الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كلمة التقوى - الشيخ محمد أمين زين الدين ج 5

كلمة التقوى

الشيخ محمد أمين زين الدين ج 5


[ 1 ]

كلمة التقوى الجزء الخامس كتاب الشفعة فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شئ عليما.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، وافضل صلواته وتسليماته وبركاته الدائمة ورحماته الشاملة المباركة على سيد الاولين والآخرين محمد وآله المطهرين المعصومين المنتجين. ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير. وبعد فهذا هو الجزء الخامس من رسالة كلمة التقوى، وهو يحتوي على كتاب الشفعة، وكتاب الجعالة، وكتاب العارية، وكتاب الوديعة، وكتاب إحياء الموات، وما يتبع ذلك من المشتركات العامة، وكتاب المزارعة والمساقاة وكتاب السبق والرماية، وكتاب الاقرار، من كتب المعاملات ومن الله عز اسمه اسأل لي ولجميع اخواني في ديني وأوليائي فيه ان يتم علينا نعمه، ويتفضل علينا بالمزيد من فضله وطوله وهداه، وأن يزكي أنفسنا ويثبت أقدامنا، ويبلغنا ما نأمل من توفيقه ورعايته وكفايته في جميع امورنا في دنيانا وأخرانا. انه أرحم الراحمين وخير الغافرين وأن يستجيب. لعبده المفتقر إليه محمد أمين زين الدين

[ 4 ]

[ كتاب الشفعة ] وهذا الكتاب يشتمل على ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في موارد ثبوت الشفعة وشروطها ] (المسألة الاولى): إذا كانت العين المملوكة مشتركة بين شخصين على وجه الاشاعة بينهما، ثم باع أحد الشريكين حصته المشاعة من العين على شخص آخر غير شريكه، ثبت لشريكه الحق في أن يتملك الحصة المبيعة بالثمن الذي اشتراها به الاجنبي، وكان الشريك أحق بها من ذلك الاجنبي، وان لم يرض المشتري بتملكه وشفعته، وهذا إذا اجتمعت الشروط الآتي بيانها ويسمى هذا الحق الذي يثبت له حق الشفعة ويسمى الشريك الذي ثبت له حق التملك شفيعا. (المسألة الثانية): يثبت حق الشفعة للشريك إذا كان المبيع من الاعيان غير المنقولة، كالبساتين والمساكن والعقارات وغيرها، سواء كان مما يقبل القسمة أم كان مما لا يقبلها عادة كالدور والعقارات الضيقة، وتثبت الشفعة أيضا على الاصح في الشجر والنخيل والابنية، والتمار على النخيل والاشجار إذا باعها الشريك كذلك، وتثبت أيضا في الاعيان المنقولة كالثياب والمتاع والآلات والحيوان والمماليك من الانسان ونحو ذلك، فإذا كانت العين المبيعة في جميع هذه الصور مشتركة بين شريكين على نحو الاشاعة، وباع احدهما حصته على شخص غير شريكه استحق شريكه أن يشفع في الحصة المبيعة فيتملكها بالثمن الذي جرى عليه عقد البيع على ذلك المشتري وان كانت العين من المنقولات أو كانت مما لا تقبل القسمة عادة.

[ 5 ]

(المسألة الثالثة): لا تثبت الشفعة على الاحوط، ان لم يكن عدم ثبوتها هو الاقوى: في السفينة ولا في النهر ولا في الطريق ولا في الحمام ولا في الرحى، إذا كانت هذه الاشياء مشتركة بين مالكين وكانت غير قابلة للقسمة، فإذا باع أحد الشريكين فيها حصته من العين على شخص ثالث فلا شفعة للشريك الثاني في الحصة، فتستثني هذه الاشياء الخمسة من المبيعات المشتركة التي تثبت فيها الشفعة. (المسألة الرابعة): يشترط في ثبوت حق الشفعة ان تكون العين مشتركة ومشاعة غير مقسومة بالفعل كما تقدم بيان ذلك، فإذا قسمت العين المشتركة وتعين لكل من المالكين نصيبه الخاص منها ثم باع احدهما حصته التي اختص بها بعد القسمة فلا شفعة لشريكه في المبيع، عدا الصورة التي سيأتي استثناؤها ولا شفعة بسبب الجوار، فإذا كانت لكل واحد من المتجاورين دار يختص بملكها تقع في جنب دار صاحبه ثم باع احدهما داره على شخص ثالث لم يثبت لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة المجاورة له، وكذلك إذا كان الشخصان شريكين في دار غير مقسومة بينهما وكانت لاحد الشريكين دار ثانية يختص بملكها تقع في جنب الدار المشتركة المذكورة فإذا باع تلك الدار التي يختص بها على احد لم يثبت لشريكه في الدار المشتركة

[ 6 ]

حق الشفعة في بيع داره الخاصة. ويلاحظ الاستثناء الذي سنذكره في المسألة الآتية فانه يعم الفروض الثلاثة التي ذكرناها في هذه المسألة. (المسألة الخامسة): إذا قسمت الدار المشتركة بين شخصين، وانفرد كل واحد من الشريكين بحصة خاصة منها وزالت الاشاعة بينهما، فلا شفعة إذا وقع بيع لاحدى الحصتين بعد القسمة والافراز، وقد ذكرنا هذا في المسألة الماضية. ويستثنى من هذا الحكم ما إذا كان الطريق إلى الحصتين مشتركا بينهما لم يقسم، فإذا باع احد الشريكين حصته المعينة له من الدار المقسومة على شخص آخر وضم البايع إليها في البيع حصته المشاعة من الطريق الذي لم يقسم، ثبت للشريك الثاني حق الشفعة في كل من الحصة المبيعة من الدار، ومن الطريق غير المقسوم الذي جرى عليه البيع. ومثله الحكم في المالكين المتجاورين، فإذا كان بينهما طريق يشتركان في ملكه على وجه الاشاعة، وباع احدهما داره الخاصة به، وباع معها حصته المشاعة من الطريق المشترك على شخص ثالث، ثبت لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة مع الحصة من الطريق فيجوز له ان يتملكها بالثمن الذي جرى عليه عقد البيع على ذلك المشتري وكذلك الحكم في الفرض الاخير من المسألة المتقدمة. (المسألة السادسة): إذا باع الشريك حصته التي عينت له من الدار بعد قسمتها مع شريكه فيها ولم يضم إليها في المبيع حصته من الطريق المشترك، فلا شفعة لشريكه في بيع الحصة في الدار كما قلنا ولا في الحصة من الطريق، ولا حق للمشتري في الحصة

[ 7 ]

من الطريق أيضا وتبقى ملكا لصاحبها، فإذا باعها بعد ذلك وحدها كان لشريكه في الطريق حق الشفعة فيها إذا كان الطريق المشترك قابلا للقسمة، وكذلك الحكم إذا باع الجار داره المجاورة لصاحبه ولم يضم إليها في البيع حصته من الطريق المشترك بينهما، فلا شفعة لجاره في بيع الدار ولا في الحصة من الطريق، وان كان شريكا له فيه، وإذا باع الحصة من الطريق منفردة كان لشريكه في الطريق حق في الشفعة في بيعها إذا كان الطريق قابلا للقسمة. (المسألة السابعة): يختص ثبوت الحق الذي ذكرناه في المسألة الخامسة بالدار المشتركة إذا قسمت ثم باع الشريك حصته منها بعد قسمتها وافرازها، ولا يجري في الاملاك الاخرى المشتركة كالبساتين والمحلات والدكاكين والعقار، فإذا قسمت وباع الشريك حصته منها بعد القسمة وافراز الحصة على اجنبي فلا شفعة للشريك في الحصة المبيعة وان اشتركت معه في الطريق. نعم، يجري ذلك على الظاهر في الدار المشتركة إذا قسمت، ثم غير الشريك حصته بعد قسمة الدار وافراز الحصة فبناها دكاكين أو محلات أو عقارا آخر أو جعلها ارضا فارغة لبعض الغايات المقصودة في ذلك أو صيرها بستانا، فإذا باعها بعد تغييرها وضم إليها حصته من الطريق المشترك بينه وبين شريكه ثبت للشريك حق الشفعة في المبيع. (المسألة الثامنة): لا يلحق اشتراك الدارين بنهر أو ببئر بساقية باشتراكهما بالطريق في الحكم المتقدم كما يراه جماعة من العلماء فإذا قسمت الدار المشتركة الى دارين أو إلى

[ 8 ]

حصتين وانفرد كل واحد من الشريكين بواحد منهما، ثم باع احد الشريكين حصته التي عينت له من الدار على شخص ثالث وباع معها حصته المشاعة من النهر أو الساقية أو البئر المشترك بينها وبين الحصة الاخرى بثمن معلوم، لم يثبت للشريك الآخر حق الشفعة في الدار المبيعة، وكذلك في الدارين المتجاورتين إذا باع احد الجارين داره المعلومة مع حصته المشاعة من النهر أو الساقية أو البئر المشترك فلا يثبت بذلك لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة. نعم يثبت للشريك حق الشفعة إذا باع شريكه حصته من البئر المشترك ويثبت له حق الشفعة إذا باع شريكه حصته من النهر أو من الساقية إذا كانا قابلين للقسمة، ولا شفعة له فيهما إذا كانا غير قابلين لها وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة (المسألة التاسعة): يشترط في ثبوت حق الشفعة أن تكون العين مشتركة بين شخصين لا اكثر فإذا زاد عدد الشركاء في العين على اثنين وباع بعضهم حصته منها لم تثبت الشفعة في بيعها للشركاء الاخرين، والظاهر عدم الفرق بين أن يكون الشريك الذي يبيع حصته واحدا منهم فيتعدد الشفعاء فيها، وأن يكون متعددا، فيتساوى عدد من يبيع من الشركاء ومن يشفع أو يختلف، بل وان باعوا جميعا الا واحدا منهم فيكون هو الشفيع وحده، فلا تثبت الشفعة حتى في هذه الصورة. (المسألة العاشرة): إذا كانت العين مشتركة بين مالكين لا اكثر، ثم باع أحد المالكين حصته المشاعة على شخصين أو على أكثر، ثبت لشريكه في العين حق الشفعة في حصته التي باعها، وان أصبح الشركاء في العين متعددين بعد هذا البيع، وجاز للشريك أن

[ 9 ]

يشفع في جميع الحصة فتصبح العين بعد أخذه بالشفعة كلها ملكا له خاصة، وجاز له أن يبعض في أخذه بالشفعة، فيشفع في نصيب بعض المشترين بما ينوبه من الثمن، ولا يشفع في نصيب الباقي منهم. (المسألة 11): لا يشترط في ثبوت حق الشفعة أن يكون الشريكان متساويين في مقدار ما يملكانه من العين، فإذا ملك أحدهما ثلث العين أو ربعها أو أقل من ذلك أو أكثر وملك الثاني الباقي منها، ثم باع أحدهما حصته منها على شخص ثالث غيرهما استحق الشريك الآخر الشفعة فيها سواء كان أقل من البايع حصة أم اكثر، ومثال ذلك أن يموت الاب ويخلف بعد موته ولدا وبنتا، ويترك لهما دارا، فيرث الولد ثلثي الدار وترث البنت ثلثها، فإذا باع الولد حصته وهي الثلثان جاز للبنت أن تشفع في بيع حصة أخيها وان كانت هي اقل نصيبا منه، وإذا باعت البنت حصتها وهي الثلث جاز للولد أن يشفع في حصة أخته وان كان أكثر نصيبا منها. (المسألة 12): إذا باع أحد الشريكين في العين بعضا من حصته التي يملكها فيها ثبت لشريكه حق الشفعة في ذلك البعض الذي باع من الحصة، فإذا أخذ بالشفعة ملك ذلك البعض المبيع من الحصة بالثمن المعين الذي جرى به البيع وبقى البعض الذي لم يجر عليه البيع من الحصة في ملك البايع فلا يختص ثبوت حق الشفعة في أن يبيع الشريك جميع حصته من العين. (المسألة 13): لا يثبت حق الشفعة في غير البيع من المعاوضات، فإذا صالح الشريك أحدا

[ 10 ]

على حصته المشاعة من العين المشتركة بينه وبين المالك الآخر بعوض معلوم، أو وهبها للغير هبة معوضة بعوض معين أو جعل حصته صداقا لامرأة في زواج، أو جعلتها المرأة فدية في خلع أو مباراة، أو جعلت عوضا لشئ في احدى المعاملات الاخرى، لم يثبت للشريك الثاني حق الشفعة فيها في جميع هذه الفروض. (المسألة 14): إذا باع الرجل على أحد دارا أو متاعا أو شيئا آخر يختص به ملكه ولا يكون مشتركا بينه وبين مالك آخر، وضم إليه في البيع حصة مشاعة من دار أو عين اخرى يشترك فيها مع غيره، فباعهما معا صفقة واحدة بثمن واحد معلوم، ثبت لشريكه حق الشفعة في الحصة المبيعة من العين المشتركة بما ينوب عن تلك الحصة من الثمن ولا شفعة له في الدار أو الشئ الذي يختص به البايع. (المسألة 15): لا يثبت حق الشفعة لمتولي الوقف، ولا للشخص الموقوف عليه وان كان واحدا، إذا باع شريكه حصته المملوكة له من العين المشتركة بين الوقف والمالك المذكور، ومثال ذلك أن تكون دارا أو عين أخرى مشتركة على وجه الاشاعة بين وقف وملك مطلق، فحصة مشاعة من تلك الدار موقوفة على جهة خاصة، أو على شخص موقوف عليه، وحصة اخرى مشاعة من الدار مملوكة لمالك معين يتصرف فيها كيف يشاء، فإذا باع الشريك حصته التي يملكها من الدار على أحد، فلا شفعة لمتولي الجهة الموقوف عليها أو الشخص الموقوف عليه في الحصة التي باعها الشريك من العين.

[ 11 ]

وإذا طرأ للحصة الموقوفة في المثال الذي ذكرناه بعض الطوارئ المسوغة لبيع الوقف، فان كان الوقف على جهة خاصة، وباع متولى الوقف تلك الحصة الموقوفة جاز للشريك المالك للحصة الثانية أن يشفع في البيع، وان كان الوقف على شخص موقوف عليه وباع الحصة الموقوفة عليه أشكل الحكم بثبوت الشفعة للشريك، وان كان الشخص الموقوف عليه واحدا عند بيع الوقف، فان الموقوف عليه متعدد غير منحصر في أصل الوقف، بحسب العادة المتعارفة في الوقف والا تكن من المنقطع الاخر وأشد من ذلك اشكالا ما إذا تعدد الاشخاص الموقوف عليهم عند بيع الحصة الموقوفة.

[ 12 ]

[ الفصل الثاني ] [ في الشفيع ] (المسألة 16): لا يثبت حق الشفعة للكافر إذا كان المشتري الذي باع الشريك عليه حصته مسلما، ولا فرق في هذا الحكم بين اصناف الكفار ومللهم، ولذلك فيشترط في ثبوت الحق للشفيع أن يكون مسلما إذا كان الذي اشترى الحصة مسلما، سواء اشتراها من مسلم أم من كافر حربي أو ذمي أو مرتد، ويثبت حق الشفعة للشفيع المسلم على المشتري سواء كان مسلما أم كافرا حربيا أو ذميا أو مرتدا، وتثبت الشفعة للكافر على المشتري إذا كان كافرا وان خالفه في الصنف أو في الملة، نعم يشكل الحكم بثبوت الشفعة للكافر على المشتري إذا كان مرتدا. (المسألة 17): يشترط في ثبوت حق الشفعة للشفيع أن يكون قادرا على تأدية الثمن تاما عند أخذه بالشفعة ولو بالاقتراض أو بيع بعض ما يملك، فلا يثبت له حق الشفعة إذا كان عاجزا عن اداء جميع الثمن أو عاجزا عن اداء بعضه، ولا يكفي في تحقق هذا الشرط أن يضمن الثمن عنه ضامن، وان كان موثوقا به أو يجعل عليه رهنا، وإذا رضي المشتري بتأجيل الثمن أو رضي بضمان الضامن أو بالرهن صح ولم يسقط

[ 13 ]

حقه من الشفعة. (المسألة 18): إذا أخذ الشريك بالشفعة وخرج من المكان ليحضر الثمن وكان مع المشتري في بلد واحد، انتظر به ثلاثة أيام من الوقت الذي أخذ فيه بالشفعة، فان هو أحضر المال في المدة نفذت شفعته وكانت الحصة المبيعة ملكا له، وإذا انقضت الايام الثلاثة ولم يحضر الثمن فيها، نفذ البيع للمشتري وسقطت شفعة الشفيع ويكفي في المدة أن تكون الايام الثلاثة ملفقة، فإذا أخذ الشريك بالشفعة في أول الساعة الرابعة من النهار كانت نهاية المدة في أول الساعة الرابعة من اليوم الرابع. وإذا كان المال في بلد آخر انتظر بالشفيع مدة يمكنه فيها السفر بحسب العادة المتعارفة بين الناس إلى البلد الذي فيه المال والرجوع منه، ويزيد على ذلك بثلاثة أيام بعد رجوعه فان أحضر الثمن في تلك المدة صحت شفعته، وإذا انتهى الاجل ولم يحضر الثمن فلا شفعة له، وتكفي المدة الملفقة أيضا كما تقدم. (المسألة 19): إذا كان تأجيل دفع الثمن إلى أن يسافر الشريك أو وكيله إلى البلد الآخر الذي يدعي وجود المال فيه، ثم الرجوع منه مما يوجب الضرر على المشتري فالظاهر سقوط حق الشريك من الشفعة ونفوذ البيع في الحصة للمشتري. (المسألة 20): لا يشترط في ثبوت حق الشفعة للشفيع ان يكون حاضرا في المجلس الذي جرى فيه عقد البيع للحصة، أو يكون حاضرا في بلد البيع، فإذا وقع البيع على الحصة من العين المشتركة بينه وبين شريكه البايع، وكان الشفيع غائبا عن المجلس

[ 14 ]

أو غائبا عن البلد، ثم علم به بعد مدة كان له حق الشفعة في الحصة، ولم يسقط حقه بذلك، وان كانت المدة طويلة، بل يكون له حق الشفعة وان كان بلده غير بلد البيع فإذا علم به جاز له أن يأخذ بالشفعة. وإذا كان للشفيع وكيل مفوض في التصرف عنه، وان كانت وكالته اياه على نحو العموم، أو كان له وكيل في الاخذ بالشفعة، جاز للوكيل العام أو الخاص أن يأخذ له بالشفعة إذا علم وان لم يعلم الموكل نفسه بالبيع. (المسألة 21): يثبت حق الشفعة للشريك وان كان سفيها قد حجر عليه في التصرف لسفهه ويأخذ له وليه الشرعي بالشفعة، وإذا علم الولي الشرعي بثبوت حق الشفعة للسفيه على الوجه الصحيح، واذن الولي للسفيه في أن يأخذ لنفسه بالشفعة، جاز له أن يتولى ذلك ويأخذ بالشفعة، وإذا سبق السفيه فأخذ لنفسه بالشفعة ثم أجاز الولي فعله بعد الاخذ صحت شفعته ونفذت. وتثبت الشفعة للشريك المفلس إذا لم يزاحم حقوق الغرماء في المال الموجود، ومثال ذلك أن يرضى الغرماء جميعا له بأن يدفع الثمن من المال الموجود ومن امثلة ذلك أن يرضى المشتري بأن يبقى ثمن الحصة دينا في ذمته فلا يزاحم به حقوق الغرماء في المال الموجود، ومن امثلة ذلك ان يستدين المفلس من أحد دينا جديدا يفي به الثمن، فتصح شفعته في جميع ذلك. (المسألة 22): لا يشترط في ثبوت الحق للشفيع أن يكون بالغا، ولا يشترط فيه أن يكون عاقلا فيثبت له الحق إذا كان طفلا مميزا أو غير مميز، وباع شريكه حصته من العين

[ 15 ]

المشتركة بينهما، ويتولى وليه الشرعي الاخذ بالشفعة له، ويثبت له الحق كذلك إذا كان مجنونا وان كان غير مميز، ويتولى وليه ذلك كما في الطفل، فإذا كان ولي الصبي أو المجنون هو الاب أو الجد للاب كفى في صحة تصرفه عنهما أن لا تكون في الاخذ بالشفعة لهما مفسدة تعود عليهما، وإذا كان وليهما غير الاب والجد كالوصي من الاب أو الجد، وكالقيم المنصوب من الحاكم الشرعي، لم ينفذ تصرفه إلا مع وجود المصلحة لهما في التصرف، وقد بينا هذا في كتاب التجارة وفي كتاب الحجر. (المسألة 23): إذا ثبت للصبي حق الشفعة في الحصة التي باعها شريكه، وكان الصبي مميزا ويحسن الاخذ بالشفعة، وعلم وليه الشرعي باجتماع الشرائط كلها في المعاملة وفي الصبي نفسه، جاز للولي أن يأذن للصبي بأن يأخذ لنفسه بالشفعة فإذا أخذ الصبي بها بعد الاذن من الولي نفذ تصرفه على الاقوى. (المسألة 24): الشفعة حق من الحقوق الشرعية التي تثبت للانسان عند طروء أحد أسبابها ومن أحكام الحق أنه يسقط إذا اسقطه صاحبه باختياره، أو اسقطه من يقوم مقامه وسيأتي لذلك مزيد ايضاح وبيان، ونتيجة لذلك فإذا ثبتت الشفعة للصبي أو للمجنون جاز للولي الشرعي عليهما أن يسقط هذا الحق، إذا دعت مصلحة الصبي أو المجنون صاحب الحق إلى اسقاطه، بل وجاز للاب والجد أبي ألاب أن يسقطا هذا الحق إذا لم تكن في اسقاطه مفسدة تعود على المولى عليه، فإذا أسقطه الولي حسب ما بيناه فليس للصبي إذا بلغ أن يطالب بالشفعة في الحصة المبيعة، وليس

[ 16 ]

للمجنون أن يطالب بها إذا أفاق من جنونه وكذلك الحكم إذا ترك الولي المطالبة ولم يأخذ بالشفعة للصبي أو المجنون لوجود مفسدة غالبة في المطالبة، أو لعدم المصلحة لهما في الاخذ بها، فليس للصبي أو للمجنون أن يطالبا بالشفعة بعد ارتفاع الحجر عنهما. وإذا اسقط الولي حق الشفعة للصبي أو للمجنون المولى عليهما مع عدم تحقق الشرط الآنف ذكره لم يسقط حقهما بذلك، وكان لهما ان يطالبا بالحق ويأخذا بالشفعة بعد ارتفاع الحجر عنهما، وكذلك إذا تسامح الولي في الامر فلم يأخذ لهما بحق الشفعة فيجوز للمولى عليهما المطالبة به بعد البلوغ والعقل. (المسألة 25): يجري في ولي السفيه نظير ما ذكرناه من الاحكام في ولي الطفل والمجنون فإذا أسقط ولي السفيه حق الشفعة الثابت للمولى عليه مع وجود المصلحة له في اسقاطه، لم يجز للسفيه أن يطالب بالشفعة والاخذ بها إذا رشد وارتفع عنه الحجر وان تجدد وجود مصلحة له بعد الاسقاط، وإذا ترك الولي الاخذ بالشفعة للسفيه لوجود مفسدة غالبة تعود عليه إذا هو أخذ بها، أو لعدم مصلحة له في الاخذ، فلا شفعة للسفيه كذلك إذا اتفق له الرشد، وإذا اسقط الولي حق السفيه مع عدم وجود الشرط أو تساهل في الامر فلم يأخذ له بحقه، جازت للمولى عليه المطالبة بالشفعة بعد الرشد. (المسألة 26): إذا كان الاب أو الجد أبو الاب شريكا للصبي أو المجنون في العين المملوكة لهما على وجه الاشاعة بينهما، جاز له أن يبيع حصة الصبي أو المجنون المولى

[ 17 ]

عليه على أجنبي مع وجود شرط صحة البيع لانه ولي له فينفذ تصرفه عليه، فإذا باع حصته المولى عليه من العين المشتركة كما ذكرنا ثبت للولي نفسه حق الشفعة في الحصة المبيعة لانه شريك في العين، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة ويتملك الحصة بالثمن الذي وقع عليه البيع على الاجنبي. ويصح للولي في المثال المذكور أن يبيع حصته التي يملكها من العين المشتركة على أحد، ثم يشفع في الحصة المبيعة للصبي أو المجنون بحسب ولايته عليهما، ولا مانع له من ذلك في كلا الفرضين، لوجود الولاية، وتحقق شروط الصحة في تصرفه كما هو المفروض، وإذا دل بعض القرائن الخاصة على وجود تهمة، أو على وجود مفسدة، فلا ولاية له ولا يصح تصرفه. وكذلك شأن الوصي القيم على اليتيم أو على المجنون إذا كان شريكا لهما في العين المملوكة لهما، فيجري فيه ما تقدم من الاحكام ويصح بيعه وأخذه بالشفعة لنفسه وللقاصر المولى عليه، مع وجود الشرائط، الا أن تدل القرينة الخاصة على ما يخالف ذلك. ويجري مثل ذلك في الوكيل المفوض في البيع، وفي الاخذ بالشفعة إذا كان شريكا مع الموكل في العين على وجه الاشاعة بينهما، فيجوز له أن يبيع حصته من العين على شخص ثالث، ثم يأخذها بالشفعة لشريكه بالوكالة عنه بالثمن الذي باعها به على المشتري، ويجوز له أن يبيع حصة موكله من العين المشتركة على أحد ثم يشفع فيها لنفسه بالثمن المعين، فيصح البيع والاخذ بالشفعة مع وجود الشرائط في كلتا الصورتين.

[ 18 ]

(المسألة 27): إذا أخذ ولي الطفل أو المجنون لهما بالشفعة في حصة باعها شريكهما في العين، ثم استبان بعد ذلك أن في أخذه بالشفعة لهما مفسدة غالبة تعود عليهما، أو نقصا يضر بحالهما بطلت شفعة الولي لهما ولم تنفذ، وان كان الولي الذي تولى الشفعة لهما هو الاب أو الجد للاب، وكذلك إذا استبان عدم وجود مصلحة لهما في الشفعة، وكان الولي الذي أخذ لهما بالشفعة هو الوصي القيم عليهما، فتبطل شفعته لعدم وجود الشرط، ومثله حكم الولي على السفيه فلا تنفذ شفعته إذا تبين بعد شفعته له انه لا مصلحة فيها.

[ 19 ]

[ الفصل الثالث ] [ في الاخذ بالشفعة ] (المسألة 28): إذا باع الشريك في العين حصته المشاعة منها على المشتري بثمن معلوم وحصل القبول من المشتري وتم العقد بينهما، ثبت لشريكه الثاني في العين حق الشفعة في المبيع، سواء وقعت معاملة البيع بينهما بعقد لفظي ام بمعاطاة، ولا يتوقف ثبوت حق الشفعة للشريك على انقضاء مدة الخيار ولا على امر اخر. (المسألة 29): شفعة الشفيع حق يختص به وحده، والاخذ بها أمر يتعلق به خاصة دون غيره، وقد دلت على ذلك ظواهر الادلة، ولا تتوقف صحة الشفعة والاخذ بها على قبول المشتري بالشفعة أو قبول الشريك الذي باع الحصة، فالاخذ بالشفعة من الانشاءات ومن الايقاعات لا من العقود. ويحصل الاخذ بالشفعة من الشفيع بأي لفظ يكون دالا في متفاهم أهل العرف واللسان على أخذه الحصة المبيعة بالثمن الذي جرت به المعاملة بين الشريك بائع الحصة ومشتريها، ويحصل أيضا بأى فعل من الافعال يكون له ظهور عرفي في ذلك. فمن الالفاظ الدالة على ذلك أن يقول الشفيع: أخذت لنفسي الحصة التي باعها شريكي زيد، على المشتري عمرو بألف دينار، وتملكها بالشفعة بالثمن

[ 20 ]

المعين بينهما، أو يقول تملكت الحصة المبيعة بالثمن المعلوم. أو يقول: أخذ ت الحصة لنفسي شفعة بالثمن الذي اشتراها به فلان، ومن الافعال الدالة عليه ان يضع الشفيع يده على العين بقصد تملك الحصة المبيعة منها ويدفع الثمن للمشتري. (المسألة 30): لا يصح للشفيع أن يبعض في شفعته، فيتملك بعض الحصة التي باعها شريكه بالمقدار الذي ينوب ذلك البعض من الثمن ويدع البعض الاخر، فيقول مثلا: أخذت نصف الحصة المبيعة، وتملكته بنصف الثمن، ولا يذكر النصف الآخر، أو يقول مع ذلك: وتركت النصف الآخر من الحصة للمشتري، بل يلزمه اما أن يتملك جميع الحصة المبيعة بجميع ثمنها أو يدعها جميعا لمن اشتراها. (المسألة 31): الشفعة التي تثبت للشفيع شرعا هي أن يأخذ المبيع بالمقدار الذي جرت المعاملة عليه بين المتعاقدين من الثمن، فلا يدفع للمشتري اكثر من ذلك ولا أقل منه، وان كانت القيمة المتعارفة في السوق للحصة المبيعة اكثر من ذلك أو أقل، وإذا تراضى الشفيع مع المشتري بينهما بأقل من الثمن أو باكثر منه، فالاحوط أن يوقعا المعاملة بينهما بالمصالحة لا بعنوان الاخذ بالشفعة. ولا يتعين على الشفيع أن يدفع للمشتري عين الثمن الذي وقعت عليه المعاملة وسلمه المشتري إلى بائع الحصة، وان تمكن الشفيع من ذلك، فيكفيه في الاخذ بالشفعة أن يدفع إلى المشتري مثل ذلك الثمن إذا كان مثليا. وإذا كان الشريك صاحب الحصة قد باع حصته المشاعة من العين على

[ 21 ]

المشتري بثمن من القيميات ودفعه المشتري إليه، فالظاهر سقوط الشفعة وعدم ثبوتها للشريك الثاني، ومثال ذلك أن يبيع الشريك حصته من الدار أو الارض المشتركة على المشتري بجواهر معينة، أو بحيوان، أو بمتاع معلوم، أو بغير ذلك من القيميات، فلا شفعة للشريك الآخر في مثل هذه الفروض. (المسألة 32): لا يجب على الشفيع إذا أخذ لنفسه بالشفعة أن يدفع للمشتري ما دفعه من أجرة أو جعالة للدلال أو الوكيل الذي توسط له أو ناب عنه في شراء الحصة، أو زاده للبايع من إضافة فوق الثمن أو حباه به من هدية أو كسوة فلا يجب على الشفيع دفع ذلك، ولا يحق له أن يسقط من الثمن ما قد يحطه البايع عن المشتري من مقدار الثمن عند التسليم بعد العقد، أو يحتسبه عليه حقا من الحقوق الشرعية وشبه ذلك فلا يحق له أن ينقص ذلك من الثمن عند اخذه بالشفعة. ولا يمنع من جميع ذلك إذا حصل التراضي عليه بين الشفيع والمشتري وأجرياه بقصد المصالحة بينهما لا بعنوان الاخذ بالشفعة، ويمكن له أن يأخذ بالشفعة بالثمن المعين دون زيادة ولا نقيصة، ثم ينقص منه بعد ذلك أو يزيد له ما يريد مع رضى الطرفين به. (المسألة 33): لا يصح للشريك أن يأخذ الحصة من المشتري بالشفعة فيها لا لنفسه، بل ليملك الحصة غيره من أب له أو ولد أو غيرهما، وإذا فعل كذلك كانت شفعته باطلة، وإذا أراد ذلك أمكن له أن يأخذ بالشفعة لنفسه بالثمن المعين على الوجه الصحيح، فإذا ملك الحصة بالشفعة جاز له أن يملكها بعد ذلك لمن يشاء بعوض أو

[ 22 ]

بغير عوض، ولم يدخل المعاملة الثانية بالمعاملة الاولى. (المسألة 34): لا يثمر الاخذ بالشفعة ثمرته، ولا يتملك به الشفيع الحصة المبيعة حتى يحضر الثمن للمشتري، فلا يكفي في حصول المقصود أن يقول الشفيع بقصد الانشاء: أخذت بحقي من الشفعة وتملكت الحصة، أو يضع يده على العين المشتركة بينه وبين صاحبه بقصد تملك الحصة المبيعة منها، ولا يؤثر هذا الانشاء اللفظي أو الفعلي تملكه للحصة شرعا حتى يحضر الثمن كما قلنا. وفي حكم احضار الثمن للمشتري أن يرضى المشتري نفسه بتأخير الثمن فإذا أنشأ الشريك شفعته باللفظ أو بالفعل الدالين على المقصود، ورضي المشتري منه بتأخير الثمن تمت الشفعة، وملك الحصة وبقي الثمن دينا. وقد بينا في المسألة الثامنة عشرة أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة، وطلب فرصة يحضر فيها الثمن وهو في البلد نفسه أنظر ثلاثة أيام، فإذا أحضر المال فيها نفذت شفعته، وكان ذلك بمنزلة احضار المال في وقت أخذه بالشفعة، وإذا كان ماله في بلد آخر غير بلد البيع انتظر به مدة يتمكن فيها عادة من السفر الى ذلك البلد والرجوع منه ويزاد عليها ثلاثة ايام، فإذا أحضر المال في هذه المدة صحت شفعته كذلك، ويتفرع على ما ذكرناه أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة وعجز عن احضار المال للمشتري، أو هرب أو ماطل أو تأخر عن احضاره من غير عذر كانت شفعته باطلة ولم يملك الحصة بمجرد انشائه وبقيت ملكا للمشتري. (المسألة 35): إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في تملك الحصة التي باعها شريكه

[ 23 ]

وأراد الاخذ بحقه، وجب عليه أن يبادر إلى الاخذ بشفعته. والمبادرة اللازمة عليه في ذلك هي أن لا يتساهل أو يماطل أو يتأخر عن الطلب بحقه من غير سبب يدعوه إلى التأخر أو التسويف، أو عذر شرعي أو عقلي أو عادي يبعث عليه، فإذا هو ماطل أو تساهل أو تأخر عن الطلب بحقه من غير سبب يعذر فيه سقطت شفعته، وسنذكر بعض الامثلة للاعذار المقبولة للتأخير. (المسألة 36): من الاعذار المقبولة التي قد تدعو الشريك إلى تأخير أخذه بالشفعة ولا يسقط معها حقه بسبب التأخير وعدم المبادرة، ان يجهل ان شريكه في العين المموكة لها قد باع حصته من العين ولم يعلم ببيعه الا بعد مدة، أو يجهل أن بيع شريكه لحصته المشاعة من العين يوجب له حق الشفعة فيها، أو يجهل بأن الشفعة مما تجب المبادرة فيه ولا يجوز فيه التأخير، ثم علم بالحكم بعد مدة. ومن الاعذار: أن يتوهم الشفيع ان الثمن كان كثيرا يغبن في بذله ثم استبان له بعد فترة ان الثمن قليل لا يغبن فيه إذا دفعه للحصة المبيعة، أو يتوهم أنه يعجز عن دفع الثمن إلى المشتري لانه من الذهب مثلا وهو لا يجده أو لانه لا يتمكن من تحويل المبلغ من بلده إلى المشتري ثم تبين له بعد فترة من الزمن خطأ توهمه ومن الاعذار ان يظن الشفيع ان مشتري الحصة هو زيد وهو لا يقدر على أخذ الحصة منه، ثم علم أن المشتري هو عمرو، ومنها: أن يبلغه أن شريكه قد وهب الحصة لزيد هبة، أو صالحه عليها بعوض، ولذلك فلا يكون له حق الشفعة في الحصة، ثم علم أن الشريك قد باعها على زيد فيثبت له حق الشفعة فيها. ومن الاعذار أن يكون الشفيع محبوسا بغير حق أو محبوسا بحق يعجز عن

[ 24 ]

ادائه، ثم يخرج من سجنه بعد مدة، ولا تنحصر الاعذار والاسباب الموجبة للتأخير في ذلك. (المسألة 37): إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في الحصة التي باعها شريكه وجبت عليه المبادرة إلى الاخذ بحقه ولزمه الشروع في مقدمات ذلك، والمقدار اللازم عليه من المبادرة أن يجري في شروعه في المقدمات وفي أخذه بالحق على الوجه المتعارف له ولامثاله في ذلك، ولا تجب عليه المسارعة فيه باكثر مما يعتاد له، فإذا علم ليلا بثبوت الحق له جاز له أن ينتظر مجئ الصبح، وأن يتأخر عن أول الصبح إلى الوقت الذي يخرج فيه أمثاله من الناس لهذه الغاية، وإذا علم بثبوت الحق له وهو في اثناء عبادة واجبة أو مندوبة من صلاة أو زيارة أو حج أو غيرها لم يجب عليه قطع عبادته والخروج إلى الاخذ بحقه، وجاز له أن يتم عبادته على الوجه الذي جرت عليه عادته من اسراع وابطاء، ثم يتوجه بعدها إلى حيث يريد. وإذا علم بالحق وهو في أول وقت الصلاة جاز له أن يأتي بطهارته وصلاته حتى يتمها، بل ويجوز له أن يأتي بنوافلها ومستحباتها إذا كان من عادته الاتيان بها، ويجوز له أن ينتظر الجماعة ويصلي معها إذا كان ذلك من عادته، ولا يجب عليه الاسراع في المشي اكثر مما يتعارف له عند خروجه إلى مقصده، وإذا كان بعيدا عن الموضع الذي يأخذ فيه بالشفعة واحتاج إلى من يصحبه في الطريق جاز له انتظاره حتى يخرج معه، وإذا كان له ما يمنعه في الحال من حر أو برد أو مطر جاز له الصبر حتى يزول المانع، وإذا علم بثبوت الحق له وهو في اثناء عمل يلزمه بسبب اجارة أو نحوها، صبر حتى ينجز العمل ويتمه على الوجه المطلوب، وعلى

[ 25 ]

وجه الاجمال يجوز له الاتيان بأي عمل يتعارف لمثله، إذا لم يكن الاتيان بذلك العمل مما يصدق معه المماطلة في نظر أهل العرف. (المسألة 38): إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في الحصة المبيعة وهو في غير البلد الذي يأخذ فيه بالشفعة، وكان في وسعه أن يبادر في الامر، فيرسل من قبله وكيلا مفوضا يأخذ له بحقه ويدفع الثمن عنه، فلا يكون منه تأخر ولا مماطلة في أخذه بالشفعة، ولا في دفع الثمن للمشتري، أو أمكن له أن يتصل بالبلد وبالمشتري أو وكيله بمخاطبة هاتفية ونحوها فينشئ بمكالمته معه أخذه بالشفعة، ويحول الثمن إليه أو إلى وكيله، فلا يكون منه تأخير ولا مماطلة لزمه ذلك فإذا هو أهمل ولم يبادر مع تمكنه من ذلك وتيسره له صدقت المماطلة عرفا، وبطلت بذلك شفعته. وكذلك إذا بلغه الخبر ليلا، أو كان مريضا أو مسجونا لا يمكنه القيام بالامر بنفسه، وامكنه الاخذ بالحق في وقته، بالتوكيل، أو بالمكالمة الهاتفية وتحويل الثمن ونحو ذلك من وسائل الاتصال في المخاطبات واجراء المعاملات مما هو متمكن منه وميسور له، فلا يجوز له التأخير والمماطلة، وإذا أهمل وماطل بطلت شفعته. (المسألة 39): إذا كان الشفيع غائبا عن الموضع الذي يأخذ فيه بالشفعة في سفر أو غيره ولم يمكنه الحضور بنفسه ولا بالتوكيل ولا الاخذ بحقه بمخاطبة هاتفية وشبهها كان معذورا في تأخير الاخذ بالحق، ولم تسقط بذلك شفعته وان طالت المدة إلى أن يزول العذر.

[ 26 ]

(المسألة 40): الشفعة كما قلنا اكثر من مرة حق يثبت للشريك إذا تمت له القيود والشروط التي تقدم بيانها، وإذا اسقطه صاحبه باختياره وبعد أن يثبت له شرعا يسقط اعتباره، ولا يصح لصاحبه الاخذ به بعد ذلك، فإذا شفع ودفع الثمن للمشتري لم يملك الحصة المبيعة، الا إذا ملكها له المشتري برضاه بتمليك جديد ويجوز التعويض عن حق الشفعة إذا ثبت لصاحبه شرعا، ويصح أن يكون التعويض عنه بالمال وبغير المال، ومثال ذلك أن يكون للشريك حق الشفعة في دار أو أرض، فيصالحه المشتري عن حقه هذا بحق تحجير قد ثبت للمشتري في أرض أخرى، فيسقط بهذه المصالحة حق الشريك من الشفعة في الدار، وينقل إليه حق التحجير في الارض التي حجرها المشتري عوضا عن شفعته. ويجوز للمشتري أن يعوضه عن حقه هذا بمنفعة خاصة يملكها في دار أو دكان أو عين اخرى، وأن يعوضه عنه بدين له عليه أو على شخص غيره، أو بغير ذلك من الاموال. (المسألة 41): يصح للمشتري أن يصالح الشريك عن حق الشفعة الذي ثبت له في الحصة التي اشتراها من الشريك الآخر، ويدفع له مبلغا من المال عوضا عن حقه، وإذا تم الصلح بينهما كذلك سقط حق الشريك من الشفعة بنفسه، وان لم ينشئ صاحبه اسقاطه بلفظ أو بغيره، ووجب على المشتري ان يدفع له المبلغ المعين من المال بدلا عن حقه، ويصح أن يوقع الصلح معه عن الحق الذي ثبت له في الحصة بالتراضي بينهما بغير عوض، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسألة السادسة عشرة من

[ 27 ]

كتاب الصلح. (المسألة 42): إذا كان للشريك حق الشفعة في الحصة التي باعها شريكه وصالحه المشتري بعوض من المال، على أن يسقط حقه الثابت له من الشفعة وقبل الشريك منه هذه المصالحة، وجب عليه ان يسقط شفعته ولا يأخذ بها، فان هو أسقط حقه، ووفى بعقد الصلح الجاري بينه وبين المشتري، استحق عليه العوض المعين، وان لم يف بعقد الصلح فلم يسقط حقه من الشفعة أثم، لعدم وفائه بالعقد، ولم يستحق العوض المعين فيه، ولم يسقط حقه‌من الشفعة بمجرد وقوع العقد بينهما، فإذا أخذ بالشفعة ودفع الثمن للمشتري صحت شفعته وملك الحصة بذلك وان كان اثما بعدم اسقاطه للحق كما قلنا. (المسألة 43): إذا ثبتت الشفعة للرجل فصالحه مشتري الحصة بعوض معلوم من المال على أن لا يأخذ بشفعته في الحصة، جرى في ذلك نظير ما بيناه في المسألتين المتقدمتين، فان كان المقصود من عدم أخذه بالشفعة الذي وقعت عليه المصالحة بينه وبين المشتري: أن يكون حق الشريك من الشفعة ساقطا ومن أجل سقوط الحق فلا يحل للشريك ان يأخذ بالشفعة، سقط بهذه المصالحة حقه وان لم ينشئ اسقاطه بلفظ أو بغيره، فإذا هو لم يف بالعقد، وأخذ بالشفعة لم تصح شفعته، فانها قد سقطت بعقد الصلح، ولم يملك الحصة المبيعة، واستحق على المشتري العوض المعلوم من المال الذي وقع عليه عقد الصلح. وان كان المراد أن لا يأخذ الشريك بالشفعة وان كانت ثابتة له ولم يسقط

[ 28 ]

استحقاقه لها، فالشفعة لا تزال باقية بحالها ولم تسقط، فإذا هو أخذ بالشفعة بعد وقوع الصلح نفذت شفعته، وملك الحصة المبيعة، ولزمه اداء الثمن المعين لها وان كان آثما بما فعل لعدم وفائه بعقد الصلح، ولم يستحق العوض الذي جرى عليه عقد المصالحة. (المسألة 44): لا يسقط حق الشفعة إذا اسقطه الشريك قبل أن يثبت له شرعا، وقد ذكرنا أكثر من مرة أن حق الشفعة انما يثبت للشريك إذا باع شريكه الثاني حصته من العين المشتركة بينهما، ونتيجة لهذا الشرط فإذا أسقط الشريك حقه من الشفعة قبل انشاء البيع، ثم وقع بيع الحصة بعد ذلك لم يسقط حق الشريك من الشفعة، وجاز له أن يأخذها ويتملك الحصة بثمنها على الاقوى. ولا تسقط شفعة الشفيع إذا شهد بأن شريكه قد باع الحصة على زيد بحضوره، وانه أشهده على وقوع البيع، فيصح له أن يأخذ بالشفعة بعد شهادته هذه، وان كانت الشهادة في مجلس الحاكم الشرعي، ولا يسقط حقة من الشفعة إذا وقع البيع وهو حاضر أو علم به بعد وقوعه فقال للمشتري بارك الله لك في ما اشتريت أو في صفقتك، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة بعد ذلك، الا إذا دلت القرينة على ان مراده من شهادته بالبيع في المثال الاول ومن دعائه للمشتري بالبركة في الفرض الثاني اسقاط حق شفعته بعد البيع فيسقط بذلك حقه. (المسألة 45): إذا عرض الشريك حصته من العين على شريكه فيها وهو يريد بيع الحصة فأبدى الشريك عدم رغبته في شرائها فباعها مالكها من غيره، أشكل الحكم بثبوت

[ 29 ]

حق الشفعة له فيها بعد ذلك، والاحوط له ترك الشفعة، وخصوصا إذا أذن له في البيع اذنا مطلقا، ولم يذكر مقدارا معينا للثمن ولا مشتريا خاصا، وكذلك إذا عرض المشتري عليه الامر قبل ان يشتري الحصة من شريكه، فأبدى عدم الرغبة في شرائها فلا يترك الاحتياط في عدم الشفعة، ومثله ما إذا استأذنه شريكه صاحب الحصة في بيعها بثمن معين أو على مشتر معين فلم يرغب في شراء الحصة وأذن له في بيعها، فلا يترك الاحتياط في هذه الفروض بترك الشفعة بعد وقوع البيع. وإذا استأذنه الشريك في بيع الحصة بثمن معين فلم يرغب، ثم باعها بأقل من ذلك الثمن أو إستأذنه في البيع على مشتر معين، فلم يرغب ثم باع الحصة على مشتر آخر، فالظاهر ثبوت الشفعة له في كلتا الصورتين، وكذلك إذا عرض المشتري عليه الامر وذكر له ثمنا فاذن له في الشراء، ثم اشترى الحصة من صاحبها باقل من ذلك الثمن فيجوز له أن يأخذ بالشفعة. (المسألة 46): لا يشترط في ثبوت حق الشفعة للشريك أن يكون عالما بمقدار ثمن الحصة حين أخذه بالشفعة، فإذا علم أن شريكه في العين قد باع حصته منها، فقال: أخذت بالشفعة فيها، سواء كان ثمنها قليلا أم كثيرا، أو قال: تملكت حصته التي باعها بثمنها الذي اشتراها به المشتري بالغا ما بلغ، صحت شفعته، وان كان جاهلا بمقدار الثمن حين أخذه بالشفعة، فإذا علم بمقداره بعد ذلك أو دلت عليه الحجة الشرعية دفعه إلى المشتري ولم يضر ذلك بشفعته. (المسألة 47): إذا باع الشريك حصته المشاعة من العين على غير شريكه، ثبت لشريكه حق

[ 30 ]

الشفعة في الحصة، فإذا تقايل المتبايعان بعد أن وقع عقد البيع بينهما فرد الشريك البائع الثمن على المشتري، ورد المشتري الحصة المبيعة على بائعها، لم يسقط بتقايلهما حق الشريك الشفيع من الشفعة التي ثبتت له في البيع، فإذا أخذ الشفيع بالشفعة بطلت اقالة المتبايعين من أصلها. ويتفرع على بطلان الاقالة من أصلها: ان ترجع الحصة المبيعة إلى ملك المشتري، فإذا كانت الحصة قد تجدد لها نماء بعد شراء المشتري لها وقبل أخذ الشفيع بالشفعة فالنماء المتجدد لها كله للمشتري، وأن يرجع الثمن إلى ملك البائع فإذا كان قد حصل له نماء في تلك الفترة فهو ملك للبائع، وتكون الحصة بعد الشفعة ملكا للشفيع، ويلزمه أن يدفع ثمنها إلى المشتري. (المسألة 48): إذا ثبت حق الشفعة للشريك، فباع حصته الاولى التي يملكها من العين قبل أن يأخذ بالشفعة في الحصة الاخرى التي باعها شريكه، زالت شركته في أصل العين وسقط بذلك حقه من الشفعة في الحصة الاخرى، فلا يجوز له الاخذ بها وخصوصا إذا كان بيعه لنصيبه الخاص من العين بعد أن علم بثبوت الشفعة له في نصيب صاحبه. (المسألة 49): الشفعة حق خاص يثبت للشريك إذا توفرت له القيود والشروط التي تقدم منا تفصيلها، وهي حق لا يقبل النقل الاختياري من الشريك الشفيع إلى غيره بصلح أو بمعاوضة أخرى، وقد سبق منا في المسألة الحادية والاربعين: أن المشتري إذا صالح الشريك صاحب الحق عن شفعته أفاد هذا الصلح سقوط الحق

[ 31 ]

فلا يجوز لصاحبه ان يأخذ بالشفعة بعد الصلح، وليس معنى ذلك ان هذا الحق قد انتقل من صاحبه إلى المشتري بالمصالحة، وسنذكر في بعض المسائل الآتية ان حق الشفعة ينتقل بعد موت الشريك صاحب الحق إلى وارثه، وهو غير النقل الاختياري بالمعاوضة عليه. (المسألة 50): إذا باع الشريك حصته على المشتري بثمن مؤجل، وثبت لشريكه حق الشفعة فيها، جاز لشريكه أن يأخذ بالشفعة ويتملك الحصة المبيعة عاجلا ويؤخر دفع الثمن، إلى ان يحضر الاجل المسمى، ويجوز له أن يعجل دفع الثمن أيضا، إذا رضي المشتري بتعجيله. (المسألة 51): الاجل المسمى الذي يجوز للشفيع أن يؤخر دفع الثمن إلى وقت حلوله هو ما ضرب بين الشريك البائع والمشتري من حين وقوع البيع بينهما إلى وقت حلوله، لا مقداره من حين أخذ الشفيع بالشفعة على الاحوط، ان لم يكن هذا هو الاقوى، فإذا كان أجل دفع الثمن إلى مدة سنة كان أول السنة من حين وقوع البيع لا من حين أخذ الشفيع بالشفعة. (المسألة 52): إذا اشترى المشتري الحصة المشاعة من الشريك الذي باعه حصته من العين ملكها بالشراء، وصح له أن يتصرف فيها بما يريد وكيفما يريد، ولا يمنعه من التصرف أن الشريك الاخر المالك للحصة الثانية قد ثبت له حق الشفعة في الحصة المبيعة عليه، ولا يمنع تصرف المشتري الذي ذكرناه في الحصة التي اشتراها من

[ 32 ]

شفعة الشفيع، ولا يوجب سقوط حقه الذي ثبت له في الحصة، فيجوز له الاخذ بالشفعة وتملك الحصة بالثمن. (المسألة 53): إذا باع المشتري الحصة التي اشتراها من الشريك على مشتر آخر قبل أن يأخذ الشفيع بشفعته، تخير الشفيع بين أن يشفع في البيع على المشتري الاول وأن يشفع في البيع على المشتري الثاني، فإذا هو شفع في البيع الثاني ملك الحصة بالشفعة بثمنها الثاني، وصح بذلك البيع الذي قبله على المشتري الاول بالثمن الذي اشترى به الحصة من بائعها، وإذا شفع الشفيع في البيع الاول ملك الحصة بثمنها الاول، وكان البيع الثاني فضوليا، فيجوز للشفيع بعد أن يملك الحصة أن يجيزه، فإذا أجاره بعد الشفعة كان البيع الثاني له لا للمشتري، وكان الثمن الثاني له ويجوز له أن يترك البيع الثاني ولا يجيزه فيكون باطلا كما هو الحكم في البيع الفضولي. ومثال ذلك أن يبيع الشريك حصته المشاعة من العين على زيد بمائة دينار ثم يبيعها من اشتراها وهو زيد على عمرو بمائة وعشرة دنانير، فإذا شفع الشفيع في البيع الاول ملك الحصة من زيد بالشفعة ولزمه أن يدفع لزيد ثمنها الذي اشتراها به وهو مائة دينار، وكان البيع الثاني وهو بيع الحصة على عمرو فضوليا، فان أجازه الشفيع بعد أن شفع وملك الحصة صح بيعها على عمرو وملك عمرو الحصة بمائة وعشرة دنانير وكان هذا الثمن للشفيع، وإذا ترك الشفيع البيع الثاني ولم يجزه كان باطلا وبقيت الحصة المبيعة في ملكه بثمنها الاول. وإذا شفع الشفيع في البيع الثاني ملك الحصة من عمرو ووجب عليه أن

[ 33 ]

يدفع له ثمنها الذي اشتراها به، وهو مائة وعشرة دنانير وصح بذلك البيع الاول وهو بيع الشريك على زيد بمائة دينار. (المسألة 54): إذا زادت البيوع التي وقعت على الحصة المشاعة على بيعين قبل أن يشفع الشفيع في بيعها كما إذا تأخر عن الاخذ بالشفعة لبعض الاعذار المقبولة ثم شفع في الحصة بعد ذلك جرى في هذا الفرض نظير الحكم السابق الذي بينها في المسألة المتقدمة. فإذا شفع الشفيع في البيع الاول الذي وقع على الحصة من الشريك نفسه ملك الشفيع الحصة من المشتري الاول الذي اشتراها من الشريك بثمنها المعين في ذلك البيع، وكانت البيوع اللاحقة بعده كلها فضولية، فإذا أجاز الشفيع بعد أن ملك الحصة واحدا معينا منها صح ذلك البيع الذي أجازه، وكان للشفيع بالثمن المعين في عقد ذلك البيع وبطل الباقي، وإذا لم يجز منها شيئا بطل الجميع، وبقيت الحصة ملكا له. وإذا شفع الشفيع في البيع الاخير من تلك البيوع ملك الحصة من المشتري الاخير بالثمن المعين في ذلك البيع، وصح ما وقع على الحصة قبله من البيوع جميعا. وإذا شفع في البيع المتوسط ملك الحصة في ذلك العقد، وصح ما وقع قبله من البيوع وبطل ما بعده، وإذا أجاز الشفيع بعد الشفعة بيعا معينا من البيوع اللاحقة للشفعة صح ذلك البيع باجازته وكان البيع المجاز له بثمنه. (المسألة 55):

[ 34 ]

إذا وقف المشتري الحصة التي اشتراها من الشريك أو وهبها إلى أحد هبة لازمة أو غير لازمة أو صالح أحدا عليها فملكه اياها بالصلح، أو نقلها إلى غيره بناقل شرعي اخر غير البيع مما لا تثبت فيه شفعة، كما إذا جعل الحصة صداقا لزوجة أو عوضا لخلع أو مباراة أو غير ذلك ثم علم الشفيع بثبوت حق الشفعة له في الحصة بالبيع الاول على المشتري الاول، جاز للشفيع أن يأخذ بشفعته فإذا ملك الحصة بالشفعة من المشتري بطلت التصرفات المذكورة التي أجراها المشتري على الحصة، ولزمه أن يدفع للمشتري الثمن الذي اشترى به الحصة. وإذا هو أسقط حقه من الشفعة أو تركها ولم يأخذ بها نفذت تلك التصرفات التي أجراها المشتري على الحصة. (المسألة 56): إذا تلفت عين المبيع كلها قبل أن يأخذ الشفيع فيها بشفعته ولم يبق من العين شئ، سقطت شفعة الشفيع بتلفها، ولا ضمان على المشتري لحق الشفيع، سواء كان تلف العين بآفة سماوية، أم بفعل المشتري نفسه، أم بفعل غيره. وإذا تلفت العين بعد أن أخذ الشفيع فيها بالشفعة وتملك الحصة، وكان تلفها بفعل المشتري كان المشتري ضامنا للحصة، وكذلك إذا كان التلف بغير فعل المشتري ولكنه قد تسامح وماطل في دفع الحصة المبيعة للشفيع حتى تلفت فيكون لها ضامنا، ولا ضمان عليه إذا تلفت العين بغير فعله ولم يماطل في اقباضها للشفيع. (المسألة 57): إذا تلفت بعض العين المبيعة وبقي بعضها قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة فيها

[ 35 ]

لم يسقط بذلك حقه من الشفعة، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة في الباقي من المبيع بجميع الثمن الذي جرى عليه البيع، ويجوز له تركها وعدم الاخذ بها. ومثال ذلك، أن تنهدم الدار المبيعة وتبقى العرصة وبعض البناء والانقاض منها، أو يطرأ عليها بعض العيوب والخلل في الابنية والسقوف، فيتخير الشفيع بين أن يأخذ بحقه من الشفعة، فيتملك العرصة والبناء الباقي والانقاض الموجودة من الدار، ويدفع للمشتري جميع الثمن الذي جرى عليه عقد البيع، وان يترك حقه فلا يشفع في المبيع ولا يدفع الثمن، وإذا هو اختار الشفعة وأخذ الباقي من الحصة المبيعة فلا ضمان على المشتري لما تلف من العين، وان كان تلف التالف منها بفعل المشتري نفسه. وإذا تلف بعض الحصة المبيعة بعد أن أخذ الشفيع بحقه من الشفعة وملك الحصة، وكان تلف التالف منها بفعل المشتري، أو كان قد تسامح أو ماطل في تسليم الحصة للشفيع بعد أخذه بالشفعة حتى تلف بعضها، كان المشتري ضامنا لما تلف منها، وكذلك الحكم إذا حدث فيها عيب، فيجري فيها التفصيل الذي ذكرناه، فيكون المشتري ضامنا لارش العيب الحادث فيها في الصورة الثانية ولا يضمن في الاولى. (المسألة 58): إذا ثبت حق الشفعة للشريك، ثم مات قبل أن يأخذ بالشفعة انتقل حق الشفعة من بعده إلى وارثه على الاقوى، ويورث هذا الحق بعد موت صاحبه على نهج إرث المال، فيسقط على ورثته حسب السهام المقدرة لهم من التركة في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فإذا خلف من بعده بنين وبنات فللذكر مثل حظ

[ 36 ]

الانثيين من الحق، وإذا كان الميت صاحب الحق رجلا وخلف من بعده ولدا وزوجة، ورثت الزوجة الثمن من الحق وأخذ الولد سبعة أثمانه، وإذا كانت امرأة وتركت بعدها زوجا وولدا أو بنتا، ورث الزوج الربع من الحق، وكان للولد أو البنت ثلاثة أرباعه، وهكذا على حسب طبقاتهم ومراتبهم ودرجاتهم واستحقاقهم من التركة كما فصل في كتاب الميراث. (المسألة 59): إذا تعدد ورثة الميت صاحب الحق فليس لبعض الورثة أن يأخذ بالشفعة الموروثة لهم وان كانوا كثيرين، الا إذا وافقهم الباقي من الورثة على الاخذ بها وان كان شخصا واحدا وقليل النصيب في الميراث. وإذا عفا بعض الورثة عن نصيبه في الميراث من الحصة المبيعة التي تعلقت بها الشفعة، وكان عفوه عن نصيبه قبل أن يأخذ الورثة بالشفعة، أو عفا بعضهم عن نصيبه من الشفعة نفسها، أو أسقط حقه باختياره، أشكل الحكم في الباقين. وإذا أخذ جميع الورثة بحقهم فشفعوا في الحصة المبيعة، ثم عفا بعضهم عن نصيبه الذي يرثه من الحصة سقط نصيب ذلك البعض خاصة، ولم تسقط سهام الباقين من الحصة بعد أن تملكوها بالشفعة. (المسألة 60): يثبت حق الشفعة للشريك على الاقوى، وان كان بيع الحصة على المشتري مما فيه خيار الفسخ، أو الرد لبائع الحصة أو لمشتريها أو لكل منهما، ولا يمنع وجود الخيار في بيع الحصة من شفعة الشفيع فيها، ولا تمنع الشفعة من أن يأخذ صاحب الخيار بخياره إذا ثبت موجب الشفعة وموجب الخيار.

[ 37 ]

فإذا كان الشريك بائع الحصة قد اشترط في بيعها على المشتري أن يكون له رد العين المبيعة إذا هو رد الثمن عليه في مدة معلومة، ثم رد الثمن في الوقت المعين، كان له أن يسترجع العين المبيعة نفسها، وإذا أخذ الشفيع بشفعته قبل ذلك أو بعده لزم الشفيع أن يدفع الثمن للمشتري، واسترد منه مثل الحصة المبيعة إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية بدلا عن العين نفسها. وإذا أخذ صاحب الخيار في الخيارات الاخرى بحقه ففسخ البيع لخياره وأخذ الشفيع بشفعته في الحصة المبيعة قدم السابق منهما في الاخذ فيأخذ العين نفسها، سواء كان السابق في الاخذ هو الشفيع أم صاحب الخيار، ويسترد الثاني المتأخر منهما في أخذه بحقه مثل العين إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية بدلا عن العين ذاتها. (المسألة 61): إذا كانت عين مملوكة مشتركة على وجه الاشاعة بين شريكين أحدهما حاضر والثاني غائب، ولنفرض العين المذكورة دارا أو بستانا أو شيئا آخر مما تقع فيه الشركة وتثبت فيه الشفعة، وكانت الحصة المشاعة التي يملكها الشريك الغائب من العين بيد شخص ثالث يتصرف فيها، وهو يدعي الوكالة عليها من مالكها الغائب، ولا معارض له في دعواه الوكالة، فالظاهر نفوذ تصرفه الذي يجريه على الحصة، فإذا باع هذا الوكيل الحصة على شخص، جاز لذلك الشخص أن يشتريها منه اعتمادا على يده، وأن يصدقه في دعوى الوكالة عليها من مالكها، وإذا اشتراها المشتري من هذا الوكيل نفذت تصرفات المشتري في الحصة المبيعة عليه كيف ما يريد، ولا ريب في شئ من ذلك ولا خلاف، ما لم يعلم كذب مدعي الوكالة، أو

[ 38 ]

تقوم على كذبه بينة أو حجة شرعية أخرى. فإذا علم الشريك الحاضر ببيع حصة شريكه من العين على هذا الوجه الذي بيناه، فهل يثبت له حق الشفعة في الحصة تعويلا على يد ذلك المدعي للوكالة واعتمادا على صحة بيعه ودعواه الوكالة بحسب الظاهر؟ الاقرب ثبوت حق الشفعة له ظاهرا. فإذا أخذ بالشفعة وتملك الحصة، ثم حضر الشريك الغائب وأقر بصدق وكالة المدعي وصحة بيعه نفذت شفعة الشفيع وترتبت آثارها، وإذا كذب دعوى المدعي وأنكر وكالته اياه كان القول قوله مع يمينه، فإذا أحلف انتفى بيع الحصة ولم يثبت حق الشفعة للشريك، واسترجع منه الحصة واسترد معها جميع نمائها ومنافعها في مدة استيلائه عليها، فإذا أخذها المالك من الشفيع، رجع الشفيع بها على مدعي الوكالة، وكذلك الحكم في النماء والمنافع التي كانت للحصة عند المشتري قبل أن يأخذها الشفيع منه، فإذا استرجعها المالك من المشتري رجع المشتري بها على مدعي الوكالة.

[ 39 ]

[ كتاب الجعالة ]

[ 41 ]

[ كتاب الجعالة ] وهو يشتمل على ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الجعالة وشروط صحتها ] (المسألة الاولى): الجعالة في اللغة ما يعطيه الانسان لغيره من مال وشبهه مكافاة له على أمر صدر عنه، والغالب أن يكون الشئ الذي فعله الشخص المدفوع إليه مما يحتاج إليه الدافع أو هو مما يرغب في فعله، فيعطيه المال جزاءا له على فعله، وتقال كلمة الجعالة أيضا على ما يجعله الانسان لغيره على الشئ سواء دفعه إليه بعد الفعل، أم وعده بدفعه إليه ليكون حافزا له على العمل، فيدفعه إليه بعد أن يقوم به. والجعالة عند الفقهاء والمتشرعين هي أن يلتزم الانسان لغيره بدفع عوض له على عمل محلل يقوم به بصيغة تدل على هذا الالتزام منه، وعرفت أيضا بغير ذلك، والامر في التعريف سهل بعد وضوح المقصود من المعاملة والتعريفات التي ذكروها (قدس الله أنفسهم) ترجع إلى معنى واحد. (المسألة الثانية): الجعالة هي الالتزام المذكور الذي ينشئه الجاعل بالصيغة، أو هي انشاء ذلك الالتزام، وعلى أي حال فهي ايقاع من الايقاعات، فيكفي فيها الايجاب من الجاعل

[ 42 ]

وحده، وليست عقدا من العقود، فلا تفتقر مع الايجاب إلى قبول من العامل المجعول له. ويكفي في الايجاب الذي تتحقق به، أي لفظ يكون دالا في متفاهم أهل اللسان على الالتزام للشخص المجعول له بالعوض إذا هو قام بالعمل سواء كانت دلالة اللفظ على ذلك بنفسه، أم بالقرينة الحافة بالكلام. ويصح أن يكون اللفظ الذي ينشئ الانسان به التزامه عاما يعم أي شخص يأتي بالعمل المقصود من الناس، فيقول الرجل مثلا: من أبلغني عن سلامة ولدي عبد الله في بلد كذا فله علي عشرون دينارا، أو من أوصل رسالتي إليه فله علي كذا دينارا، أو يقول: من دلني على سيارتي المسروقة، أو على قريبي فلان المفقود دفعت إليه خمسين دينارا، ويجوز أن يوجه اللفظ خاصا إلى شخص معين فيقول لكاتب: إن خططت لي هذا الكتاب دفعت لك مبلغ كذا من المال، أو يقول لخياط: إن خطت لي ثوبا فلك عندي عشرة دنانير. ويصح أن ينشئ جعالته بالكتابة، فيكتب ويعلن في أمكنة عامة أو في صحف مقروءة: من رد لفلان ناقته الضالة منه فله عند فلان كذا دينارا، أو من وجد ساعة مفقودة صفتها كذا، أو من وجد مستندا رسميا يحتوي على كذا وأوصله إلى فلان فله على فلان كذا، فتصح منه الجعالة بهذا الاعلان وتترتب عليه اثارها وأحكامها. (المسألة الثالثة): يصح أن تقع الجعالة على أي عمل يكون محللا في شريعة الاسلام ومقصودا عند العقلاء من الناس ولا يصح ايقاعها على عمل محرم في الاسلام أو

[ 43 ]

يؤدي الى غاية محرمة فيه، أو يستلزم أمرا محرما، ولا تصح الجعالة على أعمال يعد فعلها عبثا لا تتعلق به أغراض العقلاء المتزنين في أعمالهم وتفكيرهم من الناس، أو التي يعدون بذل المال فيها سفاهة يتنزهون عنها، كارتياد المواضع الخطرة، وتعمد الوصول إلى الاماكن المخيفة، والتعرض للوحوش الكاسرة أو الحيوانات والحشرات القاتلة أو السامة، وكالتسلق على الجبال والابنية المرتفعة الشاهقة، والنزول في المنحدرات المهاوي السحيقة، ورفع الاحمال والاشياء الثقيلة التي يعجز المتعارفون من أقوياء الناس عن رفعها، وأمثال هذه من المخاوف والمخاطر. وإذا تعلقت بهذه الامور أغراض عقلائية، أو أصبحت من الامور المعتادة المكتسبة بالتمرن والرياضة والمزاولة، بحيث خرجت بذلك عن كونها لغوا وسفها وخطرا، جاز فعلها وصحت الجعالة عليها. (المسألة الرابعة): يصح ايقاع الجعالة على الاتيان بالاعمال الواجبة في الاسلام غير العبادية كدفن الاموات، ومعالجة الطبيب للمرضى، ويصح ايقاعها على الواجبات التي يتوقف عليها تنظيم المجتمع، كتعليم علم الطب والصيدلة والزراعة وتعلمها وقد ذكرنا نظير هذا في المسألة المائتين والثالثة عشرة من كتاب الاجارة. وتصح الجعالة على الاعمال المستحبة غير العبادية، كوضع الجريدتين للميت والباسه الحبرة، وكتعليم العلوم الادبية، وتعليم القرآن في غير المقدار الواجب منه، وتعليم علم التفسير، وعلم الحديث وعلم الرجال وشرح الحديث والاحوط ترك الجعالة على المستحبات العبادية.

[ 44 ]

(المسألة الخامسة): تشترك الجعالة مع اجارة الاجير على العمل في عدة من شروطها، وتشبهها في بعض أحكامها، وكلتا المعاملتين تحتويان على جعل عوض للعامل على الاتيان بعمل معين، وتفترقان في عدة فوارق، فالاجارة عقد من العقود لا يتم الا بايجاب وقبول يقعان بين المستأجر والاجير، والجعالة كما ذكرنا آنفا ايقاع ينشئه الجاعل ولا يحتاج إلى قبول من العامل. وإذا تم عقد الاجارة بين المتعاقدين ملك المستأجر العمل المعين من الاجير فيجب على الاجير القيام به، وملك الاجير العوض المعلوم من المستأجر، وقد ملكا ذلك بنفس العقد، على ما فصلناه في كتاب الاجارة، وتخالفها الجعالة في ذلك فان الايقاع فيها إذا تم لم يملك الجاعل من العامل عملا، ولم يملك العامل من الجاعل عوضا بالايقاع ولا بعده، فإذا قام العامل بالعمل المقصود بعد انشاء الجعالة استحق العوض المعين على الجاعل ولزم الجاعل دفعه إليه، وهذا هو أثرها. وسنذكر في المسائل الاتية ان شاء الله تعالى بعض المشابهات بينهما وبعض الفروق. (المسألة السادسة): يشترط في صحة الجعالة أن يكون الملتزم الجاعل بالغا عاقلا قادرا على الوفاء بما يلتزم به من العوض للمجعول له، وأن يكون مختارا في فعله، قاصدا لانشاء المعنى الذي يلتزم به، رشيدا غير محجور عليه في تصرفه، وهذه الامور بذاتها هي الشروط المعتبرة في المستأجر، وقد فصلنا القول فيها في كتاب الاجارة وفي غيره من كتب المعاملات، فليرجع إليها من يطلب المزيد من التوضيح.

[ 45 ]

ويشترط في العامل أن يكون ممن يمكن له أن يأتي بالعمل المقصود، فلا يكون عاجزا عن القيام بفعله، ولا يكون ممنوعا من الاتيان به شرعا، ولا يعتبر فيه غير ذلك من الشروط التي ذكرناها في الجاعل، ولذلك فيصح ايقاع الجعالة من الجاعل للمجعول له وان كان صبيا أو مجنونا أو غيرهما ممن لم تتوفر فيه الشروط المتقدم ذكرها، إذا كان ممن يستطيع أن يأتي بالعمل المقصود على الوجه المطلوب، وإذا هو أتى بالعمل على ما يرام استحق العوض المعين على الجاعل وهذا أحد الفوارق بين عامل الجعالة والعامل في الاجارة. (المسألة السابعة): إذا كان الجاعل قد اشترط في ايقاعه للجعالة أن يأتي بالعمل المقصود بنفسه على وجه المباشرة، فلابد وأن يكون العامل المجعول له قادرا على الفعل بنفسه وغير ممنوع من مباشرة ذلك الفعل في شريعة الاسلام ونتيجة لهذا الشرط، فإذا جعل الجاعل للعامل عوضا معلوما على كنس المسجد أو المشهد مثلا لم تصح الجعالة إذا كان العامل نفسه جنبا، أو غير مسلم، أو كانت امرأة حائضا، لانه ممنوع من دخول المسجد والمشهد في هذه الحالات، فلا يكون قادرا على الاتيان بالعمل المطلوب بنحو المباشرة كما اشترط الجاعل، وإذا هو خالف المنع فدخل المسجد أو المشهد وكنسه بنحو المباشرة، لم يستحق العوض المجعول. وإذا لم يشترط الجاعل على العامل أن يتولى العمل بنحو المباشرة كفى في استحقاقه للعوض أن يستنيب غيره في الاتيان بالعمل، فإذا استناب العامل المجعول له أحدا ورد العبد الابق أو الدابة الضالة بالنيابة عن العامل استحق

[ 46 ]

العوض المجعول، وإذا استناب العامل الجنب أو الحائض احدا سواه فكنس المسجد أو المشهد بالنيابة عنه استحق العامل العوض على الفعل كذلك لان الجاعل لم يشترط عليه المباشرة. (المسألة الثامنة): يعتبر في الجعالة أن يكون العمل الذي تكون عليه المعاملة والعوض المجعول فيها معلومين في الجملة، ولكن اعتبار العلم بهما في الجعالة ليس على الوجه المعتبر في العلم بالعوضين في البيع والاجارة ونحوهما بحيث لا يدخلها غرر، أو تكون فيها جهالة كما فصلناه في مباحث تلك المعاملات. والمعتبر في الجعالة من العلم بالعمل المقصود أن يعلم بمقدار يمكن للعامل أن يتوجه نحوه، ويتصدى للاتيان به ولا يكون مسلوب القدرة عليه، ولا يضر في الجعالة الجهل به إذا لم يبلغ هذه الدرجة، فتصح الجعالة إذا قال الجاعل من وجد لي سيارتي المسروقة مني دفعت له مائة دينار مثلا، وان لم يدر العامل في اي بلد يجد السيارة، أو أي موضع، وكم يكون بينه وبينها من المسافة، وكم يحتاج من المدة في طلبها وما يلاقي من المصاعب في البحث عنها والعثور عليها. وكذلك إذا قال: من طلب قريبي زيدا المفقود مني دفعت له كذا دينارا، أو قال: من طلب زيدا المفقود أو عبدي الآبق على نحو الترديد بينهما فله على كذا من المال، فتصح الجعالة ويتوجه العامل في طلب الشخص المردد بين الرجلين، سواء كان مقدار العوض الذي جعله لذلك متحدا أم مختلفا. ولا تصح الجعالة إذا كان العمل مجهولا مطلقا، كما إذا قال الجاعل: من وجد شيئا قد ضاع مني فله عندي كذا ولم يعين الشئ الضائع منه ليمكن للعامل

[ 47 ]

التوجه في طلبه، وكذا إذا قال: من رد لي حيوانا قد ضل مني ولم يبين أن الحيوان الذي يطلبه من الانعام أو الدواب أو الوحوش أو غيرها. (المسألة التاسعة): يعتبر في الجعالة أن يكون العوض المجعول للعامل معلوما في الجملة ليكون حافزا للعامل على القيام بالعمل، وتحصيل الغرض المقصود للجاعل ولذلك فلابد من تعيين جنس العوض ونوعه ووصفه إذا كان لا يعلم الا بالوصف ولابد من تبيين مقدار كيله أو وزنه أو عدده إذا كان مما يكال أو مما يوزن أو يعد ولا تصح الجعالة إذا التزم الجاعل للعامل بعوض غير معلوم المقدار فقال: من رد ضالتي فله عندي شئ أو دفعت له ما في يدي. ولا يضر فيها الجهل بالعوض إذا كان الجهل لا يؤدي إلى التنازع والخصام فيقول مثلا: من رد لي البقرة أو الناقة المسروقة من داري فله نصفها، أو فله نصف قيمتها في السوق، أوقال: من ردها لي دفعت له هذا الثوب أو هذه الصبرة من الطعام، وهذه الاحكام من الفروق بين الجعالة واجارة الاجير. (المسألة العاشرة): إذا بطلت الجعالة لفقد بعض الشروط، وأتي العامل بالعمل المقصود لمن أمره بالعمل والتزم له بالعوض، استحق عليه أجرة المثل لعمله بدلا عن العوض المسمى له في الجعالة. (المسألة 11): إذا أتى العامل بالعمل المقصود قبل أن يوقع الجاعل صيغة الجعالة ويلزم نفسه بالعوض، لم يستحق العامل على فعله عوضا ولا أجرة مثل، وكذلك إذا أتى

[ 48 ]

العامل بعمله بقصد التبرع به، فلا يستحق عليه عوضا ولا أجرة مثل، وان كان الجاعل قد سبق فجعل على نفسه عوضا لمن أتى له بالعمل المقصود، فلا تعم جعالته ذلك العامل لانه متبرع بعمله. (المسألة 12): إذا جعل الجاعل العوض لشخص معين إذا قام له بالعمل المقصود، فقال مثلا: إذا رد زيد على عبدي الآبق، أو بقرتي المسروقة مني فله عندي عشرة دنانير فأتى بذلك العمل شخص اخر غير زيد المجعول له، لم يستحق هذا العامل العوض، لانه لم يؤمر بالفعل، ولم يلتزم له بالعوض، ولا الشخص المجعول له، لانه لم يفعل شيئا. وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي ما إذا كان الجاعل قد جعل العوض للشخص المعين وهو زيد في المثال الذي ذكرناه متى حصل منه العمل المقصود سواء قام بالعمل بنفسه أم أتى به غيره بالنيابة عنه في العمل، فإذا استناب زيد غيره فاتى بالعمل بالنيابة عنه، أو جاء بالعمل غيره بقصد التبرع عنه، استحق زيد العوض المسمى الذي جعله له الجاعل. (المسألة 13): يصح أن يوقع الجعالة شخص فيجعل العوض من ماله عن عمل يكون لغيره ومثال ذلك أن يقول الشخص: من طلب سيارة زيد المسروقة منه وردها إليه فله عندي عشرون دينارا، أو يقول لاحد معين: إذا طلبت سيارة زيد المسروقة ورددتها إليه دفعت لك من مالي كذا دينارا، فإذا طلب العامل السيارة المسروقة وردها الى زيد استحق العوض المعين على الجاعل الملتزم لا على زيد مالك

[ 49 ]

السيارة. (المسألة 14): يمكن أن ينشئ الجاعل جعالات متعددة بايقاع واحد، كما إذا كان العمل المقصود للجاعل كليا يمكن صدور أفراد متعددة منه من اشخاص متعددين فيترتب على كل جعالة أثرها ويجرى عليها حكمها ومن أمثلة ذلك أن تكون لزيد عدة بنات غير متزوجات، فيقول الجاعل: من تزوج احدى بنات زيد فله عندي نصف صداقها، أو يقول: من تزوج إحداهن دفعت إليه مبلغ كذا من المال فتصح الجعالات، فاي شخص يتزوج من البنات المذكورات يستحق العوض الذي التزم به القائل. ومن أمثلة ذلك أن يقول: إذا تزوج على بنت عمه جعفر وتزوج عبد الله بنت عمه ابراهيم فلكل متزوج منهما عندي مائة دينار، فإذا تزوج الشخصان كما قال استحق كل واحد منهما المبلغ المعين من القائل، وإذا تزوج أحدهما فقط استحق المتزوج دون الآخر. وكذلك أن يقول: إذا تزاور زيد وعمرو فدخل كل منهما بيت الآخر دفعت للزائر منهما صاحبه عشرين دينارا، فإذا هما تبادلا الزيارة بينهما استحق كل واحد منهما العوض المسمى، وإذا دخل أحدهما خاصة على صاحبه استحق الزائر منهما المبلغ دون الآخر. (المسألة 15): إذا قال الرجل: من كتب لي هذا الكتاب دفعت إليه عشرين دينارا مثلا فاشترك كاتبان أو اكثر فكتبوا له نسخة واحدة من الكتاب استحقوا المبلغ الذي

[ 50 ]

عينه، واقتسموه بينهم، فأخذ كل واحد منهم من العوض بمقدار عمله، فإذا كانوا اثنين وقد عملا فيه بالسواء أخذ كل واحد منهما نصف المبلغ، وإذا كانوا ثلاثة أخذ كل فرد منهم الثلث، وهكذا، وإذا تفاوتوا في العمل اقتسموا العوض المسمى بالنسبة. وإذا كتب كل كاتب منهم نسخة تامة من الكتاب استحق كل واحد منهم عوضا تاما على الجاعل، وتراجع المسألة العشرون الآتية في حكم أحدهم إذا أتى بالعمل بعد انتهاء أمد الجعالة عرفا، وحصول الغرض المقصود منها.

[ 51 ]

[ الفصل الثاني ] [ في بعض أحكام الجعالة ] (المسألة 16): يجوز للجاعل أن يفسخ جعالته التي أنشأها وألزم نفسه بدفع العوض للعامل فيها سواء بدأ العامل بالعمل المقصود، أم لم يتلبس بشئ منه ولم يشرع بشئ من مقدماته، فإذا فسخ الجاعل جعالته قبل أن يبدأ العامل بالعمل وقبل أن يشرع في مقدماته، لم يستحق العامل على الجاعل شيئا من العوض المسمى في الجعالة ولا من أجرة المثل. وإذا فسخ الجاعل جعالته بعدما بدأ العامل بمقدمات العمل المقصود للجاعل، فشرع في طلب الشئ المفقود، أو العبد الآبق أو الدابة الضالة ليردها إلى صاحبها ولم يجدها بعد، فإذا فسخ الجاعل ونقض التزامه في هذا الحال لم يستحق العامل عليه شيئا من العوض المسمى لبطلان الجعالة بفسخها، ولكنه يستحق منه أجرة المثل لما قام به من الطلب وأتى به من المقدمات. وإذا فسخ الجاعل جعالته بعدما بدأ العامل في العمل نفسه، فأخذ في خياطة الثوب الذي جعل عليه العوض أو في نسج الكساء أو في كتابة الكتاب، لم يستحق العامل على الجاعل شيئا من العوض المسمى كما تقدم في نظيره واستحق عليه اجرة المثل للمقدار الذي أتى به وأنجزه من العمل.

[ 52 ]

(المسألة 17): يجوز للعامل في الجعالة أن يترك العمل فيها للجاعل قبل أن يبدأ به وبمقدماته، وبعدما يتلبس به ويشرع، فيرفع يده عما قام به من العمل ولا يتمه وإذا هو ترك العمل كذلك لم يستحق على الجاعل شيئا من العوض المسمى في الجعالة ولا أجرة المثل، وان كان الاحوط استحبابا للجاعل أن يصالحه بشئ من المال إذا كان قد أوجد له بعض العمل المقصود، وأحوط من ذلك أن يتراضى الطرفان ويتصالحا في جميع الفروض المذكورة في هذه المسألة والمسألة السابقة عليها. (المسألة 18): إذا أوقع الجاعل جعالته وألزم نفسه بمقتضاها، بأن يؤدي للعامل العوض المسمى الذي ذكره في الجعالة إذا هو أتى له بالعمل المقصود، ثم أتى العامل بذلك العمل وفقا لما طلب، استحق العامل عليه أن يدفع إليه العوض، سواء علم العامل بالجعالة أم لم يعلم بها ولم يطلع عليها. فإذا قال الجاعل: من تزوج فاطمة بنت زيد دفعت له نصف صداقها، ثم تزوجها خالد، استحق خالد بزواجها العوض المعين من الجاعل، وان كان لا يعلم بجعالته قبل التزوج بها، وإذا قال الجاعل: من كتب لي هذا الكتاب فله على مائة دينار، فكتب خالد له الكتاب استحق عليه الجعل، وان لم يدر بايقاع الجاعل قبل أن يتم الكتاب، وإذا قال: من رد لي ضالتي فله عندي عشرون دينارا فردها عليه العامل استحق العوض وان لم يبلغه نبأ الجعالة، وهكذا، نعم يشترط في استحقاقه للجعل أن لا يكون متبرعا بعمله، فإذا قصد التبرع به لم يستحق عليه شيئا.

[ 53 ]

وقد اشترط بعض الاكابر من العلماء في استحقاق العامل للعوض المسمى في الجعالة أن يكون اتيانه بالعمل لاجل تحصيل العوض، ومن أجل اشتراطه لذلك اعتبر فيه أن يكون عالما بايقاع الجعالة ليقصد تحصيل العوض بعمله واطلاقات الادلة والنصوص تدفع هذا القول وتنفي هذا الشرط، فإذا أتى العامل بالعمل ووافق غرض الجاعل استحق العوض المسمى إذا لم يكن متبرعا بفعله. (المسألة 19): تختلف الجعالة باختلاف الملاحظات التي يلاحظها الجاعل للعمل المقصود الذي التزم بدفع العوض عنه، وهي تختلف كذلك باختلاف الاعمال التي يطلبها من العامل في وفائها بالغرض المطلوب، فبعض الاعمال يكون وفاؤها بالغرض باتمام العمل نفسه، فإذا قال الجاعل للرجل: إذا تزوجت بفاطمة دفعت اليك نصف صداقها، أو قال للطبيب: إذا عالجت زيدا فابرأته من مرضه دفعت اليك مبلغ كذا، يكون المدار على اتمام العمل نفسه، فإذا أتمه العامل فتزوج بفاطمة في المثال الاول وابرأ المريض من مرضه في المثال الثاني استحق العوض. وإذا قال للكاتب: ان كتبت لي هذا الكتاب فلك عندي عشرون دينارا، أو قال للخياط: إذا خطت لي هذا الثوب فلك على عشرة دنانير، اتبع ظهور كلمة الجعالة فان علم أو ظهر من الصيغة ولو بسبب القرينة الحافة بالقول ان الامر المجعول عليه هو أن يتم العامل العمل ويسلمه كان المدار عليه، فإذا أتم العمل وسلمه لصاحبه استحق العوض، وان لم يعلم ولم يظهر منها اعتبار التسليم كان المدار على اتمام العمل وحده، فإذا أتم العمل استحق العوض وان لم يسلمه، ولعل الظاهر ان العمل حين يكون متعلقا بعين مملوكة يكون دالا على اعتبار التسليم للعين بعد اتمام

[ 54 ]

العمل فيها، كالجعالة على خياطة الثوب، وعلى كتابة الكتاب، ونسج الكساء، فيكون المدار على تسليم العين بعد اتمام العمل. وكذلك إذا قال: من رد على سيارتي المفقودة أو عبدي الآبق فله علي كذا من المال، فالمتبع فيها ظهور كلمة الجاعل، فان علم أو ظهر من الصيغة أنه يريد من الرد ايصال المفقود إلى البلد، أو إلى موضع معين اكتفى بذلك، فإذا أوصل العمل المفقود إلى الموضع استحق العوض، وان فقد أو سرق بعد ذلك، وان دلت القرينة على اعتبار تسليمه إلى صاحبه كان المدار عليه، ولعل الظاهر في الامثلة التي ذكرناها هو ذلك فلابد فيها من التسليم. وإذا قال من دلني على المفقود أو المسروق أو الآبق، فالظاهر أن المراد مجرد الدلالة عليه واخباره بموضعه، فيستحق العامل العوض بذلك. (المسألة 20): إذا أوقع الانسان صيغة الجعالة، وقام العامل بالعمل المطلوب، وحصل به على الغرض المقصود للجاعل على الوجه الذي تقدم بيانه، استحق العامل العوض من الجاعل، وسقطت بذلك الجعالة فإذا قام عامل اخر بالعمل بعد ذلك لم يستحق على الجاعل عوضا لسقوط الجعالة. وكذلك إذا عين الجاعل لجعالته وقتا محدودا، فإذا انتهى الوقت سقطت الجعالة، ولا يستحق العامل في عمله بعد ذلك عوضا. ويستثنى من ذلك: ما إذ أنشأ الجاعل جعالات متعددة بايقاع واحد، كما سبق بيانه في المسألة الرابعة عشرة، فإذا أتى بعض العمال بالعمل المقصود في بعض هذه الجعالات المتعددة، فسقط ذلك البعض لحصول الغرض المقصود فيه،

[ 55 ]

لم تسقط بذلك بقية الافراد الاخرى من الجعالة، فيجوز لعامل اخر أن يعمل فيها إذا كان وقتها باقيا، فيحصل الغرض ويستحق به العوض. (المسألة 21): إذا أوقع الرجل الجعالة لعامل خاص، فشاركه غيره في العمل حتى أتماه معا، استحق العامل الخاص الذي عينه الجاعل من العوض المسمى بمقدار عمله وسقط منه ما يقابل عمل الآخر، فان كان الشخص الذي شاركه في العمل واحدا وكان عملهما متساويا، استحق العامل المعين نصف العوض، وان كانا اثنين استحق هو الثلث، وهكذا وان تفاوتوا في عملهم استحق العامل المعين من العوض بنسبة عمله ولم يستحق شركاؤه الآخرون على عملهم شيئا في جميع الصور، لا من العوض المسمى، ولا أجرة المثل، وهذا إذا كان الجاعل قد اشترط على العامل أن يتولى العمل بنفسه بنحو المباشرة. وإذا كان قد اكتفى منه بأن يحصل العمل بواسطته ولو بالتسبيب أو الاستنابة منه أو التبرع له وكان العمال الآخرون قد شاركوه بقصد المعونة له أو النيابة عنه، استحق العامل جميع العوض المسمى له في الجعالة. (المسألة 22): إذا أنشئت الجعالة على أن يقوم العامل بجميع العمل ويتمه إلى اخره، وكان في رفع العامل يده عن العمل قبل اكماله ضرر على الجاعل، لم يجز للعامل أن يترك العمل في اثنائه، ويجب عليه أن يتمه إذا كان قد شرع فيه، ويجوز له تركه قبل أن يبدأ به. ومن امثلة ذلك: أن ينشئ الجاعل الجعالة للطبيب أو الجراح على أن

[ 56 ]

يجري له عملية جراحية في عينه، أو في بعض أجهزته الاخرى، أو في أحد أعضائه، فلا يجوز للطبيب أن يترك العمل بعد أن يبتدئ به، لما في ذلك من الضرر الكبير على المريض، وإذا هو ترك العمل بعد أن ابتدأ به لم يستحق عوضا ولا أجرة مثل لما أتى به من أبعاض العمل ومقدماته، فان الجعالة كما فرضنا انما وقعت على أن يتم العمل إلى نهايته، وإذا كان رجوع العامل أو الطبيب أو الجراح في الاثناء سببا لتلف شئ، أو حدوث عيب، أو نقص في عضو من أعضاء المريض أو خلل أو تعطيل في جهاز من أجهزته، كان العامل ضامنا له. (المسألة 23): إذا قال الجاعل: من رد على مالي المفقود دفعت إليه كذا من المال، فرد شخص إليه عين ماله، فانما يستحق هذا الراد على الجاعل العوض، إذا كان في رد ذلك المال إلى صاحبه كلفة ومؤنة يعد الرد بسببهما عملا في نظر أهل العرف، كما في رد الدابة الضالة والعبد الآبق والسيارة المفقودة ونحوها، وإذا كان رد ذلك المال إلى صاحبه لا يحتوي على كلفة، ولا يفتقر إلى مؤنة وجهد، ولم يعد في نظر أهل العرف عملا، فلا يستحق الراد عليه عوضا، كما إذا وجد في المكان أو في الطريق محفظة نقوده، فأخذها وردها إلى صاحبها من غير طلب ولا تعب أو بذل جهد. وإذا اتفق أن المال المذكور بيد غاصب وسمع بالجعالة على رده من مالك المال، فرده إلى الجاعل لم يستحق على رده إليه عوضا، وان كان رده إليه يستوجب كلفة ومؤنة، ويعد من أجل ذلك عملا في نظر أهل العرف، لان رد المال المغصوب إلى مالكه واجب على الغاصب، ويجب عليه أن يتحمل الكلفة والمؤنة

[ 57 ]

في رده إليه، مهما بلغت. (المسألة 24): إذا قال الرجل: من دلني على مالي الذي أضعته فله عندي كذا، وكان المال الضائع بيد شخص، فدله ذلك الشخص على ماله استحق عليه العوض المسمى إذا كانت الدلالة عليه تحتوى على كلفة أو تحتاج إلى مؤنة، كما قلنا في المسألة السابقة، فيستحق العوض على الجاعل إذا لم تكن يده على المال يد غاصبة، وان كانت دلالة صاحب المال على ماله واجبة على من بيده المال، وذلك لانها من الواجبات لم يعتبر الشارع فيها أن تقع من المكلف بها بغير عوض من أحد كالعبادات، وكرد الغاصب المال المغصوب إلى صاحبه. (المسألة 25): إذا قال الرجل: من خاط لي هذا الثوب دفعت له دينارا، ثم قال بعد ذلك: من خاط لي هذا الثوب دفعت له دينارين، وهو يعني الثوب الاول نفسه، فان دلت القرينة على أن جعالته الثانية عدول عن الجعالة الاولى وفسخ لها، كان العمل على الثانية سواء كان العوض المجعول فيها أكثر من العوض الذي ذكره في الاولى كما في المثال المتقدم أم أقل منه. وإذا لم تدل القرينة على شئ أشكل الحكم في الفرض، فلعل الجاعل عدل من الاولى إلى الثانية كما تقدم، ولعله نسي جعالته الاولى فأوقع الثانية، ولعله أضاف إلى الجعل الاول جعلا ثانيا، ولا يترك الاحتياط بالرجوع الى المصالحة بين الجاعل والعامل، إذا أتى بالعمل بعد الجعالتين. (المسألة 26):

[ 58 ]

إذا جعل الرجل ثلاث جعالات لثلاثة أشخاص مختلفين على عمل معين واحد، فقال: ان أرجع لي ضالتي زيد دفعت له دينارا واحدا، وان أرجعها لي عمرو دفعت له دينارين، وان أرجعها لي خالد دفعت له ثلاثة دنانير، ثم رد الضالة عليه أحد هؤلاء الاشخاص، استحق عليه الجعل الخاص الذي عينه له، وإذا اشترك الثلاثة جميعا في العمل فردوا عليه ضالته استحق الاول منهم وهو زيد ثلث العوض الذي جعله له وهو الدينار، واستحق الثاني وهو عمرو ثلث عوضه المجعول له وهو الديناران، واستحق الثالث وهو خالد ثلث عوضه المجعول له وهو الثلاثة دنانير، وهكذا إذا زادوا في العدد فكانوا أربعة فلكل واحد منهم الربع من العوض الخاص المعين له، أو كانوا خمسة فللواحد منهم خمس جعله، وهذا إذا كانوا متساوين في عملهم. وإذا تفاوتوا في العمل استحق كل واحد منهم بنسبة عمله إلى مجموع أعمالهم جميعا، ويأخذ تلك النسبة من جعله المعين له، ومن امثلة المسألة أن تحدث مخاصمة في أمر بين اخوة ثلاثة، ويريد الجاعل أن يوقع الصلح بينهم ورفع الشحناء فيقول: ان سبق زيد وهو الاخ الصغير منهم إلى مصالحة أخويه فله على خمسة دنانير، وان سبق عبد الله وهو الاوسط فله على عشرة دنانير، وان سبق أحمد وهو الكبير إلى مصالحة أخويه فله على خمسة عشر دينارا، فيجري فيهم الحكم المتقدم، فايهم سبق إلى المصالحة استحق العوض الخاص الذي قرره الجاعل له، وإذا سبقوا جميعا استحق كل واحد منهم ثلث الجعل المحدد له من الجاعل.

[ 59 ]

(المسألة 27): إذا قال الرجل: من رد لي سيارتي المفقودة من كربلاء فله عندي مائة دينار واتفق للعامل أن وجد السيارة في موضع دون تلك المسافة، فردها من ذلك الموضع، فقد يعلم أو يظهر من القرائن الموجودة: أن مراد الجاعل أن ترد السيارة المسروقة إليه من اي مكان اتفق وجودها فيه، وقد جعل العوض لمن ردها إليه من أي مكان أو مسافة كانت، وانما ذكر كربلاء أو بغداد مثلا لانه يعتقد أو يظن أن السيارة توجد في ذلك البلد، ولا ينبغي الريب أن العامل في هذه الصورة يستحق على الجاعل جميع العوض الذي سماه، ولا ينقص منه شئ بسبب نقص المسافة. وقد يعلم أو يظهر من القرائن: ان الجاعل قد جعل العوض المعين لمن رد السيارة من المسافة المذكورة في الجعالة، وان لاجزاء المسافة قسطا من العوض وإذا قصرت المسافة نقص العوض، فإذا رد العامل السيارة المسروقة من بعض المسافة فانما يستحق من العوض المسمى بمقدار عمله وسفره في الطلب والرد ولا يستحق الباقي، فإذا ردها إليه من ربع المسافة دفع إليه ربع الجعل خاصة، وإذا ردها من ثلث المسافة دفع إليه الثلث. وقد يعلم أو يظهر من القرائن أن الجعالة مقيدة لمن رد السيارة من كربلاء ولا تشمل من ردها من غير البلد المذكور، فإذا رد العامل السيارة من بعض المسافة لم يستحق من العوض المسمى شيئا، وثبتت له أجرة المثل لما أتى به من العمل وان لم يعلم ولم يظهر من القرائن شئ من ذلك، ودار الامر في ان العامل استحق الاقل أو الاكثر دفع الجاعل إليه الاقل، والاحوط الرجوع إلى المصالحة بينهما

[ 60 ]

(المسألة 28): إذا أتى العامل بالعمل وطالب المالك بالعوض عن عمله، وقال له: انك جعلت لي عوضا إذا انا اتيت لك بهذا الفعل، وانكر المالك الجعالة، فالقول قول المالك مع يمينه لانه منكر. وكذلك إذا قال العامل له: انك أمرتني بان أعمل لك وقد فعلت كما أمرتني فانا استحق عليك أجرة المثل لفعلي، وانكر المالك انه أمره بشئ، فإذا حلف المالك على نفي ما يقوله العامل لم يستحق العامل عليه شيئا في الصورتين. (المسألة 29): إذا ضلت من الرجل دابتان، فرد العامل عليه احداهما، وطالبه بالعوض وقال له: انك جعلت لي جعلا إذا انا رددت اليك هذه الدابة، وأنكر المالك قوله، وقال: اني لم أجعل عوضا على رد هذه الدابة، وانما جعلت عوضا على رد الدابة الاخرى فالقول قول المالك مع يمينه، فإذا حلف على نفي ما يدعيه العامل لم يستحق منه شيئا. وكذلك إذا أنكر دعوى العامل وقال: اني لم اجعل عوضا على رد هذه الدابة وحدها، وقد جعلت عوضا لمن رد الدابتين الضالتين معا، فيقدم قول المالك مع يمينه، فإذا حلف لم يستحق العامل عليه العوض الذي يدعيه، والاحوط للمالك في هذه الصورة بعد يمينه ورد دعوى العامل أن يصالحه بقسط من العوض فانه قد رد احدى الدابتين، وهو بعض المجموع وقد اعترف الجعالة عليه. (المسألة 30): إذا أتفق المالك الذي أنشأ الجعالة والعامل الذي أتى بالعمل على وقوع

[ 61 ]

الجعالة على الاتيان بالعمل المعين، ثم اختلفا في مقدار العوض المجعول فيها فادعى أحدهما مقدارا معينا، وأنكر الآخر ذلك، فادعى أن المقدار الذي ذكره الاول يزيد على العوض المجعول، فالقول قول من ينكر الزيادة مع يمينه، ومنكر الزيادة في الغالب هو المالك الجاعل، فإذا حلف المنكر على نفي الزيادة لم يستحقها العامل، وكان له المقدار الاقل لاتفاق الطرفين على صدور الجعالة، وعلى أن العامل قد استحق هذا المقدار بعمله. وإذا وقع الاختلاف بينهما في مضمون اصل الجعالة فقال المالك: انها انما وقعت على المقدار الخاص الذي يدعيه هو، ولم تقع على المقدار الذي يدعيه العامل، وقال العامل: ان الجعالة صدرت على ما يدعيه هو ولم تصدر بينهما جعالة على المقدار الذي يزعمه الجاعل، كان ذلك من التداعي، فكل واحد منهما مدع ومنكر، والحكم في مثل ذلك هو التحالف من الجانبين، فإذا حلف كل واحد منهما على نفي ما يقوله الآخر سقطت الدعويان معا واستحق العامل على عمله الذي أتى به أجرة المثل. وإذا اتفق ان ما يدعيه العامل في أصل دعواه أقل من أجرة المثل التي حكم بها شرعا، لم يجز له ان يأخذ الزيادة من أجرة المثل على ما يدعيه، فانه يعترف بانه لا يستحقها، وإذا أتفق أن ما يدعيه الجاعل في أصل دعواه أكثر من أجرة المثل وجب عليه ان يوصل هذه الزيادة الى العامل، فانه قد اعترف بأن هذه الزيادة للعامل وقد استحقها بعمله. (المسألة 31): إذا رجعت الدابة الضالة مثلا إلى حظيرة المالك الجاعل أو اصطبله، فقال

[ 62 ]

العامل: اني قد طلبت الدابة وانا الذي رددتها اليك، فانا استحق الجعل المعين وانكر المالك ذلك، وقال له: انك لم تسع، ولم تطلب الدابة الضالة، وقد رجعت الدابة بنفسها، أو قال له: ان الدابة قد وقعت في يدك من غير طلب ولا كلفة فلا تستحق على ردها شيئا، فالقول قول المالك مع يمينه، فإذا حلف لم يستحق العامل شيئا. (المسألة 32): إذا انشئت الجعالة على عوض معين وأتى العامل بالعمل، ثم اختلف المالك والعامل بينهما، فقال أحدهما: ان الجعالة قد وقعت فاسدة وادعى الاخر صحتها فالقول قول من يدعي الصحة فيها، ومثال ذلك: أن يأتي العامل بالعمل، ثم يدعي فساد الجعالة ليأخذ على عمله أجرة المثل، وهي أكثر من العوض المسمى له في الجعالة، أو يدعي المالك فساد الجعالة لتكون للعامل أجرة المثل على عمله وهي أقل من العوض المسمى، فالقول قول من يدعي الصحة منهما.

[ 63 ]

[ الفصل الثالث ] [ في التأمين ] (المسألة 33): التأمين اتفاق خاص يقع بين شخص أو أشخاص معينين من جهة، وشركة أو مؤسسة معينة كذلك من جهة اخرى، تلتزم الشركة أو المؤسسة المذكورة بموجب هذا الاتفاق، وتتعهد بأن تعوض ذلك الشخص، أو الاشخاص المعينين عن خسارة يحتمل وقوعها لذلك الشخص أو الاشخاص، الذين اتفقت معهم من تلف أو عطب، أو حدوث نقص أو عيب، أو غير ذلك مما يعد خسارة في نفس ذلك الشخص أو الاشخاص أو أبدانهم أو في نفوس اخرين من متعلقيهم، أو في بعض ما يملكه الشخص أو الاشخاص من منزل أو عقار أو أثاث أو معامل أو وسائل نقل حسب ما يتفق عليه الجانبان، وحسب ما تحدده بوليصة التأمين، وتعينه الوثيقة من أنواع الخسارة وأسبابها. فإذا حدثت للجانب المتفق معه تلك الخسارة المحددة، فالشركة أو المؤسسة ملتزمة ومتعهدة بدفع العوض عن الخسارة للجانب المتفق معه إذا كان موجودا، ولورثته إذا كان مفقودا. وفي مقابل التزام الشركة أو المؤسسة له بذلك أن يلتزم الجانب الآخر للمؤسسة أو الشركة بمبلغ معلوم من المال يدفعه إليها مرة واحدة، أو أقساطا على مقادير ومواعيد يعينها الطرفان، ويوقعان عليها في الوثيقة التي تكتب بينهما.

[ 64 ]

وقد كان هذا الاتفاق في بداءة أمره معاملة قانونية خاصة، ثم شاعت واعتيدت وتعارفت بين الناس وأهل المعرفة منهم، حتى أصبحت معاملة عرفية متعارفة بين الناس خاصتهم وعامتهم، ثم كانت معاملة شرعية فإذا جرى الطرفان في اتفاقهما والتزامها والقيود في المعاملة بينهما، على الموازين الصحيحة في الشريعة، تناولتها الادلة والعمومات، من الكتاب والسنة وصحت ونفذت، وقد ذكرنا التأمين وبعض أحكامه في مبحث التأمين من رسالتنا في المسائل المستحدثة، فلتراجع. (المسألة 34): إذا حدد طلب التأمين والشركة أو المؤسسة المتعهدة به موضوع التأمين الذي يقصدان ايقاعه بينهما، وعينا الشروط والاقساط والمواعيد لدفعها، أمكن لهما أن يجريا المعاملة بينهما بصورة هبة معوضة، فيقول طالب التأمين للوكيل المفوض من الشركة المتعهدة: وهبت الشركة مبلغ كذا من مالي أدفعه لها أقساطا محدودة في المواعيد المعينة ما بيننا، واشترطت على الشركة أن تقوم بدفع العوض عن الخسارة أو الخسارات التي قد تحدث لي، والتي قد عيناها ما بيننا في وثيقة الاتفاق، فيقول وكيل الشركة: قبلت الهبة منك بالوكالة عن الشركة على الشرط المذكور. (المسألة 35): يصح للمتعاملين في التأمين أن يجريا المعاملة بينهما بصورة المصالحة بعوض، فيقول طالب التأمين لوكيل الشركة أو المؤسسة المفوض منها، بعد ضبط الشروط والقيود في المعاملة وتعيين الاقساط والمواعيد في دفع المال: صالحتك

[ 65 ]

بحسب وكالتك عن الشركة بمبلغ كذا من مالي، أدفعه للشركة أقساطا في المواعيد التي اتفقنا عليها، على أن تعوضني الشركة عن الخسارة التي قد تحدث لي حسب ما حددناه بيننا في الوثيقة، فيقول الوكيل: قبلت المصالحة عن الشركة على الشرط المذكور. ويصح أن يبتدئ الوكيل في المعاملة فيقول لطالب التأمين: صالحتك بأن تتعهد لك الشركة بتعويضك عن الخسارة المعينة إذا حدثت لك، على أن تدفع انت للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا من مالك، في اقساطه ومواعيده المعينة في الوثيقة فيقول طالب التأمين: قبلت المصالحة منك على الشرط المذكور. (المسألة 36): يصح أن تجري معاملة التأمين بين الجانبين بصورة عقد مستقل عن العقود والمعاملات الاخرى، وليس تابعا لشئ منها، ويشترط في صحة هذا العقد أن تجتمع فيه جميع الشروط العامة التي يشترطها الشارع في صحة العقود والمعاملات الشرعية الاخرى، فلابد فيه من الايجاب والقبول التامين الدالين على المعنى المراد، ويشترط فيه أن يكون كل من الموجب والقابل فيه بالغا عاقلا رشيدا، غير محجور عليه في تصرفه لسفه أو غيره من موجبات الحجر، وأن يكون مختارا في فعله غير مكره عليه، وقاصدا لما يقوله وينشئه، فلا يكون سكران، ولا هازلا، ولا غاضبا غضبا يخرجه عن القصد. فيقول وكيل الشركة المفوض من قبلها في التصرف لطالب التأمين: أمنت نفسك مثلا أو أمنت دارك وتعهدت لك بالوكالة عن الشركة بأن تعوضك عن الاضرار أو الخسارات المعينة في الوثيقة إذا حدثت لك، على أن تؤدي انت

[ 66 ]

للشركة مبلغا من مالك قدره كذا، تدفعه على الاقساط المعينة في أوقاتها المعلومة، وفقا للشروط والتحديدات في وثيقة التأمين، فيقول طالب التأمين: قبلت التأمين لنفسي أو لداري مثلا على الشروط المقررة والحدود المبينة. ويجوز أن يكون الايجاب من طالب التأمين فيقول للوكيل: أمنت عند الشركة نفسي أو امنت عندها داري مثلا بأن تعوضني الشركة عن الخسارة، أو الضرر الذي قد يحدث لي في ذلك على أن أدفع للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا في أقساطه ومواعيده، فيقول الوكيل: قبلت ذلك بوكالتي عن الشركة على النهج المعلوم. (المسألة 37): لا يتعين في عقد التأمين أن يقع الايجاب والقبول فيه بلفظ معين، فيكفي في صحة العقد أن ينشأ الايجاب والقبول فيه بأي لفظ يكون دالا على المعنى المذكور، وان كان بغير اللغة العربية إذا أدى اللفظ المعنى المراد في عرف أهل تلك اللغة، وكان الموجب والقابل عارفين بتلك اللغة. ويكفي أن يقع الايجاب والقبول بالكتابة، إذا قصد بها انشاء المعنى وقصد بها ايقاع العقد من كل من الموجب والقابل، ويصح أن يكون الايجاب بالكتابة والقبول بالتلفظ وبالعكس. (المسألة 38): إذا تم عقد التأمين على الوجه المطلوب بين الموجب والقابل وجب على كل واحد منهما الوفاء بما يقتضية العقد من لوازم وواجبات واثار، فهو من العقود

[ 67 ]

اللازمة ولا يجوز لاحد المتعاقدين فسخه والرجوع عنه، الا إذا تقايل الطرفان واتفقا باختيارهما معا على فسخه كما في جميع العقود، والا إذا كان أحد الجانبين قد اشترط على صاحبه الخيار لنفسه وقبل صاحبه الشرط منه، فيصح الفسخ للمشترط، ولا يصح للاخر، أو كان أحدهما قد شرط على الآخر في ضمن العقد شرطا سائغا، وتخلف ذلك الشرط فلم يف له الجانب الآخر بشرطه، فيثبت له خيار تخلف الشرط، ومن ذلك ما إذا خالف أحد الطرفين ما التزم به لصاحبه في العقد فيثبت لصاحبه خيار تخلف الشرط الضمني، وهو ما جرى عليه العقد بينهما، فان الشرط الضمني كالشرط الصريح في ذلك. ومن موجبات الخيار في هذا العقد ما إذا كان احد المتعاقدين مغبونا في المعاملة غبنا لا يتسامح العقلاء بمثله فيثبت حق الفسخ للمغبون. وكذلك الحكم إذا أنشئت المعاملة بين المتعاقدين بصور الهبة المعوضة، أو بصورة الصلح بعوض، فيكون العقد لازما، ولا يجوز فسخه الا في الصور المذكورة. (المسألة 39): يمكن أن تجري معاملة التأمين بين الطرفين بصورة الجعالة، إذا تحققت في المعاملة مقومات الجعالة، ومنها: أن يقوم العامل للجاعل ببعض الاعمال التي تتعلق بالتأمين الواقع بينهما، ليكون العوض الذي يلتزم به الجاعل في مقابلة ذلك العمل الذي يأتي به العامل. فإذا كان التأمين على الحياة أو على الصحة، اشترط الجاعل على الشركة المؤمنة أن تضع له مثلا منهاجا للاكل والشرب، أو تصف له وصفات من العلاجات النافعة ضد الامراض والعوارض التي يجدها.

[ 68 ]

وإذا كان التأمين على حفظ مال جعلت له حراسا ومراقبين ضد السرقة والحوادث التي قد تعرض للمالك. وإذا كان التأمين على أجهزة الية أو معامل أو وسائل نقل عينت له عمالا تكشف على الآلات المؤمنة في بعض الفترات من الزمان، وتصلح منها ما يحتاج إلى الاصلاح، وهكذا، فيكون قيام الشركة بمثل هذه الاعمال جزءا من منهاج التأمين، ويكون اشتراط ذلك بعضا مما تنشأ عليه المعاملة. فإذا أراد الطرفان إجراء المعاملة على هذا الوجه قال طالب التأمين لوكيل الشركة: إذا تعهدت الشركة لي بالتعويض عما يصيبني من الاضرار والخسارات في نفسي مثلا أو في صحتي أو في مالي وقامت بوضع المناهج والاعمال التي اشترطتها عليها، فلها عندي كذا مبلغا من المال ادفعه لها أقساطا، في المواعيد الخاصة المقررة بيننا. (المسألة 40): إذا وقعت الجعالة بين طالب التأمين والشركة المتعهدة له وفق ما أوضحناه من الشروط صحت الجعالة وترتبت عليها اثارها واحكامها، وقد سبق منا أن الجعالة من الايقاعات الجائزة، فيجوز لكل من الطرفين فسخها وترك الالتزام بها.

[ 69 ]

[ كتاب العارية ]

[ 71 ]

[ كتاب العارية ] والبحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في العارية وما يشترط في صحتها ] (المسألة الاولى): العارية هي أن يسلط الانسان أحدا غيره على عين يملكها، أو هو يملك منفعتها خاصة لينتفع ذلك الغير بتلك العين الذي سلطه عليها مجانا من غير عوض أو هي عقد بين الطرفين يثمر التسليط المذكور، ولا ريب في أن العارية من الامور الواضحة في معناها عند أهل العرف المعلومة في مصاديقها، ووضوح أمرها في ذلك يغني عن اطالة القول فيها. وعلى أي حال فليس من العارية أن يأذن الرجل لمن يدخل منزله مثلا من الضيوف والاصدقاء والاقارب، بان ينتفع هذا الداخل بالاعيان الموجودة في الدار فيجلس على الفرش أو على الارائك ويستند إلى الجدران أو المساند وينام على الفرش أو يلتحف بالملاحف ونحو ذلك، بل وليس من العارية عرفا أن يقدم صاحب الدار لبعض ضيوفة أو أصدقائه القادمين إليه بعض الفرش الخاصة والمتكئات ونحوها بقصد التكريم، أو لينام عليها في وقت حاجته إلى النوم

[ 72 ]

والراحة، وأكثر من ذلك وضوحا ما يقدمه إلى الضيف أو الصديق أو القريب من المآكل والمشارب، فلا يعد ذلك من العارية للانتفاع به في انظار أهل العرف. وانما هو اباحة له بغير عوض. نعم، قد يحتاج الضيف أو الصديق في دار الرجل إلى ابدال بعض الملابس أو الاحذية ونحو ذلك، فإذا دفع صاحب الدار إليه ذلك لينتفع به كان من العارية عرفا وان دفعه إليه بقصد التكريم. (المسألة الثانية): العارية عقد من العقود بين المعير صاحب المال والمستعير، فلابد فيها من الايجاب والقبول كسائر العقود، ويكفي في الايجاب أن ينشأ بأي لفظ يدل على المعنى الذي بيناه دلالة ظاهرة يفهمها أهل اللسان، ومن امثلة ذلك: أن يقول المالك لصاحبه: أعرتك داري هذه لتسكنها أيام اقامتك في البلد، أو يقول له: أحمل إلى بيتك هذه المبردة أو هذه الثلاجة لتنتفع بها في ايام الصيف من هذا العام أو يقول له: خذ هذا الكتاب لتقرأه أو هذا الثوب لتلبسه، أو يقول له: انتفع بهذه الامة لتقوم بخدمتك ايام اقامتك هنا. ويكفي في القبول كذلك اي لفظ يكون دالا على الرضا بأخذ العين المعارة والانتفاع بمنافعها، فيقول المستعير للموجب بعد ايجابه: قبلت أو رضيت، أو يقول له: أشكر لك هذا التفضل، ويكفي فيه أن بأخذ العين المعارة بقصد انشاء الرضا بالعارية، ويصح انشاء الايجاب والقبول كليهما بالمعاطاة من الجانبين فيدفع المالك إلى صاحبه الثوب أو الكتاب أو المتاع بقصد انشاء العارية، ويأخذه القابل منه، ويستعمله في حوائجه بقصد القبول وانشاء الرضا بها.

[ 73 ]

(المسألة الثالثة): يشترط في صحة العارية أن يكون المعير بالغا، فلا تصح اعارة الصبي غير البالغ وان كان مميزا واذن له وليه على الاحوط، وان كان الاقرب صحة اعارته في هذا الفرض، فإذا اذن له وليه بأن يعير صاحبه أو قريبه بعض امواله المعينة، مع وجود المصلحة له بذلك، صحت اعارته إذا كان مميزا، وأولى من ذلك بالصحة ان ينشئ عقد العارية لمال غيره إذا كان مميزا، وأذن له مالك المال باعارة ماله، واذن له وليه الشرعي بأن ينشئ له صيغة العارية. ويشترط في صحتها أن يكون المعير عاقلا، فلا تصح اعارة المجنون لماله ولا لمال غيره وان كان مميزا، ويشترط في صحتها أن يكون المعير مختارا، فلا تصح اعارته إذا كان مكرها، وأن يكون قاصدا، فلا تصح من الهازل والسكران والغاضب إذا فقد القصد، وان يكون غير محجور عليه، فلا تصح من السفيه ولا المفلس، وتصح اعارة السفيه إذا أنشأها باذن وليه، واعارة المفلس إذا أذن له الغرماء باعارة بعض ما تتعلق به حقوقهم. (المسألة الرابعة): لا يشترط في صحة العارية أن يكون المعير ملكا للعين والمنفعة كليهما ويكفي في صحتها أن يكون مالكا للمنفعة وحدها، بحيث يكون نافذ التصرف فيها فيمكن له أن يتبرع بها لغيره، وأن يسلط غيره على العين ليستوفي المنفعة، ومثال ذلك: أن يكون قد استأجر العين من مالكها ليستوفي منفعتها استيفاءا مطلقا لنفسه أو لغيره إذا شاء ومن امثلة ذلك: أن يكون المالك قد أوصي له قبل موته بمنفعة العين، وأطلق له في الوصية أن يستوفي المنفعة الموصى بها كيفما يشاء ولو

[ 74 ]

بالتبرع بها لغيره، فيصح له في أمثال هذه الفروض أن يعير العين لغيره ليستوفي منفعتها المملوكة له وان لم يملك العين ذات المنفعة. ولا تصلح العارية إذا كان المعير غاصبا للعين، أو كان غاصبا للمنفعة، وان كان مالكا شرعيا للعين نفسها، ومثال ذلك: أن يؤجر المالك داره من غيره، ثم يغصب المنفعة من المستأجر، ويستولي عليها ظالما. ولا يصح للمستأجر أن يعير العين المستأجرة لغيره، إذا كان المالك المؤجر قد اشترط عليه في ضمن العقد أن يستوفي منفعة العين بنفسه ولا يتبرع بها لغيره، ومثله الحكم في المنفعة الموصى لها للرجل إذا كان المالك الميت قد اشترط في الوصية على الموصى له بالمنفعة أن يستوفيها بنفسه ولا يتبرع بها لغيره فلا يجوز له أن يعيرها إلى أحد سواه. (المسألة الخامسة): يصح لولي الصبي أن يستعير له عارية من أحد إذا كان الصبي قابلا للانتفاع بها، وقادرا على حفظ العين المعارة، وصونها من التلف والعيب، أو كان الولي نفسه أو وكيله هو الذي يقوم بذلك، فيستعير للصبي ثوبا ليلبسه وأدوات منزلية وأثاثا لينتفع به، ومبردة أو مدفئة لتقيه الحر أو البرد، بل ويستعير له كتابا للقراءة إذا كان ممن ينتفع بمثل ذلك. ويجوز لولي المجنون أن يستعير له‌ما يمكنه الانتفاع به من الاشياء والمراد في الفرضين أن تكون العارية للصبي وللمجنون نفسهما لا للولي المستعير ويصرف المنفعة عليهما، وعلى أي حال فلا ينبغي الريب في صحة الجميع مع المحافظة على مال الغير.

[ 75 ]

ولا يصح للصبي أن يستعير لنفسه الا إذا كان مميزا وأذن له وليه بذلك، مع وجود المصلحة له بها، ولا تصح استعارة المجنون لنفسه وان أذن له وليه بالاستعارة، لانه مسلوب العبارة فلا يترب على قوله أثر. (المسألة السادسة): يشترط في صحة العارية أن يكون الشخص المستعير أهلا للتسلط على العين المستعارة والانتفاع بها في نظر أهل العرف، وفي حكم الاسلام، فلا تصح العارية إذا كان آخذها ليس أهلا لذلك، كالعامي القليل المعرفة يستعير بعض الكتب الدقيقة في العلوم والفلسفات، أو يستعير بعض الاجهزة العلمية التي لا يمكنه استعمالها والافادة منها. ومن امثلة هذه المسألة أن يستعير الكافر مصحفا أو عبدا مملوكا مسلما فلا تصح هذه العارية لان الكافر ليس أهلا للتسلط على المصحف، ولا على المملوك المسلم والانتفاع بهما في حكم الاسلام، ومن امثلتها أن يستعير المحرم بالحج أو بالعمرة صيدا بريا من أحد، فلا تصح استعارته فان المحرم لا يجوز له التصرف ولا الانتفاع بصيد البر في حكم الشريعة مادام محرما، سواء كان من اعاره الصيد محرما أم محلا. (المسألة السابعة): يعتبر في صحة العارية أن يكون الشخص الذي يجري معه عقد العارية معينا، فلا تصح إذا أجريت لشخص مردد بين اثنين أو أكثر، فيقول مالك العين لزيد وعمرو: أعرت داري لاحدكما، أو يقول: أعرت هذه العين لاحد هذين الشخصين، أو لاحد هؤلاء الرجال، فلا تصح عاريته، سواء قبلوا جميعا منه العقد

[ 76 ]

أم قبله بعضهم أم لم يقبله أحد منهم، وإذا قبل العقد أحدهم فدفع المالك له العين بعد قبوله جاز له أن ينتفع بها، وكان ذلك من الاباحة له بغير عوض، ولم يكن من العارية المصطلحة، لبطلان العقد الذي أنشأه. (المسألة الثامنة): تصح اعارة عين واحدة لاكثر من مستعير واحد، ومثال ذلك: أن يقول مالك العين لزيد وعمرو: أعرتكما هذا الكتاب شهرا، أو يقول: أعرت داري المعلومة لزيد واخوانه يسكنون فيها سنة تامة، أو يقول، أعرت هذه العين لهؤلاء الطلاب العشرة لينتفعوا بها. فإذا كانت العين المعارة مما يمكن أن يشترك المستعيرون في الانتفاع بها كالدار إذا كانت صالحة لسكني الجميع وكالمبردة والمدفئة إذا أمكن لهم أن ينتفعوا بها جميعا في وقت واحد، اشتركوا فيها إذا شاؤوا، وإذا لم يمكن الاشتراك في الانتفاع بالعين تناوبوا في الانتفاع بها، أو اقترعوا عليه، أو تراضوا في ما بينهم على الانتفاع كما يشاؤون. (المسألة التاسعة): يشترط في صحة العارية أن تكون العين التي يراد اعارتها مما يمكن للمستعير أن ينتفع بها مع بقاء عينها، كالاراضي والمساكن والعقارات والاثاث والامتعة والآلات والاواني والادوات والثياب والاجهزة والكتب والحلي ووسائل النقل والحيوان، وامثال ذلك مما يندرج في الكبرى التي ذكرناها، وأن يكون الانتفاع الذي يمكن حصوله منها والذي تقع المعاملة بين الطرفين بقصده انتفاعا محللا في الاسلام.

[ 77 ]

فلا تصح اعارة العين إذا كانت مما لا يمكن الانتفاع الا باتلاف عينها كالطعومات والمشروبات، وكالصابون مثلا وكالحطب والنفط والغاز مما لا ينتفع به الا باشعاله وحرقه ووقده ولا تصح اعارة العين إذا كانت المنفعة التي يمكن استيفاؤها منها غير محللة في الاسلام، ومن امثلة ذلك: الات اللهو والات الحرام وقد فصلنا ذكر ذلك في المسألة الحادية عشرة من كتاب التجارة، ومن امثلته أيضا: أواني الذهب والفضة على ما هو الاحوط من المنع لزوما عن الانتفاع بها مطلقا وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة عشرة من الكتاب المذكور. (المسألة العاشرة): تجوز اعارة الفحول من الحيوان: الابل والبقر والغنم وغيرها من انواع الحيوان واصنافه للانتفاع بها في ضراب الاناث منه، وتجوز اعارة الكلاب للانتفاع بها في الصيد والحراسة في المنزل أو في البستان أو مع الغنم، وتجوز اعارة الهرة لقتل الفار ونحوه. وتجوز اعارة الشاة والمعزاة والبقرة والناقة لينتفع المستعير بلبنها وصوفها ووبرها، وتجوز اعارة البئر للاستقاء من مائها، بل وتجوز اعارة النخلة والشجرة للانتفاع بثمرها، وان كانت هذه المنافع اعيانا، وكان الانتفاع بها باذهاب عينها فان العين المستعارة باقية وان ذهبت المنفعة. (المسألة 11): تصح اعارة العبد المملوك أو الجارية المملوكة لينتفع بها المستعير في خدمة وحراسة ونحوهما، ولا تصح اعارة الجارية للانتفاع بها في استمتاع فان الاستمتاع بالامة لا يجوز للرجل في الاسلام الا بالزواج بها أو بتملكها ملك يمين

[ 78 ]

بأحد الاسباب الشرعية المملكة لها، أو بتحليل المالك اياها، وليس منه أن يعيرها المالك له، أو يؤجرها لهذه الغاية، ولا فرق في الاستمتاع بالامة بين الوطي وغيره في الحكم المذكور. وإذا أعار الامة مالكها للخدمة جاز للمستعير استخدامها كما قلنا، ولم يجز له أن ينظر إلى المواضع المحرمة عليه من جسدها، ولا أن يلمسها أو تلمس شيئا من جسده. وكذلك الحكم في الاعيان المملوكة الاخرى، فإذا كانت للعين منفعة أو منافع محللة في الاسلام، ومنفعة أو منافع أخرى محرمة فيه، فيجوز للمالك اعارة العين لينتفع بها المستعير بالمنفعة المحللة وتنفذ هذه العارية وتترتب عليها اثارها، ولا يجوز له أن يعيرها لاحد للانتفاعات المحرمة. وإذا هو أعارها لينتفع بها المستعير بجميع منافعها، أو أعارها على نحو الاطلاق، صحت العارية للانتفاع بما يحل من المنافع، وبطلت في ما يحرم. (المسألة 12): لا يشترط في صحة العارية أن تكون العين معينة في وقت انشاء صيغة العارية، فإذا طلب الرجل من المالك احدى دوابه ليسافر عليها إلى مقصده، فقال له بقصد الانشاء: أدخل الاصطبل وخذ منه أي دابة تختارها لسفرك، فأخذ واحدة منها بقصد الاستعارة، صحت العارية لتلك الدابة، وكذلك إذا قال المالك ابتداء للرجل: اعرتك إحدى السيارتين لتسافر فيها، فأخذ احداهما بقصد القبول، أو قال له: اعرتك احد هذه الثياب لتلبسه، أو خذ أحد هذه الملاحف لتلتحف به في ايام

[ 79 ]

البرد، فقال المستعير: قبلت، صحت العارية، ويجوز للمالك أن يعين له بعد انشاء الصيغة منها ما يشاء، بل يجوز للمستعير أن يختار منها ما يشاء إذا كان اذن المالك عاما لذلك. (المسألة 13): إذا كانت العين التي يريد مالكها ان يعيرها للرجل ذات منفعة واحدة بحسب العادة المتعارفة بين الناس، كالبساط والطنفسة والسجادة، فان منفعتها المتعارفة بين الناس واحدة وهي الافتراش لها، وكالثوب فان منفعته المعروفة هي اللبس وحده، وكالكساء والملحف فمنفعتهما هي الالتحاف خاصة، فإذا كانت منفعة العين واحدة كذلك، كفى في صحة العارية أن يقول مالك العين للمستعير: أعرتك هذه العين لتنتفع بها، ولم يجب عليه أن يعين له جهة الانتفاع، فان اطلاق العارية في هذه الموارد ينصرف إلى تلك المنفعة الواحدة المتعارفة، ولذلك فيجب على المستعير أن يقتصر على تلك الجهة الواحدة المتعارفة ولا يتعداها، فلا يلتحف بالخيمة مثلا، أو يستظل بالبساط أو الطنفسة، أو يتقي بهما من المطر. وإذا اراد استعارة العين لوجه من الانتفاع بها غير ما هو المتعارف بين الناس فلابد من التعرض لذكر المنفعة التي يريدها، ومثال ذلك أن يعير المالك البساط أو الطنفسة أو السجادة أو الكساء للرجل لينتفع بالعين، والمستعير يريد من الانتفاع أن يرهنها عند أحد على دين لذلك الشخص عليه، أو ليرسله نموذجا إلى نساج لينسج له على طرازه، أو إلى خياط ليخيط له على شكله، فعليه أن يذكر المنفعة الخاصة التي يقصدها، فان الانتفاعات المذكورة نادرة لا يحمل اللفظ عليها الا مع القرينة الدالة على الاذن فيها.

[ 80 ]

(المسألة 14): إذا كانت العين التي تراد اعارتها ذات منافع عديدة، كالدار مثلا فانه يمكن لمن يستعيرها أن ينتفع بها مسكنا له ولعياله، ويمكن له أن يتخذها مقرا خاصا لنزول ضيوفه الوافدين إليه، وان يجعلها مخزنا لبضائعه أو معرضا لها، وأن يصيرها معملا أو موضعا لاستراحة عمال، وكالارض الفارغة، فان المستعير يستطيع أن ينتفع بها مزرعة لخضروات أو حبوب، أو مغرسا لنخيل أو شجره أو ينتفع بها في بناء، وكالدابة يمكن له أن يستخدمها في ركوب وفي حمل أمتعة وفي حراسة أرض وفي السقاية من بئر أو نهر، فإذا كانت العين متعددة المنافع، فقد يريد المعير والمستعير اعارة العين لاستيفاء منفعة مخصوصة منها، أو لمنافع معينة من جملة منافعها، وفي هذه الصورة لابد لهما من تعيين المنفعة أو المنافع المقصودة وذكرها في عقد العارية، فيقول المالك للمستعير: أعرتك الدار لتسكنها مثلا، أو أعرتك الارض لتزرعها، أو أعرتك الدابة لتركبها في تنقلاتك، أو لتسقي الزرع عليها، وإذا عينت للعين منفعة أو منافع خاصة لم يجز للمستعير ان يتعدى ما عين له، وينتفع بسواها. وقد يقصد المالك أن ينتفع المستعير بجميع الانتفاعات المتعارفة من العين، وفي هذه الصورة يجوز للمالك أن يذكر الانتفاعات كلها على وجه العموم والشمول لها جميعا، فيقول للمستعير: أعرتك هذه العين لتنتفع بها بأي منفعة تحتاج إليها، أو تريدها من المنافع المحللة المتعارفة جميعا. ويصح له أن ينشئ صيغة العارية مطلقة غير مقيدة: فيقول للمستعير:

[ 81 ]

اعرتك هذه العين، أو يقول له: أعرتك العين لتنتفع بها، وفي كلا الفرضين يباح للمستعير أن ينتفع بالعين في أو وجه يحصل له من وجوه المنافع المتعارفة لها. (المسألة 15): من المنافع التي قد تحصل من العين المستعارة ما يكون خفيا غير متعارف ولا معتاد بين الناس، وهو من أجل هذا الخفاء فيه لا يندرج في العموم الذي يذكره مالك العين عند اباحة جميع منافعها للمستعير، الا إذا كان العام صريحا تام الصراحة في شموله لذلك الفرد، ولا يشمله اطلاق الصيغة حين يأتي بها مطلقة غير مقيدة، أو يشك في شمول العموم أو الاطلاق له من أجل خفائه، ولذلك فلا يجوز للمستعير أن ينتفع بمثل هذه المنفعة الخفية من العين، اعتمادا على العموم أو الاطلاق الذي يذكره مالك العين، وان كانت من جملة منافع العين بلا ريب. ومن هذه المنافع الخفية: دفن الميت في الارض المستعارة ومواراته فيها فانه من بعض منافعها كالزرع فيها والغرس والبناء، ولا يشمله الاطلاق والعموم كما ذكرناه ومن المنافع الخفية: أن يرهن المستعير العين التي استعارها عند احد على دين له في ذمته، فإذا أراد المالك أن يبيح للمستعير مثل هذه الانتفاعات الخفية من العين فلابد له من ذكره، والنص عليه بالخصوص، ولا يكتفي بالعموم أو الاطلاق.

[ 82 ]

[ الفصل الثاني ] [ في بعض أحكام العارية ] (المسألة 16): العارية عقد يتقوم بالاذن من مالك العين في أول حدوث العقد، وفي استمراره وبقائه بين الطرفين، ولذلك فإذا زال اذن المالك للمستعير بالتصرف والانتفاع بالعين زالت العارية وانفسخ عقدها، وثمرة هذا العقد كما ذكرنا في أول الكتاب هي أن يتسلط المستعير على العين المستعارة، وأن يباح له الانتفاع بمنافعها التي حددها له المالك. والمعنى الواضح لذلك: أن العارية عقد جائز من جهة مالك العين، فيجوز له أن يرجع عن اذنه للمستعير في أي وقت يشاء، فيزول بذلك العقد ما بينهما، وأن العارية جائزة من جهة المستعير أيضا، فيباح له أن يدع العين المستعارة، ويترك الانتفاع بها في أي وقت يشاء فيرتفع العقد بذلك. وهذا إذا لم يحدث في العين وهي في يد المستعير ما يمنع المالك من الرجوع عن اذنه، كما في بعض الفروض الاتي ذكرها، فإذا حدث مثل ذلك المانع لم يجز للمالك أن يرجع عن أذنه للمستعير، ويكون عقد العارية باقيا مادام ذلك المانع موجودا، وليس معنى ذلك ان العارية أصبحت لازمة بسبب عروض هذا

[ 83 ]

المانع بعد ان كانت جائزة قبل وجوده، بل هي لا تزال على حكمها من الجواز وعدم اللزوم، فإذا اتفق زوال المانع كان للمالك الرجوع فيها. (المسألة 17): يجوز لمالك الارض أن يعير أرضه لاحد ليدفن فيها ميتا، وقد أشرنا الى هذا الفرض في المسألة الخامسة عشرة، فإذا هو أعار الارض لهذه الغاية، ودفن المستعير فيها ميتا في الاسلام تعلق للميت حق شرعي بموضع دفنه من الارض حرم نبشه واخراجه من الارض على الاحوط، ان لم يمكن تحريم ذلك هو الاقوى ولذلك فيكون الاحوط لزوما لمالك الارض إذا أعارها لهذه الغاية أن لا يرجع في اذنه واعارته للارض بعد مواراة الميت المسلم فيها، نعم، يجوز له الرجوع عن اذنه قبل ان يدفن الميت، وان حفر القبر في الارض، ويجوز له الرجوع كذلك إذا نبش أحد قبر الميت بعد دفنه في الارض، واخرجه منه، فلا يجوز دفنه فيها ثانيا الا باذن من المالك. وإذا أعار المالك الارض لهذه الغاية وحفر القبر فيها ووضع الميت في القبر، فهل يجوز للمالك ان يرجع عن اذنه ويفسخ العارية ويمنع الدفن قبل ان يوارى الميت في القبر؟. فيه اشكال. (المسألة 18): يصح للمالك أن يعير ارضه الفارغة لاحد ليغرس المستعير لنفسه في الارض شجرا أو نخيلا ينتفع بها، أو ليبني له بناءا يسكنه، ولا ريب في جواز رجوع المالك في عاريته للارض قبل أن يغرس المستعير فيها غرسا أو يبني فيها شيئا وإذا رجع المالك بها قبل الغرس أو البناء يجوز للمستعير أن ينتفع بها بعد رجوعه.

[ 84 ]

والظاهر جواز رجوع المالك في العارية أيضا بعد أن يغرس المستعير في الارض غرسه، أو يبني فيها بناءه، وإذا رجع المالك بعارية الارض في هذه الصورة وفسخها، فهل يجوز له أن يلزم المستعير بأن يقلع ما غرسه في الارض ويزيل ما بناه فيها، من غير أرش يلزم المالك لذلك؟ أو يحق له أن يلزم المستعير بازالة غرسه وبنائه من الارض، وعليه أن يدفع المستعير أرش ما يزيله من ذلك؟. أو لا يحق له أن يلزمه بشئ من ذلك، وخصوصا إذا بذل المستعير له أجرة المثل لارضه، ليبقى الغرس والبناء فيها؟. يشكل الحكم بشئ من ذلك، ولا يترك الاحتياط بالتراضي والمصالحة بينهما. وكذلك الحال إذا أعار المالك أرضه للزراعة فزرع المستعير فيها، ثم رجع المالك بعاريته قبل أن يدرك الزرع ويبلغ أوانه، فيجري فيها الاشكال والاحتياط الذي ذكرناه. (المسألة 19): إذا أعار مالك الارض أرضه لينتفع بها المستعير بالغرس والبناء، فزرع فيها نخيلا أو شجرا أو بنى فيها بناءا، فالشجر والنخيل والبناء الذي أحدثه في الارض ملك له، فيجوز له أن يبيعه على صاحب الارض فيكون الجميع ملكا له، ويجوز لمالك الارض أن يبيع أرضه على المستعير، فيصبح الجميع ملكا له، ويجوز للمستعير أن يبيع ما غرسه وما بناه في الارض على شخص ثالث، إذا أذن له مالك الارض بذلك، فإذا أذن له المالك فباع الغرس والبناء على غيره كان المشتري بمنزلة المستعير وقام مقامه، فإذا رجع المالك باذنه وفسخ العارية جرت الاحكام التي ذكرناها للمستعير على المشتري، وقد بيناها في المسألة السابعة فلتلاحظ.

[ 85 ]

(المسألة 20): قد يستعير الرجل عينا أو أعيانا متعددة من مالكها ليجعلها المستعير رهنا عند أحد على دين لذلك الشخص في ذمته، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة عشرة والمسألة الخامسة عشرة، ولا ريب في صحة العارية لذلك، وفي صحة الرهن بعد أن اذن له المالك بهذا الانتفاع. ويجوز لمالك العين أن يطالب المستعير بأن يفك رهانة العين عند انتهاء مدة الدين الذي عليه وحلول وقت وفائه، وذهب بعض الفقهاء إلى جواز مطالبته بفك رهانة العين قبل حلول وقت الدين، وعلى أي حال فلا يبطل رهن العين المستعارة بانتهاء المدة، ولا بمطالبة مالك العين بفك رهانتها. (المسألة 21): إذا حل وقت دين الدائن الذي يملكه في ذمة المستعير، ولم يفك المستعير رهانة العين ولم يف بالدين، جاز بيع العين المرهونة ووفاء الدين بثمنها، وإذا بيعت العين كذلك كان المستعير ضامنا لمالك العين، فإذا اختلف ثمنها الذي بيعت به عن قيمة مثلها في السوق كان المستعير ضامنا لمالك العين أكثر الامرين منهما. (المسألة 22): يجوز لمالك العين المستعارة أن يوقع عاريته مطلقة غير محدودة الوقت فيقول للمستعير: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها، أو أعرتك هذا البستان لتأكل ثمره فإذا أنشأ الصيغة مطلقة كذلك جاز للمستعير أن ينتفع بالعين مطلقا، فيسكن الدار ويأكل ثمر البستان حتى يموت المالك أو يرجع عن اذنه في الانتفاع ويفسخ العارية، ويجوز للمالك أن يجعل عاريته مقيدة في مدة معينة، فيقول للمستعير:

[ 86 ]

أعرتك هذه العين تنتفع بها شهرا أو سنة كاملة، وإذا قيد المالك عاريته كذلك فلا يباح للمستعير أن ينتفع بالعين بعد انقضاء المدة، لارتفاع الاذن وانفساخ العارية. (المسألة 23): العارية كما قلنا أكثر من مرة معاملة تتقوم في حدوثها وفي بقائها باذن المالك المستعير في التصرف في العين، وتسليطه عليها وعلى الانتفاع بمنفعتها ومن النتائج الواضحة لذلك: أن تبطل العارية وينفسخ عقدها بموت مالك العين فلا يحل للمستعير بعد موت المالك أن يتسلط على العين المستعارة وينتفع بها وان كان المالك قد أطلق العارية ولم يجعل لها أمدا ووقتا محددا أو جعل لها مدة طويلة بل وحتى إذا أجاز له بالقول الصريح في الصيغة أن ينتفع بالعين بعد موته فقال له: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها حتى إذا مت قبلك، الا أن يرجع ذلك الى الوصية له بسكنى الدار والانتفاع بها بعد الموت، فإذا علم بذلك، أو دلت القرائن الحافة على ارادته صحت الوصية ولزم العمل بها وكان ذلك من الوصية بالمنفعة له لا من العارية بعد الموت. وتبطل العارية كذلك إذا زالت سلطنة المالك عن العين، ومثال ذلك: أن يبيع المالك العين التي أعارها أو ينقلها الى ملك مالك آخر بهبة أو صلح أو غيرهما من العقود أو الايقاعات المملكة، أو يزول سلطانه على العين بعروض جنون ونحوه، فتبطل العارية بذلك. وتبطل العارية بموت الشخص المستعير، فلا تنتقل إلى وارثه من بعده، ولا يجوز للوارث الانتفاع بها الا إذا اذن له مالك العين. (المسألة 24):

[ 87 ]

إذا حدد مالك العين للمستعير نوعا خاصا من أنواع المنفعة أو صنفا من أصنافها، أو وجها من وجوهها، أو قيد انتفاعه بقيد من الزمان أو المكان أو غيرهما وجب على المستعير أن يتقيد بذلك الحد أو القيد ويلتزم به ولا يتعداه، فإذا قال له مثلا: أعرتك الدار لتسكن فيها انت وزوجتك فاطمة، لم يجز له أن يسكن فيها زوجته الثانية، وإذا اعاره السيارة ليسافر بها إلى كربلاء لم يجز له أن يسافر بها الى الحلة، أو إلى بلد آخر، وان كان ما انتفع به أدنى مسافة وأقل ضررا، وإذا أعاره السيارة ليسافر بها نهارا لم يجز له السفر بها ليلا، وبالعكس. ويجب على المستعير أن يقتصر في انتفاعه بالعين المستعارة على ما جرت به العادة المتعارفة بين الناس لمثل تلك العين، فلا يحمل على الحيوان المستعار أكثر مما يعتاد حمله لمثله، ولا يحمل في السيارة غير ما يصلح لحمولته من الاشياء ولا اكثر منه، ولا يسكن في المنزل أكثر مما يعتاد للسكنى فيه ولا غير ما يصلح له. (المسألة 25): إذا تعدى المستعير ما حدده له مالك العين من الانتفاع وما ذكره في المعاملة من قيود كان غاصبا آثما في تصرفه، وضامنا لما استوفى، فإذا هو استوفى منفعة أخرى غير ما عين له مالك العين ضمن له أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها، وإذا زاد في الحمل أو في المسافة أو في كيفية الاستيفاء للمنفعة عن المقدار المتعارف منها وجب عليه أن يدفع لمالك العين أجرة المثل لتلك الزيادة التي زادها. (المسألة 26): إذا أعار المالك أحدا أرضه للغرس أو للبناء أو للزرع فيها، جاز للمستعير

[ 88 ]

أن يدخل الارض ليتصرف ويعمل وينتفع بالارض حسب ما أباح له المالك، وجاز ان يدخل الارض معه من يحتاج المستعير إلى مساعدته في عمله من الحراث والعملة وأشباههم، فان اذن المالك يشمل هؤلاء عرفا ويشمل الاجراء الذين يحتاج إليهم عادة في جميع حاصل الزرع والغرس ونقله وامثال هؤلاء، الا أن يكون مالك الارض قد اشترط عليه غير ذلك فيتبع شرطه. (المسألة 27): إذا قبض المستعير العين المستعارة باذن مالكها لينتفع بها أصبحت أمانة من المالك بيده، فإذا اتفق أن تلفت العين أو سرقت أو نقصت أو حدث فيها عيب، من غير تعد من المستعير في الاستيلاء عليها ولا في الانتفاع بها، ولا تفريط في المحافظة عليها ورعايتها، فلا ضمان عليه لشئ مما حدث، الا إذا كان المالك قد شرط عليه في عقد العارية أن يكون ضامنا عند التلف أو النقص أو التعيب في العين، أو كان المستعير قد اشترط ذلك على نفسه، فإذا شرط ذلك أحدهما في ضمن العقد وجرى عليه الايجاب والقبول كان المستعير ضامنا لما يحدث في العين، وان لم يحصل منه تعد ولا تفريط. (المسألة 28): إذا كانت العين التي استعارها الرجل من مالكها ذهبا أو فضة ثم تلفت أو سرقت أو نقصت أو حدث فيها عيب، فالمستعير لها ضامن لما حدث فيها من ذلك، سواء شرط عليه الضمان في عقد العارية أم لم يشترط عليه ذلك. ويستثنى من هذا الحكم ما إذا شرط في العقد أن لا يكون المستعير ضامنا لما يحدث من ذلك فيتبع الشرط، ولا فرق في الاحكام المذكورة في هذه المسألة

[ 89 ]

بين أن تكون العين المستعارة من الذهب أو الفضة المسكوكين وغير المسكوكين. (المسألة 29): إذا أخذ المستعير العين من مالكها وانتفع بها حسب ما أباح له المالك، وكان استخدامه للعين وانتفاعه بها بالمقدار المتعارف المأذون فيه من غير تعد ولا تفريط، واتفق أن حدث في العين نقص أو عيب بسبب هذا الانتفاع المأذون فيه، فلا ضمان على المستعير لما حدث في العين من النقص أو العيب، ومثال ذلك: أن يعير خالد عليا دابته أو سيارته ليحمل فيها بعض الامتعة والاثاث، فإذا حمل المستعير فيها ما يعتاد حمله ولم يزد على ذلك فاصاب الدابة أو السيارة بسبب ذلك نقص أو عيب فلا ضمان عليه بذلك، بل ولا ضمان عليه إذا تلفت بسبب ذلك من غير تعد منه ولا تفريط. (المسألة 30): إذا أصاب العين المستعارة نقص أو عيب غير مضمون على المستعير كما في الفرض المذكور في المسألة السابقة، ثم تلفت بعد ذلك في يد المستعير على وجه مضمون، كما إذا تعدى المستعير على العين أو فرط في حفظها بعد أن حدث فيها العيب في المثال المتقدم، وتلفت العين في يده بعد ذلك، كان ضامنا للمالك قيمة العين يوم تلفت وهي ناقصة أو معيبة، ولا يضمن التفاوت بين قيمتها تامة وناقصة، أو التفاوت بين قيمتها صحيحة ومعيبة. (المسألة 31): المستعير انما هو منتفع بالعين المستعارة وليس مالكا لمنفعتها، ولذلك فلا يصح له أن يعير عين التي بيده لشخص اخر، أو يؤجرها عليه، الا إذا اذن له مالك

[ 90 ]

العين بأن يعيرها لاحد أو يؤجرها عليه، وإذا اذن له المالك باعارة العين أو باجارتها على غيره أصبح وكيلا عن المالك في اجراء العارية أو الاجارة مع الشخص الآخر فإذا هو أوقع العقد معه صحت عاريته أو اجارته للشخص بالوكالة عن مالك العين وكانت المعاملة للمالك لا للمستعير نفسه، وكانت هذه المعاملة الثانية التي أجراها بالوكالة فاسخة لعارية المستعير نفسه من المالك، فلا يجوز له الانتفاع بالعين بعدها، ويستثنى من ذلك ما إذا أوقع العارية الثانية على نحو التشريك في الانتفاع بالعين بينه وبين المستعير الثاني، وكان ايقاعه لهذه العارية الثانية باذن المالك وبالوكالة عنه، فيجوز لكل منهما الانتفاع بها. (المسألة 32): إذا كانت العارية موقتة، بمدة معينة، وانقضت المدة المحدودة لها أو فسخ المالك عقد العارية أو فسخه المستعير، لم يجز للمستعير أن يتسلط بعد ذلك على العين، ولم يحل له أن ينتفع بشيئ من منافعها، ووجب عليه ان يرد العين إلى مالكها، أو إلى وكيله المفوض في قبضها، أو إلى ولي أمره إذا كان المالك قاصرا أو محجورا عليه، ولا يبرأ المستعير من عهدة العين بغير ذلك، فلا يكفيه لبرأة ذمته أن يفرغ الدار المستعارة، ويخرج منها ما لم يتسلمها المالك أو من ينوب عنه، ولا يكفيه أن يدخل السيارة التي استعارها إلى الموضع الذي أخذها منه، والذي أعده مالكها لحفظها، أو يرد الدابة إلى الاصطبل ويربطها فيه، فإذا تلفت العين أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص قبل أن يسلمها إلى مالكها أو إلى نائبه كان المستعير ضامنا لها ولما يحدث فيها.

[ 91 ]

[ الفصل الثالث ] [ في أحكام أخرى للعارية ] (المسألة 33): يجوز للرجلين أن يعير كل واحد منهما صاحبه بعض الاعيان التي يملكها لينتفع صاحبه بالعين مطلقا أو في مدة معلومة على أن تكون لكل واحدة من المعاملتين بينهما عارية مستقلة بنفسها فلا تكون احدى العينين عوضا عن الاخرى، ولا شرطا في اعارتها، ومثال ذلك أن يعير زيد عمرا داره التي يملكها في النجف ليسكنها عمرو ثم يعير عمرو زيدا داره في الكوفة ليسكنها زيد، وتكون كل واحدة من العاريتين كما قلنا معاملة بانفرادها، ولا معاوضة بينهما ولا مشارطة. وإذا أراد المالكان أن تكون احدى العينين عوضا عن العين الاخرى أو تكون احدى العاريتين شرطا في عارية الثانية، فلا يترك الاحتياط في أن تجري المعاملة ما بينهما بصورة الصلح بعوض، فيصالح زيد عمرا عن سكنى داره في الكوفة بسكنى دار زيد في النجف، أو تكون المعاوضة والاشتراط بين المصالحتين، لا أن يكون التعويض في العارية أو بين العاريتين، فان في صحة ذلك اشكالا، بل منعا على القول المشهور. (المسألة 34): إذا كانت في يد الرجل عين قد غصبها من مالكها، فأعارها أحدا لينتفع بها

[ 92 ]

وكان المستعير يعلم بأنها مغصوبة وليست مملوكة للمعير لم يجز له أخذ العين ولا الانتفاع بشيئ من منافعها، فإذا هو تسلط على العين ووضع يده عليها كان غاصبا اثما وضامنا للعين ولمنافعها. ويجوز للمالك الحقيقي للعين أن يستردها إذا كانت موجودة، وأن يأخذ بدلها إذا كانت تالفة، فيأخذ مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية، ويتخير شرعا بين أن يرجع في ذلك على الغاصب الاول وهو المعير فيأخذه منه، وان يرجع فيه على الغاصب الثاني وهو المستعير، ويجوز له ايضا ان يأخذ قيمة جميع المنافع التي اسوفيت من العين في ايام غصبها منه، وجميع منافعها التي فاتت عليه، وان لم يستوفها أحد، ويتخير في أن يغرم ذلك اي الغاصبين شاء. فإذا أخذ المالك الشرعي هذه الغرامات من الغاصب الثاني المستعير، وكان تلف العين وهي في يده، لم يرجع المستعير على الغاصب الاول الذي أعاره بقيمة العين التالفة ولا بأجرة المنافع التي استوفاها المستعير بسبب العارية، ولا بأجرة المنافع التي فاتت على المالك في حال تسلط المستعير على العين، وان لم يستوف هذه المنافع. نعم، يحق للمستعير أن يرجع الغاصب الذي اعاره بما غرمه المستعير للمالك من اجرة المنافع التي استوفاها الغاصب المعير من العين قبل العارية، وأجرة المنافع الاخرى التي فاتت على مالك العين في ذلك الوقت وان لم يستوفها أحد فإذا كان المالك قد رجع بهذه الغرامات على المستعير وأخذها منه جاز للمستعير أن يأخذها من الغاصب المعير.

[ 93 ]

وإذا رجع المالك الشرعي بالغرامات كلها على الغاصب الاول المعير، جاز لهذا أن يرجع على المستعير بما غرمه للمالك من قيمة العين إذا كان تلفها في يد المستعير، وان يرجع عليه أيضا باجرة المنافع التي استوفاها المستعير من العين في ايام استعارته لها، بل وأجرة المنافع التي فاتت ولم يستوفها أحد في تلك الايام، فان هذه المنافع قد تلفت في يده فيكون ضمانها عليه. ولا يرجع الغاصب المعير على المستعير بقيمة العين إذا كان تلفها في يد الغاصب المعير نفسه ولا بقيمة المنافع التي استوفاها هو قبل العارية أو بعدها، ولا بقيمة المنافع التي فاتت ولم يستوفها أحد في تلك الايام. (المسألة 35): إذا أعار الغاصب العين المغصوبة احدا، وكان المستعير لا يعلم بأن العين مغصوبة من مالكها الشرعي لم يأثم المستعير بتسلطه على العين وانتفاعه بمنافعها، وجاز لمالك العين ان يرجع بقيمة عينه المغصوبة إذا تلفت، وبمنافعها المستوفاة والفائتة منه غير المستوفاة كما فصلناه في المسألة المتقدمة وفي كتاب الغصب، ويتخير في ما يستحقه من ذلك، بين أن يرجع فيه على الغاصب الذي اعار العين، وان يرجع فيه على المستعير، وان لم يكن غاصبا بوضع يده على العين ولا اثما لجهله، فإذا أخذ ذلك من الغاصب المعير، لم يرجع الغاصب على المستعير بشيئ مما غرمه للمالك، وان كان تلف العين في يده، وإذا رجع به على المستعير وأخذه منه، جاز له أن يرجع بما غرمه على الغاصب الذي أعاره العين، ويأخذه منه لانه قد غره. (المسألة 36):

[ 94 ]

إذا علم المستعير بأن العين التي أعارها له المعير مغصوبة من مالكها الحقيقي وجب عليه أن يرد العين إلى مالكها المغصوبة منه، إذا كانت العين لا تزال باقية في يده، وان كان جاهلا بالغصب في وقت العارية، ولم يعلم به الا بعد انقضاء المدة، ولا يجوز له أن يردها إلى الغاصب الذي أعاره اياها، ولا تبرأ ذمته من عهدة العين إذا دفعها إليه. (المسألة 37): إذا انشئت العارية بين مالك العين والمستعير على الوجه المطلوب، وقبض المستعير العين كانت العين أمانة بيده، وقد ذكرنا هذا من قبل، فإذا طلب المالك من المستعير أن يرد إليه عينه المستعارة فانكرها المستعير، أو انكر العارية كان خائنا وبطلت أمانته، فإذا تلفت العين بعد ذلك في يده، أو سرقت، أو طرأ عليها نقص أو عيب كان ضامنا لما حدث، ولم يترتب عليه حكم الامين. (المسألة 38): إذا استعار الرجل دابة أو سيارة ليسافر بها إلى موضع معين، فتجاوز ذلك الموضع في سفره بها كان متعديا، فيلزمه ضمان العين المستعارة إذا تلفت أو عابت بذلك ويلزمه دفع اجرة المثل لمالكها لما زاد من المسافة على الموضع المعين، ولا يزول عنه هذا الضمان إذا رجع بالدابة أو السيارة إلى الموضع المعين المأذون فيه ولا تلزمه أجرة المثل للسفر بها إلى الموضع المعين المأذون فيه قبل التعدي. (المسألة 39): إذا طلب مالك العين من المستعير أن يرد إليه العين، فادعى المستعير أن العين قد تلفت أو سرقت صدق قوله مع يمينه، ولم يثبت عليه ضمان، لانه أمين

[ 95 ]

ما لم تثبت خيانته أو تعديه أو تفريطه في الامانة ببينة شرعيه، كذلك إذا تلفت العين في يده فادعى مالك العين أنه قد فرط في حفظ أمانته، أو أنه تعدى ما حدد له في عقد العارية، وانه ضامن لتلف العين بسبب تعديه أو تفريطه وانكر المستعير ما ادعاه المالك، فالقول قول المستعير مع اليمين. (المسألة 40): إذا انقضت مدة العارية أو فسخ مالك العين عقدها أو فسخها المستعير فطلب المالك منه أن يرد إليه العين، وادعى المستعير انه قد ردها إليه، وأنكر المالك الرد قدم قول المالك مع يمينه لانه منكر، فإذا حلف ألزم الحاكم المستعير بردها إلى مالكها، فإذا تعذر وجودها ألزمه برد مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية. (المسألة 41): إذا شرط مالك العين على المستعير في ضمن العقد أن يكون ضامنا للعين، أو شرط المستعير ذلك على نفسه صح الشرط، قد ذكرنا هذا في المسألة السابعة والعشرين، واتبع في الضمان عموم الشرط وخصوصه. فقد يشترط عليه أن يكون ضامنا للعين متى تلفت أو سرقت أو حدث فيها نقص أو عيب، فيحكم بضمان المستعير إذا حدث على العين شيئ من ذلك وان لم يتعد ولم يفرط في الامانة وقد يشترط عليه الضمان إذا تلفت العين كلها، ولا يشترط الضمان عليه إذا نقصت أو حدث فيها عيب، فيثبت الضمان عليه عند تلف الجميع خاصة، حسب ما اشترط، ولا يضمن إذا طرأ عليها نقص أو عيب، وقد اشرنا إلى هذا في بعض المسائل المتقدمة

[ 97 ]

[ كتاب الوديعة ]

[ 98 ]

[ كتاب الوديعة ] وتفصيل القول في هذا الكتاب يكون في أربعة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الوديعة وما يعتبر فيها ] (المسألة الاولى): الوديعة هي أن يأتمن الانسان أحدا على شيئ ليحفظه له، والغالب المعروف بين الناس في استعمال هذه الكلمة: أن يراد بها عند اطلاقها الائتمان على الاموال لحفظها، وقد تستعمل في الائتمان على أمور أخرى تكون عزيزة على الانسان ليطمئن على حفضها وسلامتها، فيستودع الرجل من يثق به وبقدرته وكفاءته عرضه وأولاده الصغار الذين يخشى عليهم عادية الدهر، ويستودعه كتبه ونفائسه والامور الاخرى التي تعز عليه، ويحذر من طروء الحوادث عليها ويأتمن ذلك الثقة عيها ليتولى له حفظها. وكثيرا ما تطلق كلمة الوديعة على المال أو الشئ المستودع عند الامين فيقول له هذا المال وديعتي عندك، أو يقول له: طفلي أو كتابي هذا وديعة بيدك تحفظه لي حتى ارجع من غيبتي، وهذا كله في المجال اللغوي للكلمة. وتختص الوديعة المبحوث عنها في هذا الكتاب عند الفقهاء بوديعة المال

[ 99 ]

وحتى إذا عم البحث في الكتاب لبعض الاشياء الخاصة، كما إذا ائتمن الرجل غيره على أثر يختص به من مؤلف له أو مخترع يعتز به اعتزازا معنويا، أو على عقد نفيس له ميزة معنوية عند بعض الخاصة أو ما يشبه هذه الامور، فالمقصود في البحث عنه عند الفقهاء هو الجهة المالية التي تكون للشيئ الذي استودعه اياه، من حيث وجوب الحفظ، ووجوب ادائه عند الطلب، ومن حيث الضمان عند حدوث ما يوجب الضمان، وتكون المميزات المعنوية التي يتصف بها ذلك الاثر المستودع موجبة لزيادة قيمته المالية عند الراغبين فيه. (المسألة الثانية): الوديعة كما قلنا: هي أن يأتمن الانسان شخصا غيره على مال ليحفظه له، أو هي عقد يقع بين صاحب المال والامين تكون فائدته الائتمان المذكور على المال ولذلك فلابد فيه من الايجاب والقبول، ويكفي في ايجاب عقد الوديعة كل لفظ يكون دالا على الائتمان أو الاستيداع، فيقول صاحب المال للشخص الذي يأتمنه: اودعتك هذا المال أو هذا الشئ لتحفظه عندك، أو يقول له: ائتمنتك عليه لتحفظه لي أو يقول: استودعتك المال أو استودعته عندك، أو استودعته لديك، أو يقول له: هذا المال وديعة عندك أو: وديعة لديك أو يقول: احفظ لي هذا الشئ، أو ما أدى هذا المعنى من الالفاظ، وكان ظاهر الدلالة عليه، ولو بمعونة القرينة الموجودة من حال أو مقال، ويكفي في القبول أيضا أي قول يدل على الرضا بالائتمان، فيقول المؤتمن: قبلت الوديعة أو الامانة منك، أو رضيت بها. ويصح أن يقع عقد الوديعة بغير اللغة العربية من اللغات الاخرى للعارفين بها، ويصح أن ينشأ عقدها بالافعال الدالة على المقصود، فيدفع المالك ماله الى

[ 100 ]

الشخص بقصد انشاء الوديعة عنده، ويتسلم المؤتمن المال المدفوع إليه بقصد انشاء الرضا بها، ويجوز أن ينشأ الايجاب بالقول ويقع القبول بالفعل، فيقول صاحب المال في ايجابه: أودعتك هذا الشئ لتحفظه، ويأخذ المؤتمن الشئ منه ويضعه في صندوقه بقصد القبول، ويصح أن يقدم القبول على الايجاب فيقول الامين لصاحب المال: ادفع لي هذا المال احفظه لك ويقول المالك بعده: أودعتك المال. ويكفي أيضا في صحة الوديعة وترتب احكامها أن يحصل الايجاب والقبول في عقدها بالكتابة الدالة عليهما، وبالاشارة المفهمة للمعنى المراد عند أهل العرف. (المسألة الثالثة): الوديعة عقد من العقود كما قلنا فلابد فيها من القبول من الشخص المؤتمن أو من وكيله، ولا تتحقق الوديعة بدونه، فإذا وضع المالك ماله قريبا من الرجل، أو على طاولته أو على بساطه مثلا بقصد استيداع المال عنده، أو قال له: هذا وديعة عندك، ولم يقبل الرجل منه الايجاب، لم يتم عقد الوديعة فلا تلزم الرجل أحكامها، فلا يجب عليه حفظ المال، ولا ضمان عليه إذا تلف ما لم يضع يده عليه سواء مكث في مكانه عند المال، ام ذهب عنه وتركه في موضعه، ولم يقبل العقد ولم يقبض المال، وسواء بقى مالك المال في الموضع بعد أن وضع المال ام تركه وانصرف لحاله، وأولى من هذا الفرض بعدم تحقق الوديعة ما إذا ترك المالك ماله قريبا من الرجل أو على طاولته ولم يقصد بذلك استيداع المال عند الشخص. ولا يكفي سكوت الشخص في تحقق قبول الوديعة من المالك، فإذا قال

[ 101 ]

المالك للرجل: أودعتك هذا المال، أو دفع إليه بقصد استيداعه عنده فسكت الرجل ولم يقل شيئا، ولم يصدر منه قبض أو فعل يدل على القبول، فلا يكون سكوته قبولا للعقد، الا أن يقترن ذلك بقرينة تدل على الرضا بالوديعة. (المسألة الرابعة): إذا كان الرجل عاجزا عن حفظ الوديعة وغير قادر على القيام بأمرها فالاحوط لزوما له أن لا يقبل الوديعة من صاحبها، وان كان واثقا من نفسه بأنه لا يتعدى على الامانة ولا يرتكب خيانة، وإذا كان مالك الوديعة يعلم بحال الرجل من الضعف والعجز عن حفظها وأصر مع علمه بذلك على ايداع الوديعة عنده، وأن يحفظها له بمقدار ما يمكنه من الحفظ، جاز له أن يقبلها منه على هذا الشرط فيجب عليه القيام بحفظ الوديعة ورعايتها بمقدار ما يستطيعه من ذلك. (المسألة الخامسة): يشترط في صحة الوديعة أن يكون صاحب المال المودع له بالغا، فلا تصح وديعة الطفل لماله عند غيره، وان كان الطفل مميزا، وهذا إذا تولى ايداع ماله بنفسه بغير اذن وليه، فلا يجوز لذلك الغير أن يقبض منه وديعته، وإذا هو قبضها ووضع يده عليها كان ضامنا لها ولما يحدث فيها من نقص أو عيب أو تلف، ولا تبرأ ذمته من ذلك إذا هو رد الوديعة إلى الطفل نفسه، فيلزمه أن يردها إلى وليه الشرعي. ولا يبعد القول بصحة الوديعة من الصبي إذا كان مميزا عارفا بكيفية انشاء المعاملة والمعنى المراد من الصيغة، وتولى ايداع بعض أمواله عند أحد وكان فعله لذلك باذن وليه الشرعي المطلع على ذلك كله، فأنشأ الوديعة ودفع المال للشخص الذي ائتمنه على وفق ما يرام، فيصح لهذا المستودع قبض الوديعة منه

[ 102 ]

ولا يكون بقبضه لها ضامنا، وتترتب عليه أحكام الودعي شرعا، ويصح منه إذا كان مميزا عارفا، على الوصف الذي ذكرناه أن يتولى انشاء الوديعة لمال غيره ايضا، إذا اذن له مالك المال ووكله في ذلك، وأذن له وليه الشرعي باجراء المعاملة على النهج الصحيح، فيصح للمؤتمن أن يقبض الوديعة، وان كان الصبي هو الذي دفعها إليه بالوكالة ايضا، وتجري عليها أحكام الوديعة. (المسألة السادسة): يشترط في صحة الوديعة أن يكون الشخص الذي يستأمن على الوديعة بالغا، فلا يصح الاستيداع عند طفل لم يبلغ الحلم، ولا يثبت على الطفل ضمان بقبضه مال الوديعة إذا كان غير مميز، ولا باتلافه إذا اتلفه، فان صاحب المال هو الذي عرض ماله لذلك باختياره، ولا ضمان على الصبي بقبض المال إذا كان مميزا وكان قبضه للوديعة باذن وليه، فانه في هذه الصورة ودعي أمين، فإذا تلف المال في يده من غير تعد ولا تفريط منه في الامانة، فلا ضمان عليه، وسيأتي في بعض المسائل المقبلة ان شاء الله تعالى ان هذا هو الحكم الثابت في كل مستودع أمين. ويشكل الحكم عليه بالضمان أو بعدمه في هذه الصورة إذا تعدى أو فرط في الوديعة، أو أهملها وتلفت المال في يده بعد التعدي أو التفريط، ويشكل الحكم عليه أيضا بالضمان أو بعدمه إذا كان مميزا وقبض مال الوديعة بغير اذن من وليه ثم تلف المال في يده. وإذا قبض الصبي مال الوديعة وكان مميزا فأتلف المال بفعله عامدا، فلا ينبغي الريب في الحكم عليه بضمان المال، سواء كان قبضه لمال الوديعة باذن من وليه الشرعي أم كان بغير اذن منه.

[ 103 ]

(المسألة السابعة): يشترط في صحة الوديعة أن يكون المودع والمستودع عاقلين، فلا تصح إذا كان أحد الطرفين مجنونا، أو كان معا مجنونين غير عاقلين، ويجري فيهما من حيث الضمان وعدمه نظير ما قدمنا بيانه في الصبي المميز وغير المميز في المسألتين المتقدمتين. (المسألة الثامنة): لا تصح وديعة الطفل ولا المجنون، ولا يجوز للشخص الذي يودع أحدهما عنده المال أن يأخذه منه، وإذا أخذ المال من يد الطفل أو المجنون كان له ضامنا وقد ذكرنا هذا الحكم قريبا. وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي أن يخاف هذا الشخص على مال الطفل أو المجنون إذا بقى في يده ولم يأخذه منه، ان يتلف فيجوز له أن يأخذ المال من يده ويحفظه له ويكون أخذه له من باب الحسبة لا من باب الوديعة. وكذلك الحكم إذا وجد الانسان مالا للطفل أو للمجنون في يده أو في غير يده وخاف على المال ان هو تركه ولم يأخذه أن يتلف أو يسرق، فيجوز له أن يأخذ المال ويحفظه له من باب الحسبة ويكون المال أمانة شرعية بيده، ويجب عليه أن يبادر بما يستطيع فيوصل المال إلى الولي الشرعي للطفل أو المجنون صاحب المال، فان لم يمكنه ايصال المال أعلم الولي بأن المال عنده، فإذا فعل ذلك فلا ضمان عليه إذا تلف المال في يده، وإذا فرط أو تعدى أو اهمل كان ضامنا. (المسألة التاسعة): يمكن لصاحب المال أن يبعث مبلغا من ماله أو شيئا آخر من مملوكاته بيد

[ 104 ]

صبي غير بالغ، أو بيد مجنون إلى ثقة يستأمنه ليبقى المبلغ أو الشئ الاخر وديعة عنده يحفظه له، وهذا إذا كان المالك يثق بأن الصبي والمجنون اللذين أرسلهما يوصلان المال ويبلغان القول، فإذا أخذ المؤتمن منهما المال واطمأن بصدقهما في الرسالة صحت الوديعة بين المودع والمستودع، ولم يضر بصحتها أن الرسول الواسطة طفل أو مجنون. (المسألة العاشرة): يشترط في صحة عقد الوديعة أن يكون المودع الموجب والمستودع القابل قاصدين لانشاء العقد بينهما، فلا يصح إذا كان المودع هازلا أو هازئا في ايجابه للعقد أو سكرانا أو غاضبا غضبا يخرج به عن قصد المعنى، أو كان المستودع غير قاصد للقبول كذلك. ويشترط في صحته أن يكونا مختارين في فعلهما، فلا تصح وديعة المودع إذا كان مكرها في ايجابه للعقد غير مختار فيه، أو كان المستودع غير مختار في قبوله، فإذا قبض الوديعة مكرها على قبولها لم يضمنها، ولم تترتب على الوديعة اثارها. (المسألة 11): إذا اكره المستودع فقبل الوديعة وقبضها مكرها على قبولها وقبضها، ثم زال الاكراه عنه، وأجاز الوديعة الاولى باختياره بعد زوال الاكراه، صحت الوديعة باجازته وترتب عليها اثرها ولم يفتقر إلى تجديدها. وإذا جدد المودع صيغة الوديعة بعد أن أرتفع الاكراه عن المستودع فقبل الوديعة الثانية مختارا، صحت الثانية بتمامية العقد، ولم يقدح بصحتها كون

[ 105 ]

المؤتمن مكرها غير مختار في أول الامر. (المسألة 12): الوديعة أحد العقود التي تتقوم بالاذن في حدوثها وفي بقائها واستمرارها ومن اجل ذلك فهي من العقود الجائزة غير اللازمة، فيصح لمالك المال أن يسترد وديعته من الودعي الذي استأمنه في اي وقت يشاء ويفسخ عقد الوديعة بذلك ويجوز للمستودع المؤتمن أن يرد الوديعة إلى صاحبها متى أراد كذلك ويفسخ العقد، وإذا استرجع صاحب المال وديعته فليس للمستودع أن يمتنع من ردها إليه وإذا رد المستودع الوديعة فليس للمودع صاحب المال أن يمتنع من قبولها. وإذا فسخ المستودع المؤتمن عقد الوديعة انفسخت بينهما وان كان صاحب المال لا يعلم بفسخ المؤتمن لها، وتزول بذلك الامانة المالكية التي كانت للمستودع على المال بسبب العقد، ويبقى المال أمانة شرعية في يده. ويجب على المستودع بعد أن يفسخ العقد كما ذكرنا أن يرد المال إلى مالكه، أو إلى وكيله المفوض في القبض عنه، فان هو لم يقدر على الرد وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأنه قد فسخ العقد، وأن المال باق عنده، فان هو لم يفعل ذلك من غير عذر مقبول كان مفرطا في أمانته الشرعية وضامنا لها إذا تلفت في يده أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص. (المسألة 13): إذا قبل المستودع الوديعة من مالكها أو من وكيله المفوض، وقبضها منه وجب عليه أن يقوم بحفظها بما جرت به العادة المتعارفة بين الناس في حفظ مثل تلك الوديعة، فإذا كانت من النقود المسكوكة أو العملة الورقية أو من الحلي

[ 106 ]

ونحوها، خزنها في ما تحفظ فيه النقود والحلي عادة من خزانة أو صندوق مضمون أو شبه ذلك، وإذا كانت من الثياب وشبهها حفظها في الصندوق أو المخزن الذي يعد بين الناس لحفظ مثلها، وإذا كانت من الدواب أو الحيوان جعلها في الموضع الذي يعد لامثالها من اصطبل أو حظيرة أو مراح مأمون، وهكذا فيحفظ كل نوع أو صنف من الودائع في الموضع الحصين الذي يناسبه، ولا ريب في أن ذلك يختلف باختلاف الاقطار والبلاد والازمنة والمواضع، بل وباختلاف منازل الرجال المستودعين في مجتمعاتهم، وفي الجهات الطارئة أو الثابتة التي تتصف بها الاماكن والبلاد من حيث الامن والخوف وغير ذلك. وعلى وجه الاجمال فيجب على المستودع حفظ الوديعة في موضع يكون به حافظا لامانته وغير مضيع لها أو متسامح فيها. (المسألة 14): إذا عين المالك الوديعة للمستودع موضعا خاصا واشترط عليه في العقد أن يحفظ فيه وديعته، فقال له مثلا: أودعتك هذا المال على أن تحفظه لي في حجرة زوجتك عالية وفي خزانتها الخاصة، أو على أن تجعله في الصندوق الحديدي في منزلك، تعين على المستودع إذا قبل بالشرط أن يقتصر في حفظ الوديعة على ذلك الموضع ولا يتعداه إلى غيره، وان كان الموضع الاخر الذي ينقله إليه اشد حرزا منه، وإذا نقل وديعته إلى غيره كان متعديا وضامنا لها. وإذا علم من قول المالك أو من القرائن الموجودة أو ظهر منها ان مالك الوديعة انما يريد حفظ ماله وانما ذكر الموضع المعين من باب المثال ولا يريد التقييد والخصوصية في ذلك الموضع جاز له أن ينقل الوديعة إلى مكان اخر

[ 107 ]

يساوي الموضع الذي ذكره أو يكون اشد منه حرزا. (المسألة 15): إذا عين صاحب المال موضعا خاصا لحفظ وديعته فيه كما فرضنا في المسألة المتقدمة وخاف المستودع على الوديعة أن تتلف أو تسرق أو تحرق أو تعيب ان هي بقيت في الموضع الذي عينه مالك الوديعة، لبعض الجهات التي تخفي على المالك أو التي تجددت بعد الاستيداع جاز له نقل الوديعة من الموضع المعين، ولا يكون بنقلها ضامنا لها، بل الظاهر جواز نقلها من ذلك الموضع في هذه الصورة وان نهاه المالك عن نقلها منه، فقال له: لا تنقل الوديعة من هذا الموضع وان تلفت. (المسألة 16): يجب على المستودع أن يتعاهد الوديعة ما دامت عنده بما يصونها عن التلف والعيب، أو تتوقف عليه صيانتها وسلامتها من ذلك، فإذا كانت الوديعة ثوبا أو شبهه من الصوف أو من الابريسم فعليه أن ينشره كما هو معروف عند أهل الخبرة في بعض أيام الصيف في الشمس والهواء الطلق ليسلم من التاكل أو من تولد بعض الدود فيه، وعليه أن يقي الدابة من الحر والبرد الشديدين ومن المطر والثلج ونحو ذلك، وأن يتعاهد الدابة والحيوان بمقدار ما يحتاج إلى من العلف والسقي، وأن يصون الكتاب من الرطوبة المفسدة ومن الحشرات المتلفة كالارضة وشبهها، وأن يحفظ الحبوب عن الرطوبات والمياه التي توجب تعفنها وفسادها وهكذا، فإذا هو ترك الملاحظة والرعاية بمثل هذه الاشياء فتلفت الوديعة أو عابت كان ضامنا لما حدث فيها.

[ 108 ]

(المسألة 17): لا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة تصرفا لم يأذن له فيه مالك الوديعة، ولا يتوقف عليه حفظها، فيكون بتصرفه فيها خائنا ومتعديا، ومثال ذلك: أن يأكل بعض الوديعة أو يلبس الثوب أو يسافر في السيارة أو يركب على الدابة أو يفترش الفراش أو يشتري بالنقود، أو يقترضها وان كان عازما على أن يدفع العوض للمالك، فلا يحل له شئ من ذلك إذا لم يأذن له به صاحب المال أو يتوقف عليه حفظه، وإذا فعله كان خائنا لامانته واثما في تصرفه وضامنا للوديعة، وسيأتي لذلك مزيد بيان وايضاح في الفصل الثاني ان شاء الله تعالى. (المسألة 18): من التصرف المحرم على المستودع الموجب للحكم عليه بالضمان أن يدفع المالك إليه الوديعة وهي في كيس مختوم، فيفتح المستودع الكيس من دون ضرورة تدعوه إلى فتحه، ومن التصرف المحرم كذلك ان يدفع المالك إليه المبلغ عملة ورقية ذات خمسة دنانير مثلا فيبدلها بعملة ذات عشرة دنانير أو خمسة وعشرين دينارا أو بالعكس، الا إذا اذن له المالك بذلك، أو كان المستودع لا يتمكن من حفظ المال الا بذلك، وتلاحظ المسألة الرابعة والسبعون، ومن التصرف المحرم أن يدفع المستودع المبلغ الذي أودعه صاحبه عنده إلى المصرف، ويأخذ بدله حوالة من المصرف بالمبلغ باسم المستودع، أو باسم مالك المال نفسه يدفعها له المصرف عند المطالبة، أو يفتح له حسابا خاصا يسدده له مرة واحدة أو اقساطا كما يريد، فلا يحل للمستودع هذا التصرف، ويكون به متعديا وضامنا، الا إذا أجاز المالك له ذلك، أو استدعته ضرورة لابد منها.

[ 109 ]

(المسألة 19): الوديعة أمانة من مالك المال بيد المستودع، ولذلك فلا يثبت عليه حكم شرعي بالضمان إذا تلفت عنده أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص، إذا هو لم يتعد ولم يفرط في الوديعة وفي حفظها، وقام بأمرها وبرعايتها على الوجه المطلوب منه شرعا، ويأتى تفصيل هذا المجمل في الفصل الثاني ان شاء الله تعالى. (المسألة 20): لا يثبت على المستودع ضمان إذا قهره ظالم فأخذ الوديعة من يده مقسورا بغير اختيار منه، أو توعده الظالم بضرر يخشى من وقوعه عليه إذا امتنع، فدفعها إليه مكرها، ويثبت ضمان العين وضمان منافعها في كلتا الصورتين على الظالم الذي قهره أو أكرهه. وإذا كان المستودع هو السبب في تسلط الظالم على الوديعة، ووضع يده عليها فالضمان على المستودع، ومثال ذلك: أن ينبئ المستودع الظالم بأمر الوديعة، ويصفها له ويحرضه عليه قبضها، بل وكذلك إذا عرف الظالم بخبرها وبأن مالكها قد استودعها عنده ليحفظها له، فكان بذلك موجها، لنظر الغاصب إليها، ومن امثلة ذلك: أن يكون المستودع قد جعل الوديعة في موضع يلفت نظر الغاصب إليها، أو هو مظنة لذلك، فالتفت إليها وغصبها، فيكون الضمان في هذه الفروض على المستودع نفسه، لانه سبب الاتلاف. وإذا اتفق في الصورة الاخيرة أن الظالم لم يلتفت إلى الوديعة ولم يغصبها ولكنها تلفت بسبب اخر فالضمان على المستودع أيضا، لانه قد فرط في امانته فوضعها في ذلك الموضع غير المأمون.

[ 110 ]

(المسألة 21): إذا علم الظالم بوجود الوديعة وعزم على غصبها، واستطاع المستودع أن يدفعه عنها ببعض الوسائل المباحة المقدورة له، كالاستعانة على ذلك ببعض الوجهاء وذوي السلطة وجب عليه الدفع عنها مهما أمكن. وإذا سأله الظالم عن وجودها عنده جاز له انكارها، وان كان كاذبا في انكاره، وجاز له أن يحلف على ما يقول إذا توقف الدفع عنها على الانكار والحلف، بل يكون واجبا عليه. وإذا كان المستودع ممن يعرف التورية ويمكنه استعمالها وجب عليه استعمال التورية للتخلص من الكذب والقسم عليه على الاحوط لزوما... وإذا اعترف المستودع للظالم بوجود الوديعة عنده فغصبها منه، كان المستودع ضامنا لها لانه سبب اتلافها، وإذا اتفق أن الظالم لم يغصبها كان المستودع مفرطا خائنا لامانته بسبب اقراره بها للظالم، فيكون ضامنا لها إذا تلفت عنده بسبب آخر، وكذلك الحكم إذا امكن له الدفع عنها بالانكار والحلف عليه فلم ينكر أو أنكر ولم يحلف، فإذا غصبها الظالم فهو السبب في الغصب، وإذا لم يغصبها فهو مفرط فيها لعدم دفعه عنها، ويكون ضامنا لها إذا تلفت في كلتا الحالتين. (المسألة 22): ليس من الوسائل الصحيحة التي يمكن أن تتخذ في هذا السبيل أن يخلص المستودع هذه الوديعة من يد الظالم بدلالته على مال لمؤمن آخر، أو بالسعاية عليه في ما يضره، وان كان ذلك الرجل الذي سعى به أو دل الظالم على ماله عدوا مباينا للمستودع.

[ 111 ]

وليس من الوسائل الصحيحة أن يجامل الظالم فيدفع إليه بعض الهدايا المحرمة في الاسلام، أو يعينه في بعض المحرمات التي تنكرها شريعة الاسلام أو يسايره ويمالئه في ارتكاب بعض المناهي والمنكرات فيها، ويتخذ ذلك ذريعة لتخليص ودائع بعض المؤمنين، أو المدافعة عن بعض حقوقهم، وتحريم جميع ذلك من الامور بينة الوضوح، وانما تذكر للتحذير والتنبيه، وتراجع المسألة الثالثة والاربعون من كتاب التجارة من هذه الرسالة. (المسألة 23): إذا لم يمكن للمستودع أن يدفع الغاصب عن الوديعة الموجودة لديه الا بنزاع وخصام وضرب، واستلزم ذلك أن يضرب المستودع أو يجرحه أو يناله بسبب ذلك هتك أو شتم أو كلام بذي، لا يناسب شرفه ومقامه ومنزلته الاجتماعية بين الناس، لم يجب عليه أن يتحمل ذلك في سبيل دفاعه عن الوديعة. وعلى وجه الاجمال لا يجب عليه الدفاع عنها، إذا استلزم ذلك وقوع ضرر عليه لا يتحمل عادة لمثله، أو خسارة مالية تضر بحاله أو استلزم له الوقوع في عسر أو حرج. (المسألة 24): إذا توقف دفع الظالم عن غصب الوديعة على أن يتبرع المستودع فيدفع له مبلغا من ماله لم يجب ذلك على المستودع، فإذا هو لم يدفع للظالم شيئا من ماله وغصب الظالم الوديعة فلا ضمان على المستودع بسبب ذلك. وإذا أمكن له أن يخبر مالك الوديعة فيأخذ منه المبلغ لمصانعة الظالم ودفعه عن الوديعة، أو يستأذنه أو يستأذن وكيله المفوض في أن يدفع المبلغ من ماله

[ 112 ]

للظالم بالنيابة عن المالك، ثم يرجع عليه بما دفع، وجب عليه أن يفعل ذلك، وإذا لم يتمكن من استئذان المالك أو وكيله استأذن من الحاكم الشرعي، وإذا فرط في الامر مع امكانه ولم يفعل شيئا من ذلك كان ضامنا. وإذا لم تتيسر له مراجعة المالك ولا وكيله ولا الحاكم الشرعي في أن يفعل ذلك باذن من أحدهم دفع المستودع المبلغ من ماله عن مالك الوديعة من باب الحسبة، وإذا دفع المبلغ من مالك كما بينا وقصد الرجوع به على المالك، ولم يقصد التبرع بالمال، جاز له الرجوع عليه، وإذا لم يفعل ما فصلنا ذكره كان ضامنا للوديعة. (المسألة 25): إذا استطاع المستودع أن يفتدي الوديعة من الظالم ببعضها فيدفع له نصفها مثلا أو ثلثها أو ربعها، ويصرف بذلك نظره عن البقية منها فلا يغصبها وجب عليه أن يفعل ذلك فيحفظ الباقي منها، وكذلك إذا أمكن له أن يدفع بعض الوديعة لغير الظالم، فيصرف هذا الرجل الذي صانعه نظر الظالم عن غصبها، فيجب عليه أن يدفع البعض إلى ذلك الشخص، فإذا فرط المستودع في الامر ولم يدفع شيئا منها ضمن الباقي إذا غصبه الظالم في الصورتين، لانه هو السبب في غصبه واتلافه ويضمنه كذلك إذا اتفق ان الظالم لم يغصب الباقي ثم تلف في يد المستودع لانه قد فرط في حفظه، فكان بتفريطه خائنا يلزمه الضمان. ونظير هذا الفرض في لحكم أن تكون عند الرجل وديعتان لمالك واحد وأراد الظالم غصب الوديعتين كلتيهما، وأمكن للمستودع أن يدفع له احدى الوديعتين فلا يغصب الثانية، فإذا فرط المستودع ولم يدفعها إليه كان ضامنا على

[ 113 ]

النحو الذي تقدم بيانه. (المسألة 26): إذا استودع المالك عند الرجل دابة أو حيوانا وجب على المستودع أن يتعاهد الدابة أو الحيوان بالماء والعلف عند حاجتهما إلى القوت والشرب، ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فيكفيه أن يعهد بذلك إلى بعض اولاده أو عياله أو غلمانه، إذا كان هذا البعض الذي يعهد إليه بذلك مأمونا على الحيوان، لا يفرط ولا يتعدى في حفظه، فلا يركب الدابة أو يعنتها أو يحملها، أو كان لا يسقيها أو لا يعلفها ما يكفي، ويجوز له أن يخرجها من الاصطبل والمراح المعد لها للسقي والعلف في خارجه، إذا كان من المعتاد ذلك، وكان الطريق مأمونا ولا يخرج به عن المعتاد. (المسألة 27): إذا أنفق المستودع على الحيوان حسب ما يتعارف له في قوته من العلف والماء أو في غير ذلك مما قد يحتاج إليه عادة، جاز له أن يرجع على مالك الحيوان بما انفقه عليه إذا هو لم يقصد التبرع به، وعليه أن يستأذن في الانفاق عليه من مالك الحيوان، أو من وكيله المفوض أو من ولي أمره إذا كان قاصرا أو محجورا عليه، فإذا تعذر عليه الاستئذان كذلك انفق هو على الحيوان من ماله من باب الحسبة ورجع بالنفقة على المالك إذا لم يقصد التبرع، وقد ذكرنا هذا في أول المسألة. (المسألة 28): الوديعة عقد يتقوم بالاذن في ابتداء حدوثه وفي بقائه، ونتيجة لتقومه بالاذن فيبطل العقد إذا مات المالك المودع أو مات الامين المستودع، وإذا جن أحدهما

[ 114 ]

فخرج بذلك عن ان يكون أهلا للاذن والقصد، فإذا مات المالك المودع بطلت الوديعة كما قلنا وأصبح المال أمانة شرعية بيد المستودع، بعد ان كان عنده أمانة مالكية، وسيأتي بيان الفرق بينهما في الفصل الاخير من هذا الكتاب، فيجب على المستودع أن يبادر برد المال إلى وارث المالك الذي أودع المال، أو إلى وكيل الوارث والى وليه إذا كان قاصرا، وإذا لم يقدر على رد المال إليه بالفعل لبعض الجهات المانعة من الرد، وجب عليه أن يعلمه بان الوديعة موجودة عنده، وانه مستعد لردها متى أمكن له الرد، وان هو لم يفعل كذلك مع تمكنه من فعله وعدم العذر كان مفرطا ضامنا. وإذا لم يعلم المستودع بعد موت مالك الوديعة بوجود وارث له، أو كان الوارث غير منحصر في علمه بشخص معين أو أشخاص معينين، جاز له التأخير حتى يفحص عن ذلك ويعلم به، ويجب عليه أن لا يتسامح في أمر الامانة فيتأخر من غير فحص أو يطيل المدة من غير ضرورة تقتضي ذلك. وإذا جن مالك الوديعة وعلم المستودع بجنونه، وجب عليه أن يبادر في رد الامانة الشرعية إلى وليه الشرعي، فإذا لم يستطع الرد إليه أن يعلم الولي بالوديعة وأنه مستعد لردها، وان هو لم يعلم بالولي الشرعي له على التعيين جاز له أن يتأخر بمقدار ما يفحص عنه، ويعلم به كما سبق في نظيره. (المسألة 29): إذا مات المستودع وبطلت الوديعة بموته كما سبق ذكره أصبحت الوديعة أمانة شرعية بيد الوصي من بعده، إذا كان قد أوصى إلى أحد بالوديعة قبل موته وكانت أمانة شرعية بيد وارث المستودع إذا لم يكن قد أوصى بها، وإذا لم يكن قد

[ 115 ]

أوصى وكان وارثه قاصرا كانت الوديعة أمانة شرعية بيد الولي الشرعي على الوارث القاصر. ويجب على من يصبح أمينا على الوديعة من أحد هؤلاء بعد موت المستودع أن يرد الامانة إلى مالكها الذي أودعها، أو إلى وكيله المفوض منه، وان لم يتمكن من المبادرة إلى الرد وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأن الوديعة قد انتقلت أمانة في يده، وانه يقوم بردها إليه متى أمكنه الرد. وإذا جن المستودع وجب على وليه الشرعي أن يقوم بالفعل، فيرد الامانة إلى صاحبها أو يعلمه بها على الوجه الذي سبق ذكره. (المسألة 30): إذا مات مالك الوديعة وخلف بعد موته ورثة متعددين، فان كان الميت المودع قد أوصى إلى أحد قبل موته وعهد إليه أن يقبض الوديعة ويصرفها حسب وصية معينة له فيها، أو يقسمها على الورثة بحسب ما يستحقونه من السهام في الميراث، تعين على المستودع أن يدفع الوديعة إلى الوصي ليعمل بها كما أوصى مالكها، وان لم يوص الميت بأمرها إلى أحد، وجب على المستودع ان يسلم الوديعة إلى ورثة الميت جميعا أو إلى أحد يتولى القبض عنهم جميعا من وكيل مفوض منهم إذا كانوا راشدين، أو ولي شرعي إذا كانوا قاصرين، أو إلى فرد من الورثة أو من غيرهم يرتضون على اختياره فيفوضون إليه الامر في قبض الوديعة وتقسيمها بينهم على المنهاج الشرعي في المواريث. ويجوز للمستودع أن يوكل أحدا يعتمد عليه في دفع المال إليهم على الوجه المطلوب، ولا يجوز له أن يسلم الوديعة الى بعض ورثة مالكها بغير اذن من الباقين

[ 116 ]

وإذا دفعها إلى بعضهم كما ذكرناه كان ضامنا لحصص من لم يدفع إليه سهامه منهم. (المسألة 31): إذا طلب صاحب المال وديعته من المستودع وجب على المستودع أن يبادر إلى ردها إليه في أول وقت يمكن له فيه الرد، والمراد أن يبادر إلى ردها مبادرة عرفية، فلا يجب عليه أن يقطع الصلاة الواجبة ولا المستحبة ليرد الوديعة إذا كان قد شرع في الصلاة، ولا يجب عليه الاسراع في المشي أكثر مما يتعارف لمثله. ولا ينافي المبادرة العرفية أن يتم أكله للطعام إذا طلب المالك منه وديعته وهو على المائدة مثلا، ولا ينافي المبادرة ان يقدم الصلاة إذا طلبها منه وهو في أول وقتها، أو يبدأ بأكل الطعام إذا كان في وقت حضوره، ولا ينافيها كذلك أن يؤخر دفع الوديعة إليه حتى يشهد على الدفع والقبض، أو حتى يكتب له ورقة يعترف المالك فيها بقبض المال، أو حتى يسجل القبض في سجله الخاص، إذا لم يستلزم ذلك التأخير الكثير، وخصوصا إذا كان المالك المودع قد أشهد عليه في وقت الايداع، أو كتب عليه ورقة اعترف فيها بالوديعة ووقع عليها، أو سجلها في سجل يثبتها، وخصوصا إذا كان في الامر مظنة للنزاع والانكار ولو من الورثة بعد الموت، فلا يجوز للمستودع تأخير الرد أكثر من ذلك، ولا يجب عليه الاسراع أزيد منه. (المسألة 32): يتحقق رد الوديعة إلى صاحبها بأن يرفع المستودع يده عن الوديعة ويخلي ما بين المالك وبينها ويرفع جميع الموانع من قبله عن استيلاء المالك عليها، ولا يجب على المستودع نقل الوديعة إلى المالك، فإذا كانت محفوظة في محل، أو مخزونة في حرز ورفع المستودع الحواجز والموانع عنها وعن استلام المالك

[ 117 ]

اياها، وقال له مثلا: استلم وديعتك، فقد رد الامانة إلى أهلها، وبرئت ذمته من التكليف الشرعي بوجوب ردها، ولا شئ عليه بعد ذلك إذا أهمل المالك، أو تأخر في قبضها ووضع يده عليها. (المسألة 33): يجب على المستودع رد الوديعة إلى مالكها إذا طلبها منه، أو انفسخ عقد الوديعة بينهما بسبب آخر، سواء كان مالك الوديعة مسلما أم كافرا محترم المال وبرا أم فاجرا، ولا فرق في المالك المسلم بين أن يكون من الشيعة وغيرهم من أي فرق المسلمين كان، ولا فرق في الكافر بين أصناف الكفار، إذا كان ممن يحترم ماله في الاسلام. والاحوط لزوما رد الوديعة إلى صاحبها، وان كان كافرا غير محترم المال فإذا أودع عند المؤمن وديعة وجب عليه حفظها وردها إليه إذا طلبها منه، وفي الحديث عن أمير المؤمنين (ع) قال: (أدوا الامانة ولو إلى قاتل ولد الانبياء)، وعن الامام ابي عبد الله (ع): (ادوا الامانة إلى أهلها وان كانوا مجوسا)، وعنه (ع) انه قال: (ادو الامانة إلى من ائتمنك وأراد منك النصيحة ولوالى قاتل الحسين (ع)) وعن الامام زين العابدين (ع): (عليكم بأداء الامانة، فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا لو ان قاتل ابي الحسين بن علي (ع) ائتمنني على السيف الذي قتله به لاديته اليه). (المسألة 34): إذا استودع الغاصب أو السارق المال الذي غصبه أو سرقه من صاحبه عند أحد، وعلم الودعي بأن الوديعة مغصوبة من مالكها الشرعي أو مسروقة منه، لم يجز له بردها إلى الغاصب أو السارق مع التمكن من الامتناع عليه، وكان المال بيده

[ 118 ]

أمانة شرعية يجب عليه حفظها لمالكها الحقيقي، فان هو عرفه رد المال إليه وإذا لم يتمكن من المبادرة إلى رد المال إلى مالكة أعلمه بأن المال قد وقع في يده وانه سيرده إليه متى قدر على رده، وان لم يعرف مالك المال وجب عليه التعريف به إلى سنة، فإذا انقضت المدة ولم يعرف مالك المال تصدق بالمال عنه وإذا وجد المالك بعد الصدقة بالمال أخبره بأنه أخذ المال وعرف به سنة ثم تصدق به كما أمره الله، وخيره بين أن يقبل الصدقة لنفسه، فيكون له اجرها عند الله، وان لا يقبل الصدقة فيغرم له المال ويكون أجر الصدقة للودعي المتصدق، (المسألة 35): إذا جرى عقد الوديعة بين مالك المال وصاحبه، واستلم المستودع المال منه، ثم خاف المستودع على الوديعة أن تتلف بيده أو تسرق أو تعطب، بحيث كان الخوف عليها موجبا للشك منه في قدرته على حفظ الوديعة، أو للاعتقاد بعدم قدرته على ذلك، فالأحوط له لزوما وجوب رد الوديعة إلى المالك أو إلى وكيله، فإذا تعذر عليه الرد عليهما دفعها إلى الحاكم الشرعي، وعرفه بالامر، وإذا لم يقدر على ايصالها إليه أو كان الحاكم الشرعي غير قادر على حفظها بنفسه أو بالتوكيل، دفعها المستودع إلى ثقة مأمون يقدر على حفضها وايصالها إلى مالكها. (المسألة 36): إذا كانت للوديعة مدة محددة بين مالك الوديعة والمستودع، وانقضت مدة الاستيداع وجب على المستودع ان يرد الوديعة إلى مالكها، أو إلى وكيله المفوض عنه في قبضها أو إلى وليه إذا كان قاصرا أو محجورا عليه، فإذا تعذر عليه ايصالها

[ 119 ]

وجب على أن يعلمه بها، وبانتهاء المدة المعينة في العقد، وانه مستعد لردها متى امكن له الرد، وان لم يقدر على شيئ من ذلك أوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي وعرفه بأمرها، فإذا امتنع عليه ذلك، وضعها أمانة شرعية عند ثقة امين ليحفظها لصاحبها من باب الحسبة، وإذا وجدت الثقة والامانة في المستودع نفسه بقيت في يده من باب الحسبة كذلك حتى يؤديها إلى أهلها. (المسألة 37): إذا خاف المستودع على نفسه من الموت لظهور اماراته عليه، من كبر سن أو ترادف أمراض وما اشبه ذلك، وخشي على الوديعة التي أودعها صاحبه عنده أن تتلف بعد موته، أو تؤكل، أو تغصب من وارث أو من غيرة، ولم يأمن عليها إذا بقيت، وجب عليه ان يودها في حياته إلى مالكها، وان يبادر إلى ردها على النهج الذي ذكرناه في ما تقدم. وإذا كان الوارث أو القيم على شؤون المستودع من بعده إذا مات يعلم بالوديعة وبصاحبها، وبموضعها، وكان ثقة أمينا يعتمد عليه ولا تضيع عنده الوديعة، لم يجب على المستودع رد الوديعة في حياته على صاحبها اعتمادا على ذلك، وإذا هو احتاط للوديعة فذكرها في وصيته وأشهد عليها فهو اولى وأفضل. وإذا كان الوارث الذي يتركه من بعده لا يعلم بالوديعة، أو لا يعرف صاحبها أو كانت بيد المستودع عدة من الودائع فيلتبس على الوارث من بعده أمرها، وجب على المستودع أن يذكرها مفصلة في وصيته وان يظهر له أمر كل وديعة من الودائع الموجودة عنده، ويذكر له وصفها، والعلامات المميزة لها، واسم صاحبها وأوصافه المشخصة له وموضع حفظ الوديعة وإذا علم المستودع بان الوصية

[ 120 ]

بها لا تتم الا بالاشهاد عليها، ولو للحذر من وقوع تنازع وتخاصم الورثة من بين من يثبت منهم، ومن ينفي وجب عليه الاشهاد والاحتياط. (المسألة 38): لا يمنع المستودع من أن يخرج في سفر مباح غير واجب وغير ضروري له ويترك الوديعة في بلده إذا كانت محفوظة في حرزها الذي وضعها فيه، أو في متجره أو في موضع اخر عند أهله أو غيرهم، وهو يعلم أو يطمئن بأنها ستبقى محفوظة مأمونة في موضعها، دون تعدا وتفريط فيها من أحد، واولى من ذلك بالجواز وعدم المنع إذا كان السفر الذي يعزم عليه واجبا شرعيا، كالسفر للحج أو للعمرة الواجبين عليه، أو كان ضروريا لابد له منه كالسفر لعلاج نفسه، أو من يضطر إلى علاجة، أو لبعض الضرورات الاخرى، وكانت الوديعة على حالها من الحفظ والامن في موقعها. (المسألة 39): إذا أراد المستودع سفرا، وكان لا يقدر على حفظ الوديعة الموجودة عنده إذا هو غاب في سفر عنها وتركها في بلده، أو كان لا يطمئن على ان الوديعة ستبقى في حال غيبته عنها محفوظة في موضعها، وجب عليه ان يرد الوديعة إلى مالكها، أو إلى وكيله أو إلى ولى أمره إذا كان المالك قاصرا أو محجورا عليه، ولا يجوز له أن يصحبها معه في سفره، وان علم بأنه قادر على حفظها في اثناء سفره بها الا إذا أذن له المالك بأن يصحبها معه إذا سافر، وليس له أن يودعها في حال غيبته عند مستودع اخر، الا إذا أذن له المالك بايداعها، وسنتعرض لذكر هذا في الفصل الثاني ان شاء الله تعالى، وإذا هو لم يقدر على رد الوديعة إلى مالكها أو الى

[ 121 ]

من يقوم مقامه، وتوقف حفظها على حضوره في البلد وتعين عليه البقاء وترك السفر مع الامكان. (المسألة 40): إذا وجب على المستودع أن يسافر لحج أو عمرة أو غيرهما، أو اضطر الى السفر لعلاج نفسه أو غيره من بعض الامراض أو لضرورة اخرى لابد له منها، ولم يقدر على حفظ الوديعة في حال غيبته في السفر عنها، وتعذر عليه أن يردها قبل سفره إلى مالكها، أو إلى من يقوم مقامه في قبضها، فان امكن له أن يوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي ليحفظها لصاحبها وجب عليه ايصالها إليه، وان تعذر عليه ذلك وجب عليه أن يودعها عند أمين عادل، ويعرفه أمرها ويعرفه باسم مالكها ونسبه، ويذكر له أوصافه ومشخصاته ليردها إليه متى وجده، وإذا لم يجد عادلا يودعها عنده في بلده أودعها عند عادل في بلد اخر. (المسألة 41): إذا أراد المستودع السفر وترك الوديعة في البلد وفي موضعها عند أهله، كما فرضنا في المسالة الثامنة والثلاثين، وكان سفره الذي عزم عليه من الاسفار الكثيرة الخطر، وجب عليه ان يجري أحكام من ظهرت له أمارات الموت، وقد ذكرنا هذه الاحكام في المسألة السابعة والثلاثين، فعليه أن يلاحظ هذه المسألة لتطبيق أحكامها. (المسألة 42): إذا وجب السفر شرعا على المستودع، أو قضت به ضرورة لابد له منها ووجد نفسه غير قادر على حفظ الوديعة في موضعها في حال غيبته في السفر عنها

[ 122 ]

ولم يقدر على رد الوديعة إلى مالكها أو إلى من ينوب عنه في قبضها، ولم يتمكن من ايصالها إلى حاكم شرعي ولا ايداعها عند أحد العدول من المؤمنين في البلد أو في غيره، جاز له أن يصحبها معه في سفره، ووجب عليه أن يحافظ عليها مهما أمكنته المحافظة. وكذلك الحكم إذا اضطرته الحوادث إلى السفر من أجل الوديعة نفسها ومثال هذا أن تحدث في بلد المستودع عاديات من السلب والنهب أو الحريق أو غير ذلك، ويصبح البلد غير امن، ولا مستقر الاوضاع، فلا يستطيع ابقاء الوديعة فيه، ولم يقدر على ردها إلى اهلها، ولا ايصالها إلى مأمن مما ذكرناه في ما تقدم فيجوز له في هذا الحال ان يسافر بها ويصحبها معه، ويجب عليه الحفاظ عليها ما امكن. (المسألة 43): إذا سافر المستودع وأخرج الوديعة معه مضطرا في الصورتين اللتين تقدم ذكرهما فاتفق له في السفر عروض امر غير محتسب، فتلفت الوديعة بسبب ذلك الامر أو سرقت أو حدث فيها نقص فلا ضمان عليه بذلك.

[ 123 ]

[ الفصل الثاني ] [ في ما يوجب ضمان الوديعة ] (المسألة 44): الوديعة كما قلنا في المسألة التاسعة عشرة امانة من المالك في يد المستودع، ومن أجل أمانته عليها فلا يكون ضامنا إذا تلفت في يده أو سرقت أو غصبت بالقهر عليه أو عطب شيئ منها، إذا كان قائما بما تقتضيه واجبات الامانة ولم يتعد ولم يفرط فيها، وان هو تعدى بعض الحدود على ما سيأتي بيانه من معنى التعدي أو فرط كذلك حكم عليه بالضمان، وينحصر السبب الموجب لضمان المستودع للوديعة بالتعدي والتفريط. (المسألة 45): إذا تعدى المستودع الحدود التي تلزم مراعاتها للوديعة، والتي يعد خائنا لها في أنظار أهل العرف إذا تعداها، وخالف الاحكام الشرعية المبينة للوديعة، أو فرط في حفظها كما أمر الله بالحفظ، خرج بذلك عن كونه امينا، واصبحت يده عليها يدا خائنة، ولذلك فيصبح محكوما عليه بضمان أي تلف أو عطب أو سرقة أو نقص أو عيب يحدث على الوديعة، سواء كان حدوث ذلك الامر عليها بسبب تعديه أو تفريطه أم بسبب اخر حصل بعدهما.

[ 124 ]

ولا تبرأ ذمته من هذا الحكم الا برد الوديعة إذا كانت موجودة، أو رد مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، أو دفع أرش النقصان والعيب إذا كانت ناقصة أو معيبة لا تبرأ ذمته الا برد ذلك إلى مالك الوديعة، أو إلى من يقوم مقامه، أو بابراء، المالك ذمته من الضمان بعد ان تشتغل ذمته بالمال، وهذا هو المراد من قولنا في المسألة السابقة: إذا تعدى المستودع أو فرط ضمن. (المسألة 46): يتعدد الحكم إذا تعدد الامر الحادث الذي يتعلق به الضمان، ومثال ذلك أن يحدث في الوديعة عيب بعد أن يفرط المستودع في أمرها أو يتعدى، فيلزمه أن يدفع لمالك الوديعة أرش ذلك العيب الذي حدث فيها، ثم يحدث فيها بعد ذلك عيب آخر فيلزمه أن يدفع للمالك ارش العيب الجديد مضافا إلى ارش العيب الاول وإذا تلفت الوديعة كلها بعد ذلك لزم المستودع ان يدفع للمالك قيمة الوديعة وهي معيبة بالعيب الاول والثاني، ولا يسقط أحد الاحكام بالآخر، ولا يتداخل بعضها في بعض. (المسألة 47): التفريط في الوديعة هو أن يهمل المستودع المحافظة عليها ولو من بعض الجهات اللازمة عليه للحفظ، أو يفعل ما يعد اضاعة لها، أو استهلاكا في نظر أهل العرف، ومثال ذلك: أن يجعل الوديعة في موضع بارز دون حرز يقيها ولا مراقبة ولا حفيظ، أو يحافظ عليها بأقل مما جرت به العادة المتعارفة بين العقلاء في حفظ تلك الوديعة، ووقايتها من التلف أو السرقة أو العيب. وقد ذكرنا في مسألة سابقة وجوب سقي الدابة أو الحيوان المستودع وعلفه

[ 125 ]

بمقدار ما تحتمه حاجة الحيوان إلى ذلك في سلامته وبقائه صحيحا دون مرض فإذا ترك الودعي ذلك أو قصر فيه من غير عذر أو سبب موجب فقد فرط وضيع وذكرنا في ما تقدم أيضا وجوب اخفاء الوديعة عن الظالم الذي يخشى منه غصب الوديعة ونهبها أو سرقتها، فلا يجوز للمستودع أن يعرف الظالم بأمر الوديعة، أو يلفت نظره إليها، أو يجعلها في موضع يجلب نظره إليها أو نظر بعض السعاة الذين يتزلفون الى الظالمين، وتكون في ذلك الموضع مظنة للغصب أو للسرقة، فإذا فعل كذلك فقد فرط وضيع، وتراجع المسألة العشرون وما بعدها. (المسألة 48): من التفريط بالوديعة إذا كانت من الثياب أو الاقمشة أو المنسوجات الاخرى أو الحبوب أو الفرش أو الكتب ونحوها أن يجعلها في موضع تسري إليها فيه الرطوبات من الارض، أو من المطر، أو من بعض المجاري أو من الندا فتعفنها أو تتلفها أو تعيبها أو تلونها أو تصل إليها الحشرات أو الدواب المبيدة أو الآكلة أو المفسدة فتأكلها أو تفسدها، وإذا فعل كذلك فقد فرط وضمن، وقد ذكرنا في المسائل السابقة أحكام السفر عن الوديعة وأحكام السفر بها، وبينا فيها ما يجوز منه وما لا يجوز، وما يعد تفريطا في الوديعة وما لا يعد، فليلاحظ ذلك فذكره هنالك يغني عن الاعادة هنا. (المسألة 49): التعدي على الوديعة هو أن يتصرف الودعي فيها تصرفا لم يأذن به مالكها ولم يبحه له الشارع، مثال ذلك ان يلبس الثوب الذي استودعه المالك اياه، أو يفترش الفراش، أو يركب السيارة أو الدابة، أو يستعمل جهاز التبريد أو التدفئة من

[ 126 ]

غير اذن من المالك ولا اباحة من الشارع. (المسألة 50): قد تدل القرينة على اذن المالك ببعض التصرفات في الوديعة، فلا يكون مثل هذا التصرف تعديا من الودعي عليها، ومثال ذلك أن يأتي المالك بمبلغ من المال فيودعه عند الرجل، فإذا أخذ الرجل المبلغ من يده وعده ليضبط حسابه، ثم وضعه في كيس خاص وادخله في الخزانة أو نقله إلى الموضع الذي اعده لحفظه في البيت أو في المتجر لم يكن هذا التصرف منه تعديا، وإذا أتاه بالسيارة وأودعه اياها فركب الودعي فيها وأدخلها المكان الذي هياه لحفظها لم يكن من التعدي و هكذا. وقد يتوقف حفظ الثوب المستودع عند الانسان من تأكله أو من تولد بعض الحشرات فيها على لبسه في بعض الايام أو على اخراجه ونشره في الشمس أو الهواء الطلق، ويتوقف حفظ الفراش على استعماله كذلك فيجب على الودعي أن يفعل ذلك لحفظ الوديعة ولا يكون هذا الاستعمال والتصرف من التعدي على الوديعة. (المسألة 51): من التعدي على الوديعة الموجب لضمانها أن يخلط المستودع مال الوديعة بماله، بحيث لا يتميز أحد المالين عن الاخر سواء خلطها بما هو أجود منها أم بمساو لها في الجودة والرداءة أم بما هو أردأ، وكذلك إذا خلطها بجنس آخر من ماله، كما إذا خلط الحنطة بالشعير أو الارز أو خلط الماش بالعدس أو بغيره من الحبوب، فانه قد تصرف في الوديعة تصرفا لا اذن فيه فيكون اثما، وضامنا

[ 127 ]

وهذا إذا لم يقصد بالخلط تملك الوديعة وانكارها، وانما قصد خلط ماله بها وهي في ملك صاحبها، وأوضح من ذلك في صدق التعدي المحرم ان يقصد بالمزج غصب الوديعة والاستيلاء عليها، وكذلك إذا خلطها بمال لشخص آخر فيضمن المالين معا لمالكيهما إذا كانا وديعتين عنده. (المسألة 52): إذا استودع صاحب المال عند الرجل مبلغين من المال، وعلم أو دلت القرينة على انهما وديعتان تستقل احداهما على الاخرى، فلا يجوز للمستودع أن يخلط احدى الوديعتين بالثانية وإذا خلطهما بغير اذن مالكهما كان متعديا وضامنا لكلتا الوديعتين، بل وكذلك إذا احتمل انهما وديعتان مستقلتان، احتمالا يعتد به ما بين العقلا، فيكون متعديا وضامنا إذا خلطهما. وإذا علم أو دلت القرينة على ان المالين الذين دفعهما له المالك وديعة واحدة، وخلطهما المستودع ليحفظهما أمانة واحدة في موضع، أو لانه أيسر له في الحفظ وأمكن، فلا ضمان عليه بما فعل. وإذا كان المبلغان في كيسين مختومين أو معقودين، ففك الختم أو العقدة بغير اذن المالك وخلط المالين معا كان متعديا ولزمه ضمانهما وان قصد بذلك حفظهما، وأولى من ذلك بالحكم عليه بالضمان ما إذا خلط الوديعة بمال اخر للمودع ليس بوديعة. (المسألة 53): من التفريط بالوديعة أن يوكل المستودع أمر حفظ الوديعة والقيام عليها إلى

[ 128 ]

غيره، أو يستودعها عند شخص اخر وان كان الشخص ثقة مأمونا الا إذا أذن المالك له بايداعها عند غيره، أو دعت إلى ذلك ضرورة تحتمه عليه، وقد سبق في المسألة الاربعين وجوب ايداع الوديعة عند بعض العدول من باب الحسبة في الفرض المذكور في تلك المسألة ويراجع ما بيناه في المسألة السادسة والثلاثين. وإذا أذن له المالك بايداع الوديعة وعين له شخصا خاصا لم يجز له ايداعها عند غيره الا إذا اتفق له مثل الضرورة المتقدم ذكرها. (المسألة 54): إذا أنكر الودعي أن المالك قد استودعه المال، فان كان انكاره للوديعة بقصد غصبها والاستيلاء، عليها كان خائنا فإذا أثبتها المالك عليه بالبينة الشرعية أو اعترف هو بها بعد انكاره لها، ثم اتفق أن عطبت الوديعة في يده أو سرقت أو عابت كان ضامنا لما حدث فيها، وان كان انكاره لها لنسيان وشبه من الاعذار لم تزل الوديعة أمانة بيده، فإذا تذكرها بعد نسيانه لها واعترف بها، ثم تلفت أو عابت وهي في يده فلا ضمان عليه. وكذلك إذا كان جحوده لها لاخفاء أمرها والحفاظ عليها من أن يغصبها غاصب أو يسرقها سارق فلا يكون جحودها تعديا أو تفريطا، ولا يثبت عليه بسبب ذلك ضمان بتلف أو غيره، وقد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة. (المسألة 55): إذا جحد المستودع الوديعة من غير عذر مقبول، أو طلبها منه مالكها أو وكيله فامتنع عن ردها إليه مع التمكن من الرد كان خائنا وضامنا، ولا يرتفع الضمان

[ 129 ]

عنه بالاقرار بها بعد جحوده لها، أو امتناعه من ردها، ولا بالتوبة عن ذلك والاستغفار إذا تاب عن خيانته واستغفر، فإذا تلف المال أو سرق أو غصب أو حدث فيه عيب أو نقص كان عليه ضمان بدل ما تلف أو أخذ وأرش ما طرأ (المسألة 56): من التعدي الصريح أن يستودع المالك عند الرجل طعاما فيأكل بعضه أو يطعمه غيره، وأن يستودعه مالا فيستقرض شيئا منه أو يقرضه أحدا غيره، أو يبيعه على احد، أو يهبه اياه أو يدخله في مضاربة ونحوها من المعاملات، سواء قصد المعاملة بالمال لنفسه ام لمالك المال. ومن التعدي أن يستودعه حبوبا وشبهها فيطبخها أو يطبخ بعضها، وان لم يأكل المطبوخ ولم يطعمه غيره، ومن التعدي أن يؤجر العين التي أودعها المالك عنده أو يعيرها لاحد لينتفع بها، أو ينتفع المستودع بها بما يعد تصرفا في مال الغير بغير اذنه. (المسألة 57): إذا دفع المالك إلى الرجل مالا ليكون عنده وديعه، فأخذ الرجل المال منه بقصد التغلب والاستيلاء عليه كان بذلك غاصبا عاديا على مال الغير، وحكم عليه بالاثم والضمان بمجرد قصده ونيته لذلك ولم يتوقف على ان يتصرف في الوديعة تصرفا عدوانيا، وليس الحكم في ذلك كالتصرفات الاخرى وكذلك إذا قبض المال من مالكه بنية الوديعة في اول الامر، ثم تحولت نيته بعد القبض فقصد الغصب والتغلب عليها فيكون غاصبا بمجرد نيته، ولا يتوقف تحققه على ان يتصرف في المال تصرفا عدوانيا، ولا يرتفع الحكم بالضمان عنه إذا رجع عن قصده وتاب منه

[ 130 ]

واستغفر. (المسألة 58): إذا قصد المستودع في نفسه أن يتصرف في الوديعة التي دفعها له مالكها فيركب السيارة مثلا في سفرة معينة، أو يسكن الدار أو يقترض المال، ثم عدل عن نيته الاولى ولم يتصرف في الوديعة، لم يخرج بمجرد نيته الاولى عن الامانة ولم تثبت له الخيانة ويكون ضامنا للوديعة إذا حدث فيها أمر، وليس الحكم في هذه التصرفات كنية الغصب، وقد ذكرنا هذا في المسألة السابقة. (المسألة 59): إذا وضع المالك ماله في محفظة مختومة أو صندوق مغلق أو نحوهما من الغلافات التي تدل عادة على وحدة المال، وسلمه كذلك إلى المستودع وديعة عنده، فلا ريب في دلالة ذلك على كون المال وديعة واحدة، فإذا فتح المستودع الغلاف أو الصندوق من غير ضرورة ولا اذن من المالك في فتحه كان ضامنا لجميع ما في الغلاف أو الصندوق بسبب تعديه أو تفريطه، سواء اخذ بعض المال أم لم يأخذ منه شيئا. وإذا دفع له مبلغين من المال على انهما وديعتان مستقلتان، فهما وديعتان كذلك، فإذا فرط المستودع في أحداهما أو تعدى عليها كان ضامنا لها بالخصوص ولم يضمن الاخرى التي لم يتعد عليها ولم يفرط، سواء جعل المالك كل واحدة من وديعتيه في حرز مستقل ام لا. وإذا دفع له كيسين مختومين أو محفظتين مختومتين على انهما وديعة واحدة، ففرط المستودع في احدهما أو تعدى عليه، فأخذ بعضه مثلا فلا ريب في

[ 131 ]

ضمان جميع ما في ذلك الكيس أو المحفظة التي فرط فيها، وهل يكون ضامنا لما في الكيس الاخر أو المحفظة الثانية من حيث ان المالك قد جعلهما عنده وديعة واحدة، أو لا يضمنه كما يرى ذلك جماعة من الاصحاب؟ والاحوط لهما الرجوع إلى المصالحة. وكذلك إذا دفع المالك للرجل مبلغا من المال على انه وديعة، واحدة ولم يجعله في كيس أو حرز، فإذا تصرف المستودع في بعض ذلك المال نصفه أو ربعه مثلا، فهل يختص الضمان بالبعض الخاص الذي تصرف فيه أو يعم الجميع؟ فيجري فيه القولان المذكوران والاحتياط بالمصالحة بين الطرفين كما في الفرض السابق. (المسألة 60): يجوز للمستودع ان يعتمد على بعض أهله أو على خادمه أو عامله في ادخال الوديعة إلى الموضع الذي يعينه هو لحفظها ووقايتها، إذا كان ذلك بنظره وملاحظته وكان الاعتماد على مثلهم في هذه الامور من العادات المتعارفة بين الناس في البلد، وبين الامناء الذين لا يتسامحون في شئون ودائعهم والحفاظ عليها. (المسألة 61): إذا فرط المستودع في الوديعة أو تعدى الحد المأذون به من المالك أو من الشارع في تصرفه بها على ما فصلناه في المسائل المتقدمة خرجت يده بذلك عن كونها يد أمانة وحكم عليه بالضمان، وقد تكرر منا ذكر هذا، ويسقط الحكم بالضمان عنه بامتثال الحكم فيرد الوديعة نفسها إلى أهلها إذا كانت موجودة، ويرد مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، ويردها ويرد معها أرش النقصان أو العيب إذا كان

[ 132 ]

ناقصة أو معيبة، ويسقط الحكم عنه أيضا إذا اشتغلت ذمته ببدل الوديعة وهو المثل أو القيمة، أو بالارش وهو التفاوت ما بين قيمتها صحيحة ومعيبة، ثم أبرأ المالك ذمته من ذلك بعد اشتغالها بالمال. (المسألة 62): إذا فرط المستودع في الوديعة أو تعدى الحد المأذون فيه من التصرف فيها حكم عليه بالضمان إذا هي تلفت أو عابت في يده كما تكرر ذكره، فإذا فسخ مالك المال عقد الوديعة بينه وبين المستودع قبل أن تتلف الوديعة أو تعيب، بطلت الوديعة وزال الحكم المذكور بزوالها، فإذا اتفقا على الاستئمان مرة ثانية ودفع المالك إلى المستودع تلك الوديعة، وجدد معه العقد صحت الوديعة، وترتبت أحكامها، فلا يكون المستودع ضامنا الا بتعد أو تفريط جديد. (المسألة 63): يشكل القول بسقوط الحكم بالضمان عن المستودع إذا أبرأ المالك ذمته من الضمان بعد أن فرط أو تعدى على الوديعة، وقبل أن تتلف الوديعة بيده أو تعيب وتشتغل ذمته فعلا بالبدل أو بالارش.

[ 133 ]

[ الفصل الثالث ] [ في بعض احكام الوديعة ] (المسألة 64): إذا ادعى المالك على الرجل انه قد استودعه وديعة من ماله، وأنكر الرجل ان المالك استودعه شيئا، فالقول قول منكر الوديعة مع يمينه، الا أن يقيم المالك بينة لاثبات ما يدعيه. وإذا اعترف المستودع بأن صاحب المال قد دفع إليه وديعة، وادعى أن الوديعة قد تلفت في يده بعد ان قبضها منه، صدق في قوله لانه أمين وعليه اليمين للمالك الا أن يقيم المالك بينة على وجود الوديعة وعدم تلفها، وإذا اعترف بالوديعة من صاحب المال كما في الفرض السابق، وادعى انه قد رد الوديعة إليه صدق في قوله أيضا مع اليمين. وكذلك الحكم إذا اتفق المالك والمستودع على أن المالك قد أودعه المال واتفقا ايضا على ان الوديعة قد تلفت عند المستودع، ثم ادعى المالك أن المستودع قد تعدى أو قد فرط، وتلفت الوديعة بعد تعديه أو تفريطه فيكون ضامنا لها، وأنكر المستودع ما يدعيه المالك عليه، فالقول قول المستودع مع يمينه، الا أن يقيم المالك بينة شرعية مطلقة تثبت صحة ما يدعيه من ان التلف بعد التفريط. (المسألة 65):

[ 134 ]

إذا انقضت المدة المعينة للوديعة، أو فسخ عقد الوديعة من المالك أو المستودع، فدفع المستودع الوديعة إلى شخص ثالث، وادعى ان مالك الوديعة قد اذن له في دفعها إلى ذلك الشخص، وأنكر المالك انه أذن له في الدفع إليه، قدم قول المالك المنكر، وعليه اليمين للمستودع على عدم الاذن له، الا ان يقيم المستودع بينة على حصول الاذن من المالك. وإذا اعترف المالك للمستودع بأنه أذن له في الوديعة الى ذلك الرجل وأنكر أن المستودع سلم الوديعة إلى ذلك الوكيل الذي أذن له بالدفع إليه، فالقول قول المستودع في الرد إليه مع اليمين، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسألة المتقدمة، إذ لا فرق بين الرد إلى المالك والرد إلى وكيله. (المسألة 66): إذا اختلف مالك المال والمستودع أولا في اصل الوديعة، فادعى المالك انه قد استودعه المال، وأنكر المستودع وقوع وديعة بينهما، وأقام المالك بينة تثبت ما يدعيه على المستودع وأنه قد دفع إليه الوديعة، وبعد أن أقام المالك البينة المذكورة صدقها المستودع في أن المالك قد استودعه المال، وادعى أن الوديعة التي دفعها المالك إليه قد تلفت قبل الدعوى بينهما وقبل انكاره اياها، فلا تسمع منه دعواه في هذا الفرض للتناقض بين قوله السابق وقوله الاخير، وإذا هو اقام بينة على تلف الوديعة، لم تقبل بينته لانه قد كذبها بانكاره السابق، ولذلك فيلزمه الحاكم الشرعي برد الوديعة نفسها إلى مالكها. وإذا هو صدق بينة المالك في وقوع الوديعة بينهما وادعى ان الوديعة المدفوعة إليه قد تلفت بعد اقامة الدعوى وانكاره الاول سمعت منه دعوى التلف

[ 135 ]

إذا اقام عليها بينة تثبت التلف، فلا يلزمه الحاكم الشرعي برد الوديعة نفسها، وعليه أن يدفع للمالك مثل الوديعة إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية، ويثبت عليه هذا الضمان لانه قد فرط في الوديعة بانكاره للسابق، ولا يسقط عنه الضمان باعترافه أخيرا. وإذا لم تكن له بينة على تلف الوديعة لم يسمع الحاكم منه دعوى التلف و الزمه برد الوديعة نفسها. وإذا ابدى له عذرا عن انكاره الاول للوديعة وكان عذره عن ذلك مما يقبله العقلاء سمعت دعواه في كلا الفرضين المذكورين. (المسألة 67): إذا فرط المستودع في الوديعة أو تعدى عليها ثم تلفت في يده فكان بذلك ضامنا لمثلها أو لقيمتها، ثم اختلف المالك والمستودع في مقدار المثل الواجب عليه أو مقدار القيمة، قدم قول من ينكر الزيادة منهما وهو المستودع في الحالات المتعارفة بين غالب الناس وعليه اليمين لنفي الزيادة التي يدعيها الآخر. (المسألة 68): إذا حلف المستودع في الصورة المتقدمة وادى اليمين الشرعية لنفي الزيادة في المثل أو القيمة التي يدعيها المالك، حكم ظاهرا بنفي الزيادة، ولم يجز للمالك أن يأخذها منه بعد اليمين، وإذا علم المستودع أن قيمة الوديعة أو مثلها بمقدار ما يدعيه المالك وليست أقل من ذلك، لم تبرأ ذمته من الزائد ولم يسقط عنه وجوب أدائه للمالك باليمين الذي اداه أمام الحاكم، فيجب عليه أن يوصله إليه مهما أمكن. (المسألة 69):

[ 136 ]

يجوز للاب والجد أبى الاب أن يستودعا مال الصبي أو الصبية عند ثقة امين ليحفظه له إذا لم تكن في ايداع ماله مفسدة تعود على الطفل أو على ماله، ويجوز لولي اليتيم غير الاب والجد للاب ان يستودع ماله كذلك إذا كانت في ايداع المال مصلحة تعود لليتيم أو لماله، وكذلك الحكم في الولي على المجنون والسفيه. (المسألة 70): إذا أذن مالك الوديعة للمستودع بأن يودعها عند ثقه أمين متى شاء، أو أذن له بذلك عند طروء بعض الحالات من سفر ونحوه، جاز له ان يستودعها حسب ما أذن له صاحب المال، ولا يجوز له ان يتجاوز ما عين له من الحالات، وإذا عين له اشخاصا فلا يحق له أن يتعدى عنهم إلى غيرهم، وان كانوا أوثق في نفسه وامن. ونتيجة لما ذكرناه، فيجوز ان تترامى الوديعة بين عدة أشخاص من الامناء مع اذن المالك لهم على الوجه الذي ذكرناه، ولا يجوز الايداع إذا لم ياذن به مالك المال. (المسألة 71): تصح الوديعة وتجرى عليها أحكامها في الاعيان غير المنقولة كالدور والعقارات والا راضي، كما تصح في الاعيان المنقولة، ولا ريب في ان حفظ كل شئ بحسبه وبما جرت به العادة المتعارفة في الحفاظ عليه ووقايته والابقاء عليه صحيحا سليما من العيوب، وبعيدا عن المتلفات والمهلكات، وعن استيلاء الظالمين واعتداء المعتدين، فإذا أودعه المالك دارا أو عقارا، فلابد للمستودع من المرور به والدخول إليه وتفقد شؤونه وعمارته للمحافظة عليه، وعلى بقائه من الطوارى والعوارض التي قد تجد لامثاله، وهكذا، فإذا تركه ولم يتعهده بما تجري

[ 137 ]

به العادة من الرعاية والمراقبة كان مفرطا ضامنا، وإذا استأمن المالك الرجل على الدار أو العقار أو الارض أو البستان، وخوله أن يوجر الدار أو العقار، وأن يستثمر البستان ويقبض المنافع والثمار ويحفظها له، كانت المعاملة وكالة في الايجار والاستثمار، وكان ابقاء المال الحاصل من ذالك عنده وديعة، وإذا استأمنه عليها وأباح له أن ينتفع بمنافعها جميعا أو ببعضها، ويحفظ له الباقي كانت المعاملة عارية والباقي من المال في يده وديعة، فلابد من الفحص والتأكد من المقصد عند اجراء المعاملة لكي لا تشتبه الامور وتلتبس الاحكام بين اقسام الاستئمان. (المسألة 72): إذا نمت الوديعة نماء أو أنتجت نتاجا وهي عند المستودع فالنماء والنتاج الحاصل منها مملوك لمالك الوديعة، ومثال ذلك، أن تلد الدابة وانثى الحيوان المودعة عند الرجل أو تثمر الشجرة أو تنتج لبنا أو سمنا أو بيضا، فان أمكن رد النماء والنتاج الحاصل من الوديعة إلى المالك أو إلى وكيله وجب على المستودع ذلك، وان لم يمكن بقي النماء والنتاج أمانة شرعية في يده ليوصله إلى المالك أو إلى من يقوم مقامه، وإذا كان المالك قد أذن له في ان يبقي النتاج والنماء وديعة عنده أبقاه كذالك، وسيأتي بيان الفرق بين الامانة المالكية والامانة الشرعية في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى. (المسألة 73): إذا أباح المالك للمستودع أن يتصرف في لبن الحيوان المستودع عنده وفي السمن الناتج منه جاز له ذلك ولم يجب عليه ابقاؤه امانة في يده، وكذلك إذا أباح له أخذ الصوف والوبر من الحيوان، فيجوز له أن يجزه ويأخذه، ولا يكون ذلك بعد

[ 138 ]

الاذن من التعدي على الوديعة. فيجوز للمالك والمستودع أن يصطلحا بينهما فيجعل النماء الحاصل من الحيوان عوضا عما ينفقه المستودع على الحيوان من علف وسقي ونفقة غيرهما. (المسألة 74): الغالب المتعارف عليه بين الناس في عامة الودائع من الاموال، كالاثاث والمتاع والثياب والفرش والادوات والكتب والحيوان، أن يكون الملحوظ لمالك الوديعة هو حفظ هذه الودايع بذواتها وأعيانها، بل وكذلك في الاموال الاخرى كالحبوب والغلات والمخضرات وسائر الاموال غير النقود والعملات ولذلك فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في عين الوديعة أو يبدلها بغيرها بوجه من الوجوه وان يحفظ ماليتها، حتى في المنتوجات التي تخرجها المعامل والشركات الحديثة متشابهة في جميع الصفات والمقادير والخصائص والاحجام، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها ويبدلها بفرد اخر يماثلها تمام المماثلة وإذا تصرف في العين كذلك من غير اذن من المالك كان متعديا ضامنا وقد ذكرنا لذلك أمثلة موضحة في التعدي والتفريط. وكذلك الحكم في الوديعة من العملات والنقود على الظاهر، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها ويبدلها بغيرها وان حافظ على ماليتها بنقد اخر يعادلها من الاوراق أو المسكوكات، الا أن يعلم أو تدل القرائن على ان المقصود للمالك من استيداعها هو حفظ ماليتها وأن تغيرت أعيانها، وهذا هو المعلوم من الودائع الدارجة في المصارف والبنوك، فان القرينة العامة دالة على أن المراد فيها ذلك.

[ 139 ]

ولهذا فيجوز للمستودع عنده مع وجود هذه القرينة أن يتصرف في العين المودعة ويحتفظ للمالك بما يعادلها في المالية من العملة نفسها عند الحاجة والطلب. (المسألة 75): إذا دفع صاحب المال إلى المصرف أو إلى البنك أو إلى أي مؤسسة صحيحة أخرى: مبلغا من ماله ليبقى المبلغ المذكور وديعة له عند المؤسسة تحفظ له ماليتها، كما قلنا في المسألة المتقدمة، وتدفعها له عند الطلب، أو بعد مضي مدة معينة، حسب الشرط المتفق عليه بين المالك والمؤسسة، جاز للمؤسسة أن تتصرف في عين الوديعة كيف ما شاءت، على أن تفي له بدفع مقدار ذلك المبلغ المودع عندها من ماله في الوقت المتفق عليه بينهما. (المسألة 76): إذا دفع المصرف أو البنك أو المؤسسة لصاحب الوديعة فائدة معينة شهرية أو سنوية للمبلغ الذي أودعه عندها جاز للمالك أن يأخذ تلك الفائدة من المؤسسة، ولا يكون ذلك من الربا المحرم أخذه في الاسلام، فان المفروض ان المالك انما دفع المبلغ وديعة تحفظ له المؤسسة ماليتها ولم يدفعه قرضا للمؤسسة فتكون الفائدة من ربا القرض وليست هي من الربا في المعاملة فلا يحرم على صاحب الوديعة أخذها، نعم إذا دفع صاحب المال المبلغ للمؤسسة على أن يكون قرضا لهم لم يجز له أن يأخذ الفائدة عليه لانه من ربا القرض ولا ريب في أن العقود تتبع القصود.

[ 140 ]

(المسألة 77): إذا اتلف المستودع عين الوديعة بفعله، أو تعدى أو فرط فيها ثم تلفت بعد ذلك في يده وان لم يكن التلف بفعله وجب عليه أن يدفع للمالك مثلها إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية بدلا عنها. وإذا كانت الوديعة القيمية التالفة مما توجد له أمثال تتحد معه في المقدار والصفات والمالية والنفع كالمنتوجات التي تخرجها المعامل والشركات الحديثة، فالظاهر وجوب دفع هذا المثل للمالك بدلا عن العين التالفة، على ان يكون البدل والوديعة من انتاج شركة واحدة ومعمل واحد. وإذا اختلف المثل الموجود عن الوديعة التالفة في القيمة من حيث الجدة والقدم والاستعمال وعدمه، ولم يجود ما يماثلها في هذه الجهة لم يجب على المستودع دفع ذلك المثل إذا كان أكثر قيمة منها، ولم يكفه إذا كان أقل قيمة منها ودفع القيمة بدلا عن العين التالفة.

[ 141 ]

[ الفصل الرابع ] [ في الامانة الشرعية ] (المسألة 78): إذا وضع الانسان يده على مال لغيره وهو يعلم أن ذلك المال لغيره فقد يكون وضع يده عليه باذن من صاحب المال، فيسمى ذلك في عرف المتشرعة والفقهاء أمانة مالكية، وقد يكون وضع يده على المال باذن من الشارع، وحكمه فيه بجواز ذلك أو بوجوبه عليه، ويسمى ذلك عندهم أمانة شرعية، وقد يضع يده على المال بغير اذن من المالك ولا من الشارع فتكون يده على المال يدا عادية غير أمينة، وقد فصلنا أحكام اليد العادية في كتاب الغصب من الجزء السادس من هذه الرسالة وقد يضع الانسان يده على مال غيره وهو يجهل أن المال مملوك لغيره، أو هو يعتقد مخطئا انه المالك الشرعي لذلك المال، ومن أمثلة هذا الفرض: الشئ المبيع الذي يقبضه من بائعه عليه بالبيع الفاسد، والعين التي يقبضها من صاحبها باجارة فاسدة، ونحو ذلك من الاشياء التي يأخذها من مالكها باحدى المعاملات ثم يظهر له ان المعاملة التي جرت بينهما معاملة فاسدة. ولكلا الفرضين المذكورين أنحاء متعددة تختلف أحكامها، ولا ريب في انها جميعا ليست من اقسام الامانة، وقد يلحق بعضها بالغصب في الاحكام، وان لم

[ 142 ]

يكن الانسان واضع اليد فيه غاصبا ولا اثما بسبب جهله، وقد ذكرنا أحكام المال المقبوض بالعقد الفاسد في كتاب الغصب فلتلاحظ. (المسألة 79): الامانة المالكية هي ما يكون الاستئمان على المال والاذن بوضع اليد عليه من المالك نفسه، أو من وكيله المفوض، أو من ولي أمره إذا كان قاصرا أو محجورا عليه بسبب يوجب الحجر، فإذا أذن للانسان في قبض المال ووضع المؤتمن يده على المال باذنه أصبح المال أمانة من المالك بيده، وهو على اقسام كثيرة يشترك جميعها في ترتب احكام الامانة عليه، ما لم يفرط الامين في أمانته، أو يتعد في تصرفه بها كما سبق تفصيله. فالوديعة المقبوضة من المالك أو من يقوم مقامه أمانة مالكية بيد المستودع والمال الذي يدفعه المالك إلى الوكيل ليبيعه له أو يؤجره أو يجري احدى المعاملات فيه، أو ليتصرف فيه تصرفا خارجيا من تعمير وترميم وشبه ذلك أمانة مالكية بيد الوكيل، لان المالك قد أذن له في ذلك، والعين التي أعارها الشخص لغيره لينتفع بها، أمانة مالكية بيد المستعير لان المالك أذن له في القبض واستأمنه على العين والعين التي سلمها مالكها للمستأجر منه ليستوفي منها منفعتها في مدة الاجارة أمانة مالكية بيد المستأجر لانه قبضها باذن المالك، واستأمنه عليها في المدة المذكورة، والعين التي دفعها صاحبها للاجير ليؤدي فيها العمل الذي اجر نفسه للقيام به لمستأجره، والمال الذي دفعه المالك لعامل المضاربة ليتجر به، والاشياء التي يشتريها عامل المضاربة للمالك ويقبضها بالنيابة به للاتجار، والعين التي يدفعها الراهن للمرتهن لتكون وثيقة له على دينه حتى يؤديه، وهكذا في

[ 143 ]

الموارد الكثيرة من المعاملات المختلفة والتي يستأمن مالك العين فيها عامله أو شريكه أو وكيله على المال، فالمال في جميع هذه الموارد أمانة مالكية، ولا خلاف في جميع ذلك. (المسألة 80): الامانة الشرعية كما قلنا في اول هذا الفصل هي ما يقع من أموال الناس الآخرين في يد الانسان، وهو يعلم أنها من اموال الآخرين، ويكون وقوعها في يده بسبب غير عدواني، ويكون من غير اذن من مالك المال، ولا من يقوم مقامه في صحة التصرف في ماله. والامانة الشرعية تكون على عدة انحاء. فقد يكون السبب في وقوع المال في يد الانسان رخصة شرعية له في أن يستولي على العين، وقد يحدث ذلك بسبب قهري لا خيرة لاحد من الناس فيه وقد يحدث بسبب مالك المال نفسه، أو وكيله من غير علم لهما ولا اختيار وقد يكون بسبب فاعل مختار لا يعلم به على وجه التحديد، وهكذا. فاللقطة التي يجدها الانسان في موضع يصح الالتقاط فيه، امانة شرعية في يد الملتقط، لان الشارع أباح له أن ياخذ اللقطة في مثل هذا الموضع ليعرف بها ويجري أحكامها، والحيوان الضال الذي يراه الرجل أمانة شرعية في يد من وجده، للرخصة الشرعية له في وضع اليد عليه وتطبيق أحكامه، ومال الغير الذي يأخذه الشخص من غاصبه أو سارقه امانة شرعية في يد ذلك الشخص الآخذ، لان الشارع قد أوجب عليه مع القدرة أن يأخذ من الظالم ويحفظه لصاحبه من باب الحسبة الشرعية، والمال الذي يأخذه الرجل من الصبي أو المجنون إذا خاف على مالهما التلف إذا بقي في يدهما أمانة شرعية في يد ذلك الرجل، لان الشارع قد أذن

[ 144 ]

له ان يأخذ المال منهما من باب الحسبة ويحفظه لمالكه أو يرده للولي الشرعي والمال أو الحيوان الذي يعرف الانسان مالكه ويجده في معرض الهلاك والتلف يجب عليه اخذه مع القدرة من باب الحسبة ليقيه من التلف فيكون امانة في يده حتى يرده الى إلى مالكه، والمال الذي يلقيه الطير في ملكه أو يأتي به ماء المد أو السيل إليه، أو يلقيه الريح العاصف في منزله أو في ارضه فيكون تحت يده وسلطنته وهو لا يعلم يكون أمانة شرعية بيده، لان الشارع قد أذن له في قبض ذلك المال ليرده إلى مالكه، والمال الذي قبضه من البايع أو من المشتري أو من المستأجر غلطا منه زائدا على حقه، أمانة شرعية في يده كذلك ليرده إلى صاحبه، والمال الذي يجده في الثوب الذي اشتراه أو في الصندوق الذي ابتاعه والمالك الذي باعه لا يعلم بوجود المال فيه، امانة شرعية في يده حتى يردها إلى المالك. وهكذا في الموارد الكثيرة المختلفة التي تشبه ما تقدم ذكره وتشاركه في الحكم. (المسألة 81): الحسبيات هي أمور الخير والاحسان التي تكثرت الادلة الشرعية من الكتاب الكريم والسنة المطهرة في الحث عليها والترغيب فيها وتضافرت على الامر بها والاستباق لها والمسارعة إلى فعلها، كحفظ مال اليتيم، واغاثة الملهوف واعانة الضعيف، ونصر المظلوم، ودفع الظلم عنه، وكشف كربة المضطر، وحفظ مال الغائب، وسائر موارد الاحسان إلى الناس الذين يستحقون الاحسان، والى المؤمنين منهم على الخصوص وتسديد خلتهم، مما يكون امتثالا لقوله سبحانه: (فاستبقوا الخيرات)، ولقوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض)، وقول الرسول صلى الله عليه وآله (الله في عون العبد ما كان العبد في

[ 145 ]

عون أخيه)، ولا ريب في ان موارد التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة تنطبق عليها وتكون امتثالا لها. (المسألة 82): الظاهر ان التصدي لما تقدم بيانه من الامور الحسبية لا يختص بالحاكم الشرعي، ولا يتوقف على اذنه، فيجوز للعدل من المؤمنين أن يتصدى له إذا كان عارفا في تطبيقه على موارده تطبيقا صحيحا، ولا يجوز له ان يتصدى له إذا كان جاهلا بذلك، أو كان شاكا في معرفته، ولابد له من الرجوع إلى فتوى من يقلده من الفقهاء. نعم، لابد من مراجعة العادل في الولاية على اليتيم ونحوه، وفي اشباه ذلك من الولايات ومن الامور التي تتوقف على المعرفة التامة بالاحكام والنظر الصحيح فيها على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى فيها. (المسألة 83): إذا كانت العين أمانة من المالك بيد الشخص، وقد قبضها بأذنه وكانت أمانته منه مؤقتة بمدة معينة، ثم انقضت المدة المحدودة لها، أو كانت الامانة قد وقعت في ضمن عقد من العقود كالاجارة والصلح والوكالة والرهن والعارية ونحوها، ثم فسخ العقد أو بطل بعروض أحد المبطلات، ولم ترد الامانة الى أهلها لعذر من الاعذار الصحيحة، بقيت العين أمانة بيد الامين. فالوديعة بعد أن تنقضي مدتها أو ينفسخ عقدها أو يبطل باحد المبطلات إذا لم ترد إلى مالكها لعذر مقبول، تبقى أمانة بيد المستودع حتى يردها إلى أهلها والعين المستأجرة إذا انقضت مدة الاجارة أو بطلت بسبب من الاسباب، تبقى

[ 146 ]

أمانة بيد المستأجر حتى يردها إلى صاحبها، والعين المرهونة بعد أن تفك رهانتها تبقى امانة بيد المرتهن كذلك، والمال الذي بيد الوكيل بعد أن تنقضي مدة الوكالة أو يبطل عقدها أو يعزل الوكيل، يبقى امانة بيد الوكيل حتى يرده، ومال المضاربة بعد أن ينفسخ عقدها أو تنقضي مدتها أمانة بيد العامل حتى يرده إلى المالك وهكذا. فان كان بقاء المال في يد الامين في الفروض التي ذكرناها برضا المالك واذنه، أو كان فسخ العقد أو بطلانه في أثناء المدة، فالامانة مالكية، وان كان بقاء المال عند الامين لعجزه عن ايصال المال إلى مالكه أو إلى من يقوم مقامه أو ينوب عنه فالامانة شرعية. (المسألة 84): الامانة الشرعية كالامانة المالكية في الآثار والاحكام، فيجب على الامين حفظها وصيانتها بما جرت به العادة في حفظ الامانة بين الناس، ويجب عليه ردها إلى مالكها أو إلى من يقوم مقامه في أول وقت يقدر على ردها فيه. ويتحقق رد الامانة بأن يرفع الامين يده عنها، ويخلي بين مالكها وبينها ويرفع الموانع له عن قبضها إذا شاء ومتى شاء، كما فصلناه في رد الوديعة في المسألة الثانية والثلاثين. ولا ضمان على الامين إذا تلفت الامانة الشرعية في يده أو سرقت أو عابت الا إذا تعدى عليها أو فرط في حفظها كما في الامانة المالكية سواء بسواء.

[ 147 ]

[ كتاب احياء الموات ] [ وما يتبع ذلك من المشتركات العامة ]

[ 149 ]

[ كتاب احياء الموات وما يتبعه ] وتفصيل القول في هذا الكتاب يقع في تسعة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الارضين الميتة واحكامها ] (المسألة الاولى): الموات من الارض هي ما قابل الارض المحياة، ويراد بها الارض البائرة التي لا تنتج بالفعل منفعة يقصدها الناس العقلاء من أمثالها، كالمفاوز المقفرة من السكان الذين يتولون عمارتها واحياءها، وكالبراري التي انقطع عنها الماء أو رسب في أغوارها، فلا تنبت شيئا، أو هي تنبت الاشواك والحشائش التي لا تنفع الانسان لحياته الخاصة، وان كانت قد تنفع دوابه ومواشيه، وكالجزر والمستنقعات التي استولي عليها الماء الملح أو الماء العذب فأصبحت بسبب غلبته عليها غير صالحة للتعمير، وكالاراضي التي غلبت عليها الرمال أو الاملاح والاسباخ أو الحجارة الخشنة فتركت واهملت، وكالاهوار التي اصبحت اجاما ومنبتا للقصب والبردي والنبات غير المجدي، وكالغابات التي التفت بها الاشجار والادواح الضخمة وعادت مأوى للحيوانات المتوحشة والسباع والضاريات، وكالجبال التي لم يملك الانسان عمارتها لارتفاعها، والاودية التي لم يستطع احياءها لانها بطون ومجاري للسيول، وكالاراضي التي ترك الانسان عمارتها لصعوبة العيش فيها أو

[ 150 ]

لبعدها عن مواضع ألفه أو موارد رزقه، وهكذا مما يعسر عده من موانع التعمير والاحياء. (المسألة الثانية): تنقسم الارض الموات إلى قسمين، فهي اما ميتة بالاصل واما ميتة بالعارض ويراد بالميتة بالاصل الاراضي التي لم تجر عليها يد انسان من قبل، ولم تنلها بالتملك والعمارة من قديم العصور والازمان، وتلحق بها في الحكم الاراضي التي لم يعلم حالها في ما سبق: هل احياها الانسان في تاريخه الماضي أم لم يحيها؟ ويدخل في هذا القسم اكثر الاراضي الخربة الموجودة على سطح هذه الكرة من مفاوز وصحارى وبوادي ووديان وجبال وجزر وشواطي خالية من التعمير. ويراد بالاراضي الميتة بالعارض: ما علم أنها كانت عامرة وقد احياها الانسان في بعض عصوره، ثم أهملها فالت إلى الاندثار والخراب بعد الحياة والعمران، وتدخل في هذا القسم: الاراضي الدارسة والقرى الطامسة التي بقيت منها الآثار والرسوم والاطلال، أو التي لم يبق منها رسم ولا طلل، وتنقسم الارض الميتة بالعارض إلى ثلاثة أقسام: القسم الاول: أراضي تركها أهلها الذين عمروها ثم بادوا وانقرضوا، وبقى ذكرهم للعبرة والتاريخ أو لم يبق منهم حتى الذكر. القسم الثاني: أراضي تركها أهلها وملاكها ولم يبيدوا ولم ينقرضوا ولكن جهل أمرهم ولم تعرف أشخاصهم ولا اسماؤهم، فهي مجهولة المالكين. القسم الثالث: أراضي تركها مالكها فخربت واندرست اثار الحياة فيها بعد أن تركها المالك أو قبل أن يتركها، ومالكها أو وارثه معلوم غير مجهول.

[ 151 ]

(المسألة الثالثة): لا ريب في أن الارض الموات بالاصل من الانفال، وحكم الانفال أنها تختص بالرسول صلى الله عليه وآله في حياته، وتختص بالائمة المعصومين (ع) أولياء الامور من بعده، اماما بعد امام، وقد اذن المعصومون (ع) للشيعة باحيائها وتملكها في زمان غيبة الامام المهدي خاتمهم (ع) وقد ذكرنا هذا في مبحث الانفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة. بل الظاهر حصول الاذن العام من ولي الامر (ع) للناس جميعهم باحياء الارض الموات وتملكها كما ورد في النصوص الدالة على جواز شراء الارض من اليهود والنصارى، وان الرسول صلى الله عليه وآله لما فتح خيبر خارج أهلها وأبقى الارض في أيديهم يحيونها ويعمرونها ويؤدون إليه خراجها، وان كل من أحياء أرضا مواتا ملكها، وهي شاملة للمسلم والكافر. ويلحق بالارض الموات بالاصل في هذا الحكم: القسم الاول من الارض الميتة بالعارض، وهي الاراضي والقرى التي اندرست وباد أهلها وملاكها القدامى، ولم يبق لهم الا الذكر، أو لم يبق منهم حتى الذكر، فيجوز للناس احياؤها ومن أحيا شيئا منها ملكه بالاحياء، ولا يتوقف جواز ذلك الى الاذن من الحاكم الشرعي. (المسألة الرابعة): إذا كانت الارض من القسم الثاني من الاراضي الميتة بالعارض، فماتت بعد أن كانت عامرة محياة، وبعد أن تركها أصحابها وهي عامرة، أو هم تركوها بعد أن خربت واندرست ولم يبدأ أهلها ولم ينقرضوا، بل جهل أمرهم فلم يعرفوا على

[ 152 ]

التعيين. فان علم انهم قد أعرضوا عن أرضهم اعراضا تاما جاز للناس الآخرين احياؤها وتملكها، وان لم يعلم باعراضهم عن الارض أشكل الحكم فيها والاحوط لمن يريد احياء شئ من هذه الارض أن يفحص عن وجود مالكها، فإذا حصل له اليأس من معرفته رجع في أمر الارض إلى الحاكم الشرعي ليجري معه في التصرف فيها معاملة مجهول المالك: فيجوز للحاكم الشرعي بولايته عن المالك المجهول أن يبيع الارض على الشخص المذكور بثمن معين، فإذا قبض الحاكم منه الثمن قسمه هو أو وكيله على الفقراء، ويجوز له أن يؤجره الارض مدة معلومة باجرة معينة، أو يقدر للارض أجرة مثلها في المدة المعلومة بدلا عن انتفاع الرجل بالارض، ويصرف الاجرة على الفقراء. (المسألة الخامسة): إذا كانت الارض من القسم الثالث من الاراضي الميتة بالعارض، وهي التي أحييت اولا ثم ماتت بعد الحياة والعمران، وأهملها صاحبها قبل موتها أو بعده وكان مالك الارض معلوما غير مجهول، فان علم بأن مالك الارض قد أعرض عنها اعراضا تاما، جاز لغيره من الناس أن يتصرف في الارض فيحييها بعد الموت ويتملكها، وان لم يعرض المالك عن تملك الارض وان كانت ميتة، فهو يريدها مرعى أو مراحا لماشيته مثلا، أو يبتغي الانتفاع بما فيها من كلاء أو بردي أو قصب أو أسل أو شجر أو نخيل يابس، أو يطلب اجارتها أرضا فارغة لبعض الراغبين فيها، فلا يجوز لاحد أن يتصرف فيها أو يحييها، وكذلك إذا كان المالك يريد التفرغ

[ 153 ]

من أعماله ومشاغله ليعمرها ويحييها أو هو ينتظر الفرصة المواتية لذلك، بل وكذلك الحكم مع الشك في ما يقصده المالك من ابقائها ميتة لا منفعة لها، فلا يجوز لاحد احياؤها والتصرف فيها. (المسألة السادسة): إذا ماتت الارض وخربت وهي في يد مالكها وكانت حية عامرة في يده كما فرضنا في المسألة المتقدمة، وأهملها صاحبها وعلم عدم انتفاعه بها وانه لا يريد تعميرها، فان كانت من قبل وضع يده عليها أرضا ميتة وقد ملكها هو بالاحياء، عادت بعد موتها من الانفال كما كانت من قبل، وجاز لغيره من الناس أن يحييها ويتملكها، وإذا أحياها غيره وملكها فليس للمالك الاول أن يطالب المحيي بشئ، وان كان المالك الاول قد ملكها بالارث أو الابتياع من أحد أو بمعاملة مملكة أخرى لم يجز لاحد من الناس أن يحييها أو يتصرف فيها الا باذنه وقد ذكر هذا في مبحث الانفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة. (المسألة السابعة): يجوز للرجل أن يحيي موضعا واحدا أو اكثر من القرية أو البلدة الخربة التي درست عمارتها وانقرض سكانها الذين عمروها، واصبحت من الانفال، فيجوز له أن يعمر منها منزلا دارسا فيجدد بناءه، ويتخذه دارا يسكنها أو عقارا ينتفع به، أو يجري له الماء فيجعله بستانا أو مزرعة، أو ما شاء من أقسام الارضين المعمورة ويملكه بالاحياء. ويجوز له أن يحوز ما في المنزل وما في القرية من مواد وأنقاض للابنية القديمة فيها كالحجارة والمدر والآجر والاخشاب والحديد وغيرها، وإذا

[ 154 ]

حازها بقصد التملك ملكها وصح له التصرف فيها كما يشاء. (المسألة الثامنة): إذا ماتت أرض موقوفة واندرست آثار العمارة والحياة فيها، وعلم من القرائن أو من الشياع والاستفاضة بين أهل البلد ان الارض موقوفة على قوم سابقين من الاجيال وقد بادوا ودرس ذكرهم، أو أنها وقف على قبيلة من الماضين أو على جماعة لا يعرف منها في الوقت الحاضر سوى الاسم على ألسن بعض الناس أو في بعض السجلات القديمة ولا وجود لهم في الخارج، أصبحت الارض المذكورة من الانفال، فيجوز للناس احياؤها وتملكها. وكذلك حكم الارض التي يعلم على وجه الاجمال أنها موقوفة ولم يعرف انها وقف عام أو خاص، وانها وقف على جهة أو على عنوان أو على أشخاص وعلى أي الجهات أو العناوين أو الاشخاص، فإذا ماتت الارض المذكورة وخربت فهي من الانفال وجاز للناس احياؤها وتملكها. (المسألة التاسعة): إذا ماتت الارض الموقوفة كما قلنا في الفرض المتقدم، وعلم أن الارض قد وقفت على بعض الجهات ولم تعرف الجهة الموقوف عليها على نحو التعيين، فهل وقفت الارض على مسجد أو على مشهد أو على مدرسة أو على غير ذلك من جهات الخير، أشكل الحكم في أن يحيي هذه الارض أحد من الناس ويتملكها وقد نقل جماعة من العلماء أن القول بجواز احيائها هو المشهور بين الفقهاء. والاحوط لمن يريد احياء هذه الارض أن يستأذن من الحاكم الشرعي في احيائها، وإذا عرف المتولي على الوقف استأذن الحاكم والمتولي معا، فإذا هو

[ 155 ]

أحيى الارض المذكورة باذنهما صرف جميع ما حصل من منافعها في وجوه البر ولم يتملك منه شيئا، واستأذن الحاكم الشرعي والمتولي في الصرف كما استأذنهما في الاحياء. ويجري نظير القول الذي ذكرناه أيضا في الارض الميتة إذا علم بان واقف الارض قد وقفها على أشخاص ولم تعرف أعيانهم ومشخصاتهم، وعلم أنهم موجودون بالفعل غير معدومين، فمن اراد احياء هذه الارض فالاحوط له أن يستأذن الحاكم الشرعي باحيائها ومن المتولي على الارض إذا كان موجودا أو معروفا فإذا أحياها صرف جميع منافعها التي تحصل منها بعد الاحياء في وجوه البر ولا يتملك الارض بهذا الاحياء ولا من المنافع شيئا، وعليه أن يكون الصرف في وجوه البر باذن الحاكم الشرعي والمتولي أيضا. (المسألة العاشرة): يجوز لمن يريد احياء الارض في كلتا الصورتين اللتين ذكرناهما ان يراجع الحاكم الشرعي ويراجع متولي الوقف معه إذا كان موجودا، فيستأجر منهما الارض مدة معينة باجرة مثل الارض في تلك المدة، ثم يحيي الارض لنفسه إذا شاء، ولا يملك الارض نفسها بهذا الاحياء، بل يأكل منافعها ونماءها في مدة الاجارة، وتصرف أجرة المثل التي تلزمه في وجوه البر، وعليه أن يستأذن من الحاكم الشرعي ومن المتولي إذا كان موجودا في صرفها، بل ولا يترك الاحتياط في أن يكون صرف الاجرة في وجوه البر من المتولي نفسه. (المسألة 11): إذا شمل الارض المذكورة في كلتا الصورتين اللتين ذكرناهما بعد موت

[ 156 ]

الارض وخرابها أحد الموارد التي يصح فيها بيع الوقف، أمكن للشخص أن يشتري الارض من الحاكم الشرعي ثم يحييها بعد الشراء لنفسه ويملكها بهذا الاحياء، وإذا قبض الحاكم الشرعي من المشتري ثمن الارض اشترى به أرضا وجعلها وقفا عوضا عن الوقف المبيع، وصرف منافع الوقف الجديد في وجوه البر، وإذا لم يمكن ذلك صرف الثمن نفسه في وجوه البر، وقد عددنا المواضع التي يجوز فيها بيع الوقف في المسألة المائة والثلاثين وما بعدها من كتاب التجارة، وفي المسألة المائة والثلاثة والثلاثين وما بعدها من كتاب الوقف في هذه الرسالة. (المسألة 12): إذا اندثرت عمارة الارض وخربت بعد عمارتها وكانت وقفا على جهة معلومة أو كانت وقفا على جماعة معينين معروفين، جاز لمن يريد احياء الارض أن يستأجرها مدة معلومة باجرة مثل الارض في تلك المدة، ثم يتولى احياءها وتعميرها في مدة الاجارة، ويأكل منافعها وما يحصل منها في المدة، وتصرف أجرة المثل التي دفعها بدلا عن استئجاره للارض في الجهة الموقوف عليها أو الجماعة الموقوف عليهم، فإذا كان الوقف على جهة معينة وجب أن تكون اجارة الارض والتصرف فيها من المتولي على الوقف إذا كان موجودا، ولزم أن يتولى بنفسه صرف أجرة المثل على الجهة الموقوف عليها، أو يكون الصرف فيها باذنه وإذا لم يكن للوقف متول يقوم بالامر وجب أن يكون كل من اجارة الارض وصرف أجرة المثل في الجهة الموقوفة عليها باذن الحاكم الشرعي. وإذا كان وقف الارض على أشخاص معلومين وكان الوقف خاصا، وجب أن تكون اجارة الارض والتصرف فيها وصرف أجرة المثل على الاشخاص

[ 157 ]

الموقوف عليهم بمراجعة متولي الوقف إذا كان موجودا، وبمراجعة كل من الحاكم الشرعي والاشخاص الموقوف عليهم على الاحوط إذا كان متولي الوقف مفقودا. وإذا كان وقف الارض المذكورة على الاشخاص عاما، وجب أن تكون اجارة الارض والتصرف فيها وصرف أجرة المثل على الموقوف عليهم بتولي الحاكم الشرعي أو وكيله. وإذا انطبق على الارض المذكورة بعد خرابها بعض ما يسوغ مع بيع الوقف أمكن للرجل أن يرجع إلى الحاكم الشرعي فيشتريها منه ثم يحييها لنفسه بعد شرائها، والاحوط أن يكون البيع من الحاكم الشرعي والمتولي للوقف إذا كان موجودا، ويتوليان معا على الاحوط كذلك شراء أرض أخرى بثمن الوقف المبيع، ووقفها عوضا عن المبيع، وإذا لم يمكن ذلك صرفا ثمن الوقف على الجهة أو الاشخاص الموقوف عليهم. (المسألة 13): لا فرق في الاحكام التي بيناها أو التي يأتي بيانها للارض الموات وأقسامها بين أن تكون الارض في بلاد الاسلام أو في بلاد الكفر، فإذا كانت مواتا بالاصل فهي من الانفال، وتختص بامام المسلمين (ع) وان كانت في بلاد المشركين أو الكفار غير المشركين، وتحت نفوذهم وفي سيطرتهم، فإذا احياها مسلم أو كافر ملكها باحيائه اياها، وإذا كانت مواتا بالعارض جرت أقسامها وأحكامها أيضا حسب ما فصلناه، وحتى إذا فتح المسلمون بلاد الكفر بالقتال فالارض الموات منها في حال الفتح من الانفال، فتجري فيها أحكام الانفال، سواء كانت ميتة بالاصل أم ميتة بالعارض.

[ 158 ]

وأما الارض العامرة من بلاد الكفر في حال فتح المسلمين لها فهي ملك للمسلمين عامة، ولا تختص بأحد منهم ولا من غيرهم، وإذا ماتت بالعارض بعد الفتح لم يتغير حكمها، ولم تصبح بموتها من الانفال، فلا يملكها من يحييها وهي لا تزال ملكا لعموم المسلمين. (المسألة 14): يشترط في صحة احياء موات الارض وفي تملكها بالاحياء أن لا تكون حريما لملك أحد مسلم أو غير مسلم إذا كان ممن تحترم حقوقه وملكيته في الاسلام، فلا يصح لاحد احياء الارض الميتة إذا كانت مرفقا أو حريما لملك مالك محترم، ولا يحل لغير ذلك الشخص الذي استحق الارض بتبع ملكه العامر، وإذا أحياها غيره لم يملكها، وإذا وضع يده عليها بغير اذن صاحب الحق كان غاصبا لحق غيره آثما بفعله، وسنوضح ان شاء الله تعالى معنى الحريم وحدود مقاديره في الفصل الثاني. والظاهر أن المراد بالمرفق هنا ما يتوقف عليه بعض الانتفاعات بالملك من الارض الموات المتصلة به فهو بعض أفراد حريم الملك. (المسألة 15): يشترط في صحة احياء الارض الموات أن لا تكون محجرة لغير الانسان الذي يريد احياءها، إذا كان المحجر مسلما أو ممن يحترم الاسلام حقوقه من غير المسلمين كالذمي والمعاهد، والتحجير كما سيأتي ايضاحه في الفصل الثالث لا يكون سببا لملك الارض المحجرة، ولكنه يوجب ثبوت حق فيها لمن حجرها، ويكون اولي بها من الناس الآخرين، فإذا وضع غير المحجر يده على الارض بعد

[ 159 ]

تحجيرها من غير اذن المحجر كان غاصبا آثما، وإذا أحياها كذلك لم يصح احياؤه، ولم تثبت ملكيته لها على الاحوط، بل لا يخلو ذلك من قوة، وإذا أراد احياءها جاز لمن حجرها أن يمنعه. (المسألة 16): اشتهر بين جماعة من الفقهاء (قدس الله أنفسهم) انه يشترط في صحة احياء الارض الميتة ان لا تكون الارض المقصودة من الاراضي التي جعلت في دين الاسلام مشعرا من مشاعر العبادة للمسلمين مثل أرض عرفات والمزدلفة ومنى فلا يصح احياء الارض من هذه الاودية إذا كانت ميتة. هكذا أفادوا، وفي صحة هذا الاشتراط اشكال، بل الظاهر منع ذلك، فان عظمة شأن هذه المواقع في دين الاسلام وجعلها فيه حقا مقدسا لله سبحانه وحقا ثابتا معظما لعموم المسلمين، لاداء مناسكهم في ممر الازمان والعصور قد ابعد هذه الامكنة أشد البعد وأعلى مقامها أعظم العلو والارتفاع عن اعتبارها أرضا مواتا أو مباحة كسائر الارضين فتحجر أو تحاز ويملكها الافراد أو تجري عليها الاعتبارات المتعارفة في المعاملات بين الناس!. (المسألة 17): يشترط في صحة احياء الارض الميتة ان لا يكون امام المسلمين (ع) قد أقطع تلك الارض من قبل لاحد من الناس، فان الامام إذا أقطع الارض لاحد اختصت به وان لم يحجرها ولم يحييها، ولا يحق لاحد من الناس غيره أن يحيي تلك الارض أو يضع يده عليها، ولا ينبغي الريب في صحة هذا الشرط إذا تحقق

[ 160 ]

الاقطاع منه (ع)، وقد ذكرت في التاريخ وفي كتب السيرة النبوية قطائع من الرسول (ص) لبعض الصحابة، ولكن هذا الشرط لا أثر له في عصر غيبة المعصوم (ع) لعدم وجود القطائع فيه. (المسألة 18): إذا أحيى الانسان أرضا ميتة على الوجه التام من الاحياء، ملك الارض باحيائه اياها، ولا يشترط في حصول الملك له ان يكون المحيى قاصدا لتملك الارض على الاقوى، ويكفي في حصوله أن يقصد احياء الارض للانتفاع بها. فإذا مر الانسان في الفلاة مثلا بارض كثيرة الماء نقية الهواء ورغب في البقاء في تلك الارض شهرا أو أكثر، فأحيي بقعة من تلك الارض لينتفع بها في مدة بقائه وزرع في البقعة بعض ما يعجل نموه ونتاجه من المخضرات والنبات، وغرس بعض الشجر والازهار، ملك البقعة التي أحياها، فإذا انقضت ايام اقامته في المكان وأعرض عن المزرعة وتركها وسافر عنها زال ملكه بالاعراض، وجاز للناس الآخرين حيازتها وتملكها من بعده، وكذلك إذا بنى له في الارض منزلا ليسكنه مدة بقائه فيها، فانه يملك المنزل باحيائه، وإذا أعرض عنه وتركه وسافر زال ملكه، ومثله إذا حفر بئرا أو أجرى نهرا لينتفع به، فيملك ما أحياه، وإذا تركه وسافر وأعرض عنه أعراضا تاما أصبح مباحا. ولا يبعد القول بعدم حصول الملك لما أحياه إذا قصد باحيائه عدم التملك له، ومثال ذلك: أن يحيي المنزل في الموضع المذكور ويحفر البئر وهو يقصد عدم تملكها لنفسه، بل لينتفع بها العابرون والمسافرون من الحجاج والزوار.

[ 161 ]

(المسألة 19): إذا سبق أحد المسلمين إلى أرض موات مباحة فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء ونبات أو ماء أو حطب أو قصب أو ما يشبه ذلك كان ذلك المسلم أولى بتلك الارض من غيره ما دامت يده على الارض وان لم يحجرها، فلا يجوز لاحد أن يحييها ويتملكها، ما دامت في يد المسلم السابق إليها، وإذا أحياها الثاني بالقهر على صاحب اليد كان غاصبا لحقه، ولم يملك الارض باحيائه لها ولذلك فيشترط في صحة احياء الارض الميتة وفي حصول الملك باحيائها: أن لا يكون احياء المحيي لها مسبوقا بيد المسلم قد استولى قبله على الارض، أو مسبوقا بيد ذمي أو معاهد للمسلمين ممن تحترم يده وتصرفه في الاسلام.

[ 162 ]

[ الفصل الثاني ] [ في حريم الاملاك المحياة ] (المسألة 20): إذا أحيي الانسان أرضا مواتا فجعل الارض باحيائه لها دارا يملكها أو عقارا أو مزرعة أو بستانا أو شيئا آخر مما يتملك وينتفع به، تبع ذلك الملك مقدار من الارض الموات مما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بالملك الذي أحياه من الارض، ويسمى هذا المقدار التابع للملك من الارض الموات حريما له. والحريم الذي ذكرناه لا يكون بتبعيته له ملكا لمالك الارض المحياة، ولكنه حق شرعي يثبت له في الارض ليحصل به الانتفاع بما يملكه، وهو يختلف في مقداره باختلاف الملك المتبوع، حسب ما يحصل به الانتفاع بالملك في نظر أهل العرف، وما أمضاه الشارع من ذلك، وسنذكره ان شاء الله تعالى في ما يأتي من الفروض. (المسألة 21): إذا بنى الرجل له دارا في الارض الموات فأحيى موضع الدار منها وملكها بالاحياء، تبع الدار من الارض الموات المتصلة بها مقدار ما يسلك به في الدخول إلى الدار والخروج منها للرجل المالك ولعياله وأولاده الساكنين معه فيها ولدوابه وانعامه وزواره المترددين إليه وأضيافه، ولا حماله وأثقاله، ولسيارته وأموره المتعارفة له، ويكون المسلك المذكور في الجانب الذي يشرع من باب

[ 163 ]

الدار، ويكون بمقدار يفي بحاجة كل اولئك في المرور دون عسر أو ضيق. وإذا كان للدار بابان أحدهما لعياله ونسائه، والثاني لضيوفه وزواره من الرجال، تبع الدار مسلكان يفيان بالحاجة، ولا يلزم أن يكون طريقه إلى الدار مستقيما، الا إذا اقتضت الضرورة ذلك أو العادة المتعارفة في البلد فيتبع ما تقتضي. ويتبع الدار بعد احيائها وتملكها موضع من الارض الميتة تلقى فيه قمامتها واوساخها وترابها، وموضع أو أكثر يجري فيه ماؤها من المطر وغيره، وتلقى فيه ثلوجها إذا اقتضت ذلك عادة البلاد. وهذه المواضع التي تتبع الدار بعد احيائها من الارض الميتة المتصلة بها هي حريمها الذي يتوقف على وجوده انتفاع المالك بداره، فتكون من مرافق الدار عرفا، ومن حقوق مالك الدار شرعا، فلا يصح لاحد من الناس احياء هذا الحريم بدون اذن مالك الدار، وإذا استولى عليه بغير اذنه كان غاصبا، ولم يملك ما أحياه منه. (المسألة 22): إذا بنى الرجل في الارض الموات حائطا ليجعله سورا لبستانه مثلا، أو لحظيرة مواشيه، أو لغرض آخر، تبع الحائط على الاحوط من الارض مقدار ما يرمى فيه ترابه ومدره وحجارته وطينه وحصه وأدواته، إذا استهدم أو نقضه مالكه وأراد ترميمه واعادة بنائه، فلا يحيي غيره هذا المقدار من الارض الا باذن مالك الحائط على الاحوط كما قلنا. (المسألة 23): إذا حفر نهر في الارض الموات ليسقي مزرعة أو نخيلا أو قرية أو غير ذلك

[ 164 ]

فحريم النهر من الارض مقدار ما يلقى فيه طينه وترابه على الحافتين إذا احتاج إلى التنقية، وطريقان على حافتي النهر يسلكهما من يريد اصلاحه إذا احتاج إلى الاصلاح سواء كان النهر عاما ام خاصا، بمالك واحد أم بجماعة، ولا ريب في ان مقدار حريم النهر يختلف باختلاف النهر نفسه في كبره وصغره، وفي سعة الارض والدور والنخيل والمزارع التي تستقي منه وقلتها، وفي قلة العاملين فيه لاصلاحه وكثرتهم. (المسألة 24): إذا شق انسان له نهرا في الارض الميتة ليسقي منه مزرعته أو أرضه أو داره أو حفره جماعة مخصوصون لينتفعوا به في سقي مزارعهم ودورهم وملكوه بالاحياء، فحريم النهر من الارض الموات حق للرجل الذي حفر النهر وملكه أو الجماعة الذين أخرجوه وملكوه، فلا يجوز لاحد سواهم احياء حريم النهر الا باذنهم. وإذا كان النهر عاما ينتفع به جماعة غير محصورين في العدد، وكان النهر غير مملوك لاحد منهم بعينه، أو لجماعة معينين، فالحريم حق عام للجماعة الذين ينتفعون به جميعا نظير ما يأتي بيانه في حريم القرية، الا إذا كان الذي حفر النهر واحدا بعينه أو جماعة معينون، وبعد أن شقوا النهر لانفسهم وملكوه أباحوا الانتفاع والتصرف فيه للجميع، فيكون حريم النهر من الارض الميتة حقا لمن استخرج النهر خاصة، دون غيره، الا إذا أسقط حقه من الحريم، أو جعل النهر نفسه مباحا للجميع.

[ 165 ]

(المسألة 25): إذا استرج الانسان له بئرا في الارض الميتة يستقي من مائها لمزرعته أو لماشيته أو لغيرهما، وملك البئر بالاحياء، تبع البئر مما حولها من الارض الميتة مقدار ما يقف فيه النازح لاستقاء الماء منها، واحدا أو أكثر، وما يضع فيه عدته وحباله قبل الاستقاء وبعده، والموضع الذي يصب النازح فيه الماء إذا اخرجه من البئر، والموضع الذي يجتمع فيه الماء لتشرب منه الماشية أو ليجري منه إلى المزرعة والموضع الذي يلقي فيه طين البئر ورملها وحجارتها إذا احتاجت الى التنقية أو الاصلاح. ولا يبعد أن يتبع البئر ايضا الموضع الذي تكون فيه الماشية حول الحوض حين الشرب وقبله لانتظار النوبة إذا كانت الماشية كثيرة، وإذا كان الاستقاء من البئر بالدولاب تبع البئر موضع نصب الدولاب في البئر، وموضعه قبل ذلك وبعده، حين ما يحضر لينصب في موضعه أو حين ما يخرج منه للاصلاح أو الابدال، و موضع دور البهيمة حول الدولاب لتديره بحركتها، وموضع تردد البهيمة في ذهابها ورجوعها إذا كان الاستقاء بها لا بالدولاب، وموضع المكائن والاجهزة التي تخرج الماء من البئر وتجريه في مجاريه إذا كان الاستقاء بها، وإذا حجر الانسان هذه المواضع من الارض الميتة واستعملها بقصد الاحياء ملكها مع البئر. (المسألة 26): للبئر السابقة في وجودها حريم آخر بالاضافة إلى البئر التي تحفر بعدها إذا كانتا متقاربتين في المكان، وحريم البئر الاولى أن تبعد البئر الثانية المتأخرة عنها في الوجود بمقدار لا تؤثر في ماء الاولى ضعفا في قوة الدفع أو قلة في كمية الماء

[ 166 ]

وقد حدد ذلك في الحكم الشرعي بأن تبعد الثانية في مكانها الذي تحفر فيه عن الاولى أربعين ذراعا، إذا كانت الاولى بئر عطن وان تبعد عنها ستين ذراعا إذا كانت بئر ناضح، وبئر العطن هي ما يستقي منها للابل والغنم، وبئر الناضح ما يستقى منها لمزرعة أو بستان أو نحوهما. فيجب على صاحب البئر اللاحقة أن يبعدها عن مكان الاولى بالمقدار المذكور، والظاهر ان التحديد بالمقدار المعين انما هو بحسب ما يقتضيه الغالب في مياه الآبار المتعارفة، وان المدار فيه على التأثير وعدمه، فإذا علم أن البئر الثانية لا تؤثر على ماء الاولى قلة ولا ضعفا وان استخرجت الثانية بالقرب من الاولى جاز الحفر بقربها ولم يجب ابعادها، وإذا علم بأن المقدار المذكور من البعد لا يكفي في ازالة الاثر وجب أن تبعد الثانية عن الاولى باكثر من ذلك حتى لا تؤثر في مائها شيئا. (المسألة 27): لا يختص الحكم بوجوب بعد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الوجود بالآبار التي يحييها الانسان في الارض الموات، بل يجري حتى في الآبار التي يحدثها أصحابها في اراضيهم المملوكة لهم، فإذا كانت لاحد الرجلين بئر في أرضه المملوكة أو في داره، وأراد الرجل الآخر أن يحفر له بئرا في أرض يملكها بجوار الاول، أو في أرض موات تقع بجواره، لزمه أن يبعدها عن بئر الاول إذا كانت تضر بمائها، وكذلك البئر الموقوفة أو المسبلة في وجه من وجوه الخير، فإذا أراد شخص آخر أن يحدث له بئرا في ملكه أو في أرض موات وهي في جوار البئر الموقوفة أو المسبلة، فعلى الثاني أن يبعد بئره عنها إذا كانت توجب

[ 167 ]

تأثيرا على مائها. (المسألة 28): إذا فجر انسان لنفسه عينا نابعة بالماء في الارض الموات ملك العين بتفجيرها واحيائها، وتبع العين من الارض الموات من حولها مقدار ما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالعين المحياة، فيكون ذلك المقدار حريما للعين، وحقا يختص به مالك العين على نهج ما سيق ذكره في نظائره، فإذا احتاج في انتفاعه بحسب العادة المتبعة عند أهل العرف إلى حوض يجتمع فيه الماء والى مجرى يجري فيه كان موضع الحوض وموضع المجرى حريما للعين وتبعها أيضا موضع تلقي فيه رواسب العين وطينها ورملها إذا احتاجت إلى الاصلاح أو التنقية، ولا يجوز لغير مالك العين احياء هذه المواضع من الارض الميتة بدون اذن مالك العين لانها حق يختص به، وإذا احياها صاحب العين ملكها. وللعين المحياة أيضا حريم آخر كالحريم الثاني للبئر، فإذا أراد رجل آخر أن يستنبط له عينا في الارض الموات بعد ذلك وجب عليه أن يبعدها عن العين السابقة خمسمائة ذراع إذا كانت الارض صلبة وأن يبعدها عنها ألف ذراع إذا كانت الارض رخوة. والظاهر هنا أيضا أن التحديد بالمقدار غالبي كما قلنا في حريم البئر وان المدار على تأثير العين اللاحقة في العين السابقة وعدم تأثيرها، فإذا علم أن العين الثانية لن تؤثر على جريان ماء الاولى ولن تقلله وان قربت منها لم يجب ابعادها وإذا علم انها تحتاج إلى بعد اكثر مما ذكر وجب ابعادها اكثر منه.

[ 168 ]

(المسألة 29): إذا شق الانسان له قناة في أرض موات وأجرى فيها الماء من عين، أو من آبار موجودة في الارض، أو كان هو قد استنبطها وأحياها وأجرى الماء في القناة إلى مزرعته أو إلى ضيعته، تبع القناة من الارض الموات في جانبيها نظير ما سبق تحديده في حريم النهر، وكان هذا المقدار حريما للقناة، فلا يجوز لغير مالك القناة احياؤه الا برضاه. وللقناة أيضا حريم آخر من كلا جانبيها وهو كحريم العين الذي سبق ذكره في المسألة الماضية، فإذا أراد أحد أن يحفر له قناة في أحدى الناحيتين وجب عليه أن يبعد قناته عن قناة الاول خمسمائة ذراع إذا كانت الارض صلبة، وألف ذراع إذا كانت الارض رخوة، والتحديد بذلك غالبي كما قلنا في حريم العين وحريم البئر فالواجب أن تبعد القناة الثانية عن الاولى بمقدار لا تضر معه فيها ولا تقلل ماءها. وكذلك الحكم في النهر، فإذا شق الانسان نهرا واجري فيه الماء وأراد انسان آخر يشق له نهرا في احدى ناحيتي نهر الاول فعليه أن يبتعد عنه بمقدار لا يكون معه مضرا بالاول. (المسألة 30): لا يختص الحريم الذي بيناه للعين أو القناة أو النهر بما يخرجه الانسان منها في الارض الموات، فيجري أيضا في ما يخرجه في ملكه، فإذا استنبط الرجل له عينا، أو شق له قناة، أو نهرا في أرض يملكها، وأراد غيره ان يخرج لنفسه مثل ذلك في ملكه، أو في ارض موات، وجب على الثاني أن يبتعد عن الاول بمقدار لا يضر معه به وبمائه، وكذلك في الموقوف والمسبل، وقد تقدم ذكر مثل ذلك في البئر

[ 169 ]

وتراجع المسألة السابعة والعشرون. (المسألة 31): الحريم الثاني الذي ذكرناه للبئر أو للعين أو للقناة أو للنهر انما هو حق شرعي، أثره أن تبتعد البئر أو العين أو النهر أو القناة اللاحقة عن نظائرها إذا سبقتها في الوجود، وكان وجود اللاحقة في ما دون المقدار المذكور يضر بالسابقة، فيقلل الماء فيها أو يضعف قوة دفعه ولا يمنع هذا الحريم غير المالك من أحياء الارض الموات في هذه المسافة المقدرة، فيجوز لغيره احياء الموات منها فيجعله مزرعة أو بستانا أو دارا أو عقارا له، بعد أن يترك للنهر أو للعين أو للبئر أو للقناة حريمها الاول التابع لها فقد ذكرنا أنه حق لمالكها. (المسألة 32): إذا أحيي الرجل له مزرعة في أرض موات على الوجه الذي يأتي بيانه في احياء المزرعة من الفصل الرابع، ملك الموضع الذي أحياه، وتبع المزرعة من الارض الموات التي تتصل بها مقدار ما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بمزرعته، فان المزرعة حسب ما يعتاد بين الناس والزراع منهم تحتاج الى موضع من الارض تجمع فيه الاسمدة إذا كان الزرع مما يحتاج إلى التسميد والى موضع يجعله الزارع بيدرا يداس فيه الزرع بعد حصاده وتصفى فيه الحبوب، والى موضع يجمع فيه الخضر والحاصلات والثمار من الزراعة حتى توضع في صناديقها أو في أكياسها أو تشد حزما وباقات وتصنف انواعها وأصنافها وتعد للحمل والنقل، والى موضع يكون حظيرة للحيوان والدواب التي يحتاج إليها في المزرعة والى طريق للدخول إلى المزرعة والخروج منها والتردد في اطرافها

[ 170 ]

والوصول إلى مرافقها للزارع ولمساعديه وعملائه الذين يصلون إلى مزرعته إذا كانت واسعة، وقد يحتاج بحسب العادة المتعارفة إلى اكثر من مسلك واحد فيكون جميع ذلك وما أشبهه حريما للمزرعة يتبعها من الارض الموات ويصبح حقا خاصا لمالكها، فلا يجوز لغيره وضع اليد عليها أو على شئ منها الا باذنه وإذا أحياها مالك المزرعة ملكها. وقد يتخذ الانسان في المزرعة أو في البستان الذي يحييه بركة من الماء لتربية الاسماك فيها، أو موضعا لانتاج الدواجن وتربيتها فيملكه بالاحياء، وتتبعه من الارض الموات المتصلة به مواضع يتوقف عليها الانتفاع بالملك فتكون حريما له على نهج ما سبق في نظائره. وقد يتوسع أمرها فيحتاج إلى طريق لدخول سيارته وأدوات نقله إلى المزرعة وخروجها منها، ودخول سيارات آخرين يتعاملون معه وخروجها وترددها، فيكون ذلك حقا من حقوقه الخاصة به وإذا أحياه ملكه، ويجري نظير ما ذكر في البستان والضيعة إذا أحياهما من الارض الموات فيتبعهما من الحريم ما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام بهما. (المسألة 33): إذا أحييت قرية في أرض موات ملك كل واحد من أهل القرية منزله الذي احياه منها، وتبع المنزل حريمه الخاص به، والذي لا يتم الانتفاع بالمنزل الا به وقد ذكرنا حريم الدار في المسألة الحادية والعشرون، ويتبع القرية من الارض الموات المتصلة بها طرق القرية للدخول إليها والخروج منها، والوصول إلى منازلها والى مرافقها العامة، ويتبعها كذلك موارد أهل القرية من الماء ومشارعهم

[ 171 ]

إذا كانت منفصلة عن البيوت، ومسيل مياه القرية من المطر وغيره إذا لم تكفها المجاري الخاصة بالبيوت، والموضع الذي يجتمع فيه أهل القرية متى احتاجوا إلى الاجتماع ولم تكف لذلك مجالسهم الخاصة. ويتبع القرية موضع لدفن الموتى منهم إذا لم توجد مقبرة مسبلة أو موقوفة تكفي لاهل القرية، وموضع تجمع فيه كناسة القرية وقماماتها وتلقي فيه فضلاتها وأسمدتها، ومراع للماشية وأمكنة للاحتطاب، إذا احتاج سكان القرية إلى مواضع خاصة لذلك ولم تكفهم الحيازة من المباح، وما شاكل ذلك مما يحتاج إليه سكان القرى وتتوقف عليهم مصالحهم. والمدار في ذلك أن يحتاجوا إليه حاجة ماسة بحيث يقعون في عسر وضيق إذا منعهم منه أحد أو زاحمهم فيه مزاحم، فيكون ذلك حريما للقرية وحقا عاما لاهلها ولا يختص بواحد منهم، ولا يجوز لغيرهم احياؤه أو الاستيلاء عليه، بل ولا يجوز لبعض أهل القرية احياء شئ منه الا برضى الجميع. ولا ريب في أن حريم القرية ومرافقها تختلف باختلاف القرية في كبرها وصغرها وفي كثرة سكانها وقلتهم، وفي سعة اتصالاتهم بالقرى والبلاد الاخرى وضيقها، وكثرة الواردين والمترددين إليها من أهل المصالح فيها وغيرهم، وكثرة المواشي والانعام والدواب وقلتها. (المسألة 34): قد يتداخل حريم الدار الخاص مع حريم القرية، فيكون مسلك الدخول إلى الدار والخروج منها هو بذاته طريقا من الطرق العامة في القرية، أو يكون موضع القاء القمامة والاوساخ من الدار هو موضع القائها في القرية، ويكون الموضع الذي

[ 172 ]

تجري فيه مياه المطر ونحوه من الدار في طريق من طرق القرية وهكذا، فيدخل حريم الدار في حريم القرية ويكون حقا عاما لسكان القرية جميعا، ولا يختص به صاحب الدار، وانما يختص به إذا كان منفردا عن حريم القرية وان كانت الدار متصلة بالقرية. (المسألة 35): لا ريب في ان حاجة الناس إلى الطريق والشارع قد اختلفت مع اختلاف الزمان ومع تنوع وسائل النقل والحمل فيه، واضطرار سكان القرى والبلاد وسكان الارياف إلى اتخاذ هذه الوسائل المتنوعة لحاجاتهم وتنقلهم وحمل أثقالهم في الذهاب والرجوع، ولذلك فيكون من الحقوق اللازمة في القرية والبلد بل وفي المزرعة والضيعة أن يتسع الطريق والشارع بمقدار ما يفي بالحاجة العامة ويرفع العسر والضيق في المرور، وعن المارين والعابرين من الافراد والجماعات الراكبين والراجلين ويكون ذلك حريما للقرية وحدا للطريق وحقا عاما للسكان. (المسألة 36): إذا غرس الرجل نخلة أو نخلتين مثلا في أرض ميتة ملك ما غرسه وملك موضع غرسه من الارض، وتبع النخلة من الارض الميتة مدى جرائد النخلة من جميع جوانبها ويكون هذا المقدار حريما للنخلة المغروسة وحقا خاصا لمالكها فلا يجوز لغيره من الناس أن يحيي هذا الحريم أو يتصرف فيه الا برضى صاحبه وإذا أحياه صاحب الحق ملكه، وكذلك الحكم إذا غرس شجرة في الارض الميتة فيملك الشجرة، ويملك موضع غرسها من الارض ويتبع الشجرة من الارض مقدار ما تمتد إليه أغصانها، ويكون ذلك حقا له خاصة وإذا أحياه ملكه بالاحياء.

[ 173 ]

(المسألة 37): إذا أحيي الانسان أرضا ميتة فجعلها دارا أو بستانا أو مزرعة أو غير ذلك ملك ما أحياه من الارض وتبعه من الحريم ما فصلنا ذكره في المسائل المتقدمة فيكون ذلك حريما لملكه وحقا من حقوقه، وبقي ما زاد على ذلك من الارض الميتة مباحا للجميع، وليس لمالك الارض المحياة حق اختصاص به سبب جواره واحيائه لبعض الارض، ولا يحق له أن يمنع أحدا عن احيائه أو تحجيره، وكذلك الحكم في الارض الميتة التي تكون في جوار قرية أو طائفة من الناس، فلا يكون لاهل القرية أو لتلك الطائفة حق في الارض المذكورة بسبب مجاورتها لهم، وليس لهم أن يمنعوا من سواهم عن السبق إلى احيائها الا إذا سبقوا إلى الارض فحجروها أو كانت حريما خاصا لاملاكهم أو ثبت لهم غير ذلك من موجبات الاختصاص شرعا. (المسألة 38): الحريم الذي يتبع الملك الذي يحييه الانسان من الارض الموات كما قلنا اكثر من مرة انما هو حق شرعي يثبت لذلك الانسان وليس ملكا له، فحريم الدار وحريم الحائط وحريم المزرعة والضيعة والقرية والنخلة المغروسة، والحريم الاول للبئر وللعين والقناة والنهر، حقوق شرعية تثبت لصاحب الحق تتعلق بالمقدار المعين من الارض الميتة فلا يجوز للناس الآخرين غصبها منه ووضع اليد عليها باحياء أو تصرف آخر، ويجوز لصاحب الحق منعهم منه، من غير فرق بين الافراد المذكورة من الحريم على الاظهر والاحوط. ولا يثبت هذا الحكم في الحريم الثاني للبئر والعين والقناة والنهر فان هذا

[ 174 ]

الحريم انما هو حد شرعي لابعاد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الحفر إذا كانت تضر بمائها، وكذلك الحريم الثاني للعين والقناة والنهر، وقد سبق منا بيان هذا، فيجوز للآخرين احياء هذا الحريم وتحجيرة والتصرف فيه، ولا يجوز لمالك البئر والعين والقناة والنهر منعهم منه. (المسألة 39): لا يثبت الحريم بين الاملاك المتجاورة، فإذا بنى الرجل له دارا في أرضه المملوكة له، فليس له حق الاستطراق إلى داره في الدخول والخروج منها في أرض جاره، ولا حق له في اجراء مياه داره أو القاء كناستها وقمامتها في ملك جاره، أو أن يجعل في ملك جاره شيئا من مرافق داره، الا إذا اذن له الجار بما يريد، وإذا اذن له بشئ منه فانما هي رخصته يجوز له الرجوع بها متى أراد، وكذلك إذا بنى الرجل حائطا أو شق له نهرا أو حفر بئرا في حدود أرضه المملوكة له، فلا يثبت لها حريم في ملك صاحبه كالحريم الذي يكون لها إذا انشئت في الارض الموات. نعم، إذا سبق أحد المتجاورين فحفر له بئرا في أرضه أو استنبط عينا نابعة أو شق قناة أو نهرا، ثم أراد جاره أن يخرج مثل ذلك في ملكه وكانت بئره أو عينه أو قناته أو نهره الذي يريد اخراجه يضر بما فعله الاول وجب على الثاني أن يبتعد عنه بمقدار يرتفع به الضرر وليس ذلك حريما أو حقا للجار في ملك الجار، بل لعدم جواز الاضرار به وقد ذكرنا هذا في المسألة السابعة والعشرين والمسألة الثلاثين. (المسألة 40): يجوز لكل واحد من الشخصين المتجاورين في الملك ان يتصرف في ملكه الخاص به كيف ما يريد، ولا يحق لاحد من الناس أن يمنعه من التصرف في ملكه

[ 175 ]

الا إذا كان الشخص محجورا عن التصرف في ماله فيجوز للولي الشرعي عليه منعه بل ويجوز لغير الولي منعه أيضا من باب الحسبة مع وجود الشرائط. ولا يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه تصرفا يوجب الضرر على جاره ومثال ذلك: أن يقطع الرجل نخلة من بستانه وهو يعلم أن النخلة إذا قطعها فستقع على حائط جاره فتهدمه أو على بعض مملوكاته فتحطمها، وأن يفعل في بيته فعلا يسبب تصدع منزل جاره وخلل بنائه، أو يبنى كنيفا بالقرب من بئر جاره يوجب تعفن ماء البئر وفساده، أو يحتفر بالوعة تسري الرطوبة منها إلى جدران جاره فتتلفها. ومن ذلك: أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فتسحب ماءها أو تنقصه، أو يستخرج عينا تضعف جريان عينه، أو يشق قناة تضر بماء قناته وقد ذكرنا هذا في مسائل تقدمت. والظاهر انه ليس من الضرر المانع من التصرف أن يرفع الرجل بناء بيته على بيت جاره فيمنعه بسبب ذلك من تسلط الشمس والهواء على منزله والاستفادة الصحية من ذلك، ولا يبعد ان يكون من الاضرار المانع إذا كان الجار قد أعد الموضع من ملكه لجمع التمر فيه وتشميسه فأعلى الجار الآخر بناءه على الموضع ومنع تسلط الشمس عليه واوجب ذلك تلف التمر والضرر بالمال وخصوصا إذا كان الجار صاحب البناء يعلم بوقوع هذا الضرر من قبل ذلك. (المسألة 41): لا يجوز لكل واحد من المتجاورين في الملك أن يتصرف في ملكه تصرفا يوجب وقوع الضرر على جاره، ويراد به الضرر الذي يعتد به العقلاء، والذي لا يتعارف حدوث مثله بين الجيران، فلا يمنع منه إذا كان مما يتعارف حصول مثله

[ 176 ]

بينهم، ومثال ذلك: أن يتخذ الجار في بيته مخبزا وان استوجب أذية الجار بالدخان، أو يتخذ في ملكه محلا لدباغة الجلود وان استلزم أذاه بالروائح، ونحو ذلك، ويأثم إذا هو فعل شيئا من ذلك بقصد ايذاء الجار. (المسألة 42): إذا تصرف المالك في ملكه تصرفا يستلزم ضرر جاره ضررا يمنع منه العقلاء ويحرمه الشارع، وجب عليه ان يترك ذلك التصرف ويرفع استمرار الضرر عن جاره، فإذا أوجب تصرفه في بيته تصدع حائط جاره أو خلل بنائه، ضمن له ذلك فيجب عليه أن يتدارك الخلل والتصدع بالاصلاح إذا حفر بئرا بالقرب من بئر جاره فانقطع بذلك ماءها أو نقص لزمه ان يطم البئر التي حفرها وهكذا. (المسألة 43): إذا تردد أمر المالك بين أن يتصرف في ملكه فيقع الضرر على جاره بسبب هذا التصرف، وأن يترك التصرف فيقع الضرر على المالك نفسه بالترك، اشكل الحكم، ولا يترك الاحتياط اما بأن يتحمل المالك الضرر ويترك التصرف أو يرجع الطرفان إلى المصالحة بينهما. (المسألة 44): إذا سبق أحد المالكين المتجاورين فحفر له بالوعة في ملكه أو بنى كنيفا، ثم حفر الثاني من بعده بئرا في ملكه بالقرب من بالوعة جاره أو كنيفه فاوجب ذلك فساد ماء بئر الثاني وتغيره فلا اثم ولا ضمان على مالك البالوعة أو الكنيف، ولا يجب عليه رفعهما ليزيل الضرر عن صاحب البئر. وكذلك إذا سبق أحدهما فاحتفر في أرضه بئرا ثم حفر الثاني في أرضه بئرا

[ 177 ]

من بعده فلم يخرج الماء في البئر الثانية بسبب قرب البئر السابقة منها أو خرج الماء فيها ضعيفا فلا شئ على السابق ولا يجب عليه طم بئره ليزيل الضرر عن صاحبه فان الضرر على اللاحق قد حصل بسبب تصرفه بنفسه في ملكه لا بسبب تصرف الاول في كلتا الصورتين. (المسألة 45): تكاثرت الاحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن خلفائه الائمة المعصومين (ع) الدالة على حرمة ايذاء الجار، وعلى وجوب كف الاذى عنه وتنوعت في الدلالة على ذلك، ففي بعضها (ان الرسول الله صلى الله عليه وآله أمر عليا وسلمان وأبا ذر، يقول راوي الحديث ونسيت آخر وأظنه المقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى اصواتهم: انه لا ايمان لمن لم يأمن جاره بوائقة، فنادوا بذلك ثلاثا)، وعن أبي حمزة قال: (سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: (المؤمن من أمن جاره بوائقة، قلت ما بوائقة قال (ع) ظلمه وغشمه)، وفي حديث المناهي عن الرسول صلى الله عليه وآله: (من اذى جاره حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيع حق جاره فليس منا، وما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وفي الخبر عن الامام جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام)، قال: (قرأت في كتاب على (ع): ان رسول الله صلى الله عليه وآله كتب بين المهاجرين والانصار ومن لحق بهم من أهل يثرب ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه)! ولهذه النصوص وغيرها فيحرم على الجار ايذاء جاره، ويجب عليه كف اذاه عنه، سواء حصل الاذى بتصرف الانسان في ملكه تصرفا يضر بجاره ويؤذيه أم بسبب آخر، فيكون بايذائه اياه عاصيا آثما.

[ 178 ]

(المسألة 46): وقد استفاضت الاخبار عنهم (صلوات الله عليهم) في الحث على حسن الجوار والتأكيد على حفظ حقوق الجيران، فعن الرسول صلى الله عليه وآله انه قال (حسن الجوار يعمر الديار وينسئ في الاعمار)، وعن الامام أبي عبد الله (ع): (حسن الجوار يزيد في الرزق)، وفي خبر أبى اسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (اقرأ على من ترى انه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله (عز وجل) والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث واداء الامانة وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله)، وعنه (ع) في حديث آخر: (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره)، وعن العبد الصالح (ع): (ليس حسن الجوار كف الاذى، ولكن حسن الجوار صبرك على الاذى)، وقد تكرر في أحاديثهم (ع): (ان الصبر على أذى الجار وعلى أذى المؤذين من الناس مما يوجب الاجر الكريم عند الله، وانه سبحانه يمتحن العبد المؤمن بالجار المؤذي أو بالقرين المؤذي من أهل بيته أو أرحامه أو بالرفيق المؤذي في سفره أو حضره ليؤجره بذلك إذا صبر) وورد عنهم (ع): (من كف أذاه عن جاره أقاله الله عثرته يوم القيامة). ولعل المراد بذلك أن يكظم الرجل غيظه مع ايذاء جاره له، ويصبر نفسه على تحمل الاذى منه، ويكف نفسه عن مجازاته بالاذى مع قدرته على ذلك ابتغاء لمرضاة الله سبحانه فيستحق بذلك أن يقيله الله عثرته في يوم الجزاء. وقد ذكرنا في آخر كتاب الصلح في الجزء الرابع من هذه الرسالة مسائل تتعلق بأملاك المتجاورين فليرجع إليها.

[ 179 ]

[ الفصل الثالث ] [ في تحجير الارض الميتة والحمى منها ] (المسألة 47): إذا سبق انسان إلى قطعة من أرض ميتة ولا يد لاحد من الناس فحجر تلك القطعة كما سيأتي بيانه كان أولى من غيره في احيائها والتصرف بها، فلا يحق لغيره أن يضع يده عليها أو يحييها الا باذن من حجرها، وإذا أحياها الغير بدون رضاه لم يملكها، ولذلك فقد اشترطنا في صحة احياء الارض الموات وفي حصول الملك به: ان لا تكون الارض قد حجرها أحد ممن تحترم حقوقه في الاسلام، الا إذا كان المحجر قد أسقط حقه من الاولوية بالارض، واباحها لذلك المحيي أو اباحها لكل من يرغب في احيائها، أو عرض له ما يوجب سقوط حقه. (المسألة 48): تحجير الارض هو أن يحدث الشخص فيها ما يدل على اختصاصه بها ومنع الاخرين منها لغرض يقصده العقلاء، وسيأتي توضيح المقصود من هذا القيد في بعض المسائل الآتية. ومن أمثلة التحجير: أن يبني الرجل حول الارض المقصودة له سورا كبيرا أو صغيرا يحيط بها، أو يسد حولها سدا من الطين أو غيره، أو يحيطها بحجارة أو يبني من حولها مروزا، أو يحفر أساسا أو يغرز خشبا أو جريدا أو قصبا، أو يحيطها

[ 180 ]

بسرك أو قضبان من الحديد ونحو ذلك. ولا يكفي ان يخط حول الارض خطة. والظاهر انه يكفي في تحقق التحجير أن يبسط المحجر جميع الارض و يقتلع الاشواك والطفيليات منها، وإذا فجر في الارض عينا نابعة ملك العين، و اختص بحريمها من الارض من جميع جوانب العين، وإذا شق للعين قناة أو أجرى منها نهرا ملك القناة والنهر، واستحق ما يتبعهما من الحريم، وكذلك إذا استخرج فيها بئرا فيملك البئر ويستحق حريمها من الارض وقد سبق ذكر جميع هذا مفصلا. وهل يعد اخراج العين أو البئر أو شق القناة أو النهر في الارض تحجيرا لها وان لم يسقها بعد بالماء كما يراه بعض الاعلام فيه اشكال، وإذا هو بسط الارض من حول ما اخرجه فيها وسقاها من الماء كان ذلك تحجيرا للارض وشروعا في احيائها بلا ريب. (المسألة 49): إذا عمد الرجل إلى أرض قد غمرها الماء واصبحت من الاهوار منبتا للبردي والقصب أو أجمة تلتف فيها الاشجار غير المثمرة، فجفف الماء وأظهر الارض كان ذلك تحجيرا لها وكان ذلك الرجل أولى بها من سواه، وكذلك إذا قلع ما فيها من نبات وطفيليات كان ذلك تحجيرا وان لم يجف الماء بعد، وإذا اقتلع الشجر والنبات من جذوره وجفف الماء فقد حجر الارض وبدأ في عمارتها واحيائها. (المسألة 50): لا يتقيد تحجير الارض على الاقرب بأن يكون التحجير لارادة احياء الارض وتعميرها كما يظهر من بعض الاكابر، فان التحجير قد يحصل لغرض آخر

[ 181 ]

من الاغراض المطلوبة عند العقلاء المتعارفة في ما بينهم، كما أشرنا إلى هذا في المسألة الثامنة والاربعين، فقد يحجر الانسان أرضا ميتة فيسورها لتكون مقبرة مسبلة لاهل البلد، وقد يحجرها ليبقيها أرضا خالية ويتخذها مراحا لماشيته وأنعامه، وقد يحجرها ليبقيها كذلك ويتخذها موضعا يجمع فيه حاصلاته من التمور أو الحبوب أو غيرها، ويعدها فيه للحمل والنقل، وقد يحجرها فيجعلها موضعا بارزا يجتمع فيه اهل بلده أو طائفته في مناسبهاتهم الدينية فيكون مصلى لهم في العيد مثلا، أو عند الاستسقاء، أو في مناسباتهم العرفية أو الوطنية التي لابد لهم منها، أو لغير ذلك من الغايات والاغراض المهمة، ولا مانع من ذلك على الظاهر خصوصا مع توفر الاراضي الموات لكل من يريد احياء أرض وتملكها بحيث لا يزاحم حقوق الآخرين في ذلك. وقد يريد الفقهاء القائلون بتقييد التحجير بارادة الارض ما يشمل مثل ذلك مما يحتاج إليه الناس عادة، وان كانت الارض لا تزال فارغة من غير التحجير. (المسألة 51): يعتبر في التحجير أن تكون العلامات التي يجعلها الرجل في الارض دالة على اختصاصه بالارض، ودالة على تحديد القطعة التي يريدها من جميع جهاتها فعليه أن يحجرها من جوانبها الاربعة إذا كانت القطعة في وسط الارض الموات ويكفيه تحديدها من ثلاث جهات إذا كانت الجهة الرابعة تنتهي إلى موضع مملوك أو محجر لاحد من الناس، أو تنتهي إلى شط أو بحر مثلا، ويكفيه التحديد من جهتين إذا كانت من الجهتين الباقيتين تنتهي إلى بعض المذكورات فإذا أراد الرجل تحجير بعض الشاطئ وكان البعض الذي يريد تحجيره ينتهي من

[ 182 ]

جهة اليابسة إلى أرض مملوكة أو محجرة لاحد كفاه أن يحجره من جهتين، واما من ناحية الشط أو البحر فانما يفتقر إلى تحجيره إذا أبقى من الشاطى فضلة لا يريد الاختصاص بها، أو افتقر إلى السد ليمنع الماء عن أرضه ويبدأ باحيائها أو الانتفاع بها. (المسألة 52): تحجير الانسان للارض الميتة يوجب كونه أحق بالقطعة المحجرة من غيره، ولا يكون مالكا لها الا بالاحياء، ولذلك فلا يصح له بيع الارض التي حجرها ولا وقفها الا بعد احيائها وتملكها. والحق الذي يثبت للرجل بتحجير الارض قابل للانتقال منه إلى غيره، فإذا مات قبل أن يحيي الارض انتقل حقه فيها إلى وارثه من بعده، وهو أيضا قابل لان ينقله المحجر في حياته باختياره إلى الغير فيصح له أن ينقله إليه بالمصالحة بعوض وبغير عوض، ويصح له ان يجعل حق التحجير بعد أن يثبت له شرعا في الارض ثمنا لشئ يشتريه فيملك الشئ الذي اشتراه وينتقل حق التحجير إلى البائع ويصح أن يجعله عوضا في مصالحة تقع بينه وبين غيره، وأن يجعله عوضا عن شئ يستأجره من مالكه، وأن يكون مهرا في عقد النكاح، وعوضا في الخلع والمباراة، ويجوز له أن ينقله إلى غيره بالهبة، وقد ذكرنا هذا في كتاب الهبة وان كان ذلك خلاف القول المشهور، فإذا نقل الرجل حق التحجير الذي ثبت له في الارض إلى غيره بأحد الاسباب التي ذكرناه أصبح الحق لذلك الغير، فيكون أولى بالارض المحجرة من غيره، ولا يملك الارض الا باحيائها وتسقط بالنقل أولوية المحجر الاول.

[ 183 ]

(المسألة 53): لا يشترط في صحة تحجير الارض الميتة أن يتولى الشخص المحجر تحجير الارض بنفسه فيصح له أن يوكل فيه انسانا غيره وأن يستأجره ليحجر له الارض على الوجه الذي يحدده في عقد الوكالة أو الاجارة بينهما، فإذا حجرها الوكيل أو الاجير وفقا لما يريده الاصيل صح عملهما وثبت الحق للاصيل المنوب عنه فكان أولى بالارض من غيره، ولا حق فيها للوكيل والاجير. (المسألة 54): إذا تبرع أحد عن زيد مثلا فحجر له أرضا مواتا متبرعا له بعمله من غير استنابة ولا توكيل من زيد نفسه، وقبل زيد منه تبرعه اشكل الحكم بصحة التحجير لزيد، وكذلك إذا حجر الارض بالنيابة عنه على نحو الفضولية في النيابة وأجاز الاصيل نيابته وتحجيره ففي صحة ذلك اشكال، ولا يترك الاحتياط بالمصالحة والمراضاة بينهما في كلتا الصورتين. (المسألة 55): إذا حجر الانسان أرضا مواتا بقصد أن يحييها ويتملكها بعد التحجير، ثم بدا له بعد ما حجرها بهذا القصد أن يستعمل الارض في وجهة أخرى من الغايات المتعارفة، فيتخذها مراحا لماشيته أو يسبلها مقبرة لدفن الموتى من أهل قريته أو يجعلها لغير ذلك من وجوه الانتفاع بها جاز له ذلك، ونظيره في الحكم ما إذا حجر الارض لبعض الغايات والوجوه المذكورة ثم بدا له أن يعمر الارض ويحييها فيجوز له ذلك ولا يتعين عليه أن ينتفع بالارض في الجهة الاولى التي قصدها عند

[ 184 ]

التحجير، ولا يسقط حقه من الاولوية بالارض بسبب عدوله عن الغاية الاولى إلى الغاية الثانية. (المسألة 56): انما يثبت للانسان حق الاولوية بالارض الموات بتحجيرها، ويكون له منع غيره من التسلط عليها إذا كان قادرا على اعمار الارض، وتوجيهها في الوجهة المقصودة له، المتعارفة بين العقلاء من تحجير الارض فإذا حجر الارض وهو عاجز عن احيائها أصلا، فلا يستطيع أن يقوم بعمارتها بنفسه ولا بالتوكيل أو الاستئجار لغيره، ولا يجد الاسباب التي تمكنه من الاحياء، ولا يقدر أن يوجه الارض وجهة أخرى من الغايات الصحيحة، فلا اثر لتحجيره، ولا تكون له أولوية على غيره في الارض المحجرة. وكذلك إذا حجر أرضا مواتا تزيد على مقدار ما يمكنه تعميره واحياؤه منها وما يمكنه استعماله والانتفاع به من الوجوه الصحيحة غير الاحياء، فيثبت له حق التحجير في المقدار الذي يستطيع استعماله منها، وينتفي حقه في الزائد الذي يعجز عنه. ويتفرع على ذلك انه لا يصح للرجل أن يحجر أرضا يعجز عن استعمالها كما ذكرنا، ثم ينقل حقه من الارض إلى غيره بمصالحة أو هبة أو باحدى المعاملات التي يصح نقل حق التحجير بها، فان حق التحجير لا يثبت له في الفرض المذكور حتى يصح له نقله إلى غيره بعوض أو بغير عوض. (المسألة 57): يجوز لمن حجر أرضا مواتا وثبت له حق التحجير فيها على الوجه الصحيح

[ 185 ]

أن يسقط حقه من الارض باختياره، ويجوز له أن يعرض عنه كما يعرض عن سائر مملوكاته وأمواله، فإذا هو أسقط الحق باختياره أو أعرض عنه زال حقه بذلك وعادت الارض مباحة لاى احد يريد احيائها من الناس، وان كانت آثار التحجير لا تزال موجودة من الارض، وكذلك إذا زالت آثار التحجير منها، ودل ذهابها على أن محجرها قد أعرض عن حقه فيها، ومثال ذلك: أن تنمحي آثار التحجير، وتبقى الارض مهملة غير محجرة مدة من الزمان وصاحب الحق يراها ولا يلتفت إليها وهو قادر على احيائها أو اعادة تحجيرها على أدنى التقادير. (المسألة 58): إذا تعمد أحد من الناس فأزال آثار التحجير من الارض لم يزل حق التحجير ثابتا لصاحبه وهو المحجر الاول، وكذلك إذا زالت الآثار بعاصف من الريح أو مطر شديد أو شبه ذلك فلا يزول بذلك حق صاحب الحق وخصوصا مع قصر المدة، وإذا انمحت آثار التحجير من الارض لطول المدة أشكل الحكم بزوال حق التحجير بعد ذلك. (المسألة 59): إذا حجر الانسان لنفسه أرضا ليحييها وتملكها، لزمه بعد التحجير أن يشرع بعمارة الارض أو يبدأ بمقدمات ذلك إذا كان تعميرها يتوقف على مقدمات ولا يجوز له أن يهمل الارض ويترك احيائها، وإذا أهمل المحجر الارض التي حجرها ومضت على ذلك مدة فالاحوط لغيره إذا أراد وضع اليد عليها واحياءها أن يرفع الامر إلى الحاكم الشرعي إذا كان موجودا ومبسوط اليد، فيلزم من حجر الارض اما أن يختار تعمير الارض واحياءها فلا تبقى معطلة، واما ان يرفع يده عن

[ 186 ]

الارض لمن شاء من الناس. وإذا اظهر المحجر لنفسه عذرا مقبولا، فادعى أنه يريد التفرغ لتعمير الارض من بعض أعماله ومشاغله مثلا، أو أنه ينتظر قدوم عمال يعتمد عليهم، أو يطلب الحصول على آلات صالحة يعمر بها الارض، امهله الحاكم مدة يزول فيها عذره، فإذا انقضت المدة ولم يبدأ بتعمير الارض بطل حقه من تحجير الارض جاز لغيره أن يقوم بعمارتها. (المسألة 60): إذا طالت مدة اهمال المحجر للارض بعد تحجيرها فلم يعمرها ولم يوجد الحاكم الشرعي ليخيره بين تعمير الارض ورفع اليد عنها أو كان الحاكم غير قادر على ذلك، فالاحوط أن يراعي للمحجر حق تحجيره للارض إلى مدة ثلاث سنين فإذا انقضت المدة سقط حقه وجاز لغيره احياء الارض، وكذلك الحكم إذا حجر الارض لبعض الغايات الاخرى التي يصح التحجير لها، فإذا هو أهمل ولم يستعملها في الوجهة المقصودة جرت فيها الفروض التي ذكرناها في هذه المسألة وسابقتها وانطبقت عليها الاحكام التي بيناها. (المسألة 61): الحمى من الارض حق مخصوص يتولى جعله وتعيينه ولي الامر في الاسلام، وهو الرسول صلى الله عليه وآله والامام المعصوم من أوصيائه (ع) لانهما أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حمى موضعا معينا من الارض أو قطعة أو أكثر منها فجعلها لجهة من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة أو لما شاء من الامور كما تقتضية ولايته التامة العامة، لم يجز لاحد من الناس ان يتسلط على ذلك الحمى

[ 187 ]

ويتصرف فيه بتحجير أو احياء أو انتفاع في غير الجهة التي عينها ولي الامر (ع). وقد ذكر في كتب التاريخ وفي كتب السيرة النبوية ان الرسول صلى الله عليه وآله قد حمى النقيع، وهو موضع في المدينة، فجعله مرعى لابل الصدقة والجزية، ولخيل المجاهدين، لم بذكر انه صلى الله عليه وآله حمى لنفسه موضعا أو قطعة من الارض، ولم يذكر كذلك أن الوصي المعصوم (ع) قد حمى من بعده أرضا لمثل ذلك، وقد تقدم ذكر اقطاع الرسول والامام عليهما السلام لبعض المسلمين والاقطاع غير الحمى. (المسألة 62): لا يجوز لغير الرسول والامام المعصوم (عليهما السلام) أن يحمي موضعا أو قطعة من الارض، وإذا حماه غيرهما لم تترتب عليه أحكامه. وإذا أحيي الرجل ضيعة فملكها بالاحياء أو ملكها بغير الاحياء من الاسباب الشرعية للتملك، وأراد أن يعين موضعا من ملكه فيجعله مرعى خاصا لماشيته وأنعامه، أو لمواشي أرحامه أو أهل قريته، جاز له ذلك، واختص الموضع بالجهة الخاصة التي عينها مالك الارض، وهو امر آخر غير الحمى من الارض الموات الذي يختص بجعله ولي المسلمين (ع).

[ 188 ]

[ الفصل الرابع ] [ في ما يحصل به احياء الارض الميتة ] (المسألة 63): تختلف كيفية احياء الارض الموات باختلاف الوجهة التي يبتغيها الانسان من احيائها والغرض الذي يطلبه من عمارتها، فان الانسان قد يعمر الارض ليجعلها دارا يسكنها أو يؤجرها، وقد يعمرها لتكون ضيعة له أو بستانا أو مزرعة ينتفع من ثمرها وحاصلها، وقد يحييها فيفجر فيها عينا جارية، أو يحفر فيها بئرا نابعة، أو يشق في الارض قناة أو نهرا، ويجري فيهما الماء من العين أو البئر ويسقى مزرعته أو ضيعته أو قريته، ولا ريب في ان عمارة كل واحد من هذه الاشياء واحياءه يختلف عن غيره والمرجع في جميع ذلك إلى العرف الموجود بين الناس في صدق تعمير الجهة التي يريدها الانسان واحيائها. (المسألة 64): يتوقف احياء الارض قبل الشروع فيه على رفع الموانع التي تكون في الارض عن قبول الاحياء والتعمير، فقد تكون الارض منبتا للاشواك والحسك والسلم وما يشبه ذلك من النباتات الخشنة، فلا يمكن احياء الارض حتى يزال منها جميع ذلك، وتصبح نقية منها ومن جذورها وقد يكون وجه الارض قد استولى عليه السبخ أو الرمل الناعم أو الحصى الخشق فلا تكون قابلة للتعمير الا بعد تنقيتها من ذلك، وقد تكون مما كثرت فيها التلول والهضاب والاودية، فلا

[ 189 ]

تمكن عمارتها الا بعد تسوية الارض وبسطها وازاحة ما فيها من العقبات المانعة وقد تكون الارض قد استأجمت لغلبة الماء والاشجار والنباتات الغريبة عليها ولابد قبل الشروع في الاحياء من تجفيف الماء عنها، وقلع ما فيها من النبات والشجر الذي يمنع من ذلك وتسوية الارض، وطم الحفر وازالة الجذور. (المسألة 65): إذا عمر الانسان حجرة في الارض الميتة فبنى جدرانها الاربعة ووضع عليها سقفها على الاحوط فيه واصبحت بذلك صالحة للسكنى، فقد احيي موضع الحجرة من الارض وملكه بالاحياء وان لم ينصب لها بابا، وكذلك إذا بنى في الارض بيتا من قصب أو من خشب أو حديد أو غيره وسقف البيت، وأصبح البيت قابلا للسكنى فيه فقد أحيي الموضع وملكه، وإذا أدار حول الحجرة التي بناها والساحة حائطا يسورهما من جوانبهما فقد عمر الدار وعمر ساحتها وأحياها وملك الارض والدار بذلك وان لم ينصب للحجرة أو للدار بابا. وإذا بنى جدارا حول القطعة التي يختارها من الارض فسور القطعة بالجدار من جميع جهاتها ثم بنى فيها قواطع تامة لحجرة واحدة أو اكثر وأتم ذلك بحيث عدت حجرا في نظر أهل العرف، فقد عمر بذلك الدار وساحتها وملك الجميع وان لم يسقف الحجر ولم ينصب أبوابها. ومثل ذلك: ما إذا بنى الحائط والبيوت من القصب أو من الخشب شبهها فيتم بذلك تعمير المنزل واحياؤه ويتملكه المحيي وان لم تسقف البيوت ولم تنصب الابواب.

[ 190 ]

(المسألة 66): لا يكفي في تعمير الدار واحيائها ان يبني الجدران المحيطة بها ما لم يبن معها القواطع التي تكون فيها ولو لحجرة واحدة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة فلا تحيى الدار الا بذلك كله ولا تملك، ويكفي بناء الجدران المحيطة بالارض إذا أراد تعمير حظيرة للحيوان، فيتم له بذلك احياؤها ويتحقق له ملكها، وإذا هو أحياها بذلك حظيرة وملكها، ثم بدا له أن يجعلها دارا أو مزرعة أو شيئا آخر، جاز له ان يفعل فيها ما يشاء، ولا يزول ملكه للارض بعد الاحياء والتملك وان تغير قصده الاول إلى القصد الثاني. (المسألة 67): الظاهر انه يكفي في تعمير القطعة من الارض الميتة ليجعلها الرجل موضعا لجمع التمر وتشميسه وتنقيته وكبسه، أو موضعا لجمع الحبوب أو الثمار والمخضرات واعدادها فيه للحمل والنقل، أن تزال الموانع التي تكون في الارض من حشائش وأشواك وحجارة وتطم الحفر، وتبسط الارض ويتم اعدادها وتهيئتها للمقصد الذي يريده المحيي، ولا يتوقف على بناء أو سقف الا إذا احتاج إلى ذلك ليحفظ الثمار من مطر وشبهه أو يحفظها من سراق وغيرهم. وإذا عمر الارض كذلك بهذا القصد فقد أحياها وملكها، وإذا بدا له بعد التملك أن يجعل الارض دارا أو عقارا أو مزرعة جاز له ان يفعل فيها ما يشاء ولم يزل ملكه عنها بتغير قصده السابق كما قلنا في نظيره المتقدم. (المسألة 68): يكفي في تعمير القطعة من الارض الموات لتكون اصطبلا للخيل والدواب

[ 191 ]

أن يبني الرجل فيها جدارا يحيط بثلاث جهات منها، ويبني فيها بعض المعالف والاحوط أن يسقف ولو بعضه، فإذا فعل ذلك فقد عمر ما في هذه الحدود من الارض في نظر أهل العرف وإذا بنى الجدار في الجهة الرابعة فقد أحيي جميع ما بين الجدران من الارض وملكه من غير اشكال، والظاهر عدم الحاجة إلى السقف في تحقق الاحياء في هذه الصورة. (المسألة 69): إذا أراد الانسان أن يحيي الارض الموات ويتخذها دكاكين ينتفع بالتكسب والاتجار فيها، أو باجارتها على الناس، كفاه أن يبني في الارض جدارا مستطيلا بقدر حاجته منها ويبني على الجدار قواطع تامة للدكاكين تحدد مقاديرها ومواضع الابواب منها، فإذا فعل ذلك فقد عمر الارض والدكاكين وأحياها وملكها بذلك، وان لم يضع على الدكاكين سقفا ولم ينصب لها أبوابا. وتتبع الدكاكين من الارض الموات مما يلي مواضع الابواب مقدار الطريق إلى الدكاكين في السلوك والدخول والخروج، ومرور الاثقال والبضائع وأدوات النقل والحمل، ومرور العابرين والمترددين إليها بما يفي بالحاجة المتعارفة في البلد، فيكون ذلك حريما للدكاكين والارض المملوكة وحقا لمالكها، ولا يجوز لغيره من الناس أن يتسلط أو يتصرف في هذا الحق، وإذا عمره مالك الدكاكين طريقا إليها كان ملكا له. (المسألة 70): إذا احيي الرجل له دارا أو دكاكين من الارض الميتة على الوجه الذي اوضحناه استحق من الارض المميتة طريقا يسلكه إلى داره أو دكاكينه مما يلي

[ 192 ]

الابواب، وإذا عمر غيره من هذه الارض الميتة دارا أو دكاكين تقابل عمارة الاول في البناء والابواب اشتركا في الطريق بينهما، ولا يجوز للثاني أن يزاحم الاول في مقدار حريم ملكه، فيبني فيه وقد تقدم ذكر هذا. وإذا أسس الرجل عمارة داره أو دكاكينه متصلة في أرض مملوكة لغيره لم يجز له أن يتخذ له طريقا في ملك جاره الا باذنه، وقد تقدم تفصيل هذا في الفصل الثاني. (المسألة 71): قد يحتاج الانسان بحسب العادة الجارية والمتعارفة في العصور الحديثة إلى حديقة خاصة تلحق بداره ولا يتم الانتفاع بالدار في هذه الازمان الا بها، فيكون مقدار الحديقة من الارض الميتة المتصلة بالدار حريما يتبع الدار بعد تعميرها وتملكها، ويكون حقا من حقوق مالك الدار، والمرجع في تحديد مقدار ذلك الى العرف الموجود بين أهل البلد، ولا يجوز لاحد مزاحمته فيه، كما هو الحكم الثابت في نظائره، وإذا سوره مالك الدار كما تسور الحدائق الخاصة ووصله بعمارة داره فقد أحياه وملكه وان لم يغرس أو يزرع فيه شيئا. (المسألة 72): تتوقف عمارة الارض الموات ليجعلها الانسان مزرعة، على أن ينقي الارض من الموانع والطفيليات التي تميت الزرع، أو تضعف نموه، أو تقلل نتاجه وتتوقف أيضا على تسوية الارض وبسطها ليستقيم زرعها ويعم، ويسهل سقيها عند الحاجة، وهذا مما تشترك فيه أنواع المزارع وأصنافها. وتستثنى من ذلك السهول والتلال القابلة بنفسها للزرع والتي تكتفي في

[ 193 ]

سقيها بماء المطر والطل، فلا تحتاج إلى تسوية وبسط. والظاهر أن تعمير الارض الميتة لتكون مزرعة من أي أنواع المزارع وأصنافها يحصل باعداد الارض اعدادا كاملا وتمهيدها للزراعة التي يقصدها ذلك الشخص، وتهيئة وسائل سقيها من تفجير عين أو حفر بئر أو شق نهر ومجاري وسواقي، واعداد دلاء أو ناعور أو مكينة، بحيث يصدق على الارض في نظر أهل العرف انها مزرعة. ولا يعتبر في تعمير الارض لذلك أن تحرث بالفعل أو تزرع أو تسقى بالماء، فان جميع ذلك مما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالمزرعة بعد احيائها وبعد صدق اسم المزرعة، فإذا أعد الانسان أرضا كما ذكرنا وحفر لها سواقيها وهيأ الوسائل لسقيها فقد عمر المزرعة وأحياها وملكها وان لم ينتفع بها الا بعد الحرث والزرع والسقي والنمو بل والاثمار والانتاج. (المسألة 73): إذا كانت الارض الميتة بذاتها صالحة للزراعة بالفعل بحيث لا تحتاج إلى عمل واعداد وتهيئة لذلك، وكانت تكتفي في سقيها بماء السماء بحيث لا تحتاج إلى شق سواقي واحضار وسائل، احتاجت إلى تحجير يفصل القطعة التي يريدها الرجل ويرغب في احيائها عن بقية الارض من جميع جوانبها بسور صغير أو كبير يفصل ما بينهما، أو بنصب مروز، أو جمع تراب في حدود القطعة المطلوبة، فتعين مزرعته عن سائر الارض، لئلا تشتبه الحدود وتلتبس الحقوق، ويحصل التعمير بحرث الارض وزرعها بالفعل، ويكثر وجود هذا الفرض في الاراضي المهيأة بنفسها لزراعة الحنطة والشعير، والتي تكتفي في السقي والارتواء بماء المطر

[ 194 ]

ونحوه أو بامتصاص المزروعات فيها من مياه الارض لقرب منابع العيون وتوفر الماء. (المسألة 74): تختص مزارع الارز في بلاد العراق وما أشبهها بأن المزرعة تكون قريبة من الانهار الكبيرة التي تزيد في مواسم الزيادة ويختلط ماؤها برواسب الطين مثل دجلة والفرات وروافدهما وفروعهما، وتكون أرض المزرعة منخفضة في العادة عن مستوى الماء في النهر أو أن الزارع نفسه يعد الارض كذلك، ويفتح لها ساقية من النهر حتى يمتلئ قاع المزرعة بالماء المختلط بالطين، فإذا رسب الطين في أرض المزرعة وصفا فوقه الماء فتح له منافذ على مجاري قد اعدها لينحدر إليها الماء الصافي الفاضل عن الحاجة وتكون الزراعة في الطين الراسب في قاع المزرعة والماء المختلط بالطين فوقه، وهذه أمور يعرفها الزارع من أهل هذا الصنف، ويدأبون في العمل عليها. وتعمير مثل هذه المزرعة ان يعدها الزارع بعمله فيها لتكون صالحة لما يريد ومهيأة للانتفاع بها حين الزراعة وبذلك يكون قد أحياها وملكها. (المسألة 75): إذا أراد الانسان ان يعمر الارض الميتة ليجعلها ضيعة له أو بستانا لزمه أن يعد الارض لذلك ويمهدها ويهيئ، وسائل السقي على النحو الذي ذكرناه في المسألة الثانية والسبعين، وأن يغرسها بعد الاعداد والتمهيد نخيلا أو شجرا أو كليهما، ولا يتوقف صدق تعمير الضيعة أو البستان في نظر أهل العرف على أن يسور الارض بجدار وشبهه، ولا على سقى الغرس إذا كان له من رطوبة الارض أو

[ 195 ]

من ماء السماء ما يكفيه لا ستعداده للنمو. (المسألة 76): يتحقق اعمار العين في الارض بان يحفر الارض حتى ينبع ماء العين سواء نبع قليلا أم كثيرا، وكذلك تعمير البئر، وإذا حفر الارض ولم ينبع الماء في العين أو البئر لم يتحقق احياؤهما ولم يملكهما، ويكون الحفر تحجيرا للارض التي حفرها فيثبت للحافر حق الاولوية بها من غيره. ويتحقق تعمير القناة بشقها في الارض واخراج العين أو البئر التي يجري ماء القناة منها، وكذلك الحكم إذا كانت القناة قديمة دارسة، فلا تعمر الا باصلاح شق القناة واخراج العين أو البئر حتى يجري الماء في القناة منهما، ويتحقق اعمار النهر بحفره في الارض إلى أن يصل الى الشط أو النهر الكبير الذي يجري فيه الماء المباح وتستقي منه الانهر المتفرعة، ولا يعتبر في حصول تعميره أن يجري الماء فيه بالفعل، فإذا حفر الانسان النهر إلى ما يقرب من الشط وابقى بينهما فاصلا صغيرا يزيله مى احتاج إلى اجراء الماء في النهر فقد احيى النهر وملكه.

[ 196 ]

[ الفصل الخامس ] [ في المشتركات بين الناس ] ويراد بالمشتركات الطرق العامة والمساجد والمدارس والرباطات والمياه والمعادن، ولا تنحصر المشتركات بين الناس في حكم الشريعة بالاشياء المذكورة، ولكن هذه المعدودات أمور اعتاد الفقهاء (قدس الله أسرارهم) أن يبحثوا عنها في هذا الكتاب تبعا لاحياء الموات (المسألة 77): الطريق النافذ من طرق البلد أو القرية حق عام يشترك فيه الناس كافة، ولا يختص به اصحاب الدور والمنازل التي تشرع أبوابها في ذلك الطريق دون غيرهم. والطريق النافذ هو الذي يتصل من آخره بطريق عام من طرق البلد أو باكثر أو يتصل بساحة من ساحاته العامة، ولذلك فيكون من الممكن لعامة الناس أن يستطرقوا فيه، ويعبروا لحاجاتهم ومقاصدهم في الذهاب والاياب، وفي المرور من موضع إلى موضع، ويسمى كذلك بالشارع العام والطريق العام، ويقابله الطريق غير النافذ، وهو الذي تقطعه من آخره دار مملوكة أو ما يشبهها، ولذلك فلا يمكن العبور منه والنفوذ إلى غيره من الطرق أو الساحات في البلد، ويسمى ايضا الطريق الخاص، والدريبة، والسكة المقطوعة، وسنتعرض لبيان بعض أحكامها في ما يأتي من المسائل ان شاء الله تعالى.

[ 197 ]

(المسألة 78): الشارع العام في البلد أو في القرية حق شرعي عام يشترك في اباحة الانتفاع به الناس كافة، ولا يختص جواز الانتفاع بالمرور والاستطراق فيه، وان كان هذا هو الفائدة المهمة الملحوظة عند جعل الطريق للناس، بل يجوز الانتفاع به في الجهات الكثيرة الاخرى التي تتعلق بالمرور، فيجوز للمار فيه ان يقف في الطريق وأن يجلس مع أصحابه وغيرهم للاستراحة أو للمكالمة في بعض الامور، ويصح له الوقوف أو الجلوس فيه لانتظار أحد، أو لانتظار وسيلة نقل، ويجوز له وضع بعض الامتعة أو بعض الاثقال والاحمال في الطريق لينقلها إلى داره، أو إلى موضع آخر، وأمثال ذلك من الانتفاعات المتعارفة بالطريق، وان زاحم بعض المارة فيها. بل، ويجوز للرجل أن ينتفع بالطريق العام في جهات لا تتعلق بالاستطراق والمرور إذا هو لم يزاحم المارين ولم يضر بالمرور، فيجوز له أن يتخذ من بعض جوانبه مجلسا يجتمع فيه مع أصدقائه، ويجوز له النوم فيه واحضار الطعام لبعض أصحابه، واداء الصلاة، وما يشبه ذلك من الانتفاعات، ويجوز له أن يجلس في الشارع أو يقف للبيع والشراء والمعاملة، وان يضع فيه بعض الامتعة والاثاث أو الفاكهة أو المأكولات الاخرى والمشروبات لبيعها، ويتخذه موضعها لكسبه وحرفته في التعيش، إذا هو لم يضايق المارة ولم يضر بالمرور، ولا يحق لغيره أن يمنعه أو يزعجه عن الموضع إذا سبق إليه. (المسألة 79): إذا جلس الرجل في الطريق العام للاستراحة فيه، أو للتنزه أو للتحدث مع بعض اصحابه أو للانتظار، ثم قام من موضعه بعد انتهاء غرضه من الجلوس، فلا

[ 198 ]

حق له في الموضع، فإذا جلس غيره في المكان لم يجز للاول منعه أو ازعاجه من الموضع. وإذا جلس أو وقف في موضع من الشارع العام ووضع فيه متاعه ورحله للبيع والشراء والتكسب، ثم قام من موضعه ورفع منه رحله ومتاعه زال بذلك حقه من المكان، فإذا جلس في المكان غيره لم يجز للاول أن يمنعه أو يزعجه عن الانتفاع بالمكان. وإذا ترك الاموال مكانه من الشارع وابقى فيه بساطا أو فراشا أو نحو ذلك ليعود إلى المكان بعد قيامه منه، أشكل الحكم بزوال حقه من الموضع وعدم زواله والاحوط الرجوع إلى المصالحة، واشد من ذلك اشكالا ما إذا قام الرجل الاول من المكان وأبقى المتاع في موضعه ليعود إلى بيعه، بل الحكم ببقاء حقه في المكان في هذه الصورة لا يخلو من وجه، والاحتياط سبيل السلامة. وإذا ذهب من موضعه في الشارع وأبقى متاعه في مكانه كما قلنا واستناب احدا ليتولى البيع والشراء في المتاع والمكان بالنيابة عنه ما دام غائبا عن متاعه لم يزل حقه، فلا تجوز لغيره من الناس مزاحمته أو مزاحمة نائبة أو ازعاجهما عن المكان، وليس من الاستنابة التي ذكرنا حكمها أن يخلف الرجل الاول بعد قيامه من الموضع رجلا غيره ليبيع ويشتري لنفسه أو في غير متاع الاول، فلا يحق له ذلك. (المسألة 80): إذا جلس الرجل في الطريق العام للبيع والشراء والمعاملة كان موضع جلوسه أو وقوفه حقا له، ويتبعه من المكان الموضع الذي يجعل فيه رحله ويضع

[ 199 ]

فيه متاعه، والموضع الذي يقف أو يجلس فيه الاشخاص المتعاملون معه، بل والمقدار الذي يتمكن الاخرون من رؤية متاعه والوصول إليه، فلا تجوز للغير مزاحمته في هذه المواضع أو منعه منها، ولا تثبت له هذه الحقوق، ولا تصح هذه الاحكام إذا زاحمت المارة أو أضرت بالمرور. (المسألة 81): يجوز لمن يجلس في الشارع ليبيع ويشتري أو ليعامل أن ينصب على موضعه ظلا يقيه ويقي متاعه من الشمس والبرد والمطر ونحوها إذا كان ذلك لا يضر بالمارة ولا يزاحم المرور. (المسألة 82): إذا جلس الشخص في الشارع فباع واشترى وعامل في موضع معين منه لم يثبت له الحق في ذلك الموضع في الايام الاخرى، إذا هو لم يسبق إليه، فإذا سبقه غيره إلى ذلك الموضع في اليوم الثاني مثلا لم يجز للاول منعه وازعاجه منه وكذلك إذا تكرر منه الجلوس في الموضع والبيع والشراء فيه، فلا يثبت له الحق بسبب تكرره أو ملازمته له، وانما يثبت الحق لمن سبق إلى المكان. (المسألة 83): الشارع حق تشترك في الانتفاع به عامة الناس، ولذلك فلا يجوز لاحد أن يختص به بتحجير ونحوه أو يتملكه بالاحياء، أو يبني فيه دكانا أو مخزنا لحوائجه أو حائطا لبعض أغراضه أو يستخرج فيه عينا أو بئرا، ولا يجوز له أن يبني فيه دكة يعرض عليها متاعه للبيع. ولا يمنع من أن يزرع في الشارع شجرا ونحوه لينتفع الناس بالاستظلال

[ 200 ]

بفيئه، إذا كان الشارع متسعا وكان الغرس لا يمنع الاستطراق ولا يضر بالمارة، كما في الشوارع الحديثة، ويجوز كذلك ان يحفر الرجل في أرض الشارع بالوعة تجتمع فيها مياه الامطار وشبهها إذا هو أحكم أسس البالوعة وبناءها وسقفها، ولم تضر بالاستطراق، بل ينبغي فعل ذلك وما اشبهه فانه من المصالح التي تقتضيها نزاهة الطريق وصيانته عن الاقذار والاوساخ، ويجوز حفر مجرى في أرض الشارع لتجري فيه فضلات المياه وتخرج إلى موضع آخر لصيانة الطريق كذلك. (المسألة 84): الظاهر أنه يجوز للرجل أن يحفر في أرض الشارع بالوعة خاصة لمنزله أو سردابا ينتفع به في ايام الحر في داره إلى جنب الشارع، وهذا إذا هو احكم أسس البالوعة والسرداب وبناءهما وسقفهما فلم يضر وجودهما بالشارع وبمنافعه العامة. ويجوز له أن يخرج لمنزله روشنا أو جناحا على الشارع العام، وأن يفتح لداره بابا فيه، وينصب له ميزابا، أو يفتح له مجرى تجري منه مياه المطر والغسالات فيه، إذا لم يضر ذلك بالمارة ولا بالمرور. (المسألة 85): من الاسباب المعروفة التي بها يكون الموضع من الارض شارعا عاما للناس، وتجري عليه الاحكام المتقدم ذكرها: أن يكثر استطراق الناس في موضع من الارض الميتة حتى يصبح الموضع جادة معروفة المعالم، مسلوكة للافراد والجماعات والقوافل، يترددون فيها من موضع إلى موضع ومن بلد إلى بلد، ومن هذا القسم الطرق والجواد التي يسلكها الناس وقطارات الابل والدواب في

[ 201 ]

البراري والمفازات إلى الاماكن القريبة والبعيدة، ثم يتطور أمرها مع مرور الزمان وتتسع الجواد وتسهل وتعبد. ومن الاسباب التي يكون بها الموضع شارعا ان يملك الانسان أرضا مستطيلة بالاحياء أو بغيره، فيجعلها وقفا على أن تكون شارعا مسبلا تسلكه عامة الناس، فإذا وقفه على ذلك وسلكه بعض الناس أصبح شارعا عاما موقوفا، ولم يجز لواقفه الرجوع فيه كسائر الاوقاف الثابتة شرعا الا إذا طرأ ما يزيل الوقف أو يسوغ البيع وليس لورثته تغيير ذلك بعد موته. ومن الاسباب لجعل الشارع العام أن يتفق جماعة من الناس فيعمروا أرضا مواتا، ويجعلوها قرية أو بلدا ليسكنوها أو يؤجروها مثلا، ويحيوا فيها طريقا عاما تشرع إليه أبواب المنازل من الجانبين أو يحيوا فيها أكثر من شارع واحد إذا كانت القرية واسعة كبيرة، فإذا سكن الناس القرية أو البلد أصبحت الطرق والشوارع المذكورة حقا عاما لهم وجرت عليها الاحكام المتقدمة، ولذلك إذا قام رجل واحد مقتدر بمثل ذلك فأحيى القرية وعمر الطرق فيها، واباح للناس القرية أو اجر عليهم منازلهم فسكنها الناس وسلكوا الشوارع. (المسألة 86): إذا قسمت الدولة أرضا ميتة قطعا لتكون دورا ومنازل يسكنها المواطنون وعينت موضعا أو أكثر من الارض لتكون شوارع في المحلة، فإذا سلك الناس في الموضع المعين وكثر التردد والاستطراق فيه أصبح الموضع شارعا عاما، وترتبت عليه أحكامه.

[ 202 ]

(المسألة 87): الحد الشرعي للطريق العام إذا اتفق وجوده في الارض الموات أن لا ينقص عرضه عن خمسة أذرع بذراع اليد المتعارفة، وهي المتوسطة في طولها من أذرع الناس، فإذا كانت الجادة العامة في الارض الميتة فلا يجوز للناس احياء الارض من جانبي الجادة حتى يصبح عرضها أقل من خمسة أذرع متعارفة، وإذا سبق أحد فأحيي الارض إلى حد الجادة، هي أقل من المقدار المذكور، وجب على من يريد احياء الارض من الجانب الثاني ان يترك للطريق منها ما يبلغ به الحد الشرعي، ولا يتعدى ذلك فيضيق الطريق عن الحد. وإذا كان مقدار خمسة أذرع لا يكفي لحاجة الناس العابرين والمترددين في الطريق لاستطراقهم ومرورهم، وجب أن يكون عرض الطريق سبعة أذرع متعارفة وإذا لم يكف ذلك لسد الحاجة وجب أن تكون سعة الطريق بمقدار يفي بها، ولا ينقص عن ذلك، ولا ريب في أن الحاجة في الطريق تختلف باختلاف الازمنة وبكثرة الوسائل وتنوعها، وبكثرة الناس وتزاحمهم على استعمالها، وقد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة. (المسألة 88): حريم الطريق العام هو ما ذكرناه في المسألة الماضية، وهو أن يكون عرضه خمسة أذرع من اليد المتعارفة المتوسطة في طولها، أو ما يفي بحاجة الناس في استطراقهم، ومرورهم إذا كان المقدار المذكور لا يفي بذلك، وما يرتفع به التزاحم بين الناس والتصادم في وسائل المرور والحمل والنقل عند الحاجة الى ذلك. وانما يثبت للطريق العام هذا الحريم إذا كان ما يجاوره من الجانبين أو من

[ 203 ]

أحدهما أرضا ميتة ولا حريم له إذا وقع ما بين اراض مملوكة، الا إذا رضي المالك المجاور أو اعرض عن ملكه باحد اسباب الاعراض. فإذا وجدت قطعة أرض ميتة مستطيلة ما بين الاراضي المملوكة وكان عرض القطعة الميتة لا يزيد على ثلاثة اذرع أو أربعة ثم استطرق الناس تلك الارض وكثر ترددهم فيها، وأصبحت جادة مسلوكة، فلا يجب على اصحاب الاملاك المجاورة لها أن يتمموا عرض الجادة من أملاكهم، وان كانت ضيقة لا تكفي للمرور، وكذلك إذا سبل الرجل جادة في ملكه فسلكها الناس واستطرقوها وكانت ضيقة في عرضها ولا تكفي للمرور، فلا يجب على المالك توسعة الجادة من بقية ملكه وإذا كانت الجادة المسبلة في جوار مالك اخر لم يجب عليه توسعتها من ملكه. الا إذا رضي أحدهما فوسع الجادة باختياره أو اعرض عن ملكه لبعض الموجبات. (المسألة 89): إذا غلب الماء على الشارع العام الذي يستطرقه الناس، فأصبحت أرضه بسبب غلبة المياه عليها أجمة ينبت فيها القصب والاشجار الشائكة، ولم يمكن للناس بعد ذلك سلوك الشارع والمرور فيه، زال موضوعه بذلك وارتفعت أحكامه وأصبح ارضا ميتة، فيجوز للناس احياؤه وتملكه كسائر الارض الموات. وكذلك إذا انقطعت المارة والمترددون عن الطريق لانتقال الناس إلى قرى تبعد عنه، أو لوجود طريق اخر أقرب منه وأيسر لهم، أو لوجود ما يمنع الناس من سلوكه والمرور فيه فأصبح بسبب ذلك مهجورا لا يسلكه أحد، فانه يكون بذلك ارضا مواتا، فيجوز لكل أحد من الناس احياؤه وتملكه.

[ 204 ]

(المسألة 90): إذا كان عرض الطريق العام اكثر من المقدار الذي تلزم به الضرورة والحاجة المتعارفة في البلد للمرور وكثرة المارة في ذلك الطريق، وكان الطريق موقوفا مسبلا لمرور الناس فيه، فلا يجوز لاحد أن يتصرف في المقدار الزائد منه عن الحاجة، وكذلك إذا لم يكن موقوفا مسبلا وكان عرضه بمقدار تستلزمه الضرورة التي لابد منها في البلد فلا يجوز لاحد احياء شئ منه ولا التصرف فيه وان كان عرضه الموجود يزيد عن خمسة اذرع أو سبعة اذرع وهما الحد الشرعي للطريق كما تقدم. (المسألة 91): إذا كان الطريق العام في أصله ارضا ميتة وقد سلكه الناس واستطرقوه حتى أصبح شارعا عاما لهم، وكان واسعا يزيد عرضه عن الحد الشرعي الذي ذكرناه ويزيد ايضا عن مقدار الحاجة التي لابد منها في القرية أو في البلد عرفا، فالظاهر أنه يجوز للناس التصرف في المقدار الزائد عن الحاجة المذكورة فيصح احياؤه وتملكة لمن سبق إليه. (المسألة 92): إذا كان الشارع فيى أصله مملوكا لمالك معين وقد أباحه المالك للناس اباحة عامة على أن يكون شارعا عاما يسلكونه لحاجاتهم وضروراتهم، ولم يوقفه ولم يسبله، فإذا زاد عرض ذلك الشارع عن المقدار اللازم عرفا، اشكل الحكم بجواز التصرف في الزائد والاحوط المنع في هذه الصورة.

[ 205 ]

(المسألة 93): القسم الثاني من الطريق الذي يوجد في القرية أو في البلد: الطريق غير النافذ، وهو الذى ينقطع من آخره بدار مملوكة لاحد من الناس أو موقوفة أو ما يشبه ذلك، فالدور أو العقارات أو الاملاك الخاصة وما يشبهها تكون محيطة بالطريق من كلا جانبيه ومن آخره، ومن أجل هذه الاحاطة به فلا يمكن للناس الاستطراق والمرور به إلى طرق البلد أو ساحاتها، ويسمى ايضا الطريق الخاص، والدريبة والسكة المرفوعة، والسكة المقطوعة، وقد ذكرنا هذا في المسألة السابعة والسبعين. وقد ذهب جماعة من أجلة الفقها، (قدس الله انفسهم) إلى أن الطريق غير النافذ يكون مملوكا لاصحاب الدور الذين تكون لدورهم أبواب مفتوحة في ذلك الطريق، وأنهم يشتركون جميعا في تملكة من اوله إلى اخره، وتجري عليه احكام الاموال المشتركة بينهم، ولذلك فلا يجوز لاحد أصحاب الدور المذكورة أن يتصرف في هذا الطريق المشترك فيحفر في أرضه بالوعة أو سردابا، أو يخرج لداره في الطريق جناحا أو روشنا أو يبني فيه ساباطا الا باذن الآخرين من أصحاب الدور كلهم، قالوا: ولا يشترك في ملكية هذا الطريق من يكون حائط داره إلى الطريق وليس له باب مفتوح فيه، ولم أقف لهذا القول على دليل يمكن الاعتماد عليه، الا إذا كان أصحاب الدور قد ملكوا الدريبة باحياء أو شراء أو بسبب اخر من الاسباب الشرعية المملكة. والظاهر ان الدريبة انما هي حق يختص به أصحاب الدور المذكورة وليست مملوكة لهم كما يرى اولئك الفقهاء، ولا حق في الدريبة للرجل الذي يملك دارا

[ 206 ]

يكون حائطها إلى الدريبة وليس له فيها باب مفتوح. (المسألة 94): الدريبة حق يختص به أرباب الدور المملوكة لهم والتي تكون لهم ابواب مفتوحة في الدريبة، واشتراكهم فيها على النحو الآتي. فيشترك جميع أصحاب الدور المذكورة في الحق من اول الدريبة إلى أول باب مفتوح فيها واخر حائط الدار ذات ذلك الباب، وبذلك ينتهي حق صاحب تلك الدار، فلا حق له في باقي الدريبة، ثم يشترك اصحاب الدور الباقية إلى باب الدار الثانية واخر حائطها، وينتهي بذلك حق صاحب هذه الدار ويكون الباقي من الدريبة للباقي من اصحاب الدور، وهكذا في الثالث وما بعده على النهج المذكور ويختص صاحب الباب الاخير ببقية الدريبة إلى آخرها. والتفصيل الذي ذكرناه انما هو من حيث التصرف في الدريبة وفي ارضها فإذا اراد صاحب الدار الاولى ان يحفر بالوعة أو سردابا في أرض الدريبة، أو يضع ميزابا أو يفتح بابا جديدا لداره: أو يخرج لها جناحا في الدريبة فلابد له من أن يستأذن جميع اصحاب الدور، وإذا أراد ذلك صاحب الدار الثانية لم يستأذن الاول وعليه أن يستأذن الباقي، وهكذا. (المسألة 95): يجوز لكل واحد من اصحاب الدور ذوات الابواب في الدريبة أن يستطرق فيها إلى داره هو وكل فرد من عياله وأولاده وخدمه وضيوفه وأصحابه ومن يريد زيارته من الناس سواء قلوا أم كثروا، وان يجلسوا في الدريبة، وان يضع فيها الاحمال والاثقال والحيوان التي يحتاج لادخالها إلى الدار واخراجها منها عادة

[ 207 ]

ولا يفتقر في شئ من ذلك إلى الاستئذان من شركائه في الدريبة، وان كان فيهم الغائبون واليتامى والقاصرون، ولا تجب المساواة بينهم في هذه الامور. ويجوز لصاحب الدار في الدريبة أن يوصد بابه الاول ويفتح بابا غيره، وإذا سد بعض اصحاب الدور بابه في الدريبة ولم يفتح له بابا اخر فيها سقط حقه الثابت له في الطريق، ولم يحتج إلى ناقل شرعى كما يلزم القائلين بالملكية. (المسألة 96): إذا كان بعض الدور له حائط إلى الدريبة وليس له باب مفتوح فيها فلا حق لمالك تلك الدار في الدريبة كما ذكرنا في ما تقدم، ولا يجوز له أن يفتح لداره بابا فيها الا باذن اصحاب الحق فيها، ولا يكفي الاستئذان من بعضهم، ويجوز له ان يفتح لداره شباكا أو روشنا للتهوية أو الاستضاءة ولا يثبت له بذلك حق في الدريبة وإذا استأذن من ارباب الدور ففتح له بابا في الدريبة باذنهم كان شريكا لهم في الحق وخصوصا مع طول الدريبة وكثرة الدور فيها. (المسألة 97): يصح لاصحاب الحق في الدريبة أن يتسالموا عليها في ما بينهم فيحيى كل فرد منهم حصته من الدريبة ويتملكها ويلحقها بداره ويفتحوا لهم ابوابا من جهات اخرى ويقتسموا الدريبة بينهم املاكا ويجوز لبعضهم أن يسقط حقه للآخر، وأن يصالحه عنه بعوض أو بغير عوض فيتملك حصته.

[ 208 ]

[ الفصل السادس ] [ في المساجد والمشاهد ] (المسألة 98): المسجد هو الموضع الذي يقفه مالكه ليكون مسجدا، وقد فصلنا في مبحث مكان المصلي من كتاب الصلاة وفى كتاب الوقف من هذه الرسالة كثيرا من احكامه، وبوقف الموضع كذلك تثبت مسجديته في الاسلام، ويكون موضعا عاما معدا لصلاة المصلين وعبادة المتعبدين من دعاء وتلاوة قرآن، وتدريس علوم دينية، ووعظ وارشاد وافتاء، والمسلمون في الانتفاع بمساجدهم في ذلك مشتركون متساوون في الحق، وقد جرت سيرتهم على هذا منذ عصر النبوة وعصور الائمة الطاهرين (ع) ولا ريب لاحد في شئ من ذلك. (المسألة 99): إذا سبق احد إلى مكان من المسجد ليتعبد فيه بقراءة دعاء أو بتلاوة قرآن، أو لدرس أو لتدريس، أو لوعظ أو لاستماع موعظة أو نحو ذلك فهو احق بالمكان الذي سبق إليه من غيره، فلا يجوز لاحد ان يمنعه من الجلوس فيه أو يزعجه من البقاء فيه، سواء اتحد غرض الرجلين من الجلوس في المكان ام اختلف، كما إذا سبق الاول إلى الموضع ليقرأ الدعاء واراد الثاني الجلوس فيه ليتلو القرآن، أو للموعظة أو للتدريس، وسواء شرع السابق في عمله الذي قصده فأخذ في القراءة أو التدريس

[ 209 ]

ام كان قريبا من الشروع فيه، لانه ينتظر المدرس أو الواعظ مثلا، فلا يجوز للآخر منعه أو ازعاجه من مقامه الا إذا كان وقت الانتظار طويلا بحيث يعد اضاعة لحقوق الاخرين عرفا فلا يجوز ذلك. (المسألة 100): الظاهر ان الصلاة في المسجد أولى من التعبدات الاخرى فيه، فإذا سبق أحد إلى الموضع في المسجد ليقرأ الدعاء أو ليتلوا القران أو ليعظ أو ليدرس، وحضر من يريد الصلاة في المكان فهو اولى من الاول السابق، سواء اراد الصلاة فرادا أم جماعة، بل وان أراد الصلاة نافلة، فعلى السابق أن يدع المكان له عند الانحصار به وإذا طلبه منه. ولا أولوية لمن يريد الصلاة جماعة في المسجد ممن يريد الصلاة فيه منفردا، فإذا سبق الرجل إلى المكان من المسجد ليصلي فيه منفردا ثم حضر من يريد الصلاة جماعة لم يجز للثاني منع الاول أو اقامته من موضعه، ولم يجب على الاول أن يترك المكان لصاحبه إذا طلب المكان منه، نعم ينبغي له ان لا يكون مانعا للخير عن اخيه المؤمن إذا كان لا يدرك صلاة الجماعة الا في ذلك المكان، وامكن له نفسه أن يؤدي صلاته منفردا في غير ذلك الموضع من المسجد. (المسألة 101): لا يبعد وجود الفرق في من يجلس للدعاء في المسجد بين من يكون جلوسه للتعقيب بعد اداء الصلاة في المسجد، ومن يجلس فيه لمطلق التعبد بالدعاء، فإذا حضر من يريد الصلاة في المكان فلا يجب على الجالس وهو يعقب بالدعاء بعد الصلاة ان يترك له مكانه، ولا يكون مريد الصلاة أولى منه بالمكان، فانه قد سبق الى

[ 210 ]

الصلاة والدعاء، وإذا كان الجالس قد سبق إلى المسجد للدعاء فيه ولم يؤد الصلاة فيه قبل الدعاء وجب عليه أن يترك المكان لمن يريد الصلاة. (المسألة 102): إذا سبق الرجل إلى الموضع من المسجد لبعض التعبدات فيه، ثم فارق الموضع وأعرض عنه سقط حقه من الاولوية بالمكان، فإذا سبق إليه غيره بعد قيامه منه كان الثاني أولى به من الاول فليس له ان يمنعه من الجلوس فيه أو ازعاجه من المكان، وان كان الاول لا يزال في المسجد، ولم يخرج منه، كما إذا انتقل من موضع صلاته في المسجد إلى موضع اخر فيه ليستمع دعاء أو موعظة أو درسا فيسقط حقه من المكان الاول وان ابقى فيه بساطا أو سجادة وفي عزمه ان يعود إليها بعد مدة. (المسألة 103): إذا قام الرجل من موضعه في المسجد وهو يريد العودة إليه عن قريب وأبقى في مكانه سجادة أو بساطا أو علامة اخرى، فالظاهر بقاء حقه في المكان وعدم سقوط حقه من الاولوية به بمجرد قيامه، وإذا قام من الموضع وهو يريد العودة إليه كذلك ولم يبق فيه شيئا يدل على ذلك اشكل الحكم بسقوط حقه أو عدم سقوطه والاحوط للآخرين مراعاة حقه، وخصوصا إذا كان قيامه من موضعه لبعض الامور اللازمة من تجديد وضوء أو قضاء حاجة أو احضار كتاب ونحوها. (المسألة 104): إذا وضع الانسان له رحلا في مكان من المسجد قبل أن يجلس فيه فبسط له بساطا أو فرش فيه سجادة، فالظاهر ثبوت حق الاولوية له في المكان بمجرد ذلك

[ 211 ]

وان لم يجلس فيه بعد، فلا يجوز لاحد أن يرفع رحله من المكان أو يجلس في موضعه، ويشكل الحكم بثبوت الحق له بوضع الرحل إذا طالت المدة الفاصلة بين وضع الرحل في المكان وجلوس صاحب الرحل فيه بحيث يعد تضييعا لحقوق الاخرين، فالحكم بجواز رفع غيره للرحل من المكان مشكل، والحكم بعدم ضمان الرحل إذا تلف أو عاب بعد رفعه أشد اشكالا. وإذا دلت القرائن على ان المراد من وضع الرحل في الموضع من المسجد أن صاحب الرحل يجلس في الموضع في وقت معين، فالظاهر ثبوت الحق وعدم بطلانه قبل حلول الوقت، ومثال ذلك أن يضع الرجل رحله صباحا أو ضحى فيبسط بساطه أو سجادته في المسجد ليصلي في الموضع صلاة الظهر جماعة في اول وقتها أو ليدرك صلاة الجمعة مع الامام فلا تفوته، فلا يسقط حقه بطول المدة الفاصلة إذا هو حضر في الوقت المعين. (المسألة 105): لا ينبغي الريب في ان اقامة المآتم ومجالس الذكرى لمصائب المعصومين من أهل بيت النبوة (ع)، وقراءة سيرتهم وتعداد فضائلهم والتعريف بمقاماتهم وعلو منازلهم من العبادات الجليلة التي يتقرب إلى الله سبحانه بها، وبالاجتماع فيها، والاستماع إلى ما يلقى فيها من الحقائق والمعارف، فإذا اقيمت هذه المحافل والذكريات في المساجد كان الحضور فيها والجلوس في محافلها والاستماع إلى الذاكرين فيها من أبر العبادات واجلها، وإذا سبق السابق إلى المسجد والجلوس فيه لهذه الغاية ثبتت له الاولوية بالمجلس والموضع الذي جلس فيه على غيره من الواردين من بعده، وجرت له الاحكام التي ذكرناها في المسائل المتقدمة.

[ 212 ]

(المسألة 106): إذا أقيمت محافل ذكريات المعصومين (ع) في الحسينيات العامة الموقوفة المتعارفة عند الشيعة كان لها مثل هذا الحكم، فهي مشتركة بين الحاضرين على السواء وإذا سبق أحد منهم إلى مكان في الحسينية أو الماتم فجلس فيه كان اولى بالمكان من غيره، فلا يجوز لاحد أن يمنعه من الجلوس أو يزعجه ويقيمه من مكانه حتى ينتهي غرضه أو يقوم من موضعه باختياره ويسقط حقه منه. (المسألة 107): المشاهد المشرفة كالمساجد في جميع الاحكام التي ذكرناها فالمشهد حق عام كالمسجد، يشترك فيه جميعا لمسلمين على السواء، سواء كانوا من أهل البلد المجاورين للمشهد أم كانوا من الزوار الوافدين إليه من بلاد أخرى قريبة أو بعيدة فلا يكون الزائر الوافد أولى بالمشهد لزيارته ووفادته وغربته، ولا يكون القريب المجاور له في البلد أولى به لقربه وجواره، بل هما في الحق على حد سواء. وإذا سبق احد من الناس الوافدين أو المجاورين إلى موضع معين من المشهد فجلس فيه للتعبد والصلاة أو الزيارة أو الدعاء أو قراءة القران أو لغيرها من العبادات والقربات كان أولى بالمكان من غيره، فلا يجوز ان يمنع أو يزعج حتى يستتم غايته من التعبد، أو يترك مكانه باختياره أو يسقط حقه، وإذا منعه أحدا أو أخذ موضعه بغير رضاه كان غاصبا آثما. (المسألة 108): لا يثبت للشخص حق الاولوية بالمكان في المسجد أو المشهد إذا سبق إليه وجلس فيه للتنزه أو للاستراحة أو لغاية اخرى غير العبادات والقربات كالاطلاع

[ 213 ]

على بعض النفائس والآثار الموجودة في المشهد أو المسجد، أو للتحدث مع بعض الناس، أو لرؤية بعض الناس وبعض المظاهر. (المسألة 109): إذا جلس الرجل في المسجد أو المشهد لبعض العبادات فأعيى واستمر في جلوسه في موضعه ليستريح برهة ثم يعود للتعبد مرة أخرى، لم يسقط حقه الذي ثبت له اولا من الاولوية، فلا يجوز لغيره منعه وازعاجه ما دام جالسا لهذه الغاية وكذلك إذا صرفه بعض الناس عن عمله بحديث طويل وهو يرتقب انتهاء صاحبه من حديثه ليعود إلى عمله أو إلى غيره فلا يسقط حقه بذلك.

[ 214 ]

[ الفصل السابع ] [ في المدارس والربط ] (المسألة 110): المدارس دور أو عمارات خاصة تعد ليسكن فيها طلاب العلم، حسب ما يطلقه واقف المدرسة، أو يعينه من صنف أو يذكر للساكنين فيها من قيود وشروط والربط منازل مخصوصة كذلك يقفها الواقف ليسكنها الفقراء، أو لينزل فيها المسافرون والغرباء، من حجاج وزوار ومعتمرين وغيرهم، وهي كالمدارس تتبع وقف الواقف وما يذكره في صيغته من عموم وخصوص واطلاق وتقييد، وكلاهما من المشتركات العامة بين أفراد العنوان أو الصنف الموقوف عليه من الناس. (المسألة 111): إذا وقف الواقف مدرسته على أن يسكنها طلاب العلوم الدينية، ولم يقيدها بقيد ولم يشترط فيها شرطا كانت المدرسة عامة يشترك في استحقاق السكنى فيها جميع طلاب العلوم المذكورة، ولم يختص الحق فيها بعرب أو فرس أو هنود أو غيرهم من الاصناف التي تشتغل بطلب تلك العلوم، ولم تختص بطلب علم معين منها، ولم تختص بطبقة معينة من طلبة العلوم، أو من محصليهم أو ارباب الفضيلة منهم، فيجوز لكل فرد ممن يصدق عليه العنوان العام الموقوف عليه أن يسكن في المدرسة، ولا يجوز للافراد الآخرين منعه من السكنى ولا اخراجه من المدرسة

[ 215 ]

إذا هو سكنها وان طالت مدة بقائه فيها، حتى يعرض هو عن السكنى فيها ويخرج منها باختياره، وإذا وقف الواقف المدرسة على أن يسكنها طلاب علوم الدين من العرب خاصة مثلا، أو من العجم خاصة، أو من اهل بلد معين أو اهل قطر خاص منهم أو وقفها على ان يسكنها طلاب علم الفقه خاصة أو طلاب علم الحديث أو علم التفسير، اختص حق السكنى فيها بأهل ذلك الصنف الموقوف عليه، واشترك بين أفراده، ولم يجز لغيرهم سكنى المدرسة ممن لا يشمله الصنف الذي عينه الواقف أو الطائفة التي ذكرها. (المسألة 112): إذا وقف الواقف مدرسة ليسكن فيها طلاب العلم مطلقا أو من طائفة خاصة أو من صنف معين، فالمراد السكنى المتعارفة بين الناس، فتكون الحجرة من المدرسة موضع اقامته وبقائه عرفا، ولا ينافي ذلك أن يخرج من المدرسة في بعض الاوقات لقضاء بعض الحاجات، أو لشراء بعض الضرورات، أو للدراسة أو التدريس في امكنة أخرى، أو للقاء بعض الاخوان، ولا يضر بسكناه في المدرسة أن يبيت بعض الليالي في غيرها، الا إذا اشترط الواقف على الطالب أن يكون مبيته في المدرسة، كل ليلة أو في ليالى التحصيل، فيجيب عليه ان يتبع الشرط. ولا يضر بالسكنى أن يسافر في بعض الايام لزيارة أو حج أو عمرة، أو لغير ذلك، وان طال سفره مدة لا تنافي سكناه في المدرسة، وإذا طالت مدة سفره حتى خرج عن كونه ساكنا في المدرسة في نظر اهل العرف بطل حقه، وإذا شرط الواقف على الطالب أن لا يتجاوز سفره مدة معينة وجب عليه أن يتبع الشرط.

[ 216 ]

(المسألة 113): قد يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة غير متزوج، أو غير معيل، فإذا سكن الطالب فيها مدة وهو غير متزوج أو غير معيل وفقا للشرط، ثم تزوج أو أصبح معيلا وجب عليه أن يخرج من المدرسة، وكذلك إذا شرط الواقف أن يكون الساكن فيها مشغولا بالفعل بالدراسة أو بالتدريس، فإذا سكن فيها مدة مع وجود الشرط ثم عرض له مرض أو ضعف أو كبر سن يمنعه من الاشتغال بالفعل وجب عليه ان يترك السكنى في المدرسة لفقد الشرط، وهكذا الحكم في كل وصف أو فعل يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة متصفا به كصفة العدالة مثلا، أو الالتزام بأداء الصلاة في اول وقتها أو بصلاة الجماعة أو بصلاة الليل فلا يجوز للطالب أن يسكن المدرسة إذا كان فاقدا لذلك الشرط، وإذا كان متصفا بالشرط فسكن المدرسة ثم فقد الشرط لبعض الطوارئ المانعة، وجب عليه أن يترك السكنى فيها لزوال الشرط. (المسألة 114): إذا سبق أحد طلبة العلم إلى غرفة في المدرسة الموقوفة فسكنها، فليس له أن يمنع غيره من أن يشترك معه في سكنى الغرفة إذا كانت الغرفة تتسع لسكني اكثر من طالب واحد فيها، الا إذا كان الواقف قد اشترط ان لا يسكن الغرفة الواحدة في المدرسة اكثر من طالب واحد فيتبع الشرط. (المسألة 115): إذا سكن طالب العلم في احدى غرف المدرسة الموقوفة ثبت له حق الاولوية في الغرفة التي سكنها، فلا يجوز لاحد منعه من البقاء فيها ولا يجوز

[ 217 ]

اخراجه منها مادام مستحقا للسكنى، وان طالت مدة اقامته فيها، وإذا كان الواقف قد اشترط أن لا تزيد اقامة الطالب فيها على مدة معينة وجب اتباع الشرط، فلا يجوز للطالب البقاء اكثر من المدة المشروطة في صيغة الوقف، ويبطل حقه من السكنى في المدرسة إذا ترك السكنى فيها وطالت مدة تركه للسكنى اكثر مما يتعارف مع وجود من يحتاج إلى السكنى فيها من الطلاب الموقوف عليهم. (المسألة 116): الربط وهي جمع رباط، ويراد به المسكن أو الخان الذي يقفه مالكه لتسكن فيه الفقراء المحتاجون، أو يقفه ليكون منزلا للمسافرين من زوار أو حجاج أو غيرهم من عابري السبيل وحكم الرباط هو حكم المدرسة الموقوفة في كل ما بيناه لها من اللوازم والآثار، فيتبع فيه ما اطلقه الواقف في صيغة وقفه إذا كان مطلقا، وما ذكره فيها من قيد أو شرط إذا كان مقيدا أو مشروطا، فإذا قال المالك وقفت هذا المنزل أو هذا الخان ليسكنه الفقراء من الناس، ولم يقيد وقفه بطائفة خاصة منهم ولا بصنف معين من اصنافهم، كان المنزل أو الخان الموقوف رباطا عاما يشترك في استحقاق السكنى فيه جميع الفقراء الموقوف عليهم، فإذا تقدم أحد منهم إلى السكنى في موضع منه أو غرفة من غرفه كان هذا السابق أولى بالموضع أو الغرفة من غيره، ولم يجز منعه أو اخراجه منه، وإذا اشترط الواقف أن تكون لكل فقير غرفة يستقل بسكناها ولا يشاركه فيها غيره، لزم ذلك. وإذا وقف المنزل أو الخان ليسكنه الفقراء من اهل البلد أو من الغرباء أو من طائفة خاصة وجب أن يتبع ما ذكره في قوله من اطلاق أو تقييد، ويشترك في استحقاق السكنى في المنزل جميع أفراد الطائفة التي ذكرها، أو الصنف الذي عينه، دون غيرهم من الطوائف أو الاصناف، على نهج

[ 218 ]

ما ذكرناه في وقف المدرسة، ويجب اتباع كل شرط يشترطه الواقف. وكذلك الحكم في الربط التي يقفها صاحبها لنزول المسافرين، فتجري فيها التفاصيل والاحكام المذكورة. (المسألة 117): انما يستحق المسافر النزول في الرباط الموقوف على المسافرين والبقاء فيه ما دام مسافرا، فإذا طال مكثه في البلد أو في المنزل حتى خرج بسبب طول مدته عن كونه مسافرا في نظر أهل العرف وجب عليه الخروج من المنزل الموقوف ولم تجز له مزاحمة المسافرين الآخرين، ولا يسقط حقه من السكنى والنزول في المنزل بالاقامة الشرعية التي توجب عليه اتمام الصلاة، أو الزيادة عليها، إذا لم يخرج بها عن كونه مسافرا. (المسألة 118): لا يستحق النزول في المنزل الموقوف على المسافرين أو الغرباء من كان بلده قريبا لا يصدق عليه اسم المسافر، أو اسم الغريب، لقرب بلده من ذلك المكان، وليس المدار في هذا الحكم على وجود المسافة الشرعية التي توجب توجب القصر في الصلاة والافطار للصائم، بل المدار على صدق اسم السفر عرفا الا إذا كان وقف الواقف عاما يشمل ذلك فيكون هو المتبع. (المسألة 119): إذا وقف الواقف الرباط ليسكن فيه الفقراء مطلقا، أو الفقراء من طائفة خاصة أو من صنف معين ولم يقيده بقيد اخر، ولم يشترط فيه شرطا، جاز للفقير الذي يستحق السكنى أن يسكن في الحجرة، ويسكن معه عائلته واولاده، وجاز له أن

[ 219 ]

يسكن معهم في اكثر من حجرة مع حاجته إلى ذلك، ولا يجوز لاحد منعه أو مزاحمته في ذلك إذا سبق إليه، ويتبع ذلك من ساحة الرباط ومرافقه ما يتوقف عليه انتفاع الفقير بحقه، كموضع الطبخ، وموضع غسل الثياب والاواني، وموضع النوم في ليالي الصيف وما يشبه ذلك.

[ 220 ]

[ الفصل الثامن ] [ في المياه والكلاء ] (المسألة 120): يراد بالمياه هنا المياه التي حكم الشارع فيها بالاباحة الاصلية، كمياه البحار ومياه الشطوط العامة والانهار الكبيرة، كشط العرب ودجلة والفرات والنيل وروافدها وفروعها، ومياه العيون التي تتفجر بأنفسها في الجبال وفي الارض الموات، ومياه السيول التي تنحدر من ذوبان الثلوج، أو تجتمع في الاودية والوهاد من نزول الامطار ونحو ذلك، فالناس في هذه المياه شركاء متساوون في الحقوق وإذا حاز أحد الناس منها شيئا ملكه بالحيازة، وسواء حازه بآنية ام بدالية أم بناعور أم بنهر أو قناة شقهما أم بحوض أم بمكينة أم بوسيلة غيرهما من وسائل الري الحديثة. ومن المياه المباحة ايضا: الانهار الصغيرة التي تتكون بأنفسها في الارض الموات من سرعة جريان الماء المباح المندفع بقوة من الانهار الكبيرة، أو العيون الجارية أو المياه المنحدرة من اعالي الجبال فتشق لها مجاري في الارض، ولم يحيها احد ولم يتملكها مالك، فيكون مأوها من المشتركات العامة بين الناس. (المسألة 121): إذا حفر رجل له عينا في ارض ميتة أو في جبل فأحيى العين وأجرى ماءها

[ 221 ]

كانت العين والماء الجاري منها ملكا خاصا له، ولم يجز لغيره أن يتصرف في العين أو في الماء الا باذن من المالك، وكذلك إذا حفر في الارض الميتة بئرا فاحياها وأجرى ماءها، وإذا شق في الارض الميتة قناة أو حفر نهرا فاحياهما واجري الماء فيهما من العين أو البئر اللتين احياهما فالعين والبئر والقناة والنهر جميعا املاك خاصة له بالاحياء، والماء ملك له بالحيازة، ولا حق لغيره، وقد سبق ذكر جميع هذا مفصلا. (المسألة 122): إذا حفر الانسان نهرا أو شق له قناة في أرض مملوكة له بالشراء أو بغيره، أو أحيى النهر أو القناة في ارض موات كما تقدم ذكره، ثم اجرى في نهره أو قناته الماء من بعض الشطوط العامة التي مر ذكرها أو من بعض العيون أو الآبار النابعة المباحة لجميع الناس، ملك ما يدخل في النهر أو القناة من الماء بالحيازة وكان الجميع ملكا له، وان كان الماء صباحا للجميع في أصله، فلا يجوز لاحد التصرف فيه الا باذنه. (المسألة 123): إذا كان نهر مملوكا لشخصين، أو لاشخاص متعددين، على نحو الاشتراك فيه في ما بينهم، ومثال ذلك أن يتفقوا فيشقوا النهر في أرض يملكونها جميعا على نحو الاشتراك، أو يشتركوا في احياء النهر في أرض ميتة، فيكون النهر في الصورتين مملوكا لهم جميعا، على السواء أو على تفاوت ما بينهم في الحصص منه، وسيأتي بيان الميزان في ذلك. فإذا ملكوا النهر كذلك ثم أجروا فيه الماء من الشطوط العامة المباحة

[ 222 ]

للجميع، أو من العيون أو الآبار المباحة كان الماء الجاري في النهر مملوكا للشركاء فيه جميعا، وملك كل فرد منهم من الماء الجاري فيه بمقدار حصته التي يملكها من النهر نفسه، فإذا كان النهر مملوكا لشخصين بالمناصفة ما بينهما فالماء الجاري في النهر مملوك بينهما بالمناصفة ايضا، وإذا كان الشركاء في النهر ثلاثة والنهر بينهم بالمساواة فالماء بينهم مملوك بالمثالثة، وهكذا. وإذا تفاوتوا في مقادير الحصص فكان أحدهم يملك نصف النهر مثلا فله نصف ما يجري فيه من الماء، وكان الثاني يملك ثلث النهر فله ثلث الماء، ويكون للشريك الثالث سدس النهر ويملك سدس الماء فقط. وإذا اختلف الشركاء في مقادير حصصهم كما ذكرنا في الصورة الاخيرة، فلا يجوز لاحدهم ان يتصرف في اكثر من حصته من الماء، فإذا احتاج في سقي مزرعته أو بستانه أو ضيعته إلى اكثر من حصته من الماء وجب عليه أن يستأذن شريكيه في اخذ الزائد، أو يدفع اليهما عوض ما يأخذه من نصيبهما في سقاية ضيعته ومزرعته من الماء. (المسألة 124): إذا كان الشركاء في النهر قد ملكوه باحيائه من الارض الموات، فانما يحصل التفاوت بينهم في مقادير الحصص منه إذا هم اختلفوا في العمل فيه، فكان مقدار عمل أحدهم في تعميره واحيائه أكثر من صاحبه أو اقل منه، فإذا هم تساووا في العمل تساووا في الحصص التي يملكونها من النهر، وإذا كان عمل أحدهم في احيائه ضعف الثاني كان للاول ضعف حصة الثاني من النهر نفسه، وهكذا، و كذلك إذا هم اقتسموه بحسب النفقة، فإذا تساووا في مقدار ما انفقوا في تعمير النهر

[ 223 ]

تساوت حصصهم منه، وإذا أنفق أحدهم نصف نفقة الثاني أو ثلثها أو ربعها ملك من الحصة في النهر بتلك النسبة، ومثله ما إذا عمل بعضهم وانفق بعضهم، ويرجع في تعيين المقادير من العمل أو من النفقة أو من النفقة والعمل إلى أهل الخبرة. (المسألة 125): إذا كان الماء الجاري في النهر مشتركا بين مالكين أو اكثر كما ذكرنا في المسائل السابقة جرى فيه حكم الاموال المملوكة المشتركة، فلا يجوز لاحد الشركاء أن يتصرف في الماء ولا في بعضه الا باذن جميع شركائه فيه، ولا يكفى أن يستأذن من بعضهم، فإذا أباح كل شريك منهم لكل واحد من شركائه أن يتصرف في الماء المملوك لهم بما يريد فلا ريب في الجواز، وقد يتسالمون جميعا فيقتسمون الماء بينهم بالتناوب، فيخصصون لكل واحد منهم يوما معينا أو أياما معينة، أو ساعة من النهار أو ساعات منه معلومة، يتصرف فيها ذلك الشريك بجميع الماء كيف ما يشاء، وباي مقدار يريد، ثم تكون النوبة بعده للشريك الآخر حتى يتم الدور عليهم جميعا، ولا ضير عليهم في ذلك. (المسألة 126): إذا وقع النزاع والتشاجر بين الشركاء في النهر والماء ولم يصطلحوا ولم يرضوا بالمناوبة، فلابد من تقسيم الماء بينهم بالاجزاء، فيسد النهر من اخره بصخر أو حديد أو غيرهما، فلا يخرج الماء المملوك من النهر، وتوضع للماء في السد انابيب متساوية في الحجم والسعة ليخرج الماء منها بمقدار واحد، وتعين بذلك الحصص المملوكة منه وتشخص مقاديرها في القسمة. فإذا كان النهر والماء مشتركين بين مالكين بالمناصفة بينهما، وضعا في السد

[ 224 ]

أنبوبين متساويين في الحجم، وكان لكل واحد من الشريكين أنبوب منهما فيجرى ماء انبوبه في ساقية يختص بها، ويتصرف بمائها حيث ما يشاء، وإذا كان الماء مشتركا بين ثلاثة اشخاص بالتساوي جعلوا في السدة ثلاثة انابيب متساوية في السعة، واختص كل شريك بواحد من الانابيب وصنعوا كما تقدم، وهكذا إذا كان الشركاء اكثر من ثلاثة وكانوا متساوين في الحصص، فيجعل في السد بعدد الشركاء انابيب متساوية ويكون لكل واحد منهم أنبوب يختص بمائه. وإذا كان الشركاء مختلفين في مقادير حصصهم التي يملكونها من الماء بسبب اختلاف مقادير حصصهم من النهر المملوك وضعوا في السدة أنابيب متساوية الحجم بمقدار اقلهم حصة وبعدد مجموع حصصهم فإذا كان الشركاء ثلاثة كما ذكرنا في المثال المتقدم وكان احدهم يملك النصف من الماء، والثاني يملك الثلث منه، والثالث يملك الباقي وهو السدس، جعلوا في سدة النهر ستة انابيب متساوية السعة والحجم، فكان لمالك النصف ثلاثة انابيب منها، يتصرف بالماء الذي تخرجه هذه الانابيب من النهر كيف ما يشاء، وكان لمالك الثلث أنبوبان يفعل بمائهما بما يريد، ولصاحب السدس أنبوب واحد يصرف ماءه في ساقية خاصة إذا شاء فيسقي به مزرعته أو ارضه أو يتصرف فيه بوجه اخر. (المسألة 127): ويتطور الزمان وتتطور الوسائل الحديثة معه لتقسيم الماء بالوزن والكيل وتجعل له الموازين الدقيقة لضبط المقادير والاعداد وتحديد ما يراد منه من الحصة أو الحصص، فيكون الرجوع إليها أيسر وأسهل، والاعتماد عليها في التقسيم وتعيين مقادير الحقوق أكثر ضبطا وأوفر دقة، وأحرى في براءة الذمم بين الشركاء.

[ 225 ]

(المسألة 128): يجوز للشركاء في ماء النهر أن يقتسموا الماء بينهم بالمهاياة والمناوبة كما ذكرنا في المسألة المائة والخامسة والعشرين، فإذا كانت حصصهم في الماء متساوية قسموه بينهم بالساعات إذا شاؤوا أو بالايام المتساوية، فيكون جميع ماء النهر لاحدهم خمسة ايام مثلا يتصرف فيه كما يريد، ثم تنتقل النوبة بعده إلى الشريك الثاني فيتصرف في جميع ماء النهر خمسة ايام ايضا كما يريد، ثم تكون للثالث، وهكذا حتى يتم الدور بينهم جميعا على السواء، ثم يستأنف عليهم من جديد. وإذا كانت حصص الشركاء في ماء النهر مختلفة في مقاديرها كما في المثال الذي تقدم ذكره قسموا الماء بينهم بالمناوبة كذلك حسب ما يقتضيه اختلاف حصصهم، فيكون جميع ماء النهر لشريك الاول الذي يملك النصف ثلاثة ايام يتصرف فيه، ثم يكون بعده للشريك الثاني الذي يملك الثلث فيتصرف في جميع ماء النهر مدة يومين، ثم تنتقل النوبة للثالث وهو الذي يملك السدس فيتصرف في جميع ماء النهر يوما واحدا. (المسألة 129): القسمة بالمناوبة والمهاباة بين الشركاء متقومة بالتراضي والمسالمة ما بينهم، ولذلك فلا تكون قسمة اجبار ولا تكون لازمة، ومعنى ذلك ان الشريك لا يجبر عليها إذا امتنع عن قبولها من شريكه، ويجوز للشركاء فسخ هذه القسمة بعد النوبة الاولى أو الثانية، ومتى ما أرادوا. ويجوز للشركاء ان يقتسموا الماء بينهم بالاجزاء على النهج الذي أوضحناه في المسألة المائة والسادسة والعشرون وما

[ 226 ]

بعدها، والقسمة بالاجزاء كذلك قسمة اجبار، فإذا طلبها بعض الشركاء وجبت على شركائه الآخرين اجابته، وإذا امتنع بعضهم عن قبولها أجبر الممتنع، وإذا وقعت القسمة بينهم على الوجه المذكور كانت لازمة لا يجوز لاحد منهم فسخها. (المسألة 130): إذا اقتسم الشركاء الماء المشترك بينهم بالمهاياة جاز لكل واحد من الشركاء ان يفسخ القسمة متى أراد، فإذا أراد أحد الشركاء فسخ القسمة، بعد ان استوفى نوبته من القسمة وقبل أن يستوفي شركاؤه الاخرون نصيبهم منها جاز له ذلك، وإذا فسخ القسمة ضمن لشركائه حصصهم من الماء الذي استوفاه في نوبته، فان امكن العلم بمقدار ما يستحقونه من الحصص في نوبته ضمنه، ووجب أن يدفع لكل واحد منهم مثل حصته التي استوفاها، وإذا تعذر العلم بذلك ضمنه لهم بالقيمة، ويرجع الى الصلح في ذلك. (المسألة 131): المياه المباحة الاصلية كما قلنا في اول هذا الفصل مشتركة بين جميع الناس على السواء، ولا فرق بين المسلمين وغيرهم في ذلك، فإذا اتفق وجود جماعة من اصحاب الاملاك والمزارع على بعض هذه الموارد المباحة ليسقوا املاكهم و مزارعهم منه كان لهم الحق في ذلك، فإذا كان المورد الذي اجتمعوا حوله و افيا بحاجة الجميع في اي وقت أرادوا، ومثال ذلك: أن تكون املاكهم ومزارعهم حول نهر من الانهار الكبيرة التي تكفيهم لذلك متى شاؤوا، فالنتيجة واضحة لا ريب فيها، فيصح لكل فرد منهم أن يستوفي حقه من الماء تاما متى اراد، فان المفروض انه باستيفاء حقه لا يمنع ولا يزاحم حقوق الآخرين ولا يضعف

[ 227 ]

حصصهم من الماء. (المسألة 132): لا يحق لاحد من الناس في الصورة المتقدمة أن يشق له نهرا كبيرا في أرض يملكها أو في أرض ميتة فيتملك به ذلك الماء المباح كله، أو يستولي به على اكثره بحيث لا يكون الباقي من الماء وافيا بحاجة الآخرين. ولا يمنع الرجل من ان يشق لنفسه نهرا يملك فيه بعض الماء إذا كان لا يمنع حقوق الباقين ولا حق بعضهم ولا يوجب له قلة في الماء. (المسألة 133): إذا كان الماء المباح الذي اجتمع عليه أصحاب الاملاك والمزارع لا يكفي لسقاية أملاكهم ومزارعهم دفعة واحدة، ومثال ذلك: أن تكون الامكلاك والمزارع المذكورة حول غدير في البادية يجتمع فيه ماء المطر: أو واد من أوديتها ينحدر إليه ماء السيل، أو حول عين نابعة في الارض الميتة، فإذا قسم اصحاب الاملاك الماء الموجود عليهم، لم يف بحاجتهم مجتمعين، ووقع النزاع والتخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر منهم في السقاية. فان علم من هو الاسبق في احياء ملكه أو مزرعته قبل الاخرين من أصحابه قدم الاسبق، فيسقى من ذلك الماء قبل غيره، ثم يقدم السابق في الاحياء من بعد الاول، وهكذا حتى تتم سقايتهم أو ينتهي الماء الموجود. وإذا لم يعلم السابق من اللاحق في احياء لملكه، قدم الاعلى في السقاية من الماء، والمراد بالاعلى من يكون ملكه أو مزرعته أقرب إلى أول الماء المباح الموجود، فيسقى ملكه أولا فان كان نخلا حبسس له الماء في ارضه إلى أن يبلغ في

[ 228 ]

ارتفاعه إلى الكعب، والكعب هو المفصل بين الساق والقدم، وان كان شجرا حبس له الماء حتى يبلغ إلى القدم، وان كان زرعا حبس الماء لسقايته حتى يبلغ إلى الشراك، فإذا استوفى من هو أقرب إلى أول الماء حقه من السقاية بذلك، ارسل الماء من بعده إلى من يليه فسقي كما تقدم، ثم ارسل الماء إلى من بعده، وهكذا حتى تتم السقاية للجميع أو ينتهي الماء الموجود كله. (المسألة 134): إذا وجد جماعة من الناس على ماء مباح، فشق كل واحد منهم له نهرا في ملكه الخاص به، أو في ارض ميتة، امكن لهم أن يجروا الماء في أنهارهم التي شقوها من ذلك الماء المباح الذي اجتمعوا عليه، ويملك كل واحد منهم الماء الذي اجراه في نهره وقد تقدم بيان هذا. فان كان الماء المباح الموجود لديهم يكفي لحاجتهم جميعا لكثرته فيما لا الانهار كلها في زمان واحد، ولا يمنع بعضهم بعضا ولا ينقص حقه، اشتركوا في الحق على السواء وفعلوا بالماء ما ارادوا. وان كان الماء المباح الموجود لديهم لا يفي بحاجتهم جميعا في وقت واحد، ووقع التخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر في الاستحقاق، جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في سقاية الاملاك، فيقدم منهم من علم أنه أسبق في احياء نهره من غيره فيجري الماء في نهره قبل الآخرين، ثم يكون الحق للسابق في الاحياء من بعد الاول: وهكذا. وان لم يعلم السابق منهم قدم في الحق من يكون نهره الذي احياه أقرب إلى أول الماء المباح، فيجرى الماء في نهره، ثم يكون الحق من بعده لمن يليه، وهكذا

[ 229 ]

على الترتيب كما تقدم. (المسألة 135): إذا كان النهر المملوك مشتركا بين جماعة متعددين، واحتاج إلى تنقية من رواسب الرمل والطين المجتمعة فيه، أو من النباتات التي تخرج في قاعه، وتعيق جريان الماء فيه، أو احتاج إلى مزيد من الحفر أو التوسعة، أو إلى اصلاح بعض الخروق والخلل فيه أو في جوانبه، فللمسألة صور لابد من ملاحظتها لتطبيق أحكامها. (الصورة الاولى): أن يكون الشركاء في النهر كلهم كاملين رشيدين ويتفقوا في ما بينهم على أن يقوموا بما يحتاج إليه النهر من اصلاح وتنقية، فإذا أرادوا القيام بالامر في هذه الصورة فعليهم أن يقتسموا العمل في النهر أو يقتسموا النفقة عليه بنسبة ما يملكه كل فرد منهم من الحصة في النهر، فعلى مالك نصف النهر ان يقوم بنصف العمل فيه، أو يقوم بدفع نصف نفقاته، فيستأجر بها من يقوم بالعمل، وعلى مالك ثلث النهر أو ربعه أو ثمنه أو عشره مثلا أن يقوم بنسبة حصته المذكورة من النهر فيتولى مقدارها من العمل، أو يدفع مقدارها من النفقة. وكذلك الحكم إذا الزمتهم الدولة بأن يقوموا بتنقية النهر واصلاحه، فعليهم أن يتولوا القيام بالامر بنسبة ما يملكه الفرد منهم من الحصة في النهر، فيعمل في اصلاحه بنفسه أو يدفع من النفقة بذلك المقدار وهذه هي الصورة الثانية. بل وكذلك إذا ألزم الحاكم الشرعي بذلك، كما إذا كان النهر مشتركا بين ملاك قاصرين وكانت مصلحتهم تحتم تعمير النهر واصلاحه، فيجب على الاولياء الشرعيين للقاصرين أن يقوموا بما تقتضيه المصلحة، فيدفعوا نفقة العمل والاصلاح من أموال

[ 230 ]

القاصرين أنفسهم، فإذا لم يفعل الاولياء ذلك الزمهم الحاكم الشرعي به، واقتسموه بحسب الحصص كما تقدم، وهذه هي الصورة الثالثة. (المسألة 136): الصورة الرابعة أن يختلف الشركاء في النهر في ما بينهم، وهم جميعا كاملون رشيدون، فيعزم بعضهم على أن يقوم باصلاح النهر المشترك وتنقيته، ويترك بعضهم فلا يقوم بشئ، ولا يجبر الممتنعون من الشركاء على الاشتراك في العمل أو في النفقة، وإذا قامت الجماعة الاولى باصلاح النهر أو بالانفاق عليه أو بشئ منهما، فلا يحق لهولاء أن يطالبوا شركاءهم الممتنعين بمقدار نصيبهم من المؤونة الا إذا كان الممتنعون قد طلبوا من شركائهم العمل في النهر وتعهدوا لهم ببذل ما ينوبهم من النفقة، فيجوز لهم المطالبة بها بعد هذا الطلب وهذا التعهد (المسألة 137): (الصورة الخامسة) أن يكون النهر مشتركا بين فريقين من الملاك، فبعض الشركاء فيه قاصرون غير رشيدين، ولذلك فلا يصح التصرف في حصصهم الا من أوليائهم الشرعين، وبعض الشركاء في النهر كاملون يصح لهم التصرف، ولكنهم يعجزون عن القيام باصلاح النهر الا بمعونة شركائهم القاصرين لضعفهم في المال أو لسبب اخر. فإذا كانت للشركاء القاصرين مصلحة تقتضي اصلاح النهر المشترك وجب على اوليائهم الشرعيين ان يبذلوا حصص القاصرين من مؤونة اصلاح النهر ليتمكن شركاؤهم من القيام بالعمل ويتم الاصلاح المطلوب، والحصص التي يبذلها الاولياء من أموال القاصرين أنفسهم، وإذا لم تكن للقاصرين مصلحة في اصلاح

[ 231 ]

النهر لم يجب على الاولياء البذل. (المسألة 138): إذا أذن مالك النهر لغيره أن يغرس لنفسه على حافة النهر نخيلا أو شجرا فغرس الشخص المأذون له ذلك، فلا يجوز لمالك النهر بعد ثبات الغرس ان يحول النهر إلى موضع لا يصل منه الماء إلى النخيل أو الشجر المغروس باذنه، وكذلك الحكم إذا أذن له فنصب رحى في مجرى النهر لطحن الحبوب، فليس لمالك النهر أن يحوله فلا ينتفع المأذون له برحاه، ويجوز له تحويل النهر إذا أذن له صاحب الغرس وصاحب الرحى بتحويله. (المسألة 139): النبات يتبع الارض التي تنبته في الحكم، فإذا كانت الارض مملوكة لاحد من الناس كان النبات الذي تخرجه مملوكا لصاحب الارض، سواء كان مما تخرجه الارض بنفسها أم خرج فيها بزرع زارع أو غرس غارس، وسواء كان مما يأكله الناس أو الانعام أم كان مما لا يؤكل، فلا يجوز لاحد أن يتصرف فيه الا باذن مالك الارض، وإذا وضع يده عليه أو تصرف فيه بغير رضا مالكه كان غاصبا آثما في فعله. وإذا كانت الارض مواتا غير مملوكة لمالك كان النبات الذي تخرجه بحكمها، فهو من المباحات الاصلية فتشترك فيه الناس عامة، وإذا سبق إليه احد من الناس فحازه لنفسه ملكه بالحيازة، وكان مختصا به، الا أن يحدث ما يوجب الاشتراك في الملكية، ولا تختص هذه الاحكام بالكلاء وما تأكله الانعام والدواب والحيوان بل تشمل العقاقير والادوية والزهور وما يأكله الانسان من النباتات، وما ينتفع به في مأكولاته ومشروباته من التوابل والابزرة والمطيبات والمشهيات، وما ينتفع به

[ 232 ]

في غير ذلك كالحطب والخشب والقصب والبردي وغيرها. (المسألة 140): ذكرنا في المسألة التاسعة عشرة ان المسلم إذا سبق إلى قطعة من الارض الميتة فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء ونبات أو ماء عذب أو حطب أو قصب أو نحو ذلك من المباحاث العامة الموجودة في الارض كان هذا السابق أولى بتلك القطعة التي استولى عليها وبمنافعها مادامت يده مستولية عليها، وان لم يحي الارض ولم يحجرها، فلا يجوز لاحد غيره من الناس أن يضع يده على تلك الارض، ولا على كلائها ونباتها ومنافعها الا باذنه، وكذلك إذا سبق إلى الارض الميتة كافر ذمي أو معاهد ممن تكون يده محترمة في شريعة الاسلام لذمته أو معاهدته.

[ 233 ]

[ الفصل التاسع ] [ في المعادن ] (المسألة 141): المعادن بقاع مخصوصة من الارض تكون اجزاء الارض فيها ذات خصوصيات مرغوبة عند افراد الانسان، وهو يطلبها لتلك الخصوصيات ولكثرة افادته منها، وقد يكون بعض تلك البقاع للخصوصيات الموجودة فيها سببا لتحويل المياه والابخرة وشبهها إذا اجتمعت فيها إلى مواد ذات قيمة، بل والى ذات ثروة كبيرة يتنافس عليها الناس، كالنفط والكبريت، والقار والملح والزيبق والزرنيخ. وكالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، وكالزمرد والزبرجد والفيروزج والعقيق والياقوت، وامثال ذلك من المعادن النفيسة وغير النفيسة، والمألوفة وغير مألوفة بين الناس، وقد تعرضنا لذكر المعادن والاحجار الكريمة في كتاب الخمس من هذه الرسالة وفي مبحث ما لا يصح السجود عليه من كتاب الصلاة. (المسألة 142): يقول جماعة من الفقهاء (قدس الله ارواحهم): تنقسم المعادن إلى نوعين النوع الاول المعادن الظاهرة على وجه الارض، كالملح والكحل والقار والمومياء وهذا النوع كسائر المباحات الاصلية يملك بالاخذ والحيازة، فإذا أخذ الانسان

[ 234 ]

منه شيئا ملك ما أخذه وبقي الباقي الذي لم يأخذه من المعدن مشتركا بين عموم الناس، والنوع الثاني المعادن الباطنة في الارض، وهذا النوع انما يملك بالتعمير والاحياء. والظاهر أن هؤلاء الاجلة (تغمدهم الله برضوانه) يريدون من النوع الاول: المعادن التي تكون جاهزة بنفسها، فيمكن للرجل ان ينتفع بها بالفعل، سواء كانت ظاهرة على وجه الارض أم كانت بحكم الظاهرة، وهي التي يستولي عليها الانسان بعد حفر يسير في الارض، كمعادن الجص والنورة والموميا والكبريت والفيروزج والمرمر التي تستخرج ويستولى عليها بعد ازالة الرمل والتراب من وجه الارض. والحكم في هذه المعادن الجاهزة بنفسها كما افاده هؤلاء الاجلة (رضي الله عنهم) فهي مما يملكه الانسان بالحيازة، فإذا اخذ منهما شيئا كثيرا أو قليلا ملكه سواء أخذه من ظاهر الارض أم استولى عليه بعد الحفر كما قلنا ولا ينافي ذلك أن بعض هذا النوع يحتاج إلى الاحراق كالجص والنورة، وبعضه يحتاج إلى نشره بالمناشير والى تسوية وجوهه بالآلات كالمرمر، فان هذا المقدار من العمل لا يخرجها عن حكم المباحات العامة، ولا تكون بسببه من النوع الثاني الذي لا يملك الا بالاحياء، ويبقى الباقي الذي لم يأخذه الرجل من المعدن مباحا لغيره من الناس، بل وله متى شاء. (المسألة 143): النوع الثاني: المعادن التي لا تكون جاهزة بالفعل ليستفيد الانسان منها فوائدها المطلوبة متى أخذها، بل تفتقر حتى تبلغ هذه الغاية إلى اجراء أعمال وتعمير واحياء كمعدن العقيق والياقوت والزبرجد ونحوها من الاحجار الكريمة

[ 235 ]

فهي تتوقف على حك وتصفية حتى تصبح جواهر نافعة، وكمعدن الزيت والنفط فانه يحتاج إلى حفر ابار واستخراج وتصفية بآلات وأجهزة معقدة متنوعة حتى تنتج انواع من الزيت المطلوبة، وكمعادن الذهب والفضة والنحاس والحديد و والرصاص فانها تفتقر إلى اعمال كثير من الوسائل في العمارة والاحياء. والحكم في هذا النوع من المعادين انها لا تكون مملوكة للانسان الا بالتعمير والاحياء، ولا فرق فيها بين أن تكون ظاهرة على وجه الارض وأن تكون مستورة في باطنها أو في أعماقها فتحتاج إلى تنقيب وحفر ابار واعداد اجهزة ووسائل معقدة. وإذا حفر الانسان البئر ولم يحيى المعدن بالفعل لم يملكه، وكان حفره للبئر وتعيين الموضع تحجيرا يثبت به للحافر حق الاولوية من غيره، وقد سبق نظير هذا الحكم في من حفر له بئرا في أرض ميتة ولم ينبع ماؤها، أو حفر له فيها عينا ولم يخرج ماؤها فلا يكون ذلك احياء للبئر أو العين، ولا يملكها بذلك ويكون حفرهما تحجيرا للموضع من الارض الميتة تثبت للمحجر به الاولوية. (المسألة 144): إذا سبق انسان إلى احد المعادن التي لا تملك الا بالاحياء وشرع في مقدمات احيائه ثم تركه وأهمله، خيره الولي العام للمسلمين بين أن يتم احياء المعدن، وأن يرفع يده عنه لمن يريد احياءه من الناس واجبره على أن يختار أحد الامرين، وإذا اعتذر عن تعطيل العمل بعذر مقبول عند العقلاء امهله ولي المسلمين مدة يزول فيها عذره فإذا انقضت المدة الزمه بأن يختار احد الامرين ويتولى الحاكم الشرعي في عصر غيبة الامام (ع) وسبق نظير هذا الحكم في المسألة التاسعة والخمسين.

[ 236 ]

(المسألة 145): إذا أحيى انسان قطعة من الارض الموات فوجد في الارض المحياة: بعض المعادن ملك الارض بالاحياء وملك المعدن الذي وجده فيها بتبع الارض، سواء وجد المعدن ظاهرا على وجه الارض أم عثر عليه في باطنها، ومثال ذلك: أن يشق له في الارض نهرا أو يحفر بئرا فيجد المعدن في اثناء حفره، فيملكه لانه جزء من أرضه، ومن توابعها وإذا كان المعدن في الاعماق البعيدة عن وجه الارض بحيث لا يعد عرفا من اجزاء الارض ولا من توابعها لم يملكه الرجل مع الارض باحيائها ومن أمثلة ذلك: ابار النفظ وشبهه مما يحتاج في استخراجه إلى حفر كثير في الاعماق فلا يملك مثل هذا المعدن باحياء الارض، وانما يملك باحياء المعدن نفسه على الوجه الذي تقدم بيانه. (المسألة 146): يجوز للانسان أن يستأجر أجيرا لاستخراج المعدن من موضعه في الارض باجرة معلومة بينهما، ويجوز له أن يستأجره لاحياء المعدن إذا كان محتاجا إلى الاحياء، وكان العمل المستأجر عليه معلوما بين المتعاقدين، والاحوط أن يكون مقدرا في المدة، ولا تصح الاجارة إذا كان بدل الاجارة مجهولا، ومثال ذلك: أن يستأجر العامل يستخرج المعدن بربع ما يخرجه منه أو بثلثه، ويمكن للمتعاقدين إذا فقد بعض شروط الصحة في الاجارة أو شكا في تحقق شرط منها أن يوقعا المعاملة بينهما على وجه الصلح. (المسألة 147): لا يجوز للانسان أن يضع يده على مقاطعة كبيرة لا يستطيع احياءها بنفسه

[ 237 ]

من الارض الموات ثم يقسم المقاطعة بين أفراد متعددين من عشيرته أو غيرهم ليحيى كل فرد منهم حصته ويكون الرجل الاول هو صاحب الحق والاستيلاء على الارض كلها، فإذا أخذ كل فرد من العشيرة حصته من الارض واحياها ملكها هذا الفرد المحيي ولا حق للاول في شئ منها. وأولى من هذا الفرض بالمنع وعدم الجواز أن يضع الاول يده على مقدار كبير من المياه المباحة أو المعادن المشتركة ويصنع فيها كما تقدم ذكره من التقسيم على أفراد العشيرة. (المسألة 148): إذا أحيى رجل أرضا ميتة ملك الارض بالاحياء، وإذا وجد في الارض بعض الآثار القديمة التي يعتبرها الناس ذات قيمة تاريخية أو مالية فهي ملك لمحى الارض ويملكها بتبع الارض المحياة، وكذلك إذا اشترى ارضا أو انتقلت إليه باحد الاسباب الموجبة لتملكها شرعا، فإذا عثر فيها على بعض الاثار للامم السابقة فهي ملك له لانها من أجزاء أرضه. (المسألة 149): إذا وقف الرجل شارعا عاما من أرضه المملوكة وسبله للناس وعين للشارع أرصفة لمرور المشاة فيها وجب اتباع ما عينه الواقف، فلا يجوز المرور والاستطراق في الارصفة لركبان الدواب ووسائط النقل، ولا يجوز وقوف السيارات أو الدواب أو وسائط النقل الاخرى فيها، وخصوصا إذا أوجب ذلك منعا أو مزاحمة لمرور المشاة الموقوف عليهم.

[ 239 ]

[ كتاب المزارعة والمساقاة ]

[ 240 ]

[ كتاب المزارعة والمساقاة ] وتفصيل البحث في هذا الكتاب يكون في ستة فصول: [ الفصل الاول ] [ في المزارعة وشروطها ] (المسألة الاولى): الزراعة أحد الاعمال التي تأكد استحبابها في شريعة الاسلام، وقد تعددت النصوص الواردة عن الرسول " ص " وعن الائمة من اهل بيته الطاهرين " ع " الدالة على ذلك، وتنوعت في الحث والتأكيد عليه، ففي الحديث عن يزيد بن هارون الواسطي قال: (سالت جعفر بن محمد " ع " عن الفلاحين، فقال: هم الزارعون كنوز الله في ارضه، وما في الاعمال شئ أحب إلى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيا الا زارعا، الا ادريس " ع " فان كان خياطا) وفي رواية أخرى عنه، قال سمعت ابا عبد الله " ع " يقول: (الزارعون كنوز الانام يزرعون طيبا أخرجه الله (عز وجل) وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما، وأقربهم منزلة يدعون المباركين)، وعن سيابة عنه " ع " قال: سأله رجل، فقال له: جعلت فداك، أسمع قوما يقولون: أن الزراعة مكروهة، فقال له: (ازرعوا واغرسوا فلا والله ما عمل الناس احل ولا أطيب منه) وعنه " ع " (أن الله عز وجل اختار لانبيائه الحرث والزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء)، وبمضمونها روايات عديدة أخرى.

[ 241 ]

(المسألة الثانية): المزارعة معاملة تكون ما بين مالك الارض وشخص اخر يتفقان بينهما على أن يقوم الشخص بزرع الارض لمالكها بحصة من نتاج الزراعة، ولا ريب في شرعية هذه المعاملة إذا توفرت فيها شروط الصحة وسيأتي بيانها مفصلا. ويسميها بعض اللغويين وعلماء الحديث مخابرة، بملاحظة أن كل واحد من المتعاقدين في المعاملة يستحق خبرة من نتاج الزرع والخبرة هي النصيب المعين، أو بملاحظة أن الخبير اسم يطلق في اللغة على الاكار نفسه. وقد روى الصدوق في كتابه معاني الاخبار (أن النبي " ص " نهى عن المخابرة)، وهذا الخبر محمول على صورة وجود تنازع وتشاجر في المعاملة بين المتعاقدين، فلا نهي ولا كراهة في المزارعة إذا لم تؤد الى ذلك. (المسألة الثالثة): المزارعة معاملة معلومة تجري بين عامة الناس، وهي عقد من العقود يجري بين الطرفين المتعاملين، ولذلك فهي لا تتم ولا تنفذ الا بايجاب وقبول بينهما ويجوز فيها أن يكون الايجاب من مالك الارض ويكون القبول من الزارع، ويمكن أن يقع الايجاب من الزارع، ويقع القبول من صاحب الارض، ويصح أن يقع الايجاب من أحدهما باي لفظ يكون دالا على انشاء عقد المزارعة بينهما بحصة معينة من حاصل الزراعة، فيجوز للموجب منهما أن ينشى، العقد بصيغة الفعل الماضي، وبصيغة الفعل المضارع، وبصيغة فعل الامر، وبالجملة الاسمية فيقول مالك الارض للزارع: سلمت اليك ارضي المعلومة لتزرعها حنطة مثلا ويكون لي النصف أو الثلث من الحاصل الذي ينتج من الزرع ولك الباقي منه، أو يقول له:

[ 242 ]

ازارعك في ارضي على كذا، ويذكر له القيود والشروط، أو يقول له: ازرع لي هذه الارض بالحصة المعينة وهكذا في أي لفظ يكون دالا على ايجاد المعاملة المقصودة بينهما دلالة ظاهرة يعتمد عليها اهل اللسان، وأن كان ظهوره بسبب قرينة موجودة تدل على المراد، سواء وقع من مالك الارض أم من الزارع. ولا يتعين أن يكون انشاء العقد بلفظ عربي، فيصح أن يقع انشاؤه بأي لغة اخرى تكون دالة عليه في عرف أهل ذلك اللسان، ويجوز أن يكون القبول كذلك بأي لفظ يكون دالا على رضى القابل بالمعاملة وبشروطها التي اتفق عليها الطرفان سواء وقع من الزارع أم من صاحب الارض. (المسألة الرابعة): يجوز أن ينشأ عقد المزارعة بالمعاطاة الدالة على المعاملة المقصودة، فإذا دفع المالك أرضه إلى الزارع ليزرعها له بحصة معلومة من حاصل الزراعة وقصد بدفعه الارض انشاء المعاملة، ثم قبض الزارع الارض منه بقصد انشاء القبول على الشروط المتفق عليها بينهما، صحت المعاملة ونفذت، وكانت لازمة على الاقوى وسيأتي ذكر ذلك في موضعه، وانما تجري المعاطاة بعد أن يعين بين الطرفين ما يحتاج إلى تعيينه ويشترط ما اتفقا على اشتراطه، ثم ينشأ العقد بالمعاطاة مبنيا على ذلك، فتكون القيود والشروط بذلك بحكم المذكورة في العقد. ويجوز أن يكون العقد مؤلفا فيكون الايجاب باللفظ والقبول بالفعل وبالعكس ويصح أن يقدم القبول على الايجاب على الوجه الذي يأتي ايضاحه وقد سبق نظير ذلك في بعض العقود. (المسألة الخامسة):

[ 243 ]

لا ريب في أن الارض مملوكة لمالكها الشرعي، ويتبعها في ذلك نماؤها وجميع ما يحصل منها من فائدة ومنفعة، فلا يحق للزارع أن يتصرف في الارض الا باذن مالكها، ولا يستحق من نمائها وفوائدها شيئا الا بتمليكه، ولا ريب كذلك في أن عمل العامل الحر ملك خاص له، ولا سلطان لاحد غيره على عمله، ولا على شئ من نتاجه وفوائده الا بتمليكه. ومن اجل ذلك كانت المزارعة عقدا لا يتم الا بايجاب وقبول من المتعاملين ومن أجل ذلك صح أن يقع الايجاب فيها من مالك الارض ومن الزارع، ويكون القبول من الطرف الثاني منهما، فإذا قال مالك الارض للزارع: سلمت اليك ارضي المعلومة لتزرعها حنطة ويكون لك النصف أو الثلث مما تنتجه الارض من حاصل هذه الزراعة، ويكون لي الباقي من حاصلها، أو قال له: زارعتك على أن تزرع ارضي حنطة ويكون حاصل زراعة الارض بيننا على النهج المذكور، كان مالك الارض هو الموجب في المعاملة، ولا يتم العقد ولا ينفذ الا بقبول الزارع بعد أن يتم الايجاب، ويجوز أن يقدم القبول قبل الايجاب، فيقول الزارع لمالك الارض وقبل ايجابه: رضيت بالمزارعة التي تنشئها على الشروط التي اتفقنا عليها ما بيننا ويصح العقد منهما على كلا الوجهين. وإذا ابتدأ الزارع بالايجاب فقال لمالك الارض: استلمت منك ارضك المعلومة لازرعها وتكون الحصص بيني وبينك بالمناصفة مثلا في نتاج الزراعة، أو على النهج المعين الذي اتفقنا عليه فيكون الزارع هو الموجب، ولا يتم العقد ولا ينفذ الا بقبول المالك بعد هذا الايجاب، ويصح للمالك أن يوقع القبول سابقا على الايجاب، فيقول للزارع قبل ايجابه رضيت بمزارعتك التي تنشئها، على

[ 244 ]

الوجه والقيود التي اتفقنا عليها والشروط التي ردناها. (المسألة السادسة): يشترط في صحة عقد المزارعة أن يكون صاحب الارض بالغا وعاقلا ومختارا في فعله، فلا يصح عقده إذا كان صبيا أو كان مجنونا، أو كان مكرها أو مقسورا على الفعل، وأن يكون قاصدا لما ينشئه فلا يصح عقده إذا كان سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد لما يقول، أو كان هازئا أو هازلا غير جاد في قوله وفعله، وأن يكون رشيدا غير محجور عليه لسفه، سواء كان سفهه موجبا للحجر عليه في ماله خاصة أم في جميع تصرفاته، وقد ذكرنا تفصيل هذا في كتاب الحجر، وأن يكون غير محجور عليه في ماله لفلس، وأن يكون مالكا للتصرف في ماله من الجهات الاخرى، فلا يصح عقده إذا كان غير نافذ التصرف فيه لبعض الموانع منه. ومثال ذلك: ما إذا كانت منفعة الارض مملوكة لغيره باجارة وشبهها، أو كانت الارض مرهونة عند غيره على دين لذلك الغير، أو كانت قد تعلق بها حق اخر يمنع المالك من التصرف فيها أو في منفعتها. ويشترط في صحة العقد كذلك أن يكون الزارع جامعا للشرائط المذكورة كلها على النحو الذي ذكرناه في صاحب الارض، نعم، لا يضر في صحة المزارعة أن يكون الزارع مفلسا، إذا كانت مزارعته لا تستلزم تصرفا في امواله الموجودة لديه والتي قد تعلق الحجر بها لحقوق الغرماء. (المسألة السابعة):

[ 245 ]

يشترط في صحة عقد المزارعة أن يجعل في العقد جميع ما يحصل من زراعة الارض مشاعا بين المتعاقدين، فلا يصح العقد إذا جعل نماء الزراعة كله لاحد الطرفين دون الاخر، ولا يصح إذا اشترط أن يكون لاحد المتعاقدين مقدار معين من الحاصل يختص به، فيشترط صاحب الارض على الزارع أو يشترط الزارع على صاحب الارض أن تكون له عشرة امنان من الحنطة الحاصلة من الزراعة يختص بها دون صاحبه، ولا يعلم بأن ما يحصل من نتاج الزرع يفضل عن ذلك المقدار ام لا، فيبطل العقد في هذه الصورة، ويبطل ايضا إذا جعل الباقي من الحاصل إذا اتفق وجوده خاصا بالثاني منهما، أو جعل مشتركا بين الطرفين فيكون العقد في جميع هذه الصور، وتلاحظ المسألة الخامسة والعشرون الاتية. ولا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل من الزراعة بينهما بحسب الزمان فاشترطا مثلا أن يكون ما تنتجه الزراعة في أول الوقت يختص بأحدهما، وما تنتجه في اخر الزمان يكون للثاني، أو اقتسما النتاج بحسب الامكنة من الارض فما تنتجه القطعة الاولى المعينة من الارض يكون لاحدهما وما تنتجه القطعة الثانية يختص بالاخر. ولا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل بحسب النوع الذي تنتجه الزراعة، فما تنتجه الزراعة من الحنطة يكون مثلا يكون مملوكا لاحدهما، وما تنتجه من بقية أنواع الحبوب أو المخضرات يكون مملوكا للثاني، فيبطل عقد المزارعة في جميع هذه الفروض، وتصح المعاملة فيها إذا انشئت على نحو المصالحة عليها بين الطرفين. (المسألة الثامنة):

[ 246 ]

يشترط في صحة عقد المزارعة زائدا على الشروط المتقدم ذكرها: أن تجعل في العقد لكل واحد من المالك والزارع حصة معلومة المقدار من مجموع حاصل الزراعة، النصف منه أو الثلث أو الربع أو الخمس أو غير ذلك من الكسور، حسب ما يتفق عليه المتعاملان، سواء تساوت الحصتان المجعولتان لهما في المقدار أم تفاوتتا، فيكون المجموع بينهما حصتين على المناصفة أو على المثالثة، فلاحدهما ثلث الحاصل وللاخر ثلثاه، أو على غير ذلك، فلاحدهما ربع النتاج وللثاني ثلاثه ارباعه، وهكذا. ففى صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله " ع " قال: (لا تقبل الارض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا باس به)، وقال " ع ": (لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس)، وفي صحيحة ابي الربيع الشامي عنه " ع "، انه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل اخر، فيشترط عليه ثلثا للبذر وثلثا للبقره فقال فقال " ع ": (لا ينبغي أن يسمي بذرا ولا بقرا، ولكن يقول لصاحب الارض: ازرع في ارضك ولك منها كذا وكذا، نصف أو ثلث أو ما كان من شرط ولا يسم بذرا ولا بقرا، فانما يحرم الكلام)، وبمضمونها ادلة معتبرة اخرى. فلا يصح العقد إذا لم يعين مقدار الحصة كذلك، فقال له مثلا: زارعتك على أن تكون لك حصة من الحاصل نتفق على تقديرها في ما بعد، أو على أي مقدار تريده أو على ما يعينه لك فلان. (المسألة التاسعة): إذا ذكر المتعاقدان للمزارعة بينهما مدة وجب عليهما أن يعينا للمدة أمدا محدودا بالاشهر أو السنين، فيقول الموجب من الطرفين لصاحبه: أسلمت اليك

[ 247 ]

هذه الارض لتزرعها لي مدة ثلاث سنين مثلا أو أربع، على أن يكون لي الثلث من الحاصل الذي. تخرجه الزراعة كل سنة من هذه المدة ولك الثلثان منه، ويقول الاخر: قبلت المزارعة في هذه المدة المعينة على الشرط الذي ذكرت. وإذا ذكرا للمزارعة مدة ولم يجعلا لها أجلا مسمى بطل العقد بينهما ومثال ذلك أن يقول الموجب لصاحبه: سلمت اليك الارض لتزرعها مدة من الزمان، فيكون لي الثلث من ناتج الزراعة ولك الباقي منه، فيبطل العقد لعدم التعيين، وإذا ذكر للمزارعة مدة وعيناها لزم أن يكون الاجل المعين بمقدار يحصل فيه الزرع، ويتم ادراكه بحسب العادة المتعارفة لذلك الزرع، فلا يصح العقد إذا كان الاجل اقل من ذلك. ويكفي في صحة العقد أن تعين المدة فيه على وجه الاجمال، فإذا قال المالك لصاحبه أسلمت اليك الارض لتزرعها حنطة في هذا العام، ويكون لي الثلث من حاصل الزرع ولك الثلثان صح العقد، وتكون المدة من أول الوقت المتعارف لابتداء زراعة الحنطة في اثناء العام إلى حين ادراكها، وكذلك إذا عين مبدأ الشروع في الزرع فقال له: أسلمت الارض اليك لتزرعها حنطة من أول شهر كذا، فيصح العقد ويحمل الآخر على الوقت الذي يتم فيه ادراك الزرع بحسب العادة، وترتفع بذلك الجهالة. (المسألة العاشرة): يشترط في صحة المزارعة أن تكون الارض التي تقع عليها المعاملة قابلة للزراعة المقصودة، فلا يصح العقد إذا كانت الارض غير صالحة لذلك مطلقا ومثال ذلك: أن تكون الارض سبخة مالحة يمكن علاجها والانبات فيها، أو يكون

[ 248 ]

وجهها مكسوا بالصخور والصلدة والحجارة الملساء، فلا تثبت فيها الجذور ولا تنمو فيها البذور، أو تكون مغمورة بالمياه، فلا يستطاع تجفيفها ليقوم فيها زرع أو يثمر فيها نبت، أو تكون قد استولت عليها الرمال الكثيفة الناعمة وتراكمت على وجهها فلا يقدر على ازالتها، أو تكون بعيدة عن منابع الماء وموارده، وعن مساقط الغيث والقطر فلا تمكن سقايتها، ولذلك فلا ينبت فيها زرع ولا ينمو فيها عود. وتصح المزارعة على الارض إذا أمكن الزرع فيها بالعلاج والاصلاح فكان مالك الارض قادرا على اصلاحها وتسليمها بعد الاصلاح للزارع قابلة للزرع والانبات، أو كان الزارع نفسه قادرا على أن يصلح الارض حتى تصبح قابلة لذلك ولو باستخدام الالات والوسائل الحديثة المعدة لمثل ذلك، ولا ريب في أن ذلك يتبع الشرط بينهما، فإذا شرط مالك الارض على العامل أن يقوم باصلاح الارض وكان العامل قادرا على القيام به، أو شرطه العامل على مالك الارض، وجب على المشروط عليه أن يفي بالشرط، وصحت به المعاملة، وان احتاج الاصلاح إلى مدة طويلة، سنة أو سنتين أو اكثر، مع ذكر ذلك في العقد، وتلاحظ المسألة التاسعة والستون. (المسألة 11): إذا اتفق المتزارعان بينهما على ارادة نوع خاص من الزرع في الارض: حنطة أو شعير أو غيرهما من أنواع المزروعات وقصداه معا في نفسيهما حين اجراء المعاملة، تعين ذلك النوع في المعاملة الجارية بينهما، ووجب على الزارع ومالك الارض اتباعه والوفاء به، وكفى ذلك عن الاشتراط الصريح في العقد، ويكفي ايضا

[ 249 ]

عن الاشتراط الصريح في العقد أن يكون ذلك النوع الواحد من الزرع هو المتعارف بين عامة الناس في ذلك البلد لمثل هذه الارض ومن ذلك العامل، وهو الذي ينصرف إليه الاطلاق بينهم، فيتعين الاتيان بذلك النوع، ويكون الانصراف إليه كالشرط الصريح في العقد. وإذا كانت الارض صالحة لعدة أنواع من الزرع فيها، وعلم من القرائن الموجودة: أن مالك الارض وزارعها كليهما قد قصدا في نفسيهما التعميم لجميع الانواع التي تمكن زراعتها في الارض، صح العقد، وكان العامل مخيرا في الزراعة بين جميع الانواع المقصودة لهما، فاي الانواع منها أتى به كان وفاء بالعقد، وإذا كانت الارض قابلة لعدة انواع من الزرع فيها، ولم يقصد المالك والزارع العموم لتلك الانواع، ولم يتفقا على ارادة نوع معين منها، ولم ينصرف الاطلاق عند العقلاء من الناس في البلد إلى نوع مخصوص من الزرع فيها، وجب على المتعاقدين أن يعينا النوع الذي يريدان في المعاملة بينهما من أنواع الزرع، وإذا هما لم يعينا نوعا خاصا منها بطل العقد. (المسألة 12): المزارعة كما قلنا اكثر من مرة معاملة تتضمن أن يسلط المالك العامل على أرضه ليتصرف فيها ويزرعها له، وأن يملكه حصة معينة من الحاصل الذي تخرجه الارض بسبب الزراعة، ولذلك فلابد من فرض وجود ارض تتعلق بها المعاملة المذكورة، ويتعلق بها العمل من الزارع، ويحصل منها النتاج، وبدون هذا الفرض لا يمكن أن تتحقق المعاملة الخاصة والعقد بين الطرفين، وهو أمر في غاية الوضوح والجلاء.

[ 250 ]

والارض التي تتعلق بها المزارعة قد تكون مفروضة الوجود في الخارج وقد تكون كلية موصوفة، يلتزم بها المالك في ذمته أن يسلمها للعامل كما وصف ويتعاقد معه على زراعتها، وإذا كانت مفروضة الوجود في الخارج فقد تكون متشخصة فيه متميزة بوجودها الخاص عن غيرها، وقد تكون على وجه الكلي في المعين، فهي على ثلاث صور مختلفة. (الصورة الاولى): أن تكون الارض التي تتعلق بها المعاملة مفروضة الوجود في الخارج، وأن تكون متشخصة متميزة بوجودها الخاص عن سواها، والاحوط في هذه الصورة أن يعين في عقد المزارعة مقدار الارض وحدودها بين المتعاقدين فتكون معينة غير مبهمة لديهما، وبذلك يصح العقد عليها من غير ريب، وإذا أهمل ذلك ودار أمر الارض بين الاقل والاكثر بطل العقد على الاحوط. وكذلك الحكم إذا كان للمالك أكثر من أرض واحدة وكانت اراضيه مختلفة في المقادير والحدود وأراد أن يزارع العامل على واحدة منها، فالاحوط له أن يعين الارض التي يجري عليها المعاملة ويعين مقدارها وحدودها، وبدون ذلك يبطل العقد على الاحوط، وخصوصا إذا كانت أراضيه مما تختلف حصة العامل في زراعتها عند أهل العرف من البلاد. (المسألة 13): (الصورة الثانية): أن تكون الارض مفروضة الوجود في الخارج وأن تتساوى اجزاء الارض في صلاحها للزرع والانتاج، ثم ينشاء عقد المزارعة بين مالك الارض وزارعها على مقدار جريب منها بحصة معلومة من حاصل زراعتها، ولا يبنغي الريب في صحة المزارعة على هذا الوجه، ويكون من العقد على الكلي

[ 251 ]

في المعين من الارض فإذا عين المتعاقدان بعد ذلك جريبا خاصا من الارض، و زرعه العامل على الوجه الذي اراده مالك الارض وانتجت الزراعة استحق كل واحد من المتعاقدين حصته التي عينت له من حاصل ذلك الجريب. ومن أمثلة ذلك: أن يكون للمالك اكثر من قطعة واحدة من الارضين وكل قطعة منها تساوي الاخرى من القطعات في المقدار، وفي صلاح أجزائها للزرع والاثمار، فإذا زارع المالك العامل على قطعة غير معينة منها كان ذلك من المزارعة على الكلي في المعين نظير ما تقدم، وصح العقد على الوجه الذي بيناه في نظيره. (المسألة 14): (الصورة الثالثة): أن ينشاء عقد المزارعة بين المتعاقدين على كلي من الارض موصوف بصفات معينة يكون في ذمة المالك، والظاهر صحة المعاملة في هذه الصورة ايضا فإذا اتفق المالك مع العامل على أن يزرع له أرضا يدفعها إليه و وصف له الارض وصفا ترتفع به الجهالة من الطرفين، وأجريا صيغة العقد بينهما و عينا مقدار حصة الزارع ومقدار حصة المالك من نتاج الزرع، ثم دفع المالك للعامل أرضا تتحق فيها الاوصاف التي ذكرها له في العقد صح ذلك ولزم المتعاقدين الوفاء به. (المسألة 15): لا يجب على عامل المزارعة أن يبذل البذر أو الجذور التي يقوم بزراعتها في الارض، ولا أن يبذل غير ذلك من المصارف والنفقات التي يتوقف عليها الزرع، والواجب عليه انما هو العمل في زرع الارض وتعهده بالرعاية والسقاية حتى يثمر الزرع وينتج، ولا يجب شئ من ذلك على مالك الارض ايضا.

[ 252 ]

ولذلك فيجب على المتزارعين أن يعينا في عقد المزارعة بينهما من يقوم ببذل ذلك من احد الطرفين أو كليهما، وإذا هما أهملا ذلك، ولم يعينا من يقوم بالبذل كان العقد باطلا، وإذا تعارف بين الناس وأصحاب المزارعات أن يكون دفع ذلك على العامل خاصة، أو على مالك الارض خاصة، أو على كليهما، و انصرف اطلاق المعاملة إلى المتعارف من ذلك، صح وعمل على الانصراف المذكور وكفى ذلك عن التعيين الصريح في العقد. (المسألة 16): لا ريب في صحة عقد المزارعة إذا وقع ما بين المالك الشرعي للارض والعامل الذي يتولى الزراعة على الوجوه التي تقدم تفصيلها، ولتوضيح الاحكام قد جرينا على هذا في التعبير في المسائل السابقة من هذا الكتاب، ولا يشترط في صحة المزارعة أن يكون المزارع مالكا لعين الارض، ويكفي في صحة مزارعته للعامل أن يكون مالكا لمنفعة الارض وحدها ملكا تاما يبيح له أن يزارع غيره على الارض وان لم يك مالكا لها، ومثال ذلك: أن يستأجر الارض من مالكها فيملك منفعتها بالاجارة مدة معلومة، أو يملك منفعة الارض بالوصية له بالمنفعة من مالكها قبل موته، أو بوقف المنفعة عليه من واقفها، ويكون ملكه لمنفعة الارض على وجه مطلق يصح له معه أن يسلط غيره على الارض، فيزرعها ويجعل له حصة معينة من نتاجها، ولا يصح له ذلك إذا شرط عليه مالك الارض في عقد الاجارة أو الوصية له أو الوقف عليه أن يتولى الانتفاع من الارض بنفسه، ولا يسلط عليها غيره. (المسألة 17):

[ 253 ]

يجوز للقيم الذي يجعله الواقف متوليا على الوقف العام أو الوقف الخاص أن يزارع من يشاء على الارض الموقوفة التي تدخل تحت ولايته المجعولة له مع اجتماع الشرائط المعتبرة، فتنفذ مزارعته وتترتب عليها أحكامها، وكذلك المتولي العام أو الخاص المنوصب بأمر الشارع لذلك. ومثله الحكم في الوصي الشرعي المجعول بوصية الميت، فتنفذ مزارعته في الارض التي تشملها وصايته المجعولة له من الميت الموصي. وتنفذ مزارعة الولي الشرعي على الطفل أو المجنون أو السفيه إذا زارع أحدا على الارض التي تكون ملكا أو حقا للمولى عليه، وكانت ولايته جامعة للشرائط المعتبرة. (المسألة 18): يكفي في صحة المزارعة أن يكون الرجل مالكا للانتفاع بالارض انتفاعا تاما، وأن لم يكن مالكا للارض نفسها، ولا لمنفعتها على أحد الوجوه التي تقدم ذكرها، ومثال ذلك: أن يحجر الارض وهي موات، وقد تقدم في المسألة السابعة والاربعين من كتاب احياء الموات أن الانسان إذا حجر أرضا مواتا لا يد لاحد عليها كان أولى بالارض التي حجرها من غيره، ومالكا للانتفاع بها، فلا يحق لاحد سواه أن يتصرف في الارض أو يحييها أو يزرعها أو يزارع عليها الا باذنه، ونتيجة لملكه للانتفاع بالارض المحجرة، فإذا زارع أحدا على الارض صحت مزارعته وترتبت عليها أحكامها، فإذا زرعها العامل وانتجت زراعته ثمرا استحق العامل حصته المعينة له من الحاصل وكان الباقي منه لمحجر الارض. وكذلك إذا سبق الانسان إلى أرض ميتة فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما

[ 254 ]

فيها من كلاء ونبات واشياء أخرى من المباحات العامة، فيكون أولى بتلك الارض من غيره، ما دامت يده موضوعة عليها وان لم يحيها ولم يحجرها، ويكون مالكا للانتفاع بها: ولا يجوز لغيره أن يضع يده عليها ولا على شئ من منافعها، وإذا وضع غيره يده عليها بدون اذنه كان غاصبا، وقد ذكرنا هذا في المسالة التاسعة عشرة وفي المسألة المائة والاربعين من كتاب احياء الموات، ويجري فيها الحكم المتقدم، فيصح لصاحب اليد السابقة التي ذكرناها أن يزارع غيره على تلك الارض التي سبق إليها واستحق الانتفاع بها، فتنفذ مزارعته وتتم أحكامها كما ذكرنا في الارض المحجرة. (المسألة 19): إذا زارع الرجل المحجر غيره على الارض التي حجرها وثبت له فيها حق الاولوية، فزرعها له العامل وأحياها بالزراعة ملكها المحجر باحياء العامل لها واستحق العامل حصته من حاصل الزراعة بسبب عقد المزارعة بينهما، ولم يملك الارض ولا نصيبا منها، وكذلك الحكم في الارض التي سبق الانسان لها فوضع يده عليها لينتفع بمائها وكلائها وكن أولى بها من غيره، فإذا زارع احدا عليها كما فرضنا في المسألة المتقدمة وزرعها له العامل ملك المزارع الارض باحياء العامل لها، ولم يملك العامل من الارض شيئا، وانما يستحق الحة المعينة له من حاصل الزراعة بسبب عقد المزارعة بينهما. (المسألة 20): إذا زارع الرجل شخصا على بعض الوجوه التي تقدم ذكرها، والتي تصح المزارعة فيها، فقد يعلم من صريح العقد أو من القرائن الخاصة أو العامة الحافة

[ 255 ]

بالمعاملة والمفهمة للمعنى المراد منها: أن المقصود في المعاملة أن يقوم العامل بزرع الارض وتعهد الزرع حتى ينمو ويثمر، ولو بمزارعة شخص اخر، بحيث لا يباشر العامل العمل بنفسه، ولا ينبغي الاشكال في هذا الفرض في انه يجوز لعامل المزارعة أن يزارع شخصا ثالثا في حصته التي يستحقها من الحاصل، فإذا كان صاحب الارض قد زارعه وجعل له النصف من حاصل الزراعة مثلا، جاز للعامل في تلك الصورة أن يزارع عاملا غيره على الربع مثلا، فيكون لصاحب الارض نصف الحاصل دون نقيصة، وللعامل الثاني الربع، ويبقى الباقي من الحاصل وهو الربع منه للعامل الاول، وإذا دلت القرائن على أن صاحب الارض يشترط على عامله في المزارعة أن يتولى العمل فيها بنفسه، لم يجز له أن يزارع غيره وسنتعرض لبيان الحكم في المسألة على وجه أكثر ايضاحا وتفصيلا أن شاء الله تعالى وإذا صح للعامل أن يزارع غيره في حصته من الحاصل لم يجز له أن يسلم إليه الارض الا باذن صاحبها. (المسألة 21): يجوز للانسان أن يستعير أرضا من مالكها ليزرعها وينتفع بزراعتها، وإذا أذن له مالك الارض في أن يزارع غيره على الارض المستعارة بحصة معينة جاز للمستعير ذلك، فإذا زارع عليها أحدا نفذت مزارعته، وترتبت عليها احكامها ولابد وأن يكون اذن مالك الارض له بذلك صريحا، كما اشترطنا ذلك في اعارة العين ليرهنها المستعير على دين في ذمته، واعارة الارض ليدفن المستعير ميته فيها، ولا يكفي أن يأذن له بأن يزرع الارض، أو بان ينتفع بها حتى يحصل العلم بالاذن له بالمزارعة عليها.

[ 256 ]

(المسألة 22): أرض الخراج هي الارض العامرة التي يأخذها المسلمون من أيدي الكفار بالقوة والغلبة عليهم، وهي ملك عام لجميع المسلمين، تنفق فوائدها ومنافعها في مصالحهم وشؤونهم العامة، ولا يختص مالكهابأفراد المسلمين واحادهم. نعم إذا تقبل انسان قطعة من الارض الخراجية من سلطان المسلمين، أو من الولي الشرعي على أمورهم، ثبت لذلك الشخص حق الاختصاص بتلك القطعة التي تقبلها، ووجب عليه أن يؤدي خراجها، والخراج هو الضريبة الخاصة التي يجعلها السلطان أو ولي الامر على تلك القطعة لتنفق في الشؤون العامة للمسلمين وجاز لذلك الشخص الذي تقبل الارض أن ينتفع بها، وملك ما يفضل عن الخراج من حاصلها وفوائدها، ويصح له أيضا أن يزارع احدا على تلك الارض، فيزرعها له بحصة يعينها له من حاصل الزراعة، ويصح بذلك عقد المزارعة بينهما بعد أن ثبت له حق الاختصاص بالارض، ويجوز له أيضا أن يشترط على العامل في عقد المزارعة أن يكون الخراج مما يؤديه للسلطان كله على كليهما، فتكون حصة العامل وحصة المزارع مما يفضل من حاصل الزراعة بعد دفع الخراج منه. (المسألة 23): إذا أذن مالك الارض لرجل معين في أن يزرع له أرضه، ولم يجر معه عقد المزارعة، واشترط عليه في اذنه له بزراعة الارض أن يكون للمالك النصف أو الربع مثلا من حاصل الزرع، جاز للرجل أن يزرع الارض كما اذن له مالكها، وإذا فعل استحق المالك الحصة المعينة التي اشترطها عليه في اذنه وكان الباقي للرجل، ولا يكون ذلك من المزارعة المصطلحة المبحوث عنها في هذا الكتاب، ولذلك فيجوز

[ 257 ]

لمالك الارض أن يرجع عن اذنه متى شاء، ويجوز للعامل أن يترك الزرع إذا اراد. وكذلك الحكم إذا أذن مالك الارض اذنا عاما لكل من يريد زراعة الارض واشترط عليه في اذنه أن تكون الحصة المذكورة من حاصل الزرع لمالك الارض والباقي منه للعامل، فيجوز لاي شخص اراد: أن يستجيب لاذن المالك بالزرع على الشرط المعين، ولا يكون ذلك من عقد المزارعة، وانما هو ايقاع للاذن من المالك واستجابة له من العامل. ونظير ذلك أن ينشئ المالك المعاملة بصورة الجعالة، فيقول: من زرع هذه الارض أو هذه القطعة المعينة منها، فله النصف من حاصل الزرع ولي الباقي، فإذا استجاب له عامل وزرع الارض استحق الحصة، وكان الباقي من الحاصل للمالك وكان ذلك ايقاعا، ولم يكن من المزارعة المصطلحة بين الفقهاء، وتلاحظ المسألة الثلاثون الآتية. (المسألة 24): لا تصح المزارعة بين الرجلين على أرض ميتة لم يسبق أحدهما بتحجيرها فيكون أولى بها من غيره بسبب تحجيرها، ولم يسبق أحدهما بوضع يده عليها لينتفع بما فيها من مباحات أصلية فيكون له حق السبق إليها، ولذلك فلا يكون احد الرجلين أولى بالارض الميتة من صاحبه، فيكون هو صاحب الحق فيها. ويجوز للرجلين أن يشتركا في العمل في زرع تلك الارض، فإذا هما اشتركا في العمل واثمرت زراعتهما استحق كل واحد من حاصل الزرع بمقدار عمله فيها وملك من الارض نفسها بذلك المقدار ايضا، لانهما قد اشتركا في احيائها بالزراعة، ولا يكون ذلك من المزارعة التي يبحث الفقهاء عنها في هذا الكتاب.

[ 258 ]

ويجوز للرجلين أن يشتركا في البذور والحبوب التي تزرع في الارض المقصودة لهما، وفي المصارف والنفقات التي تنفق على الزرع، والعمل فيه فيستحق كل رجل منهما من النتاج بمقدار ما بذل من النفقة، ويمكن لهما أن يتفقا بينهما فيكون البذل والانفاق من أحد الرجلين، والعمل من الاخر، فيؤجر العامل منهما نفسه لصاحبه بالنصف من الحاصل مثلا، أو بالثلث منه، أو بغير ذلك حسب ما يتراضيان، وعلى أي حال فلا تكون المعاملة الجارية بينهما من المزارعة المصطلحة التي يبحث عنها الفقهاء في كتاب المزارعة. (المسألة 25): يصح لاحد المتعاملين في المزارعة أن يشترط في العقد على صاحبه لنفسه مقدارا معينا من المال يخرج من حاصل الزرع، فيختص هو بهذا المقدار دون صاحبه، ثم يقسم الباقي من الحاصل بينهما، فيأخذ كل واحد منهما حصته المعينة من الباقي، ومثال ذلك: أن يشترط صاحب الارض لنفسه عشرة امنان من الحنطة تخرج مما يحصل لهما من زراعة الحنطة في الارض فيختص مالك الارض بها ويقسم الباقي من حصيلة الزراعة بينه وبين العامل على المناصفة مثلا، فإذا قبل العامل بالمعاملة وبالشرط صح ولزم العمل به، وكذلك إذا اشترط العامل ذلك لنفسه على صاحب الارض، فيصح وينفذ مع القبول، انما يتم ذلك وينفذ إذا علم أن ما يحصل من زراعة الارض يزيد على المقدار المعين الذي يشترطه المشترط لنفسه، وتلاحظ المسألة السابعة. ويصح لصاحب الارض أن يستثني مقدار ما يأخذه السلطان على الارض من الخراج أو الضريبة فيشترط على العامل خروج ذلك من حاصل الزراعة، ثم

[ 259 ]

يقسم الباقي بينهما، ويصح لباذل البذر أن يستثني قيمة البذور والنفقات والمصارف التي ينفقها على الزرع، أو على تعمير الارض أو السقاية، فيشترط اخراج ذلك من مجموع ما يحصل من الزرع، وتكون القسمة على الحصتين بعد ذلك، فيصح ذلك كله على الاقوى، إذا علم بأن ما يحصل من نتاج الزراعة يزيد على المقدار الذي استثناه، وتبطل المعاملة إذا علم بأن الحاصل لا يفي بذلك، أو لا يزيد عليه، وتبطل كذلك إذا شك في أن الحاصل يزيد على المقدار المستثنى ام لا يزيد عليه.

[ 260 ]

[ الفصل الثاني ] [ في احكام عقد المزارعة ] (المسألة 26): المزراعة أحد العقود اللازمة، فإذا تم الايجاب والقبول بين المتزارعين على احد الوجوه التي فصلناها وقلنا بصحتها، لم يجز لواحد منهما فسخ العقد وعدم الوفاء به، الا إذا اتفق الطرفان، فأقال كل منهما صاحبه، كما في غيره من العقود، وقد ذكرنا الاقالة وبينا احكامها في اخر كتاب التجارة من هذه الرسالة. ويصح فسخ المزارعة إذا كان أحد المتعاقدين فيها قد اشترط لنفسه الحق في أن يفسخ العقد في وقت معين، أو شرط ذلك كلاهما، فيجوز لصاحب الشرط أن يفسخ العقد في الوقت الذي عينه للاخذ بالخيار، ويصح فسخ المزارعة كذلك إذا كان أحد المتعاملين قد اشترط لنفسه على صاحبه شرطا، وجرى عليه الايجاب والقبول بينهما، ثم تخلف الشرط ولم يف به صاحبه، فيثبت له خيار تخلف الشرط، ويجوز فسخها ايضا في الموارد التي يثبت للفاسخ فيها خيار الفسخ بأحد الاسباب التي توجب له ذلك الحق، كالغبن وشبهه من الخيارات التي تجري في جميع المعاملات ولا تختص بالبيع. ولا فرق في الحكم بلزوم المزارعة بين ما ينشأ منها بالايجاب والقبول اللفظيين، وما ينشأ بالمعاطاة، فيكون لازما على الاقوى، وتجرى فيه الاستثناءات

[ 261 ]

المتقدمة. (المسألة 27): تبطل المزارعة إذا طرأ الخراب على الارض التي جرت عليها المعاملة بعدما كانت قابلة للزرع فاصبحت غير صالحة، ومثال ذلك: أن يستولي عليها السبخ الشديد، أو تتراكم علهيا الرمال، أو تطغى عليها المياه حتى تعود أجمة لا يمكن زرعها ولا علاجها ولا اصلاحها، أو تغور المياه الموجودة فيها ولم تمكن سقايتها ولم يكفها ماء الغيث، فيبطل عقد المزارعة بطروء ذلك على الارض، وتلاحظ المسألة العاشرة. (المسألة 28): لا يبطل عقد المزارعة بموت أحد المتعاملين فيها، فإذا كان العقد جامعا للشرائط المعتبرة في صحته ومات احدهما قام ورثة الميت مقامه، فيجب عليهم الوفاء بالعقد الذي أوقعه مورثهم، ولم يجز للآخر الموجود من المتعاملين أن يفسخ العقد. فإذا مات من المتعاقدين صاحب الارض وجب على وارثه تسليم الارض للزارع، وتمكينه من التصرف فيها حتى يتم عمله، ولزمه الوفاء بكل شرط قد اشترط في ضمن العقد للزارع، وأن يلتزم بالاحكام التي يستتبعها عقد المزارعة وإذا كان الميت هو العامل وجب على وارثه من بعده أن يقوم بالعمل لصاحب الارض حسب ما يقتضيه العقد وأن يرتب اثاره واحكامه كلها، وتلاحظ المسألة الآتية.

[ 262 ]

(المسألة 29): إذا كان صاحب الارض قد اشترط على العامل في ضمن عقد المزارعة بينهما أن يتولى العامل الزرع في الارض والعمل في ذلك بنفسه، فقد يكون هذا الاشتراط منه على وجه التقييد لموضوع المزارعة ووحدة المطلوب فيه، والمعنى الصريح لذلك: أن المزارعة التي جرى عليها العقد بينهما انما تعلقت بعمل العامل بنفسه، وبمنفعته الخاصة التي يقوم بها على سبيل المباشرة، فإذا مات العامل في هذه الصورة بطلت المزارعة بموته دون ريب، وذلك لان وارث العامل لا يستطيع أن يقوم مقام مورثه العامل في ذلك فيأتي بموضوع المزارعة حسب ما قيده به المالك. وقد يكون ذلك الاشتراط من صاحب الارض على سبيل تعدد المطلوب في المعاملة، والمعنى المراد من ذلك أن المزارعة التي جرى عليها العقد قد تعلقت بأن يأتي العامل بالعمل على أي وجه اتفق، سواء أتى بالعمل بنفسه أم أتى به غيره بالنيابة عنه، وهذا هو المطلوب الاول، وأن صاحب الارض يشترط على العامل في ضمن العقد امرا زائدا على ذلك، وهو أن يتولى القيام بالعمل بنفسه، وهذا هو المطلوب الثاني في العقد، فإذا مات العامل في هذه الصورة لم تبطل المعاملة بموته، فان الوارث من بعده يستطيع أن يأتي بالعمل بالنيابة عن مورثه، وهو الذي تعلقت به المزارعة، ويثبت لصاحب الارض خيار فسخ المعاملة إذا قام الوارث بالعمل بعد موت العامل لتخلف الشرط، فان ما يأتي الوارث به غير ما شرطه صاحب الارض على مورثه.

[ 263 ]

(المسألة 30): إذا أذن صاحب الارض لشخص في أن يزرع ارضه، واشترط عليه أن يكون حاصل الزرع بينهما بالمناصفة أو المثالثة أو غيرهما من الحصص المشاعة، جاز للشخص المأذون أن يزرع الارض على الشرط المعين، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسألة الثالثة والعشرين، وأوضحنا فيها أن ذلك لا يكون من المزارعة المبحوث عنها، ويتفرع على ذلك: انه يجوز لصاحب الارض أن يرجع عن اذنه للعامل بالزرع متى شاء، ويجوز للعامل المأذون أن يترك العمل متى اراد، فإذا رجع مالك الارض عن اذنه قبل أن يزرع العامل الارض، أو قبل أن ينمو الزرع فيها، بطلت المعاملة، وإذا رجع عن اذنه بعد أن زرع العامل الارض، وبعد أن ظهر بعض الحاصل من الزرع لزم العمل على وفق الشرط في ما ظهر من النتاج، وبطل الاذن في ما لم يظهر منه، وكذلك الحكم إذا نشئت المعاملة بصورة الجعالة، كما سبق منا ذكره في تلك المسألة، فيجري فيها هذا التفصيل ايضا. (المسألة 31): إذا أذن مالك الارض للرجل في أن يزرع ارضه واشترط عليه أن تكون لمالك الارض حصة معلومة من حاصل زرع الرجل فيها كما فرضنا في المسألة المتقدمة فزرع الزارع الارض بعد اذن مالكها، وكان الزارع هو الذي يملك البذر أشكل الحكم في هذه الصورة في أن يرجع مالك الارض عن اذنه فيقتلع الزرع قبل أن يظهر النتاج فيه، ولا ينبغي أن تترك مراعاة الاحتياط بين الجانبين في هذه الصورة.

[ 264 ]

(المسألة 32): إذا اشترط صاحب الارض على العامل أن تكون المزارعة بينهما في مدة معينة، لزم العمل بموجب الشرط، فلا يحق للعامل أن يزرع الارض قبل حلول الوقت المعين، ولا يجوز له أن يترك الزرع بعد حلول الوقت، ويجب أن يكون الاجل بمقدار يحصل فيه الزرع بحسب العادة ويبلغ أوان انتاجه، وتتم فيه حصيلته، ولا يصح العقد إذا كان الاجل قصيرا لا يتسع لذلك، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة. وإذا عين المتعاقدان للزرع مدة معلومة تتسع للزرع بحسب العادة المتعارفة، ثم اتفق أن انقضت المدة، ولم يدرك الزرع فيها لبعض الطوارئ المانعة ولم تتم حصيلته، جاز لصاحب الارض بعد القضاء المدة أن يأمر العامل باقتلاع الزرع من أرضه مجانا، وإذا قلعه العامل بأمره لم يستحق العامل على صاحب الارض ارشا للزرع الذي يقلعه، وجاز لصاحب الارض أن يرضى ببقائه، ثابتا في الارض ولا يستحق على ابقائه في الارض اجرة لارضه، وإذا رضي العامل بابقاء الزرع فيها مع الاجرة جاز لصاحب الارض مطالبته بها واخذها منه، وهذا كله مع وجود الضرر بالفعل على صاحب الارض إذا بقي الزرع في ارضه، ووجود الضرر كذلك على العامل إذا قلع زرعه، فيتخير صاحب الارض كما ذكرناه لسلطنته على أرضه، وإذا وجد الضرر على أحد الطرفين خاصة دون الآخر كان الحكم لمن يصيبه الضرر. (المسألة 33): إذا لزم الضرر على العامل في الحكم عليه بازالة زرعه من أرض المالك في

[ 265 ]

الصورة المتقدمة، ولم يوجد أي ضرر على صاحب الارض بابقاء زرع العامل فيها حتى يدرك لم تصح لصاحب الارض ازالة الزرع عنها، فإذا بقي الزرع فيها استحق صاحب الارض أجرة المثل لارضه على الكامل للمدة التي يبقى الزرع فيها (المسألة 34): إذا تم العقد بين المتزارعين على الوجه الصحيح، ودفع المالك ارضه الى العامل ليزرعها، ثم ترك العامل زراعة الارض مختارا عامدا في تركه حتى انقضت مدة المزارعة بينهما، وجب على العامل أن يدفع للمالك أجرة المثل لارضه بسبب تفريطه في الامانة، بل يجب عليه أن يدفع له ارش الارض إذا نقصت منفعة الارض بسبب اهمالها وترك زرعها وسقيها طول تلك المدة، وكان هذا النقص بعد تفريطه في الامانة. وإذا ترك العامل زراعة الارض في المدة بغير تفريط منه، فلا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بينه وبين مالك الارض. (المسألة 35): إذا ترك العامل زراعة الارض حتى انقضت مدة المزارعة وكان تركه للزراعة بسبب وجود عذر عام له ولغيره أوجب عدم قدرته على الزراعة طول تلك المدة فالظاهر بطلان عقد المزارعة، لعدم امكان انتفاعه بالارض، وقد ذكرنا في المسألة العاشرة أن امكان انتفاع العامل بالارض شرط في صحة المزارعة. ومن الاعذار التي لا يمكن معها الانتفاع بالارض أن تنزل على المنطقة كلها أو على الارض نفسها ثلوج شديدة تمنع من زراعتها، أو تصبح المنطقة أو الارض مأوى لسباع ضارية من الوحوض أو لحشرات فاتكة فلا يمكن دخولها، أو يمنع

[ 266 ]

ظالم مستبد من الوصول إلى المنطقة أو إلى الارض، فلا يتمكن العامل من زراعتها بسبب ذلك فتبطل المزارعة عليها. (المسألة 36): المزارعة كما أوضحنا في المسائل المتقدمة معاملة تقع بين المتعاقدين فيها، على أن يزرع الزارع منهما لصاحب الارض ارضه المعينة، وتكون لكل واحد من الشخصين حصة معلومة مشاعة يستحقها من الحاصل الذي تنتجه الزراعة في الارض، وهذا هو القدر الثابت من ادلة هذه المعاملة، ولا يملك العامل بسبب عقد المزارعة شيئا من منفعة الارض. نعم، يجب على صاحب الارض أن يدفع أرضه للعامل ليزرعها ويقوم بالعمل الخاص الذي وجب عليه بالعقد بينهما ومن الواضح أن ذلك لا يتم الا بتسليم الارض للعامل وتمكينه من التصرف فيها، فتسليم الارض له شرط تقتضيه المعاملة، وإذا لم تسلم له الارض كان له فسخ العقد لفوات الشرط، وسيأتي لهذا مزيد من الايضاح والتبيين في بعض المسائل الآتية ان شاء الله تعالى. فإذا تم عقد المزارعة بين الرجلين على الوجه المطلوب شرعا، ثم غصبت الارض من صاحبها قبل أن يسلمها لعامل المزارعة ولم يكن استردادها من الغاصب، جاز للعامل أن يفسخ عقد المزارعة لفوات الشرط، فإذا هو فسخ العقد بطلت المعاملة، ولم تترتب له ولا عليه أحكامها، وإذا هو أبقى العقد ولم يفسخه لفوات الشرط انفسخت المعاملة بنفسها، لان العامل لا يستطيع الانتفاع بالارض بسبب غصبها كما هو المفروض، فلا فرق في النتيجة بين فسخه وعدم فسخه. وكذلك الحكم إذا غصب الغاصب الارض بعد أن سلمها مالكها للعامل

[ 267 ]

فتنفسخ المعاملة بنفسها لعدم امكان الانتفاع بها، ولا يثبت للعامل خيار الفسخ في هذه الصورة. (المسألة 37): يلزم غاصب الارض ضمان جميع منفعة الارض في جميع مدة الغصب لمالكها الشرعي سواء غصبها من يد المالك نفسه أم من يد عامل المزارعة، وسواء استوفى الغاصب من هذه المنفعة شيئا أم لم يستوف منها شيئا، ولا يضمن لعامل المزارعة حصته من المنفعة، وان كان غصبه للارض من يده، فقد ذكرنا في المسألة المتقدمة: أن العامل لا يملك شيئا من منفعة الارض بعقد المزارعة، ولا يضمن الغاصب لمالك الارض حصته من عمل العامل، ولا يضمن للعامل حصته من عمل نفسه في الارض من حيث انه قد فوته عليه بسبب غصبه للارض. (المسألة 38): إذا عين مالك الارض لعامل المزارعة في ضمن العقد الواقع بينهما أن يزرع في الارض نوعا خاصا من المزروعات، كالحنطة أو الشعير أو الارز أو غيرها من الحبوب أو المخضرات، وجب على العامل أن يقتصر على زراعة ذلك النوع الخاص في الارض ولم يجز له أن يتعدى عنه إلى ما سواه من الانواع الاخرى، وان كان أيسر له في الزرع أو اكثر فائدة له من غيره. (المسألة 39): إذا عين مالك الارض لعامل المزارعة أن يزرع في ارضه نوعا خاصا من المزروعات، فقد يكون هذا التعيين منه بنحو التقييد للمزارعة ووحدة المطلوب فيها، ويكون المستفاد من صريح قول المالك، أو من القرائن الموجودة الدالة على

[ 268 ]

مراده، أن المزارعة التي اجراها مع العامل قد تعلقت بأن يزرع العامل في الارض ذلك النوع الخاص من المزروعات دون غيره، وان هذا هو مقصده ولا غرض له في سواه، ونتيجة لهذا التقييد فإذا ترك العامل زراعة ذلك النوع المعين فقد ترك موضوع المعاملة، ولم يأت بشئ من المقصود فيها، وان زرع في الارض غيره من الانواع. وقد يكون تعيين المالك للنوع الخاص من الزرع بنحو الاشتراط في المعاملة، وعلى سبيل تعدد المطلوب فيها، ويكون المستفاد من صريح قول المالك أو من القرائن الدالة على مراده: أن المقصود الاول من المزارعة هو أن يزرع العامل الارض، وينتفع الطرفان بزراعتها بأي نوع حصل من انواع المزروعات وان له مطلوبا آخر لبعض الاغراض المهمة وهو أن يكون الزرع فيها من الحنطة أو من الشعير مثلا، فيشترط ذلك على العامل في ضمن العقد، ونتيجة هذا الاشتراط فإذا ترك العامل زراعة ذلك النوع المعين لم تبطل المعاملة بتركه، ويثبت لمالك الارض خيار الفسخ لتخلف الشرط الذي شرطه على العامل. (المسألة 40): إذا ترك العامل زراعة النوع الخاص الذي عينه مالك الارض في العقد، وكان تعيينه لذلك النوع بنحو التقييد للمعاملة ووحدة المطلوب فيها حسب ما اوضحناه في المسألة المتقدمة، بطلت المزارعة بينهما لفوات الموضوع الخاص الذي تعلقت به، ولزم العامل أن يؤدي للمالك أجرة المثل لارضه عن المنفعة التي فوتها عليه لما ترك الزراعة المعينة للارض، سواء زرع في الارض نوعا آخر غير النوع المخصوص الذي اراده المالك أم لم يزرع فيها شيئا، وإذا أوجب تصرف

[ 269 ]

العامل في الارض على الوجه المذكور نقصا فيها وجب عليه أن يدفع للمالك أرش ذلك النقص، مع أجرة المثل التي تقدم بيانها، فيلزمه الامران معا في هذه الصورة. (المسألة 41): إذا ترك العامل زراعة الارض بالنوع الخاص الذي عينه له المالك، وزرع غيره من أنواع المزروعات، وكان تعيين المالك لذلك النوع بنحو الاشتراط وتعدد المطلوب حسب ما اوضحناه في المسألة التاسعة والثلاثين، تخير مالك الارض بين أن يفسخ المزارعة الواقعة بينهما وأن يمضيها، فإذا هو اختار الاول ففسخ المعاملة بطلت، واستحق المالك على العامل أن يدفع له أجرة المثل لارضه عن المنفعة التي فوتها العامل عليه، وإذا اختار الثاني فأمضى المعاملة حسب ما فعل الزارع صحت المعاملة كذلك، واستحق كل من المالك والعامل حصته التي جعلت له في العقد من حاصل تلك الزراعة. ولا فرق في جريان الحكم المذكور بين أن ينكشف الامر لمالك الارض بعد تمام الزراعة وبلوغ الحاصل، وأن ينكشف له قبل ذلك، فيثبت له الخيار على الوجه الذي بيناه. (المسألة 42): إذا زرع العامل في الارض نوعا من المزروعات غير النوع الخاص الذي عينه مالك الارض، على نحو التقييد للمعاملة أو على نحو الاشتراط فيها، فنما ما زرعه العامل وأنتج، فان كان البذر الذي زرعه العامل في الارض مملوكا للعامل نفسه، فلا يبنغي الاشكال في أن جميع ما يحصل من ذلك الزرع وما ينتج يكون ملكا للعامل تبعا لملكه للبذر، ولا يستحق مالك الارض منه شيئا، وانما يستحق

[ 270 ]

على العامل اجرة المثل لارضه، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. وإذا كان البذر مملوكا لصاحب الارض وقد تصرف فيه العامل فزرعه في الارض بغير اذنه فان المفروض أن المالك قد عين غير ذلك النوع في زراعة الارض، فيتخير المالك بين أن يطالب العامل بعوض بذره فيأخذ منه مثله إذا كان البذر مثليا وقيمته إذا كان قيميا، فإذا دفع العامل إليه عوض البذر كان البذر والزرع وما يحصل منه كله مملوكا للعامل ولم يستحق المالك منه شيئا بعد دفع البدل إليه ولا يستحق العامل أن يطالب المالك بأجرة على عمله، ويستحق المالك على العامل اجرة المثل لارضه. ويجوز لمالك الارض والبذر أن يغضي عن تصرف العامل في بذره فلا يطالبه بالعوض فيكون الزرع وجميع ما يحصل منه مملوكا له تبعا لملكه للبذر ولا يستحق العامل أن يطالبه باجرة على عمله كما تقدم. (المسألة 43): إذا شرط مالك الارض على العامل أن يزرع فيها نوعا خاصا من المزروعات على نحو تعدد المطلوب وقد أوضحنا المراد منه، ثم تعدى العامل فزرع في الارض نوعا آخر غير ما شرطه المالك، وكان البذر مملوكا للعامل، فإذ لم يعلم مالك الارض بأن العامل قد تعدى وخالف الشرط حتى بلغ الزرع الذي زرعه العامل أوانه وأدرك، جرى فيه نظير الحكم المتقدم، فيتخير مالك الارض بين أن يفسخ المعاملة وأن يرضى بها ويمضيها، فإذا اختار الشق الاول ففسخ المعاملة استحق على العامل أجرة المثل تامة لارضه عن المنفعة التي فوتها العامل عليه بمخالفته للشرط، وأخذ العامل جميع حاصل ما زرعه، وإذا اختار الشق الثاني

[ 271 ]

فامضى المعاملة ولم يفسخها صحت المعاملة واستحق كل من المالك والعامل حصته المعينة له من حاصل الزرع الموجود. وإذا علم مالك الارض بأن العامل قد خالف الشرط قبل أن يبلغ ما زرعه العامل أوانه جاز للمالك أن يفسخ المعاملة، فإذا فسخها بطلت واستحق المالك على العامل اجرة المثل لارضه عن المنفعة الفائتة، وجاز له أن يلزم العامل باقتلاع ما زرعه في الارض وامكن له ان يرضى ببقاء ما زرعه العامل في الارض حتى يدرك ويأخذ منه أجرة المثل لتلك المدة، ويجوز له مع رضاه أن يبقي الزرع في الارض مجانا بغير اجرة. (المسألة 44): إذا زارع المالك العامل على أرض ليس لها ماء يكفي لسقاية الزرع فيها وكان العامل قادرا على أن يستخرج لها ما يكفيها من الماء بحفر نهر أو ساقية أو اخراج بئر أو تفجير عين، فان كان العامل يعلم بوصف الارض حين اجراء المعاملة بينه وبين المالك عليها، صحت المزارعة ولزمت فلا يجوز للعامل فسخها، وان كان يجهل وصف الارض في حال اجراء المزارعة ثبت له حق الخيار فيها، فان شاء أمضى المعاملة ووجب عليه أن يستخرج الماء، ويزرع الارض لانه قادر على ذلك كما فرضنا، وان شاء فسخ المعاملة فبطلت ولم يلزمه شئ، وإذا كان غير قادر على اخراج الماء في الارض كانت المعاملة باطلة لعدم امكان الانتفاع بالارض. وكذلك الحكم إذا زارع المالك العامل على أرض قد استولت عليها المياه أو الاملاح والاسباخ بالفعل، وكان العامل قادرا على أن يعالج الارض، فيجفف المياه وينقيها من السبخ والاملاح، فتصح المعاملة وتلزم إذا كان العامل عالما بوصف

[ 272 ]

الارض حين اجراء المعاملة، ويثبت له خيار الفسخ إذا كان جاهلا، وتبطل المعاملة من أصلها إذا كان غير قادر على اصلاحها، سواء كان عالما بوصف الارض أم كان جاهلا به. وتبطل المزارعة كذلك إذا طرأ بعض العوارض على الارض في الاثناء فانقطع عنها الماء، ولم تمكن سقايتها، أو استولت عليها المياه أو الاسباخ أو الرمال الكثيفة الناعمة، ولم تمكن ازالتها واصبحت غير قابلة للانتفاع بزراعتها وتلاحظ المسألة العاشرة. (المسألة 45): إذا زارع المالك عاملا في أرض، وكانت الارض في حين عقد المزارعة بينهما صالحة للانتفاع بها، وزرعها العامل بعد العقد وهي صالحة كذلك، ثم طرأ عليها بعض العوارض المفسدة قبل أن يظهر الزرع فيها أو قبل أن يدرك، فانقطع عنها الماء مثلا، ولم يمكن تحصيله لسقايتها بعد ذلك، أو استولت عليها المياه الكثيرة ولم يمكن تجفيفها، وأصبحت غير قابلة للانتفاع بها في بقية مدة المزارعة، بطلت المعاملة لفقد الشرط المعتبر في صحتها، وقد سبق ذكره في المسألة العاشرة وكان الزرع الموجود مملوكا لمالك البذر. فإذا كان البذر مملوكا للعامل فالزرع الموجود وجميع ما يحصل منه من الثمر والنتاج يكون مملوكا للعامل تبعا لاصله وهو البذر، واستحق مالك الارض عليه أجرة المثل لارضه مدة بقاء الزرع فيها من أول زرعه فيها إلى حين ادراكه واستيفاء العامل له، وإذا كان البذر مملوكا لصاحب الارض كان الزرع وجميع نتاجه مملوكا له تبعا لاصله وهو البذر، واستحق العامل عليه أجرة المثل لعمله في الزرع.

[ 273 ]

(المسألة 46): تصح المزارعة الواقعة بين الطرفين المتعاقدين إذا كانت الارض خاصة من احدهما، وكان البذر والعوامل والعمل كلها من الثاني، وتصح المزارعة ايضا إذا كانت الارض والبذر من أحد الطرفين، وكانت العوامل والعمل من الطرف الآخر وتصح المعاملة كذلك إذا كانت الارض والبذر والعوامل من أحد الطرفين وكان العمل وحده من الطرف الثاني، وتصح ايضا إذا كانت الارض والعمل من أحدهما وكان البذر والعوامل من صاحبه. وتصح المزارعة إذا كانت الارض مشتركة بين المتزارعين كليهما، وكانت الامور الثلاثة الباقية كلها على أحدهما خاصة دون صاحبه، وتصح المزارعة إذا اشترك الطرفان في جميع الامور الاربعة أو في بعضها دون بعض حسب ما يتفقان عليه، ويجب عليهما تعيين الامر الذي يشترك الطرفان فيه من هذه الامور، والامر الذي يختص به أحدهما، ومن يختص به من الطرفين، ومقدار الحصة من الامر المشترك، فيجب عليهما تعيين ذلك في جميع الفروض المتصورة، ولا تصح المعاملة إذا ترك التعيين فيها. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان الاشتراك في الامر أو الاختصاص بأحد الطرفين من العادات المتعارفة بين أهل البلد، والسيرة التي جرت عليها المعاملات الدارجة بينهم، بحيث ينصرف إليه العقد لديهم عند الاطلاق، ويصبح الانصراف قرينة عامة على ارادة ذلك الفرض في المعاملة، فلا يجب التعيين في هذا الفرض. (المسألة 47): لا يعتبر في الشخص الذي يلزمه دفع البذر من المتعاقدين أن يكون مالكا

[ 274 ]

لعين البذر، فيكفي فيه أن يكون مالكا لقيمته، ولو بالاقتراض والاستدانة له عند الحاجة، فإذا اشترط في عقد المزارعة على مالك الارض أن يدفع البذر كله، أو يدفع نصفه مثلا، أو اشترط ذلك على العامل، كفاه في الوفاء بالشرط أن يدفع القيمة ويشتري بها ما لزمه من البذر ليزرع في الارض عند الحاجة، سواء كان هو الذي يتولى زرعه فيها، ام كان الذي يتولى الزرع غيره. والمراد بالعوامل الحيوانات والدواب أو الآلات والمكائن والاجهزة الحديثة أو القديمة التي تستخدم في حراثة الارض، أو في تنقيتها وتسميدها، أو في سقاية الزرع ومكافحة الحشرات والطفيليات المضارة قبل الزرع وبعده، وفي حصاد المزروعات وجمعها وتصفيتها، سواء كانت العوامل المذكورة مملوكة باعيانها أم بمنافعها باستئجار ونحوه. والمراد بالعمل زرع البذور في الارض والقيام بما يتطلبه ذلك عادة من حراثة الارض وتمهيدها واصلاحها قبل نثر البذور ووضع الجذور وبعده والسعي الذي يتوقف عليه نمو الزرع وتعهده وسقيه كل ما احتاج إلى السقاية ومكافحة ما يضره، وشبه ذلك من الاعمال المتعارفة للمزارعين، حتى يدرك الزرع ويبلغ أوانه ويتم نتاجه. ولا يعتبر في هذه الاعمال أن يتولاها العامل بنفسه بنحو المباشرة، فيكفي فيها أن ينوب عن العامل فيها غيره من أجير أو نائب أو متبرع، وقد جرى على هذا بناء العقلاء من الناس وسيرة أهل العرف في عامة البلاد، فهم يكتفون في هذه الاعمال التي تقبل النيابة بعمل النائب والاجير والمتبرع، إذا أتوا بالعمل على الوجه الصحيح الذي يحصل به المقصود وجرى عليه بناء المتشرعة والفقهاء

[ 275 ]

(قدس الله أرواحهم)، الا إذا دلت قرينة خاصة أو عامة بين المتعاقدين على اشتراط أن يتولى العامل العمل بنحو المباشرة بنفسه فيلزمه الوفاء بالشرط عند ذلك، ولكن الاحتياط عند الشك مما لا ينبغي تركه. (المسألة 48): يصح في المزارعة أن تقع على أرض واحدة مشتركة بين مالكين أو اكثر على وجه الاشاعة بينهم، فيوكل الشركاء في الارض واحدا منهم على انشاء عقد المزارعة بينهم وبين عامل واحد، ويتولى ذلك الشريك الذي وكلوه ايجاب المعاملة بالاصالة عن نفسه وبالوكالة عن شركائه في الارض، أو يوكلوا أجنبيا عنهم في اجراء المعاملة، ويتولى العامل أو وكيله قبول هذه المزارعة منهم، أو ينشئ العامل ايجاب المعاملة ويتولى الشريك الذي وكلوه قبولها، ويذكر الموجب والقابل في ضمن العقد ما يتفقون عليه من قيود وشروط على نهج ما سلف بيانه في مالك الارض إذا كان واحدا. ويصح في المزارعة أن يكون العامل فيها اكثر من شخص واحد، فيوكلوا بعضهم أو غيرهم وتجري المعاملة بينهم وبين مالك الارض على نهج ما سبق في مالك الارض إذا كان متعددا، وتصح المعاملة ايضا إذا كان مالك الارض متعددا وكان العامل فيها متعددا، ويجري العقد بين الطرفين كما سبق. ويمكن لهم في جميع هذه الصور والفروض أن يشترط بعضهم على بعض في ضمن العقد أن تكون العوامل والبذور والعمل على نحو الاشتراك بين جميعهم، أو على نحو الاشتراك بين بعضهم، أو تكون على بعضهم خاصة دون الاخرين، فيصح العقد في كل في هذه الفروض مع الاشتراط والتعيين في ضمن

[ 276 ]

العقد، وحصول الرضا والقبول به من الجميع، ومن الواضح جدا أن العقد في جميع هذه الصور المفروضة يتألف من ايجاب واحد وقبول واحد وأن كان الشركاء في الارض وفي العمل الذين يتعلق بهم العقد متعددين. (المسألة 49): يشكل الحكم بصحة عقد المزارعة إذا أجري العقد بين اكثر من طرفين ومثال ذلك أن يتعاقد ثلاثة أشخاص على اجراء المزارعة في ما بينهم، فتكون الارض من أحدهم ويكون العمل في الارض من الثاني، وتكون العوامل والبذور من الثالث، وتكون لكل واحد من الاشخاص الثلاثة حصة معلومة من نتاج الزرع، أو يتعاقد أربعة رجال فتكون الارض من الاول والعمل من الثاني والعوامل من الثالث والبذور من الرابع، أو يتعاقد اكثر من ذلك على أن يكون العمل أو العوامل أو البذر بين شخصين أو اكثر، فتكثر اطراف المعاملة، ويجعل لكل طرف من حصة معينة من نتاج الزرع بالمساواة بينهم، أو بالتفاضل حسب ما يتفقون عليه ويعينونه في العقد، فيشكل وقوع المزارعة المصطلحة بين الفقهاء في مثل هذه الفروض. وتصح المعاملة إذا أجريت بينهم على وجه المصالحة، وتصح ايضا وتلزم على الاقوى إذا انشئت بينهم على انها احدى المعاملات المستقلة في انظار العقلاء وأهل العرف، وتدل على صحة هذه المعاملة العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، ووجوب الوفاء بالشروط، وأن بعدت في صورتها عن المزارعة الخاصة المعروفة بين الفقهاء. (المسألة 50): إذا تم عقد المزارعة بين مالك الارض وعمال المزارعة على الوجه الصحيح

[ 277 ]

الجامع للشرائط، أصبح العامل صاحب حق في الارض المذكورة، وان لم يملك شيئا من الارض ولا من منفعتها، ومن أجل ثبوت هذا الحق وجب على المالك دفع الارض إليه ليعمل فيها عمل المزارعة، وجاز له التصرف فيها بما تقتضيه المعاملة بينهما، وإذا مات مالك الارض لم يسقط حق العامل، فلا يجوز لورثة المالك منعه من التصرف فيها، وإذا مات العامل انتقل الحق إلى ورثته فيجب عليهم القيام بوظيفة مورثهم في الارض، وقد سبق منا ذكر جميع هذا مفصلا. ومن نتائج ثبوت هذا الحق للعامل في الارض انه يصح للعامل أن يزارع على الارض شخصا آخر فيكون هذا الشخص الثاني عاملا للزارع الاول، ويجب عليه أن يقوم بكل عمل يلزم الاول القيام به إذا كان هو المتصدي للعمل ولم يزارع غيره ويجب على الثاني أن يفي بكل ما يشترطه عليه الاول مما لا ينافي مزارعته مع مالك الارض. ولابد في هذه المزارعة الثانية أن تكون حصة مالك الارض من الحاصل محفوظة، فلا ينقص منها شئ، فإذا كان المالك قد زارع العامل الاول على أن يكون لكل واحد منهما نصف الحاصل من الزرع، أمكن للعامل الاول أن يزارع الشخص الثاني، على النصف كذلك فتكون حصة مالك الارض هي النصف ويكون النصف الثاني للعامل الثاني ولا يستحق الاول منه شيئا، ويمكن له أن يزارعه على النصف من حصته خاصة، فيكون نصف الحاصل لمالك الارض ولا ينقص منه شئ، ويقسم النصف الثاني بين العامل الاول والثاني على التنصيف فيكون لكل واحد منهما ربع الحاصل، ويصح له أن يزارعه على الثلث أو الربع من حصته حسب ما يعينه له منها.

[ 278 ]

ولا يعتبر في صحة مزارعة العامل الاول للثاني أن يستأذن مالك الارض فيها، بل ويجوز له أن يسلم إليه الارض إذا كان امينا وان لم يأذن له المالك وان كان الاحوط له الاستئذان في ذلك. ولا فرق في صحة هذه المزارعة على الاقرب بين أن يكون البذر من مالك الارض وأن يكون من العامل. (المسألة 51): إذا كان مالك الارض قد اشترط على العامل في ضمن العقد أن يتولى العمل في الارض بنفسه وجب عليه ذلك وأن صح له أن يزارع عليها شخصا اخر كما تقدم، فتصح المزارعة الثانية ويجب على العامل الاول أن يتولى العمل في الارض بنفسه بالنيابة عن العامل الثاني، ويستحق العامل الثاني بذلك حصته المعينة له من الحاصل. (المسألة 52): ذكر بعض اكابر الفقهاء (قدس الله انفسهم): أنه يجوز لعامل المزارعة أن يشارك غيره في حصته من حاصل الزراعة، ولعل مراد هذا القائل أن يزارع العامل شخصا غيره في حصته، فإذا وفى هذا المزارع الثاني بمزارعته معه استحق نصيبه من الحصة فكان مشاركا له فيها، ويعود إلى ما ذكرناه في المسألة الخمسين. ويشكل ذلك أو يمتنع إذا كان المراد أن يبيع العامل بعض حصته على الغير على وجه الاشاعة بعوض معلوم، فان العامل لا يملك حصته قبل الزرع وظهور الحاصل منه فكيف يجوز له بيعها أو بيع شئ منها؟ وانما يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها إذا باعها المالك مع الضميمة، أو باعها لاكثر من سنة واحدة، وقد ذكر

[ 279 ]

الفقهاء هذا الحكم في فصل بيع الثمار من كتاب البيع. (المسألة 53): إذا جرى عقد المزارعة بين المتزارعين بحسب ظاهر الامر، واستلم العامل الارض من صاحبها ليزرعها له، ثم تبين للجانبين فساد المزارعة الجارية بينهما من أصلها لفقد بعض شروط الصحة فيها، فان كان تبين بطلان المعاملة قبل أن يبدأ العامل بزراعة الارض، أو يشرع بشئ من مقدماتها القريبة أو البعيدة: استرد المالك أرضه، ودفع العامل يده عنها، ولا شئ لاحدهما على الآخر. وكذلك الحكم إذا كان العامل قد استلم الارض من صاحبها، وبدأ في المقدمات البعيدة التي لا تعد شروعا في العمل لمالك الارض في نظر أهل العرف ومن أمثلة ذلك: أن يشتري العامل بعض الادوات التي يحتاج إليها عند حراثة الارض وتمهيدها للزرع، أو يشتري الحيوانات والحبال والدلاء التي يستخدمها عند سقي الزرع، ولم يستخدم شيئا منها بالفعل، فإذا تبين فساد المزارعة أخذ المالك أرضه وكانت للعامل أدواته ودوابه والاته التي اشتراها، ولا شئ للمالك والعامل غيرها. وإذا كان العامل قد بدأ في المقدمات القريبة التي تعد عند اهل العرف شروعا في العمل لمالك الارض وامتثالا لامره بالمزارعة، كما إذا اخذ في حراثة الارض وتمهيدها للزراعة، أو شق النهر الذي تحتاج إليه، أو حفر البئر أو نصب الناعور والدولاب في الارض أو اعد المكينة لجذب الماء من العين أو البئر، أو هيأ جهاز الكهرباء لتحريك الماكنة، فإذا ظهر بعد ذلك بطلان المزراعة استرد المالك أرضه من العامل، ووجب عليه أن يدفع للعامل اجرة المثل لما قام به من العمل

[ 280 ]

وكانت الاعيان من الادوات والاجهزة والماكنة لصاحبها التي اشتراها ودفع قيمتها. وأولى من ذلك بالحكم المذكور ما إذا عمل العامل في الارض عملا ترتفع به قيمتها في انظار العقلاء وأهل العرف، كما إذا حرث الارض وبسطها ومهدها لتزرع فزادت قيمتها بذلك، وكما إذا شق فيها نهرا، أو فجر فيها عينا، أو حفر فيها بئرا فارتفعت قيمتها، فيجب على المالك أن يدفع إليه اجرة المثل لذلك العمل بطريق أولى من الصورة المتقدمة. (المسألة 54): إذا تبين بطلان عقد المزارعة بعد أن اخذ العامل الارض من صاحبها وبدأ بالعمل فزرع الارض ونثر الحب والبذر فيها، كان جميع الزرع وما ينتج منه مملوكا لصاحب البذر، فان النماء يتبع اصله في الملك، وهذا الفرض يقع على صور متعددة ولكل صورة أحكامها: (الصورة الاولى): أن يكون البذر مملوكا لعامل المزارعة، والحكم فيها أن يكون الزرع والنتاج مملوكا للعامل، ولا يملك صاحب الارض منه شيئا، ولا يجب على مالك الارض أن يبقي ما زرعه العامل في ارضه إلى أن يبلغ ويدرك أوانه، وان بذل العامل له أجرة المثل لارضه في تلك المدة، فلا يجبر على ذلك، ويستحق مالك الارض على العامل اجرة ارضة للمدة السالفة، ويجوز له أن يامر العامل بازالة ما زرعه في الارض، وإذا قلعه العامل بعد أن أمره بالقلع، فلا يستحق على المالك ارشا لزرعه، ويجوز لمالك الارض أن يبقى زرع العامل فيها باجرة المثل أو مجانا إذا رضي العامل مالك الزرع بذلك ولا يحق لمالك الارض أن يلزم العامل بابقاء زرعه في الارض ودفع الاجرة عنه إذا

[ 281 ]

هو لم يختر ذلك. وإذا اختار العامل فابقى زرعه في الارض فعليه أن يدفع لمالكها اجرة أرضه كما قلنا، ويدفع له اجرة العوامل المستخدمة في الزرع والسقي إذا كانت مملوكة لصاحب الارض. (المسألة 55): (الصورة الثانية): أن يكون البذر مملوكا لصاحب الارض، والحكم فيها أن يكون الزرع ونماؤه وما يحصل منه مملوكا لصاحب الارض والبذر تبعا لاصله ويجب عليه أن يدفع للمعامل اجرة المثل عن جميع عمله الذي قام به في زرع الارض وتنمية الزرع، وأن يدفع له اجرة العوامل التي استخدمها في الزرع والسقي إذا كان مالكا لها أو لمنفعتها. (المسألة 56): (الصورة الثالثة): أن يكون البذر مملوكا لكل من صاحب الارض وعامل المزارعة على سبيل الاشتراك بينهما، والحكم فيها أن كل واحد من المتعاملين المذكورين يملك من حاصل الزرع بنسبة ما يملكه من البذر، فإذا كان مملوكا لهما بالمناصفة فلكل واحد منهما نصف الزرع والنماء وإذا كان لاحدهما ثلث البذر فقط، فله الثلث من الزرع والنماء وللآخر الثلثان، وهكذا. ويجب على العامل أن يدفع لمالك الارض من أجرة المثل لارضه من اجرة المثل لعوامله التي يملكها أو يملك منفعتها وكان قد استخدمها في الزرع، ومن النفقات والمصارف الاخرى التي انفقها المالك فيه بنسبة ما يملكه العامل من الحصة في الزرع، فإذا كان يملك منه النصف لانه يملك نصف البذر كما ذكرنا

[ 282 ]

وجب عليه أن يدفع لمالك الارض نصف اجرة المثل لارضه وعوامله، ومن مجموع نفقاته على الزرع، وإذا كان العامل يملك من الحاصل الثلث وجب عليه أن يدفع لمالك الارض ثلث جميع ما عددناه، وإذا كان يملك الثلثين وجب عليه أن يدفع له الثلثين من ذلك. ويجب على صاحب الارض أن يدفع للعامل من اجرة المثل لعمله في الزرع ومتعلقاته ومن اجرة المثل للعوامل التي يملكها العامل، أو يملك منفعتها وكان قد استخدمها في الزرع، ومن النفقات الاخرى التي انفقها فيه، بنسبة حصة مالك الارض من الزرع والنماء وفاذا كان يملك منه النصف على الوجه الذي بيناه وجب عليه أن يدفع للعامل نصف ذلك، وهكذا إذا كانت حصته من الزرع اقل من النصف أو اكثر، فيجب عليه أن يدفع للعامل بنسبة حصته. (المسألة 57): إذا وقعت المزارعة بين أكثر من متعاقدين وكان انشاؤها بين الاطراف باعتبار انها معاملة خاصة مستقلة بنفسها عن المعاملات الاخرى، وعن المزارعة المصطلحة بين الفقهاء، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة والاربعين، فاشترط في المعاملة أن تكون الارض من الطرف الاول وأن يكون العمل على الطرف الثاني وأن يكون البذر من الثالث، واستلم العامل الارض من مالكها، وزرعها ثم تبين لهم بطلان المعاملة، فيكون جميع الزرع والنما، لمالك البذر، وهو الطرف الثالث في المثال الذي ذكرناه، ويجري فيها الحكم المتقدم، فلا يجب على مالك الارض ابقاء الزرع إلى أن يبلغ أوان حاصله، ويجوز له أن يأمر مالك الزرع بازالته من الارض، ولا أرش له إذا قلعه، ويجوز لمالك الارض أن يبقي الزرع في الارض

[ 283 ]

مجانا أو باجرة المثل إذا رضي مالك الزرع بذلك، وإذا اختار مالك الزرع فأبقى الزرع في الارض لزمه أن يدفع لمالك الارض أجرة أرضه مدة بقاء الزرع فيها ويجب على مالك الزرع أن يدفع للعامل أجرة عمله في الزرع، وأن يدفع لصاحب العوامل أجرة عوامله. (المسألة 58): قد اتضح مما ذكرناه في مسائل الفصل الاول وما بعدها من هذا الكتاب أن القدر المعلوم ثبوته في عقد المزارعة: هو أن يلتزم صاحب الارض للعامل بأن يبذل له أرضه المعلومة ليزرعها له، وأن يلتزم العامل لصاحب الارض بأن يقوم له بالعمل المطلوب فيزرع الارض ويتعهد الزرع بما يربيه وينميه حتى يظهر ويستكمل نموه ويثمر ويبلغ اوان حاصله، ويلتزم الجانبان بأن تكون لكل واحد منهما في قبال ذلك حصة معلومة المقدار مشاعة من الحاصل الذي ينتجه الزرع. ثم أن الثابت المعروف في مرتكزات أهل العرف والعقلاء، الخبراء بالمعاملة من الناس أن يكون الزرع في جميع مراحل نموه من حين ظهوره في الارض إلى اخر ادراكه وبلوغ غايته مشتركا بين الطرفين على نسبة الحصتين اللتين عينهما الطرفان لهما من الحاصل، ومن متفرعات ذلك ونتائجه أن يكون الفصيل والورق والتبن وغير ذلك من نواتج الزرع مشتركة بين الطرفين على نسبة حصتيهما المعينتين وعلى هذا الامر الثابت في اذهان أهل العرف وفي مرتكزاتهم تتنزل الادلة الشرعية والاطلاقات الواردة في احاديث المعصومين " ع " في عقد المزارعة ويثبت بها الحكم المذكور. ويصح للمتعاقدين أن يشترطا ذلك في ضمن العقد بينهما اشتراطا صريحا

[ 284 ]

فيقول مالك الارض للعامل في ايجابه للعقد: اسلمت اليك هذه الارض لتزرعها حنطة أو شعيرا، على أن يكون جميع ما يحصل من ثمر الزراعة بيني وبينك بالمناصفة مثلا، وعلى شرط أن يكون الاشتراك ما بيننا في الزرع في جميع مراحله من أول ظهور الزرع في الارض إلى نهاية اداراكه وبلوغ حاصله، ويقبل العامل المزارعة منه على الشرط المذكور، وتكون نتيجة هذا الاشتراط كما تقدم اشتراك الطرفين حتى في ورق الزرع الذي يؤخذ منه وفي فصيله وتبنه، وفي اغصانه اليابسة أو الطرية التي تؤخذ منه لتزرع في موضع اخر من الارض أو في أرض أخرى. وإذا اشترطا أن يقع الاشتراك بينهما من أول الزرع لا من حين ظهوره في الارض، اشتركا حتى في البذر بعد نثره في الارض، وفي جذوره التي تتكون قبل ظهور الزرع. (المسألة 59): إذا اشترط المتعاقدان أن يكون الاشتراك ما بينهما في الزرع عند بلوغه إلى مرحلة معينة من النمو، ثبت لهما ما شرطاه، فلا يكون بينهما اشتراك في الزرع قبل أن يصل إلى تلك المرحلة، ومثال ذلك أن يقول الموجب منهما لصاحبه: زارعتك على هذه الارض ليكون حاصل الزراعة فيها ما بيننا بالمناصفة، وعلى شرط أن يكون الاشتراك ما بيننا بعد ظهور الثمر في الزرع أو بعد انعقاد الحب فيه، أو بعد صدق اسم الغلة عليه، فيسمى حنطة أو شعيرا أو عنبا، فلا يقع الاشتراك الا بعد حصول الشرط وبلوغ الزرع إلى المرحلة التي عينها المشترط، ويكون الزرع في مراحله السابقة عليها مملوكا لمالك البذر ولا حق لصاحبه فيه، ولما بيناه في هذه

[ 285 ]

المسألة وسابقتها فروع سنتعرض لذكرها ان شاء الله تعالى في المسائل الآتية. (المسألة 60): إذا وقعت المزارعة بين الشخصين جامعة لما يعتبر فيها من شرائط الصحة وزرع العامل الارض ثم بدا للطرفين أن يتقايلا ويفسخا عقد المزارعة الواقع بينهما بعد أن ظهر الزرع في الارض، أو بعد ما ظهر الثمر، أو انعقد الحب في الزرع فالظاهر أن يكون فسخ المعاملة إذا حصل بينهما فسخا لها في حين وقوعه وليس فسخا لها من أصل وقوع العقد، وأن كان ذلك هو مقتضى القاعدة في التقايل إذا حصل بين الطرفين، وذلك لان المرتكز في أذهان عامة العقلاء وأهل العرف في فسخ المزارعة أن يكون ذلك على نحو تعدد المطلوب، وهو نظير الفسخ عند تبعض الصفقة. ويتفرع على حصول الفسخ بينهما في حين وقوع الفسخ كما ذكرنا لا من أصل العقد: أن يكون الزرع الموجود مملوكا لصاحبه حين ما وقع الفسخ بينهما وليس مملوكا لصاحب البذر، ويتفرع على ذلك ايضا: أن لا يثبت لصاحب الارض حق في أن يأخذ من العامل أجرة لارضه للمدة الماضية قبل الفسخ، ولا يثبت للعامل حق في أن يأخذ من صاحب الارض أجرة لعمله في تلك المدة. وإذا فسخا عقد المزارعة كما ذكرنا، فيجوز لهما أن يتراضيا بينهما على أن تبقى حصة العامل من الزرع في الارض إلى أن يبلغ أوانه ويتم نتاجه مع تسليم العامل اجرة المثل لمالك الارض مدة بقاء الزرع فيها أو بغير اجرة، ويجوز لهما أن يتراضيا على أن تقطع حصة العامل من الزرع قصيلا. ويجوز لصاحب الارض أن يطالب العامل بقسمة الزرع الموجود عند

[ 286 ]

الفسخ، فيبقي مالك الارض حصته من الزرع بعد القسمة في الارض، ويأمر العامل بقطع حصته من الزرع وازالتها من الارض ولا يستحق العامل عليه بذلك أرشا وليس للعامل أن يبقي حصته من الزرع في الارض إذا كان صاحب الارض لا يرضى ببقائها فيها وان دفع له اجرة المثل. وكذلك الحكم إذا شرط أحد المتعاقدين أن يكون له خيار فسخ المزارعة في وقت معين، ففسخها في ذلك الوقت المعين، أو ثبت له خيار الفسخ لتخلف بعض الشروط التي شرطها على صاحبه، فإذا فسخ المعاملة وكان فسخه في اثناء المدة المعينة لعقد المزارعة بينهما جرت الاحكام واللوازم التي بيناها في هذه المسألة. (المسألة 61): إذا غصب أحد أرضا من مالكها الشرعي، وسلم الغاصب الارض إلى عامل ليزرعها له مدة معلومة بحصة معينة من حاصل الزراعة فيها، جاز لمالك الارض أن يسترجع أرضه المغصوبة من الغاصب أو من العامل، ويصح له الرجوع بها على ايهما شاء. ويتخير مالك الارض بين أن يجيز عقد المزارعة الذي انشأه الغاصب مع العامل، وأن يرد ذلك العقد، فان هو أجاز العقد صح واصبحت المزارعة بين مالك الارض والعامل على حسب ما عين في عقدها من قيود وشروط، ولا تفتقر صحة المزارعة بعد اجازة المالك الشرعي إلى قبول جديد من العامل. وتثبت للعامل حصته الخاصة التي ذكرت له في العقد ما بينه وبين الغاصب من حاصل الزراعة، وتكون لمالك الارض الحصة الاخرى منه، سواء وقعت اجازة المالك للعقد قبل شروع العامل بالعمل أم وقعت بعده، وإذا ابى المالك الشرعي

[ 287 ]

فرد عقد المزارعة ولم يجزه على أرضه بطلت المعاملة من أصلها، وإذا كان عامل المزارعة قد زرع الارض بعد عقد المزارعة عليها وقبل أن يرده المالك، وقد ظهر الزرع في الارض وكان البذر من العامل، فالزرع الموجود يكون مملوكا للعامل تبعا للبذر، ويلزم العامل أن يدفع لمالك الارض اجرة المثل لمنفعة ارضه في المدة الماضية. ويجوز لمالك الارض بعد رده للمزارعة أن يأمر العامل بازالة زرعه وجذوره من الارض، ولا ارش للعامل إذا ازالها، ويجوز للمالك أن يرضى ببقاء الزرع في ارضه حتى يدرك، ويبلغ أوانه ويأخذ منه اجرة المثل في المدة الآتية. وإذا اخذ مالك الارض من العامل أجرة المثل لما مضى من المدة أو لما يأتي من مدة بقاء الزرع في الارض جاز للعامل أن يرجع بما خسره على الغاصب إذا كان قد غره. (المسألة 62): إذا انشئت المزارعة بين مالك الارض وعامل المزارعة ثم تبين بعد اجراء العقد، أو بعد زرع العامل الارض: أن العامل الذي جرت معه المعاملة عبد مملوك وأن مولاه لم يأذن له في المزارعة، كان الامر في تصحيح هذه المعاملة بيد المولى المالك للعبد، فان هو أجاز مزارعته صحت، والزم العبد بالعمل في زراعة الارض والقيام بما تحتاج إليه من سقي وغيره، وكانت الحصة المعينة له من حاصل الزرع لمولاه، والحصة الثانية من الحاصل لمالك الارض: وان فسخ المولى المالك للعبد المعاملة بطلت من أصلها، وكان الزرع الموجود الذي زرعه العبد تابعا للبذر، فان كان مالك البذر هو مالك الارض، كان الزرع مملوكا له لانه نماء بذره، ولزم صاحب

[ 288 ]

الارض أن يدفع لمولى العبد أجرة المثل لعمل مملوكه، وان كان البذر للعبد فهو ملك لمولى العبد ويكون هو المالك للزرع أيضا، ويجوز لمالك الارض أن يأمره بقلع الزرع وازالته من الارض، ولا أرش لصاحب الزرع بذلك، ويجوز لمالك الارض أن يبقي الزرع في ارضه حتى يبلغ أوانه مجانا أو مع أجرة المثل لارضه في تلك المدة، إذا رضي مولى العبد بدفعها ولا يجبر على ذلك. وكذلك الحكم إذا غصب العبد غاصب من مولاه الشرعي، وزارعه صاحب الارض بأمر الغاصب، ولم يستأذن مولاه، فيكون الامر في صحة المزراعة لمولاه ويجري فيه وفي زرعه البيان الذي قدمناه. (المسألة 63): إذا حكم الشارع ببطلان المزارعة بين المتعاقدين من اصلها، أو حكم ببطلانها في أثناء المدة بعد أن كانت صحيحة في أول الامر لطرو، بعض العوارض التي أوجبت الحكم بفسادها كذلك وقد تكرر منا اكثر من مرة، أن الزرع الموجود في الارض بعد بطلان المعاملة بكون تابعا للبذر في الملك فمالك الزرع الموجود في الارض هو مالك البذر. فإذا علم أن البذر الذي زرع في الارض كان مغصوبا من مالكه كان الزرع الموجود في الارض مملوكا للمالك الاصلي الذي غصب البذر منه، فالزرع والنتاج كله له، ولا يستحق عليه مالك الارض أجرة لارضه، ولا يستحق عليه عامل المزارعة أجرة لعمله، بل تكون الاجرة على من جاء بالبذر ليزرع في الارض فان كان الذي جاء بالبذر للزراعة هو العامل لزمه أن يدفع أجرة الارض لصاحبها، وأن كان الذي جاء به للزراعة هو صاحب الارض لزمه أن يدفع للعامل أجرة عمله

[ 289 ]

ويجوز لمالك الارض أن يأمر المالك المذكور للزرع بازالة زرعه عن أرضه وأن لم يبلغ الزرع أوان قطعه، ولا أرش لمالك الزرع بسبب ذلك. (المسألة 64): إذا تمت المزارعة بين الطرفين المتعاقدين، ثم علم بعد ذلك أن العوامل التي استخدمت في زراعة الارض وفي حرثها وسقايتها كانت مغصوبة من مالكها الاصلي لم تبطل المزارعة بذلك، سواء كان الذي غصبها أو استخدمها هو مالك الارض، أم كان هو العامل، ويجب عليه أن يدفع لمالكها الشرعي اجرة المثل لمنفعتها في مدة استخدامها، وكذلك الحكم في سائر المصارف التي أنفقها المالك على أرضه أو أنفقها العامل على زرعه، ثم علم بعد ذلك انها كانت مغصوبة من مالكها، فلا يضر ذلك بصحة المعاملة الجارية بين المتعاقدين، ويلزم على منفقها أن يدفع لمالكها الاصلي مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية. (المسألة 65): قد سبق منا أن الاقوى حصول الاشتراك ما بين مالك الارض والعامل في الزرع عند ظهوره في الارض وتبينه على وجهها، وان لم يسم قصيلا أو يخرج له شطئا، وقبل أن يظهر له ثمر أو ينعقد له حب، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثامنة والخمسين، وكذلك إذا اشترط المتزارعان في ضمن العقد ان تحصل الشركة فيه بينهما عند ظهور الزرع في الارض. ومن نتائج ذلك: أن يملك كل واحد من الطرفين حصته المقدرة له من حاصل الزراعة منذ ذلك الوقت، وفي جميع مراحل نمو الزرع المتعاقبة، فإذا ظهر ثمر الزرع، وصدق عليه اسم الغلة حنطة أو شعيرا أو غيرهما من الغلات التي تجب

[ 290 ]

فيها الزكاة، وبلغت حصة مالك الارض أو الزارع مقدار النصاب وجبت عليه الزكاة في حصته، وإذا لم تبلغ مقدار النصاب فلا زكاة عليه. وإذا اشترط المتعاقدان أن يكون الاشتراك بينهما في ما بعد ذلك من المراحل كانت الزكاة على من يملك الزرع قبل ذلك وفي المرحلة التي يتعلق فيها وجوب الزكاة في الغلة وهو مالك البذر، فإذا بلغ مجموع الحاصل مقدار النصاب وجبت عليه زكاة الحاصل كله ولا زكاة على الآخر لانه لم يملك الحصة في وقت تعلق وجوب الزكاة بها. (المسألة 66): إذا تم عقد المزارعة بين مالك الارض والعامل واستلم العامل الارض من مالكها فأهملها ولم يزرعها حتى انقضت المدة المعينة للمزارعة وكانت الارض بيد العامل ولم يكن له عذر في ترك الزرع واهمال الارض لزمه أن يدفع لصاحب الارض أجرة المثل لمنفعتها الفائتة في تلك المذة، وقد سبق ذكر هذا في المسألة الرابعة والثلاثين وما بعدها، ولا ضمان عليه إذا لم يكن مفرطا في ترك الزرع، وقد ذكرنا في المسألتين بعض الاعذار الموجبة لعدم التفريط، ولا ضمان على العامل بذلك إذا كانت الارض في يد مالكها، وكان مالكها يعلم بان العامل قد ترك زراعتها ولا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة بين الطرفين إذا كانت الارض في يد مالكها، وكان المالك لا يعلم بأن العامل قد ترك زراعتها. (المسألة 67): إذا أجريت المزارعة بين المتعاقدين على أرض معلومة معينة الحدود وكان الارض بمجموعها صالحة للزرع والانتفاع بها في جميع المدة، ثم اتفق أن طرا

[ 291 ]

الخراب والبوار على بعض من الارض فاستولت عليه المياه، أو الاسباخ، ولم يمكن علاجه، ولم يعد صالحا للانتفاع به بوجه من الوجوه، وبقي بعضها الآخر صالحا للزرع والانتفاع به بالفعل بطلت المزارعة في القسم البائر من الارض، و تخير كل من مالك الارض وعامل المزارعة في القسم الثاني الذي يمكن الانتفاع به من الارض بين أن يفسخ المعاملة فيه للتبعض الطارئ عليها وأن يمضيها، فإذا اتفق الطرفان فأمضيا العقد في ذلك القسم من الارض صحت المزارعة فيه وترتبت آثارها، فيجب على العامل زرعه ويستحق كل من الطرفين حصته من حاصل الزراعة فيه، وإذا فسخا المعاملة فيه معا أو فسخ احدهما بطلت المعاملة. (المسألة 68): إذا ذكر المتعاقدان للمزارعة الواقعة بينهما مدة وجب عليهما أن يعينا للمدة أمدا واجلا مسمى، ويجب أن يكون الاجل بمقدار يتسع لزراعة الارض فيه وبلوغ الزرع غايته ونتاجه بحسب العادة المتعارفة لذلك الزرع من الزمان، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة وفي مسائل غيرها. وإذا عين المتزارعان للمعاملة أجلا يتسع لمعاملتهما بحسب العاده ثم اتفق أن انقضت المدة المضروبة ولم يدرك الزرع فيها أوانه ولم يبلغ غايته لبعض الطورائ المانعة، فلاحق للعامل في أن يبقي زرعه في الارض إذا لم يرض مالك الارض بابقاء الزرع فيها وان بذل له أجرة الارض لذلك، ويجوز للطرفين أن يتراضيا على ابقاء الزرع فيها مجانا أو مع الاجرة، ويجوز لمالك الارض أن يأمر العامل بازالة ما زرعه من الارض ولا أرش للعامل في ذلك.

[ 292 ]

(المسألة 69): إذا زارع المالك عاملا على أرض معينة، ثم علم العامل بعد انشاء المعاملة أن الارض التي زارعه المالك عليها ليس لها ماء يسقيها بالفعل، وكان العامل قادرا على تحصيل الماء للارض بحفر بئر أو استخراج عين أو غير ذلك ولم يكن العامل يعلم بذلك حين اجراء العقد، صحت المعاملة ولم تبطل بذلك، ويثبت للعامل فيها خيار الفسخ، فان شاء فسخ المعاملة وأبطلها، وان شاء امضاها ولزمه أن يقوم بتحصيل الماء وزراعة الارض وسقاية الزرع. وكذلك الحكم إذا أجريت المزارعة بين المتعاقدين، ثم علم الزارع بعد العقد أن الارض المعينة غير قابلة للانتفاع بها الا بعلاج وكان قادرا على القيام بعلاجها واصلاحها، فتصح المعاملة ويثبت للعامل خيار الفسخ فيها كما تقدم وتلاحظ المسألة العاشرة.

[ 293 ]

[ الفصل الثالث ] [ في آثار تتبع عقد المزارعة ] (المسألة 70): إذا ظهر ثمر الزرع الذي زرعه العامل وبلغ أوان حاصله جاز لكل من مالك الارض وعامل المزارعة أن يخرص الثمر الموجود في الزرع على صاحبه خرصا يتفق الطرفان على قبوله، وأن يحدد لصاحبه مقدار حصته المجعولة له من المقدار الذي عينه بالخرص لجميع الحاصل، فإذا خرص مالك الارض مجموع حاصل الزرع الموجود فيها بمائة من من الحنطة مثلا وكانت حصة العامل المجعولة له في عقد المزارعة هي نصف الحاصل، كان مقدار حصته من الثمر المخروص خمسين منا من الحنطة وللمالك الباقي منها، بشرط أن يحصل الرضا والقبول بذلك من العامل، فيصح ذلك ويلزم الطرفين الوفاء به سواء زاد الحاصل على مقدار الخرص أم ساواه أم نقص عنه، ولا يصح لاحدهما رد ذلك أو فسخه بعد جريان معاملة الخرص المذكورة والقبول بها من كليهما. والخرص المذكور معاملة خاصة مستقلة بنفسها وبأدلتها الشرعية الواردة فيها عن سائر المعاملات، وأثر هذه المعاملة اخراج المال المشترك بين المالك

[ 294 ]

والعامل من الاشاعة المطلقة، وتحديد حصة كل واحد منهما عن حصة الآخر على وجه الاجمال، وهي ليست من البيع ولا من الصلح بعوض أو بغير عوض. (المسألة 71): يشترط في صحة معاملة الخرص التي ذكرناها: أن يكون خرص الثمرة بعد أن تبلغ ويتم ادراكها كما ذكرنا في المسألة المتقدمة فلا تصح إذا وقع الخرص قبل أن يبلغ الثمر هذا المبلغ، وأن ظهر في الزرع أو بدأ أول ادراكه ولم يتم، ويعتبر في صحتها: أن تكون الحصة المعينة لكل من الطرفين من حاصل الزرع نفسه، فلا تصح المعاملة إذا جعلت الحصة بذلك المقدار في الذمة من جنس الحاصل، وأولى من ذلك بعدم الصحة ما إذا جعلت بذلك المقدار من غير جنسه. ويكفي في انشاء المعاملة أن يقول الموجب من الطرفين: رضيت بالخرص المعين لثمر هذه الزراعة لي وعلي، وتقبلت نصف المقدار الذي حدده الخرص في حصتي المعينة لي من حاصل الزرع وجعلت الباقي من الحاصل لك، فإذا قبل الجانب الآخر ذلك ورضي به صحت المعاملة، ووجب على الطرفين الوفاء بها فإذا زاد الحاصل على مقدار الخرص لم يستحق الطرف الذي تقبل حصته من الخرص من هذه الزيادة شيئا، كان الزائد من الحاصل كله لصاحبه، وإذا نقص الحاصل عن مقدار الخرص، أخذ الاول حصته من مقدار الخرص كاملة دون نقص وكان الباقي الناقص للثاني. ويكفي في صحة المعاملة أن تنشأ، باي لفظ غير ذلك، إذا كان دالا على هذا المضمون في عرف أهل اللسان، وان كانت دلالته بالقرينة المفهمة أو بلغة غير عربية، ويصح أن تنشأ بالفعل إذا كان دالا على المعنى المراد.

[ 295 ]

ولا فرق في صحة معاملة الخرص المذكورة بين أن يكون الخارص لحاصل الزرع احد الطرفين المتعاقدين وأن يكون شخصا ثالثا غيرهما، إذا كان من أهل الخبرة والوثوق وتم بخرصه غرض المتعاملين، وحصل به الرضا والقبول منهما. (المسألة 72): إذا تلف جميع حاصل الزرع أو تلف بعضه بحيث كان الباقي من الحاصل اقل من المقدار المخروص، وكان تلف التالف منه بعد الخرص وتقبيل الحصة منه دخل النقص على الجانبين، ولم يختص بواحد منهما على الاقوى، سواء كان التلف بآفة سماوية أم ارضية، وسواء كان التلف بفعل الانسان، ام بسبب آخر من حيوان أو غيره. ويشكل الحكم إذا تلف بعض الحاصل وكان المقدار الباقي منه يساوي مقدار الخرص، أو يزيد عليه، ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين. (المسألة 73): لا تختص معاملة الخرص التي ذكرناها بالمزارعة وتقبيل الحصة منها، بل تجري ايضا في المساقاة، وسيأتي بيانه (ان شاء الله تعالى)، وتجري في ثمر النخيل والشجر إذا كان مشتركا على وجه الاشاعة التامة بين مالكين بسبب ارث أو شراء، أو غيرهما من أسباب الملك والاشتراك فيه، وتجري في كل ثمر أو زرع مشترك بين مالكين لاحد الاسباب الموجبة للتملك والاشتراك فيه، فيجوز لهما أو لاحدهما أن يخرص الثمر عند بلوغه وتحقق ادراكه، فإذا رضي الجانبان بالخرص ورضيا بأن تكون حصة أحدهما من المقدار المخروص، وللآخر الباقي سواء زاد

[ 296 ]

الحاصل عنه أم نقص، صحت المعاملة ولزمت وترتبت آثارها. (المسألة 74): يجوز لمالك الارض أن يصالح عامل المزارعة عن حصته المقدرة له من حاصل الزرع بمقدار معين في ذمته من جنس الحاصل أو من غير جنسه، فإذا كانت الزراعة المشترطة بين المتعاقدين من الحنطة مثلا وكانت حصة العامل هي النصف من حاصلها، جاز لمالك الارض أن يصالح العامل عن حصته المذكورة بعشرين منا من الحنطة، تبقى في ذمة المالك، أو بعشرين منا من الارز أو الماش أو العدس تبقى في ذمته كذلك، ويجوز له أن يصالحه عنها بعين في الخارج مملوكة له، من جنس الحاصل أو من غير جنسه، فتكون عوضا للعامل عن حصته. ويجوز للعامل أن يصالح مالك الارض عن حصته المعينة له من الحاصل كذلك، في كلا الفرضين وانما يصح الصلح في جميع ما ذكر من الفروض إذا ظهر حاصل الزرع سواء تم ادراكه ام لم يتم. ولا تضر بصحة هذا الصلح بينهما جهالة الطرفين بمقدار الحصة المصالح عليها فان مثل هذه الجهالة مغتفرة في عقد الصلح والاحوط استحبابا لهما تقدير ذلك يخرص متعارف عند اهل الخبره، ولا يضر بصحة الصلح وجوه التفاوت بين العوضين، وذلك لان حصة المزارع والعامل من الزرع قبل الحصاد والتصفية ليست من المكيل ولا الموزون، فلا تكون المعاوضة عليها من التفاوت بين العوضين من الربا المحرم في الاسلام. وإذا أراد احد المتزارعين أن يصالح صاحبه عن حصته قبل ظهور الحاصل فلابد له من ضم ضميمة إلى الحصة، ولا يصح الصلح عليها بغير ذلك.

[ 297 ]

(المسألة 75): إذا انقضت المدة المضروبة للمزارعة بين العامل ومالك الارض، ووقعت القسمة لحاصل الزرع المشترك بينهما، واخذ كل شخص منهما حصته المعينة له من الحاصل، وبقيت في الارض بعد ذلك أصول الزرع وجذوره، فانبتت في السنة الثانية نباتا وأخرجت زرعا، فالنبات والزرع الذي يحصل منها يكون مشتركا بينهما، وقد ذكرنا في المسألة الثامنة والخمسين، أن مقتضى عقد المزارعة عند اطلاقه أن يحصل الاشتراك بين مالك الارض وعامل المزارعة من حين ظهور الزرع في الارض، وفي جميع مراحل نموه وادواره، ولا يختص بالحاصل عند ظهوره في الزرع أو عند انعقاد الحب أو صدق الاسم، وكذلك إذا اشترط المتعاملان في ضمن العقد أن يقع الاشتراك بينهما في الزرع في تلك المرحلة أو قبلها. ومن نتائج ذلك: أن تكون أصول الزرع وجذوره الباقية في الارض بعد الجذاذ مشتركة بينهما كما ذكرنا، ويتبعها نماؤها الذي يحصل منها فيكون مشتركا بينهما، الا إذا أعرض المتعاقدان عن هذه الاصول الباقية، فيكون النبات الحادث منها لمن سبق إليه فتملكه بالحيازة. (المسألة 76): إذا بقي في الارض بعض الحبوب من حاصل الزراعة الماضية، فانبت في السنة اللاحقة زرعا واخرج نماء، فإذا كان الحب الذي بقي في الارض من الحاصل المشترك بين المتزارعين قبل قسمته بينهما، فالزرع والنماء الذي يخرج منه يكون مشتركا بينهما ايضا تبعا لاصله، ويكون لكل واحد من الشريكين من هذا النماء الجديد بمقدار حصة ذلك الشريك من الاصل، فإذا كان الاصل مشتركا بينهما

[ 298 ]

بالمناصفة، فالنماء، الحادث منه مشترك بينهما بالمناصفة كذلك، وإذا كان لاحدهما الثلث منه أو الربع أو غيرهما، فله من النماء الجديد بتلك النسبة. وإذا كان الحب الباقي في الارض مختصا بأحد الشريكين، كما إذا سقط من حصة العامل بعد القسمة أو من حصة مالك الارض كذلك اختص مالكه بالنماء الحادث منه، ولم يستحق الآخر منه شيئا، ولا يستحق مالك الارض على العامل أجرة لارضه إذا كان النماء الحادث ملكا للعامل خاصة، أو كان مملوكا له ولصاحب الارض على نحو الاشتراك، ثم بقي النماء في الارض حتى ادرك وبلغ أوانه. (المسألة 77): إذا قصر عامل المزارعة في القيام المطلوب منه على الزراعة في تمهيد الارض مثلا أو تسميدها، أو في السقي الكافي لحاجتها وحاجة الزرع، أو في مكافحة الحشرات والطفيليات والطوراى، المؤثرة عادة، فقل بسبب تقصيره حاصل الزرع، فان كان التقصير منه قبل أن يظهر الزرع في الارض لم يضمن العامل لمالك الارض بسبب هذا التقصير شيئا، وثبت لمالك الارض بذلك خيار فسخ المعاملة الجارية بينه وبين العامل، فان شاء فسخ المزارعة، وان شاء أمضاها ولم يفسخها فإذا اختار مالك الارض ففسخ المزارعة وكان البذر مملوكا للفاسخ صاحب الارض كان الحاصل الذي يخرج من الزرع مملوكا له تبعا للبذر، ولزمه أن يدفع للعامل اجرة المثل لعمله، وإذا تلف شئ من البذر بسبب تقصير العامل كان العامل ضامنا لما تلف منه فيجب عليه أن يدفع لمالكه مثله إذا كان مثليا وقيمته إذا كان قيميا.

[ 299 ]

وإذا كان البذر مملوكا للعامل كان الحاصل مملوكا له بتبع البذر، ولزمه أن يدفع لمالك الارض اجرة المثل لارضه. وإذا اختار مالك الارض فأبقى المعاملة بينه وبين العامل ولم يفسخها بسبب تقصير العامل صحت المزارعة وكانت لكل واحد من الطرفين حصته المعينة له في العقد قلت أو كثرت. وان كان التقصير الذي ذكرناه من العامل بعد ظهور الزرع في الارض، تخير مالك الارض، فيجوز له أن يفسخ المعاملة وتترتب على فسخه جميع النتائج والآثار التي قدمنا ذكرها في الفرض السابق، ويجوز له أن يمضي المعاملة فتكون لكل واحد من الطرفين حصته المعينة له في عقد المزارعة قلت أو كثرت، ويضمن العامل لصاحب الارض مقدار التفاوت في حاصل الزرع بسبب تقصيره، ويعرف ذلك بالرجوع إلى أهله الخبرة، وإذا لم يعلم فالاحتياط بالرجوع إلى المصالحة. (المسألة 78): إذا ادعى مالك الارض على عامل المزارعة فيها انه لم يف له ببعض الشروط التي شرطها عليه في عقد المزارعة، وجحد العامل ما يدعيه المالك عليه من عدم الوفاء، فالقول قول العامل، ولا يمين عليه لانه مؤتمن، الا أن يقيم المالك على صحة دعواه على العامل بينة مقبولة يثبت بها عدم وفائه، وكذلك الحكم إذا ادعى مالك الارض أن العامل قد قصر في عمله في المزارعة فاضر بالزرع بسبب تقصيره في العمل، وانكر العامل وقوع تقصير منه، أو ادعى المالك عليه أنه فرط في حفظ الثمر بعد ظهوره في الزرع فتلف جميع الحاصل أو تلف بعضه، وانكر العامل وقوع أي تفريط أو تقصير منه، فالقول في جميع هذه الفروض قول العامل ولا يطالب بيمين

[ 300 ]

على انكاره لانه مؤتمن. (المسألة 79): إذا ادعى مالك الارض انه قد اشترط على العامل شرطا في ضمن العقد وانكر العامل وقوع ذلك الشرط بينهما، أو ادعى العامل انه قد اشترط على المالك شيئا وانكر المالك ذلك، فالقول قول المنكر منهما مع يمينه في كلتا الصورتين، الا إذا اثبت المدعي منهما صحة قوله ببينة مقبولة، فيؤخذ بها وإذا انعكس الفرض فادعى أحد المتزارعين أن صاحبه قد اشترط عليه شرطا معينا في ضمن عقد المزارعة، وانكر صاحبه وجود ذلك الشرط منه، ألزم الاول منهما بأن يفي بالشرط الذي ذكره أخذا له باقراره، فلا يأخذ حصته المعينة له من الحاصل حتى يفي بالشرط، ويعامل الثاني ايضا بمقتضى قوله، ولذلك فليس له أن يطالب صاحبه المقر بالشرط الذي ذكره بعد انكاره اياه ويلزمه أن يوصل إلى صاحبه حصته من الحاصل وأن لم يف بالشرط اخذا له بقوله، ويمكن لهما أن يتخلصا من هذا الاشكال بالرجوع إلى التسالم والمصالحة بينهما. (المسألة 80): إذا ادعى أحد المتزارعين أن صاحبه قد غبنه بالمزارعة الجارية بينهما، لزمه أن يثبت وجود الغبن عليه في المعاملة بأحد المثبتات الشرعية، فإذا أثبت ذلك جاز له فسخ المزارعة للغبن، ولا يكون له حق الخيار الا بعد اثبت وجود سببه وهو واضح وانما يذكر للتنبيه. (المسألة 81): إذا تنازع المتزارعان في مقدار المدة التي عيناها لمزارعتهما، فقال احدهما

[ 301 ]

هي سنة واحدة وقال الاخر بل هي سنتان، أو قال الاول: قد جعلنا المزارعة بيننا إلى ثلاث سنين، وقال الثاني، بل جعلناها إلى اربع سنين، قدم قول من ينكر الزيادة في المده منهما مع يمينه، وتستثنى من ذلك صوره واحدة، وهي ما إذا ادعى احد المتعاقدين مدة قصيرة لا تكفي بحسب العادة لزرع الارض وبلوغ الحاصل فيها لقصرها، وادعى الثاني مدة تتسع لذلك بحسب العادة فيقدم قول الثاني لان قوله يستلزم صحة المعاملة الواقعة بينهما، وقول الاول يستلزم فسادها بسبب قصر المدة، وقد بينا في المسألة التاسعة أن المدة التي تشترط للمزارعة إذا كانت قصيرة لا تكفي بحسب العادة المتعارفة لمزارعة الارض وادراك حاصل الزرع فيها كان العقد الواقع عليها باطلا. (المسألة 82): إذا تنازع المتزارعان في مقدار الحصة المعينة لاحدهما من حاصل الزرع، فقال احد الطرفين لصاحبه، قد جعلنا لك الثلث خاصة من حاصل الزارعة، وقال الثاني: بل حصتي النصف من الحاصل، فالقول قول من يدعي قلة الحصة، وينكر الزيادة فيها من الطرفين مع يمينه، وهوفي غالب الفروض المتعارفة من يملك البذر كله فهو يدعى القلة في حصة صاحبه ليكون الزائد من نصيبه، وقد يختلف ذلك، وقد يكون البذر ملكا للجانبين، معا بالتساوى أو مع التفاوت، وعلى أي حال فالقول قول من ينكر الزيادة مع يمينه في جميع الصور التي يقع فيها التنازع بين الطرفين في مقدار الحصة. (المسألة 83):

[ 302 ]

يجوز لمن تقبل قطعة من الارض الخراجية من السلطان، أو من ولى امر المسلمين، وكانت القطعة بيده يؤدى خراجها وينتفع بها، أن يدفع تلك الارض إلى شخص آخر ليزرعها ذلك الشخص، وينتفع بها لنفسه، فيؤدى من حاصل زراعة الارض ما عليها من الخراج زاد ام نقص ويأخذ ما بقى من الحاصل لنفسه، ولا ينتفع الاول الذي تقبلها من السلطان منها بشئ، سوى انه قد تخلص بذلك من الخراج، وقد دل بعض النصوص على جواز ذلك إذا كان دفع الارض من الاول الى الثاني برضاه ويجوز لمن تقبل الارض الخراجية كذلك أن يزارع عليها عاملا ليزرعها ويعمل فيها ويدفع خراج الارض من حاصل الزارعة فيها، ثم يكون الباقي من الحاصل لكل من المتقبل والعامل فيقتسمانه بينهما بالمناصفة أو بما سوى ذلك من الحصص بحسب ما يشترطان ويتراضيان، فيكون الخراج على كليهما. ويجوز لمتقبل الارض من السلطان أو ولى الامر أن يشترط على العامل الذي يزارعه أن يكون جميع الخراج على العامل خاصة، فيدفعه من حصته من الحاصل بعد القسمة ولا يكون على المتقبل شئ من الخراج، فيصح جميع ما ذكرناه من الفروض مع الاشتراط والرضى به من الطرفين، وتلاخط المسألة الثانية والعشرون. ويجوز لمتقبل الارض أن يدفعها إلى شخص غيره ليزرعها وينتفع بها ويشترط على ذلك الغير أن يدفع جميع الخراج من حاصل زراعته في الارض وأن يدفع للمتقبل مع ذلك مبلغا معينا مائة دينار مثلا أو اقل أو اكثر، ثم يأخذ الزارع لنفسه ما بقى من الحاصل وقد دلت النصوص إلى صحة جميع ذلك مع الاشتراط في العقد والرضى به من الجانبين. (المسألة 84):

[ 303 ]

يصح أن يقع عقد المزارعة بين المسلم والكافر سواء كان الكافر هو صاحب الارض ام كان هو العامل في المزارعة، وتجري في المعاملة بينهم جميع الاحكام وتترتب جميع الاثار التي بيناها للمزارعة ويلزم الوفاء بعقدها والقيام بواجباتها وشروطها على كل من المسلم والكافر من غير فرق بينهما. (المسألة 85): يجوز للقيم الذي جعله الواقف متوليا على الارض الموقوفة، أو الذي نصبه الحاكم الشرعي متوليا عليها، أن يزارع عاملا على الارض الموقوفة الداخلة تحت ولايته، إذا اقتضت مصلحة الوقف، أو مصلحة الموقوف عليهم: أن يزارع احدا على الارض، وقد توفرت في المتولي شروط الولاية، وصحة التصرف، سواء كان وقف الارض عاما ام خاصا، وسواء كان وقفها على جهة، ام على اشخاص، ام على غير ذلك، وتنفذ المزارعة الواقعة من المتولي عليها، ويلزم الطرفين الوفاء بها وباحكامها. وإذا عين المتولي للمزارعة مدة تقتضي المصلحة تعيينها، لزم العمل بالمعاملة في تلك المدة ولا تبطل بموت المتولي الذي اوقع المزارعة إذا مات في اثناء المدة. وإذا كانت الارض موقوفة على بطون متلاحقة من الموقوف عليهم، وزارع المتولي احدا على الارض المذكورة لمصلحة البطون وعين للمزارعة مدة، لزم الوفاء بالعقد في جميع المدة، ولا يبطل العقد بموت المتولي، ولا بموت اهل البطن الاول أو الثاني أو الثالث من الموقوف عليهم، ما دامت المدة المشترطة باقية. (المسألة 86):

[ 304 ]

إذا زارع اهل البطن المتقدم عاملا على الارض الموقوفة عليهم، وعلى من بعدهم من البطون لم تنفذ بالمزارعة التي انشاها هولاء على من ياتي بعدهم من البطون المتأخرة، فإذا مات اهل البطن الذين اوقعوا المزارعة، بطلت مزارعتهم بعد موتهم، الا إذا اجازها اهل البطن اللاحق لهم، فتصح المزارعة باجازتهم، كما يصح العقد الفضولي إذا اجازه الاصيل في سائر المعاملات. (المسألة 87): يصح أن تقع المصالحة بين عاملين مستقلين في مزارعتين مختلفتين يختص كل عامل منهما بارض خاصة به، وبحصة معلومة معينة له من حاصل زراعته في ارضه، فيوقعا عقد الصلح ما بينهما على الحصتين، فيجعل الاول منهما حصة المعينة له من حاصل زراعته عوضا للعامل الثاني عن حصته المعينة له من زراعته، فإذا تم عقد الصلح بينهما، وحصل الايجاب والقبول منهما انتقلت حصة كل واحد منهما من زراعته إلى ملك الاخر، وحصلت المعاوضة بين الحصتين. ومن امثلة ذلك أن يزارع مالك الارض سعيدا وهو العامل الاول على قطعة معلومة من ارضه ويعين له حصة معلومة من حاصل زرعه لتلك القطعة، ثم يزارع عبد الله وهو العامل الثاني على قطعة أخرى من الارض بحصة معينة كذلك من حاصل زرعه لهذه القطعة، فيختص كل واحد من العاملين بقطعته التي حددها له مالك الارض، وبحصته التي عينها له من الحاصل، ثم يصالح سعيد عبد الله عن حصته من زراعة القطعة الثانية بالحصة التي يملكها سعيد من زراعته للقطعة الاولى، فتصبح بسبب الصلح الواقع بينهما حصة عبد الله من زراعته ملكا لسعيد فيقتسم حاصلها مع مالك الارض بنسبة هذه الحصة التي ملكها بالصلح، وتصبح

[ 305 ]

حصة سعيد من زراعته ملكا لعبد الله فيقتسم حاصلها مع المالك بهذه النسبة. (المسألة 88): إذا ازارع مالك الارض عاملين ولنفرضهما زيدا وعمرا على أن يزرعا له أرضه المعلومة وعين للعاملين حصة معلومة من حاصل زراعتهما للارض تكون لهما معا: النصف من الحاصل أو الثلث أو الربع مثلا، وللمالك الحصة الاخرى منه وتم العقد بينهم على ذلك، جاز لزيد وعمرو (عاملى المزارعة) أن يقتسما الارض التي دفعها المالك اليهما قطعتين ويختص زيد بزراعة احدى القطعتين وتكون له الحصة العينة في عقد المزارعة من حاصلها وللمالك الحصة الاخرى ويختص عمرو بزراعة القطعة الثانية ويقتسم حاصلها مع المالك - كما تقدم - (المسألة 89): يجوز لصاحب الارض إذا كانت ارضه بوارا لا ينتفع بها بالفعل الا بعد علاج وتعمير واصلاح يستمر سنة كاملة أو سنتين مثلا: أن يزارع على ارضه عاملا ويجعل للمزارعة مدة طويلة: خمس سنين مثلا أو اكثره ويشترط على العامل في ضمن العقد أن يقوم بعلاج الارض واصلاح خرابها سنة أو سنتين حتى تعمر وتكون صالحة للانتاج، ويشترط على نفسه في العقد أن يكون جميع حاصل الارض في فترة العلاج والتعمير مملوكا للعامل خاصة ولا يشاركه المالك فيه، ثم تزرعها العامل بعد تلك الفترة، فيكون الحاصل الناتج منها مشتركا بين المالك والعامل بمقدار ما يعينان لهما من الحصة، فإذا وقعت المعاملة بينهما كذلك، وتم الايجاب والقبول عليه، صحت المزراعة، ولزم الوفاء بها على الطرفين، سواء كانت الارض مملوكة لصاحبها ام كانت من ارض الوقف العام أو الخاص البائرة، فيجرى

[ 306 ]

متولى الوقف عقد المزارعة عليها كذلك. (المسألة 90): ورد في الخبر عن مسمع عن الامام ابي عبد الله (ع) قال: (لما اهبط ادم إلى الارض احتاج إلى الطعام والشراب فشكا ذلك إلى جبرئيل (ع) فقال له جبرئيل: يا ادم كن حراثا، قال فعلمني دعاء، قال: قل: (اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول دون الجنة والبسنى العافية حتى تهنئني المعيشة)، وعن شعيب العقرقوفى عنه (ع) قال: إذا بذرت فقل: (اللهم قد بذرت وانت الزارع فاجعله حبا متراكما)، وعن ابن بكير قال: قال أبو عبد الله (ع): إذا اردت أن تزرع زرعا فخذ قبضة من البذر واستقبل القبلة وقل: (افرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) ثلاث مرات، ثم تقول: بل الله الزارع، ثلاث مرات، ثم قل: (اللهم اجعله حبا مباركا وارزقنا فيه السلامة) ثم انثر القبضة التي في يدك في القراح)، وورد عنه (ع): (اذا غرست غرسا أو نبتا فاقرأ على كل عود أو حبة: " سبحان الباعث الوارث " فانه لا يكاد يخطئ ان شاء الله تعالى)، وعن أحدهما (ع) قال: تقول إذا غرست أو زرعت: (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها)

[ 307 ]

[ الفصل الرابع ] [ في المساقاة وشروطها ] (المسألة 91): المساقاة معاملة خاصة تقع بين الرجل وشخص اخر على أن يسقى الشخص الثاني للرجل الاول اصولا ثابتة من نخيل أو شجر مدة معينة، ويتعهد تلك الاصول في تلك المدة بما تحتاج إليه عادة من الرعاية والعمل في نموها واثمارها حتى تنتج، وعلى أن تكون للشخص الساقي حصة مشاعة معينة بين المتعاملين من حاصل الثمر الذي تنتجه تلك الاصول، ولا ريب في مشروعية هذه المعاملة، وصحتها إذا توفرت فيها الشروط الاتى ذكرها. (المسألة 92): المساقاة عقد من العقود المعروفة والمتعارفة بين الناس عامة في غالب البلاد، وان كانت في بعض البلاد اكثر شيوعا وتعارفا بين عامة الناس في بعض الفترات من الزمان، لاحتياج السقى فيها إلى مزاولة اعمال واتعاب لا يحتاج الى مثلها في بلاد اخرى وفي ازمنة اخرى، ولابد في صحة هذه المعاملة من الايجاب والقبول لانها كما ذكرنا عقد من العقود.

[ 308 ]

ويكفي في صحة الايجاب والقبول فيها أن يقعا باى لفظ يكون ظاهر الدلالة عند اهل اللسان على المضمون الذي يريده المتعاقدان، سواء كانت دلالته بنفسه ام بقرينة موجودة تحف بالمعاملة، وسواء انشأ المتعاملان الايجاب القبول بينهما بصيغة الفعل الماضي ام بالفعل المضارع ام بفعل الامر، ام بالجملة الاسمية، ام بغير اللغة العربية من اللغات الحية التي يحسنها الطرفان إذا هما قصدا إنشاء المعنى المقصود بها، فإذا قال مالك الاصول لعامل المساقاة: سلمت اليك هذه الاصول المغروسة أو ادفع لك هذه المغروسات لتسقيها وتتعهد امرها بالرعاية والاصلاح والعمل فيها حتى تثمر، ولك النصف من حاصل ثمرها، أو الثلث، أو غيرهما من الحصص المشاعة إذا اتفقا عليها، أو قال له: اسق هذه الاصول المغروسة وتعهدها بالعمل فيها وفي اصلاحها حتى تنتج وتثمر ولك نصف حاصلها، وقال العامل: قبلت المساقاة منك بالحصة التي عينتها لى من الحاصل صحت المعاملة. وكذلك إذا كان الايجاب من عامل المساقاة فقال لمالك الاصول: تسلمت منك هذه المغروسات لاسقيها واعمل لك فيها حتى تثمر، ولى النصف من حاصل ثمرها وقال المالك رضيت بذلك، ومثله ما إذا انشأ احدهما الايجاب بلغة غير عربية وقبل صاحبه منه الايجاب فتصح المعاملة وتنفذ، ويمكن أن ينشأ الايجاب باللفظ والقبول بالفعل الدال على الالتزام والرضا بما انشأه الموجب، ويصح بعكس ذلك فينشئ للموجب العقد بالفعل الدال على انشاء المعنى المقصود ويكون القبول باللفظ، ويكفي أن يكون انشاء المعاملة بالمعاطاة من الجانبين، بعد أن يعينا قبلها ما يحتاجان إلى تعيينه، ويذكرا ما يحتاجان إلى ذكره من الشروط، ثم تجرى المعاملة بالمعاطاة مبينة على ذلك، وقد ذكرنا نظير هذا في عقد المزارعة.

[ 309 ]

(المسألة 93): يشترط في صحة المساقاة أن يكون كل من صاحب الاصول المغروسة وعامل المساقاة بالغا وأن يكون عاقلا، فلا تصح المعاملة إذا كان الطرفان فيها صبيين غير بالغين، أو مجنونين غير عاقلين، أو كان احدهما كذلك، ويشترط في صحتها ان يكون كل من الطرفين قاصدا في انشائه للمعنى المراد في العقد فلا تصح إذا كانا هازلين أو هازئين في قولهما أو فاقدين للقصد لسكر أو غضب شديد أو كان احدهما كذلك، ويشترط في صحتها أن يكون كل من المتعاقدين فيها مختارا غير مكره اكراها يسلب منه الاختيار، وان لا يكونا محجورين لسفه يوجب عليهما الحجر في المال أو الحجر في مطلق التصرف أو يكون احدهما كذلك، وأن لا يكون مالك الاصول محجورا عليه لفلس من المال، ولا يشترط ذلك في العامل فتصح مساقاته إذا كان مفلسا، وتلاحظ الايضاحات التي بيناها لهذه الشروط العامة في عقد المزارعة وفي المعاملات الاخرى التي سبق منا ذكرها في هذه الرسالة وفي كتاب الحجر منها. (المسألة 94): يشترط في صحة المساقاة بين الشخصين أن تكون الاصول التي يتفقان على سقايتها مملوكة لصاحبها باعيانها ومنفعتها أو مملوكة له منفعتها خاصة، أو يكون نافذ التصرف في الاصول أو في منفعتها بوكالة أو ولاية، أو بتولية مجعولة له من شخص نافذ التصرف فيها. فلا تصح مساقاة الرجل إذا كان مالكا لاعيان الاصول المغروسة خاصة وكانت منفعة الاصول مملوكة لغيره باجارة أو صلح أو هبة أو معاملة شرعية اخرى

[ 310 ]

تنقل المنفعة عن ملكه إلى غيره، فانه لا يقدر في هذه الصورة أن يجعل حصة من منفعة الاصول لعامل المساقاة. وتصح مساقاة الرجل على الاصول إذا كان مالكا لمنفعتها خاصة باجارة وشبها، فإذا ساقى عاملا عليها وفى له العامل بالعقد استحق الحصة المجعولة له من حاصلها، وتصح المساقاة من الرجل إذا كان نافذ التصرف في الاصول أو في المنفعة كما ذكرنا وان لم يكن مالكا لاعيانها، ومثال ذلك: أن يكون وكيلا عن المالك أو وليا عليه كالاب أو الجد ابى الاب على مال الطفل، وكالولى الشرعي على مال اليتيم أو المجنون أو السفيه، وكالمتولى المجعول على ارض الوقف والوصى عل الثلث والارض الموصى بها، ولا تصح المساقاة إذا انتفى جميع ذلك. (المسألة 95): يشترط في صحة المساقاة أن تكون الاصول التي تجرى المعاملة على سقايتها معينة في الخارج، فلا تصح المساقاة إذا كانت الاصول مرددة بين افراد متعددة منها من غير تعيين للاصول المرادة، وأن تكون معلومة عند المالك والعامل، فلا تصح المعاملة على سقى الاصول إذا كانت مجهولة عندهما أو عند احدهما. (المسألة 96): يشترط في صحة المساقاة أن تكون الاصول التي تجري المعاملة على سقيها مغروسة في الارض، فلا تصح المعاملة على فسيل نخيل أو ودى شجر أو قضبان واعواد لم تغرس بعد في الارض، قالوا: ولا تصح المساقاة على اصول غير ثابتة وان كانت مزروعة ذات جذور نابتة في الارض، كالبطيخ والخيار والباذنجان

[ 311 ]

والقطن والفلفل وما يشبه ذلك من المزروعات، وكأنهم (قدس الله ارواحهم) يريدون من الاصول الثابتة التي تقطع المساقاة عليها ما يسمى نخلا أو شجرا في نظر اهل العرف، وسنتعرض في ما ياتي لحكم هذه المزروعات الاخرى ان شاء الله تعالى، وتلاحظ المسألة المائة والسادسة، والمسألة المائة والتاسعة وما بعدها. (المسألة 97): لا ينبغي الريب في أن سقي اصول النخيل والشجر لا يمكن ضبطه عادة في زمان معين واجل محدد منه حتى يلزم ذكره في عقد المساقاة ويجب تحديد امده بين المتعاملين، وانما يدور ذلك مدار الحاجة إليه في وقته وفي مقداره، فان من السقى ما يحتاج إليه في تثبيت الاصل بعد ما يغرس في الارض، وفي نموه بعد ذلك وفي تتابع نموه حتى يشتد الاصل ويقوى، ومن السقى ما يحتاج إليه لا ثمار الاصول في مواقيت اثمارها وفي تربية الثمر وتقويته في مواعيد ايناعه، وفي انضاجه في وقت نضوجه، وكل ذلك يدور مدار الحاجة إليه في الوقت وفي المقدار كما قلنا، وهى امور تتبع العادة العامة المتبعة بين الناس والتعارف الجاري عند اهل المعرفة والخبرة منهم ولهذا الذي بيناه فيكفي في صحة المساقاة أن يعتمد المتعاقدان على هذه العادة الجارية بين عامة الناس وعلى تعارف اهل الخبرة منهم في تعيين اوقات السقى ومواعيد الحاجة إليه ومقاديره، ولا يفتقران إلى تعيين مدة له أو مقدار. وكذلك الاعمال الاخرى التي يلزم على عامل المساقاة أو على مالك الاصول أن يقوم بها في معاملة المساقاة، مثل تنقية مجاري الماء وكري النهر وشقه

[ 312 ]

إذا لم يكن مشقوقا في الارض، وحفر البئر إذا لم تكن محفورة، وتلقيح ما يحتاج الى التلقيح من الثمر، وتجريد النخيل والشجر من السحف والاغصان اليابسة ومثل حراثة الارض وتسميدها إذا احتاج نمو الاصول أو نماؤها إلى ذلك، وازالة ما في الارض من نبات أو حشائش تضر بالاصول أو بالثمار، واصلاح مواضع جمع التمر وتصفيته وتشميسه، واعداده للقسمة أو للنقل والبيع وما يشبه ذلك، فان مواقيت هذه الاعمال ومقاديرها تدور مدار تحقق الحاجة إليها، والرجوع فيها إلى العادة العامة، والى نظر أهل الخبرة من الناس يغني عن تعيين مدة أو مقدار لها وسنتعرض ان شاء الله تعالى لذكر هذه الاعمال، وما يجب على العامل منها، وما يجب على المالك في بعض المسائل الآتية. ونتيجة لما تقدم ذكره فيكفي في صحة المساقاة أن يعين المتعاملان في العقد بينهما مبدأ الشروع في سقي الاصول، وأن تجعل النهاية الى أوان بلوغ الثمر فان بلوغ الثمر أمر تحدده العادة، ويكفي في تعيينه الرجوع الى أهل الخبرة فيتعين الامد بذلك وتصح المعاملة، وهذا إذا كانت المساقاة الجارية بين الطرفين لعام واحد. (المسألة 98): قد يتعلق غرض خاص لمالك الاصول أو لعامل المساقاة في أن يكون مبدأ الشروع في المساقاة بينهما في وقت مخصوص، وأن تكون نهاية العمل فيها في وقت مخصوص كذلك ويجب في مثل هذه الفروض على المتساقيين أن يعينا المدة المقصودة للطرفين في بدايتها ونهايتها، فإذا لم تعين المدة بطلت المساقاة

[ 313 ]

فان المفروض انهما لم يقصدا ما هو المتعارف بين الناس. ويجب أن تكون هذه المدة التي تعين للمساقاة كافية لان يظهر فيها ثمر الاصول ويبلغ أوانه بحسب العادة ولا تصح المساقاة إذا كانت المدة قصيرة لا تكفي لذلك وقد سبق نظير هذا في عقد المزارعة. (المسألة 99): يصح أن تعقد المساقاة بين الشخصين على سقي الاصول المعلومة وأخذ الحصة المعينة من ثمرها سنين متعددة، خمس سنين أو عشر سنين أو أقل من ذلك أو أكثر، ويجب تحديد عدد السنين التي تراد المعاملة عليها بينهما، بحيث تكون المدة مضبوطة لا تقبل الزيادة والنقصان، فيقول مالك الاصول للعامل مثلا: سلمت اليك هذه الاصول لتسقيها وتعمل فيها عمل المساقاة وتأخذ الربع من حاصل ثمرها مدة عشر سنين من هذا الوقت، أو يقول له: عاملتك على هذه الاصول لتسقيها وتتعهد أمرها من هذا الوقت إلى نهاية بلوغ الثمر فيها من السنة العاشرة، ولك الربع من حاصل ثمرها في كل عام من جميع هذه المدة، فإذا قبل العامل المساقاة على القيود المعينة في المدة المذكورة صحت المعاملة، ولزم على الطرفين الوفاء بها ما دامت المدة باقية. (المسألة 100): يظهر جليا من اطلاق بعض النصوص المعتبرة: أنه يجوز لصاحب الاصول أن يدفع أصوله وشجره إلى العامل ليسقيها ويعمل فيها ما تحتاج إليه من أعمال المساقاة ويأخذ الحصة المعينة له من حاصل ثمرها في كل سنة ما دامت الاصول باقية في يد العامل من غير أن يعين لبقاء الاصول في يده مدة محدودة من الاشهر أو

[ 314 ]

السنين، وهذا ايضا هو الغالب والمتعارف بين العقلاء عامة في مختلف الاقطار والبلاد، فان المألوف والمعروف في ما بينهم جميعا أن ارباب البساتين والنخيل يعاملون الفلاحين عليها من غير تحديد لمدة المعاملة، فهم يدفعون نخيلهم وأشجارهم وبساتينهم وضيعاتهم إلى الاكارين والفلاحين ليسقوها ويعملوا فيها ويأخذوا الحصص المعينة لهم من حاصل ثمرها في كل عام، وإذا اخذها العامل منهم بقيت الاصول في يده يسقيها ويعمل فيها عمل المساقاة ويأخذ حصته المحددة له ما دامت في يده، من غير أن يعين المالك أو العامل لذلك مدة واجلا. والذي يظهر من مجموع ذلك ومن الاطلاقات الواردة في هذا المجال: أن المساقاة التي تكون بين المتعاملين في هذه الموارد تجري بينهما على نحو الانحلال في عقد المساقاة ففي كل عام معاملة مستقلة، يلتزم المالك وعامل المساقاة بأحكامها ولوازمها إذا هما بقيا على جريان المعاملة بينهما، فإذا بدا لهما أو لاحدهما في ذلك فترك المساقاة بينه وبين صاحبه باختياره لم يلزمه القيام بلوازمها واثارها فليست المساقاة الجارية بين الطرفين مساقاة واحدة مستمرة على الدوام ليجب الوفاء بها على الدوام كذلك. (المسألة 101): يشترط في صحة المساقاة التي تجري بين المتعاملين أن يكون السقي والعمل الذى يقوم به عامل المساقاة مما يجدي نفعا في تقويم الاصول المساقى عليها، أو في قوة نموها أو في كثرة الثمر أو في تحسينه، وقد سبقت الاشارة منا الى ذلك في المسألة السابعة والتسعين. ونتيجة لهذا الشرط فتصح المساقاة إذا شرع العامل بالعمل في الارض

[ 315 ]

وبسقي الاصول بعد غرس الاصول وقبل ظهور الثمر فيها واستمر بالعمل والسقي إلى أن ادرك الثمر أو ان بلوغه، وتصح المساقاة إذا ابتدأ به بعد أن ظهر الثمر في الاصول وقبل أن يبلغ واستمر به إلى النهاية، ويشكل الحكم بصحة المساقاة إذا شرع العامل في السقي بعد أن بلغ الثمر مبلغه، ولم يبق من الاعمال التي يحتاج إليها غير جذاد التمر وقطف الثمر وتصفيته وتشميسه وحفظه ونحو ذلك ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين. (المسألة 102): يشترط في صحة المساقاة أن تجعل في العقد لعامل المساقاة حصة معينة من حاصل ثمر الاصول، والمراد بذلك أن تجعل له من مجموع الحاصل حصة مقدرة بكسر معلوم: النصف منه أو الثلث أو غيرهما من الكسور المعلومة، فلا تصح المساقاة إذا جعل له مقدار خاص مائة من من الثمر مثلا ليكون ذلك المقدار نصيبه في المساقاة ويكون للمالك باقي الثمر، ويشترط في صحتها أن تكون الحصة المعينة للعامل مشاعة في جميع الثمر ويكون جميع الحاصل مشتركا على نحو الاشاعة بين الطرفين، فلا تصح المساقاة إذا عينت للعامل فيها ثمرة أشجار أو نخيل معلومة فكانت ثمار تلك الاشجار أو النخيل حصته في المساقاة وللمالك بقية الحاصل، ولا تصح المساقاة إذا جعل فيها جميع ما يحصل من ثمر، الاصول ملكا للمالك أو للعامل خاصة، وان شرط عليه في العقد أن يدفع لصاحبه مبلغا معينا من المال، من جنس الحاصل أو من غيره. (المسألة 103):

[ 316 ]

يجوز أن تجرى معاملة المساقاة بين الرجلين على الوجه الصحيح الذي ذكرناه فيكون حاصل الثمر مشتركا بين الطرفين، وتكون للعامل منهما حصته المعينة له المشاعة من الحاصل، ويشترط مالك الاصول أو عامل المساقاة في ضمن العقد أن يختص باشجار أو نخيل معلومة من الاصول المساقى عليها فيكون ثمرها له خاصة، ويكون الاشتراك بين الجانبين والحصة لصاحبه في بقية الثمر فتصح المعاملة وينفذ الشرط إذا قبل به الطرفان. ويجوز لاحدهما أن يشترط لنفسه في ضمن العقد أن يكون له مقدار معلوم من المال من جنس الحاصل أو من غير جنسه يختص بهذا المقدار دون صاحبه ويكون الاشتراك بينه وبين صاحبه في الباقي بعد اخراج ذلك المقدار، ويقسم عليهما بحسب الحصة المعينة، فتصح المعاملة كذلك، وينفذ الشرط إذا قبل به الطرفان وهذا إذا علم أن الثمر اكثر من المقدار الذي عينه المشترط منهما لنفسه بحيث تبقى بعد إخراجه بقية يشترك فيها الطرفان ويقتسم بينهما بحسب الحصة المعينة في العقد. (المسألة 104): سبقت الاشارة منا في المسألة السابعة والتسعين إلى أعمال كثيرة يحتاج إليها في اصلاح النخيل والاشجار والبساتين لتنمية الاصول المغروسة في الارض وتقوية نموها، وزيادة ثمرها وتحسينه وصيانته من الآفات المضرات، وحفظه من السراق ومؤثرات البيئة من حر وبرد ومطر ورطوبة وغير ذلك، حتى يستكمل الغاية المطلوبة من المساقاة، غير سقي الاصول بالماء وتعهدها بالري الكامل حتى تثمر وتنتج.

[ 317 ]

فمن الاعمال ما بعد من شؤون السقي ومقدماته، مثل حفر البئر في الارض أو استنباط العين فيها أو اخراج البئر الارتوازي، وشق النهر أو القناة واعداد السواقى والمجاري للماء، ومثل جعل الناعور والدولاب واعداد الحبال والدلاء والدواب، أو نصب المكائن التي تجذب الماء، ومثل بناء الحياض والمخازن التي يجتمع فيها الماء ثم يقسم على أبعاض الارض وأطرافها ليعم الاصول التي يجب سقيها. ومن الاعمال ما يعد من توابع السقي ومتمماته مثل تنقية السواقي التي توصل الماء إلى الاصول، أو تخرج الفضلات والاملاح عنها بعد السقي، ومثل كري النهر وتعمير البئر والعين إذا احتاجا إلى الاصلاح والتعمير. ومنها ما يكون لغير ذلك مثل تسوير الضيعة والبستان، وحراثة الارض وتمهيدها لتثبت فيها الجذور والغراس، وتسميدها وازالة الحشائش والنبات الغريب الذى يضر بالارض أو بالاصول، ومكافحة الآفات والطوارئ التي تقلل الثمر أو تتلفه أو تضعفه، ومثل اعداد مواضع التشميس للثمر الذي يحتاج إلى التشميس، والتصفية والتنقية من الحشف أو الثمار المتغيرة أو المتعفنة أو المعيبة وتهيئة اماكن الحفظ للثمار من السرقة ومن طوارئ الحر والبر والمطر وغيرها حتى تتم قسمتها أو نقلها وبيعها. ولابد من النظر والملاحظة في هذه الاعمال التي ذكرناها، فان ثبت في بعضها اعتياد عام بين العقلاء واهل العرف من البلد، أو تعارف يوجب الانصراف في العقد، ويعين بموجبه أن ذلك العمل مما يلزم على المالك خاصة أن يقوم به أو مما يلزم على العامل خاصة وجب اتباع هذا الانصراف في عقد المساقاة وكان

[ 318 ]

قرينة عامة على ارادته ولزومه، وان لم يثبت الانصراف المذكور وجب على المتعا ملين أن يعينا في ضمن العقد بينهما ما على المالك من هذه الاعمال وما على العامل، وإذا لم يعينا شيئا بطلت المساقاة. (المسألة 105): تصح المساقاة بين المالك والعامل على أشجار لا تنتج ثمرا إذا كانت الاشجار مما ينتفع بورقه انتفاعا يعتد به بين الناس، وينتج حاصلا يرغب فيه العقلاء كشجر الحناء، وكالتوت الذكر يطلب ورقه ليأكله دود القز، وكشجر الورد ينتفع بورده فيصعد منه ماء الورد ويستخرج منه عطر الورد، ويطلب لغير ذلك من الغايات، وكبعض الاشجار التي يستحضر من ورقها أو من زهرها أو من حبها بعض الادوية النافعة في علم الصيدلة لعلاج بعض الامراض، فإذا شاعت وتعارف استعمالها لذلك، حتى اصبح نتاجا لها وحاصلا متعارفا بين اهل البلاد صحت المساقاة على تلك الاشجار لتلك الغايات. ولا تصح المساقاة على أشجار لا ثمر لها ولا ينتفع منها بورق ولا ورد ولا غيره، كشجر الخلاف والصفصاف والاثل وما يشبهها. (المسألة 106): يشكل الحكم بجريان عقد المساقاة المصطلحة بين الفقهاء (قدس الله أنفسهم) على سقي أصول غير ثابتة في نظر اهل العرف وان كان مزروعة نابتة الجذور في الارض كالبطيخ والخيار واليقطين والباذنجان والفلفل والقطن وما يشبه ذلك، وان كان القول بجريان المساقاة فيها لا يخلو من قرب، والاحوط للمتعاقدين إذا أرادا اجراء المعاملة في مثل هذه المزروعات أن ينشئاها على انها

[ 319 ]

معاملة مستقلة غير المساقاة والمعاملات الاخرى، فتشملها العمومات على الاصح ويجب الوفاء بها. (المسألة 107): يجوز انشاء عقد المساقاة على أشجار أو نخيل غير محتاجة إلى سقي من العامل اصلا لانها تكتفي من الري بماء السماء، أو بمص جذورها مما ينز من مياه الارض أو من الانهار القريبة أو بارتفاع مد الماء إذا كانت في بلاد يتعاقب فيها المد والجزر، ولكنها تحتاج إلى تعهد بأعمال أخرى من أعمال المساقاة تزيد في نمو الاصول أو في ثمرها أو غير ذلك مما تحتاج إليه الاصول عادة، فإذا أوقع المالك مع العامل عليها عقد المساقاة لذلك صح العقد، ووجب على العامل أن يقوم بالاعمال التي تحتاج إليها حسب ما يشترطه المالك عليه أو حسب ما تلزم به العادة المتبعة في البلد، فإذا قام بذلك استحق الحصة المعينة له من الحاصل وأن لم يسق الاصول بالماء حتى مرة واحدة وتراجع المسألة المائة والثانية والعشرون. (المسألة 108): لا يعتبر في صحة المساقاة أن تكون الاصول المساقى عليها مما تثمر بالفعل، فإذا غرس المالك في ارضه فسيل نخيل أو ودى شجر، وثبتت جذورها في الارض صح له أن يعامل أحدا على سقيها والعمل فيها حتى تنمو وتثمر، ويجب في هذا الفرض أن يجعل للمساقاة عليها مدة معلومة تكون فيها الاصول مثمرة بالفعل، فيعين للمساقاة على فسيل النخل مدة ست سنين أو اكثر ويعين للمساقاة على ودي الشجر مدة تكفي لذلك، ولا تصح المساقاة إذا لم تعين لها مدة، أو كانت المدة التي عينها قليلة لا تكفي لذلك، وإذا عين لها مدة كافية صحت المساقاة، وان

[ 320 ]

اتفق أن الاصول لم تثمر في تلك المدة الا مرة واحدة، والظاهر عدم الصحة إذا اتفق أنها لم تثمر في المدة حتى مرة واحدة. (المسألة 109): لا تصح المساقاة على فسيل نخيل أو ودى شجر لم يغرس بعد في الارض وان عينت للمعاملة عليه مدة طويلة تكفي عادة لغرس الفسيل والودي ولنموه واثماره، إذا أوقع المعاملة عليها كانت باطلة. وإذا دفع مالك النخيل أو البستان نخيله أو شجره الثابتة الموجودة بالفعل إلى عامل ليسقيها له ويعمل فيها بحصة معلومة من حاصل ثمرها صحت المساقاة على الاصول المعلومة الثابتة بالفعل، فإذا كان للنخيل والشجر المدفوع إليه فسيل أو ودى لم يغرس بعد لم تشمله مساقاة اصوله، وإذا غرسه العامل أو المالك حتى ثبت في الارض أمكن للمتعاقدين أن يجريا على هذا الغراس مساقاة أخرى تختص به، وأمكن لهما أن يتقايلا فيفسخا معا ملتهما الاولى، وينشئا مساقاة جديدة تشمل الجميع. وإذا كانت المساقاة الاولى التي انشئت بينهما كانت على سقي الاصول الثابتة في البستان، ولم يقيدها بالموجودة منها بالفعل شملت المساقاة الاولى هذه الاصول الجديدة بالتبع بعد غرسها وثباتها فيجب على العامل سقيها ويستحق الحصة من حاصلها مع بقية حاصل البستان. (المسألة 110): يصح للمالك والعامل أن ينشئا ما بينهما في الفسيل والودي الموجود غير المغروس معاملة مستقلة عن سائر العقود والمعاملات، يلتزم العامل فيها للمالك

[ 321 ]

بان يغرس له الفسيل والودي في أرضه ويسقيه حتى يثبت ويؤتي ثمره، وتكون للعامل حصة معلومة من حاصل ثمره، ويتم على الايجاب والقبول من المتعاقدين، فتصح هذه المعاملة ويلزمهما الوفاء بها، ولا تكون من المساقاة المصطلحة بين الفقهاء. (المسألة 111): إذا كانت الارض أو البستان الذي يملكه الرجل يحتوي على أنواع عديدة من الاصول المغروسة، ففيه النخيل وفيه الكرم وشجر الرمان والتفاح وبعض الفواكه الاخرى، جاز لمالك البستان أو الارض أن يساقي العامل على سقي جميع ما فيه من النخيل والاشجار المختلفة ويجعل له في عقد المساقاة حصة معينة واحدة من حاصل جميع ما ينتجه البستان من مختلف أنواع الاصول والشجر فيه، فيقول للعامل: سلمت اليك هذا البستان لتسقى ما فيه من النخيل والاشجار المختلفة وتقوم فيه بعمل المساقاة الذي يحتاج إليه عادة، ولك الربع مثلا من جميع ما تنتجه النخيل والشجر من التمر والثمار المختلفة، فإذا قبل العامل ايجابه صحت المساقاة ولزم الطرفين الوفاء بها. ولا يشترط في هذه الصورة أن يعلم العامل ولا المالك بمقدار كل نوع من الانواع الموجودة في البستان على الانفراد، ولا يشترط فيها أن يعلم بعدد ما في البستان من النخيل والشجر الذي تجري المعاملة واستحقاق الحصة من نتاجه، بل يكفي في الصحة أن يكون الجميع مشاهدا معلوما على وجه الاجمال لكل من الجانبين. (المسألة 112):

[ 322 ]

ويصح لمالك البستان الذي ذكرناه في المسألة الماضية أن ينشئ العقد مع عامل المساقاة على سقى جميع أصوله وتعهدها بالاعمال التي تحتاج إليها في مثل هذه المساقاة وتعين له حصصا مختلفة باختلاف الانواع الموجودة في البستان، فيقول له: اسق نخيل هذا البستان، وأشجاره الموجودة فيه وتعهد امرها بما تحتاج إليه من الاعمال والرعاية، ولك الربع من ثمر النخيل، والثلث من حاصل العنب، والنصف من الرمان وبقية الفواكه الموجودة في البستان، فتصح المعاملة على ذلك إذا قبلها العامل، والظاهر أنه يشترط في صحة المساقاة في هذه الصورة أن يعلم الطرفان بمقدار كل نوع من الانواع الموجودة في البستان على انفراده ولا يكفي أن يعلم بمقدار الجميع. (المسألة 113): يجوز لمالك الاصول أن يساقى العامل على احد وجهين معلومين ليختار العامل أي الوجهين أراده، ويجعل له حصة معينة من الحاصل إذا اختار أحد الوجهين، ويجعل له حصة معينة غيرها أقل من الاولى أو اكثر إذا هو اختار الوجه الثاني، فيقول للعامل: عاملتك على أن تسقي هذه الاصول وتعمل في سقايتها ورعايتها بما تحتاج إليه من الاعمال المطلوبة عادة في المساقاة، فان سقيتها بالناضح أو بالمكينة فلك النصف تاما مما تنتجه الاصول من الحاصل والثمر، وان سقيتها سيحا فلك الثلث فقط من الحاصل، فإذا قبل العامل منه ذلك صح العقد وتخير بين الوجهين المذكورين فإذا سقى الاصول على الوجه الاول استحق النصف من الحاصل، وإذا سقاها على الوجه الثاني استحق الثلث منه، ويكون ذلك من الامر على وجه التخيير، فيلتزم عامل المساقاة للمالك بان يأتي له بأحد

[ 323 ]

الفردين، ويلتزم مالك الاصول للعامل بالحصة التي عينها له على الفرد الذي يختاره منهما، ولا يكون ذلك من العقد على امر مردد فيكون باطلا كما يراه بعض الاكابر، وقد سبق نظير هذا في كتاب الاجارة. (المسألة 114): يصح أن يكون مالك الاصول في عقد المساقاة واحدا ويكون العامل متعددا، فيقول المالك للعاملين: اسقيا لي هذه الاصول واعملا فيها بما يصلحها ويثمرها ويصلح ثمرها على ما جرت به العادة بين عمال المساقاة، ولكما الربع مثلا من جميع ما يحصل من ثمرها، ولي ثلاثة ارباعه فإذا قبل العاملان منه ايجابه صح العقد ولزم الجميع الوفاء به، سواء اتفق العاملان بينهما على أن يقتسما الحصة التي عينها المالك لهما وهي الربع بالتساوي فيكون لكل واحد منهما نصف الحصة وهو ثمن الحاصل، أم اتفقا على أن يقتسما الحصة، بينهما بالتفاوت وسواء علم المالك بمقدار ما يأخذه كل واحد منهما من حصة العامل أم لم يعلم فتصح المساقاة ويلزم الوفاء بها بعد أن علم الجميع بمقدار حصة العاملين معا وبمقدار حصة المالك من مجموع الحاصل، وكذلك إذا جعل للعاملين الثلث أو النصف أو غير ذلك من الحصص وله الباقي فيتبع ما عين في العقد. (المسألة 115): إذا ساقى مالك الاصول على نخيله وشجره عاملين كما فرضتا في المسألة السابقة واتفق المالك مع العاملين على أن يختص أحدهما ببعض أعمال المساقاة فيأتي به مستقلا عن صاحبه وينفرد العامل الثاني بالاعمال الاخرى منها أو يشترك فيه مع الاول، وجب أن يذكر ذلك في ضمن العقد، وإذا عينه كذلك وجب اتباعه

[ 324 ]

حسب ما عين واشترط، وإذا ذكر الاعمال ولم يشترط عليهما الانفراد أو الاشتراك فيها جاز للعاملين أن يقتسما العمل بينهما حسب ما يريدان، سواء علم المالك بذلك أم لم يعلم. (المسألة 116): يمكن أن يتعدد المالك للاصول ويتحد العامل في المساقاة، ومثال ذلك أن تكون النخيل والشجر في الضيعة أو البستان مملوكة لشريكين أو أكثر، فيساقون على أصولهم المشتركة بينهم عاملا واحدا، فيقول له أحد الشركاء فيها بالاصالة عن نفسه وبالوكالة عن شركائه أو يقول له الوكيل عنهم: اسق هذه الاصول الثابتة وقم بأعمال المساقاة فيها وفي الارض، ولك الربع مثلا من جميع ما تنتجه الاصول من الثمر، فإذا قبل العامل ايجابه صحت المعاملة وتثبت له الحصة المعينة سواء تساوى الشركاء في مقدار ما يملكونه من الاصول أم تفاوتوا فيه، ولا يشترط في صحة المساقاة في هذه الصورة أن يعلم العامل بمقدار ما لكل واحد من الشركاء في الاصول. ويجوز أن تختلف الحصة التي تجعل للعامل باختلاف الشركاء فيقول الشريك للعامل: اسق هذه الاصول المشتركة بينى وبين زيد وقم بأعمال المساقاة فيها، ولك الثلث من حاصل الثمر مما أملكه انا من هذه الاصول، ولك الربع فقط من حاصل الثمر في حصة زيد منها، فإذا قبل العامل منه الايجاب صحت المعاملة ونفذت، ويشترط في صحة المعاملة في هذه الصورة أن يكون العامل عالما بمقدار ما يملكه كل واحد من الشريكين في الاصول، فان المفروض ان حصة العامل من الثمر تختلف باختلاف مقدار حصتي المالكين من الاصول وهذا واضح.

[ 325 ]

(المسألة 117): يصح أن يتعدد مالك الاصول المساقى عليها بأن تكون مشتركة بين مالكين أو اكثر، وأن يتعدد عامل المساقاة كذلك، فيساقى الشريكان في الاصول عاملين أو اكثر فيقول احد المالكين على النهج الذي قدمنا ذكره للعاملين: اسقيا هذه الاصول المشتركة ما بيننا وتعهدا أمرها بالاعمال التي تحتاج إليها المساقاة عادة، ولكما الربع أو الثلث من حاصل الاصول وثمرها، فتصح المساقاة وتلزم، إذا قبل العاملان إيجاب الموجب وتجري فيها الفروض والاحكام التي فصلناها في المسائل المتقدمة قريبا. (المسألة 118): يشترط في صحة المساقاة أن تكون الاصول المساقى عليها قابلة للاثمار والانتاج، فلا تصح المساقاة عليها إذا كانت غير قابلة لذلك لطول بقاء أو جفاف عروق أو يبس اغصان، أو لغير ذلك من موانع الانتاج، سواء كانت غير قابلة له من أول الامر ومن حين اجراء العقد، أم عرض ذلك لها في اثناء مدة المساقاة فأصبحت غير صالحة، وهذا إذا لم يمكن علاجها واصلاحها حتى ينتفع بها، فإذا امكن ذلك صحت المساقاة عليها، واتبع الشرط بين المتعاقدين في لزوم العلاج والاصلاح على المالك أو العامل.

[ 326 ]

[ الفصل الخامس ] [ في أحكام عقد المساقاة ] (المسألة 119): المساقاة عقد من العقود اللازمة فلا يبطل ولا ينفسخ إذا تم انشاؤه واجتمعت شروط الصحة فيه، الا إذا اتفق المتعاقدان، فأقال احدهما صاحبه، أو ثبت لواحد منهما أو لكليهما خيار الشرط، فيجوز لمن ثبت له الخيار أن يأخذ بحقه، فيفسخ العقد في الوقت الذي شرط لنفسه فيه الخيار، أو عند حصول الشئ الذي اشترط لنفسه الخيار عند حصوله، أو كان له خيار الفسخ شرعا لتخلف شرط قد اشترطه في ضمن العقد على صاحبه، أو لوجود غبن عليه في المعاملة الجارية بينهما، أو لسبب اخر من موجبا الخيار شرعا حسب ما فصلناه في مبحث الخيارات من كتاب التجارة، وتبطل أيضا عند طروء مانع عام يوجب عدم القدرة، وقد تقدم ذكر هذه الموجبات للبطلان أو الفسخ في اكثر العقود اللازمة التي ذكرناه في هذه الرسالة، فليرجع إليها من يريد المزيد من التوضيح. (المسألة 120):

[ 327 ]

إذا جرى عقد المساقاة بين مالك الاصول وعامل المساقاة على الوجه التام وجب عليهما الوفاء بالعقد حسب ما حصل عليه الاتفاق بينهما، ولزم على العامل أن يقوم بالعمل من سقي للاصول وغيره، ولا يتحتم عليه أن يتولى القيام بالاعمال اللازمة في المعاملة بنفسه، فيصح له أن يستأجر أجيرا ليسقي الاصول لبعض الاعمال اللازمة الاخرى من تلقيح ثمرة وجذاذ تمر وقطف فاكهة ونحو ذلك، بل ويجوز له ان يستأجر من يقوم بجميع اعمال المساقاة وإذا استأجر من يقوم له ببعض الاعمال أو بجميعها، فالاجرة عليه لا على مالك الاصول، وهو واضح. وإذا اشترط المالك على العامل أن يتولى بعض الاعمال المعينة بنفسه بنحو المباشرة، أو اشترط عليه أن يتولى جميع أعمال المساقاة كذلك، وجب على العامل أن يفي بما شرط عليه، ولم يجز له أن يستاجر غيره أو يستنيبه للعمل الذي شرط عليه المباشرة فيه. (المسألة 121): إذا تبرع رجل عن عامل المساقاة فقام بسقي النخيل والشجر وأتى بأعمال المساقاة اللازمه على العامل، وقصد بفعله التبرع للعامل بفعل ما وجب عليه، كفى ذلك في وفاء العامل بالعقد واستحق بفعل المتبرع الحصة التي عينها له المالك من الثمر، الا إذا كان المالك قد اشترط على العامل أن يتولى السقاية والعمل بنفسه، فلا يكفيه تبرع ذلك الشخص مع هذا الشرط. وكذلك إذا أتى ذلك الشخص الثالث بعمل المساقاة لنفسه ولم يقصد بفعله التبرع عن العامل، فلا يستحق العامل الحصة بذلك، ولا يستحقها الشخص الثالث وكذا إذا قام الشخص الثالث بالعمل وقصد به التبرع لمالك الاصول بسقي نخيله

[ 328 ]

وشجره والعمل فيها لبعض الغايات والاغراض الخاصة، فلا يستحق العامل الحصة المعينة له في عقد المساقاة ولا يستحقها ذلك الشخص الثالث المتبرع. (المسألة 122): إذا دفع المالك نخيله وشجره إلى العامل ليسقيها بالماء حتى تثمر، وعين له بذلك حصة خاصة من حاصل ثمرها، ولم يذكر في العقد أي عمل اخر غير السقي من أعمال المساقاة ولم توجد قرينة خاصة ولا عامة على ارادة شئ من هذه الاعمال، ثم اتفق أن استغنت الاصول عن سقاية العامل مطلقا، فقد اكتفت عنها بماء المطر الغزير، أو بجريان بعض العيون الدافقة أو بماء المد، فلم يسقها العامل ابدا حتى اثمرت، لم يستحق العامل الحصة التي عينت له من حاصلها، فانه لم يسق الاصول، ولم يأت بشئ من عمل المساقاة كما فرضناه، وان هو أتى بشئ من الاعمال فهو متبرع به ولا يستحق عليه حصة بمقتضى عقد المساقاة، وتلاحظ المسألة المائة والسابعة. (المسألة 123): إذا وقع الاتفاق بين الشخصين على المساقاة وجرى العقد بينهما على الوجه الجامع لشرائط الصحة ثبت العقد ولزم الوفاء به، ولم يبطل بموت أحد المتعاقدين، بل يقوم وارث الميت منهما مقام مورثه في تطبيق الاحكام على النهج الذي يأتي تفصيله. فإذا مات مالك الاصول وبقى العامل وجب على ورثة المالك الميت أن يمكنوا العامل من الاصول المساقي عليها ليقوم بعمل المساقاة فيها من سقاية ورعاية ولا يجوز لهم منعه من ذلك فإذا قام بالعمل واثمرت الاصول استحق

[ 329 ]

العامل حصته المعينة له من حاصل الثمر، فإذا طلب منهم قسمة الحاصل قاسموه ودفعوا له حصته وإذا مات عامل المساقاة وبقى مالك الاصول قام وارث العامل الميت مقام مورثه، فإذا اختار أن يقوم بعمل المساقاة بنفسه بعد موت مورثه جاز له ذلك وأتم مالك الاصول معه معاملة المساقاة، وإذا اختار وارث العامل أن يستأجر شخصا غيره ليقوم بالعمل جاز له ذلك، ولم يجبره مالك الاصول على أن يعمل فيها بنفسه فإذا استأجر اجيرا وقام الاجير بالعمل حتى اتمه صح ذلك ولزمته الاجرة في ماله واستحق الحصة المعينة في عقد المساقاة لمورثه. وإذا امتنع وارث العامل بعد موت مورثه فلم يعمل بنفسه ولم يستأجر اجيرا ليعمل عنه، قام الحاكم الشرعي بما يلزم فاستأجر من تركة العامل الميت اجيرا يقوم بالعمل في الاصول المساقى عليها حتى يبلغ الثمر، فإذا أتم الاجير عمله تولى الحاكم قسمة الحاصل بين مالك الاصول ووارث العامل ودفع لكل واحد منهما حصته. (المسألة 124): إذا مات عامل المساقات وكان مالك الاصول قد اشترط على العامل في ضمن العقد الجارى بينهما أن يتولى عمل المساقاة بنفسه، فان كان اشتراطه لذلك بنحو التقييد للمساقاة ووحدة المطلوب فيها بطلت المساقاة بموت العامل، فان وارث العامل لا يقدر على تأدية عمل المساقاة بنفسه ولا باستئجار غيره بسبب القيد المذكور. وان كان اشتراطه لذلك بنحو تعدد المطلوب تخير مالك الاصول بعد موت

[ 330 ]

العامل بين أن يفسخ المعاملة لتخلف شرطه فإذا فسخها بطلت وارتفعت لوازمها وأحكامها، وأن يسقط حقه من الشرط المذكور ويرضى من وارث العامل بان يتولى عمل المساقاة بنفسه أو يستأجر اجيرا يقوم به، وليس للمالك أن يجبر الوارث على أحدهما، بل يكون مخيرا بينهما. (المسألة 125): إذا شرط المتعاملان في عقد المساقاة أن تكون جميع الاعمال فيها على مالك الاصول من سقى وغيره ولا شئ منها على العامل فلا ريب في بطلان هذه المعاملة من أصلها، فان العامل في هذا الفرض لا يقوم بأي عمل حتى يستحق عليه حصتة من الثمر وإذا قام بشئ منها فهو متبرع بفعله لا يستحق عليه عوضا. (المسألة 126): إذا شرط المتعاقدان في المساقاة بينهما أن يقوم العامل ببعض الاعمال المعينة وكانت الاعمال التي اشترطت عليه مما توجب الزيادة في مقدار الثمر أو مما توجب صلاح الثمرة وتحسينها، وأن يكون باقي الاعمال كلها على مالك الاصول، فالظاهر صحة المعاملة ونفوذها فيجب على كل واحد من المتعاقدين أن يفي بما شرط عليه، وإذا قام العامل بما شرط عليه من الاعمال استحق حصته المعينة له من الحاصل. (المسألة 127): إذا شرط المتعاقدان في المعاملة الجارية بينهما على العامل أعمالا خاصة وكانت الاعمال المشترطة عليه لا توجب زيادة في مقدار الثمر ولا صلاحا أو حسنا فيه، مثل جذاذ الثمر وقطف التمر وجمعه وحفظه من السراق حتى تتم

[ 331 ]

قسمته ونقله، وأن تكون بقية الاعمال كلها على مالك الاصول، حتى الاعمال التي تزيد في الثمر وفي صلاحه وفي نمو الاصول وثباتها، أشكل الحكم بصحة المساقاة في هذه الصورة، ولا يترك الاحتياط بالرجوع فيها إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين، وكذلك إذا وقعت المساقاة بين الطرفين بعد أن أدرك الثمر في الاصول وتم بلوغه، ولم يبق من الاعمال للعامل الا مثل جذاذ التمر وقطف الثمار وجمع الحاصل وحفظه فلا يترك الاحتياط الذي ذكرناه في الفرض السابق. (المسألة 128): إذا شرط مالك الاصول على عامل المساقاة في ضمن العقد أن يأتي ببعض الاعمال المعينة، وكان شرطه عليه بنحو تعدد المطلوب في المعاملة وليس على نحو التقييد فيها، ثم ترك العامل ذلك العمل الذي شرطه المالك عليه، جاز للمالك اجبار العامل على الاتيان به إذا كان وقت العمل لا يزال باقيا ولم يفت، فان لم يستطع اجباره على فعله، أو كان العمل قد فات وقته، جاز للمالك أن يفسخ عقد المساقاة لتخلف الشرط الذي اخذه على العامل، ولا يحق للمالك أن يترك فسخ المعاملة ويطالب العامل باجرة ذلك العمل الذى تركه، سواء كان العمل الذي اشترطه المالك مما يتعلق بالمساقاة، كما إذا اشترط عليه أن ينظف السواقى التي يجري فيها الماء إلى الاصول، أو يكافح بعض الآفات التي تضر بالثمر، ام كان العمل زائدا لا يتعلق بالمساقاة نفسها، كما إذا شرط عليه أن يخيط له ثوبا أو يصوم عن أبيه اياما، وسنتعرض لحكم المساقاة إذا خالف العامل فترك بعض قيودها والاعمال المعتبرة فيها.

[ 332 ]

(المسألة 129): إذا اشترط العامل في ضمن عقد المساقاة أن يكون جميع ما يحصل من ثمر الاصول للعامل نفسه ولا يكون منه لمالك الاصول شئ كانت المعاملة باطلة وكان جميع الثمر والنتاج لمالك الاصول، لانه نماء ما يملكه فيكون تابعا له، وإذا قام العامل بعمل المساقاة أو ببعضه استحق أجرة المثل بمقدار ما عمل. وكذلك إذا اشترط في العقد أن يكون جميع الحاصل من الثمر لمالك الاصول، ولا يكون لعامل المساقاة منه شئ، فتبطل المساقاة بهذا الشرط ويكون الحاصل كله لمالك الاصول لانه نماء ما يملكه فيكون تابعا له كما قلنا، وليس ذلك للعمل بالشرط، والظاهر ان العامل في هذه الصورة لا يستحق شيئا على عمله، فانه قد دخل في المساقاة وقام بالعمل على شرط أن لا تكون له حصة فهو كالمتبرع بعمله، ولا ينبغي ترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين. (المسألة 130): يجوز أن يشترط في عقد المساقاة أن يكون لمالك الاصول مقدار معلوم من الذهب أو الفضة أو غيرهما زائدا على حصته المعينة له في المعاملة من حاصل الثمر، ويجوز أن يشترط ذلك لعامل المساقاة، فإذا اشترط مالك الاصول ذلك لنفسه وقبل العامل بشرطه، أو شرطه العامل لنفسه وقبل به‌المالك صح الشرط ووجب الوفاء به. قالوا: ويكره أن يشترط المالك لنفسه على العامل شيئا من الذهب أو الفضة ولم يدل على كراهة ذلك دليل سوى ما نقله بعضهم من الاجماع عليها، وعلى أي حال فلا كراهة في أن يشترط المالك لنفسه شيئا غير الذهب والفضة، ولا كراهة في

[ 333 ]

أن يشترط العامل لنفسه ذهبا أو فضة أو غيرهما على مالك الاصول. (المسألة 131): إذا اشترط مالك الاصول لنفسه على العامل أن يكون له من الحاصل مقدار من الذهب أو من الفضة أو من غيرهما زائدا على ما يستحقه من الحصة المعينة له في عقد المساقاة، أو اشترط العامل لنفسه مثل هذا الشرط على مالك الاصول، ثم اتفق أن حالت الاصول كلها في ذلك العام فلم تخرج ثمرا أصلا، بطل عقد المساقاة الواقع بينهما من أصله، وسقط الشرط الذي شرطه المالك أو العامل، فقد ظهر أنه شرط وقع في ضمن عقد فاسد، فلا يجب الوفاء به، وإذا اشترط أحد المتعاقدين ذلك الشرط في ضمن العقد، ثم اتفق أن حال بعض الاصول المساقى عليها: نصفها أو ثلثها أو ربعها مثلا فلم يثمر شيئا في ذلك العام، بطلت المساقاة بين المتعاقدين في ذلك البعض الذي لم يثمر، وصحت ولم تبطل في البعض لآخر الذي أثمر فيستحق كل واحد من المالك والعامل حصته المعينة له من ثمرة ذلك البعض. والظاهر أن شرط المقدار من الذهب أو الفضة للمالك أو العامل يسقط في هذه الصورة ايضا كما سقط في الصورة السابقة، فلا يستحق المشترط شيئا من المقدار لا من البعض الحائل من الشجر ولا من البعض الذي اثمر، فان المنصرف إليه من مثل هذا الشرط أن الشارط انما يشترطه في المعاملة الجارية في جميع الاصول، ولا يجري في المعاملة المبعضة التي يبطل بعضها ويبقى بعضها. وإذا كان الحائل من الاصول قليلا لا يعتنى به عند العقلاء لقلته كالشجرة الواحدة والشجرتين، بل والثلاث والاربع من الشجر الكثير المثمر في البستان الكبير لم تبطل به المساقاة، ولم يسقط الشرط فان من المعتاد والمتعارف أن تحيل

[ 334 ]

الشجرة والشجرتان والثلاث من مجموع الشجر الكثير فلا تثمر، ولا يضر عدم اثمارها في صحة عقد المساقاة. (المسألة 132): إذا شرط مالك الشجر لنفسه على عامل المساقاة أن يكون له مقدار من المال زائدا على حصته في المعاملة، أو شرط العامل ذلك لنفسه على المالك كما فرضنا في المسالة السابقة وظهر الثمر في الشجر تاما، ثم اتفق بعد ذلك أن تلفت الثمرة كلها ولم يبق منها شئ، لم يبطل عقد المساقاة بتلفها بعد ظهورها، فان العامل قد ملك حصته من الحاصل بظهور الثمرة وسيأتي توضيح ذلك قريبا ان شاء الله تعالى وكذلك حصة مالك الاصول من الثمرة، فقد تعينت له بالظهور، وبذلك تصح المعاملة وتتم المعاوضة، والتلف الذي يحدث بعد ذلك يطرأ على كل من حصة العامل وحصة المالك بعد أن ملكها صحبها الذي عينت له في العقد، ويكون تلف كل حصة منهما من مال صاحبها، ولا سبب يوجب فساد العقد، وإذا صح العقد كما بينا صح الشرط الواقع في ضمنه ووجب الوفاء به، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الشارط منهما أو صاحبه قد قيد الشرط بما إذا سلمت له الثمرة كلها ولم يتلف منها شئ، فيجب في هذه الصورة أن يتبع الشرط حسب ما جعل وقيد في ضمن العقد بين المتعاملين، ويسقط الشرط إذا تلفت الثمرة. وكذلك الحكم إذا تلف البعض المعتد به من الثمرة بعد ظهورها، فلا تبطل المعاملة ولا يسقط الشرط بتلفه، الا إذا كان الشرط مقيدا بعدم تلف الثمرة وعدم تلف البعض المعتد به منها، ويتبع في ثبوت التقييد المذكور تصريح المتعاقدين به أو وجود القرينة الخاصة أو العامة التي تدل عليه.

[ 335 ]

(المسألة 133): إذا انشأ المالك عقد المساقاة بينه وبين العامل على أن يسقى له شجره ونخيله التي دفعها إليه، ويعمل فيها عمل المساقاة، وجعل له حصة معلومة من حاصل الثمر، وجعل له مضافا إلى ذلك حصة معينة مشاعة أو مفروزة من الاصول المساقى عليها، فان قصد بذلك ان الحصة التي دفعها للعامل من الاصول جز، من العوض له في المعاملة، وأن مجموع الحصة من الحاصل والحصة التي عينها له من الاصول يكون نصيبا له في عقد المساقاة، كانت المعاملة باطلة فلا يستحق العامل شيئا من الامرين، وان جعل الحصة من الاصول للعامل بنحو الاشتراط له في ضمن العقد، صح العقد والشرط، فتكون للعامل حصته المعينة له من الثمر بمقتضى المساقاة، وتكون له تلك الحصة المذكورة من الاصول بمقتضى الشرط، والاحوط للعامل أن لا يختص بنماء تلك الحصة في ذلك العام بل يكون ثمرها فيه للطرفين بحسب الحصة المعينة لهما، ثم يختص بها وبنمائها بعد ذلك العام. (المسألة 134): إذا وقع عقد المساقاة بين المتعاملين، وشرع العامل في سقى الاصول أو في غيره من اعمال المساقاة، ثم استبان للطرفين أن الشجر لا يثمر شيئا في ذلك العام بطل عقد المساقاة بينهما على الظاهر، وقد سبق منا ذكر هذا، ولم يجب على العامل أن يتم سقى الاصول واعمال المساقاة الاخرى في ذلك العام (المسألة 135): إذا بطلت المساقاة بين المتعاقدين في اثناء المدة لبعض الطوارى أو الاسباب التي توجب البطلان شرعا، كان الثمر الموجود في الشجر كله مملوكا

[ 336 ]

لمالك الاصول لانه نماء شجره فيكون تابعا له في الملك، وتثبت للعامل على المالك اجرة المثل لعمله الذي قام به ومنفعته التي استوفاها المالك، ويستثنى من ذلك ما إذا علم العامل بان المساقاة بطلت فلا يجب عليه الوفاء بها، فاتى بالعمل بقصد التبرع به، ويستثنى من ذلك ايضا ما إذا كان السبب في بطلان المساقاة هو اتفاق الطرفين على أن يكون جميع ما ينتج من الشجر للمالك خاصة ولا شئ منه للعامل، فان العامل في هذا الفرض قد اتى بالعمل على أن لا تكون له حصة من الحاصل، فهو بمنزلة المتبرع بعمله فلا يستحق عليه اجرة، وقد مر ذكر هذا الفرض الاخير في المسألة المائة والتاسعة والعشرين. (المسألة 136): يجوز لاحد المتعاملين أن يشترط على الثاني في عقد المساقاة بينهما أن يجرى معه مساقاة اخرى على اصول اخرى، فإذا قبل صاحبه بالشرط صح العقد الاول وصح الشرط ولزم الوفاء بهما، ومثال ذلك أن يقول مالك الاصول للعامل: سلمت اليك بستاني هذا لتسقى اصوله وتعمل فيه عمل المساقاة، ولك النصف من الثمر الذى يحصل من شجره ونخيله، واشترطت عليك أن تساقيني في بستاني الثاني فتسقى اصوله تعمل فيه ولك الربع مثلا من ثماره، فإذا قبل العامل ذلك صحت المساقاة ولزم الوفاء بالشرط المذكور فيها. وكذلك إذا انشأ العامل العقد فكان هو الموجب وهو المشترط، فقال لصاحب البستان: تسلمت منك هذا البستان لاسقى لك اصوله واعمل فيه عمل المساقاة ولى الربع من حاصل شجره ونخيله، واشترط عليك أن تساقيني في بستانك الاخر على النصف من ثمره، فتصح المساقاة والشرط إذا قبل المالك بهما.

[ 337 ]

ومن امثلة ذلك ايضا أن يقول الرجل للعامل: عاملتك على أن تسقى شجر بستاني هذا ونخيله وتعمل فيه حتى يثمر الشجر والنخيل ويكون لك الثلث مثلا من جميع حاصله، واشترط عليك أن تساقيني في بستانك المعلوم لاسقي لك اصوله واعمل فيه بالربع من حاصله، فتصح المعاملة والشرط إذا وقع القبول من الاخر، ويكون المالك في المساقاة الاولى عاملا في الثانية وبالعكس، وكذلك إذا انشأ العامل الايجاب واشترط على صاحبه مثل ذلك الشرط فيصحان ويلزمان إذا حصل القبول. ومن امثلة ذلك أن يقول المالك للعامل: اعاملك على أن تسقي شجر بستاني هذا ونخيله وتعمل فيه ولك النصف من تمره وتمره على أن تساقى اخى زيدا فتسقى له شجر بستانه ونخيله وتعمل فيه ولك الثلث من حاصله، فتصح المساقاة والشرط حسب ما ذكر إذا قبل العامل بهما. ومثله ما إذا قال العامل لصاحب البستان: تسلمت منك شجر بستانك هذا ونخيله لاسقيها واعمل لك فيها حتى تثمر ولى الربع من حاصل الثمر، واشترطت عليك أن تساقى ابن عمى بكرا في بستانك الثاني ليسقي اصوله ويعمل فيها حتى تثمر بالربع من حاصل الثمر، فتصح المساقات والشرط إذا قبل المالك. (المسألة 137): إذا جرى عقد المساقاة بين مالك الاصول وعامل المساقاة، وترك العامل الوفاء بالعقد من أول الامر فلم يسق ولم يعمل في البستان شيئا، أو ترك السقي والعمل في اثناء المدة بعد أن قام بهما في أول الامر، جاز لمالك الاصول أن يجبر العامل على العمل بالمساقاة والوفاء بها، فان هو لم يقدر على اجباره ولو بمراجعة

[ 338 ]

الحاكم الشرعي، جاز له أن يفسخ المعاملة، سواء كان قد اشترط على العامل أن يباشر العمل بنفسه ام لم يشترط، ولا يحق له أن يقاصه من ماله عن العمل الذي تركه أو يستأجر عند اجيرا يقوم بالعمل ثم يرجع عليه باجرة الاجير. (المسألة 138): إذا تم عقد المساقاة بين المالك وعامل المساقاة على وجه جامع لشروط الصحة، ملك العامل حصته المعينة له في العقد من حين خروج الثمر وظهوره في النخيل والشجر، وأن لم يبد صلاحه بعد، وإذا كان انشاء المعاملة بين الطرفين بعد أن ظهرت الثمرة في الاصول ملك العامل حصته من الثمر من حين وقوع العقد بينهما. فإذا مات العامل بعد أن ملك حصته من الثمر في احدى الصورتين المذكورتين انتقلت الحصة منه بعد موته إلى ملك وارثه كسائر امواله، ووجب على الوارث أن يقوم بما بقى من اعمال المساقاة التي وجبت على مورثه بالعقد، وتخير بين أن ياتي بهذه الاعمال بنفسه وأن يستأجر من ماله اجيرا ياتي بالعمل عن مورثه وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والثالثة والعشرين. وإذا كان صاحب الاصول قد اشترط في العقد على العامل أن يتولى عمل المساقاة بنفسه بنحو المباشرة، وكان اشتراطه لذلك على العامل بنحو التقيد في المعاملة الجارية بينهما بطلت المساقاة بموت العامل فان الوارث لا يقدر على أن يفى للمالك بهذا الشرط، وقد بينا هذا في المسألة المائة والرابعة والعشرين. والظاهر ان الحكم ببطلان المساقاة في هذه الصورة انما يقع في حينه وبعد تحقق سببه وهو موت العامل وتعذر حصول القيد المأخوذ في المعاملة، وليس

[ 339 ]

من أول الامر، ولذلك فهو لا ينافي ملك العامل لحصته من الثمر وانتقال الحصة منه إلى الوارث بعد موته، وتلاحظ المسألة المشار إليها في حكم ما إذا كان اشتراط المباشرة في العمل على عامل المساقاة بنحو تعدد المطلوب. (المسألة 139): إذا ملك عامل المساقاة حصته المعينة له من الحاصل بظهور الثمر في الاصول المساقى عليها كما قلنا في المسألة المتقدمة، فلا يزول ملكه لحصته إذا فسخت المساقاة بعد ذلك لوجود بعض الاسباب الموجبة لخيار الفسخ، ولا إذا بطلت المعاملة لطرو، بعض العوارض الموجبة للبطلان، ومثال ذلك أن يفسخ احد المتعاملين عقد المساقاة بسبب خيار شرط كان ثابتا له في المعاملة أو بسبب تخلف شرط قد اشترطه في العقد على صاحبه، أو يتقايل الطرفان فيفسخا المعاملة باتفاقهما على ذلك، فلا ينفسخ بذلك ملك العامل لحصته وكذلك إذا طرأ للعامل عذر عام أو خاص أوجب عجزه وعدم قدرته على اتمام عمل المساقاة بعد أن ظهرت الثمرة في الشجر وملك حصته بظهورها فتبطل المساقاة بذلك العذر، ولا يزول ملك العامل للحصة المعينة له، ومثله ما إذا عرض للاصول المساقى عليها عارض بعد أن ظهر بعض الثمر فيها وملك العامل حصته منه، فاوجب ذلك العارض جفاف الاصول وعدم قابليتها لانتاج الثمر المتأخر، ولا لانضاج الثمر الموجود وايصاله إلى حد الادراك والبلوغ، فلا تبطل حصة العامل بل يسقى الثمر الموجود مشتركا بين المالك والعامل وان لم يكن بالغا. (المسألة 140):

[ 340 ]

إذا امتنع العامل أن ياتي بعمل المساقاة من غير عذر جاز لمالك الاصول أن يجبره على العمل، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والسابعة والثلاثين، فان هو لم يقدر على اجباره جاز له أن يفسخ المساقاة، فإذا فسخها المالك وكان فسخه قبل ان يظهر الثمر في الاصول كان الثمر الذي يظهر فيها كله مملوكا للمالك تبعا للاصول وإذا كان العامل قد اتى ببعض العمل في اول الامر ثم امتنع عن اتمامه استحق العامل على المالك بعد فسخه في الصورة المذكورة ان يدفع له اجرة المثل بمقدار عمله إذا لم يكن متبرعا به. وإذا كان فسخ المالك للمساقاة في الصورة المذكورة بعد أن ظهرت الثمرة في الاصول استحق العامل حصته المعينة له من الثمر، ويجوز للمالك أن يبقى حصة العامل في الشجر إلى وقت بلوغه وادراكه اما مجانا أو مع الاجرة إذا رضى العامل بدفعها، ويجوز له أن يامر العامل بقطع مقدار حصته قبل أن يبلغ الثمر ويدرك، ولا يضمن المالك له ارش وحصته إذا هي نقصت أو عابت أو تلفت بسبب قطعها. (المسألة 141): إذا شرط مالك الاصول على العامل في ضمن العقد بينهما أن يتولى العمل في المساقاة بنفسه، لم يصح للعامل أن يساقى على تلك الاصول شخصا اخر فيقوم هذا العامل الثاني بالعمل فيها، وأن ساقاه في حصته الخاصة بان جعل له حصة مشاعة منها بعد أن ملكها ولم ينقص من حصة المالك شيئا. وكذلك الحكم إذا نهاه المالك في ضمن العقد عن أن يساقى على نخيله وشجره شخصا غيره، فان هذا النهى يدل بالدلالة التزامية على أن المراد أن يعمل

[ 341 ]

العامل في المساقاة بنفسه، فلا يجوز له أن يساقى عليها عاملا غيره. (المسألة 142): إذا لم يشترط المالك على العامل أن يباشر العمل في المساقاة بنفسه كما في الفرض الاول ولم ينهه عن مساقاة غيره كما في الفرض الثاني، جاز للمالك أن ياذن للعامل الاول فيساقى على الاصول التي دفعها إليه عاملا غيره، ومرجع اذن المالك له بالمساقاة مع عامل اخر إلى أن المالك قد وكله في أن يفسخ المساقاة السابقة التي جرت بينهما وينشئ بعدها مساقاة ثانية بين المالك والعامل الثاني، ولا تكون في المساقاة الثانية حصة ولا نصيب للعامل الاول، ومعنى ذلك أن المالك الموكل والعامل الاول الوكيل قد تقايلا عن المساقاة الاولى وفسخاها برضاهما معا فسخا اختياريا، فإذا فعل الطرفان كذلك صحت الوكالة والمقايلة، ونفذت المساقاة الثانية بين المالك والعامل الثاني. وإذا اذن المالك له ففسخ المساقاة الاولى وساقى عاملا ثانيا بوكالته عن المالك جاز له أن يسلم إليه الارض والشجر الذي بيده، ولم يحتج في التسليم إلى اذن اخر من المالك. (المسألة 143): إذا تقبل انسان من السلطان أو من الولي العام للمسلمين قطعة من ارض الخراج لينتفع بالارض وما فيها من المغروسات، وجعل السلطان أو الولى العام على الارض ضريبة خراج معلومة وجب وفاؤها على ذلك الشخص المتقبل، سواء جعل الخارج ضريبة على الارض نفسها ام جعله على النخل والشجر المغروس فيها، فإذا دفع الرجل الارض التي تقبلها إلى عامل ليسقى له الاصول الثابتة فيها

[ 342 ]

ويعمل في الارض والشجر عمل المساقاة بحصة معينة من الثمر الذي تنتجه الاصول فالخراج كله على المتقبل صاحب الاصول وليس على عامل المساقاة منه شئ. ويجوز للمتقبل أن يشترط على العامل في عقد المساقاة بينهما أن يكون جميع الخراج على العامل، فإذا قبل العامل الشرط لزمه الوفاء به، فيؤديه من حصته بعد القسمة أو من مال اخر، ويجوز له أن يشترط في العقد أن يكون الخراج عليهما معا، ولابد أن يعين مقدار ما على كل واحد منها من الخراج فإذا قبلا بذلك لزم كل واحد منهما أن يدفع قسطه المشترط عليه. (المسألة 144): إذا انشأ وكيل المالك عقد المساقاة على الاصول المعلومة بين موكله صاحب الاصول وعامل المساقاة وقبل العامل العقد صحت المعاملة، وثبتت اثارها ولزم الطرفين الوفاء بها، وان كان العامل يعتقد في بادى الامر أن الشخص الذى اجرى العقد معه هو مالك الاصول، فإذا تبين له بعد ذلك انه وكيل عن المالك وليس المالك نفسه كانت مساقاته على لزومها وثباتها، ولم يقدح جهله السابق بصحتها ولم يفتقر إلى تجديد العقد بعد استبانة الحال له. وكذلك الحكم إذا انشأ الولى العقد على الاصول التي يملكها اليتيم أو المجنون أو السفيه وقبل العامل العقد وجرت المساقاة، ثم علم العامل أن منشئ العقد ولى المالك وليس هو مالك الاصول نفسه (المسألة 145): إذا جرى عقد المساقاة بين شخصين على اصول معلومة، وتم الايجاب والقبول بينهما، ثم علم أن الاصول التي جرت عليها المساقاة مغصوبة من مالكها

[ 343 ]

الشرعي وليست مملوكة للشخص الذي اجرى المعاملة عليها، أو ثبت ذلك بحجة شرعية من بينة مقبولة أو غيرها، كان الامر في المساقاة لمالكها الشرعي، فان هو اجاز المعاملة صحت وكانت مساقاة نافذة بين المالك نفسه والعامل، على النهج الذي ذكره المتعاقدان في العقد، والمقدار الذي عيناه من الحصة، كما هو الحال والحكم في المعاملات الفضولية إذا اجازها المالك الحقيقي، ولا يكون للغاصب فيها نصيب، وان لم يجزها المالك كانت باطلة، وكان جميع الثمر الذي تنتجه الاصول مملوكا للمالك الشرعي الذي غصبت منه ولا حصة فيه للعامل، وكانت للعامل اجرة المثل لعمله الذي قام به في المعاملة، وياخذ اجرته هذه من الغاصب فانه هو الذى امره بالعمل في المعاملة، وقد استوفيت منه منفعته باستدعائه فيكون هو الضامن لاجرة عمله. ويستثنى من ذلك ما إذا ادعى العامل أن المساقاة التي جرت بينه وبين صاحبه الذي ساقاه صحيحة ليست باطلة وأن الاصول المساقى عليها مملوكة لصاحبه وليست مغصوبة من احد، فهو يعترف بان حقه انما هو الحصة التي عينها له صاحبه من الثمر وأن المدعى اخذها منه ظالما، ولذلك فلا يجوز له أن ياخذ من صاحبه اجرة المثل على عمله بمقتضى اعترافه. (المسألة 146): إذا جرت المساقاة بين الشخصين ثم علم، أو ثبت بحجة شرعية، أن الشجر والنخيل المساقى عليها مغصوبة من مالكها الشرعي، وكان ثبوت الغصب بعد أن اخذ المتساقيان جميع الحاصل الذي انتجته الاصول واقتسماه بينهما واخذ كل واحد منهما حصته وتلفت الحصة بيده، فإذا ثبت الغصب بعد ذلك جاز للمالك

[ 344 ]

الشرعي أن يرجع على كل واحد من الغاصب والعامل بعوض ما تلف في يده من الحصة التي اخذها من الحاصل، وإذا اخذ العوض منهما على ما بيناه لم يرجع الغاصب على العامل بشئ مما عزم، ولم يرجع العامل على الغاصب بشئ وذلك لان ضمان كل واحد منهما للعوض قد استقر عليه بتلف حصته في يده، وقد ذكرنا هذا في كتاب الغصب. وجاز للمالك أيضا أن يرجع على الغاصب وحده فيأخذ منه عوض جميع الثمر الذي حصل من الشجر ما تلف منه في يد الغاصب وما تلف في يد العامل وإذا اخذه من الغاصب بمقتضى هذا الحكم جاز للغاصب أن يرجع على العامل بمقدار عوض حصته لان ضمانها قد استقر على العامل بتلفها في يده. ويستثنى من ذلك ما إذا كان الغاصب يعترف بصحة المساقاة وان العامل يستحق الحصة من الثمر ومن اجل اعترافه بذلك فلا يجوز له أن ياخذ من العامل شيئا في الصورة المذكورة، لانه يعترف بان المدعى قد ظلمه باخذ العوض منه، فلا يحق له أن يرجع بشئ منه على العامل. وإذا كان عامل المساقاة ممن يصدق عليه صدقا تاما في نظر اهل العرف انه ممن استولى على الاصول المذكورة ووضع يده عليها وعلى جميع ثمرها، جاز للمالك المغصوب منه ان يرجع عليه بعوض جميع الثمرة كما سبق في الحكم برجوعه على الغاصب، وإذا اخذ من العامل جميع العوض رجع العامل على الغاصب بعوض الحصة التي اخذها الغاصب لنفسه من الثمر وتلفت في يده كما سبق في نظيره، الا في الصورة المستثناة وقد مر ذكر كل ذلك. والمدار في جواز رجوع المالك على العامل بجميع العوض على الصدق

[ 345 ]

التام الذي بيناه، ولا ريب في أن الموارد مختلفة في صدق ذلك على العامل وعدم صدقه، فإذا لم يصدق عليه ذلك في نظر العقلاء، واهل العرف أو شك في صدقه عليه وعدم صدقه لم يجز للمالك اخذ جميع العوض منه، وجاز له أن ياخذ منه عوض حصته خاصة كما تقدم. (المسألة 147): إذا ملك العامل حصته المقدرة له من الثمرة في وقت وجوب الزكاة في الغلة، أو ملكها قبل ذلك، وكانت حصته بمقدار النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة أو اكثر، وجبت عليه الزكاة في الحصة، ولا تجب عليه إذا نقضت الحصة عن ذلك الا إذا تم له النصاب أو زاد عليه من مال اخر يملكه، وكذلك الحكم في الوارث إذا مات العامل وانتقل ملك الحصة منه الى وارثه عند وقت وجوب الزكاة أو قبله فتجب الزكاة عليه إذا بلغت حصته النصاب، ولا زكاة عليه إذا لم تبلغ، الا إذا بلغت مقدار النصاب مع مال له اخر. وإذا ملك العامل حصته بعد وقت وجوب الزكاة في الغلة لم تجب عليه زكاتها وان بلغت مقدار النصاب، ووجب على مالك الاصول أن يؤدى زكاة جميع الثمرة إذا بلغ مقدار النصاب، ويرجع إلى ما أوضحناه في كتاب الزكاة في وقت وجوبها في الغلة، وفي مقدار النصاب الشرعي الذي تجب فيه، وإذا وجبت الزكاة على العامل في حصته من المساقاة ثم مات قبل أن يؤديها، وجب على ورثته أن يؤدوها بعده، وأن لم يبلغ نصيب كل وارث منهم مقدار النصاب.

[ 346 ]

[ الفصل السادس ] [ في امور تلحق بالمساقاة ] (المسألة 148): إذا قامت بينة شرعية عادلة أو حجة معتبرة اخرى تدل على خيانة عامل المساقاة فان كان ثبوت الخيانة عليه قبل أن يظهر الثمر في الاصول، وقبل أن يملك العامل حصته منه، جاز المالك الاصول أن يستأجر من مال المالك نفسه امينا يراقب العامل، ويمنعه عن الخيانة للمال الذي دفعه إليه من البستان أو الشجر أو المملوكات الاخرى الموجودة في البستان، أو الخيانة في العمل الذي وجب عليه في المعاملة، وإذا لم يفد ذلك في منعه عن الخيانة، جاز له أن يستأجر من ماله ايضا امينا يضمه إلى العامل، فيرفع بذلك يده عن الاستقلال في عمله وفي ما بيده من المال، ويحفظ المال إذا احتاج معه الى حفظ المال. وإذا ثبتت خيانة العامل كذلك بعد أن ظهرت الثمرة في الشجر وبعد أن ثبتت للعامل حصته المعينة له في الثمر، فالظاهر جواز ما تقدم للمالك ايضا على التفصيل الذي بيناه، والاحوط ان يكون ذلك بمراجعة الحاكم الشرعي. (المسألة 149): إذا ادعى مالك البستان والشجر انه قد اجرى مع العامل عقد المساقاة ولذلك فهو يلزمه يسقى الشجر والعمل في البستان والاصول المغروسة فيه عمل المساقاة، وانكر العامل وقوع عقد بينهما على ذلك، قدم قول المنكر وهو العامل

[ 347 ]

مع يمينه، الا أن يثبت المالك صدق دعواه باقامة بينة شرعية عليها فيقدم قوله وكذلك الحكم إذا انعكس الامر، فادعى العامل انه قد اجرى العقد مع المالك على سقى شجره ونخيله والعمل فيها، ولذلك فهو يروم من المالك أن يمكنه من القيام بالمعاملة، وانكر المالك حدوث العقد، فالقول قول المنكر وهو المالك مع يمينه ما لم يثبت العامل صحة قوله باقامة بينة. (المسألة 150): إذا تصادق المالك والعامل على صدور عقد مساقاة بينهما، ثم ادعى المالك أو العامل أن العقد الذي وقع بينهما كان باطلا لا يجب الوفاء به، لانه يفقد بعض الشروط المعتبرة في صحة العقد، وادعى الثاني منهما أن العقد صحيح يلزم الوفاء به، قدم قول من يدعى صحة العقد بينهما، سواء كان هو مالك الاصول ام كان هو العامل فيها، الا أن يثبت الثاني المدعى للبطلان صدق ما يدعيه بحجة شرعية مقبولة. (المسألة 151): إذا ادعى مالك البستان انه قد اشترط على العامل في ضمن العقد شرطا: أن يباشر العمل في المساقاة بنفسه مثلا، أو أن يكون بعض الخراج أو النفقات الاخرى عليه، أو غير ذلك من الشروط السائغة، وانكر العامل وجود ذلك الشرط بينهما قدم قول العامل المنكر للشرط مع يمينه، ومثل ذلك ما إذا انعكس الفرض، فادعى العامل انه قد اشترط على المالك بعض الشروط النافذة شرعا، وانكر المالك حدوث الشرط بينهما، فيقدم قول المنكر وهو المالك مع يمينه، الا أن يقيم المدعى منها بينة شرعية على صدق ما يدعيه من وجود الشرط فيثبت بها قوله.

[ 348 ]

(المسألة 152): إذا ادعى عامل المساقاة أن حصته التي جعلت له في المعاملة التي جرت بينه وبين المالك هي نصف ما يحصل من الثمر والثمار، أو قال حصتي هي الثلث منه وانكر مالك البستان ما يدعيه فقال له أن حصتك المعينة لك بيننا هي ربع الحاصل لا اكثر، فالقول قول من ينكر الزيادة وهو المالك مع يمينه، الا أن يقيم العامل بينة تثبت ما يقول فيؤخذ بها، ونظير ذلك ما إذا ادعى المالك أو العامل أن مدة المساقاة المحددة بينهما هي ثلاث سنين أو أربع مثلا وانكر صاحبه أن المدة ازيد من سنة واحدة، أو قال المدة سنتان لا اكثر، فالقول قول من ينكر الزيادة في المدة منهما مع يمينه، الا أن يثبت الاخر صدق قوله ببينة شرعية. (المسألة 153): إذا انتجت النخيل والشجر المساقى عليها مقدارا من الحاصل، ثم وقع الخصام بين مالك الاصول وعامل المساقاة في مقدار ما انتجته من ذلك، فقال احدهما: انها اخرجت مقدارا معينا من الحاصل مائة من مثلا من التمر وعشرين منا من العنب، وادعى صاحبه أن الحاصل منها اكثر من ذلك المقدار، أو قال: انه اقل فان كانت الثمرة تحت يد العامل خاصة صدق قوله في ما يدعيه سواء كان يدعى الزيادة أم النقيصة لانه صاحب يد فيكون اخباره حجة شرعية في ما بيده وكذلك إذا كانت الثمرة في يد المالك خاصة فيصدق قوله، لان قوله حجة في ما بيده كما ذكرنا وان كانت الثمرة في يد كل من المالك والعامل على نحو الاشتراك وعدم الاستقلال، وقد اختلطت بغيرها فالتبس الامر في مقدارها أو تلفت بغير تفريط، أو

[ 349 ]

بيعت ولم يكن العلم بمقدارها، فالقول قول من ينكر الزيادة منهما مع يمينه. (المسألة 154): إذا اجريت معاملة المساقاة بين المتعاقدين وائتمن المالك عامل المساقاة على ضيعته واصوله المغروسة فيها، ثم ادعى المالك على العامل انه سرق بعض الثمر أو بعض الاموال أو الادوات التي بيده، أو انه اتلفها أو ادعى عليه قد خان في عمله أو في بعض الجهات الاخرى، وانكر العامل ما ادعاه المالك عليه، قدم قول العامل في جميع ذلك لانه منكر، ولان المالك قد ائتمنه، الا أن يثبت المالك صحة ما يدعيه عليه ببينة شرعية. وكذلك إذا تلف بعض المال في يد العامل فادعى المالك عليه انه قد فرط في الحفظ وأن التلف كان بسبب تفريطه أو بعد تفريطه فيكون له ضامنا، فلا تسمع دعوى المالك بعد أن ائتمنه، الا إذا اقام البينة على صدق الدعوى. (المسألة 155): إذا ادعى مالك الاصول على العامل انه قد اتلف أو فرط أو سرق مقدارا واقام بينة شرعية على صحة قوله سمعت دعواه وقبلت بينته، وان لم يعين المقدار الذي يدعيه من المال أو من الثمر. (المسألة 156): إذا استعار احد بستانا من مالكه لينتفع به وبشجره وثمره مدة معلومة سنة أو اكثر، وكانت اعارة المالك اياه مطلقة، فلم يشترط عليه فيها أن يتولى الانتفاع بالبستان والتصرف فيه بنفسه أو في جهة معينة، جاز للمستعير أن يساقى عاملا على البستان وما فيه من نخيل وشجر، فيسقيه ويعمل فيه بما يحتاج إليه البستان

[ 350 ]

والشجر والثمر بحصة معينة من الحاصل، وللمستعير الباقي من الحاصل، ويجوز للمستعير أن يسلم البستان والشجر إلى عامل المساقاة، بمقتضى اطلاق العارية ولا يفتقر في ذلك إلى اذن جديد من مالك البستان. (المسألة 157): يصح أن تجري معاملة المساقاة بين مسلم وكافر سواء كان المسلم منهما هو مالك البستان والاصول المساقى عليها ام كان هو عامل المساقاة، فتصح المعاملة، وتنفذ إذا انشئ العقد وتمت القيود والشروط وتجرى احكامها ولوازمها، ويستحق كل من المتعاملين حصته المقدرة في العقد، وتصح أيضا مع تعدد المالك ومع تعدد العامل ومع تعددهما معا، فيكون شريكان في البستان وهما مسلم وكافر، ويساقيان على البستان عاملا واحدا مسلما أو كافرا، أو يساقيان عاملين احدهما مسلم والثاني كافر، وكذلك في باقى الصور المحتملة فتصح المعاملة وتنفذ في جميعها إذا تحققت الشروط وجرت المعاملة على الوجه الصحيح. (المسألة 158): المغارسة هي أن يدفع الانسان ارضه إلى العامل ليغرس فيها نخيلا أو شجرا ويسقيها ويعمل في الارض والغراس حتى يثبت وينمو، وتكون للعامل حصة معينة المقدار من الشجر والاصول التي يغرسها في الارض: الربع منها أو النصف أو غيرهما من الحصص، فإذا اثمرت الاصول التي غرسها ملك من ثمرها بتلك النسبة، فيكون له الربع أو النصف من الثمر في المثالين المتقدمين، وقد يشترط الطرفان أن تكون للعامل حصة معينة المقدار من رقبة الارض نفسها، ومن الاصول

[ 351 ]

الموجودة في الارض قبل المغارسة عليها، بالاضافة إلى حصته من الاصول التي غرسها، وهذا على ما هو متعارف بين الناس في المغارسات الدارجة في ما بينهم. وقد اشتهر بين اصحابنا (قدس الله ارواحهم) القول ببطلان المغارسة وعدم نفوذها، واشتهرت بينهم دعوى قيام الاجماع على عدم الصحة، ولعل المقصود من ذلك أن المعاملة المذكورة لا تكون من المساقاة المصطلحة بين العلماء، ولا تشملها الادلة الخاصة الواردة في المساقاة، وليس مرادهم أن المغارسة باطلة لا تصح على الاطلاق، ولا ريب في بطلان المغارسة التي ذكرناها وإذا اجراها المتعاقدان وقصدا بها المساقاة المصطلحة. (المسألة 159): إذا أوقع مالك الارض مع العامل صورة المغارسة التي بيناها وقصدا بها معاملة المساقاة المصطلحة كانت المغارسة باطلة بلا ريب كما قلنا في المسألة المتقدمة، وبطل كل ما يذكر في ضمنها من الشروط، فانها شروط في ضمن عقد فاسد، فلا يجب السقي ولا العمل في الارض على العامل، ولا يملك حصة من الثمر ولا من النخيل والشجر التي يغرسها، ولا من الارض والاصول الموجودة فيها من قبل إذا اشترط له ذلك فيها. فإذا غرس العامل في الارض المدفوعة إليه نخيلا أو شجرا، فالنخيل والشجر التي غرسها تكون جميعا مملوكا لمالكها فسيلا ووديا قبل أن تغرس فان كانت قبل غرسها مملوكة لصاحب الارض كما إذا اشتراها أو تملكها بسبب شرعي اخر لتغرس في ارضه، وكما إذا اخذها فسيلا أو وديا من اصول مملوكة له في تلك الارض، أو في ارض له اخرى، كانت جميعا بعد غرسها باقية على ملكه، ولا حصة

[ 352 ]

ولا حق للعامل الغارس فيها. وإذا كان مالك الارض والعامل فيها يعلمان ببطلان هذه المعاملة الجارية بينهما، وعلم العامل بان غرسه وتصرفه في الفسيل وفي الارض محرم عليه من حيث انه تصرف في مال الغير بغير اذنه، تنجز عليه التكليف بحرمته وحرم عليه اخذ الاجرة على الغرس والعمل في الارض، لانه من الاجرة على العمل المحرم فان مالك الارض انما اذن له في التصرف في ارضه وفي ملكه إذا كانت المعاملة صحيحة شرعية ولم ياذن له في التصرف إذا كانت باطلة. وإذا علم من القرائن أو من القول الصريح بان مالك الارض قد اذن للعامل اذنا مطلقا بالتصرف في الارض، وفي الفسيل والودى المملوك له، ولم يقيد اذنه له بالمعاملة الصحيحة استحق العامل على المالك اجرة المثل على عمله في الغرس والارض. (المسألة 160): إذا جرت المغارسة بين الرجلين على الوجه المتقدم الذى قلنا ببطلانه وكان الفسيل والودى الذى غرسه العامل مملوكا له قبل الغرس، كما إذا اشتراه من قبل ليغرسه أو اخذه من نخيل وشجر يملكه ثم غرسه في الارض بقى مملوكا للعامل خاصة ولم يملك صاحب الارض منه شيئا. فإذا كان مالك الارض انما اذن للعامل في التصرف في ارضه وغرسها إذا كان التصرف بوجه شرعى صحيح وكانت المعاملة واقعة بينهما صحيحة شرعية ولم يأذن له بذلك إذا كانت المعاملة باطلة، فلا يستحق مالك الارض على العامل في هذه الصورة اجرة لارضه عن تصرفه فيها في المدة الماضية، ويجوز للمالك أن

[ 353 ]

يأمر العامل بقلع ما غرسه في الارض من شجر ونخيل، ويجوز له أيضا أن يأذن للعامل بابقاء ما غرسه في الارض مجانا أو مع اجرة المثل للارض مدة بقاء المغروسات فيها، وهذا إذا رضى العامل بالابقاء، وليس للمالك أن يجبره عليه باجره أو بغير اجرة. وإذا امره المالك أن يقلع ما غرسه في الارض وجب على العامل أن يقلعه ويطم الحفر التي تحدث في الارض بسبب الغرس أو القلع، وإذا حدث في المغروسات نقص أو عيب أو كسر بسبب قلع العامل اياها لم يضمن المالك له ارش ذلك. وإذا امر المالك العامل أن يقلع ما غرسه في الارض فامتنع العامل جاز للمالك أن يقلعه بنفسه، فإذا انكسرت الشجرة أو النخلة أو عابت بسبب قلع مالك الارض لها ضمن للعامل ارش هذا النقص أو العيب الحادث فيها بفعله، وارش النقص أو العيب هو التفاوت في المقلوع منها ما بين قيمته صحيحا وقيمته مكسورا أو معيبا ولا يضمن للعامل تفاوت ما بين قيمتها وهي ثابتة في الارض ومقلوعة منها. (المسألة 161): إذا كانت المغارسة بين الشخصين على الوجه المتقدم الذى حكم الشارع فيه بالبطلان وعدم النفوذ، وكان الودى والفسيل الذي غرسه العامل في الارض بسبب هذه المعاملة على قسمين، فمنه ما هو مملوك لصاحب الارض من قبل غرسه، ومنه ما هو مملوك للعامل، جرى في كل واحد من القسمين ما يخصه من الاحكام التي أوضحناها في المسائل المتقدمة من الملك والضمان والاثار

[ 354 ]

الاخرى، فليلاحظ ما سبق بيانه فيها لتطبيق حكم كل قسم منها في مورده ولا موجب للتكرار. (المسألة 162): يمكن للمتعاملين أن يوقعا المغارسة بينهما على انها معاملة مستقلة بنفسها عن سائر المعاملات، وعقد من العقود المتعارفة بين العقلاء واهل العرف والشائعة بينهم، فتكون بذلك معاملة صحيحة ونافذة على الاقوى، تشملها العمومات والاطلاقات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود من الكتاب الكريم والسنة المطهرة وذلك بان يتفق مالك الارض مع العامل على أن يغرس العامل له ارضه نخيلا وشجرا معلومة، ويعمل له في الارض وفي الغرس حتى تنمو المغروسات وتثبت وتثمر، ويلتزم الجانبان بينهما بان يملك مالك الفسيل والودى منهما صاحبه نصف الفسيل والودى الذي يراد غرسه في الارض أو ربعه مثلا على نحو الشركة والاشاعة، فإذا كان مالك الفسيل والودى هو مالك الارض، ملك العامل الحصة المعينة منها وجعل ذلك عوضا له عما يقوم به من الغرس والعمل في الارض، وإذا كان مالكها هو العامل، ملك الحصة منها لصاحب الارض، وجعل ذلك عوضا له عن تصرف العامل في ارضه وانتفاعه بها. فإذا اتفق الطرفان على ما ذكرناه واقعا للايجاب والقبول الدالين على الاتفاق والتمليك المذكورين والالتزام بموجبهما صحت المعاملة، وشملتها الادلة العامة والمطلقة الدالة على صحة العقود ووجوب الوفاء بها، ويمكن لهما أن يشترطا في ضمن هذا العقد أن يملك صاحب الارض العامل حصة معلومة المقدار مشاعة من رقبة الارض، ومن الاصول الموجودة فيها قبل المغارسة، فيصح الشرط وينفذ فانه

[ 355 ]

شرط سائغ وقع في ضمن عقد لازم. (المسألة 163): يكفي في صحة عقد المغارسة الذي ذكرناه أن يعلم الطرفان مقدار الارض التي تجري المعاملة عليها، ومقدار ما تحتاج إليه من المغروسات من النخيل والشجر، ومقدار الحصة التي تجعل للعامل والمالك من الارض ومن الاصول بالمشاهدة الرافعة للجهالة وبتقدير المطلعين من اهل الخبرة والمعرفة فترتفع بذلك الجهالة التي تضر بمثل هذا العقد، ويكفى الاعتماد على ما هو المتعارف والمعتاد بين عامة اهل البلد في تعيين انواع المغروسات من الشجر والنخيل واصنافها، وإذا اختلف الامر في ذلك، ولم يثبت المتعارف شيئا، أو اختلف المقصود بين المالك والعامل، فلابد من تعيين النوع والصنف الذي يراد غرسه ولابد من تعيين كل قيد أو شرط أو امر يكون الجهل به موجبا للتنازع بين الطرفين. (المسألة 164): إذا كان الفسيل والودى الذي يرام غرسه في الارض مشتركا على سبيل الاشاعة التامة بين مالك الارض والعامل فيها، ومثال ذلك أن يشتري احدهما جميع ذلك بالاصالة عن نفسه وبالوكالة عن الاخر، على ان يكون جميع ما يشتريه منها مشتركا مشاعا بينهما مع التساوي في الحصة، أو مع التفاوت فيها حسب ما يتراضيان عليه فإذا تم الاشتراك فيه بين الطرفين كذلك، امكن لهما أن يوقعا معاملة المغارسة بينهما بصورة الاجارة على الوجه الاتي. فيستأجر صاحب الارض العامل ليقوم بغرس حصة صاحب الارض من الفسيل والودى المشترك في الارض وسقيها والعمل فيها في مدة معلومة، ويجعل

[ 356 ]

للعامل عوضا عن عمله في ذلك أن يغرس العامل حصته المشتركة في الارض وينتفع بها في تلك المدة المعلومة، أو يضيف إلى ذلك ان شاء الطرفان أن يملك العامل معها حصته من الارض. ويمكن أن يتولى العامل انشاء عقد الاجارة، فيؤخر نفسه لصاحب الارض ليغرس له حصته من الفسيل والودى في الارض ويعمل فيها ويذكر المدة والعوض والشرط حسب ما بيناه فإذا وقع الايجاب والقبول في الصورتين صحت المعاملة وثبتت لوازمها وآثارهاه ولا تصح الاجارة إذا لم تعين المدة أو لم تحدد المنفعة المستأجر عليها. (المسألة 165): إذا كان جميع الفسيل والودى الذى يراد غرسه في الارض مملكوكا لصاحب الارض امكن له أن يجرى المغارسة بينه وبين العامل على الصورة الاتية وهي أن يملك العامل من الفسيل والودى المذكور حصة معلومة النسبة له على سبيل الاشاعة التامة: النصف منه مثلا أو الثلث أو الربع، فيملكه ذلك بمصالحة أو ببيع أو بغيرهما من العقود اللازمة ويجعل عوض تمليك الحصة أن يغرس العامل حصة المالك من الفسيل والودى في الارض ويسقيها ويعمل فيها إلى مدة معينة، ويشترط المالك على نفسه في العقد أن يغرس العامل حصته التي ملكه المالك اياها من الفسيل في الارض ويبقيها فيها إلى آخر المدة المعينة للمغارسة بغير اجرة على غرسها ولا على بقائها من العامل، أو يشترط على نفسه مع غرس العامل حصته من الفسيل في الارض ان يملك العامل حصة معينة من رقبة الارض: النصف أو الربع مثلا على وجه الاشاعة فيها.

[ 357 ]

وإذا كان الفسيل والودى كله مملوكا للعامل أمكن له أن يجري المغارسة أيضا، فيملك العامل صاحب الارض حصة معلومة النسبة كذلك من الفسيل والودى بمصالحة أو بيع أو غيرهما كما سبق في نظيره، ويجعل عوض تمليكه الحصة ان يغرس العامل حصته من الفسيل والودى في أرض المالك بغير اجرة ويستوفي بذلك منفعة الارض الى مدة معينة، ويشترط العامل على نفسه في ضمن العقد ان يغرس لصاحب الارض حصته التي ملكه اياها من الفسيل والودى، و يسقيها ويعمل فيها إلى انتهاء المدة، ويمكن له أن يجعل من العوض ان يملكه مالك الارض نصف رقبتها أو ربعها، فتصح المعاملة وتنتج نتيجة المغارسة إذا جرى عليها الايجاب والقبول. (المسألة 166): إذا انشئت المغارسة بين العامل ومالك الارض على انها معاملة مستقلة بذاتها، وليست من المساقاة ولا من سائر المعاملات، وقد مر تفصيل بيان ذلك في المسألة المائة والثانية والستين، ثم وقع النزاع بين المتعاقدين فادعى احدهما أن المعاملة تمت بينهما على الوجه المطلوب فالمغارسة صحيحة نافذة، وقال الثاني انها كانت فاقدة لبعض المقومات أو لبعض الشروط فهي باطلة ولا اثر لها، قدم قول من يدعى الصحة منهما الا أن يثبت الثاني صحة ما يقول ببينة شرعية. وكذلك إذا انشئت المغارسة بينهما بصورة الاجارة، أو على وجه تمليك الحصة من الفسيل والودى، كما فصلناه في المسألتين السابقتين ثم ادعى احد الرجلين ان المعاملة صحيحة وقد جرت على وفق ما يرام، وادعى الثاني بطلانها فالقول قول من يدعى الصحة.

[ 358 ]

وإذا وقعت المغارسة بينهما، فادعى احد الشخصين أن المعاملة انشئت، بينهما وتمت على انها من المساقاة المصطلحة فتكون باطلة على ما سبق بيانه وقال الاخر منهما: اننا قد اجرينا المغارسة بيننا على انها معاملة مستقلة فهى صحيحة نافذة، اشكل الحكم بتقديم قول من يدعى الصحة، لعدم احراز العنوان الذي وقعت عليه المعاملة، ولذلك فلا يترك الرجوع فيها إلى الاحتياط بالمصالحة والتراضي بين المتداعيين.

[ 359 ]

[ كتاب السبق والرماية ]

[ 361 ]

[ كتاب السبق والرماية ] وهو يحتوي على فصلين [ الفصل الاول ] [ في السبق وشروطه واحكامه ] (المسألة الاولى:) السبق بفتح السين وسكون الباء مصدر من قولنا: سبق الرجل إلى المكان أو إلى الغاية بمعنى تقدم على غيره في الوصول اليهما، ومنه حق السبق إلى الموضع من المسجد، والى الموضع في السوق، والسبق ايضا كما يقول بعض اللغويين مصدر ثان من قولهم سابقه مسابقة أي غالبه في امر يريد كل واحد من الرجلين أن يتقدم فيه على صاحبه، والمعنيان للسبق متغايران، فالسبق الاول يدل على تقدم فعلي من الرجل السابق، وان لم تكن بينه وبين غيره منافسة أو مغالبة، والسبق الثاني يدل على المسابقة في الامر بين الرجلين أو الرجال، ولا يدل على تقدم واحد منهم بالفعل، والسبق بالمعنى الثاني أقرب إلى المعنى الاصطلاحي الذي يبحث عنه الفقهاء في هذا الكتاب والسبق بفتح السين والباء هو العوض الذي

[ 362 ]

يجعل أو يبذل لمن يسبق في الحلبة مكافاة له على سبقه وفوزه، ويقال له ايضا: الخطر بفتح الخاء والطاء، ويسمى كذلك الرهن ومنه تسمية المسابقة بالمراهنة. (المسألة الثانية): السبق أو المسابقة المبحوث عنها في الكتاب هي اجراء الخيل وما يشبهها من الدواب ذوات الحافر وهي البغال والحمير، ومن ذوات الخف وهي الابل والفيلة في حلبة لتعرف السوابق الجياد من المركوبات، والاشد حذاقة ومعرفة والاقدر على الفروسية والمران من راكبيها، ولتمرن الدواب على الجرى والعدو والوقوف والاندفاع حسب الاشارة والامر والزجر، ويمرن الراكب على أنواع الحذق والفروسية والتبصر في فنونها والتصرف كما تقتضي الحال والقدرة عليها ويدخل في ذلك في اعداد القوة الذي أمر الله به في صريح الكتاب ومتواتر السنة. ولا ريب في مشروعية السبق ومحبوبيته في الاسلام دين الجد والجهاد والاجتهاد، والمسابقة بعد ذلك كله معاملة شرعية ثابتة تقع بين المتسابقين يدفع فيها للسابق عوض مخصوص مكافأة له على سبقه وحذاقته، وليشجع على المضي في سيرته، وليندفع غيره إلى الاقتداء به، والتحليق معه أو الارتفاع عنه في الاشواط المقبلة والمسابقات الآتية. (المسألة الثالثة): المسابقة عقد شرعي مخصوص يقع على اجراء الخيل، وعلى اجراء البغال أو الحمير ليعرف السابق من غيره بعوض يعين للسابق واحدا كان أم اكثر بحسب ما يتفق عليه المتعاقدان أو المتعاقدون في الحلبة، ويصح أن يجري العقد لاجراء ذوات الخف من الابل أو الفيلة، ويجري نظيره أيضا في الرماية وسيأتي بيانه ان

[ 363 ]

شاء الله تعالى. والظاهر أن العقد الشرعي الذي ذكرناه انما يجري في المسابقة بين الدواب إذا كانت من نوع واحد، فلا يصح في المسابقة بين الخيل والبغال مثلا أو بين البغال والحمير، وتصح المعاملة فيها إذا أجويت على وجه آخر من المعاملا ت كالجعالة والصلح وشبههما. ولا يجري العقد الشرعي المخصوص في المسابقات في الاعمال الاخرى وان كانت مباحة صحيحة الغرض، بعيدة عن اللعب واللهو، بل وان كانت من الامور الراجحة في الدين أو الدنيا، ويمكن أن تجري المعاملة فيها على وجه شرعي اخره وسنتعرض لذكر ذلك في موضع يأتي من الكتاب ان شاء الله تعالى. ولا تجوز المعاملة في الامور التي تكون من اللهو واللعب والمقامرة، ولا يجوز فعل هذه الامور، وأن خلت من الاعواض عليها وبذل المال فيها، وإذا بذلت فيها الاعواض والاموال كان تحريمها أشد والعقاب عليها أشق، وخصوصا إذا كان دفع العوض والمال بقصد التمرين والتشجيع على مزاولة الفعل المحرم في الاسلام، من المرديات المهلكات ومن كبائر الكبائر. (المسألة الرابعة): يجوز لاحد الرجلين أو الرجال المشتركين في المسابقة أن يبذل مبلغا من ماله أو عينا معلومة من مملوكاته ويجعل ذلك عوضا في المسابقة بينه وبين اصحابه، ليدفع لمن يسبق منهم جزاء له على سبقه، ويصح أن يكون العوض الذي يبذله الباذل دينا له في ذمة احد من الناس، فيقول: جعلت المبلغ الذي املكه في ذمة زيد عوضا لمن يسبق في هذه الحلبة، ويصح أن يجعله دينا يبقى في ذمته

[ 364 ]

للسابق، ويجوز أن يشترك المتسابقان كلاهما في بذل العوض، فيبذل كل واحد منهما مبلغا من ماله، أو عينا معلومة من مملوكاته، أو دينا له على احد، أو دينا يبقى في ذمته، كما ذكرنا في الفرض المتقدم، ويجوز لكل فرد من المتسابقين إذا كانوا اكثر من اثنين أن يفعل كذلك، ويجوز أن يبذل بعضهم دون الاخرين، ويصح أن يكون العوض المجعول في المسابقة من شخص اخر لم يشترك في المسابقة، فيبذله من ماله عينا أو دينا كما في الفروض المتقدمة، ويجوز للولي العام على امور المسلمين أن يدفع عوض المسابقة من بيت مال المسلمين، فانها من مصالحهم العامة التي يصح الانفاق فيها من بيت المال، ولا فرق بين أن تكون المسابقة عامة أو خاصة، إذا كانت مما تدخل عرفا في الجهة التي يدعوا إليها الاسلام. ويجوز أن تقع المسابقة والرماية بين المتسابقين والمناضلين من غير عوض، فلا تكونان حين ذلك عقدا من العقود، ويصح أن يدفع للسابق فيهما بعض المال بعد سبقه من غير عقد أو معاملة سابقة، ويكون ذلك نوعا من التجلة والتكريم له على سبقه وفوزه. (المسألة الخامسة): العقد المخصوص في المسابقة أن يلتزم كل واحد من المتسابقين للثاني سواء كانا شخصين أم كانا فريقين بالمسابقة بينهما وبقيودها وشروطها حسب ما يتفقان عليه، وباستحقاق من يسبق منهما بالفعل للعوض المبذول ودفعه إليه، وأن يعينا كل أمر يفتقر إلى التعيين في المعاملة، ويكون إهماله وعدم تعيينه موجبا للنزاع، فإذا تم الاتفاق بينهما على جميع ذلك أجريا صيغة العقد بينهما باي لفظ

[ 365 ]

يكون دالا على اتفاقهما المذكور والتزامهما بالمقصود، سواء كانت دلالته بظهور اللفظ بنفسه أم بسبب قرينة موجودة توجب الظهور في المعنى المراد، فإذا حصل الايجاب من أحد الجانبين والقبول من الجانب الثاني تم العقد ووجب الوفاء به بينهما. ولا يتعين في عقد المسابقة أن يكون الموجب فيه هو باذل العوض، بل يتخير الجانبان في أن يكون الايجاب من أيهما أرادا، وإذا تعدد المتسابقون وكل آحاد الفريق واحدا منهم أو من غيرهم لينشئ الايجاب بالوكالة عنهم، ووكل أفراد الفريق الثاني احدا منهم أو من غيرهم لينشى القبول كذلك ويجوز انشاء العقد بالمعاطاة. (المسألة السادسة): يشرط في صحة عقد المسابقة أن تجتمع في الموجب والقابل جميع الشروط العامة التي تشترط في صحة العقود والمعاملات الشرعية، فيجب في كل منهما أن يكون بالغا عاقلا مختارا قاصدا للمعنى المراد من غير محجور عليه حجرا يمنعه عن التصرف، فلا يصح عقده إذا كان صبيا أو كان مجنونا، أو كان مكرها على فعله، أو كان هازئا أو هازلا في قوله، أو سكرأن أو غضبان ليس له قصد، أو كان سفيها سفها يحجره عن مطلق التصرف، ولا يجوز له أن يبذل العوض من ماله إذا كان سفهه يحجره عن التصرف في ماله الا إذا أذن له وليه بالبذل، ولا يجوز له البذل من أمواله الموجودة إذا كان مفلسا الا إذا أذن له الغرماء اصحاب الديون عليه، ويصح إذا كان العوض المبذول منه دينا يبقى للسابق في ذمته، فانه لا يزاحم حقوق الغرماء. (المسألة السابعة):

[ 366 ]

يجب تحديد المسافة التي تقع فيها المسابقة من أول بداءتها إلى نهايتها على الاحوط لزوما بل لا يخلو ذلك عن قوة، ويجب أيضا تعيين العوض الذي يجري عليه العقد في جنسه ومقداره، وتبيين انه عين مشخصة في الخارج أو دين يثبت للسابق في الذمة، وإذا كان دينا فهل هو حال أو مؤجل، ولابد من تعيين الدابة التي يسابق عليها بمشاهدة يرتفع بها الغرر والجهل، أو بوصف يكون بمنزلة المشاهدة ومنها ما إذا كانت الفرس التي يسابق عليها مشهورة الوصف معلومة الحال عند الطرفين، فيكفى ذلك في صحة العقد، وان لم يشاهدها غير صاحبها من المتسابقين. وإذا كانت المسابقة بين الطرفين لا تشتمل على عقد، لم يجب فيها تعيين المسافة، ولا تعيين العوض وأن كان بعض الاطراف عازما من أول الامر على أن يدفع من ماله عوضا في المسابقة، فإذا أجريت المسابقة وعلم السابق فيها جاز لذلك الشخص أن يدفع له اي مقدار يريد. (المسألة الثامنة): يشترط في صحة العقد في المسابقة أن يجعل العوض الذي يراد دفعه فيها لمن يسبق من المشتركين في الحلبة، ويجوز أن يجعل منه نصيب لمن كان مصليا أو ثالثا، ولا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض كله أو بعضه لشخص لم يشترك في المسابقة وان اشترك في تنظيمها، أو في بعض مقدماتها، ولا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض كله أو بعضه للمسبوق المغلوب في المسابقة، ويجوز للسابق بعد أن يتملك العوض في المسابقة ويقبضه من باذله، أن يتبرع به أو ببعضه للمسبوق أو لشخص لم يشترك في المسابقة.

[ 367 ]

(المسألة التاسعة): يشترط في صحة العقد أن يكون كل واحد من المتسابقين قادرا على المسابقة غير عاجز عنها، فلا يصح العقد إذا علم أن الفارسين الراكبين عاجزين عن المسابقة أو كان احدهما عاجزا كذلك، ولا يصح العقد إذا علم أن الدابتين اللتين يقع السباق عليهما ضعيفتان لا تقويان على المسابقة، أو علم أن احداهما لا تطيق ذلك، والمراد بهذا الشرط أن يكونا قادرين على المسابقة في وقت المسابقة لا في وقت العقد، فإذا اجرى العقد وكانا قادرين عليها في ذلك الحال ثم عجزا أو عجز أحدهما في حين المسابقة بطل العقد. (المسألة العاشرة): لا يمنع من اشتراك غير البالغ في المسابقة نفسها إذا كان قادرا على الركوب والدخول في المسابقة فيصح منه ذلك، ولا يمنع المجنون من الاشتراك فيها أيضا إذا كان قادرا عليها، وكان جنونه لا يمنعه من ذلك، ولا يخشى أن يودى به أو بدابته إلى ما لا يحمد، فيصح اشتراكه في المسابقة نفسها، ويجب أن يكون الاشتراك باذن ولي الصبي وولي المجنون، ولا بد وأن يكون اجراء عقد المسابقة من الوليين نفسهما، وقد سبق في المسألة السادسة أن العقد لا يصح الا من البالغ العاقل. (المسألة 11): ليس من المسابقة المبحوث عنها أن يرسل كل واحد من الرجلين فرسه أو دابته من غير أن يركبها فتستبق الدابتان بينهما من غير فارس أو راكب، فلا يكون ذلك مسابقة، ولا يصح عليه عقد ولا يحل به أخذ عوض، الا إذا دفعه الباذل الى

[ 368 ]

مالك الفرس السابق من باب التبرع له، وكذلك الحكم إذا ركب أحد المتسابقين دابته وأرسل الآخر دابته فاستبقت مع الاول، فلا يكون ذلك من المسابقة، ولا تجري عليها الاحكام. (المسألة 12): يصح أن تجري المسابقة بين شخصين، وأن يقع بينهما عقد المسابقة وتترتب بينهما ما للعقد من أحكام واثار، ويستحق السابق منهما العوض كله إذا كان مبذولا للسابق، وأن أتى الثاني بعده مصليا، فلا يستحق من العوض شيئا، سواء بذله أحدهما، أم بذله كلاهما، أم بذله شخص ثالث لم يشترك في المسابقة معهما ولا يشترط في صحة المسابقة بينهما أن يدخل معهما شخص ثالث محلل يتسابق معهما كما يراه جماعة، وإذا اشترط المتسابقان في العقد أن يدخل المحلل معهما لزم الشرط ووجب الوفاء به، فان عينا له في ضمن العقد حصة معلومة من العوض تكون له إذا سبق تعينت له تلك الحصة، ومثال ذلك: أن يشترطا في ضمن العقد أن يكون له ربع العوض أو ثلثه إذا هو سبق في الحلبة، فان هو سبق اخذ تلك الحصة خاصة، وان لم يشترطا ذلك أخذ العوض كله، وإذا سبق مع غيره اقتسم معه العوض بالسوية. (المسألة 13): المحلل كما بينا شخص ثالث يدخل مع الشخصين المتسابقين إذا هما اشترطا في ضمن العقد وجوده في المسابقة، فيتناوله العقد للشرط المذكور ويجري فرسه معهما في الحلبة، ولا يبذل مع المتسابقين شيئا من العوض، وقد بينا في المسألة الماضية مقدار ما يأخذه من العوض إذا سبق.

[ 369 ]

(المسألة 14): إذا تساوى المتسابقان والمحلل في وصولهم جميعا إلى الغاية ولم يسبق منهم أحد لم يستحقوا جميعا من العوض المبذول شيئا ورجع كل مال إلى باذله سواء كان البذل من بعضهم أم من الجميع ام من شخص لم يشترك معهم في المسابقة. وإذا بذل العوض أحد المتسابقين في الحلبة، ثم سبق الباذل فيها ولم يشاركه في السبق غيره رجع إليه العوض الذي بذله، فانه لا يستحق على نفسه شيئا وهذا هو المراد باستحقاق العوض في هذه الصورة من الاطلاق الذي ذكرناه في المسألة الثانية عشرة. وكذلك إذا بذل معه صاحبه المسبوق عوضا اخر أو اشترك معهما شخص ثالث فبذل كل واحد منهم عوضا فإذا سبق أحد الباذلين ولم يسبق معه غيره استحق هذا السابق العوض الذي بذله الآخران ورجع إليه العوض الذي بذله هو لانه لا يستحق على نفسه شيئا وهذا الامر واضح وانما يذكر للتنبيه لئلا يلتبس الامر. وتراجع المسألة السابعة عشرة في حكم ما إذا كان المتسابقون كثيرين. (المسألة 15): إذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضا لمن يسبق في الحلبة، ثم سبق احد الباذلين للعوض وسبق معه المحلل وتساويا هو والمحلل في الوصول إلى الغاية وتأخر الآخر المسبوق عنهما، استحق السابقان العوض الذي بذله المسبوق وكان بينهما بالمناصفة، وأشكل الحكم في العوض الذي بذله

[ 370 ]

السابق، وقد ذهب جمع من العلماء إلى أن هذا العوض يرجع إلى باذله السابق ولا يستحق المحلل منه شيئا، وهو مشكل كما ذكرنا ولا يترك الاحتياط فيه بالرجوع إلى المصالحة بين الباذل والمحلل. وكذلك إذا بذل كل من المتسابقين عوضا، أو بذله أحدهما خاصة، وبذل معهما أجنبي لم يشترك في المسابقة ثم سبق في الحلبة أحد الباذلين وسبق معه المحلل، فيتقسم السابق الباذل والمحلل كلا من العوض الذي بذله الأجنبي والعوض الذي بذله المسبوق بينهما بالمناصفة، ويشكل الامر في العوض الذي بذله السابق كما تقدم ويجري فيه الاحتياط المذكور. ونظيرهما في الاشكال ما إذا بذل الاول العوض ولم يبذل معه غيره ثم سبق في الحلبة وسبق معه المحلل، فذهب اصحاب ذلك القول إلى أن العوض المبذول يرجع إلى باذله ولا يستحق المحلل منه شيئا، ولا يترك الاحتياط الذي ذكرناه والفروض المذكورة في المسألة كلها من مأخذ واحد. (المسألة 16): إذا بذل شخص أجنبي عوضا من ماله في المسابقة وشرط في بذله أن يكون عوض لزيد خاصة إذا سبق على غيره، وأن لا يدفع إلى السابق إذا كان غير زيد، أو شرط أن يكون العوض كله لزيد وحده إذا سبق، وان سبق معه غيره وساواه فلا يدفع من العوض شئ للسابق الآخر، أو شرط أن يكون العوض الذي بذله كله لزيد سواء كان غالبا أم مغلوبا، لم يصح ذلك إذا كان دفعه بنحو العوض المعلوم في العقد الشرعي المخصوص، فيرجع إلى باذله، ويصح ذلك منه إذا كان دفعه للمال على وجه التبرع لزيد على النحو الذي تبرع به.

[ 371 ]

(المسألة 17): السابق من فرسان الحلبة هو الذى يتقدم حصانه على خيل المسابقة بالعنق والكتد أو باكثر من ذلك، ويراد بالكتد عظم مرتفع يقع بين عنق الحصان وظهره ويسمى السابق ايضا بالمجلى، والثانى من فرسان الحبة هو المصلى وهو الذي ياتي حصانه بعد السابق، ويحاذى رأسه صلوى السابق أو يتقدم عليها ولا يصل إلى الكتد، والمراد بالصلوين من الحصان عظمان يقعان عن يمين ذنبه ويساره، ثم ياتي الثالث من فرسان الحلبة، ثم الرابع وهكذا، ولها اسماء خاصة في اللغة تعرف بها. فإذا كان العوض الذي بذله مالكه في المسابقة قد اشترط فيه باذله أن يكون للسابق اختص به الاول المجلى إذا كان واحدا، واخذه وحده، وإذا كانت الحلبة كثيرة العدد وسبق منهم اثنان أو ثلاثة فوصلوا إلى الغاية متساوين في السبق اقتسموا العوض المبذول للسابق بينهم بالمساواة فان كانا اثنين اقتسماه بالمناصفة وان كانوا ثلاثة فبالمثالثة، ولم يستحق الثاني المصلى من هذا العوض شيئا، وإذا كان باذل العوض قد جعله حصصا متعددة فللسابق حصة معينة وللمصلى حصة اخرى وللثالث حصة ثالثة، وزع العوض بينهم حسب ما عينه الباذل. (المسألة 18): إذا بذل الباذل من المتسابقين أو من غيرهم عوضا في المسابقة واطلق بذل ماله ولم يجعله حصصا على مراتب المتسابقين كما بيناه في المسألة المتقدمة كان جميع العوض للسابق الاول سواء كان واحدا ام متعددا، ولا حق فيه للثاني المصلى ولا لغيره وقد فصلنا ذكر هذا، وكذلك إذا بذل الجميع من اموالهم اعواضا

[ 372 ]

في المسابقة واطلقوا بذلهم ولم يذكروا حصصا، فيكون الجميع نصيبا للسابق المجلى وان كان واحدا وكان المبلغ كثيرا، وانما يستحق المصلى أو الثالث أو غيرهما شيئا إذا صرح الباذل فجعل في عوضه الذى بذله حصة للمصلى أو لغيره. ونتيجة لهذا التفصيل فإذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضا واطلقا بذلهما ثم تسابقا مع المحلل، فسبق احدهما وصلى المحلل وتأخر الثالث اخذ السابق جميع العوض ولم يستحق المحلل منه شيئا وان كان مصليا. (المسألة 19): إذا تم عقد المسابقة بين الشخصين أو الاشخاص وأجريت الخيل أو الدواب وتحقق السبق من بعضهم ملك السابق العوض المبذول وان تأخر قبضه لبعض الموانع التي أوجبت التأخير، فإذا كان العوض عينا وحصل منها نماء أو نتاج بعد التحقق السبق كان النماء والنتاج الحاصل منها مملوكا للسابق بتبع ملكه للعين. (المسألة 20): لا يصح أن يجعل العوض في المسابقة لشخص لم يشترك في السباق، ومن امثلة ذلك أن يقول بعض المتفرجين في حفلة السباق للبعض الآخر منهم: أراهنك على سبق هذه الفرس وهي فرس زيد، فان سبقت فهي على غيرها من الخيل فعليك أن تدفع لي عشرة دنانير مثلا وأن سبقها غيرهما فعلي أن أدفع لك مثل هذا المبلغ فلا يصح مثل هذا الرهن ولا يحل أخذ المال بسببه، ويكون من المقامرة المحرمة واشد من ذلك حرمة وأنكى أن يجري مثل هذا الرهان بين المتفرجين على الالعاب

[ 373 ]

الرياضية وشبهها مع فرض كونها ألعابا. (المسألة 21): لا يحل أن يقول احد المتسابقين في الحلبة لشخص ثالث لم يشترك: أراهنك على فوزي في المسابقة، فان غلبني صاحبي وفاز بالسبق علي دفع اليك عشرين دينارا، فلا يحل لذلك الشخص أن يأخذ المبلغ من القائل إذا غلبه صاحبه ودفع مبلغ الرهان له، ويكون ذلك من المقامرة المحرمة. (المسألة 22): قد تقع المسابقة بين الشخصين أو الاشخاص، وتجرى فيها الخيل أو الدواب لغير الوجه الشرعي الذي أراده الاسلام من المسابقة ودعا إليه وحث المسلمين عليه، وشرع له احكامه، وهو اعداد القوة لقتال الاعداء والتمرين على الفروسية للجهاد في سبيل الله، وبسط العدل في الارض، واعلاء كلمة الله، فتقام المسابقة لغير ذلك من المقاصد والغايات. فان كان الوجه الذي تقام له هذه المسابقات مقصدا، صحيحا راجحا أو مباحا يرغب فيه العقلاء المتزنون ولا يعدونه من اللهو واللعب، كانت كسائر المسابقات التي تجريها العقلاء لمثل هذه الغايات الراجحة في الدين أو المطلوبة في أمور الدنيا، وسيأتي أن شاء الله تعالى بيان الحكم فيها. وأن اقيمت بداعي اللهو واللعب وقتل الوقت كما يقول البعض أو بداعي تحصيل المال، وان كان تحصيله بوسيلة غير شرعية، شملتها ادلة تحريم اللهو واللعب، فيحرم اجراؤها وان كانت بغير عوض، وإذا كانت مع الاعواض فهي أشد حرمة وأمض عقوبة من الله.

[ 374 ]

(المسألة 23): تحرم الاعمال التي تعد من اللعب واللهو عرفا، وتكون هذه الاعمال مع الاجتماع لها لهذه الغاية أشد حرمة وجرما، ثم هي مع استصغار أمرها والاستهانة بنهي الله عنها تكون أشد من ذلك تحريما ومقتا وعقوبة عند الله، فإذا تعاظم الاستصغار لها وبلغ إلى درجة الاصرار على معصية الله والتمرن والاعتياد عليها اشتد الامر فيها وتعقد وتلبد وكلما ازداد الاصرار والاعتياد كبرت الجريمة والعقوبة والمقت من الله سبحانه ثم يكون تأثيرها اشد واعمق وجرحها أنكى وأمض إذا هي وقعت في أدوار الشباب، وهي زهرة الحياة وايام التفتح والبناء النافع المجدي للشخصية المؤمنة المتكاملة، فلابد من اليقظة، ولابد من الوعي ولابد من الحذر، وخصوصا في العصور التي كثرت فيها الدعايات لهذه الامور وتنوعت اسباب الاغراء والفتنة بها واساليب الدعوة إليها: (ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، انما يدعو حربه ليكونوا من أصحاب السعير). (يا ايها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون). (المسألة 24): يجوز التنافس في الاعمال الراجحة في الحياة الدنيا، وفي الاعمال المباحة فيها من الله (عز وجل) ولم يرد فيها منه نهي ولا تحريم، ويجوز التسابق فيها مع العقلاء، فالتنافس والتسابق إذا كان صحيحا مستقيما في اساليبه وغاياته فهو وسيلة كبرى من وسائل الابداع في الفكر، والارتقاء في الحياة والابتكار في الامور والاعتماد على النفس والذكاء والمواهب، والتحرر الذاتي عن التبيعات والنفع الكبير الكثير للنفس وللاخوان من بني الانسان، شريطة أن لا يشغل المؤمنون

[ 375 ]

والمسلمون بهذا التنافس والتسابق عما هو أكبر وأعظم وأجدى لهم وأنفع، وهو ابتغاء مرضاة الله والسعي في طلب نائلة، والتوكل الكافي عليه، وشريطة أن لا يشغل المؤمنون والمسلمون بسبب ذلك في ما بينهم، فتتولد الفروق والا حن والحزازات، ويبعدون الغاية وهم يرومون القرب إليها، فان مكائد الشيطان واساليبه في صرف المؤمن عن رضى ربه، وعن سبيل الحق لن تعد ولن تحصى، والتنافس والتسابق إذا لم يكن صحيحا، ولم يكن مستقيما مع المبادئ الصحيحة السوية كان وسيلة من وسائل الشيطان للتفرق والشقاق والسقاء. يجوز التسابق والتنافس في الاعمال التي ذكرناها إذا خلت عن المحاذير التي يمقتها الله، ويبغض وقوعها من الانسان الذي كرمه وفضله، ومن المسلم والمؤمن على الخصوص، ويجوز دفع العوض من الاموال للسابق فيها إذا كان دفع المال إليه من باب الجعاله له على فعله الذي سبق فيه، ويجوز التبرع له بذلك بقصد التشجيع والتكريم له لسبقه أو لابتكاره أو للمزية التي امتازها على اقرانه. ولا يجري فيها العقد الشرعي المتقدم ذكره، فانه يختص بمسابقة ذوات الحافر أو الخف، وبالرماية للنصوص الخاصة، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله: (لا سبق الا في حافر أو نصل أو خف). (المسألة 25): تصح المسابقة على الظاهر بين الشخصين في العدو على الاقدام، وفي السباحة، وفي السفن الشراعية ونحو ذلك إذا تعلق بمثل هذه المسابقات غرض يعده الناس العقلاء صحيحا متعارفا لهم، ولم تكن من اللعب واللهو في نظر أهل العرف، ويجري فيها البيان الذي تقدم في المسألة الماضية.

[ 376 ]

(المسألة 26): من السبق المطلوب الراجح أن يتقدم الطبيب في صناعته حتى تكون له الاولية والتفوق الكبير على أقرانه في كشف الامراض الخبيثة والمستعصبة، وعلاج المصابين بها من بني الانسان، وازالة الاوباء والاخطار بذلك عن حياة كثير من الموبوئين والمعذبين في هذه الحياة، ومن السبق المرغوب فيه أن يتقدم السابق فيه في علوم الصيدلة فيكتشف العقاقير والادوية الحاسمة للادواء المتوطنة المزمنة، و التي تزيل البؤس والتعاسة عن نفوس بائسة يائسة، وتعيد لها نضرة الحياة وبهجة الامل، ومن السبق المهم أن يتقدم الصانع في صنعته ويفوق أقرانه وزملاؤه فيها، و يصبح قدوة ومثلا عاليا لهم في اتقان العمل، ودقة الصنعة وكثرة الانتاج، ومن السبق أن يبرع الخطاط ويبدع في جمال خطه، ودقي فنه ويجرز الاولية، والفوز بين زملائه وهكذا في كل مجال من الصناعات والعلوم والفنون المباحة والنافعة في هذه الحياة فيمكن فيه السبق ويجوز فيها التسابق واحراز الفوز والاولية وتجرى فيها الاحكام التي تقدم في المسألة الماضية. (المسألة 27): الاسلام دين الجد والتكامل والارتقاء الاختياري في كل المجالات التي يمر بها المسلم منذ نعومة أظفاره، فهو يحب للتلميذ الصغير من أبنائه منذ مراحله الاولى أن يتقدم في تعلمه وتلقيه، ويسبق على اترابه، ويحوز الاولية في جميع أشواطه، ويحب للشاب في مراحله المتوسطة أن يتقدم كذلك حتى يبذ اقرانه ويكون السبق له عادة مستمرة، ويحب له في مراحله المنتهية أن يصبح السعي والجد المتفوق على الآخرين عادة مستقرة في أعماقه، فلا يقر ولا يهدا حتى ينال

[ 377 ]

الاولية في كل شوط ممكن. والاسلام بالاضافة إلى الطلاب من أبنائة في مدارسهم الدينية، وتعلمهم فيها، وتكاملهم وارتقائهم في مناهجها أشد رغبة لهم في أن يتقدموا ويحرزوا الفوز والسبق في اشواطهم في العلم، واشواطهم في العمل، واشواطهم في الخلق واشواطهم في التربية، وادب النفس، ومتممات السعادة لهم وللآخرين من تلاميذهم، والمتبعين لارشادهم والسائرين على هديهم، والاسلام بالاضافة الى جميع ابنائه المتبعين لحكمه وحكمته يريد منهم التقدم والسبق في التعلم والتعليم وفي الادب وفي زكاة النفس وبناء الشخصية فهو يحب حبا عميقا ويرغب رغبة ملحة للمتعلم والمعلم وللاديب وللخطيب وللمرشد وللمسترشد في أن يسبقوا ويتقدموا ويحلقوا في مجالاتهم، حتى يصل دين الله بهم إلى الغاية التي أرادها لهم، وهي السعادة العامة المتكاملة الحلقات والمجتمع الفاضل المتراص البناء المنير الاجواء. والاسلام يهيئ نفوس اتباعه وقلوبهم وطباعهم لكل ذلك بمناهجه وتعاليمه، ويفتح أبواب المشاريع له في انفسهم وأموالهم، فيأمرهم بالاستباق إلى الخير والتعاون على البر والتقوى، ويعد لهم الضمانات الاجتماعية الكفيلة بذلك وغيرها مما يطول شرحه، ويضيق هذا المجال عن بيانه، والنصوص التي تدعم كل هذه الجهات كثيرة وفيرة. (المسألة 28): يجري في هذه المسابقات كلها ما ذكرناه في المسألة الرابعة والعشرين فيجوز دفع العوض للسابق فيها بعنوان الجعالة على ما قام به من علم، ويجوز دفع

[ 378 ]

العوض له من باب التبرع له، مكافأة على سبقه وتميزه، ومساهمة من المتبرع في بناء المجتمع المسلم، وخدمة للاسلام في تحقيق بعض اهدافه وغاياته ويصح أن يدفع العوض له من باب الاستباق إلى الخير، والتعاون على البر، بل ويستحب الاعداد لاجراء هذه المسابقات ودفع الاعواض للسابقين فيها، لما ذكرناه من الوجوه، وللمشاركة في الضمان الاجتماعي الذي يعده دين الله العظيم لاتباعه، ولا يجري فيها العقد الشرعي المخصوص في المسابقة، وقد بينا وجه ذلك في المسألة المشار إليها. (المسألة 29): يحسن انشاء هذه الرغبة في نفوس التلاميذ الصغار من المؤمنين وبعث الشوق في قلوبهم، باجراء المسابقة بينهم في حفظ بعض السور من الكتاب الكريم فيمرنون فيها على التلاوة الصحيحة، ويرغبون في حفظ السور منه، ويحرضون على التسابق في ذلك، ويوعد السابق منهم بالمكافأة له على سبقه، فمن كانت تلاوته أصح وحفظه اتم فهو السابق الاول، وله التكريم في الدرجة الاولى والعوض التام المعين في المسابقة، ومن كان أدنى من ذلك فهو في الدرجات اللاحقة من السبق، وله الحصة الثانية أو الثالثة من العوض، ويبتدأ معهم بالسور الصغيرة ويكبر التمرين معهم كلما كبر سنهم، وازدادت قوة حفظهم ونشطت ملكات ادراكهم، ثم يزادون مادة من التفسير الواضح ومعاني الكلمات المفردة في اللغة. ويمكن أن تكون الدربة لهم مع تقدم السن بحفظ بعض النصوص المنتخبة من الحديث النبوي الشريف، ومن خطب نهج البلاغة وكلمات بعض المعصومين (ع) مع اضافة بعض الشرح وبعض الايضاح، ويعد للسابق جزاؤه وللاحق

[ 379 ]

مكافأته على النهج المتقدم في سبقهم في حفظ القران. [ الفصل الثاني ] [ في الرماية وما يتعلق بها ] (المسألة 30): يراد بالرماية هنا المسابقة بين شخصين أو بين فريقين في الرمي ليعرف من هو ادق في اصابة الغرض، واكثر في عدد الاصابة من غيره، وتسمى ايضا بالمناضلة، وتطلق الرماية ايضا على المناضلة بالسيوف والرماح والحراب من ذوات النصل، وان كان الضرب بالسيف أو بالرمح لا يسمى رميا، والرماية كالمسابقة بين ذوات الحافر والخف ونظيرتها في الشرعية والاحكام، فالحث والتاكيد الشرعي في النصوص وارد فيهما على السواء، وهما معا من اعداد القوة المستطاعة لقتال من يجب قتاله وارهابه من أعداء الاسلام، ولتأديب من يجب تأديبه من غيرهم، ويصح في الرماية ايضا ان تكون بعوض وان تقع بغير عوض وتطلق كلمة الرماية ايضا على العقد الشرعي المخصوص للمسابقة بين الطرفين والعقد الشرعي المذكور يجري في كل من المسابقتين. (المسألة 31): يشترط في صحة المناضلة في الرمي شرعا جميع ما يشترط في مسابقة ذوات الخف والحافر فلابد فيها من تعيين المسافة بين موقف الرامي والغرض الذي ترام اصابته، ولابد من تعيين العوض الذي يجعل للسابق، ويجري عليه العقد بين الطرفين على النحو الذي بيناه في المسألة السابعة، ولابد من تعيين عدد الرمي

[ 380 ]

وتعيين عدد الاصابة وصفتها كما سيأتي، ولابد من تماثل الصنف في آلة الرمي فتكون آلة كل من المتناضلين من السهام، أو من الحراب أو من السيوف مثلا، فلا تصح المناضلة إذا اختلفت آلاته، ويعتبر في صحتها أن يكون المتناضلان قادرين عليها، فلا يصح العقد بين عاجزين ولا بين قادر وعاجز، وتلاحظ المسائل المتعلقة بهذه الشروط من الفصل الاول. (المسألة 32): يجري العقد الشرعي المخصوص في الرماية كما يجري في السبق ويتحدان في نحو انشاء العقد، وفي ما يعتبر في صحة العقد من الشروط، وفي ما يصح من العوض فيه، ومن يبذله، ولا اختلاف بينهما في شئ من ذلك، بل الظاهر أن العقد في كلا الموردين عقد واحد، وتفصيل ما يتعلق به في المورد الاول يغني عن اعادته هنا فليرجع إلى الفصل الاول من يريد التطبيق هنا. (المسألة 33): الرشق بكسر الراء وسكون الشين هو عدد الرميات الذي يعينه المتناضلان للنضال بينهماه فيرمي كل واحد منهما ذلك العدد، والناضل أو السابق في المناضلة هو من يكون أكثر وادق اصابة للغرض في ذلك العدد المعين. والغرض هو رقعة معينة يقصد الطرفان اصابتها بالرمي، وقد يجعلان الغرض دائرة أو نصف دائرة ويجعلان في وسطها نقطة معينة تسمى في عرف الرماة بالخاتم ويشترطان في السابق أن يصيب أي جزء اتفق من الدائرة أو يشترطان أن يصيب النقطة المعينة في وسطها، والهدف موقع المرتفع عن وجه الارض من تراب أو حائط أو غيرهما يجعل عليه الغرض لتتبين رؤيته وتمكن اصابته.

[ 381 ]

وللسهم في عرفهم ايضا أوصاف كثيرة يعددهما علماء اللغة ويذكرون للسهم أسماء باعتبار تلك الاوصاف فمن السهام مثلا ما يصطدم بالارض ثم ينتقل وهو بسرعته على وجهها حق يصل إلى الغرض، ومنها ما يصيب الهدف ولا يصل إلى الغرض نفسه، ومنهما ما يضرب وجه الغرض فيخدشه خدشا ولا يثبت فيه ومنها ما يخرقه وينفذ منه، وهكذا، وليس في ذكر هذه الاوصاف وتعداد اسمائها كبير فائدة في البحث المطلوب، والمدار في صدق السبق على ما يعد اصابة للغرض في نظر أهل العرف، فيكون هذا هو المتبع، وإذا لم يوجد بين أهل العرف شئ يمكن التعويل عليه ليتبع في ذلك، فلابد من التعيين والاشتراط في العقد بين المتناضلين، وإذا اهملا ذلك ولم يعينا شيئا يكون العقد باطلا. (المسألة 34): تصح المسابقة في الرمي على الاقوى بآلات الرمي الحديثة، وبأسلحة الحرب الموجودة في الازمنة الحاضرة، ويجوز بذل العوض للسابق فيها إذا كان دفعه إليه بعنوان الجعالة على ما قام به من عمل للاسلام، أو من التبرع له مكافأة له على فوزه ونجاحه في بلوغ الغاية المطلوبة، أو من السبق إلى الخير والتعاون على البر إذا كانت المسابقة لاعداد القوة للجهاد في سبيل الله، وقتال اعداء الاسلام وارهابهم، ولا يجري فيها العقد الشرعي الخاص للمسابقة على الاحوط. (المسألة 35): إذا جرى عقد المسابقة في الرمي بين الطرفين وحصلت المناضلة بينهما وعلم سبق السابق فيها ملك للسابق العوض المجعول له في العقد كما تقدم في نظيرتها، ولا يملك العوض بنفس العقد وتلاحظ المسألة التاسعة عشرة.

[ 382 ]

(المسألة 36): إذا تم عقد السبق أو الرماية، وجرت المسابقة أو المناضلة وتبين سبق السابق، ولما اراد الباذل دفع العوض المعين إليه ظهر أن العوض المعين له مغصوب من مالكه الشرعي، كان الامر في العوض راجعا للمالك، فان شاء أجاز بذل العوض فيصح للسابق أخذه، ويكون البذل من المالك وان شاء لم يجز البذل فيصح له أن يأخذ عين ماله من الباذل، ويلزم الباذل أن يدفع مثل العوض أو قيمته للسابق وفاء بالعقد. وإذا قبض السابق العوض بعد أن تبين سبقه ثم علم بالغصب بعد ذلك جاز للمالك أن يأخذ عين ماله من يد السابق، وإذا أخذه منه وكان الباذل قد غره فدفع العوض المغصوب إليه جاز له أن يرجع على الباذل بمثل العوض إذا كان مثليا وبقيمته إذا كان قيميا، وإذا كان السابق عالما بغصب العوض ولم يكن مغرورا بقبضه لم يرجع على الباذل بشئ. (المسألة 37): إذا بطل عقد السبق أو الرماية بسبب عروض لبعض الطوارى، فاوجبت فساد العقد بعد ان كان صحيحا لم يستحق السابق العوض المعين، وكذلك إذا تبين بعد العقد والمسابقة فساد العقد من أصله، فلا يستحق السابق العوض، ولا يترك الاحتياط بان تدفع له أجرة المثل بمصالحة أو غيرها في الصورتين. (المسألة 38): إذا اختلف السابق والباذل في مقدار العوض المعين للسابق في عقد المسابقة فقال السابق: أن العوض ستون دينارا، وقال الباذل: بل هو خمسون لا أكثر قدم قول من ينكر الزيادة مع يمينه، الا أن يثبت الآخر صحة دعواه ببينة شرعية.

[ 383 ]

[ كتاب الاقرار ]

[ 385 ]

[ كتاب الاقرار ] وبيان البحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول: [ الفصل الاول ] [ في الاقرار ولوازمه وشروطه ] (المسألة الاولى): الاقرار هو أن يخبر الرجل على وجه قاطع جازم، لا تردد له فيه ولا احتمال بثبوت حق لشخص اخر يلزم المخبر الوفاء به لذلك الشخص الآخر، أو يخبر كذلك بنفي حق له يلزم ذلك الشخص أن يفي به للمخبر، ومن الاقرار أيضا أن يخبر الانسان بوجود شئ يستلزم وجوده ثبوت حق للغير يلزم على المخبر نفسه أن يفي به، أو يستلزم ثبوت حكم يجب على المخبر امتثاله، ومن الاقرار أن يخبر بنفي شئ يستلزم نفيه انتفاء حق للمخبر على الغير. ومثال الفرض الاول أن يقول المخبر لرجل اخر: لك في ذمتي مائة دينار وأن يقول مشتري الدار: ان بائع هذه الدار قد اشترط علي أن يكون له خيار فسخ البيع إذا هو رد الثمن بعد مضي سنة من حين وقوع البيع، فهو يملك حق الخيار على رأس السنة إذا رد الثمن، ومثال الفرض الثاني أن يقول الشخص للمدعي: لا حق لي في الدار التي تدعي ملكها، وأن يخبر الشريك بانه لا يستحق الشفعة على المشتري في الحصة التي اشتراها من شريكه. ومثال الفرض الثالث أن يقول الرجل: إن فاطمة بنت زيد زوجته نفسها

[ 386 ]

ومكنته من حقوق الزوجية، فان ذلك يستلزم ثبوت حق النفقة لفاطمة على المخبر، وثبوت حق القسمة لها في الليالي، ويستلزم ايضا حرمة زواجه باختها حتى يطلقها، وحرمة بنتها على إذا كان قد دخل بالام، وحرمة الزواج بامرأة خامسة إذا كانت فاطمة هي الرابعة من زوجاته، ومثال الفرض الاخير ان تقول المرأة المطلقة: ان الزوج الذي طلقها لم يرجع بها حتى انقضت عدة الطلاق، فلا يجوز لها بعد اقرارها بذلك ان تطالب الزوج بحق الانفاق عليها، وليس لها أن تمكنه من الاستمتاع بها، أو تنظر إليه أو تلمسه بشهوة الا بعد عقد جديد. وقد ذكرنا في اول المسألة أن اخبار الانسان بحصول الامر المذكور فيها أو بنفيه انما يكون اقرارا لذا وقع منه على نحو الجزم به، ولهذا التقييد فإذا أخبر الانسان بحصول الامر وهو يظن حصوله، أو على نحو الشك والتردد فيه لم يكن اخباره اقرارا، ولم تترتب عليه آثاره. والمتبع في تبين ذلك هو ظهور اللفظ الذي نطق به ودلالته في متفاهم أهل اللغة واللسان، وان لم تكن دلالة قطعية أو كانت الدلالة بسبب وجود قرينة عامة أو خاصة من حال أو مقال، فإذا دل اللفظ كذلك على حصول الشئ، أو نفيه ودل على ان القائل كان جازما بخبره، وليس ظانا ولا شاكا فيه، كان هذا الاخبار منه اقرارا بالمضمون، ولا اعتبار به إذا لم يكن للفظ ظهور في المعنى المراد، وكان اهل المحاورة يحتملون ان المراد منه شئ يخالف ذلك. (المسألة الثانية): يعتبر في الاقرار أن يكون المخبر عارفا باللفظ الذي نطق به، وعارفا بمعناه الذي يدل عليه عند أهل اللغة، وبالقرينة الموجودة الموجبة لظهور اللفظ في المعنى المراد إذا كان الاعتماد في الظهور على القرينة، فإذا نطق هذا المخبر باللفظ

[ 387 ]

المذكور كان مقرا بمضمونه، سواء كان اللفظ عربيا أم غير عربي، وسواء كان المخبر من اهل تلك اللغة أم من غيرهم. وبحكم اللفظ الاشارة المفهمة للمعنى، فانها ان لم تكن اقرارا حقيقيا فهي بمنزلة الاقرار، فإذا سأل سائل من بائع الدار بعد تمام العقد بينه وبين المشتري فقال له: هل اشترطت لنفسك خيار فسخ البيع إذا أنت رددت ثمن الدار على المشتري؟ فأشار البائع اشارة واضحة تدل على عدم الاشتراط، كانت اشارته بمنزلة الاقرار على نفسه بنفي حق الخيار له، وإذا سئل الرجل: هل تزوجت هندا؟ فأشار بالايجاب كانت اشارته بمنزلة الاقرار على نفسه بزوجية المرأة، وإذا اشار بالنفي، كانت اشارته بمنزلة الاقرار بعدم الزوجية، فتلزمه احكام الاقرار في الامثلة المذكورة. (المسألة الثالثة): إذا وقع الاخبار عن المخبر على الوجه الذي اوضحناه كان اقرارا من المخبر على نفسه بمضمون الخبر، وان لم يكن قاصدا للاقرار على نفسه، فإذا سأله أحد هل استدنت من زيد مائة دينار؟. فقال نعم، كان قوله: نعم اقرارا منه بأن ذمته مشغولة لزيد بالمبلغ المذكور وصح للسامع أن يشهد على اقراره به، وكذلك إذا قال وهو في أثناء حديثه مع بعض الناس: يمكنك أن تنكر دين فلان عليك ولا بينة له عليك، كما أنكرت انا دين زيد علي فلا يستطيع اثباته، فيكون قوله هذا اقرارا يمكن لمن سمعه منه أن يشهد عليه، وان لم يكن قاصدا للاقرار، ومثل ذلك أن يدعي عليه المدعي ويقول له هذه الدار أو هذه الارض التي بيدك مملوكة لي وليست لك، فيقول له انني قد اشتريتها منك، فيكون اخباره بشراء الدار منه اقرارا منه بأن المدعي يملك الدار ودعوى منه

[ 388 ]

بان الدار انتقلت إليه بالبيع، فيؤخذ باقراره، وعليه أن يثبت صحة ما يدعيه من البيع باقامة بينة ونحوها. (المسألة الرابعة): إذا قال المدعي للانسان الذي يدعي عليه: ان لي في ذمتك مائة دينار، أو قال له ماذا صنعت بالمبلغ الذي استحقه في ذمتك؟ أو قال له: ان الدين الذى استحقه عليك قد حضر ميعاده، فقال له الرجل: سأدفعه اليك، أو قال له: انك ذكرتني به وقد نسيته، أو قال له: سيدفعه لك وكيلي فلان، فقد أقر له بالحق، وبمقداره في المثال الاول، وأقر له بالحق في المثال الثاني، واقر له بالحق وبحضور وقته في المثال الاخير. ولا فرق في الاقرار بين أن تكون دلالة القول عليه بالمطابقة أو بالالتزام والامثلة التي ذكرناها في المسألة من القسم الثاني وقد تقدمت لذلك عدة من الامثلة ايضا. وإذا أخبر الانسان بثبوت حق لغيره على نفسه، وعلق في اخباره ثبوت الحق على وجود شيئ معين فقال: ان لزيد عندي أو في ذمتي مائة دينار إذا أنا وجدت المبلغ المذكور مسجلا في دفتري الخاص بالديون، لم يكن ذلك منه اقرارا، فلا ينفذ ولا يثبت له أثر، ونظير ذلك ان يقول لشخص: لك في ذمتي خمسون دينارا، إذا انا قبضت مثل هذا المبلغ من زيد، فلا يكون اخباره اقرارا، وقد سبق منا أن الاقرار هو الاخبار بثبوت الحق على نفسه على وجه الجزم، ولذلك فيعتبر في الاقرار أن يكون الاخبار بثبوت الحق أو بنفيه منجزا غير معلق على وجود شيئ أو على عدمه. (المسألة الخامسة):

[ 389 ]

قد تصحب اخبار المخبر قرينة خاصة تدل على ما يخالف الظاهر من لفظه الذي تكلم به، فلا يتم ظهور اللفظ ولا دلالته على المعنى عند أهل العرف بسبب وجود تلك القرينة، وان كان اللفظ ظاهرا أو صريحا في معناه لو لم توجد تلك القرينة، فلا يكون خبره خبرا ولا اقراره اقرارا بسببها. ومثال ذلك أن يخبر بخبره وهو يضحك من ذلك القول أو يبتسم ابتسامة هازئة أو ساخرة أو يتكلم بلهجة تدل على التهكم والانكار للخبر، أو يصحب قوله بحركة رأس أو يد أو عين أو مط شفة تدل على شيئ من ذلك، فلا يكون خبره خبرا كما قلنا ولا اقراره اقرارا، ومثل ذلك إذا كان اخباره بالشيئ باشارة مفهمة لثبوته أو نفيه، أو بقول: لا، أو نعم، بعد سؤال السائل عن وجود الحق أو بغير ذلك مما تقدم ذكره فلا يثبت خبره ولا اقراره مع وجود شئ من هذه القرائن، وهو أمر معلوم لا يرتاب فيه عاقل، وانما يذكر للتنبيه، ولكي لا تلتبس الحقائق أو الاحكام في بعض الموارد لغفلة ونحوها. (المسألة السادسة): إذا أقر الرجل على نفسه بثبوت حق لبعض الناس عليه أو بنفي حق للمخبر على بعض الناس الآخرين، أو اقر بوجود شيئ يستلزم وجوده ثبوت حق على المخبر، أو انطباق حكم شرعي ملزم عليه، أو اقر بعدم شيئ يستلزم عدمه مثل ذلك، وكان اقراره جامعا للشرايط المعتبرة فيه لزمه الامر الذي اقر به، ولا ريب في هذا الحكم، بل ولا اشكال فيه بين عامة العقلاء والمشرعين، ولا الاختلاف في نظرات المتشرعين انما حصل لاختلافهم ازاء الشروط التي يعتبرونها في صدق الاقرار، وفى ثبوت لوازمه على المقر عندهم. والشروط المعتبرة شرعا في تحقق الاقرار ولوازمه متنوعة، فبعض هذه

[ 390 ]

الشروط يجب توفره في الامر المقر به، وبعضها يعتبر اجتماعه في الشخص المقر نفسه، وبعضها يلزم وجوده في الذات أو الجهة المقر لها، وسنوضح كل قسم منها في موضعه من المسائل الآتية ان شاء الله تعالى. (المسألة السابعة): الحق الذي يقر به الانسان لغيره على نفسه فيلزم المقر اداؤه إليه يصح أن يريد به واحدا معينا من الاشياء التي يمكن للانسان تملكها، فيعم ما إذا كان الشئ عينا موجودة في الخارج، ومثال ذلك ان يقول الرجل: الدار أو الارض التي بيدي مملوكة لزيد، أو يقول: نصف هذه الدار أو الارض مملوكة له. أو كان عينا كلية تشتغل بها الذمة، ومثاله أن يقول: يملك زيد في ذمتي ألف دينار، أو مائة من الحنطة، أو كان منفعة خاصة لعين مملوكة للمقر، ومثاله أن يقول: فلان يملك حق السكنى في داري هذه مدة سنة، أو يقول: انني اجرت فلانا أحد هذه الدكاكين المعينة التي بيدي، فهو يملك الاتجار في واحد منها مدة ستة أشهر ويصح أن يكون الدكان المستأجر واحدا في الذمة فيكون الحق المقر به منفعة كلية في الذمة، أو كان عملا من الاعمال، ومثاله أن يقول: يملك فلان علي أن اعمل له في مزرعته أو ضيعته مدة ستة اشهر، أو كان حقا من الحقوق التي تجوز لصاحبها المطالبة بها، ومثال ذلك ان يقول: لزيد علي حق الشفعة في الارض التي اشتريتها من شريكه، أو يقول: له علي حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه. وكذلك الحال عندما يقر الرجل بنفي حقه عن رجل اخر، فان الحق المنفي يمكن ان يراد به أي واحد معين من الاشياء التي تقدم ذكرها. وقد يكون المقر به امرا خارجيا إذا كان الاقرار به يستتبع ثبوت حق لاحد على المقر، أو يستتبع حكما شرعيا ملزما له، ومثال ذلك أن يقر الرجل بنسب ولد

[ 391 ]

فيتبع ذلك الحاق الولد بنسبه وميراثه منه بعد موته، وأن يقر بزوجية امرأة، فيتبع ذلك ثبوت نفقتها عليه وحرمة زواجه بأختها. ونظير ذلك ما إذا أخبر الرجل بنفي شئ خارجي، وكان نفيه يستتبع سقوط حق للمقر على غيره أو يستتبع حكما شرعيا ملزما للمقر، وقد ذكرنا في ما مضى أمثلة لذلك. (المسألة الثامنة): يشترط في صحة الاقرار وفي نفوذه على الشخص المقر أن يكون ثبوت الامر الذي يقر به مما يوجب دخول نقص عليه أو شئ يضر به، كما في الامثلة الماضية، فان وجوب حق للغير على المقر أو تعلق حكم شرعي ملزم به وما يشبه ذلك: من الامور التي تكلفه وتوجب عليه الثقل أو تسبب له تضررا ماليا أو خسارة أو تحمله كلفة ومؤنة في ماله أو بدنه أو في نفسه، أو في بعض الاعتبارات المتعلقة به، أو تلقى عليه مسؤولية خاصة. ولذلك فلا ينفذ الاقرار في ما يكون فيه نفع للمقر، ولا ينفذ في ما كون مضرا بالغير، أو مثبتا للحق أو الحكم عليه، وإذا كان ثبوت الشئ المقر به مضرا بالمقر من ناحية أو مضرا بغيره من ناحية أخرى، نفذ الاقرار وثبت أثره على المقر فيجب عليه تحمل الضرر الذي يلم به، ولم ينفذ ولم يترتب اثره على الشخص الآخر فلا يجب عليه تحمل شئ، الا إذا صدق ذلك الشخص اقرار المقر وشاركه في الاعتراف بما قال، فإذا أقر الرجل بنسب الولد إليه، واعترف بانه ولد شرعي له وجب على الرجل المقر أن ينفق على الولد من ماله إذا كان الولد فقيرا محتاجا، وكان الرجل غنيا قادرا على الانفاق، ولم يجب على الولد أن ينفق على الرجل إذا انعكس الامر، فكان الولد غنيا متمكنا، وكان الرجل المقر هو المحتاج، واستحق

[ 392 ]

الولد نصيبه من الميراث إذا مات الرجل الذي اقر به قبله، ولا يرث المقر من مال الولد شيئا إذا مات الولد قبل الرجل، الا إذا صدق الولد إقرار الرجل بالنسب واعترف بأبوته، فيثبت وجوب الانفاق والتوارث من الجانبين، وسيأتي تفصيل الحكم ان شاء الله تعالى. وإذا أقر الرجل بامرأة انها زوجته شرعا لزمه الانفاق عليها، ولم يجب عليها أن تمكنه من الاستمتاع بها، واستحقت هي نصيبها من الميراث إذا مات الرجل قبلها، ولم يستحق هو شيئا من ميراثها إذا ماتت قبله، الا إذا أقرات به زوجا وصدقته في قوله فتثبت الحقوق والاحكام من الجانبين. (المسألة التاسعة): لا يشترط في صحة الاقرار بالشئ أن يكون المقر به أمرا معينا أو أمرا معلوما فيصح الاقرار به إذا كان شيئا مبهما أو مرددا غير معين، ويصح الاقرار به إذا كان مجهولا غير معلوم، فإذا قال الرجل لشخص آخر: لك عندي بعض الاشياء، أو لك عندي حاجة، أو أحتفظ لك بشيئ، صح الاقرار منه، ونفذ عليه شرعا، وألزم على الاحوط بأن يبين مراده من اللفظ الذي تكلم به، وأن يرفع الابهام واللبس عنه، فإذا هو بين المراد وكان بيانه يتطابق عند أهل العرف واللسان مع القول الذي نطق به، و يصلح لان يكون مدلولا له، ويصح أن يكون هذا المدلول مما يلتزم به مثل هذا المقر لمثل ذلك الشخص، ويكون على عهدته كما هو ظاهر قوله: (لك عندي) قبل منه تفسيره لمقصده وألزم بادائه للمقر له، وان كان ما ذكره قليلا، أو كان مما لا يعذ مالا، وإذا لم يصلح ما ذكره أن يكون تفسيرا، للفظ الذي نطق به، أو لم يصح أن يكون على عهدة مثله في منزلته ومقامه الاجتماعي لم يقبل تفسيره ولزمه أن يتخلص من تبعة اقراره بوجه صحيح من مصالحة أو نحوها.

[ 393 ]

وإذا قال للمقر له: لك في ذمتي شئ، وجب أن يكون المدلول الذي يفسره به مما يصلح أن يكون في الذمة وتشتغل به، وإذا قال: لك عندي مال، وجب ان يكون الامر الذي يفسره به مما يعد مالا عند أهل العرف وفي حكم الشرع، فلا يقبل منه إذا فسره بخمر أو خنزير أو بنحوهما مما لا مالية له في حكم الاسلام، ولا يقبل منه إذا فسره بحفنة من التراب، أو بخرقة بالية أو بحبة حنطة مما لا يعد مالا في العرف. (المسألة العاشرة): إذا قال الرجل لآخر: لك في ذمتي من واحد من الحنطة أو من واحد من الارز مثلا على نحو التردد بين الجنسين، صح اقراره بالمن المردد ونفذ عليه والزم المقر على الاحوط بأن يعين ما في ذمته منهما ويزيل الابهام عنه، وإذا هو استجاب وعين احدهما، فقال لصاحبه: الذي تملكه في ذمتي هو من الحنطة مثلا قبل تعيينه ولزمه اداؤه، وإذا دفعه إلى صاحبه المقر له ورضي به برئت ذمة المقر ظاهرا، وإذا تذكر بعد أن دفع إليه الحنطة أن ما في ذمته للمقر له هو الارز وليس هو الحنطة أعلم صاحبه بغلطه في التعيين، واسترد منه ما دفعه إليه وأعطاه الشئ الثاني، ولا تبرأ ذمته بدفع الاول الا إذا تصالحا، فجعلا ما في ذمة أحدهما عوضا عما في ذمة الآخر، أو أبرأ كل واحد منهما ذمة الثاني، واسقط حقه عنه. وإذا عين المقر احد الامرين اللذين تردد بينهما في اقراره وقال لصاحبه: ان الشيئ الذي لك في ذمتي هو من الحنطة، وانكر المقر له ذلك، ولم يرض بتعيينه وقال: لست أملك في ذمتك من الحنطة، سقط حقه ظاهرا بسبب انكاره لاقرار المقر، فلا تجوز له المطالبة به، ولم يسقط حقه واقعا، ولذلك فيجب على المقر مع الامكان أن يوصل حقه إليه، ولو بدسه في ماله في الخفاء أو يصالحه عنه.

[ 394 ]

وإذا طلب من المقر أن يعين الشيئ الذي اقر به لصاحبه من الامرين، فقال: لست أعلم به على التعيين، وصدقه صاحبه في دعوى عدم العلم، فالاحوط لهما أن يرجعا الى المصالحة بينهما، وإذا أقيمت بينة شرعية على تعيين أحد الامرين لزم العمل بها، أو رجعا إلى المصالحة إذا شاءا. (المسألة 11): إذا كان في يد الانسان شيئان معلومان من الاعيان الخارجية ولنفرض أحدهما دارا معينة والآخر بستانا معلوما، فقال صاحب اليد لشخص اخر: انك تملك أحد هذين الشيئين، اما الدار واما البستان صح اقراره بالشئ المردد بينهما وألزم على الاحوط بأن يعين مراده من الشيئ الذي اقر به، ويزيل التردد فيه كما سبق في نظيره، فإذا استجاب المقر وعين أحد الشيئين، وقال لصاحبه: الشيئ الذي تملكه منهما هي الدار مثلا، فان صدقه المقر له في تعيينه، أو رضي به من غير تصديق، صح تعيينه، ولم يرض بتعيينه، واستمر المقر على اقراره وتعيينه الاول وأصر المقر له على جحوده للتعيين، وانكاره كان ما عينه المقر وهي الدار في المثال الذي ذكرناه من مجهول المالك ظاهرا، فتولى الحكم الشرعي المحافظة عليها، أو سلمها بيد ثقة يأتمنه على حفظها حتى يتبين امرها ببينة أو غيرها ويمكن للحاكم الشرعي ان يبقيها في يد المقر إذا كان ثقة مأمونا لا تخشى خيانته فإذا يئس الحاكم من استيضاح الامر، ولم يمكنه ايقاع المصالحة بين المقر والمقر له عليها، صرفها في باب مجهول المالك. وإذا اقر الانسان لغيره بأنه يملك احد الشيئين، الدار أو البستان كما في المثال المتقدم، وجهل المقر والمقر له أي الامرين هو الذي يملكه المقر له، ولم يعلما

[ 395 ]

من ذلك شيئا، ولم يمكنهما التعيين ولا اقامة البينة، تخلصا من الاشكال بالمصالحة بينهما. (المسألة 12): يشترط في صحة الاقرار: أن يكون المقر بالغا، فلا يصح الاقرار ولا ينفذ إذا صدر من الصبي قبل أن يبلغ الحلم، وان كان اقراره باذن وليه الشرعي، وكان مميزا رشيدا، وحتى إذا اكمل السنة العاشرة من سنى عمره وكان اقراره في ما يصح منه فعله وايقاعه، وهو الوصية بالمعروف ووجوه الخيرات والمبرات على الاحوط في الاقرار الاخير. ويشترط في صحته أن يكون المقر عاقلا، فلا يصح اقرار المجنون سواء كان جنونه مطبقا أم ذا أدوار، وكان اقراره في دور جنونه، ويصح اقراره إذا وقع في دور افاقته. ويشترط في صحته أن يكون المقر قاصدا للمعنى المراد في اخباره ومختارا فيه، فلا يصح الاقرار إذا كان المقر سكران في حال اقراره أو غضبان لا قصد له لشدة غضبه، أو كان هازلا غير جاد في خبره، أو ساهيا أو غافلا ينطق بدون وعي كامل، أو كان مبرسما، والمبرسم هو من تصيبه بعض الحميات أو الامراض الحادة، فيفقد شعوره وينطق من غير قصد، ولا يصح اقراره إذا كان مكرها لا اختيار له. (المسألة 13): إذا أخبر الصبي عن نفسه بأنه قد بلغ، لم يثبت بلوغه باخباره، سواء قصد بذلك ان يرفع عن نفسه الحجر ويتسلم أمواله ويتخلص من ولاية الولي، أم أراد بذلك الاقرار على نفسه ليثبت عليه حدا شرعيا عن ذنب قد ارتكبه ويتخلص من

[ 396 ]

تأنيب الضمير، وقد سبق في المسالة السابقة ان اقرار الصبي غير نافذ ما لم يثبت بلوغه، فإذا هو ادعى البلوغ بنبات الشعر الخشن في موضع العانة من جسده، فحص عن ذلك ليعلم بالاختيار صحة قوله، وإذا ادعى البلوغ باكمال السنة الخامسة عشرة من عمره طلب منه اقامة البينة الشرعية على صحة دعواه، وإذا ادعى البلوغ بالاحتلام أشكل الحكم بثبوت دعواه بمجرد قوله مع اليمين وبغير يمين. (المسألة 14): يشترط في صحة الاقرار أن يكون المقر رشيدا غير محجور عليه، فلا يصح اقراره إذا كان سفيها، فان كان سفهه مختصا بالتصرفات المالية لم يصح اقراره إذا كان متعلقا بالمال، ويصح منه الاقرار المتعلق بغير المال من التصرفات الاخرى كما إذا أقر بطلاق زوجته أو بجناية على غيره توجب القصاص في بدنه، وكما إذا اقر على نفسه بأحد الاقرارات التي توجب الحد كالزنا والقذف وشرب الخمر. وإذا اقر السفيه المحجور عليه في المال على نفسه بالسرقة وشبهها من الامور التي تشتمل على الضمان المالي، وعلى غيره نفذ اقراره في غير جهة المال، فيقام عليه الحد الشرعي إذا أقر بالسرقة، ولا يقبل اقراره في جهة المال، وهكذا إذا اقر بخلع زوجته، فيقبل اقراره وينفذ عليه بفراق الزوجة وبينونتها منه، ولا ينفذ في الفدية، وتراجع المسألة الحادية والاربعون من كتاب الحجر من هذه الرسالة. وإذا كان سفه السفيه عاما يوجب الحجر عليه في جميع التصرفات المالية وغيرها، لم يصح اقراره في الجميع، ويلاحظ ما حررناه في مبحث الحجر على السفيه من الرسالة.

[ 397 ]

(المسألة 15): يصح الاقرار إذا صدر من المفلس المحجور عليه، ولا يكون الحجر عليه مانعا من نفوذ اقراره على نفسه، من غير فارق بين انواع الاقرارات، فإذا هو أقر بعد تحقق فلسه والحجر عليه في أمواله بان لزيد عليه دينا في ذمته سابقا على تاريخ الحجر عليه، صح منه هذا الاقرار ونفذ عليه، ونفذ على الديان الغرماء، فيكون زيد الذي أقر له بالدين شريكا معهم في الاستحقاق، ويضرب معهم في الاموال التي تعلق بها الحجر، ويأخذ من الاموال بنسبة مقدار دينه إلى مجموع الديون، وتثبت له فيها حصة من الحصص وقد ذكرنا هذا في المسألة الثانيه والستين من كتاب الحجر. وإذا اقر المفلس بعد الحجر عليه فقال: ان لزيد علي دينا حادثا قد استدنته منه بعد وقوع الحجر، صح الاقرار ونفذ عليه كذلك ولكن هذا الدائن الجديد لا يشارك الغرماء السابقين، فلا يضرب معهم في الاموال الموجودة والتي تعلق بها الحجر فيبقى دينه إلى ما بعد ارتفاع الحجر، وتلاحظ المسألة الثالثة والستون من كتاب الحجر. وإذا أقر المفلس بعد الحجر عليه ومنعه من التصرف في امواله الموجودة، فقال: ان هذه العين الخاصة من الاموال الموجودة التي بيدي ليست ملكا لي بل هي مملوكة لزيد، نفذ اقراره على نفسه، ولم ينفذ على الغرماء، فإذا اتفق ان العين التي اقر بها بقيت في يده حق استوفيت ديون الغرماء، وارتفع الحجر عنه لزمه أن يدفع العين المذكورة لزيد الذي اقر له بملكها، وإذا لم تسدد الديون ولم تسقط حقوق الغرماء اشكل الحكم في العين المقر بها، ولابد فيها من مراعاة الاحتياط. (المسألة 16): إذا أقر العبد الملوك على نفسه بمال لغيره، فقال: ان لزيد في ذمتي مائة دينار

[ 398 ]

أو قال: ان هذه العين التي بيدي مملوكة لزيد، وصدقه مالكه في ما قاله، نفذ الاقرار عليه، ولزمه الوفاء به بالفعل، ولم ينتظر به إلى ما بعد العتق، وكذلك إذا اقر على نفسه بما يوجب عليه الحد أو التعزير الشرعي أو بجناية على غيره توجب القصاص من المقر في نفسه، أو في بعض أعضائه، أو توجب عليه الدية في ماله وصدقه مالكه في ما قال، فينفذ اقراره بالفعل ويؤخذ به، ولا ينتظر إلى ما بعد العتق. وإذا اقر لغيره بمال في ذمته أو بعين أو منفعة في يده، أو أقر بما يوجب عليه الحد الشرعي أو التعزير، أو القصاص أو الدية، ولم يصدقه مولاه في قوله، لم ينفذ اقراره عليه بالفعل، لانه اقرار في حق مالكه، فإذا أعتقه مولاه أو انعتق العبد بسبب اخر يوجب الانعتاق، نفذ عليه الاقرار بعد العتق، ولزم العمل بموجبه. (المسألة 17): يصح لمالك العبد ان يجعله وكيلا عنه في التجارة للمالك نفسه، وان يجعله مطلق الحرية في التصرف في ما يتعلق بهذه التجارة من البيع والشراء، والاخذ والرد والبيع نقدا وفي الذمة والشراء كذلك، حسب ما تقتضيه قوانين التجارة وقواعدها المألوفة بين الناس، فإذا وكله في التجارة على هذه الوجه، واذن له في جميع ذلك كان هذا العبد الوكيل نافذ الاقرار والتصرف في ما يتعلق بتجارته وبعمله فيها سواء اقر بثبوت حق للاخرين عليه أم بنفي حق له على الاخرين، ولا يعم اذن المالك له غير هذه التجارة، فإذا اقر بمال أو بامر يتصل بها لم ينفذ اقراره الا إذا صدقه سيده، فان هو لم يصدقه فيه لم ينفذ الاقرار بالفعل، واتبع به بعد ان يعتق أو ينعتق بسبب يوجب ذلك. ويصح لمالك العبد ان يأذن له في ان يتجر لنفسه لا للمولى، ويأذن له بجميع

[ 399 ]

التصرفات التي تتعلق بعمله ومعاملته في التجارة على نهج ما تقدم في الفرض السابق، فيجري فيه مثل تلك الاحكام، وتنفذ اقراراته التي تتعلق بتجارته بموجب هذا الاذن العام في كل ما له وما عليه، ولا يصح تصرفه ولا ينفذ اقراره في غيرها الا باذن من مولاه، وإذا لم يأذن له المولى ولم يصدقه في الاقرار اتبع به بعد العتق. (المسألة 18): يشكل الحكم بالصحة في أن يسقط المولى عن عبده المملوك له وجوب الاستئذان منه في جميع تصرفاته واقراراته التي يوقعها، أو أن يأذن له في ذلك اذنا عاما يفعل فيه ما يشاء كما يشاء، ولا يحتاج إلى الاذن من السيد في الموارد الخاصة التي تجد له ما دامت الحياة، بل الظاهر عدم صحة ذلك، فان العبد مملوك لا يقدر على شئ، وهذا حكم من احكام العبد المملوك اللازمه له، وليس حقا من حقوق المولى ولذلك فلا يصح بل لا يمكن للمولى أن يسقطه الا بالعتق فانه يرفع الموضوع. (المسألة 19): يصح اقرار المريض وان كان في مرض موته، وينفذ عليه كما ينفذ اقرار الصحيح السليم، سواء أقر لبعض وارثيه أم لشخص لا يرثه، وسواء اقر له بدين في ذمته أم بعين موجودة في يده. وإذا اقر بذلك ثم مات في مرضه، ولم يكن متهما في اقراره نفذ الاقرار منه ولزم على الوصي أو الوارث أن يدفع المال الذي أقر به ذلك الميت قبل موته من اصل تركته، وإذا كان متهما نفذ الاقرار منه كذلك ويدفع المال إلى المقر له من ثلث تركة الميت المقر، وإذا قصر ثلثه ولم يكف للوفاء بالمال المقر به لم ينفذ الاقرار في المقدار الزائد من المال على الثلث، فينفذ الاقرار في البعض ويسقط في البعض.

[ 400 ]

والمراد بالمريض المتهم هنا هو من تدل القرائن على أنه يريد تخصيص الشخص الذي اقر له بالمال الذي اقر به أو يريد ان يحرم الورثة الآخرين منه. (المسألة 20): يشترط في صحة الاقرار بالمال أن يكون المقر له ممن له قابلية تملك المال أو الاختصاص به كالانسان مثلا، فانه ممن ثبتت له هذه القابلية، سواء كان كبيرا أم صغيرا، وذكرا أم انثى، وعاقلا أم مجنونا، ولذلك فيصح الاقرار للانسان بجميع الاقسام المذكورة، سواء كان المقر واحدا أم متعددا، ومثال ذلك أن يقول المقر: يملك زيد في ذمتي عشرين دينارا مثلا، أو يقول: يملك زيد وعمرو في ذمتي عشرين دينارا، أو لهما عندي هذا المبلغ، أو يقول: يملك أولاد عبد الله الثلاثة أو الاربعة هذه الدار التي بيدي، أو هذا البستان، أو لهم عندي مبلغ مائة دينار. ويصح ان يقر الرجل لعنوان عام ينطبق على كثير من الافراد، فيقول: للفقراء عندي أو في ذمتي الف دينار، أو يقول: عندي للفقراء من بني هاشم أو للفقراء من اهل هذا البلد مبلغ كذا من المال. وإذا اقر الرجل بالمال لعنوان كثير الافراد أو قليلها، فعليه ان يعين ان المال المقر به لافراد هذا النوع أو هذا الصنف كلهم على وجه الاستيعاب لكل فرد فرد منهم، أو هو لهم على نحو التقسيم فيهم، ولو على بعضهم. ويصح للرجل ان يقر بالمال لمسجد أو لمشهد أو لمدرسة أو مقبرة أو رباط معينة أو غير معينة، فان المال قد يكون منذورا لينفق في هذه الجهات، وقد يكون من غلة ارض موقوفة عليها، أو من مال اوصى به الموصي لينفق فيها ولذلك، فيصح الاقرار به، وينفذ على المقر، وعليه أن يفي بما اقر به ويقوم بادائه حسب ما يعين في اقراره.

[ 401 ]

(المسألة 21): لا يصح الاقرار بالمال لبهيمة من البهائم أو لحيوان من الحيوانات، فانها غير قابلة لتملك المال أو الاختصاص به فيكون الاقرار لها بالمال باطلا، الا في موارد نادرة يمكن تصورها وقد لا يتفق وجودها ومثال ذلك أن يكون المال منذورا أو موصى به لعلف خيل المجاهدين، أو لانعام الصدقات وما أشبه ذلك، فيمكن أن يحصل الاختصاص بها في هذه الموارد ويصح الاقرار لها. ولا يصح الاقرار لشخص بشئ لا يثبت له تملكه في الاسلام، ومثال ذلك ان يقر الرجل لرجل مسلم بخمر أو خنزير. (المسألة 22): إذا أقر الرجل على نفسه بحق من الحقوق اللازمة غير المالية كحق القصاص في النفس، أو باحدى الجنايات التي توجب القصاص في الطرف، أو الضمان للدية أو الارش، فالمقر له هو الانسان الذي يثبت له ذلك الحق، والحق نوع من الملك فلا يثبت لغير الانسان، وإذا أقر على نفسه بما يوجب الضمان لبهيمة قد غصبها أو أتلفها أو أحدث فيها عيبا، أو نقصا أو كسرا، فالمقر له هو مالك البهيمة. (المسألة 23): إذا اقر الانسان لعبد مملوك بمال يملكه العبد في ذمة المقر أو يعين في يده فالمقر له هو العبد نفسه، والاحوط له أن يستأذن من مالك العبد في دفع المال إليه وإذا أقر بجناية جناها على العبد فالمقر له هو مالك العبد، فلا يكفي أن يرضي العبد أو أن يسقط العبد حقه من الجناية ما لم يرض المالك أو يسقط حقه. (المسألة 24): لا يعتبر في صحة الاقرار من الانسان أن يكون المقر له شخصا معينا غير

[ 402 ]

مردد في الاقرار، ولا ان يكون فردا معلوما غير مجهول، فإذا قال الرجل: هذه الارض التي بيدي مملوكة اما لزيد أو لعمرو قبل منه اقراره، ثم ألزم بأن يعين المالك الحقيقي للارض من الرجلين اللذين اقر لهما، فإذا عينه وقال: مالك الارض المذكورة هو زيد، وصدقه الشخص الآخر وهو عمرو في تعيينه أو رضي بقوله ولم ينازع، قبل منه الاقرار والتعين، وعليه أن يدفع الارض لزيد، وإذا أنكر عمرو تعيين المقر، ولم يقبل به وقعت المخاصمة بين المقر وهو المدعي وبين عمرو وهو المنكر. وكذلك إذا قل الرجل: الدار التي بيدي لرجل من أهل هذه القرية أو لرجل من بنى هاشم، فيقبل منه الاقرار ويلزم شرعا بأن يعين الرجل المقصود من أهل القرية أو من بني هاشم، فإذا عينه قبل تعيينه، ودفعت الدار المقر بها إليه، وإذا ألزم بتعيين الرجل الذي يملك الدار، فقال: لست اعلم به حتى أعينه لم يلزم بذلك، وإذا ادعى عليه أحد الطرفين أو احد الاطراف الذين اقر لهم بانه يعرف شخص المالك الحقيقي للدار، وانكر المقر معرفته على الخصوص أحلف على عدم العلم، وسقط عند الالزام. (المسألة 25): إذا اقر الانسان لاحد بحق لازم من الحقوق المالية أو غيرها فقال: ان سعدا يملك على حق الشفعة في الحصة التي اشتريتها من شريكه، أو قال انه يملك حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه ولما سمع المقر له وهو سعد قوله جحد ذلك وقال: ليس لي هذا الحق عندك، أو قال: لست املك حقا اطالبك به، برئت ذمة المقر من ذلك الحق الذي اعترف به. وإذا اقر للغير بالمال أو بدين في ذمته فقال: يملك ابراهيم في ذمتي مائة دينار

[ 403 ]

ولما سمع المقر له أنكر أن الرجل مدين له بالمبلغ الذي ذكره، أو قال: ليس لي في ذمة هذا الرجل شئ، أو قال: ليس لي عنده قليل ولا كثير، برئت ذمة المقر ظاهرا من هذا الدين، فلا يحق للمقر له أن يطالب المقر بالدين بعد انكاره، ولم تبرأ ذمته إذا كان مدينا له في الواقع، فيجب عليه ان يوصل الدين إليه ولو من حيث لا يعلم أو يصالحه عنه. وإذا رجع المقر له عن انكار الدين، فقال: فحصت دفاتري فلم أجد ذكرا للدين، ولذلك انكرته، ثم وجدته في دفتر مخصوص، جازت له المطالبة به وأخذه من المقر إذا دفع المال إليه، وهذا إذا كان المقر بالدين لا يزال مقرا به، وإذا رجع عن اقراره الاول اشكل الحكم بوجوب الدفع إليه في هذه الصورة. (المسألة 26): إذا أقر انسان لغيره بعين موجودة في يده، فقال: ان هذا المتاع أو هذا الجهاز أو هذه الدار التي بيدي مملوكة لابراهيم ولما سمع المقر له بذلك انكر قوله وقال ان الرجل مخطئ وليست العين التى ذكرها مملوكة لي، اصبحت العين المقر بها مجهولة المالك بحسب ظاهر الحال، فيستولي عليها الحاكم الشرعي، أو من يعتمد عليه، لتحفظ عنده حتى يتبين امرها ويعلم مالكها، ويجوز للحاكم ابقاؤها في يد المقر نفسه إذا اطمأن على حفظها مع بقائها في يده، وتراجع المسألة الحادية عشرة فقد بينا فيها بقية متعلقات المسألة واحكامها. وإذا رجع المقر له وهو ابراهيم عن انكاره لتملك العين واعترف بها جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة، في فرض الاقرار بالدين إذا أنكره المقر له، ثم رجع بعد ذلك عن انكاره، فليلاحظ ليطبق هنا.

[ 404 ]

(المسألة 27): إذا أقر شخص لغيره بدين عليه، أو بمال في يده، فقال: ان سعدا يملك الدين أو المال، وذكر في اقراره ان مقدار ذلك الدين، أو المال الذي يملكه الرجل المقر له عنده، مردد بين ان يكون مائة دينار فقط وان يكون مائة وخمسين دينارا، وهو لا يدري بمقداره على التعيين، اجزأ المقر أن يدفع له أقل الامرين، وهو المائة دينار ولم يجب عليه دفع الزائد. (المسألة 28): إذا أقر الشخص لغيره، بدين مؤجل إلى أجل مسمى ثبت للمقر له ذلك الدين إلى ذلك الاجل المعين، فلا يحق له أن يطالب المقر بالدين قبل حضور ذلك الوقت وإذا أقر له بدين مؤجل وقال في اقراره: ان الدين الذي يملكه الرجل في ذمتي مؤجل اما إلى شهر واحد واما إلى شهرين، ولست أعلم بمقدار الاجل على وجه التعيين، ثبت الدين للرجل المقر له إلى الاجل الابعد منهما، فلا تحق له المطالبة بالدين قبل ذلك، وكذلك إذا أقر له بدين، وتردد في امر الدين بين ان يكون حالا في الوقت، وأن يكون مؤجلا إلى شهر مثلا، فيوخذ باقراره ويثبت الدين للمقر له مؤجلا ولا تجوز له المطالبة بالدين قبل حلول الاجل الذي ذكره.

[ 405 ]

[ الفصل الثاني ] [ في بعض ما يلحق بالاقرار ويتبعه. ] (المسألة 29): إذا اقر الرجل لاحد بانه يملك في ذمته مبلغا معينا من النقود، واطلق قوله ولم يعين نقدا خاصا، فالمراد به النقد الموجود في بلد المقر، سواء كان النقد الموجود فيه من الذهب أم من الفضة أم من غيرهما، وسواء كان خالصا في جنسه أم مخلوطا من جنسين أو اكثر، وكذلك إذا أقر له بمبلغ من العملة الورقية، واطلق القول ولم يعين عملة خاصة منها، فيكون المراد من اقراره العملة الدارجة في بلد المقر من أي فئة كانت، فإذا قال الرجل: يملك عبد الله في ذمتي مائة دينار، فالمراد هو الدينار الموجود في بلد الرجل المقر، فإذا كان من أهل العراق مثلا كان مضمون اقراره انه مدين لعبد الله بمائة دينار من العملة الموجودة في العراق ويجزيه أن يوديها للمقر له من أي الفئات الموجودة في البلد، فله ان يفي دينه من الفئة ذات الدينار الواحد أو الخمسة دنانير أو العشرة أو الاكثر أو الاقل، بل ويجوز له ان يدفع الدين من الفئة ذات النصف دينار أو الربع الموجودة في البلد. وهذا إذا كان الحق الذي اقر به أمرا كليا كالدين وثمن المبيع وما يشبه ذلك: وإذا كان المال المقر به وديعة، فلابد من أن يدفع العين المودعة بذاتها إذا كانت موجودة في يده. وإذا اقر له بالمبلغ، وكان في بلد المقر نوعان من النقد الذي اقر به، فالمراد

[ 406 ]

في اقراره هو النقد الغالب في المعاملات الجارية بين الناس من اهل البلد ولا يجزيه أن يدفع الحق من النقد غير الغالب، ولا يحق للمقر له أن يطالب المقر به الا إذا اتفق الجانبان على الاكتفاء به، وإذا اقر له بالحق وعين في اقراره، نقدا خاصا لزمه ان يدفع للمقر له ذلك النقد الذي عينه، وان كان من غير الغالب أو من نقد غير البلد. وإذا وجد في البلد نقدان مختلفان وهما متساويان في معاملة الناس بهما ولا غلبة لاحدهما على الثاني رجع إلى المقر نفسه في تعيين النقد الذي اراده في اقراره. (المسألة 30): إذا أقر الانسان لاحد بحق، وكان الحق الذي أقر به مما يوزن أو يكال، فان عين في اقراره وزنا أو كيلا خاصا ثبت ما عينه، ولزم العمل به، وان لم يكن متعارفا في البلد، وإذا اطلق اقراره بالحق ولم يعين شيئا فالمراد الوزن والكيل الموجودان في بلد المقر، ويجري فيه التفصيل الذي تقدم في النقد، وتلاحظ المسألة السابقة. (المسألة 31): إذا اقر احد لغيره بشيئ وذكر ان الشيئ مودع في ظرف، ثبت اقراره بالشيئ المظروف وحده ولا يكون اخباره به اقرارا بالظرف معه، فإذا قال: عندي لسعيد عشرة دنانير في محفظة نقود كان قوله اقرارا لسعيد بالدنانير العشرة وحدها وليس اقرارا بالمحفظة معها، وإذا قال: له عندي عشرة امنان من الحنطة في اكياس كان اخباره اقرارا بأمنان الحنطة لا بالاكياس مع الحنطة، فلا يحق لسعيد أن يطالبه بالمحفظة أو بالاكياس وما فيها، الا ان توجد قرينة تدل على ارادة الظرف مع المظروف، فيقول مثلا: لسعيد عندي عشرة دنانير مع محفظتها، أو عشرة امنان من

[ 407 ]

الحنطة مع اكياسها فيكون اقرارا بالامرين. وكذلك لا حكم في العكس، فإذا أقر الشخص لغيره بالظرف لم يكن ذلك اقرارا له بالشئ المودع فيه، ومثاله ان يقول: لسعيد عندي عشرة اكياس فيها حنطة، أو له عندي محفظة فيها نقود، فقوله اقرار لسعيد بالظروف خاصة ولا يعد اقرارا بالحنطة مع الاكياس أو بالنقود مع المحفظة، الا مع وجود قرينة ظاهرة تدل عليه فيكون اقرارا بهما، ولا اعتبار بالاحتمال. (المسألة 32): إذا أقر الرجل بشيئ ثم اقر بعده اقرارا آخر، وعطف اقراره الثاني على الاول بكلمة (بل) اتبع في اقراره ما يظهر عند أهل العرف واللسان من مجموع قوله في الاخبار عن ذلك، وله عدة صور كما سيأتي: (الصورة الاولى): أن يقر الانسان لاحد بشيئ، ثم يقر لذلك الرجل ايضا بشيئ آخر يختلف عن الشيئ الاول، ومثاله أن يقول: يملك عبد الله في ذمتي منا من الحنطة، بل يملك فيها منا من الارز، والظاهر من هذا القول في متفاهم أهل العرف: انه قد اقر لعبد الله بالاقرارين كليهما، فهو يملك في ذمة المقر من الحنطة ومن الشعير فيلزمه أن يدفع للمقر له كلا المنين، ويصح لعبد الله أن يطالبه بهما وهذا هو الاقوى الا ان تدل قرينة قوية الظهور على أن كلمة (بل) في الاقرار الثاني كانت للاضراب عن اقراره الاول، وانه قد غلط في هذا القول، أو توهم فاقر اقراره الثاني ليصحح غلطه، فيكون هذا هو الثابت. ويجري هذا في كل مورد يقول الانسان فيه مثل هذا القول، ويكون الشئ الثاني المقر به مختلفا عن الشيئ الاول في الجنس، فان اخباره كذلك يكون اقرارا بالشيئين معا، ويلزمه دفعهما إلى المقر له، الا إذا ثبت غلطه واضرابه عن الاقرار

[ 408 ]

الاول بوجه ظاهر عند اهل العرف. وكذلك إذا قال الرجل مثل هذا القول وأقر مثل هذا الاقرار بشيئين معيينين في الخارج فقال مثلا: يملك سليمان هذا الدكان الذي بيدي بل هذا الدكان، أو قال: يملك هذا المتاع بل هذا المتاع، فيجري فيه نظير الحكم المتقدم. (المسألة 33): (الصورة الثانية): ان يقر الرجل لغيره بمقدار من الجنس، ثم يقر لذلك الشخص نفسه باكثر من ذلك من المقدار من الجنس الاول، ويعطف الاقرار الثاني على الاول بكلمة (بل) فيقول مثلا: لسليمان عندي أو في ذمتي من واحد من الحنطة بل له عندي منان من الحنطة، أو يقول: له عندي خمسة دنانير بل عشرة دنانير والظاهر من هذا القول انه يقر لسليمان بالعدد الاكثر من ذلك الجنس، فهو يملك عند المقر منين من الحنطة في المثال الاول ويملك عنده عشرة دنانير في المثال الثاني، ولا يكون اقرارا بكلا لا العددين: الاقل والاكثر معا كما في الصورة الاولى. وكذلك الحكم إذا قدم العدد الاكثر في الذكر على العدد الاقل فقال: له عندي أو في ذمتي منان من الحنطة بل من واحد منها: أو قال له عندي عشرة دنانير بل خمسة دنانير فيكون قوله اقرارا بالعدد الاكثر في المثالين ولا يكون اقرارا بثلاثة امنان من الحنطة أو بخمسة عشر دينارا، وأوضح من ذلك في الظهور أن يقر كذلك في عين خارجية فيقول: له هذه الغرفة من الدار بل له الدار كلها. (المسألة 34): (الصورة الثالثة): ان يقر لاحد بشيئ معين موجوده في الخارج يكون في يد المقر، ثم يقر بذلك الشيئ المعين نفسه لشخص آخر غير الاول فيقول مثلا: هذه الدار التي بيدي مملوكة لزيد بل هي مملوكة لعمرو، والظاهر أن ما قاله المخبر في

[ 409 ]

هذه الصورة يحتوي على اقرارين لازمين له، ولذلك فيلزمه أن يدفع الدار المعينة نفسها للشخص الذى أقر له أولا وهو زيد، وان يدفع قيمة الدار للشخص الثاني وهو عمرو، وإذا كانت العين التي أقر بها للرجلين من المثليات كما إذا قال: هذه الامنان من الحنطة مملوكة لزيد، بل هي مملوكة لعمرو، لزمة ان يدفع العين ذاتها و هي أمنان الحنطة التي وقع عليها الاقرار لزيد المقر له اولا، وأن يدفع مثلها لعمرو وإذا كان الشيئ الذي أقر به للرجلين من الامور الكلية، كما إذا قال: يملك زيد في ذمتي مائة دينار، بل يملك المائة في ذمتي عمرو، لزمه أن يدفع لكل واحد من الرجلين مائة دينار عما في ذمته فلا يكون احدهما اصلا والثاني بدلا عنه. (المسألة 35): إذا أقر الرجل للشخصين اللذين ذكرهما على الوجه المتقدم في المسألة السابقة بأحد تلك الاقرارات أو بما يماثلها، وأنكر احد الشخصين المقر لهما قول الرجل المقر وجحد أن يكون له حق أو ملك في العين أو الدين الذي أقر به، سقط حق هذا المنكر، وبرئت ذمة المقر منه ظاهرا، فلا يحق لهذا الشخص ان يطالب بالحق بعد انكاره وعلى المقر أن يدفع العين أو الدين المقر بهما للشخص الآخر. (المسألة 36): إذا أقر الانسان لغيره بشيئ وتم اخباره به، ودل ظاهر كلامه على الاقرار بالشيئ عند أهل اللسان والعرف، ثبت اقراره شرعا ولزمته أحكامه وآثاره، فإذا عقب على قوله المتقدم بقول آخر ينافي قوله الاول بظاهره ويبطله لم يقبل القول الثاني ولم يؤثر على اقراره شيئا الا ان تكون دلالة الثاني على المعنى أقوى وأتم بحيث يزول بالثاني ظهور الكلام الاول في متفاهم أهل اللسان، وفي محاوراتهم العرفية، ويعدونه قرينة معتبرة على ان المراد خلاف ذلك الظاهر.

[ 410 ]

ومن الامثلة المعروفة للمسألة بين الفقهاء أن يقول الرجل: ان لزيد عندي وديعة من المال، ثم يقول بعده: وقد تلفت الوديعة في يدي، فيثبت بهذا القول اقرار الرجل لزيد بالوديعة، ولا يبطل هذا الاقرار باخبار الرجل بان الوديعة قد تلفت، فان قوله له عندي وديعة نام الدلالة والظهور في أن الوديعة عنده، ولم تزل، ولو انها تلفت لم تكن عنده، فيؤخذ باقراره، ويلزم بدفع الوديعة لزيد أو يثبت تلفها بحجة شرعية مقبولة. ولو انه قال: كانت لزيد عندي وديعة، ثم فال وقد تلفت الوديعة في يدي صح قوله الثاني وقوله الاول، ولم يكن تناف بين القولين، وكان قوله يشتمل على اقرار منه بالوديعة ودعوى منه بتلفها، فيثبت اقراره ويؤخذ به، وعلى المقر والمقر له إذا أحبا أن يرجعا إلى الحاكم الشرعي ليفصل بينهما دعوى تلف الوديعة أو يرجعا إلى المصالحة بينهما. ومن الامثلة المعروفة للمسألة، ان يقول الرجل: يملك فلان عندي عشرة دنانير، ثم يقول: لا بل تسعة، فلا يقبل منه قوله الثاني بالنفي ويلزم باقراره الاول بالعشرة، ومن امثلة ذلك ايضا أن يقول: يملك فلان عندي مائة دينار، ثم يقول: و هي ثمن خمر أو ثمن خنزير أو من لعب قمار، فيثبت اقراره بالمال، ويلزم بدفعه لمن اقر له، ولا يسمع منه قوله الثاني. (المسألة 37): الاستثناء في اللغة العربية احد مقومات الدلالة على المراد في الجملة التي يقع فيها الاستثناء، ولذلك فلا يتم ظهور الجملة في المعنى المراد منها الا به وليس هو من تعقيب الكلام بكلام آخر ينافيه ويبطل ظهوره، كما في الامثلة التي ذكرناها وتعرضنا لبيان حكمها في المسألة الماضية، ومن القواعد المعروفة بين

[ 411 ]

أهل العربية ان الاستثناء إذا وقع من كلام مثبت يكون نفيا للمستثنى، وإذا وقع من كلام منفي يكون اثباتا للمستثنى، وكل هذا واضح لا يشك فيه احد من أهل اللغة ويجري عليه حتى العامة من أهل العرف العربي الدارج، فإذا قال القائل منهم: زارني اهل القرية الا موسى، عرف الجميع من قوله ان اهل القرية، كلهم قد جاؤوا الى زيارته وان موسى وحده لم يزره، وإذا قال: لم يدخل المسجد احد في هذا اليوم الا عبد الله، فهموا من خبره ان الجميع لم يدخلوا المسجد في ذلك اليوم، وقد دخله عبد الله وحده. وعلى مجرى هذه الامور الواضحة فإذا قال الرجل: يملك زيد في ذمتي مائة دينار الا خمسة دنانير فقد اقر في قوله هذا بان لزيد في ذمته خمسة وتسعين دينارا فله الحق في ان يطالب المقر بهذا المبلغ، ولا يحق له أن يطالبه بالخمسة دنانير التي تكمل بها المائة دينار، الا إذا ثبت استحقاقه اياها بحجة شرعية. وإذا قال: ليس لزيد عندي حق الا عشرة دنانير، فقد اقر لزيد بأن له عنده عشرة دنانير، فله أن يطالبه بها ويأخذها منه، ولا يحق له أن يطالب باكثر من العشرة ولا بغيره من الحقوق الا أن يثبته بوجه شرعي، وإذا قال: ليس لي في ذمة زيد سوى مائة دينار، فقد اقر لزيد بان المقر لا يستحق في ذمته غير المائة، فلا يجوز له أن يطالب زيدا باكثر منها، وهو يدعي في ضمن اقراره بان له في ذمة زيد مائة دينار فعليه أن يثبت صحة دعواه بها إذا اراد ذلك. وإذا قال: لي عند زيد مائة دينار الا عشرة دنانير، فقد ادعى أنه يستحق عند زيد تسعين دينارا، واقر لزيد في ضمن ادعائه عليه بان المقر لا يستحق عنده العشرة التي تكمل بها المائة فيؤخذ بما اقر، ويحتاج في تصحيح دعواه إلى الاثبات.

[ 412 ]

(المسألة 38): يدخل الاستثناء في الاعيان الخارجية وفي الاجزاء من الاشياء المركبة الموجودة في الخارج كما يدخل في الاعداد من المعدودات، فإذا قال الرجل: يملك ابراهيم هذه الدار التي بيدي الا الحجرة التي تقع على يمين الداخل من باب الدار، أو الا الموضع الذي اعد لاستقبال الضيوف من الرجال فقد اقر لابراهيم بانه يملك جميع الدار التي ذكرها عدى ما استثناه من أجزائها وإذا قال: يملك ابراهيم جميع ما في هذه الدار من اثاث وامتعة وحوائج الا الفراش الذي اغلقت عليه الحجرة الخارجية المعينة فقد اقر له بجميع ما تحتويه الدار من الاعيان الموجودة فيها غير الفراش الذي ذكره، وهكذا. ويجرى في هذاه الاستثناء ان نظير ما سلف في المسألة المتقدمة من الامثلة والصور المتعلقة بالمقر نفسه أو بالمقر له في كل من النفي والاثبات.

[ 413 ]

[ الفصل الثالث ] [ في الاقرار بالنسب أو بالميراث ] (المسألة 39): إذا اقر الرجل بطفل صغير أو بصبي لم يبلغ الحلم، فقال: هذا الصبي ولد شرعي لي، أو قال: انه صحيح الولادة مني، أو قال: قد ولدته أمه مني، أو على فراشي وكان اقراره جامعا للشرائط التي تعتبر في صحة الاقرار، ثبت النسب بين الرجل المقر والصبى المقر به، وقد سبق منا ذكر الامور التي يشترط وجودها في المقر بالنسب وغيره، ويشترط في صحة الاقرار بالنسب مضافا إلى ذلك: (1): أن تكون ولادة الصبي المقر من الانسان المقر ممكنة غير ممتنعة بحسب العادة المألوفة في تولد الانسان من الانسان، (2): أن يكون لحوق هذا الوليد بنسب المقر صحيحا غير ممنوع في حكم الاسلام، (3): ان لا يكون للمقر منازع في دعوى النسب بالصبي. فإذا توفرت هذه الشروط صح الاقرار وثبت النسب بين الرجل والصبي باصوله وفروعه، فيكون الرجل المقر ابا شرعيا للصبي، ويكون أبو المقر جدا للصبي، وام المقر جدة له، وأولاد المقر اخوة له واخوات، واخوان المقر اعماما وعمات، وتكون اولاد الصبي المقر به إذا كبر وتزوج واعقب أحفادا للمقر واسباطا، وهكذا في جميع الفروع، وثبتت احكام النسب بين جميع اولئك في النكاح وجواز النظر للمحارم، وفي الولايات والنفقات والمواريث وغيرها من

[ 414 ]

اللوازم والآثار التي تكون للنسب، حتى في الوقف على الذرية والاقارب، والوصية لهم، ولا فرق في الحكم المذكور بين الطفل الصغير كما قلنا والصبي المراهق للبلوغ، ولا بين المميز وغيره، ولا بين الصبي والصبية. (المسألة 40): يشترط في لحوق الصبي غير البالغ بنسب الانسان الذي اقر به كما ذكرنا في المسألة المتقدمة أن تتوفر أمور ثلاثة عرضناها بنحو الاختصار، ولابد من ذكرها بوجه اكثر بسطا وتوضيحا: الامر الاول: ان يكون تولد الصبي من ذلك الشخص الذي اقر به ممكنا بحسب العادة المعروفة في ولادة الانسان، فلا يصح اقرار المقر ولا يثبت به نسب الصبي إليه إذا كانت ولادة الصبي منه مما يمتنع بحسب هذه العادة الجارية، ومثال ذلك: أن يكون المقر في وقت انعقاد نطفة الصبي في بطن امه غير بالغ الحلم، وان بلغ في وقت ولادة الطفل أو في وقت اقراره به، كما إذا تأخر زمان الاقرار عن وقت الولادة مدة، فيكون تولده منه ممتنعا وعادة لا يمكن الحاقه به في النسب. ومن أمثلة ذلك ان يكون المقر غائبا عن المرأة وقت انعقاد الجنين في بطنها، أو يكون مريضا شديد المرض، أو سجينا فلا يستطيع الوصول إليها ومقاربتها لتحمل منه، بالصبي أو يكون تاركا لمقاربة المرأة لسبب آخر. الامر الثاني: أن يكون الحاق الصبي بنسب الرجل المقر صحيحا في حكم الشريعة الاسلامية، فلا يصح اقرار الرجل به ولا يثبت بالاقرار نسب الطفل إليه إذا كان الطفل ملحقا في الشريعة بنسب شخص آخر لوطي شبهة مثلا، أو كان الحاقه بنسب المقر ممنوعا، ومثال ذلك: ان تحرم المرأة على الرجل لرضاع، أو لعان، أو لسبب آخر من موجبات التحريم، فلا يصح الالحاق ولا يصح الاقرار بالصبي.

[ 415 ]

الامر الثالث: ان لا يكون للرجل المقر بالطفل منازع في نسبه، ومثال ذلك أن يدعي شخص آخر نسب الطفل إليه أيضا فيقر به كما اقر به الاول، أو يدعي هذا الشخص الآخر عدم صحة نسب الاول وكذبه في اقراره، فيكون المورد من التنازع بين الرجلين، فلا يسمع اقرار المقر، ويلزم الرجوع إلى الحاكم الشرعي ليحل الخصام ويفصل النزاع. ولا يشترط في صحة الاقرار بالصبي وثبوت نسبه به ان يصدق الصبي قول المقر وان كان مميزا أو مراهقا ولا يشترط كذلك ان يصدقه ويعترف بأبوته بعد البلوغ، وإذا اقر الرجل بالصبي وتمت الشروط المذكورة وثبت النسب بينهما بموجب ذلك، ثم انكر الصبي النسب بعد ان بلغ الحلم لم يسمع منه انكاره. (المسألة 41): إذا اقر الرجل بنسب ولد كبير قد بلغ الحلم أو تجاوز البلوغ، ولم يكن قد اقر به في طفولته على الوجه المتقدم، فقال عن الولد الكبير: هذا ولد شرعي لي، أو قال: هو صحيح النسب لي أو قال ولدت هذا امه على فراشي، وقد اجتمعت في اقراره به جميع الشروط التي ذكرناها لم يلحق الولد بنسب المقر حتى يصدقه الولد ويقر بنسبه إليه ويعترف بأبوته، فإذا اقر الطرفان كذلك مع اجتماع الشرائط المتقدمة فيهما يثبت النسب بينهما وثبتت احكامه وآثاره لهما ولجميع اصول النسب وفروعه على النهج الذي فصلناه في الولد الصغير. وكذلك إذا ابتدأ الولد فأقر بنسبه للرجل، وقال: انه ابي الشرعي وقد ولدتني امى على فراشه، وصدق الرجل اقراره، واعترف به على الوجه السابق بيانه واجتمعت الشروط في الجانبين، فيثبت النسب، ويعم وتترتب اللوازم والاحكام لهما، ولجميع أصول النسب وفروعه.

[ 416 ]

(المسألة 42): إذا اقر الرجل بالولد الكبير ولم يصدقه الولد، أو اقر الولد بالنسب ولم يصدقه الرجل، نفذ الاقرار على المقر خاصة، ولم ينفذ على الثاني الذي لم يقر ولم ثبت النسب بينهما، ولا بين طبقات النسب الاخرين ولم تترتب احكامه عليهم ولزمت المقر أحكام اقراره التي تكون عليه من حرمة نكاح، ووجوب نفقة وميراث وغيرها، ولم تترتب عليه الاحكام الاخرى التي تكون للمقر، ولا الاحكام التي تكون على الطرف الثاني. (المسألة 43): إذا مات الصبي وهو مجهول النسب، ثم اقر الرجل بعد موت الصبي بانه ولد شرعي له، وكان اقرار الرجل به جامعا للشرائط التي بيناها آنفا نفذ اقراره بالطفل بعد موته، كما ينفذ في حياته وثبت به نسبه إليه، وترتب الممكن من أحكام النسب بينهما فتجب على الرجل نفقة تجهيزه ودفنه، وإذا كان للطفل ما ورث منه نصيبه لانه أبوه شرعا. (المسألة 44): لا يثبت النسب بالاقرار في غير الولد الصغير أو الكبير، إذا جرى على الوجه الذي سبق بيانه، فإذا اقر الرجل لصبي أو شاب انه ولد ولده أو انه أخوه في النسب لم يثبت بذلك نسبه له، وانما تترتب على قوله أحكام الاقرار فيؤخذ الرجل باحكام هذا الاقرار ولوازمه في ما يكون على المقر من هذه الاحكام واللوازم لا في ما يكون له، ولا في ما يكون على غير المقر، فإذا قال الرجل هذا الصبي أو هذا الشاب ولد ولدي نفذ هذا الاقرار على الرجل، فتجب عليه بها إذا كانت أنثى، ويرثه الولد إذا

[ 417 ]

مات هو ولا وارث له سوى الولد. وإذا اقر بولد الولد وكان بالغا وصدقه ولد الولد في قوله نفذ الاقرار في حقهما معا، فيرث احدهما من الآخر إذا مات قبله، لم يكن له وارث اقرب منه، وتجب نفقة الفقير منهما على الآخر إذا كان قادرا ولا منفق اقرب منه، وهكذا في بقية لوازم الاقرار، ولا يثبت به النسب ولا يقع به التوارث بين غيرهما من الاقارب. وكذلك الحكم إذا اقر الرجل بشخص انه اخوه أو عمه أو قريبه في النسب فينفذ اقراره عليه خاصة، وتلزمه احكام الاقرار التي تكون عليه لا على الآخرين وإذا صدقه الثاني في قوله نفذت عليهما أحكام الاقرار، ولا تنفذ على غيرهما لا في (المسألة 45): إذا اقر الانسان بشخص انه أخوه في النسب أو ابن اخيه أو قريبه وصدقه الشخص المقر به، واعترف بالقرابة التي ذكرها، نفذ الاقرار عليهما كما تقدم وورث احدهما صاحبه إذا مات قبله، ولم يكن له وارث آخر سواه، وإذا مات أحدهما وله واث أخر غير المقر ففي ثبوت التوارث بينهما اشكال، ولا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة، وكذلك الاشكال إذا اقر الرجل بأخ أو ابن أخ أو عم أو قريب في النسب ثم نفاه بعد الاقرار به، فلا يترك الاحتياط المذكور. (المسألة 46): يثبت النسب بين الشخصين المشكوك نسب احدهما إلى الآخر بشهادة رجلين عادلين لهما بولادة احدهما من الآخر، أو بولادتهما من شخص ثالث بغير واسطة أو بواسطة واحدة أو باكثر مع وجود القرابة بينهما عرفا، سواء كان باقرار

[ 418 ]

الرجل بالولد على الوجه الذي تقدم بيانه في المسائل الماضية من هذا الفصل، ولا يثبت النسب بغير ذلك، واثر ثبوت النسب بالوجهين المذكورين أن تجرى جميع احكام النسب بين الشخصين أحدهما مع الثاني وبين كل واحد منهما مع اقرباء الثاني وبين اقربائهما بعضهم مع بعض ممن يتصل بهما في نسبه، فتجري جميع احكام النسب بين هؤلاء كافة في النكاح وجواز اللمس والنظر إلى المحارم (المسألة 47): إذا مات رجل وله ولدان معلومان ولا وارث له غيرهما ظاهرا، فاقر الولدان كلاهما بولد ثالث للميت غيرهما، وقالا: هذا أخ ثالث لنا وهو شريكنا في الميراث من أبينا، نفذ الاقرار عليهما وقسمت تركة الميت بينهم أثلاثا واخذ كل واحد منهم ثلثا، وان لم يعرفه احد من الاقرباء الاخرين. وإذا اقر به احد الولدين المعلومين للميت وانكره الثاني نفذ اقرار المقر منهما على نفسه فيقسم المال نصفين ويأخذ الولد الذي انكر اخاه، ولم يعترف به نصف المال تاما، ويأخذ الثاني الذي أقر به الثلث، ويدفع الباقي من المال وهو السدس إلى الثالث، وهو الذي اعترف به احد الاخوين وانكره الآخر. (المسألة 48): إذا مات الرجل وترك بعده وارثا واحدا معلوما، فهو الذي يستحق الميراث كله في ظاهر الامر، فاقر هذا الوارث بوارث اخر أولى منه بميراث الميت، لزمه الاقرار ووجب عليه أن يدفع التركة كلها للوارث الذي اقر به، ومثال ذلك أن يترك الميت بعده اخا لا غيره، ويقر هذا الاخ الوارث ظاهرا بولد للميت أو بولد ولد فيقول: هذا ولد أخي أو ولد ولده، وهو أولى بميراث ابيه مني، فيؤخذ باقراره

[ 419 ]

وعليه أن يدفع الميراث كله للوارث الذي اقر به، لانه أولى به كما قال. وإذا اقر الوارث الواحد بوارث اخر يساويه في الاستحقاق، وفي مقدار النصيب، فعليه ان يقتسم تركة الميت معه بالمساواة، ومثال ذلك: ان يقر اخو الميت في المثال السابق باخ ثان له وللميت، فإذا كان الميت قد ترك مأة دينار اقتسمها اخوه الاول الوارث مع الثاني الذي اقر به، فلكل واحد منهما خمسون دينارا، وإذا اقر بأخت له وللميت اقتسم التركة معها بالمثالثة، فدفع لها ثلثا واخذ ثلثين. (المسألة 49): إذا كان الوارث الوحيد ظاهرا هو عم الميت مثلا، ولما دفعت إليه تركة الميت قال هذا زيد وهو أخو الميت فهو ادنى قرابة للميت وأولى مني بميراثه، ثم قال هذا خالد وهو ولد الميت أو هو ولد ولده، وهو اولى بميراثه مني ومن اخيه، أخذ العم بالاقرارين كليهما فعليه أن يدفع التركة نفسها لزيد اخي الميت بسبب اقراره الاول، ويدفع لخالد ابن الميت مثل التركة، إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية بسبب اقراره الثاني. وإذا كان زيد اخو الميت قد صدق العم في اقراره بالولد دفع المال إلى الولد ولا شيئ لزيد على العم بسبب اقراره الاول له. وإذا دفعت تركة الميت لعمه في المثال الذي ذكرناه لانه وارثه الوحيد ظاهرا، فاقر العم بزيد اخي الميت، وقال: هو اولى مني بالارث، ولما اخبر زيد بذلك قال الاخ: هذا خالد ولد الميت، فهو أولى بميراث ابيه مني ومن عمه، دفع المال إلى الولد ولا شئ على العم. (المسألة 50): إذا اقر الانسان لاحد بان له في ذمته مائة دينار مثلا اخذ باقراره، ولزمه أن

[ 420 ]

يدفع المبلغ للشخص الذي اقر له، فإذا مات المقر قبل أن يؤدي الدين وجب على ورثته أن يؤدوا الدين من اصل تركة الميت، وإذا مات الرجل فاقر جميع الورثة بأن لزيد في ذمة مورثهم مبلغا معينا من المال لزمهم ذلك، ووجب عليهم أن يودوا الدين الذي اقروا به على مورثهم من اصل تركته، فإذا بقي من التركة شئ بعد وفاء الدين اقتسموه بينهم. وإذا اقر بعض الورثة بالدين على الميت، وانكره بعضهم وجب على من أقر بالدين منهم أن يؤدي المقدار الذي يصيب حصة في الميراث من ذلك الدين، فإذا كانت تركة الميت خمس مائة دينار وكان الوارثون خمسة اولاد ذكور فنصيب كل واحد منهم من تركة ابيه مائة دينار، وإذا فرض أن مقادر الدين المقر به مائتا دينار اصاب نصيب كل واحد منهم اربعون دينارا من الدين، فعلى كل واحد ممن اقر الدين اقتسموه بينهم. وإذا اقر بعض الورثة بالدين على الميت، وانكره بعضهم وجب على من أقر بالدين منهم أن يؤدي المقدار الذي يصيب حصة في الميراث من ذلك الدين، فإذا كانت تركة الميت خمس مائة دينار وكان الوارثون خمسة اولاد ذكور فنصيب كل واحد منهم من تركة ابيه مائة دينار، وإذا فرض أن مقادر الدين المقر به مائتا دينار اصاب نصيب كل واحد منهم اربعون دينارا من الدين، فعلى كل واحد ممن اقر بالدين أن يودي هذا المقدار، ولا يتعين عليه ان يؤدي هذا من حصته الموروثة له ويجوز له أن يدفعه من مال اخر. (المسألة 51): إذا تنازع الرجلان بينهما فقال أحدهما للثاني: انك قد اقررت لي بمبلغ مائة دينار في ذمتك، أو بالحاجة المعينة التي في يدك وأنكر الثاني أن يكون اقر له بشئ مما ذكر، فالقول قول المنكر، وعليه أن يحلف للمدعي على عدم الاقرار، وكذلك إذا اختلفا في مقدار ما اقر به فقال الاول للثاني: انك أقررت لي بمائة دينار وقال الثاني: انما أقررت لك بخمسين دينارا وانكر الزيادة على ذلك، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، ما لم يثبت المدعي صحة قوله باقامة البينة على ما يدعيه. والحمد لله رب العالمين حمدا يرضاه لنفسه، ويفوق جميع حمد الحامدين من عباده ومخلوقاته، والصلاة والسلام على سيد خلقه، محمد

[ 421 ]

والمطهرين من آله، صلاة لا حد لها ولا عد، يبلغهم بها امالهم، ويقر بها اعينهم ويؤمن بها خوف الخائفين ويكشف بها ضر المضطرين، ويقرن ببركتها ويمنها لنا وللمؤمنين سعادة الدنيا والدين، ويضاعف بها لنا توفيقه ونعمته وهداه ورحمته الى منتهى اجالنا انه ارحم الراحمين الدين اقتسموه بينهم. وإذا اقر بعض الورثة بالدين على الميت، وانكره بعضهم وجب على من أقر بالدين منهم أن يؤدي المقدار الذي يصيب حصة في الميراث من ذلك الدين، فإذا كانت تركة الميت خمس مائة دينار وكان الوارثون خمسة اولاد ذكور فنصيب كل واحد منهم من تركة ابيه مائة دينار، وإذا فرض أن مقادر الدين المقر به مائتا دينار اصاب نصيب كل واحد منهم اربعون دينارا من الدين، فعلى كل واحد ممن اقر بالدين أن يودي هذا المقدار، ولا يتعين عليه ان يؤدي هذا من حصته الموروثة له ويجوز له أن يدفعه من مال اخر. (المسألة 51): إذا تنازع الرجلان بينهما فقال أحدهما للثاني: انك قد اقررت لي بمبلغ مائة دينار في ذمتك، أو بالحاجة المعينة التي في يدك وأنكر الثاني أن يكون اقر له بشئ مما ذكر، فالقول قول المنكر، وعليه أن يحلف للمدعي على عدم الاقرار، وكذلك إذا اختلفا في مقدار ما اقر به فقال الاول للثاني: انك أقررت لي بمائة دينار وقال الثاني: انما أقررت لك بخمسين دينارا وانكر الزيادة على ذلك، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، ما لم يثبت المدعي صحة قوله باقامة البينة على ما يدعيه. والحمد لله رب العالمين حمدا يرضاه لنفسه، ويفوق جميع حمد الحامدين من عباده ومخلوقاته، والصلاة والسلام على سيد خلقه، محمد

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية