الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المسائل المستحدثة - السيد محمد صادق الروحاني

المسائل المستحدثة

السيد محمد صادق الروحاني


[ 1 ]

المسائل المستحدثة تأليف فقيه العصر سماحة آية الله العظمى السيد محمد صادق الحسيني الروحاني مد ظله

[ 2 ]

الطبعة الاولى: طبعت في قم - ايران - ذي القعدة الحرام 1384 ه‍ الطبعة الثانية: طبعت في بيروت - لبنان - ربيع الاول 1393 ه‍ الطبعة الثالثة: طبعت في قم - 1398 ه‍ الطبعة الرابعة: طبعت في قم - ايران - ذي القعدة الحرام 1414 ه‍ مواصفات الكتاب: الكتاب: المسائل المستحدثة المؤلف: السيد محمد صادق الحسينى الروحانى الطبعة الرابعة: 1414 ه‍ - ق المطبعة: فروردين الناشر: مؤسسة دار الكتاب قم المقدسة السعر: 250 تومان تيراژ: 1000 نسخه

[ 3 ]

المسائل المستحدثة بحوث فقهية استدلالية، حول: " التلقيح الصناعي - السرقفلية - الاوراق النقدية - الكبيالات (سفته) - الحوالات المستحدثة - أعمال البنوك - عقد التامين - أوراق اليانصيب - الشوارع المفتوحة - التشريح - زرع أعضاء الموتى في أجسام الاحياء - الذبح بالاجهزة الحديثة - تحديد النسل وتنظيمه - وظيفة ركاب الطائرة - صلاة وصيام أهل القطبين - بيع المذياع و التلفزيون - الكحول الصناعية - الصورة و التصوير - حق التاليف - حق امتياز نشر الاخبار - المباراة ".

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما اولينا به من التفقه في الدين والهداية الى الحق. وافضل صلواته واكمل تسليماته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة الكفيلة باسعاد المجتمع ومعالجة مشاكله - وعلى آله العلماء بالله والامناء على حلاله وحرامه سيما بقية الله في الارضين عجل الله تعالى فرجه الشريف. وبعد: فمنذ عدة سنين وانا أحاول الكتابة عما يستفاد من الكتاب والسنة في المسائل المهمة التي اقتضتها طبيعة عصورنا هذه ولم تكن موجودة في عصر صاحب الشريعة السماوية الباقية وعصور اهل بيت العصمة من ذرية الرسول وبيان موقف الشريعة الاسلامية منها. وفي اثناء هذه المدة نبئت انه عقدت لبحثها المؤتمرات - وأدلى فيها ذو والآراء بآرائهم - وعلى رغم ما تناولها من البحث وتعدد الآراء فانها لا تزال غصة. واخيرا اجتمع جملة من الافاضل وقد سألوني ان أجعل تلك المسائل محورا للبحث فاجبت مسؤولهم ونزلت عند رغبتهم والقيت في ايام العطلة (في شهر رمضان المبارك سنة 1384 ه‍) بعض المحاضرات في تلك الموارد وبينت حكم الشريعة الاسلامية بالنسبة لكل مشكلة منها وكنت ادون ما القيه إليهم في محاضراتي. فلما تم تأليف الكتاب، رأيت الاولى نشره واخراجه الى عالم الظهور. محمد صادق الحسيني الروحاني ايران - قم - الحوزة العلمية بتاريخ 1391 ه‍

[ 5 ]

التلقيح الصناعي حقيقة التلقيح وتاريخه - حكم الشريعة الاسلامية في التلقيح من حيث الجواز و الحرمة - حكمها إذا حصل التلقيح والحمل و انه بمن يلحق؟ - مع عدم الالحاق، هل يصح عقد الزواج بين ذاك الولد إن كان بنتا و صاحب الماء أم لا؟

[ 7 ]

من الموضوعات المستحدثة: التلقيح الصناعي وقد كثر البحث فيه في المجامع العالمية هذا مجلس العموم البريطاني قد احاله الى لجنة مختصة لبحثه، وفي فرنسا قال الاطباء انه جائز إذا كان بموافقة الزوجين، وفي ايطاليا اصدر البابا امرا بالتحريم، وفي مصر حكم العلامة شلتوت بان التلقيح الصناعي افظع جرما من التبني. والبحث عن هذا الموضوع من جهات: 1 - حقيقة التلقيح وتاريخه. 2 - حكم الشريعة المقدسة في التلقيح من حيث الجواز والحرمة. 3 - حكمها إذا حصل التلقيح وتحقق الحمل وانه بمن يلحق. 4 - مع عدم الالحاق، هل يصح عقد الزواج بين ذلك الحمل ان كان بنتا وصاحب الماء، ام لا. حقيقة التلقيح وتاريخه: من المعلوم ان قصد التوليد عن طريق التلقيح موجود من قديم، وقد استخدموه في

[ 8 ]

النبات والحيوان، وحصل منه ثمار جيدة وانواع حسنة من الحيوان.، وقد دفعهم ذلك الى اجراء التجارب التلقيحية في المرأة بماء الرجل، وفعلا نجحت هذه التجارب وتكون به الجنين واستكمل حياته الرحمية وخرج انسان سوي الخلقة، وبعد هذه التجارب اتخذ سبيلا لتحقيق رغبة الولد إذا كان الزوج عقيما لا يولد له: بان يؤخذ نطفة رجل اجنبي و تلقح المرأة تلقيحا صناعيا بها دون مقاربة. حكم الشريعة في التلقيح من حيث الجواز والحرمة: ان كان التلقيح بماء الرجل لزوجته، كان ذلك عملا مشروعا على ما ستقف عليه، وان كان بماء الاجنبي، فما استدل به، أو يمكن ان يستدل به لحرمته - وجوه: الوجه الاول: ان الآية الكريمة " وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن " تدل على ذلك فانها متضمنة للامر بحفظ الفرج ولم يذكر فيها متعلق الحفظ. ولم يخصه بالمقاربة وهذه آية العموم: لان حذف المتعلق يفيد العموم فمقتضى عموم الآية الشريفة لزوم حفظ العضو من كل شئ حتى التلقيح. وفيه: ان الظاهر من الآية الشريفة لزوم حفظ العضو من الغير اعم من المقاربة والنظر و غيرهما، ولا تدل على لزوم حفظه من نفسها أو زوجها، فتصرف احدهما فيه ولو بادخال جسم فيه وافراغ ماء أو جسم سيال آخر فيه لا يكون مشمولا للآية الكريمة. وعليه، فإذا اخذت نطفة رجل اجنبي وافرغت في الرحم، ادخال ذلك الجسم الجامد المشتمل على النطفة في العضو كان بيد الزوج ام لم يكن لا يكون حراما، وافراغ النطفة في الرحم لا تكون الآية الشريفة مربوطة به مع، انه قد ورد في النصوص، تفسير هذه الآية بان المراد منها الحفظ من النظر خاصة، واما الآيات الاخر الواردة في حفظ الفرج - وهما - آيتان - في سورة المعارج والمؤمنين " والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى ازواجهم -

[ 9 ]

فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون " فهي مع اختصاصها بالرجل ظاهرة فيما ذكرناه سيما بقرينة ما في ذيلها. الوجه الثاني: النصوص المتضمنة لحرمة الانزال في فرج المرأة المحرمة الدالة على حرمة جعل نطفة الاجنبي في الرحم - لاحظ. خبر علي بن سالم عن الامام الصادق عليه السلام ان اشد الناس عذابا يوم القيامة رجلا اقر نطفته في رحم يحرم عليه. ومرسل الصدوق قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن يعمل ابن آدم عملا اعظم عند الله عز وجل من رجل قتل نبيا أو اماما أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلة لعباده أو افرغ مائه في امرأة حراما ونحوهما غيرهما. وفيه: ان الظاهر منها مباشرة الاجنبي في ذلك الظاهر في مقاربته اياها مع، انها متضمنة للعقاب على افراغ الماء المحرم عليه ولا تدل على انه حرام مطلقا، فلا يصح الاستدلال بها في المقام. الوجه الثالث: إنا علمنا من طريقة الشرع وتحذيره وتشديده في امر الفروج ومبدأ تكون الولد انها لا تستباح الا باذن شرعي فمجرد احتمال الحرمة كاف في وجوب الكف و الاحتياط - لا حظ - صحيح شعيب الحداد قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل من مواليك يقرأك السلام وقد اراد ان يتزوج امرأة وقد وافقته واعجبه بعض شانها وقد كان لها زوج فطلقها على غير السنة وقد كره ان يقدم على تزويجها حق يستامرك فتكون انت تأمره فقال أبو عبد الله عليه السلام هو الفرج وامر الفرج شديد ومنه يكون الولد ونحن نحتاط فلا يتزوجها. وخبر - العلا بن سيابة عن الامام الصادق عليه السلام عن امرأة وكلت رجلا بان يزوجها من رجل الى ان قال - فقال عليه السلام ان النكاح احرى واحرى ان يحتاط فيه وهو فرج ومنه يكون

[ 10 ]

الولد. وتقريب الاستدلال بها انه علل عدم جواز النكاح بمطلوبية الاحتياط ولزومه في هذا الباب من ناحية ان منه يكون الولد، ومقتضى عموم العلة لزوم الاحتياط في ما هو مبدأ تكن الولد، وعليه فلو شك في جواز التلقيح الصناعي لا سبيل الى الرجوع الى البراءة، بل المرجع هو اصالة الاحتياط المتفق عليها في هذا الباب. فالاظهر عدم جواز التلقيح بنطفة رجل اجنبي. حكم الحمل بالنسبة الى الزوج: ثم انه يقع الكلام في ان الحمل لو تحقق، بمن يلحق، والكلام فيه في موارد: المورد الاول - في انه هل يلحق بالزوج ام لا؟ لا اشكال في انه إذا لقح نطفة الاجنبي وقاربها زوجها واحتمل تكون الولد من ماء الزوج، فتكون الولد يكون ملحقا بالزوج: لقاعدة الفراش المستفادة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم، الولد للفراش، الذي وصل الينا بالاخبار المستفيضة - وقد استدل به المعصومون عليه السلام في أبواب متفرقة. انما الكلام فيما إذا لم يحتمل تكون الولد من ماء الزوج وقد يتوهم: ان مقتضى عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش الحاقه بالزوج. وتوطئة لبيان ما هو الحق يحسن بنا ان نشرح الحديث الشريف - الولد للفراش - و للعاهر الحجر. اما قوله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش - فيحتمل فيه وجهان: احدهما: ان الولد لصحاب الفراش وهو الزوج أو المولى. ثانيهما: ما عن المصباح المنير - وهو ان الفراش اي الزوج والزوجة: لان كل واحد من الزوجين يسمى فراشا للآخر، كما سمي كل واحد منهما لباسا للآخر وعليه فلا يحتاج الى

[ 11 ]

التقدير كما في الاول. ولا يعتبر في الزوجة ان يعلم بالدخول إذ الفراش يصدق بدون الوطء، وهذا بخلاف الامة بل لو علم بعدمه يلحق به الولد لصدق الفراش بالعقد، غاية الامر مع احتمال الانزال كما يشهد به خبر ابي البختري الآتي وغيره. المعروف بين الاصحاب ان قاعدة الفراش قاعدة مضروبة لمقام الشك في كون الولد للزوج، ولذا اشترط الاصحاب للحقوق الولد بالزوج شروطا، منها احتمال الانزال وقد دلت عليها النصوص. وفي خبر جعفر بن محمد المروى عن قرب الاسناد عن ابيه عليه السلام عن امير المؤمنين عليه السلام جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كنت اعزل عن جارية لي فجاءت بولد فقال عليه السلام ان الوكاء قد ينفلت فالحق به الولد، ولو كان مجرد تحقق الفراش كافيا في الحاق الولد لم يكن وجه لتعليله عليه السلام الالحاق بان الوكاء قد ينفلت، الذي هو كناية عن ان المنى قد يسبق من غير ان يشعر به. ولا مفهوم له كي يدل على انحصار الحاق الولد بالفراش وانه لا يلحق مع عدمه كما لا يخفى. واما قوله فللعاهر الحجر، فيحتمل فيه معنيان: احدهما: كون الحجر كناية عن الحرمان والخيبة بمعنى انه لا شئ له كما يقال له التراب. ثانيهما: انه كناية عن الرجم بالاحجار. ولكن الثاني بعيد إذا لعاهر ان كان محصنا يرجم بالاحجار والا يجلد، وحمله فيه على ارادة الغلظ عليه والاعناف به بتوفية الحد الذي يستحقه من الجلد - بعيد - فالمتعين هو الاول، والعاهر هو الزاني فالمستفاد من الخبر، ان الولد يلحق بالزوج مع امكانه ولا يلحق بالزاني. وعلى هذا التمهيد فمع العلم بانه لا يكون الولد من ماء الزوج بل يكون من النطفة

[ 12 ]

الملقوحة لاوجه للالحاق به - والتبني في الاسلام غير جائز " وما جعل ادعيائكم ابنائكم ". حكم الحمل بالنسبة الى الزوجة: المورد الثاني - في انه هل يلحق الولد بالزوجة ام لا؟ الظاهر الحاقه بها وكونها اما له: إذ في صورة الزنا وان لم يلحق الولد بامه كما هو المشهور خلافا للصدوق وابي علي وابي الصلاح. ويشهد به صحيح عبد الله بن سنان عن الامام الصادق عليه السلام في حديث قلت فانه مات و له مال من يرثه قال عليه السلام الامام. وخبر محمد بن الحسن القمي عن رجل فجر بامرأة ثم انه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد هو اشبه خلق الله به فكتب بخطه وخاتمه الولد لغية لا يورث فان اطلاقهما كعموم التعليل في الاخير يشمل الام. ويشهد له - ايضا صحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام ايما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها وادعى ولدها فانه لا يورث منه شئ فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يورث ولد الزنا الا رجل يدعى ابن وليدته ونحوه غيره. والاستدلال: للالحاق بخبر اسحاق بن عمار عن جعفر عليه السلام عن ابيه عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول ولد الزنا وابن الملاعنة ترثه امه واخوته لامه أو عصبتها وبما - عن يونس ان ميراث ولد الزنا لقرابته من قبل امه على نحو ميراث ابن الملاعنة. غير صحيح: لضعف سند الاول بغياث بن كلوب وغيره: والوقف الى الراوي من دون

[ 13 ]

نسبته الى الامام في الثاني، اضف الى ذلك موافقتهما للعامة - فليحملا على التقية أو على كون الام زانية فانها واقاربها يرثونه حينئذ لثبوت النسب الشرعي بينهم فيكون كولد الملاعنة. ولكن في غير مورد الزنا وان كان مبدأ تكون الولد على وجه غير شرعي، كما لو جامع امرأته وهي حائض، أو في صوم رمضان، وكما لو جامع الرجل زوجته وساحقت هي جارية فحبلت الجارية من ماء الرجل المنتقل إليها، أو غير ذلك من الموارد، يكون الولد ملحقا بها لتكونها في رحمها ويسمى ولدا لغة وعرفا ولم يدل دليل شرعي على خلافه - لاختصاص ما دل على نفي الولد بالزنا بل مقتضى عموم الاية الكريمة " ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم "، حيث جعل المولدة مطلقا اما كون المتولد ابنا أو بنتا شرعا على حسب القانون اللغوي. حكم الحمل بالنسبة الى صاحب الماء: المورد الثالث: في حكم الحمل بالاضافة الى صاحب النطفة - ان كان معلوما - ولم يحتمل تكون الولد من ماء الزوج - والظاهر لحوقه به. وقد افتى كثير من الاصحاب كالشيخ رحمه الله في محكى " النهاية " واتباعه والشهيد الثاني في " المسالك " والمحقق في " الشرائع " وغيرها - وسيد الرياض - و صاحب الجواهر وغيرهم، بالحاق الولد بصاحب الماء، لو وطء زوجته فساحقت بكرا، فحملت وتلك المسالة والمقام من باب واحد، بل الالحاق في المقام اولى من الالحاق فيها. والشاهد للحوق به، انخلاقه من مائه ويسمى ولدا لغة والاصل عدم النقل، و قوله صلى الله عليه وآله وسلم للعاهر الحجر مختص بالزانى، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش قد عرفت انه جعل لقاعدة في ظرف الشك ولا مفهوم له كي يدل على انتفاء النسب بانتفاء الفراش. وبالجملة يصدق الولد عليه عرفا والمانع الشرعي منتف إذ ليس إلا الزنا والتلقيح ليس منه لا عرفا ولا شرعا.

[ 14 ]

ويمكن ان يستشهد له - بما ورد في المساحقة التي يكون الالحاق في المقام أولى منه فيها. كصحيح ابن مسلم قال سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان بينما الحسن بن علي عليهما السلام في مجلس علي امير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل قوم فقالوا يا ابا محمد اردنا امير المؤمنين عليه السلام قال وما حاجتكم قالوا اردنا ان نساله عن مسالة قال وما هي تخبرونا بها - قالوا امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فالقت النطفة فيها فحملت فما تقول - فقال الحسن عليه السلام يعمد الى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في اول وهلة لان الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها - ثم ترجم المرأة لانها محصنة - وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها - ويرد الى ابيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد - الحديث. وقريب منه خبر اسحاق بن عمار عن الامام الصادق عليه السلام. وأورد على الاستدلال بهما بوجهين: احدهما: أن الولد غير مولود على فراش الرجل فكيف يلتحق به. وفيه: أنه قد عرفت إن قاعدة الفراش قاعدة ظاهرية مضروبة لحال الشك ولا تدل على نفي الولد بانتفاء الفراش فراجع، مع: أنه لو كان لدليلها مفهوم وكان دالا على انتفائه كان الخبر ان أخص منه فيقيد اطلاقه بهما. ثانيهما: ان اصحابنا لا يرجمون المساحقة، ولا يرون مهرا لبغي والخبران بما انهما متضمنان لرجم المساحقة والزام المهر على الفاعلة مع انها لم تكره المفعولة ولذا تجلد، لا يكونان معمولا بهما. وفيه: أولا: أن المساحقة إذا كانت محصنة ترجم عند الشيخ والقاضي وابن حمزة ومال إليه في المسالك، وأما المهر فالوجه فيه كونه سببا في ذهاب العذرة وديتها مهر نسائها و ليست هي كالزانية في سقوط دية العذرة: لان الزانية اذنت في الافتضاض بخلاف هذه.

[ 15 ]

وثانيا: عدم العمل ببعض الخبر جمعا بينه وبين اخبار اخر لا يوجب عدم العمل ببعضه الآخر الذي لا معارض له. فالمتحصل مما ذكرناه في هذه الجهة: انه لو حملت المرأة بالتلقيح، فان كان ذلك بتلقيح نطفة الزوج لا اشكال في الالحاق بهما، وان كان بتلقيح نطفة الاجنبي فان كان للمرأة زوج و قاربها واحتمل تكون الولد من مائه يلحق الولد بالزوجين، وان لم يحتمل ذلك لا يلحق بالزوج بل يثبت النسب بين الحمل وامه وصاحب النطفة، وكذلك ان لم يكن لها زوج يثبت النسب بين الحمل وبين الابوين. حكم نكاح صاحب الماء مع الحمل ان كان بنتا: وعلى ما اخترناه من الحاق الولد بصاحب الماء لا اشكال في حرمة الحمل ان كان بنتا عليه. واما على القول الآخر الذي ذهب إليه بعض فقهاء العصر فهل تحرم عليه ام لا. قد يقال بالتحريم: من جهة ان قبح نكاح الانسان بنته اللغوى وان لم تكن البنتية شرعية، أو اخته ذاتي والعقل مستقل به، وفي الخبر الوارد في بدو النسل من ذرية آدم عن الامام الصادق عليه السلام التصريح بذالك، بل فيه ان بعض البهائم تنكرت له اخته فلما نزى عليها و نزل كشف له عنها وعلم انها اخته اخرج عزموله ثم قبض عليه باسنانه ثم قلعه ثم خرميتا وبالملازمة بين حكم العقل والشرع يستكشف الحرمة الشرعية. وان مدار تحريم النسبيات السبع على اللغة وهي لانخلاقها من مائه بنت له لغة وان لم تكن بنتا له شرعا. وان الاجماع قائم عليه. وانها كافرة قياسا لها بولد الزنا ولا يحل على المسلم نكاحها.

[ 16 ]

وان الانسان لا ينكح بعضه بعضا كما ورد في بعض النصوص النافية لخلق حواء من آدم. وان الاصل في هذا الباب كما تقدم هو الاحتياط فالشك في الجواز مع عدم دليل عليه يكفي في الحكم بالحرمة. ولكن لو كان دليل يدل على نفي الولدية لكان اكثر هذه الادله - وهي الاولان و الخامس باطلة: إذ المنفي شرعا كالمنفي عقلا. وما يبقى واضح الدفع. إذ الاجماع لا يستند إليه مع معلومية مدرك المجمعين. وولد الزنا لا يكون كافرا فضلا عمن تولد بالتلقيح. واصالة الاحتياط لا يرجع إليها في مقابل العمومات. الا انه على فرض تسليم عدم الحكم بالنسب الشرعي لعدم الفراش بما انه لا دليل على نفي النسب بحيث يكون له اطلاق بالاضافة الى جميع الاحكام فالرجوع الى عموم ما دل على تحريم النسبيات السبع أو اصالة الاحتياط هو المتعين. فالاظهر حرمتها عليه

[ 17 ]

السرقفلية تاريخ السرقفلية - النوع الاول من السرقفلية - حقيقة الحق وأقسامه - الوجوه المذكورة لتصحيح هذه المعاملة - ما هو الحق في تصحيح هذه المعاملة - النوع الثاني من السرقفلية، وصوره.

[ 19 ]

من الموضوعات المستحدثة السرقفلية التي هي كلمة فارسية ترمز الى ما تعارف في هذا الزمان، من اخذ مقدار من المال بازاء تفويض المالك أو المستاجر الاول حق ايجار العين الى اي شخص شاء في، اية مدة اراد، وباية قيمة توافقا عليها. والكلام فيها في مواضع: تاريخ السرقفلية: الاول في تاريخ ذلك، والظاهر انها وليدة الايام المتأخرة، والاصل فيها ان مجلس النواب! في ايران وضع قانونا في باب الاجارة، وهو انه ليس للمالك المؤجر اخراج المستاجر واخذ العين المستأجرة منه بعد انقضاء مدة الاجارة، ولا ان يزيد في كرائها خلافا للقانون الشرعي، واتفق بعد ذلك غلاء الاسعار وبالطبع زادت كراء الاملاك، فاضطر ملاك الاماكن من الدكاكين والفنادق والمنازل وغيرها لاجل تنمية الثروة الى ان يؤجروا اماكنهم بانقص من كرائها ويفوضوا امر الايجار الى المستأجرين بازاء مقدار من المال، مثلا - ياخذ المالك الف تومان بعنوان السرقفلية، ومائة تومان بعنوان الاجارة السنوية، وبازاء السرقفلية يفوض امر الايجار بعد مضي السنة الى المستاجر - وقد صار ذلك امرا عرفيا شائعا في الاسواق.

[ 20 ]

ثم ان السرقفلية على نوعين: احدهما: ما ياخذه المالك. ثانيهما: ما ياخذه المستاجر الاول من غيره، فينبغي لنا ان نبحث في النوعين النوع الاول من السرقفلية: الموضع الثاني - في النوع الاول من السرقفلية، وبيان ما هو حكم الشريعة في هذا المبلغ المأخوذ من المستاجر. وقد يقال كما عن بعض المعاصرين: بان حق الايجار من الحقوق التي صارت للجهة المشار إليها مما له مالية في اعتبار العقلاء وهو قائم بالعين، يقابل بالعوض كنفس العين المستأجرة من حيث منافعها فيكون المعاملة من سنخ البيع وتشملها العمومات من غير قصور، وليس هناك ما يصلح للمانعية، سوى توهم انه اكل للمال بالباطل، وقد عرفت بالتقريب المذكور وهنه، فالحكم بالصحة واقع في محله بلا ريب. حقيقة الحق واقسامه: قبل بيان ما يرد على هذا الوجه، لا بد لنا من تقديم مقدمة: وهي انه في الادلة عناوين ثلاثة - الملكية - والحكم - والحق. اما الملكية والحكم فحقيقتهما واضحة مذكورة في محلهما. واما الحق فهو في اللغة بمعنى الثبوت وبهذا الاعتبار يطلق عليه سبحانه الحق. واما بحسب الاصطلاح فهو عبارة عن اعتبار السلطنة على شئ أو شخص في جهة خاصة - مثلا - حق الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ والامضاء - وحق الشفعة عبارة عن السلطنة على ضم حصة الشريك الى حصته بتملكه عليه قهرا. ولا يخفى ان هذا ليس حقيقة شرعية له، إذ مضافا الى عدم الدليل عليه: ان الحق يستعمل كثيرا في الاخبار وكلمات علمائنا الابرار في الحكم، وعليه فتشخيص كون مورد

[ 21 ]

خاص من قبيل الحكم أو الحق بالمعنى الذي ذكرناه يتوقف على ملاحظة الخصوصيات و القرائن ولا يستفاد ذلك من مجرد اطلاق الحق عليه. واما اقسامه فقد جعل الشيخ الاعظم رحمه الله له اقساما: الاول: ما لا يقبل المعاوضة بالمال - اي لا يقبل النقل، ولا الاسقاط كحق الحضانة و الولاية. الثاني: ما يقبل الاسقاط، ولا يقبل النقل كحق الشفعة والخيار. الثالث: ما يكون قابلا للنقل والانتقال، والاسقاط كحق التحجير. " والعلامة " جعل ما يصح نقله واسقاطه الى قسمين: (أحدهما) ما يصح ذلك فيه بالعوض ومجانا (ثانيهما) ما لا يصح ذلك فيه الا مجانا كحق القسم: فان لكل من الازواج نقله الى ضرتها واسقاطه الا انه ليس لها اخذ المال بازاء ذلك. لا كلام في عدم صحة جعل ما هو من قبيل القسم الاول، اي ما لا يقبل الانتقال و الاسقاط عوضا واخذ المال بازائه، وكذلك لا يجوز اخذ المال بازاء ما يقبل ذينك الا انه لابد وان يكون مجانا وبلا عوض. إنما الكلام في الاقسام الاخر، والحق عندنا خلافا للمحقق النائيني رحمه الله صحة جعل كل منها عوضا، غاية الامر فيها لا يقبل الانتقال يصح جعل اسقاطه عوضا، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الثاني من كتابنا منهاج الفقاهة والجزء الخامس عشر من كتابنا فقه الصادق. هذا فيما إذا علم حال الحق، ولو شك في كون شئ حكما أو حقا، وعلى فرض كونه حقا من اي قسم من الاقسام لا يصح ايقاع المعاملة عليه: لاصالة عدم الانتقال وعدم السقوط. إذا عرفت هذه المقدمة تعرف ان اخذ المال بازاء اعطاء المالك حق الايجار للمستأجر، لا يصح: إذ لا يظهر من دليل كونه من الحقوق القابلة للانتقال، وبناء العرف عليه في هذا الزمان لا يجدي - فالحق عدم تمامية هذا الوجة. وقد يقال لتصحيح هذه المعاملة: بان المالك إذا آجر ماله، له ان يشترط على المستاجر

[ 22 ]

وعلى نفسه بما يشاء، فيقال في المقام انه يؤجر ماله ويشترط في ضمنه شرطين، احدهما ان يقرضه المستاجر مبلغا معينا، ثانيهما - انه يشترط على نفسه بان لا يمنعه عن ايجار المحل لمن شاء عند انتهاء مدة الاجارة أو قبلها. وهذا الوجه ايضا غير تام: فانه وان كان لا يرد عليه ان الشرط الثاني شرط يجر نفعا للمقرض وهو ملحق بالربا: إذا لشرط الثاني شرط في ضمن عقد الاجارة لا في عقد القرض. ولكن يرد عليه ان المعاملات الخارجية ليست كذلك. واضف الى ذلك، ان عدم المنع من الايجار لا يكفي، بل لابد وان يكون مسلطا على الايجار. فان قيل - انه يعطيه هذه السلطنة. قيل - انه يرجع الى الوجه السابق وقد عرفت ما فيه. واوهن من هذا الوجه: ما افاده بعضهم من ان هذين الشرطين، وان لم يصرح بهما في ضمن العقد، الا انهما من الشروط الضمنية المبنية عليها العقود، فكما ان كون الثمن نقدا وتسليم المشتري اياه من الشروط الضمنية ويقتضيه اطلاق العقد ويكون الانصراف إليه كقرينة نوعية على اخذه في متن العقد، وهذا يغني عن ادخاله في صريح الانشاء العقدي، كذلك فيما نحن فيه لان بناء العرف في هذا الزمان على ان المالك لا يخرج المستاجر الا برضاه، ولا يتخلف المالك عن عقد الايجار معه بعد انتهاء مدة الاجارة. فانه يرد عليه مضافا الى ما تقدم: ان عدم اخراجه فعلا لا يكون موجبا لان يكون ذلك من الشروط الضمنية التي يجب الوفاء بها من قبل المالك وموجبا للانصراف إليه فتأمل! وبما ذكرناه ظهر عدم تمامية ما قيل لتصحيح هذه المعاملة: بالالتزام بالصلح: بان يتصالح الطرفان على ان يدفع المستاجر مبلغا من المال بازاء عدم مزاحمة المالك للمستأجر في ايجار المحل لمن شاء عند انتهاء المدة أو قبلها. أو بالالتزام بالجعالة: بان يدفع المستاجر مبلغا كجعالة الى المالك على ان لا يزاحمه في

[ 23 ]

الايجار. فانه قد مران عدم المزاحمة لا يكفي، واعطاء السلطنة على الايجار لا يعلم انها قابلة للانتقال ام لا، ولم يدل دليل عليه، ومقتضى الاصل عدمه، فلا يصح الصلح، ولا الجعالة. والحق في المقام - انه يمكن تصحيح هذه المعاملة، بطريقين الطريق الاول: ان يؤجر المالك ما له بملغ سنويا مع اضافة ماخوذة بعنوان السرقفلية بحيث تكون الاضافة جزء للعوض، ويشترط للمستأجر ان لا يزاحمه في الجلوس في المحل، ولا يزيد في كرائه السنوي ويجدد الاجارة بعد انتهاء مدتها على نحو المبلغ السنوي وانه لو خلي المستاجر المحل واعطاه بشخص آخر يعامل مع الثالث على ذاك المنهج (مثلا) يؤجر الفندق بالف ومائتين تومانا سنويا في كل شهر مائة تومان - مع اضافة خمسة آلاف تومان، ويشترط للمستأجر ان يكون له كامل الحرية في الفندق بعد انتهاء المدة في الجلوس فيه مع الاجارة في كل شهر مائة تومان وان يتحول عنه ويسكنه غيره بتلك الاجارة، فخمسة آلاف تومان تحل للمالك لانها ماخوذة جزء للعوض في الاجارة، وبعد انتهاء المدة يجب على المالك ان لا يزيد في كراء الفندق ويؤجره للمستأجر القديم أو الجديد الذي انتخبه القديم بمقتضى الشرط، ولو امتنع المالك يجبر: عليه لان ذلك مقتضى الشرط الواجب الوفاء بمقتضى النصوص والفتاوى. الطريق الثاني: ان يتوافق المالك مع المستاجر بان يؤجر الفندق سنويا بمبلغ - كالف تومان، ويشترط في ضمن الاجارة ان يكون المستاجر وكيلا في ايجار الفندق بعد انتهاء المدة لنفسه أو لغيره بذلك المبلغ ووكيلا في توكيل الثالث واعطائه الوكالة - ويجعل بازاء هذه الوكالة مبلغا كخمسة آلاف تومان - فالشرط هو الوكالة بازاء هذا المبلغ. وهذه الوكالة بما انها مشروطة في ضمن العقد اللازم وهي الاجارة تكون لازمة وليس للموكل عزله. وحيث ان لهذه الوكالة مالية فتنتقل الى ورثة الوكيل بعد موته. فان قيل ان الوكالة لا تورث كما يظهر من الاصحاب - حيث ذكروا في باب الرهن انه لو شرط وكالة المرتهن في بيع العين المرهونة لوفاء دينه صح ولو مات المرتهن لم ينتقل الى وارثه.

[ 24 ]

اجبنا عنه اولا: بالفرق بين المقام وما ذكروه بثبوت المالية للوكالة في المقام. وثانيا: ان الاصحاب في تلك المسالة صرحوا بالانتقال مع الشرط - فيشترط في المقام الانتقال. وبما ان الاظهر عندنا عدم بطلان الوكالة بموت الموكل سيما في الوكالة اللازمة كما حققناه في محله، فهذه الوكالة تكون باقية بعد موت الموكل، وعلى هذا فيحل للمالك ما ياخذه بازاء الوكالة، والمساجر بمقتضى الوكالة مختار وله كامل الحرية في ان يؤجر الفندق بعد انتهاء المدة بنفسه أو بغيره. النوع الثاني من السرقفلية: الموضع الثالث في النوع الثاني من السرقفلية، وهو ما ياخذه المستاجر من المستاجر الآخر وله صور: الصورة الاولى: ان لا يكون المستاجر القديم وكيلا من جانب المالك ولا شرط له ان يكون له كامل الحرية، بل استاجر فندقا بمبلغ الى مدة معينة وانتهت المدة، والواجب عليه في هذه الصورة تخلية الفندق أو الاستئجار من مالكه ولا شئ له كي يعطيه بالمستاجر الجديد بازاء مبلغ معين، فاخذ السرقفلى له حرام لا سبيل الى تصحيح اخذه بوجه. نعم - لو كان المالك طالبا لا يجاره اياه بحيث لو استدعى تجديد الاجارة يقدمه على غيره هناك طرق لحلية ما ياخذه من المستاجر الجديد. الطرق الاول: ان يعطيه المبلغ ويشترط عليه ان لا يزاحمه في استئجاره. الطريق الثاني: ان يهبه مبلغا بعوض عدم المزاحمة فيكون من قبيل الهبة المعوضة. الطريق الثالث: تنزيله على الجعالة بان يدفع المستاجر الجديد مبلغا الى المستاجر القديم على ان لا يزاحمه - بناء على انه يكفي في الجعالة ان لا يعمل شيئا إذا كان عدم العمل امرا له مالية عند العقلاء. وقد يستدل لجواز الاخذ في المورد الذي جوزناه بصحيح محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام عن الرجل يرشو الرشوة على ان يتحوله عن منزله فيسكنه - يقال عليه السلام

[ 25 ]

لا باس. ولكن الظاهر عدم ارتباطه بالمقام: فان المراد بالمنزل فيه هو المنزل المشترك كالمدرسة والمسجد وغيرهما كما لا يخفى على من تدبر في الخبر، فالصحيح ما ذكرناه. هذا كله من ناحية المستأجرين. اما المالك فله كامل الحرية في الايجار باي شخص اراد، ولا يكون ملزما بايجاره بالمستاجر الجديد. الصورة الثانية: ان يكون المستاجر القديم وكيلا من ناحية المالك في الايجار بنفسه متى شاء أو شرط له ان يؤجره المالك، ولا يكون وكيلا في الايجار بالغير ولا شرط له ذلك، و في هذه الصورة للمستأجر القديم ان ياخذ مبلغا يساوي ما دفعه الى المالك أو اقل منه أو اكثر من المالك ويرفع اليد عن حقه. كما ان له ان ياخذ مبلغا من المستاجر الجديد - بعنوان الهبة - أو الجعالة ليتحول عن المنزل ولا يزاحمه في الاستئجار. ولكن بعد ذلك للمالك كمال الحرية في ايجارة اياه وعدمه. الصورة الثالثة: ان يكون امر الايجار بنفسه أو بغيره بيد المستاجر القديم - بعنوان الوكالة أو الشرط بالتقريب المتقدم، وفي هذه الصورة للمستأجر القديم ان ياخذ السرقفلي من المالك، ويفوض امر المحل إليه بازائه، وله ان ياخذه من المستاجر الجديد ويفوض الامر إليه، وان فوض الامر إليه ليس للمالك مزاحمته بوجه، بل لابد له من الرضوخ والقبول.

[ 27 ]

الاوراق النقدية بيان حقيقة مالية الاشياء - وجوه التغطية - الاشارة إلى حكم الربا - في عدم تحقق الربا فيها - هل يتحقق الزكاة فيها - حكمها إذا سقطت عن المالية.

[ 29 ]

من الموضوعات المستحدثة - الاوراق النقدية - كالدولار، والليرة - و الدينار العراقي والكلام فيها - في مواضع: 1 - في تحقق الربا فيها وعدمه. 2 - في انه هل تتعلق الزكاة بها ام لا؟ 3 - في انها إذا سقطت عن المالية ماذا حكمها؟ وقبل الخوض في البحث في هذه المواضع، لابد من تقديم مقدمتين: احداهما بيان حقيقة مالية الاشياء، وثانيتهما الاشارة الى حكم الربا. مالية المال: اما المقدمة الاولى: فلا اشكال في ان الانسان مدني بالطبع لا يتمكن من رفع حوائجه وحده، بل كل امة وقبيلة من الناس تحتاج في ادامة عيشتها الى سائر الامم والقبائل - مثلا - تكون امة غنية من حيث المعادن، وهي في امس الحاجة الى الاقمشة وامة اخرى بعكس ذلك، وعليه فيتوقف حفظ نظام النوع على التبادل بين الاموال، ولو لم يشرع ذلك لاحتاج كل فرد الى التكالب والتغالب مع غيره، فتشريع المعاملات والمبادلات من الضروريات

[ 30 ]

الاولية. وقد كانوا في اوائل الامر يعاملون الاشياء والاجناس المختلفة بعضها ببعض، وكانوا يعرفون قيمة كل جنس بالاضافة الى اجناس اخر الى ان كثر ابناء آدم وانتشروا في البلاد، واتسعت المعاملات، فلم يروا مناصا من ضرب السكة ووضع النقود واعتبار مقدار من المالية ها، وبعد ذلك بنى العقلاء على تخصيص الثمن بالنقود، وعلى هذا فمالية الاشياء تكون على نحوين: الاول: ما كانت ماليته ذاتية، وهو كل ما فيه منفعة عائدة الى الانسان ويحتاج إليه بحسب فطرته من المأكول والمشروب والملبوس وما شاكلها. الثاني: ما كانت ماليته اعتبارية وجعلية كالنقود، والنحو الثاني على قسمين: احدهما: ما كان الاعتبار فيه عاما يشترك فيه جميع افراد البشر بدافع من الشعور بالحاجة الاجتماعية المشار إليها آنفا كالاحجار الكريمة من الذهب والفضة وما شاكلهما. ثانيهما: ما كان الاعتبار فيه خاصا، وهو ايضا على قسمين: إذ - قد يكون شئ خاص يعتبر له المالية من جانب دولة بالنظر الى ما بنت عليه تلك الدولة من ترتيب أثر خاص عليه، كطوابع البريد: فان كل طابع له مالية في مملكة خاصة دون الممالك الاخر، وماليته انما تكون بلحاظ ما بنت عليه تلك. الدولة والحكومة من ترتيب اثر خاص عليه، وهو ايصال الرسالة الى اي محل شاء المرسل مقابل الصاق الطابع المعين به. وقد يكون الاعتبار فيه ليقوم مقام القسم الاول، كالدينار العراقي والدولار ومورد بحثنا فعلا هو هذا القسم من الاموال. ولا ريب في ان هذا النوع من الاموال الاعتبارية لا يعتبره العقلاء ما لا بمجرد اعتبار المعتبر ايا من كان بل لابد وان يكون له غطاء، ويعبر عنه (بغطاء العملة). وجوه التغطية: وهذه التغطية على وجوه:

[ 31 ]

الاول: أن يودع الدولة في الخزانة نقودا مسكوكة من الذهب والفضة بالقدر الذي طبع من الاوراق ويعلن ان لكل شخص ان يراجع البنك وياخذ من النقود ما يقابل ورقته. الثاني: ان يودع قوالب ذهبية أو فضية غير مسكوكة وتتعهد الدولة بتسليم ما يقابل الاوراق من الذهب أو الفضة من تلك القوالب. الثالث: ان يودع الحكومة مقدارا من النقدين في احد البنوك العالمية - أو في البنك الحكومي المؤسس في تلك المملكة ولا تكون الحكومة مستعدة لدفع ما يقابل الورق النقدي من الادخار الموجود في البنك العالمي أو لديها فعلا. الرابع: ان يكون الرصيد للورق النقدي المعادن والثروات الطبيعية كالنفط - الخامس: ان تتعهد الدولة بان تكون بمقدار ما يقابل الاوراق النقدية مديونة وفي جميع هذه الموارد تكون المالية الاعتبارية لنفس الورق النقدي، ولا تقع المعاملة على الغطاء النقدي المقابل له. الربا واما المقدمة الثانية: فالربا على قسمين: احدهما: الربا في البيع والمعاملة، ويعتبر فيه أمران: الامر الاول: كون مورد المعاملة من المكيل أو الموزون اي يكون بيعه بالكيل مع الزيادة، كما هو المشهور بين الاصحاب، ويشهد به كثير من النصوص. كصحيح زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن. وموثق منصور عن الامام الصادق عليه السلام عن البيضة بالبيضتين قال عليه السلام لا باس والثوب بالثوبين قال عليه السلام لا باس به والفرس بالفرسين قال عليه السلام لا باس به ثم قال كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به

[ 32 ]

باس اثنين بواحد ونحوهما غيرهما. فما عن " المفيد " و " ابن الجنيد " و " سلار " من ثبوت الربا في المعدود ونحوه. وانه لا يجوز التفاضل في بيع الجنس بالجنس مطلقا، ضعيف. والاستشهاد له بصحيح محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين - والدابة بالدابتين - فقال عليه السلام كره ذلك علي عليه السلام فنحن نكرهه الا ان يختلف الصنفان ونحوه غيره. غير تام لعدم عمل الاصحاب بها، وقابليتها للحمل على الكراهة المصطلحة. وعن جماعة، كالقديمين، والشيخين، وابني حمزة، وزهرة المنع من بيع غير المكيل و الموزون بمثله متفاضلا إذا كان البيع نسيئة. واستدل لهم بالتقييد بكونه يدا بيد في بعض النصوص كخبر محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام في حديث إذا اختلف الشيئان فلا باس به مثلين بمثل يدا بيد ونحوه غيره. وبالامر بالخطط على النسيئة في خبر سعيد بن يسار. وبالتصريح بذلك في خبر ابان عن محمد عن الامام الصادق عليه السلام ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل فلا باس بيعه مثلين بمثل يدا بيد فاما نظرة فلا يصلح. ولكن يرد عليه ان هذه الوجوه لا تصلح للمقاومة مع ما تقدم، فتحمل هذه النصوص على الكراهة أو التقية: إذا التفصيل مذهب العامة، ويشعر به امره بالخطط على النسيئة. الامر الثاني - اتحاد الجنس اي جنس العوضين أو كون احدهما اصلا للآخر أو كونهما فرعين من جنس واحد. ويشهد له كثير من النصوص.

[ 33 ]

كصحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في حديث إذا اختلف الشيئان فلا باس به مثلين بمثل يدا بيد الحديث ونحوه غيره، فلو كان المبيع والثمن مختلفين جنسا لا مانع من التفاضل. وقد يقال كما عن جمع من القدماء: انه يتم ذلك إذا كانت المعاملة نقدية أو نسيئة مع كون العوضين من غير المكيل والموزون، واما إذا كانت نسيئة مع كونهما من المكيل والموزون، كبيع الحنطة بالزبيب، أو التمر مثلا - فلا يجوز التفاضل. واستدل له يحملة من النصوص المشتملة على قوله عليه السلام - لا يصلح - أو يكره - ولا باس مثلين بمثل يدا بيد. إذ مفهومه ثبوت الباس إذا لم يكن يدا بيد. ولكن يرد عليه انه لابد من حمل هذه النصوص على الكراهة بقرينة النصوص الاخر، و ظهور لا يصلح ويكره - فيها، وتمام الكلام في مسائل الربا موكول الى محله، وانما الغرض هنا الاشارة الى حكم الربا بنحو الاجمال. حكم الاوراق من حيث الربا: اما الموضع الاول من البحث، فحيث عرفت ان الاوراق النقدية لها مالية اعتبارية صرفة وان كل ورقة لها شعار خاص ولون مخصوص يعتبر بكذا مقدار من المال، وتكون هي طرف المعاملة لا الذهب أو الفضة المودوعة، ولهذا لا يعتبر في بيعها التقابض في المجلس، فالاظهر عدم تحقق ربا المعاملة فيها. وتوضيحه انه ان كانت المعاملة عليها نقدية - كما لو باع عشرة توامين - بعشرين نقدا لا تكون المعاملة ربوية: لما عرفت من ان شرط جريان الربا في المعاملة كون موردها من المكيل أو الموزون، والورق النقدي ليس منهما فلا مانع من التفاضل فيه. وان كانت المعاملة عليها نسيئة.

[ 34 ]

فتارة تكون المعاملة بعنوان البيع وحقيقته اعطاء شئ بعوض. واخرى تكون بعنوان القرض وحقيقته تمليك العين اي خصوصياتها مجانا وجعل ماليتها في الذمة، ففي الحقيقة هو ينحل الى انشائين، تمليك مجاني بالذمية الى العين، وتضمين لمالية العين واستيمان لها في ذمة المقترض الى اجل معين. فان كانت بعنوان القرض لا يجوز التفاضل فيها، فلو اقرضه عشرة توامين ليدفع له بعد شهرين احد عشر تومانا كانت المعاملة ربوية وفاسدة. لما تقدم من ان كل قرض يجر نفعا فهو ربا. وان كانت بعنوان البيع، جاز التفاضل فيها فيجوز بيع عشرة توامين نقدا باحد عشر تومان في الذمة الى شهرين. والوجه في ذلك ما تقدم من انه يعتبر في جريان الربا في البيع كون المورد من المكيل أو الموزون، والورق النقدي ليس كذلك، فلا بد في مقام المعاملة من التوجه والالتفات الى ذلك اي الفرق بين، البيع، والقرض وانه في القرض الى اجل يتحقق الربا ولا يتحقق في البيع الى اجل. وهاهنا شبهتان. احداهما انه يعتبر في تحقق البيع تعدد المبيع والثمن واختلافهما، فلو اتحدا بطل البيع اي لا تكون المعاملة بيعا، والكلي في الذمة بما انه قابل الانطباق على الورق النقدي الموجود، فلا يصح البيع بجعل الموجود مبيعا والكلي ثمنا، بل هو قرض بصورة البيع فتكون المعاملة ربوية وباطلة. وهذا متين جدا ولكن يمكن التخلص عنه يجعل الكلي في الذمة مقيدا بقيد لا ينطبق على الموجود. لا يقال انه حيث يكون الورق متمحضا في المالية وما يقارنه من الخصوصيات غير دخيل في ماليته، فلا يصح جعل الخصوصيات جزء المبيع أو الثمن، فالمبيع هو المقدار الخاص من المالية، والثمن هو ذلك من الزيادة فيلزم اتحاد المبيع والثمن. فانه يتوحه عليه بعد النقض ببيع الدرهم بالدرهم - والدينار بالدينار - بل كل منهما بالاخر، الذي لا ريب في جوازه نصاو فتوى، مع ان هذا الوجه يقتضي بطلانه: فان المبيع

[ 35 ]

مقدار من المالية، والثمن هو ذلك - ابن المبيع والثمن هما الامال، لا المالية، وهو متعدد. الشبهة الثانية: ان مناط تحريم الربا، وهو تجمع الثروة عند شخص وهجوم الفقر الى آخر المستلزم ذلك للنفاق والشقاق - موجود فيما نحن فيه، فكما ان هذا المناط موجود في النقدين كذلك في الاوراق النقدية، وكما ان القرض الذي يجر نفعا يترتب عليه ذلك، كذلك البيع المذكور وتغيير عنوان المعاملة لا يوجب انقلاب الواقع. ويتوجه عليها - انه لو فتح هذا الباب لزم تأسيس فقه جديد، كيف ومناط التحليل و التحريم هو عناوين المعاملات، وما ذكر من تنقيح المناط ليس الا قياسا نهينا عن استعماله في الفقه، ومنشا النفاق والشقاق واختلاف الطبقات ليس الا الاعراض عما شرعه الشارع الاقدس من القوانين الاجتماعية لا العمل بما قرره. وبما ذكرناه ظهر حكم بيع الدين المؤجل، باقل منه نقدا: وانه لا اشكال في جوازه. حكم الاوراق النقدية من حيث الزكاة: واما الموضع الثاني، فالاظهر عدم تعلق الزكاة بها: فلو كانت التغطية بغير الوجه الاول المتقدم فواضح: فان شرط تعلق الزكاة كون المورد من الذهب أو الفضة المسكوكين، وكونه تحت تصرف المالك، وشئ منهما لا يكون متحققا في المقام كما لا يخفى. واما إذا كانت التغطية على الوجه الاول، فقد يتوهم تعلقها بها من جهة ان من بيده الورق مالك لمقدار من الذهب أو الفضة المسكوكين المودوعين في الخزانة فإذا بلغ النصاب تعلق به الزكاة! ولكنه فاسد لوجهين: الاول: ما تقدم من انه في تلك الصورة ايضا تكون الاوراق مالا عرفا ويعتبر العقلاء لها المالية - وتبديلها بالنقد وان قررته الحكومة الا انه لا يصير سببا لكون المملوك هو النقد دون الورق، بل الورق مملوك وهو الطرف للمعاملة غاية الامر له تبديله به. الثاني: انه يعتبر في تعلق الزكاة كون النقد تحت التصرف طول الحول وهذا لا يكون متحققا في المقام إذا لا يمكن التصرف في النقود الموجودة في الخزانة وهو واضح، فالاظهر

[ 36 ]

عدم تعلق الزكاة بالاوراق النقدية. لو سقط الورق عن المالية: - اما الموضع الثالث، فلو اقترض اوراقا نقدية أو غصبها، ثم اسقطها الحكومة عن المالية، فهل على المقترض، أو الغاصب إذا جاء ليردها رد المالية التالفة ايضا، ام يكفى رد الاوراق، ام يفصل بين بقاء العين وتلفها فيكفي ردها في الاول دون الثاني - وجوه: وللمسالة نظير تعرض الفقهاء له، وهو ما لو اخذ شخص من آخر ماله مالية في وقت الاخذ كالماء في مفازة الحجاز والثلج في الصيف، ثم جاء ليرده ولا مالية له - وقد اختلفت كلماتهم فيه، والاكثر على التفصيل بين بقاء العين - وتلفها - فبنوا على، كفاية رد العين في صورة بقائها، وعدم كفاية رد المثل في صورة تلفها بل لابد من رد ماليتها ايضا. وذهب بعضهم - الى لزوم رد المالية مطلقا. واختار جمع منهم صاحب الجوهر رحمه الله واحتمله في القواعد عدم لزوم تدارك المالية مطلقا. والاظهر عندنا عدم لزوم تدارك المالية في الموردين في كلتا المسالتين: وذلك لان المالية الاعتبارية المنتزعة من اعتبار من بيده الاعتبار لا تكون مضمونة، وان شئت قلت ان العين بما لها من الخصوصيات تكون في العهدة الى حين الاداء وهي في الفرض حين الاداء لا قيمة لها، فلا وجه لتدارك القيمة - قيمة يوم الاخذ - أو يوم التلف - والفائت انما هو اعتبار المعتبر لا شئ من المأخوذ. نعم - لو كان الورق النقدي معبرا عن النقدين وكانت المعاملات واقعة على ما يعبر عنه الورق من النقدين كان الصحيح في المقام اشتغال الذمة بالمالية. فان الاقتراض في الحقيقة يقع على النقدين دون الورق، ولكن عرفت فساد المبنى. ويشهد لما اخترناه من عدم اشتغال الذمة بالمالية صحيح معوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت ولا يباع بها شئ الصاحب

[ 37 ]

الدراهم الدراهم الاولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس فقال عليه السلام لصاحب الدراهم الدراهم الاولى ونحوه " مكاتبة يونس ". ويعارضهما مكاتبة اخرى ليونس عن الامام الرضا عليه السلام في المورد المفروض - لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما اعطيته ما ينفق بين الناس. ولكن الترجيح للاولين. وقد استدل لضمان المالية في المسالة المماثلة للمقام سيما في صورة التلف بوجوه: الوجه الاول: ان الزمان والمكان من خصوصيات العين الدخيلة في ماليتها. إذ الماء في مفازة الحجاز غير الماء على الشاطئ، والثلج في الشتاء - غير الثلج في الصيف، فإذا اخذ الماء في المفازة، والثلج في الصيف - تكون خصوصية الزمان والمكان في عهدة الضامن ولا يكون ردهما في الشاطئ والشتاء اداء للمأخوذ فلا مناص من رد القيمة اداء للخصوصيات. وفيه: أولا النقض بما إذا نقصت القيمة: فان لازم هذا الوجه ضمان المقدار من المالية التالف، مع انه لم يلتزم احد به. وثانيا: ان الزمان والمكان ليسا دخيلين في المالية، وانما هي تنتزع من كثرة الراغب و قلة الوجود. وان شئت قلت أن سقوط المالية، تارة يكون من جهة نقص في العين ما إذا صار الثلج ماء، وأخرى يكون من جهة عدم احتياج الناس إليه مع بقائه على ما هو عليه من الخصوصيات، ففي الاول يحكم بالضمان لعموم ادلته، ولا يحكم به في الثاني. الوجه الثاني: حديث لا ضرر بتقريب أن المأخوذ حين أخذه كان له مالية فإذا رد مثله أو عينه مع عدم المالية له من دون تداركها يكون ذلك ضررا على المالك والحديث ينفيه. وفيه: إنا قد حققنا في محله ان الحديث انما ينفي الاحكام الضررية ولا يثبت به حكم،

[ 38 ]

فلا يثبت به الضمان في المقام. الوجه الثالث: ما افاده المحقق الاصفهاني رحمه الله، وهو مختص بالصورة الثانية. وحاصله: ان دليل وجوب رد المثل انما يكون دليلا على التضمين والتغريم فلا بد من رعاية حيثية المالية إذا المال التالف لا يتدارك الا بالمال، ثم قال ومنه يتبين الفرق بين سقوط العين عن المالية وسقوط المثل عنها: إذ رد الملك بلحاظ ملكيتها لا بلحاظ ماليتها، لكن التضمين و التغريم بلحاظ ماليتها فيجب حفظ المالية في الثاني دون الاول. ويرد عليه امران: الاول: انه لا فرق بين العين والمثل وقد ثبت وجوب رد كل منهما بعموم على اليد وهو بالنسبة اليهما على حد سواء، فلو قلنا بلزوم غرامة المالية في المثل، فلا مناص عن القول به في العين. الثاني: ان أدلة الضمان انما تدل على وجوب رد العين مع وجودها والمثل بعد تلفها ان كانت مثلية، والمماثلة المعتبرة على ما حقق في محله، هي المماثلة من حيث الحقيقة، وحيث ان المالية ليست صفة في العين أو المثل، فلا وجه لضمانها. وان شئت قلت: ان العين بعد تلفها انما تكون في العهدة الى حين الاداء، وهي على الفرض لا مالية لها حينه فلا وجه لادائها.

[ 39 ]

الاوراق التجارية - الكمبيالات وهي على قسمين - تنزيلها عند شخص ثالث باقل من الدين الحقيقي - تنزيل كمبيالة المجاملة عند ثالث باقل من الدين الصوري - تصوير صحة البيع الواقع عليها بوجوه أربعة - رجوع الشخص الثالث الى الدائن - ما ياخذه الثالث عند تأخر الدفع - أخذ الزيادة بازاء التاجيل حرام - يصح أخذها بطرق أخرى.

[ 41 ]

الكمبيالة على قسمين: من المعاملات المستحدثة - المعاملة الواقعة على الاوراق التجارية المسماة بالكمبيالة، فلا بدلنا من بيان موقف الشريعة الاسلامية منها. وتنقيح القول فيها بالبحث في جهات: الاولى: ان الكمبيالة على قسمين - الاول - كمبيالة الدين الحقيقي - وهي التي تعبر عن وجود قرض حقيقي، كما إذا كان شخص مديونا لاخر مائة تومانا وموعد استحقاق هذا القرض بعد شهرين، وفي هذه الحالة ياخذ الدائن من المدين الورقة المذكورة. الثاني: كمبيالة المجاملة، وهي التي تعبر عن وجود قرض صوري اي لا يكون لاحد الطرفين دين على الآخر، ولكن يعطيه الورقة المذكورة المفيدة انه مديون له مائة تومان مثلا. تنزيل كمبيالة الدين الحقيقي باقل منه: الجهة الثانية: في انه هل يجوز تنزيل كمبيالة الدين الحقيقي عند شخص ثالث باقل

[ 42 ]

من الدين ام لا؟ وملخص القول فيها، انه ان كان الدين مكيلا أو موزونا، كما لو كان لشخص في ذمة آخر مقدار من الحنطة، أو الذهب أو الفضة، لا يصح بيعه من جنس ذلك باقل منه أو اكثر إذ الورقة المذكورة علامة، والتعامل يقع على ما في الذمة، والمفروض انه مكيل أو موزون، فلو بيع من جنسه باقل أو اكثر صارت المعاملة ربوية وباطلة. اما لو كان الدين غير ربوي، أو كان ربويا واريد بيعه بغير جنسه، فلا مانع من بيعه باقل أو اكثر فيبيع الدائن ماله بذمة المدين الى الشخص الثالث باقل منه، ولا تكون المعاملة ربوية إذ شرط الربا في البيع غير متحقق، ولا قرض في البين حتى يقال: انه لا يعتبر في الربا في القرض كونه من المكيل أو الموزون وهذا واضح جدا. نعم لا يصح جعل الثمن دينا: فانه حينئذ من قبيل بيع الدين بالدين وهو غير صحيح. وبع هذه المعاملة يصير المدين مديونا لذلك الشخص الثالث وله بعد ذلك مطالبة المدين بالمبلغ المذكور في الموعد المقرر. تنزيل كمبيالة المجاملة باقل من الدين: الجهة الثالثة: في التعامل على كمبيالة المجاملة بتنزيلها بالاقل. وقد يستشكل فيه: فانه اما ان يكون على نحو البيع والشراء، أو يكون على نحو القرض. فان كان على نحو البيع بطل، من ناحية ان الدين صوري على القرض والمدين الصوري ليست ذمته مشغولة، فلا شئ حتى يباع ويقع البيع عليه. وان كان على نحو القرض، اما بان يستقرض الدائن الصوري لنفسه من الشخص الثالث مبلغا كثمانية وتسعين تومان نقدا بمائة تومان الى اجل، وبعد تمامية هذه المعاملة يحول من استقرض منه على المدين الصوري ليقبض منه المبلغ اي مائة تومان في الموعد المحدد، أو يستقرض وكالة عن المدين له من الشخص الثالث مبلغا كثمانية وتسعين تومان نقدا بمائة تومان الى اجل، وبعد هذا يستقرض الدائن من موكله ذلك المبلغ المأخوذ نقدا بمائة تومان الى الاجل المقرر.

[ 43 ]

بطل من ناحية الربا: فانه في الفرض الاول يلزم الربا من ناحية واحدة وهي دفع الدائن الى الثالث مائة تومان - وفي الفرض الثاني يلزم من ناحيتين: فان هناك قرضين كل منهما ربوي كما لا يخفى. ولكن يمكن تصوير صحة البيع الواقع على ورقة الكمبيالة في هذه الصورة بوجوه: الوجه الاول: ان يقال ان المدين الصوري باعطائه الورقة يضمن لما يصير الدائن بعد ذلك مديونا به. ودعوى - انه من ضمان ما لم يجب. مندفعة: بان ضمان ما لم يجب ان كان بنحو يكون المنشا هو الضمان الفعلي، لا يجوز لكونه غير معقول، وان كان المنشا هو الضمان بعد ثبوت الدين لم يدل دليل على بطلانه، ومقتضى العمومات صحته. وما عن التذكرة من الاجماع على بطلانه ان لم يكن الدين ثابتا في ذمة المضمون عنه، ينافي - ما ذكره الاصحاب في كثير من الفروع، مع: انه ليس اجماعا تعبديا، على انه من الاجماع المنقول وهو ليس بحجة عندنا، ولا يبعد ان يكون مورد كلام العلامة هو الضمان الفعلي وقد عرفت انه غير معقول. بعد تمامية هذه المعاملة يشتري المضمون عنه مبلغا - مثلا - ثمانية وتسعين تومانا نقدا من الشخص الثالث بمائة تومان في ذمة نفسه الى شهرين، وإذا تمت هذه المعاملة الثانية و ضمت الى الاول انتقل ما في ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن، ويصير هو مديونا بالشخص الثالث مائة تومان، ويصير الدائن الصوري مدينا واقعيا للمدين الصوري، و لكن لا يرجع إليه الا بعد انقضاء الاجل واداء الدين من ناحية الضامن على ما هو مقتضى الضمان. الوجه الثاني: ان يكون اعطاء الكمبيالة للدائن الصوري اذنا لان يحول الدائن الشخص الثالث إليه، وبعد ذلك يتعامل الدائن مع الثالث لنفسه فيشتري الشخص الثالث منه مائة تومان مؤجلة الى شهرين بثمانية وتسعين تومان نقدية. وبعد تمامية هذه المعاملة يحول الدائن الصوري الشخص الثالث باخذ المائة عند

[ 44 ]

الاستحقاق من المدين الصوري، ويصير هو مدينا واقعيا للثالث بمقتضى الحوالة، والدائن الصوري مدينا واقعا للمدين الصوري، والمبلغ النقدي يكون للدائن الصوري. الوجه الثالث: ان يكون اعطاء الورقة للدائن الصوري توكيلا له في ايقاع المعاملة مع الشخص الثالث للمدين، وبعد ذلك يشتري الدائن من الثالث مبلغا كثمانية وتسعين تومان نقدية بمائة تومان في ذمة المدين فيصير المدين الصوري مدينا واقعيا للثالث والمبلغ النقدي يكون له. وإذا تمت هذه المعاملة للدائن ان يشتري المبلغ النقدي من المدين لنفسه بمائة تومان في ذمته الى اجل اي يكون وكيلا في ذلك ايضا، فيكون المدين الصوري مديونا للثالث، و الدائن مديونا للمدين، كل منهما بمائة تومان والمبلغ النقدي يكون للدائن. الوجه الرابع: ان يكون توقيع الورقة من المدين توكيلا في ان يشتري الدائن من الثالث لنفسه مبلغا نقديا، كثمانية وتسعين تومان بمائة تومان مؤجلة في ذمة المدين، وبعد ذلك يوقع الدائن المعاملة مع الثالث هكذا، وتكون هذه المعاملة صحيحة بناء على ما حققناه في كتابنا " منهاج الفقاهة " و " فقه الصادق " من انه يصح البيع وان لم يدخل العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض: فان حقيقة البيع، اعطاء شئ بعوض ولم يؤخذ في مفهومه المعاوضة الحقيقية، فيصير الدائن مالكا للمبلغ النقدي والمدين مديونا للثالث. غاية الامر: هذه الوكالة لا تكون مجانية بل يعطيها المدين للدائن بازاء مائة تومان في ذمته فيكون هو ايضا مديونا لمدينه الصوري. هذا كله فيما لو اراد تنزيل الورقة المذكورة عند شخص ثالث باقل من الدين، واما لو راد اخذ المبلغ النقدي عنه بمقدار يساوي الدين الحقيقي أو الصوري فلتصحيحه وجوه اخر غيره الوجوه الاربعة المشار إليها. منها: ان يستقرض الدائن ذلك المبلغ منه للمدين، بمقتضى الوكالة منه، ثم يستقرضه لنفسه. ومنها: ان يستقرض منه لنفسه ثم يحوله على المدين ومنها غير ذلك.

[ 45 ]

رجوع الثالث الى الدائن: الجهة الرابعة: قد تحقق مما قدمناه ان الشخص الثالث يرجع الى المدين الواقعي أو الصوري - اي صاحب الورقة - ولا يكون الدائن مدينا له كي يرجع إليه، ولكن بناء المتعاملين في الخارج على ان الدائن مسؤول عن المبلغ لو تخلف المدين عن دفعه عند الاستحقاق. فيقع الكلام في انه ما هو الوجه الشرعي لذلك والذي يمكن ان يقال في المقام ويذكر وجها لذلك امران: الوجه الاول: تطبيق ذلك على الشرط الضمني، وبيانه يتوقف على بيان مقدمتين: الاولى: ان للدائن الذي هو طرف المعاملة مع الشخص الثالث باحد الانحاء المتقدم ذكرها، ان يشترط في ضمن العقد للشخص الثالث، باني ملتزم باداء المبلغ لو لم يدفع المدين عند الموعد المحدد، ولو اشترط ذلك يكون الدائن ملزما بالاداء لو لم يدفع المدين المبلغ المذكور في ظرف الاستحقاق، ويكون مسؤولا عنه ولو لم يدفع يلزمه عليه. الثانية: إن بناء العقلاء وإن كان على عدم ترتيب الآثار على الالتزامات النفسانية قبل الانشاء، إلا انه في الشروط المبنية عليها العقود، كتساوي المالين في المالية - بناؤهم على ترتيب الآثار ويرونها بحكم الشروط المذكورة في العقود، بل هي كذلك فان اطلاق العقد ينصرف إليها، وبالجملة الشروط المبنية عليها العقود اي الشروط الارتكازية بحكم الشروط التي صرح بها في العقود. إذا عرفت هاتين المقدمتين يظهر لك انه لما كانت السلطة قد قررت الزام الدائن باداء المبلغ في الموعد المقرر عند امتناع المدين الصوري عن الدفع، فان ذلك يجعله من الشروط الارتكازية العقلائية، فيكون من قبيل التصريح بذلك، وبهذا يكون الدائن مسؤولا وملزما بدفع المبلغ لو تخلف المدين عن الاداء. الوجه الثاني: إنه على الوجه الاول لتصحيح المعاملة على الكمبيالة، وهو تخريجها على الضمان يمكن ان يقال، ان الضمان إذا تحقق وان كان أثره انتقال الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وتبرء ذمة المضمون عنه، خلافا للجمهور - حيث ان الضمان عندهم - ضم

[ 46 ]

ذمة إلى ذمة، إلا ان ذلك فيما لم يصرح بخلافه، وإلا فيصح ما ذكروه للعمومات، كما افاده السيد الطباطبائي في العروة الوثقى وان ضعفناه. وعليه ففي المقام لاجل بناء المتعاملين على الرجوع الى الدائن لو تخلف المدين عن اداء المبلغ في الموعد المحدد يكون ذلك بحكم التصريح، فللثالث الرجوع إلى كل منهما: لانه مقتضى الضمان بالمعنى المذكور. الموقف الفقهي فيما ياخذه الثالث عند تأخر الدفع: الجهة الخامسة: ان المتعارف عند الناس في هذه المعاملة: انه ان تأخر المدين عن دفع المبلغ المقرر بعد حلول الموعد، ياخذ الثالث، سواء كان هو البنك أو غيره - مبلغا بازاء التاخير، فيقع الكلام في انه ما موقف الشريعة المقدسة من ذلك. والاصحاب رضوان الله تعالى عليهم ذكروا هذه المسالة تحت عنوان - تأجيل الثمن الحال بازيد منه، وعن الحدائق نفي الخلاف في عدم جوازه. وتنقيح القول فيه يقتضي البحث في مقامين: الاول: فيما يقتضيه القواعد. الثاني: في مقتضى النصوص الخاصة. اما المقام الاول: فتارة يجعل الاجل في مقابل الزيادة، باشتراطه ابتداء أو في ضمن عقد، أو المصالحة عليه، أو بيعه به. واخرى يجعل المجموع المؤجل في مقابل المجموع الحال، بحيث تكون المعاوضة بين المبلغ الذي يكون مديونا به وبين مجموع ما جعل مؤجلا. وثالثة: يوقع الصلح على ابراء الحال مما في ذمته بازاء ازيد منه مؤجلا فيكون المعوض هو الابراء. اما الصورة الاولى: فالظاهر انها بجميع فروضها من الربا في القرض: لان حقيقة الربا فيه راجعة الى جعل الزيادة في مقابل امهال المقرض وتأخيره المطالبة من غير فرق بين ان يكون ذلك في اول القرض، أو بعد مضي زمان ومن غير فرق بين ان يكون ذلك بنحو الشرط أو غيره.

[ 47 ]

واما الصورة الثانية: فان كان ما في ذمته من العروض الربوي كالحنطة بطل ما يوقع عليه من البيع المزبور، اي بيعه بازيد منه مؤجلا: للربا في البيع. وإن كان من النقدين، بطل ايضا لانه لا يجوز بيع الصرف الا يدا بيد. وان كان من العروض غير الربوي - أو الاثمان غير النقدين كالاوراق النقدية فبيعه بازيد منه، وان كان لا اشكال فيه من حيث الربا: لعدم كون المبيع ربويا ولا قرضا كي يجري الربا فيه، الا ان ذلك من جهة كونه من بيع الدين بالدين لا يجوز. اللهم الا ان يقال - ان ظاهر بيع الدين بالدين كون العوضين دينا قبل العقد ولا يشمل ما لو صار احدهما - اوهما - دينا بالعقد كما في المقام فان الثمن يصير دينا بالعقد وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله. واما الصورة الثالثة: فالظاهر فيها الصحة كما لا يخفى. واما المقام الثاني: فقد استدل الشيخ الاعظم رحمه الله للبطلان - بامور: الاول: ما نقله عن مجمع البيان من الخبر الوارد لبيان مورد نزول آية حرمة الربا - بتقريب انه يدل على ان سبب نزولها في حرمة الربا، الزيادة المفروضة وهي ما جعل في قبال تأجيل الدين الحال. وفيه: ان ظاهره الصورة الاولى، ولا يشمل الصورتين الاخيرتين سيما الثانية منهما. الثاني: صحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام عن الرجل يكون له دين الى اجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول له انقدني من الذى لى كذا وكذا واضع لك بقيته أو انقدلي بعضا وامد لك في الاجل فيما بقي عليك قال لا ارى به باسا ما لم يزدد على رأس ماله شيئا يقول الله تعالى. " فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " بدعوى انه علل جواز التراضي على تأخير اجل البعض بنقد البعض بعدم الازدياد على رأس ماله، فيدل على انه لو زاد على رأس ماله لم يجز التراضي على التاخير.

[ 48 ]

ولكن الظاهر من الحديث هو المعاملة على التاجيل نفسه ولا يكون له نظر الى، بيع الحال بالمؤجل، أو ايقاع الصلح على ابراء الحال بازيد منه مؤجلا. الثالث: النصوص الوردة في تعليم طريق الحيلة في جواز تأخير الدين بزيادة باشتراط التاخير في ضمن معاوضة غير مقصودة للفرار من الحرام، فلو جاز التراضي على التاجيل بزيادة لمم يكن داع الى التوصل بامثال تلك الحيل. ومراده من النصوص موثق اسحاق بن عمار قلت لابي الحسن عليه السلام يكون لي على الرجل دراهم فيقول اخرني وانا اربحك فابيعه جبة تقوم علي بالف درهم - بعشرة آلاف درهم - أو قال بعشرين الفا واؤخره المال قال عليه السلام لا باس. وموثقه الآخر عن الامام الرضا عليه السلام قلت له الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تتساوى مائة درهم بالف درهم ويؤخر عليه المال الى وقت - قال عليه السلام لا باس به قد امرني ابي ففعلت ذلك وزعم انه سال ابا الحسن عليه السلام عنها فقال عليه السلام مثل ذلك و نحوهما غيرهما. والجواب أنه بعد ما لا كلام في عدم جواز التاجيل بالزيادة، الرواة في هذه النصوص للفرار من الحرام ذكروا وجها، والمعصوم عليه السلام نفي عنه الباس، وهذا لا يدل على انه لا طريق آخر ولو بنحو الصلح على ابراء الحال بازاء ازيد منه مؤجلا. فالمتحصل مما ذكرناه: ان اخذ الزيادة بازاء التاجيل حرام، وللتخلص من ذلك طرق: الطريق الاول: ان يصالح على ابراء الحال مما في ذمته بازاء ازيد منه مؤجلا، فالمعوض هو الابراء. الطريق الثاني: ان يبيعه المجموع الحال بمجموع ما جعل معوضا - على اشكال فيه من ناحية كونه بيع الدين بالدين. الطريق الثالث: ان يبيعه المديون شيئا باضعاف قيمته ويشترط عليه ان يؤخره المال الى اجل معين وهو الذي تضمنته النصوص المتقدمة.

[ 49 ]

ودعوى: انه معاملة سفهية أو صورية، لا تشملها عمومات الصحة. مندفعة: بانه مع الشرط المذكور لا تكون المعاملة سفهية ولا صورية. مع: انه لم يدل دليل على بطلان البيع السفهي، بل الدليل دل على بطلان بيع السفيه. مع ان هذا اجتهاد في مقابل النص المصرح بنفي الباس. الطريق الرابع: ان يهبه المدين مبلغا، ويشترط عليه - ان لا يطالبه بالدين الحال الى اجل معين، أو يشترط عليه تأجيل ذلك الدين الحال بنحو شرط النتيجة، بناء على ما حققناه في الجزء الرابع من كتابنا منهاج الفقاهة والجزء السابع عشر من كتابنا فقه الصادق من صحته، أو يشترط ان يؤجله الدائن بنحو شرط السبب.

[ 51 ]

الحوالات المستحدثة لها اقسام - موقف الشريعة المقدسة في القسم الاول - حكم القسم الثاني - القسم الثالث منه وحكمه - الضمان المستحدث - مشروعية هذا الضمان - ما ياخذه المضمون له - وجه رجوع الضامن على المضمون عنه فيما دفعه عنه.

[ 53 ]

قد تداول بين التجار اخذ الزيادة واعطائها في الحوالات - المسمى عندهم - بصرف البرات، ويطلقون عليه، بيع الحوالة وشرائها، فينبغي بيان حكم الحوالات. وهي على اقسام: القسم الاول: ان يدفع الشخص الى التاجر مبلغا، وياخذ ذلك المبلغ بعينه من طرفه في يلد آخر، والظاهر ان الحكم فيه خال عن الاشكال. كان ذلك بعنوان البيع. بان يبيع المبلغ المعين مثلا - مائة تومان - بمبلغ يساويها يدفعه في بلد آخر، أو بعنوان القرض بان يقترض منه، أو يقرضه - ذلك المبلغ ليسلمه في بلد آخر. اما إذا كان بعنوان البيع فواضح. واما إذا كان بعنوان القرض: فلعدم الزيادة فيه. وقد استشكل فيه بعض الاساطين مع كون المصلحة للمقرض لجر النفع. ولكنه ضعيف: فان الممنوع منه الزيادة في مال القرض عينا أو صفة وليس هذا واحدا منها. مع: ان جملة من النصوص تدل على جوازه. كخبر يعقوب بن شعيب قلت لابي عبد الله عليه السلام يسلف الرجل الرجل الورق على ان

[ 54 ]

ينقدها اياه بارض اخرى ويشترط عليه ذلك قال عليه السلام لا باس. وخبر السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال امير المؤمنين عليه السلام لا باس بان ياخذ الرجل الدراهم بمكة ويكتب لهم سفاتج يعطوها بالكوفة. وخبر ابي الصباح عن الامام الصادق عليه السلام في الرجل يبعث بمال الى ارض فقال للذي يريد ان يبعث به اقر ضنيه وانا اوفيك إذا قدمت الارض قال عليه السلام لا باس. وخبر اسماعيل بن جابر قلت لابي جعفر عليه السلام يدفع الى الرجل الدراهم فاشترط عليه ان يدفعها بارض اخرى سودا بوزنها واشترط ذلك عليه قال لا باس. ونحوهما غير هما، و هي اما ظاهرة في القرض أو يكون القرض اظهر مصاديقها. القسم الثاني: ان يدفع الشخص مبلغا للتاجر، وياخذ الحوالة من المدفوع إليه بالاقل منه، والظاهر انه لا اشكال فيه ايضا، سواء كان ذلك منزلا على البيع، أو القرض. اما الاول: فلما تقدم ان الاوراق النقدية ليست من المكيل والموزون فلا يتحقق الربا البيعي في هذه المعاملة. واما الثاني: فلان الربا في القرض هو ان ياخذ الدائن من المدين الزيادة مع الشرط، و اما لو كان الشرط نفعا للمستقرض كما في الفرض فان التاجر هو المقترض والزيادة انما تجعل له، فلا يكون ربا ويكون جائزا، وقد نفى صاحب الجواهر الخلاف في جوازه، و الحاصل ان الربا هو جعل الزيادة للمقرض، واما الزيادة للمقترض فلا دليل على المنع عنها ومقتضى العمومات هو الجواز القسم الثالث: ان يدفع التاجر مبلغا - كمائة تومان - للشخص في بلد - لياخذه في بلد

[ 55 ]

آخر مع الزيادة، فان كان ذلك بعنوان البيع صح لما تقدم، وان كان بعنوان القرض واشترط ذلك في ضمن القرض بطل: فانه من الربا الممنوع عنه: فان التاجر في هذا الفرض هو المقرض والزيادة جعلت له، ولاجل التخلص من الربا لابد من اعمال بعض الحيل الشرعية. منها - ان يقرض منه بلا شرط وبعد تماميته يحوله المقترض ان ياخذ المبلغ مع الزيادة من شخص ثالث في بلد آخر. الضمان المستحدث: وقد تعارف في هذا الزمان نوع من الضمان وهو التعهد بدفع مبلغ الى من تعهد لثالث بعمل إذا تخلف عنه، وقد يعبر عنه بالكفالة. وتوضيحه انه قد يتعهد شخص لاخر بناء دار مع خصوصيات تذكر في شهرين، و يتفق الطرفان على ان يتعهد ثالث بدفع مبلغ معين لو تخلف المتعهد الاول عما تعهده، وذلك الشخص الثالث يقبل ذلك وياخذ عمولة بازاء تعهده، ولنعبر عن المتعهد الثاني بالضامن، و هذا الضمان ليس من الضمان المصطلح: فانه عباره عن التعهد بمال ثابت في ذمة شخص لاخر، ولا من الكفالة المصطلحة - فانها عبارة عن التعهد والالتزام لشخص باحضار نفس له حق عليها وهذا لا يوجب الضمان - وكيف كان فالكلام في المقام يقع في موارد. دليل مشروعية هذا الضمان: الاول: في ان هذا الضمان مشروع ام لا، والظاهر هو المشروعية: فانه وان لم يكن داخلا تحت احد عناوين العقود الا انه قد حققنا في محله، ان مقتضى العمومات مثل قوله تعالى " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض " وقوله تعالى " يا أيها

[ 56 ]

الذين آمنوا وفوا بالعقود " وغيرهما امضاء كل معاملة عقلائية وكل تجارة عن تراض، ما لم تكن مما دلت الادلة على فساده ولا اختصاص لها بالعقود المعهودة. وعليه فيما ان هذا الضمان عقد عقلائي وتجارة عن تراض، ولها اركان ثلاثة - الضامن - والمضمون عنه - وهو المتعهد - والمضمون له - وهو المتعهد له - وكل واحد منهم يستفيد من هذه المعاملة، اما الضامن فباخذه العمولة، واما المضمون له - فلضمان حقه، واما المضمون عنه - فواضح، فهذه تجارة عن تراض قطعا مشمولة للاية الكريمة. ويترتب عليه انه يجوز له اخذ العمولة. وبه يظهر الحال في المورد الثاني وهو وجه أخذ المضمون له المبلغ الذي تعهده الضامن لو تأخر المضمون عنه عن القيام بما توافق عليه مع المضمون له -. المورد الثالث: في وجه رجوع الضامن على المضمون عنه فيما دفعه عنه. ويمكن ان يذكر في وجهه امران: الاول: تنزيل ذلك على الشرط الضمني بتقريب ان المتعاملين كان بناؤهم على ذلك، و بما ان هذا البناء ارتكازي فهو بحكم الذكر في ضمن العقد فيرجع إليه بحكم الشرط. الثاني: ان من اسباب الضمان الامر المعاملي، على ما حقق في محله - وفي المقام بما ان ضمان الضامن انما يكون بامر ولو ضمني من المضمون عنه، فهو ضامن لما يخسره الضامن ويدفعه بمقتضى العقد الى المضمون له.

[ 57 ]

أعمال البنوك تنبيه - الامانات - التوفير - الجائزة - الاعتمادات المستندية

[ 59 ]

من الموضوعات المستحدثة معاملات البنوك واعمالها. تنبيه وقبل البحث عما يهمنا البحث عنه لابد وان يعلم ان للبنوك اقساما ولكن لا اختلاف فيها من الناحية التي اردنا البحث عنها، فلا وجه لبيان اقسامها في المقام. وقد يقسم البنوك الى اقسام ثلاثة - حكومية - اهلية - مشتركة بين الحكومة والاهالي، نظرا الى اختلاف احكامها. ولكن بما ان توهم الاختلاف نشا من توهم ان الدولة لا تملك ما تحت يدها من الاموال ولذلك يكون المال الموجود في البنك الحكومي من مصاديق المال المجهول مالكه دون ما هو موجود في البنك الاهلي. والمبنى فاسد: لان الدولة تملك ما تحت يدها من الاموال: إذا لملكية امر اعتباري صرف وهي كما تقوم بالكلي في الذمة، تقوم بالامر الاعتباري، وبعبارة اوضح: انه ما قد يكون المملوك كليا، كذلك قد يكون المالك كليا كما في باب الخمس والزكاة على القول بالملكية فيهما وقد يكون امرا اعتباريا صرفا كالدولة والحكومة، وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله، فلا اختلاف بين هذه الاقسام من حيث الحكم. ثم ان للبنوك اعمالا ومعاملات لا تكون مستحدثة وتلك الاعمال والمعاملات خارجة

[ 60 ]

عن محور هذا البحث، فانه متمحض في البحث عن المستحدثات. وعلى ذلك فما هو محل بحثنا فعلا اعمال اربعة للبنوك. 1 - ايداع الامانات: وهي المبالغ يودعها اصحابها في البنوك لمدة محدودة، وفي تلك المدة يتصرف البنك فيها بما يشاء حتى التصرفات الناقلة - وبازاء ذلك يعطي البنك فائدة للمودع. وقد يستشكل في ذلك: بان هذا الايداع ان كان قرضا كان ربويا وباطلا، وان كان بعنوان الوديعة، فلا يجوز للبنك التصرف فيه تصرفا ناقلا وان اذن له صاحبه، وان كان تمليكا مجانيا لزم منه عدم استحقاق صاحب المال شيئا على البنك بعد ذلك، وان كان تمليكا ضمانيا كان ذلك قرضا. والجواب ان ايداع المال في البنك يتصور فيه وجوه: الاول: ان يبيع المودع ما يودعه بالبنك الى اجل معين بازيد منه، وهذا لا اشكال فيه و قد تقدم البحث عنه في الاوراق النقدية. الثاني: ان يكون بعنوان الوديعة، والامانة الشرعية وان كان لا يجوز ان يتصرف فيها الامين الا انه إذا لم ياذن صاحب المال فيه، فمع اذنه كما في الودائع لدى البنوك جاز التصرف، والاذن المذكور ليس اذنا في التملك حتى يقال انه ان كان مجانيا لزم منه عدم استحقاق صاحب المال شيئا على البنك، وان كان ضمانيا كان ذلك قرضا، بل هو اذن في التصرف مع بقاء المال على ملك صاحبه. فان قيل: انه لا يمكن تنزيل معاملات البنوك على هذه الصورة: لان لازم ذلك كون ما يشتريها البنك بازائها لاصحاب تلك الاموال ولا يعقل كونه للبنك: إذ كيف يجتمع اباحة التصرفات الناقلة مع كون العوض ملكا للمتصرف لانه لا بدان يدخل احد العوضين في ملك من خرج العوض الاخر عن ملكه لان طبيعة المعاوضة تقتضي ذلك. اجنبا عنه انه: ليس هناك تصرف متوقف على الملك حتى البيع فانه عبارة عن اعطاء

[ 61 ]

شي بعوض، ولم يؤخذ في مفهومه المعاوضه وتمام الكلام في محله. وعليه فلصاحب المال ان ياذن للبنك في التصرف فيما يودعه حتى التصرفات الناقلة غاية الامر انه لا يكون اذنا في التصرف الناقل مجانا بل بعوض فيكون البنك ضامنا لعوضه هذا من ناحية تصرفات البنك، وقد عرفت انها جائزة باجمعها. واما ما يعطيها البنك زائدا عما اودعه فيمكن ان يقال انه جائز وحلال نظرا الى الشرط الصريح أو الضمني، حيث ان البنك يلتزم باعطاء مبلغ يختلف باختلاف المدة التي يكون المال فيها مودعا. فالمتحصل: انه لا اشكال في نفسه الايداع، ولا في تصرفات البنك، ولا في اخذ الفائدة. الثالث: ان يكون بعنوان الاباحة بالعوض فيبيح للبنك جميع التصرفات حتى الناقلة و منها التملك بازاء الاكثر المؤجل، والاباحة بالعوض بنفسها من العقود العقلانية، ويشهد لامضائها العمومات، مثل - الاية الشريفة " الا ان تكون تجارة عن تراض " بناء على ما تقدم من عدم اختصاصها بالعقود المعهودة. الرابع: ان يكون الايداع بعنوان القرض ولا توقف فيه في نفسه من الجهة الشرعية لو تخلى عن اخذ الفائدة عليه. واما من ناحية الفائدة، فقد يقال انه حيث لا يكون اخذ الفائدة واعطائها من قبل الامين ماخوذا شرطا في عقد القرض، بل المودع يقرض البنك المبلغ الذي عنده من دون شرط، والبنك يعطيه مبلغا تفضلا وهذا ليس من الربا في شئ فيكون حلالا. ولكن بما ان اعطاء الفائدة وان لم يصرح به في عقد القرض، الا انه مما تبانى عليه الطرفان، ومن مر تكزات المتعاملين وهو في حكم التصريح فلا يجوز، وبالجملة هو شرط ضمني مبني عليه العقد. فالمتحصل انه ان كان بعنوان القرض لا يجوز اخذ الفائدة، وان كان بعنوان البيع، أو الوديعة، أو الاباحة بالعوض جاز، ولا يبعد دعوى كون المعاملات الخارجية على القرض و

[ 62 ]

الفائدة فتكون باطلة. 2 - التوفير: لا فرق بين، التوفير، والامانة - سوى ان الامانة لا يتمكن صاحبها من سحبها قبل انتهاء المدة، وفي التوفير لصاحب المال استرجاع ما اودعه في اي وقت اراد وعليه فيجري فيه جميع ما ذكرناه في الامانة. نعم. في التوفير إذا كانت المعاملة بيعا يكون الشرط في ضمن العقد الذى بنى عليه العقد وان لم يذكر، ان لصاحب المال الخيار لنفسه على البنك ان يسترجع ماله في اي وقت شاء. كما انه في الامانة لو نزلناها على الوديعة يشترط ارتكازيا ان لا يرجع صاحبها قبل انتهاء المدة، وليس له ذلك من هذه الجهة. 3 - الجائزة: من جملة اعمال البنوك، ان البنك ربما يقرع بين اصحاب الاموال ويعطي لمن اصابه القرعة مبلغا معينا كجائزة. وحيث ان هذا ليس شرطا في ضمن عقد القرض، ولا يكون البنك ملزما بذلك ولا يكون ملزما بدفع المبلغ بعد اصابة القرعة وانما يفعل ذلك تشجيعا لاصحاب الاموال كي يودعوا اموالهم في البنك ليستطيع البنك الانتفاع بها بين فترتي الايداع والسحب، فهي جائزة وحلال لا اشكال فيها. 4 - الاعتماد المستندي: من اعمال البنك الاعتماد المستندي والمراد به هو ان يكون العقد قد تم بين التاجر و الشركة في خارج البلاد، أو وكيلها الموجود في البلد وخاصة فيما يتعلق بالكمية والسعر و شروط الدفع والتسليم، ولكن بما ان الحكومات مانعة عن اخراج الاموال الى الخارج من

[ 63 ]

دون ان يكون تحت نظر البنك واشرافه يتقدم المشتري الى البنك، ويطلب - فتح اعتماد - و يدفع البنك قسما من قيمة البضاعة، ويقوم البنك بعد ذلك بدفع المبلغ بتمامه الى الشركة و يتسلم البضاعة، وبعد التسليم يخبر البنك التاجر بوصولها، فان دفع التاجر للبنك ما بقي من القيمة يتسلم البضاعة، والا فيتصدى البنك لبيع البضاعة واستيفاء حقه - وياخذ البنك عن هذه العلمية وبازائها مبلغا معينا من التاجر. والكلام في هذه المعاملة في موردين: الاول: في جواز اخذ البنك من صاحب البضاعة مبلغا زائدا عما دفعه الى الشركة. والثاني: في جواز بيعه البضاعة إذا تخلف صاحبها عن تسلمها. ويظهر الحكم ببيان حقيقة هذه المعاملة. حكم الفائدة المأخوذة: فاعلم ان المعاملة الواقعة بين التاجر والشركة معاملة بيعية مشروطة بتدخل البنك. والمعاملة الواقعة بين التاجر والبنك انما تكون جعالة فيشترط التاجر للبنك إذا ادى عنه دينه ان يدفع إليه اصل المال وزيادة يتفقان عليها. وان شئت قلت ان المعاملة بينهما مركبة من، البناء والالتزام بدفع البنك دين التاجر مع ضمان التاجر له، وتسجيل البضاعة أو لا باسم البنك ثم نقلها الى اسم صاحبها وغير ذلك من عمليات تحتاج إليها بازاء مبلغ معين، وعلى هذا فالفائدة المأخوذة ليست من باب الفائدة على القرض حتى يقال ان كل قرض جرنفعا فهو ربا، بل هي ماخوذة بازاء اعمال البنك. فهل: هذه معاملة مستقلة عقلائية مشمولة للعمومات على ما تقدم. أو أن البناء على اداء الدين واخذ عوضه من المدين وعد صرف، وجعل العمولة بازاء العمليات جعالة. أو انها مصالحة بين الطرفين على ان يقوم البنك بدفع دين التاجر - وتسجيل البضاعة باسمه، ويقوم التاجر بدفع اصل المال والزيادة المقررة، (لكل وجه).

[ 64 ]

بيع البضاعة لو تخلف صاحبها عن تسلمها: فلو تخلف صاحب البضاعة عن التسلم بعد اعلام البنك اياه، يقوم البنك ببيعها و استيفاء حقه من ثمنها: والوجه في ذلك - اشتراط ذلك صريحا في ضمن معاملة التاجر، و مقتضاه وكالة البنك في البيع واستيفاء حقه، فيجوز لغيره الشراء منه.

[ 65 ]

عقد التامين تاريخه - حقيقة التامين - انواعه - تطبيقه على الضمان - بحث في الضمان - تطبيقه على الهبة المعوضة - تطبيقه على الصلح - عرضه على القواعد العامة - الاشكالات التي اوردت على صحة هذا العقد - والجواب عنها - التامين التبادلي - ما يدفعه بعض الشركات إلى المؤمن له اضافة إلى مبلغ التامين.

[ 67 ]

من المعاملات المستحدثة عقد التامين: وقد ذكر علماء القانون الباحثون في العقد ان تاريخ ظهوره في البلاد الاوروبية يرجع الى اوائل القرن الرابع عشر الميلادي، واما في بلادنا فلم يعرف الا في القرن الثالث عشر الهجري بعد الاتصال التجاري بين الشرق والغرب ابان النهضة الصناعية في اوروبا، وذلك عن طريق التامين على ما كان يستورد من تلك البلاد، والابتداء كان بالتامين البحري. ولكن بعد ذلك قد شاع وذاع وتنوع وبلغ من الشان مبلغا جعله يرافق حياة الاكثر في معظم مسالكها ومرافقها من التجارة والصناعة والوسائل التي يستخدمها الانسان كسيارته وغيرها، فيجب بيان موقف الشريعة الاسلامية منه. حقيقة التامين: وقد عرف عقد التامين في المادة (713) من القانون المدني المصري بانه عقد بين طرفين، احدهما يسمى المؤمن، والثاني المؤمن له أو المستامن، يلتزم فيه المؤمن بان يؤدي الى المؤمن له لمصلحته، مبلغا من المال، أو ايرادا مرتبا، أو اي عوض مالي آخر في حالة وقوع حادث، أو تحقق خطر مبين في العقد وذلك في مقابل قسط أو اية دفعة مالية اخرى

[ 68 ]

يؤديها المؤمن له الى المؤمن. فنتيجة هذا العقد عملان، يقوم المؤمن له بعمل منهما وهو: دفع مبلغ من المال دفعيا أو تدريجيا بالشكل الذي اتفق عليه الطرفان، ويقوم المؤمن بالآخر منهما، وهو: ان الخطر المؤمن ضده - كالحريق مثلا - إذا تحقق تكون خسارته عليه. هذه هي حقيقة التامين الشائع اليوم الذي نظمت له احكام بالقوانين المدنية وهناك قسم آخر من التامين - يسمى التامين التبادلي - أو التامين بالاكتتاب وهو عبارة عن اتفاق جماعة على تكوين رأس مال مشترك لتعويض ما يحيق باحدهم من الخسارة، وان شئت قلت ان اساسه اشاء صندوق تعاوني مشترك بين جماعة يكتتبون فيه لجبر اضرار من تصيبه منهم نوائب معينة. سوف نتكلم هنا عن القسم الاول من التامين اولا ثم نعقبه بالبحث عن القسم الثاني من التامين (التامين التبادلي). أنواع التامين: للقسم الاول من التامين انواع: كالتامين على الحياة، والتامين على النقل، والتامين على حوادث السيارات، والتامين على الحريق والسرقة، الى غير ذلك من الانواع، ولعله لا يمكن حصره في انواع معينة: لانه طوق الصناعة والتجارة، ومعظم وجوه النشاط الاقتصادي، بل شمل كثيرا من الوسائل التي يستخدمها الانسان في توفير راحته وطمانينته في هذه الحياة، بل ويمد ظلاله الى ما بعد ممات الانسان، فيتخذ منه المؤمن في حياته تدبيرا لمصلحة اسرته بعد وفاته، فهي تزداد مع مرور الزمن، الا انه لا يهمنا استقصاء انواعه بعد كونها مشتركة فيما يقتضيه القوانين الاسلامية. عرض التامين على المعاملات الشرعية: وبما ان هذه المعاملة من المعاملات المستحدثة فلا بد في الحكم بصحتها من عرضها على

[ 69 ]

المعاملات المعهودة الشرعية وتطبيقها على واحدة منها. أو اثبات ان الشارع الاقدس امضى كل معاملة عقلائية وان لم تكن متحققة في تلك الاعصار. وعلى هذا فلا بد من البحث في موضعين - الاول - في عرض التامين على المعاملات الشرعية، والمعاملات التي قيل بانطباقها على هذه المعاملة، الضمان، والهبة المعوضة، و الصلح، والكلام يقع اولا في الضمان. الضمان: من المعلوم ان الضمان الذي هو عبارة عن ادخال المضمون في عهدة الضامن له قسمان - احدهما، ضمان اليد، والتلف - ثانيهما، الضمان الانشائي ومحل الكلام هو الثاني. والضمان الانشائي الذي لا ريب في مشروعيته في الجملة نصا وفتوى القدر المسلم منه عند الفقهاء، هو ضمان ما في الذمة، اي ضمان شخص لما هو ثابت في ذمة آخر. وامان ضمان الاعيان المغصوبة، كما لو غصب شخص مال آخر فيضمن شخص آخر عين ذلك المال، وضمان الامانة، كما لو ضمن الشخص الامانة التي عند الشخص الآخر، قد وقع الخلاف فيهما بين الفقهاء. وهناك قسم آخر لم يتعرض له الفقهاء وهو ضمان الاعيان التي تكون عند اصحابها، كاموال الناس في متاجرهم، وحكم هذا القسم حكم القسمين الاخيرين. ومحصل ما ذكروه في وجه بطلان الضمان في القسمين الاخيرين واختصاصه بما في الذمم - وجوه - وان اختص بعض الوجوه بالاول - وبعضها بالثاني. الاول: انه لا دليل على العموم، واخبار باب الضمان كلها واردة في ضمان ما في الذمة و واردة لبيان احكام آخر وليس في شئ منها ما له اطلاق أو عموم يمكن ان يتمسك به لمشروعية الضمان بقول مطلق، وما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ان (الزعيم غارم) ليس من الاخبار المعتمدة عندنا فلا يكون حجة. وفيه: ان ادلة الضمان الانشائي المختصة به وان كان لا اطلاق لهاكي يتمسك به الا ان ما

[ 70 ]

دل على نفوذ كل عقد ومعاملة عقلائية - كآية " تجارة عن تراض " " واوفوا بالعقود " وغيرهما - له اطلاق يشمل هذه الاقسام من الضمان باجمعها. الثاني: وهو مختص بالقسم الاول: ان المضمون عنه، كالغاصب ايضا مكلف برد العين، فلو قلنا بمشروعية هذا الضمان كان من قبيل ضم ذمة الى اخرى، مع ان مذهبنا كون الضمان موجبا للانتقال من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن. وفيه: ان الضمان المصطلح في ضمان ما في الذمة، هو الانتقال، وهذا لا يوجب المنع من الضمان بالمعنى الاخر في المقام الثابت بالعمومات. مع انه لا مانع من الالتزام في المقام ايضا بالانتقال، فيكون بقاء المال بيد الغاصب امانة، غاية الامر يجب رده فورا الى مالكه ولو لم يقصر في الرد عليه وتلف في اثناء ذلك يكون ضمانه على الضامن دون الغاصب، ولو قصر يكون يده بقاء يد ضمان فيكون ضامنا من جديد. وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الثالث: وهو ان الضمان نقل الحق من ذمة الى اخرى فلا ينطبق على الضمان بمعنى كون العين في العهدة. الرابع: ان ضمان الاعيان سواء كان المراد به نقلها عن عهدة ذي اليد الى عهدته أو ضمها إليها، يحتمل كونه من الاحكام الشرعية لامن الامور التي بيد الناس وضعا ورفعا ومع هذا الاحتمال لاوجه للتمسك بالعمومات. وفيه: ان المراجعة الى المرتكزات العقلانية تدفع هذا الاحتمال: فان العهدة والذمة من باب واحد، فكما ان ما في الذمة قابل للنقل وللضم، كذلك ما في العهدة من الاعيان. الخامس: انه من ضمان ما لم يجب، فان الملتزم به مثلها أو قيمتها في صورة التلف، وقد اشتهر في الالسن عدم صحته. وفيه: ان الالتزام بكون العين في العهدة ليس من ضمان ما لم يجب، مع ان ضمان ما لم يجب انما يكون باطلا إذا كان المنشا هو اشتغال الذمة بالبدل. فعلا، واما إذا كان المنشأ هو

[ 71 ]

الاشتغال به بعد التلف فلا محذور فيه وتمام الكلام في محله. السادس: وهو يختص بالقسم الثاني - ان من اركان الضمان - المضمون عنه وهو المدين و هو مفقود في الضمان في الامانة، بل وفي ضمان العين المغصوبة لانه ضمان ابتدائي، لا عن الغاصب. وفيه: انه لا يعتبر في الضمان وجود المضمون عنه بل اركانه ثلاثة - الضامن - والمضمون له - والمضمون - فالمتحصل: ان مقتضي العمومات جواز الضمان بجميع اقسامه حتى ضمان العين التي بيد صاحبها وليس هناك ما يمنع عنه، فالاظهر هو الجواز. وهذا الضمان أي: ضمان ما عند صاحبه يتصور على وجهين - احدهما الضمان بلا عوض - ثانيهما الضمان مع العوض، كان يقول الضامن لصاحب المال، اضمن لك العين سنة على ان تعطيني عوضا عن ذلك عشرة توامين عن كل شهر والاظهر صحته بكلا قسميه - إذا عرفت هذا فاعلم: ان عملية التامين تنطبق على ضمان الاعيان غير المضمونة فان المؤمن يضمن، اي يتعهد ويدخل الشئ في عهدته وحيازته في عملية التامين سواء كان ذلك من الاعيان الخارجية، أو النفوس الحرة أو المملوكة، غاية الامر ليس ضمانا مجانيا بل بعوض معين يشترط على المؤمن له ان يدفعه دفعة أو اقساطا - و: لا يهمنا البحث عن كون هذه المعاملة ايقاعا من جهة حصولها من طرف واحد وهو الضامن: فانه المقدم على تحمل المسؤولية، أو انها عقد من جهة انها تشتمل على الايجاب من ناحية المؤمن (الشركة) بتصديره وثيقة التامين وتوقيعها، والقبول من المؤمن له بتوقيع ورقة العقد، بعد كون المختار صحة الشرط ولزوم الوفاء به، وان كان في ضمن الايقاع، و لكن الاظهر انها من العقود - كما تقدم. فتحصل: ان عملية التامين من قبيل ضمان الاعيان التي عند اصحابها غاية الامر، انه ضمان مشروط بدفع المؤمن له مبلغا اقساطا الى مدة معينة - وقد يستشكل في صحة هذه المعاملة من جهة امور اخر مثل كون المعاملة غررية ونحو ذلك، ونتعرض لجميع الاشكالات في آخر المبحث ان شاء الله تعالى.

[ 72 ]

الهبة المعوضة: وان ابيت عما ذكرناه ولم يثبت لك مشروعية الضمان على غير ما في الذمم - يمكن تطبيق عملية التامين على الهبة المعوضة، بان يهب المؤمن له في كل سنة أو شهر أو دفعة مبلغا للمؤمن (الشركة) ويملكه مجانا، ويشترط عليه ان يملكه مبلغا يعادل قيمة المؤمن عليه، مثلا ان حدث حادث بالمال، أو كذا مقدارا من المال لو حل به موت أو تلف لعضو من اعضائه يدفعه لاسرته مثلا، أو يشترط عليه ملكيته بنحو شرط النتيجة، وهذا شرط سائغ لا مانع فيه، فيكون التامين من مصاديق الهبة المعوضة، ويترتب عليه احكامها. الصلح: ويمكن تطبيقه على الصلح ايضا: فان حقيقة الصلح هي التراضي والتسالم على امر من تمليك عين أو منفعة أو اسقاط دين أو حق أو غير ذلك، ولا يشترط فيه كونه مسبوقا بالنزاع، وهو جائز في كل مقام وعلى كل امر الا إذا كان محرما لحلال أو محللا لحرام - وهو عقد مستقل بنفسه وعنوان برأسه وليس كما قيل راجعا الى ساير العقود وان افاد فائدتها، وتنقيح القول في هذه الجهات موكول الى محله. وعليه - ففي المقام يتسالم المؤمن والمؤمن له، على ان يدفع المؤمن له مبلغا اقساطا أو دفعة، ويتحمل المؤمن الخسارة التي تحل بالمؤمن له، أو يدفع مقدارا من المال لو تلف بعض اعضائه أو حل به الموت لاسرته مثلا. عقد التامين عقد مستقل: ولو لم يتم ما ذكرناه من تطبيق عقد التامين على واحدة من المعاملات المعهودة، نقول انه عقد مستقل مركب من الايجاب والقبول، على ما مر تقريبه وعليه، فيشمله عمومات امضاء المعاملات كقوله تعالى - " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة

[ 73 ]

عن تراض " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " وتخصيصها بالعهود و العقود التي كانت متعارفة في زمن صدورها - بلا وجه، بعد كونها متضمنة ليان الحكم الخالد الباقي في جميع الاعصار، وكونها من قبيل القضايا الحقيقية. اشكالات: بقى في المقام اشكالات - تورد على تصحيح هذه المعاملة بما انها عقد مستقل وبعضها يجري في بعض الوجوه المتقدمة - وهي امور: الاول: ان هذه المعاملة ليست معاوضة حقيقية بل معاوضة احتمالية: فان احد العوضين هو تحمل الخسارة على تقدير وقوع الخطر المؤمن منه فلا عوض على تقدير عدم وقوعه فهذه ليست مشمولة للعمومات، بل هي من اكل المال بالباطل. وفيه: ان المؤمن له يدفع مبلغا اقساطا، مثلا بازاء كون ماله محفوظا، فكما انه قد يستاجر شخصا لحفظ ماله، ويكون ذلك من طرق الحفظ كذلك التامين من طرق الحفظ بل هو من احكامها، وهذا الامان والحفظ يحصل للمستامنين بمجرد العقد من دون توقف على الخطر المؤمن منه بعد ذلك: فانه بعد هذا الامان لا يفرق عليه وقوع الخطر وعدمه: إذ لو لم يقع الخطر ظلت امواله سليمة، وان وقع الخطر احياها التعويض، فهي معاملة حقيقية بتية و ليست من الاكل بالباطل. وان شئت قلت: ان العوض ان كان كون المال في عهدة المؤمن، فهو فعلي، وان كان اعطاء بدله على تقدير التلف فهو بنفسه لا يكون فعليا لكن لازمه وجود. الامان الفعلي، فعلى التقديرين هذه معاملة بتية، وتجارة عن تراض، وعقد من العقود. وبهذا البيان يظهر الجواب عن الاشكال الثاني: وهو ان هذه المعاملة غررية فانه يحتمل عدم وقوع الخطر المؤمن منه، وقد نهي

[ 74 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الغرر فانه مع حصول الامان الفعلي لا غرر ولا خطر. اضف الى ذلك ان المتيقن النهي عن بيع الغرر، لا مطلق الغرر، وهذا ليس بيعا. الثالث: ان عقد التامين على الحياة ينطوي على جهالة لان الاقساط التي يدفعها المستامن الى حين وفاته لا يعرف كم ستبلغ والجهالة تمنع صحة العقد شرعا. وفيه: ان الجهالة مانعة عن صحة البيع وبعض العقود الاخر ولم يدل دليل على مبطليتها من حيث هي لكل عقد. الاشكال الرابع: ان عقد التامين فيه تحد للقدر الالهي لا سيما في التامين على الحياة. وفيه: ان المؤمن لا يتعهد عدم وقوع الخطر حتى يقال انه تحد للاقدار - بل هو يتعهد ترميم آثار الاخطار إذا تحققت ووقعت كما لا يخفى. فالمتحصل: هو تصحيح عقد التامين من وجوه وطرق مختلفة. التامين التبادلي: وقد وعدنا في اول البحث بيان حكم التامين التبادلي، وهو اتفاق جماعة على تكوين رأس مال مشترك لتعويض ما يحيق باحدهم من الخسارة. وملخص الكلام فيه: انه يمكن تصحيحه بوجوه: احدها: بتخريجه على الضمان، بناء على مشروعية ضمان الاعيان غير المضمونة كما هو الحق - بيانه - ان ما يعطيه كل واحد شهريا أو سنويا يكون باقيا على ملكه، ولكن كل من افراد الشركة يضمن اموال الآخرين لا بتمامها، بل بنسبة خاصة تابعة لمقدار مال كل منهم، ويكون هذا الضمان مشروطا بجعل مقدار من المال شهريا أو سنويا لدى الشركة، مثلا يجتمع عشرة على تكوين رأس مال، ويجعل كل واحد في كل شهر مائة تومانا، ويصير كل واحد من العشرة ضامنا لاموال غيره من الشركاء بمقدار العشر لاجميعها، فهذا من مصاديق ضمان الاعيان التي عند اصحابها الذي عرفت انه لا مانع منه، غاية الامر انه

[ 75 ]

ضمانات عديدة تنشا بانشاء واحد ولا محذور فيه - ثانيها: تخريجه على الصلح بناء على ما تقدم من، أنه عقد برأسه وانه يصح الصلح على كل امر ما لم يكن محللا للحرام ومحرما للحلال: فان الشركاء يتصالحون على ان يجعل كل واحد منهم مقدارا من المال في صندوق الشركة، ويتحمل كل واحد منهم الخسارة التي تحل بالآخرين بنسبة خاصة تابعة لمقدار ماله - ثالثها: اعتبارها معاملة مستقلة مشمولة للعمومات بالتقريب المتقدم. ما يدفعه بعض الشركات اضافة الى مبلغ التامين: بقي في المقام حكم ما يدفعه بعض الشركات من الفوائد السنوية أو الشهرية اضافة الى مبلغ التامين الذي يدفعه عند حدوث الخطر. وقد يقال انه حرام: فان ما يدفعه المؤمن له الى المؤمن ان كان تمليكا له كما هو الظاهر، فالاضافة فائدة اي شئ، وان كان بعنوان القرض كان دفع الاضافة موجبا لصيرورة القرض ربويا، فعلى التقديرين لا يحل الاخذ. ولكن يمكن ان يقال انه في هذه الشركات بعد تصحيح التامين باحد الوجوه المتقدمة يشترط الشركة للمؤمن له ان يدفع إليه مبلغا شهريا أو سنويا، وهذا شرط سائغ لا محذور فيه، فالاضافة لا تكون فائدة لشي، ولا زيادة في القرض فتدبر. عقد ضمان الجريرة نظير للتامين: ويمكن ان يقال ان نظير التامين عقد ضمان الجريرة، بل هو من مصاديقه وصورته، ان يقول احد الشخصين لآخر عاقدتك على ان تنصرني وانصرك وتمنع عني وامنع عنك وتعقل عني واعقل عنك وترثني وارثك، فيقول الآخر قبلت أو يقول احدهما عاقدتك على ان تنصرني وتمنع عني وتعقل عني وترثني فيقول الآخر قبلت. بل الظاهر انه لا يعتبر فيه سوى العقل والارث، وله شرائط منها ان لا يكون له وارث

[ 76 ]

مناسب، ومنها غير ذلك مما هو مذكور في الكتب. ولا خلاف نصا وفتوى في مشروعية هذا العقد وفي الجواهر بل الاجماع بقسميه عليه ويشهد به نصوص كثيرة. كخبر: عمر بن يزيد عن الامام الصادق عليه السلام في حديث في المملوك يعتق يذهب فيوالى من احب فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه. وخبر علي بن رئاب عن ابي عبيدة عن الامام الصادق عليه السلام عن رجل اسلم فتوالى الى رجل من السملمين قال ان ضمن عقله وجنايته ورثه وكان مولاه. ونحوهما غيرهما ونتيجة هذا العقد ان من اتخذ وليا يعقله ويضمن حدثه يكون ولائه له ويثبت به الميراث. والوجه فيما ادعيناه من انه نظير التامين: انه يوجد فيه جميع الاركان الموجودة في التامين، وهي: 1 - الايجاب والقبول 2 - المؤمن عليه - شخص وثروة وما شاكلهما - 3 - المؤمن وهو الشركة أو الشخص - 4 - والمؤمن له 5 - مبلغ التامين - وهو الذي يدفعه الشركة مثلا عند حدوث الخطر - وما يدفعه المؤمن له الى الشركة من المبلغ 6 - الخطر المؤمن ضده - كالسرقة - وله شرائط: وهذه - موجودة في هذا العقد - لانه عقد يعتبر فيه الايجاب والقبول والمؤمن عليه - هو المضمون والمؤمن له - هو المضمون له في المقام - والمؤمن هو الضامن. ومبلغ التامين - و هو الدية - والارث والخطر المؤمن ضده - وهو هنا الجناية. فالمتحصل من ذلك ان بعض مصاديق التامين دل دليل خاص على مشروعيته.

[ 77 ]

رواية لطيفة: قد عثرت على رواية احببت ادراجها في المقام وان كانت لا تدل على مشروعية التامين لشدة مناسبتها مع هذا الباب - وهي: رواية: محمد بن ابي حمزة عن رجل بلغ به امير المؤمنين عليه السلام قال مر شيخ مكفوف كبير يسال فقال امير المؤمنين عليه السلام ما هذا؟ قالوا يا امير المؤمنين نصراني، فقال امير المؤمنين عليه السلام استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه انفقوا عليه من بيت المال. فانها من جهة اشتمالها على تعريضه عليه السلام على من استعمل شخصا الى ان عجز ثم امتنع عن انفاقه، تدل على انه يحدث له حق بواسطة عمله مادام هو قادر فيكون ذلك اي الانفاق عليه بعد العجز من الشروط الضمنية في اول الاستعمال وعليه فمضمونها مربوط بالمقام كما لا يخفي -.

[ 79 ]

أوراق اليانصيب اعطاء المال بازاء ان يقرع فان اصابته القرعة يعطيه ما لا كثيرا - شراء بطافة اليانصيب مع اشتراط القرعة أو بدونه - اعطاء المال بعنوان الاعانة - مع اشتراط القرعة - أو بدونه.

[ 81 ]

من الموضوعات المستحدثة أوراق اليانصيب: وهي عبارة، عن اتفاق بين شركة من جهة، وعدة اشخاص من جهة اخرى، وبمقتضي هذا الاتفاق ياخذ كل شخص، بطاقة، أو بطاقات اليانصيب بازاء مبلغ معين، ويتعهد الشركة بان يقرع، فمن اصابت القرعة بطاقته تعطيه الشركة مبلغا معينا من المال، فينبغي لنا بيان موقف الشريعة المقدسة الاسلامية من هذا العمل الذي شاع وذاع في هذا العصر، و هي تتصور على وجوه بل هي انواع خارجية. النوع الاول: ان يكون، اعطاء المال واخذ البطاقة لاجل احتمال اصابة القرعة وأخذ المال الكثير، ولا اشكال في حرمة ذلك وما ياخذه من العوض على تقدير اصابة القرعة سحت، لانه من مصاديق القمار: فان من اظهر مصاديقه اللعب والعمل بالآلات المعدة للمراهنة مع الرهن، وهذه البطاقات معدة لهذه المراهنة والمغالبة فهو حرام والعوض المأخوذ سحت. النوع الثاني: ان يشتري البطاقة بمبلغ معين كتومانين والبايع بنفسه يقرع فمن اصابته القرعة يعطيه مالا كثيرا - مثلا - مائة الف تومان، أو يشترط عليه في ضمن البيع ذلك، و الاظهر فساد البيع - وعدم استحقاق المال الكثير بعد اصابة القرعة، وفساد الشرط. اما فساد البيع: فلان مالية البطاقة المذكورة ليست ذاتية كالمأكول وما شاكل ولا اعتبارية بنحو يكون الاعتبار عاما يشترك فيه جميع البشر كالاحجار الكريمة، ولا

[ 82 ]

اعتبارية مجعولة من قبل دولة أو بنك يقوم مقام القسم الاول - كالاوراق النقدية، بل ماليتها اعتبارية بالاعتبار الخاص اي يكون اعتبارها بالنظر لما يترتب على البطاقة من الاثر الخاص، وهو ان بايعها يقرع فان اصابتها القرعة يعطي لمشتريها مالا كثيرا، وعليه فماليتها مجهولة فبيعها غرري وباطل - نعم - لو اوقع الصلح عليها لم يتوجه هذا الاشكال - واما فساد الشرط فلوجهين: الوجه الاول: انه مع فساد البيع يكون الشرط ابتدائيا، والشرط الابتدائي لا يكون صحيحا فان من شرائط صحته ولزوم الوفاء به كونه في ضمن عقد من العقود. الوجه الثاني: ان القرعة بنفسها رهان وقمار، والقمار حرام بالكتاب والسنة: والوجه في كونه قمارا انه لم يؤخذ في مفهوم القمار، ان تكون المراهنة بالآلات المعدة للقمار، بل اللعب بالآلات غير المعدة له مع الرهن قمار. كما يشهد به كلمات اللغوبين - ففي مجمع البحرين اصل القمار الرهن على اللعب بشي - و في القاموس تقمره راهنه فغلبه ونحوهما غيرهما. والعرف فانا نرى صدق القمار عندهم على اللعب بكل شئ مع الرهن من دون عناية و علاقة. وجملة من النصوص: كصحيح: معمر بن خلاد عن ابي الحسن عليه السلام النرد والشطرنج والاربعة عشرة بمنزلة واحدة وكل ما قومر عليه فهو ميسر. وخبر جابر عن الامام الباقر عليه السلام انه قال لما انزل الله تعالى - على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجسن من عمل الشيطان فاجتنبوه).

[ 83 ]

قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما الميسر قال كلما تقومر به حتى الكعاب والجوز. ونحوهما غيرهما. ويدل على فساد القرعة مع هذا الالتزام والتعهد، وحرمتها، وعدم كونها موجبة لحدوث حق لمن اصابته طوائف اخر من الاخبار. منها: خبر ياسر الخادم عن الامام الرضا عليه السلام عن الميسر - قال عليه السلام الثقل من كل شئ قال والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم. ومنها: ما دل على ان الملائكة تنفر عند الرهان وتلعن صاحبه كمرسل الصدوق عن الامام الصادق عليه السلام ان الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف و الريش والنصل الحديث. ونحوه خير العلاء بن سيابة. ومنها: صحيح محمد بن قيس عن الامام الباقر عليه السلام قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل آكل واصحاب له شاة فقال ان اكلتموها فهي لكم وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا فقضى فيه ان ذلك باطل لا شئ في المواكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع غرامة فيه. فالمتحصل ان الرهان مطلقا حرام وفاسد لا يوجب الملكية، ومنه القرعة المفروضة في المقام، وعليه فشرطها شرط مخالف للكتاب وللسنة وهو غير صحيح. وبما ذكرناه ظهر عدم استحقاق المال بعد اصابة القرعة ان لم تشترط ذلك، مع ان القرعة ليست من المملكات. النوع الثالث: ان يكون اعطاء المال من طرف آخذ البطاقة بعنوان الاعانة والمساعدة لاحدى المؤسسات الخيرية، والبايع يقرع بين المعينين، فمن اصابته القرعة يعطيه مالا كثيرا تشجيعا لهم على تقديم المعونات.

[ 84 ]

والاظهر انه لا اشكال في الاعانة، واما ما يعطى بعد اصابة القرعة فلا يجوز اخذه، اما بدون الشرط: فلانه رهان كما تقدم، مع ان القرعة بنفسها ليست من المملكات، واما معه: فلان الشرط لكونه خلاف الكتاب والسنة لا يكون نافذا، مع انه شرط ابتدائى ليس في ضمن العقد. مع، ان اعطاء المال الكثير من الاموال التي اجتمع من الاعانات كما ترى ولا يعطيه من امواله يقينا. فالاظهر، عدم جواز اخذ ذلك المال الكثير في شئ من انواعه ووجوهه.

[ 85 ]

الشوارع المفتوحة موضوع البحث - موارد البحث - استملاك الحكومة جبر اللدور وما شاكل - حكم العبور في الشوارع المستحدثة - حكم بقية الانتفاعات الممكنة من فضلات الدور وما شاكل - المساجد الواقعة في الشوارع - ما هي المسجدية - العبور في المسجد الواقع في الشارع - لا يجوز بيع المسجد - الانتفاع بما وقع في الشارع - لا يضمن المنتفع به - تنجيس المسجد الخراب وتطهيره - مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع.

[ 87 ]

موضوع البحث: - من الموضوعات التي شاعت وذاعت في هذه الازمنة من جهة اختلاف حياة ابناء هذا الزمان مع حياة السابقين من ناحية الاسباب والوسائل - شق الشوارع وهذا هو محل بحثنا فعلا. فنبحث عن الدور والمساجد وما شاكل التي تستملكها الحكومة جبرا لتجعلها شوارع لعبور الناس ومرورهم، وانه هل يجوز ذلك للحكومة، ام لا. وعلى التقديرين ما يكون حال العبور في مثل هذه الشوارع المستحدثة، وكذا بقية الانتفاعات الممكنة من فضلات الدور مثلا. وتنقيح القول بالبحث في مقامات: 1 - في الدور وغيرها من الاملاك الشخصية. 2 - في المساجد وما يجري عليها من الاحكام. 3 - في مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع، وما يتخذ منها ليجعل دور أو نحوه. استملاك الحكومة جبرا للدور وما شاكل: اما المقام الاول: فالكلام فيه - في مواضع:

[ 88 ]

الاول: انه، هل يجوز هذا الاستملاك، وهل هو من موارد البيع الاجباري الثابت في الشريعة، ام لا. قد يقال: بجوازه إذا كان عدم افتتاح الشارع ضررا على المسلمين وموجبا لوقوعهم في العسر والحرج في الاستطراق ولم يرض ملاكها بالبيع. واستدل لذلك بحديث نفي الضرر والضرار. وهو - موثق زرارة عن الامام الباقر عليه السلام - ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب البستان فكان سمرة يمر الى نخلته ولا يستاذن فكلمه الانصاري ان يستاذن إذا جاء فابى سمرة فجاء الانصاري الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا إليه وخبره الخبر فارسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول الانصاري وما شكاه فقال إذا اردت الدخول فاستاذن فابى فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فابى ان يبيعه فقال لك بها عذق في الجنة فابى ان يقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للانصاري اذهب فاقلعها و ارم بها إليه: فانه لا ضرر ولا ضرار وفي بعض النصوص ما اراك يا سمرة الامضارا - وتقريب الاستدلال به انه صلى الله عليه وآله وسلم حكم بجواز قلع العذق بعد، ما لم يرض سمرة بالاستئذان، ولا بالمعاملة على عذقه، وكان ذلك اي بقاء العذق وعدم جواز قلعه ضررا على الانصاري، وعلله: بانه لا ضرر ولا ضرار، فيستفاد من ذلك الجواز في كل مورد كان عدم الجواز ضرريا على شخص أو اشخاص، وعليه - ففي المقام إذا كان الشارع مما يحتاج إليه الاجتماع في عيشته وكان عدم فتحه ضررا عليهم ولم يرض المالك بالمعاملة على ماله يجوز الافتتاح وان لم يرض به لانه لا ضرر ولا ضرار. وايد ذلك - بخبر ابى بصير عن الامام الباقر عليه السلام في حديث طويل انه قال إذا قام القائم عليه السلام سار الى الكوفة - الى ان قال - ووسع الطريق الاعظم - الى ان قال فلا يترك بدعة الا ازالها ولا سنة الا اقامها. والجواب عن الاستدلال - اولا: انه اخص من المدعى فانه لو تم لاختص بما إذا كان

[ 89 ]

عدم الافتتاح ضررا على المسلمين، ولا يشمل ما إذا كان الافتتاح نفعا لهم وتركه لم يكن ضررا. وثانيا: انه لو تم هذا الوجه لاختص الجواز بالحاكم الشرعي والماذون من قبله، و من الماسوف عليه ان اهل الهوى سلبوا من فقهاء الاسلام الحكم والسلطة التي جعلها الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف لهم في زمان غيبته فلو ردت الحكومة إليهم لعلم الناس ما هو الحكومة النافعة. وثالثا: انه قد بينا في رسالة لا ضرر: ان الحديث ظاهر في تعلق النفي بالاحكام الوجودية ولا يكون العدم شيئا قابلا لان يكون متعلقا للنفي الا بالعناية، وان شئت قلت: ان العدم ونفيه لا يكون مجعولا الا بعناية جعل الوجود فعدم جواز الافتتاح ليس مشمولا له. الوجه الثاني لجواز الاستملاك: وقد يقال في وجه جواز الاستملاك: ان لا اشكال ولا ريب في ان الشارع الاقدس يهتم، بالامور الاجتماعية، وما يحتاج إليه عامة الناس وفيه صلاحهم اكثر من اهتمامه بحقوق الافراد، وانه عند التزاحم يقدم ما يعود نفعه الى الاجتماع، وايضا من الثابت في الشريعة ان الولاية والحكومة وان كانتا للسلطان العادل ونوابه وتصدى الجائر وتقمصه بذلك القميص اثم، الا انه بعد تصديه لذلك المقام له التصرف في ما يعود نفعه الى العامة، و لذا افتى بعض الفقهاء بجواز اخذ الحقوق الثابتة في الاموال من قبيل الخراج والمقاسمة وما شاكل، وانه لو اخذ تبرأ ذمة من اخذ منه تلك وقد دلت النصوص على ذلك - وعلى هذا إذا كان فتح الشارع نفعه عائدا الى الاجتماع للحكومة استملاك الاملاك الشخصية جبرا ان لم يرض ملاكها بالمعاملة عليها وفتح الشارع. يرد على هذا الوجه امران: الاول: انه لو تم لاختص بما إذا كان شق الشارع واجبا اي كان نفعه بنحو بلغ الى حد اللزوم كي يصلح للمزاحمة مع حرمة التصرف في ملك الغير بلا رضا صاحبه ويقدم عليها،

[ 90 ]

والا فلاوجه لتقديمه على الحرام الثابت بالعقل والنقل عند المزاحمة. الثاني: ان الغاصب لذلك المقام يرى نفسه حاكما، ولا يكون كذلك في اعتبار الشارع الاقدس، وبعبارة اخرى من غصب الحكومة لا يكون حاكما الا في اعتباره واعتبار تابعيه لا في اعتبار الشارع. ولذلك بنينا على عدم جواز اخذ الجائر الحقوق الشرعية، نعم لو عصى واخذ تبرأ ذمة من اخذ منه للنصوص الدالة على ذلك، وعليه ففي مورد جاز الاستملاك القهري بالبيع الاجباري لا يجوز ذلك لهذه الحكومات. حكم العبور في الشوارع المستحدثة: الموضع الثاني بيان موقف الشريعة المقدسة من العبور في الشوارع التي افتتحت في ملك الغير بلا رضا صاحبه. لا اشكال في الجواز إذا قلنا بجواز الاستملاك، انما الكلام لو بنينا على عدم الجواز، فقد ذكر في وجه جواز العبور فيها امور - الاول: ان الشوارع المستحدثة اموال لا يمكن ايصالها الى اصحابها، فيلحقها حكم مجهول المالك وهو التصدق، وحيث انه لا يمكن التصدق باعيانها فيتصدق بمنافعها، فيبيح الحاكم الشرعي العبور فيها صدقة عن اصحابها. ويمكن ان يقال ان الحاكم الشرعي يتصدق بها للعموم ويملكها النوع. حكم مجهول المالك: هذا الوجه مؤلف من امور: احدها: ان حكم مجهول المالك هو التصدق، وهو تام، وقد حققناه في الجزء الاول من كتابنا منهاج الفقاهة، والجزء الخامس عشر من كتابنا فقه الصادق، وبينا ان الروايات تدل على ذلك، وان ما يتوهم دلالته على خلاف ذلك لا يدل عليه، وفي المقام اذكر بعض تلك

[ 91 ]

النصوص واشير الى الجواب عما توهم معارضته له. اما: نصوص الصدقة - فمنها مصحح يونس قال سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام وانا حاضر الى ان قال: فقال: رفيق كان لنا بمكة، فرحل منها الى منزله، ورحلنا الى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا، فاى شى نصنع به قال عليه السلام تحتملونه حتى تحملوه الى الكوفة قال لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولان نعرف كيف نصنع به قال عليه السلام إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه قال له: على من جعلت فداك قال: على اهل الولاية ومنها: خبر ابي علي بن راشد عن ابي الحسن عليه السلام فيمن اشترى ارضا ثم خبر انها وقف ولا يعرف من وقف له قال عليه السلام تصدق بغلتها ونحوهما غيرهما. واما: ما توهم معارضته لها فطوائف منها ما استدل به لكونه للامام عليه السلام وهو: خبر داود بن ابي يزيد عن الامام الصادق عليه السلام قال له رجل اني قد اصبت مالا واني خفت فيه على نفسي ولو اصبت صاحب دفعته إليه - فقال عليه السلام ما له صاحب غيري - قال فاستحلفه ان يدفعه الى من يامره قال حلفت فقال: فاذهب فاقسمه في اخوانك ولك الامن مما خفت منه قال فقسمته بين اخواني. وفيه: اولا ان الخبر ضعيف لجمال - وثانيا - انه يحتمل فيه وجوه - منها - ما هو اساس الاستدلال وهو كونه لقطة غيره لكنه تكون له - ومنها - كون ما اصابه لقطته عليه السلام فامر بالصدقة على الاخوان تبرعا - ومنها - كونه لقط من غيره لكنه عرف انه لا وارث له فيكون المال له - ومنها غير ذلك - فلا يصح الاستدلال به. الطائفة الثانية: ما توهم دلالته على جواز التملك - وهي: صحيح علي بن مهزيار عن ابى جعفر عليه السلام في حديث والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرأ والفائدة يفيدها والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر - الى ان

[ 92 ]

قال ومثل ما يؤخذ لا يعرف له صاحب الحديث. وفيه: اولا انه ظاهر في اللقطة وقد دلت النصوص على ان لمالكها تملكها بعد تعريفها حولا - وثانيا - انه وراد في مقام بيان وجوب الخمس في كل غنيمة ومنها مال يوجد ولا يعرف له صاحب، فغاية ما يستفاد منه ان مجهول المالك يجوز تملكه، واما ان ذلك هل هو مطلق أو يختص ببعض اقسامه فلا يستفاد منه شئ منهما. الطائفة الثالثة: ما استفيد منه ان حكم مجهول المالك تعين الحفظ والايصاء به عند الوفاة. وهي خبر الميثم عن العبد الصالح عليه السلام فيمن مات في فندق وترك مالا ولا يعرفه صاحب الفندق ولا بلاده ولا ورثته - اتركه على حاله. وخبر هشام المروى عن الفقيه سال حفص الاعور ابا عبد الله عليه السلام فقال كان لابي اجير وكان له عنده شئ فهلك الاجير فلم يدع وارثا ولا قرابة وقد ضقت بذلك كيف اصنع به فقال عليه السلام رأيك المساكين رأيك المساكين - ثم قال عليه السلام هو كسبيل مالك فان جاء طالب اعطيته وروي هذا الخبر بطرق آخر مع اختلاف في متنه. يرد على خبر هيثم انه ضعيف لان ميثم مهمل مجهول، مع ان الظاهر منه ارادة ما قبل الفحص. ويرد على الاستدلال باخبار هشام - انها ظاهرة في موت الاجير وعدم وجود وارث له فيكون المال له عليه السلام. مع ان موردها الدين ومحل الكلام هو العين. مع ان قوله كسبيل مالك، يحتمل ان يكون المراد به لزوم الامساك والحفظ، ويحتمل ان يكون المراد التملك بالملكية المتزلزلة غير المنافية لوجوب الدفع ان جاء له طالب. فالاظهر ان حكم مجهول المالك تعين الصدقة. وقد اشبعنا الكلام في كتابنا منهاج الفقاهة وكتابنا فقه الصادق في ذلك، وفي انه لا يعتبر في التصدق اذن الحاكم الشرعي، وفي ان

[ 93 ]

مصرفه الفقراء، وفي جواز اعطائه للهاشمي - فليراجع. الامر الثاني: الذي يتوقف عليه هذا الوجه: ان حكم تعذر الايصال الى المالك المعلوم تفصيلا حكم جهالة المالك، وهو كذلك كما صرح به الشيخ الاعظم رحمه الله تبعا للمحقق رحمه الله إذا لمستفاد من النصوص الامرة بالتصدق بمجهول المالك ان الموجب لذلك ومناطه هو تعذر الايصال إلى المالك، وعليه فلا فرق بين أن يكون المالك مجهولا بقول مطلق وبين كونه مرددا بين أشخاص غير محصورين وبين كونه معلوما يتعذر الوصول إليه. الامر الثالث: انه لا فرق في المتعذر ايصاله إلى صاحبه، بين ان يكون المال تحت يد الانسان، وبين ما لم يكن تحت يده كما في المقام فانه تحت يد الغاصب الجائر - وهذا أيضا غير بعيد للمناط المشار إليه. الامر الرابع: انه حيث لا يمكن التصدق بها باعيانها بشخص معين، فللحاكم ان يتصدق بمنافعها، أو التصدق بها الى العموم، وهذا مشكل إذ لا دليل على هذا التصدق مع: ان التصدق ان كان على الوجه الاول لاختص بالفقراء فان مصرف الصدقات الفقراء - قال الله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " والتصدق على الوجه الثاني بعد عدم فقر النوع لا وجه له، فالمتحصل عدم تمامية هذا الوجه. الوجه الثاني: إنه يجوز شرعا العبور في الاراضي غير المسورة التي لم تحجب لتمنع العبور فيها، من البساتين وغيرها. والشاهد به السيرة القطعية المستمرة إلى زمان المعصوم عليه السلام و عليه ففي الشوارع المفتوحة لانطباق هذا العنوان عليها يجوز العبور. وفيه انه لم يدل دليل على جواز الاستطراق والعبور في هذه الاراضي بهذا العنوان، و الذي قام الدليل عليه هو جواز ذلك، فيما كان عدم الجب كاشفا عن رضا صاحبه وعلم عدم كونه من القاصرين، وفي الاراضي المتسعة التي هي كالانهار الكبار التي يجوز التصرف فيها، مع عدم الحراز رضا صاحبها. والجواز في الموردين غير ملازم للجواز في المقام.

[ 94 ]

اما الاول فواضح - واما الثاني: فلانه في تلك الاراضي يمكن ان يقال ان الشارع الاقدس جعل حقا لغير المالك فيها، كما في الثمرة الواقعة في عرض الطريق التي يجوز للمارة اكلها فيكون الملكية من اول حدوثها ملكية مقيدة غير مطلقة، وهذا لا يجري في المقام: إذ الملكية للدور وما شاكل لم تكن مقيدة فتلك السيرة لا تنفع في المقام. الوجه الثالث: ما ينسب الى بعض فقهاء العصر، وهو: أن الارض إذا كسيت بالاسمنت أو القير أو ما شاكل، فما يوضع عليه القدم في اثناء العبور ليس هو نفس الارض بل يوضع القدم على التبليط، والفضاء لا مانع من العبور فيها، ولذا لا كلام في جواز رمى الحجارة من أحد جانبي ملك الغير الى الاخر، وفي جواز عبور الطائرات في الفضاء المملوك للناس. وفيه: أولا: ان احجار التبليط بما انها معتمدة على الارض فالقدم وان كان يوضع عليها إلا انه يعد ذلك تصرفا في الارض أيضا. وثانيا: إن رمي الحجارة يجوز من جهة ان العرف لا يرونه تصرفا لحقارته وقلته، واما عبور الطيارة، فلعل وجه جوازه: ان الفضاء التي يعبر فيها الطائرة لا تكون مملوكة. توضيح ذلك ان ما اشتهر من ان كل من ملك أرضا ملك لفراغها الى عنان السماء و لقرارها الى تخوم الارضين لا أصل له: لعدم الدليل عليه، مع ان اعتبار هذه الملكية لا يكون عقلائيا ولا شرعيا. بل الحق: ان من ملك ارضا يملك مقدارا من الفراغ الذي يتوقف عليه تصرفاته في أرضه ولمقدار آخر منه بتبعية الارض بمنزلة الحريم لها، ولا يملك ما تجاوز عن ذلك، نعم ما تجاوز عن ذلك يملكه الحكومة بعنوان أنه حريم للمملكة، ولذا للحكومة المنع من عبور الطائرات من فضاء المملكة وإن لم يكن ذلك لمالك كل قطعة منها، وعلى هذا فتصرف العابر في فضاء الدار يكون حراما ولا يقاس بالتصرف في المثالين. الوجه الرابع: ان أصحاب تلك الاموال بعد فتح الشارع يعرضون عن أموالهم لعلمهم بعدم رجوعها إليهم، والاعراض مخرج للملك وموجب لانسلاخ الملكية عن المالك. والجواب ان: هذا الوجه فاسد من ناحيتين: الاول: ان الياس غير الاعراض، والثابت هو ياس أصحاب تلك الاموال عن وصول

[ 95 ]

اموالهم إليهم، واما الاعراض عنها فلا يكون ثابتا. الثانية: ان الاعراض لا يكون موجبا لخروج المال عن ملك صاحبه: إذ لا دليل على انه في مقابل العناوين الخاصة المخرجة للملك عن ملك صاحبه من البيع والهبة وغيرهما، يوجب الخروج سوى النبوي المعروف " الناس مسلطون على اموالهم ". بدعوى: انه يدل على أن الناس مسلطون على التصرف في اموالهم بانحاء التصرفات حتى التصرفات المخرجة كالبيع، ومنها الاعراض. ويتوجه عليه: انه يدل على أن كل احد مسلط على التصرف في امواله فمد لوله ثبوت السلطنة في موضوع المال، ولو كان ذلك التصرف موجبا لخروج المال عن ملكه كالبيع: فان البايع يتصرف في ماله باعطائه للغير ولازمه رفع السلطنة عن نفسه، ولا يدل على السلطنة على اذهاب الموضوع وازالة السلطان - وبعبارة أوضح: انه يدل على ثبوت السلطنة في ظرف ثبوت الموضوع ولا يكون متعرضا لحكم السلطنة على اعدام الموضوع، فلا يدل على أن الاعراض موجب لانسلاخ الملكية ولو صرح بذلك، فضلا عما لو لم يصرح بذلك كما في المقام. الوجه الخامس: انه من مجوزات التصرف في ملك الغير رضاؤه بذلك ولو لم ينشا صريحا، ولكن انكشف بشاهد الحال، حتى ان القوم صرحوا بانه يكفي في تحقق الرضا المبيح للتصرف وجوده شانا، بان يكون المالك بالقوة راضيا بذلك التصرف، وان صدر من غير اطلاعه أو في حال نومه، أو نحو ذلك مما يمتنع ان يتحقق معه الرضا الفعلي. وعليه فيمكن استكشاف رضا اصحاب الاموال بتصرف العابرين، من انهم بعد ما رأوا ابتلاء الناس بالعبور على املاكهم، وعدم عود الاملاك إليهم لا محالة يكونون راضين بهذا التصرف غاية الامر قد يكون الرضا فعليا وقد يكون شانيا. ويتوجه على هذا الوجه اولا: ان ذلك لا يصحح العبور في الشوارع من ناحية انه ربما يكون في البين صغير أو مجنون ورضاية هؤلاء لا تكفي.

[ 96 ]

وثانيا: انه لا يحصل العلم في جميع الموارد كما لا يخفى. الوجه السادس: ما نسب الى بعض الاعاظم من الماضين... وهو انه بعد افتتاح الشارع لا ريب في ان مصلحة الاجتماع تقتضي العبور منه ويتوقف عليه حفظ النظام، وعليه فللحاكم الشرعي الذي له الولاية في هذه الامور ان يجيز العبور فيه بان يتولى الحاكم نظرا إلى تلك المصلحة اجارة الارض عن اصحابها لاجل العبور وعوضها شئ قليل من المال ويصرف ذلك المال في سبيل الله عن أصحاب الارض، وان شاء المستطرق أن يتصدق لمرة واحدة عن اصحاب تلك الارض مع إجازة الحاكم لا باس به. وبتوجه عليه أولا: إن عدم العبور في كل شارع افتتح لا يلزم منه اختلال النظام، ولا دليل على ولاية الحاكم في كل ما يقتضيه مصلحة العامة حتى مثل هذه الامور غير البالغة حد اللزوم. وثانيا: انه بعد الاجارة ان صحت لابد من دفع المال الى اصحاب الارض لا الصدقة عنهم، نعم، مع عدم معلوميتهم يتصدق عنهم. الوجه السابع: ان الارض التي وقعت في الشارع اما، ان تكون من الاراضي المفتوحة عنوة وهي الارض التي فتحت بالخيل والركاب قهرا ورفع يد الكفار عنها بغلبة المسلمين، أو تكون من غيرها. فان كانت منها فهي ملك للمسلمين ولا تدخل في ملك من عمرها كي يكون العبور تصرفا في ملك الغير. وان كانت من غيرها، فبما ان الحكومة تهدم أو لا عمارة الارض وتجعلها خربة وميتة، ثم تجعلها شوارع لعبور الناس ومرورهم، فهي تخرج عن ملك مالكها بذلك: لان الارض المعمورة وان كانت العمارة عن معمر ان صارت ميتة وخربة تخرج عن ملك المعمر و المحيى، كما عن العلامة في التذكرة، والشهيد في المسالك، وبعد ما تجعلها شوارع اما ان تصير ملكا للحكومة المحيية لها أو تبقى بلا مالك وعلى التقديرين يجوز التصرف فيها. وفيه: أن الارض المفتوحة عنوة انما تكون ملكا للمسلمين مع اجتماع شرائطها، ككونها محياة حال الفتح، وعدم كونها من الاراضي التي ابقيت في يد أهل الذمة، وعدم كونها من

[ 97 ]

الخمس منها: إذ الموات حال الفتح ملك للامام ويملكها من احياها، والارض التي ابقيت في يد أهل الذمة ملك لاربابها وعليهم الجزية، وبمقدار الخمس يملكها المستحق له. وعلى هذا ان ثبت كون الارض من المفتوحة عنوة بهذه الشرائط كانت ملكا للمسلمين والا فمقتضي قاعدة اليد كونها ملكا لاصحابها. حكم ما عرض له الموت بعد العمارة: واما غير تلك الارض، فلا بد اولا من بيان حكم الارض الميتة بعد العمارة اجمالا، ثم تطبيقه على المقام. ومحصل القول فيها: انه في الارض التي يعرض لها الموت بعد العمارة، اما أن تكون العمارة سماوية، أو تكون من معمر. فان كانت العمارة سماوية، كانت العمارة اصلية أو عرضية، فهي للامام اما إذا كانت عرضية: فلان الارض المفروضة كانت مواتا في الاصل وملكا للامام عليه السلام بلا خلاف فيه نصا وفتوى، وهي باقية على ما هي عليه. واما ان كانت العمارة اصلية: فلما دل على ان الارض الميتة للامام الشامل لما إذا كانت العمارة بالاصالة وبالعرض - كخبر داود بن فرقد عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال قلت و ما الانفال قال: بطون الاودية، ورؤس الجبال والاجام، والمعادن، وكل ارض لم يوحف عليها بخيل ولا ركاب، وكل ارض ميتة قد جلا اهلها، وقطالع الملوك ونحوه غيره. ولما دل من النصوص الكثيرة على ان الارض الخربة، أو الخربة التى لا رب لها للامام عليه السلام لا خط. خبر محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام ان الانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا واعطوا بايديهم، وما كان من ارض خربة، أو بطون اودية، فهذا

[ 98 ]

كله من الفئ والانفال لله وللرسول، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحب. ومعتبر حفص بن البختري عن ابى عبد الله عليه السلام الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صولحوا، أو قوم اعطوا بايديهم، وكل ارض خربة، وبطون الاودية، فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو للامام من بعده يضعه حيث يشاء. وما دل من النصوص على ان القرية التى خربت وجلا اهلها له عليه السلام. كخبر عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن الانفال فقال هي القرى التى قد جلى اهلها وهلكوا فخربت، فهى لله وللرسول ونحوه غيره. وان كانت العمارة من معمر، فالكلام فيه في مقامين: 1 - هل تخرج الارض بالموت عن ملك المعمر، كما عن العلامة في التذكرة، والشهيد في المسالك، ام لا تخرج كما هو المشهور بين الاصحاب. 2 - على فرض عدم الخروج، هل يملكها لو عمرها آخر كما عن جمع، بل عن جامع المقاصد انه المشهور بين الاصحاب، ام لا يملكها لكما عن جماعة من القدماء والمتاخرين، ام يفصل بين ما إذا كان الخراب مستندا الى اهمال المالك وترك المزاولة لها، وبين ما إذا لم يكن مستندا الى ذلك، فيملكها على الاول دون الثاني. اما المقام الاول: فقد استدل لخروجها عن ملكها بوجوه. الاول: أن الارض اصلها مباح، فإذا تركها الاول حتى عادت الى ما كانت عليه، صارت مباحة. الثاني: ان السبب في صيرورتها ملكا له هو الاحياء فإذا زال السبب زال المسبب. الثالث: اطلاق ما دل على أن الارض الميتة والخربة للامام عليه السلام. وفي الجميع نظر. اما الاول: فلان كون اصلها مباحا لا يوجب صيرورتها مباحة بعد ما دخلت في ملك

[ 99 ]

المحيي وخروجها عن ملكه، مع ان الدليل دل على أن خروج الملك لابد وأن يكون عن سبب. واما الثاني: فلان المستفاد من الادلة كون ذات الارض مملوكة بسبب الاحياء وانه كساير الاسباب المملكة يكون سببا لحدوث الملكية، لا أن الارض المعنونة بعنوان المحياة مملوكة، ولا أنه سبب للملكية حدوثا وبقاءا. واما الثالث: فلانه يتعين تقييد اطلاق تلك النصوص بما في النصوص الاخر من التقييد بالارض الميتة التي لارب لها كمرسل حماد. ويشهد لبقائها على ملك مالكها - مضافا الى أن المستفاد من الادلة - أن زوال الملك لابد وأن يكون بناقل، الاستصحاب. واورد عليه، تارة بالشك في بقاء الموضوع: فان موضوع الملكية ان كان هو ذات الارض فهو باق قطعا، وان كان هو عنوان المحياة فهو مرتفع قطعا. واخرى: بان الشك في المقام من قبيل الشك في المقتضى، للشك في ان الاحياء، هل هو سبب للملكية حتى بعد عروض الموت، أم لا. ويمكن: دفع الاول بما تقدم من ظهور الادلة في أن الموضوع هو ذات الارض وأن الاحياء بمنزلة الشرط في القضية. ويمكن دفع الثاني بان المختار حجية الاستصحاب مطلقا حتى في موارد الشك في المقتضى. مع أن هذا ليس من الشك في المقتضى الذي بني الشيخ الاعظم رحمه الله على عدم حجية الاستصحاب فيه، فان مورده ما لو شك في اقتضاء المستصحب للبقاء في عمود الزمان و تمام الكلام في محله. فالاظهر عدم خروجها عن ملك المعمر الاول. واما المقام الثاني: فمقتضى ما دل من العقل والنقل على عدم جواز التصرف في مال الغير

[ 100 ]

بلا رضا صاحبه عدم جواز الاحياء في المقام، والقياس بالالتقاط بعد ورود النص الخاص فيه مع الفارق. واما: ما دل من النصوص على أن من أحيى ارضا ميته فهي له كصحيح الفضلاء عن الامامين الباقر والصادق عليهم السلام قالا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من احيى ارضا مواتا فهو له و نحوه غيره فهو في ظاهر في الارض التى لارب لها. ولكن: وردت في المقام طوائف من النصوص الخاصة. 1 - ما دل على البقاء على ملك المعمر الاول كصحيح سليمان بن خالد عن الامام الصادق عليه السلام عن الرجل ياتي الخربة فيستخرجها ويجري أنها رها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه قال عليه السلام الصدقة. قلت: فان كان يعرف صاحبها قال (ع) فليؤد إليه حقه إذ المراد بالحق اما الارض أو اجرتها وعلى التقديرين يدل على ذلك - ونحوه غيره. 2 - ما دل على صيرورتها ملكا للمحيي الثاني من دون شئ عليه كصحيح معوية بن وهب عن الامام الصادق عليه السلام ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى انهارها وعمرها فان عليه فيها الصدقة فان كانت ارضا لرجل قبله فغاب عنها وتركها فاخربها ثم جاء بعد يطلبها فان الارض لله ولمن عمرها. فان ظاهره ان الارض لمن يقوم بعمارتها لا لمن تركها فاخربها. 3 - ما دل على احقية الثاني بها ووجوب الخراج عليه كصحيح الكابلي عن الامام الباقر عليه السلام في حديث فان تركها أو اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها فهو احق بها من الذي تركها فليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي وله ما اكل منها حتى يظهر القائم عليه السلام من اهل بيتى بالسيف الحديث. والطائفة الاخيرة يتعين طرحها، لا عراض الاصحاب عنها، وعدم كون الارض

[ 101 ]

المفروضة فيها من الاراضي الخراجية ولغير ذلك مما لا يخفى. واما الاوليان، فحيث ان الثانية مختصة بصورة الاهمال، فتخصص الاولى بها، فتكون النتيجة هو التفصيل بين صورة الاهمال وغيرها، فالقول بالتفصيل اقوى. ويؤيده: ما ورد في الارض التي اسلم اهلها طوعا فان الارض وان كانت ملكا لهم الا انهم إذا اهملوها حتى خربت كان لولى المسلمين ان يقبلها من غيرهم ليقوم بعمارتها وياخذ وجه الاجارة، ويدفع بمقدار حق الارض الى مالكها ويصرف الباقي في الامور العامة. اللهم الا ان يقال، ان ما دل على ان من احيى ارضا ميتة فهي له - المتقدم انما يدل باطلاقه على ان كل ارض ميتة تملك بالاحياء، ولا يكون مختصا بالارض التي لارب لها. و عليه فإذا هدمت الحكومة ارضا وصارت ميتة، تملك بالاحياء. أو يقال: ان ما دل على ان الارض الميتة أو الخربة للامام عليه السلام - المتقدم يدل على صيرورة الارض بالخراب ملكا للامام، وخروجها عن ملك مالكها، فيرجع الى ما تضمن اذنهم عليهم السلام شيعتهم في التصرف فيها وتملكها بالاحياء، وما تضمن التقييد بالارض الميتة التي لا رب لها المتقدم لا مفهوم له كي يقيد اطلاق هذه النصوص، والمسألة تحتاج الى بسط في الكلام لا يسعه المجال وقد اشبعنا الكلام فيه في الجزء الثالث من كتابنا منهاج الفقاهة والجزء الخامس عشر من كتابنا فقه الصادق، هذا حكم الارض الميتة بعد العمارة. واما تطبيقه على المقام فالظاهر عدم الانطباق: لان الظاهر من النصوص الاختصاص بما إذا خربت الارض وصارت ميتة، ولا تشمل ما لو اخربها ظالم وصيرها ميتة كما لا يخفي. الوجه الثامن: انه إذا هدمت الحكومة الدور وما شاكل وجعلتها شوارع تخرج تلك الاراضي عن ملك اصحابها: لان الملكية من الامور الاعتبارية، والاعتبار بما انه من الافعال، فلا بد وان يترتب عليه اثر، والا يكون لغوا وصدوره من الحكيم محال، والارض التي جعلت شارعا ويعلم عدم رجوعها الى صاحبها، بما انه لا يترتب على اعتبار ملكيتها لمالكها اثر خارجي، يكون اعتبارها لغوا لا يصدر من الحكيم، فلا محالة تخرج عن ملكيته بذلك، ولتوضيح ذلك لا بد من ذكر مقدمة وهي، ان للملكية اربع مراتب:

[ 102 ]

مراتب الملكية: 1 - الملكية الحقيقية، وهي عبارة عن السلطنة التامة بنحو يكون زمام امر المملوك بيد المالك حدوثا وبقاء، وهي مخصوصة بالله تعالى. 2 - الملكية الذاتبة، والمراد بالذاتي ما لا يحتاج تحققه الى أمر خارجي، لا الذاتي في باب البرهان، ولا الذاتي في باب الكليات الخمس، وهي عبارة عن الاضافة الحاصلة بين الشخص ونفسه وعمله وذمته: إذ الانسان مالك لعمله ولنفسه ولذمته بالملكية الذاتية، والشاهد به الضرورة والوجدان والسيرة العقلائية، وهذه المرتبة دون مرتبة الواجدية الحقيقية المختصة بالله تعالى. 3 - الملكية المقولية: وهي عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم يحسم آخر، كالهيئة الحاصلة من التعمم والتقمص وما شاكل. 4 - الملكية الاعتبارية: وهي التي يعتبرها العقلاء أو الشارع لشخص خاص من جهة المصلحة الداعية الى ذلك، وهذهه المرتبة بما أن قوامها بالاعتبار وموجودة به وهو من الافعال وكل فعل ترتب عليه أثر يصدر من العاقل والحكيم، وإلا فهو لغو لا يصدر منه، فإذا فرضنا أن اعتبار ملكية شي لشخص خاص لا يترتب عليه أثر، كملكية الخاتم الملقى في البحر المعلوم عدم إمكان وصوله الى صاحبه، فلا يعتبرها العقلاء ولا الشارع. وإذا تم: هذا التمهيد فاقول في المقام أنه بعد فتح الشارع بما أن صاحب الارض لا يتمكن من الانتفاع بما له، ولا يرجو عوده إليه لينتفع به فلا محالة يخرج الارض بذلك عن ملكه: لان إعتبار ملكيتها لغو، فيجوز العبور فيها لعدم كونها ملكا للغير. حكم بقية الانتفاعات الممكنة: الموضع الثالث في حكم الشريعة في بقية الانتفاعات الممكنة من فضلات الدور وما شاكل، يجعلها دكانا مثلا والانتفاع به، فالاظهر أنها لمالكها وتلك الفضلات لا تخرج بفتح الشارع عن ملكه: لامكان الانتفاع بها مع ما هي عليه حتى وان فرضنا اغتصاب الحكومة

[ 103 ]

إياها: فانها حينئذ قابلة لان ينتفع بها ولو بان يدفع مبلغا للحكومة بازائها فتدبر. المساجد الواقعة في الشوارع: وأما المقام الثاني: وهو البحث عن المساجد الواقعة في الشوارع: والكلام فيه في مواضع. 1 - أن عنوان المسجدية هل يزول شرعا: بزواله عرفا أم لا؟ 2 - العبور في المساجد الواقعة في الشوارع. 3 - الانتفاعات الاخر الممكنة من فضلات المسجد. 4 - حرمة تنجيسه، ووجوب ازالة النجاسة، وعدمهما. ما هي المسجدية: أما الموضع الاول: فالاظهر عدم زوال عنوان المسجدية شرعا بزواله عرفا، ففي وقف المساجد لا ينقل الواقف المال الى الله تعالى، ولا الى المسلمين، ولا المصلين، ولا يكون من قبيل فك الملك خاصة، بل المسجدية من العناوين الاعتبارية العقلائية الممضاة شرعا، و مورد الاعتبار نفس الارض وهي التي تتشرف بكونها متحيثة بحيثية كونها بيت الله، وهذا العنوان غير قابل للزوال، وقد رتب عليه في الشرع أحكام، من جواز الصلاة فيه وحرمة تنجسيه وما شابه ذلك، فالارض التي جعلت مسجدا تكون مسجدا الى الابد، وهذا العنوان لا يعقل انفكاكه عنها، فما أفاده السيد الطباطبائي رحمه الله في ملحقات العروة بانه لا دليل على أن المسجد لا يخرج عن المسجدية أبدا، غير تام. العبور في المسجد الواقع في الشارع: وأما الموضع الثاني: فالحق جواز العبور فيه، فان الاستطراق في المسجد جائز، وتخريب الغاصب الظالم اياه، ومنع الناس من الصلاة فيه لا يوجب تبديل جواز الاستطراق بعدمه. ودعوى: انه كما يحرم الغصب، كذلك يحرم على غير الغاصب الجري على وفقه، والعمل

[ 104 ]

بمقتضى الغصب، وفي المقام يكون العبور والاستطراق في الشارع المفتوح جريا على وفق الغصب: فانه غصب ليجعل شارعا يعبر فيه الناس فيكون حراما. مندفعة: بان الجري على الغصب بهذا العنوان لم يدل دليل على حرمته وانما يكون حراما لو انطبق عليه عنوان محرم.. مثلا: لو غصب زيد دار شخص، يحرم الجري على وفقه بالاستئجار منه لانه بنفسه حرام وتصرف في مال الغير بلا رضا صاحبه، وفي المقام بما ان العبور في المسجد جائز في نفسه فكونه جريا على وفق الغصب لا يوجب تعنونه بعنوان محرم فيجوز. لا يجوز بيع المسجد: اما الموضع الثالث: فالكلام فيه في موردين: الاول: إذا هدمت الحكومة مسجدا وجعلته شارعا وبقي من فضلاته بمقدار لا ينتفع به في الصلاة والعبادة، ولكن يمكن جعله محلا للكسب، هل يجوز بيعه للحاكم الشرعي كما هو الشان في الاوقاف الاخر، حيث انها إذا خربت بنحو لا ينتفع بها يجوز بيعها ام لا؟ والاظهر هو الثاني: فان جواز بيع تلك الموقوفات، انما يكون لاجل ان حقيقة الوقف حيث تكون عبارة عن تحبيس العين وتسبيل المنفعة، فالواقف بحسب ارتكازه حين ما يوقف ما لا ينتفع به بشخصه الى الابد قاصد لان تكون العين الموقوفة محبوسة بشخصها ما دام الى الانتفاع بها سبيل، وبما لها من المالية إذا لم يمكن الانتفاع بها مع بقائها بشخصها، و عليه فإذا سقطت العين الموقوفة عن قابلية الانتفاع، كان لازم قوله عليه السلام الوقوف يكون على حسب ما يوقفها اهلها انشاء الله تعالى تبديلها بما يماثلها في المالية: لان ذلك في نظر العقلاء من انحاء حفظ المال بما هو مال، وبالجملة تسليط الموقوف عليهم على الانتفاع الى الابد يوجب التوسعة في الموقوف ويكون حبسه بالنحو الذي ذكرناه، فالتبديل ليس ازالة للحبس بل هو حفظ للمال بما هو مال عند العقلاء الذي هو غرض الواقف.

[ 105 ]

وهذا لا يجري في المسجد لما عرفت من ان للمسجد مع قطع النظر عن كونه من الاوقاف العامة ويجوز انتفاع المسلمين به في الصلاة وغيرها، حيثية اخرى، وهي حيثية المسجدية ولها احكام خاصه، وتلك الحيثية قائمة بشخص هذه الارض لا بمالها من المالية وهذه الحيثية تمنع عن بيعه. نعم: يصح اجارته لان الحيثية المشار إليها لا تنافيها، ومن حيث انه وقف عام ايضا لا مانع لفرض كون المورد من موارد الجواز فلا محذور فيها. اللهم الا ان يقال انه في الفرض لكل احد الانتفاع به وليس شخص خاص مالكا للمنفعة أو الانتفاع، فلا تجوز الاجارة من هذه الجهة. فما: افاده كاشف الغطاء رحمه الله من انه لا يصح بيع المسجد ومع الياس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة يؤجر للزراعة ونحوها، غير تام. ولو قلنا بصحة الاجارة يصرف مال الاجارة في مسجد آخر وان لم يمكن يصرف في سائر مصالح المسلمين. حكم الانتفاع بفضلات المسجد مع امكان الانتفاع بها في الصلاة: المورد الثاني: إذا امكن الانتفاع بما بقي من فضلات المسجد في الصلاة والعبادة، لا اشكال في عدم جواز جعله محلا للكسب أو السكنى، أو جعله دارا وما شاكل: لان ذلك كله تخل بالاغراض المعد لها.. انما الكلام في انه إذا جعله الظالم كذلك مثلا جعله دكانا لا يمكن للانسان ان ينتفع به بغير الكسب وليس في وسعه تغييره، ومورد الكلام فيه امران: 1 - هل يجوز الانتفاع به والحال هذه ام لا؟ 2 - انه هل يضمن ام لا؟ اما الاول: فالظاهر جوازه لانه يجوز للناس، النوم في المساجد والمدارس وما شاكل، و التردد فيها، والاخذ من مائها، والاكتساب فيها باعمال الدنيا والاخرة، من غير اختصاص بالمصلين كما يصنع في المباحات، الا ان الغرض المعد له مقدم على غيره، فلو اخل المكتسبون بالاغراض المعد لها حرم، والا فهو جائز، فإذا فرضنا ان المخل بها عمل الغاصب

[ 106 ]

دون المكتسب، فالاكتساب يكون جائزا، والوجه في جوازه حينئذ عدم الدليل على الحرمة. واما الثاني: فظاهر كلمات جع من الاساطين عدم الضمان. واستدل له بوجهين. أحدهما: ان الظاهر من الحديث والايصال الى المالك، فيختص باملاك الناس. وفيه: ان الظاهر منه التادية الى اهله كان هو مالكاله أو موردا للانتفاع به. ثانيهما: ان الضمان انما هو بمعنى اشتغال الذمة بالبدل فلا بد وان يفرض شخص مالكا ليكون هو من له الذمة ومع عدمه لا معنى لاشتغال الذمة. وفيه: اولا ان معنى الضمان كون العين في العهدة واثره وجوب رد العين مع بقائها و بدلها القائم مقامها ملكا أو موردا للانتفاع مع تلفها. وثانيا: انه لا مانع من اعتبار كون الكلي في الذمة الذي هو مورد لملك الانتفاع فمعنى ضمانه للموقوف عليه اشتغال ذمته بكلى البدل الذي هو مورد لسلطنتهم على الانتفاع والتقوم بمن له الذمة يكفي فيه هذا المقدار. وقد يقال: ان الاظهر هو الضمان: لان مقتضى عموم على اليد هو ضمان المنافع اعم من المستوفاة وغيرها، وقد حقق ذلك في محله. وفيه ان: هذا الوجه وان تم في نفسه كما حققناه في الجزء الثاني من كتابنا منهاج الفقاهة؟ والجزء الخامس عشر من فقه الصادق، الا ان الاستدلال به وتطبيقه على المقام لا يصح من جهتين. احداهما: انه لو تم لاقتضى ضمان الغاصب دون المكتسب، فانه ينتفع بما يجوز له فليس يده يد ضمان. ثانتيهما: ان المنافع غير مورد لانتفاع شخص معين كي يصح به الضمان، فالمنافع المفروضة ليست متعلقة لحق احد فلا وجه لضمانها، وان كان استيلاء الغاصب عليها حراما، ولعل هذا هو السر في ارسال الفقهاء عدم الضمان في المقام ارسال المسلمات. نعم: الوجه المذكور يصلح وجها لضمان الغاصب العين إذا تلفت.

[ 107 ]

تنجيس المسجد الخراب وتطهيره: اما الموضع الرابع: وهو انه لو جعل المسجد طريقا، أو محلا للكسب ونحو ذلك، فهل يجوز تنجيسه ولا يجب تطهيره، ام يحرم الاول ولا يجب الثاني، ام يحرم الاول ويجب الثاني؟ اقوال ووجوه. وقد استدل للاخير، بان عنوان المسجدية من العناوين غير القابلة للزوال فمع بقائه شرعا وان ارتفع ذلك عرفا، يترتب عليه احكامه، كحرمة تنجيسه، ووجوب تطهيره، وعلى فرض التنزل وتسليم الشك في زواله يجري استصحاب بقائه، ويترتب عليه أحكامه. وفيه: أن عنوان المسجدية وان كان غير قابل للزوال، إلا أن الاشكال في المقام من ناحية عدم الدليل على حرمة تنجيس المسجد، ووجوب ازالتها عنه سوى ادلة لا اطلاق لها يشمل كل ما يصدق عليه المسجد، ومن المحتمل اختصاص الحكمين بالعامر، ومعه لابد من الاخذ بالمتيقن، وفي مورد الشك يرجع إلى اصالة البراءة عن كلا الحكمين. واستدل للثاني بوجوه: الوجه الاول: إن مقتضى اطلاق دليل الحكمين ثبوتهما في الفرض إلا أن وجوب الازالة يكون حرجيا فيرتفع بما دل على نفي الحرج. وفيه: إن عدم وجوب الازالة حينئذ إنما يدور مدار الحرج فلو لم يلزم ولو في مورد واحد لا وجه للحكم بارتفاع الوجوب: إذ الحرج كساير ما يؤخذ موضوعا للحكم إنما يثبت له الحكم إذا تحقق مصداقه في الخارج، ففي كل مورد لزم من وجوب الازالة حرج يحكم بعدمه، واما إذا لم يلزم من جعله الحرج في مورد فلا وجه لارتفاعه. مع: ان أدلة الحكمين لا اطلاق لها يشمل المقام: لورودها في مقام بيان احكام اخر، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله وقد أشبعناه بالبحث في الجزء الثالث من كتابنا " فقه الصادق ". الوجه الثاني: إن دليل الحكمين لا اطلاق له يشمل المقام فيتعين الرجوع إلى الاستصحاب، ومقتضاه حرمة التنجيس: فان هذا الحكم كان ثابتا له قبل الخراب ويشك

[ 108 ]

في ارتفاعه يستصحب بقائه وهو من الاستصحاب التنجيزي، وأما الاستصحاب القاضي بوجوب الازالة فهو تعليقي لان وجوب الازالة سابقا كان معلقا على تحقق النجاسة، و الاستصحاب التعليقي لا يجري فبالنسبة إلى وجوب الازالة يتعين الرجوع إلى إصالة البراءة وهي تقتضي عدم الوجوب. وفيه: أولا أن حرمة التنجيس ووجوب الازالة ليسا حكمين بل هما حكم واحد وهو حرمة وجود النجاسة في المسجد، ويعبر عن حرمة أحداث النجاسة بحرمة التنجيس، و عن حرمة ابقائها بوجوب الازالة، فعلى فرض جريان الاستصحاب يجري استصحاب حرمة وجود النجاسة فيه وينتزع منه حكمان، حرمة التنجيس، ووجوب الازالة. وثانيا: ان المختار عندنا عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية مطلقا من جهة ان الشك في بقائه مسبب عن الشك في الجعل بنحو يكون باقيا - و حيث أن الحكم المشكوك بقائه لم يكن في أول الشريعة مجعولا قطعا ويشك في جعله فيستصحب عدم الجعل ويثبت به عدم الحكم بناء على ما حققناه في حاشيتنا على الكافية وزبدة الاصول، من أن استصحاب عدم الجعل يجري ويثبت به عدم المجعول. ودعوى: ان جعل الحكم المشكوك بقائه معلوم اما إلى الابد أو ما دام لم يشك فيه، فاستصحاب عدم جعله إلى الابد يعارض استصحاب عدم جعله إلى حين زمان الشك فيتساقطان فيرجع إلى الاصل المحكوم وهو استصحاب بقاء المجعول. مندفعة: بان استصحاب عدم جعله إلى حين زمان الشك لا يجري إذا لجعل في ذلك الزمان معلوم فالحق عدم جريان استصحاب حرمة التنجيس أيضا. الوجه الثالث: ما نسب إلى بعض الاجلة وهو ان دليل حرمة التنجيس لفظي ومقتضي إطلاقه حرمة تنجيسه بعد الخراب وجعله طريقا، ودليل وجوب الازالة لبي والمتيقن منه المسجد العامر فلو خرب يشك في وجوب الازالة عنه واصل البراءة يقتضى عدم وجوبه. وفيه: ما تقدمت الاشارة إليه من انهما لبسا حكمين بل هما حكم واحد وهو حرمة وجود النجاسة في المسجد ودليله واحد، وعلى فرض التعدد دليلاهما من سنخ واحد. فالمتحصل: مما ذكرناه عدم حرمة تنجيسه، وعدم وجوب الازالة عنه.

[ 109 ]

مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع: واما المقام الثالث: وهو البحث عن مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع والكلام فيه في موارد: 1 - انه ذهب جماعة منهم كاشف الغطاء وببالي ان منهم المحقق القمي رحمه الله في اجوبة مسائله، ان مقبرة كل بلدة أو قرية ملك لاهل تلك البلدة أو القرية وجعلوها من توابع ذلك المحل، وقد صرح جماعة آخرون بان المقابر كالمساجد ولا تكون ملكا لاحد غاية الامر قد يكون خاصا. والحق: انه يختلف الحال باختلاف الاماكن، ففي بعضها يقف شخص محلا للدفن، فحاله حينئذ حال المساجد في انه لا يدخل في ملك احد، وفي بعضها لا يقف شخص ذلك، فحينئذ كما انه لكل بلدة مرافق ومنتزهات كذلك لها مقابر، ولكن شيئا منها لا يكون ملكا لاهل تلك البلدة، بل لا تعين لمحل خاص من توابع البلد بالمقبرة، ولو عين محل لذلك لا يتعين به. مع: ان غاية ما هناك تعينه لذلك وكونه متعلقا لحق اهله لا كونه ملكا لهم. الانتفاع بالمقابر الواقعة في الشوارع: 2 - هل يجوز الانتفاعات الاخرى بالمقابر الواقعة في الشوارع وبما استولى عليه وجعل دورا لهم مثلا ام لا؟ والحق ان ما كان منهما وقفا لا يجوز التصرفات المنافية للدفن في ذلك المحل اعم من جعله طريقا أو دورا وما شاكل، ولا مانع من التصرفات غير المنافية، والعبور في الشارع المفتوح في المقبرة، والجلوس في مقبرة جعلها الظالم دورا ولا يتمكن الجالس من ارجاعها الى حالتها الاولى، من التصرفات غير المنافية فيجوزان، كما انه يجوز جميع التصرفات في المقبرة المتروكة من ناحية اقتضاء المصلحة ذلك، أو غير ذلك. واما الجائر الذي جعل المقبرة شارعا ومنع من دفن المسلمين فيها، أو تجاوز عليها و

[ 110 ]

جعلها دكانا ومحلا للكسب. فليس عليه الا الاثم، ولا يكون ضامنا ويظهر وجهه مما ذكرناه في المساجد. ثم ان الظاهر، جواز بيع مثل هذه المقبرة التي لا يمكن ان يدفن فيها المسلمون ويكون حالها حال الاوقات التي صارت خربة لا ينتفع بها فيما وقفت له التي يجوز بيعها بلا كلام. واما المقبرة التي عينت لذلك من دون ان توقف فان تركت وجعل محل آخر لدفن الموتى، فلا اشكال في جواز جميع التصرفات فيها فانها من الارض الميتة التي لا رب لها فيملكها من احياها، وقبل الاحياء اجيز التصرف فيها لكل احد. وإن لم تترك فان قلنا بانه لا يتعين ذلك المحل بذلك لها كما هو الحق فيجوز جميع التصرفات ايضا ولا يخفى وجهه، وان قلنا بتعينه لذلك فغاية ما هناك الاثم من ناحية المنع من انتفاع ذي الحق من تعلق حقه وهو ما تحت الارض. وأما التصرفات التي فوق القبر فكلها جائزة، ولا ضمان على من استولى عليها كما هو واضح. لو شك في انها وقف ام لا: 3 - إذا كانت مقبرة وشك في أنها وقف فلا يجوز التصرفات المانعة من دفن المسلمين فيها، أم لا تكون وقفا فتجوز. الاظهر جواز جميع التصرفات فيها، لاصالة عدم الوقفية، فهي أرض لارب لها فلكل مسلم التصرف فيها.

[ 111 ]

التشريح حكم التشريح في نفسه - تقطيع الميت لحفظ حياة الآخر - شق بطن الميت لو بلع مالا - تشريح الميت لتعلم الطب - تشريحه لكشف جريمة - لادية في التشريح إذا جاز -

[ 113 ]

من المسائل التي عمت بها البلوى في عصرنا هذا في المجامع العلمية الطبية - تشريح جسد الانسان - فلا بد لنا من بيان موقف الشريعة الاسلامية منه وانه، هل يكون حراما مطلقا، أو يختص بما يقع على المسلم، ام يجوز مطلقا، أو في الواقع على الكافر، أو المسلم مع اقتضاء الضرورة الطبية ذلك - والكلام فيه يقع في مقامين. 1 - انه هل هناك دليل يدل على حرمة ذلك ولو في الجملة، ام لا. 2 - انه على فرض الحرمة، ماذا حكمه إذا اقتضت الضرورة ذلك. حكم التشريح في نفسه: اما المقام الاول: فقد استدل لحرمته مطلقا حتى الواقع على الكافر - بالنصوص الدالة على حرمة التمثيل اما مطلقا - كما - في وصية علي امير المؤمنين عليه السلام لابنه عليه السلام بان لا يمثل قاتله معللا، بقوله اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. أو في خصوص الكافر حيا - بضميمة ما دل على عدم الفرق بين الميت والحي - كخبر - مسعدة بن صدقة عن الامام الصادق عليه السلام في حديث قال ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث امير اله

[ 114 ]

الى ان قال قاتلوا من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا الحديث. أو في خصوص قتل الكفار كخبر مالك بن اعين قال حرض امير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين فقال ان الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم، الى ان قال ولا تمثلوا بقتيل، فإذا حرم التمثيل ولو بالقتيل من الكفار، حرم التشريح مطلقا لانه من مصاديق التمثيل. ويتوجه على هذا الاستدلال: أن المأخوذ في مفهوم التمثيل هو التنكيل والعقوبة ومجرد قطع العضو بلا قصد التنكيل لا يطلق عليه المثلة. وما ورد في حلق اللحية من أنه من المثلة إنما يكون في مقام بيان حرمة الحلق والتعبد بانه مثلة لا في مقام بيان موضوع خارجي، وبعبارة أخرى، أنه بعنوان الحكومة يدل على أن الحلق مطلقا من المثلة، ولعل السرفي ذلك أن اللحية في سالف الزمان كان من علامات المجد والمروة والعزة وكان المقصود من حلق اللحية التنقيص من تلك الناحية. وقد استدل للحرمة - بما دل على حرمة قطع اعضاء الميت كصحيح ابن ابى عمير عن جميل عن غير واحد عن الامام الصادق عليه السلام قطع رأس الميت اشد من قطع رأس الحي و لعل وجه اشديته كاشفيته عن دنائة طبع القاتل ونحوه غيره. ومثله ما دل على ان في قطع رأسه أو عضو من اعضائه الدية، كخبر اسحق بن عمار عن الامام الصادق عليه السلام قال قلت ميت قطع رأسه قال عليه السلام عليه الدية قلت فمن ياخذ ديته قال عليه السلام الامام هذا لله وإن قطعت يمينه أو شئ من جوارحه فعليه الارض للامام ونحوه غيره، فان ثبوت الدية كاشف عن حرمته. ودعوى: ان هذه النصوص مختصة بالمسلم بمناسبة الحكم والموضوع. مندفعة: بانه لا وجه لهذه الدعوى بعد كون الكافر ممن لا يجوز قتله وان في قتله الدية،

[ 115 ]

كما أن دعوى اختصاصها بصورة التوهين للانصراف - كما ترى. فالاظهر هو التعميم لكل محقوق الدم. ويدل عليه في خصوص المسلم جملة من النصوص المختصة به كصحيح ابن أبي عمير عن جميل عن صفوان عن ابي عبد الله عليه السلام ابى الله ان يظن بالمؤمن إلا خيرا وكسرك عظامه حيا وميتا سواء. وعنه عن مسمع كردين قال سالت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كسر عظم ميت فقال حرمته ميتا أعظم من حرمته وهو حي. وخبر العلا بن سيابة عنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرمة المسلم ميتا كحرمته وهو حي سواء ونحوها غيرها، ومقتضى هذه النصوص حرمة قطع عضو من أعضاء الميت فضلا عن تقطيعه إربا إربا، فالتشريح حرام بلا كلام. تقطيع بدن الميت لحفظ حياة الآخر: وقد: دلت النصوص على جواز، تقطيع بدن الميت وشق بطنه لحفظ حياة الآخر، ولها موردان -. 1 - ما لو ماتت الحامل والولد حي في بطنها، فانه يشق بطنها ويخرج الولد بلا خلاف و يشهد له جملة من النصوص - كموثق علي بن يقطين قال سالت العبد الصالح عليه السلام عن المرأة تموت ويتحرك الولد في بطنها ايشق بطنها ويستخرج ولدها قال عليه السلام نعم ونحوه غيره. 2 - لو مات الولد في بطنها وهي حية - فانه يقطع الولد في فرجها وتخرج قطعة قطعة و يشهد به خبر وهب بن وهب عن الامام الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام إذا ماتت المرأة و في بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج الولد وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف

[ 116 ]

عليها قال عليه السلام لا باس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه ورواه في الكافي في موضع آخر وزاد في آخره، إذا لم ترفق به النساء. وهناك مواضع أخر أفتي الفقهاء بجواز التقطيع وشق البطن. منها ما لو بلع الميت مالا كثيرا كان لنفسه - فقد افتى بعضهم بجواز الشق واخراجه لان فيه حفظا للمال عن الضياع وعونا للورثة. ومنها ما لو بلع مال الغير من دون اذنه - فقد أفتى بعض الفقهاء بجواز الشق والاخراج لان فيه حفظا للمال ونفعا لصاحبه. ومنها غير ذلك من الموارد فيستكشف من ذلك كله أن حرمة التشريح وتقطيع بدن الميت إنما هي ما لم يزاحمها مصلحة أقوى، وإلا فيجوز. تشريح الميت لتعلم الطب: وعليه فيمكن القول بجواز التشريح في هذا الزمان لمتعلمي الطب. وذلك لان التشريح مما يتوقف عليه تعلم الطب الموجب لحفظ حياة المسلمين وانجائهم من الامراض، ولا ريب في أن هذا غرض مطلوب للشارع ومصلحته أقوى من مفسدة التشريح: لان به يحفظ أحياء من المسلمين وينجي كثير منهم من الامراض، وعليه فيجوز التشريح لتعلم الطب. تشريح الميت لكشف جريمة: ومما ذكرناه يظهر جواز التشريح لشكف جريمة، إذا كان ذلك سببا لنجاة المتهمين بقتله، أو لمعرفة قاتله حتى يجري في حقه حكم الله تعالى، أو لغير ذلك من الاغراض الاخر الضرورية. وما ذكرناه إنما هو بالنسبة الى المقطع لاعضاء الميت، وأما غيره من المتعلمين أو

[ 117 ]

الناظرين فلا ارى وجها للحرمة لهم رأسا كما هو واضح. وفي قطع رأس الميت أو عضو من اعضائه الدية كما افتى به الاصحاب ودلت على ذلك النصوص ولكن في مورد جواز التشريح لا يثبت شئ من الدية كما هو الشان في جميع موارد جواز القتل، أو قطع عضو من الاعضاء من السن وغيره، وقد دلت عليه النصوص.

[ 119 ]

زرع أعضاء الموتى في أجسام الاحياء يجوز الاستفادة من عيون الموتى لاستعادة بصر شخص اعمى - لادية في قلع عيون الموتى ان كان لهذه الجهة - حكم الشريعة في الزرع - بيع اعضاء الاموات - يجوز بيع الدم المأخوذ من الحي - حكم ما بعد الزرع من حيث الطهارة والنجاسة - حكم الصلاة بعد الزرع.

[ 121 ]

في عصرنا هذا وصل الطب الى امكان زرع عيون الموتى في موضع عيون الاحياء إذا اخذت عين الميت اثر الوفاة فورا، وقد وقع البحث عن جواز ذلك في المجامع العلمية الفقهية، فلا بد لنا من بيان حكمه الشرعي حسب ما يستفاد من الكتاب والسنة. وتنقيح الكلام والبحث في موارد: 1 - في جواز اخذ عضو من مسلم متوفي، وانه، هل يجب فيه الدية ام لا؟ 2 - في جواز زرعه في جسم الحي. 3 - في نجاسته بعد الزرع وطهارته. 4 - في الصلاة معه. المورد الاول حكم اخذ عضو من مسلم متوفي: وقد مر في المسالة السابقة ان قطع عضو الميت حرام، ولكنه تجوزه المصلحة المتوقفة على القطع ان كانت اهم من مفسدة القطع، وإذا لا حظنا الموارد التي تتوقف فيها حياة انسان أو بعض اعضائه على ارتكاب المحرمات ورأينا تجويز الشارع الاقدس ارتكاب المحرمات، يظهر لنا اهتمام الشارع بحفظ الحيوة وعدم اتلاف العضو فإذا توقف ذلك على قطع عضو الميت وارتكاب هذا المحرم لا محالة يصير جائزا.

[ 122 ]

ويمكن الاستشهاد له، بخبر زرارة عن الامام الصادق عليه السلام قال ساله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه قال عليه السلام لا باس. فانه صريح في جواز اخذ السن من الميت وجعله مكان سنه، وبضميمة الغاء الخصوصية يثبت هذا الحكم في جميع الاعضاء. وهل يعتبر اذن الميت قبل وفاته أو وليه بعدها، ام لا. الاظهر عدم اعتباره من ناحية حرمة القطع الثابت بعنوان انه محترم كالحي، ومن ناحية انه ملك له سيأتي الكلام فيه. هل يثبت فيه الدية: وهل في أخذ عضو منه وقطعه الدية، أم لا. قد يقال بثبوتها تمسكا باطلاق ما دل على ثبوت الدية في قطع عضو الميت. ولكن: يمكن أن يقال أن الدية انما تثبت بعنوان العقوبة فتختص بمورد حرمة القطع، كما يشهد به ما ورد في القصاص كخبر - الكناني عن الامام الصادق عليه السلام عن رجل قتله القصاص له دية فقال لو كان ذلك لم يقتض من احد وقال من قتله الحد فلا دية له ونحوه غيره. فإذا جاز القطع لتوقف مصلحة اهم، لا تكون الدية ثاتبة، ويشهد به خبر السن المتقدم. المورد الثاني حكم الشريعة في الزرع: قد يتوهم انه لا يجوز الزرع من ناحية ان المقطوع مملوك للميت، ولا يجوز التصرف في ملك الغير بلا رضا صاحبه.

[ 123 ]

ولكن يرد عليه، ان الانسان وان كان مالكا لنفسه ولا عضائه واعماله وذمته بالملكية الذاتية كما بيناه في مسالة الشوارع المفتوحة الا ان حرمة التصرف من هذه الناحية ترتفع باذن الميت قبل وفاته أو وليه بعد الموت، وعلى فرض عدم الاذن يباح التصرف من جهة توقف مصلحة اقوى عليه. وقد يقال: ان هذا لا ينا في ثبوت عوض العضو في ذمته فان العضو حينئذ له مالية فمن انتفع به يكون ضامنا لعوضه، وتوقف مصلحة اقوى عليه، موجب لجوازه لا يدفع الضمان، كما في اكل مال الغير في المخصمة، وعليه فلا بد من رد عوضه الى ورثة الميت يقسم بينهم كسائر امواله. فلو اذن الميت قبل وفاته ليؤخذ عيونه لتزرع في جسم انسان حي مجانا لا يكون عوضه ثابتا في ذمة المتصرف: فانه من قبيل الوصية النافذة بمقدار الثلث، كما ان للورثة الاغماض عن العوض لانه حقهم وملكهم. بيع اعضاء الاموات: الا ان: الانصاف عدم جوازا خذ عوضه، لما دل على ان عوض الميتة وثمنها سحت. كخبر السكوني عن الامام الصادق عليه السلام السحت ثمن الميتة الحديث ولا وجه للخدشة في سنده إذ ليس في سنده من يمكن القول بعدم حجية خبره سوى النوفلي، والسكوني، وهما ثقتان على الاظهر، وان قيل ان الاول صار غاليا في آخر عمره و الثاني عامي. وموثق الجعفريات عن امير المؤمنين عليه السلام من السحت ثمن الميتة، ونحوهما غيرهما. وهذه النصوص وان اختصت بالميتة الا انه يفهم منها حرمة بيع اعضائها ايضا فان المستفاد منها بحسب الارتكاز والمتفاهم العرفي ان الممنوع اخذ العوض بازائه جسد الميت

[ 124 ]

بلا دخل للاتصال به. ويشهد به ايضا نصوص اليات الغنم كصحيح البزنطي عن الامام الرضا عليه السلام عن الغنم يقطع الياتها وهي احياء ايصلح له ان ينتفع بما قطع قال عليه السلام نعم يذيبها ويسرج بها ولا ياكلها ولا يبيعها ونحوه غيره وهذه النصوص وان اختصت بالجزء المبان من الحي و بالغنم، الان انه يثبت في غير الغنم وفي المبان من الميت بعدم الفصل. ولا يعارض هذه النصوص خبر الصيقل وولده الذي توهم دلالته على الجواز، قال كتبوا الى الرجل عليه السلام جعلنا الله فداك انا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وانما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمر الاهلية لا يجوز في اعمالنا غيرها فيحل لنا عملها وشرائها وبيعها، ومسها بايدينا وثيابنا ونحن نصلى في ثيابنا ونحن محتاجون الى جوابك في هذه المسالة يا سيدنا لضرورتنا، فكتب عليه السلام اجعلوا ثوبا للصلاة. وجه: عدم المعارضة انه لا يدل على الجواز: فان الصيقل لم يفهم من جواب الامام الكاظم عليه السلام حكم بيع الغلاف الذي هو من جلود الميتة ولذا سال هذه المسالة عن الامام الرضا عليه السلام، وهو اجابه بمثل جواب أبيه، فكتب الى الامام الجواد عليه السلام - فاجابه عليه السلام كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا باس وجوابه عليه السلام ظاهر في عدم جواز البيع. ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا دلالته على الجواز، حيث انه لا يمكن الجمع بينه وبين نصوص المنع، فيتعين الرجوع الى المرجحات، وهي تقتضي تقديم نصوص المنع للاشهرية وغيرها من المرجحات. فالمتحصل انه لا يجوز بيع الميتة واعضائها. ومقتضى اطلاق هذه النصوص عدم الفرق بين الانسان وغيره، فلا يجوز بمقتضى هذه

[ 125 ]

النصوص اخذ العوض بازاء العضو المبان من الميت. وبما ذكرناه يظهر حكم اخذ العضو من الحي، فانه على ما دلت عليه النصوص بحكم الميتة لاحظ صحيح ايوب بن نوح الذي رفعه الى الامام الصادق عليه السلام: إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة ونحوه غيره. هل يجوز بيع الدم المأخوذ من الحي: هل يجوز نقل الدم من شخص الى شخص آخر كما هو الشايع في هذا الزمان، الظاهر ذلك كما يظهر لمن راجع ما قدمناه. ولكن ربما يقال انه لا يجوز اخذ العوض بازائه بان يبيع الانسان دمه الى الغير وياخذ ثمنه. واستشهد له بمرفوع ابي يحيى الواسطي قال: مر امير المؤمنين عليه السلام بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة اشياء من الشاة نهاهم عن بيع الدم الحديث ومورده وان كان دم الشاة الا انه يتعدى عنه الى كل دم نجس. واورد عليه بايرادات: 1 - انه ضعيف السند. 2 - اختصاصه بالدم النجس. 3 - الظاهر منه إرادة عدم جواز البيع للاكل فقط تكليفا أو وضعا أيضا. وفي الجميع نظر. اما الاول: فلان ضعفه مجبور بعمل الاصحاب وافتائهم بعدم الجواز فعن النهاية والمبسوط، والمراسم، أن المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس، و عن التذكرة دعوى الاجماع على عدم جواز بيع نجس العين.

[ 126 ]

واما الثاني: فلانه لا محذور في الالتزام بذلك بل ظاهر الفتاوى أيضا كالنص ذلك. واما الثالث: فلانه لا وجه لهذه الدعوى سوى، دعوى الانصراف، ومناسبة سياق أخواته وكلتا الدعويين كما ترى. فالمتحصل عدم جواز بيع الدم النجس. وقد استدل على عدم الجواز بوجوه أخر، ذكرناها مع ما يرد عليها في الجزء الاول من كتابنا منهاج الفقهاهة. والجزء الخامس عشر من فقه الصادق. الا ان الانصاف: أن للمنع عن عدم جواز بيعه مجالا واسعا: فان الخبر ضعيف السند، و استناد الاصحاب إليه غير ثابت، ومجرد الموافقة في الفتوى لا يجدي في الجبر. مع: أن أمير المؤمنين عليه السلام إنما نهي القصابين عن بيعه، ولم ينه عن بيع الدم مطلقا، والدم في ذلك الزمان لم يكن له هذه المنفعة العظيمة، لا سيما دم الشاة فالتعدي قياس مع الفارق. اضف: إى ذلك اختصاص الدليل بالبيع، وعدم شموله للصلح مثلا، فالاظهر جواز إيقاع المعاملة عليه، سيما بنحو الصلح وما شاكل. المورد الثالث نجاسته بعد الزرع وطهارته: إذا غسل الميت ثم أخذ منه العضو فلا اشكال في طهارته، وان أخذ منه قبله فقبل أن يزرع وأن كان نجسا، إلا أنه بعدما زرع، وحلت به الحيوة، يصير من أجزاء الحي، ويتبدل عنوان كونه ميتا ومن أعضاء الميت إلى صيرورته جزءا من أجزاء الحي، ولا شك في أن موضوع الحكم هو الميتة، ومع التبدل ينقلب حكمه، مثلا - لو فرضنا صيرورة حيوان حيا بعد ما كان ميتا، فهل يتوقف احد في طهارته ان كان من الحيوانات غير النجسة، فكذلك في المقام. وعلى فرض التنزل وتسليم الشك، بما أن المختار عدم جريان الاستصحاب في الاحكام، فلا مجال لجريان استصحاب النجاسة، مضافا الى الشك في بقاء الموضوع: لاحتمال كون الموضوع لها هو ما ليس فيه الروح، فيتعين الرجوع الى اصالة الطهارة القاضية بالطهارة في المقام

[ 127 ]

وبما ذكرناه: يظهر حكم ما لو أخذ عضو من أعضاء حيوان غير نجس العين أو كافر، و زرع في جسم انسان فانه قبل الزرع وان كان محكوما بالنجاسة لان الجزء المنفصل من الحي أو الميتة من الحيوان نجس، إلا أنه بعد ولوج الروح فيه وصيرورته من أجزاء الانسان و انقلابه الى عنوان طاهر يحكم بطهارته بل يحكم بالطهارة وان كان المأخوذ منه نجس العين. لا يقال أنه ان استحال العضو عن كونه عضوا لحيوان نجس العين، الى كونه عضوا من انسان حي فلا كلام في الطهارة ولكن قبل أن يستحيل ومع بقاء اضافته الى ذلك الحيوان، مقتضى اطلاق دليل نجاسة ذلك الحيوان باعضائه نجاسته، ودليل طهارة الانسان لا يعارضه ان كان مضافا الى الانسان ايضا، فان ما دل على طهارة الانسان لا يدل على طهارته حتى مع انطباق عنوان آخر عليه موجب للنجاسة. فانه يتوجه عليه: أن ما افيد وان كان متينا مع بقاء الاضافة إلا أن الظاهر عدم بقائها بعد ولوج الروح فيه وأنه يكون مضافا إلى من صار جزءا منه. نعم: لو شك في سلب اضافته عمن اخذ منه، يحكم ببقائها للاستصحاب. المورد الرابع حكم الصلاة بعد الزرع: قد يشكل في الصلاة بعد زرع جسد الاحياء باعضاء الاموات من نواح ثلاث: 1 - من ناحية نجاسته. 2 - من ناحية كون ما زرع ميتة ولايجوز الصلاة مع الميتة. 3 - من ناحية كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه. أما من الناحية الاولى فقد تقدم انه بعد الزرع وولوج الروح فيه وصيرورته من أجزاء الانسان الحي يحكم بطهارته، وبه يظهر ارتفاع المنع من الناحيتين الاخريين. واضف: الى ذلك ان دليل عدم جواز الصلاة في اجزاء الميتة، من جهة اشتماله على كلمة (في) ظاهر في خصوص الملبوس ولا يشمل المحمول. وما دل على عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، يقيد اطلاقه على فرض الشمول للانسان، مع ان للمنع عنه مجالا: للانصراف، فان الحيوان بحسب المتفاهم العرفي

[ 128 ]

منصرف عن الانسان. بما دل على جواز الصلاة في المحمول من اجزاء الانسان كخبر، السن المتقدم وموثق الساباطي لا باس أن تحمل المرأة صبيها وهي تصلي أو ترضعه وهي تتشهد ونحوه غيره، والسيرة القطعية. فالاظهر جواز الصلاة معه. فالمتحصل: مما ذكرناه جواز زرع اعضاء الموتى في جسم الاحياء، وزرع الاعضاء المقطوعة من الاحياء الاخر، ونقل الدم من جسم الى جسم آخر مع اقتضاء الضرورة ذلك اي مع احتياج الاحياء الى ذلك - ولا يجوز اخذ العوض بازائه الا في نقل الدم، وملاقيه طاهر، ويجوز الصلاة معه.

[ 129 ]

الذبح بالاجهزة الحديثة لو شك في اعتبار شئ في التذكية - الاصول المتوهم جريانها فيه - وبيان ما هو الحق - القيود المعتبرة في الذبح الشرعي - لا يعتبر عدم ابانة الرأس - لا يعتبر عدم الذبح من القفا - تطبيق الذبح الشرعي على ما هو محل الكلام.

[ 131 ]

من المشاكل التي ابتلي بها المتدينون في هذا العصر، ما تعارف في هذا الزمان من ذبح الحيوان بطريق خاص، وهو ان توقف مجموعة من الحيوانات ثم يبتر رؤسها مرة واحدة بآلة خاصة ولذلك كثر التساؤل عن حلية لحم هذا الحيوان وان هذا الذبح شرعي إذا كان المتصدي مسلما، وذكر اسم الله تعالى واستقبل بها القبلة، ام لا؟ ولتنقيح البحث في ذلك لابد من بيان ما يعتبر في الذبح الشرعي، فان انطبق موضوع الحل بشرائطه على هذا الذبح فهو حلال، والا فيكون حراما. وقبل بيان ما يستفاد من الكتاب والسنة من القيود والحدود، يحسن بنا تأسيس الاصل ليكون هو المرجع عند الشك في اعتبار شئ في التذكية مع عدم الدليل على اعتباره أو عدمه. لو شك في اعتبار شئ في التذكية: إذا شك في اعتبار شئ في التذكية، فقد يقال ان التذكية امر وجودي حادث مسبوق بالعدم فلو شك انها هل تتحقق بالذبح بغير الحديد مثلا، ام لا فمقتضى الاصل عدمها. ولكن يتوجهه عليه: ان التذكية وان وقع الخلاف في انها هل تكون امرا بسيطا معنويا حاصلا من فردي الاوداج الاربعة بشرائطه، ام هي عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع

[ 132 ]

الشرائط الخاصة الوارد على المحل القابل. الا ان: الظاهر هو الثاني، لا لما افاده المحقق النائيني رحمه الله من استناد التذكية الى المكلف في الآية الشريفة الا ما ذكيتم، فانه يرد عليه، انه لا شبهة في انها فعل المكلف سواء، أكانت عبارة عن المسبب، أو نفس الافعال الخاصة، غاية الامر على الاول تكون فعله التسبيبي و على الثاني تكون فعله المباشري. بل: لانه في جملة من النصوص رتبت الحلية على نفس الافعال، لاحظ خبر زيد الشحام عن الامام الصادق عليه السلام في حديث إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس. ونحوه غيره. أضف إلى ذلك أنه ورد في جملة من النصوص ان ذكاة الجنين ذكاة امه، ولو كانت التذكية اسما للمسبب لما صح هذا الاطلاق إذ الحاصل من ذلك الامر المعنوي على فرض ثبوته لكل فرد غير ما هو حاصل للآخر قطعا، بخلاف ما إذا كانت اسما للافعال الخارجية. وعلى هذا إذا أتى بجميع ما ثبت اعتباره من القيود دون ما شك فيه، فلا محالة يشك في تحقق التذكية، وفي حلية أكل لحم ذلك الحيوان، فهل يجري هناك الاصل أم لا، والاصول المتوهم جريانها أربعة. 1 - اصالة عدم التذكية، ونتيجتها عدم الحلية. 2 - اصالة البراءة عن اعتبار ما شك في اعتباره ونتيجتها الحلية. 3 - استصحاب الحرمة الثابتة في حال الحيوة. 4 - إصالة الحل. ولكن الاظهر: عدم جريان الاولى - فان موضوع الحكم أي ما رتب الحلية والطهارة عليه، ليس هو مجموع الاجزاء والقيود بما هي كذلك، فلا يصح أن يقال أن المجموع لم تكن متحققة والآن يشك في تحققها فيستصحب العدم، وبعبارة أخرى وصف الاجتماع غير دخيل في الحكم فلا يجري فيه الاستصحاب، كما أن الدخيل في الموضوع ليس عنوان

[ 133 ]

السببية، إذ مضافا الى انه عبارة عن الحكم، لا مثبت لاعتباره، فلا يجري إصالة عدم تحقق السبب. بل الموضوع ذوات الاجزاء المجتمعة، وتحقق ما علم اعتباره معلوم، وما شك في اعتباره مفروض العدم فلا شئ يجري فيه اصل العدم. كما أن الاظهر عدم جريان الثانية أيضا، فان سببة المجموع من المعلوم والمشكوك اعتباره وترتب الحلية والطهارة عليها معلوم لا معنى لان يرفع بادلة البراءة، وشرطية ما شك في اعتباره أو جزئيته، منتزعة من حكم الشارع بسببية الذبح المشتمل عليه، ومن المعلوم أنه غير مرتفع في الفرض، واثبات حكم الشارع بسببية الفاقد ليس شان أدلة البراءة فانها رافعة للحكم لا مثبتة. والاظهر أيضا عدم جريان استصحاب الحرمة الثابتة في حال الحيوة لعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية، ولتبدل الموضوع، ولعدم ثبوت حرمة الاكل في حال الحيوة إذا لم يعرضه الموت قبل البلع، كما لو بلع سمكا صغيرا، فيتعين الرجوع إلى الرابعة، و هي اصالة الحل، فانه بعد الذبح بدون ذلك القيد يشك في حلية أكل اللحم وعدمها فيرجع إلى إصالة الحل. فالمتحصل انه لو شك في اعتبار شئ في الذبح، ولم يدل دليل عليه يبنى على عدم اعتباره، ولا يبعد ثبوت الاطلاق لجملة من النصوص فيتمسك به أيضا لنفي الاعتبار. القيود المذكورة في الكتاب والسنة لحلية اكل اللحم: إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم، ان الحدود والقيود الثابت اعتبارها في حلية الذبيحة، زائدا على القيود المعتبرة في الحيوان نفسه، وبعبارة أخرى القيود المعتبرة في الذبح الشرعي امور. 1 - كون الذابح مسلما، واعتبار ذلك هو المعروف بين الاصحاب وقد استوفينا البحث في ذلك في الجزء الرابع والعشرين من فقه الصادق واثبتنا عدم اعتباره. 2 - كون الذبح بالحديد مع امكانه، والظاهر انه لا خلاف فيه.

[ 134 ]

3 - كون الحيوان مستقبل القبلة حين الذبح، مع الامكان، إلا في صورة النسيان والجهل. فهل يعتبر ان يكون نحره وبطنه مستقبل القبلة، ام يكفي صدق ذلك ولو كان الحيوان واقفا ويكون رأسه ومقاديم بدنه إلى القبلة مقتضى اطلاق النصوص هو الثاني، لا حظ، حسن محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام عن الذبيحة فقال استقبل بذبيحتك القبلة. و نحوه غيره. 4 - التسمية من الذابح، ويشهد به الآيات القرآنية، قال الله تعالى " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه "، وغير ذلك من الآيات والنصوص ولا خلاف فيه فتوى. فهل تكفي تسمية واحدة لذبح حيوانات متعددة، ام لا، والحق هو التفصيل بين كون الذبح تدريجيا، وبين كونه دفعيا فان كان تدريجيا لم يكف فانه حين ذبح الثاني لم يسم، و التسمية الاولى منفصلة عن هذا الذبح وقد امرنا بالتسمية عند الذبح، وان كان دفعيا كفت الواحدة فان مقتضى اطلاق الآيات القرآنية المتقدم بعضها وما شاكلها من النصوص، هو الاكتفاء في الحل بذكر اسم الله على الذبيحة، وفي الفرض يصدق انه ذكر اسم الله على الذبائح، واعتبار ذكر اسم الله خاص لكل ذبيحة، لم يدل دليل عليه، وقد افتى الفقهاء بانه إذا ارسل الصائد كلبا معلما أو رمى سهما، وذكر اسم الله فصاد الكلب صيدا آخر أو أصاب السهم حيوانا آخر حلا معا، مع أن المفروض أنه لم يسم الا واحدة، وبالجملة المستفاد من الادلة اعتبار كون الذابح مسميا ولذا لو كان متعددا يعتبر تسميتهما معا، كما لو كان مرسل الكلب للصيد متعددا، وهذا العنوان يصدق في المقام. 5 - فرى الاوداج الاربعة: الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمرئ وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم، والودجان وهما عرقان كبيران أمام العنق في طرفيه محيطان بالحلقوم والمرئ ويشهد به حسن عبد الرحمن، عن ابى ابراهيم عليه السلام، ا. ذا فرى الاوداج فلا باس بذلك.

[ 135 ]

وما في جملة من النصوص، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس اما أن يحمل على ما ذكره المقداد من أن الاوداج الاربعة متصلة بعضها مع بعض فإذا قطع الحلقوم فلا بد أن ينقطع الباقي معه، أو يقال، انها في مقام بيان أحكام اخر فلا تدل على كفاية قطع الحلقوم خاصة، وعلى فرض تسليم التعارض يقدم الطائفة الاولى للشهرة. ولكل من هذه القيود قيود، كالتتابع في الذبح، وكون شئ من الادواج الاربعة على الرأس، وما شاكل، مذكورة في محالها مفروض التحقق في المقام. لا يعتبر عدم ابانة الرأس: وهناك امور أخر، ذهب جماعة الى اعتبارها، لابد لنا من التعرض لها. منها: عدم ابانة الرأس قبل ان تبرد الذبيحة، وقد حكى ذلك عن صريح النهاية وابن زهرة، وظاهر ابن حمزة، والاسكافي، والقاضي. وعن: جماعة آخرين حرمة الابانة وعدم محرميتها للذبيحة، منهم العلامة في المختلف و الشهيدان وغيرهم. والمشهور: بين الاصحاب هو الكراهة، في الخلاف دعوى الاجماع عليها وهي الاظهر إذ يشهد للجواز مضافا الى الاصل واطلاق الادلة، كقوله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقوله تعالى " وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم " وغيرهما. صحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام عن رجل ذبح طيرا فقطع رأسه أيؤكل منه قال عليه السلام نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه. وخبر الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه عن

[ 136 ]

الامام علي عليه السلام إذا اسرعت السكين في الذبيحة فقطعت الرأس فلا باس باكلها. ويؤيده النصوص المتضمنة، انها ذكاة وحية اي سريعة. واستدل للقول الثاني بصحيح محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام عن الرجل يذبح ولا يسمي قال عليه السلام ان كان ناسيا فلا باس إذا كان مسلما وكان يحسن أن يذبح ولا ينخع ولا يقطع الرقبة بعدما يذبح ونحوه خبر الحلبي. وبصحيح: الحلبي المتقدم آنفا ولكن لا يتعمد قطع رأسه ونحوه خبر علي بن جعفر. وبالموثق: عن الامام الصادق عليه السلام عن الرجل يذبح فتسرع السكين فتبين الرأس فقال الذكاة الوحية لا باس باكله ما لم يتعمد ذلك. ولكن يرد على الاولين انه يحتمل ان تكون لا نافية لا ناهية فغايتهما حينئذ ثبوت الباس الذي هو اعم من الحرمة، مع ان موردهما خصوص صورة نسيان التسمية. وبه يظهر ما في الاستدلال بالموثق. واما: صحيح الحلبي، وخبر علي بن جعفر، فيحملان على الكراهة لكونها المشهورة بين الاصحاب. واستدل للاول: بان، الذبح المشروع هو المشتمل على قطع الاربعة خاصة فالزايد عليها يخرج عن كونه ذبحا شرعيا فلا يكون مبيحا. وفيه: انه لا يعتمد عليه في مقابل ما تقدم من الادلة مع: ان لازمه حرمة الزيادة وان لم تكن ابانة ولا قائل بها.

[ 137 ]

لا يعتبر عدم الذبح من القفا: ومنها: أن لا يذبح من القفا، ذهب إليه جماعة. واستدل له: بانه مستلزم لا بانة الرأس وهي توجب الحرمة، وقد مر ما فيه. وبانه: يعتبر استقرار الحيوة للذبيحة قبل أن تذبح بفرى الاوداج، كما ذهب إليه الشيخ وجماعة. ووجه: اعتباره أن ما لا يستقر حيوته قد صار بمنزلة الميت، مع أن استناد موته الى الذبح ليس أولى من استناده إلى السبب الموجب لعدم الاستقرار، بل السابق أولى فصار كان هلاكه بذلك السبب فيكون ميتة، وعليه فإذا ذبح من القفافحين ما تصل آلة الذبح إلى الاوداج لا يكون للحيوان حيوة مستقرة، فان الحيوة المستقرة فسرت بان لا تكون مشرفة على الموت بحيث لا يمكن أن يعيش مثلها اليوم أو الايام، والمذبوح من القفا الباقية أو داجه من مصاديق ذلك. ولكن: الحق تبعا لاكثر القدماء والمتاخرين عدم اعتبار استقرار الحياة بل عن الشيخ يحيى بن سعيد، ان اعتبار استقرار الحيوة ليس من المذهب، بل المعتر اصل الحيوة المستكشفة بالحركة بعد الذبح ولو كانت جزئية يسيرة أو خروج الدم المعتدل. والوجه: في عدم اعتبار استقرار الحيوة، استثناء الا ما ذكيتم من النطيحة وهي التي تنتطحها بهيمة فتموت، والمتردية، وهي التي تتردى من سطح أو تسقط في بئر أو هوة فتموت وما اكل السبع، في الاية الشريفة المفسرة. في صحيح زرارة عن الامام الباقر عليه السلام كل كل شئ من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والمتردية وما اكل السبع وهو قول الله عز وجل الا ما ذكيتم فان ادركت شيئا منها وعينه تطرف، أو قائمة تركض، أو ذنب يمصع فقد ادركت ذكاته فكله الحديث. وجملة من النصوص.

[ 138 ]

كصحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام، إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الاذن فهو ذكي. وخبر عبد الرحمن عن الامام الصادق عليه السلام في كتاب علي عليه السلام إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه فقد ادركت ذكاته. وخبر ابان بن تغلب عنه عليه السلام إذا شككت في حياة شاة ورأيتها تطرف عينها أو تحرك ذنبها أو تمصع بذنبها فاذبحها فانها لك. وخبر زرارة عن الامام الباقر عليه السلام في حديث وان ذبحت ذبيحة فاجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد اجدت الذبح فكل، والنصوص الكثيرة الواردة في ان الموقوذة والمتردية والمنخنقة وما اكل السبع إذا ادركت حيا وذكيت يحل اكلها وغير ذلك من الروايات. واما الاكتفاء باحد الامرين من الحركة وخروج الدم فبيانه موكول الى محله. فالمتحصل: عدم اعتبار استقرار الحياة، بل المعتبر اصل الحياة، وعليه فالذبح من القفا لا اشكال فيه، ان كان الحيوان حيا قبل ان يفرى الاوداج ومات بعد تمامية الفرى. وهناك امور اخر قيل باعتبارها لعدم ارتباطها بمسالتنا هذه نوكل تنقيح القول فيها الى محله. تطبيق الذبح الشرعي على ما هو محل الكلام: إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم انه في الفرض إذا فرضنا ان الذابح مسلم، وآلة الذبح من الحديد ويسمي الذابح حين ما يذبح، ويقطع الاوداج الاربعة، فيمكن القول بحلية الذبايح بل الظاهر ذلك، فان توهم عدم الحلية انما يكون لاحد هذه الامور.

[ 139 ]

1 - ان الذبيحة لا تكون مستقبلة للقبلة لعدم كون منحرها وبطنها إليها. 2 - يبان رأسها بهذا الذبح. 3 - تذبح من القفا ولا حياة مستقرة لها قبل فرى الاوداج وبعد الذبح من القفا. 4 - ان الذابح يسمي واحدة للذبائح المتعددة. وشئ من ذلك لا يوجب الحرمة. اما الاول: فلما عرفت من ان مقتضى إطلاق النصوص كفاية الاستقبال بالذبيحة باي نحو كان في الحلية، ولا تعتبر كيفية خاصة، ولو أوقف الحيوان الى القبلة بان كان رأسه إليها يصدق أنه مستقبل للقبلة، كما في الانسان في حال الركوع والسجود، والابل في حال النحر إذا كانت قائمة. واما الثاني: فلما تقدم من عدم إعتبار عدم ابانة الرأس في حلية الذبيحة: إذ غاية ما هناك حرمة الابانة نفسها لا حرمة الذبيحة بسببها - مع - انها أيضا غير ثابتة بل تكره الابانة. واما الثالث: فلما تقدم من عدم اعتبار استقرار الحيوة وكفاية اصل الحيوة وان الذبح من القفا لا يوجب حرمة الذبيحة. واما الرابع: فلما تقدم من كفاية البسملة الواحدة للذبائح المتعددة إذا ذبحت دفعة فالمتحصل حلية هذه الذبائح. واولى: بالحلية من ذلك ما لو كان المذبوح واحدا، أو فرضنا انه انيم مستقبل القبلة، فان بعض الموانع المتوهمة لا يجري فيهما كما لا يخفى. قد وقع الفراغ من جمع هذه المسائل ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان سنة 1384 والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.

[ 141 ]

تحديد النسل وتنظيمه نعمة الاولاد اصبحت خطرا - بيان المشكلة - رأى الكنيسة في دفعها - تحرير محل النزاع - طرق تحديد النسل - الاشياء كلها على الاباحة حتى يثبت الحرمة - تكثير الاولاد في نفسه مطلوب شرعي - حكم تنظيم النسل - تحديد النسل من حيث هو ليس بحرام - حكم اسقاط الحمل - حكم العزل من حيث الاباحة والمنع - ومن حيث ثبوت الدية - تأخير الازدواج - كف النفس عن المجامعة - ساير الطرق.

[ 143 ]

نعمة الاولاد اصبحت خطرا: من المشاكل الاخيرة التي اشغل العلماء والمسئولين في معظم بلدان العالم مشكلة تضاعف السكان بعد أن قضى العلم على الامراض التى تميت الناس في طور الطفولية و انحصر نطاق الحروب، وما ينشا منه من الارتباك للدولة في تامين عمل لعدد وفير تعجز مرافقها الادارية والاقتصادية والتجارية عن استيعابه - وبالاخص الدول التي هي بعيدة عن التصنيع أو في المرحلة الاولى من مراحل التصنيع. فان سكان العالم في تزايد رهيب مستمر وحسب التقريرات العلمية يبلغ سكان العالم ما يقرب من 6 ميليارات نسمة اواخر القرن الحاضر ويعلق الفيلسوف (بر تراند راسل) على هذه المشكلة بقوله: ان عدد سكان الارض في الخمسة والعشرين عاما القادمة سيبلغ 5 / 3 ميليارد نسمة و ذلك يتطلب تفكيرا جديا لانه يبدو لنا الامر بسيطا بادئ الامر لكنه لا يلبث أن يتحول الى مشكلة عويصة لا يمكن التهرب منها باي شكل كان وذلك يعني تحويلا تاما في تطور البشرية، وثمة تفسير لذلك هو انه بعد خمسة وعشرين عاما ستنقلب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وكل ما يترتب عليها رأسا على عقب. وعلى الجملة، هذه المشكلة، الآن حديث الاوساط العلمية ولذلك اضطروا إلى اتخاذ

[ 144 ]

طريق لتحديد النسل. وغرضنا الآن تنقيح القول فيه من الناحية الفقهية. وقد منعت الكنيسة الكاثوليكية منعا باتاكل الوسائل التي تستخدم لتحديد النسل لكنها في الوقت نفسه تعترف بالوسائل التي تخول للزوجين التفادي عن الحمل قصدا. وهذا يعني ان الكنيسة تسمح بممارسة الوسيلة الطبيعية فقط وهي التحكم بالاعصاب. فلا بدلنا من بيان موقف الشريعة المقدسة الاسلامية الخالدة التي صرح صادعها الاقدس بانه قد بين حكم كل موضوع. تحرير محل النزاع: وتنقيح القول في ذلك، ان في المقام عنوانين - تنظيم النسل - وتحديده. اما تنظيم النسل: فهو عبارة عن تنظيمه بالنسبة الى النساء اللاتي يسرع اليهن الحمل، و ذوي الامراض المنتقلة، والافراد القلائل الذين تضعف اعصابهم عن مواجهة المسؤوليات الكثيرة مع عدم من يقويهم على احتمال هذه المسؤوليات وهذا تنظيم فردي، والبحث فيه ليس وليد الايام المتأخرة. واما تحديد النسل: فله فردان - التحديد الفردي - والتحديد النوعي والاول واضح، و الثاني عبارة عن اصدار قانون عام يلزم الامة كلها ان تقف بالنسل عند حد معين، ومورد النزاع اخيرا هو ذلك. طرق تحديد النسل وتنطيمه: قبل بيان موقف الشريعة المقدسة لابد من بيان طرق التحديد وقد ذكروا في مقام علاج المشكلة التي أشرنا إليها انه لابد من تحديد النسل باحد الطرق الآتية. 1 - اسقاط الحمل، وهذه الطريقة شايعة في بعض الممالك وهو عبارة عن طرح المرأة ما حملته من الحمل بشرب الدواء أو بغير ذلك من الانحاء.

[ 145 ]

2 - العزل: بان يعزل الرجل عن زوجته ويفرغ المني خارج الفرج بعد المجامعة، ويلحق به ما شاع في هذا الزمان من استعمال وعاء بلاستيكي خاص يمنع من افراغ المني في الفرج. 3 - تأخير الازدواج الى أن تصير النساء مسنات: وهذه الطريقة شايعة في الصين. 4 - كف النفس عن المجامعة. 5 - استعمال الاقراص الخاصة ضد الحمل على برنامج مخصوص: وهذه منتشرة في جميع انحاء العالم - 6 - الطريقة الشهيرة للعالم (أو جينو) التي تشمل حسابات خاصة تحدد فيها وقت الخصب عند المرأة، وبذلك يمكن تفادي الاجتماع بالزوجة في تلك الفترة، وهذا يتطلب بعض التحكم في اعصاب الزوج. ويفهم من طريقته انه يجب تقدير موعد الدورة الشهرية التالية ثم العد بطريقة عكسية، وبذلك يكون ما بين اليوم الثاني عشر والسادس عشر هي الايام التي تكثر فيها الخصوبة عند المرأة وتصبح على استعداد لحدوث حالة الحمل. 7 - طريقة امريكية: وهي عبارة عن بعض الاجسام الصغيره ذات اشكال غريبة مثل مستدير أو على شكل عقدة توضع داخل ارحم فتمنع الحمل. وهذه الطريقة ليست وليدة الايام المتأخرة بل هي شايعة منذ عهد (ارسطو طاليس) الذي كان يروي كيف كان الجمالون يضعون اجساما غريبة في رحم الناقة كي لا تحمل. لكن هذه الطريقة فشلت عندما طبقت على الانسان. وكان أول طبيب نجح في تجربة مماثلة هو طبيب الماني الاصل ابتكر حلقات خاصة من الحرير تطورت فيما بعد واصبحت تصنع من الفضة. وحيث انهم وجدوا ان مضار هذه الطريقة اكثر من فوائدها تركوها. وبعد فترة من الزمن جدد احد المكتشفين اليابانيين طريقة اسلافه فوجد انها تنجح، و في الامكان ترك هذه الادوات التي توضع في الرحم لمدة عشرين عاما دون أن تاتي باي تأثير على مستعملها، وكللت التجربة بالنجاح الكامل واجريت دراسات من هذا النوع على تسعة عشر الف امرأة واستولى الامر يكيون بعد ذلك على هذه الطريقة وادخلوا

[ 146 ]

عليها بعض التحسينات الخاصة وفي النهاية وجدوا انه قلما تتم ولادة خطا، وهذا يعني ان النجاح كان حليفهم، كما وأنهم وجدوا أنه باستعمال هذه الطريقة قلما يصاب الاطفال بتشويه أو بعاقبة خطرة ولا يدخل الرحم أي تركيب كيمياوي، ويمكن حدوث الحمل بعد سحب الجسم الخاص من الرحم بشهرين. هذه هي عمدة الطرق لتحديد النسل وتنظيمه الشايعة، ولعله تكون طرق اخر لكنه يعلم حكمها مما نذكره في هذه. الاشياء كلها محكومة بالاباحة حتي يثبت الحرمة: وقبل بيان حكم كل طريق من هذه الطرق لابد وأن يظهر امران: الاول: أن الشارع الاقدس حكم حكما عاما باباحة كل عمل الا ما خرج أي، أنه صلى الله عليه وآله وسلم بين كل ما هو ممنوع عنه وحكم باباحة ما سوى ذلك، فكل ما لم يرد منع فيه محكوم بالاباحة والرخصة: بل حكم باباحة ما لم يعلم انه ممنوع عنه. ويدل على الاول - جملة من الآيات. 1 - قوله تعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " فان بعث الرسل بحسب الارتكاز والفهم العرفي كناية عن البيان. فمفاد الآية الشريفة عدم العقاب والمؤاخذة على مخالفة التكليف ما لم يبين وبالملازمة العرفية تدل على عدم التكليف وكون ذلك الفعل مرخصا فيه. 2 - قوله تعالى " لا يكلف نفسا إلا ما اتاها " وتقريب الاستدلال به أن المراد بالموصول هو الحكم فيكون الايتاء المستند إليه تعالى بمعنى اعلامه فمفاده أن الله تعالى لا يوقع العباد في كلفة حكم لم يبينه وسكت عنه.

[ 147 ]

3 - قوله تعالى - مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ملقنا اياه طريق الرد على الكفار حيث حرموا على انفسهم أشياء " قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا " حيث أنه عز وجل أبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرموه فيما أوحى الله تعالى، فلو لم يكن عدم وجوده كافيا في الحكم بالاباحة وعدم الحرمة لما صح الاستدلال. 4 - قوله عز وجل " وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم " وتقريب الاستدلال به على ما سبق. ويدل عليه من السنة اخبار كثيرة. كخبر حمزة بن الطيار عن الامام الصادق عليه السلام ان الله يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم. وخبر ابي الحسن زكريا بن يحيى عنه عليه السلام ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم. وما رواه الصدوق - عن الامام الصادق عليه السلام - كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي الى غير ذلك من النصوص الكثيرة. ومما يدل على الثاني. قول صلى الله عليه وآله وسلم رفع عن امتي تسعة اشياء، وعد منها ما لا يعلمون.

[ 148 ]

وتقرب الاستدلال به، ان ما لم يعلم حرمته ولم يقم على حرمته حجة مرفوع عن الامة، ومعنى رفعه ليس رفع الحكم الواقعي كي يختص الاحكام بالعالمين، وإلا لزم الخلف لعدم امكان اخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، أضف إليه النصوص. الدالة على اشتراك الاحكام بين العالمين والجاهلين. ولا رفع المؤاخذة، إذ لا حاجة الى التقدير بعد كون الرفع تشريعا واخراجا للموضوع عن عالم التشريع. بل المرفوع هو الحكم في مرحلة الظاهر - اي ايجاب الاحتياط - لا بتقديره، بل من جهة أن ايجاب الاحتياط انما يكون من مقتضيات نفس التكليف الواقعي فثبوته انما يكون نحو ثبوت للحكم الواقعي، فلهذا يصح في مقام التعبير عن رفعه، انه رفع الحكم الواقعي في الظاهر وإذا رفع ذلك ترتب عليه عدم المؤاخذة على مخالفة التكليف الواقعي، فان المؤاخذة كوجوب الطاعة من الامور الواقعية المترتبة على المجعول الشرعي أعم من الظاهري و الواقعي، فكما أن عدم الحكم الواقعي مستلزم لعدم العقاب كذلك التعبد بعدمه في الظاهر. والمراد من لفظة (ما) التي هي من الموصولات وموضوعة لمفهوم جامع بين جميع الاشياء نظير لفظ (الشئ) هو الجامع بين الحكم والفعل، فيعم الحديث الشبهة الحكمية و الموضوعية. فان قيل ان لازم ذلك هو الجمع بين الاسناد الحقيقي والمجازي، حيث أن اسناد الرفع إلى الفعل مجازي والمرفوع في الحقيقة حكمه - وإلى الحكم حقيقي. اجبنا عنه: بان الرفع بما انه تشريعي لا تكويني، واخراج الموضوع عن عالم التشريع ممكن حقيقة فاسناده إلى كل منهما حقيقي. أضف إلى ذلك: أن الاسناد في مقام الانشاء والاستعمال وان كان واحدا إلا أنه في الحقيقة واللب يكون اسنادات عديدة حسب تعدد المصاديق، فلا مانع من كون أحدها حقيقيا والآخر مجازيا. فالمتحصل من هذه الجملة من الحديث أن كل ما لم يثبت حرمته في الشريعة محكوم في الظاهر بالحلية والاباحة ولا يؤاخذ عليه.

[ 149 ]

ويشهد به ايضا: موثق مسعدة بن صدقة عن الامام الصادق عليه السلام كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك الحديث. وتقريب الاستدلال به أنه يدل على اباحة كل ما لم يعلم حرمته، وما في ذيله من الامثلة التي هي من قبيل الشبهة الموضوعية، لا يصلح قرينة لرفع اليد عن ظهور الصدر في الععموم: لعدم التنافي، كما ان كلمة بعينه لا تصلح قرينة لذلك فانها مذكورة في الغاية ولا تكون شاهدة على أن ما قبل الغاية مقيد بكونه لا بعينه كي يقال أن العناوين الكلية كشرب التتن، اما أن تكون معلومة الحرمة أو لا تكون، وعلى الاول فهي معلومة بعينها وعلى الثاني فهي غير معلومة، وأما العلم بكونها محرمة لا بعينها فهو لا يتحقق إلا في موارد العلم الاجمالي مع كون الشبهة محصورة وظاهر أنه لا يحكم فيها بالحلية، فيختص الحديث بالشبهة الموضوعية، فان الشك فيها غالبا يلازم العلم بالحرام لا بعينه، فان من شك في حرمة مايع لاحتمال كونه خمرا يعلم غالبا وجود الخمر خارجا المحتمل انطباقه عليه فيكون الحرام معلوما لا بعينه، ولكن يكون أطرافه غير محصورة فيجوز أن يقال ان ما هو محل الابتلاء من أطرافه لا يعلم أنه حرام بعينه، فهذه الكلمة قرينة لاختصاص الخبر بالشبهة الموضوعية. ويشهد به غير ذلك من النصوص المروية عن المعصومين عليه السلام، وتنقيح القول في هذه المسالة موكول إلى محله في الاصول، وانما الغرض هنا الاشارة الاجمالية إلى القاعدة الكلية المستفادة من الكتاب والسنة. وعليه: فإذا لم يثبت حرمة طريق من طرق تحديد النسل يبنى على حليته واباحته. الاستيلاد وتكثير الاولاد مطلوب شرعا: الامر الثاني: ان التناسل والتوالد، وتكثير الولد مطلوب شرعا وقد حث عليه في الكتاب والسنة.

[ 150 ]

أما الكتاب فقوله تعالى " المال والبنون زينة الحياة الدنيا ". وقوله تعالى، في مقام الامتنان على عباده " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ". وأما النصوص الصادرة عن المعصومين عليهم السلام فلها السنة مختلفة كخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اكثروا الولد أكاثر بكم الامم غدا. وخبر يونس بن يعقوب عن رجل عن أبي الحسن عليه السلام قال سمعته يقول سعد امرء لم يمت حتى يرى خلفا من نفسه. وخبر الصدوق قال أبو الحسن عليه السلام أن الله إذا أراد بعبد خيرا لم يمته حتى يريه الخلف. قال وروى أن من مات بلا خلف فكان لم يكن في الناس ومن مات وله خلف فكأنه لم يمت. وخبر سدير عن أبي جعفر عليه السلام من سعادة الرجل ان يكون له الولد يعرف فيه شبهه و خلقه وشمائله. وخبر السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام من سعادة الرجل الولد الصالح. وخبر بكر بن صالح قال كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام اني اجتنبت طلب الولد منذ خمس سنين وذلك ان اهلي كرهت ذلك وقالت انه يشتد على تربيتهم لقلة الشئ فما ترى؟ فكتب عليه السلام الي اطلب الولد فان الله يرزقهم.

[ 151 ]

وخبر عيسى بن صبيح، قال دخل العسكري علينا الحبس وكنت به عارفا فقال لي لك خمس وستون سنة وشهر ويومان وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي واني نظرت فيه فكان كما قال ثم قال هل رزقت من ولد قلت لا قال اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا فنعم العضد الولد ثم قال من كان ذا ولد يدرك ظلامته، ان الذليل ليس له ولد، الحديث. وخبر السكوني عن الامام الصادق عليه السلام عن رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مونسات مباركات مقليات. وخبر ابان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام: البنات حسنات، والبنون نعمة الى غير ذلك من الاخبار. وقد عقد لها في الوسائل ابوابا، في كل باب روايات. 1 - باب استحباب الاستيلاد وتكثير الاولاد. 2 - باب استحباب اكرام الولد الصالح وطلبه وحبه. 3 - باب استحباب طلب الولد مع الفقر والغنى والقوة والضعف. 4 - باب استحباب طلب البنات واكرامهن. 5 - باب كراهة كراهة البنات. 6 - باب تحريم تمني موت البنات. 7 - باب استحباب زيادة الرقة على البنات والشفقة عليهن اكثر من الصبيان. 8 - باب استحباب الدعاء في طلب الولد بالمأثور. 9 - باب استحباب الصلاة والدعاء لمن اراد أن يحبل له. 10 - باب ما يستحب من الاستغفار والتسبيح لمن يريد الولد: 11 - باب استحباب رفع الصوت بالاذان في المنزل لطلب كثرة الولد. 12 - باب ما يستحب قراءته عند الجماع لطلب الولد. 13 - باب استحباب اختيار الولود للتزويج وإن لم تكن حسناء.

[ 152 ]

هذا كله مضافا الى ما في الابواب المتفرقة، وعليه، فلا شك في أنه مطلوب شرعي في نفسه بل هو السبب لبقاء ابناء آدم. انما الكلام، في أن زيادة ذلك يترتب عليها الان محذور اجتماعي كما مر، فهل يجوز التحديد أم لا. حكم تنظيم النسل: اما تنظيم النسل بالمعنى المتقدم، فلا ريب في جوازه بل مطلوبيته، بل ربما يصل إلى حد اللزوم، وقد حدد القرآن الكريم مدة الرضاع بحولين كاملين، وحذر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يرضع الطفل من لبن الحامل، ومقتضى ذلك اباحة وقف الحمل مدة الرضاع. وأيضا لا كلام في أن صيانة النسل من الضعف والهزال، وحفظه من الامراض مطلوبة للشارع. وقد علل الفقهاء ثبوت حق الفسخ لعقد اجارة المرضع إذا تبين أن بها حمل، بان لبن الحبلى يضر بالصغير، وان الارضاع يضرها أيضا، وعللوا تحريم الزواج من المحارم، بانه يورث ضعف الولد في الخلق والخلق وقالوا: اجتنبوا الحمقاء فان ولدها صياع. وعلل في الروايات، استحباب اختيار ذات العقل بان الحمقاء يتعدى حمقها إلى ولدها. الى غير ذلك من الاخبار والكلمات. كما أن حفظ المرأة نفسها من ضعف الاعصاب والامراض الاخر مطلوب شرعا بل لازم، ومقتضى ذلك كله مطلوبية تنظيم النسل. وعلى الجملة: ان الشارع الاقدس حين ما يحث على تكثير النسل ويباهي بالكثرة، يحث على وجه العموم، ونتيجة ذلك أن الشريعة المقدسة تطلب كثرة قوية وتلتمس الايدي العاملة في الحياة واتساع العمران والسبيل إلى حصول تلك الكثرة القوية، العمل على تنظيم النسل تنظيما يحفظ له نشاطه وللامة كثرته ونمائه. وهو، انما يكون بمنع الحمل بين الزوجين إذا كان بهما أو باحدهما داء من شانه أن يتعدى إلى النسل والذرية.

[ 153 ]

ومنع الحمل موقتا لتتمكن الام من ارضاع الطفل ارضاعا كاملا نقيا. وهل خوف الوقوع في الحرج بسبب عدم القدرة على تربية أولاده والعناية بهم، و خوف ضعف أعصابه عن تحمل واجباتهم ومتاعبهم من علل مطلوبية منع الحمل أم لا؟ وجهان. حكم تحديد النسل: واما تحديد النسل، فقد عرفت انه فردي ونوعي، وللنوعي منه معنيان احدهما، توقيف النسل الى حد معين، ثانيهما منع الحمل فترة من الزمن. اما التحديد النوعي للنسل، فلا كلام، في انه بمعنى توقيف نسل الامة إلى حد معين، المؤدي إلى الانقراض بعد حين حرام شرعا. واما بمعنى منع الحمل فترة من الزمن، والتحديد الفردي، فمن حيث هو لا دليل على حرمته، ومقتضى القاعدة المتقدمة في الامر الاول المستفادة من الكتاب والسنة هو الجواز. وقد استدل للحرمة بوجوه: الاول: ان الولد كما يكون حقا للوالدين يكون للامة أيضا بل حق الامة في الولد أقوى من حق الوالدين، لا سيما في هذا العصر، عصر التنافس بين الامم في الكثرة والقوة، و التحديد مناف لذلك فلا يجوز. وفيه: أن كون هذا الحق لزوميا اول الكلام، ولا دليل عليه. مع: انه قد عرفت ان محل الكلام ما إذا ترتب محذور نوعي اجتماعي على تكثير النسل و هو بهذا العنوان مرغوب عنه شرعا كما لا يخفى. الثاني: ان الكتاب والسنة حاثتان على تكثير النسل كما تقدم، والتحديد والتقليل ينافيهما. وفيه: انهما لا تدلان على لزوم ذلك كما عرفت. مع انه إذا لزم منه اختلال النظام كما هو المفروض لا ريب في عدم الوجوب. الثالث: ان جماعة من الفقهاء منهم محمد بن حبان البستي صاحب الصحيح والتصانيف

[ 154 ]

العديدة، وابن حزم الاندلسي ذهبوا الى تحريم منع الولد مطلقا فان فيه صرف السيل عن واديه مع حاجة الطبيعة إليه واستعدادها للانبات والاثمار لما ينفع الناس ويعمر الكون. وفيه: ان هذا التعليل بنفسه لا يوجب الحرمة غايته الكراهة مع عدم انطباق عنوان ثانوي مطلوب كحفظ النظام عليه. فالمتحصل: من مجموع ما ذكرناه، جواز تحديد النسل وتنظيمه، من حيث أنفسهما بل ربما يكونان راجحين بل واجبين في بعض الاحيان. نعم تحديد النسل النوعي، بمعنى توقيف نسل الامة إلى حد معين حرام كما مر. حكم اسقاط الحمل: إذا عرفت ما ذكرناه يقع الكلام في حكم طرق تحديد النسل. اما الطريقة الاولى، وهي اسقاط الحمل، فقد اتفقت الامة على انه بعد نفخ الروح فيه حرام لا يحل لاحد أن يفعله لانه جناية على الحي - كما انهم اتفقوا على حرمته إذا أوجب هلاك الام - ويشهد لحرمته، ما دل على حرمة القاء النفس في الهلكة، ووجوب حفظ النفس المحترمة من الآيات والروايات الواردة بالسنة مختلفة. انما: الكلام في اسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه وعدم الاضرار بالام. والذي أختاره ان اسقاط الحمل فيه الدية، تدفع الى من يرث المال منه لو كان حيا، وحرام. أما ثبوت الدية: وهي عشرون دينارا، إذا كان نطفة، وأربعون، إذا كان علقة، وستون، إذا كان مضغة، وثمانون، إذا كان عظما، ومائة، إذا كسى اللحم، ودية كاملة، وهي الف دينار إذا كان ذكرا، وخمسمائة إذا كان انثى، إذا كان ولج فيه الروح، كما هو المشهور بين الاصحاب، وعن غير واحد دعوى الاجماع عليه

[ 155 ]

فيشهد به نصوص كثيرة. كالصحيح، عن امير المؤمنين عليه السلام قال جعل دية الجنين مائة دينار وجعل مني الرجل الى أن يكون جنينا خمسة اجزاء، فإذا كان جنينا قبل ان تلجه الروح مائة دينار، وذلك ان الله عز وجل خلق الانسان من سلالة وهي النطفة، فهذا جزء، ثم علقه، فهو جزآن، ثم مضغة، فهو ثلاثة أجزاء، ثم عظما فهو اربعة اجزاء، ثم يكسي لحما فحينئذ تم جنينا، فكملت له خمسة اجزاء مائة دينار، والمائة دينار خمسة اجزاء فجعل للنطفة خمس المائة عشرين دينارا و للعلقة خمسي المائة اربعين دينارا وللمضغة ثلاثة أخماس المائة ستين دينارا وللعظم أربعة أخماس المائة ثمانين دينارا، فإذا كسى اللحم كانت له مائة كاملة فإذا نشا فيه خلق آخر و هو الروح فهو حينئذ نفس بالف دينار كاملة ان كان ذكرا وان كان انثى فخمسمائة دينارا الحديث ونحوه غيره. وعن العماني القول بثبوت الدية الكاملة فيه وان لم يلج فيه الروح. واستدل له بصحيح، ابي عبيدة عن الامام الصادق عليه السلام في امرأة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فالقت ولدها، قال إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فان عليها دية تسلمها إلى أبيه الحديث ونحوه صحيح ابن مسلم. وفيه: انه يمكن حملهما على ارادة الدية الكاملة للجنين وهي المائة دينارا أو يقيدان بما إذا ولج فيه الروح، ويتعين ذلك للنصوص المتقدم بعضها. وهناك خلافات أخر منشاها اختلاف النصوص ولعدم ارتباطها بما هو مجل البحث فعلا الاغماض عن التعرض لها أولى. ويشهد لحرمته التكليفية. مضافا إلى ما تقدم، والى ما يشعر به من جعل الدية. خبر اسحق بن عمار قال قلت لابي الحسن عليه السلام المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي

[ 156 ]

ما في بطنها قال لا، فقلت انما هو نطفة، فقال عليه السلام ان أول ما يخلق نطفة. فالمتحصل ان اسقاط الحمل حرام، وفيه الدية. حكم العزل: واما الطريقة الثانية، وهي العزل. فلا كلام نصا وفتوى في جوازه، في غير الحرة الدائمية، وفيها مع اجازتها كما يشهد به النصوص الآتية، انما الكلام فيه في موردين: 1 - في جوازه تكليفا في الحرة بدون اذنها. 2 - في ثبوت الدية فيه. اما الاول: فالمشهور بين الاصحاب الكراهة، وعن الشيخين في المقنعة والخلاف و المبسوط وجماعة انه محرم، واستدل للحرمة بوجوه: 1 - النبويات العاميان، في احدهما، انه صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يعزل عن الحرة الا باذنها، وفي الآخر انه الوأد الخفي اي قتل الولد. وبهما، يقيد اطلاق نصوص الجواز، كخبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام عن العزل فقال ذاك الى الرجل يصرف حيث شاء. وخبر عبد الرحمن عنه عليه السلام عن العزل فقال عليه السلام ذاك الى الرجل. ونحوهما غيرهما. 2 - ان فيه فواتا للغرض من النكاح وهو الاستيلاد. 3 - انه يجب فيه الدية وثبوتها يقتضي الحرمة. 5 - خبر محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام انه سئل عن العزل فقال عليه السلام اما الامة فلا باس،

[ 157 ]

فاما الحرة فاني أكره ذلك الا أن يشترط عليها حين يتزوجها. وفي خبره الآخر، الا أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها. 6 - مفهوم خبر الجعفي قال سمعت ابا الحسن عليه السلام يقول لا باس بالعزل في ستة وجوه، المرأة التي تيقنت انها لا تلد، والمسنة، والمرأة السليطة، والبذية، والمرأة التي لا ترضع ولدها، و الامة. وفي الجميع نظر اما الاول: فلانهما ضعيفان سندا، مع، أن خبري محمد، وعبد الرحمن، كالصريحين في الجواز بلا رضاها، فان قوله ذاك الى الرجل كالصريح في ذلك فيحملان على الكراهة. واما الثاني: فلان الغرض من النكاح ليس واجب التحصيل. واما الثالث: فلانه لا يجب كل ما يوجب التذاذ المرأة، مع انه انما يكون بانزالها لا بالانزال فيها. واما الرابع: فلان ثبوت الدية أعم من الحرمة، مع انها غير ثابتة كما ستعرف. واما الخامس: فلان الكراهة أعم من الحرمة، مع أن جملة من النصوص كما عرفت صريحة في الجواز حتى مع عدم الرضا والاذن والشرط، فيحمل على الكراهة المصطلحة. واما السادس: فمضافا إلى أنه من قبيل مفهوم الوصف ولا نقول به انه لو سلم دلالته يحمل على الكراهة لما تقدم. فالاظهر هو جواز العزل تكليفا على كراهية في المورد المفروض. ويشهد به مضافا الى الاصل جملة كثيرة من النصوص المتقدم بعضها.

[ 158 ]

لادية فيه: وأما الثاني: فعن الشيخ والقاضي وأبي الصلاح وابني حمزة وزهرة والكيدرى و غيرهم، ثبوت الدية فيه ووجوبها. وعن المعظم كالحلي، والعلامة وثاني المحققين والشهيدين وغيرهم عدم الوجوب و استدل للاول. بما ادعاه الشيخ رحمه الله من الاجماع على ذلك. وبالصحيح المروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أفتى في مني الرجل يفزع عن عرسه فيعزل عنه الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير، الظاهر في كونه في الدية كائنا ما كان السبب ولا ينافي ذلك اختصاصه بغير المتنازع فيه بعد ظهور أن المنشأ هو التفويت المطلق. ولكن: يرد على الاول، انه موهون بمصير المعظم إلى خلافه بل عن نهايته ذلك أيضا. مع: انه ليس تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم عليه السلام. ويرد على الثاني عدم كونه ظاهرا فيما ذكر، وقياس الولد بالاجنبي مع الفارق. مع: ان النصوص المجوزة المصرحة بانه مائه يضعه حيث يشاء الدالة على أنه لا حق للمرأة على الرجل في مائه، تعارضه على فرض الدلالة وتقدم عليه، فلا وجه لاستحقاقها الدية. فالاظهر عدم ثبوت الدية أيضا. تأخير الزواج: واما الطريقة الثالثة وهي تأخير الزواج. فهو في نفسه مرغوب عنه، إذ لا شك في مطلوبية الزواج من أوائل البلوغ وفي الجواهر - النكاح مستحب لمن اشتاقت نفسه إليه من الرجال والنساء كتابا وسنة مستفيضة أو متواترة واجماعا بقسميه من المسلمين فضلا عن المؤمنين أو ضرورة من المذهب بل الدين. ويشهد به الكتاب والسنة. اما الكتاب: فقوله تعالى " وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وأمائكم

[ 159 ]

ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليهم ". لان أمر الاولياء شرعا أو عرفا والسادات بانكاح الايامى أي العزاب والترغيب فيه، ليس الا من جهة كون النكاح مرغوبا فيه ومطلوبا وراجحا في نفسه. وقوله تعالى: ان يكونوا فقراء الخ رد لما عسى أن يمنع من النكاح من خوف العيلة بان الله يغنيهم من فضله، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله ان الله عز وجل يقول أن يكونوا الى آخره. واما السنة: فنصوص كثيرة: كخبر الكليني: قال ان الله عز وجل لم يترك شيئا إلا وعلمه نبيه وكان من تعليمه اياه الى أن قال، ان الابكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس و نثرته الرياح وكذلك الابكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة والالم يؤمن عليهم الفساد لانهن بشر الحديث. وخبر محمد بن عيسى عن بعض اصحابه عن الامام الصادق عليه السلام من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته. وخبر، الصدوق باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الاربعمائة تزوجوا فان التزويج سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وصحيح صفوان عن ابي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجوا وزوجوا. وخبر، محمد بن مسلم عن الامام الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام تزوجوا فان رسول

[ 160 ]

الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من أحب أن يتبع سنتي فان من سنتي التزويج. وخبر، محمد الاصم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رذال موتاكم العزاب و العزاب بالضم والتشديد الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الواردة في الابواب المتفرقة وقد عقد لذلك في الوسائل أبواب بالسنة مختلفة، فالتسريع في الزواج مطلوب شرعي. وقد يجب كما إذا ظن الضرر بالترك لوجوب دفع الضرر المظنون. وقيل عند خوف الوقوع في المحرم بدونه. فالمتحصل أن هذه الطريقة، غير صحيحة. كاف النفس عن المجامعة: وأما الطريقة الرابعة: وهي كف النفس عن المجامعة، فهي في نفسها مرغوب عنها شرعا وقد دلت الآيات والنصوص الكثيرة المتقدمة جملة منها على مطلوبية تلك شرعا، فان المأمور به فيها وان كان هو النكاح والزواج الا انها من جهة ما فيها من التعليل بحصول النسل وتكثير الامة وابقاء النوع والخلاص من الوحدة وطلب الرزق والولد الصالح كالصريحة في أن المطلوب الاصلي هو المجامعة. أضف إلى ذلك، انه يحرم ترك وطء الزوجة الشابة أكثر من أربعة أشهر كما يشهد به، خبر، صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام انه ساله عن الرجل تكون عنده المرأه الشابة فيمسك عنها الاشهر والسنة لا يقربها ليس يريد الاضرار بها يكون لهم مصيبة يكون في ذلك آثما قال إذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك. وعلى ذلك فترك المجامعة مرغوب عنه شرعا، وحرام في الجملة

[ 161 ]

لا يقال ان الله تبارك وتعالى في الآية الشريفة " ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين "، وصف يحيى بكونه حصورا وهذا يؤذن برجحان هذا الوصف في نفسه. فانه: يمكن الجواب عنه بوجوه: 1 - ان المخاطب في الآية هو زكريا في مقام البشارة بالولد وهذا يقتضي حسنه عنده لا عندنا ولقد نسخ ذلك بالآية المتقدمة. 2 - انه كان مكلفا بارشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضى لمفارقة الزوجة والسياحة المنافيتين لرجحان التزويج فلذلك مدحه على تركه، لا لان ترك التزويج من حيث هو كذلك مطلوب، ومراد حتى يدل على مرجوحيته. 3 - ما أفاده جمع بقولهم: أن مدحه ليس على ترك التزويج حتى يدل على مرجوحيته، بل على انكسار الشهوة الطبيعية له بغلبة الخوف، واستيلاء الخشية وقهرها بالعبادات و الرياضيات، ولاريب في حسن ذلك ومدحه، وان أدى إلى ترك التزويج المطلوب: فان تادية الشئ إلى ترك أمر مطلوب لا ينافي حسنه لتمانع أكثر الطاعات مع اتصاف جميعها بالحسن وانما اطلق عليه، لان وجود الشهوة فيه بمنزلة العدم فكأنه حصور لا شهوة له أصلا وليس اطلاقه عليه لترك النساء حتى يكون مدحا له على ذلك انتهي. ساير الطرق: واما: ساير الطرق الثلاثة فليس فيها منع شرعي من حيث هي، وان كانت مرغوبا عنها من حيث منافاتها للاستيلاد وتكثير الاولاد الذي تقدم انه مطلوب شرعي، إلا انه من جهة انطباق عنوان ثانوي عليه، وهو اختلال النظام الذي لا ريب في أن مفسدته أهم وأكثر من مصلحة التكثير، لا ينبغي التوقف في رجحانها، بل ربما تكون واجبة، فان رعاية مصلحة الاجتماع قد تجب فإذا لزم من ازياد النسل اختلال النظام لابد شرعا من تحديده

[ 162 ]

حفظا للنظام، غاية الامر يكون واجبا كفائيا. نعم لابد من رعاية ان لا يوجب ذلك انقطاع النسل، والله العالم.

[ 163 ]

وظيفة ركاب الطائرات إذا تحركت الطائرة من محلها الى السماء و انتهت الى حد المسافة - إذا سافر الانسان معها من بلدة زالت الشمس فيها وصلى الى بلدة اخرى قبل لزوال - في الفرض إذا لم يصل الظهر هل يجب عليه صلاة واحدة ام اثنتان - إذا سافر معها من بلدة قبل غروب الشمس الى اخرى لم تغرب فيها ايضا وهكذا في مدة اربعة وعشرين ساعة - إذا شرع في الصوم ثم سافر معها الى بلدة بعيدة لم ير فيها الهلال - لو اصبح معيدا وسافر معها الى بلدة اهلها صائمون - إذا اصبح صائما وسارت به الطائره الى حيث عيدوا.

[ 165 ]

من مستحدثات هذا العصر الطائرات وما شاكل، وغرضنا الان وظيفة راكبيها من حيث الصلاة والصيام والكلام فيها في موارد: 1 - إذا تحركت الطائرة من محلها مستقيمة الى السماء وبعدت عنه بما يزيد عن ثماينة فراسخ لكنها مسامتة لمحلها، هل الواجب على ركابها الصلاة قصرا، وافطار الصوم، أم يجب عليهم أن يتموا الصلاة، ولا يجوز افطار الصوم. 2 - إذا سافر الانسان مع الطائرة من بلدة قد زالت الشمس فيها وصلى فيها الظهر، إلى بلدة أخرى بعيدة عنها، في زمان قصير جدا، فلما وصل إليها لم تكن الشمس زائلة وقد زالت هل تجب صلاة الظهر ثانيا، أم لا. 3 - في الفرض إذا لم يصل الظهر في البلدة الاولى، هل له أن يكتفي بصلاة ظهر ياتي بها في البلدة الثانية، أم لا، أو انه إذا لم يصل في البلدتين هل عليه قضاء ظهرين أو قضاء ظهر واحد. 4 - إذا سافر معها من بلدة قبل أن تغرب الشمس إلى بلدة أخرى لم تغرب الشمس فيها وهكذا في مدة أربعة وعشرين ساعة مثلا، هل تجب عليه الصلاة، أم لا. 5 - إذا شرع في الصوم في بلد، ثم سافر إلى بلد بعيد لم ير الهلال فيه، فهل عليه اتمام الصوم، أم يفطر.

[ 166 ]

6 - إذا أصبح الشخص معيدا وسارت به الطائرة وانتهى الى بلدة على حد البعد فصادف أهلها صائمين، فهل يجب امساك بقية اليوم، ام لا. 7 - لو أصبح الشخص صائما وسارت به الطائرة إلى حيث عيدوا، ما هي وظيفته، و هناك فروع أخر وشقوق وفروض غير ما ذكرناه، يظهر حكمها مما سنبينه انشاء الله تعالى. اما الفرع الاول: فقد يقال أن الظاهر عدم جواز الافطار عليه لو كان صائما وعدم قصر الصلاة، لاختصاص الادلة بالسير في الارض وكون مقصده بعيدا عن مبدأ سيره بمقدار خاص في الارض. والوجه في ذلك، ان الآية الشريفة " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "، مختصة بذلك ولا تشمل السير في الهواء إلى نقطة مسامتة لمحله في الارض. واما النصوص المحددة للسفر المسوغ للقصر وللافطار بثمانية فراسخ، أو أربعة مع العود أو مسيرة يوم، أو ما شاكل ذلك، فانما هي في مقام بيان حد البعد وليست في مقام بيان أفراد السيركي يتميسك باطلاقها. وعليه: فيشك في تقييد اطلاق ما دل على وجوب الصوم على كل أحد ووجوب التمام عليه فيتمسك به. ولكن يمكن أن يقال: اولا: ان الآية الشريفة الدالة على أنه لا صوم على المسافر وعليه عدة أيام أخر " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. " مطلقة: ومقتضي اطلاقها، تعين الافطار على كل مسافر وهناك نصوص كثيرة بهذا المضمون. كخبر السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله

[ 167 ]

عز وجل أهدى إلي وإلى أمتي هدية لم يهدها إلى احد من الامم كرامة من الله تعالى لنا، قالوا وما ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عليه السلام الافطار في السفر والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله عز وجل هديته. وخبر يحيى بن أبي العلاء عن ابى عبد الله عليه السلام قال الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر ثم قال ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال لا. فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه علي يسير. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله عز وجل تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالافطار في شهر رمضان، الحديث. وغير ذلك من النصوص المستفيضة بل المتواترة وقد عقد لها في الوسائل بابين فإذا ثبت ذلك في الافطار، ثبت في التقصير في الصلاة، لما دل على التلازم بين الافطار والقصر في الصلاة. كخبر معوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال هذا واحد إذا قصرت افطرت، وإذا أفطرت قصرت ونحوه غيره. وثانيا: ان جملة من النصوص في خصوص الصلاة لها اطلاق تدل على تعيين القصر على كل مسافر، منها، الخبران المتقدمان آنفا. فتحصل: ان الاظهر تعين الافطار والقصر عليه في الفرض، بل هما متعينان إذا كان المسير أربعة فراسخ كما لا يخفى. واما الفرع الثاني: وهو ما لو زالت الشمس وصلى صلاة الظهر ثم سافر إلى بلدة و وصل إليها قبل الزوال، فهل تجب صلاه الظهر ثانيا، إذا زالت الشمس أم لا ففيه وجهان. 1 - وجوبها: لاطلاق ما دل من الكتاب والسنة على وجوبها على من يكون في بلد زالت الشمس فيه.

[ 168 ]

كقوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل "، والدلوك هو الزوال. وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام انه قال إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر وغير ذلك من الاخبار المستفيضة. 2 - عدم وجوبها، لما دل من النصوص على عدم وجوب صلاة سادسة في كل يوم كخبر زرارة عن الامام الباقر عليه السلام عما فرض الله عز وجل من الصلاة فقال خمس صلوات في الليل والنهار الحديث ونحوه غيره. ولعل الاظهر هو الاول، فان نصوص عدم وجوب السادسة، انما تدل على انه انما تجب خمس صلوات في خمس أوقات منها زوال الشمس، لاحظ ذيل خبر زرارة المتقدم، فقلت هل سما هن الله وبينهن في كتابه قال نعم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ودلوكها زوالها، فمفادها وجوب الصلاة عند كل وقت من الاوقات الخمسة، وحيث انه بحسب الطبع تلك الاوقات في الليل والنهار لا تتكرر، فقد حصر ما يجب في الليل والنهار في الخمس، لا لخصوصية فيها، وعليه، فإذا فرضنا، زوال الشمس، لشخص في يوم مرتين كما في الفرض يجب عليه فردان من صلاة الظهر، والله العالم. وبما ذكرناه في هذا الفرع من وجوب صلاة الظهر ثانيا يظهر حكم الفرع الاتي. الفرع الثالث: وهو انه في الفرض لو لم يصل الظهر في البلدة الاولى، هل له أن يكتفي بصلاه ظهر ياتي بها في البلدة الثانية، أم لا، ولو لم يصل فيها أيضا، هل ياتي بصلاة ظهر واحدة قضاء، ام يجب اثنتان. فانه إذا كان الواجب عند كل زوال فرد من صلاة الظهر غير ما يجب عند غيره من افراد الزوال، فالاكتفاء بواحدة اداءا وقضاء مما لا وجه له. نعم: يبقى سؤال وهو انه إذا أراد أن يصلي صلاة ظهر وجبت في البلدة الاولى، وذلك في البلدة الثانية، فهل تكون تلك قضاء نظرا إلى انه خرج من تلك البلدة ودخل في بلدة لم تزل

[ 169 ]

الشمس فيها فكأنه مضى الوقت الاول أو اداء نظرا إلى أن وقت تلك الصلاة باق ولذا لو رجع إلى تلك البلدة ياتي بها في وقتها، ولعل الاظهر هو الثاني. الفرع الرابع: وهو ما لو سافر من بلد قبل غروب الشمس إلى بلد يختلف أفقه مع هذا البلد ووصل إليه قبل غروب الشمس وهكذا في مدة أربعة وعشرين ساعة. فالظاهر عدم وجوب شئ عليه فان وجوب صلاة المغرب مشروط بغروب الشمس في البلد الذي هو فيه، كما يشهد به مضافا إلى ظهوره. خبر، عبيد الله بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال صحبني رجل كان يمسي بالمغرب و يغلس بالفجر، وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس واصلي الفجر إذا استبان الفجر فقال لي الرجل ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع فان الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على قوم آخرين بعد، فقلت انما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا وعلى اولئك ان يصلوا إذا غربت الشمس عنهم، والمفروض ان الشرط لم يتحقق، فلا وجه للوجوب. ودعوى: ان النصوص المتقدمة بعضها في الفروع السابقة دلت على أنه انما تجب الصلوات الخمس في كل يوم الذي هو اربعة وعشرون ساعة فعدم وجوب شئ عليه ينافي تلك النصوص. مندفعة: بان اليوم ليس مجرد اربعة وعشرين ساعة بل هو عبارة عن تلك الساعات المترتبة التي بعضها ليل وبعضها نهار وفيها تزول الشمس وتغرب. مع: ان وجوبها في كل يوم مشروط بشروط وبانتفائها ينتفي المشروط. فالاظهر عدم وجوب صلاة عليه. الفرع الخامس: وهو ما لو صام في بلد رأى فيه هلال رمضان وسافر إلى بلد بعيد لم ير فيه الهلال. فان قلنا: بان رؤية الهلال في بلد موجبة لوجوب الصوم على ساكني جميع البلاد حتى

[ 170 ]

البعيدة كما احتمله الشهيد رحمه الله، واختاره جمع منهم صاحب الجواهر رحمه الله، ونفى عنه البعد جماعة آخرون نظرا، إلى اطلاق النصوص. كصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته فان شهد عندك شاهدان مرضيان بانهما رأياه فاقضه. وصحيح هشام بن الحكم عنه عليه السلام انه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر انهم صاموا ثلثين على رؤيته قضى يوما. وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سالت ابا عبد الله عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال لا تصم إلا أن تراه فان شهد أهل بلد آخر فاقضه، وبالاسناد عنه، انه ساله عن ذلك فقال لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل الامصار فان فعلوا فصمه، وغيرها من النصوص الدالة على ذلك بالاطلاق بل بعضها كالصريح في ذلك. وقوله عليه السلام في الدعاء، وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرءا واحدا. فلا كلام فانه يجب عليه الصوم على كل تقدير. وان قلنا: بان رؤية الهلال في بلد لا توجب ذلك في البلد الآخر الا إذا كانا متقاربين كما عليه الاكثر، للاصل بعد انصراف النصوص الى غير الفرض لوضوح اختلاف البلدان في الطول والعرض الموجب لاختلافها في رؤية الهلال. ودعوى: منع اختلاف المطالع في الربع المسكون: اما لعدم كروية الارض، بل هي مسطحة فلا تختلف المطالع حينئذ: واما لكونه قدرا يسير الا اعتداد باختلافه بالنسبة الى علو السماء. كما ترى: فان هذه خلاف الوجدان كيف ونرى بالعيان ان البلاد تختلف من حيث طلوع الشمس والقمر وغروبهما وهو آية اختلافها في رؤية الهلال وعدمها.

[ 171 ]

المؤيد ذلك بما تقدم من النصوص من قولهم انما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس أن يبحثوا. لا يجب عليه اتمام الصوم وله ان يفطر، لعدم ثبوت كونه من شهر رمضان. الفرع السادس: وهو ما لو أصبح الشخص معيدا ثم سارت به الطائرة إلى بلدة بعيدة فصادف أهلها صائمين فقد ظهر حكمه مما ذكرناه في الفرع السابق فانه على المسلك الاول و هو ثبوت رؤيه الهلال في جميع البلاد برؤيته في بلد لا يجب عليه الامساك بل الواجب عليه ادامة الافطار، وعلى المسلك الآخر وهو، عدم ثبوت الهلال برؤيته إلا في ذلك البلد أو فيما هو قريب منه عليه الامساك لو وصل قبل الزوال ولو وصل بعد الزوال قضى ذلك اليوم كما انه ظهر، حكم الفرع الآتي بذلك ايضا. الفرع السابع: وهو ما لو أصبح الشخص صائما وسارت به الطائرة الى حيث عيدوا. فانه على المسلك الاول يعيد ولا شئ عليه، وعلى المسلك الآخر يعيد ويجب عليه قضاء ذلك اليوم، فتأمل.

[ 173 ]

صلاة وصيام أهل القطبين وجوب الصلاة والصيام من ضروريات الدين - مواقيت الصلاة والصيام - الوجوه التي ذكروها في وظيفة ساكني القطبين - بيان المختار.

[ 175 ]

هل يصلى ويصام شهر رمضان حيث النهار ستة اشهر، وكيف يصلى ويصام. وجوب الصلاة والصيام من الضروريات. لا كلام ولا خلاف بين علماء الامة الاسلامية في أن وجوب الصيام والصلاة من ضروريات الدين ومن انكره كفر. والآيات والروايات المتواترة تدل عليه، وقد تضمنت النصوص ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي عمود الدين كما في خبر عيسى بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ان قبلت قبل ما سواها وان ردت ردما سواها كما في خبر محمد بن مسلم ولا شئ بعد المعرفة افضل منها كما في خبر معوية بن وهب، وصلاة فريضة خير من عشرين حجة وحجة خير من بيت ذهب يتصدق منه حتى يفنى كما في خبر ابي بصير، وتاركها من غير علة كافر كما في خبر

[ 176 ]

عبيد بن زرارة، ومن تركها متعمدا قد برئت منه ملة الاسلام كما في خبر القداح، الى غير ذلك من التعابير الكاشفة عن اهتمام الشارع بها. وأيضا الصوم جنة كما في خبر زرارة، ومما بنى الاسلام عليه كما في جملة من النصوص وقد عقد في الوسائل باب ذكر فيه الاخبار الدالة على ان من افطر في شهر رمضان مستحلا يقتل. مواقيت الصلاة والصيام: قد فرض الله تعالى في كل يوم وليلة خمس صلوات وبين نبيه الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم أوقاتها فيهما، وهي من طلوع الفجر الى شروق الشمس للصبح، ومن زوالها إلى غروب الشمس للظهرين، ومن غروب الشمس إلى نصف الليل أو طلوع الفجر للعشائين كما يشهد بذلك كثير من النصوص. وأيضا فرض الله تعالى صوم شهر هلالي من السنة، وبينه، في القرآن انه شهر رمضان و بين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم انه تسعة وعشرون يوما، أو ثلاثون. ومن الواضح: ان بيان أوقات الصلوات الخمس في اليوم والليلة وبيان شهر رمضان في السنة، انما هو بلحاظ القسم الاعظم من الكرة الارضية الذي كان في عصر الشارع الاقدس مسكونا. والمناطق التي تكون السنة فيها يوما وليلة نصفها نهار ونصفها ليل، والمناطق التي تكون ليلها جزء يسيرا، أو نهارها كذلك لم تكن تسكن ولم يبين ما يجب على ساكنها من الصلاة والصيام.

[ 177 ]

وظيفة ساكني القطبين: ولهذا اختلفت كلمات القوم في وظيفتهم وذكروا وجوها واحتمالات: 1 - سقوط تكليفهما عنهم: 2 - سقوط الصوم وكون الواجب من الصلاة صلاة يوم واحد وليلة واحدة. 3 - كون المدار أقرب البلاد المعتدلة إليهم أو بلدهم الذي كانوا متوطنين فيه سابقا، بان يقدروا أيامهم ولياليهم وأشهرهم بحساب اوقات تلك البلاد التي تتميز فيها الاوقات و يتسع كل من ليلها ونهارها لاداء الوظيفة من الصلاة والصيام. 4 - كون المدار على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط. 5 - وجوب الهجرة الى بلاد يتمكن فيها من الصلوة والصيام. اما الوجه الاول: فهو مقطوع البطلان نظرا إلى ما نرى من اهتمام الشارع بهذين الفرضين لاسيما، وقد دلت النصوص على ان الصلاة لا تسقط بحال. وكذلك الوجه الثاني: فان المفروض فيه سقوط الصوم لعدم الوقت وعدم القدرة. وهو مما تاباه النصوص والآيات الدالة على وجوبه لكل أحد، مع، ان وجوب صلاة يوم وليلة يمنع عنه بالنسبة إلى الظهرين إذ لا دلوك في الفرض كي تجبان عنده. والوجه الثالث والرابع: يدفعهما ان الشارع الاقدس اوجبهما في أوقات خاصة وهي غير ما يفرض فيها وثبوتها على نحو خاص لا دليل عليه. لا يقال: انه يمكن القول بالوجوب وأن المدار على الموطن الاصلي. للاستصحاب. فانه يتوجه عليه، انه بعد انتفاء شرائط الوجوب يقينا لا يجري الاستصحاب، وعلى الجملة القول بسقوط التكليف بهما. مقطوع البطلان على حسب ما نرى من اهتمام الشارع بهما، لا سيما الصلاة التي لا تسقط بحال. والقول بوجوبهما بنحو خاص، قول بغير دليل، وأدلة البابين لا تشمل هذه الفروض و عليه فيتعين. الوجه الخامس: ويمكن ان يستشهد له، بخبر الحسين بن ابي العلا عن أبى عبد الله عليه السلام ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فقال اصلحك الله انما نتجر الى هذه الجبال فناتي منها على امكنة لا

[ 178 ]

نقدر ان نصلي إلا على الثلج فقال أفترض ان تكون مثل فلان يرضى بالدون، ثم قال لا تطلب التجارة في ارض لا تستطيع ان تصلي الا على الثلج. (1) فانه إذا كان عدم التمكن من الصلاة على الثلج التي يفقد فيها بعض ما يعتبر في الصلاة موجبا للهجرة وعدم المقام في ذلك المحل، فعدم التمكن من اتيان الصلاة في اوقاتها الخاصة اولى بذلك، هذا. ولا يخفى ان ما ذكروه في المسالة من وجوب الهجرة، انما هو فيما إذا لم يترتب عليها محذور. والا كما لو فرضنا لزوم العسر والحرج منها، أو كانت مستلزم لاختلال النظام لا تجب الهجرة، إذ ما من حكم الا وهو يرتفع بقاعده الحرج، وايضا، من المعلوم ان حفظ مصلحته اقوى من مصالح الاحكام الاخر، وعليه فيتعين اختيار احد القولين: الثالث، أو الرابع والله العالم.

[ 179 ]

بيع المذياع والتلفزيون حكم المعاملة الواقعة على المذياع صحة و فساد - ادلة الفساد والجواب عنها - حكم المعاملة من حيث الجواز والحرمة - هل يعتبر في صحة المعاملة اشتراط المنفعة المحللة أو قصدها، ام يعتبر عدم اشتراط المحرمة أو قصدها، ام لا يعتبر شئ من ذلك؟ - حكم بيعه ممن يعلم انه ينتفع به في الحرام - بيع التلفزيون.

[ 181 ]

من الموضوعات المستحدثة - المذياع وقد شاع وذاع بحيث يعد الآن من اوليات الوسائل التي يستخدمها الانسان في توفير راحته وطمانينته في هذه الحياة. وله منافع محللة كاستماع القرآن، والاخبار، وما شاكل. كما له منافع محرمة، كالانتفاع به في الملاهي. ولذلك وقع الكلام في المعاملة الواقعة عليه، وانها جائزة ام لا، وان ما يؤخذ بازائه حلال ام حرام، وتنقيح القول فيه بالبحث في موارد: 1 - في نفوذ المعاملة الواقعة عليه وعدمه. 2 - في جواز تلك، وحرمتها تكليفا. 3 - في انه على فرض النفوذ، هل يشترط قصد المنفعة المحللة، أو عدم قصد المنفعة المحرمة، ام لا يعتبر شئ من ذلك. 4 - حكم بيعه ممن يعلم انه ينتفع به في الحرام. حكم المعاملة الواقعة على المذياع: اما المورد الاول: فقد استدل لعدم صحة بيعه بوجوه: احدها: انه من آلات اللهو، ويدل على بطلان بيعها امور:

[ 182 ]

1 - الاجماع الذي ادعاه صاحب المستند، والظاهر انه كذلك. 2 - الخبر، المروى عن تفسير ابي الفتوح - ان الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين وامرني ان امحو المزامير والمعازف والاوتار والاوثان فامور الجاهلية إلى ان قال ان آلات المزامير شرائها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام. 3 - قول الامام الصادق عليه السلام في خبر تحف العقول الآتي، وكذلك، أي يحرم بيعه وشرائه، كل مبيع ملهوبه. ولكن: المتيقن من معقد الاجماع، عدم جواز بين الآلات المعدة للملاهي، كالمزامير، و المعازف، والاوتار، وما شاكل التي تنحصر فائدتها بالانتفاع بها في الملاهي الذي لا اشكال ولا كلام نصا وفتوى في حرمته، وعدم جواز المعاملة في هذا المورد انما يكون على وفق القاعدة، إذ الشئ مع عدم وجود المنفعة المحللة له لا يكون مالا شرعا، فلا يصدق حقيقة البيع، وهي الاعطاء لا مجانا بل بعوض فان اعطاء الشئ في مقابل مالا منفعة فيه يكون مجانيا وبلا عوض، ولا تشمله ساير العناوين، كالتجارة عن تراض. واما الآلات المشتركة بين ذلك، وبين الاستعمال في عمل محلل، كالمذياع، فانه ينتفع به في وجوه الصلاح، كما انه ينتفع به في وجوه الفساد، فلا تكون مشمولة لمعقد الاجماع. واما الخبر المروى عن التفسير، فهو ضعيف السند لارساله، ولم يثبت استناد الاصحاب إليه كي يوجب ذلك جبر ضعف السند. مع: ان مورده الآلة المعدة لللهو خاصة، وقد عرفت ان فساد المعاملة الواقعة عليها مما اتفق عليه النص والفتوى. واما خبر تحف العقول فسياتي الكلام فيه مفصلا. الوجه الثاني: ان خبر الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الذي رواه في كتاب تحف العقول عن امامنا الصادق عليه السلام الطويل وروى عن رسالة المحكم والمتشابه للسيد رحمه الله، يدل عليه، فان من جملاته، قوله عليه السلام، واما وجوه الحرام من البيع والشراء، فكل امر يكون فيه

[ 183 ]

الفساد مما هو منهى عنه من جهة، اكله وشربه، أو كسبه، أو نكاحه، أو ملكه، أو امساكه، أو هبته، أو عاريته، أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها، أو الخمر، أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهى عن أكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام، الحديث. والظاهر من هذه الجملة حرمة بيع ما فيه الفساد ولو بوجه من وجوهه، وان كان فيه جهة الصلاح، فتشمل بيع المذياع، وتدل على حرمته. وفيه اولا: انه ضعيف السند، لان الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة وان كان جليل القدر عظيم المنزلة، وكتابه هذا جليل معتمد عليه عند الاصحاب كما صرح بذلك كله ائمة الفن، إلا انه لم يرو هذا الخبر مسندا، بل ارسله عن الامام الصادق عليه السلام، فلا تشمله أدلة حجية خبر الواحد. ودعوى: ان نقل هذا الشيخ الجليل عن الرواة المحذوفين قرينة على وثاقتهم. مندفعة: بان جلالته تمنع عن كذبه لا عن نقله عن غير الثقة. ودعوى: ان آثار الصدق منه ظاهرة. مندفعة بانه لم يظهر فيه من آثار الصدق سوى اضطراب متنه وتكرار جمله. واما طريقه الآخر: الذي هو مسند باعتباره، فمن جهة أن من رجاله احمد بن يوسف، و حسين بن علي بن ابي حمزة، واباه، وهم من الضعفاء لا يعتمد عليه. ودعوى: انجبار ضعفه بعمل المشهور، اضف إليه موافقة مضمونه لمضمون جملة من الروايات الصحيحة. مندفعة: بان عمل المتقدمين من الاصحاب الذي، هو الجابر لضعف السند غير ثابت، و عمل المتأخرين غير نافع، بل، يمكن منع عملهم به فان فتاوى جلهم في المسائل المتفرقة لا تطابق بعض جمل الخبر، إذ بعض جمله يدل على حرمة بيع النجس مطلقا، مع، انه لم يفت به الاكثر، وبعضها يدل على حرمة امساكه والتقلب فيه، مع انه لم يفت به أحد، والخبر الضعيف لا يصير حجة بالموافقة لما هو الحجة.

[ 184 ]

وثانيا: انه لو تم سنده ودلالته، لدل على حرمة بيعه، وحرمة المعاملة لا تستلزم فسادها كما حققناه في الجزء الثاني من كتابنا زبدة الاصول، وفي الجزء الاول من كتابنا منهاج الفقاهة والجزء الخامس عشر من كتابنا فقه الصادق. وثالثا: ان دلالة هذه الجملة غير تامة لوجوه: 1: ان الظاهر ولا اقل من المحتمل، كون المشار إليه بقوله عليه السلام، فهذا كله حرام محرم هو بيع المذكورات، وقد علل هذا الحكم على هذا بحرمة جميع التقلبات والتصرفات فيها، فيكون المستفاد حينئذ ان علة المنع هي حرمة جميع التصرفات، فيختص هذا الحكم بما يكون ممحضا في الفساد لان العلة تخصص كما تعمم، ولا ينافي، ذلك قوله عليه السلام من جهة اكله الخ... فانه على ذلك يحمل على ارادة ما كان فائدته العقلائية منحصرة في الاكل كاللحم. 2: ان هذه لو تمت دلالتها على حرمة بيع ما فيه وجه من وجوه الفساد لوقع التعارض بينها، وبين ما تقدمها من الجملة، وهي: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه وشرائه، الدالة على جواز بيع ما فيه وجه من وجوه الصلاح. 3: ان جملات اواخر الحديث تدل على الجواز، وتفسير المنع المزبور، بما ليس فيه وجه من وجوه الصلاح فتأمل. الوجه الثالث: ان خبر دعائم الاسلام عن مولينا الصادق عليه السلام ان الحلال من البيوع كلما كان حلالا من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس ويباح لهم الانتفاع، وما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه دال على ذلك. وفيه: ان مؤلف ذلك الكتاب وهو أبو حنيفة، نعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر، وان تبصر بعد ما كان مالكيا فصار اماميا، الا ان كونه ثقة لم يثبت ولم يصرح به احد، اضف الى ذلك انه مرسل غير مجبور بشئ. واقتصاره فيه على الثابت الصحيح مما روى عن المعصومين عليهم السلام كما صرح به لا يكون توثيقا اجماليا للرواة المحذوفين، وثبوت الصحة عنده لا يلازم ثبوتها عندنا،

[ 185 ]

لاحتمال استناده، الى القرائن الموجبة لعلمه بالصحة غير الموجبة عندنا للعلم لو اطلعنا عليها. مع: ان الظاهر منه كون الموضوع ما فيه الفساد محضا، وكونه منهيا عنه بقول مطلق ولا يشمل ما فيه الجهتان كالمذياع. الوجه الرابع: ما عن الفقه المنسوب إلى مولينا الرضا عليه السلام كل امر يكون فيه الفساد مما قد نهى عنه من جهة اكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه بوجه الفساد، فحرام، أي بيعه بقرينة ما قبله. وفيه: ان الظاهر كون ذلك الكتاب رسالة عملية لفقيه، ذكرت فيها الفتاوى، والروايات بعنوان الافتاء. وقد استدل لاعتباره بوجوه بينة الضعف عمدتها، ان اول من اطلع على هذا الكتاب السيد امير حسين طاب ثراه، وهو اخبر بكون هذا الكتاب للامام عليه السلام فيصدق في اخباره لكونه ثقة. ولكن يرد عليه ان اخباره بذلك، اما ان يكون، لاخبار ثقتين عدلين من أهل قم للسيد بكون الكتاب له عليه السلام، أو لحصول العلم له من القرائن، وشئ منهما لا يصلح لادراج الخبر في الاخبار المعتبرة. اما الثاني: فلان ادلة حجية الخبر مختصة بالخبر الحسي ولا تشمل ما لو كان المخبر عنه حدسيا كما في الفرض على ما حقق في محله. واما الاول: فلان اخبار الثقتين اما ان يكون لحصول العلم لهما من القرائن فالكلام فيه هو الكلام في أخبار السيد، واما ان يكون لسماعهما من غيرهما فغاية ما يكون حينئذ هو كون الخبر من الاخبار المرسلة غير المعتبرة. وجمع من الاصحاب كالمجلسيين وغيرهما، وان عملوا به، إلا ان مستندهم في العمل هي الوجوه الفاسدة ومثل هذا العمل لا سيما الواقع من متاخري المتأخرين لا يصلح

[ 186 ]

للجبر، ولتمام الكلام في ذلك محل آخر. الوجه الخامس: النبوي المشهور، ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. وفيه اولا: ان هذا النبوي لا أصل له في أصول العامة والخاصة، والموجود في اصول العامة، هكذا: ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه، فهو لم يثبت كونه رواية، و الموجود في كتبهم مضافا إلى ضعف سنده غير مربوط بالمقام. وثانيا: ان الظاهر من تحريم الشئ بقول مطلق تحريم جميع منافعه، ولا يشمل ما حرم بعض منافعه، فالمتحصل عدم دليل على بطلان بيعه. فيتعين الرجوع الى العمومات القاضية بالصحة والنفوذ. حكم الشريعة في بيع المذياع جواز وحرمة: واما المورد الثاني: فمقتضى القواعد والاصول جوازه تكليفا. واستدل لعدم الجواز بما تقدم من النصوص. واورد عليه بان النهي عن المعاملة، ظاهر في الارشاد الى الفساد، ولا يستفاد منه الحرمة النفسية، فالنصوص المتقدمة دالة على عدم النفوذ لا الحرمة. وفيه: ان النهي عن المعاملة، تارة يتعلق بالآثار والتصرف في الثمن أو المثمن، واخرى يتعلق بعنوان آخر منطبق عليها، وثالثة، يتعلق بها. لا ريب في دلالة القسم الاول على الفساد، إذ لا وجه للمنع عن التصرف في الثمن أو المثمن سوى عدم صحة المعاملة وبقائه على ملك مالكه، ولا يستفاد منه الحكم التكليفي. كما لا ريب في عدم استفادة الفساد من القسم الثاني بل هو ظاهر في الحرمة النفسية. واما الثالث: فان كان بيان الحكم بصيغة النهي ووجه ذلك الى المعاملة يكون ظاهرا في

[ 187 ]

الارشاد الى الفساد، وان كان بعنوان، لا يجوز، أو يحرم فهو ظاهر في الحرمة النفسية دون الفساد. وعلى هذا فاكثر ما تقدم في المورد الاول من النصوص تدل على الحرمة النفسية دون الفساد، ولكن قد عرفت ضعف اسنادها، ووهن دلالاتها فراجع. فالمتحصل: جواز بيع المذياع في الجملة، وضعا، وتكليفا. لا يعتبر قصد المنفعة المحللة، ولا شرطها: واما المورد الثالث: فمحتملات المسالة ووجوهها خمسة: 1 - اعتبار اشتراط المنفعة المحللة. 2 - اعتبار قصدها، ذهب إليه المحقق النائيني رحمه الله في نظير المسالة. 3 - اعتبار عدم قصد المنفعة المحرمة، ذهب إليه الشيخ الاعظم رحمه الله في نظير المسالة. 4 - اعتبار الانتفاع بالمحللة خارجا. 5 - عدم، اعتبار شئ من هذه القيود، والظاهر انه الاظهر. والدليل على ما اخترناه: ان المنفعة المحلله تكون منشا لمالية المذياع فهو مال فيصح بيعه، وان لم يقصد المنفعة المحللة، بل وان قصد المحرمة إذ المبادلة انما تكون بين المالين و ليست المنفعة طرفا للمعاملة، كي يقال ان دفع الثمن بازاء المحرمة منها اكل للمال بالباطل، بل الطرف نفس ما فيه المنفعة، وقصد المنفعة المحرمة لا يوجب سلب المالية عنه حتى لا يصح لذلك، وبعبارة اخرى وجود المنفعة الواقعية موجب لكون هذا الشئ ما لا وان قصد البايع المنفعة المحرمة فيصح بيعه لذلك. نعم: لو اشتراط استيفاء المنفعة المحرمة خارجا وان لم يقصد بالقصد المعاوضي تلك المنفعة، يكون الشرط فاسدا، وعلى القول بمفسدية الشرط الفاسد للبيع يبطل البيع لذلك، لكن هذا كلام آخر لا ربط له بالمقام، وقد حققنا فساده في نفسه في الجزء الرابع من كتابنا منهاج الفقاهة والجزء التاسع عشر من فقه الصادق. بل: لو قصد المنفعة المحللة بالقصد المعاوضي بان دفع الثمن بازائها بطل البيع لعدم كون

[ 188 ]

المبيع عينا. واستدل للقول الاول:: بان المال انما يبذل بازاء المنافع لانها مناط المالية، فإذا لم يشترط المنفعة المحللة يقع جزء من الثمن بازاء المحرمة فيكون اكلا للمال بالباطل. وفيه: ان المال في البيع يبذل بازاء المال لا المالية وقد عرفت أنه إذا بذل المال بازاء المنفعة بطل البيع، ووجود المنفعة المحللة منشأ لصيرورة العين مالا، ولا يعتبر فيه اشتراط المحللة. واستدل: المحقق النائيني رحمه الله للثاني.: بان عناوين الاشياء تكون مناط ماليتها لا الجسم المطلق الذي هو المادة المشتركة بين ماله قيمة وما لا قيمة له، فإذا فرضنا ان الشئ لا مالية له إلا باعتبار منفعة خاصة، فكما يجب تعيين العنوان في المبيع ولا يصح بيع القدر المشترك، كذلك يجب تعيين العنوان الذي يكون الشئ مالا باعتباره بقصد المنفعة المحللة. وفيه: أنه لا ريب في اعتبار كون المبيع مقصودا ومعلوما ومالا، ولكن يكفي في انتزاع المالية وجود المنفعة المحللة الواقعية، وعليه، فبما ان المبيع هو العين والمنفعة ليس مما يقابله الثمن، فلا يعتبر زايدا على قصد عنوان المبيع وكونه مالا قصد المنفعة لعدم تقوم المالية بقصدها بل هي تابعة لوجودها الواقعي. واستدل للثالث بوجهين: الوجه الاول: ان قصد المنفعة المحرمة أو اشتراطها مرجعه الى تعيين المنفعة المحرمة عليه فيكون كل الثمن اكلا بالباطل، لان حقيقة النفع العائد إلى المشتري بازاء ثمنه هو النفع المحرم. وفيه: ان منفعة الشئ هي الحيثية القائمة به الموجودة فيه، مثلا منفعة الدار ليست ما هو فعل الساكن فانه من اعراضه لا من شؤون الدار، بل حيثية كونها مسكنا، وباستيفاء الساكن تخرج من القوة إلى الفعلية، وهذه الحيثية منشا لانتزاع المالية من الدار وتكون مالا يبذل بازائها المال، وعليه، فتعيين المنفعة المحرمة عليه لا يوجب وقوع الثمن بازائها في

[ 189 ]

البيع كي يكون اكلا بالباطل. الوجه الثاني: ان جملة من النصوص تدل على تحريم بيع الجارية المغنية ولا وجه له سوى كون الغناء مقصودا في ذلك البيع، فلو اشترى المذياع لمنفعته المحرمة بطل البيع. وفيه: أولا ان تلك النصوص لم يعمل بها الاصحاب، وذلك يظهر بعد بيان أمرين: 1 - ان صفة غناء الجارية لها منفعتان محللة ومحرمة، بناء على ما هو المعروف من ان كسب المغنيات التي تدعى الى الاعراس ليس به باس كما نطقت النصوص به. 2 - ان بعض النصوص صريح في جواز بيع المغنية وشرائها إذا كان يطلب بها الرزق لا سوى ذلك، ومعلوم ان التاجر الذي يشترى المغنيات ويبيعهن انما يوقع المعاملة عليهن بما هن مغنيات، وعلى ذلك فبعد تقييد تلك النصوص بهذا النص تختص تلك النصوص بما إذا بيع المغنية بداعي سماع الغناء والانتفاع بها في الحرام، وفي هذا الفرض بالخصوص لم يفت أحد بالفساد، لا سيما بعد فرض عدم كون صفة الغناء مما له منفعة محرمة خاصة، بل، يمكن أن يقال أن هذا النص معارض مع تلك النصوص لتضمنه جواز بيع التاجر المغنية وان كان المشتري يشتريها بداعي الانتفاع بغنائها على وجه محرم والبايع كان عالما بذلك، والجمع العرفي يقتضي حمل تلك النصوص على الكراهة. وثانيا: فرق بين المقام، وتلك المسالة، فانه في بيع المغنية، إنما يؤخذ تلك الصفة المتمولة لدى العرف عنوانا للمبيع فيقع مقدار من الثمن بازائها، وبعبارة اخرى تكون هي من عناوين المبيع، وهذا بخلاف هذه المسالة وهي ما لو قصد التصرف في المبيع على الوجه المحرم الذي لا يوجب صفة في المبيع ليقع مقدار من الثمن بازائها. فتحصل: ان الاظهر جواز البيع وان قصد المنفعة المحرمة.

[ 190 ]

حكم بيع المذياع ممن يعلم انه ينتفع به في الحرام: واما المورد الرابع فقد استدل لعدم جواز بيعه في هذه الصورة خاصة بوجوه. الوجه الاول: عموم النهي عن التعاون على الاثم والعدوان في الآية الكريمة، " ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " بتقريب ان البيع ممن يعلم بصرف المبيع في الحرام، اعانة على الاثم، فيشمله الآية الشريفة. وأورد عليه: بان النهي في الآية الشريفة اريد به الحكم التنزيهي بقرينة الامر بالاعانة على البر والتقوى الذي ليس للالزام قطعا. ولكن يمكن دفعه، بان جواز فعل ما نهى عنه الشارع الاقدس بتوقف عند العقل على ورود ترخيص من الشارع فيه، فمع عدمه يحكم العقل بلزوم المتابعة ومجرد المقابلة بامر غير الزامي لا يصلح قرينة على ذلك كما لا يخفي. والحق: في الايراد على الاستدلال بالاية الشريفة، ان المنهى عنه هو التعاون، لا، الاعانة، وهو من باب التفاعل وهو عبارة عن اجتماع عدة من الاشخاص، لايجاد امر، و يكون ذلك صادرا عن جميعهم، كان يجتمعوا على قتل نفس محترمة بان يقتلوه جميعا، واما الاعانة، التي هي من باب الافعال فهي عبارة عن ايجاد مقدمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في صدور الحرام والاثم منه، فحرمة التعاون التي هي مدلول الآية لا تستلزم حرمة الاعانة على الاثم. والاستدلال: لحرمتها بالاجماع، فاسد، لعدم حجية المنقول منه، مع انه يحتمل استناد المجمعين الى ساير الوجوه المذكورة من الآية الشريفة وغيرها. وادلة النهي عن المنكر، ستعرف تقريب الاستدلال بها والجواب عنه. فالاظهر: عدم حرمة الاعانة على الاثم، لعدم الدليل عليها، والاصل عدمها، الا ما خرج بالدليل، كاعانة الظالمين، واعانة اعوانهم اللتين لا شبهة في حرمتهما نصا وفتوى. واضف إلى ذلك كله، انه يمكن أن يقال كما في الحدائق، بان النصوص الواردة في بيع

[ 191 ]

العنب الداله على جواز بيعه ممن يعلم انه يجعله خمرا. كصحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما فقال عليه السلام لا باس به تبيعه حلالا ليجعله حراما فابعده الله واسحقه وصحيح، رفاعة قال سئل أبو عبد الله عليه السلام وانا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره فقال عليه السلام حلال السنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا. وحسن ابن اذينة قال كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أساله عن رجل له كرم ايبيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا فقال عليه السلام انه باعه حلالا في الا بان الذي يحل شربه أو اكله فلا باس ببيعه ونحوها غيرها. تدل على جواز الاعانة بعد الغاء الخصوصية. ولا يعارض هذه النصوص: النصوص الدالة على حرمة بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا. كحسن ابن اذينة قال كتبت الى ابي عبد الله عليه السلام اساله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا قال عليه السلام لا، ونحوه غيره. فان ه ذه تختص بموردها لما علم من الشرع من الاهتمام بالتجنب عن الشرك باي نحو امكن قال الله تعالى، " ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك. " ويؤيده ما ذكرناه من الجمع ذيل حسن ابن اذينة، عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه برابط، فقال عليه السلام لا باس به، فانه شاهد الفصل لتفصيله بين الاصنام والبرابط فالجمع بين نصوص العنب، ودليل حرمة الاعانة على فرض وجوده يقتضي الالتزام بعدم الحرمة في المقام وامثاله.

[ 192 ]

الوجه الثاني: ان دفع المنكر كرفعه واجب، ولا يتم الا بترك بيع المذياع ممن ينتفع به في الحرام، فيجب. والدليل على وجوبه مضافا إلى ادلة النهي عن المنكر. خبر ابي حمزة عن الامام الصادق عليه السلام لو لا ان بني امية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبوا حقنا، بعد الغاء الخصوصية. اما ادلة النهي عن المنكر، فهي مختصة بحسب مداليلها اللفظية بمن شرع في الحرام، فالاستدلال بها، لوجوب ردع من هم به واشرف عليه يتوقف على احراز وجود المناط فيه، بدعوى، ان المناط هو عدم وجود المنكر في الخارج، ودونه خرط القتاد. والالزم الالتزام، بان ترك ايجاد الفاعل للحرام، وابقائه وتهيئة الموضوع للحرام كتجارة التاجر بالنسبة الى اخذ العشور من قبيل الفعل الواجب، لكون كل واحد منها موجبا لعدم وجود المنكر في الخارج. مع: ان ما به يدفع المنكر انما هو ترك الاقباض لا ترك البيع. اضف الى ذلك، انه لو سلم شمول ادلة النهي عن المنكر لترك البيع في المقام لكان غايته وجوب الترك لا حرمة الفعل. وعلى فرض تسليم حرمة الفعل، حرمة المعاملة غير مستلزمة لفسادها. واما الخبر، فيرد على الاستدلال به انه لا وجه لا لغاء الخصوصية، مع احتمال ان يكون لسلب الخلافة الذي هو من اعظم المحرمات لكونه المنشا والاساس لساير المنكرات خصوصية. الوجه الثالث: خبر جابر، أو حسن صابر، عن امامنا الصادق عليه السلام عن الرجل يؤجر بيته فيباع فيه الخمر قال عليه السلام حرام اجره. دال عليه. فانه وان ورد في الاجارة الا انه يتم في البيع ايضا من جهة اتحاد حكمهما، فعبد الغاء الخصوصية يتم الحكم في المقام أيضا.

[ 193 ]

وفيه أولا: ان الخبر ضعيف على تقدير كونه لجابر. وثانيا: انه يحتمل أن يكون مورده ايقاع الاجارة بنحو تنتقل المنفعة الخاصة، ولا ريب في فساد الاجارة حينئذ ولكنه لا يلازم فساد البيع لذلك حيث يكون المقابل به نفس العين. والثا: انه قد تقدم نصوص جواز بيع العنب ممن يجعله خمرا، فعلى فرض التعدي يحمل الخبر بقرينة تلك النصوص على الكراهة. فالمتحصل: جواز بيع المذياع مطلقا، وضعا، وتكليفا. التلفزيون: واما التلفزيون فبعنوانه الاولى، حكم بيعه حكم بيع المذياع طابق النعل بالنعل، وحكم استماع اخباره حكم استماع الاخبار من المذياع. واما النظر الى ما فيه من الصور والتماثيل، فان كان صورة الرجل أو المرأة غير المسلمة فلا اشكال في الجواز، وان كان صورة المرأة المسلمة، فسياتي الكلام فيه مفصلا في مسالة 21 من هذا الجزء. واما بالعنوان الثانوي فعلى كل مسلم ان يتجنب عنه، توضيح ذلك: أنه قبل قرنين من الزمن، تقريبا، نشب الاستعمار الاوروبي مخالبه في ايران وفي كثير من بلاد الشرق الاسلامي. ولكن الاستعمار الاوروبي علم من اول وهلة ان استعمار هذه البلاد لا يتم ما دام القرآن هو الكتاب السماوي الذي يتبعه المسلمون ويجرون احكامه وقوانينه ويتبعون ارشاداته و تعاليمه. وبهذا صرح، كلا دستون، رئيس وزاراء بريطانيا في ذلك الوقت فقد صرح في مجلس العموم البريطاني قائلا: ان لا نفوذ لبريطانيا في الشرق الاسلامي والقرآن عندهم يعملون به ويهتدون بهداه و من ذلك الوقت اتجهوا وجهة اخرى فاخذوا يسعون بشتى الطرق والوسائل لتضعيف

[ 194 ]

الاسلام في نفوس المسلمين، ومحو ما علق في نفوسهم من التعلق بالقرآن والعمل باحكامه، والسير على هديه، وحاولوا ازالة القرآن من بينهم ليخلو لهم الجو ويفعلوا ما يشاؤن. فخلقوا الاحزاب السياسية، واعطوا بعضها صبغة دينية ليكون تأثيرها في النفوس شديدا، واشتدوا في ترويجها في بلاد المسلمين. وكان من تلك الاحزاب بل ومن أشدها فتكا وعداء للاسلام هو الحزب المسمى بالمذهب البهائي، الذي خلقه الغربيون وناصروه جهد طاقتهم ليخلقوا في جموع المسلمين البلبلة والانقسام فكان هذا الحزب عند حسن ظنهم، فقد عمل جاهدا لترويج ما يتطلبه اسياده في صفوف المسلمين وقد نصب الحبائل لذلك. وكان من جملة مصائده وحبائله التي اتخذها هو، آلة التلفزيون التي احتكر البهائيون امتيازها في جميع ايران، وعينوا مقدارا من عائداتها لترويج هذا المسلك وصار من اخطر الوسائل في أيديهم يروجون بها مبادئهم بما يظهرون فيه من خلاعة وباطل. اضف إلى ذلك ان التلفزيون ببرامجه الحاضرة اصبح مدرسة للرذيلة لا للتوجيه. لذا: فان فقيه العصر آية الله البروجردي قدس الله نفسه، منع استعمال هذه الآلة التي أصبحت بؤرة فساد بيد البهائيين والمعاملة عليها والحق ما قاله قدس سره لمطابقة قوله للموازين الشرعية. حفظ الله المسلمين من يد الاجانب ومن عبثهم في عقول المسلمين ونجاهم من دسائس الرتل الخامس الذي تمثله هذه الاحزاب الباطلة، واهلك الله كل من تسول له نفسه العبث في بلاد المسلمين. ولا يخفى ان ذلك مربوط بما قبل تشكيل الحكومة الاسلامية.

[ 195 ]

الكحول الصناعية اقسامها - نجاسة الخمر - حكم الشريعة المقدسة في المسكرات المايعة غير الخمر - موقف الشريعة من القسم الاول من الكحول - حكم القسم الثاني منها - حكم المعاملة الواقعة عليها.

[ 197 ]

من الموضوعات المستحدثة الكحول الصناعية الموجودة، وهي المادة الآلكلية، و تكون محل الابتلاء في الادوية والتزريقات وما شاكل، ولذلك كثر التساؤل عنها و اختلف كلمات اعلام العصر فيها، فينبغي لنا بيان موقف الشريعة الاسلامية منها والكلام فيها في مقامين: الاول: في حكمها من حيث الطهارة والنجاسة. الثاني: في حكمها من حيث المعاملة الواقعة عليها صحة وفسادا. اما المقام الاول: فتنقيح القول فيه بالبحث في موارد: 1 - في اقسامها. 2 - في نجاسة الخمر وطهارتها. 3 - في نجاسة كل مسكر. 4 - في تطبيق الكبرى الكلية، على هذا الموضوع الخاص. اقسامها: والظاهر ان لها قسمين، احدهما ما يؤخذ من الاخشاب وغيرها. الثاني: ما يتخذ من الخمر المعبر عنه ب‍ (جوهر الخمر) وهو الذي يتحصل بتبخيرها و

[ 198 ]

اخذ عرقها، وللقسم الاول انواع لا يهمنا استقصائها بعد كونها مشتركة فيها تقتضيه القواعد الفقهية. نجاسة الخمر: المعروف بين الاصحاب نجاسة الخمر، وعن السرائر بعد نفي الخلاف عن نجاسة الخمر وحكى عن بعض اصحابنا ما يقتضي الطهارة، ثم قال، وهو مخالف لا جماع المسلمين فضلا عن الطائفة في أن الخمر نجس وقريب منه ما عن الشيخ البهائي رحمه الله، والظاهر ان عليها المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة كما عن بعض مصادرهم. وعن جماعة من القدماء والمتاخرين كالصدوق ووالده والجعفي والعماني والمقدس الاردبيلي والفاضل الخراساني، والمحقق الخونساري وغيرهم القول بالطهارة وقد استدل للنجاسة بوجوه: الوجه الاول: الآية الكريمة " انما الخمر والميسر والانصاف الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ". وذكر العلامة رحمه الله في المختلف وجهين لدلالتها على نجاسة الخمر، احدهما ان الرجس لغة النجس، ثانيهما ان الامر بالاجتناب المطلق ارشاد إليها. وفيه: ان الرجس بمعنى القبيح، وليس بمعنى النجاسة، بل الظاهر عدم صحة حمله في الآية على النجاسة، لوجهين: احدها انه اسند الى شرب الخمر كما يشهد به عطف الميسر عليها، وقوله تعالى من عمل الشيطان، ثانيهما: انه لا معنى لنجاسة بقية الامور المذكورة في الآية فان منها الميسر، وهو من الافعال، والفعل لا يتصف بالنجاسة فالآية الشريفة لا تدل على النجاسة. الوجه الثاني: الاجماع الذي نقله، السيد، والشيخ، وابن زهرة، والمحقق في المعتبر، و

[ 199 ]

العلامة في التحرير، وابن ادريس، ويحيى بن سعيد، وفخر المحققين على النجاسة. وفيه اولا: انه غير محقق بعد ذهاب جمع من الاساطين الى القول بالطهارة. وثانيا: انه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه. الوجه الثالث: النصوص الكثيرة، وقيل ان مجموعها يقرب من عشرين حديثا، و السنتها مختلفة. منها: ما تضمن الامر بغسل الثوب الذي اصابته خمر أو نبيذ. كصحيح علي بن مهزيار الآتي، وروي عن غير زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله، وان صليت فيه فاعد صلاتك الحديث ونحوه غيره. ومنها: ما تضمن الامر باراقة ما قطرت فيه قطرة من خمر وغسل ما لاقته. كخبر زكريا بن آدم عن ابي الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال عليه السلام يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلب واللحم اغسله وكله ونحوه غيره. ومنها: ما تضمن تنجيس النبيذ. كخبر ابي بصير عن الامام الصادق عليه السلام في النبيذ، ما يبل الميل ينجس حبا من ماء يقولها ثلاثا. ومنها: غير ذلك مما ورد في الاخبار الكثيرة المستفيضة، التي لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها عن المعصوم عليه السلام فلا مورد للمناقشة فيها من حيث السند. وبازائها، جملة من النصوص الظاهرة أو الصريحة في الطهارة قال الشيخ الاعظم في طهارته انها تبلغ اثني عشر حديثا. كصحيح علي بن رئاب سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي

[ 200 ]

اغسله أو اصلي فيه قال عليه السلام صل فيه الا ان تقذره فتغسل منه موضع الاثر، ان الله تعالى انما حرم شربها. ومصحح: الحسن به ابي سارة قلت لابي عبد الله عليه السلام ان اصاب ثوبي شئ من الخمر اصلي فيه قبل أن أغسله قال عليه السلام لا باس ان الثوب لا يسكر. وخبر حفص الاعور قلت لابي عبد الله عليه السلام الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل قال عليه السلام نعم ونحوها غيرها. وقد قيل في مقام الجمع وجوه: الاول: ما في المدارك وهو حمل نصوص النجاسة على الاستحباب. وفيه: ان الجمع العرفي بين المتقابلين بحمل الظاهر على النص انما يكون فيما لو القيناهما على العرف لرأوا احدهما قرينة على التصرف في الاخر، وفي المقام ليس الامر كذلك، إذ الامر باهراق المرق وغسل اللحم في خبر زكريا المتقدم، والتصريح بالنجاسة في خبر ابي بصير، لا يمكن حملهما على الاستحباب والعرف لا يرون نصوص الطهارة قرينة على هذا التصرف. الثاني: تقديم نصوص النجاسة لموافقتها للكتاب، وهو، قوله تعالى انما الخمر الخ المتقدم. وفيه ما عرفت من عدم دلالته على النجاسة. الثالث: تقديم نصوص الطهارة لمخالفتها للعامة فانهم ملتزمون بنجاستها. فيه ان نصوص النجاسة أيضا مخالفة لهم، من جهة أن ربيعة الرأي الذي هو احد قضاتهم المعاصرين للامام الصادق عليه السلام بان على طهارتها وكذلك داود. مع انه لا شك في ان امرائهم وسلاطينهم كانوا يشربون الخمر ولا يجتنبونه فاخبار

[ 201 ]

النجاسة مخالفة لعملهم، كما ان اخبار الطهارة مخالفة لحكمهم. الرابع: انه يمكن نفي المعارضة بين الطائفتين بان يقال أن نصوص الطهارة على طائفتين: الاولى: ما دل على ان اناء الخمر لا ينجس الماء وغيره، كخبر حفص. الثانية: ما دل على صحة الصلاة مع الثوب الذي اصابه الخمر. والجمع بينهما وبين نصوص النجاسة، يقتضي حمل الاولى على ارادة بيان ان المتنجس لا ينجس، والثانية على أن الخمر نجسة معفو عنها، كالدم الاقل من الدرهم، ودم القروح، والنجاسات في حال الضرورة، ويكون ذلك أخذ بهما، فهي نجسة. وعلى فرض الاباء عن كون ذلك أيضا جمعا عرفيا، نظرا الى أن قوله في صحيح ابن رئاب اغسله أو أصلى فيه، كالصريح في السؤال عن نجاستها فجوابه عليه السلام صل فيه الا أن تقذره، لا سيما مع التعليل بان الله حرم شربها يكون كالصريح في الطهارة. الا انه مع ذلك كله يتعين تقديم نصوص النجاسة للشهرة فان أول المرجحات هي الشهرة الفتوائية على ما حقق في محله. ويؤيد ذلك بل يشهد به صحيح علي بن مهزيار قال قرأت في كتاب عبد الله بن محمد الى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وابي عبد الله عليه السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل انهما قالا لا باس بان تصلي فيه انما حرم شربها وروي عن غير زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فاعد صلاتك فاعلمني ما آخذ به، فوقع عليه السلام بخطه وقرأته، خذ بقول أبي عبد الله عليه السلام. فانه ناظر الى الطائفتين، ومبين لما يكون مقدما، ويجب العمل به عند التعارض وبعبارة اخرى، انه من نصوص الترجيح وراجع إلى باب التعادل والترجيح غاية الامر في مورد مخصوص ومتضمن لتقديم نص النجاسة، فان نص الطهارة قول أبي جعفر وابي عبد الله عليه السلام معا، لا قول أبي عبد الله خاصة، وأما الآخر فقوله خاصة، والشاهد عليه مضافا إلى ظهوره عدم تحير السائل في الجواب وعدم السؤال ثانيا ان قول أبي عبد الله عليه السلام اية رواية فيستكشف من ذلك ارادته عليه السلام خصوص نص النجاسة.

[ 202 ]

فالمتحصل مما ذكرناه نجاسة الخمر. حكم الشريعة المقدسة في المسكر: ثم لا اشكال ولا كلام في أن المسكرات المايعة ملحقة بالخمر من حيث حرمة شربها و قد دلت على ذلك نصوص مستفيضة. انما الكلام في انها هل تكون ملحقة بها من حيث النجاسة أم تكون محكومة بالطهارة و قد استدل للنجاسة بوجوه: الوجه الاول: ما في المعتبر والحدائق وهو ان الخمر ليست اسما لخصوص مايع خاص بل هي اسم لكل مسكر فان الخمر ما يخامر العقل، فما ساواه في المسمى يساويه في الاسم. واستند في هذه الدعوى الى اللغة، والقرآن العزيز، والسنة. أما اللغة: فلتصريح جمع من اللغوين كاصحاب القاموس، وتاج العروس والمصباح و البستان، وغيرهم بذلك. وأما القرآن: فقوله تعالى، انما الخمر والميسر... الآية. روى علي ابن ابراهيم في تفسير هذه الآية عن ابي الجارود عن الامام الباقر عليه السلام، أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اخمر فهو خمر الحديث وفي مجمع البيان عن ابن عباس في تفسيرها يريد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر. واما السنة: فجملة من النصوص المتضمنة ان الخمر لا تنحصر بما يتخذ من عصير العنب كصحيح ابن الحجاج عن الامام الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخمر من خمسة العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والتبع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر، و قريب منه، اخبار علي بن اسحاق الهاشمي والنعمان بن بشير والحسن الحضرمي و

[ 203 ]

غيرهم. وفيه انه: لا اشكال في ان الخمر ليست اسما لخصوص ما يؤخذ من العنب بل قد يدعى ان الخمر من العنب لم يكن لها وجود في زمان نزول الآية المباركة أصلا فتأمل، قال أبو موسى الاشعري على ما نقل عنه في اقرب الموارد في كلمة التبع خمر المدينة من البسر والتمر. انما الكلام في انها اسم لكل مسكر، أو يتوقف صدقها الى صنعة خاصة، ولا دلالة في شئ من النصوص والاية على ذلك وكلمات اللغويين غير متفقة على شئ فلا يثبت بها ذلك. بل ظاهر جملة من النصوص كونها اسما لقسم خاص من المسكر كصحيح علي بن مهزيار المتقدم، إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله. وخبر، عمار عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى يغسل. وخبر يونس عن بعض من رواه عن الامام الصادق عليه السلام إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله الحديث، ونحوها غيرها فان عطف المسكر والنبيذ عليها آية التغاير. ويشهد للتغاير أيضا خبر، علي بن يقطين الآتي، ان الله لم يحرم الخمر لاسمها ولكنه حرمها لعاقبتها، فانه كالصريح في عدم صدق الخمر على كل مسكر. وبالجملة: كل ما يخامر العقل ليس مسمى باسم الخمر قطعا ولذا لم يتوهم احد صدقها على المسكر الجامد. الوجه الثاني: الاجماع المدعى انعقاده على الملازمة بين حرمة شربها ونجاستها. وفيه اولا: انه غير محقق كيف وقد ذهب جمع من الاساطين إلى طهارة الخمر فضلا عن غيرها. وثانيا: أنه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه لعدم استكشاف رأي المعصوم عليه السلام منه.

[ 204 ]

الوجه الثالث: النصوص الناهية عن الصلاة في الثوب الذي أصابه المسكر كصحيح علي بن مهزيار، وموثق عمار المتقدمين آنفا. والامرة باهراق الماء الذى قطرت فيه قطرة من المسكر. كخبر عمر بن حنظلة قلت لابي عبد الله عليه السلام ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره فقال لا والله ولا قطرة قطرت في حب الا اهريق ذلك الحب. وفيه ان عمر بن حنظلة لم يوثقه أحد، وتلقى الاصحاب خبره الوارد في صفات القاضي بالقبول ولاجله سمي بالمقبول، لا يستلزم قبول خبره في ساير الموارد. واما الصحيح: والموثق، فيعارضهما. موثق، ابن بكير قال سال رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب قال عليه السلام لا باس. والجمع بين الطائفتين يقتضي البناء على استحباب التجنب، مع، اختصاص اكثرها بالنبيذ. الوجه الرابع: النصوص المتضمنة أن كل مسكر خمر. كخبر عطاء بن يسار عن الامام الباقر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل مسكر حرام وكل مسكر خمر. وخبر علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السلام، ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها و لكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر ونحوهما غيرهما. وفيه ان الظاهر منها التنزيل والتشبيه بلحاظ الحرمة خاصة، ولذا ترى ان الاصحاب لم يفهموا من هذه النصوص نجاسة المسكر الجامد. أضف الى ذلك ضعف اسنادها، فإذا لا دليل على نجاسة كل مسكر سوى تسالم

[ 205 ]

الاصحاب. ولكن يمكن ان يقال أن النصوص الناهية عن الصلاة في الثوب الذي أصابه المسكر قسمان، أحدهما، وهو الاكثر، ما يكون مختصا بالنبيذ، ثانيهما، ما يعم كل مسكر كموثق عمار المتقدم، ودلالة القسم الثاني على النجاسة لعلها ظاهرة فان النهي عن الصلاة في الثوب الذي أصابه المسكر قبل أن يغسل طاهر في الارشاد الى النجاسة. وبعبارة أخرى انه لو كان مانعا كان غايته الزوال لا الغسل فمن جعل غايته الغسل يستكشف كونه نجسا. ويمكن دفع المعارضة بينه وبين موثق بن بكير المتقدم، بانه لا ظهور لموثق ابن بكير في خصوص الصلاة، وقابل للحمل على الانتفاع به في غير الصلاة، فالجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، يقتضي البناء على جواز الانتفاع به في غير الصلاة، ولزوم التجنب عنه فيها، فتدبر: فان للمناقشة في دلالة ذلك على النجاسة نظرا الى احتمال كونه طاهرا مانعا عن الصلاة، مجالا واسعا، إلا أن ذلك بضميمة الشهرة والاجماع المنقول، ان لم يكن منشا للافتاء بالنجاسة، يكون سببا للاحتياط اللزومي. فالمتحصل مما ذكرناه نجاسة كل ما يصدق عليه الخمر كان متخذا من العنب أو التمر أو غيرهما، ولزوم الاحتياط في الاجتناب عن كل مسكر وان لم يصدق عليه اسم الخمر. ما استدل به العلامة لطهارة المسكر: ثم ان العلامة رحمه الله في محكى المختلف لفق قياسا لطهارة المسكر، لا باس بالتعرض له، و هو: أن المسكر لا يجب ازالته للصلاة بالاجماع لوقوع الخلاف فيه، وكل نجس يجب ازالته اجماعا، فينتج ان المسكر ليس بنجس. وأجاب عنه: بان الاجماع، في المقدمة الاولى جزء للمحمول، وفي الثانية جهة للقضية فلم يتكرر الاوسط. واورد عليه في محكى المشارق بان جهة القضية يمكن جعلها جزء للمحمول مع صدق القضية كان يقال كل نجس قطعي أو ضروري وجوب ازالته.

[ 206 ]

وفيه انه إذا جعل الاجماع جزء للمحمول، فلا نسلم الاجماع على وجوب ازالة كل نجس واقعي فلا تصدق القضية، وان أريد النجس المعلوم فالنتيجة، حينئذ عدم كون المسكر من النجس المعلوم وهو غير مفيد، هكذا أفاد بعض المحققين وهو متين. موقف الشريعة الاسلامية من الكحول الصناعية: قد عرفت ان لها قسمين، احدهما، ما يؤخذ من الاخشاب، الثاني ما يتخذ من الخمر. اما القسم الاول: فعلى القول بعدم الدليل على نجاسة كل مسكر، لا كلام في انه محكوم بالطهارة لاصالتها، واما على القول بها، فيمكن البناء على طهارته لوجهين. 1 - ان الكحول المفروضة سم قتال لا تصلح للشرب، ومن يستعملها انما يستعملها بعد خلطها بالماء، ولعل في خلط الماء دخلا في تحقق صفة الاسكار وعليه فكونها مسكرة غير ثابت فمقتضى الاصل طهارتها. وان شئت قلت: ان المنشا لتكون المسكرات انما هو المادة الكحولية واختلاف مراتب السكر الحاصل من استعمالها، منشاه زيادة تلك المادة ونقصها مثلا، العرق، مشتمل على المادة الكحولية بنسبة الاربعين في المائة فما زاد، وساير الخمور، مشتملة على تلك المادة بنسبة العشرة في المائة، والفقاع، مشتمل على تلك المادة بنسبة الخمسة في المائة وهكذا. الا ان نفس تلك المادة غير مؤثرة بالفعل في الاسكار بل هي قتالة وانما يحصل لها هذا الوصف بعد مزجها بمقدار من الماء، ولا أقل من الشك في ذلك، وحيث ان الظاهر من أخذ كل عنوان في موضوع الحكم دخل فعليته فيه فهي غير مشمولة لما دل على نجاسة كل مسكر، فيتعين الرجوع إلى اصالة الطهارة. 2 - انصراف المسكر المأخوذ موضوعا في النصوص إلى المسكر المتعارف شربه، واما ما لا يمكن شربه، كالكحول الصناعية، لا سيما مع عدم وجوده في زمان صدور الروايات وان اوجب الاسكار على تقدير شربه فهو غير مشمول له للانصراف. فالمتحصل طهارتها على التقديرين.

[ 207 ]

واما القسم الثاني: فحكمه حكم هذا القسم: وذلك لان المصعد من الاعيان النجسة، ما لم ينطبق عليه عنوان آخر نجس، طاهر: فان المصعد هو البحار، وهو غير ذلك الموضوع عرفا فموضوع النجاسة ينعدم عرفا فلا محالة يرتفع حكمه، وما يتحقق بعد التصعيد موضوع آخر بنظر العرف فما لم ينطبق عليه عنوان نجس محكوم بالطهارة، وعلى فرض الشك في الاستحالة ايضا يحكم بالطهارة، ولا يجري الاستصحاب، لا الاستصحاب الحكمي للشك في بقاء الموضوع، ولا الموضوعي أي نفس العنوان الذي رتب عليه الحكم مثل كونه خمرا: لانه على فرض الاستحالة يكون مال احيل إليه غير ما احيل منه، وما كان متصفا بهذا العنوان سابقا هو الثاني، وما اريد اثباته له في الزمان اللاحق هو الاول. وبالجملة: احتمال تحقق الاستحالة الموجبة لتبدل الموضوع مانع عن جريان الاستصحاب. لا يقال: ان البخار كالغبار فكما ان الغبار ليس موضوعا مغايرا للتراب فكذلك البخار. فانه يجاب عنه: بان المدعى تغاير البخار لما تصاعد منه عرفا، وعليه فالفرق بينهما انما هو من ناحية الصدق العرفي في الغبار دون البخار. فعلى هذا التمهيد، المصعد من الخمر الذي يعبر عنه ب‍ (العرق) نجس من جهة صدق عنوان الخمر عليه، والمصعد منها، الذي يعبر عنه ب‍ (جوهر الخمر) الذي هو المادة الكحولية المحضة يكون طاهرا لعدم صدق عنوان الخمر عليه. حكم بيع الكحول: واما المقام الثاني: فلا اشكال نصا وفتوى في عدم جوز بيع الخمر. انما الكلام في موردين: 1 - في بيع غير الخمر من المسكرات المايعة. 2 - في بيع الكحول الصناعية. اما الاول: فقد استدل لعدم جواز بيع المسكرات المايعة بوجوه.

[ 208 ]

الاول: قول عليه السلام في موثق علي بن يقطين المتقدم فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر، و نحوه خبره الاخر: بدعوى انهما بعموم التنزيل يدلان على ترتيب جميع أحكام الخمر على كل مسكر ومنها حرمة البيع. وفيه ما تقدم انهما بقرينة صدرهما ظاهران في التشبيه من حيث الحرمة خاصة. الثاني: حسن عمار بن مروان عن الامام الباقر عليه السلام في حديث والسحت أنواع كثيرة منها اجور الفواجر، وثمن الخمر، والنبيذ، والمسكر الحديث وفيه ان الحديث مروي عن غير نسخة التهذيب مع اسقاط لفظ (واو) فيكون المسكر وصفا للنبيذ فغاية ما يستفاد منه عدم صحة بيع النبيذ المسكر. الثالث: قوله عليه السلام في خبر عطاء المتقدم في ص 182 كل مسكر خمر، حيث ان ظاهره ترتيب جميع آثار الخمر على كل مسكر. وفيه ان الخبر ضعيف لضعف عدة من رواته. الرابع: صدق الخمر على كل مسكر. وقد تقدم ما يتوجه عليه فراجع. فالاظهر جواز المعاملة على المسكر الذي لا يصدق عليه اسم الخمر. واما الثاني: فعلى القول بجواز المعاملة على غير الخمر من المسكرات جواز المعاملة على الكحول ظاهر. واما على القول بعدم جوازها، فيمكن القول باختصاص الحكم بما كان المطلوب منه الشرب والاسكار، واما الكحول، التي لها منافع اخر كالتعقيم وغير ذلك من المصالح و الاغراض النوعية فلا يحرم بيعها. وذلك، اما بناء على كون مدرك التعدي عن الخمر، الاجماع، وتنقيح المناط فواضح، و اما بناء على كون المدرك الروايات الخاصة فلا نصرافها عنه كما ادعاه المحقق النائيني رحمه الله. فالمتحصل مما ذكرناه طهارة الكحول الصناعية وجواز المعاملة عليها.

[ 209 ]

الصورة والتصوير موقف الشريعة المقدسة من التصوير - التصوير بغير المجسمة جائز - حكم الشريعة في التصوير المتعارف في هذا الزمان - التمكين من أخذ الصورة - حكم المعاملة الواقعة على الصورة - حكم النظر إلى الصورة.

[ 211 ]

من الامور الشايعة في هذا الزمان المستحدثة، التصوير بالآلة المصورة (الكاميرا) يكون بوقوف الانسان مثلا مقابل الآلة فيقع ظله على المكينة من جهة كونه حائلا بينها وبين النور، ويثبت فيها بالدواء، ثم تؤخذ الصورة من ذلك الظل المحفوظ هناك، فلا بد لنا من بيان موقف الشريعة الاسلامية منها ومن المعاملة الواقعة عليها. وتنقيح الكلام بالبحث في موارد: 1 - في حكم التصوير بغير المجسمة. 2 - على القول بالحرمة في المورد الاول هل ينطبق موضوع الحكم على التصوير المتعارف في هذا الزمان، ام لا. 3 - في انه على القول بالحرمة هل يجوز اقتنائها فيصح ايقاع المعاملة عليها ام لا. 4 - في انه، هل يجوز النظر إلى الصورة ان لم تكن للمماثل ام لا. موقف الشريعة من التصوير بغير المجسمة: اما المورد الاول: فلا اشكال ولا كلام في حرمة التصوير في الجملة، وفي الجواهر: بل الاجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض، والاقوال في هذه المسالة خمسة: احدها: حرمة التصاوير مطلقا، سواءأ كانت مجسمة، ام غير مجسمة، وسواءأ كانت

[ 212 ]

لذوات الارواح، ام غيرها، وعن المختلف نسبة هذا القول الى ابن البراج وظاهر ابي الصلاح. ثانيها: حرمة التصاوير مطلقا إذا كانت مجسمة، وقد نسب ذلك الى الشيخين، وسلار. ثالثها: حرمة تصاوير ذوات الارواح، سواءأ كانت مجسمة أم غيرها، اختاره الشيخ الاعظم رحمه الله وفاقا لجماعة من الاساطين على ما نقله عنهم. رابعها: حرمة تصاوير ذوات الارواح مطلقا وغيرها إذا كانت مجسمة. خامسها: حرمة تصاوير ذوات الارواح إذا كانت مجسمة، وهذا هو المتفق عليه بينهم اختاره جمع من الاساطين من المعاصرين وممن يقرب عصرنا. والنصوص الواردة في المقام على طوائف: 1 - ما استدل به على حرمة التصاوير مطلقا، مجسمة كانت، ام غيرها ذوات الارواح أو غيرها. كخبر، محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عن ابائه عليهم السلام، قال امير المؤمنين عليه السلام اياكم وعمل الصور فانكم تسألون عنها يوم القيامة. وخبر، الاصبغ بن نباتة عنه عليه السلام من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام. وخبر الحضرمي عن عبد الله بن طلحة عن الامام الصادق عليه السلام من اكل السحت سبعة الى ان قال والذين يصورون التماثيل ونحوها غيرها. وفيه: ان خبر محمد بن مسلم ضعيف بقاسم بن يحيى، وهو وان كان كثير الرواية، والاصحاب افتوا بمضامين رواياته، والاجلاء كاحمد بن محمد بن عيسى وغيره يروون عنه، ولم يضعفه شيخ من المشايخ العظام الماهرين باحوال الرجال غير ابن الغضائري و العلامة، الا انه لم يوثق وذلك بضميمة تضعيف العلمين كاف في عدم قبول روايته. مع انه يمكن ان يقال بعدم العلم بظهور الصورة فيما يشمل غير المجسمة، بل لا يبعد ظهورها في المجسمة من جهة ان المتعلق صورة الحيوان مثلا، والنقش غير الجسم دائما

[ 213 ]

صورة لجانب من جوانب ذي الصورة وصورة جزء منه لا صورة حيوان تام. وأما خبر الاصبغ، فمضافا الى ضعف سنده بابي الجارود يكون هو وما بمضمونه من الاخبار مختصة بالمجسمة، لظهور المثال فيها من ناحية ان مثال الشئ عبارة عن مماثله من جميع الجهات الست. واما خبر الحضرمي فهو ايضا ضعيف لعبد الله بن طلحة، ولعدم ثبوت اعتبار كتاب الحضرمي. مع انه وما بمضمونه ايضا مختصة بالمجسمة، فان مفادها جعل التماثيل وعملها فمفادها، مفاد ما تقدمها. 2 - ما يكون ظاهرا في حرمة التصاوير إذا كانت مجسمة مطلقا، وهي النصوص الناهية عن التمثال، المتقدم بعضها. ولكنها ضعيفة السند باجمعها. 3 - ما يكون ظاهرا، في حرمة تصاوير ذوات الارواح مطلقا. مثل ما رواه الصدوق باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الامام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التصاوير، وقال من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ الى ان قال، ونهى ان ينقش شئ من الحيوان على اخاتم. وخبر سعيد عن مولانا الباقر عليه السلام ان الذين يؤذون الله ورسوله هم المصورون و يكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح ونحوهما غيرهما. اما نصوص نفخ الروح، فهي كما تختص بذوات الارواح، من جهة ان الظاهر منها ان عدم القدرة على النفخ في الصورة انما يكون لعجز النافخ وعليه فلا بد ان يكون المحل في نفسه قابلا لذلك... تكون مختصة بالمجسمة من جهة، ان الظاهر منها، حرمة تصوير ما لو نفخ فيه الروح لصار حيوانا متعارفا ولا يكون المنفوخ فيه ناقصا عن مشابهه من المخلوقات بحسب الشكل والجثة الامن حيث الروح فيؤمر بتتميمه بنفخ الروح فيه.

[ 214 ]

واما: ذيل، خبر ابن واقد، ونهى ان ينقش... الخ فهو وان كان دالا على ما ذكر الا انه ضعيف السند لشعيب بن واقد. 4 - ما يدل على حرمة تصاوير ذوات الارواح إذا كانت مجسمة وجواز تصاوير غيرها مطلقا. كصحيح. البقباق عن سيدنا الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، فقال والله ماهي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه، فان ذكر الرجال والنساء فيه انما يكون من باب المثال ويشهد له ذيله. وصحيح زرارة عن الامام الباقر عليه السلام لا باس بتماثيل الشجر. وصحيح محمد بن مسلم قال سالت ابا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر والشمس والقمر فقال عليه السلام لا باس ما لم يكن شيئا من الحيوان. فالمتحصل مما ذكرناه ان النصوص التي تكون معتبرة متفقة على حرمة تصاوير ذوات الارواح إذا كانت مجسمة، والطائفة الرابعة تدل على جواز تصاوير غيرها فعلى فرض وجود مطلق دال على حرمة التصوير مطلقا يقيد اطلاقه بها. موقف الشريعة من التصوير المتعارف في هذا الزمان: واما المورد الثاني: فعلى ما اخترناه من جواز التصاوير إذا لم تكن مجسمة لا اشكال في الجواز كما هو واضح، واما، على القول بحرمة تصوير غير ذي الروح وان لم يكن مجسما فقد يقال بجواز اخذ الصورة ايضا. ومحصل ما ذكره بعض الاساطين في وجه ذلك وجوه: 1 - انه ليس ايجادا للصورة المحرمة فان الانسان إذا وقف في مقابل الآلة المصورة يقع ظله على الآلة ويثبت فيها بالدواء فيكون صورة لذي ظل.

[ 215 ]

2 - ان لازم القول بحرمة ذلك القول بحرمة النظر الى المرآة إذ لا فرق في حرمة التصوير بين بقاء الصورة مدة قليلة أو مدة مديدة. 3 - انه قد اشتهر انطباع صور الاشياء في شجرة الجوز في بعض الاحيان، فهل يحتمل ان يتفوه احد بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الحين، واي فرق بينه وبين اخذ الصورة. وفي الجميع نظر. اما الاول: فلان في أخذ الصورة بالآلة امرين، الاول، ما ذكره من وقوع الظل على الآلة واثباته فيها بالدواء، الثاني، أخذ الصورة من ذلك الظل المحفوظ هناك، والاول لا يصدق عليه الصورة وانما هو عكس الصورة، ولهذا لا يحرم، واما الثاني، فهو صورة حقيقة و يصدق على فعله انه ايجاد للصورة واما الثاني: فلانه يمكن أن يقال ان الابصار ليس بالانطباع بل انما هو بخروج الشعاع فيكون المبصر بالفتح الانسان نفسه لا صورته. واما الثالث: فلانه على القول بحرمة التصاوير وان لم تكن مجسمة لا مانع من الالتزام بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت اختيارا بقصد تحقق الصورة، وان ابيت الاعن عدم حرمته فليكن ذلك دليلا على ضعف المبنى. فتحصل: انه على القول بحرمة التصوير مطلقا يحرم أخذ الصورة بالآلة أي العمل الثاني الذي يعمله المصور، ولكن قد عرفت اختصاص الحرمة بالمجسمة فلا اشكال في الجواز. التمكين من أخذ الصورة: ثم انه بناء على ما اخترناه من جواز أخذ الصورة لا اشكال في جواز التمكين منه. واما على القول بعدم الجواز، فهل يجوز التمكين منه أم لا وجهان، اقواهما الاول فان ما يتحقق بالوقوف في مقابل الآلة المصورة ويبقى بواسطة الدواء انما هو العكس لا الصورة، و ما يؤخذ من ذلك العكس بالعمل الثاني غير مرتبط به، فلا وجه للقول بالحرمة نظرا إلى أن تحقق الصورة انما يكون بفعلهما معا. ودعوى ان الوقوف في مقابل الآلة يكون اعانة على الاثم إذ لو لا ذلك لما تمكن المصور من اخذ الصورة فيحرم لهذه الجهة.

[ 216 ]

مندفعة بما تقدم من أن الاعانة على الاثم في غير الموارد الخاصة التي ليس المقام منها لا دليل على حرمتها. مع ان صدقها على فعل ما يكون من قبيل ايجاد الموضوع محل تأمل ومنع. حكم المعاملة الواقعة على الصورة: واما المورد الثالث: فعلى ما اخترناه من جواز اخذ الصورة، لا ينبغي التوقف في جواز ايقاع المعاملة عليها، فانه مقتضى العمومات والاطلاقات من الآيات والروايات الواردة في جواز الاكتساب باي نحو كان الاما خرج بالدليل. واما على القول بعدم الجواز، فيمكن الاستدلال لجوازه بوجهين: الوجه الاول: ان التصوير وان فرض كونه حراما الا ان اقتناء الصورة والتزيين بها جائز، فإذا جاز ذلك كانت الصورة مما له فائدة ومنفعة محللة فيجوز ايقاع المعاملة عليها، اما جواز اقتنائها، فيشهد له جملة من النصوص. كصحيح، الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام ربما قمت فاصلي وبين يدي الوسادة وفيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا، وظهوره في جواز الاقتناء لا يقبل الانكار. وحمله، على ما إذا كان هناك مانع عن الازالة، خلاف الظاهر قطعا. ومرسل، ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام عن التماثيل تكون في البساط فتقع عينك عليها وانت تصلي، فقال عليه السلام ان كان لها عين واحدة، فلا باس وان كان له عينان فلا، فانه ظاهر في ان المنع انما هو لاجل الصلاة وهو يرتفع إذا كانت بعين واحدة، واحتمال، وروده في مقام بيان حكم الصلاة خاصة وانه لا ينافي حرمة الاقتناء، خلاف الظاهر جدا. وصحيح، محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام قال: قال له رجل رحمك الله ما هذه

[ 217 ]

التماثيل التي اراها في بيوتكم، فقال هذا للنساء أو بيوت النساء ونحوها غيرها، وبهذه النصوص يصرف النصوص الظاهرة في المنع عن الاقتناء عن ظاهرها وتحمل على الكراهة. فإذا ثبت جاز اقتنائها فهي مما له منفعة محللة، فمقتضى العمومات جواز ايقاع المعاوضة عليها. الوجه الثاني: ان نصوص اقتناء الوسائد التي فيها الصور. كخبر ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام عن الوسادة والبساط يكون فيه التماثيل فقال لا باس به يكون في البيت ونحوه غيره من الاخبار الكثيرة. تدل على جواز ايقاع المعاوضة فانها تشترى من السوق غالبا. النظر الى الصورة: اما المورد الرابع: وهو أنه، هل يجوز للرجل أن ينظر الى صورة المرأة التي لا يجوز له النظر إليها نفسها، وللمرأة النظر الى صورة الرجل الذي لا تحل لها النظر إليه، ام لا، ففيه اقوال. ثالثها، التفصيل بين كون المنظور إليه يعلم انه صورة شخص معين معروف عند الناظر، و بين كونه صورة لغير معروف فيحوز في الثاني دون الاول. وقد استدل لعدم الجواز بعموم الآية الشريفة " قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم، و قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن " فانها متضمنة للامر بغض البصر ولم يذكر فيها متعلقة ولم يخصه بالنظر الى المرأة نفسها، وهذه آية العموم لان حذف المتعلق يفيد العموم فمقتضى الآية الكريمة عدم جواز النظر الى الصورة مطلقا. وفيه: ان الغض ليس بمعنى ترك النظر، بل اصل الغض النقصان يقال غض من صلاته

[ 218 ]

ومن بصره اي نقص، ومنه حديث عمرو بن العاص لما مات عبد الرحمن بن عوف هنيئا لك خرجت من الدنيا ببطنتك لم تتغضض منها بشئ ومنه قوله تعالى " واغضض من صوتك "، أي انقص من جهارته. مع أنه لو سلم كون المراد به في الآية الشريفة ترك النظر، حيث ان في كلمة، من، وجوها، كونه لابتداء الغاية، وكونها مزيدة، وكونها للتبعيض والاظهر سيما بملاحظة انه لا يجب الغض من كل شئ، والالتزام بالتخصيص يوجب تخصيص الاكثر، هو الاخير، وعليه، فلابد من التقدير لانهم قالوا ان من التبعيضية تعرف بان يكون هناك شئ هو بعض المجرور بمن، اما ظاهرا كما في قوله تعالى " خذ من اموالهم صدقة " أو مقدرا، مثل، اخذت من الدراهم أي شيئا. والتقدير في الآية يغضوا من أبصارهم شيئا، وبما ان التبعيض بلحاظ البصر لا معنى له فلا بد وأن يكون باعتبار المبصرات. فالمتحصل من الآية لزوم غض البصر عما يحرم، أو عن بعض المواضع. ولعله لذلك فسر الآية الشريفة في مجمع البيان، بلزوم الغض عما لا يحل لهم النظر إليه، ونسب ذلك الى الزمخشري أيضا. فان قيل: ان لازم ذلك اجمال الآية وعدم استفادة شئ منها. اجبنا عنه: بان المتيقن بل الظاهر منها بقرينة ما قبلها من الآيات وما في ذيلها هو النظر الى الاجنبية نفسها أو العورة منها، ومن المماثل. وقد يستدل له بالعلم بعدم الفرق بين النظر الى المرأة، وصورتها لانها هي بعينها، فالنظر اليهما سيان بحسب الارتكاز. وهذا الوجه ليس بعيدا، سيما فيمن تعرف من الاجنبيات. ولو لم يتم ذلك ايضا يتعين الرجوع الى اصالة البراءة المقتضية لجواز النظر مطلقا.

[ 219 ]

حق التاليف حكمم الشريعة في منع المؤلف غيره من طبع ما ألف - حقيقة المال - حقيقة الاضافة الملكية وأقسامها - ومراتبها - الانتفاع بالمؤلفات - موقف الشريعة من ما طبع ونشر بلا رضا صاحبه - حكم المعاملة على هذا الحق - لا يصح جعله مبيعا.

[ 221 ]

من الموضوعات التي لم تكن في عصر صاحب الشريعة الخالدة وعصور الائمة عليهم السلام وحدثت بعد ذلك، الطبع، أي طبع المؤلفات ونشرها، لا كلام في انه بنفسه امر سائغ وفي بعض الموارد مطلوب، كما لا كلام في انه إذا تصدى المؤلف للطبع وبذل ما يتوقف عليه ذلك من المال تكون المطبوعات له. انما الكلام في موارد: 1 - في انه هل للمؤلف منع الغير من طبع ما ألف، لا يسوغ للغير التصدي لذلك ما لم ياذن له، ام ليس له ذلك. 2 - إذا تصدى الغير له بلا اذنه بل ومع منعه، هل تكون المطبوعات باجمعها للمتصدي للطبع، ام للمؤلف شئ منها. 3 - هل للمالك ان يعطي هذا الحق بالغير وياخذ بازائه شيئا، ام لا. حكم طبع ما الفه الغير: اما المورد الاول: فتنقيح القول فيه يتوقف على بيان امور. 1 - بيان حقيقة المال. 2 - بيان الاضافة الملكية واقسامها. 3 - مراتب الملكية.

[ 222 ]

حقيقة المال: اما الاول: فقد اشبعنا الكلام فيه في المسألة الثالثة من المسائل المستحدثة وبينا ان مالية الاشياء تكون على نحوين: الاول: ما تكون ماليته ذاتية أي تنتزع من نفس الشئ نظرا الى ان فيه منفعة عائدة الى الانسان، ويكون في حد ذاته مما يميل إليه النوع ويبذلون بازائه شيئا، وبعبارة اخرى كونه ذا منفعة عائدة الى الانسان. الثاني: ما تكون ماليته اعتبارية وجعلية، كالنقود، وله اقسام بيناها في تلك المسالة. حقيقة الاضافة الملكية واقسامها: واما الامر الثاني: فحقيقة الملكية هي السلطنة والاحاطة ولها اقسام ومراتب. اما اقسامها: فهي قد تكون اضافة ذاتية تكوينية، وقد تكون عرضية تحصل بالامور الخارجية، اما الاولى، فكالاضافة الحاصلة بين الانسان، ونفسه وذمته، واعماله ونتائج اعماله، فانها مملوكة له بالملكية الذاتية. والمراد بالذاتي، ما لا يتوقف تحققه على امر خارجي تكويني أو اعتباري لا الذاتي في باب الكليات الخمس، وهو الجنس والفصل، ولا الذاتي في باب البرهان وهو ما ينتزع من مقام الذات. والمراد بالملكية: هي السلطنة والاحاطة، لا الملكية الاعتبارية. والشاهد على كون هذه الاشياء مملوكة بالملكية الذاتية للانسان، السيرة القطعية العقلائية بل الضرورة والوجدان فانها حاكمة بان الانسان مسلط على نفسه وعمله، و بديهي ان الشارع الاقدس امضى هذه السلطنة ولم يمنع الناس عن التصرف الراجع الى انفسهم واعمالهم. واما الثانية: اي الاضافة العرضية فهي ربما تكون اضافة اولية استقلالية اي، اضافة لم

[ 223 ]

تسبق اضافة ذلك المال الى غيره ولا تكون بلحاظ تبعيتها لغيرها، كالاضافة، الحاصلة بالعمل أو الحيازة أو هما معا. والاول: كالعمل الذي يعمله الانسان فيحصل منه المال، كما لو جعل الخشب سريرا فان الصورة السريرية توجب تحقق اضافة مالية اخرى وراء المالية المتقومة بالخشب وهي انما حصلت بالعمل. الثاني: كحيازة المباحات التي قام بناء العقلاء على كونها مملكة. الثالث: كمن حاز شجرا، أو ترابا، فجعله سريرا، أو كوزا. وربما تكون أولية تبعية، كالاضافة الحاصلة بين الانسان ونتائج امواله فانها تضاف الى مالك الاصول بتبع ما حصلت منه. وربما تكون الاضافة ثانوية، وهي على قسمين قهرية، واختيارية والاول: كالاضافة الحاصلة بالارث. والثاني: كالاضافة الحاصلة بالمعاملات، وأما مراتبها، فهي أربع: مراتب الملكية: 1 - الملكية الحقيقية: وهي عبارة عن السلطنة التامة بنحو يكون زمام أمر المملوك بيد المالك حدوثا وبقاء وهي مخصوصة بالله تعالى. 2 - الملكية الذاتية: وهي الحاصلة بين الشخص ونفسه وعلمه وذمته وقد تقدم بيان المراد بالذاتي، وهذه المرتبة من الملكية دون مرتبة الواجدية الحقيقة المختصة بالله تعالى. 3 - الملكية المقولية: وهي عبارة عن الهيئة الحاصلة من التعمم والتقمص وما شاكل. 4 - الملكية الاعتبارية: وهي التي يعتبرها العقلاء أو الشارع لشخص خاص من جهه المصلحة الداعية الى ذلك. إذا تمت هذه التمهيدات: فمن الف شيئا، يكون ذلك نتيجة اعماله وتفكره فهو يكون مملوكا له وتحت سلطنة، فله

[ 224 ]

من الغير من التصرف فيه بالطبع والنشر: لان الناس مسلطون على اموالهم عرفا وشرعا، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الناس مسلطون على اموالهم. ولا يتوهم: انا ندعي ان مجموع ما دون بهذا القيد مملوك لا يجوز التصرف فيه بغير اذنه، حتى يقال ان النظر إليه والاستنساخ منه لا يعدان تصرفا فيه كي لا يجوزان. بل ندعي ان جمع المتشتتات والافكار الجديدة وغير الجديدة يكون نتيجة عمل المؤلف، والتصرف فيه عرفا انما يكون، بالاستنساخ، وتكثير النسخ فلا يجوز ذلك. فالمتحصل ان للمؤلف المنع من ذلك، بل لا يجوز التصرف بلا احراز رضاه. الانتفاع بالمؤلفات: قد يتوهم، ان لازم ما ذكرناه ان لا يجوز الانتفاع بالكتب المؤلفة والاستفادة منها لاحد ما لم يحرز رضا صاحبه، وهو خلاف السيرة القطعية. ولكن يتوجه عليه، انه لا اشكال في حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه كما يشهد به، قوله عجل الله فرجه في. خبر الاحتجاج عن الامام الحجة ارواحنا فداه في حديث، فلا يحل لاحدان يتصرف في مال غيره بغير اذنه. وقول: الامام الصادق عليه السلام في موثق سماعة، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في خبر تحف العقول ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفسه منه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في خبر غوالي اللئالي المسلم اخو المسلم لا يحل ماله الا عن طيب نفسه و

[ 225 ]

قول. الامام الرضا عليه السلام في. خبر، محمد بن يزيد الطبري في جواب السؤال عن الاذن في الخمس كتب إليه، لا يحل مال الامن وجه احله الله تعالى. الحديث فان الحل في اللغة هو الاطلاق والارسال، وإذا اسند ذلك الى الاعيان الخارجية كما في الروايات وقوله تعالى، " ويحل لهم الطيبات "، اريد به الترخيص في الفعل، وحيث لا معنى لحلية ذلك الا باعتبار ما يناسبه، وفي المقام المناسب هو التصرف كما صرح به في التوقيع الشريف، فالمراد من الروايات ان الشارع الاقدس لم يرخص في التصرف في مال امرئ الا بطيب نفسه. الا انه لا دليل على حرمة الانتفاع ما لم يعد تصرفا بل الظاهر جوازه كما في الاستضاءة والاصطلاء بنور الغير وناره، وعليه فمجرد الانتفاع بالمؤلفات لا دليل على عدم جوازه، والمتبع في صدق التصرف هو العرف، ولا ريب في انهم يرون نشر المؤلف تصرفا فيه، و مطالعة الكتاب لا تعد تصرفا الا في الكتاب نفسه. حكم الشريعة فيما طبع ونشر بلا رضا صاحبه: واما المورد الثاني: فبد ما عرفت من أن مجموع ما الف بهذه الصورة نتيجة عمل المؤلف ومملوك له بالملكية الذاتية، إذا طبع الغير ذلك، بما ان هناك مالين احدهما، للمتصدي للطبع وهو واضح، ثانيهما، للمؤلف فان التاليف اوجب تحقق اضافة مالية قائمة بما الف كما تقدم، فلا محالة يشتركان في المطبوعات. فان قيل: ان المالية صفة وجودية ولا بد لها من محل وما الف لا وجود خارجي له فان ماله وجود لفظي أو كتبي خارجي لا يطبع والمحكى به لا وجود له. اجنبا عنه: ان المالية كما عرفت لا تكون من المقولات الخارجية بل هي متقومة برغبة

[ 226 ]

الناس في الشئ رغبه عقلائية. ولذا يكون الكلي في الذمة مالا، مع انه لا وجود خارجي له: وقامت الضرورة و الاجماع على ان عمل العبد، وعمل الحر بعد وقوع المعاوضة عليه مال. وبالجملة: ان المالية لا مانع من كون محلها كليا أو عملا غير موجود. وعلى هذا: فبعد الطبع ان توافقا على شئ فهو، والا، فيعامل مع ما طبع معاملة المال المشرتك ان رضي المؤلف بالنشر، والا فان كان اذن في الطبع ثم ندم عن النشر فان كان مجرد الاذن له ذلك، ولكن لا بد وان يغرم ما انفقه المتصدي من المال، فان المغرور يرجع الى من غره، والا فلا شئ عليه. حكم المعاملة على هذا الحق: واما المورد الثالث: فحيث ان ذلك مال عرفا وشرعا كما تقدم فيصح أخذ المال بازاء اعطائه للغير وهذا واضح بناء على ما تقدم. انما الكلام في انه، هل يصح جعله مبيعا، أم لا. والاظهر عدم صحته إذ يعتبر في البيع كون المبيع من الاعيان، والمراد بالعين هو الموجود المتعين الخارجي، وما لو وجد لكان من المتعينات الخارجية فتشمل الاعيان الخارجية، والكلي المشاع، والكلي في المعين، والكلي الذمي وتخرج المنفعة والحق. ويشهد لاعتبار كون المبيع كذلك، ان البيع من المفاهيم العرفية والامضاء الشرعي متعلق به، ولعل اختصاص البيع بنقل الاعيان من الامور الواضحة عندهم بحسب المتفاهم العرفي. والظاهر الى هذا نظر الفقهاء قدس الله اسراهم، حيث استدلوا للاختصاص. تارة، بالتبادر. واخرى بصحة سلب البيع عن تمليك المنفعة بعوض. وثالثة: بانصراف الادلة الى ما هو المعهود خارجا من جعل المعوض في البيع عينا. لا يقال: ان البيع بحسب متفاهم اهل هذا الزمان وان اختص بنقل الاعيان إلا ان المعيار

[ 227 ]

هو عرف زمان الشارع الاقدس. فانه يندفع ذلك، أولا، انه ان ثبت ذلك في هذا الزمان يبنى على كونه كذلك في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم لاصالة عدم النقل المعبر عنها، بالاستصحاب القهقري الذي، على جريانه بناء العقلاء وسيرة العلماء، ولولاه لانسد عليهم باب الاجتهاد لعدم احراز كون الروايات ظاهرة في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم في المعاني التي تكون ظاهرة فيها، الآن الا بذلك. وثانيا: ان الشك في شمول البيع لنقل غير العين مانع عن التمسك بعمومات الصحة و يتعين البناء على الاختصاص حينئذ لاصالة الفساد. ويؤيد ما اخترناه من الاختصاص، امور: 1 - استقرار اصطلاح الفقهاء عليه في تعيين الثمن والمثمن يعني، انهم إذا ارادوا تمييز البايع عن المتشرى، والثمن عن المثمن جعلوا مالك العين بايعا ومالك المنفعة مثلا مشتريا. 2 - الاجماع. 3 - انه لا فرق بين الاجارة والبيع الا في ان البيع لنقل الاعيان والاجارة لنقل المنافع بناء على ما حقق في محله من ان حقيقة الاجارة تمليك المنفعة بعوض. واستدل لعدم الاختصاص بوجهين: الاول: ما عن المصباح من تعريف البيع بانه مبادلة مال بمال، وهذا كما يشمل نقل الاعيان يشمل نقل المنافع. وفيه: ما حقق في محله من عدم تمامية تعريف المصباح، وعدم حجيته. الثاني: اطلاق البيع على نقل المنافع في جملة من النصوص. منها: النصوص الداله على بيع خدمة المدبر، كخبر السكوني عن الامام علي امير المؤمنين عليه السلام. قال: باع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خدمة المدبر ولم يبع رقبته ونحوه غيره. ومنها: النصوص الدالة على بيع سكنى الدار. كموثق، اسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام عن رجل في يده دار ليست له ولم تزل في

[ 228 ]

يده ويد آبائه من قبله قد اعلمه من مضى من آبائه انها ليست لهم ولا يدرون لمن هي فيبيعها وياخذ ثمنها قال عليه السلام ما احب ان يبيع ما ليس له، الى ان قال يبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول ابيع سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي قال عليه السلام نعم يبيعها على هذا. ومنها: النصوص الواردة في بيع الاراضي الخراجية. وفيه: ان الاستعمال اعم من الحقيقة، واصالة الحقيقة انما يرجع إليها لتشخيص المراد لا لتعيين الموضوع له بعد معلومية المراد، فالاظهر هو الاختصاص. وعلى هذا فلا يصح بيع ذا الحق اي جعله مبيعا. نعم: يجوز جعله عوضا. والمصالحة عليه، وهبته، وما شاكل. فالمتحصل: جوازه اعطاء هذا الحق بالغير، واخذ شئ بازائه، غاية الامر يعتبران لا يكون الاعطاء بعنوان البيع.

[ 229 ]

حق امتياز نشر الاخبار موضوع البحث - هل للحكومة منع الغير من نشر الاخبار المتعلقة بها أو بالمملكة - هل لها اعطاء هذا الحق الى الغير أم لا - ما ياخذه الحكومة بازاء هذا الحق - الاباحة بالعوض - حقيقتها - والدليل على صحتها - ولزومها - ما ياخذه الحكومة جريمة.

[ 231 ]

من الموضوعات التي كثر التساؤل عن حكمها، حق امتياز نشر الاخبار ولا ادري يقينا ثبوته خارجا، ولكن المعروف انه ثابت في بعض الاحيان كايام الحرب، وقد نقل لي ثقة، انه في زمان كان، ايران فوق بركان، على أثر مناقشة الحكومة مع شركة البترول الانجليزية الايرانية، دولة داخل الدولة بل لعلها وحدها أصبحت الدولة في ايران، وبالتبع مع دولة انكلترا، عن البترول الذي هو عصب الحرب دون نزاع، اعطى الحكومة هذا الحق ببعض المخبرين، واتفق مرة واحدة ان شخصا آخر غير من له الحق ارسل خبرا مهما قبل ذلك المخبر فاغرمته الحكومة واعطتها لمن له الحق. موضوع البحث: وكيف كان فموضوع البحث انه في بعض الاحيان كايام الحرب مثلا ربما يعطى الحكومة امتيازا لبعض المخبرين، بنقل الاخبار المتعلقة بالدولة، بحيث إذا اخذ الخبر غيره وخابره يكون مخالفا وملزما بدفع مبلغ خاص، وبازاء ااعطاء هذا الحق قد ياخذ مبلغا معينا وقد ياخذ امتيازا آخر. وتنقيح القول فيه بالبحث في موارد: 1 - هل للحكومة منع الغير من نشر الخبر، المتعلق بها أو المملكة، فلا يسوغ له النشر مع

[ 232 ]

منعها، ام لا. 2 - هل لها اعطاء هذا الحق الى الغير، ام لا. 3 - هل لها اخذ المال بازاء اعطاء هذا الحق، ام لا. 4 - موقف الشريعة مما ياخذه الحكومة بعنوان الغرامة. المنع من نشر الخبر: اما المورد الاول: فالحق ان لها ذلك، ويظر ببيان امور: الاول: ما تقدم في المسالة السابقة، من أن حقيقة الملكية هي السلطنة والاحاطة ولها اقسام ومراتب، وان من اقسامها، الملكية الذاتية، وهي الاضافة الحاصلة بين المالك، و نفسه وذمته، واعماله، ونتائج اعماله، فانها مملوكة له بالملكية الذاتية، ومن هذا القبيل - قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام " اني لا املك إلا نفسي " وتقدم ايضا، أن هذه الملكية دون الملكية الحقيقة المختصة بالله تعالى. الثاني: انه قد تقدم في المسالة الثالثة، أن مالية الاشياء تكون على نحوين. أحدهما: ما تكون ماليته ذاتية أي تنتزع من نفس الشئ نظرا الى ما فيه من المنفعة العائدة الى الانسان. ثانيهما: ما تكون ماليته اعتبارية وجعلية كالنقود، ولهذا القسم انواع بيناها هناك. الثالث: ان لكل مالك منع غيره ومن التصرف في ماله، وهذا مضافا الى وضوحه بيناه في المسالة السابقة. مالكية الحكومة: الرابع: ان الحكومة التي تمثل القوة الحاكمة على الامة وهي من الامور الاعتبارية العقلائية ويعتبرونها لشخص أو لعدة اشخاص، قابلة لان تكون هي المالكة، فان الملكية

[ 233 ]

غير المقولية الخارجية والملكية الحقيقية من الاعتباريات والاعتبار لا يحتاج إلا إلى طرف في أفق الاعتبار وهو كما يكون عينا خارجية، يمكن ان يكون كليا في الذمة، ويمكن أن يكون اعتباريا ولذا، ترى إفتاء الفقهاء بان الزكاة والخمس يملكهما طبيعي المستحق لهما مع انه لم يعتبر وجودهما. وأيضا لا خلاف في صحة تمليك الكلي الذمي في بيع السلف ونحوه. وعليه فيمكن أن تكون الحكومة وهي الهيئة التي تدبر شان الامة وتطالب بمصلحتها، مالكة ويكون هي طرف الملكية. والعقلاء يعتبرونها لها والشارع الاقدس لم يردع عن ذلك وهو آية الامضاء. إذا انجلت هذه الامور: فاعلم: أن الاخبار المهمة المرتبطة بالمملكة والامة لا ريب في أن لها مالية تستوفي بنشرها، وهي مملوكة بالملكية الذاتية لمن تتجه إليه المسؤولية وهي الهيئة التي تمثل القوة الحاكمة المطالبة بمصلحتها، فلها منع الغير من التصرف فيها بنشرها، فإذا منع ليس له النشر. وبذلك: يظهر الحال في المورد الثاني وهو اعطاء الحق الى الغير: فانه إذا كان ذلك مملوكا للحكومة، فلها أن ياذن للغير في التصرف والنشر. ما تأخذه الحكومة بازاء هذا الحق: واما المورد الثالث: فالظاهر حلية ما تأخذه بازائه، فانه قد عرفت أنه مال عرفا وشرعا فيصح اخذ المال بازاء اعطائه بالغير. وهل يصح جعله مبيعا أم لا، فيه وجهان، تقدما في المسالة السابقة، وقد مر أن الاظهر عدم جوازه. والظاهر كونه اباحة بعوض، وحيث ان الاباحة بالعوض شايعة في كثير من اعمالنا و معاملاتنا الخارجية، ومنها، هذه، فلا بد من تنقيح القول فيها.

[ 234 ]

الاباحة بالعوض: والكلام فيها في مواضع: 1 - في حقيقتها، وانها هل تكون بيعا، أو اجارة، أو صلحا، ام معاوضة مستقلة. 2 - في الدليل على صحتها ونفوذها. 3 - في انها لازمة ام جائزة. اما المورد الاول: فلا ريب في انها ليست تمليكا للعين ولا للمنافع، ولا للانتفاع، اما الاولان فواضح، واما الاخير فلان الانتفاع قائم بالمباح له ومن افعاله فكيف يملكه، ولا من قبيل اعطاء حق له فان جواز التصرف من الاحكام التكليفية لا من الحقوق وعلى هذا، فهي ليست اعطاء شئ بالمباح له بازاء شئ فلا تكون بيعا. ولا تكون نقلا للمنافع فلا تكون اجارة. وليست انشاء للتصالح والتسالم على امركما هو واضح فلا تكون صلحا، وبعبارة اخرى، ان الصلح ليس هو التسالم على امر والا لزم كون جميع المعاملات صلحا، بل الصلح المقابل لساير العقود مسالمة عقدية وانشاء للتسالم، ومن الواضح انها لا تنطبق على المقام، فيتعين ان تكون معاملة مستقلة. واما المورد الثاني: فيشهد لصحتها، وجوه. احدها: آية " تجارة عن تراض ". فان التجارة عبارة عن التكسب والاسترباح الشامل للمقام. ثانيها: السيرة العقلائية القائمة على الاباحة بالعوض المسمى كما هو المتعارف في اجارة الدكاكين والفنادق وما شاكل، إذ الانسان يستاجر الدكان من مالكه شهرا مثلا بمبلغ معين، ثم يبنيان على انه كل ما بقي المستاجر يعطي الاجرة بتلك النسبة، بل التصرف في الحمامات من هذا القبيل. وهي بضميمة عدم الردع من الشارع الاقدس دليل الصحة والنفوذ.

[ 235 ]

وثالثها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم الناس مسلطون على اموالهم: فان مقتضى عمومه الانواعي، ان للمالك التصرف في ماله بجميع انواعه، منها اباحته للغير بالعوض. فالمتحصل انها صحيحة ونافذة. واما المورد الثالث: فيشهد للزومها، قوله تعالى، " اوفوا بالعقود ". لا يقال انه يعارض في طرف الاباحة بعموم دليل السلطنة. فانه يتوجه عليه. اولا: ان دليل السلطنة انما يدل على ثبوت السلطنة على المال ولا يدل على السلطنة على العقد، والاباحة اللازمة في المقام انما هي اباحة عقدة لا اباحة مستندة الى الاذن. وثانيا: ان دلالة الآية الشريفة بالعموم، ودلالة دليل السلطنة بالاطلاق ففي مورد الاجتماع يقدم الاول. وثالثا: ان الآيد تقدم، وعلى فرض التساقط المرجع هو استصحاب الاباحة. فالمتحصل: ان الاباحة بالعوض معاوضة مستقلة، صحيححة، لازمة. وهي تنطبق على المقام، فان الحكومة تبيح لو كالات الانباء نشر الاخبار بازاء مبلغ توافقا عليه. ما ياخذه الحكومة من الغرامة: واما المورد الرابع: فبعدما عرفت من انه مال، وانه للحكومة، وان التصرف فيه و استيفاء ماليته انما يكون بالنشر، فلو نشرته وكالة الانباء بلا اذن من الحكومة بل مع منعها، يكون ضامنا، فما ياخذه بهذا العنوان حلال بلا كلام

[ 237 ]

المباراة الرياضة البدنية - حكم اللعب - حكم اللغو - حكم الشريعة في اللهو - المباراة بعير عوض - حكم المباراة مع العوض وضعا وتكليفا - ماذا حكم المباراة مع الجائزة.

[ 239 ]

من الموضوعات الشايعة في هذا العصر المباراة باقسامها المختلفة ولها عرض عريض وهي بنفسها وان لم تكن من المستحدثات، ولا تكون وليدة الايام المتأخرة، بل هي موجودة من زمن بعيد، ولبعض ما هو موجود من زمن بعيد قوانين ونظم خاصة، وقد عقد فقهائنا له كتابا وهو السبق والرماية. الا ان اكثر اقسامها الموجودة اليوم كالملاكمة مستحدثات، فيحسن بنا ان نتعرض لحكمها فاقول، ان الكلام يقع في مواضع: 1 - في الرياضة البدنية. 2 - في المباراة بغير رهان. 3 - في المباراة مع الرهان. 4 - في المباراة مع الجائزة. الرياضة البدنية: أما الاول: فما كان من الرياضة البدنية، مؤديا الى الضرر على النفس بالهلاكة أو هلاكة عضو من الاعضاء حرام، لان دفع الضرر واجب عقلا وشرعا. وما كان منها موجبا لقوة الجسم، أو الروح، أو قوة الامة الاسلامية حسن ومطلوب،

[ 240 ]

فان الشريعة المقدسة تطلب كثرة قوية، ولذلك عنيت بكل ما يكفل للانسان قوة الجسم و قوة الروح وقوة المجتمع، لاحظ الاخبار الواردة في بيان حكمة العبادات، والواردة في بيان حكمة حرمة جملة من المحرمات وكراهة المكروهات، وما ورد في تفسير الآية الشريفة و " اعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل "، وغير ذلك من الآثار. وعلى الجملة: ان سعادة الانسان، وهي، بلوغه منتهي كماله بحسب نوعه معقودة بقوة جسمه وروحه، ومن الواضح، ان للرياضة البدنية، والروحية أثرا عظيما في ذلك، كما انه لا شك في مطلوبية القوة بحسب المجتمع الاسلامي وتوقفها على جملة من الاعمال، فهي مطلوبة شرعا. واما الرياضات التي لا تترتب عليها هذه الغايات، ولا تكون مضرة ففيها خلاف، والحق ان يقال ان تلك الرياضات على اقسام: 1 - الفعل لغاية الالتذاذ بلا قصد غاية اخرى، ويعبر عنه باللعب. 2 - الفعل الخالي عن الغاية، ويعبر عنه باللغو. 3 - الفعل الموجب لاشتغال النفس باللذاذ الشهوية بلا قصد غاية، ويعبر عنه باللهو. حكم اللعب: أما الاول: فقد استدل لحرمته، بالمرسل المروي عن مجمع البيان، كل لعب حرام الا ثلاثة، لعب الرجل، بقوسه، وفرسه، واهله. والظاهر ان مراده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث كل اللهو باطل الا في ثلاث في، تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته فانهن حق. وفيه اولا: انه ضعيف السند للرفع، وثانيا انه يدل على ان كل لهو باطل ولا دليل على حرمة الباطل بقول مطلق، اي كل ما هو باطل.

[ 241 ]

حكم اللغو: واما الثاني: فقد استدل لحرمته. بالآية الشريفة " وإذا مروا باللغو مروا كراما ". وبخبر الكابلي عن سيد الساجدين في تفسير الذنوب التي تهتك العصم، بشرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس. وبوصية، النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابي ذر في حديث ان الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنم ما بين السماء والارض. الحديث وفي الجميع نظر: أما الآية، فلان الظاهر منها ولا أقل من المحتمل عدم ارادة مطلق اللغو منها حيث انها ليست الا في مقام بيان ما يترتب على التجنب عن اللغو فلا يمكن التمسك باطلاقها والمتيقن منها ارادة الغناء. مع: انه لا ظهور للآية الا في رجحان التجنب عنه ولا تدل على لزومه. اضف الى ذلك ان الآية في مقام بيان ما يترتب على الاعراض عن اللغو وان الراجح هو المرور باللغو مرور الكرام فسبيل هذه الآية، سبيل، قوله تعالى، " والذين هم عن اللغو معرضون "، وقوله تعالى " وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه ". واما: خبر الكابلي فمضافا الى ضعف سنده لبكر بن عبد الله بن حبيب وغيرة انه في مقام بيان الذنوب التي يترتب عليها هذه الخاصية، وهي هتك العصم المفروغة كونها ذنبا و

[ 242 ]

ليس في مقام بيان حرمة اللغو. وان شئت قلت ان المستفاد منه حرمة اللغو الموجب لهتك عصم الناس كسخرية المؤمن، ولا يستفاد منه حرمه مطلق اللغو. واما الخبر: المتضمن لوصيته صلى الله عليه وآله وسلم فمضافا الى ضعف سنده بابي الفضل ورجاء و غيرهما ان الظاهر منه انه ربما يتكلم الانسان بكلمة تكون كذلك لا ان كل مزاح كذلك فلعل ما شانه ذلك ما كان من قبيل السخرية والغيبة وما شاكل. فالمتحصل انه لا دليل على حرمته ايضا. حكم اللهو: واما الثالث: فلا خلاف بين المسلمين في حرمته في الجملة، بل هي من ضروريات الدين. انما الكلام في حرمته على وجه الاطلاق. وقد استدل لحرمته كذلك بطوائف من النصوص. الاولى: ما دل على ان اللهو من الكبائر. كخبر، الاعمش عن مولانا الصادق عليه السلام، حيث عد من الكبائر الملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء، وضرب الاوتار. وحسن الفضل بن شاذان عن الامام الرضا عليه السلام الاشتغال بالملاهي. من الكبائر. بدعوى ان الملاهي جمع الملهي مصدرا، أو الملهى وصفا لا الملهاة آلة لانه لا يناسب التمثيل بالغناء. وفيه اولا: ان خبر الاعمش ضعيف، ببكر بن عبد الله بن حبيب وغيره. وثانيا: ان الملاهي جمع الملهاة اسم الآلة ولا صارف عن هذا الظهور، بل يؤكده ان

[ 243 ]

الظاهر من الباء في صدرها في الخبر الثاني، الاستعانة، وزيادة كلمة الاشتغال قبل كلمة الملاهي، وعليه فهذه الطائفة تدل على ان استعمال آلات اللهو حرام، ولا نزاع في ذلك، و مناسبته مع التمثيل بالغناء في الاول انما هي لاجل ارادة الغناء في آلة اللهو. مع انه في خبر الاعمش قيد الملاهي بما يصد عن ذكر الله اي يوجب حالة الاحتجاب للنفس كالغناء وشبهه فلا دلالة له على حرمة اللهو المطلق. الثانية: النصوص المستفيضة الدالة على حرمة استعمال اللهو والملاهي. كخبر عنبسة عن الامام الصادق عليه السلام استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع. وفيه: انها تدل على حرمة استعمال آلات اللهو من المعازف وما شاكل وهذا من الضروريات ومحل كلامنا حرمة اللهو بقول مطلق. الثالثة: النصوص الدالة على ان السفر للصيد اللهوي لا يوجب القصر وحيث لا وجه لوجوب اتمام الصلاة سوى كون السفر معصية فهي بالالتزام تدل على حرمة اللهو. وفيه: انه لا ملازمة بين وجوب الاتمام وكون السفر معصية بل هو اعم من ذلك. الرابعة: النصوص الظاهرة بالظهور البدوي في حرمة اللهو. كخبر عبد الله بن على عن على بن موسى عن ابائه عن الامام على عليهم السلام، كلما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر. وخبر ابي عباد عن الامام الرضا عليه السلام عن السماع فقال الاهل الحجاز فيه رأى وهو في خير الباطل واللهو الحديث.

[ 244 ]

وخبر عبدل الاعلى، عن الامام الصادق عليه السلام في رد من زعم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في ان يقال جئناكم الخ كذبوا ان الله تعالى يقول لو اردنا ان نتخذ لهوا لا تخذناه من لدنا. وفيه اولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان بعضها يدل على حرمة قسم خاص منه، وبعضها يدل على ان ساحته المقدسة منزهة عن اللهو، وبعضها محمول على اللهو الموجب لحصول حالة الاحتجاب للنفس، وبالجملة، بعد التدبر فيها يظهر عدم دلالة شئ منها على حرمة مطلق اللهو. وثالثا: قامت الضرورة على جواز اللهو في الجملة كاللعب بالحية أو السبحة وما شاكل فعلى فرض ظهورها فيما ذكر يتعين حملها على ارادة قسم خاص منه. فالمتحصل: أنه لا دليل على حرمة اللهو على وجه الاطلاق. المباراة بغير رهان: وهل يجوز: في الافعال الجائزة، كرمي الحجارة والسير مع السفينة، أو الطائرة وما شاكل المباراة والمغالبة بغير عوض أم لا. لا إشكال في جواز المسابقة في بعض الافعال. انما الكلام في غير ما نص على الجواز فيه، كالمصارعة، والمباراة على، المراكب، والسفن، والبقر، والكلاب، والطيور، ورمي البنادق، والوقوف على رجل واحدة، وحظ الاخبار والاطعار، والجري على الادام، وحمل الاثقال وما شاكل. وقد استدل لعدم الجواز بوجوه: الاول: خبر عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول لا سبق إلا في، خفف، أو حار، أو نصل، يعني النضال. بتقريب أن السبق بسكون الباء مصدر لكلمة سبقه الى كذا، إي تقدمه وغلبه على كذا،

[ 245 ]

فالمراد من نفيه نفي المشروعية، ومقتضى اطلاقه عدم مشروعية المسابقة بغير رهان. وفيه أولا: أن الخبر ضعيف لمعلي بن محمد فتأمل، فانه من مشايخ الاجازة. وثانيا: انه لم يثبت كون السبق بسكون الباء، بل من المحتمل أن يكون بفتحها، بل عن الشهيد الثاني أن المشهور، والسبق بالفتح هو العوض والرهن، ونفيه ظاهر في إرادة فساد المراهنة لظهوره في نفي استحقاقه، فلا يصح الاستدلال به للاجمال. الثاني: إطلاق أدلة القمار لانه مطلق المغالبة ولو بدون العوض. وفيه: أن القمار لا يصدق بدون الرهان والعوض. الثالث: ما دل على حرمة اللهو. وقد تقدم ما فيه، مع، ان المسابقة إذا كانت لغرض عقلائي لا تكون لهوا. فالمتحصل: انه لا دليل على حرمتها، والاصل يقتضي الجواز. مع أنه يدل على جوازها، مضافا الى الاصل. السيرة القطعية القائمة من المسلمين على المباراة في عدة امور، كالسباحة، والمصارعة، و المكاتبة، والمشاعرة، وغيرها. وما ورد من مصارعة الحسن والحسين عليهما السلام بامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومكاتبتهما والتقاطهما حبات قلادة امها عليها السلام. المباراة مع العوض: الموضع الثالث: في المراهنة، أي المباراة مع العوض، بغير آلات القمار كالمراهنة على الطيور، وعلى الطفرة، وعلى نطاح الكباش، ومهارشة الديكة، وحمل الحجر الثقيل، و ما شاكل. والكلام فيه في موردين: 1 - في صحة المعاملة، واستحقاق العوض وعدمها.

[ 246 ]

2 - في أنها حرام تكليفا، أم جائزة. محل الكلام غير المسابقة في الموارد المنصوصة، واما فيها وهي. النصل: الشامل، للسهام، والحراب جمع حربة، وهي الآلة، والسيف، وربما زيد النشاب، وهل يدخل فيه الدبوس والعصا والمرافق إذا جعل في رأسها حديدة فيه اشكال. والخف. ويدخل تحته، الابل، والفيلة. والحافر: ويدخل تحته، الخيل، والبغال، والحمير. فلا اشكال ولا خلاف نصا وفتوى في جواز السباق عليها وصحة المعاملة الواقعة عليه. وهناك موارد وقع الخلاف فيها، وهي الطيور، والمصارعة. ومحل البحث غير هذه الموارد. وقد استدل لجوازها وصحة المعاملة الواقعة عليها بوجوه. 1 - الآية الشريفة حكاية عن اخوة يوسف عليه السلام " يا ابانا انا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا "، فانها تدل على مشروعية السباق في شرعهم ويشك في رفع المشروعية ونسخها والاصل بقائها. وفيه: انه يتوقف على عدم ورود منع من الشارع الاقدس، ولو بنحو العموم، والا فمع وجود الدليل لا يرجع الى الاصل، وستعرف وجوده. مع انه لا يعلم انهم بهم كانوا يستبقون ولعله كان بما يجوز السباق عليه عندنا. 2 - ان مقتضى عموم اوفوا بالعقود، صحة العقد على السباق بكل شئ. وفيه: مضافا الى توقف الاستدلال به على عدم ورود المنع وستعرف وجوده انه ستعرف صدق القمار عليه الخارج عن عموم اوفوا بالعقود. 3 - ان الحكمة في مشروعية هذه المعاملة في الموارد المنصوصة هي الاستعداد للجهاد والتهيؤله، وتحصيل القوة.

[ 247 ]

ولذا ذهب بعض الى خروج الفيلة عن تحت ما يسابق به، مستدلا بانه لا يحصل به الكر والفر. وذهب بعض الى جواز المسابقة على، الطيور، والاقدام، والسفن، معللا بامكان الاحتياج الى الطيور في، حمل الكتب، واستعلام حال العدو، وتعارف الحرب على الاقدام، كتعارفه بالسفن في البحر. وعليه فيجوز المسابقة على المراكب وآلات الحرب الحديثة للعلة المشار إليها. وفيه: ان حكمة الحكم ان ذكرت في الدليل بصورة العلة، يتعدى عنها فانها بحسب المتفاهم العر في تمام الموضوع للحكم فكأنه جعل الحكم أولا على ذلك العنوان العام، والا فهي حكمة لا يتهدى عنها، والعبرة حينئذ بالظهور اي المتبع ظهور الدليل، فإذا فرضنا اختصاص الدليل بالثلاثة، لا وجه للتعدي عنها. 4 - انه روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سابق عايشة بالقدم مرتين سبق في احدهما وسبق في الاخرى. وانه صلى الله عليه وآله وسلم صارع يزيد بن ركابة ثلاث مرات كل مرة على شاة فصرع خصمه في الثلاث واخذ منه ثلاث شياة. ويريد عليه: انه لم يثبت شئ من ذلك عندنا، ولم يرد من طرقنا رواية بذلك بل الثابت خلافه. فالمتحصل: انه لا دليل على الجواز، بل يدل على عدم الصحة، وجهان: الوجه الاول: صدق مفهوم القمار عليه: فانه الرهن على اللعب باي شئ كان ففي المجمع، أصل القمار الرهن على اللعب بشئ، وفي القاموس تقمره راهنه فغلبه ونحوه، ما عن لسان العرب، وفي المنجد القمار كل لعب يشرط فيه أن ياخذ الغالب من المغلوب شيئا كان بالورق أو غيره. وهذا المفهوم يصدق على المعاملة المفروضة في المقام، فتكون باطلة وما ياخذه الغالب

[ 248 ]

من المغلب حرام. الوجه الثاني: النصوص الظاهرة في الفساد وحرمة التصرف في الرهن وهي طوائف. منها: ما دل على نفار الملائكة عند الرهان ولعن صاحبها، ما خلا الحافر والخف و الريش والنصل كخبر العلا بن سيابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومرسل الصدوق وخبر ابي بصير. لكنها باجمعها ضعيفة سندا، اما الاول، فلا بن سيابة، واما الثاني فللارسال، واما الثالث فلسعد بن مسلم. ومنها: م عن ياسر الخادم عن الامام الرضا عليه السلام قال سألته عن الميسر قال الثقل من كل شئ قال والثقل. ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم. ولكنه ايضا ضعيف لياسر. ومنها: خبر جابر عن الامام الباقر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل له ما لا ميسر. قال صلى الله عليه وآله وسلم كلما تقومر به حتى الكعاب والجوز. (5) وهو ايضا ضعيف السند، لعمرو بن شمر. ومنها: صحح ابن خلاد عن ابي الحسن عليه النرد والشطرنج والاربعة عشرة بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر. ومنها: خبر اسحاق بن عمار عن الامام الصادق عليه السلام عن الصبيان يلعبون بالجوز و اليض ويقامرون فقال عليه السلام لا تأكل منه فانه حرام.

[ 249 ]

فالمتحصل مما ذكرناه ان المراهنة، والمباراة مع العوض فاسدة، وما يوخذ حرام لا يجوز التصرف فيه. ماذا حكم المباراة مع العوض تكليفا: واما المورد الثاني، فيدل على الحرمة ادلة القمار، واما ساير النصوص التي استدللنا بها في المورد الاول فهي ظاهرة في الحكم الوضعي، ولا نظر لها الحكم التكليفي. وقد استدل صاحب الجواهر رحمه الله لجوازها التكليفي. بصحيح، محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل آكل و اصحاب له شاة فقال ان اكلتموها فهي لكم وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فقضي فيه ان ذلك باطل لا شئ في المؤاكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع عن الغرامة فيه. بدعوى: انه متضمن لفساد المراهنة في الطعام خاصد ولو كانت محرمة لردع عنها ايضا فيستكشف من عدم الردع الجواز. اصحاب له شاة فقال ان اكلتموها فهي لكم وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فقضي فيه ان ذلك باطل لا شئ في المؤاكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع عن الغرامة فيه. بدعوى: انه متضمن لفساد المراهنة في الطعام خاصد ولو كانت محرمة لردع عنها ايضا فيستكشف من عدم الردع الجواز. وفيه: ان الظاهر كون اخبر اجنبيا عن المراهنة بالاكل وانما يكون مورد الخبر الاباحة المالكيد المشروطة بالالتزام بالاعطاء لا الاعطاء. حكم المباراة مع الجائزة: واما المورد الرابع: وهو ما إذا كانت المباراة بين الافراد، بلا عوض ورهن، ولكن المؤسسة التي هيات تلك المباراة، والكومة تعطي للغالب جائزة، ولا تأخذ من المغلوب شيئا، كما هو المتعارف في هذا الزمان في الملاكمة الشايعة في هذا العصر وغيرها. فالاظهر انه لا اشكال فيها تكليفا ولا وضعا، الا إذا كان الفعل بنفسه حراما لكونه موجبا لقتل النفس أو فساد عضو من الاعضاء كلملاكمة، بل هي مرغوب فيها شرعا إذا كانت موجبة لقوة الجسم، أو الرواح، أو المجتمع فينبغي إذا ملاحظة الامور التالية:

[ 250 ]

1 - حرمتها إذا كانت موجبد، لقتل النفس، أو فساد عضو ن الاعضاء، وقد مر الوجه فيه في المقام الاول. 2 - عدم حرمتها، إذا لم تكن موجبد لذلك، وقد مر الوجه فيه في المقام الثاني، إذ المفروض أن الجائزة لا تجعل عوضا في تلك المباراة بل مجانية. 3 - مطلوبيتها شرعا إذا كان موجبة لقوة الجسم، أو الروح، أو المجتمع، وقد مر الوجه فيه، في المقام الاول. 4 - جواز التصرف في الجائزة وكونها ملكا له، والوجه فيه واضح، فانه لم تجعل الجائزة في مقابل الفعل بل هي مجانية.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية