف الصالح بها كانوا يبكرون لها على السرج. فاحذر أن تتهاون بها مسافرا أو مقيما، ولو مع دوهن أربعين بتقليد، والله يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم. (قوله: أي جميعهم) بيان للواو، والذي يظهر عدم اشتراط تقليد جميعهم إذا كان المقلد - بفتح اللام - يقول باكتفائه في الجمعة. (قوله: من قال) مفعول قلدوا. (وقوله: هذه المقالة) وهي أنها تنعقد بدون الاربعين. (قوله: فإنهم يصلون الجمعة) المناسب أن يقول: يجوز تقليدهم إياه وتصح جمعتهم. (قوله: وإن احتاطوا) أي هؤلاء المقلدون (قوله: فصلوا إلخ) بيان للاحتياط. (وقوله: الجمعة) أي تقليدا. (وقوله: ثم الظهر) أي ثم بعد الجمعة صلوا الظهر على مذهبهم. (قوله: كان حسنا) جواب إن، واسم كان يعود على الاحتياط المفهوم من احتاطوا. (قوله: وثالثها) أي ثالث شروط صحة الجمعة. (وقوله: وقوعها) أي الجمعة. (وقوله: بمحل معدود من البلد) المراد بالبلد: أبنية أوطان المجمعين، سواء كانت بلدا أو قرية أو مصرا، وهو ما فيه حاكم شرعي، وحاكم شرطي، وأسواق للمعاملة. والبلد: ما فيه بعض ذلك. والقرية ما خلت عن ذلك كله. ولا فرق في الابنية بين أن تكون بحجر، أو خشب، أو قصب، أو نحو ذلك. ومثل الابنية: الغيران والسراديب في نحو الجبل، ولا فرق في المحل الذي تقام فيه الجمعة بين أن يكون مسجدا، أو ساحة مسقفة، أو فضاء معدودا من البلد، ولو انهدمت الابنية وأقام أهلها عازمين على عمارتها صحت الجمعة استصحابا للاصل ولا تنعقد في غير بناء إلا في هذه الصورة، بخلاف ما لو نزلوا مكانا وأقاموا فيه ليعمروه قرية، فلا تصح جمعتهم فيه قبل البناء، استصحابا للاصل أيضا. ولا تصح من أهل خيام بمحلهم، لانهم على هيئة المستوفزين، ولان قبائل العرب كانوا حول المدينة، ولم يأمرهم (ص) بحضورها. نعم، لو كانوا يسمعون النداء من محلها لزمتهم فيه، تبعا لاهله. (قوله: ولو بفضاء) أي ولو كان


(1) (قوله: اي غير الامام الشافعي) أي باعتبار مذهبه الجديد، فلا ينافي أن له قولين قديمين في العدد أيضا، أحگهما أقلهم أربعة، حكاه عنه صاحب التلخيص، وحكاه شرح المهذب واختاره من أصحابه المزني، كما نقله الاذرعى في القوت، وكفى به سلفا في ترجيحه، فإنه من كبار أصحاب الشافعي ورواة كتبه الجديدة. وقد رجحه أيضا أبو بكر بن المنذر في الاشراف، كما نقله النووي في شرح المهذب. ثانى القولين اثنا عشر. وهل يجوز تقليد أحد هذين القولين الجواب: نعم. فانه قول للامام، نصره بعض أصحابه ورجحه، وقولهم القديم لا يعمل به: محله ما لم يعضده الاصحاب ويرجحوه، وإلا صار راجحا من هذه الحيثية،، وان كان مرجوحا من حيث نسبته للامام. وقال السيوطي: كثيرا ما يقول أصحابنا بتقليد أبي حنيفة في هذه المسألة، إذ هو قول للشافعي قام الدليل على رجحانه. اه‍ ز وحينئذ تقليد أحد هذين القولين أولى من تقليد أبي حنيفة. فتنبه. وقد ألفت رسالة تتعلق بجواز العمل القديم للامام الشافعي - رضى الله عنه - في صحة الجمعة بأربعة، وبغير ذلك. فانظرها إن شئت. اه‍. مولف

[ 71 ]

وقوعها بفضاء، وهو من ذكر الخاص بعد العام، ولو حذف الباء وجعله غاية للمحل لكان أولى، أي ولو كان ذلك المحل فضاء. (قوله: بأن كان إلخ) تصوير لعد المحل الذي تقام فيه الجمعة من البلد، أي ويتصور عده منها بأن يكون في محل لا تقصر فيه الصلاة، ويحتمل أن يكون تصويرا لعد الفضاء منها، أي ويتصور عده منها بأن يكون إلخ. واسم كان على الاول يعود على المحل، وعلى الثاني يعود على الفضاء. ويرد على الثاني: أنه لا معنى لكون الفضاء في محل، إذ هو عينه. وكذلك يرد على الاول إن فسر المحل العائد عليه اسم كان بالفضاء. فلو حذف قوله في محل، وقال بأن كان لا تقصر فيه الصلاة لكان أولى وأخصر. (قوله: وإن لم يتصل بالابنية) أي فالضابط في المحل المعدود من البلد ما ذكر، وهو أن لا يكون بحيث تقصر فيه الصلاة قبل مجاوزته، سواء اتصل بالابنية وانفصل عنها. وفي المغنى ما نصه: قال الاذرعي: وأكثر أهل القرى يؤخرون المسجد عن جدار القرية قليلا، صيانة له عن نجاسة البهائم، وعدم انعقاد الجمعة فيه بعيد. وقول القاضي أبي الطيب: قال أصحابنا: لو بنى أهل البلد مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة لجمعة فيه لانفصاله عن البناء، محمول على انفصال لا يعد به من القرية. اه‍. (قوله: بخلاف محل غير معدود منها) أي فإنه لا يصح وقوع الجمعة فيه، وهذا محترز قوله: بمحل معدود منها. (قوله: وهو) أي غير المعدود. وقوله ما يجوز السفر القصر منه: ما واقعة على المحل، والفعل مبني للفاعل، وواوه مشددة مكسورة، والسفر فاعله، والقصر مفعول أي أن المحل غير المعدود من البلد، ضابطه أنه لو سافر يجوز للمسافر أن يقصر منه. (قوله: فرع، لو كان في قرية إلخ) سئل ابن حجر - رحمه الله تعالى - عن بيت واحد فيه أربعون متوطنون بصفة من تلزمهم الجمعة، فهل يلزمهم إقامتها أولا ؟ فأجاب بقوله: أفتى جمع يمنيون بعدم الوجوب أخذا من قولهم: الشرط أن تقام بين الابنية، ولا أبنية هنا، وقياسا على أهل الخيام. وأفتى آخرون بوجوبها عليهم، وهذا هو الاوجه. اه‍. من الفتاوي. (وقوله: أربعون كاملون) بأن كانوا أحرارا ذكورا بالغين عاقلين متوطنين. (قوله: لزمتهم الجمعة) أي لاطلاق الادلة. قال في التحفة: خلافا لابي حنيفة. (قوله: بل يحرم إلخ) إضراب انتقالي. قال ع ش: ويجب على الحاكم منعهم من ذلك، ولا يكون قصدهم البيع والشراء في المصر عذرا في تركهم الجمعة في بلدتهم، إلا إذا ترتب عليه فساد شئ من أموالهم، أو احتاجوا إلى ما يصرفونه في نفقة ذلك اليوم الضرورية، ولا يكلفون الاقتراض. ا. ه‍. (قوله: والذهاب) بالرفع، معطوف على تعطيل، أي ويحرم عليهم الذهاب إلى الجمعة. قال سم: ظاهره وإن كان الذهاب قبل الفجر، ثم قال: وقد يستدل على جواز الذهاب قبل الفجر - وإن تعطلت الجمعة - بعدم الخطاب قبل الفجر. ويجاب: بأن المراد أنه ليس لهم الذهاب والاستمرار إلى فواتها، بل يلزمهم العود في وقتها لفعلها. وقد مال م ر بعد البحث معه إلى امتناع الذهاب قبل الفجر بالمعنى المذكور (قوله وإن سمعوا) غاية في الحرمة. (وقوله: النداء) أي نداء البلد الاخرى. (قوله: قال ابن الرفعة) هذا مقابل المعتمد، وعلى القولين تسقط عنهم الجمعة لو فعلوا ذلك. إذ الاساءة على القول الاول لا تنافي الصحة. (قوله: من مصر) يفيد أنهم إذا سمعوه من بلد أو قرية لا يخيرون عنده. (وقوله: فهم مخيرون بين أن يحضروا البلد) يفيد أن المصر ليس بقيد، إلا أن يراد بالبلد خصوص المصر. فانظره. (قوله: وإذا حضروا) أي أهل القرية. (قوله: لا يكمل بهم العدد) أي إذا نقص عدد أهل البلد. وذلك لعدم استيطانهم، وهذا مبني على القولين. (قوله: وإذا لم يكن في القرية جمع تنعقد بهم الجمعة) النفي مسلط على القيد وهو تنعقد، أي وإذا كان في القرية جمع لا تنعقد

[ 72 ]

بهم، بأن يكونوا أقل من أربعين، أو كانوا أربعين لكن بعضهم ليس مستوطنا، أو امتنع من حضورها، كما يفيد هذا الغاية بعده. (وقوله: ولو بامتناع بعضهم منها) أي ولو انتفى انعقاد الجمعة بالجمع الذي في القرية بسبب امتناع بعض من تنعقد به من الجمعة، بأن يكون العدد المعتبر لا يكمل إلا به. قال سم: وتوقف في ذلك م ر وجوز ما هو الاطلاق من أنه حيث كان فيهم جمع تصح به الجمعة ثم تركوا إقامتها: لم يلزم من أرادها السعي إلى القرية التي يسمع نداءها، لانه معذور في هذه الحالة لانه ببلد الجمعة، والمانع من غيره. بخلاف ما إذا لم يكن فيهم جمع تصح به الجمعة، لان كل أحد في هذه الحالة مطالب بالسعي إلى ما يسمع نداءه، وهو محل جمعته. اه‍. (قوله: يلزمهم السعي إلخ) جواب إذا، وذلك لقوله (ص): من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له، إلا من عذر. وقوله (ص): الجمعة على من سمع النداء. (وقوله: يسمعون) أي ولو بالقوة. (وقوله: من جانبه) أي من طرف البلد الذي يلي السامع. (وقوله: النداء) أي نداء شخص صيت عرفا يؤذن كعادته في علو الصوت وهو واقف بمستو، ولو تقديرا مع سكون الريح، لانها تارة تعين على السمع، وتارة تمنعه، وسكون الصوت لانه يمنع وصول النداء، واعتبر ما ذكر من الشروط، لانه عند وجودها لا مشقة عليه في الحضور، بخلافه عند فقدها، أو فقد بعضها. وأفهم قولنا بمستو ولو تقديرا: أنه لو علمت قرية سمعوا النداء، ولو استوت لم يسمعوا، أو انخفضت فلم يسمعوا ولو استوت لسمعوا: وجبت في الثانية، دون الاولى لتقدير الاستواء. (قوله: مواضع متقاربة) أي قرى متقاربة. (قوله: وتميز كل باسم) أي بأن يكون لكل موضع اسم مخصوص. (قوله: فلكل حكمه) أي فلكل موضع من هذه المواضع حكم مختص به، فإن كان كل موضع مشتملا على أربعين كاملين لزمتهم الجمعة وإلا فلا تلزمهم، وإن كان لو اجتمعوا كلهم في موضع واحد يبلغون أربعين، وإن سمع أهل كل موضع نداء الآخر. (قوله: قال شيخنا) أي في التحفة. (قوله: إنما يتجه ذلك) أي كون كل موضع له حكم مستقل. (قوله: إن عد كل مع ذلك) أي مع تميز كل باسم قرية مستقلة، فإن لم يعد كل مع ذلك قرية مستقلة كالمواضع، المتعددة بمكة المسماة بالحواير، فإن كل موضع له اسم مخصوص كالشبيكة والشامية، فليس لكل حكم مخصوص، بل الكل حكمه حكم موضع واحد وعيارة فتاوي. ولم يقيد ابن حجر في فتاويه بهذا القيد، ونص عبارته. (سئل) رحمه الله تعالى عن بلد تسمى راون بها ثلاث قرى مفصولة مختصة كل قرية باسم وصفة بين كل قرية أقل من خمسين ذراعا فبنوا مسجد لاقامة الجمعة في خطة أبنية أوطان المجمعين فصلوا فيه مدة طويلة، فحصل بينهم مقاتلة فانفردت قرية من الثلاثة بجمعة، وأهل القريتين بنوا مسجدا ثانيا بجمعة أخرى. فهل يلزمهم أن يجتمعوا بجمعة واحدة وتبطل الاخرى بوجود الامان بينهم أو لا ؟ (فأجاب) نفع الله به: حيث كانت القرى المذكورة يتمايز بعضها عن بعض، وكان في كل قرية أربعون من أهل الجمعة، خرجوا عن عهدة الواجب، وصحت جمعتهم، سواء المتقدمة والمتأخرة إلخ. (قوله: لو أكره السلطان) مثله نائبه. (قوله: أهل قرية) أي أو أهل بلد. (قوله: أن ينتقلوا) المصدر المؤول مجرور بعلى مقدرة متعلقة بأكره، أي أكرههم على الانتقال. (وقوله: منها) أي من قريتهم. (قوله: ويبنوا) معطوف على ينتقلوا، أي وأكرههم على أن يبنوا. (قوله: فسكنوا فيه) مرتب على محذوف، أي فامتثلوا أمره وانتقلوا إلى الموضع الآخر وبنوا فيه وسكنوا وهم مكرهون. (قوله: وقصدهم العود) أي والحال أن قصدهم العود، فالجملة حال من واو سكنوا. (قوله: إلى البلد الاول) المناسب أن يقول إلى قريتهم، كما هو ظاهر. (قوله: إذا إلخ) متعلق بالعود. (قوله: لا تلزمهم الجمعة) أي في الموضع المنقول

[ 73 ]

إليه. وهذا جواب لو. قال ع ش: لو سمعوا النداء من قرية أخرى وجب عليهم السعي إليها. اه‍. (قوله: بل لا تصح منهم) أي لا تنعقد منهم لو أقاموها في الموضع الذي انتقلوا إليه. والاضراب انتقالي. (قوله: لعدم الاستطيان) أي في الموضع الذي انتقلوا إليه، وهذا تعليل لعدم الصحة بمعنى الانعقاد، (قوله: ورابعها) أي شروط صحة الجمعة. (وقوله: وقوعها في وقت ظهر) أي بأن يبقى منه ما يسعها مع الخطبتين، وذلك للاتباع. رواه البخاري، وعليه جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم. قال في المغني: وقال الامام أحمد بجوازها قبل الزوال، ويدل لنا أنه (ص) كان يصلي الجمعة حين تزول الشمس رواه البخاري. اه‍. (قوله: فلو ضاق الوقت عنها وعن خطبتيها) أي عن أقل مجزئ من خطبتيها وركعتيها، بأن لم يبق منه ما يسع ذلك. (وقوله: أو شك) أي قبل الاحرام. (وقوله: في ذلك) أي في ضيق الوقت أي شك هل بقي وقت يسعهما أم لا ؟ (قوله: صلوا ظهرا) أي وأحرموا بها، فلا يصح إحرامهم بالجمعة لفوات الوقت، ولو علق في صورة الشك فتوى الجمعة إن بقي الوقت، وإلا فالظهر فبان بقاؤه صحت نيته، ولا يضر هذا التعليق، لاستناده إلى أصل بقاء الوقت، كما لو نوى صوم غد ليلة الثلاثين من رمضان إن كان منه. وخالف فيه ابن حجر. (قوله: ولو خرج الوقت يقينا أو ظنا) قافل البجيرمي: عبارة ابن شرف: فإن خرج الوقت، أي يقينا لا ظنا، حتى لو ظن أن الوقت لا يسعها لم تنقلب ظهرا إلا بعد خروجه. اه‍. (قوله: وهم فيها) الجملة حال من فاعل خرج، أي خرج وقتها، والحال أنهم في أثناء الصلاة. (قوله: ولو قبيل السلام) أي ولو كان خروج الوقت حصل قبيل السلام، أي التسليمة الاولى، أي أو عندها. (قوله: وإن كان ذلك) أي الخروج أي العلم به. (وقوله: بإخبار عدل) أي وألحق بالعدل الفاسق إذا وقع في القلب صدقة. (قوله: وجب الظهر بناء على ما مضى) أي وجب أن يتموها ظهرا حال كونهم باقين على ما فعلوا منها، ولا يعيدونها من أولها. وإتمامها ظهرا بناء متحتم لانهما صلاتا وقت واحد، فوجب بناء أطولهما على أقصرهما، كصلاة الحضر مع السفر، ولا يجوز الاستئناف، لانه يؤدي إلى إخراج بعض الصلاة عن الوقت مع القدرة على إيقاعها فيه. وكتب سم ما نصه: قوله: وجب الظهر بناء. ينبغي تصوير المسألة بما إذا أحرم بها في وقت يسعها، لكنه طول حتى خرج الوقت، أما لو أحرم بها في وقت لا يسعها جاهلا بأنه لا يسعها: فالوجه عدم انعقادها جمعة. وهل تنعقد ظهرا أو نفلا مطلقا ؟ فيه نظر. والثاني أوجه، لانه أحرم بها في وقت لا يقبلها، فهو كما لو أحرم قبل الوقت جاهلا. فليتأمل. اه‍. (قوله: وفاتت الجمعة) أي لامتناع الابتداء بها بعد خروج وقتها، ففاتت بفواته كالحج. اه‍. تحفة. (قوله: بخلاف ما لو شك) أي وهم في أثناء الصلاة. وهذا محترز قوله يقينا أو ظنا. (وقوله: في خروجه) أي الوقت. (وقوله: لان الاصل بقاؤه) تعليل المحذوف، أي فلا يضر، لان الاصل بقاء الوقت. أي ولانه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. وبه فارق الشك قبل الاحرام، فإنه يضر، كما مر. (قوله: ومن شروطها) أي صحة الجمعة. وهذا هو الشرط السادس كما مر التنبيه عليه. (وقوله: أن لا يسبقها بتحرم ولا يقارنها) الفعلان تنازعا قوله جمعة. والعبرة بتمام التحرم وهو الراء من أكبر. فلو سبقها به جمعة. صحت الجمعة السابقة لاجتماع شرائطها، واللاحقة باطلة، فيجب أن تصلى ظهرا. أو قارنها جمعة أخرى يقينا أو شكا بطلت الجمعتان، لان إبطال إحداهما ليس بأولى من الاخرى، فوجب إبطالهما. ولان الاصل في صورة الشك عدم جمعة مجزئة. ويجب حينئذ استئنافها جمعة إن وسع الوقت، وإلا وجب أن يصلوا ظهرا، فإن سبقت إحداهما والتبست بالاخرى، كأن سمع مريضان أو مسافران خارج المسجد تكبيرتين مثلا فأخبرا بذلك ولم يعرفا المتقدمة ممن وقعت، صلوا كلهم ظهرا. (والحاصل) لهذه المسألة خمسة أحوال

[ 74 ]

الحالة الاولى: أن يقعا معا، فيبطلان، فيجب أن يجتمعوا أو يعيدوها جمعة عند اتساع الوقت. الحالة الثانية: أن يقعا مرتبا، فالسابقة هي الصحيحة، واللاحقة باطلة، فيجب على أهلها صلاة الظهر. الحالة الثالثة: أن يشك في السبق والمعية، فيجب عليهم أن يجتمعوا أو يعيدوها جمعة عند اتساع الوقت، لان الاصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل منهم. الحالة الرابعة: أن يعلم السبق ولم تعلم عين السابقة، فيجب عليهم الظهر، لانه لا سبيل إلى إعادة الجمعة مع تيقن وقوع جمعة صحيحة في نفس الامر. لكن لما كانت الطائفة التي صحت جمعتها غير معلومة وجب عليهم الظهر. الحالة الخامسة: أن يعلم السبق، وتعلم عين السابقة، لكن نسيت، وهي كالحالة الرابعة. (وقوله: بمحلها) متعلق بمحذوف صفة جمعة أي جمعة تقام في محل الجمعة الاخرى. ولا فرق في المحل المذكور بين أن يكون بلدة أو مصرا أو قرية. (لطيفة) سئل الشيخ الرملي - رحمه الله - عن رجل قال: أنتم يا شافعية خالفتم الله ورسوله، لان الله تعالى فرض خمس صلوات، وأنتم تصلون ستا بإعادتكم الجمعة ظهرا، فماذا يترتب عليه في ذلك ؟ (فأجاب) بأن هذا الرجل كاذب فاجر جاهل. فإن اعتقد في الشافعية أنهم يوجبون ست صلوات بأصل الشرع كفر، وأجري عليه أحكام المرتدين، وإلا استحق التعزير اللائق بحاله، الرادع له ولامثاله عن ارتكاب مثل قبيح أفعاله. ونحن لا نقول بوجوب ست صلوات بأصل الشرع، وإنما تجب إعادة الظهر إذا لم يعلم تقدم جمعة صحيحة، إذ الشرط عندنا أن لا تتعدد في البلد إلا بحسب الحاجة، ومعلوم لكل أحد أن هناك فوق الحاجة، وحينئذ من لم يعلم وقوع جمعته من العدد المعتبر وجبت عليه الظهر، وكان كأنه لم يصل جمعة، وما انتقد أحد على أحد من الائمة إلا مقته الله تعالى - رضوان الله عليهم أجمعين -. (قوله: إلا إن كثر أهله) أي أهل ذلك المحل. (قوله: وعسر اجتماعهم إلخ) هذا ضابط الكثرة، أي كثروا بحيث يعسر اجتماعهم، أي اجتماع من يحضرون بالفعل عند سم، ولو كانوا أرقاء وصبيانا ونساء، حتى لو كانوا ثمانين مثلا وعسر اجتماعهم في مكان واحد بسبب واحد منهم فقط، بأن سهل اجتماع ما عدا واحد جاز التعدد. والذي استوجهه ابن حجر: أن العبرة في العسر بمن يغلب فعلهم لها، سواء لزمتهم أم لا، حضروا بالفعل أم لا. وقيل: العبرة بأهل البلد كلهم. وهذا هو ظاهر عبارة الشارح. وقيل: العبرة بالذين تنعقد بهم الجمعة. وكلاهما بعيد، كما نص عليه في التحفة. (قوله: بمكان واحد منه) أي من محل الجمعة. (قوله: ولو غير مسجد) أي ولو كان ذلك المكان غير مسجد. وأفاد بهذه الغاية أنه لا يشترط في المكان الذي يعسر اجتماعهم فيه أن يكون مسجدا، بل الشرط أنه لا يكون في البلد محل يسعهم للصلاة فيه ولو كان فضاء، فمتى كان في البلد محل يسعهم امتنع التعدد. قال البجيرمي: ويعلم من هذا أن غالب ما يقع من التعدد غير محتاج إليه، إذ كل بلد لا يخلو غالبا عن محل يسع الناس، ولو نحو خرابة، وحريم البلد. اه‍. (قوله: من غير لحوق مؤذ) متعلق باجتماعهم، أي اجتماعهم من غير لحوق مؤذ متعسر. وعبارة غيره: وعسر اجتماعهم بأن لم يكن في محل الجمعة موضع يسعهم بلا مشقة. اه‍. (وقوله: فيه) أي ذلك المكان الذي يجتمعون فيه. (قوله: كحر وبرد شديدين) تمثيل للمؤذي. (قوله: فيجوز إلخ) جواب إن الشرطية، وإنما جاز ذلك حين إذ عسر الاجتماع في مكان واحد، لان الشافعي - رضي الله تعالى عنه - دخل بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين، وقيل ثلاثا، فلم ينكر عليهم، فحمله الاكثرون على عسر الاجتماع. وقال الروياني: ولا يحتمل مذهب الشافعي غيره. وقال الصيمري، وبه أفتى المزني بمصر: ولكن ظاهر النص منع التعدد مطلقا. وعليه اقتصر الشيخ أبو حامد ومتابعوه. (وقوله: تعددها للحاجة) فإن كان التعدد زائدا على الحاجة فتصح السابقات إلى أن تنتهي الحاجة ثم تبطل الزائدات. ومن شك أنه من الاولين، أو من الآخرين، أو في أن التعدد لحاجة أولا، لزمته إعادة الجمعة. (وقوله: بحسبها) أي بقدرها، أي الحاجة. (قوله:

[ 75 ]

لا يصح ظهر من لا عذر قبل سلام الامام) أي من الجمعة. ولو بعد رفعه من ركوع الثانية لتوجه فرضها عليه بناء على الاصح أنها الفرض الاصلي، وليست بدلا عن الظهر. وبعد سلام الامام يلزمه فعل الظهر على الفور، وإن كانت أداء لعصيانه بتفويت الجمعة، فأشبه عصيانه بخروج الوقت. وخرج بقوله من لا عذر له، من له عذر، فيصح له ذلك قبل سلام الامام. وتسن الجماعة في ظهره مع الاخفاء إن خفي العذر، لئلا يتهم بالرغبة عن صلاة الامام أو صلاة الجمعة. أما ظاهر العذر كالمرأة، فيسن لها الاظهار، لانتفاء التهمة، ولو صلى الظهر ثم زال عذره وأمكنته الجمعة لم تلزمه، بل تسن له، إلا إن كان خنثى واتضح بالذكورة، فتلزمه. (قوله: فإن صلاها جاهلا) أي بعدم صحتها قبل سلام الامام. (قوله: انعقدت نفلا) أي ووجب عليه فعلها ظهرا فورا. كما مر. (قوله: ولو تركها أهل بلد) أي ترك الجمعة أهل بلد، والحال أنها تلزمهم لاستكمالهم شروطها. (قوله: لم يصح) أي ظهرهم لتوجه فرض الجمعة عليهم، كما مر. (قوله: ما لم يضق الوقت إلخ) فإن ضاق عن ذلك صح ظهرهم، ليأسهم من الجمعة حينئذ. (قوله: وإن علم من عادتهم إلخ) لا يظهر ارتباطه بما قبله. وعبارة التحفة: (تنبيه) أربعون كاملون ببلد علم من عادتهم أنهم لا يقيمون الجمعة. فهل لمن تلزمه إذا علم ذلك أن يصلي الظهر وإن لم ييأس من الجمعة ؟ قال بعضهم: نعم، إذ لا أثر للمتوقع. وفيه نظر. بل الذي يتجه لا، لانها الواجب أصالة المخاطب بها يقنيا فلا يخرج عنه إلا باليأس يقينا، إلخ. اه‍. إذا علمت ذلك تعلم أن قوله وإن علم إلخ، كلام مستأنف، وأن في العبارة سقطا، ولو أسقطها من أصلها - كما في الفتح - لكان أولى. وعبارته: ولو تركها أهل بلد وصلوا الظهر لم يصح، إلا أن ضاق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والركعتين. اه‍. (قوله: وخامسها) أي شروط صحة الجمعة. (قوله: بعد خطبتين) متعلق بوقوعها. (قوله: بعد زوال) متعلق بمحذوف صفة لخطبتين، أي واقعتين بعد زوال. (قوله: لما في الصحيحين إلخ) دليل لاشتراط وقوعها بعدهما. وورد أيضا عن ابن عمر: كان رسول الله (ص) يخطب يوم الجمعة خطبتين، يجلس بينهما وكونهما قبل الصلاة بالاجماع مع خبر: صلوا كما رأيتموني أصلي. ولم يصل (ص) إلا بعدهما. قال في المجموع: ثبتت صلاته (ص) بعد خطبتين، وكانتا في صدر الاسلام بعد الصلاة، فقدم دحية الكلبي بتجارة من الشام والنبي (ص) يخطب للجمعة، وكانوا يستقبلون العير بالطبل والتصفيق، فانفضوا إلى ذلك وتركوا النبي (ص) قائما، ولم يبق منهم إلا اثنا عشر - وقيل ثمانية، وقيل أربعون - فقال: والذي نفسي بيده لو انصرفوا جميعا لاضرم الله عليهم الوادي نارا. ونزلت الآية: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) * (1) الآية: وخص مرجع الضمير بالتجارة لانها المقصودة، وقيل في الآية حذف، والتقدير: أو لهوا انفضوا إليه. وحولت الخطبة حينئذ. (فائدة) جملة الخطب المشروعة عشرة: خطبة الجمعة، وخطبة عيد الفطر، وخطبة عيد الاضحى، وخطبة الكسوف للشمس، وخطبة الخسوف للقمر، وخطبة الاستسقاء. وأربع في الحج: إحداهما بمكة في يوم السابع من ذي الحجة المسمى يوم الزينة ثانيتها بنمرة في يوم التاسع المسمى يوم عرفة ثالثتها بمنى في اليوم العاشر المسمى يوم النحر،


الجمعة: 11

[ 76 ]

رابعتها بمنى في الثاني عشر المسمى يوم النفر الاول. وكلها بعد الصلاة، إلا خطبتي الجمعة وعرفة فقبلها. وما عدا خطبة الاستسقاء، فتجوز قبل الصلاة وبعدها، وكلها ثنتان، إلا الثلاثة الباقية في الحج، ففرادى. وقد نظمها بعضهم في قوله: يا سائلي عن خطب مشروعة * * فتلك عشرة أتت مجموعة لجمعة حتما وللكسوف * * سنت، وللعيدين كالخسوف كذاك لاستسقائهم من جدب * * وأربع في الحج إذ تلبي ووقت أولاهن من ذي الحجة * * بسابع وفعلها بمكة وتلوها خطبتهم بنمره * * في التاسع الموسوم يوم عرفه وفي منى في عاشر الايام * * وذاك يوم النحر والاطعام وفي منى تزاد في الثاني عشر * * في يوم نفر أول لمن نفر وكلها بعد الصلاة تفعل * * إلا التي لجمعة تحصل فقبلها كذا التي بعرفه * * في تاسع الحجة يا من عرفه وما عدا خطبة الاستسقاء * * فقبل أو بعد على السواء وكلها ثنتان تأتي غير ما * * في الحج فالافراد فيها التزما واستثن منها خطبة المعرف: * * فهي تثنى مثل تلك فاعرف ويسن في الخطبتين كونهما على منبر، فإن لم يكن فعلى مرتفع. ويسن للخطيب أن يسلم على من عند المنبر أو المرتفع، وأن يقبل عليهم، إذا صعد المنبر أو نحوه وانتهى إلى الدرجة التي تسمى بالمستراح، وأن يسلم عليهم، ثم يجلس، فيؤذن واحد - للاتباع - في الجميع. ويسن أن تكون الخطبة فصيحة، جزلة، قريبة للفهم، لا مبتذلة، ركيكة، ولا غريبة وحشية إذ لا ينتفع بها أكثر الناس، متوسطة، لان الطول يمل، والقصر يخل. ولا ينافي ذلك خبر مسلم أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة لان المراد قصرها بالنسبة للصلاة، مع كونا متوسطة في نفسها، وأن لا يلتفت في شئ منها بل يستمر مقبلا عليهم إلى فراغها. (قوله: بأركانهما) متعلق بمحذوف صفة لخطبتين أيضا، والباء بمعنى مع، كما يستفاد من تفسيره الآتي. والمصاحبة من مصاحبة الكل لبعض أجزائه، إذ الخطبتان اسم للاركان، وما زاد عليها من الآداب والمواعظ. (قوله: أي يشترط إلخ) أفاد بهذا التفسير أن باء بأركانهما بمعنى مع، ولو قال أي مع الاتيان بأركانهما لكان أخصر. (قوله: وهي خمسة) أي أركانها خمسة أي إجمالا، وإلا فهي ثمانية تفصيلا، لتكرر الثلاثة الاول فيهما. وقد نظمها بعضهم في قوله: وخطبة أركانها قد تعلم * * خمس تعد - يا أخي - وتفهم حمد الاله، والصلاة الثاني * * على نبي جاء بالقرآن وصية، ثم الدعا للمؤمنين * * وآية من الكتاب المستبين (قوله: أحدها) أي الخمسة. (وقوله: حمد الله) أي ولو في ضمن آية، كما في قوله تعالى: * (الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور) * (1) حيث قصد الحمد فقط، فإن قصد قراءة الآية، أو قصدهما معا، أو أطلق، كفت عن قراءة الآية، ولا تكفي عنها وعن الحمد فيما لو قصدهما معا، لان الشئ لا يؤدى به فرضان مقصودان.


: الانعام 1

[ 77 ]

ويجري هذا التفصيل فيما لو أتى بآية تتضمن الوصية بالتقوى. (قوله: وثانيها) أي أركان الخطبتين. (وقوله: صلاة على النبي (ص)) أي لان الخطبة عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، فافتقرت إلى ذكر رسول الله (ص)، ولما في دلائل النبوة للبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي (ص) قال: قال الله تعالى: جعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي. (قوله: بلفظهما) وهو متعين، لكن من حيث المادة، وإن لم تكن مصدرا، فشمل المشتق، نحو أنا حامد لله، وأحمد الله، وأنا مصل على النبي (ص)، أو أصلي على رسول الله. ولفظ الجلالة متعين ولا يتعين لفظ محمد، كما يستفاد من كلامه. وإنما تعين لفظ الجلالة دون لفظ محمد، لان لفظ الجلالة له مزية على سائر أسمائه تعالى، لاختصاصه به تعالى اختصاصا تاما. ويفهم منه عند ذكره سائر صفات الكمال، ولا كذلك لفظ محمد. (قوله: كالحمد لله إلخ) تمثيل للفظ الحمد، لكن باعتبار المادة، وإلا لم يصح المثال الثاني. (قوله: فلا يكفي: الشكر لله) أي لعدم الاتيان بلفظ الحمد، وإن كان مرادفا له. (وقوله: ولا الحمد للرحمن) أي من غير إضافته للفظ الجلالة المشروطة، كما علمت. (قوله: وكاللهم صل إلخ) تمثيل للفظ الصلاة، لكن باعتبار المادة أيضا، كما علمت. (قوله: أو نحوه) أي ما ذكر من بقية أسماء النبي (ص): كالبشير، والنذير. وتقدم أنه يتعين في الصلاة على النبي (ص) في التشهد الاخير لفظ محمد، ولا يجزئ غيره من بقية أسمائه (ص). والفرق أن الخطبة أوسع بابا من الصلاة. (قوله: فلا يكفي اللهم سلم إلخ) أي لعدم الاتيان بلفظ الصلاة. (قوله: ولا صلى الله عليه - بالضمير -) أي ولا يكفي صلى الله عليه، بالاتيان بالضمير بدل الاسم الظاهر، قياسا على التشهد. (قوله: وإن تقدم إلخ) غاية في عدم الاكتفاء بالضمير. أي لا يكفي ذلك، وإن تقدم للنبي (ص) في الكلام ذكر، أي اسم يرجع إليه الضمير. (قوله: كما صرح به) أي بعدم الاكتفاء بالضمير. (قوله: في ذلك) أي في الاتيان بالضمير في الصلاة على النبي (ص) في الخطبة. (قوله: فلا تغتر بما تجده مسطورا) أي من الاتيان بالضمير. (قوله: على خلاف إلخ) أي حال كون الذي تجده مسطورا كائنا على خلاف ما عليه محققو المتأخرين من عدم الاكتفاء بالضمير. (قوله: وثالثها) أي أركان الخطبتين. (قوله: وصية بتقوى الله) فلا يكفي التحذير من الدنيا وغرورها، بل لا بد من الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية. كما سيذكره. (قوله: ولا يتعين لفظها) أي الوصية بالتقوى، لان الغرض الوعظ، والحمل على طاعة الله، فيكفي ما دل على الموعظة، طويلا كان أو قصيرا، كأطيعوا الله، وراقبوه. وفي المغني ما نصه: (تنبيه) قوله: ولا يتعين لفظها: يحتمل أن مراده لا يتعين لفظ الوصية، وهو عبارة الروضة، فيكون لفظ التقوى لا بد منه، وهذا أقرب إلى لفظه. ويحتمل أن مراده ولا يتعين واحد من اللفظين، لا الوصية ولا التقوى، وهو ما قررت به كلامه، تبعا للشارح. وجزم الاسنوي باحتمال الاول، ففسر به لفظ المصنف. قال بعض المتأخرين: ويمكن أن يكون مراده ما في الروضة: أن الخلاف في لفظ الوصية، ولا يجب لفظ التقوى قطعا. ويؤيده ما نقلاه عن الامام وأقراه، أنه يكفي أن يقول أطيعوا الله. اه‍. (قوله: ولا تطويلها) أي ولا يتعين طول الكلام في الوصية، بل يكفي ما يدل على الموعظة، طويلا كان أو قصيرا، كما علمت. (قوله: بل يكفي إلخ) الاضراب انتقالي، والمناسب أن يقول فيكفي إلخ، لان المقام للتفريع. (قوله: مما فيه حث إلخ) بيان لنحو أطيعوا الله.

[ 78 ]

(وقوله: أو زجز إلخ) التعبير يفيد أنه لا يشترط الجمع بين الحث على الطاعة والزجر عن المعصية، بل يكفي أحدهما، وهو كذلك. كما صرح به في التحفة، وعلله بلزوم أحدهما للآخر. (قوله: لانها المقصود من الخطبة) علة لايجاب الوصية بالتقوى، وكان الاولى أن يقدمها على قوله: ولا يتعين لفظها، كما في التحفة. (قوله: فلا يكفي إلخ) مفرع على اشتراط الوصية بالتقوى، وإنما لم يكف ذلك لانه معلوم حتى عند الكافر. (وقوله: وذكر الموت) بالجر معطوف على التحذير، أي ولا يكفي مجرد ذكر الموت. (وقوله: وما فيه) معطوف على الموت، وضمير فيه يعود عليه. (قوله: قال ابن الرفعة يكفي فيها) أي الوصية بالتقوى. (وقوله: ما إلخ) أي صيغت اشتملت على الامر بالاستعداد للموت، بأن يقال: استعدوا أو تأهبوا للموت. وذلك لان الاستعداد له إنما يكون بفعل الطاعات وترك المحرمات، فالامر به يستلزم الحث على طاعة الله والزجر عن معصية الله، بخلاف ذكر الموت، وما فيه من الفظاعة والالم، فإنه لا يكفي فيها، لانه لا يفيد حثا على الطاعة، ولا زجرا عن المعصية. (واعلم) أن التقوى عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، ظاهرا وباطنا، مع استشعار التعظيم لله، والهيبة والخشية والرهبة من الله، وهي وصية الله رب العالمين للاولين والآخرين. قال الله تعالى: * (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) * (1) فما من خير عاجل ولا آجل، ظاهر ولا باطن، إلا والتقوى سبيل موصل إليه ووسيلة مبلغة له. وما من شر عاجل ولا آجل، ظاهر ولا باطن إلا والتقوى حرز حريز وحصن حصين للسلامة منه، والنجاة من ضرره. وكم علق الله العظيم في كتابه العزيز على التقوى من خيرات عظيمة وسعادات جسيمة، رزقنا الله التقوى والاستقامة، وأعاذنا من موجبات الندامة، بجاه سيدنا محمد (ص) المظلل بالغمامة. (قوله: ويشترط أن يأتي إلخ) أي لان كل خطبة مستقلة ومنفصلة. (وقوله: بكل من الاركان الثلاثة) وهي الحمدلة، والصلاة على النبي (ص)، والوصية بالتقوى. (وقوله: فيهما) متعلق بيأتي. (ويندب أن يرتب الخطيب الخ) وإنما لم يجب لحصول المقصود بدونه وقال بالوجوب الرافعي والماوردي وقوله وما بعدها أي وما بعد الاركان الثلاثة من القراءة والدعاء (قوله بأن يأتي الخ) تصوير للترتيب (قوله أو لا) لو حذفه ما ضره (قوله: فبالقراءة) أي فيأتي بالقراءة، ولو حذف الباء هنا وفيما بعد لكان أخصر. (قوله: ورابعها) أي أركان الخطبتين. (قوله: قراءة آية) أي سواء كانت وعدا، أم وعيدا، أم حكما، أم قصة. ومثلها بعض آية طويلة - على ما قاله الامام واعتمده م ر - وخالف في التحفة - فقال: لا يكتفي ببعض آية وإن طال. (وقوله: مفهمة) أي معنى مقصودا كالوعد والوعيد. وخرج به ثم نظر أو ثم عبس لعدم الافهام، وإنما اشترط الافهام هنا، لان المقصود الوعظ، بخلاف العاجز عن الفاتحة: لا يشترط في الاتيان ببدلها الافهام، بل إذا حفظ آية غير مفهمة - ولو منسوخة الحكم فقط دون التلاوة - كفت قراءتها. وفي سم: هل تجزئ الآية مع لحن يغير المعنى ؟ فيه نظر. وقد يتجه عدم الاجزاء، والتفصيل بين عاجز انحصر الامر فيه وغيره اه‍. (قوله: في إحداهما) أي لثبوت أصل القراءة من غير تعيين محلها، فدل على الاكتفاء بها في إحداهما. اه‍. تحفة. (قوله: وفي الاولى أولى) أي وكون قراءة الآية في الخطبة الاولى، أي بعد فراغها، أولى من كونها في الخطبة الثانية، لتكون في


(1) النساء: 131

[ 79 ]

مقابلة الدعاء للمؤمنين في الثانية. (قوله: وتسن بعد فراغها إلخ) أي وتسن بعد فراغ الخطبة قراءة سورة ق وصنيعه يقتضي أن قراءة ق تسن زيادة على الآية، وليس كذلك، بل هي بدل عن الآية، كما نص عليه ع ش. وعبارة الروض وشرحه: ويستحب قراءة ق في الخطبة الاولى، للاتباع. رواه مسلم. ولاشتمالها على أنواع المواعظ. قال البندنيجي: فإن أبى قرأ: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * (1) الآية. قال الاذرعي: وتكون القراءة بعد فراغ الاولى. اه‍. (قوله: للاتباع) رواه مسلم. قال في شرحه: فيه دليل على ندب قراءتها أو بعضها في خطبة كل جمعة، ولا يشترط رضا الحاضرين، كما لم يشترطوه في قراءة الجمعة، والمنافقين في الصلاة، وإن كانت السنة التخفيف. اه‍. نهاية. (قوله: وخامسها) أي أركان الخطبتين. (قوله: دعاء أخروي) فلا يكفي الدنيوي، ولو لم يحفظ الاخروي، وقال الاطفيحي: إن الدنيوي يكفي، حيث لم يحفظ الاخروي، قياسا على ما تقدم في العجز عن الفاتحة، بل ما هنا أولى. (قوله: للمؤمنين) أي خصوصا كالحاضرين، أو عموما ولو لجميع المسلمين، ما لم يرد جميع ذنوبهم، وإلا امتنع لوجوب اعتقاد دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار، وما ذكر ينافيه. (قوله: وإن لم يتعرض للمؤمنات) أي يكفي الدعاء للمؤمنين، وإن لم يصرح بالمؤمنات، وذلك لان المراد بهم الجنس الشامل لهن. وكتب ابن قاسم ما نصه: قوله لان المراد الجنس. الظاهر أن المراد بيان الاكمل، وأنه يجوز إرادة الذكور فقط، وإن حضر الاناث. ثم رأيت ما في الحاشية الاخرى وهو وجوب الدعاء للمؤمنات أيضا، لكن إن كان شرطا لصحة الخطبة خالف قولهم يكفي تخصيصه بالسامعين، فإنه شامل لما إذا تمحضوا ذكورا. فليحرر. اه‍. (قوله: خلافا للاذرعي) أي في قوله يجب التعرض لهن أيضا. وفي سم ما نصه: قال في شرح العباب: قال الاذرعي: وظاهر نص المختصر يفهم إيجابه لهما، أي إيجاب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وجرى عليه كثيرون وعددهم. ثم أخذ من بعض العبارات أنه يجب التعرض للمؤمنات، وإن لم يحضرن. اه‍. (قوله: ولو بقوله رحمهم الله) أي أن الدعاء الواجب يكتفي فيه بأي صيغة كانت، ولو بقوله رحمكم الله، إذ القصد ما يقع عليه اسم الدعاء. وعبارة التحفة: ويكفي تخصيصه بالسامعين. كرحمكم الله وظاهر أنه لا يكفي تخصيصه بالغائبين. اه‍. أي كرحمهم الله تعالى. (قوله: وكذا) هو وما بعده متعلق بمحذوف، أي وكذا يكفي الدعاء بنحو: اللهم أجرنا من النار. (وقوله: إن قصد تخصيص الحاضرين) أي بقوله اللهم أجرنا من النار. فهو قيد له، وإنما أتى به لان لفظ نا فية مشترك، يطلق على الواحد المعظم نفسه، وعلى المتعدد، فإذا لاحظ به الحاضرين أجزأ، وإن لاحظ به نفسه فقط لا يجزئ، لانه لا بد من أن يقصد بدعائه أربعين فأكثر، فلو قصد به دون أربعين: لا يكفي كما لو قصد به الغائبين، كأن قال: رحمهم الله، كما مر. وفي سم: لو خص بالدعاء أربعين من الحاضرين فينبغي الاجزاء. وعليه: فلو انصرفوا من غير صلاة وهناك أربعون سامعون، فهل تصح إقامة الجمعة بهم ؟ ينبغي الصحة، لان الخطبة صحت، ولا يضر انصراف المخصوصين بالدعاء من غير صلاة. اه‍. (قوله: في خطبة ثانية) متعلق بمحذوف صفة لدعاء. (قوله: لاتباع السلف والخلف) دليل لوجوب الدعاء في الخطبة الثانية. قال ش ق: والمراد بالسلف: الصحابة، وبالخلف: من بعدهم من التابعين، وتابعيهم. اه‍. (قوله: والدعاء للسلطان) مبتدأ، خبره لا يسن. (وقوله: بخصوصه) أي بعينه، كاللهم ارحم مولانا السلطان عبد الحميد. وخرج بخصوصه ما إذا دعا له بخصوصه، بل مع غيره، كالدعاء لائمة المسلمين، وولاة أمورهم وهو منهم، فإنه يسن كما سيصرح به. (قوله: إلا مع خشية فتنة) أي خوفها، ولا يشترط فيه غلبة الظن، بل يكفي أصله. (قوله: فيجب) أي الدعاء له بخصوصه. والمناسب أن يقول: فيسن. ثم يضرب عنه


(1) الاحزاب 70

[ 80 ]

إضرابا انتقاليا ويقول: بل يجب. (قوله: ومع عدمها) أي الفتنة. (وقوله: لا بأس به) يستفاد منه أنه مباح. كذا في البجيرمي، وش ق. وقال سم: إنه مع ذلك مكروه. (قوله: حيث لا مجارفة) أي مبالغة وخروجا عن الحد، كالعادل المعطى كل ذي حق حقه، الذي لا يظلم، فإن وجدت المجازفة يكون مكروها، إن كان أصل الوصف فيه، وإلا حرم، كما يستفاد من قوله بعد: ولا يجوز إلخ. (قوله: وصفه بصفة كاذبة) أي كالسلطان الغازي، والحال أنه لم يغز أصلا. (قوله: إلا لضرورة) أي إلا إذا لم يصفه بتلك الصفة الكاذبة يحصل به ضرر، أي أو تحدث فتنة، فيكون لا بأس به. (والحاصل) لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه، بلا مجازفة. أما معها فيكره، إذا كان أصل الوصف فيه، وإلا حرم إن لم يترتب على عدم الاتيان به محذور، وإلا فلا بأس به. لكن يستعمل التورية فيه. (قوله: ويسن الدعاء لولاة الصحابة قطعا) أي على التعيين أو على الاجمال. وقول الشافعي - رضي الله عنه - لا يدعو الخطيب في الخطبة لاحد بعينه، يخص بغير الصحابة. وفي فتاوي ابن حجر ما نصه: وأما حكم الترضي عن الصحابة في الخطبة فلا بأس به، سواء أذكر أفاضلهم بأسمائهم - كما هو المعروف الآن - أم أجملهم. وأما قول الشافعي لا يدعو في الخطبة لاحد بعينه فإن فعل ذلك كرهته فيحمل على ذكر من لا فائدة في ذكره، كالدعاء للسلطان مع المجازفة في وصفه بلا ضرورة، بخلاف ما إذا لم يجازف، لان أبا موسى الاشعري - رضي الله عنه - دعا في خطبته لعمر رضي الله عنه، فأنكر عليه البداءة بعمر قبل البداءة بأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال للمنكر: أنت أزكى منه وأرشد. وأخرج أبو نعيم وابن عباس - رضي الله عنهما - كان يقول على منبر البصرة: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عليا أهل الحق أمير المؤمنين. وأما التأمين على ذلك جهرا فالاولى تركه لانه يمنع الاستماع، ويشوش على الحاضرين من غير ضرورة ولا حاجة إليه. وأما ما أطبق الناس عليه من التأمين جهرا - سيما مع المبالغة - فهو من البدع القبيحة المذمومة، فينبغي تركه اه‍. بجذف. (قوله: وكذا لولاة المسلمين) أي وكذا يسن الدعاء لهم، أي لبقيتهم، لقوله (ص): لا تشغلوا قلوبكم بسب الملوك، ولكن تقربوا إلى الله تعالى بالدعاء لهم، يعطف الله قلوبهم عليكم. رواه البخاري عن عائشة. وقال الحسن البصري - رضي الله عنه -: لو علمت لي دعوة مستجابة لخصصت بها السلطان، فإن خيره عام، وخير غيره خاص. (قوله: وذكر المناقب) أي ذكر مناقب الولاة، أي صفاتهم الحسنة. (وقوله: لا يقطع الولاء) أي الذي يشترط بين الاركان، وبينها وبين الصلاة. (قوله: ما لم يعد به) أي بذكر المناقب معرضا، فإن عد به معرضا عنها يكون قاطعا للولاء. (قوله: وفي التوسط يشترط أن لا يطيله) أي الدعاء المعلوم من المقام، وصرح به في التحفة وعبارتها. وصرح القاضي - في الدعاء لولاة الامر - بأن محله ما لم يقطع نظم الخطبة عرفا، وفي التوسط يشترط أن لا يطيله إطالة تقطع الموالاة، كما يفعله كثير من الخطباء الجهال. اه‍. (وقوله: إطالة تقطع الموالاة) وهي التي تكون بمقدار ركعتين بأقل مجزئ - كما سيأتي - وحينئذ يستأنف أركانها. (قوله: ولا شك في ترك فرض من الخطبة) أي الاولى أو الثانية. (وقوله: بعد إلخ) متعلق بشك. (وقوله: فراغها) أي الخطبة. والمراد الثانية، فلو شك في الجلوس بينهما أو في أثناء الثانية بأنه ترك ركنا من الاولى أثر. قال ع ش: لو علم ترك ركن ولم يدر هل هو من الاولى أو من الثانية، هل يجب إعادتها أم إعادة الثانية فقط ؟ فيه نظر. والاقرب أنه يجلس، ثم يأتي بالخطبة الثانية إلخ. اه‍. (قوله: لم يؤثر كما لا يؤثر الشك إلخ) قال سم: قياس ما ذكر أيضا تأثير الشك في أثنائها، وأنه لا يرجح لقول غيره، وإن كثر إلا إن بلغ حد التواتر، وهذا ظاهر في الخطيب. فلو شك الاربعون - أو بعضهم - في ترك الخطيب شيئا من فروضها في أثنائها فهل يؤثر ؟ فيه نظر. وظاهر صنيعهم أنه لا يؤثر الخ. اه‍. (

[ 81 ]

قوله: وشرط فيهما إلخ) لما فرغ من بيان أركان الخطبتين شرع في بيان شروطهما، وهي اثنا عشر، ذكر منها سبعة: الاسماع، وكونها عربية، وقيام قادر، وطهر وستر، وجلوس بينهما، وولاء. وبقي منها خمسة لم يذكرها، وهي: السماع، وكون الخطيب ذكرا، ووقوعها في خطة أبنية، وكونها بعد الزوال، وقبل صلاة. ويمكن أن يقال أن الشرطين الاخيرين يعلمان ضمنا من قوله وقوعها بعد خطبتين بعد زوال، وأن الشرط الاول - وهو السماع - لازم للاسماع، إذ المراد منه الاسماع بالفعل، ولا حاجة لعدة شرطا مستقلا. ولكن يبقى عليه عدم عده الشرطين الباقيين، إلا أن يقال أنه يلزم من جعهلما شرطين لصحة الجمعة أن يكونا شرطين للخطبة. (قوله: إسماع أربعين) أي بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الاسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، عند ابن حجر. وخالف الجمال الرملي - تبعا لوالده - فقال: يكفي الاسماع والسماع بالقوة لا بالفعل، قال إذ لو كان سماعهم واجبا لكان الانصات متحتما. اه‍. ومعنى قوله بالقوة: أن يكون الخطيب يرفع صوته بحيث لو أصغوا إليه لسمعوا فعليه، لو وجد عارض لغط، أو اشتغل بعضهم عن السماع بتحدث مع جليسه لا يؤثر، وعلى الاول يؤثر. (قوله: أي تسعة وثلاثين سواه) تفسير للاربعين، أي أن المراد من الاربعين الذي يجب إسماعهم تسعة وثلاثون غير نفسه، فيكون هو متمم الاربعين، لا زائدا عليهم. ومفهوم ذلك أنه يجب إسماعه نفسه أيضا كالتسعة والثلاثين. وهذا قول ضعيف. والمعتمد أنه لا يجب إسماع نفسه. وجزم به في التحفة، وعبارتها مع الاصل: وإسماع أربعين - أي تسعة وثلاثين - وهو لا يشترط إسماعه ولا سماعه، لانه وإن كان أصم يفهم ما يقول. اه‍. ولو حذف لفظ سواه لكان أولى، ليكون جاريا على ما جرى عليه شيخه، وعليه يكون التفسير تفسير مراد للاربعين، ويكون في تعبيره بالاربعين تسمح الجمعة قوله فمن تنعقد بهم الجمعة) بيان للاربعين. (قوله: الاركان) مفعول ثان لاسماع. (قوله: لا جميع الخطبة) أي لا يشترط إسماعهم جميع الخطبة، فلو أسر في غير الاركان صحت الخطبة، فالاسماع ليس شرطا، إلا في الاركان. ومثله سائر الشروط، فهي إنما تعتبر في الاركان خاصة. فلو انكشفت عورته، أو جلس في غير الاركان لم يؤثر. (قوله: قال شيخنا) عبارته: ويعتبر على الاصح عند الشيخين وغيرهما سماعهم لها بالفعل، لا بالقوة، فلا تجب الجمعة على أربعين إلخ. اه‍. إذا علمت ذلك تعلم أن الشارح أسقط من العبارة المذكورة فاء التفريع وما يتفرع عليه. (قوله: لا تجب الجمعة على أربعين إلخ) أي لفقدهم شرطا من شروط الخطبة، وهو السماع. وكما لا تجب عليهم لا تنعقد بهم، لما ذكر. (وقوله: بعضهم أصم) أي غير الخطيب، لما علمت أن المعتمد أنه لا يشترط إسماع نفسه، لانه يفهم ما يقول. (قوله: ولا تصح) فاعله يعود على الجمعة، وإنما لم تصح لعدم صحة الخطبة، لفقد شرط من شروطها، وهو السماع بالفعل. ويحتمل عود الفاعل على الخطبة. ويلزم عن عدم صحتها عدم صحة الجمعة، لكن عليه يلزم الاظهار في مقام الاضمار في قوله بعد: يمنع سماع ركن الخطبة. (قوله: مع وجود لغط) هو بفتحتين، اختلاط الاصوات مع رفعها. (وقوله: يمنع) أي ذلك اللغط. (وقوله: مع سماع ركن الخطبة) أي سماعهم ركنا من أركانها. (قوله: على المعتمد فيهما) أي في الصورتين، وهما عدم وجوبها على أربعين بعضهم أصم، لكن غير الخطيب، كما علمت. وعدم صحتها مع وجود لغط يمنع سماع ركن من أركان الخطبة. (قوله: وإن خالف فيه) أي في اعتبار السماع بالفعل المعلوم من عبارة التحفة المارة آنفا. (وقوله: فلم يشترطوا إلا الحضور) أي حضورهم موضع الخطبة، أي وإن لم يسمعوا بالفعل لبعد، أو نوم، أو لغط. (قوله: وعليه) أي على اشتراط الحضور فقط. (قوله: ولا يشترط إلخ) مرتبط بالمتن. (وقوله: كونهم) أي الاربعين الذين يسمعون الخطبة. (وقوله: بمحل الصلاة) فلو كانوا خارج المسجد والخطيب فيه وسمعوا الخطبة من خارجة كفى.

[ 82 ]

(قوله: ولا فهمهم لما يسمعونه) أي ولا يشترط ذلك، كما لا يشترط فهم الفاتحة في الصلاة، ولا يشترط أيضا طهرهم، ولا سترهم. (قوله: وشرط فيهما) أي في الخطبتين. والمراد أركانهما، كما في التحفة، وعبارتها مع الاصل: ويشترط كونها - أي الاركان - دون ما عداها عربية إلخ. اه‍. وكتب سم ما نصه: قوله دون ما عداها: يفيد أن كون ما عدا الاركان من توابعها بغير العربية لا يكون مانعا من الموالاة. اه‍. قال ع ش: ويفرق بينه وبين السكوت بأن في السكوت إعراضا عن الخطبة بالكلية، بخلاف غير العربي، فإن فيه وعظا في الجملة، فلا يخرج بذلك عن كونه في الخطبة. اه‍. (قوله: لاتباع السلف والخلف) تعليل لاشتراط كونهما بالعربية، أي شرط ذلك لاتباع السلف والخلف، أي لوجوب اتباعهم أو المراد لفعل السلف والخلف المتبع، فهو على تقدير مضاف فقط على الاول، ومع تأويل المصدر بمعنى اسم المفعول على الثاني. وإنما احتيج إلى ذلك لاجل أن تصح العلة. ومر أن السلف هم الصحابة، وعم الخلف من عداهم. وذكر في النهاية العلة المذكورة، وزاد: ولانها ذكر مفروض، فاشترط فيها ذلك، كتكبيرة الاحرام. (قوله: وفائدتها إلخ) مرتبط بمحذوف ملاحظ بعد قوله عربية. أي وشرط فيها عربية، وإن كانوا كلهم عجما. وفائدتها حينئذ مع عدم معرفتهم لها علمهم بأن ما يقوله الخطيب وعظا. (وقوله: في الجملة) أي بالاجمال، وإن لم يعلم عين الموعوظ به. (قوله: قاله القاضي) عبارة النهاية وأجاب القاضي عن سؤال: ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم ؟ بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة. اه‍. (قوله: وإن لم يمكن إلخ) هذا استدراك من اشتراط العربية. وصرح في التحفة - قبل إن الشرطية - بأداة الاستدراك. (قوله: قبل ضيق الوقت) متعلق بتعلم، وذلك بأن لم يمكن تعلمها أصلا لبلادتهم، أو أمكن لكن بعد ضيق الوقت بأن لم يبق منه إلا مقدار ما يسع الصلاة والخطبة، فالنفي راجع للمقيد مع قيده، أو إلى القيد فقط. (قوله: خطب إلخ) هذا ظاهر بالنسبة لما عدا الآية من الاركان. أما هي ففيه نظر، لما تقرر في باب الصلاة من أن القرآن لا يترجم عنه. فلينظر ماذا يفعل حينئذ ؟. اه‍. سم. (وقوله: بلسانهم) أي بلغتهم، ومفاده أنه لا يخطب بلغته، وهو خلاف ما في النهاية، ونصها: خطب واحد منهم بلغته وإن لم يعرفها القوم. اه‍. ومثلها المغني. (قوله: وإن أمكن تعلمها) أي تعلم الخطبة بالعربية قبل ضيق الوقت. قال ع ش: أي ولو بالسفر إلى ما فوق مسافة القصر - كما يعلم مما تقدم في تكبيرة الاحرام -. اه‍. (قوله: وجب) أي تعلمها. (وقوله: على كل على الكفاية) أي على سبيل فرض الكفاية، فيكفي في تعلمها واحد، فإن مضت مدة إمكان تعلم واحد منهم ولم يتعلم عصوا كلهم، ولا جمعة عليهم، بل يصلون ظهرا. (قوله: وقيام قادر) معطوف على إسماع أربعين، أي وشرط فيهما قيام قادر. (وقوله: عليه) متعلق بقادر، أي قادر على القيام، فإن عجز عنه خطب قاعدا، ثم مضطجعا - كالصلاة - ويصح الاقتداء به، وإن لم يقل لا أستطيع، لان الظاهر أنه فعل ذلك لعجزه، والاولى له أن يستنيب، فإن بان أنه كان قادرا فلا يؤثر، كإمام بان محدثا. (قوله: وطهر) معطوف على إسماع أيضا. أي وشرط فيهما طهر، فلو أحدث في الخطبة استأنفها، وإن سبقه الحدث وقصر الفصل، لانها عبادة واحدة، فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة، ومن ثم لو أحدث بعد الخطبة وقبل الصلاة وتطهر عن قرب لم يضر، لانها مع الصلاة عبادتان مستقلتان كما في الجمع بين الصلاتين ولو أحدث في أثناء الخطبة واستخلف من حضر، جاز للثاني البناء على خطبة الاول. (وقوله: من حدث) متعلق بطهر. (قوله: وعن نجس غير معفو عنه) معطوف على من حدث. وعن بمعنى من. أي وطهر من نجاسة غير معفو عنها. أما المعفو عنها، كقليل دم أجنبي، وكدم براغيث، وغير ذلك - مما مر في مبحث النجاسات - فلا تضر. (قوله: في ثوبه إلخ) متعلق بمحذوف، صفة ثانية لنجس، أي نجس كائن في ثوبه إلخ. (وقوله: وبدنه ومكانه) الواو فيهما بمعنى أو - مانعه الخلو - والمراد بالمكان: المنبر مثلا، فلا تصح

[ 83 ]

الخطبة مع قبض حرفه وعليه نجاسة تحت يده - كذرق الطير، وكالعاج الملصوق على المنابر - قال البجيرمي: والمعتمد الصحة إذا كان في جانب المنبر نجاسة ليست تحت يد القابض، سواء كان المنبر ينجر بجره أم لا، لان علوه عليه مانع من جره عادة. اه‍. وكذا يشترط طهارة كل ما يتصل به كسيف وعكازة. (قوله: وستر للعورة) أي وشرط فيهما ستر للعورة للاتباع، وكما في الصلاة. قال في التحفة: وإن قلنا بالاصح أنها - أي الخطبة - ليست بدلا عن ركعتين لانه (ص) كان يصلي عقب الخطبة. فالظاهر أنه كان يخطب وهو متطهر مستور. اه‍. قال ع ش: وهل يعتبر ذلك في الاركان وغيرها، حتى لو انكشفت عورته في غير الاركان بطلت خطبته أولا ؟ فيه نظر. والاقرب الثاني. ومثله: ما لو أحدث بين الاركان وأتى مع حدثه بشئ من توابع الخطبة، ثم استخلف عن قرب، فلا يضر في خطبته ما أتى به من غير الاركان مع الحدث، فجميع الشروط التي ذكرها إنما تعتبر في الاركان خاصة. اه‍. (قوله: وشرط جلوس إلخ) المناسب فيه وفي قوله المار وشرط فيهما عربية: أن لا يظهر العامل، أو يظهره في جميع المعاطيف. (وقوله: بينهما) أي الخطبتين، وذلك للاتباع. رواه مسلم. فلو تركه لم تصح خطبته، ولو سهوا، إذ الشروط يضر الاخلال بها، ولو مع السهو. قال سم: وظاهر أنه لا يكفي عنه نحو الاضطجاع، ويؤيده الاتباع. (فإن قيل) ما الحكمة في جعل القيام والجلوس هنا شرطين، وفي الصلاة ركنين ؟ (أجيب) بأن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ، ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزأين منها، بخلاف الصلاة فإنها جملة أعمال، وهي كما تكون أذكارا تكون غير أذكار. وخالف الائمة الثلاثة - رضي الله عنهم - في عد الجلوس شرطا، وقالوا إنه ليس بشرط. (قوله: بطمأنيته) أي مع طمأنينة. (وقوله: فيه) أي الجلوس. (قوله: وسن أن يكون) أي الجلوس. (قوله: وأن يقرأها فيه) أي وسن أن يقرأ سورة الاخلاص في الجلوس المذكور. (قوله: ومن خطب قاعدا لعذر) أي أو قائما لم يقدر على الجلوس. (قوله: فصل إلخ) جواب من الشرطية. (وقوله: بينهما) أي الخطبتين. (وقوله: بسكتة) أي فوق سكتة التنفس والعي. وعبارة سم: قوله بسكته: قال في شرح العباب: ليحصل الفصل. ويؤخذ منه أنه يشترط أدنى زيادة في السكوت على سكتة التنفس والعي. اه‍. (قوله: وفي الجواهر: لو لم يجلس) أي الخطيب بين الخطبتين. وعبارة شرح العباب: ولو وصلهما حسبتا واحدة. وهي أولى، لصدقها بما إذا خطب قاعدا لعذر ولم يفصل بينهما بسكتة فإنها تحسب واحدة. (قوله: ويأتي بثالثة) أي باعتبار الصورة، وإلا فهي الثانية، لان التي كانت ثانية صارت بعضا من الاولى. اه‍. تحفة. (قوله: وولاء) أي وشرط ولاء للاتباع، ولان له أثرا ظاهرا في استمالة القلوب. (وقوله: بينهما) أي بين الخطبة الاولى والخطبة الثانية. (وقوله: وبين أركانهما) أي وشرط ولاء بين أركان كل من الخطبتين. (وقوله: وبينهما وبين الصلاة) أي وشرط ولاء بين مجموع الخطبتين والصلاة. (والحاصل) الولاء معتبر في ثلاثة مواضع: الاول بين الخطبتين، فلا يطيل الفصل بينهما. والثاني بين أركانهما. والثالث بينهما وبين الصلاة. فلا يطيل الفصل بين الثانية منهما وبين الصلاة. (قوله: أن لا يفصل) أي الخطيب، وهو تصوير للولاء. (وقوله: طويلا) صفة لموصوف محذوف منصوب على المفعولية المطلقة، أو على أنه بإسقاط الخافض، أي فصلا طويلا، أو بفاصل طويل. ولا بد أن يكون لا تعلق له بالخطبة، فإن فصل بما له تعلق بها لم يضر، فلا يقطع الموالاة الوعظ وإن طال، وكذا قراءة وإن طالت حيث تضمنت وعظا، خلافا لمن أطلق القطع بها فإنه غفلة عن كونه (ص) كان يقرأ في خطبته ق كما تقدم. (وقوله: عرفا) أي في العرف، أي أن المعتبر في ضابط الطول العرف. (قوله: وسيأتي) أي في تتمة يجوز لمسافر إلخ، وفيه أنه لم يصرح بما ذكر فيما يأتي، كما يعلم بالوقوف على عبارته ونصها: وولاء عرفا، فلا يضر فصل يسير بأن كان دون قدر ركعتين إلا أن يقال أن المراد بطريق المفهوم، فلا إشكال، لانه يفهم أنه يضر الفصل بقدر ركعتين. (قوله: بين المجموعتين) أي الصلاتين المجموعتين جمع تقديم. (وقوله: بفعل ركعتين) خبر أن. أي كائن بفعل ركعتين.

[ 84 ]

(وقوله: بل بأقل مجزئ) إضراب انتقالي، أي بل يحصل اختلال الموالاة بركعتين بأقل مجزئ، بأن يقتصر فيهما على الاركان. ويوجد في بعض نسخ الخط إسقاط بل، وهو الموافق لما في التحفة، فهو أولى. (قوله: فلا يبعد الضبط بهذا) أي بما سيأتي من أن الموالاة تختل - أي تنقطع - بفعل ركعتين. (قوله: هنا) أي في الخطبة. (والحاصل) الذي يخل في المجوعتين يخل هنا، والذي لا يخل هناك لا يخل هنا، وذلك لانهم صرحوا بأن الخطبة والصلاة مشبهتان بصلاتي الجمع. (قوله: ويكون بيانا للعرف) أي ويكون الضبط بهذا بيانا للعرف في عبارة من عبر به، أي فالمراد بالطول في العرف، أن يكون بمقدار ركعتين. (قوله: وسن إلخ) لما فرغ من بيان ما لا بد منه في الجمعة شرع في بيان ما يطلب لها من الآداب. (وقوله: لمريدها) أي لمريد حضورها، وإن لم تلزمه، بأن كان امرأة، أو رقيقا، أو مسافرا. وقيل يسن الغسل لكل أحد، وإن لم يرد الحضور. (قوله: غسل) أي لخبر: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل وخبر: من أتى الجمعة - من الرجال والنساء - فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل. وخبر غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وحق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما. زاد النسائي: هو يوم الجمعة. وصرف هذه الاحاديث من الوجوب خبر: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. رواه الترمذي وحسنة وقوله فيها: أي فبالسنة أخذ. أي بما جوزته من الوضوء مقتصرا عليه. ونعمت الخصلة أو الفعلة، والغسل معها أفضل. وخبر: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا، واستمع، وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام. وفي الصحيحين: أن عثمان دخل وعمر يخطب فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء ؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم جئت. فقال عمر: والوضوء أيضا ؟ ألم تسمعوا رسول الله (ص) يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. (فائدة) عن ابن عمر وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - قالا: قال رسول الله (ص): إن تحت العرش مدينة - وقال القرطبي في تفسيره سبعين مدينة - مثل الدنيا سبعين مرة، مملوءة من الملائكة كلهم يقولون: اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة وأتى الجمعة. وقال (ص): إن الغسل يوم الجمعة ليسل الخطايا من أصول الشعر استلالا. رواه الطبراني. (قوله: بتعميم إلخ) تصوير للغسل بأقل مجزئ، وأكمله ما مر بيانه في مبحث الغسل، وينوي به غسل الجمعة، فيضيفه إلى سببه كسائر الاغسال المسنونة، ويندب الوضوء له كسائرها، ويطلب التيمم بدلا عن هذا الوضوء، إن عجز عن مائه. (قوله: فإن عجز) أي عن الماء، حسا أو شرعا. (وقوله: سن تيمم) أي بدل الغسل. ويكفي تيمم واحد عنه وعن الوضوء المطلوب قبل الغسل إن نواهما به. وإنما قام التيمم مقام الغسل لان المقصود منه العبادة والنظافة، فإذا فاتت هذه بقيت العبادة. وتوقف حجر في كراهة تركه. لكن قال ع ش: الاقرب الكراهة، إعطاء للبدل حكم المبدل منه. (قوله: بنية الغسل) ظاهر صنيعه أنه متعلق بتيمم. أي سن تيمم بنية الغسل، أي أنه بدل عن غسل، فيقول: نويت التيمم بدلا عن غسل الجمعة، ولا يكفي نويت التيمم عن الغسل لعدم ذكر السبب - كسائر الاغسال المسنونة -. ويكفي: نويت التيمم لطهر الجمعة، أو للجمعة، أو للصلاة، أو عن غسل الجمعة - وإن لم يلاحظ البدلية - ويحتمل تعلقه به وبقوله وسن غسل، أي وسن غسل للجمعة بنيته، وهذا هو الاقرب. (قوله: بعد طلوع فجر) الظرف متعلق بغسل، وهو بيان لوقت الغسل. أي وقت الغسل كائن بعد طلوع فجر، أي صادق، فلا يجزئ قبله، لان الاخبار علقته باليوم، كقوله (ص): من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الاولى. الحديث. وقيل وقته من نصف الليل، كالعيد، والفرق ظاهر، لبقاء أثره إلى صلاة العيد، لقرب الزمن، ولا كذلك الجمعة. ويخرج الوقت المذكور باليأس من فعلها، ويحصل بالفراغ من الصلاة، لا قبله، لاحتمال نسيان الامام ركنا منها، فيتداركه، فيدرك معه الجمعة بإدراك ركعة منها. (قوله: وينبغي إلخ) الاولى تأخيره عن قوله وآكدها غسل الجمعة ويستغني عن قوله بعد وكذا إلخ. والظاهر أن المراد بالانبغاء الوجوب.

[ 85 ]

(قوله: خشي منه مفطرا) أي خاف من الغسل مفطرا، بأن يسبق الماء إلى جوفه فيفطر به. (وقوله: تركه) أي الغسل، وهو فاعل ينبغي. (قوله: وكذا سائر الاغسال المسنونة) أي وكذلك ينبغي تركها للصائم إذا خشي منها مفطرا. وخرج بالاغسال المسنونة الاغسال الواجبة، فلا يتركها إذا خشي منها ذلك. فلو اغتسل وسبقه الماء إلى جوفه، لا يفطر، بخلافه في الاغسال المسنونة، فإنه يفطر، كما سيصرح به في باب الصوم. (قوله: وقربه من ذهابه إليها أفضل) أي أن قرب الغسل من الذهاب إلى الجمعة أفضل، أي من الغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان يحصل به أصل السنة، لانه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة. (قوله: ولو تعارض الغسل والتبكير) أي إلى الجمعة، بأن كان لو اغتسل فات التبكير، ولو بكر فات الغسل. (قوله: فمراعاة الغسل أولى) أي من التبكير، لكن محله حيث من الفوات، وقيل: إن كان بجسده ريح كريهة اغتسل، وإلا بكر. (قوله: للخلاف في وجوبه) أي الغسل، ولتعدي نفعه للغير، بخلاف التبكير، ولا يبطله حدث ولا جنابة. سم. (قوله: ومن ثم، كره تركه) أي ومن أجل أن في وجوبه خلافا كره تركه، مراعاة له. (قوله: ومن الاغسال المسنونة إلخ) ذكرها هنا استطرادا، وأفاد التعبير بمن أنه قد بقيت عليه أغسال أخر مسنونة وهي غسل المجنون، والمغمى عليه، إذا أفاقا ولم يتحقق منهما نحو إنزال مما يوجب الغسل، وإلا وجب عليهما. والغسل لدخول الحرم، ولحلق العانة، ولبلوغ الصبي بالسن، وينوي المغتسل في جميعها أسبابها، إلا الغسل من جنون أو إغماء فينوي به رفع الجنابة، لقول الشافعي - رضي الله عنه -: قل من جن أو أغمي عليه إلا وأنزل. فينوي ذلك احتياطا، ويغتفر عدم جزمه بالنية. (وقوله: إلا وأنزل) هو ظاهر في البالغين، فإن كانا صبيين، فنقل عن الرملي أنهما كذلك لاحتمال أنه أولج فيهما، وقيل إنهما ينويان السبب. (قوله: غسل العيدين) أي عيد الفطر، وعيد الاضحى. وهو سنة لكل أحد، سواء أراد الحضور أم لا، وسواء كان حرا أو عبدا، بالغا أو صبيا، وذلك لانه يراد للزينة. ويدخل وقته بنصف الليل. والافضل فعله بعد الفجر. ويخرج بالغروب، لانه للزينة، وهي في اليوم كله، لا للصلاة، وإلا لانتهى بالزوال. (قوله: والكسوفين) معطوف على العيدين، أي وغسل الكسوفين، أي لصلاة الكسوفين: كسوف الشمس، وخسوف القمر. ولا يتقيد بحضور الجماعة، بل إذا صلى منفردا سن له. ويدخل وقته بأول التغير، ويخرج بالانجلاء. (قوله: والاستسقاء) معطوف أيضا على العيدين، أي وغسل الاستسقاء، أي لصلاة الاستسقاء. ولا يتقيد بحضور الجماعة أيضا. ويدخل وقته لمن يريد الصلاة منفردا بإرادة الصلاة ولمن يريدها جماعة باجتماع الناس لها. (قوله: وأغسال الحج) أي ومن الاغسال المسنونة أغسال الحج، وهي الغسل للاحرام، وللوقوف بعرفة، وللوقوف بمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاث. ولا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة لقربه من غسل الوقوف بمزدلفة، ولهذا لا يسن لكل جمرة. (قوله: وغسل غاسل الميت) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي ومن الاغسال المسنونة: الغسل لمن غسل ميتا، سواء كان الميت مسلما أم كافرا، وسواء كان الغاسل طاهرا أم لا، كحائض، وذلك لقوله (ص): من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ. رواه الترمذي وحسنه. ومثل الغسل: التيمم، فيسن لمن يممه الغسل، لانه مس جسدا خاليا عن الروح، فيحصل له ضعف، والماء يقويه. ويدخل وقته بالفراغ من غسل الميت، ويخرج بالاعراض عنه. (قوله: والغسل للاعتكاف) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي من الاغسال المسنونة: الغسل للاعتكاف في المسجد. (قوله: ولكل ليلة من رمضان) معطوف على الاعتكاف، أي ومن الاغسال المسنونة: الغسل لكل ليلة من رمضان. قال في النهاية: وقيده الاذرعي بمن يحضر الجماعة، والاوجه الاخذ بإطلاقهم اه‍. قال ع ش: ويدخل وقت الغسل بالغروب، ويخرج بطلوع الفجر. اه‍. ومن الاغسال المسنونة أيضا: الغسل لكل مجمع من مجامع الخير، كمجالس الوعظ، والذكر، والتعليم، والتعلم. ولا يسن للاجتماع للصلوات الخمس، وإن كان من مجامع الخير، لشدة الحرج

[ 86 ]

والمشقة - كما في النهاية. (قوله: ولحجامة) معطوف على للاعتكاف أيضا، أي ومن الاغسال المسنونة: الغسل للحجامة، أي بعدها. ومثلها الفصد. ولو قال ولنحو حجامة لكان أولى. والحكمة في سن الغسل لذلك أنه يضعف البدن، والغسل يشده ويقويه. (قوله: ولتغير الجسد) معطوف أيضا على للاعتكاف، أي ومن الاغسال المسنونة: الغسل عند تغير الجسد، إزالة للرائحة الكريهة. (قوله: وغسل إلخ) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي ومن الاغسال المسنونة: الغسل للكافر بعد إسلامه. وتسميته كافرا بعده باعتبار ما كان. ولو قال والغسل لاسلام كافر لسلم من ارتكاب التجوز. ووقته يدخل بالاسلام، ويفوت بطول الزمن أو بالاعراض عنه. وشمل الكافر إذا أسلم: المرتد. ولا فرق بين من أسلم استقلالا، ومن أسلم تبعا لاحد أصوله. أو للسابي، فيأمره الولي بالغسل إن كان مميزا، وإلا غسله. وكذا السابي المسلم، يأمر مسبيه بذلك. ويسن له - ولو أنثى - إزالة شعره قبل الغسل إن لم يحدث في كفره حدثا أكبر، وإلا فبعده. ويستثنى من ذلك نحو لحية رجل - كحاجب - فلا يسن إزالته. ولا يسن حلق الرأس إلا في الكافر إذا أسلم، وفي المولود، وفي النسك. وقد حلق (ص) رأسه أربع مرات في النسك، الاولى في عمرة الحديبية. والثانية في عمرة القضاء. والثالثة في الجعرانة. والرابعة في حجة الوداع. كما نقل عن الحافظ السخاوي. وحلق الرأس في غير ذلك مباح، وقيل: بدعة حسنة. (قوله: للامر به) أي أمر النبي (ص) قيس بن عاصم بالغسل لما أسلم. رواه الترمذي وحسنة، وابن حبان وصححه. (قوله: ولم يجب) أي الغسل. فالامر به محمول على الندب. (قوله: لان كثيرين أسلموا) أي ولان الاسلام ترك معصية، فلم يجب معه غسل، كالتوبة من سائر المعاصي، فإنه لا يجب لها غسل، بل يسن. (قوله: وهذا إلخ) أي ما ذكر من سنية الغسل للاسلام، محله إذا لم يعرض له في حال كفره ما يوجب الغسل كالجنابة، والحيض، والنفاس، كأن بلغ بالسن وأسلم عقب بلوغه. (وقوله: وإلا) أي بأن عرض له ذلك في حال كفره وجب الغسل. وظاهر صنيعه أنه لا يطلب الغسل المندوب مع الغسل الواجب عند الجنابة أو الحيض، وليس كذلك، فيجتمع عليه غسلان: أحدهما مندوب، والآخر واجب. ويحصلان بغسل واحد إن نواهما به، فإن نوى أحدهما حصل فقط، فلا تكفي نية الواجب عن المندوب، ولا عكسه، وإنما لم يسقط عنه غسل نحو الجنابة بالاسلام كالصلاة لقلة المشقة فيه بعدم تعدده، بخلافها، فإن شأنها ذلك، حتى لو أسلم وعليه نحو صلاة واحدة لم يؤمر بقضائها. فقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (1) محمول على ما يشق قضاؤه، ولان إيجاب الغسل عليه ليس مؤاخذة له بما وجب في كفره، بل بما هو حاصل في الاسلام، وهو كونه جنبا. (قوله: إن اغتسل في الكفر) غاية في وجوب الغسل. (وقوله: لبطلان نيته) أي الواقعة حال كفره، إذ شرط الاعتداد بها الاسلام. (قوله: وآكدها غسل الجمعة) أي وآكد الاغسال غسل الجمعة، وذلك لانه قيل بوجوبه، مع كثرة أحاديثه الصحيحة. (قوله: ثم من غسل الميت) أي ثم يلي غسل الجمعة، الغسل من غسل الميت. وتقديم غسل الجمعة عليه هو القول القديم، والجديد بالعكس، ولكن رجح الاول، كما نص عليه في المنهاج، وعبارته: وآكدها غسل غاسل الميت، ثم الجمعة، وعكسه القديم، قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الاكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح. والله أعلم. اه‍. ثم يلي غسل الميت ما كثرت أحاديثه، فما اختلف في وجوبه، فما صح حديثه، فما كان نفعه متعديا أو أكثر. وكذا يقال في مسنونين دليلهما ضعيف، فيقدم منهما ما نفعه أكثر، وهذا الترتيب هو المعتمد. ومن فوائد ذلك أنه لو أوصى بماء لاولى الناس به قدم من يستعمله للآكد، فالآكد. (قوله: يسن قضاء غسل الجمعة كسائر الاغسال المسنونة) أي إذا فاتت عليه. قال ع ش: وانظر بم


(1) الانفال: 38

[ 87 ]

يحصل الفوات للغسل من غسل الميت ونحوه ؟ ثم رأيت بهامش نسخة صحيحة من الزيادي ما نصه: نقل شيخنا الزيادي أن شخصا من أهل العلم سأل شيخه الطندتائي عما يخرج به غسل العيد ؟ فأجاب بأنه يخرج باليوم، وأما غسل الجمعة فبفوات الجمعة. ونقل شيخنا المذكور عن بعض مشايخه أن غسل غاسل الميت ينقضي بنية الاعراض عنه، أو بطول الفصل. اه‍. وقد يقال في المجنون والمغمى عليه إنما يفوت الغسل في حقهما بعروض ما يوجب الغسل كجنابة، فإن حكمة طلب غسلهما احتمال الجنابة، وهو موجود، وإن طال زمنه اه‍. وما تقرر من قضاء ما ذكر هو ما جرى عليه شيخه حجر. وقال م ر: لا يقضى، وعبارته: ولو فاتت هذه الاغسال لم تقض، وسئل السبكي - رحمه الله تعالى - هل تقضى الاغسال المسنونة ؟ فقال: لم أر فيها نقلا، والظاهر لا، لانها إن كانت للوقت فقد فات، أو للسبب فقد زال. اه‍. (قوله: وإنما طلب قضاؤه) أي الغسل من حيث هو غسل الجمعة أو غيرها. ولو قال قضاؤها بتأنيث الضمير العائد إلى الاغسال كلها لكان أولى. (قوله: لانه) أي من طلب منه الغسل. (قوله: أنه يقضي) أي أن الغسل يطلب قضاؤه إذا فاته. (قوله: دوام) أي من طلب منه، وهو جواب إذا. (قوله: على أدائه) أي الغسل. (قوله: وبكور) معطوف على غسل، أي وسن بكور، وهو مصدر بكر بالتخفيف: كعقد. قال ابن مالك: وفعل اللازم مثل قعد * * اله فعول باطراد كغدا ومعناه الاسراع إلى المصلى من أول النهار، ويطلق أيضا على الاسراع إلى الشئ في أي وقت كان. قال في المصباح: بكر إلى الشئ بكورا، من باب قعد أسرع أي وقت كان، وبكر تبكيرا مثله، وأبكر بكورا فعل ذلك بكرة. قال ابن فارس. وقال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكورا، وغدا غدوا هذان من أول النهار. اه‍. ملخصا. وفي سم: لو بكر أحد مكرها على التبكير لم يحصل له فضل التبكير فيما يظهر، فلو زال الاكراه حسب له من حينئذ إن قصد الاقامة لاجل الجمعة فيما يظهر. اه‍. (قوله: لغير خطيب) أما هو: فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة، كما سيذكره. قال في النهاية: ويلحق به سلس البول ونحوه، فلا يندب له التبكير، وإطلاقه يقتضي استحباب التبكير للعجوز إذا استحببنا حضورها، وكذا الخنثى الذي هو في معنى العجوز. وهو متجه. اه‍. (قوله: إلى المصلى) متعلق ببكور. ولا فرق فيه بين أن يكون مسجدا أو غيره. (قوله: من طلوع الفجر) متعلق ببكور أيضا. قال سم: فلو جاء قبل الفجر لم يثب على ما قبله ثواب التبكير للجمعة فيما يظهر. اه‍. (قوله: لما في الخبر الصحيح إلخ) دليل لسنية البكور، والخبر المذكور مروي بالمعنى، وهو في المغني وشرح الروض، ولفظه: على باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الاول فالاول، ومن اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يسمعون الذكر. وفي رواية صحيحة: وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة عصفورا، في السادسة بيضة. وفي أخرى صحيحة أيضا: وفي الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة، وفي السادسة بيضة والمراد من ذلك: أن له ثواب بدنة يتقرب بها إلى الله تعالى، وهكذا يقال فيما بعده. (قوله: أن للجائي إلخ) بدل من الخبر الصحيح، بدل كل من كل. (قوله: بعد اغتساله) متعلق بالجائي. قال سم: قضية هذا التقييد الوارد في الحديث: توقف حصول البدنة أو غيرها على كون المجئ مسبوقا بالاغتسال، والثواب أمر توقيفي، فيتوقف على الوجه الذي ورد عليه. (فرع) دخل المسجد في الساعة الاولى، ثم خرج وعاد إليه في الساعة الثانية مثلا فهل له بدنة وبقرة ؟ الوجه: لا بل خروجه ينافي استحقاق البدنة بكمالها، بل ينبغي عدم حصولها لمن خرج بلا عذر، لان المتبادر أنها لمن دخل واستمر.

[ 88 ]

ولو حصلا له لزم أن يكون من غاب ثم رجع، أكمل ممن لم يغب، ولا يقوله أحد، خصوصا إن طالت غيبته، كأن دخل في أول الساعة الاولى، وعاد في آخر الساعة الثانية. اه‍. (قوله: غسل الجنانة) مفعول مطلق لاغتسال. (قوله: أي كغسلها) أي فهو تشبيه بليغ، ويدل عليه عدوله إليه عن قوله ومن اغتسل من الجنابة. (قوله: وقيل حقيقة) أي أنه اغتسل من الجنابة حقيقة. وحكاه بقيل لضعفه، لاقتضائه تخصيص الثواب بمن جامع، وهو خلاف المقصود. (قوله: بأن يكون جامع) تصوير لكون الغسل من الجنابة حقيقة في الخبر. (قوله: لانه يسن) أي الجماع. قال في الامداد: لتسكن نفسه. اه‍. وهو تعليل لكونه حقيقة. (وقوله: ليلة الجمعة أو يومها) قال البجيرمي: ظاهره استواؤهما، لكن ظاهر الحديث أنه يومها أفضل. ويوجه بأن القصد منه أصالة: كف بصره عما يراه فيشتغل قلبه. كما في حجر. اه‍. (قوله: في الساعة الاولى) متعلق بالجائي. (وقوله: بدنة) اسم أن مؤخر. (قوله: وفي الثانية بقرة) أي وأن للجائي في الساعة الثانية بقرة، وهي تطلق على الذكر والانثى، وتاؤها للوحدة. (قوله: وفي الثالثة كبشا أقرن) أي وأن للجائي في الساعة الثالثة كبشا أقرن، أي عظيم القرون. (قوله: والرابعة دجاجة) أي وأن للجائي في الساعة الرابعة دجاجة، وهي بتثليث الدال، والفتح أفصح. (قوله: والخامسة عصفورا) أي وأن للجائي في الساعة الخامسة عصفورا. (واعلم) أن المعتبر في أسنان تلك الحيوانات الكمال عرفا. كما في البرماوي. (قوله: والسادسة بيضة) أي وأن للجائي في الساعة السادسة بيضة. وهذا على ما في بعض الروايات أن الاقسام ستة، وفي بعضها الاقسام خمسة، كرواية: من راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. (قوله: والمراد إلخ) يعني أن المراد بالساعات المذكورة أن ما بين طلوع الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء متساوية على ما في بعض الروايات أو خمسة أجزاء على ما في البعض الآخر. ويؤيد ما ذكر الخبر الصحيح، وهو: يوم الجمعة ثنتا عشر ساعة. إذ مقتضاه أن يومها لا يختلف، فلتحمل كل ساعة على مقدار سدس ما بين الفجر والزوال، ومن جاء أول ساعة أو وسطها أو آخرها يشتركون في أصل البدنة مثلا، لكنهم يتفاوتون في كمالها. وهذا هو المعتمد. قال في النهاية وفي أصل الروضة ليس المراد من الساعات الفلكية وهي الاربع والعشرون بل ترتيب درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، لئلا يستوي فيها رجلان جاءآ في طرفي ساعة، ولئلا يختلف في اليوم الشاتي والصائف، إذ لا يبلغ ما بين الفجر والزوال في كثير من أيام الشتاء ست ساعات. فعليه: كل داخل بالنسبة لما بعده كالمقرب بدنة، وإلى من قبله بدرجة كالمقرب بقرة، وبدرجتين كالمقرب كبشا، وبثلاث كالمقرب دجاجة، وبأربع كالمقرب بيضة. لكن قال في شرحي المهذب ومسلم: بل المراد الفلكية، لكن بدنة الاول أكمل من بدنة الاخير، وبدنة المتوسط متوسطة، كما في درجات صلاة الجماعة القليلة والكثيرة. فعليه: المراد بساعات النهار الفلكية اثنتا عشرة ساعة زمانية صيفا أو شتاء، وإن لم تساو الفلكية، فالعبرة بخمس ساعات منها أو ست، وهو المعول عليه، طال الزمان أو قصر. كما أشار إليه القاضي. وهو أحسن من قول الغزالي: اخر الاولى إلى طلوع الشمس، والثانية ارتفاعها، والثالثة انبساطها حتى ترمض الاقدام، والرابعة والخامسة الزوال. اه‍. (قوله: أما الامام) المناسب: أما الخطيب، لانه محترز قوله لغير خطيب. (وقوله: فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة) قال ويسن الذهاب إلخ، أي للخبر الصحيح: من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها. ومعنى غسل: قيل: جامع حليلته، فألجأها إلى الغسل، وقيل غسل ثيابه وغسل رأسه. ومعنى بكر بالتخفيف: خرج من بيته باكرا. وبالتشديد: أتى الصلاة أول وقتها. ومعنى ابتكر: أدرك أول

[ 89 ]

الخطبة. (وقوله: إلى المصلى) بفتح اللام المشددة، أي موضع الصلاة، مسجدا أو غيره. (وقوله: في طريق طويل) متعلق بالذهاب، ومحله إن أمن الفوات، وإلا فيذهب في طريق قصير. (وقوله: ماشيا) حال من فاعل الذهاب المقدر، أي يسن ذهابه حال كونه ماشيا، ومحله إن قدر عليه وإلا ركب. (وقوله: بسكينة) هي التأني في المشي والحركات واجتناب العبث، وحسن الهيئة، كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات. ويطلب ذلك أيضا للراكب على دابته، وإنما سنت لخبر الشيخين: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة فإن قيل: قال تعالى: * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * (1) فظاهره أن السعي مطلوب. أجيب بأن معناه: امضوا. لان السعي يطلق على المضي وعلى العدو، فبينت السنة المراد به. (قوله: والرجوع في طريق آخر قصير) أي ويسن الرجوع في طريق آخر قصير. قال في التحفة: ويتخير فيه بين الركوب والمشي - كما يأتي في العيد -. اه‍. (قوله: وكذا في كل عبادة) أي وكذا يسن الذهاب في طريق طويل ماشيا بسكينة والرجوع في طريق آخر قصير، في كل عبادة، كالعيد، والجنازة، وعيادة المريض. ويستثنى منها النسك، فإن الركوب فيه أفضل، كما يأتي في بابه. (قوله: ويكره عدو) بفتح فسكون، وهو المشي بسرعة، وهو محترز قوله بسكينة. (قوله: إلا لضيق وقت) بحيث لو مشى بسكينة لم يدرك الصلاة كلها في الوقت. (وقوله: فيجب) أي العدو. والمناسب أن يقول فلا يكره، بل يجب. ومحل الوجوب إذا أطاق العدو. وقال سم: بقي ما إذا لم يدرك جماعة بقية الصلوات إلا بالسعي. وفي شرح الروض في باب الجماعة، بعد أن قرر أنه يمشي بسكينة وإن خشي فوات تكبيرة الاحرام، ما نصه: أما لو خاف فوات الجماعة. فقضية كلام الرافعي وغيره: أنه يسرع. وبه صرح الفارقي بحثا، وتبعه ابن أبي عصرون. والمنقول خلافه. اه‍. وما ذكره في شرح الروض قد مر عن شارحنا أيضا في الجماعة - في مبحث إدراك فضيلة التحرم - وعبارته: ويندب ترك الاسراع، وإن خاف فوت التحرم. وكذا الجماعة - على الاصح - إلا في الجمعة فيجب طاقته إن رجا إدراك التحرم قبل سلام الامام. اه‍. (وقوله: إذا لم يدركها إلا به) قيد في الوجوب، أي يجب إذا لم يدرك الجمعة، ومثلها بقية الصلوات، إلا بالعدو. ولا حاجة إلى ذكر القيد المذكور، إذ الوجوب مفرع على ضيق الوقت فتنبه. وفي ع ش: ولو توقف إدراك الجمعة على السعي قبل الفجر لم يجب، كما هو ظاهر وصريح كلامهم، اه‍. (قوله: وتزين بأحسن ثيابه) أي وسن تزين بما ذكر، لخبر ابن حبان: من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب كان عنده، ثم أتى الجمعة ولم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتبه الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها. ومما يعزى الامام الشافعي - رضي الله عنه: حسن ثيابك ما استطعت فإنها * * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التخشن في الثياب تواضعا * * فالله يعلم ما تسر وتكتم فجديد ثوبك لا يضرك بعد أن * * تخشى الاله، وتتقي ما يحرم ورثيت ثوبك لا يزيدك رفعة * * عند الاله، وأنت عبد مجرم (قوله: وأفضلها الابيض) أي أفضل الثياب الابيض، لخبر الترمذي: البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم. ويسن أن تكون جديدة، فإن لم تكن جديدة فقريبة منها. ويسن أن يزيد الامام في حسن الهيئة، للاتباع ولانه منظور إليه. والاكمل أن تكون ثيابه كلها - حتى العمامة - بيضاء، فإن لم تكن كلها فأعلاها. ويطلب ذلك - حتى في غير يوم الجمعة - لاطلاق الخبر المذكور. نعم، المعتبر في العيد الاغلى في الثمن، لانه يوم زينة.


(1) الجمعة 9

[ 90 ]

قال سم: بقي ما لو كان يوم الجمعة يوم عيد، فهل يراعى الجمعة فيقدم الابيض، أو العيد فالاغلى، أو يراعي الجمعة وقت إقامتها فيقدم الابيض حينئذ، والعيد في بقية اليوم فيقدم الاغلى فيها ؟ لكن قد يشكل على هذا الآخر أن قضية قوله في كل زمن أنه إن روعيت الجمعة روعيت في جميع اليوم، وقد يرجح مراعاة العيد مطلقا أن الزينة فيه آكد منها في الجمعة، ولهذا سن الغسل وغيره فيه لكل أحد وإن لم يحضر. فليتأمل. اه‍. (فائدة) قال في شرح الروض: وينبغي طي الثياب، فقد روى الطبراني بأسانيد ضعاف خبر: أطووا ثيابكم ترجع إليها أرواحها فإن الشيطان إذا وجد الثوب مطويا لم يلبسه، وإذا وجده منشورا لبسه. وخبر: إذا طويتم ثيابكم فاذكروا اسم الله لا يلبسها الجن بالليل وأنتم بالنهار فتبلى سريعا. اه‍. (قوله: ويلي الابيض) أي في الفضيلة. (وقوله: ما صبغ قبل نسجه) أي بأن صبغ أول غزله، ثم نسج بعده. (قوله: قال شيخنا) عبارة التحفة: ويلي الابيض ما صبغ قبل نسجه، ويكره ما صبغ بعده، لانه (ص) لم يلبسه. كذا ذكره جمع متقدمون، واعتمده المتأخرون. وفيه نظر. فإن إطلاق الصحابة للبسه (ص) المصبوغ على اختلاف ألوانه يدل على أنه لا فرق، وفي حديث - اختلف في ضعفه - أنه (ص) أتي له - بعد غسله - بملحفة مصبوغة بالورس، فالتحف بها. قال راوية قيس بن سعد - رضي الله عنهما -: وكأني أنظر أثر الورس على عكنه. وهذا ظاهر في أنها مصبوغة بعد النسج. بل يأتي قبيل العيد أنه (ص) كان يصبغ ثيابه بالورس، حتى عمامته. وهذا صريح فيما ذكرته. اه‍. وإذا تأملتها تعلم أن شيخه لم يجزم بالكراهة، بل نقلها عن قوم، وهو لم يرتضها، لانه نظر فيها، إلا أن يقال أنه جزم بها في غير التحفة، ثم رأيته في الفتح جزم بها. وعبارته: وما صبغ غزله قبل النسج أولى مما صبغ بعده، بل هذا مكروه اه‍. وعليه: فلا إشكال، إلا أنه يبقى عليه أن ما غيابه وهو ولو بغير الحمرة ليس ثابتا في العبارة المذكورة. (قوله: ويحرم التزين إلخ) أي على الذكر البالغ والخنثى، لقوله (ص): لا تلبسوا الحرير ولا الديباج. وقول حذيفة - رضي الله عنه - نهانا رسول الله (ص) عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه ويروي أنه (ص) أخذ في يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، وقال: هذان حرام على ذكور أمتي، حل لاناثهم. وحكمة التحريم أنه مع ما فيه من معنى الخيلاء، يورث رفاهية، وزينة، وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال والتشبه بالنساء حرام كعكسه. قال ع ش: وهو من الكبائر. (واعلم) أن الفقهاء ترجموا للباس بباب مستقل، ومعظمهم ذكره عقب صلاة شدة الخوف، اقتداء بالشافعي - رضي الله عنه - وبعضهم ذكره عقب الجمعة وبعضهم ذكره في العيد. لكل وجهه، والمؤلف - رحمه الله - اختار ذكره في باب الجمعة، لان المناسبة في ذكره فيه أتم من ذكره في غيره، إلا أنه فاتته الترجمة له ولعله للاختصار. (قوله: بالحرير) أي باستعماله، ولو بنحو افتراش وتستر وغيرهما، مما يعد استعمالا عرفا، لا مشية عليه، فلا يحرم، لانه لمفارقته له حالا لا يعد مستعملا له عرفا. ومثله - كما في سم -: ما لو أدخل يده تحت ناموسية مفتوحة مثلا، وأخرج كوزا من داخلها فشرب منه، ثم أدخل يده فوضعه تحتها. ويحرم لبس ما ظهارته وبطانته غير حرير وفي وسطه حرير - كاللحاف - إلا أن خيطا عليه فلا يحرم لانه بالخياطة عليه صار كالحشو وحشو الحرير جائز. ويحرم الجلوس تحت سحابة أو خيمة أو ناموسية من حرير، ويحرم على الرجل النوم في ناموسية الحرير، ولو مع المرأة، وكذلك دخوله معها في الثوب الحرير الذي تلبسه، بخلاف ما إذا علا عليها من غير دخول فلا يحرم. ويحرم كتابة الرجل عليه، ولو لصداق امرأة، ونقش عليه، وستر جدار به كما يقع في أيام الزينة والفرح. نعم، إن أكرههم الحاكم على الزينة فلا يحرم لعذرهم، ويحرم التفرج عليها، ويحرم إلباسه للدواب، لانه لمحض الزينة، بخلاف إلباسه للصبي والمجنون، فيجوز، فإنه لغرض الانتفاع.

[ 91 ]

(قوله: ولو قزا) الغاية للرد على القول بأنه يحل، لانه لا يقصد للزينة. (قوله: وهو نوع منه) أي القز نوع من الحرير، فهو أعم منه ومن الابريسم. وذلك لان القز ما قطعته الدودة وخرجت منه حية، والابريسم ما ماتت فيه، والحرير يعمهما، خلافا لما وقع في بعض الحواشي، من أن الحرير اسم لما ماتت في الدودة وحل عنها بعد الموت، لانه عليه يصير القز مباينا له، لا نوعا منه. (وقوله: كمد اللون) أي متغير اللون، ليس بصاف. (قوله: وما أكثره إلخ) معطوف على الحرير، أي ويحرم التزين بما أكثره من الحرير. (وقوله: وزنا لا ظهورا) منصوبان على التمييز، أي أن العبرة في الكثرة بالوزن لا بالظهور، فالثوب الذي أكثره حرير بالوزن لا يحرم استعماله، وإن لم يظهر الحرير فيه، والذي حريره أقل بالوزن لا يحرم استعماله، ولو ظهر الحرير فيه. (قوله: لا ما أقله منه) أي لا يحرم ما أقله من الحرير وأكثره من غيره، والمراد وزنا، كالذي قبله. (قوله: ولا ما استوى فيه الامران) أي ولا يحرم استعمال ما استوى فيه الحرير وغيره، أي وزنا لانه لا يسمى ثوب حرير. والاصل الحل. وصح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما نهى النبي (ص) عن الثوب المصمت. أي الخالص، فأما العلم - أي الطراز - ونحوه وسدي الثوب، فلا بأس به. (قوله: ولو شك في الاكثر) أي في أن الاكثر الحرير أو غيره ؟ ومثله ما لو شك في استوائهما. (وقوله: فالاصل الحل) خالف فيه م ر، عبارته: ولو شك في كثرة الحرير أو غيره أو استوائهما حرم جزم به في الانوار. ويفرق بينه وبين عدم تحريم المضبب إذا شك في كثرة الضبة بالعمل بالاصل فيهما، إذ الاصل حل استعمال الاناء قبل تضبيبه، والاصل تحريم الحرير لغير المرأة. (قوله: فرع) أي في بيان صور مستثناة من حرمة استعمال الحرير. (قوله: يحل الحرير لقتال) أي جائز، سواء فاجأه القتال أم لا. وعبارة سم: قال في التنبيه: ويجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره. اه‍. قال ابن النقيب في شرحه: قوله: إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره: شرط في المنسوج بالذهب، وهل هو شرط في الديباج الثخين ؟ قيل: نعم: والاصح أنه لا يشترط فيه ذلك. اه‍ (قوله: إن لم يجد غيره) أي الحرير. (وقوله: أو لم يقم مقامه) أي أو وجد غيره ولكنه لم يقم مقام الحرير في دفع السلاح، وخرج به ما إذا وجد ما يقوم مقامه في ذلك، فيحرم عليه لبسه. (قوله: وصحح في الكفاية إلخ) قال الجمال الرملي: والاوجه خلافه، أخذا بظاهر كلامهم. وفرق ع ش بينه وبين تحلية السيف، بأن التحلية مستهلكة غير مستقلة، وفي الآلة المنفصلة عن البدن، بخلاف التزين بالحرير فيهما. (وقوله: يجوز القباء) مقول قول جمع. (وقوله: وغيره) أي غير القباء من الحرير، كما هو الفرض. والقباء: الثوب المشقوق من أمام، كالجبة المعهودة. (وقوله: مما يصلح للقتال) بيان لغير القباء. (وقوله: وإن وجد غيره) أي غير الحرير، وهو غاية ليجوز. (وقوله: إرهابا للكفار) علة الجواز. (قوله: كتحلية السيف بفضة) أي فإنها جائزة. ومثل السيف، سائر آلات الحرب. وعبارة الفتح مع الاصل: وجاز للرجل تحلية آلة حرب بلا سرف، بأن لا يجاوز المعتاد، كسيف، ورمح، وطرف سهم، ومنطقة، وخف، ودرع، وجوشن، وبيضة، بفضة للاتباع، لا بذهب، والخبر المبيح له، ضعفه ابن القطان، وإن حسنه الترمذي، لا تحلية نحو سرج، ولجام، وركاب، وبرة ناقة، وقلادة دابة، وسكين خدمة، ومقلمة، ومقراض، ولو بفضة، لانها غير ملبوسة للراكب، كالاواني. اه‍. (قوله: ولحاجة) معطوف على القتال، من عطف العام على الخاص، إذ من جملة الحاجة القتال. وعبارة الارشاد: وجاز لحاجة كقتال، وحكة، وقمل. اه‍. والمراد بالحاجة: ما يعدم الضرورة، كحر وبرد مضرين، فيجوز استعماله فيهما بلبس وغيره، بحسب الضرورة. (قوله: كجرب) بفتح الجيم والراء، ومما جرب له أن يطلى بالحناء

[ 92 ]

والسمن القديم. اه‍. برماوي. (قوله: إن آذاه غيره) أي غير لبس الحرير، وهو قيد لجواز لبسه للجرب. (قوله: أو كان فيه نفع) أي أو لم يؤذه غيره إلا أن في الحرير نفعا لا يوجد في غيره. (قوله: وقمل) معطوف على جرب. أي وكقمل، فهو مثال ثان للحاجة. (وقوله: لم يندفع بغيره) قيد في حل لبس الحرير للقمل، أي يحل لبسه إذا كان فيه قمل لا يندفع إلا به، والاصل فيه وفيما قبله ما رواه الشيخان من أنه (ص) رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما، وأنه رخص لهما لما شكوا إليه القمل في قمص الحرير. وذلك لان الحرير خاصيته أن لا يقمل. ومما جرب لدفع القمل أن يطلى خيط من الصوف بالزئبق، ويجعل في عنقه كالسبحة. (قوله: ولا مرأة) معطوف على القتال، أي ويحل استعماله لامرأة باللبس والفرش وغيرهما، لما مر في الحديث: حل لاناثهم ولان تزيين المرأة بذلك يدعو إلى الميل إليها ووطئها، فيؤدي إلى ما طلبه الشارع من كثرة النسل. وقوله: ولو بافتراش الغاية للرد على المخالف القائل بحرمة افتراشها إياه للسرف والخيلاء، بخلاف اللبس فإنه يزينها للحليل. (قوله: لا له) الضمير يعود على الرجل المعلوم من المقام، أي ولا يحل للرجل. وفيه أن التصريح بهذا لا حاجة إليه، لان الحرمة المذكورة بقوله ويحرم التزين، إنما هي عليه وعلى الخنثى كما علمت فكان المناسب حذفه، والتصريح بما زدته هناك من قولي: أي الذكر البالغ والخنثى. (قوله: بلا حائل) يحتمل ارتباطه بالغاية فيكون متعلقا بمحذوف صفة لافتراش. ويحتمل ارتباطه بالنفي بالنسبة للافتراش، وهو الاقرب من صنيعه، أي لا يحل الحرير للرجل بلا حائل فيما إذا فرشه تحته. أما مع وجود الحائل فيحل له، فلو فرش رجل - ومثله الخنثى - على الفراش الحرير شيئا غير حرير - ولو خفيفا مهلهل النسج - وجلس فوقه جاز، كما يجوز جلوسه على مخدة محشوة بحرير، وعلى نجاسة بينه وبينها حائل، حيث لم تلاق شيئا من بدن المصلي وثيابه، وكما يجوز الجلوس عليه مع الحائل يجوز الاستناد إليه معه. (قوله: ويحل منه) أي الحرير. (وقوله: حتى للرجل غاية في الحل) أي ويحل مطلقا للرجل وغيره. (وقوله: خيط السبحة) قال الزيادي: وينبغي أن يلحق به خيط السكين، وخيط المفتاح. وقال القليوبي: يحل خيط مصحف، وخيط ميزان وقنديل، ونحو تكة لباس. ونقل عن شيخنا الزيادي حل منديل فراش الزوجة للرجل. قال: وفيه نظر. اه‍. كردي: (قوله: والدراهم) أي وكيس الدراهم. وقوله: وغطاء العمامة أي ويحل غطاء العمامة. واعتمد م ر وأتباعه فيه وفي كيس الدراهم الحرمة. وقال ع ش: محل الحرمة في استعمال غطاء العمامة. إذا كان هو المستعمل له، أما لو كانت زوجته مثلا هي التي تباشر ذلك، فهل يحرم لانها مستعملة له فيما ليس لبسا لها ولا افتراشا أم لا ؟ فيه نظر. والاقرب الاول، لانها إنما استعملته لخدمة الرجل، لا لنفسها. (قوله: وعلم الرمح) قال في القاموس: العلم محركة: الحبل الطويل، والراية، وما يعقد على الرمح، وسيد القوم. اه‍. والثالث هو المراد هنا. (قوله: لا الشرابة التي برأس السبحة) أي لا تحل الشرابة. وعبارة بعضهم: وفي شراريبها تردد، فقيل تحل مطلقا، وقيل تحرم مطلقا، والمعتمد التفصيل، فإن كانت من أصل خيطها جازت، وإلا فلا. (قوله: ويجب لرجل لبسه إلخ) أي يجب على الرجل أن يلبس الحرير، حيث لم يجد ساترا للعورة غيره للحاجة، فإن وجده حرم لبسه. وفي ع ش ما نصه: (فرع) إذا اتزر ولم يجد ما يرتدي به ويتعمم من غير الحرير ؟ قال أبو شكيل: الجواب أنه لا يبعد أن يرخص له في الارتداء أو التعمم به إذا لم يجد غيره وكان تركه يزري بمنصبه، فإن خرج متزرا مقتصرا على ذلك نظر: فإن قصد بذلك الاقتداء بالسلف وترك الالتفات إلى ما يزري بالمنصب لم تسقط بذلك مروءته، بل يكون فاعلا للافضل، وإن لم يقصد ذلك بل فعل ذلك انخلاعا وتهاونا بالمروءة سقطت مروءته. كذا في الناشري بأبسط من هذا. اه‍. سم على منهج. ومن ذلك يؤخذ أن لبس الفقيه القادر على التجمل بالثياب التي جرت بها عادة أمثاله ثيابا دونها في الصفة والهيئة، إن كان لهضم النفس والاقتداء بالسلف الصالحين لم يخل بمروءته، وإن كان لغير ذلك أخل بها. اه‍. ومنه: ما لو ترك ذلك معللا بأن حاله معروف، وأنه لا يزيد مقامه عند الناس باللبس ولا ينقص. بعدمه، وإنما كان هذا مخلا لمنافاته منصب الفقهاء، فكأنه استهزأ بنفس الفقه. اه‍. (وقوله: ساتر العورة)

[ 93 ]

مفعول ليجد، وهو يطلب مفعولا واحدا، لانه من وجد بمعنى أصاب. (وقوله: غيره) أي الحرير، وهو بدل من ساتر. (وقوله: حتى في الخلوة) غاية لوجوب اللبس. (قوله: إلا المزعفر) أي المصبوغ بالزعفران فيحرم، لان حكمه حكم الحرير، حتى لو صبغ به أكثر الثوب حرم. قال الكردي: وفي الامداد: والاقرب تحريم ما زاد على أربع أصابع. قال: نعم، إن صبغ السدي أو اللحمة بنحو زعفران اتجه أن يأتي فيه تفصيل المركب السابق في الحرير. وفي النهاية: الاوجه أن المرجع في ذلك العرف، فإن صح إطلاق المزعفر عليه حرم، وإلا فلا. اه‍. ومثل المزعفر في الحرمة: المعصفر، للاخبار الدالة على ذلك، ولانه من زي النساء. قال في شرح الروض: وقول الشافعي يحرم على الرجل المزعفر دون المعصفر. قال البيهقي فيه: الصواب تحريم المعصفر عليه أيضا، للاخبار الصحيحة التي لو بلغت الشافعي لقال بها، وقد أوصى بالعمل بالحديث الصحيح. ذكر ذلك في الروضة وغيرها. اه‍. وفي التحفة: قال الزركشي عن البيهقي: وللشافعي نص بحرمته، فيحمل على ما بعد النسج، والاول على ما قبله، وبه تجتمع الاحاديث الدالة على حله، والدالة على حرمته، ويرد بمخالفته لاطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقا، وله وجه وجيه، وهو أن المصبوغ بالعصفر من لباس النساء المخصوص بهن فحرم للتشبه بهن، كما أن المزعفر كذلك، وإنما جرى الخلاف في المعصفر دون المزعفر، لان الخيلاء والتشبه فيه أكثر منهما في المعصفر. واختلف في الورس، فألحقه جمع متقدمون بالزعفران، واعترض بأن قضية كلام الاكثرين حله. اه‍. (قوله: ولبس الثوب المتنجس) معطوف على لبس الثوب المصبوغ، أي ويجوز لبس الثوب المتنجس، أي ولو بغير معفو عنه، لان تكليف استدامة طهارة الملبوس مما يشق، خصوصا على الفقير، وبالليل، لان نجاسته عارضة سهلة الازالة. ومع حل لبسه يحرم المكث به في المسجد من غير حاجة إليه - كما بحثه الاذرعي - لانه يجب تنزيه المسجد عن النجس. قال في النهاية: ويستثنى من ذلك - أي من حل لبسه - ما لو كان الوقت صائفا بحيث يعرق فيتنجس بدنه ويحتاج إلى غسله للصلاة مع تعذر الماء. اه‍. وقوله: مع تعذر الماء. قال سم: الفرق بين ما أفهمه من الجواز حيث لم يتعذر الماء والمنع، إذا كان بدنه مترطبا بغير العرق شدة الابتلاء بالعرق. اه‍. (قوله: في غير نحو الصلاة) متعلق بيجوز المقدر. أي يجوز لبس ذلك في غير نحو الصلاة كالطواف والخطبة، أما لبسه في نحو ذلك فيحرم. وهذا إن كانت الصلاة مفروضة، ومثلها الطواف، ولبسه بعد الشروع فيه. فإن كان ما ذكر نفلا فلا يحرم لجواز قطعه، أو لبسه قبل الشروع فيه سواء كان فرضا أو نفلا واستمر فيه فلا حرمه من جهة لبسه، وإنما الحرمة من جهة تلبسه بعبادة فاسدة، أو استمراره فيها. أفاده في النهاية. (قوله: حيث لا رطوبة) قيد في الجواز، أي يجوز حيث لم توجد رطوبة، أي في الثوب أو البدن، فإن وجدت حرم لحرمة التلطيخ بالنجاسة. (قوله: لا جلد ميتة) بالجر معطوف على الثوب المتنجس، أي لا يجوز لبس جلد ميتة، سواء كانت ميتة كلب، أو خنزير، أو غير ذلك. وعبارة التحفة مع الاصل: لا جلد كلب وخنزير. وفرع أحدهما فلا يحل لبسه لغلظ نجاسته إلا لضرورة كفجأة قتال، أو خوف نحو برد ولم يجد غيره، نظير ما مر في الحرير. وخرج بلبسه استعماله في غيره، كافتراشه، فيحل قطعا - كما في الانوار - وإن قال الزركشي المذهب المنصوص أنه لا ينتفع بشئ منهما. وكذا جلد الميتة غيرهما فيحرم لبسه في حال الاختيار - في الاصح - لنجاسة عينه، مع ما عليه من التعبد باجتناب النجس لاقامة العبادة. اه‍. (وقوله: بلا ضرورة) متعلق بيجوز المقدر، واحترز به عما إذا وجدت ضرورة، كخوف على نحو عضو من نحو شدة برد، وكفجأة حرب ولم يجد ما يقوم مقامه، فيجوز لبسه وإلباسه، كأكل الميتة للمضطر. (قوله: كافتراش جلد سبع) الكاف للتنظير في عدم الجواز، لكن قيده في التحفة بما إذا كان به شعر. وعبارتها: ويحرم نحو جلوس على جلد سبع كنمر وفهد به شعر، وإن جعل إلى الارض - على الاوجه - لانه من شأن المتكبرين. اه‍. ويؤخذ من العلة أن الحرمة لا من جهة النجاسة، فلا ينافي حينئذ ما مر عنه قريبا من أن افتراش جلد الكلب والخنزير لا يحرم. (قوله: وله إطعام ميتة) أي يجوز للشخص إطعام ميتة. (وقوله: لنحو طير) أي من كل حيوان طاهر أو نجس، ككلب، وخنزير. (قوله: لا كافر) أي لا يجوز

[ 94 ]

إطعامها لكافر، أي وصبي غير مميز، كما لا يجوز إطعامها للمسلم وللصبي المميز. ولو قال لآدمي ولو كافرا لكان أولى. (قوله: ومتنجس لدابة) أي ويجوز إطعام طعام متنجس ولو بمغلظ لدابة. ولو جمع بين هذا وما قبله وقال: وله إطعام ميتة ومتنجس لدابة لكان أخصر وأولى، لايهام عبارته أن نحو الطير ليس من الدواب، وليس كذلك، ويدل له قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء) * قال المفسرون: الدابة كل ما دب على الارض من الحيوان، وكما يجوز إطعام الدواب ذلك يجوز إسقاؤها الماء المتنجس. (قوله: ويحل مع الكراهة استعمال العاج) عبارة الروض وشرحه: ولو كان النجس مشط عاج جافا فإنه يحرم استعماله. والتصريح بهذا من زيادته على الروض أخذه من كلام الرافعي في الكلام على وصل الشعر، ومن كلام الاسنوي هنا، فإنه رد به قول النووي في مجموعه المشهور للاصحاب أن استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة يكره، ولا يحرم، فقال: وما قاله غريب ووهم عجيب، فإن هذا التفصيل إنما ذكره الاصحاب في وضع الشئ في الاناء منه - أي العاج - فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن. اه‍. وما قال هو الغريب، والوهم العجيب، فقد نص على التفصيل المذكور في المشط والاناء: الشافعي في البويطي، وجزم به جمع منهم القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو علي الطبري، والماوردي، وكأنهم استثنوا العاج لشدة جفافه مع ظهور رونقه. اه‍. قال ع ش: وينبغي جواز حمله لقصد استعماله عند الاحتياج إليه، ومعلوم أن محل ذلك في غير الصلاة ونحوها، أما فيهما فلا يجوز، لوجوب اجتناب النجاسة فيهما في الثوب والبدن والمكان. اه‍. وفي المصباح: والعاج أنياب الفيل، قال الليث: ولا يسمى غير الناب عاجا، والعاج ظهر السلحفاة البحرية. وعليه يحمل أنه كان لفاطمة - رضي الله عنها - سوار من عاج. ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة، لان أنيابها ميتة، بخلاف السلحفاة. والحديث حجة لمن يقول بالطهارة. اه‍. (قوله: في الرأس واللحية) يفيد أنه لو استعمله في غيرهما من بقية البدن حرم. (قوله: حيث لا رطوبة) ظرف متعلق بيحل، أي يحل ذلك حيث لا رطوبة موجودة، أي في الرأس واللحية أو في العاج. فإن وجدت الرطوبة حرم، لتلطخ الرأس واللحية حينئذ بالنجاسة، وهو حرام. (قوله: وإسراج بمتنجس) معطوف على استعمال العاج، أي ويحل مع الكراهة إسراج بمتنجس، لانه (ص) سئل عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فقال: استصبحوا به أو قال: انتفعوا به. رواه الطحاوي ووثق رواته. وحينئذ يجوز إصلاح الفتيلة بإصبعه، ويعفى عما أصابه منه لقتله. (قوله: بغير مغلظ) متعلق بمتنجس، أي بدهن متنجس بنجاسة غير مغلظة، وهي نجاسة الكلب والخنزير. فإن كان متنجسا به لا يحل الاسراج به لغلظ نجاسته، ويحل الاسراج أيضا بدهن نجس، كدهن الميتة - غير دهن الكلب والخنزير - أما هو فلا يحل لغلظه. (قوله: إلا في مسجد) أي إلا الاسراج به في مسجد، فإنه يحرم مطلقا، انفصل منه دخان مؤثر في نحو حيطانه ولو قليلا أم لا، لحرمة إدخال النجاسة فيه لشرفه. نعم، إن لم يوجد ما يوقد به غيره، واضطر إليه. اتجه جوازه للضرورة بشرط من تلويث المسجد به. ومثل المسجد الموقوف، فيحرم الاسراج فيه بالنجس، بشرط تلويثه به، فإن لم يحصل منه تلويث جاز، وأما ملك الغير، كالدار المستأجرة والمعارة، إن أدى الاسراج به إلى تنجس شئ منه بما لا يعفى عنه، أو بما ينقص قيمته أو أجرته بأن طال زمنه بحيث يعلق الدخان بالسقف أو الجدران حرم، وإلا فلا يحرم. ويجوز تنجيسه بما جرت العادة به كتربية الدجاج، والحمام، ونحو ذلك، وكذا الموقوف. (قوله: وإن قل دخانه) غاية في حرمة الاسراج بالمتنجس في المسجد. (قوله: خلافا لجمع) أي قالوا بعدم حرمة الاسراج به في المسجد، وعللوا ذلك بقلة الدخان. (قوله: وتسميد أرض) بالرفع. معطوف على استعمال العاج أيضا، أي ويحل مع الكراهة تسميد أرض، أي جعل سماد أي سرجين بها، للحاجة إليه. (وقوله: بنجس) متعلق بتسميد، ولا حاجة إليه، لانه مستفاد من لفظ تسميد، هكذا في شرح الروض والفتح. ثم رأيت في المصباح: أن السماد ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين، وعليه: فيكون قوله بنجس قيدا لاخراج التراب، فإنه لا كراهة فيه. وعبارته: السماد، وزان سلام، ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين. وسمدت الارض تسميدا: أصلحتها بالسماد. اه‍. (قوله:

[ 95 ]

لا اقتناء كلب) أي لا يحل اقتناؤه. (وقوله: إلا لصيد أو حفظ مال) أي فيحل، وذلك لما صح أنه (ص) قال: من اقتنى كلبا، إلا كلب ماشية أو ضاربا، نقص من أجره كل يوم قيراطان. وفي رواية عن ابن عمر أنه قال: قال (ص): من اتخذ كلبا، إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص من أجره كل يوم قيراط. (قوله: ويكره ولو لامرأة إلخ) المناسب تقديم هذا على قوله: ويجوز لبس الثوب المصبوغ. إلخ. (قوله: غير الكعبة) أما هي، فيحل تزيينها حتى بالحرير إن خلا عن نقد، ومثلها قبره (ص) وسائر الانبياء، لفعل السلف والخلف. (قوله: كمشهد صالح) أي كقبره، وهو تمثيل لغير الكعبة. وفي ع ش ما نصه: قال سم على منهج: اعتمد م ر أن ستر توابيت الصبيان والنساء والمجانين وقبورهم بالحرير جائز كالتكفين، بل أولى، بخلاف توابيت الصالحين من الذكور البالغين العاقلين، فإنه يحرم سترها بالحرير. ثم قال: ثم وقع منه الميل لحرمة ستر قبور النساء بالحرير، ووافق على جواز تغطية محارة المرأة. (فرع) هل يجوز الدخول بين ستر الكعبة وجدارها لنحو الدعاء ؟ لا يبعد جواز ذلك، لانه ليس استعمالا، وهو دخول لحاجة. وهل يجوز الالتصاق لسترها من خارج في نحو الملتزم ؟ فيه نظر، فليحرر. اه‍. وقوله: وهو دخول لحاجة (أقول): قد تمنع الحاجة فيما ذكر، ويقال بالحرمة، لان الدعاء ليس خاصا بدخوله تحت سترها، ويفرق بين هذا وبين جواز الالتصاق لسترها من خارج في نحو الملتزم، بأن الملتزم ونحوه مطلوب فيه أدعية مخصوصة. وقوله: فيه نظر فليحرر - الظاهر الجواز. اه‍. بتصرف. (قوله: بغير حرير) متعلق بتزيين. (قوله: ويحرم) أي التزيين. (وقوله: به) أي بالحرير. زاد في النهاية: والصور، وعلل الحرمة بعموم الاخبار. (قوله: وتعمم) معطوف على غسل، أي وسن لمريدها تعمم. (قوله: لخبر: إن الله وملائكته إلخ) أي ولخبر: صلاة بعمامة أفضل من خمس وعشرين بغير عمامة، وجمعة بعمامة أفضل من سبعين بغير عمامة وعن علي - رضي الله عنه -: العمائم تيجان العرب. وكانت عمائم الملائكة يوم بدر بيضاء، ويوم حنين حمراء. (قوله: ويسن) أي التعميم. وعبارة التحفة: وتسن العمامة للصلاة، ولقصد التجمل، للاحاديث الكثيرة فيها، واشتداد ضعف كثير منها يجبره كثرة طرقها، وزعم وضع كثير منها تساهل، كما هو عادة ابن الجوزي هنا، والحاكم في التصحيح - ألا ترى إلى حديث: اعتموا تزدادوا حلما. حيث حكم ابن الجوزي بوضعه، والحاكم بصحته، استرواحا منهما على عادتهما ؟ وتحصل السنة بكونها على الرأس أو نحو قلنسوة تحتها. اه‍. (قوله: وورد في حديث ضعيف إلخ) قال في التحفة: لكنه شديد الضعف، وهو وحده لا يحتج به ولا في فضائل الاعمال. اه‍. (قوله: وينبغي ضبط طولها وعرضها إلخ) هذا تقييد لما يدل عليه الحديث الصحيح من أفضلية كبرها، فكأنه قال: محله إن كان الكبر يليق به، وإلا فليفعل اللائق به. قال ابن القيم: لم تكن عمامته (ص) كبيرة يؤذي الرأس حملها، ولا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس من نحو حر أو برد، بل كانت وسطا بين ذلك، وخير الامور الوسط. اه‍. (قوله: فإن زاد فيها) أي العمامة على ذلك، أي على ما يليق به. (قوله: كره) أي الزائد. وفي فتاوي ابن حجر ما نصه: (سئل) هل العمامة الكبيرة والتي بلا عذبة مكروهة أو لا ؟ (فأجاب): إن كان كبرها لعذر، كبرد ونحوه، أو لكون كبرها من شعار علماء تلك الناحية وهو منهم، ولا يعرف ويقتدى بقوله ويمتثل أمره إلا إن كان عليه شعارهم، فلا كراهة في كبرها، بل هو حينئذ بقصد العذر سنة أو واجب، لان التوقي عن الآفات والمهالك مندوب، بل واجب إن انحصر ذلك التوقي في شئ بعينه، ولان اتخاذ شعار العلماء لمن هو منهم وتوقفت معرفة كونه منهم على ذلك سنة مؤكدة، لانا مأمورون بنشر العلم، وهداية الضالين، وإرشاد المسترشدين إلخ. اه‍. (قوله: وتنحرم مروءة فقيه بلبس عمامة سوقي لا تليق إلخ) ومثل العمامة غيرها من سائر الثياب، فتنخرم مروءة فقيه يلبس ثياب سوقي، وكذا عكسه. وكتب ع ش على قول م ر: نعم، ما صار شعارا للعلماء يندب لهم لبسه ليعرفوا ما

[ 96 ]

نصه، أي ويحرم على غيرهم التشبيه بهم فيه ليلحقوا بهم. وعبارة طب في ليلة النصف. وبحث الزركشي أنه يحرم على غير الصالح التزيي به إن غر به غيره حتى يظن صلاحه فيعطيه، قال بعضهم: وهو ظاهر، إن قصد به هذا التغرير. فليتأمل. ومثله من تزيا بزي العالم، وقد كثر في زماننا. اه‍. (قوله: قال الحفاظ: لم يتحرر إلخ) قال حجر: وما وقع للطبري من أن طولها نحو سبعة أذرع، ولغيره أن طولها سبعة أذرع في عرض ذراع، لا أصل له، لكن ذكر النووي أنه كان له (ص) عمامة قصيرة، وكانت ستة أذرع، وعمامة طويلة وكانت اثني عشر ذراعا. ولا يسن تحنيك العمامة عند الشافعية، وهو تحديق الرقبة وما تحت الحنك واللحية ببعض العمامة. واختار بعض الحفاظ ما عليه كثيرون، أنه يسن. وأطالوا في الاستدلال له بما رد عليهم. (قوله: فعل العذبة) هي اسم لقطعة من القماش تغرز في مؤخر العمامة. وينبغي أن يقوم مقامها إرخاء جزء من طرف العمامة من محلها. اه‍. ع ش. (قوله: وتركها) أي وله ترك العذبة. (قوله: لا كراهة في واحد منهما) أي الفعل والترك. (قوله: زاد النووي) أي علة عدم الكراهة، وهي لانه إلخ. (قوله: لكن قد ورد إلخ) استدراك مما يفيده قول الشيخين فله فعل. إلخ. من أن ذلك جائز جوازا مستوي الطرفين. وأفاد به أن المراد بالجواز ما يشمل الندب. وعبارة التحفة: وجاء في العذبة أحاديث كثيرة، منها صحيح، ومنها حسن، ناصة على فعله (ص) لها لنفسه ولجماعة من أصحابه وعلى أمره بها، ولاجل هذا تعين تأويل قول الشيخين وغيرهما من تعمم فله إلخ: بأن المراد من فعل العذبة الجواز الشامل للندب. وتركه (ص) لها في بعض الاحيان إنما يدل على عدم وجوبها، أو عدم تأكد ندبها. اه‍. (وقوله: أحاديث صحيحة) منها ما روى عن نافع ابن عمر: كان النبي (ص) إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه. أي إذا لف عمامته على رأسه أرخى طرفها بين كتفيه. قال بعضهم: وكأن حكمة سنها: ما فيها من تحسين الهيئة. (قوله: وقد صرحوا) أي الفقهاء. (وقوله: بأن أصلها) أي العذبة، بقطع النظر عن كيفية إرسالها، هل من جهة اليمين أو اليسار أو بين الكتفين ؟ وهذا يفيد أنه لم يرد في كيفية إرسالها شئ. وفي التحفة خلافه، وعبارتها: وقد استدلوا بكونه (ص) أرسلها بين الكتفين تارة، وإلى الجانب الايمن أخرى، على أن كلا منهما سنة، وهذا تصريح منهم بأن أصلها سنة، لان السنية في إرسالها إذا أخذت من فعله (ص) له، فأولى أن تؤخذ سنية أصلها من فعله لها، وأمره بهذا متكررا. اه‍. (قوله: وإرسالها) أي العذبة. (وقوله: أفضل) أي لان حديث الاول أصح. (وقوله: منه) أي من إرسالها. (وقوله: على الايمن) أي الجانب الايمن. (قوله: ولا أصل في اختيار إلخ) أي ولا دليل على اختيار إرسال العذبة على الشق الايسر. قال في التحفة: وأما إرسال الصوفية لها من الجانب الايسر لكونه جانب القلب، فتذكر تفريغه مما سوى ربه، فهو شئ استحسنوه والظن بهم أنهم لم يبلغهم في ذلك سنة، فكانوا معذورين. وأما بعد أن بلغتهم السنة فلا عذر لهم في مخالفتها. اه‍. (قوله: وأقل ما ورد في طولها) أي العذبة. قال في النهاية: ويحرم إطالتها طولا فاحشا. اه‍. وقيد في التحفة حرمة إفحاش الطول بما إذا قصد الخيلاء، وقال: فإن لم يقصد كره. (قوله: عليك إلخ) هو اسم فعل بمعنى الزم، والمصدر المؤول مفعوله، أي الزم التعمم قائما، والتسرول قاعدا. ومما ينسب لسيدنا علي - رضي الله عنه -: ما تسبتسمكت قط، ولا تر بعلبنت قط، ولا تعمقعددت قط، ولا تسرولقمت قط. أي ما أكلت السمك يوم السبت قط، ولا شربت اللبن يوم الاربعاء قط، ولا تعممت قاعدا قط، ولا تسرولت قائما قط. (قوله: ويكره أن يمشي في نعل واحدة) أي أو نحوها، كخف واحد. وذلك لخبر الصحيحين: لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة، لينعلهما جميعا، أو ليخلعهما جميعا. وفي رواية لمسلم: إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في الاخرى حتى يصلحها. والمعنى فيه

[ 97 ]

أن مشيه يختل بذلك، وقيل: لما فيه من ترك العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به. وقيس بالنعل نحوها. اه‍. شرح الروض. (قوله: ولبسها قائما) أي ويكره لبسها قائما للنهي الصحيح عنه، خوف انقلابه. ويؤخذ منه أن المداس المعروفة الآن ونحوها لا يكره فيها ذلك، إذ لا يخاف منه انقلاب. ويسن أن يبدأ بيمينه لبسا. ويساره خلعا، وأن يخلع نحو نعليه إذا جلس، وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه، إلا لعذر، كخوف عليهما، وذلك لخبر ابن عباس - رضي الله عنهما -: من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيجعلهما لجنبه. رواه أبو داود بإسناد حسن. (قوله: وتعليق جرس فيها) أي ويكره تعليق جرس في النعل، أي ولو كان النعل لدفع الهوام. كما يكره استصحابه مطلقا، لما ورد أن ملائكة الرحمة لا تصحب من كان معه ذلك، فإن كان مع غيره، وعجز عن إزالته، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء، فلا تحرمني صحبة ملائكتك، وبركتهم. لم يحرمهما. وكذا من أنكر بقلبه عند عدم تمكنه من القول. كما استظهره العلامة ابن حجر. (قوله: ولمن قعد في مكان إلخ) أي ويكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله فيه، لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله (ص): ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة. وعنه أيضا، عن رسول الله (ص)، قال: من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله ترة. وهي بكسر التاء وتخفيف الراء. ومعناه نقص، وقيل: تبعة، وقيل: حسرة. وعنه أيضا، عن النبي (ص)، قال: ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. وعنه أيضا، قال: قال رسول الله (ص): من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك. وفي حلية الاولياء، عن علي - رضي الله عنه - قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الاوفى، فليقل في آخر مجلسه، أو حين يقوم: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. (قوله: وتطيب) معطوف على غسل، أي وسن لمريد الجمعة تطيب، أي استعمال الطيب. (قوله: لغير صائم) أي غير محرم. أما الاول فيكره له استعمال الطيب. وأما الثاني فيحرم. وهذا التفصيل في حق الذكر. وأما المرأة والخنثى فيكره لهما الطيب عند إرادتهما حضور الجمعة مطلقا، كما يكره لهما الزينة ومفاخر الثياب عندما ذكر. نعم، يسن لهما قطع الرائحة الكريهة. (قوله: لما في الخبر الصحيح) أي ولقول الشافعي - رضي الله عنه - الآتي: (قوله: والتطيب بالمسك أفضل) قال في الفتح: وأفضل منه المخلوط بماء الورد. (قوله: وندب تزين بإزالة ظفر إلخ) للاخبار الآتية. (قوله: لا إحداهما) أي لا يندب التزين بإزالة ظفر من إحداهما. (قوله: فيكره) جواب شرط مقدر، أي أما التزين بإزالة الظفر من إحداهما فيكره، إن لم يكن هناك عذر. (قوله: وشعر نحو إبطه) معطوف على ظفر، أي وندب تزين بإزالة شعر نحو إبطه. والمراد بنحو ذلك: ما عدا الرأس - كأنفه - أما هو فلا يندب إزالة شعرة إلا في النسك، وفي المولود في سابع ولادته، وفي الكافر إذا أسلم وأما في غير ذلك فهو مباح، إلا إن تأذى ببقاء شعره، أو شق عليه تعهده، فيندب. قال ع ش: وكذا يندب إذا صار تركه مخلا بالمروءة. وينبغي له إذا أراد الجمع بين الحلق والغسل يوم الجمعة، أن يؤخر الحلق عن الغسل إذا كان عليه جنابة ليزيل الغسل أثرها عن الشعر. اه‍. (قوله: وعانته) إن جعلت اسما للنابت - كما هو الاشهر - فهي معطوفة على شعر، وإن جعلت اسما للمنبت فهي معطوفة على نحو إبطه. وعلى كل، هو من عطف الخاص على العام. (قوله: لغير مريد التضحية) متعلق بندب، أي ندب التزين لغير مريد التضحية. (وقوله: في عشر ذي

[ 98 ]

الحجة) ظاهر صنيعه أنه متعلق بمريد، وهو لا يصح، كما هو ظاهر، فيتعين أن يكون متعلقا بمحذوف، هو مفهوم قوله لغير مريد التضحية أي أما هو، فيكره له التزين بذلك في عشر ذي الحجة. ويدل على ذلك تصريحه به في مبحث الاضحية، وعبارته هناك: وكره لمريدها إزالة نحو شعره في عشر ذي الحجة، وأيام التشريق حتى يضحي. اه‍. ولو صرح به هنا لكان أولى. (قوله: وذلك) أي ندب التزين بما ذكر، للاتباع، والاولى تأخيره عن قوله بعده وبقص إلخ، ليكون دليلا له أيضا. (قوله: وبقص شاربه) معطوف على بإزالة، أي وندب تزين بقص شاربه، وهو المراد بالاحفاء المأمور به في خبر الصحيحين، ويكره استئصاله وحلقه. (قوله: وإزالة ريح كريه) بالرفع معطوف على تزين، أي وندب إزالة إلخ. وبالجر، معطوف على إزالة، أي وندب تزين بإزالة ريح كريه، أي بالماء أو غيره. (قوله: والمعتمد في كيفية تقليم إلخ) يعني أن المعتمد في إزالة الاظفار مخالفتها، لما روي: من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينه رمدا. (وقوله: أن يبتدئ بمسبحة يمينه إلخ) وقيل يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الابهام، ثم البنصر، ثم السبابة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر. (قوله: والرجلين) معطوف على اليدين، أي والمعتمد في كيفية تقليم الرجلين. (قوله: وينبغي البدار بغسل محل القلم) وذلك لان الحك به قبل الغسل يخشى منه البرص. (قوله: ويسن فعل ذلك) أي التزين بما ذكر. والاولى، ويسن ذلك، بحذف لفظ: فعل. (وقوله: يوم الخميس أو بكرة الجمعة) أي لورود كل. قال السيوطي في رسالته المسماة (بالاسفار عن قلم الاظفار) ما نصه: أخرج البزار والطبراني في الاوسط، عن أبي هريرة، أن رسول الله (ص) كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة. وأخرج الطبراني عن عائشة - رضي الله عنه - أن النبي (ص) قال: من قلم أظفاره يوم الجمعة وقي من السوء في مثلها وأخرج البيهقي في سننه، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة. وأخرج عبد الرازق عن سفيان الثوري أنه كان يقلم أظفاره يوم الخميس، فقيل له غدا يوم الجمعة. فقال: السنة لا تؤخر. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي هريرة مرفوعا: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى، والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر. اه‍. وفي النهاية: قال في الانوار: ويستحب قلم الاظفار في كل عشرة أيام، وحلق العانة كل أربعين يوما. وهذا جري على الغالب. والمعتبر في ذلك أنه مؤقت بطولها عادة. ويختلف حينئذ باختلاف الاشخاص والاحوال. اه‍. قال ابن حجر: وقد اشتهر على ألسنة الناس في ذلك وأيامه أشعار منسوبة لبعض الائمة، وكلها زور وكذب. اه‍. وقوله: أشعار، منها قول بعضهم: في قص الاظفار يوم السبت آكلة * * تبدو، وفيما يليه تذهب البركه وعالم فاضل يبدو بتلوهما * * وإن يكن بالثلاثا فاحذر الهلكه ويورث السوء في الاخلاق رابعها * * وفي الخميس غنى يأتي لمن سلكه والعلم والحلم زيدا في عروبتها * * عن النبي روينا فاقتفوا نسكه (قوله: وكره المحب الطبري نتف إلخ) عبارة ع ش: وكره المحب الطبري نتف الانف. قال: بل يقصه، لحديث فيه، قيل: بل في حديث: إن في بقائه أمانا من الجذام. اه‍. وينبغي أن محله: ما لم يحصل منه تشويه، وإلا فيندب قصه. اه‍. (قوله: قال الشافعي إلخ) المناسب تقديم هذا وذكره بعد قوله وتطيب، أو بعد قوله كإزالة ريح كريه ووسخ، أو تأخير قوله وإزالة إلخ وتقديم قوله والمعتمد في كيفية تقليم إلى قوله لحديث فيه عليه. (وقوله: قل همه) الفرق بين

[ 99 ]

الهم والغم، كما قاله الحليمي: أن الهم ينشأ عنه النوم، والغم ينشأ عنه عدمه. اه‍. بجيرمي. (قوله: وسن إنصات) أي على الجديد، والقديم يوجبه، ويحرم الكلام. ومحل الخلاف: في كلام لا يتعلق به غرض مهدم ناجز، فإن تعلق به ذلك - كما لو رأى أعمى يقع في بئر - لم يكن حراما قطعا، بل قد يجب عليه ذلك، لكن يستحب أن يقتصر على الاشارة إن أغنت عن الكلام. (قوله: أي سكوت مع إصغاء) تفسير للانصات، والاصغاء هو إلقاء السمع إلى الخطيب، فإذا انفك السكوت عن الاصغاء فلا يسمى إنصاتا. (قوله: الخطبة) متعلق بإنصات، أي وسن إنصات لخطبة، لقوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن) * أي الخطبة * (فاستمعوا له وأنصتوا) *. (قوله: ويسن ذلك) أي الانصات. والاولى والاخصر حذف هذا، والاقتصار على الغاية بعده. (قوله: وإن لم يسمع الخطبة) غاية في السنية، وأفهمت أن ندب الانصات لا يختص بالاربعين، بل سائر الحاضرين فيه سواء. قال الكردي: قال في الايعاب تجويز الكلام هنا لا ينافي ما مر من وجوب استماع أربعين للخطبة، وأن ذلك شرط لصحة الصلاة، وبيانه: أن الواجب إنما هو استماع الاركان فقط، فلو تكلم الكل إلا في الاركان جاز عندنا، وإن تكلم واحد من الاربعين بحيث انتفى سماعه لبعض الاركان أثم، لا من حيث الكلام، بل من حيث تفويته الشرط الذي هو سماع كل الاركان إلخ. وسبق عن م ر أن الشرط إنما هو السماع بالقوة، لا بالفعل. اه‍. (قوله: نعم، إلخ) إلخ. وسبق عن م ر أن الشرط إنما هو السماع بالقوة، لا بالفعل. اه‍. (قوله: نعم، إلخ) استدراك من سنية الانصات بالنسبة لاحد شقي الغاية المفهمة أن غير الانصات لا يسن، وأفاد به أن هذا المفهوم ليس مرادا، بل الاولى له في هذه الحالة ما ذكره. (قوله: أن يشتغل بالتلاوة والذكر) قال ع ش: بل ينبغي أن يقال أن الافضل له اشتغاله بالصلاة على النبي (ص) مقدما على التلاوة، لغير سورة الكهف، والذكر، لانها شعار اليوم. اه‍. (قوله: سرا) أي بحيث لا يشوش على الحاضرين. (قوله: ويكره الكلام) أي الظاهر الآية السابقة، وخبر مسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت - يوم الجمعة - والامام يخطب، فقد لغوت. (قوله: ولا يحرم) أي الكلام، للاخبار الدالة على جوازه، كخبر الصحيحين. عن أنس - رضي الله عنه -: بينما النبي (ص) يخطب يوم جمعة قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه ودعا. وخبر البيهقي بسند صحيح، عن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا دخل والنبي (ص) يخطب يوم الجمعة، فقال: متى الساعة ؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقاله له النبي (ص): ما أعددت لها ؟ قال: حب الله ورسوله. قال: إنك مع من أحببت. وجه الدلالة أنه عليه السلام لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت. وبه يعلم أن الامر للندب في: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * (1) بناء على أنه الخطبة، وأن المراد باللغو في خبر مسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب، فقد لغوت، مخالفة السنة. (قوله: خلافا للائمة الثلاثة) أي حيث قالوا بحرمته. (فائدة) لو كلم شافعي مالكيا وقت الخطبة، فهل يحرم عليه، كما لو لعب الشافعي مع الحنفي الشطرنج لاعانته له على المعصية أو لا ؟ الاقرب عدم الحرمة. ويفرق بينهما بأن لعب الشطرنج لما لم يتأت إلا منهما كان الشافعي كالملجئ له، بخلافه في مسألتنا، فإنه حيث أجابه المالكي وتكلم معه كان باختياره لتمكنه من أنه لا يجيبه. ويؤخذ منه أنه لو كان إذا لم يجبه لحصل له منه ضرر، لكون الشافعي المكلم أميرا أو ذا سطوة، يحرم عليه، لكن لا من جهة الكلام، بل من جهة الاكراه على المعصية. اه‍. ع ش. (قوله: حالة الخطبة) متعلق بيكره. والمراد حال ذكر أركانها، بدليل قوله بعد: ولا حال الدعاء للملوك. (قوله:


(1) الاعراف: 204

[ 100 ]

لا قبلها إلخ) أي لا يكره الكلام قبل الخطبة. قال في النهاية: لانه قبل ذلك يحتاج إلى الكلام غالبا. (قوله: ولو بعد الجلوس على المنبر) غاية في عدم الكراهة قبلها. قال البجيرمي: وهذا بخلاف الصلاة، فإنها تحرم بمجرد جلوسه على المنبر، وإن لم يشرع في الخطبة، وإن علم أنه يفرغ من الصلاة ويدرك أول الخطبة. كما اعتمده م ر. اه‍. والفرق أن قطع الكلام هين، بخلاف الصلاة. (قوله: ولا بعدها) أي ولا يكره الكلام بعدها، أي بعد تمام الخطبة. (قوله: ولا بين الخطبتين) أي ولا يكره بين الخطبتين. (قوله: ولا حال الدعاء للملوك) أي ولا يكره حال الدعاء للملوك، أي لانه ليس من الاركان. ومثل الدعاء لهم: الترضي عن الصحابة. (قوله: ولا لداخل مسجد إلخ) أي ولا يكره الكلام لداخل المسجد في أثناء الخطبة إلا إن اتخذ له مكانا واستقر فيه جلس أولا فإنه يكره. وعبارة الروض وشرحه: ويباح الكلام للداخل في أثنائها ما لم يجلس، يعني ما لم يتخذ له مكانا ويستقر فيه، والتقييد بالجلوس جري على الغالب. اه‍. (قوله: ويكره للداخل السلام) أي على المستمع. قال ع ش: ومثله الخطيب. وينبغي أن لا يعد نسيانه لما هو فيه عذرا في وجوب الرد عليه. اه‍. ويستثنى الخطيب، فلا يكره له السلام. (قوله: وإن لم يأخذ لنفسه مكانا) غاية في الكراهة. (قوله: لاشتغال إلخ) علة للكراهة، والاشتغال يكون بالاستماع للخطبة إن كان المسلم عليه من السامعين، وبقراءة الخطبة إن كان هو الخطيب. (وقوله: المسلم عليهم) يقرأ بصيغة المبني للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله. (قوله: فإن سلم) أي الداخل. (قوله: لزمهم الرد) أي وإن كره السلام، لان كراهته ليست ذاتية، بخلافه على نحو قاضي الحاجة، فإن الكراهة فيه ذاتية. ولذلك لا يلزمه الرد. وعبارة النهاية: وإنما لم يجب الرد على نحو قاضي الحاجة، لان الخطاب منه ومعه سفه وقلة مروءة، فلا يلائمه الرد، بخلافه هنا، فإنه يلائمة، لان عدم مشروعيته لعارض، لا لذاته، بخلافه ثم، فلا إشكال. اه‍. وخالف الغزالي في وجوب الرد، وعبارته: ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب، فإن سلم لم يستحق جوابا. اه‍. (قوله: ويسن تشميت العاطس) أي إذا عطس حال الخطبة. ولسنية التشميت شروط، أن يحمد الله تعالى العاطس، وأن لا يزيد على الثلاث، وأن لا يكون بسبب. ففي صحيح مسلم: عن أبي موسى الاشعري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه. وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا يشمت بعد ثلاث. قال النووي في الاذكار: واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل يقال له في الثالثة إنك مزكوم. قال: والمعنى فيه أنك لست ممن يشمت بعد هذا، لان هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس. اه‍. وإنما لم يكره التشميت - كسائر الكلام - لان سببه قهري. (قوله: والرد عليه) الضمير يعود على المشمت بصيغة اسم الفاعل المفهوم من تشميت، وإن كان ظاهر صنيعه أنه يعود على العاطس، أي ويسن الرد من العاطس على المشمت بأن يقول العاطس للمشمت - بعد قوله له يرحمك الله -، يهديكم الله ويصلح بالكم. قال النووي في الاذكار: وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (ص)، قال: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوة أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم. أي شأنكم. اه‍. (قوله: ورفع الصوت) أي ويسن رفع الصوت حال الخطبة. (وقوله: من غير مبالغة) أما معها فيكره. (قوله: بالصلاة إلخ) متعلق برفع الصوت. (قوله: عند ذكر إلخ) متعلق بيسن المقدر. (وقوله: اسمه) أي النبي (ص). (وسئل) ابن حجر: هل يجوز للحاضرين والمؤذنين إذا سمعوا اسم النبي (ص) أن يصلوا عليه جهرا أو لا ؟ (فأجاب) بقوله: أما حكم الصلاة عليه (ص)، عند سماع ذكره برفع الصوت من غير مبالغة، فهو أنه جائز بلا كراهة، بل هو

[ 101 ]

سنة. وعبارة العباب وشرحي له: قال النووي وغيره: ولا يكره أيضا رفع الصوت بلا مبالغة في الصلاة على النبي (ص) إذا قرأ الخطيب: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي) * (1) الآية. ونقل الروياني ذلك عن الاصحاب، فقال: إنه يكون كالتشميت، لانه كلا سنة. فقول القاضي أبي الطيب يكره لانه يقطع الاستماع، ضعيف. بل صوب الزركشي خلافه. اه‍. (قوله: قال شيخنا) لعله في غير التحفة وفتح الجواد والفتاوي من بقية كتبه. نعم، العبارة التي نقلتها عن الفتاوي - عند قول الشارح: ويسن الدعاء لولاة الصحابة - فيها حكم التأمين من السامعين، وفيها حكم ترضي الخطيب عنهم. وأما ترضي السامعين المراد هنا فلم يذكر فيها. (قوله: ولا يبعد ندب الترضي عن الصحابة) أي ترضي السامعين عنهم عند ذكر الخطيب أسماءهم. (قوله: بلا رفع صوت) متعلفق بندب. أما مع رفع الصوت فلا يندب، لان فيه تشويشا (قوله: وكذا التأمين إلخ) أي وكذا لا يبعد ندب التأمين بلا رفع صوت لدعاء الخطيب. (قوله: وتكره تحريما) أي كراهة تحريم، فهو منصوب على المفعولية المطلقة على حذف مضاف، وفيه أنه عبر في التحفة بالحرمة، ونصها: ويحرم إجماعا صلاة فرض إلخ. اه‍. وبين كراهة التحريم والحرمة فرق، وإن كان كل منهما يقتضي الاثم، وذلك الفرق هو أن كراهة التحريم: ما ثبتت بدليل يحتمل التأويل، والحرمة: ما ثبتت بدليل قطعي. فتنبه. (قوله: ولو لمن لم تلزمه الجمعة) أي تكره تحريما مطلقا على من لزمته الجمعة وعلى من لم تلزمه، بأن يكون عبدا أو مسافرا، أو امرأة. لكن الكراهة محصورة فيمن لم تطلب منه تحية المسجد. بأن كان جالسا وأراد أن يصلي: (قوله: بعد جلوس الخطيب) أما قبله - ولو بعد صعوده على المنبر - فلا يحرم. (قوله: وإن لم يسمع الخطبة) غاية في كراهة التحريم. وإنما كرهت تحريما على من لم يسمع لاشتغاله بصورة عبادة، ومن ثم فارقت الصلاة الكلام بأن الاشتغال به لا يعد إعراضا عنه بالكلية، وأيضا فمن شأن المصلي الاعراض عما سوى صلاته، فإنه قد يفوته بها سماع أول الخطبة، بل لو أمن فوات ذلك كان ممتنعا أيضا. وقد يؤخذ من ذلك أن الطواف ليس كالصلاة هنا. ويمنع من سجدة التلاوة والشكر. اه‍. نهاية. وقوله: أن الطواف ليس كالصلاة: جزم به في التحفة. (وقوله: ويمنع إلخ) جعلهما في التحفة كالطواف، فلا يمنع منهما، وعبارتها: لا طواف وسجدة تلاوة وشكر. (قوله: صلاة فرض) نائب فاعل تكره. (قوله: ولو فائتة إلخ) غاية في الكراهة، أي تكره تحريما صلاة الفرض، ولو كانت فائتة تذكرها حال جلوس الخطيب على المنبر. (قوله: وإن لزمته فورا) غاية في الفائتة، أي ولو كانت الفائتة لزمته فورا، أي لزمه قضاؤها فورا، بأن فاتته من غير عذر، فإنه يكره تحريما قضاؤها حينئذ. قال ع ش: فلا يفعله، وإن خرج من المسجد عاد إليه بسبب فعله فيما يظهر - أخذا مما قالوه فيما لو دخل المسجد في الاوقات المكروهة بقصد التحية. اه‍. (قوله: أو نفل) بالجر، معطوف على فرض. (قوله: ولو في حال الدعاء) غاية في الكراهة أيضا. (والحاصل) أنها تستمر إلى فراغ الخطبة وتوابعها. (قوله: والاوجه أنها لا تنعقد) عبارة المغنى: وإذا حرمت لم تنعقد - كما قاله البلقيني - لان الوقت ليس لها، وكالصلاة في الاوقات الخمسة المكروهة، بل أولى، للاجماع على تحريمها هنا، كما مر بخلافها ثم. اه‍. والفرق حينئذ بينها وبين الصلاة في المكان المغصوب - حيث انعقدت مع أنها تحرم -: أن النهي هنا لذات الصلاة، وهناك لامر خارج، وهو شغل ملك الغير من غير إذنه. (قوله: كالصلاة بالوقت المكروه) أي فإنها لا تنعقد فيه. (وقوله: بل أولى) أي بل عدم انعقادها بعد جلوس الخطيب على المنبر أولى من عدم انعقادها فيه، وذلك لاعراضه عما هو مأمور به، وهو الانصات للخطيب. (قوله: يقتصر الخ) تصوير للتخفيف. (وقوله: على أقل مجزئ) هو الاتيان بالواجبات فقط، كما سيصرح به قريبا. واعتمد في النهاية أن


(1) الاحزاب: 56

[ 102 ]

المراد بالتخفيف ترك التطويل عرفا، وعبارتها: والمراد بالتخفيف فيما ذكر، الاقتصار على الواجبات. قال الزركشي: لا الاسراع. قال: ويدل له ما ذكروه أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء، اقتصر على الواجبات. اه‍. وفيه نظر. والفرق بينه وبين ما استدل به واضح، وحينئذ فالاوجه أن المراد به ترك التطويل عرفا. اه‍. فعليه إن طول عرفا بطلت وإلا فلا. وعلى الاول إن زاد على الواجبات بطلت، وإلا فلا. (قوله: عند جلوسه) متعلق بتخفيفها، أو متعلق بصلة من. (فرع) قال سم: ينبغي فيما لو ابتدأ فريضة قبل جلوس الامام فجلس في أثنائها، أنه إن كان الباقي ركعتين جاز له فعلهما، ولزمه تخفيفهما. أو أكثر، امتنع فعله، وعليه قطعها، أو قلبها نفلا، والاقتصار على ركعتين، مع لزوم تخفيفها. ولو أراد بعض الجالسين فريضة ثنائية، فخرج من المسجد ثم دخله بقصد التوصل لفعل تلك الفريضة، فينبغي امتناع ذلك، كما لو دخل المسجد وقت الكراهة بقصد التحية فقط. اه‍. (وقوله: ولو أراد إلخ) تقدم عن ع ش ما يؤيده. (قوله: وكره) أي تنزيها. (وقوله: لداخل) أي محل الصلاة. (وقوله: تحية) نائب فاعل كره. (وقوله: فوتت تكبيرة الاحرام) أي غلب على ظنه ذلك، بأن دخل والصلاة قد أقيمت أو قرب قيامها، فحينئذ يتركها، ويقف حتى تقام الصلاة، ولا يقعد لئلا يجلس في المسجد قبل التحية. (قوله: وإلا فلا تكره) أي وإن لم تفوت عليه ذلك، أي لم يغلب على ظنه ذلك، لم تكره. (قوله: بل تسن) أي التحية بنيتها، وهو الاولى. أو راتبة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها. وحينئذ الاولى نية التحية معها، فإن أراد الاقتصار فالاولى - فيما يظهر - نية التحية، لانها تفوت بفواتها بالكلية إذا لم تنو، بخلاف الراتبة القبلية للداخل. فإن نوى أكثر منهما أو صلاة أخرى بقدرهما لم تنعقد. اه‍. تحفة. (قوله: لكن يلزمه تخفيفها) وذلك لخبر مسلم: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي (ص) يخطب، فجلس، فقال يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما. ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما. وقوله: قم فاركع: إنما أمره بذلك لانه جلس جاهلا بطلب التحية منه، فلم تفت بذلك. (قوله: وكره احتباء) قال الكردي هو - كما في الايعاب - أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو يديه أو غيرهما. اه‍. قال ابن زياد اليمني: إذا كان يعلم من نفسه عادة أن الاحتباء يزيد في نشاطه فلا بأس به. اه‍. وهو وجيه، وإن لم أره في كلامهم. ويحمل النهي عنه والقول بكراهته على من يجلب له الفتور والنوم. اه‍. (وقوله: للنهي عنه) أي في خبر أبي داود والترمذي، عن معاذ بن أنس، قال: نهى رسول الله (ص) عن الحبوة يوم الجمعة والامام يخطب. قال في شرح الروض: وحكمته - أي النهي عنها - أنه يجلب النوم، فيعرض طهارته للنقض، ويمنع الاستماع. اه‍. (قوله: وكتب أوراق حالتها) أي وكره كتب أوراق حالة الخطبة، وتسمى الحفائظ. قال في التحفة: كتابة الحفائظ آخر جمعة من رمضان بدعة منكرة - كما قاله القمولي - لما فيها من تفويت سماع الخطبة، والوقت الشريف فيما لم يحفظ عمن يقتدي به، ومن اللفظ المجهول، وهو كعسلهون، أي وقدم جزم أئمتنا وغيرهم بحرمة كتابة وقراءة الكلمات الاعجمية التي لا يعرف معناها. وقول بعضهم أنها حية محيطة بالعرش رأسها على ذنبها، لا يعول عليه، لان مثل ذلك لا مدخل للرأي فيه، فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن معصوم على أنها بهذا المعنى، لا تلائم ما قبلها في الحفيظة، وهو لا آلاء إلا آلاؤك يا الله كعسلهون، بل هذا اللفظ في غاية الايهام. ومن ثم قيل أنها اسم صنم أدخلها ملحد على جهلة العوام، وكأن بعضهم أراد دفع ذلك الايهام، فزاد بعد الجلالة: محيط به علمك كعسلهون، أي كإحاطة تلك الحية بالعرش، وهو غفلة عما تقرر أن هذا لا يقبل فيه إلا ما صح عن معصوم، وأقبح من ذلك: ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخميس في هذه الجمعة عقب صلاتها، زاعمين أنها تكفر صلوات العام أو العمر المتروكة، وذلك حرام، أو كفر، لوجوه لا تخفى اه‍. (قوله: بل وإن كتب فيها) أي في الاوراق. والاضراب انتقالي. (وقوله: نحو أسماء سريانية) اندرج تحت نحو الاسماء العبرانية ونحوها من كل ما يجهل معناه. (وقوله: حرم)

[ 103 ]

أي كتب ذلك، والفعل جواب إن. (قوله: وسن قراءة سورة كهف) حكمة تخصيصها من بين سور القرآن، أن الله تعالى ذكر فيها يوم القيامة، ويوم الجمعة يشبهها، لما فيه من اجتماع الخلق، ولان القيامة تقوم يوم الجمعة. (قوله: يوم الجمعة وليلتها) (سئل) الشمس الرملي عمن قرأ نصف الكهف ليلا ونصفها نهارا، هل يحصل له الثواب المخصوص أو لا ؟ (فأجاب) بأنه لا يحصل له الثواب المخصوص، وإنما يحصل له أصل الثواب. اه‍. من الفتاوى: (قوله: لاحاديث فيها) دليل لسنية قراءة سورة الكهف، أي وسن قراءتها لورود أحاديث فيها. منها: قوله (ص): من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين. ومنها: من قرأها ليلتها أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. قال الغزالي في الاحياء: وليقرأ سورة الكهف خاصة، فقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أن من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، أعطي نورا من حيث يقرأها إلى مكة، وغفر له إلى يوم الجمعة الاخرى، وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح. وعوفي من الداء، والدبيلة، وذات الجنب، والبرص والجذام، وفتنة الدجال. (قوله: وقراءتها) أي سورة الكهف. (وقوله: آكد) أي من قراءتها ليلا. (قوله: وأولاه) أي النهار. (وقوله: بعد الصبح) متعلق بمحذوف خبر أولاه. والمعنى: أن قراءة سورة الكهف بعد الصبح أفضل من قراءتها بقية النهار، مسارعة للخير ما أمكن. وفي المغني: والظاهر أن المبادرة إلى قراءتها أول النهار أولى، مسارعة وأمنا من الاهمال. وقيل: قبل طلوع الشمس. وقيل: بعد العصر. اه‍. (قوله: وأن يكثر منها) أي ويسن أن يكثر من قراءة سورة الكهف، وأقل الاكثار ثلاث مرات، كما في حواشي المحلى، وحواشي المنهج. (قوله: ومن سائر القرآن) أي وسن أن يكثر من سائر القرآن قال المؤلف في (إرشاد العباد) أخرج الدارمي عن مكحول: من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل. وهو عن كعب: اقرؤا سورة هود يوم الجمعة والطبراني عن أبي أمامه: من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة أو يوم جمعة بنى الله له بيتا في الجنة. اه‍. (وقوله: فيهما) أي في ليلة الجمعة ويومها. (قوله: ويكره الجهر بقراءة الكهف) لم يعبر هنا بالسورة للارشاد للرد على من شذ فكره ذكر ذلك من غير سورة. (قوله: وغيره) الاولى وغيرها، لان المراد من الكهف السورة. (قوله: إن حصل به) أي بالجهر. وهو قيد في الكراهة. (قوله: أو نائم) قال سم: ظاهره ولو في المسجد وقت إقامة المفروضة. وفيه نظر، لانه مقصر بالنوم. اه‍. (قوله: ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد) أي بحضرة المصلين فيه. وعبارة الشارح في (باب الصلاة): وبحث بعضهم المنع من الجهر بقرآن أو غيره بحضرة المصلي مطلقا، أي شوش عليه أولا، لان المسجد وقف على المصلي، أي أصالة - دون الوعاظ والقراء. اه‍. (قوله: وحمل) بالبناء للفاعل، وفاعله يعود على شيخه، إن كان هذا الحمل موجودا في شرح العباب، وبالبناء للمجهول ونائب فاعله كلام النووي، إن لم يكن موجودا فيه. فانظره. (وقوله: بالكراهة) متعلق بكلام معنى تكلم، أي حمل تكلمه بالكراهة أي قوله بها. (قوله: على ما إذا خف التأذى) متعلق بحمل، وهذا يخالف الاطلاق المار في العبارة المارة آنفا إن كانت الواو في قوله بعد: وعلى كون إلخ بمعنى أو - كما هو ظاهر صنيعه - فإن كانت باقية على معناها فلا مخالفة، لانه يصير المحمول عليه مجموع شيئين: خفة التأذي، وكون القراءة في غير المسجد. (قوله: وإكثار صلاة على النبي (ص)) قال الحلبي في حواشي المنهج: قال أبو طالب المكي: أقل إكثار الصلاة عليه (ص) ثلثمائة مرة. اه‍. (قوله: للاخبار الصحيحة الآمرة بذلك) منها: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. وخبر: أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا. وفي الاحياء ما نصه: يستحب أن يكثر الصلاة على

[ 104 ]

رسول الله (ص) في هذا اليوم، فقد قال (ص): من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة. قيل: يا رسول الله، كيف الصلاة عليك ؟ قال: تقول: اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الامي. وتعقد واحدة. وإن قلت: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء، وأعطه الوسيلة، وابعثه المقام الذي وعدته، واجزه عنا ما هو أهله، واجزه أفضل ما جزيت نبيا عن أمته، وصل عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والصالحين، يا أرحم الراحمين. تقول هذا سبع مرات. فقد قيل: من قالها في سبع جمع، في كل جمعة سبع مرات، وجبت له شفاعته (ص). وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة، فقال: اللهم اجعل فضائل صلواتك، ونوامي بركاتك، وشرائف زكواتك، ورأفتك، ورحمتك، وتحيتك، على محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين، قائد الخير، وفاتح البر، ونبي الرحمة، وسيد الامة. اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه، وتقربه عينه، يغبطه به الاولون والآخرون. اللهم اعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة، والدرجة الرفيعة، والمنزلة الشامخة المنيفة. اللهم أعط محمدا سؤاله، وبلغه مأموله واجعله أول شافع، وأول مشفع، اللهم عظم برهانه، وثقل ميزانه، وأبلج حجته، وارفع في أعلى المقربين درجته. اللهم احشرنا في زمرته، واجعلنا من أهل شفاعته، وأحينا على سنته، وتوفنا على ملته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه، غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مبدلين، ولا فاتنين ولا مفتونين، آمين يا رب العالمين. وعلى الجملة، فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة، ولو بالمشهورة في التشهد، كان مصليا. وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار، فإن ذلك أيضا مستحب في هذا اليوم. اه‍. ملخصا. (قوله: فالاكثار منها أفضل من إكثار ذكر أو قرآن) يعني أن الاكثار من الصلاة على النبي (ص) في ليلة الجمعة ويومها أفضل من الاكثار بغيرها من الذكر والقراءة. (وقوله: لم يرد بخصوصه) فاعل الفعل يعود على الاحد الدائر من الذكر أو القرآن، أو يعود على المذكور منهما، أي لم يرد كل من الذكر والقرآن عن النبي (ص) بخصوصه، فإن ورد فيه ذلك بخصوصه، كقراءة الكهف، والتسبيح عقب الصلوات، فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالصلاة على النبي (ص). (قوله: ودعاء) بالجر معطوف على صلاة، أي وسن إكثار دعاء إلخ. (قوله: رجاء إلخ) علة لسنية الاكثار من الدعاء. (وقوله: ساعة الاجابة) أي أن الدعاء فيها يستجاب ويقع ما دعا به حالا يقينا، فلا ينافي أن كل دعاء مستجاب. وهي من خصائص هذه الامة. اه‍. برماوي. (قوله: وأرجاها) أي ساعة الاجابة، أي أقربها رجاء، أي حصولا. (وقوله: من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة) قال سم: لا يخفى أنه من حين جلوس الخطيب إلى فراغ الصلاة يتفاوت باختلاف الخطباء، إذ يتقدم بعضهم، ويتأخر بعضهم، بل يتفاوت في حق الخطيب الواحد، إذ يتقدم في بعض الجمع ويتأخر في بعض، فهل تلك الساعة متعددة فهي في حق كل خطيب ما بين جلوسه إلى آخر الصلاة، وتختلف في حق الخطيب الواحد أيضا باعتبار تقدم جلوسه وتأخره ؟ فيه نظر. وظاهر الخبر التعدد، ولا مانع منه. ثم رأيت الشارح سئل عن ذلك، فأجاب بقوله: لم يزل في نفسي ذلك منذ سنين، حتى رأيت الناشري نقل عن بعضهم أنه قال: يلزم على ذلك أن تكون ساعة الاجابة في حق جماعة غيرها في حق آخرين، وهو غلط ظاهر، وسكت عليه. وفيه نظر. ومن ثم قال بعض المتأخرين ساعة الاجابة في حق كل خطيب وسامعيه ما بين أن يجلس إلى أن تنقضي الصلاة، كما صح في الحديث، فلا دخل للعقل في ذلك بعد صحة النقل. اه‍. قال الشارح في شرح العباب: وقد سئل البلقيني: كيف يدعو حال الخطبة وهو مأمور بالانصات ؟ (فأجاب) بأنه ليس من شروط الدعاء التلفظ، بل استحضاره بقلبه كاف. اه‍. وقد يقال ليس المقصود من الانصات إلا ملاحظة معنى الخطبة، والاشتغال بالدعاء بالقلب بما يفوت ذلك. اه‍. (قوله: وهي لحظة لطيفة) أي أن ساعة الاجابة لحظة لطيفة، وأفاد بهذا أنه ليس المراد بقولهم فيها وأرجاها من جلوس إلخ، أن ساعة الاجابة مستغرقة لما بين الجلوس وآخر الصلاة، بل المراد أنها لا تخرج عن هذا الوقت، فإنها لحظة لطيفة. ففي الصحيحين، عند ذكره إياها وأشار بيده يقللها.

[ 105 ]

(قوله: وصح أنها آخر ساعة بعد العصر) هذا لا يعارض ما تقدم من أنها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة لانه يحتمل أنها منتقلة، تكون يوما في وقت ويوما في وقت آخر. وعبارة شرح المنهج: وأما خبر: يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة لا يوجد فيها مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر. فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوما في وقت، ويوما في آخر، كما هو المختار في ليلة القدر. اه‍. قال البجيرمي: وقوله منتقلة: ضعيف، والمعتمد أنها تلزم وقتا بعينه. كما أن المعتمد في ليلة القدر أنها تلزم ليلة بعينها. فقوله: كما هو المختار، ضعيف. اه‍. (قوله: وفي ليلتها) معطوف على في يومها أي وسن إكثار دعاء في ليلتها. (قوله: لما جاء) أي ورد. (وقوله: أنه) أي الشافعي. (وقوله: بلغه) أي عن النبي (ص). فهو مرفوع. اه‍. ع ش (قوله: وسن إكثار فعل الخير فيهما) أي في يوم الجمعة وليلتها، لما أخرجه ابن زنجوية عن ابن المسيب بن رافع قال: من عمل خيرا في يوم الجمعة ضعف له بعشرة أضعاف في سائر الايام، ومن عمل شرا فمثل ذلك اه‍. إرشاد العباد. ويقاس باليوم: الليلة، إذ لا فرق. (قوله: كالصدقة) تمثيل لفعل الخير. قال في الاحياء: الصدقة مستحبة في هذا اليوم خاصة، فإنها تتضاعف، إلا على من سأل والامام يخطب وكان يتكلم في كلام الامام فهذا مكروه. قال كعب الاحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة، ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما، ثم يقول: اللهم إني أسألك باسمك باسم الله الرحمن الرحيم، وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. لم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه. وقال بعض السلف: من أطعم مسكينا يوم الجمعة، ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الامام: بسم الله الرحمان الحي القيوم. أسألك أن تغفر لي، وترحمني، وتعافيني من النار. ثم دعا بما بدا له، استجيب له. (وقوله: وغيرها) أي غير الصدقة، كالوقف وإماطة الاذى عن الطريق، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر،. وزيارة مريض. (قوله: وأن يشتغل) المصدر المؤول معطوف على إكثار، أي وسن الاشتغال إلخ، ولا حاجة إلى ذكر هذا، لانه يعلم مما قبله، إذ فعل الخير شامل للقراءة والذكر ونحوهما. وقد صرح أولا بأن الاكثار من الصلاة على النبي (ص) أفضل من إكثار ذكر أو قرآن لم يرد بخصوصه. (قوله: في طريقه) أي إلى المسجد. قال في المغني: والمختار كما قال المصنف في تبيانه - أن القراءة في الطريق جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها، فإن التهى عنها كرهت. قال الاذرعي: ولعل الاحوط ترك القراءة فيها، فقد كرهها بعض السلف فيه. ولا سيما في مواضع الرحمة الغفلة. اه‍. (وقوله: وحضوره) أي وفي حضوره. والمراد أن يشتغل في وقت انتظار الصلاة. (وقوله: محل الصلاة) ظرف متعلق بحضوره. (قوله: بقراءة) متعلق بيشتغل. (قوله: وأفضله) أي الذكر. (قوله: قبل الخطبة) متعلق بحضور، فكان الاولى أن يذكره بعده - كما في المغني والنهاية - قال في الروض وشرحه: وليشتغل - ندبا - من حضر قبل الخطبة بالذكر، والتلاوة، والصلاة على النبي (ص). اه‍. (قوله: وكذا حالة الخطبة) أي وكذا يسن أن يشتغل بما ذكر إذا حضر حالة الخطبة ولم يسمعها. (قوله: كما مر) أي قريبا في قوله: نعم، الاولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا. (قوله: للاخبار المرغبة) تعليل لسنية الاكثار من فعل الخير وسنية الاشتغال. (وقوله: في ذلك) أي المذكور من إكثار فعل الخير والاشتغال بما ذكر من القراءة، والذكر والصلاة على النبي (ص). وقد علمت بعضا من الاخبار الواردة في ذلك. فلا تغفل. (والحاصل) ينبغي أن يجعل يوم الجمعة للآخرة، فكيف فيه عن جميع أشغال الدنيا، ويكثر فيه الاوراد فعل الخير، كما هو عادة السلف. (قوله: وأن يقرأ إلخ) معطوف على إكثار أيضا. أي وسن أن يقرأ. (قوله: قبل أن يثني رجليه) أي قبل أن يصرفهما عن الهيئة التي سلم عليها ويردهما إلى هيئة أخرى. فهو بفتح الياء من ثنى: كرمى. قال في

[ 106 ]

المصباح: ثنيت الشئ أثنيه ثنيا، من باب رمى: إذا عطفته، ورددته. وثنيته عن مراده: إذا صرفته عنه. اه‍. بتصرف. (قوله: الفاتحة إلخ) مفعول يقرأ. (قوله: سبعا سبعا) حال من القراءة المأخوذة من يقرأ، أو نائب عن المفعول المطلق. أي يقرأ ذلك حال كون قراءة كل واحدة من السور المذكورة مكررة سبعا سبعا، أو يقرأ ذلك قراءة سبعا سبعا. (قوله: لما ورد أن من قرأها) أي الفاتحة وما بعدها. وورد أيضا أن من قرأها حفظ الله له دينه ودنياه وأهله وولده. وورد أيضا (1) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله (ص): من قرأ بعد صلاة الجمعة * (قل هو الله أحد) * و * (قل أعوذ برب الفلق) * و * (قل أعوذ برب الناس) * سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الاخرى. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: من قال بعد قراءة ما تقدم: اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، اغنني بفضلك عمن سواك، وبحلالك عن حرامك. أغناه الله، ورزقه من حيث لا يحتسب. وقال أنس - رضي الله عنه -: من قال يوم الجمعة سبعين مرة: اللهم اغنني بفضلك عمن سواك، وبحلالك عن حرامك. لم يمر عليه جمعتان حتى يغنيه الله تعالى. (فوائد) الاولى: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي (ص) أنه قال: من قال بعدما تقضى الجمعة سبحان الله العظيم وبحمده. مائة مرة، غفر الله له مائة ألف ذنب، ولوالديه أربعة وعشرين ألف ذنب. الثانية: عن سيدي عبد الوهاب الشعراني - نفعنا الله به - أن من واظب على قراءة هذين البيتين في كل يوم جمعة، توفاه الله على الاسلام من غير شك، وهما: إلهي لست للفردوس أهلا * * ولا أقوى على نار الجحيم فهب لي توبة، واغفر ذنوبي * * فإنك غافر الذنب العظيم ونقل عن بعضهم أنها تقرأ خمس مرات بعد الجمعة.. الثالثة: عن عراك بن مالك، أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، وقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وقد قلت وقولك الحق * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) *. (تنبيه) وجدت في هامش حاشية الكردي ما نصه: ذكر ع ش في حاشيته على م ر أنه ينبغي تقديم المسبعات المذكورة على الذكر الوارد عقب الصلاة، لحث الشارع على طلب الفور فيها، ولكن في ظني أن في (شرح المناوي على الاربعين) أنه يقدم التسبيح وما معه عليها، وينبغي أيضا أن يقدم المسبعات على تكبير العيد. اه‍. وقوله: على تكبير العيد: أي التكبير المقيد في عيد الاضحى. (قوله: مهمة، يسن أن يقرأها) أي الفاتحة، والاخلاص، والمعوذتين. (وقوله: وآية الكرسي) بالنصب، معطوف على مفعول يقرأ. (قوله: وشهد الله) أي ويقرأ آية شهد الله، وهي: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (2) *. (قوله: بعد كل مكتوبة) متعلق بيقرأ. (قوله: وحين يأوى) معطوف على الظرف قبله، فهو متعلق بما تعلق به، أي ويسن أن يقرأ ما ذكر حين يأوي على فراشه، أي يستقر لاجل النوم. (قوله: مع


(1) (قوله: ورود أيضا) هذه الرواية بإسقاط الفاتحة الرواية ذكرها الشارح، فإنها بإثباتها. اه‍. مولف (2) الجمعة: 9 - 10

[ 107 ]

أواخر إلخ) متعلق بيقرأ المقدر، أي يقرؤها مع قراءة أواخر البقرة. (وقوله: والكافرون) معطوف على أواخر، أي ومع قراءة الكافرون، وأثبت الواو فيه للحكاية. (قوله: ويقرأ خواتيم الحشر) أي ويسن أن يقرأ خواتيم الحشر، وهي: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم، يتفكرون، هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور، له الاسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والارض، وهو الغزيز الحكيم) * (1) (وقوله: وأول غافر، إلخ) هو: * (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير) (2) * (وقوله: أفحسبتم) أي ويقرأ آية أفحسبتم، وهي: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) * (3). (قوله: صباحا ومساء) متعلق بقوله ويقرأ خواتيم إلخ. أي ويقرأ خواتيم إلخ. أي ويقرأ ذلك في الصباح والمساء. (وقوله: مع أذكارهما) أي الصباح والمساء. أي ويقرأ ما ذكر زيادة على أذكارهما، وقد عقد لها المؤلف في (إرشاد العباد) بابا مسقلا، فانظره إن شئت. (قوله: وأن يواظب كل يوم إلخ) أي ويسن أن يواظب كل يوم. (قوله: وعلى الاخلاص إلخ) أي ويسن أن يواظب - مع ما ذكر - على الاخلاص كل يوم مائتي مرة. (وقوله: والفجر) أي ويواظب على الاخلاص مع * (والفجر وليال عشر) * (4) في عشر ذي الحجة. (قوله: ويس) أي ويسن أن يقرأ يس، لخبر: اقرؤا على موتاكم يس. رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. وقال: المراد به من حضره الموت، يعني مقدماته، لان الميت لا يقرأ عليه. وفي رباعيات أبي بكر الشافعي: ما من مريض يقرأ عند يس إلا مات ريانا، وأدخل قبره ريانا، وحشر يوم القيامة ريانا. قال الجاربردي: ولعل الحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قرئت عليه تجدد له ذكر تلك الاحوال. (وقوله: والرعد) أي ويسن أن يقرأ عنده الرعد أي لقول جابر بن زيد: فإنها تهون عليه خروج الروح. (وقوله: عند المحتضر) متعلق بيقرأ المقدر. (قوله: ووردت في كلها أحاديث غير موضوعة) قد استوعبها الامام النووي في أذكاره، فليراجعها من شاء. (تنبيه) ينبغي للعاقل أن يواظب على الاذكار النبوبة الواردة عن خير البرية، المشروعة بعد المكتوبة وغيرها من جميع الاحوال، فإن من أفضل حال العبد حال ذكره رب العالمين، واشتغاله بالاذكار الواردة عن رسول الله (ص) سيد المرسلين، فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه (بالمسلك القريب لكل سالك منيب) تأليف العالم النحرير الماهر، الجامع بين علمي الباطن والظاهر، سيدنا الحبيب طاهر بن حسين بن طاهر باعلوى، فإنه كتاب حوي من نفائس الاذكار، وجلائل الادعية والاوراد ما يشرق به قلب القارئ، ويسلك به سبيل الرشاد. كيف لا وقد استوعب جملة من الاوراد وأحزاب السادة الابرار ما يستوعب به السالك آناء الليل وأطراف النهار ؟ فبادر أيها السالك، الطالب طريق الآخرة، إلى تحصيله، وشمر عن ساعد الاجتهاد بالعمل بما فيه وسلوك سبيله، تفز إن شاء الله تعالى بما ترجو، ومن غوائل النفس والشيطان وظلمات غيهما بنوره تنجو. وفقنا الله للعمل بما فيه. وأعاذنا من العجز والكسل عن مواظبته، بجاه سيدنا محمد (ص) وآله وصحبه.


(1) الحشر، 21 - 22 - 23 - 24. (2) غافر: 1 - 2 - 3. (3) المؤمنون: 115 - 116 - 117 - 118. (4) الفجر: 1

[ 108 ]

(قوله: وحرم تخط) قال في الاحياء لما ورد فيه من الوعيد الشديد، وهو أنه يجعل جسرا يوم القيامة يتخطاه الناس. وروى ابن جريج مرسلا: أن رسول الله (ص) بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى تقدم فجلس فلما قضى النبي (ص)، عارض الرجل حتى لقيه، فقال: يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا ؟ قال: يا نبي الله قد جمعت معكم فقال النبي (ص): ألم نرك تتخطى رقاب الناس ؟ أشار به إلى أنه أحبط عمله. وفي حديث مسند أنه قال: ما منعك أن تصلي معنا ؟ قال: أو لم ترني يا رسول الله ؟ فقال (ص): رأيتك تأنيت وآذيت - أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور -. ومهما كان الصف الاول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لانهم ضيعوا حقهم، وتركوا موضع الفضيلة. قال الحسن: تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم، وإذا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي أن لا يسلم، لانه تكليف جواب في غير محله. اه‍. (وقوله: رقاب الناس) أي قريبا منها، وهو المناكب. والمراد بالرقاب الجنس، فيشمل تخطي رقبة أو رقبتين. قال ع ش: ويؤخذ من التعبير بالرقاب أن المراد بالتخطي: أن يرفع رجله بحيث يحاذي في تخطيه أعلى منكب الجالس. وعليه: فما يقع من المرور بين الناس ليصل إلى نحو الصف الاول ليس من التخطي، بل من خرق الصفوف، إن لم يكن ثم فرج في الصفوف يمشي فيها. اه‍. ومن التخطي المحرم ما جرت به العادة من التخطي لتفرقة الاجزاء، أو تبخير المسجد، أو سقي الماء، أو السؤال لمن يقرأ في المسجد. (قوله: للاحاديث الصحيحة فيه) أي في حرمة التخطي، أي الدالة على حرمته، لما فيها من الوعيد الشديد. (قوله: والجزم بالحرمة إلخ) ضعيف. (قوله: واختارها) أي الحرمة. (قوله: لكن قضية إلخ) معتمد. (وقوله: الكراهة) أي التنزيهية. قال ع ش: قال سم: على منهج (فإن قلت): ما وجه ترجيح الكراهة على الحرمة، مع أن الايذاء حرام، وقد قال (ص): اجلس فقد آذيت... (قلت): ليس كل إيذاء حراما، وللمتخطي هنا غرض، فإن التقدم أفضل. اه‍. (قوله: لا لمن إلخ) أي لا يحرم التخطي لمن وجد إلخ. (وقوله: فرجة) بضم الفاء وفتحها، قال البرماوي: وهي خلاء ظاهر، أقله ما يسع واقفا. وخرج بها السعة، فلا يتخطى إليها مطلقا. اه‍. (قوله: فله) أي لمن وجد فرجة. (وقوله: تخطي صف واحد أو اثنين) أي رجل أو رجلين، ولو من صف واحد، لا أكثر منهما. ومثال تخطي الرجل فقط، ما إذا كان في آخر الصف بجنب الحائط فإن زاد على الصفين ورجا أن يتقدموا إليها إذا أقيمت الصلاة، كره لكثرة الاذى، فإن لم يرج ذلك فلا كراهة، وإن كثرت الصفوف. وكذلك إذا قامت الصلاة ولم يسدوها فيخرقها وإن كثرت. وفي البجيرمي: وحاصل المعتمد أنه إذا وجد فرجة لا يكره التخطي مطلقا أي سواء كانت قريبة أو بعيدة رجا تقدم أحد إليها أم لا. وأما اسحباب تركه فإذا وجد موضعا اسحب ذلك، وإلا فإن رجا انسدادها فكذلك، وإلا فلا يستحب تركها. اه‍. (قوله: ولا لامام) معطوف على لمن وجد فرجة، أي ولا يحرم التخطي لامام لاضطراره إليه. (وقوله: لم يجد طريقا إلى المحراب) أي أو المنبر، فإن وجد طريقا يبلغ بها بدون التخطي كره. (قوله: ولا لغيره) معطوف أيضا على لمن وجد، أي ولا يحرم التخطي لغير الامام. (وقوله: إذا أذنوا) أي الحاضرون. قال في المغني: ولا يكره لهم الاذن والرضا بإدخالهم الضرر على أنفسهم، لكن يلزمهم من جهة أخرى، وهو أن الايثار بالقرب مكروه. اه‍. (وقوله: فيه) أي في التخطي. (وقوله: لا حياء) خرج به ما إذا أذنوا له حياء منه، فيحرم التخطي، أو يكره. (قوله: ولا لمعظم) معطوف أيضا على لمن وجد. أي ولا يحرم التخطي لمعظم، أي في النفوس. قال في التحفة: وقيده الاذرعي بمن ظهر صلاحه وولايته ليتبرك الناس به. (قوله: ألف موضعا) قال ع ش: أي أو لم يألف. اه‍.

[ 109 ]

(واعلم) أن الذي ذكره الشارح من الصور المستثناة من حرمة التخطي أو كراهته على القولين أربع صور، وبقي منها: إذا سبق الصبيان أو العبيد أو غير المستوطنين إلى الجامع، فإنه يجب على الكاملين إذا حضروا التخطي لسماع الخطبة إذا كانوا لا يسمعونها مع البعد. ومنها: ما إذا كان الجالسون عبيدا لذلك المتخطي أو أولادا له، ولهذا، يجوز أن يبعث عبده ليأخذ له موضعا في الصف الاول، فإذا حضر السيد تأخر العبد. قاله ابن العماد. ومنها: ما إذا جلس الشخص في طريق الناس. (قوله: ويكره تخطي المجتمعين لغير الصلاة) الظاهر أن كراهة ذلك مبنية على القول بكراهة تخطي المجتمعين للصلاة. أما على القول بالحرمة فيحرم. ويؤيده التصريح بلفظ أيضا بعد قوله لغير الصلاة في عبارة الفتح، ونصها: ويكره تخطي المجتمعين لغير الصلاة أيضا. اه‍. فقوله أيضا: أي ككراهة ذلك للصلاة. (قوله: ويحرم أن يقيم إلخ) لخبر الصحيحين: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن يقول تفسحوا وتوسعوا، فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة على الغير. ومحل الحرمة في الاول - كما في ع ش - حيث كانوا كلهم ينتظرون الصلاة - كما هو الفرض - أما ما جرت به العادة من إقامة الجالسين في موضع الصف الذين قد صلوا جماعة إذا حضرت جماعة بعدهم وأرادوا فعلها: فالظاهر أنه لا كراهة فيه ولا حرمة، لان الجالس ثم مقصر باستمرار الجلوس المؤدي لتفويت الفضيلة على غيره. (قوله: ويكره إيثار غيره) أي ويكره لمن سبق في مكان من الصف الاول مثلا أن يقوم منه ويجلس غيره فيه. (قوله: إلا أن انتقل لمثله) أي إلا إن انتقل المؤثر لمكان مثل المكان الذي آثر به، فلا يكره الايثار. (وقوله: أو أقرب منه إلى الامام) أي أو إلا إن انتقل لمكان أقرب إلى الامام من المكان الذي آثر به، فلا يكره. فإن انتقل لمكان أبعد من الذي آثر به كره. (قوله: وكذا الايثار بسائر القرب) أي وكذلك يكره الايثار بها، وأما قوله تعالى: * (ويؤثرون على أنفسهم) * (1) فالمراد الايثار في حظوظ النفس. نعم، إن آثر قارئا أو عالما ليعلم الامام أو يرد عليه إذا غلط، فالمتجه أنه لا كراهة، لكونه مصلحة عامة: (قوله: وله تنحية إلخ) مرتبط بقوله فله بلا كراهة تخطي إلخ. يعني أن من وجد فرجة أمامه، له تخطي صف أو صفين لاجل سدها، وله تنحية سجادة في تلك الفرجة لغيره، لتعديه بفرش سجادته مع غيبته. وفي البجيرمي ما نصه: وما جرت به العادة من فرش السجادات بالروضة ونحوها - من الفجر، أو طلوع الشمس - قبل حضور أصحابها مع تأخيرهم إلى الخطبة أو ما يقاربها: لا بعد في كراهته، بل قد يقال بتحريمه، لما فيه من تحجير المسجد من غير فائدة - كما في شرح م ر -. وعبارة البرماوي: ويكره بعث سجادة ونحوها، لما فيه من التحجير مع عدم إحياء البقعة، خصوصا في الروضة الشريفة. اه‍. وظاهر عبارة ح ل أن البعث المذكور حرام. ونصها: ولا يجوز أن يبعث من يفرش له نحو سجادة لما فيه إلخ. وقول م ر: بل قد يقال بتحريمه، أي تحريم الفرش في الروضة. قال ع ش عليه: هذا هو المعتمد اه‍. (قوله: بنحو رجله) متعلق بتنحية أي وله تنحيتها - أي دفعها - بنحو رجله من غير رفع لها، واندرج تحت نحو يده وعصاه. (قوله: والصلاة) بالرفع، عطفا على تنحية. (وقوله: في محلها) أي السجادة، فلو صلى عليها حرم بغير رضا صاحبها. (قوله: ولا يرفعها) أي يحملها ثم يلقيها في مكان آخر (قوله: ولو بغير يده) كرجله (وقوله: لدخولها في ضمانه) أي لو رفعها ولو قال لئلا تدخل في ضمانه لكان أولى. وسيذكر الشارح في (باب الوقف) هذه المسألة بأبسط مما هنا. (قوله: وحرم على من تلزمه الجمعة نحو مبايعة) أي لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم


(1) الحشر: 9

[ 110 ]

الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) *. (1) فورد النص في البيع، وقيس عليه غيره. ومحل الحرمة، في حق من جلس له: في غير الجامع، أما من سمع النداء فقام قاصدا الجمعة، فباع في طريقه أو قعد في الجامع وباع، فإنه لا يحرم عليه. لكن البيع في المسجد مكروه، ومحلها أيضا، إن كان عالما بالنهي، ولا ضرورة كبيعه للمضطر ما يأكله، وبيع كفن لميت خيف تغيره بالتأخير، وإلا فلا حرمة، وإن فاتت الجمعة. وخرج بقوله من تلزمه الجمعة: من لا تلزمه، فلا حرمة عليه، ولا كراهة. لكن إذا تبايع مع من هو مثله. أما إذا تبايع مع من تلزمه حرم عليه أيضا، لاعانته على الحرام. وقيل: كره له ذلك. (قوله: كاشتغال بصنعة) تمثيل لنحو مبايعة. قال في النهاية: وهل الاشتغال بالعبادة - كالكتابة - كالاشتغال بنحو البيع ؟ مقتضى كلامهم: نعم. اه‍. قال ع ش: أي فيحرم خارج المسجد، ويكره فيه. (قوله: بعد شروع) متعلق بحرم. (وقوله: في أذان خطبة) أي الاذان الذي بين يدي الخطيب، وقيد الاذان بما ذكر لانه الذي كان في عهده (ص)، فانصرف النداء في الآية إليه. (قوله: فإن عقد) أي من حرم عليه العقد. بيعا كان أو غيره. وعبارة المغنى مع الاصل: فإن باع من حرم عليه البيع صح بيعه، وكذا سائر عقوده، لان النهي لمعنى خارج عن العقد، أي وهو التشاغل عن صلاتها، فلم يمنع الصحة، كالصلاة في الدار المغصوبة. اه‍. (قوله: ويكره) أي نحو مبايعة. (وقوله: قبل الاذان) أي الذي بين يدي الخطيب، وإن كان بعد الاذان الاول. (وقوله: بعد الزوال) متعلق بيكره، أو متعلق بمحذوف حال من نائب فاعله. وإنما كره ذلك بعده لدخول وقت الوجوب. نعم، إن فحش تأخير الجمعة عن الزوال فلا كراهة، وخرج ببعد الزوال ما إذا وقع ذلك قبله، فلا يكره، وهذا محمول على من لم يلزمه السعي قبله، وإلا فيحرم عليه من وقت وجوبه عليه. (قوله: وحرم على من تلزمه إلخ) أي لما صح أن من سافر يوم الجمعة بعد الفجر دعا عليه ملكاه، فيقولان: لا نجاه الله من سفره، ولا أعانه على قضاء حاجته. (حكي) ابن أبي شيبة عن مجاهد: أن قوما خرجوا في سفر حين حضرت الجمعة، فاضطرم عليهم خباؤهم نارا، من غير نار يرونها. (قوله: سفر) فاعل حرم. قال البجيرمي: وخرج به النوم قبل الزوال، فلا يحرم، وإن علم فوات الجمعة به. كما اعتمده شيخنا م ر لانه ليس من شأن النوم الفوات. وخالفه غيره اه‍. وقوله: وخالفه غيره. أي فيما إذا علم فوات الجمعة به. (قوله: تفوت به الجمعة) أي بحسب ظنه، وخرج به ما إذا لم تفت به، بأن غلب على ظنه إدراكها في مقصده أو طريقه، فلا يحرم لحصول المقصود، وهو إدراكها. قال سم: ولو تبين خلاف ظنه بعد سفره فلا إثم، والسفر غير معصية، كما هو ظاهر. اه‍. وفي التحفة: وقيده - أي عدم الحرمة - فيما إذا لم تفت عليه صاحب التعجيز بحثا بما إذا لم تبطل بسفره جمعة بلده، بأن كان تمام الاربعين. وكأنه أخذه مما مر آنفا من حرمة تعطيل بلدهم عنها. لكن الفرق واضح، فإن هؤلاء معطلون بغير حاجة، بخلاف المسافر، فإن فرض أن سفره لغير حاجة اتجه ما قاله، وإن تمكن منها في طريقه. اه‍. (قوله: كأن ظن إلخ) تمثيل للسفر الذي تفوت به الجمعة، والاولى بأن ظن بباء التصوير. (وقوله: لا يدركها) أي الجمعة. (وقوله: في طريقه) أي بأن لم يكن فيه محل تقام فيه الجمعة. (وقوله: أو مقصده) أي وطنه أو غيره، بأن ظن أنه إذا وصله يجد الجمعة قد صليت. (قوله: ولو كان السفر طاعة) غاية في الحرمة، وهي للرد على القديم الذي يخص حرمة السفر قبل الزوال بالمباح، ويجعل سفر الطاعة قبل الزوال جائزا. اه‍. بجيرمي. (وقوله: مندوبا أو واجبا) المناسب مندوبة أو واجبة، ليكون تعميما في الطاعة. والمندوبة: كزيارة قبر النبي (ص). والواجبة: كالحج. (قوله: بعد فجرها) متعلق بحرم، أو بمحذوف صفة لسفر، وإنما حرم من بعد الفجر، مع أن وقت الوجوب إنما يدخل بالزوال، لان الجمعة مرتبطة باليوم، ولذا وجب السعي إليها قبل الزوال على بعيد الدار. (قوله: أي فجر يوم الجمعة) أفاد بهذا التفسير أن إضافة فجر لضمير الجمعة لادنى ملابسة، إذ الفجر ليومها، لا لها، لكن لما كانت تقع في اليوم نسب إليها ما ينسب إليه. (قوله: إلا إن خشي إلخ)


(1) الجمعة: 9

[ 111 ]

استثناء من حرمة السفر بعد الفجر أي وحرم بعده، إلا إذا خاف من عدم سفره حصول ضرر له، فلا يحرم حينئذ. (وقوله: كانقطاعه إلخ) تمثيل للضرر. (وقوله: عن الرفقة) أي الذي يخشى الضرر بمفارقتهم. قال ع ش: وليس من التضرر ما جرت به العادة من أن الانسان قد يقصد السفر في وقت مخصوص لامر لا يفوت بفوات ذلك الوقت. اه‍. قال البجيرمي: كالذين يريدون السفر لزيارة سيدي أحمد البدوي في أيام مولده في يوم الجمعة مع رفقة، وكانوا يجدون رفقة أخر مسافرين في غيره. اه‍. ويستثنى من الحرمة أيضا ما لو احتاج إلى السفر لادراك وقوف عرفة، أو لانقاذ نحو مال أو أسير، فيجوز له السفر ولو بعد الزوال، بل يجب لانقاذ أسير أو نحوه، كقطع الفرض لذلك. (قوله: إن كان غير سفر معصية) قيد في عدم الحرمة، وسيذكر قريبا محترزه. (قوله: ويكره السفر ليلة الجمعة) في فتاوي ابن حجر ما نصه: (سئل) رضي الله عنه - هل يكره السفر ليلة الجمعة ؟ (فأجاب) بقوله: مقتضى قول الغزالي في الخلاصة: من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه. الكراهة، وهو متجه إن قصد بذلك الفرار عن الجمعة، قياسا على بيع النصاب الزكوي قبل الحول، إلا أن يفرق بأن الحول ثم سبب للوجوب، وانعقد في حقه، بخلافه هنا. وكأن هذا مدرك قوله بعضهم: لم أر لاحد من الاصحاب ما يقتضي الكراهة. اه‍. (قوله: دعا عليه ملكاه) أي قالا: لا نجاه الله من سفره، ولا أعانه على قضاء حاجته. اه‍. (قوله: أما المسافر لمعصية) محترز قوله إن كان غير سفر معصية. والمناسب تقديمه على قوله ويكره ليلتها. والتعبير بقوله: أما سفر المعصية. (قوله: فلا تسقط عنه الجمعة) المناسب فيحرم عليه السفر، ولا تسقط عنه الجمعة. (قوله: مطلقا) أي سواء خشي من عدم سفره ضررا أم لا، وذلك لانه في حكم المقيم. (قوله: وحيث حرم عليه السفر هنا) أي بأن سافر بعد فجر يوم الجمعة ولم تمكنه في طريقه ولم يتضرر بتخلفه. (وقوله: لم يترخص) أي برخص السفر من القصر والجمع والتنقل إلى جهة مقصدة. (وقوله: ما لم تفت الجمعة) قيد في عدم الترخص، أي لم يترخص مدة عدم فوات الجمعة بأن يبقى وقت يسعها وخطبتها. فإن فاتت الجمعة بخروج وقتها أو باليأس منها، ترخص من حين الفوات. (قوله: فيحسب ابتداء سفره إلخ) مفرع على مفهوم القيد، أي فإن فاتت فيحسب ابتداء سفره من وقت فوتها، لانتهاء سبب المعصية. قال سم: ينبغي إذا وصل لمحل لو رجع منه لم يدركها أن ينعقد سفره من الآن، وإن كانت إلى ذلك الوقت لم تفعل في محلها. اه‍. (تتمة) لم يتعرض المؤلف لمسألة الاستخلاف، ولا بد من التعرض لها تتميما للفائدة، فأقول: (اعلم) أن الامام إذا خرج من الامامة بنحو تأخر عن المقتدين، أو من الصلاة بحدث أو غيره فخلفه غيره جاز، سواء استخلف نفسه أو استخلفه الامام، أو القوم، أو بعضهم، لان الصلاة بإمامين بالتعاقب جائزة. كما في قصة أبي بكر مع النبي (ص) في مرضه، حيث كان يصلي أبو بكر إماما بالناس في مرض النبي (ص)، فأحس النبي (ص) بالخفة في بدنه يوما، فدخل يصلي وأبو بكر محرم بالناس، فتأخر أبو بكر وقدمه، واقتدى به بعد خروجه من الامامة. وحاصل ما يتعلق بهذه المسألة أن الاستخلاف إما أن يكون في الجمعة، وإما أن يكون في غيرها. فالاول: إما أن يكون في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الصلاة. فإن كان الاول: اشترط سماع الخليفة ما مضى من أركانها، وإن كان الثاني: اشترط سماع الخليفة جميع أركانها، إذ من لم يسمع ليس من أهل الجمعة، وإنما يصير من أهلها إذا دخل في الصلاة. وإن كان الثالث: فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع الاستخلاف قبل أن يقتدي الخليفة به، وهذا لا يصح مطلقا، لاحتياج المقتدين إلى تجديد نية

[ 112 ]

القدوة به المؤدي إلى إنشاء جمعة بعد أخرى. ثانيها: أن يقع بعد القدوة أو في ركوعها وهنا يصبح وتحصل الجمعة له ولهم ثالثها: أن يقع بعد ركوع الركعة الاولى، ولو في اعتداله، وهذا يحرم عليه، لانه يفوت بذلك الجمعة على نفسه، فيجب أن يتقدم غيره ممن أدركه في الركوع أو قبله. ومع ذلك لو تقدم هو صحت الجمعة لهم، لا له. ووقع خلاف بين المتأخرين: فيما إذا أدرك الخليفة ركوع الثانية وسجدتيها، أو استخلف في التشهد ؟ فقال ابن حجر: لا يدرك الجمعة، بل يتمها ظهرا، وقال شيخ الاسلام والخطيب والرملي: يدرك الجمعة، فيأتي بركعة ثم يسلم. والثاني: وهو ما إذا وقع الاستخلاف في غير الجمعة، يجوز مطلقا، سواء كان الخليفة مقتديا بالامام قبل أن تبطل صلاته أم لا، لكنهم يحتاجون لنية الاقتداء به في الثانية إن خالف الامام في ترتيب صلاته، بأن استخلف في الثانية أو في الاخيرة، فإن لم يخالفه في ذلك، بأن استخلف في الاولى أو في ثالثة الرباعية، فلا يحتاجون لنية الاقتداء، أما في الاولى، وهي ما إذا كان مقتديا به قبل أن تبطل صلاته، فلا يحتاجون لنية الاقتداء مطلقا، لانه تلزمه مراعاة نظم صلاة الامام باقتدائه به. ثم إن كان عالما بنظم صلاة الامام فذاك، وإلا فيراقب من خلفه. فإذا هموا بالقيام قام، وإلا قعد. وفي الرباعية إذا هموا بالقعود قعد، وتشهد معهم، ثم يقوم، فإذا قاموا معه علم أنها ثانيتهم، وإلا علم أنها آخرتهم. ثم إنه إنما يجوز الاستخلاف إن وقع عن قرب بعد بطلان صلاة الامام، بأن لم ينفردوا بعده بركن قولي، أو فعلي، أو يمض زمن يمكن وقوع ذلك فيه، وإلا امتنع في الجمعة مطلقا وامتنع في غيرها بغير تجديد نية الاقتداء منهم به. ولو انفرد بعض المقتدين بركن دون بعض احتاج الاول لتجديد نية الاقتداء، دون الثاني. هذا في غير الجمعة. فإن كان فيها وكان غير المنفردين بالركن أربعين، بقيت الجمعة، وإلا بطلت إن كان الانفراد بالركن في الركعة الاولى. فإن كان في الثانية بقيت الجمعة أيضا. (فروع) لو أراد الامام أن يستخلف قبل خروجه من الامامة أو من الصلاة: لا يجوز، ولو بطلت صلاة الخليفة، فتقدم ثالث فأخرج نفسه مما مر فتقدم رابع وهكذا، جاز. ويشترط في كل منهم ما يشترط في الخليفة الاول. ويراعي الكل نظم صلاة الامام الاول. ولو توضأ الاول، ثم اقتدى بخليفته، فأحدث الخليفة، ثم تقدم هو: جاز. والكلام على مسألة الاستخلاف مما أفرد بالتأليف. وفي هذا القدر كفاية. والله سبحانه وتعالى أعلم. (قوله: تتمة) أي في بيان كيفية صلاة المسافر، من حيث القصر والجمع. وقد أفردها الفقهاء بباب مستقل. ويذكرونه عقب الجماعة وقبل الجمعة. (واعلم) أي الاصل في القصر قبل الاجماع قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في الارض) * (1) أي سافرتم فيها، ومثلها البحر: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * (1) قال يعلى بن أمية - رضي الله عنه - قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنما قال تعالى: * (إن خفتم) * (1) وقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله (ص) فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. رواه مسلم. وروى ابن أبي شيبة: إن خيار أمتي من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا سافروا قصروا. والاصل في الجمع ما رواه الشيخان، عن أبن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا عجل السير جمع بين المغرب والعشاء ورويا أيضا عن معاذ قال: خرجنا مع رسول الله (ص) عام تبوك، وكان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. ورويا أيضا عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر. وشرع القصر في السنة الرابعة من الهجرة - كما قاله ابن الاثير - وقيل في السنة الثانية في ربيع الثاني منها.


(1) النساء: 101.

[ 113 ]

وشرع الجمع في السنة التاسعة من الهجرة في غزوة تبوك - اسم مكان في طرف الشام - وهي آخر غزواته عليه الصلاة والسلام. (قوله: يجوز لمسافر) أي تخفيفا عليه لما يلحقه من مشقة السفر الحاصلة فيه من الركوب والمشي مع الالم الناشئ من ترك المألوف من الوطن وغيره. وأشعر تعبيره بالجواز أن الافضل الاتمام. نعم، إن بلغ سفره ثلاث مراحل ولم يختلف في جواز قصره فالافضل القصر للاتباع، وخروجا من خلاف أبي حنيفة - رضي الله عنه - فإنه يوجب القصر حينئذ. وخرج بقولنا ولم يختلف في جواز قصره: من اختلف في جواز قصره، كملاح يسافر في البحر ومعه عياله في سفينة، ومن يديم السفر مطلقا كالساعي فإن الاتمام أفضل له، خروجا من خلاف من أوجبه، كالامام أحمد رضي الله عنه. وروعي مذهبه دون مذهب أبي حنيفة في ذلك لموافقته الاصل، وهو الاتمام. ثم إنه أورد على التعبير بالجواز أنه قد يجب القصر فيما لو أخر الصلاة إلى أن بقي من وقتها ما لا يسعها إلا مقصورة لانه لو أتمها للزم إخرا بعض الصلاة عن وقتها مع تمكنه من إيقاعها في الوقت. وقد يجب القصر والجمع معا فيما لو أخر الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع، ولم يصل حتى بقي من وقت العصر ما يسع أربع ركعات. وأجيب بأن المراد بالجواز. ما قابل الامتناع فيشمل الوجوب. (قوله: سفرا طويلا) هذا أحد شروط القصر والجمع، وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية. وذلك لان ابني عمر وعباس - رضي الله عنهم - كانا يقصران ويفطران في أربعة برد، ولا يعرف مخالف لهما. ومثله لا يكون إلا عن توقيف. والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، والقدمان ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضات، والاصبع ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون. وهذا تحديد لمسافة القصر بالمساحة. وأما تحديدها بالزمان فهو سير يومين معتدلين، أو ليلتين معتدلتين، أو يوم وليلة وإن لم يعتدلا، بسير الاثقال، وهي الابل المحملة، مع اعتبار النزول المعتاد للاكل، والشرب، والصلاة، والاستراحة. وقد نظم بعضهم ضابط مسافة القصر بالتحديد الاول في قوله: مسافة القصر احفظوها واسمعوا * * هي أربع من قيس برد تذرع ثم البريد من الفراسخ أربع * * ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا والميل ألف أي من الباعات قل * * والباع أربع أذرع فتتبعوا ثم الذراع من الاصابع أربع * * من بعدها العشرون ثم الاصبع ست شعيرات فبطن شعيرة * * منها إلى ظهر لاخرى توضع ثم الشعيرة ست شعرات كذا * * من شعر بغل ليس من ذا مدفع (قوله: قصر رباعية) هي الظهر والعصر والعشاء، وخرج بها الثنائية والثلاثية فلا يقصران. قال في النهاية: وأما خبر مسلم: فرضت الصلاة في الخوف ركعة فمحمول على أنه يصليها فيه مع الامام، وينفرد بالاخرى. إذ الصبح لو قصرت لم تكن شفعا، وخرجت عن موضوعها. والمغرب لا يمكن قصرها إلى ركعتين، لانها لا تكون إلا وترا، ولا إلى ركعة، لخروجها بذلك عن باقي الصلوات. اه‍. ولا بد أن تكون الرباعية مكتوبة أصالة، فلو كانت نافلة أو منذورة لا يصح قصرها. وأما المعادة، فله قصرها إن قصر أصلها وصلاها خلف من يصليها مقصورة، أو صلاها إماما، سواء صلى الاولى جماعة أو فرادى. (قوله: مؤداة) دخل فيها ما لو سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، فإنه

[ 114 ]

يقصرها، سواء شرع فيها في الوقت وهو ظاهر، لكونها مؤداة، أم صلاها بعد خروج الوقت لانها فائتة سفر. اه‍. بجيرمي. (قوله: وفائتة سفر) الواو بمعنى أو، ومدخولها معطوف على مؤادة مضاف إلى لفظ سفر المضاف إلى قصر. وفيه متعلق بمقدر داخل على فائتة، وضميره يعود على سفر القصر. والمعنى: أن قصر الصلاة الرباعية التي فاتتة في سفر القصر جائز في سفر القصر. أما فائتة الحضر فلا يجوز قصرها في السفر. وكذلك فائتة السفر لا يجوز قصرها في الحضر. ولو شك في أنها فائتة سفر أو حضر قضاها تامة احتياطا، ولان الاصل الاتمام. (قوله: وجمع إلخ) معطوف على قصر، أي ويجوز لمسافر سفرا طويلا جمع العصرين والمغربين - أي ضم إحدى الصلاتين للاخرى في وقت واحدة منهما - سواء كانتا تامتين، أو مقصورتين، أو إحداهما تامة والاخرى مقصورة. وفي البجيرمي: وعند المالكية يجوز الجمع في السفر القصير. أما عندنا فلا جمع في قصير، وجمعه (ص) في عرفة ومزدلفة لانه كان مستديما في سفره الطويل إذ لم يقم قبلهما ولا بعدهما أربعة أيام، فالجمع للسفر، وعند الامام أبي حنيفة للنسك. اه‍. (وقوله: تقديما) أي في وقت الاولى لغير المتحيرة، لان شرطه ظن صحة الاولى - كما يأتي - وهو منتف فيها. وألحق بها كل من تلزمه الاعادة. وفيه نظر ظاهر، لان الاولى مع ذلك صحيحة فلا مانع، وكالظهر: الجمعة في هذا، فيمتنع على المتحيرة أن تجمع بينها وبين العصر جمع تقديم. اه‍. تحفة بزيادة. (وقوله: وتأخيرا) أي في وقت الثانية. ولو للمتحيرة، فيجوز جمعها جمع تأخير. قال ع ش: والفرق بين الجمعين: أنه يشترط لجمع التقديم ظن صحة الاولى، وهو منتف في المتحيرة، بخلاف التأخير، فإنه لا يشترط ظنه ذلك فجاز، وإن أمكن وقوع الاولى مع التأخير في زمن الحيض، مع احتمال أن تقع في الطهر: لو فعلتها في وقتها. اه‍. ويستثنى الجمعة، فلا يجوز جمعها تأخيرا، لانها لا يتأتى تأخرها عن وقتها. (قوله: بفراق سور) متعلق بيجوز: يعني أنه لا يجوز ما ذكر من القصر والجمع إلا بفراق سور خاص بتلك البلدة التي سافر منها إن كان، لان ابتداء السفر إنما يكون بمجاوزته، فإن لم يكن لها سور أصلا، أو كان لكن ليس خاصا بها، كقرى متفاصلة جمعها سور واحد، فابتداؤه بمجاوزة الخندق إن كان، فإن لم يكن فالقنطرة إن كانت، فإن لم تكن فالعمران. (قوله: وإن احتوى إلخ) غاية في اشتراط فراق السور، لجواز ما ذكر، أي لا بد من فراق السور إن احتوى - أي أحاط - ذلك السور بخراب ومزارع، بأن تكون داخلة. وذلك لان ما في داخل السور معدود من نفس البلد، محسوب من موضع الاقامة. وعبارة الروض وشرحه: ويحصل ابتداء السفر من بلد له سور بمفارقة سور البلد المختص به، ولو لاصقة من خارجه بنيان - أي عمران - أو مقابر أو احتوى على خراب ومزارع فتكفي مفارقة ما ذكر، لان ما كان خارجه - كالاولين - لا يعد من البلد، بخلاف ما كان داخله، كالآخرين. اه‍. بحذف. (قوله: ولو جمع قريتين إلخ) المناسب لتعبيرة أولا بالبلد أن يقول: ولو جمع بلدين. وهذا مفهوم قوله خاص ببلد سفر. وعبارة الروض وشرحه: وإن جمع السور بلدين متقاربين فلكل منهما حكمه، فلا يشترط مجاوزة السور كما فهم أيضا من قوله فيما مر سور البلد المختص به - كما مرت الاشارة إليه - والقريتان في ذلك كالبلدين. اه‍. (قوله: فبنيان) معطوف على قوله سور، أي ويجوز لمسافر ما ذكر من القصر والجمع بفراق بنيان - أي عمران - إن لم يكن للبلد التي سافر منها سور، فإن لم يكن هناك بنيان فبفراق حلة - بكسر الحاء - إن سافر من خيام حي، وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة، بحيث يجتمع أهلها للسمر في ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض. ويدخل في الحلة عرفا: مرافقها، كمعاطن إبل، وملعب صبيان ومطرح رماد، فلا بد من مجاوزتها. ولا بد أيضا من مجاوزة عرض واد إن سافر في عرضه، ومجاوزة مهبط إن كان في ربوة، ومجاوزة مصعد إن كان في وهدة، إن اعتدلت الثلاثة، فإن أفرطت سعتها اكتفى بمجاوزة الحلة عرفا. وما تقرر من أنه لا بد من مجاوزة السور، أو العمران، أو الحلة، هو في سفر البر، ومثله سفر البحر المنفصل ساحله عن العمران. أما المتصل ساحله بالعمران عرفا. فإذا سافر فيه وأراد أن يترخص

[ 115 ]

بالقصر والجمع ونحوهما، فلا يجوز إلا بخروجه من البلد، وجري السفينة أو جري زورقها إليها آخر مرة، وإلا فمتى ما كان الزورق يذهب ويعود فلا يترخص من به، وإذا جرى الزورق آخر مرة إلى السفينة جاز الترخص لمن به، ولو قبل وصوله إلى السفينة ولمن بها أيضا. وقيد في التحفة وفي شرح بأفضل: اعتبار جري السفينة أو الزورق ببلد لا سور لها. قال الكردي: وهو احتمال للاسنى. وقال الخطيب: هو أوجه. وعلى هذا فالساحل الذي له سور: العبرة بمجاوزة سوره. والذي فيه عمران من غير سور: العبرة فيه بجري السفينة أو الزورق. وفي شرحي الارشاد: أنه لا فرق في ذلك بين السور والعمران، فلا بد من ركوب السفينة. اه‍. (قوله: وإن تخلله) أي البنيان. وهو غاية في اشتراط فراق البينان، أي يشترط فراقه. وإن وجد في خلاله - أي وسطه - خراب أو نهر أو ميدان: فالعبرة في أول السفر بمجاوزة البنيان، لا بمجاوزة ما ذكر، لانه معدود من البنيان محسوب من موضع الاقامة. (قوله: ولا يشترط مجاوزة بساتين) أي ولا مزارع ولا خراب هجر بالتحويط على العامر أو زرع أو اندرس بأن ذهبت أصول حيطانه، وذلك لان ما ذكر ليس محل إقامة. (وقوله: وإن حوطت) أي البساتين، أي حوط عليها بسور مثلا. (وقوله: واتصلت) أي البساتين. قال في الروض وشرحه: ولو كانت متصلة بالبلد وفيها دور يسكنها ملاكها، ولو أحيانا - أي في بعض فصول السنة - اشترط مجاوزتها. هذا ما في الروضة، كالشرحين. وأطلق المنهاج - كأصله - عدم اشتراطها. وقال في المجموع بعد نقله الاول عن الرافعي: وفيه نظر. ولم يتعرض له الجمهور. والظاهر أنه لا يشترط مجاوزتها، لانها ليست من البلد. قال في المهمات: وبه الفتوى. اه‍. (قوله: والقريتان إن اتصلتا) أي ولو بعد أن كانتا منفصلتين. (وقوله: كقرية) أي فيشترط مجاوزتهما معا، لكن إن لم يكن بينهما سور، وإلا اعتبر مجاوزته فقط. قال سم: والحاصل من مسألة القريتين أنهما إن اتصل بنيانهما ولم يكن بينهما سور، اشترط مجاوزتهما. وإن كان بينهما سور، اشترط مجاوزته فقط، وإن اتصل البنيان. اه‍. (قوله: وإن اختلفتا) أي القريتان. وهو غاية في كون حكمهما حكم القرية الواحدة. (قوله: فلو انفصلتا) أي القريتان. (قوله: ولو يسيرا) أي ولو كان ذراعا. كما في الايعاب نقلا عن المجموع عن صاحب الحاوي. واعتمد في التحفة والنهاية الضبط بالعرف، وأن قول الماوردي جري على الغالب اه‍. كردي. (قوله: كفى إلخ) جواب فلو (وقوله: مجاوزة قرية المسافر) أي فقط ولا يشترط مجاوزته القريتين (قوله: لا المسافر إلخ) معطوف على المسافر سفرا طويلا، ومحترزه أنه لا يجوز القصر والجمع لمسافر سفرا قصيرا. وهو ما بينة بقوله: لم يبلغ سفره إلخ. (وقوله: مسيرة يوم وليلة) أي أربعة وعشرين ساعة ذهابا فقط. (وقوله: بسير الاثقال) المراد بالاثقال: الابل المحملة بالاثقال، أي الاحمال، على سبيل المجاز المرسل. والعلاقة المجاورة. (قوله: مع النزول المعتاد) متعلق بمحذوف حال من سير، أي حال كونه مصاحبا للنزول المعتاد. (قوله: ولا لآبق إلخ) هو وما بعده من أفراد محرز قيد محذوف كان الاولى التصريح به وهو أن يكون سفره غير معصية فاحترز به عما إذا كان معصية بأن يكون أنشأه معصية من أوله، ويسمى حينئذ عاصيا بالسفر. وذلك كعبد آبق من سيده، وكمدين موسر حل الدين الذي عليه قبل سفره ولم يف به، وكمسافر لقطع الطريق. أو يكون قلبه معصية بعد أن أنشأه طاعة، بأن قطع الطريق، أو أبق من سيده، ويسمى حينئذ عاصيا بالسفر في السفر. فإن تاب الاول - وهو العاصي بالسفر - فأول سفره محل توبته، فإن كان الباقي طويلا في الرخصة التي يشترط فيها طول السفر - كالقصر والجمع - أو قصيرا في الرخصة التي لا يشترط فيها ذلك - كأكل الميتة للمضطر - ترخص، وإن كان الباقي قصيرا في الرخصة التي يشترط فيها طول السفر، لم يترخص. وأما الثاني - وهو العاصي بالسفر في السفر - فإن تاب ترخص مطلقا، وإن كان الباقي قصيرا اعتبارا بأوله وآخره. وألحق بسفر المعصية سفر من أتعب نفسه أو دابته بالركض بلا غرض شرعي، وإن كان

[ 116 ]

سفره لطاعة. وبقي قسم ثالث، وهو العاصي في السفر، وهو من سافر لطاعة بقصد الحج مثلا، فارتكب معصية في طريقه - كأن زنى، أو شرب الخمر - مع بقاء قصده الشئ الذي أنشأ السفر لاجله. وهذا لا يمنع من الترخص مطلقا. (والحاصل) أن العاصي ثلاثة أقسام الاول: العاصي بالسفر، وهو الذي أنشأ معصية. والثاني: العاصي بالسفر في السفر، وهو الذي قلبه معصية بعد أن أنشأه طاعة، كأن جعله لقطع الطريق ونأى عن الطاعة التي قصدها. والثالث: العاصي في السفر، وهو الذي يسافر بقصد الطاعة وعصى في أثنائه مع استمرار الطاعة التي قصدها. (قوله: ومسافر إلخ) معطوف على آبق، وسفره هذا معصية، كما علمت. (قوله: قادر عليه) أي على وفائه. (قوله: ولا لمن سافر لمجرد رؤية البلاد) هذا أيضا محترز قيد محذوف كان الاولى ذكره، وهو أن يكون سفره لغرض صحيح كزيارة، وتجارة، وحج. (قوله: وينتهي السفر إلخ) لما بين المحل الذي يصير مسافرا إذا وصل إليه وهو خارج السور أو البنيان، شرع يبين المحل الذي إذا وصل إليه ينقطع سفره. وحاصل ما يقال فيه أنه رجع بعد سفره من مسافة القصر إلى وطنه انتهى سفره بمجرد وصول السور إن كان، سواء نوى الاقامة به أم لا، كان له فيه حاجة أم لا. وأما إذا رجع إلى غير وطنه، ولم يكن له حاجة، ونوى قبل الوصول إليه إقامة مطلقا أو أربعة أيام صحاح، وكان وقت النية ماكثا مستقلا، انتهى سفره بمجرد وصول السور أيضا. أما إذا لم ينو أصلا، أو نوى إقامة أقل من أربعة أيام، فلا ينتهي سفره بوصول السور، وإنما ينتهي بإقامة أربعة أيام صحاح، غير يومي الدخول والخروج. وأما إذا كان له حاجة، فإن لم يتوقع انقضاءها قبل أربعة أيام، بل جزم بأنها لا تقضى إلا بعد الاربعة، انتهى سفره بمجرد المكث والاستقرار، سواء نوى الاقامة بعد الوصول أم لا. فإن توقع انقضاءها كل يوم، لم ينته سفره إلا بعد ثمانية عشر يوما صحاحا. هذا كله إذا رجع بعد وصوله إلى مسافة القصر، فإن رجع قبل وصوله إلى مسافة القصر لحاجة كتطهر وأخذ متاع، أو نوى الرجوع وهو مستقل ماكث، فإن كان إلى وطنه: انتهى سفره بابتداء رجوعه أو نيته. وإن كان إلى غير وطنه: لا ينتهي سفره، بل يترخص وإن دخل البلد، فإن رجع قبل ذلك لا لحاجة، بل للاقامة: انقطع سفره برجوعه مطلقا إلى وطنه، أو إلى غيره. وقد حرر العلامة الكردي مسألة ما ينتهي به السفر بتحرير لم يسبق إلى مثله، ولا بأس بذكره هنا تتميما للفائدة، فنص عبارته: ظهر للفقير في ضبط أطراف هذه المسألة أن تقول أن السفر ينقطع بعد استجماع شروطه بأحد خمسة أشياء: الاول: بوصوله إلى مبدأ سفره من سور أو غيره وإن لم يدخله، وفيه مسألتان: إحداهما أن يرجع من مسافة القصر إلى وطنه، وقيده في التحفة بالمستقبل، ولم يقيده بذلك في النهاية وغيرها. الثانية: أن يرجع من مسافة القصر إلى غير وطنه، فينقطع بذلك أيضا، لكن بشرط قصد إقامة مطلقة أو أربعة أيام كوامل. الثاني: انقطاعه بمجرد شروعه في الرجوع إلى ما سافر منه، وفيه مسألتان: إحداهما رجوعه إلى وطنه من دون مسافة القصر. الثانية: إلى غير وطنه من دون مسافة القصر بزيادة شرط، وهو نية الاقامة السابقة. الثالث: بمجرد نية الرجوع وإن لم يرجع وفيه مسألتان: إحداهما: إلى وطنه، ولو من سفر طويل، بشرط أن يكون مستقلا ماكثا. الثانية: إلى غير وطنه، فينقطع بزيادة شرط، وهو نية الاقامة السابقة فيما نوى الرجوع إليه. فإن سافر من محل نيته فسفر جديد، والتردد في الرجوع كالجزم به. الرابع: انقطاعه بنية إقامة المدة السابقة بموضع غير الذي سافر منه، وفيه مسألتان: إحداهما: أن ينوي الاقامة المؤثرة بموضع قبل وصوله إليه، فينقطع سفره بوصوله إليه بشرط أن يكون مستقلا، الثانية: نيتها بموضع عند أو بعد وصوله إليه، فينقطع بزيادة شرط، وهو كونه ماكثا عند النية.

[ 117 ]

الخامس: انقطاعه بالاقامة دون غيرها، وفيه مسألتان: إحداهما: انقطاعه بنية إقامة أربعة أيام كوامل غير يومي الدخول والخروج. ثانيهما: انقطاعه بإقامة ثمانية عشر يوما صحاحا، وذلك فيما إذا توقع قضاء وطره قبل مضي أربعة أيام كوامل، ثم توقع ذلك قبل مضيها، وهكذا إلى أن مضت المدة المذكورة. فتلخص أن إنقضاء السفر بواحد من الخمسة المذكورة، وفي كل واحد منها مسألتان، فهي عشر مسائل، وكل ثانية من مسألتين تزيد على أولاهما بشرط واحد، وهذا لم أقف على من ضبطه كذلك. والله أعلم. اه‍. (قوله: وإن كان مارا به) أي بوطنه في سفره، كأن خرج منه ثم رجع من بعيد قاصدا المرور به من غير إقامة. (قوله: وإلى موضع آخر) معطوف على إلى وطنه، أي وينتهي سفره بعوده إلى موضع آخر غير وطنه. (قوله: ونوى إقامته به) أي وكان مستقلا، فلا بد في انتهاء سفره بعوده إلى الموضع الآخر من هذين القيدين نية الاقامة به، سواء نواها قبل بلوغه ذلك الموضع أو بعده. وكونه مستقلا، وهو غير الزوجة والقن. فإن لم ينو الاقامة به لا ينتهي سفره بمجرد وصوله ذلك الموضع الآخر، بل ينتهي بإقامة أربعة أيام بالفعل، أو نوى الاقامة ولكنه غير مستقل كقن وزوجة، فلا أثر لنيته المخالفة لنية متبوعه. قال سم: لكن يبعد أنه لو نوى الاقامة ماكثا، وهو قادر على المخالفة وصمم على قصد المخالفة أثرت نيته. (وقوله: مطلقا) أي من غير تقييد بزمن، لا بأربعة أيام، ولا بأكثر. (قوله: أو أربعة أيام) أي أو نوى الاقامة أربعة أيام صحاح، أي غير يومي الدخول والخروج، لان في الاول الحط، وفي الثاني الترحال، وهما من أشغال السفر فلا يعتبران. قال في التحفة: تنبيه: يقع لكثير من الحجاج أنهم يدخلون مكة قبل الوقوف بنحو يوم ناوين الاقامة بمكة بعد رجوعهم من منى أربعة أيام فأكثر، فهل ينقطع سفرهم بمجرد وصولهم لمكة نظرا لنية الاقامة بها - ولو في الاثناء - أو يستمر سفرهم إلى عودهم إليها من منى، لانه من جملة مقصدهم ؟ فلم تؤثر نيتهم الاقامة القصيرة قبله ولا الطويلة إلا عند الشروع فيها وهي إنما تكون بعد رجوعهم من منى ووصولهم مكة ؟ للنظر فيه مجال، وكلامهم محتمل، والثاني أقرب. اه‍. (قوله: أو علم) معطوف على ونوى إقامته به، فهو راجع للموضع الآخر، أي وينتهي سفره بوصوله إلى موضع آخر، وقد علم أن إربه - بكسر أوله وسكون ثانيه وبفتحهما - أي حاجته. (وقوله: لا ينقضي فيها) أي الاربعة الايام بأن علم بقاءه مدة تزيد على أربعة أيام صحاح، وذلك لبعده عن هيئة المسافرين. (قوله: ثم إن كان إلخ) لا محل لثم هنا، بل الاولى والمناسب التفريع، بأن يقول: فإن كان إلخ. (وقوله: يرجو حصوله) أي الارب من حين وصوله ذلك الموضع الآخر. (وقوله: كل وقت) مراده مدة لا تقطع السفر كيوم ويومين. (وقوله: قصر ثمانية عشر يوما) أي غير يومي الدخول والخروج، لانه (ص) أقامها بعد فتح مكة لحرب هوازن يقصر الصلاة، ومثل القصر - عل المنقول المعتمد - سائر رخص السفر. (قوله: وشرط إلخ) ذكر للقصر أربعة شروط، وذكر فيما تقدم شرطين له وللجمع، لكن لا بعنوان الشرطية، وهما: كونه طويلا، ومجاوزة السور أو البنيان. وبقي عليه أربعة شروط: كون السفر مباحا، وكونه لغرض صحيح، وكون المسافر قاصدا محلا معلوما من حيث المسافة بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر سواء كان معينا - كمكة - أو غير معين - كالحجاز، وكونه عالما بجواز القصر، فلو قصر جاهلا بذلك لم يصح لتلاعبه. وقد ذكر محترز الشرطين الاولين من هذه الاربعة، كما سبق التنبيه عليه. (قوله: نية قصر) أي كأن يقول: نويت أصلي الظهر مقصورة، ومثل ذلك ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين، وإن لم ينو ترخصا، وما لو قال أؤدي صلاة السفر، فلو لم ينو ما ذكر، بأن نوى الاتمام أو أطلق: أتم لاونه المنوي في الاولى، والاصل في الثانية. وكذا لو شك هل نوى القصر أو الاتمام ؟ فيجب عليه الاتمام، وإن تذكر عن قرب، لتأدي جزء من الصلاة حال التردد. (وقوله: في تحرم) أي مع التحرم، كأصل النية، فلو نواه بعد الاحرام لم ينفعه، فيجب الاتمام. (قوله: وعدم اقتداء ولو لحظة بمتم) فإن اقتدى به في جزء من صلاته - كأن أدركه آخر صلاته - لزمه الاتمام، لخبر الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعا إذا ائتم بمقيم ؟

[ 118 ]

فقال: تلك السنة، ولو اقتدى بمسافر وشك في نيته القصر فنوى هو القصر، جاز له القصر إن بان الامام قاصرا لان الظاهر من حال المسافر القصر. فإن بان أنه متم أو لم يتبين حاله لزمه الاتمام ولو علق نية القصر على نية الامام، كأن قال إن قصر قصرت وإلا أتممت، جاز له القصر إن قصر الامام، لان هذا تصريح بالواقع، ولزمه الاتمام إن أتم الامام، أو لم يظهر ما نواه الامام، فيلزمه الاتمام احتياطا. (قوله: تحرز عن منافيها) أي نية القصر كنية الاتمام والتردد في أنه يقصر أو يتم ؟ فلو نوى الاتمام بعد نية القصر، أو تردد في أنه يقتصر أو يتم بعد نية القصر مع الاحرام، أتم. (وقوله: دواما) ظرف متعلق بتحرز، أي التحرز عن منافيها في دوام الصلاة. (قوله: ودوام سفره إلخ) فلو انتهت به سفينته إلى ما يقطع ترخصه، أو شك هل بلغته، أو نوى الاقامة المنافية للترخص، أو شك في نيتها، أتم، لزوال تحقق الرخصة. (قوله: ولجمع إلخ) معطوف على القصر، أي وشرط لجمع التقديم نية جمع إلخ. وذكر له ثلاثة شروط، وبقي عليه شرط رابع، وهو: دوام السفر إلى عقد الثانية فقط، بأن يحرم بها، فلا يشترط دوامه إلى إتمامها. فلو أقام في أثناء الثانية لم يضر، أو قيل عقدها ضر. وخامس: وهو كون السفر لغرض صحيح. وسادس: وهو كون المسافر قاصدا محلا معلوما. وسابع: وهو كونه عالما بجواز الجمع. وهذه الثلاثة تشترط أيضا في جمع التأخير. وثامن: وهو ظنه صحة الاولى لتخرج صلاة المتحيرة كما مر. وتاسع: وهو بقاء وقت الاولى يقينا إلى تمام الثانية، فإن خرج أثناء الثانية، أو شك في خروجه بطلت لبطلان الجمع. قال الكردي: ولم يرتض ابن حجر هذا الشرط. وقوله: في الاولى: أي في الصلاة الاولى. (فإن قلت): كان المناسب أن تكون نية الجمع في أول الثانية لكونها في غير وقتها، ويؤيده تعليلهم اشتراط نية الجمع بقولهم ليتميز التقدير المشروع عن التقديم، سهوا أو عبثا، لان التقديم إنما هو للثانية. (أجيب) بأن الجمع ضم الثانية للاولى، ولا يحصل الضم المذكور إلا بنية الجمع في الاولى، ليصير الصلاتان كصلاة واحدة. فتدبر. (وقوله: ولو مع التحلل منها) أي تكفي نية الجمع ولو مع السلام من الاولى، لحصول الغرض، وهو تمييز التقديم المشروع عن التقديم سهوا أو عبثا، بذلك. والغاية المذكورة للرد على الضعيف القائل بأنه يتعين وقوع النية في تحرم الاولى. (قوله: وترتيب) معطوف على نية، أي وشرط لجمع تقديم ترتيب، بأن يبدأ بالاولى، لان الوقت لها والثانية تابعة، فلا تتقدم على متبوعها، ولو قدم الاولى وبان فسادها فسدت الثانية. (قوله: وولاء) معطوف على نية أيضا، أي وشرط لجمع تقديم ولاء بين الصلاتين، لما روى الشيخان: أنه أ (ص) لما جمع بنمرة بين الصلاتين وإلى بينهما وترك الرواتب بينهما، وأقام للصلاة بينهما. ولان الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجبت الموالاة كركعات الصلاة. (وقوله: عرفا) أي المعتبر في الولاء العرف. وضبطوه بأن لا يفصل بينهما بما يسع ركعتين بأخف ممكن، فإن فصل بينهما بما يسع ذلك ضر ووجب تأخير الثانية إلى وقتها المعتاد، فتضر الصلاة بينهما، ولو راتبة. فإذا أراد أن يصلي رواتب الصلوات صلى القبلية ثم الفرضين، ثم بعدية الاولى ثم قبلية الثانية ثم بعديتها، ولو جمعهما ثم علم بعد فراغهما ترك ركن من الاولى، أعادهما وجوبا، لبطلان الاولى بترك الركن منها مع تعذر التدارك بطول الفصل، وبطلان الثانية لفقد الترتيب. أو علم بعد ذلك ترك ركن من الثانية ولم يطل الفصل بين سلامه منها وتذكره تداركه، وصحت الصلاتان. وإن طال الفصل بطلت الثانية أعادها في وقتها الاصلي لامتناع الجمع بفقد الولاء بتخلل الباطلة، ولو لم يعلم أن الترك من الاولى أو من الثانية أعادهما وجوبا بلا جمع تقديم بأن يصلي كل واحدة في وقتها، أو يجمعهما جمع تأخير. أما وجوب إعادتهما فلاحتمال أن الترك من الاولى فتكونان باطلتين، وأما امتناع جمع التقديم فلاحتمال أن الترك من الثانية، فتكون الاولى صحيحة والثانية باطلة، فيطول الفصل بالثانية الباطلة وبالاولى المعادة بين الاولى الصحيحة والثانية المعادة. فتنبه. (قوله: فلا يضر إلخ) مفرع على الولاء في العرف. (وقوله: فصل يسير) أي ولو لغير مصلحة الصلاة، وخرج به الطويل فيضر ولو بعذر كسهو، وإغماء. (قوله: بأن كان دون قدر ركعتين) تصوير للفصل اليسير، فهو أن ينقص عما يسع ركعتين بأخف ممكن على الوجه المعتاد، فلا يضر

[ 119 ]

الفصل بوضوء ولو مجددا، وتيمم، وطلب للماء خفيف، وزمن أذان وإن لم يكن مطلوبا، وزمن إقامة على الوسط المعتدل في ذلك، حتى لو فصل بمجموع ذلك لم يضر حيث لم يطل الفصل. (قوله: ولتأخير إلخ) معطوف أيضا على القصر، أي وشرط لجمع تأخير إلخ. وذكر له شرطين، وتقدم التنبيه على أن شروطا ثلاثة من شروط جمع التقديم تجري فيه أيضا، ولا يشترط فيه الولاء ولا الترتيب ولا نية الجمع في الصلاة الاولى كما تشترط في جمع التقديم، ولكن تسن. (وقوله: نية جمع) أي نية إيقاعها مجموعة جمع تأخير. واشترط ذلك ليتميز التأخير المشروع عن التأخير تعديا، ولا يكفي نية التأخير فقط من غير أن يقصد إيقاعها مع الصلاة الثانية كما يؤخذ ذلك من إضافة نية إلى جمع. (وقول: في وقت الاولى) متعلق بمحذوف صفة لنية، أي نية جمع كائنة في وقت الصلاة الاولى التي يريد تأخيرها. فلو نوى ذلك قبل دخول وقتها أو لم ينو أصلا، عصى، وكانت قضاء. (قوله: ما بقي قدر ركعة) ما مصدرية ظرفية متعلقة بنية، أي ينوي ذلك مدة بقاء زمن يسع قدر ركعة، أي يكفي وقوع النية في وقت الاولى إذا بقي من الوقت ما يسع ركعة، لكن هذا بالنسبة لوقوعها أداء، لا للجواز، فإذا نوى في وقت الاولى تأخيرها إلى وقت الثانية، وكان الباقي من وقت الاولى ما يسع ركعة أو أكثر ولكن لا يسع جميعها، تكون الاولى أداء، لكنه يأثم بتأخير النية إلى ذلك. (قوله: وبقاء سفر إلخ) معطوف على نية جمع. أي وشرط لجمع تأخير دوام السفر إلى تمام الثانية سواء كانت صاحبة الوقت - بأن رتب بين الصلاتين، كأن قدم الظهر على العصر - أو لم تكن صاحبة الوقت - بأن لم يرتب بينهما، كأن قدم العصر التي هي صاحبة الوقت على الظهر -. فلو لم يدم سفره إلى ذلك: كأن نوى الاقامة في أثناء الثانية صارت التابعة - وهي المؤخرة عن وقتها - قضاء لا إثم فيه، لانها تابعة لصاحبة الوقت في الاداء للعذر، وقد زال العذر، وهذا هو المعتمد. والفرق بين جمع التقديم حيث اكتفى فيه بدوام السفر إلى عقد الثانية، وجمع التأخير حيث لم يكتف فيه بذلك، بل اشترط فيه دوامه إلى تمام الثانية، أن وقت الاولى ليس وقتا للثانية، إلا في السفر فتنصرف للسفر بأدنى صارف. وأما وقت الثانية فتصح فيه الاولى لعذر السفر وغيره. فلا تنصرف إلى السفر إلا إذا وجد السفر فيهما. وخالف في المجموع في صورة الترتيب، فقال: إذا أقام في أثناء الثانية، أي صاحبة الوقت، ينبغي أن تكون الاولى، أي المؤخرة، أداء بلا خلاف، وهذا ضعيف مخالف لاطلاقهم. وخالف السبكي وتبعه الاسنوي في صورة عدم الترتيب حيث قال: وتعليلهم وقوع الاولى قضاء، بكونها تابعة للثانية في الاداء للعذر، وقد زال العذر قبل إتمامها منطبق على تقديم الاولى، فلو عكس وأقام في أثناء التابعة كانت أداء، لانه لم يزل العذر قبل تمام الثانية التي هي صاحبة الوقت، بل وجد العذر في جميعها وفي أول التابعة، وهذا ضعيف أيضا. (قوله: فرع إلخ) شروع في جواز الجمع بالمرض بعد أن تمم الكلام على جواز الجمع بالسفر. (قوله: يجوز الجمع بالمرض) أي لما صح أنه (ص) جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر. (قوله: تقديما وتأخيرا) أي جمع تقديم وجمع تأخير. (قوله: على المختار) أي عند النووي وغيره، وهو مذهب الامام أحمد، قال ابن رسلان في زبده: في مرض قول جلي وقوي * * اختاره أحمد ويحيى النووي قال الفشني في شر حه: ولكن المشهور - أي في المذهب - أنه لا يجمع بمرض، ولا ريح، ولا ظلمة، ولا خوف، ولا وحل، ولا نحوها، لانه لم ينقل، ولخبر المواقيت فلا يخالف إلا بصريح. اه‍. (وحكى) في المجموع عن جماعة من أصحابنا جوازه بالمذكورات، وقال: وهو قوي جدا في المرض والوحل. واختاره في الروضة، لكن فرضه في المرض. وجرى عليه ابن المقري. وفي الكردي ما نصه: ولا يجوز الجمع بنحو وحل ومرض على المشهور في المذهب، لكن المختار من حيث

[ 120 ]

الدليل جوازه بالمرض عند النووي وغيره، وهو مذهب الامام أحمد. قال الاذرعي: ورأيته في غاية الاختصار من قول الشافعي للمزني، وذكر عبارته. وقال الاسنوي: قد ظفرت بنقله عن الشافعي. قال الزركشي: فإن ثبت له نص بالمنع كان له في المسألة قولان، وإلا فهذا مذهبه، ويؤيده أنه (ص) أمر سهلة وحمنة بالجمع لاجل الاستحاضة، وهي نوع مرض. قال القليوبي - بعد نقله عن الاذرعي، أنه المفتى به - ما نصه: وبه يعلم جواز عمل الشخص به لنفسه. وعليه فلا بد من وجود المرض حالة الاحرام بهما، وعند سلامه من الاولى وبينهما، كما في المطر. اه‍. وهو واضح، خلافا لما وقع للعناني من عدم جواز تقليده، لان ذاك اختيار ما هو خارج عن المذهب. وأما هذا فهو منصوص للشافعي، كما صرحوا به. والقول الضعيف في المذهب: يجوز تقليده للعمل به، لا للفتوى مع الاطلاق. اه‍. وقوله: من عدم جواز تقليده. جزم به في فتح الجواد، وعبارته: وواضح أنه يتعين على من أراد فعله تقليد أحمد دون المختارين، لانهم لا يقلدون، ودون القول الغير المشهور، لان ما ضعفه المجتهد من أقواله لا يقلد فيه. اه‍. (قوله: ويراعي) أي المريض. (وقوله: الارفق) أي الاسهل على نفسه، من التقديم أو التأخير. (قوله: فإن كان إلخ) تفريع على مراعاة الارفق. (قوله: كأن كان يحم) تمثيل لزيادة المرض، فأصل المرض موجود في وقت الاولى ووقت الثانية، لكن يحم - زيادة على المرض الكائن به - في وقت الثانية. (قوله: وقت الثانية) متعلق بكل من يزداد، ومن يحم. (قوله: قدمها) أي الثانية، أي جمعها مع الاولى جمع تقديم. (وقوله: بشروط جمع التقديم) هي: الترتيب، والولاء، ونية الجمع في الاولى. ويشترط أيضا وجود المرض إلى عقد الثانية، كما يشترط في السفر دوامه، إلى ذلك. (قوله: أو وقت الاولى) معطوف على وقت الثانية، أي أو كان يزداد مرضه وقت الثانية، كأن كان يحم فيه. (قوله: أخرها) أي الاولى، وهو جواب أن المقدرة. (قوله: بنية الجمع) متعلق بأخرها، أي أخرها بنية إيقاعها مجموعة جمع تأخير. (وقوله: في وقت الاولى) متعلق بنية. أي ينوي ذلك في وقت الاولى، ولو بقى منه قدر ركعة، كما مر في التأخير للسفر. ويشترط هنا بدل الشرط الثاني في التأخير للسفر دوام المرض إلى تمامهما. ولو قال بشروط جمع التأخير بدل قوله بنية الجمع لكان أولى. (قوله: وضبط جمع متأخرون المرض هنا) أي في مبحث الجمع. ولعله احترز به عن ضبطه في غير ذلك، فهو ما أباح التيمم. (قوله: ما يشق معه فعل كل فرض) أما ما لا يشق معه ذلك، كصداع يسير وحمى خفيفة، فلا يجوز الجمع معه. (قوله: كمشقة المشي في المطر) أي يشق معه ذلك مشقة كمشقة المشي في المطر، وهي التي يذهب معها الخشوع في الصلاة، وإن لم تبح له الجلوس في الفرض. (قوله: بحيث إلخ) تصوير لمشقة المشي في المطر، أي وتتصور المشقة التي تحصل له من المشي في المطر بابتلال ثوبه منها. (قوله: وقال آخرون) أي في ضبط المرض هنا. (قوله: لا بد من مشقة إلخ) أي لا بد في المرض المجوز للجمع من أن يحصل منه مشقة ظاهرة. (وقوله: زيادة على ذلك) أي على كونه يحصل له مشقة عند فعل كل فرض، كمشقة المطر وهي التي تذهب الخشوع كما علمت. (وقوله: بحيث تبيح الجلوس في الفرض) تصوير للمشقة الظاهرة، أي أن المشقة الظاهرة مصورة بإباحة الجلوس معها في الفرض. (قوله: وهو) أي قول الآخرين في ضبط المرض الاوجه. قال الكردي: ونحوه في الايعاب.

[ 121 ]

قال: ولو ضبط المرض بالمبيح للفطر لكان له وجه ظاهر. اه‍. وجرى في شرحي الارشاد على الاول، بل قال في الامداد: ولا يصح ضبطه بغير ذلك. اه‍. (تتمة) كما يجوز الجمع بالمرض يجوز بالمطر، لكن تقديما فقط، ولو للمقيم، وذلك لما صح أنه (ص) جمع بالمدينة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر. قال الشافعي ومالك - رضي الله عنهما - أرى ذلك بالمطر. ويؤيده جمع ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - به. ويشترط له شروط جمع التقديم السابقة، ويزاد عليها وجود المطر عند الاحرام بالاولى وعند التحلل منها، ودوامه إلى الاحرام بالثانية، وأن يصلي مريد الجمع جماعة في مكان مسجد أو غيره، بعيد عن باب دارد، بحيث يتأذى بالمطر في طريقه، بحيث يبل الثوب. أما إذا صلى ولو جماعة ببيته أو بمحل الجماعة القريب، بحيث لا يتأذى في طريقه بالمطر، أو مشى في كن، أو صلى منفردا ولو في محل الجماعة، فلا يجوز له أن يجمع، لانتفاء التأذي: نعم، للامام إذا كان راتبا أو يلزم من عدم إمامته تعطيل الجماعة، أن يجمع بالمأمومين وإن لم يتأذ به. وقد نظم ذلك ابن رسلان في زبده في قوله: وجاز أن يجمع بين العصرين * * في وقت إحدى ذين كالعشاءين كما يجوز الجمع للمقيم * * لمطر لكن مع التقديم إن مطرت عند ابتداء البادية * * وختمها وفي ابتداء الثانية لمن يصلي مع جماعة إذا * * جامن بعيد مسجدا نال الاذى (قوله: خاتمة إلخ) ذكرها هنا مع أنها تتعلق بجميع أبواب الفقه، تعجيلا للفائدة. (قوله: قال شيخنا) أي في باب القضاء. ولو أخر هذه الخاتمة وذكرها - كشيخه - في باب القضاء مع بيان شروط التقليد لكان أنسب. وعبارة شيخه هناك: ومن أدى عبادة مختلفا في صحتها من غير تقليد للقائل بها لزمه إعادتها، لان إقدامه على فعلها عبث. وبه يعلم أنه حال تلبسه بها عالم بفسادها، إذ لا يكون عابثا إلا حينئذ. فخرج من مس فرجه فنسى وصلى، فله تقليد أبي حنيفة في إسقاط القضاء، إن كان مذهبه صحة صلاته، مع عدم تقليده عندها، وإلا فهو عابث عنده أيضا. وكذا لمن أقدم معتقدا صحتها على مذهبه جهلا وقد عذر به. اه‍. وقوله: فله تقليد أبي حنيفة، قال سم: وهو صريح في جواز التقليد بعد الفعل. وقوله: إن كان مذهبه. إلخ. قال سم: أيضا فيه نظر. وقوله: وإلا فهو عابث، قال سم: هذا ممنوع. (قوله: عبادة مختلفا في صحتها) أي كالجمع للنسك بالنسبة لمن سفره قصير، كالمكي، فهو مختلف فيه، فالامام أبو حنيفة: يجوزه، والامام الشافعي: يمنعه، فإذا جمع الشافعي من غير تقليد للامام أبي حنيفة في ذلك، لزمه إعادتها. (قوله: من غير تقليد للقائل بها) متعلق بأدى، أي أدى عبادة من غير أن يقلد القائل بصحتها، فإن قلده ولو بعد الفعل، كما تقدم آنفا عن سم، صحت، ولا يلزمه إعادتها. (قوله: لان إقدامه) أي المؤدي للعبادة مع علمه بعدم صحتها في مذهبه، وعدم تقليده من يقول بها. (وقوله: عبث) أي لعب وعمل ما لا فائدة فيه. كما في المصباح، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 122 ]

فصل (في الصلاة على الميت) (فصل في الصلاة على الميت) هذا الفصل معقود لبيان ما يتعلق بالميت، من غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. فقوله: (في الصلاة على الميت) أي وغيرها أيضا مما ذكر، وكان عليه أن يذكره بين الفروض والمعاملات، أو عند الجهاد، لانه من فروض الكفاية. لكن لما كان أهم ما يفعل بالميت: الصلاة، ذكر عقبها. (واعلم) أنه يتأكد على كل مكلف أن يكثر من ذكر الموت، وذلك لانه أزجر عن المعصية، وأدعى إلى الطاعة، ولخبر: أكثروا من ذكر هادم اللذات. يعني الموت. صححه ابن حبان والحاكم، وقال إنه على شرط مسلم، وزاد النسائي: فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره. أي كثير من الدنيا، وقليل من العمل. وهادم اللذات - بالذال المعجمة - ومعناه: القاطع، وأما بالمهملة: فمعناه المزيل للشئ من أصله. وروى الترمذي بإسناد حسن أنه (ص) قال لاصحابه: استحيوا من الله حق الحياء. قالوا إنا نستحيي - يا نبي الله - والحمد لله قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. والمراد من قوله: وما وعى أي ما اشتمل عليه من السمع والبصر واللسان. ومن قوله: وليحفظ البطن وما حوى ما يشمل القلب والفرج. والمراد بحفظ البطن أن يصونه عن الحرام من المطعم والمشرب. ويستحب الاكثار من ذكر هذا الحديث، كما قاله الشيخ أبو حامد الغزالي، ويندب له أن يستعد للموت بالتوبة، وهي ترك الذنب، والندم عليه، وتصميمه على أن لا يعود إليه، وخروج عن مظلمة قدر عليها بنحو تحلله ممن اغتابه أو سبه. وصح: أنه (ص) أبصر جماعة يحفرون قبرا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه، وقال: إخواني، لمثل هذا فأعدوا. أي تأهبوا للموت واتخذوه عدة. ومحل ندب التوبة إذا لم يعلم أن ما عليه مقتض للتوبة، أما إذا علم أن ما عليه ذلك فهي واجبة فورا - بالاجماع - والموت مفارقة الروح للبدن. واختلف في حقيقة الروح، فقال أكثر أهل السنة والجماعة الاولى أن نمسك المقال عنها ونكف عن البحث فيها، وأنها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه. وإليه أشار ابن رسلان في زبده بقوله: والروح ما أخبر عنها المجتبى * * فنمسك المقال عنها أدبا أي أن حقيقة الروح - وهي النفس - لم يخبر عنها المصطفى (ص)، مع أنه سئل عنها، لعدم نزول الامر ببيانها. قال تعالى: * (ويسألونك عن الروح. قل الروح من أمر ربي) * (1) فنمسك المقال عنها أدبا مع المصطفى (ص)، ولا نعبر عنها بأكثر من موجود يحيا به الانسان. كما قال الجنيد: الروح شئ استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه. والخائضون فيها اختلفوا على أكثر من ألف قول. فقال جمهور المتكلمين: هي جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء


(1) الاسراء: 85

[ 123 ]

بالعود الاخضر، وهو باق لا يفنى عند أهل السنة. وقوله تعالى: * (الله يتوفى الانفس حين موتها) * تقديره حين موت أجسادها. وعند جمع منهم: عرض، وهو الحياة التي صار البدن بوجودها حيا. وأما الصوفية والفلاسفة فليست عندهم جسما ولا عرضا، بل هو جوهر مجرد غير متحيز، يتعلق بالبدن تعلق التدبير، وليس داخلا فيه ولا خارجا عنه. (واعلم) أن الارواح على خمسة أقسام: أرواح الانبياء، وأرواح الشهداء، وأرواح المطيعين، وأرواح العصاة من المؤمنين، وأرواح الكفار. فأما أرواح الانبياء: فتخرج عن أجسادها، وتصير على صورتها مثل المسك والكافور، وتكون في الجنة، تأكل، وتتنعم، وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش. وأرواح الشهداء: إذا خرجت من أجسادها فإن الله يجعلها في أجواف طيور خضر تدور بها في أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، هكذا قال رسول الله (ص). وأما أرواح المطيعين من المؤمنين: فهي في رياض الجنة، لا تأكل ولا تتنعم، لكن تنظر في الجنة فقط. وأما أرواح العصاة من المؤمنين: فبين السماء والارض في الهواء. وأما أرواح الكفار: فهي في أجواف طيور سود في سجين، وسجين تحت الارض السابعة، وهي متصلة بأجسادها، فتعذب أرواحها، فيتألم بذلك الجسد. كالشمس: في السماء الرابعة، ونورها في الارض، كما أن أرواح المؤمنين في عليين، متنعمة ونورها متصل بالجثة. (قوله: وشرعت بالمدينة) عبارة التحفة: تنبيه. هل شرعت صلاة الجنازة بمكة أو لم تشرع إلا بالمدينة ؟ لم أر في ذلك تصريحا. وظاهر حديث أنه (ص) صلى على قبر البراء بن معرور لما قدم المدينة وكان مات قبل قدومه لها بشهر، كما قاله ابن إسحق وغيره. وما في الاصابة عن الواقدي وأقره أن الصلاة لم تكن شرعت يوم موت خديجة - رضي الله عنها - وموتها بعد النبوة بعشر سنين على الاصح - أنها لم تشرع بمكة، بل بالمدينة. اه‍. (وقوله: وما في الاصابة) معطوف على لفظ حديث. وقوله: أنها لم تشرع: خبر المبتدأ الذي هو لفظ: ظاهر. (قوله: وقيل هي من خصائص هذه الامة) نظر فيه في التحفة ونصها: وفيه ما بينته في شرح العباب، ومن جملته الحديث الذي رواه جماعة من طرق تفيد حسنه، وصححه الحاكم: أنه (ص) قال: كان آدم رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق، فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات عليه السلام غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وجعلوا في الثالثة كافورا وكفنوه في وتر من الثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا لولده: هذه سنة ولد آدم من بعده. وفي رواية، أنهم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم من بعده، فكذاكم فافعلوا. وبهذا يتبين أن الغسل، والتكفين، والصلاة، والدفن، والسدر، والحنوط، والكافور، والوتر، واللحد، من الشرائع القديمة، وأنه لا خصوصية لشرعنا بشئ من ذلك. فإن صح ما يدل على الخصوصية تعين حمله على أنه بالنسبة لنحو التكبير والكيفية. اه‍. (قوله: صلاة الميت) أي الصلاة على الميت. (قوله: أي الميت المسلم) خرج به الكافر، فتحرم الصلاة عليه مطلقا. وأما غسله فيجوز مطلقا. وأما تكفينه ودفنه فيجبان إن كان ذميا، أو مؤمنا، أو معاهدا، بخلاف الحربي، والمرتد. (قوله: غير الشهيد) أي وغير السقط في بعض أحواله. أما الشهيد: فتحرم الصلاة عليه، كغسله. وأما تكفينه ودفنه فيجبان. وأما السقط فله أحوال: فتارة تعلم حياته فيجب فيه الاربعة: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، والدفن. وتارة يظهر خلقه: فيجب فيه ما عدا الصلاة. وتارة

[ 124 ]

لا يظهر خلقه: فلا يجب فيه شئ. لكن يسن ستره بخرقة ودفنه. والمراد بالشهيد - فيما تقدم - شهيد المعركة، سواء كان شهيدا في الدنيا والآخرة، وهو من قاتل لاعلاء كلمة الله. أو كان شهيدا في الدنيا فقط، وهو من قاتل للغنيمة مثلا. وأما شهيد الآخرة فقط: فهو كغير الشهيد، فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن. وأقسامه كثيرة، فمنها الميتة طلقا، ولو كانت حاملا من زنا، والميت غريقا وإن عصى بركوب البحر، والميت هديما، أو حريقا أو غريبا وإن عصى بالغربة، والمقتول ظلما ولو هيئة، كأن استحق شخص حز رقبته فقده نصفين، والميت بالبطن، أو في زمن الطاعون، ولو بغير، لكن كان صابرا محتسبا، أو بعده: وكان في زمنه كذلك. والميت في طلب العلم ولو على فراشه، والميت عشقا ولو لمن لم يبح وطؤه كأمرد، بشرط العفة، حتى عن النظر، بحيث لو اختلى بمحبوبه لم يتجاوز الشرع. وبشرط الكتمان حتى عن معشوقه. وأما خبر: إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره، فمحمول على غير العشق. وما أحسن قول بعضهم: كفى المحبين في الدنيا عذابهم * * تالله لا عذبتهم بعدها سقر بل جنة الخلد مأوام مزخرفة * * ينعمون بها حقا بما صبروا فكيف لا، وهم حبوا وقد كتموا * * مع العفاف ؟ بهذا يشهد الخبر يأووا قصورا، وما وفوا منازلهم * * حتى يروا الله، في ذا جاءنا الاثر (قوله: فرض كفاية) أي على من علم بموته من قريب أو غيره، أو لم يعلم به لكنه قصر في البحث عنه بحيث ينسب إلى تقصير، كأن يكون الميت جاره، فإن فعله أحد منا ولو غير مكلف سقط الحرج، وإلا أثم الجميع. (قوله: للاجماع) دليل عليه أنه (1) فرض كفاية. وظاهره أنه دليل لذلك حتى بالنسبة للغسل، ويرد عليه أن الخلاف مشهور جدا عند المالكية بالنسبة له، حتى أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه. (قوله: كغسله) أي فهو فرض كفاية. (قوله: ولو غريقا) غاية في كون الغسل فرض كفاية، أي هو فرض كفاية، ولو كان الميت غريقا في البحر أو غيره. وهي للرد على القائل بأن الغريق لا يجب غسله (قوله: لانا) أي معاشر المكلفين، وهو علة لكون غسل الغريق فرض كفاية. وحاصلها أننا لا نكتفي باغتسال الغريق في البحر أو غيره، لانا مخاطبون بغسل الميت مطلقا، ولا يسقط عنا الطلب إلا بفعلنا. (قوله: وإن شاهدنا الملائكة تغسله) غاية لمفهوم ما قبله، أي فلا يسقط عنا الطلب بفعل غيرنا، وإن شاهدنا الملائكة تغسله فلا بد من إعادة غسله. قال سم: وينبغي في صلاة الملائكة ما قيل في غسلهم إياه، بخلاف التكفين والدفن، فيجزئ من الملائكة. قال: وظاهر أن الحمل كالدفن، بل أولى كما هو ظاهر. اه‍. وإنما اكتفى بذلك منهم لان المقصود الستر والمواراة، وقد حصلا. بخلاف الغسل والصلاة، فإن المقصود منهما التعبد بفعلنا مع النظافة في الغسل. واختلف في تغسيل الجن، فذهب ابن حجر إلى عدم الاكتفاء بتغسيلهم. وذهب الرملي إلى الاكتفاء بذلك. قال سم: (فرع) لو غسل الميت نفسه كرامة، فهل يكفي ؟ لا يبعد أن يكفي. ولا يقال المخاطب بالفرض غيره، لجواز أنه إنما خوطب بذلك غيره لعجزه، فإذا أتى به كرامة كفى. (فرع آخر) لو مات إنسان موتا حقيقيا، وجهز، ثم أحيي حياة حقيقية، ثم مات، فالوجه الذي لا شك فيه أنه يحب له تجهيز آخر، خلافا لمن توهمه. اه‍. وفي ع ش ما نصه: وفي فتاوي حجر الحديثية ما حاصله أن ما من أحيي بعد الموت الحقيقي، بأن أخبر به معصوم، تثبت له جميع أحكام الموتى، من قسمة تركته، ونكاح زوجته، ونحو ذلك، وأن الحياة الثانية لا يعول عليها،


(1)
(قوله: على أنه) أي المذكور من الصلاة والغسل. اه‍. مولف

[ 125 ]

لان ذلك تشريع لما لم يرد هو ولا نظيره، بل ولا ما يقاربه، وتشريع ما هو كذلك ممتنع بلا شك. اه‍. أي وعليه: فمن مات بعد الحياة الثانية لا يغسل ولا يصلى عليه، وإنما تجب مواراته فقط. وأما إذا لم يتحقق موته حكمنا بأنه إنما كان به غشي أو نحوه. اه‍. (قوله: ويكفي غسل كافر) أي للميت. وذلك لحصول المقصود من غسله، وهو النظافة، وإن لم يكن أهلا للنية، لان نية الغاسل لا تشترط على الاصح. (قوله: ويحصل أقله) أي الغسل، ولو لنحو جنب. (قوله: بتعميم بدنه بالماء) أي لانه هو الواجب في الحي، فالميت أولى به. (قوله: حتى ما تحت قلفة الاقلف) غاية في البدن الذي يجب تعميمه بالماء، أي فيجب إيصال الماء إلى إلى ما تحت قلفه الاقلف فلا بد من فسخها ليمكن غسل ما تحتها ويجب أيضا إيصال الماء إلى ما يظهر من فرج الثيب عند جلوسها على قدميها لقضاء حاجتها، كالحي في ذلك. (قوله: على الاصح) لم أر هذا الخلاف في المنهاج والمنهج وشروحهما وحواشيهما، فلعله في غير الكتب التي بأيدينا. (قوله: قال العبادي إلخ) لعل هذا بيان لمقابل الاصح. (وقوله: وبعض الحنفية) معطوف على العبادي. (وقوله: لا يجب إلخ) مقول القول. (قوله: فعلى المرجح) المناسب: فعلى الاصح. (قوله: بأنها إلخ) الباء سببية متعلقة بتعذر، أي لو تعذر غسل ما تحت القلفة بسبب أنها لا تتقلص، أي لا تنكشف ولا تنفسخ إلا بجرح، يمم عما تحتها. أي وصلى عليه، وإن كان ما تحتها نجسا، للضرورة. وهذا ما قاله ابن حجر. وقال الرملي: إن كان ما تحتها طاهرا ييمم عنه، وإن كان نجسا فلا ييمم، ويدفن بلا صلاة عليه، لان شرط التيمم إزالة النجاسة، وينبغي تقليد الاول، لان في دفنه بلا صلاة عدم احترام الميت. وعلى كل من القولين يحرم قطع قلفة الميت، وإن عصي بتأخيره. (قوله: وأكمله تثليثه) هذا مقابل قوله ويحصل أقله إلخ. (واعلم) أن المؤلف لم يستوف بيان الاكمل. وحاصله أن يغسل في خلوة لا يدخلها إلا الغاسل ومن يعينه، وولي الميت - وهو أقرب الورثة - وأن يكون في قميص بال لانه أستر له، وعلى مرتفع - كلوح - وهو المسمى بالدكة، لئلا يصيبه الرشاش، وأن يكون بماء مالح، لان الماء العذب يسرع إليه البلاء. بارد، لانه يشد البدن، إلا لحاجة كبرد ووسخ، فيسخن قليلا. وأن يجلسه الغاسل على المرتفع برفق مائلا قليلا إلى ورائه، ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقره قفاه، لئلا تميل رأسه، ويسند ظهره بركبته اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه بتحامل يسير، مع التكرار - ليخرج ما فيه من الفضلة - ثم يضجعه على قفاه، ويغسل بخرقة ملفوفة على يساره - سوأتيه ثم يلقيها ويلف خرقة أخرى على يده بعد غسلها بماء ونحو أشنان، وينظف أسنانه ومنخريه، ثم يوضؤه - كالحي - بنية ثم يغسل رأسه فلحيته بنحو سدر، ويسرح شعرهما - إن تلبد - بمشط واسع الاسنان، برفق، ويرد المنتتف من شعرهما إليه - ندبا - في الكفن، أو القبر. وأما دفنه - ولو في غير القبر - فواجب: كالساقط من الحي إذا مات عقبه، ثم يغسل شقه الايمن، ثم الايسر، ثم يحرفه إلى شقه الايسر، فيغسل شقه الايمن مما يلي قفاه، ثم يحرفه إلى شقه الايمن، فيغسل الايسر كذلك، مستعينا في ذلك كله بنحو سدر، ثم يزيله بماء من فرقه - بفتح الفاء، وسكون الراء - وهو كما فسره في القاموس: الطريق في شعر الرأس، والمراد بتلك الطريق: المحل الابيض في وسط الرأس المنحدر عنه الشعر في كل من الجانبين. ويصح قراءته من فوقه - بفاء وواو - إلى قدمه، ثم يعمه كذلك بماء قراح - أي خالص - لكن فيه قليل كافور. فهذه الغسلات الثلاث غسلة واحدة، لان العبرة إنما هي بالتي بالماء القراح. ويسن ثانية وثالثة كذلك، فالمجموع تسع - قائمة من ضرب ثلاث في ثلاث، لان الغسلات الثلاث مشتملة على ثلاث، لكن العبرة بالثلاث التي بالماء القراح. ويندب أن لا ينظر الغاسل - من غير عورته - إلا قدر الحاجة. أما عورته فيحرم النظر إليها، ويندب أن يغطي وجهه بخرقة.

[ 126 ]

(قوله: وأن يكون) أي غسل الميت. (وقوله: في خلوة) أي في موضع حال عن غير الغاسل، معينه، والولي. والاولى أن يكون تحت سقف ليس فيه نحو كوة يطلع عليه منها، وذلك لان الحي إذا أراد أن يغتسل يحرص على ذلك، ولانه قد يكون ببدنه ما يكره الاطلاع عليه. (قوله: وقميص) أي وأن يكون في قميص، لانه أستر له، وأليق، والاولى أن يكون القميص باليا بحيث لا يمنع وصول الماء إليه. ويدخل الغاسل يده في كمه إن كان واسعا ويغسله من تحته، وإن كان ضيقا فتق رؤوس الدخاريص وأدخل يده في موضع الفتق، فإن لم يوجد القميص أو لم يتأت غسله فيه ستر منه ما بين السرة والركبة. (قوله: وعلى مرتفع) معطوف على في خلوة، أي وأن يكون غسله على مرتفع - كلوح - لئلا يصيبه رشاش، وليكن مستلقيا عليه كاستلقاء المحتضر، لكونه أمكن لغسله. ومحل رأسه أعلى لينحدر الماء عنه. (قوله: بماء بارد) متعلق بمحذوف خبر ليكون بعد خبر، أي والاكمل في الغسل أن يكون حاصلا بماء بارد. ويصح جعله حالا من اسم يكون، وإنما كان الاكمل أن يكون بذلك لانه يشد البدن، بخلاف المسخن فإنه يرخيه. (قوله: إلا لحاجة) أي فلا يكون أكمل عند وجودها. (وقوله: كوسخ وبرد) تمثيل للحاجة. (قوله: فالمسخن إلخ) تفريع على مفهوم الاستثناء. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ وجدت الحاجة إلى المسخن. (وقوله: أولى) أي من الماء البارد. والاولى أن لا يبالغ في تسخينه لئلا يسرع إليه الفساد. (قوله: والمالح أولى من العذب) أي وغسله بالماء المالح أولى من غسله بالماء العذب، أي الحالي. وفي شرح الروض: قال الصيمري: والمالح البارد أحب من الحار العذب، قال - أعني الزركشي -: ولا ينبغي أن يغسل الميت بماء زمزم، للخلاف في نجاسته بالموت. اه‍. (قوله: ويبادر بغسله) أي ندبا إن لم يخش من تأخير الغسل انفجار للميت، وإلا فوجوبا كما هو ظاهر. وذلك لامره (ص) بالتعجيل بالميت، وعلله بأنه: لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله. رواه أبو داود. اه‍. تحفة. (قوله: ومتى شك) المناسب: فإن لم يتقين موته. (قوله: وجب تأخيره) أي الغسل. وقال ع ش: ينبغي أن الذي يجب تأخيره هو الدفن، دون الغسل والتكفين، فإنهما بتقدير حياته لا ضرورة فيهما. نعم، إن خيف منهما ضرر بتقدير حياته امتنع فعلهما. اه‍. (وقوله: إلى اليقين) أي إلى أن يتقين موته. (قوله: بتغير ريح) الباء سببية متعلقة باليقين، أي اليقين الحاصل بسبب تغير ريح الميت. (وقوله: ونحوه) أي نحو التغير، كتهري لحمه. (قوله: فذكرهم) أي الفقهاء، تفريع على مفهوم اشتراط ظهور التغير، ونحوه في التيقن. (وقوله: العلامات الكثيرة) أي كاسترخاء قدم، وامتداد جلدة وجه، وميل أنف، وانخلاع كف. (وقوله: له) أي للموت. (قوله: إنما تفيد) أي العلامات الكثيرة. والاولى يفيد - بياء الغيبة - ويكون الفاعل ضميرا يعود على ذكر، ويكون هو الرابط بين المبتدأ والخبر. (قوله: حيث لم يكن هناك) أي في الموت شك، فإن كان فلا تنفع تلك العلامات، بل لا بد مما يزيل ذلك الشك كظهور التغير. قال في التحفة، تأييدا لكون العلامات لا تفيد إذا كان شك، وقد قال الاطباء إن كثيرين ممن يموتون بالسكتة ظاهرا، يدفنون أحياء، لانه يعز إدراك الموت الحقيقي بها، إلا على أفاضل الاطباء، وحينئذ فيتعين فيها التأخير إلى اليقين بظهور نحو التغير. اه‍. (قوله: ولو خرج منه) أي من الميت، ولو من السبيلين. (قوله: ولم ينقض الطهر) أي لم يبطله. (قوله: بل تجب إزالته) أي النجس الخارج. (وقوله: فقط) أي من غير إعادة غسله، وذلك لسقوط الفرض بما وجد، وحصول النظافة بإزالة الخارج. (قوله: إن خرج قبل التكفين لا بعده) هكذا عبارة شيخه في فتح الجواد، إلا أنه أحالها فيه على إفتاء البغوي، وجزم في التحفة بوجوبها أيضا بعد التكفين، ونصها مع الاصل: ولو خرج بعده - أي الغسل - أي وقبل الادراج في الكفن - نجس - ولو من الفرج - وجب إزالته تنظيفا له فقط، لان الفرض

[ 127 ]

قد سقط بما وجد. وعليه لا يجب بخروج منيه الطاهر شئ. وقيل: يجب ذلك مع الغسل إن خرج من الفرج القبل أو الدبر، لانه يتضمن الطهر، وطهر الميت غسل كل بدنه. وقيل: يجب مع ذلك الوضوء، كالحي، أما ما خرج من غير الفرج أو بعد الادراج في الكفن فلا يجب غير إزالته من بدنه وكفنه قطعا. اه‍. ومثله في النهاية، ونصها: أما بعد التكفين فيجزم بغسل النجاسة فقط. وما في المهمات عن فتاوى البغوي أنه لا يجب غسلها أيضا إذا كانت بعد التكفين، مردود. اه‍. وكتب سم ما نصه: قوله وجب إزالته. هذا واضح قبل الصلاة لتوقفها على الطهارة من النجس، فلو خرج بعد الصلاة، هل تجب إزالته أو لا ؟ فيه نظر. اه‍. وكتب البجيرمي قوله: وجب إزالته. أي إن كان قبل الصلاة، وإلا فتندب، لانه آيل إلى الانفجار. وعند م ر وجوبه بعد الصلاة أيضا. ولم يرتضه شيخنا زي. اه‍. ق ل. ولو لم يمكن قطع الخارج منه صح غسله، وصحت الصلاة عليه، لان غايته أنه كالحي السلس، وهو تصح صلاته، وكذا الصلاة عليه. اه‍. (قوله: ومن تعذر غسله لفقد ماء) أي حسا أو شرعا. (قوله: أو لغيره) أي فقد ماء. (قوله: كاحتراق) تمثيل للغير. (قوله: ولو غسل) أي فيما إذا احترق. (قوله: يمم وجوبا) وتندب النية في التيمم كالغسل، وقيل تجب، لانه طهارة ضعيفة فيتقوى بها. ويشترط أن لا يكون على بدنه نجاسة، لان شرطه تقدم إزالتها، فإن كان عليه نجاسة وتعذرت إزالتها - كالاقلف - دفن بلا صلاة عليه - على ما اعتمده م ر -. ويصح أن ييمم ويصلى عليه في هذه الحالة - على معتمد ابن حجر - ويجب غسل باقي بدنه، ما عدا محل القلفة، إن لم يمكن فسخها. اه‍. بجيرمي. (قوله: فرع) أي في بيان من يغسل الميت. (قوله: الرجل) أي الذكر، ولو كان غير بالغ. (قوله: أولى بغسل الرجل) أي أحق بغسل الرجل، فيقدم وجوبا على المرأة الاجنبية، وندبا على المحرم. وفي سم ما نصه في الناشري تنبيه آخر: إذا حرمنا النظر إلى الامرد إلحاقا له بالمرأة، فالقياس امتناع تغسيل الرجل له. اه‍. (قوله: والمرأة أولى بغسل المرأة) أي فتقدم المرأة وجوبا على الرجال الاجانب، وندبا على الرجال المحارم. (قوله: وله غسل حليلة) أي من تحل له من زوجة أو أمه، ولكن رتبته بعد المرأة الاجنبية. وهذا كالاستدراك على قوله والمرأة أولى بالمرأة وما بعده، أعني قوله ولزوجه إلخ، كالاستدراك على قوله والرجل أولى بالرجل. (قوله: ولزوجه) أي غير رجعية وغير معتده عن شبهه وأن حل نظرها التعلق الحق فيها باجنبي. (وقوله: لا أمه) أن الزوجة الامة لا يجوز لها أن تغسل زوجها، وليس كذلك. نعم، هي لا حق لها في ولاية الغسل يقتضي تقديمها على غيرها، وكونها لا حق لها لا ينافي جوازه لها، وهو ساقط من عبارة التحفة والنهاية، ونصها: وهي - أي الزوجة - تغسل زوجها. قال ع ش: ظاهره ولو كانت أمة، وهو ظاهر، ولا ينافي هذا ما يأتي له من أنها لا حق لها في ولاية الغسل. لان الكلام هنا في الجواز. اه‍. نعم، ليس للامة أن تغسل سيدها، ولو كانت مكاتبة أو أم ولد، وذلك لانتقالها للورثة أو عتقها، بخلاف الزوجة، لبقاء آثار الزوجية بعد الموت. (وقوله: ولو نكحت غيره) غاية في جواز غسل الزوجة، أي يجوز لها ولو تزوجت غير زوجها الذي مات. ويتصور ذلك بما إذا وضعت الحمل عقب موت زوجها فتزوجت آخر قبل غسل زوجها الميت، وإنما جاز لها ذلك لبقاء حقوق الزوجية. (قوله: بلا مس) متعلق بغسل الاول والثاني، أي له غسلها من غير أن يمسها، ولها غسله من غير أن تمسه. وذلك لئلا ينتقض وضوء الغاسل المطلوب له. (وقوله: بل يلف خرقة) أي بل يغسل كل الآخر مع لف خرقة على يده. (قوله: فإن خالف) أي كل منهما ولم يلف على يده خرقة صح الغسل، وذلك لان اللف وعدم المس مندوبان. (قوله: فإن لم يحضر) أي لم يوجد أحد يغسل الميتة الاجنبية إلا رجل أجنبي. قال ع ش: ضابط فقد الغاسل أن يكون في محل لا يجب طلب الماء منه. اه‍. وقيد ابن حجر الرجل بكونه واضحا. قال سم: ومفهومه أن الخنثى - ولو كبيرا - إذا لم يوجد إلا هو، يغسل الرجل والمرأة الاجنبيين، ولم يصرح به. وقد يوجه بالقياس على عكسه. اه‍. (قوله: أو أجنبية في الرجل) أي أو لم يحضر إلا امرأة أجنبية،

[ 128 ]

والميت رجل (قوله: يمم الميت) أي الذي هو المرأة في الصورة الاولى، والرجل في الصورة الثانية، إلحاقا لفقد الغاسل بفقد الماء. إذ الغسل متعذر شرعا لتوقفه على النظر أو المس المحرم. ويؤخذ منه أنه لو كان في ثياب سابغة، وبحضرة نهر مثلا، وأمكن غمسه به ليصل الماء لكل بدنه من غير مس ولا نظر، وجب، وهو ظاهر. والاوجه - كما أفاده الشيخ - أنه يزيل النجاسة، لان إزالتها لا بدل لها، بخلاف الغسل، ولان التيمم لا يصح قبل إزالتها. اه‍. نهاية. بزيادة. وخالفه ابن حجر في إزالة النجاسة فقال: ييمم وإن كان على بدنه خبث، ويوجه بتعذر إزالته. ومحل توقف صحة التيمم، أي والصلاة الآتي في المسائل المنثورة، على إزالة النجس إن أمكنت. (قوله: نعم، إلخ) استدراك من وجوب تيمم الميت إذا كان الغاسل أجنبيا منه أو أجنبية، والقصد به التقييد، فكأنه قال: ومحل وجوب التيمم: إذا حضر أجنبي أو أجنبية، إن كان الميت كبيرا، وإلا غسلاه. (وقوله: لهما غسل إلخ) أي يجوز لكل من الاجنبي والاجنبية تغسيل من لا يشتهى لحل النظر والمس له. قال الخطيب في مغنيه: والحنثى الكبير المشكل يغسله المحارم منهما، فإن ؟ فقدوا، غسله الرجال والنساء، للحاجة واستصحابا بالحكم الصغر. كما صححه في المجموع، ونقله عن اتفاق الاصحاب، خلافا لما جرى عليه ابن المقري تبعا لمقتضى أصله من أنه ييمم ويغسل فوق ثوب، ويحتاط الغاسل في غض البصر والمس. اه‍. (قوله: وأولى الرجال إلخ) هذا تفصيل للاولوية السابقة في قوله الرجل أولى بغسل الرجل، يعني أن أولى الرجال بالرجل إذا اجتمع في غسله من أقاربه من يصلح لغسله أولاهم بالصلاة عليه، أي فيقدم عصبة النسب، ويقدم منهم أب، فنائبه، فأبوه، ثم ابن، فابنه، ثم أخ لابوين، فلاب، ثم ابنهما، ثم العم كذلك، ثم سائر العصبات، فبعد عصبة النسب يقدم عصبة الولاء، فالوالي، فذوو الارحام. ومن قدمهم على الوالي: حمل على ما إذا لم ينتظم بين المال، فالرجال الاجانب فالزوجة، فالنساء المحارم. وما ذكر من الترتيب أغلبي. فلا يرد أن الافقه بباب الغسل أولى من الاقرب، والاسن والفقيه - ولو أجنبيا - أولى من غير فقيه - ولو قريبا عكس الصلاة على ما يأتي فيها، لان القصد هنا إحسان الغسل، والافقه والفقيه أولى به. وثم الدعاء ونحو الاسن، والاقرب أرق، فدعاؤه أقرب للاجابة ولم يبين من الاولى بغسل المرأة. وحاصله أن الاولى بذلك إذا اجتمع من يصلح له النساء، لكن الاولى منهن ذات المحرمية، وهي من لو فرضت ذكرا حرم تناكحهما، وتقدم نحو العمة على نحو الخالة، فإن لم تكن ذات محرمية قدمت القربى فالقربى، ثم ذات الولاء، ثم محارم الرضاع، ثم محارم المصاهرة، ثم الاجنبيات ثم الزوج، ثم رجال المحارم بترتيبهم الآتي في الصلاة. وشرط المقدم الحرية، والاتحاد في الدين، وعدم القتل المانع للارث، وعدم العداوة، والصبا، والفسق. قال في التحفة: وقضية كلامهما - بل صريحه - وجوب الترتيب المذكور. ثم قال: لكن أطال جمع متأخرون في ندبه، وأنه المذهب. اه‍. (قوله: وتكفينه) بالجر معطوف على غسله، أي وكتكفينه، فهو فرض كفاية أيضا. (قوله: بساتر عورة) قال ش ق: هذا ضعيف. والمعتمد أنه لا بد من ستر جميع البدن، سواء كفن من ماله أو من مال غيره، وسواء كان ذكرا أو أنثى، حرا أو رقيقا، لانقطاع الرق بالموت. فلا يختلف بالذكورة والانوثة. وأما قوله في شرح المنهج: فيختلف قدره بالذكورة والانوثة، أي فيكون للذكر ساتر ما بين سرته وركبته، وللانثى ساتر جميع بدنها، فمبني على الضعيف الذي مشى عليه هنا أيضا، لكن إن كفن من تركته ولم يوص بإسقاط ما زاد على ثوب واحد وجب ثلاث لفائف تعم كل واحدة جميع البدن، وإن كان عليه دين مستغرق، حيث لم يمنع الغرماء ما زاد على الواحد. اه‍. (قوله: مختلفة) صفة لعورة. (وقوله: بالذكورة والانوثة) أي فيجب ستر ما بين السرة والركبة في الذكر، وستر جميع البدن في الانثى. (قوله: دون الرق والحرية) أي لا تختلف العورة بالرق والحرية، ولو اختلفت بهما لالحقت الامة بالرجل، فتكون عورتها ما بين سرتها وركبتها، وليس كذلك، لانقطاع الرق بالموت، فتكون في حكم الحرة. (قوله:

[ 129 ]

فيجب إلخ) تفريع على الاختلاف بالذكورة والانوثة. (وقوله: ما يستر غير الوجه والكفين) أي وهو جميع بدنها. (قوله: لان حق لله تعالى) أي لان ساتر العورة حق لله تعالى، قياسا على الحي. قال الكردي: حاصل ما اعتمده الشارح في كتبه أن الكفن ينقسم على أربعة أقسام: حق الله تعالى: وهو ساتر العورة، وهذا لا يجوز لاحد إسقاطه مطلقا. وحق الميت: وهو ساتر بقية البدن، فهذا للميت أن يوصي بإسقاطه دون غيره. وحق الغرماء: وهو الثاني والثالث، فهذا للغرماء عند الاستغراق إسقاطه ولمنع منه دون الورثة. وحق الورثة: وهو الزائد على الثلاث، فللورثة إسقاطه والمنع منه. ووافق الجمال الرملي على هذه الاقسام إلا الثاني منها، فاعتمد أن فيه حقين، حقا لله تعالى، وحقا للميت. فإذا أسقط الميت حقه بقي حق الله تعالى، فليس لاحد عنده إسقاط شئ من سابغ جميع البدن. اه‍. (قوله: وقال آخرون إلخ) معتمد. وعبارة التحفة: وقال آخرون: يجب ستر جميع البدن إلا رأس المحرم ووجه المحرمة، لحق الله تعالى، كما يأتي عن المجموع، ويصرح به قول المهذب: إن ساتر العورة فقط لا يسمى كفنا، أي والواجب التكفين فوجب الكل للخروج عن هذا الواجب الذي هو لحق الله تعالى. وأطال جمع متأخرون في الانتصار له. وعلى الاول: يؤخذ من قول المجموع عن الماوردي وغيره، ولو قال الغرماء يكفن بساترها، والورثة بسابع، كفن في السابع اتفاقا: أن الزائد على ساترها من السابع حق مؤكد للميت لم يسقطه، فقدم به على الغرماء كالورثة، فيأثمون بمنعه، وإن لم يكن واجبا في التكفين، وهذا مستثنى لما تقرر من تأكد أمره لقوة الخلاف في وجوبه، وإلا فقد جزم الماوردي بأن للغرماء منع ما يصرف في المستحب. اه‍. (قوله: ولو رجلا) أي ولو كان الميت رجلا. (قوله: وللغريم إلخ) أي الذي دينه مستغرق للتركة. وعبارة المغني: ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: يكفن في ثوب. والورثة: في ثلاثة. أجيب الغرماء في الاصح لانه إلى براءة ذمته أحوج منه إلى زيادة الستر. قال في المجموع: ولو قال الغرماء يكفن بساتر العورة، والورثة بساتر جميع البدن، نقل صاحب الحاوي وغيره، الاتفاق على ساتر جميع البدن. ولو اتفقت الغرماء والورثة على ثلاثة، جاز بلا خلاف. اه‍. (وقوله: منع الزائد على ساتر كل البدن) أي سواء قلنا إن الواجب ستر العورة فقط، أم قلنا الواجب ستر جميع البدن. وذلك لان الميت أحوج إلى براءة ذمته من التجمل الذي منه الزيادة على ثوب يعم جميع البدن - كما علمت - وخرج بالغريم، الوارث. فليس له المنع من ذلك، حيث لم يوص الميت بثوب، لانه ليس في الصرف للوارث منفعة تعود للميت، بخلاف الغريم. (قوله: لا الزائد على ساتر العورة) أي ليس للغريم أن يمنع الزائد على ساتر العورة. وهذا ظاهر على القول بأن الواجب ستر جميع البدن. أم على القول بأن الواجب ستر العورة فقط: فيكون مستثنى من قولهم للغرماء منع ما يصرف للمستحب. (وقوله: لتأكد أمره) أي الزائد بسبب قوة الخلاف في وجوبه. (وقوله: وكونه إلخ) أي ولكون الزائد حقا للميت بالنسبة للغرماء، أي وأما بالنسبة لله تعالى، فحقه ساتر العورة فقط. وما ذكر من التعليلين مبني على القول الاول، وهو أن الواجب ستر العورة أما على القول الثاني وهو أن الواجب ستر جميع البدن فعدم صحة منع الغريم لذلك الزائد ظاهر كما علمت، لكونه منع الواجب وهو لا يجوز. (قوله: وأكمله) أي الكفن، أي الافضل فيه. (قوله: للذكر) أي ولو صبيا أو محرما. (قوله: ثلاثة) أي لخبر عائشة - رضي الله عنها -: كفن رسول الله (ص) في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. رواه الشيخان. (وقوله: يعم كل منها البدن) أي ما عدا رأس المحرم، ووجه المحرمة. (قوله: وجاز) أي من غير كراهة. (وقوله: أن يزاد تحتها) أي الثلاثة، وذلك لان عبد الله بن عمر كفن ابنا له في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف. قال في النهاية: نعم، هي - أي الزيادة على الثلاث - خلاف الاولى - كما في المجموع - لانه (ص) كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.

[ 130 ]

ومحل جواز الزيادة على ذلك: إذا كان الورثة أهلا للتبرع ورضوا به، فإن كان فيهم صغير أو مجنون أو محجور عليه بسفه أو غائب: فلا. اه‍. بتصرف. (وقوله: قميص) أي ساتر لجميع البدن. قال في بشرى الكريم: وإطلاقهم يقتضى أنه كقميص الحي، بل صرح به الشرقاوي وغيره، فما اعتيد في جهتنا من جعله إلى نصف الساق وبلا أكمام: منكر شديد التحريم. اه‍. (قوله: وللاثنى) معطوف على الذكر، أي وأكمله للانثى - ومثلها الخنثى - إزار، فقميص، فخمار، فلفافتان، لانه عليه الصلاة والسلام كفن فيها ابنته أم كلثوم. وفي ع ش: قال الشافعي - رضي الله عنه - ويشد على صدر المرأة ثوب، لئلا تضطرب ثدياها عند الحمل فتنتشر الاكفان. قال الائمة: وهذا ثوب سادس ليس من الاكفان، يشد فوقها، ويحل عنها في القبر. اه‍. قال في التحفة: هذا كله - أي ما ذكر من أن الافضل للرجل ثلاثة، ويجوز رابع وخامس، وللانثى خمسة، حيث لا دين وكفن من ماله، وإلا وجب الاقتصار على ثوب ساتر لكل البدن إن طلبه غريم مستغرق، أو كفن ممن تلزمه نفقته ولم يتبرع بالزائد، أو من بيت المال، أو وقف الاكفان، أو من مال الموسرين. اه‍. (قوله ويكفن الميت) أي ذكرا كان أو أنثى. (وقوله: بما له لبسه حيا) أي بما يجوز له لبسه في حال الحياة من غير حاجة، فلا يكفن بالحرير من لبسه لحكة أو قمل ومات فيه. نعم، لو استشهد فيه من لبسه لذلك أو غيره من أنواع الحاجة المبيحة للبسه كفن فيه، لان السنة تكفينه في ثيابه التي استشهد فيها، لا سيما إذا تلطخت بدمه. قال في النهاية، كما أفتى به الوالد، تبعا للاذرعي: ويقدم المتنجس على الطاهر الحرير عند ابن حجر، تبعا لشيخ الاسلام، واعتمد في المغني والنهاية وسم تقديم الحرير على المتنجس. وانظر على الاول بالنسبة للصلاة، هل يصلي عليه مكشوف العورة ثم يكفن بالمتنجس، أو يستر بالحرير عند الصلاة عليه ثم ينزع منه ويكفن في المتنجس ؟ والقياس على الحي الثاني: إن قلنا يشترط في الميت ما يشترط في المصلي الحي من الطهارة وستر العورة وغير ذلك، وإن قلنا لا يشترط ذلك، فله كل من الثاني والاول. وفرض المسألة أنه وجد طاهر حرير، ومتنجس غير حرير، فإن لم يوجد إلا المتنجس، فيصلى عليه عاريا، ثم يكفن، إذ لا تصح مع النجاسة. (قوله: فيجوز حرير ومزعفر إلخ) تفريع على بما له لبسه. (وقوله: للمرأة والصبي) أي والمجنون، وذلك لانه يجوز لهم لبسه وهم أحياء فبعد الموت كذلك. وخرج بذلك: الرجل والخنثى، فلا يدفنان فيهما إذا وجد غيرهما. (قوله: مع الكراهة) متعلق بيجوز. (قوله: ومحل تجهيزه) أي الميت. والمراد بالتجهيز: المؤن، كأجرة التغسيل، وثمن الماء والكفن، وأجرة الحفر، والحمل. (وقوله: التركة) أي إذا لم يتعلق بعينها حق لازم، كرهن، وزكاة. وإلا قدم على التجهيز. كما سيأتي في الفرائض. (قوله: إلا زوجة) أي غير ناشزة. (وقوله: وخادمها) أي المملوك لها أو المستأجر بالنفقة، فإن كان مستأجرا بالاجرة لم يجب تجهيزه على الزوج، لانه ليس له إلا الاجرة. (قوله: فعلى زوج غني) خبر لمبتدأ محذوف، أي فتجهيزهما على زوج غني، فإن كان معسرا جهزت من أصل تركتها، لا من خصوص نصيبه منها، كما اقتضاه كلامهم. وقال بعضهم: بل من نصيبه منها إن ورث، لانه صار موسرا به، وإلا فمن أصل تركتها مقدما على الدين، وهو متجه من حيث المعنى. وإذا كفنت منها أو من غيرها لم يبق دينا عليه، للسقوط عنه بإعساره. ويظهر ضبط المعسر بمن ليس عنده فاضل عما يترك للمفلس. اه‍. تحفة. قال سم: ويحتمل الضبط بالفطرة. اه‍. فعليه. ويكون الموسر: هو من ملك زيادة على كفاية يوم وليلة ما يصرفه في التجهيز. والمعسر: هو الذي لا يملك ذلك. (قوله: عليه نفقتهما) الجملة من المبتدأ أو الخبر صفة لزوج، أي زوج واجب عليه نفقتهما. وخرج به: ما إذا لم تجب عليه نفقتهما، كأن كانت الزوجة صغيرة أو ناشزة، وكان الخادم مكترى بأجرة، فلا يلزم الزوج تجهيزهما. (قوله: فإن لم يكن له تركة) مقابل لمحذوف، أي هذا إن كان له تركة، فإن لم يكن إلخ. (وقوله: فعلى من عليه نفقته) أي فالتجهيز واجب على من وجب عليه نفقة ذلك الميت في حال حياته. وهذا باعتبار الغالب، وإلا فقد يجب التجهيز على من لا تلزمه نفقته، كتجهيز الولد الكبير المعسر، فإنه واجب على أبيه، وكتجهيز المكاتب، فإنه واجب على سيده، مع أنهما لا يلزمهما نفقتهما حيين. وقد لا يجب على من عليه نفقته حيا، كزوجة الاب، فإنه لا يلزم الابن

[ 131 ]

تجهيزها وإن لزمته نفقتها. (قوله: من قريب) بيان لمن، والمراد به الاصل أو الفرع. وفي البجيرمي: ولو مات من لزمه تجهيز غيره بعد موته وقبل تجهيزه وتركته لا تفي إلا بتجهيز أحدهما فقط، قدم الثاني على الاوجه، لتبين عجزه عن تجهيز غيره. وأفتى به الشهاب م ر، كما ذكر ذلك ولده في شرحه. اه‍. (قوله: وسيد) أي فيما إذا مات رقيقة، ولو مكاتبا، وأم ولد. وأما البعض فإن لم تكن بينه وبين سيده مهايأه، فمؤن التجهيز يكون منها على سيده بقدر ما فيه من الرق، والباقي من تركة المبعض. وقال ع ش: على السيد نصف لفافة فقط، لان الواجب عليه - بقطع النظر عن التبعيض - لفافة واحدة. وفي مال المبعض لفافة ونصف، فيكمل له لفافتان، فيكفن فيهما، ولا يزاد ثالثة من ماله. اه‍. وإن كان بينه وبين سيده مهايأة، فمؤن التجهيز على ذي النوبة. فلو لم يعلم موته في أي نوبة، فينبغي أن يكون كلا مهايأة. فعلى سيده بقدر ما فيه من الرق، والباقي من تركته. (قوله: فعلى بيت المال) أي فإن لم يكن للميت من تلزمه نفقته فتجهيزه على بيت المال، كنفقته في حال الحياة. قال في الروض وشرحه: ولا يلزم بيت المال ولا القريب إلا ثوب واحد، لتأدى الواجب به، بل لا تجوز الزيادة عليه من بيت المال، وكذا إن كفن بما وقف للتكفين، أو كان من مياسير المسلمين، اه‍. ومر نظيره عن ابن حجر. (قوله: فعلى مياسير المسلمين) أي فإن لم يكن بيت مال، فتجهيزه على مياسير المسلمين. قال سم: ظاهره ول محجورين فعلى أوليائهم الاخراج. اه‍. والمراد بالموسر: من يملك كفاية سنة لممونه، وإن طلب واحد منهم تعين عليه، لئلا يتواكلوا. اه‍. بجيرمي. (قوله: ويحرم التكفين في جلد) أي لانه مرد به. (وقوله: إن وجد غيره) أي ولو كان حريرا فيقدم على الجلد. (قوله: وكذا الطين إلخ) أي يحرم التكفين به مع وجود غيره. (قوله: فإن لم يوجد ثوب) المناسب: فإن لم يوجد غيره، لانه مقابل قوله: إن وجد غيره. (قوله: فيما استظهره شيخنا) عبارته: ويحرم في جلد وجد غيره، لانه مزر به، وكذا الطين، والحشيش، فإن لم يوجد ثوب وجب جلد، ثم حشيش، ثم طين، فيما يظهر. اه‍. وكتب سم: قوله فيما يظهر: هو ظاهر، وقضيته وجوب تعميمه بنحو الطين لوجوب التعميم في الكفن. ولو لم يوجد إلا حب، فهل يجب التكفين فيه بإدخال الميت فيه لانه ساتر ؟ فيه نظر، ولا يبعد الوجوب. قال م ر: ويتجه تقديم نحو الحناء المعجون على الطين، لان التطيين مع وجوده إزراء به. (قوله: ويحرم كتابة شئ من القرآن إلخ) في فتاوى ابن حجر ما نصه: (سئل) رضي الله عنه عن كتابة العهد على الكفن، وهو لا إله إلا الله والله أكبر. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. لا إله إلا الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقيل إنه اللهم فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك (ص)، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتبعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا عندك توفنيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. هل يجوز ؟ ولذلك أصل أم لا ؟ (فأجاب) بقوله: نقل بعضهم عن نوادر الاصول للترمذي ما يقتضي أن هذا الدعاء له أصل، وأن الفقيه ابن عجيل كان يأمر به، ثم أفتى بجواز كتابته قياسا على كتابة الله في نعم الزكاة. وأقره بعضهم بأنه قيل بطلب فعله لغرض صحيح مقصود، فأبيح، وإن علم أنه يصيبه نجاسة. وفيه نظر. وقد أفتى ابن الصلاح بأنه لا يجوز أن يكتب على الكفن يس والكهف ونحوهما، خوفا من صديد الميت، وسيلان ما فيه. وقياسه على ما في نعم الصدقة ممنوع، لان القصد ثم التمييز لا التبرك، وهنا القصد التبرك، فالاسماء المعظمة باقية على حالها، فلا يجوز تعريضها للنجاسة. والقول بأنه قيل بطلب فعله إلخ، مردود، لان مثل ذلك لا يحتج به، وإنما كانت تظهر الحجة لو صح عن النبي (ص) طلب ذلك، وليس كذلك. اه‍. (وقوله: اسماء الله تعالى) أي وكل اسم معظم كأسماء الملائكة والانبياء. (وقوله: على الكفن) متعلق بكتابه. (قوله: ولا بأس) أي لا إثم. (وقوله: بكتابة) أي شئ من القرآن ونحوه. (قوله: لانه) أي الريق لا يثبت، فلا تثبت النقوش المكتوبة به. (قوله: وأفتى ابن الصلاح بحرمة ستر الجنازة بحرير) ومثله كل

[ 132 ]

ما المقصود به الزينة. (قوله: وخالفه الجلال البلقيني) قال ابن قاسم: هو الذي اعتمده م ر. اه‍. (وقوله: فجوز الحرير فيها) أي لان ستر سريرها يعد استعمالا متعلقا ببدنها، وهو جائز لها، فمهما جاز لها فعله في حياتها جاز فعله لها بعد موتها، حتى يجوز تحليتها بنحو حلي الذهب ودفنه معها، حيث رضي الورثة، وكانوا كاملين، ولا يقال إنه تضييع مال لانه تضييع لغرض، وهو إكرام الميت وتعظيمه، وتضييع المال وإتلافه لغرض جائز. م ر. سم. (قوله: مع أن القياس) أي على حرمة تزيين بيتها الاول، وهو الحرمة. (تنبيه) يسن كون الكفن أبيض، لخبر: البسوا من ثيابكم البياض، فإنهم من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وكونه مغسولا: لانه للصديد، والحي أحق بالجديد، كما قاله أبو بكر رضي الله عنه. رواه البخاري. وتكره المغالاة فيه، لخبر: لا تغالوا في الكفن، فإنه يبلى سريعا. ومحل كراهة المغالاة إذا لم يكن بعض الورثة محجور عليه أو غائبا، أو الميت مفلسا، وإلا حرمت. قاله م ر. وانظر هذا من قوله عليه الصلاة والسلام: أحسنوا أكفان موتاكم فإن الموتى تتباهى بأكفانهم. فإنه يقتضي أنه لا يبلى. وأجيب بأن المباهاة: إما قبل البلاء، أو بعد إعادتها. أفاده البجيرمي. (قوله: ودفنه) بالجر معطوف على غسله، أي وكدفنه. فهو فرض كفاية. (وقوله: في حفرة تمنع إلخ) وذلك لان حكمة الدفن صونه عن انتهاك جسمه، وانتشار رائحته المستلزم للتأذي بها، واستقذار جيفته، فاشترطت حفرة تمنعهما. قال سم: الحفرة المذكورة صادقة مع بنائها، فحيث منعت ما ذكر كفت، فالفساقي إن كانت بناء في حفر كفت إن منعت ما ذكر، وإلا فلا. اه‍. (قوله: بعد طمها) متعلق بتمنع. والطم: رد التراب إليها. قال في المصباح: طممت البئر وغيرها بالتراب طما، من باب قتل، ملاتها حتى استوت مع الارض. وطمها التراب: فعل بها ذلك. اه‍. (قوله: أي ظهورها) أفاد بتقدير المضاف أن نفس الرائحة لا سبيل إلى منعها، وأن الممنوع ظهورها فقط. (قوله: وسبعا) معطوف على رائحة، أي وتمنع سبعا. (قوله: أي نبشه لها) أفاد بتقدير المضاف أن المراد بمنع الحفرة للسبع منعها نبش السبع لها. (وقوله: فيأكل) بالنصب بأن مضمرة، معطوف على نبشه على حد: ولبس عباءة وتقر عيني وهو من عطف المسبب على سببه، أي تمنع النبش الذي يتسبب عنه أكله للميت. (قوله: وخرج بحفرة وضعه بوجه الارض) أي فلا يكفي، لانه ليس بدفن. قال ع ش: وفي حكمه حفرة لا تمنع ما مر إذا وضع فيها ثم بني عليه ما يمنع ذينك، أي الرائحة والسبع. اه‍. (قوله: ويبنى عليه) أي على الميت، أي حواليه. والفعل منصوب بأن مضمرة معطوف على وضع، على حد ما مر آنفا. ومثل البناء عليه - بالاولى - ما لو ستر بكثير نحو تراب أو حجارة. (وقوله: ما يمنع ذينك) أي الرائحة والسبع. (قوله: حيث لم يتعذر الحفر) متعلق بمحذوف، أي فلا يكفي ذلك، حيث لم يتعذر الحفر، بأن أمكن، فإن تعذر، كأن كانت الارض خوارة أو ينبع منها ماء يفسد الميت وأكفانه، جاز ذلك. (قوله: نعم، من مات إلخ) انظر هو مرتبط بأي شئ ؟ وظاهر صنيعه أنه مرتبط بالقيد، أعني حيث لم يتعذر الحفر، ولا معنى له. فكان الاولى أن يبدل ذلك بقوله فإن تعذر الحفر كفى، كما لو مات بسفينة إلخ، وتكون الكاف للتنظير وعبارة ابن حجر على بافضل - وخرج بالحفرة: ما وضع على وجه: الارض وبنى عليه ما يمنعهما، فانه لا يكفي، إلا إن تعذر الحفر، كما لو مات بسفينة الخ. اه‍ وهي نص فيما ذكرناه ثم ظهر صحة جعله مرتبطا بقول المتن

[ 133 ]

ودفنه في حفرة أي أن محل اشتراط الحفرة ما لم يمت في سفينة، وإلا فإن تعذر دفنه في البر لبعده عن الساحل أو قربه منه، ولكن به مانع كسبع، ألقي في البحر، بعد غسله، وتكفينه، والصلاة عليه. لكن كان عليه أن يؤخره عن قوله وبتمنع ذينك إلخ. (قوله: جاز إلقاؤه في البحر) فيه نظر، لانه إذا تعذر البر يجب إلقاؤه فيه. وعبارة البجيرمي: يجب فيمن مات في سفينة وتعذر دفنه في البر أن يوضع بعد الصلاة عليه بين لوحين مثلا، ويرمى في البحر. وإن ثقل بحجر ليصل إلى القرار فهو أولى. اه‍. ويمكن أن يجاب بأن المراد بالجواز ما قابل الامتناع، فيصدق بالوجوب. (قوله: ليرسب) بضم السين، أي ينزل في قعر البحر. (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يتعذر فلا يجوز إلقاؤه في البحر. (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يتعذر فلا يجوز إلقاؤه في البحر. (قوله: وبتمنع ذينك) معطوف على بحفرة، أي وخرج بقوله تمنع الرائحة والسبع. (وقوله: ما يمنع) فاعل خرج المقدر. (وقوله: أحدهما) أي السبع أو الرائحة. (قوله: كأن اعتادت إلخ) مثال لما يمنع الرائحة فقط، ولم يمثل لما يمنع السبع فقط. وذلك كالفساقي: فإنها لا تمنع الرائحة، وإن كانت تمنع السبع. قال في التحفة: وهي بيوت تحت الارض. وقد قطع ابن الصلاح والسبكي وغيرهما بحرمة الدفن فيها، مع ما فيها من اختلاط الرجال بالنساء، وإدخال ميت على ميت قبل بلاء الاول. ومنعها للسبع واضح وعدمه للرائحة مشاهد. اه‍. (قوله: الحفر) مفعول اعتادت. (وقوله: عن موتاه) متعلق بالحفر، وضميره يعود على المحل. (قوله: فيجب إلخ) مفرع على ما إذا اعتادت السباع الحفر. (قوله: بحيث إلخ) الباء للتصوير. أي بناء مصورا بحالة وهي منعه وصول السباع إلى الميت. قال في التحفة: فإن لم يمنعها البناء - كبعض النواحي - وجب صندوق. كما يعلم مما يأتي. اه‍. (قوله: وأكمله إلخ) أفاد به إن ما مر أقله، وكان الاولى التصريح به هناك، يعني أن الاكمل في القبر أن يكون واسعا، لقوله (ص) في قتلى أحد: أحفروا، وأوسعوا وأعمقوا. والتوسعة هي أن يزاد في طوله وعرضه. قال ع ش: وينبغي أن يكون ذلك مقدار ما يسع من ينزل القبر ومن يدفنه، لا أزيد من ذلك، لان فيه تحجيرا على الناس. اه‍. (قوله: في عمق إلخ) الذي يظهر أن في بمعنى مع، وإضافة عمق لما بعده لادنى ملابسة، أي والاكمل أن يكون واسعا، مع عمق قدره أربعة أذرع ونصف. وعبارة التحفة مع الاصل: ويندب أن يوسع بأن يزاد في طوله وعرضه، ويعمق، للخبر الصحيح في قتلى أحد إلخ، وأن يكون التعميق قامة لرجل معتدل وبسطه بأن يقوم فيه ويبسط يده مرتفعة. اه‍. (تنبيه) الاكمل أيضا في القبر أن يكون لحدا، وهو أن يحفر في جانب القبر من أسفل قدر ما يسع الميت، لكن هذا إن صلبت الارض، أما لو كانت رخوة فالافضل الشق، وهو أن يحفر قعر القبر كالنهر، ويبنى جانباه بلبن وغيره، ويجعل الميت بينهما. (قوله: ويجب إضجاعه) أي الميت في القبر على شقه الايمن. (وقوله: للقبلة) أي تنزيلا له منزلة المصلي، فإن دفن مستدبرا أو مستلقيا نبش حتما، إن لم يتغير، وإلا فلا ينبش. ويؤخذ من التعليل المذكور عدم وجوب الاستقبال في الكافر، فيجوز استقباله واستدباره. نعم، الكافرة التي في بطنها جنين مسلم، نفخت فيه الروح، ولم ترج حياته، يجب استدبارها للقبلة، ليكون الجنين مستقبل القبلة، لان وجه الجنين إلى ظهر أمه. وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، لئلا يدفن المسلم في مقابر الكفار، وعكسه. فإن لم تنفخ فيه الروح: لم يجب الاستدبار في أمه، لانه لا يجب استقباله حينئذ. نعم، استقباله أولى. فإن رجيت حياته لم يجز دفنه معها، بل يجب شق جوفها وإخراجه منه - ولو مسلمة - ومن الغلط أن يقال: يوضع نحو حجر على بطنها ليموت، فإن فيه قتلا للجنين. (قوله: ويندب الافضاء إلخ) أي يندب إلصاق خده الايمن بالتراب. (وقوله: بعد تنحية الكفن عنه) أي بعد إزالة

[ 134 ]

الكفن عن خده. (وقوله: إلى نحو تراب) متعلق بإفضاء ودخل تحت نحو الحجر واللبن. (وقوله: مبالغة إلخ) تعليل لندب الافضاء المذكور. وما أحسن قول بعضهم: فكيف يلهو بعيش أو يلذ به * * من التراب على خديه مجعول ؟ (قوله: ورفع رأسه إلخ) أي ويندب رفع رأسه. (وقوله: بنحو لبنة) أي طاهرة. واللبنة - كسر الباء - واحدة اللبن - بكسرها أيضا - ما يعمل من الطين، ويبنى به. ودخل تحت نحو كوم تراب وحجر. (قوله: وكره صندوق) أي جعل الميت فيه، لانه ينافي الاستكانة والذل المقصودين من وضعه في التراب، ولان في إضاعة مال. وعبارة الروض وشرحه: ويكره صندوق - أي جعل الميت فيه - ولا تنفذ وصيته بذلك، فإن احتيج إلى الصندوق لنداوة ونحوها - كرخاوة في الارض - فلا كراهة، وهو - أي الصندوق المحتاج إليه من رأس المال - كالكفن، ولانه من مصالح دفنه الواجب. اه‍. ملخصا. (قوله: فيجب) أي الصندوق. وهو مفرع على الاستثناء. (قوله: ويحرم دفنه بلا شئ يمنع وقوع التراب عليه) أي فيجب سد القبر بما يمنع وقوع التراب عليه من نحو لبن. وما ذكر من وجوب السد وحرمة عدمه هو ما عليه جمع. وظاهر عبارة المنهاج: ندب السد، وجواز إهالة التراب عليه من غير سد. كما نبه عليه في التحفة، وعبارتها مع الاصل: ويسد فتح اللحد بلبن، بأن يبنى به ثم يسد ما بينه من الفرج بنحو كسر لبن اتباعا لما فعل به (ص)، ولانه أبلغ في صيانة الميت عن النبش، ومنع التراب والهوام. وكاللبن في ذلك غيره. وآثره لانه المأثور كما تقرر، وظاهر صنيع المتن: أن أصل سد اللحد مندوب، كسابقه ولاحقه، فتجوز إهالة التراب عليه من غير سد، وبه صرح غير واحد. لكن بحث غير واحد وجوب السد عليه، كما عليه الاجماع الفعلي من زمنه (ص) إلى الآن، فتحرم تلك الاهالة، لما فيها من الازراء وهتك الحرمة، وإذا حرموا ما دون ذلك، ككبه على وجهه، وحمله على هيئة مزرية، فهذا أولى. اه‍. (قوله: يحرم دفن اثنين من جنسين بقبر) المراد بالجنس هنا وفيما بعده، الجنس العرفي، وهو ما يشمل النوع والصنف. وحاصل ما يتعلق بهذه المسألة أن الذي جرى عليه المؤلف - تبعا لشيخه ابن حجر، التابع لشيخه شيخ الاسلام - أن الاثنين إذا اتحدا نوعا كرجلين أو امرأتين، أو اختلفا فيه وكان بينهما محرمية أو زوجية أو سيدية، كره دفنهما معا. فإن اختلفا ولم يكن بينهما ما مر حرم ذلك. والذي جرى عليه م ر: الحرمة مطلقا، اتحد الجنس أو اختلف، كان بينهما محرمية أو لا. وذلك لان العلة في منع الجمع التأذى، لا الشهوة. فإنها قد انقطعت بالموت. (قوله: إن لم يكن بينهما) أي الاثنين. (قوله: ومع أحدهما: كره) أي ومع وجود المحرمية أو الزوجية يكره دفنهما في قبر واحد. (قوله: كجمع متحدي جنس فيه) أي كما أنه يكره دفن جمع متحدي جنس في قبر واحد. (قوله: بلا حاجة) متعلق بكل من يحرم وكره، أي محل الحرمة أو الكراهة إن لم يكن حاجة، وإلا فلا حرمة ولا كراهة، كأن كثر الموتى وعسر إفراد كل بقبر، أو لم يوجد إلا كفن واحد، لانه (ص) كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب، ويقدم أقرأهما للقبلة، ويجعل بينهما حاجز تراب. (قوله: ويحرم أيضا) أي كما يحرم دفن اثنين معا ابتداء. قال في النهاية: عللوه - أي حرمة الادخال - بهتك حرمته. ويؤخذ منه عدم حرمة نبش قبر له لحدان مثلا لدفن شخص في اللحد الثاني، إن لم تظهر له رائحة، إذ لا هتك للاول فيه. وهو ظاهر، وإن لم يتعرضوا له، فيما أعلم. اه‍. (قوله: وإن اتحدا) أي الميت الذي في القبر، والميت المدخل عليه. (قوله: قبل بلاء جميعه) متعلق بيحرم، أي يحرم الادخال المذكور قبل بلاء جميع الميت الذي في القبر. قال سم: وأفهم جواز النبش، بعد بلاء جميعه. ويستثنى قبر عالم مشهور، أو ولي مشهور، فيمتنع نبشه. اه‍. (قوله: ويرجع فيه) أي في البلاء، أي مدته. (وقوله: لاهل الخبرة بالارض) أي لاهل المعرفة بقدر المدة التي يبلى فيها الميت في أرضهم. (قوله: ولو وجد

[ 135 ]

بعض عظمه) أي الميت الذي في القبر. (وقوله: قبل تمام الحفر) أي قبل أن يكمل حفر القبر. (قوله: وجب رد ترابه) أي ويحرم تكميل الحفر والدفن فيه لما يلزم عليه من الادخال المحرم. وهذا إذا لم يحتج إلى الدفن في ذلك القبر، بأن كثر الموتى، وإلا فلا بأس بذلك. (قوله: أو بعده) أي أو وجد عظمه، بعد تمام الحفر، فلا يجب رد التراب. (قوله: ويجوز الدفن معه) أي مع العظم لكن بعد تنحيته عن محله. وعبارة التحفة: أو بعده نحاه ودفن الآخر. فإن ضاق بأن لم يمكن دفنه إلا عليه، فظاهر قولهم نحاه حرمة الدفن هنا، حيث لا حاجة، ليس ببعيد، لان الايذاء هنا أشد. اه‍. (قوله: ولا يكره الدفن ليلا) أي سواء تحرى الدفن فيه أم لا، لما صح أنه (ص) فعله، وكذا الخلفاء الراشدون. (قوله: خلافا للحسن البصري) أي فإن الدفن ليلا عنده مكروه تنزيها متمسكا بظاهر خبر ابن ماجه: لا تدفنوا موتاكم بالليل، إلا أن تضطروا. وفي البجيرمي ما نصه: وفي الخصائص ودفن بالليل، وذلك - أي الدفن ليلا - في حق غيره مكروه تنزيها عند الحسن البصري، تمسكا بظاهر خبر ابن ماجه بسند فيه ضعف لا تدفنوا موتاكم بالليل، إلا أن تضطروا أي بالدفن ليلا، لخوف انفجار الميت وتغيره. وخلاف الاولى عند سائر العلماء، وتأولوا الخبر بأن النهي كان أولا، ثم رخص. اه‍. مناوي. (قوله: والنهار أفضل) أفعل التفضيل على غير بابه، أي فاضل، وذلك لانه هو المندوب، بخلاف الدفن ليلا، فليس بمندوب، حتى أنه يكون فاضلا. ومحل كون الدفن فيه فاضلا إذا لم يخش بالتأخير إليه تغير، وإلا حرم. (قوله: ويرفع القبر قدر شبر) أي ليعرف فيزار ويحترم. وصح أن قبر (ص) رفع نحو شبر. (قوله: وتسطيحه أولى من تسنيمه) لما صح من القاسم بن محمد: أن عمته عائشة - رضي الله عنهم - كشفت له عن قبره (ص) وقبر صاحبيه، فإذا هي مسطحة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. ورواية البخاري: أنه مسنم. حملها البيهقي على أن تسنيمه حادث، لما سقط جداره، وأصلح زمن الوليد. اه‍. تحفة. والتسطيح: جعل القبر مسطحا، أي مستويا له سطح. قال في المصباح: سطحت القبر تسطيحا: جعلت أعلاه كالسطح. وأصل السطح: البسط. اه‍. والتسنيم: جعله مسنما، أي مرتفعا على هيئة سنام البعير. قال في المصباح: سنمت القبر تسنيما: إذا رفعته عن الارض كالسنام. اه‍. (قوله: ويندب لمن على شفير القبر) أي لمن هو واقف على طرف القبر. (قوله: أن يحثي) أي بعد سد اللحد، وإن كانت المقبرة منبوشة وهناك رطوبة، لانه مطلوب. (قوله: ثلاث حثيات) أي من تراب، ويكون الحثي بيديه من قبل رأس الميت، لانه (ص) حثى من قبل رأس الميت ثلاثا. رواه البيهقي وغيره بإسناد جيد. قال ع ش: وينبغي الاكتفاء بذلك مرة واحدة، وإن تعدد المدفنون. (قوله: قائلا) حال من فاعل يحثي. (قوله: منها خلقناكم) ويزيد على ذلك: اللهم لقنه عند المسألة حجته. (وقوله: ومع الثانية وفيها نعيدكم) ويزيد عليه: اللهم افتح أبواب السماء لروحه. (وقوله: ومع الثالثة ومنها نخرجكم تارة أخرى) ويزيد عليه: اللهم جاف الارض عن جنبيه. (فائدة) عن الامام تقي الدين، عن والده، عن الفقيه أبي عبد الله محمد الحافظ أن رسول الله (ص) قال: من أخذ من تراب القبر حال الدفن بيده - أي حال إرادته - وقرأ عليه * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * سبع مرات، وجعله مع الميت في كفنه أو قبره، لم يعذب ذلك الميت في القبر. (قوله: مهمة: يسن وضع جريدة إلخ) ويسن أيضا وضع حجر أو خشبة عند رأس الميت، لانه (ص) وضع عند رأس

[ 136 ]

عثمان بن مظعون صخرة، وقال: أتعلم بها قبر أخي لادفن فيه من مات من أهلي. ورش القبر بالماء لئلا ينسفه الريح، ولانه (ص) فعل ذلك بقبر ابنه إبراهيم. رواه الشافعي، وبقبر سعد رواه ابن ماجه، وأمر به في قبر عثمان بن مظعون رواه الترمذي. وسعد هذا هو ابن معاذ. ويستحب أن يكون الماء طاهرا طهورا باردا، تفاؤلا بأن الله تعالى يبرد مضجعه. ويكره رشه بماء ورد ونحوه، لانه إسراف وإضاعة مال. قال الاذرعي: والظاهر كراة رشه بالنجس، أو تحريمه. اه‍. من شرح الروض. (قوله: للاتباع) هو ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنا نمشي مع رسول الله (ص) فمررنا على قبرين، فقام، فقمنا معه، فجعل لونه يتغير حتى رعد كم قميصه، فقلنا: مالك يا رسول الله ؟ فقال: أما تسمعون ما أسمع ؟ فقلنا: وما ذاك يا نبي الله ؟ قال: هذان رجلان يعذبان في قبورهما عذابا شديدا في ذنب هين - أي في ظنهما، أو هين عليهما اجتنابه - قلنا: فبم ذاك ؟ قال: كان أحدهما لا يتنزه من البول، وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه، ويمشي بينهم بالنميمة. فدعا بجريدتين - من جرائد النخل - فجعل في كل قبر واحدة. قلنا يا رسول الله: وهل ينفعهم ذلك ؟ قال: نعم يخفف عنهما ما دامتا رطبتين. (قوله: ولانه إلخ) معطوف على للاتباع. (وقوله: يخفف عنه) أي عن الميت. (وقوله: ببركة تسبيحها) أي الجريدة الخضراء، وفيه أن اليابسة لها تسبيح أيضا، بنص: * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * فلا معنى لتخصيص ذلك بالخضراء، إلا أن يقال إن تسبيح الخضراء أكمل من تسبيح اليابسة، لما في تلك من نوع حياة. (قوله: وقيس بها) أي بالجريدة الخضراء. (وقوله: ما اعتيد من طرح نحو الريحان الرطب) اندرج تحت نحو كل شئ رطب، كعروق الجزر، وورق الخس واللفت. وفي فتاوى ابن حجر ما نصه: استنبط العلماء من غرس الجريدتين على القبر: غرس الاشجار والرياحين، ولم يبينوا كيفيته. لكن في الصحيح أنه غرس في كل قبر واحدة، فشمل القبر كله، فيحصل المقصود بأي محل منه. نعم، أخرج عبد بن حميد في مسنده أنه (ص) وضع الجريدة على القبر عند رأس الميت. اه‍. وينبغي إبدال ما ذكر - من الجريدة الخضراء، ومن الرياحين - كلما يبس: لتحصل له بركة مزيد تسبيحه، وذكره كما في الحديث. (قوله: ويحرم أخذ شئ منهما) أي من الجريدة الخضراء، ومن نحو الريحان الرطب. وظاهره أنه يحرم ذلك مطلقا، أي على مالكه وغيره. وفي النهاية: ويمتنع على غير مالكه أخذه من على القبر قبل يبسه، فقيد ذلك بغير مالكه. وفصل ابن قاسم بين أن يكون قليلا كخوصة أو خوصتين، فلا يجوز لمالكه أخذه، لتعلق حق الميت به، وأن يكون كثيرا فيجوز له أخذه. (قوله: لما في أخذ الاولى) وهي الجريدة الخضراء. (وقوله: من تفويت حظ الميت) أي منفعته، وهو التخفيف عنه ببركة تسبيحها. (قوله: وفي الثانية) أي ولما في أخذ الثانية. والاولى حذف لفظ في، أو زيادة لفظ أخذ، بعدها، ومراده بالثانية: خصوص الريحان، لان الملائكة إنما ترتاح به فقط، لا الريحان ونحوه: وإن كان ظاهر صنيعه - لما علمت - أن نحو الريحان الرطب صادق بكل شئ رطب. (وقوله: من تفويت حق الميت) بيان المقدرة. (وقوله: بارتياح الملائكة) الباء سببية متعلقة بمحذوف صفة لحق، أي الحق الحاصل للميت بسبب ارتياح الملائكة. ولو أبدل لفظ الارتياح بالارتفاع لكان أنسب بقوله بعد النازلين لذلك، أي للارتياح بالريحان الرطب. ولكن عليه يكون الجار والمجرور متعلقا بتفويت. ثم رأيت في هامش فتح الجواد التصريح بما قررته، ولفظه: هل يجوز أخذ الريحان الذي يوضع على كثير من القبور أم لا ؟ سئل العلامة تقي الدين عمر بن محمد الفتى - تلميذ المقري رحمهما الله تعالى - فلم ينكره. اه‍. وقال شيخ الاسلام العلامة ابن زياد - نفع الله به - الذي أراه المنع، لما فيه من تفويت حق الميت بارتفاع الملائكة النازلين لذلك. ومثله فيما يظهر من وجد جريدة خضراء على قبر معروف، لتفويت حظ الميت، لما تقرر عن رسول الله (ص) فيه. اه‍. (قوله: وكره بناء له) أي في باطن الارض. (قوله: أو عليه)

[ 137 ]

أي وكره بناء على القبر، أي فوقه. والمراد: في حريمه أو خارجه. ولا فرق فيه بين قبة أو بيت، أو مسجد، أو غير ذلك. (قوله: لصحة النهي عنه) أي عن البناء. وهو ما رواه مسلم، قال: نهى رسول الله (ص) أن يجصص القبر وأن يبنى عليه. زاد وأن يقعد عليه الترمذي: وأن يكتب عليه، وأن يوطأ عليه. وقال: حديث حسن صحيح. اه‍. شرح البهجة. (قوله: بلا حاجة) متعلق ببناء، وخرج به ما إذا كانت حاجة فلا يكره. (قوله: كخوف نبش إلخ) تمثيل للحاجة. (قوله: ومحل كراهة البناء) أي لنفس القبر أو عليه. (قوله: إذا كان) أي البناء. (وقوله: بملكه) أي الباني. (قوله: فإن كان بناء نفس القبر إلخ) الاولى والاخصر أن يقول: وإلا بأن كان في مسبلة إلخ. (قوله: بغير حاجة مما مر) وهو خوف نبش، أو حفر سبع، أو هدم سيل. (قوله: أو نحو قبة) معطوف على نفس القبر، أي أو بناء نحو قبة على القبر، كتحويط عليه، وبناء المسجد أو دار. قال في التحفة: وهل من البناء ما اعتيد من جعل أربعة أحجار مربعة محيطة بالقبر مع لصق رأس كل منها برأس الآخر بجص محكم أو لا، لانه لا يسمى بناء عرفا ؟ والذي يتجه الاول، لان العلة السابقة من التأبيد موجودة فيه. اه‍. وقال سم: لا يبعد أن يستثنى عليه ما لو كان جعل الاحجار المذكورة لحفظه من النبش والدفن. اه‍. وقال البجيرمي: واستثنى بعضهم قبور الانبياء والشهداء والصالحين ونحوهم. برماوي. وعبارة الرحماني. نعم، قبور الصالحين يجوز بناؤها ولو بقية لاحياء الزيارة والتبرك. قال الحلبي: ولو في مسبلة، وأفتى به، وقد أمر به الشيخ الزيادي مع ولايته، وكل ذلك لم يرتضه شيخنا الشوبري، وقال: الحق خلافه. وقد أفتى العز بن عبد السلام بهدم ما في القرافة. اه‍. (قوله: بمسبلة) خبر كان، أي كائنا بمقبرة مسبلة للدفن فيها. (قوله: وهي) أي المسبلة. (قوله: عرف أصلها) من كونها كانت مملوكة فسبلت، أو مواتا وجعلوها مقبرة. (قوله: ومسبلها) أي واقفها. (قوله: أم لا) أي أم لم يعرف أصلها ومسبلها، بأن جهل ذلك. (قوله: أو موقوفة) معطوف على مسبلة، واعترض بأن الموقوفة هي المسبلة وعكسه. ويرد بأن تعريفها - أي المسبلة - يدخل مواتا اعتادوا الدفن فيه، فهذا يسمى مسبلا لا موقوفا. والعطف من عطف الخاص على العام. (قوله: حرم) جواب الشرط. قال سم: لا يبعد أن مثل البناء ما لو جعل عليه دارة خشب - كمقصورة - لوجود العلة أيضا. فليتأمل. اه‍. (قوله: وهدم جوبا) أي والهادم له الحاكم أي يجب على الحاكم هدمه دون الآحاد. وقال ابن حجر: ويبنغي أن لكل أحد هدم ذلك، ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للامام. اه‍. بجيرمي. (قوله: لانه يتأبد) أي لان البناء يستمر بعد بلاء الميت، فيحرم الناس تلك البقعة. (قوله: ففيه) أي البناء بسبب تأبيده. (قوله: بما لا غرض) أي شرعي. (وقوله: فيه) ضميره يعود على ما الواقعة على بناء. (قوله: وإذا هدم) أي البناء. (قوله: أو يخلى بينهما) أي بين الحجارة وأهلها. (قوله: وإلا فمال ضائع) أي وإن لم يعرفوا، فهو مال ضائع. (وقوله: وحكمه معروف) وهو أن الامر فيه لبيت المال إن انتظم، فإن لم ينتظم، فهو لصلحاء المسلمين، يصرفونه في وجوه الخير. وفي فتاوى ابن حجر ما نصه: (سئل) رضي الله عنه - هل يجوز لاحد الاخذ من حجارة القبور لسد فتح ولبناء قبر أم لا ؟ (فأجاب) بقوله: إن علم مالك تلك الاحجار فواضح أنه لا يجوز الاخذ منها إلا برضاه إن كان رشيدا، وإن جهل، فإن رجى ظهوره لم يجز أخذ شئ منها، وإن أيس من ظهوره فهي من جملة أموال بيت المال، فلمن له فيه حق الاخذ منها بقدر حقه. اه‍. (قوله: إذا بلي) هو بفتح فكسر، بمعنى أفنته الارض. (قوله: وأعرض ورثته عن الحجارة) أي المبني بها قبر مورثهم. (قوله: جاز

[ 138 ]

الدفن) جواب إذا. (وقوله: مع بقائها) أي الحجارة. (قوله: إذا جرت العادة بالاعراض عنها) فإن لم تجر العادة به لا يجوز الدفن مع بقائها. (قوله: كما في السنابل) أي سنابل الحصادين، فإنه يجوز أخذها إذا اعتاد أهلها الاعراض عنها. ومثلها برادة الحدادين، كما سيأتي توضيحه في فصل اللقطة. (قوله: كره وطئ عليه) أي مشى عليه برجله. (قال في المصباح: وطئته برجلي أطؤه، وطأ: علوته. اه‍. ومثله بالاولى الجلوس، وفي معناهما الاستناد إليه، والاتكاء عليه. والحكمة في ذلك توقير الميت واحترامه. وخرج بقوله عليه الوطئ: على ما بين المقابر - ولو بالنعل - فلا يكره. كما نص عليه في المغنى وعبارته: ولا يكره المشي بين المقابر بالنعل على المشهور، ولقوله (ص): إنه يسمع خفق نعالهم. وما ورد من الامر بإلقاء السبتيتين في أبي داود والنسائي بإسناد حسن، يحتمل أن يكون لانه من لباس المترفهين، أو أنه كان فيهما نجاسة. والنعال السبتية - بكسر السين - المدبوغة بالقرط. اه‍. (وقوله: أي على قبر مسلم) خرج به قبر الكافر، فلا كراهة فيه لعدم احترامه. قال م ر: والظاهر أنه لا حرمة لقبر الذمي في نفسه، لكن ينبغي اجتنابه لاجل كف الاذى عن أحيائهم إذا وجدوا. ولا شك في كراهة المكث في مقابرهم. (وقوله: ولو مهدرا) أي كتارك الصلاة، وزان محصن. (قوله: قبل بلاء) متعلق بوطئ، أي يكره الوطئ عليه إن كان قبل بلاء الميت، أما بعده، بأن مضت مدة يتيقن فيها أنه لم يبق من الميت شئ في القبر، فلا يكره. (قوله: إلا لضرورة) أي يكره ذلك عند عدم الحاجة، فإن وجدت فلا كراهة. (قوله: كأن لم يصل إلخ) تمثيل للضرورة. (وقوله: بدونه) أي الوطئ. (قوله: وكذا ما يريد زيارته) أي وكذلك لا يكره ما ذكر إذا لم يمكنه الوصول إلى قبر ميت يريد زيارته إلا به، ولو كان ذلك الميت غير قريب له. ومثله ما إذا لم يتمكن من الدفن إلا به، فلا يكره. (قوله: وجزم شرح مسلم) مبتدأ خبره جملة يرده. (وقوله: لخبر فيه) أي لخبر يدل على التحريم، وهو أنه (ص) قال: لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر. (قوله: كما بينته) أي هذا المراد. (وقوله: رواية أخرى) أي رواها ابن وهب في مسنده بلفظ: ومن جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط. (قوله: ونبش وجوبا إلخ) شروع في بيان حكم النبش بعد الدفن. (قوله: لغسل) متعلق بنبش، أي يجب لاجل غسل تداركا للواجب. (قوله: أو التيمم) أي أو لتيمم، لكن بشرطه. وهو فقد الماء أو الغاسل. (قوله: نعم، إن تغير) أي الميت، وهو استدراك من وجوب النبش بعد الدفن. (قوله: ولو بنتن) أي ولو كان التغير بنتن، ولا يشترط التقطع. (قوله: حرم) أي نبشه لذلك لما فيه من هتك الحرمة. (قوله: ولاجل إلخ) معطوف على الغسل. (وقوله: مال غير) بالاضافة، أي ونبش أيضا وجوبا لاجل تحصيل مال الغير ليصل لحقه، وإن تغير وإن غرم الورثة مثله أو قيمته. (قوله: كأن دفن في ثوب إلخ) تمثيل لنبشه لاجل مال الغير. (قوله: إن طلب المالك) أي ذلك الثوب أو الارض. فالمفعول محذوف. ويكره له ذلك - كما نقل عن النص - ويسن في حقه الترك. (قوله: ووجد ما يكفن أو يدفن فيه) أي ووجد ثوب يكفن فيه غير الثوب المغصوب، أو أرض يدفن فيها غير الارض المغصوبة. (قوله: وإلا لم يجز) أو وإن لم يطلب المالك ذلك ولم يوجد ما يكفن فيه، أو يدفن فيه غير ذلك الثوب أو الارض المغصوبين لم يجز النبش. قال ع ش: وعدم طلب المالك ذلك شامل لما لو سكت عن الطلب ولم يصرح بالمسامحة، فيحرم إخراجه. اه‍. بالمعنى. (قوله: أو سقط فيه) معطوف على دفن، أي وكأن سقط في القبر. (وقوله: متمول) قال في

[ 139 ]

التحفة: ولو من التركة وإن قل، وتغير الميت، ما لم يسامح مالكه أيضا. اه‍. (قوله: وإن لم يطلبه مالكه) غاية في وجوب النبش عند سقوط متمول، أي يجب النبش لاجل إخراج المتمول، وإن لم يطلبه مالكه، لان في إبقائه في القبر إضاعة مال. قال في النهاية: وقيده - أي وجوب النبش - في المهذب: بطلبه له. قال في المجموع: ولم يوافقوه عليه. ولو بلع مال غيره وطلبه مالكه ولم يضمن بدله أحد من ورثته أو غيرهم - كما نقله في الروضة عن صاحب العدة، وهو المعتمد - نبش، وشدق جوفه، وأخرج منه، ودفع لمالكه. فإن ابتلع مال نفسه فلا ينبش، ولا يشق، لاستهلاكه له حال حياته. اه‍. بحذف. (قوله: لا للتكفين) معطوف على الغسل، أي لا ينبش لاجل التكفين. وذلك لان الغرض منه الستر. وقد حصل بالتراب مع ما في نبشه من هتك الحرمة. (وقوله: ولا للصلاة) أي ولا ينبش لاجل الصلاة عليه إن دفن بغير صلاة، لانها تسقط بالصسلاة على القبر. (قوله: بعد إهالة التراب عليه) راجع للصورتين، فهو متعلق بالفعل المقدر، أي لا ينبش لما ذكر من التكفين والصلاة بعد إهالة التراب عليه، أي جعل التراب عليه، فإن لم يهل التراب عليه جاز إخراجه لما ذكر، لعدم انتهاك الحرمة حينئذ. (والحاصل) يحرم نبش الميت بعد دفنه إلا لضرورة، وهي كالصور المارة. وبقي صور للضرورة المجوزة للنبش غير ما ذكره المؤلف، منها: ما لو بشر إنسان بمولود، فقال إن كان ذكرا فعبدي حر، أو أنثى، فأمتي حرة، ودفن المولود قبل العلم بحاله، فينبش، ليعلم من وجدت صفته. أو قال: إن ولدت ذكرا فأنت طالق طلقة، أو أنثى فطلقتين، فولدت ميتا، ودفن، وجهل حاله فالاصح - في الزوائد - نبشه. أو ادعى شخص على ميت بعد دفنه أته امرأته، وأن هذا الولد ولده منها، وطلب إرثه منها. وادعت امرأة أنه زوجها، وأن هذا ولدها منه، وطلبت إرثها منه، وأقام كل بينه، فإنه ينبش، فإن وجد خنثى: قدمت بينة الرجل. أو لحق الميت سيل أو نداوة، فينبش لنقله. وقد نظم بعض تلك الصور الفقيه محمد بن عبد الولي بن جعمان في قوله: يحرم نبش الميت إلا في صور * * فهاكها منظومة ثنتي عشر من لم يغسل والذي قد بليا * * أي صار تربا وكذا إن ووريا في أرض أو ثوب كلاهما غصب * * أو بالع مال سواه وطلب أو خاتم ونحوه قد وقعا * * في القبر أو لقبلة ما أضجعا أو يدفن الكافر في أرض الحرم * * أو يتداعى اثنان ميتا يطم أو يلحق الميت سيل أو ندى * * أو من على صورته قد شهدا أو جوفها فيه جنين يرتجى * * حياته فواجب أن يخرجا أو قال إن كان جنينها ذكر * * فطلقة والضعف للانثى استقر فيدفن المولود قبل العلم * * بحاله هذا تمام النظم والحمد لله وصلى دائما * * على النبي أحمد وسلما والآل والصحب جميعا ما همى * * غيث ولاح البرق في جوالسما (قوله: في بطنها جنين) أي لم ترج حياته، بأن لم يبلغ ستة أشهر. وإنما قيدنا بذلك لاجل الغاية بعده، لانه لا يترك الدفن. وهو في بطن أمه إلى أن يتحقق موته إلا في هذه الحالة. أما إذا رجي حياته بقول القوابل لبلوغه ستة أشهر فأكثر، فيجب شق جوفها قبل الدفن ولا يؤخر الدفن، ويترك في بطن أمه حتى يموت، فإن دفنت قبل الشق وجب النبش والشق. (قوله: ويجب شق جوفها إلخ) أي لان مصلحة إخراجه أعظم من مفسدة انتهاك حرمتها. (قوله: والنبش له) أي للشق. (قوله: إن رجي حياته) أي الجنين، وهو قيد لوجوب الشق والنبش له. (وقوله: بقول القوابل) متعلق برجي.

[ 140 ]

(وقوله: لبلوغه إلخ) متعلق برجى أيضا. (قوله: فإن لم يرج حياته) أي لعدم بلوغه ستة أشهر. (قوله: حرم الشق) أي النبش لاجله إذا دفنت قبل تحقق موته. (قوله: لكن يؤخر الدفن حتى يموت) قال ع ش: أي ولو تغيرت، لئلا يدفن الحمل حيا. اه‍. (قوله: كما ذكر) أي في المتن بقوله: حتى يتحقق موته. (قوله: وما قيل) متبدأ، خبره غلط فاحش. وعبارة النهاية: وقول التنبيه ترك عليه شئ حتى يموت، ضعيف، بل غلط فاحش. فليحذر. اه‍. وكتب ع ش قوله: غلط فاحش، ومع ذلك لا ضمان فيه مطلقا، بلغ ستة أشهر أو لا لعدم تيقن حياته. اه‍. (قوله: وووري إلخ) لما أنهى الكلام على ما يتعلق بالميت الكبير، شرع في بيان حكم السقط. (قوله: أي ستر) تفسير لو ووري. (قوله: سقط) نائب فاعل ووري، وهو بتثليث السين، الولد النازل قبل تمام أشهره، فهو مأخوذ من السقوط بمعنى النزول. قال في المصباح: السقط: الولد - ذكرا كان أو أنثى - يسقط قبل تمامه وهو مستبين الخلق. يقال: سقط الولد من بطن أمه سقوطا، فهو سقط. والتثليث لغة. ولا يقال وقع. اه‍. (قوله: ودفن) معطوف على ووري. (قوله: وجوبا) مرتبط بكل من ووري ودفن، أي ووري وجوبا ودفن وجوبا. وحاصل ما أفاده كلامه فيه: أنه إذا انفصل قبل أربعة أشهر يكفن ويدفن وجوبا، وإن انفصل بعد أربعة أشهر فإن لم يختلج ولم يصح بعد انفصاله غسل، وكفن ودفن وجوبا، من غير صلاة عليه. وإن اختلج أو استهل بعد ذلك يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن وجوبا. والذي ذكره غيره أنه في الحالة الاولى لا يجب شئ، وإنما يندب الستر والدفن. وعبارة فتح الجواد مع الاصل: ووري أي ستر بخرقة سقط، بتثليث أوله. ودفن وجوبا فيهما إن وجب غسله، وإلا فندبا خلافا لما يوهمه كلامه. وخرج به العلقة والمضغة، فيدفنان ندبا من غير ستر. وعلم من قولي وإلا فندبا أن محل ندب ذينك ما إذا انفصل لدون أربعة أشهر، لانه حينئذ لا يجب غسله. كما أفاده قوله. وإذا انفصل لاربعة أشهر أي مائة وعشرين يوما، حد نفخ الروح فيه، غسل، وكفن، ودفن وجوبا مطلقا. ثم له حالان: فإن لم تظهر أمارة الحياة بنحو اختلاج، لم تجز الصلاة، أو ظهرت كأن اختلج أو تحرك بعد انفصاله صلى عليه، لقوله (ص): السقط يصلى عليه. وإناطة ما مر بالاربعة ودونها جري على الغالب من ظهور خلق الآدمي عندها، وإلا فالعبرة إنما هي بظهور خلقه وعدم ظهوره. فعلم أنه إن علمت حياته أو ظهرت أمارتها وجب الجميع، وإلا وجب ما عدا الصلاة إن ظهر خلقه، وإلا سن ستره ودفنه. اه‍. وعبارة النهاية: واعلم أن للسقط أحوالا: حاصلها أنه إن لم يظهر فيه خلق آدمي لا يجب شئ. نعم، يسن ستره بخرقة ودفنه. وإن ظهر فيه خلقه ولم تظهر فيه أمارة الحياة وجب فيه ما سوى الصلاة، أما هي فممتنعة - كما مر - فإن ظهر فيه أمارة الحياة فكالكبير. اه‍. ومثله في التحفة والمغنى. إذا علمت ذلك تعلم أن ما جرى عليه المؤلف في الحالة الاولى طريقة ضعيفة. (قوله: كطفل كافر) أي تبعا لابويه: أي فيجب ستره ودفنه. (قوله: ولا يجب غسلهما) أي السقط والطفل الكافر الذي نطق بالشهادتين. (قوله: وخرج بالسقط العلقة والمضغة) أي لانهما لا يسميان ولدا. والسقط هو الولد إلخ - كما مر - (قوله: فيدفنان) أي العلقة والمضغة. (قوله: ولو انفصل بعد أربعة أشهر) أي ولم يختلج أو يستهل بقرينة ما بعده سواء نزل بعد تمام أشهره أو قبله، على ما ذهب إليه ابن حجر، وذهب الجمال الرملي وأتباعه وكذلك الخطيب الشربيني، إلى أن النازل بعد تمام ستة أشهر ليس بسقط، فيجب فيه ما يجب في الكبير، سواء علمت حياته أم لا. ونقله في النهاية عن

[ 141 ]

إفتاء والده، وعليه تعريف السقط المار. (قوله: غسل، وكفن، ودفن وجوبا) أي ولا يصلى عليه. قال في التحفة: وفارقت الصلاة غيرها بأنها أضيق منه، لما مر أن الذمي يغسل ويكفن ويدفن ولا يصلى عليه. (قوله: فإن اختلج) أي المنفصل بعد أربعة أشهر. والاختلاج: التحرك. (وقوله: أو استهل) الاستهلال: رفع الصوت، الذي هو الصياح عند أهل اللغة. والاختلاج والاستهلال ليسا بقيد، بل المدار على العلم بحياته بأمارة مطلقا، سواء كانت مما ذكر من الاختلاج، أو الاستهلال، أو غيرهما كالتنفس. (قوله: بعد انفصاله) قال الكردي: قيد في الاختلاج فقط، وأما نحو الصياح: فهو يفيد يقين الحياة، وإن كان قبل تمام الانفصال بالنسبة لنحو الصلاة عليه، لانه أمارة ظهورها. اه‍. (قوله: صلى عليه) أي زيادة على ما مر من الغسل والتكفين والدفن. (وقوله: وجوبا) أي لاحتمال حياته بهذه الامارة الدالة عليها، وللاحتياط. (قوله: وأركانها إلخ) قد نظمها بعضهم في قوله: إذا رمت أركان الصلاة لميت * * فسبعة تأتي في النظام بلا امترا: فنيته، ثم القيام لقادر، * * وأربع تكبيرات، فاسمع وقررا وفاتحة، ثم الصلاة على النبي * * كذاك دعا للميت حقا كما ترى وسابعها التسليم يا خير سامع * * وذا نظم عبد الله يا عالم الورى هو ابن المناوي، وهو نجل لاحمد * * فيرجو الدعا ممن لذلك قد قرا (قوله: أحدها) أي السبعة. (قوله: نية كغيرها) أي كنية غير صلاة الجنازة، من الصلوات المفروضة، لا مطلقا لئلا شمل النفل المطلق، وهو يكفي فيه مطلق القصد للفعل فلا يصح التشبيه. (قوله: ومن ثم وجب إلخ) أي ومن أجل أن نيتها كغيرها وجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض. (قوله: من نحو اقترانها إلخ) بيان لما يجب في نية سائر الفروض. واندرج تحت نحو القصد والتعيين. (والحاصل) شروط نية الفرض الثلاثة تشترط في نية صلاة الجنازة، وهي: القصد، والتعيين لصلاة الجنازة، ونية الفرضية. ويسن أيضا فيها ما يسن في غيرها: كالاضافة إلى الله تعالى، وذكر الاستقبال، والعدد. (قوله: وإن لم يقل فرض كفاية) غاية لمقدر مرتبط بالتعرض للفرضية، أي يكفي مطلق التعرض للفرضية، وإن لم يقل فرض كفاية. كما يكفي نية الفرض في إحدى الخمس، وإن لم يقل فرض عين. وقيل: يشترط نية فرض الكفاية، تعرضا لكمال وصفها. (قوله: ولا يجب تعيين الميت) أي مطلقا، غائبا أو حاضرا، فإن عين الميت وأخطأ كأن صلى على زيد، أو على الكبير، أو الذكر من أولاده، فبان عمرا، أو الصغير أو الانثى، بطلت صلاته، هذا إن لم يشر، فإن أشار إليه صحت صلاته تغليبا للاشارة، ويلغو تعيينه. (قوله: بل الواجب أدنى مميز) أي بل الواجب في تعيينه أن يميز عن غيره بأدنى مميز. (قوله: فيكفي إلخ) تفريع على أدنى مميز. (قوله: على هذا الميت) أي أو على من صلى عليه الامام، أو على من حضر من أموات المسلمين. (قوله: قال جمع يجب تعيين الميت إلخ) ووجهه الاصبحي بأنه لا بد في كل يوم من الموت في أقطار الارض وهم غائبون فلا بد من تعيين الذي يصلي عليه منهم. ورده في التحفة فقال: واستثناء جمع الغائب فلا بد من تعيينه بالقلب. أي باسمه ونسبه، وإلا كان استثناؤهم فاسدا يرده تصريح البغوي الذي جزم به الانوار وغيره، بأنه يكفي فيه أن يقول: على من صلى عليه الامام، وإن لم يعرفه. ويؤيده - بل يصرح به - قول جمع، واعتمده في المجموع، وتبعه أكثر المتأخرين، بأنه لو صلى على من مات اليوم في أقطار الارض ممن تصح الصلاة عليه، جاز، بل ندب. قال في المجموع: لان معرفة أعيان الموتى وعددهم ليست شرطا،

[ 142 ]

ومن ثم عبر الزركشي بقوله: وإن لم يعرف عددهم، ولا أشخاصهم، ولا أسماءهم. فالوجه أنه لا فرق بينه وبين الحاضر. (وقوله: بنحو اسمه) يفيد أنه يكفي التعيين باسمه فقط، أو نسبه فقط. وصريح عبارة التحفة المارة آنفا يقضي أنه يجمع بينهما. (قوله: وثانيها) أي السبعة الاركان. (قوله: قيام) إنما وجب فيها لانها فرض كالخمس، وإلحاقها بالنفل في التيمم لا يلزم منه ذلك هنا، لان القيام هو المقوم لصورتها، ففي عدمه محو لصورتها بالكلية. (قوله: لقادر عليه) أي على القيام. وفي المغني: وقيل: يجوز القعود مع القدرة - كالنوافل - لانها ليست من الفرائض الاعيان. وقيل: إن تعينت وجب القيام، وإلا فلا. اه‍. (قوله: فالعاجز إلخ) محترز قوله لقادر عليه. (وقوله: يقعد) أي إن قدر على القعود. (وقوله: ثم يضطجع) أي إن لم يقدر على القعود والاضطجاع يكون على جنبه الايمن، ثم الايسر، فإن عجز عن الاضطجاع استلقى على ظهره، فإن عجز أومأ برأسه إلى الاركان، فإن عجز أجرى الاركان على قلبه، كما مر في مبحث القيام في باب الصلاة. (قوله: وثالثها) أي السبعة الاركان. (قوله: مع تكبيرة التحرم) أي فهي أحد الاربع. (قوله: للاتباع) هو ما رواه الشيخان عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه (ص) صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعا. (قوله: فإن خمس) أي أتى بخمس تكبيرات. وعبارة التحفة مع الاصل: فإن خمس أو سدس مثلا عمدا ولم يعتقد البطلان، لم تبطل صلاته في الاصح، وإن نوى بتكبيرة الركنية، وذلك لثبوته في صحيح مسلم، ولانه ذكر وزيادته ولو ركنا لا تضر، كتكرير الفاتحة بقصد الركنية. اه‍. ولو خمس مثلا إمامه يندب للمأموم أن لا يتابعه، لان ما فعله غير مشروع عند من يعتد به، بل يسلم، أو ينتظره ليسلم معه، وهو الافضل، لتأكد المتابعة. وفي ع ش ما نصه: لو زاد الامام وكان المأموم مسبوقا فأتى بالاذكار الواجبة في التكبيرات الزائدة، كأن أدرك الامام بعد الخامسة فقرأ، ثم لما كبر الامام السادسة كبرها معه وصلى على النبي (ص)، ثم لما كبر السابعة كبرها معه ثم دعا للميت، ثم لما كبر الثامنة كبرها معه وسلم معه، هل يحسب له ذلك وتصح صلاته، سواء علم أنها زائدة أو جهل ذلك، ويفرق بينها وبين بقية الصلوات حيث تحسب الركعة الزائدة للمسبوق إذا أدرك القراءة فيها وكان جاهلا، بخلاف ما إذا كان عالما بزيادتها بأن هذه الزيادة هنا جائزة للامام مع علمه وتعمده، بخلافها هناك، أو يتقيد الجواز هنا بالجهل كما هناك ؟ فيه نظر. فليحرر. ومال م ر للاول. فليحرر. اه‍. سم على منهج. (قوله: ويسن رفع يديه إلخ) أي وإن اقتدى بمن لا يرى الرفع، كالحنفي فيما يظهر، لان ما كان مسنونا عندنا لا يترك، للخروج من الخلاف وكذا لو اقتدى به الحنفي، أي للعلة المذكورة. فلو ترك الرفع كان خلاف الاولى، على ما هو الاصل في ترك السنة، إلا ما نصو فيه على الكراهة. اه‍. ع ش: (قوله: ووضعها إلخ) أي ويسن وضع يديه تحت صدره كغيرها من الصلوات. (قوله: ورابعها) أي السبعة الاركان. (قوله: فاتحة) أي قراءتها، لخبر: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. ولخبر البخاري: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأ بها في صلاة الجنازة، وقال: لتعلموا أنها سنة - أي طريقة شرعية - وهي واجبة. (قوله: فبدلها) أي فإن عجز عن الفاتحة قرأ بدلها من القرآن، ثم الذكر. (قوله: فوقوف بقدرها) أي فإن عجز عن البدل وقف بقدر الفاتحة. قال سم: انظر هل يجري نظير ذلك في الدعاء للميت، حتى إذا لم يحسنه وجب بدله، فالوقوف بقدره، وعلى هذا فالمراد ببدله قراءة أو ذكر من غير ترتيب بينهما أو معية ؟ فيه نظر، والمتجه الجريان. اه‍. وقال ع ش: والمراد بالدعاء المعجوز عنه ما يصدق عليه اسم الدعاء، ومنه: اللهم اغفر له أو ارحمه، فحيث قدر على ذلك أتى به. اه‍. (قوله: والمعتمد أنها) أي الفاتحة. (وقوله: تجزئ بعد غير الاولى) أي بعد غير التكبيرة الاولى من الثانية وما بعدها. قال سم: فيه أمران: الاول: أنه شامل لما إذا أتى بها بعد الرابعة أو بعد زيادة تكبيرات كثيرة، وهو ظاهر الثاني: أنه لا فرق في أجزائها بعد غير الاولى بين المسبوق والموافق، فللمسبوق الذي لم يدرك إلا ما يسع بعضها، سواء شرع فيه أو لا، تأخيرها لما بعد الاولى، ويحتمل

[ 143 ]

أنه لا يجب إلا قدر ما أدركه لانه الذي خوطب به أصالة ولعل هذا أوجه. ولكن إذا أخرها يتجه أن تجب بكمالها، لانها في غير محلها لا تكون إلا كاملة، بخلاف ما لو أراد فعلها في محلها فكبر الامام الثانية قبل أن يأتي بقدر ما أدركه. لا يلزمه زيادة عليه، كما لو ركع إمام بقية الصلوات لا يلزم المسبوق إلا قدر ما أدركه. اه‍. (قوله: خلافا للحاوي) اسم كتاب للماوردي. (قوله: كالمحرر) هو للرافعي، وهو أصل المنهاج. (قوله: وإن لزم عليه إلخ) غاية في الاجزاء أي تجزئ القراءة بعد غير التكبيرة الاولى، وإن لزم على إجزائها بعده جمع ركنين، الفاتحة ونحو الصلاة على النبي (ص) في تكبيرة واحدة. (قوله: وخلو الاولى عن ذكر) أي ولزم عليه خلو التكبيرة الاولى عن ذكر، أي قراءة. (قوله: ويسن إسرار) أي ولو ليلا، لما صح عن أبي أمامة أنه من السنة. (قوله: بغير التكبيرات والسلام) أي من الفاتحة، والصلاة على النبي (ص)، والدعاء للميت. (قوله: وتعوذ) بالرفع، معطوف على إسرار. أي ويسن تعوذ، لكونه سنة للقراءة فاستحب، كالتأمين. ويسر به قياسا على سائر الصلوات. (قوله: وترك افتتاح وسورة) أي ويسن تركهما لطولهما. وفي البجيرمي: ينبغي أن المأموم إذا فرغ من الفاتحة قبل إمامه تسن له السورة لانها أولى من وقوفه ساكنا، قاله في الايعاب. قال الشيخ: أي ومن الدعاء للميت، إذ الاولى ليست محل طلب الدعاء له. تأمل. اه‍. (قوله: إلا على غائب أو قبر) أي إلا في الصلاة على ميت غائب عن البلد أو ميت في قبر فيأتي بهما فيها، لانتفاء المعنى الذي شرع له التخفيف، وهو خوف نحو التغير. والمعتمد عند الجمال الرملي - تبعا لوالده والخطيب - عدم الاستثناء، فلا يسن الاتيان بهما مطلقا عندهما. واضطرب كلام ابن حجر في التحفة، ففي هذا الباب ذكر الاستثناء المذكور، وفي باب الصلاة لم يذكر، بل صرح بالتعميم، وعبارته هناك مع الاصل: ويسن - وقيل يجب بعدم التحرم بفرض أو نفل ما عدا صلاة الجنازة، ولو على غائب أو قبر، على الاوجه - دعاء الافتتاح. اه‍. (قوله: وخامسها) أي السبعة الاركان. (قوله: صلاة على النبي (ص)) وذلك لفعل السلف والخلف، ولقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة لمن لم يصل علي فيها، ولانه أرجى للاجابة. (قوله: بعد تكبيرة ثانية) متعلق بمحذوف صفة لصلاة. (قوله: أي عقبها) أفاد به أن المراد بالبعدية: العقبية. (قوله: فلا تجزئ) أي الصلاة في غير الثانية، بل تتعين، لما مر فيها، وإنما لم تتعيبن الفاتحة في الاولى وتعينت الصلاة في الثانية والدعاء في الثالثة، لان القصد بالصلاة الشفاعة والدعاء للميت، والصلاة على النبي (ص) وسيلة لقبوله، ومن ثم: سن، الحمد قبلها - كما يأتي - فتعين محلهما الواردان فيه عن السلف والخلف إشعارا بذلك، بخلاف الفاتحة فلم يتعين لها محل، بل يجوز خلو الاولى عنها وانضمامها إلى واحدة من الثلاث إشعارا أيضا بأن القراءة دخيلة في هذه الصلاة، ومن ثم لم تسن فيها لسورة، أفاده في التحفة: (قوله: ويندب ضم السلام إلخ) عبارة التحفة مع الاصل: والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب كغيرها، بل أولى، لبنائها على التخفيف. نعم تسن، وظاهر أن كيفية صلاة التشهد السابقة أفضل هنا أيضا، وأنه يندب ضم السلام للصلاة - كما أفهمه قولهم. ثم إنما لم يحتج إليه لتقدمه في التشهد، وهنا لم يتقدم، فليسن خروجا من الكراهة. ويفارق السورة بأنه لا حد لكمالها، فلو ندبت لادت إلى ترك المبادرة المتأكدة، بخلاف هذا. اه‍. وقوله: ثم أي في مبحث الصلاة على الآل في أركان الصلاة. وقوله لتقدمه: أي السلام. وقوله: في التشهد: أي في قوله السلام عليك أيها النبي. (قوله: والدعاء) بالرفع معطوف على ضم أي ويندب الدعاء لمن ذكر. (وقوله: عقبها) أي الصلاة على النبي (ص)، (وقوله: والحمد قبلها) بالرفع أيضا. عطف على ضم. أي ويندب الحمد قبل الصلاة. (قوله: وسادسها) أي السبعة الاركان. (قوله: دعاء لميت) أي لانه المقصود الاعظم من الصلاة، وما قبله مقدمة له. ويكفي في الدعاء ما ينطلق عليه الاسم، ولا بد أن يكون بأخروي، كاللهم اغفر له، أو اللهم ارحمه، أو اللهم الطف

[ 144 ]

به. فلا يكفي الدعاء بدنيوي، إلا أن يؤل إلى أخروي: كاللهم اقض دينه. (قوله: بخصوصه) أي الميت، لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء. فلا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، وإن كان يندرج فيهم، وقيل: يكفي ويندرج فيهم. وقيل: لا يجب الدعاء مطلقا. (قوله: ولو طفلا) أي فإنه لا يدعى له بخصوصه. قال في التحفة: لانه وإن قطع له بالجنة تزيد مرتبته فيها بالدعاء له - كالانبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. ثم رأيت الاذرعي قال: يستثنى غير المكلف، فالاشبه عدم الدعاء له. وهو عجيب منه ثم رأيت الغزي نقله عنه وتعقبه بأنه باطل، وهو كما قال. اه‍. وكتب البجيرمي: قوله باطل إن حمل على إخلاء التكبيرة الثالثة من الدعاء له أو لوالديه فهو باطل، لان الصلاة تبطل بذلك. وإن حمل على أنه لا يتعين الدعاء للصغير، بل يجوز أن يدعى له أو لوالديه، فليس بباطل. اه‍. (قوله: بعد ثالثة) متعلق بدعاء، أي الدعاء يكون بعد التكبيرة الثالثة. (قوله: فلا يجزئ) أي الدعاء. (وقوله: بعد غيرها) أي الثالثة. (وقوله: قطعا) أي بلا خلاف. قال في المجموع: وليس لتخصيص ذلك إلا مجرد الاتباع. اه‍. (قوله: ويسن أن يكثر من الدعاء له) أي للميت. ومحله حيث لم يخش تغير الميت، وإلا وجب الاقتصار على الواجب. (قوله: ومأثوره) أي الدعاء، أي الوارد منه. (وقوله: أفضل) أي من غير المأثور. (وقوله: وأولاه) أي المأثور. (قوله: وهو) أي ما رواه مسلم. (قوله: اللهم اغفر له) (واعلم) أن الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجود ذنب، بل قد يكون بزيادة درجات القرب، كما يشير إليه استغفاره (ص) في اليوم والليلة مائة مرة. اه‍. ابن حجر. (قوله: واعف عنه) أي ما صدر منه. (فإن قلت): ما الفرق بين العفو والمغفرة ؟ (فالجواب) أن بين مفهوميهما بحسب الوضع عموما وخصوصا، فإن المغفرة من الغفر، وهو الستر. والعفو المحو، ولا يلزم من الستر المحو، وعكسه. كأن يحاسبه بذنب على رؤس الاشهاد، ثم يعفو عنه، أو يستره، ويجازيه عليه. أما بالنظر لكرم الله فهو إذا ستر عفا. فبينهما عموم وخصوص مطلق. اه‍. بجيرمي. (وقوله: عافه) أي اعطه من النعم ما يصير به كالصحيح في الدنيا. (وقوله: وأكرم نزله) أي أعظم ما يهيأ له في الآخرة من النعيم. وفي المختار: والنزل بوزن القفل. ما يهيأ للنزيل. والجمع: الانزال. اه‍. وفي المصباح: والنزل، بضمتين: طعام النزيل الذي يهيأ له. وفي التنزيل: هذا نزلهم يوم الدين اه‍ ع ش. (قوله: ووسع مدخله) مصدر ميمي بمعنى المكان، أي قبره، ويوسع له بقدر مد البصر إن لم يكن غريبا، وإلا فمن محل دفنه إلى وطنه. والقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. (قوله: واغسله) أي الميت. (قوله: والثلج والبرد) ذكرهما تأكيدا ومبالغة في الطهارة لانهما ما أن مقطوران على أصل خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الايدي، ولا خاضتهما الارجل، كسائر المياه التي خالطها التراب، وجرت في الانهار، وجمعت في الحياض. (قوله: ونقه) أي طهره. وهذه الجملة كالتفسير لما قبلها، إذ المراد من غسله بالماء تطهيره من الخطايا والذنوب. (قوله: وأبدله دارا خيرا من داره) وهي الجنة. قال تعالى: * (وللدار الآخرة خير للذين يتقون) * وقال تعالى: * (والآخرة خير وأبقى) *. (وقوله: وأهلا إلخ) سيذكر المراد بإبدال من ذكر. (قوله: وأعذه من عذاب القبر) أي احفظه وآمنه منه. (قوله: وفتنته) أي القبر. وهي في الاصل الامتحان والاختبار، والمراد بها هنا سؤال الملكين الفتانين. والحفظ منها يكون بإعانته على التثبيت في الجواب. (قوله: ويز يد عليه) أي على الدعاء المار. ومحله حيث لم يخش تغير الميت بالاتيان به، وإلا اقتصر على الاول. (قوله: اللهم اغفر لحينا وميتنا إلخ) أي وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا

[ 145 ]

فأحيه على الاسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده. (قوله: ويقول في الطفل) أي الذي أبواه مسلمان. (وقوله: مع هذا) أي الثاني، وهو: اللهم اغفر لحينا وميتنا إلخ. وظاهر صنيعه يقتضي أنه لا يأتي بالاول - أعني اللهم اغفر له وارحمه - وحينئذ يعارضه قوله أولا دعاء لميت بخصوصه ولو طفلا مع قوله الآتي قال شيخنا إلخ، فإنهما صريحان في أنه لا يكفي ذلك. ويمكن أن يقال إن المراد بقوله مع هذا، أي زيادة على الدعاء له بخصوصه. كأن يقول قبيل قوله اللهم اجعله فرطا إلخ: اللهم اغفر له وارحمه. وهذا كله بناء على ما جرى عليه المؤلف تبعا لشيخه ابن حجر. أما على ما جرى عليه الخطيب والرملي فيكفي: اللهم اجعله فرطا إلخ. ولا يشترط عندهما الدعاء له بخصوصه صراحة. فتنبه. (قوله: فرطا لابويه) أي سابقا مهيئا لمصالحهما في الآخرة، ومن ثم قال (ص): أنا فرطكم على الحوض وسواء مات في حياتهما، أم بعدهما، أم بينهما. اه‍. تحفة. (قوله: وسلفا وذخرا) أي سابقا عليهما مذخرا لهما. فشبه تقدمه لهما بشئ نفيس يكون أمامهما مذخرا إلى وقت حاجتهما له بشفاعته لهما - كما صح ذلك. (فائدة) يقرأ الذخر هنا بالذال المعجمة، لان الافصح أن ما كان مؤخرا في الآخرة يقرأ بالذال المعجمة، وما كان في الدنيا يقرأ بالدال المهملة. ومن الثاني قوله تعالى: * (وما تدخرون في بيوتكم) * ومن الاول قول الشاعر: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * * ذخرا يكون كصالح الاعمال (قوله: وعظة واعتبارا) أي واعظا ومعتبرا يتعظان ويعتبران به حتى يحملهما ذلك على صالح الاعمال. (قوله: وثقل به) أي بالطفل. والمراد بثواب الصبر على فقده أو الرضا عليه. (قوله: وأفرغ الصبر على قلوبهما) أي أبويه. وهذا كاللذين قبله لا يتأتى إلا في الحيين. وقد ورد في الصبر بموت الولد فضل كثير. منه ما ذكره ابن حبان في صحيحه: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال ؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد والاسترجاع. وورد: لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم. أي * (وإن منكم إلا واردها) * الآية. والمختار أنه المرور على الصراط. وقد ورد أن الولد يشفع لابويه، ويوجه بأنه لما لم يكن عليه ذنب أشبه العلماء والشهداء، فإن لهم حظا في الشفاعة، فليكن هذا أولى. لكن صح: كل غلام مرتهن بعقيقته. الحديث. وفسره أحمد وغيره بأن من لم يعق عليه لم يشفع لوالديه. واستحسنه الخطابي فقال: لمن يرجو شفاعة ولده أن يعق عنه ولو بعد موته. اه‍. ملخصا. من شرح العباب. اه‍. بيجرمي. (قوله: ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره) قال في التحفة: وإتيان هذا في الميتين صحيح، إذ الفتنة يكنى بها عن العذاب. وذلك لورود الامر بالدعاء لابويه بالعافية والرحمة، ولا يضر ضعف سنده، لانه في الفضائل. اه‍. وقوله: إذ الفتنة يكنى بها عن العذاب. قال سم: لينظر حينئذ معنى بعده. اه‍. (قوله: مغنيا عن الدعاء له) أي للطفل. (قوله: لانه) أي قوله: اللهم اجعله فرطا إلخ. (قوله: دعاء باللازم) أي دعاء للطفل باللازم. وذلك لانه يلزم من الدعاء بجعله فرطا إلخ، أي سابقا مهيئا لمصالحهما الدعاء بأن الله يرفع قدر هذا الطفل ويشرفه ويرحمه، وذلك لانه لا يكون الطفل كذلك إلا إن كان شريفا عند الله، عظيم القدر. (قوله: وهو لا يكفي) أي الدعاء باللازم، لا بالصراحة، لا يغني عن

[ 146 ]

الدعاء له بالخصوص. وخالف م ر فقال: يكفي الطفل هذا الدعاء، ولا يعارضه قولهم لا بد من الدعاء للميت بخصوصه - كما مر - لثبوت هذا بالنص بخصوصه. اه‍. ومثله الخطيب. (قوله: لانه إلخ) علة لعدم الاكتفاء بالدعاء باللازم. (قوله: إذا لم يكف الدعاء له) أي للطفل. (وقوله: بالعموم) أي كقوله اللهم اغفر لحينا وميتنا، أو كقوله اللهم اغفر لجميع أموات المسلمين. (وقوله: الشامل كل فرد) أي الصادق بالطفل وغيره. (قوله: فأولى هذا) أي عدم الاكتفاء بالدعاء باللازم. قال سم: قد تمنع الاولوية، بل المساواة، لان العموم لم يتعين لتناوله، لاحتمال التخصيص، بخلاف هذا. فليتأمل. ولا يخفى أن قول المصنف الآتي: ويقول في الطفل مع هذا الثاني. إلخ إن لم يكن صريحا، كان ظاهرا في الاكتفاء بذلك. فتأمله. اه‍. (قوله: ويؤنث الضمائر في الانثى) كأن يقول: اللهم اغفر لها وارحمها إلخ، اللهم اجعلها فرطا لابويها. إلخ. (قوله: ويجوز تذكيرها) أي الضمائر في الانثى. (وقوله: بإرادة الميت أو الشخص) يعني أنه إذا ذكر الضمير وكان الميت أنثى، جاز ذلك بتأويلها بالشخص أو بالميت. أي اللهم اغفر له، أي هذا الميت، أو الشخص، أي أو الحاضر. (قوله: ويقول في ولد الزنا إلخ) أي لانه لا ينسب إلى أب، وإنما ينسب إلى أمه. (قوله: والمراد بالابدال إلخ) أي في قوله وأبدله. وعبارة التحفة: وظاهر أن المراد بالابدال في الاهل والزوجة، إبدال الاوصاف لا الذوات، لقوله تعالى: * (ألحقنا بهم ذرياتهم) * (1) ولخبر الطبراني وغيره: إن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين. ثم رأيت شيخنا، قال: وقوله وزوجا خيرا من زوجة: لمن لا زوجة له - يصدق بتقديرها له أن لو كانت له. وكذا في المزوجة، إذ قيل إنها لزوجها في الدنيا يراد بإبدالها زوجا خيرا من زوجها ما يعم إبدال الذوات وإبدال الصفات. اه‍. وإرادة إبدال الذات مع فرض أنها لزوجها في الدنيا فيه نظر. وكذا قوله إذ قيل كيف وقد صح الخبر به. وهو: إن المرأة لآخر أزواجها روته أم الدرداء لمعاوية لما خطبها بعد موت أبي الدرداء. ويؤخذ منه أنه فيمن مات وهي في عصمته ولم تتزوج بعده، فإن لم تكن في عصمة أحدهم عند موته احتمل القول بأنها تخير، وأنها للثاني. ولو مات أحدهم وهي في عصمته، ثم تزوجت وطلقت ثم ماتت، فهل هي للاول أو الثاني ؟ ظاهر الحديث أنها للثاني. وقضية المدرك أنها للاول، وأن الحديث محمول على ما إذا مات الآخر وهي في عصمته. وفي حديث رواه جمع لكنه ضعيف: المرأة منا ربما يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة، لايهما هي ؟ قال: لاحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا. اه‍. وكتب السيد عمر البصري ما نصه: قوله وظاهر أن المراد بالابدال إلخ: قد يقال ما يأتي في إلحاق الذرية والزوجة إنما هو في الجنة، والغرض الآن الدعاء له بما يزيل الوحشة عنه عقب الموت في عالم البرزخ بالتمتع بنحو الحور ومصاحبة الملك، كما ورد ثبوت ذلك للاخبار. فلا مانع أن يراد بالابدال الابدال في الذوات فقط، ويحمل على ما تقرر فيها وفي الصفات، فيشمل ما في الجنة أيضا. فليتأمل. اه‍. (قوله: وسابعها) أي السبعة. الاركان. (قوله: سلام كغيرها) أي كسلام غير صلاة الجنازة من الصلوات في الكيفية، كالالتفات في التسليمة الاولى على يمينه، وفي الثانية على اليسار. وفي العدد، ككونه تسليمتين. (قوله: بعد


(1) الطور: 21.

[ 147 ]

رابعة) أي بعد التكبيرة الرابعة. والظرف متعلق بمحذوف صفة السلام. (قوله: ولا يجب في هذه) أي التكبيرة الرابعة، أي بعدها. (قوله: ذكر) فاعل يجب. (قوله: غير السلام) صفة لذكر. (قوله: لكن يسن إلخ) استدراك من نفي وجوب ذكر غيره الموهم عدم سنيته أيضا. (قوله: اللهم لا تحرمنا) بفتح التاء وضمها، من حرمه وأحرمه، والاولى أفصح. (قوله: أي أجر الصلاة عليه) أفاد به أن بين أجر وما أضيف إليه - وهو ضمير الميت - مضافا محذوفا ومتعلقة (قوله: واغفر لنا وله) أي ولو كان طفلا لان المغفرة لا تستدعي سبق ذنب، ولا بأس بزيادة، وللمسلمين. (قوله: ولو تخلف) أي المقتدي. (قوله: بلا عذر) يفيد أن التخلف بتكبيرة مع العذر - كنسيان، وبطء قراءة، وعدم سماع تكبير، وجهل - يعذر به لا يبطل، بخلاف التخلف بتكبيرتين، ولا يتحقق التخلف بذلك إلا إذا شرع في الرابعة وهو في الاولي، فإنه يبطل، وهذا ما جرى عليه الجمال الرملي. وجرى شيخ المؤلف حجر على عدم البطلان مطلقا، قال: لانه لو تخلف بجميع الركعات ناسيا لم يضر، فهذا أولى. وعبارته: أما إذا تخلف بعذر كنسيان، وبطء قراءة، وعدم سماع تكبير، وكذا جهل عذر به - فيما يظهر - فلا بطلان، فيراعي نظم صلاة نفسه. اه‍. (قوله: حتى شرع إمامه في أخرى) في تكبيرة أخرى، بأن شرع الامام في الثالثة والمأموم في الاولى، أو شرع في الرابعة والمأموم في الثانية. وأفهم قوله في أخرى عدم بطلانها، فيما لو لم يكبر الرابعة حتى سلم الامام. وهو كذلك عند م ر. وعبارة التحفة: وخرج بحتى كبر: ما لو تخلف بالرابعة حتى سلم. لكن قال البارزي: تبطل أيضا. وأقره الاسنوي وغيره لتصريح التعليل المذكور بأن الرابعة كركعة، ودعوى المهمات أن عدم وجوب ذكر فيها ينفي كونها كركعة ممنوعة إلخ. اه‍. وقوله التعليل المذكور. هو ما سأصرح به قريبا. (وقوله: بطلت صلاته) جواب لو، وذلك لان المتابعة لا تظهر في هذه الصلاة إلا بالتكبيرات، فيكون التخلف بها فاحشا، كالتخلف بركعة (قوله: ولو كبر إمامه) أي المسبوق. والاولى إظهاره هنا، وإضماره فيما بعد. (قوله: قبل قراءة المسبوق الفاتحة) أي كلها أو بعضها. (قوله: تابعه) أي تابع المسبوق الامام. (وقوله: في تكبيره) أي في التكبير الذي تلبس به الامام. (قوله: سقطت القراءة عنه) أي كلها أو بعضها أيضا. قال في التحفة: وهذا إنما يأتي على تعين الفاتحة عقب الاولى، كذا قيل. وقد يقال: بل يأتي على ما صححه المصنف أيضا، لانها وإن لم تتعين لها هي منصرفة إليها، إلا أن يصرفها عنها بتأخيرها إلى غيرها، فجرى السقوط نظرا لذلك الاصل. اه‍. وفي سم: لو أحرم قاصدا تأخير الفاتحة إلى ما بعد الاولى، فكبر الامام أخرى قبل مضي زمن يمكن فيه قراءة شئ من الفاتحة، فهل تسقط عنه الفاتحة لانه مسبوق حقيقة ولا اعتبار بقصده تأخيرها بعد عدم تمكنه من شئ منها ؟ أو لا، لان قصد تأخيرها، صرفها عن هذا المحل ؟ فيه نظر. وكذا يقال: لو تمكن بعد إحرامه من قراءة بعضها فقط، فهل يؤثر قصد تأخيرها سواء قرأ ما تمكن منه أو لا ؟ أو كيف الحال ؟ فيه نظر. فليتأمل فيه، فإنه لا يبعد السقوط في الاولى، ولا اعتبار بقصده المذكور. وكذا في الثانية حيث قرأ ما تمكن. اه‍. (قوله: وإذا سلم الامام تدارك المسبوق) قال البجيرمي: المراد به من لم يوافق الامام من أول الصلاة. اه‍. (وقوله: ما بقي عليه) أي من التكبيرات. (وقوله: مع الاذكار) أي أذكار تلك التكبيرات، وجوبا في الواجب، وندبا في المندوب. وفي قول: لا تشترط الاذكار، فيأتي بها نسقا، لان الجنازة ترفع حينئذ. قال في التحفة: وجوابه - أي التعليل - أنه يسن إبقاؤها حتى يتم المقتدون، وأنه لا يضر رفعها والمشي بها. قبل إحرام المصلى وبعده، وإن حولت عن القبلة، ما لم يزد ما بينهما على ثلثمائة ذراع، أو يحل بينهما حائل مضر في غير المسجد. اه‍. (قوله: ويقدم في الامامة) لما أنهى الكلام على أركان الصلاة شرع يتكلم على من هو الاولى والاحق بالامامة من الاقارب. (قوله: ولو امرأة) أي ولو كان الميت امرأة. (قوله: أب إلخ) (واعلم) أن من ذكر يقدم على غيره، ولو السلطان أو إمام

[ 148 ]

المسجد، ولو أوصى الميت بتقديمه، وذلك لانها حقه. وما ورد من أن أبا بكر وصى أن يصلي عليه عمر فصلى، وأن عمر وصى أن يصلي عليه صهيب فصلى، وأن عائشة وصت أن يصلي عليها أبو هريرة فصلى، وأن ابن مسعود وصى أن يصلي عليه الزبير فصلى. ووقع لجماعة من الصحابة ذلك، محمول على أن أولياءهم أجازوا الوصية، وهذا هو الجديد عندنا. أما القديم: فيقدم الوالي، ثم إمام المسجد، ثم الولي - كسائر الصلوات - وهو مذهب الائمة الثلاثة. والفرق - على الجديد - أن المقصود من الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت، ودعاء القريب أقرب إلى الاجابة لتألمه وانكسار قلبه. ومحل الخلاف: إذا لم يخش الفتنة من الوالي، وإلا قدم قطعا. ولو غاب الولي الاقرب قدم الولي الابعد، سواء كانت غيبته قريبة أو بعيده. (قوله: أو نائبه) أي نائب الاب، فيقدم على غيره من الاقارب، وكذلك نائب كل ممن بعد الاب يقدم على غيره ممن له الاستحقاق. (قوله: فأبوه) أي الاب، أي فإن فقد الاب ونائبه، قدم أبو الأب، أي وإن علا. (قوله: ثم ابن فابنه) أي فإن فقد ممن ذكر قدم ابن الميت، ثم ابنه وإن سفل. (قوله: ثم أخ لابوين) أي ثم إذا فقد من ذكر يقدم الاخ الشقيق. (قوله: فلاب) أي فإذا فقد الاخ الشقيق قدم الاخ الاب، وأما الاخ للام فهو هنا من ذوي الارحام، فلا يقدم هنا على من بعد الاخ. (قوله: ثم ابنهما) أي ابن الاخ لابوين، وابن الاخ لاب، ويقدم الاول على الثاني لان كلا في مرتبة أبيه. (قوله: ثم العم كذلك) أي لابوين أو لاب، ويقدم الاول على الثاني: (قوله: ثم سائر العصبات) أي من النسب، ويرتبن أيضا، فيقدم ابن العم لابوين، ثم لاب، ثم عم الاب، ثم ابن عمه، ثم عم الجد، ثم ابن عمه. وهكذا. (قوله: ثم معتق) أي ذكر، لان المرأة لا حق لها في الامامة. وأسقط الشارح مرتبة قبل ذوي الارحام، وهم عصبة المعتق. ويقدم منها عصبته النسبية، ثم معتق المعتق، ثم عصبته النسبية. وهكذا. (قوله: ثم ذو رحم) ويقدم الاقرب فالاقرب منه، فيقدم أبو الأم، فالخال، فالعم للام. نعم، الاخ للام يقدم على الخال ويتأخر عن أبي الام. ويوجه بأنه وإن كان وارثا لكنه يدلي بالام فقط، فقدم عليه من هو أقوى في الادلاء بها، وهو أبو الأم. ولو اجتمع اثنان في درجة، كابنين، أو أخوين، أو ابني عم وليس أحدهما أخا لام، وكل أهل للامامة. فالاسن في الاسلام: العدل أولى من الافقه، ونحوه، لان القصد الدعاء، ودعاء الاسن أقرب للاجابة. وأسقط مرتبة السلطان، وفيها خلاف، فجرى ابن حجر والرملي والخطيب وغيرهم على أنها قبل ذوي الارحام، لكن إن انتظم بيت المال. وجرى غيرهم على أنها بعد ذوي الارحام. وفي سم ما نصه: ما ذكره من تقديم السلطان على ذوي الارحام جزم به في الروض من زيادته. قال في شرحه وبه صرح الصيمري والمتولي. اه‍. وجزم بذلك في شرح المنهج. لكن ذكر الاذرعي في القوت أن تقديم السلطان على ذوي الارحام طريقة المراوزة، وتبعهم الشيخان، وأن طريقة العراقيين عكسه. وذكر منهم الصيمري والمتولي. واختارها - أعني - الاذرعي. اه‍. (قوله: ثم زوج) أي فهو مقدم على الاجانب. وعبارة النهاية: وأشعر سكوت المصنف عن الزوج أنه لا مدخل له في الصلاة على المرأة، وهو كذلك، بخلاف الغسل والتكفين والدفن، ولا للمرأة أيضا. ومحل ذلك: إذا وجد مع الزوج غير الاجانب. ومع المرأة ذكر، وإلا فالزوج مقدم على الاجانب، والمرأة تصلي وتقدم بترتيب الذكر. اه‍. (قوله: وشرط لها) أي لصحتها. (قوله: مع شروط سائر الصلوات) أي مما يتأتى مجيئه هنا، كستر وطهارة واستقبال، بخلاف دخول الوقت، أي ومع شروط القدوة أيضا: من نية القدوة، وعدم تقدمه على الامام في الموقف، وعدم حائل بينهما يمنع مرورا أو رؤية. قال في التحفة: وظاهر أنه يكره، ويسن كل ما مر لهما - أي للصلاة وللقدرة - مما يتأتى مجيئه هنا أيضا. نعم، بحث بعضهم أنه يسن هنا النظر للجنازة. وبعضهم النظر لمحل السجود. ولو فرض - أخذا من بحث البلقيني - ذلك في الاعمى والمصلي في ظلمة، وهذا هو الاوجه، وذلك لانها صلاة. اه‍. (قوله: تقدم طهره) نائب فاعل شرط. وذلك لانه المنقول عن النبي (ص). أي ولان الصلاة على الميت كصلاة نفسه. وقول ابن جرير - كالشعبي - تصح بلا طهارة رد بأنه خارق للاجماع. وكما يشترط تقدم طهره، يشترط أيضا تقدم طهر ما اتصل به، كصلاة الحي، فيضر نجاسة ببدنه أو كفنه أو برجل نعشه وهو مربوط به ولا يضر نجاسة القبر ونحو دم - من مقتول مثلا - لم ينقطع. (قوله:

[ 149 ]

بماء) متعلق بطهر. (وقوله: فتراب) أي إن لم يجد الماء. قال سم: انظر فاقد الطهورين. اه‍. (قوله: فإن وقع) أي الشخص الحي، وهو تفريع على اشتراط تقدم طهره. (قوله: بحفرة) أي فيها. (قوله: أو بحر) أي أو وقع في بحر. (قوله: وتعذر إخراجه) أي بعد أن مات في الحفرة أو البحر. (قوله: لم يصل عليه) أي لفوات الشرط. قال سم: ويؤخذ منه أنه لا يصلي على فاقد الطهورين الميت. (قوله: على المعتمد) مقابله يقول: لا وجه لترك الصلاة عليه، لان الميسور لا يسقط بالمعسور، لما صح: وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ولان المقصود من هذه الصلاة الدعاء أو الشفاعة للميت. وجزم الدارمي وغيره أن من تعذر غسله صلي عليه. قال الدارمي: وإلا لزم أن من أحرق فصار رمادا، أو أكله سبع، لم يصل عليه، ولا أعلم أحدا من أصحابنا قال بذلك: وبسط الاذرعي الكلام في المسألة. والقلب إلى هذا أميل. لكن الذي تلقيناه عن مشايخنا ما في المتن. اه‍. مغني ببعض تصرف. (قوله: وأن لا يتقدم إلخ) معطوف على تقدم طهره، أي وشرط عدم تقدم المصلي على الميت اتباعا لما جرى عليه الاولون، ولان الميت كالامام. وهذا هو المذهب. ومقابله يقول: يجوز تقدم المصلي على الميت، لان الميت ليس بإمام متبوع حتى يتعين تقديمه، بل هو كعبد جاء معه جماعة ليستغفروا له عند مولاه. (قوله: وإن كان حاضرا) أي عند المصلي، لا في البلد، لما سيذكره من أنها لا تصح على ميت في البلد غائب عن مجلس المصلي. (قوله: ولو في قبر) أي ولو كان الميت الحاضر كائنا في قبر، فيشترط عدم تقدم المصلي عليه. وعبارة المنهاج مع المغني: ويشترط أن لا يتقدم على الجنازة الحاضرة إذا صلي عليها، وأن لا يتقدم على القبر إذا صلي عليه على المذهب فيهما. اه‍. (قوله: أما الميت الغائب) أي عن البلد. (قوله: فلا يضر فيه) أي الغائب عن البلد. (وقوله: كونه وراء المصلي) أي خلف ظهره. (قوله: ويسن جعل صفوفهم) أي المصلين على الميت. (وقوله: ثلاثة) قال في التحفة: أي حيث كان المصلون ستة فأكثر. قال ع ش: ومفهومه أن ما دون الستة لا يطلب منه ذلك، فلو حضر مع الامام اثنان أو ثلاثة وقفوا خلفه. اه‍. وقال سم بعد كلام: فإن كانوا خمسة فقط، فهل يقف الزائد على الامام - وهو الاربعة - صفين، لانه أقرب إلى العدد الذي طلبه الشارع وهو الثلاثة الصفوف، ولانهم يصيرون ثلاثة صفوف بالامام ؟ أو صفا واحدا لعدم ما طلبه الشارع من الصفوف الثلاثة ؟ فيه نظر. والاول غير بعيد، بل هو وجيه. وفي البجيرمي: بقي ما لو كان الحاضرون ثلاثة فقط بالامام. وينبغي أن يقف واحد خلف الامام، والآخر وراء من هو خلف الامام. ويحتمل أن يقف اثنان خلف الامام، فيكون الامام صفا، والاثنان صفا، وسقط الصف الثالث لتعذره. اه‍. وفي المغني ما نصه: وهنا - أي في صلاة الميت - فضيلة الصف الاول وفضيلة غيره سواء بخلاف بقية الصلوات. النص على كثرة الصفوف هنا. اه‍. (قوله: للخبر الصحيح إلخ) دليل لسنية جعل الصفوف ثلاثة. (قوله: من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب) أي استحق المغفرة، والمراد: قد غفر له بالفعل، كما في رواية. قال في التحفة: والمقصود منع النقص عن الثلاثة لا الزيادة عليها. اه‍. (قوله: أي غفر له تفسير مراد لا وجب. (قوله: ولا يندب تأخيرها) أي الصلاة على الميت. (وقوله: لزيادة المصلين) أي كثرتهم، وذلك لخبر: أسرعوا بالجنازة. (وقوله: إلا لولي) أي إلا لاجل حضور ولي الميت ليصلي عليه، فإنه تؤخر الصلاة له، لكونه هو المستحق للامامة. لكن محله إذا رجي حضوره عن قرب وأمن من التغير. قال في التحفة: وعبر في الروضة بلا بأس بذلك، أي بالتأخير له.

[ 150 ]

وقضيته أن التأخير له ليس بواجب. اه‍. (قوله: واختار بعض المحققين إلخ) مقابل لقوله: ولا يندب تأخيرها إلخ. وعبارة التحفة مع الاصل: ولا تؤخر - أي ولا يندب التأخير - لزيادة مصلين - أي كثرتهم - وإن نازع فيه السبكي، واختار - وتبعه الاذرعي والزركشي وغيرهما - أنه إذا لم يخش تغيره: ينبغي انتظار مائة أو أربعين رجي حضورهم قريبا، للحديث. اه‍. وفي ع ش: جرت العادة الآن بأنهم لا يصلون على الميت بعد دفنه، فلا يبعد أن يقال: يسن انتظارهم، لما فيه من المصلحة للميت، حيث غلب على الظن أنهم لا يصلون على القبر، ويمكن حمل كلام الزركشي عليه. اه‍. (قوله: للحديث وفي مسلم إلخ) صنيعه يقتضي أن المراد بالحديث غير الحديث الذي ذكره بعده. وصنيع التحفة يقتضي أنه هو، لانه ذكر أولا ما في مسلم، ثم بعد ذلك أحال عليه وقال للحديث، يعني المتقدم ذكره. ولعل في العبارة سقطا من النساخ، وهو لفظ وهو ما، أو أن المراد بالحديث حديث آخر غير حديث مسلم. فلينظر. (قوله: ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة إلخ) قال في التحفة: وفيه - أي مسلم - مثل ذلك في الاربعين. اه‍. وعبارة المغني: وفي مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يؤخر الصلاة للاربعين. قيل: وحكمته: أنه لم يجتمع أربعون إلا كان لله فيهم ولي. وحكمة المائة كالاربعين - كما يؤخذ من الحديث المتقدم. اه‍. (قوله: ولو صلي عليه) أي على الميت. (قوله: فحضر من لم يصل) أي فحضر شخص لم يصل على الميت. (قوله: ندب له الصلاة عليه) أي يندب لمن حضر أن يصلي على الميت. (قوله: وتقع فرضا) أي وتقع صلاته فرضا، ولو على القبر، كمن صلى أولا. إذ ليس فعل بعضهم أولى بوصف الفرضية من بعض، وإن أسقط الاول الحرج. ولا يقال: كيف تقع صلاة الثاني فرضا، مع أنه لو تركها لم يأثم، لانه قد يكون الشئ غير فرض، فإذا دخل فيه صار فرضا - كالحج ممن قد حج، وإحدى خصال كفارة اليمين -. وقولهم فرض الكفاية يسقط بفعل واحد: معناه يسقط الاثم به. ولو فعله غيره: وقع فرضا أيضا. (قوله: فينويه) أي الفرض. (قوله: ويثاب ثوابه) أي ويثاب كما يثاب على الفرض. (قوله: والافضل له) أي لمن حضر. (قوله: فعلها) أي الصلاة. (وقوله: بعد الدفن) أي وبعد وجوب الصلاة عليه من الذين حضروا أولا، كما هو ظاهر. (قوله: للاتباع) وهو ما روي أنه (ص) صلى على قبور جماعة. ومعلوم أنهم إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم. ومن هذا أخذ جمع أنه يسن تأخيرها عليه إلى بعد الدفن. اه‍. تحفة. (قوله: ولا يندب إلخ) قال ع ش: فتكون مباحة. اه‍. (قوله: إعادتها مع جماعة) وبالاولى عدم ندب إعادتها منفردا. وإنما لم تندب إعادتها لان المعاد نفل، وهذه لا يتنفل بها، لعدم ورود ذلك شرعا. وقيل: تندب له الاعادة، كغيرها. (قوله: فإن أعادها وقعت نفلا) أي ووجب لها نية الفرضية. قال في النهاية: وهذه خارجة عن القياس، إذ الصلاة لا تنعقد حيث لم تكن مطلوبة، ويوجه انعقادها بأن المقصود من الصلاة على الميت الشفاعة والدعاء، وقد لا تقبل الاولى وتقبل الثانية. اه‍. (وقوله: وقال بعضهم إلخ) مقابل لما يفهم من التعبير بعدم الندب، وهو الاباحة - كما مر آنفا عن ع ش - وصنيعه يقتضي أن قول بعضهم المذكور ضعيف. وعبارة شرح الروض تفهم أنه معتمد، ونصها: قال في المهمات: وفي التعبير بقوله ولا تستحب إعادتها: قصور، فإن الاعادة خلاف الاولى. ولا يلزم من نفي الاستحباب أولوية الترك، لجواز التساوي. ولهذا عبر في المجموع بقوله لا يستحب له الاعادة، بل يستحب له تركها. اه‍. (قوله: وتصح الصلاة على ميت غائب) أي وإن قربت المسافة ولم يكن في جهة القبلة، خلافا لابي حنيفة ومالك. قال الزركشي: لانه (ص) أخبر الناس وهو بالمدينة. بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه وهو بالحبشة، وصلى عليه هو وأصحابه. رواه الشيخان. وذلك في رجب سنة تسع. قال ابن القطان: لكنها

[ 151 ]

لا تسقط الفرض عن الحاضرين. قال الزركشي: ووجهه أن فيه ازدراء وتهاونا بالميت، لكن الاقرب السقوط، لحصول الفرض. وظاهر أن محله - أي السقوط - إذا علم بها الحاضرون، ولا بد - في صحة الصلاة على الغائب - أن يعلم - أو يظن - أنه قد غسل، وإلا لم تصح. نعم: إن علق النية على غسله، بأن نوى الصلاة إن كان غسل، فينبغي أن تصح - كما هو أحد احتمالين للاذرعي. اه‍. مغني بزيادة. (قوله: عن بلد) ليس بقيد، على ما سننقله عن سم قريبا. (قوله: بأن يكون إلخ) تصوير لغيبته عن البلد. وقوله بحيث إلخ: تصوير للبعيد عن البلد. أي أن البعيد مصور بأنه هو الذي لا ينسب إلى البلد عرفا، بأن يكون فوق حد القرب - كما يؤخذ من ضبط القرب الآتي. (قوله: أخذا من قول الزركشي إلخ) قال في النهاية: وعبارته من كان خارج السور إن كان أهله يستعير بعضهم من بعض. لم تجز الصلاة على من هو داخل السور للخارج، ولا العكس. اه‍. (وقوله: القريب منه) أي السور. قال في التحفة: ويؤخذ من كلام الاسنوي ضبط القرب هنا بما يجب الطلب منه في التيمم. وهو متجه إن أريد به حد الغوث، لا القرب. اه‍. (قوله: لا على غائب عن مجلسه فيها) أي لا تصح الصلاة على ميت غائب عن مجلس من يريد الصلاة عليه، وهو حاضر في البلد، وإن كبرت البلد، لتيسر حضوره. وشبهوه بالقضاء على من بالبلد مع إمكان حضوره. وفي سم خلافه، ونص عبارته: المتجه أن المعتبر المشقة وعدمها. فحيث شق الحضور - ولو في البلد لكبرها ونحو - صحت، وحيث لا - ولو خارج السور - لم تصح. م ر. والاوجه في القرى المتقاربة جدرانها أنها كالقرية الواحدة. اه‍. (قوله: نعم، إلخ) استدراك من عدم صحة الصلاة على غائب عن المجلس في البلد. (قوله: جازت) أي الصلاة. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ تعذر الحضور لها. (وقوله: على الاوجه) أي عند الرملي. وفي التحفة خلافه، وعبارتها: فلا يصلى عليه وإن كبرت. وعذر: بنحو مرض، أو حبس، كما شمله إطلاقهم. اه‍. (قوله: وتصح على حاضر مدفون) أي بشرط أن لا يتقدم المصلي على القبر - كما مر -. قال ع ش: ويسقط بها الفرض على المعتمد. وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين المنبوشة وغيرها، وهو في المنبوشة مشكل، للعلم بنجاسة ما تحت الميت. فلعل المراد غير المنبوشة. اه‍. وذكر ق ل خلافه، حيث قال: نعم، لا يضر اتصال نجاسة به في القبر، لانه كانفجاره، وهو لا يمنع صحة الصلاة عليه. اه‍. بجيرمي. (قوله: ولو بعد بلائه) غاية للصحة، وهي للرد على القائل بأنه يشترط بقاء شئ من الميت. ونظر فيه في التحفة بأن عجب الذنب لا يفنى، أي فبقاء شئ منه أمر ضروري. (قوله: فلا تصح على قبر نبي) أي لخبر: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. أي بصلاتهم إليها. قال البجيرمي: ودلالة هذا على المدعى إنما هي بطريق القياس، لان اليهود والنصارى كانوا يصلون المكتوبة لقبور الانبياء، والمدعى هنا صلاة الجنازة. فتقاس على المكتوبة التي ورد اللعن فيها. اه‍. ونظر في التحفة في دلالة الحديث على المدعى، ووجهه الكردي بأن الدليل في الصلاة إليه - كما فسروا به الحديث - والمدعى هو الصلاة عليه، أي بأن صلى عليه صلاة الجنازة. وفي قياس الصلاة عليه على الصلاة إليه نظر. إذ في الصلاة إليه التعظيم الذي لا يوجد في الصلاة عليه، بدليل أنه يصلى على الفسقة وغيرهم ممن يلاحظ فيه التعظيم. وأما المنع من الصلاة إليه، فهو خاص بالانبياء. والتعليل المطابق للمدعى أنا لم نكن أهلا للفرض وقت موتهم. اه‍. ملخصا. وتقدم - في مبحث مكروهات الصلاة - أن الصلاة لقبر نبي محرمة، لكن بقصد التبرك أو الاعظام لذلك القبر. فلو لم يقصد ذلك، بل وافق في صلاته أن أمامه قبر نبي - كمن يصلي خلف قبر النبي (ص) من الاغاوات وغيرهم - فلا حرمة ولا كراهة. (قوله: لخبر الشيخين) ظاهره أنه دليل لعدم صحتها على قبر نبي. ويحتمل أنه دليل له وللاول أيضا الذي هو صحتها على قبر غير نبي. وذلك لانه ثبت في الصحيحين الدليل لكل منهما، وهو في الثاني الخبر المار: لعن الله اليهود إلخ، وفي

[ 152 ]

الاول أنه (ص) صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد، لكن على هذا الاحتمال يراد من لفظ خبر، متعدد، وهو جائز، لانه هنا منفرد مضاف فيعم. ولو قال لخبري الشيخين، لكان أولى. (قوله: من أهل فرضها وقت موته) متعلق بكل من قوله: تصح على ميت غائب، وقوله: تصح على حاضر مدفون. أي تصح الصلاة على الميت الغائب وعلى الحاضر المدفون، إن كان من يريد الصلاة من أهل أداء فرضها وقت الموت بأن يكون حينئذ مسلما مكلفا طاهرا، لانه يؤدي فرضا خوطب به. اه‍. تحفة وفي سم ما نصه: عبارة المنهج وشرحه: وإنما تصح الصلاة على القبر والغائب عن البلد ممن كان من أهل فرضها وقت موته. اه‍. وتلخص منه أن صلاة الصبي المميز صحيحة مسقطة للفرض، ولو مع وجود الرجال في الميت الحاضر دون الغائب، والقبر وهو مشكل. فليحرر، فرق واضح. اه‍. (قوله: فلا تصح إلخ) مفرع على مفهوم قوله من أهل فرضها وقت موته. أي فلا تصح صلاة من كان كافرا عند الموت ثم أسلم بعده، أو كانت حائضا عند الموت ثم طهرت بعده. (وقوله: يومئذ) أي يوم الموت. (قوله: كمن بلغ أو أفاق بعد الموت) الكاف للتنظير، أي كما لا تصح ممن كان صغيرا عند الموت ثم بلغ بعده، أو كان مجنونا عنده ثم أفاق من جنونه بعده. (وقوله: ولو قبل الغسل) غاية لعدم صحتها ممن أبلغ أو أفاق بعد الموت. أي لا تصح الصلاة ممن ذكر، ولو كان البلوغ أو الافاقة قبل غسل الميت. وما جرى عليه المؤلف - من عدم الصحة بالنسبة لما إذا بلغ أو أفاق قبل الغسل - ضعيف. والمعتمد أنه تصح الصلاة في هذه الحالة. كما نص عليه في النهاية، وعبارتها: واعتبار الموت يقتضي أنه لو بلغ أو أفاق بعد الموت وقبل الغسل لم يعتبر ذلك، والصواب خلافه، لانه لو لم يكن ثم غيره، لزمته الصلاة - اتفاقا - وكذا لو كان ثم غيره فترك الجميع فإنهم يأثمون. بل لو زال المانع بعد الغسل أو بعد الصلاة عليه وأدرك زمنا تمكن فيه الصلاة. كان كذلك. وحينئذ فينبغي الضبط بمن كان من أهل فرضها وقت الدفن لئلا يرد ما قيل. اه‍. ومثله في الاسنى والمغني. (قوله: كما اقتضاه) أي ما ذكر من عدم صحتها ممن ذكر ولو قبل الغسل. (قوله: وسقط الفرض فيها) أي صلاة الجنازة. (وقوله: بذكر) أي واحد. وإنما سقطت به لحصول الفرض بصلاته، ولان الجماعة لا تشترط فيها فكذا العدد كغيرها. (وقوله: ولو صبيا مميزا) غاية في سقوط الفرض بالذكر، أي تسقط به ولو كان صبيا مميزا، لانه من جنس الرجال، ولانه يصلح أن يكون إماما لهم. وكون صلاة الصبي تقع نفلا لا يؤثر، لانه قد يجزئ عن الفرض - كما لو بلغ فيها أو بعدها في الوقت - ولحصول المقصود بصلاته مع رجاء القبول فيها أكثر. قال البجيرمي: واعلم أن الصبي لا يكفي في أربعة من فروض الكفاية، وهي: رد السلام، والجماعة، وإحياء الكعبة بالحج، وإحياؤها بالعمرة. وما عدا ذلك يكفي فيه الصبي - كالجنازة، والجهاد، والامر بالمعروف، وسائر فروض الكفاية - ولو مع وجود الكاملين. اه‍. (قوله: ولو مع وجود بالغ) غاية ثانية لسقوط الفرض، لكن بالصبي المميز. ولو حذف لفظ ولو - كما في التحفة - بأن قال ولو صبيا مميزا مع وجود بالغ، لكان أولى. (قوله: وإن لم يحفظ الفاتحة) غاية ثالثة لسقوط الفرض بالذكر أي يسقط الفرض به ولو لم يحفظ الفاتحة ولا بدلها. (وقوله: بل وقف يقدرها) أي الفاتحة. (قوله: ولو مع وجود من يحفظها) غاية في سقوط الفرض بمن لا يحفظها. أي يسقط الفرض به ولو مع وجود من يحفظها. فهي غاية للغاية الثالثة. قال ع ش: لو كان لا يحسن إلا الفاتحة فقط، بل الاولى أن يكررها أو لا ؟ فيه نظر. والاقرب - بل المتعين - الاول، لقيامها مقام الادعية. اه‍. (قوله: لا بأنثى مع وجوده) أي لا يسقط الفرض بأنثى - ومثلها الخنثى - مع وجود ذكر. أي ولو صبيا مميزا، وذلك لانه أكمل منهما، ودعاؤه أقرب إلى الاجابة، ولان في ذلك استهانة بالميت. قال في النهاية: والاوجه أن المراد بوجوده حضوره في محل الصلاة على الميت، لا وجوده مطلقا، ولا في دون مسافة القصر. لا يقال كيف لا يسقط بالمرأة وهناك صبي مميز، مع أنها المخاطبة به دونه ؟ لانا نقول قد يخاطب الشخص بشئ ويتوقف فعله على فعل شئ آخر، لا سيما

[ 153 ]

فيما يسقط عنه الشئ بفعل غيره. اه‍. بحذف. وخرج بقوله مع وجوده، ما إذا لم يوجد ذكر، فإنها تجب عليها ويسقط الفرض بها. (قوله: وتجوز على جنائز صلاة واحدة) أي برضا أوليائهم - اتحدوا أو اختلفوا - وذلك لان أم كلثوم بنت سيدنا علي بن أبي طالب ماتت هي وولدها زيد بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - فصلي عليهما دفعة واحدة، وجعل الغلام مما يلي الامام، وفي القول جماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم، فقالوا: هذا هو السنة. رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، كما قاله البيهقي. وصلى ابن عمر رضي الله عنهما على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الامام، والنساء مما يلي القبلة. ولان الغرض من الصلاة الدعاء والجمع فيه ممكن. وإذا حضرت الجنائز دفعة واحدة، واتحد نوعهم، وفضلهم، أقرع بين الاولياء - إن تنازعوا فيمن يقرب للامام - وإلا قدم من قدموه. فإن اختلف النوع قدم إليه الرجل، فالصبي، فالخنثى، فالمرأة. أو اختلف الفضل، قدم الافضل. والمعتبر فيه الورع، والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظن، قربه من رحمة الله، لا بالحرية والرق، لانقطاع الرق بالموت. (قوله: فينوي) أي مريد الصلاة عليهم. (وقوله: إجمالا) أي بأن يقول: أصلي على من حضر من أموات المسلمين، أو: على من يصلي عليهم الامام. فلو عين وأخطأ، كأن صلى على عشرة، فبانوا أحد عشر. لم تصح، بخلاف ما لو صلى على أحد عشر، فبانوا عشرة، فإنها تصح. (قوله: وحرم تأخيرها) أي الصلاة عن الدفن، فيأثم الدافنون الراضون بذلك لوجوب تقديمها عليه. (قوله: بل يسقط إلخ) الاضراب انتقالي، والاولى إسقاط لفظ بل، ويأتي بواو العطف بدلها، بأن يقول ويسقط الفرض بالصلاة على قبره إذا ارتكبت الحرمة ودفن قبل الصلاة عليه. وعبارة التحفة: فإن دفن قبلها أثم كل من علم به ولو بعذر، وتسقط بالصلاة على القبر. اه‍. (قوله: وتحرم صلاة على كافر) أي بسائر أنواعه، حربيا كان أو ذميا، أو معاهدا، أو مستأمنا. (قوله: لحرمة الدعاء له) أي للكافر. (وقوله: بالمغفرة) أي والصلاة تتضمن الدعاء له بها. (قوله: قال تعالى إلخ) استدلال على حرمة الصلاة عليه. أما دليل حرمة الدعاء له بالمغفرة فقوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) *. والسبب في نزول الآية الاولى ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنه - عبد الله - رسول الله (ص) فسأل أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله (ص)، فقام عمر فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ فقال: إن الله خيرني وقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) * وسأزيد على السبعين. فقال إنه منافق. فصلى عليه، فأنزل الله: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) * الآية، فترك الصلاة عليهم. (قوله: ومنهم) أي من الكفار المعلومين من السياق. والاولى والاخصر أن يقول: وطفل الكافر مثله، سواء وصف بالاسلام أم لا. (قوله: سواء نطقوا بالشهادتين) أي لانه لا يحكم بإسلامهم بالنطق بهما إلا بعد البلوغ. (قوله: فتحرم الصلاة عليهم) أي وإن قلنا إنهم من أهل الجنة، لانهم مع ذلك يعاملون في أحكام الدنيا - من الارث وغيره - معاملة الكفار، والصلاة من أحكام الدنيا، خلافا لمن وهم فيه. ويظهر حل الدعاء لهم بالمغفرة، لانه من أحكام الآخرة، بخلاف صورة الصلاة. اه‍. تحفة بالمعنى. (واعلم) أنه اختلف في أطفال الكفار على أربعة أقوال. أحدها: أنهم في الجنة، وعليه المحققون. الثاني: أنهم في النار تبعا لآبائهم. الثالث: الوقوف، ويعبر عنه بأنهم تحت المشيئة. الرابع: أنهم يجمعون يوم القيامة وتؤجج لهم نار ويقال لهم ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله شقيا. اه‍. بجيرمي.

[ 154 ]

(قوله: على شهيد) أي وتحرم الصلاة على الشهيد، لما صح أنه (ص) أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم. وأما خبر: أنه (ص) خرج فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت زاد البخاري بعد ثمان سنين فالمراد - كما في المجموع - دعا لهم كدعائه للميت، والاجماع يدل له. (قوله: وهو) أي لفظ شهيد. (قوله: لانه مشهود له بالجنة) بيان الحكمة كون شهيد بمعنى مشهود. أي وإنما كان كذلك لانه مشهود له بالجنة. وقيل لانه يبعث، وله شاهد بقتله إذ يبعث، وجرحه يتفجر دما. وقيل: لان ملائكة الرحمة يشهدونه فيقبضون روحه. (قوله: أو فاعل) معطوف على مفعول، أي أو هو بوزن فعيل بمعنى فاعل فهو شهيد بمعنى شاهد. وقوله لان روحه إلخ. بيان الحكمة كونه بمعنى فاعل، أي وإنما كان كذلك لانه شاهد أي روحه تشهد الجنة قبل غيره. (قوله: ويطلق لفظ الشهيد إلخ) الملائم والاخصر أن يعمم عند تعريف المتن للشهيد بأن يقول بعد قول المتن: وهو من مات في قتال كفار، سواء كان شهيدا في الدنيا والآخرة - وهو من قاتل لاعلاء كلمة الله تعالى - وشهيدا في الدنيا فقط - وهو من قاتل لنحو حمية - ثم يقول: وخرج بذلك شهيد الآخرة فقط - وهو من مات مقتولا ظلما - إلخ. وقد تقدم الكلام على أقسام الشهيد أول الباب، فلا تغفل. (قوله: لتكون كلمة الله إلخ) المراد بها كلمة التوحيد والدعوة إلى الاسلام. (وقوله: هي العليا) أي الظاهرة الغالبة، ولا بد أن لا يصاحب ذلك رياء ولا غلول من غنيمة وغير ذلك. (قوله: وعلى من قاتل لنحو حمية) أي لقومه، ودخل تحت لنحو: من قاتل للرياء، أو للغنيمة، أو نحو ذلك. (قوله: فهو شهيد الدنيا) أي فتجري عليه أحكام الشهادة الدنيوية، من كونه لا يغسل ولا يصلى عليه. (قوله: وعلى مقتول) معطوف على من قاتل الاولى، أي ويطلق لفظ الشهيد على مقتول. (وقوله: ظلما) خرج به ما إذا كان مقتولا بحق - كأن كان لقصاص - فلا يكون شهيدا. (قوله: وغريق) معطوف على مقتول، أي ويطلق لفظ الشهيد على غريق، أي مات غرقا في بحر أو ماء كثير. (لطيفة) حكي أن شخصا نزل هو ومحبوبه يسبحان في البحر، فغرق محبوبه، فأشار إلى البحر وأنشد وقال: ياماء: لك قد أتيت بضد ما * * قد قيل فيك مخبرا بعجيب ؟ الله أخبر أن فيك حياتنا * * فلاي شئ مات فيك حبيبي ؟ فلما قال ذلك أحياه الله تعالى، وطلع له من البحر (قوله: وحريق) أي ويطلق لفظ الشهيد على حريق، أي محروق بالنار. (قوله: ومبطون) أي ويطلق لفظ الشهيد على مبطون. (قوله: أي من قتله بطنه) أي داء في بطنه، وبينه بقوله: كاستسقاء أو إسهال، فإنهما دآن في البطن يكونان سببا في الهلاك غالبا. (قوله: فهم) أي المقتول ظلما والغريق والحريق إلخ. (وقوله: الشهداء في الآخرة فقط) أي لا في الدنيا، فتجرى عليهم أحكام غير الشهيد، من الغسل، والصلاة، وغير ذلك. (قوله: كغسله) أي كتحريم غسله. (وقوله: أي الشهيد) بيان لمرجع الضمير في غسله. وإنما أرجعه للشهيد ولم يرجعه للمذكور من الكافر والشهيد، لان غسل الاول ليس بحرام، بل هو جائز. (قوله: ولو جنبا) أي يحرم غسله ولو كان جنبا، لان حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد وهو جنب، ولم يغلسه النبي (ص)، وقال: رأيت الملائكة تغسله. رواه بن حبان والحاكم في صحيحهما. (قوله: لانه (ص) لم يغسل قتلى أحد) ولما رواه الامام أحمد أنه (ص) قال: لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكا يوم القيامة. وحكمة ذلك أيضا: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن التطهير. وفي ذلك حث على الجهاد الذي جبلت النفوس على الكراهة له والنفرة عنه لحبها البقاء في الدنيا. (فإن قيل) الانبياء والمرسلون أفضل من

[ 155 ]

الشهداء، مع أنهم يغسلون، ويصلى عليهم ؟ (أجيب) بأن الشهادة فضيلة تنال بالاكتساب، فرغب الشارع فيها، ولا كذلك النبوة والرسالة، فإنما ليستا بمكتسبتين. قال الابوصيري: تبارك الله ما وحي بمكتسب * * ولا نبي على غيب بمتهم وقال اللقاني: ولم تكن نبوة مكتسبة * * ولو رقى في الخير أعلى عقبه (قوله: ويحرم إزالة دم شهيد) أي لانا نهينا عن غسله، ولانه أثر عبادة. وإنما لم تحرم إزالة الخلوف من الصائم - مع أنه أثر عبادة - لانه هو المفوت على نفسه، بخلافه هنا، حتى لو فرض أن غيره أزاله بغير إذنه حرم عليه ذلك. والمراد بالدم الذي يحرم إزالته: الخارج من المقتول نفسه، بخلاف ما لو طرأ عليه من غيره، فإنه يزال - كالنجاسة - ولو أدى إلى زوال دم الشهادة معه. (قوله: وهو من مات إلخ) أي الشهيد الذي يحرم غسله والصلاة عليه هو من مات إلخ. (قوله: في قتال كفار) أي في حال مقاتلتهم. (واعلم) أنه ذكر قيدين للشهيد، وهما: كون الموت حال المقاتلة، وكونه بسبب القتال، وبقي قيد ثالث، وهو: أن يكون القتال حلله العلماء. وخرج بالقيد الاول من مات بعد المقاتلة، فإن فيه تفصيلا سيذكره في قوله: ولا من مات بعد انقضائه إلخ. وبالقيد الثاني من مات لا بسبب القتال - كأن مات في حال المقاتلة بمرض أو فجأة - أي بغتة. وبالقيد الثالث: من مات في قتال محرم، كقتال المسلم ذميا، فلا يسمى شهيدا. وقد ذكر المؤلف بعض أفراد هذه المحترزات، كما ستعرفه. (قوله: قبل انقضائه) أي القتال، ولا حاجة إلى هذا القيد، لانه يغني عنه القيد الاول. فتنبه. (قوله: وإن قتل مدبرا) أي إن مات في المقاتلة يسمى شهيدا، وإن قتل حال كونه مدبرا عن القتال. (قوله: بسببه) متعلق بمات، أي مات بسبب القتال، أي بسبب يحال عليه القتل، ولو احتمالا - كالمثال الاخير -. قال ع ش: ومنه ما قيل إن الكفار يتخذون خديعة يتوصلون بها إلى قتل المسلمين، فيتخذون سردابا تحت الارض يملؤنه بالبارود، فإذا مر به المسلمون أطلقوا النار فيه فخرجت من محلها وأهلكت المسلمين. اه‍. (قوله: كأن أصابه إلخ) تمثيل لمن مات في القتال بسببه، والاولى التعميم بأن يقول: سواء قتله كافر أو أصابه إلخ. (وقوله: سلاح مسلم آخر) ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يقصد كافرا فيصيبه، أولا، ولا مانع منه. اه‍. ع ش. (وقوله: خطأ) خرج به ما لو كان عمدا، فإنه لا يسمى المقتول به شهيدا، إلا إن كان المسلم استعان به الكفار - كما سيذكره -. (قوله: أو قتله مسلم) معطوف على أصابه، أي وكأن قتله. وقوله: استعانوا أي الكفار. وقوله به. أي بالمسلم فمقتول المستعان به شهيد، لان هذا قتال كفار، ولا نظر إلى خصوص القاتل، فإن لم يستعينوا به ولم يكن خطأ فليس بشهيد. (قوله: أو تردي ببئر) معطوف على أصابه أيضا. أي وكأن تردى - أي سقط - المقاتل ببئر. (قوله: أو جهل ما مات به) معطوف أيضا على أصابه. أي وكأن جهل السبب الذي مات به. ولا يرد أن الممثل له من مات بسبب القتال، وهذا فيه الجهل بالسبب، فلا يصلح مثالا، لما علمت أن المراد بالسبب لو احتمالا. ويتصور الجهل به بأن يصيبه سهم وشك في الرامي: هل هو من المسلمين أو من الكفار ؟ وعبارة التحفة: أو انكشف عنه الحرب وشك أمات بسببها وغيره ؟ لان الظاهر موته بسببها. اه‍. (قوله: وإن لم يكن به أثر دم) راجع لجميع الامثلة، يعني أن من أصابه سلاح مسلم خطأ فمات، أو قتله مسلم استعانوا به فمات، أو تردى ببئر فمات، أو جهل سبب موته، يحكم عليه بالشهادة - سواء كان به أثر دم أم لا - وذلك لان الظاهر موته بسبب الحرب. (فإن قيل) ينبغي

[ 156 ]

أن يخرج ذلك على قولى الاصل والغالب، إذ الاصل عدم الشهادة، والغالب أن من يموت بالمعترك أنه مات بسبب من أسباب القتل. والقاعدة أنه يقدم الاصل على الغالب. (أجيب) بأن السبب الظاهر يعمل به ويترك الاصل، كما إذا رأينا ظبية تبول في الماء ورأيناه متغيرا، فإنا نحكم بنجاسته، مع أن الاصل طهارة الماء: (قوله: لا أسير قتل صبرا) هذا خرج بقوله في قتال. (قوله: فإنه) أي الاسير. (وقوله: ليس بشهيد على الاصح) أي الشهادة المخصوصة المرادة هنا. (قوله: لان قتله إلخ) تعليل لكونه ليس بشهيد. (وقوله: بمقاتلة) أي في حال مقاتلة. (قوله: ولا من مات بعد انقضائه) هذا خرج بقوله قبل انقضائه، ولو حذفه لخرج بقوله في قتال أيضا - كما علمت. (قوله: وقد بقي فيه حياة مستقرة) الجملة حالية: أي مات بعد انقضاء القتال، ولكن حال الانقضاء كانت فيه حياة مستقرة. والمراد بها: ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات. (قوله: وإن قطع بموته بعد) غاية لمقدر، أي فليس من مات بعد انقضائه إلخ بشهيد، وإن جزم بأنه يموت بعد انقضاء القتال. قال الشوبري: وينبغي أن يكون شهيدا في حكم الآخرة، لانه لا يتقاعد عن المبطون والغريق ونحوهما. اه‍. (وقوله: من جرح) من، تعليلية، فهي بمعنى اللام، أي قطع بموته لاجل جرح. (وقوله: به) أي بمن مات بعد انقضائه. والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لجرح. (قوله: أما من إلخ) مفهوم قوله وقد بقي فيه حياة مستقرة. وقوله: حركة مذبوح هي التي لا يبقى معها سمع، ولا إبصار، ولا حركة اختيار. (قوله: فشهيد جزما) أي في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه. وأما في الآخرة فبحسب قصده، فإن كان قصده إعلا كلمة الله، فكذلك، وإلا فلا. كما مر. (قوله: والحياة المستقرة ما تجوز إلخ) يعني أن الحياة المستقرة هي حركة اختيارية تجوز أن يبقى معها يوما أو يومين ثم يموت. (وقوله: على ما قاله النووي والعمراني) كالتبري من هذا الضابط، والمعتمد ما ذكرته آنفا: من أنها حركة اختيارية توجد فيه عند انقضاء القتال، سواء قطع بموته بعد يوم أو يومين، أم لا، (قوله: ولا من وقع بين كفار) أي وليس بشهيد من دخل بين كفار فهرب منهم ولم يقاتلهم، وهذا أيضا خرج بقوله: في قتال كفار. (وقوله: لان ذلك إلخ). تعليل لمقدر - أي فليس بشهيد، لان قتله لم يقع في قتال. (قوله: ولا من قتله اغتيالا إلخ) أي وليس بشهيد مسلم قتله كافر حربي على سبيل الاغتيال والخديعة، لانه ليس في قتال. وهذا أيضا خرج بقوله: في قتال. (وقوله: دخل بيننا) أي بين المسلمين. (قوله: إن نعم إلخ) استدراك من الاخير، ولو قال: فإن قتله إلخ، لكان أولى، لانه محترز قوله اغتيالا، فلا معنى للاستدراك منه. (وقوله: قتله عن مقاتلة) أي قتله الحربي مع مقاتلة المسلم له. (قوله: كما نقله السيد السمهودي عن الخادم) نقله ع ش أيضا عن سم، وعبارته: (فرع) قال في تجريد العباب: لو دخل حربي بلاد الاسلام فقاتل مسلما فقتله، فهو شهيد قطعا. ولو رمى مسلم إلى صيد فأصاب مسلما في حال القتال، فليس بشهيد. قاله القاضي حسين. اه‍. سم على منهج. اه‍. (قوله: وكفن ندبا شهيد في ثيابه) أي إذا اعتيد لبسها غالبا، أما ما لا يعتاد لبسها كذلك - كدرع، وخف، وفروة، وجبة محشوة - فيندب نزعها منه - كسائر الموتى -. وهل تنزع ثيابه التي مات فيها عند الموت ثم ترجع إليه ويكفن فيها كسائر الموتى أو لا ؟، ذهب ابن حجر إلى الثاني. ونقل ع ش، عن الزيادي أن المعتمد الاول. (قوله: والملطخة بالدم أولى) الاولى أن يأتي بصيغة التعميم بأن يقول: سواء كانت ملطخة بالدم أم لا. ثم يقول: والملطخة بالدم أولى، أي إذا مات في ثياب متعددة بعضها ملطخ بالدم، وبعضها غير ملطخ به، وأراد الوارث أن ينزع منه بعض الثياب ويكفنه في بعضها، فالاولى تكفينه بالملطخة. قال في شرح البهجة: وليس

[ 157 ]

بواجب، فللوارث إبدالها - كسائر الموتى -، وفارق الغسل بإبقاء أثر الشهادة على البدن. اه‍. (قوله: للاتباع) تعليل لكونه يكفن ندبا في ثيابه، وهو من رواه أبو داود بإسناد حسن عن جابر، قال: رمى رجل بسهم في صدره - أو حلقه - فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع النبي (ص). (قوله: ولو لم تكفه) أي لو لم تكفه ثيابه التي مات فيها. (قوله: بأن لم تستر كل بدنه) تصوير لما إذا لم تكفه. والتصوير المذكور مبني على المعتمد من أن الواجب ستر كل البدن. أما على الضعيف القائل بأن الواجب ستر العورة، فيصور عليه عدم الاكتفاء بما إذا لم يستر العورة. وهو ما جرى عليه في الروض وشرحه، ونصهما: فإن لم تكف ثيابه تمم عليها ندبا إن سترت العورة، وإلا فوجوبا. اه‍. (قوله: لا في حرير لبسه) أي لا يكفن الشهيد في حرير لبسه. (وقوله: لضرورة الحرب) أي لضرورة هي الحرب، فالاضافة للبيان. ومثلها: ما لو لبسه للحكة أو للقمل. وهذا ما جرى عليه ابن حجر، وتقدم عند قوله ويكفن الميت بما له لبسه حيا: التفصيل بين كونه لبسه لحاجة فيكفن فيه، ولغير حاجة فلا يكفن. ووافق عليه ابن قاسم، وعبارته: والمتجه أن من استشهد وهو لابسه لمسوغ، لم يجب نزعه، بل يدفن فيه، لان دفن الشهيد في أثوابه التي قتل فيها مطلوب شرعا، بخلاف من استشهد، وهو معتد بلبسه، فلا عبرة بهذا اللبس، فينزع منه. اه‍. (قوله: فينزع) أي الحرير، وهو مفرع على كونه لا يكفن فيه. (قوله: ويندب أن يلقن محتضر) أي بلا إلحاح عليه، لئلا يضجر، ولا يقال له: قل. بل تذكر بين يديه ليتدبر، أو يقال ذكر الله مبارك فنذكر الله جميعا. ويسن أن يكون الملقن غير متهم بإرث أو عداوة أو حسد أو نحو ذلك، فإن يحضر غيره لقنه أشفق الورثة ثم غيره، ولا يترك التلقين حينئذ. (قوله: ولو مميزا) أي ليحصل له الثواب الآتي. وإنما لم يلقن في القبر لامنه من السؤال. وعبارة شرح البهجة: وكلامهم يشمل الصبي والمجنون، فيسن تلقينهما، وهو قريب في المميز. اه‍. قال سم: وانظر: لو كان نبيا ؟ والاوجه أنه لا محذور من جهة المعنى. اه‍. (قوله: على الاوجه) متعلق بالغاية. (قوله: الشهادة) مفعول ثان ليلقن. (قوله: أي لا إله إلا الله) تفسير للشهادة. (وقوله: فقط) أي من غير زيادة محمد رسول الله. وسيذكر مقابله بقوله: وقول جمع إلخ. (قوله: لخبر إلخ) دليل لندب تلقينه ما ذكر. (قوله: أي من حضره الموت) تفسير مراد للاموات أي أن المراد بهم من قرب موته، فهو من باب تسمية الشئ بما يؤول إليه، كقوله تعالى: * (إني أراني أعصر خمرا) * (1). (وقوله: مع الخبر الصحيح) رواه أبودواد بإسناد حسن. (قوله: من كان آخر) يصح فيه الرفع على أنه اسم كان. (وقوله: لا إله إلا الله) خبرها، ويصح العكس. (قوله: أي مع الفائزين) أي من الله بالرتب العلية. والفوز هو النجاة والظفر مع حصول السلامة. (قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم يكن المراد بدخول الجنة مع الفائزين فلا يصح، لان كل مسلم يدخل الجنة ولو لم يأت بالشهادة عند الموت. (وقوله: يدخلها) أي الجنة. (وقوله: وبعد عذاب) أي إذا استحقه، بأن كان فاسقا. (وقوله: وإن طال) أي العذاب. (قوله: وقول جمع) مبتدأ، خبره مردود. (قوله: يلقن محمد رسول الله) مقول قول جمع. (وقوله: أيضا) أي كما يلقن لا إله إلا الله. (قوله: لان القصد إلخ) تعليل لتلقينه محمد رسول الله. (قوله: إلا بهما) أي بالكلمتين، وهما: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. (قوله: بأنه) أي من حضره الموت مسلم. (قوله: وإنما القصد) أي من تلقينه. (قوله: ليحصل له


(1) يوسف: 36

[ 158 ]

ذلك الثواب) أي هو دخول الجنة مع الفائزين. (قوله: وبحث تلقينه) مبتدأ، خبره مردود. (قوله: الرفيق الاعلى) قال حجر في فتاويه الحديثية. قيل هو أعلى المنازل - كالوسيلة التي هي أعلى الجنة - فمعناه: أسألك يا الله أن تسكنني أعلى مراتب الجنة. وقيل معناه: أريد لقاءك يا الله يا رفيق يا أعلى. والرفيق من أسمائه تعالى، للحديث الصحيح: إن الله رفيق. فكأنه طلب لقاء الله. اه‍. ع ش. (قوله: لانه آخر ما تكلم إلخ) أي لان لفظ الرفيق الاعلى آخر كلامه (ص). (قوله: مردود) أي فلو أتى به لم يحصل سنة التلقين، ويظهر أنه لا كراهة فيه. اه‍. ع ش. (قوله: بأن ذلك) أي تكلمه (ص) بالرفيق الاعلى. (وقوله: لم يوجد) أي السبب. (وقوله: في غيره) أي النبي (ص). (وقوله: وهو إلخ) أي ذلك السبب أن الله خير النبي (ص) بين بقائه في الدنيا وبين لحوقه بالرفيق الاعلى، فاختار الرفيق الاعلى. (قوله: وأما الكافر إلخ) مقابل لقوله بأنه مسلم. ولو قدمه عنده وقال: ومن ثم يلقنها الكافر إلخ لكان أنسب وأولى. وعبارة شرح الرملي: وقول الطبري - كجمع - أن زيادتها أولى، لان المقصود موته على الاسلام، مردود بأن هذا مسلم. ومن ثم بحث الاسنوي أنه لو كان كافرا لقن الشهادتين وأمر بهما، لخبر الغلام اليهودي، ويكون ذلك وجوبا - كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى - إن رجي إسلامه، وإلا فندبا. اه‍. وقوله: لخبر الغلام اليهودي: وهو ما رواه البخاري عن أنس. قال: كان غلام يهودي يخدم النبي (ص)، فمرض، فأتاه النبي (ص) يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم. فخرج النبي (ص) وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار. (قوله: فليلقنهما) أي كلمتي التوحيد. (وقوله: مع لفظ أشهد) أي مع تلقينه لفظ أشهد. (وقوله: لوجوبه) أي لفظ أشهد. (وقوله: أيضا) أي كوجوب كلمتي التوحيد. (وقوله: على ما سيأتي فيه) أي على ما سيأتي في باب الردة من الخلاف في لفظ أشهد، هل يجب تكريره أو لا ؟ وعبارته في باب الردة - أعاذنا الله منها - بعد كلام: ويؤخذ من تكريره - أي الشافعي رضي الله عنه - لفظ أشهد: أنه لا بد منه في صحة الاسلام، وهو ما يدل عليه كلام الشيخين في الكفارة وغيرها، لكن خالف فيه جمع. وفي الاحاديث ما يدل لكل. اه‍. (قوله: إذ لا يصير إلخ) تعليل لوجوب تلقينهما مع لفظ أشهد. (وقوله: إلا بهما) أي بكلمتي التوحيد. أي النطق بهما. (قوله: وأن يقف جماعة إلخ) معطوف على أن يلقن، أي ويندب أن يقف جماعة إلخ. والمناسب تأخير هذا وذكره بعد قوله. وتلقين بالغ إلخ، وإنما ندب وقوف جماعة بعد الدفن، لانه (ص) كان إذا فرغ من دفن ميت وقف عليه وقال: استغفروا لاخيكم، وأسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسئل. (واعلم) أن السؤال عام لكل مكلف، ويكون بحسب لغته - على الصحيح - وقيل بالسرياني. وهو - على القول به - أربع كلمات، الاولى: اتره. الثانية: اترح. الثالثة: كاره. الرابعة: سالحين. فمعنى الاولى: قم يا عبد الله إلى سؤال الملكين. ومعنى الثانية: فيم كنت ؟ ومعنى الثالثة: من ربك وما دينك ؟ ومعنى الرابعة: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين ؟ وقد ورد أن حفظ هذه الكلمات دليل على حسن الخاتمة. (قوله: ساعة) أي بقدر ذبح جزور وتفرقة لحمها. (وقوله: يسألون له التثبيت) كأن يقولوا اللهم ثبته. فلو أتوا بغير ذلك - كالذكر على القبر - لم يكونوا آتين بالسنة وإن حصل لهم ثواب على ذكرهم. والسؤال المذكور غير التلقين الآتي، وذلك لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: إذا دفنتموني فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة، قدر ما تنحر جزور ويفرق لحمها، حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. (قوله: وتلقين بالغ) معطوف على أن يلقن أيضا. أي ويندب تلقين بالغ إلخ، وذلك لقوله تعالى: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * (1) وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة. وخرج بالبالغ


(1) الذاريات: 55

[ 159 ]

الطفل، فلا يسن تلقينه لانه لا يفتن في قبره. ومثله المجنون - إن لم يسبق له تكليف وإلا لقن - وعبارة النهاية: ولا يلقن طفل - ولو مراهقا - ومجنون لم يتقدمه تكليف - كما قيد به الاذرعي - لعدم افتتانهما. اه‍. (قوله: ولو شهيدا) الغاية للرد، ولا فرق بين شهيد المعركة وغيره. وقال م ر: استثنى بعضهم شهيد المعركة، كما لا يصلى عليه. وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى. والاصح أن الانبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يسألون، لان غير النبي يسئل عن النبي، فكيف يسأل هو عن نفسه ؟. اه‍. وقوله: شهيد المعركة: قال ع ش: أي لانه لا يسأل. وأفاد اقتصاره عليه أن غيره من الشهداء يسأل. وعبارة الزيادي: والسؤال في القبر عام لكن مكلف، ولو شهيدا إلا شهيد المعركة. ويحمل القول بعدم سؤال الشهداء ونحوهم، ممن ورد الخبر بأنهم لا يسألون: على عدم الفتنة في القبر، خلافا للجلال السيوطي. اه‍. واستدل القرطبي لعدم سؤال شهيد المعركة بخبر مسلم هل يفتن الشهيد ؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. قال: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتحان المؤمن الصادق في إيمانه، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه. (قوله: خلافا للزركشي) أي في قوله إن الشهيد لا يلقن لعدم سؤاله. وانظر: هل الزركشي يخالف في الشهيد مطلقا أو في شهيد المعركة ؟. (قوله: بعد إلخ) متعلق بتلقين، أي يندب التلقين بعد تمام دفنه، لخبر: العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان. الحديث. فتأخير تلقينه لما بعد إهالة التراب، أقرب إلى حالة سؤاله. (قوله: فيقعد رجل إلخ) بيان لكيفية التلقين. (قوله: يقول: يا عبد الله إلخ) رواه الطبراني بلفظ: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه. ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا. ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله - ولكن لا تشعرون - فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما. فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقن حجته ؟ فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه ؟ قال فينسبه إلى أمه حواء، يقول يا فلان ابن حواء. اه‍. شرح الروض. ورأيت في حاشية البرماوي على سم صيغة تلقين بأبسط مما هنا، ولا بأس بذكرها هنا تتميما للفائدة، وهي: ويسن تلقينه بعد الدفن وتسوية القبر، فيجلس عند رأسه إنسان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون. كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى. منها خلقناكم للاجر والثواب، وفيها نعيدكم للدود والتراب، ومنها نخرجكم للعرض والحساب. باسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وعلى ملة رسول الله (ص). هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. يا فلان ابن فلانة، أو يا عبد الله، يا ابن أمة الله: يرحمك الله - ذهبت عنك الدنيا وزينتها، وصرت الآن في برزخ من برزخ الآخرة، فلا تنس العهد الذي فارقتنا عليه في دار الدنيا وقدمت به إلى دار الآخرة، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبأمثالك من أمة محمد (ص) فلا يزعجاك ولا يرعباك، واعلم أنهما خلق من خلق الله تعالى - كما أنت خلق من خلقه - فإذا أتياك وأجلساك وسألاك وقالا لك: ما ربك ؟ وما دينك ؟ وما نبيك ؟ وما اعتقادك ؟ وما الذي مت عليه ؟ فقل لهما: الله ربي. فإذا سألاك الثانية، فقل لهما: الله ربي. فإذا سألاك الثالثة وهي الخاتمة الحسنى فقل لهما بلسان طلق بلا خوف ولا فزع: الله ربي، والاسلام ديني، ومحمد نبيي، والقرآن

[ 160 ]

إمامي، والكعبة قبلتي، والصلوات فريضتي، والمسلمون إخواني، وإبراهيم الخليل أبي، وأنا عشت ومت على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. تمسك يا عبد الله بهذه الحجة، واعلم أنك مقيم بهذا البرزخ إلى يوم يبعثون. فإذا قيل لك ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين ؟ فقل: هو محمد (ص). جاءنا بالبينات من ربه فاتبعناه وآمنا به وصدقنا برسالته. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. واعلم يا عبد الله أن الموت حق، وأن نزول القبر حق، وأن سؤال منكر ونكير فيه حق، وأن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن الصراط حق، وأن النار حق، وأن الجنة حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ونستودعك الله. اللهم يا أنيس كل وحيد، ويا حاضرا ليس يغيب، آنس وحدتنا ووحدته وارحم غربتنا وغربته، ولقنه حجته ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. (قوله: ويسن تكراره) أي التلقين. وعبارة شرح الروض: قال الزركشي: قال صاحب الاستقصاء: ويسن إعادة التلقين ثلاثا. قلت: وهو قياس التلقين عند الموت. اه‍. قال القمولي: قال العلماء ولا يعارض التلقين قوله تعالى: * (وما أنت بمسمع من في القبور) * وقوله: تعالى: * (إنك لا تسمع الموتى) * لانه (ص) نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابا. وقال في الميت إنه يسمع قرع نعالكم. وهذا يكون في وقت دون وقت. اه‍. (قوله: والاولى للحاضرين) أي تلقين الميت. (وقوله: الوقوف) أي للحديث المار، وهو أنه (ص) كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه إلخ. (قوله: وللملقن القعود) أي والاولى للملقن أن يقعد أي لانه أقرب إلى إسماع الميت التلقين. (قوله: ونداؤه بالام فيه) أي نداء الميت بأمه في التلقين. وهو مبتدأ، خبره جملة لا ينافي. ولا يقال إنه لم يناد بها فيه، بل نودي بيا عبد الله. وأما قوله ابن أمه الله، فليس بنداء، بل بدل، لانا نقول: البدل على نية تكرار العامل، والتقدير يا ابن أمة الله. (قوله: أي إن عرفت) أي التفسيرية ساقطة من عبارة شيخه، وهو الاولى. ثم إن هذا يفيد أن الملقن يعين الام باسمها - كفاطمة، وصالحة - وإلا فلا فائدة في التقييد به، لانه معلوم أن لكل ميت أما. وقوله: في صدر العبارة: ويقول عبد الله ابن أمة الله: يفيد عدم ذلك، ويؤيد الاول قول النبي (ص) في حديث الطبراني المار، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنهما كنايتان عن العلم، كزيد، وهند. وقول الرجل فيه: يا رسول، فإن لم يعرف أمه. إلخ. (قوله: وإلا فبحواء) أي وإن لم تعرف، فيناديه بحواء بأن يقول: يا عبد الله ابن حواء. (قوله: لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم) أي لقوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) * أي للصلب، وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم. (قوله: لان كليهما) أي دعاء الميت بأمه في التلقين، ودعاء الناس بآبائهم يوم القيامة. وقوله: توقيف. أي وارد من الشارع. وقوله:


(1) فاطر: 22. (2) النمل: 80. (3) الاحزاب: 5

[ 161 ]

لا مجال للرأي فيه: أي لا دخل للعقل فيما هو توقيف. (قوله: والظاهر أنه يبدل العبد بالامة) بأن يقول: يا أمة الله. (قوله: ويؤنث الضمائر) أي في اذكر، بأن يقول: اذكري. وفي خرجت، بأن يكسر تاء المخاطب. وفي رضيت كذلك. (قوله: انتهى) أي قول شيخه في فتح الجواد لكن بتصرف. وعبارته: وسن تلقين مكلف بعد تمام الدفن المأثور، وهو مشهور، ونداؤه بالام فيه إن عرفت، وإلا فبحواء - كما دل الحديث الذي استدلوا به لاصل سنة التلقين ردا على من زعم أنه بدعة، ثم النداء بالام لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لان كليهما توقيف لا مجال للرأي فيه. وحكمته أن هذه دار ستر، وتلك دار هتك، لظهور آثار الاعمال على عاملها إلا على من وقي الله. اه‍. بحذف. (قوله: ويندب زيارة قبور، لرجل) أي لخبر: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة. وروي عنه (ص) أنه قال: ما من أحد يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه. ويتأكد ندب الزيارة في حق الاقارب، خصوصا الابوين، ولو كانوا ببلد آخر غير البلد الذي هو فيه، فقد روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه: من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر الله له، وكان بارا بوالديه. وفي رواية: من زار قبر والديه كل جمعة أو أحدهما، فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا. وفي رواية: من زار قبر والديه أو أحدهما كان كحجة. وروي إن الرجل لا يموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين. فأفادت هذه الاخبار أن من زار قبر أبويه كان بارا لهما غير عاق ولا مضيع حقهما. وكان ابن واسع يزور القبور يوم الجمعة ويقول: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما بعده. وورد أيضا: إن أرواح المؤمنين تأتي في كل ليلة إلى سماء الدنيا وتقف بحذاء بيوتها، وينادي كل واحد منها بصوت حزين ألف مرة. يا أهلي، وأقاربي، وولدي. يا من سكنوا بيوتنا، ولبسوا ثيابنا، واقتسموا أموالنا. هل منكم من أحد يذكرنا ويتفكرنا في غربتنا ونحن في سجن طويل وحصن شديد ؟ فارحمونا يرحمكم الله، ولا تبخلوا علينا قبل أن تصيروا مثلنا. يا عباد الله: إن الفضل الذي في أيديكم كان في أيدينا، وكنا لا ننفق منه في سبيل الله، وحسابه ووباله علينا، والمنفعة لغيرنا. فإن لم تنصرف - أي الارواح - بشئ، فتنصرف بالحسرة والحرمان. وورد أيضا عن النبي (ص) أنه قال: ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث. ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها. ويسن أن يكون الزائر على طهارة، وفي سم ما نصه: قال في شرح العباب: ولا يسن السفر لقصد زيارة غير نبي أو عالم أو صالح، خروجا من خلاف من منعه كالجويني فإنه قال إن ذلك لا يجوز. اه‍. ولم يبينوا أن الزائر يزور قائما أو قاعدا ؟ ويحتمل أن يقال يفعل ما يليق لو كان الميت حيا، وقد يستدل للقيام مطلقا أو للاكابر بالقيام في زيارة النبي (ص). اه‍. (قوله: لا لانثى) تصريح بالمفهوم، ومثلها الخنثى. (قوله: فتكره) أي الزيارة، لانها مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب. وإنما لم تحرم لانه (ص) مر بامرأة تبكي على قبر صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري متفق عليه. فلو كانت الزيارة حراما لنهي عنها. ولخبر عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله ؟ - تعني إذا زرت القبور -. قال: قولي: السلام على أهل الدار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ومحل ذلك حيث لم يترتب على خروجها فتنة، وإلا فلا شك في التحريم. ويحمل على ذلك الخبر الصحيح. لعن الله زوارات القبور.

[ 162 ]

(قوله: نعم، يسن لها زيارة قبر النبي (ص)) أي لانها من أعظم القربات للرجال والنساء. (قوله: قال بعضهم) هو ابن الرفعة والقمولي وغيرهما. (وقوله: وكذا إلخ) أي مثل زيارة قبر النبي (ص)، زيارة سائر قبور الانبياء والعلماء والاولياء، فتسن لها. وفي التحفة ما نصه: قال الاذرعي إن صح - أي ما قاله بعضهم - فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين. اه‍. وظاهره أنه لا يرتضيه. لكن ارتضاه غير واحد، بل جزموا به. والحق في ذلك أن يفصل بين أن تذهب لمشهد كذهابها للمسجد، فيشترط هنا ما مر، ثم من كونها عجوز ليست متزينة بطيب ولا حلي ولا ثوب زينة - كما في الجماعة - بل أولى، وأن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الاجانب، فيسن لها - ولو شابة - إذ لا خشية فتنة هنا. ويفرق بين نحو العلماء والاقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوارهم يعود عليهم منهم مدد أخروي، لا ينكره إلا المحرومون، بخلاف الاكابر، فاندفع قول الاذرعي إن صح إلخ. اه‍. وفي النهاية: والاوجه عدم إلحاق قبر أبويها وأخواتها وبقية أقاربها بذلك، أخذا من العلة، وإن بحث ابن قاضي شهبة الالحاق. اه‍. (قوله: ويسن كما نص عليه أن يقرأ إلخ) أي لما ورد أن فمن زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا. وعن الامام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والاخلاص والمعوذتين، واجعلوا ثواب ذلك لاهل المقابر، فإنه يصل إليهم. فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان. (وحكى) بعض أهل العلم أن رجلا رأى في المنام أهل القبور في بعض المقابر قد خرجوا من قبورهم إلى ظاهر المقبرة، وإذا بهم يلتقطون شيئا ما يدري ما هو. قال: فتعجبت من ذلك، ورأيت رجلا منهم جالسا لا يلتقط معهم شيئا، فدنوت منه وسألته: ما الذي يلتقط هؤلاء ؟ فقال يلتقطون ما يهدي إليهم المسلمون من قراءة القرآن والصدقة والدعاء. فقال: فقلت له: فلم لا تلتقط أنت معهم ؟ قال أنا غني عن ذلك. فقلت: بأي شئ أنت غني ؟ قال بختمة يقرؤها ويهديها إلى كل يوم ولدي يبيع الزلابية في السوق الفلاني. فلما استيقظت ذهبت إلى السوق حيث ذكر، فإذا شاب يبيع الزلابية، ويحرك شفتيه. فقلت: بأي شئ تحرك شفتيك ؟ قال أقرأ القرآن وأهديه إلى والدي في قبره. قال: فلبثت مدة من الزمان، ثم رأيت الموتى قد خرجوا من القبور، وإذا بالرجل الذي كان يلتقط صار يلتقط، فاستيقظت وتعجبت من ذلك، ثم ذهبت إلى السوق لا تعرف خبر ولده فوجدته قد مات. (قوله: من القرآن) بيان لما، مقدم عليه. (قوله: فيدعو له) أي فعقب القراءة يسن أن يدعو للميت رجاء الاجابة، لان الدعاء ينفع الميت، وهو عقب القراءة أقرب إلى الاجابة. وسيأتي - في باب الوصية - كلام في حصول ثواب الدعاء والقراءة للميت - إن شاء الله تعالى - (وقوله: مستقبلا للقبلة) حال من فاعل يدعو، أي يدعو حال كون الداعي مستقبلا للقبلة. وعبارة المغني: وعند الدعاء يستقبل القبلة وإن قال الخراسانيون باستحباب استقبال وجه الميت. اه‍. (قوله: وسلام لزائر إلخ) أي ويندب سلام لزائر على أهل المقبرة، أي لما روي عن أبي هريرة: قال أبو رزين: يا رسول الله، إن طريقي على الموتى، فهل لي كلام أتكلم به إذا مررت عليهم ؟ قال: قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين. أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا شاء الله بكم لاحقون. قال أبو رزين: هل يسمعون ؟ قال: يسمعون ولا يستطيعون أن يجيبوا - أي جوابا يسمعه الحي -. وقال: يا أبا رزين: ألا ترضى أن ترد عليك بعددهم الملائكة ؟. (قوله: عموما) أي لجميع من في المقبرة. (وقوله: ثم خصوصا) أي لمن قصد زيارته من أقاربه. (قوله: فيقول إلخ)

[ 163 ]

تفريغ على الاتيان بالسلام عموما، وما بعده على الاتيان به خصوصا (قوله: ويقول عند قبر أبيه إلخ) قال سم: عبارة العباب: ويقول وهو قائم أو قاعد مقابل وجه الميت: السلام عليكم إلخ. وفي شرحه عقب وهو قائم أو قاعد - كما في المجموع عن الحافظ أبي موسى الاصبهاني - قال: كما أن الزائر في الحياة ربما زار قائما أو قاعدا أو مارا. وروي القيام من حديث جماعة. اه‍. (واعلم) أنهم صرحوا في باب الحديث وغيره بأن قراءة القرآن جالسا أفضل. وصرح به المصنف في التبيان، وقضيته أن من أراد القراءة عند القبر سن له الجلوس. اه‍. (قوله: فإن أراد الاقتصار على أحدهما) أي صيغة العموم، أو صيغة الخصوص. (قوله: أتى بالثانية) أي الصيغة الثانية، وهي: السلام عليك يا والدي مثلا. (قوله: لانه) أي الثانية. والاولى لانها بضمير المؤنث. (وقوله: أخص بمقصوده) أي أكثر دلالة على مقصوده الذي. هو زيارة نحو أبيه، بخلاف الاولى، فإنها تشمله وغيره، فهي ليست أدل على مقصوده. (قوله: وذلك) أي ما ذكر من سنية السلام على أهل المقبرة من حيث هو، لخبر مسلم إلخ. (قوله: السلام عليكم إلخ) زاد ابن السني عن عائشة رضي الله عنها: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الاجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا من عندك، وسلاما مني. استغفر له كل مؤمن مذ خلق الله آدم. وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ. كتب الله له بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات. وأخرج البيهقي عن بشير بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم - لا يزيد على هؤلاء الكلمات -. قال ذلك الرجل: فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر، فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير جاؤني، قلت: من أنتم ؟ وما حاجتكم ؟ قالوا: نحن أهل المقابر. وقد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك. قلت: وما هي ؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها. قلت: فأنا أعود لذلك. قال: فما تركتها بعد. (قوله: والاستثناء للتبرك إلخ) جواب عما يقال إن اللحوق بهم محقق، فلا معنى للاستثناء. وحاصل الجواب أنه أتى به للتبرك أو باعتبار الدفن في تلك البقعة، أو باعتبار الموت على الاسلام، أي نلحقكم في هذه البقعة إن شاء الله تعالى، أو نلحقكم ونموت على الاسلام إن شاء الله. قال في شرح الروض: والصحيح أنه للتبرك، امتثالا لقوله تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) *. اه‍. (قوله: فائدة) الاولى أن يقول فوائد، بصيغة الجمع. (قوله: أمن من عذاب القبر وفتنته) قال في التحفة: وأخذ منه أنه لا يسئل، وإنما يتجه ذلك إن صح عنه (ص) أو عن صحابي، إذ مثله لا يقال من قبل الرأي. ومن ثم قال شيخنا: يسأل من مات برمضان أو ليلة الجمعة - لعموم الادلة الصحيحة. اه‍. والفرق بين فتنة القبر وعذابه، أن الاولى تكون بامتحان الميت بالسؤال. وأما العذاب فعام يكون ناشئا عن عدم جواب السؤال، ويكون عن غير ذلك. (قوله: وأمن من ضغطه القبر) أي ضمته للميت، وهي أول ما يلقاه الميت من أهوال القبر، فهي قبل السؤال.

[ 164 ]

وقد صرحت الروايات والآثار بأن ضمة القبر عامة، للصالح وغيره. وقد قال الشهاب ابن حجر: قد جاءت الاحاديث الكثيرة بضمة القبر، وأنه لا ينجو منها صالح ولا غيره، بل أخبر (ص) في سعد بن معاذ سيد الاوس من الانصار أنه اهتز لموته عرش الرحمن استبشارا لقدوم روحه، وإعلاما بعظيم مرتبته، وأنه لم ينج منها، وأنه شيع جنازته سبعون ألف ملك، وأنه لو كان أحد بنحو منها لنجا منها هذا العبد الصالح. لكن الناس مختلفون فيها، قيل ضمة القبر: التقاء جانبيه على جسد الميت. قال الحكيم الترمذي: لا نعلم أن للانبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - في القبر ضمة ولا سؤالا، لعصمتهم. قيل هي للمطيع حنو، ولغيره ضمة سخط. ويرده ما ورد في سعد بن معاذ أنه ضغط في قبره ضغطة شديدة بحيث اختلفت أضلاعه فيها، وأن رسول الله (ص) سئل عن ذلك، فقال إنه كان يقصر في بعض الطهور من البول. وأن الضمة المذكورة تكون لكل أحد، حتى الاطفال. لكن ذكر أن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها سلمت من هذه الضمة، وأن من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه كذلك - أي يسلم منها، وكذا الانبياء. وحكمتها: أن الارض أمهم، ومنها خلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة التي غاب ولدها ثم قدم عليها، فمن كان مطيعا لله ضمته برفق ورأفة، ومن كان عاصيا ضمته بعنف سخطا منها لله عليه. اه‍. بجيرمي. (قوله: وجاوز الصراط على أكف الملائكة) في رواية. وحمله الملائكة بأجنحتها حتى يجيزونه من الصراط إلى الجنة. (قوله: ورود أيضا من قال إلخ) في إرشاد العباد للمؤلف، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله (ص): ألا أخبرك بأمر حق من تكلم به في أول مضجعه عن مرضه نجاه الله من النار ؟ قلت: بلى قال: لا إله إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وسبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه علي كل حال. الله أكبر. كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان. اللهم إن كنت أمرضتني لقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم الحسنى، وأعذني كما أعذت أولئك الذي سبقت لهم منك الحسنى. إن مت في مرضك ذلك، فإلى رضوان الله والجنة، وإن كنت قد اقترفت ذنوبا تاب الله عليك. وروي. ما من ميت يقرأ عنده يس إلا هون الله عليه. ويستحب - إذا احتضر الميت - أن يقرأ عنده أيضا سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت سكرة الموت، وإنه أهون لقبضه، وأيسر لشأنه. وذكر جماعة أن السواك يسهل خروج الروح، لاستياكه (ص) عند موته. وروى أنس عن النبي (ص): من أتاه ملك الموت وهو على وضوء، أعطي الشهادة. نسأل الله أن يمن علينا بالشهادة، ويمنحنا الحسنى وزيادة، ويرزقنا التقوى والاستقامة، بجاه سيدنا محمد (ص) المظلل بالغمامة. (خاتمة) نسأل الله حسن الختام - تسن تعزية المصاب، لما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال

[ 165 ]

رسول الله (ص): من عزى مصابا فله مثل أجره. وأخرج الترمذي أيضا عن أبي برزة: من عزى ثكلى كسي بردا. وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن عمرو بن حزم: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة. وقد أرسل الامام الشافعي - رضي الله عنه - إلى بعض أصحابه يعزيه في ابن له قد مات بقوله: إني معزيك لا إني على ثقة * * من الخلود، ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته * * ولا المعزي ولو عاشا إلى حين والتعزية: هي الامر بالصبر، والحمل عليه بوعد الاجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة وللحي بجبر المصيبة، فيقال فيها: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وجبر معصيتك، أو أخلف عليك، أو نحو ذلك. وهذا في تعزية المسلم بالمسلم. وأما تعزية المسلم بالكافر فلا يقال فيها: وغفر لميتك، لان الله لا يغفر الكفر. وهي مستحبة قبل مضي ثلاثة أيام من الموت، وتكره بعد مضيها. ويسن أن يعم بها جميع أهل الميت من صغير وكبير، ورجل وامرأة، إلا شابة وأمرد حسنا، فلا يعزيهما إلا محارمهما، وزوجهما. ويكره ابتداء أجنبي لهما بالتعزية، بل الحرمة أقرب. ويكره لاهل الميت الجلوس للتعزية، وصنع طعام يجمعون الناس عليه، لما روى أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة، ويستحب لجيران أهل الميت - ولو أجانب - ومعارفهم - وإن لم يكونوا جيرانا - وأقاربه الاباعد - وإن كانوا بغير بلد الميت - أن يصنعوا لاهله طعاما يكفيهم يوما وليلة، وأن يلحوا عليهم في الاكل. ويحرم صنعه للنائحة، لانه إعانة على معصية. وقد اطلعت على سؤال رفع لمفاتي مكة المشرفة فيما يفعله أهل الميت من الطعام. وجواب منهم لذلك. (وصورتهما). ما قول المفاتي الكرام بالبلد الحرام دام نفعهم للانام مدى الايام، في العرف الخاص في بلدة لمن بها من الاشخاص أن الشخص إذا انتقل إلى دار الجزاء، وحضر معارفه وجيرانه العزاء، جرى العرف بأنهم ينتظرون الطعام، ومن غلبة الحياء على أهل الميت يتكلفون التكلف التام، ويهيئون لهم أطعمة عديدة، ويحضرونها لهم بالمشقة الشديدة. فهل لو أراد رئيس الحكام - بما له من الرفق بالرعية، والشفقة على الاهالي - بمنع هذه القضية بالكلية ليعودوا إلى التمسك بالسنة السنية، المأثورة عن خير البرية وإلى عليه ربه صلاة وسلاما، حيث قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما يثاب على هذا المنع المذكور ؟ أفيدوا بالجواب بما هو منقول ومسطور. (الحمد لله وحده) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والسالكين نهجهم بعده. اللهم أسألك الهداية للصواب. نعم، ما يفعله الناس من الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام، من البدع المنكرة التي يثاب على منعها والي الامر، ثبت الله به قواعد الدين وأيد به الاسلام والمسلمين. قال العلامة أحمد بن حجر في (تحفة المحتاج لشرحك المنهاج): ويسن لجيران أهله - أي الميت - تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، للخبر الصحيح. اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم. ويلح عليهم في الاكل ندبا، لانهم قد يتركونه حياء، أو لفرط جزع. ويحرم تهيئه للنائحات لانه إعانة على معصية، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس إليه، بدعة مكروهة - كإجابتهم لذلك، لما صح عن جرير رضي الله عنه. كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة. ووجه عده من النياحة ما فيه من شدة الاهتمام بأمر الحزن. ومن ثم كره اجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم. اه‍. وفي حاشية العلامة الجمل على شرح المنهج: ومن البدع المنكرة والمكروه فعلها: ما يفعله الناس من الوحشة

[ 166 ]

والجمع والاربعين، بل كل ذلك حرام إن كان من مال محجور، أو من ميت عليه دين، أو يترتب عليه ضرر، أو نحو ذلك. اه‍. وقد قال رسول الله (ص) لبلال بن الحرث رضي الله عنه: يا بلال من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي، كان له من الاجر مثل من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئا. وقال (ص): إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشر. وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر، مغلاقا للخير. ولا شك أن منع الناس من هذه البدعة المنكرة فيه إحياء للسنة، وإماته للبدعة، وفتح لكثير من أبواب الخير، وغلق لكثير من أبواب الشر، فإن الناس يتكلفون تكلفا كثيرا، يؤدي إلى أن يكون ذلك الصنع محرما. والله سبحانه وتعالى أعلم. كتبه المرتجي من ربه الغفران: أحمد بن زيني دحلان - مفتي الشافعية بمكة المحمية - غفر الله له، ولوالديه، ومشايخه، والمسلمين. (الحمد لله) من ممد الكون أستمد التوفيق والعون. نعم، يثاب والي الامر - ضاعف الله له الاجر، وأيده بتأييده - على منعهم عن تلك الامور التي هي من البدع المستقبحة عند الجمهور. قال في (رد المحتار تحت قول الدار المختار) ما نصه: قال في الفتح: ويستحب لجيران أهل الميت، والاقرباء الاباعد، تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله (ص): اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم. حسنه الترمذي، وصححه الحاكم. ولانه بر ومعروف، ويلح عليهم في الاكل، لان الحزن يمنعهم من ذلك، فيضعفون حينئذ. وقال أيضا: ويكره الضيافة من الطعام من أهل الميت، لانه شرع في السرور، وهي بدعة. روى الامام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة. اه‍. وفي البزاز: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الاول والثالث وبعد الاسبوع، ونقل الطعام إلى القبر في المواسم إلخ. وتمامه فيه، فمن شاء فليراجع. والله سبحانه وتعالى أعلم. كتبه خادم الشريعة والمنهاج: عبد الرحمن بن عبد الله سراج، الحنفي، مفتي مكة المكرمة - كان الله لهما حامدا مصليا مسلما. وقد أجاب بنظير هذين الجوابين مفتي السادة المالكية، ومفتي السادة الحنابلة. (واعلم) أنه يندب الصبر على المصائب، لما أخرجه الشيخان أن بنتا له (ص) أرسلت إليه تدعوه وتخبره أن ابنها في الموت. فقال (ص) للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى. فمرها: فلتصبر، ولتحتسب. وأخرج البخاري: ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. وفي حديث: من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب. ولذلك قال بعضهم: اصبر لكل مصيبة وتجلد * * واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها * * نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها * * فاذكر مصابك بالنبي محمد وقال آخر: تذكرت لما فرق الدهر بيننا * * فعزيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها: إن المنايا سبيلنا * * فمن لم يمت في يومه مات في غد وقال آخر: مات خير الخلق من قد خصه * * ربه بالصحب من خير صحاب كل حي ذائق كأس الفنا * * هكذا المسطور في أم الكتاب

[ 167 ]

أيها الناس لكم بالمصطفى * * أسوة، فالموت يدني للذهاب فثقوا بالله، وارضوا، وخذوا * * ما قضى الله بصبر واحتساب قال المؤلف في (إرشاد العباد): وكأن القاضي حسينا - من أكابر أئمتنا - أخذ من هذا قوله الذي أقروه عليه: يجب على كل مؤمن أن يكون حزنه على فراق النبي (ص) من الدنيا أكثر منه على فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون (ص) أحب إليه من نفسه، وأهله، وماله. اه‍. وفي حديث آخر: إنما الصبر عند الصدمة الاولى، أي إنما يحمد الصبر عند مفاجأة المصيبة، وأما فيما بعد فيقع السلو طبعا. ومن ثم قال بعضهم: ينبغي للعاقل أن يفعل بنفسه أول أيام المصيبة ما يفعله الاحمق بعد خمسة أيام. وفي حديث آخر: إن الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الاجر. وورد: من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الخنث، كانوا له حصنا من النار. فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -. قدمت اثنين. قال: واثنين. قال آخر: إني قدمت واحدا. قال: وواحدا، ولكن ذلك في أول صدمة. وفي حديث مسلم إن الاطفال دعاميص الجنة - أي حجاب أبوابها - يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه - فيأخذه بثوبه - أو قال بيده - فلا ينتهي حتى يدخله الجنة. وفي خبر مسلم: أنه مات ابن لابي طلحة من أم سليم، فقالت: لا يحدثه إلا أنا. فلما جاء قربت إليه عشاءه، فأكل، وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كان تتصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأته أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال: لا. قالت أم سليم: فاحتسب ابنك. فغضب، ثم انطلق إلى رسول الله (ص) فأخبره، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما. وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما، ضحك عند دفن ابنه، فقيل له: أتضحك ؟ فقال: أردت أن أرغم الشيطان. وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا مبتسما، ولا مستبشرا، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببته. والاخبار والحكايات الدالة على تأكد الصبر كثيرة شهيرة، ويتأكد لمن ابتلي بمصيبة - بميت، أو في نفسه، أو أهله، أو ماله، وإن خفت - أن يكثر * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (1) اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف علي خيرا منها. لان الله تعالى وعد من قال ذلك * (عليهم صلوات من ربهم ورحمة) * (2) وأنهم * (هم المهتدون) * ولخبر مسلم أن من قال ذلك آجره الله وأخلف له خيرا. وقال ابن جبير: لقد أعطيت هذه الامة عند المصيبة ما لم يعطه غيرهم: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * ولو أوتوه لقاله يعقوب عليه السلام. ولم يقل يا أسفى على يوسف. جعلنا الله من الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء. آمين. والله سبحانه وتعالى أعلم.


(1) البقرة: 156. (2) البقرة: 157.

[ 168 ]

باب الزكاة لما أنهى الكلام على الركن الاعظم من أركان الاسلام - وهو الصلاة - شرع يتكلم على الركن الثاني منها، وهو الزكاة. والاصل في وجوبها - قبل الاجماع - قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) *. وأخبار كخبر بني الاسلام على خمس. (قوله: هي لغة: التطهير والنماء) يعني أن الزكاة في اللغة جاءت بمعنى التطهير، وبمعنى النمو. قال تعالى: * (قد أفلح من زكاها) * (1) أي طهرها. ويقال: زكا الزرع إذا نما. وجاءت أيضا فيها بمعنى المدح، قال تعالى: * (فلا تزكوا أنفسكم) * أي تمدحوها. وبمعنى البركة، ويقال: زكت النفقة: إذا بورك فيها. وبمعنى كثير الخير، يقال: فلان زاك، أي كثير الخير. (قوله: وشرعا: اسم لما يخرج) أي لقدر يخرج إلخ، وسمي بذلك للمناسبة بينه وبين المعاني اللغوية المذكورة، وذلك لان المال ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ لها، ولانها تطهر مخرجها من الاثم، وتمدحه حين تشهد له بصحة الايمان. والقدر المخرج عن المال هو العشر فيما سقي بما لا مؤنة فيه، أو نصفه فيما فيه مؤنة، أو ربعه في الذهب والفضة و الخمس في الركاز. أو ما ورد عن الشارع في الحيوان، كبنت مخاض عن خمس وعشرين. والقدر المخرج عن البدن، وهو صاع. (وقوله: عن مال) هو ما سيذكره بعد بقوله النقدين إلخ. وزكاة التجارة ترجع للنقد لانها تقوم به، ثم إن المال المذكور بعضه حولي وبعضه غير حولي - كما ستعرفه. (وقوله: أو بدن) أي أو ما يخرج عن البدن، وهو صاع زكاة الفطر. ولا يشترط حول لوجوبها عمن ولد قبل الغروب. (وقوله: على الوجه الآتي) أي من وجود الشروط، وانتفاء الموانع، ونية الدافع. (قوله: وفرضت زكاة المال في السنة الثانية) اختلف في أي شهر منها. والذي قال شيخنا البابلي أن المشهور عن المحدثين أنها فرضت في شوال من السنة المذكورة. اه‍. بجيرمي. (قوله: بعد صدقة الفطر) أي بعد فرض صدقة الفطر، لانها فرضت قبل العيد بيومين في السنة الثانية أيضا - كما في المواهب اللدنية. (قوله: ووجبت) أي زكاة المال. (قوله: في ثمانية أصناف من المال) أي بعد النقدين صنفين، والانعام ثلاثة، وعروض التجارة داخلة في النقدين، لانها تقوم بهما - كما علمت - وترجع هذه الثمانية إلى ضربين: ما يتعلق بالقيمة - وهو زكاة التجارة - وما يتعلق


(1) الشمس: 9. (1) الزكاة فريضة وركن من أركان الدين قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) التوبة الاية 103. وقوله عزوجل: (وآتوا الزكاة) النساء الاية 76. وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من اغنيائهم، فترد في فقرائهم " متفق عليه. وللحديث: " بنى الاسلام على خمس، ومنها وإيتاء الزكاة " متفق عليه

[ 169 ]

بالعين: وهو ثلاثة أنواع: نبات، وجوهر النقدين، وحيوان. (قوله: النقدين إلخ) بدل من ثمانية أصناف. (وقوله: والانعام) أي الابل، والبقر، والغنم. (قوله: والقوت) أي من الحبوب، كبر، وشعير، وأرز. (قوله: والتمر، والعنب) عبر بعضهم عن هذين وعن القوت بالنابت، فإنه يشمل الزرع والنخل والكرم. (قوله: لثمانية إلخ) متعلق بوجبت، أي وجبت في ثمانية أصناف من المال، لثمانية أصناف من الناس، وهم المذكورون في آية * (إنما الصدقات للفقراء) * إلخ. (قوله: ويكفر جاحد وجوبها) أي الزكاة. ومحله أن أنكر وجوبها على الاطلاق، بأن أنكر أصلها من غير نظر لافرادها، أو أنكر بعض أفرادها الجزئية المجمع عليه، بخلاف المختلف فيه - كوجوبها في مال الصبي والركاز - فلا يكفر جاحده. (قوله: ويقاتل الممتنع عن أدائها) أي الزكاة - كما فعل الصديق رضي الله عنه - وكما يقاتل الممتنع من الاداء يقاتل الممتنع من أخذها. وعبارة ش ق: ولو امتنع المستحقون من أخذها قاتلهم الامام، لان قبولها فرض كفاية، فيقاتلون على ذلك، لتعطيلهم هذا الشعار العظيم، كتعطيل الجماعة، بناء على أنها فرض كفاية، بل أولى. أفاده الرملي. اه‍. (قوله: وتؤخذ) أي الزكاة. (وقوله: منه) أي من الممتنع. (وقوله: وإن لم يقاتل) الاولى تأخيره عن قوله قهرا. (وقوله: قهرا) صفة لمصدر محذوف، أي تؤخذ أخذا قهرا، سواء قاتل الممتنع الامام أم لا. وفي البجيرمي ما نصه: والحاصل أن الناس فيها على ثلاثة أقسام: قسم يعتقد وجوبها ويؤديها، فيستحق الحمد، وفيه نزل قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) * (1). وقسم يعتقد وجوبها ويمتنع من إخراجها، فإن كان في قبضة الامام أخذها من ماله قهرا، وإلا قاتله، كما فعلت الصحابة رضوان الله عليهم بمانع الزكاة. وقسم لا يعتقد وجوبها، فإن كان ممن يخفى عليه - لكونه قريب عهد بالاسلام - عرفه أي الوجوب وينهى عن العود، وإلا حكم بكفره. اه‍. (قوله: تجب إلخ) شروع في بيان شروط من تجب عليه زكاة الاموال التي هي: النقدان، والانعام، والقوت، والتمر، والعنب. وبدأ ببيان شروط من تجب عليه زكاة النقدين - لانهما أشرف من بقية الاموال - إذ بهما قوام الدنيا، ونظام أحوال الخلق، لان حاجات الناس كثيرة، وكلها تقضى بهما، بخلاف غيرهما من الاموال. وذكر لمن تجب عليه زكاتهما خمسة شروط - متنا وشرحا - وهي: إسلام، وحرية، وتعين مالك، ونصاب وحول. وبقي من الشروط: قوة الملك، ويعبر عنه بالملك التام، ليخرج به ما ملكه المكاتب، فلا زكاة فيه عليه، لضعف ملكه عن احتمال المواساة. وتيقن وجود المالك: فلا زكاة في مال الحمل الموقوف له بإرث أو وصية، لعدم الثقة بحياته. ومعظم هذه الشروط يأتي في غيره ممن تجب عليه زكاة بقية الاموال - كما ستقف عليه. (قوله: على كل مسلم) أي لقول الصديق رضي الله عنه في كتابه: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله (ص) على المسلمين. رواه البخاري. (قوله: ولو غير مكلف) غاية في المسلم، وهو الصبي والمجنون. (قوله: فعلى الولي إلخ) هذا بيان للمراد بلزومها على غير المكلف، يعني أن المراد بذلك أنها تلزم في ماله، ويلزم الولي إخراجها منه، فالمخاطب بالاخراج الولي. قال في النهاية: ومحل وجوب ذلك عليه في مال الصبي والمجنون، حيث كان ممن يعتقد وجوبها على المولى عليه، فإن كان لا يراه - كحنفي - فلا وجوب. والاحتياط له أن يحسب زكاته، فإذا كملا أخبرهما بذلك، ولا يخرجها، فيغرمه الحاكم. قاله القفال. وفرضه في الطفل ومثله المجنون - كما مر - والسفيه. اه‍. (فائدة) أجاب السبكي عن سؤال صورته: كيف تخرج الزكاة من أموال الايتام من الدراهم المغشوشة والغش فيها ملكهم ؟ بأن الغش إن كان يماثل أجرة الضرب والتخليص فيسامح به، وعمل الناس على الاخراج منها. اه‍. مغنى.


(1) التوبة: 60

[ 170 ]

(ظريفة) للفخر الرازي: طلبت من المليح زكاة حسن * * على صغر من السن البهي فقال: وهل على مثلي زكاة * * على رأي العراقي الكمي ؟ فقلت: الشافعي لنا إمام * * يرى أن الزكاة على الصبي فقال: اذهب إذا واقبض زكاتي * * بقول الشافعي - من الولي وتممه التقي السبكي فقال: فقلت له فديتك من فقيه * * أيطلب بالوفاء سوى الملي نصاب الحسن عندك ذو امتناع * * بخدك والقوام السمهري فإن أعطيتنا طوعا، وإلا * * أخذناه - بقول الشافعي (قوله: وخرج بالمسلم الكافر الاصلي) احترز بالاصلي عن المرتد، فإن فيه تفصيلا، وهو أنه إن ارتد بعد أن وجبت الزكاة عليه، أخذت منه مطلقا، سواء أسلم أم لا. وإن وجبت عليه بعد أن ارتد فتوقف كبقية أمواله، إن عاد إلى الاسلام لزمه أداؤها، لتبين ملكه. وإن مات مرتدا بان أن لا مال له من حين الردة ويكون فيئا. (قوله: فلا يلزمه إخراجها) بمعنى أنه لا يطالب بها في الدنيا، فلا ينافي أنها تلزمه من حيث إنه يعاقب على تركها في الآخرة، كبقية الفروع المتفق عليها. (قوله: ولو بعد الاسلام) أي فلا يلزمه أن يخرجها لقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (1). وإنما لم تسقط الكفارة بالاسلام لانها محض مواساة، فينبغي أن لا يتركها بعد الاسلام، بخلاف الزكاة، فإنها وإن كان فيها مواساة، لكن فيها شائبة معاوضة في مقابلة ما نما من المال. وأيضا: فالكفارة شأنها ندرة الوقوع، فلا يشق إخراجها لعدم كثرتها، بخلاف الزكاة فإنها كثيرة الوقوع، فيشق إخراج ما استق