الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسالة في ثبوت الهلال - السيد محمد علي الأبطحي

رسالة في ثبوت الهلال

السيد محمد علي الأبطحي


[ 1 ]

من فقه المناسبة رسالة في ثبوت الهلال لسماحة آية الله العظمى السيد محمد علي الموحد الابطحي الاصفهاني (دام ظله) بقلم قاسم آل قاسم

[ 2 ]

هوية الكتاب اسم الكتاب:... رسالة في ثبوت الهلال المؤلف:... آية الله العظمى السيد محمد علي الموحد الابطحي المقرر:... قاسم آل قاسم الناشر:... المقرر المطبعة:... الهادي الطبعة:... الاولى 1420 ه‍ ق. قم المقدسة العدد:... 1000 السعر:... 500 تومان جميع الحقوق محفوظة

[ 3 ]

الحمد لله على نعمه كلها والشكر له على ما ألهم من معرفته وهدى إليه من سبيله، والصلاة والسلام على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الايات والمكمل بشريعته سائر الكمالات وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الزلات.

[ 5 ]

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين كنا نسمع بأدب المناسبة وكتبنا شعر المناسبة ولكن لم يخطر ببالنا أن نقرأ يوما عن فقه المناسبة. ولكن هكذا جرت سيرة العلماء الابرار على الاهتمام بالوقت وعدم إضاعته فيما لا ينفع، حتى ولو كان على حساب صحتهم. وحق لهم ذلك وهم يسمعون الخطاب الالهي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (1) وطالما قرؤا في زبور آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين (فإذا قدرت لنا فراغا من شغل فاجعله فراغ سلامة، لا تدركنا فيه تبعة ولا تلحقنا فيه سأمة) وقولهم: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير). وهل ثم أفضل من مل ء صحف الايام بالعلم، ونحن نقرأ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (إنما تملي على شاهديك). وما حفظ الدين وأحيى آثار الائمة المعصومين إلا هؤلاء العلماء الذين شمروا عن ساعد الجد (ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).


(1) سورة الشرح: 7 - 8.

[ 6 ]

وكان ممن تشرفنا بخدمته ورعانا بلطفه وعنايته سيدنا الاستاذ المعظم الابطحي - متع الله الامة بطول بقائه - وهو يمثل المجلى الاتم والمصداق الواضح لهذا الامر، على أنه كان وما يزال غرضا لسهام الاسقام، ولكنه مع ذلك يطنب في بث العلم ويعطي حد الجهد، لا يمنعه إلا العجز. وقد حظينا بشرف زيارته في أول ليلة من شهر رمضان المبارك ودار في مجلسه المبارك حديث الهلال فشرع في التفصيل بين الدليل العقلي والنقلي، ثم استعرض المنهج الفلكي بين القديم والحديث وتكلم عن الاختلاف في رؤية الهلال بين البلاد الشرقية والغربية مشيرا إلى علاقة ذلك بخطوط الطول والعرض إلى غير ذلك من التفصيلات. وقد تابع البحث فيما يقرب من عشر ليال متتالية ركز فيها على الجانب الروائي وقد دونت ما تيسر لي فهمه واستيعابه، فكان هذا الموجز رسالة تسد كثيرا من زوايا الفراغ في هذه المسألة المهمة. نسأل الله عز وجل أن يحفظ سيدنا الاستاذ وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية، وأن يرزقنا شرف خدمته أعواما كثيرة طويلة، وأن ينفعنا بجميل صحبته ومحبته. اللهم واجعلنا ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بنا غيرنا إنك ولي حميد وصلى الله على محمد وآله الطاهرين مولد الامام الرضا (عليه السلام) 1419 ه‍ قاسم آل قاسم

[ 7 ]

تقريظ سماحة آية الله العظمى الموحد الابطحي مد ظله العالي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله الطاهرين وبعد إن ممن له الجهود الدينية والخطوات العلمية فضيلة العلامة حجة الاسلام الشيخ قاسم عبد الشهيد آل قاسم القديحي القطيفي فإنه قد اهتم بأبحاثنا الاصولية والفقهية والتفسيرية والحديثية والرجالية واغتنم كل محاضرة علمية لنا متى ما تيسر له ذلك وعرف لزوم الاجتهاد في المباني الفقهية ومباديها والغوص في بحار العلوم لاستخراج كنوزها كثر الله في رواد العلم والعلماء أمثاله.

[ 8 ]

وكان من جملة ما استفاده منا ما ألقيناه على جملة من أهل العلم في اليالي المباركة الرمضانية وإن لم تكن على أسلوب التدريس فحرص على جمع نكاتها ونضد فوائدها. ولما عرض علي ما كتبه وطلب مني النظر فيه وجدته وافيا في بيانه وأسلوبه وأنه يحكي عن تفهم وتفقه وتدبر وتعمق فجزاه الله أحسن جزائه. وأسأل الله له دوام التأييد وإعلاء الشأن والصون عن الزلل وتضاعف الاجر في العاجل والاجل. قم المقدسة - السيد محمد علي الموحد الابطحي / 1420 (محل خاتمه الشريف)

[ 9 ]

تأسيس الاصل تمهيد: جرت عادة العلماء على تأسيس الاصل العملي عند الشروع في أمهات المسائل، والذي ينبغي تأسيسه في المقام هو الاصل القرآني، فإنه الاصل الذي يجب التوجه له في المسائل الشرعية، وما الاخبار إلا مبينات ومخصصات ومقيدات له. ونعني بالاصل هنا الاصل العلمي وهو ما يؤسس كقاعدة ترتكز عليها مسائل البحث. وفريضة الصوم مما بني عليه الاسلام وقد ذكرت آيات الصوم في سورة البقرة كأول تسجيل لهذه الاهمية. والبحث عن الاستهلال من المسائل العامة ولا يعقل الاهمال في أحكام القرآن الكريم وروايات الائمة (عليهم السلام). قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون... شهر رمضان الذى أنزل فيه

[ 10 ]

القرآن... فمن شهد منكم الشهر فليصمه...) (1) والبحث في هذه الايات المباركة يتم في مقامات نشير إلى بعضها باختصار: المقام الاول في أصل تشريع الصيام هل هو خاص بهذه الامة أو عام؟ الدين الاسلامي هو سيد الاديان وخاتمة الرسالات السماوية الشريفة، والمهيمن على كل ما جاء به الانبياء والرسل السابقون صلوات الله عليهم أجمعين. قال تعالى في سورة المائدة: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (2). ومن هنا كانت المشتركات في الاسس والركائز للتشريع الالهي بين جميع الاديان. ومن جملة الاصول التي بنيت عليها الشرائع هي مسألة الصيام، وإن كانت تختلف سعة وضيقا. وقد تكفل مطلع الاية ببيان هذه الحقيقة حيث قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) وكان بدء الاية بخطاب عام لكل مؤمن في قوله: (يا أيها الذين آمنوا) من دون تقييد بفئة معينة أو صقع


(1) سورة البقرة: 183 - 185. (2) سورة المائدة: 48.

[ 11 ]

خاص، فهو خطاب إلى المؤمنين كافة زمانا ومكانا قال تعالى: (وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) (1). المقام الثاني في عمومية حكم الصيام الاحكام الالهية أحكام فطرية بمعنى أنها توافق الفطرة الانسانية (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (2). والدين وإن اختلفت معانيه السياقية ولكنها تدور حول معنى الخضوع والاستكانة والتسليم، وقد يستشهد لذلك بقوله تعالى: (إن الدين عند الله الاسلام) (3) وهو من (أسلم) أي استكان وخضع. فهناك سنخية بين فطرية الاحكام الالهية والفطرة الانسانية منذ بدء التشريع حيث قال سبحانه وتعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى...) (4) إلى قوله: (يا أيها المدثر قم فأنذر) (5).


(1) سورة الا نعام: 19. (2) سورة الروم: 30. (3) سورة آل عمران: 19. (4) سورة البقرة: 38. (5) سورة المدثر: 1 - 2.

[ 12 ]

فالعمومية للحكم التي نقصدها هي ما يومي إليه قوله عز وجل في الاية: (لا تبديل لخلق الله). ومن هنا انحصر حق التشريع في الباري عز وجل، لانه العالم بجميع أبعاد النفس الانسانية التي هي موضوع التكليف. ومن أجل هذا سقطت القوانين الوضعية وأخفقت في تحقيق أهدافها. والعلم بحدود الاحكام زمانا ومكانا ووصفا وحالا، شأنية كانت أو فعلية إنما يستكشف من مقام الاثبات والدليل فحسب. وكون الحكم الشرعي عاما أو مطلقا مرة، وخاصا ومقيدا مرة أخرى، لا ينافي فطرية الاحكام ودائميتها بالمعنى الذي أشرنا إليه، فقد تحكم بعض الظروف أن يطلق الحكم في فترة معينة حسب تمامية المقتضيات وكمال المصالح وعدم الموانع من ترتب لوازم فاسدة ونحوها، ثم يأتي المقيد والمخصص إيذانا بمزاحمة مصلحة أخرى أقوى، أو بانتهاء أمد ذلك الحكم، نظير ما قيل في مبحث النسخ والبداء. ثم إن في الاية التي هي محل البحث شاهدا على التعميم وهو قوله: (.. كتب عليكم... كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). فإن الابتعاد عن المحاذير واتخاذ التقاة والجنة لا يختص بزمان دون زمان ولا بشخص دون آخر. وتمام التحقيق في محله من المباحث التفسيرية.

[ 13 ]

المقام الثالث حول حدود حكم الصيام المفروض لما كانت النفوس تسعى بطبعها نحو الاستقلالية، وترفض القيود تجدها تبحث عما يخفف عنها وطأة العبودية من مقيد زماني أو مكاني أو أفرادي أو حالي للحكم الصادر من المولى. والصوم من المسائل التي تحد من حرية الشهوات الحيوانية التي تجري مجرى دم الانسان وتمتلك عليه عقله، ولهذا كان من الطبيعي أن يفتش المكلف عن مقيد لهذا الحكم. والخطاب وإن جاء عاما لجميع المؤمنين في بداية الاية دالا على مطلوبية الصوم وفضله حتى من غير البالغين (1) ولكنه قيد فعلية الحكم بعدم السفر والمرض في استثناء متصل بقوله: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (2)، وأردف ذلك بكلام مستهل


(1) فإن غير البالغ إن كان مميزا يشمله الخطاب القرآني (يا أيها الذين آمنوا) ونحوه وإنما قامت الادلة على رفع اللزوم عنه، وأما أصل التشريع فهو ثابت في حقه، ولا مانع من تحقق الايمان من الصبي المميز غير البالغ بل هو واقع. وبهذا يمكن تصحيح شرعية عبادة الصبي، وهو تحقيق اعتمده السيد الاستاذ فيما يرتبط بهذه المسألة المهمة التي أثارها أعداء أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام). (2) سورة البقرة: 185.

[ 14 ]

معطوف بقوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (1). وكم في العدول عن قوله: (مريضا أو مسافرا أو مطيقا) إلى قوله: (مريضا أو على سفر) وكذا قوله: (وعلى الذين يطيقونه...) من لطف في التعبير وروعة في البيان حققناه في محله من كتاب الصوم. ثم إن بيان جبر مصلحة الصوم في هذه الايام المفروضة بالفدية بعبارة مستأنفة، فيه إشارة إلى ثبوتها لهما أيضا. كما أن في هذا الاستثناء إيذانا بأن المحدد به هو لزوم الصوم في هذه الايام المعينة لا أصل فضله ومطلوبيته وخيريته التي أشار لها القرآن الكريم بالفاء الاستئنافية في قوله عز وجل: (فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (2). ويظهر من قوله: (فعدة من أيام أخر) أن عدم صيام هؤلاء المعذورين حال عذرهم أمر مفروغ عنه، لا يرخصون فيه، فإن صيامهم رد لكرامة الله تعالى وهديته كما صرح به في بعض الروايات (3).


(1) سورة البقرة: 184. (2) سورة البقرة: 184. (3) روى في الكافي 4: 127، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا، فقال: يا رسول الله إنه علي يسير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله عز وجل ? تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالافطار في شهر رمضان أيعجب أحدكم لو تصدق بصدقة أن ترد عليه؟ (.)

[ 15 ]

وقد أشار إلى هذه الرأفة الالهية في تحديد الحكم بعد عمومية الخطاب والكتابة بقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (1) في مقابلة تكشف عن سعة الرحمة وكمال اللطف حيث أثبت إرادة اليسر بالمؤمنين ونفى إرادة العسر. وفي تعدية (يريد) بالباء ما لا يخفى على الفطن. ثم بعد تمامية دلالة الايات المباركة على كتابة الصوم على المؤمنين ورفع اللزوم عن المستثنين في هذه الايام المعينة، وفضل الصيام تطوعا في غيرها، وكذا دلالتها على اختيار شهر رمضان للصيام المكتوب أشار الى تنجز الحكم بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه..). المقام الرابع في موضوع الصيام المفروض بعد أن وجه الخطاب إلى المؤمنين بالصيام جعله في أيام معدودات ولم يتركه مطلقا حتى ينطبق على صرف الحقيقة التي


(1) سورة البقرة: 185.

[ 16 ]

تتحقق بأول وجود للطبيعة، بل عنون تلك الايام بعنوان محدد وهو شهر، ولتمييزه عن غيره من الشهور قال: (شهر رمضان)، وأشار الى حكمة اختياره هذا الشهر بخصوصه بقوله: (الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس...). وتخصيص الصيام المفروض بشهر رمضان يقتضي اعتبار ثبوته للصائم. والثبوت يشمل التخيلي، والظني، والقطعي، الحدسي، وعن طريق الحساب، وبالشهود الشخصي وغيره وقد عينت الاية ثبوته بالشهود في قوله: (فمن شهد منكم الشهر). ويمكن أن يستظهر من الاية المباركة شئ آخر غير تعليق تنجز الصيام على الشهود، وهو عدم انحصاره في الشهود الشخصي، وإن كان هو المتبادر من الاية، وذلك لانها لم تقتصر على الربط بين الصوم والشهود، بل أضافت كلمة (منكم) أي من المؤمنين المخاطبين في مطلع الاية وكأنها تشير إلى أن شهود بعض المؤمنين كاف في تنجز الحكم بعد توفر شرائط فعلية الخطاب الموجه لجميع المؤمنين بكتابة الصوم عليهم، ولو لم يشهد المكلف الهلال بنفسه لعجز كالعمى أو لعارض سماوي أو أرضي ولو كان مقصود الاية المباركة مجرد الربط بين الصيام والشهود لاستغنت عن كلمة (منكم) بقولها: (فمن شهد الشهر فليصمه) فإنه من المعلوم أن الخطاب موجه إلى المؤمنين.

[ 17 ]

وبعبارة أخرى: إن الجملة الشرطية في هذه الاية تفيد عدة أمور: الاول: ربط الصوم بالشهود وانحصار تنجزه به ورفض ما عداه، على ضوء ما حقق في المباحث الاصولية في مبحث مفهوم الشرط. الثاني: وجوب أن يكون الشاهد من المؤمنين (فمن شهد منكم) وهذا يعني اشتراط العدالة في الشاهد. الثالث: توسعة دائرة الشهود بحيث يشمل الشخصي وغيره على أن يكون ذلك الشاهد من المؤمنين، وهذا يستفاد من ضمير خطاب الجمع المتصل بحرف الجر (منكم)، إذ لو كان الصيام إنما يتنجز على الشاهد فقط ولا ربط له بغيره ولا لغيره به لاقتصرت الاية المباركة على قوله: (فمن شهد الشهر فليصمه). فالعدول عن مجرد ضرب القاعدة وجعل القضية الكلية الحقيقية، إلى إشرابها الخطاب الموجه في (منكم) إلى المؤمنين يوحي بهذا المعنى. وقد يستأنس لهذا الاستظهار بقوله تعالى بعد هذا مباشرة (عليهم السلام): (ومن كان مريضا... فعدة من أيام أخر) فإن إطلاق المريض يشمل من شهد ولكنه لايستطيع الصوم، والذي لم يشهد أصلا، والقضاء فرع توجه الخطاب والتنجز، وهذا يعني أن شهود غيره أوجب عليه القضاء بعد فرض تنجزه. وهذا مطلب دقيق يحتاج الى

[ 18 ]

مزيد تأمل وعناية. تنبيه: جاء في هذه الايات الكريمة استثناء المريض والمسافر مرتين: الاولى: في قوله عز وجل: (أياما معدودات فمن كان منكم مريضا..). والثانية: بعد قوله: (فمن شهد منكم الشهر..) قال: (ومن كان مريضا..). والفرق بينهما: أن الاستثناء الاول من مرحلة جعل الحكم على المؤمنين، بمعنى أن الله كتب الصيام عليهم كافة في أيام معدودات فالمؤمن الذي يستطيع الصيام فيها يجب عليه، ومن كان مريضا أو على سفر في تلك الايام فعليه القضاء. وأما الاستثناء الثاني فهو في مرحلة التنجز. وأما عدم وجود (منكم) في الثانية فلاتصالها بما قبلها مباشرة فلاحظ تمام الاية وتدبر. زيادة تحقيق: لا سبيل إلى توهم أن متعلق (شهد) - التي أخذ فيها الرؤية على

[ 19 ]

ما سيأتي في تحقيق معناها - هو الثلاثون يوما فإن شهرية الايام بهلالها. وقد صح ما في بعض المعاجم (1) من أن الشهر أطلق أولا وبالذات على الهلال ثم توسعوا فيه فأطلقوه على الايام. ويؤيد ذلك قوله تعالى: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (2) فجعل الاهلة مواقيت (3). ثم إن ذكر (الشهود) فيه إلغاء للطرق العلمية والاعتماد على النظريات الفلكية والحساب، وفيه نفي للاعتماد على الظن ونحوه في ثبوت الهلال، كما أن الهيئة وزنة الماضي المفرد (شهد) توحي بلزوم فعلية الشهود وعدم كفاية التقدير والفرض. وسيأتي البحث عن جميع ذلك بشئ من التفصيل. ولا يوجب إسناد الشهود إلى الشهر المركب من الايام المعدودة جعله بمعنى الحضور المقابل للسفر، فإن الحضور غير الشهود وتؤيد


(1) جاء في المصباح: وقيل: الشهر الهلال، سمي به لشهرته ووضوحه ثم سميت الايام به. وفي اللسان: والشهر العدد من الايام، سمي بذلك لانه يشهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه... وسمي شهرا باسم الهلال إذا أهل والعرب تقول: رأيت الشهر أي رأيت هلاله وقال ذو الرمة: (يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل). وهذا يعني أن الهلال هو الاصل في تسمية الشهر. (2) سورة البقرة: 189. (3) جاء في بعض الروايات تعابير نحو: (فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما) فنسبة الخفاء من الشهر كنسبة الشهود فلاحظ.

[ 20 ]

ذلك آيات من القرآن الكريم، منها قوله عز وجل: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) (1)، وقوله: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) (2)، فإن ما يعتمد عليه في المحاكمات والمرافعات هو الشهادة بمعنى يشمل الحضور والرؤية والاطلاع وإن كان يأتي شهد بمعنى حضر للتوافق المصداقي بينهما. وقد أخطأ اللغويون في تسويتهم الشهود بالحضور حيث حصره بعضهم فيه، ومنهم من جعله المعنى الاول، وذلك لانهم لاحظوا جملة من الاستعمالات العربية جاءت على ذلك وكان ديدنهم في تدوين المعاني اللغوية ملاحظة المعاني السياقية. والتحقيق على ما فصلناه في محله أنه أعم من ذلك، وإن كان الحضور لا ينفك عن الشهود، وقد أوجبت هذه الملازمة تخيل المساواة، ولكنه ليس كذلك. ولا يعني هذا أنا نمنع مجئ (شهد) متعديا تارة ولازما أخرى، فقد يأتي في بعض الموارد بحسب القرائن بمعنى يقابل السفر كما في رواية عن الصادق (عليه السلام): (من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه) (3)، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (أكلكم شهد معنا صفين) (4)


(1) سورة البقرة: 133. (2) سورة المائدة: 106. (3) الوسائل: ج 10 ص 176 ب 1 من أبواب من يصح منه الصوم ح 8. (4) نهج البلاغة خطبة رقم 122 ص 178.

[ 21 ]

وهو فعل لازم هنا. ولا ينافي هذا ما قلناه في الاية أنها وردت بمعنى جامع يشمل الحضور والاطلاع والرؤية. الاصل القرآني والخلاصة إن الاصل القرآني الذي يمكن استيحاؤه من الاية هو ارتباط تنجز وجوب الصوم بالرؤية. فإن الباري سبحانه خص عنوان الاستعلام بالشهود فنفى غيره من سائر الطرق العلمية، وهذا صريح ما تواترت عليه الروايات (صم للرؤية وأفطر للرؤية... ولا تصم إلا للرؤية... وليس على المسلمين إلا الرؤية) (1). فائدة في مادة شهد ومدلولها الكلمة التي هي محل البحث (شهد) مركبة من ثلاثة أحرف. والذي أحصيناه مما رصد في المعاجم اللغوية من معانيها على اختلاف هيئاتها ما يقارب الاربعين معنى. وقد حققنا في موضعه أن المعاني الكثيرة ترجع في الواقع إلى معنى واحد. والقاعدة ترشدنا إلى استحالة وضع مادة كلمة واحدة لمعان مختلفة، والحجة على ذلك


(1) الوسائل: ج 10 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

[ 22 ]

محررة في محلها (1). وأما الايات والروايات التي وردت فيها هذه الكلمة بما تحمل من اشتقاق فلا تنافي ما أشرنا إليه، فإن أفراد كل حقيقة إنما تفاوتت بملابساتها بينما يجمعها التجريد. وقد كان هذا مورد اهتمام المناطقة والفلاسفة ولذا استخرجوا على أساسه الجنس والفصل وسائر الكليات، وفرقوا بين الحدود والرسوم وجرت على هذا تعاريف العلوم، ولهذا تجد بذل الوسع من المصنفين في تحصيل التعريف الجامع المانع. ولما كان انتزاع الجامع في الالفاظ صعبا جدا، وكانت الفائدة منه قليلة في نظرهم لم تنل حظا وافيا من اهتمام العلماء. ولا نقصد بهذا أن الكثرات غلط واشتباه ولكن الذي نبحث عنه هو الدال على المعنى، فهل هو الوضع الجامع المجرد أو المقارنات والمشخصات؟ الذي حققناه أن المشخصات والمقارنات مداليل لمعان أخرى.


(1) للسيد الاستاذ دامت أيامه تحقيقات في شتى العلوم والفنون قل نظيرها - وان كانت ما تزال مطوية لم يطلع عليها نهار النشر - منها ما ألمح إليه من إنعام النظر في المفردة اللغوية والتعامل مع اللغة على أساس أنها كائن حي يعيش مع الانسان ويتأثر بظروفه. وقد أشار الى ما أحدثه علماء اللغة (إلا القليل منهم) من خلل حين جعلوا الاستعمالات العامة هي مرايا المعاني فخلطوا لقصر باعهم بين الحقيقة والمجاز، وأصبحت المعاني السياقية قرينة المعنى الموضوع له.

[ 23 ]

ويمكن الاستعانة في ذلك بالفلسفة العليا، فأهل التحقيق قسموا الاشياء إلى ما تحت المقولة وما فوقها. فالباري جلت عظمته فوق المقولة لا يدخل في مقولة من المقولات العشر، ويقولون إن الماهية دون الجعل، وكل مخلوق لا يخرج عن حيز هذه المقولات أي: الجوهر وأعراضه التسعة. والاعراض هي في واقعها تكممات وتكيفات وإضافات للجوهر وهو الاصل. ولكن لما جرت العادة على الانس بالظواهر والاقتصار على الشكليات أغفل الناس البحث عما ورائها فتوهم تعدد الحقائق وأصبح الاصل يقاس بالفرع. ومسألتنا من أهم المسائل التي لم تعط حق العناية زهدا في قيمتها العلمية على أنها من أخطر المسائل التي تؤثر في تفسير القرآن الكريم، والوقوف على أسرار حكمته ولطائفه. إذا أدركت هذا فتدبر في موارد (شهد) وكرر الشهادة بالتوحيد مرة بمعنى الاقرار مجردا، وأخرى بحيث تتعدى حد الاعتراف اللفظي فربما اكتشفت سر العظمة في هذه الكلمة. وخلاصة القول: إن العلماء لم يحصل لهم الفراغ لتمييز الاصل من العوارض. والذي أثبتناه أن الاختلاف إنما هو من جهة الدوال المصاحبة، والذي أوقع

[ 24 ]

العلماء في الاشتباه هو توهم أن المصاحبات هي الاصل فجعلوا لكل استعمال معنى خاصا في عرض المعاني الاخرى للاستعمالات في الموارد المختلفة (1). وعودا على بدء نقول: ظاهر الشهود هو الشهود الشخصي بالعين وأما العلم والاطلاع من غير هذه الجهة فلا يسمى شهودا. وقد خص الاطلاع على معرفة دخول شهر رمضان بالشهود. تأييد الاصل القرآني بالروايات ويؤيد هذا الاصل الظاهر من الاية أكثر الروايات التي حصرت


(1) طالت يد العدوى حتى المحققين من علماء النحو. فلقد مشى على هذا المنوال ابن هشام صاحب المغني، فأخذ يتسقط المعاني من كتب اللغة ويجمع كل ما ورثته المعاجم، وربما تأول معاني أخرى أضافها، وقد جارى في ذلك المدرسة الكوفية التي اعتمدت منهجة النقل حتى ولو كان مولدا. وإن كان يظهر منه الميل إلى المنهجية البصرية في بعض الموارد. وإن أول من وجدناه رعى هذا المطلب بشئ من الاهمية هم بعض أهل التحقيق من المدرسية البصرية التي اعتمدت المنهج العقلي في التعامل مع المفردة اللغوية، ثم شرحته كتب فقه اللغة مستفادا من الاصول القديمة كالخصائص لابن جني ومقاييس اللغة لابن فارس وغيرهما ممن أثرى المكتبة اللغوية بالوقوف على دقائق المباحث في مسألة الاشتراك بقسميه والترادف. وأما ما تعرض له الاصوليون في حقيقة الوضع وما يرتبط بها من مباحث لغوية فهو بنظري القاصر مختصر محل.

[ 25 ]

الصيام بالرؤية. وأكثر الاخبار يستفاد منها رؤية المكلف نفسه، ولهذا كان التجاوز في الحكم عن خصوص الرائي إلى غيره يحتاج إلى معمم ومنزل (1). ونحن نذكر أولا بعض الروايات التي ربطت بين الصيام والرؤية الشخصية، ثم نبحث في المعممات لمثل الاعمى ومن لا يتمكن من الابصار، أو لسائر المكلفين ممن لم تتيسر لهم رؤية الهلال. أما الروايات: فمنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (أنه سئل عن الاهلة، فقال: هي أهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فافطر...) (2) (الحديث). ومثله صحيحة الفضل بن يزيد (3) (وليس هو المفضل كما في بعض النسخ)، وكذا صحيحة عبد الله بن سنان (4).


(1) أي: إلى معمم روائي على غرار ما مر من المعمم القرآني الذي استوحاه من الايات الكريمة فلا تغفل. (2) الوسائل ج 10 ص 252 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1. (3) الوسائل ج 10 ص 253 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3. (4) الوسائل ج 10 ص 258 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 21.

[ 26 ]

والمروي عن أمير المؤمنين بسند صحيح أنه قال: إذا رأيتم الهلال فأفطروا (1).. (الحديث)، وفي بعض الروايات (لا تصم إلا أن تراه) (2)، وهناك روايات معتبرة عديدة تحمل نفس المضمون ذكرها في الباب الثالث وغيره من أبواب أحكام شهر رمضان في الوسائل فراجع. وأما الكلام في المعممات: وهو تعميم الحكم بوجوب الصيام بحيث يشمل من لم يشهد الهلال بنفسه أيضا فيمكن إثباته من جهتين: الاولى: إن الشهود كما أشرنا إليه شرط لتنجز الحكم لا شرط لجعله وكتابته، فلم يخصص عموم (كتب عليكم الصيام) بقوله: (فمن شهد منكم الشهر)، والمتيقن من المرفوع بالعنوان الخاص المتأخر هو رفع التنجز من مراتب الحكم فحسب. الثانية: إن إطلاق المفهوم في الاية الكريمة: ومن لم يشهد فلا يصومه. وقد ثبت بالضرورة تقييد هذا الاطلاق بما دل على أن رؤية الاخرين بمنزلة رؤية المكلف على ما سيأتي البحث فيه. ثم إن الكلام في مثل الاعمى هنا - حيث إن المتبادر من الاية


(1) الوسائل ج 10 ص 254 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 10. (2) الوسائل ج 10 ص 254 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9.

[ 27 ]

على ما قررناه خصوص من يتمكن من الشهود والرؤية، والاعمى لا يمكنه الشهود - نظيره في مسألة القبلة، فكما أنه يحتاج إلى موجه إليها فكذا هنا يعتمد على غيره لفقدانه قابلية الابصار، ولا يسقط الحكم عنه قطعا فإنه لا يصح في حقه أن يقال إنه لم يشهد حتى يدعى أن مفهوم الاية ينفيه كما ينفي من يتمكن من الابصار ولكنه لم ير الهلال. وبعبارة أخرى: منطوق الاية المباركة (من شهد الشهر فليصم)، وإطلاق مفهومها (من لم يشهد فلا يجب عليه الصوم) لو لم يقم دليل من خارج، والمنطوق لم يتعرض للاعمى لعدم قابليته للشهود فلا يمكن أن يدخل في المفهوم لما قرر في المباحث الاصولية من وجوب حفظ الموضوع فيهما وهو المتمكن من الابصار لا مطلق المكلف كما هو واضح، فهو من قبيل الملكة والعدم، فالمفهوم على هذا لا ينفي وجوب الصوم عن الاعمى، وتبعيته لغيره في مثل المقام معلومة بضرورة الفقه فلا حاجة للبحث فيما ينزل رؤية الاخرين منزلة رؤيته. وأما أصل التعميم وتنزيل شهود الاخرين منزلة شهود المكلف

[ 28 ]

فهو حكم ثابت في الجملة، ولكنه مشروط بإمكان الاعتماد على قول المدعى، إذ أن الاعتماد على قوله يتوقف بدلالة العقل وبحسب الروايات على عدم اتهامه لان في كل دعوى للرؤية احتمالين: الاول: إحتمال الخطأ. الثاني: إحتمال الكذب. ودفع هذين الاحتمالين لابد وأن يكون بدليل وأصل معتبر، وقد أكدت الروايات الكثيرة على وجوب رفع الاشكال من الجهتين، وأن ثبوت الشهر ليس بالرأي ولا التظني، والذي يصوم أو يفطر اعتمادا على الرؤية مع احتمال خطئها أو كذب مدعيها يعد ممن عمل بالرأي والتظني المنهي عنه (1). ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا وليس بالرأي ولا بالتظني، الحديث (2). وفي صحيحة (3) إسحاق بن عمار: في كتاب علي (عليه السلام): صم لرؤيته


(1) سيأتي زيادة تحقيق في المقام فانتظر. (2) الوسائل ج 10 ص 252 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2. (3) إنما عبرنا بالصحيحة مع أن المشهور هو التعبير عن روايات إسحاق بالموثقة، لما حققه السيد الاستاذ في أخبار الرواة وسائر كتبه الرجالية من عدم كونه فطحيا.

[ 29 ]

وافطر لرؤيته وإياك والشك والظن (1). وما عن علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية وأفطر للرؤية (2). وفي صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني... (3). فهذه الروايات وغيرها يستفاد منها تقييد مطلق الرؤية بالرؤية المفيدة للعلم الخالية من الشك والظن، وعليه فمع احتمال الخطأ - إن كان مما يعتد به على ما سيأتي - لا يمكن الاعتماد على هذه الرؤية. وأما احتمال الكذب فيدفعه الاعتماد على البينة العدل كما في كثير من الروايات المعتبرة. منها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه (4).


(1) الوسائل ج 10 ص 255 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11. (2) الوسائل ج 10 ص 255 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13. (3) الوسائل ج 10 ص 256 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16. (4) الوسائل ج 10 ص 252 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8.

[ 30 ]

ومنها: صحيحة الفضل بن يزيد وزيد الشحام جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الاهلة؟ فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر، قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ فقال: لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك، فاقض ذلك اليوم (1). وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم، فقال: لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم (2). وغير هذه الروايات كثير. وعلى هذا يتم التعميم التنزيلي فتكون رؤية الاخرين كرؤية المكلف نفسه في ترتيب الاثر إذا كانوا عدولا حسب ما نطقت به هذه الروايات وكانت الرؤية مأمونة مما يورث الشك كالخطأ والاشتباه حسب ما مر في الروايات السابقة. منهج آخر في التحقيق: الوقوف على الشئ والمعرفة به والاطلاع عليه إما أن يكون


(1) الوسائل ج 10 ص 262 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4. (2) الوسائل ج 10 ص 264 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9.

[ 31 ]

بالعلم أو بغيره، والعلم حجيته ذاتية وغيره يحتاج في اعتباره إلى دليل. ومسألة ثبوت الهلال هي إحدى المسائل التي تندرج تحت هذه الضابطة. فإذا علم أحد بثبوت الهلال علما بتيا فلا كلام في حجية هذا العلم مادام وصل إلى حد القطع، وأما إذا خالجه الشك في علمه فلا يمكنه التعويل على الشك والظن. فإنه علاوة على قيام الدليل على عدم حجية مطلق الظن ثبت الدليل الخاص في المقام كما مر في الروايات السابقة. طرق إثبات الهلال وطرق إثباته متعددة منها أمارات حسية وأخرى حدسية. أما الحدسية فسيأتي الحديث عنها، وبحثنا فعلا في الحسيات: الامارة الاولى، الرؤية الشخصية: والمستفاد من الروايات الكثيرة أن الرؤية حجة معتبرة ما لم يخالطها الشك والوهم والظن، فقد روى الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم قال: إذا لم يشك

[ 32 ]

فليفطر وإلا فليصم مع الناس (1). فهي صريحة في ثبوت الوجوب عليه إذا كان متيقنا من رؤيته حتى ولو لم يره أحد غيره. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن شطرا من روايات الرؤية موجهة إلى الرائي نفسه فردا كان أو جماعة. ويكفي في تقييد التعويل على مطلق الرؤية ما ورد من الروايات التي نهت عن الاعتماد على الظن والوهم كما مر. الامارة الثانية، شهادة الشاهد الواحد: فمما لاريب فيه حجية خبر الواحد بسيرة العقلاء على الاختلاف في جريانه في الموضوعات أيضا. ولكن الاعتماد عليه إنما يكون بعد سد بابين: باب الخطأ وباب الكذب. لان كل خبر محفوف بخائين: خاء الخطأ وخاء الخيانة. وسد باب احتمال الخطأ إن كان في الامور الحسية المحضة فبالرجوع إلى الاصول العقلائية من أصالة عدم الغفلة والاشتباه ونحوهما، وإن كان فيما لا يخلو من الحدس والنظر فلا يمكن إلا بالاعتماد على أهل الخبرة في الامور المهمة التي لا يتساهل فيها العقلاء عادة، فإنهم يلغون احتمال الخطأ عند الوقوف على قول أهل الخبرة.


(1) الوسائل ج 10 ص 260 ب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 33 ]

وأما سد باب احتمال الكذب والخيانة فيمكن بالاعتماد على خبر العدل الثقة. والذي يدعي رؤية الهلال يرد في حقه هذان الاحتمالان. فإن المستهل إذا لم يكن من أهل الخبرة لم يتيسر له عادة بدون تشخيص الجهة التي يحتمل رؤية الهلال فيها (1). وربما غلب عليه تصور وخيال خاص فيرى ما ليس بهلال هلالا، وإن كان رجلا ظاهره الصلاح والتقوى. وأما احتمال الكذب فلا يدفعه إلا ثبوت كون مدعي الرؤية عادلا متورعا. فإن ما نحن فيه من مظان التهمة. فكم كان وما يزال رجال من العامة - بل حتى من الخاصة - يدعون الرؤية والهلال لما يتولد بعد. ولكن مع ذلك لا يمكن الاعتماد على شهادة المخبر الواحد فيما نحن فيه حتى ولو كان المخبر عادلا خبيرا، وإن كان جريان السيرة العقلائية في أمور المعاش على ذلك. وعلى هذا الاساس كانت الامارة الثانية تدور مدار البينة بقسميها الداخلية والخارجية وإن


(1) للخبرة دور لا ينكر في أمر الهلال لتحصيل العلم أو الاطمئنان، لكن في جعلها قيدا تأمل. فان اهتمام الروايات انما انصب على نفي الشك عن الرؤية وهذا أعم من كون مدعي الرؤية خبيرا أو لا. وشاهده أنه قد يكون الشاهدان عدلين من أهل الخبرة وترد دعواهما فيما إذا كان الجو صحوا لقوة احتمال اشتباههما. وكذا لو شهد عدول على الرؤية يؤخذ بشهادتهم ولو لم يكونوا من أهل الخبرة.

[ 34 ]

كان ثم شروط أخرى سيأتي البحث عنها. فعلى هذا لا تكون شهادة المخبر الواحد بنفسها أمارة شرعية على رؤية الهلال. فإن السيرة وغيرها من الادلة التي أقيمت على حجية الخبر لا تتعدى حد الاقتضاء، أي أن مقتضى الحجية متحقق فيه ولكن في المقام موانع من تمامية الحجية: موانع حجية شهادة الشاهد الواحد: منها: أن إطلاق مفهوم الاية (فمن شهد منكم الشهر...) ينفي وجوبه عمن قام عنده خبر الواحد. ومنها: إطلاق روايات (صم للرؤية وأفطر للرؤية) فإنها تثبت وجوب الصوم للرؤية وتنفيه لما عداها وإن أقر به العدل. ومن الموانع القوية: روايات البينة فهي مانعة صريحا عن الاخذ بخبر العادل ما لم يكتمل نصاب البينة. والاقوى منها: الروايات التي نفت اعتبار دعوى الرؤية فيما إذا لم يبلغ المدعون عدد القسامة إذا كان الجو صحوا على ما سيأتي. تثبيت وتأكيد: في المقام روايات عديدة تنفي اعتبار الشهادة الواحدة لاحتمال

[ 35 ]

الخطأ والاشتباه كما أشرنا سابقا: منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية، والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظرون فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف (1). ومنها: صحيحة الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته ويقول الاخرون: لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائة رآه ألف (2)... بل ثم روايات أخر والعمدة في مضمونها أن سائر المستهلين يصدقون رؤية المدعي. منها: ما في موثقة عبد الله بن بكير (وليس رؤية الهلال أن يجئ الرجل والرجلان فيقولان: رأينا. إنما الرؤية أن يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدق) (3). ومنها: مصححة أبي العباس الفضل بن عبد الملك عن أبي


(1) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11. (2) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 10. (3) الوسائل ج 10 ص 291 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 14.

[ 36 ]

عبد الله (عليه السلام) (قال: الصوم للرؤية والفطر للرؤية وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون) (1). فهذه الطائفة من الروايات تؤكد على وجوب التحقق من الرؤية وعدم التسرع في قبول المدعي ما لم يحصل العلم بصحة مدعاه، وهي تتكفل كما قلنا بسد باب احتمال الاشتباه والوهم، فإن ادعاء فردين أو أقل أو أكثر للرؤية مع كون الجو صحوا، وتصدي جماعات في جميع أنحاء البلاد للاستهلال وعدم تصديقهم للادعاء مما يوجب الشك بلا ريب. نعم يظهر من بعض الروايات التفريق بين ما إذا كان في السماء علة وما لم يكن، وسيأتي البحث فيه قريبا. وأما الطائفة الاخرى التي تغلق باب احتمال الكذب فهي روايات البينة كما أشرنا سابقا. ولايضاح المطلب رغبة في استنطاق أخبار البينة ندرسها بشئ من التفصيل. الامارة الثالثة، البينة: وهي العدل الاخر الذي ذكرته الروايات في قبال رؤية المكلفين. فثبوت الهلال إما بالرؤية أو بإتمام العدة، إلا أن تقوم به البينة وبهذا


(1) الوسائل ج 10 ص 290 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12.

[ 37 ]

سقط خبر الواحد عن الاعتبار إذا انفرد. وروايات البينة على نحوين: مطلقة في قبول شاهدين عدلين، ومقيدة لذلك الاطلاق بما إذا كان في السماء علة وكانت دعوى الشهود من خارج البلد. الطائفة المطلقة في اعتبار البينة: منها: ما يدل على اعتبار البينة في أهلة الشهور، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين. وقريب منها صحيحة حماد وصحيحتين أخريين للحلبي وصحيحة شعيب العقرقوفي (1). وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)، وما رواه المفيد في المقنعة بإسناد صحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل (3). ومنها: ما ورد في التعويل على البينه في قضاء أول الشهر لمن لم يشهد هلاله ولم يصمه، كصحيحة منصور بن حازم عنه (عليه السلام) أنه قال: صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان


(1) الوسائل ج 10 ص 286 - 589 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح / 1 / 3 / 7 / 8 / 9. (2) الوسائل ج 10 ص 288 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6. (3) الوسائل ج 10 ص 292 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16.

[ 38 ]

بأنهما رأياه فاقضه (1). ومثل خبر صابر مولي أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصوم تسعة وعشرين يوما ويفطر للرؤية ويصوم للرؤية أيقضي يوما فقال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لا، إلا أن يجئ شاهدان عدلان فيشهدا أنهما رأياه قبل ذلك بليلة فيقضي يوما (2). فإن المفروض عدم الرؤية في أول الشهر وقد عول على استصحاب شهر شعبان حسب الوظيفة في يوم الشك وإنما يقضي لتقدم البينة. ومثل صحيحة أبي بصير عنه (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر (3)... الحديث. بل في المقام روايات أخر وكلها متطابقة الظهور على اشتراط تعدد العدول في البينة وعدم الاكتفاء بالعدلين في الشهادة مثل صحيحتي الفضل وزيد الشحام جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الاهلة؟ فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا


(1) الوسائل ج 10 ص 254 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8. (2) الوسائل ج 10 ص 267 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 21. (3) الوسائل ج 10 ص 287 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

[ 39 ]

رأيته فأفطر، قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ فقال: لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم (1). وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا أصبح الناس صياما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا.. الحديث (2). ومثل صحيحة أبي الصباح والحلبي جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم فقال: لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم (3). وجاء قريبا من هذا المتن في ثلاث روايات صحيحة عن عبيدالله الحلبي، وعبد الله بن سنان، وعمر بن الربيع (4). ومن روايات البينة ما دل على اعتبار شهادة أهل البلد، مثل


(1) الوسائل ج 10 ص 262 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4. (2) الوسائل ج 10 ب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 وهذا الحديث ورد مقطعا في عدة أبواب فلاحظ. (3) الوسائل ج 10 ص 264 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9. (4) الوسائل ج 10 ص 266 - 267 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 17 / 19 / 20.

[ 40 ]

مصححة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لاتصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه (1). ومنها: ما دل على أوسع من ذلك حيث اعتبر الشاهدين من جميع أهل الصلاة كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر (2). وكذا صحيحته الاخرى، وزاد: وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الامصار، فإن فعلوا فصمه (3). إلى هنا تم ما أشرنا إليه من سد باب الخطأ بالطائفة الاولى من الروايات وسد باب الكذب بهذه الطائفة، ولكن هل يكفي هذا في الحكم بثبوت الهلال أم لابد من قيود أخرى يجب توفرها؟ الظاهر من تتبع روايات البينة أن مجرد قيام شاهدين أو ثلاثة لا يصحح الحكم بثبوت الهلال مطلقا، ففي قبال الروايات المطلقة، روايات أخر مقيدة لاطلاقها، والبحث فيها يحتاج إلى زيادة تحقيق


(1) الوسائل ج 10 ص 254 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9. (2) الوسائل ج 10 ص 287 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5. (3) الوسائل ج 10 ص 292 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 41 ]

في فقه الحديث. الطائفة المقيدة في إعتبار البينة: إن النظر في سعة دائرة الحجية لروايات البينة مما أهمل التحقيق فيه كثير من الاعاظم. والذي ينبغي أن يقال: إن شهادة العدلين لا يصحح ثبوت الهلال بقول مطلق، فإن من له نظر ثاقب يلاحظ أن روايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ضيقت دائرة التعويل على البينة في الهلال بما أشرنا إليه، وبتفريقها بين ما إذا كان في السماء علة تمنع الرؤية في البلد وما لم يكن. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية والرؤية ليس أن يقوم عشرة فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف وإذا كان علة فأتم شعبان ثلاثين (1). على اختلاف في لفظ الحديث بين التهذيب والكافي. وفي التهذيب والاستبصار بسند صحيح عن يونس بن عبد الرحمن عن أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قلت: كم


(1) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11.

[ 42 ]

يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته ويقول الاخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر (1). وأيضا بسند صحيح على الاقوى عن حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم أنهم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية (2). وهذان الخبران صريحان في التفصيل مع صحة الثاني سندا أيضا لظهور كون حبيب الخزاعي المذكور ههنا هو المذكور في الكشي، وفي رجال الشيخ وفهرسته بعنوان (الخثعمي)، له أصل روى عنه ابن أبي عمير وأجلاء الثقاة من أصحاب الاجماع ومن عرف بأنه لا يروي


(1) التهذيب 4: 160، والوسائل عنه ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 10. (2) التهذيب 4: 159، والاستبصار 2: 74.

[ 43 ]

إلا عن ثقة، على ما حققناه في كتبنا الرجالية، وإنه المذكور بعنوان (الجماعي) في بعض المصنفات، وفي النجاشي: ثقة ثقة صحيح، روى عن أبي عبد الله والكاظم والرضا (عليهم السلام) وقد أكد وثاقته في الحديث بوصفه بالصحيح إيماء إلى صحة السماع والحديث، وصحة المسموع ومضمون الخبر. فالتحقيق وثاقته كما بيناه في محله فراجع (1). وأما الكلام في إسماعيل بن مرار ويونس بن عبد الرحمن والعباس ابن موسى فقد أثبتنا وثاقتهم أيضا وجلالتهم ودفع ما أوهم المناقشة فيهم، وعليه فأصالة الصدور سالمة في هذين الخبرين. وقد نوقش فيهما تارة أخرى من جهة الدلالة بعدة إشكالات: الاول: احتمال ورودهما في اعتبار التعويل على العلم والعلمي في أمر الهلال. الثاني: اختصاصهما بما لم يتبين عدالة الشاهدين، ومرجع هذين إلى اختلال أصالة الظهور فيهما. الثالث: كونهما تعريضا لما عليه العامة من الاجتزاء بالشاهدين في الصحو مع القطع بكذبهما، لعدم العلة في الرائي والمرئي مع كثرة المطلعين، ومرجع هذا إلى الاخلال بأصالة الجهة. الرابع: إن اعتبار القسامة فيهما لغو، فإنها لا تفيد اليقين، وإنما تفيد


(1) راجع تهذيب المقال 5: 234.

[ 44 ]

قوة الظن التي تحصل بشهادة العدلين أيضا. الخامس: مخالفة اعتبار عدد القسامة لما عليه عمل المسلمين في أمر الهلال، على أنه لم يوجد في غير قصاص الدم، ومرجع الاخيرين إلى العلم. وهذا كله يظهر من النظر في كلام من خالف الشيخ والقدماء (1) مثل العلامة والمحقق ومن تبعهما (2). ولكن الجميع في غاية الضعف وقد فصلنا بيانه في شرحنا على العروة الوثقى، على أنها مخالفة لاصول حجية الاخبار بإعمال الوهم وعدم ملاحظة الاطلاق في الاخبار، هذا مضافا إلى أن القسامة كما في أخبار صحيحة (3) إنما جعلت في مورد التهمة واللوث وما نحن فيه من هذا القبيل. وأضعف من الجميع دعوى تعارض الخبرين مع بقية الاخبار


(1) فقد ذهب إليه الشيخ في بعض كتبه. ونقله في المختلف عن ابن البراج أيضا. وقال الصدوق في المقنع: واعلم أنه لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، ويجوز شهادة رجلين عدلين إذا كانا من خارج البلد أو كان بالمصر علة وهو المنقول عن أبي الصلاح وابن زهرة وابن حمزة على ما سيأتي في التعليق على التنبيهات. (2) لاحظ المعتبر 311، والمنتهى 3: 589، والجواهر 16: 356. (3) الوسائل ج 29 ص 137 ب 1 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به وص 151 ب 9 من نفس الابواب.

[ 45 ]

المطلقة وتساقطهما ثم الرجوع إلى عمومات حجية البينة في الموضوعات على الاطلاق، إذ لا تعارض بين المطلق والمقيد من أخبار الباب بعد كون الجمع العرفي رافعا للتعارض البدوي المتوهم بينهما، كما حقق في الاصول. تنبيهات: الاول: أخبار البينة باعتبار قبول الشهادة: مطلقة ومقيدة، وباعتبار البلد: داخلية وخارجية. وإنما يعتمد على البينة الخارجية فيما إذا كان في سماء البلد علة بحيث لم يتيسر لاهلها الرؤية. وأما البينة الداخلية وهي شهادة عدلين من داخل البلد فلا يمكن الاكتفاء بها إذا كانت السماء مصحية. فإن قيام فردين أو أكثر كما قلنا مع عدم تصديق باقي المستهلين يوجب الريب في شهادتهم. وعلى طبق ما يستفاد من هذه الاخبار أفتى غير واحد من أعيان الطائفة وأساطين الفقه، كالشيخ الطوسي، فقد قال في التهذيب - بعد أن أجرى شهادة الشاهدين من خارج البلد مجرى خبر التطويق -: إنما تعتبر شهادتهما إذا كان هناك علة، ومتى لم يكن هناك علة فلا يجوز اعتبار ذلك على وجه من الوجوه، بل يحتاج إلى شهادة خمسين نفسا (1).


(1) التهذيب 4: 179، وجاء نحو ذلك في الاستبصار 3: 74. ? وقال في النهاية 150: وعلامة الشهور رؤية الهلال مع عدم العوارض والموانع، فمتى رأيت الهلال في استقبال شهر رمضان فصمه بنية الفرض من الغد، فإن لم ترد لتركك الترائي له ورؤي في البلد رؤية شائعة وجب عليك أيضا الصوم، فإن كان في السماء علة ولم ير في البلد الهلال أصلا ورآه خارج البلد شاهدان عدلان وجب الصوم أيضا، وإن لم يكن هناك علة وطلب فلم ير الهلال لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون نفسا من خارج البلد أنهم رأوه. وذكر مثله في المبسوط 1: 267. وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي 181: وعلامة دخوله رؤية الهلال وبها يعلم انسلاخه ويقوم مقامها شهادة رجلين عدلين في الغيم وغيره من العوارض، وفي الصحو وانتفائها إخبار خمسين رجلا، فإن تعذر الامران وجب تكميل شعبان ثلاثين يوما. وقال السيد ابن زهرة في الغنية ص 570: ويقوم مقام رؤية الهلال شهادة عدلين مع وجود العوارض من غيم أو غيره، ومع انتفائها شهادة خمسين، فإن تعذر الامران وجب تكميل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم الصوم بنية الفرض، بدليل الاجماع المتكرر. وقال ابن حمزة في الوسيلة ص 141: ورؤية هلال رمضان لم يخل من ستة أوجه: إما رآه واحد، أو أكثر، أو رؤي في البلد مع عذر، أو مع فقده، أو خارج البلد مع وجود عذر، أو فقده، فالاول إن رآه حقيقة لزمه الصوم وحده، وقال: أبو يعلى يلزم الكافة والثاني لم يخل إما يرى رؤية شائعة أو غير شائعة، فالاول يلزم الصيام الكافة، والثاني إن رآه إثنان أو أكثر وكان بالسماء علة وجب الصوم وهو القسم الثالث، والرابع لا يثبت إلا بشهادة خمسين نفرا، والخامس والسادس مثل الثاني والثالث.

[ 46 ]

بينما تأمل آخرون في التعويل على مطلق البينة كالسيد صاحب الوسيلة (قدس سره) وغيره.

[ 47 ]

الثاني: لا تكفي شهادة المخبر الواحد في أمر الهلال ولو كان ثقة ثبتا، لقوله (عليه السلام): لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين. وقد حملها في الجواهر على التعريض بما عند العامة من الاعتماد على الفسق والجهالة. وكذا لا تكفي شهادة النساء ولا ضم اليمين. وسيأتي مزيد تحقيق في ذلك فانتظر. الثالث: للخبرة دورها الفعال الذي لا ينكر في دعوى الرؤية لعدم خلوها من دخالة الحدس، ومن هنا لا نكتفي بإجراء الاصول العقلائية كأصالة السلامة وعدم الغفلة في المقام، فإنها إنما تجري في الحسيات المحضة. علاوة على عدم اطمئنان العقلاء بها وركونهم إليها في المسائل المهمة. الرابع: يظهر من النصوص الشريفة أن المدار على الرؤية الليلية، وكذا بالنسبة للاية المباركة، بناء على ما استظهرنا من لفظة (شهد) وأنها تنفي سائر الطرق التي لا ترجع إلى الرؤية. الخامس: بعد الفراغ عن حجية البينة بمقتضى النصوص المتقدمة على التفصيل الذي أسلفنا، يحسن التنبيه على ما ورد في بعض الاخبار من كفاية الشهادة على تحقق الرؤية، ودخول الشهر وإن لم يكن الشاهدان رأياه بأنفسهما، وقد جعلها بعض الفقهاء تحت عنوان الشهادة على الشهادة، واستظهر في الجواهر ثبوت الهلال بها

[ 48 ]

لاطلاق أو عموم ما دل على قبولها، ولان الشهادة حق لازم الاداء فيجوز الشهادة عليه. 1 - ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: لاتقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر (1). 2 - وصحيحة هشام عنه (عليه السلام) قال: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوما (2). 3 - وخبر الخزاعي: إنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية (3). ولكن التحقيق عدم كفاية الشهادة على الشهادة، لان الاخبار عموما إنما كانت بصدد التعرض إلى قبول البينة، فليس لها عموم لفظي ولا إطلاقي بحيث تشمل البينة على الشهادة كما هو واضح، بل يختص أكثرها بما إذا كانت على الرؤية، ولذا جعل فيها شهادة العدلين استثناء لقوله: (صم للرؤية وأفطر للرؤية).


(1) الوسائل ج 10 ص 292 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1. (2) الوسائل ج 10 ص 265 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13. (3) التهذيب 4: 159 والاستبصار 2: 74.

[ 49 ]

مضافا إلى التصريح في جملة منها بالشهادة على الرؤية، لا الاعم من كونها على الرؤية أو على الشهادة كما في صحاح: الحلبي، ومحمد ابن قيس، وعبد الله بن سنان، وعمر بن الربيع، وإسحاق بن عمار ومنصور بن حازم. كما لا إطلاق لروايات (لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين) ونحوها مما أوردها في الباب الحادي عشر من الوسائل. والعجب ذكر خبر الخزاعي الخثعمي مع أن فيه: (فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا...) حيث فرض فيه الشهادة منهما على الرؤية، وزاد فيه الاخبار عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية. وأما الضميمة التي أضافها في الجواهر، علاوة على الاستدلال بعموم الاخبار من أن الشهادة حق لازم الاداء فيجوز الشهادة عليه كساير الحقوق، فهي اعتبار عقلي لا اعتبار به، مع أن الحق هو الشهادة على ما رآه، لا الشهادة على شهادة الناس. ثبوت الهلال بالتواتر والشياع: ذكر في العروة أن من طرق إثبات الهلال: التواتر، والشياع المفيد للعلم. أما التواتر فهو وإن كان لا ينكر عند الارتكاز العقلائي إلا أنه

[ 50 ]

ليس حجة بذاته وإنما الحجية الذاتية للعلم. والتواتر من مبادي حصول اليقين، فإن حصل العلم واليقين منه فهو الحجة وإلا فالتواتر بنفسه ليس بحجة. وأما الشياع فهو أولى بالمناقشة فإن حصل العلم القطعي منه فلا كلام لنا فيه وإلا فمجرد انتشار أمر ما في البلاد وشيوعه لا يكفي في التعويل عليه، فكم راجت قضايا تبين كذبها (1). ومن الطرق المدعاة: رؤية الهلال في النهار: من جملة الطرق التي ادعي ثبوت الهلال بها رؤيته في النهار. وقد أفتى به بعضهم تعويلا على روايات وردت في المقام منها مطلقة


(1) أراد بذلك التنبيه على ما يوهم التواتر في بعض الموارد بينما هو مجرد تتابع وتعاقب وكأن مدعيه خلط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي الذي يعني إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، كما يمنع كونهم في تشخيص القضية. وكثيرا ما كان يشير - حفظه الله - إلى تأثر الحركة الجماعية بالعناوين والشعارات البراقة مما يسبب عدم الدقة في فهم الحوادث، واختلاط الاوراق، ومجرد رواج أمر وانتشاره بين الناس لا يصحح حجيته. فإن المجتمع وإن كان ظاهره الصلاح ولكنه قد يخطئ في تشخيص الظاهرة. وقد استفدنا هذا من تحقيق شريف له حول كلمة أمير المزمنين (عليه السلام) (... وباقي الناس همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق).

[ 51 ]

ومنها مفصلة بين رؤيته قبل الزوال وبعده (1)، مع الاعتراف منهم بأن هذا مجرد فرض نادر التحقق أو لا يكاد يقع. فمنها: صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل (2). ومنها: صحيحة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لا تصمه إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه إلى الليل (3). ومنها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة (4). ومنها: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن القاسم بن سليمان عن جراح المدائني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):


(1) الوسائل ج 10 ب 8 ح 1 / 2 / 3 / 5 / 6. (2) الوسائل ج 10 ص 278 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1. (3) الوسائل ج 10 ص 278 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3. (4) الوسائل ج 10 ص 280 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6.

[ 52 ]

من رأى هلال شوال بنهار في شهر رمضان فليتم صومه (1). وقد نوقش فيها بعدم توثيق القاسم وجراح، وقد أقمنا أمارات تثبت وثاقتهما في كتبنا الرجالية. ومنها: موثقة عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال وإذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان (2). وفي المقام كلام حكمي وهو الاهم وآخر موضوعي: أما الحكمي: فإنه لا يمكن التعويل على هذه الروايات وإن صح سندها لامور منها: أولا: لانها مخالفة للاصل القرآني الذي أسسناه، وقد صح في كثير من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام): أن ما خالف قول ربنا لم نقله أو هو زخرف وأمثال هذه التعابير. ثانيا: لمخالفتها للسنة المتواترة التي أكدت وحصرت ثبوت الهلال في رؤية المكلفين أنفسهم أو رؤية من ثبت حجية قوله، أو تواترها وشياعها. والمدار في جميع ذلك على الرؤية الليلية كما هو واضح،


(1) الوسائل ج 10 ص 278 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2. (2) الوسائل ج 10 ص 279 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

[ 53 ]

ومخالف السنة القطعية مردود كذلك. ثالثا: الامر بإتمام الصوم مع رؤية هلال شوال في نهار شهر رمضان كما في خبري محمد بن قيس وجراح وغيرهما من تخطئة الرؤية. وتوهم كونه تعبدا بالصيام في أول شوال - المحرم صومه - ضعيف. رابعا: ربما أمكن حملها على التقية، فإن العامة وإن كانوا على قولين في المسألة إلا أن المشهور عندهم هو ما يظهر من هذه الروايات (1). وأما البحث الموضوعي: فعلى فرض صحة هذه الروايات تحمل على الفرد النادر، فإنا لم نر ولم نسمع إلى الان من ادعى رؤيته في النهار. نعم يمكن دعوى رؤيته قبل الغروب بساعة ونحوها. ونحن لا نرد العلم إذا قال: إن رؤيته في النهار تعني أنه تولد قبل الغروب، ولكن نقول: إن هذا لا يوافق (صم للرؤية وأفطر للرؤية)، وقولهم: (لاتصم


(1) قال القرطبي في بداية المجتهد 1: 275: فذهب الجمهور إلى أن القمر في أول وقت رؤي مع النهار أنه ليوم المستقبل، وبهذا القول قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أصحابهم وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة والثوري وابن حبيب من أصحاب مالك: إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن رؤي بعد الزوال فهو للاتية.

[ 54 ]

إلا للرؤية)، فإن الظاهر من أخبار الرؤية المتعقبة بالصوم الذي مبدؤه الامساك من الفجر، وكذا ما ورد في بعض الروايات مثل (فأصبح صائما) وغيرها هو الرؤية الليلية. مضي الثلاثين مع الخفاء والشك: بعد أن علم أن الشهر القمري لا يتعدى الثلاثين يوما أصبح من الضروري دخول الشهر الجديد في اليوم الحادي والثلاثين. وإنما كان الهدف من ذكر هذا المطلب إثبات الحكم المولوي التعبدي باعتبار اليوم الحادي والثلاثين مع الشك في الثلاثين هو اليوم الاول من الشهر المرتقب، أي شهر كان. وقد كانت هذه المسألة مثار توقف ومراجعة عند أصحاب الائمة (عليهم السلام)، فجاءت أخبارهم صريحة في ذلك بتعابير مختلفة. منها: عد الشهر ثلاثين، كما في صحيحة محمد بن قيس: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا (1). ومنها: إتمام الشهر ثلاثين يوما، كما في صحيحة محمد بن مسلم:


(1) الوسائل ج 10 ص 264 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11 / و ص 278 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 55 ]

(وإذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين) (1). ونحوه صحيحة إسحاق بن عمار وغيره. ومنها: إتمام العدة ثلاثين وجعل اليوم الجديد الواحد والثلاثين كالذي رواه الشيخ في التهذيب عن أبي خالد الواسطي قال: أتينا أبا جعفر (عليه السلام) في يوم شك فإذا مائدة موضوعة وهو يأكل - إلى أن قال - إذا كان مثل هذا اليوم ولم تجئكم به بينة رؤية الهلال فلا تصوموا - وفي نهاية الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - ألا وهذا الشهر المفروض رمضان فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما، وصوموا الواحد والثلاثين (2). ومنها: أن ما جاء في القرآن الكريم بعنوان إكمال العدة ونحوه أريد منه جعل الشهر ثلاثين يوما، كما في صحيحة هارون بن حمزة، ومصححة عبد الاعلى بن أعين، وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (ولتكملوا العدة) قال: صوم ثلاثين يوما (3).


(1) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11 و ص 255 ب 3 من نفس الابواب ح 11، وص 263 ب 5 من نفس الابواب ح 5. (2) الوسائل ج 10 ص 266 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16. (3) الوسائل ب 5 حديث 31، 35، 37.

[ 56 ]

ثبوت الهلال بالتطويق: نسب إلى الشيخ الصدوق (رحمه الله) (1) التعويل على تطويق القمر بمعنى أن يرى الناظر طوقا حول هالة القمر، فحكم بأنه إذا كان مطوقا فهو لليلتين فتكون الليلة السابقة من الشهر وإن لم ير الهلال فيها. وممن قال به صاحب الذخيرة من المتأخرين وتبعه غيره. ويظهر من الشيخ الميل إليه فيما إذا كان في السماء غيم ونحوه. وعمدتهم في ذلك ما رواه الكليني والشيخ والصدوق بأسانيدهم عن محمد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث (2). وهو صحيح بطريقي الشيخ والكليني عليهما الرحمة بلا إشكال، وكذا بطريق الصدوق بشيخه محمد بن علي بن ماجيلويه - على فرض قبول ما في الفقيه وإن كان الظاهر خلافه على ما سنشير - فإنه وإن لم يصرح بتوثيق ولكنه ممدوح ومن أجلة مشايخ الصدوق، وقد أقمنا أمارات وثاقته في محله. وقد ادعي أن طريق الصدوق ضعيف، إذ قال العلامة في التذكرة:


(1) ربما غلبت التعبدية المحضة على بعض آراء الشيخ الصدوق عليه الرحمة ولو كانت لرواية واحدة مخالفة للوجدان كما في دعوى أن شهر رمضان تام أبدا، أو لا توافق البرهان كدعواه في سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ] منه حفظه الله [. (2) الوسائل ج 10 ص 281 ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

[ 57 ]

(ونمنع صحة سندها)، وارتضاه في الجواهر (1) وتبعه غيره بدعوى جهالة طريقه إلى ابن مرازم، والصحيح أنه لا طريق له إلى ابن مرازم، فإن الموجود في الفقيه وإن كان بعبارة: (روى محمد بن مرازم عن أبيه)، ولكن الذي في مشيخة الفقيه: محمد بن علي بن ماجيلويه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن مرازم بن حكيم، فقط. وروى في سائر كتبه بأسانيده الصحاح عن محمد بن أبي عمير عن مرازم بن حكيم الازدي عن أبي عبد الله (عليه السلام). وإنما روى أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن مرازم عن أبيه كما ذكرناه في محله، أو أحمد بن محمد البرقي عنه. ولا يصغى إلى دعوى أن العلامة قصر النظر في إشكاله السندي على طريق الصدوق ولم يتوجه إلى طريقي الكليني والشيخ الصحيحين، فإن هذه الدعوى واضحة الفساد، وذلك لان العلامة قال في المختلف: (وفي الصحيح عن محمد بن مرازم عن أبيه..) (2) وإنما كان غرضه في التذكرة رد احتجاج الصدوق في المقنع والفقيه بمنع صحة سنده، فتدبر. وأول ما أشكل به على هذه الرواية إعراض المشهور، بل في


(1) الجواهر 6: 375. (2) المختلف ج 3: 479.

[ 58 ]

الجواهر: بلا خلاف أجده فيه. وهذا على المبنى كما تعلم. والذي يمكن أن يقال: أولا: إن الاستنارة الكلية لسطح القمر المواجه في الليلتين الاوليين ليس لها واقع. وأما التطويق فهو من خطأ الحس فإن الناظر إذا دقق النظر تخيل إليه - بسبب انحناء واستدارة الهلال الجزئية - أنها دائرة متكاملة خصوصا وأنه يعلم، بل من مخزونات ذهنه أن القمر قرص مستدير فيأتي دور المتخيلة في تصوير هالة نورية تظهر على شكل محيط. وأما ما يقال من أن هذا مخالف للوجدان، فجوابه: أن الوجدان لا يمكن أن يعتمد عليه في مثل المقام لعدم خلوه من دخالة الوهم والخيال. فإن الوجدان يرى قطرات المطر لسرعة تتابعها خطا واحدا، ولا يشك في اتصال الخط الدائري في مثل الشعلة الجوالة مع أن هذا ونظائره في واقعه ليس كذلك، وإنما يخيل إليه بسبب سرعة الحركة المستديرة أنه خط دائري متصل. وعلى هذا فالاعتماد على التطويق في تشخيص أن الهلال لليلة أو ليلتين محل نظر، بل منع. والشاهد على عدم سلامته من الحدس ما ترى من الاختلاف فيه بين الناظرين، فإن الاشياء الحدسية تختلف بحسب اختلاف القوى

[ 59 ]

الباطنية للانسان شدة وضعفا. ثانيا: المعيار في ثبوت الهلال كما مر هو الرؤية لا قابلية الهلال لان يرى في الليلة السابقة. وغاية ما يفيد التطويق إمكان رؤيته في الليلة السابقة. ولا يمكن تطبيق روايات الرؤية على ثبوت الهلال بالتطويق كما هو واضح. علاوة على حصر الطريق في الرؤية كما صرحت به الروايات نظير (ليس على أهل القبلة إلا الرؤية وليس على المسلمين إلا الرؤية). ثالثا: المدار على الرؤية الحسية، لا على وضع الهلال أنه لليلة أو ليلتين. وبعبارة أخرى: تارة يكون البحث في التطويق من حيث قابلية الهلال لان يرى في الليلة الماضية، وكأنه كان ولكن لم يره أحد. وأخرى يحكم بسبب التطويق أن الليلة هي الثانية من دون ملاحظة قابلية الرؤية. وهذا هو المقصود في الاشكال الثالث بوضع الهلال، فإن المدار على الرؤية لا عليه. رابعا: قد يكون مقصود الرواية أن التطويق شاهد على أنه خرج

[ 60 ]

من تحت الشعاع قبل الغروب بوقت قصير في الليلة السابقة فلم ير لعدم إمكان ذلك، فيكون تعليلا لكبره ووضوحه في هذه الليلة مثلا لانه ابن ليلتين لا أنه شاهد على أن الليلة السابقة تعد من الشهر. وقد عالج الائمة بعض الظواهر الكونية التي تشكل على الناس خصوصا فيما يرتبط بالمسائل الشرعية المهمة فتدبر. خامسا: المقطع الاخر من الرواية وهو (وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث) مما قد يوهن الاعتماد على الرواية، فان رؤية ظل الرأس بسبب مواجهة نور الهلال وهو ابن ثلاث بعيد جدا. ودعوى التفكيك في الحجية بحيث نأخذ بمقطع التطويق ونترك هذا بناء على الاشكال فيه لا يتأتى هنا لارتباط العبارتين وترتبهما كما هو واضح. غيبوبة الهلال بعد ذهاب الشفق: قال الصدوق في المقنع: واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإن رؤي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال. وقال في المختلف بعد نقله كلامه: ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه، ورواه أبو علي في رسالته، وقال الشيخ في المبسوط: لااعتبار

[ 61 ]

بذلك كله، لان ذلك يختلف باختلاف المطالع والعروض (1). والظاهر أن الاصل فيه ما رواه الصدوق والكليني والشيخ بإسنادهم عن حماد بن عيسى عن إسماعيل بن الحر (الحسن) عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلته، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين) (2). ولم يوثق إسماعيل هذا، إلا أن يدعى أن رواية حماد كافية في توثيقه. وقد رواه الكليني أيضا بإسناده عن عبد الله بن الحسين عن الصلت الخزاز، وهو لم يوثق أيضا. وجوابنا على هذا أن غياب الهلال بعد ذهاب شفق هذه الليلة مثلا لا يلازم الرؤية في الليلة الماضية وإنما يصحح مجرد القابلية، ولكن المدار على الرؤية كما أشرنا في التطويق، مضافا إلى ما ذكره الشيخ من الاشكال في المبسوط (3).


(1) المختلف ج 3: 496، والفقيه ج 2: 343، والمبسوط ج 1: 268. (2) الوسائل ج 10 ص 282 ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3. (3) ويمكن المناقشة فيه أيضا بما رواه في التهذيب بسند معتبر عن أبي علي بن راشد قال: كتب إلي أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان... وكان يوم الاربعاء يوم شك وصام أهل بغداد يوم الخميس وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إلي زادك الله توفيقا فقد صمت ? بصيامنا، قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس ولا تصم إلا للرؤية). وهذا يعني أن مجرد تأخر الهلال في الافق أو كبره وارتفاعه لا يستلزم كونه لليلتين، وهذا بديهي لدى المطلع على مبادئ علم الهيئة.

[ 62 ]

ثبوت الهلال بقول المنجمين (1): من الامور التي أثيرت في مسألة ثبوت الهلال قول المنجمين. وربما توهم أن الركون إلى قولهم مما لا إشكال فيه لانهم من أهل الخبرة، وهم أكثر الناس دقة في حساب الحركة الزمنية، يسيرون وفق ضوابط فلكية، وربما وصلت دقتهم في استخراج مقدار الحركة الفلكية إلى الثواني والثوالث بل أكثر. وهذا مما يبعث على الاطمئنان بل العلم للمطلع على طريقتهم. هذا غاية ما يمكن به توجيه الاعتماد على قولهم.


(1) الظاهر أن المصطلح القديم للتنجيم يختلف عنه اليوم فان المنجم في العصور المتقدمة كان يعتمد على ما يشاهد من آثار حلول الكواكب في البروج وآثار مقارناتها ويحكم بمقتضى ذلك بالحدس والتخمين، لا بحساب سير الشمس والقمر وضبطها في جداول. وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سماع قول المنجم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). أما المنجم والفلكي في العصور المتأخرة فله طرقه العلمية الدقيقة التي تعتمد الالية المتطورة في حساب حركته الزمنية. فلا تشمله هذه الروايات ولكن العمدة في رد قوله ما أفاده في المتن.

[ 63 ]

ولكن التحقيق: عدم صحة الاعتماد عليه، لما مر من النصوص المتواترة التي حصرت الامر بين الرؤية الشخصية ورؤية العدول أو إكمال العدة ثلاثين يوما وجعل الواحد والثلاثين أول الشهر التالي، وأن المدار في ثبوت الهلال على الرؤية الحسية. وأما الطرق الاخرى فإن أفادت العلم والقطع أخذ به القاطع لانه حجة عليه، وإلا فلا يمكن الركون إليها والتعويل عليها. لا يقال: إن قول أهل الحساب لا يخرج عن الرؤية لانا نقول: إنهم إنما يخبرون عن خروج الهلال من المحاق وتولده في وقت معين وقابليته للرؤية، وهذا أقصى ما يثبت إمكان الرؤية وقد تكرر منا أن المدار على الرؤية الفعلية من الناس بالعين المجردة لا المسلحة بالالات الحديثة بحيث تخرج الرؤية عن المستوى المتعارف. والحسابات الفلكية وإن أثبتت خروجه من تحت الشعاع، ولكنه ما لم يصل إلى حد الرؤية المتعارفة عند الناس لا يمكن الاعتماد عليها. ومجرد الامكان والقابلية للرؤية لا يصحح التعبد الشرعي بدخول الشهر، بل التعبد على خلافه، ففي صحيحة محمد بن عيسى قال: كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي، إنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علة ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحساب قبلنا: إنه يرى في تلك

[ 64 ]

الليلة بعينها بمصر وإفريقيا والاندلس، هل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا، وفطرهم بخلاف فطرنا، فوقع (عليه السلام): لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته (1). حكم الحاكم في أمر الهلال: والبحث في نفوذ حكمه في ثبوت هلال شهر رمضان، وغيره من الابواب الفقهية محل أنظار الفقهاء فمنهم من اختار نفوذه حتى قال في الجواهر أنه إذا حكم بعلمه الشخصي وجب إطاعته (2). ومنهم من أنكر نفوذه، وقد صرح خاتمة المحققين الشيخ الاعظم الانصاري (رحمه الله) بأن إقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالامام (عليه السلام) إلا ما خرج بالدليل دونه خرط القتاد (3). وفي بلغة الفقيه للسيد بحر العلوم (رحمه الله)


(1) الوسائل ج 10 ص 297 ب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1. (2) قال في الجواهر 16: 359: كما أن الظاهر ثبوته بحكم الحاكم المستند إلى علمه لاطلاق ما دل على نفوذه وأن الراد عليه كالراد عليهم (عليهم السلام) من غير فرق بين موضوعات المخاصمات وغيرها، ونقل تعليل صاحب المدارك ذلك بأن العلم أقوى من البينة، وختم كلامه بأن هذا من الموضوعات العامة التي هي من المعلوم الرجوع فيها إلى الحكام. (3) مكاسب الشيخ (ولاية الحاكم) ص 269 الطبعة الحجرية.

[ 65 ]

أنه غير ثابت بالضرورة (1). وقد استدل له بوجوه، منها: السيرة، وصحيحة محمد بن قيس، ومقبولة عمر بن حنظلة، والتوقيع الشريف الذي يعد الاساس في فتح الابواب. الوجه الاول: السيرة في الرجوع إلى الحكام: والبحث فيها يستدعي بسطا من الحديث تعرضنا له في مباحث الاصول، ولكن يكفي ملخصا أن نقول: إن المنشأ الذي يمكن أن يستكشف منه السيرة تارة: يكون رواج الامر وانتشاره بين الناس من غير نكير، وأخرى: طواعية الناس له في سيرهم الاجتماعية، وثالثة: إطباقهم وإجماعهم القولي أو العملي بحيث لو تخلف منهم أفراد يحملون على الشذوذ بسبب مخالفتهم لجهة التيار وسيرهم عكس الحركة الجماعية. ولكن اتباع الاكثرية أو استكشاف حجية أمر معين بمجرد كون عمل الناس عليه ليس من الامور التي تكون قياساتها معها، بل هو مما يحتاج إلى مصحح ودليل.


(1) بلغة الفقيه 3: 218.

[ 66 ]

فكم أطبقت مجتمعات سنين متمادية على أمور باطلة أو قبيحة وأشدها شناعة قتل الانبياء (عليهم السلام) وانتهاك حرمتهم. ولماذا أهلك الله سبحانه أمما بأجمعها، وهو العدل الحكيم؟! ألم يكونوا بين مظهر للعناد والكيد بالصالحين من الرسل والانبياء (عليهم السلام) وبين راض. وقد ذم القرآن الكريم في كثير من آياته المباركة ما عليه الناس من اتباع الباطل والخوض مع الخائضين وإلغاء الناس معالم العقل وتحكيم الشهوات، إلى غير ذلك. قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (1). وقال: (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) (2). وقال: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (3). وقال: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون...) (4). وقال: (ولكن أكثرهم يجهلون) (5).


(1) سورة يوسف: 103. (2) سورة الانعام: 116. (3) سورة الاسراء: 89. (4) سورة الفرقان: 44. (5) سورة الانعام: 111.

[ 67 ]

وقال: (أكثرهم لا يعقلون) (1). وقال: (وأكثرهم للحق كارهون) (2). وغيرها كثير. ألسنا في أوج العظمة العلمية والتقنية الفضائية و... وما زال الناس يعبدون الاصنام. لا يتوهم أن المجتمعات اليوم تختلف عن العصور الاولى أو عصر الجاهلية، فإن الصنمية وإن اختلفت شكلا ولكنها تحمل مقومات المضمون السابق، فهي وثنية في ثوب جديد. وتأمل فكم من أمر حسن كانت وما زالت السيرة على خلافه. وعلى هذا فللتشكيك في الاستدلال بالسيرة التي تدعى في كثير من الموارد مجال واسع. وأما سيرة المتشرعة: وهي أساس الاستدلال. فالمدعي يرى أن المرتكز في أذهان المتشرعة في مسألة الهلال ونظائرها من تعيين موقف الحاج وصلاة العيد ونحوها هو الرجوع فيها إلى المتصرف والولي لانها من الشعائر والامور العامة المرتبطة به. ولكن الحق عدم صحة هذا المدعى. أولا: لعدم خلو سير المتشرعة من الاشكال في نفسها.


(1) سورة الحجرات: 4. (2) سورة المؤمنون: 70.

[ 68 ]

وثانيا: على فرض قبولها يقال: إن المرتكزات الشرعية إذا ثبتت فإنما هي لوجود دليل وحجة، ولم يثبت دليل على أن المرتكز في هذه المسألة رجوع المتشرعة إلى الولي والحاكم. وأما دعوى رجوعهم حتى إلى الظلمة المتصدين للحكومة والسلطان فلم يثبت لا في عصر الحضور ولا عصر الغيبة. الوجه الثاني في نفوذ حكم الحاكم: التمسك بالروايات: الاولى: صحيحة محمد بن قيس: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بإفطار ذلك اليوم وأخر الصلاة إلى الغد فصلى بهم) (1). وهذه الرواية من الوجوه القوية، حيث وجه الاستدلال بها أنها جعلت أمر الافطار بيد الامام الذي هو عنوان مشير إلى هذا المنصب وهو المتصدي لامر الناس، وهي تصرح بوجوب طاعته حيث


(1) الوسائل ج 7 ص 432 ب 9 من أبواب صلاة العيد ح 1.

[ 69 ]

عبرت عن تصديه بعبارة (أمر الامام) وجعلت امتثاله أمرا مفروغا عنه. والصحيح عدم نهوض هذه الصحيحة على المدعى، وذلك لوجود قرائن فيها على أنه الامام المطلق المعصوم الذي قرن الله تعالى طاعته بطاعته وطاعة رسوله، وأن هذا الامر من مختصاته، فإنها تشير إلى صلاحية أمره للاطاعة والامتثال. وفرض وجوب طاعته على غيره من جميع المسلمين بقول مطلق دليل على أنه من مختصاته (عليه السلام). ومن تلك القرائن على أن المعني هو الامام المعصوم أن هذا الحديث الشريف رواه الكليني والصدوق والشيخ (قدس سرهم)، والظاهر أن الصدوق أخذه من الكافي كما حققناه في شرحنا على من لا يحضره الفقيه، ولفظ (الامام) إنما هو في الفقيه والكافي، ولكن الشيخ رواه في موضعين من التهذيب بدونه. والراوي له هو محمد بن قيس الذي صنف كتابا في قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجمع فيه ما حكاه الامام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) عن جده من القضايا، والامام المذكور فيه هو سيد الاوصياء الامام علي (عليه السلام). ودعوى أنها بصدد بيان وظيفته بما هو متصرف ضعيفة، فإن إلغاء خصوصية (الامام) الظاهر في الامام المطلق الذي من وظيفته

[ 70 ]

هداية الناس كافة في دينهم ودنياهم ومنها تعيين أمر صومهم، وصرفه إلى المتصرف فيهم وإن لم يكن بحق كلام خال عن التحصيل، كدعوى أنها تعطي الصلاحية للامام من الحيثية السياسية والحقوقية المستفادة من إيحاء الاشتقاق اللغوي لكلمة (الامام)، لا الحيثية الحقيقية التي ترجع إلى ذاته الشريفة فإنها تحتاج إلى دليل، على أن بيان وظيفة الامام إنما يكون مع مفروغية إمامته لا لمن يراد إثبات إمامته بهذا الخبر. الرواية الثانية: التوقيع الشريف: رواه الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب، ورواه الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري، كلهم جميعا عن محمد ابن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): (أما ما سألت عنه - أرشدك الله وثبتك من...)، (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (1).


(1) الوسائل ج 27 ص 140 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

[ 71 ]

وتقريب الاستدلال: إن أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه إلى رواة الحديث وهم الفقهاء وحكام الشرع، وقد أثبت هذا التوقيع الشريف حجية قولهم ووجوب اتباع أمرهم. وربما كان هذا أقوى الادلة على المدعى. وقد نوقش فيه سندا ودلالة. أما المناقشة السندية: فبأن في السند إسحاق بن يعقوب ومحمد بن محمد بن عصام ولم يوثقا في الكتب الرجالية بل لم يذكرا فهما مجهولان. وجواب المناقشة: أن الاول من مشايخ الكليني عليه الرحمة وقد وثقوهم جميعا، وإن كان فيهم الضعيف معتقدا كالنينوائي فقد وثقه النجاشي، بل يقولون إنه روى أكثر أصول الشيعة، وكانت الكتب بخط مؤلفيها عنده. وقد استقصينا البحث عن مشايخ الكليني في كتبنا الرجالية. وقد تضمن هذا التوقيع الشريف ما يشير إلى جلالة إسحاق بن يعقوب علاوة على ما ذكر من أن سعد بن عبد الله الاشعري القمي الثقة الجليل قد روى عنه، وقد قال النجاشي في حق سعد: (شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها). وهو أحد مشايخ شيخ القميين في وقته محمد بن الحسن بن الوليد. وأما محمد بن محمد بن عصام الكليني فقد أكثر الصدوق الرواية

[ 72 ]

عنه (1) في كتبه، وترضى عنه أيضا (2). وهو أحد الوسائط بين الصدوق والشيخ الكليني عليهما الرحمة والوسائط بينهما هم الثقاة الاجلاء، وتمام البحث في محله فراجع. والمهم هو مدى صلاحية الوجهة الدلالية للنص الشريف في تثبيت المدعى. فإن (الحوادث الواقعة) إما أن تكون في الشبهات الموضوعية أو الحكمية أو تعم جميع الحوادث بحيث تكون معنى جامعا وسيعا. أما تشخيص الموضوعات الخارجية المحضة ورفع إشكالها وإجمالها فليس من شأن الامام ولا الفقيه. وأما التي تقع موردا للنزاع والمخاصمة فقد تكفل لحسمها باب القضاء والمرافعات. وأما الشبهات الحكمية التي يكون مرجعها الرواة عموما أو الرواة الفقهاء الذين لهم النظر في الحلال والحرام خصوصا فلا يريد المستدل بالتوقيع إثبات حجية خبر الواحد أو فتوى الفقيه - حسب الفرض - حتى يرجع الحوادث في التوقيع إلى الشبهات الحكمية بهذا المعنى،


(1) لم نجد إلا رواية واحدة في الفقيه وقد ترضى عنه فيها. ولكنه عنه في العلل والتوحيد والامالي وعيون الاخبار وكمال الدين. (2) قال في المشيخة: وما كان فيه عن محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) فقد رويته عن محمد بن محمد بن عصام الكليني وعلي بن أحمد بن موسى ومحمد بن أحمد السناني رضي الله عنهم.

[ 73 ]

فإن الراوي عموما أو الفقيه هو المرجع في الاحكام في عصر المكاتبة إلى الناحية المقدسة بلا ريب. على أنه لا يمكن أن يكون منها مسألة الهلال فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نص عليها وهو في أيام مرضه (1) وأوضح الطريق في ذلك وهي الرؤية وسار على هديه أولاده المعصومون (عليهم السلام) في إثبات أمر الهلال بالرؤية والبينة أو إتمام العدة، من غير فرق بين الرؤية الفردية والجماعية، من دون حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي بخصوصه. وعلى هذا فلا يمكن حمل الحوادث الواقعة على أحد المعاني المذكورة. فلم يبق إلا المعنى الشامل لجميع الحوادث التي تقع موردا للفرقة والخلاف بين الناس، ومنها ثبوت الهلال، وهو ظاهر عموم (الحوادث)، مؤكدا بترك الاستفصال في الجواب عن المسائل التي أشكلت على المكاتب إلى الناحية المقدسة، وهو ظاهر مبنى المستدل ومعتمده.


(1) في التهذيب 4: 161 علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن نصر عن أبيه عن أبي خالد الواسطي قال: أتينا أبا جعفر (عليه السلام) وهو يأكل ونحن نريد أن نسأله فقال: ادنوا الغداء إذا كان مثل هذا اليوم ولم تجئكم فيه بينة رؤية الهلال فلا تصوموا ثم قال: حدثني أبي علي بن الحسين عن علي (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ثقل في مرضه قال: أيها الناس إن السنة اثنا عشر شهرا. منها أربعة حرم - إلى أن قال - ألا وهذا الشهر المفروض رمضان، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما...

[ 74 ]

ولكنه على خلاف قصده أدل، بقرينة تخصيص العنوان بقوله: (رواة حديثنا) دون العلماء والفقهاء وأهل الذكر ومن نظر في حلالنا وحرامنا وما شابه ذلك، فإن الرواة شأنهم حفظ ما وعوا والافراغ عما استقوا من دون تصرف كمي أو كيفي أو إعمال رأي وهوى. والذي تواترت به الروايات ونطقت به الاخبار عن النبي وأهل بيته الاطهار صلوات الله عليهم أجمعين - شرحا وإبلاغا لما صرح به القرآن الكريم في قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) -: (صم للرؤية وأفطر للرؤية، وإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس على أهل القبلة إلا الرؤية، وليس على المسلمين إلا الرؤية، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا) ونحوها (1). وعلى فرض تمامية ما ذهب إليه المستدل يمكن أن يقال: إنما يرجع للفقيه فيما كان يرجع فيه إلى الامام (عليه السلام) في عصر الحضور أو يكون من شؤونه (عليه السلام). ولم يثبت تصدي الائمة لذلك حتى في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)، مع أن الذي صح عن النبي الاكرم صلى الله عليه


(1) راجع الباب الثالث من أبواب أحكام شهر رمضان وقد مرت بعض رواياته فيما مضى. (2) قد يتأمل في هذا فقد مرت روايات كثيرة في مطاوي البحث ظاهرها مراجعة الناس للامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر الهلال نظير صحيحة محمد ابن قيس، وروايات البينة التي عبر فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (لا أجيز في الهلال...). ? وكذا حينما قيل له: يا أمير المؤمنين، قد رأينا الهلال، فقال: أفطروا.

[ 75 ]

وآله أنه أوكل الامر إلى الناس حيث قال: (ألا وهذا الشهر المفروض رمضان فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإذا خفي عليكم الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما..) (1)، وهذا بعينه ما صح عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدول من المسلمين... وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا) (2)، كما لم يقم دليل على أن أمر الهلال من شؤونه بحيث يجب استعلام دخول الشهر منه (عليه السلام)، ودعوى ثبوته بهذا التوقيع الشريف أول الكلام، وقد كانت هذه سيرة الناس وما زالت على الاعتماد على الرؤية والبينة أو إتمام العدة، من دون حاجة إلى حكم حاكم. والشاهد على ذلك الاخبار، فإنها لم تقيد بقيام البينة عند الامام أو الحاكم، بل صريح لسانها على إمكان الاعتماد على قيامها عند المكلفين أنفسهم نظير قوله (عليه السلام): إلا أن يشهد لك بينة عدول. وقوله: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر، وقوله: فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان (3).


(1) التهذيب 4: 161. (2) الوسائل ج 10 ص 278 ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1. (3) الوسائل ج 10 ص 262 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 وص 262 من نفس الباب ح 13 وص 287 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

[ 76 ]

الرواية الثالثة: (مقبولة) عمر بن حنظلة: روى الكليني والشيخ بأسانيدهما عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داوود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت... قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما (1). وبيان الاستدلال: أن جعل الائمة (عليهم السلام) الحكومة للرواة إنما كان في قبال العامة ردا عليهم وسدا لباب الرجوع إليهم على ما يفيده ذيل الحديث، ومن المعلوم تدخل قضاتهم في الامور كلها حتى في أمر الهلال، وهذا يقتضي كون حكومة الرواة العدول الفقهاء عاما لجميع الحوادث أيضا. بل يمكن أن يستدل بالاولوية القطعية وبيان ذلك:


(1) الوسائل ج 27 ص 106 ب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1.

[ 77 ]

أن المجتهد الفقيه له الصلاحية في التصدي للامور العامة فإن الارجاع إليه في باب الخصومات يقضي بالرجوع إليه فيما يشابهها أو ما هو أدون منها لان الخصومات قد توجب القتل والهتك، فإذا أعطى الامام (عليه السلام) الفقيه ما يمكنه به حسم النزاع وحل الشقاق فهو، وإن كان عينه لاجل الخصومة ولكن هذا لا يعني انحصار قدرته وسعة يده فيها فقط، أي أن القدرة التي أعطي إياها من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض بحيث ينتهي أمدها برفع الخلاف وحل الخصومة. فهو يتصرف في القدرة بحسبها في مواردها. وقد نوقش في سند هذه الرواية بعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة الكوفي الذي هو من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام). وأما ما رواه في حقه يزيد بن خليفة عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إذا لا يكذب علينا) (1) فقد رد بعدم ثبوت وثاقة يزيد أيضا. ولكنا أثبتنا أمارات وثاقة ابن حنظلة في كتبنا الرجالية، وذكرنا منها رواية أجلاء الثقاة من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) عنه، وفيهم من عرف بأنه لا يروي إلا عن ثقة مثل صفوان بن يحيى، وهذا الوجه بعينه جار في يزيد بن خليفة فراجع. إلا أنها لا تنهض دليلا على المدعى، فإن جعل الحكومة لهم


(1) الوسائل ج 4 ص 133 ب 5 من أبواب المواقيت ح 6.

[ 78 ]

لا يقتضي توسعة نطاقها إلى الحد الذي يصل إلى التصرف في حدود الله عز وجل. وأما حد معرفة الشهر وثبوت الهلال فهو مما عرفه الله في كتابه بالشهود من الصائم كحد للتنجز حيث قال: (فمن شهد منكم الشهر...)، أو إكمال العدة في قوله: (ولتكملوا العدة)، كما عرفه رسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم بقولهم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة...). ومحصل ما مر: أن الاستدلال بالسيرة على نفوذ حكم الحاكم غير تام كبرى وصغرى، وأما هذه الروايات الثلاث فقد بينا بعض جهات النظر فيها، وبهذا يتضح ضعف ما في الجواهر وغيره فتدبر.

[ 79 ]

تذييل تقريب لنفوذ حكم الحاكم بقي في المقام توجيه آخر غير ما ورد في التقريبات السابقة يمكن أن يوجه به نفوذ حكمه (1)، فإن الاشكال إنما نشأ من التقسيم الثلاثي للامور في التوقيع الشريف. فإن المقصود من الحوادث لا يمكن أن يكون من الامور البديهية كالاكل والشرب ونحوهما، فلا تخلو إما أن تكون شبهات موضوعية أو حكمية أو الخصومات والمرافعات وليست مسألة الهلال منها. ولكن نقول: إن لنا تقسيما آخر، فإن أحكام الموضوعات قد تكون خاصة بالمكلف كطهارة بدنه ولباسه... وقد تكون نسبية إضافية بين المكلف وطرف آخر كحق الابوين والزوجة والجار... وربما ألجأنا الاشتباه فيها إلى الدعاوي والخصومات فلابد من مرجع يفصل بيننا وهو القاضي. وكلا هذين النحوين يعد من الامور الفردية.


(1) هذا التوجيه مستخلص من كلمات بعض من تعرض لهذه المسألة، وقد عرضناه على السيد الاستاذ فكان له فيه موارد من النظر والتأمل أثبتناها بعد بيان التقريب. كما ذكرنا تعاليقه (دام ظله) عليها في الحاشية.

[ 80 ]

وهناك أمور أخرى كانت مطلوبيتها بنحو خاص ندب إليها الشارع لتكون عليها الصبغة الجماعية فدعى إلى الجمع والمقارنة فيها بين فعل المكلف وفعل الاخرين مثل صلاة العيد والجمعة والجماعة والحج (1)، وما أشبه ذلك... تشييدا منه لبناء الامة الاسلامية وبث روح التآلف بين أبناء المسلمين. فإذا اشتبه أمر من هذا القبيل أوجب الفرقة والتفكيك في أواصر المجتمع وخلخلة البنية الاسلامية وكان الاثر فيه أخطر وأصعب. فهل جعل الشارع المقدس حلا لهذه المشكلة مع فرض محبوبية هذا الامر؟ المتتبع يرى شواهد من القرآن الكريم على ذلك كما في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) (2) (3).


(1) إنما اختص الجعل المذكور بالصلاة فحسب، والتمثيل بالحج والصيام وما أشبه محل كلام، والدعوى المشار إليها شعارات وهتافات على الظنون والاهواء. (2) سورة البقرة: 43. (3) في تنزيل الاية وتأويلها كلام يظهر لمن تأمل فيها وراجع كتب التفسير، على أن عنوان (الركوع مع الراكعين) جاء في حق مريم في قوله: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) فهل كانت مأمورة بالصلاة جماعة؟! (.)

[ 81 ]

وقال في الحج: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) (1) (2). وقال في الصوم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) وخصه بشهر رمضان المبارك (3). وربما يستأنس لهذا المطلب بشواهد روائية أيضا منها: الروايات التي اشترطت في الشهادة عدد القسامة فإن شهادة خمسين تستلزم صيام عامة الناس عادة، والروايات التي استدل بها بعضهم على ثبوت الهلال بالتواتر والشياع كقوله (عليه السلام): (إنما الرؤية أن يقول القائل رأيت فيقول القوم صدق) (4)، وقوله: (صم حين يصوم الناس وأفطر حين يفطر الناس) (5) ونحوه (إذا كان كذلك فصم لصيامهم وأفطر لفطرهم) (6)، فهذه ونحوها من الروايات التي استدل بها بعضهم على حجية التواتر والشياع في الرؤية يفهم منها كراهية الفرقة (7).


(1) سورة البقرة: 199. (2) فيه خلط بين الافاضة مع الناس والافاضة من محل إفاضتهم. (3) ضعف هذا ظاهر. (4) الوسائل ج 10 ص 291 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 14. (5) الوسائل ج 10 ص 293 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4. (6) الوسائل ج 10 ص 293 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3. (7) الصوم بصيام الناس أو معهم أكثر ما يدل على الصوم والفطر عن يقين وحجة معتبرة ولا دلالة فيه على مراعاة حفظ الصف، وقد مر تحقيق القول في جملة من هذه الروايات فلا تغفل.

[ 82 ]

وقد ورد في الدعاء: أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا (1). فمن هذا ونظائره يمكن ادعاء أن مذاق الشارع هو رعاية هذه المعالم وحفظ هذا النوع من الاجتماع في الامور التي ترجع بالقوة وتشييد أواصر المحبة بين المسلمين (2) وكأن الشارع المقدس أضاف على طلبه الصلاة طلبا آخر وهو الركوع مع الراكعين، وعلى طلبه الحج تحقيق عنوان الافاضة مع الناس وهكذا. ولما كان تحصيل العنوان المرغوب فيه يتوقف على مراعاة الاطراف له تجده حد حدا - في الصلاة - للامام وآخر للمأموم لا بد لكل منهما الوقوف عنده وعدم تخطيه لان الهدف المطلوب لا يتيسر إلا بوجود جامع يحدد ويحرز هذه الوظيفة. وما نحن فيه - وهو مسألة الهلال - من هذا القبيل، فإما أن يحال إلى الامام المطلق المعصوم فيختص بعصر الحضور، بل لم يتيسر حتى


(1) ينبغي الدقة في فهم المراد من اسم الاشارة (هذا)، وهل هو العنوان أو المعنون، بالاضافة إلى أنه لا يدل اتخاذ اليوم عيدا على لزوم الجمع في المعايدة. (2) ليس للناس الدعوى واستظهار أحكام الله تعالى وحدوده بالاذواق والمرتكزات الخاصة التي لم يقم عليها دليل، وليس لهم تشييد الدين بما ليس منه.

[ 83 ]

في ذلك العصر. أو يدور بين إلغاء ذلك الهدف وصيام كل حسب رؤيته أو الرجوع فيه إلى الحاكم ولو كان ظالما أو يعين من يقوم بهذه الوظيفة إذا تيسر الامر (1). وبعد فرض رد ما عدا الاخير يمكن صرف (الحوادث) في التوقيع الشريف إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه بهذا النحو من التوجيه بعد حفظ مقدمات: الاولى: تقسيم الامور إلى فردية وجماعية. الثانية: حث الشارع على الامور الجماعية في عدد من الايات والروايات. الثالثة: من جملة تلك الامور مسألة الهلال فإن الاقتصار على الرؤية الشخصية لا يحقق الهدف المنشود. ولا يمكن للبينة أن تدلي بشهادتها عند كل فرد فرد، كما هو واضح. النتيجة: نصب من يرعى ذلك الامر وهو الحاكم الشرعي من قبل الشارع المقدس وإيجاب طاعته بحجية قوله بعد عدم قبول الشارع المقدس الرجوع إلى ولاة الجور.


(1) مر مكررا أن الشارع المقدس أجرى حدود معرفة الهلال من الشهود والبينة على الرؤية أو إكمال العدة، من غير إعمال إلزام زائد على ظهور الحق في تنجز التكليف كما نطقت به الاخبار عن الائمة الاطهار (عليهم السلام).

[ 84 ]

مناقشة التقريب: إن تحقيق ضعف هذا التوجيه، ودفع توهم هذه الضرورة المدعاة من نصب المرجع وتصديه لامر الاهلة يتضح بذكر أمور: الاول: ان انقسام الاحكام حسب الفرد والاسرة والجماعة مما لا ينكر، كما لا ينكر جعل المرجعية لها في الشبهات. الثاني: رعاية الحدود وتحقيق الاجزاء والشرائط في الوظائف الشرعية من وظيفة المأمور بها، وعلى عهدته مسؤوليتها عقلا وشرعا بلا فرق بين الصلاة والصيام والحج وغيرها، فكما أن عليه إحراز دخول وقت الصلاة، كذلك وقت الامساك والافطار في الصيام من الفجر والمغرب وأول الشهر، وكذا أشهر الحج من إحراز عرفة والاضحى، وكذلك سائر شروط الواجبات. الثالث: مطلوبية الاجتماع إنما جاءت في موارد شرعية خاصة وهي الصلوات اليومية وصلاة العيدين والايات والاستسقاء وصلاة الاموات، وصلاة الغدير على كلام، دون سائر الصلوات والعبادات ولذا عد من سن الجماعة في النافلة مبدعا في الدين. الرابع: حمل فريضة الحج على صلاة الجماعة قياس مع الفارق. فإن مقارنة فعل المكلف مع سائر المكلفين إنما يتحقق في الجماعة بين الامام والمأمومين تكبيرا وتسليما وهذا من ضروريات الدين، وأما

[ 85 ]

فريضة الحج فلم تلحظ التبيعية والمعية فيها بهذا النحو. نعم تحديد الفريضة بالحضور في عرفات وسائر المشاعر أياما معينة معدودة يستلزم الاجتماع والكون على صعيد واحد ولكنه لاجل الخروج من عهدة التكليف كل حسب وظيفته. وقد أخطأ من زعم أن قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) (1) لتشريع الصبغة الجماعية في الحج، بل هو لبيان الخروج من عرفات إلى المشعر الحرام والاعراض عما كان يختاره المشركون، وإن استلزم الافاضة التكاثر عند الخروج (2). كما أخطأ من تشبث بالدعاء المأثور (اللهم إني أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا) فإنه لا يعني التبعية المحضة للمسلمين ولامير الحاج فافهم. وهذا بخلاف الائتمام في صلاة الجماعة، فإن الامام إنما جعل فيها ليؤتم به كما في الحديث، فيكبر المأموم بتكبيره ويسلم بتسليمه حتى


(1) سورة البقرة: 199. (2) جاء في الوسائل عن تفسير العياشي عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن قول الله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) قال: أولئك قريش كانوا يقولون نحن أولى الناس بالبيت فلا تفيضوا إلا من مزدلفة، فأمرهم الله أن يفيضوا من عرفة. الوسائل ج 13 باب 19 (إحرام الحج والوقوف بعرفة).

[ 86 ]

إنه يتبع الامام بالركوع أو السجود ثانيا إذا رفع رأسه قبله اشتباها، ولا يضر بصلاته هذه الزيادة العمدية. الخامس: إنما اغتفرت الزيادة فيما أشرنا بسبب قيام الدليل تحقيقا للتبعية ولكنها لا تعني الترخيص في التعدي عما ورد به النص. وعلى هذا، لو سلم وجود الدليل على المعية الجماعية المدعاة فإنما تحدد بما إذا لم يوجب الاخلال بالفريضة أو شرطها. الامر السادس: إن صاحب الشريعة المقدسة حد حدا للصائمين وجعل منهاجا لمعرفة زمان الصيام فقال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وجعل رؤية العدلين أو عدول المسلمين شهودا ورؤية للصائمين. وبعبارة أخرى: إن المدار في أمر الهلال على الرؤية شهودا شخصيا وبينة، وإلا وجب إكمال العدة كتابا وسنة وما زاد لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه. ثم إن بعضهم أيد نفوذ حكم الحاكم بما ورد مرسلا عن الصدوق أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أللهم ارحم خلفائي، قيل يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي...) (1).


(1) الوسائل ج 27 ص 91 ب 8 من أبواب صفات القاضي ح 50.

[ 87 ]

بدعوى أن الذي يصحح إطلاق الخلافة عليهم ليس البعدية، بل رواية الحديث لانها إدامة لسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها إبقاء لاثره وحياته، وبذلك استحقوا لقب الخلافة، ولا يمكن أن يكون المقصود بلقب الخليفة الصحابي لقوله: (يأتون من بعدي). وعلى هذا: فالراوي خليفة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأدنى ما يكون من شؤون الخليفة نفوذ أمره إذا شهد عنده شاهدان في مثل أمر الهلال. وبهذا النحو من التوجيه يمكن دعوى نفوذ حكم الحاكم. ولا يخفى: أن الخبر وإن رواه في الفقيه مرسلا إلا أنه رواه في كتبه الاخرى مسندا، كما رواه غيره أيضا وقد أخرجناه في محله بطرقه وأسانيده. ولكن لا يمكن الاعتماد عليه. أولا: حيث جاء في جملة من أخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعيين خلفائه في الاوصياء المعصومين (عليهم السلام) وهم الرواة لحديثه وقد أحصيناها في كتابنا (خلفاء رسول الله) (1). ثانيا: التمسك بقوله: (يأتون من بعدي) لنفي شمول الحديث للصحابة باطل لضرورة كون الامام علي (عليه السلام) منهم وهو الراوي لحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمبين لسنته من بعده، كما أن الحسن


(1) من الكتب المخطوطة لسيدنا الاستاذ (دام ظله).

[ 88 ]

والحسين (عليهما السلام) أدركا رسول الله وربيا في حجره ورويا حديثه ووعيا سنته. ثالثا: التوسعة في إطلاق لفظ الخليفة بعلاقة رواية الحديث والسنة يصح بلحاظ أثر واحد، ولا يقتضي التنزيل من جميع الجهات بحيث تشمل الحكومة المطلقة بين الناس، بل يظهر من الحديث الشريف أن الرواة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلفاء له في إحياء أمره ونشر حديثه وسنته المطهرة. رابعا: إن سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته في عهده هي ما تبلورت فيما أثر عنه من قوله: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وإذا غم عليكم فأكملوا العدة..) بل كانت إحدى الوصايا المهمة التي جرت على لسانه الشريف يوم ثقل حاله، وما زاد على ذلك شيئا. هذا مجمل البحث، وللتفصيل مقام آخر في بحث ولاية الفقيه من المباحث الفقهية.

[ 89 ]

مطالعة وتحقيق لا شك أن الباحث المتتبع يدرك من خلال ملاحظة ما أفاده الفقهاء في المجامع الفقهية حول رؤية الهلال أن هناك زوايا مهمة أخفاها طى البحث فلم تنل حظا من التبلور والاستقلال، وربما كان ذلك لوضوحها عندهم رضوان الله عليهم. وقد راجعت سماحة السيد الاستاذ في بعضها فكشف عن معضلاتها ولائم بين شتاتها. وقد جمعت شوارد من أفكار أفدتها من بعض مبانيه العلمية في الفقه والاصول وغيرهما فكانت فوائد رتبتها كالتالي: الفائدة الاولى، أفق المسألة: الظاهر من مراجعة كتب الحديث أن أمر الهلال من المسائل كثيرة الدوران في محضر الائمة (عليهم السلام)، وربما استفيد من لسان بعض الروايات عدم استقرار المسألة حتى في عصرهم عند كثير من أصحابهم (عليهم السلام)، وعلى ذلك شواهد كثيرة، فإن هذه المسألة من المسائل التي تميزت بورود روايات وقف منها مشهور العلماء موقف الرد والتأمل كالتفصيل بين غياب الهلال بعد الشفق وقبله، والتطويق، ورؤيته وسط النهار، وعد خمسة أيام من السنة الماضية، وأن شهر رمضان

[ 90 ]

تام لا ينقص أبدا، إلى غير ذلك وربما كان ذلك لاجل الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالشيعة الامامية. وكيف لا وهم يعيشون خلف تلال التقية، ولقد كان أمر الهلال من المسائل الخلافية والخطوط العريضة الفاصلة بين الفريقين منذ الصدر الاول، وأدل دليل على ما تحمل هذه المسألة من الاهمية كونها إحدى القضايا التي أثارها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما ثقل حاله في مرضه وربما كان تسجيلا استقباليا منه صلوات الله وسلامه عليه وآله لما يؤول إليه أمر الامة. وفي إقامة هذا الامر على أساس واضح كالرؤية التي هي قضية حسية ما يكشف عن حكمة الشارع المقدس (ليميز الله الخبيث من الطيب) (1)، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) (2). وبالمستوى الذي أكده أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لهذا الامر من الرؤية القطعية والبينة العادلة أو إتمام العدة، نجد المخالفين لهم لا يكادون يردون ادعاء أحد من المسلمين ولو كان فاسقا رغبة منهم عن أهل البيت (3). وما أبعد هذا عن قول الائمة (عليهم السلام) (ليس الرؤية أن يراه


(1) سورة الانفال: 37. (2) سورة الانفال: 42. (3) لا تستوحش من كثرة المخالفين واختلافهم في أمر الهلال فقد وردت روايات تشير إلى سبب حرمانهم بركات الفطر والاضحى، ففي الكافي ? (ج 4 ص 869 ح 1) عن محمد بن إسماعيل الرازي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له ما تقول في الصوم فقد روي أنهم لا يوفقون لصوم؟ فقال: أما أنه قد أجيبت دعوة الملك فيهم، قال: فقلت: وكيف ذلك، جعلت فداك؟ قال: إن الناس لما قتلوا الحسين (عليه السلام) أمر الله تبارك وتعالى ملكا ينادي: أيتها الامة الظالمة القاتلة عترة نبيها، لا وفقكم الله لصوم ولا فطر. وفي خبر رزين (الكافي: ج 4 / ص 770 / ح 3) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما ضرب الحسين بن علي (عليهما السلام) بالسيف فسقط على الارض، ثم ابتدر إليه ليقطع رأسه، نادى مناد من بطنان العرش: ألا أيتها الامة المتحيرة الضالة بعد نبيها لا وفقكم الله لاضحى ولا فطر.

[ 91 ]

واحد ولا اثنان ولا خمسون) (1)، وقولهم: (شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني) (2)... إلى قوله: (إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف) (3)، (... وإياك والظن والشك) (4). هكذا نطقت الروايات بأهمية هذا الشهر المبارك وخطورة المسألة التي احتوتها سلة المهملات، واجتال الاهتمام بها داعي الغفلات. هذا، ولكن استعراض شئ من روايات الرؤية يوجب أكثر من تسائل واستفسار: فمما لا يخفى على أحد صعوبة رؤية الهلال. فلا يكاد يتفق الخاصة


(1) الوسائل ج 10 ص 253 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4. (2) الوسائل ج 10 ص 256 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16. (3) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11. (4) الوسائل ج 10 ص 255 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11.

[ 92 ]

في شهر فضلا عن جميع المسلمين في دعوى الرؤية، ويندر أن يصل عدد المدعين للرؤية إلى المائة. بينما نجد صريح الروايات على أنه إذا رآه واحد رآه مائة... أو ألف... أو عشرة آلاف، فهل كانت رؤيته بهذا المستوى من السهولة بحيث يمكن أن يصل العدد إلى هذا الحد أو أن الناس كانوا أكثر استهلالا وخبرة في القديم أو نقول بخروج هذا العدد مخرج التمثيل فيكون أشبه شئ بالعنوان المشير إلى كل ما يحصل العلم واليقين ربما مالت النفس إلى ترجيح التفاوت بين الرؤية في القديم والحديث لعوامل منها: قلة الانوار وخلو السماء من الابخرة والغازات التي تحجب الرؤية في أغلب أوقات السنة، والتلوث المتصاعد من الصناعة والتقنية الحديثة... ولعل استقراء شيئ من أوراق البيئة العربية ومتابعة العلاقة الحميمة بين البدوي والقناديل المعلقة في سماء الصحراء، واهتدائه بالنجم في رحلاته... ما يضيف شيئا من التقريب. وقد يكون من الشواهد البينة ما أشارت إليه متون اللغة من تسمية الهلال بالشهر لشهرته ووضوحه. ولذا مال بعض العلماء إلى قبول ما ورد عنهم (عليهم السلام) (وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث) (1)


(1) الوسائل ج 10 ص 281 ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

[ 93 ]

بدعوى أن الهلال في السابق كان بإمكانه أن يعكس ظل الشاخص وهو ابن ثلاث لانه كلما اشتد سواد الليل تبلور النور ولو كان ضعيفا خافتا. ولكن الظاهر من الروايات أن الاختلاف في أمر الهلال لم يكن أقل مما هو عليه اليوم. ومن هنا حمل جمع من الفقهاء هذه الاعداد التي ذكرتها الروايات على التمثيل، وأن العمدة هو تحصيل اليقين بالرؤية، وقد عدوا من الطرق التواتر والشياع المفيد العلم ولو كان من النساء (كما في مسالك الشهيد) وغيره. الفائدة الثانية، حكم اختلاف الافاق: ذكرنا أن روايات الرؤية على طوائف. منها المطلقة بمعنى أنها لا تختص برؤية المكلف نفسه نحو (صم للرؤية وأفطر للرؤية) (1) فهي تعطي بإطلاقها الشرعية لرؤية الاخرين إن كان مفادها: صم لرؤيته، لا: صم لرؤيتك إياه. ومنها الموجهة للمكلف خاصة نظير (لا تصم إلا أن تراه) (2). وجاءت روايات البينة بقسميها الداخلية والخارجية تؤكد سعة الدائرة الاولى للرؤية وتلغي الخصوصية


(1) الوسائل ج 10 ص 257 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 19. (2) الوسائل ج 10 ص 254 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9.

[ 94 ]

الشخصية. وعلى هذا فإذا قامت بينة من خارج البلد على الرؤية - ولو كانت من باب الشهادة على الشهادة كما استظهر من بعض الاخبار - فلا شك في لزوم ترتيب الاثر الشرعي. ومن هنا لم يناقش أحد من الفقهاء في كفاية الرؤية في بلد آخر في الجملة. وإنما وقع البحث منهم في تضييق دائرة الثبوت لبلد الرؤية وما قاربها من البلاد كما عليه جماعة من الفقهاء (1)، أو توسعتها بحيث تشمل البلدان القريبة لبلد الرؤية في الافق كما عليه جماعة منهم السيد في العروة، أو تعميمها لغير المساوي في الافق أيضا فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزما قطعا للثبوت هنا بحيث تكون الرؤية في ذلك البلد متفرعة على الرؤية في بلده كما في البلاد الشرقية فإنه يثبت بها الهلال للبلاد الغربية لان القمر لا يرجع ولا يتوقف، دون العكس، وهو مختار بعض المحققين (2). ومنهم من أطلق التوسعة للبلاد قاطبة فإذا رؤي الهلال في بلد كفى لسائر بلدان العالم، وقد اختاره غير واحد نظرا إلى إطلاق بعض الروايات.


(1) لاحظ الجواهر 16: 360. (2) كما احتمله الشهيد في الدروس 1: 285، قال بعد اختيار العدم في البلدان البعيدة: ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد المشرقية وإن تباعد للقطع بالرؤية عند عدم المانع، وعن المنتهى اختياره في أول كلامه، كما عن الجواهر.

[ 95 ]

والمشهور بين الفقهاء من الخاصة والعامة اعتبار اتحاد الافق وقد رد عبد الله بن عباس في حديث كريب رؤية الهلال ليلة الجمعة في الشام وقال: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقال له كريب: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). وقد أنكر اعتبار الاتحاد جمع من المحققين وذهبوا إلى كفاية رؤيته في بلد لجميع الامصار، منهم العلامة في المنتهى وصاحب الحدائق ومال إليه في الجواهر (2).


(1) أخرجه الشوكاني في نيل الاوطار 4: 217 وقال: رواه جماعة إلا البخاري وابن ماجة، وقال: وقد تمسك بحديث كريب هذا من قال إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها، وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب..، ثم قال: لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الامام الاعظم فيلزم الناس كلهم لان البلاد في حقه كالبلد الواحد، إذ حكمه نافذ في الجميع قاله ابن الماجشون... وذكره القرطبي في تفسيره 2: 295، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد 1: 278، عن القاسم والمصريين عن مالك كفاية رؤية أهل بلد آخر... وروى المدنيون عن مالك: أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية إلا أن يكون الامام يحمل الناس على ذلك وبه قال ابن الماجشون والمغيرة، والسبب في هذا الخلاف تعارض الاثر والنظر.. أما الاثر فما رواه مسلم عن كريب... الخ. (2) المنتهى 2: 592، والحدائق 13: 263، وفي الجواهر 16: 361: ظاهر المحكي عن المنتهى اختيار ثبوته في البلاد الغربية برؤيته في الشرقية، ولكن قال في آخر كلامه: ? وبالجملة إن علم طلوعه في بعض الاصقاع وعدم طلوعه في بعضها المتباعد عنه لكروية الارض لم يتساو حكماهما، أما بدون ذلك فالتساوي هو الحق، قال: واستجوده في المدارك ويمكن أن لا يكون كذلك ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك عادة فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقا قوي.

[ 96 ]

وينبغي قبل تحقيق الحق في المقام التعرض إلى بعض التنبيهات اللازمة: الاول: إن الاختلاف بين بلد الرؤية وغيره طولا وبعدا من المشرق ربما يصل إلى الحد الذي يمكن معه خروج الهلال من المحاق ومن ظل الارض، والتنور من الشمس فيمكن رؤيته في البلد الغربي، وإن امتنعت الرؤية في البلد الشرقي. والبلد الذي تمتنع الرؤية فيه لا يمكن أن يتعبد برؤية البلد الذي شهد الهلال، وظاهر روايات التعويل على شهادة أهل بلد آخر جعل رؤيتهم بمنزلة رؤية البلد الذي لم ير الهلال فيه مع إمكانها. الثاني: مما لاشك فيه تعدد المشارق والمغارب، قال تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها) (1)، وقال (رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق) (2) وقال: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) (3). كما


(1) سورة الاعراف: 137. (2) سورة الصافات: 5. (3) سورة المعارج: 40.

[ 97 ]

لاشك أن حد المكلف مشرقه ومغربه كما في قول الصادق (عليه السلام) (إنما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس أن يبحثوا) (1)، وهذا ونحوه يمنع من الجزم بأن أول تضوء القمر وظهوره لاهل بلد هو أول الشهر للناس في جميع أنحاء العالم. الثالث: إن الاختلاف في درجات الطول والعرض ونحوها من المذكورات في كلام من فرق بين البلاد في أمر الهلال قد لا يوجب العلم، فالاشتغال بتحرير ذلك في غير محله، وإنما المهم توجيه البحث إلى تحقيق الحجة على التعميم وتنزيل رؤية عدلين في بلد رؤية الناس أجمعين، ولا مجال لاستعمال الاراء والاهواء في معارضة النص فيما لو تم. الرابع: تكرر منا أن الاصل في ثبوت الهلال هو الشهود الشخصي أو بالبينة وإلا وجب إكمال العدة كما دلت عليه ضرورة الكتاب والاخبار المتسالم عليها بين الفريقين، والخروج من هذا الاصل إنما كان بالرؤية والشهادة من بلد آخر. وقد روى العامة رد ابن عباس شهادة كريب على الرؤية في الشام لاهل المدينة ليلة الجمعة، وليس في أخبار الامامية ما يدل على التعويل على رؤية بلد مثل الشام لبلد مثل المدينة. نعم قد يتوهم الاطلاق في بعض أخبار


(1) الوسائل ج 4 ص 198 ب 20 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 98 ]

الشهادة من قبيل قوله: (بلد آخر) وسيأتي التعرض له. والبحث في أصل المسألة تارة في الدليل العقلي والنظريات الهيوية (1)، وأخرى في النقلي الروائي، ويمكن تلخيص الدليل العقلي في نقاط: الاولى: أن البلدان التي تقع على خط طول واحد عادة ما تكون متفقة المشارق والمغارب، وقد تتفاوت قليلا بسبب ميل محور الارض. الثانية: الحركة الفلكية للاجرام الثلاثة: الشمس والقمر والارض، مختلفة في السرعة والبطء ودرجة الميل والانعطاف، بالضرورة العلمية، وللارض حركة وضعية حول نفسها وأخرى انتقالية أشبه شئ بالبيضاوية حول الشمس. وكذا بالنسبة للقمر فإن له حركة وضعية وأخرى انتقالية حول الارض. وتختلف هذه الحركات وفقا لاختلاف الاجرام في الحجم والشكل. الثالثة: الشمس جرم نير بخلاف الارض والقمر فانهما يستنيران بها حيث تصافح أشعتها وجهيهما المقابلين لها على التفاوت في مقدار


(1) لم يتوسع السيد الاستاذ في الدليل العقلي نظرا لضيق الوقت وكثرة الاشتغال، بل اكتفى بإشارة إجمالية إلى ارتباط مسألة اتحاد الافق واختلافها بخطوط الطول والعرض، وقد صرف اهتمامه إلى تحقيق ما يستفاد من الروايات.

[ 99 ]

القابلية والاستعداد. وحاصل هذه الحركات تكون الليل والنهار، والفصول الاربعة، والكسوف والخسوف، وكذا تصرف القمر وسيره من المحاق خارجا من تحت شعاع الشمس على شكل هلال ينتقل بعدها إلى التربيعات ثم القمرية حتى يصبح بدرا، وبعدها يعود أدراجه. (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) (1)، (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) (2). وعليه، فلابد من ملاحظة النسبة بين المستضيئ والنير، فإن الجرم القمري قد يكون مقارنا بحيث يسفر عن وجهه تماما أمام الشمس فينعكس بدرا لاهل الارض. وقد يتوسط بين الارض والشمس فيكون وجهه المضئ مقابلا لها، ويواجه الارض بوجه مظلم، وهو ما يعبر عنه بالمحاق حيث يكون تحت الشعاع. ويستغرق من أول دخوله إلى خروجه يومين إلا قليلا تقريبا. وبعد ملاحظة كروية الارض وحركتها وكذا حركة القمر لابد من الحكم باختلاف زاوية الرؤية وهذا يعني أن الهلال قد يرى في منطقة


(1) سورة يونس: 5. (2) سورة يس: 39.

[ 100 ]

دون أخرى وفي قطر دون آخر، إلا إذا كانت الرؤية في البلد المتقدم كما أشرنا. وهذا هو الذي حققته العلوم الهيوية وأثبتته الارصاد الجوية الحديثة. الدليل النقلي: سبق أن أشرنا إلى أن المشهور هو اشتراط الوحدة في الافق. ويظهر من متابعة استدلالهم أن أكثر اعتمادهم على أمرين: (أ) ما يتبادر من روايات الرؤية فإنها بين مقيدة بخصوص رؤية المكلفين، وبين مطلقة ترجع إليها وتحمل عليها. (ب) إنصراف روايات البينة التي تشهد من خارج البلد إلى البلدان القريبة المتحدة في الافق فإنه المرتكز في أذهان العرف المخاطب بالحكم الشرعي آنذاك. ولا نعني أنهم لم يخطر ببالهم وجود بلدان بعيدة، بل المدعى أنهم لا يعممون المتبادر من اللفظ بحيث يشملها، وفرق بين تعيين المصداق، والسكوت عنه وعدم الالتفات إليه. ونظير هذا ما أفتى به الفقهاء من الانصراف عند إطلاق النقد في العقد الى نقد البلد. وهو يرجع في واقعه إلى التقييد الاستعمالي الذي لا يخرج عن حريم اللفظ والظهور (1)، وربما يعبر عنه بالمتبادر المتيقن


(1) يظهر من السيد الاستاذ في المباحث الفقهية المناقشة في كبرى ? الانصراف. وقد كان هذا توجيها مني للانصراف المدعى في المقام على ما أفهمه. وهذه المسألة تحتاج الى تحقيق معنى الفهم العرفي وكيفية خروج انصراف المعنى لغلبة الاستعمال منه، والتفصيل بين قرينة الانصراف وسائر القرائن الحالية.

[ 101 ]

من المدلول، وهذا لا ينافي ما قيل من أن العرف ليس من شأنه تعيين المصاديق وإنما يرجع إليه في تحديد المفاهيم العرفية. وتحقيقه موكول إلى محله. وأما أدلة القائلين بعدم اشتراط اتحاد الافق فمجملها يرجع إلى التمسك بإطلاق روايات البينة، وأهم تلك الروايات: الاولى: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الامصار فإن فعلوا فصمه (1). والشاهد فيها مقطعان: 1 - (... من جميع أهل الصلاة)، 2 - (إلا أن يقضي أهل الامصار). الثانية: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان


(1) الوسائل ج 10 ص 292 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 102 ]

فقال: لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه (1). الثالثة: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لا تصمه إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه (2). واستشهد فيهما بإطلاق قوله: (بلد آخر) مؤكدا بترك التقييد واعتبار القرب في البلد الاخر مع أن الامام (كان في مقام البيان فإن قوله: (فإن شهد أهل بلد..) بمنزلة العدل لقوله: (إلا أن تراه). الرابعة: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوما (3). مناقشة الاستدلال: أما التمسك بإطلاق أخبار البينة في الصوم والفطر والقضاء الخالية من ذكر المصر والبلد ونحوهما ففي غير محله لعدم الاطلاق لها، بقرينة


(1) الوسائل ج 10 ص 293 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 و ص 254 ب 3 من نفس الابواب ح 9. (2) الوسائل ج 10 ص 293 ب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2. (3) الوسائل ج 10 ص 265 ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13.

[ 103 ]

جعل البينة عدلا لرؤية السائل أو المخاطب استثناء من الاصل المحقق الثابت (صم للرؤية وأفطر للرؤية). وأما الاخبار التي ورد فيها ذكر (بلد آخر، أو مصر) فمجمل القول فيها: أن الصحيحة الاولى لابي بصير على خلاف المطلوب أدل، فإن الاستثناء المثبت (أن يقضي أهل الامصار) عن حكم النفي (لا تقضه) يقتضي رؤية أهل الامصار جميعا للهلال في آخر الشهر وقضائهم يوم الشك فيما إذا تركوه واتفاقهم على ذلك، دون رؤية أهل مصر واحد، وهذا يعني أن رؤية البلد الواحد لا تثبت أول الشهر لجميع البلاد. وقد زعم بعضهم أن هذه الصحيحة هي أوضح الجميع دلالة على عدم اختصاص رأس الشهر القمري ببلد دون آخر، وإنما هو حكم وحداني عام لجميع المسلمين وأهل الصلاة كافة، مستشهدا بقوله: (يقضي أهل الامصار). ولكن قد ظهر مما ذكرنا عدم دلالتها على ذلك، سواء كان (من جميع أهل..) متعلقا بقوله: (يثبت)، أو بالوصفين (شاهدان عدلان). ويؤكد ما استظهرناه أن ثبوت الصوم والقضاء إن كان يكفي لرؤيته في بلد واحد فلا اعتبار لقوله: (جميع أهل الصلاة). وأما الرواية الثانية: فهي ضعيفة سندا بالقاسم بن محمد

[ 104 ]

الجوهري الكوفي البغدادي من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، فهو واقفي لم يوثق، وقد ذكره العلامة في الخلاصة في القسم الثاني الذي قال عنه أنه مختص بذكر الضعفاء ومن يرد قوله أو يقف فيه. وتبعه ابن داوود والحلي. وقد وهم من زعم أنه مع هذا ثقة، لانه من رواة أسانيد كامل الزيارات، فقد حققنا في محله عدم ثبوت الوثاقة بذلك. وضعيفة دلالة أيضا، تارة: لنفيها اعتبار البينة من الداخل التي هي العدل للرؤية في أخبار الصوم والفطر كما تقدمت الاشارة إليها (1). وأخرى: لعدم الاطلاق في قوله: (أهل بلد آخر) بحيث يشمل شهادة البينة من كل بلد، وإنما يتم الاطلاق إذا كان الشرط شهادة أهل بلد ما وحدهم دون سائر البلاد حتى يدل على عدم الفرق بين بلد الصائم وبلد الشهود سواء كان قريبا أو بعيدا شرقيا أو غربيا... على أن الظاهر من السياق هو شدة الحرص والاهتمام بأمر الهلال والنهي عن صوم يوم الشك قضاء من غير تثبت فقد استثنت في


(1) ربما أورد على هذا بأنه لا مورد للبينة من الداخل أصلا بعد فرض الراوي احتجاب الرؤية عن جميع أهل البلد بقوله: (غم علينا)، إلا أن يقال: بأنه لا مرجح لفرض رؤية السائل (إلا أن تراه) دون رؤية البينة الداخلية فلاحظ.

[ 105 ]

الصوم الرؤية الشخصية، وجعلت شهادة أهل البلد الاخر موجبة للقضاء. والشاهد على ذلك أنها عبرت ب‍ (أهل بلد) دون (بعض أهل بلد آخر) ونحوه (1). ومن هذا يظهر الحال في الاستدلال بصحيحة إسحاق بن عمار. وأما صحيحة هشام: فموردها من صام للرؤية وأفطر للرؤية تسعة وعشرين يوما ثم عرضه الشك وظن أنه نقص يوما من الشهر بأن فاته اليوم الاول، أو ظن أن شهر رمضان لا ينقص أبدا، أو ادعى بعض الناس الرؤية في أول الشهر ولكنه لم ير الهلال مع عدم المانع. وليس في الرواية ثبوت القضاء في حق من قامت عنده بينة من أهل مصر أيا كان، وإنما إذا قامت البينة العادلة على أهل مصر أنهم صاموا عن رؤية قضى يوما، والفرق بينهما واضح وأين هذا من دعوى الاطلاق في كلمة (مصر) (2)؟


(1) فهي نظير ما رواه في الفقيه بإسناده عن سماعة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان). فليست بصدد الاطلاق في المصر. (2) ويشهد لهذا التوجيه كثير من الروايات المعتبرة مثل صحيحة ابن ? سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاهلة، فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر، قلت: إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ قال: لا، إلا أن تشهد بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم. ومثلها صحيحتي الحلبي وأبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وغيرها. وكأنما الراوي فيها يفترض أصلا في الشهر وهو الثلاثين بدليل قوله: أقضي (ذلك اليوم)، فنفى الامام صيام ذلك اليوم - المشار إليه بقولهم - إلا أن يشهد به عدول من المؤمنين.

[ 106 ]

نعم إن الشهادة بما هي طريق إنما تقبل فيما إذا أمكنت الرؤية. فإن كانت البلاد التي ادعي فيها الرؤية شرقية فثبوته في الغربية بطريق أولى كما أشرنا، وعليه يمكن قبولها بلا إشكال، وكذا بالنسبة إلى البلدان المتقاربة التي تقع على خط طول واحد. وأما التي يعلم بعدم رؤية الهلال في أفقها في تلك الليلة فلا يمكن الاعتماد على دعوى الرؤية فيها. وبعبارة أخرى: الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب. والبحث في حجيته تارة في مرحلة الاقتضاء وتحقق الشروط، وأخرى في المانع. وأدلة الحجية إنما تشمله بعد صدق عنوان الخبرية وملاحظة الشروط والموانع. وأما مع اختلال واحد منها فلا يكون حجة. فالخبر المقطوع بكذبه ساقط عن الحجية. وبهذا يمكن تقييد الاطلاق في الروايات بعد فرض تماميته. فإنها على فرض كونها مطلقة بالنسبة إلى جميع الامصار، ولكنا إذا علمنا بعدم قابلية

[ 107 ]

الهلال للرؤية في بلد معين في هذه الليلة مثلا فلا يمكن التعويل على دعوى الرؤية فيه (1). الفائدة الثالثة، شهادة النساء في الهلال: ورد في الاخبار الصحيحة: (لا تجوز شهادة النساء في الهلال)، مضافا إلى ظهور أخبار البينة للهلال في الاختصاص بالرجال مثل صحيحة منصور بن حازم، وعبد الله بن سنان، والفضل وزيد الشحام، والحلبي ومحمد بن قيس، وغيرها من الاخبار الخاصة في نفي اعتبار الشهادة إلا من رجلين عدلين (2) كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة


(1) كما لو حصل اليقين بعدم خروج الهلال من المحاق كأن اتفق قول الفلكيين على ذلك مثلا فإطلاق (صم للرؤية) لا تشمل هذا الادعاء، والذي يخطر بالبال أن هذا من قبيل الخروج الموضوعي فلاحظ. ويمكن أن يوجه كلام السيد الاستاذ بتوجيه آخر وهو: أن أخبار الرؤية والبينة (صم للرؤية وأفطر للرؤية، إلا أن يشهد عندك شاهدان..) إنما يؤخذ بها بعد فرض إمكان الرؤية في أفق المكلف بحيث يمكن أن تتوجه له الروايات، وأما مع استحالتها فلا، أي أن البلد الذي يمكن الرؤية في أفقه يصح أن يخاطب بقوله: (صم للرؤية) ومع عدم الامكان يكون خارجا من تحت هذا الاطلاق. (2) راجع في ذلك 10 ج من الوسائل: ب 3 حديث 8 / 28، ب 5 حديث 4 / 9 / 11، ب 11 حديث 1 / 2 / 3 / 8 / 9 / 10 / 15.

[ 108 ]

رجلين عدلين (1). وقد استقرت الفتاوى على العمل بهذه الروايات، بل قال في الجواهر: وكذا لا يثبت بشهادة النساء منفردات ومنضمات إلى الرجال إجماعا بقسميه ونصوصا (2). ثم إن التعبد كتابا وسنة على عدم قبول شهادتهن فيما إذا لم تفد الشهادة العلم وكان الاعتماد على نفس الشهادة بما هي، وأما إذا حصل منها العلم أخذ به وإن كان مبدؤه شهادتهن. ولعل التعبد الشرعي منع من الرجوع إليهن فيما يمكن الرجوع فيه إلى غيرهن حفظا للستر والعفاف، وإلا فقد ورد النص بالمضي على شهادتهن بشروطها في موارد منها القتل لئلا يبطل دم امرء مسلم كما في صحيحتي جميل ومحمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3)، وفي الدين كما في صحيحة الحلبي (4) وغيرها، بل في صحيحة داوود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أجيز شهادة النساء في الغلام صاح


(1) الوسائل ج 10 ص 288 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8. (2) جواهر الكلام ج 16: 363. (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلنا أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده، إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم. الوسائل ج 27 ص 350 كتاب الشهادات ب 24 ح 1. (4) الوسائل ج 27 ص 351 ب 24 من كتاب الشهادات ح 2.

[ 109 ]

أو لم يصح، وفي كل شئ لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه (1). ويؤكد هذا أن المسألة لا تخلو من دخالة المؤثرات الخارجية وأن للوهم والخيال كامل الاثر في دعوى الرؤية. ويشهد له ما ورد في بعض الاخبار المعتبرة من إضافة الطلاق أيضا فقد روى في التهذيب أن عليا (عليه السلام) قال: (لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين) (2). ولا يخفى على أحد سرعة تأثر النساء وانفعالهن بأقل المؤثرات والظروف المحيطة. فهي رهينة انفعالات نفسية حساسة. ويمكن استفادة ذلك مما ورد من الروايات التي رسمت الطريق وأوضحت المنهجة السليمة في التعامل مع المرأة بحسب ما يناسب تركيبتها التكوينية سواء على مستوى الاسرة أو المجتمع. وناهيك عن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة حول النساء ففيها الحكمة والموعظة. ونستعيذ بالله تعالى مما يكتب حول المرأة في الجرائد والمجلات فإنه شبهة في مقابل البديهة واتباع للهوى في قبال النص.


(1) الوسائل ج 27 ص 354 ب 24 من كتاب الشهادات ح 12. (2) الوسائل ج 10 ص 289 ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9.

[ 110 ]

الفائدة الرابعة، الاحتياط بالسفر في يوم الشك: يوم الشك في المصطلح الروائي هو اليوم الذي يدور بين كونه آخر شعبان وأول شهر رمضان. وقد تكرر السؤال من أصحاب الائمة (عليهم السلام) عن حكمه، وجاءت الروايات، منها ما يفيد استحباب صومه ومنها ما ينهى عنه وقد حملها أكثر الفقهاء على صيامه بنية أنه من شهر رمضان فانه تشريع محرم. ولسنا بصدد التعرض لهذه المسألة، وإنما المقصود بالبحث في المقام هو يوم الشك في هلال شوال فقد جرت عادة بعض المتشرعة في الايام المتأخرة على قطع المسافة عند الشك فيه احتياطا منهم خشية صيام يوم العيد. ولا كلام لنا في الاحتياط فإنه حسن عقلا وشرعا، ولكن المهم هو التأمل في صغرى المسألة، وما أثير للاحتياط من توجيهات فيها حيث علله بعضهم: أولا: بأنه من قبيل دوران الامر بين المحذورين فإنه إن كان يوم العيد حرم صومه وإلا فهو واجب، ويمكن التخلص بقطع المسافة فإن السفر جائز ولو فرارا من الصوم وبهذا يؤمن من الوقوع في محذور صيام يوم العيد أيضا. وثانيا: وردت روايات كثيرة تمنع من صيام يوم العيد. منها: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم

[ 111 ]

الشك، ويوم النحر، وأيام التشريق (1). ومنها: ما رواه في الكافي عن كرام قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد (عليه السلام)، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: رجل من شيعتكم جعل لله عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد (عليه السلام)، قال: فصم يا كرام، ولا تصم العيدين ولا ثلاثة أيام التشريق... الحديث (2). وأهمها ما قيل من أن بعض الروايات تفيد أن من صام عيده فقد أفسد عليه شهره، ولم نظفر بهذا المضمون فيما تصفحنا من النصوص ولعله موجود. وفي هذا الامر ما يورث العجب: أما أولا: فلانه لا يخفى على من تصفح كتب الاصول أن النوبة لا تصل إلى الدوران بين المحذورين مع وجود أصل موضوعي في البين، إذ لا يشك أحد في جريان استصحاب بقاء الشهر، واستصحاب عدم دخول شوال في مفروض المسألة. هذا مع كونه خلافا للاخبار المتواترة (صم للرؤية وأفطر


(1) الوسائل ج 10 ص 514 ب 1 من أبواب أحكام الصوم المحرم والمكروه ح 4. (2) الوسائل ج 10 ص 515 ب 1 من أبواب أحكام الصوم المحرم والمكروه ح 9.

[ 112 ]

للرؤية)، ولظاهر القرآن (ولتكملوا العدة) وكذا الاخبار الامرة بإكمال العدة ثلاثين يوما، والروايات التي صرحت بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أكثر صيامه ثلاثين يوما، أو ما صام إلا تاما، ومع ذلك كله فقد ورد النص في خصوص المقام حيث روى علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة، أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية (1). وروى الصدوق بإسناده عن علي بن جعفر (عليه السلام) أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك فليفطر وإلا فليصم مع الناس. (2) أي إذا كان متيقنا من رؤية الهلال فليفطر، وإلا فليبق صائما مع الناس. وثانيا: النهي عن صيام يوم العيد إنما يتوجه بعد فرض تحققه وأما مع الشك فيكون تمسكا بالدليل في الشبهة الموضوعية لنفس الدليل. وأما ما رواه في التهذيب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول


(1) الوسائل ج 10 ص 255 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13. (2) الوسائل ج 10 ص 260 ب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 113 ]

الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ألحق في رمضان يوما من غيره متعمدا فليس بمؤمن بالله ولا بي (1) فهو ضعيف سندا بابن نصر وأبيه وأبي خالد الواسطي فإنهم لم يذكروا بتوثيق، وهو مع ذلك لا يمكن الاستدلال به على المدعى لما رواه الواسطي نفسه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما وصوموا الواحد والثلاثين (2) (3). وهم وإزاحة: قد يدعى أن صيام يوم العيد الواقعي - وإن كان مشكوكا ظاهرا مفسد لصيام الشهر، بمعنى أن يكون له أثر وضعي يمحق البركة التي حصل عليها الصائم. ويدفع هذا التوهم:


(1) الوسائل ج 10 ص 27 ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 6. (2) الوسائل ج 10 ص 257 ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 27. (3) وعلى فرض شموله ليوم الشك من شوال بدعوى الاطلاق في كلمة (يوما)، وقرينة (الحق) لا ينفع المستدل فقد أخذ فيه قيد التعمد، والذي يصوم يوم الشك استصحابا أو إكمالا للعدة لا يتعمد إلحاق يوم من غير الشهر به. وإن كان يحتمل قويا أن الرواية بصدد بيان أن شهر رمضان يمكن أن يكون تسعة وعشرين يوما، وهو مع ذلك تام فهي تنهى عن إلحاق يوم الثلاثين به على أنه منه فلاحظ.

[ 114 ]

أولا: أن حرمة صوم العيد تشريعية لا ذاتية. ثانيا: الروايات متظافرة على إتمام العدة فيما إذا تعذرت الرؤية كما مر، مع احتمال موافقة صيامه للعيد قطعا. وكيف يبقى التردد بعد فرض تحديد الوظيفة من قبل الشارع المقدس. وهل أخبارهم (عليهم السلام) نحو: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما)، إلا أوضح دليل على تحقق المؤمن التام. وبهذا تسقط دعوى التحذير من مغبة صيام يوم الشك المتوهم استفادته من الروايات. إرشاد: لا أظن إلا أن هذا غفلة عما ورد في الاثار عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) من الاهتمام بصيام الشهر بتمامه. ولا أدري ما هو المرجح لمراعاة احتمال الحرمة على تضييع هذا الفضل العظيم. فتدبر في كتب الادعية المأثورة كالصحيفة السجادية وغيرها حيث تضمنت طلب التوفيق لذلك الامر، والالتجاء إلى الله في رفع الموانع منه. علاوة على ما يمكن أن يستفاد من تعليل الامام الصادق (عليه السلام) (لان أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من شهر

[ 115 ]

رمضان) (1) فإنه يظهر منه حرص الامام (عليه السلام) على إحراز صيام جميع الايام وعدم الرغبة في تفويت أي يوم من الشهر. وإن كان ربما يناقش بعدم وجود المانع من صيام آخر شعبان بخلاف ما نحن فيه. ولكنه لا يرد على ما استظهرنا فلاحظ. ومثله صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يدخل عليه شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا، ثم يبدو له بعدما يدخل شهر رمضان أن يسافر؟ فسكت، فسألته غير مرة فقال: يقيم أفضل، إلا أن يكون له حاجة لابد له من الخروج فيها أو يتخوف على ماله (2). وقد جاء هذا المضمون في كثير من الروايات، ومن هنا أفتى يدخل عليه شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا، ثم يبدو له بعدما يدخل شهر رمضان أن يسافر؟ فسكت، فسألته غير مرة فقال: يقيم أفضل، إلا أن يكون له حاجة لابد له من الخروج فيها أو يتخوف على ماله (2). وقد جاء هذا المضمون في كثير من الروايات، ومن هنا أفتى الفقهاء بكراهة السفر في شهر رمضان لغير عذر. بل يظهر من السيد الاستاذ المعظم أنا لو كنا والمقطع الاول من الاية لم نحكم بجواز السفر في شهر رمضان إلا أن الاية بنفسها نطقت بالترخيص في قوله عز وجل: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). ثم جاءت الروايات فأثبتت الكراهة. نعم قيدها بعضهم بما إذا مضى من الشهر ثلاثة وعشرون يوما


(1) الوسائل ج 10 ص 20 ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 1. (2) الوسائل ج 10 ص 181 ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1.

[ 116 ]

لرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط، قال الله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة... - إلى أن قال - فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث شاء (1). هذا تمام الكلام في هذه الرسالة المختصرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


(1) الوسائل ج 10 ص 182 ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 6.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية