الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كلمة التقوى - الشيخ محمد أمين زين الدين ج 6

كلمة التقوى

الشيخ محمد أمين زين الدين ج 6


[ 1 ]

كلمة التقوى الجزء السادس كتاب الدين والصيد والذباحة فتاوى المرجع الديني الشيخ محمد أمين زين الدين دام ظله فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شئ عليما. المعاملات

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأفضل صلواته وتسليماته ورحماته وبركاته على سيد المرسلين، محمد وآله الطيبين المطهرين المعصومين. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شئ قدير. وبعد فهذا هو الجزء السادس من رسالة كلمة التقوى، وهو يحتوي على كتاب الدين، وكتاب الرهن، وكتاب الضمان، وكتاب الحوالة والكفالة، وكتاب الوقف وتوابعه، وكتاب الغصب، وكتاب الحجر، وكتاب اللقطة، وكتاب الصيد والذباحة، وكتاب الاطعمة والاشربة وكتاب اليمين والنذر والعهد، وكتاب الكفارات، وكتاب الوكالة، وكتاب الوصية، من المعاملات، ومن الله العلي العظيم سبحانه أسأل لي ولاخواني في ديني: اتمام النعمة، وشمول الرحمة، وثبات القدم، وغفران الزلل، وحسن التوفيق والرعاية، ودوام الهدى في الاولى والاخرى، انه أرحم الراحمين وخير الغافرين. عبده المفتقر إليه محمد أمين زين الدين

[ 5 ]

[ كتاب الدين ] وفيه ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في أحكام الدين ] [ المسألة الاولى: ] الدين هو مال تشتغل به ذمة انسان لانسان آخر، لاحد الاسباب التي توجب ذلك، كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترض، وابتياع شئ يكون ثمنه في ذمة المشتري، وبيع شئ موصوف مؤجل إلى اجل في ذمة البائع كما في بيع السلف، وكالتزويج بامرأة يؤجل صداقها في ذمة الزوج، واستئجار عين أو أجير يبقى بدل اجارته في ذمة المستأجر، وفدية خلع أو مباراة تبقى في ذمة المرأة المختلعة، وضمان مال بسبب اتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان، ونحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الانسان بالمال، وهذا هو الدين الذي يبحث عنه وعن احكامه في كتاب الدين. ويطلق الدين ايضا على ما تشتغل به ذمة الانسان من الاموال والحقوق لجهة عامة أو جهة خاصة، كالزكاة والخمس والكفارات والنذور، واشباهها، وهي ديون خاصة يبحث عنها وعن أحكامها في مواضعها المختصة بها من فقه الشريعة ولا تدخل في مباحث هذا الكتاب. [ المسألة الثانية: ] الدين اما حال، وهو الذي حان وقت وفائه، ولذلك فيجوز لمالك الدين أن يطالب المدين به، ويجب على المدين أداؤه إذا طالبه الدائن به، وكان المدين موسرا متمكنا من الوفاء، واما مؤجل، وهو الذي ضرب له أجل مسمى، ولذلك فلا يحق لمالك الدين أن يطالب المدين به،

[ 6 ]

ولا يجب على المدين أن يؤديه الا بعد حضور أجله، سواء كان التأجيل باشتراط المتداينين أو باشتراط أحدهما، أم كان بحكم الشارع بذلك، كما في أقساط الدية التي تبين في كتاب الديات. [ المسألة الثالثة: ] إذا حان أجل الدين أو كان الدين بنفسه حالا غير مؤجل، وأراد المدين دفعه لصاحبه ليفرغ ذمته منه، وجب على صاحب الدين أن يأخذه منه، ولا يجوز له الامتناع بغير عذر يسوغ له ذلك. [ المسألة الرابعة: ] إذا كان الدين مؤجلا ولم يحضر وقت ادائه، وأراد المدين تعجيل وفائه قبل حلول الاجل، فالظاهر انه يجب على الدائن أن يقبل ذلك منه، الا أن تكون في تعجيل الوفاء منة لا يتحملها الدائن، أو تدل قرائن خاصة على أن تأجيل الدين في المقام حق من حقوق الدائن كما هو حق من حقوق المدين، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثمائة من كتاب التجارة. [ المسألة الخامسة: ] إذا حضر أجل الدين ودفعه المدين، وامتنع الدائن من قبضه من غير عذر يسوغ له ذلك، جاز للحاكم الشرعي أن يجبره على القبض إذا طلب المدين من الحاكم ذلك، وإذا تعذر اجباره على القبض رفع المدين أمره إلى الحاكم وأمر الحاكم المدين أن يحضر المال ويمكن الدائن منه بحيث يكون مستوليا عليه وفي قبضته في نظر أهل العرف، فإذا حصل ذلك بأمر الحاكم وبمراجعته، برئت ذمة المدين من الدين، وإذا ترك المدين المال كذلك وانصرف، فلا ضمان عليه إذا تلف المال أو حدث فيه عيب، فهو من مال الدائن. وإذا لم يمكن ذلك جاز للمدين أن يدفع المال إلى الحاكم، فإذا قبل الحاكم ذلك منه وقبض المال أو أمر بقبضه برئت ذمة المدين، ويشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال إذا رفعه المدين إليه. وكذلك الحكم إذا حضر أجل الدين وكان صاحبه غائبا لا يمكن ايصال المال إليه، فإذا أراد المدين براءة ذمته دفع المال إلى الحاكم،

[ 7 ]

فإذا قبله منه وقبضه برئت ذمته، ويشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال كما في الفرض المتقدم. [ المسألة السادسة: ] يجوز للانسان أن يتبرع بوفاء الدين عن غيره، سواء كان المدين المتبرع عنه حيا أم ميتا، وسواء كان التبرع والوفاء باذن المدين أم بغير اذنه، بل الظاهر جواز ذلك وان لم يرض المدين بتبرعه عنه، وإذا وفى المتبرع عنه برئت ذمة المدين في جميع هذه الفروض، ووجب على الدائن قبول الوفاء منه. [ المسألة السابعة: ] إذا قصد المتبرع بتبرعه في أداء الدين المنة على المدين، أو قصد اهانته واذلاله بذلك أشكل تناول الادلة له، فلا تجري الاحكام المذكورة في المسألة السابقة مع قصد أحدهما. [ المسألة الثامنة: ] إذا عين المدين الدين في مال مخصوص لم يتعين بذلك ولم يصبح ملكا للدائن حتى يقبضه الدائن وفاءا عما يستحقه في ذمة المدين، ويستثنى من هذا الحكم ما ذكرناه في المسألة الخامسة، ونتيجة لذلك فإذا كان الرجل مدينا لاحد خمسة دنانير مثلا، وأخرجها من ماله ليدفعها إليه، ثم تلفت قبل أن تصل إلى الدائن، لم تبرأ ذمة المدين من دينه وكان التلف من مال المدين، وكذلك إذا دفعها إلى وكيله ليوصلها إلى الدائن، فتلفت في يد الوكيل قبل أن يوصلها، وإذا دفعها إلى وكيل الدائن المفوض منه في قبض الدين وتلفت في يد هذا الوكيل برئت ذمة المدين. [ المسألة التاسعة: ] إذا مات الشخص المديون حلت بموته ديونه التي في ذمته وان كانت مؤجلة وكان موته قبل حلول أجلها، وإذا مات الشخص الدائن لم تحل بموته ديونه المؤجلة التي يستحقها في ذمم المديونين، فلا يجوز لورثته مطالبتهم بهذه الديون حتى تحل أوقاتها المعينة لها.

[ 8 ]

فإذا مات الرجل وفي ذمته مهر زوجته المؤجل وجب على ذريته دفع مهر الزوجة من التركة وان لم يحضر أجله بعد، وإذا ماتت الزوجة ولها في ذمة الزوج مهر مؤجل لم يحق لورثتها أن يطالبوا الزوج بمهرها حتى يحضر الاجل التي اشترط للوفاء به. [ المسألة العاشرة: ] لا تحل الديون المؤجلة في ذمة الشخص إذا قصرت أمواله الموجودة لديه عن الوفاء بديونه، فأصبح مفلسا، فإذا حجر عليه للفلس قسمت أمواله الموجودة على ديونه الحالة ولم يشارك في الاموال أصحاب الديون المؤجلة وسنذكر هذا في كتاب الحجر ان شاء الله تعالى. [ المسألة 11: ] يجوز للشخص ان يبيع الدين بمال حاضر، فإذا كان له في ذمة زيد من من الحنطة جاز للدائن أن يبيع دينه على زيد نفسه أو على غيره بثمن حاضر نقدا، سواء كان الثمن من جنس الدين المبيع أم من غير جنسه، وسواء كان الثمن أقل من المبيع أم مساويا له في المقدار أم اكثر منه، ولا يجوز ذلك إذا لزم منه الربا، وهو ما إذا باع الدين بثمن من جنسه اقل منه أو اكثر، وكان العوضان مما يكال أو يوزن، فلا يمنع من البيع إذا كان الثمن من غير جنس المبيع، ولا يمنع منه إذا كانا من جنس واحد وكان العوض أو المعوض غير مكيل ولا موزون. [ المسألة 12: ] لا يجوز للشخص أن يبيع الدين بالدين، وهو أن يكون المبيع والثمن كلاهما دينا في الذمة قبل بيع أحدهما بالآخر، سواء كانا مؤجلين أم كانا حالين أم كانا مختلفين على الاقوى في جميع ذلك. وهو يقع على صور، فقد يكون البيع بين المتداينين، ومثال ذلك أن يكون لزيد من من الحنطة في ذمة عمرو، ويكون لعمرو من من الارز في ذمة زيد، فيبيع زيد من الحنطة الذي يستحقه في ذمة عمرو، على عمرو نفسه، ويكون ثمن المبيع هو من الارز الذي يستحقه عمرو في ذمة زيد. الصورة الثانية: أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما، وتكون لعمرو وزنة من الارز في ذمة ذلك الشخص أيضا،

[ 9 ]

فيبيع زيد على عمرو وزنة الحنطة التي يستحقها في ذمة الشخص المدين بوزنة الارز التي يملكها عمرو في ذمة ذلك الشخص المدين نفسه. الصورة الثالثة: أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما، ويكون لعمرو وزنة من الارز في ذمة شخص آخر فيبيع زيد حنطته التي يملكها في ذمة الشخص الاول، على عمرو، ويكون الثمن وزنة الارز التي يملكها عمرو في ذمة الشخص الثاني، فلا يجوز البيع في جميع هذه الصور. وكذلك الحكم على الاحوط لزوما إذا صار العوضان دينا بعد العقد، وكانا مؤجلين. ومثال ذلك أن يبيع زيد على عمرو وزنة من الحنطة يدفعها له بعد شهر مثلا، بعشرة دنانير يدفعها له عمرو بعد مضي عشرين يوما، فلا يجوز ذلك على الاحوط. ومثله ما إذا كان أحد العوضين دينا قبل العقد، والعوض الثاني دينا بعد العقد، ومثال هذا ان تكون لزيد في ذمة عمرو وزنة من الحنطة إلى أجل معين، فيبيع زيد على عمرو هذه الوزنة التي يملكها في ذمته بعشرة دنانير تبقى في ذمة عمرو إلى مدة شهر، فلا يجوز ذلك أيضا على الاحوط، وتراجع المسألة الثلاثمائة والتاسعة والتسعون وما بعدها من كتاب التجارة في ما يتعلق ببيع المال المسلم فيه وتراجع ما بعدهما في بيع المال المسلم فيه بعد حلول أجله. [ المسألة 13: ] إذا كان للرجل على احد دين إلى أجل مسمى، جاز للمتداينين أن يتراضيا بينهما على تعجيل الدين باسقاط بعضه، فإذا كان الدين مائة دينار إلى مدة ستة أشهر، صح لهما أن يتراضيا فيدفع المديون لمالك الدين ثمانين دينارا معجلة ويسقط الدائن عنه بقية الدين. ولا يجوز لهما أن يؤجلا الدين إذا كان حالا بزيادة فيه، وان تراضيا على ذلك، ومثاله أن يكون لزيد في ذمة عمرو مائة دينار حالة، فيطلب المدين من زيد أو يطلب زيد من المدين أن يجعل الدين مائة

[ 10 ]

وعشرين دينارا، ويؤجله فيه إلى مدة شهرين، وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا الى مدة فلا يجوز للمدين أن يزيد الدائن في مقدار الدين ليزيده الدائن في مقدار الاجل، فيضيف إليه عشرة دنانير مثلا ليؤجله الدائن إلى شهرين بعد ان كان مؤجلا الى شهر، ومثله أن يطلب الدائن ذلك. [ المسألة 14: ] يجوز للمدين إذا كان الدين عليه حالا، أن يشترط على الدائن ان يؤجله في الدين إلى مدة معلومة فإذا كان الشرط في ضمن عقد لازم وقبل الدائن بالشرط لزم الشرط ووجب عليه الوفاء به ومثال ذلك ان يبيع المدين على الدائن سلعة بثمن معين ويشترط عليه في ضمن عقد البيع أن يؤجله بدين حال آخر، يستحقه في ذمته إلى مدة شهر، ويجوز له كذلك أن يشترط عليه زيادة الاجل في الدين المؤجل فإذا اشترط ذلك عليه في عقد لازم لم تجز للدائن المطالبة بالدين حتى يحل الوقت المشترط في كلا الفرضين، وكذلك إذا اشترط أحدهما في ضمن عقد جائز فيجب الوفاء بالشرط مادام ذلك العقد باقيا، وإذا انفسخ العقد سقط وجوب الشرط. [ المسألة 15: ] لا تجوز قسمة الدين بين الشركاء فيه، فإذا كان لرجلين دين مشترك في ذمة أحد أو في ذمم أشخاص لم يجز للشريكين أن يقتسما الدين فيجعلاه سهمين مثلا، فالقسط الاول الذي يدفعه المدين في شهر محرم يكون لزيده، والقسط الثاني الذي يدفعه في شهر صفر يكون لعمرو، أو يكون ما في ذمة احد المدينين للاول وما في ذمة المدين الثاني للشريك الثاني، بل يكون الدين مشاعا، فكل ما يحصل منه فهو للشريكين معا، وما يتأخر منه يكون عليهما وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة والخمسين من كتاب الشركة. [ المسألة 16: ] إذا غاب الدائن غيبة انقطع فيها خبره ولم يعلم أحي هو أم ميت، وجبت على المدين نية وفاء الدين متى تمكن من ايصاله إلى الدائن،

[ 11 ]

وتجب عليه الوصية به عند ظهور امارات الموت عليه ليعلم وارثه بذلك، وإذا علم بموت الدائن وجب عليه أن يدفع الدين إلى ورثة الدائن، وإذا لم يعرفهم وجب عليه الفحص عنهم حتى يعرفهم ويؤدي إليهم حقهم، فإذا أيس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم باذن الحاكم الشرعي، وإذا علم ان الدائن الميت لا وارث له كان ميراثه للامام (ع)، فيجب دفع الدين إليه. [ المسألة 17: ] إذا حل ميعاد الدين وطالب الدائن بالوفاء به، وجب على المديون أن يبذل جهده في أداء دينه وبراءة ذمته ببيع عقار أو أمتعة أو أعيان يملكها ولا تدخل في مستثنيات الدين، أو اجارة أملاك له، أو تحصيل ديون له عند الناس، ويلزمه على الاحوط لزوما التكسب لذلك بما يليق به في شرفه وقدرته ومنزلته الاجتماعية. [ المسألة 18: ] يستثنى من الحكم بوجوب البيع لوفاء الدين كل شئ يكون ضروريا للمدين بحسب حاله وشرفه ومنزلته في المجتمع، وما يكون بيعه موجبا لوقوع المدين في عسر أو حرج أو منقصة، فلا يجب عليه بيع شئ من ذلك أو المعاوضة عليه بغير البيع لوفاء الدين، ومن ذلك داره التي يحتاج إليها في السكنى، والثياب التي يحتاج إليها ولو للتجمل، والدابة التي يفتقر إلى ركوبها، والخادم الذي يحتاج إليه في قضاء حوائجه إذا كان من شأنه ان تكون له دابة أو خادم، بل والسيارة التي يفتقر إليها في ركوبه وتنقلاته إذا كان من شأنه ذلك، وأثاث منزله وأدواته وآلاته وأوانيه وظروفه المختلفة لاكله وشربه وطبخه، وفرش البيت وفرش النوم واغطيته وملاحفه له ولعياله وزواره وضيوفه، وتسمى هذه مستثنيات الدين. والمدار فيها هو ما ذكرناه في أول المسألة، ولذلك فهي لا تختص بما ذكرناه، ومنها الكتب التي يحتاج إليها وتعد من ضروراته أو يلزمه العسر والحرج أو المنقصة إذا فقدها.

[ 12 ]

[ المسألة 19: ] إذا كانت لدى المديون دور متعددة وهو يحتاج إليها جميعا للسكنى فيها لكثرة عياله، فهي بحكم الدار الواحدة، فلا يجب عليه بيعها لوفاء الدين، وكذلك إذا احتاج إلى اكثر من خادم واحد، والى اكثر من دابة واحدة أو احتاج الى اكثر من سيارة، ومثله الحكم في الفرش المتعددة والثياب، فالمدار في ذلك على مقدار ما تتأدى به الضرورة وينتفي به العسر ولا يتأدى بأقل منه. وإذا كانت لديه دار للسكنى تزيد في سعتها على مقدار حاجته تخير بين أن يسكن منها ما يفي بحاجته، ويبيع منها ما زاد على ذلك، وأن يبيع الدار الواسعة ويشتري دارا تفي بحاجته ولا تزيد، وإذا كانت الدار التي يسكنها أرفع في القيمة والمنزلة مما يحتاج إليه باعها واشترى دارا تناسب شأنه، وصرف الزائد من ثمنها في وفاء الدين وكذلك في السيارة والخادم والاثاث. [ المسألة 20: ] إذا كانت لديه دار موقوفة أو موصى بها لجهة تنطبق عليه وهي تكفي لسكناه وتناسبه في حاله وشرفه، وله دار مملوكة، فالاحوط أن يبيع داره المملوكة ويفي بثمنها الدين ويكتفي بما عنده من الدار الموقوفة أو الموصى بها. [ المسألة 21: ] انما تكون دار السكنى من المستثنيات في الدين، إذا كان المدين موجودا، فإذا مات ولم يترك شيئا الا دار سكناه، أو ترك معها غيرها وكان دينه يستوعب الجميع، أو كان الدين بمقدار لا يمكن وفاؤه الا ببيع الدار وجب بيع الدار في جميع هذه الصور، وصرف الثمن في وفاء الدين. [ المسألة 22: ] لا يجب على المدين أن يبيع المستثنيات التي تقدم ذكرها ليفي به دينه ولا يجبر على ذلك، وإذا رضي المدين بذلك فباعها باختياره وصرف أثمانها في قضاء دينه صح له ذلك، وجاز لصاحب الدين أن

[ 13 ]

يقبض ما يدفعه إليه من ذلك، غير أنه يستحب للدائن أن يترفع عن ذلك ويتنزه، فلا يكون سببا لبيع المدين داره وان كان البيع برضاه، وقد تستفاد كراهة ذلك من خبر عثمان بن زياد عن أبي عبد الله (ع). [ المسألة 23: ] إذا حل موعد الدين وطالب به صاحبه، وعرض المدين عقاره وأمتعته الموجودة لديه - مما يزيد على المستثنيات - ليبيعها في وفاء دينه، فوجد أنها لا تباع الا بأقل من أثمانها، وجب عليه بيعها، ولم يجز له الانتظار حتى ترتفع القيمة أو يوجد الراغب. وإذا كان التفاوت في القيمة كثيرا يكون البيع معه تضييعا للمال واتلافا له في نظر العقلاء، فلا يبعد عدم وجوب البيع في هذه الصورة، وخصوصا إذا لزم منه الضرر أو الحرج على المدين. [ المسألة 24: ] يحرم على المدين أن يماطل صاحب الدين في قضاء دينه مع قدرته على الوفاء، وقد عد في بعض النصوص المعتمدة حبس الحقوق الواجبة من غير اعسار من المعاصي الكبيرة، وقد أشرنا الى ذلك في تعداد الكبائر من بحث صلاة الجماعة، وعن النبي صلى الله عليه وآله: (من مطل على ذي حق حقه وهو يقدر على اداء حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار)، وإذا أعسر المدين ولم يقدر على الوفاء وجبت عليه نية القضاء بأن يعزم في نفسه انه يؤدي الدين متى قدر على وفائه، وإذا تجددت له الاستطاعة وجب عليه القضاء ولم تجز له المماطلة. [ المسألة 25: ] تكثرت الادلة على وجوب انظار المدين إذا ثبت اعساره، وفي الآية الكريمة: (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)، وعن الامام أبي عبد الله (ع): (اياكم واعسار أحد من اخوانكم المسلمين أن تعسروه بشئ يكون لكم قبله وهو معسر، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس للمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة لظله يوم لاظل الا ظله)، وقد تنوعت الادلة في التعبير عن ذلك.

[ 14 ]

[ المسألة 26: ] لا يسقط الدين بعدم مطالبة الدائن به وان طالت المدة، ولا بنسيان الدائن أو المدين له فمتى ذكره لزمه القضاء، وإذا نسيه المدين حتى مات وعلم به وارثه بعد موته وجب عليه قضاؤه من تركة الميت. [ الفصل الثاني ] [ في القرض وأحكامه ] [ المسألة 27: ] القرض هو أن يملك الانسان غيره مالا ويضمنه عوضه، مثله أو قيمته، يقال: أقرضه المال إذا ملكه اياه وضمنه عوضه، فدافع المال مقرض، وآخذه مقترض وطالبه مستقرض. [ المسألة 28: ] يكره للانسان أن يستقرض أو يستدين مع عدم الحاجة كراهة شديدة، ففي الحديث عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه (ع)، عن علي (ع): (اياكم والدين، فانه مذلة بالنهار مهمة بالليل، وقضاء في الدنيا وقضاء في الآخرة) وعن أبي جعفر (ع): (كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله، الا الدين، فانه لا كفارة له الا اداؤه أو يقضي صاحبه، أو يغفر الذي له الحق)، وإذا حصلت الحاجة إلى الاستقراض والاستدانة خفت الكراهة، وكلما تزايدت الحاجة ازدادت خفة الكراهة حتى تزول، وعن أبي الحسن وموسى بن جعفر (ع): (من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله (عز وجل)، وان غلب عليه فليستدن على الله (عز وجل) وعلى رسوله ما يقوت به عياله). [ المسألة 29: ] إذا لم يكن لدى الانسان ما يفي به دينه إذا هو استدان، ولا يترقب أن يحصل له ما يفي به فالاحوط له أن لا يقترض ولا يستدين الا مع الضرورة التي تحتم عليه ذلك، أو مع علم الدائن بحاله وطيب نفسه بالاستدانة منه.

[ 15 ]

[ المسألة 30: ] يستحب للمؤمن أن يقرض أخاه المؤمن استحبابا مؤكدا، ويتضاعف تأكيده ويعظم ثوابه وأجره عند الحاجة وفي أوقات الشدة، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: (من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه اليه)، وعن أبي عبد الله (ع): (لان أقرض قرضا احب الي من ان اتصدق بمثله) وقال (ع): (من أقرض قرضا وضرب له أجلا، ولم يؤت به عند ذلك الاجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الاجل مثل صدقة دينار واحد كل يوم). [ المسألة 31: ] القرض أحد العقود، ولذلك فيعتبر فيه الايجاب من المقرض والقبول من المقترض، وايجابه أن يقول للمقترض: أقرضتك المبلغ المعين أو يقول: ملكتك المبلغ وعليك أن ترد لي عوضه إلى أجل كذا، ويكفي فيه أي لفظ يؤدي المعنى المقصود، وان كان بلغة غير عربية، وقبوله أن يقول المقترض: قبلت أو رضيت، ويكفي اي لفظ يدل على ذلك وان لم يكن عربيا. ويصح وقوعه بالمعاطاة، فيدفع المقرض المال بقصد انشاء القرض، ويتسلمه المقترض بقصد القبول، ويشترط في المقرض والمقترض أن يكونا بالغين وعاقلين وقاصدين ومختارين وغير محجور عليهما لفلس أو سفه، كما هو الشأن في كل متعاقدين. [ المسألة 32: ] يشترط في مال القرض على الاحوط أن يكون عينا، فلا يصح أن يكون دينا، فيقول له: أقرضتك الدين الذي أملكه في ذمة زيد، ويجوز للمقرض أن يوكل المستقرض في قبض الدين من زيد، فإذا قبضه منه جاز أن يقرضه اياه، ولا يصح أن يكون مال القرض منفعة، فيقول له: أقرضتك سكنى داري مدة شهر أو مدة شهرين، أو يقول له: أقرضتك سكنى دار زيد التي استأجرتها منه.

[ 16 ]

ويشترط في المال أن يكون مملوكا، فلا يصح أن يقرضه مالا يملكه المسلم كالخمر والخنزير، ولا يصح أن يقرضه شيئا يملكه غيره، وإذا أقرضه مال غيره كان فضوليا، فان أجازه مالك المال صح، وان لم يجزه كان باطلا. [ المسألة 33: ] يصح للرجل أن يقرض صاحبه أمرا كليا في الذمة، فيقرضه خمس وزنات من الارز أو من الحنطة، في ذمته، ثم يدفع إليه فردا شخصيا، فيقبضه المقترض، أو يقرضه خمس وزنات كلية من هذه الصبرة ثم يزن له من الصبرة المقدار المعين فيدفعه إليه ويحصل القبض. [ المسألة 34: ] إذا كان مال القرض من المثليات كالحبوب والادهان وسائر المثليات فيشترط في صحة قرضه أن يكون مما يمكن ضبط أو صافه وخواصه التي يكون اختلافها موجبا لاختلاف القيمة والرغبة في المال بين المتعاملين من الناس، وإذا كان المال من القيميات لم يشترط فيه ذلك على الاقوى، فيكفي في صحة قرضه علم المتداينين بقيمته، وان لم يمكن ضبط صفاته وخصائصه كما اشترطناه في المثليات، فيصح اقراض الغنم والجواري والعبيد وغيرها من القيميات إذا علم الطرفان بقيمتها وان لم تضبط أوصافها في العقد، أو لم يمكن ذلك فيها كاللئالئ والجواهر وأمثالها. [ المسألة 35: ] يشترط في مال القرض أن يكون معينا، فلا يصح أن يكون أمرا مبهما غير معين، كما إذا قال الرجل لصاحبه: أقرضتك أحد هذين المبلغين، أو أحد هذين الثوبين. ويشترط أن يكون المال معلوم المقدار، بأن يعلم مقدار كيله إذا كان مما يكال، ومقدار وزنه إذا كان مما يوزن، ومقدار عدده إذا كان مما يعد، فلا يصح أن يقرضه الطعام الموجود من غير أن يعرف وزنه أو كيله، ولا يكفي أن يقدره بغير المقياس الذي يتعارف تقديره به، فيقرضه مل ء هذا الوعاء أو هذا الاناء بيضا من غير أن يعرف عدده.

[ 17 ]

[ المسألة 36: ] إذا أقرض الرجل صاحبه المال مما يكال، وقدره بكيلة معينة من غير المكاييل المعروفة بين الناس، فلا يبعد الحكم بصحة القرض، ويجب أن يقدر العوض عند الوفاء بتلك الكيلة المعينة، وكذلك إذا اقرضه المال مما يوزن، واعتمد في تقديره على صخرة أو حديدة معينة من غير المعايير التي يتعارف الوزن بها، فيصح القرض ويقدر وزن العوض عند الوفاء بتلك الصخرة أو الحديدة التي وزن مال القرض بها، والاحوط استحبابا اجتناب ذلك. [ المسألة 37: ] يشترط في صحة القرض أن يسلم المقرض المال وأن يستلمه المقترض، فلا يملك المقترض مال القرض حتى يقبضه، ولا يشترط في ملكه للمال أن يتصرف فيه. [ المسألة 38: ] الظاهر أن القرض من العقود اللازمة، فإذا تم العقد من الايجاب والقبول وحصل القبض، لم يجز للمقرض أن يفسخ العقد ويرجع بالعين التي أقرضها، ولم يجز للمقترض أن يرد العين التي اقترضها إذا كانت من القيميات، نعم، إذا كان القرض غير مؤجل إلى أجل معين، فللمقرض أن يطالب المقترض بوفاء دينه وان لم تمض عليه مدة بعد القرض، ويجوز للمقترض أن يرد المال الذي أخذه إذا كان من المثليات، على أن يكون ذلك وفاءا بالدين، لافسخا للعقد. [ المسألة 39: ] إذا تم عقد القرض وحصل الاقباض والقبض بين المتداينين، اشتغلت ذمة المقترض بعوض المال، فإذا كان مال القرض من المثليات، ثبت للمقرض في ذمة المقترض مثل المال، وقد بينا في ما تقدم ان ما تنتجه المعامل والمصانع الحديثة من الاشياء المتماثلة في كل جهة يكون بحكم المثليات، فإذا أقرض الانسان صاحبه شيئا منها ثبت له في ذمة المقترض مثله.

[ 18 ]

وإذا كان مال القرض من القيميات ثبتت للمقرض في ذمة المقترض قيمة ذلك المال، وإذا اختلفت قيمته فالمدار على قيمة المال يوم دفعه إلى المقترض على الاقرب. [ المسألة 40: ] إذا كان المال الذي اقترضه الرجل مثليا، ثبت في ذمته مثله كما قلنا، ومعنى ذلك أن يكون وفاؤه للقرض هو ان يدفع للمقرض ما يماثل المال في جنسه وصفاته سواء ارتفعت قيمته في السوق عن قيمته في يوم الاقتراض أم نقصت عنها، أم ساوتها، فإذا دفع الرجل المثل إلى المقرض وجب عليه قبوله ولم يكن له أن يمتنع عنه، وان نقص سعره نقصانا كبيرا عن سعره في يوم الاقتراض، وإذا طالب به المقرض عند حلول وقته وجب على المقترض أن يدفعه إليه ولم يجز له أن يمتنع عن ادائه وان ارتفع سعره كثيرا عن قيمته يوم الاقتراض. وإذا طلب أحد المتداينين من صاحبه أن تؤدى قيمة المثل بدلا عنه أو يدفع عنه من غير جنسه لم يجز ذلك الا بالتراضي من الطرفين فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك. [ المسألة 41: ] إذا كان المال الذي اقترضه الرجل قيميا، ثبتت في ذمة الرجل قيمته كما ذكرناه قريبا، والمراد أن يكون الوفاء بدفع مقدار قيمة المال السوقية من النقد المتداول بين الناس في معاملاتهم من دراهم أو دنانير أو أوراق نقدية أو غير ذلك، فإذا دفع المدين القيمة من ذلك إلى المقرض وجب عليه قبولها ولم يجز له ان يمتنع عن القبول، وإذا طالب بها المقرض عند حلول وقت الدين وجب على المقترض دفعها إليه ولم يكن له أن يمتنع عن الدفع. وإذا طلب أحدهما أن تؤدى قيمة المال من جنس آخر أو من نقود أخرى غير متداولة في البلد لم يجز ذلك الا بالتراضي بينهما، فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك. وإذا كانت العين المقترضة بذاتها موجودة فطلب المقرض أو أراد المقترض أن يكون وفاء الدين بدفع العين نفسها لم يصح ذلك الا

[ 19 ]

بالتراضي، فلا يجبر الممتنع منهما عن قبولها. [ المسألة 42: ] إذا وجب على المقترض أن يدفع مثل المال وفاءا عما في ذمته للمقرض، وتعذر وجود المثل، وجب عليه أن يدفع له قيمة المثل في يوم دفعها. [ المسألة 43: ] يجوز للمتداينين مع التراضي في ما بينهما أن يتقايلا في القرض، فإذا تقايلا وجب على المقترض أن يدفع العين التي اقترضها إلى مالكها إذا طلبها، وإذا لم يطلبها منه فهي أمانة في يده لا يجوز له التصرف فيها. [ المسألة 44: ] إذا اقترض ذمي من مسلم مالا أو استدان منه دينا، ثم باع الذمي بعض المحرمات في الاسلام كالخمر والخنزير، ودفع إلى المسلم من ثمنها وفاءا لدينه، جاز للمسلم أن يقبض دينه منها، وإذا باع الذمي شيئا منها وبقيت أثمانها في ذمة المشتري، ثم أسلم الذمي، جاز له أن يقبض الاثمان بعد اسلامه، ولا يسقط حقه من المطالبة بها. [ المسألة 45: ] الدراهم المسكوكة من المثليات، فإذا اقترضها الرجل ثبت للمقرض في ذمته مثلها، وكذلك الدنانير المسكوكة، والاوراق النقدية التي تعتبرها الدولة نقدا رسميا تجري به المعاملات في البلد، فإذا اقرض الرجل صاحبه مبلغا منها، ثبت في ذمة المقترض مثل ذلك المبلغ، سواء اتحد سعرها في النقود الاخرى وفي الاجناس غير النقود أم اختلف. وإذا ألغت الدولة اعتبار دراهمها أو دنانيرها أو عملتها الورقية، فان سقطت بسبب ذلك الدراهم أو الدنانير أو العملة الورقية عن المالية أصلا، وجب على المدين أن يدفع للدائن قيمتها في آخر أزمنة ماليتها ولم يجز له أن يدفع عينها، وان لم تسقط بسبب ذلك عن المالية، كفاه أن يدفع له مثل ما في ذمته من تلك الدراهم أو الدنانير المسكوكة التي الفتها الدولة، أو العملة الورقية وان قلت قيمتها عن قيمتها يوم اقتراضها بسبب الغاء الدولة.

[ 20 ]

[ الفصل الثالث ] [ الربا في القرض ] [ المسألة 46: ] لا يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض دفع زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه، سواء كان الشرط صريحا مذكورا في ضمن العقد أم دلت عليه القرائن الحافة فهو كالصريح، أم علم أن ذلك من قصد المتداينين بحيث يكون عقد القرض بينهما مبنيا على هذا الشرط، وإذا شرط ذلك بطل الشرط خاصة، ولم يبطل عقد القرض على الاقوى، ونتيجة لذلك فيصح العقد ويملك المقترض مال القرض، ويثبت عوض المال في ذمته ويحرم على المقرض أخذ الزيادة التي شرطها عليه. وهذا أحد نوعي الربا الذي حرمه الاسلام، وقد صرحت الادلة الكثيرة بتحريمه وتعاضدت في الدلالة عليه من الكتاب الكريم والسنة المطهرة وعلى التشديد في أمره، وقد تقدم في الفصل الحادي عشر من كتاب التجارة ذكر النوع الاخر منه، وهو الربا في المعاملة. [ المسألة 47: ] لا يختص تحريم هذا النوع من الربا بما يكال أو يوزن من أجناس المال، بل يجري في مطلق ما يقترض من الاموال، حتى في المعدود منها، كالدراهم والدنانير، والعملات المسكوكة الاخرى، والاوراق النقدية والجوز والبيض، فإذا اشترطت فيها زيادة في العوض على المال المقترض كانت من الربا المحرم، وحتى الاعيان القيمية التى يكتفى في صحة قرضها بالمشاهدة، كالغنم والدواب والجواري والارض وغيرها مما يصح اقتراضه وتثبت في الذمة قيمته يوم الاقتراض كما تقدم، فإذا أقرض شيئا منها واشترط في العقد زيادة على مقدار العوض، وهو القيمة التي تثبت في الذمة، كان ذلك من الربا المحرم. [ المسألة 48: ] لا يجوز في القرض أن تشترط فيه زيادة على العوض، سواء كانت

[ 21 ]

الزيادة المشترطة عينية، وكانت من جنس مال القرض، ومثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرة دنانير ويشترط عليه أن يؤدي له اثني عشر دينارا، أم كانت الزيادة عينية من غير جنس المال، ومثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا ويشترط عليه أن يدفع له عوض ذلك عشرين دينارا وسلعة معينة أخرى غير الدنانير، أم كانت الزيادة المشترطة منفعة أم عملا أم انتفاعا، ومثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا ويشترط أن يؤدي له عوض ذلك عشرين دينارا مع سكنى دار المقترض اسبوعا أو مع خياطة ثوب، أو مع انتفاع المقرض بالعين المرهونة عنده على الدين المذكور، وكذلك إذا أقرضه عشرين درهما مكسورا واشترط عليه أن يدفع له عشرين درهما صحيحا، فلا يصح الشرط في جميع الفروض المذكورة، وإذا اشترطه كان من الربا المحرم. [ المسألة 49: ] إذا أقرض الرجل صاحبه مقدارا من المال واشترط عليه أن يدفع له عوض المال وان يؤجره مع ذلك داره المعينة بأقل من أجرتها، أو اشترط عليه أن يدفع له العوض وأن يبيعه شيئا من أملاكه بأقل من ثمنه، كان ذلك من اشتراط الزيادة فيكون من الربا المحرم. [ المسألة 50: ] لا فرق في تحريم الربا بين أن يشترط على المقترض زيادة تعود إلى المقرض نفسه كما في الامثلة المتقدم ذكرها أو تعود إلى شخص آخر، فلا يجوز له أن يقرض المدين عشرين دينارا ويشترط عليه أن يؤدي له عشرين دينارا ويعطي زيدا دينارا أو يهب له كتابا أو سلعة معينة. ولا يجوز له أن يقرضه مبلغا من المال ويشترط عليه ان يؤدي له المبلغ وأن يصرف في تعمير مسجد معين أو في اقامة مأتم خاص أو في تعميره كذا دينارا. [ المسألة 51: ] ليس من الربا أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدي مالا يجب على المقترض اداؤه، ومثال ذلك أن يقول له: اقرضتك عشرين دينارا واشترطت عليك ان تدفع لي عشرين دينارا عوض القرض وأن تؤدي

[ 22 ]

زكاة مالك لمستحقها أو تقضي الدين الذي يستحقه عليك فلان، وليس من الربا إذا قال له في عقد القرض: بشرط ان تؤدي صلاتك أو صيامك أو حجك، أو بشرط أن تذكرني في دعائك أو تستغفر لابي في صلاتك. [ المسألة 52: ] لا تكون الزيادة محرمة إذا لم تكن مشترطة في العقد، فإذا دفع المقترض للدائن زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه من غير اشتراط من الدائن، بل دفعها إليه من تلقاء نفسه، جاز للمقترض دفعها وحل للمقرض أخذها، سواء كانت زيادة عينية أم غيرها، وفي بعض النصوص دلالة على استحباب ذلك للمقترض وأنه من حسن القضاء، وأن خير الناس احسنهم قضاءا. وفي بعضها دلالة على كراهة قبولها للمقرض، وفي رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله (ع): أن رجلا أتى عليا (ع) فقال له: ان لي على رجل دينا فأهدى الي هدية، قال (ع): احسبه من دينك عليه، وهذه الرواية محمولة على استحباب ذلك للمقرض. [ المسألة 53: ] الربا المحرم في الاسلام: هو أن يشترط على المقترض دفع الزيادة للمقرض، وليس من الربا إذا اشترطت الزيادة للمقترض، فيصح اشتراط ذلك ويحل للمقترض أن يأخذها، ومثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرين دينارا مثلا، ويشترط على المقترض - لبعض الاغراض الخاصة - أن يؤدي له عوض دينه ثمانية عشر دينارا فقط، فتكون الزيادة، وهي الديناران مشترطة للمقترض لا للمقرض فلا تكون من الربا المحرم. ومن ذلك ما إذا احتاج الانسان إلى تحويل مبلغ من المال إلى بلد آخر، فيدفع ذلك الانسان إلى تاجر في بلده مائة دينار مثلا، ليحوله التاجر بثمانين دينارا منها على وكيله أو على البنك في البلد الاخر المقصود، فيكون ذلك الانسان قد أقرض التاجر مائة دينار، واستلم منه عوضها في ذلك البلد المقصود ثمانين دينارا فقط، وتكون العشرون

[ 23 ]

دينارا وهي الزيادة مشترطة للمقترض وهو التاجر، فيحل له أخذها ولا تكون من الربا المحرم. [ المسألة 54: ] يجوز للرجل أن يقرض غيره مالا مثليا، كالدراهم والدنانير والحبوب، ويشترط على المقترض أن يدفع عوض ذلك المال من غير جنسه، فيصح الشرط ويلزم العمل به إذا كان العوض الذي اشترط دفعه مساويا للمال المقترض في القيمة أو أقل منه، ولا يصح الشرط إذا كان العوض المشترط اكثر من المال في القيمة. [ المسألة 55: ] إذا اشترط التأجيل في أداء عوض القرض إلى اجل معين، وكان الاشتراط في ضمن عقد لازم كالبيع والاجارة والصلح، صح الشرط ووجب الوفاء به، وكذلك إذا اشترط تأجيله في ضمن عقد القرض على الاقوى، فيجب الوفاء به، ولا يجوز للمقرض أن يطالب المقترض بعوض القرض قبل أن يحل الاجل، وإذا اشترط التأجيل في ضمن عقد جائز وجب الوفاء بالشرط مادام العقد الذي اشترط ذلك في ضمنه موجودا، فإذا فسخ العقد سقط الشرط ولم يجب الوفاء به. [ المسألة 56: ] يصح للمقرض أن يشترط على المقترض أن يدفع إليه العوض في بلد معين، فإذا شرط عليه ذلك نفذ الشرط ووجب العمل به وان كان في حمل المال إلى ذلك البلد مؤنة، فإذا دفع المقترض عوض القرض في بلد آخر لم يجب على المقرض قبوله منه، وإذا طالب الدائن المقترض بالعوض في بلد آخر لم يجب الاداء فيه. [ المسألة 57: ] إذا أطلق المقرض العقد ولم يعين موضعا خاصا لتسليم الدين فيه انصرف العقد إلى البلد الذي وقع فيه القرض، فيجب على المقترض اداء الدين إذا طالبه المقرض به في ذلك الموضع، ويجب على المقرض القبول إذا دفعه المقترض فيه، الا إذا قامت قرينة على عدم ارادة ذلك

[ 24 ]

الموضع ومثال ذلك أن يقرضه المال وهما غريبان عن بلد القرض ويريدان مفارقته. [ المسألة 58: ] يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أن يجعل عنده رهنا لدينه، فيلزم المقترض الوفاء بالشرط ويجوز للمقرض أن يشترط عليه أن يقدم له ضامنا للمال، أو كفيلا للمقترض، فيلزم الوفاء بالشرط كذلك، ويجوز له أن يشترط على المقترض أي شرط يريده إذا كان الشرط جامعا لشرائط الصحة ولم يوجب نفع المقرض بما يعد زيادة في العوض. [ المسألة 59: ] إذا اقترض زيد من عمرو مبلغا معينا من المال ثم رهن عليه رهنا، واشترط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يستوفي المرتهن منافع العين المرهونة مجانا مدة رهنها، فيسكن الدار، أو يستعمل الفراش، أو يركب السيارة، لم يصح ذلك فانه من اشتراط الزيادة في عوض القرض، فيكون من الربا المحرم. وكذلك الحكم إذا لم يكن الرهن على قرض، ولكنهما اشترطا أن تكون المنفعة المستوفاة من هذا الرهن زيادة في عوض قرض، فيكون من الربا المحرم.

[ 25 ]

[ كتاب الرهن ]

[ 27 ]

[ كتاب الرهن ] وفيه ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الرهن وشروطه ] [ المسألة الاولى: ] الرهن وضع شئ وحبسه عند أحد تأمينا له على دينه، ومن ذلك جعلت كلمة الرهن في عرف المتشرعة اسما للمعاملة التي يجعل بها الشئ وثيقة للدائن على دينه، والراهن هو المدين الذي دفع ذلك الشئ، وأجرى عليه المعاملة ووثق به دين الدائن، والمرتهن هو الدائن الذي أخذ الشئ من صاحبه واستوثق به لدينه، والمرهون هو الشئ الذي جعل كذلك، ويطلق عليه اسم الرهن أيضا، ويجمع على رهون ورهان، ومنه قوله تعالى: فرهان مقبوضة، وقد ذكرنا في كتاب التجارة ان الرهن من الايقاعات وهو الاقوى، ولكن اجراء شرائط العقود وبعض أحكامها عليه أحوط، ومن أجل ذلك أطلقنا عليه كلمة العقد في هذا الكتاب واعتبرنا فيه شروطه وأجرينا ما يوافق الاحتياط من آثاره، فلا تغفل. [ المسألة الثانية: ] الرهن عقد من العقود كما ذكرناه، وهذا العقد قد ينشأ باللفظ، فيكون محتاجا إلى ايجاب وقبول لفظيين ويكون الايجاب من الراهن، ويكفي فيه كل لفظ يدل على جعل الشئ المعين وثيقة عند المرتهن على دينه في ذمة الراهن، ومنه أن يقول له: رهنتك هذا الشئ على دينك في ذمتي، أن يقول له: هذا الشئ وثيقة لديك على الدين، أو يقول له: جعلت هذا الشئ رهنا عندك لتتوثق به على دينك في ذمتي،

[ 28 ]

ويكون القبول من المرتهن، ويكفي فيه أي لفظ يكون دالا على الرضا بما أنشأه الراهن في ايجابه، ومنه أن يقول: قبلت، أو رضيت، أو ارتهنت، والاحوط أن ينشأ عقد الرهن باللغة العربية. ولا يصح أن يقدم القبول على الايجاب، ونتيجة لهذا، فإذا كان الرهن شرطا في عقد لازم مثلا، فقال الموجب: زوجتك ابنتي فلانة على ألف دينار مؤجل إلى سنة، واشترطت عليك أن ترهن دارك عندي على المهر المؤجل المذكور، فقال الزوج: قبلت تزويج ابنتك فلانة لنفسي على الصداق المعين، ورهنتك داري على مهر ابنتك المؤجل، فلابد وأن يقول الموجب الاول بعد ذلك: قبلت الرهن، ولا يكتفي بالشرط الذي ذكره في عقد النكاح. [ المسألة الثالثة: ] يصح أن ينشأ عقد الرهن بالفعل، إذا كان الفعل دالا في متفاهم أهل المحاورة على المعنى المقصود، فإذا دفع الراهن الشئ المعين وقصد بدفعه انشاء الرهن على الدين الخاص، وقبض الدائن الشئ المدفوع إليه بقصد قبول الرهن، صح العقد وثبتت أحكامه. [ المسألة الرابعة: ] يشترط في الراهن أن يكون بالغا، فلا يصح ان يرهن الصبي غير البالغ ماله بغير اذن وليه، وان كان الصبي مميزا، ويشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا يصح الرهن من المجنون، ويصح الرهن منه إذا كان جنونه ادوارا وكان رهنه للشئ في دور افاقته، ويشترط في الراهن أن يكون مختارا في فعله، فلا يصح رهنه إذا كان مكرها عليه، ويشترط في الراهن أن يكون قاصدا للانشاء في اجرائه للمعاملة، فلا يصح الرهن إذا كان غافلا أو هازلا في معاملته، ويشترط في المرتهن ايضا أن تجتمع فيه الشروط الآنف ذكرها، فتجري فيه أحكامها كما تقدم في الراهن. ويشترط في الراهن أن يكون غير محجور عليه لسفه أو لفلس، ولا يمنع السفه ولا الفلس الرجل أن يرتهن مال غيره إذا كان هو الدائن.

[ 29 ]

[ المسألة الخامسة: ] يجوز للولي إذا كان الطفل مدينا لاحد أن يرهن مال الطفل عند دائنه إذا اقتضت المصلحة ذلك، ويجوز للولي إذا كان الطفل هو الدائن أن يرتهن عنده بعض أموال المدين توثيقا لدين الطفل عليه، ويتعين ذلك إذا كان حفظ مال الطفل يتوقف على الرهن، وإذا كان الولي هو الاب أو الجد للاب كفى في صحة تصرفهما في مال الطفل برهن أو بغيره عدم وجود المفسدة فيه، ولم يشترط وجود المصلحة، نعم يعتبر التوثق الكامل من حفظ ماله. وتجري الاحكام الآنف ذكرها جميعا في ولي المجنون إذا حصلت للولي الفروض المذكورة في مال المولى عليه. [ المسألة السادسة: ] إذا أكمل الولي بنفسه المعاملة لرهن مال الصبي عند دائنه أو للارتهان عند الصبي من مال المدين له وتوفرت لدى الولي شروط صحة المعاملة جاز له أن يوكل الصبي - إذا كان مميزا - ليجزي بنفسه صيغة الرهن لماله عند الدائن بالوكالة عن الولي، أو ليتولى قبول الرهن عنده من المدين بالوكالة عن الولي أيضا، وتنفذ المعاملة إذا أجرى الصيغة على الاقوى، وقد تقدم نظير هذا في فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة. [ المسألة السابعة: ] يصح أن يتولى الصبي غير البالغ معاملة الرهن لغيره، بالوكالة عن ذلك الغير إذا كان الصبي مميزا وتنفذ معاملته إذا أجراها على الوجه الشرعي الصحيح، سواء كان ذلك الغير راهنا أم مرتهنا، ولا يشترط أن يستأذن ولي الصبي بذلك. [ المسألة الثامنة: ] يشترط في صحة الرهن على الاحوط أن يقبض المرتهن العين المرهونة، وأن يكون قبضه اياها باقباض من الراهن أو باذن منه. وإذا كانت العين في يد الرجل وديعة أو عارية، ثم رهنها مالكها عنده، فان دلت القرائن على أن الراهن أقر القبض الموجود حال الرهن، واعتبره قبضا للرهن، كفى ذلك في تحقق شرط الرهن، ولم يحتج إلى

[ 30 ]

اذن جديد ولا إلى قبض آخر وان لم تدل القرائن على ذلك، فالاحوط لزوما أن يأذن الراهن في القبض بعد العقد ويمضي زمان يتحقق فيه القبض بعد الاذن، وكذلك الحكم إذا كانت العين مغصوبة عند الرجل ثم رهنها المالك عنده، فيأتي فيها التفصيل المذكور. [ المسألة التاسعة: ] إذا كانت للرجل حصة مشاعة من دار أو عين أخرى مشتركة بينه وبين غيره، ورهن حصته عند دائنه، فلا يجوز للرجل تسليم الحصة المرهونة للمرتهن الا باذن شريكه بتسليم العين ورضاه، وإذا تعدى فسلم العين إلى المرتهن من غير اذن شريكه، تحقق القبض بذلك وصح الرهن، وان كان آثما بعدوانه على حصة الشريك. [ المسألة العاشرة: ] إذا وقع القبض بعد عقد الرهن تحقق الشرط بذلك وثبتت الصحة، فإذا أخذ الراهن العين المرهونة بعد ذلك من يد المرتهن أو وضعها بيد شخص ثالث، أو غصبها منه أحد لم يقدح في صحة عقد الرهن ولم يبطل بذلك رهن العين، فلا تفتقر صحة الرهن إلى استمرار القبض. ولا يجوز أخذ العين المرهونة من يد المرتهن الا باذنه من غير فرق بين أخذ الراهن وغيره، كما لا يجوز وضعها بيد شخص ثالث الا باذن مالك العين الا إذا اشترط عليه ذلك في ضمن العقد فيكون الشرط نافذا. [ المسألة 11: ] إذا اشترط الراهن على المرتهن في ضمن العقد أن تكون العين بيد الراهن مدة الرهن، أو أن تكون بيد شخص ثالث، فان كان المقصود من الشرط أن تكون العين في جميع المدة بيد الراهن أو بيد الشخص الثالث بحيث لا يقبضها المرتهن بعد العقد لم يصح هذا الشرط، فقد تقدم ان القبض شرط في صحة الرهن فلا يصح الرهن إذا لم يقبض المرتهن العين، فإذا اشترط عليه عدم القبض كان الشرط ملغى. وان كان المراد أن يقبض المرتهن العين بعد العقد حتى يتحقق الشرط ثم يسترجعها الراهن في بقية المدة أو يجعلها بيد الشخص الثالث، فالظاهر صحة الشرط ونفوذه، وقد ذكرناه قريبا.

[ 31 ]

[ المسألة 12: ] يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون عينا وهذا على القول المشهور بين الاصحاب قدس الله أرواحهم، وبناء على هذا القول، فلا يصح رهن الدين، ولا يصح رهن المنفعة، وللمناقشة في ادلة هذا القول مجال متسع، ولكنه أحوط ولا ينبغي تركه، فإذا كان للرجل دين على زيد مبلغ من المال، لم يصح له ان يجعله رهنا عند عمرو على دين له، وإذا كانت له دار معينة فلا يصح له ان يجعل سكنى داره مدة معلومة رهنا عند عمرو على دينه. ويشترط في المال ايضا ان يكون مملوكا، وبناء على ذلك فلا يصح ان يرهن الحر، ولا الخمر ولا الخنزير، فانها غير قابلة للتملك، ولا يصح أن ترهن الارض الخراجية، وهي الارض التي فتحها المسلمون عنوة، والارض التي صالح أهلها المسلمين على أن تكون الارض ملكا للمسلمين وتبقى بأيدي أهلها ويدفعون خراجها لامام المسلمين، فإذا تقبل هذه الارض أحد من ولي أمر المسلمين لم يملكها ولم يصح له رهنها على دين. ولا يصح رهن العين الموقوفة سواء كانت أرضا أم دارا أم غيرهما من سائر الموقوفات، وسواء كانت موقوفة وقفا عاما أم خاصا، ويشترط أن يكون المال مما يمكن قبضه ويصح بيعه، فلا يصح أن يرهن الطير المملوك إذا طار فلم يمكن قبضه ولم يؤمل عوده، أو يرهن السمك المملوك إذا ذهب في الماء فلم يمكن الاستيلاء عليه بعد انطلاقه. [ المسألة 13: ] يجوز لمتقبل الارض الخراجية أن يرهن ما غرس فيها من شجر وما أنبت فيها من زرع وما اقام فيها من بناء، ولا يصح على الاقرب أن يرهن الارض معه بالتبعية، واما رهن الارض مستقلة فقد ذكرنا في المسألة المتقدمة أن الاقوى عدم صحته. [ المسألة 14: ] إذا رهن الانسان على دينه ما يملكه هو وما يملكه غيره، صح الرهن في ما يملكه وكانت الصحة في ما يملكه غيره موقوفة على اجازة مالكه، فإذا أجاز مالكه الرهن صح، وان لم يجزه كان باطلا، ومثال ذلك ان

[ 32 ]

يكون زيد مدينا لاحد، فيرهن على الدين الذي في ذمته دارا مشتركة بينه وبين مالك آخر، فيكون الرهن في حصته من الدار صحيحا نافذا، ويكون الرهن في حصة شريكه من الدار فضوليا أو هو بحكم الفضولي، فتتوقف الصحة فيه على اجازة الشريك، فإذا أجازه صح رهنا على دين الراهن. [ المسألة 15: ] إذا استدان زيد من خالد مبلغا من المال ولم يجعل على دينه رهنا، فرهن عمرو بعض أموال زيد - وهو المدين - على الدين المذكور ولم يستأذن زيدا في ذلك، كان رهنه فضوليا، فان أجازه زيد كان صحيحا وان لم يجزه كان باطلا. [ المسألة 16: ] يجوز للانسان أن يتبرع بالرهن، فيجعل ماله رهنا لدين غيره، سواء رضي المدين بتبرعه عنه أم لم يرض بذلك، بل الظاهر صحة رهن المتبرع وان منعه المدين من الرهن، وإذا كان في تبرعه منة لا يتحملها المدين، لم يصح الرهن حين ذاك، وكذا إذا قصد به اذلاله أو الحط من مكانته وكرامته. وإذا تبرع الرجل فرهن ماله لدين غيره ولم يستأذن من المدين، ثم بيع المال بالدين، فليس للمتبرع الرجوع على المدين بعوض ماله، وخصوصا إذا كان المدين قد منعه من الرهن. [ المسألة 17: ] إذا كان الدين على الرجل مؤجلا إلى مدة معلومة، ورهن على الدين عينا يدركها الفساد قبل حلول أجل الدين، فان شرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد أن يباع المال المرهون قبل أن يصيبه الفساد، ويجعل ثمنه رهنا على الدين حتى يحل الاجل، صح الرهن وعمل بالشرط، فيتولى الراهن بيع المال قبل أن يعرض له الفساد، ويجوز له أن يوكل المرتهن في ذلك أو يوكل شخصا آخر يتفقان عليه فينفذ تصرف الوكيل. وإذا امتنع الراهن من بيع المال وخيف على الرهن الفساد أجبره الحاكم الشرعي على بيعه وان لم يمكن جبره تولى الحاكم البيع، وإذا لم

[ 33 ]

يوجد حاكم شرعي أو لم يمكن الوصول إليه، تولى المرتهن بيع المال وجعل الثمن رهنا على الدين. وكذلك الحكم إذا دلت القرائن الحافة بالعقد على اشتراط بيع المال وجعل الثمن رهنا فيجري فيه جميع ما تقدم، وإذا شرط عدم بيع المال قبل حلول الاجل كان الرهن باطلا. [ المسألة 18: ] إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة معلومة ورهن المدين عليه عينا لا يدركها الفساد بحسب العادة، ولكن طرأ عليها ما جعلها مظنة لعروض الفساد والتغير، ومثال ذلك أن يرهن على الدين حنطة أو أرزا أو غيرهما من الحبوب فيصيبه المطر أو الرطوبة، فلا يبطل الرهن بحدوث ذلك، سواء شرط بيع المال قبل حلول الاجل أم شرط عدم البيع، أم لم يشترط في عقد الرهن شيئا، فيباع المال المرهون، ويستبقى ثمنه رهنا حتى يحل أجل الدين. [ المسألة 19: ] يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون معينا، فلا يصح أن يرهن شيئا مرددا مبهما، ومثال ذلك أن يرهن عند دائنه أحد العبدين، أو احدى العينين، فإذا رهن احداهما لا على وجه التعيين كان الرهن باطلا. [ المسألة 20: ] يصح أن يكون المال المرهون كليا في المعين إذا كانت الافراد متساوية في الصفات وفي المالية ومثال ذلك أن يرهن عند الدائن وزنة من صبرة معينة من الحنطة المتساوية في الاجزاء، أو يرهن عنده عددا معلوما من الاواني أو الاشياء الاخرى الموجودة في محله مما انتجته المعامل الحديثة متساوي الصفات والمالية، فإذا رهن الكلي من هذه الافراد المتساوية الموجودة ثم عين الراهن فردا من الكلي وقبضه المرتهن، صح الرهن وكان نافذا، ويتحقق قبض الكلي بقبض ذلك الفرد. ويتحقق قبض الكلي في المعين أيضا بأن يدفع إليه جميع الافراد الموجودة لديه من الكلي، فإذا دفع له جميع الصبرة المعينة وقبضها المرتهن فقد قبض الكلي وتحقق الشرط وصح الرهن.

[ 34 ]

وإذا كانت أفراد الكلي مختلفة في الصفات أو في المالية أو في كليهما، أشكل الحكم بصحة رهن الكلي منها. [ المسألة 21: ] يصح أن يرهن المدين كليا في الذمة على الاقوى إذا كان جنسه ونوعه مما تتساوى الافراد منه في الصفات والمالية كما اشترطنا في المسألة السابقة، ويتحقق القبض بقبض المصداق الذي يعينه الراهن بعد ذلك، فإذا عين فردا من الكلي وقبضه المرتهن صح الرهن وترتبت آثاره وأحكامه، وإذا تفاوتت افراد الكلي في صفاتها وماليتها أشكل الحكم بجواز رهن الكلي منها كما تقدم في نظيره. [ المسألة 22: ] إذا كان المال الذي يراد رهنه معلوم الجنس والصفات وكان مجهول المقدار فالظاهر صحة رهنه، إذا كان مشاهدا، ومثال ذلك ان يرهنه صبرة معينة من الحنطة المعلومة، وهما لا يعلمان مقدار وزنها وكيلها. [ المسألة 23: ] إذا رهن الرجل عند دائنه شيئا مجهولا، فلا يعلم أن الشئ المرهون مما له مالية أو لا، لم يصح رهنه ومثال ذلك أن يرهنه شيئا موجودا في الحجرة وهو لا يعلم اي شئ فيها، وكذلك على الاحوط إذا رهن عنده شيئا يعلمان أنه مما له مالية ولكنهما يجهلان صفاته وخصائصه، أو كان أحدهما يجهل ذلك، ومثال ذلك ان يرهن عند صاحبه ما في الصندوق من المال وهما يجهلان اي نوع من المال يحتويه الصندوق، أو كان احدهما يجهل ذلك، فلا يصح الرهن على الاحوط. [ المسألة 24: ] يشترط في الحق الذي يرهن عليه أن يكون دينا ثابتا في ذمة المدين بالفعل، فلا يصح أن يجعل الرهن وثيقة على مبلغ سيستقرضه بعد هذا أو على ثمن شئ سيشتريه في الذمة، أو على ما سيبيعه سلفا على زيد، أو على صداق مؤجل لامرأة سيتزوجها، أو على مال اجارة لدار سيستأجرها من مالكها أو نحوها من الديون التي لم تثبت في ذمته ولكنها تثبت في ما يأتي عندما تتحقق أسبابها، فلا يصح الرهن عليها قبل

[ 35 ]

ثبوتها، وان تحققت بعد ذلك كما إذا رهن على الدين المقبل ثم استدان أو رهن على الصداق المؤجل قبل التزويج ثم تزوج. [ المسألة 25: ] لا يصح أن يجعل الرهن على الدية قبل أن تستقر في ذمة القاتل بموت المقتول وان علم بأن السبب الذي جناه القاتل يؤدي إلى الموت، ولا يصح الرهن على مال الجعالة قبل شروع المجعول له في العمل المجعول عليه، ولا بعد الشروع فيه وقبل اتمامه. [ المسألة 26: ] إذا تحقق سبب الدين وثبت المال في الذمة، صح طلب جعل الرهن عليه من الدائن، وصح جعل الرهن عليه من المدين، سواء كان الدين حالا أم مؤجلا. [ المسألة 27: ] إذا استأجر الانسان الدار أو المحل من مالكه، وكان مال الاجارة دينا في ذمة المستأجر جاز للمؤجر أن يطلب الرهن عليه كما ذكرنا، وإذا استأجر الرجل أجيرا على عمل في ذمته جاز للمستأجر أن يطلب من الاجير رهنا على العمل الثابت في ذمته، إذا أمكن استيفاء العمل المستأجر عليه من الوثيقة ومثال ذلك أن يستأجر الاجير على عمل في الذمة ولا يشترط عليه المباشرة، فإذا انقضت المدة المحددة للعمل ولم يقم الاجير به أو علم منه الامتناع عن الوفاء بالاجارة، بيع الرهن واستؤجر بثمنه عاملا يأتي بالعمل المطلوب، وإذا لم يمكن استيفاء العمل من الرهن لم يصح، كما إذا اشترطت على العامل المباشرة في العمل. [ المسألة 28: ] إذا اشترى الرجل سلعة أو متاعا وبقي الثمن دينا في ذمة المشتري، صح له ان يجعل السلعة أو المتاع الذي اشتراه رهنا على الثمن الباقي في ذمته من ذلك الشراء. [ المسألة 29: ] لا يبعد أنه يجوز جعل الرهن على الاعيان التي يستقر ضمانها على

[ 36 ]

الانسان شرعا، لقوله صلى الله عليه وآله (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) وأمثاله، كالاعيان التي يستولي عليها الانسان غصبا، والاعيان التي يقبضها بالعقود الفاسدة أو يقبضها بالسوم، وكالعارية التي يحكم الشارع بضمانها، ونحو ذلك، فإذا رهن الضامن في بعض هذه الموارد شيئا على العين التي حكم الشارع عليه بضمانها، ولم يؤد العين المضمونة لصاحبها حتى تلفت، بيع الرهن وأخذت قيمة العين التالفة من ثمنه. [ المسألة 30: ] إذا باع الرجل عينا شخصية على أحد، وسلم العين المبيعة للمشتري، كانت العين المذكورة في عهدة بائعها، فإذا استبان أن العين مملوكة لغيره كان عليه ضمانها، فيرد الثمن على المشتري إذا كان الثمن باقيا ويرجع عليه بدله إذا كان تالفا، وكذلك إذا اشترى سلعة من أحد بثمن شخصي معين، فالثمن المذكور في عهدة المشتري على النهج المذكور في المبيع، ومثله مال الاجارة إذا استأجر الدار أو الارض بأجرة شخصية، وعوض الصلح إذا صالح على الشئ بعوض شخصي، فتكون الاعواض الشخصية المذكورة التي جرت عليها المعاوضة في عهدة دافعها وضمانه، فإذا ظهر انها مملوكة لغيره وجب عليه رد عوضها إذا كان موجودا ولزمه رد بدله إذا تلف. ويشكل الحكم بصحة جعل الرهن على هذه العهدة، بل الظاهر عدم جواز ذلك قبل أن ينكشف أمر العين المضمونة أهي مستحقة للغير أم لا، وإذا انكشف ان العين مملوكة لمالك آخر، فالظاهر صحة الرهن عليها. [ المسألة 31: ] لا يمنع رهن العين على دين من أن ترهن تلك العين نفسها على دين آخر للمرتهن الاول، فإذا استدان الرجل من أحد مبلغا من المال، ورهن عليه عشرين مثقالا من الذهب مثلا، ثم استدان منه ايضا دينا آخر يساوي الدين الاول في المقدار أو يزيد عليه أو ينقص عنه أو يخالفه في الجنس، وأراد أن يجعل الذهب المرهون على الدين الاول رهنا على الدينين معا جاز له ذلك، وكذلك إذا كان الرجل مدينا لزيد بدينين مستقلين فجعل على أحدهما رهنا معينا ذهبا أو غيره، ثم جعل ذلك الشئ

[ 37 ]

رهنا على الدين الاخر أيضا، ولا يمنع ذلك من أن يجعله رهنا أيضا على دين ثالث أو رابع مثلا للمرتهن نفسه سواء كانت الديون التي يرهن عليها متجددة أم سابقة على الرهن الاول، فيصح له ذلك في جميع الصور. [ المسألة 32: ] إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين لزيد، ثم أراد أن يجعل على الدين نفسه رهنا ثانيا توثيقا لزيد على دينه الواحد جاز له ذلك فيكون كل واحد من الشيئين رهنا مستقلا على ذلك الدين الواحد. وإذا أراد أن يفسخ الرهن الاول ويجعل الشيئين معا رهنا واحدا على الدين صح ذلك إذا فسخ المرتهن الرهن الاول أو تقايلا بينهما فأبطلا الرهن الاول واتفقا على انشاء الرهن الثاني. [ المسألة 33: ] إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين عليه لزيد، ثم أراد أن يرهن ذلك الشئ نفسه على دين في ذمته لعمرو، صح له أن يفعل ذلك إذا رضي الدائنان واتفقا معه عليه، فيصبح الشئ رهنا على كل واحد من الحقين، فإذا أدى أحد الدينين أو أبرأه صاحبه منه بقي الشئ رهنا بالدين الاخر. وإذا رضي الدائن الاول ففسخ رهنه ورهن الشئ على الدين الثاني وحده صح ذلك، وإذا فسخ رهن الاول ثم جعل الشئ رهنا مشتركا على الدينين صح ذلك إذا اتفق جيمعهم عليه. [ المسألة 34: ] إذا استدان كل واحد من زيد وعمرو دينا خاصا من دائن واحد، ورهنا عنده على الدينين دارا مشتركة بينهما بعقد واحد أو بعقدين، أصبحت حصة كل واحد منهما من الدار رهنا خاصا على دينه الذي في ذمته، فإذا أدى أحدهما دينه الخاص انفكت حصته من الدار من رهنها، وبقيت حصة شريكه مرهونة بدينه سواء تفاوت الدينان في المقدار أم تساويا، وسواء اختلفت حصتاهما من الدار في المقدار أم تساوتا، وسواء كان معهما شريك ثالث في الدار أم لا.

[ 38 ]

[ المسألة 35: ] إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال، ثم استدان من خالد مبلغا آخر، وجعل داره رهنا عندهما على الدينين، فان كان الدينان متساويين في مقدارهما، فظاهر ذلك ان نصف الدار رهن عند عمرو على دينه ونصفها الاخر رهن عند خالد على دينه. وإذا اختلف الدينان في المقدار، فالظاهر منه أن رهن الدار بينهما يكون بنسبة حق الدائن إلى مجموع الدينين، فإذا كان دين عمرو مائة دينار مثلا، وكان دين خالد مائتي دينار كانت حصة عمرو من الدار المرهونة الثلث وكانت حصة خالد الثلثين منها، وهذا هو مقتضى ظاهر مناسبة الرهن مع الدين في كلا الفرضين، الا أن تدل قرينة خاصة على ان المراد غير ذلك فيجب اتباعها. [ المسألة 36: ] إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال ورهن عنده داره على دينه، ثم مات الراهن وهو زيد، وخلف من بعده ولدين، فأدى أحد الولدين ما يصيبه من دين أبيه، لم تنفك حصته من الدار عن رهنها حتى تؤدى بقية الدين. وإذا مات المرتهن وهو عمرو في الفرض المذكور، وخلف من بعده ولدين، فدفع الراهن وهو زيد حصة أحد الولدين من الدين لم ينفك الرهن عن حصته من الدار كذلك حتى يدفع جميع الدين لصاحبه. [ المسألة 37: ] إذا رهن الانسان بقرة أو شاة أو دابة لم يدخل حملها الموجود في بطنها في الرهن ولا ما يتجدد منه بعد العقد، الا إذا اشترط في العقد أن يدخل الحمل في الرهن، فيتبع الشرط، أو كان دخول الحمل هو القاعدة المتعارفة بين الناس في ذلك فيكون التعارف قرينة على الدخول. وكذلك الثمر في الشجر والتمر في النخيل، فلا يدخل الموجود منه في رهن الاصل، ولا ما يتجدد منه بعد عقد الرهن الا مع الشرط أو يكون ذلك هو المتعارف بين الناس فيثبت ذلك فان المتعاقدين يقصدان ما هو المتعارف بين الناس.

[ 39 ]

[ المسألة 38: ] إذا رهن الانسان على دينه جملا أو بقرة أو شاة أو غيرها من الحيوان، فالظاهر دخول وبر الحيوان وصوفه وشعره في رهن الحيوان من غير فرق بين الموجود منه وما يتجدد، وإذا رهن الشجرة دخل في الرهن أوراق الشجرة واغصانها الخضراء واليابسة. ولا يدخل مغرس الشجرة في رهنها ومغرس الشجرة هو موضع غرسها من الارض، ولا يدخل اس الجدار في رهن الجدار وهو موضع أساسه من الارض. ويشكل الحكم بدخول اللبن الموجود في الضرع في رهن البقرة والشاة والناقة، وكذلك ما يتجدد منه والاحوط الرجوع فيه إلى المصالحة، وان كان الاقوى عدم الدخول في الرهن الا مع الاشتراط. [ الفصل الثاني ] [ في لزوم الرهن وجوازه ] [ المسألة 39: ] عقد الرهن لازم من جانب الراهن، وهو جائز من جانب المرتهن، فلا يصح للراهن أن يفسخ الرهن أو يأخذ العين المرهونة من المرتهن بغير رضاه، ويجوز للمرتهن أن يسقط حقه من الرهن فإذا أسقط حقه منها جاز للراهن أخذ العين والتصرف فيها وان لم يرض المرتهن ولم يأذن بالتصرف بعد اسقاط حقه، ومثل ذلك ما إذا أدى الدين أو فرغت ذمته منه بابراء أو مصالحة أو هبة أو غيرها فيسقط حق المرتهن ويجوز للراهن التصرف. [ المسألة 40: ] إذا برئت ذمة المدين من بعض الدين لم ينفك الرهن بذلك، ولم ينفك منه شئ على الاقوى بل يبقى الجميع رهنا حتى يؤدي جميع الدين، أو تبرأ ذمته منه بأحد المبرئات. وإذا شرط الراهن في العقد أن ينفك من الرهن بمقدار ما يؤدى من الدين نفذ الشرط، فإذا أدى نصف الدين انفك نصف الرهن وبقي

[ 40 ]

نصفه رهنا على بقية الدين، وإذا شرط أن تكون العين مرهونة على مجموع الدين نفذ ذلك، فإذا أدى بعض الدين انفك جميع الرهن. [ المسألة 41: ] لا يجوز للراهن أن يتصرف في العين المرهونة تصرفا ينافي حق المرتهن كالبيع والاجارة ونحوهما من التصرفات التي تنقل العين أو المنفعة إلى ملك غيره وكالوقف والتحبيس والصدقة، ويجوز له أن يتصرف فيها تصرفا لا ينافي حق المرتهن، ولا يخرجها من يده على الاقوى كسقي الشجر المرهون وعلف الدابة وتعمير الدار ومداواة المريض، بل يجوز استخدام العبد والامة وركوب السيارة والدابة وسكنى الدار إذا لم تخرج العين بتصرفه عن يد المرتهن أو كان التصرف باذنه ورضاه. [ المسألة 42: ] إذا أتلف الراهن العين المرهونة لزمه أن يؤدي قيمتها، فتوضع القيمة رهنا مكان العين التالفة وإذا آجر الراهن الدار المرهونة كانت صحة الاجارة موقوفة على اجازة المرتهن، فان ردها بطلت، وان أجازها صحت ولم يبطل رهن الدار بذلك، وكانت الاجرة المسماة للمالك الراهن. [ المسألة 43: ] إذا باع الراهن العين المرهونة توقفت صحة البيع على اجازة المرتهن، فإذا هو رد العقد بطل البيع وبقي الرهن، وإذا أجاز العقد صح البيع وبطل الرهن، الا إذا باع الراهن العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين وأجاز المرتهن البيع كذلك، فيصح البيع ويبقى الثمن رهنا كما اشترط. وكذلك الحكم إذا أذن المرتهن في بيع العين فباعها الراهن، فيصح البيع ويبطل الرهن، وإذا باع العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين، وقد أذن له المرتهن كذلك صح البيع ولم يبطل الرهن بل يبقى الثمن رهنا كما اشترط وتراجع المسألة المائة والتاسعة والعشرون من كتاب التجارة في بقية من فروض هذه المسألة.

[ 41 ]

[ المسألة 44: ] لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في العين المرهونة الا باذن مالكها، فإذا ركب السيارة أو الدابة المرهونة عنده، أو سكن الدار أو اكتسب في الدكان بغير اذن المالك كان آثما بتصرفه، وكان ضامنا للعين إذا تلفت فيضمنها بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها يوم التلف إذا كانت قيمية، ويجب عليه أن يدفع للمالك أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها من ماله. [ المسألة 45: ] إذا باع المرتهن العين المرهونة، كان بيعه فضوليا، فلا يصح الا باجازة المالك الراهن، فان أجازه صح، وان رده كان باطلا. وإذا أجاز المالك بيع المرتهن، وكان بيعه للعين مشروطا بأن يكون ثمنها رهنا، وقد أجازه المالك كذلك صح البيع وبقي الثمن رهنا مكان العين كما اشترط. وإذا باع المرتهن العين ولم يشترط في البيع شيئا ثم أجاز الراهن البيع صح البيع وبطل الرهن ولا يكون الثمن رهنا على الدين الا بعقد جديد. [ المسألة 46: ] إذا آجر المرتهن الدار المرهونة بغير اذن مالكها كان عقد الاجارة فضوليا، فان أجازة المالك صحت الاجارة وكان بدل الاجارة له لا للمرتهن، وان رده كانت الاجارة باطلة، وبقيت العين رهنا على حالها في كلتا الصورتين. [ المسألة 47: ] منافع العين المرهونة ونماءاتها تابعة للعين في الملك، فإذا كانت العين مملوكة للراهن كما هو الغالب، فمنافعها ونماءاتها كلها للراهن، فسكنى الدار المرهونة، والعمل والتكسب في الدكان المرهون وخدمة العبد والامة المرهونين، واستعمال الفرش والاواني والاثاث والامتعة وركوب السيارة والدابة إذا كانت هذه الاشياء مرهونة، وكل منفعة من منافعها، وأجرتها إذا استؤجرت كلها للراهن وكذلك نماءاتها كنتاج الحيوان ولبنه ودهنه وبيضه وسمنه إذا سمن، وثمر النخيل

[ 42 ]

والشجر ونموه وفسيله، فجميع ذلك للراهن، ولا ينتقل شئ منه إلى المرتهن ولا يدخل في الرهن الا إذا اشترط دخوله أو دلت قرينة أو عرف على دخوله، وقد ذكرنا ما يدخل في الرهن وما لا يدخل فيه في المسألة السابعة والثلاثين والمسألة الثامنة والثلاثين، فليرجع اليهما من يريد الوقوف على ذلك. وإذا كانت العين المرهونة ملكا لغير الراهن فمنافعها ونماؤها لمالك العين وقد ذكرنا في المسألة السادسة عشرة حكم من يتبرع بالرهن، فيجعل ماله رهنا على دين غيره. [ المسألة 48: ] يصح للمالك أن يرهن ثمرة الشجرة دون أصلها، ويصح له أن يرهن الاصل والثمرة معا فإذا أدركت الثمرة وحل أجل الدين في وقت واحد، أو كان الدين حالا لا أجل له، أجريت على الثمرة أحكام الرهن عند حلول الاجل، سواء كانت مرهونة مع الاصل أم على انفرادها. وإذا كان الدين مؤجلا وأدركت الثمرة قبل حلول أجله، فان كانت الثمرة مما يحفظ بتجفيف ونحوه حتى يحل أجل الدين، صنع بها كذلك وبقيت رهنا، وان لم يمكن حفظها، جرى عليها حكم رهن العين التي يسرع إليها الفساد قبل حلول الدين، وقد ذكرناه في المسألة السابعة عشرة فلتراجع لتطبيق حكمها في المورد. [ المسألة 49: ] إذا كان على الشخص دين حال، أو كان الدين مؤجلا فحل وقته، ورهن عليه رهنا، وشرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد، أن يستوفي الدائن المرتهن منفعة العين المرهونة مجانا ليؤجل الدين إلى مدة معينة لم يصح ذلك، وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة، فرهن عليه رهنا، وشرط أن يستوفي المرتهن منفعة العين مجانا ليزيد في مدة الاجل، فلا يصح ذلك في الصورتين، وقد ذكرنا في المسألة الثلاثمائة والخامسة وما بعدها من كتاب التجارة نظيري هذين الحكمين. [ المسألة 50: ] يجوز للدائن المرتهن أن يشترط في العقد على الراهن أنه يستوفي

[ 43 ]

منفعة العين المرهونة مجانا. في مدة رهنها عنده، إذا لم يكن استيفاء المنفعة المذكورة زيادة في عوض قرض، كما ذكرناه في المسألة التاسعة والخمسين من كتاب الدين، ولم يكن عوضا لتأجيل دين حال، أو عوضا لزيادة في أجل دين مؤجل كما ذكرناه في المسألة السابقة، فإذا لم يكن استيفاء منفعة الرهن راجعا إلى ذلك، صح للمرتهن اشتراطه وإذا شرطه في الرهن لزم العمل به ما دامت المدة المشترطة باقية. [ الفصل الثالث ] [ في استيفاء الحق من الرهن ] [ المسألة 51: ] لا يتعين على الراهن أن يبيع العين المرهونة لوفاء دينه ولا يحق للمرتهن أن يجبره على بيعها ووفاء الدين من ثمنها إذا كان يستطيع وفاءه من مال آخر، أو ببيع عين أخرى أو بالاستدانة من دائن آخر، فيكون مخيرا في الوفاء من اي سبيل أراد، الا إذا انحصر سبيل ذلك ببيع العين، فيتعين عليه بيعها حين ذاك ويجبر عليه إذا امتنع. [ المسألة 52: ] إذا رهن الرجل بعض أمواله عند الدائن يوثق به دينه، فقد يجعل الراهن صاحب الدين وكيلا عنه في بيع العين المرهونة عند حضور أجل الدين وفي استيفاء حقه من ثمنها، وقد لا يوكله في ذلك بل يجعل أمر بيع الرهن ووفاء الدين لنفسه لا للمرتهن، وإذا وكله في البيع والاستيفاء، فقد يجعل وكالته مطلقة في ذلك بمجرد حلول وقت الوفاء، وقد يجعل وكالته مقيدة بمراجعة الراهن في تسديد الدين، فلعله يوفي الدين من جهة أخرى غير جهة الرهن، فإذا لم يوف الراهن الدين من ناحية أخرى كان المرتهن وكيلا عنه في البيع والاستيفاء. فإذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل، وأراد المرتهن أن يستوفي حقه جاز له أن يعمل بموجب وكالته إذا كان وكيلا وجاز له ان يطالب الراهن بالوفاء إذا لم يوكله في ذلك.

[ 44 ]

[ المسألة 53: ] إذا حضر أجل الدين أو كان الدين حالا غير مؤجل، وكان المرتهن وكيلا عن المديون في أن يبيع العين المرهونة ويستوفي دينه من ثمنها، وكانت وكالته مطلقة بمجرد حلول الدين، جاز له أن يتولى بيع العين واستيفاء الدين ولم يجب عليه أن يراجع الراهن في ذلك، ويلزمه أن يقتصر في تصرفه على ما تتناوله وكالته في نظر العقلاء فلا يجوز له أن يراعي حق نفسه من غير مراعاة لمصلحة موكله في كل من البيع والاستيفاء. ويحسن ان يراجع الراهن قبل البيع وفي البيع وفي الاستيفاء، وان لم يجب عليه ذلك إذا كانت الوكالة مطلقة وكان مراعيا لشؤون الوكالة كما بينا. [ المسألة 54: ] إذا كانت وكالة المرتهن في بيع العين مقيدة بمراجعة الراهن قبل البيع كما ذكرنا في المسألة الثانية والخمسين وجب عليه أن يراجع الراهن أولا، فإذا لم يحصل منه على الوفاء من جهة أخرى جاز له أن يتولى البيع ويستوفي حقه من الثمن على نهج ما بيناه في المسألة المتقدمة. [ المسألة 55: ] إذا شرط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يكون وكيلا عنه في بيع العين واستيفاء الحق من ثمنها لزم الشرط وثبتت وكالة المرتهن عن الراهن في ذلك، ولم ينعزل إذا عزله الراهن، حتى يتحقق البيع والاستيفاء منه أو من الراهن باذن المرتهن أو اجازته، أو يحصل الوفاء للدين من طريق آخر، وإذا وكل الراهن المرتهن في بيع العين بعد أن تم عقد الرهن ولم يشترط ذلك في ضمنه جاز للراهن أن يعزله قبل أن يحصل البيع. [ المسألة 56: ] إذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل، ولم يكن المرتهن وكيلا عن الراهن في بيع العين لم يجز له أن يتولى البيع بنفسه، بل يطالب الراهن بوفاء الدين بأحد السبل التي يختارها في ذلك فيبيع العين

[ 45 ]

المرهونة، أو يوكل المرتهن أو غيره في بيعها، أو يؤدي الدين من مال آخر، وإذا باع الراهن العين توقفت صحة البيع على اذن المرتهن أو اجازته كما تقدم، وكذلك إذا وكل الراهن غير المرتهن فباعها فتتوقف صحة البيع على اذن المرتهن أو اجازته. [ المسألة 57: ] إذا امتنع الراهن من وفاء الدين ومن بيع الرهن والتوكيل في بيعه، رفع المرتهن الامر إلى الحاكم الشرعي، فألزمه الحاكم ببيع العين ووفاء الدين من ثمنها، أو ادائه من وجه اخر. وإذا امتنع على الحاكم أن يلزمه بشئ، لغيبة ونحوها، تولى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدين، أو وكل غيره في ذلك، ويجوز ان يتولى المرتهن ذلك بالوكالة عن الحاكم الشرعي واذنه. [ المسألة 58: ] إذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر الاستئذان منه، جاز للمرتهن أن يتولى بيع الرهن بنفسه فيستوفي دينه من الثمن، وإذا زاد الثمن على الدين بقيت الزيادة امانة في يد المرتهن، يجب عليه ان يوصلها إلى مالك العين. [ المسألة 59: ] لا يجوز للمرتهن أن يتولى البيع بنفسه في الصورة المتقدم ذكرها مع تمكنه من استئذان الحاكم الشرعي وان كان الحاكم غير قادر على الزام الراهن بالبيع والوفاء لعدم بسط يده، فلابد من استئذانه. [ المسألة 60: ] إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن وامتنع الراهن من بيعها ومن وفاء الدين، وتعذر على المرتهن اثبات دينه عند الحاكم لعدم البينة الشرعية، وخشي إذا هو رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ان يجحد الراهن الدين فلا يستطيع هو اثباته لعدم وجود البينة، فتؤخذ منه العين المرهونة لاعترافه بها وعدم ثبوت حقه، جاز له أن يبيع الرهن ويستوفي دينه من ثمنه من غير مراجعة للحاكم الشرعي.

[ 46 ]

وكذلك الحكم إذا مات الراهن وخاف المرتهن أن يجحد وارث الراهن الدين، ولا بينة للمرتهن على اثبات حقه، فإذا رفع الامر إلى الحاكم لم يستطع اثبات الدين عنده، فتؤخذ منه العين المرهونة كما في الفرض السابق، فيجوز له أن يبيع الرهن ويستوفي الدين من غير مراجعة للحاكم. [ المسألة 61: ] إذا جاز للمرتهن أن يبيع العين المرهونة من غير مراجعة للحاكم الشرعي كما في الصور الآنف ذكرها، وكان بيع بعض الرهن كافيا في وفاء الدين كله فالاحوط للمرتهن لزوما ان لا يبيع جميع الرهن، بل يقتصر على بيع ما يكفيه من الرهن في تسديد الدين، ويبقي بقية الرهن أمانة شرعية في يده يوصلها إلى مالكها، وهو الراهن. وإذا تعذر عليه أن يبيع بعض الرهن لعدم امكان التفكيك بين أجزائه أو لعدم وجود الراغب مثلا أو كان بيع البعض يوجب ضررا للراهن جاز له ان يبيع جميع الرهن، فيستوفي مقدار دينه من الثمن ويبقى الباقي منه امانة في يده يوصله إلى الراهن. [ المسألة 62: ] إذا رهن الرجل عند دائنه بعض الاعيان التي جعلها الاسلام من المستثنيات في وفاء الدين، وهي الامور التي تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، جاز للمرتهن أن يبيعها ويستوفي دينه من ثمنها، والاحوط أن لا يبيع دار سكناه، ففي الخبر عن ابي عبد الله (ع): أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه. [ المسألة 63: ] إذا كان لزيد في ذمة عمرو دينان يستقل احدهما عن الآخر، وقد جعل عمرو على الدين الاول منهما بخصوصه، أو على الثاني بخصوصه رهنا، اختص الرهن بالدين المقصود منهما، فإذا وفاه المدين انفك رهنه، ولم يجز للمرتهن ان يحتبس الرهن بالدين الاخر، وإذا وفي الدين الآخر الذي لا رهن عليه برئت ذمته منه، وبقي الرهن محبوسا حتى يؤدي الدين الذي ارتهن عليه.

[ 47 ]

وإذا دفع للدائن مبلغا ولم يعين عند دفعه، انه وفاء عن الدين الاول أو عن الثاني، لم ينفك الرهن بذلك على الاقوى حتى يعلم فكه. [ المسألة 64: ] المرتهن أمين على العين المرهونة في يده، ولذلك فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت في يده أو نقصت أو أصابها عيب أو عوار، الا إذا تعدى عن الحد المأذون فيه، فتصرف في العين تصرفا غير مأذون فيه أو فرط في حفظها فيكون ضامنا لما يحدث فيها، كما ذكرناه في المسألة الرابعة والاربعين. [ المسألة 65: ] إذا كانت العين في يد الرجل وهي مضمونة عليه كما إذا كان غاصبا لها أو كان قد قبضها بالسوم أو بعقد فاسد أو كانت عنده عارية مضمونة أو أمانة قد فرط فيها فأصبحت مضمونة عليه، ثم رهنها مالكها عنده، فان أذن له مالك العين في بقائها في يده أو كان رهنها عنده دليلا على اذنه ورضاه بذلك أو دلت عليه قرينة أخرى ارتفع الضمان عنه بذلك وأصبح أمينا، وان لم يأذن له المالك صريحا ولم تدل القرائن على الاذن، فالضمان الاول لا يزال باقيا بحاله حتى يحصل ما يرفعه. [ المسألة 66: ] إذا أدى الراهن الدين الذى جعل الرهن عليه، أو أبرأ الدائن ذمة المدين منه أو تبرع أحد بأدائه عنه انفك الرهن، وبقيت العين أمانة عند المرتهن، فإذا طالبه المالك بها وجب عليه أن يسلمها له، ولا يجب عليه تسليمها إذا لم يطالبه بها. [ المسألة 67: ] إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن وظهرت عليه امارات الموت، وعلم أو خشي انه ان لم يوص بها لم يوصلها الوارث من بعده إلى صاحبها، لان الوارث لا يعلم بها أو هو يخشى من نسيان الوارث لها، أو لان الباعث له على اداء الامانة إلى أهلها ضعيف في نفسه، فإذا لم يوص بها لم يؤدها الوارث أو هو خشى منه ان لا يؤديها، فتجب عليه

[ 48 ]

الوصية بها والتعريف بها وبصاحبها والاشهاد عليها، وإذا لم يوص بها في هذا الفرض أو لم يشهد كان مفرطا وضامنا لها، وكذلك إذا خشي من بعض الورثة أن يجحد، ويقع النزاع بينهم، فلا يصل الحق إلى صاحبه فتجب عليه الوصية والاشهاد وإذا علم أو اطمأن بأن وارثه يوصل الحق إلى أهله، وكان الوارث عالما بالرهن وعارفا بالعين المرهونة وبأهلها وبالحق الذي رهنت عليه لم تجب عليه الوصية بها على الاقوى، والاحوط استحبابا عدم تركها. [ المسألة 68: ] لا يبطل الرهن بموت الراهن، بل تنتقل العين ملكا لورثته من بعده وتبقى مرهونة بالدين الذي اشتغلت به ذمة مورثهم حتى تبرأ ذمته من الدين، ولا يبطل الرهن بموت المرتهن، بل ينتقل الحق إلى ورثته من بعده فتكون العين رهنا عند الورثة على دين مورثهم في ذمة الراهن. وإذا لم يأتمنهم الراهن على العين المرهونة جاز لهم أن يتفقوا معه فيضعوها بيد أمين، فان لم يتفقوا على ذلك رفعوا الامر إلى الحاكم الشرعي، فوضع العين بيد شخص يرتضيه، فان لم يوجد الحاكم الشرعي قام بالامر عدول المؤمنين. [ المسألة 69: ] إذا أذن الراهن للمرتهن في بيع العين المرهونة قبل أن يحل أجل الدين، فباعها المرتهن كان ثمنها أمانة بيده، ولم يجز له أن يتصرف فيه، ولم يجز له أن يستوفي منه الدين حلول الاجل الا باذن الراهن. وإذا حل الاجل وأذن الراهن للمرتهن باستيفاء الدين من الثمن جاز له ذلك، ويجوز للراهن أن يتولى ذلك، فيأخذ المال ويوفي الدين منه أو من غيره. وإذا لم يأذن الراهن للمرتهن في الاستيفاء ولم يؤده لنفسه رجع إلى الحاكم الشرعي فالزم الراهن بالوفاء وإذا امتنع تولى الحاكم أو وكيله وفاء الدين من المال، وإذا تعذر عليه ان يرجع إلى الحاكم الشرعي جاز للمرتهن أن يستوفي دينه من المال الموجود بيده بغير اذن.

[ 49 ]

[ المسألة 70: ] إذا رهن الرجل بعض أمواله عند أحد على دين معين ثم أصبح مفلسا وحجر على أمواله لكثرة ديونه، اختص المرتهن بالعين المرهونة ولم يشاركه باقي الغرماء فيها حتى يستوفي دينه المذكور منها، وإذا كان للمرتهن دين آخر على الفلس لا رهن فيه شارك الغرماء الاخرين بالضرب معهم في بقية أموال المفلس بنسبة دينه الاخر، وإذا فضل من الرهن شئ بعد استيفاء دين المرتهن اقتسمه الغرماء بالحصص بنسبة ديونهم كسائر أموال المفلس ومنهم المرتهن في دينه الآخر، وإذا زاد دين المرتهن الذي كان الرهن عليه على ثمن الرهن، اخذ الثمن وضرب مع الغرماء بالباقي من دينه في أموال المفلس الاخرى. [ المسألة 71: ] إذا مات المرتهن وبيده العين المرهونة جرت فيه الصور الست التي ذكرناها وفصلنا احكامها في المسألة المائة والثانية عشرة والمسائل التي بعدها من كتاب المضاربة فليرجع إليها من أراد ولا حاجة إلى اعادة ذكرها في المقام. [ المسألة 72: ] يصح للمرتهن ان يشتري العين المرهونة عنده سواء كان المتولي لبيعها هو الراهن أم وليه أم وكيله غير المرتهن، وإذا كان الوكيل في بيع العين هو المرتهن نفسه، اشكل الحكم بالجواز، من حيث الاشكال في الصحة إذا اتحد الموجب والقابل في العقد، فإذا وكل المرتهن أحدا في قبول الشراء عنه، فباع هو بالوكالة عن الراهن، وقبل وكيله الشراء بالوكالة عنه، فالظاهر الصحة. [ المسألة 73: ] إذا تلفت العين المرهونة أو نقصت أو ظهر فيها عيب، فادعى الراهن ان المرتهن قد تعدى في الامانة أو فرط في حفظها، فيكون ضامنا لما حدث فيها وانكر المرتهن ذلك كان القول قول المرتهن مع يمينه لانه منكر، ولانه أمين.

[ 50 ]

[ المسألة 74: ] إذا تنازع المرتهن والراهن في قدر الدين الذي وضع عليه الرهن، فادعى المرتهن ان العين قد رهنت عنده على ألف دينار مثلا، وقال الراهن، هي مرهونة على ثمانمائة، فالقول قول الراهن مع يمينه لانه منكر. [ المسألة 75: ] إذا استوفى المرتهن دينه ثم اختلف الراهن والمرتهن في رد العين المرهونة إلى مالكها، فقال المرتهن اني رددتها عليك وانكر الراهن ردها، فالقول قول الراهن المنكر مع يمينه. [ المسألة 76: ] إذا كان زيد مدينا لعمرو بدين وقد جعل عليه رهنا معينا، وله عليه دين آخر لم يجعل عليه رهنا، ثم أدى زيد أحد الدينين المذكورين، وقصد في نفسه أن ما أداه وفاء عن الدين الاول المرهون عليه، أو عن الدين الثاني الذي لا رهن عليه اتبع قصده وكان المبلغ المدفوع وفاءا عما قصده في نفسه، وإذا اختلف هو مع الدائن في انه عين أحد الدينين أم لا، فالقول قوله، وكذلك إذا اختلفا في ان الدين الذي قصد الوفاء عنه هل هو الاول الذى جعل الرهن عليه أو الثاني الذي لا رهن عليه؟ فيكون القول قوله لانه ابصر بنيته. وإذا أدى المبلغ ولم يقصد انه وفاء عن ايهما، تخير في التعيين بعد ذلك فإذا عين أحد الدينين تعين وكان المبلغ وفاءا عنه.

[ 51 ]

[ كتاب الضمان ]

[ 53 ]

[ كتاب الضمان ] وفيه اربعة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الضمان وشروطه ] [ المسألة الاولى: ] ضمن الانسان المال أو الشئ: تعهد به وتكفل، فهو ضامن وضمين، والشئ الذي تعهد به: مضمون والشخص أو الجهة التي تعهد لها بالشئ: مضمون له، والشخص أو الجهة التي تعهد عنها بالشئ: مضمون عنه. والضمان الذي يقصده الفقهاء في هذا الكتاب هو أن يتعهد الانسان لاحد بمال يكون له في ذمة شخص آخر، فالانسان المتعهد بالدين ضامن، والشخص الاول وهو الدائن مضمون له، والشخص الثاني وهو المدين مضمون عنه، والدين المتعهد به مضمون. [ المسألة الثانية: ] لابد في الضمان من الايجاب، وهو انشاء التعهد بالمال المضمون للشخص المضمون له، ويكون الايجاب من الضامن، ويكفي فيه أي لفظ يكون دالا على تعهد الضامن بالمال سواء كانت دلالته بالصراحة أم بالظهور العرفي ولو بنصب قرائن تتم بها دلالة اللفظ على المعنى المراد، ومن الالفاظ المستعملة في الايجاب أن يقول الموجب للمضمون له: ضمنت لك الدين الذي تستحقه في ذمة زيد، أو تعهدت لك به. ولا يشترط فيه القبول على الاقرب، بل يكفي في ترتب الاثر رضى المضمون له بتعهد الضامن له بالدين سواء كان رضاه سابقا على ايجاب الضامن أم لاحقا له، نعم يعتبر فيه على الاحوط لزوما أن يكون للرضى

[ 54 ]

مبرز يدل عليه من قول أو فعل، ولا يكتفى بالرضى القلبي المجرد من غير دلالة عليه. [ المسألة الثالثة: ] الظاهر ان التعهد بما في ذمة المضمون عنه مما لا تمكن الدلالة عليه بالافعال، ولذلك فلا يصح الايجاب بها من الضامن، ويمكن أن يكون الفعل دالا على الرضى، ولذلك فيكتفى بدلالته على رضى المضمون له كما قلنا. [ المسألة الرابعة: ] لا يعتبر في صحة الضمان أن يرضى به الشخص المضمون عنه، فيصح التبرع بضمان ما في ذمته من الدين وان لم يأذن بذلك ولم يرض به كما تقدم في وفاء الدين عنه وكما تقدم في صحة الرهن على الدين الذي في ذمته ولا يصح ذلك إذا أوجب له حرجا أو ضررا أو منة عليه لا تحتمل بحسب العادة أو أوجب له ضعة لا تناسب منزلته الاجتماعية، فلا يصح التبرع بالضمان عنه في هذه الفروض كما لا يصح التبرع بالرهن عنه ولا بوفاء دينه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الدين وكتاب الرهن. [ المسألة الخامسة: ] يشترط في الضامن أن يكون بالغا، فلا يصح ضمان الصبي وان كان مميزا أو كان مراهقا أو أذن له وليه بالضمان على الاحوط لزوما في الاخير، ويشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا يصح ضمان المجنون، الا إذا كان جنونه ادوارا وكان ضمانه للدين في دور افاقته، ويشترط فيه أن لا يكون سفيها فلا يصح ضمانه إذا كان كذلك الا إذا كان ضمانه باذن وليه، ويشترط فيه أن يكون مختارا، فلا يصح ضمانه إذا كان مكرها. [ المسألة السادسة: ] يشترط في الشخص المضمون له كذلك أن يكون بالغا وأن يكون عاقلا، وان يكون مختارا وان لا يكون سفيها.

[ 55 ]

ويشترط فيه زائدا على ذلك أن يكون غير محجور عليه لفلس، ولا يعتبر هذا الشرط في الضامن، فيصح للمفلس أن يضمن ما في ذمة غيره من الدين، ولكن المضمون له لا يشارك غرماء المفلس الضامن في الضرب في أمواله الموجودة بل يبقى هذا الدين المضمون في ذمة الضامن حتى يؤديه في ما يأتي بعد الفلس. [ المسألة السابعة: ] لا يشترط في الشخص المضمون عنه أن يكون بالغا أو أن يكون عاقلا، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة الصغير من الدين وأن يضمن ما في ذمة المجنون، ولا يشترط فيه أن يكون غير محجور لسفه أو لفلس، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة السفيه أو المفلس. [ المسألة الثامنة: ] إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير أو المجنون لم يجز له أن يرجع عليهما بعوض ما أداه عنهما وان كان ضمانه باذنهما، وإذا كان المجنون ادواريا، وكان ضمان الضامن عنه باذنه في دور افاقته صح له الرجوع عليه إذا أدى عنه الدين، وإذا ضمن ما في ذمة المحجور السفيه أو المفلس لم يجز له كذلك أن يرجع عليهما بالعوض وان كان الضمان باذنهما. [ المسألة التاسعة: ] إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير باذن وليه، وكان اذن الولي له بالضمان لمصلحة تعود للصغير، جاز للضامن أن يرجع على الصغير بالعوض على الظاهر، ولا يبعد أن يكون الحكم كذلك إذا ضمن ما في ذمة المجنون، أو ضمن ما في ذمة السفيه باذن الولي، وقد لاحظ الولي في اذنه بالضمان مصلحة تعود للمجنون، وللسفيه. [ المسألة العاشرة: ] لا يصح الضمان من العبد المملوك إذا كان غير مأذون من مالكه، وفي الآية الكريمة: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ)، وهي ظاهرة الدلالة على ان العبد مملوكة عينه ومملوك فعله فهو لا يقدر على شئ من ذلك، وان سلطان ذلك كله بيد مالكه، من غير فرق بين ما ينافي حق المولى من افعاله وشؤونه وما لا ينافيه، ولا ريب في ان ذمة

[ 56 ]

العبد كسائر شؤونه داخلة في هذه الكبرى، فهو لا يقدر على أن يشغل ذمته بضمان أو غيره الا إذا حكم الشارع بذلك كما إذا أتلف مال غيره، أو أذن له مولاه بأن يشغل ذمته لاحد بدين أو بضمان. [ المسألة 11: ] إذا أذن السيد لمملوكه صح للعبد أن يضمن ما في ذمة غيره، سواء كان الاذن خاصا أم عاما، ويتبع في ضمانه ما حدد له السيد في اذنه، كما إذا عين له أن يكون الضمان في ذمة السيد أو في ذمة العبد أو في كسبه، وإذا كان الاذن مطلقا ولم يعين شيئا، فالظاهر من الاطلاق ان الضمان يكون في ذمة العبد ونتيجة ذلك تختلف باختلاف شأن العبد مع سيده، فقد يكون السيد قد قيد ارادة العبد وتصرفه في أموره وأفعاله بارادة السيد بحيث يكون متسلطا على شؤون العبد وأعماله وتكون جميع افعاله وتصرفاته وكسبه وماله تحت رعاية المالك واختياره، فيكون ذلك قرينة على ان السيد يتعهد بما في ذمة العبد وما يضمنه باذنه، فعلى السيد أن يؤدي ضمان العبد من أي أمواله شاء، من كسب العبد أو من غيره. وقد يكون السيد قد اطلق ارادة العبد في تصرفه، واذن له في ان يفعل ما يشاء كالاحرار، وعلى هذا فيكون الوفاء بالضمان في عهدة العبد يؤديه من كسبه أو من أمواله الاخرى. [ المسألة 12: ] يشترط في عقد الضمان أن يكون منجزا على الاحوط لزوما، فلا يصح إذا كان معلقا على شئ سواء كان التعليق للضمان نفسه، ومثال ذلك أن يقول الموجب للمضمون له: ضمنت لك ما في ذمة زيد من الدين إذا أذن لي أبي بالضمان عنه، أم كان التعليق لوجوب الوفاء، ومثال ذلك أن يقول للمضمون له: ضمنت لك ما في ذمة زيد وأؤدي الدين عنه إذا هو لم يؤد الدين عن نفسه إلى مدة شهر. [ المسألة 13: ] يشترط في الضمان على الاحوط لزوما أن يكون الدين الذي يراد ضمانه ثابتا بالفعل في ذمة الشخص المدين، سواء كان ثبوته مستقرا،

[ 57 ]

كعوض القرض، وكالثمن في بيع النسيئة، والمثمن في بيع السلف إذا كانا مما لا خيار فيه، وكالمهر المؤجل للزوجة بعد الدخول، ام كان ثبوته متزلزلا، كالثمن والمثمن في الذمة في البيع الخياري، فلا يصح ضمان الدين قبل أن يتحقق سبب ثبوته كعوض القرض قبل أن يقترض، وكالمهر المؤجل قبل أن يتزوج المرأة، وكالثمن أو المثمن قبل أن يتحقق البيع، وكنفقة المرأة قبل أن يتزوجها. [ المسألة 14: ] لا يكفي في صحة الضمان أن يتحقق المقتضي لثبوت الدين قبل أن يتم السبب له وتشتغل الذمة به بالفعل فلا يصح أن يضمن الضامن نفقة الزوجة قبل أن تشتغل بها ذمة الزوج وان تحققت الزوجية بينهما، ولا يصح أن يضمن مال الجعالة قبل أن يأتي العامل المجعول له بالعمل، ولا يصح أن يضمن مال السبق والرماية قبل أن يتحقق سبق السابق، وان وجد المقتضي لاستحقاق المال، وهو العقد، وسيأتي التعرض لها في ما يأتي ان شاء الله تعالى. [ المسألة 15: ] اعتبر جماعة من الفقهاء قدس الله انفسهم في الضمان: ان لا يكون الضامن مدينا للمضمون عنه بمثل الدين الذي يريد أن يضمنه عنه، وجعلوا هذا هو الفارق بين الضمان والحوالة، فكلاهما عندهم تعهد بما في ذمة المدين لدائنه، فإذا كان الضامن مدينا للشخص المضمون عنه بمثل الدين الذي يضمنه عنه كان حوالة، وإذا كان غير مدين له بذلك كان ضمانا. والاقوى عدم اعتبار ذلك، فيصح الضمان سواء كان الضامن مشغول الذمة بذلك أم كان بريئا، وفائدة الضمان هي نقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فإذا تم عقد الضمان وثبتت شروطه انتقل الدين الى ذمة الضامن وبرئت ذمة المضمون عنه، وسيأتي بيان ذلك. والضمان والحوالة عقدان متخالفان في مفهوميهما وفي أحكامهما وآثارهما، وقد تقدم ان انشاء العقد في الضمان يكون بالايجاب من

[ 58 ]

الضامن ولا يعتبر فيه رضى المضمون عنه، وسيأتي في كتاب الحوالة ان انشاء العقد فيها يكون بالايجاب من المحيل، وبينهما فوارق أخرى سيأتي بيان بعضها في مواضعه ان شاء الله تعالى. [ المسألة 16: ] إذا كان زيد مدينا لعمرو مائة دينار، وكان خالد مدينا لزيد بمثل ذلك، ثم ضمن خالد لعمرو ما يستحقه في ذمة زيد، وزيد هو دائنه كما ذكرنا فان كان خالد قد استأذن زيدا في ضمان ما في ذمته، ثم أدى ما ضمنه لعمرو، أصبح خالد بعد اداء الضمان دائنا لزيد بمال الضمان وهو مدين له أيضا بالدين السابق، فيتساقط الدينان، وليس ذلك من الحوالة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة. وإذا ضمن خالد ما في ذمة دائنه زيد بغير اذنه كان متبرعا بضمانه عنه، واصبح بعد الضمان مدينا لعمرو بمال الضمان، ومدينا لزيد بدينه السابق، فإذا أدى مال الضمان لعمرو برئت ذمته من دين عمرو وبقيت ذمته مشغولة لزيد بدينه السابق. [ المسألة 17: ] يعتبر في الضمان أن يكون الدين الذي يراد ضمانه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه ان يكون قاصدا لضمانه، ولذلك فلا يصح إذا كان الدين مبهما مرددا عنده، ومثال ذلك أن يكون لزيد دينان مختلفان في ذمة عمرو، فيضمن له خالد أحد هذين الدينين من غير تعيين، فلا يصح ذلك وان كان المضمون له والمضمون عنه معينين متميزين، ومثال ذلك ايضا أن يكون لزيد دين في ذمة عمرو، ودين آخر في ذمة بكر، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين ولا يعين ان ضمانه لايهما. ويشترط كذلك ان يكون الشخص المضمون له متميزا عند الضامن، بحيث يصح منه قصد الضمان لذلك الشخص فلا يصح إذا كان مبهما مرددا كما ذكرنا في الدين المضمون، ومثال ذلك أن يكون عمرو مدينا لزيد بمبلغ من المال، ومدينا لبكر بمبلغ آخر، فيضمن خالد عن عمرو

[ 59 ]

أحد هذين الدينين اللذين في ذمته ولا يعين ان المضمون له هو زيد أو بكر، فلا يصح الضمان. ويشترط ايضا أن يكون الشخص المضمون عنه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه قصد الضمان عنه، فلا يصح إذا كان مبهما مرددا، ومثال ذلك أن يكون لزيد دين معين على عمرو ودين معين على بكر، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين المذكورين ولا يعين أن الشخص المضمون عنه هو عمرو أو بكر. فلا يصح الضمان في كل اولئك. [ المسألة 18: ] يكفي في صحة الضمان أن يكون الدين المضمون متميزا في قصد الضامن بحيث يصدق في نظر أهل العرف أنه قصد ضمان هذا الدين لصاحبه، وان لم يميز الدين على وجه التفصيل، أو لم يتعين عنده الدائن على وجه التفصيل أو لم يتعين عنده المدين كذلك، فإذا علم الرجل أن على صديقه زيد دينا ولكنه لا يعلم بمقداره ولا يعلم ان دائنه خالد أو عمرو، جاز له ان يضمن الدين، لانه متميز يصح قصده، فإذا ضمنه لصاحبه الواقعي ورضي الدائن بضمانه لما بلغه الامر صح الضمان وترتبت عليه آثاره وبرئت ذمة زيد مما عليه. وكذلك إذا علم الرجل أن لزيد دينا على أحد صديقيه عمرو أو خالد، ولا يعلم بمقدار الدين ولا يدري أن المدين أي الصديقين، فيمكن له ضمانه لانه متميز كما تقدم فإذا ضمنه لزيد ورضي زيد بضمانه صح الضمان وبرئت ذمة المدين ايا كان منهما. وكذلك يصح للرجل أن يضمن عن زيد جميع ديونه التي في ذمته وان لم يعلم بمقادير الديون ولا بعددها ولا بأصحابها لانها متميزة في الواقع ويصح منه قصدها، فإذا بلغ الخبر أصحاب الديون وقبلوا بضمان الضامن صح ضمانه وترتبت آثاره وبرئت ذمة زيد منها جميعا، وإذا قبل بعضهم بضمانه دون بعض، صح الضمان في من قبل ضمانه ولم يصح غيره ويصح أن يضمن لزيد جميع الديون التي له على الآخرين على النهج المتقدم فتجري الاحكام السابقة كلها.

[ 60 ]

[ المسألة 19: ] إذا كان الدين متميزا عند الضامن على النحو الآنف ذكره جاز له أن يضمن جميع الدين وان يضمن جزءا مشاعا منه فيقول للمضمون له: ضمنت لك نصف دينك على فلان أو ثلثه أو ربعه، فإذا رضي المضمون له صح الضمان وبرئت ذمة المدين من ذلك الجزء المعين من الدين، وجاز له أن يضمن مقدارا معينا منه، فيقول للمضمون له: ضمنت لك مائة دينار من دينك على فلان، فإذا تم العقد ثبت الضمان حسب ما عين. ويشكل ضمان جزء غير معين منه كما إذا قال له: ضمنت لك شيئا من الدين أو جزءا منه، ولم تدل قرينة على تعيين المقصود من الشئ أو الجزء. [ المسألة 20: ] إذا اجتمعت شروط الصحة في الضمان وتم الايجاب والرضى به انتقل الدين إلى ذمة الضامن وبرئت ذمة المضمون عنه، فلا يجوز للدائن أن يطالبه بالدين بعد ذلك. [ المسألة 21: ] إذا شرط الدائن في عقد الضمان أن تضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في اشتغالهما بالدين بحيث يصح له أن يطالب أيهما شاء بدينه أو يطالبهما معا، لم يصح هذا الشرط على الاقوى، لانه مخالف للكتاب والسنة، ولا يبطل العقد ببطلان الشرط فيصح ضمان الضامن وينتقل المال إلى ذمته خاصة. [ المسألة 22: ] إذا تم عقد الضمان، ثم أبرأ الدائن ذمة الضامن من الدين برئت ذمة الضامن بالابراء، كما برئت ذمة المضمون عنه بالضمان، فلا يبقى له حق عندهما جميعا، وسيأتي ان الدائن إذا أبرأ ذمة الضامن من الدين فلم يدفع منه شيئا فليس للضامن أن يرجع على المضمون عنه بشئ.

[ 61 ]

وإذا ابرأ الدائن ذمة المضمون عنه لم يؤثر هذا الابراء شيئا، فان ذمة المضمون عنه قد برئت بالضمان وانتقل الدين منها إلى ذمة الضامن، ولا تبرأ ذمة الضامن بذلك، الا ان يعلم من القرائن ان الدائن يريد ابراء ذمة الضامن، واسقاط حقه من الدين عن الضامن والمضمون عنه، وإذا دلت القرائن على ذلك فليس للضامن ان يرجع على المضمون عنه بشئ. [ الفصل الثاني ] [ الضمان من العقود اللازمة ] [ المسألة 23: ] عقد الضمان لازم فلا يجوز فسخه من قبل الضامن، ولا من قبل المضمون له على الاصح، سواء وقع العقد باذن المضمون عنه ورضاه أم كان متبرعا به من الضامن. ونسب إلى القول المشهور بين العلماء: أنه يشترط في لزوم العقد من جهة المضمون له، أن يكون الضامن موسرا في حين صدور العقد، فإذا كان موسرا في ذلك الحال كان العقد لازما على المضمون له، وكذلك إذا كان الضامن معسرا في حال العقد وكان المضمون له عالما باعساره، فلا يجوز له فسخ الضمان في هاتين الحالتين. وإذا كان الضامن معسرا وكان المضمون له جاهلا باعساره، جاز له فسخ العقد، وفرعوا على ذلك فروعا ذكروها في كتبهم. والظاهر عدم ثبوت هذا الاشتراط ولا هذه الفروع، فإذا تم عقد الضمان وتوفرت شروط الصحة فيه كان لازما من قبل الضامن ومن قبل المضمون له معا، فلا يجوز له فسخ العقد وان كان الضامن معسرا وكان المضمون له جاهلا بذلك. [ المسألة 24: ] يجوز للضامن أن يشترط في عقد الضمان خيار الفسخ لنفسه في مدة معينة أو يشترطه مطلقا، ويجوز للمضمون له ان يشترط ذلك

[ 62 ]

لنفسه، ويجوز أن يشترط ذلك كل منهما لنفسه، فيكون الفسخ جائزا لكل من الطرفين. [ المسألة 25: ] يصح لكل من الضامن والمضمون له أن يشترط على صاحبه في ضمن العقد ما يريد، فإذا قبل صاحبه بالشرط كان لازما ووجب العمل به إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة، فإذا لم يف له صاحبه بالشرط ثبت له خيار تخلف الشرط. [ المسألة 26: ] تقدم منا في المسألة الرابعة: انه لا يعتبر في صحة الضمان رضى المضمون عنه، فيصح الضمان وان لم يرض بضمان ما في ذمته ولم يأذن به، ويكون ضمانا متبرعا به، وإذا تم الضمان برئت ذمة المضمون عنه من الدين، سواء كان متبرعا به ام مأذونا فيه، ثم هما يختلفان بعد ذلك في بعض الاحكام الآتي بيانها. [ المسألة 27: ] إذا ضمن الضامن الدين وأداه لصاحبه، ولم يستأذن المدين في الضمان عنه ولا في الاداء فليس له الرجوع على المدين بشئ، وكذلك إذا ضمن الدين عنه بغير اذنه، ثم أذن له بأن يؤدي عن نفسه ما استقر عليه بسبب الضمان، أو أمره به، فإذا أداه الضامن فليس له الرجوع على المضمون عنه بشئ. نعم، إذا أراد المدين التبرع عن الضامن بوفاء الدين الذي استقر عليه بسبب الضمان، فقال للضامن: أد الدين الذي استقر في ذمتك بسبب الضمان عني ثم ارجع به علي، فالظاهر صحة ذلك، فإذا أدى الضامن الدين صح له الرجوع على المدين في هذه الصورة. [ المسألة 28: ] إذا ضمن الرجل ما في ذمة الشخص المدين وكان ضمانه باذنه، ثم أدى الدين لصاحبه، صح للضامن أن يرجع على المضمون عنه بذلك، وان لم يستأذنه في الاداء.

[ 63 ]

[ المسألة 29: ] إذا أذن المدين للرجل أن يتبرع له ويضمن الدين الذي في ذمته، فضمنه عنه ثم أداه كان متبرعا بالضمان والاداء فليس له الرجوع على المدين بشى، ولا اثر لهذا الاذن لانه اذن بالتبرع بالضمان عنه. [ المسألة 30: ] إذا ضمن الرجل ما في ذمة المدين وكان ضمانه باذنه فلا يصح له الرجوع على المدين حتى يؤدي المال الذي ضمنه عنه، فإذا أدى جميع المال صح له ان يرجع عليه بالجميع، وإذا دفع إلى الدائن شيئا من الدين واستمهله في دفع بقيته صح له أن يرجع على المدين بالمقدار الذي أداه منه ولم يجز له الرجوع عليه بالباقي حتى يدفعه، وإذا صالح الدائن عن الدين بمقدار منه، فليس له الرجوع على المدين الا بالمقدار الذي صالح الدائن به، وإذا ابرأ الدائن ذمة الضامن من الدين كله لم يرجع على المضمون عنه بشئ من الدين، وإذا ابرأ ذمته من بعض الدين، فلا يجوز للضامن ان يرجع على المضمون عنه بمقدار ذلك البعض الذي ابرأه منه. وإذا تبرع أحد عن الضامن فأدى عنه الدين أو تبرع بضمانه عنه لم يرجع على المدين بشئ، وإذا تبرع احد عن الضامن فأدى عنه بعض الدين أو ضمن بعضه عنه لم يرجع بذلك البعض، وكذلك إذا ضمن الضامن الدين بأقل منه ورضي المضمون له بذلك، فليس له الرجوع على المدين الا بذلك المقدار إذا دفعه إليه. [ المسألة 31: ] إذا ضمن الرجل الدين عن أحد وكان ضمانه باذن المدين، ثم احتسب المضمون له دينه على الضامن زكاة أو خمسا أو صدقة، فقد أدى الضامن الدين إلى صاحبه، ولذلك فيجوز للضامن أن يرجع على المدين بدينه، وكذلك الحكم إذا قبض المضمون له دينه من الضامن ثم وهبه اياه، أو وهبه الدين الذي في ذمته من غير أن يقبضه منه، أو مات المضمون له ورجع الدين بعده ميراثا للضامن، فيجوز للضامن في جميع هذه الصور أن يرجع على المضمون عنه بالدين.

[ 64 ]

[ المسألة 32: ] يجوز للضامن أن يضمن عن غيره الدين سواء كان حالا ام مؤجلا، وإذا دان الدين حالا أمكن له أن يضمنه حالا أو مؤجلا، وإذا كان مؤجلا أمكن له أن يضمنه مؤجلا كذلك أو حالا، وإذا كان مؤجلا أمكن له ان يضمنه مؤجلا بمثل أجله أو بأكثر منه أو بأقل، فيصح له جميع ذلك إذا رضي به الطرفان. وإذا استأذن الضامن المدين في أن يضمن عنه ما في ذمته، فقد يكون اذنه له بالضمان مطلقا غير مشروط بالاجل وقد يشترط عليه أن يكون ضمانه إلى أجل، وقد يشترط عليه أن يكون ضمانه حالا غير مؤجل، وإذا اشترط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا فضمنه حالا، أو شرط عليه أن يضمنه حالا فضمنه مؤجلا، انتفى الاذن وكان ضمانه متبرعا به وغير مأذون فيه. [ المسألة 33: ] إذا أذن المدين لاحد في ان يضمن ما في ذمته، وكان الدين حالا فضمنه الشخص المأذون مؤجلا إلى مدة معينة، ثم أسقط حقه من التأجيل فأدى الدين قبل حضور الاجل، فان كان المضمون عنه قد اذن له بالضمان اذنا مطلقا ولم يشترط فيه أن يكون الضمان إلى أجل، صح للضامن أن يرجع عليه بعد أداء الدين للدائن وان لم يحل الاجل، وإذا كان قد اشترط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه في الحال بعد أداء الدين وقبل حلول أجله، إذ لعل المقصود من اشتراط التأجيل في الضمان أن لا يرجع عليه في الحال. وكذلك الحكم إذا مات الضامن قبل انقضاء الاجل، فحل ما عليه من الدين بسبب موته، وأخذ الدائن الدين من تركته، فان كان اذن المضمون عنه مطلقا غير مشروط بالاجل صح لوارث الضامن ان يرجع عليه بعد أداء الدين، وان كان اذنه مشروطا بالاجل، اشكل الحكم بجواز الرجوع عليه قبل انقضائه. [ المسألة 34: ] إذا اذن المدين بضمان ما عليه وكان الدين مؤجلا فضمنه الضامن

[ 65 ]

مؤجلا كذلك، ثم اسقط حقه من الاجل وأدى الدين حالا، أو مات قبل حلول الاجل واخذ الدائن دينه من التركه كما تقدم، جرى فيه التفصيل الآنف ذكره، فيصح له الرجوع على المدين في صورة اطلاق الاذن من المضمون عنه، ويشكل الحكم إذا اشترط فيه التأجيل. [ المسألة 35: ] إذا أذن المدين لاحد بضمان ما عليه، وكان الدين الذي في ذمة المدين مؤجلا فضمنه الضامن حالا وأدى الدين لصاحبه، فالظاهر انه يصح له الرجوع على المدين بعد اداء الدين، إذا كان الاذن مطلقا غير مشروط بالتأجيل، وإذا فهم من اذنه بالضمان ولو مؤجلا أن لا يرجع عليه بالدين قبل الاجل لم يصح له الرجوع، وإذا احتمل ذلك اشكل الحكم كما تقدم. [ المسألة 36: ] إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأقل من اجله وأداه كذلك، وكان الضمان باذن المدين جرى فيه التفصيل المتقدم، وكذلك إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأكثر من أجله مع اذن المدين ثم اسقط حقه من التأجيل وأدى الدين حالا، أو مات الضامن وحل دينه بسبب موته قبل الاجل واخذ الدائن من تركته، فيجري في هذه الفروض ما تقدم من التفصيل. [ المسألة 37: ] إذا دفع المضمون عنه الدين إلى الدائن المضمون له ولم يستأذن الضامن بدفعه، برئت ذمة الضامن لوفاء دينه، وبرئت ذمة المضمون عنه لان الضامن لم يؤد المال فلا يحق له الرجوع على المضمون عنه، وكذلك الحكم إذا تبرع أحد فدفع الدين للدائن بغير اذن الضامن فتبرأ بذلك ذمة الضامن والمضمون عنه. [ المسألة 38: ] إذا طلب الضامن من الشخص المضمون عنه أن يدفع عنه مال الضمان للدائن فدفعه عنه برئت بذلك ذمة الضامن والمضمون عنه، فالمضمون عنه قد وفى دين الضامن بأمره، ومن أجل ذلك يصبح الضامن مدينا له بالمبلغ الذي دفعه للدائن، والضامن قد ضمن ما في ذمة المدين باذنه

[ 66 ]

ثم ادى الدين عنه، فيصبح المضمون عنه مدينا للضامن بالمبلغ، فيتقابل الدينان ويحكم الشارع بسقوطهما معا. [ المسألة 39: ] إذا دفع المدين إلى الضامن مقدار الدين الذي ضمنه عنه قبل أن يؤديه الضامن إلى صاحبه، فقد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع أمانة بيد الضامن، فإذا هو أدى عنه مال الضمان واستحق الرجوع عليه بما ضمن من الدين احتسب هذه الامانة وفاءا لدينه، فيكون المال أمانة كما قصد حتى يفي به الدين. وقد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع وفاءا عما في ذمته بالفعل، فيشكل الحكم بصحته كذلك، وإذا بقي المال في يد الضامن حتى أدى للدائن مال الضمان، صح له أن يحتسبه عماله في ذمة المضمون عنه، ولا يحتاج إلى اذن جديد بذلك إذا بقي الاذن السابق ولو بالاستصحاب. [ المسألة 40: ] إذا تبرع زيد فضمن ما في ذمة صديقه عمرو من الدين ولم يستأذنه في الضمان عنه، ثم استأذن خالد فضمن عن زيد مال ضمانه، فإذا أدى خالد وهو الضامن الثاني مال الضمان، برئت بذلك ذمة زيد وذمة عمرو من الدين، وصح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه لانه قد ضمن عنه باذنه، ولم يصح له أن يرجع على عمرو فان زيدا كان متبرعا بالضمان عنه ولم يصح لزيد ان يرجع على عمرو. [ المسألة 41: ] إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو وكان ضمانه عنه باذنه، ثم تبرع خالد فضمن عن زيد مال الضمان بغير اذنه، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت بذلك ذمة زيد وذمة عمرو من دينهما، ولم يصح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه فانه متبرع بالضمان عنه، ولم يصح لزيد أن يرجع على عمرو فان زيدا لم يؤد مال الضمان عنه بل تبرع خالد بادائه عنه. [ المسألة 42: ] إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين وكان ضمانه باذنه، ثم

[ 67 ]

ضمن خالد عن زيد مال الضمان وكان ضمانه عنه باذنه أيضا، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت ذمة زيد وذمة عمرو، وصح لخالد وهو الضامن الثاني ان يرجع على زيد بما أدى عنه، وصح لزيد وهو الضامن الاول أن يرجع على عمرو كذلك إذا أدى لخالد ما عليه من مال الضمان، ولا يرجع عليه إذا لم يؤد. [ المسألة 43: ] يمكن أن يترامى الضمان، فيضمن الضامن الاول دين المدين، ثم يضمن الضامن الثاني مال الضمان عن الضامن الاول، ويضمن الثالث ما في ذمة الثاني ويضمن الرابع عن الثالث وهكذا، مع مراعاة المناهج والشروط الآنف ذكرها في الضمان. فإذا ضمن زيد دين عمرو برئت ذمة عمرو بالضمان، واستقر الدين في ذمة زيد، وإذا ضمن خالد مال الضمان عن زيد برئت ذمة زيد منه واستقر في ذمة خالد، وإذا ضمن الضامن الثالث ما في ذمة خالد برئت ذمة خالد منه واستقر في ذمة الضامن عنه، وهكذا حتى يستقر الدين في ذمة الضامن الاخير وتبرأ ذمم من سبقه من الضامنين فإذا أدى الضامن الاخير مال الضمان إلى المضمون له وهو الدائن الاول برئت ذمته منه، وإذا كان ضمانه باذن الشخص الذي ضمن عنه، جاز له أن يرجع عليه بما أداه من دينه، فإذا أدى ذلك الشخص له الدين رجع على سابقه إذا كان ضمانه عنه باذنه، وهكذا حتى يرجع إلى الضامن الاول فيرجع على المدين الاول إذا كان ضمانهم جميعا مع الاذن، ولا يرجع اللاحق على السابق إذا لم يؤد ما عليه، ولا يرجع اللاحق على السابق إذا كان ضمانه عنه متبرعا به من غير اذن. ونتيجة لذلك فإذا كان الضامن الاخير متبرعا بضمانه لم يرجع على من ضمن عنه ولم يرجع أحد من الضامنين قبله ممن ضمنوا عنهم إلى المدين الاول، وكذلك الحكم إذا كانت السلسلة كلها متبرعة بالضمان من غير اذن. وإذا كان بعض السلسلة متبرعا بضمانه وبعضها مأذونا فيه لم يرجع المتبرع على من ضمن عنه، ولم يرجع من كان قبله من السلسلة

[ 68 ]

وان كان ضمانه مأذونا فيه إلى أن يصل الامر إلى الضامن الاول والمدين الاول. [ المسألة 44: ] ذكروا قدس الله أرواحهم: انه يجوز للانسان أن يضمن الدين عن غيره بأقل منه، فإذا كان الرجل مدينا بمائة دينار مثلا، فيصح للآخر أن يضمن ما في ذمته بثمانين دينارا، والظاهر ان المراد من ذلك أن الضامن يضمن المقدار الاقل من مجموع الدين، ويبرئ الدائن ذمة المدين من الزائد عليه، فيضمن ثمانين دينارا من الدين في المثال المتقدم، ويبرئ ذمة المدين من بقية المائة، فإذا اتفق الجميع على ذلك صح الضمان كما اتفقوا عليه، فإذا أدى الضامن المقدار الاقل وهو المضمون من الدين رجع به على المدين ولم يرجع بالزائد فان الذمة قد أبرئت منه كما هو المفروض. وذكروا أنه يجوز أن يضمن الدين بأكثر منه، وهو مشكل، الا ان يراد ان الضامن يلتزم بأن يدفع الزائد للدائن مجانا ومن المعلوم ان ذلك ليس من الضمان. [ المسألة 45: ] يجوز أن يضمن الضامن الدين ويشترط في العقد أو يشترط الدائن عليه أن يكون الوفاء بغير جنس الدين، وإذا ضمن الدين كذلك وأداه إلى الدائن كما شرط، صح له الرجوع على المضمون عنه بنفس الدين ولم يجز له الرجوع عليه بغير الجنس الا مع التراضي. [ المسألة 46: ] يجوز للدائن أن يشترط على الضامن في العقد أن يجعل على الدين الذي ضمنه رهنا فإذا اشترط عليه ذلك وجب على الضامن الوفاء بالشرط فيجعل الرهن على الدين بعد الضمان، وكذلك إذا اشترط عليه ذلك في ضمن عقد آخر بعد عقد الضمان. [ المسألة 47: ] إذا ضمن الضامن الدين، وكان المدين قد جعل على الدين رهنا، فان كان المدين قد وضع الرهن عند الدائن وثيقة لفراغ من الدين

[ 69 ]

كما هو الظاهر انفك الرهن بالضمان لتحقق فراغ الذمة بذلك وان كان الرهن وثيقة لوفاء الدين، فالرهن باق بحاله حتى يحصل الاداء وقد ذكرنا ان الظاهر هو الاول. [ المسألة 48: ] يجوز للضامن أن يضمن الدين ويقيد ضمانه بأن يكون وفاء الدين من مال معين من أمواله ويجوز له أن يشترط ذلك في عقد الضمان، ويجوز أن يكون الدائن المضمون له هو الذي يقيد ضمان الضامن بذلك أو يشترطه عليه، وإذا قيد أحدهما الضمان بذلك أو شرطه فيه لزم الضامن ذلك فيجب عليه ان يفي الدين من ذلك المال المعين. وإذا تلف المال المعين ثبت للمشترط خيار فسخ الضمان من غير فرق بين التقييد والاشتراط، فإذا كان مأخوذا بنحو التقييد ثبت للمشترط خيار تخلف الوصف، وإذا كان مأخوذا بنحو الاشتراط ثبت للمشترط خيار تخلف الشرط وإذا نقص المال ثبت الخيار كذلك للمشترط، فإذا هو لم يفسخ الضمان وجب على الضامن ان يتم وفاء الدين من مال آخر، وإذا كان التقييد بذلك بنحو وحدة المطلوب بطل الضمان بتلف المال. [ المسألة 49: ] إذا كان للضامن مال معين وأراد أن يجعل ضمان الدين على المال المعين ولا تشتغل ذمة الضامن بشئ لم يكن ذلك ضمانا بالمعنى المصطلح للفقهاء، والمبحوث عنه في هذا الكتاب، بل يكون ذلك منه تعهدا خاصا ومعاملة مستقلة بينه وبين الدائن وتدل على صحتها عمومات وجوب الوفاء بالعقود. [ المسألة 50: ] لا يصح - على الاقوى - للانسان أن يضمن دينا عن مدين فقير على ان يفي دينه من الخمس أو من الزكاة أو المظالم ونحوها من الحقوق الشرعية التي تنطبق على ذلك الفقير، سواء كانت ذمة الضامن مشغولة بذلك الحق بالفعل ام لا. [ المسألة 51: ] يجوز للرجل أن يضمن دين المدين الثابت في ذمته من الخمس أو

[ 70 ]

الزكاة أو غيرهما من الحقوق، والدائن المضمون له هو الجهة العامة التي جعل الشارع لها ذلك الحق، وولي الجهة هو الحاكم الشرعي، فإذا أراد الرجل ضمان الدين لها عن المدين راجع الحاكم الشرعي أو وكيله وضمن الدين له بالولاية على الجهة. [ المسألة 52: ] يصح ضمان الضامن وهو في مرض موته، فإذا مات قبل أداء الدين المضمون أخرج مال الضمان من أصل تركته على الاقوى سواء كان الضمان باذن المدين أم كان متبرعا به بغير اذنه. [ المسألة 53: ] يصح أن يشترك شخصان بالضمان عن رجل واحد ويضمنا عنه مجموع دينه بالمناصفة بينهما أو بالتفاوت، ويصح أن يقع ذلك منهما بعقدين مستقلين، فيضمن أحدهما عن الرجل حصة من الدين بعقد مستقل، ثم يضمن الثاني بقية الدين بعقد آخر، ويجوز أن يوقعا الضمان بعقد واحد، فيوكل أحدهما صاحبه أو يوكلا غيرهما فينشئ عقد ضمان يشتركان فيه حسب اتفاقهما من المناصفة أو غيرها فإذا رضي المضمون له تم الضمان وترتبت أثاره وأحكامه كما اوقعاه. وكذلك إذا كانوا أكثر من شخصين، فيصح لهم ان يشتركوا في الضمان عن واحد على الوجه المتقدم بيانه. ويجوز للشخصين أو الاشخاص أن ينشئوا عقد الضمان من غير اشارة إلى مقادير حصصهم في ضمان الدين، فينصرف العقد إلى التساوي بينهم في الحصص، فإذا كانوا شخصين كان ضمانهما للدين بالمناصفة، وإذا كانوا ثلاثة كان ضمانهما له بالمثالثة، وكذلك إذا زاد العدد فالحصص متساوية وتكن بعدد الشركاء في الضمان. [ المسألة 54: ] إذا اشترك شخصان أو اشخاص في ضمان دين رجل واحد على النحو الذي بيناه في المسألة المتقدمة، انفرد كل واحد منهم بضمان حصته من الدين، وجاز له أن يؤدي ما عليه، فإذا أداه برئت ذمته سواء أدى

[ 71 ]

الضامن الآخر ما عليه أم لم يؤد، ويجوز للدائن المضمون له أن يطالب كل شخص منهم بأن يؤدي ما عليه، ويجوز له أن يطالب واحدا منهم ويؤجل الآخر في حصته، أو يبرئ ذمته من الدين إذا شاء. وإذا كان أحد الشركاء مأذونا في ضمانه وكان الآخر متبرعا بغير اذن، وأديا ما عليهما، جاز للمأذون منهما ان يرجع على المدين بما أدى عنه، ولم يجز للآخر المتبرع في ضمانه ان يرجع على المدين بشئ كما هي القاعدة في الضمان. [ المسألة 55: ] إذا تعدد الضامنون عن رجل واحد، وكان ضمان كل واحد منهم على نحو الانفراد بدين الرجل جميعه لا على سبيل الاشتراك فيه كما تقدم، فان كان ضمانهم مترتبا في وقوعه، فضمن الاول منهم ورضي الدائن بضمانه لم يصح ضمان الضامن الثاني بعده فان ذمة المدين قد برئت من الدين ولا موضع لضمان الثاني عنه بعد براءة ذمته من الدين. وإذا ضمن الضامن الاول ثم ضمن الثاني ثم ضمن الثالث، ثم رضي الدائن بواحد منهم، فالضامن هو من رضي الدائن بضمانه وان كان هو الاخير منهم، وإذا رضي بواحد ثم رضي بآخر، فالضامن هو من رضي به أولا ولا حكم للاخر الذي يرضى به بعد ذلك. وإذا رضي بضمانهم على وجه الاطلاق ولم يعين واحدا منهم كان لهذا الفرض الحكم الاتي في ما إذا ضمنوا جميعا عن الرجل دفعة واحدة غير متعاقبين. وإذا وقع الضمان منهم دفعة واحدة، فان رضي الدائن المضمون له بضمان واحد معين منهم دون الباقين كان ذلك الواحد هو الضامن، وإذا رضي بضمانهم على وجه الاطلاق ولم يعين واحدا جاز له ان يطالب بالدين أيهم شاء، وإذا طالب احدهم في هذه الصورة واستوفى منه دينه، وكان ضمان هذا الضامن باذن المضمون عنه صح للضامن أن يرجع عليه بما أدى عنه، وإذا كان متبرعا بضمانه عنه لم يرجع عليه بشئ.

[ 72 ]

[ المسألة 56: ] إذا كان لزيد دين معين على عمرو، وله دين آخر على خالد فضمن كل واحد من المديونين ما في ذمة الآخر، ورضي الدائن وهو زيد بضمانهما، صح الضمان وانتقل دين عمرو إلى ذمة خالد، وتحول دين خالد إلى ذمة عمرو. فإذا كان الدينان مختلفين في المقدار أو في الجنس أو في تأجيل أحدهما وتعجيل الآخر، أو في مقدار الاجل بينهما فالامر واضح لا خفاء فيه، وكذلك إذا كان على احد الدينين رهن من المدين دون الآخر أو كان على كل دين منهما رهن معين، فينفك كل رهن بضمان الدين عن راهنه كما ذكرنا في المسألة السابعة والاربعين. وتظهر الثمرة كذلك في ما إذا ابرأ الدائن أحد الدينين معينا، فيسقط ضمان ذلك الدين، ويبقى ضمان الدين الآخر بحاله. وإذا رضي الدائن بضمان أحد الشخصين ولم يرض بضمان الآخر كان جميع الدينين في ذمة المدين الذي رضي بضمانه فإذا أدى جميع ما عليه وكان ضمانه باذن المدين الآخر جاز له الرجوع عليه في مقدار ما أدى عنه، وإذا كان متبرعا عنه لم يرجع عليه بشئ. [ المسألة 57: ] إذا أدى المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره بعض ما في ذمته، وقصد في نفسه ان ما أداه يكون وفاءا عن دينه الخاص به، أو عن دين الضمان اتبع ذلك وكان كما قصد، وإذا اختلف هو مع الدائن أو المدين الآخر فادعى أنه عين دينه أو عين دين الضمان صدق قوله، وإذا تنازعا عند الحاكم الشرعي، فالقول قوله مع يمينه، إذا لم يقم المدعي بينة على صحة ما يقول. وإذا أدى شيئا عما في ذمته ولم يعين في قصده انه وفاء عن أي الدينين كان مخيرا في التعيين بعد ذلك، فإذا عين احدهما كان وفاءا عنه. [ المسألة 58: ] إذا أبرأ الدائن ذمة المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره من أحد الدينين وقصد في نفسه انه أبرأ ذمة المدين من دينه الاصلي، أو من

[ 73 ]

دين الضمان اتبع ما قصده، فتبرأ ذمته من الدين الذي عينه الدائن، وإذا اختلف مع المدين فادعى الدائن انه عين احد الدينين وانكره المدين فالقول قول الدائن، وإذا أبرأ ذمة المدين من احد الدينين ولم يعين أيهما، تخير بعد ذلك، فإذا عين واحدا منهما برئت ذمة المدين منه. [ المسألة 59: ] يمكن أن يدور الضمان، فيضمن رجل دين رجل آخر، ثم يضمن غيرهما عن الضامن الاول، ثم يضمن المدين المضمون عنه اولا عن الضامن الثاني، ولا مانع من ذلك، فإذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين فانتقل الدين إلى ذمة زيد، ثم ضمن خالد ما في ذمة زيد من مال الضمان، فأصبح ضامنا عن الضامن، ثم ضمن عمرو وهو المدين المضمون عنه أولا - عن خالد ما تحول في ذمته، صح ضمان الجميع إذا توفرت شروط الضمان في الجميع، ورضي الدائن المضمون له بضمانهم، واشتغلت ذمة عمرو بالمال بسبب ضمانه عن خالد بعد ما برئت ذمته منه اولا بسبب ضمان زيد عنه. فإذا كان عمرو قد جعل على دينه رهنا في المرة الاولى، فقد انفك رهنه بعد ان برئت ذمته من الدين بسبب ضمان زيد عنه، ولا يعود الرهن بعد عودة الدين إلى ذمته بسبب ضمانه عن خالد، الا أن يجدد الرهن عليه بعقد جديد، فإذا أدى عمرو الدين الى الدائن المضمون له برئت ذمته وبرئت ذمة زيد وذمة خالد من المال لسقوط الضمان لسقوط موضوعه وهو الدين، سواء كان الضمان متبرعا به أم مأذونا فيه. وتظهر الثمرة ايضا بالحلول والتأجيل في الدين، كما إذا كان دين عمرو في المرة الاولى حالا وفي الثانية مؤجلا أو بالعكس، وبالاختلاف في مقدار الاجل كما إذا كان الدين في المرة الاولى مؤجلا إلى شهرين وفي المرة الثانية إلى ستة أشهر أو بالعكس، وبغير ذلك من وجوه الاختلاف الممكنة. [ المسألة 60: ] لا يختص الضمان بالاعيان التي تكون في الذمم بل تشمل الديون

[ 74 ]

التي تشتغل بها الذمة من المنافع والاعمال، فإذا استأجر أحد من المالك دارا كلية موصوفة للسكنى مدة سنة مثلا واشتغلت ذمة المؤجر له بمنفعة الدار الموصوفة وأصبحت دينا في ذمته، جاز لغيره أن يضمن للمستأجر تلك المنفعة، وإذا استأجر أجيرا لعمل كلي من الاعمال ولم يشترط فيه المباشرة، وأصبح العمل دينا للمستأجر في ذمة الاجير جاز لشخص آخر أن يضمن للمستأجر ذلك العمل، فإذا ضمنه عنه ورضي المضمون له بضمانه صح وترتبت عليه الآثار المتقدم بيانها، وإذا اشترط عليه المباشرة في العمل لم يصح ضمانه. [ المسألة 61: ] إذا اشترط الدائن على المديون في ضمن العقد أن يكون اداء الدين من مال معين يملكه المديون نفسه لم يصح ضمان ذلك الدين. [ الفصل الثالث ] [ الضمان العرفي ] [ المسألة 62: ] يصح ضمان نفقة الزوجة عن زوجها إذا استقرت في ذمته واصبحت دينا ثابتا عليه، والظاهر من الادلة أن الزوجة تستحق النفقة وتملكها في ذمة الزوج متى احتاجت الزوجة إلى النفقة وكانت ممكنة للزوج من نفسها، ولا ريب في صدق ذلك في النفقة للمدة الماضية إذا كانت الزوجة فيها ممكنة للزوج من نفسها، وكذلك في نفقة اليوم الحاضر عند تحقق المعيار المذكور، فإذا استحقت النفقة وملكتها في ذمة الزوج صح للضامن ضمانها، ولا تستحق النفقة في اليوم الحاضر إذا لم يتحقق المعيار الآنف ذكره. واما نفقتها للمدة المستقبلة فلا يصح لاحد ضمانها بمعنى الضمان المبحوث عنه بين الفقهاء فان ذمة الزوج لم تشتغل بها بعد لتنقل بالضمان إلى ذمة الضامن. ويصح التعهد والالتزام بها إذا وجد المقتضي لثبوتها في ذمة الزوج والمقتضي هو تحقق الزوجية بينهما والتعهد المذكور هو الضمان بالمعنى

[ 75 ]

العرفي وهو معاملة مستقلة غير الضمان المصطلح فإذا تمت هذه المعاملة وتم العقد بين المتعهد والمتعهد له صحت المعاملة ووجب ترتيب آثارها، فيجب على المتعهد دفع النفقة عند حضور وقتها والحاجة إليها وقد تقدم لها عدة نظائر وستأتي لها نظائر أخرى. [ المسألة 63: ] لا يصح ضمان مال الجعالة قبل أن يأتي العامل بالعمل المجعول عليه، فإذا قال الرجل: من رد على ضالتي فله عندي دينار مثلا، أو قال من خاط لي ثوبي أو من عمل لي العمل المعين فله علي ديناران، لم يصح لاحد أن يضمن للعامل مال الجعالة قبل أن يأتي بالعمل المعين، فان مال الجعالة لا يكون مستحقا للعامل المجعول له ولا يثبت في ذمة الجاعل حتى يأتي العامل بالعمل المعين ولذلك فلا يجري فيه الضمان المصطلح، وإذا أنشأ الجاعل ايقاع الجعالة وتصدى العامل للعمل المعين ثبت المقتضي لاستحقاقه المال، وجاز التعهد به قبل الاتيان بالعمل على النحو المتقدم في نفقة الزوجة للمدة المستقبلة، فإذا تمت المعاملة كما ذكرنا صحت ووجب ترتيب آثارها وتكون من الضمان العرفي. وكذلك الحكم في مال السبق والرماية، فلا يصح ضمانه قبل أن يتحقق سبق السابق، وإذا ثبت المقتضي له جاز التعهد به كنظائره المتقدم ذكرها. [ المسألة 64: ] الاعيان التي حكم الشارع بضمانها على واضع اليد عليها، كالاشياء المضمونة على الغاصب أو المقبوضة بالعقد الفاسد والامتعة المقبوضة بالسوم وأمثال ذلك من الاعيان المضمونة شرعا، لا يجوز ضمانها عن الاشخاص الذين حكم الاسلام عليهم بضمانها ووجوب ردها إلى أهلها إذا كانت موجودة ووجوب دفع بدلها إذا تلفت ووجوب دفع أرشها إذا نقصت أو ظهر فيها عيب. ومثال ذلك: أن يضمن الضامن العين المغصوبة عن الغاصب، أو العين المقبوضة بالعقد الفاسد عن المشتري أو بالاجارة الفاسدة عن المستأجر، أو العين إذا قبضها الرجل بالسوم ولم يتم بيعها أو المعاملة

[ 76 ]

الاخرى عليها، فلا يصح ضمانه بالمعنى المبحوث عنه بين الفقهاء، وهو الضمان الذي ينقل الدين من ذمة إلى ذمة أخرى. ويصح ضمانها بالضمان العرفي، وهو أن يتعهد الضامن للشخص المضمون له بالعين المضمونة، فإذا تراضيا وتم العقد شملته عمومات الوفاء بالعقود وترتبت عليها آثارها، فيجب على المتعهد ان يرد العين على صاحبها إذا كانت موجودة وان يدفع له مثلها أو قيمتها إذا تلفت، وأن يدفع له أرشها إذا ظهر فيها عيب أو نقص. وكذلك الاعيان غير المضمونة كالوديعة ومال المضاربة والرهن وسائر الامانات قبل ان تتحقق اسباب الضمان لها من التعدي أو التفريط فلا يجوز ضمانها ويصح التعهد بها. [ المسألة 65: ] إذا اشترى رجل من غيره أرضا أو دارا أو متاعا، ودفع الثمن إلى البائع، فقد يشك المشتري في انتقال المبيع إلى ملكه وسبب شكه هو احتماله ان يكون البائع قد باعه ملك غيره، أو يكون البيع باطلا لفقد شرط من شروط صحة البيع ولذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له عهدة الثمن الذي دفعه إليه إذا ظهر المبيع ملكا لغيره أو ظهر ان البيع باطل لبعض الجهات التي تخفى عليه. وقد نقل عن الاصحاب ره صحة هذا الضمان، وسموه ضمان درك الثمن، وفرعوا على ذلك فروعا عديدة، والحكم بصحة هذا الضمان مشكل إذا أريد به الضمان بمعناه الاصطلاحي، ويصح الضمان في ذلك وفي جميع فروعه التي ذكروها إذا أريد به الضمان العرفي، وهو التعهد والالتزام الذي مر ذكره في المسائل المتقدمة، فإذا تم العقد والتعهد بين الضامن والمضمون له كان صحيحا ولزم الوفاء به، ولا يكون من الضمان الاصطلاحي. [ المسألة 66: ] إذا باع الرجل على غيره دارا أو أرضا أو متاعا بثمن شخصي معين وحصل القبض من المتبائعين، فقد يشك البائع في انتقال الثمن إليه

[ 77 ]

وسبب شكه هو احتمال ان يكون المشتري قد اشترى منه بثمن يملكه غيره أو يكون البيع باطلا لفقد بعض الشروط كما تقدم في المشتري ولذلك فالبائع يطلب من المشتري ضامنا يضمن له درك المبيع، والحكم فيه كما تقدم في ضمان درك الثمن، فهو مشكل إذا أريد الضمان بالمعنى الاصطلاحي المتقدم بيانه ويصح بمعنى التعهد العرفي على ما سبق في نظائره. [ المسألة 67: ] إذا اشترى الرجل من غيره أرضا بثمن معين وتقابض المتبائعان، وأراد المشتري أن يحدث في الارض التي اشتراها غرسا أو بناءا، وهو يشك في صحة البيع فقد تكون الارض لغير بائعها ولذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له ترك ما يحدثه في الارض من البناء والغرس. وقد قال بصحة الضمان على ذلك جماعة من الاكابر كالشهيد الاول والشهيد الثاني قدس الله أرواحهم، والقول بذلك مشكل إذا أريد به الضمان الاصطلاحي، ولكنه يصح وينفذ إذا أريد به الضمان العرفي الذي تقدم بيانه في الفروض المتقدمة، فإذا أجري العقد على ذلك كان صحيحا ولازما، سواء كان المتعهد هو البائع نفسه ام كان شخصا غيره يتعهد للمشتري بما يريد. [ المسألة 68: ] إذا قال أحد ركاب السفينة لآخر منهم: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فألقاه في البحر كما أمره، فان كان ذلك لخوف غرق السفينة كان الآمر بالالقاء ضامنا لمتاع صاحبه، والضمان هنا من الضمان العرفي الذي تقدم ذكره، وكذلك إذا كان ذلك لغاية عقلائية أخرى كخفة السفينة أو الخوف من ظالم أو سارق، فيصح منه التعهد، ويكون ضامنا للمتاع إذا القاه صاحبه، وإذا لم تكن له فائدة يقصدها العقلاء لم يصح التعهد فان القاء المتاع في البحر لا لغاية يكون من المحرمات، وضمان عوضها يكون من التعويض عن المحرم فلا يكون صحيحا، وان اريد به التعهد والضمان العرفي.

[ 78 ]

[ الفصل الرابع ] [ في بعض منازعات الضمان ] [ المسألة 69: ] لا يشترط في صحة الضمان أن يعلم الضامن مقدار الدين حين ضمانه كما اشرنا إليه في المسألة الثامنة عشرة، فإذا علم بوجود الدين على وجه الاجمال فضمنه، صح ضمانه، فإذا علم بمقداره بعد ذلك أو شهدت به بينة شرعية وجب عليه اداء ذلك المقدار، وكذلك إذا ثبت مقدار الدين باقرار المضمون عنه أو باليمين المردودة على الدائن، إذا كان الاقرار أو اليمين المردودة سابقين على الضمان، بل وان كان الاقرار به بعد الضمان ايضا إذا كان الضمان باذن المضمون عنه، فيجب على الضامن اداء المقدار الذي اقر به المضمون عنه، ثم يرجع به عليه إذا شاء، وكذلك الحكم - على الاحوط - إذا ثبت المقدار باليمين المردودة بعد الضمان، وكان الضمان مأذونا فيه، وإذا أقر المضمون عنه به بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة بعد الضمان كذلك وكان غير مأذون فيه لم يجب أداؤه على الضامن ولزم على المضمون عنه. [ المسألة 70: ] انما يجب على الضامن اداء المقدار الذي تشهد به البينة إذا شهدت بأنه مقدار الدين في حال صدور الضمان من الضامن، ولا يلزمه الاداء إذا شهدت بأن ذلك هو مقدار الدين بعد الضمان أو اطلقت شهادتها فلم تعين ان ذلك هو مقداره حين الضمان أو بعده. [ المسألة 71: ] إذا قيل للرجل: ان بينة شرعية مقبولة تدل على أن صديقك زيدا مدين بمبلغ من المال، فقال: ضمنت للدائن ما تشهد به البينة على زيد من الدين، جاز ضمانه فإذا رضي الدائن صح ونفذ، ووجب عليه ان يؤدي ما تشهد البينة المذكورة بثبوته على زيد من الدين حينما ضمن الضامن. [ المسألة 72: ] إذا ادعى الدائن ان مقدار الدين المضمون مائة دينار مثلا وأنكر

[ 79 ]

الضامن هذا المقدار وقال: انما هو خمسون دينارا، وصدقه المضمون عنه فأنكر المائة، ثم تنازع الدائن والضامن في ذلك إلى الحاكم الشرعي فوجه اليمين على الضامن لانه منكر، وردها الضامن على الدائن وحلف الدائن على ما يدعيه وثبت عند الحاكم باليمين المردودة ان الدين المضمون مائة دينار، فإذا أداها الضامن لم يحق له أن يرجع على المضمون عنه بجميع المائة لانه منكر لها وانما يرجع عليه بالخمسين. وكذلك الحكم إذا أقر الضامن بالمائة فثبت ذلك باقراره، فلا يرجع بها على المدين المضمون عنه، بل يرجع عليه بمقدار ما يعترف به هو من الدين لا بمقدار ما يقر به الضامن. [ المسألة 73: ] إذا ادعى الدائن على زيد انه قد ضمن له دينه على عمرو وانكر زيد الضمان، فأقام الدائن بينة على ما يقول وثبت الضمان على زيد وأدى المال، فلا يحق لزيد أن يرجع على عمرو بما أدى لانه اعترف بأن الدائن أخذ المال منه بغير حق. [ المسألة 74: ] إذا تنازع المدين مع الدائن فادعى المدين أن الدين الذي كان عليه قد ضمنه عنه ضامن فهو يزعم ان ذمته قد برئت من الدين وأنكر الدائن الضمان ولذلك فهو يزعم ان على المدين أن يؤدي ما عليه، فالقول قول الدائن المنكر مع يمينه. وكذلك الحكم إذا اختلفا فادعى المدين أن الضامن قد ضمن عنه جميع ديونه، فلا حق للدائن عنده، وانكر الدائن ذلك وأدعى ان الضامن انما ضمن عنه دينا واحدا ولم يضمن الدين الثاني فعلى المدين أن يؤديه فالقول قول المنكر مع يمينه، ومثله أن يدعي المدين ان الضامن ضمن جميع دينه ويدعي الدائن انه ضمن نصف دينه أو ربعه. [ المسألة 75: ] إذا اختلف الدائن المضمون له والمدين المضمون عنه، فادعى المضمون له انه قد اشترط الخيار لنفسه في عقد الضمان فيجوز له أن يفسخ الضمان ويأخذ دينه من المدين، وانكر المضمون عنه هذا الاشتراط

[ 80 ]

فليس للدائن أن يفسخ الضمان وان ذمته قد برئت بضمان الضامن، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه لانه منكر. وإذا اختلفا في صحة الضمان وفساده، فالقول قول من يدعي الصحة منهما مع يمينه، والغالب ان المضمون عنه هو الذي يدعي الصحة، فان صحة الضمان تستلزم براءة ذمته من الدين، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى المضمون له صحة الضمان، كان القول قوله مع يمينه. [ المسألة 76: ] إذا اختلف الدائن مع الضامن، فادعى أحدهما أن الضامن منهما قد ضمن الدين وانكر الآخر الضمان وادعى عدمه، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه، والغالب ان الضامن هو الذي يدعي عدم الضمان فان لازم ذلك براءة ذمته من الدين، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى الضامن انه ضمن الدين وانكر الدائن فادعى عدم الضمان كان القول قوله مع يمينه. وكذلك الحكم إذا اختلفا في مقدار الدين، أهو مائة دينار أو ثمانون، أو اختلفا في أن الضامن ضمن للدائن دينا واحدا أو دينين، أو اختلفا في ان الدائن قد اشترط على الضامن التعجيل في أداء الدين ام لم يشترط عليه ذلك، أو انه اشترط عليه تقصير مدة الاجل أو لم يشترط ذلك، أو أنه اشترط عليه شرطا آخر في عقد الضمان أو لم يشترط، فالقول في جميع ذلك قول من يدعي العدم مع يمينه، وهو الضامن في الغالب، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى الدائن العدم كان القول قوله مع يمينه. [ المسألة 77: ] إذا ضمن الضامن دين الرجل وكان الدين حالا، فاختلف الضامن والدائن في انهما هل اشترطا في العقد تأجيل الدين إلى مدة ام لم يشترطا، فادعى أحدهما وجود هذا الشرط وانكره الآخر فادعى عدم اشتراط ذلك، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه كما تقدم والغالب هنا ان من يدعي عدم الاشتراط هو الدائن المضمون له، لانه يريد

[ 81 ]

أخذ دينه معجلا، وإذا اتفق عكس ذلك فادعى الدائن الاشتراط وادعى الضامن العدم كان القول قول الضامن مع يمينه لانه المنكر. ومثله ما إذا كان الدين مؤجلا فادعى أحدهما انهما قد اشترطا الزيادة في المدة وانكر الآخر، أو اختلفا فقال احدهما: قد اشترطنا في العقد ان يبرئ الدائن ذمة الضامن من الدين أو من بعضه وأنكر الاخر، أو اختلفا في أن الضامن قد اشترط لنفسه خيار الفسخ لعقد الضمان فادعاه احدهما وانكره الثاني، فيقدم في جميع ذلك قول من يدعي العدم، والغالب في هذه الموارد أن يدعي المضمون له ذلك فيكون القول قوله مع يمينه، وإذا انعكس الامر فادعى الضامن العدم كان القول قوله كما تقدم. [ المسألة 78: ] إذا ضمن الضامن عن المدين واداه عنه ثم تنارع الضامن والمضمون عنه فادعى الضامن أن ضمانه عنه كان باذنه، فيجوز له أن يرجع عليه بما أدى عنه، وقال المضمون عنه: انه لم يأذن بالضمان فلا حق للضامن بالرجوع عليه، قدم قول المضمون عنه مع يمينه، وكذلك إذا ضمن الضامن الدين عنه باذنه ثم تنازعا، فادعى الضامن انه قد ادى الدين للدائن فيصح له الرجوع على المضمون عنه، وانكر المضمون عنه اداء الدين، فيقدم قول المضمون عنه مع يمينه. [ المسألة 79: ] إذا ضمن الضامن الدين باذن المضمون عنه واداه للدائن ثم تنازعا في مقدار الدين فادعى الضامن انه مائة دينار مثلا، وقال المضمون عنه: ان الدين ثمانون دينارا وانكر الزيادة، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه، وإذا ادعى المضمون عنه ان الدين مائة دينار فعلى الضامن أن يدفعها جميعا، وقال الضامن: انه ثمانون فحسب وانكر الزيادة فالقول قول الضامن مع يمينه. [ المسألة 80: ] إذا ادعى الضامن انه ادى الدين للدائن، وانكر الدائن المضمون له ذلك، فان صدق المدين المضمون عنه دعوى الضامن بالوفاء وكان

[ 82 ]

ضمانه باذنه صح للضامن الرجوع عليه سواء حلف الدائن لانكاره دعوى الضامن أم لم يحلف، وان لم يصدقه في دعوى وفاء الدين لم يرجع الضامن عليه بشئ. وإذا حلف الدائن لانكاره دعوى الضامن وأخذ المال منه لم يرجع به على المضمون عنه إذا لم يصدقه في دعوى الوفاء لان الضامن يعترف بأن هذا المال أخذ منه بغير حق. [ المسألة 81: ] يصح للمدين المضمون عنه ان يشهد للضامن بأداء الدين إذا كان يعلم بذلك وكان جامعا لشروط قبول الشهادة من عدالة وعدم تهمة وغير ذلك. [ المسألة 82: ] إذا طلب المدين من أحد أن يفي عنه دينه فأداه عنه اجابة لطلبه جاز له ان يرجع عليه بما أدى عنه وان لم يضمن عنه، وكذلك إذا أمره أن يدفع الى زيد مبلغا أو ينفق في بعض السبل شيئا ولم تقم القرائن على طلب التبرع، فإذا أعطى أو أنفق اجابة لامره جاز له الرجوع عليه بما دفع وبما انفق، وهذا ليس من الضمان المصطلح ولا من التعهد العرفي. وإذا أذن المدين لاحد بوفاء دينه ولم يطلب ذلك منه، لم يحق له الرجوع عليه إذا وفاه عنه الا إذا أفهمته القرائن انه لا يؤدي تبرعا، وانه إذا وفى له دينه رجع عليه بما أدى، فيرجع عليه حين ذاك.

[ 83 ]

[ كتاب الحوالة والكفالة ]

[ 85 ]

[ كتاب الحوالة والكفالة ] وفيه فصلان. [ الفصل الاول ] [ في الحوالة وشرائطها وأحكامها ] [ المسألة الاولى: ] الحوالة اسم للمعاملة الخاصة التي ينقل بها المديون دائنه بالحق الذي يستحقه في ذمته إلى ذمة رجل آخر، يقال: أحال الرجل غريمه بدينه إلى غيره، إذا نقل دين الغريم من ذمة نفسه إلى ذمة ذلك الغير، فالمدين الذي نقل الدين محيل، والدائن الذي نقل المحيل دينه إلى ذمة الرجل الآخر محال، والشخص الآخر الذي انتقل الدين إلى ذمته محال عليه، والدين الذي نقله المحيل من ذمة إلى ذمة محال به، والمعاملة التي يحصل بها هذا النقل حوالة. والغالب في الشخص الثاني الذي ينقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمته أن يكون مدينا للمحيل، فالمحيل في الغالب مدين للمحال، ودائن للمحال عليه، وقد تكون الحوالة على شخص برئ الذمة، وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله تعالى. [ المسألة الثانية: ] لابد في عقد الحوالة من الايجاب وهو يكون من المحيل، والقبول من المحال، ويكفي في الايجاب كل لفظ يدل على المعنى المراد، وهو احالة المدين دائنه على الشخص الاخر المحال عليه، واللفظ المتعارف في ذلك ان يقول الموجب لدائنه: أحلتك بما تستحقه في ذمتي من الدين على زيد، فيقول الدائن المحال: قبلت الحوالة أو يقول: قبلت الاحالة منك على زيد بالدين المعين، أو يقول: رضيت بذلك.

[ 86 ]

ويعتبر في صحة عقد الحوالة على الاحوط رضى المحال عليه أيضا، بل لا يخلو اعتباره من قوة، وخصوصا إذا كان المحال عليه برئ الذمة من دين المحيل، أو كان مدينا له وكانت الحوالة عليه بغير جنس الذي في ذمته. [ المسألة الثالثة: ] يعتبر في صحة الحوالة أن يكون المديون المحيل بالغا، وأن يكون عاقلا، وان يكون غير سفيه وغير مكره، على النهج الذي تقدم ايضاحه في كتاب البيع وغيره من العقود المتقدم ذكرها، ويعتبر جميع ذلك ايضا في الدائن المحال، وفي الشخص الآخر المحال عليه، فلا يصح العقد إذا كان أحد الاطراف الثلاثة المذكورين صغيرا أو مجنونا أو سفيها أو مكرها. [ المسألة الرابعة: ] الظاهر صحة الحوالة إذا كان المحيل مفلسا أو كان المحال أو كان المحال عليه مفلسا كذلك، إذا كانت الحوالة انما تستلزم تصرفا في ذمته ولا تفيد تصرفا في أمواله المحجور عليها للفلس والتي يكون التصرف فيها منافيا لحقوق الغرماء. [ المسألة الخامسة: ] يعتبر في صحة عقد الحوالة أن يكون منجزا على الاحوط كما سبق في نظائره من العقود، فلا يصح إذا كان معلقا على شرط أو على وصف. [ المسألة السادسة: ] ليس من الحوالة أن يحيل الشخص على نفسه أحدا بدين له في ذمة غيره فيقول لزيد مثلا: أحلتك على نفسي بالدين الذي تملكه في ذمة خالد، فيقبل زيد منه العقد، ويكون الايجاب من المحال عليه لا من المدين، بل وقد لا يحصل منه الرضى بالحوالة، فلا يكون ذلك من الحوالة المصطلحة، ولا يكون من الضمان، بل هو من الحوالة اللغوية، فإذا اتفق المتعاقدان المحال عليه والمحال كما بينا وأوقعا عقد الحوالة بينهما فأحاله بدينه على نفسه، صحت معاملة مستقلة وشملها عموم ادلة الوفاء بالعقود ولزم الوفاء بها، وقد سبقت له نظائر في كتاب

[ 87 ]

الضمان، سواء كان الشخص الذي احال الدائن على نفسه برئ الذمة، أم كان مدينا لخالد، وسواء كانت الحوالة بغير جنس ما عليه أم بجنسه. [ المسألة السابعة: ] يشترط في صحة الحوالة المصطلحة أن يكون الدين المحال به ثابتا للدائن بالفعل في ذمة المحيل، سواء كان ثبوته في ذمته مستقرا أم كان متزلزلا، فلا تصح الحوالة به قبل أن يتم سببه ويثبت في الذمة بالفعل، ومثال ذلك أن يحيله بالدين الذي سيستقرضه منه، أو بثمن السلعة التي سيشتريها به أو ببدل الاجارة الذي سيستأجر به الدار أو يحيل المرأة بالمهر المؤجل الذي سيتزوجها به، ولا يصح أن يحيل الزوجة بنفقتها للمدة الآتية، أو يحيل العامل بمال الجعالة قبل أن يأتي بالعمل المجعول عليه، أو يحيل بمال السبق قبل أن يتحقق سبق السابق، وقد سبق نظير هذا في الدين الذي يراد ضمانه، فلا تصح الحوالة المصطلحة في هذه الفروض وما أشبهها، وتصح فيها الحوالة بالمعنى اللغوي إذا وقع الاتفاق وجرى العقد فتكون معاملة مستقلة كما سبق نظيرها هنا وتقدمت نظائرها في فصل الضمان العرفي. [ المسألة الثامثة: ] لا يشترط في صحة الحوالة المصطلحة أن يكون الدين المحال به معلوما للمحيل والمحال على وجه التفصيل حين صدور عقد الحوالة بينهما، فإذا علم المحيل والمحال بالدين على وجه الاجمال فأحاله به، ثم علما بعد ذلك بجنسه ومقداره، برجوعهما إلى وثائق ومستندات وسجلات اوضحت لهما ذلك وذكرت تفاصيله صحت الحوالة وترتبت آثارها، وكذلك إذا أحال الدائن بما تشهد به البينة ثم سألا البينة فأوضحت بشهادتها لهما تفاصيل الدين. [ المسألة التاسعة: ] لا تصح الحوالة إذا كان الدين المحال به مبهما مرددا ومثال ذلك: أن يحيل المدين دائنه بأحد الدينين على وجه الترديد من غير تعيين، أو يحيله على المحال عليه بشئ من دينه من غير تحديد لمقدار الشئ الذي أحاله به من الدين، فلا تكون الحوالة صحيحة.

[ 88 ]

[ المسألة العاشرة: ] إذا كان لرجل دينان يختلف أحدهما عن الآخر في ذمة شخص واحد، يصح للمدين ان يحيل دائنه المذكور بأحد دينيه على نحو الواجب التخييري على الشخص المحال عليه، ومثال ذلك أن يكون لزيد في ذمة عمرو دين بخمسمائة دينار، وله في ذمته كذلك دين آخر بستمائة دينار، فيحيل عمرو دائنه زيدا بالدينين معا على خالد، على أن يختار المحال عليه وهو خالد أحد الدينين المحال بهما فيسدده، فإذا اختاره وقام بوفائه سقطت الحوالة عليه بالدين الاخر. [ المسألة 11: ] يشكل الحكم بصحة الحوالة إذا كان المحيل أو المحال جاهلا بجنس الدين المحال به أو جاهلا بمقداره في حال الحوالة ولا يحصل له العلم به بعد ذلك كما إذا كان عمرو مدينا لزيد بمبلغ لا يعلمان مقداره أو لا يعلمان جنسه وليس عندهما ما يعين ذلك لهما، فيشكل الحكم بصحة الحوالة بهذا الدين المجهول. وتصح الحوالة به بالمعنى اللغوى الذي تقدم بيانه فإذا تراضى بها الجميع كذلك واجري العقد صح وكانت الحوالة معاملة مستقلة كنظائرها المتقدمة. [ المسألة 12: ] لا يشترط في صحة الحوالة أن يتفق المال المحال به مع المال المحال عليه في جنسهما ونوعهما ووصفهما فإذا كان لزيد دين في ذمة عمرو مبلغ من الدراهم، وكان مدينا لخالد بمبلغ من الدنانير أو بمقدار من الحنطة وأراد زيد ان يحيل دائنه خالدا على مدينه عمرو بأن يدفع له دنانير أو حنطة بدل الدراهم التي لزيد في ذمته، صح له ذلك إذا تراضى به الجميع وإذا أحاله كذلك مع الرضى به حصل الوفاء. [ المسألة 13: ] لا يشترط في صحة الحوالة أن يكون الشخص المحال عليه مدينا للمحيل، فتصح الحوالة عليه وان كان برئ الذمة على الاقوى.

[ 89 ]

[ المسألة 14: ] تصح الحوالة بأي دين تشتغل به ذمة المدين، سواء كان من الاعيان أم من المنافع ام من الاعمال كما إذا استأجر الرجل من المالك دارا كلية موصوفة بأوصاف معينة للسكنى فيها أو استأجر أجيرا ليقوم له بأعمال معلومة في ذمته ولم يشترط عليه المباشرة، فكانت المنفعة المملوكة بالاجارة دينا في ذمة المؤجر وكان العمل المستأجر عليه دينا في ذمة الاجير، فتصح الحوالة بذلك من المدين على شخص آخر، سواء كان المحال عليه مشغول الذمة للمدين بمثل تلك المنفعة ومثل ذلك العمل أم كان برئ الذمة. ويجري ذلك في الصلاة والصيام والحج والعمرة والزيارة وغيرها من الاعمال إذا كانت ديونا في الذمة ولم تشترط فيها المباشرة. [ المسألة 15: ] تصح الحوالة بالمال سواء كان مثليا أم قيميا إذا وصف وصفا ترتفع به الجهالة المضرة بالحوالة. [ المسألة 16: ] إذا أحال المدين بدينه وتمت شروط الحوالة وتوفر جميع ما يعتبر فيها برئت ذمة المحيل من دينه المعلوم بالمقدار الذي أحال به دائنه، وانتقل دين الدائن المحال إلى ذمة الشخص المحال عليه بذلك المقدار وبرئت ذمة المحال عليه من دين المحيل إذا كان مشغول الذمة له بمقدار ما أحال به عليه من المال وكان المال مثليا والحوالة عليه بمثله. وإذا كانت الحوالة بغير مثل الدين، أو كان المحال عليه برئ الذمة اشتغلت ذمة المحيل له بما أحال عليه ثم يتحاسبان بعد ذلك إذا شاءا أو يتصالحان. [ المسألة 17: ] إذا أنشأ المديون الايجاب في عقد الحوالة لم يجب على المحال قبول الايجاب، بل يتخير في القبول وعدمه وان كان الشخص المحال عليه مليا، وغير مماطل في اداء المال.

[ 90 ]

[ المسألة 18: ] إذا تم الايجاب والقبول في الحوالة، وتحقق الرضى بالمعاملة من المحيل والمحال والمحال عليه كانت الحوالة لازمة على الاشخاص الثلاثة جميعا، فلا يجوز لاحدهم فسخ الحوالة وان كان المحال عليه بريئا، فلا يجوز له الفسخ بعد أن تحقق منه الرضى، وقد ذكرنا ان دين الدائن ينتقل إلى ذمة المحال عليه إذا تمت الحوالة، وتوفرت شروطها. ويستثنى من ذلك ما إذا كانت الحوالة على رجل معسر، وكان الدائن المحال جاهلا باعساره، ثم علم باعساره بعد ذلك، فيجوز له فسخ الحوالة والرجوع بالدين على المحيل. ويراد باعسار المحال عليه هو ان لا يكون عنده ما يفي به دينه زائدا على الامور المستثنيات في الدين والتي ذكرناها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، والمدار في ذلك هو ان يكون المحال عليه معسرا كذلك في حال الاحالة عليه، وأن يكون المحال جاهلا بالاعسار كما ذكرنا، فلا يثبت الخيار للمحال إذا كان المحال عليه مليا في حال الحوالة وان تجدد له الاعسار بعد ذلك، ولا يثبت الخيار للمحال إذا قبل الحوالة على الرجل وهو يعلم باعساره. [ المسألة 19: ] لا تجب المبادرة على المحال في فسخ الحوالة بعد ان يعلم باعسار المحال عليه، فإذا تأخر في الفسخ لعذر أو لغير عذر لم يسقط حقه في خيار الفسخ على الاقوى، مع تحقق الفرض المتقدم الذي يثبت له فيه الخيار. [ المسألة 20: ] لا يسقط خيار الفسخ للمحال بعد ان يعلم باعسار المحال عليه وان أمكن للمحال عليه أن يقترض ويفي دينه من مال القرض، ولا يسقط الخيار كذلك إذا وجد من يتبرع عن المحال عليه بوفاء دينه بعد ما كان معسرا، في الفرض الذي يثبت فيه الخيار للمحال ولا يسقط الخيار إذا تجدد له اليسر بعد ما كان معسرا حال الحوالة وكان المحال جاهلا بعسره.

[ 91 ]

[ المسألة 21: ] يجوز للمحال عليه أن يشترط لنفسه في ضمن العقد أن يفسخ العقد إذا شاء، فإذا شرط ذلك لنفسه ورضي به الآخر ان صح له الفسخ كما شرط، ويجوز كذلك للمحيل أو المحال أن يشترط الخيار لنفسه، ويثبت له حق الخيار إذا شرط. [ المسألة 22: ] يمكن الترامي في الحوالة، فيحيل المديون دائنه على شخص معين، ثم يحيل المحال عليه ذلك الدائن على محال عليه آخر، ثم يحيله هذا المدين الجديد على آخر ثم يحيله هذا على غيره، وهكذا فتترامى الحوالة ويتعدد المحال عليه، والدائن المحال في الجميع واحد، ويصح الجميع. ويجوز أن يحيل المدين دائنه على شخص، فإذا كان هذا الدائن مدينا لغيره صح له أن يحيل دائنه على الشخص الذي احيل عليه وإذا كان الدائن الثاني مدينا لثالث جاز له أن يحيل دائنه على مدينه الذي احيل عليه، وهكذا، فيتعدد المحال ويكون المحال عليه واحدا، فإذا ترامت العقود وتوفرت شرائطها صحت جميعا، ترتبت آثارها. [ المسألة 23: ] يجوز أن تدور الحوالة، ومثال ذلك أن يحيل المديون دائنه على شخص، ثم يحيل الشخص المحال عليه دائنه على شخص غيره في المرة الثانية، ثم يحيل هذا المدين الثالث دائنه على المدين الاول، فترجع سلسلة الحوالات من حيث ابتدأت ويكون الجميع صحيحا إذا توفرت فيها الشرائط المطلوبة، وقد تقدم نظير ذلك في كتاب الضمان. [ المسألة 24: ] إذا ترامت الحوالة، فأحيل الدائن بدينه مرتين أو اكثر على اشخاص متعددين، وانتقل دينه بسبب ذلك إلى ذمة المحال عليه الاول ثم إلى الثاني ثم الى الثالث ثم أحاله المدين الاخير بدينه على رجل له في ذمة الدائن مثل دينه، وقبل الطرفان الحوالة تقابل ما في ذمتيهما من الدين وحكم الشارع بتساقطهما معا، وإذا اختلف الدينان في الجنس اشتغلت ذمة كل منهما للآخر بدينه، ثم تحاسبا عن ذلك إذا شاءا أو تصالحا.

[ 92 ]

[ المسألة 25: ] تبرأ ذمة الشخص المحال عليه من دين الدائن إذا هو وفى الدين وأدى مال الحوالة، وتبرأ ذمته إذا أحال الدائن على شخص آخر وقبل الدائن والمحال عليه بالحوالة الجديدة، وتبرأ ذمته إذا ضمن المال عنه ضامن، وكان الضمان برضى الدائن المضمون له، وتبرأ ذمته إذا تبرع احد فوفى عنه الدين، سواء كان المتبرع أجنبيا ام كان هو الشخص الذي أحال عليه بالمال، وتبرأ ذمته إذا أمر أحدا بوفاء الدين فأداه عنه اجابة لطلبه. ويرجع موفي الدين عليه بما أداه عنه إذا كان الاداء بطلبه، أو كان الضمان عنه باذنه، سواء كان المؤدي أو الضامن هو المحيل نفسه، أم كان شخصا غيره، ولا يرجع عليه إذا كان متبرعا بالوفاء أو بالضمان وقد سبق تفصيل هذه الفروض والاحكام جميعها، ونحن نذكرها للتنبيه. [ المسألة 26: ] إذا أدى المحال عليه مال الحوالة للدائن، ثم طالب المحيل بما أداه عنه، فادعى المحيل ان المحال عليه كان مشغول الذمة له بمثل الدين الذي أداه، فلا يحق له المطالبة به فانما وفى به دينه، وانكر المحال عليه انه مشغول الذمة وادعى ان الحوالة عليه كانت من الحوالة على البرئ، فالقول قول المحال عليه مع يمينه على أنه برئ الذمة، فإذا أحلف على ذلك طالب المحيل ببدل ما أداه عنه. [ المسألة 27: ] إذا قبل المحال عليه الحوالة اشتغلت ذمته بدين الدائن وبرئت ذمة المحيل عنه كما ذكرنا في المسألة السادسة عشرة، ونتيجة لذلك: ان المحال عليه إذا كان برئ الذمة من الدين جاز له أن يرجع على المحيل بالمال بمجرد قبوله الحوالة عليه ولا يتوقف جواز رجوعه عليه على اداء المال، ولا يقاس الحكم في الحوالة على الضمان والفارق بينهما هو النص. [ المسألة 28: ] إذا قبل المحال عليه الحوالة، ثم صالحه الدائن بأقل من دينه وابرأ

[ 93 ]

ذمته من الباقي، فان كان المحال عليه برئ الذمة من دين للمحيل، جاز له أن يأخذ من المحيل جميع الدين الذي أحاله عليه، وان كان مشغول الذمة للمحيل له يجز له أن يأخذ من المحيل أكثر مما أدى عنه وهو الاقل. [ المسألة 29: ] إذا باع الرجل أرضا أو دارا يملكها وبقي الثمن في ذمة المشتري، فأحال المشتري البائع بالثمن على أحد ورضي المحال عليه بالحوالة، ثم تبين بطلان البيع، كانت الحوالة باطلة من أصلها، فان بطلان البيع يعني أن ذمة المشتري غير مشغولة للبائع بشئ لتصح احالته به على احد. وإذا أحال البائع دائنا له على الثمن المذكور الباقي عند المشتري، ثم تبين بطلان البيع، فان كانت حوالة البائع لدائنه على المشتري مقيدة بثبوت الثمن في ذمته كانت الحوالة باطلة كذلك لانتفاء القيد، فإذا كان المحال قد قبض مال الحوالة، فالمقبوض باق في ملك صاحبه المحال عليه في كلتا الصورتين، فيجوز له الرجوع به إذا كان موجودا وإذا تلف فله الرجوع بعوضه على المحيل أو على المحال. وإذا كانت حوالة البائع لدائنه في الصورة الثانية غير مقيدة بثبوت الثمن في ذمة المشتري بل كان ذلك بنحو الداعي للاحالة عليه كما هو الغالب لم تبطل الحوالة ببطلان البيع وكانت من الحوالة على البرئ. [ المسألة 30: ] إذا باع الرجل أرضه أو داره، وبقي الثمن في ذمة المشتري، واحال المشتري البائع بالثمن على غيره، أو أحال البائع دائنا له على المشتري، كما في الفرض المتقدم، ثم انفسخ البيع بتقابل المتبائعين أو حصل الفسخ بأحد أسباب الخيار. فإذا فسخت معاملة البيع قبل أن يقبض المال المحال به، فالظاهر بطلان الحوالة، فان الثمن بسبب فسخ المعاملة بالتقايل أو بالخيار يرجع إلى ملك المشتري، فلا يصح للبائع أخذه من المحال عليه، وإذا قبض المال المحال به أولا ثم حصل الفسخ بعد ذلك صحت الحوالة ثم رجع الثمن بعد الفسخ من البائع إلى المشتري.

[ 94 ]

[ المسألة 31: ] إذا وضع الانسان بعض أمواله عند وكيله أو استودعها عند أمين، جاز له أن يحيل دائنه على الوكيل أو الامين ليفي دينه من المال الذي بيده، وهو من الحوالة العرفية، وليس من الحوالة المصطلحة، فإذا أحال الدائن بالمبلغ ورضي المحال والمحال عليه، جاز للوكيل أو الامين أن يدفع للدائن من المبلغ الموجود لديه، ولا يجب الدفع عليه الا إذا انحصر رد المال إلى مالكه بذلك، بحيث لو لم يدفع المال إلى الدائن المحال، لم يمكن له أن يرد المال إلى مالكه بعد ذلك. وكذا إذا علم من القرائن ان المالك لا يرضى برفض الحوالة، أو لا يرضى بتأخير دفع المال. [ المسألة 32: ] إذا تنازع المدين والدائن في أن العقد الذي أوقعاه بينهما هل هو حوالة بالدين على الشخص المحال عليه أو هو وكالة للدائن في أن يقبض المال من ذلك الرجل، فهاهنا صور تختلف في الفرض وفي الحكم، فلابد من ملاحظتها. (الصورة الاولى): أن يقع التنازع بينهما في ذلك قبل أن يقبض الدائن المال من الشخص المحال عليه، فمدعي الحوالة منهما يدعي ان ذمة المحيل قد برئت من دين المحال بسبب الحوالة، ويدعي كذلك أن ذمة المحال عليه قد برئت من دين المحيل بقبوله الحوالة، ويدعي أيضا ان المال المحال به لا يزال ملكا لصاحبه الاول ولم ينتقل إلى ملك المحال، ومدعي الوكالة ينكر جميع ذلك فيكون قوله هو الموافق للاصول، ويكون هو المنكر، فإذا لم تكن لصاحبه بينة على قوله فالقول لمدعي الوكالة مع يمينه، سواء كان هو الدائن أم المدين. [ المسألة 33: ] (الصورة الثانية): أن يكون الاختلاف بينهما في ذلك بعد أن يقبض الدائن المال من المحال عليه، وتكون الوكالة المدعاة هي وكالة المحيل للمحال في أن يقبض من المحال عليه ما في ذمته من دين المحيل، ويأخذه لنفسه بعد القبض وفاءا لدينه في ذمة المحيل، ولا ريب ان جميع الاصول المتقدم ذكرها تكون ساقطة في هذه الصورة.

[ 95 ]

فقد علم تفصيلا بأن ذمة الشخص المحال عليه قد برئت من دين المحيل اما بالحوالة من المحيل، واما بدفع الدين إلى وكيله، وعلم أيضا بأن ذمة المحيل قد برئت من دين دائنه، اما بالحوالة واما باستيفاء الدائن دينه بالوكالة بعد أن قبض المال من المدين المحال عليه، وعلم بأن الدائن قد ملك المال المحال به اما بالحوالة واما بقبض الدائن المال لنفسه بالوكالة، وإذا سقطت الاصول كما بينا فلا يكون قول مدعي الوكالة ومنكر الحوالة موافقا للحجة ليحكم بتقديم قوله مع اليمين. على ان الظاهر أن الدعوى في هذه الصورة تكون ساقطة بنفسها لانها ليس لها أثر ملزم لاحد الطرفين، فلا تكون مقبولة. [ المسألة 34: ] (الصورة الثالثة): ان يكون التنازع بينهما في ذلك بعد أن يقبض الدائن المال من المحال عليه وتكون الوكالة المدعاة هي وكالة المدين للدائن في أن يقبض المال من المحال عليه ويبقيه امانة بيده يراجع المدين في أمرها ولا ريب في براءة ذمة المحال عليه من دين المحيل اما بالحوالة واما بدفع دينه إلى وكيله. ولكن دين المحال على المحيل لا يزال مشكوك البقاء، فتجري فيه اصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحال، وتجري كذلك اصالة عدم ملكية المحال للمال الذي قبضه من المحال عليه، فيكون قول من يدعي الوكالة وينكر الحوالة موافقا لهذين الاصلين، فإذا لم تكن لمدعي الحوالة بينة لاثبات قوله، فالقول قول المنكر مع يمينه. [ الفصل الثاني ] [ في الكفالة ] [ المسألة 35: ] الكفالة هي أن يتعهد الانسان لانسان آخر باحضار شخص معين له عليه حق، مال أو غيره، بل تعم اي شخص يستحق احضاره في مجلس الشرع وان لم يثبت عليه الحق بعد، فيكون التعهد باحضاره من الكفالة المصطلحة، فالانسان المتعهد باحضار ذلك الرجل كفيل، والانسان

[ 96 ]

الآخر الذى تعهد له الكفيل باحضار الرجل مكفول له، والشخص الذي تعهد الكفيل باحضاره مكفول. ولا تصح الكفالة في ما إذا كان الحق الذي على الشخص حدا من حدود الله أو تعزيرا شرع الاسلام عند ارتكاب الشخص بعض المحرمات أو تركه لبعض الواجبات، وتصح في ما إذا كانت العقوبة من حقوق الناس كالقصاص. [ المسألة 36: ] الكفالة عقد من العقود يكون الايجاب فيه من المتعهد وهو الكفيل، والقبول من صاحب الحق وهو المكفول له، ويقع الايجاب بأي لفظ يدل على التعهد والالتزام باحضار الشخص المقصود ومن امثلة ذلك ان يقول الموجب للمكفول له: تكفلت لك باحضار فلان، أو تعهدت، أو التزمت بذلك أو يقول: أنا كفيل لك باحضاره، ويكفي في القبول كل لفظ يدل على الرضى بتعهد الكفيل ومنه أن يقول بعد الايجاب: قبلت بكفالتك أو رضيت بتعهدك. [ المسألة 37: ] يشترط في صحة الكفالة أن يكون الكفيل بالغا وعاقلا، ومختارا غير مكره، وقاصدا غير ساه ولا هازل، وأن يكون قادرا على احضار الشخص المكفول، وأن يكون غير محجور عليه لسفه، ويشترط فيه أن يكون غير مفلس إذا كان الحق الذي على المكفول حقا ماليا، كالمدين والضامن، وإذا كان الحق الذي على المكفول من الحقوق غير المالية، ففي اشتراط أن يكون الكفيل غير مفلس، اشكال. ولا يشترط في صاحب الحق: المكفول له أن يكون بالغا أو عاقلا، أو رشيدا، فتصح الكفالة للصبي والمجنون والسفيه، ويكون القبول من الولي عليهم. [ المسألة 38: ] لا يشترط في صحة الكفالة أن يرضى بها الشخص المكفول، وليس طرفا من أطراف العقد على الاقوى، فإذا تم الايجاب والقبول من الكفيل والمكفول له صح العقد ولزم الوفاء به وان لم يرض المكفول

[ 97 ]

بذلك وسيأتي الاختلاف في بعض الآثار بين الكفالة إذا أذن المكفول بها والكفالة إذا لم يأذن بها، وهذا لا يعني اشتراط صحة الكفالة برضاه. [ المسألة 39: ] تصح الكفالة باحضار الشخص إذا كان عليه حق مالي وان لم يعلم الكفيل بمقدار المال وتصح الكفالة كذلك إذا كان على المكفول حق ولم يعلم بأنه حق شفعة مثلا أو حق خيار، وتصح إذا كان عليه حق قصاص، ولم يعلم أنه قصاص في طرف أو قصاص في نفس، وتصح إذا كان عليه حق جناية ولم يعلم انها جناية توجب دية أو جناية توجب قصاصا. [ المسألة 40: ] يصح أن توقع الكفالة حالة، وأن تكون مؤجلة ومعنى ايقاعها حالة أن يتعهد الكفيل باحضار المكفول في الوقت الحاضر والمراد بايقاعها مؤجلة أن يتعهد باحضاره بعد مدة، وإذا اوقعت مؤجلة فلابد من تعيين الاجل فيها وتحديده على وجه لا تكون فيه زيادة ولا نقصان، وإذا أطلق الكفيل العقد ولم يذكر للكفالة وقتا اقتضى اطلاق العقد أن تكون حالة. [ المسألة 41: ] الكفالة من العقود اللازمة على المتعاقدين، فلا يجوز للكفيل ولا للمكفول له فسخ العقد، ويجوز لهما أن يتراضيا فيتقايلا منها، ويصح لاحدهما أن يشترط لنفسه خيار الفسخ فيها إلى مدة معينة، فإذا اشترط ذلك صح له الفسخ في الوقت المحدد، ويجوز أن يشترطا الخيار لكل منهما إلى مدة معينة كذلك ويمكن ان تكون المدة المشترطة لهما متساوية في المقدار ومتفاوتة. [ المسألة 42: ] إذا تم عقد الكفالة وكانت حالة أو حل وقتها بعد أن كانت مؤجلة. جاز لصاحب الحق ان يطلب من الكفيل احضار المكفول في الوقت المحدد، فإذا أحضره لديه وتمكن المكفول له منه تمكنا تاما برئت ذمة الكفيل من الكفالة، سواء استوفى المكفول له من الرجل حقه أم لا. وإذا امتنع الكفيل من احضار المكفول جاز لصاحب الحق أن يرفع الامر إلى الحاكم الشرعي، فإذا رفع الامر إليه حبس الحاكم الكفيل

[ 98 ]

حتى يحضر المكفول، من غير فرق بين أن يكون الحق الذي عليه ماليا أم غيره، وهذا هو الحكم الذي دلت عليه نصوص المسألة. وفي القول المعروف بين الاصحاب قدس الله أرواحهم: أن الكفيل إذا امتنع عن احضار المكفول جاز للمكفول له أن يحبسه عند الحاكم حتى يحضر المكفول أن يؤدي ما على المكفول من الحق. وهو مشكل، فان أدلة المسألة كما أشرنا إليه خالية عن هذا التخيير، واداء ما على المكفول انما يمكن إذا كان الحق ماليا يمكن تسليمه كالدين وبدل الضمان للتلف والعيب، ولا يتم في مثل حق القصاص وفي كفالة الزوجة الناشزة، والمرأة المدعى زوجيتها، وكفالة المدعى عليه في الدعوى، فلابد فيها من احضار المكفول بنفسه. نعم إذا كان الحق الذي على المكفول ماليا، واداه الكفيل باختياره برئت ذمته من الكفالة بسبب ارتفاع موضوعها باداء الحق الذي كفل من أجله، فيجب اطلاقه من الحبس. [ المسألة 43: ] إذا كان الشخص المكفول غائبا في موضع يمكن للكفيل الوصول إليه واحضاره منه، اعطي من النظرة في الوقت ما يمكنه فيها أن يصل إلى الموضع المعين، وأن يفحص عن الرجل إذا كان العثور عليه يحتاج إلى الفحص، حتى يحضره، وإذا أمهل كذلك وانقضت المدة ولم يحضره، رفع المكفول له أمره إلى الحاكم الشرعي فحبسه حتى يأتي بالمكفول. وإذا انقطع خبر المكفول ولم يعلم موضعه وكان الظفر به مرجوا مع الفحص، ألزم الكفيل باحضاره وحبس لذلك، وقد سبق الاشكال في الزام الكفيل بأداء الحق الذي على المكفول، وإذا أدى باختياره ما على المكفول من الحق ليتخلص بذلك من الحبس جاز له ذلك، وكفى. وكذلك الحكم إذا انقطع خبر المكفول، ولم يرج الظفر به، وكان عروض هذه الحال بعد الكفالة فلا تبطل الكفالة بذلك، ويلزم باحضار الرجل ويحبس لذلك، أو يختار بنفسه أداء ما على المكفول من الحق ليتخلص من الحبس، وخصوصا إذا كان ذلك بتفريط الكفيل في أمره حتى غاب الرجل وانقطع خبره.

[ 99 ]

وإذا أريد انشاء الكفالة له ابتداءا في مثل هذه الحال اشكل الحكم بصحتها. [ المسألة 44: ] إذا أدى الكفيل المال الذي على المكفول وكان اداؤه للمال بطلب من المكفول جاز للكفيل الرجوع بالمال عليه، وإذا أداه بغير طلب من المكفول، أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه، ولا يترك الاحتياط بالمصالحة في ذلك. [ المسألة 45: ] إذا اشترط الكفيل أو المكفول له في العقد أن يكون احضار المكفول في بلد معين، لزم العمل بالشرط، فلا يجب على الكفيل تسليمه في غير ذلك البلد، ولا يجب على المكفول له تسلمه من الكفيل إذا احضره في غيره، وإذا أطلق العقد بينهما ولم يعينا موضعا للاحضار، فان دلت القرائن على ارادة موضع خاص تعين ذلك، ومن القرائن أن يوقعا عقد الكفالة في بلد المكفول له أو في موضع استقراره، فينصرف العقد إلى لزوم التسليم في ذلك الموضع، وإذا لم يعينا موضعا ولم تدل القرائن على ارادة شئ فالظاهر بطلان الكفالة. [ المسألة 46: ] يجب على الكفيل احضار المكفول في الوقت المعين، ويلزمه ان يتخذ لذلك أي وسيلة يمكنه التوصل بها إلى اداء الواجب إذا كانت الوسيلة مباحة غير محظورة في الاسلام ومنها أن يستعين ببعض أهل النفوذ والسطوة إذا لم يكن في ذلك ظلم أو اضرار أو مفسدة. [ المسألة 47: ] إذا احتاج احضار المكفول في موضع التسليم إلى مؤنة فهي واجبة على المكفول، وإذا صرفها الكفيل ولم يقصد بها التبرع، وكان صرفها بطلب من المكفول، جاز له أن يرجع بها عليه، وكذلك إذا دلت القرائن على طلبه، ويشكل في غير ذلك. [ المسألة 48: ] إذا أحضر الكفيل الشخص المكفول وسلمه إلى المكفول له تسليما

[ 100 ]

تاما برئت ذمة الكفيل من الكفالة كما تقدم بيانه، وتبرأ ذمة الكفيل كذلك إذا حضر المكفول بنفسه وسلم نفسه لصاحب الحق في موعد الكفالة، ومثله ما إذا أخذه المكفول له حتى تمكن من استيفاء حقه منه أو من احضاره في مجلس الشرع، الا إذا علم من الشرط في عقد الكفالة أو من القرائن الحافة به ان المراد حضوره بتوسط الكفيل لغرض خاص من الاغراض، فلا يسقط الوجوب عن الكفيل حين ذاك الا باحضاره، وتبرأ ذمة الكفيل كذلك إذا أبرأ المكفول له ذمته من الكفالة ورفع يده عنها، وإذا أبرأ ذمة الشخص المكفول من الحق الواجب عليه فارتفع بذلك موجب الكفالة وسقطت بارتفاع موضوعها. [ المسألة 49: ] إذا مات الكفيل بطلت الكفالة بموته، فلا يجوز للمكفول له أن يطالب ورثته باحضار المكفول، وكذلك إذا مات الشخص المكفول فتبطل الكفالة بموته، فلا يحق للمكفول له أن يطلب من الكفيل احضار وارثه من بعده، وإذا مات المكفول له لم تبطل الكفالة بموته، فيجوز لوارثه أن يطالب الكفيل باحضار المكفول الا إذا كان الحق الذي لمورثهم مما لا ينتقل إلى الوارث فتبطل فيه كفالة الكفيل. [ المسألة 50: ] إذا كان للرجل حق على رجل آخر من دين أو عين أو غير ذلك مما يصح تمليكه، فكفله الكفيل لاحضاره ليوفي الدين أو يسلمه العين، لو ليثبت الدعوى فيه، ثم نقل المكفول له حقه المذكور إلى ملك رجل غيره، فباعه منه أو صالحه عليه أو وهبه اياه أو احاله عليه بطلت الكفالة. [ المسألة 51: ] إذا أخذ الدائن مدينه ليطالبه بحقه الثابت له فقهره رجل آخر أو أجبره أو احتال عليه حتى خلصه من يده، كان هذا الشخص بمنزلة الكفيل وكان ضامنا لاحضاره عند الدائن، وليس للدائن ان يطالبه بأداء ما على المكفول من الدين، وإذا هو أدى ما على الرجل باختياره كفى وسقط عنه الضمان، ولا يسقط الضمان في غير الدين وشبهه من

[ 101 ]

الماليات كما في الكفالة، فيجب عليه احضار الرجل المضمون ويجبره الحاكم الشرعي على ذلك. [ المسألة 52: ] إذا خلص القاتل من يد ولي دم المقتول، وجب عليه أن يحضره أو أن يدفع مالية باختياره إذا كان القتل مما فيه الدية، وإذا كان القتل عمدا ألزم باحضاره، فإذا مات القاتل قبل أن يتمكن منه، وجب عليه أن يدفع الدية. [ المسألة 53: ] يكره للانسان أن يكفل غيره، ففي الاحاديث الشريفة ما يحذر عن تعاطي ذلك والتعرض له وفي بعضها ما يدل على ان الكفالة خسارة غرامة ندامة، وانها أهلكت القرون الاولى.

[ 103 ]

[ كتاب الوقف وتوابعه ]

[ 105 ]

[ كتاب الوقف وتوابعه ] وفيه ثمانية فصول [ الفصل الاول ] [ في الوقف وشروطه ] [ المسألة الاولى: ] الوقف صدقة جارية باقية كما وصفته الاحاديث الكثيرة الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن أئمة الهدى المطهرين من آله، صلوات الله عليهم أجمعين، فعن الامام ابي عبد الله (ع): (ليس يتبع الرجل بعد موته من الاجر الا ثلاث خصال، صدقة أجراها في حياته، وهي تجري بعد موته، وسنة هدى سنها فهي يعمل بها بعد موته، وولد صالح يدعو له). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار: (قلت لابي عبد الله (ع): ما يلحق الرجل بعد موته، قال: سنة يسنها يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير ان ينتقص من أجورهم شئ، والصدقة الجارية تجري من بعده، والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ويصلي ويصوم عنهما). ومن ذلك ومن أمثاله مما ورد فيه يعلم عظم أجره وكبير خطره في الاسلام. [ المسألة الثانية: ] الوقف هو أن يحبس الانسان العين المملوكة له ويسبل منفعتها. وتحبيس العين: هو المنع من التصرف فيها على الوجه الذي يتصرف به في الاعيان المملوكة، فلا تباع ولا توهب ولا تورث ولا تنقل بأي ناقل شرعي وتبقى على وجهها الذي وقفت عليه مؤبدة محبوسة، وتسبيل المنفعة هي اباحة المنفعة التي قصدها الواقف من تلك العين، للموقوف عليهم أو في الجهة المعينة التي وقفت العين عليها أو لاجلها على المناهج التي يأتي بيانها في مواضعها ان شاء الله تعالى.

[ 106 ]

[ المسألة الثالثة: ] لابد في تحقق الوقف من الصيغة الدالة على انشاء التحبيس المؤبد المذكور، يوقعها مالك العين أو من يفوض إليه أمرها، ومثال ذلك ان يقول المالك: وقفت هذه الدار المعينة أو هذه البناية المعينة لتكون مسجدا، أو يقول: وقفتها على أولادي، أو على الفقراء، أو وقفت هذه العمارة مدرسة لطلاب العلم أو رباطا يقيم فيه الفقراء، ويكفي أن يقول: تصدقت بها في هذا السبيل المعين صدقة مؤبدة لا تباع ولا تورث ولا توهب، أو جعلتها موقوفة. ولا يشترط في الصحة أن يكون انشاء الصيغة باللغة العربية أو بالفعل الماضي، بل يصح أن يكون الانشاء بالفعل المضارع وبالجملة الاسمية، فيقول: ارضي المعينة موقوفة على الوجه المعين، ويصح انشاؤها بأي لغة من اللغات التي يحسنها الواقف ويعبر فيها تعبيرا دالا على المقصود في عرف أهل تلك اللغة. [ المسألة الرابعة: ] لا تكفي كلمة حبست وحدها في الدلالة على معنى الوقف، ولا كلمة سبلت، حتى يضم الكلمة الثانية منهما إلى الاولى، وتتعلق كلمة حبست بالعين التي يريد المالك وقفها وتتعلق كلمة سبلت بالمنفعة الخاصة التي يقصد اباحتها في الوجه الخاص، فيقول: حبست داري المعينة وسبلت منفعتها لتكون مسجدا، أو يقول: حبست العمارة المعينة على أولادي وسبلت منفعتها لهم لتكون مسكنا لهم، أو لتؤجر ويصرف حاصلها في مصالحهم أو لغير ذلك من الوجوه التي يقصدها ويعينها. [ المسألة الخامسة: ] يشترط في وقف المسجد أن يقصد الواقف في وقفه أن تكون الارض أو يكون البناء مع الارض مسجدا، فيقول: وقفت هذا الموضع المعين مسجدا، أو وقفته ليكون مسجدا، وإذا قال: وقفت المكان على الصلاة أو على العبادة، أو على المصلين صح وقفه مصلى أو معبدا، ولم يصح مسجدا ولم تترتب عليه آثار المسجد ولا فضله ولا أحكامه.

[ 107 ]

[ المسألة السادسة: ] تكفي المعاطاة في انشاء الوقف لبعض الموقوفات، فإذا بنى الانسان أرضه المملوكة أو المحجرة بقصد انشاء المسجدية ثم أذن للناس في الصلاة في الموضع الذي بناه بهذا القصد وصلى فيه بعض الناس صح وقفه مسجدا وترتبت عليه آثار المسجد وأحكامه. وإذا بنى في الارض بناية بقصد وقفها مدرسة لطلاب العلم، أو رباطا يقيم فيه الفقراء أو ينزل فيه بعض ذوي الحاجة من المسافرين وغيرهم، ثم اذن بالسكنى فيه فسكن المدرسة بعض الطلاب واقام في الرباط بعض الفقراء وذوي الحاجة صح الوقف وتم. وإذا حدد قطعة من أرضه المملوكة بقصد انشاء وقفها مقبرة للمسلمين واذن لهم بالدفن فيها ثم دفن فيها بعض الموتى، تم الوقف، وهكذا في وقف الطريق أو الشارع أو القنطرة، ووقف الفرش والحصر والمصابيح وأجهزة الانارة والسقاية والتبريد والتدفئة في المشاهد والمساجد والمدارس والحسينيات فإذا وضع الفراش أو الجهاز في الموضع بقصد انشاء وقفه وقبضه المتولي أو استعمل في احتياجات المشهد أو المسجد أو الموضع المعين صح وقفها. [ المسألة السابعة: ] إذا كانت للرجل دار مملوكة أو موضع تام البناء وأراد وقفه مسجدا أو مدرسة أو رباطا أو حسينية، فلا يترك الاحتياط بانشاء صيغة الوقف، ولا يكتفي بأن يصرف الناس في الصلاة في الموضع بقصد انشاء وقفه مسجدا أو يصرف الطلاب في السكنى فيه بقصد وقفه مدرسة أو رباطا. وكذلك إذا كانت له دار مملوكة أو بستان مملوك وأراد أن يجعلها وقفا على ذريته أو لبعض ذوي الحاجات أو على بعض القربات، فلا يترك الاحتياط في انشاء الصيغة ولا يكتفي بالمعاطاة بقصد انشاء الوقف المعين. [ المسألة الثامنة: ] يصح التوكيل في اجراء الوقف سواء كان ذلك بانشاء الصيغة أم

[ 108 ]

كان انشاؤه بالفعل والمعاطاة على النهج الذي سبق بيانه، ويشكل جريان الفضولية فيه، فلابد من الاحتياط بتركه فإذا وقف الرجل مال غيره فضولا وأراد المالك انفاذ الوقف، فلابد له من تجديد صيغة الوقف من المالك أو وكيله، ولا يكتفي باجازة الصيغة التي أوقعها الفضولي على المال. [ المسألة التاسعة: ] إذا انشأ المالك أو الوكيل عنه الايجاب في الوقف على الوجه الصحيح أو أنشأه بالمعاطاة على الوجه المطلوب، صح الوقف ونفذ ولا يحتاج بعده الى القبول على الاقوى سواء كان الوقف بنفسه من الجهات العامة كالمساجد والربط والمقابر والشوارع والقناطر، أم كان وقفا على عناوين عامة كالوقف على الفقراء وعلى ذرية الرسول صلى الله عليه وآله أو على الفقهاء أم كان وقفا خاصا كالوقف على الذرية أو على زيد وذريته، فلا يعتبر القبول في جميع أقسام الوقف، والاحوط استحبابا اعتبار ذلك وخصوصا في الوقف الخاص. [ المسألة العاشرة: ] لا يشترط في صحة الوقف أن يقصد الواقف فيه التقرب إلى الله، من غير فرق بين الاوقاف العامة والخاصة. [ المسألة 11: ] يشترط في صحة الوقف أن يقبض الموقوف عليه العين الموقوفة، فلا يصح الوقف إذا لم يحصل القبض، وإذا مات الواقف قبل القبض بطل الوقف وعادت العين ميراثا لورثة الواقف، وإذا وقف الدار على زيد وذريته ومات زيد قبل أن يقبض الدار بطل الوقف في حصة زيد وعادت الحصة ملكا للواقف، وإذا لم يحصل القبض من زيد ولا من ذريته بطل في الجميع وعاد ملكا للواقف. ولا يعتبر في القبض ان يقع فورا، فإذا وقف العين وحصل القبض بعد مدة صح الوقف ونفذ، ونتيجة لذلك فإذا وقف العين على زيد وذريته ولم يقبض زيد حتى مات، ثم قبض ذريته العين بعد مدة بطل

[ 109 ]

الوقف في حصة زيد، وصح في حصة ذريته إذا كانوا موجودين حين انشاء الوقف. [ المسألة 12: ] القبض هو استيلاء القابض على العين الموقوفة ووضع يده عليها، سواء كان المقبوض من المنقولات أم من غيرها، ويراجع في تفصيل ذلك ما ذكرناه في المسألة المائتين والخامسة والثمانين من كتاب التجارة. [ المسألة 13: ] يعتبر على الاحوط لزوما - أن يكون القبض باذن الواقف، فلا يتحقق الشرط المعتبر في الوقف إذا قبض العين الموقوفة بغير اذنه، فالاحوط تجديد القبض بعد الاذن، وإذا كانت العين وديعة أو عارية بيد الشخص ثم وقفها المالك عليه وهي بيده، فان دلت القرائن على رضى الواقف بالقبض الموجود واعتباره قبضا للوقف، صح ولم يحتج إلى قبض جديد، وان لم تدل القرائن على شئ فالاحوط تجديد الاذن ومضي زمان بعد ذلك وهي في يد الموقوف عليه ليتحقق شرط الوقف. [ المسألة 14: ] إذا وقف الاب بعض أملاكه على أولاده غير البالغين، كان قبض الاب قبضا لهم بالولاية عليهم، ويتعين عليه أن يقصد بقبضه بعد الوقف القبض عنهم على الاظهر، ولا يكتفي بمجرد استمرار قبضه من غير أن يقصد ذلك، وكذلك الحكم في الجد أبي الاب إذا وقف بعض الاشياء على أولاد ولده، وكانوا صغارا، وفي كل ولي إذا وقف بعض ما يمكله على من ولي أمره، فلابد من قصد القبض عن المولى عليه بحسب الولاية. [ المسألة 15: ] إذا كان الوقف على اشخاص معينين، اشترط في صحة الوقف قبض الموقوف عليهم ومثال ذلك أن يقف دارا أو بستانا على أولاده أو على ذريته أو يوقفهما على زيد وذريته، فلابد من قبض الموقوف عليهم إذا كانوا بالغين، وإذا كانوا قاصرين أو كان بعضهم قاصرا قبض عن القاصر منهم وليه الشرعي.

[ 110 ]

ويكفي قبض الطبقة الاولى من الموقوف عليهم عن بقية الطبقات اللاحقة، فلا يشترط في صحة الوقف قبض الطبقات المتأخرة إذا حصل القبض من الطبقة الاولى، وإذا كان بعض الطبقة الاولى موجودا كفى قبضه عن البعض الآخر الذي يوجد بعد ذلك منها ولا تتوقف صحة الوقف على قبضه حين يوجد، ومثال ذلك أن يقف الدار على أولاده ثم على أولاد أولاده، فإذا كان الموجودون من الاولاد أربعة وقبضوا العين الموقوفة صح الوقف بقبضهم ونفذ، فإذا ولد له ولد خامس أو أكثر شملهم الوقف ولم يحتج إلى قبضهم كما لا يحتاج إلى قبض أولاد الاولاد ومن بعدهم كما ذكرنا، فقد كفى عنهم قبض الموجودين من الطبقة الاولى. وإذا وقف الشئ على ولده الكبار وقبض بعضهم ولم يقبض الباقي، صح الوقف في حصة من قبض ولم يصح في حصص من لم يقبض كما تقدم، وإذا قبض الباقون بعد ذلك صح الوقف في حصصهم ايضا إذا كان قبضهم قبل موت الواقف، وكذلك الحكم إذا قبض الجميع، وكان قبض بعضهم باذن الواقف وقبض الآخرين بغير اذنه فلا يصح الوقف في حصص من قبض بغير اذن، الا إذا قبضوا بعد ذلك مع الاذن من الواقف وكان قبضهم في حياته. [ المسألة 16: ] إذا كان الوقف على عنوان من العناوين العامة كما إذا وقف الرجل بستانه أو عمارته على العلماء أو على طلاب العلم أو على ذرية الرسول صلى الله عليه وآله أو على الفقراء، فان كان الواقف قد جعل على الوقف متوليا خاصا، اشترط في صحة الوقف قبض المتولي لتلك العين الموقوفة، وان لم يعين أحدا، قبضها الحاكم الشرعي. وكذلك الحكم إذا كان الوقف على الجهات والمصالح العامة، كوقف المساجد، والمدارس والقناطر والمقابر والشوارع وما يشبه ذلك، فيقبضه المتولي المنصوب من الواقف وإذا لم يجعل الواقف له قيما قبضه الحاكم الشرعي. [ المسألة 17: ] إذا كان الوقف على عنوان من العناوين العامة فالظاهر أنه يكفي

[ 111 ]

في صحة الوقف قبض بعض مستحقي الوقف ممن ينطبق عليه العنوان الموقوف عليه، فإذا كان وقف الدار على العلماء وقبضها بعض العلماء ليسكنها، أو كان وقف البستان على ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وقبضه بعض الذرية ليستوفي منه ما يستحق صح القبض وتحقق شرط الوقف، وهكذا في وقف العين على الفقراء والطلاب، ولابد من أن يقبض المستحق العين الموقوفة ليستوفي منها الحق، ولا يكفي أن يقبض المستحق بعض حاصل العين الموقوفة وفوائدها ليصرفه في حاجاته من غير أن يقبض العين نفسها. [ المسألة 18: ] يكفي في قبض المسجد بعد وقفه أن يصلي فيه أحد المؤمنين باذن الواقف بقصد انها صلاة في المسجد، ويكفي في قبض المقبرة بعد وقفها أن يدفن فيها ميت واحد باذن الواقف بقصد انه دفن في مقبرة، ويكفي في قبض الحسينية بعد وقفها أن يقام العزاء فيها للائمة (ع) باذن الواقف، بقصد انه اقامة عزائهم (ع) في حسينية، وهكذا. [ المسألة 19: ] إذا كان الوقف على بعض الجهات العامة أو على بعض العناوين العامة وجعل الواقف نفسه متوليا على الوقف كفى في صحة الوقف أن يقبض الوقف بنفسه من حيث انه ولي على الوقف المعين، ولا يكفي مجرد القبض إذا لم يقصد به الحيثية المذكورة. [ المسألة 20: ] ينفرد وقف المسجد عما سواه من أقسام الوقف الآتي بيانها، بأن وقف المسجد لا يكون له موقوف عليه، ولا تلاحظ فيه منفعة خاصة تصرف أو تملك لموقوف عليه عام أو خاص، وانما يلاحظ في تحبيس أصله وتسبيل منافعه مجرد أن يكون الموضع مسجدا وأن يبقى كذلك ما دامت الارض وما دامت العين، وقد أشرنا الى هذا في ما تقدم، وذكرنا أن الواقف إذا لاحظ منفعة معينة، فوقف المكان أو البناية على أن تقام فيها الصلاة أو على العبادة أو على الذكر، والدعاء، لم يكن

[ 112 ]

مسجدا ولم تترتب عليه أحكامه بل يكون مصلى أو معبدا أو موضعا للذكر والدعاء حسب ما قصده الواقف. [ المسألة 21: ] قد يلاحظ الواقف أشخاصا أو عنوانا عاما ينطبق على أفراد كثيرين، فيجعل العين موقوفة عليهم، ومثال الاول أن يقف الارض أو الدار المعينة موقوفة على أولاده ثم على أولادهم، وأولاد أولادهم طبقة بعد طبقة، ومثال الثاني ان يقف الارض أو الدار موقوفة على العلماء أو على الطلاب أو على المحتاجين من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله، ويعين في وقفه أن تكون منافع الارض أو الدار الموقوفة ملكا تاما للموقوف عليهم، الخاصين أو العامين على النحو الذي يحدده في وقفه، فتكون الثمار والفوائد ملكا طلقا للموقوف عليهم كما جعل فيجوز لهم التصرف فيها كما يتصرفون في أملاكهم الاخرى بالبيع والشراء والهبة، وسائر المعاوضات والتصرفات، وتترتب عليها أحكام الاملاك والفوائد من وجوب الزكاة والخمس إذا توفرت شروطهما ومن ضمان إذا أتلفها متلف أو غصبها غاصب أو أحدث فيها محدث عيبا أو نقصا. وإذا مات الموقوف عليه بعد أن ملك حصته من المنفعة ملكها وارثه من بعده، وهذا هو القسم الثاني من اقسام الوقف. [ المسألة 22: ] وقد يحدد الواقف في وقفه أن تصرف منافع العين الموقوفة على الموقوف عليهم في الوفاء بحاجاتهم ومطاليب حياتهم ومعيشتهم وتدبير أمورهم من غير أن يملكوا من المنافع شيئا، ولازم ذلك أن لا تترتب آثار الملك على المنافع التي تصل إليهم من هذا الوقف، فلا تصح لاحدهم المعاوضة على حصته من المنافع ببيع أو هبة أو غيرها ولا تجب عليه الزكاة إذا بلغت حصته منها نصابا زكويا، ولا يرث الوارث ما يتركه الموقوف عليه من الحصة إذا مات قبل أن يصرفه في حياته، وإذا أتلفها أحد في حياته أو غصبها كان المتلف والغاصب ضامنا لها، وهذا هو القسم الثالث من أقسام الوقف.

[ 113 ]

[ المسألة 23: ] إذا عين الواقف في وقفه أن تصرف منافع العين الموقوفة في شؤون الموقوف عليهم ومعيشتهم من غير تمليك كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فقد يشترط في وقفه أن تصرف المنفعة بعينها على الوقوف عليهم لا بأثمانها وأعواضها، ومثال ذلك أن يقف على أولاده نخيلا أو شجرا ليأكلوا تمر النخيل وثمر الشجر، ويتعين على متولي الوقف في هذا الفرض أن يصرف الثمرة بعينها على الموقوف عليهم، فيعطي كل فرد منهم حصته من تمر النخيل أو من ثمر الشجر نفسه، ولا يصح له أن يبيع الثمرة ويقسم بينهم اعواضها وقد يجيز الواقف في وقفه للولي أن يبدل المنفعة الموقوفة بشئ آخر ويقسمه عليهم لينتفعوا به، فيصح للولي ذلك، وإذا أبدلها الولي، أو قسم المنفعة نفسها بينهم وأعطى كل واحد منهم حصته ليصرفها على نفسه لم يجز له المعاوضة على حصته المدفوعة إليه كما تقدم، وقد عرفت ان المنفعة إذا جعلت كذلك فهي مضمونة إذا غصبت أو أتلفت. [ المسألة 24: ] قد ينظر الواقف في وقفه أن يستوفي الموقوف عليهم منفعة العين الموقوفة بأنفسهم فيقف كتب العلم مثلا ليقرأ فيها طلاب العلم وينتفعوا بقراءتها بأنفسهم، ويقف المدرسة ليسكنها الطلاب وأهل العلم وينتفعوا بالسكنى فيها بأنفسهم، وكذلك في وقفه خانات المسافرين، والرباطات للفقراء والقناطر والشوارع للعابرين ومن الواضح أن منافع هذه الموقوفات لا يملكها الموقوف عليهم فلا يحل لهم المعاوضة عليها ولا يرثها الوارث من بعدهم كما لا تحل المعاوضة عليها من ولي الوقف، ويشكل الحكم بضمانها إذا غصبت أو اتلفت، وهذا هو القسم الرابع من اقسام الوقف. [ المسألة 25: ] يشترط في صحة الوقف الدوام، والمراد بالدوام ان لا يوقت الواقف وقفه بمدة، فإذا قال: وقفت هذه الدار على الفقراء أو على أولادي مدة عشر سنين أو مدة عشرين سنة، وقصد بذلك انشاء الوقف كان باطلا.

[ 114 ]

والفروض المحتملة في هذه الصيغة ثلاثة: الاول: أن يقصد الموجب بهذه الصيغة انشاء وقف الدار في المدة المحدودة، ولا ريب في بطلانه، فلا يصح وقفا للدار، لعدم الدوام فيه، ولا يصح تحبيسا لها في المدة المعينة لان الموجب لم يقصد الحبس وانما قصد الوقف. الفرض الثاني: أن يقصد بهذه الصيغة انشاء تحبيس الدار على الفقراء أو على أولاده في المدة المذكورة، والظاهر صحته حبسا كما قصد فان الصيغة التي اتى بها كافية في انشاء ذلك مع وجود القصد إليه، ولا يكون وقفا لعدم قصده، ولعدم الدوام فيه. الفرض الثالث: ان لا يعلم أن الموجب قصد بالصيغة انشاء الوقف أو قصد التحبيس والظاهر صحته حبسا كما هو ظاهر الصيغة ولا يبعد أن ذلك هو مقتضى صحيحة محمد بن الحسن الصفار. [ المسألة 26: ] إذا وقف الواقف العين على من ينقرض بحسب العادة، ومثال ذلك: أن يقف الدار أو الارض على زيد والطبقة الاولى من أولاده، فالظاهر صحة الوقف، فإذا انقرض زيد وأولاده رجع الوقف إلى ملك الواقف إذا كان موجودا، ورجع إلى ورثته إذا كان ميتا. وكذلك الحكم إذا وقف العين على زيد وأولاده، فإذا هم انقرضوا فهي وقف على الكنائس أو هي وقف على طبع كتب الضلال، فان الوقف على الكنائس أو على طبع كتب الضلال باطل بحكم الاسلام، فيكون الفرض المذكور من الوقف المنقطع الآخر، فإذا انقرض زيد وأولاده عاد الوقف ملكا للواقف ولورثته من بعده. [ المسألة 27: ] ومثله في الحكم ما إذا وقف الانسان العين على من لا ينقرض في الغالب ثم اتفق انهم انقرضوا ومثال ذلك أن يقف الارض على زيد وعلى ذريته من بعده طبقة بعد طبقة، واتفق أن جميعهم انقرضوا فان العين الموقوفة بعد انقراضهم ترجع ملكا لواقفها، وإذا كان ميتا رجعت لورثته.

[ 115 ]

وإذا علم ان الواقف قد وقف الارض صدقة مؤبدة على الفقراء مثلا أو في وجوه الخير، وانه انما جعله لزيد وذريته من بعده لانهم من وجوه الخير، لم يبطل الوقف بانقراض زيد وذريته، بل يبقى وقفا على الجهة التي قصدها الواقف. [ المسألة 28: ] إذا انقرض الموقوف عليهم في الفروض الآنف ذكرها وكان الواقف ميتا رجع الوقف إلى ورثة الواقف حين موته على الاقوى، لا إلى ورثته حين انقراض الموقوف عليهم، فإذا كان للواقف عند موته ثلاثة أولاد، قسمت العين عليهم على حسب سهامهم في المواريث، للذكر مثل حظ الانثيين، وإذا مات بعضهم انتقل نصيبه إلى ورثته كذلك، فيشاركون اعمامهم في الميراث من عين الوقف، وينتقل نصيب الولد الذكر منهم إلى وارثه وان كان بنتا، وينتقل نصيب الانثى منهم إلى وارثها وان كان عدة أولاد. [ المسألة 29: ] قد يكون الوقف الذي يقفه الرجل منقطع الاول، ومن أمثلة ذلك: أن يقف الرجل العين اولا على جهة لا يصح الوقف عليها في الاسلام، كالعبادات المبتدعة، وهياكل الاديان الباطلة، ونشر كتب الضلال، ثم من بعدها على جهات صحيحة كالفقراء والمحتاجين، ولا ريب في بطلانه في الاول ولا يترك الاحتياط بأن يجدد صيغة الوقف بعد انقراض الاول أو انشاء الوقف بالمعاطاة، وقد يكون الوقف منقطع الوسط ومن أمثلته أن يقف الرجل العين على زيد، ثم من بعده على جهة غير صحيحة ثم على الفقراء، فيصح الوقف في الاول، ويبطل في الوسط، ويكون بالنسبة إلى الاخير كالمنقطع الاول فلا يترك الاحتياط بتجديد صيغة الوقف بعد انقراض الوسط. [ المسألة 30: ] إذا وقف الانسان داره أو أرضه على بعض الاشخاص أو على بعض الجهات، واشترط في وقفه أن تعود العين ملكا له إذا هو احتاج إليها، صح الوقف والشرط، فتكون العين وقفا على الجهة المعينة مادام الواقف

[ 116 ]

غنيا عن العين الموقوفة غير محتاج إليها، فإذا احتاج إليها انقطع وقفها ورجعت ملكا له وتكون من الوقف المنقطع الآخر، فتدخل في ملكه، وإذا مات بعد ذلك كانت ميراثا لوارثه، وإذا لم يحتج فالعين باقية على وقفها ولا تعود إلى الواقف ولا إلى وارثه من بعده. [ المسألة 31: ] يشترط في صحة الوقف أن يقفه الواقف منجزا، فلا يصح إذا علقه في الصيغة على حصول شئ في المستقبل، سواء كان الشئ الذي علق الوقف عليه مما يعلم بحصوله في الآتي، ومثال ذلك: ان يقول: وقفت داري على الفقراء إذا هل هلال شهر رمضان، أم كان الشئ الذي علقه عليه مما يحتمل حصوله ويحتمل عدم حصوله في المستقبل، ومثال ذلك: أن يقول: وقفت الدار على الفقراء إذا ولدت لي زوجتي ولدا ذكرا، فلا يصح الوقف في الصورتين، للتعليق ولانه وقف منقطع الاول. وكذلك إذا علق الوقف على أمر حالي يجهل الواقف تحققه وعدم تحققه بالفعل، وكان الامر المذكور مما لا تتوقف عليه صحة الوقف، ومثال ذلك أن يقول: وقفت داري على الفقراء إذا كان هذا اليوم هو يوم الجمعة أو إذا كان اليوم أول الشهر، وكان الواقف لا يعلم بذلك، فيكون الوقف باطلا على الاحوط لزوما، بل لعله الاقوى أيضا. وإذا علق الوقف على حصول أمر حالي وهو يعلم بحصوله، فالظاهر صحة الوقف، ومثال ذلك ان يقول: وقفت داري إذا كان هذا اليوم يوم الجمعة وهو يعلم بتحقق ذلك، ومثله ما إذا علقه على حصول أمر في الحال، يجهل حصوله وعدم حصوله وكان الشئ مما تتوقف صحة الوقف عليه، ومثال ذلك أن يقول: وقفت داري على الفقراء إذا كانت الدار ملكا لي وهو يجهل ذلك، فالظاهر صحة الوقف إذا علم بعد ذلك أو ثبت بالبينة أو غيرها ان الدار ملك له. [ المسألة 32: ] إذا قال الرجل: داري المعينة وقف بعد وفاتي على الفقراء، فالظاهر من هذه العبارة انها صيغة لانشاء وقف معلق على الموت، فيكون وقفا باطلا، الا إذا دلت القرائن وفهم منها أن القائل أراد الوصية بأن توقف

[ 117 ]

الدار بعد موته، فيجب على الورثة العمل بوصيته، مع مراعاة شروط الوصية واحكا مها فإذا كانت الدار بمقدار الثلث أو أقل منه، وجب على الورثة انفاذ الوصية، وإذا كانت اكثر من الثلث، وجب عليهم أن يقفوا مقدار ثلث التركة من الدار ولم يجب عليهم وقف الزائد الا إذا أجازوا ذلك. [ المسألة 33: ] يشترط في صحة الوقف أن يخرج الواقف نفسه عن الوقف، فلا يصح ان يقف الشئ على نفسه، وإذا وقف الشئ على نفسه وعلى غيره، وعلم من الصيغة انه يريد الوقف على وجه التشريك بطل الوقف في حصته، وصح في حصة شريكه، ويعلم مقدار الحصة بالقرائن الدالة عليه، فإذا قال: وقفت الدار على نفسي وعلى زيد، فالظاهر من هذا القول انه يريد التنصيف، فيصح الوقف في نصف زيد ويبطل في نصف الواقف، وإذا قال: داري وقف علي وعلى زيد وعمرو معي، فالظاهر منه انه يريد المثالثة فيبطل في ثلثه، ويصح في الباقي. وإذا قال: وقفت الدار على نفسي ثم على زيد بعدي أو قال: ثم على ذريتي من بعدي، فالظاهر من هذا القول انه أراد الترتيب، فيبطل الوقف في حصته، ويكون الوقف منقطع الاول وقد تقدم ذكر حكمه في المسألة التاسعة والعشرين، وإذا قال: وقفت الدار على أخي الكبير، ثم من بعده على نفسي، صح الوقف في حصة أخيه وبطل في حصة نفسه، وكان الوقف منقطع الاخير، وقد تقدم بيان حكمه في المسألة السادسة والعشرين، وإذا قال: هي وقف على أخي فلان ثم من بعده على نفسي، ثم من بعدي على ذريتي، كان الوقف منقطع الوسط وقد سبق حكمه في المسألة التاسعة والعشرين. [ المسألة 34: ] إذا وقف الانسان داره على أولاده أو على اخوانه وذريتهم، واشترط في صيغة الوقف على الموقوف عليهم أن يوفوا عنه ديونه، أو يؤدوا عنه ما وجب عليه من زكاة وخمس وحقوق شرعية اخرى، فان كان المقصود من الوقف والشرط: ان الموقوف عليهم قد ملكوا منافع الوقف كلها.

[ 118 ]

وان الواقف يشترط عليهم أن يؤدوا عنه ديونه أو يوفوا عنه ما عليه من واجبات مالية من تلك المنافع التي ملكوها بالوقف، أو يشترط عليهم أن يؤدوا ذلك عنه من أموالهم الخاصة، فالظاهر صحة الوقف وصحة الشرط، فيجب عليهم الوفاء بالشرط، ولا يكون ذلك من الوقف على نفسه. وان كان المقصود من الوقف والشرط أن يكون بعض منافع الوقف للواقف نفسه لوفاء ديونه والواجبات التي عليه كان الوقف باطلا لانه يكون من الوقف على نفسه. وكذلك التفصيل والحكم إذا شرط على الموقوف عليهم ان يقوموا بمؤنته مدة معينة أو مدة حياته كلها، أو يقوموا بمؤونة عياله وأضيافه أو بنفقة زوجته ونحو ذلك من سائر شؤونه، فيصح الوقف والشرط إذا كان من الصورة الاولى ويبطل إذا كان من الصورة الثانية. [ المسألة 35: ] اجاز بعض الفقهاء قدس سرهم للرجل أن يقف شيئا مما يملكه لتنفق منافعه بعد الموت في وفاء ديونه وأداء الواجبات المالية التي عليه من زكاة وخمس وكفارات ونحو ذلك، وهذا الحكم مشكل، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه، وكذلك الاشكال في أن يقف عينا على قضاء ما عليه من العبادات بعد وفاته فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه. [ المسألة 36: ] إذا أراد الانسان أن يستوفي بعض المنافع من العين التي يريد وقفها، وأراد أن يتخلص من اشكال الوقف على نفسه، فقد ذكر بعض الاكابر من الفقهاء قدس سرهم وجوها لذلك. أحدها: أن يؤجر الانسان الدار أو العين على غيره مدة معينة بمبلغ معين، ويشترط لنفسه خيار فسخ الاجارة، ثم ينشئ وقف العين على الجهة التي يقصدها، فيثبت بذلك وقفها مسلوبة المنفعة في مدة الاجارة، فإذا تم وقف العين وقبضها، فسخ الواقف عقد الاجارة بالخيار أو بالتقايل بينه وبين المستأجر، فتعود منفعة العين في مدة الاجارة بعد فسخها إلى ملك الواقف، فيجوز له أن يستوفي المنفعة في تلك المدة حتى تنقضي

[ 119 ]

لان المنفعة ملكه وان كانت العين موقوفة، فإذا انقضت المدة كانت المنفعة التي تتجدد بعدها إلى الموقوف عليهم. هكذا أفاد، وهو ممنوع، فان منفعة العين بعد فسخ الاجارة تتبع العين، فتكون للموقوف عليه لا للواقف، وقد ذكرنا هذا في كتاب الاجارة في المسألة الثامنة والاربعين، وذكرنا: ان المالك إذا آجر العين مدة معلومة ثم باعها انتقلت العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة في مدة الاجارة، فإذا فسخت الاجارة بخيار أو باقالة تبعت المنفعة العين، فتكون للمشتري ولا حق فيها للبائع، وهذا بنفسه هو الحكم في المقام، فلا يكون في المنفعة حق للواقف. [ المسألة 37: ] الوجه الثاني: أن يقف الواقف العين على الجهة التي أراد الوقف عليها، ويشترط في صيغة الوقف أن تبقى منافع العين على ملكه مدة معينة، أو مدة حياته، فتكون المنافع ملكا له عملا بشرطه، فله أن يتصرف فيها كما يريد، وهو مشكل، فمن المحتمل أن يرجع اشتراط ذلك في صيغة الوقف إلى الوقف على نفسه، وقد تقدم منعه. نعم، يصح ذلك على الظاهر إذا كان بنحو الاستثناء، لا بنحو الشرط، فيقف الواقف العين على الجهة المقصودة له، ويستثني من منافعها، منفعتها في المدة المعينة بحيث تكون غير داخلة في الوقف ولا مشمولة للصيغة وتبقى على ملك الواقف قبل ايقاع الوقف على العين وخاصة به ولذلك فيصح له التصرف فيها. [ المسألة 38: ] الوجه الثالث: أن يملك الانسان داره أو عينه التي يرغب في وقفها لشخص غيره بهبة أو صلح أو غيرهما. ويقفها الشخص الاخر الذي ملكها على الوجه الذي يريد المالك الاول، فيشترط هذا الواقف الاجنبي في صيغة الوقف ان توفى من منافع العين ديون المالك الاول، أو تؤدى منها ما عليه من واجبات مالية أو يعطى منها ما يقوم بمؤونته مدة حياته أو غير ذلك من الانتفاع، وهو وجه صحيح لا اشكال فيه إذا كان التمليك لذلك الشخص صحيحا لا صوريا، وكان وقفه للعين بعد ما ملكها حقيقيا

[ 120 ]

كذلك فيشترط فيه ما يريد ولا يكون من شرطه لنفسه. [ المسألة 39: ] يجوز للرجل ان ينتفع بما وقفه من الاعيان على الجهات والمصالح العامة، فيصلي في المسجد الذي وقفه، ويتوضأ ويغتسل ويستقي من المطهرات والآبار والعيون التي وقفها، ويمر ويعبر في الشوارع والقناطر التي وقفها، ويسكن في المدرسة التي وقفها إذا كان من الطلاب الذين وقفت المدرسة ليسكنوها ويطلبوا العلم فيها، وينزل الخان الذي وقفه لاستراحة المسافرين والغرباء والحجاج والزوار فيه إذا كان منهم، ويقرأ في كتب العلم وفي كتب الادعية والزيارات التي وقفها للقراءة والافادة منها، ولا يمنع من ذلك أن يكون هو الواقف لهذه الاشياء على جهاتها المعينة. [ المسألة 40: ] إذا وقف الرجل أرضا أو بستانا أو بناية على العلماء أو على الطلاب أو على ذرية الرسول صلى الله عليه وآله أو على الفقراء أو شبه ذلك من العناوين العامة، وكان الواقف ممن يندرج في العنوان الموقوف عليه، وكان المقصود من الوقف ان توزع منفعة العين الموقوفة على الافراد، فتكون لكل فرد منهم حصة من المنفعة، لم يجز للواقف أن يأخذ حصة منها، ولم يجز له أن يقصد في أصل الوقف دخول نفسه في الموقوف عليهم. وكذلك الحكم - على الاحوط - إذا كان المقصود من الوقف أن تكون الافراد الموقوف عليهم مصارف للمنفعة وان لم توزع عليهم، فلا يأخذ منها شيئا، بل الاحوط ان يقصد خروج نفسه، وإذا هو قصد خروج نفسه لم يجز له الاخذ من المنفعة قطعا. [ المسألة 41: ] إذا وقف الرجل العين وكملت شروط الوقف، نفذ وكان لازما، فلا يصح للواقف ان يفسخه أو يرجع فيه، وان رضي الموقوف عليهم واتفقوا على ذلك، وإذا أوقع الواقف الوقف، وهو في مرض الموت نفذ من أصل التركة ولم يتوقف على اجازة الورثة فليس لهم رده ولا الخيار فيه وان زاد على ثلث التركة وسيأتي بيان هذا في منجزات المريض.

[ 121 ]

[ الفصل الثاني ] [ في الواقف وولي الوقف ] [ المسألة 42: ] يشترط في الواقف أن تجتمع فيه جميع الشروط التي اعتبرها الشارع في صحة التصرف المالى، وقد تكرر ذكرها في أكثر المعاملات المتقدمة، فلابد فيه من البلوغ، فلا يصح الوقف من الصبي غير البالغ على تأمل في من بلغ عشر سنين وهو عاقل مميز، ولكن الاحوط اشتراط البلوغ فيه ايضا وان كان وقفه باذن الولي، فلا يترك الاحتياط فيه. ولابد فيه من العقل، ولابد فيه من الاختيار فلا يصح وقفه إذا كان مكرها، ولابد من أن يكون قاصدا فلا يكون هازلا في قوله أو ساهيا أو ناسيا، ولابد فيه من ان يكون غير محجور عليه لسفه أو فلس أورق [ المسألة 43: ] سيأتي في كتاب الوصية (ان شاء الله تعالى): أن الاقوى صحة الوصية من الصبي إذا بلغ عشر سنين وهو عاقل مميز وكانت وصيته في وجوه الخير والمعروف، سواء كانت لارحامه أو لغيرهم، فإذا أوصى وهو ابن عشر سنين كذلك بوقف بعض ما يملكه على الجهات المذكورة وجب على الوصي انفاذ وصيته، فيجب عليه وقف العين التي اوصى بوقفها على الجهة التي عينها، ويكون الوقف نافذا. [ المسألة 44: ] لا يشترط في صحة الوقف أن يكون الواقف مسلما، فيصح وقفه إذا كان كافرا على الاقوى. [ المسألة 45: ] يصح للواقف أن يجعل الولاية على الوقف لنفسه خاصة مادام حيا أو في مدة معينة، ويجوز له أن يجعلها لشخص آخر مادام ذلك الشخص حيا أو في مدة معينة، ويجوز له أن يجعل الولاية لنفسه ولغيره على سبيل الاشتراك بينهما على النحو الذي يأتي بيانه، ويجوز له أن يجعل الولاية

[ 122 ]

لشخصين غيره أو اكثر على نحو الانضمام أو الاستقلال، فيجوز له جميع ذلك وإذا جعل شيئا منه نفذ ووجب العمل به. ويجوز له أن يجعل الامر في تعيين الولي بيد زيد مثلا، فأي شخص يعينه زيد يكون هو المتولي وان لم يكن زيد نفسه وليا للوقف، ويجوز له أن يجعل الولاية لزيد ويجعل له كذلك أمر تعيين الولي من بعده، ثم يعين هذا الولي المجعول من زيد بعده من يشاء وهكذا ويجوز للواقف أن يجعل على ولي الوقف ناظرا يشرف على تصرفاته وأعماله في العين الموقوفة، أو يجعل ناظرا يرجع إليه الولي في النظر قبل التصرف والعمل، فإذا عين الواقف شيئا من الامور المتقدمة لزم العمل حسب ما عين وحدد. [ المسألة 46: ] انما ينفذ قول الواقف وتعيينه واشتراطه في الوقف وفي الولاية على الوقف والنظارة على الولي إذا كان القول أو التعيين أو الاشتراط في نفس ايقاع الوقف وفي ضمن صيغته ومتعلقاتها فإذا تم الايقاع فليس للواقف أن يلحق به أمرا أو يحدد شيئا أو يعين له وليا أو ناظرا بعد ذلك وليس له أن يعزل وليا أو ناظرا، ويكون شأنه شأن الاجنبي في ذلك، الا إذا شرط لنفسه في ضمن ايقاع الوقف أن يكون له الحق في تعيين ولي أو ناظر أو في عزله، فإذا اشترط ذلك صح شرطه ونفذ، ويجري ذلك حتى في ولايته نفسه على الوقف أو نظارته إذا جعلهما في الوقف، فليس له أن يعتزل الا إذا شرط لنفسه ذلك في ايقاع الوقف، فيجوز له أن يعتزل، وكذلك إذا شرط ذلك لغيره، فعزله الشخص المشروط له. [ المسألة 47: ] يجوز للواقف أن يجعل لنفسه الولاية على الوقف أو النظارة عليه وتثبت بذلك ولايته ونظارته وان لم يكن عدلا، ولا يشترط في غير الواقف إذا أراد أن يجعله وليا أو ناظرا على الوقف ان يكون عدلا، ويعتبر فيه على الاحوط الامانة والكفاءة لما يعينه له، فلا يصح له أن يعين لذلك خائنا لا يوثق به أو من لا كفاءة له، وخصوصا إذا كان

[ 123 ]

الوقف على المصالح والجهات المهمة العامة وكانت الولاية على أمور بالغة الاهتمام في تدبير أمر الوقف كاجارة وادارة وتقسيم وصرف في أمور مختلفة. [ المسألة 48: ] إذا علمت الخيانة من الولي أو النظير على الوقف، جعل الحاكم الشرعي معه من يمنعه عن الخيانة فان لم يمكن ذلك أو لم يجد نفعا عزله الحاكم الشرعي عن الولاية أو النظارة، وليس للواقف نفسه ان يعزله ويعين غيره الا إذا اشترط لنفسه الحق في ذلك كما ذكرنا قريبا. [ المسألة 49: ] لا يجب على الشخص أن يقبل ولاية الوقف أو نظارته إذا جعله الواقف وليا على الوقف أو نظيرا عليه وان لم يكن حاضرا في مجلس ايقاع الوقف ولم يبلغه خبر جعله وليا أو نظيرا الا بعد موت الواقف، فيجوز له الرد وعدم القبول. وإذا جعل الواقف الولاية لاشخاص مترتبين، واحدا بعد واحد، وقبل الاول منهم لم يجب القبول على الآخرين، فيكون الوقف بعد موت الاول بلا ولي، وإذا قبل الاخير ولم يقبل الاول كان الوقف بلا ولي من أول الامر، وإذا جعل الواقف الولاية لشخص وقبل ذلك، فليس له عزل نفسه بعد ذلك، على الاحوط، ولعل ذلك هو الاقوى ايضا. [ المسألة 50: ] إذا عين الواقف وليا واشترط فيه شرطا وانتفى الشرط منه لم تثبت ولايته، ومثال ذلك أن يجعل الولاية لزيد إذا كان عدلا، فلم تتحقق فيه العدالة، وكذلك إذا كان عدلا في أول الامر ففسق، فينعزل بذلك عن الولاية ويكون الوقف بلا ولي. [ المسألة 51: ] إذا جعل الواقف ولاية الوقف لشخصين أو اكثر، واشترط في ولايتهما ان ينضم أحدهما إلى الآخر في التصرف، لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه لا في جميع الوقف ولا في بعضه وان اتفقا بينهما على ذلك، أو اقتسما الوقف برضاهما، بالتبعيض، فجعلا نصف

[ 124 ]

العين الموقوفة بيد احدهما، والنصف الآخر بيد الثاني، أو بالمهاياة فجعلا جميع العين الموقوفة في يد أحدهما يتصرف فيها مستقلا في الشهر الاول مثلا، وجميعها في يد الآخر يتصرف فيها مستقلا في الشهر الثاني. وإذا سقطت ولاية أحدهما بموت أو بفقد شرط، نصب الحاكم الشرعي وليا آخر ينضم إلى الولي الباقي منهما في التصرف على الوجه الذي حدده الواقف، وهذا هو الاحوط إذا لم يكن هو الاقوى. [ المسألة 52: ] إذا جعل الواقف الولاية لاثنين أو لاكثر، وذكر ان ولايتهما على الوقف على نحو الاستقلال في التصرف، جاز لكل واحد منهما أن ينفرد في التصرف عن الثاني، وإذا تصرف احدهما قبل صاحبه كان تصرفه نافذا، وإذا تقارنا في تصرفهما وكان تصرف أحدهما لا ينافي تصرف الثاني نفذا معا ومثال ذلك: ان يبيع أحدهما نصف ثمرة النخيل الموقوفة على زيد، ويبيع الآخر نصفها الثاني على عمرو في وقت واحد، فيصح البيعان وإذا كان التصرف منهما متنافيا بطل التصرفان معا، ومثال ذلك: أن يبيع أحد الوليين جميع ثمرة النخيل الموقوفة على زيد، ويبيع الثاني جميعها على عمرو في وقت واحد، فيبطل البيعان. ويجوز لهما أن يقتسما الوقف بالتبعيض، فينفرد كل واحد منهما بقسم من الوقف يتصرف فيه وان كان القسمان غير متساويين، ويجوز لهما أن يقتسماه بالمهاياة، فيتصرف أحدهما في العين الموقوفة شهرا أو اكثر، ثم يتصرف الآخر فيها بعد ذلك، وإذا سقطت ولاية أحدهما بموت أو فقد شرط، اختص الثاني بالولاية فيتصرف في الوقف منفردا ولا يجعل الحاكم الشرعي معه وليا غيره. [ المسألة 53: ] إذا جعل الواقف ولاية الوقف لشخصين أو اكثر، ولم يبين ان ولايتهما على نحو الانضمام أو على نحو الاستقلال، فالظاهر وجوب الانضمام، فلا يصح لاحدهما أن يتصرف منفردا، الا ان تدل القرينة على غير ذلك، وتجري بقية الاحكام التي ذكرناها في المسألة الحادية والخمسين.

[ 125 ]

[ المسألة 54: ] إذا نصب الواقف وليا على وقفه وأطلق ولايته ولم يحدد له وظيفة معينة، تولى جميع الوظائف والاعمال المتعارفة التي يقوم بها أولياء مثل هذا الوقف ما بين الناس، فيقوم بتعمير الوقف أو اصلاحه إذا احتاج إلى التعمير أو الاصلاح، ويجعل له الفلاحين والاكارين والعمال إذا كان محتاجا إلى ذلك، ويتولى جمع ثماره واصلاحها، ويبيعها إذا كانت مما يباع، ويؤجر الوقف إذا كان مما يؤجر ويحصل مال الاجرة، ويقسم المنافع والحاصلات على أصحابها ويصرف المصارف في أبوابها، ويدفع حقوق الفلاحين والعمال لما يقومون به من اصلاح وتعمير وحفظ ويضبط الصادر والوارد ويؤدي الخراج والضرائب وشبه ذلك مما يقوم به مثله من الاولياء. وإذا حدود الواقف له وظيفة خاصة تولاها ولم يتعدها، وأوكل الوظائف الاخرى إلى من ينصبه الواقف لذلك أو إلى من يوليه الحاكم الشرعي، وسيأتي التعرض لذلك. [ المسألة 55: ] إذا ثبتت للشخص الولاية على الوقف وعينت له وظيفة خاصة، أو شملت ولايته جميع النواحي، لم يجز لاحد أن يزاحمه أو يخالفه في حدود ولايته، ووجب عليه أن يراعي الاحتياط في تطبيق مراد الواقف وأن يراعي مصلحة الوقف ومصلحة اربابه في تلك الحدود والشؤون التي جعلت له. [ المسألة 56: ] إذا جعل الواقف للمتولي مقدارا معينا من منفعة الوقف اختص به وكان ذلك المقدار أجرة له عما يقوم به من عمل في ولايته على الوقف، وليس له المطالبة بأكثر منه وان كان اقل من أجرة مثله. فان المفروض أنه قد قبل بذلك لما جعل الواقف له التولية وعين له المقدار وأقدم على ذلك باختياره. وإذا جعل الواقف له التولية ولم يعين له شيئا، فان كان عمله مما لا يستحق عليه اجرة في نظر أهل العرف فلا شئ له، وكذلك إذا علم من القرائن أن الواقف لما جعله متوليا أراد منه أن يقوم بالعمل مجانا

[ 126 ]

دون اجرة، وقبل بذلك وأقدم عليه باختياره، فلا يستحق على عمله شيئا. وإذا جعل له التولية ولم يعين له شيئا وكان عمله مما يستحق عليه الاجرة ولم يعلم من الواقف أنه أراد منه القيام بالعمل مجانا، فالظاهر أن له اجرة المثل، وإذا جعل الواقف له مقدارا من المنفعة بعد أن تم ايقاع الوقف لم ينفذ ذلك، فإذا كان العمل مما يستحق عليه الاجرة ولم يقصد به التبرع ولم يشترط الواقف عليه في ايقاع الوقف ان يقوم بالعمل متبرعا استحق على عمله أجرة المثل. [ المسألة 57: ] لا يجوز للمتولي أن يجعل تولية الوقف لشخص غيره، سواء قصد بذلك أن ينقل توليته إلى غيره، أم قصد أن يجعل لمنصوبه ولاية غير ولايته، فلا يصح له ذلك، الا إذا كان الواقف قد جعل له هذا الحق في ضمن صيغة الوقف وحين عينه متوليا، فقال له: جعلتك متوليا على الوقف، وخولتك ان تجعل له متوليا غيرك إذا عجزت أو طرأ شئ يمنعك عن القيام بأمر الولاية مثلا، فيجوز له جعل المتولي حين ذاك. ويجوز له أن يوكل أحدا في أداء بعض الاعمال المنوطة به، إذا كان الواقف لم يشترط عليه المباشرة في ذلك العمل. [ المسألة 58: ] قد ذكرنا في المسألة الخامسة والاربعين: أن للواقف أن يجعل على المتولي ناظرا، وهو على نوعين، فقد يقصد الواقف أن يكون للنظير مجرد الاشراف على تصرف المتولي وعمله، فيجب على المتولي أن يطلعه على أي عمل يريد القيام به في الوقف، وفائدة جعل الناظر مجرد الاستيثاق من وقوع العمل، ولا تتوقف صحة العمل على اذن الناظر بفعله. وقد يقصد الواقف أن يكون النظير مرجعا للولي في تصويب نظره وصحة تصرفه، فلا يجوز للولي أن يعمل عملا أو يتصرف تصرفا حتى يصوب النظير رأيه وتصرفه ويأذن له فيه.

[ 127 ]

وإذا تردد أمر النظير المجعول بين النوعين، فلم يعلم أن مراد الواقف أيهما لزم مراعاة الامرين، فعلى المتولي اطلاع الناظر على عمله واستئذانه بالتصرف حتى يكون تصرفه باذنه. [ المسألة 59: ] إذا لم يعين الواقف متوليا للوقف، أو عين له متوليا فمات بعد التعيين، أو اشترط في المتولي وجود شرط معين، فانتفى الشرط ولم يوجد فيه، أو كان الشرط موجودا فيه ثم فقد منه بعد ذلك، أو عين للوقف متوليا، وحدد ولايته في بعض الجهات التي يحتاج إليها تدبير أمر الوقف، وترك بعض النواحي التي يحتاج إليها، فلم يدخلها في ولاية ذلك المتولي المجعول، ولم يعين لها متوليا آخر يقوم بها، فان كان الوقف نفسه من الجهات العامة كالمساجد والمشاهد والمعابد، والمدارس والقناطر والمقابر وشبهها، أو كان من الاوقاف على هذه الموقوفات العامة، أو كان من الوقف على العناوين العامة، كالوقف على أهل العلم أو على ذرية الرسول صلى الله عليه وآله أو على الفقراء وما يشبه، ذلك، فالولاية عليه للحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله. [ المسألة 60: ] إذا كان الوقف من الاوقاف الخاصة كالوقف على الذرية، أو على أخيه زيد وذريته وكان الوقف على نحو صرف المنفعة على الموقوف عليهم لا على سبيل تمليك منفعة الوقف لهم، ولم يعين الواقف له متوليا أو كان من أحد الفروض التي ألحقناها به في الحكم في المسألة المتقدمة. فالولاية فيه أيضا للحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله. وإذا كان الوقف خاصا وكان المقصود به تمليك منفعته للافراد الموقوف عليهم، فالظاهر فيه التفصيل فالامور التي ترجع الى مصلحة الوقف أو إلى بقائه أو إلى مصلحة البطون اللاحقة من الموقوف عليهم كالاجارة لهم، وتعمير الوقف واخراج البئر أو العين فيه وصون أصوله وغرس الاشجار والنخيل الجديدة فيه، تكون الولاية فيها للحاكم الشرعي أو منصوبه.

[ 128 ]

والامور والاعمال التي ترجع إلى النمو الفعلي للوقف والى نمو ثماره ومنافعه الفعلية كتأبير النخيل، واصلاح الثمرة وجذاذها وجمعها وتشميسها وبيعها واجارة الوقف لمصلحة البطن الموجود وتقسيم المنفعة على ارباب الوقف الموجودين وشبه ذلك تكون الولاية فيها للموجودين من الموقوف عليهم. [ المسألة 61: ] إذا جعل الواقف تولية وقفه بيد رجلين عدلين على وجه الانضمام فمات أحدهما، فالاحوط أن يضم الحاكم الشرعي عدلا ثانيا إلى العدل الباقي من الوليين فيتصرفا في الوقف منضمين، وكذلك إذا فسق أحد العدلين اللذين جعلهما الواقف، أو لم يتفق من أول الامر الا وجود عدل واحد، فيضم الحاكم الشرعي عدلا آخر إلى العدل الموجود كما تقدم. وإذا جعل الولاية لعدلين فلم يوجد حتى عدل واحد، أو مات العدلان معا بعد أن عينهما الواقف أو فسقا معا، رجعت الولاية الى الحاكم الشرعي، وجاز له أن يكتفي بنصب عدل واحد على الاقوى والاحوط استحبابا أن ينصب عدلين. [ المسألة 62: ] إذا احتاج الوقف إلى التعمير، جاز للمتولي أن يأخذ من منافع الوقف نفسه إذا كانت موجودة فيصرفها في تعميره، ويكون ذلك مقدما على الجهات الاخرى التي يحتاج إليها الوقف وعلى حصص الموقوف عليهم من المنافع، سواء كان وقفه عليهم على نحو الصرف أو على نحو التمليك، وان استوعب المنافع الموجودة كلها أو زاد عليها واحتاج إلى الاستدانة على ما يأتي منها. وإذا لم يوجد من منافع الوقف شئ، أو قصر الموجود منها عن المقدار الذي يحتاج إليه في التعمير، جاز للولي أن يستدين لتعميره بقصد أن يفي الدين من حاصلات الوقف في المستقبل أو من منافع الموقوفات على ذلك الوقف كالمسجد يقترض الولي لتعميره مبلغا بقصد أن يفي المبلغ الذي اقترضه له من منافع الموقوفات على المسجد، مما يصح انطباقه

[ 129 ]

على التعمير، وكالمدرسة والرباط، كذلك. وكالبستان والدار الموقوفين يحتاجان الى التعمير فيستدين المتولي لهما بقصد أن يفي الدين من منافعهما المقبلة، ويكون وفاء هذا الدين مقدما على حقوق الموقوف عليهم. ويجوز للمتولي أن يصرف على تعمير الوقف من ماله بقصد أن يستوفي عوض ماله من منافع الوقف الآتية. [ الفصل الثالث ] [ في العين الموقوفة ] [ المسألة 63: ] يشترط في الشئ الذي يراد وقفه أن يكون عينا متشخصة في الخارج، فلا يصح وقف ما يكون دينا، ومثال ذلك أن يشتري الرجل ببيع السلف من الآخر بساطا موصوفا في ذمته أو متاعا موصوفا فيقول المشتري: وقفت البساط أو المتاع الذي ملكته في ذمة زيد على الفقراء، أو يكون له على زيد دين بسبب آخر، فيقول: وقفت الدين الذي استحقه على زيد، فلا يصح الوقف. ولا يصح وقف ما يكون كليا قبل أن يتعين، ومثال ذلك: ان تكون له عدة أفراس أو عدة عبيد، فيقول: وقفت فرسا، أو وقفت عبدا على الجهة الخاصة من غير أن يشخص عبدا أو فرسا معينا، ولا يصح وقف ما يكون منفعة فيقول: وقفت منفعة داري المعينة أو منفعة بستاني المعلوم على الفقراء، فيكون الوقف باطلا في جميع ذلك، لفقد الشرط المذكور. [ المسألة 64: ] يشترط في العين التي يراد وقفها أن تكون مملوكة أو هي بحكم المملوكة، فلا يصح وقف العين إذا كانت غير قابلة للتملك شرعا كالانسان الحر، وكالعرصة الموقوفة مسجدا، فلا يصح وقفها وان أراد الواقف

[ 130 ]

الجديد أن يقفها مسجدا أيضا، وسيأتي أن خراب المسجد لا يوجب زوال المسجدية عنه، ولا يصح بيعه وتملكه ليقفه الواقف مرة أخرى مسجدا أو غير مسجد. ولا يصح وقف المباحات الاصلية قبل أن تحاز وتملك، كالارض المباحة والحيوان المباح والشجر المباح. [ المسألة 65: ] إذا أخذ الحاكم الشرعي زكاة الانعام من مالكها ابلا أو بقرا أو غنما، ولم تدفع في مصارفها، أو أخذها العامل المنصوب لذلك، وأراد الحاكم الشرعي وقف هذه الانعام المأخوذة لتكون فائدتها اكثر، جاز له ذلك وان لم تكن مملوكة، فانها بحكم المملوكة، لولاية الحاكم الشرعي على المستحقين وعلى سائر مصارف الزكاة، وإذا أراد مالك الانعام الزكوية وقفها كذلك ففي صحة وقفه اياها اشكال. [ المسألة 66: ] يشكل الحكم بصحة وقف العين المملوكة إذا كانت مرهونة عند الغير ولم يأذن المرتهن قبل ايقاع الوقف عليها، والاحوط تركه، وإذا أذن المرتهن قبل اجراء صيغة الوقف فالظاهر الصحة والنفوذ، ويشكل، بل يمنع على الاحوط، وقف الامة إذا كانت أم ولد للمالك، فلا يصح وقفها لخدمة مشهد أو معبد أو غير ذلك. [ المسألة 67: ] يعتبر في العين التي يراد وقفها أن تكون مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، فلا يصح وقف العين إذا كانت مما لا منفعة له في نظر أهل العرف كما إذا كانت الارض المملوكة غير صالحة للزراعة والغرس لكثرة الموانع التي تمنع من الزراعة والنمو فيها، وغير قابلة للبناء لينتفع بها دارا أو مخزنا أو موضعا لعمل أو لشئ آخر لبعد ها كثيرا عن مواضع العمران والاماكن التي يطلب الناس السكنى فيها والعمل وتعذر مطاليب الحياة فيها أو تعسرها، وهي لذلك ولغيره غير قابلة لاجارتها أرضا فارغة لينتفع المستأجر فيها بوجه من الوجوه، فإذا اتفق

[ 131 ]

أن الارض المملوكة أو العين الاخرى كذلك لم يصح وقفها، لعدم منفعة يسبلها. وإذا أمكن أن توقف الارض المذكورة مسجدا أو مصلى لينتفع بعض المارة بالصلاة فيه، لم يصح وقفها لغير ذلك. [ المسألة 68: ] لا يصح وقف الشئ الذي لا ينتفع به الا باتلاف عينه كالمأكولات والمشروبات وكالحطب والنفط والغاز لا ينتفع به الا بوقده وحرقه، وكالطاقة الكهربائية لا ينتفع بها الا بصرفها أما الادوات والاجهزة والآلات والمصابيح الكهربائية فلا ريب في صحة وقفها فهي مما ينتفع به مع بقاء عينه. ولا يصح وقف العين إذا كانت المنفعة التي يقصدها الناس منها تنحصر في المحرم، كالآت اللهو، وآلات القمار، وان أمكن أن تكون لها منفعة محللة، ولكنها نادرة وغير مقصودة للناس في العادة، ولا يصح وقف العين إذا كانت المنفعة التي قصدها الواقف واوقع وقفه بلحاظها منفعة محرمة كمن يقف الدابة أو السيارة أو وسيلة النقل الاخرى لحمل الخمر، أو يقف الدار أو المحل ليكون معملا للخمر أو مخزنا له أو موضعا لبيعه وشربه أو موضعا للبغاء أو غيره من انواع الفسوق والمحرمات. [ المسألة 69: ] ذكرنا في ما سبق: انه يعتبر في الشئ الذي يراد وقفه أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه، والمراد أنه ينتفع به مع بقائه بقاءا معتدا به في نظر العقلاء، فلا يكفي بقاؤه مدة يسيرة كما إذا أراد الرجل أن يقف الريحان أو الورد للشم، أو يقف النار للاصطلاء بها أو للطبخ عليها فلا يصح مثل هذا الوقف لقلة مدة الانتفاع به. [ المسألة 70: ] لا يشترط في صحة وقف الشئ المملوك أن يكون مما يمكن قبضه في حال انشاء الوقف فإذا وقف الانسان عبده الآبق، أو جمله الشارد، أو طيره الطائر في الهواء، أو سيارته المسروقة ثم حصل القبض بعد

[ 132 ]

ذلك صح الوقف وان تأخر قبضه مدة، وإذا لم يتحقق القبض بطل الوقف. [ المسألة 71: ] ظهور من مجموع ما ذكرناه: أن كل عين مملوكة إذا كانت مما يمكن أن ينتفع بها منفعة محللة مع بقاء العين مدة معتدا بها، فهي مما يصح وقفها، كالدور والبساتين وسائر العقارات والارضين، والكتب والسلاح والحيوان وأدوات النقل والاجهزة والفرش والاثاث والثياب وغيرها مما تتحقق فيه الشروط المتقدمة. [ المسألة 72: ] لا تختص المنفعة المقصودة في الوقف، بالمنفعة المقصودة في الاجارة كسكنى الدار والكسب في الحانوت والمحل، وحرث الآلة والدابة، والحمل والركوب وحمل الاثقال وشبهها، بل تعم النماءات والثمار وأعواض الاجارة للعين، واللبن والصوف والوبر والشعر والنتاج وغيرها، فيصح وقف العين بلحاظ جميع ذلك. [ المسألة 73: ] لا يشترط في صحة الوقف أن تكون المنفعة المقصودة حاصلة بالفعل في حال الوقف، فيكفي أن تكون متوقعة الحصول ولو بعد حين، فإذا وقف الرجل الدابة الصغيرة صح وقفها، وان لم يمكن ركوبها والحمل عليها الا بعد سنين، وإذا وقف فسيل النخيل أو اصول الشجر المغروسة صح وقفها وان كانت لا تثمر ولا تؤتي نماءها ونتاجها الا بعد أمد طويل، وإذا آجر المالك داره مدة ثم وقفها بعد الاجارة صح وقفها وان لم تملك منفعتها الا بعد انتهاء مدة الاجارة، وانقضاء ملك المستأجر. [ المسألة 74: ] إذا وقف الواقف العين وكان على النخيل والشجر الموقوفة ثمر موجود في حال انشاء الوقف، لم يدخل هذا الثمر الموجود في الوقف، فلا يكون للموقوف عليهم أو الجهة الموقوف لها، بل يبقى ملكا للواقف، سواء كان الوقف بنحو تمليك المنفعة ام كان بنحو صرفها على الموقوف عليهم

[ 133 ]

ام كان وقفا على جهة عامة، وإذا آجر المالك داره مدة ثم وقفها بعد الاجارة، لم يدخل مال الاجارة في الوقف فهو ملك للواقف، وقد تقدم: أن الوقف في هذه الصورة يثبت للدار وهي مسلوبة المنفعة في مدة الاجارة، وإذا وقف دابة أو أمة وكانت حاملا في حال انشاء الوقف لم يدخل الحمل الموجود في بطنها في الوقف بل هو ملك للواقف. ويشكل الحكم في الصوف والشعر والوبر الموجود على الحيوان الموقوف في حين انشاء الوقف، وفي اللبن الموجود في ضرع الانثى الموقوفة فهل يدخل في الوقف ام لا؟ فلا يترك الاحتياط فيه، وكذلك في ما يتجدد من المذكورات بعد انشاء الوقف وقبل القبض فلا يترك الاحتياط فيه. [ المسألة 75: ] إذا أطلق الواقف وقف العين وكانت لها منافع عديدة متنوعة دخلت جميعا في وقف العين وان كانت كثيرة، فيكون جميعها للموقوف عليهم إذا كانوا أشخاصا، وللجهة الموقوف لها إذا كان الوقف على جهة، فإذا وقف عبدا وكان كثير المنافع والفوائد، فجميع منافعه وفوائده داخلة في وقفه ومختصة بالاشخاص أو الجهة الموقوف عليها، وإذا وقف أرضا أو بستانا أو نخيلا أو شجرا، فجميع ثمرتها وحاصلها مشمولة للوقف حتى السعف والاغصان اليابسة، وأكمام الطلع، والفسيل، وقضبان الشجر التي تقطع منه للغرس أو لغرض آخر، وإذا وقف ناقة أو بقرة أو شاة أو حيوانا آخر فجميع نتاجه ونمائه داخلة كذلك، وإذا كانت العين الموقوفة متعددة المنافع كما ذكرنا فلا يترك الاحتياط باجتناب تخصيص الوقف ببعض المنافع دون بعض. [ المسألة 76: ] يصح وقف الحلي من الذهب والفضة ونحوهما للتزين به والتحلي، فيقف الحلي على ذريته طبقة بعد طبقة أو على أقر بائه، أو على المحتاجين مثلا أو على جهة عامة كما في غيره، وله ان يقف الحلي عليهم للتحلي به ويجيز لهم أن يؤجروه مدة على الآخرين ويقتسموا مال الاجارة بينهم

[ 134 ]

بالحصص على نحو التمليك أو على نحو الصرف عليهم في شؤونهم، ويصح وقف الدراهم والدنانير كذلك إذا جعلت حليا يتحلى بها أو ما يشبه الحلي وعد ذلك منفعة يعتد بها العقلاء، وهو أمر تابع لجريان العادة فيه، وإذا لم يعد منفعة بين الناس ولم تجر به العادة اشكل الحكم بصحة وقفها. [ الفصل الرابع ] [ في الموقوف عليه ] [ المسألة 77: ] ينقسم الوقف بلحاظ الاشخاص أو العنوان أو الجهة التي وقف عليها الواقف إلى عدة أقسام. (الاول): قد يلاحظ الواقف أشخاصا، فيخصصهم بالمنفعة المقصودة من الوقف، ويسمى هذا القسم وقفا خاصا، باعتبار أن الملحوظين أشخاص معينون وان كان عاما باعتبار أنه شامل لجميع أفراد الطبقة أو الطبقات الملحوظة، فإذا قال الرجل: وقفت داري أو بستاني على أولادي طبقة بعد طبقة، شمل الوقف كل فرد من أفراد الطبقة الاولى منهم، ثم شمل كل فرد من أفراد الطبقة الثانية، وهكذا حتى يعم كل طبقة، وكل فرد على الوجه الذى قصده في وقفه. وكذلك إذا قال: وقفت الدار على ذرية أبي طبقة بعد طبقة، أو قال: وقفتها على زيد وذريته نسلا بعد نسل. ثم أن الواقف قد يخصص الموقوف عليهم بمنفعة الوقف على وجه التمليك حصصا، وقد يجعلها لهم على أن تصرف في حاجاتهم ومعيشتهم من غير تمليك، وقد تقدم بيان ذلك في بعض مسائل الفصل الاول فيرجع هذا القسم إلى قسمين: باعتبار اختلاف الجهة الملحوظة للواقف، والاثر الذي ينتجه هذا اللحاظ. [ المسألة 78: ] وقد يلاحظ الواقف عنوانا عاما ينطبق على أفراد كثيرة أو قليلة، فيجعل منفعة الوقف للافراد من حيث انطباق العنوان المذكور عليهم،

[ 135 ]

فيقول مثلا: وقفت الدار أو البستان على الفقراء أو على الفقهاء أو على المحتاجين من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله أو على الايتام، وهذا القسم كسابقه يرجع إلى قسمين، فقد يجعل الواقف المنفعة للافراد على وجه التمليك لهم، وقد يجعلها لهم على أن تصرف في حاجاتهم وشؤونهم من غير تمليك، فتكون الاقسام أربعة. [ المسألة 79: ] وقد يلاحظ الواقف جهة من الجهات أو مصلحة من المصالح شرعية أو دنيوية، فيجعل منفعة العين موقوفة على أن تصرف في تلك الجهة الملحوظة، كما هو الحال في وقف المساجد والمشاهد وكما في وقف المدارس والقناطر والشوارع والربط والخانات المعدة لنزول العابرين والمسافرين وأمثالها، والوقف في هذا القسم لا يكون على نحو التمليك وانما يكون على نحو التصرف، فيكون قسما واحدا. ولكن الجهة أو المصلحة الملحوظة، قد تكون عامة كما في الامثلة التي ذكرناها، وقد تكون خاصة كما في الوقف على الرسول صلى الله عليه وآله أو على أمير المؤمنين (ع) أو على أحد المعصومين (ع) أو على جميعهم (ع)، وهذا القسم في واقعة وقف على جهة ومصلحة شرعية وان كان في صورته وقفا على شخص أو اشخاص، فالاقسام ستة. [ المسألة 80: ] إذا كانت الطبقة الاولى من الموقوف عليهم موجودة جميعا حين انشاء الوقف من الواقف، أو كان منهم من هو موجود بالفعل، صح الوقف، الخاص عليهم، وصح الوقف بتبعهم على المعدوم الذي سيوجد منهم، وعلى الحمل الموجود في بطن أمه، وعلى المعدوم الذي قد مات إذا أدخلهم الواقف في الوقف، فيشملهم الوقف تبعا للموجود، سواء كانوا من طبقته أم كانوا من طبقة متأخرة عنه. ولا يشترط في صحة الوقف وجود موقوف عليه في كل زمان، ونتيجة لذلك فإذا وقف الواقف على زيد ثم على أولاده، ومات زيد قبل أن يولد ولده لم يبطل الوقف على الحمل ولا على أولاده بعد ان شملهم الوقف في حياة زيد وبتبع وجوده.

[ 136 ]

[ المسألة 81: ] إذا وقف الرجل داره على ولده الذي قد مات ثم من بعده على أولاد هذا الولد الذين سيوجدون، لم يصح هذا الوقف لعدم وجود الطبقة الاولى حين انشاء الوقف. وكذلك الحكم على الاحوط إذا وقف الرجل داره على ولده الحمل في بطن أمه، أو على أولاده الذين سيوجدون فلا يصح الوقف الا إذا وقف على شخص موجود بالفعل حين انشاء الوقف، وكان الوقف على الحمل وعلى الذين يوجدون تبعا للموجود في طبقته أو من بعده. [ المسألة 82: ] إذا وقف الواقف العين على الموجودين من أولاده واشترط انه إذا وجد له أولاد بعدهم كانوا مقدمين في الطبقة على الموجودين، فالظاهر صحة الوقف والشرط، فإذا وجدوا اختصوا بالوقف وتأخر السابقون عنهم، وكذلك الحكم إذا اشترط انه إذا وجد لاولاده أولاد قدموا في الوقف على آبائهم. [ المسألة 83: ] إذا وقف الانسان داره أو بستانه على عنوان من العناوين العامة كاليتامى والمساكين وغيرهما لم يشترط في صحة الوقف أن يتحقق وجود العنوان الموقوف عليه في حين انشاء الوقف، بل يكفي في صحة الوقف أن يكون وجود العنوان في ضمن بعض أفراده ممكنا، ثم يتحقق وجوده في بعض الاوقات فإذا وقف على اليتامى ولم يوجد يتيم حال انشاء الوقف ثم وجد بعد ذلك كان الوقف صحيحا، وإذا وجد اليتيم أولا ثم فقد لم يبطل الوقف بذلك، فيجب حفظ الغلة حتى يوجد الفرد الذي ينطبق عليه. [ المسألة 84: ] الاحوط لزوما أن يعين الواقف الشخص الموقوف عليه في انشاء الوقف، فلا يقف داره مثلا على أحد المشهدين من غير تعيين أو على أحد المسجدين أو على أحد الشخصين، فإذا هو ردد كذلك في انشاء الوقف ولم يعين المقصود منهما، ففي صحة وقفه اشكال.

[ 137 ]

[ المسألة 85: ] لا يصح الوقف على جهة محرمة في الاسلام كالوقف على البيع والكنائس، ومعابد الاديان الباطلة ونشر كتب الضلال، وشراء آلات اللهو، ولا على شخص يصرف منفعة الوقف في معصية كمن يصرفه في تعاطي الموبقات والآثام وسائر المعاصي. [ المسألة 86: ] يشكل الحكم بالصحة أو عدمها في وقف المسلم على الكافر الحربي وعلى المرتد الفطري، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، ويجوز الوقف على الكافر الذمي وعلى المرتد غير الفطري وخصوصا إذا كانا رحما للواقف. [ المسألة 87: ] إذا وقف الرجل على جهة أو شخص يصح الوقف عليه، وعلى جهة أو شخص لا يصح الوقف عليه وكان الوقف على نحو التشريك بينهما، صح الوقف في حصة الاول من العين الموقوفة وبطل في حصة الثاني منها. [ المسألة 88: ] إذا وقف الرجل على جهة أو شخص يصح الوقف عليه، ثم على جهة أو شخص لا يصح الوقف عليه وكان الوقف بنحو الترتيب، صح الوقف في الاول، وبطل في الاخير، فيكون من الوقف المنقطع الاخير، وإذا انعكس الفرض فقدم الجهة أو الشخص الذي لا يصح الوقف عليه بطل الوقف من أصله وكان من المنقطع الاول، وإذا وقف على ما يصح الوقف عليه اولا ثم على ما لا يصح الوقف عليه ثانيا، ثم على ما يصح الوقف عليه أخيرا كان من الوقف المنقطع الوسط وقد تقدم حكم ذلك في المسألة التاسعة والعشرين. [ المسألة 89: ] إذا وقف الانسان داره أو بستانه على عنوان معين كالفقراء واليتامى اتبع في استحقاق الافراد الموقوف عليهم ما يعينه الواقف لهم من منفعة الوقف مع الامكان، وإذا أطلق الوقف ولم يعين شيئا اتبع ما دلت عليه القرائن الموجودة، من وحدة الفرد الموقوف عليه وتعدده وانحصار

[ 138 ]

العدد وعدم انحصاره، ومن قلة منفعة الوقف وكثرتها وأمثال ذلك من القرائن التي تدل على المراد، فإذا وقف البستان على امام المسجد في البلد، وكان واحدا اختص بالمنفعة كلها وإذا تعدد الائمة فيه اقتسموا منفعة الوقف بالسوية الا أن يعلم غير ذلك. وإذا وقف الدار أو البستان على فقراء القرية وكانوا قليلين في العدد وزعت المنفعة عليهم بالسوية، الا أن يعلم غير ذلك، وإذا قلت المنفعة ولم تتسع لاستيعابهم، لم يجب ذلك، وإذا كان افراد العنوان الموقوف عليه غير محصورين عددا، لم يجب استيعابهم كذلك، وقد تكون المنفعة كثيرة، فتكون كثرتها دليلا على ارادة الاستيعاب، فتجب مراعاة ذلك بقدر الامكان. وهكذا. [ المسألة 90: ] إذا وقف الواقف بستانه على الامام الحسين (ع) انصرف على الاكثر الغالب من هذه الموقوفات إلى اقامة مجالس عزائه وذكر استشهاده (ع) وبذل الطعام أو غير الطعام في ذلك على النحو المألوف المعروف في عرف الواقف وبلده، وقد تعين القرائن لذلك اياما خاصة كأيام شهادته (ع) أو أيام أربعينه فتتعين كذلك، وقد تدل القرائن على ان المراد الحسين (ع) لا خصوص اقامة عزائه فيصرف في الخيرات المحبوبة عند الله ويهدى ثوابها للحسين (ع). وكذلك إذا وقف على النبي صلى الله عليه وآله أو على أحد المعصومين من أهل بيته (ع) فينصرف إلى اقامة المجالس لبيان فضلهم ومناقبهم وذكر مصائبهم على النحو المتقدم، وقد تدل القرائن على غير ذلك فتتبع دلالتها. [ المسألة 91: ] إذا وقف الواقف العين على امام العصر عليه السلام وعلم ان الواقف قصد الوقف على الجهة كما في غيره من المعصومين، كان الحكم فيه كما تقدم في الوقف على آبائه (ع) وان علم ان الوقف على نحو التمليك له (ع) كان الحكم فيه هو الحكم في حق الامام (ع) من الخمس.

[ 139 ]

[ الفصل الخامس ] [ في المراد من بعض عبارات الوقف ] [ المسألة 92: ] إذا قال الرجل: وقفت داري على الفقراء أو على المساكين، وكان الواقف مسلما كان ذلك قرينة على ان المراد من كلمة الفقراء في عبارته فقراء المسلمين ومساكينهم، وإذا كان من الشيعة فالمراد منها فقراء الشيعة وينصرف إلى فقراء فرقته فيختص بالاثني عشريين إذا كان اثني عشريا، وبالاسماعيليين إذا كان اسماعيليا، وهكذا الا ان تدل القرينة على غير ذلك. وإذا كان الواقف سنيا انصرف مراده إلى فقراء السنة، وإذا كان كافرا فالمراد فقراء أهل دينه خاصة فيكون وقفه على فقراء اليهود إذا كان يهوديا وعلى فقراء المسيحيين إذا كان مسيحيا، وهكذا. [ المسألة 93: ] إذا وقف الرجل على فقراء قبيلة معينة وكانوا غير محصورين في العدد، كما إذا وقف على فقراء بني هاشم أو على فقراء بني تميم مثلا، لم يجب على الولي الاستيعاب، فيكفيه ان يوزع منفعة الوقف على بعض فقراء القبيلة المعينة، وكذلك إذا كان العدد محصورا وكانت المنفعة قليلة لا تتسع لجميعهم، فلا يجب الاستيعاب، وإذا كان العدد محصورا وكانت المنفعة كثيرة تتسع للجميع وجب على متولي الوقف استيعابهم، ويجب عليه ان يتتبع الغائبين وأن يحفظ حصصهم حتى يوصلها إليهم، وإذا عسر عليه احصاؤهم ولم يمكن له الفحص وجب عليه أن يستقصي من يمكنه منهم ولا يلزمه الحرج باستقصائهم. [ المسألة 94: ] إذا قال: هذه الدار وقف على أولادي فالظاهر منه العموم فيشمل الجميع ويجب الاستيعاب وكذلك إذا قال: هي وقف على أخوتي، أو على ذرية أبي، أو على أرحامي فيجب استيعاب الجميع.

[ 140 ]

[ المسألة 95: ] إذا قال الواقف: هذه العين وقف على المسلمين ولاحظ أن يكون وقفه شاملا لعامة من ينتسب إلى الاسلام كان الوقف لكل من أقر بالشهادتين، وإذا هو لم يلاحظ ذلك اختص وقفه بمن يعتقد هو باسلامه ولم يشمل من اعتقد بكفره وان اقر بالشهادتين، وعم الذكور والاناث والبالغين وغيرهم، وإذا قال: هي وقف على المؤمنين وكان اثني عشريا اختص وقفه بالامامية الاثني عشرية، وإذا كان من غيرهم اختص وقفه بالمؤمنين في معتقده. [ المسألة 96: ] إذا قال الواقف: هذا الشئ وقف على الشيعة، وكان اثني عشريا، اختص وقفه بالامامية الاثني عشرية ولم يشمل غيرهم من فرق الشيعة، وإذا كان الواقف من غيرهم شمل عمومه كل من قال بتقديم علي (ع) بالخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وآله، وإذا قامت القرينة في عرف الواقف على اختصاص كلمة الشيعة بطائفة معينة اختص وقفه بها. [ المسألة 97: ] إذا قال: داري وقف في سبيل الله أو قال: هي وقف في البر ووجوه الخير، شمل وقفه كل ما يتقرب به إلى الله من الطاعات والقرب وما يكون فعله أو الانفاق فيه سببا لنيل الثواب. [ المسألة 98: ] إذا قال: هذا وقف على قرابتي أو على ذوي رحمي، شمل وقفه كل من حكم العرف بأنه من قرابته وأرحامه، من الكبير والصغير والذكر والانثى، وإذا قال: هو وقف على الاقرب الي فالاقرب، نزل الوقف على طبقات الوارثين منه دون غيرهم وكان الوقف عليهم ترتيبيا، فيكون وقفا على الوارثين منه بالفعل، فإذا فقدوا فعلى الوارث من بعدهم، وهكذا، وفي شمول الوقف لمن يرث منه بالولاء اشكال. [ المسألة 99: ] إذا قال: وقفت هذه الدار على أولادي اشتراك الذكر منهم والانثى والخنثى في استحقاقهم من منفعة الوقف وكانو في الحصص على السواء،

[ 141 ]

وقد تختص كلمة الاولاد في عرف بعض البلاد بالذكور فقط، فإذا كان الواقف من أهل هذا العرف اختص وقفه بالذكور ولم يشمل الاناث وكذلك الحكم إذا وقف على أولاده، وأولاد أولاده فيشمل الوقف جميع الذرية من الذكور والاناث والخناثى وأولادهم على التساوي في الحصص، ويكون الوقف بين جميعهم على التشريك لا على نحو الترتيب. وإذا كانت كلمة الاولاد وأولاد الاولاد في عرف الواقف مختصة بالذكور فقط كما تقدم اختص الوقف بهم وبالذكور من أولادهم. [ المسألة 100: ] إذا قال: وقفت الدار على أبنائي لم يشمل البنات ولا أبناء البنات، وإذا قال: وقفت على ذريتي شمل الذكر والانثى منهم، وشمل من كان للصلب ومن كان بواسطة أو أكثر، وكانوا في الاستحقاق وفي التشريك على السواء، وإذا قال: وقفت على أولادي فالظاهر انه يعم أولاد الاولاد وان نزلوا على نحو التشريك، الا إذا وجدت قرينة تخصه بأولاده بلا واسطة فلا يعم أولاد الاولاد. [ المسألة 101: ] إذا قال الرجل: وقفت الدار على أولادي الاقرب منهم فالاقرب أو قال: بطنا بعد بطن أو نسلا بعد نسل، أو طبقة بعد طبقة، فالظاهر من جميع هذه العبارات ان الوقف ترتيبي بين الاولاد وأولادهم وأولاد أولادهم فلا تستحق الطبقة الثانية من الوقف شيئا إذا وجد أحد من الطبقة التي تكون قبلها. [ المسألة 102: ] إذا قال الرجل: وقفت هذا الشئ على أخوتي، شمل وقفه جميع اخوته الذكور، سواء كانوا للابوين أم للاب وحده، أم للام وحدها، وكانوا متساوين في مقدار استحقاقهم من منفعة الوقف، ولم تشاركهم الاخوات، ولم يشمل الوقف أبناءهم. وإذا قال: وقفت الشئ على أجدادي اشترك في الوقف أجداده لابيه وأجداده لامه، سواء كانوا بلا واسطة، ام كانوا بواسطة واحدة أو

[ 142 ]

أكثر وكان استحقاقهم منه على السواء ولم يتقدم بعضهم على بعض، ولم تشاركهم الجدات. وإذا قال: وقفته على أعمامي شمل الوقف أعمامه: اخوان أبيه لابويه كليهما، واخوان أبيه للاب وحده، واخوان أبيه للام وحدها، وكانوا في الاستحقاق على السواء، ولم تشاركهم العمات ولا أعمام الاب ولا أعمام الام. وإذا وقف على أخواله شمل أخواله اخوان أمه لابويها، واخوان أمه لاحدهما وكانوا في الوقف على السواء ولم تشاركهم الخالات ولا أخوال الاب ولا أخوال الام. [ المسألة 103: ] إذا قال: وقفت الدار على أولادي الذكور نسلا بعد نسل أو قال: طبقة بعد طبقة، اختص وقفه بأولاده الذكور وبأولاد أولاده الذكور من الذكور في جميع الطبقات، ولم يشمل الاناث من أولاده ولا الذكور الذين يتولدون من أولاده الاناث، وهذا إذا علم أن مراده التقييد بالذكور في جميع الطبقات. [ المسألة 104: ] إذا علم أن الرجل وقف داره على ذريته، ولم يعلم أن وقفه كان على نحو التشريك بين جميعهم أو على نحو الترتيب بين طبقاتهم، دفعت إلى الطبقة المتقدمة حصتهم من الوقف، ثم أقرع على المقدار الزائد وهو الذى تردد أمره بين أن يكون للطبقة المتقدمة أيضا وأن يكون لمن بعدهم، وأعطي لمن تعينه القرعة، والاحوط الرجوع إلى المصالحة في المقدار الزائد. [ المسألة 105: ] يتبع ما حدده الواقف في الترتيب بين الموقوف عليهم إذا كان وقفه على نحو الترتيب، فانه قد يجعل الترتيب بين جميع أفراد الطبقة اللاحقة وسابقتها، فلا يستحق أحد من الطبقة اللاحقة شيئا من منفعة الوقف مع وجود أحد من الطبقة السابقة، فلا يشارك الولد إذا مات

[ 143 ]

عنه أبوه أعمامه وعماته في الاستحقاق من الوقف، ولا يشارك إذا ماتت عنه أمه أخواله وخالاته. وقد يجعل الترتيب بين الولد وأبيه خاصة وبينه وبين أمه خاصة، فإذا مات عنه أبوه استحق من الوقف وشارك أعمامه وعماته، وإذا ماتت عنه أمه استحق كذلك من الوقف وشارك أخواله وخالاته. [ المسألة 106: ] المعيار في تعيين المراد على ما يقصده الواقف، وما يدل عليه العرف الذي جرى عليه في انشائه صيغة الوقف، فإذا قال: وقفت هذه الضيعة على العلماء، اختص بعلماء الشريعة من أهل مذهب الواقف إذا كان شيعيا، ولم يشمل علماء العلوم الاخرى من طب وهندسة وفلسفة وغير ذلك الا إذا كان من علماء الشريعة أيضا. [ المسألة 107: ] إذا وقف الرجل على أهل بلد اختص وقفه بمن اتخذ ذلك البلد وطنا له وسكن فيه، ولم يشمل المسافر إليه والزائر وان مكث فيه طويلا أو كثر تردده عليه لتجارة أو زيارة أو عمل آخر. [ المسألة 108: ] إذا قال: هذا الشئ وقف على اخوتي نسلا بعد نسل شمل وقفه اخوته دون اخواته على نحو التشريك. كما تقدم وشمل جميع أولادهم الذكور والاناث على نحو الترتيب. [ المسألة 109: ] إذا قال: هذا وقف على أولادي ومن بعدهم على أولادهم كان الوقف بين أولاده وأولادهم على الترتيب، وكان بين طبقات أولاد الاولاد على نحو التشريك [ المسألة 110: ] إذا وقف الرجل داره أو بستانه على مسجد معين أو على مشهد معين أو على عنوان معين، ثم تردد الولي ان الموقوف عليه أي المسجدين، أو

[ 144 ]

أي المشهدين أو أي العنوانين، رجع في ذلك إلى القرعة، فيصرف منفعة الوقف على الذي تعينه القرعة منهما. [ المسألة 111: ] إذا وقف الدار أو البستان على المسجد، صرف الولي منافع الوقف ونماءه في حاجات المسجد ومصالحه كالتعمير والانارة والفرش والتنظيف والتبريد والتدفئة، واعداد مواضع الوضوء وتعميرها والخادم وأمثال ذلك، ويشكل صرف بعضه لامام الجماعة في المسجد وللمؤذن الراتب فيه. وكذلك الامر في الوقف على المشهد، وانما يصرف منه على خادم المشهد إذا كان مواظبا على الاعمال التي يحتاج إليها المشهد أو المتعلقة به تعلقا مباشرا. [ المسألة 112: ] إذا وقف على جهتين مختلفتين، أو على عنوانين أو على شخصين مختلفين كذلك، ولم يذكر مقدار ما يختص به كل واحد منهما من العين الموقوفة، فالظاهر ان كل واحد منهما يختص بنصف الوقف وانه بينهما على نحو التشريك. فإذا قال: وقفت داري المعينة على المسجدين المعروفين في البلد، كانت الدار وقفا على المسجدين اللذين ذكرهما على نحو التشريك بينهما واختص كل واحد منهما بنصف الدار، وكذلك الحكم إذا وقفها على مأتمين معينين، أو وقفها على الفقراء واليتامى في البلد، أو وقفها على زيد وذريته، وعلى عمرو وذريته فتكون الدار وقفا على ما عينه من الناحيتين بالتنصيف بينهما وعلى نحو التشريك، الا ان يعلم خلاف ذلك. [ الفصل السادس ] [ في أحكام الوقف ] [ المسألة 113: ] إذا تم الوقف وتحققت شروطه، فالظاهر خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف، سواء كان الوقف على الجهات العامة كالمسجد والمشهد والمعبد، والشارع والقنطرة والمقبرة والمدرسة، والحسينية وكالموقوفات

[ 145 ]

على احدى هذه الجهات، وما اشبه ذلك، ام كان الوقف على العناوين العامة كالوقف على الفقراء أو على طلاب العلم أو على اليتامى، وذرية الرسول صلى الله عليه وآله من غير فرق بين أن يكون وقفها على نحو تمليك المنفعة للموقوف عليهم أو على وجه صرف المنفعة عليهم من غير تمليك، ام كان الوقف خاصا على أحد الوجهين المتقدم ذكرهما، فالظاهر زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة في جميع ذلك، نعم يشكل الحكم بزوال الملك في الوقف المنقطع الآخر. [ المسألة 114: ] إذا حصل الوقف وتمت شروطه، نفذ ووجب ترتيب آثاره على حسب ما عينه الواقف وحدده، ولم يجز تغييره عن ذلك، ولم يجز للواقف نفسه أن يحدث تغييرا أو تبديلا في الموقوف عليه فلا يصح له ان ينقل الوقف من جهة إلى جهة اخرى، أو من عنوان إلى عنوان غيره أو من أشخاص إلى اشخاص غيرهم، ولا يصح له أن يخرج بعض الموقوف عليهم من الوقف بعد ان أدخله في الوقف، أو يدخل معهم أحدا كان خارجا عنه، وإذا شرط لنفسه في أصل الوقف أن يكون له الحق في أن يدخل في الوقف من يشاء، ويخرج عنه من يشاء، لم يصح له هذا الشرط، ولا ينفذ إذا شرط، ولكن بطلان الشرط لا يبطل الوقف. [ المسألة 115: ] ليس للواقف أن يقف العين على أشخاص معينين ويشترط لنفسه انه إذا وجد له أولاد أو اخوان مثلا فله الحق أن ينقل الوقف من الموقوف عليهم إلى اولاده أو اخوانه الذين وجدوا ويصح له أن يقف العين على اشخاص معينين وعلى أولاده الذين سيوجدون، ويشترط في الوقف انه متى وجد له أولاد كانوا مقدمين في الوقف على الموقوف عليهم السابقين، والفرق بين المسألتين واضح جدا لا التباس فيه وقد ذكرنا هذا الفرض الاخير في المسألة الثانية والثمانين. [ المسألة 116: ] إذا وقف الرجل داره أو بستانه على بعض العناوين الخاصة أو العامة، لتصرف منفعة الوقف على أفراده، وجهل متولي الوقف ذلك.

[ 146 ]

العنوان الموقوف عليه فتردد عنده بين عنوانين أو أكثر ولذلك عدة فروض تختلف أحكامها. (الفرض الاول): ان تكون العناوين التي تردد المتولي ما بينها غير متباينة فهي مما تتصادق في بعض الافراد ومثال ذلك أن يشك المتولي في أن الواقف وقف داره على عامة طلاب العلم، أو على خصوص العدول منهم، والحكم في ذلك أن يقتصر المتولي في صرف منفعة الوقف على الطلاب العدول، وكذلك الحكم إذا تردد في أن الواقف وقف الدار على العلماء أو على السادات، فيجب عليه أن يصرف المنفعة على مورد التصادق وهو العلماء السادة. [ المسألة 117: ] (الفرض الثاني): ان تكون العناوين التي احتملها ولي الوقف وتردد ما بينها متباينة لا تتصادق في الافراد ومثال ذلك أن يتردد المتولي: هل وقف الواقف داره على فقراء أهل هذا البلد أو على فقراء البلد الآخر؟ أو يتردد هل وقف الدار على هذا المسجد أو على المسجد الاخر؟ والحكم في هذا الفرض أن يرجع في تعيين الموقوف عليه إلى القرعة، فيصرف منفعة الوقف على من تعينه القرعة، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والعاشرة. [ المسألة 118: ] (الفرض الثالث): ان يجهل المتولي مصرف الوقف الذي عينه الواقف، ويتردد بين عناوين وأشخاص غير محصورة العدد، فان علم بأن الوقف عليهم كان بنحو تمليك المنفعة لهم جرى في منافع الوقف حكم مجهول المالك، فيتصدق بها عن الموقوف عليهم باذن الحاكم الشرعي، وان علم بأن الوقف كان بنحو الصرف على الموقوف عليهم من غير تمليك أو جهل ذلك، أو كان الوقف مرددا بين جهات غير محصورة العدد، صرف الولي منافع الوقف في وجوه البر، على أن لا يخرج في صرفه عن الوجوه المحتملة في الوقف. [ المسألة 119: ] إذا وقف الرجل العين واشترط في الموقوف عليهم ان يكونوا موصوفين

[ 147 ]

بأوصاف خاصة، كانت الاوصاف المشترطة داخلة في عنوان الموقوف عليهم، فإذا انتفى الوصف المشترط في أحد الافراد خرج ذلك الفرد عن عنوان الوقف فلا يكون من الموقوف عليهم، فإذا وقف المدرسة على طلاب العلم بشرط أن يكونوا عدولا أن بشرط أن يكونوا مواظبين على الاشتغال بطلب العلم، وفقدت العدالة من طالب العلم في الفرض الاول وانتفت صفة المواظبة عنه في الفرض الثاني خرج عن عنوان الموقوف عليهم فلا يصح له سكنى المدرسة الموقوفة. وإذا وقف العين ولم يذكر للموقوف عليهم أوصافا ولكنه اشترط عليهم أن يقوموا بأعمال معينة، فإذا لم يقم الفرد منهم بالعمل الذي اشترط عليه القيام به، ففي خروجه بذلك عن الموقوف عليهم اشكال، ومثال ذلك أن يقف المدرسة على طلاب العلم ويشترط على كل فرد منهم أن يكون ملازما لصلاة الجماعة أو يواظب على الصلاة في أول وقتها، فإذا لم يقم الطالب بالعمل المشروط عليه كان الحكم بخروجه عن عنوان الموقوف عليهم وعدم خروجه عنه مشكلا، ولا يترك فيه الاحتياط، وإذا قصد الواقف من الشرط دخله في العنوان ولم يف به الشخص خرج عن الموقوف عليهم بلا ريب. [ المسألة 120: ] إذا وقف الانسان ضيعته أو عمارته أو عقاره الآخر على أولاده وأطلق الوقف، فالظاهر من ذلك انه ملكهم منفعة العين الموقوفة، فيجوز لهم استنماؤها واستثمارها، وبيع ما يحصل من ثمارها ومنافعها أو المعاوضة عليه بغير البيع مما يصح لهم من المعاوضات، واجارة ما يؤجر وأن يقتسموا الحاصل على الوجه الذي حدده الواقف من الحصص والتقدم والتأخر، فان لم يكن قد حدد شيئا اقتسموا الحاصل بالسوية، وليس لهم أن يختص بعضهم بمنفعة الضيعة مثلا وينفرد بعضهم بأجرة البناية، الا إذا خولهم الواقف بذلك. [ المسألة 121: ] إذا وقف الدار أو العمارة لسكني أولاده تعينت لذلك، فلا يصح لهم أن يؤجروا الدار أو العمارة على غيرهم ويقتسموا مال الاجارة بينهم

[ 148 ]

وان تراضوا بذلك، بل يتعين لهم الانتفاع بالسكنى خاصة، فإذا أمكن لهم أن يسكنوها جميعا سكنوها، ولا يصح لبعضهم ان يستقل بسكنى الدار ويمنع الآخرين، واذا اختلفوا في اختيار المساكن من الدار أو العمارة وكان الواقف قد جعل للوقف متوليا وجعل له النظر في تعيين المساكن لهم وجب عليهم اتباع نظره، وإذا لم يجعل على الوقف متوليا خاصا، أو كان قد جعل أولياء متعددين واختلفوا في التعيين رجعوا إلى الحاكم الشرعي في حسم نزاعهم، وإذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر عليهم الوصول إليه، رجعوا في تعيين المساكن بينهم إلى القرعة. وإذا عين الولي أو الحاكم الشرعي لهم المساكن أو عينتها القرعة، وامتنع بعضهم عن السكنى جاز للبعض الاخر أن يستقل بسكنى الدار، ولا حق للممتنع في أن يطالبه بالاجرة عن حصته. [ المسألة 122: ] إذا لم تكن الدار كافية لسكني جميع الموقوف عليهم اقتسموا السكنى فيها بالمهاياة، بأن يسكنها بعضهم أياما معلومة، أو أسبوعا، أو شهرا، أو سنة مثلا، ثم يسكنها الآخر مثل ذلك، فإذا تنازعوا في ذلك رجعوا إلى المتولي، ثم إلى الحاكم الشرعي ثم إلى القرعة على النهج الذي تقدم بيانه وليس لبعضهم أن يمتنع عن السكنى بالمهاياة ويطالب من سكن منهم بالاجرة عن حصته. [ المسألة 123: ] إذا وقف الرجل شيئا مما يملكه على مصلحة معينة، فبطلت المصلحة الموقوف عليها، ومثال ذلك أن يقف نخيلا يملكها على مسجد في القرية، فيخرب المسجد الموقوف عليه حتى لا يمكن تعميره أو تخرب القرية التي هو فيها وينقطع المصلون فيه، فلا يكون موردا لصرف منفعة الوقف فيه، أو يقف بستانا على مدرسة، فتخرب المدرسة ولا يستطاع تعميرها، أو تنقطع هجرة طلاب العلم إلى البلد التي هي فيه، فلا تصبح المدرسة موردا لصرف منفعة الوقف فيها، أو يقف شيئا على قنطرة، فيندرس النهر فلا يحتاج إلى قنطرة أو تنقطع المارة فتلغى فائدتها.

[ 149 ]

فان كان وقف ذلك الشئ على المصلحة المعينة بنحو تعدد المطلوب كما هو الغالب في وقف هذه الاشياء وجب أن تصرف منفعته بعد بطلان تلك المصلحة في مصلحة أخرى من جنسها، فإذا كان وقفا على مسجد معين صرفت منفعته على مسجد آخر، وإذا كان وقفا على مدرسة صرفت منفعته على مدرسة ثانية، وإذا كان وقفا على اقامة مأتم الحسين (ع) في بلد معين أو في حسينية معينة ولم يمكن ذلك، صرفت المنفعة في اقامة مأتمه (ع) في بلد آخر، أو في حسينية اخرى، وهكذا. وإذا تعذر وجود مصلحة من جنسها أو تعذر الصرف فيه، صرفت منفعة الشئ الموقوف في الاقرب فالاقرب إلى المصلحة الاولى الموقوف عليها، ولا يكفي صرفها في مطلق وجوه البر والخيرات، وإذا كان الوقف على المصلحة المعينة بنحو وحدة المطلوب، فالظاهر بطلان الوقف ببطلان المصلحة الموقوف عليها. [ المسألة 124: ] لا يجوز تغيير العين الموقوفة وازالة عنوانها الذي جرى عليه الوقف، وان كان التغيير إلى عنوان آخر، كما إذا أراد الموقوف عليه أو أراد متولي الوقف ان يغير الدار الموقوفة إلى محلات لخزن البضائع للتجار، أو يبنيها شققا للاجارة أو يجعلها دكاكين للتجارة أو غير ذلك، فلا يصح التغيير، عدا ما يأتي استثناؤه في المسألة الاتية. [ المسألة 125: ] إذا كان الوقف وقف منفعة، فقد يعلم أو يثبت من اطلاق الصيغة في الوقف أو من قرينة دالة أخرى: أن مقصود الواقف هو حصول المنفعة بأية صورة تكون العين الموقوفة عليها، فإذا تحقق هذا الفرض، صح تغيير العين اختيارا إلى ما هو اكثر منفعة وأجدى فائدة، وان كانت صورتها الموجودة ذات فائدة كثيرة أيضا، ويتولى ذلك ولي الوقف إذا كانت ولايته مطلقة تشمل مثل هذا التصرف. وقد يعلم من الواقف أن يثبت من اطلاق الانشاء أو من قرينة أخرى، ان المراد بقاء العنوان الذي جرى عليه الوقف مهما كان له دخل في كثرة المنفعة من العين، وان كان غيره اكثر منفعة منه، وإذا تحقق هذا

[ 150 ]

الفرض، لم يصح تغيير العين اختيار حتى تقل منفعتها، فإذا قلت المنفعة جاز تغيير العين إلى ما هو اكثر منفعة وأجدى، وتراجع المسألة المائة والثانية والاربعون في الفرق بين وقف المنفعة ووقف الانتفاع. وإذا لم يكن لانشاء الوقف اطلاق يدل على شئ ولم تدل القرائن على جواز التغيير، لم يصح ذلك، ومما بيناه يظهر ان المدار في المسألة على العلم بمقصود الواقف من الوقف وما يدل عليه اطلاق انشائه والقرائن الحافة به الدالة على مراده، ولا تجوز المخالفة لذلك وان كان الذي يريد التغيير هو ولي الوقف، بل وان كان الذي يريد التغيير هو الواقف نفسه، إذا بدا له بعد الوقف فأراد أن يغير العين عما حدد لها في صيغة الوقف، فلا يجوز له ذلك ولا ينفذ إذا فعل. [ المسألة 126: ] إذا احتاجت العين الموقوفة إلى تعمير أو ترميم أو اصلاح يتوقف عليه بقاء العين وايتاء ثمارها وتوفية منفعتها، وكان الواقف قد لاحظ ذلك حين الوقف فعين ما يصرف على ذلك عند الحاجة إليه، اتبع تعيينه، وصرفت الحصة المعينة على الاصلاح والتعمير، وان لم يعين الواقف لذلك شيئا، صرف عليه من منافع العين الموقوفة وكان ذلك مقدما على حق الموقوف عليهم، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثانية والستين بصورة أكثر تفصيلا، فلتراجع، وذكرنا في المسألة المائة والثالثة والثلاثين من كتاب التجارة أن الوقف إذا خرب بعضه على وجه فصلناه هناك جاز أن يباع البعض الخرب من الوقف ويصرف ثمنه في اصلاح البعض العامر منه، ولعلنا نتعرض لذلك في ما يأتي من المسائل ومن الله التوفيق. [ المسألة 127: ] إذا خرب المسجد وانهدم بناؤه وعفى أثره لم تخرج عرصة أرضه وبقايا آثاره الثابتة عن كونها مسجدا، ولذلك فتجري عليها أحكام المسجد، فلا يجوز تلويثها بالنجاسة ويجب تطهيرها إذا تنجست مع امكان ذلك، ويحرم مكث الجنب والحائض فيها، ولا يجوز بيعها أو المعاوضة عليها وصرف اثمانها واعواضها في احداث مسجدا آخر أو في

[ 151 ]

تعميره، وكذلك إذا خرجت القرية وانقطعت المارة والمصلون عن المسجد لم يخرج بذلك عن كونه مسجدا، وجرى عليه جميع الاحكام المتقدمة. [ المسألة 128: ] لا يجوز بيع الوقف ولا ابداله، ولا نقله بأحد النواقل التي تنقل العين من مالك إلى مالك كالهبة والهدية والصلح، ولا يجري عليه ميراث، سواء كان وقفا على مصلحة ام على عنوان أم على أشخاص، وسواء كان عاما أم خاصا، عدا ما يأتي استثناؤه عند طروء أحد مسوغات البيع فيه، وعند بطلان الوقف فيكون منقطع الآخر أو ما هو بحكمه، فترجع العين إلى ملك الواقف أو إلى ملك وارثه وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. وقد تقدم في المسألة السابقة حكم المسجد وانه لا يجوز بيعه ولا ابداله وان خرب وبقي ارضا فارغة وكذلك الحكم على الاحوط لزوما في المشهد، فلا يجوز بيعه وان خرب وزال عنوانه وتعطلت جهته. [ المسألة 129: ] لا تجوز اجارة المسجد ولا المشهد وان خربا وبقي موضعهما ارضا فارغة، فلا تصح اجارتهما للزرع أو للغرس أو لشئ آخر. [ المسألة 130: ] إذا خرب الوقف غير المسجد والمشهد، وزال عنوانه، فانهدمت حيطان الدار أو المدرسة أو البناية الموقوفة وبقيت عرصة فارغة مثلا، وجف الماء وتقلعت النخيل ويبست الاشجار من الضيعة أو البستان، وأمكن تعميره واعادة عنوانه وبنائه وغرسه ومنافعه بأن تؤجر الارض وبقايا العين مدة معلومة، وينفق مال الاجارة على تعمير الوقف واصلاحه، أو بأن يستدين المتولي لذلك ثم يسدد الدين من مال الاجارة أو من منافع العين بعد عمارتها، لزم ذلك وتعين العمل به، وإذا اريدت اجارة الارض وبقايا العين الخربة لذلك استؤذن متولي الوقف، والموقوف عليهم على الاحوط. [ المسألة 131: ] إذا وقف الانسان شيئا على مصلحة معينة أو على عنوان معين أو على

[ 152 ]

اشخاص معينين فخرب الوقف ولم يمكن تعميره وتجديده باجارة أو استدانة كما سبق ذكره، وبقيت للعين منفعة يعتد بها، لم يبطل وقف العين، ووجب صرف المنفعة الباقية على الجهة الموقوف عليها، فإذا كان البستان موقوفا على مسجد أو على مأتم مثلا وخرب البستان حتى بقي عرصة خالية لا نبات فيها، وأمكن ايجار العرصة لبعض المنافع وجب ايجارها وصرف مال الاجارة على المسجد أو المأتم الموقوف عليه الا ان تدل القرائن على أن مقصود الواقف خلاف ذلك. [ المسألة 132: ] الالآت والاثاث والفرش والاجهزة التي تجعل في المساجد أو المشاهد وأدوات التبريد والتدفئة والاضاءة وتكبير الصوت التي تكون فيها، ليست أجزاء من المسجد أو المشهد، فلا تلحقها أحكامها، وانما هي موقوفات مستقلة للانتفاع بها في المسجد أو المشهد مادام الانتفاع بها ممكنا وأعيانها باقية، وان أصبح الانتفاع بها قليلا أو كان بصورة غير معتادة كما إذا استعمل الفراش سترا للنساء، أو ظلالا يقي عن الشمس أو البرد. وإذا استغنى المسجد أو المشهد عن بعض هذه الاشياء استغناءا تاما بحيث تعد ضائعة ويكون ابقاؤها فيه سببا لتلفها نقلت من ذلك المسجد إلى مسجد آخر ومن ذلك المشهد إلى مشهد غيره، فان لم يوجد المماثل أو لم يمكن النقل إليه جعلت في الاقرب فالاقرب الى المصلحة الاولى الموقوف عليها، فان لم يمكن الانتفاع بها وكان بقاؤها موجبا للتلف، بيعت الاعيان وصرفت أثمانها في مصالح المسجد أو المشهد الذي وقفت عليه، وإذا استغنى عن أثمانها صرفت في مصلحة تماثله من مسجد أو مشهد آخر فإذا استغنى عنها صرفت في الاقرب فالاقرب إليه من المصالح. [ المسألة 133: ] تقدم منا قريبا وفي مواضع أخرى أن العين متى تم وقفها واجتمعت شروط صحة الوقف فيها، لم يجز بيعها ولا المعاوضة عليها بهبة أو صلح أو غيرهما من المعاوضات أو النواقل، والحكم بذلك اتفاقي

[ 153 ]

لا خلاف فيه، وقد استثني من ذلك عدة موارد يصح فيها بيع العين الموقوفة والمعاوضة عليها. (المورد الاول): أن يخرب الوقف فلا تبقى له أي منفعة يمكن أن تستوفى الا باتلاف عينه، كالحيوان الموقوف إذا وقذه المرض حتى أشرف على الموت، أو تردى في بئر أو من شاهق أو أشرف على الهلاك بسبب آخر فاضطر إلى ذبحه وبيع لحمه، وكالفراش الموقوف إذا تخرق وتمزق وكالجذع الموقوف إذا بلي، فان العين الموقوفة في هذه الامثلة وشبهها لا تبقى لها فائدة الا بأكلها أو جعلها وقودا واتلاف عينها بذلك، فيبطل وقفها ويصح بيعها والمعاوضة عليها. [ المسألة 134: ] (المورد الثاني): أن يخرب الوقف حتى يعد بين الناس معدوم الفوائد والمنافع ولا ينافي ذلك أن تبقى له منفعة قليلا يعتد أهل العرف بوجودها لقلتها ويلحقونها بالمعدوم، كما إذا جف ماء البستان الموقوف وتقلعت نخيله ويبست اشجاره ولم يمكن تجديده وبقي أرضا يابسة لا فائدة فيها سوى أن تؤجر لبعض الامور بشئ زهيد، والحكم في هذا المورد كما في سابقه هو بطلان الوقف وجواز بيع العين والمعاوضة عليها وكذلك الحكم إذا سقطت العين عن الانتفاع بها أصلا بسبب آخر غير الخراب أو سقطت عن الانتفاع بها حتى أصبحت معدومة المنفعة في نظر أهل العرف وان بقيت لها منفعة قليلة تلحق بالمعدوم وكان ذلك بسبب آخر غير الخراب. [ المسألة 135: ] (المورد الثالث): أن تتجدد أحداث أو تطرأ طوارئ يعلم معها بأن بقاء الوقف يستوجب خراب العين وبقاءها بغير منفعة أصلا فتكون من المورد الاول، أو يعلم معها بأن بقاءه يؤدي إلى ذهاب جميع منافع العين التي يعتد بها الناس، ولا تبقى لها الا منفعة يسيرة يلحقها أهل العرف لقلتها بالمعدوم فتكون من المورد الثاني، أو يظن ظنا يطمئن به عامة العقلاء ويعتمدون عليه بأن بقاء الوقف يؤدي إلى أحدهما.

[ 154 ]

والحكم في هذا المورد هو أن يؤخر الوقف إلى آخر زمان يمكن فيه بقاء الوقف واستيفاء منفعته، فإذا انتهى ذلك جاز بيع الوقف والمعاوضة عليه، ولا يصح بيعه ولا المعاوضة عليه قبل ذلك. [ المسألة 136: ] (المورد الرابع): أن يقف الرجل العين، ويلاحظ فيها أن يكون لها عنوان خاص يجعله قواما للعين الموقوفة، وللمنفعة المقصودة من وقفها، ويجعل وقفه للعين دائرا مدار وجود ذلك العنوان وبقائه، فيلاحظ أن تكون العين الموقوفة حماما مثلا، ويكون ذلك هو العنوان المقوم لوقف العين بحيث يكون الانتفاع المقصود من الوقف مقيدا بأن يكون من هذا السبيل، أو يلاحظ أن تكون العين دارا للسكنى أو بستانا ينتفع الموقوف عليهم بثماره ونمائه، ونتيجة ذلك أن يكون الوقف مقيدا ببقاء ذلك العنوان الخاص، فإذا زال العنوان ولم يمكن تجديده بطل وقف العين وصح بيعها والمعاوضة عليها وان وجدت لها منافع آخرى يمكن ان تستوفى بعد زوال العنوان. [ المسألة 137: ] (المورد الخامس): أن يقف الواقف العين ويشترط في صيغة وقفه أن تباع العين الموقوفة إذا احتاج الموقوف عليه إلى بيع العين، أو إذا قلت المنفعة منها، أو إذا طرأ طارئ معين آخر، فيكون أصل الوقف مقيدا بعدم حدوث ذلك الامر، فإذا حدث ذلك الشئ بطل الوقف وصح بيع العين. [ المسألة 138: ] إذا انهدم المسجد أو هدمه أحد لتجديد عمارته أو اصلاحه جرى في انقاضه وأخشابه وأجزائه الحكم المتقدم، فان أمكن الانتفاع بنفس الانقاض والاجزاء في المسجد نفسه ويجب ان ترجع إليه وتستدخل في عمارته، وان لم يمكن ذلك، وأمكن نقلها بأعيانها إلى مسجد آخر والانتفاع بها في اصلاحه وترميمه أو تعميره وجب ذلك وتعين، وإذا لم يمكن ذلك جاز بيع الانقاض والاجزاء والمعاوضة عليها ويصرف ثمنها في حاجات المسجد الاصلي على الاحوط، وإذا استغنى المسجد

[ 155 ]

الاصلي عنه، صرف الثمن في حاجات مسجد غيره، فإذا لم يوجد أو لم يمكن ذلك صرف في الاقرب فالاقرب إليه من المصالح [ المسألة 139: ] إذا خرب الوقف وذهبت جميع منافعه، وأمكن أن يباع بعضه ويعمر الباقي بثمن البعض المبيع لزم ذلك على الاحوط ولا يباع الجميع، وإذا خرب بعض الوقف وكان البعض الآخر محتاجا إلى الاصلاح جاز أن يباع البعض الخرب ويصرف ثمنه في اصلاح البعض الآخر. [ المسألة 140: ] إذا طرأ أحد مسوغات بيع الوقف المتقدم بيانها، واريد بيعه، رجع في ذلك إلى الحاكم الشرعي فيكون هو أو وكيله المتولي لبيعه، وهذا في جميع الاعيان الموقوفة التي يجوز بيعها، نعم، إذا كان الوقف على اشخاص معينين كالوقف على الذرية أو على زيد وذريته، وأريد بيعه فالاحوط أن يرجع فيه إلى الحاكم الشرعي والموقوف عليهم معا. [ المسألة 141: ] إذا بيع الوقف، فالاحوط لزوما أن يشتري بثمنه ملكا ويجعله وقفا على نهج الوقف الاول المبيع. [ المسألة 142: ] قد يلاحظ الانسان في وقفه للعين أنه يسبل المنفعة المقصودة بذاتها للاشخاص أو العنوان أو الجهة الموقوف عليها على نحو تمليك المنفعة أو على نحو صرف المنفعة عليها من غير تمليك كما إذا وقف ضيعته أو بستانه أو بنايته على الذرية أو على العلماء أو على السادة مثلا، أو وقفها على المسجد أو المشهد أو المأتم، ويسمى هذا القسم، وقف منفعة، وقد يلاحظ أنه يسبل الانتفاع بالمنفعة المقصودة، كما إذا وقف الدار لسكني ذريته فيها ووقف الشارع والقنطرة لمرور المارين والعابرين ووقف المدرسة لسكني طلاب العلم فيها، ووقف الخان لنزول المسافرين، ويسمى هذا القسم وقف انتفاع. ولا ينبغي الريب في أن ما يوقف من الاشياء وقف منفعة تجوز اجارته، سواء كان وقفا عاما أم خاصا وسواء كان على اشخاص أم على عنوان

[ 156 ]

أم على مصلحة، فان المقصود أن تصل المنفعة إلى الموقوف عليه ليستوفيها أو يستوفي بدلها، واما ما كان وقفه وقف انتفاع كما في الامثلة المتقدم ذكرها، فلا تجوز اجارتها فلا تصح للذرية اجارة الدار الموقوفة لسكناهم فيها، ولا تصح للطلاب اجارة المدرسة الموقوفة لسكناهم ودراستهم فيها، ولا للعابرين والمارين اجارة الشارع والقنطرة. [ المسألة 143: ] إذا كانت العين موقوفة على الذرية أو على غيرهم وقفا مرتبا، فآجرها البطن الاول من الموقوف عليهم مدة معينة، ثم انقرض البطن الاول قبل أن تنقضي مدة الاجارة، بطلت الاجارة في بقية المدة، فإذا أراد البطن الثاني ابقاء الاجارة، فلابد له من انشاء اجارة جديدة على الاحوط ولا يكفي أن يجيزوا الاجارة الاولى لانهم لم يكونوا مالكين في حال الاجارة. وكذلك الحكم إذا كان وقف العين على نحو التشريك، وآجرها الموجودون من الموقوف عليهم مدة، ثم ولد من يشاركهم في منفعة الوقف، فلا تصح الاجارة الاولى في حصة المولود الجديد، ولابد من الاجارة لحصته بعد أن يولد على الاحوط، ولا تكفي اجازة الاجارة الاولى، لان المجيز لم يكن مالكا حين الاجارة. [ المسألة 144: ] إذا آجر المتولي العين الموقوفة مدة معينة، وكانت اجارته لمصلحة الوقف، ثم انقرض البطن الاول جميعهم قبل أن ينقضي مدة الاجارة نفذت اجارة المتولي على البطن الثاني واستحقوا حصتهم من الاجرة، وكذلك إذا كانت اجارة المتولي لمصلحة البطون وكانت ولايته شاملة لهم فتصح اجارته في الجميع ويستحق البطن الثاني حصته من الاجرة. وكذلك الحكم إذا كان الوقف على نحو التشريك، وآجر المتولي العين ثم ولد من يشارك السابقين في الوقف عليهم، فتصح اجارة المتولي في الصورتين المذكورتين، ويستحق المولود الجديد حصته من مال الاجرة. [ المسألة 145: ] يجوز للرجل أن يقف البستان أو الضيعة ويستثني لنفسه منها نخلة

[ 157 ]

معينة أو شجرة معينة أو اكثر، فيكون المستثنى ملكا للواقف ولا يدخل في الوقف، ويجوز له ابقاؤها في الارض، ويصح له الدخول إليها والخروج عنها بمقدار ما يحتاج إليه في صلاح ملكه والانتفاع به ولا يحق للموقوف عليه قلعها. وإذا انقلعت شجرة الواقف أو نخلته المستثناه فلا حق له في مكانها من الارض فلا يجوز له أن يغرس فيه نخلة أو شجرة أخرى بدلها. ويجوز له أن يقف الدار ويستثني لنفسه غرفة معينة منها، فيصح له الدخول إليها والخروج منها متى أراد، وتكون أرض الغرفة ملكا له، فإذا انهدمت الغرفة بقيت أرضها ملكا له، فيصح له البناء فيها. [ المسألة 146: ] ما يخرج من الفسيل في النخيل أو الارض الموقوفة بعد وقفها لا يدخل في الوقف، بل يكون من منافعه ونمائه، فإذا نمى الفسيل في موضعه وصار نخلا أو قلع وغرس في موضع آخر من الارض الموقوفة حتى أصبح نخلا لم يكن وقفا بل يكون ذلك النخل وثمره من نماء الوقف، ونتيجة لذلك فيصح بيعه والمعاوضة عليه ويصرف ثمنه على الاشخاص الموقوف عليهم وفي الجهة الموقوف عليها. وكذلك الحكم في الاغصان التي تقطع من الشجر لاصلاحه، فإذا غرست ونمت واصبحت شجرا مثمرا لم تكن من الوقف بل تكون من نمائه، فيجوز بيعها كما تباع منافع الوقف الاخرى، ويصرف ثمنها في مصارف منفعة الوقف، واما فسيل النخيل وودي الاشجار الصغيرة الموجودة في حين انشاء الوقف فهي داخلة في الوقف فتجري فيها أحكام العين الموقوفة، فلا يجوز بيعها والمعاوضة عليها الا إذا جاز بيع الوقف لاحد المسوغات الآنف ذكرها. [ المسألة 147: ] إذا وقف المالك حصته من العين المشتركة بينه وبين صاحبه صح وقفه، فإذا قبض الموقوف عليه الحصة الموقوفة تم وقفها ونفذ، وكذلك إذا وقف المالك حصة معلومة من العين التي يملك جميعها كما إذا وقف نصف داره أو نصف ضيعته فيصح الوقف، وتكون العين مشتركة بين

[ 158 ]

الوقف والملك الطلق، وتصح القسمة بتمييز أحدهما عن الآخر، ويتبع الطريق الذي ذكرناه في فصل القسمة من كتاب الشركة، ويتولى القسمة بينهما متولي الوقف ومالك الحصة المملوكة، وإذا لم يكن للوقف متول مخصوص تولاها الحاكم الشرعي أو منصوبه، والاحوط أن يشترك الحاكم الشرعي مع الموقوف عليهم في تولي القسمة. وتصح قسمة العين المشتركة بين وقفين، سواء كان الواقف واحدا أم متعددا، ومثال الاول أن تكون الضيعة مشتركة بين زيد وعمرو على سبيل الاشاعة بينهما، فيقف كل واحد منهما حصته من الضيعة على أولاده، ومثال الثاني أن تكون الضيعة كلها مملوكة لزيد، فيقف نصفها المشاع على الفقراء ويقف نصفها الآخر على اليتامى. واما قسمة الوقف الواحد على الموقوف عليهم إذا تعددوا، فيشكل الحكم بصحتها، وخصوصا إذا كانوا بطونا مترتبين. [ المسألة 148: ] إذا شرط الواقف في صيغة الوقف شرطا وكان الشرط صحيحا مشروعا، وجب العمل به، فإذا شرط على الموقوف عليه أن يتصدق في كل شهر بمقدار معين مثلا أو أن يطعم عددا معلوما من المؤمنين لزمه ذلك، وإذا شرط عليه أن لا يؤجر العين اكثر من سنة لم تجز له المخالفة. [ المسألة 149: ] يثبت كون العين موقوفة بالشياع إذا أفاد العلم أو أفاد الاطمئنان بذلك، ويثبت بالبينة الشرعية، وباقرار صاحب اليد على العين بأنه وقفها، وباقرار ورثته من بعده جميعا بأن مورثهم قد وقف العين، وإذا أقر بعضهم دون بعض ثبت الوقف في حصة المقر، وثبت كذلك في حصة الآخرين من الورثة إذا توفرت في المقر شروط البينة الشرعية، فإذا لم تتوفر فيه شروطها لم ينفذ اقراره في حقهم، وهذا إذا لم يكن الورثة أصحاب يد بالفعل على العين الموقوفة. [ المسألة 150: ] يقبل اخبار صاحب اليد على العين بأصل الوقف كما ذكرنا، ويقبل اخباره بالخصوصيات التي يكون عليها الوقف، فإذا أخبر بأن الوقف

[ 159 ]

ترتيبي أو تشريكي، أو بأنه على الذكور والاناث أو على الذكور فقط، أو بأنه على وجه التساوي بين الموقوف عليهم أو على وجه الاختلاف في الحصص بينهم، قبل قوله ونفذ. ويقبل اخبار صاحب اليد أيضا إذا كان اخباره بفعله لا بقوله، ومثال ذلك: ان تكون العين تحت يده وهو يتصرف فيها ويعاملها معاملة العين الموقوفة من غير معارض، فيثبت الوقف بهذا الاخبار وكذلك إذا كان يتصرف في العين على نهج الوقف الترتيبي أو التشريكي بين الطبقات أو على الذكور والاناث معا أو على الذكور خاصة، وعلى وجه التساوي في الحصص أو الاختلاف فيها فيقبل خبره الفعلي بذلك إذا لم يعارضه اخبار بعض أصحاب اليد معه فيتصرف بخلافه. [ المسألة 151: ] لا يحكم بثبوت الوقف على الكتاب أو المصحف أو الاناء بمجرد وجود كتابة عليه انه وقف ما لم تقم معها قرينة تورث العلم أو الاطمئنان بتحقق وقفه، فلعل المالك كتب ذلك ليقف الشئ ثم عدل قبل الوقف، فإذا كان الكتاب أو المصحف أو الاناء بيد شخص، وهو يدعي ملكيته جاز الشراء منه إذا لم يعلم أو يطمئن بثبوت الوقف من بعض القرائن الحافة به. وكذلك إذا ظهرت ورقة كتب عليها ان زيدا وقف داره المعلومة أو بستانه المعين لم يثبت الوقف بمجرد ذلك ما لم يقترن بامارات أو عبارات تدل على الاعتراف بوقوع الوقف منه مع توقيعه عليه أو شهادات موثوقين بذلك، ولا يكفي مجرد كون الورقة بخطه، فلعله كتبها قبل الوقف ثم عدل عنه كما قلنا. [ المسألة 152: ] إذا كانت في يد الانسان ضيعة أو عين أخرى وهو يتصرف في العين على انها ملكه حكم بأنها ملكه كذلك وترتبت عليها آثار الملك شرعا وجاز شراؤها منه وشراء ثمارها واستئجارها وان علم بأن العين في السابق كانت وقفا أو ثبت ذلك بالبينة، لاحتمال عروض بعض مسوغات بيع الوقف فبيعت العين على ذلك الشخص أو على مورثه، فيحكم

[ 160 ]

بأن العين ملكه بمقتضى يده ولا تنتزع من يده الا إذا ثبت أنها وقف بالفعل. وإذا ادعى أحد أن هذه العين كانت وقفا على آبائه نسلا بعد نسل، فأقر الانسان الذي هي في يده بأنها كانت وقفا ثم طرأ أحد مسوغات البيع، فبيعت عليه، أخذ باقراره بأنها كانت وقفا، وانتزعت العين من يده حتى يثبت كلا الامرين اللذين ادعاهما، وهما عروض أحد المسوغات للبيع وشراؤه للعين. [ المسألة 153: ] قد يقف الانسان داره أو بستانه أو ضيعته من أجل ان يتحقق له غرض خاص يرغب في حصوله، وقد جعل وقف العين وسيلة لتحقق تلك الرغبة، ولا تتوقف صحة الوقف على حصول الرغبة التي أرادها، فإذا وقف العين ولم يحصل الغرض لم يبطل الوقف. ومثال ذلك أن تكون للرجل رغبة ملحة في أن يستعين أولاده على طلب العلم بتهيئة موضع السكنى لهم أو بتوفير سبب المعيشة في حياتهم فيقف عليهم الدار ليسكنوها والضيعة لينتفعوا بها، أو ان يتخلصوا بذلك من بعض النزاعات، فإذا لم تحصل له تلك الرغبة لم يبطل الوقف، وهذا الحكم عام في جميع المعاملات، فلا يبطل العقد أو الايقاع إذا تخلفت الرغبة التي أرادها من انشاء تلك المعاملات، فلم يحصل له الربح من ذلك البيع أو الشراء ولم تحصل الغاية المبتغاة من ذلك التزويج. [ المسألة 154: ] لا تجب الزكاة في العين الموقوفة إذا كانت من الاعيان الزكوية، فلا زكاة فيها على الواقف لخروجها عن ملكه، ولا على الموقوف عليهم وان قيل بملكهم للعين، وبلغت مقدار النصاب، ولا تجب الزكاة في منفعة العين إذا كان الوقف على نحو صرف المنفعة على الموقوف عليهم من غير تمليك، كما إذا وقف الضيعة على اطعام أولاده أو على كسوتهم أو تزويجهم، أو على اطعام الفقراء، فلا تجب الزكاة لعدم الملك كما ذكرنا وان بلغت حصة الفرد منهم مقدار النصاب.

[ 161 ]

وإذا كان الوقف على أشخاص الموقوف عليهم بنحو تمليك المنفعة لهم وكانت المنفعة من الاعيان الزكوية كالتمر والزبيب، وجبت الزكاة على من تبلغ حصته منهم مقدار النصاب أو تزيد عليه. وإذا كان الوقف على عنوان عام للافراد بنحو تمليك المنفعة، كما إذا وقف البستان على الفقراء، لم تجب الزكاة ايضا إذا كان قبض الفرد لحصته بعد وقت تعلق الزكاة بالغلة، لعدم الملك، فان الفرد لا يملك الحصة من المنفعة حتى يقبضها، فإذا قبضها بعد الوقت لم تجب عليه الزكاة. نعم إذا أعطى الولي الفرد الفقير مقدارا من منفعة الوقف قبل زمان تعلق الزكاة بها وبقيت في ملكه حتى حل الوقت وجبت الزكاة في حصته، إذا بلغت حد النصاب، وقد ذكرنا في المسألة الحادية والثمانين من كتاب الزكاة في هذه الرسالة وقت تعلق الزكاة بالغلة فلتراجع. [ المسألة 155: ] تعارف بين الناس أن يجمعوا المال من الافراد المتبرعين لاقامة بعض الشعائر المطلوبة فيجمع أهل البلد أو القرية الاموال منهم لاقامة مأتم الحسين (ع) في بلدهم أو في قريتهم، ويجمعها صنف خاص من العمال أو من القبائل لاقامة مأتم لهم، أو لاطعام الطعام في أيام معلومة بمناسبة معلومة، ويجمعونها كذلك ليذهبوا مجتمعين إلى كربلاء لزيارة الحسين (ع) في الاربعين واقامة المأتم والعزاء فيها، ويجمعونها ليذهبوا مجتمعين إلى زيارات أخرى ويقيموا العزاء والاطعام بمناسبات أخرى، وهي على الاقوى: نوع خاص من الصدقات والبذل في قربات خاصة يشترط صرفه في تلك الجهات المعينة. ونتيجة لذلك فلا يبقى المال بعد دفعه بهذا القصد ملكا لصاحبه ولا تترتب عليه آثار ملكه، فلا يحق لصاحبه الذي بذله للجهة أن يرجع به الا إذا شرط ذلك فترك الاشتراك في المشروع، ولا يرثه وارثه، إذا مات قبل أن يصرف المال، ولا يحل لدائنه أن يأخذ المال وفاءا لدينه. وإذا اجتمع المال ولم يمكن صرفه في الجهة المشترطة أو زاد على المقدار المحتاج إلى صرفه، فان أمكن تأخيره مدة وصرفه في الجهة المعينة

[ 162 ]

لزم ذلك، وان تعذر ذلك أو لم يمكن حفظ المال، صرف على الاحوط في ما هو أقرب فأقرب إلى تلك الجهة المشترطة. [ المسألة 156: ] إذا دفع المالك المال إلى الشخص الذي يتولى جمع المال من المتبرعين للمناسبة المتقدم ذكرها، وظهر من القرائن أنه انما يدفع المال أمانة بيد الشخص الآخذ ويراه وكيلا عنه في صرف المال في الجهة المعلومة، لم يخرج المال عن ملك صاحبه بهذا الدفع، فيجوز له ان يسترد المال قبل صرفه وإذا مات المالك قبل صرفه رجع ميراثا لوارثه، ولدائنه ان يرجع على الآخذ فيأخذ المال وفاءا لدينه إذا فلس أو مات وقصرت تركته عن ديونه، وإذا تعذر صرف المال في الجهة المعينة وجب على الاخذ مراجعته في صرف المال، وكذلك الحكم إذا احتمل انه انما دفع المال كذلك ولم تدل القرائن على شئ. [ المسألة 157: ] قد تجمع الاموال من المتبرعين بها لبناء مسجد، أو لبناء حسينية، أو لاقامة مشروع ديني آخر، والحكم في المال المجتمع نظير ما تقدم، فهو نوع خاص من الصدقات والقربات الخاصة، ولابد بعد جمعه من صرفه في الجهة المعينة التي بذل لها، إلى آخر ما ذكرناه في المسألتين المتقدمتين وإذا قام الآخذ ببناء المسجد وانشاء وقفه، أو ببناء الحسينية وانشاء وقفها بالاموال المتبرع بها صح وقفها على النهج الذي قام به وجمع المال من أجله، فان المتبرعين قد فوضوا الامر إليه في ذلك، وإذا زاد المال المتبرع به عن بناء المسجد وأراد المتولي للصرف أن يبني به مرافق للمسجد مثلا ومواضع للتطهير ونحو ذلك مما يحتاج المسجد إليه جاز له ذلك إذا كان المتبرعون قد فوضوا له الامر أو كان ذلك هو الاقرب الى الجهة المتبرع لها، وكذلك إذا زاد المال المجتمع عن بناء الحسينية، فأراد ان ينشئ لها مرافق وموضعا للطبخ، ومخزنا لحفظ الاثاث والادوات والفرش ونحو ذلك. [ المسألة 158: ] إذا دفع بعض المشتركين في جمع المال لبناء المسجد شيئا من الزكاة

[ 163 ]

من سهم سبيل الله، فعليه أن يعلم آخذ المال بذلك ليضعه في الموضع الذي يصح وضعه فيه، وعلى الآخذ أن يرجع في ذلك إلى أهل المعرفة ليضع الامور في مواردها، وإذا أراد ان يدفع شيئا من حق الامام (ع) فعليه أن يستعلم عن فتوى مقلده في ذلك ويستأذن فيه إذا كان محتاجا إلى الاذن، وعليه أن يعلم آخذ المال بذلك ليضع كل شئ في موضعه الصحيح. [ الفصل السابع ] [ في الحبس وأخواته ] [ المسألة 159: ] الفارق الاساس بين الوقف والحبس ان وقف العين يوجب زوال ملك المالك عنها في جميع أقسام الوقف سواء كان وقفا على جهة عامة أو خاصة ام كان وقفا على عنوان كذلك ام كان وقفا على اشخاص، كما ذكرنا في المسألة المائة والثالثة عشرة، على اشكال في الوقف إذا كان منقطع الاخير، وأن حبس العين لا يوجب زوال الملك عنها، وانما يوجب لزوم صرف نماء العين ومنافعها على الناحية التي ذكرها الحابس وعلى الوجه الخاص أو العام الذي عينه في انشائه. [ المسألة 160: ] يصح الحبس على كل ما يصح الوقف عليه ويمنع عن كل ما يمنع الوقف عليه، وتجري فيه اقسامه المتقدم ذكرها، فقد يكون الحبس على جهة من الجهات، فيحبس الرجل ملكه على مسجد أو على مشهد أو على حسينية أو مدرسة، وقد يكون على عنوان من العناوين، فيحبس ملكه على العلماء أو على الطلاب أو على الفقراء أو اليتامى، وقد يكون على اشخاص معينين فيحبس الملك على ولده علي أو على أخيه زيد وذريته، ونحو ذلك مما يجري في الوقف. [ المسألة 161: ] يعتبر في التحبيس قبض العين المحبوسة، ويعتبر كذلك أن يقصد الحابس القربة بحبسه للعين، وهل الشرطان المذكوران شرطا في صحة التحبيس ام هما شرطان في لزومه، لا يبعد الثاني، وان كان الاحوط

[ 164 ]

الاول، فلا ينبغي تركهما، فإذا لم يحصل القبض حتى مات المالك أشكل الحكم بصحة الحبس. [ المسألة 162: ] إذا حبس الرجل بعض ما يملكه على سبيل معين من سبل الخير، أو على موقع من مواقع العبادات كالكعبة المعظمة أو أحد المشاهد المشرفة أو أحد المساجد، أو على مطلق سبيل الله، على ان تصرف منافع العين على تلك الجهة، فقد يطلق الحابس انشاءه، فلا يقيده بدوام ولا بمدة معينة فيكون حبسه لازما، فلا يجوز له الرجوع فيه ما دامت العين موجودة، وكذلك إذا قيد انشاء حبسه بالدوام، فلا يجوز له الرجوع فيه، ولا يرث المنفعة وارثه إذا مات، وإذا حبس ملكه على الجهة مدة معينة كان حبسه لازما في تلك المدة، فلا يجوز له الرجوع فيها، فإذا انتهت المدة انتهى تحبيس المال ورجع إلى المالك إذا كان موجودا والى وارثه إذا كان ميتا. [ المسألة 163: ] إذا حبس الرجل بعض ما يملكه على شخص معين أو على عدة أشخاص مدة معلومة وقصد الحابس القربة وتحقق القبض كما ذكرنا كان الحبس لازما في المدة المعلومة، فلا يجوز للحابس الرجوع في حبسه ما دامت المدة، فإذا انقضت رجع المال إلى المالك إذا كان حيا، والى وارثه إذا كان ميتا، وإذا مات الحابس قبل ان تنقضي المدة لم ينته الحبس بموته، بل يبقى حتى تنتهي المدة، ثم يعود بعدها ميراثا، وكذلك إذا حبس ملكه على الشخص مدة حياة ذلك الشخص، فيجري فيه الحكم على التفصيل الآنف ذكره. وإذا حبس الرجل ملكه على شخص مدة حياة الحابس نفسه لم يجز الرجوع به في حياة الحابس، فإذا مات رجع بعده ميراثا. وكذلك إذا حبس ملكه على شخص ولم يذكر للتحبيس مدة معلومة ولا حدده بحياة أحدهما، كان الحبس لازما إلى موت الحابس، فإذا مات رجع بعد موته ميراثا، ولا يبطل بموت الشخص المحبس عليه وتنتقل المنفعة بعده إلى ورثته.

[ 165 ]

[ المسألة 164: ] إذا حبس الرجل ملكه على أحد العناوين مدة معينة فقال: حبست داري على اليتامى أو على المساكين مدة عشر سنين، كان الحبس لازما في المدة المعينة، فلا يجوز للحابس الرجوع فيها، وإذا أطلق الحبس ولم يعين له مدة كان الحبس لازما مادام الحابس حيا، فإذا مات رجع ميراثا. [ المسألة 165: ] إذا حبس الانسان العين المملوكة له على أن تصرف منفعتها في جهة معينة كان ذلك ايقاعا كما هو الشأن في الوقف، فيكفي في تحققه انشاء الايجاب من المالك ولا يحتاج إلى قبول، وإذا حبس العين على شخص أو على أشخاص معينين، ففي اعتبار القبول في صحته تأمل، وان كان اعتباره أحوط فلا يترك الاتيان به، ويكفي فيه اي لفظ يدل على الرضا بالتحبيس عليه. [ المسألة 166: ] تلحق بالحبس أمور ثلاثة: (السكنى) و (العمرى) و (الرقبى)، وهي من العقود فلابد في كل واحد منها من الايجاب والقبول، ولابد في كل واحد منها من أن تجتمع فيه شروط العقد وشروط المتعاقدين وقد ذكرناها مفصلة في كتاب التجارة فليرجع إلى المسائل المتعلقة بذلك من الكتاب المذكور. [ المسألة 167: ] يختص عقد (السكنى) بالمساكن ولا يجري في غيرها من الاعيان المملوكة، فإذا سلط المالك أحد على سكنى داره أو سكنى شقة من شقق عمارته مع بقاء العين على ملك المالك سمي ذلك (سكنى) ويقع الايجاب في عقد السكنى بكل لفظ يدل على تسليط الساكن على سكنى المنزل المعين، فيقول المالك له: اسكنتك داري المعلومة أو شقتي المعينة، أو جعلت لك سكناها، ونحو ذلك مما يقع به الانشاء المقصود، ويحصل القبول بأي لفظ يدل على رضا الساكن بالايجاب المذكور فيقول: قبلت أو رضيت أو نحوهما.

[ 166 ]

[ المسألة 168: ] إذا أسكن المالك أحدا داره، فقد يعين للاسكان مدة محددة فيقول له أسكنتك داري مدة خمس سنين، وقد يسكنه اياها مدة عمر الساكن نفسه، فيقول له: اسكنتك الدار مدة عمرك أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو ذلك، وقد يسكنه اياها مدة عمر المالك فيقول له اسكنتك الدار مدة حياتي أو مدة عمري أو ما بقيت حيا أو نحو ذلك، وقد يطلق المالك الاسكان فلا يذكر له مدة معينة ولا يقيده بعمر المالك ولا بعمر الساكن. [ المسألة 169: ] يعتبر في السكنى وفي العمرى ولرقبى أن يقبض الساكن العين على الاحوط كما تقدم في الحبس، فإذا لم يحصل القبض حتى مات المالك ففي صحة العقد اشكال. [ المسألة 170: ] إذا أسكن المالك شخصا داره مدة معينة كما إذا أسكنه الدار مدة خمس سنين سميت سكنى كما تقدم وسميت رقبى أيضا، فيصح أن ينشئ الايجاب بقوله أرقبتك الدار مدة خمس سنين، فإذا تم الايجاب والقبول بأحد النحوين المذكورين وحصل القبض لزم العقد، فلا يجوز للمالك الرجوع في اسكانه ما دامت المدة المضروبة، ولا يحق له ان يخرج الساكن من الدار قبل ان تنتهي المدة، وإذا انقضت رجع المسكن إلى المالك إذا كان موجودا والى وارثه إذا كان ميتا. [ المسألة 171: ] إذا اسكن المالك الشخص منزله مدة عمر الساكن أو مدة عمر المالك، وأجرى العقد على ذلك سميت سكنى كما تقدم، وسميت عمرى أيضا، فيصح له أن ينشئ العقد بقوله: أعمرتك الدار مدة حياتك أو مدة حياتي، فإذا تم الايجاب والقبول بين المالك والساكن على أحد الوجهين، وحصل القبض من الساكن لزم العقد، فلا يجوز للمالك ان يرجع باسكانه أو اعماره مادامت حياة أحدهما الذي قدرت العمرى

[ 167 ]

بمدة حياته، فإذا انتهت المدة المضروبة رجع المسكن إلى المالك أو إلى وارثه. [ المسألة 172: ] إذا كان اعمار الدار مقدرا بمدة عمر المالك فمات الساكن في حياة المالك، فان كان المالك قد جعل للساكن في عقد العمرى مجرد الانتفاع بالسكنى له ولتوابعه مدة عمر المالك، لم تنتقل السكنى إلى ورثة الساكن بعد موته بل ترجع إلى المالك، وان كان المالك قد جعل للساكن في العقد تمليك السكنى مادام المالك حيا، انتقلت السكنى بعد موت الساكن إلى ورثته فيملكونها مادام المالك حيا، وإذا مات المالك رجعت إلى ورثته. وكذلك الحكم في اسكان الدار مدة معينة الذي ذكرناه في المسألة المائة والسبعين إذا مات الساكن في المدة، فتنتقل السكنى إلى ورثته في الفرض الثاني، وترجع إلى المالك في الفرض الاول. [ المسألة 173: ] إذا قال المالك لاحد: أسكنتك هذه الدار لك ولعقبك من بعدك، وقبل الرجل، وقبض الدار لزم العقد ولم يجز للمالك ولا لورثته الرجوع في العقد مادام الساكن موجودا وما دام عقبه، فإذا انقرض وانقرض عقبه رجعت الدار الى المالك والى ورثته إذا كان ميتا. [ المسألة 174: ] إذا أسكن المالك الشخص وأطلق عقد السكنى، ولم يعين له مدة معلومة، ولا قيده بعمر الساكن ولا بعمر المالك، وحصل القبول والقبض من الساكن لزم العقد، ووجبت له السكنى بما يتحقق معه مسمى الاسكان ولو مدة يسيرة، وجاز للمالك بعد ذلك ان يرجع بالسكنى ويأمره بالخروج في اي وقت أراد. [ المسألة 175: ] إذا ثبت للساكن أو لورثته حق السكنى في المنزل بعد موت المالك في المواضع التي ذكرناها في ما سبق، لم يجز لورثة المالك اخراجهم من المنزل الى ان تنتهي المدة المحددة لسكناهم.

[ 168 ]

[ المسألة 176: ] إذا أطلق المالك عقد السكنى جاز للساكن ان يسكن في الدار هو وأهله وأولاده وخدمه وضيوفه ومن جرت العادة بأن يسكن معه، والحيوان والدابة التابعة له إذا كان في المنزل موضع معد لذلك، ويصح له أن يقتني ما جرت العادة لمثله باقتنائه من أثاث وأمتعة وغلات وأدوات ونحوها مما يعد من شؤونه وتوابعه. [ المسألة 177: ] لا يجوز على الاحوط للساكن أن يؤجر الدار الذي استحق السكنى فيها بعقد السكنى أو العمرى أو الرقبى، أو أن يعيرها لغيره أو يهب له سكناها أو يصالحه عليها، على تأمل في ذلك ولكنه احتياط لا يترك. [ المسألة 178: ] لا تخرج العين المحبوسة ولا الدار المعقود عليها بعقد السكنى أو العمرى أو الرقبى عن ملك مالكها، فيجوز للمالك بيع العين، ولا يبطل ببيعها عقد السكنى ولا العمرى والرقبى، فيبقى للساكن حق السكنى فيها على الوجه الذي جعله المالك له في العقد، وتنتقل العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة، مدة العقد المجعول، ولا يجوز للمشتري ابطال العقود التي أجراها المالك، وإذا كان المشتري جاهلا بوجود العقد عليها ثبت له الخيار بين ان يفسخ البيع وأن يمضيه بجميع الثمن. وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي ما إذا كانت السكنى مطلقة غير موقته بمدة ولا بعمر أحدهما وتحقق مسمى الاسكان، فإذا باع المالك العين بقصد فسخ السكنى صح البيع وانفسخ عقد السكنى بذلك. [ المسألة 179: ] يجري عقد العمرى في غير المساكن من الاعيان المملوكة كالعقار والاثاث والحيوان، فكلما يصح وقفه يصح اعماره وتجري فيه أحكام العمرى الآنف ذكرها، واما عقد الرقبى ففى جريانه في غير المساكن اشكال، فالاحوط ان لم يكن الاقوى الحاقه بالسكنى، فلا يجري بغير المساكن.

[ 169 ]

[ الفصل الثامن ] [ في الصدقة ] [ المسألة 180: ] توفرت الادلة بل تواترت، وتآزرت في الدلالة على استحباب الصدقة، وتنوعت ألسنتها في الترغيب فيها والحث عليها، (فان الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة)، كما يقول الامام أبو عبد الله جعفر بن محمد (ع)، وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع): (البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة السوء)، وعن ابي عبد الله (ع) (ان لكل شئ مفتاحا ومفتاح الرزق الصدقة)، وعن امير المؤمنين (ع): (اذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة)، وعن أبي جعفر (ع) في قول الله عز وجل: (فاما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى)، قال (ع): (وان الله يعطي بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد). وعن النبي صلى الله عليه وآله: (بكروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها)، وفي وصيته صلى الله عليه وآله لعلي (ع): (يا علي الصدقة ترد القضاء الذي ابرم ابراما، يا علي صلة الرحم تزيد في العمر، يا علي لا صدقة وذو رحم محتاج، يا علي لا خير في القول الا مع الفعل، ولا في الصدقة الا مع النية)، وعن امير المؤمنين (ع): (الصدقة جنة من النار)، وعن ابي عبد الله (ع): (صدقة العلانية تدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء، وصدقة السر تطفي غضب الرب)، وعنه (ع): (قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله: أي الصدقة أفضل؟ قال صلى الله عليه وآله على ذي الرحم الكاشح)، والمراد به المعادي، وعن ابي عبد الله (ع): (لو جرى المعروف على ثمانين كفا لاوجروا كلهم، من غير أن ينقص صاحبه من اجره شيئا). ويتأكد استحباب الصدقة ويتضاعف أجرها في بعض الاوقات من الايام المخصوصة كيوم الجمعة ويوم عرفة وأيام الاعياد وشهر رمضان وبعض الايام والاشهر الاخرى، ويتأكد استحبابها على الجيران والارحام

[ 170 ]

وبعض الاشخاص والاصناف ممن تكون لهم خصائص تفضلهم على غيرهم من التقوى والعلم وشرف النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله والفضائل الاخرى. [ المسألة 181: ] الاقوى الذي تدل عليه ظواهر الادلة ان الصدقة هي الاحسان بالمال على وجه القربة، وهي تختلف باختلاف مواردها، فقد يكون الاحسان بتمليك المال للمستحق، بهبة أو صلح على وجه القربة فيكون عقدا يفتقر إلى ايجاب وقبول، ويكون ذلك مصداقا من مصاديق الصدقة، وقد يكون الاحسان بوقف العين على المستحق على وجه القربة فيكون من الايقاع المفتقر إلى الايجاب وحده، وقد يكون الاحسان بابراء ذمة المدين المستحق مما عليه من دين ونحوه، فيكتفى فيه بالايجاب الدال على ذلك، فيقول الدائن: ابرأت ذمة زيد من الدين قربة إلى الله، وقد يكون الاحسان بدفع شئ من المال قليل أو كثير للمستحق قربة إلى الله فيكون من المعاطاة فيها، وقد يكون الاحسان ببذل المال له من مأكول أو ملبوس أو غيرهما قربة إلى الله، فيكفي فيه الاذن بالتصرف في المال المبذول، وهو في جميع هذه الموارد صدقة واحسان على وجه القربة تشمله الادلة ويتناوله الحث البالغ الذي طفحت به الادلة واستفاضت وتواترت به النصوص. [ المسألة 182: ] وقد استبان مما ذكرناه أن الصدقة تختلف كذلك بحسب اختلاف مواردها في اشتراط القبض فيها وعدم اشتراطه، فيشترط فيها القبض إذا كانت عقد هبة أو وقفا أو صلحا على عين مملوكة أو معاطاة بمال ونحوه على وجه القربة، فان صحة هذه المعاملات مشروطة بالقبض ولا يشترط فيها القبض إذا كانت ابراءا لذمة المستحق أو بذل مال له ونحو ذلك. [ المسألة 183: ] إذا تحققت الصدقة في مورد من مواردها وتحقق قصد القربة وتم ما يعتبر في موردها من عقد أو ايقاع وقبض أو غير ذلك كانت لازمة

[ 171 ]

لا يجوز الرجوع بها وان كانت هبة لاجنبي على الاصح، إذا قصد الواهب بها القربة كما هو الشرط في الصدقة. [ المسألة 184: ] وقد ظهر مما ذكرناه ايضا أن الفارق الاساس بين الصدقة وغيرها مما يتحقق في مواردها هو قصد القربة، فإذا وهب الرجل أو صالح أو أبرأ أو وقف أو أعطى ولم يقصد بفعله التقرب إلى الله كانت المعاملة هبة وصلحا وابراءا ووقفا وعطية ولم تكن صدقة، وإذا قصد بعمله القربة تحققت المعاملات المذكورة وكانت صدقة أيضا. [ المسألة 185: ] إذا كان المتصدق هاشميا حلت صدقته لغيره، سواء كان هاشميا أم غير هاشمي، وسواء كانت صدقته زكاة مال أم زكاة فطرة، أم صدقة أخرى واجبة أم مندوبة وتبرأ ذمة المتصدق بأخذه لها مع اجتماع بقية الشرائط فيه. ويحرم على الهاشمي أن يأخذ زكاة المال أو زكاة الفطرة من غير الهاشمي، وإذا أخذها لم تحل للآخذ ولم تبرأ ذمة الدافع، ويجوز للهاشمي على الاقوى أن يأخذ من غير الهاشمي صدقاته الاخرى سواء كانت واجبة كفدية الصوم، والكفارات ورد المظالم وما اشتغلت به الذمة من مجهول المالك وشبهه، أم كانت مندوبة، فيجوز له أخذها من غير الهاشمي، وان كان الاحوط له استحبابا الاجتناب عن الواجبات منها. وفي جواز أخذه للصدقات اليسيرة التي يقصد بها دفع البلاء وشبه ذلك مما يكون من مراسم الذل والهوان عادة اشكال، فالاحوط لزوما للهاشمي الاجتناب عنها، بل الاحوط للمتصدق عدم دفعها له. [ المسألة 186: ] يجوز دفع الصدقة المندوبة للفقير والغني وللمؤمن والمخالف إذا لم يكن ناصبيا، وللكافر إذا كان ذميا، ولا يجوز دفعها للناصب والكافر الحربي وان كانا رحمين قريبين.

[ 172 ]

[ المسألة 187: ] يتضاعف أجر الصدقة إذا كانت سرا، وقد تقدم في حديث الامام الصادق (ع): (ان صدقة السر تطفئ غضب الرب)، وعن أحدهم (ع): (صدقة السر تطفئ غضب الرب وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وتدفع سبعين بابا من البلاء)، وعن النبي صلى الله عليه وآله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله، إلى ان قال صلى الله عليه وآله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله. [ المسألة 188: ] يستحب استحبابا مؤكدا أن يوسع الرجل على عياله في معيشتهم، وهي أفضل من صدقته على غيرهم، فإذا كان عنده مبلغ من المال ودار أمره بين أن يوسع به على عياله وأن يتصدق ببعضه على من سواهم فالافضل له أن يختار الاول، وقد ورد عن أبي عبد الله (ع): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: افضل الصدقة صدقة تكون عن فضل الكف)، وعنه صلى الله عليه وآله: (كل معروف صدقة وافضل الصدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول). [ المسألة 189: ] الصدقة على الرحم المحتاج أفضل من الصدقة على غيره، وقد تقدم قول الرسول صلى الله عليه وآله: (لا صدقة وذو رحم محتاج)، وأفضل من ذلك الصدقة على الرحم الكاشح، وقد تقدم في حديث ابي عبد الله (ع) أنه قال: (سئل رسول الله أي الصدقة أفضل؟، قال صلى الله عليه وآله: على ذي الرحم الكاشح)، والمراد به: القريب للانسان في النسب وهو يضمر له في باطنه العداء. [ المسألة 190: ] يستحب للرجل أن يكون وسيطا في ايصال الصدقة من المالك إلى المستحق، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله في بعض خطبه انه قال: (ومن تصدق بصدقة عن رجل الى مسكين كان له مثل أجره ولو تداولها أربعون ألف انسان ثم وصلت إلى المسكين ان لهم اجر كامل)، وعن ابي عبد الله (ع): (المعطون ثلاثة، الله رب العالمين، وصاحب المال، والذي يجري على يديه).

[ 173 ]

[ المسألة 191: ] يكره للانسان أن يسترجع إلى ملكه مالا دفعه إلى المستحقين في صدقاته الواجبة أو المندوبة، فيشتريه من المستحق أو يتهبه منه أو يتسبب إلى تملكه منه بسبب اختياري آخر، ولا يكره إذا عاد المال إلى ملكه بالميراث. [ المسألة 192: ] يكره للانسان أن يرد سائلا يسأله وان كان يظن انه غني غير محتاج، فيعطيه ولو شيئا يسيرا أو يرده ردا جميلا، فقد جاء في بعض كلمات أمير المؤمنين (ع): (ان المسكين رسول الله اليكم، فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه فقد اعطى الله)، وعن ابي عبد الله عن ابيه (ع): ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (ردوا السائل ببذل يسير وبلين ورحمة). [ المسألة 193: ] يكره للرجل أن يسأل أحدا وان كان محتاجا، فعن الامام ابي جعفر (ع): (لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، ولو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا)، وعن ابي عبد الله (ع): (اياكم وسؤال الناس فانه ذل في الدنيا، وفقر تستعجلونه، وحساب طويل يوم القيامة). [ المسألة 194: ] لا يجوز للانسان - على الاحوط، ان لم يكن ذلك هو الاقوى - أن يسأل أحدا من غير حاجة، فعن ابي عبد الله (ع): (ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتى يحوجه الله إليها، ويثبت الله له بهار النار)، وعنه (ع): (من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الخمر)، وعن أبي جعفر (ع): (اقسم بالله ولهو حق - ما فتح رجل على نفسه باب مسألة الا فتح الله عليه باب فقر).

[ 175 ]

[ كتاب الغصب ]

[ 177 ]

[ كتاب الغصب ] وفيه ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الغصب وما يلحق به ] [ المسألة الاولى: ] الغصب هو استيلاء الشخص على مال غيره، أو على شئ من حقوقه ظلما، وقد تطابقت الادلة على تحريمه وشدة العقاب عليه، وسيأتي ذكر أمور تلحق بالغصب في بعض أحكامه فيكون الشخص المستولي على الشئ ضامنا له إذا تلف أو إذا طرأ عليه نقص أو عيب، ويجب عليه رده إلى صاحبه إذا كان الشئ موجودا، وان لم يكن الاستيلاء عليه غصبا محرما. [ المسألة الثانية: ] قد يتحقق الغصب والاستيلاء ظلما على كل من العين المملوكة وعلى منفعتها معها من مالك واحد، ومثال ذلك: أن يأخذ الشخص دار زيد منه ويسكنها ظالما له في كليهما، فيكون غاصبا للدار وغاصبا لمنفعتها من زيد باستيلائه على الدار وعلى المنفعة، وكلتاهما مملوكتان لزيد نفسه. وقد يتحقق الغصب للعين من مالك، ويكون الغصب لمنفعتها من مالك آخر ومثال ذلك: أن تكون الدار مستأجرة لشخص آخر، فيستولي الظالم على الدار من مالكها، وعلى المنفعة من المستأجر فيكون غاصبا لكل واحدة منهما من مالكها، وقد يستولي على الدار غصبا مدة الاجارة، ولا يستطيع أن يستولي على المنفعة من المستأجر لعدم قدرته على غصبها

[ 178 ]

منه، أو يستولي على المنفعة وحدها، ولا يمكنه غصب الدار، فيكون غاصبا لاحداهما دون الاخرى. وقد يحصل الغصب بالاستيلاء على حق مالي للغير، كما إذا استولى على أرض قد حجرها شخص، أو غصب عينا مرهونة عند أحد، فيكون غاصبا لحق الشخص الذي حجر الارض ولحق المرتهن الذي ثبت له في العين حق الرهن، وكما إذا غصب الحجرة من الطالب الذي سكنها في المدرسة أو غصب المكان ممن سبق إليه في المسجد أو المشهد. [ المسألة الثالثة: ] قد يكون المغصوب منه شخصا معينا من الاشخاص كما في الامثلة الآنف ذكرها، وقد يكون المغصوب منه نوعا من الانواع، ومثال ذلك: أن يعين المالك زكاته أو خمسه في مال معين فيستولي عليه الغاصب قبل ان يدفعه المالك الى مستحق معين، فيكون المغصوب منه هو نوع المستحق للزكاة أو الخمس، وكما إذا استولى على مدرسة موقوفة فمنع الطلاب أن يسكنوها، أو استولى على الضيعة الموقوفة على الفقراء أو على اليتامى فمنعهم أن يتصرفوا بمنفعتها، فيكون المغصوب منه في جميع هذه الامثلة هو النوع. [ المسألة الرابعة: ] يحرم الغصب في جميع اقسامه، سواء كان الشئ المغصوب عينا أم منفعة أم حقا، ويجب على الغاصب فيها جميعا رفع اليد عن الشئ المغصوب ورده إلى صاحبه، إذا كان الشئ موجودا، وإذا كان تالفا أو طرأ عليه نقص أو عيب، وكان عينا أو منفعة لزم الغاصب ضمانه في صورة التلف، ولزمه ضمان ما نقص منه في صورة النقص، وضمان ارشه في صورة العيب، وكذلك إذا كان حقا يبذل بأزائه المال كحق التحجير وحق الاختصاص، ولا ضمان عليه إذا كان الحق مما لا يبذل بازائه المال، كحق السبق إلى المكان في المسجد أو المشهد. [ المسألة الخامسة: ] لا يتحقق الغصب بالاستيلاء على الانسان إذا كان حرا، فإذا استولى عليه ظالم ووضع يده عليه لم يكن مغصوبا، سواء كان ذلك الحر

[ 179 ]

المستولي عليه كبيرا أم صغيرا، وضعيفا أم قويا وان كان الذي استولى عليه ظالما له وآثما بفعله، ولا يدخل الحر بسبب ذلك في ضمانه، فإذا مات المحبوس تحت استيلاء المستولي أو طرأ عليه حادث، فهلك بغير تسبيب من الحابس فلا ضمان عليه بسبب استيلائه عليه، ولا يضمن منافعه التي تفوت بسبب ذلك، فإذا كان الحر المستولي عليه صاحب صنعة ولم يعمل بصنعته في تلك المدة لم يضمن الحابس آجرتها. [ المسألة السادسة: ] إذا هلك الحر المستولي عليه تحت استيلاء ظالمه، وكان هلاكه بتسبيب من المستولي كما إذا حبسه ومنعه من الماء أو من الاكل، فهلك جوعا أو عطشا، أو وضعه في مكان يتعرض فيه للدغ الحشرات، أو لاذى بعض الحيوانات أو السباع، فهلك بسبب ذلك كان ضامنا لهلاكه أو للعيب الذي يصيبه من ذلك، وضمانه من حيث تسبيبه للهلاك لا من جهة الغصب. وإذا استوفى المستولي من الحر بعض منافعه بعمل أو استخدام ضمن المنافع التي استوفاها منه، فيجب عليه دفع اجرتها، وإذا كان الحر المستولي عليه أجيرا لاحد، فمنعه المستولي عن العمل في المدة المعينة للعمل، كان المستولي ضامنا للمستأجر ما فوته عليه من المنفعة المملوكة له على الاجير في تلك المدة. وإذا كان الحر المستولي عليه أجيرا للمستولي نفسه على عمل، فمنعه بسبب استيلائه عليه من العمل لزمه ان يدفع له الاجرة المسماة له بعقد الاجارة بينهما، وضمان المستولي في هذه الصور بأسباب أخرى توجب الضمان لا بسبب الغصب. [ المسألة السابعة: ] إذا منع الرجل صاحب الدابة المرسلة من أن يمسك دابته، لم يكن بذلك غاصبا لعدم استيلائه على الدابة، وان ظلم صاحب الدابة بمنعه عن امساكها وأثم لذلك، فإذا عطبت الدابة بغير تسبيب منه لم يضمن عطبها ولا عوارها.

[ 180 ]

وكذلك إذا منع صاحب السلعة من أن يبيع سلعته، فلا يكون غاصبا للسلعة بذلك، ولا يضمن نقص قيمتها إذا نقصت بعد ذلك، وكذا إذا منع صاحب الدار من ان يدخل داره، أو منع صاحب الفراش أن يتصرف في فراشه أو أن يرفعه من موضعه، فلا يكون غاصبا للدار ولا للفراش، ويأثم لمنعه صاحب الحق عن حقه، فإذا انهدمت الدار أو سرق الفراش بغير تسبيب منه فلا ضمان عليه. [ المسألة الثامنة: ] المدار في تحقق الغصب للشئ هو أن يكون الشئ تحت استيلاء الانسان عدوانا، فإذا كان الشئ في بيته وطالبه المالك به فامتنع من دفعه له وحرص على منعه منه عدوانا كان غاصبا وان لم يحصل نقل للشئ ولا أخذ، وكذلك في سائر الاموال من الحيوان وغيره من المنقولات وغير المنقولات من الدور والضياع والدكاكين والقرى والمزارع وغيرها. ويتحقق غصب المنافع بانتزاع العين ذات المنفعة من يد مالك المنفعة، فإذا استأجر زيد الدار من مالكها، ثم انتزعها المؤجر من المستأجر عدوانا أو استولى عليها شخص آخر فمنع المستأجر منها ظلما كان غاصبا للمنفعة، سواء استوفى المنفعة في مدة الاجارة أم لا. [ المسألة التاسعة: ] إذا سكن الرجل الدار مع مالكها ظالما له بذلك، وكان مالك الدار غير قادر على اخراج هذا المستولي من داره، فقد يكون استيلاء هذا الرجل العادي مختصا بطرف معين من الدار فيكون تصرفه وسكناه في تلك الجهة منها خاصة، ولا يعم بقية الاطراف من الدار، فيكون الغصب مختصا بالجهة المستولي عليها ويكون الضمان مختصا بها كذلك ولا يعم بقية الدار. وقد يعم استيلاؤه وتصرفه جميع الدار بحيث يكون استيلاؤه واستيلاء المالك على مجموع الدار بنسبة واحدة فيكون غاصبا لنصف الدار مشاعا ويكون ضامنا لنصفها كذلك، فإذا انهدم جميع الدار فهو ضامن لنصفها وإذا انهدم بعضها، فهو ضامن لنصف ذلك البعض المنهدم، وكذلك حكمه في ضمان المنفعة.

[ 181 ]

وإذا استولى على الدار، رجلان ظلما فسكنا مع المالك داره على نهج ما سبق، كان كل واحد من الرجلين العاديين غاصبا لثلث الدار وكان كل واحد منهما ضامنا لثلثها على البيان والآنف ذكره، وإذا كانوا ثلاثة كان غصب كل واحد منهم لربع الدار وكان ضمانه لربعها. وهكذا. [ المسألة العاشرة: ] الظاهر انه لا يتحقق الغصب في الفرض الذي ذكرناه في المسألة السابقة، إذا كان الرجل العادي الذي سكن الدار مع المالك ضعيفا، وكان مالك الدار قويا قادرا على اخراجه منها متى شاء، فلا يحصل الغصب بسكناه مع المالك، ولا ضمان عليه إذا طرأ تلف أو عيب في الدار، ويستحق المالك عليه أجرة المثل عن المنفعة التي استوفاها بسكنى الدار مع المالك. [ المسألة 11: ] إذا كان مالك الدابة راكبا على ظهرها، فأخذ رجل بزمام الدابة ظلما وقادها واستولى عليها فان كان المالك الراكب عليها ضعيفا لا يملك مقاومة المستولي في ما يصنع بدابته، فالظاهر تحقق الغصب بذلك فيكون قائد الدابة ضامنا لها، إذا أصابها عطب أو عيب أو كسر. وان كان المالك قويا قادرا على دفع المستولي وعلى مقاومته، لم يتحقق الغصب بذلك وان استسلم لقيادته موقتا لبعض الاغراض، فلا ضمان على القائد إذا تلفت الدابة أو أصابها كسر أو جرح بغير تسبيب منه ويضمن ما يصيبها أو يصيب المالك الراكب بسبب تصرفه، كما إذا قادها بعنف فسقطت وانكسرت أو جرحت أو هلكت أو أصاب المالك شئ من ذلك، وكذلك إذا ساقها بعنف فجمحت أو سقطت، فيكون ضامنا لما يحصل بسببه. ويجري نظير هذا التفصيل في الحكم في السيارة إذا كان المالك متوليا لقيادتها وأراد رجل آخر غصبها منه والاستيلاء عليها، فتجري فيها الصور المتقدمة وتنطبق آثارها فيتحقق الغصب في بعضها ولا يجري في البعض ويحصل الضمان إذا تحققت اسبابه ولا يحصل إذا لم تتحقق.

[ 182 ]

[ المسألة 12: ] إذا اشترك رجلان في غصب الدار أو السيارة من المالك في الفرض المتقدم فتآمرا بينهما على استغفال المالك ومقاومته والاستيلاء على الشئ المغصوب، ضمن كل واحد من الغاصبين مقدار ما استولى عليه من الدابة أو السيارة، فان كان استيلاؤهما عليها بالتساوي كان كل واحد منهما ضامنا لنصفها وإذا كان استيلاؤهما متفاوتا ضمن كل واحد ما استولى عليه منها، من غير فرق في الحكم بين أن يكون الرجلان معا سببا واحدا في حصول الاستيلاء، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا في الاستيلاء على العين، ومثال ذلك: أن يكون الرجلان ضعيفين لا يمكن لهما الاستيلاء على الشئ الا إذا تآزرا معا فقاوما المالك واستوليا على ماله، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا كافيا في حصول الاستيلاء إذا انفرد عن صاحبه. [ المسألة 13: ] الظاهر أن غصب الاوقاف التي تفيد تمليك المنفعة للموقوف عليهم يوجب ضمان العين والمنفعة إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، سواء كانت وقفا على اشخاص ام على عنوان عام أو خاص، وكذلك غصب الاوقاف التي تفيد صرف المنفعة على الموقوف عليهم من غير تمليك في الموارد المذكورة، فإذا غصب الوقف منها غاصب كان ضامنا له ولمنفعته. [ المسألة 14: ] إذا كان الوقف وقف انتفاع لا وقف منفعة، كوقف المصاحف وكتب العلم وكتب الادعية للقراءة فيها والانتفاع منها، ووقف المدارس لينتفع الطلاب بسكناها، ووقف خانات المسافرين والرباطات للفقراء والقناطر والشوارع للعابرين، وغصبه غاصب أو أتلفه متلف اشكل الحكم بضمانه فلا يترك الاحتياط فيه. [ المسألة 15: ] إذا غصب المسجد غاصب فالظاهر انه لا ضمان عليه بذلك فلا يضمن عينه إذا تلفت بعد الغصب أو انهدمت جدرانه أو تصدعت وحدثت فيها

[ 183 ]

عيوب، ولا يضمن أجرته إذا سكن فيه أو اتخذه مخزنا لبعض أمواله أو موضعا لبعض أعماله. [ المسألة 16: ] يتحقق الغصب بالاستيلاء على العبد المملوك أو الامة المملوكة أو الدابة المملوكة، وتترتب عليه جميع أحكامه ويكون الغاصب ضامنا للعين ولمنافعها، سواء استوفاها الغاصب أم لم يستوفها. [ المسألة 17: ] إذا لم يستول الانسان على العبد المملوك ولم يضع يده عليه ولكنه منعه عن عمل خاص له أجرة من غير أن يستوفي منفعته، لم يضمن ذلك الانسان عمله الفائت لعدم الغصب وان كان آثما بمنعه عن الاتيان بالعمل، والفارق في ضمان منفعة العبد في المسألة المتقدمة وعدم الضمان هنا، هو تحقق الغصب في تلك المسألة وعدمه هنا فلا التباس بين المسألتين. وإذا كان العبد أجيرا على ذلك العمل فمنعه الرجل عن الاتيان به وفات العمل بسبب منعه على المستأجر ضمنه للمستأجر وقد تقدم نظيره في الحر في المسألة السادسة. [ المسألة 18: ] يلحق بالشئ المغصوب في الحكم بضمانه على الغاصب الشئ المقبوض بالعقد الفاسد فيكون مضمونا على القابض، فإذا كان البيع فاسدا، فالمبيع الذي يقبضه المشتري والثمن الذي يأخذه البائع يكونان مضمونين عليهما إذا تلفا بعد القبض أو حدث فيهما عيب أو نقص، وإذا كانت الاجارة فاسدة فالعين المستأجرة التي يقبضها المستأجر، والاجرة التي يقبضها المؤجر يكونان في ضمانهما كذلك، وإذا كان النكاح فاسدا فالمهر الذي تقبضه الزوجة يكون في ضمانها، سواء كان المتعاقدان عالمين بفساد العقد أم جاهلين به، وقد تعرضنا لبعض الفروض التي تتعلق بذلك في فصل شروط المتعاقدين من كتاب التجارة. ويلحق بالشئ المغصوب في الحكم بالضمان أيضا الشئ الذي يقبض بالسوم قبل العقد، كالعين التي يقبضها الشخص المستام لينظر أوصافها

[ 184 ]

ويتعرف على خصائصها، فإذا وافقت رغبته اشتراها أو استأجرها فتكون العين في ضمانه إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، وان لم يكن غاصبا ولا آثما في قبضه للعين. [ المسألة 19: ] إذا غصب الانسان أمة حاملة أو غصب انثى من الحيوان المملوك حاملة دخل الحمل في الغصب وتعلقت به احكام الغصب كما تعلقت بأمه ويكون الاستيلاء على أمه استيلاءا عليه فيكون الغاصب ضامنا للحمل كما هو ضامن للحامل فإذا مات الجنين في بطنها أو أسقطته ميتا أو مات في الولادة أو هلك بعد الولادة أو سقط ناقصا أو معيبا كان الغاصب ضامنا له في جميع ذلك ويضمن الجنين وأمه إذا نقصا في الاجهاض معا أو الولادة أو تعيبا أو تلفا. [ الفصل الثاني ] [ في أحكام الغاصب ] [ المسألة 20: ] يجب على الغاصب رد العين التي غصبها إلى مالكها إذا كانت موجودة، وان كان ردها يكلفه بذل مال وتحمل مؤنة، كما إذا كان المالك في بلد آخر وكان نقل العين المغصوبة إليه يتوقف على صرف مقدار من المال، بل وان استلزم رد العين ضررا شاقا على الغاصب، كما إذا كان قد جعل الحديد أو الخشب المغصوب أجزاءا من سقف بيته أو أعمدة يقوم عليها بناؤه، فإذا أرادها المالك وجب على الغاصب اخراجها من البناء وارجاعها إليه وان أوجب ذلك خللا أو هدما لبنائه، فانه قد تعمد كل ذلك بفعله وتصرفه عاديا بغير حق. [ المسألة 21: ] إذا أدخل الغاصب لوحا أو ألواحا مغصوبة في تعمير سفينته وجب عليه نزع اللوح أو الالواح من السفينة في الحال وارجاعها إلى مالكها وان أوجب ذلك خرق السفينة أو تحطيمها وإذا اتفق كونه في ذلك الحال في البحر وخاف من الغرق إذا هو نزع اللوح وخشي هلاك نفس محترمة

[ 185 ]

جاز له تأخير ذلك، فإذا ارتفع المحذور وجب عليه نزع المغصوب ورده إلى صاحبه، وكذلك إذا خشي في البحر تلف مال محترم لغير الغاصب، وإذا كان المال للغاصب العامد ففي جواز التأخير اشكال. ويجب رد الخيوط المغصوبة إذا خاط الغاصب بها الثوب والزمه المالك بنزعها فيجب عليه نزعها وان فسد الثوب. [ المسألة 22: ] إذا أخرج الخشب أو الحديد المغصوب من البناء أو انتزع اللوح المغصوب من السفينة، أو الخيط من الثوب، فأوجب ذلك نقصا في تلك الاشياء المغصوبة لزم الغاصب ضمان ارشها، وإذا لم تبق لها قيمة بعد النزع وجب على الغاصب دفع بدلها إلى المالك وكانت بحكم التالف فلا يحق للمالك أن يطالبه بالعين مع عوض المنفعة. [ المسألة 23: ] يجري حكم العين المغصوبة الآنف ذكره في المال المأخوذ بالمقامرة والمال المأخوذ اجرة على عمل محرم كالاجرة على الزنا أو على اللواط أو على عمل الخمر أو على حمله أو على خزنه أو على بيعه، فيجب رده إلى صاحبه وان دفعه إليه باختياره وكان شريكا في الكبيرة أو في العمل المحرم. [ المسألة 24: ] إذا استولى الغاصب على العين مدة وكانت ذات منفعة، وجب عليه رد العين على مالكها، ودفع بدل منفعتها تامة في تلك المدة، سواء كان قد استوفى المنفعة أم لم يستوفها فإذا هو غصب الدار مدة سنة، وجب عليه رد الدار، ودفع أجرة المثل لسكني الدار في مدة السنة، وان لم يسكن الدار في المدة أو سكنها في بعض المدة أو اسكنها غيره، وكذلك إذا غصب الحانوت أو غصب الارض أو غصب السيارة، فعليه رد العين ودفع قيمة المثل لمنفعتها. [ المسألة 25: ] إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة يمكن أن تستوفى منها،

[ 186 ]

وجب عليه رد العين، ووجب عليه دفع البدل عن المنفعة الشائعة المتعارفة بين الناس من منافع تلك العين، ولا يضمن أجرة المثل للمنافع الاخرى، وان أمكن استيفاؤها من العين، فإذا غصب الدار وجب عليه رد الدار ودفع أجرة المثل عن سكناها خاصة، فانها هي المنفعة المتعارفة لها وان أمكن له ان يجعل الدار معملا أو مخزنا لبعض الاموال أو معرضا للبضائع، وإذا غصب السيارة وجب عليه ردها، ودفع أجرة المثل لركوبها في تلك المدة، إذا كان الركوب فيها هو المنفعة المتعارفة لمثلها، أو دفع اجرة المثل لحمل الاثقال والامتعة فيها إذا كانت تلك هي منفعتها الشائعة، وهكذا في بقية الاعيان ذات المنافع. [ المسألة 26: ] إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة، وكانت منفعتها الشائعة المتعارفة متعددة أيضا، فان كانت أجرة المثل لكل واحدة من منافعها المتعارفة متماثلة لا يزيد بعضها على بعض، كما إذا كانت السيارة المغصوبة تتخذ عادة للركوب وللحمل على السواء، وكانت أجرة المثل لكل منهما على السواء ايضا، فأجرة المثل لها عن ركوبها أو الحمل فيها هي خمس دنانير في اليوم الواحد مثلا، وجب على الغاصب رد العين ودفع تلك الاجرة الواحدة عن منفعتها عن كل يوم في مدة الغصب، وإذا كانت الاجرة مختلفة بين المنفعتين وجب عليه أن يدفع الاعلى من الاجرتين. [ المسألة 27: ] الظاهر انه لا فرق في ترتب الاحكام التى بيناها بين أن يكون الغاصب قد استوفى بعض المنافع من العين أم لم يستوف منها شيئا، ولا بين أن يكون ما استوفاه من منافعها من المنافع المتعارفة أم من غيرها، الا أن يكون ما استوفاه أكثر أجرة من المنافع المتعارفة فيجب عليه دفع الاكثر. [ المسألة 28: ] إذا استولى الغاصب على السيارة، ووزع بعض أدواتها أو جميعها لينتفع بها في اصلاح سيارات أخرى، وجب عليه أن يرد أعيان الادوات إلى مواضعها من السيارة المغصوبة ثم يرد السيارة تامة الاجزاء إلى

[ 187 ]

مالكها، وإذا باع بعض الادوات على غيره وجب عليه ان يسترد المبيع ولو بأكثر من ثمنه. ويجب عليه أن يرد مع العين أجرة المثل لاستعمال تلك الادوات الموزعة في جميع المدة، وإذا نقصت قيمة الادوات باستعمالها وجب أن يرد معها أرشها وهو التفاوت ما بين قيمتها تامة وناقصة، وإذا سقطت قيمتها لكثرة استعمالها لزمه ضمان قيمتها ولم يجب عليه رد نفس الادوات المذكورة التى سقطت قيمتها، وكذلك إذا باع الادوات ولم يمكنه استرداد عينها فعليه ضمان قيمتها. وإذا سقطت قيمة السيارة المغصوبة بسبب توزيع أدواتها ولم يمكن له استردادها بارجاع الادوات إليها، ضمن قيمة السيارة تامة وضمن منفعة استعمال ادواتها في تلك المدة. [ المسألة 29: ] إذا كان الشخص المغصوب منه كاملا غير محجور عليه، وجب على الغاصب رد العين المغصوبة والغرامات التى تلحقه بسبب غصبها وغصب منافعها إليه أو إلى وكيله الذى خوله حق القبض عنه ولا يجزيه أن يدفع ذلك إلى غيرهما، وإذا كان صغيرا أو مجنونا أو محجورا عليه لسفه ونحوه دفع ذلك إلى وليه، ولا يجزيه أن يدفعه إلى الصغير نفسه أو المجنون أو السفيه، الا إذا رضى الولي الشرعي بالدفع إليه. [ المسألة 30: ] إذا كان المغصوب منه نوعا من الانواع لا شخصا من الاشخاص، كما إذا غصب الغاصب وقف منفعة للفقراء، أو غصب مال الزكاة أو الخمس بعد أن عزله المالك وقبل أن يدفعه إلى المستحقين، وجب على الغاصب أن يرد المغصوب الى المتولي الخاص على ذلك المال، فان لم يكن له متول خاص رده إلى الحاكم الشرعي أو وكيله المنصوب لذلك، ولا يجزيه أن يدفعه إلى أفراد النوع المغصوب منه، فيدفع وقف الفقراء المغصوب إلى بعض الفقراء مثلا، ويدفع مال الزكاة أو الخمس المغصوب إلى بعض المستحقين.

[ 188 ]

[ المسألة 31: ] إذا غصب الغاصب مسجدا أو شارعا موقوفا أو قنطرة موقوفة أو رباطا أو شبه ذلك مما يكون وقفه وقف انتفاع لا وقف منفعة، كفى في رد المغصوب أن يرفع الغاصب يده عن العين، ويتركها على حالها الذي وقفت عليه، وكذلك إذا غصب مدرسة كفاه ان يرفع يده عنها ويدعها للطلاب الذين يستحقون الانتفاع بالسكنى فيها، والاحوط ان يرد المدرسة إلى المتولي الخاص عليها، فان لم يكن فالى الحاكم الشرعي، ويتأدي الاحتياط بأن يردها الى الساكنين في المدرسة قبل الغصب باذن المتولي الشرعي عليها. [ المسألة 32: ] إذا كان المالك والعين المغصوبة في بلد واحد، وكان هو البلد الذي وقع فيه الغصب وجب على الغاصب أن يرد العين على المالك في ذلك البلد، سواء كان هو بلد الغاصب أيضا ام لا. وإذا كان المالك في بلد الغصب وكانت العين في بلد آخر، وجب على الغاصب أن ينقل العين إلى المالك في بلد الغصب، وإذا كان المالك في بلد العين المغصوبة، وهو غير البلد الذي وقع فيه الغصب، جاز للمالك أن يخير الغاصب بين أن يرد إليه العين في ذلك البلد، وان ينقلها الى بلد الغصب فيرد العين إليه هناك، ويلزمه بأحد هذين الامرين. وإذا كان المالك في غير بلد الغصب وغير بلد المال المغصوب، جاز للمالك أن يلزم الغاصب بتسليم المال إليه في بلد الغصب، ويشكل أن يلزمه بنقل المال المغصوب الى بلد المالك، الا إذا توقف على ذلك صدق رد المغصوب، ومثال ذلك ما إذا كان المالك غريبا في البلد الذي وقع فيه الغصب ثم رجع إلى وطنه، فان رد المغصوب انما يكون بدفعه إلى مالكه، وبدون ذلك لا يتحقق للغاصب معنى أداء ما أخذت يده الذي دل عليه دليل الضمان. [ المسألة 33: ] إذا حدث في العين المغصوبة نقص أو عيب لزم على الغاصب رد العين الناقصة أو المعيبة على مالكها، ولزمه مع ذلك أن يدفع له أرش النقصان

[ 189 ]

أو العيب الطارئ عليها، والمراد بالدرش هو التفاوت الحاصل ما بين قيمة العين وهي صحيحة وقيمتها وهي ناقصة أو معيبة، ولا يحق للمالك أن يلزم الغاصب بأخذ العين الناقصة ويدفع له قيمتها صحيحة تامة. ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون العيب الحاصل في العين مستقرا، كما إذا كسرت رجل الدابة أو قطع بعض أعضائها، وأن يكون مما يتزايد ويسري، كما إذا تعفنت الحنطة المغصوبة، فان التعفن فيها قد يتزايد حتى يتلف المال، وكالجرح العميق في العبد أو الدابة المغصوبة، فان مثل هذا الجرح قد يسري حتى يأتي على حياة العبد أو الدابة. والمرجع في ذلك الى أهل الخبرة والتمييز في هذه الامور، فإذا عدوا العين معيبة لزم الغاصب رد العين مع دفع الارش الآنف ذكره، وإذا عدوها تالفة لزمه دفع قيمة المغصوب صحيحا إذا كان قيميا، ومثله إذا كان مثليا. [ المسألة 34: ] إذا كانت العين المغصوبة موجودة غير ناقصة ولا معيبة، وحدث هبوط في قيمتها في السوق أجزأ الغاصب أن يرد العين نفسها على المالك ولم يضمن نقصان قيمتها في السوق إذا لم يكن النقصان ناشئا عن طول استعمال العين واستهلاك طاقتها وجدتها. [ المسألة 35: ] إذا تلفت العين المغصوبة قبل أن يردها الغاصب إلى مالكها لزمه ضمان العين التالفة، بأن يدفع للمالك مثلها إذا كانت العين مثلية ويدفع له قيمتها إذا كانت قيمية، وكذلك العين المقبوضة بالعقد الفاسد والمقبوضة بالسوم كما بينا في المسألة الثامنة عشرة. والمراد بالمثلي ما تساوت أجزاؤه في الصفات التي يطلبها الناس من ذلك الجنس والخصائص التي يرغبون فيها، وكان ذلك سببا لتساوي اجزائه في القيمة كالحبوب والادهان والعقاقير وامثالها، ومنه ما تنتجه المصانع والمعامل الحديثة من اشياء وأدوات وأجهزة وأثاث وأقمشة لتقاربها في الصفات كذلك والقيمي هو مالا تتساوى أجزاؤه في القيمة لعدم تساويها في الصفات والخصائص كالاراضي والعقارات والحيوان

[ 190 ]

وأمثالها، وقد ذكرنا ذلك في المسألة التاسعة والتسعين من كتاب التجارة وفي موارد متعددة أخرى فليرجع إليها. [ المسألة 36: ] المعيار الذي ذكرناه هنا وفي المواضع السابقة للمثلي انما يجري بلحاظ الاصناف من الجنس الواحد، فتساوي الاجزاء في الصفات وفي القيمة انما هو بلحاظ كل صنف على انفراده من أصناف الجنس، لا بين الصنف والصنف الآخر منه، فنحن نحكم بأن الحنطة من المثلي لان كل صنف واحد منها يكون متساوي الاجزاء في الصفات المطلوبة وفي القيمة كما بينا، وقد يحصل اختلاف بين أفراد الصنف الواحد ولكنه اختلاف يسير لا ينظر إليه، ولا يضر بصدق المعيار المذكور، واما الاختلاف بين الصنفين من الجنس الواحد في صفاتهما وفي قيمتهما، فهو واضح، وليس من محل الكلام في الفارق المذكور وكذلك الحال في الارز والعدس والسمسم وغيرها من الحبوب وسائر المثليات. [ المسألة 37: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت من المثليات، وجب على الغاصب دفع مثلها للمالك كما بيناه، فإذا أعوز وجود المثل وجب عليه أن يدفع له قيمة المثل، وإذا اختلفت قيمة المثل في السوق وجب عليه أن يدفع قيمة المثل في يوم أداء القيمة، فإذا كان الغاصب ضامنا للمالك عن عينه التالفة منا من الحنطة، وتعذر وجود الحنطة، وجب عليه أن يؤدي له قيمة المن الذي في ذمته يوم دفع القيمة، سواء كانت قيمته قبل ذلك أقل منها أم اكثر. [ المسألة 38: ] اعواز وجود المثل الذي يحكم معه بوجوب دفع القيمة بدلا عنه، هو عدم وجود المثل في البلد وفي ما حوله مما ينقل منه إلى البلد بحسب العادة، فإذا فقد المثل كذلك انتقل الضمان إلى القيمة. [ المسألة 39: ] إذا أعوز وجود المثل مدة ثم وجد بعد ذلك، فان كان الغاصب قد

[ 191 ]

دفع القيمة بعد تحقق الاعواز أجزأه ما دفع وبرئت ذمته من الضمان، وان لم يدفع القيمة بعد وجب عليه أن يدفع المثل ولم تجزه القيمة. [ المسألة 40: ] إذا وجد المثل بأزيد من ثمن المثل، وجب على الغاصب شراؤه ودفعه للمغصوب منه وان لزم منه الحرج، فان الحرج لا يسقط حق الغير. [ المسألة 41: ] إذا وجب على الغاصب أن يدفع المثل وكان موجودا أجزأ الغاصب أن يدفعه للمالك وان هبطت قيمته السوقية عن قيمته السابقة، فلا يحق للمالك ان يطالب الغاصب بالقيمة الاولى، ولا يحق له أن يأخذ منه المثل ويطالبه بنقصان القيمة، ولا يحق له أن يمتنع عن أخذ المثل بالفعل ليبقى في ذمة الغاصب إلى ان ترتفع قيمته، الا إذا رضي الغاصب بذلك. [ المسألة 42: ] إذا وجب على الغاصب أن يدفع للمغصوب منه مثل العين المغصوبة ثم سقط المثل عن المالية لبعض الطوارئ أو الحالات، لم يكف الغاصب أن يدفع المثل في تلك الحال، ولم تبرأ ذمته من الضمان بدفعه وهو ساقط القيمة، إذا لم يرض به المالك. ومن أمثلة ذلك: أن يغصب الغاصب من المالك ثلجا في شدة الحاجة إليه من أيام الحر في الامكنة الحارة ويريد أن يدفع إليه مثل الثلج المغصوب في أيام شدة البرد وعدم القيمة له، أو يغصب منه قربة من الماء في أيام الصيف وفي مكان يعز فيه وجود الماء، ويريد أن يدفع إليه مثل تلك القربة في مكان تكثر فيه الانهار والعيون المتفجرة بالمياه العذبة، فلا يكفيه ذلك إذا دفعه إليه، ويحق للمالك أن يطالب الغاصب بالفعل بقيمة المغصوب، ويجوز له ان ينتظر إلى زمان أو مكان يكون فيه المثل ذا قيمة فيطالبه به. وإذا طالب الغاصب بالقيمة فعلا، فهل تراعى قيمة المغصوب في زمان تلف المغصوب ومكانه إذا كان تالفا، وآخر ازمنة وجود المالية له وآخر أمكنتها إذا كان باقيا كما هو غير بعيد، أو تراعى قيمة

[ 192 ]

المغصوب في زمان الغصب ومكانه كما يراه جماعة من الاعيان؟ لا يترك الاحتياط بالتصالح لاشكال الحكم في المسألة. [ المسألة 43: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت من القيميات، لزم الغاصب ان يدفع قيمة العين للمالك فإذا كانت قيمتها متفاوتة في السوق وجب عليه أن يدفع له قيمتها في يوم تلفها. [ المسألة 44: ] إذا اختلفت أحوال العين في مدة الغصب، فسمنت الدابة مثلا في بعض الايام، وهزلت في بعضها وكان ذلك سببا في اختلاف قيمتها، فكانت قيمة الدابة في أيام هزالها عشرين دينارا مثلا، وأصبحت في أيام سمنها ثلاثين دينارا، فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين، سواء كانت أيام السمن متقدمة على أيام الهزال أم متأخرة عنها، وكذلك الحكم في البستان أو الضيعة، فزاد نموها في بعض الاوقات وضعف في بعضها، وكانت قيمتها في أيام زهرتها خمسمائة وعند ضعف نموها ثلاثمائة، ثم تلفت، فيكون الغاصب ضامنا لقيمتها في أحسن أحوالها. [ المسألة 45: ] إذا كانت قيمة العين في يوم غصبها مساوية لقيمتها في يوم تلفها، ولكن قيمتها في ما بينهما زادت لزيادة سمن الدابة ونمو الشجر في الفترة ما بين الوقتين، ثم عادت إلى حالتها الاولى فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين ولم ينظر إلى يوم التلف. [ المسألة 46: ] إذا كانت قيمة العين المغصوبة وهي في بلد الغصب عشرة دنانير ثم نقلت إلى بلد آخر، فكانت قيمتها فيه خمسة عشر دينارا، وتلفت فيه، فلا يترك الاحتياط بالتصالح عن القيمة. [ المسألة 47: ] إذا تعذر على الغاصب تسليم العين المغصوبة لمالكها تعذرا عاديا،

[ 193 ]

وجب على الغاصب أن يدفع له بدلها مثلها أو قيمتها، والمراد بالتعذر العادي أن يحكم أهل العرف بامتناع وقوع التسليم بمقتضى العادات المتعارفة بينهم وان لم يكن ذلك مستحيلا عقلا. ويسمى البدل الذي يدفعه الغاصب في هذا الحال بدل الحيلولة، ويكون هذا البدل المدفوع ملكا للمغصوب منه ما دامت هذه الحال، مع ان العين المغصوبة لا تزال في ملكه أيضا. وإذا اتفق ان تبدلت الحال المتعارفة فتمكن الغاصب من العين المغصوبة وردها إلى المغصوب منه استرجع منه البدل الذي دفعه إليه ومن امثلة ذلك أن تسرق العين المغصوبة أو تغرق، أو يأبق العبد المغصوب أو تشرد الدابة، فلا يستطيع الغاصب ان يرد العين على المالك بمقتضى حكم العادة ويجري فيها الحكم الانف ذكره. [ المسألة 48: ] يملك المغصوب منه البدل الذي يدفعه له الغاصب عند الحيلولة بينه وبين العين المغصوبة بما ذكر من سرقة أو غرق أو اباق أو شرود دابة ونحو ذلك، فلا يتمكن بسبب هذا الحائل من رد العين إلى مالكها، وإذا ملك البدل المدفوع له ملك منافعه ونمائه الذي يتجدد مادام الحائل موجودا وما دام رد العين المغصوبة عليه ممتنعا، فإذا تمكن الغاصب ورد العين، استرد البدل من المالك، ولم يسترد معه المنافع والنماءات التي تجددت له في الفترة المذكورة لانها ملك المالك. ويسترد الغاصب مع البدل نماءه المتصل، فإذا كان البدل دابة وسمنت في تلك الفترة أو كان شجرة فنمت وزاد ارتفاعها فان هذا النماء تابع لعين البدل، فإذا استرده الغاصب بعد دفع العين المغصوبة استرد معه هذه النماءات المتصلة التابعة له. واما نماء العين المغصوبة ومنافعها التي تتجدد في مدة الحيلولة سواء كانت متصلة أم منفصلة فهي ملك المالك تبعا للعين، فتكون مضمونة على الغاصب إذا تلفت قبل أن يقبضها المالك، ولكن الغاصب لا يضمن منافع العين غير المستوفاة في تلك المدة على الاقوى.

[ 194 ]

[ المسألة 49: ] إذا لزم الغاصب أن يدفع للمالك قيمة العين، وجب أن تكون القيمة بالنقد الذي تجري به المعاملات في البلد من الذهب والفضة والمسكوكين بسكة المعاملة وما يجري مجراهما من المسكوكات الاخرى ومن العملة الورقية المتداولة في البلد، سواء كانت العين المغصوبة من القيميات أو من المثليات وقد لزمته القيمة لتعذر وجود المثل، وكذلك في جميع الضمانات والغرامات التي تلزم الانسان فلا يصح للضامن دفع غيرها الا بالتراضي به عوضا عن النقد الآنف ذكره ويقيسه الطرفان إليه. [ المسألة 50: ] النحاس والرصاص والحديد، والنيكل والشبه وسائر الفلزات والمعادن المنطبعة، كلها من المثليات، فإذا غصبت فهي مضمونة بمثلها، وإذا تعذر وجود المثل ضمنت بقيمة المثل كما ذكرنا في حكم المثليات، ويراد بالمنطبعة أنها قابلة للطرق والتمديد، ويقابلها غير المنطبعة منها كالياقوت والزمرد والفيروزج، وهذه من القيميات. [ المسألة 51: ] الذهب والفضة مثليان كما ذكرنا في المعادن المنطبعة، سواء كانا مسكوكين ام غير مسكوكين فيضمنان بالمثل، وإذا أعوز المثل ضمنا بالقيمة في يوم الاداء، وإذا اعوز المثل في الفضة وقومت بالذهب أو بغير الذهب والفضة من المسكوكات أو بالاوراق النقدية صح ولم يكن فيه اشكال، وكذلك إذا اعوز المثل في الذهب فقوم بغير الذهب، فيصح من غير اشكال، وإذا قوم الذهب بالذهب أو قومت الفضة بالفضة، وكان العوض والمعوض متساويين في الوزن صح كذلك ولم يكن فيه اشكال، وإذا قوم أحدهما بجنسه، مع التفاوت في الوزن بين العوض والمعوض اشكل الحكم بالصحة لاحتمال طروء الربا في هذا الفرض ولذلك فلا يترك الاحتياط بأن يكون التقويم بغير الجنس، وإذا كان التقويم بالجنس روعي أن يكون العوضان متساويين في الوزن لتسلم المعاملة من شبهة الربا.

[ 195 ]

[ المسألة 52: ] إذا تعاقبت الايدي العادية على المال المغصوب، فغصبه الغاصب الاول من المالك ثم غصبه الغاصب الثاني من الاول والثالث من الثاني، تعلقت أحكام الغصب بالغاصبين جميعا، فإذا كانت العين المغصوبة موجودة وردها بعضهم إلى المالك تحقق امتثال الحكم منه، وسقط الحكم بوجوب الرد عن الباقين منهم. وإذا تلفت العين المغصوبة، ضمنوا جميعا للمالك، وجاز للمالك أن يرجع عليهم بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها إذا كانت قيمية، وتخير بين أن يرجع بالبدل على بعضهم وعلى جميعهم بالتوزيع بالتساوي أو بالتفاوت كما يشاء. فإذا رجع المالك على الغاصب الاخير وهو الذي تلفت العين المغصوبة في يده لم يرجع هذا على من قبله بل يستقر عليه الضمان، وإذا رجع على من قبل الاخير بالجميع أو بالتوزيع صح لهذا أن يرجع بما غرمه للمالك على الاخير الذي تلف بيده المال ويصح له أن يرجع به على الغاصب الذي يليه وإذا رجع إلى من يليه جاز لهذا ان يرجع إلى الغاصب بعده حتى يستقر ضمان الجميع على الاخير. وكذلك إذا ترتبت الايدي على الغصب وان لم يغصب الثاني من الاول كما إذا وهب الاول الثاني العين المغصوبة أو باعه اياها أو نقلها إليه بصورة أخرى، ويجري الحكم المذكور في ما يلحق بالغصب وان لم يكن غصبا محرما كالمقبوض بالسوم والمقبوض بالعقد الفاسد. [ المسألة 53: ] قد تكون المادة التي تتخذ منها العين من المثليات، ويدخل عليها أثر عمل أو صنعة فتصبح بسبب ذلك الاثر الطارئ عليها من القيميات كالثياب الجاهزة التي تستورد من الخارج وبعض ما يصنع منها في الداخل، فهي بسبب التجهيز والاثر الداخل عليها تعد من القيميات والظاهر أن الناس لا يختلفون في ذلك. وقد تصبح العين بسبب ذلك موضع شك وتردد كالاواني التي تتخذ من النحاس أو المعدنيات الاخرى إذا كانت الآثار التي تدخل عليها من

[ 196 ]

الصناعات اليدوية والاعمال الشخصية، وكالحلي الذي يتخذ من الذهب والفضة، فهل تكون العين مركبة من المثلي والقيمي فتضمن المادة بالمثل وتضمن الهيئة التي أدخلت عليها بالقيمة، أو يعد المجموع من المادة والهيئة فيها قيميا فتضمن كذلك؟ والظاهر الرجوع في استيضاح أمرها إلى ثقاة أهل الخبرة في ذلك، وأما الاواني والظروف والادوات والثياب ونحوها التي تنتجها المصانع الحديثة متشابهة في الصفات ومتقاربة في القيمة فقد تقدم هنا وفي أمكنة أخرى انها تعد من المثليات. [ المسألة 54: ] إذا غصب الانسان شيئا مثليا أو قيميا وعليه أثر صناعة أو فن تزيد في ماليته، فأفسد الغاصب الهيئة أو الفن الموجود فيه، وبقيت العين خالية من ذلك، وجب على الغاصب ان يرد على المالك العين الموجودة وضمن له قيمة الهيئة التي أتلفها واثر الفن الذي أفسده، ومثال ذلك: أن يغصب حليا مصوغا من الذهب أو من الفضة فأتلف الغاصب صياغته أو غصب آنية أو شيئا من المعدنيات، وعليهما أثر من الفن والتزويق الذي يوجب الرغبة والزيادة في قيمتهما، فأفسد الغاصب ما فيهما من أثر وصنعة، وجب على الغاصب ان يرد للمالك العين وعليه ضمان ما أتلف وأفسد، ولا يحق لمالك العين ان يلزم الغاصب بأن يعيد الهيئة أو أثر الفن والصنعة التي أفسدها، ولا يجب على المالك القبول من الغاصب إذا بذل له ذلك والتزم أن يعيد الهيئة والاثر كما سبق. [ المسألة 55: ] إذا غصب الانسان شيئا من آلات اللهو أو الاصنام أو الصلبان أو غيرها من الاشياء المحرمة غير المحترمة في الاسلام وتلفت لم يضمن الغاصب هيئتها وصورتها التي بها تكون آلة للهو وموضعا للعبادة المحرمة ومدارا للحكم بالتحريم في الشريعة، ويجب عليه أن يرد المادة خالية من الصناعة المحرمة إذا كانت المادة موجودة، وإذا كان قد أتلف الجميع ضمن مثل المادة وحدها إذا كانت مثلية وضمن قيمتها إذا كانت قيمية.

[ 197 ]

[ المسألة 56: ] تقدم منا في فصل الاواني من كتاب الطهارة، وفي المسألة الرابعة عشرة من كتاب التجارة: انه يجوز للانسان أن يقتني آنية الذهب والفضة إذا لم يكن الاقتناء للاستعمال أو الانتفاع بها، أو ليجعلها متاعا معدا للانتفاع به وان لم يستعملها بالفعل، بل كان اقتناؤها لحفظها أو حفظ المالية بهذه الصورة ونحو ذلك من الغايات المحللة، ونتيجة لذلك، فلا تكون الصناعة فيها محرمة وغير محترمة إذا كانت للغايات المباحة، فإذا أتلفها الغاصب كان ضامنا لها، ولا يعمها الحكم المذكور في المسألة المتقدمة. [ المسألة 57: ] يضمن الغاصب نقص العين المغصوبة وعيبها إذا حدث أحدهما بعد الغصب، فيضمن ارش النقص والعيب وقد تقدم ذكر هذا. [ المسألة 58: ] إذا زاد الغاصب في العين المغصوبة شيئا بعد ما غصبها واستولى عليها، فقد تكون الزيادة أثرا خالصا ولا عين فيه، كما إذا غزل القطن أو الصوف أو الوبر الذي غصبه، وكما إذا خاط الثوب أو العباءة التي غصبها بخيوط مملوكة له، وكما إذا مرن الفرس التي غصبها، وعودها على الخصال الممدوحة في الخيل عند العدو والوقوف وخفة الحركة والانتباه للاشارات في المسابقة، وقد تكون الزيادة عينا خالصة كما إذا غصب أرضا فارغة فغرسها نخيلا وشجرا وشق فيها نهرا أو استنبط فيها بئرا، وقد تكون الزيادة التي جعلها في العين أثرا وعينا مشوبين، فصبغ السيارة التي غصبها أو الثوب الذي غصبه، ولكل من هذه التصرفات أثره وأحكامه عند رد العين المغصوبة كما سيأتي بيانه في المسائل الآتي ذكرها، فلتلاحظ. [ المسألة 59: ] إذا زاد الغاصب في العين وكانت زيادته فيها أثرا محضا ومثال ذلك ان يعلم العبد المغصوب القراءة والكتابة أو يعلمه صنعة منتجة، أو

[ 198 ]

يطحن الحنطة المغصوبة أو يصوغ الفضة أو الذهب المغصوب، أو ينسج الغزل المغصوب. وإذا كانت العين موجودة ولم تتلف، وجب على الغاصب ردها إلى مالكها ولا يستحق الغاصب على المالك شيئا للزيادة التي عملها في العين، ولا يستحق على عمله فيها أجرة، ولا يجوز له أن يبدل العين المغصوبة فيدفع للمالك مثلها خاليا من الزيادة إذا كانت موجودة كما هو الفرض، ولا يجوز له أن يزيل الاثر الذي عمله في العين، كما إذا أراد أن يزيل الصياغة من الفضة أو الذهب المغصوب ويعيدهما سبيكتين كما غصبهما ويجوز للمالك ان يلزم الغاصب بذلك إذا كان ممكنا، وكان له فيه غرض يقصده العقلاء، فإذا الزمه المالك بذلك وفعله لم يضمن له قيمة الصنعة، وإذا حدث في العين بسبب ذلك نقص أو عيب ضمن للمالك أرشه. [ المسألة 60: ] إذا غصب الغاصب الارض فزرعها أو غرسها شجرا أو نخيلا، وكان الحب الذي زرعه، والفسيل والودي الذي غرسه مملوكا للغاصب، فالزرع والغرس والنماء جميعه للغاصب، وتجب عليه أجرة المثل للارض مادام الزرع والغرس فيها، ويجب على الغاصب ازالة زرعه وغرسه من الارض إذا لم يرض المالك ببقائه فيها، وان دخل الضرر على الغاصب بازالته، وإذا رضي المالك ببقاء زرع الغاصب وغرسه في الارض مجانا جاز له ابقاؤه، وكذلك إذا رضي ببقائه مع الاجرة فيتراضيان على تعيين المدة ومقدار الاجرة، وإذا بذل الغاصب أجرة الارض ليبقى زرعه وغرسه فيها إلى أن يدرك لم يجب على المالك القبول وكذلك إذا بذل له قيمة الارض ليشتريها منه فلا يجب عليه القبول، وإذا رغب المالك ان يشتري الزرع والغرس من الغاصب فبذل له قيمته لم تجب على الغاصب اجابته إلى ذلك. وإذا أزال الغاصب زرعه وغرسه من الارض وجب عليه طم حفرها وان يدفع للمالك ارش نقصها الذي يحدث فيها بسبب فعله.

[ 199 ]

[ المسألة 61: ] إذا غصب الغاصب الارض وبنى فيها بناءا وكانت مادة البناء وحجارته واجزاؤه ملكا للغاصب نفسه جرى فيها جميع الاحكام المتقدمة في الزرع والغرس، فالبناء ونتاجه ملك للغاصب، وتلزمه أجرة المثل للارض مادام البناء موجودا عليها، وتجب على الغاصب ازالة البناء من الارض الا إذا رضي المالك ببقائه مع الاجرة أو بدونها حسب ما يتراضيان عليه، وهكذا في جميع الاحكام والآثار التي ذكرناها في المسألة المتقدمة. [ المسألة 62: ] إذا حفر الغاصب في الارض المغصوبة بئرا أو شق فيها نهرا، فان طلب المالك منه ان يطم البئر أو النهر لغرض من الاغراض المقصودة، كما إذا أراد أن يبني فيها عمارة، وجب عليه ذلك ولزمه ان يطم الارض ويساوي الحفر، وإذا لم يطلب المالك ذلك لم يجز له طم البئر والنهر سواء منعه المالك عن ذلك أم لم يمنعه، ولم يطلب منه ازالتهما. [ المسألة 63: ] إذا غرس الغاصب في الارض المغصوبة غرسا أو زرع فيها زرعا أو بنى فيها بناءا وكان الودي والفسيل الذي غرسه فيها والحب الذي زرعه وأجزاء البناء الذى اقامه ملكا لمالك الارض، فجميع الغرس والزرع والبناء الذي احدثه في الارض يكون للمالك ولا يحق للغاصب أن يزيل منه شيئا أو يطالب مالك الارض عنه بأجرة عمل، ويجوز لمالك الارض أن يلزمه بازالة ما أحدث في الارض إذا كان له من ذلك غرض يقصده العقلاء، فإذا ألزمه بذلك وجب على الغاصب أن يزيله وإذا حدث بسببه نقص في الارض لزم الغاصب دفع ارش الارض ووجب عليه طم حفرها [ المسألة 64: ] قد تكون الزيادة التي يزيدها الغاصب في العين أثرا مشوبا بعين، وقد شاع التمثيل بين الفقهاء لهذه الصورة بما إذا غصب ثوبا ثم صبغه بصبغ يملكه الغاصب، وهذا المثال قد يصعب تطبيقه على بعض الفروض

[ 200 ]

التي يدور الحديث عليها في المسألة، وكذلك إذا مثل لما بما إذا غصب سيارة ثم صبغها، أو غصب دارا ثم صبغها بصبغ يملكه، والامر سهل في المثال بعد وضوح المراد. وإذا غصب العين ثم صبغها كما في المثال، فقد يكون من الممكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن الثوب أو السيارة أو الدار المغصوبة، بحيث تبقى العين خالية من الصبغ، ويبقى الصبغ عينا متمولة بعد ازالته عن العين المغصوبة، فإذا أمكن ذلك، جاز للغاصب أن يفعله، ولا يحق لمالك العين أن يمنعه من فعله، ويجوز لمالك العين أن يلزم الغاصب بفعله فيختص كل واحد منهما بما يملك، وإذا أزال الغاصب الصبغ عن العين المغصوبة فأوجب ذلك حدوث نقص فيها كان الغاصب ضامنا للنقص فيجب عليه دفع أرشه سواء كان فعله باختياره هو أم بطلب من مالك العين. وإذا طلب مالك العين من الغاصب أن يملكه الصبغ ليكون المجموع له لم تجب على الغاصب اجابته إلى طلبه، وكذلك إذا طلب الغاصب من المالك أن يملكه العين فبذل له قيمتها لم تجب على المالك اجابته. [ المسألة 65: ] إذا لم يمكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن العين، وكانت للصبغ عين متمولة وهو في هذا الحال، كان مالك العين ومالك الصبغ شريكين في العين المصبوغة بنسبة القيمة، فإذا كانت قيمة العين وقيمة الصبغ متساويتين كانا شريكين بالمناصفة، وإذا كانت القيمتان متفاوتتين كان كل واحد شريكا في المجموع بنسبة قيمة ماله، فإذا كانت قيمة الثوب وحده عشرة دنانير وقيمة الصبغ وحده خمسة دنانير فلمالك الصبغ الثلث من المجموع ولمالك الثوب الثلثان، وهكذا في الزيادة والنقيصة. وإذا حدث نقص في قيمة العين بسبب الصبغ أو بسبب آخر كان الغاصب ضامنا للنقص، ولا يضمنه إذا كان النقص بسبب هبوط القيمة في السوق. وكذلك الحكم إذا أمكنت ازالة الصبغ ولكنهما تراضيا على بقاء

[ 201 ]

الاشتراك بينهما فيكونان شريكين بنسبة القيمة على نهج ما تقدم بيانه وتفصيله في المسألة. [ المسألة 66: ] إذا صبغ العين التي غصبها بصبغ مغصوب أيضا، وكانت للصبغ عين متمولة في قبال العين المغصوبة كما فرضنا في المسألة السابقة، ولم تمكن الازالة حصلت الشركة بين مالك العين ومالك الصبغ بنسبة قيمة ماليهما على نهج ما سبق، وإذا طرأ على أحدهما نقص بسبب فعل الغاصب كان الغاصب ضامنا لارشه، وإذا طرأ النقص عليهما معا ضمن الغاصب لكل واحد منهما النقص الذي ورد على العين التي يملكها بالسوية إذا كان النقص متساويا وبالنسبة إذا كان متفاوتا. [ المسألة 67: ] إذا غصب الرجل شيئا مثليا فخلطه بجنسه مما يملك حتى فقد التمييز بينهما وكان المالان متماثلين في الصفات وفي الجودة والرداءة، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار كل واحد من المالين إلى المجموع، وجرت عليه أحكام المال المشترك، ولا يكون الغاصب ضامنا لمثل المال المغصوب أو قيمته، ولا يجوز له التصرف في المجموع الا برضى المالك، ويجب عليه تسليم المال المشترك ليفرز بينه وبين شريكه برضاهما ويقسم عليهما بنسبة ماليهما، أو ليباع المجموع ويأخذ كل واحد منهما حصته من الثمن بتلك النسبة، ويتخيران في ذلك. [ المسألة 68: ] إذا غصب الرجل شيئا مثليا وخلطه بشئ من جنسه مما يملك حتى ارتفع التمييز بين المالين كما ذكرنا في الفرض المتقدم، وكان المال المغصوب أجود من ماله الذي خلطه به، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار المالين كما سبق، فإذا خلط منا مغصوبا من الحنطة بمن من الحنطة يملكه فهما شريكان بالمناصفة في مجموع المال، وإذا خلطه بمنين مما يملكه فهما شريكان بالمثالثة ويكون لصاحب العين المغصوبة ثلث المجموع وللغاصب الثلثان منه، وإذا أرادا تقسيم المال أو أرادا بيعه لزم أن يكون التقسيم والبيع بنسبة القيمة، فإذا

[ 202 ]

كانت قيمة المن المغصوب عشرة دنانير لانه أجود وكانت قيمة المن الذي يملكه خمسة دنانير كانت الشركة بينهما بالمناصفة لتساوي المالين في المقدار ولزم أن يكون التقسيم بينهما بالمثالثة، فيجعل لمالك المن المغصوب سهمان من المجموع لانه يملك ثلثي القيمة ويجعل للغاصب سهم واحد منه، لانه يملك ثلث القيمة، وكذلك إذا باعا مجموع المال، فيكون للاول ثلثا الثمن وللثاني ثلثه. والاحوط في الفرض وفي جميع نظائره مما يختلط فيه المالان وهما من جنس واحد مما يكال أو يوزن، ويكونان مختلفي القيمة أن يختار البيع وتقسيم الثمن بحسب القيمة تخلصا من شبهة الربا، وان كان الاقوى عدم جريان أحكام الربا في القسمة كما ذكرناه في المسألة الخامسة والثلاثين من كتاب الشركة. [ المسألة 69: ] إذا غصب الشئ المثلي وخلطه بمثله مما يملك حتى فقد التمييز بين المالين، وكان المال المغصوب أردأ من ماله الذي خلطه به كان المالك والغاصب شريكين في المال الممتزج وجرت فيه الاحكام التي ذكرناها في المسألة الثامنة والستين سواء بسواء ولا حاجة إلى التكرار. [ المسألة 70: ] إذا غصب الرجل الشئ ومزجه بغير جنسه حتى عد المال المغصوب تالفا في نظر أهل العرف، ومثال ذلك أن يمزج ماء الورد المغصوب بالماء المطلق حتى يصبح المجموع ماء مطلقا، أو يمزجه بزيت أو خل أو نحوهما مما لا يبقى معه لماء الورد عين ولا خصوصيته في نظر الناس، فيكون الغاصب ضامنا للعين المغصوبة بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها إذا كانت قيمية. وإذا مزجه بجنس آخر ولم يعد تالفا في نظر أهل العرف، بل يعدونه مالا ممتزجا بغيره، جرى فيه الحكم المتقدم في خلط الشئ بما هو أجود منه أو أردأ، فيكون الغاصب والمالك شريكين في العين بنسبة مقدار ما لاحدهما من المال إلى مجموع المالين، وإذا أرادا القسمة أو أرادا بيع

[ 203 ]

المال كانت القسمة بنسبة قيمة كل واحد من المالين إلى قيمة مجموعهما كما فصلناه في المسألتين السابقتين. [ المسألة 71: ] إذا خلط الغاصب المال المغصوب بمال آخر هو أجود منه أو أرادأ، أو خلطه بمال من جنس آخر فكان هذا الخلط سببا لنقص قيمة المال المغصوب عن قيمته قبل الخلط، كان الغاصب ضامنا لهذا النقص، فإذا قسم المال أو بيع، أخذ المالك مقدار قيمة ماله المغصوب قبل خلطه وكان الباقي للغاصب. [ المسألة 72: ] منافع العين المغصوبة كلها ونماءاتها وفوائدها مملوكة لمالك العين من غير فرق بين ما كان موجودا منها قبل الغصب وما تجدد بعده، والغاصب ضامن لها جميعا، من غير فرق بين الاعيان منها كالولد والثمر واللبن والزبد والصوف والشعر والوبر، والمنافع كركوب السيارة والفرس والدابة والحمل عليها، ومنافع الدار والعقار والضيعة والبستان وفوائدها التي تحصل من اجارتها وغيرها، وكل صفة تزيد بسبب وجودها قيمة العين المغصوبة، فإذا وجدت الصفة بعد الغصب ثم فقدت فكان زوالها موجبا لنقصان قيمة العين بعد زيادتها، فهي مضمونة على الغاصب وان كانت قيمة العين حين الرد مساوية لقيمتها حين الغصب. [ المسألة 73: ] إذا غصب عبدا مملوكا فعلمه بعد الغصب صنعة زادت لها قيمة العبد، ثم نسي العبد الصنعة فهبطت قيمته كان الغاصب ضامنا لتلك الزيادة المفقودة، فإذا تعلم العبد تلك الصنعة مرة ثانية فزادت قيمته، فلا ضمان على الغاصب للزيادة الاولى بعد رجوع الصفة والقيمة إلى ما كانت، الا ان تنقص قيمته الثانية عن قيمته الاولى، فيكون الغاصب ضامنا للتفاوت الذي حصل بين القيمتين، وكذلك الحكم إذا سمنت الدابة فزادت قيمتها، ثم هزلت فنقصت القيمة كان الغاصب ضامنا لتلك القيمة، وإذا عاد لها سمنها وعادت قيمتها، فلا ضمان عليه

[ 204 ]

لقيمتها الاولى، الا إذا قلت قيمتها في المرة الثانية عن قيمتها الاولى فيكون ضامنا للتفاوت. [ المسألة 74: ] إذا حصلت في العين المغصوبة صفة فزادت لذلك قيمتها، ثم فقدت تلك الصفة، فنقصت القيمة، ثم تجددت في العين صفة أخرى زادت لها قيمة العين مرة ثانية لم يزل عن الغاصب ضمان القيمة الاولى بتجدد الصفة والقيمة الثانية. ومثال ذلك: أن يتعلم العبد صنعة أو لغة فتزيد لذلك قيمته، ثم ينسى الصنعة فتهبط قيمته لذلك ويكون الغاصب ضامنا لتلك الزيادة، فإذا تعلم العبد صنعة ثانية ورجعت قيمته أو زادت عن الاولى فلا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الاولى، ومن أمثلة ذلك أن تسمن البقرة فترتفع لذلك قيمتها ثم تهزل فتقل قيمتها الاولى ويكون الغاصب ضامنا لها، ثم يكثر بعد ذلك لبن البقرة فترتفع قيمتها مرة ثانية، بسبب ذلك ولا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الاولى. [ المسألة 75: ] إذا تجددت في العين المغصوبة صفة ولم توجب الصفة زيادة في قيمة العين لم يضمنها الغاصب إذا فقدت، ومثال ذلك: أن يسمن العبد المملوك ثم يزول سمنه فلا يكون الغاصب ضامنا لذلك. [ المسألة 76: ] إذا جب الغاصب العبد المغصوب وجبت عليه دية الجناية على العبد، وان زادت بسبب ذلك قيمة العبد. [ المسألة 77: ] إذا غصب الرجل حبا فزرعه كان الزرع ونتاجه لمالك الحب، سواء زرعه الغاصب في أرضه وسقاه من مائه ام زرعه في أرض المغصوب منه وسقاه من مائه، وكذا إذا غصب فسيلا أو وديا فغرسه، فالغراس ونتاجه لمالك الفسيل والودي وتلاحظ المسألة الثالثة والستون. [ المسألة 78: ] إذا غصب الغاصب بيضا فأحضنه دجاجته أو جعله في الجهاز الحديث

[ 205 ]

الذي يملكه هو المعد لاحتضان البيض واستفراخه حتى انتج، فالفراخ الناتجة ملك لمالك البيض، ولا يستحق الغاصب على عمله أجرة وكذلك إذا غصب دجاجا أو غيره من ذوات البيض، فأنتجت بيضا ثم فراخا، فالبيض والفراخ لمالك الدجاج المغصوب، ولا آجرة للغاصب على عمله. [ المسألة 79: ] إذا غصب فحل بقر أو فحل غنم أو غير ذلك من فحول الحيوان وأنزاه على اناث من جنسه فلقحت وأولدت، فالنتاج لمالكي الاناث، وإذا كانت الاناث ملكا للغاصب نفسه فالنتاج له وتجب عليه أجرة الفحل لمالكه. [ المسألة 80: ] يملك الكافر الذمي الخمر والخنزير إذا كان يستتر بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ولا يتجاهر بهما كما هو أحد شروط الذمة عليه، فإذا غصبهما منه غاصب وتلفا عنده بعد الغصب كان ضامنا لقيمتهما عند أهل الذمة. وإذا ملك المسلم عصيرا وانقلب عنده خمرا كان له حق الاختصاص به، فلا يحل لاحد غصبه منه، فإذا انقلب بعد ذلك خلا كان ملكا له، ونتيجة لذلك فإذا غصبه منه غاصب بعد ان انقلب خمرا، وجب على الغاصب رده إليه لاختصاصه به، وكذلك إذا غصبه منه عصيرا ثم انقلب عند الغاصب خمرا فيجب عليه رده، ومثله ما إذا اختص المسلم بالخمر بسبب آخر ليجعل الخمر خلا، أو لغير ذلك من الغايات المباحة، فإذا غصبه أحد وجب عليه رده، وإذا انقلب عند الغاصب خلا ثم تلف كان الغاصب ضامنا لقيمته خلا، وإذا تلف عند الغاصب وهو خمر وقد غصبه خلا ضمن قيمة الخل كذلك وإذا غصبه خمرا وتلف عنده خمرا ففي ضمانه اشكال، ولا يترك الاحتياط بأن يصالحه عن حق الاختصاص. [ المسألة 81: ] تجري جميع أحكام الضمان التي تقدم تفصيلها وبيانها في كل يد توضع على مال الآخرين بغير حق، وان لم تكن اليد غاصبة ولا ظالمة، ولم يكن واضعها عاصيا ولا آثما، كما إذا وضع الرجل يده على مال

[ 206 ]

غيره وهو يعتقد أن المال له ثم علم أنه مال غيره، وكما إذا أخذ المال من أحد بشراء أو هبة أو عارية وهو يعتقد أن المال ملك لذلك الشخص، ثم ظهر له انه سارق، وقد تقدم ان جميع هذه الاحكام تجرى في الاشياء التي يقبضها الانسان بالسوم أو يقبضها بالمعاملة الفاسدة، ويسمى الضمان في جميع هذه الموارد بضمان اليد، لقوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي)، ولا ضمان على صاحب اليد إذا كان أمينا سواء كانت أمانته من قبل المالك كالوديعة والعارية أم كانت بحكم الشارع كالعين المستأجرة ونحوها. [ الفصل الثالث ] [ في بعض ما يوجب الضمان ] [ المسألة 82: ] إذا أتلف الانسان مال غيره لزمه ضمان ما أتلف، سواء كان عامدا في فعله أم غير عامد كما إذا كسر الاناء أو أراق المائع وهو نائم أو وهو ساه أو غافل، فيلزمه ضمانه، وكذلك إذا أتلف الشئ في حال صغره وعدم تكليفه فيكون عليه ضمان التالف، ويؤديه عنه الولي من مال المولى عليه وإذا لم يكن له ولي أو لم يكن له مال لزمه اداؤه بعد البلوغ. [ المسألة 83: ] قد يكون اتلاف الانسان لمال الغير بنحو المباشرة للاتلاف كما إذا ضرب الاناء أو أوقعه من شاهق فكسره، أو رمى الحيوان ببندقية أو بسهم أو بحجر فقتله أو ألقى الشئ في النار أو في البحر فأحرقه أو أغرقه، وقد يكون اتلافه اياه بنحو التسبيب، كما إذا وجه الاعمى نحو بئر أو هاوية في الطريق فسقط فيها ومات، أو ساق الدابة بعنف وهي لا تدري نحو بئر أو هاوية أو حافة جبل فوقعت فيها وهلكت، أو جعل في الطريق بعض المزالق أو المعاثر فانزلق فيها بعض الغافلين أو بعض الاطفال أو الحيوان أو بعض أدوات النقل فتلف، فإذا حصل التلف بأحد النحوين كان المتلف المباشر أو المسبب ضامنا لما حصل، فيضمن المال لصاحبه بمثله إذا كان مثليا وبقيمته إذا كان قيميا وإذا حدث

[ 207 ]

بفعله أو بسببه عيب في الشئ أو حصلت جناية على صغير أو كبير ضمن ارش العيب وأرش الجناية. [ المسألة 84: ] إذا ذبح الانسان حيوانا يملكه غيره على غير الوجه والشرعي، أو ذبحه على الوجه الشرعي وكان الحيوان مما لا ينتفع به بحسب العادة بعد ذبحه بأكل ونحوه، كالفرس والبغل والحمار فان هذه الحيوانات لا يؤكل لحمها عادة ولا ينتفع بها بعد ذبحها وان كانت محللة اللحم، ولذلك فهي مما تعد تالفة بالذبح، ويكون الذابح لها ضامنا، وإذا ذبح حيوانا يملكه غيره على الوجه الشرعي وكان الحيوان مما يؤكل لحمه وينتفع باجزائه بعد التذكية كالبقر والغنم والابل، فلا يعد تالفا، ولا يكون الذابح له ضامنا للاتلاف، ويضمن للمالك تفاوت قيمة الحيوان ما بين كونه حيا ومذبوحا، وإذا ذبحه وأكل لحمه أو قسم لحمه كان ضامنا لقيمته. [ المسألة 85: ] إذا أثبت في الطريق وتدا ليعثر به بعض المارة أو بعض الحيوان، فيصيبه بسبب ذلك عطب أو كسر كان ضامنا لما يحدث بسبب فعله من جناية أو خسارة أو تلف مال، كما إذا عثر بالوتد انسان أو دابة فوقعت وتلف المتاع الذي تحمله، وكذلك إذا لم يقصد به ذلك ولكن وضع الوتد في ذلك الموضع مظنة لحدوث مثل ذلك، وإذا جعل الوتد لغاية صحيحة ولم يكن وضعه في ذلك مظنة لذلك، فاتفق حدوث مثله ففي ضمانه اشكال. ومن صغريات المسألة مااذا أصاب الوتد عجلة سيارة أو وسيلة نقل أخرى فأحدث جناية أو تلف مال أو عيبا أو نحو ذلك فيجري فيه البيان الآنف ذكره. [ المسألة 86: ] ومن ذلك ما إذا جعل في الطريق عقبة توجب نفور الدابة إذا مرت بها، فإذا وضع العقبة بهذا القصد أو كانت مظنة لذلك، فنفرت الدابة حين اجتات بها، فوقعت وأصابها عقر أو كسر، أو جنت على راكبها

[ 208 ]

أو على شخص آخر أو أتلفت مالا، كان واضع العقبة ضامنا لما حدث بسببه. [ المسألة 87: ] إذا فك الرجل القيد عن المجنون وتركه مطلقا كان ضامنا لما يجني ولما يتلف، إذا كان من شأنه أن يقيد، وكذلك الحيوان إذا كان من طبعة أن يؤذي أو يجني كالكلب العقور والفرس المؤذي والدابة الصائلة، فيجب على صاحبه أن يربطه للاحتراز منه، فان فرط في التحفظ فتركه مهملا، أو حله من رباطه في وقت يجب فيه التحفظ كان ضامنا لما يحدث بسببه، وإذا حله أحد بعد أن ربطه مالكه كان هو الضامن. [ المسألة 88: ] إذ فك الانسان دابة أو حيوانا يملكه غيره من رباطه، فشرد أو دخل في حظيرة حيوان آخر فجنى الحيوان عليه أو قتله كان الانسان الذي فكه ضامنا لفيمته ولارش الجناية عليه وكذلك إذا فتح الرجل القفص فطار الطائر منه ولم يقدر صاحبه على امساكه، فيضمن الرجل قيمته لصاحبه، ويضمن ايضا ما تتلفه الدابة بعدما فكها من الرباط، أو يتلفه الطائر بخروجه من القفص، ويضمن قيمة الطائر إذا عطب بسبب الخروج منه، كما إذا كان باب القفص ضيقا فاضطرب الطائر فيه حتى عطب أو انكسر. [ المسألة 89: ] إذا غصب الرجل الشاة وترك ولدها صغيرا، فمات بعدها جوعا، فان ترك الولد ولاغذاء له غير ارتضاعه من أمه كان الغاصب هو السبب في تلف الولد فيلزمه ضمان قيمة الولد لمالكه وان لم ينحصر غذاؤه بلبن أمه، فلا ضمان على الغاصب بتلفه. [ المسألة 90: ] إذا حبس الرجل راعي الماشية أو مالكها عنها، فهلكت بعد غيبته عنها، فان كانت الماشية ترعى أو تقيم في أرض ذات سباع أو ذئاب مثلا وكان مالك الماشية أو راعيها هو الحارس لها من أخطارها كان

[ 209 ]

الحابس هو السبب في هلاكها، فيكون ضامنا لقيمتها، والا فلا ضمان عليه. [ المسألة 91: ] إذا حل الرجل وكاء الظرف، فسأل المائع الذي جعل فيه من سمن أو عسل أو غيره كان ذلك الرجل ضامنا لقيمة المائع. وإذا فتح بعض وكاء الظرف وكان الظرف مسندا إلى جدار ونحوه فلا يسيل ما فيه بحسب العادة بمجرد فتح رأسه واتفق ان حط عليه طائر، أو حركه حيوان فانقلب، أو قلبته ريح عاصفة فسال ما فيه، اشكل الحكم على الرجل بالضمان. ويقوى الحكم عليه بالضمان إذا كان مظنة لحدوث مثل ذلك كما إذا في مهب ريح عاصفة أو في موضع تكثر فيه طيور أو حيوانات تعبث بمثله. [ المسألة 92: ] لا يضمن مالك الجدار إذا وقع جداره في الطريق أو في بيت غيره أو في ملكه فأتلف مالا، أو أتلف نفسا أو جنى عليها، وإذا مال الجدار إلى الطريق أو إلى ملك الغير أو بناه صاحبه مائلا كذلك، ولم يزل صاحبه خطره أو يصلحه مع تمكنه من ذلك، فسقط الجدار وأتلف أو جنى، كان على صاحب الجدار ضمان ذلك، وكذلك إذا تمكن من الاعلام بالخطر ولم يعلم به حتى وقع المحذور، وانما يكون صاحب الجدار ضامنا إذا كان الشخص المجني عليه أو الشخص الذي تلف ماله لا يعلم بالحال، فإذا كان الشخص عالما بأن الجدار منهار ومائل للانهدام ووقف تحته أو وضع ماله بقربه فسقط الجدار وتلف المال أو حصلت الجناية، فلا ضمان على صاحب الجدار. [ المسألة 93: ] إذا أوقد الرجل في منزله أو في ملكه نارا لبعض الاغراض، وكان من شأن النار التي أوقدها أن تسري إلى بيت غيره أو ملكه لوجود ريح قد تحمل اللهب وقد تطير الشرر، فسرت النار وأتلفت، كان موقد

[ 210 ]

النار ضامنا لما يحدث بسبب فعله، سواء تجاوز في النار التي اوقدها عن مقدار حاجته ام لم يتجاوز عنه، وسواء علم أو ظن بأن النار تتعدى وتسري أم لم يعلم ولم يظن ام اعتقد بعدم السراية فاتفق أن تعدت وسرت لوجود الريح. وإذا أوقد نارا ليس من شأنها التعدي لسكون الريح، واتفق ان عصف الهواء وحمل الشرر فسرت النار إلى ملك غيره، فالظاهر عدم الضمان بذلك. [ المسألة 94: ] إذا أرسل الانسان الماء في بيته أو في ملكه فتعدى إلى ملك شخص آخر فأفسد أو أضر به كان المرسل ضامنا لذلك سواء كان يعتقد بعدم وصول الماء الى ملك الآخر أو عدم الضرر به ام يعتقد خلاف ذلك. وإذا أرسل الماء في ملكه فعداه غيره إلى ملكه لينتفع به فأضره، فلا ضمان على المرسل الاول، وإذا عداه الثاني إلى ملكه فأضر بملك الثالث كان الثاني ضامنا للثالث ولاضمان على الاول. [ المسألة 95: ] إذا حمل الحمال سارية ضخمة من الخشب أو من الحديد على ظهره ليوصلها إلى مكان فصدم بها جدارا أو بناءا فصدعه أو هدمه كان ضامنا لما فعله، وإذا اجهده حمل السارية فأسندها إلى جدار أحد ليستريح، ولم يستأذن مالك الجدار بذلك، فأوجب اسنادها صدعا في الجدار أو انهيارا، أو وقع الجدار بسبب ذلك فأتلف مالا أو نفسا كان الحمال ضامنا لكل ذلك إذا كان وقوع الجدار أو تصدعه أو اتلاف الشئ مستندا إلى اسناد الخشبة إليه، وان تأخر وقوع الجدار عن اسناد الخشبة إليه ساعة مثلا أو اكثر، وإذا وقعت السارية فأتلفت بوقوعها شيئا لزم الحمال ضمانه ايضا. [ المسألة 96: ] إذا دخلت دابة الرجل أو حيوانه إلى مزرعة أحد فأكلت زرعه أو أفسدته ضمن مالكها ما أكلته وما أفسدته إذا كان المالك مع الدابة في

[ 211 ]

دخولها راكبا عليها أو قائدا أو سائقا لها أو مصاحبا لها، وإذا لم يكن المالك معها في دخولها كان ضامنا لما اتلفته إذا وقع ذلك ليلا، ولا ضمان عليه إذا كان نهارا. [ المسألة 97: ] إذا جعل المالك الدابة أو الحيوان عند الراعي أو بيد مستأجر لها أو بيد مستعير فدخلت مزرعة الغير وأكلت زرعه أو أفسدته، فالضمان الذي ذكرناه في المسألة السابقة على الراعي وعلى المستأجر وعلى المستعير ولا ضمان على المالك. [ المسألة 98: ] إذا اجتمع سببان تامان من فعل شخصين في اتلاف نفس أو اتلاف شئ، ولم يسبق أحدهما على الاخر في التأثير، فالاقوى ان الشخصين كليهما يكونان مشتركين في ضمان التالف وكذلك إذا سبق أحدهما على الآخر في وجوده بعد أن كان الاثر وهو تلف التالف انما تحقق بهما جميعا. ومثال ذلك: ما إذا حفر رجل بئرا أو حفيرة عميقة ليوقع فيها بعض العابرين، ولما اجتاز أحدهم صرخ به رجل آخر صرخة أذهلته فوقع في البئر من غير اختيار، أو ضرب في الهواء طلقة نارية ففزع وسقط في البئر من شدة الفزع فمات أو انكسر بعض اعضائه، ومن أمثلة ذلك: أن يضع الرجل لغما في الماء ليقتل به شخصا ويفزعه الآخر فيغرق في الماء ويصيبه اللغم فيهلك بفعلهما معا فيكونان شريكين في الضمان، الا إذا علم أن التلف حصل بفعل أحدهما خاصة، فيكون هو الضامن. [ المسألة 99: ] إذا كان أحد الشخصين سببا في اتلاف التالف بفعله، وكان الاخر هو الفاعل المباشر لذلك، فالضمان على المباشر للفعل، فإذا حفر أحدهما الحفيرة ليهلك بها الشخص ثم دفعه الاخر فيها، فالجاني هو الدافع لا الحافر، وإذا وضع أحدهما اللغم وأوقعه الثاني عليه فالجاني عليه هو من اوقعه على اللغم لا من وضع اللغم في طريقه.

[ 212 ]

ويستثنى من ذلك ما إذا كان السبب أقوى في حصول الاثر من المباشر، كما إذا وضع الرجل الاناء عند رجلي النائم فدفعه النائم برجله وكسره، أو اغرى به طفلا أو مغفلا فألقاه من شاهق فتحطم وما أشبه ذلك. [ المسألة 100: ] إذا اكره القوي ضعيفا على اتلاف مال غيره، وهدده بأن يوقع به ما يكرهه إذا هو لم يفعل ما الزمه به، وخشي الضعيف منه أن يوقع به ما هدده به إذا لم ينفذ قوله، فأتلف المال كما أمره به، فالضمان على القوي المكره لان السبب أقوى من المباشر. وهذا في المال الذي لم يلزم المتلف ضمانه من قبل كمال الوديعة أو العارية أو العين المستأجرة أو مال الغير الذي لم يكن تحت يده، وإذا أكرهه على اتلاف المال الذي غصبه ولزمه ضمانه بسبب الغصب أو الذي قبضه بالسوم أو بالمعاملة الفاسدة، فاتلفه للاكراه، تخير مالك المال بالرجوع على كل من المتلف أو على من أكرهه، فان أخذ بدل ماله من المتلف كان للمتلف الرجوع بالغرامة على من أكرهه، وإذا أخذ البدل من المكره لم يرجع بغرامته على المتلف [ المسألة 101: ] إذا أكره القوي الضعيف على قتل أحد فقتله كان الضمان على القاتل ولا يسقط الضمان عنه، بالاكراه، فانه لا اكراه في الدماء، ولا يرجع على من اكرهه بشئ وان كان عاصيا وآثما بفعله. [ المسألة 102: ] إذا غصب الغاصب طعاما أو شرابا، فاستضاف مالكه وأطعمه طعامه أو سقاه شرابه والمالك لا يعلم بأن المال ماله، ضمن الغاصب له ذلك المال، فان السبب وهو الغاصب اقوى من المباشر لجهله وكذلك إذا غصب منه شاة أو بقرة وطلب الغاصب من المالك ذبحها، فذبحها وهو يجهل بأنها ملكه، فيجب على الغاصب ان يرد لحم الحيوان المذبوح

[ 213 ]

وأجزاءه التي ينتفع بها على مالكه، ويضمن له التفاوت ما بين قيمة الحيوان حيا وقيمته مذبوحا كما ذكرنا في المسألة الرابعة والثمانين. [ المسألة 103: ] إذا غصب زيد طعام عمرو أو شرابه واستضاف رجلا غير مالك الطعام والشراب فأطعمه أو سقاه اياه والرجل يجهل أن الطعام والشراب ملك الغير، فالظاهر ان الغاصب والاكل كليهما ضامنان للمال، ويتخير المالك ان يأخذ بدل ماله من الغاصب أو من الآكل، فإذا أخذ البدل من الغاصب لم يكن له أن يرجع على الآكل بشئ منه، وإذا أخذه من الآكل جاز له أن يرجع على الغاصب بما غرم لانه مغرور منه. [ المسألة 104: ] إذا سعى الرجل بأحد إلى شخص متنفذ سعاية فأخذ المتنفذ منه مبلغا من المال بغير حق فهو آثم بسعايته بالرجل، ولا ضمان على الساعي لما غرمه المتنفذ من المال بل يكون الضمان على آخذ المال، وكذلك إذا شكاه إليه بحق أو بغير حق فغرمه مالا، فيكون الضمان على آخذ المال. [ المسألة 105: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت قيمية اشتغلت ذمة الضامن بقيمة المغصوب في يوم تلفه لا بعينه، وهو ظاهر صحيحة أبي ولاد، ونتيجة لهذا فإذا اختلف مالك العين المغصوبة وغاصبها بعد أن تلفت العين في مقدار القيمة في يوم التلف، ولم توجد بينة تعين المقدار، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه ينكر الزائد، وكذلك الحكم إذا تنازعا في وجود صفة في العين المغصوبة تزيد بها قيمتها، فادعى المالك بأن العبد قد تعلم الصنعة حين الغصب أو بعده فالزيادة مضمونة وانكر الغاصب وجودها، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه منكر. [ المسألة 106: ] إذا تنازعا في ثياب على العبد المغصوب أو الامة المغصوبة أو في سرج على الفرس المغصوب أو في فراش في الدار المغصوبة فقال المالك: انها

[ 214 ]

ملك له وادعى الغاصب انها له، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه صاحب اليد على هذه الاشياء التي يدعي بها وان كان غاصبا للعين. [ المسألة 107: ] ما يضمنه الانسان بسبب الغصب أو بسبب الاتلاف يكون في ذمته وفي ماله ولا يكون على عاقلته.

[ 215 ]

[ كتاب الحجر ]

[ 217 ]

[ كتاب الحجر ] [ المسألة الاولى: ] الحجر في اللغة يعني المنع من الشئ، فيقولون: زيد محجور من دخول البلد إذا منعه مانع من دخوله، ويصح فيه ضم الحاء وفتحها وكسرها، ويختص عند الفقهاء بأن يكون الشخص ممنوعا عن أن يتصرف بما له، لوجود أحد الاسباب الموجبة لذلك، وهي كثيرة. والمهم من الاسباب المانعة للشخص من التصرف في ماله ستة أمور، وسنتعرض هنا لاربعة منها فقط، لاهتمام الفقهاء بها، وهي صغر السن، والسفه، والفلس، والمرض الذي يموت الشخص فيه، وأما الجنون فقد ذكرنا المهم من أحكامه في كتاب التجارة وكتاب النكاح وغيرهما من أبواب الفقه وفيها ما يغنينا عن التكرار هنا وأما الرق فان قلة الابتلاء بأحكام العبيد والاماء في الازمان المتأخرة يغنينا عن البحث فيها، وقد ذكرنا جملة وافرة منها في ابواب المعاملات وفي بعض كتب العبادات. وبعد فما نتعرض له من أحكام الحجر يحتوي على أربعة فصول: [ الفصل الاول ] [ في صغر السن ] [ المسألة الثانية: ] يحجر الصبي الصغير شرعا من أن يتصرف في أمواله بأن يبيع أو يشتري أو يهب أو يتهب أو يصالح أو يقبل الصلح عليها أو على شئ منها، أو يقرض أو يؤجر أو يودع أو يعير أو يجري غيرها من انواع التصرف، ولا ينفذ تصرفه في المال ولا تترتب عليه آثاره إذا هو اجراه.

[ 218 ]

والمراد بالصغير من لم يصل إلى أوان البلوغ الشرعي وان كان مميزا رشيدا، وكان تصرفه موافقا للمصلحة لنفسه ولمن يتعامل معه وللمال. ومنع المشهور من صحة تصرفه في المال حتى مع اذن الولي له قبل التصرف أو اجازته له بعد التصرف، فلا تصح معاملته على هذا القول على الاطلاق، وهو ممنوع وسيأتي التعرض لذلك وسنذكر بعض المستثنيات ان شاء الله تعالى. [ المسألة الثالثة: ] يحجر الصبي الصغير عن أن يتصرف في ذمته فيشغلها ببعض المعاوضات، فلا يصح له أن يقترض من أحد مالا فيصبح مال القرض في ذمته أو يبيع على أحد أو يشتري منه سلفا أو نسيئة، ويحجر كذلك عن أن يتصرف في نفسه، فليس له أن يتولى تزويج نفسه أو طلاق زوجته، أو يؤجر نفسه لعمل أو يجعل نفسه عامل مضاربة أو مزارعة أو مساقاة أو غير ذلك من انواع التصرف في النفس. [ المسألة الرابعة: ] تقدم منا في المسألة الثالثة والسبعين من كتاب التجارة: أن ولي الصبي إذا قام بالمعاملة على بيع مال الصبي حتى اتم المساومة وحصل الاتفاق بينه وبين المشتري ثم وكل الصبي نفسه في أن يجري صيغة البيع على المشتري، فالاقوى صحة المعاملة ونفوذها إذا كان الصبي مميزا وصحيح الانشاء، وكذلك إذا اتم الولي معاملة الشراء له ثم وكله في انشاء القبول، فالصبي غير مسلوب العبارة لصغره على الاقوى إذا كان يحسن الانشاء. وذكرنا في المسألة ذاتها: أن الظاهر صحة معاملة الصبي المميز في الامور غير الخطيرة، فيصح له أن يتولى معاملة البيع والشراء مستقلا في هذه الامور، إذا اذن له الولي بأصل المعاملة لا في خصوص انشاء الصيغة. وسيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الوصية: ان الاقوى صحة الوصية من الصبي إذا بلغ عشر سنين وكانت وصيته في الخيرات والمبرات ووجوه المعروف، فتنفذ وصيته ويلزم العمل بها بعد موته.

[ 219 ]

[ المسألة الخامسة: ] تصح معاملة الصبي المميز على الاقوى في بيع مال غيره إذا وكله مالك المال واذن له بذلك، ويصح الشراء له كذلك، فيتولى اجراء المعاملة له في البيع والشراء بالوكالة عنه، وتترتب على معاملته آثارها وان لم يأذن ولي الصبي له بذلك، وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة والسبعين من كتاب التجارة. [ المسألة السادسة: ] سيأتي في كتاب الطلاق (ان شاء الله تعالى) ان الاحتياط لا يترك في الطلاق ولا في آثاره إذا وقع من الزوج الصبي وقد بلغ عشر سنين، فالاحوط أن لا يصدر منه، وإذا وقع منه لزم مراعاة الاحتياط في ترتيب الآثار في صغريات موارده التي تحدث، فلا يطأ المطلق الزوجة الا بعقد جديد، ولا تتزوج المطلقة غيره الا بعد طلاق جديد وهكذا. [ المسألة السابعة: ] لا يمنع الصغير لصغره من حيازة المباحات الاصلية، ويتحقق له ملكها إذا حازها على الوجه المعتبر فيها، فإذا احتطب أو احتش أو استقى الماء أو اصطاد سمكا أو طيرا صحت حيازته وملك ما حازه، وتصح منه النية إذا نوى بحيازته تملك الشئ ولم يفتقر في ذلك إلى اذن الولي له بالحيازة أو بالتملك، والظاهر صحة ذلك منه حتى في مثل احياء الارض الميتة وتحجيرها إذا تحققت منه على الوجه الصحيح. [ المسألة الثامنة: ] يعلم تحقق البلوغ الشرعي في كل من الذكر، والانثى بنبات الشعر الخشن في موضع الشعر من العانة، ولا يكفي خروج الزغب الناعم في الموضع قبل أن يقوى الشعر ويخشن، ويعلم تحققه بخروج المني من الذكر أو الانثى، وهو الماء الذي يوجب خروجه غسل الجنابة، سواء كان خروجه في اليقظة أم في المنام، وسواء خرج بجماع أو بغيره، ويعلم تحققه في الانثى بخروج دم الحيض، ويعلم تحققه بأن يكمل الذكر خمسة عشر عاما من حين ولادته، وأن تكمل الانثى تسعة أعوام،

[ 220 ]

ولا يكفي أن يدخل الذكر في السنة الخامسة عشرة قبل أن يتمها أو تدخل الانثى في عامها التاسع قبل أن تتمه. [ المسألة التاسعة: ] لا يرتفع الحجر عن الصبي الذكر ولا عن الصبية الانثى بتحقق البلوغ وحده حتى يحصل معه الرشد في العقل، وسيأتي بيان المراد منه في الفصل الثاني، فإذا لم يتحقق الرشد مع البلوغ لم يزل محجورا عن التصرف في ماله وان كبرت سنه. [ المسألة العاشرة: ] يثبت الرشد عند اشتباه الامر في الغلام عند البلوغ أو قبله باختباره في الامور التي تناسب شأنه وحاله من التصرف في المال من بيع وشراء واجارة وصرف وانفاق ونحو ذلك من الامور التي تكشف بحسب العادة عن رشده ومراعاته لمصلحة المال والحفاظ على شؤونه التي يجري عليها العقلاء في معاملاتهم حتى يستبين أمره، وسيأتي مزيد من القول في تفصيل ذلك. ويثبت كذلك بشهادة البينة العادلة من الرجال المطلعة على الحال في رشد الذكر وفي رشد الانثى ويشكل الحكم في ثبوت رشد الانثى بشهادة النساء، فلابد في ذلك من مراعاة الاحتياط. [ المسألة 11: ] تثبت للاب وللجد أبي الاب ولاية التصرف في مال الصبي غير البالغ والصبية غير البالغة والنظر في مصالحهما وشؤونهما، وينفذ تصرفهما في مال المولى عليه من بيع وشراء وصلح واجارة وهبة لهما أو منهما وغير ذلك كما أوضحناه في فصل شرائط المتعاقدين. وتثبت لهما ولاية التصرف في المعاملات التي تتعلق بذمته، فلهما أن يقترضا له أو يقرضاه من مالهما، وأن يبيعا له ويشتريا سلما أو نسيئة، وتثبت لهما ولاية التصرف في نفسه، فلهما أن يزوجاه بمهر معجل من ماله أو مؤجل في ذمته، وان يؤجراه عاملا لما يريدان له من الاعمال، مع وجود المصلحة له في جميع ذلك، بل ومع عدم المفسدة على الاقوى، الا في الصورة التي سنذكر استثناءها من ذلك.

[ 221 ]

وإذا فقد الاب والجد للاب، فالولاية على التصرف في ماله للقيم الذي يوصي إليه الاب أو الجد للاب ويجعله ناظرا على الطفل، وقد أوضحنا ولايته وبينا حدودها وشروطها في فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة، وفي مبحث أولياء العقد من كتاب النكاح. وإذا لم يكن للصغير غير البالغ أب ولا جد للاب، ولا قيم مجعول من أحدهما، فالولاية عليه للحاكم الشرعي، فإذا لم يوجد فالولاية عليه في أمواله على الاحوط للعدول من المؤمنين، فان لم يوجد العدول فلثقاة المؤمنين. [ المسألة 12: ] لا ولاية على التصرف في مال الصبي أو الصبية غير البالغين للام ولا للجد أبي الام، ولا للاخ الكبير أو الصغير، أو العم أو الخال، الا أن يجعله الاب أو الجد للاب أو الحاكم الشرعي قيما، ووليا على التصرف في ماله، أو كان من عدول المؤمنين إذا لم يكن له ولي سواهم، أو كان من ثقاتهم إذا لم يوجد العدل. [ المسألة 13: ] لا يشترط في صحة ولاية الاب أو الجد للاب على الصغير أن يكونا عدلين، فتثبت ولايتهما وينفذ تصرفهما وان كانا فاسقين، ولا يجب على الحاكم الشرعي أن يفحص عنهما وعن تصرفهما في أموال الصغير وشؤون ولايتهما عليه، وإذا استبان له من باب الاتفاق سوء سلوكهما وان تصرفهما مما يضر بالمولى عليه عزلهما عن الولاية ومنعهما من التصرف في ماله. [ المسألة 14: ] لا ترتب في الولاية بين الاب والجد للاب، فهما مشتركان في الولاية على الصبي أو الصبية، فأيهما أجرى المعاملة على ماله أو عليه كان تصرفه ماضيا نافذا، ولم تتوقف صحة تصرفه على اذن الآخر أو اجازته، وإذا تصرفا معا فان سبق أحدهما على الآخر كان تصرف السابق نافذا وبطل تصرف اللاحق، فإذا باع الاول دار الصبي على رجل ثم باعها الثاني على رجل آخر صح بيع الاول وبطل بيع الثاني، وإذا اقترنا في

[ 222 ]

ايقاع المعاملة في وقت واحد ولم يتقدم أحدهما على الآخر قدم الجد إذا كانت المعاملة التي أوقعاها عقد نكاح، كما إذا زوج الجد البنت الصغيرة من أحد وزوجها الاب من غيره وتقارنا في ايقاع عقد التزويج، فيقدم عقد الجد ويلغى عقد الاب، وإذا كانت المعاملة التي أجرياها مقترنين غير عقد النكاح، فلابد من مراعاة الاحتياط في ترتيب الآثار، فإذا باعا داره على شخصين في وقت واحد أو آجراها من شخصين تقايلوا من البيع أو الاجارة ثم آجروا المعاملة حسب ما يتفقون. [ المسألة 15: ] لا فرق في ثبوت ولاية الجد للاب بين القريب من الجداد والبعيد منهم، فلا يتقدم القريب على البعيد فيها، فالجد وأبو الجد وجد الجد إذا وجدوا فجميعهم مشتركون في الولاية على الطفل، وجميعهم يشاركون الاب فيها. [ المسألة 16: ] ذكرنا هاهنا وفي مواضع سبقت الاشارة إليها: انه لا يشترط في صحة تصرف الاب أو الجد في مال الصغير أو الصغيرة أن يكون التصرف مشتملا على مصلحة للصغير أو للمال، بل يكفي في الصحة عدم وجود مفسدة في التصرف، وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي ما يكون تصرفهما محتويا على تفريط في مصلحة الصغير، فإذا كان تصرف الاب أو الجد يستلزم أو يحتوي على تفريط في مصلحته لم يصح ذلك التصرف ولم ينفذ، وقد ذكرنا هذا وذكرنا مثاله في المسألة المائة والخامسة من كتاب التجارة. [ المسألة 17: ] إذا كانت الولاية على أموال الصغير أو الصغير أو الصغيرة للقيم المنصوب من أبيهما أو جدهما لابيهما اشترط في صحة تصرفه في مالهما أن توجد المصلحة في تصرفه، ولا يكفي عدم وجود المفسدة، كما في ولاية الاب والجد، فإذا أراد القيم بيع دار الصغير أو عقاره أو أراد اجارته أو أراد ايقاع اي تصرف آخر في ماله، فلابد له من احراز هذا الشرط، وقد ذكرنا في المسألة المائة والعاشرة من كتاب التجارة أو الميزان في

[ 223 ]

ذلك أن يكون التصرف مشتملا على المصلحة في نظر العقلاء من الناس ولا يكفي في الصحة اعتقاد الولي بذلك إذا كان العقلاء يرونه مخالفا، وتراجع المسألة المذكورة. [ المسألة 18: ] إذا كانت الولاية في أموال الصغير للحاكم الشرعي، فالتصرف في المال يكون منوطا برأيه من حيث لزوم مراعاة المصلحة في ذلك وعدم لزومها، وان كان الاحوط استحبابا له ان يقتصر في تصرفه على ما يلزم من تركه حصول ضرر أو فساد [ المسألة 19: ] إذا كانت الولاية في مال الصغير للعدول من المؤمنين أو لثقاتهم فالاحوط لزوما أن يقتصر الولي في تصرفه في المال على ما يلزم من تركه الضرر فإذا خاف تلف المال باعه وإذا خشي تلف المنفعة آجر العين. [ المسألة 20: ] يجوز للولي ان يدفع مال الصغير إلى احد مضاربة أو بضاعة إذا كان العامل الذي يجري معه عقد المضاربة أو البضاعة ثقة أمينا، وإذا ضاربه وكان غير ثقة أمين كان الولي ضامنا لتفريطه فإذا تلف المال لزم الولي دفع بدله. ويجوز للولي بحسب ولايته على المال وعلى الصغير أن يأذن لنفسه بأن يتجر بمال المولى عليه بحصة معينة من ربح المال وتكون الحصة الاخرى منه للمولى عليه، ويكفيه حصول الاذن بذلك في قصده ونيته فيتولى الاتجار والعمل له بنفسه وإذا ربحت التجارة استحق الحصة المعينة، وتلاحظ المسألة المائة والثامنة والثلاثون من كتاب المضاربة. [ المسألة 21: ] مما يرجح فعله للولي ولا ينبغي تركه أو التسامح فيه، سواء كان الولي أبا أم جدا أم غيرهما، بل هو من الشؤون الاولى للولاية أن يعلم الصبي أو الصبية القراءة والخط والحساب وغيرها من مواد التعليم، فيدفعه الولي إلى شخص مأمون أو يجعله في معهد موثوق يتلقى فيه

[ 224 ]

مبادئ ذلك ونتائجه، ويتلقى فيه مبادئ اللغة العربية وعلومها والعلوم الاخرى التي تضع بيد الصغير مفاتيح النجح والفوز والخير في هذه الحياة وما بعدها، وتغرس في قلبه وفي نفسه محبة الخلق الرضي وأصول الطباع الكريمة المهذبة النافعة له في دينه ودنياه ويجب ان يتولى الولي والثقاة من معلميه ومرشديه صيانته عما يفسد الخلق ويشين الحياة ويضر بالدين أو العقيدة. [ المسألة 22: ] يجوز للولي أن يدفع الصبي إلى من يثق بأمانته وبحسن سلوكه ومعاملته ليعلمه بعض الصنايع أو يعوده على بعض الاعمال التي تنفعه في الحياة، أو يجعله أجيرا أو عاملا لديه في الامور التي يمكنه القيام بها مقابل أجر معين في أوقات محددة، فيتعود بذلك على الكسب المحلل والحفاظ على الوقت واداء الواجب، واحترام العمل واحترام الناس. [ المسألة 23: ] إذا كان الصغير يتيما وكان انفاق الولي عليه من مال الصغير نفسه فعليه مراعاة الاقتصاد والتوسط في ذلك بلا سرف ولا تقتير وأن يلاحظ شأن الصغير وشأن أمثاله في المجتمع والشرف والمنزلة وفي التمكن وعدمه في كل من الطعام والشراب واللباس والسكنى، وإذا زاد في الانفاق على ما يقتضيه الحال كان ضامنا للزيادة التي أتلفها في انفاقه، وإذا قتر في الصرف وجب عليه أن يحفظ للطفل ما تركه للتقتير. [ المسألة 24: ] إذا كان اليتيم من أفراد العائلة التي يكفلها الولي ويقوم بالانفاق عليها جاز له أن يخلط اليتيم مع العائلة في مأكلهم ومشربهم ومسكنهم، ويصرف عليهم صرفا واحدا، ثم يوزع مجموع ما ينفقه على رؤوسهم بالمساواة، فينال اليتيم ما ينال احدهم من حصة ويأخذها الولي من ماله، وجاز له أن يفرده في مأكله ومشربه ومسكنه، وأما اللباس فلابد وان يكون لكل فرد منهم ملبسه الخاص به، وكذلك إذا كان الولي يقوم بالانفاق على عدة من اليتامى وكانوا من أسرة واحدة أو كانوا متماثلين في الشأن وفي التمكن، فيجوز للولي أن يخلط اليتامى كلهم في

[ 225 ]

المأكل والمشرب والمسكن، ويوزع ما ينفقه عليهم جميعا بالحصص فينال كل فرد منهم مقدار حصته وتخرج من ماله كما ذكرنا، ويجوز له ان يفرد كل واحد منهم بنفقته. [ المسألة 25: ] إذا كان للصغير مال في ذمة غيره وكان المدين ممن لا يوثق بوفائه لجميع الدين، فاضطر الولي إلى مصالحته عن الدين ببعضه ليستنقذ منه بعض المال حل للولي ذلك ولا يحل للمدين باقي المال، ولا يجوز للولي اسقاطه. [ المسألة 26: ] إذا بلغ الصغير الحلم وثبت رشده وأراد استلام المال، فادعى الولي انه قد انفق على الصبي قبل بلوغه أو انفق على ماله أو على بعض شؤونه مقدارا من المال، فأنكر المولى عليه أصل الانفاق عليه أو أنكر الانفاق في بعض الامور التي ذكرها المولي أو أنكر مقدار الانفاق، فالقول قول الولي مع يمينه، لانه أمين، الا أن يقيم المولى عليه بينة على ما يقول. [ المسألة 27: ] تجري في المجنون جميع أحكام الحجر التي ذكرناها في الصغير، الا في الموارد التي قلنا بصحة التصرف فيها من الصغير المميز، كالبيع والشراء منه في الامور غير الخطيرة، وكصحة انشائه إذا أتم الولي المعاملة على مال الصغير ثم وكله في انشاء الصيغة، وصحة معاملته في مال غيره إذا وكله المالك في اجراء المعاملة واذن له فيها، وغير ذلك مما تقدم ذكره فانها لا تجري في المجنون إذا كان مطبقا. [ المسألة 28: ] إذا كان جنون المجنون أدوارا، صح التصرف منه في أدوار افاقته إذا كان تام الافاقة فيها، ولا يحتاج معه إلى اذن الولي أو اجازته. [ المسألة 29: ] إذا جن قبل أوان بلوغه أو حدث جنونه مقترنا مع بلوغه فاتصل

[ 226 ]

جنونه بصغره جرت فيه جميع أحكام الحجر وأحكام الولاية المتقدم ذكرها في الحجر على الصغير كما بينا. وإذا تجدد جنون المجنون بعد ان بلغ الحلم وكمل رشده، فلا يترك الاحتياط بأن تكون ولاية التصرف في ماله بيد كل من الحاكم الشرعي ومن الاب أو الجد إذا كانا موجودين والقيم والمنصوب من احدهما إذا كانا مفقودين على وجه الانضمام، فيرجع إلى الحاكم مع الاب أو الجد في الصورة الاولى، والى الحاكم مع القيم في الصورة الثانية، وإذا فقد الاب والجد والوصي اختصت الولاية بالحاكم الشرعي. [ المسألة 30: ] يحجر المجنون كما ذكرنا عن اي تصرف في ماله أو في ذمته أو في نفسه أو في مال غيره ولا يجدي في تصحيح معاملاته أن يأذن له وليه بالتصرف قبل ايقاع المعاملة أو يجيزها بعد ايقاعها ولا يجدي في تصحيحها أن يجيزها هو بعد ان يفيق، فإذا أراد تصحيحها فلابد له من ايقاع المعاملة تامة بعد الافاقة. [ الفصل الثاني ] [ في حجر السفيه ] [ المسألة 31: ] السفه صفة في نفس السفيه تقابل صفة الرشد في نفس الرشيد، وتبدأ صفة السفه طبيعية في أيام الطفل الاولى، لعدم قدرته على التمييز بين ما يصلحه من الامور ومالا يصلحه، وما ينفعه من التصرف ومالا ينفعه، وقد تستمر معه هذه الصفة وينشط أثرها وتعمق لعدم تنبه قواه المميزة أو لضعفها، أو لوجود بعض المنشطات للصفة، فتبقى إلى البلوغ والى ما بعد البلوغ. وقد تتنبه القوى المميزة في الطفل مبكرة، بنفسها أو بفعل المربي الناجح، ثم تعتاد وتقوى وترسخ فيكون الطفل مميزا بين ما يصلح ومالا يصلح وما يجدي ومالا يجدي من الصفات ومن الاعمال ومن المعاملات، فيرشد قبل أو ان الرشد وينشط تفكيره وتصح موازينه

[ 227 ]

وأفعاله قبل ميعاد النشاط، وتستمر معه الصفة وتقوى مع طول الاعتياد وطول المران. وقد تختلف الحال في بعض الاطفال فتبدأ الصفة فيه ضعيفة، ثم تقوى ثم تضعف لبعض العوارض والمؤثرات ثم تقوى، وهكذا بين ارخاء وشد وأخذ ورد. [ المسألة 32: ] يثبت سفه السفيه باختباره في تصرفه بماله الذي يوضع بيده، وفي معاملته مع الناس بالمال، فإذا علم من حاله انه لا يعتني بحفظ المال كما يعتني به الناس العقلاء، فلا يبالى أن يصرفه في أي موقع اتفق، وأن يتلف المال أو ينقص في أي موضع كان، وأن معاملاته مع الآخرين لا تبتني على التحفظ من حصول الغبن فيها أو الانخداع من معامليه كما هو دأب العقلاء والمتعاملين من الناس، فإذا علم ان تلك هي صفته الموجودة فيه والثابتة له في تصرفه ومعاملاته، فهو سفيه ثابت السفه في المال، ولا يثبت السفه باتفاق صدور ذلك منه في بعض حالات الغفلة أو الغلط أو التسامح الذي لا يقاس عليه، ولا يكون السفه صفة ثابتة له. [ المسألة 33: ] قد يكون الرجل رشيدا تام الرشد في تصرفه بماله وفي معاملته مع الناس فلا يغبن ولا ينخدع ولا يتلف المال أو يتسامح فيه بغير سبب موجب، ولكنه سفيه في الامور التي تتعلق بذمته، فلا يبالي بأن يقع في الغفلة أو في الانخداع في المعاملات التي يوقعها في ذمته من اقتراض أو شراء أو بيع نسيئة أو سلم أو استدانة في صورة اخرى، فيعلم ان تلك هي صفته الثابتة له في هذه الامور. وقد يثبت سفهه في التصرفات التي تتعلق بنفسه، كالتزويج واجارة نفسه عاملا وجعل نفسه مضاربا أو مزارعا أو مساقيا أو نحو ذلك من المعاملات التي يوقعها على نفسه فلا يتحفظ من وقوع الغبن أو الانخداع أو التسامح فيها.

[ 228 ]

وقد يثبت سفهه في عامة أموره وتصرفه ومعاملته سواء تعلقت بالمال ام بالذمة أم بالنفس فيكون سفهه عاما في جميع معاملاته. [ المسألة 34: ] إذا ثبت سفه الرجل في تصرفاته المالية حجر عليه شرعا فيها، فلا تصح منه اي معاملة يوقعها في ماله، فلا ينفذ بيعه إذا باع شيئا من أمواله ولا شراؤه إذا اشترى ولا اجارته إذا آجر ولا صلحه ولا هبته ولا وديعته ولا عاريته، والظاهر أن الحجر عليه لا يحتاج إلى حكم الحاكم الشرعي به سواء بلغ سفيها فاتصل سفهه بصغره أم تجدد له السفه بعد أن بلغ ورشد، فمتى حصل السفه للرجل حجر عليه شرعا، فإذا ثبت له الرشد بعد ذلك ارتفع عنه الحجر وصح منه التصرف وإذا سفه ثانية حجر عليه، وهكذا. وكذلك الحكم عليه إذا ثبت له السفه العام في جميع تصرفاته حجر عليه حجرا عاما في المال وغيره على الاحوط ولم يحتج إلى حكم الحاكم في حدوث الحجر عليه ولا في ارتفاعه كما ذكرنا. وإذا زال السفه في البعض ارتفع الحجر عنه في ذلك البعض. [ المسألة 35: ] إذا ثبتت للشخص صفة السفه في التصرف الذي يتعلق بذمته حجر عليه شرعا في هذه التصرفات على الاحوط ولم يمنع من غيرها إذا لم يكن سفيها فيها، ولم يفتقر إلى حكم الحاكم كما ذكرنا في الحجر عليه في المال فلا يصح له أن يقترض أو أن يضمن ما في ذمة غيره أو يبيع أو يشتري في الذمة على الاحوط ما دام سفيها كذلك وإذا زال السفه عنه زال الحجر، وإذا عادت الصفة عاد الحكم، وكذلك إذا ثبت له السفه العام كما سبق في نظيره فيحجر عليه في تصرفاته المتعلقة بذمته كما يحجر في غيرها على الاحوط وإذا زال عنه السفه فيها خاصة ارتفع الحجر عنه فيها خاصة وبقي في الباقي. [ المسألة 36: ] إذا كان الرجل سفيها في تصرفه الذي يتعلق بنفسه حجر عليه في ذلك على الاحوط ولم يحجر عليه في سواه، فلا يصح له تزويج نفسه

[ 229 ]

ولا جعل نفسه أجيرا لعمل أو عاملا في مضاربة أو نحوها، وإذا ثبت له السفه العام حجر عليه في الناحية المذكورة وفي غيرها على الاحوط كما قدمنا فلا تصح منه التصرفات المتعلقة بنفسه مادام سفيها وجرى فيه ما تقدم. [ المسألة 37: ] إذا بلغ الغلام الحلم وهو سفيه فاتصل سفهه بصغره، حجر عليه كما ذكرنا لسفهه بعد ان كان محجورا عليه لصغره، وكانت الولاية عليه في تصرفاته لابيه وجده لابيه إذا كانا موجودين، أو كان أحدهما موجودا، وللوصي الذي يجعله أحدهما قيما عليه بعد موتهما، فإذا لم يكن له أب ولا جد ولا وصي من أحدهما كانت الولاية عليه للحاكم الشرعي، وإذا طرأ له السفه بعد البلوغ وثبوت الرشد، فالولاية عليه للحاكم الشرعي أيضا. [ المسألة 38: ] الحكم بحجر السفيه عن التصرف في المجالات التي تثبت له فيها صفة السفه يعني انه غير نافذ التصرف والمعاملة إذا أجراهما مستقلا بغير اذن من الولي، فإذا أذن له الولي قبل أن يوقع المعاملة صحت منه وترتبت عليها آثارها [ المسألة 39: ] إذا أوقع السفيه المعاملة بغير اذن سابق عليها من الولي ثم أجازها الولي بعد ان أوقعها المولى عليه، فان كانت المعاملة مما تجري فيه الفضولية وهي العقود كالبيع والاجارة والنكاح، صحت المعاملة بالاجازة اللاحقة من الولي، ويشكل الحكم بالصحة إذا كانت من الايقاعات كالعتق والوقف للاشكال في جريان الفضولية فيها. وكذلك الحكم في المعاملة إذا أوقعها السفيه ثم زال عنه السفه واجاز المعاملة بعد ارتفاع الحجر عنه، فتصح المعاملة إذا كانت من العقود التي تجري فيها الفضولية، ويشكل الحكم بصحتها إذا كانت من الايقاعات.

[ 230 ]

[ المسألة 40: ] لا يصح للسفيه الذي حجر عليه التصرف بالمال ان يزوج نفسه إذا كان زواجه بغير اذن من وليه ولا اجازة، وان كان غير محجور عليه في التصرف في نفسه فان الزواج يستلزم تصرفا بالمال فيكون محجورا منه بغير اذن، ويصح له في هذه الحال ان يطلق زوجته أو يبارئها أو يخلعها أو يظاهر منها، ويشكل الحكم بصحة طلاقه وخلعه وظهاره إذا حجر عليه في التصرف في نفسه. [ المسألة 41: ] يقبل اقرار السفيه إذا كان اقراره لا يتعلق بالمال، فإذا أقر بامرأة مثلا أنها أمه أو بنته، نفذ اقراره في اللوازم غير المالية، فيحرم عليه نكاح المرأة، ويجوز له النظر إليها ويشكل الحكم بقبول اقراره في اللوازم المالية كوجوب النفقة عليه، وإذا أقر بقتل شخص أو بالجناية عليه نفذ اقراره إذا كان موجبا للقصاص منه، وأشكل الحكم بقبوله إذا كان موجبا للدية، وإذا أقر بسرقة مال قبل اقراره في ما يوجب قطع يده واشكل قبوله في ما يوجب ضمان المال. [ المسألة 42: ] لا يمنع السفيه من أن يتولى المعاملة في مال غيره بالوكالة عنه، فإذا وكله المالك في ان يبيع ماله أو يهبه أو يشتري له سلعة أو يؤجر دارا، صح له أن يقوم بذلك ونفذ تصرفه سواء وكله المالك في اجراء المعاملة كلها أم في اجراء الصيغة فيها. [ المسألة 43: ] إذا ارتكب السفيه عملا يوجب عليه كفارة مالية على نحو التعيين كما في كفارات الاحرام لزمه الاتيان بها ولم يسقط عنه الحكم لوجود السفه المانع عن التصرف بالمال، وإذا ارتكب عملا يوجب عليه كفارة مخيرة بين الصوم وغيره من الماليات، كما إذا أفطر يوما من أيام شهر رمضان تعين عليه ان يأتي بالصوم على الاحوط إذا كان متمكنا منه، وإذا لم يتمكن من الصوم تعين عليه ان يأتي بالعتق أو الاطعام وان كان ماليا.

[ 231 ]

[ المسألة 44: ] إذا حلف السفيه على فعل شئ مما يتعلق بماله أو على تركه لم ينعقد يمينه، فإذا خالف اليمين لم تجب عليه الكفارة لمخالفته وكذلك إذا نذر فعله أو تركه أو عاهد الله على أحدهما فلا ينعقد النذر ولا العهد، فإذا خالفهما لم تجب عليه الكفارة بمخالفته. وإذا حلف على فعل شئ لا يتعلق بالمال أو حلف على تركه انعقد حلفه، فإذا حنث في يمينه وجبت عليه الكفارة بالمخالفة، ويتعين عليه الاتيان بالصوم من خصال الكفارة على الاحوط إذا كان الصوم ممكنا، فإذا لم يمكنه الصوم لزمه اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وان كان ماليا وكذلك إذا نذر فعل الشئ أو تركه أو عاهد الله عليه، فإذا خالف لزمته الكفارة وتعين عليه الصوم إذا كان ممكنا على الاحوط، فإذا لم يمكنه الصوم اتى باحدى الخصال الاخرى وان كانت مالية. [ المسألة 45: ] إذا ثبت للسفيه حق القصاص على أحد لجنايته عليه أو على احد من متعلقيه، بحيث يكون السفيه هو صاحب الحق في الجناية، جاز له أن يعفو عن الجاني فيسقط حقه من القصاص وإذا ثبت له الحق في أخذ الدية أو ارش الجناية من الجاني، فليس له أن يعفو عنها ويسقط حقه من أخذها، الا إذا أذن له الولي بذلك، لانه تصرف في مال فهو محجور عنه. [ المسألة 46: ] إذا أجرى السفيه معاملة على بعض أمواله بغير اذن الولي، فباع شيئا منها مثلا أو اشترى، ثم علم الولي بتصرفه ووجد أن لا مصلحة في اجازة العقد، كفى في الغاء العقد عدم اجازته كما ذكرنا في ما تقدم مرارا، وإذا كان السفيه قد قبض العوض وأقبض المعوض وجب على الولي بعد رد المعاملة أن يسترد مال المولى عليه ويحفظه له، وان يرجع العوض الآخر إذا كان موجودا إلى مالكه، وإذا كان تالفا فالظاهر ان السفيه يكون ضامنا له، فيلزمه دفع مثله إلى المالك إذا كان مثليا ودفع

[ 232 ]

قيمته إذا كان قيميا، الا إذا كان سفه السفيه واضحا، لتبين سفهه وتبين حكمه عند المالك، بحيث يصدق عند أهل العرف أو المالك - لوضوح الامر - قد سلط السفيه على اتلاف المال مجانا، فلا يكون السفيه ضامنا في هذه الصورة، لان السبب وهو المالك اقوى من المباشر، ويضمن السفيه إذا كان المالك حين دفع المال إلى السفيه جاهلا بسفهه أو كان جاهلا بأن السفيه محجور عليه شرعا. عن التصرف. [ المسألة 47: ] إذا اقترض السفيه من أحد مبلغا من المال بغير اذن الولي ثم اتلف المال الذي اقترضه، فالحكم في ضمان السفيه للمال وعدم ضمانه يبتنى على الوجوه التي ذكرناها في المسألة السابقة فيجري فيه التفصيل الآنف ذكره، فيضمن السفيه إذا كان المقرض جاهلا بسفهه أو كان جاهلا بحكمه، ولا يضمن إذا كان المقرض عالما بالحال على الوجه المتقدم من وضوح الامر لديه بحيث يكون سببا في اتلاف ماله اقوى من المباشر في نظر أهل العرف. [ المسألة 48: ] إذا أودع شخص وديعة عند السفيه، فأتلف السفيه وديعته كان السفيه ضامنا لها فيجب عليه أن يدفع للمالك المودع بدلها من المثل أو القيمة، سواء كان صاحب الوديعة عالما بسفه السفيه حينما أودعه أم كان جاهلا به، الا إذا تحقق الفرض الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة فكان السبب - وهو مالك الوديعة - أقوى من المباشر لاتلافها، لوضوح سفه السفيه لديه ووضوح حكمه بحيث يصدق عرفا ان المالك قد سلطه على اتلاف المال مجانا، فلا يكون السفيه ضامنا في هذا الفرض. وإذا أودعه الشخص الوديعة فتلفت عند السفيه ولم يكن هو الذي أتلفها ولم يفرط في حفظها فلا ضمان عليه، وإذا فرط السفيه في حفظ الوديعة فتلفت عنده من غير أن يكون هو المتلف لها، فالحكم على السفيه بالضمان أو بعدمه مشكل، فلابد في هذا الفرض من مراعاة الاحتياط بالتصالح.

[ 233 ]

[ المسألة 49: ] إذا كان للسفيه مال معين عند أحد، وديعة أو عارية أو غيرهما من وجوه الامانة أو كان الشخص مدينا للسفيه بمبلغ من المال، فلا يجوز له ان يدفعه الى السفيه، ولا تبرأ ذمته إذا سلمه إليه الا إذا اذن له ولي السفيه بذلك فيصح له حين ذاك وتبرأ ذمته بدفعه إليه. [ المسألة 50: ] لا يصح لولي السفيه أو الامين على ماله أن يسلم مال السفيه إليه، الا إذا علم برشده أو ثبت ذلك ببينة شرعية أو حكم حاكم شرعي، وإذا اشتبه الامر فيه، فلابد من الاختبار. والمعروف من طرق الاختبار أن يفوض إليه التصرف في بعض الجهات التي تناسبه من بيع وشراء، وأخذ وعطاء واجراء بعض المعاملات الاخرى، وصرف وانفاق، من غير فرق بين أن يقع الاختبار في ماله أو في أموال آخرين، ولابد أن يكون الاختبار تحت ملاحظة من يعتمد عليه في ذلك من قريب أو من بعيد، فإذا اختبر كذلك مرارا، وفي مدة يعتد بها حتى حصل الوثوق والاطمئنان برشده وصحة تصرفه، وتحفظه في معاملته وفي أخذه ورده من الوقوع في الغبن وتضييع المال وصرفه في غير حقه ووضعه في غير مواضعه، فإذا أنس منه الرشد واطمئن به دفع إليه ماله وارتفع عنه الحجر ونفذ تصرفه وعول على معاملته. وكذلك الحال في المرأة السفيهة، فتختبر عند اشتباه حالها بما يناسب شأنها من التصرفات المنزلية وغير المنزلية وشبهها من الامور والشؤون التى يتولى العمل فيه أمثالها بحسب العادة، ويتكرر الاختبار حتى تحصل الثقة بثبوت الرشد وزوال السفه وصحة التصرف، وقد يحتاج الاختبار في الرجل والمرأة إلى طول مدة حتى يكتشف الرشد ويعلم بثبوت الصفة في المولى عليه، وخصوصا إذا كان السفه شديدا وكانت مدته طويلة، فلابد من الاختبار كذلك. [ المسألة 51: ] إذا كان للصبي غير البالغ مال عند وليه أو عند أمين آخر، واحتمل ثبوت الرشد له قبل البلوغ وجب أن يجرى الاختبار عليه قبل البلوغ،

[ 234 ]

فإذا أنس منه رشده وجب ان يسلم إليه ماله عند تحقق بلوغه ولا يجوز التأخير الا برضاه، وإذا لم يحتمل ثبوت الرشد له مبكرا، وجب ان يختبر رشده في أي زمان يحتمل فيه ثبوت رشده، فيختبر في أول البلوغ مثلا أو بعده بمدة قصيرة أو مدة طويلة، فلا يتأخر الاختبار عن وقت احتمال حصول الرشد، لئلا يتأخر تسليم المال الى صاحبه. [ المسألة 52: ] إذا ادعى السفيه المحجور عليه للسفه حصول الرشد له، واحتمل الولي صدق قوله وجب عليه اختباره، وإذا احتمل الولي حصول الرشد له ولم يدع المولى عليه ذلك فلا يترك الاحتياط للولي باختباره. [ الفصل الثالث ] [ في حجر المفلس ] [ المسألة 53: ] لا تمنع الشخص كثرة ديونه التي تكون في ذمته من أن يتصرف في أمواله الموجودة عنده كما يريد، ببيع أو هبة أو صلح أو وقف أو غير ذلك من التصرفات التى تخرج المال عن ملكه، بل يجوز له اخراجها جميعا عن ملكه مجانا، كما تجوز له المعاوضة عليها بثمن مثلها أو اكثر أو أقل، الا إذا ثبت سفهه بسبب ذلك فيحجر عليه للسفه، أو يحجر عليه الحاكم الشرعي للفلس كما سيأتي، وإذا كثرت عليه الديون فوهب جميع أمواله لغيره بغير عوض أو صالحه عليها كذلك وكان ذلك بقصد الفرار من اداء الديون اشكل الحكم بصحة ذلك منه، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، وكذلك إذا أراد وقف جميع ما يملكه بهذا القصد. [ المسألة 54: ] لا يجوز للحاكم الشرعي أن يحجر على المفلس الا إذا توفرت لديه اربعة شروط: (الاول): أن تكون الديون التي على المفلس ثابتة عليه بأحد المثبتات الشرعية، ويكفي أن تكون الديون التي يراد من أجلها الحجر ثابتة عليه كذلك وان لم تكن بقية ديونه ثابتة شرعا.

[ 235 ]

(الثاني): أن تكون الاموال الموجودة عند المدين قاصرة عن الوفاء بديونه، ويراد بالاموال الموجودة لديه جميع ما يملكه بالفعل من أرض وعقار ودور وسلع وأمتعة وعروض اخرى ومنافع وديون له على الناس، ما عدا الامور المستثنيات في الدين، وقد تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين. (الثالث): أن تكون الديون التي على المدين حالة غير مؤجلة، أو تكون الديون الحالة عليه مما تقصر أموال المدين الموجودة لديه عن الوفاء بها وحدها، فلا يحجر عليه إذا كانت الديون كلها مؤجلة لم يحل ميعادها، ولا يحجر عليه إذا كان بعض الديون حالا وبعضه مؤجلا وكانت امواله الموجودة لا تقصر عن الوفاء بالديون الحالة. (الرابع): أن يطلب الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم الشرعي أن يحجر عليه وكانت أمواله تقصر عن وفائهم كما ذكرنا. [ المسألة 55: ] إذا طلب بعض الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم أن يحجر على المدين ولم يطلب الآخرون ذلك، فان كان دين ذلك البعض الذي طلب الحجر وحده لا يفي به مال المفلس، وجب على الحاكم أن يحجر على المفلس بطلب ذلك البعض، فإذا حجر عليه كان الحجر عاما بالنسبة إلى جميع الديون الحالة للغرماء، من طلب منهم الحجر ومن لم يطلب، فتقسم أموال المفلس الموجودة على ديونه الحالة عليه جميعا بالحصص، ولا يسهم للديون المؤجلة. [ المسألة 56: ] إذا كانت الديون التي في ذمة المفلس جميعها لمجنون أو يتيم وليه الحاكم الشرعي نفسه وكانت حالة غير مؤجلة، أو كان بعض الديون لهما، وكان دينهما حالا ولا يفي به مال المفلس جاز للحاكم الشرعي في هاتين الصورتين ان يحجر على المفلس وان لم يطلب منه الغرماء الحجر عليه.

[ 236 ]

[ المسألة 57: ] إذا كان المدين المفلس نفسه يتيما أو مجنونا ووليه الحاكم الشرعي، جاز للحاكم أن يحجر على هذا المدين المولى عليه إذا اقتضت مصلحته ذلك، فيحجر عليه وتقسم أمواله على الديون الحالة بالحصص وان لم يطلب الغرماء منه الحجر، ولا يحجر على المفلس في ما سوى هذه الصور الا بطلب جميع الغرماء الذين حلت ديونهم عليه. [ المسألة 58: ] إذا اجتمعت شروط الحجر الآنف ذكرها لدى الحاكم الشرعي وحكم بالحجر على المفلس تعلق حق الغرماء الذين حلت ديونهم، بأموال المفلس الموجودة، فلا يجوز له بعد الحجر أن يتصرف بشئ منها، من غير فرق بين أن يكون تصرفه في المال بعوض كالبيع والاجارة والهبة المعوضة، والصلح بعوض، وأن يكون تصرفه بغير عوض، كالوقف والهبة غير المعوضة والعطية والعتق، فلا يصح له شئ من ذلك الا إذا أذن له الغرماء به قبل الفعل، أو أجازوه له بعد الفعل. [ المسألة 59: ] لا يمنع الحجر المفلس عن التصرفات غير الابتدائية، وهي التصرفات التي تحققت أسبابها وثبت له جوازها قبل الحجر عليه، فإذا كان المدين قد باع سلعة أو اشتراها قبل أن يحجر عليه واشترط لنفسه خيار الفسخ، ثم حجر عليه الحاكم بعد ذلك، صح له أن يأخذ بخياره فيفسخ البيع أو يمضيه ولم يمنعه الحجر عن ذلك وان لم يأذن له الغرماء، وإذا باع شريكه حصته من الدار أو من الارض المشتركة فثبت للمفلس حق الشفعة فيها، ثم حجر عليه بعد ذلك، لم يسقط بالحجر حقه من الشفعة، فيجوز له أن يشفع بالحصة المبيعة ولا يحتاج إلى اذن الغرماء. [ المسألة 60: ] إذا ثبت للمدين المفلس حق مالي على أحد قبل أن يحجر عليه، كما إذا جنى عليه أحد أو جنى على عبده المملوك له أو على دابته المملوكة له أو على شئ مما يملك، فثبتت له بسبب ذلك دية على الجاني أو أرش

[ 237 ]

جناية أو ضمان تلف أو أرش عيب أو غيرها فلا يجوز له بعد الحجر عليه أن يسقط حقه المالي الذي ثبت له قبل الحجر فيعفو عن الحق أو عن المال أو عن بعضه. [ المسألة 61: ] إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس منع عن التصرف في أمواله الموجودة لديه حين الحجر، فإذا تجددت له أموال بعد الحجر، كما إذا حصل له أرث من بعض أقربائه، أو ملك شيئا بهبة من أحد أو بوصية إليه من موص، أو دفع إليه من سهم الفقراء في الزكاة أو الخمس، أو اكتسب بالحيازة لبعض المباحات، فالظاهر عدم شمول الحجر المتقدم لهذه الاموال المتجددة، فلا يمنع من التصرف فيها، الا إذا حجرها الحاكم حجرا جديدا بعد أن ملكها المفلس. [ المسألة 62: ] إذا اقر المفلس - بعد أن حجر عليه الحاكم الشرعي - لاحد بدين عليه سابق على الحجر، صح اقراره ونفذ، وكان الدائن الذي أقر له شريكا مع الغرماء السابقين بدينه هذا، فيضرب معهم في الاموال الموجودة بنسبة مقداره إلى مجموع الديون، وكذلك إذا شهدت بينة شرعية بعد الحجر، بدين سابق على الحجر لشخص ولم يكن يعلم بالدائن من قبل، أو ثبت الدين بوجه آخر من المثبتات الشرعية فيكون الدائن شريكا مع الغرماء السابقين فيضرب بحصته في الاموال الموجودة من مجموع الديون. [ المسألة 63: ] إذا أقر المفلس - بعد الحجر عليه - بأنه قد اقترض من أحد مبلغا بعد حجر الحاكم عليه أو أنه اشترى منه مالا في ذمته، فأصبح مدينا له بكذا، صح اقرار المفلس وثبت به دين ذلك الدائن المقر له، ولكنه لا يشارك الغرماء السابقين في الضرب في الاموال الموجودة. [ المسألة 64: ] إذا أتلف المفلس مالا لاحد - بعد أن حجر الحاكم الشرعي عليه - ضمن قيمة التالف وكان الضمان في ذمته، وإذا جنى على أحد ضمن

[ 238 ]

أرش الجناية في ذمته كذلك، ويشكل الحكم بمشاركة هذا الدائن بالضرب مع الغرماء السابقين في أموال المفلس الموجودة، وكذلك إذا أقر المفلس بأنه اتلف المال أو جنى الجناية فثبت الضمان عليه باقراره، فيشكل الحكم بمشاركته مع الغرماء السابقين بهذا الدين المقر به. [ المسألة 65: ] إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس، فمنعه من التصرف في الاموال الموجودة، فأقر المفلس بعد الحجر أن عينا خاصة من الاموال التي بيده ملك لزيد مثلا، نفذ اقراره في حقه ولم ينفذ في حق الغرماء، فإذا اتفق سقوط حق الغرماء بابراء ذمة المفلس، أو بتسديد الدين من وجه آخر وانفك الحجر عنه بسبب ذلك، وجب على المفلس دفع تلك العين إلى الشخص الذي أقر له بملكها، وإذا لم تسقط حقوق الغرماء أشكل الحكم بدفع العين إلى المقر له، فلابد فيها من الاحتياط. [ المسألة 66: ] إذا حكم الحاكم على المفلس بالحجر في أمواله الموجودة لديه، وضبطت اعدادها وأعيانها، بدأ فأخرج منها مستثنيات الدين وقد تقدم بيانها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، ثم أخرج الاعيان التي رهنها المفلس عند بعض الديان إذا اتفق وجود ذلك، فان المرتهن احق بالعين المرهونة عنده من بقية الديان، فتباع العين ويستوفي المرتهن دينه من ثمنها ولا يشاركه فيها الغرماء الآخرون، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من كتاب الرهن، وإذا زاد من ثمن العين المرهونة شئ عن دين المرتهن وزع الزائد على بقية الغرماء بنسبة حصصهم من مجموع الديون وإذا قصر ثمن العين المرهونة عن الوفاء بدين المرتهن شارك سائر الغرماء في بقية دينه فضرب معهم في أموال المفلس الاخرى ببقية دينه. [ المسألة 67: ] إذا عينت أموال المفلس المحجور عليها وأخرجت منها مستثنيات الدين والاعيان المرهونة كما تقدم ذكره، بيعت الاموال ثم قسمت أثمانها بين الغرماء بالحصص بنسبة دين كل فرد منهم إلى مجموع

[ 239 ]

الديون، فإذا كان مجموع الديون ألف دينار مثلا، وكان لاحد الغرماء خمسمائة دينار وهي نصف الالف وللثاني مائتا دينار وهي خمسه، وللثالث ثلاثمائة دينار وهي خمسه ونصف خمسه، وبيعت الاموال بثمن معين، كان للغريم الاول نصف مجموع الثمن الذي بيعت به الاموال مهما نقصت حصته عن قدر دينه فان المفروض قصور أموال المفلس عن الوفاء بدينه، وكان للغريم الثاني خمس مجموع الثمن، وللثالث الباقي منه وهو خمسه ونصف خمسه، وهكذا في كل ما يفرض من مقادير الديون ومقادير اثمان الاموال المبيعة. [ المسألة 68: ] إذا وجد بعض الغرماء في أموال المفلس العين التي اشتراها المفلس منه وبقي ثمنها دينا في ذمته، تخير هذا الغريم بين أن يفسخ البيع بينه وبين المفلس في العين المذكورة فيأخذ الغريم عين ماله التي وجدها، وأن يمضي البيع ويبقى الثمن دينا يضرب به مع الغرماء. [ المسألة 69: ] إذا اقترض المفلس عينا خارجية من أحد وبقي عوض القرض دينا في ذمته ثم أفلس وحجر عليه، فوجد المقرض العين التي أقرضه اياها باقية في أمواله جرى فيه الحكم المتقدم في البيع، فيتخير المقرض بين أن يفسخ القرض ويأخذ عين ماله، وأن يمضي القرض فيبقى عوضه دينا يضرب به في أموال المفلس، على نهج ما تقدم في العين المبيعة. [ المسألة 70: ] قال بعض الاصحاب (قدس سرهم) ان التخيير المذكور لصاحب العين في المسألتين المتقدمتين فوري يسقط مع التأخير، فإذا لم يبادر صاحب العين فيفسخ البيع أو القرض ويرجع بالعين، سقط حقه وتعين عليه أن يضرب بالدين مع الغرماء، ولا ريب في ان ذلك أحوط، ولكن الاظهر عدم سقوط حقه من الفسخ بالتأخير وعدم المبادرة، غير انه إذا أفرط في التأخير ولم يختر أحد الامرين حتى أوجب تأخيره تعطيلا لتقسيم المال بين الغرماء، تدخل الحاكم الشرعي فخيره بين الامرين،

[ 240 ]

فإذا امتنع عن اختيار أحدهما حكم عليه بأن يضرب بالثمن مع الغرماء وإذا لم يمكن ذلك تولى عنه الضرب معهم بالدين. [ المسألة 71: ] اشترط بعض الاصحاب (قدس سرهم) في رجوع صاحب العين بها إذا وجدها باقية في أموال المفلس: ان لا تكون من مستثنيات الدين، فإذا كانت عند المفلس من المستثنيات لم يصح لصاحبها أن يرجع بها، وهذا الحكم مشكل، فلابد من الاحتياط في ذلك. [ المسألة 72: ] انما يتخير صاحب العين في الفرضين الآنف ذكرهما بين أن يأخذ العين وأن يضرب بثمنها مع الغرماء إذا كان دينه على المفلس حالا، فلا يجوز له فسخ البيع أو القرض وأخذ العين إذا كان دينه مؤجلا. وإذا كان دينه مؤجلا فحل موعده قبل أن يفك الحجر عن المفلس وكانت العين باقية، كفى ذلك في الحكم بجواز أخذه للعين، فيختص بها إذا أراد ذلك وتنتقض به القسمة الاولى كما يجوز له أن يضرب مع الغرماء بدينه. [ المسألة 73: ] إذا حجر على المفلس بديونه الحالة، وقسمت أمواله الموجودة على الديان، ثم حل بعض الديون المؤجلة قبل أن يفك الحجر عنه في أمواله انتقضت القسمة الاولى وشارك الدائن الذي حل دينه الغرماء السابقين بالضرب في الاموال الموجودة، وقد أشرنا إلى بعض أفراد هذا الحكم في المسألة المتقدمة. [ المسألة 74: ] إذا وجد البائع بعض العين التي اشتراها المفلس منه ولم يجد بعضها الآخر، تخير بين أن يفسخ البيع فيأخذ ما وجده من العين، ويأخذ معه حصة البعض الآخر الذي لم يجده منها من الثمن، فيضرب بحصته من الثمن مع الغرماء، وأن يمضي البيع فيضرب بجميع الثمن مع الغرماء.

[ 241 ]

وكذلك الحكم في المقرض إذا وجد بعض العين التي أقرضها المفلس ولم يجد بعضها الآخر، فيتخير كما هو الحكم في البائع فيأخذ البعض الذي وجده من العين ويأخذ معه حصة البعض الآخر من العوض أو يضرب مع الغرماء بجميع الدين. [ المسألة 75: ] ذهب بعض العلماء (قدس سرهم) إلى اجراء الحكم المتقدم في المؤجر ايضا ومثال ذلك: ما إذا آجر الرجل من المفلس دارا مثلا ليستوفي منفعتها مدة معينة وبقي مال الاجارة دينا في ذمة المفلس، ثم حجر الحاكم عليه فوجد المؤجر الدار التي استأجرها المفلس منه قبل استيفاء المنفعة أو بعدما استوفى شيئا منها، فقال (قدس سرهم): بتخيير المؤجر بين أن يفسخ الاجارة ويأخذ العين والمنفعة في الصورة الاولى، ويأخذ ما بقي من المنفعة ويأخذ معها حصة ما مضى منها من مال الاجارة في الصورة الثانية، وأن يمضي الاجارة ويضرب بجميع الدين مع الغرماء، وهذا القول مشكل، فلا يترك الاحتياط في كلا الفرضين. [ المسألة 76: ] إذا وجد البائع أو المقرض في العين التي باعها من المفلس أو أقرضها له زيادة متصلة كالسمن في الحيوان، والطول والنمو في النخلة والشجرة والبلوغ في الثمرة ونحو ذلك مما لا يصلح للانفصال فان كانت الزيادة متعارفة رجع بها البائع أو المقرض مع العين، وان كانت الزيادة اكثر مما يتعارف فالاحوط أن يتصالح البائع أو المقرض مع الغرماء عن هذه الزيادة، وكذلك في الصوف والوبر والشعر ونحوها مما يصلح للانفصال، فلا يترك الاحتياط فيها بالمصالحة. وإذا وجد مع العين زيادات منفصلة كالولد والحمل واللبن والدهن، والثمرة على الشجرة والتمر على النخيل، فهي من أموال المفلس يضرب فيها الغرماء بديونهم، ولا يحق للبائع والمقرض أخذها مع العين. [ المسألة 77: ] إذا وجد العين معيبة عند المفلس، فقد يكون العيب الحادث عنده بسبب آفة سماوية، وقد يكون بفعل المشتري المفلس وقد يكون بفعل

[ 242 ]

شخص أجنبي، والمسألة بجميع فروضها وشقوقها خالية من النص والاحتمالات فيها متقابلة، فالاحوط التخلص بالصلح في جميعها. [ المسألة 78: ] إذا باعه أرضا بثمن في الذمة، فغرس المشتري في الارض التي اشتراها غرسا أو بنى فيها بناءا ثم أفلس المشتري وحجر عليه، فإذا أراد البائع فسخ البيع واخذ الارض المبيعة جاز له ذلك، فإذا أخذها كانت الارض للبائع، والغرس والبناء للمشتري، ولا حق للمشتري في أن يبقي غرسه وبناءه في الارض الا بالتراضي بينهما مع الاجرة أو مجانا، وإذا لم يتراضيا فالمسألة محل اشكال، وإذا بيع البناء والغرس على مالك الارض، أو بيعت الارض وما فيها من غرس وبناء من مالكيهما على شخص آخر وصل كل منهما إلى حقه وتخلصا من الاشكال. [ المسألة 79: ] إذا باعه شيئا مثليا، فخلطه المشتري بماله ثم أفلس وحجر عليه، فان كان قد خلطه بشئ من جنسه جاز للبائع أن يرجع بماله، فإذا رجع به كان هو والمشتري شريكين في المال المخلوط بنسبة مقدار ماليهما إلى المجموع، فإذا باعه منا من الحنطة، وخلطه المشتري بمن من الحنطة وكان الخليطان متساويين في الجودة والرداءة فهما شريكان بالمناصفة، وإذا ارادا قسمة المال اقتسماه بنسبة ماليهما كذلك فلكل منهما نصف المجموع لان المفروض تساوي المالين في المقدار وفي الجودة والرداءة. [ المسألة 80: ] إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بما هو أجود أو بما هو أردأ، ورجع البائع بماله كانا شريكين بنسبة مقدار ماليهما كما في الفرض المتقدم، فإذا خلط المن بمقداره فهما شريكان بالمناصفة وإذا خلط المن بمنين فهما شريكان بالمثالثة فلصاحب المن الثلث ولصاحب المنين الثلثان، وهكذا وإذا أراد التوصل إلى حقيهما، بيع المجموع وقسم الثمن بينهما بنسبة ما لكل واحد من المالين من القيمة، فإذا كانت قيمة من الحنطة غير الجيدة دينارا واحدا، وقيمة من الحنطة الجيدة دينارين،

[ 243 ]

فلصاحب الحنطة الاولى الثلث ولصاحب الحنطة الثانية الثلثان، فيأخذان من الثمن بهذه النسبة. وهكذا إذا كان المالان أكثر من ذلك، فإذا كانت الحنطة غير الجيدة منين، وكانت الحنطة الجيدة أربعة امنان، فيكون مجموع قيمة الاولى دينارين، ومجموع قيمة الثانية ثمانية دنانير، ومجموع كلتا القيمتين عشرة دنانير وقيمة الاولى وحدها خمس المجموع، وقيمة الثانية وحدها أربعة أخماسه، فإذا بيع المجموع بثمن معين اعطي صاحب الحنطة الاولى خمس الثمن، ودفع لصاحب الحنطة الثانية اربعة أخماسه، وكذلك إذا خلط المال بما هو أردأ. [ المسألة 81: ] إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بشئ من غير جنسه ثم فلس وحجر عليه، فان كان خلطهما مما تعد معه العين المبيعة تالفة في نظر أهل العرف وليست قائمة بعينها لم يجز للبائع الرجوع بها ووجب أن يضرب بدينه مع الغرماء، وإذا لم تتلف العين في نظر أهل العرف وصدق انها لا تزال قائمة بعينها، جاز للبائع أن يرجع بماله فيكون شريكا مع المشتري في المجموع بنسبة مقدار المالين بالمناصفة أو المثالثة أو غيرهما، وإذا بيع المجموع قسم الثمن بنسبة القيمة على نهج ما تقدم، وإذا عسر تقويم المالين بعد خلطهما رجع إلى المصالحة بينهما. [ المسألة 82: ] إذا اشترى المشتري من البائع غزلا فنسجه، أو اشترى منه دقيقا فخبزه، أو اشترى منه ثوبا فصبغه ثم حجر على المشترى للفلس، فالظاهر جواز الرجوع للبائع بالعين، فان العرف يعد أن العين التي باعها منه لا تزال باقية وان تغيرت بعض صفاتها، ثم يتوصل البائع والمشتري إلى حقهما بالتقسيم بحسب القيمة أو بحسب المصالحة بينهما. [ المسألة 83: ] إذا مات الرجل وهو مدين، ووجد البائع أو المقرض عين ماله في تركة الميت وكانت تركته وافية بديون الغرماء، جاز للبائع أو المقرض ان يرجع بعين ماله كما هو الحكم في المفلس الحي، وجاز له أن يضرب

[ 244 ]

بدينه في التركة مع بقية الغرماء، وإذا قصرت تركة الميت عن الوفاء بديونه لم يجز لصاحب العين أن يختص بها، بل يكون كبقية الغرماء، فيضرب معهم بدينه في التركة الموجودة، سواء كان الميت قد حجر عليه قبل الموت أم لا. [ المسألة 84: ] إذا حجر الحاكم على المفلس، ومنعه عن التصرف في أمواله وجب أن تجري نفقته وكسوته ونفقة من تجب نفقته عليه وكسوته من المال من يوم الحجر عليه إلى يوم قسمة ماله، وان يجري عليه جميع ذلك بحسب عادته، وإذا انفق موته في ذلك الحال وجب أن يقدم كفنه وجميع مؤنة تجهيزه على حقوق الغرماء، ويجرى ذلك بحسب ما يتعارف لامثاله من حيث النوع والمقدار، وان كان كان الاحوط استحبابا أن يقتصر فيهما على ما يتأدى به الواجب فقط. [ المسألة 85: ] إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس وقسم أمواله على الغرماء بنسبة ديونهم، ثم ظهر بعد القسمة غريم آخر له دين قد حل على المفلس، نقضت القسمة الاولى وأبدلت بقسمة أخرى على جميع الغرماء بنسبة ديونهم، فإذا كانت للغريم الجديد عين مال اختص بها على المناهج التي تقدم تفصيلها وكذلك إذا حل بعض الديون المؤجلة قبل ان يفك الحجر عنه وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة والسبعين فلتراجع. [ الفصل الرابع ] [ في تصرف المريض ومنجزاته ] [ المسألة 86: ] لا ريب في صحة تصرف الانسان الصحيح في ماله كيفما شاء، وفي نفوذ جميع تصرفاته التي يجريها في ما يملكه، وان خرج منه جميعا إذا لم يطرأ عليه أحد أسباب الحجر الاخرى، وكذلك الحكم في المريض الذي لم يتصل مرضه بموته، فيصح منه اي تصرف يجريه في

[ 245 ]

ماله، سواء أجراه بعوض أم بغير عوض، وسواء كان العوض الذي يأخذه عن ماله قليلا أم كثيرا ولا ريب في ذلك أيضا. ويستثنى من ذلك ما يوصي الانسان بانفاذه بعد موته، فانه لا يصح الا إذا كان المال الموصى به بمقدار ثلث ما يملك من الاموال ولا ينفذ في ما يزيد عليه، وهذا الاستثناء يجري في كل انسان من غير فرق بين الصحيح والمريض الذي لم يتصل مرضه بموته والمريض الذي يموت بسبب مرضه، وسيأتي تفصليه في كتاب الوصية ان شاء الله تعالى. [ المسألة 87: ] تصح المعاوضات من المريض الذي يتصل مرضه بموته إذا كان العوض في المعاملة لا يقصر عن عوض المثل، فينفذ بيعه إذا باع الشئ بثمن مثله أو أكثر، وتنفذ اجارته إذا آجر الشئ بأجرة مثله أو اكثر وهكذا في جميع المعاوضات التى يوقعها على ماله، ولا خلاف في ذلك بين العلماء (قدس الله أرواحهم)، وتصح منه التصرفات الاخرى التي يوقعها في المال من صرف وانفاق على نفسه وعلى من يعوله ومن صرف وانفاق في النواحي التي يعدها العقلاء من شؤونه ومستلزمات شرفه ومكانته الاجتماعية، ولا يعدونها خارجة عن حدوده المتعارفة لامثاله، وان لم تكن تلك المصارف من المعاوضات، ولا خلاف في ذلك. [ المسألة 88: ] ينحصر الخلاف بين العلماء في هذا الباب بالمنجزات، وهي التصرفات التي يجريها الانسان ليتحقق منه أثرها بالفعل وهو في حياته ولا تكون معلقة على حصول موته والتي تتصف بصفة المحاباة أو التبرع، فهي اما مجانية لا تشتمل على تعويض أو مبادلة، كالوقف والعتق والابراء والهبة من غير عوض والصلح من غير عوض، واما معوضة بأقل من عوض المثل كالبيع بأقل من ثمن المثل، والاجارة بأدنى من اجرة المثل، والصلح والهبة بأقل من عوض المثل، اقول: ينحصر الخلاف في هذا النوع من التصرفات الفعلية المنجزة المشتملة على المحاباة أو التبرع إذا أوقعها المريض الذي يتصل مرضه بموته والعلماء في المسألة على قولين: احدهما ان تكون تصرفاته هذه نافذة منه من أصل ماله، سواء زادت

[ 246 ]

على ثلث ماله أم قلت عنه، بل وان استوعبت جميع المال، فتصح منه في جميع الصور، ولا تحتاج إلى امضاء ورثته، الثاني انها انما تكون نافذة منه إذا كانت بمقدار الثلث أو اقل منه، فان هي زادت على الثلث لم تنفذ في الزائد، الا إذا أمضاها وارثه من بعده، فان أمضاها نفذت في الجميع وان لم يمضها نفذت في مقدار الثلث وبطلت في الزائد ولم تصح، والقول الاول هو الصحيح المختار. [ المسألة 89: ] ما يخرجه المريض في مرض موته من الواجبات المالية التي تكون في ذمته أو تجب عليه في ماله من زكاة أو فطرة أو خمس أو كفارة أو نذر أو مظالم أو ضمان مال، فهو نافذ من أصل ماله، ولا خلاف في ذلك، سواء وجب عليه في ذلك الحال أم كان دينا في ذمته من قبل ذلك. [ المسألة 90: ] ذكرنا ان المعاملات التي تشتمل على المحاباة تكون من المنجزات، والوجه في ذلك: ان المعاملة إذا اشتملت على المحاباة لاحد، فباعه ما تبلغ قيمته في السوق مائتي دينار بمائة دينار مثلا، أو آجره ما تكون أجرته المتعارفة مائة دينار في الشهر الواحد بخمسين دينارا، فكأنه قد وهب المشتري أو المستأجر المبلغ الذي يكون به التفاوت ما بين القيمتين، فالمعاملة لذلك تعد من التصرفات المنجزة، وتدخل في موضع الخلاف في المسألة، وقد عرفت ان الاقوى انها تخرج من الاصل. [ المسألة 91: ] الصدقة بجميع أقسامها من المنجزات، حتى ما يدفعها المريض للفقير بقصد الشفاء من مرضه، أو يدفعها المسافر بقصد السلامة في سفره، أو يدفعها صاحب الحاجة بقصد قضاء حاجته، ونجح طلبته، فهي داخلة في موضع الخلاف وقد عرفت المختار فيها. [ المسألة 92: ] قد يشكل الامر في بعض الفروض، بناءا على القول بأن المنجزات تخرج من الثلث، كالمرض الذي يطول بالمرء سنين متعددة، والمرض الخفيف الذي يتفق به الموت، وكما إذا مات وهو مريض، وكان موته

[ 247 ]

بسبب آخر غير المرض نفسه، ولا أثر لهذا الاشكال ولا اختلاف في الفروض كلها، بناءا على أن المنجزات تنفذ من أصل المال كما هو الحق في المسألة. [ المسألة 93: ] الحق بعض العلماء بعض الامور الخطرة التي يخشى فيها الهلاك بمرض الموت، كحالات الحرب وحالات الخوف من الغرق، وحالات الاجتياز بالارض ذات السباع أو الحشرات القاتلة، وحالات الولادة والطلق للمرأة، فذكر ان الشخص إذا أجرى بعض المنجزات المتقدم ذكرها في هذه الاحوال واتفق موته فيها كان له حكم منجزات المريض، فتخرج من الثلث بناءا على القول بذلك في المسألة، ومن الظاهر انه لا أثر لهذه الفروض جميعها بناءا على القول المختار من أن التصرفات المنجزة تخرج من الاصل، على أن الحاق هذه الامور بمرض الموت في غاية الاشكال، بل هو ممنوع وان قلنا بخروج المنجزات من الثلث. [ المسألة 94: ] إذا أقر المريض لوارث من ورثته أو لشخص أجنبي عنه بدين، أو بشئ مما هو في يده وكان اقراره له وهو في مرض موته، فان كان المريض المقر مأمونا لا يتهم بالكذب في قوله، صح اقراره ووجب انفاذه من أصل المال، فيدفع الشئ الذي أقر به للشخص المقر له وان زاد في مقداره على ثلث ماله، ومهما بلغت زيادته، وان كان المقر متهما في صدق قوله، نفذ اقراره في ثلث ماله خاصة ولم ينفذ في ما زاد عليه. ويراد باتهامه أن توجد امارات تدل على أنه يريد تخصيص الشخص الذي أقر له بالمال الذي أقر به، أو انه يريد حرمان بقية الورثة منه. [ المسألة 95: ] إذا أقر المريض بالدين أو بالعين لوارثه أو لاجنبي كما ذكرنا في الفرض السابق ولم يوجد من القرائن ما يدل على أن المقر متهم في اقراره أو غير متهم، ففي نفوذ اقراره في ما يزيد على الثلث اشكال، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض بالمصالحة ما بين الورثة والمقر له.

[ 248 ]

[ المسألة 96: ] يراد بالثلث في هذا الباب ثلث جميع ما يتركه المريض حين ما يموت بمرضه من الاموال التي يملكها سواء كانت من الاعيان الخارجية أم من الديون في ذمم الآخرين أم من المنافع أم الحقوق التي يبذل بازائها المال، ومنها الدية وأرش الجنايات التي تكون له على الآخرين على الاقوى، فيجمع جميع ذلك ويستخرج مقدار ثلثه، ويكون ذلك هو المعيار في مسألة اقرار المريض مع الاتهام وفي مسألة منجزات المريض إذا قيل بنفوذها من الثلث. [ المسألة 97: ] إذا قيل بأن منجزات المريض تخرج من الثلث ولا تنفذ من الاصل، فذلك انما هو إذا لم يجز الورثة تصرفه، فإذا أجاز الورثة ذلك نفذ الزائد على الثلث من الاصل، وإذا أجازه بعض الورثة دون بعض نفذ بمقدار حصة ذلك البعض المجيز من الاصل، واختص في حصة الآخر بالثلث، فإذا كان الوارث ولدين مثلا وأجاز أحدهما ولم يجز الآخر نفذ في نصف الشئ من الاصل واخرج الزائد على ما يصيب الثلث منه من حصة المجيز، ونفذ في النصف الآخر من الثلث ولم ينقص من حصة الولد الثاني شئ وإذا أجاز الورثة بعضا من الزائد على الثلث نفذ من الاصل بمقدار ما أجازوه، وقد عرفت المختار في مسألة المنجزات، فالتفصيل المذكور عندنا انما يجري في مسألة الاقرار مع الاتهام، وفي الوصية إذا أجاز الورثة خروجها من الاصل. [ المسألة 98: ] إذا أجاز الورثة تصرف مورثهم في ما زاد على الثلث في المسائل المتقدم ذكرها وكانت اجازتهم بعد أن مات المورث، فلا ريب في صحة اجازتهم ونفوذ تصرفه من الاصل بسبب اجازتهم، وان كانوا قد ردوه أولا قبل موت المورث، فلا يكون ردهم السابق مضرا في صحة اجازتهم اللاحقة. وإذا أجازوا التصرف قبل موت المورث ثم ردوه قبل موته أيضا، بطلت الاجازة الاولى ولم تنفذ، وإذا اجازوا قبل موته وبقوا على

[ 249 ]

اجازتهم حتى مات المورث، فالظاهر صحة اجازتهم ونفوذها، ولا يضر بصحتها ونفوذها إذا هم عدلوا فردوا بعد الموت. [ المسألة 99: ] إذا اقر الانسان وهو في حال صحته بدين لوارثه أو لشخص أجنبي عنه أو أقر لاحدهما بشئ آخر مما يملك، أو أقر بذلك وهو مريض بغير مرض الموت، صح اقراره فإذا مات نفذ من الاصل من غير فرق بين أن يكون متهما في قوله أو مأمونا. [ المسألة 100: ] إذا قال الرجل للمدين: ابرأت ذمتك من الدين بعد وفاتي، لم يصح منه هذا الابراء لانه انشاء معلق غير منجز، فلا يكون صحيحا سواء كان الدائن صحيحا أم مريضا، وفي مرض الموت أم في غيره. وإذا أجاز الورثة ذلك فأبرأوا ذمة المدين بعد موت مورثهم وانتقال الدين إليهم وقصدوا بالاجازة تنازلهم عن المال صح ذلك وبرئت ذمة المدين، لانه ابراء جديد، وإذا قصدوا بالاجازة امضاء ما انشأه المورث، اشكل الحكم فيه، بل الظاهر عدم الصحة.

[ 251 ]

[ كتاب اللقطة ]

[ 253 ]

[ كتاب اللقطة ] [ المسألة الاولى: ] اللقطة هي المال الضائع من صاحبه، ولا يد أمينة لاحد عليه، إذا وجده الانسان وهو لا يعرف مالكه، فلا يكون المال غير الضائع من اللقطة وان كان صاحبه مجهولا، ومن أمثلة ذلك الوديعة والعارية والعين المستأجرة إذا نسي الانسان من هو صاحبها، ومن أمثلته المال المغصوب إذا أخذه الرجل من يد غاصبه ولا يعلم من هو مالكه، والعين التي قبضها بالسوم أو قبضها بالمعاملة الفاسدة ونسي من هو مالكها، فيجري على هذا وعلى أمثاله حكم مجهول المالك لا حكم اللقطة. ولا يكون من اللقطة المال الذي يكون بيد أمينة وان كان ضائعا ومجهول المالك، ومثال ذلك أن يلتقط المال الضائع أحد ثم يأخذه شخص آخر من يده، فيكون المال لقطة للآخذ الاول إذا كان معلوما لا للآخذ الثاني، وإذا كانت يد الآخذ الاول ليست أمينة، فلا اعتبار بها، كما إذا نوى الملتقط الاول في المثال المتقدم تملك المال قبل أن يعرف به فتكون يده خائنة، فللثاني ان ينتزعه منه، وإذا أخذه من يده جرت عليه أحكام اللقطة عنده. [ المسألة الثانية: ] تنقسم اللقطة بملاحظة نفس المال الضائع إلى ثلاثة اقسام، فالمال الضائع الذي يجده الانسان ولا يعرف مالكه، قد يكون غير انسان ولا حيوان، ويسمى هذا القسم لقطة بالمعنى الاخص، وقد يكون حيوانا وليس بانسان، ويسمى بالضالة، وقد يكون انسانا ويسمى اللقيط، والمعنى الشامل للاقسام الثلاثة هي اللقطة بالمعنى العام. والاقسام الآنف ذكرها مختلفة في الاحكام وفي بعض الشروط والآثار، فاللقيط مثلا لا يختص بالانسان المملوك كما إذا كان محكوما

[ 254 ]

عليه بالحرية ولعل هذا هو الغالب فلا يعد مالا ليدخل في الاقسام، ولذلك لم يعده بعض الفقهاء من أقسام اللقطة بل عده من توابعها، والامر سهل بعد وضوح المقصود وصحة التقسيم باعتبار الانسان المملوك. فتفصيل الكلام في هذه الكتاب يكون في ثلاثة فصول. [ الفصل الاول ] [ في اللقطة بالمعنى الخاص ] [ المسألة الثالثة: ] لا يكون المال لقطة تجري عليه أحكامها حتى يكون ضائعا من صاحبه كما ذكرناه في المسألة الاولى، ولذلك فلابد في صدق اسم اللقطة على الشئ من احراز كونه ضائعا بامارة، أو قرينة أو شاهد حال يدل على ذلك، ولا يكفي مجرد عدم العلم بمالكه، فإذا وجد الانسان مالا ولم يقم اي شاهد يدل على ضياعه من مالكه لم تجر عليه أحكام اللقطة، بل يكون من مجهول المالك، فإذا تبدل ثوب الانسان أو عباءته أو حذاؤه في بعض المجامع ولم يحرز ان بدل الثوب أو الحذاء الذي وجده مكانه ضائع من مالكه، لم تجر فيه أحكام اللقطة، فلعل المالك قد قصد التبديل عامدا أو مشتبها فلا يكون ماله ضائعا منه. [ المسألة الرابعة: ] لا يكون المال لقطة حتى يحصل أخذه والاستيلاء عليه من الواجد، فلا يصدق على المال انه لقطة بمجرد انه رأى المال وعلم أنه ضائع، وإذا رآه فأخبر به غيره، وأخذه ذلك الغير فالملتقط هو الذي أخذه وبه تتعلق أحكام اللقطة لا بالذي رآه، وإذا رأى الرجل المال الضائع فقال لغيره: ناولني اياه، فأخذه هذا الغير لنفسه لا للآمر كان هو الملتقط وتعلقت به الاحكام، وإذا قال له: ناولني المال، فأخذه وناوله اياه، اشكل الحكم لحصول الاخذ من كليهما، فالاحوط تعريف كل واحد منهما بالمال إذا لم يعرف به الاخر.

[ 255 ]

[ المسألة الخامسة: ] إذا رأى الرجل المال، فظن أو اعتقد انه ماله، فأخذه ثم استبان له بعد أخذه انه مال ضائع من صاحبه، كان المال المأخوذ لقطة ولزمته أحكامها، وكذلك إذا رأى مالا ضائعا فأخذه ونحاه إلى جانب آخر كان لقطة على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى ولزمه حكمها، وإذا رأى المال فدفعه إلى جانب آخر ببعض أعضائه من غير أخذ ولا استيلاء لم يكن لقطة، ولم يتعلق به شئ من احكامها، ولا يكون بذلك ضامنا للمال إذا تلف أو حدث فيه عيب أو نقص على الظاهر، الا أن يكون هذا التصرف منه سببا للتلف أو العيب، وكان سببا أقوى من المباشر، فيكون ضامنا لهما في هذه الصورة. [ المسألة السادسة: ] لا يجوز للانسان أن يأخذ المال المجهول المالك أو يضع يده عليه إذا لم يحرز أنه لقطة، وهي المال الضائع كما ذكرنا من قبل، وإذا وضع يده عليه كان غاصبا ولزمه ضمانه، وإذا كان المال معرضا للتلف إذا لم يأخذه جاز له وضع اليد بقصد حفظه، فإذا أخذه في هذه الحالة بهذا القصد وجب عليه حفظ المال وكان أمانة في يده فلا يضمنها إذا تلفت أو عابت في يده بغير تعد ولا تفريط منه، وإذا كان المال مما لا يبقى عادة ويكون في بقائه عرضة للتغير والفساد، لزمه ان يبيع المال أو يقومه على نفسه تقويما عادلا، فيتصرف في العين ويبقي ثمنها امانة في يده، والاحوط لزوما: أن يكون ذلك باذن الحاكم الشرعي مع الامكان، فإذا لم يمكن تولى ذلك بنفسه مع مراعاة الاحتياط في جميع ذلك. [ المسألة السابعة: ] إذا وضع الشخص يده على المال المجهول المالك، سواء كان ذلك مما يجوز له شرعا كما في الصورة الثانية، أم كان مما لا يجوز كما في الصورة الاولى، وجب عليه ان يفحص عن مالك المال حتى يحصل له اليأس من معرفته، فإذا يئس من الظفر به وجب عليه أن يتصدق بعين المال إذا كان موجودا وبالثمن إذا كان قد باع المال أو قومه على نفسه،

[ 256 ]

ولابد من مراجعة الحاكم الشرعي على الاحوط في ذلك مع الامكان، وإذا تصدق بالمال أو ببدله بعد اليأس ثم عرف المالك فلا ضمان على المتصدق. [ المسألة الثامنة: ] يكره للانسان ان يأخذ اللقطة إذا وجدها في غير الحرم المكي الشريف، سواء كان المال قليلا أم كثيرا، وسواء كان مما يمكن التعريف به أم لا، ويحرم على الاحوط أخذ اللقطة إذا وجدها في الحرم حتى إذا كانت اللقطة دون درهم، الا إذا كان ناويا التعريف بها، فلا يكون أخذها محرما مع هذا القصد. [ المسألة التاسعة: ] إذا أخذ الرجل لقطة الحرم وجب عليه ان يعرف بها في المجامع سنة كاملة من يوم التقاطه اياها، فإذا هو لم يعرف صاحب المال تعين عليه ان يتصدق به على الاحوط، ولا يجوز للواجد أن يتملكها وان أتم مدة التعريف، الا إذا كان فقيرا وتملكها بنية الصدقة على نفسه عن مالك اللقطة، والاحوط أن يكون التصدق باذن الحاكم الشرعي سواء كانت الصدقة على نفسه أم على الغير. [ المسألة العاشرة: ] إذا تصدق الملتقط بلقطة الحرم بعد أن عرف بها حولا، ثم وجد صاحبها، فالاحوط له ضمانها لمالكها إذا هو لم يرض بالصدقة، فيدفع له مثلها إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية. [ المسألة 11: ] إذا أخذ الرجل لقطة في غير الحرم وكانت قيمتها لا تبلغ درهما لم يجب عليه التعريف بها وجاز له أن يتملكها بعد أخذها، وإذا تملكها ثم تبين له مالكها بعد قصد التملك وجب عليه ردها إليه إذا كانت عينها موجودة، ووجب عليه رد مثلها أو قيمتها إليه إذا كانت تالفة، على الاحوط.

[ 257 ]

[ المسألة 12: ] وزن الدرهم الواحد يساوي نصف مثقال صير في وستة اعشار الحمصة من الفضة المسكوكة فإذا بلغت قيمة اللقطة هذا المقدار وجب على واجدها التعريف بها، وإذا لم تبلغ لم يجب عليه التعريف بها كما تقدم، والحمصة هي جزء واحد من أربعة وعشرين جزءا من المثقال الصيرفي. ويراعى في تعلق الحكم في اللقطة أن تبلغ هذا المقدار في قيمتها سواء كانت اللقطة ذاتها فضة غير مسكوكة خالصة أو مغشوشة ام كانت من المسكوكات الاخرى كالنحاس والنيكل أو العملة الورقية أو غير ذلك من أنواع المال الضائع من مالكه. [ المسألة 13: ] المعتبر في التقدير هي قيمة اللقطة في زمان الالتقاط وفي مكانه، فلا تلاحظ قيمتها في غير ذلك الزمان والمكان، وان كان الفرق بين الزمانين أو المكانين قليلا وكان التفاوت بين القيمتين ملحوظا. [ المسألة 14: ] إذا أخذ الرجل اللقطة في غير الحرم وكانت قيمتها درهما فأكثر، وجب عليه أن يعرف بها حولا كاملا من يوم التقاطه اياها، فإذا هو أتم الحول في التعريف ولم يهتد إلى معرفة مالك المال تخير بين أمور ثلاثة: (الاول): أن يتصدق بالمال عن مالكه، وإذا اتفق له أنه عرف مالك اللقطة بعد الصدقة بها ولم يرض المالك بالصدقة عنه، دفع الملتقط له مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية، وكان للملتقط أجر الصدقة. (الثاني): أن يتملكها، فتكون كسائر أمواله، وعليه ضمانها كذلك فإذا استبان مالكها بعد نية التملك من الملتقط وكانت عينها باقية ردها إليه، وإذا كانت تالفة دفع له مثلها أو قيمتها.

[ 258 ]

(الثالث): أن يبقيها أمانة شرعية عنده لمالكها، فيجب عليه أن يحفظها له كما يحفظ ماله. ولا يجب عليه ضمانها إذا تلفت في يده الا مع التعدي أو التفريط. [ المسألة 15: ] يجب التعريف باللقطة إذا أخذها الملتقط سواء قصد أن يختار بعد التعريف بها أحد الامور الثلاثة التي ذكرناها أم قصد واحدا منها على الخصوص أم لم يقصد شيئا، بل قصد امتثال الامر الشرعي بالتعريف. [ المسألة 16: ] إذا كانت اللقطة التي وجدها الرجل مما يعرض له الفساد إذا بقيت، كالخضر والفواكه جاز للملتقط أن يقومها على نفسه تقويما عادلا، وينتفع بها كيف ما أراد، ويبقى ثمنها في ذمته لمالكها ويعرف باللقطة مدة الحول، فإذا استبان له صاحبها دفع له ثمنها، وإذا لم يظهر صاحبها تخير بين الامور الثلاثة الآنف ذكرها في المسألة الرابعة عشرة، والمدار هنا على قيمة اللقطة يوم انتقالها الى الملتقط. ويجوز له أن يبيعها على شخص آخر، والاحوط بل الاقوى أن يكون البيع من الغير باذن الحاكم الشرعي ثم يحتفظ بثمنها للمالك، فإذا أتم التعريف باللقطة مدة الحول جرى في الثمن الحكم المتقدم ذكره. [ المسألة 17: ] إذا قوم الملتقط اللقطة على نفسه في المسألة السابقة أو باعها على غيره وجب عليه أن يضبط معرفة الصفات والخصوصيات التي تميز اللقطة عن غيرها ويحفظها جيدا ليتم التعريف بها ويعلم بسبب ذلك صدق من يدعي ملكها من كذبه. [ المسألة 18: ] إذا كان المال الضائع مما لا يمكن التعريف به، اما لعدم العلامة التي تميزه عما يشابهه من الاموال ويساويه في الصفات، واما للعلم بأن مالك المال قد انتقل إلى بلد آخر يتعذر الاتصال به، أو لسبب غير ذلك، سقط عن الملتقط وجوب التعريف بالمال، ووجب عليه التصدق

[ 259 ]

به إذا كان من لقطة الحرم، وتخير بين الصدقة به، وابقائه عنده أمانة لمالكه إذا كان من لقطة غير الحرم، وفي جواز تملكه اشكال، والاقوى جواز ذلك، والاحوط استحبابا اختيار الصدقة به. وإذا علم بأن السبب المانع من التعريف سيزول، وجب عليه الانتظار إلى ان يزول المانع، فإذا زال المانع وجب عليه التعريف بالمال سنة كاملة من حين زوال العذر، فإذا لم يعرف المالك جرى فيه الحكم الآنف ذكره. [ المسألة 19: ] العلامة المميزة للقطة هي الخصوصيات التي تختص بها ويكون بعضها أو المجموع منها سمة تنفرد بها اللقطة الخاصة عما يشابهها ويمكن أن يتعرف بسببها على مالك المال، فالدراهم المودعة في كيس له وصف خانص من الوضع ونوع القماش وكيفية الخياطة أو المشدودة في خرقة لها لون معين، يكون الكميس والخرقة وأوصافهما علامة للتعريف بها، وعدد الدراهم والدنانير التي يجدها منثورة يكون علامة لها وهكذا كل خصوصية لها هذا الشأن، وقد تكون مجموعة من الصفات علامة يحصل بها التمييز كما ذكرنا، فلا تكون اللقطة معها فاقدة للعلامة ويجب التعريف بها. [ المسألة 20: ] تجب المبادرة إلى التعريف باللقطة، ومبدأه من حين الالتقاط على الاحوط، فإذا أخر التعريف عنه مدة وكان التأخير لغير عذر أثم بذلك، ووجبت عليه المبادرة بعده إلى التعريف، وهكذا وإذا عرف بها في بعض الحول ثم ترك لا لعذر أثم كذلك، ووجبت عليه المبادرة بعده وهكذا إلى أن يتم حول التعريف. وإذا أخر التعريف أو قطعه في اثناء الحول لعذر يصح معه التأخير، وجبت عليه المبادرة إلى التعريف بعد زوال العذر ولا يكون مأثوما لعذره، وإذا اتم التعريف حولا بعد ما أخره أو بعد ما قطعه في اثناء الحول، جرى فيه الحكم المتقدم في المسألة الثامنة عشرة، فيتصدق بلقطة الحرم، ويتخير في لقطة غير الحرم بين أن يتصدق بها وأن يبقيها

[ 260 ]

في يده أمانة لمالكها على الاحوط، وان جاز له ان يتملكها على الاقوى، سواء كان معذورا في تأخيره أم لا. [ المسألة 21: ] ظهر مما بيناه ان المدار على حصول التعريف باللقطة مدة حول كامل وان تأخر عن أول وقته لعذر أو لغير عذر، أو تقطعت المدة بعضها عن بعض بترك التعريف لعذر أو لغير عذر حتى اتم التعريف واتم المدة وحصل الشرط، وان كان آثما إذا كان غير معذور في التأخير أو في تقطيع المدة، فإذا قطع التعريف في أثناء الحول ثم عاد إليه كفاه ان يتمه ولم يفتقر إلى الاستئناف. [ المسألة 22: ] لا يجوز للملتقط أن يخرج باللقطة من البلد الذي أخذها فيه، فإذا أراد الخروج من البلد ائتمن على اللقطة من يثق به لحفظها والتعريف بها في موضع الالتقاط، ويسافر هو إذا شاء، نعم، إذا علم ان اللقطة لبعض المسافرين، جاز له أن يخرج بها إلى بلدهم ليكون التعريف فيه. [ المسألة 23: ] لا يتعين على الملتقط أن يتولى التعريف باللقطة بنفسه، بل يجوز له أن يستنيب في ذلك أحدا غيره، ولا يسقط التكليف عن الملتقط حتى يحصل له الاطمئنان بأن النائب قد اوقع التعريف على الوجه المجدي، وإذا احتاج في الاستنابة إلى أجرة، فالظاهر كون الاجرة على الملتقط لا على المالك، وان كان قاصدا أن تبقى اللقطة امانة بيده لمالكها، والاحوط استحبابا التصالح بين المالك وبينه في هذه الصورة. [ المسألة 24: ] يجب أن يكون التعريف مدة الحول في موضع الالتقاط على الاقوى إذا كان الملتقط قد وجد المال في موضع متأهل من بلد أو قرية وشبههما، الا إذا علم بانتفاء فائدة التعريف فيه، ومثال ذلك: ان يعلم ان مالك اللقطة لا يمكث في ذلك الموضع، فينتقل بالتعريف إلى المواضع التي يعلم أن يحتمل وجود المالك فيها، وإذا كان الالتقاط في البراري والمفاوز عرفها للنزال فيها كالقوافل والسالكين فيها، ويتبع القافلة

[ 261 ]

الراحلة من الموضع ليعرف اهلها، فان لم يكن فيها نزال، أو علم بأن اللقطة ليست لهم، عرفها في البلد الاقرب فالاقرب مما يحتمل وجود المالك فيها. [ المسألة 25: ] لا يختص التعريف بالزقاق أو الشارع الذي وجد فيه المال الضائع، بل يكفي التعريف في الاسواق والميادين والمجامع العامة المتصلة بذلك الموضع عرفا، ويتوخى المواسم وأوقات الاجتماع للناس. [ المسألة 26: ] لا يجب على الملتقط أو نائبه أن يستوعب مدة الحول كلها في التعريف باللقطة، نعم يجب أن يكون تعريفه بها متتابعا طوال السنة، ويكفي في تحقق ذلك أن يقع في فترات متصلة في نظر أهل العرف، بحيث يصدق انه عرف بالمال متصلا طوال الحول، ولا يكفي التعريف في فترات غير متصلة. [ المسألة 27: ] التعريف باللقطة: هو ان يذكر المعرف ما يلفت المالك إلى ماله الضائع منه ويبعثه على تفقده وتذكر صفاته، فلا يكفي أن يعرف السامع بأنه وجد ضائعا أو شيئا أو مالا، بل عليه ان يذكر انه وجد آنية مثلا أو كتابا أو ذهبا أو ثوبا، ولا يذكر الصفات التي تعين المال فيعرفه غير مالكه. [ المسألة 28: ] إذا يئس الملتقط من معرفة المالك قبل التعريف بالمال أو في أثناء الحول سقط عنه وجوب التعريف، ووجب عليه التصدق بلقطة الحرم، وتخير بين الصدقة بالمال وتملكه في لقطة غير الحرم. [ المسألة 29: ] إذا اتم الملتقط التعريف حولا كاملا جرت عليه الاحكام المتقدم ذكرها في المسألة الرابعة عشرة وان لم يحصل له اليأس من معرفة المالك، ولا يجب عليه التعريف اكثر من ذلك. وإذا علم انه سيتوصل إلى معرفة

[ 262 ]

المالك إذا زاد في التعريف على السنة، فالاحوط لزوم الزيادة في التعريف، ولا تجري احكام اللقطة بدونه. [ المسألة 30: ] تقدم في المسألة الثامنة أنه لا يجوز للانسان أن يأخذ لقطة الحرم على الاحوط الا لمن يريد التعريف بها، ونتيجة لذلك فإذا أخذها من لا يريد التعريف بها كان عاديا وضامنا للقطة إذا تلفت في يده أو حدث فيها عيب، فإذا وجد المالك دفع له مثلها إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية ودفع له نماءها مع التلف، وضمن له أرشها إذا حدث فيها عيب، ولا يبرأ من الضمان إذا عدل بعد ذلك إلى نية التعريف بها ولا إذا دفع العين إلى الحاكم الشرعي على الاقوى، وإذا لم يعرف المالك تصدق عنه بالمثل أو القيمة مع التلف وباللقطة وارشها مع العيب. وكذلك الحكم في لقطة غير الحرم إذا نوى تملكها قبل التعريف، أو قبل أن يتم التعريف حولا على الاحوط ويضمنها كذلك إذا تعدى أو فرط فيها وان لم يقصد تملكها. [ المسألة 31: ] إذا أخذ لقطة الحرم مع قصد التعريف بها كانت أمانة في يده، فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت في يده من غير تعد منه ولا تفريط، سواء كان تلفها قبل التعريف بها أم في اثنائه أم بعده وقبل التصدق بها وكذلك الحكم إذا حدث فيها عيب. ومثله الحكم في لقطة غير الحرم إذا أخذها ولم ينو تملكها قبل التعريف أو قبل ان يتمه حولا فهي امانة غير مضمونة إذا تلفت أو عابت بلا تعد ولا تفريط. [ المسألة 32: ] من التفريط أن يترك الملتقط التعريف بالمال الضائع الذي وجده ويضعه في مسجد مثلا أو في مجمع عام ليراه الناس، فإذا فعل كذلك وأخذ اللقطة غير مالكها أو تلفت أو حدث فيها عيب كان الملتقط ضامنا لها، بل ويكون ضامنا لها إذا أخذها آخذ ولم يعلم ان الآخذ هو مالكها أم غيره.

[ 263 ]

[ المسألة 33: ] إذا تلفت اللقطة قبل أن يعرف الملتقط بها اوفي اثناء مدة التعريف بها، فان كانت اللقطة مضمونة كما في الفروض التي ذكرناها في المسألة الثلاثين لم يسقط عن الملتقط وجوب التعريف، فإذا عرف المالك دفع له مثلها أو قيمتها، وان كانت غير مضمونة كما في الفروض التي ذكرناها في المسألة الحادية والثلاثين سقط عنه وجوب التعريف. [ المسألة 34: ] معرفة مالك اللقطة قد تكون بنحو العلم به كما إذا أوجبت القرائن للملتقط العلم بصدق دعواه، وقد تحصل بشهادة بينة شرعية، كما إذا شهد شاهدان عادلان بأنه هو مالك اللقطة المعينة وقد تأتي من ذكره الاوصاف التي تميز اللقطة وتدل على انه صاحبها، ولا تدفع إليه اللقطة في هذه الصوة الا إذا أوجب ذلك الاطمئنان بصدقه، ولا يكفي حصول الظن. [ المسألة 35: ] إذا حصل للملتقط الاطمئنان من ذكر صفات اللقطة وبعض مميزاتها أن الرجل هو مالك المال دفعه إليه وان خفي عليه بعض الصفات الدقيقة للقطة التي قد يغفل عنها المالك أو لا يحصل له العلم بها، فمالك الكتاب مثلا لا يعلم على الاكثر بعدد صفحات الكتاب وبسنة طبعه، وبأنه من الطبعة الثالثة أو الرابعة الا إذا كانت لها مميزات خاصة، ومالك الجهاز أو الآلة قد لا يدري بأنها من صنع اي معمل في البلد ومن نتاج اي عام، ومالك الفراش والدثار قد يذهل أو ينسى مقدار سعته في الطول والعرض وعن بعض الآثار الموجودة فيه التي تحدثها كثرة الاستعمال. [ المسألة 36: ] إذا عرف الملتقط مالك اللقطة قبل التعريف بها أو في اثناء مدة التعريف أو بعد ان أتمه حولا وقبل أن يتخير أحد الامور الثلاثة، وكانت العين موجودة دفعها إليه، ولا يحق للمالك أن يطالب الملتقط ببدلها، وإذا كانت العين تالفة، فان كانت اللقطة مضمونة دفع إليه

[ 264 ]

مثلها، أو قيمتها، وان كانت اللقطة غير مضمونة فليس للمالك أن يطالب الملتقط بشئ، وقد ذكرنا بعض هذه الاحكام في المسألة الثالثة والثلاثين. وإذا عرف المالك بعد أن أتم التعريف باللقطة وبعد أن تصدق بها عن المالك، تخير المالك بين أن يرضى بالصدقة فيكون له أجرها ولا يطالب الملتقط ولا الفقير بشئ، وان لا يرضى بالصدقة، فيغرم له الملتقط مثلها أو قيمتها، ويكون للملتقط أجر الصدقة، ولا يحق للمالك أن يطالبه بالعين وان كانت موجودة، ولا يرجع على الفقير بشئ. وإذا عرف المالك بعد أن تملكها الملتقط رجع عليه بالعين إذا كانت موجودة في يده، ورجع عليه بمثلها أو بقيمتها إذا كانت تالفة، أو كانت قد انتقلت منه الى ملك غيره ببيع أو هبة أو غيرهما، أو نقلها عن ملكه بوقف أو عتق أو شبه ذلك. وإذا كان الملتقط قد اختار ابقاء اللقطة أمانة في يده لمالكها، ردها إليه إذا كانت موجودة، وإذا كانت تالفة فلا ضمان عليه الا إذا تعدى أو فرط فيها، وإذا حدث فيها عيب أو نقص رد الموجود ولم يضمن أرش العيب ولا النقصان الا مع التعدي أو التفريط، وقد أشرنا إلى هذا في المسألة الرابعة عشرة. [ المسألة 37: ] النماء المتصل للقطة يكون له حكم العين، فإذا عرف الملتقط مالك العين وجب عليه ان يدفع إليه نماء العين المتصل في كل صورة يجب عليه فيها رد العين أو بدلها إليه، وقد تقدم تفصيل ذلك في المسألة السادسة والثلاثين، وإذا لم يعرف المالك كان النماء المتصل تابعا للعين كذلك، فيتملكه الملتقط إذا اختار أن يتملك العين، ويملكه الفقير إذا اختار الملتقط الصدقة فتصدق بالعين على الفقير، ويبقى في يد الملتقط أمانة للمالك إذا اختار الملتقط بقاء العين كذلك. واما النماء المنفصل، فما حصل منه بعد أن يتملك الملتقط العين يكون للملتقط، وما يتجدد منه بعد التصدق بالعين يكون للفقير، ولا

[ 265 ]

يجب دفعه إلى مالك العين إذا عرفه الملتقط بعد التملك أو بعد الصدقة، وما حصل منه قبل ذلك فهو لمالك العين إذا عرف، وإذا لم يعرف، فالاحوط التصدق به، ولا تجري فيه أحكام اللقطة بل يكون من المال المجهول مالكه. [ المسألة 38: ] إذا عرف الملتقط المالك ولم يتمكن من أن يوصل المال إليه ولا إلى وكيله، وجب على الملتقط أن يستأذن المالك في ما يفعل باللقطة، فان لم يتمكن من الاستيذان منه تصدق بالمال عنه. [ المسألة 39: ] يشكل الحكم بجواز دفع المال الضائع إلى الحاكم الشرعي ليتخلص الملتقط بذلك من التعريف بالمال، كما يشكل الحكم بسقوط التعريف عن الملتقط بذلك لو أن الحاكم قبل منه فأخذ اللقطة، بل يشكل وجوب قبول الحاكم لها إذا دفعت إليه. نعم يمكن دفع اللقطة إلى الحاكم أو إلى أمين غيره ليقوم بحفظها في مدة التعريف، ويمكن ان يدفعها الملتقط إلى الحاكم ليتصدق بها عن المالك بعد أن يتم الملتقط التعريف بها ويختار الصدقة بها عن مالكها أو بعد أن ييأس من معرفة المالك، ولكن هذه الفروض غير ما يذكره المشهور. [ المسألة 40: ] إذا وجد شخصان لقطة واحدة، فأخذاها معا في وقت واحد كانت لقطة لهما على سبيل الاشتراك فيها وتعلقت بهما معا أحكامها، فإذا كان مجموع قيمة اللقطة لا يبلغ درهما جاز للرجلين أن يتملكاها ولم يجب عليهما التعريف بها، ويكونان شريكين فيها على وجه التساوي، وإذا بلغت قيمة اللقطة درهما فأكثر، وجب عليهما التعريف بها، وان لم تبلغ حصة الواحد منهما مقدار الدرهم، وتخيرا في ايقاع التعريف، فيجوز لهما أن يوكلا ايقاع التعريف كله إلى أحدهما، فيتولى التعريف بالمال في جميع الحول، ويجوز لهما أن يقوما بالتعريف بالمال معا طوال الحول، فيقوم كل واحد منهما بتعريف كامل من يوم التقاطهما المال

[ 266 ]

الى نهاية الحول، ويجوز لهما أن يقتسما الحول بينهما اجزاءا فيتولى احدهما التعريف بالمال تعريفا كاملا في شهر أو شهرين أو اكثر من الحول، ثم يقوم الثاني بالتعريف في الجزء الثاني من الحول وهكذا حسب تراضيهما في القسمة إلى ان يتما التعريف في مدة الحول، وإذا تنازعا في التعريف، وزع الحول بينهما بالتساوي، فيقوم كل واحد منهما بالتعريف الكامل في قسطه من الحول. وإذا تم التعريف مدة الحول، فلهما أن يتفقا في اختيار تملك اللقطة أو التصدق بها أو ابقائها أمانة لصاحبها، ويجوز لاحدهما أن يختار الصدقة بنصفه وللآخر ان يتملك نصفه أو يبقيه امانة في يده لمالك المال. [ المسألة 41: ] إذا التقط الصبي أو المجنون مالا ضائعا صحت لقطتهما، وعلى وليهما أن يتولى أمرها فإذا كانت اللقطة دون الدرهم وكانت في غير الحرم جاز للولي أن يقصد تملكهما اياها، وإذا كانت اللقطة في الحرم أو كانت قيمتها درهما فأكثر وهي في غير الحرم، وجب على الولي التعريف بها سنة، ثم يتصدق بها في لقطة الحرم على الاحوط، ويتخير لهما احد الامور الثلاثة التي ذكرناها في المسألة الرابعة عشرة في لقطة غير الحرم. [ المسألة 42: ] إذا وجد الانسان لقطة، وعلم بأنها ضائعة من ملتقط آخر قد التقطها قبله، وجب على الملتقط الثاني ان يعرف بها سنة، فان عرف مالكها ردها إليه، وان لم يعرف المالك ولكنه عرف الملتقط الاول دفعها إليه كذلك، وان لم يجد واحدا منهما جرى فيها حكم اللقطة المتقدم. وإذا عرف الملتقط الاول وردها إليه كما ذكرنا، وجب على الملتقط الاول ان يتم التعريف بها سنة إذا لم يكن قد اتم التعريف من قبل، ويحتسب منها مدة تعريف الملتقط الثاني بها، فان هو لم يعرف المالك جرى فيها حكم اللقطة.

[ 267 ]

[ المسألة 43: ] إذا تملك الملتقط اللقطة بعد التعريف بها، ثم مات كانت ملكا لوارثه من بعده، وإذا ظهر المالك بعد ذلك ضمنها له الوارث، فيجب عليه أن يرد له عين اللقطة إذا كانت موجودة في ملكه ويجب عليه ان يدفع له مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة أو كانت منتقلة عن ملكه بأحد النواقل الشرعية وان كانت بالصدقة عن نفسه لا عن المالك. وإذا مات الملتقط قبل أن يعرف باللقطة أو في أثناء التعريف بها أو بعد أن اتم التعريف وقبل أن يتملكها، جرى في اللقطة حكم مجهول المالك على الاحوط، فيفحص الوارث عن مالكها، فإذا حصل له اليأس من معرفته تصدق بها عن المالك باذن الحاكم الشرعي على الاحوط. [ المسألة 44: ] إذا وجد الرجل مالا فأخذه وهو يعتقد ان المال له، أو يعتقد أنه وديعة أو عارية من زيد مثلا عنده وبعد أن أخذه ظهر له أن المال ضائع من مالكه ولايد لاحد عليه، كان لقطة ولزمه القيام بأحكامها. [ المسألة 45: ] إذا رأى الانسان في صندوقه مالا، ولم يدر أن المال له أو لغيره، فان كان الصندوق الذي وجد المال فيه خاصا به بحيث لا يد لغيره عليه، فالمال ماله، وان كان الصندوق مشتركا بينه وبين آخر، بحيث يكون كل منهما صاحب يد على الصندوق يأخذ منه ويضع فيه، فعليه أن يعرف صاحبه بالمال، فان عرفه دفعه إليه، وان قال صاحبه: ان المال ليس له، فالمال للاول، وإذا جهلاه معا رجعا الى القرعة بينهما، فأيهما عينته القرعة فالمال له، ويمكنهما الرجوع إلى المصالحة بينهما، وكذلك الحكم إذا كان الصندوق مشتركا بين جماعة قليلة محصور عددهم. وإذا كان الصندوق مشتركا بين جماعة كثيرة، جرى في المال حكم مجهول المالك، فيجب الفحص عن المالك منهم ويدفع المال إليه إذا عرف، وإذا حصل اليأس من معرفته تصدق بالمال عنه باذن الحاكم الشرعي على الاحوط.

[ 268 ]

[ المسألة 46: ] إذا وجد الانسان مالا في داره التي يسكنها ولم يعلم ان المال له أم لغيره، فان كانت الدار خاصة لا يدخلها غيره، أو كان الداخل إليها قليلا، فالمال له، وإذا كان المترددون في الدخول والخروج من الدار كثيرين كما في المضائف والمجالس العامة جرى في المال حكم اللقطة، وان لم يحرز انه مال ضائع جرى فيه حكم المجهول المالك، ولا فرق في الحكم بين أن تكون الدار مملوكة له أو مستأجرة أو مستعارة أو موقوفة أو غير ذلك من الوجوه المسوغة للسكنى، بل وان كانت مغصوبة، فان كون اليد غاصبة للدار لا تنافي كونها دالة على ملك المال الموجود فيها. [ المسألة 47: ] إذا وجد الانسان مالا في دار يسكنها غيره، وجب عليه أن يعرف ساكن الدار بالمال فان ادعاه ساكن الدار دفعه إليه، وكذلك إذا لم يعرف ساكن الدار أمر المال وكانت الدار خاصة بالساكن لا يدخلها غيره أو يدخلها النادر القليل فيكون المال له، وإذا كثر الداخلون والواردون فيها وعلم ولو من القرائن ان المال ضائع من صاحبه جرى عليه حكم اللقطة وان لم يعلم ذلك جرى فيه حكم مجهول المالك، فيتصدق به بعد الفحص عن المالك واليأس من معرفته من غير فرق بين الاسباب التي اقتضت له سكنى الدار كما تقدم. [ المسألة 48: ] إذا أخذ الانسان مالا من أحد وهو يعتقد ان المال المأخوذ ملك لذلك الشخص، ثم ظهر أن المال لغيره وقد أخذه منه عدوانا بغير حق، والانسان لا يعرف المالك، لم تجر على المال الذي أخذه أحكام اللقطة، فانه ليس من المال الضائع من مالكه، بل يجري عليه حكم مجهول المالك. [ المسألة 49: ] إذا استودعه سارق مالا سرقه من أحد لم يجز للرجل الذي أخذ الوديعة ان يردها إلى السارق الذي أودعه اياها، بل يجب عليه ردها إلى المالك إذا كان يعرفه، وان لم يعرفه جرى على المال حكم اللقطة كما

[ 269 ]

في الرواية، فيجب عليه التعريف بالمال سنة كاملة، فان لم يعرف مالكه تصدق بالمال عنه، وإذا عرف المالك بعد تصدقه بالمال خيره بين أن يقبل بالصدقة فيكون له أجرها وأن يغرم له بدل المال مثله أو قيمته فيغرم الودعي له ذلك، ويكون للودعي أجر الصدقة، والفارق بين الحكم في هذه المسألة والمسألة المتقدمة هو النص الذي اشرنا إليه. [ الفصل الثاني ] [ في لقطة الحيوان ] [ المسألة 50: ] اللقطة من الحيوان وتسمى ايضا الضالة، هي الحيوان المملوك الذي يجده الانسان ضائعا من مالكه، ولا تكون لاحد يد عليه، فلا تشمل الحيوان غير المملوك شرعا كالخنزير وما يلحق به من الحيوانات غير المملوكة، ولا تشمل الحيوانات المباحة إذا لم تملك بحيازة، فلا تكون من اللقطة، ولا تشمل الحيوان المملوك غير الضائع من مالكه وان لم يعلم مالكه، ولا تشمل الحيوان الضائع من مالكه إذا وجده الانسان وعليه يد أمينة لاحد من الناس، وقد تقدم بيان ما يتعلق بهذا في لقطة غير الحيوان. [ المسألة 51: ] يكره للانسان أن يأخذ لقطة الحيوان، وقد ورد في بعض الاخبار: (لا يأخذ الضالة الا الضالون)، وورد في حديث آخر عن الضالة: (ما أحب ان أمسها)، والظاهر ان الحكم بكراهة التقاط الضالة شامل حتى لصورة ما إذا خشي تلف الحيوان إذا لم يأخذه الملتقط. [ المسألة 52: ] يحرم على الانسان أخذ البعير الذي يراه ضالا، سواء وجده في العمران ام في غير العمران، إذا كان في ماء وكلاء، ويحرم كذلك أخذه إذا وجده في غير ماء ولا كلاء إذا كان البعير صحيحا يمكنه السعي والوصول اليهما، ويحرم في جميع هذه الصور على الانسان أخذ كل حيوان ضال عن مالكه إذا كان الحيوان مما يمكنه الامتناع عن السباع

[ 270 ]

لقوة الحيوان أو لسرعة عدوه أو لكبر جثته، ويمكنه السعي إلى مواضع الكلاء والماء وان كان من صغار الحيوان كالغزال وبقر الوحش المملوكين، وإذا أخذه الملتقط كان آثما. [ المسألة 53: ] إذا أخذ الرجل البعير الضائع أو ما بحكمه من الحيوان الذي تقدم ذكر حكمه في المسألة الثانية والخمسين، وجب على الآخذ الانفاق عليه، ولا يرجع على مالك الحيوان - إذا وجده - بشئ مما أنفق عليه، وكان ضامنا للحيوان، فيجب عليه ان يرد على المالك قيمته إذا تلف الحيوان ثم عرف المالك، ويتصدق بالقيمة باذن الحاكم الشرعي إذا يئس من معرفة المالك، ويضمن جميع ما يستوفيه من نماء الحيوان كاللبن والصوف والوبر والدهن وغيرها، فيرد مثله أو قيمته كذلك، ويضمن جميع ما يستوفيه من منافعه كالحمل والركوب والسقاية عليه، فيدفع اجرة مثله. ولا تبرأ ذمته من الضمان الا بالدفع إلى المالك، فيجب عليه الفحص عنه حتى ييأس من معرفته، فإذا حصل له اليأس تصدق عن المالك بما ضمنه باذن الحاكم الشرعي. [ المسألة 54: ] إذا وجد الرجل البعير الضال أو ما بحكمه من الحيوان الآنف ذكره في المسألة الثانية والخمسين في موضع يتحقق تلفه فيه إذا لم يأخذه الملتقط، لوجود سباع ضارية لا يمكن الحيوان أن يمتنع منها، أو لكون الحيوان مريضا أو مجهودا لا يمكنه السعي إلى مواضع النجاة، أو لبعد الماء والكلاء عليه في ذلك الموضع، أو لغير ذلك، جاز للرجل أخذه، والاحوط أن يجري عليه حكم مجهول المالك، فيفحص عن مالكه حتى ييأس من الحصول عليه، ثم يتصدق به وبقيمته إذا تلف عن المالك باذن الحاكم الشرعي، وإذا عرف المالك رجع عليه بما انفق على الحيوان إذا لم يكن قدنوى التبرع بالانفاق، وإذا كان للحيوان نماء كاللبن والدهن، أو كانت له منفعة كالركوب والحمل عليه، جاز للملتقط

[ 271 ]

أن يستوفيها بازاء نفقاته على الحيوان، وإذا زادت النفقة على أجرته أو زادت الاجرة على نفقته، رجع صاحب الزيادة بزيادته على صاحبه. وكذلك الحكم في ضالة هذا الحيوان إذا كان المالك في طلبها وخشي الملتقط عليها من التلف قبل أن يصل المالك إليها فيجري فيها ما ذكرناه على الاقرب. [ المسألة 55: ] إذا وجد الرجل شاة ضائعة في غير العمران جاز للواجد أن يلتقطها سواء كانت ضائعة في موضع فيه ماء وكلاء أم كانت في موضع ليس فيه ذلك، وإذا أخذها الملتقط وجب عليه أن يعرف بها في الموضع الذي وجدها فيه وما حوله على الاحوط، فإذا لم يعرف مالكها جاز له أن يتملكها وأن يتصرف فيها بأكل ونحوه، وجاز له ان يبقيها في يده امانة لمالكها. فإذا هو تملكها أو تصرف فيها كان ضامنا لها، فإذا عرف مالكها بعد ذلك وكانت الشاة موجودة ردها إليه وإذا كانت الشاة تالفة وطالبه المالك بها دفع إليه ثمنها. وإذا أبقاها في يده أمانة لمالكها فلا ضمان عليه إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط، وكذلك الحكم في كل حيوان لا يمكنه حفظ نفسه ولا يقدر على الامتناع من صغار السباع كأطفال الخيل والحمير والبقر، بل واطفال الابل وشبهها. [ المسألة 56: ] إذا وجد الرجل الشاة الضالة في مواضع العمران والاماكن المأهولة بالسكان بحيث لا خوف فيها على الحيوان الضعيف، لم يجز له أخذها وإذا التقطها أحد كان لها ضامنا ولم تبرأ ذمته الا بردها إلى مالكها. إذا كانت موجودة ودفع قيمتها إذا كانت تالفة، وكذلك الحيوانات الضعيفة التي الحقت بالشاة في حكمها في المسألة السابقة فلا يجوز التقاطها في الاماكن المذكورة ويكون ضامنا لها إذا أخذها، ويجب عليه التعريف بها وإذا يئس من معرفة المالك تصدق بها عنه باذن الحاكم الشرعي.

[ 272 ]

وإذا خيف عليها التلف في المواضع المذكورة إذا لم يأخذها الملتقط، لبعض الطوارئ كوجود السراق، أو بعض السباع المختبئة أو غير ذلك، جاز له أخذها وجرى عليها حكم الالتقاط في غير العمران وقد ذكرناه في المسألة المتقدمة. وقد ورد في رواية ابن ابي يعفور، في الشاة، أن واجدها يحبسها عنده ثلاثة أيام يسأل عن صاحبها فان لم يأت باعها واجدها وتصدق بثمنها، وقد عمل بها المشهور، وهو غير بعيد. [ المسألة 57: ] إذا أعرض المالك عن الحيوان الذي يملكه فتركه سائبا اصبح الحيوان مباحا وجاز لمن يجده أن يتملكه ولا ضمان عليه للحيوان ولا لمنافعه. [ المسألة 58: ] إذا أجهد الحيوان مثلا في الطريق أو في البر ولم يتمكن المالك من أخذه معه ولا من البقاء عنده، فتركه في موضعه ومضى عنه، فان كان المالك قد تركه في موضع يمكنه التعيش فيه لوجود الماء والكلاء فيه لم يجز لاحد أخذ الحيوان، فإذا أخذه واجده كان آثما وضامنا، وكذلك الحكم إذا كان الحيوان المتروك قادرا على السعي إلى موضع الكلاء والماء، أو كان مالكه عازما على أن يعود إليه قبل أن يتلف. وإذا ترك المالك الحيوان في موضع لا يمكنه التعيش فيه ولا يستطيع السعي إلى موضع يمكنه التعيش فيه، ولم يكن المالك عازما على العود إليه، جاز لمن يجده أن يأخذه ويتملكه ولا ضمان عليه. [ المسألة 59: ] لا فرق بين الصبي والمجنون وبين غيرهما في الحكم في أخذ الضالة، فإذا كان الحيوان الضائع مما يجوز أخذه لغيرهما صح لهما أخذه، كما تصح لقطتهما لغير الحيوان من الاموال الضائعة من مالكها، ويقوم وليهما بأمر الضالة بولايته عليهما، فيعرفها في مقام وجوب التعريف،

[ 273 ]

ويقصد تملكهما اياها في موضع التملك، ويتولى تطبيق سائر الاحكام كما تقدم نظير ذلك في لقطة غير الحيوان في المسألة الحادية والاربعين. [ المسألة 60: ] إذا تبرع الملتقط بنفقة الحيوان الضائع الذي التقطه أو تبرع بها رجل آخر غير الملتقط كانت النفقة مما تبرع به ولم يرجع بها على المالك. وان لم يتبرع بها أحد، أنفق عليه الملتقط من ماله ثم رجع بما انفقه على المالك إذا وجده، وإذا كان للحيوان نماء أو منافع جاز للملتقط أن يستوفي ذلك بدلا عن النفقة، ولابد وان يكون ذلك بحسب القيمة وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة والخمسين، وهذا في ما يحتاج إليه الحيوان من النفقات، وإذا اكتفى الحيوان في تعيشه وبقائه بالماء والكلاء الموجود في الارض ولم يفتقر إلى نفقة أخرى لم تجب على الملتقط ولم تلزم المالك فإذا أنفق الملتقط عليه ما يزيد على ذلك لم يصح له الرجوع به على المالك، وتراجع المسألة الثالثة والخمسون في حكم النفقة على الحيوان الذي لا يصح التقاطه. [ المسألة 61: ] لا يتحقق التقاط الحيوان بمجرد دخوله إلى منزل الانسان أو إلى حظيرته إذا هو لم يأخذه ولم يضع يده عليه، فإذا دخلت الدجاجة الضالة أو غيرها من الدواجن وشبهها إلى منزل الانسان أو إلى حظيرته لم يكن ملتقطا، وجاز له ان يخرجها من منزله ولا شئ عليه، بل ولا يجوز له أخذها كما تقدم في المسألة السادسة والخمسين، وإذا أخذها وجب عليه التعريف بها حتى ييأس من معرفة مالكها ثم تصدق بها باذن الحاكم الشرعي على الاحوط. [ المسألة 62: ] إذا وجد الرجل حيوانا قد تركه صاحبه، ولم يعلم أنه قد تركه بقصد الاعراض عنه، ليصح له تملكه كما ذكرنا في المسألة السابعة والخمسين أو انه لم يعرض عنه بل تركه ليرجع إليه بعد مدة أو عند الحاجة، لم يجز له أخذ الحيوان، الا إذا كان في موضع الخوف وعدم

[ 274 ]

الماء والكلاء، فيصح له أخذه كما تقدم في المسألة الرابعة والخمسين وغيرها. [ الفصل الثالث ] [ في لقطة الانسان ] [ المسألة 63: ] اللقيط من الانسان هو الطفل الضائع من أهله أو الذي يكون منبوذا منهم خشية من الاتهام في نسبته إليهم، أو لعدم القدرة على الانفاق عليه، أو لغير ذلك من موجبات النبذ، فلا يكون له كافل. ولا ريب في شمول اللقيط لغير المميز من الاطفال، والاقوى شموله للمميز منهم إذا كان عاجزا عن دفع ضرورته والقيام بشؤونه بنفسه، فإذا التقطه أحد تعلقت به أحكام الالتقاط، وإذا كان غلاما مراهقا ضائعا من أهله أو منبوذا منهم وكان عاجزا عن القيام بضرورات نفسه وشؤون تربيته وحياته من غير كافل، ففي صدق اللقيط عليه وشمول الاحكام له إذا التقطه أحد، تردد واشكال، فلا ينبغي ترك الاحتياط. [ المسألة 64: ] يجب على الناس التقاط الطفل الضائع أو المنبوذ الذي لا كافل له وجوبا كفائيا إذا توقف على التقاطه حفظ حياته وانقاذه من التلف أو الخطر المتيقن أو المحتمل احتمالا يعتد به العقلاء، ويأثم العالمون بحاله إذا تركه جميعهم حتى هلك. وإذا أخذه الملتقط وجبت عليه حضانة اللقيط وتربيته، وكان أحق بحضانته من غيره الا إذا عرف من له الولاية الشرعية عليه لنسب أو وصية أو غير ذلك، وإذا عرف الولي الشرعي عليه أو من تجب عليه نفقته من الاقارب لم يكن لقيطا لوجود الكافل، فتنتفي فيه أحكام الالتقاط. [ المسألة 65: ] إذا لم يتوقف حفظ حياة اللقيط وانقاذه من الخطر على أخذه لم

[ 275 ]

يجب على الملتقط التقاطه وكان مستحبا، فإذا أخذه تولى كفالته شرعا وكان احق بحضانته من غيره، فلا يحق لاحد ان يأخذه من يد ملتقطه ويتولى حضانته الا ان يكون وليا شرعيا أو ممن تجب عليه نفقته من الاقارب كما ذكرنا آنفا. [ المسألة 66: ] إذا وجد الكافل الشرعي أو من تجب عليه نفقة اللقيط من الاقارب جاز له ان ينتزع الطفل من يد الملتقط كما ذكرنا في ما تقدم، وإذا امتنع عن كفالة الطفل والانفاق عليه أجبر على ذلك، وسيأتي تفصيل ذلك ان شاء الله تعالى في فصل نفقات الاقارب من كتاب النكاح. [ المسألة 67: ] إذا أخذ الملتقط الطفل اللقيط وجبت عليه حضانته كما بيناه والقيام بتربيته وتدبير شؤونه، ويجوز له أن يتولى ذلك بنفسه، وأن يعهد به أو يستعين فيه أو في بعضه بمن يثق به، كزوجته أو احدى قريباته أو غيرهن من النساء أو الرجال، بحيث يكون التصرف في نواحي شؤون اللقيط تحت اشراف الملتقط نفسه [ المسألة 68: ] يشترط في آخذ الطفل اللقيط أن يكون بالغا، فلا تترتب أحكام الالتقاط إذا كان الملتقط صبيا وان كان مميزا، ويشترط فيه أن يكون عاقلا فلا حكم لالتقاطه إذا كان مجنونا وان كان جنونه أدوارا وكان أخذه للقيط في حال جنونه، وإذا التقطه في حال افاقته من الجنون صح أخذه وترتبت أحكامه، ولا يمكن منه في أدوار جنونه. ولا حكم لالتقاط العبد المملوك الا باذن مولاه، فإذا أذن له مولاه صح وكان نافذا، ولا يصح للمولى ان يرجع في الاذن، ويشترط في الملتقط على الاحوط أن يكون مسلما إذا كان اللقيط محكوما باسلامه، فلا يمكن من اخذه وكفالته إذا كان كافرا، ولا تجري على أخذه اياه أحكام الالتقاط. [ المسألة 69: ] ليس للنفقة على اللقيط مورد خاص، فان تبرع بها الملتقط أو

[ 276 ]

تبرع بها أحد غيره، أو تبرع بها الحاكم الشرعي كانت النفقة عليه من هذا الوجه، وإذا كان اللقيط فقيرا، جاز أن ينفق عليه من الزكاة من سهم الفقراء أو من سهم سبيل الله، وإذا كان للقيط مال ولم يوجد من يتبرع بالانفاق عليه استأذن الملتقط الحاكم الشرعي، فأنفق عليه من ذلك المال، ويصح للملتقط أن ينفق عليه من ماله، ثم يرجع على اللقيط بعد بلوغه بما أنفق عليه، ولا يرجع عليه إذا كان متبرعا، ويمكن الانفاق عليه من الصدقات المستحبة ومن الخيرات العامة ومن النذور التي يعلم بصحة انطباقها عليه. [ المسألة 70: ] ما يوجد في يد اللقيط الذي حكم الشارع بحريته من المال، فهو محكوم بأنه ملكه. [ المسألة 71: ] ولاية الملتقط على الطفل اللقيط لا تعني انه ولي على ماله، فإذا كان للقيط مال وجده معه أو ثبت بوجه من الوجوه أنه ملكه، أو دخل بعد ذلك في ملكه بميراث ونحوه، فلابد من مراجعة الحاكم الشرعي لحفظ ماله أو التصرف فيه. [ المسألة 72: ] إذا كان للقيط مال واحتاج الملتقط إلى الانفاق منه على اللقيط لبعض شؤونه ولو لاستئجار مرضعة له ونحو ذلك، فلابد من استئذان الحاكم الشرعي في ذلك كما ذكرنا ذلك في ما تقدم، فإذا لم يوجد الحاكم الشرعي أو تعذر الاستئذان منه رجع الملتقط في ذلك على الاحوط إلى عدول المؤمنين، فتولوا الانفاق عليه من ماله، وإذا لم يوجد العدول صح للملتقط ان يتولى ذلك بنفسه، فينفق على اللقيط من ماله بالمعروف، ولا يكون ضامنا حين ذاك إذا لم يتعد أو يفرط في أخذه من المال وصرفه. [ المسألة 73: ] إذا سبق إلى الطفل الضائع أو المنبوذ ملتقط فأخذه تعلقت به أحكام الالتقاط، فإذا نبذه الملتقط وأخذه شخص آخر لم يصح التقاط الثاني.

[ 277 ]

لوجود الكافل الاول، ولم يسقط الحكم عن الاول بنبذه بل يلزم بأخذه واجراء الاحكام عليه. [ المسألة 74: ] إذا التقط الطفل الضائع في دار الاسلام فهو محكوم بأنه حر غير مملوك، وكذلك إذا التقط في دار الكفر وكان فيها مسلم أو ذمي يحتمل تولده منه، فيحكم بحريته، وإذا بلغ ورشد فأقر بعد بلوغه ورشده، بأنه مملوك لاحد نفذ اقراره على نفسه فيحكم بعبوديته لمن أقر له، وإذا التقط في دار الكفر ولم يوجد فيها مسلم ولا ذمي يحتمل تولده منه جاز استرقاقه. [ المسألة 75: ] لا ولاء للملتقط على لقيطه، فإذا مات اللقيط لم يرثه الملتقط، وإذا جنى لم يحتمل من جنايته شيئا، وإذا بلغ اللقيط ورشد ولم يثبت له نسب، فله أن يتولى من يشاء، فإذا تولى احدا معينا، وضمن ذلك الرجل جريرته كان هذا الضامن عاقلته في حياته إذا جنى وكان وارثه بعد موته إذا مات. وإذا لم يوال شخصا ولم يضمن جريرته أحد كان الامام (ع) عاقلته ووارثه. [ المسألة 76: ] إذا ضل العبد المملوك عن مالكه وخيف عليه التلف أو الضياع جاز لمن يجده أن يلتقطه سواء كان صغيرا أم كبيرا، فإذا التقطه واجده وجب عليه أن يعرف به حولا كاملا كما في اللقطة، فإذا عرف مالكه وجب عليه رده إليه، ورجع الملتقط على المالك بما أنفقه على العبد ان لم يكن قد قصد التبرع به حين الانفاق. وإذا لم يعرف مالك العبد أبقاه في يده أمانة لمالكه، ولا يجوز له ان يتملكه على الاقوى، نعم يجوز له بيع العبد بما أنفق عليه إذا لم يكن متبرعا بالنفقة. والحمد لله رب العالمين

[ 279 ]

[ كتاب الصيد والذباحة ]

[ 281 ]

[ كتاب الصيد والذباحة ] [ المسألة الاولى: ] المقصود الاول في هذا الكتاب هو البحث عن الاسباب الشرعية التي تحصل بها تذكية الحيوان، فيحل أكل لحمه إذا كان مما يؤكل لحمه، وتترتب عليه آثار التذكية الاخرى، من طهارة لحمه وجلده وسائر أجزائه، وصحة الصلاة في أجزائه عند اجتماع الشروط الاخرى المعتبرة في ترتب هذه الاحكام. وكلمة الصيد قد تطلق ويراد بها اثبات اليد على حيوان أو طير ممتنع بالاصالة، وقد تطلق ويراد بها قتل ذلك الحيوان أو الطير بآلة أو بحيوان على الوجه الذي اعتبره الشارع وحدده لحصول التذكية به من غير ذبح ولا نحر. والصيد بالمعنى الاول أحد الامور التي تحصل بها حيازة الحيوان المباح، فيملك بها بعد ما كان مباحا بالاصالة، والصيد بالمعنى الثاني أحد الاسباب الموجبة لتذكية الحيوان عند اجتماع الشروط المعتبرة فيه، فهو كالذبح والنحر وغيرهما من أسباب التذكية، وهذا هو المقصود في هذا الباب. والصيد الذي يكون سببا للتذكية، قد يكون بحيوان، وقد يكون بالآلات المعدة للاصطياد والقتل من الحديد وغيره، ولذلك فالبحث في هذا الكتاب يكون في عدة فصول.

[ 282 ]

[ الفصل الاول ] [ في الصيد بالحيوان ] [ المسألة الثانية: ] لا تحصل التذكية في الحيوان إذا اصطاده غير الكلب المعلم من انواع الحيوان الصيود فأجهز عليه وقتله، فلا يحل أكل لحمه ولا تترتب عليه الآثار الاخرى للتذكية، سواء كان الحيوان الصائد معلما أم غير معلم، وسواء كان من جوارح السباع كالنمر والفهد وغيرهما أم كان من جوارح الطير كالبازي والعقاب والصقر والباشق وغيرها. ويحل أكل لحم الحيوان الممتنع بالاصالة وتترتب عليه آثار التذكية كلها إذا صاده الكلب المعلم وقتله، سواء كان الكلب سلوقيا أم غيره من أنواع الكلاب المعلمة وسواء كان أسود اللون ام غير أسود، فإذا جرح الكلب الحيوان أو عقره أو عضه في أي موضع كان من بدنه وقتله بذلك حكم عليه بأنه مذكى، ولا تتحقق التذكية ولا يترتب شئ من أحكامها إذا كان الحيوان أهليا فاصطاده الكلب وقتله، وسنتعرض لبيان ذلك في ما يأتي من المسائل ان شاء الله تعالى. [ المسألة الثالثة: ] يشترط في ترتب الاثر على صيد الكلب أن يكون معلما للاصطياد، والمراد من ذلك أن يعوده مروضه على تلقي الامر والزجر في حركته إلى الصيد ووقوفه عنها، فإذا أرسله صاحبه على الصيد وأغراه به باشارة أو صوت أو كلمة ولم يكن له مانع من الحركة هاج إليه وانبعث في طلبه والجري نحوه حتى يدركه، وإذا زجره عن الحركة وسمع زجرته انزجر ووقف، وأن يعتاد على ذلك حتى تصبح هذه الصفة ثابتة له. [ المسألة الرابعة: ] الظاهر أنه يكفي أن ينزجر بزجر صاحبه في الجملة، كما إذا رأى

[ 283 ]

الصيد فهم بطلبه والجري نحوه، فزجره صاحبه وانزجر قبل الحركة، وكما إذا أغراه صاحبه بالصيد فتحرك إليه وزجره صاحبه قبل أن يسترسل في الجري فانزجر عنه، فيكفي ذلك في صدق كونه معلما، ولا يضر أن لا ينزجر إذا زجره بعد استرساله في الحركة، أو حين ما يقرب من الصيد. [ المسألة الخامسة: ] لا يشترط في صدق صفة المعلم على الكلب أن يكون من عادته أن لا يأكل من الصيد إذا أمسك به، فلا يضر بحصول التذكية إذا هو أكل من الحيوان شيئا قبل أن يصل إليه صاحبه وخصوصا إذا كان ذلك بعد أن قتل الصيد بمدة. [ المسألة السادسة: ] يشترط في حصول التذكية وفي حلية لحم الحيوان الذي يصيده الكلب، ان تتحقق عدة أمور: (الاول): أن يرسل الانسان الكلب للاصطياد، فيكون الصيد والقتل بارساله لذلك، فإذا انبعث الكلب إلى الصيد بنفسه فقتله من غير ارسال من صاحبه لم يحل الحيوان المقتول بذلك. وإذا اغرى الكلب صاحبه بالصيد بعد ان انبعث إليه بنفسه من غير ارسال من صاحبه لم ينفع ذلك في حصول التذكية ولم يحل لحم الحيوان، وان زاد في جريه بعد الاغراء حتى ادرك الصيد وقتله فلا يحل لحمه على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى. وكذلك الحكم إذا أرسل الكلب صاحبه لا بقصد الاصطياد، بل لغرض آخر، كما إذا أرسله لطرد كلب آخر أو لطرد سبع، فصادف صيدا وقتله، فلا يحل هذا الصيد المقتول، وان قصد الرجل اصطياده بعد الارسال، فلا يحل الصيد بذلك. [ المسألة السابعة: ] يكفي في حصول الشرط الآنف ذكره أن يرسل الكلب صاحبه بقصد الاصطياد وان لم يقصد صيدا معينا، فإذا أرسله بهذا القصد ولم يقصد

[ 284 ]

صيدا خاصا، فانطلق الكلب واصطاد حيوانا وقتله حل صيده، وإذا أثاره إلى اصطياد حيوان معين فتبع غيره حتى أدركه وقتله، حل مقتوله وثبتت تذكيته، وإذا أرسله الى اصطياد حيوان ورأى معه صيدا آخر فتبعهما حتى أدركهما أو قتلهما، حلا معا وثبتت تذكيتهما. [ المسألة الثامنة: ] الشرط الثاني: أن يكون مرسل الكلب مسلما أو من هو بحكم المسلم كالصبي المميز المتولد من مسلم، فلا يحل الصيد إذا كان مرسل الكلب كافرا، سواء كان مشركا أم كتابيا، وحربيا أم معاهدا أم ذميا، وكذلك من هو بحكم الكافر كالغالي والناصب ومنكر الضروري في الاسلام، والصبي المتولد من كافرين وان كان مميزا. ولا يلحق بالمسلم في هذا الحكم المجنون المتولد من المسلم على الاحوط. [ المسألة التاسعة: ] الشرط الثالث: أن يذكر المرسل اسم الله عند ارساله الكلب، والمراد بالتسمية المشترطة هنا وعند الذبح والنحر أن يذكر اسم الله مقترنا بالتعظيم، مثل أن يقول: الله اكبر أو يقول: بسم الله، أو يقول الحمد لله، ونحو ذلك، ويشكل الحكم بالاكتفاء بذكر اسم الله مجردا عما يدل على التعظيم، وإذا ترك المرسل التسمية متعمدا لم يحل الحيوان الذي يقتله الكلب في ذلك الارسال، وإذا تركها ناسيا لم يضره ذلك، وثبتت تذكيته. والاحوط احتياطا لا يترك أن تكون التسمية عند الارسال، فلا يؤخرها عنه عامدا وان اتى بها قبل الاصابة، ولا يضر إذا أخرها ناسيا كما تقدم. [ المسألة العاشرة: ] الشرط الرابع: أن يكون موت الحيوان مستندا إلى جرح الكلب اياه أو عقره له أو قتله. فلا يحل الصيد إذا مات بصدمة أو عثرة أو سقوط من جبل وشبهه، أو بسبب اتعابه في العدو، أو بسبب اختناق، أو غرق في ماء أو توحل في طين وشبه ذلك من أسباب الموت بغير قتل الكلب.

[ 285 ]

[ المسألة 11: ] يجب على صاحب الكلب المعلم إذا أرسله للاصطياد ان يتبعه ليذكي الحيوان إذا وجده حيا لم يمت باصابة الكلب، وتجب عليه المبادرة إلى ذلك والمسارعة العرفية حين يرى ان الكلب قد لحق الصيد وأصبح غير ممتنع عليه على الاحوط. فإذا هو لم يتبع الكلب في هذه الحالة، أو لم يسارع إليه بالمسارعة العرفية، وحين وصل إلى الصيد وجده ميتا لم يحل أكل لحمه. وإذا هو بادر إلى الصيد على الوجه الذي تقدم ذكره، فأدركه ميتا بقتل الكلب أو أدركه حيا، بفترة قليلة لا تتسع لذبحه وتذكيته، ثم مات، حل لحم الحيوان وثبتت تذكيته، وهذا هو الشرط الخامس من شروط حلية الصيد الذي يقتله الكلب. ولا تجب على الرجل المبادرة والمسارعة من حين ارسال الكلب أو قبل وصوله إلى الصيد واستيلائه عليه. [ المسألة 12: ] إذا أدرك الرجل الصيد وهو حي لم يمت باصابة الكلب له، وكان الزمان الذي أدركه فيه حيا يتسع لذبحه، لم يحل أكل لحمه الا بالذبح، فإذا ترك ذبحه حتى مات فهو ميتة لا يحل أكلها. [ المسألة 13: ] ادنى حياة الصيد التي يحتاج معها إلى الذبح هي أن يدركه الانسان وهو يطرف بعينه ويركض الارض برجله ويتحرك بذنبه، وطرف العين هو تحركها بالنظر أو تحرك اجفانها بالانطباق والانفتاح، والركض بالرجل هو أن يضرب بها الارض أو غيرها، وقد جعلت هذه الامور علامات على وجود الحياة في الحيوان في مثل هذه الحالات. فإذا وجد الانسان الصيد كذلك واتسع الزمان لذبحه وجب ذلك، ولم يحل لحمه الا بالذبح، وتراجع المسألة المائة والسادسة، والمسألة المائة والتاسعة والعشرون.

[ 286 ]

[ المسألة 14: ] إذا عقر الكلب الصيد أو عضه أو جرحه وادركه الرجل وهو لا يزال يعدو، فتبعه حتى وقع، فإذا وجده حيا في فترة تتسع لذبحه لزمه ذلك ولم يحل لحمه الا بالذبح، وان وقع ميتا أو وجده حيا في فترة لا تتسع للذبح ثم مات حل أكله في كلتا الصورتين وثبتت تذكيته. [ المسألة 15: ] إذا أصاب الكلب الصيد وجرحه، وأدركه الرجل والحيوان لا يزال حيا، ولم تكن عند الرجل سكين ليذبحه بها، فإذا هو أغرى الكلب بالصيد قبل أن يموت حتى قتله فالظاهر حل أكله، وإذا تركه كذلك حتى مات بنفسه من غير ذبح ولا قتل لم يحل أكله. [ المسألة 16: ] إذا أدرك الرجل الصيد وهو حي بعد أن عقره الكلب أو جرحه، فاشتغل بمقدمات التذكية من شحذ السكين وتوجيه الحيوان إلى القبلة وهو يمتنع لبقية قوة فيه، ورفع الحائل عن موضع الذبح، فمات الحيوان قبل ذبحه، فالظاهر حل لحمه كما إذا لم يتسع الوقت لذبحه. [ المسألة 17: ] ذكرنا في المسألة الحادية عشرة انه يجب على الرجل ان يتبع الكلب إذا رآه قد لحق الصيد وأصبح الحيوان غير ممتنع عليه وأن يسارع إليه، وهذا إذا احتمل وجود أثر يترتب على مبادرته إلى الحيوان بعد اصابته، وهو أن يذبحه إذا وجده حيا وكان له من الوقت ما يتسع لذلك. فإذا علم بأنه لا يستطيع ادراك الحيوان قبل موته أو علم بعدم تمكنه من ذبحه إذا وجده حيا لعدم السكين، لم تجب عليه المسارعة إليه، وجاز له أن يتركه إلى الكلب حتى يقتله ويزهق روحه، ويحل أكله بذلك. [ المسألة 18: ] تقدم في المسألة العاشرة أن الحيوان الذي يصطاده الكلب لا يكون حلال اللحم حتى يعلم أن موته يستند إلى قتل الكلب بجرحه أو عقره

[ 287 ]

مثلا، ولا يحل أكله إذا كان موته بسبب آخر من صدمة أو عثرة أو خنق أو غرق أو شبه ذلك. فإذا مات الصيد ولم يعلم سبب موته من أي النوعين لم يجز أكل لحمه، وإذا توقف حصول العلم بسبب موت الحيوان على المسارعة إليه بعد ارسال الكلب لاصطياده ليعلم أن سبب موته هو قتل الكلب فيحل أكله أو غير ذلك فيحرم، وجبت على الرجل المسارعة نحوه ليحرز ذلك، وان علم بأنه لا يدركه للذبح. [ المسألة 19: ] إذا عض الكلب الصيد أو جرحه فقتله، حل أكله وطهر لحمه كما ذكرنا، وليس معنى ذلك أن موضع العضة أو موضع الجرح طاهر يجوز أكله من غير تطهير، فلابد من غسل الموضع من نجاسة الكلب ونجاسة الدم، والحكم واضح غير خفي وانما يذكر للتنبيه. [ المسألة 20: ] يجوز أن يتعدد الكلب الصائد، ويجوز أن يتعدد المرسلون للكلب الواحد أو الكلاب المتعددين إذا وجدت الشروط المتقدم ذكرها جميعا في كل واحد من المرسلين ومن الكلاب المرسلة. فإذا كانت للرجل المسلم عدة كلاب معلمة وأرسلها للاصطياد، وسمى عند ارسال كل واحد من كلابه، فذهبت واشتركت في صيد واحد أو في أكثر، فقتلته حل لحمه وكان ذكيا. وإذا اشترك جماعة مسلمون فأرسلوا كلابهم للصيد، وسمى كل واحد منهم عند ارسال كلبه فانطلقت الكلاب واشتركت في صيد حيوان أو أكثر فقتلته حل لحمه وثبتت ذكاته. ولا يحل الصيد إذا لم تجتمع الشرائط في المرسلين أو في الكلاب، فإذا اشترك رجلان في صيد حيوان فأرسلا كلبيهما للاصطياد، وكان احد الرجلين مسلما والآخر كافرا، أو كانا مسلمين وسمى أحدهما عند ارسال كلبه، ولم يسم الآخر، أو كان أحد الكلبين معلما دون الآخر، فإذا انطلق الكلبان وقتلا الصيد لم يحل لحمه.

[ 288 ]

وكذلك إذا أرسل أحد الرجلين كلبه وسمى، وانطلق الكلب الاخر من غير ارسال وذهبا إلى الصيد وقتلاه معا، فلا يحل لحمه. [ المسألة 21: ] إذا أرسل الرجل كلبين للاصطياد، وأحدهما معلم والآخر غير معلم فاشتركا في قتل صيد واحد لم يحل لحمه. وكذلك إذا أرسلهما وسمى عند ارسال أحدهما ولم يسم عند ارسال الآخر، بل وكذلك على الاحوط لزوما إذا أرسلهما ارسالا واحدا وسمى عند ارسالهما تسمية واحدة. [ المسألة 22: ] إذا اشترك جماعة فأرسلوا كلبا واحدا معلما، وسمى جميعهم عند ارساله صح ذلك وحل لحم الصيد إذا قتله الكلب. وإذا اشتركوا في ارساله، وسمى بعضهم ولم يسم الاخر، فان كان ارسال البعض الذي سمى واغراؤه كافيا في انطلاق الكلب واغرائه، فالظاهر كفاية ذلك، فيحل لحم الصيد إذا قتله. وإذا لم يؤثر ارسال ذلك البعض في انطلاق الكلب حتى ينضم إليه الآخر، لم يحل لحم الصيد الذي يقتله. وكذلك الحكم إذا كان أحدهما مسلما والثاني كافرا، فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه. [ المسألة 23: ] إذا أرسل أحد الرجلين كلبه إلى الصيد فانطلق إليه، وأثخنه بالجراح، ثم ارسل الآخر كلبه إليه واصابه يسيرا، بحيث يستند قتله وموته إلى الاول منهما دون الثاني، اعتبر وجود الشرائط في الاول، فإذا وجدت الشرائط فيه حل لحم الصيد، ولم يضره أن يكون الثاني فاقدا للشرائط أو لبعضها. وإذا أرسل أحدهما كلبه فعمل في الصيد قليلا، ثم ارسل الثاني كلبه فأصابه اصابة مؤثرة وكان هو القاتل في نظر أهل العرف، اعتبر وجود الشروط في الثاني، فإذا توفرت الشرائط فيه حل لحم الصيد، ولم يضر فيه أن يكون الاول غير جامع للشرائط، وإذا انعكس الفرض انعكس الحكم.

[ 289 ]

[ المسألة 24: ] إذا وجد الرجل الحيوان الذي أرسل الكلب عليه ميتا وتردد في سبب موته أهو قتل الكلب له واجهازه عليه، أو يكون مات بسبب آخر غير ذلك لم يحل أكل لحمه كما ذكرنا اكثر من مرة. وإذا دلت امارة عرفية على أن سبب موته هو قتل الكلب اياه وكانت الامارة تفيد الاطمئنان بذلك، ففي الحكم بالاعتماد عليها قوة، ولكن لا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه. [ الفصل الثاني ] [ في الصيد بالالة ] [ المسألة 25: ] تحصل التذكية للحيوان الممتنع بالاصالة إذا اصطاده الرجل بالسيف أو بالخنجر أو بالسكين أو بغيرها من الآلات والاسلحة التي يكون لها حد قاطع، إذا ضربه بالآلة فقتله، فيحل بذلك لحم الصيد إذا اجتمعت فيه الشروط الآتي ذكرها. وتحصل التذكية له إذا اصطاده بالرمح أو بالحربة أو بالسهم ونحوها من الاسلحة التي يكون لها طرف محدد، يطعن به ويخرق، حتى العصا إذا جعلت في طرفها حديدة محددة يطعن بها أو يخرق فإذا طعنه بالرمح أو الحربة أو بالعصا التي تقدم وصفها أو رماه بالسهم أو شبه ذلك من الاسلحة فقتله كان لحم الحيوان حلالا مع اجتماع الشرائط. سواء كان السلاح مما له نصل كالسيف يصنع من حديدة ذات حد أو حدين، ويركب له مقبض من غير الحديد غالبا، والخنجر والسكين يصنعان كذلك، وكالزج والسنان يركب في طرف قناة الرمح، وكالحديدة الشائكة توضع في اسفل العصا، وكنصل السهم يركب على الريش أو على الخشبة، ام كان مجموع السلاح مصنوعا من حديدة واحدة يجعل لها من نفسها حد قاطع أو طرف طاعن كالسيف أو السكين أو الرمح أو السهم يفرغ جميعه كذلك.

[ 290 ]

[ المسألة 26: ] لا يشترط في الآلة أو في نصلها أن يكون من الحديد، فيصح أن يكون من أي فلز كان، كالنحاس والنيكل وغيرهما إذا صنعت منه الآلة القاطعة أو الشائكة أو صنع منه نصلها على النحو المتقدم فإذا ضرب بها الصيد أو طعنه فقتله حل لحمه على الظاهر، بل حتى إذا كانت من الذهب أو الفضة. نعم لابد - على الاحوط لزوما - أن يكون مما يعد سلاحا في نظر أهل العرف، فيشكل الحكم إذا كان مما لا يعد سلاحا في نظرهم، أو كان سلاحا غير معتاد كالمخيط والشك والسفود ولابد فيه من مراعاة الاحتياط. [ المسألة 27: ] إذا ضرب الانسان الصيد أو طعنه أو رماه بالاسلحة المتقدم ذكرها فأصابه ومات الحيوان بسبب ذلك حل لحمه، وان لم تؤثر الضربة أو الطعنة أو الرمية في جسد الحيوان أثرا بينا من جرح أو خرق، ولا يحل إذا لم يصبه، بل مات من الفزع أو من صدمة أو غيرها. [ المسألة 28: ] يلحق بآلة الحديد المعراض: وهو على ما قالوا: خشبة غليظة الوسط محددة الطرفين ولا نصل فيها من حديد ونحوه، وهو نوع من السهام كان يستعمل قديما في الصيد ونحوه، فإذا رمى الرجل به الصيد فقتله فان أصابه بأحد طرفيه فخرقه ومات الحيوان بسبب ذلك حل لحمه، وان أصابه معترضا وقتله لم يحل لحمه، وكذلك الحكم في السهم الذي لا حديدة فيه وانما هو عود أو خشبة يحدد طرفها، فإذا رمى به الصيد فخرقه أو جرحه بطرفه المحدد ومات بسبب ذلك حل لحمه، وان قتله معترضا لم يحل لحمه. ويشكل الحكم بحصول التذكية بالعصا إذا لم تكن في طرفها حديدة بل كانت محددة بنفسها، فإذا طعن الحيوان بها فقتله، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عن أكل لحمه. [ المسألة 29: ] لا يحل من الصيد ما يقتل بالحجارة أو بالبندق، والبندق جمع بندقة، وهي الطينة المدورة المجففة، فلا يحل لحمه ولا تثبت تذكيته إذا

[ 291 ]

مات بذلك، سواء كان من صغار الصيد ام كباره. ولا يحل منه ما يضرب بمقمعة أو بعمود، فيموت بسبب ذلك، وان كانا من الحديد وسميا سلاحا. ولا يحل منه ما يقتل بالشرك والحبالة والفخ وغيرها من آلات الصيد، ولا تكون قاطعة ولا شائكة، ولا تعد سلاحا، فلا يحل أكل صيدها إذا علقت به فمات بذلك. [ المسألة 30: ] إذا علق الصيد باحدى الآلات المذكورة في ما تقدم أو بغيرها وهو حي، فأصبح بسبب علوقه بها غير قادر على الامتناع، فقبضه صاحب الآلة ووضع يده على الصيد، ثم ذكاه على الوجه الشرعي، حل لحمه بالتذكية. وكذلك ما يصطاده النمر أو الفهد أو غيرهما من جوارح السباع، أو يصطاده الصقر أو العقاب، أو الشاهين أو الباشق أو غيرها من جوارح الطير، فإذا أدركه الرجل وذكاه على الوجه الصحيح حل لحمه، وهذا من التذكية بالذباحة لا من التذكية بالصيد. [ المسألة 31: ] الظاهر حل لحم الصيد الذي يقتل بالبندقية، وهي الآلة المعروفة لاطلاق النار على الصيد ونحوه، إذا كانت البندقة أو الرصاصة التي تطلقها محددة الطرف تشبه المخروط، فإذا اطلقها الرامي وسمى عند الاطلاق، فأصابت الطير أو الحيوان فقتلته، فالظاهر حل لحمه بذلك. وإذا كانت البندقة التي تطلقها مدورة غير محددة الطرف، فالاحوط اجتناب ما قتل بها وان خرقت ونفذت بسبب قوتها، سواء كانت صغيرة الحجم أم كبيرته. وإذا لم يمت الطير أو الحيوان بها، وأدركه الصائد حيا فذكاه بالسكين، فلا ريب في حلية لحمه. [ المسألة 32: ] يشترط في حل لحم الحيوان الذي يصطاد ويقتل بالآلة - مضافا إلى

[ 292 ]

ما ذكرناه من الشروط والصفات التي تعتبر في نفس الآلة - أن تجتمع فيه جميع الشروط التي تقدم ذكرها واشتراطها في صيد الكلب المعلم. فيجب أن يكون الرمي أو الضرب بالالة بقصد الاصطياد، فإذا رمى الرجل أو ضرب بالآلة لا بقصد شئ، فاتفق ان أصابت رميته أو ضربته حيوانا فقتلته لم يحل لحم الحيوان. وكذلك إذا رمى أو ضرب بقصد اصابة هدف خاص، أو بقصد دفع عدو أو بقصد طرد سبع أو خنزير، فأصابت غزالا أو حمار وحش، وقتلته، لم يحل ذلك الحيوان المقتول، وكذلك إذا افلت السهم أو السلاح من يده، فأصاب حيوانا، فلا يحل لحم الصيد في جميع هذه الفروض. وإذا رمى أو ضرب بالآلة بقصد الاصطياد، فأثارت رميته صيدا من مخبئه ثم قتلته، أو رمى صيدا معينا فأصابت الرمية غيره، أو رماه فأصابه وأصاب غيره معا، فيحل ما قتله إذا اجتمعت بقية الشروط كما ذكرنا في صيد الكلب في المسألة السادسة والمسألة السابعة. [ المسألة 33: ] يشترط في حل الصيد أن يكون الرامي أو الضارب بالآلة مسلما أو من هو بحكم المسلم فلا يحل أكل لحم الحيوان إذا كان صائده كافرا أو من هو بحكمه، كما بيناه في المسألة الثامنة. [ المسألة 34: ] يشترط في حل الحيوان أن يذكر الصائد اسم الله عند الرمي أو الضرب أو الطعن بالآلة على الوجه الذي فصلناه في المسألة التاسعة من البيان والاحكام. [ المسألة 35: ] يشترط في حل الحيوان أن يكون موته مسببا عن رمي الرامي أو ضربه أو طعنه بآلة الصيد لا إلى سبب آخر، كما إذا فزع الحيوان من الرمية أو الضربة فمات من الخوف، أو فزع فسقط من جبل أو في حفرة أو في ماء فمات، أو كان موت الحيوان مستندا إلى ضربه بالآلة والى

[ 293 ]

سبب آخر معها فكان موته مستندا إلى السببين معا على وجه الاشتراك. وكما إذا رماه مسلم وكافر فأصاباه معا وقتلاه أو رماه رجلان معا وسمى احدهما ولم يسم الاخر، أو رماه رجلان وقصد أحدهما الصيد ولم يقصد الثاني. [ المسألة 36: ] إذا وجد الصائد الحيوان الذي رماه ميتا وتردد في سبب موته بين السبب المحلل والسبب المحرم، أو تردد في استناد موته إلى السبب المحلل خاصة أو إليه والى السبب المحرم معا على نحو الاشتراك، بنى على أصل عدم التذكية، ولم يجز له أكل لحمه. [ المسألة 37: ] يشترط في حل لحم الحيوان إذا ضرب بآلة الصيد أن لا يدركه الصائد والحيوان حي والوقت يتسع لذبحه، فإذا أدركه كذلك وجب عليه ذبحه، وإذا تركه حتى مات من غير ذبح لم يحل أكله كما فصلناه في المسألة الحادية عشرة والثانية عشرة، وتراجع المسائل الاخرى المتعلقة بفروض المسألة وفروعها. [ المسألة 38: ] إذا اشترك شخصان في صيد حيوان، فرماه أحدهما بسهم وطعنه الآخر برمح فقتلاه وكانت الشروط مجتمعة فيهما حل أكل لحمه، فلا يعتبر في الصيد بالآلة وحدة الصائد ولا وحدة الآلة. وكذلك الحكم إذا أرسل أحد الشخصين كلبه الى الحيوان بقصد صيده، ورماه الثاني بسهم فاشتركا في قتله، فيحل لحمه مع اجتماع الشرائط فيهما. [ المسألة 39: ] إذا غصب الرجل آلة الصيد من أحد واصطاد بها حيوانا، فالحيوان ملك للغاصب الصائد لا لصاحب الآلة، وان كان آثما بغصب الآلة واستعمالها. ويجب عليه أن يدفع لمالك الآلة أجرة المثل للآلة المغصوبة إذا كانت

[ 294 ]

لمثل هذا العمل بها أجرة في نظر العقلاء. وإذا قتل الصيد بها وكانت الشرائط المتقدم ذكرها كلها مجتمعة، حل أكل لحمه، فلا يشترط في الصيد بالآلة أن تكون مباحة غير مغصوبة. [ المسألة 40: ] الحيوان الذي يحل لحمه باصطياد الكلب المعلم وبالصيد بالآلة عند اجتماع الشرائط الآنف ذكرها، هو الحيوان الوحشي الممتنع بالاصالة، سواء كان طيرا أم وحشا، كالظبي وبقر الوحش وحمار الوحش والغنم الجبلية وغيرها من الحيوانات الوحشية، ولا تقع هذه التذكية على الحيوان الاهلي الذي يقدر عليه بلا وسيلة، كالغنم والبقر والابل الاهلية والدجاج والاوز وسائر الدواجن المتأهلة. [ المسألة 41: ] إذا تأهل الحيوان الوحشي بالاصالة كالظبي وحمار الوحش والطير، فأصبح أنيسا غير ممتنع بعد توحشه وامتناعه، جرى عليه حكم الحيوان الاهلي، فلا يحل لحمه باصطياد الكلب أو بالصيد بالآلة، ولابد في تذكيته من الذبح. وإذا توحش الحيوان الاهلي، فأصبح وحشيا ممتنعا لا يقدر عليه الا بالاصطياد ونحوه، كالغنم الاهلية إذا توحشت، والبقر الاهلية إذا استعصت، والابل الاهلية إذا توحشت وكالصائل من البهائم ثبت له حكم الحيوان الوحشي بالاصالة، فيصح اصطياده وإذا قتله الكلب المعلم أو قتل بالآلة، حل لحمه مع اجتماع شروط التذكية في الصيد. [ المسألة 42: ] يجري في طفل الحيوان الوحشي إذا كان صغيرا لا يقوى على الفرار والامتناع، وفي فراخ الطير قبل استطاعتها للنهوض والطيران حكم الحيوان الاهلي فلا يحل لحمها بالاصطياد بكلب أو بآلة، فإذا رمى الصائد الظبي وولده الذي لا يستطيع الهرب، حل لحم الظبي ولم يحل لحم ولده، وإذا رمى الطير وفرخه الذي لا يتمكن من الطيران حل الطير ولم يحل ولده.

[ 295 ]

[ المسألة 43: ] إذا تردت البهيمة في بئر أو في حفيرة ولم يمكن اخراجها ولا ذبحها أو نحرها على الوجه الشرعي صحت تذكيتها في تلك الحال بالصيد بالآلة، فتضرب بها أو تطعن أو ترمى في أي موضع يتفق من جسدها، فإذا ماتت بذلك وكانت شروط التذكية موجودة حل لحمها. وفي صحة اصطياد الكلب المعلم لها اشكال، والاحوط لزوما اجتناب ذلك. [ المسألة 44: ] إذا كان الحيوان الوحشي مما لا يؤكل لحمه كالسباع والطيور المحرمة وسائر الحيوانات الوحشية التي يحرم أكلها، فالظاهر صحة صيدها بالآلة، فإذا رماها الصائد بالسهم ونحوه أو ضربها بالسيف أو طعنها بالرمح بقصد الصيد وماتت بسبب ذلك واجتمعت فيها الشروط المعتبرة حصلت لها التذكية بذلك فيطهر جلدها ولحمها وجميع أجزائها، وترتبت عليها آثار التذكية غير حل اللحم. والاحوط لزوما عدم حصول التذكية فيها بصيد الكلب المعلم لها إذا أرسل عليها فقتلها. [ المسألة 45: ] إذا أرسل الكلب المعلم على الحيوان أو الطير فقطعه قطعتين، فان زالت الحياة عن كلتا القطعتين حل أكلهما معا إذا كانت الشروط كلها موجودة، وكذلك إذا بقيت الحياة في الحيوان ولم يتسع الوقت لتذكيته، فيحل أكل القطعتين. وإذا بقيت الحياة مستقرة في الصيد واتسع الزمان لذبحه، فان أسرع الصياد فذبح الصيد حال أكل القطعة التي يكون فيها الرأس والرقبة لوقوع التذكية عليها وحرمت القطعة الاخرى وحدها لانها جزء مبان من الحي. وان ترك الصيد حتى مات من غير ذبح حرمت القطعتان معا. وكذلك الحكم إذا اصطاده بالآلة التي يحل بها الصيد، فضربه بالسيف أو بغيره، فقطع الحيوان قطعتين، فيجري فيه التفصيل الذي بيناه في

[ 296 ]

الفرض السابق وتجري عليه الاحكام بنفسها. [ المسألة 46: ] إذا اصطاد الكلب غير المعلم حيوانا، أو اصطاده أحد الجوارح من السباع أو من الطير التي لا يحل صيدها، فقطعه قطعتين، فان زالت الحياة عن كلتا القطعتين، حرم أكلهما معا، وكذلك إذا بقيت الحياة في الصيد ولم يتسع الوقت لذبحه، فتحرم القطعتان معا، وإذا بقيت الحياة مستقرة في الحيوان واتسع الزمان لذبحه، فان سارع الصياد وذبح الصيد حلت القطعة التي يكون فيها الراس وأعضاء التذكية وحرمت الاخرى وحدها، وان لم يذبحه حرمت القطعتان معا. وكذلك إذا اصطاده بالآلة التي لا يحل بها الصيد كالشبكة والحبالة، والآلات الاخرى التي لا تعد سلاحا، فيجري فيه التفصيل والاحكام المذكورة في الفرض المتقدم. [ المسألة 47: ] إذا رأى الصائد شبحا على البعد فظنه كلبا أو خنزيرا أو سبعا، فرماه وقتله، ولما طلبه وجده صيدا، لم يحل له أكل لحمه، وان سمى عند الرمي، وكذلك إذا أرسل كلبه المعلم عليه ليطرده أو ليقتله ولما وصل إليه وجده حيوانا وقد قتله الكلب، فلا يحل لحمه. [ الفصل الثالث ] [ في ما به يملك الصيد ] [ المسألة 48: ] الحيوان الممتنع بالاصالة والطير المطلق الجناح من المباحات العامة، فلا يملكه أحد الا بوجود أحد الاسباب المملكة له، وسنذكرها ان شاء الله في ما يأتي، سواء كان مما يحل أكله ام مما يحرم فيجوز للانسان السبق إلى حيازته وتملكه قبل أن يملكه غيره. وإذا استبق الى حيازته ووضع اليد عليه شخصان، وتقارنا في ايقاع السبب المملك، ملكاه معا وكان مشتركا بينهما.

[ 297 ]

وقد تكرر الحديث في استثناء الخنزير وبعض الكلاب البرية من هذا الحكم، فلا يملكهما المسلم باصطياد ولا بغيره، على اشكال في عموم الحكم واطلاقه إذا تملكهما المسلم لغاية محللة. [ المسألة 49: ] إذا أرسل الصائد كلبه المعلم بقصد الاصطياد وسمى عند ارساله فانطلق الكلب وقتل الصيد، فلا ريب في أن الحيوان المقتول أو الطير المقتول يكون ملكا للصائد كما يكون حلال اللحم، فلا يجوز لغير الصائد أن يسبق إليه أو يأخذه منه، وإذا سبقه واستولى على الصيد كان غاصبا، وكذلك إذا اصطاد الرجل حيوانا بالآلة المحللة فرماه أو ضربه أو طعنه بقصد الاصطياد ومات الحيوان بسبب ذلك فيحل لحمه إذا كانت الشروط كلها موجودة، ويكون ملكا للصائد لا يجوز أخذه منه الا برضاه. [ المسألة 50: ] إذا أرسل الرجل كلبه على الحيوان بقصد الاصطياد، فجرحه الكلب ولم يقتله، وأدركه الصائد فخلصه من الكلب، وبقي الحيوان حيا، فهو ملك للصائد، ولا يجوز لاحد أخذه الا برضاه، وإذا برئ من جرحه، وعاد إلى الامتناع لم يخرج بذلك عن ملك مالكه ولا يجوز لغيره صيده وإذا تجدد له نماء فهو لمالكه ايضا. وكذلك إذا رمى الرجل الحيوان أو ضربه بالآلة بقصد الاصطياد فأثبته، وأدركه الرجل وهو لا يزال حيا، فهو المالك له، حتى إذا برئ من جرحه وعاد إلى الامتناع وإذا أرسل الرجل عليه الكلب أو رماه أو ضربه بالآلة لا بقصد الاصطياد، وأدركه الرجل حيا، فان أخذه عند وصوله إليه بقصد التملك له فقد حازه وملكه، فلا يجوز لغيره أخذه منه أو التصرف فيه الا باذنه، وإذا أخذه لا بقصد التملك، ففي حصول الملك بأخذه له اشكال، فلا يترك فيه الاحتياط. [ المسألة 51: ] إذا اصطاد الرجل الحيوان بغير الكلب من السباع أو الطيور الجوارح، وأدركه الصائد حيا، فان قصد الاصطياد بارسال السبع أو

[ 298 ]

الطير عليه، كان ذلك حيازة للحيوان، فيملكه باصطياده، وكذلك إذا قصد التملك عند أخذ الحيوان، فيملكه بأخذه بهذا القصد كما سبق في نظيره، وإذا أخذه لا بقصد التملك جرى فيه الاشكال السابق. وكذلك التفصيل والحكم إذا اصطاده بالحجازة أو الخشب أو بالعمود وأمثاله مما لا يعد سلاحا. [ المسألة 52: ] إذا أدرك الانسان الحيوان الممتنع أو الطير في بعض حالات غفلته أو مرضه أو توحله أو تورطه بخوض ماء ونحوه، فاستولى عليه وأمسك بيده أو برجله أو وضع رباطا في رقبته بقصد التملك، ملكه بذلك وإذا نصب شبكة أو شركا أو حبالة بقصد الاصطياد بها فوقع الحيوان أو الطير فيها ملكه ناصبها. [ المسألة 53: ] إذا وضع الرجل يده على الحيوان وضعا مستقرا بحيث تحقق معه استيلاؤه على الحيوان وتملكه اياه، ثم أفلت الحيوان من يده لم يزل ملكه عن الحيوان بذلك، فلا يجوز لاحد أخذه أو التصرف فيه، الا باذنه، وكذلك إذا اصطادته الشبكة أو الحبالة التي نصبها للصيد حتى استقر ملكه للحيوان باستقرار صيد الشبكة أو الحبالة له، فلا يزول ملكه بافلات الحيوان من الشبكة أو الحبالة بعد ذلك، ولا يجوز لاحد أخذه أو اصطياده. [ المسألة 54: ] لا يملك الانسان الحيوان بمجرد وضع يده عليه حتى تستقر يده ويصبح مستوليا عليه، فإذا انفلت الحيوان منه لقوة امتناعه وضعف الرجل عن قبضه، بحيث يعد في نظر العقلاء انه لم يستول عليه لم يملكه القابض. وكذلك إذا علق الحيوان أو الطير بالشبكة المنصوبة للصيد فانفلت منها لقوته وضعف الشبكة عن امساكه فلا يملكه ناصبها، وإذا أخذ

[ 299 ]

الشبكة معه لقوته وشدة عدوه، فرماه آخر وأثبته ملكه الرامي ورد الشبكة إلى صاحبها وكذلك إذا رماه الصياد فأصابه، وفر بعد الاصابة وهو مستمر في عدوه وامتناعه، فلا يملكه الصياد بمجرد ذلك، فإذا ضربه رجل آخر بعد ذلك أو رماه فاصطاده أو قتله، ملكه الثاني. [ المسألة 55: ] إذا غصب الرجل شبكة أو شركا أو حبالة ونصبها للاصطياد بها، فوقع فيها حيوان أو طير فالحيوان أو الطير ملك للغاصب الذي نصب الشبكة لا لمالكها، وان كان ناصبها آثما بغصبه وتصرفه فيها ويجب عليه أن يدفع أجرة المثل للمالك إذا كانت هذه المنفعة مما له أجرة في نظر العقلاء وقد تقدم نظير هذا في المسألة التاسعة والثلاثين. [ المسألة 56: ] إذا نصب الشبكة أو وضع الحبالة لا بقصد الاصطياد، فالظاهر ان ناصب الشبكة لا يملك الحيوان أو الطير الذي يقع فيها، فإذا أخذه غيره بقصد التملك ملكه. [ المسألة 57: ] إذا أجرى الرجل الماء على الارض ليستوحل فيها الحيوان إذا مر بها فيصيده، أو حفر في طريق الحيوان حفائر ليقع فيها إذا مر بالطريق فيصيده، أو وضع الحبوب في الحجرة لتدخل إليها العصافير فيغلق عليها الباب ويصيدها، أو جعل سفينته في الليل على وضع معين في مكان كثير السمك وعلق على ساريتها سراجا، ليثب إليها السمك من النهر فيصيده، فلا يبعد أن يكون لذلك حكم الشبكة والحبالة التي ينصبها بقصد الاصطياد، فإذا استوحل الحيوان في الارض الموحلة ولم يمكنه الخروج منها، أو وقع في الحفيرة ولم يستطع الفرار أو دخلت العصافير إلى الحجرة وأغلق الباب عليها أو وثب السمك إلى السفينة ملك الصيد بذلك إذا كان قد صنع ذلك بقصد الاصطياد وتملك الصيد، بل هو الاظهر. [ المسألة 58: ] إذا كانت الارض التي يملكها الرجل موحلة فدخلها حيوان وتوحل بها لم يملكه مالك الارض إذا لم يكن فعل ذلك بقصد الاصطياد كما

[ 300 ]

ذكرنا، فإذا أخذ الحيوان غيره بقصد التملك ملكه، وان كان آثما إذا دخل الارض بغير رضا مالكها. وإذا عشش الحمام أو غيره من الطيور المباحة في دار الرجل أو في بستانه لم يملك صاحب الدار أو البستان تلك الطيور حتى يأخذها بقصد التملك، فإذا سبقه غيره فأخذها كان هو المالك لها. [ المسألة 59: ] لا يختص بالحمام ولا بغيره من الطيور إذا بنى لها برجا في ملكه لتعشش فيه، ولا يملكها بذلك، وان اعتادت التعشيش والتفريخ فيه، بل يكون لها الحكم السابق في المسألة السابقة. [ المسألة 60: ] إذا تبع الانسان الحيوان الممتنع راكبا على فرس مثلا أو في سيارة حتى أعياه فوقف لم يملكه بمجرد أعيائه ووقوفه عن العدو، حتى يأخذه ويستولي عليه بقصد التملك، فإذا سبق ذلك الانسان غيره فأمسكه قبله بقصد التملك ملكه الآخذ. [ المسألة 61: ] إذا رمى الصياد الحيوان أو الطير فأثبته برميته وأعجزه عن الامتناع، ولكنه فر بعد جرحه ووقع في دار غير الصائد أو في بستانه، فهو ملك للصياد الذي رماه وأعجزه، ولا حق لصاحب الدار أو البستان فيه بمجرد وقوعه في ملكه، فإذا أخذه كان غاصبا. وإذا رماه الاول فلم يثبته برميته ولم يخرج بها عن الامتناع في العدو، فدخل وهو يعدو في ملك الآخر، فاصطاده ملكه باصطياده له وأخذه اياه بقصد التملك لا بدخول ملكه. [ المسألة 62: ] إذا رمى الحيوان رجلان، فأثبته أحدهما برميته وأعجزه عن الامتناع، وجرحه الآخر فهو ملك لمن أثبته وأوقفه، سواء رمياه دفعة واحدة أم متعاقبين، وسواء كان الذي أثبته وأعجزه عن الامتناع سابقا لصاحبه في اصابة الصيد أم متأخرا عنه.

[ 301 ]

وإذا شك في من أثبته منهما برميته، رجعا إلى الصلح بينهما أو إلى القرعة في تعيينه. [ المسألة 63: ] لا يجوز اصطياد الحيوان ولا تملكه بالصيد إذا علم انه مملوك لاحد، أو وجدت عليه آثار تدل على وجود يد عليه، فان اليد امارة على الملك، ومثال ذلك ان يرى في عنق الحيوان جرسا أو طوقا أو حبلا، أو يجد شعر الحيوان أو وبره مصبوغا بألوان غير طبيعية، أو يجده مجللا بثوب وشبهه. فإذا علم أو دلت آثار اليد على انه مملوك، وجب رده إلى مالكه، وان لم يعلم صاحبه فان وجد ما يدل على انه مال ضائع من صاحبه جرى عليه حكم اللقطة، وان لم يوجد ما يدل على ذلك جرى عليه حكم المال المجهول المالك. [ المسألة 64: ] يجري في الطير ما ذكرناه في اصطياد الحيوان، فلا يجوز اصطياده ولا تملكه بالصيد إذا علم انه مملوك لمالك أو كانت عليه آثار يد، كما إذا وجد الطير مقصوص الجناح أو وجده مصبوغا بلون غير لونه الطبيعي، أو سمع الببغاء التي اصطادها تردد بعض الالفاظ فان ذلك يدل على التعليم، وتجري فيه الاحكام المذكورة في غير الطير. وإذا ملك الطير جناحيه ولم يعلم انه مملوك ولم يوجد فيه ما يدل على يد مالكة صح اصطياده وتملكه. [ المسألة 65: ] إذا اصطاد الرجل حيوانا أو طائرا وملكه بالصيد ثم أطلقه من يده، فان قصد بذلك الاعراض عن ملك الصيد وازالة سلطانه عنه، أصبح الصيد بذلك مباحا أو هو في حكم المباح فيجوز للآخرين اصطياده وتملكه، ولا يجوز للصائد الاول أن يرجع في تملكه، بعد ان يصطاده الثاني ويتملكه بل ويشكل الحكم بجواز رجوعه في التملك قبل أن يصطاده الثاني ويتملكه ايضا، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض.

[ 302 ]

وإذا أطلق الصيد من يده ولم يقصد الاعراض عن ملكه لم يخرج بمجرد اطلاقه عن ملكه، فلا يصح للآخرين اصطياده ولا يتملكه أحد إذا اصطاده. [ المسألة 66: ] إذا اصطاد الرجل ملكة النحل وتملكها من بعض الجبال أو المواضع التي يعيش فيها النحل، كفى ذلك على الظاهر في اصطياد جماعة النحل التابعة لتلك الملكة مهما بلغت من الكثرة أو القلة، فان جماعة النحل تتبع ملكتها في حركتها وسكونها وفي الانتقال من موضع إلى موضع وفي الدخول في الموضع الذي يعد لها والخروج منه وفي الانتشار في طلب الازهار والنبات الذي يزودها بالرحيق وغيره، وفي بناء الخلية التي تجعلها موضعا لافراز مادة العسل وتكوينه، وفي القيام بأي عمل يقوم به النحل بحسب العادة، فتكون سيطرته على الملكة سيطرة على الجماعة كلها وعلى جميع حركاتها وأعمالها ومنافعها. [ الفصل الرابع ] [ في ذكاة السمك والجراد ] [ المسألة 67: ] تحصل الذكاة في السمك بأحد وجهين. أحدهما أن يخرج الانسان السمك من الماء وهو حي، سواء كان ما اخرجه في المرة الواحدة سمكة واحدة أم أكثر، وسواء أخرجه بيده أم باناء أم بالة كالشص والفالة والشباك وهي كثيرة الانواع، والقرقور، والحظيرة تصنع من جريد النخل أو من الحديد وشبهه وتبنى في الشواطي أو في الاسياف أو في الجزر التي يغمرها وينحسر عنها الماء فيحتجز فيها السمك عند ارتفاع الماء، وينضب عنه الماء بسبب الجزر فيخرج السمك بسببها من الماء وهو حي وكالشباك الحديثة تلقى في البحر بتوسط الالات الكهربائية ونحوها فإذا استولت على السمك سحبت إلى السفينة أو إلى الباخرة، وأخرج ما فيها من السمك، فإذا كان السمك لا يزال حيا عند اخراجه فهو ذكي.

[ 303 ]

الوجه الثاني: أن يأخذ الانسان السمك في خارج الماء ويستولي عليه وهو لا يزال حيا، كما إذا وثبت السمكة في السفينة أو في خارج النهر أو نبذها الموج إلى الساحل ورجع الماء عنها وبقيت تضطرب، أو أخرجها حيوان إلى الشاطئ، فإذا أخذها الرجل وهي لا تزال حية كانت ذكية. [ المسألة 68: ] إذا وثبت السمكة إلى خارج الماء أو أخرجها حيوان أو نضب عنها الماء وبقيت تضطرب ولم يأخذها الانسان حتى ماتت حرم أكلها وان كان ينظر إليها فلا تكون ذكية بمجرد النظر إليها على الاحوط. [ المسألة 69: ] لا يشترط في تذكية السمك أن يذكر الصائد اسم الله عند اخراجه من الماء حيا أو عند أخذه حيا بعد خروجه من الماء، فيحل أكله سواء سمى الصائد أم لم يسم. [ المسألة 70: ] لا يشترط في تذكية السمك أن يكون صائده مسلما، فيحل أكله وأن كان الصائد كافرا كتابيا أو وثنيا أو مرتدا أو غير ذلك من أصناف الكفار، سواء كان صيده باخراجه من الماء حيا أم بأخذه حيا خارج الماء، فيحل للمسلم أكله إذا علم بذلك أو شهدت به البينة. [ المسألة 71: ] إذا وجد الانسان السمك ميتا وهو في يد مسلم، ووجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيه بما يدل على التذكية، من أكله وبيعه واهدائه أو اطعامه لاهله أو لغيرهم، حكم بتذكية السمك، فيصح له أكله وشراؤه منه وبيعه، وإذا وجد المسلم يتصرف فيه بما لا يدل على التذكية، كما إذا رآه قد اعد السمك لتسميد الاشجار، أو لاطعام بعض الحيوان، لم يحكم بتذكيته على الاقرب، وإذا اخبره المسلم صاحب اليد بذكاة السمك قبل خبره ورتب الآثار عليه. [ المسألة 72: ] إذا وجد الرجل السمك ميتا وهو في يد كافر، ولم يعلم بأن الكافر

[ 304 ]

قد ذكاه فأخرجه من الماء حيا أو أخذه بيده خارج الماء وهو حي أم لا، لم يحل للرجل أكله، ولا عبرة بيد الكافر في الدلالة على التذكية ولا يقبل قوله إذا أخبر بأنه قد ذكاه. [ المسألة 73: ] إذا وثبت السمكة من الماء إلى السفينة لم يحل أكلها حتى تؤخذ باليد وهي حية كما تقدم بيان ذلك، ولا يملك السفان السمكة ولا مالك السفينة، بل يملكها كل من أخذها بقصد التملك. وقد تقدم في المسألة السابعة والخمسين: أن صاحب السفينة قد يجعلها على وضع خاص فيضعها في الليل في مكان يكثر فيه السمك ويميل السفينة إلى جانبها ويعلق سراجا على ساريتها، فيكون ذلك وسيلة لوثوب السمك من الماء إلى السفينة، فإذا فعل ذلك وقصد به اصطياد السمك وتملك الصيد، فالظاهر حصول التملك له بذلك والاحوط أن يضع يده على السمك وهو حي لتحصل بذلك التذكية. [ المسألة 74: ] إذا نصب الرجل شبكة أو بنى حظيرة أو وضع آلة في الماء لاصطياد السمك فدخلها السمك عند ارتفاع الماء، فان أخرج ما فيها من السمك وهو حي، فهو حلال ولا ريب، وكذلك إذا انتظر حتى انحسر الماء بالجزر والسمك لا يزال حيا ثم مات السمك في الشبكة أو في الحظيرة أو الآلة بعد نضوب الماء عنه، فالسمك كله ذكي يحل أكله. وإذا مات في الشبكة أو في الحظيرة أو الآلة وهو في الماء، فالظاهر حرمة السمك وعدم جواز أكله، وإذا مات بعضه في الماء، وبقي بعضه حيا حتى نضب الماء عنه، حرم ما مات في الماء وحل الباقي. [ المسألة 75: ] إذا أخرج الصائد السمك من الماء حيا ثم أعاده إلى الماء لغرض من الاغراض، ولو لنظم السمك كله في خيط قوي واحد لئلا يفلت منه شئ حتى يتم الاصطياد، فمات في الماء بعد عودته فيه، حرم أكله ولا يحرم إذا اعاده إلى الماء بعد أن مات في خارجه.

[ 305 ]

[ المسألة 76: ] إذا وجد الصائد السمك الموجود في الشبكة أو في الحظيرة أو في الآلة ميتا، وشك في أن موته كان قبل خروجه من الماء فيكون محرما، أو بعد انحسار الماء عنه ونضوبه فيكون حلالا، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه، سواء علم بزمان خروج السمك من الماء وجهل زمان موته اهو متقدم على وقت خروجه أو متأخر عنه، أم علم بزمان موت السمك وجهل وقت خروجه من الماء، أم جهل كلا من الزمانين معا فلم يعلم المتقدم منهما من المتأخر. [ المسألة 77: ] إذا طفى السمك على وجه الماء لبعض العوارض فلم يستطع السبح والانطلاق في الماء كما إذا أصابه بعض الامراض، أو ألقي عليه بعض المخدرات التي قد تستعمل لصيد السمك، أو ضرب ببعض الآلات أو عضه بعض الحيوان أو الحشرات، فان أخذه انسان وأخرجه من الماء حيا قبل أن يموت فهو ذكي حلال اللحم إذا لم يكن مضرا، وإذا كان مضرا حرم أكله من حيث الضرر لا من حيث عدم التذكية. وان لم يأخذه أحد حتى مات في الماء أو على وجه الماء فهو حرام غير ذكي، وهو المراد من السمك الطافي الذي دلت النصوص على تحريمه. [ المسألة 78: ] الزهر من المركبات المخدرة المعروفة عند بعض صائدي السمك. يخلطونه مع طعام السمك بمقادير معينة ويرمونه في الماء، فإذا أكله السمك تخذر وضعفت قوته وطفى على وجه الماء، فان ألقاه انسان في الماء لبعض الدواعي ولم يقصد بالقائه اصطياد السمك، فأكله السمك وتخدر وطفى على الماء، فلا يكون مملوكا للرجل الذي ألقى الزهر، ولم يزل من المباحات، فإذا سبق إليه أحد فأخذه ملكه بأخذه، سواء كان هو الذي ألقى الزهر أم غيره، وإذا أخرجه من الماء حيا كان ذكيا وحل أكله. وان ألقاه في الماء بقصد اصطياد السمك، وأكله السمك وطفى على الماء، اشكل الحكم بجواز أخذه لغير الشخص الذي ألقى الزهر، فلا

[ 306 ]

يترك الاحتياط بعدم أخذ شئ منه الا باذنه، وخصوصا إذا قصد بالقائه اصطياد سمكة خاصة أو سمكات معينة، فأكلته السمكات المعينة وتخدرت، فلا يتملكها غيره. [ المسألة 79: ] إذا رمى الصائد سمكة بسهم أو رصاصة أو طعنها برمح أو بفالة فطفت على وجه الماء ولم تمت، فلا يبعد كونها ملكا للرامي أو الطاعن، فلا يحل لغيره أخذها. [ المسألة 80: ] إذا أخرج الرجل السمكة من الماء حية، أو وضع يده عليها وهي حية بعد خروجها من الماء كانت ذكية كما بينا مرارا، وحل له أكلها وتقطيعها وان لم تمت بعد، أو ماتت بالتقطيع أو بالشوي مثلا، وإذا اقتطع من السمكة قطعة وهي حية في خارج الماء، ثم أرجع السمكة إلى الماء وهي حية، فالقطعة التي اقتطعها لا تزال ذكية محللة، وكذلك السمكة إذا عاد فأخرجها من الماء قبل ان تموت فيه، وإذا ماتت في الماء قبل أن يخرجها منه كانت حراما. [ المسألة 81: ] تحرم السمكة إذا ماتت في الماء سواء كان الماء الذي ماتت فيه هو ماء النهر أو الحوض مثلا، أم كان ماءا قليلا في اناء وشبهه. [ المسألة 82: ] إذا ضرب الصائد السمكة بسيف أو بسكين وهي في الماء فقطع منها قطعة، كانت القطعة محرمة، لانها جزء مبان من حي، فهي ميتة، فإذا هو أدرك السمكة وأخرجها من الماء قبل أن تموت فهي ذكية محللة وان لم يدركها فماتت في الماء قبل أن يخرجها منه كانت ميتة محرمة. [ المسألة 83: ] إذا أخرج الرجل السمكة من الماء، وشك في أنها حية عند اخراجه اياها من الماء أم ميتة، فهي ميتة لا يحل أكلها، وكذلك إذا وثبت السمكة إلى السفينة أو إلى الشاطئ ووضع يده عليها ثم شك في انها

[ 307 ]

حية أم ميتة حين أخذه اياها فلا يحل له أكلها، وهذا إذا كان الشك في حياة السمكة وموتها في حين ايقاع التذكية عليها. وإذا أوقع التذكية على السمكة بأحد الوجهين وهو يعتقد الصحة ووجود الشرط، ثم شك بعد ذلك في كون السمكة حية أم ميتة، فالظاهر الصحة. [ المسألة 84: ] تذكية الجراد هي أن يأخذه الصائد حيا، سواء أخذه بيده أم بآلة أو وسيلة يصدق معها أنه أخذ الجراد واستولى عليه كما إذا أخذه باناء أو كيس أو جمعه بثوب ونحو ذلك، ويشكل الصدق في ما إذا دخل الجراد بنفسه حجرة واسعة أو قاعة كبيرة مسقوفة، فأوصد الرجل عليه الابواب والمنافذ فلا يكتفي بذلك ما لم يقم بجمعه من أطراف الحجرة والقاعة والاستيلاء عليه بيده أو بآنية وشبهها، أو يلجئه إلى مضيق يجتمع فيه. [ المسألة 85: ] إذا مات الجراد قبل أخذه باليد أو بالآلة كان حراما غير ذكي. [ المسألة 86: ] ذكاة الجراد كذكاة السمك، فلا يعتبر فيها ذكر اسم الله عند أخذه، ولا يعتبر فيها أن يكون الصائد مسلما، فإذا أخذه الكافر وهو حي كان ذكيا حلالا من غير فرق بين أصناف الكفار. [ المسألة 87: ] يجري في تذكية الجراد ما تقدم بيانه في تذكية السمك، فإذا وجد الجراد ميتا في يد مسلم وكان المسلم يتصرف فيه تصرفا يدل على التذكية، كالاكل والبيع والهدية، فهو ذكي حلال الاكل، وإذا أخبر المسلم بتذكية ما في يده صدق قوله وثبتت تذكيته، وإذا وجد ميتا في يد كافر لم تثبت ذكاته ولا حله بذلك فلا يحل للمسلم أكله ولا ترتيب الاثر على تذكيته حتى يعلم بها ولا يقبل اخباره بها كما في المسلم. [ المسألة 88: ] إذا وقع الجراد في نار فاشتوى قبل أن يؤخذ حيا لم يحل أكله كما

[ 308 ]

تقدم في المسألة الخامسة والثمانين، وإذا أخذه الشخص حيا جاز له طبخه أو شويه وأكله وان لم يمت بعد كما تقدم نظيره في السمك. [ المسألة 89: ] إذا أجج الصائد النار عامدا بقصد اصطياد الجراد بها، فإذا رآها اجتمع إليها من الاطراف وألقى نفسه فيها، فتكون النار آلة للصيد كما يقول بعض الاجلة، وفي حل الجراد بذلك اشكال، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه. [ المسألة 90: ] لا يحل أكل الدبا، وهو الجراد في ابتداء تكونه ونشوئه قبل أن تكون له أجنحة ويستقل بها بالطيران، وهذا هو الفارق بين الدبا والجراد. [ الفصل الخامس ] [ في الذباحة ] [ المسألة 91: ] يشترط في تذكية الحيوان بالذبح أن يكون ذابحه مسلما أو من هو بحكم المسلم، وممن هو بحكم المسلم الصبي المتولد من المسلم إذا كان يحسن الذبح على الوجه الصحيح، فتكفي تذكيته إذا علم انه اجراها على الوجه الصحيح ولا تقع التذكية ولا تحل الذبيحة إذا كان ذابحها كافرا من غير فرق بين المشرك والكتابي والمرتد وغيرهم من أصناف الكفار ومللهم وفرقهم ومن لا ينتسب إلى ملة أو فرقة منهم، وكذلك من هو بحكم الكافر من الاطفال الذين يولدون من أبوين كافرين. [ المسألة 92: ] لا يشترط في حل الذبيحة أن يكون ذابحها مؤمنا اثني عشريا فتحل ذبيحة من يخالفنا في المذهب من أي فرق المسلمين كان على الاقوى إذا لم يكن ناصبا أو خارجيا أو غاليا، على ما أوضحنا بيانه في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة، وسيأتي مزيد بيان له ان شاء الله تعالى.

[ 309 ]

[ المسألة 93: ] الناصب هو من أظهر المعاداة للائمة المعصومين من أهل البيت (ع) أو لبعضهم، من اي الفرق كان، ولا يختص بفرقة معينة أو مذهب مخصوص، ويعم كل من أضمر العداء لهم أو لبعضهم (ع) إذا ثبت ذلك عليه بأحد المثبتات الشرعية ومنه الخارجي إذا كان كذلك. ولا تحل ذبيحة الغالي إذا رجع غلوه إلى الشرك بالله أو إلى انكار ذاته سبحانه أو إلى جحد ضروري من ضروريات الاسلام مع الالتفات إلى كونه ضروريا، فيكون ذلك تكذيبا للرسالة. [ المسألة 94: ] لا يشترط في حل الذبيحة أن يكون الذابح ذكرا، ولا أن يكون بالغا، فيصح الذبح وتحل الذبيحة إذا كانت الذابحة امرأة مسلمة أو خنثى مسلمة، وتحل الذبيحة إذا كان الذابح طفلا متولدا من مسلم وكان يحسن الذبح كما تقدم ذكره. نعم يشكل الحكم بصحة ذبحه إذا شك في انه أتى به على الوجه الصحيح أم لا، للاشكال في جريان اصالة الصحة في فعله، والاشكال في اعتبار خبره، ولذلك فلابد من الاحتياط. وتحل الذبيحة إذا كان الذابح جنبا، من غير فرق بين الذكر والانثى، وتحل الذبيحة إذا كانت المرأة الذابحة حائضا أو نفساء، وتحل الذبيحة إذا كان الذابح خصيا أو أغلف أو أعمى إذا أوقع التذكية على الوجه المطلوب والشروط المعتبرة، وتحل الذبيحة إذا كان الذابح فاسقا. [ المسألة 95: ] يجوز ذبح ابن الزنا إذا كان مسلما، ولا يكفي في اسلامه اسلام أبويه اللذين ولد منهما فانه لا يلحق بهما كما يلحق الطفل المتولد من نكاح صحيح. [ المسألة 96: ] لا يصح ذبح السكران والنائم والمجنون وشبههم ممن لا يشعر بفعله،

[ 310 ]

ويشكل الحكم في ذبح المجنون وشبهه إذا كان ممن يشعر في الجملة، ولا يترك الاحتياط باجتنابه. [ المسألة 97: ] لا يشترط في صحة الذبح وفى حل الذبيحة أن يكون الذابح لها مختارا في فعله، فإذا أكره الرجل أحد على ذبح الحيوان، وتوعده بما يحذر إذا هو لم يفعل، فذبحه وهو مكره على ذلك صح فعله وحلت ذبيحته. نعم إذا بلغ الاكراه إلى حد اللجوء وعدم القصد إلى الفعل أشكل الحكم بصحة التذكية بل الظاهر عدم الصحة. [ المسألة 98: ] لا يشترط أن يكون الذابح ممن يعتقد بوجوب التسمية عند الذبح، فيصح ذبح الرجل إذا كان مذهبه لا يرى وجوب التسمية في حل الذبيحة، ولكنه أتى بالتسمية عندما ذبح الحيوان، فتحل ذبيحته بذلك. نعم لا يصح ذبحه ولا تحل ذبيحته إذا هو لم يأت بالتسمية عند الذبح وفقا لمعتقده. ويشكل الحكم بصحة ذبحه، بل يمنع أيضا إذا شك في أنه أتى بالتسمية حين ما ذبح الحيوان أم لم يأت بها فلا تحل الذبيحة. [ المسألة 99: ] يجب في حال الاختيار أن يكون ذبح الحيوان بالحديد، لا بغيره من الفلزات والمعادن كالنحاس والشبه والذهب والفضة والرصاص، فإذا ذبحه بغير الحديد من المعادن المنطبعة وغير المنطبعة لم تصح التذكية ولم تحل الذبيحة. نعم إذا لم يجد الذابح الحديد، وقد وجب عليه الذبح في الوقت المعين، أو خاف موت الذبيحة إذا هو أخر ذبحها إلى أن يجد حديدا يذبحها به، جاز له أن يذبحها بأي شئ يحصل به قطع الاوداج من المعادن الاخرى، بل يجوز له ذبحها بغير ذلك من القصب أو الزجاج أو الحجر الحاد وشبهه.

[ 311 ]

[ المسألة 100: ] إذا لم يجد الحديد واضطر إلى الذبح كما فرضنا في المسألة السابقة، فيشكل أن يوقع التذكية بالسن والظفر، وان لم يجد شيئا غيرهما يقطع به الاوداج. [ المسألة 101: ] لا يصح الذبح في حال الاختبار بالمنجل المسنن على الاحوط لزوما، وإذا اضطر إلى الذبح به كما في الفرض السابق، فالاحوط أن يكون قطع أوداج الحيوان بالرد لا بالاخذ، تفاديا عن تعذيب الحيوان بذلك، وعن احتمال أن لا يكون موت الحيوان مستندا إلى الذبح وحده، بل إلى الآلام التي تحصل له من ذبحه كذلك [ المسألة 102: ] يجب في الذبح ان يقطع الذابح أعضاء أربعة من الحيوان. الاول: الحلقوم، وهو المجري الذي يجري فيه النفس في دخوله إلى الرئة وخروجه منها. الثاني: المرئ، وهو المجرى الذي يدخل منه الطعام والشراب إلى المعدة، وموضعه تحت الحلقوم. الثالث والرابع: الودجان، وهما عرقان غليظان يحيطان بالحلقوم والمري، وقد تسمى هذه الاعضاء الاربعة بالاوداج الاربعة. فلا يحصل الذبح الشرعي حتى يقطع الذابح هذه الاعضاء الاربعة من الحيوان قطعا كاملا بحيث ينفصل الجزء الاعلى عن الجزء الاسفل من كل واحد منها، ولا يكفي شقها أو شق بعضها. [ المسألة 103: ] يقول الخبراء الممارسون ان قطع الاعضاء الاربعة المذكورة يلازم أن تكون العقدة الموجودة في العنق والمعروفة في ألسنة عامة الناس بالجوزة، كلها في جانب الرأس، فإذا كان الذبح فوقها، بحيث كان بعض العقدة أو جميعها في الجثة، لم تقطع الاعضاء الاربعة جميعا، وعلى هذا فلابد من مراعاة ذلك.

[ 312 ]

[ المسألة 104: ] يشترط في صحة التذكية أن يكون الذابح قاصدا للذبح، فإذا أوقعه ساهيا من غير قصد أو ذبح هازئا وهو يعتقد أن فعله لا يؤدي إلى الذبح، وكما إذا سبقه السكين أو سبقته يده من غير شعور لعارض من العوارض، لم يصح فعله ولم تحل ذبيحته، وقد تقدم الحكم في ذبح المجنون والسكران والنائم في المسألة السادسة والتسعين. [ المسألة 105: ] لا يشترط التتابع في قطع الاعضاء إذا كان موت الذبيحة مستندا الى قطع مجموع الاعضاء فإذا قطع بعض الاعضاء وتركها لكلل في السكين أو لغير ذلك، ثم عاد إلى الذبيحة قبل ان تموت وقطع بقية الاعضاء صحت التذكية وحلت الذبيحة، وان كان التتابع أحوط. وإذا قطع بعض الاعضاء وترك الذبيحة حتى ماتت ثم رجع إليها بعد الموت وأتم الذبح حرمت الذبيحة بذلك سواء فعل ذلك عامدا أم جاهلا أم ساهيا أم كان يعتقد انه أتم الذبح في المرة الاولى ثم علم انه لم يتمه. [ المسألة 106: ] يشترط في صحة التذكية وفي حل الذبيحة أن يكون الحيوان حيا في حال ايقاع الذكاة عليه إلى أن يتم ذبحه، ولا يجب ان تكون حياته تامة الاستقرار بحيث يمكن بقاء الحيوان يوما أو نصف يوم كما يراه جماعة من الفقهاء قدس الله أرواحهم، بل يكفي وجود اصل الحياة فيه، ويعرف ذلك بوجود الحركة الدالة عليها وان كانت الحركة ضعيفة كما دلت عليه النصوص الكثيرة، كتحريك اليد أو الرجل والطرف بالعين، والمصع بالذنب وهو تحريكه، على أن تكون الحركة موجودة إلى ان تكمل التذكية ويتم ذبح الحيوان. ويكفي في الدلالة عليها ان يتحرك الحيوان كذلك بعد أن يتم ذبحه، ويكفي ايضا في الدلالة عليها أن يخرج منه الدم المعتدل المتعارف في كثرته وقوة دفعه بعد ان يتم ذبحه فهو دال على وجود الحياة حال التذكية إلى ان تتم كما دلت عليه النصوص أيضا.

[ 313 ]

[ المسألة 107: ] يشترط في حل الذبيحة وتذكيتها - على الاحوط - أن يكون ذبح الحيوان من مذبحه وهو مقدم عنقه، فلا يحل أكله إذا ذبحه من قفاه على الاحوط لزوما، وان أسرع الذابح حتى قطع عضلات العنق وقطع معها الاعضاء الاربعة قبل أن تزهق روح الحيوان. [ المسألة 108: ] لا يترك الاحتياط في أن يبتدئ الذابح في قطع الاعضاء الاربعة من مقدم المذبح حتى يتم قطعها، فلا يدخل السكين تحت الاعضاء ثم يقطعها إلى الفوق، وإذا فعل كذلك لم تحرم الذبيحة على الظاهر، ولكن الاحوط الاجتناب عن هذا الفعل. [ المسألة 109: ] إذا ذبح الحيوان من القفا، وبقيت الاعضاء الاربعة التي يجب قطعها في حصول التذكية فان بقيت حياة الحيوان وبقيت الحركة التي تدل عليها على الوجه الذي بيناه في المسألة المائة والسادسة صح ذبح الحيوان وحل لحمه بذلك، وان لم يدرك ذلك حرم لحمه وكان ميتة. [ المسألة 110: ] إذا ذبح الرجل ذبيحته من فوق العقدة مخطئا، ثم التفت إلى فعله، فان كانت الحياة في الحيوان لا تزال باقية على الوجه الذي تقدم بيانه، بحيث يمكن للذابح أن يذبح الحيوان من تحت العقدة فيقطع الاعضاء الاربعة منه وحركة الحيوان الدالة على الحياة فيه باقية إلى أن يتم الذبح، لزمه ذلك، وإذا فعله حلت الذبيحة. وان لم تبق الحياة والحركة الدالة عليها على الوجه المذكور حرمت الذبيحة وكانت ميتة. [ المسألة 111: ] إذا أكل الذئب أو السبع شيئا من الحيوان أو شق بطنه أو عقره، وبقيت الاعضاء الاربعة منه سليمة، فان أدركه الذابح حيا على الوجه المتقدم بيانه، صح ذبحه على الوجه الشرعي ويحل بذلك لحمه، وإذا

[ 314 ]

أكل السبع من بعض أعضاء التذكية شيئا، فقطعه بأسنانه، وبقي بعض أعضائها سالما وكان الحيوان حيا، قطع الذابح الاعضاء السالمة من أعضاء التذكية في الحيوان، وقطع العضو الآخر الذي أكل السبع منه من فوق محل أكل السبع أو من تحته، وحلت الذبيحة بذلك. [ المسألة 112: ] إذا أكل الذئب أو السبع أحد أعضاء التذكية في الحيوان كله فلم يترك منه شيئا يقطعه الذابح كما إذا أكل الحلقوم كله أو أكل أحد الودجين كله، حرم الحيوان ولم تمكن تذكيته، وأولى من ذلك ما إذا أكل جميع أعضاء التذكية ولم يبق منها شيئا فلا يمكن حصول التذكية وان فرض كون الحيوان حيا. [ المسألة 113: ] إذا أكل الذئب أو السبع من مجموع الاعضاء الاربعة مقدارا من فوق أو من تحت فقطع الاعضاء كلها بأسنانه وأبقى مقدارا من جميعها يتصل بالرأس أو بالجسد، أشكل الحكم بوقوع التذكية في هذا الفرض وان كانت الحياة باقية في الحيوان، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه. [ المسألة 114: ] إذا قطعت الاعضاء الاربعة للتذكية في الحيوان على غير النهج الشرعي أو قطع بعضها كذلك كما إذا ضرب الحيوان أحد بآلة أو نحوها فقطع أعضاءه أو قطع بعضها جرى فيه التفصيل الذي ذكرناه في المسائل الثلاث المتقدمة في ما أكله السبع من الحيوان وانطبقت أحكامها. [ المسألة 115: ] يصح أن يتعدد الذابح للذبيحة الواحدة، فيشترك شخصان في ذبحها، فيقبضا بيديهما معا على السكين ويوجها الذبيحة، ويتوليا قطع الاعضاء حتى يتما العمل مشتركين فيه. ويجوز أن يتولى أحدهما قطع بعض الاعضاء ويتولى الثاني قطع الباقي في وقت واحد أو يقطع الاول بعضا، ثم يقطع الآخر ما بقي. وإذا توليا ذبح الحيوان، فلابد وأن يكون كل منهما قاصدا للذبح

[ 315 ]

فلا يكفي القصد من أحدهما كما إذا كان الثاني مجنونا أو سكران أو فاعلا بغير شعور، ولابد وأن تقع التسمية من كل واحد منهما فلا تجزي التسمية من أحدهما، فإذا توليا الذبح مقترنين سميا في أول الذبح، وإذا قطع أحدهما بعض الاعضاء ثم أتم الثاني العمل سمى كل واحد منهما في أول عمله. [ المسألة 116: ] إذا ذبح الانسان الحيوان حتى أتم تذكيته، ثم اضطرب الحيوان، فوقع في نار مضرمة، أو في نهر أو في حفيرة عميقة أو سقط من شاهق، فكان ذلك هو السبب في موت الحيوان أو كان أحد السببين فيه، أو شك في استناد الموت الى ايهما، لم يحرم الحيوان المذبوح بذلك، لان تذكية الحيوان قد تمت بتمام ذبحه، فلا يكون بعد وقوع التذكية التامة عليه ميتة. واعتبار أن يكون موت الحيوان مستندا إلى التذكية لا إلى شئ آخر انما هو شرط في التذكية في الصيد كما تقدم، ولا يشترط ذلك في التذكية بالذبح. [ المسألة 117: ] إذا شرع الذابح بذبح الحيوان، فشق الآخر بطنه أو أخذ في تكسير عظامه في حال الذبح وقبل أن يتمه الذابح، ففي صحة التذكية اشكال، والاحوط لزوما اجتناب أكله، وهكذا في كل فعل يوجب موت الحيوان، يفعل به في حال تذكيته وقبل أن يتم ذبحه، فلابد معه من اجتناب أكل الحيوان على الاحوط. [ المسألة 118: ] إذا انخنقت الشاة برباطها، أو نطحها حيوان قوي بشدة، أو تردت من جبل أو غيره، أو أصابها مرض أو غرق أو حرق أو عارض آخر حتى أشرفت على الموت بسبب ذلك، فان أدرك الذابح حياتها على النحو الذي ذكرناه في المسألة المائة والسادسة، بحيث يمكن له أن يذبحها وهي تتحرك حركة تدل على الحياة إلى أن يتم الذبح، أجرى عليها التذكية وحل بذلك

[ 316 ]

أكل لحمها، وإذا لم يدرك حياتها على الوجه المذكور فهي ميتة لا تحل بالذبح. [ المسألة 119: ] يشترط في صحة الذبح وفي حل الذبيحة به أن يستقبل بها القبلة في حال ذبحها ويراد بالاستقبال أن يوجه مذبح الحيوان ومقاديم بدنه إلى جهة القبلة، فلا تصح التذكية ولا يحل أكل لحم الحيوان إذا ترك الاستقبال به وهو عالم بالحكم وعامد في فعله، وإذا كان جاهلا بوجوب الاستقبال بالحيوان حال الذبح أو ناسيا له لم يحرم أكله بذلك. [ المسألة 120: ] إذا وجه الذابح الحيوان إلى جهة اعتقد انها هي جهة القبلة حتى اتم ذبحه، ثم استبان له انه مخطئ في اعتقاده صح ذبحه ولم يحرم الحيوان، وكذلك إذا اضطر إلى ذبح الحيوان ولم يعرف جهة القبلة أو لم يتمكن من توجيه الحيوان إليها كالبهائم الصائلة، والحيوان المستعصي فكلما وجه إلى القبلة انحرف عنها وكالحيوان المتردي في بئر أو حفيرة، فلا يجب الاستقبال بالحيوان في هذه الفروض. [ المسألة 121: ] لا يشترط في صحة الذبح أن يكون الذابح نفسه مستقبلا للقبلة في حال ذبح الحيوان، وان كان الاحوط استحبابا استقباله أيضا. [ المسألة 122: ] لا تتعين في توجيه الحيوان إلى القبلة عند ذبحه هيئة مخصوصة، فللذابح ان يطرح الذبيحة على الارض على جانبها الايمن فيكون مذبحها ومقاديم بدنها إلى القبلة، وله أن يضعها على الجانب الايسر، وله أن يذبحها قائمة إذا أمكن له توجيه مذبحها ومقاديم بدنها نحو القبلة كما هو المطلوب. [ المسألة 123: ] إذا احتاج الذابح في توجيه الحيوان الصائل أو المستعصي إلى القبلة عند ذبحه إلى شد وثاق أو ربط بوتد ونحو ذلك أو إلى استعانة بشخص

[ 317 ]

أو أشخاص، وجب عليه ذلك مع الامكان، وإذا أمكنه توجيه المذبح خاصة دون مقاديم البدن لزمه ذلك على الاحوط بل على الاقوى. [ المسألة 124: ] إذا احتاج الذابح في توجيه الذبيحة إلى القبلة إلى فترة يقضيها في ذلك، وخشي إذا هو اشتغل به أن تموت الذبيحة لضعف الحركة فيها وتفوت الفرصة لتذكيتها، فالظاهر عدم وجوب الاستقبال في هذه الصورة. [ المسألة 125: ] يشترط في صحة الذبح وفي حل الذبيحة ان يذكر الذابح اسم الله سبحانه عندما يكون متشاغلا بذبحها أو قبل الشروع بالذبح متصلا به عرفا، وهذا هو المراد بقولهم يشترط التسمية عند الذبح. ويكفي أن يأتي بالتسمية في آخر الذبح قبل اتمامه ولا ينبغي تعمد ذلك. وإذا ترك التسمية عامدا لم يصح الذبح وحرمت الذبيحة، وكذلك إذا تركها جاهلا بالحكم، فتحرم الذبيحة. وإذا ترك التسمية ناسيا حتى أتم الذبح لم تحرم الذبيحة بذلك، والاحوط استحبابا أن يأتي بها إذا ذكرها بعد الذبح. [ المسألة 126: ] يجب أن يأتي بالتسمية بقصد التسمية للذبح وتذكية الذبيحة، فلا يكفي ان يأتي بها اتفاقا من غير قصد شئ أو يأتي بها بقصد أمر آخر غير التذكية كالبركة ونحوها، ولا يكفي ان يأتي بها عند مقدمات الذبح غير متصلة به عرفا، ولا يكفي أن يأتي بالتسمية غير الذابح وان كان هو مالك الذبيحة. [ المسألة 127: ] لا يشترط في التسمية أن يأتي بها في صيغة معينة أو أن تكون في ضمن البسملة، بل يكفى منها ما يصدق عليه انه ذكر اسم لله مقترنا بالتمجيد والتعظيم، فيقول مثلا: بسم الله أو يقول: الله أكبر أو يقول: لا اله الا الله، أو الحمد لله، أو سبحان الله.

[ 318 ]

ويشكل الحكم بكفاية أن يذكر لفظ الجلالة مجردا عن أي صفة أو تعظيم، كما سبق في المسألة التاسعة في التسمية عند التذكية بالصيد. ويشكل الاكتفاء بذكر بعض أسمائه الحسنى بدلا عن لفظ الجلالة، وان قرنه بما يدل على التعظيم، كما إذا قال: سبحان ربي العظيم، أو سبحان ربي الاعلى، نعم يكفي أن يضم أحد اسمائه الحسنى الى لفظ الجلالة بقصد التعظيم، فيقول: الله الرحمن الرحيم، أو يقول: الله العلي العظيم. [ المسألة 128: ] لا يكفي - على الاحوط - بل على الاقوى أن يذكر ما يرادف لفظ الجلالة في لغة أخرى غير العربية وان كان الذابح الذاكر من أهل تلك اللغة. [ المسألة 129: ] يشترط في صحة الذبح وفي حل الذبيحة أن تصدر من الحيوان بعد ان يتم ذبحه حركة تدل على الحياة وان كانت الحركة ضعيفة، كما ذكرنا في المسألة المائة والسادسة، كالطرف بالعين أو الحركة باليد أو بالرجل أو الاذن أو الذنب، ليعلم بذلك ان التذكية من أولها إلى نهايتها قد وقعت على حيوان حي، فانه من البين ان التذكية لا تتم الا بتمام الذبح، ومن البين ايضا أن التذكية لا تقع على حيوان ميت، ولذلك فلابد في تحقق التذكية من العلم بحياة الحيوان في جميع مدة التذكية، أو وجود الحركة الدالة على الحياة في جميع المدة، وقد تقدم في المسألة المشار إليها انه يكفي في الدلالة على ذلك خروج الدم المعتدل في كثرته وفي قوة دفعه من الحيوان بعد ان يتم ذبحه. [ المسألة 130: ] إذا علم بحياة الحيوان حتى تم ذبحه، أو وجدت الحركة الدالة على حياته إلى أن تم ذبحه كذلك وان كانت الحركة ضعيفة، حلت الذبيحة وان خرج الدم منها متثاقلا متقاطرا، وقد يكون هذا متعارفا في الحيوان الذي يعتريه بعض الامراض، فلا يضر ذلك بتذكيته.

[ 319 ]

[ المسألة 131: ] خروج الدم المعتدل في كثرته وفي قوة دفعه بعد ذبح الحيوان يلازم وجود الحياة في الحيوان الصحيح كما قلناه، ولذلك فالاحوط استحبابا اعتبار خروج الدم المذكور بعد الذبح في مثل هذا الحيوان وان وجدت الحركة الضعيفة الدالة على وجود الحياة فيه، فإذا ذبح الحيوان الصحيح ولم يخرج منه الدم بعد ذبحه، أو خرج منه متثاقلا متقاطرا، فالاحوط استحبابا اجتناب أكل لحمه إذا تحرك حركة ضعيفة ومما تقدم يعلم ان هذا الاحتياط لا يجري في الحيوان المريض، والامر سهل بعد ان كان الاحتياط المتقدم بيانه مستحبا غير لازم المراعاة. [ المسألة 132: ] إذا لم يخرج القدر المتعارف من دم الحيوان بعد ذبحه أوجب ذلك تنجس اللحم بملاقاة الدم المتخلف فيه، وقد بينا هذا في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة فليراجع ذلك من شاء. [ المسألة 133: ] المدار في صحة الذبح هو أن يقطع الذابح الاعضاء الاربعة على ما تقدم من التفصيل سواء كان القطع في أعلى الرقبة أم في وسطها أم في أسفلها، من غير ترجيح لاحدها على الآخر. [ المسألة 134: ] الاحوط لزوما أن لا يقطع الذابح رأس الذبيحة عامدا إلى ذلك قبل أن تموت، ولا منع فيه ولا ضرر إذا وقع ذلك منه غافلا أو سبقته السكين أو الجأته قوة حركة الحيوان مثلا، ولا تحرم الذبيحة إذا فعل ذلك وان كان عامدا في فعله. [ المسألة 135: ] الاحوط لزوما أن لا ينخع الذابح الحيوان عامدا، والانخاع هو أن يصيب نخاع الحيوان حين ذبحه، والنخاع هو خيط أبيض يمتد في وسط الفقار من الرقبة إلى أصل الذنب، ولا تحرم الذبيحة إذا أنخعها وان كان عامدا.

[ 320 ]

[ المسألة 136: ] الاحوط لزوما أن لا يسلخ جلد الذبيحة قبل أن تزهق روحها، ولا تحرم الذبيحة بذلك إذا هو فعله وان كان عامدا. [ المسألة 137: ] تختص الابل دون سائر البهائم والحيوانات والطيور بأن تذكيتها تكون بنحرها، وتختص البهائم والحيوانات الاخرى والطيور بأن تذكيتها دون الابل تكون بذبحها، فلا يصح ذبح الابل ولا يصح نحر غيرها من أنواع الحيوان والطيور فإذا ذبح الناقة أو البعير ومات في ذبحه حرم أكله وكان ميتة، وإذا نحر الحيوان من غير الابل ومات في نحره حرم أكله وكان ميتة كذلك. وإذا ذبح ناقة أو جملا وبقيت الحياة فيه بحيث يمكن نحره على الوجه الذي تقدم ذكره، نحره وحل أكله، وإذا نحر الحيوان من غير الابل ولم يمت بالنحر وأمكن له ذبحه على الوجه المطلوب، ذبحه وحل أكله بالذبح. [ المسألة 138: ] لا فرق في الحكم المتقدم في الابل بين عراب الابل وبخاتيها وذات السنام الواحد والسنامين وغيرها من أصناف الابل والطفل والكبير منها فتكون تذكيتها بالنحر. ولا فرق في الحيوانات الاخرى بين صغار الاجساد من الحيوان وكبارها كالجاموس والثور والاجناس الكبيرة من الحيوانات المعروفة وغير المعروفة فتكون تذكيتها بالذبح. [ المسألة 139: ] نحر الابل هو أن يدخل الناحر سكينا أو آلة حادة من الحديد في لبة البعير بحيث يتحقق دخولها بالفعل ويحصل بذلك موت المنحور بحسب العادة فلا يحصل النحر مثلا بادخال سكين صغيرة يحصل بها الجرح ولا يتحقق بها النحر في نظر أهل العرف أولا تكون سببا لموت المنحور بحسب العادة.

[ 321 ]

والنحر بحسب العادة يحتاج إلى الطعن أو الضرب بالآلة بشدة وقد يحتاج إلى الحز بالآلة والى مزيد من دفعها وتمكينها بقوة حتى يتم المقصود. واللبة هي الموضع المنخفض الذي يكون بين آخر العنق وأعلى الصدر. [ المسألة 140: ] يشترط في صحة النحر جميع ما تقدم اشتراطه في صحة الذبح من غير فارق بينهما في ذلك فيجب أن تجتمع في الناحر جميع الشرائط التي ذكرناها في الذابح، ويجب ان توجد في آلة النحر جميع الشروط التي اعتبرناها في آلة الذبح وتجري فيها أحكامها. وتجب التسمية عند النحر واستقبال القبلة في المنحور والعلم بحياته إلى ان يتم نحره، أو وجود ما يدل على الحياة من الحركة وان كانت ضعيفة حتى يتم النحر، أو خروج الدم المعتدل الدال على ذلك. وتفصيل القول في كل اولئك هو القول في ما تقدم في شرائط الذبح وأحكامه. [ المسألة 141: ] يجوز أن تنحر الابل وهي قائمة، ويجوز أن تنحر وهي باركة، ويجوز أن تنحر وهي مطروحة على أحد جنبيها ويجب في جميع الحالات المذكورة أن يوجه منحرها ومقاديم بدنها إلى القبلة. [ المسألة 142: ] إذا كان الحيوان مما يذبح أو مما ينحر وتعذر ذبحه أو نحره، كما إذا تردى في بئر أو في حفرة عميقة أو دخل في موضع ضيق، فلم يمكن اخراجه أو التسلط على موضع ذبحه أو نحره، وكالبهيمة الصائلة فلا يستطاع أخذها وايقاع التذكية عليها، وكالحيوان المستعصي فلا تمكن السيطرة عليه، وكالحيوان يقع في مكان يخشى موته فيه إذا أبقي حتى يذبح أو ينحر، وأمثال ذلك، جاز أن يجري عليه حكم الصيد بالآلة فيضرب أو يطعن بسيف أو رمح أو سكين أو خنجر أو غيرها من الاسلحة القاطعة أو الشائكة التي يحل بها الصيد وقد مر ذكرها في الفصل الثاني.

[ 322 ]

فإذا ضربه الصائد أو طعنه بالآلة أو رماه بالسهم أو البندقية بقصد التذكية، ومات الحيوان بذلك حل أكله وان لم يذبح ولم ينحر، بل وان لم تقع الضربة أو الطعنة في موضع الذبح أو النحر من جسد الحيوان ولا يجب الاستقبال بالحيوان. نعم تجب التسمية من الصائد عند الضرب أو الطعن أو الرمي بالآلة، ويجب أن توجد في الصائد الشرائط التي ذكرناها في الذابح أو الناحر. ولا يكتفى فيه بصيد الكلب المعلم إذا أرسله عليه بقصد التذكية فعقره أو قتله، فالاحوط لزوما اجتناب أكله، وقد تعرضنا لذلك في المسألة الثالثة والاربعين، وتعرضنا لحكم الاستقبال في المسألة المائة والعشرين. [ المسألة 143: ] إذا خرج الجنين من بطن أمه وهو حي لم يحل أكله الا بالتذكية، سواء كان مما يذبح أم مما ينحر، وسواء كانت أمه حينما خرج أو أخرج من بطنها حية أم ميتة أم مذكاة، فإذا أجريت عليه التذكية الشرعية حل لحمه وإذا مات ولم يذك حرم أكله وكان ميتة، وان كان عدم تذكيته لضيق الوقت وعدم اتساعه للتذكية، فلا يحل أكله حتى في هذه الصورة على الاقوى. [ المسألة 144: ] إذا خرج الجنين من بطن أمه وهو ميت وكانت أمه حينما خرج أو أخرج من بطنها حية أو كانت ميتة، فهو ميتة لا يحل أكله. وإذا خرج من بطن أمه وهو ميت، وكانت أمه حينما أخرج من بطنها مذكاة، حل أكله وكانت ذكاة أمه ذكاة له مع وجود الشرائط الآتي ذكرها. [ المسألة 145: ] لا يحل أكل الجنين الذي يخرج من بطن أمه ميتا حتى تتحقق فيه ثلاثة شروط. الاول: أن تكون أمه مذكاة تامة التذكية، بذبح أو نحر أو صيد. الثاني: أن يكون الجنين تام الخلقة، ومن تمام خلقته أن يكون قد

[ 323 ]

أشعر أو أوبر، ويراد بالوبر ما يعم الصوف إذا كان الجنين من الغنم وشبهها. الثالث: أن يكون موت الجنين قبل خروجه من بطن أمه وبعد وقوع التذكية عليها. فلا يحل أكل الجنين إذا كانت أمه غير مذكاة سواء كانت حية أم ميتة كما سبق، أم كانت غير تامة التذكية فانها تكون ميتة، ولا يحل أكل الجنين إذا لم يكن تام الخلقة أو لم يشعر أو يوبر أو ينبت عليه الصوف ولا تكون ذكاة أمه ذكاة له، ولا يحل أكله إذا كان موته بعد خروجه من بطن أمه ما لم يذك كما تقدم ذكر ذلك. [ المسألة 146: ] إذا كان الجنين ميتا في بطن أمه قبل ايقاع التذكية عليها فالظاهر حرمته وعدم شمول الذكاة له، وإذا كان موته بسبب ضربة وقعت على الام أو بسبب سقوطها في حفرة أو نطحة من حيوان قوي أو ترديها من شاهق مثلا فهو حرام قطعا. [ المسألة 147: ] إذا كان الجنين حيا في بطن أمه في حال ذبحها أو نحرها، وجب على المذكي ان يبادر إلى شق جوف الذبيحة على النحو المتعارف في شق بطون الذبائح، ليخرج الجنين من بطن أمه، فإذا بادر كذلك ومات الجنين قبل أن يخرجه من بطنها حل أكله، وإذا توانى في شق بطنها فتأخر أكثر مما يتعارف في ذلك ومات الجنين بسبب التأخير حرم أكله. [ المسألة 148: ] إذا علم بأن الجنين قد مات في بطن أمه بعد تذكيتها حل أكله ووقعت التذكية عليه ولم يجب على المذكي أن يبادر لا خراجه، وإذا علم بحياته في حال التذكية وشك في بقائها لزمته المبادرة كما في الفرض السابق، وإذا تأخر ولم يبادر ثم وجد الجنين ميتا لم يحل أكله. [ المسألة 149: ] تتحقق ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا ذكيت الام بصيد الكلب المعلم أو

[ 324 ]

بالصيد بالآلة إذا اجتمعت الشروط المعتبرة في صيد الام، وفي تذكية الجنين، فيحل أكله بصيد أمه وتثبت تذكيته. [ المسألة 150: ] تحصل ذكاة الجنين إذا ذكيت أمه وتوفرت الشروط الآنف ذكرها، وان كانت الام والجنين مما يحرم أكله، إذا كانت الام مما يقبل التذكية، فيحكم بطهارة لحم الجنين وجلده ويصح الانتفاع به في كل ما تشترط فيه الطهارة، ولا تصح الصلاة فيه لانه غير مأكول اللحم. [ الفصل السادس ] [ في ما يقبل التذكية ومالا يقبلها ] [ المسألة 151: ] لا ريب في أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان أو من الطير أو غيرهما فهو مما يقبل التذكية سواء كان بريا أم بحريا وأهليا أم متوحشا، والادلة على ذلك كثيرة موفورة، والادلة الدالة على اباحة أكله بذاتها دالة على صحة تذكيته لذلك، وعلى قبوله للتذكية إذا أجريت عليه، ولا شك في جميع ذلك وان اختلفت أنواعه في ذلك وفي كيفية التذكية التي تجري عليه وقد سبق تفصيلها. والحكم المذكور ثابت له في جميع أفراده وأنواعه وأجناسه وان حرم لحمه بالعارض، كما إذا كان جلالا أو موطوء انسان، وكالجدي والحمل والعجل الذي يرضع لبن خنزيرة حتى يقوى وينبت عليه لحمه ويشتد عظمه وسيأتي بيان ذلك وذكر بعض احكامه في كتاب الاطعمة والاشربة ان شاء الله تعالى. فإذا ذكي الحيوان المأكول اللحم حل أكل لحمه وصحت الصلاة بجلده واجزائه، وإذا كان محرم الاكل بالعارض لم يحل أكله ولم تصح الصلاة بجلده وباجزائه وفضلاته كما تقدم في مبحث لباس المصلي من كتاب الصلاة وعدم جواز أكله وعدم صحة الصلاة فيه انما هو لذلك العارض الذي أوجب الحرمة لا لعدم التذكية ولذلك فتترتب عليه أحكام التذكية غير ذلك، فهو طاهر اللحم والجلد، ويصح استعمالها في ما

[ 325 ]

تشترط فيه الطهارة فيلبس الجلد في غير الصلاة ويفترش ولا ينجس ما يلاقيه برطوبة ويستعمل ظرفا للمعائعات. [ المسألة 152: ] إذا شك في الحيوان غير المأكول اللحم، هل هو مما يقبل الزكاة أو هو مما لا يقبلها وكان مما ليست له نفس سائلة، كالسمك المحرم وبعض أنواع الحشرات، لم يجر فيه دليل التذكية. فان أكله محرم بحسب الفرض سواء وقعت عليه الذكاة أم لم تقع، وهو محكوم بالطهارة على كل حال سواء وقعت عليه الذكاة أم لم تقع لانه مما لا نفس له سائلة، فلا أثر للتذكية فيه حتى يشمله دليل التذكية لو كان موجودا. [ المسألة 153: ] الكلب والخنزير البريان غير قابلين للتذكية، وهما نجسان عينا، سواء كانا حيين أم ميتين، ولا ريب في ان أكلهما محرم ذاتا سواء كانا مذكيين أم غير مذكيين، فلا أثر للتذكية فيهما فلا يشملهما دليلها. [ المسألة 154: ] السؤال عن الانسان نفسه هل هو قابل للتذكية أو غير قابل لها، قد يعد في نظر العقلاء من الناس وفي عرف الاديان الانسانية من المستنكرات التي لا ينبغي أن تخطر في فكر أو تكون موضعا للتساؤل، وفي مقدمتها الاسلام، دين الله العظيم الذي كرم ابن آدم وحمله في البر والبحر والجو، وفي مجاهل البر وأعماق البحر وطباق الجو، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. فالانسان في نظر الاسلام ارفع شأنا من أن يكون محلا لهذا التساؤل وشبهه أو تشمله مثل هذه الادلة وبعض الفقهاء انما يعرضه في هذا المعرض لمجرد البحث العلمي ولتطبيق القاعدة في ما يقبل الذكاة، ومالا يقبلها من أنواع الكائن الحي، والا فانصراف الادلة عنه ليس مجالا للشك من أحد. وعلى اي حال فالانسان غير قابل للتذكية لارتفاع شأنه عنها لا لهبوط مقامه كما في بعض الكائنات الحية ولا أثر للتذكية، فهو محرم الاكل

[ 326 ]

على كل حال، والحي منه طاهر على كل حال إذا كان مسلما ونجس على كل حال إذا كان كافرا، والميت منه نجس على كل حال، وإذا غسل المسلم بعد موته طهر بالغسل لا بالتذكية، فلا أثر للتذكية فيه حتى يشمله دليلها لو فرض وجود الشك فيه. [ المسألة 155: ] إذا شك في حيوان محرم الاكل هل هو مما يقبل وقوع التذكية عليه أو هو مما لا يقبلها وكان الحيوان مما له نفس سائلة، فالظاهر ان الحيوان المشكوك فيه إذا كان من ذوات الجلود التي يعتد بها الناس وينتفعون بها في شؤونهم وأعمالهم فهو قابل لوقوع التذكية عليه، سواء كان من السباع وهي التي تفترس الحيوان، كالاسد والفهد والنمر والذئب وابن آوى من الوحوش، وكالعقاب والصقر والشاهين من الطير ام كان من المسوخ كالفيل والدب والقرد ونحوها ام كان من الحشرات وهي الدواب الصغيرة التي تسكن باطن الارض كالضب وابن عرس واليربوع والجرذ. فإذا كان الحيوان من ذوات الجلود المعتد بها أمكنت ذكاته، فإذا ذكي طهر جلده ولحمه وجاز استعماله في ما تشترط فيه الطهارة، فيجعل جلده ظرفا للمائعات أو فراشا أو فروا يلبس في غير الصلاة، والاحوط استحبابا أن لا يستعمل الا بعد الدبغ. [ المسألة 156: ] لا فرق بين الطير وغيره من الحيوان في الحكم المتقدم ذكره، فإذا كان الطير غير المأكول من ذوات الجلود التي ينتفع بها، فهو مما يقبل التذكية وتجري عليه أحكامها، فإذا ذكي طهر لحمه وجلده وجاز الانتفاع به. [ المسألة 157: ] والنتائج الحاصلة مما تقدم بيانه: أن كل حيوان يحل أكله فهو مما يقبل التذكية، من اي الاصناف أو الانواع أو الاجناس كان. وكل حيوان يحرم أكله من غير جنس العين ويكون ذا نفس سائلة وذا

[ 327 ]

جلد معتد به في نظر الناس فهو مما يقبل التذكية، فإذا ذكي جرت عليه أحكامها. وكل حيوان يكون نجس العين فهو مما يقبل التذكية، وكل حيوان يحرم أكله ولم يك ذا نفس سائلة فهو مما لا تشمله أدلة التذكية لعدم الفائدة من تذكيته، وكل حيوان يحرم أكله ويكون ذا نفس سائلة من غير ذوات الجلود المعتد بها فهو مما لا تشمله أدلة التذكية. [ المسألة 158: ] ما يقبل التذكية من الحيوان الذي يحرم أكله، تكون تذكيته بذبحه ويجري فيها وفي شرائطها جميع ما ذكرناه في ذبح الحيوان المحلل الاكل من غير فارق بينهما. وإذا كان الحيوان المحرم وحشيا ممتنعا بالاصالة، فتذكيته بصيده بالآلة التي يحل بها الصيد على النحو الذي تقدم ذكره في صيد المحلل من الوحوش، وإذا أخذ حيا كانت تذكيته بالذبح، ويشكل الحكم بصحة تذكيتها بصيد الكلب المعلم، والاحوط لزوم اجتنابه. [ المسألة 159: ] إذا وجد الانسان بيد رجل مسلم جلودا أو لحوما أو شحوما ولم يعلم بأنها قد ذكيت ام لا، ووجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيها تصرفا يدل على التذكية حكم بتذكيتها ومثال ذلك ان يرى المسلم قد عرض اللحوم والجلود للبيع أو يجده يأكل منها أو يلبس أو يصلي فيها أو يفترشها أو يراه يطعم أهله منها أو يطعم الآخرين أو يهديها إليهم، فيحكم عليها بالذكاة ويجوز له الاخذ والاستعمال، وكذلك إذا أخبره المسلم صاحب اليد بتذكيتها أو سمعه يخبر غيره بتذكيتها، فيصدق قوله، ويجوز له الشراء منها والبيع لها والاستعمال لها في ما يتوقف على التذكية من لبس وافتراش وملاقاة برطوبة وصلاة فيها. وإذا رآها بيد المسلم ولم يجده يتصرف فيها تصرفا يدل على التذكية لم يحكم عليها بالتذكية، ومثال ذلك أن يجد عنده لحما ولا يدري انه أخذه للاكل واطعام أهله أو لاطعام بعض الحيوان عنده وسباع الطير، أو يجد بيده جلدا ولا يدري أنه يريد جعله ظرفا للماء أو السمن ام

[ 328 ]

يريده وعاءا لبعض النجاسات أو فراشا لها، فلا يحكم بتذكيتها ولا يحل له الشراء منها والاستعمال لها في ما يحتاج إلى التذكية أو يتوقف على الطهارة. [ المسألة 160: ] إذا رأى الانسان جلودا أو لحوما أو شحوما في سوق المسلمين ولم يدر بأنها من حيوان مذكى أو غير مذكى، جرى فيه التفصيل الذي ذكرناه في يد المسلم، فإذا كان وجود هذه الجلود واللحوم في السوق مقرونا بتصرف يدل على التذكية فوجدها تباع أو تعرض للبيع فيه لغايات تتوقف على التذكية والطهارة فتباع لاكل اللحوم ولبس الجلود مثلا وشبه ذلك حكم عليها بالتذكية وصح له ترتيب الآثار عليها وإذا لم يقترن وجودها في سوق المسلمين بمثل هذا التصرف لم يحكم عليها بالتذكية ولم يصح له أن يرتب آثارها، فلعل البيع أو العرض للبيع في السوق، لغايات لا تتوقف على التذكية، فتباع اللحوم طعاما للحيوان أو السباع، وتباع الجلود لامور لا تتوقف على الطهارة كما تقدم في يد المسلم، ولهذا الاحتمال فلا يحكم بتذكيتها. وكذلك الامر في ما يجده منها مطروحا في أرض المسلمين، فلا يدل ذلك على تذكيتها الا إذا وجد معها أثر استعمال المسلمين المناسب للطهارة والذكاة، كما إذا رأى اللحم مطبوخا لاكل المسلمين منه أو وجد الجلد مخيطا أو مدبوغا ليستعملوه في ما يناسب التذكية من لبسه والصلاة فيه، فيحكم عليه بالتذكية، وإذا لم يجد مثل هذا الاثر لم يحكم بالتذكية. فلا يكتفى في يد المسلم أو سوق المسلمين أو أرض المسلمين بما يكون امارة على مطلق اليد، ولابد من أن يقترن معها تصرف أو أثر يدل على الذكاة. [ المسألة 161: ] إذا وجد الانسان اللحوم أو الجلود المشكوكة في يد مسلم ووجد المسلم صاحب اليد يتصرف فيها بما يدل على تذكيتها حكم عليها بالتذكية ورتب آثارها كما قلنا في المسألة المائة والتاسعة والخمسين من غير فرق بين ان يكون المسلم صاحب اليد موافقا في المذهب أو مخالفا، وسواء

[ 329 ]

كان ممن يقول بطهارة جلد الميتة إذا دبغ أم لا، أو كان ممن يخالف في اعتبار بعض الشروط في التذكية، كالتسمية عند الذبح والاستقبال بالذبيحة واسلام الذابح، فيصح للانسان أن يعتمد على تصرفه الدال على التذكية فيحكم بها ويرتب آثارها، وليس عليه أن يسأل أو يفحص، نعم يجب عليه أن يجتنب، إذا علم ان الجلود أو اللحوم مما لم تتم فيه التذكية على الوجه الصحيح أو اعترف صاحب اليد بذلك، فلا يكون تصرفه المتقدم دالا على التذكية الصحيحة، ولا يقبل اخباره بها فهو انما يخبر عن تذكيتها وفق معتقده. [ المسألة 162: ] لا يعتبر تصرف صاحب اليد ولا اخباره بالتذكية إذا كان ناصبا أو خارجيا أو غاليا على ما تقدم توضيح المراد منهم فلا تثبت التذكية اعتمادا على تصرفهم أو على قولهم. [ المسألة 163: ] إذا وجد اللحوم أو الجلود المشكوكة في سوق المسلمين، ووجد معها التصرف الذي يدل على التذكية كما اشترطنا في المسألة المائة والستين حكم عليها بأنها مذكاة، وان كانت بيد شخص يجهل أمره أهو من المسلمين أو من غيرهم [ المسألة 164: ] لا يترك الاحتياط بالاجتناب عنها إذا وجدها بيد شخص يجهل حاله وكانت السوق التي هي فيه لغير المسلمين، وان غلب المسلمون على البلاد. [ المسألة 165: ] ما يوجد بيد الكافر محكوم بعدم تذكيته فهو ميتة يجب اجتنابها وينجس ملاقيها برطوبة سواء كان في بلاد الكفار أم في بلاد المسلمين، وتلاحظ المسألة المائة والتاسعة والستون الآتية. وكذلك الحكم في ما يوجد بيد من يجهل حاله أهو مسلم أم كافر، وكان في بلاد الكفار فهو محكوم بعدم التذكية وبالنجاسة، ومثله الحكم في ما يوجد مطروحا في بلاد الكفار وأرضهم فيجب الاجتناب عنه.

[ 330 ]

[ المسألة 166: ] المرجع في كون البلد بلد مسلمين أو بلد كفار إلى العرف، وحكمهم في ذلك يدور مدار الغلبة من الساكنين والمتوطنين في البلد، فإذا كان الغالب من المسلمين، فالبلد بلد مسلمين، وان كانوا تحت سيطرة كافرة، وإذا كانت الغلبة للكفار فالبلد بلد كفار وان كانوا في نفوذ حكومة مسلمة، وإذا تساوى السكان في المقدار جرى عليه حكم بلد الكفار. [ المسألة 167: ] ما يوجد في يد الكافر من جلود ولحوم وشحوم إذا كان قد أخذه من مسلم سابق عليه باليد، وكانت يد المسلم السابقة مقرونة بتصرف يدل على انها مذكاة كما تقدم اشتراطه في المسألة المائة والتاسعة والخمسين فهو محكوم بأنه من المذكى، فيحل شراؤه وبيعه وترتيب آثار الذكاة عليه. [ المسألة 168: ] إذا علم بأن المسلم قد أخذ ما عنده من الجلود أو اللحوم والشحوم من كافر سابق عليه باليد من غير تحقيق في الامر ولا تثبت حكم عليها بعدم التذكية ولم يجز ترتيب آثارها وتلاحظ المسألة الآتية. [ المسألة 169: ] ما يكون عند الكافر من جلود ولحوم إذا لم يعلم المسلم بأنه يشتمل على المذكى منها وغير المذكى، حكم عليه بعدم الذكاة ولم يجز له شراؤه وبيعه، كما تقدم في المسألة المائة والخامسة والستين، وإذا علم اجمالا بأن ما في يد الكافر يشتمل على ما هو مذكى وعلى ما هو غير مذكى، سقطت اصالة عدم التذكية بالعلم الاجمالي المذكور وبنى على اصالة الطهارة واصالة الاباحة في اللحوم والجلود الموجودة، فيصح له شراؤها وترتيب آثار الطهارة والاباحة عليها. وهذا إذا كان العلم الاجمالي المذكور لا ينحل بسبب عدم الابتلاء ببعض أطرافه، لكثرة المذكى المعلوم وجوده في الاطراف.

[ 331 ]

[ المسألة 170: ] إذا وجد الرجل لحوما أو جلودا بيد شخص مسلم وكان الرجل مع المسلم صاحب اليد مختلفين في شرائط التذكية أو كيفيتها بحسب اجتهادهما أو تقليدهما، فكان الرجل يوجب قطع الاعضاء الاربعة في حصول التذكية، وكان صاحب اليد يكتفي بقطع الحلقوم، جاز له ان يأخذ الجلود أو اللحوم منه إذا اطمأن بأن صاحب اليد قد راعى في تذكية الحيوان جميع الشرائط. وإذا شك في ذلك أو ظن بأنه راعى جميع الشرائط ولم يطمئن به فالاحوط له لزوم الاجتناب ان لم يكن ذلك هو الاقوى. [ المسألة 171: ] يجوز شرب دهن السمك المستحضر إذا علم انه قد أخذ من سمكة مذكاة وكانت ذات فلس، ولا يحل شربه إذا أخذ من غير المذكى أو من سمكة ليست ذات فلس، وإذا كان مشكوكا فلابد في اباحته من احراز كلتا الناحيتين، فإذا كان من صنع عامل مسلم وتحضيره حل شربه من كلتا الناحيتين والا أشكل الامر وجرت فيه التفاصيل السابقة التي ذكرناها في اللحوم والشحوم الموجودة بيد الكافر. [ المسألة 172: ] ذكر الفقهاء قدس الله أرواحهم انه يستحب للذابح عند ذبح الغنم أن يربط يدي الذبيحة مع احدى رجليها ويطلق الرجل الثانية، ولم أجد لهذا مستندا سوى فتوى الاصحاب به ولذلك فلابد وان يكون الاتيان به برجاء المطلوبية. ويستحب له ان يمسك صوف الذبيحة أو شعرها بيده حتى تبرد، ولا يمسك بيديها أو رجليها. ويستحب عند ذبح البقر أن يعقل يدي الذبيحة ورجليها ويطلق ذنبها. ويستحب عند نحر الابل أن ينحرها قائمة وان يعقل يدها اليسرى، وإذا نحرها باركة استحب له ان يشد خفي يديها إلى ابطيها ويطلق رجليها.

[ 332 ]

ويستحب في ذبح الطير أن يرسله بعد ذبحه. ويستحب له أن يعرض على الحيوان الماء قبل ذبحه أو نحره، وان يساق إلى الذبح أو النحر برفق ويضجعه للذبح برفق. ويستحب أن يكون الذابح أو الناحر مستقبلا للقبلة عند الذبح والنحر، بل الاحوط استحبابا ان لا يترك ذلك. ويستحب له أن يحد الشفرة وأن يواريها عن البهيمة لئلا تراها، وأن يريح البهيمة في الذبح جهده، فيسرع في قطع أوداجها ويمر السكين بقوة، ويجد في العمل حتى ينجزه بسرعة، وأن يدع الحيوان في موضعه حتى يفارق الحياة فلا ينقله إلى مكان آخر. [ المسألة 173: ] ذكر بعض الاصحاب رضوان الله عليهم انه يكره للذابح أن يبين رأس الذبيحة عامدا قبل أن تفارق الحياة وقد ذكرنا في ما تقدم ان الاحوط لزوما ترك ذلك ولا تحرم الذبيحة به إذا فعله. وذكروا (قدس سرهم): انه يكره له أن ينخع الذبيحة فيصيب بالسكين نخاعها عامدا، وقد تقدم ان الاحوط لزوم تركه ولا تحرم الذبيحة بفعله. وذكروا انه يكره له ان يسلخ الذبيحة قبل أن تفارق الحياة، وقد سبق ان الاحوط لزوم تركه كذلك ولا تحرم الذبيحة به. ويكره له ان يقلب السكين فيدخلها تحت اعضاء التذكية ويقطعها إلى فوق. ويكره له ان يذبح الشاة عند الشاة أو ينحر الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه. ويكره الذبح في الليل حتى يطلع الفجر، ويكره الذبح في يوم الجمعة إلى الزوال. ويكره للانسان أن يذبح بيده ما رباه من الانعام، ولا كراهة إذا ذبحه له غيره، أو باعه واشترى بثمنه حيوانا مثله فذبحه بيده.

[ 333 ]

[ كتاب الاطعمة والاشربة ]

[ 335 ]

[ كتاب الاطعمة والاشربة ] [ المسألة الاولى: ] المبحوث عنه في هذا الكتاب هو ما يحل أكله للانسان من الحيوان وغيره من جامدات الاشياء والمجففات ومالا يحل أكله منها، وما يجوز شربه من المائعات والمعتصرات والمستحضرات ومالا يجوز شربه، ولذلك فالبحث فيه يقع في عدة فصول. [ الفصل الاول ] [ في ما يحل أكله من الحيوان ومالا يحل ] [ المسألة الثانية: ] لا يحل للانسان أكل ما عدا السمك والطير من حيوان البحر، من غير فرق بين ما أشبه المأكول من حيوان البر وما لم يشبهه، كبقر البحر وفرس البحر، وكلب الماء وخنزيره، وجميع أجناس الحيوان منه وأنواعه، ما عرف اسمه منها وما جهل، وما أمكن أن يعيش خارج الماء منه كالتمساح والسلحفاة والضفدع والسرطان، وما لم يمكن. [ المسألة الثالثة: ] يحل للانسان أكل السمك إذا كان له فلس وقشور، وهذه هي العلامة المميزة بين ما يحل أكله من السمك وما يحرم، من غير فرق بين كبير السمك وصغيره كالشبوط والقطان والبز والبني والهامور والداقوق، والكنعت، والسبيطي والزبيدي والصافي والحمام والجنم، وما عرف اسمه وما جهل، فجميع ذلك مما يحل أكله لوجود الفلس فيه، وقد ذكر في بعض النصوص الطمر والطبراني والابلامي والربيثا، وهي انواع منه لعلها تعرف بغير هذه الاسماء في الازمان الحاضرة، وعلى أي حال فالمدار في الحل على وجود العلامة الآنف ذكرها.

[ 336 ]

[ المسألة الرابعة: ] من الحوت ما يكون سئ الخلق - على ما في بعض النصوص - كالكنعت، فيحتك بكل شئ يجده حتى يسقط عنه قشره وفلسه، ولكنه محلل الاكل لوجود العلامة فيه فيوجد الفلس والقشر في أصل اذنه مثلا وفي المواضع التي لا يمكنه أن يحكه من جسده، وقد ذكر بعض من يوثق بهم ما يقرب من ذلك عن الصافي والمزلق، والمزلق نوع من السمك إذا اضطره الصائد غاص في الطين وانزلق فيه واستعان على ذلك بنعومة جلده وصغر الفلوس والقشور عليه، وقد أكد بعض الخبراء وجود الفلس فيه. [ المسألة الخامسة: ] الاربيان ويسميه العامة الروبيان نوع من السمك الصغار المعروف وله قشر واضح يكسو لحمه فهو مما يحل أكله. [ المسألة السادسة: ] يحرم على الانسان أكل الجري والزمير والمارماهي وسائر الانواع التي لا فلس فيها ولا قشر من السمك واصناف الحوت من غير فرق بين الصغير منها والكبير ومنه الكوسج المفترس وانواع سمك القرش الكبيرة والصغيرة. [ المسألة السابعة: ] بيض السمك تابع له في الحكم، فالسمك الذي يحل أكل لحمه يحل أكل بيضه، والسمك الذي يحرم أكله يحرم أكل بيضه. وإذا اشتبه في بيض السمك فلم يعلم أنه من المحلل أو من المحرم فالاظهر حرمته ولزوم اجتنابه سواء كان خشنا أم أملس. [ المسألة الثامنة: ] يحرم أكل السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء ثم يطفو على وجهه، ويحرم كل سمك يموت في الماء وان كان في شبكة أو حظيرة أو آلة أخرى للصيد، بل وان مات في حوض أو اناء فيه ماء وقد مر ذكر هذا في

[ 337 ]

المسألة الحادية والثمانين من كتاب الصيد، ويحرم أكل السمك إذا مات ولم تدرك ذكاته. [ المسألة التاسعة: ] يحرم أكل السمك الجلال وأكل بيضه على الاحوط وهو الذي يتغذى بعذرة الانسان وحدها حتى يصدق عليه اسم الجلال، وسيأتي بيان هذا عند التعرض لحكم الحيوان الجلال، ويزول الجلل عن السمك شرعا إذا منع من أكل العذرة وأطعم طعاما طاهرا مدة يوم وليلة، فإذا زال الجلل منه حل أكله وإذا لم يزل اسم الجلل عنه في المدة المذكورة استبرئ حتى يزول عنه اسم الجلل. [ المسألة العاشرة: ] إذا اصطاد الرجل سمكة، فوجد في جوفها سمكة أخرى ذات فلس، حل له أكل السمكة الكبيرة إذا كانت مباحة ذات فلس، وحل له أكل السمكة التي وجدها في الجوف إذا كانت حية حال أخذ السمكة الكبيرة، واما إذا جهل حياتها وموتها حال أخذ الكبيرة أو علم بموتها، ففي حلها اشكال ولا يترك الاحتياط باجتنابها. [ المسألة 11: ] لا فرق بين طير البحر وطير البر في الحكم، فما يكون أكله حلالا من طير البر يكون أكل مثله حلالا من طير البحر، والعلامات التي جعلها الشارع مميزة للمحلل من طير البرهي بذاتها علامات للحل في طير البحر، وسيأتي ذكر كل اولئك في مواضعها ان شاء الله تعالى. [ المسألة 12: ] يحل للانسان أكل لحوم الانعام الثلاثة من حيوانات البر الانسية: الابل، والبقر والغنم، من غير فرق بين أصناف كل جنس منها، ما ذكرناه في كتاب الذباحة منها أو في كتاب الزكاة وما أشرنا إليه ولم نذكره. ويحل له أكل لحم الخيل، والبغال والحمير، بجميع أصنافها، على

[ 338 ]

كراهة تختلف ما بينها في الشدة والضعف، فالخيل أخفها كراهة، وهي في البغال والحمير على قولين. ويحرم عليه أكل السنور، ويحرم عليه أكل الارنب وهو من المسوخ على ما ورد في بعض الادلة، وهو من الحيوانات المتوحشة التي قد تستأهل، وسيأتي ذكره في المحرم من الحيوانات المتوحشة، واما الكلب فهو نجس العين، فضلا عن كونه مما يحرم أكله، وكذلك الحكم في الخنزير البري، وهو من الحيوانات المتوحشة التي قد تستأنس. [ المسألة 13: ] يحل للانسان ان يأكل لحوم الظباء من الحيوانات الوحشية، ويحل له أكل لحوم البقر الوحشية والوعول والايائل واليحامير والغنم الوحشية والحمر الوحشية، وربما يطلق بعض هذه على بعض، وربما اختلفت في الكبر والصغر من الجنس الواحد، أو في الذكورة والانوثة، كما تختلف المهاة عن مطلق بقر الوحش وكما يختلف الرشا والشادن عن مطلق الظبي، ولعل الحل لا ينحصر بالمذكورات. [ المسألة 14: ] يحرم على الانسان من الحيوان الوحشي أكل كل ذي ظفر وناب يفترس فيه، كالاسد، والفهد والنمر والذئب وسائر السباع التي تفترس الحيوان كالضبع وابن آوى والثعلب، ويحرم عليه أكل الفيل ووحيد القرن والزرافة، والدب، وأصناف القردة والارانب. ويحرم أكل الحشرات كالضب وابن عرس واليربوع والقنفذ، والحيات والجرذان، والصراصر والخنافس وسائر الحشرات، الصغير منها والكبير مما يعسر عده، بل ومما يقبح ذكره. [ المسألة 15: ] يحل للانسان من الطير أكل الحمام بجميع أصنافه، كالرواعب مسرولة وغير مسرولة والقماري والدباسي والورشان واليمامة، ويكره الفواخت منها، ويحل أكل القطا، والحبارى والكركي والكروان، والحذاف، والبط، والقبج والدراج، والحجل، والطيهوج وهو طائر

[ 339 ]

يشبه الحجل كما قيل، ويفترق عنه في بعض الاوصاف، ويحل أكل العصفور بجميع أنواعه. [ المسألة 16: ] يحل له أكل الدجاج بجميع أصنافه كالدجاج الاهلي والدجاج الحبشي وقد يسمى الغرغرة أو الدجاج الرومي، ويحل أكل الاوز والبط غير الطائر، ويحل أكل لحم النعام على الاقوى. [ المسألة 17: ] يجوز للانسان - على كراهة - أكل لحم الصرد، وهو على ما يقول بعض اللغويين: طائر أخضر الظهر أبيض البطن ضخم الرأس يصطاد صغار الطير، ويكره أكل الصوام، والشقراق، وهو طائر أخضر مليح له صوت يشبه الزغردة ولذلك فالعامة من أهل نواحي البصرة يسمونه بالمهلهل، ويكره أكل القنبرة، وهو طائر كالعصفور له في رأسه قنزعة، ويكره أكل الهدهد والخطاف، ولعله أشدها كراهة بل الاحوط استحبابا اجتنابه. [ المسألة 18: ] يحرم أكل الخفاش، والطاووس، ويحرم أكل كل ذي مخلب، سواء كان من الجوارح المفترسة كالعقاب والرخم والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة ام من غيرها كالنسر والبغاث والبومة، ويحرم أكل الببغاء، ولحوم الغربان من غير فرق بين الكبير منها والمتوسط والصغير، حتى الزاغ والغداف على اشكال في بعض الانواع منها، والاحوط لزوما اجتنابها جميعا. [ المسألة 19: ] يحرم أكل الذباب والنحل ومطلق الزنابير، والجعلان والبق وجميع الحشرات الطائرة وقد تقدم الحكم بالتحريم في الحشرات غير الطائرة مما يدب أو يثب. [ المسألة 20: ] قد ذكرت للتمييز ما بين المحلل من الطير والمحرم منه في الشرع

[ 340 ]

علامتان يرجع اليهما إذا شك في حل الطير وحرمته، ولم يرد فيه نص خاص أو عام، كما ورد في الموارد الآنف ذكرها. العلامة الاولى: الصفيف والدفيف في طيران الطير، والصفيف هو أن يبسط الطير جناحيه في حال طيرانه، والدفيف هو ان يحركهما في حال طيرانه، فكأنه مأخوذ من الضرب بجناحيه على دفتيه. فكل طير يصف جناحيه في طيرانه أو يكون صفيفه اكثر، فهو محرم الاكل، ومثال ذلك: جوارح الطير وكواسرها، فانها تبسط أجنحتها في الطيران أو يكون بسطها أكثر، وكل طير يحرك جناحيه عند طيرانه أو يكون تحريكها والدفيف بها أكثر، فهو محلل الاكل، ومثال ذلك: الحمام والقطا والعصفور، فهي تدف بأجنحتها، الا في حالات خاصة. العلامة الثانية: أن تكون في الطير احد أمور ثلاثة: الحوصلة، وهي في الطائر - كما يقول بعض اللغويين - بمنزلة المعدة للانسان، والقانصة، وهي قطعة صلبة تكون في جوف الطائر تجتمع فيها الحصى الدقيقة التي يأكلها، والصيصية، وهي شوكة أو اصبع يكون في موضع العقب من رجل الطائر. فكل طير يكون فيه بعض هذه الاشياء الثلاثة أو جميعها، فهو محلل الاكل كالدجاجة فانها توجد فيها جميعا، وكل طير لا يكون فيه شئ منها فهو محرم الاكل. [ المسألة 21: ] إذا اتفقت العلامتان الآنف ذكرهما في الدلالة على الحكم، فكان الطير مما يصف في طيرانه أو مما يكون صفيفه أكثر، ولم توجد فيه حوصلة ولا قانصة ولا صيصية، فلا اشكال في حرمة أكله، وكذلك إذا كان الطير مما يدف في طيرانه، أو مما يكون دفيفه أكثر، ووجد فيه مع ذلك بعض الاشياء المذكورة، أو وجد فيه جميعها، فلا ريب في انه مما يحل. [ المسألة 22: ] إذا اختلفت العلامتان في الدلالة على حل الطائر أو تحريمه، عول

[ 341 ]

في الحكم على العلامة التي ذكرناها أولا، فإذا كان الطير مما يصف في طيرانه، أو كان صفيفه اكثر من دفيفه، وكانت مع ذلك له حوصلة أو قانصة أو صيصية، حكم بحرمته. وإذا كان مما يدف في طيرانه أو كان دفيفه أكثر من صفيفه، وكان فاقدا للامور الثلاثة كلها فالظاهر حل أكله. [ المسألة 23: ] إذا كان الطير مما يتساوى صفيفه ودفيفه، رجع في تبين حكمه إلى العلامة الثانية، فإذا وجدت له قانصة أو حوصلة أو صيصية حكم بحل أكله، وإذا لم يوجد فيه شئ منها حكم بحرمته. [ المسألة 24: ] إذا وجد الانسان طيرا يصف في طيرانه تارة ويدف تارة، ولم يعرف ايهما اكثر رجع في حكمه إلى العلامة الثانية كما في الفرض المتقدم، فإذا وجد فيه شئ من الامور الثلاثة أو وجد فيه جميعها، حكم بحله، وإذا فقدها جميعا حكم بحرمته. وكذلك الحكم إذا رأى طيرا مذبوحا لا يعرف حاله في الطيران، فيرجع في أمره إلى العلامة الثانية. [ المسألة 25: ] لا فرق في ترتب الاحكام المذكورة مع العلامات واختلاف الفروض بين طير البحر وطير البر كما أشرنا إليه في ما تقدم، وإذا وجدت علامة الحل في طير البحر حكم بحل أكله وان كان الطير مما يأكل السمك، فلا يكون ذلك موجبا لتحريمه، كما لا تحرم السمكة التي تأكل السمك إذا كانت ذات فلس. [ المسألة 26: ] بيض الطير يتبع الطير نفسه في الحكم، فالطير الذي يحل أكله للنص على تحليله بالخصوص أو بالعموم يحل أكل بيضه، والطير الذي يحرم أكله كذلك، يحرم أكل بيضه، ولا يحتاج معه إلى وجود علامة الحل أو الحرمة في البيض نفسه.

[ 342 ]

وإذا وجد الانسان بيضا، وشك في انه مما يحل أو مما يحرم، فالعلامة المائزة فيه هي اختلاف طرفي البيضة وتساويهما، فإذا اختلف طرفا البيضة وتميز رأسها عن طرفها الآخر كبيضة الدجاجة وبيضة البطة وبيضة الاوزة فهي مما يحل أكله، وإذا اتفق طرفاها وتساويا فهي مما يحرم أكله. [ المسألة 27: ] تقدم في المسألة الرابعة عشرة ان النعامة مما يحل أكله، فهي مما يحل أكل بيضه. [ المسألة 28: ] اللقلق من الطيور التي لم ينص الشارع على حله أو على حرمته بالخصوص أو بالعموم، فالمرجع في حكمه إلى العلامات التي تقدم ذكرها، وقد اختلف الناقلون عن حاله في الطيران من الصفيف والدفيف أيهما أكثر، ولعله مضطرب الحالات في ذلك فيكثر صفيفه في بعض الاوقات ويكثر دفيفه في أوقات أخرى، وإذا تساوى حاله في الطيران، أو شك ولم يعرف أمره، فالمرجع في حكمه الى وجود الحوصلة فيه أو القانصة أو الصيصية، أو فقدها جميعا، وهي العلامة الثانية، ونقل عن بعض الاعاظم حكمه بحرمة أكله لان صفيفه اكثر، والاحوط اجتناب أكله. [ المسألة 29: ] قد تعرض الحرمة على الحيوان المحلل أكله لطروء بعض الاسباب الآتي ذكرها، فيكون الحيوان محرما بالعارض، والاسباب التي توجب له الحرمة بالعارض هي: الجلل، ووطء الانسان له، وتغذي بعض أطفال الحيوان بلبن الخنزيرة حتى يقوى عليه وينمو ويشتد عليه عظمه ولحمه، فيكون الجلل سببا لتحريم الحيوان الجلال، ويكون وطء الانسان سببا لتحريم الحيوان الموطوء، ويكون تغذي الحيوان الطفل بلبن الخنزيرة سببا لتحريم الطفل المتغذي وتحريم نسله. [ المسألة 30: ] الجلل هو أن يغتذي الحيوان بعذرة الانسان حتى يصدق عرفا انها

[ 343 ]

غذاؤه، ولذلك فلابد في صدق الجلل من أن ينحصر غذاء الحيوان بعذرة الانسان وحدها، فإذا خلط الحيوان في أكله بينها وبين غيرها، بحيث لم يصدق انها غذاؤه لم يتحقق الجلل الذي تترتب عليه الاحكام الآتية الا ان يكون أكله من غيرها يسيرا نادرا لا ينافي حكم العرف بأن غذاءه هي العذرة خاصة، فيصدق الجلل وتترتب أحكامه، ولا يتقدر ذلك بمدة معينة، بل المدار ان يأكل منها حتى يتحقق الموضوع المذكور في مقاييس أهل العرف. [ المسألة 31: ] لا تلحق بعذرة الانسان عذرة غيره من الحيوان في تحقق الجلل وترتب أحكامه الخاصة إذا تغذى الحيوان بها وان كانت نجسة أيضا، ولا يلحق بها سائر النجاسات والمتنجسات. [ المسألة 32: ] إذا تحققت صفة الجلل في الحيوان حرم أكل لحمه، وحرم شرب لبنه، وحرم - على الاحوط لزوما - أكل بيضه إذا كان مما يبيض، وترتبت عليه جميع أحكام المحرم بالاصل، على الاحوط فلا تجوز الصلاة في جلده ولا في أجزائه الاخرى إذا ذكي، ولا تصح الصلاة في فضلاته الطاهرة، وقد تقدم في المسألة المائة والتاسعة والعشرين من كتاب الطهارة: الحكم بنجاسة بوله وروثه ونجاسة عرقه إذا كان من الابل، بل الاحوط الحكم بنجاسة العرق من كل حيوان جلال، ولا ترتفع هذه الاحكام جميعا حتى يستبرأ الحيوان ويرتفع عنه اسم الجلل عرفا. [ المسألة 33: ] إذا تحققت صفة الجلل في الحيوان حرم أكله وتحققت أحكام الجلل الممكنة فيه من غير فرق بين الحيوان الصغير والكبير والطير والسمك، وقد ذكرنا حكم السمك الجلال في المسألة التاسعة. [ المسألة 34: ] لا يمنع الجلل من أن يذكى الحيوان الجلال كما يذكى غيره من الحيوان القابل للتذكية، فإذا ذبح أو نحر مثلا على الوجه المطلوب طهر

[ 344 ]

لحمه وجلده كما يطهر الحيوان المحرم بالاصل إذا ذكي وكان قابلا للتذكية وان لم يجز أكل لحمه ولا الصلاة في أجزائه كما قلنا. [ المسألة 35: ] يصح للانسان أن يشتري الحيوان الجلال أو يتملكه بصيد ونحوه، ثم يستبرئه بعد أن يتملكه فإذا زال عنه اسم الجلل بعد الاستبراء حل له أكله، فيصطاد الطير الجلال أو السمك الجلال، فإذا ملكه واستبرأه كذلك حل أكله وأكل ما يتجدد من بيضه بعد ذلك ولا يحل أكل ما باضه قبل أن يتم الاستبراء. [ المسألة 36: ] ترتفع أحكام الجلل الآنف ذكرها عن الحيوان الجلال بالاستبراء، وهو منع الحيوان عن أكل العذرة وتغذيته بغيرها مدة يأتي بيانها. ولا يترك الاحتياط لزوما فيه، فإذا منع الحيوان من التغذي بالعذرة وزال عنه اسم الجلل في نظر أهل العرف قبل أن تنتهي المدة المنصوصة للحيوان فلابد من الاستمرار على الاستبراء حتى تنتهي المدة المعينة له، وإذا منع من التغذي بالعذرة حتى مضت المدة ولم يزل اسم الجلل عنه في نظر أهل العرف، لم تنتف عنه أحكام الجلل حتى يستمر في الاستبراء إلى ان يزول الاسم. [ المسألة 37: ] المدة المعينة في النصوص لاستبراء الحيوان الجلال، هي أربعون يوما في الابل، وثلاثون يوما على الاحوط في البقر، وعشرة أيام في الشاة، وخمسة ايام أو سبعة في البطة وثلاثة ايام في الدجاجة ويوم وليلة في السمك. وقد ذكرنا أن المقصود أن يستبرأ الحيوان المدة المذكورة إذا زال اسم الجلال عنه معها أو زال عنه قبلها، فإذا لم يزل اسم الجلل عنه في المدة فلابد من الاستمرار على الاستبراء بعدها حتى يزول الاسم. [ المسألة 38: ] تجب مراعاة المدة المذكورة في الحيوان الذي نص عليه على الوجه

[ 345 ]

الذي بيناه من غير فرق بين الكبير من الحيوان والصغير. [ المسألة 39: ] إذا كان الحيوان الجلال مما لم تقدر له مدة في استبرائه، وجب أن يستبرأ حتى يزول عنه اسم الجلل ويصدق عليه في نظر أهل العرف ان غذاءه غير العذرة. [ المسألة 40: ] استبراء الحيوان الجلال أن يمنع من أكل العذرة بحبس أو ربط، ويطعم علفا طاهرا على الاحوط إلى ان تنتهي المدة المعينة، فإذا لم يزل عنه اسم الجلال استمر في ذلك إلى أن يزول عنه الاسم. [ المسألة 41: ] إذا استبرئ الحيوان كذلك حل أكل لحمه وحل شرب ما يتجدد بعد الاستبراء من لبنه، وارتفعت عنه احكام الجلل الآنف ذكرها أو الاشارة إليها. [ المسألة 42: ] السبب الثاني من أسباب تحريم أكل الحيوان المحلل: ان يطأه انسان، فإذا وطأ الانسان حيوانا مما يحل أكله، حرم بالوطء أكل لحمه ولحم نسله على المالك والواطئ وعلى غيرهما من الناس، وحرم عليهم شرب ألبانهما ما يتجدد بعد الوطء من النسل واللبن، ولا يحرم ولده ولا لبنه المتقدم على الوطء، من غير فرق بين أن يكون الانسان الواطئ كبيرا وصغيرا على الاحوط، وعاقلا ومجنونا، وعالما وجاهلا، ومختارا في فعله ومكرها، وسواء أنزل الواطئ أم لم ينزل، وسواء كان وطؤه للحيوان قبلا أم دبرا، وسواء كان الحيوان الموطوء ذكرا ام أنثى، وصغيرا ام كبيرا. [ المسألة 43: ] إذا وطأ الانسان بهيمة انثى وكانت حاملا، قد تكون جنينها قبل وطء الانسان لها، لم يحرم بالوطء أكل هذا الحمل، ولم تشمله أحكام وطء الانسان ولا تشمل نسله الذي يتولد منه.

[ 346 ]

[ المسألة 44: ] إذا كان الحيوان مذبوحا أو منحورا قد تمت تذكيتة، فوطأه الانسان لم يحرم بذلك لحمه ولا اللبن الموجود في الضرع إذا كانت انثى ولا الجنين الذي في بطنها إذا ذكي أو كانت ذكاة أمه ذكاة له. [ المسألة 45: ] لا يعم الحكم بالتحريم الحيوان الموطوء إذا كان من غير ذوات الاربع، وان كان الاحوط استحبابا اجتناب أكله وأكل بيضه الذي يتجدد بعد الوطء. [ المسألة 46: ] إذا كان الحيوان الذي وطأه الانسان مما يقصد أكل لحمه كالغنم والبقر والابل ونحوها من الحيوانات وان كانت وحشية قد تأهلت، وجب أن يذبح الحيوان أو ينحر، ثم يحرق بعد موته، ويغرم الواطئ قيمة الحيوان لمالكه، إذا كان الواطئ غير المالك. وإذا كان الحيوان الموطوء مما يطلب ظهره للحمل أو الركوب عليه ولم يعتد أكله كالفرس والبغل والحمار، أخرج الحيوان إلى بلد آخر غير البلد الذي وطئ فيه وبيع في ذلك البلد، وغرم الواطئ قيمته للمالك إذا كان غير الواطئ، وإذا بيع الحيوان في البلد الاخر دفع ثمنه للواطئ على الاقرب [ المسألة 47: ] إذا وطأ الانسان الحيوان ثم اشتبه الحيوان الموطوء بغيره أخرج بالقرعة وأجري الحكم المذكور على ما عينته القرعة، وإذا تعدد الحيوان الذي اشتبه الموطوء به، قسمت الحيوانات المشتبه بها إلى نصفين واقرع بينهما، فإذا خرجت القرعة على أحدهما قسم إلى نصفين كذلك وأقرع بينهما، وهكذا حتى يتعين واحد ويجرى عليه الحكم. [ المسألة 48: ] ظاهر وجوب احراق الحيوان بعد ذبحه وموته الذي دلت عليه الادلة في المسألة عدم جواز الانتفاع بجلد الحيوان الموطوء بعد تذكيته، ولا

[ 347 ]

بصوفه ولا بشعره أو وبره ولا بشئ من اجزائه كالانفحة وشبهها، فلا يجوز شئ من ذلك على الاقوى. [ المسألة 49: ] الاحوط لزوما حرمة شرب اللبن الموجود في ضرع الحيوانة الانثى في حال وطئها، ولعله الاقوى، فانه من الانتفاع بالحيوان الموطوء وقد تقدم أن الاقوى حرمته. [ المسألة 50: ] لا يجري الحكم بوجوب الاحراق بعد الذبح على نسل الحيوان الموطوء الذي يتولد منه بعد الوطء وان حرم أكل لحمه وشرب لبنه كما ذكرنا في ما تقدم. [ المسألة 51: ] السبب الثالث من أسباب تحريم أكل الحيوان المحلل: أن يرضع الجدي لبن خنزيرة حتى يقوى وينبت لحمه ويشتد عظمه على رضاعه منها، والجدي هو ولد المعز في سنته الاولى، والمراد ان يغتذي برضاعه من لبنها في أيام رضاعه المتعارفة لمثله سواء كان في السنة الاولى أم بعدها، فإذا رضع كذلك حرم أكل لحمه وحرم أكل نسله وحرم شرب لبنه وألبان نسله سواء كان المرتضع انثى أم ذكرا. وكذلك الحكم - على الاحوط لزوما - في الحمل وهو ولد الشاة بل وفي كل حيوان رضيع محلل الاكل فإذا رضع من لبن الخنزيرة حتى نمى ونبت عليه لحمه واشتد عظمه وجب اجتناب أكل لحمه ولحوم نسله وألبانهما. [ المسألة 52: ] لا تلحق الكلبة بالخنزيرة في الحكم، فإذا ارتضع الحيوان الصغير من لبنها حتى نمى واشتد على رضاعه منها لحمه وعظمه لم يحرم أكله. ويشكل الحكم إذا سقي الحيوان الرضيع لبن الخنزيرة سقيا من غير رضاع حتى نمى واشتد على ذلك، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، وكذلك إذا ارتضع من لبنها بعد ما كبر وفطم من رضاع أمه حتى حصل الشرط

[ 348 ]

فلا يترك الاحتياط باجتنابه، وان كان الاظهر عدم التحريم في الصورتين. [ المسألة 53: ] إذا رضع الحيوان الصغير من لبن الخنزيرة ولم يشتد على رضاعه منها لحمه وعظمه، كره أكل لحمه، فإذا استبرئ من ذلك سبعة ايام، فمنع من رضاع الخنزيرة وأرضع من لبن شاة أو معز مثلا في تلك المدة زالت الكراهة عن أكله، وان كان قد استغنى عن الرضاع أطعم في ايام الاستبراء علفا طاهرا فتزول الكراهة عنه بذلك. [ المسألة 54: ] لا يحرم الحيوان الصغير إذا رضع من لبن امرأة كافرة حتى نمى واشتد لحمه وعظمه على رضاعه منها، وأولى من ذلك، ما إذا رضع من لبن امرأة مسلمة حتى حصل الشرط أو سقي من اللبن بغير رضاع فلا يحرم أكل لحمه، بل يكون أكله مكروها في الصورتين الاولتين، ولا دليل على الكراهة في الصورة الاخيرة. [ المسألة 55: ] إذا شرب الحيوان الذي يحل أكله خمرا فسكر، وذبح في حال سكره لم يحرم بذلك أكل لحمه، والاحوط وجوب غسل لحمه قبل أكله، ولا يجوز أكل ما في جوفه من أمعاء وشحوم وكرش وقلب وكبد ورئة وكليتين وغير ذلك وان غسله. [ المسألة 56: ] إذا شرب الحيوان بولا نجسا أو تناول بعض النجاسات الاخرى ثم ذبح بعد تناوله اياها لم يحرم أكل لحمه، ولا يحتاج إلى غسل اللحم قبل الاكل إذا لم تكن عين النجاسة موجودة، ويجوز أكل ما في جوف الحيوان، والاحوط لزوم غسل ما في الجوف قبل أكله. [ المسألة 57: ] تحرم من الحيوان الذي يحل أكله أربعة عشر شيئا، فلا يجوز أكلها وان ذكي الحيوان بالذبح أو النحر، وتسمى هذه الاشياء محرمات الذبيحة وهي:

[ 349 ]

(1) الفرث (2) الدم (3) الطحال (4) القضيب (5) الانثيان (6) المثانة، وهي الموضع الذي يتجمع فيه بول الحيوان قبل خروجه، (7) النخاع، وهو خيط أبيض يمتد من رقبة الحيوان في وسط فقرات ظهره إلى أصل ذنبه، (8) الغدد، وهي عقد مدورة الشكل غالبا تتكون في جسد الحيوان، ولا تنحصر في موضع منه، (9) المرارة (10) المشيمة، وهي كيس أو نحوه يكون موضعا للجنين ايام حمله، أو هي قرينته التي تخرج معه في الولادة، فيجب الاجتناب عنهما، (11) العلبا وان، وهما عصبتان صفراوان عريضتان تمتدان في الظهر من رقبة الحيوان إلى ذنبه (12) خرزة الدماغ، وهي - على ما قالوا - حبة بقدر الحمصة تكون في وسط الدماغ ولونها يميل إلى الغبرة، ويخالف لون باقي الدماغ الموجود في الجمجمة، (13) الحدقة، وهي السواد الذي يكون في العين لا مجموعها، (14) الفرج من الحيوانة الانثى ظاهره وباطنه. [ المسألة 58: ] مما يقطع به وجود الرجيع والدم والفرج والحدق في مطلق الطير من محرمات الذبيحة، ومما يقطع به أيضا وجود القضيب والبيضتين والمرارة والنخاع في كبار الطير ومتوسطها، كالدجاجة وشبهها واما المثانة والمشيمة فيقطع بعدمهما فيه لان الطير لا يبول ولا يلد ما عدا الخفاش، فيجب الاجتناب عن المذكورات اولا التي يقطع بوجودها ويشك في وجود باقي المحرمات فيه، فلا يجب الاجتناب عنه. [ المسألة 59: ] تحرم الاشياء الآنف ذكرها من الحيوان الذي يذبح أو ينحر خاصة، فلا يحرم شئ منها في السمك ولا في الجراد إذا علم وجوده فيهما، والاحوط لزوما اجتناب أكل الدم في السمك، والرجيع فيهما. [ المسألة 60: ] يكره أكل الكليتين من الحيوان المذبوح أو المنحور، وأذني القلب، وهما زائدتان تكونان في أعلى القلب، ويكره أكل العروق والاوداج. [ المسألة 61: ] يحل أكل كل شئ من الذبيحة غير ما تقدم ذكره، فيحل أكل اللحم

[ 350 ]

والشحم، والقلب، والرئة، والكبد، والامعاء والكرش، والغضاريف، ويحل أكل الجلد والعظم على الاظهر، والاحوط استحبابا اجتناب أكلهما، ويتأكد الاحتياط باجتناب اهاب الذبيحة الذي يسلخ ولا يعتاد أكله، ولا بأس بأكل جلد الرأس وجلود الدجاج والطيور. [ المسألة 62: ] يجوز أكل اللحم المحلل نيا، ومطبوخا بالماء، ومطبوخا بالدهن أو بالمائعات المحللة الاخرى ومشويا، وان غلبت عليه النار فاحترق ما لم يكن مضرا، أو يعد من الخبائث، فيحرم لذلك. [ المسألة 63: ] تعرضنا في المسألة التسعين من كتاب الطهارة لحكم الاجزاء التي لا تحلها الحياة في حال الحياة إذا أخذت من حيوان طاهر العين، كالقرن والعظم، والسن والظفر، والحافر، والظلف والمخلب، والمنقار، والشعر والصوف، والوبر والريش، والبيضة إذا اكتست قشرها الاعلى وان لم يتصلب بعد، وكاللبن في ضرع الحيوانة الانثى، والانفحة التي تخرج من بطن الجدي أو السخل قبل أن يتغذى بالاكل، فهي جميعا محكومة بالطهارة، وان أخذت من الحيوان بعد موته، ولا تسري إليها نجاسة الميتة، ولا يكون حكمها حكم اجزاء الميتة التي تحلها الحياة، وقد فصلنا حكمها هناك، فليرجع إليها من أراد. والاجزاء المذكورة كما هي طاهرة فهي محللة إذا كانت محللة في الاصل، فيجوز أكل البيضة إذا كانت من طير يحل أكله، ويجوز شرب اللبن إذا كان من حيوان يحل أكله، ويجوز أكل الانفحة إذا أخرجت من بطن سخل أو جدي محلل الاكل وجعلت في اللبن فصار جبنا، فيجوز أكل الجبن ومعه اجزاء الانفحة المذكورة، وقد بينا في المسألة المشار إليها ان الاحوط الاقتصار في الانفحة على المادة الصفراء التي يستحيل إليها اللبن الذي يرتضعه الحيوان قبل أن يأكل، ولا يعم الكرش نفسه. وقد اشترطنا في طهارة الاجزاء المذكورة أن لا تصيبها نجاسة عرضية برطوبة الميتة نفسها حين اخراجها منها فإذا أصابتها نجاسة عرضية

[ 351 ]

بسبب ذلك أو بسبب آخر فلابد من تطهيرها إذا أمكن التطهير، وهذا الشرط كما هو شرط في الطهارة، فهو شرط في الحل، وهو واضح. [ المسألة 64: ] ذكرنا في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة: أن بول كل حيوان لا يؤكل لحمه نجس عينا إذا كانت للحيوان نفس سائلة، سواء كان مما يحرم أكله بالاصل كالمسوخ والسباع والحشرات، ام كان مما يحرم أكله بالعارض كالحيوان الجلال وموطوء الانسان، ولذلك فلا ريب في حرمة شربه. ويحرم كذلك شرب بول ما يؤكل لحمه على الاحوط لزوما، كالغنم والبقر وبقية الحيوانات التي يؤكل لحمها من الوحوش وغيرها، فلا يجوز شرب بولها وان كان طاهرا غير نجس. ويجوز شرب أبوال الابل للاستشفاء به من بعض الامراض، ولا يلحق به غيره من بول الانعام الاخرى. [ المسألة 65: ] يحرم رجيع كل حيوان، سواء كان الحيوان مما يحرم أكله ام كان مما يحل، والظاهر أن التحريم لا يتناول فضلات الدود التي تتكون في جوف بعض الفاكهة والمخضرات وتلتصق به فضلاتها، ولا يتناول ما في جوف السمك والجراد من فضلاتهما إذا كان غير متميز وأكل معهما، وإذا كان متميزا، فالاحوط لزوم اجتنابه [ المسألة 66: ] يحرم أكل الدم من كل حيوان له نفس سائلة، سواء كان الحيوان مما يحرم أكله ام مما يحل، حتى الدم والعلقة التي تتخلق في البيضة، فيجب اجتنابهما. ويستثنى من ذلك الدم الذي يتخلف في الحيوان المأكول لحمه إذا ذكي وخرج بالذبح أو النحر ما يتعارف خروجه من الدم وبقي الباقي منه، فيكون المتخلف منه في جوف الذبيحة طاهرا، ويكون المتخلف في اللحم والذي يعد جزءا منه حلالا تابعا للحم في جواز أكله معه، من غير

[ 352 ]

فرق بين ما يتخلف منه في اللحم أو في القلب أو في الكبد، وإذا اجتمع الدم وكان له وجود غير تابع لها ولا يعد جزءا منها كان محرما. [ المسألة 67: ] دم الحيوان الذي ليست له نفس سائلة طاهر ليس بنجس كما اوضحناه في مبحث الدم من كتاب الطهارة، وكذلك دم الحيوان الذي يشك في ان له نفسا سائلة ام لا، كالحية والتمساح، فهو طاهر ليس بنجس، ولا ريب في حرمة أكله إذا كان من حيوان يحرم أكله كالحيات والحشرات المحرمة التي يكون فيها دم ولكنه لا يسيل بقوة عند الذبح وكدم السمك الذي يحرم أكله كالجري والزمير. وإذا كان الحيوان مما يحل أكله كالسمك المحلل، فالظاهر جواز أكل دمه مع لحمه إذا عد تابعا للحم وجزءا منه، وإذا اجتمع دمه وكان وجوده متميزا وليس تابعا للحم ولا جزءا منه، اشكل الحكم بحل أكله فلابد من تركه على الاحوط لزوما. [ المسألة 68: ] اللبن تابع في الحكم للحيوان الذي يتكون منه، فيحل شربه إذا كان الحيوان محلل الاكل ويحرم شربه إذا كان الحيوان الذي يتكون منه محرم الاكل، وقد سبق الحكم بوجوب الاجتناب عن شرب لبن الحيوان الجلال ولبن الحيوان الذي يطأه انسان وألبان نسله ووجوب الاجتناب عن لبن الحيوان الذي يتغذى في رضاعه بلبن الخنزيرة حتى يشتد عليه وينمو، وعن البان نسله. ويجوز شرب لبن الحيوان الذي يحل أكل لحمه، سواء كان أهليا ام وحشيا، وسواء كان الحيوان حيا أم مذكى وأخرج اللبن من ضرعه بعد تذكيته، وقد ذكرنا في المسألة الثالثة الستين جواز شرب اللبن الذي يخرج من ضرع الميتة إذا كانت مما يحل أكله لو كان مذكى، ويجوز شرب لبن الفرس والبغلة والاتان، وان كره أكل لحمها، ولم تثبت الكراهة في شرب لبنها. [ المسألة 69: ] يجوز شرب لبن المرأة في الرضاع وما يشبه الرضاع كما إذا سقي

[ 353 ]

الطفل من لبنها في اناء وشبهه وان زادت ايام الرضيع على الحولين، ويشكل الحكم بجواز شرب لبنها لغير الطفل، وخصوصا للانسان إذا راهق أو بلغ أو تجاوز ذلك، ولا يترك الاحتياط باجتنابه اختيارا، وكذلك الحكم في شرب المرأة لبن نفسها أو لبن غيرها من النساء. [ المسألة 70: ] إذا شك في لحم موجود انه قد ذكي ام لا، فان قامت على التذكية امارة، كما إذا وجده في يد مسلم مقرونة بتصرف منه يدل على تذكية الحيوان، أو وجده في سوق المسلمين مقترنا بمثل ذلك من التصرف، أو وجده مطروحا في أرض المسلمين، وعليه أثر يدل على ذلك، حكم بتذكية اللحم، والا وجب اجتنابه، وتلاحظ المسألة المائة والتاسعة والخمسون وما بعدها من كتاب الصيد والذباحة في توضيح المقصود من ذلك. وإذا شك في حل ذلك اللحم وحرمته، فان وجده في يد مسلم، وأخبره المسلم صاحب اليد بأنه من المحلل صدق قوله وجاز له أكل اللحم، والا اشكل الحكم فيه، وفي المسألة تفصيل لا يتسع الحال لبيانه. [ المسألة 71: ] لا ريب في جواز أن يبتلع الانسان ريقه وان كثر، ويجوز له كذلك أن يمص ريق ولده أو غيره من الاطفال مثلا، وأن يمص ريق زوجته ونحوها. ويحرم عليه تناول البلغم والنخامة، وهي الخلط الذي يخرجه من الصدر، والنخاعة وهي ما ينزل من الرأس بعد انفصال جميع ذلك عن الفم، وأولى منه بالتحريم ما إذا كان ذلك من غيره، ويحرم عليه كذلك تناول البلغم والنخامة والنخاعة من فم غيره قبل ان تنفصل عنه، ويحرم تناول القيح والاوساخ وغيرها من الخبائث منه ومن غيره.

[ 354 ]

[ الفصل الثاني ] [ في ما يحل أكله من الجامدات وما لا يحل ] [ المسألة 72: ] ما يحل أكله من الاشياء الجامدة غير الحيوان كثير جدا، لا يمكن حصره ولا ضبط عدده، فالغلات جميعا، وجميع أجناس الحبوب والابزرة وأنواع الفواكه، وفصائل البطيخ وما يشبهه، وأنواع الخضر وأصنافها، وأجناس النباتات والمزروعات مما يؤكل نفسه وما يؤكل ثمره، وما يتجدد مع الزمان ومع التجربة ومع التركيب والتهجين من أنواع وأصناف وفصائل جديدة، وما تنتجه الصناعات المختلفة من أدقة ومجففات وتجميد للمائع وتمويع للجامد، ومن مربيات ومركبات ومعمولات ومستحضرات، وامثال ذلك من الطيبات التي يحل أكلها إذا خلا تركيبها عما يمنع الشرع من تناوله، ونقى عملها وتحضيرها مما يوجب التلوث والتنجس. فالمهم بيان ما يحظر من المآكل وما يوجب المنع من الاكل إذا دخل في تركيب المطعوم أو عرض في عمله وتحضيره. [ المسألة 73: ] يحرم أكل اعيان النجاسات جميعا، وقد سبق في كتاب الطهارة ذكرها وذكر عددها وبيان أحكامها، ومر في الفصل الاول من هذا الكتاب بعض الاحكام التي تتعلق بأكل الميتة، والبول والعذرة والدم من النجاسات. ويحرم أكل المتنجسات وهي الاشياء التي طرأت لها النجاسة بالعرض والتلوث، ويحرم أكل كل طعام يدخل احد أعيان النجاسات في تركيبه، فلا يحل أكل الجبن مثلا إذا أدخل بعض شحوم الحيوان غير المذكى في تركيبه ولا يحل أكل أي شئ يكون فيه لحم ذلك الحيوان أو شئ من أجزائه التي تحلها الحياة في حال حياة الحيوان، ويحرم أكل كل طعام يدخل في تركيبه شئ متنجس أو تعرض له النجاسة في أثناء عمله، ومن ذلك ان يباشره كافر برطوبة مسرية، أو تباشره يد معلومة التلوث بالنجاسة بمثل تلك الرطوبة، أو يطبخ في اناء نجس أو يطبخ بماء متنجس أو بدهن متنجس.

[ 355 ]

[ المسألة 74: ] إذا عجن الطحين بماء متنجس أو خلط بدهن متنجس وجب اجتناب أكله، ولا يطهر بالنار إذا خبز أو عمل منه شئ آخر، وكذلك سائر الفطائر والمعجنات التي تعمل منها المخبوزات والمطعومات الاخرى فلا يحل أكلها إذا تنجست الفطائر بالمباشرة أو تنجس ماؤها أو دهنها. [ المسألة 75: ] يحرم أكل اي طعام يدخل في تركيبه بعض الاشياء المحرمة بالاصل أو المحرمة بالعارض، وان كان ذلك الشئ طاهرا غير نجس، كما إذا طبخ معه لحم حيوان لا يحل أكله أو شحمه أو أدخل في تركيبه عظم من حيوان لا يحل أكله وان كان الحيوان طاهرا مذكى. [ المسألة 76: ] إذا أخذ الجلاتين من عظم حيوان مذكى، وهو محلل الاكل، كالبقر والغنم، جاز استعماله وحل أكل الطعام الذي يعمل منه أو يدخل في تركيبه. [ المسألة 77: ] إذا وجد الجلاتين في يد مسلم أو في سوق المسلمين، ووجد المسلم الذي هو بيده يتصرف فيه تصرفا يدل على التذكية كما قدمنا نظيره في اللحوم والجلود، حكم بذكاته وحل أكل الطعام المستحضر منه إذا لم تكن يد المسلم مسبوقة بيد كافر، أو علم بأنه غير طاهر، ولا يحل أكله إذا وجد بيد كافر أو كان من عمله. [ المسألة 78: ] إذا استحضر الجلاتين من مادة صناعية تنوب عن المادة التي تؤخذ من عظم الحيوان جاز استعماله وحل أكل الطعام الذي يعمل منه أو يدخل في تركيبه، إذا لم يعلم بحرمته من ناحية أخرى. [ المسألة 79: ] ذكرنا في المسألة الثالثة والستين: ان العظم أحد الاجزاء التي لا تحلها الحياة في حال حياة الحيوان، فإذا أخذ من حيوان ميت غير مذكى،

[ 356 ]

وكان الحيوان طاهر العين في حال حياته، فالعظم المأخوذ منه بعد الموت محكوم بالطهارة ولا ينجس بنجاسة الحيوان بالموت، وذكرنا في المسألة الحادية والستين ان العظم مما يحل أكله من الذبيحة إذا كانت محللة الاكل. ونتيجة لذلك فقد يتوهم أن العظم إذا أخذ من ميتة نجسة غير مذكاة، وكانت ميتة حيوان يحل أكله، ثم طهر عن نجاسته العرضية بملاقاته لحم الميتة، أمكن ان تؤخذ منه مادة الجلاتين وتدخل في تركيب بعض الاطعمة، ويحل الطعام الذي تدخل في تركيبه. وهذا التوهم فاسد لا يمكن الاعتماد عليه، فالعظم جزء من الميتة فيحرم كما يحرم أكل الميتة، والادلة انما دلت على طهارته لانه جزء لا تحله الحياة، ولم تدل على اباحة أكله، كما دلت على اباحة شرب اللبن المأخوذ من ضرع الميتة وأكل البيضة والنأفحة المأخوذتين منها، فيحرم أكل العظم على الاقوى سواء أخذه الانسان من الميتة مباشرة أم وجده بيد مسلم أو بيد كافر، ومع التنازل عن ذلك، فلا اقل من لزوم الاحتياط بتركه. [ المسألة 80: ] إذا قطعت من الحيوان قطعة وهي حي قبل أن يذكى بالذبح أو النحر أو الصيد، كما ضربه الانسان بسلاح فأبان القطعة منه أو عضه سبع فأبانها، لم يحل أكل القطعة المبانة وكانت ميتة نجسة، وكذلك إذا ضرب السمكة فقطع منها قطعة قبل أن يخرج السمكة من الماء حية أو يأخذها وهي حية في خارج الماء، فلا يحل أكل تلك القطعة لانها ميتة وان كانت غير نجسة. وإذا أخرج السمكة من الماء وهي حية أو أخذها وهي حية في خارج الماء تمت ذكاتها بذلك، فإذا قطع منها قطعة بعد ذكاتها وهي لا تزال حية، حل أكل القطعة، وحل أكل السمكة، وكذلك إذا أخذ الجراد وهو حي تمت تذكيته، فإذا قطع من الجرادة قطعة قبل أن تموت حل أكل القطعة وأكل بقية الجرادة.

[ 357 ]

[ المسألة 81: ] يحرم أكل المتنجس ما دام متنجسا، فإذا زالت النجاسة عنه وطهر منها على الوجه المطلوب حل أكله بعد ما كان محرما، فإذا طهر اللحم أو الشحم الذي عرضت له النجاسة فغسل بالماء على الوجه المعتبر جاز أكله وحل كل طعام يوضع بعد ذلك معه، وكذلك سائر المتنجسات، وقد فصلنا أقسام النجاسات وكيفية سرايتها إلى الاشياء، وأنواع المطهرات وكيفيات التطهير بها وجميع ما يتعلق بذلك في كتاب الطهارة. [ المسألة 82: ] يحرم أكل كل طعام مزج بخمر أو فقاع أو اي مسكر آخر أو أي مخدر من المخدرات، سواء كان المسكر مائعا بالاصالة أم جامدا، فإذا مزج الطعام بخمر أو بمسكر مائع بالاصالة كان الطعام نجسا وحراما وإذا مزج بمسكر أو مخدر جامد بالاصالة، وظهر أثر الاسكار أو التخدير في الطعام كان الطعام محرما وطاهرا وان كان الاثر قليلا يسيرا. [ المسألة 83: ] المدار في نجاسة الطعام وطهارته في المسألة السابقة على كون المسكر الذي مزج به مائعا بالاصالة كما ذكرنا فيكون الطعام نجسا، وان جففته الصناعة فجعلته حبوبا أو دقيقا، وإذا كان جامدا بالاصالة، فالطعام الممتزج به طاهر ومحرم وان اذابته الصناعة فجعلته مائعا. [ المسألة 84: ] الاطعمة والمأكولات التي يتولى الكافر عملها وتجهيزها ان كانت مصنوعة من لحم الحيوان أو شحمه أو بقية أجزائه، فهي نجسة ومحرمة لا يحل أكلها، سواء كان عمل الكافر لها بمباشرة يده أم بغيرها من المعامل والمصانع الحديثة، وان كانت مصنوعة من غير الحيوان كالنباتات والمخضرات والفواكه والمجهزات الاخرى وقد علم بأن الكافر قد باشرها بيده برطوبة مسرية، فهي كذلك نجسة ومحرمة، وان كان تجهيز تلك المعلبات غير الحيوانية بالمعامل والمصانع الحديثة ولم يباشرها الكافر بيده برطوبة فهي طاهرة يحل أكلها ما لم يعلم بمزجها بمحرم أو بنجس.

[ 358 ]

وكذلك إذا شك في أن الكافر باشرها بيده أم جهزها بالمعامل من غير مباشرة فهي طاهرة محللة. وكذلك التفصيل والحكم في الاشربة والمعتصرات والسوائل التي يعملها الكافر أو يجهزها للشرب، وفي الادوية التي يحضرها للعلاج أو للتغذية أو التقوية من الجامدات والمائعات. [ المسألة 85: ] لا يحل للانسان أكل السموم القاتلة، سواء كانت متخذة من الحيوان ام من النبات ام من اي شئ يوجب الهلاك والعطب للانسان، ولا يحل أكل أي طعام أو مأكول يورث للانسان مرضا قاتلا، أو مرضا عسر الزوال، أو يهيج له مرضا ساكنا عسر الزوال، أو يوجب له شللا في بعض أعضائه، أو تعطيلا في بعض أجهزته أو بعض قواه، أو يسبب له حدوث أي ضرر لا يتحمل عادة. [ المسألة 86: ] لا يجوز للمرأة أن تأكل أو تشرب ما يوجب اجهاض حملها أو يوجب قتل الجنين في بطنها، أو يسبب له تشويها في خلقه، أو فقدا لبعض قواه أو نقصا فيها. [ المسألة 87: ] لا فرق في التحريم بين ما يعلم ضرره وما يظن به وما يحتمل، إذا كان الاحتمال مما يعتد به العقلاء ويخشون من وقوعه، فيحرم أكل ما يؤدي إليه، سواء كان الضرر المعلوم أو المظنون أو المخوف وقوعه عاجلا أم بعد مدة. [ المسألة 88: ] المدار في الضرر الذي يحرم معه تناول المأكول أو المشروب الذي يوجبه أن يكون مما لا يتحمل بحسب العادة كما ذكرنا، فأكل الطعام وشرب الشراب الذي يسبب العمى وفقد البصر مثلا، أو يسبب حدوث الجنون وفقد العقل أو نقصانه يكون محرما بلا ريب، والمأكول أو المشروب الذي يسبب تناوله فقد حاسة الشم ونقصانه لا يكون له ذلك

[ 359 ]

الحكم، فلعله من الضرر الذي لا يعتد به الناس، فلا يكون محرما، والمأكول أو المشروب الذي يوجب فقد قوة الباه يكون من الضرر المعتد به فيحرم أكله وشربه، وخصوصا للمتزوج وفي أدوار شبابه، ومثله المأكول أو المشروب الذي تصبح به المرأة عقيما لا تلد، والمأكول أو المشروب الذي يوجب فقد حاسة السمع يكون الحكم فيه مشكلا، والاحوط لزوما تركه واجتنابه. [ المسألة 89: ] يحرم أكل وشرب ما يكون مضرا بالفعل أو مؤديا إلى وقوع الضرر في ما يأتي، إذا كان الضرر لا يتحمل عادة كما ذكرنا، ومنه تعاطي المخدرات. فيحرم تعاطي ذلك بالاكل، والشرب، والتدخين، وبأي نحو من أنحاء الاستعمال المعروفة عند أهلها والتي يفعل المخدر فيها فعله ويؤثر أثره، وان كان نافعا قليلا، إذا كان ضرره أكبر من نفعه، سواء كان ضرره آتيا من جهة أصل استعماله ولو قليلا كالمسكرات والمخدرات، من الحشيشة وغيرها، ام كان من جهة زيادة مقدار ما يستعمل منه، أم من جهة ادمانه والمواظبة عليه كالافيون. [ المسألة 90: ] يجوز للانسان أن يأكل أو يشرب أو يستعمل العقاقير والادوية والمستحضرات الطبية لمعالجة بعض الامراض أو لتخفيفها، إذا كان الانتفاع بها غالبيا أو أثبتته التجربة الصحيحة، أو ذكره الحذاق أو الموثوقون من الاطباء وأهل الخبرة بعد تعيين المرض، وان كان الدواء الذي يستعمله مضرا من بعض النواحي الا أن نفعه اكبر أو أمكن تدارك الضرر باستعمال ما يزيله أو يهون أمره. [ المسألة 91: ] يجوز للمريض أن يرجع إلى الاطباء الحذاق وذوي الخبرة الموثوقين في علاج مرضه ويتناول الادوية والعلاج بارشادهم وفعلهم، وان كانت الادوية أو الطريقة التي يتخذونها في علاجه محتملة الخطر أو هي قد

[ 360 ]

تؤدي الى الوقوع فيه في بعض الحالات، إذا كان الانتفاع بها غالبيا بحسب معرفتهم وتجاربهم، وخصوصا مع الاطمئنان بالنجاح. ويجوز له المعالجة عندهم بما هو مضر قطعا، تفاديا عن حدوث ما هو أشد ضررا، وبما هو خطر بالفعل دفعا لما هو أعظم خطرا، فيقطع العضو المتلوث بالداء الخبيث لئلا يسري التلوث إلى غيره، ويجري العملية في الامعاء أو في الدماغ أو في القلب، تحديدا للداء وبتا للخطر المهلك. ولابد في مثل هذه الامور من الاعتماد على الاكفاء الذين يطمئن إليهم والى طبهم، ويمنع الرجوع إلى المدعين الذين لم تثبت كفاءتهم للامر ومهارتهم فيه، أو المتسرعين المتسامحين في تحصيل النتائج، أو غير المبالين بما يحدث. [ المسألة 92: ] قد اتضح مما تقدم أن الشئ الذي يكون تحريمه آتيا من جهة ضرره، يكون المدار في الحكم بالتحريم هو المقدار أو المورد الذي يتحقق معه الضرر، فالشئ الذي يحصل الضرر بتناول قليله وكثيره يكون تناوله محرما على الاطلاق من غير فرق بين القليل والكثير، وإذا كانت الكثرة فيه تضاعف وجود الضرر بحسب مراتب الكثرة، فتناول أي بعض من أبعاض ذلك الشئ يسبب ضررا مستقلا عن غيره، أو توجب شدة الضرر وقوة أثره، تكون الكثرة فيه موجبة كذلك لتضاعف الحكم بالتحريم بحسب مراتب الكثرة والعقاب على كل مرتبة منها، أو تكون موجبة لشدة التحريم بحسب شدة الضرر فيه وشدة العقاب عليها. وإذا كان المضر هو تناول الكثير من الشئ، ولا ضرر في أخذ القليل منه، فالمحرم هو الكثير المضر ولا حرمة في أخذ القليل، وإذا كان المضر هو ادمانه والمواظبة عليه كان ذلك هو المحرم ولا تحريم مع التناول من غير ادمان أو اعتياد، وإذا كان المضر هو الجمع بين طعامين مخصوصين أو بين طعام وشراب كذلك كما يدعى في بعض الاطعمة، فالمحرم هو الجمع بين الطعامين المعينين ولا حرمة في تناولهما على الانفراد.

[ 361 ]

وإذا كان الطعام مضرا في حالة دون حالة أو في وقت دون وقت حرم في الحالة و الوقت اللذين يكون فيهما مضرا، ولا يحرم في وقت آخر ولا في حالة اخرى، وهكذا. [ المسألة 93: ] يحرم أكل الطين، وهو التراب والماء يختلطان حتى يستولي كل منهما على الآخر ويكونا شيئا واحدا هو الطين، والمرجع فيه إلى الصدق العرفي كما هو المرجع في غيره من الموضوعات، وبذلك يفترق عن التراب المبتل بالماء، وعن الماء الملقى فيه مقدار من التراب. ويحرم أكل الطين سواء زادت فيه نسبة التراب فكان طينا جافا، ام زادت نسبة الماء فكان وحلا، ويحرم أكل المدر وهو الطين اليابس، ويلحق بهما التراب على الاحوط لزوما، فيحرم أكله سواء كان مبتلا أم يابسا. [ المسألة 94: ] إذا امتزج مع الحنطة أو الشعير أو الحبوب الاخرى بعض التراب وعد مستهلكا فيها في نظر أهل العرف جاز أكله معها، وكذلك إذا اختلط معها بعض المدر الصغار واستهلك بعد الطحن والخبز فيجوز أكله، وإذا لم يستهلك لكثرته لم يجز أكله. وكذلك الحكم في ما يوجد على الرطب والتمر والفواكه والثمرات والمخضرات من الغبار والتراب، إذا عد مستهلكا عرفا فيجوز للانسان ان يأكل الفاكهة أو الغلة أو الخضرة أو البقل وان لم يغسلها عما علق بها ولا يصدق عليه انه أكل الغبار والتراب، الا إذا كثر وتراكم فكان له وجود مستقل غير مستهلك، فيحرم أكله حين ذلك. وكذلك الحكم في الطين الذي يمتزج مع الماء في ايام زيادة الماء مثلا وقوة دفعه ولا يخرجه عن الاطلاق فيجوز للانسان شرب الماء الممزوج به لانه مستهلك فيه عرفا، ولا يصدق على من شربه انه قد شرب الطين الا إذا كثر الطين وتراكم فكان له وجود مستقل غير مستهلك، فيحرم شربه كما تقدم في نظيره.

[ 362 ]

[ المسألة 95: ] كما يجوز شرب الماء الممتزج بالطين إذا كان مستهلكا فيه عرفا، فكذلك يجوز أكل الطعام المطبوخ به وأكل الخبز المعجون به، ولا يحرم أكل المطبوخ أو المخبوز به الا إذا استبان وجود الطين فيه بعد الطبخ والخبز، ولا يخفى ان ذلك يتوقف على خلطه بمقدار من الطين أكثر من المقدار الذي يستبين وجوده في ماء الشرب ولا يستهلك فيه. [ المسألة 96: ] الاحوط لزوما اجتناب أكل الرمل والجص والنورة والاسمنت والاحجار وفتاتها، والاحتياط في اجتناب الآجر وفتاته أشد وألزم ولعل التحريم فيه أقوى فهو طين مطبوخ، ويجوز أكل سائر المعادن الاخرى إذا لم تكن مضرة، فإذا أضرت كانت محرمة الاكل. [ المسألة 97: ] يستثنى من الحكم بحرمة أكل الطين أكل يسير من طين تربة الحسين (ع) للاستشفاء به من الامراض مع مراعاة الشرطين الاتي ذكرهما: الشرط الاول أن يكون المأخوذ من طين التربة بمقدار الحمصة المتوسطة الحجم أو أقل من ذلك، فلا يحل أكل ما يزيد على ذلك في المرة الواحدة. الشرط الثاني: أن يكون أكل ذلك بقصد الاستشفاء به من مرض معين أو أمراض معينة أو من مطلق الامراض التي يعانيها وان لم يعينها، فلا يحل الاكل إذا كان بغير قصد الاستشفاء، وان قصد به التبرك مثلا، ولا يحل أكلها بغير قصد. [ المسألة 98: ] تكثر في الادلة من أحاديث اهل البيت (ع): ان في تربة الحسين (ع) شفاءا من كل داء وأمنا من كل خوف، وانها من الادوية المفردة، وانها لا تمر بداء الا هضمته، وامثال ذلك من المضامين. وقد ذكرت في الاحاديث آداب وأدعية وأعمال مخصوصة لاخذ تربة الشفاء، وهي متعددة ومتنوعة، والظاهر من مجموع الادلة ان المذكورات

[ 363 ]

فيها انما هي آداب مخصوصة لكمال العمل وتحقق النتيجة من الشفاء المقصود بتناول التربة الشريفة، وليست شروطا في اباحة أكل المقدار المذكور من التربة. ولذلك فيجوز أكلها مع وجود الشرطين الآنف ذكرهما، وان لم تحصل الاعمال التي ذكرتها الروايات ولم تقرأ الادعية الواردة فيها. [ المسألة 99: ] يجوز أكل المقدار المذكور من التربة الشريفة كلما وجدت الحاجة الى الاستشفاء، كما إذا أكلها للاستشفاء من مرض معين، فشفاه الله منه، فأراد أكلها ثانيا للشفاء من مرض آخر يعانيه أيضا، وكما إذا تجدد له مرض آخر بعد ذلك وأراد الشفاء منه، وكما إذا أكلها بقصد الشفاء من مرض فلم يشف منه وأراد التكرار مع زيادة في التوسل إلى الله واخلاص في التوجه إليه أن يعجل له الشفاء من دائه. [ المسألة 100: ] يختص ذلك بتربة الحسين (ع) دون سائر المعصومين من آبائه وأبنائه (ع) فلا يحل أكل شئ من طين تربهم (صلوات الله عليهم) بقصد الاستشفاء به من الامراض، وإذا أراد الانسان ذلك أمكن له أن يأخذ قليلا من تربة المعصوم الذي أراد الاستشفاء به فيمزجه بماء أو شراب آخر بحيث يعد الطين مستهلكا بهما ثم يشربه بقصد الاستشفاء أو التبرك بذلك الشراب، وكذلك إذا أراد التبرك بتربة الحسين (ع). [ المسألة 101: ] الظاهر ان الاستشفاء انما يتحقق إذا قصد الانسان بأكله من التربة الشفاء من مرض موجود بالفعل، سواء عينه بالقصد، أم قصد الشفاء من جميع أمراضه التي يجدها، ولا يشمل الاستشفاء من مرض غير موجود بالفعل ولكنه يخشى حدوثه عليه، فلا يحل له أن يأكل من التربة للاستشفاء منه. [ المسألة 102: ] تربة الشفاء التي ذكرناها وبينا بعض أحكامها في المسائل المتقدمة هي ما تؤخذ من القبر الشريف أو مما حوله على ما سنذكره في ما يأتي:

[ 364 ]

بقصد أن تكون شفاءا للامراض، وليس منها - على الظاهر - التربة المعروفة، التي تؤخذ للسجود عليها في الصلاة أو للتسبيح بها، فلا يعمها حكم تربة الشفاء ولا يحل أكلها على الاحوط إذا لم يكن ذلك هو الاقوى. نعم يمكن أن يؤخذ منها شئ فيمزج بماء أو بشراب آخر حتى يستهلك فيه، ثم يشرب بقصد الاستشفاء أو التبرك به. [ المسألة 103: ] المتيقن من المواضع التي تؤخذ منها تربة الشفاء، هو القبر الشريف وما حوله من المواضع القربية التي تلحق به عرفا، فإذا أخذت التربة من هذه المواضع جرت عليها الاحكام المتقدمة بلا ريب وصح الاكل منها والاستشفاء بها. وقد ورد في بعض الروايات عنهم (ع): يؤخذ طين قبر الحسين (ع) من عند القبر على سبعين ذراعا، وفي رواية أخرى: على سبعين باعا، وفي بعض الاحاديث عنهم (ع): طين قبر الحسين (ع) فيه شفاء وان أخذ على رأس ميل، وفي بعضها على عشرة أميال، وروى السيد ابن طاووس عنهم (ع) أنه فرسخ في فرسخ، وروي أكثر من ذلك. والروايات المذكورة منزلة على مراتب الفضل، فكلما قرب من القبر الشريف كان أفضل، وما بعد عنه فهو أقل فضلا، ولا يترك الاحتياط في ما خرج عن القبر الشريف والمواضع التي تلحق به عرفا، فإذا أخذت التربة من المواضع التي تخرج عن ذلك، فالاحوط لزوما مزج المقدار الذي يراد الاستشفاء به بالماء أو بشراب آخر حتى يستهلك فيه، ثم يشرب بقصد الشفاء، فيحصل المراد بذلك ان شاء الله والعمدة في الباب هو اليقين بلطف الله وفضله والتعلق الكامل بعظيم رحمته والاخلاص في التوجه إليه بصاحب التربة وكبير منزلته أن يجعلها شفاءا من كل داء وأمنا من كل خوف. [ المسألة 104: ] إذا أخذ الانسان التربة الشريفة من مواضعها المذكورة، بقصد الاستشفاء بها لنفسه ولغيره من المؤمنين صح أخذه لها وثبت أنها تربة

[ 365 ]

شفاء وثبتت لها أحكامها الآنف ذكرها، سواء عمل الاعمال والآداب التي وردت في الاخبار عند أخذها أم لم يعمل ذلك، فيجوز أكلها والاستشفاء بها، وكذلك إذا علم أن الطين المعين قد أخذه صاحبه من المواضع الخاصة بقصد الاستشفاء به، فيثبت بذلك وتترتب عليه أحكامه، وكذلك إذا شهدت به البينة العادلة أو أخبر به صاحب اليد المالك للتربة، فيصدق خبره وتثبت به الاحكام. وإذا أخبر بذلك عدل واحد، فان حصل للانسان الاطمئنان بصدق قوله صح له ان يرتب الآثار عليه، ويأكل من التربة، وان لم يحصل له الاطمئنان لم يجز له الاكل، وإذا أخذ منها قليلا ومزجه بماء أو بشراب حتى استهلك الطين جاز له شربه والاستشفاء به رجاءا، والاحوط استحبابا أن يفعل كذلك في غير موارد حصول العلم وشهادة البينة. [ الفصل الثالث ] [ في ما يحل شربه من المائعات وما يحرم ] [ المسألة 105: ] يحرم شرب الخمر بجميع أقسامها وأنواعها التي تتخذ منها، والحكم بتحريم الخمر ضروري من ضروريات الدين، فمن استحل شربها، وهو ملتفت إلى كون تحريمه من الضروريات كان كافرا، لانه مكذب لرسالة الرسول صلى الله عليه وآله. وعن الرسول صلى الله عليه وآله ان الخمر رأس كل اثم. وعن ابي عبد الله (ع): الشراب مفتاح كل شر، ومدمن الخمر كعابد الوثن، وان الخمر رأس كل اثم، وشاربها مكذب بكتاب الله، لو صدق كتاب الله حرم حرامه. وعن الامام ابي جعفر (ع): انها اكبر الكبائر. وعن الامام ابي عبد الله (ع): انها أم الخبائث، ورأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه، ولا يترك معصية

[ 366 ]

الا ركبها ولا حرمة الا انتهكها ولا رحما ماسة الا قطعها، ولا فاحشة الا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، ان أمره أن يسجد للاوثان سجد، وينقاد حيثما قاده. [ المسألة 106: ] يحرم شرب كل مسكر، سواء أسكر قليله ام كثيره، وما أسكر الكثير منه حرم شرب الكثير منه والقليل، حتى الجرعة الواحدة منه، بل حتى القطرة الواحدة، وقد تقدم في كتاب الطهارة ان المسكر المائع بالاصالة أحد أعيان النجاسة، فإذا وقعت القطرة الواحدة منه في اناء أو حب أو حوض، تنجس ما فيه من الماء إذا كان أقل من الكر ولم يجز شربه لنجاسته. ويحرم شرب الفقاع وهو شراب خاص يتخذ من الشعير، وقد ذكرناه وذكرنا نجاسته في المسألة المائة والثالثة والعشرين من كتاب الطهارة، وفي بعض الاحاديث عنهم (ع): هي خمرة استصغرها الناس. [ المسألة 107: ] يحرم كل مسكر من غير فرق بين أن يكون مائعا بالاصالة أو جامدا، وسواء كان جامدا بالاصالة فأذيب وعمل شرابا أم كان مائعا فجفف وجعل حبوبا أو دقيقا أو غيرهما، والمسكر المائع بالاصالة نجس ومحرم وان جفف صناعيا، والمسكر الجامد بالاصالة محرم ولكنه طاهر وان اذيب صناعيا. [ المسألة 108: ] إذا أدخلت الصناعة بعض المسكرات المائعة بالاصالة في تركيب بعض الاشربة أو استعملته وسيلة في اذابة بعض الجامدات من أجزائه كان الشراب المعمول محرما ونجسا، سواء ظهرت فيه صفة الاسكار بالفعل أم لم تظهر. وإذا أدخلت فيه بعض المسكرات الجامدة بالاصالة كان الشراب المعمول طاهرا، فان ظهرت فيه صفة الاسكار بالفعل كان شربه محرما، وان لم يكن مسكرا بالفعل حل شربه [ المسألة 109: ] يثبت الفرض الذي تقدم ذكره بالعلم به، وبشهادة البينة العادلة بحصوله،

[ 367 ]

وبقول الموثوقين من أهل الخبرة بأن ذلك الشراب أو العصير يحتوي تركيبه على الكحول المسكر، فيثبت بذلك تحريم شربه على الوجه الذي بيناه. ولا عبرة بمجرد قول البعض إذا لم يكن عن خبرة أو شهادة تعتمد على الحس والتجربة، ولا يثبت التحريم بذلك. [ المسألة 110: ] إذا كان الكحول مسكرا بالفعل، فهو نجس، وهو محرم: لاسكاره ولنجاسته، وكذلك الحكم فيه إذا كان مأخوذا من المسكر بالفعل، وكان أخذه منه بغير التصعيد، فيكون نجسا ومحرما وان لم يكن هو مسكرا بالفعل. وإذا أخذ من المسكر بالفعل بنحو التصعيد ولم يكن المأخوذ مسكرا بالفعل فهو محكوم بالطهارة، ويحرم شربه إذا كان مضرا أو قاتلا كما هو المعروف. ونتيجة لما ذكرناه، فما علم بعدم اسكاره بالفعل من أفراد الكحول ولم يكن مأخوذا من كحول غيره، فهو محكوم بالطهارة، وكذلك ما علم بأنه غير مسكر بالفعل، وقد أخذ من كحول غير مسكر، فهو محكوم بالطهارة، وكذلك ما شك في أنه منهما أو من غيرهما، وما علم بأنه مأخوذ من المسكر بالفعل وكان أخذه منه بنحو التصعيد، فيكون طاهرا إذا لم يكن مسكرا بالفعل، فهو طاهر في جميع هذه الفروض، ويحرم شربه إذا كان مضرا أو قاتلا، وهذا هو المعروف عنه بين الناس. [ المسألة 111: ] إذا انقلبت الخمر خلا فذهب اسكارها ولم يبق منه أثر، وتغير طعمها إلى طعم الخل، وعدها الموثوقون من أهل الخبرة خلا بعد أن كانت خمرا، طهرت بعد النجاسة، وحل أكلها وشربها بعد الحرمة، سواء كان انقلابها إلى الخل بسبب تغير في صفات نفس المادة أم كان بسبب تغير بعض الحالات المحيطة بها، ام كان الانقلاب بسبب مؤثرات أخرى أدخلها الانسان في المادة. [ المسألة 112: ] إذا أضاف الانسان إلى الخمر خليطا آخر لتنقلب بسببه خلا، كما

[ 368 ]

إذا مزجها بمقدار من الخل أو بمؤثر آخر، فان كان الخليط الذي مزجه مع الخمر مستهلكا فيها بحيث عد الجميع خمرا وليس للخليط وجود مستقل فيها، ثم انقلب الجميع بعد ذلك خلا، طهر الجميع بسبب الانقلاب من النجاسة وحل شربه بعد التحريم. وإذا كان للخليط الذي أضافه إلى الخمر وجود مستقل ولم يستهلك فيها، ثم انقلب الجميع بعد ذلك خلا، اشكل الحكم بطهارته واباحته، والاحوط الاجتناب عنه وان كان الاقوى طهارته بذلك واباحته. [ المسألة 113: ] انقلاب الخمر بنفسها خلا من غير علاج ومزاولة عمل من الامور المعروفة والمتعارفة في صناعة الخمر القديمة، فتترتب عليه أحكامه التي ذكرناها، واما في المصنوعات الحديثة المعمولة في المصانع الحديثة والمبنية على قواعد الكيمياء الجديدة، فقد يكون من العسر أو من الممتنع تحقق هذا الفرض فيها. ومن الممكن أن يتحقق الفرض الثاني فيها، فتنقلب الخمر خلا بالمعالجة وباضافة بعض العناصر المؤثرة إليها، فإذا كان الخليط الذي يضم إليها مستهلكا فيها وليس له وجود مستقل قبل الانقلاب، حكم على الجميع بالطهارة والاباحة إذا انقلب خلا، وإذا كان الخليط غير مستهلك ثم انقلب الجميع خلا فالاحوط الاجتناب عنه وان كان الاقوى الطهارة والاباحة كما قلنا في المسألة السابقة. [ المسألة 114: ] إذا وقعت في الخمر نجاسة أخرى وان كانت قليلة مستهلكة كقطرات من البول أو الدم، بل وان لم تكن للنجاسة عين ومثال ذلك أن يباشر الخمر كافر بيده أو يلاقيها بعض أجزاء الميتة أو يشرب منها كلب أو خنزير، ثم انقلبت الخمر خلا، لم تطهر الخمر بذلك على الاحوط، بل وان لقيت شيئا متنجسا، كما إذا وضعت في اناء قد تنجس بنجاسة اخرى فلا تطهر بعد ذلك بانقلابها خلا. [ المسألة 115: ] إذا اعتصر الانسان العنب وغلى عصيره بالنار حرم شربه ولا يكون

[ 369 ]

بذلك نجسا، فإذا ذهب ثلثاه بالغليان بالنار، حل شربه بعد ذلك، سواء استمر بالغليان الاول حتى ذهب الثلثان أم تعدد غليانه مرة بعد مرة حتى ذهب ثلثاه، فيحل شربه وان غلى بعد ذلك أو ذهب أكثر من ثلثيه. [ المسألة 116: ] إذا نش العصير العنبي بنفسه أو بسبب آخر غير النار، أو غلى كذلك، فالاحوط لزوما الحكم بنجاسته، ولا يطهر من النجاسة الا بانقلابه خلا، على الوجه الذي تقدم ذكره في انقلاب الخمر خلا وإذا طهر بذلك حل شربه وان لم يذهب ثلثاه. [ المسألة 117: ] إذا غلى العصير العنبي بالنار ولم يذهب ثلثاه، ثم نش بعد ذلك أو غلى بغير النار حكم بنجاسته على الاحوط، ولم يطهر من النجاسة ولم يحل شربه بذهاب ثلثيه، فإذا انقلب خلا طهر وحل شربه وان لم يذهب ثلثاه، والاحوط استحبابا اجتناب شربه حتى يذهب ثلثاه بالغليان بالنار. [ المسألة 118: ] إذا غلى عصير الزبيب بالنار لم ينجس بذلك ولم يحرم على الاقوى، وان لم يذهب ثلثاه، وإذا نش أو غلى بغير النار، فالاحوط لزوما الحكم بنجاسته، ولم يطهر الا بانقلابه خلا، فإذا انقلب خلا، طهر من النجاسة وحل شربه وان لم يذهب ثلثاه. [ المسألة 119: ] لا يحرم ولا ينجس عصير التمر وان غلى، سواء كان غليانه بنفسه أم بالشمس أم بالنار أم بسبب آخر فيجوز أكله وان لم يذهب ثلثاه. [ المسألة 120: ] لا يحرم ولا ينجس ما في جوف حبة العنب من الماء إذا غلى بالنار أو بغيرها، وكذلك ما في حبة الزبيب والكشمش إذا اتفق ذلك فيها، على أن حصول العلم بغليان ما في جوف الحبة متعذر غالبا وخصوصا في الزبيب.

[ 370 ]

[ المسألة 121: ] الزبيب هو العنب بعد أن يجف ماؤه، ومن المعلوم أنه إذا اعتصر بعد جفافه لم تخرج منه عصارة كما هو المعروف من معنى العصير، فالمراد من العصير الزبيبي أن ينقع الزبيب في الماء حتى يكتسب الماء حلاوة الزبيب، ثم يعتصر الزبيب والماء، وتؤخذ العصارة، أو يدق الزبيب وحده أو يمرس باليد أو الآلة، ثم يغمر بالماء وتستخرج العصارة من الجميع، وعلى أي حال فحكمه هو ما ذكرناه في المسألة المائة والثامنة عشرة. [ المسألة 122: ] إذا جعل الزبيب أو الكشمش في المرق ثم طبخ الجميع لم ينجس الزبيب والكشمش ولا المرق ولم يحرم أكلهما كما ذكرنا في المسألة المائة والعشرين، وان انتفخ الحب بسبب البخار، وكذلك إذا وضع في المأكولات الاخرى كالمحشى والكبة وغيرهما فلا حرمة ولانجاسة على الاقوى. [ المسألة 123: ] إذا غلى العصير العنبي بالنار حرم أكله وشربه كما ذكرنا في المسألة المائة والخامسة عشرة ولا يكون حلالا الا بذهاب ثلثيه بالغليان بالنار، ولا يكفي أن يذهب ثلثاه بغير غليان، ولا يكفي أن يذهب ثلثاه بالغليان بغير النار. ولا يكفي - على الاحوط - أن يذهب بعض الثلثين بنفس غليانه بالنار، ثم يذهب بقية الثلثين بالحرارة الباقية فيه بعد سكون الغليان ورفعه عن النار. [ المسألة 124: ] إذا أضيف إلى العصير مقدار من الماء ثم غلي بالنار فلا يحل أكله أو شربه حتى يذهب ثلثا العصير نفسه، ولا يكفي أن يذهب ثلثا المجموع من العصير والماء، فإذا كان العصير عشرة أرطال وأضيف إليه عشرون رطلا من الماء لم يكف في حله أن يذهب منه بالغليان عشرون

[ 371 ]

رطلا وتبقى عشرة أرطال، بل لا يحل حتى يكون الباقي منه ثلث العشرة، وهي مقدار نفس العصير. [ المسألة 125: ] إذا غلى العصير بالنار فأصبح دبسا غليظا قبل أن يذهب ثلثاه، لم يحل أكله بذلك حتى يذهب بقية ثلثيه بالغليان، فإذا أضيف إليه مقدار من الماء ليغلي معه فلابد وأن يغلي حتى يبقى ثلث العصير وحده، ولا يكفي أن يذهب ثلثا المجموع منه ومن الماء كما قلنا. [ المسألة 126: ] إذا طبخ العصير العنبي بالنار ولم يذهب ثلثاه بالغليان، ثم أضاف إليه مقدارا آخر من العصير غير المغلي، لم يحل أكله ولا شربه حتى يغلي الجميع بالنار إلى أن يذهب الثلثان من مجموع ما بقي من العصير الاول وما أضافه إليه من العصير الثاني، ولا يحتسب المقدار الذي ذهب بالغليان قبل اضافة الثاني. فإذا كان العصير الاول عشرة أرطال، وذهب بالغليان منه رطل واحد، ثم اضاف إليه تسعة أرطال أخرى، فقد أصبح المجموع ثمانية عشر رطلا، ولا يحل أكله وشربه حتى يطبخ بالنار ويذهب منه اثنا عشر رطلا، ويبقى منه ستة ارطال، ولا يحسب الرطل الواحد الذي ذهب بالغليان الاول. وأحوط من ذلك أن يغلي كل واحد من العصيرين مستقلا عن الآخر، فيغلي الاول حتى يتم ذهاب ثلثيه ولا يضيف إليه العصير الآخر، ويغلي الثاني منفردا عن الاول حتى يذهب ثلثاه، ثم يجمع بينهما إذا شاء. [ المسألة 127: ] إذا غلى عصير العنب بنفسه أو بوسيلة أخرى غير النار كالشمس أو حرارة الهواء وشبههما أو نش كذلك فقد تقدم ان الاحوط لزوما الحكم بنجاسته وحرمته، ولا يحكم بطهارته واباحته حتى ينقلب خلا وهذا هو حكمه في هذا الحال سواء أضيف إليه ماء أو عصير آخر مطبوخ أو غير مطبوخ أم لم يضف إليه شئ فإذا انقلب الجميع خلا طهر الجميع

[ 372 ]

وحل شربه، ويطهر معه ما يكون فيه بحسب العادة من حبات عنب أو طين قليل أو ثفل أو رواسب يتعارف وجودها فيه ولا ينفك عنها غالبا. وهذا هو الحكم ايضا في عصير الزبيب إذا نش أو غلى بغير النار وقد ذكرناه في المسألة المائة والثامنة عشرة. [ المسألة 128: ] الظاهر انه لا فرق في الحكم بين النار التي تتولد من طاقة الكهرباء وسواها، فإذا طبخ العصير على آلة كهربائية تولد النار كان له الحكم الذي ذكرناه للمغلي على النار فلا يحل أكله وشربه حتى يذهب ثلثاه بالغليان بالنار ولا يجري فيه حكم المغلي بغير النار، وكذلك في عصير الزبيب. [ المسألة 129: ] إذا جعلت في عصير العنب بعض قطع الفاكهة كالسفرجل والتفاح وشبه ذلك ثم طبخ العصير وما معه بالنار حرم شربه وأكل ما فيه، فإذا غلى الجميع حتى ذهب ثلثا العصير بالغليان حل شربه وأكله وأكل ما فيه، والمراد ان يذهب الثلثان من العصير حتى ما في جوف قطع الفاكهة منه. وإذا نش العصير أو غلى بغير النار حكم عليه وعلى ما فيه بالنجاسة والحرمة على الاحوط، وإذا انقلب العصير خلا لم يطهر ما فيه من قطع الفاكهة، فلا يطهر العصير نفسه ايضا لملاقاته المتنجس. وإذا اخرجت القطع المتنجسة جميعا عن العصير قبل انقلابه ثم انقلب العصير وحده بعد ذلك خلا حكم عليه بالطهارة والاباحة. [ المسألة 130: ] إذا غلى عصير العنب بالنار حرم شربه وأكله حتى يذهب ثلثاه بالغليان كما ذكرناه اكثر من مرة، ويثبت ذهاب الثلثين منه بالعلم بذلك، وبشهادة البينة العادلة به، فإذا علم الرجل بأن العصير قد ذهب منه ثلثاه بالغليان أو شهدت به البينة جاز له شربه وأكله واطعامه للآخرين وترتيب الآثار الاخرى على حله.

[ 373 ]

وكذلك إذا أخبره صاحب اليد على العصير بذلك، وكان المخبر مسلما ولا يستحل العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه، فيقبل قوله ويصح له ان يرتب الآثار على صدقه. ويشكل الاكتفاء بمجرد كونه صاحب يد إذا هو لم يخبر بذهاب الثلثين، فلا يصح له أخذ العصير منه وترتيب آثار الحل عليه على الاحوط، وان كان مسلما وممن يعتقد بحرمة العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه. ويشكل الاعتماد على قوله إذا اخبر بحلية العصير المطبوخ أو بذهاب ثلثيه إذا كان ممن يختلف معه في الاجتهاد أو التقليد فهو يكتفي في حل العصير بصيرورته دبسا عن ذهاب الثلثين، فالاحوط الاجتناب في هذه الصورة وخصوصا مع التهمة، فلا يعتمد على قوله. [ المسألة 131: ] إذا علم الرجل باسكار العصير أو شهدت له البينة بذلك أو ثبت بقول أهل الخبرة حكم بنجاسته وحرمته، ولم يطهر ولم يحل شربه حتى ينقلب خلا، ولا فرق في هذا الحكم بين عصير العنب والزبيب والتمر وغيرها من أقسام العصير، ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الطبخ أو بعده. [ المسألة 132: ] يحل شرب عصير العنب إذا لم تحدث فيه حالة النشيش أو الغليان، ولم يك مسكرا ولا ممزوجا بمسكر أو بمحرم آخر، وكذلك في عصير الزبيب، وقد ذكرنا الحكم في عصير التمر في المسألة المائة والتاسعة عشرة. [ المسألة 133: ] يجوز شرب جميع ما يعتصر من الفواكه الاخرى والمخضرات والنباتات وجميع الاشربة التي تستحضر منها أو من غيرها أو تصعد منها أو من غيرها، إذا لم تكن مسكرة أو ممزوجة بمسكر أو بمحرم آخر أو مأخوذة من مسكر أو محرم بغير التصعيد ولم تكن مضرة، وكذلك الحكم في المياه الغازية المتداولة في هذه الازمان.

[ 374 ]

[ المسألة 134: ] يحل شرب المياه المعدنية التي تنفجر بها بعض العيون وتعلق بها رائحة بعض المعادن أو بعض طعومها كماء الكبريت ونحوه، وإذا كانت مضرة حرمت للضرر. [ المسألة 135: ] يجوز أكل ربوب الثمار والفواكه، وهي ما يخثر من عصيرها مثل رب الرمان ورب التفاح والتوت وغيرها، ويجوز آكل المربيات، وهي ما يطبخ من قطع الفواكه والثمار مع السكر، مثل مربى السفر جل ومربى الخوخ والتين وغيرها، ولا يمنع من أكلها ان يشم منها رائحة المسكر، ما لم تكن مسكرة بالفعل أو تمزج به أو بمحرم آخر. [ المسألة 136: ] قد يعلق بالماء من رواسب قاع النهر أو قاع الهور والآجام، من طين متغير الرائحة أو نبات متعفن، أو تجمع في السمك وبيوضه وصغاره من محلل ومحرم، ومن بعض الحشرات، فلا يحرم بذلك شرب الماء وان تغيرت بسبب ذلك رائحته أو لونه، وإذا كان مضرا حرم شربه لضرره. [ المسألة 137: ] لا يجوز للانسان أن يأكل أو يشرب من طعام الغير وشرابه الا بأذنه أو رضاه، من غير فرق بين المسلم والكافر إذا كان ممن يحترم الاسلام ماله كالذمي والمعاهد. [ المسألة 138: ] يجوز للانسان إذا مر في طريقه بنخل مثمر أو بشجر مثمر للغير ان يأكل من الثمر بمقدار شبعه، من غير فارق بين ان يأكل من النخلة أو الشجرة نفسها أو مما تساقط منها، وسواء كان مضطرا إلى الاكل منه ام لا، شريطة ان لا يفسد الثمر أو الاغصان أو الارض، أو يفسد شيئا من ممتلكات صاحب المال، ولا يجوز له ان يحمل معه شيئا من الثمرة وان كان قليلا. ويختص هذا الحكم بثمرة النخيل والشجر، فلا يجوز ذلك في الخضر والمزروعات الاخرى على الاحوط لزوما، ولا يتعدى الحكم بالجواز إلى

[ 375 ]

النخيل والشجر النادر الذي يعتز المالك بثمرته، فلا يحل التناول منه على الاحوط بل على الاقوى. وقد ذكرنا تفصيل ذلك والاحكام التي تتعلق به في المسألة الاربعمائة والحادية والاربعين من كتاب التجارة وما بعدها فلتراجع. [ المسألة 139: ] يجوز للانسان أن يأكل من البيوت الخاصة التي ذكرتها الآية الحادية والستون من سورة النور من غير حاجة إلى الاذن من أهل هذه البيوت واحراز الرضا منهم، والآية الكريمة المشار إليها، هي قوله تعالى: (ليس على الاعمى حرج،.....، ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم، أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت اخوانكم، أو بيوت أخواتكم، أو بيوت أعمامكم، أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم، أو بيوت خالاتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو صديقكم، ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا...). فيجوز للانسان أن يأكل من هذه البيوت المذكورة ويجوز له أن يشرب منها ولا يتوقف حل أكله وشربه منها على اذن أربابها واحراز رضاهم، بل يحل له ذلك في حال الاختيار منه وان لم يك مضطرا، وفي حال الشك في رضاهم وعدمه، الا أن يعلم بعدم الرضا منهم أن يظن بذلك، فلا يجوز له الاكل حين ذلك. والمراد بما ملكتم مفاتحه بيت موكل الانسان الذي فوض إليه أمر بيته وادارة شؤون البيت وحفظه، وفي عطف هذه البيوت في الآية الكريمة على بيت الانسان نفسه دلالة عميقة على قوة الصلة وشدة الارتباط بين الانسان وأرحامه الذين ذكرتهم الآية، وبينه وبين صديقه حين تكون صداقتهما صادقة قائمة على الحب في الله والولاية فيه، وهذا هو الذي يريده الاسلام للاصدقاء في المجتمع المسلم، وبينه وبين من ملكه مفاتح بيته وائتمنه على حفظه وادارته وهي صداقة ومعاملة تقومان على الصدق والولاية في الله. وكذلك في قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو اشتاتا، فيصح له أن يأكل من البيت مع صاحب البيت أو منفردا عنه أو مع عدم حضوره بلا حرج ولا جناح

[ 376 ]

وفي ذلك من الدلالة على عمق الصلة التي ينطبع عليها المجتمع المسلم. نعم لا يتناول الاذن بالاكل أو الشرب من هذه البيوت: أن يأكل الانسان ما يعتز به صاحب البيت أو يحتفظ به لبعض الخاصة من الضيوف مثلا وذوي المنزلة الذين يعتني بتكريمهم، فلا يجوز له أن يأكل منه الا باذن صاحب البيت ورضاه، ولا يتعدى الاذن إلى غير البيوت كالمحلات والدكاكين والبساتين، فلا يأكل منها الا باذن صاحبها ولا يجوز له أن يشتري من السوق مثلا بعض الاشياء ليأكلها في البيت ويدفع صاحب البيت ثمنها، أو يؤخذ الثمن من البيت، فلا يحل ذلك بغير اذن، ولا يتجاوز الاذن نفس الانسان، فلا يجوز له ان يطعم ضيوفه الخاصين به مثلا من تلك البيوت بغير اذن. [ المسألة 140: ] يجوز للزوجة أن تأكل من بيت زوجها من غير اذنه، ولعلها داخلة في قوله تعالى: أن تأكلوا من بيوتكم، فان بيت الزوج هو بيت الزوجة، فيجوز لها أن تأكل منه وتشرب كما تقدم ويجوز لها أن تتصدق منه وفي ذلك فروض وتفصيل يتعرض لها في فصل النفقات من كتاب النكاح، وإذا كان للزوج بيتان أو أكثر وكانت الزوجة في أحد بيوته جاز لها الاكل والشرب منه كما تقدم، وهل لها أن تأكل وتشرب من بيوته الاخرى بغير اذنه؟ فيه تأمل ولابد من مراعاة الاحتياط. ويجوز للاب والام أن يأكلا من بيت ولدهما على النهج الذي ذكرناه في بقية الارحام، والاكل والشرب من البيوت التي ذكرتها الآية الكريمة انما هو حق شرعي انساني للشخص في هذه البيوت وليس من النفقة ولذلك فلم يختص بمن تلزم نفقته ولم يشترط بشروطها، فيجوز للانسان وان كان غنيا أن يأكل من هذه البيوت وان كان صاحب البيت فقيرا، ولعل ذلك يكون أبلغ في احكام الصلة وتوثيقها حين تنقى الضمائر. [ المسألة 141: ] إذا اضطر الانسان إلى أكل اي محرم من المحرمات أو إلى شربه، جاز

[ 377 ]

له تناول ذلك المحرم للضرورة إذا لم يكن الانسان باغيا ولا عاديا، ولا اثم عليه في تناوله، وسيأتي توضيح جميع مقاطع المسألة. [ المسألة 142: ] الاضطرار للمحرم ان يتوقف على أكله أو على شربه حفظ نفس الانسان من التلف والهلاك المتيقن، أو المظنون أو المحتمل، احتمالا يعتد به الناس العقلاء ويحذرونه ويتفادون عن وقوعه، أو يكون عدم أكل ذلك المحرم أو شربه سببا لحدوث مرض مهلك أو شديد لا يتحمل عادة، ويكون حدوث المرض متيقنا أو مظنونا أو محتملا احتمالا يحذر العقلاء من وقوعه، ويسعون للتخلص والنجاة منه. أو يكون ترك أكل المحرم أو ترك شربه سببا لطروء ضعف شديد يؤدي إلى التلف أو إلى مرض لا يتحمل عادة اما قطعا أو ظنا أو احتمالا يخاف منه على نحو ما تقدم، أو يكون الضعف المذكور موجبا للتخلف في السفر عن رفقته فيكون موجبا للعطب والمقطوع به أو المخوف وقوعه. [ المسألة 143: ] من الاضطرار المبيح لتناول المحرم: أن تخاف المرأة الحامل إذا هي لم تأكل الشئ المحرم أو لم تشربه على جنينها من الموت أو السقوط، يقينا أو ظنا أو احتمالا يخشى وقوعه، ومن الاضطرار: أن تخاف المرأة المرضعة إذا هي تركت أكل المحرم أو شربه ان ينقطع لبنها فيكون ذلك سببا لهلاك طفلها. ومن الضرورة المبيحة للمحرم: أن يخشى المريض إذا هو ترك أكل المحرم أو شربه ان تطول مدة مرضه الذي لا يتحمل عادة أو يعسر علاجه على النحو المتقدم في نظائره، فيباح للانسان أن يتناول المحرم في الصور المفروضة في هذه المسألة وفي سابقتها. [ المسألة 144: ] من الضرورة: أن يكره ظالم انسانا على أكل المحرم أو على شربه ويتوعده إذا هو خالف ولم يفعل أن يوقعه في المحذور في نفسه أو في نفس محترمة أخرى، أو في عرضه أو في عرض محترم، أو في ماله.

[ 378 ]

أو في مال محترم يكون فوته موجبا للوقوع في الحرج، ومن الضرورة: أن يتقي الرجل من أحد تقية تسبب له نظير ما تقدم ذكره في الاكراه، فيباح له تناول المحرم. [ المسألة 145: ] إذا توقف حفظ نفس الانسان أو سلامة حياته عن التلف أو عن القتل على أكل محرم أو على شربه، وجب عليه أكله وشربه ولم يجز له التنزه عنه في هذه الصورة، ولا فرق في هذا الحكم بين الخمر وغيرها من المشروبات المحرمة، ولا بين الطين وغيره من المأكولات المحرمة، فإذا عطش الرجل وخاف الهلاك من العطش ولم يجد غير الخمر، وجب عليه شربه، وإذا جاع حتى خشي الموت من شدة الجوع ولم يجد ما يأكله غير الطين وجب عليه أكله ولم يجز له التنزه عنهما. [ المسألة 146: ] يشترط في اباحة أكل المحرم للانسان وشربه عند الاضطرار إليه أن لا يكون باغيا ولا عاديا، والباغي هو الذي يخرج على الامام الحق العادل، ومن يخرج الى الصيد بطرا ولهوا، والعادي هو قاطع الطريق، وقد يلحق به السارق، فإذا اضطر الرجل إلى تناول المحرم وكان باغيا أو عاديا لم يجز له التناول منه ويكون آثما عاصيا في تناوله، وان أجاز له العقل أن يتناول منه تقديما لاخف المحذروين على أشدهما، ولكن العقاب الشرعي لا يسقط عنه بذلك، على اشكال في الخارج عن طاعة الامام في ذلك فهو ممن يباح قتله، فلا يجوز حفظ نفسه عقلا. [ المسألة 147: ] إذا اضطر الانسان إلى أكل محرم أو إلى شربه وجب عليه أن يتناول المقدار الذي ترتفع به الضرورة خاصة ولا يحل له أن يزيد على ذلك، فإذا عطش حتى خشي الهلاك من العطش جاز له أن يشرب من المحرم ما ترتفع به شدة عطشه عنه وينجيه من الهلاك ولا تباح له الزيادة عليه، وإذا جاع حتى خاف الموت من الجوع حل له أن يأكل من المحرم الذي يجده ما يسد به رمقه ويحفظه من الموت جوعا، ولا يزد على ذلك.

[ 379 ]

وإذا اضطر إلى أكثر من ذلك جازت له الزيادة بمقدار ما تحتمه الضرورة، ولا يتجاوز أقل ما تتأدى به الضرورة. [ المسألة 148: ] لا يجوز للمريض أن يتداوى بالمأكولات أو المشروبات المحرمة أو الممزوجة بالمحرم إذا وجد الدواء المحلل ولم ينحصر علاج مرضه بالمحرم، وإذا انحصر علاجه بشرب المحرم أو أكله ولم يوجد له دواء محلل التناول جاز للمريض تناول المحرم والتداوي به، والمدار في الانحصار وعدم الانحصار هو حكم الاطباء الحذاق الثقاة، وقول أهل الخبرة الموثوقين بعد تعيين المرض، والمدار أيضا هو الانحصار وعدم الانحصار في ما يوجد بأيدي الناس من العلاجات والادوية، فقد لا يوجد للمرض دواء آخر في بلد ويوجد له في بلد آخر، فإذا لم يمكن جلب الدواء من بلده إلى بلد المريض كان دواؤه منحصرا في المحرم. [ المسألة 149: ] الظاهر انه يجوز للمريض الشديد المرض ان يتداوى عنه بتناول الخمر أو المسكر، إذا علم بأن مرضه وان كان شديدا أو مهلكا، الا أنه قابل للعلاج، فهو مهلك أو شديد إذا لم يعالج، وقابل للبرء إذا عولج، وعلم كذلك بأن علاجه من المرض ينحصر بتناول المسكر ولا دواء له غيره، فإذا علم المريض بذلك من قول حذاق الاطباء أو أهل الخبرة الموثوقين، جاز له التداوي به. غير أن هذا الفرض بعيد التحقق جدا في هذه الازمنة، فان انحصار العلاج بالمسكر وحده بعد تقدم الطب وتوفر وسائل العلاج في غاية البعد إذا لم يكن ممتنعا، فيجب التثبت والفحص والتوقي بما يستطاع، وإذا ثبت انحصار الدواء به جاز تناوله. [ المسألة 150: ] إذا اضطر الانسان إلى الاكل أو الشرب من مال غيره لسد رمقه بحيث لم يجد ما يأكل أو يشرب غير ذلك المال، والصور التي يحتمل فرضها في المسألة ثلاثة.

[ 380 ]

الصورة الاولى: أن يكون صاحب المال حاضرا، وأن يكون مضطرا أيضا إلى أكل ذلك المال أو إلى شربه، ومثال ذلك أن يكون الرجلان معا في مفازة ولا يجدان فيها ما يأكلان أو يشربان غير ذلك المال الذي يملكه أحدهما. والظاهر في هذه الصورة انه يجب على مالك المال أن يختص به لنفسه ولسد ضرورته، ولا يجوز له بذله للمضطر الآخر بعد أن كان وهو مالك المال مضطرا كاضطراره، ولا يكون هذا من موارد الايثار على نفسه، ولا يحق للمضطر الآخر أن يقهره ويأخذ المال منه، وإذا قهره وأخذ المال منه كان آثما وضامنا، وان كان مضطرا. [ المسألة 151: ] الصورة الثانية: أن يكون صاحب المال حاضرا وغير مضطر إلى أكل المال أو شربه، والاحوط لزوما في هذا الفرض أن يبذل المالك ماله للمضطر، ولا يتعين عليه أن يكون البذل مجانا من غير عوض بل يصح له أن يشترط عليه دفع العوض. وإذا امتنع المالك عن بذل المال للمضطر بعوض وبغير عوض جاز له قهره على البذل، ولا يجوز له ان يقهره على البذل بدون عوض. وإذا بذل المالك للمضطر المال واشترط عليه دفع العوض وقدره له صح له ذلك، سواء كان العوض الذي قدره أقل من ثمن المثل أم مساويا له أم زائدا عليه، إذا لم تكن الزيادة موجبة للحرج على المضطر، وإذا بذل المالك المال للمضطر واشترط عليه العوض ولم يقدره بمقدار، أخذ المضطر المال ووجب عليه دفع قيمة المال إذا كان قيميا ودفع مثله إذا كان مثليا. وإذا اشترط العوض وتعين القدر بأحد الوجوه المتقدمة وطالب المالك المضطر وكان قادرا على دفعه وجب عليه الدفع، وإذا كان غير قادر بقي في الذمة وتوقع حصول الميسرة، وإذا كان المال مثليا وكانت له قيمة في حال الاضطرار كالماء في المفازة ثم سقطت قيمته عند وجود المثل كالماء بعد الوصول الى النهر ومجاري العيون، كان الحكم في

[ 381 ]

الفرض هو ما بيناه في المسألة الثانية والاربعين من كتاب الغصب فليرجع إلى ما فصلناه فيها. [ المسألة 152: ] الصورة الثالثة: أن يكون صاحب المال غائبا حال اضطرار المضطر الى الاكل من ماله، والحكم في هذه الصورة انه يجوز للمضطر أن يأكل أو يشرب من المال ما يسد به رمقه لا اكثر، ويجب عليه ان يقدر العوض تقديرا صحيحا ويجعله في ذمته بدلا عما تناول من المال، ولا يجوز له أن يجعل العوض أقل من ثمن المثل. ولا يترك الاحتياط بأن يراجع الحاكم الشرعي في ذلك مع الامكان، وإذا لم يمكنه ذلك رجع به إلى عدول المؤمنين. [ المسألة 153: ] يحرم الاكل على مائدة يشرب عليها الخمر أو يشرب عليها شئ من المسكرات أو الفقاع، بل الاحوط لزوما عدم الجلوس على المائدة وان لم يأكل منها شيئا. [ المسألة 154: ] يحرم الاكل والجلوس على مائدة يرتكب عليها شئ من معاصي الله إذا كان في ترك الاكل وفي ترك الجلوس عليها نهي عن المنكر، ويحرم الاكل والجلوس عليها إذا كان في الجلوس مع أصحابها وفي الاكل من مائدتهم تشجيع لهم على ارتكاب المآثم أو تهوين لامر المنكر عندهم أو اغراء لآخرين بالاقتداء بهم. [ الفصل الرابع ] [ في خصائص بعض المطعومات والمشروبات ] [ المسألة 155: ] ينبغي اكرام الخبز سواء كان من الحنطة ام الشعير، ففي الحديث عن الامام أبي عبد الله (ع) قال قال النبي صلى الله عليه وآله: أكرموا الخبز، فانه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الارض والارض وما فيها من كثير من خلقها.

[ 382 ]

وعنه صلى الله عليه وآله: انه قال: أكرموا الخبز، قيل يا رسول الله وما اكرامه؟ قال: إذا وضع لا ينتظر به غيره، إلى ان قال: ومن كرامته أن لا يوطأ، ولا يقطع، والمراد ان لا يقطع بالسكين، وقد تكرر في الروايات النهي عن ذلك وهي دالة على كراهة ذلك. ويكره وضع الرغيف تحت القصعة، وتحرم اهانة الخبز ودوسه بالارجل بقصدها، بل تحرم اهانة غيره مما أنعم الله به على الناس من المطعومات والاحاديث به كثيرة ودلالتها عليه واضحة. [ المسألة 156: ] عن أبي عبد الله (ع) انه قال: في التمرة والكسرة تكون في الارض مطروحة فيأخذها انسان ويأكلها لا تستقر في جوفه حتى تجب له الجنة، وعنه (ع): قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وجد تمرة أو كسرة ملقاة فأكلها لم تستقر في جوفه حتى يغفر الله له، وعنه (ع): قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على بعض ازواجه فرأى كسرة كاد أن يطأها، فأخذها وأكلها وقال: يا فلانه اكرمي جوار نعم الله عليك فانها لم تنفر عن قوم فكادت تعود إليهم. [ المسألة 157: ] في الرواية: كان علي بن الحسين (ع) يحب أن يرى الرجل تمريا، لحب رسول الله صلى الله عليه وآله التمر، وعن ابي عبد الله (ع): ما قدم إلى رسول صلى الله عليه وآله طعام فيه تمر الا بدأ بالتمر. وعنه صلى الله عليه وآله: انه قال لعلي (ع): انه ليعجبني الرجل أن يكون تمريا. وفي المرفوعة: من أكل التمر على شهوة رسول الله صلى الله عليه وآله اياه لم يضره، وعن علي (ع) قال: خالفوا أصحاب المسكر وكلوا التمر فان فيه شفاءا من الادواء. [ المسألة 158: ] في بعض الاحاديث عن أبي عبد الله (ع) قال: خمسة من فاكهة الجنة في الدنيا: الرمان الملاسي، والتفاح الشيقان، والسفرجل، والعنب الرازقي، والرطب المشان.

[ 383 ]

وعن ابي جعفر (ع): قال: أربعة نزلت من الجنة، العنب الرازقي، والرطب المشان، والرمان الملاسي، والتفاح الشيقان. وعن ابي عبد الله (ع) قال: يا أهل الكوفة لقد فضلتم الناس في المطعم بثلاث: سمككم هذا البناني، وعنبكم هذا الرازقي، ورطبكم هذا المشان. [ المسألة 159: ] ورد عن الامام جعفر بن محمد (ع) قال: شكا نبي من الانبياء إلى الله عز وجل الغم، فأمره عز وجل بأكل العنب. وقال (ع): ان نوحا شكا إلى الله الغم، فأوحى الله إليه: كل العنب فانه يذهب بالغم. [ المسألة 160: ] عنه (ع) قال: الزبيب يشد العصب ويذهب بالنصب ويطيب النفس. وعن الامام أبي الحسن الرضا (ع) عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله عليكم بالزبيب فانه يكشف المرة ويذهب بالبلغم ويشد العصب ويذهب بالاعياء، ويحسن الخلق ويطيب النفس ويذهب بالغم. [ المسألة 161: ] عن أبي عبد الله (ع): عليكم بالرمان فانه لم يأكله جائع الا أجزأه ولا شبعان الا امرأه. وعنه (ع): من أكل الرمان طرد عنه شيطان الوسوسة. وعن النبي صلى الله عليه وآله: الرمان سيد الفاكهة. وعن ابي عبد الله (ع) قال: كلوا الرمان بشحمه فانه يدبغ المعدة ويزيد في الذهن. [ المسألة 162: ] وعن أحدهم (ع): كل التفاح فانه يطفئ الحرارة، ويبرد الجوف، ويذهب بالحمى. وعن الامام الصادق (ع): لو يعلم الناس ما في التفاح ما داووا مرضاهم الا به. وعنه (ع): أطعموا محموميكم التفاح، فما من شئ أنفع من التفاح.

[ 384 ]

[ المسألة 163: ] عن أبي ابراهيم (ع): ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لجعفر، يا جعفر، كل السفرجل فانه يقوي القلب ويشجع الجبان، وفي الخصال: أكل السفرجل قوة للقلب الضعيف ويطيب المعدة ويزيد في قوة الفؤاد ويشجع الجبان ويحسن الجلد. وعن أبي عبد الله (ع): السفرجل يذهب بهم الحزين كما تذهب اليد بعرق الجبين. وعن الرسول صلى الله عليه وآله: عليكم بالسفرجل فانه يجلو القلب ويذهب بطخاء الصدر. وعن أحدهم (ع): عليكم بالسفرجل فكلوه فانه يزيد في العقل والمروة. [ المسألة 164: ] عن أبي الحسن الرضا (ع): التين يذهب بالبخر ويشد العظم، وينبت الشعر ويذهب بالداء ولا يحتاج معه إلى دواء، وقال (ع): التين أشبه شئ بنبات الجنة. [ المسألة 165: ] عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: كان في ما أوصى به آدم ولده هبة الله ان قال له: كل الزيتون فانه من شجرة مباركة. وعن أبي عبد الله (ع): أنه ذكر عنده الزيتون فقال رجل: انه يجلب الرياح، فقال: لا ولكن يطرد الرياح، وعنه (ع): الزيتون يزيد في الماء. [ المسألة 166: ] عن أبي عبد الله (ع): كلوا الكمثرى فانه يجلو القلب ويسكن اوجاع الجوف باذن الله. وعنه (ع) الكمثرى يدبغ المعدة ويقويها، وهو والسفرجل سواء، وهو على الشبع أنفع منه على الريق.

[ 385 ]

[ المسألة 167: ] عن ابراهيم بن عمر اليماني، قال: قلت لابي عبد الله (ع): انهم يزعمون ان الاترج على الريق أجود ما يكون، فقال أبو عبد الله (ع): ان كان قبل الطعام خيرا، فبعد الطعام خير وخير. وعنه (ع): كلوا الاترج بعد الطعام: فان آل محمد يفعلون ذلك. وعن أبي الحسن الرضا (ع): ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعجبه النظر إلى الاترج الاخضر والتفاح الاحمر. [ المسألة 168: ] ورد عن الامام أبي عبد الله (ع): كلوا البطيخ فان فيه عشر خصال مجتمعة، هو شحمة الارض لاداء فيه ولا غائلة، وهو طعام وشراب، وهو فاكهة، وهو ريحان، وهو أشنان، وهو أدام، ويزيد في الباه، ويغسل المثانة ويدر البول. وعن أبي الحسن الاول (ع): قال أكل رسول الله صلى الله عليه وآله البطيخ بالسكر، وأكل البطيخ بالرطب. وعن أبي عبد الله (ع): كان النبي صلى الله عليه وآله يعجبه الرطب بالخربز. (وهو البطيخ، أو هو نوع منه). وفي العيون عن الرضا (ع) قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله ببطيخ ورطب فأكل منهما وقال: هذان الاطيبان. [ المسألة 169: ] تولد مع الزمان مئات الاجناس والانواع والاصناف من الفواكه، مختلفة الطعوم والاشكال والعطور والمنافع، ومتشابهتها، وقد عرفها الانسان وجربها، وأفاد منها، ودله الطب الحديث وبعض العلوم الاخرى على الكثير الجم من فوائدها ومنافعها، وكلها من الحلال الطيب الذي خلقه الله للناس من هذه الارض، والطيبات من الرزق التي أخرجها لعباده. والانسان في هذه الابواب وأمثالها لا يبتغي تعريفا بالنعمة، بقدر ما يبتغي تنبيها على حق المنعم، والتفاتا واعيا الى وجوب شكره واداء

[ 386 ]

حقه، فالانسان لربه جحود كنود، ومنه سبحانه الدلالة لمعرفة النعمة والهداية لعرفان الحق، والعون والتمكين من اداء الواجب. [ المسألة 170: ] في الحديث عن حنان، قال: كنت مع أبي عبد الله (ع) على المائدة، فمال على البقل، وامتنعت انا منه لعلة كانت بي، فالتفت الي فقال: يا حنان اما علمت ان امير المؤمنين (ع) لم يؤت بطبق الا وعليه بقل؟ قلت: ولم؟ قال: لان قلوب المؤمنين خضرة فهي تحن إلى شكلها. وقد ورد عن ابي عبد الله (ع): الهندباء سيد البقول. وعنه (ع) قال: بقلة رسول الله صلى الله عليه وآله الهندباء، وبقلة أمير المؤمنين (ع) الباذروج (وهي الريحان) وبقلة فاطمة الفرفخ، وعنه (ع) عن الرسول صلى الله عليه وآله: عليكم بالفرفخ وهي المكيسة فإذا كان شئ يزيد في العقل فهي. وعنه (ع) قال: ذكر البقول عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: سنام البقول ورأسها الكراث وفضله على البقول كفضل الخبز على سائر الاشياء، وهي بقلتي وبقلة الانبياء قبلي وانا أحبه. وعنه (ع) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: عليكم بالكرفس فانه طعام الياس واليسع ويوشع بن نون. وعنه (ع) قال: عليكم بالخس فانه يصفي الدم. وعنه (ع): الفجل أصوله تقطع البلغم ولبه يهضم، وورقه يحدر البول حدرا. وعنه (ع): البصل يذهب بالنصب ويشد العصب ويزيد في الخطى ويزيد في الماء ويذهب بالحمى، وفي رواية أخرى انه ذكر البصل فقال (ع): يطيب النكهة ويذهب بالبلغم ويزيد في الجماع. [ المسألة 171: ] عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه (ع): كان النبي صلى الله عليه وآله يحب من الشراب اللبن. وعنه (ع) قال: اللبن طعام المرسلين. وعنه (ع): كان النبي صلى الله عليه وآله إذا شرب اللبن قال: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه.

[ 387 ]

وعنه (ع): ان رجلا قال له: اني اجد الضعف في بدني فقال: عليك باللبن فانه ينبت اللحم ويشد العظم. وعن الامام أبي جعفر (ع): لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل طعاما ولا يشرب شرابا الا قال: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به خيرا منه، الا اللبن، فانه كان يقول: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، والحديث الشريف واضح الدلالة على أن اللبن غذاء كامل كما يقول العلم الحديث، ولذلك فهو صلى الله عليه وآله يطلب من الله المزيد منه، ولا يطلب غذاءا خيرا منه، وعن أبي عبد الله (ع): اللبن الحليب لمن تغير عليه ماء الظهر، وعن ابي الحسن (ع): من تغير له ماء الظهر، فانه ينفع له اللبن الحليب والعسل. [ المسألة 172: ] روي عن الرسول صلى الله عليه وآله: كلوا الزيت وادهنوا به فانه من شجرة مباركة، وعن أمير المؤمنين (ع): ادهنوا بالزيت وائتدموا به فانه دهنة الاخيار وأدام المصطفين، سبحت بالقدس مرتين، بوركت مقبلة وبوركت مدبرة، لا يضر معها داء، وعن ابي عبد الله (ع) قال: الزيت طعام الاتقياء. [ المسألة 173: ] ورد عن أبي عبد الله (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعجبه العسل، وورد عنه (ع) ما استشفى الناس بمثل العسل، وعن امير المؤمنين: لعق العسل شفاء من كل داء، قال الله عز وجل: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، وهو مع قراءة القرآن ومضغ اللبان يذهب البلغم. [ المسألة 174: ] الحسو، وهو يتخذ عادة من دقيق بعض الحبوب، من جنس واحد منها أو أكثر، مع الدهن والتوابل، يطبخ بالماء حتى يكون طعاما رقيقا، وقد يحلى بالسكر أو بالعسل ونحوهما، وقد يطبخ باللبن أو يجعل فيه، ويسمى التلبين والتلبينية، ثم يحتسى. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: لو أغنى من الموت شئ لاغنت التلبينة.

[ 388 ]

فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما التلبينة؟ قال: الحسو باللبن، الحسو باللبن كررها ثلاثا. وعن أبي عبد الله (ع): ان التلبين يجلو القلب الحزين كما تجلو الاصابع العرق من الجبين. [ المسألة 175: ] قد يستعمل في المصانع الحديثة بعض الكحول في اذابة بعض الجوامد ويتخذ منه شراب معين ويعلم ذلك بقول الخبراء من أهل التحليل أو بقول الاطباء الموثوقين من أهل المعرفة بذلك، وقد يعترف به أصحاب المعامل والشركات أنفسهم عندما يريدون ان يذكروا للناس بعض المعلومات عن مصنوعاتهم للدعاية أو لغير ذلك. فإذا كان النوع المستعمل في اذابة ذلك الشئ الجامد من الكحول المسكر بالفعل، كان الشراب المستحضر منه نجسا ومحرما، وإذا كان من الكحول غير المسكر، فالشراب المتخذ منه لا يكون نجسا ولا محرما، فان الكحول غير المسكر انما يكون محرما إذا كان ساما أو مضرا، ومن الواضح أن المقدار الذي تستعمله الشركات والمصانع في اذابة الشئ الجامد لتجعله شرابا مرغوبا للناس لا يكون ساما ولا مضرا، ولذلك فلا يكون الشراب المتخذ منه محرما، الا إذا تولدت فيه صفة الاسكار بالفعل بسبب وجود تلك النسبة من الكحول فيه، فإذا اسكر كان محرما ونجسا. وكذلك الحكم إذا لم يعلم ان الكحول المستعمل في صناعته من أي النوعين، فلا يكون الشراب نجسا ولا محرما الا إذا اسكر بالفعل، وإذا لم يثبت استعمال الكحول في صناعته، فالشراب طاهر ومحلل ظاهرا حتى يثبت اسكاره بالفعل [ المسألة 176: ] يستحب أن تغسل الفاكهة والثمرة قبل أن تؤكل، ففي الرواية عن ابي عبد الله (ع): ان لكل ثمرة سما، فإذا أتيتم بها فأمسوها الماء واغمسوها في الماء، يعني اغسلوها، وعنه (ع) انه كان يكره تقشير الثمرة.

[ 389 ]

والروايتان المذكورتان علمان من أعلام الامامة، والخلافة الحقة للنبوة، فالامام ا لصادق (ع) في الرواية الاولى يعني بالسم في الثمرة ما يعلق بها من جراثيم الهواء والحشرات المختلفة التي تقع على الثمرة قبل ان تقطف، ولذلك فيستحب غسلها وتنقيتها من هذه السموم، وهذه حقيقة كشف عنها العلم الحديث بعد عدة قرون من حياته (ع) ولم تكن معلومة قبل ذلك. وهو (ع): في الرواية الثانية يكره تقشير الثمرة كالتفاح والتين والخوخ والسفرجل، لان القشر هو الموضع الذي تتركز وتكثر فيه العناصر النافعة في الثمرة، والتي تستفيدها من أشعة الشمس وغيرها من مصادر الفيتامين وغيره من عناصر الغذاء، وهذه حقيقة ثانية دل عليها العلم بعد أن تقدمت كشوفه ونظرياته ولم تكن معروفة كذلك. [ الفصل الخامس ] [ في آداب الاكل وآداب المائدة ] [ المسألة 177: ] يستحب غسل اليدين معا قبل الابتداء بالاكل، سواء كان الاكل بواحدة منهما كما هو الغالب ام كان باليدين معا، كما في بعض المآكل التي يحتاج فيه إلى مباشرتهما معا، بل وان كان الاكل بغير اليد كالملعقة والشوكة، وسواء كان الطعام جامدا أم مائعا، كالحسو والامراق وشبهها. وإذا كان الآكلون جماعة على مائدة واحدة، استحب أن يبدأ بصاحب الطعام فيغسل يديه أولا، ثم يغسل من بعده من يكون على يمينه ثم من يليه مرتبا حتى يختتم الدور بمن يكون على يسار صاحب الطعام. وإذا لم يكن الطعام من واحد معين كما إذا كانوا مشتركين في الطعام بينهم، أو لم يكن صاحب الطعام حاضرا أو كان صائما مثلا بدئ بالغسل بمن يكون على يمين الباب، والامر سهل بعد أن كان ذلك من الآداب المستحبة.

[ 390 ]

ويستحب ان لا يمسح الغاسل يده بالمنديل بعد غسلها قبل الطعام، فعن ابي عبد الله (ع): إذا غسلت يدك للطعام فلا تمسح يدك بالمنديل، فلا تزال البركة في الطعام ما دامت النداوة في اليد. [ المسألة 178: ] تستحب التسمية عند الشروع في الاكل، ففي الحديث عن الصادق (ع) ان الرجل المسلم إذا أراد أن يطعم الطعام فأهوى بيده وقال: بسم الله والحمد لله رب العالمين، غفر الله عز وجل له من قبل أن تصير اللقمة إلى فيه، وعن أمير المؤمنين (ع): من ذكر اسم الله على الطعام لم يسأل عن نعيم ذلك أبدا. [ المسألة 179: ] يستحب التحميد لله عند الفراغ من الاكل، وفي الحديث عن الامام أبي الحسن (ع) انه قال وقد أتي بالطعام: الحمد لله الذي جعل لكل شئ حدا، فقيل له ما حد هذا الطعام؟ فقال (ع) حده إذا وضع ان تسمي عليه وإذا رفع ان تحمد الله عليه، والاحاديث في ذلك كثيرة جدا. وعن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (ع) في حديث التسمية على لطعام، قال: قلت له: فان نسيت أن أسمي قال (ع): تقول بسم الله على أوله وآخره، وعنه (ع): إذا حضرت المائدة فسمى رجل منهم أجزأ عنهم أجمعين، بل ورد استحباب التسمية على كل اناء وعلى كل لون، وعن علي (ع) انه قال: ما أتخمت قط، لاني ما رفعت لقمة إلى فمي الا سميت. [ المسألة 180: ] يستحب أن يكون الاكل والشرب باليمين، فان اليمين هي المجعولة لمهمات الامور والاعمال، وعن سماعة ابن مهران عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يأكل بشماله ويشرب بها؟، فقال (ع): لا يأكل بشماله ولا يشرب بشماله، ولا يتناول بها شيئا، وعنه (ع) قال: لا تأكل باليسرى وأنت تستطيع. [ المسألة 181: ] يستحب أن يكون صاحب الطعام أول من يبدأ بالاكل وآخر من يرفع

[ 391 ]

يده عنه، ففي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أكل مع القوم طعاما، كان أول من يضع يده وآخر من يرفعها، ليأكل القوم. [ المسألة 182: ] يستحب أن يبدأ الآكل بأكل الملح قبل الطعام ويختم به، ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي (ع): افتتح طعامك بالملح واختم به، فان من افتتح طعامه بالملح وختم به عوفي من اثنين وسبعين نوعا من أنواع البلاء، وعن أمير المؤمنين (ع): ابدؤوا بالملح في أول طعامكم فلو يعلم الناس ما في الملح لاختاروه على الدرياق المجرب. [ المسألة 183: ] يستحب للانسان أن يأكل بثلاث أصابع أو بأكثر من ذلك، ولا يأكل باصبعين فقد روي عن أبي عبد الله (ع) أنه كان يجلس جلسة العبد ويضع يده على الارض، ويأكل بثلاث أصابع وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل هكذا، ليس كما يفعل الجبارون يأكل أحدهم باصبعيه، وفي كتاب مكارم الاخلاق عنه صلى الله عليه وآله: ان الاكل باصبعين هو أكل الشيطان. وفي المرفوعة كان أمير المؤمنين (ع) يستاك عرضا ويأكل هرثا، والهرث أن يأكل بأصابعه جميعا. [ المسألة 184: ] يستحب للانسان حين يكون مع غيره على مائدة أن يأكل مما يليه من الطعام ولا يأخذ مما يلي غيره، فعن الرسول صلى الله عليه وآله: إذا أكل أحدكم فليأكل مما يليه، وفي حديث ابي عبد الله (ع): ويأكل كل انسان مما يليه ولا يتناول من قدام الآخر شيئا. [ المسألة 185: ] يستحب للآكل تصغير اللقمة، واجادة المضغ، ففي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) قال: يا علي اثنتا عشرة خصلة ينبغي للرجل المسلم أن يتعلمها على المائدة، إلى ان قال صلى الله عليه وآله: واما السنة فالجلوس على الرجل اليسرى والاكل بثلاث أصابع وأن يأكل مما يليه، ومص الاصابع، واما الادب فتصغير اللقمة والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس وغسل اليدين، وقريب من ذلك ما روي عن الامام الحسن بن علي السبط (ع).

[ 392 ]

[ المسألة 186: ] تستحب اطالة الجلوس على المائدة واطالة مدة الاكل، ففي الرواية عن ابي عبد الله (ع): ما عذب الله عز وجل قوما وهم يأكلون، ان الله عز وجل اكرم من أن يرزقهم شيئا ثم يعذبهم عليه حتى يفرغوا منه، وفي وصية علي لكميل بن زياد: يا كميل إذا أنت أكلت فطول أكلك يستوف من معك وترزق منه غيرك، يا كميل إذا استويت على طعامك فاحمد الله على ما رزقك، وارفع بذلك صوتك ليحمده سواك فيعظم بذلك أجرك، يا كميل لا توقر معدتك طعاما، ودع فيها للماء موضعا وللريح مجالا. [ المسألة 187: ] يستحب لعق الاصابع ومصها وغسل اليدين بعد الفراغ من الاكل، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله انه كان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه في فيه ومصها، وورد ذلك ايضا عن خلفائه المعصومين (ع)، وورد عن أمير المؤمنين (ع): غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة في العمر واماطة للغمر عن الثياب، ويجلو البصر، وعن أبي عبد الله (ع): اغسلوا أيديكم قبل الطعام وبعده فانه ينفي الفقر ويزيد في العمر. [ المسألة 188: ] ومن الآداب المستحبة مسح اليدين بالمنديل بعد غسلهما من الطعام، والخلال من الطعام وأن يلتقط الانسان ما يسقط من الخوان والطبق ويأكله، فقد ورد: انه شفاء من كل داء باذن الله لمن أراد ان يستشفي به، وورد: انه ينفي الفقر ويكثر الولد. وإذا كانت المائدة في صحراء أو شبهها استحب أن يترك ما يسقط من الخوان ليأكله الطير وغيره من الحيوان. [ المسألة 189: ] روي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: تخللوا فانه ينقي الفم ومصلحة للثة، وفي حديثه صلى الله عليه وآله لجعفر بن أبي طالب: تخلل فان الخلال يجلب الرزق. وكان صلى الله عليه وآله يتخلل بكل ما أصاب ما خلا الخوص والقصب، ونهى صلى الله عليه وآله عن التخلل بالرمان والآس والقصب وعن الصادق (ع): لا تخللوا

[ 393 ]

بعود الريحان ولا بقضيب الرمان، وعن علي (ع): التخلل بالطرفاء يورث الفقر. [ المسألة 190: ] يستحب للانسان أن يجيد الاكل في منزل أخيه، وينبسط معه حتى ترتفع الحشمة بينهما، والروايات الآمرة بذلك كثيرة، منها ما روي عن هشام بن سالم قال: دخلنا مع ابن ابي يعفور على ابي عبد الله (ع) ونحن جماعة، فدعا بالغداء فتغدينا وتغدى معنا، وكنت أحدث القوم سنا، فجعلت أحصر (يعني أضيق منه الحياء لاكلي معهم) وانا آكل، فقال (ع) لي: كل، اما علمت أنه يعرف مودة الرجل لاخيه بأكله من طعامه. ومنها: ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: أكلنا مع أبي عبد الله (ع) فأتينا بقصعة من أرز، فجعلنا نعذر (اي نقلل الاكل)، فقال (ع): ما صنعتم شيئا، ان اشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا، قال عبد الرحمن فرفعت كفيحة منه (هكذا في بعض النسخ، ولعل فيها تحريفا، والمراد انه رفع جانبا من الارز ليأكله من باب المطايبة والانبساط) فقال (ع): الآن، ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله اهدي له قصعة ارز من ناحية الانصار، فدعا سلمان والمقداد وابا ذر رحمهم الله فجعلوا يعذرون في الاكل فقال: ما صنعتم شيئا، اشدكم حبا لنا احسنكم أكلا عندنا، فجعلوا يأكلون أكلا جيدا. [ المسألة 191: ] روي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الامام الرضا (ع) انه قال: إذا أكلت فاستلق على قفاك وضع رجلك اليمنى على اليسرى، وروي عنه (ع) أنه إذا تغدى فعل كذلك. [ المسألة 192: ] يكره أكل الطعام الحار فيترك حتى يمكن أكله، فعن أبي عبد الله (ع): الطعام الحار غير ذي بركة، وعنه (ع) قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله بطعام حار، فقال: ان الله لم يطعمنا النار، نحوه حتى يبرد، فترك حتى برد. وعنه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): أقروا الحار حتى

[ 394 ]

يبرد فان رسول الله صلى الله عليه وآله قرب إليه طعام حار فقال أقروه حتى يمكن، ما كان الله ليطعمنا نارا، والبركة في البارد. [ المسألة 193: ] يكره النفخ في الطعام والشراب، فعن النبي صلى الله عليه وآله انه نهى ان ينفخ في طعاما أو شراب وأن ينفخ في موضع السجود، وعن ابي عبد الله (ع): انما يكره ذلك إذا كان معه غيره كراهية ان يعافه. [ المسألة 194: ] يكره انهاك العظم وهو ان يؤكل جميع ما عليه من لحم حتى لا يبقى عليه شئ، فعن الامام علي بن الحسين (ع): لا تنهكوا العظام فان للجن فيها نصيبا، فان فعلتم ذهب من البيت ما هو خير من ذلك. ويكره ان يقطع اللحم على المائدة بالسكين، فان الرسول صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك، ويكره قطع الخبز بالسكين كما تقدم. [ المسألة 195: ] يكره الاكل على الشبع، فقد ورد أنه يورث البرص، وانه من الاشياء التي تذهب ضياعا. ويكره التملي من الطعام، وكثرة الاكل، والنواهي عن ذلك كثيرة، وعن الامام أبي الحسن (ع): ان الله يبغض البطن الذي لا يشبع، ويقول (ع) في حديث آخر: لو أن الناس قصدوا في المطعم لاستقامت أبدانهم. [ المسألة 196: ] يكره أن ترمى الفاكهة قبل أن يستقصى أكلها، ففي الرواية عن ياسر خادم الامام ابى الحسن موسى (ع): قال: أكل الغلمان يوما فاكهة، فلم يستقصوا أكلها ورموا بها، فقال أبو الحسن (ع): سبحان الله ان كنتم استغنيتم فان ناسا لم يستغنوا أطعموه من يحتاج إليه. [ المسألة 197: ] يستحب أن يكون شرب الانسان للماء مصا ولا يعبه عبا، فعن ابي

[ 395 ]

عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مصو الماء مصا ولا تعبوه عبا، فانه يوجد منه الكباد، (والكباد بضم الكاف داء الكبد). [ المسألة 198: ] يستحب أن يكون شرب الماء بثلاثة أنفاس ويكره أن يكون بنفس واحد، ففي الحديث عن أبي بصير قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ثلاثة أنفاس أفضل في الشرب من نفس واحد، وكان يكره أن يتشبه بالهيم، وقال: الهيم النيب، وروي مثله عن الحلبي. [ المسألة 199: ] يستحب للانسان أن يشرب الماء قائما إذا أراد شربه في النهار، ويكره ذلك في الليل، ففي الرواية عن ابي عبد الله (ع): شرب الماء من قيام بالنهار أقوى واصح للبدن، وفي المرفوعة عنه (ع): شرب الماء من قيام بالنهار يمرئ الطعام وشرب الماء بالليل من قيام يورث الماء الاصفر. [ المسألة 200: ] ينبغي الاقلال من شرب الماء الا عند الحاجة فعن أبي عبد الله (ع): من أقل شرب الماء صح بدنه، وعنه (ع): لا يشرب احدكم الماء حتى يشتهيه فإذا اشتهاه فليقل منه، وعنه (ع): لا تكثر من شرب الماء فانه مادة كل داء، وعن أحدهم (ع): لو ان الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم، وقال (ع): شرب الماء على أثر الدسم يهيج الداء. [ المسألة 201: ] يستحب التسمية في أول الشرب والتحميد في آخره، فعن أمير المؤمنين (ع): من ذكر اسم الله على طعام أو شراب في أوله وحمد الله في آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام أبدا، وعن أبي عبد الله (ع) قال: إذا شرب احدكم الماء فقال بسم الله، ثم قطعه فقال: الحمد لله، ثم شرب فقال: بسم الله، ثم قطعه فقال: الحمد لله، ثم شرب فقال: بسم الله، ثم قطعه فقال الحمد الله، سبح ذلك الماء له مادام في بطنه إلى ان يخرج. [ المسألة 202: ] يستحب للانسان بعد شربه الماء، أن يذكر الحسين (ع) ويلعن

[ 396 ]

قاتله، والروايات الدالة على استحباب ذلك والتأكيد عليه كثيرة معروفة، والثواب عليه عظيم كبير. [ المسألة 203: ] يستحب سقي المؤمنين الماء حيث يوجد الماء وحيث لا يوجد، فعن الرسول (ص): من سقى مؤمنا شربة من الماء من حيث يقدر على الماء اعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة، وان سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكانما اعتق عشر رقاب من ولد اسماعيل، وعن علي بن الحسين (ع): من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم. [ المسألة 204: ] من المستحبات التي تكثر الحث والتأكيد عليها اطعام الطعام، ففي الرواية عن معمر بن خلاد قال: رأيت أبا الحسن الرضا (ع) يأكل، فتلا هذه الآية: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة، إلى آخرها ثم قال: علم الله ان ليس كل أحد يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيلا إلى الجنة باطعام الطعام، وعن أبي عبد الله (ع) قال: من الايمان حسن الخلق، واطعام الطعام، وعن أبي جعفر (ع) ان الله يحب اطعام الطعام وافشاء السلام، وعن الرسول صلى الله عليه وآله قال: خيركم من أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى والناس نيام، وعن أبي عبد الله (ع) قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب، فقال يا بني عبد المطلب: أطعموا الطعام وأطيبوا الكلام وافشوا السلام وصلوا الارحام وتهجدوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، وعن علي بن الحسين (ع): من أطعم مؤمنا أطعمه الله من ثمار الجنة، وعن أبي جعفر (ع): لئن أطعم ثلاثة من المسلمين أحب الي من عتق نسمة ونسمة حتى بلغ سبعا، واطعام مسلم يعدل نسمة. وعن حسين بن نعيم الصحاف، قال: قال أبو عبد الله (ع): أتحب اخوانك يا حسين؟ قلت: نعم، قال: وتنفع فقراءهم؟ قلت نعم، قال: أما انه يحق عليك أن تحب من أحب الله، أما انك لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه، أتدعوهم إلى منزلك؟ قلت: ما آكل الا ومعي منهم الرجلان

[ 397 ]

والثلاثة والاقل والاكثر، فقال أبو عبد الله (ع): أما أن فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: جعلت فداك أطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي ويكون فضلهم علي أعظم؟ قال: نعم، انهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك، وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك. [ المسألة 205: ] يستحب للمؤمن ان يجيب دعوة أخيه المؤمن إذا دعاه إلى منزله، وأن يأكل عنده، فعن أبي عبد الله (ع): ان من حق المسلم على المسلم ان يجيبه إذا دعاه، وعن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوصي الشاهد من امتي والغائب أن يجيب دعوة المسلم ولو على خمسة أميال، فان ذلك من الدين، وعن أبي الحسن الرضا (ع): السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه، وعن أبي جعفر (ع) كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجيب الدعوة. [ المسألة 206: ] يستحب اكرام الضيف، ففي الحديث عن ابي عبد الله (ع) قال: مما علم رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة (ع) ان قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وعنه صلى الله عليه وآله: ان من حق الضيف أن يكرم وأن يعد له الخلال، وعنه صلى الله عليه وآله انه قال: من افضل الاعمال عند الله ابراد الاكباد الحارة واشباع الاكباد الجائعة، والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه - أو قال: جاره - المسلم جائع، وعنه صلى الله عليه وآله: الطعام إذا جمع اربع خصال فقد تم، إذا كان من حلال، وكثرت الايدي عليه، وسمي في أوله، وحمد الله في آخره. [ المسألة 207: ] من آداب الضيافة انه تستحب اعانة الضيف في نزوله عند الانسان وتكره اعانته على ارتحاله عنه ففي الحديث عن ميسرة عن أبي جعفر (ع) انه قال: من التضعيف ترك المكافأة، ومن الجفاء استخدام الضيف،

[ 398 ]

فإذا نزل بكم الضيف فأعينوه، وإذا ارتحل فلا تعينوه فانه من النذالة، وزودوه وطيبوا زاده فانه من السخاء. وروي عن ابن أبي يعفور، قال: رأيت لابي عبد الله (ع) ضيفا، فقام يوما في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك وقام (ع) بنفسه إلى تلك الحاجة، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ان يستخدم الضيف، وعن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا دخل الرجل بلدة فهو ضيف على من بها من اخوانه وأهل دينه حتى يرحل عنهم. [ المسألة 208: ] يستحب للانسان أن يجتمع مع أهله وعياله على أكل الطعام إذا لم ينزل به ضيف ففي الحديث عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من رجل يجمع عياله ويضع مائدته بين يديه ويسمى ويسمون في أول طعامهم ويحمدون في آخره فترفع المائدة حتى يغفر لهم، وفي مكارم الاخلاق: كان النبي صلى الله عليه وآله يأكل كل الاصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحل الله له مع أهله وخدمه إذا أكلوا، ومع من يدعوه من المسلمين على الارض وعلى ما أكلوا عليه وما أكلوا، الا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه. [ المسألة 209: ] يستحب للانسان أن يشرب من سؤر أخيه المؤمن، ففي الرواية عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (ع): في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داءا، وفي الخصال عن علي (ع) قال: سؤر المؤمن شفاء، وفي مرفوعة محمد بن اسماعيل: من شرب سؤر المؤمن تبركا به خلق الله بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة. [ المسألة 210: ] يكره للشخص أن يشرب من الاناء أو القدح من موضع كسره أو ثلمه إذا كان مكسورا أو مثلوما ومن موضع عروته إذا كانت له عروة، ففي رواية غياث بن ابراهيم عن ابي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): لا تشربوا الماء من ثلمة الاناء ولا من عروته، وعن ابي عبد الله (ع) قال قال أبي (ع): ولا تشرب من اذن الكوز، ولا من كسر ان كان

[ 399 ]

فيه فانه مشرب الشياطين، وعن النبي صلى الله عليه وآله: ولا يشربن أحدكم الماء من عند عروة الاناء فانه مجتمع الوسخ. [ المسألة 211: ] يكره لمن يأكل الثوم أو البصل أو الكراث أن يدخل إلى المسجد وفي فمه رائحتها، ففي الحديث عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن أكل الثوم، فقال: انما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله لريحه، فقال: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا، واما من أكله ولم يأت المسجد فلا بأس، وعن ابي عبد الله (ع): انه سئل عن أكل الثوم والبصل والكراث، فقال: لا بأس بأكله نيا وفي القدور، ولا بأس بأن يتداوى بالثوم، ولكن من أكل ذلك فلا يخرج إلى المسجد، وعن الحسن الزيات قال: لما قضيت نسكي مررت بالمدينة فسألت عن أبي جعفر (ع) فقالوا: هو بينبع، فأتيت ينبع فقال لي: يا حسن اتيتني إلى هاهنا؟ قلت: نعم، كرهت أن أخرج ولا أراك، فقال: اني أكلت من هذه البقلة - يعني الثوم - فأردت ان أتنحى عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن ابي عبد الله (ع): انه كان يعجبه الكراث وكان إذا أراد أن يأكله خرج من المدينة إلى العريض.

[ 401 ]

[ كتاب اليمين والنذر والعهد ]

[ 403 ]

[ كتاب اليمين والنذر والعهد ] وفيه عدة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الايمان ] [ المسألة الاولى: ] الايمان جمع يمين، ويطلق عليه الحلف والقسم ايضا، واليمين مؤنثة سماعا، والحلف والقسم مذكران، واليمين تقع على عدة وجوه: فمنها يمين اللغو، وهي ما يجرى على الالسنة من صورة القسم لمجرد الاعتياد من غير أن يقصد المتكلم بها يمينا، فإذا سأله أحد مثلا: هل جاء ولدك من السفر؟، قال له اي والله انه قدم ليلة أمس، أو قال: لا والله انه لم يجئ بعد، وإذا سأله: هل رأيت زيدا في هذا اليوم؟ قال: اي والله لقد خرجت صباحا فصادفته، أو قال: لا والله اني لم أره. ولا حكم لهذه اليمين ولا مؤاخذة على مخالفتها ولا كفارة، كما يقول (سبحانه): (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) وقد فسرت في أحاديث أهل البيت (ع) بأنها قول لا والله، وبلى والله ولا يعقد على شئ، بل ومنها كل يمين يقولها االقائل بلسانه بغير قصد ولا نية، فلا تكون شيئا ولا تكون عليها مؤاخذة. [ المسألة الثانية: ] ومنها يمين المناشدة، وهي يمين تقترن بالطلب من الغير يبعثه المناشد بها أن يستجيب لطلبه ليفعل شيئا أو يترك فعله، فيقول له أقسم بالله عليك، أو أنشدك الله أن تعطيني - مثلا - مائة دينار قرضا إلى مدة شهر، أو أن تزوجني ابنتك فلانة، أو أن لا تطالبني بدينك إلى مدة شهرين.

[ 404 ]

ولا ريب في أن هذه اليمين لا تنعقد، لانها تتعلق بفعل الغير لا بفعل المناشد نفسه، فلا تجب على ذلك الغير الاستجابة لطلبه، ولا كفارة عليه إذا خالف ولم يستجب له، ولا اثم على القائل باحلافه الغير على اجابة طلبه وانجاح مقصده وهذا النوع من اليمين كثير الورود والاستعمال في الادعية المأثورة وغير المأثورة، فهي توسل واستشفاع إلى الله سبحانه أن يجيب دعوة الداعي بحرمة الشئ الذي أقسم به عليه، فيقول الداعي: الهي أسألك بكتابك الكريم وبنبيك العظيم ان تستجيب لي دعوتي. [ المسألة الثالثة: ] ومنها اليمين التي يوقعها الحالف لتأكيد خبره عن حدوث شئ ماض، أو أمر حاضر، أو شئ يأتي في ما بعد، أو لتأكيد خبره بعدم حدوثه، فيقول: والله ان زيدا قد قدم من سفره بالامس، أو انه وصل الآن، أو أنه يأتي غدا، أو يقول: والله انه لم يأت، أو أنه لا يأتي. وأثر هذه اليمين هو اثم الحالف إذا كان كاذبا في خبره، سواء كان اخباره عن أمر ماض أو أمر حاضر أو مستقبل، ولا كفارة عليه في مخالفة يمينه للواقع، بل ولا كفارة عليه في المخالفة وان كان ما أخبر به مستحيل الوقوع، ولا اثر له سوى الاثم كما في الصور المتقدمة، فيكون في جميع الصور مأثوما من حيث الكذب ومأثوما من حيث اليمين على الكذب. [ المسألة الرابعة: ] اليمين الكاذبة أو اليمين الفاجرة محرمة شديدة التحريم، وهي - كما ذكرنا - أن يكذب الرجل ويحلف بالله على الكذب في جميع الصور المتقدم ذكرها، وهي احدى كبائر المعاصي وسريعة العقوبة وقد ورد في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: اياكم واليمين الفاجرة فانها تدع الديار من أهلها بلاقع (يعني خالية مقفرة)، وعن أئمة الهدى (ع): ان اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها وتثقلان الرحم، وان ثقل الرحم انقطاع النسل.

[ 405 ]

وهي اليمين الغموس، وفسرت اليمين الغموس ايضا في أحاديث المعصومين (ع) بأن يحلف الرجل على حق امرئ مسلم على حبس ماله، وقال في بعضها: هي أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم أو على حقه ظلما، ولا منافاة بين التفسيرين، فاليمين الغموس شاملة لكل منهما. [ المسألة الخامسة: ] لا حرمة ولا اثم على الشخص في أن يحلف بالله لتأكيد خبره إذا كان صادقا فيه سواء كان خبره عن الماضي أو عن الحاضر أو عن الآتي، نعم يكره له ذلك، وقد تكرر النهي في النصوص عن ان يحلف الانسان بالله لا صادقا ولا كاذبا، وفسر به قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم. [ المسألة السادسة: ] يحرم الاستخفاف باليمين وان كان الحالف صادقا في ما حلف عليه فالحرمة فيها من حيث الاستخفاف بها لا من حيث الصدق والكذب في القول، والاستخفاف هو ان لا يبالى بيمينه في اي موضع أتى بها، فيأثم لانه استخف بيمينه ويستحق العقوبة على ذلك. [ المسألة السابعة: ] يحرم على الانسان أن يقول: الله يعلم كذا ويعني أن الله يعلم صحة ما يقول، إذا كان كاذبا في اخباره، ففي الحديث عن أبي عبد الله (ع): من قال: الله يعلم في مالا يعلم اهتز لذلك عرشه اعظاما له، وعنه (ع): إذا قال العبد: علم الله وكان كاذبا، قال الله عز وجل: أما وجدت احدا تكذب عليه غيري. [ المسألة الثامنة: ] ومنها يمين العقد، وهي أن يحلف الانسان يمينا ليعقد بها على نفسه التزاما بفعل شئ من الاشياء أو بتركه، فيقول والله لاصومن غدا، أو لاتصدقن بخمسة دنانير، أو يقول: والله لا أدخن التتن مدة شهر أو لا أدخن ما حييت، فإذا اجتمعت الشروط الاتي بيانها في المسائل المقبلة، انعقدت يمينه ووجب عليه الوفاء بها وحرم عليه أن يخالف

[ 406 ]

التزامه، وإذا حنث في يمينه فخالفها وجبت عليه كفارة اليمين، وسيأتي ذكرها. [ المسألة التاسعة: ] يشترط في انعقاد اليمين أن ينشئها بالتلفظ بها، فلا تنعقد بالاشارة مع التمكن من النطق بها، ولا يبعد عدم انعقادها بالكتابة مع القدرة على التكلم ايضا، ولا يشترط في انعقادها أن ينشئها باللغة العربية، فإذا أنشأ الحالف يمينه بلغة أخرى ترادف صيغة اليمين في اللغة العربية صحت يمينه إذا كانت بقية الشرائط مجتمعة ووجب عليه الوفاء بها ولزمته أحكامها، وخصوصا إذا كانت الترجمة في متعلقات اليمين. [ المسألة العاشرة: ] تكفي الاشارة المفهمة في انشاء اليمين إذا كان الحالف ممن يتعذر عليه النطق بها كالاخرس وشبهه، وتكفيه الكتابة كذلك إذا كتب صيغة اليمين بقصد انشاء الحلف بكتابته، فتنعقد يمينه بالاشارة والكتابة ويجب عليه البر بها وتلزمه الكفارة بمخالفتها. [ المسألة 11: ] تنعقد اليمين إذا حلف الانسان بالذات المقدسة، فذكر الاسم العلم المختص به سبحانه، فقال: والله، أو عينه بذكر الاوصاف والافعال التي تختص به ولا يشاركه فيها غيره، فقال مثلا: والذي بيده أزمة الامور، أو من بيده مقادير الاشياء أو قال: والذي خلق الموت والحياة، أو ورب العالمين، أو ذكر بعض اسمائه التي لا تطلق على غيره، فقال: والرحمن، أو والحي الذي لا يموت، أو الاول ليس قبله شئ وامثال ذلك. [ المسألة 12: ] تنعقد اليمين على الاقوى بذكر الاوصاف والافعال التي تنصرف إليه سبحانه عند اطلاقها وان كانت في أصلها مشتركة بينه وبين غيره، كالرب، والبارئ والخالق، والرازق والرحيم والقاهر، والمدرك، والمنتقم، بل وتنعقد اليمين بالصفات المشتركة بينه وبين غيره إذا قصد بها الحلف

[ 407 ]

بالله سبحانه، وان كانت مما لا ينصرف اطلاقها إليه، كالموجود والقادر، والهادي والسميع والبصير، والطالب والغالب، والحكيم والحليم، فالمدار في انعقاد اليمين على أن تكون الصفة المحلوف بها من صفاته سبحانه، وأن يقصد الحالف بها القسم بالله سبحانه. [ المسألة 13: ] تنعقد اليمين بكل ما يصدق عليه عرفا أنه يقسم بالله لا بغيره، كما إذا قال الحالف: وحق الله أو وجلال الله، أو وعظمته، أو وكبريائه، وتنعقد كذلك إذا قال: وقدرة الله أو وعلم الله إذا كان المراد أنه يقسم بالله القادر العالم. [ المسألة 14: ] تنعقد اليمين إذا أنشأ الحالف يمينه بحروف القسم المعروفة، وهي الواو والباء والتاء فقال: والله، أو قال: بالله أو تالله لاتصدقن بكذا، وتنعقد اليمين أيضا إذا قال: اقسمت بالله أو حلفت بالله أو أقسم أو أحلف بالله، ومن الواضح أن الباء في هذه الامثلة للتعدية أو الاستعانة، لا للقسم، ولا تنعقد اليمين بقول: أقسمت أو حلفت أو أقسم أو أحلف ولا يذكر المحلوف به، وتنعقد اليمين إذا قال: أشهد بالله وقصد بذلك الحلف به تعالى. [ المسألة 15: ] لا تنعقد اليمين بغير الله سبحانه، كما إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وآله، أو بالائمة (ع)، أو بالكعبة، أو بالقرآن، أو بالانبياء، أو المرسلين، أو بكتب الله المنزلة، أو بالملائكة، فلا تجب على الحالف الكفارة إذا حنث في يمينه بأحد المذكورات وأمثالها. [ المسألة 16: ] يجوز على الاقوى للانسان أن يحلف بغير الله من الامور المعظمة ليؤكد بها قوله إذا كان صادقا، فيحلف بالاسلام أو بالرسول أو بأحد المذكورات في المسألة المتقدمة ليصدق بها قوله، وان لم تجب عليه الكفارة إذا حنث في يمينه كما ذكرنا، ولا يجوز له أن يحلف بها كاذبا، فيأثم بذلك إذا

[ 408 ]

كان المحلوف به من الامور التي يجب تعظيمها في الاسلام، أو التي تحرم الاستهانة بها، ويكون آثما للكذب وآثما للحلف بها على الكذب. [ المسألة 17: ] لا تنعقد اليمين بالطلاق أو بالعتق أو بالصدقة بما يملك إذا فعل أمرا معينا، أو إذا هو لم يفعله، فإذا قال: زوجتي طالق أو قال: زوجاتي طوالق ان فعلت هذا الشئ، أو ان لم أفعله، لم يترتب على حلفه هذا أي أثر، فلا تبين منه زوجته أو زوجاته إذا قال ذلك، أو حنث في يمينه، ولا تلزمه كفارة بالمخالفة، ولا اثم عليه في هذا القول، ومثله ما إذا حلف بتحريم زوجته عليه أو بالمظاهرة منها إذا هو فعل شيئا أو ترك فعله، فلا تنعقد يمينه ولا يكون لها أثره. وكذلك الحكم إذا قال: عبدي حر أو عبيدي أحرار ان فعلت الشئ أو ان لم أفعله، أو قال: مالي المعين صدقة أو جميع ما أملكه صدقة، أو هدي لبيت الله ان فعلت الشئ أو ان لم أفعله، فلا يكون لقوله هذا أي أثر كما ذكرنا في الحلف بالطلاق. [ المسألة 18: ] يحرم على الشخص أن يحلف بالبراءة من الله، أو بالبراءة من رسوله صلى الله عليه وآله، أو من دين الاسلام، أو من الائمة الطاهرين (ع)، فيقول في يمينه: برئت من الله ان أنا فعلت هذا الشئ أو ان أنا لم أفعله، أو يقول: برئت من محمد صلى الله عليه وآله أو من دينه أو من الائمة المعصومين (ع) ان كان مني ذلك، ويأثم الحالف بذلك، سواء كان صادقا في خبره الذي حلف عليه أم كاذبا، وسواء حنث في يمينه أم لا، ففي الفقيه عن الرسول صلى الله عليه وآله: من برئ من الله صادقا كان أو كاذبا فقد برئ من الله. وروى المشائخ الثلاثة عنه صلى الله عليه وآله انه سمع رجلا يقول: أنا برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله، فقال له: ويلك إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون؟ قال: فما كلمه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى مات، وفي رواية يونس بن ظبيان: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا، فان من حلف بالبراءة منا صادقا كان أو كاذبا، فقد برئ منا.

[ 409 ]

وكذلك الحكم إذا قال في يمينه: هو يهودي أو نصراني ان فعل كذا أو ان لم يفعله، فيأثم في يمينه وليس له أثر غير ذلك، ولا ينعقد حلفه وان كان صادقا في ما حلف عليه، ولا تلزمه الكفارة إذا حنث به. [ المسألة 19: ] إذا حلف الانسان بالبراءة من الله أو من رسوله أو من دينه أو من الائمة ثم حنث في يمينه، فلا يترك الاحتياط بأن يكفر عن ذلك باطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من الطعام ويستغفر الله سبحانه. [ المسألة 20: ] إذا قال الرجل في يمينه: والله لاصومن غدا أو لاتصدقن بمبلغ كذا ان شاء الله، وقصد بذلك تعليق يمينه على مشيئة الله سبحانه، لم تنعقد يمينه، فلا يجب عليه الوفاء بها ولا تجب عليه كفارة إذا حنث بها، سواء كان ما حلف عليه فعل واجب أو ترك حرام أو غيرهما من الافعال والتروك. وإذا قصد بقوله: (ان شاء الله) مجرد التبرك بالكلمة ولم يرد تعليق اليمين على المشيئة صحت يمينه وانعقدت إذا كانت شروط انعقاد اليمين مجتمعة ولزمته الكفارة إذا خالفها. [ المسألة 21: ] إذا علق الحالف يمينه على مشيئة أحد من الناس، فقال: والله لاصومن غدا أو لاتصدقن بكذا إذا شاء لي أخي زيد ذلك، كان انعقاد يمينه منوطا بمشيئة أخيه، فإذا علم ان أخاه قد شاء له ذلك انعقدت يمينه ولزمه البر بها ووجبت عليه الكفارة إذا خالفها، وإذا قال أخوه: لم أشأ ذلك أو قال: قد شئت ان لا تفعل لم تنعقد يمينه. وكذلك إذا لم يعلم حال أخيه انه شاء له ذلك أو لم يشأ، فلا تنعقد يمينه. ومثله في الحكم: ما إذا علق يمينه على وجود شئ آخر غير المشيئة، فقال: والله لافعلن كذا ان رجع ولدي من سفره مثلا، كان انعقاد يمينه منوطا بحصول الامر الذي علق اليمين عليه، فإذا رجع ولده من سفره

[ 410 ]

في المثال انعقدت يمينه ولزمه الوفاء بها، وان لم يرجع لم تنعقد ولم يجب الوفاء بها. [ المسألة 22: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف مكلفا، ولذلك فلابد من أن يكون بالغا فلا تنعقد يمينه إذا كان صغيرا وان كان مميزا أو كان مراهقا، ولابد فيه من أن يكون عاقلا، فلا تنعقد يمينه إذا كان مجنونا مطبقا أو كان جنونه ادوارا وقد اوقع الحلف في دور جنونه، وإذا كان جنونه ادوارا وأوقع حلفه في دور افاقته انعقدت يمينه ولزم الوفاء بها إذا كان وقت الوفاء في دور الافاقة ايضا، فإذا قال المجنون الادواري في دور افاقته: والله لاصومن غدا، فان كان في اليوم الذي عينه للصوم مفيقا ايضا، وجب عليه صومه وإذا لم يصمه لزمته كفارة اليمين، وان انفق اليوم المعين في دور جنونه سقط عنه وجوب صومه ولم تجب عليه الكفارة. [ المسألة 23: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف مختارا، فلا تنعقد يمينه إذا أوقع اليمين مكرها عليها أو مجبرا من أحد، وأن يكون قاصدا، فلا تنعقد يمينه إذا أوقعها هازلا غير جاد في حلفه أو أوقعها سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد. [ المسألة 24: ] تصح اليمين من الكافر كما تصح من المسلم وتنعقد منه وتترتب عليها آثارها، فإذا كان منكرا في الدعوى واستحلف لانكاره قبلت يمينه وحكم الحاكم الشرعي بموجبها، ولا فرق بين الدعوى وغيرها في صحة يمينه وانعقادها، ولا فرق كذلك بين أصناف الكفار في الحكم المذكور. [ المسألة 25: ] لا تنعقد يمين الولد إذا منعه أبوه عن الحلف وكان منع أبيه سابقا على ايقاع يمينه، ولا تنعقد يمين الزوجة إذا منعها زوجها عن الحلف، وكان منعه سابقا على يمينها كذلك، حتى إذا كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام، فلا تنعقد يمينهما مع سبق المنع، حتى في هذه

[ 411 ]

الصورة، ولا يسقط عن الولد ولا عن الزوجة فعل الواجب وترك الحرام بذلك وان لم تنعقد يمينهما. وإذا حلف الولد أو حلفت الزوجة مع عدم سبق المنع، انعقدت يمينهما على الاقوى، وجاز للاب أن يحل يمين الولد، وجاز للزوج أن يحل يمين الزوجة، ويرتفع بذلك أثر اليمين، فلا يجب على الولد ولا على الزوجة الوفاء بيمينهما بعد حلها ولا تجب عليهما الكفارة بالمخالفة. [ المسألة 26: ] يشكل الحكم بالحاق الام بالاب في الحكم المتقدم ذكره في المسألة الخامسة والعشرين، نعم إذا كان الشئ مباحا متساوي الطرفين ونهت الام ولدها عن اليمين على فعله أو على تركه قبل ان يحلف عليه، فالظاهر عدم انعقاد يمين الولد إذا حلف بعد نهي أمه عنه، فانه يصبح مرجوحا، وكذلك إذا نهته عن الفعل أو الترك بعد ان أقسم عليه، فينحل يمينه ايضا، فان متعلق يمينه يصبح مرجوحا بعد نهي الام عنه، وسيأتي بيان هذا في المسألة الثلاثين وما بعدها. [ المسألة 27: ] لا تنعقد يمين العبد المملوك الا باذن مالكه، وان لم يمنعه المالك عن الحلف قبل ذلك فلا تصح يمينه إذا حلف بغير اذنه وان كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام، ويجب على المملوك فعل الواجب وترك الحرام وان لم يأذن له مولاه بذلك ولم ينعقد يمينه عليهما. [ المسألة 28: ] إذا حلف الانسان على فعل واجب أو على ترك محرم، انعقدت يمينه بلا ريب، ووجب عليه امتثال الواجب من حيث الوفاء باليمين، ووجب عليه امتثاله من حيث انه واجب في أصل الشرع، وإذا تركه استحق العقوبة على تركه من الناحيتين، ولزمته الكفارة لحنثه باليمين، وكذلك الحكم في ترك المحرم. وإذا حلف على فعل شئ مستحب أو على ترك شئ مكروه في الشريعة، انعقدت يمينه كذلك، ووجب عليه فعل المستحب وفاءا باليمين، وإذا

[ 412 ]

تركه أثم لمخالفة اليمين ولزمته الكفارة للحنث، وكذلك في ترك المكروه. [ المسألة 29: ] إذا حلف الانسان على ترك واجب أو على فعل محرم لم تنعقد يمينه بلا ريب، وكذلك إذا حلف على ترك مستحب أو على فعل امر مكروه في الشريعة، فلا تنعقد يمينه، فانه حلف على أمر مرجوح في الاسلام. [ المسألة 30: ] إذا حلف على فعل أمر مباح فعله في الاسلام، بحيث لا رجحان لفعله على تركه ولا لتركه على فعله في حكم الشريعة، ولكن فعل ذلك الامر المباح كان راجحا لبعض الغايات والمنافع الدنيوية التي تتطلبها مقاصد الانسان في هذه الحياة، انعقدت يمينه على فعل ذلك المباح للرجحان الدنيوي المذكور، وكذلك إذا حلف على ترك المباح وكان تركه راجحا لبعض الغايات والمرجحات الدنيوية التي يقصدها العقلاء كما تقدم في نظيره، فتنعقد يمين الحالف على تركه للرجحان المذكور، ولا تنعقد اليمين إذا تعلقت بالطرف المرجوح في كلا الفرضين. [ المسألة 31: ] إذا حلف الانسان على فعل شئ مباح في الاسلام لا رجحان في الشريعة لفعله ولا لتركه - كما ذكرناه في المسألة المتقدمة - أو حلف على تركه، وكان فعل ذلك الشئ وتركه متساويين في الغايات والمنافع الدنيوية ايضا فلا رجحان لفعله ولا لتركه، انعقدت يمينه على الاحوط، بل لا يخلو ذلك عن قوة، فيلزمه العمل بها إذا حلف على الفعل أو على الترك وتلزمه الكفارة إذا خالف اليمين. [ المسألة 32: ] إذا حلف الرجل على فعل شئ مباح في الشريعة وكان راجحا بحسب المنافع والموازين العقلائية في الدنيا انعقد الحلف كما ذكرنا في المسألة الثلاثين، فإذا تغيرت الوجوه المرجحة لفعل ذلك الشئ فأصبح مرجوحا بعد ذلك، انحلت يمين الحالف فلا يجب عليه الوفاء بها ولا تجب عليه كفارة اليمين إذا خالفها، وإذا تغيرت الوجوه مرة أخرى وعاد إلى الرجحان لم تعد اليمين بعد ان انحلت.

[ 413 ]

[ المسألة 33: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف قادرا على الشئ المحلوف عليه، فإذا حلف على فعل الشئ في وقت معين وجب أن يكون مقدورا عليه في ذلك الوقت ولا تنعقد اليمين بغير ذلك وإذا حلف على فعل الشئ من غير تعيين للوقت وجب أن يكون مقدورا عليه في الجملة، ولا تنعقد اليمين إذا كان الشئ غير مقدور عليه مطلقا. [ المسألة 34: ] إذا حلف الرجل على فعل شئ، وكان الشئ مقدورا عليه حين الحلف، ثم عجز الحالف عنه بعد اليمين انحلت اليمين إذا كان العجز مستمرا إلى انقضاء الوقت المحلوف عليه، وإذا كان مستمرا أبدا في ما لم يكن له وقت معين. [ المسألة 35: ] لا تنعقد اليمين إذا كان الفعل أو الترك المحلوف عليه مما يوجب العسر أو الحرج على الحالف، وإذا كان الشئ ميسورا حين الحلف، ثم لزم منه العسر أو الحرج بعد اليمين انحلت يمين الحالف إذا كان العسر والحرج مستمرا في جميع الوقت، أو أبدا على حسب ما بيناه في اشتراط القدرة. [ المسألة 36: ] إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها والتي أشرنا إليها في المسائل المتقدمة لانعقاد اليمين، وحلف الحالف على الفعل أو على الترك، انعقدت يمينه ووجب عليه البر باليمين ولم تجز له مخالفتها، وإذا خالفها وجبت عليه الكفارة الآتي ذكرها. [ المسألة 37: ] الحنث في اليمين هو مخالفتها عامدا، فلا حنث ولا كفارة إذا خالف اليمين جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، كما إذا حلف أن يصوم يوما معينا، واعتقد مخطئا انه حلف أن يصوم يوما غير معين وبعد مضي الوقت المعين علم أنه حلف على صومه، وكما إذا نسي صوم ذلك اليوم أو نسي يمينه حتى مضى الوقت وتذكر بعد ذلك، فلا كفارة عليه. ولا حنث ولا كفارة إذا خالف يمينه مضطرا أو مكرها على المخالفة.

[ 414 ]

وأما إذا خالف اليمين جاهلا بالحكم أو ناسيا له فيشكل الحكم في الصورتين، ولابد فيهما من مراعاة الاحتياط. [ المسألة 38: ] إذا حلف الرجل أن يأتي بفعل معين - كصلاة جعفر مثلا - كان معنى ذلك: ان يوجد طبيعة هذه الصلاة المخصوصة ولو مرة واحدة، فإذا حلف على فعلها في وقت معين، فقال: والله لاصلين صلاة جعفر في يوم الجمعة، وجب عليه أن يأتي بالصلاة المخصوصة في اليوم المعين، فإذا صلاها كذلك مرة واحدة فقد وفى بيمينه ولم يجب عليه تكرارها وان وسع الوقت، وإذا تركها عامدا حتى انقضى يوم الجمعة حنث بيمينه ولزمته الكفارة. وإذا قال: والله لاصلين صلاة جعفر في شهر رجب، وجب عليه أن يأتي بها في الشهر المعين ولو مرة واحدة، فإذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه ولم يجب عليه التكرار، وإذا تركها في جميع الشهر حتى انقضى حنث بيمينه ولزمته الكفارة، ولا يكفيه ان يصليها في غير يوم الجمعة في المثال الاول، وفي غير شهر رجب في المثال الثاني. وإذا قال: والله لاصلين صلاة جعفر، ولم يعين لها وقتا مخصوصا، وجب عليه ان يأتي بالصلاة مرة واحدة في اي وقت شاء، وإذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه، ولم يجب عليه التكرار، ولا تجب عليه المبادرة إلى الاتيان بها، بل يجوز له تأخيرها حتى يظن حصول العجز عن الوفاء، أو يظن عروض الموت فتلزمه المبادرة حين ذلك، ولا يحصل الحنث في هذه الصورة حتى يترك الصلاة المحلوف عليها أبدا فلا يأتي بها، فإذا تركها حتى عجز عن الوفاء، أو حتى عرض له أحد الموانع من الامتثال وجبت عليه الكفارة. [ المسألة 39: ] إذا حلف الرجل أن يترك فعل شئ معين - كأكل الثوم والتدخين -، كان معنى ذلك أن يترك ايجاد طبيعة ذلك الفعل المحلوف على تركه، فإذا قال: والله لا آكل الثوم في يوم الجمعة، وجب عليه ان يترك أكله في جميع ذلك اليوم، فإذا تركه كذلك فقد وفى بيمينه، وإذا تركه في

[ 415 ]

عامة اليوم وأكله في بعضه ولو مرة واحدة، فقد حنث بيمينه، ولزمته الكفارة، وكذلك إذا قال: والله لا آكل الثوم في شهر رمضان، وجب عليه ان يدع أكله في جميع الشهر، ولا يحصل البر باليمين الا بذلك، وإذا أكله في اثناء الشهر ولو مرة واحدة حصل الحنث بذلك ولزمته الكفارة. وإذا قال: والله لا آكل الثوم ولم يذكر وقتا معينا، وجب عليه ترك أكله أبدا مادام حيا، ولا يفي بيمينه الا بذلك، وإذا أكله في عمره ولو مرة واحدة حصل منه الحنث ولزمته الكفارة. [ المسألة 40: ] إذا حلف الرجل أن يأتي بالفعل المعين على الوجه الذي ذكرناه في المسألة الثامنة والثلاثين كان وفاؤه باليمين أن يوجد ذلك الفعل ولو مرة واحدة كما ذكرنا، وكان حنثه باليمين ان يترك ذلك الفعل فلا يوجده حتى مرة واحدة، ونتيجة لذلك فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، ولا يكون لها الا حنث واحد، ولا تجب الا كفارة واحدة، سواء كان الفعل المحلوف عليه مقيدا بوقت معين ام كان مطلقا ليس له وقت معلوم، فلا يحنث بترك الفعل في أول الوقت إذا أتى به في آخره أو في وسطه، ولا يحنث بترك الفعل في أول حياته إذا أتى به في آخرها أو في وسطها، وهكذا. وإذا حلف أن يترك الفعل المعين على الوجه الذي بيناه في المسألة التاسعة والثلاثين، كان وفاؤه باليمين بأن يترك الفعل في جميع الوقت إذا كان الحلف مؤقتا، وفي جميع العمر إذا كان غير مؤقت، فلا يوجده حتى مرة واحدة. وكان حنثه باليمين: أن يوجد الفعل ولو مرة واحدة، ونتيجة لذلك: فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، ولا يكون لها الا حنث واحد ولا تجب عليه الا كفارة واحدة في جميع صور المسألة، فإذا أتى بالفعل أول مرة حصل الحنث باليمين ووجبت الكفارة وسقطت اليمين بذلك، فإذا أتى بالفعل بعد ذلك مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر لم يكن حنثا ولم تجب الكفارة مرة أخرى لسقوط اليمين، وذلك واضح وانما نذكره للتنبيه.

[ 416 ]

[ المسألة 41: ] إذا حلف الانسان أن يصلي صلاة جعفر في كل يوم جمعة مثلا أو أن يصوم في كل يوم خميس، أو أن يصلي النافلة اليومية في كل يوم من شهر رجب، أو أن يصليها في كل يوم مادام حيا، كانت يمينه بمنزلة أيمان متعددة بعدد الافعال والايام المحلوف عليها، ولكل واحدة من هذه الايمان وفاء وحنث خاص بها، فيجب على ذلك الانسان أن يأتي بالفعل المحلوف عليه في كل يوم من الايام المعينة أو المطلقة ويحرم عليه ترك الفعل فيه، ويكون اتيانه بالفعل في يوم وفاءا لليمين في ذلك اليوم، ويكون ترك الفعل في يوم حنثا باليمين في ذلك اليوم. ونتيجة لذلك فيتعدد الوفاء بعدد ما يأتي بالفعل فيه من الايام أو المرات، ويتعدد الحنث والمخالفة بعدد ما يترك الفعل فيه من الايام أو المرات، وتتعدد الكفارة بعدد مرات الحنث والمخالفة. وإذا حلف أن يترك أكل الثوم في كل يوم جمعة، أو يترك أكله في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، أو يترك التدخين في جميع أيام حياته مادام موجودا، كانت يمينه بمنزلة ايمان متعددة بعدد الايام والاوقات التي حلف على ترك الفعل فيها، ويكون ترك الشئ المحلوف عليه في أي يوم أو وقت، وفاءا باليمين المتعلقة بالترك في ذلك اليوم أو الوقت، ويكون الاتيان بالفعل في يوم أو وقت منها حنثا باليمين في ذلك اليوم أو الوقت، وتتعدد الكفارة بعدد ما حنث فيه من المرات. [ المسألة 42: ] إذا حنث الحالف بيمينه فخالف ما حلف عليه عامدا تخير بين أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يتمكن من الاتيان بواحدة من هذه الخصال الثلاث وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، ولا فرق في الحكم بين ان يكون الحالف ذكرا ام أنثى أم خنثى، وقد تقدم لزوم الاحتياط بالتكفير مع المخالفة إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له، ذكرنا هذا في المسألة السابعة والثلاثين.

[ 417 ]

[ المسألة 43: ] يجب ان يكون المملوك الذي يعتق رقبته في الكفارة مسلما، فلا يكفيه عتق الكافر، ولا يكفيه عتق الناصب والغالي والخارجي، والاحوط أن يكون مؤمنا بالمعنى الاخص، وسيأتي ان شاء الله تعالى بيان بقية الشروط في الكفارة وسائر أحكامها في كتاب الكفارات. [ المسألة 44: ] لا تجب الكفارة على الحالف قبل أن يتحقق منه الحنث والمخالفة بالفعل وان كان عازما على ذلك وجازما به، فلا يجزيه دفع الكفارة قبل الحنث، وإذا دفعها كذلك ثم حنث بيمينه وجب عليه أن يعيدها، وإذا اعتقد أنه حنث بيمينه فأتى بالكفارة، ثم تذكر أنه لم يحنث بعد لم تكفه الكفارة التي دفعها فإذا حنث وجب عليه التكفير. [ المسألة 45: ] إذا شك الحالف بعد انتهاء الوقت المعين: انه أتى بالفعل المحلوف عليه في الوقت أم لم يأت به، بنى على الصحة ولم يجب عليه التكفير، وإذا تذكر أنه لم يأت بالفعل في الوقت حتى خرج، فان كان عامدا وجبت عليه الكفارة، وان كان ناسيا لم تجب عليه، وإذا طالت به المدة فنسي هل كان عامدا بتركه أم ناسيا لم يجب عليه شئ. [ المسألة 46: ] إذا كان الحلف غير موقت بوقت معين، ثم شك الحالف في انه أتى بالفعل المحلوف عليه فوفى بيمينه أم لم يف بها، وجب عليه أن يأتي بالفعل ويفي بيمينه، وإذا ترك الفعل ولم يأت به كان حانثا بيمينه، ووجبت عليه الكفارة. [ المسألة 47: ] يحصل الحنث بالمخالفة عامدا، سواء كانت بفعله أم بفعل غيره إذا كان مختارا في ذلك، فإذا حلف لبعض الجهات المرجحة ان لا يدخل بلدا معينا، ثم ركب سفينة أو سيارة باختياره فحملته إلى البلد الذي حلف على عدم دخوله، حصل الحنث بذلك ولزمته الكفارة.

[ 418 ]

[ المسألة 48: ] يجوز للانسان أن يحلف يمينا يدفع بها مظلمة ظالم عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، سواء كان صادقا في يمينه أم كاذبا، إذا توقف دفع المظلمة على الحلف، وهذا إذا لم تمكنه التورية أو لم يكن ملتفتا إليها أو كان لا يحسنها. وإذا توقفت نجاة الانسان من الهلاك وشبهه في نفسه أو في عرضه أو نجاة مؤمن آخر في نفسه أو في عرضه، على ان يحلف يمينا وجب عليه الحلف وان كان كاذبا مع عدم امكان التورية كما ذكرنا. [ المسألة 49: ] إذا كان الشخص ممن يلتفت إلى التورية ويحسنها ويمكنه التخلص من المحذور بها، فالاحوط له لزوما أن يوري بلفظه ولا يرتكب الكذب مع الامكان، إذا لم يكن ذلك هو الاقوى. والتورية هي: أن يأتي بلفظ له معنى ظاهر يحمل عليه في العرف، وله معنى آخر بعيد لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فيقصد المعنى البعيد من غير أن ينصب القرينة المفهمة. [ المسألة 50: ] إذا حلف الانسان أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله، فمقتضى ظاهر القول أن يتولى الحالف بنفسه فعل الشئ أو ترك فعله، فإذا قال: والله لاصومن أو لاصلين أو لاعطين زيدا عشرة دنانير، وجب عليه أن يتولى الصوم أو الصلاة أو الاعطاء بنفسه، ولا تكفيه الاستنابة أو الاجارة أو التوكيل في الوفاء باليمين، وإذا استناب في الفعل المحلوف عليه أو وكل غيره في الاتيان به ولم يقم به بنفسه كان حانثا بيمينه ولزمته الكفارة وكذلك إذا قال: والله لا أفعل وجب عليه أن يترك الفعل بنفسه ولا يكفيه ترك نائبه أو وكيله أو أجيره، الا إذا دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن المراد ما يعم فعل النائب والوكيل، كما إذا قال: والله لابيعن داري أو لازوجن ولدي فيكفيه بيع الوكيل للدار، وتزويجه للولد، أو قال: والله لا أبيع الدار أو لا أقفها، فيحنث إذا أمر وكيله ببيع الدار أو وقفها، الا إذا قصد في يمينه أن يفعل ذلك أو لا يفعله بنحو المباشرة، فيتبع قصده.

[ 419 ]

[ المسألة 51: ] لا تنعقد يمين في معصية من معاصي الله كبيرة أو صغيرة، كما إذا حلف الرجل على أن يحرم على نفسه شيئا أحله الله له، أو يحلل لنفسه شيئا حرمه الله عليه، أو حلف على أن يقطع رحما أو ذا قرابة، أو أخا مؤمنا، فلا يكلمه أو لا يدخل داره، أو لا يجيب دعوته، أو لا يؤاكله، أو لا يجتمع معه في بيت، وشبه ذلك من معاصي الله ومحرماته، فلا تنعقد يمين الحالف، ولا حكم لها ولا كفارة على الحنث فيها، بل هي من خطوات الشيطان فيجب تركها والتوبة منها وعدم العودة إليها، وقد تكرر في النصوص وتكثر فيها قول الرسول صلى الله عليه وآله: لا يمين في قطيعة. وعن أبي عبد الله (ع): لا تجوز يمين في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا قطيعة رحم. وعن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل جعل عليه أيمانا أن يمشي إلى الكعبة أو صدقة أو عتقا أو نذرا أو هديا ان هو كلم أباه أو أمه أو أخاه، أو ذا رحم، أو قطع قرابة، أو مأثم يقيم عليه، أو أمر لا يصلح له فعله، فقال (ع): كتاب الله قبل اليمين، ولا يمين في معصية. وعن محمد بن مسلم: أن أمرأة من آل المختار حلفت على أختها أو ذات قرابة لها وقالت: ادني يا فلانة فكلي معي، فقالت لا: فحلفت وجعلت عليها المشي إلى بيت الله الحرام وعتق ما تملك، وان لا يظلها واياها سقف بيت أبدا ولا تأكل معها على خوان أبدا، فقالت الاخرى مثل ذلك، فحمل عمر بن حنظلة إلى أبي جعفر (ع) مقالتهما، فقال (ع): أنا قاض في ذا: قل لها: فلتأكل وليظلها واياها سقف بيت ولا تمشي ولا تعتق، ولتتق الله ربها ولا تعد إلى ذلك، فان هذا من خطوات الشيطان.

[ 420 ]

[ الفصل الثاني ] [ في النذر ] [ المسألة 52: ] قالوا: النذر هو أن يلتزم الانسان لله سبحانه بفعل شئ أو بتركه على وجه يكون التزامه منشأ بالصيغة المعينة، وهي قوله: لله علي أو ما بمعناها، لا بمجرد النية القلبية. والظاهر: أن النذر هو أن يملك الله سبحانه على نفسه أن يفعل له ذلك الفعل أو يتركه على الوجه المذكور، والتمليك الذي ذكرناه هو مفاد لام الملك في قول الناذر في صيغة النذر: لله علي أن أصوم أو أن أصلي أو أن أتصدق، أو لله علي أن لا أفعل كذا، فالنذر تمليك الله الفعل أو الترك على نفسه، وليس هو مطلق الالتزام له بذلك وان اشترطوا فيه أن يكون انشاؤه بالصيغة. [ المسألة 53: ] قد استبان مما تقدم أنه لابد في النذر من الصيغة المعينة الدالة على انشاء تمليك الله للفعل أو الترك المنذور، والظاهر أن صيغة النذر لا تختص بكلمة لله علي، فيكفي الناذر أن يأتي بأي صفة أو اسم يدل على الذات المقدسة ويكون مفاد الصيغة انشاء التمليك له سبحانه، فيقول مثلا: للرحمن الرحيم أو للحي القيوم علي ان أفعل أو أن لا افعل. [ المسألة 54: ] لا يكفي في الصيغة أن يقول الناذر: علي أن أصوم غدا مثلا، أو أصلي صلاة جعفر أو صلاة النافلة فلا ينعقد نذره إذا قال ذلك، وان قصد في قلبه معنى (لله) أو (للرحمن الرحيم) أو غير ذلك مما يدل على الذات المقدسة. [ المسألة 55: ] يشكل الحكم بانعقاد النذر إذا أتى بما يرادف كلمة (لله علي) أو ما بمعناها في لغة أخرى غير العربية، وان كان الناذر لا يحسن العربية،

[ 421 ]

ويشكل الحكم إذا قال: نذرت لله ان أصوم كذا، أو قال: لله علي نذر صوم، فيكون المجعول لله سبحانه على نفسه هو نذر الصوم لا تمليك الصوم. [ المسألة 56: ] يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر بالغا، فلا ينعقد نذر الصبي وان كان مميزا أو بلغ عشر سنين، أو كان مراهقا على الاقوى، ويشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا ينعقد نذر المجنون إذا كان جنونه مطبقا، أو كان جنونه أدوارا وكان نذره في حال جنونه، وينعقد نذره إذا نذر في حال افاقته وكان الوفاء بالفعل المنذور في دور افاقته ايضا، وإذا كان الفعل المنذور موقتا واتفق وقته في حال جنون الناذر سقط عنه الوجوب، وقد سبق نظيره في اليمين. [ المسألة 57: ] يشترط في الناذر أن يكون مختارا، فلا يصح نذره إذا كان مجبرا من أحد أو مكرها على نذره، ويشترط أن يكون قاصدا، فلا ينعقد نذر الهازل والساهي ولا السكران ولا الغضبان إذا كان غضبه شديدا يرتفع معه القصد. [ المسألة 58: ] يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر غير محجور في متعلق نذره، فلا يصح نذر السفيه إذا نذر مالا أو فعلا يتعلق به سفهه، سواء كان المال المنذور عينا أو في ذمته، ولا ينعقد نذر المفلس إذا تعلق النذر بأمواله المحجورة والتي تعلق بها حق الغرماء. [ المسألة 59: ] لا يصح نذر العبد المملوك الا باذن سيده، سواء تعلق نذره بفعل من أفعاله أم بشئ من أمواله وسواء كان المالك قد منعه من النذر قبل أن ينذر أم لا، وان كان المنذور فعل واجب أو ترك حرام، فلا ينعقد نذره في جميع ذلك الا بالاذن، ويجب عليه فعل الواجب وترك المحرم وان لم يأذن له مولاه بهما ولم ينعقد نذره فيهما، بل وان نهاه عنهما.

[ 422 ]

[ المسألة 60: ] يشترط في صحة نذر المرأة اذن زوجها، فلا ينعقد نذرها بغير اذنه، وان تعلق النذر بمالها أو بفعلها، سواء سبقها الزوج فمنعها من النذر قبل أن تنذر أم لا، وسواء كان النذر الذي تنذره مما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها كالصوم والحج والعمرة والاعتكاف أم لا. [ المسألة 61: ] إذا أذن الزوج لزوجته فنذرت، صح نذرها ووجب عليها الوفاء به ولم يجز للزوج الرجوع بالاذن أو حل النذر، وليس له أن يمنعها عن الوفاء به وان كان مما يمنعه عن الاستمتاع بزوجته. [ المسألة 62: ] لا يشترط في صحة نذر الولد اذن أبيه، فإذا نذر بغير اذنه انعقد نذره ولم يجز للاب ان يحل نذره أو يمنعه من الوفاء به، وإذا نهاه الاب عن ايقاع النذر قبل أن ينذر لم يجز للولد النذر، فإذا نذر بعد النهي لم ينعقد ولم يجب عليه الوفاء به، وإذا نهاه عن النذر بعد أن نذر، ففي صحته اشكال، وكذلك الام على الاحوط. [ المسألة 63: ] لا يجوز النذر لغير الله سبحانه من رسول أو نبي أو ولي أو ملك أو عبد صالح، ولا يجوز للكعبة والمشاهد والمساجد والمعابد وسائر الامكنة المحترمة في الاسلام، وقد تقدم ان النذر هو تمليك لله سبحانه ينشئه الانسان على نفسه بصيغة النذر كما هو المختار في معنى النذر، أو هو التزام له سبحانه يعقده الانسان على نفسه بالصيغة المعينة كما هو القول المشهور. والنذر نحو من أنحاء العبادة، ومن أجل ذلك فلابد فيه من القربة كما سنذكره ان شاء الله ونوضح المعنى المراد منه، ولذلك كله فلا يجوز النذر لغير الله تعالى. والانبياء والاولياء والصلحاء والمعابد والمشاهد والمساجد وسائر المخلوقات المكرمة انما هي وجوه من القربات التي يتقرب بتكريمها إلى

[ 423 ]

الله، فيصح للعبد أن ينذر شيئا لله ويملكه على نفسه، على أن يصرف المنذور في بعض هذه الوجوه المقربة إليه تعالى على وجه الخصوص، فينذر النذر لله على أن يصرف في شؤون الكعبة المكرمة أو شؤون النبي أو الولي أو المشهد أو المسجد. والفارق كبير وواضح جدا بين أن ينذر الانسان لله وحده متقربا إليه ويعين في نذره صرف ما نذره لله في بعض هذه الوجوه المقربة إلى الله فيصلي الركعات المنذورة لله أو يصوم الايام المنذورة له ويجعلها هدية أو يجعل ثوابها للرسول أو للامام أو للولي الصالح أو الشهيد الكريم، ويصرف المال المنذور لله في بعض شؤونهم أو في شؤون الامكنة المحترمة في الاسلام، وهذا هو ما يفعله خاصة الشيعة وعامتهم حتى الجهلة منهم بالاحكام، وهذا ما يقصدونه في نذورهم حتى من يغلط منهم في التعبير، وبين أن ينذرها للنبي أو الولي أو المعبد أو المشهد أنفسها، فلا ينعقد النذر ولا يجوز لانه لغير الله، وهذا ما تصرح كتب علماء الشيعة بعدم جوازه. [ المسألة 64: ] ما ينذره الشخص لله على نفسه قد يجعل وجوبه عليه معلقا على حصول نعمة أو شئ يرغب في حصوله، فيقصد في صيغته أن يكون النذر شكرا لله على ايتائه تلك النعمة، ومثال ذلك أن يقول: ان رزقني الله ولدا ذكرا، أو ان وفقني لحج بيته الحرام في هذا العام: ان أصوم كذا يوما، أو أن أتصدق بكذا دينارا شكرا له على تفضله. وقد يجعل وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه معلقا على نجاته من أمر يخشى حلوله عليه، فيقصد أن يكون النذر شكرا لله على دفعه تلك البلية عنه أو توسلا إليه بذلك أن يكشف ذلك الضر عنه، ومثال ذلك ان يقول: ان كشف الله هذه الكربة أو شفاني من هذا المرض أو أنجاني من هذه البلية فلله علي أن اعتمر في شهر رجب أو أن أزور الحسين في عرفة. وقد يجد الانسان نفسه مدفوعا بدافع أو أكثر إلى ارتكاب أمر وهو لا يرغب في حصوله منه، فيجعل على نفسه نذرا ان هو عمل ذلك العمل

[ 424 ]

أو ركبه، ليكون ترتب هذا الجزاء زاجرا له عن الوقوع فيه أو زاجرا له عن تركه، فيقول مثلا: ان شربت الدخان أو ان ارتكبت الغيبة، فلله علي ان أتصدق بمائة دينار أو أن اصوم شهرا متتابعا، أو يقول: ان تركت صلاة الجماعة أو ان تركت الصلاة في أول وقتها فلله علي ان أحج أو أن اعتمر أو أن أزور ماشيا، ويسمى القسم الاول والقسم الثاني نذر شكر، ونذر بر، ويسمى القسم الثالث نذر زجر. وقد يجعل الانسان وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه مطلقا غير معلق على حصول شئ أو على عدم حصوله، فيقول: لله علي أن أتصدق بعشرة دنانير، أو أن أصلي النافلة اليومية أو ان أصوم كل اربعاء من رجب وكل خميس من شعبان، ويسمى هذا القسم الرابع نذر التبرع. [ المسألة 65: ] يشترط في صحة نذر الشكر أن يكون الامر الذي علق الناذر عليه وجوب الفعل على نفسه مما تصح مقابلته بالشكر، فإذا كان من فعل الله سبحانه فلابد وأن يكون مما يصح سؤاله من الله وتمنى وقوعه منه، كما ذكرناه في مثال ذلك، وكما إذا قال: ان أهلك الله عدوي الجائر، أو ان بسط الله الامن والدعة في البلاد، أو ان شفى الله مريضي، أو أن عافى أخي المؤمن فلانا من بليته وأنجاه من كربته فلله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به، ولا يجوز أن يعلق نذره وشكره على حدوث أمر لا يصح طلبه من الله ولا يتمنى وقوعه منه، فيقول: ان أهلك الله فلانا ويقصد بذلك مؤمنا صالحا، أو ان وقعت النكبة على أهل بلد مؤمنين أو على أسرة مسلمة، أو ان نصر الله عدو المسلمين أو ان شفاه من مرضه فلله علي أن أصوم أو أن أتصدق، ويقصد بذلك الشكر على ذلك، فلا يجوز له ذلك ولا ينعقد نذره. وإذا كان الامر الذي علق الناذر عليه نذره وشكره من فعل نفسه، وجب أن يكون من الطاعات التي يشكر الله لتوفيقه اياه لفعلها، أو من المعاصي أو المكروهات التي يشكر الله لاعانته على تركها وهجرها، فيقول مثلا: ان حججت في هذا العام أو ان زرت قبر الرسول صلى الله عليه وآله، أو ان صمت شهر رمضان، فلله علي أن أختم القرآن كذا مرة، شكرا

[ 425 ]

لله على ذلك، أو يقول: ان تركت المعصية المعينة أو المكروهات المعينة، فلله، علي أن أتقرب إليه باطعام عشرين مسكينا شكرا له على عونه. ولا يصح أن يجعل نذره شكرا لله على ترك طاعة واجبة أو مستحبة أو على فعل محرم كبير أو صغير أو على مكروه فلا ينعقد نذره إذا قصد ذلك. وإذا كان الامر الذي علق عليه النذر من فعل ناس آخرين وجب أن يكون مما ينتفع به الناذر في دينه أو في دنياه ولو على نحو العموم وأن يكون مما يصح أن يشكر الله عليه، فيقول مثلا: ان قدم ولدي من السفر، أو ان صلح عمله وترك الموبقات، أو ان اقبل الناس على الطاعة وتركوا المعصية، أو ان أصلح فلان أمر عياله وكان ذلك مما يهمه، فلله علي ان أتصدق بكذا شكر الله على ذلك، فيصح نذره بذلك وينعقد، ولا يصح نذره وشكره إذا قال مثلا: ان واظب زيد على منكراته واستمر على معصيته فلله علي أن أتقرب إلى الله بكذا فلا ينعقد نذره. [ المسألة 66: ] لا يتصور أن يكون النذر نذر زجر الا إذا كان الامر الذي علق عليه النذر أمرا اختياريا للناذر سواء كان فعلا أم تركا، فان زجر الانسان نفسه عن شئ انما يصح إذا كان الانسان مختارا في فعل ذلك الشئ وتركه، ويشترط في صحة هذا القسم من النذر أن يكون الفعل أو الترك الذي علق النذر عليه مما يصح المنع عنه شرعا، فيقول مثلا: ان عملت الخطيئة المعينة، أو ان ارتكبت حراما، أو ان فعلت مكروها في يوم الجمعة أو في شهر رمضان، فلله علي ان اعتق رقبة، بقصد زجر نفسه عن ارتكاب ذلك. أو يقول: ان تركت الصلاة، أو ان تركت الصيام في شهر رمضان، أو تركت واجبا فلله علي أن أحج أو أن اعتمر ماشيا، أو يقول: ان تركت النافلة اليومية، أو ان تركت صلاة جعفر في يوم الجمعة فلله علي أن أتصدق بمائة دينار بقصد منع نفسه عن ترك هذه الطاعات، فيصح نذره ويجب عليه الوفاء به. ولا يصح له ان يزجر نفسه عن فعل واجب أو مستحب أو عن ترك

[ 426 ]

محرم أو مكروه، فإذا نذر بهذا القصد لم ينعقد نذره، ولم يجب عليه الوفاء به [ المسألة 67: ] يصح نذر التبرع على الاحوط بل على الاقوى، ونذر التبرع كما ذكرنا في المسألة الرابعة والستين هو النذر الذي يوجبه الانسان على نفسه مطلقا غير معلق على حصول شئ، فيقول: لله علي أن أصلي النافلة اليومية في شهر رمضان أو يقول: لله علي أن أصلي صلاة جعفر في كل جمعة، فيجب عليه الوفاء به إذا اجتمعت فيه شروط الانعقاد. [ المسألة 68: ] إذا كان النذر معلقا على حصول شئ وكان الشئ الذي علق عليه النذر عملا اختياريا للناذر، أمكن أن يكون النذر نذر شكر، وان يكون نذر زجر، والفارق بينهما هو قصد الناذر، فإذا قال القائل: ان صمت شهر رمضان في هذا العام، فلله علي أن أتصدق بمائتي دينار، وقصد بذلك أن دفع الصدقة المنذورة شكر لله على توفيقه للصيام في الشهر كان نذر شكر فينعقد ويلزم الوفاء به، وإذا قال ذلك، وقصد به أن تكون الصدقة المذكورة غرامة تزجره عن الاتيان بالصوم كان نذر زجر فلا ينعقد ولا يجب البر به وكذلك إذا قال: ان عملت محرما في يومي هذا أو في شهري هذا فلله علي أن أدفع لاخي زيد مائة دينار، فان أراد بذلك زجر نفسه عن الوقوع في العمل المحرم في المدة المعينة صح نذره وانعقد، وان قصد به الشكر لتهيئة أسباب العمل المحرم له حتى عمله كان نذر شكر ولم ينعقد. [ المسألة 69: ] يشترط في انعقاد النذر أن يكون الفعل أو الترك المنذور مقدورا للناذر، فلا ينعقد النذر إذا كان متعلقه غير مقدور له، من غير فرق بين أن يكون نذر شكر أو نذر زجر أو يكون مطلقا غير معلق على حصول شئ، والمدار أن يكون المتعلق مقدورا له حين الوفاء به لا حين انشاء صيغة النذر، فإذا نذر أن يتصدق بمن من العنب إذا نمت مزرعته

[ 427 ]

فانتجت عنبا في وقت حاصلها صح نذره وانعقد وان كان غير قادر على دفع الصدقة المنذورة حين النذر لعدم وجود العنب في ذلك الحين. [ المسألة 70: ] إذا نذر المكلف نذرا وعين له وقتا، وكان قادرا على فعل الشئ حين النذر ثم عجز عنه عند حضور وقت الوفاء به انحل نذره وسقط عنه الوجوب ولم تجب عليه الكفارة، ومثال ذلك ان يقول: لله علي أن أتصدق بمائة دينار في أول شهر رمضان وهو قادر على ذلك في حال النذر، ثم أعسر في هلال الشهر ولم يتمكن من دفع الصدقة في وقتها، فينحل النذر لعدم القدرة ويسقط عن الناذر وجوب التصدق. وكذلك الحكم إذا نذر نذرا مطلقا لم يعين له وقتا ثم عجز عن ادائه عجزا مطلقا فينحل نذره ويسقط وجوب الوفاء به. ويستثنى من ذلك ما إذا نذر صوما وعجز عنه، فالاحوط لزوما ان يتصدق عن كل يوم من الايام المنذور صومها بمد من الحنطة، وفي بعض النصوص أن يعطي من يصوم عنه كل يوم مدين. [ المسألة 71: ] انما ينحل النذر ويسقط وجوب الفعل المنذور عن الناذر إذا عجز عن الفعل واستمر به العجز، فإذا عجز عنه أولا ثم تجددت له القدرة على فعله وجب عليه الوفاء به إذا كان الوقت باقيا أو كان النذر مطلقا. [ المسألة 72: ] يشترط في الشئ المنذور فعله أو تركه أن يكون طاعة يتقرب بها الى الله سبحانه من الواجبات أو المندوبات، كالصلاة والصيام والحج والاعتمار والاعتكاف والزيارة والصدقة والعتق، أو من الامور المحبوبة له سبحانه، والتي أمر بها أو حثت الشريعة على فعلها كعيادة المرضى وصلة الارحام والبر بالاخوان وزيارتهم واعانة المحتاجين وتجهيز الموتى وتشييع الجنائز وترك المحرمات والمكروهات. [ المسألة 73: ] ينعقد نذر الفعل المباح إذا طرأ عليه عنوان أوجب رجحانه شرعا

[ 428 ]

كأكل الفاكهة إذا أوجب أكلها سرعة شفاء المريض من مرضه أو تقدم صحته في أدوار نقاهته أو قوته في أدوار ضعفه، وكتناول الطعام المباح حين تكون فيه اجابة لدعوة مؤمن أو صلة لرحم أو بر بأبوين، أو قصد به الآكل أن يتقوى به على طاعة. وينعقد نذر تركه حين يكون تركه راجحا على فعله كما إذا كان أكل الشئ المباح سببا للضرر أو كان مظنة لذلك، وكما إذا نهاه أحد الابوين عن الشئ المباح لبعض الدواعي التي تبعثه على الشفقة فقال له: لا تدخل دار فلان أو لا تأكل طعامه. فيحرم عليه فعل ما نهاه عنه، فإذا نذر تركه انعقد النذر ووجب عليه الترك من كلتا الناحيتين. ولا ينعقد نذر فعله إذا كان الفعل مرجوحا لبعض الجهات المذكورة أو غيرها، ولا ينعقد نذر تركه إذا كان الترك مرجوحا كذلك، ولا ينعقد نذر فعله ولا تركه إذا كانا متساويين، فلا رجحان لفعله ولا لتركه. [ المسألة 74: ] إذا نذر المكلف صلاة أو صياما أو صدقة وحدد لها في نذره وقتا معينا وجب عليه أن يأتي بالفعل المنذور في الوقت المعين، ولم يجزه أن يأتي بالفعل في غير ذلك الوقت. فإذا قال: لله علي أن أصلي ركعتين قبل طلوع الشمس من يوم الخميس، أو قال: لله علي أن أصوم يوم الخميس لم يكفه في الوفاء بنذره أن يصلي الركعتين في غير الوقت المحدد من يوم الخميس، أو يصوم غير الخميس من الايام، وإذا لم يأت بالصلاة والصوم في الوقت الذي عينه عامدا حنث في نذره ووجبت عليه الكفارة، وان أتى بالفعل في وقت آخر قبل الوقت المعين أو بعده. [ المسألة 75: ] إذا نذر المكلف أن يصلي ركعتين أو أكثر، أو أن يصلي صلاة جعفر في مكان ترجح الصلاة فيه على غيره، انعقد نذره ووجب عليه أن يأتي بالصلاة المنذورة في المكان الذي عينه، ولم يكفه أن يصليها في غير ذلك

[ 429 ]

المكان وان كان مساويا له في الرجحان أو أفضل. فإذا نذر الصلاة في مسجد سوق أو في مسجد قبيلة مثلا وجب عليه أن يأتي بالصلاة المنذورة فيه، وإذا تركها عامدا ولم يصلها فيه حنث في نذره ولزمته الكفارة، وان صلاها في مسجد جامع أو في أحد المساجد المعظمة أو أحد المشاهد المشرفة. [ المسألة 76: ] إذا نذر الرجل الصلاة في موضع ليس فيه أي رجحان على غيره من الامكنة كالصلاة في البلد، أو في المأتم أو في المجلس أو في بيت فلان، اشكل الحكم بانعقاد نذره، والاحوط انعقاد نذره، إذا تعلق بمجموع القيد والمقيد، فكان المنذور هي الصلاة في المكان المعين، فيلزم الوفاء به على الاحوط في هذه الصورة. [ المسألة 77: ] إذا نذر الانسان أن يوقع صلاته المفروضة أو صيامه الواجب في بلده أو في مجلسه أو في بيته مثلا، فلم ينذر الصلاة ولا الصيام ولكنه نذر ان يكون اتيانه بهما في الموضع الخاص الذي لا رجحان فيه ولا مرجوحية، فالظاهر عدم انعقاد النذر وعدم وجوب الوفاء به، وكذلك الحكم إذا نذر أن يوقع نوافله المندوبة من الصلاة والصيام في ذلك الموضع الذي لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره. وإذا طرأ للموضع ما يوجب رجحانه ككونه أبعد عن الشك أو أقرب لحصول الاطمئنان أو أضمن لتحصيل التوجه والاخلاص في العبادة انعقد النذر ولزم الوفاء به. [ المسألة 78: ] إذا نذر المكلف أن يصوم ولم يعين عددا، أجزأه في الوفاء بنذره أن يصوم يوما واحدا من الايام التي يصح صومها، ولم يجز أن يأتي ببعض الافراد التي حرمها الاسلام كصوم الصمت وصوم الوصال وصوم بعض اليوم، والصوم عن بعض المفطرات دون بعض.

[ 430 ]

وإذا نذر أن يصلي ولم يعين عددا من الركعات ولا كيفية معينة، كفاه أن يصلي ركعتين على الكيفية الثابتة في الشريعة، بل ويكفيه أن يأتي بمفردة الوتر، ولا يكفيه أن يصلي ركعة واحدة بغير كيفية صلاة الوتر، ولا يكفيه ولا يصح له أن يأتي بصلاة على كيفية غير ثابتة في الشرع كصلاة بغير تكبيرة احرام أو بغير ركوع أو بسجدة واحدة أو بغير سجود. وإذا نذر صدقة مطلقة أجزأه أن يدفع للفقير أدنى ما يقال له صدقة في نظر أهل العرف. وإذا نذر قربة أو عبادة كفاه أن يصوم يوما أو يصلي أو يتصدق على بعض الوجوه الصحيحة التي تقدم ذكرها أو يأتي بأي قربة أو عبادة صحيحة أخرى. [ المسألة 79: ] إذا نذر أن يصلي عشر ركعات أو عشرين ركعة أو أكثر وجب أن يفرد كل ركعتين منها بتسليم، على النحو الثابت في صلوات النوافل الا أن ينذر كيفية شرعية خاصة كما إذا نذر صلاة الاعرابي، وقد ذكرنا هذا في فصل أعداد الصلاة من الجزء الثاني من الرسالة. [ المسألة 80: ] إذا نذر أن يصوم خمسة أيام أو عشرة أيام أو أكثر متتابعة وجب أن يأتي بها متتابعة كما عين، فلا يجزية أن يصومها متفرقة أو يفرق بعضها، وإذا نذر أن يصومها متفرقة وجب أن يصومها متفرقة كما عين كذلك وإذا نذر أن يصوم الايام ولم يشترط ان يكون صومها متتابعا أو متفرقا تخير في الوفاء بين الامرين. وكذلك الحكم إذا نذر أن يصوم سنة مطلقة ولم يشترط التتابع أو التفريق، فيكفيه أن يصوم اثني عشر شهرا متتابعة أو متفرقة الشهور أو الايام، ولا يدخل فيها شهر رمضان إذا كان المراد أن يصوم سنة تامة فلابد من أن يصوم اثني عشر شهرا غيره وغير العيدين وأيام التشريق إذا كان بمنى.

[ 431 ]

[ المسألة 81: ] إذا نذر أن يصوم شهرا هلاليا، وجب عليه أن يصوم ما بين الهلالين وأن يأتي بالصوم متتابعا حتى يهل الهلال الثاني، ويكفيه صوم ما بين الهلالين وان كان ناقصا وكذلك إذا نذر ان يصوم شهرا معينا من الاشهر القمرية المعروفة كشهر رجب أو شهر شعبان مثلا. وإذا نذر أن يصوم شهرا مطلقا ولم يقيده بالهلالي، لم يجب عليه أن يتابع في صومه، وإذا ابتدأ بصوم الشهر المنذور من الهلال كفاه ان يتم صومه إلى الهلال الثاني وان كان ناقصا في العدد، وإذا شرع في صومه في اثناء الشهر وجب عليه أن يكمله ثلاثين يوما على الاقوى، وكذلك إذا فرق الايام ولم يتابع صومه فلابد من ان يكمله ثلاثين يوما وان شرع في صومه من الهلال. [ المسألة 82: ] إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة من السنين المتعارفة في الدوران لم يدخل فيها صوم العيدين، فيجب عليه الافطار فيهما، ولا يضر افطاره فيهما بالتتابع المنذور ويجب عليه قضاؤهما على الاحوط. وإذا عرض له في اثناء السنة مرض أو طرأ للمرأة حيض أو نفاس، وجب الافطار ولم يضر افطاره بالتتابع، ويجب عليه قضاء ما أفطره على الاقوى، وكذلك إذا اضطر إلى السفر في اثناء السنة وكان اضطراره بنحو القهر الذي يخرج به عن كونه مختارا، فيجب عليه الافطار والقضاء ولم يضر افطاره في هذا السفر بتتابع النذر، ومثال هذا الاضطرار ان يسافر به ظالم متغلب فيقطع به المسافة مقسورا على أمره ويجب عليه الافطار لذلك. وإذا لم يبلغ اضطراره إلى السفر هذه المرتبة اشكل الحكم بأن افطاره فيه لا يقطع التتابع. وإذا سافر في اثناء سنته مختارا وأفطر انقطع تتابع صومه بلا ريب، بل يشكل الحكم بجواز السفر له إذا كان موجبا للافطار وقطع التتابع.

[ 432 ]

[ المسألة 83: ] إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة كما هو الفرض المتقدم دخل شهر رمضان في نذره، فيكون صومه واجبا بالاصل وواجبا بالنذر فلا ينقطع به التتابع، فإذا أفطر فيه عامدا لزمته كفارة الحنث بالنذر وكفارة الافطار في شهر رمضان وانقطع بذلك تتابع صوم النذر، وإذا نذر صوم سنة متتابعة غير شهر رمضان لم ينقطع تتابعه بصيام شهر رمضان في الاثناء. [ المسألة 84: ] إذا نذر الرجل أن يصوم سنة معينة فقال: لله علي ان أصوم هذه السنة مثلا، أو قال: لله علي ان أصوم سنة ألف وأربعمائة وعشر من الهجرة، انعقد نذره ووجب عليه صوم السنة المعينة كلها، ولم يدخل فيها صوم يومي العيدين منها، فلا يجوز له صومهما، والاحوط قضاؤهما، ولا يدخل فيها صوم أيام التشريق الثلاثة إذا كان بمنى سواء كان ناسكا أم غير ناسك، فلا يجوز له صومها، والاحوط له قضاؤها بعد السنة، وايام التشريق هي الايام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، ويجب عليه صومها إذا كان بغير منى. ويدخل في نذره شهر رمضان فيكون صومه واجبا من الناحيتين فإذا افطر فيه لزمته كفارة الافطار وكفارة خلف النذر. وإذا افطر من السنة المنذورة اياما عامدا غير الايام التي تقدم ذكرها ولم يكن قد اشترط التتابع في صومه بنى على الصوم وأتم السنة ثم قضى الايام التي أفطرها ووجبت عليه الكفارة بعدد الايام. وإذا كان قد اشترط التتابع في صوم السنة المعينة بطل التتابع واشكل الحكم، والاحوط أن يتابع في صوم ما بقي من ايام السنة إلى ان تتم، ويصل بها قضاء الايام التي أفطرها وقضاء ما بطل تتابعه من الايام التي صامها قبل ذلك وأبطل تتابعها بافطاره، ويأتي بالجميع متتابعا، وعليه الكفارة لا خلاله بالتتابع. [ المسألة 85: ] إذا نذر المكلف صوم يوم معين من الشهر أو من الاسبوع، وأفطر

[ 433 ]

ذلك اليوم وجب عليه قضاء صومه وإذا كان عامدا من غير عذر وجبت عليه الكفارة. [ المسألة 86: ] إذا نذر المكلف صوم يوم معين لم يحرم عليه السفر فيه وان كان السفر غير ضروري له، فإذا سافر فيه أفطر ووجب عليه قضاء صومه ولم تجب عليه الكفارة. [ المسألة 87: ] إذا نذر المكلف ان يصوم كل يوم خميس في سنته أو مادام حيا، واتفق يوم الخميس مع أحد العيدين وجب عليه افطار ذلك اليوم ولزمه قضاؤه على الاحوط، وإذا مرض الناذر في يوم الخميس أو سافر، أو حاضت المرأة أو تنفست فيه لزم الافطار كذلك، ووجب عليه قضاء اليوم على الاقوى ولا كفارة عليه في الجميع. [ المسألة 88: ] إذا نذر الانسان أن يصوم كل يوم خميس، ثم وجب عليه أن يصوم صوما يجب فيه التتابع كما إذا نذر صوما متتابعا عشرة أيام أو شهرا أو شهرين، أو وجبت عليه كفارة فيها صوم متتابع، فإذا أراد أن يأتي بالصوم المتتابع وجب عليه أن يصوم كل خميس من تلك الايام وفاءا بنذره السابق المتعلق به، ولا يكون ذلك مخلا بتتابع صومه الذي وجب عليه للكفارة أو للنذر اللاحق. [ المسألة 89: ] إذا نذر الانسان صوما واشترط في صيغة النذر أن يأتي بالصوم في السفر والحضر، صح نذره وشرطه، فيصح منه الصوم وان كان مسافرا، ويتعين عليه إذا كان مؤقتا واتفق سفره في الوقت فيجب عليه الصوم ويجزيه، سواء كان الصوم المنذور متتابعا أم لا. [ المسألة 90: ] إذا نذر الانسان أن يزور الرسول صلى الله عليه وآله أو يزور أحد الائمة المعصومين (ع) انعقد نذره ووجب عليه البر به، ويكفي في الوفاء

[ 434 ]

بنذره مع الاطلاق أن يحضر عند المزور ويسلم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشئ من الآداب والمستحبات المأثورة في الزيارة كالغسل والصلاة وغيرهما، وإذا ذكر ذلك في صيغة النذر أو ذكر شيئا منه لزمه الاتيان به. وإذا نذر أن يزور اماما معينا، تعينت عليه زيارة ذلك الامام ولم تجزه عنها زيارة غيره من الائمة (ع) فإذا ترك زيارته عامدا مع القدرة حنث في نذره ووجبت عليه كفارة النذر، وإذا نذر زيارته في وقت معين، وجبت عليه زيارته في ذلك الوقت، فإذا تركها عامدا مع القدرة حنث في نذره ووجبت عليه الكفارة، ولم يجزه أن يزور ذلك الامام في وقت آخر، ويشكل الحكم بوجوب القضاء وان كان أحوط. [ المسألة 91: ] إذا نذر الانسان أن يزور اماما معينا ثم عجز عن زيارته انحل نذره وسقط عنه الوجوب، ولم تجب عليه الكفارة، ولم تجب عليه زيارة امام آخر بدلا عنه. [ المسألة 92: ] إذا نذر الرجل أن يحج ماشيا وكان قادرا على ذلك وآمنا من الضرر بفعله، انعقد نذره ووجب عليه، فإذا تركه، أو حج راكبا أو مشى في بعض الطريق وركب في بعضه، وكان وقت الحج المنذور معينا وفات الوقت بذلك، حنث بنذره ووجبت عليه الكفارة، بل ولا يترك الاحتياط بالقضاء، فيحج ماشيا بعد الوقت وكذلك إذا كان النذر مطلقا لم يعين له وقت، وترك المشي في ذلك العام مع قدرته عليه ثم عجز عن المشي في بقية السنين، فيحنث بنذره وتلزمه الكفارة، وإذا كان النذر مطلقا وهو قادر على المشي في بقية السنين وجب عليه أن يفي بنذره فيحج ماشيا. وكذلك الحكم إذا نذر أن يزور الرسول صلى الله عليه وآله ماشيا، أو نذر أن يزور أحد الائمة (ع) ماشيا، فينعقد نذره ويلزمه الوفاء مع القدرة والامن من الضرر، ويجري فيه التفصيل المذكور في الحج.

[ 435 ]

[ المسألة 93: ] إذا نذر المكلف الحج أو الزيارة ماشيا وهو قادر على ذلك، ثم عجز عن الاتيان بما نذره عجزا تاما انحل نذره وسقط عنه الوجوب، وإذا عجز عن المشي في بعض الطريق دون بعض، وكان نذره مؤقتا، مشى من الطريق ما يستطيع مشيه وركب في الباقي على الاحوط، إذا لم يكن ذلك هو الاقوى، وكذلك الحكم إذا كان نذره مطلقا غير مؤقت بسنة معينة وكان عجزه بعد الشروع في الذهاب فيمشي من الطريق ما أمكنه ويركب في الباقي. وإذا كان نذره مطلقا وكان عجزه قبل الشروع في الذهاب صنع كذلك على الاحوط ثم اعاد الحج ماشيا إذا تمكن منه بعد ذلك في السنين الآتية. وإذا كان نذره مطلقا فعجز كذلك ولم يحج في تلك السنة ثم تجددت له القدرة على المشي في السنين الاخرى وجب عليه الوفاء بنذره. [ المسألة 94: ] إذا نذر أن يتصدق بشئ معين خارجي، وجب عليه أن يتصدق بعين ذلك الشئ الذي تعلق به النذر إذا كان موجودا، ومثال ذلك أن يقول: لله علي ان أتصدق بهذه الوزنة المعينة من الحنطة أو بهذا الثوب المعين أو بهذه القطعة المعلومة من الفراش، فيلزمه أن يدفع للمستحق نفس العين المنذورة ولا يجزيه أن يدفع وزنة أخرى من الحنطة بدلا عنها أو يتصدق بقيمة الثوب أو الفراش المعين من الدراهم أو الدنانير. وإذا تلفت العين التي نذر التصدق بها ولم يكن الناذر هو المتلف لها انحل نذره ولم يجب عليه دفع بدلها ولا دفع الكفارة، وإذا كان الناذر هو الذي أتلف العين المنذورة كان ضامنا لها، فتجب عليه الصدقة بمثلها إذا كانت مثلية، وبقيمتها إذا كانت قيمية على الاحوط، ويلزمه دفع الكفارة على الاقوى. [ المسألة 95: ] إذا نذر الرجل أن يتصدق على شخص معين، فقال: لله علي ان أتصدق على زيد مثلا بمائة دينار، وجب على الناذر ذلك، فلا تكفيه الصدقة على غير الشخص الذي عينه وان كان قريبا له، أو كان افقر منه أو

[ 436 ]

كانت الصدقة عليه أفضل، ولا يتعين على الشخص المنذور له أن يقبل الصدقة المنذورة ويجوز له ان يمتنع من قبولها، وإذا هو امتنع ولم يقبلها انحل نذر الناذر لتعذر حصول الفعل المنذور عليه، وسقط عنه وجوبه، وهذا إذا استمر المنذور له على امتناعه من قبول الصدقة كما سيأتي بيانه في المسألة السابعة والتسعين. [ المسألة 96: ] إذا قبل الفقير المنذور له تصدق الناذر عليه، ثم أبرأ ذمته من الصدقة قبل أن يقبضها منه لم تبرأ ذمة الناذر من الصدقة ولم يسقط عنه الوجوب بابرائه. وإذا دفع الناذر الصدقة إلى المستحق وقبضها منه ملكها بالقبض وبرئت ذمة الناذر وجاز للمستحق أن يهبها له أو يدفعها له مكافأة على عمل، ونحوه وان كره للناذر ان يأخذها منه. [ المسألة 97: ] إذا نذر الناذر أن يتصدق على شخص معين، وامتنع المنذور له عن قبولها، ثم عاد فقبلها بعد امتناعه، فالظاهر وجوب التصدق عليه إذا كان النذر مطلقا ولم يكن للصدقة المنذورة وقت معين، أو كانت مؤقتة وكان الوقت لا يزال باقيا. وإذا كانت الصدقة المنذورة مؤقتة وقد انقضى وقتها قبل أن يعود الفقير فيقبل التصدق، انحل النذر ولم يجب على الناذر التصدق بها عليه. [ المسألة 98: ] إذا كانت الصدقة المنذورة عينا شخصية وامتنع المنذور له عن قبولها، جاز للناذر أن يتلف العين بعد امتناع الفقير عنها، ولا يكون على الناذر ضمان باتلافها ولا تجب عليه كفارة، وان قبل المنذور له بعد التلف. [ المسألة 99: ] إذا نذر المكلف أن يتصدق بعين مشخصة أو بمبلغ من المال في ذمته، ثم مات قبل أن يفي بنذره وجب أن تخرج الصدقة المنذورة من أصل

[ 437 ]

تركته، وكذلك الحكم في كل نذر يتعلق بالمال، كما إذا نذر أن يفي دين زيد من ماله، أو نذر أن يدفع له مبلغا من المال يحج به أو يعتمر أو يزور، أو نذر أن يصل أباه أو أخاه أو احد أرحامه بمقدار من المال، فإذا مات الناذر قبل أن يفي بالنذر اخرج المال المنذور من أصل تركته لا من الثلث. [ المسألة 100: ] إذا نذر المكلف أن يتصدق على زيد بمبلغ من المال أو بعين مخصوصة ثم مات الشخص المنذور له قبل أن يتصدق الناذر عليه بالعين أو المبلغ المنذور، أشكل الحكم فيه، فلا يترك الاحتياط بقيام وارثه مقامه إذا كان مستحقا، وإذا لم يكن له وارث أو كان لا يستحق الصدقة أو امتنع من قبولها فالظاهر سقوط النذر بالصدقة لتعذر الوفاء بها. [ المسألة 101: ] إذا نذر أن يهب أو يهدي إلى فلان شيئا معينا أو مبلغا من المال ثم مات المنذور له قبل أن يفي الناذر له بنذره سقط النذر ولم يجب الوفاء به. وإذا مات الناذر قبل أن يهب، فالاحوط ان يتولى وصيه أو وارثه ذلك، فيهب المال للمنذور له ويخرجه من أصل تركة الميت. [ المسألة 102: ] ما ينذر لاحد المشاهد الشريفة يختص به ولا يجوز صرفه في غيره من المشاهد وان كان أعظم قدرا منه أو أكثر حاجة، فيصرف في مصالح المشهد المنذور له، كتعميره إذا احتاج إلى التعمير واصلاح بنائه إذا احتاج إلى الاصلاح وانارته، وتجهيزه بوسائل التهوية والتبريد والتدفئة وتبريد الماء، وتعمير أماكن التطهير والوضوء في المشهد وترميمها، واعانة خدام المشهد الصالحين والقائمين بشؤونه، وما يشبه ذلك أو يتصل به من الحاجات والمقاصد اللائقة به. [ المسألة 103: ] ما ينذر للرسول صلى الله عليه وآله أو لامير المؤمنين (ع) أو لاحد المعصومين (ع) أو للعباس (ع) أو لغيرهم من الذرية الطيبة والذوات الطاهرة، يصرف في سبل الخير والقربات، فيعان به المحتاجون من أهل العلم على تحصيل

[ 438 ]

غاياتهم من طلب العلم ونشر الاسلام، وينفق على المحتاجين من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله، ويتصدق به على الفقراء من المؤمنين، ويعان به المحتاجون من الزوار، ويصح صرفه في بناء المساجد ومساكن الفقراء والايتام ونحو ذلك، ويقصد بجميع ذلك عود ثواب الخيرات والمبرات إلى المنذور له منهم (ع). والاحوط استحبابا تخصيصه بالمحتاجين من المجاورين من أهل العلم ومن الذرية والفقراء وخدمة المشهد. [ المسألة 104: ] إذا نذر الناذر لاحدهم (ع) وقصد بنذره ان يصرف المال المنذور في اقامة مآتمهم (ع)، وعزائهم أو ذكرى وفياتهم، أو في الاطعام فيها والقيام ببعض شؤونها وجب صرفه في الجهة المذكورة ولا يصرف في النواحي الاخرى، وإذا عينه لمأتم امام خاص أو شهيد أو ولي معين تعين للجهة التي حددها الناذر، وكذلك إذا كان نذره لجهة خاصة أخرى كالمواليد والاطعام أو الانفاق في أيام الزيارات المخصوصة لهم فيختص بالجهة المعينة. [ المسألة 105: ] إذا نذر الرجل الصدقة بشاة معينة أو بشاة مطلقة ثم عينها للوفاء بنذره تبعها نماؤها المتصل من سمن جثتها وكبرها وصوفها، وكذلك إذا نذر الصدقة ببقرة أم ماعز وعينها، ولا يترك الاحتياط في النتاج واللبن إذا لم يكن للناذر قصد معين ولم يكن عرف متبع أو قرينة دالة، ويتبع قصده إذا علم، ثم يرجع إلى العرف أو القرينة إذا دلا على شئ، وكذلك إذا نذر الشاة أو البقرة أو الماعز لمشهد أو مأتم وشبههما. [ المسألة 106: ] إذا نذر الرجل أن يتصدق بجميع ما يملك وجب عليه ذلك ولزمه الخروج منه والصدقة به، فإذا ضاق الامر عليه لكثرة عياله أو لضعفه عن الكسب أو لعدم توفر أسبابه، قوم جميع ما يملك على نفسه تقويما صحيحا عادلا، وضبطه وضبط قيمته ضبطا كاملا، وجعل قيمة جميع ذلك دينا في ذمته ودونه في دفاتر تثبت الحق، وأشهد عليه من يوثق

[ 439 ]

به ويعتمد عليه، ثم تصرف في أعيان المال والممتلكات الموجودة كيفما أراد من انحاء التكسب بها والصرف على نفسه وعلى عياله وشؤونه، وبدأ باخراج الصدقة المقدرة والثابتة في ذمته شيئا فشيئا وأولا فأولا، وأحصى ما يدفعه من ذلك للفقراء والمساكين واليتامي وذوي الحاجة من أرحامه وغيرهم في دفاتر تبين ذلك وتحصيه، ويسقطه من دينه حتى يفي جميع ما في ذمته. وإذا مرض وظن الموت وقد بقي من دينه شئ وجب عليه ان يوصي إلى من يعتمد عليه باخراجه من أصل تركته واشهد على ذلك. وإذا نذر أن يجعل جميع ما يملكه في سبيل الله أو في سبيل الخير وضاق الامر عليه كذلك، فعل كما تقدم ثم وفى الديون شيئا فشيئا كما وصفنا وانفقها في مطلق سبيل الله وما يقرب إليه، ويدخل في ذلك بناء المساجد والقناطر والملاجئ وغيرها من القربات حتى يتم الوفاء، ولا يختص بالتصدق كما في الفرض السابق. [ المسألة 107: ] إذا نذر الانسان الفعل وجعل له وقتا مخصوصا، فقال: لله علي ان أصوم أول أربعاء من شهر رجب مثلا، أو قال: لله علي أن أتصدق بعشرين دينارا في أول جمعة من شهر شعبان، وجب عليه أن يأتي بالصوم أو بالصدقة في وقتهما الذي عينه، وإذا ترك الفعل عامدا حتى انقضى الوقت حنث بنذره ولزمته كفارة خلف النذر، وكذلك إذا نذر ترك الفعل وجعل له وقتا معينا، فالوفاء بالنذر هو أن يترك الفعل في جميع الوقت، والحنث بالنذر هو ان يأتي بالفعل عامدا ولو مرة واحدة، فيكون للنذر في كلتا الحالتين وفاء واحد في البر به ويكون له حنث واحد في مخالفته، لان النذر قد تعلق بصرف وجود الفعل في الحالة الاولى، وبصرف تركه في الحالة الثانية، فلا يتكرر، وقد مر نظيره في اليمين كما ذكرناه في المسألة الثامنة والثلاثين والمسألة التاسعة والثلاثين. [ المسألة 108: ] إذا نذر الانسان ان يأتي بالفعل ولم يجعل له وقتا مخصوصا، فقال

[ 440 ]

لله علي أن أصوم يوما، أو أن أتصدق بمبلغ كذا، وجب عليه أن يأتي بالفعل في مدة حياته ولو مرة واحدة ويتحقق بذلك وفاؤه بالنذر وإذا ترك الفعل عامدا فلم يأت به في مدة عمره حتى مرة واحدة تحقق الحنث وسقط النذر ولزمته الكفارة. وإذا نذر ان يترك الفعل ولم يجعل له وقتا معينا، فقال: لله علي ان لا أنطق بالباطل أو قال: لله علي ان لا أتفوه بالكذب، وجب عليه ان يترك ذلك مدة حياته ولا يحصل الوفاء بالنذر الا بذلك، فإذا أتى بالفعل المنذور تركه ولو مرة واحدة تحقق الحنث وسقط النذر ولزمته الكفارة فيكون للنذر كما في المسألة المتقدمة وفاء واحد وحنث واحد في كلتا الحالتين نظير ما تقدم في اليمين في المسألتين الآنف ذكرهما. [ المسألة 109: ] إذا نذر الانسان الفعل وكان مقصده في نذره أن يأتي بالفعل المنذور في طبيعته السارية في أفراده، فقال: لله علي أن أصلي النافلة اليومية في كل يوم، أو قال: لله علي أن أصلي صلاة جعفر في كل يوم جمعة، انعقد نذره كما أراد، وانحل نذره إلى نذور متعددة، فتكون صلاة النافلة اليومية في كل يوم من أيام حياة الناذر متعلقا لنذر مستقل يجب الوفاء به، وتجب الكفارة بمخالفته والحنث به، وتكون صلاة جعفر في كل يوم جمعة في المثال الثاني متعلقا لنذر مستقل كذلك، فلكل فرد من أفراد الفعل المنذور نذر يختص به، ويكون الاتيان بالفعل في اي وقت من الاوقات المعينة برا بنذره الخاص به، ويكون تركه في ذلك الوقت حنثا بنذره وموجبا للكفارة لمخالفته، وموجبا للقضاء على الاقوى إذا كان الفعل المنذور صوما، وعلى الاحوط لزوما إذا كان المنذور صلاة أو غيرها. وكذلك الحكم إذا نذر ترك الفعل، وكان المقصود ترك الفعل في كل وقت من الاوقات على نحو الانحلال والاستقلال فقال: لله علي ان لا أكذب أبدا، فإذا كذب في الساعة الاولى عامدا حنث بنذره فيها ووجبت عليه الكفارة، وان أطاع ولم يكذب في الساعة الثانية، وكذلك

[ 441 ]

العكس، فلكل فرد نذره الخاص به ولكل نذر بره وحنثه، وكما تقدم في اليمين. [ المسألة 110: ] يشترط في صحة النذر نية القربة، والمراد بها أن ينشئ الناذر تمليك الفعل أو الترك على نفسه لله وحده، كما هو المختار وقد سبق منا بيان ذلك مفصلا في أول الفصل، أو أن ينشئ التزامه وتعهده بالفعل أو الترك له وحده، كما هو القول المشهور، ونتيجة لذلك فلابد وان يكون الوفاء بالنذر هو الاتيان بالفعل أو الترك مبنيا على ذلك. [ المسألة 111: ] إذا نذر الرجل أن يوجد الفعل نذرا مطلقا ولم يعين له وقتا كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة ولم يكن على نحو الانحلال، جاز له أن يؤخر الفعل إلى أن يظن الوفاة، أو يظن فوت الواجب، أو يلزم من التأخير التهاون بأمر الله، فيتضيق وقته حين ذلك ويجب الاتيان به، وإذا نذر ترك الفعل كذلك وجب عليه الترك من حين انعقاد النذر الى آخر الحياة، وإذا أتى بالفعل المنذور تركه ولو مرة واحدة تحقق الحنث وسقط بذلك النذر كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة. وانما يسقط النذر بالحنث إذا كان المقصود بالنذر ايجاد صرف الفعل، ولا يسقط النذر إذا كان على نحو الانحلال كما ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة. [ المسألة 112: ] الحنث بالنذر كالحنث باليمين سواء بسواء، فلا يحصل الا بتعمد المخالفة كما ذكرناه في المسألة السابعة والثلاثين، فلا يحنث الناذر إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، ومثال ذلك: ان ينذر الرجل أن يصوم يوما معينا ثم يعتقد انه نذر صوم غير معين، فيؤخر الصوم حتى يمضي الوقت المعين فيتذكر انه نذر صوم اليوم المعلوم وقد أخره خطأ، أو ينسى صوم ذلك اليوم، أو ينسى انه نذر صومه ثم يتذكر بعد ان ينقضي الوقت، فلا تجب عليه كفارة الحنث، ولا تجب عليه الكفارة إذا خالف نذره مضطرا أو مجبرا أو مكرها على المخالفة.

[ 442 ]

وإذا خالف النذر جاهلا بالحكم أو ناسيا له، فلابد من الاحتياط، وقد سبق ذكر جميع ذلك في اليمين. [ المسألة 113: ] إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا له أو مضطرا، أو مجبرا أو مكرها على المخالفة لم يسقط بذلك نذره، فإذا كان النذر مؤقتا وقد بقي مقدار من الوقت، أو كان مطلقا ليس له وقت معين وجب عليه الوفاء بالنذر فبقية الوقت في الاول وفي بقية العمر في الثاني. [ المسألة 114: ] إذا حنث بنذره فترك الفعل المنذور عامدا حتى انقضى الوقت وجب عليه القضاء إذا كان الفعل المنذور صوما على الاقوى، ووجب القضاء على الاحوط لزوما إذا كان الفعل صلاة أو صدقة أو غيرهما من القربات، وقد أشرنا إلى هذا في المسألة المائة والتاسعة، وكذلك إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له. وإذا خالف نذره ناسيا للموضوع أو جاهلا به فالاحوط القضاء في الجميع، ولا تجب الكفارة كما سبق بيانه. [ المسألة 115: ] إذا علق الانسان نذره على حصول شئ، فقال: لله علي أن أصوم أو أن أتصدق ان رزقني الله ولدا ذكرا، ثم استبان له ان الله قد رزقه ولدا قبل نذره، لم يجب عليه الوفاء بنذره، وكذلك إذا نذر ان شفى الله زيدا أو ان قدم من سفره سالما، فاستبان له ان الشرط قد حصل قبل النذر، فلا يجب عليه البر به، وكذلك إذا شك في ان الشرط حصل قبل انشاء النذر أو بعده، فلا يجب عليه الوفاء به. [ المسألة 116: ] الاقوى ان الكفارة في مخالفة النذر هي الكفارة في مخالفة اليمين، فيتخير الناذر إذا حنث بنذره عامدا بين أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يقدر على أن يأتي باحدى هذه الخصال الثلاث وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، ويأتي ان شاء الله في كتاب الكفارات بيانها وبيان أحكامها.

[ 443 ]

[ الفصل الثالث ] [ في العهد ] [ المسألة 117: ] الظاهر أن المراد بالعهد هاهنا ميثاق يقطعه الانسان على نفسه لله على فعل شئ أو على تركه، وينشئه بصيغة مخصوصة، فهو ليس من اليمين وليس من النذر وان أشبههما في بعض الآثار وبعض الاحكام. [ المسألة 118: ] لا ينعقد العهد حتى ينشئه الانسان بقوله: عاهدت الله على أن أفعل كذا أو على أن لا أفعل، أو يقول: علي عهد الله أن أفعله أو ان لا أفعله، وهو من هذه الجهة يشبه النذر في الحاجة إلى انشائه بصيغة مخصوصة. فلا يجب الوفاء بالعهد إذا لم ينشئه بالقول المذكور وان قصد في ضميره العهد على الفعل أو على الترك ولا تحرم عليه المخالفة وان كان عامدا ولا تلزمه الكفارة، وان كان الاحوط له استحبابا أن لا يخالف ما نواه. [ المسألة 119: ] العهد كالنذر، فقد ينشئه الانسان معلقا على حصول شرط معين، فيقول: عاهدت الله ان رزقني ولدا ذكرا، أو ان شفاني من هذا المرض أن أتصدق بمائة دينار، أو أن أذبح شاة أو بقرة وأطعمها للفقراء أو للمؤمنين، أو يقول: علي عهد الله ان دفع عني هذه البلية أن أصلي نافلة شهر رمضان أو أن أصوم شهر رجب، فينعقد عهده كما اشترط، فإذا حصل الامر الذي علق عليه وجوب الفعل وجب عليه أن يفي بالعهد وحرمت عليه مخالفته ولزمته الكفارة إذا حنث فخالف عامدا. وقد ينشئ العهد مطلقا غير مشروط بشئ، فينعقد كذلك ويجب عليه البر به مطلقا، وهو ايضا قد يجعله موقتا بوقت خاص فيلزمه الوفاء به في ذلك الوقت، وقد يجعله مطلقا غير موقت فيجب عليه البر به

[ 444 ]

كذلك، وهو في جميع ذلك كالنذر في الفروض والاحكام ولا موجب للاطالة بالتكرار. [ المسألة 120: ] يشترط في المعاهد أن تجتمع فيه جميع الشروط التي ثبت اشتراطها في الناذر أو كان الاحتياط باشتراطها لزوميا، فلابد وأن يكون مكلفا، ولابد وأن يكون قاصدا ولابد وان يكون مختارا ولابد وأن يكون نافذ التصرف غير محجور في متعلق عهده الى غير ذلك مما تقدم اشتراطه في الناذر. [ المسألة 121: ] يشترط في الامر الذي يعلق عليه العهد جميع ما اشترطناه في الامر الذي يعلق عليه النذر وتراجع المسائل المتعلقة بذلك من فصل النذر لتطبيق أحكامها في شروط العهد. [ المسألة 122: ] لا يختص العهد بالموارد التي يكون متعلقه فيها فعلا أو تركا، بل يجري كذلك إذا كان متعلقه صفة يستطيع الانسان أن يكتسبها بارادته واختياره ولو بطول المران، فإذا قال الرجل: عاهدت الله على أن أكون عادلا، أو على أن أكون صادقا في جميع أقوالي وأفعالي، أو قال: علي عهد الله ان لا أكون خائنا، أو أن لا أكون فاسقا، انعقد عهده ووجب عليه الوفاء به، وحرم عليه الحنث، وإذا حنث بعهده لزمته الكفارة، والظاهر ان ذلك يجري في النذر واليمين أيضا. [ المسألة 123: ] ينعقد العهد إذا تعلق بفعل واجب أو بترك محرم، وينعقد إذا تعلق بفعل مندوب أو بترك مكروه، وينعقد إذا تعلق بفعل مباح وكان فعله راجحا على تركه لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أو جبت رجحانه، وينعقد إذا تعلق بترك شئ مباح، وكان تركه راجحا على فعله لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أو جبت رحجانه، وينعقد على الاحوط إذا تعلق بفعل مباح أو بتركه وكان متساوي الطرفين في الدين والدنيا فلا رجحان

[ 445 ]

للفعل ولا للترك وقد تقدم تفصيل ذلك في متعلق اليمين، فليراجع ما حررناه هناك. [ المسألة 124: ] لا ينعقد العهد إذا تعلق بترك واجب أو مستحب أو بفعل محرم أو مكروه، ولا ينعقد إذا تعلق بفعل شئ مرجوح يرجح تركه على فعله لامر ديني أو دنيوي، ولا ينعقد إذا تعلق بترك شئ يرجح فعله على تركه لامر ديني أو دنيوي كذلك. [ المسألة 125: ] إذا تعلق العهد بأمر مباح لا رجحان لفعله ولا لتركه، أو تعلق بأمر راجح لبعض الجهات، فانعقد العهد كما تقدم، ثم تغيرت الحال قبل الوفاء بالعهد فأصبح فعله مرجوحا لبعض النواحي الطارئة انحل العهد ولم يجب الوفاء به وقد سبق جميع ذلك في فصل اليمين. [ المسألة 126: ] إذا انعقد عهد الرجل في المسألة المتقدمة، ولكنه تسامح في الوفاء بعهده حتى تغيرت الحال وأصبح متعلق العهد مرجوحا، لم ينحل عهده في هذه الصورة على الاحوط وخصوصا إذا طالت المدة وهو يتسامح في الوفاء، فلا ينحل عهده ويلزمه الوفاء به على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى. [ المسألة 127: ] إذا خالف الانسان عهده عامدا كما تقدم في فصل النذر وفصل اليمين، حنث في عهده ووجبت عليه الكفارة، وكفارة الحنث بالعهد نظير كفارة الافطار في شهر رمضان على الاقوى، فيجب على الحانث أن يعتق رقبة أو يطعم ستين مسكينا أو يصوم شهرين متتابعين، وسيأتي ان شاء الله تعالى ذكرها وذكر تفاصيل أحكامها في كتاب الكفارات.

[ 447 ]

[ كتاب الكفارات ]

[ 449 ]

[ كتاب الكفارات ] وفيه فصلان: [ الفصل الاول ] [ في أقسام الكفارات ] [ المسألة الاولى: ] لم يتعرض الفقهاء قدس الله أرواحهم الطيبة في هذا الكتاب لذكر كفارات الاحرام بالحج أو بالعمرة، وهم يذكرونها مفصلة في كتاب الحج، ويكتفون بذلك عن ذكرها هنا مرة أخرى، ولهم بذلك وجهة نظرهم، ولعل الوجه ان كفارات الاحرام كثيرة ومفصلة، ولها أحكام خاصة بها كثيرة، ولابد من ذكرها جميعا في كتاب الحج لانه مورد الحاجة فيكون ذلك مغنيا عن اعادتها في كتاب الكفارات، وقد ذكر الكثير منها ومن غيرها في كتاب الصوم، والامر في التوجيه سهل. [ المسألة الثانية: ] الكفارات واجبات خاصة تجب على المكلف عند حدوث بعض الطوارئ ذنب أو غيره، وليس المراد من هذا القول تعريف الكفارة بذلك، بل المراد الاشارة إلى معناها على وجه اجمالي مقدمة لذكر الاقسام والاحكام، وهي على أقسام أربعة نذكرها في المسائل الآتية: [ المسألة الثالثة: ] القسم الاول من الكفارات: ما تكون فيه خصال الكفارة مترتبة، فلا يجزي الاتيان بالخصلة اللاحقة الا بعد العجز عن الاتيان بالخصلة السابقة عليها، وهي ثلاث كفارات: (الاولى) كفارة الظهار (والثانية) كفارة القتل خطأ، فإذا ظاهر

[ 450 ]

الرجل من زوجته ثم أراد العود إلى مقاربتها وإذا قتل مؤمنا خطأ، وجب عليه دفع الكفارة. والكفارة في كل واحد من الموردين: أن يعتق رقبة مؤمنة، فإذا هو عجز عن تحرير الرقبة ولم يقدر وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا عجز عن صيامهما ولم يستطع وجب عليه ان يطعم ستين مسكينا. (الثالثة): كفارة من أفطر في قضاء صوم شهر رمضان بعد الزوال، فإذا صام المكلف قضاء عما فاته من شهر رمضان وأفطر بعد زوال الشمس من يومه عامدا، وجب عليه أن يطعم عشرة مساكين، فإذا عجز عن اطعامهم وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ولا يجب التتابع فيها على الاقوى وان كان ذلك أحوط استحبابا. [ المسألة الرابعة: ] إذا اشترك رجلان أو أكثر في قتل رجل واحد أو امرأة خطأ، وجب على كل واحد منهم ان يدفع كفارة تامة عن نفسه، ولا يجزيهم دفع كفارة واحدة مشتركة، ولا ينوي كل واحد منهم التكفير عن الجميع. [ المسألة الخامسة: ] القسم الثاني من الكفارات: ما يكون المكلف فيه مخيرا بين الخصال الواجبة، فأي الخصال أتى بها أجزأته وأبرأت ذمته من الواجب، وهي أربع كفارات. (الاولى): كفارة من أفطر في صوم شهر رمضان، فتناول أحد المفطرات المحللة عامدا من غير عذر مسوغ لذلك. (الثانية): كفارة من حنث بعهده وتعمد مخالفته كما ذكرناه في آخر فصل العهد. (الثالثة): كفارة المرأة إذا جزت شعرها في المصاب. (الرابعة): كفارة من جامع وهو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك. والكفارة في كل واحدة من هذه الاربع أن يتخير المكلف بين أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فتكفيه أية

[ 451 ]

واحدة أتى بها من هذه الخصال الثلاثة وتبرأ بها ذمته من الكفارة الواجبة عليه. [ المسألة السادسة: ] جز المرأة شعر رأسها أن تقصه وتقطعه، سواء استأصلته أم لم تستأصله، وسواء جزت جميع الشعر أم جزت بعضه بحيث يصدق عند أهل العرف أنها قد جزت شعرها، والمراد هنا: أن تجزه في المصاب حزنا، فتجب عليها الكفارة لذلك، ولا تجب الكفارة إذا قصت شعرها لغير ذلك من الغايات كما إذا قصته للعلاج أو للتجميل. ويلحق بجز شعرها في الحكم حلقه، فإذا حلقته في المصاب حزنا وجبت عليها الكفارة الآنف ذكرها، والاحوط لزوم الكفارة أيضا إذا أحرقته لذلك. [ المسألة السابعة: ] لا فرق في الحكم بالتحريم ووجوب الكفارة الآنف ذكرها إذا جزت المرأة شعرها في المصاب بين مصاب زوجها وأبيها وولدها وغيرهم ولا بين القريب منها في النسب والبعيد. [ المسألة الثامنة: ] تجب الكفارة على من جامع وهو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك، سواء كان جماعه ليلا أم نهارا، وإذا جامع نهارا فان كان معتكفا في شهر رمضان لزمته كفارة الافطار في شهر رمضان مضافا إلى كفارة الاعتكاف الآنف ذكرها، وان كان معتكفا وهو صائم قضاء شهر رمضان لزمته مع كفارة الاعتكاف كفارة الافطار في قضاء شهر رمضان وقد ذكرناها في المسألة الثالثة، وان كان معتكفا في صوم منذور، فعليه كفارة الاعتكاف وكفارة مخالفة الصوم المنذور، وإذا نذر الاعتكاف في أيام معينة وجامع في أثناء اعتكافه وجبت عليه كفارة الاعتكاف وكفارة خلف النذر سواء كان جماعه ليلا أم نهارا وان كان صائما في نهاره صوما مندوبا أو مستأجرا عليه.

[ 452 ]

[ المسألة التاسعة: ] لا فرق في الحكم بوجوب كفارة الاعتكاف بين أن يكون الجماع الذي أفسد به اعتكافه محللا أو محرما، كما إذا جامع زوجته في حيضها أو زنى بغيرها أو لاط، وإذا كان في شهر رمضان وأفطر على محرم لزمته كفارة الجمع لذلك كما سنذكره، مضافا إلى كفارة الاعتكاف، وبعض الفروض المذكورة نادرة وغريبة، ولكن مداخل الشيطان كثيرة وقريبة، بل وواقعة. ولا حول ولا قوة الا بالله. [ المسألة العاشرة: ] إذا أفسد المكلف اعتكافه بارتكاب بعض محرمات الاعتكاف غير الجماع، فلا يترك الاحتياط بالاتيان بكفارة الاعتكاف وان كان اعتكافه مندوبا، كما إذا أفسده في اليومين الاولين، ويراجع ما علقناه على الاعتكاف من كتاب العروة الوثقى. [ المسألة 11: ] إذا جامع المرأة زوجها وهي معتكفة باذنه وكانت مختارة في الجماع فسد اعتكافها ووجبت عليها كفارة الاعتكاف سواء كان الجماع ليلا أم نهارا، وأمكن أن تجري فيها جميع الفروض التي ذكرناها في المسألة الثامنة وتلحقها أحكامها، وإذا كان الرجل معتكفا أيضا لزمت كل واحد منهما كفارته وأحكامه. [ المسألة 12: ] إذا أكره المرأة زوجها على الجماع وهي معتكفة لم تجب عليها كفارة افساد الاعتكاف سواء كان الزوج معتكفا أيضا أم لا، وسواء كان الجماع ليلا أم نهارا، وفي فساد اعتكافها بذلك اشكال، ولا يترك الاحتياط بأن تتم الاعتكاف إذا كان واجبا، ولا يترك الاحتياط بقضائه إذا كان مما يقضى كما إذا كان منذورا أو مستأجرا عليه، وكان النذر أو الاستيئجار عليه باذن الزوج. [ المسألة 13: ] إذا أكره المرأة زوجها فجامعها وهما معتكفان صائمان في شهر رمضان وجبت على الزوج كفارة افطاره في شهر رمضان، ووجبت عليه كفارة

[ 453 ]

أخرى لافساده اعتكافه، ووجبت عليه كفارة ثالثة يدفعها عن زوجته لاكراهها على الافطار، ولا يجب عليه أن يدفع عنها كفارة اعتكافها، ولا تجب على المرأة كفارة الاعتكاف لانها مكرهة كما تقدم، ولا يتحمل كفارة الاعتكاف عنها كذلك إذا جامعها مكرها لها وهي معتكفة وهو غير معتكف. وإذا أكرهها على الجماع وهما معتكفان في غير شهر رمضان لم يتحمل عن المرأة شيئا من كفارة الصوم ولا كفارة الاعتكاف، وتلزمه كفارة اعتكافه، وتلزمه كفارة صومه إذا كان مما تجب فيه الكفارة، والظاهر عدم الفرق في جميع الاحكام الآنف ذكرها للزوجة بين الدائمة والمتمتع بها. [ المسألة 14: ] القسم الثالث من الكفارات: ما يجتمع فيه الامران المتقدم ذكرهما، فالكفارة مخيرة في بعض الخصال ومترتبة في بعضها وهي خمس كفارات. (الاولى): كفارة خلف اليمين، ومنها كفارة الايلاء من الزوجة. (الثانية): كفارة خلف النذر على الاقوى. (الثالثة): كفارة نتف المرأة شعر رأسها في المصاب. (الرابعة): كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى تدميه. (الخامسة): كفارة شق الرجل ثوبه لموت ولده أو زوجته. فيتخير المكلف في كل واحدة من هذه الكفارات بين أن يعتق رقبة وأن يطعم عشرة مساكين وأن يكسوهم، فإذا عجز عن هذه الخصال الثلاث ولم يقدر على الاتيان بواحدة منها وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة. فلا يكفيه أن يصوم الايام الثلاثة إذا قدر على واحدة من الخصال الاولى. [ المسألة 15: ] يلاحظ في اليمين والنذر ما فصلناه فيهما وفي شرائط انعقادهما والحنث بهما في فصل اليمين وفصل النذر من الكتاب السابق، وقد ذكر بعض

[ 454 ]

الفقهاء (قدس سرهم) ان الكفارة في مخالفة النذر نظير الكفارة في افطار شهر رمضان، فالمكلف بها يتخير بين ان يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا، وما ذكرناه هو الاقوى. [ المسألة 16: ] الايلاء من الزوجة أن يحلف الرجل يمينا أن لا يطأها أبدا، أو أن لا يطأها مدة تزيد على أربعة أشهر ويقصد بذلك الاضرار بها، فإذا هي لم تصبر ورفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي أجله أربعة أشهر لينظر في أمر نفسه فلعله يرتدع ويكفر عن حلفه ويؤدي حق زوجته، فان هو لم يفعل ذلك أجبره الحاكم وضيق عليه حتى يختار أحد الامرين، فأما أن يكفر عن يمينه ويرجع فيؤدي حق زوجته الذي حلف على تركه واما أن يطلقها ويخلي سبيلها، فالكفارة في الايلاء هي كفارة اليمين وان اختلف الايلاء عن اليمين في جهات تذكر في مبحث الايلاء. [ المسألة 17: ] نتف المرأة شعرها هو أن تقلعه من أصوله، والمراد هنا أن تقلع شعر رأسها بكفها أو بأصابعها حزنا من شدة وقع المصيبة عليها، سواء قلعت جميع شعر رأسها أو بعضه بحيث يصدق أنها نتفت شعرها في المصاب كما تقدم في جز الشعر، فتجب عليها الكفارة بذلك، ولا تجب الكفارة إذا نتفت شعرها في غير مصاب، من غضب ونحوه. وخدش الوجه هو أن تخمش وجهها بيديها أو بأظفارها حتى تؤثر فيه جرحا أو ندبا، ويكفي في وجوب الكفارة على المرأة أن تخدش بعض الوجه في المصيبة بحيث يصدق عليها انها خدشت وجهها حتى أدمته، ولا تجب الكفارة عليها إذا خدشت بعض أعضائها غير الوجه وان أدمته في المصاب أو خدشت وجهها في غير المصاب. [ المسألة 18: ] تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت زوجته أو لموت ولده، سواء شق جميع الثوب أو شق بعضه بحيث يصدق عليه أنه قد شق ثوبه، ولا تجب عليه الكفارة إذا شق ثوبه لموت أبيه أو أخيه أو غيرهما

[ 455 ]

من أرحامه وغيرهم، ولا تجب عليه إذا خدش وجهه في مصاب أحد، أو جز شعره، أو نتفه، وان أثم إذا كان ذلك من الجزع وعدم الرضا بالقضاء. ولا تجب الكفارة على المرأة إذا شقت ثوبها لفقد زوجها أو ولدها أو أحد سواهما من الاقارب والاباعد عنها ولا تجب على الرجل ولا على المرأة إذا شقا لغير مصاب من غضب ونحوه. [ المسألة 19: ] تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت ولده لصلبه سواء كان ذكرا أم أنثى، وتجب عليه إذا شق ثوبه على ولد ولده على الاحوط بل على الاقوى، ولا يترك الاحتياط في ولد البنت. [ المسألة 20: ] القسم الرابع من الكفارات: كفارة الجمع، وهي ما يجب فيها على المكلف أن يأتي بجميع الخصال التي عينها الشارع في المورد ولا يكفيه أن يأتي ببعض الخصال، وهي كفارتان: (الاولى): كفارة من قتل مؤمنا عامدا ظالما. (والثانية): كفارة من أفطر في صيام شهر رمضان عامدا وكان افطاره على محرم. فإذا ارتكب المكلف أحد الامرين، وجب عليه أن يعتق رقبة مؤمنة، وأن يصوم شهرين متتابعين، وان يطعم ستين مسكينا على الاقوى في الكفارة الاولى، وعلى الاحوط لزوما في الكفارة الثانية. [ المسألة 21: ] تجب كفارة الجمع في قتل المسلم إذا كان القاتل عامدا ظالما، سواء كان المقتول ذكرا أم أنثى، وحرا أم عبدا، وكبيرا أم صغيرا، بل وان كان جنينا قد ولجته الروح، وسواء كان القاتل أمه أم أباه أم أجنبيا. [ المسألة 22: ] إذا اشترك جماعة في قتل المسلم وكانوا جميعا عامدين ظالمين وجبت

[ 456 ]

كفارة الجمع على كل واحد منهم، وإذا كان بعضهم عامدا في قتله وبعضهم مخطئا، وجبت كفارة الجمع على العامد منهم ووجبت كفارة قتل الخطأ على المخطئ، وقد ذكرناها في المسألة الثالثة. وإذا كفر أحد القتلة عن نفسه لم تسقط الكفارة عن الآخرين منهم، وإذا دفع أحدهم الكفارة وقصد بها التكفير عن نفسه وعن الآخرين على وجه التشريك لم تجزه كفارته عن نفسه ولا عن الآخرين. [ المسألة 23: ] إذا أفطر الصائم في نهار شهر رمضان عامدا على محرم، لزمته كفارة الجمع على الاحوط كما ذكرنا، سواء كان المحرم الذي أفطر عليه محرما بالاصالة كالخمر واللحم غير المذكى والطعام المغصوب، وكالزنا واللواط أم كان محرما بالعارض كجماع الزوجة في حيضها أو نفاسها، وأكل لحم الحيوان الجلال وشرب لبنه، بل وأكل ما يضره ضررا لا يتحمل عادة. [ المسألة 24: ] إذا حلف المكلف بالبراءة من الله أو من الاسلام أو من الرسول صلى الله عليه وآله أو من الائمة المعصومين أو من أحدهم (ع) ثم حنث بيمينه، فالاحوط له لزوما أن يطعم عشرة مساكين، يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام، ويستغفر الله سبحانه مما فعل، وقد تقدم هذا في المسألة التاسعة عشرة من كتاب الايمان. [ المسألة 25: ] إذا نام الرجل عن صلاة العشاء فلم يصلها، ولم ينتبه من نومه حتى تجاوز نصف الليل، أتى بالصلاة قبل أن يصبح، وعليه أن يصوم ذلك اليوم على الاحوط احتياطا لا يترك، والظاهر عدم الفرق بين ان ينام عن صلاة العشاء وحدها، وأن ينام عن صلاتي المغرب والعشاء معا، وقد ذكرنا في فصل الاوقات من كتاب الصلاة أن منتصف الليل هو آخر وقت صلاتي العشاءين للمختارين وأن طلوع الفجر آخر وقتهما للمعذورين فليراجع.

[ 457 ]

[ المسألة 26: ] لا يترك الاحتياط بقضاء صوم اليوم في الفرض المتقدم إذا كان المكلف فيه مريضا أو مسافرا سفرا لا يصح فيه الصوم، أو اتفق ذلك للمرأة وحاضت أو تنفست في ذلك اليوم، أو كان يوم عيد ونحوه مما لا يجوز فيه الصوم، فيقضي يوما بدلا عنه على الاحوط. [ المسألة 27: ] من تزوج امرأة ذات زوج، أو تزوجها وهي في عدة من رجل وجب عليه أن يفارقها، وإذا دخل بها فهما زانيان يجب عليهما الحد وإذا كانا محصنين أو كان أحدهما محصنا فعلى المحصن الرجم والاحوط للرجل أن يكفر بخمسة أصوع من الدقيق يدفعها لمسكين واحد أو أكثر، والاقوى عدم وجوب ذلك، ولا فرق في ذات الزوج بين أن يكون نكاحهما دائما أو منقطعا. [ المسألة 28: ] إذا وطأ الرجل زوجته في أيام حيضها وهو عامد وعالم بتحريم ذلك أثم واستحب له أن يتصدق بدينار إذا كان وطؤه اياها في أول حيضها، وبنصف دينار إذا كان في وسطه، وبربع دينار إذا كان في آخره، وقيل بوجوب ذلك عليه وهو المشهور بين المتقدمين، والاقوى الاستحباب وقد ذكرنا هذا في فصل أحكام الحيض من كتاب الطهارة. [ المسألة 29: ] إذا وطأ الرجل أمته وهي حائض تصدق بثلاثة أمداد من الطعام على ثلاثة مساكين وقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، والاقوى عدم وجوبه، ولا بأس بأن يؤتى به برجاء المطلوبية. [ المسألة 30: ] إذا نذر المكلف صوم يوم أو أيام معينة أو غير معينة ثم عجز عن الصيام في الوقت المعين أو عجز عن الصيام مطلقا في النذر المطلق فلم يقدر على الوفاء كان عليه على الاحوط لزوما أن يتصدق عن كل يوم من الايام التي نذر صيامها بمد من الحنطة، وورد في بعض النصوص

[ 458 ]

أن يعطي من يصوم عنه كل يوم من الايام المنذورة مدين، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من فصل النذر. [ الفصل الثاني ] [ في أحكام الكفارات ] [ المسألة 31: ] يشترط في الرقبة التي تعتق في الكفارة - أي كفارة كانت - أن تكون مسلمة، فلا يجزي في الكفارة عتق المملوك الكافر أو المرتد، ولا يجزي عتق ناصب أو غال أو خارجي، بل الاحوط استحبابا أن تكون الرقبة مؤمنة بالمعنى الخاص. ولا فرق في المملوك الذي يجزي عتقه بين الذكر والانثى والكبير والصغير إذا كان أحد أبويه مسلما، فانه بحكم المسلم، ويستثنى من ذلك كفارة القتل عمدا أو خطأ فالاحوط لزوما فيهما أن يعتق البالغ المؤمن ولا يكتفي بغير البالغ أو غير المؤمن. [ المسألة 32: ] يشترط في الرقبة التي يراد عتقها في الكفارة - اي كفارة كانت - أن تكون سليمة من العيوب التي يكون حدوثها سببا لانعتاق المملوك قهرا على المالك، كالعمى والاقعاد والجذام، وأن لا تكون قد نكل بها المالك أو مثل فقطع بعض أعضاء العبد مثلا أو جدع أنفه فان العبد ينعتق بذلك قهرا على المالك، فلا يتحقق بعد ذلك عتقه عن الكفارة بل ولا يصح وان كان تنكيله به بقصد عتقه بذلك للكفارة، فان العمل المحرم لا يمكن أن يكون مقربا. وإذا حدث في العبد أحد العيوب التي لا توجب الانعتاق كالصمم والخرس والعرج والعور وفقد بعض القوى ولم يكن حدوث ذلك بفعل المالك وتنكيله بل حدث بعروض بعض الامراض أو الطوارئ لم يخرج العبد بذلك عن ملك سيده فيصح له عتقه في الكفارة، وكذلك إذا نكل به غير مولاه.

[ 459 ]

[ المسألة 33: ] يجزي في الكفارة أن يعتق المكلف عبده الآبق منه وان لم يعلم موضع العبد في اي بلد من البلدان أو أي قطر من الاقطار، ويعتبر على الاحوط في اجزاء عتقه في الكفارة أن تقوم عند مالكه بعض القرائن والامارات على أن العبد لا يزال حيا كما إذا أخبره أحد برؤيته أو حصل له ظن بوجوده من بعض الملابسات والقرائن. [ المسألة 34: ] العبد المدبر هو المملوك يقول له سيده أنت حر بعد موتي، أو أنت حر إذا حدث علي حادث الموت وأمثال ذلك، فيتشبث من أجل ذلك بالحرية، ولا يجزيه عتقه في الكفارة، لان ملك سيده له غير تام بعد هذا الايقاع الا إذا نقض السيد تدبيره وأرجعه إلى ملكه، فيكفيه عتقه في الكفارة حين ذلك. [ المسألة 35: ] العبد المكاتب هو الذي يكاتبه سيده ويوقع المعاملة معه على أن يدفع للسيد عوضا معينا الى أجل معين، ويكون حرا إذا وفى لسيده بذلك. والمكاتبة تقع على نحوين: مطلقة ومشروطة، فالمكاتبة المطلقة هي التي تكون سببا لتحرير العبد بنسبة ما يؤديه من مال الكتابة لسيده، فإذا أدى خمس المال مثلا انعتق خمس العبد، وإذا أدى الربع انعتق منه الربع، وإذا أدى النصف أو الثلثين من المال انعتق نصف العبد كذلك أو ثلثاه من العبودية، وإذا أدى جميع العوض انعتق جميعه. والمكاتبة المشروطة هي المعاملة التي يشترط السيد فيها على العبد أن يؤدي جميع المال بحيث لا يتحرر من العبد شئ حتى يؤدي العوض كله وان أدى بعضه أو أكثره. ونتيجة لذلك، فإذا كان المكاتب مطلقا ثم أدى بعض المال انعتق منه جزء بنسبة ما أداه إلى مجموع العوض، ولذلك فلا يجزيه إذا اعتقه في الكفارة، لان السيد لا يملك رقبته كلها ولا يكون عتقه عتق رقبة تامة، وإذا كان المكاتب مطلقا ولم يؤد من مال الكتابة شيئا، أو كانت

[ 460 ]

المكاتبة مشروطة باداء جميع العوض، فالعبد لا يزال كله مملوكا لسيده، فإذا اعتقه فقد اعتق رقبة تامة وكفاه ذلك عن الكفارة، اي كفارة كانت. [ المسألة 36: ] الامة المستولدة هي المملوكة التي تحمل من سيدها بوطئه اياها بالملك، فيكون حملها منه سببا لتعلق أحكام خاصة بها، ولكنها لا تخرج بالاستيلاد عن ملك سيدها، ولذلك فيجوز له عتقها، ويكفيه عتقها عن الكفارة. [ المسألة 37: ] الكفارة عبادة من العبادات، سواء كانت مترتبة في الخصال أم مخيرة ما بينها، أم مخيرة مرتبة، أم كفارة جمع، فإذا وجبت على المكلف احدى الكفارات وأراد امتثالها فلابد في صحة امتثاله من النية حين يدفع الخصلة المعينة أو المخيرة، فيعتبر فيها أن يقصد العمل الذي يأتي به عتقا مثلا أو صياما، أو اطعاما، وأن يقصد القربة بفعله امتثالا لامر الله به وأن يقصد أن ما يأتي به هو الكفارة الخاصة التي وجبت عليه. [ المسألة 38: ] إذا وجبت على المكلف كفارات متعددة، فان كانت من أنواع متعددة وجب عليه في النية أن يعين النوع الخاص الذي يؤدي الكفارة عنه، ومثال ذلك أن تكون على الرجل كفارة يمين، وكفارة مخالفة نذر، وكفارة ظهار، فإذا أراد عتق رقبة للوفاء باحدى الكفارات التي وجبت عليه أو أراد اطعاما وجب عليه أن يعين الكفارة التي يؤدي عنها، وإذا هو اعتق الرقبة أو أطعم المساكين ولم يعين الكفارة التي أدى عنها لم يجزه عمله عن شئ منها. وان كانت الكفارات التي وجبت على المكلف كلها من نوع واحد، كفاه أن يدفع الكفارة وفاءا عن النوع الذي في ذمته، ولم يجب عليه أن يعين الفرد الخاص، ومثال ذلك أن تكون عليه عدة كفارات لافطار أيام من شهر رمضان من سنة واحدة أو أكثر، فإذا اعتق رقبة أو أطعم

[ 461 ]

ستين مسكينا كفاه في صحة عمله أن يقصد أن ما يأتي به كفارة عن الافطار، ولا يجب عليه أن يقصد انها كفارة عن الافطار في أي يوم ومن أي سنة مثلا. [ المسألة 39: ] إذا وجبت على المكلف كفارة واحدة ونسي انها من أي نوع من أنواع الكفارات، فإذا كانت الانواع التي يحتمل وجوبها عليه متحدة في الخصال كفاه في الامتثال أن يأتي بالخصلة وفاء عما في ذمته، ومثال ذلك ان يعلم بوجوب كفارة عليه ولا يدري انها كفارة افطار يوم من شهر رمضان أو كفارة اعتكاف أو كفارة مخالفة عهد فيجزيه أن يأتي ببعض الخصال المخيرة بقصد الاداء عما في ذمته. وكذلك إذا تردد في الكفارة التي في ذمته هل هي كفارة ظهار أو كفارة افطار يوم من شهر رمضان، وأراد العتق فيكفيه أن يعتق الرقبة للوفاء عما في ذمته من الكفارة. وإذا اختلفت الانواع التي يحتمل وجوبها عليه في الخصال وجب عليه الاحتياط فيجمع بين الخصال التي يحتمل وجوبها عليه ومثال ذلك أن يتردد في الكفارة التي وجبت عليه بين أن تكون كفارة ظهار أو كفارة افطار في قضاء شهر رمضان فيجب عليه أن يعتق رقبة لاحتمال كونها كفارة مظاهرة، وأن يعلم عشرة مساكين لاحتمال كونها كفارة افطار في قضاء الشهر، وإذا عجز عن عتق الرقبة وجب عليه ان يصوم شهرين متتابعين لاحتمال الاولى وان يطعم عشرة مساكين لاحتمال الثانية [ المسألة 40: ] يتعين على الرجل إذا وجبت عليه كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ، أن يعتق رقبة مؤمنة، على ما تقدم بيانه في الكفارة المرتبة الخصال في المسألة الثالثة، ولا يجزي عنه أن يأتي بغير العتق من خصال الكفارة، فإذا عجز عن عتق الرقبة، وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، وتعين عليه ذلك، فلا يجزي عنه في الوفاء بتكليفه أن يطعم المساكين، فإذا عجز عن الصوم تعين عليه ان يطعم ستين مسكينا.

[ 462 ]

ويتحقق عجز المكلف عن عتق الرقبة بعدم وجود رقبة مؤمنة لتعتق، أو لتشترى ثم تعتق، ويتحقق كذلك بعدم وجود ثمنها عند المكلف، وبعدم قدرته على شرائها وان كان ثمنها موجودا لديه، ويتحقق عجزه كذلك عن عتق الرقبة مع وجودها عنده بحاجة المكلف إلى خدمتها لعلو شأن ورفعة مقام عن مباشرة الاشياء بنفسه فلابد له من مملوك يباشر خدمته ويقوم بشؤونه، أو لضرورة أخرى من كبر سن أو مرض أو شلل أو زمانة أو غير ذلك مما يضطره إلى وجود مملوك يدبر أمره ويقوم بخدمته. والمدار في جميع ذلك أن يكون عتق الرقبة الموجودة عنده موجبا للحرج والعسر عليه. ويتحقق العجز عن العتق مع وجود ثمن الرقبة عند المكلف إذا كان بحاجة الى الثمن لنفقته أو نفقة من تجب عليه نفقته أو لاداء ديونه، أو للوفاء ببعض الواجبات التي يجب عليه صرف المال فيها، بحيث يكون صرف المال في شراء الرقبة وعتقها موجبا للعسر والحرج عليه. [ المسألة 41: ] لا تصرف في شراء الرقبة وعتقها مستثنيات الدين، وهي الاشياء التي يكون بيعها في وفاء الدين أو في شراء المملوك وعتقه في الكفارة موجبا لوقوع المكلف في العسر والحرج وقد ذكرناها مفصلة في كتاب الدين في المسألة الثامنة عشرة وفي مواضع كثيرة أخرى فليراجعها من أراد. [ المسألة 42: ] إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع وكان المكلف ممن يجد ثمنها ويتمكن من شرائها وجب عليه ان يشتري الرقبة ويعتقها في الكفارة وان كان الثمن الذي تباع به اكثر من ثمن المثل، الا إذا كان بذل ذلك الثمن موجبا للعسر والحرج عليه فيسقط عنه الوجوب لذلك. [ المسألة 43: ] إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع وكان للمكلف مال غائب يرجو وصوله إليه وجب عليه ان ينتظر ولا يكون بذلك عاجزا عن العتق

[ 463 ]

لينتقل حكمه إلى الصوم، حتى ييأس من وصول المال إليه أو من شراء العبد، وكذلك الحكم إذا وجد لديه الثمن ولم توجد الرقبة بالفعل ولكنه يتوقع وجودها والتمكن من شرائها فيجب عليه الانتظار ولا يكون بذلك عاجزا عن عتق الرقبة حتى يحصل له اليأس أو تطول المدة جدا بحيث يعد التأخير تسويفا بالواجب أو يكون التأخير موجبا للحرج على المكلف، ومثال ذلك ما إذا كان المظاهر شديد الشبق بحيث يكون تأخير التكفير والجماع موجبا للعسر عليه والوقوع في الضيق، ولا يمكنه سد حاجته بطريق محلل آخر، فلا يجب عليه الانتظار وينتقل حكمه إلى التكفير بصوم شهرين متتابعين وان عسر عليه ذلك انتقل إلى الاطعام وكذلك في الفرض السابق. [ المسألة 44: ] إذا عجز المكلف عن صيام شهرين متتابعين في الكفارة المرتبة ولم يستطع ذلك وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا، وتعين عليه ذلك، ويتحقق عجزه عن الصيام إذا كان مريضا مرضا يمنعه من الصوم، وإذا خاف مع الصوم من حدوث مرض مانع منه، أو خاف زيادة مرضه أو طول مدته أو عسر علاجه، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الصوم فليرجع إليه في فصل شرائط صحة الصوم وشرائط وجوبه. [ المسألة 45: ] لا يكفي في تحقق العجز وجود المرض المانع من الصوم في الحال أو خوف حدوثه أو خوف زيادته أو طول مدته أو عسر علاجه كذلك إذا كان يرجو البرء وتغير الحال وتجدد القدرة على الصوم في ما يأتي من الوقت، فلابد مع وجود ذلك في الحال من اليأس من زوال العذر. وإذا يئس من البرء أو ظن عدم البرء من المرض واستمرار العذر فأطعم ستين مسكينا، ثم زال العذر وأمكنه الصوم وجب عليه صيام شهرين متتابعين ولم يكفه الاطعام الذي أتى به. [ المسألة 46: ] إذا كان صوم الشهرين المتتابعين يوجب العسر والحرج على المكلف

[ 464 ]

والوقوع في المشقة الشديدة التي لا تتحمل عادة، سقط عنه وجوب الصوم وتحقق العجز عنه وانتقل فرضه إلى اطعام المساكين. [ المسألة 47: ] إذا حاضت المرأة أو تنفست وجب عليها الافطار إذا كانت صائمة، وكان لها ذلك عذرا شرعيا، فلا ينقطع بافطارها تتابع الصوم إذا كان مما يجب فيه التتابع، وقد ذكرنا هذا في كتاب الصوم وفي كتاب النذر وفي مواقع أخرى ولذلك فلا يكون طروء الحيض أو النفاس على المرأة موجبا لعجزها عن صوم الكفارة وانتقال حكمها إلى الاطعام، بل يجب عليها أن تصوم بعد ارتفاع الحدث عنها وتبني على صيامها المتقدم إلى أن تتم الشهرين المتتابعين، وكذلك إذا افطر المريض لعروض مرض يوجب له الافطار كان له ذلك عذرا شرعيا فلا ينقطع بافطاره تتابع الصوم وقد ذكرنا ذلك في المسألة المائتين والثالثة والعشرين من كتاب الصوم. وكذلك السفر الذي يسلب من المكلف اختياره ويكون فيه مقسورا على قطع المسافة كما ذكرناه في المسألة الثانية والثمانين من فصل النذر، فلا يكون افطاره في هذا السفر موجبا لقطع التتابع في صوم الكفارة، بل يبني على صومه بعد ارتفاع العذر الى أن يتم الشهرين، ولا يكون عروض مثل هذا السفر موجبا للعجز عن الصيام المتتابع وانتقال حكمه إلى الاطعام كما إذا فرض عروض ذلك له في كل شهر. [ المسألة 48: ] انما يكون الحيض أو النفاس عذرا شرعيا لا ينقطع به التتابع في الصوم إذا لم يكن حدوثهما بفعل المرأة نفسها، فإذا تناولت المرأة بعض الحبوب أو المستحضرات فأنزلت الحيض أو النفاس عليها باختيارها وأفطرت من صومها لذلك انقطع تتابع صومها بذلك على الظاهر، وكذلك المريض إذا أمرض نفسه بفعل نفسه، فيكون افطاره بسبب هذا المرض الطارئ عليه بفعله موجبا لانقطاع تتابع الصوم. [ المسألة 49: ] إذا سافر المكلف في أثناء صومه فأفطر انقطع بافطاره تتابع صومه

[ 465 ]

سواء كان مختارا في سفره أم مضطرا إليه، الا إذا كان اضطراره بنحو القسر الذي يسلبه الاختيار فيه، كما ذكرناه في المسألة السابعة والاربعين هنا، وفي المسألة الثانية والثمانين من فصل النذر. [ المسألة 50: ] المدار في القدرة والعجز في الكفارة المرتبة، عليهما في وقت أداء الكفارة لا في وقت وجوبها على المكلف، فإذا وجبت عليه كفارة الظهار مثلا وكان في وقت وجوبها عليه قادرا على ان يعتق رقبة لتيسر وجود الرقبة ووجود ثمنها، فتأخر في أداء الكفارة حتى فقدت الرقبة أو انعدم ثمنها لديه وأصبح غير قادر على العتق، وجب عليه صيام الشهرين وسقط عنه وجوب العتق. وإذا كان عند وجوب الكفارة عليه عاجزا عن العتق، فلم يبادر بالصوم ثم وجدت الرقبة وأصبح قادرا على عتقها، لزمه العتق، ولم يكفه الصوم. [ المسألة 51: ] إذا عجز المكلف عن عتق الرقبة في الكفارة المرتبة وأصبح غير قادر عليه في نظر أهل العرف، وابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين، فصام أياما أو ساعات من يوم، ثم وجد الرقبة وأصبح قادرا على عتقها كفاه أن يتم الصوم ولم يجب عليه عتق الرقبة على الاقوى، ويجوز له رفع اليد عن الصوم واختيار العتق، بل الظاهر أن ذلك هو الافضل، وإذا انقطع تتابع الصوم لبعض الطوارئ، وجب عليه العتق إذا كان لا يزال قادرا عليه ولم يكفه أن يعيد الصيام. وإذا عجز عن صوم الشهرين المتتابعين لبعض الاعذار الآنف ذكرها، فشرع في اطعام المساكين ثم زال العذر وأصبح قادرا على الصوم، فلابد له من صوم الشهرين ولم يكفه الاطعام كما مر ذكره في المسألة الخامسة والاربعين. [ المسألة 52: ] إذا أفطر الصائم في قضاء شهر رمضان عامدا بعد الزوال، وجبت

[ 466 ]

عليه الكفارة التي ذكرناها في المسألة الثالثة، وهي كما تقدم مرتبة من خصلتين، فيتعين عليه أن يطعم عشرة مساكين، ولا يجزيه أن يصوم ثلاثة أيام الا بعد العجز عن الاطعام ويجري الترتيب بين الخصلتين على نحو ما ذكرناه في الكفارة المرتبة قبلها وتجري فيه أحكامها. [ المسألة 53: ] إذا وجبت على الرجل كفارة حنث اليمين أو ما هو بحكمه كالايلاء من الزوجة ومخالفة النذر، جرى فيها حكمها المتقدم بيانه في المسألة الرابعة عشرة، وقد مر أن هذه الكفارة مخيرة مرتبة، فيتخير فيها بين أن يعتق رقبة مؤمنة وأن يطعم عشرة مساكين وأن يكسوهم، ولا يتعين عليه العتق إذا كان قادرا عليه، ولا يتقدم بعض هذه الخصال الثلاثة على بعض، فإذا عجز عن هذه الخصال جميعا ولم يتمكن من الاتيان بأي واحدة منها تعين عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ويجري الترتب بين مجموع الخصال المتقدمة والصيام على نحو ما تقدم في الكفارة المرتبة وتنطبق أحكامها. [ المسألة 54: ] يجب التتابع في صوم الشهرين في كفارة الظهار من الزوجة، وفي كفارة القتل خطأ، وفي الكفارة المخيرة وفي كفارة الجمع، ويجب التتابع في صوم الشهر في كفارة العبد المملوك إذا ظاهر من زوجته، وفي صوم الايام الثلاثة في كفارة اليمين وما بحكمه، وفي صوم الايام الثلاثة التي يجب صومها على المتمتع بالحج إذا لم يجد الهدي الواجب عليه في حجه، عدا ما استثني، وقد ذكرناها وذكرنا مورد الاستثناء فيها في كتاب الصوم وفي كتاب الحج. ولا يجب التتابع على الاقوى في صوم باقي الكفارات، وان كان الاحوط استحبابا للمكلف أن يتابع الصوم في جميعها. [ المسألة 55: ] التتابع في الصوم هو أن يوالي المكلف بين أيام الصوم، فلا يتخلل ما بينها افطار لا يعذر فيه شرعا، ولا يتخلل ما بينها صوم آخر لا يعذر فيه كذلك، فإذا أخل بالتتابع في الموارد التي يجب التتابع فيها، وجب

[ 467 ]

عليه‌أن يستأنف الصوم متتابعا، فإذا ابتدأ في صوم ثلاثة أيام لكفارة اليمين مثلا وأفطر في أثنائها لا لعذر أو صام في أثنائها صوما آخر معينا أو غير معين بطل صوم تلك الكفارة ووجب عليه استيئنافها وان كان الصوم الذي أتى به في اثنائها صوم شهر رمضان أو صوم كفارة غيرها أو صوم نذر معين أو غير معين. وقد ذكرنا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الافطار في صومه في المسألة السابعة والاربعين والثامنة والاربعين وما بعدهما، فلا يكون افطاره فيها مخلا بالتتابع، وذكرنا ايضا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الصوم الآخر في المسألة الثامنة والثمانين من فصل النذر، فلا يكون مخلا بالتتابع، فليلاحظ ذلك، ولعلنا نذكره قريبا على نحو الاجمال. [ المسألة 56: ] إذا وجب على الانسان صوم متتابع، كفارة أو غيرها، فلا يجوز له أن يجعل صيامه في زمان يعلم بأنه لا يقدر على الاتيان بالصوم فيه متتابعا، فإذا وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له أن يبتدئ صومه في أول شهر شعبان، لدخول شهر رمضان عليه قبل أن يحصل له شرط التتابع في صومه، ولم يجز له ان يبتدئ صومه في شهر قد نذر صوم يوم منه أو أكثر، ولم يجز له أن يبتدئ صومه في شهر يكون فيه أحد العيدين وأيام التشريق إذا كان بمنى ناسكا أو غير ناسك. [ المسألة 57: ] لا تخل المنافيات بتتابع الصوم إذا وقعت من المكلف على سبيل الالتجاء وعدم الاختيار كما إذا قسره المتغلب على أمره فأوقعه في الافطار مجبرا من غير اختيار له في ذلك، فلا ينقطع بذلك تتابع صومه، وقد تقدم حكم السفر مع الاضطرار القاسر، وحكم المرض وعروض الحيض أو النفاس إذا لم يكن حدوثها بفعل المكلف نفسه ولا يضر بتتابع الصوم ما إذا نسي المكلف نية الصوم في بعض الايام المتتابعة حتى فات وقت النية فلم يتذكرها الا بعد الزوال، فيبطل بذلك صوم اليوم ولا ينقطع به تتابع الصوم، ولا يضر بالتتابع أن ينسى فينوي صوما آخر ولا

[ 468 ]

يتذكر الا بعد الزوال، وقد تقدم ايضا حكم من نذر أن يصوم كل خميس ما دام حيا، ثم وجب عليه صوم الشهرين المتتابعين للكفارة أو النذر أو ما هو أقل من الشهرين أو أكثر، فيصوم كفارته متتابعة، ويصوم أيام الخميس منها لنذره السابق ولا يكون صومها مخلا بالتتابع، ولكنه يخل بصوم الايام الثلاثة ونحوها إذا كانت متتابعة فيجب عليه أن يصومها متتابعة في غير الخميس بأن يجعل آخرها يوم الاربعاء مثلا. [ المسألة 58: ] يحصل التتابع الشرعي في صيام الشهرين للكفارة بأن يصوم المكلف منها شهرا ويوما متتابعا، فإذا أتم ذلك وتابع فيه جاز له تفريق الصوم في بقية الشهر الثاني، ولا يضره ذلك وان حصل منه اختيارا من غير عذر سواء كانت الكفارة مرتبة أم مخيرة. وإذا وجب على المكلف صوم شهرين متتابعين بالنذر أو الحلف أو العهد، وقصد بنذره أو يمينه التتابع الشرعي جاز أن يفعل كذلك، فيصوم شهرا ويوما متتابعا، ثم يفرق الصوم في بقية الشهر الثاني، وإذا قصد بنذره التتابع في جميع الايام أو كان ذلك هو الذي ينصرف إليه لفظ النذر كما إذا نذر التتابع العرفي أو نذر أن يصوم شهرين هلاليين متصلين وجب عليه ان يصوم جميع أيام الشهرين متتابعة ولم يجز له التفريق مطلقا. وكذلك إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا جرى فيه التفصيل المتقدم فان قصد التتابع الشرعي جاز له أن يصوم منه خمسة عشر يوما متتابعة، ثم يفرق صوم الباقي من الشهر، وان قصد التتابع في جميع الايام أو كان ذلك هو المنصرف إليه من لفظ النذر كما إذا نذر صوم شهر هلالي وجب عليه التتابع في الجميع ولم يجز له التفريق، وحكم اليمين والعهد هو حكم النذر. ولا يجرى الحكم المذكور في بقية أفراد الصوم المتتابع فلا يجوز له أن يصوم أكثر من نصفه متتابعا ويفرق بقية أيامه.

[ 469 ]

[ المسألة 59: ] إذا وجب على الانسان صوم شهرين متتابعين للكفارة، وابتدأ بصومهما في أول الشهر القمري أجزأه أن يصوم شهرين هلاليين سواء كانا تامين أم ناقصين، وإذا شرع في صومهما في اثناء الشهر فالاحوط له لزوما أن يتم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما ولم يجزه اتمام الشهر الهلالي إذا كان ناقصا. [ المسألة 60: ] إذا نذر الانسان أو حلف أن يصوم شهرين متتابعين اتبع قصده الخاص، فان قصد صوم ما يسمى شهرا عند أهل العرف سواء كان عدديا أم هلاليا، جرى فيه الحكم الآنف ذكره في الكفارة فإذا ابتدأ بالصوم في أول الشهر القمري كفاه أن يصوم شهرين هلاليين وان كانا ناقصين، وإذا شرع فيه في اثناء الشهر لزمه على الاحوط أن يصوم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما، وان قصد الشهر العددي وجب ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما وان شرع في صومه في يوم الهلال، وإذا اطلق نذره أو حلفه ولم يعين شيئا انصرف إلى الاول وجرى عليه حكمه، وان كان الاحوط له استحبابا ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما. [ المسألة 61: ] إذا وجب على الشخص صوم شهرين متتابعين، أمكن له أن يبدأ صوم الشهرين قبل أن يهل شعبان بيومين، فإذا صام كذلك فقد أحرز أنه صام قبل شهر رمضان شهرا ويوما وحصل له التتابع الشرعي في صومه فلا يضره دخول شهر رمضان بعد ذلك، فإذا أتم صوم شهر رمضان صام بعد العيد بقية الشهرين متتابعة إذا شاء أو متفرقة، ولا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين في أول شهر شعبان فان تتابع صومه ينقطع بدخول شهر رمضان سواء كان شهر شعبان تاما أم ناقصا لعدم حصول التتابع الشرعي، ولا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين قبل شهر شعبان بيوم واحد، فقد ذكرنا في المسألة التاسعة والخمسين ان المكلف إذا ابتدأ بالصوم في أثناء الشهر، فلابد له من اكمال الشهر ثلاثين يوما ولا يكفيه الشهر الهلالي.

[ 470 ]

ونتيجة لذلك، فلابد للمكلف بالشهرين المتتابعين من أن يبتدئ بصومهما قبل أول شعبان بيومين، وهذا إذا لم يحصل له التفريق بعروض مرض أو حيض أو نفاس في هذه المدة، وإذا اتفق له ذلك فأفطر أياما بسبب أحد هذه الاعذار لم يكفه ذلك بلا ريب، وعلى وجه الاجمال فلا يصح له الصوم المتتابع حتى يكمل صوم واحد وثلاثين يوما تامة غير الايام التي يفطرها لهذه الاعذار. ويجوز له أن يبدأ بصوم الشهرين قبل عيد الاضحى بواحد وثلاثين يوما ليحصل له بذلك التتابع الشرعي كما تقدم، ولا يكفيه أن يصوم قبل العيد بثلاثين يوما وان كان شهر ذي القعدة ناقصا، والكلام في هذا الفرض هو الكلام هو الكلام في نظيره السابق. [ المسألة 62: ] يتضح مما تقدم أن المكلف متى ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين في أثناء الشهر وجب عليه ان يتم صوم الشهرين ستين يوما تامة، سواء أتى بالجميع متتابعة، أم تابع في الواحد والثلاثين يوما الاولى منها، وفرق الصوم في الباقي، وسواء عرض له بعض الاعذار المسوغة فأفطر في الاثناء أم لا. [ المسألة 63: ] إذا وجب الاطعام في الكفارة على المكلف معينا أو مخيرا بينه وبين غيره، تخير المكلف بين أن يشبع المسكين وأن يدفع إليه المقدار المحدد عليه شرعا من الطعام، وأن يشبع بعض العدد الذي يجب عليه أن يطعمه من المساكين، ويسلم الطعام إلى البعض الآخر، فإذا وجب عليه اطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين مثلا، جاز له أن يشبع جميع العشرة، وأن يدفع إليهم القدر المعين من الطعام، وأن يشبع خمسة مساكين منهم، ويسلم المقدار الواجب من الطعام إلى الخمسة الاخرين، وكذلك إذا وجب عليه اطعام ستين مسكينا في كفارة افطاره في شهر رمضان، فيصح له أن يدعو الرجال إلى بيته مثلا فيشبعهم، ويسلم إلى النساء ما يجب دفعه اليهن حتى يتم اطعام الستين.

[ 471 ]

[ المسألة 64: ] ليس للاشباع في الكفارة أو في غيرها قدر محدد، بل المدار أن يبذل المكلف طعامه للمسكين، ويأكل المسكين من الطعام حتى يكتفي، سواء قل ما يأكله أم كثر، وما زاد من الطعام على أكل المساكين فهو لا يزال ملكا لصاحب الطعام يصنع به ما يشاء. وإذا اختار المكلف أن يسلم الطعام إلى المساكين وجب عليه أن يدفع إلى كل مسكين منهم مدا من الطعام ولا يجزيه أن يدفع إليه أقل من ذلك وهذا هو المقدار المحدد للمسكين الواحد في جميع الكفارات غير كفارة الظهار، فان الاحوط فيها ان يدفع لكل مسكين مدين من الطعام ولا يترك فيها هذا الاحتياط، والاحوط استحبابا أن يدفع للمسكين مدين في جميع الكفارات. [ المسألة 65: ] المد الذي يجب على المكلف دفعه إلى المسكين في الكفارة يبلغ مائة وثلاثة وخمسين مثقالا صيرفيا وثلاثة عشر حمصة ونصفا، والحمصة هي جزء واحد من أربعة وعشرين جزءا من المثقال الصيرفي الواحد، وهو ربع الصاع الشرعي الذي يجب دفعه في زكاة الفطرة. والمدان اللذان يلزمه دفعهما إلى المسكين الواحد في كفارة الظهار على الاحوط يبلغان ثلاثمائة وسبعة مثاقيل صيرفية وثلاث حمصات، وهما نصف الصاع، وإذا دفع المكلف إلى المسكين في كفارة الظهار كيلو غرام ونصفا، فقد زاد على المدين بضعة عشر مثقالا صيرفيا، وإذا دفع إليه ثلاثة أرباع الكيلو في الكفارات الاخرى فقد زاد على المد الواجب بضعة مثاقيل، ولتراجع المسألة المائة والخامسة والثلاثين من كتاب الصوم. [ المسألة 66: ] يجب في الاطعام في الكفارة أن يتم عدد المساكين الذين يطعمهم المكلف في كفارته من غير فرق بين الاشباع والتسليم، فإذا أشبع المكلف المسكين الواحد مرتين أو دفع إليه مدين لم يكفه ذلك عن اطعام مسكينين في حال الاختيار ووجود العدد، وإذا أطعم في كفارة اليمين وشبهها أو

[ 472 ]

في كفارة الافطار في قضاء شهر رمضان، وجب عليه أن يتم عدد المساكين عشرة، ولا يكفيه أن يشبع خمسة مساكين مرتين أو يدفع لكل واحد من الخمسة مدين. وكذلك إذا أطعم في كفارة الافطار في شهر رمضان أو كفارة الظهار أو القتل، فلا يجزيه اطعام المسكين الواحد عن أكثر من مسكين واحد وان كرر له الاشباع أو ضاعف له الامداد. [ المسألة 67: ] لا يجب أن يكون اطعام المساكين في الكفارة الواحدة في وقت واحد أو في مكان واحد أو أن يكون طعامهم من جنس واحد، أو أن يكونوا من أهل بلد واحد، فإذا فرق كفارته في عدة قرى أو عدة بلاد وأوقات أجزأه ذلك وأبرأ ذمته. [ المسألة 68: ] يكفي المكلف أن يشبع المسكين مرة واحدة، فإذا أطعمه غداءا أو عشاءا أو فطورا أو سحورا، واشبعه كفاه ذلك عن اطعام مسكين، وأفضل من ذلك أن يشبعه في يومه وليلته. [ المسألة 69: ] يجزيه في اطعام المسكين أن يشبعه بما يتعارف عند الغالب من الناس في أطعمتهم وأقواتهم وما اعتادوا أن يأكلوه ويقتاتوا به ويطعموه أهليهم من أجناس المأكولات وأنواعها: مطبوخات ومشويات ومخبوزات وغيرها، ويكفيه أن يشبعه من خبز الحنطة وحده ومن خبز غيرها كالشعير والذرة والدخن واشباهها، إذا كان متعارفا وقوتا لغالب الناس، والافضل أن يضيف إليه أداما يأكله معه، وقد ورد في النصوص أن أدنى الادام الملح وأوسطه الخل وأرفعه اللحم، والروايات المذكورة واردة في ما كان متعارفا في زمان صدورها. [ المسألة 70: ] لا يترك الاحتياط في كفارة اليمين وما بحكمها من كفارة الايلاء ونحوها، بأن يكون المد الذي يدفعه إلى المسكين من الحنطة أو دقيقها

[ 473 ]

أو خبزها أو من التمر، ويجزي في غيرها من الكفارات أن يدفع للمسكين ما يسمى طعاما كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما والارز والتمر والزبيب والماش والعدس، بل والاقط والذرة والدخن إذا كان ذلك قوتا معتادا. [ المسألة 71: ] يجوز للمكلف أن يطعم الاطفال المساكين في الكفارة، فإذا كان اطعامه اياهم بنحو الاشباع احتسب كل اثنين من الصغار بواحد على الاحوط لزوما، من غير فرق بين أن يشبعهم مختلطين مع الكبار أم منفردين عنهم، ومن غير فرق بين الاناث والذكور، واما الطفل الرضيع وشبهه الذي قد يأكل القليل من الطعام، فلا يحتسب بشئ. وإذا كان اطعامه اياهم بدفع الطعام إليهم، وجب عليه أن يدفع للمسكين الصغير بقدر ما يدفع للكبير، فيدفع إليه مدين في كفارة الظهار ومدا واحدا في سائر الكفارات، ويحتسبه مسكينا واحدا كما يحتسب الكبير، ولا فرق كذلك بين الاناث والذكور، ولا يدفع للرضيع وشبهه شيئا، ولا يحتسبه مسكينا إذا دفع إليه. [ المسألة 72: ] يجوز للمكلف أن يطعم المجنون من الكفارة إذا كان مسكينا، فيشبعه كما يشبع المساكين الآخرين، ويدفع له المد أو المدين كما يدفع للآخرين، ويحتسبه من عدد المساكين. [ المسألة 73: ] يجب أن يكون دفع المد أو المدين إلى ولي الصغير وولي المجنون، ولا يجزيه ما يدفعه إلى الصغير نفسه أو إلى المجنون بغير اذن وليه، ولا يشترط في اشباعهما أن يستأذن الولي بذلك على الاقوى. [ المسألة 74: ] إذا سلم المكلف المد أو المدين في الكفارة إلى المسكين ملكه بالقبض، وجاز له أن يتصرف فيه بما يريد، فيجوز له أن يأكله وأن يطعمه لعياله أو لغيرهم وأن يبيعه أو يهبه أو يتصدق به ولا يتعين عليه الاكل.

[ 474 ]

[ المسألة 75: ] إذا وجبت على الشخص عدة كفارات متفقة أو مختلفة، جاز له أن يطعم المسكين الواحد مرة واحدة في كل واحدة من الكفارات الواجبة عليه، فإذا كانت عليه عشر كفارات يمين أو عشر كفارات افطار من شهر رمضان، صح له أن يدفع للمسكين عشرة أمداد، من كل كفارة مد، وصح له أن يشبعه عشر مرات، كل اشباعة من كفارة، فإذا وجد في البلد ستون مسكينا وكان الشخص مكلفا بثلاثين كفارة للافطار في رمضان، كفاه أن يطعم الستين مسكينا ثلاثين مرة، اما بالاشباع أو بالتسليم، ويجوز له أن يدفع الامداد للمسكين في الفروض الانف ذكرها في وقت واحد. [ المسألة 76: ] المسكين الذي يجب اطعامه في الكفارة - اي كفارة كانت - هو الذي لا يملك قوت سنته لنفسه ولمن يعوله، لا بالفعل ولا بالقوة، وهو الفقير الذي يستحق الزكاة ويستحق زكاة الفطرة وقد تعرضنا لذكره مفصلا في المسألة المائة والخامسة العشرين وما بعدها من كتاب الزكاة في فصل مصارف الزكاة، فليرجع إليها من أراد التفصيل. ويشترط فيه أن يكون مسلما بل ويعتبر فيه أن يكون مؤمنا بالمعنى الاخص، نعم يجوز اعطاء المستضعفين ومن لا يعرف بالنصب لاهل البيت (ع). [ المسألة 77: ] لا يشترط في مستحق الكفارة أن يكون عادلا، بل ولا يعتبر فيه أن يكون غير فاسق، ويمنع منها إذا كان متجاهرا بالفسق وبارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات، ولا تدفع إليه إذا كان ممن يستعين بها وبأمثالها على فعل المعاصي، وممن يكون الدفع إليه اعانة له على الاثم أو اغراء له بالقبيح. [ المسألة 78: ] لا يجوز للمكلف أن يدفع كفارته أو يصرفها على من تجب نفقته عليه، وهم الاب والام والجد وان علا بأكثر من واسطة، والاولاد وان

[ 475 ]

كانوا بواسطة أو أكثر، ذكورا واناثا، والمملوك، والزوجة التي يكون نكاحها دائما. ويجوز له دفع الكفارة لزوجته إذا كان نكاحها منقطعا ولسائر أرحامه وأقاربه الذين لا تجب عليه نفقتهم كالاخوة والاخوات وأبنائهم والاعمام والاخوال وأبنائهم. [ المسألة 79: ] يجوز اعطاء الكفارة للهاشمي على الاقوى وان كان الدافع لها غير هاشمي وان كان الاحوط استحبابا الترك من الدافع والاجتناب من المدفوع إليه الا عند الضرورة. [ المسألة 80: ] إذا لم يوجد المكلف مسكينا مستحقا للكفارة في بلده نقلها الى بلد آخر يوجد فيه المسكين، وإذا وجد بعض عدد المساكين الذين يجب عليه اطعامهم في الكفارة ولم يجد الباقي نقلها إلى بلد آخر ليتم العدد ويجوز له تفريق الكفارة اختيارا، فيطعم عشرين مسكينا في النجف مثلا ويطعم عشرين آخرين في كربلاء وعشرين في الكاظمية، في وقت واحد أو أوقات متعددة. [ المسألة 81: ] إذا وجد بعض العدد الذي يجب اطعامه وتعذر وجود الباقي ولم يمكنه الاطعام في بلد آخر حتى بنحو الاستنابة والتوكيل، جاز للمكلف أن يكرر الاطعام على الموجودين من المساكين حتى يتم العدد الواجب، ويجب عليه أن يقتصر في التكرار على المقدار المتعذر من العدد، فإذا وجب عليه اطعام ستين مسكينا ووجد ثلاثين مسكينا فحسب، أطعم الثلاثين مرتين، ولم يصح له أن يطعم خمسة عشر مسكينا منهم أربع مرات، أو يطعم عشرين منهم ثلاث مرات، وإذا وجد أربعين مسكينا أطعمهم جميعا ثم كرر اطعام عشرين منهم، ولا يكرر اطعاما عشرة منهم مرتين وهكذا.

[ 476 ]

[ المسألة 82: ] إذا اضطر المكلف إلى التكرار في الاطعام ليتم العدد، فالاحوط له لزوما أن يكون التكرار في أيام متعددة، فإذا وجب عليه اطعام عشرة مساكين ولم يجد غير خمسة مساكين، أطعم الخمسة في يوم السبت مثلا ثم كرر اطعام الخمسة في يوم الاحد أو أيام أخر. [ المسألة 83: ] الكسوة للمساكين احدى الخصال الثلاث التي يتخير المكلف بينها في كفارة اليمين وما بحكمها من الكفارات المخيرة المرتبة، وقد ذكرناها في المسألة الرابعة عشرة، والخصال المخيرة فيها هي أن يعتق رقبة مؤمنة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، فان لم يقدر أن يأتي بواحدة من هذه الخصال وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. والمعتبر في كسوة المسكين أن يدفع المكلف إليه ما يعد لباسا في نظر أهل العرف، سواء كان اللباس جديدا أم غسيلا، إذا لم يكن مخرقا أو مرقعا أو قديما باليا يهلكه الاستعمال القليل. ويكفي في أداء الواجب من الكسوة أن يدفع إليه ثوبا واحدا إذا كان يكسو الظهر ويواري العورة، فإذا لم يكن ساترا للعورة لرقته أو لقصره لم يجزه إذا دفعه وحده، والاحوط عدم الاكتفاء بالسراويل وحدها وان كانت طويلة ولا بالقميص القصير وحده وان كان ساترا، ويكفيه ان يجمع بينهما. [ المسألة 84: ] يكفي في كسوة المسكين أن يدفع له جبة وحدها أو قباءا، أو رداءا، ويكفي أن يدفع إليه الفرو الكبير الشامل، واللبادة المصنوعة كذلك، والجلباب وما يشبه ذلك مما يعد لباسا، وهي مختلفة في الشكل والزي من قطر إلى قطر. [ المسألة 85: ] لا يكفي المئزر وحده على الاحوط وان ستر العورة، ويكفي إذا ضم إليه غيره بحيث يعد المجموع لباسا، ولا تكفي العمامة والكوفية

[ 477 ]

والقلنسوة، والمنطقة، والحزام، ولا يكفي الجورب والقفاز والحذاء وشبه ذلك مما لا يعد لباسا، بل الاحوط عدم الاكتفاء بقميص قصير جدا مع سروال قصير جدا. [ المسألة 86: ] تكفي في اداء الواجب كسوة المسكين، سواء كان ذكرا أم أنثى، وكبيرا أم صغيرا، ولا يكتفى على الاحوط بكسوة الصغير جدا لاحتمال انصراف الادلة عنه في الاطعام والكسوة. [ المسألة 87: ] تكفي الكسوة سواء كانت من الصوف أم من الوبر، أم من القطن أم الكتان، ام الحرير أو الجلود التي يحل لبسها، أم من الاجناس الجديدة التي تصنع منها الاقمشة والالبسة في الازمنة الحاضرة. ويعتبر في ما جرت العادة بخياطته من الالبسة أن يكون مخيطا، فإذا دفع إليه قماشا غير مخيط لم يكفه في اداء الواجب الا أن يدفع له أجرة الخياط ويوكله في خياطة الثوب ليلبسه، فإذا فعل ذلك وقبض الثوب بعد خياطته أجزأ، وأما الالبسة التي لا تحتاج إلى الخياطة كبعض الالبسة التي تنتجها المعامل جاهزة على هيئة المخيط، فالظاهر كفايتها إذا كانت مما يعد لباسا كما هو المفروض. [ المسألة 88: ] انما يتحقق اطعام المسكين باشباعه من الطعام الذي يبذله له المكلف، أو بتسليم القدر المعين له من الطعام ليأكله إذا شاء كما تقدم بيانه، ولا يتحقق بدفع قيمة الطعام إليه من المكلف، ولذلك فلا يجزي دفع القيمة إلى المسكين في أداء الواجب عن المكلف وابراء ذمته من الكفارة الواجبة عليه. وكذلك القول في الكسوة، فالاكساء انما يحصل بدفع نفس الثوب أو اللباس إلى المسكين ليلبسه إذا شاء، ولا يتحقق بدفع قيمة الكسوة إليه، فلا تبرأ ذمة المكلف إذا دفع القيمة الى المسكين. نعم يمكن للمكلف أن يدفع القيمة للمستحق أو لصاحب العائلة

[ 478 ]

الفقيرة أو لولي المسكين ويجعله وكيلا عنه في شراء الطعام المقدر بالقيمة التي دفعها إليه ثم يأكله هو أو يصرفه على عائلته أو على المسكين المولى عليه، فإذا تولى العمل بالوكالة عنه وأنجزه كما أراد برئت ذمة المكلف من الواجب، وكذلك القول في الكسوة فيشتريها بالوكالة عن المكلف ثم يقبضها لنفسه أو لعائلته أو للمسكين المولى عليه، ولا تبرأ ذمة المكلف بدفع القيمة إذا لم ينجز الوكيل العمل. [ المسألة 89: ] إذا دفع المكلف الكسوة إلى المسكين وقبضها منه ملكها المسكين، وصح له التصرف فيها، فيجوز له أن يلبسها ويجوز له ان يكسوها أو يهبها لغيره، وأن يبيعها أو يفعل بها ما شاء، كما تقدم في الطعام، وإذا مات بعد قبضها انتقلت إلى وارثه وان كان غنيا. [ المسألة 90: ] لا تؤدى الكفارة بنصفين من خصلتين، فإذا وجبت عليه الانسان كفارة مخيرة لافطار يوم من شهر رمضان مثلا، فلا يكفيه أن يكفر بصيام شهر واحد متتابع واطعام ثلاثين مسكينا، وإذا وجبت عليه كفارة يمين، لم يصح له أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة مساكين، وإذا لزمته كفارة مرتبة لظهار أو قتل نفس خطأ، واستطاع أن يصوم شهرا متتابعا فحسب، لم يكفه أن يصوم الشهر الذي استطاع صومه ويطعم ثلاثين مسكينا، بل يكون عاجزا عن الصوم، ويتعين عليه أن يطعم ستين مسكينا. [ المسألة 91: ] اشباع المساكين من أكل الطعام، وتسليم الامداد إليهم ليسا خصلتين مختلفتين من خصال الكفارة وانما هما فردان من خصلة واحدة، وهي اطعام المساكين، فإذا وجب على المكلف اطعاما ستين مسكينا، فأشبع ثلاثين منهم ودفع أمداد الطعام الى ثلاثين، كفاه ذلك في اداء الواجب، ولا يكون ذلك من اداء الكفارة بنصفين من خصلتين، بل هو أداء بفردين من خصلة واحدة.

[ 479 ]

[ المسألة 92: ] لا تجب المبادرة في أداء الكفارة، سواء كانت مالية كالعتق واطعام المساكين وكسوتهم، وكالذبح في كفارات الاحرام والصدقة، أم كانت بدنية كالصوم، فيجوز للمكلف التأخير في أدائها ما لم يتضيق وقتها بظن عروض الموت أو ظن فوت الواجب لبعض الطوارئ وما لم يؤد التأخير إلى التهاون بأمر الله والتسامح في أداء الواجب. [ المسألة 93: ] لا تصح النيابة والوكالة في اداء الكفارة عن الحي إذا كانت بدنية كالصوم، فيجب على المكلف ان يباشر أداءها بنفسه، ولا يصح التبرع بادائها من الآخرين، وتصح الاستنابة فيها والاجارة على ادائها عن المكلف بعد موته، ويصح التبرع بادائها عنه. ويجوز للمكلف أن يوكل غيره في اخراج الكفارات المالية من ماله وادائها عنه، كعتق الرقبة والاطعام والصدقة والذبح في كفارات الاحرام، ويجوز له ان يوكل الغير في الاستقراض له من ماله أو مال الآخرين ثم دفعه إلى الفقراء كفارة عنه. [ المسألة 94: ] إذا استناب المكلف غيره في اخراج الكفارة من ماله وتأديتها عنه أو وكله في ذلك، كما إذا وكله في عتق عبده عنه في الكفارة أو وكله في ذبح الشاة، فالمتولي للنية في الاخراج والاداء هو الوكيل، والاحوط لزوما أن ينوي المالك ايضا ذلك حين ما يجري الوكيل العمل مع الامكان وحين ما يدفع الوكيل الحصة الى الفقير. وإذا اخرج المكلف الكفارة بنفسه ثم وكل غيره في ايصالها إلى الفقير، فالمتولي للنية هو المالك، فينوي الايصال إلى الفقير بدفع حصته إلى الوكيل. [ المسألة 95: ] لا يصح التبرع من الآخرين بالكفارة المالية عن المكلف إذا كان حيا، بأن يخرجوها عنه من أموالهم سواء كانت عتقا أم اطعاما أم غير ذلك،

[ 480 ]

ولا تبرأ ذمة المكلف بأدائهم عنه وان غرم لهم ما أدوا عنه، ويجوز لهم أن يملكوه شيئا من أموالهم فإذا تملكه منهم صرفه هو في كفارته عتقا أو اطعاما أو ما شاء. [ المسألة 96: ] الظاهر ان الكفارة المخيرة لا تكون من الديون التي تشتغل بها ذمة المكلف، والتي يجب اخراجها من أصل تركته إذا مات قبل أدائها، بل هي من سنخ الواجبات غير المالية، وان كان بعض خصالها ماليا، فإذا أوصى بها المكلف قبل موته وجب على الوصي والورثة اخراجها من ثلثه، وإذا هو لم يوص بها لم يجب عليهم اخراجها، سواء كانت لافطار شهر رمضان أم لاعتكاف أم لغيرهما من الاسباب التي فصلناها في المسألة الخامسة، وكذلك الحكم في كفارة اليمين وكفارة النذر وما بحكمها بل وكفارة الجمع. ويشكل الحكم في الكفارة المرتبة، إذا تعين على المكلف المال، وفي الكفارات المالية الاخرى، فهل تخرج من الاصل أو من الثلث؟ ولا يترك الاحتياط. [ المسألة 97: ] إذا مات المكلف وقد تعين عليه الصوم في الكفارة المخيرة أو المرتبة لعجزه عن غير الصوم من الخصال فالاقوى وجوب قضاء الصوم على وليه من بعده، وقد ذكرنا المراد من الولي في فصل قضاء الصلاة وفي فصل قضاء الصوم عن الميت فليرجع اليهما. وإذا كان المكلف قبل موته قادرا على كل من الصيام والاطعام في الكفارة المخيرة، أشكل الحكم بوجوب الصوم على الولي بعد موت المكلف، ولا يترك الاحتياط بأن يقضي الصوم عنه في هذه الصورة إذا لم يقبل الورثة باخراج الاطعام من التركة، وإذا مات المكلف وقد تعين عليه العتق أو الاطعام لعجزه عن الصوم، لم يجب على الولي قضاء الصوم. [ المسألة 98: ] إذا عجز المكلف عن جميع الخصال في كفارة الافطار في شهر رمضان

[ 481 ]

فلم يستطع ان يأتي بواحدة منها، وجب عليه أن يتصدق بما يمكنه، فإذا عجز عن الاتيان بأي صدقة وجب عليه أن يستغفر الله ولو مرة. وإذا عجز عن الاتيان بجميع الخصال في غيرها من الكفارات، تعين عليه أن يصوم ثمانية عشر يوما، والاحوط ان تكون متتابعة، فإذا لم يستطع ذلك وجب عليه الاستغفار ولو مرة، وإذا تجددت له القدرة بعد ذلك وتمكن من اداء الكفارة وجب عليه أن يأتي بها على الاحوط في الصورتين. [ المسألة 99: ] إذا عجز الانسان عن عتق الرقبة في كفارة الجمع وجب عليه أن يأتي ببقية الخصال فيها ولزمه الاستغفار بدلا عن الخصلة التي عجز عنها على الاحوط، وكذلك الحكم إذا عجز عن غير العتق من الخصال، فيأتي بالخصال التي يقدر عليها ويستغفر الله بدلا عن الخصلة غير المقدورة على الاحوط. [ المسألة 100: ] في الحديث عن أبى عبد الله (ع) قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ما كفارة الاغتياب؟ قال صلى الله عليه وآله تستغفر لمن اغتبته كما ذكرته. وعن الامام الصادق (ع) انه قال: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان. وعنه (ع) انه قال: كفارة الضحك، اللهم لا تمقتني. وعنه (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفارة الطيرة التوكل. وعن الرسول صلى الله عليه وآله: من ختم مجلسه بهؤلاء الكلمات ان كان مسيئا كن كفارات لاساءته، وان كان محسنا، ازداد حسنا، وهي سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك. وعن الصادق (ع): كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[ 483 ]

[ كتاب الوكالة ]

[ 485 ]

[ كتاب الوكالة ] وفيه فصلان: [ الفصل الاول ] [ في الوكالة وشرائطها ] [ المسألة الاولى: ] الوكالة هي أن يستنيب الشخص غيره في التصرف في أمر أو انشاء التصرف في أمر، أو في امضائه وترتيب الآثار عليه، بحيث يكون تصرف النائب في حياة الشخص المنوب عنه، ويكون الامر قابلا للاستنابة فيه، فإذا كانت الاستنابة في التصرف بعد حياة المنوب عنه كانت وصاية لا وكالة، وإذا كان الامر غير قابل للنيابة فيه لم تصح الوكالة فيه وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله تعالى. [ المسألة الثانية: ] الوكالة عقد من العقود، ولذلك فلابد فيها من الايجاب من الموكل والقبول من الوكيل، ويصح أن يقع الايجاب فيها بأي لفظ يدل على تولية الوكيل في التصرف المقصود، وعلى استنابته فيه، فيقول الموكل للوكيل: أنت وكيلي في بيع داري المعينة بألف دينار، أو يقول له: وكلتك في ذلك، أو أنبتك، أو استنبتك فيه أو فوضته اليك، أو خولتك أمره، بل يصح أن يقول له: بع الدار المعينة على زيد بكذا، ويصح أن تقول المرأة: زوجني من فلان على ألفي دينار، إذا هي قصدت بقولها جعله وكيلا عنها على انشاء صيغة الزواج ودلت القرائن على ذلك لا على مجرد موافقتها على الزواج والمهر، وكذلك في قوله: بع الدار. ويقع القبول بأي لفظ يدل على رضا النائب بايجاب الموجب، فيقول: قبلت الوكالة أو رضيت، ويصح ان يكون القبول بالفعل،

[ 486 ]

فإذا قال المالك: أنت وكيلي على بيع داري من زيد بألف دينار، فقال الوكيل لزيد: بعتك دار موكلي فلان بألف صحت الوكالة ووقع قبولها بذلك مع ايجاب البيع، فإذا قبل المشتري صح البيع وتم ايضا. وإذا قالت سعاد للرجل: وكلتك على تزويجي من علي بألفي دينار، فقال الوكيل لعلي: زوجتك موكلتي سعاد بألفي دينار، تم القبول ووقع ايجاب التزويج بهذه الصيغة، فإذا قبل الزوج عقد الزواج تم النكاح ايضا. [ المسألة الثالثة: ] تصح الوكالة بالمعاطاة كما تصح بالعقد اللفظي، ومن أمثلة ذلك أن يدفع المالك للدلال سلعة أو متاعا بقصد توكيله في بيعهما ويقبضهما الدلال منه بقصد قبول الوكالة منه، أو يسلمه داره أو دكانه، بقصد جعله وكيلا في اجارتهما ويتسلمهما الدلال بقصد القبول، وقد جرت سيرة المتشرعة والعقلاء على اجراء أمثال هذه المعاملات والعمل بها. والظاهر أن الوكالة تتحقق ايضا بالمراسلة، فإذا أرسل الانسان إلى أحد كتابا يوكله فيه على انفاذ شئ أو اجراء معاملة ورضي المرسل إليه بذلك كان وكيلا عنه ونفذ تصرفه في ما وكله فيه، وكذلك إذا جعله وكيلا عنه بمكالمة هاتفية أو لاسلكية ونحوهما من وسائل الابلاغ مع القطع بالصدق، ومثله ما إذا بلغه الوكالة والاعتماد عليه على لسان رسول يوثق بصدقه ويطمأن بقوله، فتصح الوكالة وينفذ تصرف الوكيل في جميع هذه الفروض. [ المسألة الرابعة: ] إذا قال الرجل للمالك: هل توكلني على بيع دارك من زيد بألف دينار مثلا؟ فقال له المالك: نعم، وقصد بقوله: نعم، انشاء الوكالة له بهذا الجواب، فالظاهر صحة انشائه، والاحوط لزوما ان يقول الوكيل: قبلت أو نحوها بعد قول المالك: نعم، ليحصل القبول بعد الايجاب.

[ 487 ]

وكذلك الحكم إذا قال الرجل للمرأة، هل توكلينني في ان أزوجك من فلان على ألفي دينار فقالت: نعم، فيصح منها ايجاب الوكالة له بهذا القول، فإذا قبل الوكيل بعد قولها صحت الوكالة ونفذ تصرف الوكيل، نعم، لابد في صحة ذلك من العلم بأن قولها: نعم بقصد انشاء الوكالة، وليس للدلالة على الرضا بالزواج وحده وإذا شك في ذلك لم تصح الوكالة وكذلك في الفرض السابق. [ المسألة الخامسة: ] الظاهر انه لا تشترط الموالاة بين الايجاب والقبول في صحة عقد الوكالة، فإذا تأخر القبول عن الايجاب مدة لم يبطل العقد بذلك، كما إذا أرسل الرجل إلى صاحبه رسالة يوكله فيها على ايقاع معاملة ولم تصله الرسالة الا بعد مدة، فإذا وصلت الرسالة، وقبل صاحبه وكالته صحت الوكالة ونفذ تصرف الوكيل وان تأخر قبوله عن الايجاب كل هذه المدة. نعم، يعتبر في الصحة وحدة العقد عرفا، فإذا قال المالك لصاحبه وهما في مجلس واحد: أنت وكيل عني في بيع داري فسكت الوكيل ولم يجب الا بعد شهر مثلا، فقال: قبلت الوكالة منك على بيع الدار، اشكل الحكم بالصحة وخصوصا إذا كانت الوكالة في أمر الفروج، بل الظاهر عدم الصحة إذا لم يكن للتأخير سبب عقلائي، وإذا كان له سبب فلا يترك الاحتياط. [ المسألة السادسة: ] يشترط في صحة الوكالة على الاحوط أن يكون انشاء العقد فيها منجزا، فلا تصح إذا علق الموكل وكالته على وجود شئ مشكوك، أو على حدوث أمر مرتقب، ومثال ذلك أن يقول الموكل لصاحبه: ان كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر، فانت وكيل عني في اخراج زكاة الفطرة من مالي عني وعن أهل بيتي، أو يقول له: إذا ملكني زيد هذه الدار فأنت وكيل على اجارتها أو على وقفها. ويصح له أن يقول لصاحبه: أنت وكيل عني، فإذا كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر اخرجت من مالي زكاة الفطرة، وان يقول له: أنت

[ 488 ]

وكيلي فإذا ملكني زيد هذه الدار توليت عني اجارتها، والفارق واضح بين المقصدين، فان انشاء الوكالة في المثالين الاولين معلق على وجود الشرط، فان كانت الليلة هي ليلة الفطر فالوكالة محققة وثابتة، وان لم تكن فلا وكالة، وان ملكة زيد الدار فصاحبه وكيل على اجارتها، وان لم يملكه فلا وكالة، فتبطل الوكالة لان انشاءها مشكوك، ولا تعليق في الوكالة في المثالين الاخيرين، فصاحبه وكيل على كل تقدير ووكالته منجزة، سواء كانت الليلة هي ليلة الفطر أم لم تكن، وسواء ملكه زيد الدار أم لم يملكه، والتعليق انما هو للعمل الذي وكله فيه، فهو وكيل على اخراج الزكاة إذا كانت الليلة هي الليلة المعينة، وهو وكيل على الاجازة إذا ملكه زيد الدار المعينة. [ المسألة السابعة: ] يشترط في الموكل أن يكون بالغا، فلا يصح توكيل الصبي في كل ما يشترط فيه البلوغ من المعاملات والتصرفات كالبيع والنكاح وسائر الامور التي لا تنفذ فيها معاملة الصبي بغير اذن وليه، وقد تقدم ذكر اشتراط البلوغ في البيع والصلح والهبة، والاجارة والمضاربة والشركة، والرهن والوقف وكثير من المعاملات الاخرى فإذا لم تصح المعاملة من الصبي قبل بلوغه ولم ينفذ تصرفه فيها بغير اذن وليه، لم يصح له أن يجعل فيها وكيلا عن نفسه. [ المسألة الثامنة: ] تقدم منا في كتاب البيع وفي كتاب الحجر ان الصبي المميز غير مسلوب العبارة في المعاملة، فإذا نظر ولى الطفل في المعاملة على مال الطفل، ووجد المصلحة في البيع أو في الشراء له، وعين الثمن والمثمن مع المشتري أو مع البائع، أمكن للولي أن يوكل اجراء الصيغة إلى الصبي نفسه إذا كان ممن يحسن ذلك، فيجري الصبي صيغة البيع على مال نفسه بالثمن المعين، أو يجري قبول الشراء لنفسه للمثمن المعين، ويكون اجراؤه للصيغة على ماله بالوكالة على الولي. وتصح المعاملة من الصبي المميز كذلك على مال الغير إذا أذن مالك المال للصبي في المعاملة على ماله، ووكله في اجراء المعاملة كلها لا في

[ 489 ]

ايقاع الصيغة فحسب، وان لم يأذن ولي الصبي له بتولي ذلك. [ المسألة التاسعة: ] يشترط في الموكل ان يكون عاقلا على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب البيع وفي كتاب الحجر واشترطناه في سائر المعاملات المتقدم ذكرها، فلا يصح توكيل المجنون في جميع معاملاته في ماله وغير ماله. ويشترط في الموكل ان يكون قاصدا للمعنى الذي ينشئه في صيغة الوكالة، فلا يصح توكيله إذا كان غافلا، أو هازلا أو سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد، وأن يكون مختارا في فعله، فلا يصح توكيله إذا كان مكرها لا خيرة له في ما يفعل. [ المسألة العاشرة: ] يشترط في الموكل أن يكون نافذ التصرف في العمل الذي يوكل فيه، فلا يصح توكيله إذا كان محجورا عليه لسفه أو فلس أو غيرهما، فإذا كان سفيها قد حجر عليه عن التصرف في الاموال خاصة لم يصح توكيله في كل معاملة تتعلق بالمال ويجوز له التوكيل في المعاملات الاخرى التي لا تتعلق به كالطلاق ودعاوى الجنايات التي تستوجب القصاص ومطلق الدعاوى التي لا تتعلق بالمال، وإذا كان سفيها قد حجر عليه في ماله وفي نفسه كما فصلناه في كتاب الحجر لم يصح له التوكيل في كل اولئك. وإذا كان مفلسا قد حجر عليه عن التصرف في أمواله الموجودة فليس له التوكيل في ما يتعلق بها خاصة ويصح له التوكيل في غيرها من المعاملات التي تتعلق بذمته وبنفسه. ولا يصح له إذا كان محرما أن يوكل أحدا ان يجري له عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو يمسكه له، سواء كان الوكيل محلا أم محرما. [ المسألة 11: ] لا يشترط على الاقوى في الوكيل أن يكون بالغا، فيصح أن يوكل الصبي المميز في ايقاع صيغ المعاملات إذا كان ممن يحسن القيام بها ويراعي الشرائط المعتبرة فيها، وقد تقدم في المسألة الثامنة انه يصح لمالك المال أن يعتمد على الصبي المميز ويوكله في اجراء المعاملة على ماله

[ 490 ]

إذا كان الصبي ممن يحسن ذلك ولا يختص باجراء الصيغة ولا تتوقف صحة الوكالة ولا نفوذ المعاملة التي يجريها على اذن الولي له بذلك، والظاهر ان ذلك لا يختص بالمعاملة على المال فيصح توكيله في غيرها من المعاملات إذا كان الصبي يحسن القيام بها على الوجه الصحيح. وقد تقدم أيضا: انه يصح لولي الصبي المميز أن يوكله في اجراء صيغة المعاملة على مال الصبي نفسه بعد ان يتم الولي المعاملة ويقوم باحراز شروطها، كما تقتضيه ولايته، ما عدا اجراء الصيغة. نعم، يمنع الصبي من أن يجري المعاملة مستقلا على ماله نفسه بغير اذن وليه وان كانت معاملته موافقة للمصلحة، ويمنع من اجراء الصيغة في المعاملة على ماله أو على نفسه إذا لم يوكله الولى في اجرائها، ويمنع من أن يجعل وكيلا للولي أو لغيره إذا لم يكن مميزا تام التمييز. [ المسألة 12: ] يشترط في الوكيل أن يكون عاقلا وأن يكون قاصدا للمعنى حين يتولى قبول الوكالة، وان يكون مختارا غير مكره ولا مجبر، وأن يكون نافذ التصرف في العمل الذي وكل فيه، فلا تصح الوكالة له إذا كان سفيها محجورا عليه في تصرفه في نفسه، وإذا كان محرما فلا يجوز لاحد أن يوكله في اجراء عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو أن يمسكه له سواء كان الموكل له محلا أم محرما. [ المسألة 13: ] يجوز للمسلم أن يوكل كافرا أو مرتدا مليا أو فطريا في تولي بعض معاملاته أو في القيام ببعض أعماله، أو في استيفاء بعض حقوقه أو في بعض مخاصماته مع الناس، وان كان الاحوط استحبابا عدم توكيله إذا كانت المخاصمة أو استيفاء الحق من مسلم، ويجوز توكيله في شراء مصحف للمسلم أو شراء عبد مسلم له وخصوصا إذا تسلمهما الموكل المسلم نفسه، ولم تثبت للوكيل الكافر عليهما يد. [ المسألة 14: ] يجوز للمسلم أن يكون وكيلا لكافر أو مرتد في بعض شؤونه

[ 491 ]

ومعاملاته وأعماله، الا إذا وكله على أمر لا يجوز في الاسلام، ومثال ذلك: أن يوكله في اجراء معاملة ربوية، أو في استيجار أمكنة لبيع بعض المحرمات أو عملها، أو خزنها، أو القيام بأعمال محرمة أخرى، أو وكله في بيع خمر أو خنزير أو شرائهما، وكما إذا وكله في شراء مصحف له على الاحوط لزوما، أو في شراء عبد مسلم له، فلا يتولى المسلم الوكالة عن الكافر أو المرتد في ذلك. [ المسألة 15: ] لا يحجر على المفلس أن يتصرف في مال غيره إذا أذن له صاحب المال وكان التصرف طبقا للموازين الصحيحة، ولذلك فيصح له أن يكون وكيلا عن الغير في معاملاته وأعماله سواء تعلقت وكالته بالمال أم بغيره. وكذلك القول في السفيه فإذا كان محجورا عن التصرف في ماله، فهو غير محجور عن التصرف في مال غيره مع الاذن، فيصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في أمواله وشؤونه، الا إذا كان سفهه موجبا للحجر عليه في التصرف في نفسه أيضا، فلا يصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في هذه الصورة. [ المسألة 16: ] سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الوصية: ان الصبي المميز لا يحجر عن الوصية بماله إذا بلغ من العمر عشر سنين، وكانت وصيته في البر والمعروف وفي وجوه الخير، سواء كانت لارحامه أم لسواهم، فتنفذ وصيته بذلك على الاقوى، ولذلك فيصح له أن يوكل غيره في انشاء الوصية المذكورة، سواء كان الغير الذي يوكله في ذلك كبيرا بالغا أم كان صبيا مميزا قد بلغ عشر سنين. [ المسألة 17: ] كل شرط من الشروط التي ذكرناها في الموكل أو في الوكيل، كما يجب تحققه في ابتداء الوكالة، فإذا لم يوجد الشرط له تصح الوكالة، فهو كذلك شرط يجب تحققه على الاوط في بقائها، فإذا ارتفع أي شرط منها حكم ببطلان الوكالة على الاحوط احتياطا لا يترك.

[ 492 ]

فإذا جن الموكل بعد أن أتم الوكالة، أو جن الوكيل كذلك كانت الوكالة باطلة، سواء كان الجنون الذي طرأ عليه مطبقا أم أدوارا، وسواء كان عروضه قبل ان يبدأ الوكيل بالعمل الذي وكل فيه أم كان في اثنائه وقبل اتمامه، وكذلك إذا عرض لاحدهما الاغماء، أو طرأ على الموكل سفه أو فلس فحجر عليه عن التصرف في ماله، فيبطل توكيله السابق للوكيل إذا كان متعلقا بالمال وكان الحجر على الموكل قبل ان يتم الوكيل العمل. ومثله ما إذا حجر الوكيل عن التصرف في نفسه، فتبطل الوكالة في هذه الفروض على الاحوط كما ذكرنا، وإذا زال العارض فأفاق المجنون أو المغمى عليه وارتفع الحجر عن المحجور لم تعد الوكالة الاولى ويجوز لهما ان يجددا وكالة أخرى إذا أرادا. [ المسألة 18: ] يشترط في العمل أو الامر الذي تتعلق به الوكالة أن يكون مباحا، فلا يصح التوكيل في أمر محرم شرعا. ومثال ذلك أن يوكله في غصب مال أحد أو في ضربه أو شتمه من غير حق، أو يوكله في معاملة محرمة أو مخاصمة بغير حق أو في استيئجار محل ليكون مبغى أو معملا يعمل فيه الخمر أو يخزن فيه أو يباع، أو في استيئجار سيارات وعمال لحمله ونقله وشبه ذلك. ولا يصح التوكيل في أمر لا سلطان للموكل على ايقاعه، ومثال ذلك أن يوكل أحدا في بيع مال الغير بغير وكالة ولا ولاية له على المال أو على مالكه. [ المسألة 19: ] يجوز للانسان أن يوكل أحدا على أخذ ماله من يد الغاصب بالقوة أو بوسيلة أخرى يستطيعها الوكيل، وان كان صاحب المال نفسه غير قادر على أخذ ماله منه والتصرف فيه. [ المسألة 20: ] إذا كان الفعل غير مقدور للشخص عقلا أو غير مقدور له شرعا،

[ 493 ]

ولكنه يصبح مقدورا له بالفعل بعد حصول أمر معين من الامور، ومن أمثلة ذلك عتق عبد لا يملكه فعلا، فانه غير مقدور له شرعا فإذا اشترى العبد من مالكه أصبح العتق مقدورا له بالفعل وجاز له شرعا، ومن أمثلة ذلك بيع دار لا يملكها بالفعل أو وقفها فان ذلك غير مقدور له شرعا، فإذا اشترى الدار من مالكها صح له بيعها أو وقفها، ومن أمثلته تزويج الرجل بامرأة ذات بعل أو ذات عدة، فانه لا يقدر على ذلك شرعا ولا يصح له الا إذا فارق المرأة زوجها فطلقها أو مات عنها، وخرجت ذات العدة من عدتها، فيجوز له الزواج بها، ومن أمثلة ذلك طلاق امرأة أجنبية عنه، فانه لا يقدر على ذلك شرعا الا إذا تزوج الرجل المرأة، فإذا تزوجها أمكن له طلاقها. والظاهر انه لا يجوز للشخص أن يوكل أحدا على فعل ذلك الامر غير المقدور له بالفعل، فلا يصح له أن يوكله في المرأة المعتدة فعلا ليزوجه اياها بعد انقضاء عدتها، وفي المرأة ذات الزوج ليزوجه اياها بعدأن يطلقها زوجها أو بعد أن يموت عنها، ولا يصح له أن يوكله في طلاق امرأة سيتزوجها، وفي عتق عبد سيملكه وفي وقف دار سيشتريها. [ المسألة 21: ] يصح للرجل في الفروض الآنف ذكرها أن يوكل احدا في الامرين معا، إذا كان الامر الاول مقدورا له بالفعل، فيجوز له أن يوكل أحدا في شراء العبد المملوك ثم عتقه بعد تملكه، ويوكله في شراء المتاع، وبيعه بعد شرائه ويوكله في شراء الدار ووقفها بعد ملكها، ويوكله في زواجه بالمرأة وطلاقها بعد التزويج إذا وجدها لا تليق به. [ المسألة 22: ] إذا وكل الرجل غيره وكالة عامة على أن يتولى عنه جميع أموره وأن يتصرف في جميع ما يملك التصرف فيه مما هو موجود تحت قدرته بالفعل وما يتجدد بعد ذلك، صح للوكيل أن يتولى العمل في جميع الفروض المتقدم ذكرها، فإذا اتفق ان خرجت المرأة ذات العدة من عدتها أو فارق ذات الزوج زوجها جاز للوكيل ان يزوج موكله اياهما،

[ 494 ]

وإذا اتفق أن ملك الرجل العبد جاز للوكيل عتقه وبيعه، وإذا ملك الدار جاز للوكيل وقفها واجارتها، وهكذا. [ المسألة 23: ] الوكالة كما ذكرنا من قبل استنابة للوكيل في أن يوجد الشخص العمل أو الشئ الذي يوكله فيه، ولذلك فيشترط في صحة الوكالة أن يكون العمل أو الشئ الذي يوكل الانسان غيره في ايجاده مما يقبل النيابة. وتوضيح ذلك: أن الاعمال والاشياء التي لاحظها الشارع الاعظم ورتب عليها أحكامها وآثارها قد يكون الشارع قد اعتبر فيها أن تصدر من الانسان بنحو المباشرة بنفسه، فلا تكون وافية بالغاية التي أرادها وجعل الاحكام من أجلها الا إذا صدرت من الانسان كذلك، ومن أمثلة ذلك الصلاة والصيام، المفروض منهما والمندوب في الغالب، والحج والعمرة والطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم في الاكثر، فان الشارع قد اعتبر في هذه الاعمال ان يوجدها المكلف بنفسه بنحو المباشرة عدا ما استثني منها وهو ما يأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى، فيكون هذا النوع من الاعمال والاشياء مما لا يقبل النيابة. وقد تكون مما لم يعتبر الشارع فيها ان تصدر من الانسان بنحو المباشرة، بل لاحظ انه يكفي في صحتها وحصول الغاية المقصودة منها وترتب الاحكام والآثار عليها مجرد صدورها من الانسان ولو بنحو التسبيب، كما هو الحال في اكثر المعاملات والاعمال وفي بعض العبادات، ويكون هذا النوع مما يقبل النيابة. [ المسألة 24: ] المتبع في تمييز أحد هذين النوعين من الاعمال والاشياء عن الآخر هو ما دلت عليه ظواهر الادلة الشرعية المثبتة لاحكام تلك الاشياء وآثارها وما تدل عليه اطلاقاتها المقامية والقرائن العامة الحافة بها، من الاعتماد في ذلك على فهم المتشرعة وأهل العرف من تلك الادلة فيمتاز بذلك ما يقبل النيابة وما لا يقبلها.

[ 495 ]

[ المسألة 25: ] لا ريب في ان الصلاة والصيام فرائضهما ونوافلهما مما تجب فيها المباشرة ولا تقبل النيابة والتوكيل عن الحي، الا صلاة الطواف في بعض الموارد الخاصة، ومن أمثلة ذلك الشخص الذي يستطيع حج البيت استطاعة مالية، ويعجز عن الاتيان به لكبر سن أو مرض أو نحوهما، فيجب عليه أن يستنيب من يحج، ويجب على النائب أن يأتي بجميع أفعال الحج وعمرة التمتع إذا كان ممن فرضه التمتع، ومنها طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء، وصلاة الطواف لكل واحد منها. ومنها فروض أخرى في من نسي الطواف أو نسي صلاة الطواف حتى خرج من مكة ولم يمكنه الرجوع ويرجع في بيان جميع ذلك إلى ما كتبناه في مناسك الحج من أحكام ذلك، وقد ذكرنا في مبحث صلاة الاستئجار ان الاقوى صحة النيابة عن الحي في بعض الصلوات المستحبة. ولا ريب في ان الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم مما تجب فيه المباشرة ولا يقبل النيابة والتوكيل إذا كان المكلف قادرا على مباشرة أعمالها بنفسه، واما العاجز فانه تصح له الاستنابة فيها، فيستنيب من يجري الغسلات والمسحات على اعضائه، ويجب عليه ذلك ويستنيب من يعجز عن التيمم من يضرب بيدي المكلف أو بيديه على التراب ويمسح بها على اعضائه وتفصيل أحكام ذلك قد سبق ذكره في مباحث الوضوء والغسل والتيمم في كتاب الطهارة. [ المسألة 26: ] تجوز النيابة والتوكيل في ايتاء الزكاة، فيصح لمالك المال الذي تعلقت به الزكاة أن يوكل غيره إذا كان الوكيل ثقة في أن يخرج الزكاة من مال المالك ويدفعها للمستحق، وينوي الوكيل ايتاء الزكاة عن مالك المال حينما يدفعها للمستحق، والاحوط ان ينوي المالك ايتاء الزكاة أيضا في ذلك الوقت مع الامكان. ويجوز للمالك أن يعين زكاة ماله في شئ مخصوص ثم يوكل ثقة في ايصال ذلك الشئ إلى المستحق، وينوي المالك ايصال الزكاة إلى

[ 496 ]

الفقير بدفعها إلى الوكيل، والاحوط أن تبقى نية المالك مستمرة حتى يدفع الوكيل المال إلى الفقير. وكذلك الحكم في ايتاء الخمس، فيجوز للمالك أن يوكل الثقة في اخراج الخمس من المال ودفعه إلى مستحقه ويجوز له أن يوكله في الايصال على الوجه الذي ذكرناه في الزكاة وأمر النية في الموردين على السواء وكذلك الحكم في الكفارات المالية، وقد ذكرناه في كتاب الكفارات، وأما الكفارات البدنية فهي مما لا تقبل النيابة والتوكيل فيها. [ المسألة 27: ] تصح الاستنابة والوكالة في اجراء صيغ العقود جميعا من البيع بجميع أقسامه، والاجارة، والصلح والهبة والمضاربة والشركة والمزارعة والمساقاة، والقرض والرهن والضمان واخواته والنكاح وغير ذلك من العقود اللازمة والجائزة، وحتى في عقد الوكالة نفسه، فيصح للشخص أن يوكل من ينشئ صيغة العقد عنه ايجابا ومن يتولى عنه قبول الايجاب ومن يجري المعاملة عنه بنحو المعاطاة إذا كان العقد مما تجري فيه المعاطاة. [ المسألة 28: ] تجوز الاستنابة والتوكيل في انشاء الوقف والوصية، وفي الطلاق والعتق، وفي ابراء ذمة المدين من الدين، وفي اسقاط الحق والاخذ به في موارد ثبوته، وفي فسخ العقد عند ثبوت الخيار وأخذ الارش في مواضع ثبوت الارش، ويجوز التوكيل في المخاصمات والدعاوى واثبات الحقوق عند القضاة والحكام ورفع الظلامات. [ المسألة 29: ] الظاهر أنه يصح للرجل ان يوكل أحدا في الرجوع بمطلقته الرجعية، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني أن ترجع فلانة إلى زوجيتها إذا رأيت شدتها الاولى قد تبدلت إلى ما هو أحسن، أو يقول له: أنت وكيلي في أمر فلانة، فمتى وافقت على السكنى مع عائلتي في الدار فأرجعها إلى زوجيتها، ومثل ذلك ما إذا كانت المرأة مطلقة بالخلع، فيقول الزوج

[ 497 ]

للرجل: أنت وكيل عني في أمر فلانه، فان رجعت هي بما بذلت فارجعها إلى نكاحها. نعم قد يكون التوكيل في الرجوع بها بنفسه تمسكا بزوجيتها كما إذا قال للرجل: أنت وكيل عني ان تقول لها: اني قد رجعت بزوجيتها، فيكون قوله هذا بنفسه رجوعا بها لا وكالة بالرجوع، وهذا انما يكون بحسب القرائن الدالة على المقصود. [ المسألة 30: ] إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل عني أن تقر لزيد بأن له في ذمتي مائة دينار مثلا، كان قوله هذا بنفسه اقرارا لزيد بالمبلغ المعين وليس توكيلا في الاقرار، والرجل انما هو شاهد عليه بالاقرار. [ المسألة 31: ] إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل أن تشهد بالوكالة عني بأن هذه الدار ملك لزيد مثلا، فيمكن أن يقال بأن قوله هذا شهادة منه بأن الدار لزيد، والوكيل انما هو شاهد على شهادته بذلك وليست توكيلا في أن يشهد عنه، ولذلك فيشكل الحكم بصحة هذه الوكالة، فإذا كان الامر المشهود به مما لا تقبل فيه شهادة الفرع، أو كانت شهادة الفرع غير تامة الشرائط من العدد والعدالة لم تثبت بها شهادة الاصل. [ المسألة 32: ] يشكل الحكم بصحة الاستنابة والتوكيل في أن يحلف الوكيل عن موكله يمينا، بحيث تلزم الموكل أحكام حلفه، فيجب عليه الوفاء به وتحرم عليه مخالفته وتلزمه الكفارة إذا حنث به، ويشكل كذلك أن يوكله في ان ينذر بالوكالة عنه نذرا أو يعاهد الله عنه عهدا، أو يوكله في أن يظاهر بالوكالة عنه من زوجته، أو يولي منها بالوكالة عنه ايلاءا، أو يلا عنها، بحيث تلزم الزوج الموكل أحكام الظهار والايلاء واللعان. [ المسألة 33: ] تصح الاستنابة والتوكيل في التسليم والقبض الذي تقتضيه المعاملات،

[ 498 ]

سواء توقفت عليهما أو على احدهما صحة المعاملة أم توقف عليه لزومها، أم لم يتوقف عليه شئ منهما، وانما هو أمر يقتضيه الجري على المعاملة والترتيب لآثارها، فيجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يوكل أحدا في قبض الشئ الذي استحقه بالمعاملة بينهما، وفي تسليم الشئ الذي استحقه صاحبه بموجبها، كالثمن والمثمن في عقد البيع، والعين المستأجرة وبدل الاجارة في عقد الاجارة، والعين الموقوفة في الوقف، والعين الموهوبة وعوضها في الهبة المعوضة، والعين الموهوبة خاصة في الهبة غير المعوضة، والعين المرهونة في الرهن، والمهر في عقد النكاح، وبدل الخلع أو المباراة في طلاق الخلع أو المباراة، فإذا دفع أحد المتعاملين العوض أو الشئ الذي جرت عليه المعاملة إلى وكيل الآخر وقبضه الوكيل منه برئت ذمته. ويجوز للدائن أن يوكل غيره في استيفاء ما يستحقه في ذمم الآخرين من الديون، ويجوز للمدين أن يوكل غيره في وفاء ما في ذمته من المال، فإذا دفع وكيله المال إلى مالكه أو إلى وكيله المفوض وقبضه منه برئت ذمته، وإذا كان على الدين المدفوع رهن، وقبض وكيله العين المرهونة برئت ذمة المرتهن منه. [ المسألة 34: ] يجوز للفقير المستحق أن يوكل أحدا في قبض ما يستحقه من الزكاة أو من الكفارات أو من الصدقات أو من الخمس، وينوي مالك المال ايتاء الزكاة أو ايتاء الخمس، أو الكفارة، أو الصدقة عند دفعه المال إلى وكيل الفقير المستحق، وتبرأ ذمة المالك بقبضه المال. [ المسألة 35: ] حق قسم الليالي بين الزوجات خاص بالزوج وخاص بالزوجات، فلا يجوز للزوج أن يوكل أحدا في تولي قسمة الليالي بين زوجاته، ولا يجوز للزوجة ان توكل غيرها في أخذ قسمتها من ليالي زوجها إذا لم تكن الوكيلة من زوجاته، ويجوز لها أن تهب ليلتها لغيرها من زوجاته أو توكلها في أخذ قسمتها.

[ 499 ]

[ المسألة 36: ] يصح للرجل أن يوكل أحدا في أن يطلق زوجته منه، ويصح للزوج ان يوكل غيره في ان يوكل من يطلقها، من غير فرق بين أن يكون الزوج حاضرا وقت الطلاق أو غائبا، ومن غير فرق بين ان يكون الوكيل على اجراء صيغة الطلاق عنه رجلا أو أمراة إذا كانت تحسن انشاء الصيغة وتراعي الشروط المعتبرة في الطلاق. [ المسألة 37: ] الاحوط ان لا يوكل الرجل زوجته في أن تطلق نفسها بنفسها، ولا يوكلها في أن توكل عنه من يطلقها، وان كان الاقرب صحة توكيلها في الصورتين، ويرجع الى ما نبينه ان شاء الله تعالى في مبحث الصيغة من كتاب الطلاق. [ المسألة 38: ] يجوز للانسان أن يوكل شخصا في أن يحوز له بعض المباحات العامة كالحطب والكلاء والماء والرمل والحجر والحصى والجص والسمك والطير من مواضعها المباحة، فإذا حازه الوكيل بالنيابة عن موكله كانت الحيازة للموكل، وكان الشئ الذي حازه الوكيل ملكا للموكل كذلك، وتراجع المسألة المائة والسابعة والتسعين من كتاب الاجارة. [ المسألة 39: ] لابد في صحة الوكالة من أن يكون الشئ الموكل فيه معينا، شخصيا، أو عاما أو مطلقا، ولا تصح إذا كان الامر الذي وكله فيه مجهولا غير معلوم، ومثال ذلك ان يقول له: أنت وكيل عني ولا يذكر شيئا تتعلق به الوكالة، ولا تصح الوكالة كذلك إذا وكله على أمر مبهم ومثال ذلك ان يقول له: وكلتك على بعض أعمالي أو على اجراء بعض العقود التي تكون لي، أو وكلتك في بعض ما أملك ولم يعين ذلك البعض الذي وكله فيه.

[ 500 ]

[ الفصل الثاني ] [ في بعض أحكام الوكالة ] [ المسألة 40: ] الوكالة التي يوقعها الانسان لغيره قد تكون وكالة خاصة في أمر مشخص معين، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني في أن تبيع هذه الدار المعينة على زيد بألف دينار، أو يقول له: وكلتك على أن تقبض عني ديني الذي أملكه في ذمة عبد الله وهو مائة دينار، أو تقول المرأة لاحد: وكلتك أن تزوجني من ابراهيم على ألفي دينار معجلة، ولا ريب في صحة الوكالة إذا انشئت كذلك، وتم قبولها. [ المسألة 41: ] يصح أن يوكل الانسان غيره وكالة عامة في موضوع خاص معين، فالامر الموكل فيه عام من حيث التصرف وخاص من حيث موضوعه ومثال ذلك أن تكون للمالك أرض معينة، فيقول لاخيه: وكلتك في أمر هذه الارض وكالة عامة أن تتصرف فيها كيفما تشاء، فان شئت ان تبيعها أو تؤجرها أو توقفها أو تغرسها بستانا أو تبنيها عمارة أو ما شئت من وجوه التصرف التي تراها، فإذا تم القبول جاز للوكيل أن يتصرف في الارض المعينة أي تصرف يريد. واما احتمال ان تكون الوكالة بهذه الصورة أو الصور الآتية من الوكالة العامة أو المطلقة موجبة للضرر على الموكل فيكون ذلك موجبا لبطلانها، فهو مدفوع بأنه يشترط في الوكالة ان يراعي الوكيل المصلحة في ما يقوم به من العمل للموكل، ونتيجة لذلك فلا تشمل الوكالة وان كانت عامة أو مطلقة أي تصرف يوجب ضرر الموكل، بل ولا التصرفات التي لا مصلحة فيها ولا ضرر، ولا تنفذ من الوكيل مثل هذه التصرفات، وسيأتي ذكر هذا الشرط ان شاء الله تعالى. [ المسألة 42: ] يجوز للانسان أن يوكل غيره في أن يتصرف تصرفا خاصا في جميع ما يملك، فيكون الامر الموكل فيه خاصا من حيث التصرف وعاما من

[ 501 ]

حيث موضوعه بعكس ما فرض في المسألة المتقدمة، ومثال ذلك ان تكون للرجل عدة ممتلكات من الاشياء والانواع المختلفة، ويحتاج إلى بيعها جميعا، فيقول للدلال: وكلتك على أن تبيع لي كل ما أملكه من أرضين وبساتين ودور، وعمارات ومحلات، وفرش، وأثاث، وأمتعة وأجهزة وغير ذلك، فإذا قبل الوكيل صحت وكالته وجاز له بيع جميع ما وكله في بيعه. [ المسألة 43: ] يصح للانسان أن يوكل غيره وكالة عامة في جميع التصرفات الممكنة، وفي جميع مملوكاته ومعاملاته وأعماله وشؤونه العامة والخاصة، فيقول لمن يعتمد عليه في ذلك: أنت وكيل عني في جميع ما أملكه من أشياء، وما أملك التصرف فيه من معاملة وعمل ومن شؤون، على أن تتصرف في جميع ذلك بأي تصرف تريد، فيكون الامر الموكل فيه عاما من كلتا الجهتين الآنف ذكرهما، فإذا قبل الوكيل هذه الوكالة، جاز له أي تصرف في الجهات المذكورة كلها، فله أن يبيع وان يهب وأن يصالح وأن يقف وأن يتصدق وأن يعتق وأن يطعم وأن ينفق، وله أن يتولى تزويجه وتطليق زوجاته، وأن يوقع جميع ما يجوز للموكل ايقاعه من الاعمال التي تقبل النيابة والتوكيل. [ المسألة 44: ] يصح للشخص أن يوكل غيره وكالة مطلقة، ويراد بكونها مطلقة انها مرسلة غير مقيدة، وتجري في الوكالة المطلقة نظائر الفروض التي ذكرناها في الوكالة العامة، فان المالك قد يجعل غيره وكيلا عنه في شئ معين من أملاكه ويجعل وكالته فيه مطلقة من حيث التصرف، فيوكله في أن يتصرف في أرضه المعينة بأي تصرف يريده الوكيل، فيجوز للوكيل أن يبيع الارض وأن يهبها، وأن يغرسها، وأن يبنيها عمارة أو دارا أو حوانيت، أو ما شاء من وجوه التصرف. وقد يجعله وكيلا على أن يتصرف تصرفا معينا في شئ من الاشياء التي يملكها، فيوكله على أن يبيع احدى دوره أو محلاته أو بساتينه،

[ 502 ]

ويترك تعيين المبيع لارادة الوكيل، ويكون الامر الموكل فيه هو التصرف المعين وهو البيع في مطلق الاشياء التي يملكها الموكل لا على التعيين. وقد يجعله وكيلا في أن يتصرف أي تصرف يريده في أي شئ أو ناحية من الاشياء والنواحي التي يقدر الموكل على التصرف فيها، فتكون الوكالة مطلقة من كلتا الناحيتين. [ المسألة 45: ] إذا وكل المالك شخصا في أن يقوم له بأحد أعمال معينة على وجه التخيير بينها، ففي صحة الوكالة كذلك اشكال، والاظهر الصحة، ومثال ذلك أن يقول له: أنت وكيل في أن تبيع لي هذه الدار، أو تؤجر لي هذا المحل، أو تقف لي هذا البستان، فلك ان تختار أي عمل تأتي به من الاعمال المذكورة، فتصح الوكالة على الاظهر، وينفذ العمل الذي يأتي به من الاعمال الثلاثة التي وكله فيها وخيره بينها. [ المسألة 46: ] يشترط في صحة عمل الوكيل ونفوذه أن يراعي الوكيل مصلحة المالك الموكل، فإذا كانت الوكالة عامة أو مطلقة، فلا يجوز للوكيل أن يقوم بتصرف يوجب ضرر المالك أو يوجب عدم المصلحة له، وان كان ما عمله موافقا لاطلاق الوكالة أو عمومها، ولا ينفذ منه ذلك التصرف الموجب للضرر أو المنافي للمصلحة، الا أن تقوم قرينة على رضى المالك بالتصرف وان أوجب الضرر عليه أو خالف المصلحة، ومثال ذلك ان يعلم ان المالك يريد بيع الدار عاجلا أو خفية وان كان بأقل من ثمن المثل أو بأقل من ثمن شرائها. [ المسألة 47: ] يجب على الوكيل في تصرفه عن الموكل أن يلاحظ ما تحتوي عليه عبارة عقد الوكالة من اطلاق أو تقييد أو عموم أو تخصيص، وما تدل عليه العبارة بصراحتها أو ظهورها أو بسبب القرائن الخاصة أو العامة الكاشفة عن مراد الموكل فيقتصر عليه ولا يتجاوزه، فقد يوكله المالك على بيع الدار مثلا، وتدل القرائن على أن مقصود الموكل هو انشاء صيغة البيع فحسب، فيقتصر الوكيل على ذلك، ويكون المرجع في

[ 503 ]

تقدير الثمن، وفي تعجيله أو تأجيله، وفي تسليم الدار وقبض الثمن وغير ذلك الى الموكل نفسه، وقد تدل القرائن على ان المراد أن يتولى الوكيل معاملة البيع كلها أو بعضها، فيكون الوكيل هو المعتمد في كل اولئك أو في بعضه. [ المسألة 48: ] إذا وكل الرجل شخصا ليشتري له سلعة خاصة، وعلم أن ثمن السلعة في السوق عشرة دنانير مثلا فدفع إلى الوكيل المبلغ ليشتري به السلعة، ولما ساوم الوكيل على السلعة قبل البائع منه بثمانية دنانير جاز له شراؤها للموكل بالثمانية، فان عقد وكالته شامل لمثل ذلك عرفا، فيدفع إلى البائع ثمانية دنانير مما في يده ويرجع باقي العشرة إلى الموكل. [ المسألة 49: ] إذا دفع المالك إلى الرجل سلعة ليبيعها له كان الرجل وكيلا عنه في بيع السلعة، وفي تسليمها للمشتري، بل وفي قبض ثمنها منه إذا كان مالك السلعة غائبا، أو كان حاضرا ولكنه يكره أن يعرف بأنه مالك السلعة مثلا، وعلى وجه الاجمال، فالمدار في اطلاق الوكالة في ذلك وتقييدها على ما يدل عليه ظهور الحال أو ظهور القول. [ المسألة 50: ] إذا تعدى الوكيل في تصرفه عما حدد له المالك في عقد الوكالة، وعما دلت القرائن على دخوله فيها لم ينفذ منه ذلك التصرف، فإذا كان عقدا من العقود أو كان من الامور الاخرى التي يجري فيها حكم الفضولي، شملها حكمه، فان اجاز المالك ذلك التصرف نفذ، وان لم يجزه كان باطلا. ومن أمثلة ذلك أن يوكل المالك وكيله في ان يبيع داره أو دكانه، فيؤجر الدار أو الدكان بدلا من بيعه، أو يوكله في أن يصالح على الشئ، فيهبه بدلا من الصلح، ومن أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الارض من زيد فيبيعه البستان بدلا عنها، أو يوكله في بيع الشئ نقدا فيبيعه نسيئة، أو يوكله في أن يبيع الدار بشرط الخيار إلى مدة فيبيعها بغير

[ 504 ]

خيار ومن أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الدار على زيد فيبيعها على عمرو، فلا يصح تصرفه في جميع ذلك ويكون من الفضولي كما ذكرنا. وإذا كان تصرفه مما لا يجري فيه حكم الفضولي، كالطلاق والعتق، وقع باطلا ولم تصححه اجازة الموكل، وقد تعرضنا لذكر المواضع التي يجري فيها حكم الفضولي والمواضع التي لا يجري فيها في عدة مسائل من أبواب المعاملات. [ المسألة 51: ] إذا عين الموكل للوكيل أن يبيع السلعة في سوق مخصوصة أو بثمن معين أو على مشتر معين، فان دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن وكالته عامة شاملة وان مراد الموكل تحصيل الفائدة وانما ذكر السوق المخصوصة وعين المشتري وعين الثمن لانها أحد الافراد أو لمجرد حصول الفائدة، والرغبة عند عرض السلعة لبيع، لا لخصوصية فيها جاز للوكيل ان يبيع في غير السوق المخصوصة، أو بأكثر من الثمن المعين أو على غير المشتري المعين إذا حصل على الفائدة المقصودة. وان كان للموكل غرض خاص من تحديد السوق أو الثمن أو المشتري وجب على الوكيل الاقتصار عليه ولم يجز له التعدي عن المحدود، وإذا تعدى عنه كان فضوليا، فلا يصح تصرفه الا باجازة المالك، وكذلك إذا احتمل ان له غرضا خاصا من التحديد وكان الاحتمال مما يعتد به العقلاء، فلا يصح للوكيل التعدي عنه. [ المسألة 52: ] يصح للولي الشرعي على القاصر، كالاب والجد للاب، والوصي من أحدهما والحاكم الشرعي والقيم المنصوب منه، ان يوكل غيره في اجراء بعض المعاملات أو بعض الاعمال التي تقتضيها ولايته على أموال القاصر وعلى شؤونه، فيبيع الوكيل بعض أموال القاصر أو يستدين له بعض المال أو يبني له داره، وهو يفعل ذلك بالوكالة عن الولي لا عن القاصر، ويصح للاب أو الجد للاب أن يوكل أحدا فيجري للصبي أو الصبية عقد النكاح ويراجع فصل أولياء العقد في ما يتعلق بولاية الاب والجد في

[ 505 ]

نكاح المجنون، وفي ما يتعلق بولاية غير الاب والجد في نكاح الصبي والصبية. [ المسألة 53: ] إذا وكل الانسان شخصا في أن يفعل شيئا بالنيابة عنه، فظاهر الوكالة أن يتولى الوكيل مباشرة الفعل بنفسه، فإذا قال له: أنت وكيل عني أن تبيع لي داري، كان عليه أن يبيع الدار بنفسه، ولا يصح له أن يوكل في البيع شخصا آخر، لا عن نفسه ولا عن مالك الدار، الا إذا كانت وكالة المالك له شاملة لذلك، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني في أن تبيع داري بنفسك، أو بأن توكل من يبيعها عنك، أو يقول له: أن تبيعها أنت أو توكل من يبيعها عني، أو يقول له: أن تبيعها أو توكل من يبيعها عني أو عنك. فإذا وكله بالعبارة الاولى كان عليه أن يبيع الدار هو أو يوكل عن نفسه من يبيعها، وإذا وكله بالعبارة الثانية كان عليه أن يتولى البيع بنفسه أو يوكل عن الموكل من يبيعها عنه، وإذا وكله بالعبارة الاخيرة جاز له أن يبيع الدار بنفسه وأن يوكل عنه أو عن المالك من يتولى البيع، وليس له أن يتعدى ذلك، فان هو تعدى فوكل في بيع الدار من غير وكالة من المالك كان البيع فضوليا. [ المسألة 54: ] إذا أذن المالك للوكيل في ان يوكل غيره أشكل الحكم بجواز التوكيل له بمجرد الاذن فيه، فلابد من ان يوكله في التوكيل كما ذكرنا، وإذا اذن له فوكل، فلا يترك الاحتياط باجراء حكم الفضولي على الوكالة الثانية أو على فعل الوكيل الثاني. [ المسألة 55: ] إذا جاز للوكيل أن يوكل غيره، فوكله عن المالك، كان الوكيل الاول والوكيل الثاني في عرض واحد، فلا يحق للوكيل الاول أن يعزل الثاني، ويجوز للمالك أن يعزل أيهما شاء عن الوكالة ويبقي الآخر، ولا ينعزل الوكيل الثاني بعزل الاول ولا بموته إذا مات، وسيأتي بيان جواز استقلال أحدهما بالتصرف من غير مراجعة الآخر وعدم جوازه.

[ 506 ]

[ المسألة 56: ] إذا جاز للوكيل أن يوكل غيره في الفعل، فوكله عن نفسه كان الثاني فرعا عليه ولذلك فيصح للوكيل الاول أن يعزل الثاني عن الوكالة، وإذا مات الوكيل الاول أو انعزل عن وكالته انعزل الثاني، ويجوز للمالك أن يعزل الوكيل الثاني ويبقي الاول، وإذا أتى الاول بالفعل الموكل فيه نفذ تصرفه، وسقطت وكالة الوكيل الثاني بحصول موضوعها، وكذلك إذا أتى الوكيل الثاني بالفعل صح تصرفه وسقطت وكالة الاول والثاني بحصول متعلقهما. [ المسألة 57: ] يجوز للانسان أن يوكل وكيلين أو أكثر في شئ واحد، فان صرح في وكالته لهما بأن كل واحد منهما وكيل مستقل عن صاحبه ثبتت لهما الوكالة مستقلين كذلك، فيجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فيأتي بالفعل من غير مراجعة للآخر، وكذلك إذا كان لكلامه ظهور يعتمد عليه أهل اللسان في ذلك، وان كان بمعونة القرائن، فيجوز لكل منهما أن يستقل بالتصرف. وان لم يصرح بالاستقلال ولم يكن لقوله ظهور متبع يدل عليه لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف عن الآخر، سواء كان صاحبه حاضرا أم غائبا، بل وان كان عاجزا عن التصرف، وسواء اشترط الموكل عليهما أن يجتمعا في التصرف أم أطلق وكالته لهما ولم يشترط شيئا. [ المسألة 58: ] إذا وكل الشخص وكيلين في شئ واحد، واشترط عليهما أن يجتمعا في التصرف، أو أطلق الوكالة لهما ولم يشترط عليهما شيئا كما تقدم، ومات أحد الوكيلين بطلت الوكالة، فلا يجوز للحي الباقي منهما أن يتصرف الا بوكالة جديدة، وإذا وكلهما وصرح لهما بالاستقلال أو كان لكلامه ظهور يدل على ذلك ثم مات أحد الوكيلين بطلت وكالة الميت وبقيت وكالة الموجود. [ المسألة 59: ] إذا وكل الشخص وكيلا في شئ، ثم وكل وكيلا آخر في نفس ذلك

[ 507 ]

الشئ، فالظاهر من الوكالتين ان كل واحد من الوكيلين مستقل عن صاحبه، فيجوز له أن يتصرف ويأتي بالفعل الموكل فيه من غير مراجعة الآخر، الا ان يشترط عليهما أو على أحدهما الانضمام أو تدل القرينة على ذلك فيتبع الشرط. [ المسألة 60: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع سلعة أو متاع وأطلق وكالته، انصرف اطلاق وكالته إلى ان يبيع الوكيل السلعة نقدا، فلا يصح له أن يبيعها بثمن مؤجل، وأن يكون البيع بثمن المثل أو أكثر منه، فلا يصح له ان يبيعها بأقل منه، وان يكون البيع بالعملة المتداولة في البلد، فلا يصح له البيع بغيرها. وإذا وكله في شراء سلعة أو شئ، انصرف اطلاق الوكالة إلى اشتراط أن يكون الشئ الذي يشتريه صحيحا، فلا يصح له ان يتعمد شراء المعيب وان كان أقل ثمنا، وإذا اشترى الشئ فوجده معيبا جاز للوكيل رده بالعيب، وإذا وكله في البيع واطلق وكالته صح له بمقتضى وكالته تسليم المبيع، وإذا وكله في الشراء جاز له تسليم الثمن. [ المسألة 61: ] الوكالة من العقود الجائزة، فلا يجب الالتزام بها من الموكل ولا من الوكيل، فيصح للوكيل ان يفسخ الوكالة ويعزل نفسه منها، ويجوز للموكل أن يفسخ الوكالة كذلك ويعزل الوكيل، ولا تبطل وكالة الوكيل بمجرد عزل الموكل اياه حتى يبلغه خبر العزل ولو باخبار ثقة واحد، فتسقط وكالته حين ذلك، فإذا تصرف وباع أو اشترى أو أجرى صيغة العقد قبل ان يبلغه خبر العزل كان تصرفه نافذا. [ المسألة 62: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع داره مثلا ثم عزله، وباع الوكيل الدار أو أجرى صيغة البيع قبل ان يبلغه خبر العزل كان بيعه نافذا على الموكل كما قلنا، فلا يصح بيع الموكل بعده، وإذا سبق الموكل

[ 508 ]

فباع الدار أو أجرى الصيغة قبل أن يتصرف الوكيل صح بيع الموكل، وبطلت وكالة الوكيل بعد حصول متعلقها. وكذلك الحكم إذا وكلت المرأة أحدا في تزويجها ثم عزلته عن الوكالة، وأجرى الوكيل عقد النكاح عليها قبل ان يبلغه خبر عزله، فيصح عقده وينفذ، ولا يصح عقدها بعده على زوج آخر، وإذا سبقت هي فزوجت نفسها قبل ان يعقد الوكيل المعزول عليها، صح عقدها، وسقطت وكالته بحصول الفعل الموكل فيه. [ المسألة 63: ] يبطل عقد الوكالة إذا مات الوكيل، أو مات الموكل، سواء علم الوكيل بموته أم لم يعلم، فإذا تصرف فباع الدار التي قد وكل في بيعها مثلا، ثم علم ان الموكل مات قبل البيع كان بيعه باطلا. ويبطل عقد الوكالة إذا جن الوكيل أو جن الموكل جنونا اطباقيا وان لم يعلم الوكيل بجنونه، وكذلك في الجنون الادواري وفي الاغماء، فتبطل الوكالة إذا عرضنا للوكيل أو للموكل على الاحوط في المسألتين. وتبطل الوكالة إذا تلف الشئ الذي تعلقت به الوكالة، ومثال ذلك أو يوكله في بيع سلعة أو دابة، فتتلف السلعة أو تموت الدابة، أو يكون الرجل وكيلا على تزويج امرأة، فيموت أحد الزوجين، وتبطل الوكالة، إذا فعل الموكل الفعل الذي تعلقت به الوكالة، كما إذا وكله على بيع الدار أو بيع السلعة، فباعهما المالك وكذلك إذا فعل المالك فعلا يرتفع به موضوع الوكالة، كما إذا وكل أحدا في بيع مملوك فاعتقه المالك، أو وكله في بيع دار فوقفها المالك أو بالعكس. ولا تبطل الوكالة على الفعل إذا وكل وكيلا آخر على الفعل نفسه، كما إذا وكل الاول على بيع الدار ثم وكل الثاني على بيعها أيضا، فلا تبطل وكالة الاول الا إذا سبق الوكيل الثاني فباع الدار قبل الاول فتبطل وكالة الاول بحصول متعلقها كما تقدم. [ المسألة 64: ] يجوز للانسان أن يوكل غيره في منازعاته ومخاصماته عند القضاة

[ 509 ]

والحكام إذا لم يكن ظالما في خصومته ومرافعته، ويجوز له أن يكون وكيلا عن غيره في خصومته ومرافعته إذا علم أن موكله غير ظالم في خصومته، سواء كان الموكل مدعيا أم مدعى عليه، وسواء رضي خصمه بتوكيله أم لم يرض، فلا يحق للخصم أن يمتنع عن مرافعة الوكيل ويطلب مرافعة الموكل نفسه. ومما يحسن بل يستحب أن يتنزه أهل الشرف والمقامات الرفيعة عن أن يتنزلوا إلى المرافعات والمنازعات بأنفسهم ويوكلوا أمرها إلى الوكلاء والنواب عنهم. [ المسألة 65: ] يتولى الوكيل في الخصومة ما يتولاه موكله فيها، فان كان وكيلا عن المدعي: فعليه أن يقوم بنشر الدعوى عند الحاكم، فإذا كانت للمدعي بينة على دعواه ذكرها الوكيل، وإذا طلب الحاكم منه اقامتها أحضرها أقامها، وإذا طلب منه تزكية الشهود زكاهم واقام الادلة على زكاتهم وعدالتهم، وذكر القرائن والوسائل المثبتة للدعوى ثم طلب الحكم من الحاكم. وإذا لم تكن للمدعي بينة على مدعاه طلب عن الحاكم احلاف المنكر، فإذا لم يحلف طلب من الحاكم رد اليمين أو القضاء بالنكول. وإذا كان وكيلا للمدعي عليه، انكر دعوى المدعي، فإذا أقام المدعي بينة طعن وكيل المدعى عليه بالشهود وأقام بينته على جرحهم، وذكر الثغرات والنقائص الموجودة في شهادتهم، وسعى ما أمكنه في نقض دعوى المدعي. وإذا كانت وكالة الوكيل خاصة بالقيام ببعض الجهات اختص عمله بتلك الجهات ولم يتعد ما حدد له في الوكالة وترك باقي الجهات لموكله يقوم بها إذا شاء. [ المسألة 66: ] قد تنقلب الدعوى في أثناء المرافعة، فيصبح المنكر مدعيا، ويكون المدعي منكرا، ومن أمثلة ذلك أن يدعي زيد على عمرو دينا في ذمته،

[ 510 ]

فيقر له عمرو بالدين ويدعي أنه وفاه، أو يدعي أن زيدا قد أبرأ ذمته من الدين فيكون عمرو مدعيا للوفاء أو للابراء، ويصبح زيدا منكرا لذلك، فعلى وكيل عمرو أن يقوم بأدوار وكيل المدعي التي تقدم ذكرها، وعلى وكيل زيد أن يقوم بدور وكيل المنكر. [ المسألة 67: ] إذا أقر وكيل المدعي في أثناء مرافعته للمدعى عليه بأمر ينافي دعوى موكله، لم ينفذ اقراره على الموكل، ولم تنقلب به الدعوى، فإذا كان الموكل المدعي يدعي على صاحبه دينا في ذمته، واعترف وكيله على الموكل بأنه قد قبض الدين من المدعى عليه، أو بأنه أبرأ ذمته من الدين أو بأن بينته كاذبة في شهادتها لم ينفذ اقراره ولم تسقط به دعوى المدعى، وبطلت بذلك وكالة الوكيل، فليس له أن يتولى المرافعة في الدعوى نفسها، عند الحاكم ولا عند حاكم آخر، سواء كان اعترافه في مجلس القضاء أم في غيره، وليس للوكيل والموكل أن يجددا وكالة أخرى. وكذلك الحكم في وكيل المدعى عليه إذا اعترف بما ينافي قول موكله، فلا ينفذ اقراره ولا يسقط بذلك قول موكله وتبطل به وكالة الوكيل فلا يحق له الاستمرار في المدافعة أو يجددا الوكالة، فان الوكيل يعترف بأنه ظالم. [ المسألة 68: ] اطلاق وكالة الوكيل في المخاصمة مع الغير لا يجعل للوكيل حق المصالحة مع الخصم في الدعوى، أو أن يبرئ ذمته من الحق، ويصح له أن يتولى ذلك إذا وكله الموكل فيهما على الخصوص كما وكله في المخاصمة، أو كانت وكالته الاولى عامة شاملة للجميع تصريحا، أو بسبب القرائن الدالة على الشمول لذلك. [ المسألة 69: ] إذا وكل وكيلين في مخاصمة واحدة، فان صرح في توكيله لهما بأن لكل واحد منهما ان يستقل عن الآخر في الخصومة والدفاع، جاز لهما ذلك، وكذلك إذا كان لعبارته في توكيلهما ظهور يعتد به بأنهما

[ 511 ]

مستقلان وإذا أطلق لهما الوكالة ولم يصرح بأنهما مستقلان أو غير مستقلين، أو شرط عليهما الانضمام والاجتماع في المخاصمة لم يستقل أحدهما عن الآخر فيها، وكان عليهما التشاور والتعاضد بينهما والمراجعة في الفعل الموكل فيه بينهما. [ المسألة 70: ] إذا وكل الشخص وكيلا معينا وهو في حضور الحاكم أو القاضي على ان يتولى عنه جميع مخاصماته ومحاكماته أو اعترف الموكل في حضورهما بأنه وكل فلانا في جميع ذلك، ثم احضر الوكيل خصما للموكل وأقام عليه الدعوى عن موكله، سمع الحكام منه دعواه ورتب الآثار على قوله. وكذلك إذا وكله الموكل عند الحاكم في مخاصمته مع شخص معين أو اعترف له بالوكالة فيها، ثم أحضر الوكيل خصما وأقام عليه الدعوى عن موكله، ودلت القرائن أنه هو الشخص الذي وكله الموكل في محاكمته فيسمع الحاكم دعوى الوكيل عليه. [ المسألة 71: ] إذا ادعى الرجل عند الحاكم أن زيدا قد وكله في جميع مخاصماته مع الناس واستيفاء حقوقه منهم، واقام بينة شرعية على ذلك، أو ادعى ان زيدا وكله في مخاصمة معينة وأثبتها بالبينة ثم نشر الدعوى على الخصم المعين، سمع الحاكم دعواه ورتب الآثار على قوله. [ المسألة 72: ] إذا ادعى الرجل الوكالة عن زيد ولم يقم البينة على قوله، وأحضر الخصم عند الحاكم ولم يصدقه الخصم في دعوى الوكالة، لم يسمع الحاكم منه دعواه إذا نشرها حتى يثبت صحة وكالته بحجة معتبرة شرعا. وإذا أحضر الخصم عند الحاكم فصدقه الخصم في دعوى الوكالة لم تثبت بذلك وكالته عن الموكل، وإذا نشر الدعوى عند الحاكم على الخصم الذي صدقه سمع الحاكم دعواه عليه، فإذا تمت الدعوى وثبت

[ 512 ]

الحق على الخصم ألزم به لاعترافه بصحة الوكالة، وإذا ثبت الحق على الموكل كان الغائب على حجته فلا يلزم بشئ الا ان تثبت وكالة الوكيل عنه بحجة معتبرة شرعا. [ المسألة 73: ] توكيل الوكيل في اقامة الدعوى على الخصم واثبات الحق عليه عند الحاكم لا يعني توكيله في قبض الحق من الخصم إذا ثبت الحق عليه، فإذا أقام الوكيل الدعوى وأثبت الحق وألزم الحاكم به الخصم جاز للخصم أن يمتنع عن تسليمه للوكيل، وجاز للموكل أن لا يرضى بتسليم الحق له الا أن يصرح الموكل بتوكيل الوكيل في قبض الحق إذا ثبت. [ المسألة 74: ] إذا وكل الرجل وكيلا في قبض حقه من أحد فأنكر المدين الحق لم يصح للوكيل ان يقيم عليه الدعوى ويخاصمه الا إذا وكله صاحب الحق في اقامة الدعوى واثبات الحق. [ المسألة 75: ] يمكن للوكيل والموكل أن يتفقا على التوكيل بغير جعل، ويصح للموكل ان يشترط للوكيل على نفسه جعالة للعمل الذي يوكله فيه، فيوكله في بيع الدار أو الارض أو البستان، ويجعل له جعلا معينا إذا هو أنجز العمل الموكل فيه، أو يوكله في محاكمة بعض الخصوم ومرافعته، ويجعل له مبلغا محددا من المال إذا هو أقام الدعوى وأتم المرافعة مع الخصم، ويصح للوكيل أن يشترط لنفسه الجعل على العمل الذى ينوب فيه عن الموكل. [ المسألة 76: ] إذا اشترط الوكيل أو الموكل الجعل للوكيل، استحقه إذا أتم العمل الموكل فيه، فإذا وكله في بيع أو شراء له الجعل، استحق الوكيل ما شرط له إذا هو أكمل المعاملة الموكل فيها وان لم يقبض الثمن أو المثمن الا إذا اشترط عليه أن يتم المعاملة من جميع جهاتها، وإذا وكله في مرافعة ومنازعة بينه وبين خصم واشتراط له الجعل استحقه الوكيل إذا أتم الدعوى وأنجز العمل، وان لم يقبض الحق المحكوم به، بل وان

[ 513 ]

لم يثبت له الحق إذا كان العمل الموكل فيه والمشروط له الجعالة هو اقامة الدعوى وبذل الجهد في اثبات الحق سواء نجح فيه أم لم ينجح. [ المسألة 77: ] إذا وكل الرجل الوكيل في أن يقوم له بعمل ولم يشترط له الجعالة، فقام الوكيل بانجاز العمل الموكل فيه كما أراد الموكل، فان كان الوكيل قد قصد التبرع في عمله للموكل، أو دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن الموكل قد قصد المجانية لما وكله في العمل لم يستحق الوكيل على عمله شيئا في كلتا الصورتين. وإذا لم يقصد الوكيل التبرع في عمله الذي أتى به، ولم تدل قرائن خاصة ولا عامة على ان الموكل قد قصد المجانية لما وكله في العمل، استحق الوكيل أجرة المثل على العمل الذي اوقعه للموكل، وتراجع المسألة المائتان والسابعة من كتاب الاجارة فان لها صلة بالمقام. [ المسألة 78: ] إذا وكل الدائن وكيلا في أن يقبض دينه من مدينه، فقال له وكلتك في أن تقبض ديني من زيد، ومات المدين قبل أن يأخذ الحق منه، لم يملك الوكيل بوكالته تلك أن يطالب ورثة المدين بدين أبيهم، الا إذا كان وكيلا بأخذ الحق مطلقا، كما إذا قال له الدائن أنت وكيل في أن تقبض الدين الذي استحقه على فلان، فتجوز له مطالبة الوارث لاطلاق وكالته في أخذ الحق. [ المسألة 79: ] إذا وكل الدائن زيدا في استيفاء حقه من فلان، ودفع المدين نفسه الى زيد مبلغا من المال ووكله في وفاء دينه من المبلغ، أصبح زيد وكيلا عن الدائن في استيفاء دينه، ووكيلا عن المدين في وفاء ذلك الدين الذي في ذمته، وكانت الدراهم المدفوعة إلى الوكيل امانة للمدين في يده، حتى يقبضها الدائن عن دينه فتبرأ ذمة المدين، أو يقبضها الوكيل عن الدائن إذا كان وكيلا عنه في قبض الدين كما هو وكيل عنه في استيفائه، وإذا قبضها الوكيل كذلك برئت ذمة المدين أيضا، أو يستردها المدين من يد الوكيل قبل ان يقبضها الدائن أو وكيله

[ 514 ]

فتبقى ذمة المدين مشغولة لدائنه، وإذا تلفت الدراهم في يد الوكيل لم يضمنها، لانه أمين الا إذا تعدى أو فرط في امانته. [ المسألة 80: ] إذا وكل الدائن الوكيل في أن يستوفي دينه من فلان، ودفع المدين إليه المبلغ بقصد وفاء دين موكله، فإذا قبضه الوكيل منه بهذا القصد كان وفاءا للدين وملكا للدائن، وبرئت بقبضه ذمة المدين، ولا يجوز للمدين أن يسترد المبلغ بعد قبضه. [ المسألة 81: ] إذا دفع المالك إلى الرجل شيئا ووكله في بيعه أو في هبته أو الصلح عليه، أو قبض عينا وكله المالك في شرائها أو قبضها، أو مالا وكله في قبضه أو في ايصاله إلى أحد، فالوكيل أمين لا يضمن ما في يده إذا تلف أو حدث فيه عيب أو طرأ عليه نقص من سرقة وغيرها، الا إذا فرط في الامانة أو تعدى فاستعملها في ما لا يحل له فيكون له ضامنا كما هو الحكم في كل أمين. [ المسألة 82: ] إذا تعدى الوكيل أو فرط في حفظ ما في يده من العين التي وكل فيها كان ضامنا لها إذا تلفت كما قلنا، ولكن تعديه وتفريطه لا يسقط وكالته في التصرف، فإذا دفع المالك إليه سيارة مثلا وكله في بيعها، فركبها الوكيل أو استعملها من غير حق اثم بذلك وضمن، وإذا سلمت السيارة فلم تتلف ولم تعطب جاز له بيعها بمقتضى وكالته، وإذا باعها الوكيل وسلمها إلى المشتري برئ من الضمان، ولزمه للمالك ضمان المنافع التي استوفاها من العين قبل البيع، فعليه أن يدفع له أجرة مثلها. [ المسألة 83: ] إذا دفع المالك لرجل مبلغا من المال، ووكله في أن يودعه عند شخص معين، فأودع الوكيل المال عند ذلك الشخص ولم يشهد عليه أحدا عند الايداع، وجحد الشخص المال الذي استودعه الوكيل اياه، فان كان المالك وكل الوكيل في أن يودع المال عند الشخص ويشهد عليه عند

[ 515 ]

ايداعه فقصر الوكيل ولم يشهد كان الوكيل ضامنا للمال لتقصيره ومخالفته للوكالة. وكذلك إذا كانت العادة المتبعة بين أهل العرف أن يشهدوا على الودعي عند ايداعه، فيكون بحكم الاشتراط على الوكيل ويضمن المال بمخالفته، ومثله ما إذا كان عدم الاشهاد عند الايداع مما يعد تفريطا في الامانة بنظر أهل العرف، فيكون الوكيل ضامنا للمال في هذه الصور الثلاث ولا ضمان عليه في غيرها. وكذلك الحكم إذا دفع المال إليه مبلغا ووكله في أن يوصله إلى دائنه فلان ويقضي به دينه فدفع الوكيل المال إلى الدائن ولم يشهد عليه في قبض المال، وانكر الدائن دفع المال إليه، فيجري فيه التفصيل الآنف ذكره في فرض الوديعة وتنطبق أحكامه عليه. [ المسألة 84: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع شئ أو في شرائه للموكل، فالظاهر انه يصح للوكيل أن يشتري ذلك الشئ لنفسه من مال الموكل، وأن يبتاع الشئ للموكل من ماله إذا كان الشئ موجودا لديه مع مراعاة مصلحة الموكل، وان كان الاحوط له استحبابا أن يجتنب ذلك وخصوصا مع التهمة، وإذا صرح له الموكل في وكالته بأن يبيع الشئ الموكل فيه ولو على نفسه، وأن يشتريه ولو من ماله فلا ريب في الصحة. [ المسألة 85: ] إذا ادعى زيد ان المالك قد وكله في بيع الارض المعينة أو الدار المعلومة، وانكر المالك وقوع الوكالة، أو ادعى المالك أنه قد وكل زيدا في البيع وانكر زيد الوكالة، فالقول قول من انكر الوكالة منهما مع يمينه. [ المسألة 86: ] إذا ادعى الوكيل ان العين التي دفعها المالك إليه ووكله في بيعها قد تلفت في يده، أو ادعى انه باع العين وتلف ثمنها في يده، أو أن الدين الذي وكله في قبضه من المدين قد تلف في يده بعد قبضه منه، وانكر

[ 516 ]

المالك التلف، فالقول قول الوكيل لانه أمين، الا إذا كان متهما فيطالب بالبينة. [ المسألة 87: ] إذا تلفت العين أو المال في يد الوكيل وادعى المالك أن الوكيل قد تعدى أو فرط في الامانة، فيكون ضامنا لتلفها، وأنكر الوكيل أنه تعدى أو فرط، فلا ضمان عليه، فالقول قول الوكيل مع يمينه لانه منكر، الا أن يكون متهما، فيطالب بالبينة. [ المسألة 88: ] إذا ادعى الوكيل أنه دفع المال الذي قبضه بالوكالة إلى مالكه، وانكر المالك دفع المال إليه فالقول قول المالك مع يمينه لانه منكر. [ المسألة 89: ] إذا ادعى الوكيل انه أوقع التصرف الذي وكله المالك فيه، وقال: قد بعت السلعة التي وكلتني في بيعها وتلف ثمنها في يدي بعد البيع، فلا شئ علي، وأنكر الموكل ان الوكيل باع السلعة فتكون عليه غرامة المبيع أو عوضه، فالقول في ذلك قول الوكيل. [ المسألة 90: ] إذا تصرف الوكيل فباع أو اشترى للمالك بمقتضى وكالته عنه، فادعى المالك ان التصرف باطل لانه قد عزل الوكيل، وبلغه الخبر، وأنكر الوكيل العزل، أو ادعى عدم العلم بالعزل، فيكون التصرف ماضيا، فالقول قول الوكيل مع يمينه. [ المسألة 91: ] إذا وكل الرجل وكيلا في البيع والشراء عنه، فاشترى الوكيل سلعة أو أرضا أو غيرهما فقال الموكل انك اشتريتها لي بوكالتك عني، وقال الوكيل اني اشتريتها لنفسي، فالقول قول الوكيل لانه أبصر بنيته، وكذلك إذا اشترى الوكيل السلعة أو الارض وأراد الثمن من الموكل، فقال الموكل: انك اشتريتها لنفسك فعليك ثمنها وقال الوكيل: اني اشتريتها لك بمقتضى وكالتك لي فالثمن عليك، فالقول قول الوكيل

[ 517 ]

كما في الفرض السابق لانه أبصر بنيته، والاحوط اليمين عليه في الصورتين. [ المسألة 92: ] إذا اشترى الوكيل للمالك أرضا مثلا أو دارا، وجعل ثمنها نخيلا معينة للمالك أو عينا مشخصة أخرى، وادعى أن المالك قد أذن له بالشراء بهذا الثمن المعين، وانكر الموكل انه اذن له في ذلك، فالقول قول الموكل مع يمينه، فتستعاد عين الثمن إذا كانت موجودة، ويسترد عوضها - مثلها أو قيمتها - إذا كانت مفقودة. [ المسألة 93: ] إذا زوجه الوكيل امرأة وعين لها صداقا، وأنكر الرجل انه وكله في تزويجه، ولم تكن للوكيل بينة تثبت وكالته في ذلك، فالقول قول منكر الوكالة مع يمينه، ويكون للمرأة المزوجة نصف الصداق على الوكيل، ويجب على الرجل أن يطلق المرأة إذا كان يعلم بصحة الوكالة وصحة التزويج. [ المسألة 94: ] إذا ادعى الاب أو الجد للاب أنه قد دفع مال الصبي أو القاصر إليه بعد بلوغه ورشده، وانكر المولى عليه ذلك، فالقول قول المنكر مع يمينه، وكذلك الحكم في غير الاب والجد من الاولياء على الصبي أو على المجنون أو السفيه والابله إذا ادعى الولي أنه قد دفع إلى المولى عليه ماله بعد ان ارتفع الحجر عنه وزال حكم الولاية عليه، وانكر المولى عليه دفع المال إليه فالقول قول المنكر مع يمينه. [ المسألة 95: ] إذا ادعى الولي الشرعي أبا كان أم جدا، أم وصيا، أم غيرهما من الاولياء أنه قد أنفق على القاصر من ماله أو على دوابه أو على بقية شؤونه التي يلزمه الانفاق عليها، في أيام ولايته على القاصر، وأنكر القاصر الانفاق فالقول قول الولي لانه أمين، وكذلك إذا ادعى القاصر ان الولي قد اسرف أو بذر في النفقة عليه فيكون ضامنا وانكر الولي ذلك فالقول قول الولي.

[ 518 ]

[ المسألة 96: ] إذا كان في يد الوكيل مال للموكل وطالبه الموكل به وكان قادرا على تسليمه، وجب عليه تسليمه إليه أو إلى وكيله في القبض عنه، فإذا أخر التسليم من غير عذر كان ضامنا للمال إذا تلف أو نقص أو حدث فيه عيب، وإذا كان التأخير لعذر، فلا ضمان عليه، كما إذا أخره لانشغاله بواجب شرعي كالحج أو العمرة الواجبين ونحوهما أو لمرض أو لسفر يضطر إليه، أو انشغال في أمر لا يمكنه تأجيله أولا ينبغي لمثله تأجيله كحضور أضياف لا يمكنه التساهل في أمرهم أو لسقوط مطر غزير، ونحو ذلك، فإذا زال العذر المانع وجب عليه التسليم، فإذا أخره بعد زوال العذر كان ضامنا. [ المسألة 97: ] إذا وكل المالك وكيلا وفوض إليه الامر في المعاملة كلها بجميع جهاتها وتوابعها، كان الوكيل بحكم المالك فيها، فإذا باع عينا بثمن، ووجد المشتري العين مستحقة للغير أو نحو ذلك مما يوجب الرجوع على المالك في عين المبيع، فيجوز للمشتري أن يرجع بذلك على الوكيل، وإذا اشترى شيئا بثمن، ووجد البائع في الثمن ما يوجب رده أو ما يوجب الخيار فيه فيجوز للبائع أن يرجع في ذلك على الوكيل المفوض، وترد عليه العين المعيبة ويؤخذ منه التفاوت مع الغبن، والارش مع العيب، وغير ذلك من توابع المعاملة مع المالك. [ المسألة 98: ] إذا اختلف المالك والوكيل في اشتراط الجعالة على العمل الموكل فيه وعدمه، فقال الوكيل: اني اشترطت الجعل على ذلك في عقد الوكالة، وانكر الموكل اشتراط ذلك، فالقول قول المنكر مع يمينه، وكذلك إذا تسالما على اشتراط الجعل واختلفا في مقداره فقال الوكيل: هو مائة دينار، وقال الموكل: بل هو ثمانون دينارا، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، وإذا ادعى الموكل انه قد دفع الجعالة إلى الوكيل، وانكر الوكيل ذلك فالقول قوله مع يمينه.

[ 519 ]

[ المسألة 99: ] يجوز لصاحب الدين أن يوكل وكيلا في أن يبرئ ذمة الشخص المدين له، وان لم يعلم الوكيل بل ولا الدائن بمقدار الدين. [ المسألة 100: ] لا يحق للرجل أن يوكل شخصا غير أمين في التصرف في مال غيره ومثال ذلك: ان يوكله الولي على التصرف في مال القاصر المولى عليه، أو يوكله على التصرف في مال الوقف، أو يوكله الوصي على التصرف في ثلث الميت، أو يوكله الرجل في دفع مال الزكاة أو الخمس إلى مستحقه، فلابد وأن يكون الوكيل الذي يوكله في ذلك أمينا، وإذا وكل فيه غير الامين كان ضامنا، ويجوز له أن يوكل من يشاء على التصرف في ماله وان كان غير أمين. [ المسألة 101: ] إذا وجد المشتري مال المالك في يد شخص وادعى الشخص انه وكيل عن المالك في بيع ماله جاز له قبول قوله، وصح له أن يشتري المال منه ويرتب الاثر على وكالته، لانه صاحب يد على المال فيقبل قوله، وإذا ادعى الوكالة عن المالك ولم يكن المال في يده لم يقبل قوله، ولم يرتب الاثر عليه، فلا يصح له ان يشتري منه شيئا في ذمة المالك حتى تثبت صحة وكالته عنه بحجة شرعية معتبرة. [ المسألة 102: ] إذا بطلت وكالة الوكيل بعزله أو بعروض أحد الامور التي تبطل بها الوكالة - وقد تقدم ذكر بعضها في المسألة الثالثة والستين وما قبلها - وكان للمالك الموكل مال أو عين باقية بيد الوكيل، فهي في يده امانة لا يضمنها إذا تلفت أو حدث فيها عيب أو نقص الا إذا تعدى أو فرط فيها، ويجب عليه تسليم الامانة إلى الموكل إذا كان موجودا والى وارثه إذا كان ميتا، وإذا أخر تسليمها من غير عذر كان ضامنا. [ المسألة 103: ] إذا وكل الرجل وكيلا في شراء شئ، وبطلت الوكالة بعروض

[ 520 ]

أحد المبطلات، واشترى الوكيل الشئ بعد بطلان وكالته، فالمبيع لا يزال باقيا على ملك بائعه وان استلمه الوكيل منه، وكذلك إذا وكله في أن يستقرض له مالا من أحد، فاستقرضه بعد ان بطلت الوكالة، فهو لا يزال ملكا للمقرض، وإذا وكله في قبض دين على أحد فقبضه بعد بطلان الوكالة، فالمال المقبوض ملك لدافعه وهو المدين، ولا يدخل شئ منها في ملك الموكل، وإذا تلف المال في يد القابض كان ضامنا لمالك المال. [ المسألة 104: ] إذا وكل الانسان غيره في عقد نكاح أو ايقاع طلاق أو وفاء دين، أو تطهير ثوب أو اناء أو دفع زكاة أو خمس إلى مستحقها، فأخبر الوكيل بأنه قد أنجز العمل، فان كان الوكيل ثقة وحصل الاطمئنان بصدقه في خبره فالظاهر صحة ترتيب الاثر على قوله، فتجوز له مقاربة المرأة التي وكله في عقد تزويجها، ويرتب اثر الطلاق على المرأة التي وكله في طلاقها، ويحكم بفراغ ذمته من الدين ومن الزكاة والخمس، ويحكم بطهارة الثوب أو الاناء، وإذا لم يكن الوكيل ثقة أو لم يحصل الاطمئنان بصدق قوله لم يرتب الاثر عليه على الاحوط بل هو الاقوى. وإذا علم ان الوكيل أتى بالفعل وشك في صحة فعله وعدمها بنى على الصحة. [ المسألة 105: ] إذا شرط الوكيل على الموكل في ضمن عقد لازم أن يجعله وكيلا عنه مطلقا أو في تصرف معين، وقبل الموكل الشرط وجب على الموكل الوفاء بالشرط، فلابد له من توكيله. وإذا اشترط عليه أن يوكله ثم لا يعزله عن الوكالة لم يجز له عزله بعد التوكيل، ومن أمثلة ذلك: أن يشرط المرتهن على المدين الراهن أن يجعله وكيلا عنه في بيع العين المرهونة إذا حل أجل الدين ولا يعزله عن وكالته، فيجب عليه الوفاء بالشرط، وكذلك الحكم إذا شرط الموكل على الوكيل أن يقبل وكالته مطلقا أو في أمر معين وان لا يعزل نفسه عن الوكالة، فيجب على الوكيل الوفاء بالشرط.

[ 521 ]

[ المسألة 106: ] الظاهر ان الوكالة تتحقق إذا شرطها الوكيل على الموكل بنحو شرط النتيجة في عقد لازم أو شرطها الموكل على الوكيل كذلك، وإذا شرط أن يكون وكيلا لا يملك عزله ثبتت وكالته ولم يصح عزله كما اشترط، وان كنا لا نقول بصحة الشرط إذا كان بنحو شرط النتيجة في سائر العقود، ولكن الظاهر صحة ذلك في الوكالة ونحوها من العقود التي يكفي في صحتها انشاؤها بأي لفظ يدل عليها، فيكون اشتراطها في العقد اللازم انشاءا لها فتصح وتلزم، وقد نبهنا على ذلك في بعض المباحث من كتب المعاملات. [ المسألة 107: ] إذا شرط عليه في عقد لازم ان يجعله وكيلا عنه، ثم شرط عليه في ضمن عقد لازم آخر ان لا يعزله من التوكيل، وجب عليه الوفاء بالشرطين معا. والحمد لله رب العالمين.

[ 523 ]

[ كتاب الوصية ]

[ 525 ]

[ كتاب الوصية ] وفيه خمسة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الوصية وشروط الموصي ] [ المسألة الاولى: ] الوصية على الظاهر اسم مصدر بمعنى العهد، من قولهم: وصاه يوصيه توصية، إذا عهد إليه، أو من قولهم: أوصاه يوصيه ايصاءا، وموارد استعمال الكلمة في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة، وفي الادب العربي على الاكثر تشهد بذلك ولا تخرج عنه، واما احتمال أن تكون مصدرا من قولهم: وصى الشئ إذا اتصل، أو قولهم وصى الشئ بالشئ إذا وصله به، فلا يخرج عن كونه مناسبة لفظية خالصة باعتبار ان الرجل بوصيته يصل تصرفه في حال حياته بتصرفه بعد موته، ولا دلالة في موارد استعمال الوصية الآنف ذكرها على ارادة ذلك. [ المسألة الثانية: ] الوصية قد تكون تمليك عين لاحد، كما إذا أوصى الرجل لزيد أن يعطى مبلغا من المال، أو يعطى داره المعينة، وقد تكون تمليك منفعة، كما إذا أوصى له بأن تؤجر الدار مدة سنة أو سنتين وتدفع له اجارتها، أو بأن يسكنها كذلك، أو بأن تكون منفعة الدار له سواء استوفاها بالسكنى أم بالتأجير، وقد تكون تحريرا من الملك كما إذا أوصى بعتق عبده، وقد تكون وصية بوقف دار أو أرض، وقد تكون وصية بنقل حق إلى غيره، أو باسقاط حق أو بابراء ذمة من دين، وقد تكون عهدا إلى أحد بتجهيز الموصي بعد موته أو بدفنه، أو بقضاء واجبات أو بأعمال مستحبة أو بأداء أمانات أو ديون، وقد تكون جعلا لوصاية أو ولاية على مال أو على قاصرين، وغير ذلك، فهي على ضروب كثيرة.

[ 526 ]

[ المسألة الثالثة: ] يجب على المكلف أن يبادر في امتثال الواجبات المضيقة، ولا يجوز له تأخيرها عن أوقاتها المحددة لها شرعا، سواء كانت من الواجبات لله سبحانه، أم كانت من الواجبات للناس، كالاثمان والاعواض والامانات والحقوق التي اشترط على الانسان في عقد لازم أن يفي بها في أول الاوقات الممكنة، والاثمان والاعواض والامانات والحقوق التي اشترط لها وقت محدد لا سعة فيه، والودائع والاموال التي ضربت لها مدة معينة، وانقضت مدتها، فيجب على المكلف ردها إلى أهلها ولا يسوغ له تأخيرها عن أوقاتها المضبوطة بعد حضورها. [ المسألة الرابعة: ] تتضيق الواجبات الموسعة على الانسان إذا ظهرت له امارات الموت، لكبر السن وضعف القوى، وترادف الامراض الدالة بحسب العادة على دنو الاجل وقربه، فيجب على المكلف ان يبادر إلى الاتيان بما عليه من واجبات وفرائض اشتغلت بها ذمته، كصلوات أو صيام أو واجبات أخرى تركها، أو أتى بها باطلة، وأداء أخماس أو زكوات وجبت عليه ولم يمتثل أمرها، ووفاء نذور مطلقة أو كفارات أو مظالم وجبت عليه ولم يأت بها أو أتى بها على غير وجهها الصحيح، وغير ذلك من المفروضات التي تساهل فيها أو عصى أمرها ولزمه قضاؤها. وتتضيق الواجبات الموسعة كذلك إذا اطمأن المكلف بأنه إذا أخر الاتيان بها لم يتمكن بعد ذلك من الوفاء بها وامتثال أو امرها لكثرة الشواغل أو لتزايد الضعف عليه وان لم تظهر له امارات الموت، فتجب عليه المبادرة إلى امتثالها مع الامكان والقدرة. [ المسألة الخامسة: ] يجب على الانسان رد أموال الناس وودائعهم الموجودة لديه وديونهم التي حل وقتها إذا طالبه أهل الاموال والودائع والديون بها، فتجب عليه المبادرة بردها إليهم، ويجب الرد كذلك إذا انقضت مدة الاستيداع أو العارية والمضاربة وحلت مواعيد الديون كما تقدم ذكره.

[ 527 ]

وإذا لم يطالب أهل الاموال والودائع الموجودة بتسليمها أو لم تنقض مدتها لم يجب عليه المبادرة بالرد، الا ذا خاف ضياع أموالهم، أو خاف عدم أداء ورثته بعد موته، فيجب عليه ردها إلى أهلها عند ذلك. [ المسألة السادسة: ] إذا لم يتمكن المكلف من امتثال ما وجب عليه من الواجبات المضيقة أو الموسعة في حياته وكانت مما يجب قضاؤه، وجب عليه أن يوصي بقضائها عنه بعد موته، وكذلك الفوائت من الواجبات التي وجب عليه قضاؤها ولم يقضها، فيجب عليه أن يوصي بقضائها بعد موته، سواء كان فوتها لعذر أم لغيره عذر، كالصوم والصلاة التي تركها عامدا أو أتى بها باطلة. وهذه الواجبات وان كانت مما لا تقبل النيابة فيها حال حياة المكلف، الا ان النيابة فيها صحيحة بعد الموت، فتجب الوصية بها والاشهاد عليها والاستيثاق منها إذا علم ان ورثته لا تنفذ الوصية الا بذلك، وكذلك الواجبات المالية التي وجبت عليه ولم يؤدها كالزكاة والخمس والكفارات والنذور والمظالم وشبهها. [ المسألة السابعة: ] إذا كانت لديه أعيان موجودة من أموال الناس وودائعهم، لم يطالبوه بها في حياته أو لم تحل أوقات تسليمها إلى أهلها، أو طالبه أهلها بتسليمها ولم يدفعها إليهم لعذر أو لغير عذر، وجب عليه أن يوصي بأدائها إلى أهلها، إذا علم أن الوارث لا يردها الا بالوصية، ويجب عليه أن يشهد على الوصية ويستوثق منها. إذا توقف انفاذ الوصية على ذلك، وكذلك الديون والاموال والحقوق التي تكون في ذمته، سواء كانت مؤجلة في حال حياته أم غير مؤجلة، فتجب الوصية بها والاعلام بها والاشهاد والاستيثاق إذا توقف الاداء على ذلك، ومنها الضمانات والجنايات والديات التي وجبت عليه. وإذا كانت ودائع الناس وأموالهم وديونهم عليه مثبتة موثقة، وعلم بأن ورثته من بعده يقومون بادائها ووفائها لم تجب عليه الوصية بها.

[ 528 ]

[ المسألة الثامنة: ] قد مر في ما تقدم أن الوصية تقع على ضروب كثيرة، أشرنا إلى بعضها في المسألة الثانية، ولم نذكر الباقي لان مقاصد الموصي وانحاء الايصاء يعسر ضبطها في عدد معين، فهي تعم كل ناحية مباحة تتعلق بالموصي في نفسه ماله، أو حقوقه وجميع شؤونه التي يمكن له التصرف فيها، وهي على وجه العموم تكون على قسمين: تمليكية وعهدية. ويراد بالوصية التمليكية: أن يجعل الموصي شيئا من تركته أو من منافع أمواله أو من حقوقه القابلة للنقل، ملكا لشخص معين أو لاشخاص معينين، أو لعنوان معين ذي أفراد كالفقراء وطلاب العلم، أو لجهة معينة كمسجد أو مشهد أو حسينية، أو مستشفى أو ميتم أو مدرسة أو ملجأ، وشبه ذلك، فهي وصية بالملك أو بالاختصاص. ويراد بالوصية العهدية: أن يلزم الموصي وصية أو وارثه أو غيرهما بفعل أو بشئ يتعلق به أو بماله أو بشئ من شؤونه، فيأمر بتجهيزه بعد الموت على وجه يريده مثلا، أو يأمر بدفنه في مكان خاص أو عام، أو يعهد بأن يستناب عنه من بعده من يقوم له ببعض الواجبات عليه، أو ببعض الاعمال المندوبة، أو بأن يعتق عبده أو توقف داره أو تباع أرضه، أو يعين شخصا يوكل إليه التصرف في ثلثه وتطبيق وصاياه، أو يجعله وليا على يتاماه، وما يشبه ذلك من التصرفات التي تهمه. [ المسألة التاسعة: ] الاقوى أنه لا يعتبر القبول في صحة الوصية سواء كانت عهدية أم تمليكية، وسواء كانت تمليكا لشخص أو أشخاص معينين، أم تمليكا لنوع ذي افراد، كما إذا أوصى بداره للفقراء أو لطلاب العلم أو لذرية الرسول صلى الله عليه وآله، فإذا أنشأ الموصي وصيته على الوجه المطلوب صحت ونفذت، وان لم يحصل القبول من الشخص أو الاشخاص الذين أوصى لهم بالملك أو بالاختصاص، أو من ولي النوع الموصى له، فالوصية من الايقاعات لا من العقود على الاقوى.

[ 529 ]

نعم، يشكل الحكم بصحة الوصية التمليكية أو بعدم صحتها إذا رد الموصى له الوصية، ولذلك فلابد من مراعاة الاحتياط في تطبيق آثار الوصية وعدم تطبيقها بعد رد الموصى له اياها، وسيأتي التعرض لتفصيل ذلك في ما يأتي ان شاء الله تعالى. [ المسألة العاشرة: ] لا يشترط القبول في صحة الوصية العهدية كما لا يشترط في الوصية التمليكية، سواء أريد به القبول من الموصى إليه، أم القبول من الموصى له، كما إذا عهد الموصي إلى وصيه أن يعطي زيدا بعد موته مقدارا من المال، فلا يعتبر في صحة هذه الوصية أن يقبل الموصى له وهو زيد، فإذا مات الموصي استحق زيد المال الموصى به وان لم يحصل منه القبول، كما لا يعتبر في صحة الوصية أن يقبل الموصى إليه ذلك. نعم، يشكل الحكم بالصحة أو بعدمها إذا رد الموصى له الوصية، فلابد مع رده اياها من مراعاة الاحتياط كما تقدم. [ المسألة 11: ] تتحقق الوصية بأن تنشأ بأي لفظ يكون ظاهرا في المراد، فلا يشترط في صحتها أن تنشأ بلفظ خاص، أو بلغة خاصة، ويكفي في تحققها ان تنشأ بأي فعل يكون ظاهرا في انشائها أيضا، من اشارة مفهمة، أو كتابة ونحو ذلك حتى في حال الاختيار والقدرة على النطق، فإذا كتب كتابا بخطه وتوقيعه، وعلم بأنه انما كتبه وصية ليعمل بها بعد موته، كان ذلك وصية يجب تنفيذها، وكذلك إذا كتب غيره الكتاب وقرأه عليه قراءة تامة أو قرأه الموصي نفسه ورضي بما فيه وأقره اقرارا كاملا وأمضاه بتوقيعه في الكتاب وتصديقه له أو وضع خاتمه فيه، أو أشار اشارة مفهمة، تدل على قبوله والرضا بجميع ما يحتويه. [ المسألة 12: ] إذا شهدت بينة عادلة بأن زيدا قد أوصى بكذا، وأخبر زيد نفسه بأنه لم يوص، فان كان ذلك عن نسيان لطول المدة مثلا، أو لخشية منه من بعض النواحي التي يحذرها، صدقت البينة ووجب العمل

[ 530 ]

بالوصية التي شهدت بها، ولم يلتفت إلى قوله، وان كان ذلك عدولا منه عن الوصية التي شهدت بها البينة سقطت وصيته الاولى، وإذا شهد العادلان بأنه لم يوص، وقال هو: اني قد أوصيت، فان كان قوله هذا انشاءا لوصية جديدة أو كان اقرارا بوصية لم يطلع عليها الشاهدان عمل على قوله، وان كان لمجرد أمر توهمه لم يلتفت إلى قوله. [ المسألة 13: ] لا تتحقق الوصية العهدية الا بوجود شخص معين يقع منه انشاء العهد، وهو الموصي، وأمر خاص يعهد به الموصي لينفذ بعد موته، وهو الموصى به، وقد يعين الموصي شخصا خاصا يعهد إليه بأن يكون هو المنفذ من بعده للوصية، وهو الموصى إليه، ويقال له الوصي في الاكثر. ولا تتحقق الوصية التمليكية الا بوجود شخص ينشئ التمليك بعد موته، وهو الموصي، وشئ تتعلق به الوصية والتمليك وهو الشئ الموصى به، وشخص أو أشخاص يكون التمليك لهم بعد موت الموصي، وهم الموصى لهم. [ المسألة 14: ] يجوز للوصي أن يرد الوصية في حال حياة الموصي، سواء كانت الوصية عهدية أم تمليكية وإذا ردها كذلك وبلغ الموصي رده في وقت يمكن للموصي أن يجعل له وصيا غيره، سقطت وصايته إليه ولم يجب عليه العمل بها. وإذا كان رده للوصية بعد موت الموصي، لم يؤثر رده شيئا ولزم عليه العمل بالوصية، وكذلك الحكم إذا ردها قبل أن يموت الموصي، ولم يبلغه ان الوصي رد وصيته حتى مات، فلا تسقط الوصاية بذلك، بل وكذلك إذا أوصى إليه ولم يبلغ الوصي بأن زيدا قد أوصى إليه الا بعد موت زيد الموصي، فيجب عليه العمل بالوصية، ولا يصح له ردها.

[ 531 ]

[ المسألة 15: ] الاحوط للوصي لزوما ان لا يرد الوصية في حال حياة الموصي إذا علم ان الموصي لا يتمكن من الوصية إلى شخص غيره، سواء كان عدم تمكنه من ذلك لعدم وجود من يوصي إليه، أم كان لعجز الموصي عن الوصية ولو بالاشارة. [ المسألة 16: ] إذا سقطت وصاية الوصي في الفرض الاول من المسألة الرابعة عشرة ولم يجب عليه العمل بها فلا يعني ذلك سقوط الوصية من أصلها إذا لم يعدل الموصي عنها فيجب على الورثة انفاذ ما فيها عدا وصاية الوصي المذكور. [ المسألة 17: ] الاقوى كما سبق ذكره في المسألة التاسعة أن الوصية من الايقاعات لا من العقود حتى إذا كانت الوصية تمليكية، فلا يشترط في صحتها قبول الموصى له، فإذا أنشأ الموصي وصيته وملك الشخص الموصى له شيئا من تركته، ثم مات الموصي ولم يصدر من الموصى له قبول ولا رد للوصية، ملك الشئ الموصى به بالموت على الاقوى. [ المسألة 18: ] إذا رد الموصى له وصية الرجل بتمليكه شيئا من مال، فللمسألة صور تجب ملاحظتها. الصورة الاولى: أن يرد الشخص الموصى له الوصية في حال حياة الموصي، والظاهر انه لا أثر لهذا الرد وحده، فإذا مات الموصي، ولم يصدر من الموصى له قبول ولا رد بعد الموت ملك الشئ الموصى به كما تقدم. الصورة الثانية: أن يقبل الموصى له الوصية في حال حياة الموصي ثم يرد الوصية بعد موته، ولا أثر لهذا الرد أيضا فلا تبطل الوصية به ويكون الشئ الموصى به ملكا للموصى له.

[ 532 ]

الصورة الثالثة: أن يقبل الموصى له الوصية بعد أن يموت الموصي ثم يردها بعد ذلك ولا أثر لهذا الرد المسبوق بالقبول كذلك فلا تبطل به الوصية. الصورة الرابعة: ان لا يقع من الموصى له قبول للوصية في حال حياة الموصي ولا بعد موته، ثم يرد الوصية بعد ذلك، والحكم في هذه الصورة بصحة الوصية أو ببطلانها مشكل، فلابد فيها من الاحتياط برجوع الورثة إلى المصالحة مع الموصى له بعد رده للتخلص من الاشكال. [ المسألة 19: ] لا يشترط في صحة الوصية التمليكية أن يقبض الشخص الموصى له المال الموصى به، فإذا أنشأ الموصي وصيته ثم مات، صحت وصيته، وملك الموصى له المال وان لم يقبضه بعد، وإذا رد الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول والقبض، توجه الاشكال المتقدم، واحتاج الورثة في التخلص منه إلى الاحتياط بالمصالحة. [ المسألة 20: ] إذا أوصى صاحب المال للرجل بشيئين من ماله في وصية واحدة، فقبل الموصى له ملك احد الشيئين ورد الوصية في الآخر، صحت الوصية ونفذت في تملك الشئ الذي قبله الموصى له، سواء كان قبوله في حال حياة الموصي أم بعد موته، واشكل الحكم في الشئ الآخر الذي رد الوصية به، إذا كان رده بعد موت الموصي ولم يسبقه قبول لذلك الشئ، واحتاج ورثة الموصي فيه إلى المصالحة مع الموصى له، كما تقدم. وكذلك الحكم إذا أوصى له بشئ واحد، فقبل الموصى له بعضه ورد الوصية في البعض الآخر، فتصح الوصية في البعض الذي قبل الوصية به ويشكل الحكم في البعض الذي رده، ويحتاج فيه إلى الاحتياط. وإذا علم من القرائن أن الموصي انما قصد في انشاء وصيته تمليك المجموع على نحو وحدة المراد والمطلوب، لم يصح التبعيض المتقدم وأشكل الحكم في الجميع واحتيج فيه الا الاحتياط.

[ 533 ]

[ المسألة 21: ] لا يصح لورثة الموصي إذا مات مورثهم أن يتصرفوا في العين التي أوصى بها، بل يجب عليهم الانتظار فإذا قبل الموصى له المال الموصى به ملكه بالوصية، وإذا رده بعد موت الموصي ولم يقبله احتاجوا إلى التخلص من الاشكال فيه بالتراضي والمصالحة معه. [ المسألة 22: ] إذا مات الشخص الموصى له قبل وفاة الموصي، كانت الوصية لورثة الموصى له، كما دلت عليه معتبرة محمد بن قيس، الا إذا رجع الموصي فعدل عن وصيته لمورثهم، وإذا هو لم يرجع في وصيته حتى مات، ملك ورثة الموصى له الشئ الموصى به بعد موته ولم يتوقف ملكهم لذلك الشئ على قبولهم، وإذا رد هؤلاء الورثة وصية الموصي بعد موت مورثهم الموصى له أو ردوها بعد موت الموصي وقع التردد والاشكال المتقدم واحتيج إلى المصالحة، والتراضي للتخلص من الاشكال. [ المسألة 23: ] إذا مات الموصي في الفرض المتقدم، انتقل المال الموصي به إلى ورثة الموصى له، وظاهر النصوص ان انتقال المال إليهم يكون من الموصي نفسه لا من مورثهم الموصى له، ولكن قسمة المال بينهم يكون على حسب ميراثهم من مورثهم. [ المسألة 24: ] الظاهر من النصوص أن المال الموصى به في الفرض المتقدم ينتقل من الموصي إلى ورثة الموصى له الموجودين حين موت مورثهم الموصى له، لا إلى وارثه حين موت الموصي، فالحكم به هو المتعين. [ المسألة 25: ] إذا مات الموصى له قبل أن يموت الموصي كما هو الفرض في المسائل المتقدمة وانتقلت الوصية إلى ورثة الموصى له على حسب مواريثهم من مورثهم كما ذكرنا في المسألة الثالثة والعشرين، فإذا كانت العين الموصى بها أرضا أو كان فيها أرض وكانت للموصى له زوجة لم ترث زوجته من الارض وورثت من النخيل والشجر والبناء وغيرها غير الارض.

[ 534 ]

[ المسألة 26: ] إذا قبل بعض ورثة الموصى له بالوصية وردها بعضهم صحت الوصية في نصيب من قبل منهم، واشكل الحكم في نصيب من رد الوصية منهم، فيحتاج إلى المصالحة معه للتخلص من الاشكال، وإذا علم من القرائن أو وصية الموصي كانت بالمجموع على نحو وحدة المطلوب اشكل الحكم بالصحة في الجميع، واحتيج إلى المصالحة معهم كافة. [ المسألة 27: ] إذا كان المال الموصى به من الاشياء التي تكون من الحبوة، كالسيف والمصحف والخاتم، ومات الشخص الموصى له قبل وفاة الموصي، فالظاهر عدم انطباق الحبوة عليه، فلا يختص به الولد الاكبر للموصى له. [ المسألة 28: ] إذا أوصى الموصي بشئ من تركته للفقراء أو للعلماء أو للسادة أو غير ذلك من العناوين ذات الافراد، لم تتوقف صحة الوصية على قبول الافراد أو قبول وليهم كما تقدم، ولا يكون رد الموصى له مانعا من صحة الوصية، فإذا رد الوصية بعض الفقراء أو بعض العلماء في المثال المتقدم بعد وفاة الموصي لم تبطل الوصية ولم يجر الاشكال السابق في الموصى له إذا رد الوصية بعد موت الموصي، وحتى إذا انحصر الفقراء أو العلماء في أفراد معينين، فردوا الوصية بعد موت الموصي لم تبطل الوصية ولم يجر الاشكال، ولم يحتج إلى الاحتياط بالمصالحة. [ المسألة 29: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي بالغا، فلا تصح وصية الصبي غير البالغ، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الصبي قد بلغ عشر سنين تامة وكان عاقلا، وكانت وصيته في وجوه البر والمعروف، كما إذا أوصى ببناء مسجد أو عمارته، أو بالانفاق على الفقراء أو الايتام أو معالجة المرضى المحتاجين، أو بصلة أرحامه وذوي قرباه وتمليكهم بعض أمواله أو بشئ من سائر الخيرات والمبرات العامة أو الخاصة،

[ 535 ]

فالاقوى صحة وصيته ووجوب تنفيذها، ولا يختص الحكم بالصحة بوصيته لارحامه. ولا تصح وصيته إذا لم يكمل عشر سنين، أو كانت وصيته في غير الوجوه المذكورة. [ المسألة 30: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي عاقلا، فلا تصح وصية المجنون سواء كان جنونه مطبقا أم كان أدوارا، إذا أوصى في دور جنونه، وتصح وصيته إذا أوقعها في دور افاقته، ولا تصح وصية السكران وهو في حالة سكره. ولا تبطل وصية الشخص إذا أوصى وهو عاقل ثم طرأ له الجنون أو عرض له السكر أو الاغماء وان استمر به الجنون أو السكر أو الاغماء حتى مات. [ المسألة 31: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي مختارا، فلا يصح وصيته إذا كان مكرها عليها، ويلاحظ في معنى الاكراه وما يتعلق به، ما فصلناه في المسائل المتعلقة بذلك من فصل شرائط المتعاقدين في كتاب التجارة وغيره من كتب المعاملات. [ المسألة 32: ] لعل الراجح صحة الوصية من السفيه وان كان محجورا عليه إذا كانت وصيته في وجوه المعروف والخير ولم يخرج فيها عن الموازين التي يتبعها العقلاء في وصاياهم، وإذا كانت خارجة عن موازينهم المتعارفة في ما بينهم فالظاهر عدم صحة وصيته وان كانت في سبل الخير والمعروف. [ المسألة 33: ] تصح وصية المفلس وان كانت وصيته بعد أن حجر الحاكم على أمواله وذلك لان الدين يخرج من التركة قبل الوصية، فلا تكون وصيته مضرة بحقوق الغرماء وديونهم، ولكن أثر وصيته لا يظهر الا إذا

[ 536 ]

ارتفع الفلس عنه قبل موته، أو قلت ديونه عن تركته بسبب ابراء ذمته من بعض الغرماء أو لتبرع بعض الناس بوفاء بعض ديونه. [ المسألة 34: ] يشترط في صحة الوصية أن لا يكون الموصي قاتلا لنفسه، والمراد بقاتل نفسه هنا من يفعل في نفسه فعلا يؤدي إلى هلاكه وموته، فيرمي نفسه بطلقة نارية في موضع قاتل مثلا، أو يضرب نفسه ضربة قاتلة بسيف أو خنجر أو غيرهما، أو يشرب سما، أو يلقي بنفسه من موضع شاهق أو يحدث في نفسه شيئا غير ذلك يقطع أو يظن معه بالموت، فإذا فعل ذلك بنفسه متعمدا، ثم أوصى قبل أن يموت لم تصح وصاياه التي تتعلق بالمال. [ المسألة 35: ] إذا فعل شيئا من ذلك بنفسه مخطئا أو ساهيا غير عامد لم تبطل وصيته، وكذلك إذا فعل ذلك وهو يظن السلامة من الموت، أو فعل ذلك لا بقصد قتل النفس، بل بقصد أمر آخر، أو كان الفعل لا يؤدي إلى الموت غالبا فاتفق ذلك معه على خلاف المتعارف، فلا تبطل وصيته في هذه الفروض. [ المسألة 36: ] إذا أحدث في نفسه بعض هذه الامور القاتلة بحسب العادة، ثم عافاه الله منها، ولم يمت لم تبطل وصيته إذا كان قد أوصى بعد أن ارتكب ذلك من نفسه، سواء كانت وصيته بعد المعافاة أم قبلها، بل وان كان قاصدا قتل نفسه حين ما ارتكب الفعل. [ المسألة 37: ] إذا ارتكب أحد هذه الافعال ليقتل نفسه، ثم عوفي ولم يمت، وأوصى وصيته بعد المعافاة منه ثم انتكس في مرضه الاول ومات في السبب الاول عرفا، بطلت وصيته ولم تصح. [ المسألة 38: ] لا تصح وصية قاتل نفسه إذا كانت الوصية تتعلق بالمال كما ذكرنا

[ 537 ]

في المسألة الرابعة والثلاثين وتصح وصاياه التي تتعلق بتجهيزه ودفنه وصلاته وصومه وأموره الاخرى التي لا تتعلق بالمال. [ المسألة 39: ] لا تلحق منجزات قاتل نفسه بوصيته في البطلان، فإذا وقف شيئا من ماله منجزا أو وهبه أو باعه على وجه المحاباة أو فعل فعلا آخر من أنواع المنجزات قبل الموت لم يبطل ذلك التصرف في ماله واخرج من أصل تركته. [ المسألة 40: ] إذا أوصى الرجل أولا ثم قتل نفسه بعد الوصية لم تبطل وصيته بقتل نفسه بعدها، وان كان مصمما على قتل نفسه بعد انشاء الوصية. [ المسألة 41: ] يصح للاب أن يوصي إلى أحد بأن يكون وليا من بعد موته على أولاده الاطفال غير البالغين إذا لم يكن لهم جد للاب، ويصح للجد أبي الاب أن يوصي إلى أحد بأن يكون وليا من بعد موته على أطفال ولده غير البالغين كذلك إذا لم يكن لهم أب، وإذا كان لهم جد فلا يصح للاب أن يجعل لهم من بعده وليا غير الجد، وإذا كان لهم أب فلا يصح للجد أن يجعل لهم وليا من بعده غير الاب، سواء كان الجد بواسطة واحدة أم بأكثر، وإذا لم يكن للاطفال أب ولا جد ولا وصي منصوب من أحدهما فالولاية عليهم في أموالهم ومعاملاتهم للحاكم الشرعي، ولا يصح للحاكم الشرعي أن يوصي إلى أحد من بعد موته بأن يكون وليا على الاطفال، بل تكون الولاية عليهم من بعده للحاكم الشرعي الآخر. [ المسألة 42: ] لا ولاية للام على أولادها الصغار ولا على أموالهم وان كانت رشيدة مأمونة، فلا يصح لها التصرف في أموالهم ومعاملاتهم، الا إذا جعلها الاب أو الجد قيمة بعد موته على ذلك، أو نصبها الحاكم الشرعي ولية على أمورهم، وحيث لا ولاية للام بنفسها على أولادها فلا يصح لها ان تنصب من بعدها وصيا عليهم وعلى أموالهم.

[ 538 ]

[ المسألة 43: ] إذا أوصى رجل ببعض ماله لاطفال زيد القاصرين وجعل على المال الموصى به وليا من قبله يتولى التصرف في المال عنهم والصرف في شؤونهم، صحت وصيته لهم بالمال ولم تصح وصيته على المال بالولاية والقيمومة بل يكون أمر المال الموصى به لابيهم أو لجدهم لابيهم إذا كان أحدهما موجودا، وللوصي المجعول على الاطفال من قبل أحدهما إذا كانا معا غير موجودين، وللحاكم الشرعي إذا فقدوا جميعا. [ المسألة 44: ] يجوز للرجل أن يوصي ببعض ماله لاطفال زيد القاصرين، ويشترط في وصيته أن يكون المال بيد الوصي الذي يرتضيه ما دام الاطفال صغارا حتى يبلغوا سن الرشد، فيملكهم وصيه المال بعد بلوغهم فتصح الوصية والشرط، فإذا بلغ الاطفال الحلم ورشدوا ملكهم وصيه الامين المال الموصى به، سواء كان أبوهم وجدهم موجودين أم ميتين. وإذا اشترط الموصي أن يكون المال بيد وصيه وهو يتولى صرفه على الاطفال من غير تمليك لهم، ففي صحة هذا الشرط اشكال إذا كان المراد ان الوصي يتولى الصرف على الاطفال من غير مراجعة للاب أو الجد أو للحاكم إذا كانا غير موجودين. [ الفصل الثاني ] [ في المال الموصى به ] [ المسألة 45: ] يشترط في الوصية التمليكية أن يكون الشئ الذي يوصي به الموصي مما له نفع مقصود يعتد به العقلاء، وتتعلق به أغراضهم، ويعد الشئ بسبب ذلك مالا في انظارهم، ويصح أن يكون عينا مشخصة خارجية، فيوصي الرجل لغيره بداره المعينة أو ببستانه المعين، ويصح أن يكون كليا في الذمة أو كليا في المعين، فيوصي له بعشرة أمنان من الحنطة مما تنتجه المزرعة أو تشترى له من التركة، أو يوصي له باحدى الآلات أو الاجهزة المتماثلة من صنع معمل واحد الموجودة في مخزنه أو التي

[ 539 ]

تشترى له من السوق، ويصح أن يكون دينا، فيوصي له بدينه الحال أو المؤجل الذي يستحقه في ذمة زيد، ويصح أن يكون منفعة معينة فيوصي له بسكنى داره المعلومة مدة محددة، ويصح أن يكون منفعة كلية فيوصي له بمنفعة احدى المبردات أو احدى المدفئات الموجودة لديه، ويصح أن يكون حقا معلوما قابلا للنقل فيوصي له بحق التحجير الثابت له في الارض المعينة أو بحق الاختصاص الموجود له في الشئ المعين، ويصح أن تكون العين الموصى بها موجودة بالفعل، وأن تكون معدومة بالفعل ولكنها متوقعة الوجود في ما يأتي، فيوصي له بالجارية الموجودة أو بالدابة أو بالشجرة المعينة، أو يوصي له بما تحمله الجارية أو بما تحمله الدابة أو بما تثمر الشجرة إذا كان الحمل والاثمار فيها مرجوا، ويصح ان يوصي له بسيارته المسروقة إذا كان استرجاعها متوقعا. [ المسألة 46: ] لا يشترط في الامر الموصى به أن يكون مما يصح تملكه، ولذلك فتصح الوصية بكلب الزرع وكلب الحائط وكلب الماشية، وان قيل بعدم ملكيتها، ويكفي في صحة الوصية وجود منفعة محللة في الشئ يرغب فيها العقلاء ويعدونه بسبب وجود تلك المنفعة فيه مالا، ولا تصح الوصية بالحشرات لعدم الفائدة المقصودة فيها، ولا بكلب الهراش كما عليه المشهور، وتصح الوصية به إذا وجدت له منفعة محللة، وتصح الوصية بالخمر والخنزير وان كانا غير مملوكين إذا وجدت لهما منفعة محللة كالتخليل في الخمر، وقد وجدنا من يربي الخنزير في اصطبلات الخيل، وظاهره ان لوجود الخنزير معها جدوى ملحوظة في تنشئة الخيل أو في تنقية الاصطبل، وكالتسميد وشبهه في الحيوانات الميتة ولا تصح الوصية بالشئ إذا لم تكن له فائدة، أو انحصرت فائدته بالمنفعة المحرمة. [ المسألة 47: ] لا تصح الوصية بالمنفعة المحرمة، وان كانت للعين منافع أخرى محللة إذا لم تكن تلك المنافع هي المقصودة بالوصية، ومثال ذلك: ان يوصي

[ 540 ]

لاحد بمنفعة الجارية المغنية، ليستمع إلى غنائها أو لينتفع باجارتها لذلك، فلا تصح الوصية بها، وان كانت للجارية منافع محللة، ولكنه أوصى بالمنفعة المحرمة، أو يوصي له ببعض آلات اللهو أو المقامرة، لينتفع باستعمالها في النواحي المحرمة أو باجارتها لذلك، وإذا أوصى له بمنافعها مطلقا وكانت لها منافع محللة صحت الوصية وانصرفت إلى المنافع المحللة خاصة، وإذا أوصى بمنافعها المحلل منها والمحرم صحت الوصية بالمحلل وبطلت في المحرم، وإذا انحصرت منافع العين بالمحرمة بطلت الوصية. [ المسألة 48: ] لا تصح الوصية بالحقوق غير القابلة للنقل إلى غير صاحبها التي جعلت له شرعا، كحق القذف، وحق الشفعة لغير الشريك، وحق الاستمتاع بالزوجة لغير زوجها، وحق القسم لغير الزوجة، وأمثالها من الحقوق. ولا يصح أن يوصي الانسان عن نفسه بمال لغيره، ومثال ذلك: أن يوصي الرجل لزيد بدار مملوكة لعمرو إذا مات الموصي نفسه، وإذا أوصى الرجل عن عمرو مالك الدار وصية فضولية، فملك زيدا دار عمرو إذا مات مالكها، وأجاز عمرو وصيته، لم يبعد الحكم بالصحة فيملك الموصى له الدار إذا مات مالكها. [ المسألة 49: ] لا تصح الوصية العهدية بعمل ثبت تحريمه في الاسلام، سواء كان تحريمه لمنافاته للعقيدة الثابتة في الدين ولوازمها المعلومة، أم كان لمباينته للاخلاق الزكية التي يدعو إليها الاسلام، أم كان لمخالفته للاحكام الثابتة في الشريعة، فإذا أوصى الموصي بشئ من ذلك أو بصرف ماله في شئ منه كانت الوصية باطلة لا يجب تنفيذها بل يحرم على الوصي والورثة العمل بها، ومن أمثلة ذلك ان يوصي باعانة ظالم على ظلمه، أو يوصي باعانة فاسق على فسقه، أو بصرف شئ من ماله في ذلك.

[ 541 ]

[ المسألة 50: ] لا تصح الوصية بأعمال لا تتعلق بها الاغراض الصحيحة من الناس، ومثال ذلك: أن يوصي بأفعال سفهية، أو عابثة لا تجدي فائدة ولا منفعة في انظار العقلاء، أو يوصي بصرف ماله فيها. [ المسألة 51: ] إذا أوصى الرجل بعمل من الاعمال وهو يرى أنه عمل سائغ بحسب اجتهاده أو تقليده، وكان العمل غير جائز في رأي الوصي بحسب اجتهاده أو تقليده، لم يجب على الوصي تنفيذ الوصية، بل لا يجوز له تنفيذها. وإذا اتفق الامر بعكس ذلك، فأوصى الموصي بأمر لا يسوغ بحسب اجتهاده أو تقليده، وكان ذلك العمل سائغا عند الوصي بحسب اجتهاده أو تقليده نفذت الوصية، ولزم الوصي العمل بها. [ المسألة 52: ] إذا أوصى الانسان إلى غير وليه بأن يباشر تجهيزه بعد موته، فيغسله بنفسه ويكفنه ويصلى عليه، أو أوصى إليه ببعض ذلك، وقبل الشخص منه هذه الوصية، صحت وصيته إليه، ووجب عليه أن يقوم بالعمل الذي أوصاه به ولم يحتج الى أن يستأذن من الولي عندما يقوم بالعمل، والولي هنا هو الوارث الشرعي لذلك الموصي، سواء انفرد بميراثه أم اشترك معه غيره، وسواء كان نصيبه في الميراث كثيرا أم قليلا. وإذا أوصى الرجل إلى ذلك الغير بأن يكون وليا له في أمر التجهيز أو في بعضه، جاز للوصي أن يرد الوصية مادام الموصي حيا، فإذا رد الوصية في حياته وبلغه رده لم تثبت الوصية، وإذا هو لم يرد الوصية حتى مات الوصي، أو ردها ولم يبلغ الموصي رده حتى مات، وجب على الوصي تنفيذ الوصية ولزم الاستيئذان منه في التجهيز إذا أراد أحد القيام به ولا يستأذن من الولي، والاحوط أن يستأذن من كليهما، وتراجع المسألة الستمائة والخمسون وما قبلها من كتاب الطهارة، فقد أوردنا هذه الاحكام فيها مع بعض التفصيل.

[ 542 ]

[ المسألة 53: ] تخرج الديون التي تكون على الانسان من أصل تركته بعد موته، سواء أوصى بوفائها عنه أم لم يوص، والمراد بالدين المال الذي تشتغل به الذمة اشتغالا وضعيا، سواء كان لله أم للناس. فمن الدين الزكاة والخمس عند استقرارهما في الذمة، ومنه رد المظالم، والكفارات المالية والنذور المالية بعد استقرارها في الذمة كذلك، ومنه حجة الاسلام والحج الواجب بالنذر على الاقوى. ومن ديون الناس الاموال التي يقترضها الرجل وتشتغل ذمته باعواضها، وأثمان الاشياء التي يشتريها نسيئة وتبقى في ذمته مؤجلة أو غير مؤجلة، والمبيعات الكلية التي يبيعها سلفا، والاعواض في المعاملات التي يجريها مع الناس وتبقى الاعواض في ذمته إلى أمد أو إلى غير أمد، وما يضمنه لغيره من دين أو بدل متلف أو أرش معيب، أو دية جناية وغير ذلك، فتخرج جميع هذه الديون من أصل تركة الميت وان استوعبتها جميعا. وليس من هذه الديون التي ذكرنا أنها تخرج من الاصل: ما يلزم الانسان من الكفارات المخيرة، والنذور غير المالية، والواجبات الاخرى غير المالية، كالصلاة والصوم إذا اشتغلت ذمة الانسان بقضائها، فلا تخرج من أصل تركته إذا مات، بل تخرج من ثلثه إذا أوصى بها. [ المسالة 54: ] انما تنفذ الوصايا من ثلث تركة الميت خاصة، سواء كانت الوصية تمليكية أم عهدية تبرعية، ولذلك فيشترط في صحة الوصية أن لا يزيد المال الموصى به على ثلث التركة، وإذا زاد ما أوصى به على الثلاث توقفت صحة الوصية بالزائد على اجازة الوارث، فإذا أجازها صحت الوصية به جميعا ونفذت وإذا لم يجزها صحت الوصية بمقدار الثلث منه وبطلت في الزائد. ويراد بالعهدية التبرعية أن يعهد الانسان إلى وارثه أو وصيه بأن يتبرع بعده بشئ من ماله لاحد أو لنوع أو لجهة معينة، فيقول:

[ 543 ]

ادفعوا لزيد بعد موتي مائة دينار مثلا، أو يقول ادفعوها للفقراء، أو للمسجد أو المشهد المعين، أو انفقوها في اقامة العزاء، أو في اطعام المساكين، أو في الزيارة، فيعتبر فيها كما يعتبر في الوصية التمليكية ان لا يزيد المال الموصى به على ثلث التركة، وإذا زاد عليه جرى فيه الكلام السابق، ولا فرق في الحكم المذكور بين الوصية في حال الصحة أو في حال المرض. والوصية العهدية التبرعية قسم من الوصية التبرعية وسيأتي ذكرها في المسألة الثامنة والسبعين وما بعدها ان شاء الله تعالى. [ المسألة 55: ] قد يوصي الموصي بكسر مشاع من تركته، فيقول: ملكت أخي عليا ربع ما أتركه بعد وفاتي من المال، أو يقول: ملكته ثلثه، أو نصفه، وتطبيق الحكم الآنف بيانه في المسألة المتقدمة واضح جدا، فان كان الكسر الذي أوصى به لاخيه هو الثلث أو أقل منه، صحت الوصية وملك الموصى له المال الموصى به بعد الموت، ووجب على الموصي وعلى الورثة تنفيذها، وان كان الكسر الموصى به اكثر من الثلث، صحت الوصية بمقدار الثلث، وبطلت في ما يزيد عليه وهو السدس في المثال الاخير المتقدم إذا لم يمض الورثة الوصية به. وقد يوصي بعين خاصة من التركة، فيقول: ملكت أخي عليا بعد موتي داري المعلومة أو بستاني المعين، وتطبيق الحكم: أن تقدر قيمة مجموع التركة، وتقدر قيمة العين الخاصة التي أوصى لاخيه بها، وتنسب قيمة العين إلى قيمة المجموع، فإذا كانت بمقدار ثلثها أو أقل، نفذت الوصية في جميع العين، وإذا زادت قيمتها على ذلك صحت في مقدار الثلث من قيمة المجموع وأخذت من نفس العين، وتوقفت صحتها في الزائد عن الثلث على اجازة الورثة، فتصح إذا أجازوها، وتبطل إذا ردوها. وقد يوصي الموصي بمقدار معلوم من المال، فيقول: ملكت أخي عليا ألفي دينار من تركتي بعد موتي، أو يقول: ملكته مائتي وزنة من الحنطة، وتطبيق الحكم أن تقدر قيمة مجموع التركة، وينسب

[ 544 ]

مقدار المال الموصى به في المثال الاول ومقدار قيمته في المثال الثاني، إلى قيمة مجموع التركة، فتنفذ الوصية في مقدار الثلث وفي ما هو أقل منه، وتتوقف صحتها على امضاء الورثة في ما يزيد عليه. [ المسألة 56: ] التركة التي يكون بلوغ مقدار ثلثها هو المدار في صحة الوصية وعدم صحتها - فإذا كان المال الموصى به بمقداره أو أقل منه كانت الوصية به صحيحة، وإذا زاد عليه لم تصح الوصية في الزائد منه الا باجازة الورثة - هي ما يخلفه الموصي من الاموال وغيرها بعد موته، لا ما يوجد لديه منها حين وصيته، فان أموال الموصي قد تزيد بعد حال الوصية وقد تنقص، والمدار على مقدارها حال الموت، بل على ما يلحق بها بعد الموت في بعض الحالات ويعد من التركة شرعا، وان كان قبضه بعد الموت، وهي ديته إذا قتل أو جرح، وسيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى في المسألة الثانية والستين، فالتركة هي المجموع منها ومما يتركه الموصي حين موته. فإذا أوصى الموصي لاخيه علي - كما ذكرنا - بنصف تركته، وكان نصف تركته يوم الوصية يبلغ ألفي دينار، ثم كثرت أمواله بعد ذلك، فأصبح المال الذي أوصى به وهو الالفان بمقدار الثلث أو أقل منه حين ما مات، نفذت الوصية وصحت بالمال الموصى به ولم تحتج إلى اجازة الوارث، وان كانت زائدة على ثلثه حين الوصية. وإذا أوصى له بثلث تركته، وكان في يوم وصيته يبلغ ألفي دينار، ثم نقصت أمواله بعد الوصية فكانت الالفان بمقدار نصف التركة حين الموت، صحت الوصية بمقدار الثلث منها فحسب، وتوقفت صحتها في ما زاد على الثلث وهو السدس على اجازة الوارث فيه. وإذا أوصى الموصي لاخيه بداره المعينة، وكانت قيمة الدار في يوم الوصية تبلغ قيمة نصف التركة، ثم زادت أموال الموصي أو نقصت قيمة الدار، فأصبحت تساوي مقدار ثلث تركته يوم موته أو أقل، صحت الوصية بالدار ولم تفتقر إلى اجازة الوارث، وان كانت زائدة على الثلث يوم وصيته.

[ 545 ]

وإذا أوصى له بالدار وكانت قيمتها في حال الوصية بمقدار الثلث من أمواله الموجودة عنده حين الوصية أو أقل، ثم نقصت أمواله أو زادت قيمة الدار، فأصبحت قيمتها بمقدار نصف التركة حين الوفاة، صحت الوصية بمقدار ثلثه في وقت الوفاة وتدفع إلى الموصى له من الدار الموصى بها نفسها، ولم تصح الوصية في ما زاد على الثلث الا إذا أجازها الوارث. وإذا أوصى لاخيه بمبلغ ألفي دينار، وكان ذلك بمقدار النصف من التركة في يوم الوصية، ثم كثرت أموال الموصي، فأصبح الالفان الموصى بهما بمقدار الثلث من التركة حال الموت أو أقل منه نفذت الوصية وصحت، وإذا نقصت الاموال فأصبح الالفان الموصى بهما بمقدار نصف المال الموجود لديه حين الموت صحت الوصية بالثلث، وتوقفت في الباقي على الاجازة. وإذا دلت القرائن على تخصيص الوصية بأعيان مخصوصة، اختصت الوصية بها ولم تشمل الاعيان والاموال التي تتجدد للموصي بعد الوصية، واختصت بمقدار الثلث من تلك الاعيان المخصوصة، وتوقفت في ما زاد عن ثلثها على اجازة الوارث. وإذا تبدلت تلك الاعيان الخاصة التي اختصت بها الوصية، سقطت الوصية ولم يجب تنفيذها. وإذا حفت الوصية بأمور تصلح للقرينية وتوجب الاجمال في مراد الموصي منها فلم يعلم انها تختص بالاعيان الموجودة حين الوصية، أو تعم الاموال والاعيان التي تدخل في ملك الموصي بعد الوصية وقبل الموت، كان الحكم أيضا كما تقدم، فلا تشمل الوصية الاموال المتجددة وتختص بالاعيان الخاصة التي يعلم بتعلق الوصية بها قطعا. وتجري الاحكام السابقة، فتكون الوصية بمقدار الثلث من تلك الاعيان وتتوقف في ما زاد على الاجازة وتسقط الوصية إذا تبدلت الاعيان. [ المسألة 57: ] إذا أوصى الرجل بما يزيد على ثلث تركته، توقفت صحة الوصية

[ 546 ]

في المقدار الزائد على اجازة وارث الموصي - كما ذكرنا ذلك مرارا - فإذا أجاز الوارث الوصية بعد موت مورثه الموصي، صحت الوصية بلا ريب ووجب تنفيذها، وكذلك الحكم إذا أجازها في حال حياة الموصي واستمر على اجازتها حتى مات فتصح الوصية في الصورتين. وإذا أجاز الوصية في حال حياة الموصي ثم ردها في حال حياته، فالاقوى أيضا صحة الوصية ولا حكم لرده وان استمر عليه حتى مات مورثه الموصي، وكذلك إذا أجاز الوصية في حياة الموصي ثم ردها بعد موته. وعلى وجه الاجمال فلا أثر لرد الوارث للوصية إذا سبقت منه الاجازة لها، سواء كانت الاجازة السابقة والرد اللاحق لها في حال حياة الموصي أم بعد موته، ولا أثر كذلك للرد السابق في حال حياة الموصي إذا لحقته الاجازة في حال حياته أو بعدها. وإذا رد الوارث الوصية بعد موت الموصي ولم تسبقه اجازة منه قبل الموت ولا بعده، بطلت الوصية ولم تنفذ، وكذلك إذا رد الوصية في حال الحياة واستمر على ردها إلى ما بعد الموت، فلا تصح الوصية أيضا إذا لم تسبق رده اجازة، وكذلك إذا لم تصدر من الوارث اجازة ولا رد للوصية في حياة الموصي ولا بعد موته، فلا تصح الوصية. وإذا رد الوارث الوصية بعد موت الموصي ثم أجازها بعد ذلك ففي صحة الوصية في هذه الصورة اشكال، ولا تترك مراعاة الاحتياط فيها. [ المسألة 58: ] اجازة الوارث لوصية الموصي بما يزيد على ثلثه، هي أن يمضي الوارث الوصية وينفذها، ولذلك فلابد وأن ينشئ امضاءه وتنفيذه بقول أو فعل يدل عليه، فيقول: أجزت الوصية أو أنفذتها مثلا أو يدفع الزيادة للموصى له، ولا يكفي في الاجازة أن يرضى بالوصية في قلبه وتطيب نفسه بملك الموصى له للمال. [ المسألة 59: ] تصح الوصية في الزائد على الثلث بمقدار ما يحصل من اجازة

[ 547 ]

الوارث وتنفيذه، فإذا أجاز الوصية بجميع الزيادة صحت في الجميع كذلك، وإذا أجازها في البعض صحت بمقدار ذلك البعض وبطلت في الباقي. ومثال ذلك: أن يوصي الموصي لاحد بألف وخمسمائة دينار مثلا، ويكون مقدار ثلثه من التركة ألف دينار فقط، فان اجاز الوارث الوصية بجميع الخمسمائة الزائدة صحت كذلك، وان اجازها في مائة دينار أو مائتين صحت في ما أجاز، وبطلت في الباقي. [ المسألة 60: ] إذا تعدد وارث الموصي، وأجاز بعضهم الوصية ولم يجزها الآخر، صحت الوصية في نصيب الوارث المجيز من الزيادة على الثلث، وبطلت في نصيب الوارث غير المجيز منها، ومثال ذلك: أن يوصي الموصي لاحد بألف وستمائة دينار، ويكون ثلث الموصي من تركته ألف دينار فحسب، ويكون له ولدان، فإذا أجاز أحد الولدين ولم يجز الآخر صحت الوصية في نصيب الولد الذي اجاز الوصية وهو نصف الستمائة، وبطلت في نصيب الثاني منها، وإذا كان له ولد وبنت، فان أجاز الولد ولم تجز البنت صحت الوصية في أربعمائة دينار وهي نصيب الولد المجيز، وبطلت في مائتين، وهي نصيب البنت، وان أجازت البنت ولم يجز الولد صحت الوصية في مائتين وهي نصيب البنت، وبطلت في الباقي وهو نصيب الولد. [ المسألة 61: ] إذا أجاز الوارث وصية مورثه الموصي في ما زاد على الثلث، صحت الوصية وان كانت الاجازة متأخرة عن الوصية مدة طويلة اشهرا أو سنين، كما إذا أوصى الموصي، ولم يجز الوارث حتى مات الموصي بعد سنين من انشاء الوصية، فتصح الوصية بذلك، فلا يعتبر في الاجازة أن تكون على الفور، على الاقوى. [ المسألة 62: ] إذا قتل الرجل خطأ أو عمدا شبيها بالخطأ، فالدية التي تؤخذ له من القاتل أو من قبيلته، تحتسب من تركته بعد الموت، فتضاف إلى

[ 548 ]

سائر أمواله الموجودة، ويخرج من مجموع ذلك ثلثه الذي تخرج منه وصاياه، وكذلك إذا قتل عمدا، وصالح أولياؤه القاتل عن حقهم على الدية فان الدية المدفوعة تكون من التركة. [ المسألة 63: ] إذا نصب الرجل شبكة للصيد في حياته، ووقع السمك أو الطير فيها بعد وفاته، أشكل الحكم باحتساب ما تصيده الشبكة من تركة الميت كما تحتسب الدية، لتوفى منها ديونه ووصاياه، فلابد فيه من الاحتياط بالمصالحة والتراضي. [ المسألة 64: ] إذا تميزت أموال الميت من أموال غيره ولو على سبيل الاجمال وعلم ما يدخل في عنوان التركة مما لا يدخل، أخرجت من هذه التركة أولا: الديون والواجبات التي اشتغلت بها ذمة الميت اشتغالا وضعيا حسب ما فصلناه في المسألة الثالثة والخمسين، ثم احتسب الثلث مما يبقى من التركة بعد ذلك، فيكون هذا هو المورد التي تخرج منه وصايا الميت التمليكية والعهدية. وليس المراد من قولنا: أخرجت الديون والواجبات من التركة أولا، أنه يجب اخراجها بالفعل، بحيث لا يصح اعتبار الثلث الا بعد اخراج الدين، بل المراد ان اعتبار الثلث يكون بعد استثناء مقدار ما يفي بالديون والواجبات من التركة، سواء أخرجت بالفعل أم تأخر اخراجها، ونتيجة لذلك فيمكن ان توفى الديون، وتنفذ الوصايا في وقت واحد إذا علمت المقادير، وعلم مقدار الثلث. [ المسألة 65: ] إذا ابرأ الدائن ذمة الميت من دينه بعد موته، لم يجب وفاؤه من التركة، فلا يستثنى منها مقدار ذلك الدين عند اعتبار الثلث، وكذلك إذا تبرع أحد بأداء دين عن الميت، فلا يستثنى مقدار ذلك الدين من التركة عند اعتبار الثلث، ونتيجة لذلك فإذا أبرئت ذمة الميت من جميع ديونه، أو تبرع عنه المتبرعون بوفاء ديونه جميعا، أخرج الثلث من جميع التركة.

[ 549 ]

[ المسألة 66: ] يجوز للموصي أن يعين ثلث تركته في عين مخصوصة منها، فيقول: هذا البستان أو هذه العمارة ثلثي من جميع ما أملكه، فإذا عينه كذلك تعين، ولم يجز للورثة تبديله بعد موته، وإذا عينه ثم ظهر بعد الموت انه أكثر من ثلث التركة، فان أجاز الورثة وصيته في الزائد نفذت في جميع العين، وان لم يجيزوها، قومت العين واختص الثلث منها بمقدار قيمة ثلث التركة واقعا، ورجع الباقي من العين ميراثا. وإذا ظهر أن ما عينه أقل من ثلث التركة، فان كان ذلك في حياة الموصي جاز له أن يمضي وصيته، فيختص حقه بالعين وان كانت أقل من الثلث، ويصح له أن يبدل الوصية، وأن يضيف إلى العين ما يكمل له مقدار الثلث من عين أخرى، وإذا ظهر أنه أقل من ثلث التركة بعد موت الموصي، اشكل الحكم في اضافة غير العين المخصوصة إليها، الا أن يرضى الورثة بذلك، أو تكون وصايا الميت أكثر من العين التي عينها للثلث، فيجب انفاذ الوصايا حتى يتم الثلث أو يعلم ان مقصود الموصي هو الوصية بمقدار الثلث واقعا أو تدل نفس وصيته على ذلك. وكذلك الحكم إذا فوض الموصي تعيين ثلثه إلى الوصي، فإذا عينه بعد الموت بحسب وصيته تعين ولم يتوقف على ان يرضى الورثة بتعيينه. وإذا استبان بعد ذلك ان العين التي عينها الوصي للثلث أكثر من ثلث التركة، جرى فيه التفصيل المتقدم ذكره في هذه الصورة من تعيين الموصي، وإذا استبان ان العين أقل قيمة من ثلث التركة، فالظاهر انه يجوز للوصي تبديل تعيينه، بل يجب عليه ذلك إذا كان التفاوت بمقدار لا تشمله وصية الموصي بتفويض التعيين إليه. [ المسألة 67: ] إذا أوصى الموصي بثلثه من التركة ولم يعينه في عين مخصوصة، ولم يفوض أمر تعيينه إلى الوصي من بعده كانت التركة مشتركة بينه وبين الورثة على وجه الاشاعة، ولا يتعين الثلث في عين مخصوصة من التركة الا برضى الوصي والورثة جميعا.

[ 550 ]

[ المسألة 68: ] تصح الوصية من الموصي وان لم يقصد بها أنها من ثلثه الذي يخصه من التركة، من غير فرق بين الوصية التمليكية والعهدية، فإذا أوصى لاحد من الناس أو لجهة من الجهات بمبلغ من المال أو بشئ من الاشياء التي يملكها أو عهد إلى وصيه أو يتبرع من بعده لذلك الشخص أو لتلك الجهة بشئ ولم يلاحظ أن ما أوصى به يكون من ثلثه أو لم يلتفت إلى ذلك - ولعل هذا هو الغالب في وصايا عامة الناس - صحت منه وصيته إذا كانت بقدر الثلث أو أقل منه، وإذا كانت أكثر من الثلث صحت في مقداره وتوقفت في ما زاد عليه على اجازة الوارث، فان أجاز الوصية به صحت وان لم يجزها بطلت، كما هو الحكم في كل وصية. [ المسألة 69: ] إذا أوصى الموصي لاحد أو لجهة بشئ من التركة على النحو الذي ذكرناه في المسألة السابقة، وقصد في وصيته أن المال الذي أوصى به يخرج من ثلثي الورثة، بحيث يبقى ثلثه الذي يختص به من التركة سليما من النقص، توقفت صحة هذه الوصية على اجازة الورثة، فان أجازوها صحت وان لم يجيزوها بطلت، ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون قد أوصى بثلثه أيضا قبل تلك الوصية أو بعدها أو لم يوص بالثلث. [ المسألة 70: ] إذا أوصى الموصي بشئ من التركة على الوجه المتقدم ذكره، وقصد في وصيته ان المال الموصى به يخرج من جميع التركة لا من الثلث وحده، فللمسألة صورتان: الصورة الاولى: أن يوصي بهذه الوصية وحدها، ولا يوصي بثلثه أصلا لا قبل هذه الوصية ولا بعدها، فيقول: أوصيت لعبد الله بداري المعلومة بحيث تعطى له من أصل تركتي لا من الثلث وحده، والظاهر صحة الوصية في هذه الصورة إذا كان المال الموصى به بمقدار الثلث أو أقل منه، وإذا زاد على مقدار الثلث، صحت الوصية بمقدار الثلث

[ 551 ]

منه وتوقفت الصحة في الزائد على اجازة الورثة كما في نظائره التي تكرر ذكرها. الصورة الثانية: أن يوصي بالوصية الآنف ذكرها، ويوصي معها بثلثه من التركة، فيقول: أوصيت لعبد الله بداري المعينة بحيث تخرج من جميع التركة لا من الثلث وحده، وأوصيت بثلثي من التركة لزيد. والظاهر في هذه الصورة بطلان الوصية بثلثي الدار الا إذا أجازها الورثة فتصح بذلك من الاصل، وتبطل وصيته بثلثه لزيد بمقدار ثلث الدار فيكون هذا المقدار لعبد الله تنفيذا لوصيته الاولى له بالدار الا إذا اجاز الورثة أن يخرج ذلك من الاصل ايضا، فتصح الوصيتان حين ذلك. [ المسألة 71: ] ذكرنا في المسألة الثالثة والخمسين ان الديون والواجبات المالية تخرج من أصل تركة الانسان، سواء أوصى بها أم لم يوص، ونتيجة لذلك فإذا أوصى بها الموصي ثم تلف من التركة شئ بعد موته، أو تلف الثلث كله لم يسقط وجوب اداء الديون والواجبات المالية بذلك، بل يجب اخراجها من الباقي وان استوعب جميع التركة، وكذلك الحكم إذا غصب بعض التركة غاصب أو سرقه سارق، فيجب اخراج الديون والواجبات المالية من الباقي. [ المسألة 72: ] إذا امتنع بعض الورثة عن وفاء ما ينوب حصته من ديون لله أو للناس لم يسقط وجوب اداء الديون عن غيره من الورثة ولا عنه، فيجب الوفاء عليهم جميعا، وإذا أدى الوارث الآخر ما ينوب حصة الوارث الممتنع من الدين وكان اداؤه باذن الحاكم الشرعي له في ذلك جاز له الرجوع على الممتنع بما أدى عنه، وإذا أداه بغير اذن الحاكم له، اشكل الحكم بجواز الرجوع عليه. [ المسألة 73: ] إذا عين الموصي ثلثه في عين مخصوصة من التركة أو عينه وصيه

[ 552 ]

الذي فوض إليه ذلك كما تقدم في المسألة السادسة والستين، ثم تلف الثلث بعد موت الموصي سقط وجوب العمل بالوصايا المالية التمليكية أو العهدية، وإذا تلف بعض الثلث ولم يف الباقي منه بتنفيذ الوصايا، سقط وجوب العمل بالوصية في الجملة، ولوحظ في تقديم بعض الوصايا على بعض أو توزيع باقي الثلث عليها ما سيأتي بيانه في المسائل الآتية ان شاء الله تعالى، وكذلك الحكم إذا كان الثلث مشاعا في التركة، ثم تلف بعض التركة بعد موت الموصي، فيؤخذ ثلث بقية التركة وتطبق فيه الاحكام المتقدم ذكرها. [ المسألة 74: ] إذا علم بأن الرجل أوصى بما يزيد على مقدار ثلثه أو انه أوصى بجميع تركته في أمور عينها في وصيته ثم مات بعد الوصية، وشك الوصي أو الوارث في أن الامور التي أوصى بها، هل هي واجبات مالية اشتغلت بها ذمته، من نذور أو كفارات مالية، فتكون ديونا عليه تخرج من أصل التركة وتكون وصية نافذة، وان زادت على الثلث ولا تحتاج إلى اجازة من الوارث، أو هي وصايا بغير ذلك، فلا تصح في ما زاد على الثلث حتى يجيزها الوارث، فالاظهر كونها من الثاني، فلا تصح بما يزيد منها على الثلث الا باجازة الوارث. [ المسألة 75: ] إذا أوصى الرجل بأن تدفع عنه مائة دينار مثلا زكاة، أو قال: ادفعوها عني خمسا، أو نذرا للفقراء أو لطلاب العلم، ثم شك بعد موته في انها واجبات اشتغلت بها ذمته اشتغالا وضعيا فتخرج من أصل تركته، أو أنه انما أوصى بها احتياطا استحبابيا لنفسه، فتخرج من ثلثه، فالظاهر من عبارته كونها من الاول، فيكون تنفيذ الوصية من الاصل. [ المسألة 76: ] إذا أوصى الانسان بوصية، ثم أوصى بوصية أخرى تضاد الاولى وتنافيها، فقال: أوصيت بداري المعينة بعد موتي لزيد، ثم قال بعد ذلك. أوصيت بالدار المعينة لعمرو، كان ذلك عدولا عن الوصية

[ 553 ]

الاولى إلى الثانية، فيجب العمل على اللاحقة، وكذلك إذا قال: ادفعوا بعد وفاتي هذا الصندوق وما فيه من المال وهو ألف دينار إلى زيد، ثم قال: أعطوا الصندوق والالف الذي فيه بعد موتي لعمرو، فيجب دفع الصندوق والمال إلى عمرو، وهكذا إذا تعددت الوصايا أكثر من ذلك وكانت اللاحقة منافية لسابقتها، فيكون العمل على الوصية المتأخرة. وإذا قال: ادفعوا داري المعينة لزيد، ثم قال: ادفعوا نصف الدار لعمرو، كانت وصيته الثانية عدولا عن الوصية الاولى بنصف الدار فقط، فيكون لعمرو نصف الدار عملا بالوصية الثانية، ويكون لزيد نصفها الثاني عملا بالوصية الاولى. وإذا قال: أوصيت بثلث تركتي لزيد، ثم قال: اعطوا ثلث التركة لعمرو، فان علم ان مراده بالوصيتين الثلث الذي يختص به الموصي من التركة بعد موته، كانت وصيته الثانية عدولا عن الوصية الاولى، فيلزم العمل بالثانية كما سبق في نظيره، وان علم من القرائن أو احتمل احتمالا يعتد به أهل العرف انه يريد بالوصية الثانية ثلثا آخر من التركة غير ثلثه المختص به كانت الوصية الاولى هي النافذة، ورجع الامر في الوصية الثانية إلى الورثة فان أجازوها صحت، وان لم يجيزوها ألغيت. [ المسألة 77: ] ما ذكرناه من الحكم في الوصايا المتضادة، لا يختص بالوصايا المتعلقة بالمال، بل يعم الوصايا العهدية المتعلقة بغير المال، فإذا أوصى الرجل بأن يدفن في مقبرة خاصة من بلده مثلا، ثم أوصى بدفنه في موضع آخر أو بنقله إلى أحد المشاهد المشرفة، فالعمل على الوصية المتأخرة، وكذلك إذا أوصى إلى أحد ان يباشر تجهيزه بعد موته، فيغسله ويكفنه ويصلي. عليه، ثم أوصى إلى غير ذلك الشخص أن يكون هو المباشر لذلك، فتكون الوصية الثانية ناسخة للاولى. [ المسألة 78: ] إذا ذكرت كلمة الوصية التبرعية فالمقصود منها: أن يوصي الانسان بأمر لم يجب عليه ولم تشتغل به ذمته، ومنها الوصية التمليكية التي

[ 554 ]

سبق ذكرها في أول كتاب الوصية، ومنها العهدية التبرعية وقد سبق ذكرها في المسألة الرابعة والخمسين، وسيأتي بعض الاحكام التي تتعلق بها. [ المسألة 79: ] إذا أوصى الانسان بوصايا متعددة، وكانت وصاياه كلها بواجبات مالية قد اشتغلت بها ذمته اشتغالا وضعيا، وأصبحت ديونا عليه لله، كالزكاة والخمس والمظالم وغيرها مما تقدم ذكره في الوصية بالديون أو كانت ديونا للناس مما تقدم ذكره هناك ايضا، وجب تنفيذ جميعها من أصل التركة، وان زادت على الثلث، أو استوعبت التركة، ولا يتوقف وجوب تنفيذها على اجازة الورثة وقد تكرر منا ذكر ذلك. [ المسألة 80: ] إذا أوصى الانسان بوصايا متعدة، وكانت وصاياه جميعا واجبات غير مالية كالصلاة والصوم، أو واجبات مالية قبل أن تشتغل بها ذمة الموصي اشتغالا وضعيا تكون بسببه من الديون، كالزكاة إذا كانت لا تزال حقا متعلقا بالعين الزكوية ثم مات المكلف قبل أن يؤديها، وقبل أن يتصرف في العين الزكوية تصرفا ينقل الزكاة إلى ذمته، فإذا مات كذلك كانت كسائر الواجبات فإذا أوصى بها أخرجت من ثلثه، وكالخمس إذا كان بهذه الصفة، وكالمظالم والنذور المالية إذا كانت متعلقة ولم تنتقل إلى الذمة ونحو ذلك. ومخرج هذا النوع من الوصايا هو الثلث، فان وفى الثلث بجميع الوصايا وجب اخراجها منه، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بها وأجاز الورثة أن يؤخذ الزائد من أصل التركة وجب اخراجه من الاصل، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالوصايا ولم يرض الورثة باخراج الزائد من أصل التركة، فان كان الموصي قد أتى بالوصايا مترتبة في ذكرها عند الوصية، واحدة بعد واحدة، فقال في وصيته مثلا: اخرجوا عني مائة دينار لقضاء صلوات سنة تامة، ومائة دينار لقضاء صوم شهر رمضان، ومائة دينار لاطعام ستين مسكينا كفارة لافطار يوم من شهر رمضان، فإذا قصر الثلث ولم يجز الورثة كما فرضنا، بدئ بتنفيذ

[ 555 ]

الوصية السابقة من الوصايا فالسابقة بعدها حتى ينتهي الثلث، ويسقط وجوب العمل ببقية الوصايا بعد انتهاء الثلث، ويكفي الترتيب الذكري للوصايا وان لم يكن بالحروف الدالة على الترتيب. وان كان الموصي قد ذكر الوصايا مجتمعة من غير ترتيب، فقال في وصيته مثلا: على قضاء صلوات سنة تامة، وصيام شهر رمضان، واطعام ستين مسكينا لكفارة الافطار في شهر رمضان، فاخرجوا عني لكل واحدة منها مائة دينار مائة دينار، فإذا قصر الثلث عن الوفاء بها كافة، ولم يجز الورثة ان يؤخذ الزائد من الاصل، وزع الثلث على الوصايا بالنسبة، فيدفع لكل واحدة من الوصايا الثلاث المذكورة في المثال ثلث من الثلث وإذا اختلفت مقادير الوصايا في نسبتها إلى المجموع، اختلف المقدار المدفوع من الثلث، والامثلة على ذلك غير خفية على الملتفت، وأمر التطبيق فيها جلي. [ المسألة 81: ] إذا أوصى الرجل بعدة من الوصايا وكانت جميع وصاياه تبرعية غير واجبة عليه، سواء كانت تمليكية أم عهدية، فمخرجها جميعا هو الثلث، كما هو الحال في فروض المسألة السابقة، وتجري فيها الاحكام التي ذكرناها لتلك الفروض، فإذا كان الثلث وافيا بالوصايا كلها، أخرجت منه جميعا ووجب تنفيذها، وإذا زادت الوصايا عن الثلث، وأجاز الورثة أن يؤخذ الزائد على الثلث من أصل التركة وجب تنفيذها كذلك. وإذا زادت الوصايا التبرعية عن الثلث، ولم يرض الورثة باخراج الزائد عليه من الاصل، لوحظت الوصايا فان جاءت مترتبة في ذكرها بالوصية فتذكر الوصية اللاحقة بعد اتمام الوصية السابقة عليها، وجب أن يبدأ بتنفيذ الاولى من الوصايا ثم الاولى بعدها حتى يستوعب الثلث كله، وتسقط الوصايا التي تبقى بعد ذلك عن التنفيذ. وإذا لم يف الثلث بالوصايا، ولم يجز الورثة أن ينفذ الزائد من الاصل، وكانت الوصايا غير مترتبة في ذكرها بالوصية، وزع الثلث على الوصايا بالنسبة على الوجه الذي مر ذكره، والامثلة للفروض

[ 556 ]

التي تقع في المسألة وتطبيق الاحكام عليها، يعرف جليا مما سبق في نظيرها. [ المسألة 82: ] إذا أوصى الرجل بعدة من الوصايا، وكان بعض ما أوصى به واجبا ماليا يعد من الديون التي تخرج من أصل التركة وكان بعض ما أوصى به واجبا غير مالي يخرج من الثلث، ولم يعين الموصي في وصيته أن تخرج وصاياه من الاصل أو من الثلث، وجب أن يخرج القسم الاول من وصاياه من أصل تركته كما هو الحكم فيه، ثم يعين ثلثه بعد ذلك من بقية تركته ويخرج منه القسم الثاني من الوصايا، فإذا قصر الثلث عن الوفاء به ورضي الوارث باخراج الزائد من الاصل وجب تنفيذه كذلك، وإذا لم يجز الورثة ذلك سقط باقي الوصايا ولم يجب تنفيذه. ومثال ذلك أن يقول الموصي: أخرجوا عني مائة دينار قد اشتغلت بها ذمتي من الزكاة، وأخرجوا عني مائتي دينار لقضاء صلاة سنتين، ومائتي دينار لقضاء صوم شهرين تركت صومهما في شهر رمضان من عامين، وكان مجموع تركته ألف دينار، فإذا اخرج الوصي مائة دينار للزكاة من أصل تركته، بقي منها تسعمائة دينار وثلثها ثلاثمائة، وهي تقصر عن الوفاء بالصلاة والصيام، بحسب الوصية، فتخرج منه مائتا دينار لقضاء الصلاة، مائة دينار لقضاء شهر واحد من الصوم، وتسقط الوصية بصيام الشهر الثاني لقصور الثلث عنها، الا أن يرضى الورثة باخراجها من الاصل، فتخرج منه. وإذا عين الموصي أن يخرج جميع وصاياه المذكورة من الثلث، وكان ثلثه وافيا بجميعها، وجب أن يخرج الجميع منه كما عين، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بها ولم يجز الورثة أن يخرج الزائد من الاصل، لوحظت الوصايا، فإذا كان الموصي قد رتب بعضها على بعض في الذكر عند الوصية بها، على النحو الذي بيناه في المسألة الثمانين، قدم الاولى منها فالاولى بعدها حتى ينتهي الثلث. وإذا بقي من الوصايا شئ بعد انتهاء الثلث وكان الباقي من الواجبات المالية التي تعد ديونا، وجب ان يخرج من الاصل كما هو

[ 557 ]

الحكم فيه، ويجب كذلك تتميمه من الاصل إذا وفى الثلث ببعضه وقصر عن بعضه، وإذا كان الباقي من الوصايا بعد انتهاء الثلث من الواجبات التي لا تعد ديونا، سقطت الوصية به. وإذا كان الموصي قد ذكر الوصايا جميعا ولم يرتب ما بينها في الذكر وجب أن يوزع الثلث عليها بالنسبة، ثم يتمم كل واجب مالي منها من أصل التركة. [ المسألة 83: ] إذا أوصى الرجل بواجبات حكمها الاصلي أن تخرج من أصل التركة، وبوصايا أخرى تبرعية حكمها أن تخرج من الثلث، ولم يبين في وصيته أن تخرج هذه الوصايا من الاصل أو من الثلث، بدأ بالقسم الاول منها فأخرجه من الاصل كما هو حكمه، ثم أخرج ثلث ما بقي من التركة وأخرج القسم الثاني منه، وإذا قصر الثلث عن الوفاء به أخذ الزائد عن الثلث من أصل التركة إذا أجاز الورثة ذلك، وإذا لم يجيزوه طبقت الاحكام السابقة فإذا كانت الوصايا مترتبة في ذكرها بالوصية بدئ باخراج الوصية الاولى من الثلث ثم الاولى بعدها ينتهي الثلث، فإذا انتهى الثلث سقط باقي الوصايا عن التنفيذ، وإذا كانت الوصايا غير مترتبة وزع الثلث عليها بالنسبة كما سبق في نظائر ذلك. وإذا ذكر الموصي أن وصاياه تخرج من الثلث، وجب تقديم الواجب على غيره بالتنفيذ من الثلث على النحو المتقدم من الترتيب أو التوزيع، وإذا بقي من الثلث شئ بعد اخراج الواجبات صرف الباقي منه في الوصايا التبرعية الاولى منها فالاولى وإذا كانت غير مترتبة قسط الباقي عليها بالنسبة، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالواجب أو عن اتمامه وجب أخذه أو تتميمه من أصل التركة. [ المسألة 84: ] إذا أوصى الرجل بواجبات لا تخرج من أصل التركة، وبوصايا تبرعية، وجب اخراج جميعها من الثلث، ووجب تقديم الواجبات على غيرها من الوصايا، ويكون تنفيذها على النهج المتقدم من الترتيب إذا كانت مترتبة في الذكر والتوزيع إذا كانت غير مترتبة، فإذا بقي من

[ 558 ]

الثلث شئ بعد اخراج الواجبات صرف في تنفيذ الوصايا التبرعية على النهج المتقدم أيضا من الترتيب ما بينها أو التوزيع ولا يؤخذ للواجبات أو لغيرها شئ من الاصل إذا قصر الثلث عن اتمامه الا إذا أجاز الورثة أخذه منه. [ المسألة 85: ] إذا أوصى الموصي بواجبات تخرج من الاصل، وبواجبات غيرها تخرج من الثلث، وبوصايا تبرعية تخرج من الثلث كذلك، فان لم يبين في وصيته أن الوصايا تخرج من الاصل أو من الثلث، وجب أن يبدأ بالواجبات التي تخرج من الاصل، فإذا نفذت جميعا من الاصل، عين ثلث الباقي من التركة، واخرجت منه الواجبات الاخرى، الاول منها فالاول، بحسب ترتيبها في الوصية، وإذا كانت غير مترتبة في ذكرها بالوصية، وزع الثلث عليها بالنسبة، وإذا بقي من الثلث شئ بعد اخراج الواجبات، صرف في الوصايا التبرعية، على نهج ما تقدم من ترتيب إذا كانت مترتبة وتوزيع عليها بالنسبة إذا كانت غير مترتبة. وإذا أوصى أن تخرج وصاياه كلها من الثلث، قدمت الواجبات على الوصايا التبرعية، ولا خصوصية للواجب المالي هنا على غيره من الواجبات، فإذا كانت الواجبات مترتبة في ذكرها بالوصية، بدئ بالاول منها فالاول سواء كان ماليا أم غير مالي، فإذا انتهى الثلث وبقي بعض الواجبات المالية وجب اخراجه من الاصل وإذا قصر عن اتمامه وجب اتمامه من الاصل، وإذا بقي من الواجبات الاخرى أو من الوصايا التبرعية شئ بعد انتهاء الثلث سقطت الوصية به. وإذا كانت الوصايا بالواجبات مذكورة في الوصية بغير ترتيب في الذكر، ولم يف الثلث بها جميعا وجب توزيعه عليها بالنسبة على النهج الذي تقدم، وإذا دخل على بعض الواجبات المالية نقص بسبب ذلك تمم من الاصل. وإذا زاد الثلث على الواجبات صرف الباقي منه في تنفيذ الوصايا التبرعية على النهج المتقدم من ترتيب أو توزيع.

[ 559 ]

[ المسألة 86: ] إذا أوصى الموصي لاحد وصية تمليكية بثلث تركته على وجه الاشاعة أو بربعها، صحت الوصية كما تقدم، فإذا مات الموصي ملك الشخص الموصى له الحصة الموصى بها ملكا مستقرا، وأصبح شريكا مع الورثة في التركة بمقدار الثلث أو الربع المجعول له، فيكون له من كل عين من أعيان التركة ومن كل شئ من اشيائها ثلثه أو ربعه على وجه الاشاعة، فإذا نمت التركة أو أنتجت نماءا متصلا أو منفصلا كان النماء الحاصل مشتركا بين الموصى له والورثة بتلك النسبة، وإذا تلف من التركة شئ أو جزء كان التلف منهم جميعا بتلك النسبة أيضا، وتبقى الشركة بينه وبين الورثة حتى تحصل القسمة المميزة لماله عن مالهم، وكذلك الحكم إذا أوصى الموصي للرجل بكسر مشاع غير ذلك كالخمس أو السدس أو العشر من التركة، فيحصل الملك بموت الموصي وتقع الشركة بينه وبين الورثة بنسبة ذلك الكسر. ويجرى هذا الحكم في الوصية العهدية أيضا، فإذا أوصى بأن يدفع ثلث تركته أو ربعها أو خمسها للفقراء أو السادة أو اليتامى، وقعت الشركة بين الورثة والعنوان الذي أوصى بتمليكه بالنسبة التي حددها في وصيته، وإذا أوصى بصرف ثلث تركته أو ربعها في مصلحته الخاصة من طاعات وقربات كانت الحصة الموصى بها باقية على ملك الميت فيكون شريكا للورثة بتلك النسبة من التركة ويكون له من نمائها إذا نمت ويدخل عليه من التلف إذا تلفت بتلك النسبة أيضا. [ المسألة 87: ] ذكرنا في المسألة السادسة والستين انه يجوز للموصي أن يعين ثلث تركته في عين مخصوصة من التركة، فإذا عينه كذلك اختصت العين بالموصي، ولم يجز للورثة تبديله، وهذا الحكم عام يشمل ما إذا كانت وصيته بالثلث ليصرف في الخيرات والقربات، فيكون الثلث لمصلحة الموصي نفسه، وتكون العين التي عين الثلث فيها باقية على ملك الميت نفسه، ويشمل ما إذا كانت الوصية تمليكية، فيملك العين المخصوصة لشخص من الاشخاص أو يخصصها لجهة من الجهات، وقد ذكرنا هذا في

[ 560 ]

المسألة الخامسة والخمسين، فتكون العين المخصوصة ملكا للموصى له في الصورة الثانية، وتبقي في ذلك الميت في الصورة الاولى. ولا ريب في استقرار ملكهما للعين إذا كانت أموال التركة كلها حاضرة، بحيث يكون الثلثان الآخران منها بأيدي الورثة بالفعل، فالعين المخصوصة ملك مستقر للموصى له في الصورة الاولى يصح له التصرف فيها ويملك نماءها إذا نمت، ويختص هو بتلفها منه إذا تلفت، وهي كذلك ملك مستقر للميت في الصورة الثانية بيد وصيه يتصرف فيها كما خوله الموصي، ويصرفها في الجهات التي عينها من وجوه القربات ويتبع ذلك نماؤها وتلفها. وإذا كان بعض الاموال من التركة غائبا ليس في أيدي الورثة، اشكل الحكم باستقرار ملك الموصى له أو ملك الميت لجميع العين مادام ذلك المال غائبا ويحتمل تلفه قبل أن يقبضه الوراث. نعم لا ينبغي الريب في استقرار الملك للعين بمقدار نصف ما بأيدي الورثة بالفعل من أموال التركة، فيصح للموصى له أن يتصرف في ذلك المقدار من العين، المجعولة له وكذلك في ثلث بقية العين فيصح له التصرف فيه. ويجوز ذلك للوصي في الصورة الثانية، ويبقى ملك الموصى له وملك الميت في بقية العين وهو مقدار ثلث المال الغائب من التركة مراعى بحصوله للورثة وعدم تلفه عليهم، وهذا على ما يراه المشهور، والمسألة شديدة الاشكال فلا يترك فيها الاحتياط. [ المسألة 88: ] إذا أوصى الرجل لاحد بعين مخصوصة من تركته، ثم أوصى بتلك العين لشخص آخر بطلت الوصية الاولى ووجب العمل بالثانية وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة والسبعين، فإذا جهل الموصى له السابق من اللاحق وتردد الامر بينهما رجع في التعيين إلى القرعة وعمل عليها. [ المسألة 89: ] إذا أوصى الرجل لاحد بمبلغ من المال وتردد الامر في مقدار المبلغ الموصى به بين الاقل والاكثر: أهو مائة دينار مثلا أو مائة وخمسون، بني على الاقل، وكذلك إذا أوصى له بأرض أو بعدد من النخيل أو

[ 561 ]

بشئ آخر وتردد الامر فيه بين الاقل والاكثر، فيبنى على الاقل، وإذا أوصى له بدار أو بدكان ثم تردد في ان الموصى به أي الدارين، أو أي الدكانين، أو أي النخلتين مثلا، رجع في تعيين الموصى به إلى القرعة، فيدفع إلى الموصى له العين التي تقع عليها القرعة. [ المسألة 90: ] إذا قصر ثلث الميت عن تنفيذ وصاياه كلها ولم يرض الورثة باخراج الزائد من الاصل، قدمت الوصية السابقة على اللاحقة في التنفيذ إذا كانت مترتبة وقد ذكرنا ذلك في عدة من المسائل، فإذا شك في السابقة واللاحقة من الوصيتين رجع إلى القرعة في تعيينها، فتقدم الوصية التي عينتها القرعة منهما. [ المسألة 91: ] إذا أعطى الانسان غيره مبلغا من المال، وأوصى إليه أن يصرفه عنه بعد موته في وجوه البر، أو في صلة الرحم مثلا، فان علم الوصي ولو على الاجمال ان المال المدفوع إليه لا يزيد على ثلث تركته الموجودة عند وارثه، وقبل منه وصيته، وجب عليه العمل بها وان لم يعلم الورثة بذلك، وإذا لم يعلم الوصي بنسبة المال المدفوع إليه إلى التركة هل يبلغ مقدار الثلث منها أو يزيد عليه اشكل الحكم بوجوب العمل بها الا إذا علم الورثة به وأجازوا. [ الفصل الثالث ] [ في الموصى له ] [ المسألة 92: ] يشترط في صحة الوصية إذا كانت تمليكية أن يكون الشخص الموصى له موجودا بالفعل حين الوصية فلا تصح الوصية لمن كان ميتا حين الوصية، سواء كان الموصي عالما بموته أم جاهلا به، فإذا أوصى لاحد يتوهم أو يظن انه لا يزال موجودا، فظهر بعد ذلك انه كما ميتا في وقت الوصية، كانت الوصية باطلة، بل وان قطع بوجوده فأوصى له بالمال، واستبان بعد ذلك انه ميت حال الوصية، فالوصية باطلة، ولا

[ 562 ]

يشترط أن يكون موجودا حين موت الموصي، فيكفي في صحة الوصية له أن يكون موجودا حال الوصية، وقد تقدم في المسألة الثانية والعشرين ان الموصى له إذا مات في حياة الموصي انتقلت الوصية إلى وارثه. [ المسألة 93: ] لا تصح الوصية للمعدوم الذي يحتمل أن يوجد بعد الوصية، ومثال ذلك أن يوصي الرجل للحمل الذي تحمل به فلانة في المستقبل، أو يوصي لمن يوجد له بعد هذا من أولاد، أو لمن يوجد لفلان في المستقبل من أبناء. وتصح الوصية للحمل في بطن أمه إذا كانت حاملا به في حال الوصية وان لم تلجه الروح بعد، ويشترط في استقرار الوصية له أن تلده أمه حيا، فإذا مات في بطنها بعد الوصية أو ولدته ميتا كانت الوصية باطلة، وإذا انفصل عنها حيا صحت الوصية وإذا مات بعد انفصاله عنها انتقل المال الموصى به إلى ورثته. [ المسألة 94: ] يصح للانسان أن يوصي للمعدوم إذا كانت الوصية عهدية، ومثال ذلك ان يعهد الرجل إلى وصيه فيقول مثلا: إذا ولد لي من فلانة ولد أو أولاد فادفع لها في كل عام مائة دينار لتنفقها في تربيتهم، أو يقول: ادفعوا لاولاد أخي الذين يولدون له بعد وصيتي أو بعد موتي مبلغ كذا، أو اصرفوا عليهم بدل الاجارة من داري المعينة، فتصح وصيته لهم إذا وجدوا، وان كانوا غير موجودين حين الوصية أو حين موت الموصي. [ المسألة 95: ] لا يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصى له مسلما، فتصح الوصية للذمي وللمرتد الملي إذا كان الشئ الذي يوصي به لهما مما يصح تمليكه للكافر، ولا تصح الوصية للكافر الحربي ولا للمرتد الفطري على الاحوط لزوما فيهما. [ المسألة 96: ] يشترط في الموصى له الحرية في الجملة، فلا تصح الوصية لمملوك

[ 563 ]

بملكه شخص آخر غير الموصي وان أجاز سيده أو يوصى له، وإذا كان مكاتبا مطلقا وقد أدى بعض مال الكتابة وتحرر منه بعضه صحت الوصية له بمقدار ما فيه من الحرية، فإذا تحرر منه نصفه صح نصف الوصية له، وإذا تحرر ثلثه أو ربعه صح من الوصية له بذلك المقدار، وأما مملوك الموصي نفسه، فالظاهر صحة الوصية له، وفي المسألة أحكام وفروض لا نتعرض لذكرها لعدم الفائدة بها في هذه العصور. [ المسألة 97: ] لا يمنع من صحة الوصية للشخص أن يكون وارثا للموصي، فيصح للانسان أن يوصي وصية تمليكية لابيه أو أمه أو ولده أو غيرهم من ورثته، سواء كان الشخص الموصى له صغيرا أم كبيرا وغنيا أم فقيرا، وسواء كان نصيبه في الميراث قليلا أم كثيرا، فتصح الوصية له في جميع الصور وان انحصر الميراث به. ويجوز أن يخصص الرجل بعض أولاده بالوصية له دون غيره إذا كانت للموصى له مزية تفضله عليهم من علم أو تقوى أو غيرهما من موجبات التفضيل، وينبغي الترك في ما سوى ذلك. وإذا كانت الوصية للبعض دون غيره توجب اثاره الحقد والضغينة بين الاخوة فالاحوط لزوما اجتنابها. [ المسألة 98: ] إذا أوصى الرجل بشئ من ماله لجهة معدومة في حالا الوصية، ولكنها متوقعة الوجود في الزمان الآتي، فان كانت وصيته عهدية، كما إذا قال لوصيه: ادفع مائة دينار في كل عام من مالي للمسجد الذي ينشئه فلان في البلد بعد مدة، لتصرف في مصالح المسجد بعد وجوده، فتصح الوصية ويجب العمل بها إذا وجد المسجد المعين، وإذا كانت الوصية تمليكية، فقال: خصصت للمسجد الذي سيقيمه فلان في القرية من مالي مبلغ كذا، أو عينت له داري أو دكاني المعين، أشكل الحكم بالصحة. [ المسألة 99: ] إذا أوصى الانسان بشئ من ماله لقرابته، أو لذوي قرباه، شملت

[ 564 ]

وصيته كل من يعرف بنسبه ومن يتصل به عرفا، سواء تقرب إليه بالاب أم بالام، وشملت الوارث منهم وغير الوارث، والذكور والاناث والاغنياء والفقراء والكبار والصغار، الا أن تقوم قرينة أو عرف على خلاف ذلك، فيدل على الانصراف عن بعضهم وعدم الشمول له، ولا تشمل الوصية من يتصل به بالمصاهرة. [ المسألة 100: ] إذا أوصى الانسان بالمال لجماعة محصورة العدد، وكانوا ذكورا، أو كانوا اناثا، أو كانوا ذكورا واناثا شملتهم الوصية جميعا، ويقسم المال الموصى به بينهم على السواء، فالانثى بقدر الذكر والصغير بقدر الكبير، الا أن يصرح الموصي بتفضيل بعضهم على بعض في الحصة، أو بخروج بعض أفرادهم من الوصية، أو تدل القرائن الظاهرة الدلالة على شئ من ذلك، فيكون ذلك هو المتبع، وكذلك الحكم إذا أوصى بالمال لابنائه وبناته، أو لاخوانه وأخواته، أو لاعمامه وعماته، أو لاخواله وخالاته أو لاعمامه وأخواله، فيكون الذكر والانثى منهم، والصغير والكبير، والعم والخال، والعم والخالة، والخال والعمة، سواء في مقادير حصصهم من المال، الا إذا نص على التفضيل. [ المسألة 101: ] إذا أوصى الرجل لجماعة غير محصورة العدد، فقال: ثلثي من التركة لطلاب العلم في النجف مثلا، أو للسادة من أهل البلد، وكانوا غير محصورين في عددهم، فالظاهر من الوصية ان المراد صرف المال في الجماعة الموصى لها، فلا يجب البسط على الافراد ولا التسوية بين من يعطيه منهم في المقدار، فيكفي دفع المال الموصى به إليهم كيف اتفق. [ المسألة 102: ] يستحب ويتأكد الاستحباب ان يوصي الرجل بشئ من ماله لارحامه وأقربائه الذين لا يصلهم ميراثه، ففي الحديث عن جعفر ابن محمد عن أبيه (ع): من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته، وفي خبر سالمة مولاة ابي عبد الله (ع) كنت عند أبي عبد الله (ع) حين حضرته الوفاة فأغمى عليه فلما أفاق قال اعطوا الحسن بن

[ 565 ]

على بن الحسين وهو الافطس سبعين دينارا وأعطوا فلانا كذا وكذا وفلانا كذا وكذا فقلت اتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد ان يقتلك فقال تريدين ان لا أكون من الذين قال الله عز وجل الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، نعم يا سالمة ان الله تبارك وتعالى خلق الجنة وطيبها وطيب ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم. [ الفصل الرابع ] [ في الوصي ] [ المسألة 103: ] يصح للانسان أن يعين أحدا لتنفيذ وصاياه التمليكية أو العهدية من بعده ويجعل له الولاية على ذلك. ويختار لذلك من يشاء من ورثته أو من غيرهم من الاقارب والاباعد عنه، ويسمى الشخص الذي يعينه: الوصي، والموصى إليه، ويشترط في صحة الوصاية أن تجتمع في الوصي عدة أمور. [ المسألة 104: ] الشرط الاول: أن يكون الوصي بالغا على الاحوط لزوما، إذا لم يكن اعتبار ذلك فيه هو الاقوى فيشكل الحكم بصحة الوصاية إليه إذا كان صبيا لم يبلغ الحلم، وكان المقصود من الوصية إليه أن يقوم بتنفيذ الوصايا في حال صباه قبل بلوغه على وجه الانفراد والاستقلال، بل لا تصح في هذه الصورة على الاحوط كما ذكرنا. وكذلك يشكل الحكم بالصحة إذا أوصى إلى الصبي، وكان المقصود أن يقوم بتنفيذ الوصايا في حال صباه باذن وليه الشرعي له في التنفيذ، والاحوط الترك، وإذا أوصى إليه وكان المقصود أن يقوم بتنفيذ الوصايا بعد بلوغه ورشده، فالاقوى الصحة، وخصوصا إذا بلغ الحلم والرشد قبل موت الموصي أو مقارنا معه. [ المسألة 105: ] تصح الوصية إلى الصبي مع انضمامه إلى الكامل، ولهذا الفرض

[ 566 ]

صورتان: احداهما: أن يشترط الموصي أن لا يقوم الكامل بتنفيذ شئ من الوصايا حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ الصبي ورشد قام مع الوصي الكامل بتنفيذ الوصايا منضمين، الصورة الثانية: أن يقصد الموصي أن يتصرف الكامل قبل بلوغ الصبي تصرفا مستقلا، فإذا بلغ الصبي ورشد قاما بالتصرف والتنفيذ منضمين، والظاهر الصحة في كلتا الصورتين. [ المسألة 106: ] إذا قصد الموصي الصورة الاولى فمنع الكامل من التصرف قبل أن يبلغ الصبي، واتفق وجود تصرفات لا يمكن تأخيرها إلى حين بلوغ الصبي كوفاء الديون وايصال بعض الحقوق والودائع، رجع فيها إلى الحاكم الشرعي. [ المسألة 107: ] إذا تصرف الكامل في الصورة الثانية فنفذ بعض الوصايا قبل بلوغ الصبي، ثم بلغ الصبي فليس له أن يرد ما نفذه الكامل من الوصايا، الا إذا أجرى الكامل شيئا يخالف فيه وصية الموصي، فيجوز له رده إلى الوصية. [ المسألة 108: ] إذا مات الوصي الصغير قبل أن يبلغ مبلغ الحلم استمر الكامل بوصايته وجاز له الانفراد بتنفيذ الوصايا للموصي، وكذلك إذا بلغ الصبي وهو فاسد العقل فيستمر الكامل وحده بالوصاية والتنفيذ، والاحوط استحبابا ان يرجع الى الحاكم الشرعي فيضم إليه وصيا آخر في الصورتين. وإذا بلغ الوصي الصغير الحلم ورشد، ثم مات بعد ذلك أشكل الحكم باستمرار الكامل على وصايته وحده فلابد في هذا الفرض من مراعاة الاحتياط سواء باشر بتنفيذ بعض الوصايا مع الصغير بعد بلوغه أم لم يباشر، فيضم الحاكم الشرعي إليه شخصا آخر. [ المسألة 109: ] الشرط الثاني مما يعتبر في الوصي أن يكون عاقلا، فلا تصح

[ 567 ]

الوصية إليه إذا كان مجنونا، سواء كان جنونه مطبقا أم كان أدوارا. [ المسألة 110: ] المراد من اشتراط العقل في الوصي: أن يكون عاقلا في الحال الذي يكون فيه موضعا لحكم الشارع بتحقق الوصاية إليه واتصافه بها، وهو ما بعد الوصية ووفاة الموصي، فلا يحكم الشارع بوصايته إذا كان مجنونا في هذا الحال، مطبقا أو أدواريا، وتثبت له الوصاية إذا كان عاقلا في هذا الحال، وان كان مجنونا حين انشاء الوصية، فإذا أنشأ الموصي وصيته إلى الرجل المجنون وهو لا يعلم بجنونه، ثم عافاه الله وأفاق من جنونه في حال موت الموصي كفى ذلك في وجود الشرط وصحت الوصية إليه، وكذلك إذا أنشأ الموصي وصيته إليه ان هو أفاق من عارضه وعوفي من جنونه، ثم اتفق له ذلك حال موت الموصي فتصح الوصاية لوجود الشرط. وكذلك الحكم في شرط البلوغ المتقدم ذكره، وفي بقية الشروط الآتي بيانها، فالمعتبر ان تتحقق في ما بعد الوصية ووفاة الموصي، [ المسألة 111: ] إذا مات الموصي بعد الوصية وكان الوصي عاقلا في ذلك الحال ثبتت الوصية إليه كما بيناه، فإذا عرض له الجنون بعد ذلك بطلت وصايته، وإذا ارتفع العارض عنه وأفاق من جنونه اشكل الحكم بعودة الوصية إليه وإذا كان الموصي قد صرح في وصيته بعودة الوصاية إليه إذا هو أفاق بعد الجنون عمل بحسب وصيته. [ المسألة 112: ] الشرط الثالث مما يعتبر في الوصي: أن يكون مسلما على الاحوط إذا كان الموصي مسلما، فلا تصح الوصاية من المسلم إلى كافر على الاحوط كما قلنا، وان كان ذميا أو مرتدا مليا، أو كان قريبا في النسب، أو كان معروفا بالصدق والامانة في معاملاته، وإذا أوصى الكافر إلى كافر، ثم أسلم الموصي بطلت وصيته الى الكافر الا إذ أسلم الوصي قبل أن يموت الموصي.

[ 568 ]

[ المسألة 113: ] لا يشترط في الوصي أن يكون عادلا، ويكفي في صحة الوصية إليه أن يكون أمينا موثوقا وان كانت وصايته على أداء حقوق الله أو حقوق الناس أو جعلت له الولاية على قاصرين أو يتامى، أو جعل له التصرف في أموالهم، ومعاملاتهم، وأولى من ذلك بكفاية الامانة والوثوق ما إذا كانت الوصية إليه تتعلق بانفاق الثلث في الخير والامور المقربة مما يعود نفعه إلى الموصي نفسه لا إلى غيره. [ المسألة 114: ] إذا أوصى المسلم إلى مسلم، فارتد الوصي عن الاسلام بطلت الوصية إليه، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة، وإذا تاب ورجع الى الاسلام أشكل الحكم بعود وصيته إليه، الا بوصية جديدة إذا كان الموصي لا يزال حيا، أو يكون الموصي قد نص في وصيته الاولى على عوده إلى الوصية إذا هو ارتد ثم عاد إلى الاسلام. [ المسألة 115: ] إذا أوصى الرجل إلى وصي عادل، ففسق الوصي، فان كان الموصي قد قيد وصيته إليه بوجود العدالة فيه، أو علم من القرائن الحافة ان ذلك هو المقصود من الوصية إليه، أو كانت القرائن ظاهرة في الدلالة على ذلك ظهورا يعتمد عليه أهل المحاورة، كانت الوصية إليه باطلة في جميع هذه الفروض، وان لم يعلم تقييد الوصية بوجود العدالة، ولم يثبت ذلك بوجه معتبر لم تبطل الوصية بعروض الفسق، وكذلك الحكم إذا أوصى إلى موثوق، فذهبت وثاقته فيجري فيه التفصيل المذكور. [ المسألة 116: ] لا يتعين على الموصى إليه أن يقبل الوصية، فإذا أوصى إليه الموصي جاز له ان يرد وصيته بشرط أن يكون الموصي لا يزال حيا، وبشرط أن يبلغه الرد وهو حي، فإذا ردها كذلك لم تلزمه الوصاية ولم يجب عليه القيام بها، وقد ذكرنا هذا الحكم وبينا فروضه في المسألة الرابعة عشرة والخامسة عشرة فليرجع اليهما.

[ 569 ]

[ المسألة 117: ] يجوز للانسان أن يوصي إلى وارثه، ويجوز له أن يوصي إلى امرأة إذا اجتمعت فيها شرائط الوصية وان كان مكروها، ويجوز له أن يوصي إلى أعمى. [ المسألة 118: ] الاحوط لزوما أن لا يرد الولد وصية أبيه إليه، وإذا كان في رد وصيته عقوق للاب لم يجز للولد ذلك، وكذلك إذا أمره الاب بقبول الوصية وجب عليه قبولها ولم يجز له الرد، وللام في ذلك حكم الاب. [ المسألة 119: ] إذا رد الولد وصية أبيه أو وصية أمه في حياتهما وأبلغهما رده حتى ماتا، لم تثبت وصايته ولم يجب عليه العمل بها وان كان آثما وعاقا برده للوصية. [ المسألة 120: ] يجوز للانسان أن يعين له شخصين أو أكثر لتنفيذ وصاياه، وإذا جعلهما كذلك فقد يصرح في وصيته أن كل واحد منهما وصي مستقل عن صاحبه، له ان ينفرد عنه بالتصرف والتنفيذ حسب ما يراه، فإذا صرح في وصيته بذلك، صح لكل واحد منهما أن يستقل بالتنفيذ عن الآخر، وإذا تصرف فليس لصاحبه أن يعترض على فعله أو ينقض شيئا مما أبرمه الا إذا كان مخالفا لوصية الموصي، ومثله ما إذا دلت قرينة أو امارة على استقلال كل منهما في وصيته. وإذا لم يصرح الموصي في وصيته، ولم تدل القرائن على شئ من ذلك لم يجز لاحدهما أن يستقل بالتصرف عن الآخر في شئ من الوصايا، وليس لهما أن يقتسما الوصايا، أو يقتسما الثلث بينهما، فيختص كل واحد منهما بقسم من الوصايا أو بقسم من الثلث، بل يشتركان في تنفيذ الوصايا معا ويتازران على ذلك. [ المسألة 121: ] إذا تشاح الوصيان فلم يجتمعا في تنفيذ الوصايا، تدخل الحاكم الشرعي في أمرهما، فأجبر الممتنع إذا كان الممتنع أحدهما بعينه،

[ 570 ]

فيجبره على الانضمام إلى صاحبه، وإذا امتنع الطرفان نظر الحاكم في السبب المانع لهما من الاجتماع فإذا لم يجد لهما مانعا من أن ينضما أجبرهما معا على الانضمام، وإذا وجد أن لاحدهما المعين مانعا دون الآخر أجبر الشخص الذي لا مانع له فيضمه الى صاحبه، وإذا وجد أن لكل منهما مانعا، انضم الحاكم نفسه إلى أحد الطرفين، فينفذ تصرفه، وتسقط وصية الآخر. [ المسألة 122: ] إذا أوصى الرجل إلى شخصين ونص على انهما وصيان على نحو الاستقلال، أو دلت على ذلك بعض القرائن الحافة كما ذكرنا، فإذا سبق أحدهما في شئ كان تصرفه فيه هو النافذ، ولا يبقى بعده مجال لتصرف الثاني في ذلك الامر، وإذا تقارنا في التصرف وكان تصرف أحدهما ينافي تصرف الآخر كانا باطلين. ومثال ذلك: أن يوصي الموصي ببيع داره وانفاق ثمنها في بعض الوجوه فيبيعها أحدهما على رجل ويبيعها الثاني على آخر في وقت واحد، فيبطل البيعان، ويجوز لهما ان يقتسما الاعمال الموصى بها بينهما، فيختص كل واحد منهما بشئ منها، ويجوز لهما أن يقتسما الثلث، فيختص كل واحد منهما بالتصرف في حصته من الثلث. وإذا مات أحد الوصيين في هذه الصورة، أو عرض له ما يوجب سقوط الوصاية إليه، انفرد الآخر بالوصاية وقام بتنفيذها جميعا. [ المسألة 123: ] إذا أوصى الرجل إلى اثنين ونص في وصيته اليهما على انهما وصيان على وجه الانضمام، أو اطلق الوصية اليهما ولم يصرح باستقلال أو انضمام، لم يجز لاحدهما الاستقلال عن صاحبه كما ذكرنا في المسألة المائة والعشرين، وإذا مات أحد الوصيين أو عرض له ما يوجب سقوطه عن الوصاية، لم يجز للباقي أن يستقل بالوصاية بل يضم الحاكم الشرعي إليه شخصا آخر يشترك معه في التصرف والتنفيذ، الا إذا نص الموصي على غير ذلك فقال مثلا: هما وصيان بعدي على نحو الانضمام ما داما حيين، وإذا مات أحدهما استقل الآخر، بالوصية.

[ 571 ]

[ المسألة 124: ] يجوز للرجل أن يوصي إلى أحد يتولى تنفيذ وصيته مادام ولده فلان صغيرا فإذا بلغ ولده الحلم ورشد كان الولد هو الوصي، وسقطت وصاية الاول، ويجوز له أن يجعل من بعده وصيين أو عدة أوصياء مترتبين، فيقول: جعلت وصيي من بعدي على ثلثي وتنفيذ وصاياي أخي سعدا، فإذا مات سعد، أو عرض له ما يوجب سقوط وصايته فوصيي من بعده أخي سليم، وإذا عرض له بعض ذلك فوصيي ابن اخي علي، فيكون اوصياؤه مترتبين كما ذكر، وإذا اتفق ان مات الوصي الثاني قبل الاول ثم مات الاول فالوصي من بعده هو الثالث. [ المسألة 125: ] يجوز للموصي أن يقسم وصيته أقساما يميز بعضها عن بعض، ويعين لكل قسم منها وصيا خاصا يتولى تنفيذه، ولا يشترك بعض الاوصياء مع بعض في أعمالهم، فوصيه على تنفيذ وصاياه التمليكية ولده زيد، ووصيه على الانفاق في وجوه الخير والبر ولده سعد، ووصيه على شؤون القاصرين من أولاده وتولي معاملاتهم وأموالهم ولده سليم، أو يقسم ثلثه قسمين أو أكثر ويجعل على كل قسم وصيا يتولى تنفيذ الوصية فيه. [ المسألة 126: ] إذا اشترط الموصي في وصيته إلى الرجل أن يواظب على عمل من الاعمال المحبوبة، أو يتصف بصفة من الصفات لزم ذلك، فإذا هو ترك ذلك العمل أو ذهبت منه تلك الصفة بطلت الوصية، ومثال ذلك: ان يشترط في وصيته ان يكون الوصي عدلا أو أن يواظب على الصلاة في أول وقتها، فإذا ذهبت منه العدالة أو انصرف عن الصلاة في أول الوقت كان الوصية إليه باطلة، ورجع إلى الحاكم الشرعي في تنفيذ الوصية. [ المسألة 127: ] إذا عجز الوصي عن تنفيذ الوصية لمرض أو كبر سن أو غيرهما من الاعذار، ضم الحاكم الشرعي إليه شخصا يساعده على تنفيذها، وإذا بلغ به الامر حتى عجز عن الوصية عجزا تاما لا يرجا زواله، انعزل

[ 572 ]

عن الوصية بذلك فعلى الحاكم الشرعي أن ينصب وصيا غيره. [ المسألة 128: ] إذا ثبتت خيانة الوصي، فعلى الحاكم الشرعي أن يضم إليه وصيا أمينا يمنعه عن الخيانة، فان لم يمكن ذلك، فالظاهر ان الوصي ينعزل بذلك عن الوصية من غير حاجة إلى عزل، فيجب على الحاكم الشرعي ان ينصب وصيا غيره. [ المسألة 129: ] ليس للوصي أن ينصب من بعده وصيا على تنفيذ ما أوصي به إليه، الا إذا جعل الموصي الاول له الحق في أن يوصي إلى غيره، فإذا مات الوصي وقد بقي من الوصية شئ لم ينجزه، أو مات قبل أن ينجز شيئا من الوصية كان على الحاكم الشرعي أن ينصب وصيا لذلك. وكذلك الحكم في كل مورد تبقى فيه الوصية بعد موت الوصي من غير تنفيذ، كما إذا مات الوصي قبل الموصي ولم يعلم الموصي بذلك الى أن مات، وكما إذا مات الوصي وعلم الموصي بموته ولم يعدل عن أصل وصيته ولم يوص الى شخص آخر فينصب الحاكم الشرعي في هذه الموارد وصيا لتنفيذ الوصية. [ المسألة 130: ] الوصي أمين على ما بيده من الاموال والاعيان التي تتعلق بها وصيته، فلا يضمن ما يتلف أو ينقص أو يعيب منها في يده، الا إذا تعدى في تصرفه أو فرط، ويحصل ذلك بأن يخالف الوصية فيكون به ضامنا، وإذا تعدى أو فرط أو خان كان ضامنا لمورد التعدي والتفريط والخيانة إذا حدث فيه تلف أو نقص أو عيب، وان كان حدوثه بغير اختياره، والظاهر انه لا ضمان عليه في الموارد الاخرى التي لم يقع منه فيها تعد ولا تفريط ولا خيانة، فلا يضمن ما يتلف أو يعيب فيها. [ المسألة 131: ] إذا أوصى الرجل إلى وصيين على نحو الانضمام أو على نحو الاستقلال كما ذكرنا في المسألة المائة والثالثة والعشرين، ثم مات الوصيان معا

[ 573 ]

قبل أن ينفذا جميع الوصية، وجب أن ينصب الحاكم الشرعي من قبله أحدا على التنفيذ بعدهما ويجزى على الاقوى أن ينصب وصيا واحدا يقدر على تنفيذها، والاحوط استحبابا أن ينصب وصيين. [ المسألة 132: ] قد يعين الموصي لوصيه منهجا خاصا في وصيته يريد منه تطبيقه والسير على وفقه، فيعين له أعمالا معينة يريد منه القيام بها، ويحدد مقادير خاصة من الاموال يريد منه انفاقها أو تمليكها، ويذكر له وجوها مخصوصة أو كيفيات محدودة يطلب منه اتباعها في التنفيذ، فيجب على الوصي اتباع ما حدد له وعين، ولا يحق له أن يتجاوز شيئا من ذلك، فإذا تجاوزه كان ذلك خيانة توجب الاثم، وتوجب عدم صحة التصرف كما توجب الضمان. [ المسألة 133: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد وأطلق الامر في الوصية، فلم يعين له عملا من الاعمال ولا وجها من الوجوه، ولا كيفية من الكيفيات، بل قال له مثلا: أنت وصيي على ان تخرج ثلثي من تركتي وتضعه في مواضعه، كان على الوصي ان يعمل في الوصية بما يراه من من وجوه المصلحة التي تعود إلى الميت الموصي، وإذا دار الامر بين وجوه من المصلحة وجب عليه أن يقدم ما هو الاصلح منها للموصي، ولذلك فلابد للوصي من النظر في الوجوه الممكنة منها وبذل الجهد في معرفة ما هو صالح وما هو أصلح، وما هو أكثر صلاحا وأكبر جدوى منه، وما يحتاج إليه الميت الموصي وما هو أحوج إليه، وما هو أشد حاجة إليه من ذلك. ولا ريب في اختلاف ذلك بحسب اختلاف أحوال الموتى، واختلاف حاجاتهم إلى بعض الاعمال دون بعض، فمن الناس من يحتاج إلى الاحتياط عنه بأداء حقوق مالية، أو تكون حاجته إليها أشد لكثرة تقصيره فيها، ومن الناس من يفتقر إلى الاحتياط عنه باداء عبادات أخرى من صلاة وصوم وغيرهما، أو يكون افتقاره إليه أكثر لكثرة تقصيره فيها، إلى غير ذلك مما تكون عليه أحوال الناس المختلفة في التقصير في الواجبات وعدم التقصير.

[ 574 ]

وقد يحتاج الوصي في تمييز مراتب الحاجة واستبانة ما هو الاصلح والاجدى نفعا الى الاستعانة بالآخرين ليقدم ما يجب تقديمه، والانسان انما يكلف بمقدار ما يعلم وما يستطيع، ولكن لابد من النظر وبذل الجهد المستطاع. وإذا دلت القرائن أو العرف العام بين الناس على ارادة شئ معين من الوجوه كان العمل عليه. [ المسألة 134: ] قد يقول بعض الناس: وصيي فلان، ولا يوضح ما يعني من الوصية، أهي وصية بتجهيزه بعد الموت أم بدفنه في موضع خاص يريده، أم بقضاء ديون للناس عليه، أم باستيفاء حقوق له على الآخرين، أم باخراج ثلث له من تركته، وفي أي وجه ينفق الثلث إذا أخرج، باداء واجبات شرعية عليه أم بغير ذلك من الوجوه المحتملة، ولا تدل القرائن الخاصة ولا العامة على تعيين شئ فتكون الوصية لغوا لا أثر لها. وقد يستعمل هذا النوع من الوصايا عند بعض القبائل، ويكون المتعارف بين تلك القبائل انها وصية تامة، فالوصي الذي عينه الشخص الموصي يقوم بتقسيم تركته على ورثته على الوجه المطلوب، ويخرج منها ثلثه، ويبقى الثلث بيد الوصي، ويقوم الوصي قبل ذلك برد أمانات الناس وودائعهم إليهم، واسترجاع أمانات الموصي وودائعه التي له عند الناس، ويقوم أيضا بوفاء ما على الميت من الديون إذا كانت عليه ديون، أو يوقع التراضي ما بين الديان والورثة على بعض الوجوه، ويستوفي ما له على الناس من حقوق إذا كانت له عليهم حقوق، ويقوم مع الورثة بنقل جنازته إلى بعض المشاهد بما يفي بذلك من الثلث، ويقوم بفاتحته وتوفية شؤونها من الثلث أيضا، ومما يتبرع به المتبرعون لذلك، وينفق الباقي من الثلث في وجوه الخير، ورد المظالم بالرجوع إلى أهل المعرفة بذلك أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي، فإذا دل التعارف العام على قصد ذلك في الوصية، صحت ووجب انفاذها فيه. ويشكل الامر في ثبوت ولاية هذا الوصي على القاصرين من أولاد الموصي، فلابد من الاحتياط بأن يستأذن في تصرفه في أموالهم

[ 575 ]

ومعاملاتهم وشؤونهم من الحاكم الشرعي، وأن يقيمه الحاكم وليا عليهم إذا ثبتت كفاءته لذلك، ويوضح له ما تلزم مراعاته في ذلك ليقيم تصرفه على الوجه الصحيح، وان لا ينصب الحاكم قيما غيره الا باذنه. [ المسألة 135: ] إذا جعل الرجل لوصيه الحق في أن يوصي من بعده إلى أحد لينفذ الوصايا التي لم ينفذها، جاز للوصي ذلك، ويكون الوصي الجديد وصيا عن الوصي الاول لا عن الموصي الاول. ونتيجة لذلك، فإذا أوصى إليه جاز لهذا الوصي أن يرد وصيته مادام الموصي إليه حيا بشرط أن يبلغه الرد قبل ان يموت كما هو الحكم في كل وصية، وجاز للموصي أن يعدل عن وصيته إليه قبل الموت أيضا. وإذا كان الموصي الاول قد خول وصيه في أن ينصب وصيا آخر عن الموصي نفسه، فلا يبعد الحكم بصحة ذلك أيضا، ويكون الوصي الجديد وصيا عن الموصي الاول، فلا يجوز للوصي الاول عزله أو الرجوع في وصيته، ويشكل الحكم بجواز رد الوصي الثاني للوصية وعدم قبولها، لان المفروض موت الموصي الاول. [ المسألة 136: ] لا يجوز للوصي أن يعزل نفسه عن الوصاية بعد أن مات الموصي ولم يردها في حياته، أو ردها ولم يبلغه خبر الرد حتى مات كما تكرر ذكره، ولا يجوز له أن ينقل الوصية من نفسه إلى غيره، بعد أن لزمته ووجب عليه العمل بها مادام حيا، وتلاحظ المسألة المائة والتاسعة والعشرون، والمسألة المائة والخامسة والثلاثون في ما يتعلق بالوصية بعد موته. [ المسألة 137: ] إذا أوصى إليه الموصي وثبت من صيغة الوصية أو من القرائن الحافة بها أن الموصي لا يعتبر ان يقوم الوصي بمباشرة تنفيذ الوصية بنفسه، بل ظهر أن المقصود أن ينجز الوصي ذلك بعمل نفسه أو بعمل غيره تحت اشرافه ورعايته، جاز للوصي في هذه الصورة أن يفوض تنفيذ

[ 576 ]

الوصية كلها أو تنفيذ بعضها إلى غيره، ويجعله وكيلا مفوضا في التصرف والانجاز عنه، وخصوصا إذا كان الشخص الذي يوكل الامر إليه أبصر منه بطرق التنفيذ وبموارد التطبيق وأدق في ملاحظة الامور، ومراعاة المصلحة للموصي وما هو الاصلح، ويكون عمل هذا الوكيل المفوض عملا للوصي الذي اعتمد عليه بالواسطة وقياما منه بالوصية التي وجب عليه انجازها، ويجوز له ان يفوض ذلك إلى شخص واحد كما يصح له أن يوكله إلى أشخاص متعددين، فوجد مثلا ان العمل في الوصية متعدد الجوانب وكل جانب منه يقتضي الايكال إلى خبير يقوم بانجازه على الوجه الاتم أو الاقرب. [ المسألة 138: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد وعين له مصارف المال الموصى به، والجهات أو الاشخاص التي يصرف المال فيها، ونسي الوصي المصارف المعينة للمال، فقد يتردد بين جهات غير محصورة، فلم يدر انه أوصى بصرف المال في الفقراء أو في السادات أو في اليتامى أو في طلاب العلم أو في مصالح المساجد وهكذا، وحكمه في هذه الصورة أن يصرف المال الموصى به في وجوه البر التي يحتمل أن الموصي قد عينها له في الوصية، ولا يكفي صرفه في الوجوه غير المحتملة من وجوه البر، وكذلك إذا تردد بين أشخاص غير محصورين، فينفق المال في وجوه البر على الاشخاص الذين يحتمل شمول الوصية لهم. وقد يتردد الوصي بين جهات محصورة العدد أو بين أشخاص محصوري العدد، ولا يبعد أن يكون الحكم في ذلك هو الرجوع إلى القرعة، فيصرف المال في الجهة التي تعينها القرعة من تلك الجهات، وعلى الشخص الذي تعينه القرعة من أولئك الاشخاص. [ المسألة 139: ] قد يوصي الانسان إلى أحد ويجعل على وصيه ناظرا يشترط على الوصي أن يكون ذلك الناظر مشرفا على عمله بالوصية وعلى تنفيذه لها، فإذا قبل الوصي الوصية والشرط، أو علم بالوصية المشروطة ولم يردها حتى مات الموصي، أو ردها ولم يبلغه خبر الرد حتى مات،

[ 577 ]

لزم الوصي أن يعمل بالوصية وان يطلع الناظر على عمله حتى يكون عالما بتنفيذ الوصية، ولا يصح له أن يعمل بها بغير علم الناظر واطلاعه، وإذا فعل كذلك كان مخالفا للوصية المشروطة، وكان عمله بغير اذن الموصي. والغرض من نصب هذا الناظر هو أن يحصل الوثوق بأن الوصي قد انجز الوصية حسب ما قرر الموصي، فإذا خالف الوصي الوصية اعترض عليه. [ المسألة 140: ] لا موضوعية لرأي هذا الناظر نفسه، فلا يجب على الموصي أن يتبع رأيه في التنفيذ، بل المدار أن يعلم بأنه نفذ ولم يخالف، فإذا كان من بنود الوصية أن يدفع الوصي مبلغا من المال إلى فقير مثلا، وأراد الوصي دفع المبلغ الى ابراهيم، وكان الناظر يرى أن دفعه إلى خالد أولى أو أرجح، لم يجب على الوصي أن يعمل برأي الناظر، فإذا دفع المبلغ إلى ابراهيم كما رأى صح تصرفه وليس للناظر أن يعترض عليه في ذلك، الا إذا كان الدفع إلى ابراهيم يخالف الوصية فيلزم الناظر الاعتراض في ذلك، ولا يصح للوصي فعله لمخالفته الوصية لا لمخالفة رأي الناظر. [ المسألة 141: ] وقد يوصي الانسان ويجعل على وصيه ناظرا، ويشترط على الوصي أن يكون عمله بالوصية موافقا لرأي الناظر وما يرجحه من الامور والمصالح والجهات، فيجب على الوصي العمل بالوصية المشروطة كذلك فإذا رأى الناظر رأيا أو رجح أمرا وجب على الوصي الاخذ به والعمل على وفقه، فإذا رآى الناظر أن دفع المبلغ الى خالد أرجح في المثال الآنف ذكره لزم على الوصي ان يدفع المبلغ إليه، وإذا عمل بغير رأي الناظر كان مخالفا للوصية المشروطة ولما أذن به الموصي. [ المسألة 142: ] جعل الناظر على الوصي وصية خاصة إليه بذلك، فإذا ردها الناظر في حياة الموصي وبلغه الرد قبل موته لم يجب على الناظر القيام بالنظارة

[ 578 ]

التي أوصى إليه بها، وإذا مات الموصي ولم يرد الناظر وصيته، أو ردها في حياته ولم يبلغه الخبر حتى مات لزمه القيام بالنظارة كما هو الحكم في الوصية، سواء كان الناظر من القسم الاول أم من القسم الثاني الآنف ذكرهما، ولا وظيفة له غير ذلك الا أن يضيف الموصي إليه وظيفة أخرى تتعلق بوصيته. [ المسألة 143: ] لا تجب على الناظر ممانعة الوصي عن ان يخون وصيته أو يخالفها أو يفرط فيها، نعم يجب عليه تنبيهه على المخالفة والاعتراض عليه إذا كان ذلك مما تقتضيه نظارته عرفا، فإذا خان الوصي بعد التنبيه وخالف الوصية لم يكن الناظر ضامنا ولا آثما. وإذا لزمه التنبيه ولم ينبه ولم يعترض كان آثما ولا ضمان عليه، وكذلك إذا كان من القسم الثاني ولم يبد رأيه الذي يراه صحيحا كان آثما [ المسألة 144: ] إذا جعل الموصي على وصيه ناظرا بأحد الوجهين المتقدم ذكرهما ثم مات الناظر وجب على الوصي الرجوع إلى الحاكم الشرعي ليجعل عليه ناظرا أو ليقوم له بنفسه بالنظارة. [ المسألة 145: ] تقدم في المسألة الحادية والاربعين انه يجوز للاب والجد أبي الاب أن يجعل قيما على أولاده أو أولاد ولده القاصرين، ولا يصح للاب أن يجعل قيما على أولاده إذا كان الجد موجودا، ولا يصح للجد أن ينصب قيما على أولاد ولده مع وجود أبيهم، ولا يصح للام أن تجعل قيما على أطفالها حيث لا ولاية لها عليهم. [ المسألة 146: ] يشترط في الشخص الذي يجعل قيما على القاصرين أن توجد فيه جميع الشرائط التي ذكرناها للوصي، ولا يعتبر فيه أن يكون عادلا بل يكفي فيه أن يكون أمينا موثوقا كما ذكرنا في المسألة المائة والثالثة

[ 579 ]

عشرة، ويشترط في صحة تصرفه وجود المصلحة فيه فلا يكفي في الصحة عدم المفسدة كما هو في ولاية الاب والجد. [ المسألة 147: ] يصح للاب أو الجد أن ينصب قيمين أو أكثر على أولادهما القاصرين على الوجه الذي بيناه في الوصية إلى أكثر من واحد، فيجعلهما قيمين على نحو الانضمام أو الاستقلال وتراجع المسألة المائة والعشرون وما يلحق بها، فان تفاصيل الفروض المذكورة فيها تشمل المقام، ويصح له أن يجعل كلا منهما قيما في جهة غير جهة الآخر، أو يجعل أحدهما قيما على بعض الاطفال وثانيهما قيما على الآخرين. [ المسألة 148: ] يجوز لمن ينصب قيما على القاصرين، أن يجعل على القيم ناظرا يجب ان يطلعه على تصرفه في أمور المولى عليهم وأموالهم، أو ناظرا يجب عليه أن يعمل برأيه في تصرفاته كما هو الحال في الناظر على الوصي. [ المسألة 149: ] إذا جعل الموصي قيما على أطفاله القاصرين وأطلق له الولاية عليهم، ولم يقيدها بجهة معينة، فقال له: جعلتك قيما بعد موتي على القاصرين من أولادي، جاز للقيم بعد موت الموصي أن يتولى جميع الشؤون التي تتعلق بالمولى عليهم والتي كانت في ولاية الموصي أيام حياته، فيقوم بتربيتهم وحفظهم وصيانتهم عما يريب ويشين ويوجههم إلى ما يحسن ويحمد، ويتولى حفظ أموالهم واجراء المعاملات عليها عند الحاجة من بيع واجارة ومزارعة واستيداع وتعمير وغير ذلك مما يوجب حفظ المال وصيانته ونماءه وزيادته، ويتولى الانفاق عليهم وعلى من يعولون به ممن تلزمهم نفقته ويستوفي ديونهم وحقوقهم من الناس، ويفي ما يلزمهم من ديون وحقوق وضمانات وأروش، ويجوز له أن يؤجرهم لبعض الاعمال التي يحسنون القيام بها مما يليق بهم، ويعالجهم إذا احتاجوا إلى العلاج، ويسافر بهم إذا رجح أو جاز لهم السفر، وغير ذلك مما يجوز لابيهم أو جدهم أن يتولاه من أمورهم، ويراجع مبحث أولياء العقد من كتاب النكاح في ما يتعلق بتزويجهم.

[ 580 ]

[ المسألة 150: ] إذا جعل الموصي قيما على القاصرين، وعين له جهة أو جهات خاصة يتولاها من أمورهم وترك الباقي من الجهات صح للقيم بعد موت الموصي ان يتولى الجهة الخاصة أو الجهات التي حددها له الموصي من شؤون القاصرين ولم يجز له التعدي عنها وعما حدد له فيها، ووجب الرجوع في بقية شؤونهم إلى الحاكم الشرعي يتولاها هو أو من ينصبه لذلك أو يوكله فيه، ويصح للحاكم الشرعي ان يجعل القيم نفسه وليا على بقية الجهات إذا ثبتت لديه كفاءته لذلك. [ المسألة 151: ] يتحدد انفاق القيم على الصبي بعادة أمثاله في شرفه ومنزلته الاجتماعية في البلد، في كل من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، فإذا زاد القيم في الانفاق من مال الطفل على ذلك كان ضامنا للزائد، وإذا قتر ففاضل النفقة الذي يحصل من التقتير ملك الصبي. وقد تحدده الضرورة بأقل من ذلك فتجب على القيم مراعاتها، ومثال ذلك أن يفتقر الغني الشريف ذو المنزلة، فإذا أطعم الصبي أو ألبس كما تقتضيه عادته وعادة نظرائه لم يتسع لذلك ماله الموجود، وإذا اتسعت أموال الصبي الفقير، فان أوجب ذلك تحولا في منزلته ومكانته في نظر العقلاء جاز للقيم أن يوسع في الانفاق عليه وان لم يوجب له شيئا مضى معه على سيرته الاولى. [ المسألة 152: ] قد تقتضي مصلحة القاصر ان يشتري القيم له شيئا بأكثر من ثمن المثل، فإذا اشترى له متاعا معينا بمائتي دينار مثلا، وكان المتاع عزيز الوجود في السوق وقيمته لو وجد مائة وخمسون دينارا، ثم انقطع وجوده في الايام اللاحقة، وباعه القيم للطفل بثلاثمائة دينار، فربح مائة دينار صحت المعاملات عليه في شرائه وبيعه. وإذا احتاج الطفل إلى دار يسكنها وهي عزيزة الوجود كذلك، ووجدها القيم بعد الفحص فاشتراها للطفل بألفي دينار مثلا، لندرتها وشدة الحاجة إليها، وقيمتها في ذلك اليوم لولا هذه الناحية ألف وثمانمائة دينار،

[ 581 ]

ثم أصبحت بعد ذلك تساوي ثلاثة آلاف دينار أو أكثر، فالاقوى صحة المعاملة في مثل هذه الفروض، والمدار في الصحة على وجود المصلحة في نظر العقلاء لا على وجود المصلحة في معتقد القيم نفسه، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والعاشرة من كتاب التجارة في فصل شرائط المتعاقدين. [ الفصل الخامس ] [ في بعض أحكام الوصية ] [ المسألة 153: ] إذا بلغ الصبي المولى عليه الحلم ورشد، فطالب القيم بماله الذي كان في يده، وادعى القيم أنه أنفق بعض المال عليه في أيام صغره، أو أنه أنفق الجميع عليه في تلك الايام، وأنكر المولى عليه انه انفق عليه شيئا منها، فالقول قول الولي مع يمينه، الا ان يقيم الصبي بينة على صحة ما يدعيه، وكذلك الحكم إذا ادعى المولى عليه أن القيم قد أسرف في الانفاق عليه، فيكون ضامنا للزيادة في الانفاق، وانكر القيم انه أسرف، فالقول قول القيم مع يمينه الا أن يثبت الصبي صحة مدعاه، ويجري مثل ذلك في غير الوصي من الاولياء كالاب والجد إذا اختلف مع المولى عليه بعد بلوغه في أصل الانفاق أو في الاسراف، وقد مر هذا في المسألة الخامسة والتسعين من كتاب الوكالة. [ المسألة 154: ] إذا ادعى المولى عليه بعد بلوغه ورشده ان القيم قد باع داره أو بعض أمواله من غير ضرورة أو مصلحة تعود إليه في بيعها فيكون مفرطا ضامنا أو تكون معاملته غير صحيحة وانكر القيم قوله، فالقول قول القيم مع يمينه، لانه أمين. [ المسألة 155: ] إذا طالب المولى عليه القيم بالمال بعد بلوغه ورشده، فادعى القيم انه قد دفع المال إليه بعد بلوغه وانكر المولى عليه ذلك، فالقول قول المولى عليه المنكر مع يمينه، الا ان يثبت القيم صحة ما يدعيه، ويجري

[ 582 ]

هذا الحكم في غير القيم من الاولياء إذا اختلف مع المولى عليه في ذلك، وقد مر هذا في المسألة الرابعة والتسعين من كتاب الوكالة. [ المسألة 156: ] يجوز للقيم على اليتيم إذا تولى أموره والتصرف في أمواله أن يأخذ من مال اليتيم مقدار أجرة المثل لعمله، وهذا إذا كان القيم فقيرا وكان عمله مما له أجرة في نظر أهل العرف، ويشكل الحكم بجواز أخذه إذا كان غنيا، والاحوط له اجتناب ذلك، وإذا كان العمل مما ليس له أجرة في المتعارف بين الناس لم يجز للقيم أن يأخذ عليه شيئا سواء كان فقيرا أم غنيا. [ المسألة 157: ] إذا عين الموصي للقيم أجرة على عمله في مال اليتيم ثبتت له سواء كان فقيرا أم غنيا، وسواء كانت بمقدار أجرة المثل أم أقل منها أم أكثر، وأخرجت من ثلث الموصي، وإذا كانت أكثر من الثلث لم تنفذ في ما زاد عليه الا باجازة الوارث. [ المسألة 158: ] إذا كانت الاجرة التي عينها الموصي للقيم أقل من أجرة المثل لعمله وكان فقيرا، فان كان قد قبل بذلك بعد اطلاعه على مقدار الاجرة، فليس له أن يطالب بأكثر منها، وان هو لم يطلع على مقدار الاجرة أو اطلع عليه ولم يقبل ولم يرد قبل موت الموصي أشكل الحكم في ذلك، والاستعفاف له أحوط. [ المسألة 159: ] إذا جعل الانسان أحدا وصيا من بعده على تنفيذ وصاياه، فقد يصرح في وصيته أن الوصي يتولى العمل بالوصية مجانا من غير أجرة، فإذا علم الوصي بالوصية كذلك، ولم يرد الوصية، أو ردها بعد موت الموصي أو ردها في حياته ولم يبلغه الخبر حتى مات، لزمه العمل بالوصية ولم يستحق على عمله أجرة، على اشكال في بعض الصور. وكذلك الحكم إذا دلت القرينة الحافة على ذلك دلالة ظاهرة عند العقلاء، كما إذا أوصى الرجل بجميع ثلثه أو أوصى بتقسيمه في

[ 583 ]

وجوه عينها تمليكا أو تبرعا، ولم يبق من الثلث شئ ليعطى أجرة للوصي، فيجري فيه الحكم المتقدم. وإذا أوصى إليه ولم يصرح بأن يكون عمله بالوصية مجانا، ولم تدل القرينة على ذلك، وكان عمله مما له أجرة عرفا، استحق عليه أجرة المثل، وجاز له ان يأخذها من الثلث. [ المسألة 160: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد أن يصلي عنه مثلا أو يصوم، لم يجب على الوصي قبول الوصية، وان لم يعلم بها الا بعد موت الموصي، فلا يجب عليه العمل بالوصية سواء جعل له على العمل أجرة معينة أم لم يجعل له شيئا. وإذا أوصى إليه أن يصلي عنه أو يصوم أن يحج مجانا، وقبل الوصية بذلك في حياة الموصي وجب عليه العمل بالوصية ويشكل جواز ردها بعد الوفاة إذا قبلها في حياة الموصي. [ المسألة 161: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد أن يصلي عنه بعد موته مدة معينة، أو أن يصوم عنه شهرا مثلا أو أن يحج عنه، وعين له أجرة معينة، فقال له: صل عني مدة سنة بمائة دينار، وقبل منه ذلك في حياته صح ذلك اجارة ولزمه الوفاء بها، فإذا أتى بالعمل استحق عليه الاجرة المعينة، وكذلك إذا قال له: حج عني بمائتي دينار وقبل ذلك عنه، وإذا لم يحصل القبول في حياة الموصي، لم تلزمه الاجارة، وكذلك إذا كانت الاجرة غير معلومة. [ المسألة 162: ] يجوز للموصي أن يلغي وصيته التي أوصى بها عن الاعتبار فيسقط وجوب العمل بها ولا يستبدل مكانها وصية أخرى، ويجوز له أن يعدل عنها إلى غيرها مادام موجودا، فيبدل جميع بنودها التي أوصى بها ببنود جديدة أخرى أو يبدل بعضها ويبقي بعضا، أو يسقط بعضها ويبقي بعضا، فتلغى وصيته الاولى وتصح وصيته الثانية إذا كان جامعا للشرائط المعتبرة في الموصي.

[ 584 ]

فيصح له أن يبدل الوصي بوصي غيره أو يضمه إليه، وأن يبدل الاشياء أو الاعيان أو المقادير التي أوصي بها من المال باشياء أو أعيان أو مقادير أخرى، وأن يغير الشخص أو الاشخاص أو الجهات التي أوصى لها إلى أشخاص وجهات غيرها، ويجوز له ان يجعلها تمليكية بعد أن كانت عهدية أو بالعكس، وأن يدخل على الوصية أو على بعضها تعديلات أو اضافات جديدة يرتضيها. وإذا عدل عن بعضها بقيت الوصية صحيحة يجب تنفيذها في البعض الآخر الذي لم يعدل عنه، ويجري في الوصية الجديدة التي عدل إليها كلا أو بعضا أو أجرى التعديل فيها جميع ما ذكرناه من الاحكام والآثار للوصية الاولى. [ المسألة 163: ] يجوز للموصي أن يعدل عن وصيته بالولاية على القاصرين، فيبدل القيم بقيم آخر، أو يضمه إليه أو يجعل عليه ناظرا، أو يجعل له منهجا آخر في تصرفه في أموال الطفل، أو يقيد ولايته عليه بقيود، أو يطلقها من بعض القيود المذكورة في الوصية الاولى. [ المسألة 164: ] إذا كان الوصي أو القيم قد رد الوصية الاولى للموصي فلا يعني هذا انه رد الوصية الثانية التي عدل إليها فإذا هو لم يرد الثانية حتى مات الموصي وجب عليه العمل بها وان كان قد رد وصيته الاولى. [ المسألة 165: ] يحصل الرجوع عن الوصية إذا قال الموصي: رجعت عن وصيتي، أو عدلت عنها أو اسقطتها، أو لا يعمل بتلك الوصية بعد موتي، وأمثال ذلك من الالفاظ الدالة عليه في متفاهم أهل المحاورة، وقد يحصل الرجوع عنها بالفعل، كما إذا فعل الموصي فعلا أو أجرى معاملة تضاد الفعل الذي أوصى به، فباع العين التي أوصى بوقفها، أو بتمليكها لاخيه زيد، أو وكل أحدا في بيعها، وكما إذا أوصى بتمليك ثلثه لزيد بعد وفاته بعد أن كان قد أوصى بصرفه في الخيرات، أو بالعكس.

[ 585 ]

[ المسألة 166: ] لا يحدد وجوب العمل بالوصية بمضي مدة معينة قصيرة أو طويلة، فإذا أوصى الموصي ثم مات بعد ذلك بمدة قليلة وجب تنفيذ وصيته، وإذا بقي بعد الوصية سنين متطاولة ثم مات، وجب العمل بها بعد موته إذا هو لم يرجع عنها، ومثله ما إذا لم يعلم برجوعه عنها، فإذا شك في انه رجع عن وصيته أم لا، بني على عدم الرجوع، ونفذت الوصية. [ المسألة 167: ] إذا مات الرجل وهو يملي وصاياه أو وهو يكتبها، وكان تام الشعور في ذلك الحال، وجب تنفيذ كل وصية قد أتم بيانها وانعقد ظهورها في المعنى المقصود منها، وسقطت الوصية التي لم تتم ولم يتضح جميع المراد منها، الا أن يكون قد ذكرها أولا تامة للشهود، ثم انقطع عن ذكرها عند الكتابة أو الاملاء، فينفذ ما تشهد به الشهود. [ المسألة 168: ] قد تعرض للشخص بعض الاسفار المخيفة أو بعض الامراض الخطرة فيوصي ببعض ما يهمه من الامور، ويقيد وصيته بالموت في ذلك السفر أو بسبب ذلك المرض، فيقول: إذا أنا مت في هذا السفر أو في هذا المرض فوصيي من بعدي فلان، وعليه أن يفعل كذا، فإذا مات الموصي في سفره أو في مرضه وجب العمل بوصيته، وإذا لم يمت في السفر أو المرض الذي قيد به وصيته، سقطت الوصية ولم يجب العمل بها. وإذا لم يقيد الوصية بالموت في ذلك السفر أو بسبب ذلك المرض، بل كان خوف الموت فيهما داعيا له إلى الوصية بما يهمه، كما هو الظاهر من حال الذين يسافرون إلى الحج أو إلى أماكن أخرى بعيدة وفي طرق غير مأمونة، أو يقعون في أمراض شديدة، فالاقرب وجوب العمل بالوصية وان لم يمت في سفرة أو في مرضه المعين، بل وان بقي بعد ذلك مدة طويلة، الا إذا عدل عن وصيته تلك. [ المسألة 169: ] تثبت الوصية بالقيمومة على القاصرين أو على أموالهم بشهادة رجلين

[ 586 ]

عادلين، وتثبت كذلك باقرار الموصي نفسه بأنه قد جعل زيدا قيما على أولاده الصغار أو على أولاد ولده، ولا تثبت بغير ذلك من المثبتات للوصايا المالية الآتي ذكرها، وكذلك الحكم في الوصية إليه بأن يقوم بتنفيذ وصيته المالية أو العهدية فلا تثبت الا بالبينة العادلة أو باقرار الموصي، ومثلهما نفس الوصية العهدية التي لا تتعلق بالمال. [ المسألة 170: ] تثبت الوصية بالمال سواء كانت تمليكية أم تبرعية بشهادة مسلمين عادلين، وتثبت بشهادة مسلم واحد عادل مع امرأتين مسلمتين عادلتين، وبشهادة مسلم واحد عادل مع يمين الموصى له، وهي بهذه المثبتات تشترك مع سائر الدعاوى المالية المعروفة. [ المسألة 171: ] تختص الوصية بالمال بأنها تثبت أيضا بشهادة النساء منفردات عن الرجال، فإذا شهدت بالوصية المالية امرأة مسلمة عادلة ثبت بشهادتها ربع المال الموصى به، وإذا شهدت بها امرأتان مسلمتان عادلتان ثبت بشهادتهما نصف المال، وإذا شهدت بها ثلاث نساء مسلمات عادلات ثبت بشهادتهن ثلاثة أرباع المال، وإذا شهدت بها أربع نساء مسلمات عادلات ثبت بشهادتهن جميع المال الموصى به. وتختص الوصية بالمال بأنها تثبت بشهادة رجلين من أهل الذمة عادلين كذلك في دينهما، وهذا انما يكون عند الاضطرار وعدم وجود العدول المسلمين من الرجال والنساء لسفر أو غيره. [ المسألة 172: ] إذا أقر الورثة كلهم بأن مورثهم قد أوصى بثلثه أو ببعضه وصية تمليكية لشخص أو لاشخاص معلومين أو أوصى بصرف ثلثه في جهة أو جهات معينة أو غير معينة وكان الورثة المقرون بالغين راشدين، ثبتت الوصية باقرارهم ووجب تنفيذها والعمل بها. وإذا أقر بالوصية بعض الورثة دون بعض وكان في المقر منهم شخصان عادلان أو أكثر، ثبتت الوصية كذلك سواء كانت تمليكية أم

[ 587 ]

تبرعية أم عهدية غير مالية، ووجب تنفيذ المالية في حصص المقرين وغيرهم حتى حصص القاصرون منهم. وإذا أقر بالوصية بعض الورثة دون بعض، نفذت الوصية في حصص المقرين منهم، وإذا كان في المقرين منهم رجل عادل وكانت الوصية تمليكية، أمكن أن يضم يمين الشخص الموصى له إلى الشهادة ذلك العادل وتثبت بهما الوصية له حتى في حصص الآخرين والقاصرين، وإذا تعدد الموصى لهم وحلف بعضهم ولم يحلف الآخر ثبتت الوصية لمن حلف ولم يثبت الوصية للآخر، وإذا أقرت بالوصية المالية من الورثة امرأة مسلمة عادلة نفذت الوصية في حصتها، ونفذت في الربع من حصص الباقين، وإذا أقرت بالوصية منهم امرأتان مسلمتان عادلتان، نفذت الوصية في حصتيهما وفي النصف من حصص الآخرين، وإذا أقرت منهن ثلاث نساء عادلات، نفذت الوصية في حصصهن وفي ثلاثة الارباع من حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت الوصية في الجميع. [ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية، ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته، فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية. [ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم أن يلحقوا في كتاب الوصية حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت الوصية في الجميع. [ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية، ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته، فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية. [ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم أن يلحقوا في كتاب الوصية أحكام التصرفات التي يقوم المريض بتنجيزها في مرضه الذي يموت

[ 588 ]

فيه ويسمونها بمنجزات المريض، ويلحقوا بها أحكام اقراره بالدين أو ببعض الامور الاخرى، وقد تعرضنا لتفصيل ذلك وتبيين أحكامه في الفصل الرابع من كتاب الحجر، فليرجع إليه من يريد. والحمد لله رب العالمين وأفضل صلواته وتسليماته ورحماته وبركاته على سيد المرسلين وآله المطهرين. حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت الوصية في الجميع. [ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية، ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته، فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية. [ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم أن يلحقوا في كتاب الوصية أحكام التصرفات التي يقوم المريض بتنجيزها في مرضه الذي يموت

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية