الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كلمة التقوى - الشيخ محمد أمين زين الدين ج 3

كلمة التقوى

الشيخ محمد أمين زين الدين ج 3


[ 1 ]

كلمة التقوى الجزء الثالث (القسم الثاني) كتاب الحج فتاوى المرجع الديني الشيخ محمد أمين زين الدين دام ظله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها. وكان الله بكل شئ عليما.

[ 2 ]

العبادات

[ 3 ]

[ كتاب الحج ]

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأفضل صلواته وتسليماته ورحماته المباركة الدائمة على سيد خلقه محمد وآله الطيبين المطهرين المعصومين. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير. وبعد فهذا القسم الثاني من الجزء الثالث من رسالة كلمة التقوى وهو يحتوي على كتاب الحج من كتب العبادات، ومن الله سبحانه أسأل لي ولجميع اخواني في ديني ان يتم علينا نعمته، ويعمنا برحمته، وان يمدنا بهداه وتوفيقه، ويثبت أقدامنا، ويبلغنا ما نرجو من فضله وبره ورعايته وكفايته في دنيانا وآخرتنا. إنه أرحم الراحمين، وأن يستجيب لعبده المفتقر إلى فضله. محمد أمين زين الدين.

[ 6 ]

[ كتاب الحج وهذا الكتاب يحتوي على عدة فصول الفصل الاول في مقدمات لابد من ذكرها ] [ المسألة الاولى: ] الحج أحد أركان الاسلام واحدى دعائمه التي أقيم عليها بناؤه، وقد استفاضت في الدلالة على ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله ونصوص أهل بيته الطاهرين (ع). ففي الحديث عن زرارة بن أعين عن الامام أبي جعفر الباقر (ع) قال: بني الاسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. وعن أبي حمزة الثمالي عنه (ع): قال بني الاسلام على خمس دعائم: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، والولاية لنا أهل البيت، الى غير ذلك من الروايات الواردة عنهم (ع) والواردة من طرق غيرهم من جمهور المسلمين ايضا. [ المسألة الثانية: ] يجب الحج على كل مسلم من الرجال والنساء إذا اجتمعت له شروط الاستطاعة الآتي ذكرها، وقد دل على ذلك صريح الكتاب الكريم، ونصوص السنة المتواترة عن النبي العظيم صلى الله عليه وآله، وقام عليه اجماع جميع فرق المسلمين، بل وعلم ذلك بالضرورة الثابتة في الاسلام عن الرسول صلى الله عليه وآله، ولذلك فمن ينكر وجوب الحج وهو يعلم انه من الاحكام الثابتة بالضرورة في الاسلام ومن أقوال الرسول التي لا ريب فيها، يكن مكذبا للرسول في رسالته، ومحكوما بالكفر في دينه، وقد ذكرنا في المسألة المائة والرابعة عشرة من كتاب الطهارة:

[ 7 ]

أن من ينكر إحدى الضروريات في الدين يحكم عليه بالكفر إذا كان عالما بأن ذلك الامر ضروري، بحيث يعود انكاره لذلك الامر الضروري إلى انكار الرسالة العظمى نفسها. [ المسألة الثالثة: ] ذكرنا في المسألة الالف والتاسعة والثمانين من كتاب الصلاة: ان الاستخفاف بالحج إحدى الكبائر من الذنوب، والظاهر ان المراد من النص الدال على ذلك: ان من ترك الحج استخفافا به فقد ارتكب خطيئة من كبائر الخطايا، وأما من أنكر أصل وجوب الحج مستخفا به، فهو بعض مصاديق المسألة الثانية السابقة، وهو يزيد على منكر أصل الوجوب بان إنكاره إياه ناشئ عن استخفافه بالواجب أو بالامر المتعلق به من الشريعة المطهرة. [ المسألة الرابعة: ] إذا استطاع الشخص حج البيت وتوفرت فيه شروط الاستطاعة، وجب عليه وجوبا عينيا أن يحج البيت مرة واحدة، ولا يجب عليه الحج أكثر من مرة واحدة في عمره، وان كان من أهل الجدة واليسار، الا إذا أوجب الحج على نفسه أكثر من ذلك، بنذر أو بعهد أو يمين أو استئجار من الغير، أو افساد حج، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. نعم، يستحب للمسلم استحبابا مؤكدا أن يكرر حج البيت ما أمكنه التكرار، وخصوصا فيما إذا كان من أهل اليسار، وهذا هو المعنى المقصود من النصوص الكثيرة الآمرة بالحج في كل عام لاهل الجدة، وليس المراد أن الحج يجب عليهم في كل عام، ويزداد تأكد الاستحباب في أن يحج الموسر في كل خمس سنين مرة، بل في كل أربع سنين مرة.

[ 8 ]

[ المسألة الخامسة: ] لا يجوز للمسلمين أن يعطلوا البيت الحرام عن الحج إليه، حتى لا يحج إليه أحد منهم وان اتفق ذلك في سنة واحدة ونحوها، وقد ذكر في الاحاديث ان الناس إذا تركوا البيت فلم يحج إليه أحد منهم نزل عليهم العذاب ولم يناظروا، ووجوب الحج في هذه الحالة وجوب كفائي على المكلفين عامة ولا يختص بأهل الجدة من الناس بل يعم جميع المكلفين منهم من استطاع الحج ومن لم يستطع. وفي نصوص الائمة من أهل البيت (ع) انه يجب على إمام المسلمين وعلى الوالي ان يجبر الناس على الحج حتى لا يعطل البيت، فإن لم تكن لهم اموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين، وكذلك الحكم في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله إذا عطل ولو في بعض السنين فلم يزره احد. [ المسألة السادسة: ] إذا اجتمعت في المكلف شروط الاستطاعة الآتي ذكرها وجبت عليه المبادرة إلى حج البيت في العام الاول من استطاعته ولم يجز له ان يؤخر الحج عن ذلك العام، وإذا أخره عن ذلك العام لعذر أو لغير عذر وجب عليه ان يبادر إلى الاتيان به في العام الثاني، وهكذا. فإن هو خالف التكليف بالمبادرة فأخر الحج عن عامه الاول من غير عذر كان عاصيا آثما بتأخيره، وإذا كان تأخيره ناشئا عن استخفافه بأمر الحج كان مرتكبا للكبيرة، وهكذا يتكرر العصيان كلما تكررت المخالفة. [ المسألة السابعة: ] إذا تحققت للمكلف شروط الاستطاعة كما ذكرنا، وكانت للحج مقدمات يتوقف عليها ادراك الحج في وقته من سفر واعداد راحلة أو وسيلة نقل أخر وتهيئة أمور يتوقف عليها السفر إليه، وتحصيل

[ 9 ]

زاد أو مال يحصل به الزاد وغير ذلك، وجبت عليه المبادرة إلى تحصيل المقدمات بحيث يدرك الحج في وقته. وإذا توقف سفره على أن يسير مع قافلة معينة أو على أن يصحب رفاقا معينين، بحيث لا يتمكن من السفر بغير ذلك، وجب عليه الانضمام إلى القافلة المعينة، أو الاصطحاب مع اولئك الرفاق كي لا يفوته أداء الفريضة، وإذا تعددت القوافل التي يمكنه المسير معها كان مخيرا في السفر مع أيها شاء، والمدار على وجود الاطمئنان بالوصول إلى الغاية المقصودة، وهي أداء الواجب في موضعه وفي وقته، ولا يتعين عليه أن يختار أوثق القوافل في السلامة فإذا كان مطمئنا بادراك الغاية - إذا سافر مع القافلة الاخرى أو صحب الرفقة الآخرين - جاز له السفر. [ المسألة الثامنة: ] إذا توقف سفر المكلف إلى الحج على أن يسير مع قافلة مخصوصة أو أن يصحب رفقة معينين، فتأخر متعمدا عن تلك القافلة، أو عن أولئك الرفقة، وفاته الحج في ذلك العام بسبب ذلك استقر الحج في ذمته، وكان عاصيا آثما بالتأخير، سواء صحب قافلة أخرى ورفقة آخرين ولم يدرك الواجب أم لم يصحب، وإذا تعددت القوافل التي يطمئن المكلف بادراك الحج إذا هو سافر معها، فاختار واحدة من تلك القوافل وسافر معها، واتفق أن فاته الحج بسفره معها لبعض الطوارئ، استقر الحج في ذمته ولم يأثم بالتأخير في ذلك العام لعدم تقصيره. وإذا أخر السفر متعمدا إلى خروج آخر القوافل، وصدق عليه التفريط بالواجب في نظر العقلاء، وكان هذا التأخير سببا لفوات الحج منه في ذلك العام استقر الحج في ذمته وأثم بالتأخير، ويشكل الحكم في ما إذا شك أهل العرف في صدق التفريط وعدمه.

[ 10 ]

[ المسألة التاسعة: ] الحج باب من أبواب الرحمة الالهية التي فتحها الله لعباده، ومصدر من مصادر الفضل والخير التي جعلها لهم، وقد استفاضت الاحاديث الدالة على عظيم عطائه سبحانه للحاج، ومزيد لطفه به، وجزيل ثوابه له، بل تواترت وتنوعت في دلالتها على ذلك بما لا يمكن حصره ولا عده، ففي الحديث عن الامام جعفر بن محمد عليه السلام قال: كان أبي (ع) يقول: من أم هذا البيت حاجا أو معتمرا مبرءا من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه، وعن أبي عبد الله (ع) أيضا - وقد سأله رجل في المسجد الحرام، من أعظم الناس وزرا؟ - فقال (ع): من يقف بهذين الموقفين: عرفة والمزدلفة وسعى بين هذين الجبلين، ثم طاف بهذا البيت وصلى خلف مقام ابراهيم، ثم قال في نفسه وظن أن الله لم يغفر له، فهو من أعظم الناس وزرا. وعنه (ع): الحاج والمعتمر وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن شفعوا شفعهم، وإن سكتوا ابتدأهم، ويعوضون بالدرهم ألف درهم، وفي رواية أخرى ويعوضون بالدرهم ألف ألف درهم، وعنه (ع): ان الله عز وجل ليغفر للحاج، ولاهل بيت الحاج، ولعشيرة الحاج، ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع الآخر. [ المسألة العاشرة: ] ورد عن معد الاسكاف قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: ان الحاج إذا أخذ في جهازه، لم يخط خطوة في شئ من جهازه الا كتب الله (عز وجل له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، حتى يفرغ من جهازه متى ما فرغ، فإذا استقلت به راحلته لم تضع خفا ولم ترفعه الا كتب الله له مثل ذلك

[ 11 ]

حتى يقضي نسكه، فإذا قضى نسكه غفر الله له ذنوبه، وكان ذا الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول: أربعة أشهر تكتب له الحسنات، ولا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبه، فإذا مضت الاربعة أشهر خلط بالناس. وقد تكرر في الحديث: حجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق منه حتى يفنى. وعن الرسول صلى الله عليه وآله انه قال لاعرابي: لو أن ابا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به ما يبلغه الحاج. وروي عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الحجة أفضل من عتق سبعين رقبة، فقلت ما يعدل الحج شئ؟ قال: ما يعدله شئ، ولدرهم في الحج أفضل من ألفي ألف درهم في ما سواه من سبيل الله، إلى أمثال ذلك من الاحاديث الواردة عنهم عليهم السلام.

[ 12 ]

[ الفصل الثاني في شروط وجوب حج الاسلام ] [ المسألة 11: ] يشترط في وجوب الحج في الاسلام على الانسان أن تجتمع فيه عدة أمور: [ الشرط الاول: ] أن يكون بالغا، فلا يجب الحج على الصبي ولا الصبية غير البالغين، وان كانا مراهقين للبلوغ واجتمعت فيهما بقية الشروط الآتي ذكرها. وإذا حج الصبي أو حجت الصبية قبل أن يصلا إلى حد البلوغ لم يكفهما ذلك عن الحج الواجب بعده، وإن كانا مميزين، وكانت عباداتهما صحيحة شرعية بناءا على المذهب المختار، فإذا بلغا بعد ذلك وكانت بقية شروط الوجوب موجودة وجب عليهما الحج بعد البلوغ. [ المسألة 12: ] [ الشرط الثاني: ] أن يكون عاقلا، فلا يجب الحج على الشخص إذا كان مجنونا جنونا مطبقا لا يفيق منه ولا يجب الحج عليه إذا كان جنونه يعتريه أدوارا وكان دور إفاقته من الجنون لا يكفي للقيام بجميع أعمال الحج، ولتحصيل ما لم يكن موجودا من مقدمات الحج والامور التي يتوقف عليها وجوده. [ المسألة 13: ] إذا أفاق المجنون الادواري من جنونه في بعض الادوار، واستطاع في حال افاقته أن يهيئ لنفسه بعض المقدمات التي يتوقف عليها سفره للحج أو يهيئ لنفسه جميعها، فاستخرج جواز السفر

[ 13 ]

للحج مثلا، وأعد المال والرفقة، واستأجر الدابة أو السيارة أو الطائرة للسفر، وقاول المقاول الذي يعد له الامكنة والمنازل والخيام في سفره، ثم عاوده دور الجنون بعد ذلك، ثم أفاق من الجنون في فترة السفر للحج والقيام بأعماله، وكان بحيث يمكنه اتمام الحج في دور هذه الافاقة، وجب عليه الحج، وإذا أتى به كذلك صح منه. ولا يبعد الحكم بوجوب الحج عليه من أول الامر إذا علم بأنه يتمكن من الاتيان به على هذا الوجه. [ المسألة 14: ] إذا أعد الصبي لنفسه مقدمات السفر للحج قبل أن يبلغ الحلم أو أعدها له شخص آخر، وسافر قبل بلوغه ليحج، ثم تحقق له البلوغ عند وصوله إلى الميقات أو قبل وصوله إليه وتحققت له بقية شروط وجوب الحج، وجب عليه حج الاسلام وصح منه إذا أتى به على الوجه المطلوب، ويكفي في وجوب الحج عليه أن يكون مستطيعا له من ذلك الموضع، وإن لم يكن مستطيعا له من بلده. [ المسألة 15: ] الظاهر أنه يجرى نظير هذا الحكم في المجنون، فإذا سافر مع القافلة حتى وصل إلى الميقات وعوفي من الجنون في الميقات أو قبل وصول إليه، وكان مستطيعا للحج ولو من ذلك الموضع، وتوفرت له بقية شرائط الوجوب، وجب عليه الحج وصح منه إذا أتى به على الوجه المطلوب. [ المسألة 16: ] إذا سافر الصبي إلى الحج قبل بلوغه، وأحرم بالحج بنية الندب، ثم بلغ الحلم بعد احرامه وكان مستطيعا للحج وشرائط وجوب الحج فيه مجتمعة، لم يجز له أن يستمر في نيته الاولى فيتم حجه مندوبا ولم يصح له أن يعدل بنيته عن الحج المندوب إلى حج

[ 14 ]

الاسلام، بل يجب عليه أن يعود إلى أحد المواقيت الخمسة التي عينها الرسول صلى الله عليه وآله لاهل الاقطار ويجدد الاحرام فيه بنية الحج الواجب عليه، ولا يتعين عليه أن يرجع إلى ميقات أهل بلده على الخصوص، وان كان ذلك أحوط له استحبابا مع التمكن منه. وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى أحد المواقيت وجب عليه أن يرجع إلى المقدار الممكن من المسافة بينه وبين الميقات ويجدد الاحرام هناك، وإذا كان قد دخل الحرم لزمه أن يرجع إلى خارج الحرم فيحرم منه، وإذا لم يستطع رجع إلى المقدار الممكن منه وجدد الاحرام فيه، فإن لم يتمكن من جميع ذلك أحرم من الموضع الذي هو فيه بنية الحج الواجب. وكذلك الحكم في الصبية إذا اتفق لها مثل ذلك، وسنذكر إن شاء الله تعالى في فصل الوقوف بعرفات وفي فصل الوقوف بالمشعر الحرام بعض مسائل أخرى تتعلق بحج الصبي إذا أحرم بنية الحج المندوب، ثم بلغ الحلم قبل الموقفين أو قبل المشعر الحرام. [ المسألة 17: ] بلوغ الصبي والصبية إنما هو شرط في وجوب الحج عليهما، وليس شرطا في شرعيته منهما، فيشرع لهما أن يحجا البيت وأن يعتمرا إذا كانا مميزين كما تشرع لهما سائر العبادات من الصلاة والصيام وغيرهما، ويستحب لهما الاتيان به، ويترتب على فعلهما ثواب الحج وجزيل أجره إذا أتيا به على الوجه المطلوب والنية الحسنة، ولا تتوقف صحة الحج المندوب منهما - إذا كانا مميزين - على أن يأذن لهما الولي الشرعي عليهما بفعله، إذا كان حجهما لا يستتبع تصرفا في مالهما، كما إذا تبرع لهما متبرع بالمال، وإذا استتبع حجهما تصرفا بالمال فالظاهر لزوم الاستئذان من الولي في هذه الصورة.

[ 15 ]

[ المسألة 18: ] يستحب لولي الصبي غير المميز أن يحجه، والمراد بإحجاجه أن يجعله حاجا، فيلبسه ثوبي الاحرام، وينوي بذلك أن يجعل الصبي محرما، فيقول: أحرمت هذا الصبي بعمرة التمتع مثلا أو بحج التمتع قربة إلى الله تعالى، ويلقنه الفاظ التلبية ليقولها بلسانه إذا كان الطفل يستطيع ذلك، وإذا كان لا يستطيع لبى الولي بالنيابة عنه، ثم جنب الطفل جميع محرمات الاحرام، وأمره ان يفعل كل ما يجب فعله في الحج أو العمرة، من طواف وصلاة طواف وسعي بين الصفا والمروة ونية لتلك الاعمال وطهارة ووضوء لما يشترط فيه ذلك، وتقصير بعد السعي في عمرة التمتع، ووقوف في عرفات، والمشعر، وأعمال منى في يوم النحر وما بعده وباقي أعمال الحج. وإذا كان الصبي لا يتمكن من الاتيان بالعمل بنفسه أتى به الولي بالنيابة عنه وأحضره في المواقف في مواضعها وتولى عنه النيات ورمى عنه وذبح، وحلق رأسه، وأباته في منى في ليالي المبيت وأطافه وسعى به، ولو بأن يحمله أحد فيطوف به ويسعى. [ المسألة 19: ] لابد وأن يكون الصبي مختونا في حال طوافه أو الطواف به في البيت، سواء كان الطواف للعمرة أم للحج أم للنساء، ولابد وأن يكون طاهر البدن والثياب من النجاسات في حال طوافه أو الطواف به والصلاة لطوافه، وأن يكون على وضوء في ذلك الحال، ولو باجراء صورة للوضوء عليه إذا كان لا يحسن الوضوء، ويجمع على الاحوط في هذه الصورة بين ذلك وبين وضوء الولي بالنيابة عنه وبين صلاته إذا أمكنه فعلها وصلاة الولي بالنيابة عنه، وإذا لم يقدر على اجراء صورة الوضوء توضأ الولي بالنيابة عنه في حال الطواف به، وصلى صلاة الطواف عنه على الاحوط.

[ 16 ]

[ المسألة 20: ] الظاهر أنه لا فرق في الاحكام التي ذكرناها بين الصبي والصبية فيستحب احجاج الصبية كما يستحب احجاج الصبي، واجراء الاعمال والنيات عليها كما تجرى عليه، ولا يشترط الختان في طوافها والطواف بها. [ المسألة 21: ] يستحب لولي الصبي والصبية أن يحجمها ويجعلهما محرمين، ويجري عليهما أعمال الحج والعمرة على النحو الذي بيناه، من غير فرق بين أن يكون الولي نفسه محرما أو محلا، وإذا أحج الولي الطفل وجعله محرما ثبت احرام الطفل وتم حجه، واستوجب الثواب عليه، ولم تجر على الولي نفسه أحكام الاحرام بذلك إذا كان محلا. [ المسألة 22: ] ولي الطفل الذي يستحب له أن يحج الطفل ويوقع منه أفعال الحج والعمرة هو أبوه وجده من قبل أبيه، ووكيلهما الذي يفوضان إليه جميع ذلك، أو يفوضان إليه بعضه، كما إذا وكلاه في أن يحمل الطفل ويطوف به ويسعى، أو أن يرمي عنه، أو يذبح له، أو يحلق رأسه، وفي ثبوت الولاية على الطفل لوصي الاب أو الجد، أو للحاكم الشرعي وأمينه إشكال. ويشكل - بل يمنع - ثبوت الولاية عليه في ذلك للام، والجد من قبل الام، فضلا عن غيرهما ممن يتولى شؤون الطفل، ويتكفله من الاقارب أو الاباعد. [ المسألة 23: ] إذا سافر الولي بالصبي للحج، وكانت نفقة الصبي في حال سفره لا تزيد على نفقته في حضره، جاز للولي أن يحتسبها من مال الصبي نفسه، وإذا زادت على نفقته في الحضر كانت الزيادة على

[ 17 ]

الولي فيخرجها من ماله ولا يجوز له أن يأخذها من مال الصبي. ويستثنى من ذلك ما إذا توقف حفظ الصبي على السفر به مع وليه، ويستثنى أيضا ما إذا كان السفر بالطفل مصلحة له، فيكون جميع نفقة الطفل من ماله في الصورتين. [ المسألة 24: ] إذا أحج الولي الصبي كان على الولي أن يدفع هدي التمتع عنه من مال الولي نفسه، وإذا وجبت على الصبي كفارة صيد في إحرامه فعلى الولي أن يدفع الكفارة من ماله لا من مال الصبي، وإذا أتى الطفل بشئ من محرمات الاحرام غير الصيد، فالظاهر أنه لا كفارة عليه لا في ماله ولا في مال الولي. [ المسألة 25: ] يشكل الحكم بإستحباب أن يحج الولي بالمجنون غير المميز، على الوجه الذي ذكرناه في الصبي والصبية غير المميزين، فإذا أراد الاب أو الجد أن يجعله محرما وأن يجري عليه اعمال الحج والعمرة فعل ذلك برجاء المطلوبية. [ المسألة 26: ] لا يشترط في صحة الحج المندوب من الولد البالغ أن يستأذن أباه أو يستأذن أمه في فعله، نعم، لا يصح حجه إذا كان سفره إلى الحج يشتمل على خطر وشبهه فيوجب من أجل ذلك ايذاء لهما أو لاحدهما، ويصدق عليه - بفعل ما يؤذيهما - أنه قد عقهما، ولا يصح كذلك إذا نهاه أحدهما أو كلاهما عن السفر، لبعض الجهات العقلائية الموجبة للنهي، فيصدق عليه العصيان إذا خالف نهيهما، ولا يعتبر ذلك في الحج الواجب عليه بالاستطاعة، وسيأتي الكلام في الحج الواجب بالنذر وشبهه.

[ 18 ]

[ المسألة 27: ] إنما يحرم السفر على الولد إذا كان موجبا لايذاء أبيه أو أمه لسبب عقلائي يوجب الاذية في نظر العقلاء من الناس، وعلى النحو المتعارف بينهم، ولا إعتبار بما يحصل عند بعض الآباء من التخيلات والوساوس والاوهام التي لا تعد دواعي عقلائية صحيحة. وكذلك الحكم في نهي الاب والام، فالمدار أن يكون النهي لسبب عقلائي يوجب ذلك، ولا أعتبار بما يكون عن دواع غير متعارفة توجب ذلك، أو لبعض انفعالات وخواطر تحدث عند الاب أو الام من غير مرجح شرعي يوجب ذلك. ولا يختص ذلك بالسفر للحج المندوب، بل يعم الامور الراجحة الاخرى كالسفر للزيارات المستحبة، وكزيارة الاقرباء والاخوان، وحضور بعض المجالس، والصلاة في الجماعة. [ المسألة 28: ] إذا حج الغلام المستطيع للحج وهو يعتقد أنه لا يزال صبيا لم يبلغ الحلم، وان الحج منه حج مندوب حتى أتم الحج وهو على هذا الاعتقاد، ثم علم بعد إتمام حجه أنه قد بلغ الحلم قبل حجه، فإن كان قد قصد في نفسه امتثال الامر المتوجه إليه بالحج، صح حجه وكفاه ما أتى به عن حج الاسلام الواجب عليه، وذلك لان الامر المتوجه إليه بالفعل هو الامر بالحج الواجب، وقد نوى امتثاله، وان كان يتوهم انه حج مندوب. وإذا قصد بحجه امتثال الامر بالحج المندوب - على نحو التقييد بذلك -، لم يكفه ما فعله عن الواجب، فيجب عليه الحج من قابل، وكذلك الفتاة إذا حجت وهي تعتقد أنها صبية غير بالغة، ثم استبان لها أنها قد بلغت قبل الحج، فيتوجه فيها التفصيل المذكور. ونظير ذلك ما إذا حج الرجل أو المرأة وهو يعتقد أنه غير

[ 19 ]

مستطيع للحج وأن حجه مندوب، ثم ظهر له أنه كان مستطيعا في حال الحج، فيجري فيه التفصيل الانف ذكره، ويكفيه حجه عن حج الاسلام الواجب في الصورة الاولى، ويجب عليه الحج في القابل في الصورة الثانية. [ المسألة 29: ] [ الشرط الثالث: ] من شروط وجوب الحج على الانسان أن يكون حرا، فلا يجب الحج عليه إذا كان عبدا مملوكا أو أمة مملوكة، وان كان الملك لبعضه، وحتى إذا كان مستطيعا للحج من حيث المال وأذن له سيده بالحج، فلا يكون واجبا عليه، وإذا أذن له مالكه بالحج وأتى به صح منه حجه وكان مندوبا ولم يكفه عن حج الاسلام، فإذا أعتق بعد ذلك وكان مستطيعا في حال العتق، أو استطاع بعده وجب عليه أن يحج البيت، ولا يجب عليه الحج إذا هو لم يستطع في حال العتق ولا بعده، وان كان مستطيعا لما كان مملوكا. [ المسألة 30: ] إذا أذن السيد لمملوكه بأن يحج، فحج بقصد الحج المندوب كما ذكرناه، ثم أعتقه المولى فأدرك الوقوف في المشعر الحرام وهو حر أجزأه هذا الحج عن حج الاسلام إذا كان مستطيعا للحج في حال عتقه، وكذلك الحكم إذا انعتق بسبب آخر من أسباب العتق قبل الوقوف بالمشعر، فيكفيه ذلك عن الحج الواجب إذا كان مستطيعا. ولا يكفيه عن الواجب إذا لم يكن مستطيعا في ذلك الحال، فإذا تجددت له الاستطاعة بعد العتق وجب عليه الحج. [ المسألة 31: ] إذا حج العبد بإذن مولاه ثم أعتقه المولى في أثناء الحج، فأدرك الوقوف في عرفات والوقوف في المشعر الحرام جميعا وهو حر، أجزأه

[ 20 ]

حجه عن حج الاسلام إذا كان مستطيعا في حال عتقه، وكذلك إذا وقف في عرفات وهو مملوك ثم أدرك الوقوف بالمشعر الحرام وهو حر، وهذا هو الفرض الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة. وكذلك إذا فاته الوقوف في عرفات لعذر، وأدرك الوقوف في المشعر الحرام وهو حر، فيكفيه حجه عن حج الاسلام إذا كان مستطيعا، وكذلك إذا أدرك الوقوف في عرفات وهو حر وفاته الوقوف بالمشعر الحرام لعذر. وعلى وجه الاجمال فالمدار في الحكم بالاجزاء هو أن يدرك أحد الموقفين وهو حر وان يكون حجه صحيحا، سواء كان الموقف الذي أدركه وصح معه حجه اختياريا أم اضطراريا، وسيأتي في مباحث الوقوفين إن شاء الله تعالى بيان الاختياري والاضطراري من الوقوفين والصور المحتملة في ذلك وما يصح معه الحج منها وما لا يصح، فلتراجع المسألة التسعمائة والحادية والثلاثون وعدة مسائل بعدها. [ المسألة 32: ] إذا أعتق السيد مملوكه في أثناء الحج وأدرك أحد الموقفين وهو حر أجزأه ذلك الحج - إذا أتمه - عن حج الاسلام كما ذكرناه، وإن لم يعلم العبد بعتقه حتى أتم الحج، أو كان لا يعلم بأن حجه يجزيه عن الحج الواجب فلا يشترط في الاجزاء ان يجدد النية - بعد عتقه - للاحرام بحج الاسلام، نعم يجب عليه أن يجدد النية لحج الاسلام إذا كان ملتفتا للموضوع والحكم معا بعد العتق وفي حال العمل. [ المسألة 33: ] لا فرق في الحكم الذي ذكرناه في حج المملوك بين ان يكون حج إفراد أو حج قران أو حج تمتع، فإذا كان العبد متمتعا وأعتقه

[ 21 ]

مولاه في أثناء عمرة التمتع أو بعد ان أتمها، أو في أثناء حج التمتع فأدرك الموقفين أو أدرك أحدهما وهو حر، صح جميع عمله وكفاه عن عمرة التمتع وحج التمتع الواجبين إذا كان مستطيعا. [ المسألة 34: ] إذا أذن السيد لمملوكه بأن يحرم بالحج أو بالعمرة، فأحرم العبد وجب عليه اتمام عمله الذي أحرم به وان كان عمرة مفردة، ولا يجوز للسيد أن يرجع في إذنه بعد أن يتلبس العبد بالاحرام، وإذا رجع في إذنه لم تجب على المملوك طاعته، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإذا رجع المولى في إذنه قبل أن يحرم العبد، وعلم العبد برجوعه لم يجز للعبد أن يحرم لانتفاء الشرط، وإذا رجع المولى في إذنه قبل أن يتلبس العبد بالاحرام ولم يعلم العبد برجوع مولاه في الاذن فأحرم، صح احرامه على الاقوى، ووجب عليه اتمام العمل الذي أحرم به. [ المسألة 35: ] إذا أذن السيد لعبده بحج التمتع فأحرم العبد بذلك كان السيد مخيرا بين أن يذبح عن العبد هدي التمتع وأن يأمره بالصوم بدلا عن الهدي ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وإذا أعتق العبد في أثناء الحج على ما تقدم بيانه فأدرك أحد الموقفين وهو حر، وجب هدي التمتع على العبد نفسه، فإن لم يجد وجب عليه الصوم بدلا عنه. [ المسألة 36: ] إذا آجر السيد عبده للحج أو للعمرة بالنيابة عن أحد وجب على العبد أن يأتي بالعمل المستأجر عليه، وإذا أمره بأن يحج أو يعتمر لنفسه وجب عليه أن يطيع أمر الله وأمر سيده فيحج أو يعتمر

[ 22 ]

لنفسه على النحو الذي عينه له السيد، ولا يجزيه ذلك عن حج الاسلام إذا أعتق بعد ذلك واستطاع، إلا إذا أعتق في أثناء الحج وأدرك أحد الموقفين وهو حر كما تقدم.

[ 23 ]

[ الفصل الثالث في الاستطاعة وجهاتها وأحكامها ] [ المسألة 37: ] يشترط في جميع الواجبات الشرعية، وفي جميع التكاليف: أن يكون العمل المكلف به مقدورا للانسان، فلا يصح التكليف بغير المقدور المستطاع، وهذا الحكم معلوم بالبداهة في الشريعة الاسلامية. وينفرد حج الاسلام عن سائر الواجبات في الدين بأنه يشترط في وجوبه أن يكون الانسان مستطيعا لحج البيت استطاعة شرعية، وهذا هو الشرط الرابع من شروط وجوبه. ويراد بالاستطاعة الشرعية: أن يكون الشخص قادرا على حج البيت قدرة مالية، فيكون له من الزاد والراحلة ما يبلغه ذلك، أو يكون له من المال والمملوكات الاخرى ما يحصل له الزاد والراحلة، وأن يكون قادرا على بلوغ ذلك من حيث صحة بدنه وقوته على السفر وتحصيل المقصود، وأن يكون آمن السرب والطريق إلى الميقات والى نهاية الاعمال، فلا مانع له من الوصول والقيام بالواجب، وأن يكون له من الوقت ما يتمكن فيه من تحقيق جميع ذلك، والوفاء به على الوجه المطلوب، وعلى ما سنوضحه في المسائل الآتية من بيان، فلا يجب عليه الحج إذا قصرت استطاعته في بعض هذه المجالات.

[ 24 ]

[ المسألة 38: ] الظاهر انه لافرق في اشتراط الراحلة بين القريب من الناس إلى البيت والبعيد عنه، فإن الحاج من أهل مكة ومن قرب منها يحتاج إلى الخروج إلى عرفة وبقية المشاعر لتأدية المناسك بها، والعود منها إلى البيت للطواف والسعي، ومثل ذلك يحتاج فيه إلى الراحلة بحسب العادة بين الناس فتعمه أدلة اشتراط الراحلة. [ المسألة 39: ] المعتبر في الاستطاعة أن يكون الشخص ممن له زاد وراحلة يبلغ بهما المقصود، سواء كان مالكا لعين الزاد والراحلة بالفعل، أم كان له من النقود والاموال الاخرى ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة في جميع رحلته إلى البيت الحرام متى احتاج اليهما، فلا يشترط في الاستطاعة حمل الزاد معه إذا أمكن له الحصول عليه في منازل سفره، وفي مواضع اقامته حتى يبلغ غايته، ولا يشترط فيها ملك الراحلة إذا أمكن له استئجارها ولا يشترط وحدة الراحلة إذا أمكن له استبدالها بغيرها في مراحل سفره حتى يتمه، ولا وحدة نوعها، فله أن يقطع بعض المسافة على راحلة ويقطع بعضها في سفينة أو في سيارة أو غيرهما من وسائل النقل، وإذا لم يوجد الزاد في بعض مراحل السفر اشترط في استطاعة الحاج إمكان حمل الزاد معه، ووجب عليه حمله مع الامكان، ولو بأن يستأجر دابة أو سيارة لحمل ما يحتاج إليه في سفره من طعام وشراب ومتاع، فإذا لم يوجد الزاد في بعض مراحل سفره ولم يمكن له حمله معه أو كان في حمله حرج ومشقة لا تتحمل عادة، سقط عنه الوجوب لانه غير مستطيع.

[ 25 ]

[ المسألة 40: ] كلمة الزاد حين تقال مطلقة يراد منها الطعام وما يتقوت به الانسان خاصة، وحين تقال بالاضافة إلى المسافر مع الراحلة، وحين تذكران لبيان معنى الاستطاعة لحج البيت يكون المراد بها ما يحتاج إليه الانسان في سفره من مطعوم ومشروب، ومن أمتعة وأوعية وغير ذلك في أثناء حله وترحاله أيام سفره، مما يناسب حاله من قوة وضعف ويناسب زمانه من صيف وشتاء وحر وبرد، وما يناسب شأنه ومكانته الاجتماعية من شرف وضعة، فتشمل حتى الخادم إذا كان من شأنه أن يكون له خادم في سفره، وتعم جميع المذكورات لنفسه ولخدمه وضيوفه إذا كان من شأنه أن يستضاف في حال سفره، ولدابته وسيارته حين يكون ذلك من شؤونه التي لا يمكن سفره الا بها، أو التي يكون سفره حرجا وشاقا إذا سافر بدونها. ولابد وأن يكون له من المال والمكنة زائدا على ذلك ما يكفيه لنفقة أهله وعياله ومؤنتهم مدة سفره عنهم حتى يعود إليهم، والراحلة هي وسيلة النقل التي يركبها في ذهابه وفي تنقله بين المشاعر وفي عودته إلى وطنه بعد الحج، من دابة أو سفينة أو سيارة أو طائرة أو قاطرة، ويراعى في جميع ذلك ما يليق بشأنه وشرفه ويقوم بحاجته من حيث النوع والمقدار، فقد يكتفي بعض المسافرين باستئجار مقعد واحد من سيارة متعارفة، وقد يحتاج إلى سيارة كاملة من نوع مخصوص، وقد يحتاج إلى أكثر من ذلك، فإذا وفت قدرته المالية بما يحتاج إليه من الامور والشؤون كان مستطيعا من حيث المال، ووجب عليه حج البيت إذا تمت له النواحي الاخرى من الاستطاعة، وإذا قصرت مكنته فلم تف له ببعض المجالات التي يحتاج

[ 26 ]

إليها من ذلك لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة. [ المسألة 41: ] يعتبر في الاستطاعة المالية أن يكون المكلف مالكا بالفعل للزاد والراحلة، أو لمال ومملوكات يقدر بها على تحصيل الزاد والراحلة، على الوجه الذي ذكرناه في المسائل المتقدمة، ولا يكفي في تحقق الاستطاعة ان تكون له صنعة أو حرفة يقدر بواسطتها على أن يوفر لنفسه في اثناء سفره إلى الحج جميع ما يحتاج إليه من زاد ونفقة حتى يعود إلى وطنه، ولو أنه احتاط وحج على هذه الصورة لم يكفه حجه هذا عن حج الاسلام، فإذا حصلت له الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه الحج. [ المسألة 42: ] الاستطاعة الشرعية التي يجب معها الحج على المكلف هي أن تتحقق له نواحي الاستطاعة التي بيناها من المكان الذي هو فيه، وان لم يكن مستطيعا للحج من وطنه الذي يسكنه، فإذا خرج الرجل من بلده إلى بلد آخر زائرا أو عاملا أو لبعض غايات أخرى وهو غير مستطيع للحج، واتفق أن توفرت له جهات الاستطاعة للحج في ذلك البلد فحصل لديه من المال ما يكفيه للسفر من ذلك الموضع ذهابا ورجوعا ولنفقات حجه، ونفقات عياله حتى يعود إلى وطنه، وجب عليه الحج، وإن كان ما حصل له من المال لا يحقق له الاستطاعة لو كان في وطنه، أو كانت النواحي الاخرى للاستطاعة لا تتم له لو كان في وطنه. وكذلك الحكم إذا كان غير مستطيع في بلده وخرج إلى حج البيت متسكعا، ثم حصلت له الاستطاعة بالتكسب، أو ببذل باذل

[ 27 ]

قبل ان يحرم من الميقات، فيجب عليه حج الاسلام، ويجب عليه الاحرام له من الميقات. [ المسألة 43: ] إذا كان المكلف غير مستطيع، وخرج إلى الحج متسكعا حتى بلغ الميقات وأحرم بالحج بنية الندب لعدم استطاعته، ثم اتفق أن حصلت له الاستطاعة بعد الاحرام بالتكسب أو ببذل باذل، لم يجب عليه الحج فلا يجب عليه الرجوع إلى الميقات أو المضي إلى ميقات آخر ليحرم بحج الاسلام بعد احرامه الاول، بل لا يجوز له ذلك، ولا يجوز له العدول بنيته إلى حج الاسلام ولا إلى عمرة مفردة فيتمها ثم يستأنف بعدها حج الاسلام في عامه، بل يجب عليه ان يستمر في نسكه الذي احرم له حتى يتمه، فإن بقيت استطاعته إلى العام المقبل وجب عليه حج الاسلام فيه، وإن لم تبق استطاعته سقط عنه وجوب الحج. [ المسألة 44: ] إذا غلت الاسعار فاحتاج المكلف أن يشتري الاشياء التي يحتاج إليها في سفره إلى الحج من الطعام أو الاوعية والادوات بأكثر من ثمن المثل، أو احتاج إلى استئجار ما يحتاج إلى استئجاره بأكثر من أجرة المثل وجب عليه الشراء والاستئجار بذلك مع التمكن من القيمة ولم يسقط عنه وجوب الحج في تلك السنة بسبب ذلك، وكذا إذا توقف تحصيل القيمة على أن يبيع أملاكه باقل من ثمن المثل فيجب عليه ذلك، الا إذا كان البيع والشراء والاستئجار كذلك موجبا للضرر له بأكثر من المتعارف، أو كان موجبا للحرج الذى يرفع التكليف فيسقط عنه الوجوب حين ذلك.

[ 28 ]

[ المسألة 45: ] إذا كان المكلف ممن تضطره العلاقات والملابسات وجهات المعيشة واشباه ذلك إلى العود إلى وطنه بعد الحج، ولو للحرج الشديد عليه في البقاء في غير وطنه والمعيشة بعيدا عن أهله، كما هو الحال الغالب في الناس، أعتبر في استطاعته المالية للحج وجود نفقة العود إلى بلده بعد الحج فتكون نفقة العود لمثل هذا جزءا من استطاعته في المال. ولا يعم هذا من كان سائحا في البلاد ليس له وطن يستقر فيه، والمكلف الذي لا يريد العود إلى وطنه بعد الحج لجهات أوجبت له ذلك، والشخص الذي لا عسر ولا حرج عليه في أن يبقى في مكة، فلا يعتبر في استطاعة هؤلاء، ان تكون لديهم نفقة العود إلى الوطن بعد الحج. [ المسألة 46: ] إذا اراد المكلف السفر إلى الحج، وعزم على التوطن بعد انتهاء حجه في بلد آخر غير وطنه الاول، لوحظ حاله، فإن كان مضطرا إلى ذلك بحيث لا يتمكن من العود إلى وطنه الاول، اعتبر في استطاعته المالية أن تكون عنده نفقة الذهاب إلى الحج ونفقة الذهاب بعد الحج إلى البلد الذي عزم على التوطن فيه، سواء كانت نفقته مساوية لنفقة العود إلى وطنه أم أقل منها أم أكثر، وإن كان مختارا في استبدال بلده من غير ضرورة تلجئه إلى تركه، اعتبر في استطاعته المالية ان تكون هذه نفقة الذهاب إلى الحج، وأقل الامرين من نفقة العود إلى وطنه الاول ونفقة الذهاب إلى وطنه الجديد، فإذا كان مالكا لذلك كان مستطيعا ووجب عليه الحج.

[ 29 ]

[ المسألة 47: ] الاستطاعة للحج هي أن يكون المكلف مالكا لاعيان الزاد والراحلة التي يحتاج إليها في سفره إلى الحج، أو يكون واجدا للنقود التي ينفقها في تحصيل ما يحتاج إليه منها، أو يكون مالكا لاموال أخرى يمكنه بيعها وصرف أثمانها في شراء تلك الاعيان أو استئجارها، وقد سبق بيان جميع هذا مفصلا، وذكرنا أن الادلة المعتبرة قد أوضحت كذلك أن الاستطاعة للحج هي السعة في المال أو القوة واليسار فيه، ومقتضى وصف الاستطاعة بذلك أن المملوكات والاموال التي يجب بيعها وصرف أثمانها في الحج، لا تشمل الاشياء الضرورية للمكلف، والتي يحتاج إليها في إدارة معيشته، وتدبير شؤونه في حياته، فلا تباع في ذلك الدار التي يحتاج إليها لسكناه وسكنى عياله، والتي تليق به بحسب شرفه ومنزلته في المجتمع بنوعها وعددها، فإن كثيرا من الناس يحتاج في إسكان أهله إلى أكثر من دار واحدة، ولا يباع أثاث منزله ولوازم بيته من فرش وأدوات وأوان وآلات، وأرائك وأسرة، ووسائل يحتاج إليها في تنظيم أموره وترتيب مسكنه وراحته وراحة أهله وضيوفه، ولا تباع ثيابه التي يتجمل بها بين الناس أو التي يلبسها في أوقات راحته أو أوقات عمله، ولا تباع كتب العلم الديني إذا كان من أهل ذلك وكانت الكتب موضع حاجته، ولا تباع آلات صنعته التي يفتقر إليها في معاشه، ومنها كتب العلم التي تتعلق بصناعتته ككتب الطب للطبيب وكتب الهندسة للمهندس ونحوها، ولا تباع دابته أو فرسه أو سيارته التي لابد له منها في تنقلاته وحركاته، وغير ذلك من الامور التي يقع في الضيق والحرج والعسر في حياته بدونها.

[ 30 ]

ويراعى في جميع ذلك ما يليق به وبمنزلته من حيث النوع والعدد، ولا تباع حلي المرأة، ولا ثياب زينتها، ووسائلها الخاصة التي يحتاج إليه أمثالها في زمانها وفي بلدها، والتي تليق بها بحسب شرفها ومنزلتها وسنها، وقد ذكرنا نظائر هذا في كتاب الدين عند ذكر المستثنيات فيه. [ المسألة 48: ] إنما استثنيت هذه الامور من وجوب البيع للحج من حيث أن وجودها ضروري للمكلف في حياته ولابد له منها، وإذا باعها وقع في الضيق والعسر في أموره فلا يكون مستطيعا للحج بمقتضى الادلة الآنف ذكرها. فإذا زادت الاعيان الموجودة لدى المكلف من هذه الامور على مقدار حاجته وجب عليه بيع الزائد منها إذا توقف عليه الحج، وكذلك إذا استغنى عن بعض الاشياء بعدما كان محتاجا إليه فيجب بيعه إذا توقف عليه أداء الحج، ولا تقصر أدلة الاستطاعة للحج عن شموله، ومن ذلك حلي المرأة وثياب زينتها بعد أن يكبر سنها وتكون غير محتاجة إلى استعمالها ولبسها. [ المسألة 49: ] إذا كانت للمكلف دار يملكها بالفعل، صالحة لسكناه. وقيمتها وافية بمقدار استطاعته للحج، وكانت بيده دار أخرى موقوفة أو مستأجرة أو مستعارة، مما يصح انطباقه عليه، وهي صالحة لسكناه ايضا، ووافية بحاجته، ولا غضاضة ولا منقصة عليه إذا سكن فيها، فالظاهر ثبوت الاستطاعة الشرعية له بملك الدار الاولى ووجوب الحج عليه بها، فيجوز له أن يسكن الدار

[ 31 ]

الموقوفة - ونحوها من المذكورات - ويبيع الدار المملوكة ويحج بثمنها، ويجوز له أن يستبقي الدار المملوكة فلا يبيعها، ويحج متسكعا أو يقترض ما يحج به، وإذا حج كذلك سقط عنه حج الاسلام بذلك، وسيأتي ذكر هذا. وكذلك الحكم في المستثنيات الاخرى التي لا تباع في الحج كما لا تباع في الدين، فإذا كانت لديه من كتب العلم أو من المستثنيات الاخرى المملوكة ما يكون مستطيعا بقيمته، وكان بيده منها من الموقوفات أو من المستأجرات والمستعارات أو من الموصى بها في سبل الخير أو من المتبرع به لهذه الوجوه ما يسد حاجته فيها ويتعارف لمثله، ولا يوجب له مذلة ولا مهانة تحققت له الاستطاعة بذلك ووجب عليه الحج كما تقدم. [ المسألة 50: ] إذا كانت للمكلف دار مملوكة تكفيه لسكناه - كما تقدم - وثمنها يفي باستطاعته للحج لو انه باعها، ولم تكن بيده دار أخرى موقوفة أو موصى بها للخيرات تصلح لسكناه - كما في الفرض السابق - ولكن وجود هذه الدار ممكن له، بحيث إذا طلبها حصل عليها، فالظاهر عدم ثبوت الاستطاعة له بذلك، فلا يجب عليه الحج، وكذلك الحكم في نظائر الدار من المستثنيات إذا وجد فيها نظير هذا الفرض. [ المسألة 51: ] إذا كانت للشخص دار مملوكة تصلح لسكناه ولا تزيد على حاجته في نوعها، ولكنها تزيد على حاجته في قيمتها، وإذا استبدل عنها دارا أخرى تصلح لسكناه وتليق بشأنه ايضا كان التفاوت ما

[ 32 ]

بين الدارين في القيمة وافيا باستطاعته للحج، ومثال ذلك ان تكون له دار مملوكة تقع في الشارع المهم من البلد، وقيمة الدار من أجل ذلك تبلغ عشرة آلاف دينار، وإذا باعها بهذه القيمة أمكن له أن يشتري لنفسه مثل تلك الدار في نوعها وفي كفايتها له ولياقتها بشأنه، تقع في شارع آخر من البلد وقيمتها من أجل ذلك خمسة آلاف دينار، والتفاوت ما بين الدارين في القيمة وهو خمسة آلاف دينار يفي باستطاعته للحج، فإذا كان بيع الدار الاولى وإبدالها بالثانية ممكنا للمكلف ولا عسر فيه، فالظاهر صدق الاستطاعة بذلك ووجوب الحج عليه، وإذا يمكن له ذلك أو كان عسرا حرجا لم تصدق الاستطاعة ولم يجب الحج. [ المسألة 52: ] إذا ملك الشخص ما يكفيه لنفقة الحج من النقود والدراهم مثلا، وكان محتاجا إلى صرف جميع مالديه، أو صرف بعضه في شراء دار يسكنها أو شراء بعض المستثنيات الاخرى التي لابد له في حياته منها، والتي يقع في العسر والضيق في المعيشة بدونها، لم تصدق عليه الاستطاعة بذلك، فقد تقدم ان الاستطاعة - كما دلت عليه الادلة المعتبرة - هي السعة في المال والقوة واليسار فيه، فلا يجب عليه الحج بما لديه من النفقة، ويجوز له شراء الاعيان التي يحتاج إليها بذلك المال. وإذا كانت لديه دار للسكنى أو كانت له بعض المستثنيات التي ذكرناها، وباع تلك المستثنيات الموجودة عنده لم تصدق عليه الاستطاعة للحج بوجود اثمانها عنده مادام محتاجا في حياته إلى مثل تلك المستثنيات، سواء باعها بقصد أن يبدلها باعيان غيرها من

[ 33 ]

تلك المستثنيات، فباع الدار ليشتري بثمنها دارا أو كتبا، وباع الكتب ليشتري بها دارا أو كتبا اخرى أم لم يقصد التبديل بسواها. [ المسألة 53: ] إذا ملك الرجل مبلغا من المال يكفيه لنفقة الحج ذهابا وإيابا وكان محتاجا إلى الزواج، فإن هو صرف المبلغ الذي ملكه في الحج لم يتمكن من الزواج، وان صرفه في النكاح لم يستطع الحج، فإذا كانت حاجته، إلى الزواج شديدة، بحيث يقع في العسر أو في المرض بتركه، فهو غير مستطيع للحج، ويجب عليه صرف المال في التزويج، وإذا كانت حاجته الى الزواج لا تبلغ العسر أو الوقوع في المرض، وجب عليه الحج وقدمه على النكاح. [ المسألة 54: ] ذكر بعض الفقهاء (رضوان الله عليهم) الوقوع في الزنا. وعده من المحاذير التي توجب تقديم الزواج على الحج، إذا دار الامر بينهما في الفرض الانف ذكره، ولعل المراد خشية الوقوع في الزنا إذا هو قدم الحج على الزواج على الزواج وصرف المال فيه، فإن الزنا إذا ترك الزواج إنما يقع الشخص فيه باختياره وإرادته وهو غير مجبر ولا مقسور في فعله كما هو واضح، وهو تام المسؤولية عن وقوعه إذا وقع، وليس الحج من أسباب وقوعه ولا صرف المال فيه لتكون استطاعته للحج سببا لهذا الشئ الممنوع شرعا. والممنوع شرعا كالممنوع عقلا، كما قال بعضهم. نعم، قد يكون تقديم الحج على الزواج وصرف المال فيه سببا لخوف المكلف من الوقوع في الزنا، وقد يشتد هذا الخوف

[ 34 ]

ويتعقد، فيكون موجبا للعسر والمشقة الشديدة أو للقلق والكبت وبعض الامراض النفسانية الاخرى، فالمدار في تقديم الزواج في الفرض المذكور على ذلك - كما بيناه -. [ المسألة 55: ] الظاهر من النصوص انه يعتبر في تحقق الاستطاعة الشرعية للحج ان يكون المكلف قادرا على الزاد والراحلة بما بينا لهما من المعنى، أو على المال الذي يحصل به ذلك أو يحصله بثمنه، وان تكون قدرته على ما ذكر قدرة تامة فعلية، والمفهوم من ذلك: انه لابد من أن يكون المكلف مالكا له ملكا فعليا، ولابد من أن يكون متمكنا من انفاقه في الحج تمكنا فعليا، فلا مانع له من صرفه وانفاقه فيه، ونتيجة لذلك، فلا يكون المكلف مستطيعا للحج استطاعة شرعية إذا لم يكن مالكا له بالفعل، وان كان قادرا على ان يتملكه بكسب ونحوه، ولا يكون مستطيعا للحج استطاعة شرعية إذا كان له مانع عرفي أو شرعي من أن يصرف المال الذي يملكه في الحج. وان كان قادرا على رفع المانع، فإن ذلك من القدرة على ان يكون مستطيعا، وليس من الاستطاعة الفعلية التي دلت عليها النصوص، وجعلتها شرطا لوجوب الحج. [ المسألة 56: ] إذا لم يكن للمكلف ما يكفيه لنفقة الحج من أعيان ومنافع، وكان له دين على احد يكفيه لذلك لو أنه استوفاه من المدين، أو هو يتم له نفقة الحج، فللمسألة صور يختلف حكمها باختلاف فروضها. [ الصورة الاولى: ] أن يكون دينه على الشخص حالا قد حضر وقت وفائه، وأن

[ 35 ]

يكون المدين عازما على وفاء ما في ذمته غير مماطل فيه، ولا ريب في وجوب قبضه على المكلف الدائن إذا دفعه المدين إليه، ووجوب اقتضائه منه ومطالبته به إذا كان دفع الدين له محتاجا إلى المطالبة به فقط، فهو مالك للمال، وقادر على التصريف فيه بالفعل واستطاعته لذلك فعلية. [ الصورة الثانية: ] أن يكون قد حضر وقت وفاء الدين ويكون المدين مماطلا في دفع الدين له أو يكون منكرا له من أصله، والظاهر عدم تحقق الاستطاعة الفعلية التي تقدم ذكرها، وإن كان الدائن قادرا على اجبار الغريم على دفع الدين إذا كان مماطلا، وقادرا على اثبات الدين عليه عند الحاكم إذا كان منكرا، فإن ذلك من القدرة على تحصيل الاستطاعة وليس من الاستطاعة الفعلية التي اعتبرتها النصوص في وجوب الحج. [ الصورة الثالثة: ] أن يكون الدين مؤجلا لم يحضر وقت الوفاء به، ويكون الغريم غير عازم على وفاء الدين قبل حضور أجله، ولا ريب في عدم تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك فلا يجب عليه الحج. [ الصورة الرابعة: ] أن يكون دينه على الغريم مؤجلا لم يحضر أجله، ويكون المدين باذلا للدين قبل ان يحل الاجل وان لم يطلب الدائن منه الوفاء بالدين، والظاهر تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك للمكلف فيجب عليه الحج، ولا يجوز له ان يمتنع عن قبض الدين إذا دفعه إليه على الاقوى، وان كان الدائن المكلف نفسه هو الذي اشترط على الغريم

[ 36 ]

تأجيل الدين. [ الصورة الخامسة: ] أن يكون الدين مؤجلا لم يحضر أجله، ويكون المدين عازما على وفاء الدين قبل حضور أجله بشرط ان يطالبه الدائن به، وإذا لم يطالبه به لم يدفعه إليه، والظاهر عدم تحقق الاستطاعة الفعلية بذلك، فلا تجب عليه المطالبة به، فإن ذلك من تحصيل الاستطاعة ولا يجب الحج عليه. [ المسألة 57: ] لا تتحقق الاستطاعة الفعلية للحج في فروض المسألة المتقدمة إذا كان الشخص الذي عليه الدين معسرا، أو كان مماطلا لا يتمكن الدائن المكلف من اجباره على دفع الدين، أو كان منكرا لاصل الدين ولا يقدر الدائن على اثبات الحق عليه، أو كان التخاصم معه يستلزم الحرج على الدائن. [ المسألة 58: ] لا يكون الانسان مستطيعا للحج إذا كان قادرا على ان يقترض ما يحج به، وان كان قادرا أيضا على وفاء القرض بسهولة ويسر، فلا يجب عليه الاقتراض لذلك، فإنه من تحصيل الاستطاعة وليس من الاستطاعة الفعلية، ولا يجب عليه الاقتراض كذلك إذا كان له مال يكفيه لنفقة الحج، ولكنه غائب عنه فلا يتمكن من صرفه بالفعل، ولا يجب عليه الاقتراض إذا كان له مال حاضر لا راغب في شرائه، فالمال الغائب لا يحقق له الاستطاعة بالفعل، فإن المفروض عدم قدرة المكلف على انفاقه في الحج، وكذلك المال الحاضر في الصورة الاخيرة فإن المفروض عدم راغب فيه فالمال نفسه لا يمكنه

[ 37 ]

من الحج به ولا ببدله، والاقتراض في الصورتين إنما هو تملك مال آخر بعوض في الذمة وليس استبدالا للمال الغائب أو الحاضر، فهو كما ذكرنا تحصيل استطاعة، فلا يكون واجبا على المكلف غير المستطيع. [ المسألة 59: ] إذا اقترض المكلف مالا يكفيه لنفقته في الحج، أو يتمم له النفقة الموجودة عنده، وكان قادرا على وفاء المبلغ الذي اقترضه إذا حل أجله ولا عسر عليه في ذلك تحققت له الاستطاعة الفعلية ووجب عليه الحج، وكذلك إذا اشترى مالا يكفيه لنفقة الحج وبقي الثمن في ذمته، فإذا كان قادرا على وفاء الثمن عند حلول أجله بسهولة ويسر، كان مستطيعا ووجب عليه الحج. [ المسألة 60: ] إذا كان الدين الذي يملكه المكلف في ذمة غريمه مما يصح بيعه، وكان ثمنه كافيا لنفقة الحج، أو متمما لما عنده من نفقته ولا عسر عليه في ذلك ولا حرج، وجب عليه بيع الدين والحج به، وقد ذكرنا صور بيع الدين في المسألة الحادية عشرة من كتاب الدين، وفي المسألة المائين والتاسعة من كتاب التجارة، وذكرنا ما يصح بيعه وما لا يصح من المال الذي اشتراه في بيع السلف في المسألة الاربعمائة والواحدة وما قبلها من كتاب التجارة. [ المسألة 61: ] إذا ملك الشخص مقدارا من المال يكفيه لنفقة الحج، وكان عليه دين لاحد من الناس، فإن كان الدين الذي في ذمته قد حل وقته وطالب الدائن بوفائه، ولم يكن لدى المكلف المدين ما يفي به

[ 38 ]

الدين غير ذلك المال، كان الدين مانعا من تحقق الاستطاعة فلا يجب عليه الحج. وكذلك إذا كان صرف المال الموجود لديه في الحج يوجب له العسر والضيق في تسديد الدين، وان كان مؤجلا لم يحضر ميعاد وفائه، فلا يجب عليه الحج ايضا، وإذا كان صرف المال الموجود في الحج لا يسبب له ضيقا في تسديد الدين، لم يمنع وجود الدين المذكور عليه من تحقق الاستطاعة ووجوب الحج عليه، سواء كان الدين حالا أم مؤجلا. [ المسألة 62: ] لا يختلف الحكم في الدين المانع عن تحقق الاستطاعة للمكلف وعن وجوب الحج عليه في الفرضين الاولين من المسألة المتقدمة بين أن يكون الدين سابقا على تملكه لنفقة الحج وأن يكون متأخرا عنه، فلا يجب عليه الحج في الصورتين، ويستثنى من ذلك ما إذا ملك النفقة حتى حضر أوان الحج، ثم استدان بعد ذلك فإن هذا الدين لا يمنع وجوب الحج عليه، فيجب عليه أن يحج وان كان متسكعا. [ المسألة 63: ] إذا ملك الانسان ما يكفيه لنفقة الحج واشتغلت ذمته بخمس أو بزكاة أو بغيرهما من الحقوق الشرعية جرى فيها حكم الدين الذي حل أجله وطالب به دائنه فتكون مانعة من وجوب الحج على المكلف إذا لم يكن له ما يفي به الحق الشرعي الذي اشتغلت به ذمته غير المال المذكور. وكذلك إذا كان الخمس أو الزكاة قد تعلق بعين المال الذي ملكه، بحيث إذا أخرج الحق الشرعي منه لم يكفه الباقي لنفقة الحج

[ 39 ]

فيكونان مقدمين على الحج. وإذا كان الحج قد استقر وجوبه في ذمة المكلف من سنة سابقة، وملك ما يكفيه لنفقة الحج في هذه السنة واشتغلت ذمته بالخمس أو الزكاة على النحو المتقدم، ودار الامر بين أن يحج بالمال فيؤدي الفرض الذي استقر في ذمته من الحج، أو أن يصرفه في الخمس أو الزكاة فيؤدي الحق الذي اشتغلت به ذمته، وجب عليه الامران معا فيصرف المال في أداء الحق الشرعي، ويحج ولو ماشيا متسكعا، فإذا لم يمكنه القيام الا بأحد التكليفين، احتمل التخيير بين الامرين، واحتمل تقديم الدين. [ المسألة 64: ] الظاهر انه لا فرق في الحكم الذي بيناه في المسألة الحادية والستين بين أن يكون الدين الذي في ذمة المكلف قصير المدة، وطويلها، ولا بين ان يكون الدائن قد وعده بابراء ذمته من الدين أو لم يعده بذلك، فالمدار في الحكم هو ما ذكرناه من وجود العسر والضيق على المكلف في انفاق المال الموجود لديه في الحج وعدمه. نعم، قد يمتد أجل الدين اعواما كثيرة فيكون طول المدة موجبا لعدم الاهتمام بالدين عرفا، فلا يكون صرف المال الحاضر في الحج سببا لوقوع المكلف في عسر أو ضيق، وقد يكون وعد الدائن بإبراء ذمة الغريم من الدين موجبا للوثوق بوعده، فلا يقع الغريم في العسر إذا صرف ماله في الحج، ولم يف به الدين. [ المسألة 65: ] إذا اكتسب الانسان مقدارا من المال، وشك في أن ما كسبه هل بلغ إلى حد الاستطاعة للحج أم لا، ومثال ذلك: أن يعلم أن

[ 40 ]

استطاعة مثله للحج تحصل بمبلغ خمسمائة دينار، ويشك في أن ما كسبه من المال هل يبلغ هذا المقدار أم لا، والاحوط لزوم الفحص عن ذلك. ومثله ما إذا اكتسب مبلغا معلوما من المال، وهو أربعمائة دينار مثلا، ويشك في أن هذا المبلغ المعين الذي اكتسبه هل تحصل به الاستطاعة المالية لمثله أم لا، فلا يترك الاحتياط بلزوم الفحص. [ المسألة 66: ] إذا استطاع المكلف الحج ووجب عليه. وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الشرعية الواجبة، وجب عليه اخراجها ولم يجز له تأخيرها مع الامكان، ويأثم إذا هو أخرها من غير عذر، ولا يجوز له التصرف في المال الذي تعلق به الحق الشرعي في سفر الحج ولا غيره، وإذا كانت ثياب احرامه وطوافه وثمن هديه من ذلك المال لم يصح حجه، وسيأتي للمسألة مزيد بيان وتفصيل. [ المسألة 67: ] المال الغائب عن مالكه إذا كان المالك قادرا على التصرف فيه والانفاق منه أو من ثمنه، بواسطة وكيله أو بواسطة مكالماته السلكية أو اللاسلكية يكون بمنزلة الحاضر، فتتحقق به الاستطاعة الفعلية للحج، وتحصل به الشروط المعتبرة في الاستطاعة من الانفاق على من يعول به في مدة سفره، ومن الرجوع إلى كفاية بعد الحج، وتحصل به الآثار الاخرى في الحج وغيره، كما إذا بذل منه نفقة الحج لرجل حاضر أو غائب، ونحو ذلك من الآثار المتعلقة بالمال. وإذا كان المالك غير قادر على التصرف في المال والانفاق منه لم تتحقق به الاستطاعة الفعلية للحج إذا لم يكن مستطيعا من وجه

[ 41 ]

آخر أو يصل المال إلى يده. [ المسألة 68: ] إذا كان للمكلف مال غائب عنه يكفيه لنفقة الحج، أو هو يتمم له ما بيده من نفقة الحج وكان قادرا على التصرف فيه والانفاق كما ذكرناه في المسألة المتقدمة تحققت له الاستطاعة المالية للحج كما قلنا، وجرت فيه أحكام مال الاستطاعة للحاضر، فإذا تمت له بقية شروط الاستطاعة والوجوب، وحضر أوان الحج وتمكن من المسير، ثم تلف المال، فإن كان التلف بتقصير من المالك استقر وجوب الحج في ذمته، وان كان التلف بغير تقصير من المالك كشف ذلك عن عدم استطاعته ولم يستقر وجوب الحج عليه، وإذا لم يتمكن المالك من التصرف في المال الغائب لم تتحقق به الاستطاعة كما تقدم، وإذا تلف لم يستقر وجوب الحج على المالك، سواء كان بتقصير منه أم بغير تقصير. [ المسألة 69: ] إذا كان المكلف مالكا لاعيان ونفوذ تكفيه لنفقة الحج ونفقة عياله في سفره حتى يعود إليهم، ولكن أعيان ماله في يد شخص آخر، فإن كان الشخص الآخر الذي بيده أعيان المال باذلا له ماله متى أراد وغير ممتنع عنه، فالمالك مستطيع يجب عليه الحج. وان كان الشخص الذي بيده المال ممتنعا عن دفع المال إليه لم تتحقق له الاستطاعة، وان كان قادرا على استيفاء المال منه إذا رفع أمره إلى الحاكم الشرعي أو إلى غيره، وكان قادرا على اثبات حقه إذا كان الرجل منكرا.

[ 42 ]

[ المسألة 70: ] إذا ملك المكلف من المال ما يكون به مستطيعا لحج البيت إذا حضرت أيامه، فالظاهر انه لا يحرم عليه التصرف في ماله المذكور قبل التمكن من المسير إلى الحج، فإذا هو أتلف المال أو نقله عن ملكه إلى غيره قبل ان يحل أو ان الحج انتفت بذلك استطاعته فلا يجب عليه الحج، بل الظاهر انه يجوز له التصرف في المال حال التمكن من المسير إلى الحج وحلول أوانه، وان تحققت له الاستطاعة بذلك ووجب عليه الحج، فإذا هو أتلف المال أو نقله عن ملكه بناقل شرعي بعد حضور أوان الحج والتمكن من المسير وجب عليه أن يحج ولو متسكعا، أو خادما أو أجيرا مثلا. نعم، يحرم عليه أن يتصرف بمال الاستطاعة إذا توقف إتيانه بفريضة الحج على وجود المال ولم يتمكن من الحج بغيره. [ المسألة 71: ] إذا كان المكلف مستطيعا للحج في الواقع وهو يعتقد انه غير مستطيع فحج بنية الحج المندوب فإن قصد في حجه امتثال الامر المتوجه إليه بالحج، صح حجه وكفاه ما اتى به عن حج الاسلام الواجب عليه، فإنه قد قصد بنيته - على وجه الاجمال - كلا من الامر المتعلق به بالفعل وهو الامر الوجوبي، والمأمور به المتعلق به بالفعل وهو حج الاسلام، وإن تخيل ان الامر هو الامر الندبي، وأن الحج هو الحج المندوب، وذلك من الاشتباه في التطبيق، وهو لا يضر بحصول الامتثال، وان قصد في حجه امتثال الامر الندبي على وجه التقييد صح حجه ولم يكفه عما في ذمته من حج الاسلام، وقد سبق نظير هذا في المسألة الثامنة والعشرين، في حج الصبي.

[ 43 ]

[ المسألة 72: ] لا يشترط في الاستطاعة المالية للحج ان يكون ملك المكلف للمال الذي يحج به ملكا لازما، فيكفي فيها أن يكون مالكا به ملكا شرعيا، ويمكنه أن يتصرف فيه وينفق منه لحاجته حتى يتم حجه وان كان ملكه للمال متزلزلا قابلا للفسخ، فإذا صالح المكلف أحد بمال يكفيه لنفقة الحج واشترط المصالح لنفسه خيار الفسخ الى مدة معلومة، ملك المكلف المال المصالح به وثبتت له الاستطاعة مع وجود الشروط، نعم، تبقى الاستطاعة مراعاة بعدم الفسخ من صاحب الخيار، فإذا فسخ المصالحة كان ذلك كاشفا عن عدم الاستطاعة من أول الامر، وكذلك إذا وهبه واهب اجنبي عنه مالا يكفيه للحج وأقبضه المال الموهوب فانه يكون بذلك مستطيعا، وان جاز للواهب أن يرجع بما وهب مادامت العين موجودة، وتكون استطاعته مراعاة عدم فسخ الواهب، كما سبق في نظيره، فإذا تصرف المكلف الموهوب له بالمال لزمت الهبة ولم يجز للواهب الفسخ كما ذكرناه في كتاب الهبة. ولا يبعد أن يكون التصرف في المال الموهوب واجبا على المكلف بعد تحقق الاستطاعة له ووجوب الحج عليه إذا انحصر في ذلك اداء الحج. [ المسألة 73: ] يعتبر في الاستطاعة المالية للحج أن يكون المكلف مالكا للمال الذي يحج به ملكا لازما أو متزلزلا، كما قلنا في المسألة الثانية والسبعين المتقدمة، ولا تتحقق الاستطاعة إذا أباح له مالك المال أن يتصرف فيه كما يشاء، سواء كانت الاباحة لازمة أم غير لازمة،

[ 44 ]

ومثال الاباحة اللازمة ان يشترط المكلف على المالك في ضمن أحد العقود اللازمة بينهما أن يبيح له التصرف في مبلغ معلوم من ماله، فإذا اباح المالك له التصرف في المبلغ وفاءا بشرطه، وكان المبلغ يكفيه لنفقة الحج لم تثبت له الاستطاعة بذلك، ولم يجب عليه الحج ما لم يملك المبلغ أو ما يعادله من وجه آخر. [ المسألة 74: ] الاستطاعة المالية هي ان يملك المال الذي يكفيه لنفقات سفره ونفقات حجه ونفقات عوده إلى وطنه على الوجوه التى تقدم ذكرها، وأن يكون متمكنا من التصرف في المال، وان يكون مال الاستطاعة باقيا في ملكه وفي نفوذ تصرفه حتى يتم حجه ويعود إلى وطنه. فإذا تلف المال أو تلف بعضه، أو سرق أو سرق بعضه، بحيث قصر الباقي منه عن الوفاء ببعض ما يحتاج إليه في الحج أو في العود، وكان التلف بسبب غير اختياري للمكلف، كشف ذلك عن عدم استطاعته من اول الامر. وإذا كان التلف بعد حضور أوان الحج والتمكن من المسير، وكان المكلف عامدا فيه، أو كان بتقصير منه، لم يزل حكم الاستطاعة عنه ولم يسقط عنه وجوب الحج واستقر في ذمته، وسيأتي انشاء الله تعالى ذكر مسائل وفروض تتصل بذلك وتتعلق به. [ المسألة 75: ] إذا ملك المكلف ما يكفيه للحج، وهو لا يعلم ان ما ملكه قد بلغ ذلك المقدار أم لا، ثم تلف المال بعد حضور أوان الحج وتمكنه من المسير، فإن كان التلف بتقصير منه لم يسقط عنه وجوب الحج، فإذا هو لم يحج في ذلك العام ولو متسكعا استقر الحج في ذمته، وإذا

[ 45 ]

كان التلف بغير تقصير منه سقط الوجوب عنه لعدم بقاء الاستطاعة. وكذلك إذا ملك المال وهو غافل عن انه قد ملك ما يكون به مستطيعا، وكانت غفلته مما لا يعذر فيها، لاهماله وعدم تحفظه، ثم تلف المال بعد التمكن من المسير إلى الحج، فيجري فيه التفصيل المتقدم. ويشكل الحكم في من يملك المال في الواقع، وهو يعتقد ان ماله لا يبلغ مقدار الاستطاعة، فهو لا يشك حتى يلزمه الاحتياط بالفحص عن استطاعته، وفي من يكون غافلا عن وجوب الاحتياط عند الشك بالفحص عن وجود الاستطاعة وعدمها الذي ذكرناه في المسألة الخامسة والستين، أو يكون غافلا عن مقدار ما عنده من المال غفلة يعذر فيها، فلا يترك الاحتياط في جميع هذه الفروض، وخصوصا إذا كان تلف المال بعد مضي موسم الحج. [ المسألة 76: ] إذا أوصى أحد للمكلف بمبلغ من المال يكفيه لنفقة الحج ثم مات الموصي، ملك المكلف المال الموصى به بعد موته وتحققت له الاستطاعة المالية ووجب عليه الحج إذا كانت بقية شروط الوجوب متوفرة، ولم يتوقف ذلك على قبول الموصى له ولا على قبضه للمال، وقد بينا في كتاب الوصية أن الوصية من الايقاعات على الاقوى لا من العقود، حتى إذا كانت تمليكية، فلا تتوقف صحتها على قبول الموصى له بل ولا على قبض المال، وذكرنا هذا في المسألة التاسعة والمسألة السابعة عشرة والمسألة التاسعة عشرة من الكتاب المذكور وأشرنا إليه في أول كتاب الزكاة وفي مواضع أخرى.

[ 46 ]

[ المسألة 77: ] قد استبان من مجموع ما تقدم: أن الحج يجب على المكلف إذا حصلت له الاستطاعة بالفعل، ولا يجب عليه ان يحصل الاستطاعة وإن كان قادرا على أن يحصل المال باختياره، فلا يجب على ذي الصنعة والحرفة أن يعمل في صنعته وحرفته حتى يجد المال ويحج به، وإذا احترفت وامتهن فحصل بذلك على المال الكافي له وجب عليه الحج، ولا يجب على المكلف أن يتجر فيربح ويستطيع ليحج، ولكنه إذا فعل ذلك فربح واستطاع وجب عليه الحج، ولا يجب عليه أن يستدين فيملك المال ويحج به، وإذا استدان وملك المال الكافي وسهل عليه وفاء الدين استطاع بذلك ووجب عليه الحج، ولا يجب عليه أن يستوهب من الآخرين مالا ليحج به، وإذا استوهب المال فاستطاع وجب عليه الحج، وكذلك إذا وهب له احد مبلغا فلا يجب عليه أن يقبل الهبة ويقبضها، ولكنه إذا قبل الهبة وقبض المال وحصلت له الاستطاعة وجب عليه الحج، وهكذا، والفارق بين المعنيين واضح لا خفاء فيه. [ المسألة 78: ] وتحصل الاستطاعة المالية أيضا للمكلف إذا بذل له مالك المال من ماله ما يكفيه لنفقة الحج، وما يحتاج إليه في السفر ذهابا وعودا حتى يتم أعماله ويرجع إلى وطنه، وما يحتاج إليه في الانفاق على عياله وأهله حتى يعود إليهم، فإذا قال له: حج وعلي جميع هذه النفقات التي تحتاج إليها في حجك، أو قال له: بذلت لك جميع نفقاتك لتحج بها، أو عين مبلغا من المال يكفيه لجميع ذلك، وقال له: حج بهذا المال، حصلت للمكلف الاستطاعة بهذا البذل ووجب عليه الحج،

[ 47 ]

وتسمى هذه بالاستطاعة البذلية، ويسمى النوع السابق الذي تقدم ذكره في المسائل الماضية: الاستطاعة الملكية. ولا فرق على الاقوى في حصول الاستطاعة البذلية بين أن يكون بذل المالك ماله للمكلف على سبيل التمليك له ليحج به، وأن يكون على نحو الاباحة لهذه الغاية، ولا فرق أيضا بين ان يبذل له عين الزاد والراحلة، وان يبذل له أثمانها وأعواضها ليشتريها أو يستأجرها، ولا فرق كذلك بين أن يحصل الوثوق للمكلف ببذل الباذل وان لا يحصل، ويستثنى من ذلك ما إذا لم يثق المكلف ببذله للمال حتى أوجب عدم الوثوق خوفا للمكلف على نفسه إذا سافر اعتمادا على مثل هذا البذل، فلا يجب عليه الحج في هذه الصورة لعدم حصول الاستطاعة في نظر العقلاء، وكذلك إذا عد السفر اعتمادا عليه تفريطا من المكلف في أمر عياله. وإذا أوجب عدم الوثوق ببذل الباذل شكا للمكلف في بقاء الاستطاعة البذلية وعدم بقائها، ولم يوجب له خوفا على نفسه عول على الاصول والطرق التي يتبعها العقلاء في امثال ذلك، كأصالة بقاء البذل، وأصالة بقاء المال، وأصالة السلامة، وأصالة الصحة، كما يعول على هذه الطرق والاصول إذا شك في بقاء استطاعته الملكية سواء بسواء، وإذا ظهر له خطأ هذه الطرق التي عول عليها فالمدار على الواقع في كلا الموردين، والنصوص دالة باطلاقها على وجوب الحج في جميع ذلك ما لم ينكشف الخلاف فيتبين له عدم الاستطاعة. [ المسألة 79: ] إذا ملك المكلف بعض نفقة الحج وبذل له احد بقية ما يحتاج إليه لنفسه ولعياله حتى يعود إليهم، أو بالعكس، وجب عليه الحج

[ 48 ]

وكانت استطاعته ملكية في بعضها وبذلية في بعضها الاخر، وإذا بذل له نفقة الذهاب إلى الحج له نفقة الرجوع وكان المكلف لا يملك ذلك، لم تتحقق له الاستطاعة ولم يجب عليه الحج، وكذلك إذا بذل له نفقة الحج ذهابا ورجوعا ولم يبذل له نفقة عياله واجبي النفقة عليه أو الذين يلزمه الحرج إذا لم ينفق عليهم، وكان المكلف لا يقدر على الانفاق عليهم إذا سافر للحج عنهم، فالظاهر عدم حصول الاستطاعة للمكلف بذلك وعدم وجوب الحج عليه. [ المسألة 80: ] إذا بذل احد للمكلف نفقة الحج على الوجه الذي يجب به الحج وكان المكلف مدينا، لم يمنع الدين من وجوب الحج عليه، وان كان وقت الدين حاضرا، بل وان طالب به دائنه، وإذا أمكن للمكلف أن يجمع بين الحج والتكسب لوفاء الدين في البلد أو في أثناء سفره وجب عليه الجمع بينهما، وإذا هو لم يقدر على الجمع بينهما، وأمكن له إذا هو لم يسافر إلى الحج أن يتكسب في البلد في البلد لوفاء الدين ولو تدريجا تعين عليه ذلك، ولم يجب عليه الحج ببذل الباذل على الاقوى. [ المسألة 81: ] إذا وهب احد للمكلف مبلغا من المال يكفيه لنفقة الحج، ولم يذكر في هبته انه انما يهبه المال ليحج به، لم يجب على المكلف قبول الهدية، وقد ذكرنا في المسألة السابعة والسبعين ان هذا من تحصيل الاستطاعة الملكية للحج فلا يكون واجبا على المكلف، وكذلك الحكم إذا وهب الواهب له مبلغا من المال، وجعل له الخيار في ان يحج به أو لا يحج، فلا يجب على المكلف قبول الهبة، وإذا قبل الهبة وقبض المال

[ 49 ]

الموهوب حصلت له الاستطاعة الملكية ووجب عليه الحج عند اجتماع باقي الشروط. وإذا وهب له ما يكفيه للحج ليحج بهذا المال الموهوب وجب على المكلف قبول الهبة، وكان ذلك من بذل المال للحج، فيكون بها مستطيعا للحج استطاعة بذلية ويجب عليه الحج، وقد تقدم ان الاستطاعة البذلية، منها ما يكون على سبيل الاباحة ومنها ما يكون على وجه التمليك. [ المسألة 82: ] قد يقف الرجل بعض أملاكه على أن تدفع منافعه لاحد يحج بها البيت، وقد يوصي المالك بأن يصرف ثلث ماله بعد موته أو يصرف شئ منه في أن يحج به البيت، وقد ينذر الشخص شيئا من ماله أن يصرف في هذا السبيل، فإذا وقف الواقف ماله كذلك وبذل متولي الوقف للمكلف من منافع الوقف ما يكفيه للحج، حصلت له الاستطاعة البذلية بذلك ووجب عليه الحج. وكذلك إذا بذل له الوصي من ثلث الموصي في الفرض الثاني أو بذل له المالك من ماله المنذور في الفرض الاخير فيجب عليه الحج لتحقق البذل. { المسألة 83: ] إذا أوصى شخص للمكلف من ثلث ماله بما يكفيه من النفقة ليحج بها، ثم مات الموصي بعد الوصية وجب على المكلف الحج لتحقق البذل بذلك. [ المسألة 84: ] إذا كان المكلف ممن يستحق الزكاة، فدفع إليه المالك مقدارا

[ 50 ]

من مال الزكاة يكفيه لنفقة الحج ونفقة عياله حتى يعود إليهم واشترط عليه أن يحج بها، فلا أثر لهذا الشرط على الاقوى إذا كان المبلغ الذي دفعه إليه من سهم الفقراء، ولا يكون بذلك من الاستطاعة البذلية، ولا يجب على الفقير قبض المبلغ، وإذا قبض المكلف الفقير مال الزكاة المذكور، وأصبح به مستطيعا للحج استطاعة ملكية وتحقق له باقي شرائط الاستطاعة وشرائط الوجوب، وجب عليه الحج. وكذلك الحكم إذا كان المكلف ممن يستحق الخمس، ودفع إليه المالك ما يكفيه لنفقته ونفقة عياله من مال الخمس، واشترط عليه أن يحج بالمال الذي دفعه إليه، فلا ينفذ هذا الشرط ولا تحصل للمكلف الاستطاعة البذليه بذلك، وإذا قبض المال وملكه وأصبح به مستطيعا استطاعة ملكية وجب عليه مع اجتماع الشروط. [ المسألة 85: ] ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة والثلاثين من كتاب الخمس انه لا يجوز أن يدفع إلى المستحق من الخمس ما يزيد على مؤنة السنة له ولعياله، ومن أجل ذلك فقد يتوهم أحد ان هذا الحكم يقتضي المنع من أن يدفع له من الخمس ما يكفيه لنفقة الحج في ذهابه وايابه مع نفقة عياله حتى يعود إليهم، كما قلنا في المسألة المتقدمة. ولكننا قد أوضحنا كذلك في المسألة المائة والواحدة من كتاب الخمس: ان مصارف الانسان في حجه تعد من مؤونته في سنته إذا هو حج فيها وكان مجموع تكاليفه ونفقاته في الحج بمقدار ما يتعارف له بحسب ما يليق بحاله ولا يزيد عليها، فلا تدافع بين المسألتين. [ المسالة 86: ] إذا كان الشخص ممن يستحق الزكاة فدفع إليه مالك المال ما

[ 51 ]

يكفيه للحج من سهم سبيل الله من زكاة ماله، وشرط عليه ان يحج بالمال الذي دفعه إليه، وقبل المستحق المال والشرط وجب عليه الحج، ولم يجز له ان يصرف المال الذي دفعه إليه في غير الحج، وان أشكل الحكم بصحة الشرط المذكور من المالك. [ المسألة 87: ] إذا بذل أحد نفقة الحج للانسان فأتى المبذول له بالحج اجزأه ما أتى به عن حج الاسلام، فإذا وجد الاستطاعة في ماله بعد أن حج ببذل غيره لم يجب عليه ان يحج مرة أخرى. [ المسألة 88: ] إذا بذلت للشخص نفقته على الوجه الذي تقدم بيانه وجب عليه الحج، سواء كان الباذل للنفقة واحدا أم متعددا، وسواء اشترك الباذلون في النفقة المبذولة فدفعوا له المبلغ الذي يكفيه وهو خمسمائة دينار مثلا، أم اختص كل واحد منهم بجانب منها، فبذل له احدهم نفقة الذهاب والآخر نفقة الرجوع، أو بذل احدهم له الزاد وبذل الثاني له الراحلة وبذل الثالث نفقة عياله. ويجب الحج على المكلف ببذل الباذل سواء كان الباذل نفسه قد حج أم لم يحج، بل وان استقر وجوب الحج في ذمته ولم يؤده بعد. ولا يجوز له البذل إذا وجب عليه الحج، وكان بذل المال للغير يوجب عدم قدرته على اداء الحج الواجب، أو يوجب تأخير قدرته على الحج إلى العام المقبل مثلا، وهذا إذا كان قادرا في نفسه على أداء الفرض غير عاجز عنه لمرض أو كبر سن ونحو ذلك. [ المسألة 89: ] يجوز لمن بذل نفقة الحج لغيره أن يرجع ببذله قبل أن يتلبس

[ 52 ]

المكلف المبذول له في الاحرام، بل ويجوز له أن يرجع ببذله بعد أن يدخل المكلف في الاحرام، إذا لم يكن البذل واجبا على الباذل بنذر وشبهه، وإذا رجع الباذل ببذله لم يجز للمكلف المبذول له ان يتصرف في المال بحج أو غيره. [ المسألة 90: ] إذا رجع الباذل بماله قبل ان يدخل المكلف المبذول له في الاحرام، وكان قد سافر اعتمادا على بذل المالك وانفق في سفره بعض المال، جاز له ان يرجع على الباذل بما أنفق في سفره إلى ذلك الموضع الذي وصل إليه في سفره، وبما يحتاج إليه من النفقة في عوده من ذلك الموضع إلى وطنه، فإن السفر والرجوع قد اوقعهما المكلف بأمر الباذل فيكون عليه ضمان نفقاتهما. [ المسألة 91: ] إذا رجع الباذل ببذله بعد أن احرم المكلف بنسكه، وكان المكلف غير مستطيع في ماله سقط عنه وجوب الحج لعدم الاستطاعة وجاز له العود إلى وطنه من ذلك الموضع، وكان له اخذ نفقة ذهابه إلى ذلك الموضع ورجوعه منه إلى وطنه الباذل كما قلنا. وإذا هو أتم حجه متسكعا أو أجيرا لم يكفه ذلك عن حج الاسلام. وإذا كان مستطيعا للحج من ذلك الموضع وجب عليه ان يستمر في احرامه حتى يتم نسكه ويكفيه ذلك عن حج الاسلام، والظاهر انه يجوز له ان يرجع بنفقة اتمام حجه وعوده على الباذل. [ المسألة 92: ] إذا وهب احد للمكلف مبلغا من المال ليحج به وقبل المكلف منه الهبة، فالظاهر انه يجوز للواهب ان يرجع بهبته للمال قبل الاحرام

[ 53 ]

وبعده ما لم تكن الهبة الذي رحم، أو يتصرف الموهوب له في المال تصرفا يغير به عين المال بحيث لا يكون معه المال قائما بعينه، كما هو الحكم في مطلق الهبة. وإذا رجع الواهب بهبته جرت الاحكام التي ذكرناها في رجوع الباذل ببذله. [ المسألة 93: ] قد يبذل المالك نفقة الحج لشخص واحد معين، فتحصل له الاستطاعة كما مر ذكره، ويجب عليه الحج، وقد يبذل المال لاحد شخصين لا على وجه التعيين، فيقول لعلي وجعفر مثلا: بذلت هذا المبلغ لاحدكما يحج به، وقد يكون بذله لاحد اشخاص ثلاثة أو أربعة أو أكثر على وجه يصدق معه أنه قد عرض الحج على احدهم، فإذا بذل المال لاحد الشخصين أو الاشخاص كذلك وجب عليهم السبق إلى قبض المال المبذول، فإذا سبق احدهم وقبض المال اختص به، وتحققت له الاستطاعة البذلية، ووجب عليه الحج وسقط التكليف عن الآخرين، وإذا ترك الكل مع تمكنهم جميعا من السبق ومن قبض المال استقر الحج عليهم جميعا. [ المسألة 94: ] إذا كثرت الجماعة الذين بذل المالك نفقة الحج لواحد منهم لا على التعيين، بحيث أن كثرتهم أوجبت عدم صدق عرض الحج في نظر اهل العرف، أو أوجبت الشك في صدق ذلك وعدمه ومثال ذلك أن يبذل الرجل نفقة الحج لاحد الافراد الذين لم يحجوا من أهل مدينة كربلاء، أو من بني تميم في البصرة، فالظاهر عدم الوجوب، إلا إذا سبق واحد منهم فقبض المال من الباذل، فإن الاستطاعة

[ 54 ]

تحصل له بذلك ويجب عليه الحج. [ المسألة 95: ] ذبح الهدي في حج التمتع أو نحره احد الواجبات الاختيارية في الحج، ولذلك فلا يتحقق بذل نفقة الحج للمكلف حتى يبذل الباذل له ثمن الهدي في ما يبذله من النفقة، ونتيجة لذلك فإذا بذل له نفقة الحج غير ثمن الهدي، ولم يكن المكلف واجدا لثمنه لم يجب عليه القبول ولم يجب عليه الحج، وان كان قادرا على صوم الايام العشرة بدل الهدي، وإذا كان المكلف مالكا لثمن الهدي وبذل له الباذل باقي نفقات الحج وجب عليه، وكانت استطاعته مركبة من ملك وبذل، وليست بذلية خالصة وقد أشرنا إلى هذا في المسألة الثامنة والسبعين. [ المسألة 96: ] إذا وجب عليه المكلف المبذول له بعض الكفارات في حجه أو في عمرته فهو على المبذول له ولا يجب على الباذل منه شئ. [ المسألة 97: ] إذا بذل احد للمكلف نفقة الحج على الوجه الذي تقدم بيانه وجب على المكلف ان يأتي من الحج بما هو وظيفته التي حددت له في شريعة الاسلام، فإذا كان المبذول له من أهل الآفاق التي تبعد عن مكة بخمسة وأربعين ميلا أو أكثر وجب عليه ان يأتي بحج التمتع، ولا يجب عليه إذا بذل له الحج القران أو الافراد أو بذل له العمرة المفردة. وإذا كان المبذول له من أهل مكة أو ما يقرب منها بما لا يزيد على المقدار المذكور وجب عليه أن يأتي بحج القران أو الافراد، ولا

[ 55 ]

يجب عليه إذا بذل له حج التمتع، وسنذكر تحديد هذه الوظائف في مبحث أقسام الحج - إن شاء الله تعالى -. [ المسألة 98: ] إذا كان المكلف قد أتى بالحج الواجب عليه في الاسلام ثم بذل له باذل نفقة الحج لم يجب عليه ان يحج مرة ثانية. [ المسألة 99: ] إذا استقر وجوب حجة الاسلام في ذمة المكلف ثم أعسر، ولم يتمكن من اداء الفرض الذي وجب عليه حتى متسكعا، وأصبح معذورا في التأخير بسبب عدم تمكنه، فإذا بذل له احد نفقة الحج وجب عليه أن يأتي بالحج الواجب عليه من قبل، وبذل الباذل إنما جدد له القدرة على امتثال ذلك الواجب بعد أن كان معذورا في تأخيره. وكذلك الحكم إذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف بنذر أو عهد أو يمين ثم عجز عن امتثاله - كما تقدم - وأصبح معذورا عنه، فإذا بذل له احد نفقة الحج وجب عليه أن يقوم بامتثال الامر السابق لتجدد القدرة له بهذا البذل. [ المسالة 100: ] إذا بذل أحد للانسان مبلغا من المال وجعل له الخيار بين أن يحج بالمال وأن يزور به الحسين (ع) مثلا أو خيره بين الحج به والتزويج، لم يجب على المبذول له القبول ولم تحصل له بذلك الاستطاعة البذلية فلا يجب عليه الحج، وإذا قبل منه المال المبذول وتملكه وكان المال وافيا بجميع ما يعتبر في الاستطاعة الملكية وجب عليه الحج، وقد تقدم نظير هذا في المسألة الحادية والثمانين.

[ 56 ]

[ المسألة 101: ] إذا قبض المكلف نفقة الحج من الباذل وسافر ليحج بها، فسرق المبلغ منه في اثناء سفره أو غصب منه أو تلف بغير تفريط من المكلف زالت استطاعته وكشف ذلك عن عدم وجوب الحج عليه من أول الامر، إلا إذا تحققت له الاستطاعة بملك مال آخر أو ببذل باذل، وإذا حصلت له الاستطاعة بملك مال آخر فلابد من وجود ما يعتبر فيها من الرجوع إلى كفاية بعد الحج. [ المسألة 102: ] إذا رجع الباذل ببذله - كما تقدم ذكره في بعض المسائل المتقدمة - وكان المكلف مستطيعا للحج ولو من الموضع الذي رجع فيه المالك بالبذل، وكان رجوعه قبل إحرام المكلف وجب عليه أن يحرم بالحج ويتم أعماله، سواء كانت استطاعته بالملك من حين البذل، أم بمال حصل له قبل الاحرام، أم ببذل باذل آخر، فيجب عليه أن يحرم بالحج في جميع هذه الصور، ويكون حجه هو حج الاسلام، وإذا كانت استطاعته بالملك فلابد فيها من الرجوع إلى كفاية - كما سيأتي ذكره -. وإذا رجع الباذل ببذله بعد إحرام المكلف بالحج، فإن كانت استطاعته لاتمام الحج موجودة من حين حصول البذل أو بمال حصل له قبل الاحرام وجب عليه اتمام الحج، وكفاه عن حج الاسلام، وإذا حصلت له الاستطاعة لاتمام الحج من ذلك الموضع بمال حصل له بعد الاحرام أشكل الحكم بوجوب الاتمام عليه، وبكفاية ذلك عن حج الاسلام، وتراجع المسألة التسعون وما بعدها.

[ 57 ]

[ المسألة 103: ] إذا بذل المالك للمكلف مقدارا من المال ليحج به وتخيل أن المقدار المبذول يكفيه للنفقة، ثم استبان له عدم وفائه بذلك، فإن كان البذل واجبا على الباذل بنذر وشبهه وجب عليه ان يتم بذل النفقة، وإذا كان البذل غير واجب عليه لم يجب عليه ان يتم النفقة للمكلف، فإذا هو لم يتم النفقة له لم تتحقق له الاستطاعة البذلية، وجرت عليه الاحكام التي ذكرناها في رجوع الباذل ببذله في المسائل السابقة. [ المسألة 104: ] إذا بذل الباذل للمكلف مالا معينا ليحج به، وبعد ان اتم المكلف حجه ظهر له ان المال المبذول له كان مغصوبا، لم يجزه ما أتى به عن حج الاسلام، وجاز لمالك المال ان يرجع بمثل ماله المغصوب منه أو بقيمته على الشخص الباذل، وله أن يرجع به على المكلف المبذول له، فإذا رجع المالك به على الباذل لم يكن للباذل أن يرجع بغرامته على المكلف المبذول له، وإذا رجع به على المبذول له جاز له - إذا كان جاهلا بالغصب - ان يرجع بغرامته على الباذل، لانه مغرور من قبله، ويشكل الحكم بجواز رجوعه على الباذل إذا كان عالما بان المال مغصوب. [ المسألة 105: ] إذا قال الباذل للمكلف اقترض لنفسك مبلغا من المال وحج به، وعلي وفاء القرض، لم يجب على المكلف ان يقترض ويحج بمال القرض بمجرد هذا القول، ولا يعد هذا من البذل الذي تحصل به الاستطاعة، وإذا اقترض المكلف اعتمادا على هذا الوعد من الرجل.

[ 58 ]

وكان المبلغ الذي استدانه مما تتحقق به الاستطاعة الملكية، وجب عليه الحج، واعتبر في استطاعته ان يرجع بعد الحج إلى كفاية. إذا قال له: اقترض لي مبلغا من المال وحج به، كان ذلك توكيلا له في الاقتراض، ولم يجب على المكلف ان يقترض المبلغ، ولكنه إذا عمل بالوكالة فاقترض المال للباذل تحققت له الاستطاعة البذلية، ووجب عليه ان يحج بالمال، وأجزاه ذلك عن حج الاسلام. [ المسألة 106: ] يستفاد من ظاهر قوله سبحانه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ان نفس القصد إلى البيت المعظم والسعي إليه واجب على من استطاع إليه سبيلا، فالآية الكريمة دالة على ان القصد إلى البيت واجب نفسي كبقية أعمال الحج، ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظاهر، ولذلك فلابد من التعبد بنفس القصد إلى البيت من حين احرام المكلف من الميقات، ولا يكفي ان يقع من المكلف على وجه ينافي التقرب، كما إذا أوقعه على وجه الحرام، أو على نحو الرياء أو السمعة، بل ولا على نحو الغفلة أو القهر. ولا ينافي ذلك ان ينضم إلى داعي التقرب بقصد البيت داع آخر كالتجارة، واجارة نفسه للخدمة والعمل للتكسب، على نحو يكون كل من قصد القربة والقصد الآخر داعيا مستقلا بنفسه صالحا للدعوة، ولا يكون التقرب بقصد البيت تبعيا، كسائر الضمائم التي لا تنافي القربة، وقد ذكرناها في مبحث النية من الوضوء والغسل وغيرهما من العبادات. ولا يستفاد من الآية الكريمة اكثر من وجوب ذلك تكليفا، فلا يبطل الحج إذا كان القصد من المكلف على غير وجه القربة.

[ 59 ]

[ المسألة 107: ] إذا آجر المكلف نفسه للخدمة، أو للسياقة، أو للطبخ في طريق الحج، أو لعمل صحي يقوم به في أثناء السفر أو لغير ذلك، بأجرة يكون بها مستطيعا للحج، وكانت اجارته على نحو لا ينافي قصد التقرب في مسيره إلى حج البيت كما بينا في المسألة المتقدمة، تحققت له الاستطاعة بذلك ووجب عليه الحج واجزأه فعله عن حج الاسلام. ويجوز للمكلف المستطيع في ماله ان يؤجر نفسه لبعض الاعمال الآنف ذكرها وهو في طريق الحج إذا كانت اجارته على الوجه المتقدم ذكره، ويجزيه ذلك في أداء الفرض. [ المسألة 108: ] إذا طلب من المكلف غير المستطيع أن يؤجر نفسه للخدمة أو للسياقة أو لاي عمل آخر، وبذل له من الاجرة ما يكون به مستطيعا للحج، لم يجب عليه قبول ذلك، ولا يكون به مستطيعا، وإذا وقعت الاجارة بينه وبين المستأجر على ذلك، وحصل الايجاب والقبول، ملك المكلف الاجرة، وتحققت له بها الاستطاعة كما بيناه، وإذا كان يملك سيارة أو يملك عبدا أو دابة أو غيرها، وكانت منفعة الشئ المملوك وافية باستطاعته، وجب عليه ان يؤجره ويحج بمال اجارته. [ المسألة 109: ] يجوز للمكلف غير المستطيع أن يؤجر نفسه ليحج نائبا عن غيره، ولا يكفيه ذلك عن حج الاسلام لنفسه، فإذا استطاع بعد ذلك، بملك أو ببذل وجب عليه الحج، وكذلك إذا حج عن غيره تبرعا، أو حج عن نفسه وهو غير مستطيع، فلا يجزيه ذلك عن حج الاسلام.

[ 60 ]

[ المسألة 110: ] إذا آجر الانسان نفسه ليحج نائبا عن غيره وكان مال الاجارة المدفوع إليه كافيا في استطاعة الحج لنفسه، حصلت له الاستطاعة المالية بذلك، فإن علم أو ظهر - ولو بواسطة القرائن الحافة - ان المقصود من اجارته ان يحج عن المنوب عنه في السنة الاولى وجب عليه ان يقدم حج النيابة في تلك السنة، فإن بقيت استطاعته إلى العام المقبل وجب عليه الحج لنفسه، وان ذهبت استطاعته سقط عنه وجوب الحج، وان علم أو ظهر من القرائن ان المقصود من الاجارة ان يحج عن المنوب عنه ولو في غير السنة الاولى قدم حجه لنفسه في السنة الاولى، وإذا كان صرف المال في الحج لنفسه يوجب عجزه عن الاتيان بالحج عن المنوب عنه لم يجز له تقديم حج نفسه. [ المسألة 111: ] يشترط في تحقق الاستطاعة للمكلف أن يوجد لديه ما يكفيه لمؤونة عياله في مدة سفره للحج حتى يعود إليهم، زائدا على نفقته في الذهاب والاياب، ويراد بالعيال هنا من تكفل الانسان به والتزم بالانفاق عليه، بحيث اصبح ممن يلزمه العسر والحرج إذا هو لم ينفق عليه، وان كان غير واجب النفقة عليه في الشريعة، كالاخ والاخت الصغيرين أو الكبيرين، والقريب واليتيم، بل والاجنبي الذي التزم بمؤونته وكان له الشأن الذي تقدم ذكره، فإذا لم يكن لدى المكلف ما يكفيه لمؤونتهم لم تحصل الاستطاعة ولم يجب عليه الحج، وهذا الشرط يعتبر في وجود الاستطاعة سواء كانت بملك المال أم ببذل الباذل.

[ 61 ]

[ المسألة 112: ] قد يعتاد بعض الناس على أن يكون له أضياف قليلون أو كثيرون ينفق من ماله في ضيافتهم وتكريمهم، ويصبح ذلك له من العادات المستمرة المستقرة التي يقع في العسر والحرج إذا تركها ولم يقم بها، والظاهر الحاق هؤلاء الضيوف بالعيال في الحكم المذكور، فيعتبر في استطاعة هذا المكلف أن يكون له ما يفي بنفقات ضيافتهم، إذا كان تركها يوجب له العسر والحرج كما ذكرنا، سواء كان الضيوف ممن يفدون عليه في اثناء سفره إلى الحج أم ممن يقصدون منزله في وطنه وهو غائب، إذا كان ذلك من شأنه وعادته. وكذلك الحكم في مصانعاته وجوائزه التي اعتاد ان يجريها لبعض الناس، بحيث يلزمه العسر إذا قطعها ولم يقم بها، ولا يعتبر ذلك في من لم يستقر له مثل هذا الاعتياد من الناس ولم يحصل له الشرط المذكور. [ المسألة 113: ] يشترط في استطاعة المكلف للحج زائدا على جميع ما تقدم ذكره ان تكون له وسيلة مهيأة لتعيشه والانفاق على نفسه وعلى عياله بعد رجوعه من سفر الحج بحيث لا يقع في ضيق أو حرج من أمره، سواء كانت الوسيلة التي يرجع إليها مالا، أم تجارة، أم زراعة، أم عقارا يؤجره، أم أرضا، أم بستانا يستثمره، أم صناعة وعملا يحترف به، أم أي وسيلة أخرى تناسب شأنه وتسد حاجته فلا تحصل له الاستطاعة ولا يجب عليه الحج إذا ملك نفقة الحج له ونفقة عياله أيام سفره ولم تكن له وسيلة يعتمد عليها في معيشته والنفقة على عياله بعد رجوعه من الحج.

[ 62 ]

[ المسألة 114: ] يعتبر وجود الشرط الآنف ذكره في استطاعة الانسان للحج إذا كانت بالملك ولا يعتبر وجوده في الاستطاعة التي تحصل بالبذل، فإذا كان المكلف غير مستطيع فيما يملك، وبذل له أحد نفقته للحج في الذهاب والاياب ونفقة عياله حتى يرجع إليهم وجب عليه الحج، وان لم يكن له شئ يعتمد عليه في تعيشه بعد عودته من السفر من مال أو حرفة. ويستثنى من ذلك ما إذا كان سفره - مع عدم رجوعه إلى كفاية - يوجب له العسر والحرج، فلا يجب عليه الحج وان كانت استطاعته ببذل أحد من الناس. وإذا ملك الانسان بعض نفقة الحج وبذل له الباذل باقي النفقة، فكانت استطاعته مركبة من ملك وبذل، فالظاهر اعتبار الشرط المذكور فيها، فلا تحصل له الاستطاعة ولا يجب عليه الحج حتى يكون ممن يرجع بعد سفره إلى كفاية، وقد اشرنا إلى هذا في المسائل المتقدمة. [ المسألة 115: ] يكفي في حصول الشرط الآنف ذكره أن تكون للمكلف وجاهة وشرف بين الناس يتمكن بواسطتهما من مزاولة الاعمال واجراء المعاملات بمضاربة ونحوها وتحصيل الرزق بذلك، وان لم يكن ذا مال أو حرفة يتكسب بهما بعد رجوعه، ويكفي لمن يكون من شأنه ان يتعيش من الحقوق الشرعية أو من الخيرات والمبرات ان يتهيأ له ذلك بعد رجوعه من سفر الحج، فإذا ملك الرجل مقدار نفقته للحج ونفقة عياله حتى يعود إليهم، وكان ممن يتهيأ له التعيش من تلك

[ 63 ]

الاسباب والابواب بعد عودته فقد حصل له شرط الاستطاعة ووجب عليه الحج. [ المسألة 116: ] إذا كان الرجل ذا حرفة يعول عليها في كسب رزقه كالبناء والنجار والحلاق والخياط، وحصل له من منافع حرفته مبلغ من المال يكفيه لنفقة الحج ولنفقة عياله حتى يعود إليهم، أو حصل له ذلك من ميراث دخل عليه أو من بعض الاسباب الاخرى، كان بذلك مستطيعا ووجب عليه الحج، وكفته حرفته التي يمتهنها في حصول شرط الاستطاعة الآنف ذكره، فهو يرجع بسبب حرفته إلى كفاية، وكذلك من تكون وسيلته في المعيشة أن يؤجر نفسه للنيابة عن الموتى في الصلاة والصيام والحج، فيكتسب بذلك رزقه، ومن تكون له حرفة وضيعة كالخادم والحمال وأصحاب الحرف الدنيئة. وإذا علم صاحب الحرفة انه بعد رجوعه من سفر الحج يكون عاجزا عن مزاولة حرفته واكتساب الرزق بها، ولم تكن له وسيلة اخرى يعول عليها كان فاقدا لشرط الاستطاعة، فلا يجب عليه الحج إذا ملك النفقة. [ المسألة 117: ] إذا ملكت الزوجة نفقة ذهابها إلى الحج ورجوعها وما تحتاج إليه في سفرها كانت مستطيعة للحج ووجب عليها، ويكفيها في حصول شرط الاستطاعة المتقدم ذكره ان يكون زوجها باذلا لها نفقتها بعد رجوعها من سفر الحج، فهي بذلك ممن يرجع إلى كفاية وان كان الزوج فقيرا غير موسر، وكذلك الحكم في الاب الفقير إذا اتفق له نظير هذا الفرض وكان ولده باذلا له نفقته بعد الرجوع، ومثله

[ 64 ]

الولد الفقير إذا جرى له مثل ذلك وكان أبوه باذلا لنفقته. بل وكذلك حكم غير هؤلاء من العيال المكفولين لغيرهم، إذا اتفق لهم نظير الفرض المتقدم فملك احدهم نفقة الحج للذهاب وألاياب وكان يطمئن بأن كافله يقوم بالانفاق عليه بعد الرجوع من الحج وان كان غير واجب النفقة عليه شرعا. [ المسألة 118: ] إذا كان الشخص ممن لا يقدر على الكسب اللائق بحاله وبشرفه وعلى اتخاذ الوسيلة لتحصيل رزقه إلا إذا كان له رأس مال يتجر به، أو يشتري به آلات وأدوات يحتاج إليها في حرفته أو صناعته أو زراعته، اشترط في استطاعته للحج ان يكون مالكا لرأس المال المذكور ليكون ممن يرجع بعد سفر حجه إلى كفاية، وممن يجد الوسيلة التي يكفل بها تحصيل رزقه. [ المسألة 119: ] يكفي في وجود الشرط المذكور لاستطاعة المكلف أن تكون له حرفة ووسيلة تكفيه في المعيشة يتخذها بعد عوده من سفره، وان لم تكن مثل حرفته الاولى أو أرفع منها، بل وان كانت أحط منها، إذا كانت مما تليق بشأنه، ولا توجب له عسرا ولا مشقة. [ المسألة 120: ] إذا وجد الانسان الاستطاعة المالية للحج، وتمت له شروطها ونواحيها وجب عليه حج البيت، ولا يتعين عليه ان يكون حجه من ماله، فإذا حج بنفقة غيره، أو حج متسكعا، أو متضيفا عند الناس حتى أتم أعماله صح حجه وكفاه في أداء الفرض.

[ 65 ]

[ المسألة 121: ] إذا غصب الانسان المستطيع في ماله مالا لغيره وحج به، فإن هو أجرى المعاملات في شراء الزاد والراحلة أو استئجارها، وفي شراء ما يحتاج إليه من النفقات والادوات والالات باعواض في الذمة - كما هو المتعارف في المعاملات الدارجة بين الناس - ثم دفع الاعواض التي جرت عليها المعاملات من المال المغصوب، صح حجه ظاهرا، وان كان آثما في تصرفه بمال الغير، واشتغلت ذمته بمثل المال أو قيمته للمالك المغصوب منه. وان هو أوقع المعاملات في شراء أعيان النفقة واستئجارها بعين المال المغصوب كانت المعاملات باطلة ولم يصح حجه إذا هو أحرم وطاف بالثوب المشترى بالمال المغصوب، وذبح في حجه الهدي المشترى به، وأثم وعصى في جميع أعماله وتصرفاته التي أوقعها على المال، وعلى الاعواض التي أخذها من أهلها بدلا عن المال، وفي سفره إلى البيت على الراحلة أو السيارة المشتراة أو المستأجرة بعين المال المغصوب وفي جميع تنقله عليها، وفي السكنى والاقامة في البيوت والمنازل المستأجرة به، وهكذا، مع ضمانه للمال الذي أتلفه، والاعواض التي جرت يده عليها. [ المسألة 122: ] يشترط في وجوب الحج على الانسان أن يكون مستطيعا للاتيان بالحج استطاعة بدنية، فإذا كان مريضا لا يقدر لمرضه على السفر إلى الحج، حتى راكبا في سيارة أو طائرة أو نحوها، لم يجب عليه الحج، وكذلك إذا كان سفره - وهو مريض - يوجب له الحرج والمشقة التي لا تتحمل عادة، فلا يجب عليه الحج، فإذا زال عنه

[ 66 ]

المرض المانع في العام المقبل، وبقيت له استطاعته المالية وجب عليه الحج، وكذلك إذا ذهبت استطاعته ثم تجددت. وبحكم المرض غيره من العوارض التي تطرأ على الانسان في بدنه كالضعف الشديد الذي لا يتمكن معه من السفر وأداء المناسك أو يكون السفر معه موجبا للعسر والحرج، فإذا عرض له ذلك في سنة استطاعته المالية لم يجب عليه الحج، وإذا ارتفع العارض ووجدت الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه. [ المسألة 123: ] إذا استقر وجوب الحج في ذمة الانسان استقرارا تاما - على ما قدمت الاشارة إليه وسيأتي تفصيله -، ثم عرض له بعد استقرار الوجوب عليه عارض لا يقدر معه على امتثال الواجب المستقر في ذمته، ولا يرجا زواله عنه، كمرض لازم أو كبر سن أو شلل أو زمانة أو ضعف شديد لا يرجا البرء منه، سقط عنه وجوب مباشرة الامتثال بنفسه، ووجب عليه أن يستنيب من يحج عنه، وكذلك إذا كان العارض الذي عرض له يوجب له العسر والحرج في مباشرة اداء الحج بنفسه ولا يرجا زواله، فيسقط عنه وجوب المباشرة وتجب عليه الاستنابة، وسنتعرض - ان شاء الله تعالى - في ما يأتي لتوضيح هذا المجمل، وتبيان مسائل تتعلق به وفروض تتفرع عليه، وتراجع المسألة المائة والثالثة والستون في بيان المراد من وصفنا للعذر بأنه مما لا يرجا زواله. [ المسألة 124: ] إذا ملك المكلف نفقة الحج، وعرض له في عام استطاعته عارض لا يتمكن معه من مباشرة الحج بنفسه، ولا يرجا زوال ذلك

[ 67 ]

العارض عنه - كما ذكرنا في المسألة المتقدمة - سقط عنه وجوب المباشرة، ولا يترك الاحتياط بالاستنابة، وكذلك إذا كان العارض يوجب له العسر والحرج في المباشرة، فيلزمه الاحتياط بالاستنابة ويسقط عنه وجوب المباشرة. [ المسألة 125: ] إذا عرض للمكلف الذي استطاع الحج في عامه عارض في بدنه من مرض أو كبر سن أو عذر آخر، واحتاج في سفره إلى الحج من اجل ذلك العارض إلى الركوب في سيارة مريحة من نوع مخصوص، أو في طائرة ونحو ذلك، وهو لا يجد من المال ما يكفيه لذلك، لم يجب عليه الحج، وكذلك إذا احتاج - لمرضه - إلى خادم يصحبه في سفره وهو لا يجد ما يكفيه من المال لذلك، فلا يجب عليه الحج، اما للعذر المائع في بدنه كما في المسألة السابقة، واما لعدم استطاعته مالا. [ المسألة 126: ] يشترط في وجوب الحج على الانسان ان يكون مستطيعا للاتيان بالحج من حيث الزمان ويراد من ذلك ان يكون الوقت متسعا لسفر المكلف إلى الحج، وللاتيان بجميع افعاله في مواضعها وأوقاتها المعينة لها في الشريعة، فإذا لم توجد له الاستطاعة المالية الا في وقت يضيق عن ذلك ولا يتسع له، لم يجب عليه الحج في ذلك العام، وكذلك إذا لم تحصل له الاستطاعة المالية إلا في وقت يكون السفر فيه للحج لتضيقه موجبا للعسر والحرج الذي لا يتحمل عادة، فلا يجب عليه في ذلك العام، فإن بقيت استطاعته الى العام المقبل وجب عليه الحج، وان ذهبت الاستطاعة لم يجب.

[ 68 ]

[ المسألة 127: ] يشترط في وجوب الحج على الانسان أن يكون مستطيعا له من حيث تخلية السرب، وعدم المانع فيه، والسرب هو الطريق الذي يسلكه المكلف في سفره الى البيت، فيعتبر أن لا يكون طريقه ممنوعا لا يمكنه السفر فيه إلى الغاية المقصودة، سواء كان المنع خاصا بالمكلف أم عاما له ولغيره، وكذلك الحكم إذا كان الطريق غير مأمون فيخاف الشخص في سلوكه على نفسه أو على بدنه أو على عرضه أو على ماله أو على بعض من يتعلق به ويهمه أمره، فإذا لم يمكنه السفر لوجود ما يمنعه من السفر في الطريق أو للخوف وعدم الامن فيه، فهو غير مخلى السرب ولا يجب عليه الحج. وإذا استطاع السفر في طريق آخر لا خوف ولا منع فيه وجب عليه الحج منه، وان كان أبعد شقة وأكثر مؤنة، إلا إذا قصرت استطاعته المالية عن ذلك، فلا يجب لعدم الاستطاعة. [ المسألة 128: ] الاستطاعة من حيث تخلية السرب والامن فيه شرط واقعي لوجوب الحج على المكلف، كما يظهر من الادلة المعتبرة في المسألة، وخوف المكلف من سلوك الطريق على ماله أو على عرضه إنما هو امارة على انه غير مأمون، وان المكلف غير مخلى السرب كما أشترط في الادلة، فإذا خاف على ماله أو على عرضه من سلوك الطريق وترك الحج في عامه من أجل ذلك كان معذورا في تركه بحسب الظاهر لوجود الامارة الدالة وهي الخوف، وإذا تبين له بعد ذلك انه لا خوف عليه في السفر، وأنه مخلى السرب في الواقع، استقر وجوب الحج في ذمته على الاقوى لتحقق شرط الوجوب في الواقع، ووجب عليه

[ 69 ]

أن يحج ولو متسكعا. وكذلك الحكم على الاحوط إذا خاف على نفسه من التلف إذا هو سلك الطريق، فإذا تبين له بعد ذلك أنه لا خوف عليه استقر وجوب الحج في ذمته كما تقدم، وان كان السفر محرما عليه في هذه الصورة، فإن الحرمة فيها ناشئة من جهل المكلف بالامر الواقع، فلا تكون نافية للاستطاعة، إذا قلنا بأن الحرمة تنفي الاستطاعة. [ المسألة 129: ] إذا استطاع الشخص أن يحج البيت من طريق طويل، يدور فيه في عدة بلاد أو عدة قارات ثم يصل منها إلى مكة ويؤدي الفريضة، ووجد الاستطاعة التامة لذلك، من حيث المال ومن حيث صحة البدن ومن حيث اتساع الوقت ومن حيث الامان وتخلية السرب، ومثال ذلك أن يتوقف حج المسلم التركي للبيت على أن يسافر الى عدة بلاد من الغرب ويطوف في عدة أقطار أو قارات أخرى يتنقل ما بينها حتى يصل إلى مكة ويحقق الغاية، فإذا هو استطاع ذلك من حيث المال واجتمعت له نواحي الاستطاعة الاخرى، وجب عليه الحج وان كان له طريق آخر أقرب منه ولكن السفر فيه ممنوع، أو غير مأمون لبعض الجهات التي توجب الخطر أو الخوف. [ المسألة 130: ] إنما يكون خوف الشخص على ذهاب ماله في الطريق مخلا بشرط الاستطاعة إذا كان ذهاب ذلك المال مما يضر بحاله، بحيث يعد مع خوفه وعدم أمنه على ذلك المال غير مخلى السرب في نظر العقلاء وان كان غير مال استطاعته، ولا يضر إذا كان المال الذي

[ 70 ]

يخشى ذهابه قليلا لا يضر تلفه بحاله، ولا يصدق مع خوفه عليه انه غير مخلى السرب. ولا يضر بأمن الطريق أن يتعرض له عدو فيه ببعض الحركات والافعال التي تزعجه أو تزعج بعض متعلقيه، إذا كان آمنا من وقوع محاذير ومخاوف لا تتحمل عليه أو على من يعنيه أمره. [ المسألة 131: ] إذا كان الانسان ممن يستطيع الحج، وكان سفره عن بلده إلى الحج يستلزم تلف مال له في البلد غير مال استطاعته، وكان تلف ذلك المال يوجب له عسرا أو حرجا، أو يوجب له ضررا يعتد به، أو كان سفره يستلزم حدوث ضرر له في نفس أو بضع، لم يجب عليه الحج. [ المسألة 132: ] إذا نذر المكلف أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة من هذه السنة، وكان غير مستطيع للحج في حال نذره، ثم وجدت له الاستطاعة المالية للحج بعد النذر وقبل حلول أوان الحج، انعقد نذره على الاقوى ووجب عليه أن يزور الحسين (ع) في اليوم المعين، ولم تتحقق له استطاعة الحج بمجرد حصول نفقته، فلا يجب عليه الحج. وكذلك الحكم إذا نذر أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة من كل سنة، وكان حين نذره غير مستطيع للحج، فينعقد نذره ويجب عليه الوفاء به فيزور الحسين (ع) في اليوم المعين من كل عام، فإذا اتفق أن وجدت له الاستطاعة المالية للحج في بعض السنين لم تتحقق

[ 71 ]

له الاستطاعة بمجرد ذلك، ولم يجب عليه الحج، لسبق النذر واشتغال ذمته بالفعل المنذور. ونظير ذلك في الحكم ما إذا نذر الشخص - وهو غير مستطيع للحج - إن شفى الله ولده من مرضه، أو إن قدم أخوه من سفره سالما أن يتصدق بمبلغ معين من المال شكرا لله على ذلك، ثم تحقق له الامر الذي علق عليه نذره، فشفى الله المريض أو قدم المسافر، وملك المبلغ المعين وكان المبلغ الذي حصل له يكفيه لنفقة الحج وحدها، أو للوفاء بالنذر وحده، ولا يفي بهما معا، وجب عليه أن يفي بالنذر لسبقه كما مر في نظيره، ولم تتحقق له الاستطاعة للحج بملك ذلك المال، وإذا سبقت له الاستطاعة المالية للحج فملك نفقته أولا، ثم نذر بعد حصولها أن يزور الحسين (ع) في يوم عرفة لم ينعقد نذره ووجب عليه الحج، ومثله الحكم في الفرض الاخير، فلا ينعقد نذره ويجب عليه الحج إذا كانت استطاعته للحج سابقة على النذر. [ المسألة 133: ] إذا حصلت الاستطاعة المالية للحج عند المكلف، واجتمعت لديه شروطها وجميع ما يعتبر فيها، وكان ذهابه إلى الحج يستلزم ترك واجب فوري من الواجبات الشرعية، بحيث لا يتمكن المكلف من أن يجمع بين الحج وذلك الواجب الفوري، وقع التزاحم ما بين الواجبين، فيقدم الاهم منهما وهو ما ثبت في الادلة الشرعية انه أكبر منزلة عند الشارع وأشد تأكدا في مقام الامتثال، وإذا لم يتضح من الادلة ذلك قدم ما هو محتمل الاهمية منهما، وإذا لم يستبن من الادلة الشرعية شئ من ذلك كان الخيار للمكلف في تقديم أي

[ 72 ]

الواجبين أراد. وكذلك الحكم إذا كان سفر المكلف إلى الحج يستلزم ارتكاب محرم شرعي، فيقدم من الامرين ما ثبت من الادلة أن الاهتمام به أبلغ وأشد، ثم ما هو محتمل الاهمية وإذا لم يتضح من الادلة شئ تخير المكلف في تقديم أي الامرين شاء. [ المسألة 134: ] إذا وجدت الاستطاعة المالية للحج عند المكلف كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، وكان مضيه إلى الحج يستلزم ترك واجب شرعي يكون فعله أهم من الحج أو هو محتمل الاهمية منه، فأخر الحج عن العام الاول للعذر الشرعي المذكور، لم يستقر الحج في ذمته بمضي ذلك العام، فإن بقيت استطاعته المالية إلى العام المقبل وجب عليه الحج فيه، وان ذهبت الاستطاعة لم يجب، وكذلك إذا استلزم سفره إلى الحج فعل محرم يكون تركه أهم من الحج أو هو محتمل الاهمية، فيجري فيه القول المذكور. [ المسألة 135: ] إذا استقر وجوب الحج على الانسان، وثبت في ذمته من عام - سابق، وقد أخر الحج عنه لعذر أو لغير عذر، ثم اراد السفر في العام اللاحق لاداء الفرض، وكان مضيه إلى الحج في العام اللاحق يستلزم ترك واجب فوري أو فعل محرم، جرى فيه الحكم السابق بعينه، فيجب عليه أن يقدم من الامرين ما هو أكثر أهمية عند الشرع، ثم ما هو محتمل الاهمية منهما، فإذا هو أخر الحج لهذا العذر الشرعي كان معذورا في تأخيره عن هذا العام، ووجب عليه الحج في العام المقبل بعده ولو متسكعا، فإن وجوب الحج قد استقر

[ 73 ]

في ذمته بحسب الفرض. [ المسألة 136: ] إذا وجدت الاستطاعة المالية لدى المكلف، وكان في الطريق عدو يمنع من السفر إلى الحج، وتوقف دفعه على بذل مبلغ من المال يوجب دفعه ضررا على المكلف، لم يجب على المكلف دفع المال ولم يجب عليه الحج، وكذا إذا كان دفع المبلغ إليه يوجب للمكلف عسرا وحرجا، وإذا تحمل المكلف الضرر أو الحرج فدفع المال للعدو وحج، فالظاهر صحة حجه واجزاؤه عن فرض الاسلام إذا كانت استطاعته لا تزال باقية. [ المسألة 137: ] إذا توقف ارتفاع المانع عن السفر إلى الحج على دفع مال في بعض الوجوه المحرمة في الاسلام كان المورد من صغريات المسألة المائة والثالثة والثلاثين، فإذا كان وجوب الحج أهم من حرمة دفع المال في ذلك السبيل وجب الحج على المكلف، ولزمه دفع المال لرفع المانع، وإذا كانت حرمة دفع المال في ذلك الوجه أهم من وجوب الحج حرم على المكلف دفع المال وسقط عنه وجوب الحج، وقد تقدم أن المتبع في أثبات ذلك هو الدليل الشرعي، وإذا قدم المكلف الحرام في هذه الصورة فدفع المال في الجهة المحرمة وسافر حتى أتم حجه، فالظاهر صحة حجه إذا أتى به على الوجه المطلوب وإجزاء ما أتى به عن حج الاسلام إذا كانت استطاعته للحج لا تزال باقية، وان كان آثما في تقديم الحرام. [ المسألة 138: ] إذا آجر الانسان نفسه لبعض الاعمال التي لا يقدر معها على

[ 74 ]

الاتيان بالحج كالسائق يؤجر نفسه للسياقة عند أحد طوال شهر ذي الحجة، وكالرجل يؤجر نفسه للنيابة في زيارة الحسين (ع) في يوم عرفة، وكان غير مستطيع للحج في حال اجار نفسه، ثم حصلت له الاستطاعة المالية للحج بعد الاجارة المذكورة لم تتحقق له الاستطاعة بذلك، لسبق الاجارة ولم يجب عليه الحج. [ المسألة 139: ] لا فرق في وجوب حج البيت على المكلف إذا استطاع إليه سبيلا بين أن يكون سفره إليه في طريق البر وطريق البحر وطريق الجو، إذا وجد الاستطاعة التامة له وتوفرت لديه شروطها، فيختار الانسان منها ما شاء إذا امكن له السفر منها جميعا، ويتعين الطريق إذا انحصر إمكان السفر فيه. [ المسألة 140: ] إذا انحصر إمكان السفر في طريق البحر مثلا أو في طريق الجو، وشك المكلف في حصول الضرر له إذا سافر في ذلك الطريق، كفى في اثبات وجود الضرر أن يحصل له الخوف الذي يعتد به العقلاء في مثله، فإذا حصل له الخوف الذي يعتنون به ويحذرون بسببه من سلوك ذلك الطريق، لم يجب عليه الحج، وإذا شك في وجود مانع آخر في الطريق غير الضرر وجب عليه السفر ولم يعتن بوجود هذا الاحتمال. [ المسألة 141: ] لا يشترط في استطاعة المرأة للحج أن يكون معها من يصحبها في حجها من محارمها، فإذا ملكت ما تحج به من النفقة وكانت آمنة على نفسها وعلى مالها وجميع شؤونها وجب عليها الحج وإن كانت

[ 75 ]

منفردة ليس معها قريب، وإذا هي لم تأمن على بعض ذلك اشترط في وجوب الحج عليها أن تصحب من تأمن بصحبته، سواء كان قريبا لها أم أجنبي عنها، ولو باستئجاره للسفر معها إذا كانت قادرة على ذلك، فإذا لم تجد من تأمن به، أو لم تجد المال الذي تستأجره به لصحبتها لم تكن مستطيعة ولم يجب عليها الحج، ولا فرق في الحكم بين المرأة ذات الزوج وغيرها. وإذا حجت وهي غير آمنة ولم تصحب من تأمن بصحبته لم يكفها ما أتت به عن حج الاسلام، إلا إذا أمنت وزال الخوف عنها قبل الدخول في الاحرام حتى أتمت الاعمال فيكفيها ذلك. [ المسألة 142: ] لا يشترط في تحقق الاستطاعة للمرأة المتزوجة أن يأذن لها زوجها بالحج، فإذا هي ملكت نفقة الحج تامة تحققت لها الاستطاعة ووجب عليها الحج مع اجتماع الشرائط، وصح لها أن تحج وان لم يأذن لها الزوج بذلك، ولا يجوز للزوج أن يمنعها منه، بل يصح لها أن تحج وان منعها. ويجوز للزوج أن يمنعها من المبادرة إلى السفر إذا كان وقت الحج موسعا، فيحق له أن يمنعها من السفر مع القوافل السابقة إذا أمكن لها أن تتأخر وتدرك الحج مع القوافل اللاحقة، وإذا لم يمكن لها أن تسافر مع القافلة اللاحقة لعدم الامن معها أو لسبب آخر لم يجز له أن يمنعها من السفر مع القافلة السابقة. ويجوز له أن يمنعها من السفر مع بعض القوافل إذا كان لا يطمئن على سلامتها من السفر معه، فتلتحق بالقوافل الاخرى المأمونة.

[ 76 ]

[ المسألة 143: ] لا فرق في الاحكام الآنف ذكرها بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها، فلا يشترط في استطاعتها أن يأذن لها الزوج، ولا يحل له منعها من الحج إذا استطاعت، ولا تجوز لها اطاعته إذا منعها من تأدية الواجب الا إذا كان وقته موسعا، ولا فرق في الزوج بين من يمكن له الاستمتاع بالزوجة ومن لا يمكن له ذلك لمرض أو ضعف أو غيبة أو غيرها، وكذلك الحال في الحج الواجب بالنذر، أو بسبب آخر إذا كان وقته مضيقا، فتجري فيه الاحكام التي ذكرناها. [ المسألة 144: ] يعتبر في صحة الحج المندوب من المرأة المتزوجة أن يأذن لها زوجها به، فلا يصح حجها ندبا بغير اذنه، ويحرم عليها إذا منعها من الاتيان به، ولا فرق بين أن يكون حجها منافيا لحق الاستمتاع بها وعدم منافاته ولا بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها. [ المسألة 145: ] المرأة المطلقة من زوجها طلاقا رجعيا بحكم الزوجة، فتجري فيها جميع الاحكام الآنف ذكرها في المسائل المتقدمة ما دامت في العدة الرجعية من زوجها، ولا تجري الاحكام في المطلقة منه طلاقا بائنا، وان كانت حاملا من الزوج. ولا صلة بين الرجل والمرأة وهي في عدة وطء الشبهة منه، فلا يجري فيها شئ من الاحكام المتقدمة، ولا تمنع المرأة المعتدة لوفاة زوجها من الحج، فإذا استطاعت وجب عليها الحج وصح وقوعه منها، وكذلك إذا لزمها الحج بنذر أو عهد أو يمين أو إفساد أو بسبب آخر فلا تمنع بسبب عدة الوفاة من جميع ذلك، ويجوز لها أن

[ 77 ]

تخرج إلى حج مندوب أو عمرة مندوبة وهي في أثناء عدتها. [ المسألة 146: ] إذا ملك الولد البالغ العاقل نفقة الحج ووجدت معها شروط الاستطاعة على الوجه الذي تقدم تفصيله وجب عليه حج الاسلام، ولم تتوقف استطاعته على إذن أبيه له بالحج، ولا على إذن أمه، ويصح حجه إذا أتى به على الوجه المطلوب وان لم يأذنا له، بل وان منعاه منه وكان نهيهما له عن شفقة، فلا تجب عليه اطاعتهما في ذلك، وكذلك الحكم في البنت البالغة العاقلة إذا كملت لها شروط الاستطاعة، وقد ذكرنا في المسألة السادسة والعشرين حكم استئذان الولد البالغ أباه في الحج المندوب، وذكرنا عدم صحة حجه إذا نهاه احد أبويه أو كلاهما عن الحج المندوب لسبب عقلائي يوجب النهي، أو كان سفره إلى الحج يشتمل على خطر ونحوه يوجب ايذاءهما وعقوقهما أو عقوق أحدهما، فلتراجع المسألة المشار إليها وما بعدها. [ المسألة 147: ] إذا اعتقد الشخص أنه قد أدرك وبلغ الحلم، وان شروط وجوب الحج قد توفرت له فحج بقصد الوجوب، ثم تبين له بعد أن أتم الحج انه كان في وقت حجه صغيرا لم يبلغ الحلم، لم يكفه ما أتى به عن حج الاسلام، فإذا بلغ بعد ذلك واجتمعت له بقية الشروط وجب عليه أن يأتي بالحج. وكذلك إذا اعتقد أنه حر وان شروط وجوب الحج قد اجتمعت له فحج بقصد الوجوب، ثم ظهر له بعد الحج انه عبد مملوك في حال حجه فلا يكفه ذلك عن حج الاسلام، فيجب عليه الحج إذا أعتقه مالكه، ووجدت بقية الشروط.

[ 78 ]

[ المسألة 148: ] إذا حج الشخص الذي وجدت له الاستطاعة واجتمعت فيه شروطها وهو يعتقد انه لا يزال صغيرا لم يبلغ الحلم، ثم علم بعد أن أتم الحج انه كان بالغا في حال حجه، فإن كان قد نوى بحجه امتثال الامر المتوجه إليه بالفعل، كفاه ما أتى به عن فرض الاسلام ولم تجب عليه الاعادة، وان قصد بحجه امتثال الامر بالحج المندوب لم يكفه عن الفريضة ووجبت عليه الاعادة، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثامنة والعشرين، وإذا نوى بحجه امتثال الامر الوجوبي المتوجه بحج الاسلام أشكل الحكم بصحة ما أتى به، والاحوط لزوما الاعادة. وكذلك إذا حج وهو يعتقد انه عبد مملوك ثم علم بعد ما أتم حجه انه كان حرا في حال حجه، فتجري فيه الفروض التي ذكرناها، ويثبت لكل فرض منها حكمه الذي بيناه له. [ المسألة 149: ] إذا وجدت في الشخص شروط وجوب الحج من البلوغ والعقل والحرية، وتحققت له وجوه الاستطاعة التي ذكرناها في المسائل الماضية، ولكنه كان يعتقد انه صغير السن لم يبلغ الحلم، أو يحسب انه عبد مملوك لم يتحرر، فترك الاتيان بالحج لاعتقاده بذلك حتى مضى وقت الحج، ثم تلف المال أو زالت بعض نواحي الاستطاعة عنه، وعلم بالحال بعد ذهاب الاستطاعة أو قبله، فالظاهر ان وجوب الحج قد استقر في ذمته، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا، وسيأتي ان شاء الله تعالى بيان الوقت الذي يستقر به الحج في ذمة المكلف إذا مضى والشرائط لديه مجتمعة.

[ 79 ]

[ المسألة 150: ] إذا ملك الشخص مقدارا من المال، وتخيل أن المقدار الذي ملكه يكفيه لنفقة الحج ونفقة عياله في سفره إلى الحج حتى يعود إليهم، فسافر وأتى بالحج بناءا منه على ما يعتقد، ثم تبين له بعد أن أتم الحج أن المال لا يكفيه لذلك ولا يحقق له الاستطاعة، لم يجزه ما أتى به عن حج الاسلام على الاقوى، فإذا حصلت له الاستطاعة بعد ذلك وجب عليه الحج. [ المسألة 151: ] إذا ملك الانسان مقدارا من المال واعتقد أن المبلغ الذي ملكه لا يكفيه للحج ولا يحقق له الاستطاعة المالية فترك الحج ولم يأتي به، ثم استبان له بعد أن مضى وقت الحج أن ما ملكه يكفيه للحج وانه كان مستطيعا، فالظاهر أن الحج قد استقر في ذمته، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا. [ المسألة 152: ] إذا وجد المكلف الاستطاعة المالية للحج، واعتقد أن صرف المال في الحج لا يوجب له ضررا ولا يوقعه في حرج، فسافر وأتى بالحج بانيا على صحة اعتقاده ثم ظهر له بعد أن أتم الحج خطأه في الاعتقاد، وان صرف ما لديه من المال قد أوقعه في الضرر أو الحرج، فالظاهر صحة حجه واجزاء ما أتى به عن حج الاسلام. [ المسألة 153: ] إذا ملك الانسان ما يكفيه من المال لنفقة الحج، ولكنه اعتقد أن طريقه إلى الحج غير مأمون من الخطر، أو اعتقد وجود الضرر أو الحرج عليه في مسافرته إلى الحج فترك الحج لذلك، ثم ظهر له

[ 80 ]

خطأه في الاعتقاد، وان طريق الحج كان مأمونا لا خوف فيه ولا خطر، وأنه لا ضرر عليه في السفر ولا حرج لو انه سافر في تلك الحال، فالظاهر أن وجوب الحج قد استقر في ذمته بذلك، فيجب عليه أن يحج ولو متسكعا. [ المسألة 154: ] إذا وجدت في الشخص شروط وجوب حج الاسلام من بلوغ وعقل وحرية، وتحققت له وجوه الاستطاعة في المال وصحة البدن واتساع الوقت وتخلية السرب، ثم ترك الحج متعمدا استقر وجوب الحج في ذمته بلا ريب، إذا بقيت استطاعته إلى الوقت الذي يستقر بمضيه وجوب الحج في الذمة وسيأتي ذكره. [ المسألة 155: ] إذا حصلت للغلام جميع نواحي الاستطاعة فحج قبل أن يبلغ الحلم عامدا وقصد بفعله امتثال الامر المتعلق بحج الاسلام لم يكفه ذلك عن الفرض، وان تحقق له بلوغ الحلم في أثناء حجه وقبل أحد الموقفين على الاقوى، فيجب عليه الحج إذا بلغ وحصلت له شروط الوجوب والاستطاعة بعد البلوغ، وإذا اجتمعت للعبد المملوك نواحي الاستطاعة فحج وهو لا يزال مملوكا لم يجزه ذلك عن الحج الواجب، ويستثنى من ذلك ما إذا انعتق في اثناء الحج فأدرك الموقفين أو أدرك أحدهما وهو حر، فيجزيه ما أتى به عن الفرض ولا تجب عليه الاعادة، وقد سبق ذكر هذا في المسألة الحادية والثلاثين. [ المسألة 156: ] إذا وجدت في المكلف شروط وجوب الحج من البلوغ والعقل والحرية وكان غير مستطيع من جهة المال، وحج بقصد امتثال

[ 81 ]

فرض الاسلام، لم يكفه ذلك عن حج الفريضة، فإذا حصلت له الاستطاعة المالية بعد ذلك ووجدت له النواحي الاخرى من الاستطاعة وجب عليه أن يأتي بالفرض. [ المسألة 157: ] إذا كان في طريق المكلف إلى الحج عدو لا يندفع إلا بالمال، فإن كان المال الذي يطلبه العدو مما لا يضر دفعه بحال المكلف ولا يوجب له عسرا ولا حرجا، وجب على المكلف دفع المال إليه ولم يسقط عن المكلف وجوب الحج بذلك، وان كان دفع المال مما يضر بحال المكلف أو يوجب له العسر أو الحرج لم يجب على المكلف دفع المال وسقط عنه وجوب الحج، ولكنه إذا احتمل الضرر أو الحرج على نفسه ودفع المال إلى العدو وحج، اجزأه ذلك عن الفرض إذا كانت استطاعته المالية باقية. [ المسألة 158: ] إذا انحصر طريق الحج في ركوب البحر، وخاف المكلف على نفسه من الغرق أو من حدوث مرض شديد، وكان خوفه مما يعتني العقلاء بمثله ويحذرون عاقبته سقط عنه وجوب الحج كما ذكرناه في المسألة المائة والاربعين، وكذلك إذا كان خوفه شديدا يوجب له الوقوع في الحرج لشدته وان لم يكن سببه مما يعتني به العقلاء، ويشكل الحكم بسقوط وجوب الحج عنه إذا استلزم سفره في البحر الاخلال بصلاته، وخصوصا إذا استلزم سفره الاخلال بالصلاة الاختيارية والاتيان بابدالها الاضطرارية، كالصلاة مع الطهارة الترابية، أو الصلاة جالسا، ونحو ذلك مما هو وظيفته شرعا عند العذر، ويشكل كذلك إذا كان سفره في البحر يستلزم

[ 82 ]

أكل المحرم أو أكل النجس أو شرب النجس، الا إذا ثبت أن حرمة هذه الامور على المكلف أشد أهمية وتأكدا في نظر الشارع من وجوب الحج عليه، أو هي محتملة الاهمية منه، ولم يثبت ذلك من الادلة، وقد تعرضنا لهذا في المسألة المائة والثالثة والثلاثين، فلتراجع. [ المسألة 159: ] إذا ملك الانسان نفقة الحج وتمت له انحاء الاستطاعة في عامه وكان عليه حق شرعي واجب من زكاة أو خمس أو غيرهما من الحقوق الواجبة، وجب عليه اخراج الحق الشرعي الذي اشتغلت به ذمته، أو الذي تعلق بماله ولم يجز له تأخير اخراجه من غير عذر يسوغ له ذلك، وليس من الاعذار له في التأخير أن يكون مالكا لنفقة الحج ويقدم الحج على اداء الحق، وإذا هو سافر إلى الحج وترك اداء الحق كان عاصيا آثما في تأخير الحق، وإذا أتى بالحج وكانت نفقته في الحج ونفقة عياله مما لم يتعلق به الحق الواجب، أو كانت مما تعلق به الحق وقد أداه منها خاصة كان حجه صحيحا. ولا يصح حجه إذا كانت ثياب احرامه، أو ثياب طوافه، أو ثمن هديه من المال الذي تعلق به الحق، وكذلك الحكم إذا كان وجوب الحج قد استقر في ذمته من عام سابق، وكانت عليه الحقوق الآنف ذكرها في ذمته أو في أعيان ماله. ولا يحل له التصرف في المال الذي تعلق به الحق، فينفق منه في سفر أو حضر أو في نفقة حج أو غيره، وان بقي من المال مقدار ما فيه من الخمس أو الزكاة، وتراجع المسألة الثالثة والستون والمسألة السادسة والستون.

[ 83 ]

[ المسألة 160: ] ذكرنا في المسألة المائة والثالثة والعشرين أن المكلف الذي استقر وجوب الحج في ذمته من عام سابق، إذا عرض له عارض في بدنه يمنعه من الاتيان بالحج بنفسه، أو يصبح الاتيان بالحج بسببه موجبا للعسر والحرج الشديد عليه، ولا يرجا زوال ذلك العارض عنه، كمرض شديد لازم أو شلل أو هرم أو شبه ذلك، يسقط عنه وجوب الاتيان بالحج بنحو المباشرة بسبب ذلك العارض ويجب عليه أن يجهز شخصا آخر يحج عنه بالنيابة، وكذلك من استطاع الحج في عامه من حيث المال وأصابه مثل ذلك العارض الذي وصفناه، فمنعه من الاتيان بالحج بنحو المباشرة، أو أصبح الاتيان بالحج بسببه موجبا للعسر والحرج، فيسقط عنه وجوب الحج بنحو المباشرة ويجب عليه - على الاحوط لزوما - أن يجهز من ماله أحدا يحج بالنيابة عنه وان لم يستقر الحج في ذمته. [ المسألة 161: ] الظاهر من الادلة الواردة في المسألة أن الاستنابة عند طروء العارض على المكلف انما هي بدل اضطراري جعله الشارع عند تعذر الواجب الاختياري على المكلف، وهو أن يحج البيت بنفسه إذا استطاع إليه سبيلا، ولذلك فيعتبر في صحة الاستنابة ووجوبها على المكلف أن يكون عذره مستمرا، ونتيجة لذلك فإذا استمر العذر فلم يتمكن من الاتيان بالحج حتى ادركه الموت، أجزأه حج النائب الذي استنابه في حياته ولم يجب على وليه أو وارثه القضاء عنه من تركته بعد الموت، وان كان وجوب الحج قد استقر في ذمته، وإذا اتفق ان ارتفع عنه العذر بعد ان حج النائب عنه، وأمكن له أن يحج البيت

[ 84 ]

بنفسه، وجب عليه أن يأتي بالحج بنفسه كذلك، وليجزه ما أتى به النائب وان كان حجه صحيحا، واستحق به الاجرة المسماة له في عقد الاجارة بينه وبين المكلف، ولا منافاة بين الامرين بعد ان كان هذا هو ظاهر الادلة ومقتضى القاعدة. [ المسألة 162: ] إذا زال العارض وارتفع العذر المانع للمكلف عن الاتيان بالحج فقد تبين بطلان الاستنابة وعدم مشروعيتها في حقه كما أوضحناه في المسألة السابقة، ونتيجة لذلك فإذا كان المكلف قد استأجر النائب للحج عنه ثم زال العذر وأمكن له أن يحج البيت بنفسه، انفسخت اجارة الاجير لعدم قدرته على العمل المستأجر عليه، وهو النيابة عن المكلف في الحج، لانها غير مشروعة في حقه كما قلنا، فلا يجب على النائب أن يتم العمل إذا كان قد احرم لحج النيابة ثم زال العذر، بل يكون احرامه باطلا، ولا يجب عليه أن يتحلل منه بعمرة مفردة، وإذا استمر في احرامه وأتم الحج لم يصح حجه ولم يكف عن المنوب عنه، وأولى من جميع ذلك ما إذا كان زوال العذر عن المكلف قبل أن يدخل النائب في الاحرام، فتكون الاستنابة غير مشروعة، والاجارة باطلة، وعمل النائب بموجبها غير صحيح، نعم يكون الاجير مستحقا لاجرة المثل لما أتى به من العمل قبل أن يبلغه الخبر، ويكون مستحقا لاجرة المثل على جميع عمله إذا لم يبلغه الخبر حتى أتم الحج، ويستثنى من ذلك ما إذا كانت الاجرة المسماة أقل من أجرة المثل فلا يستحق الاجير أكثر منها. [ المسألة 163: ] قد اتضح ما بيناه في المسألتين السابقتين أن المدار في صحة

[ 85 ]

الاستنابة ووجوبها على المكلف هو استمرار العذر وعدم زواله واقعا، وأما اليأس من ارتفاع العارض أو كون العذر مما لا يرجا زواله، فانما هما امارتان ظاهريتان على الاستمرار الواقعي للعذر، فإذا عرض العارض للمكلف، ويئس من ارتفاعه، أو كان مما لا يرجا زواله، وعمل المكلف على وفق الامارة فاستناب من يحج عنه، ثم انكشف خلاف تلك الامارة فزال العارض وارتفع العذر، لم تصح استنابته ولم يكفه عمل النائب كما ذكرنا ووجب عليه الاتيان بالحج بنفسه. [ المسألة 164: ] إذا تحقق العذر المسوغ للاستنابة للمكلف وجبت عليه الاستنابة عن نفسه فورا، فلا يجوز له أن يؤخر الاستنابة إلى العام المقبل من غير عذر، كما هو الحكم في أصل وجوب الحج، ولذلك فلا يجوز للنائب بعد استئجاره أن يؤخر الحج عن عامه. [ المسألة 165: ] الظاهر أن الحكم بوجوب الاستنابة على المكلف المعذور يعم من كان عذره من غير الاعذار المذكورة، كالسجن المؤبد، والمنع الدائم من السفر من قبل الدولة وأشباه ذلك، فإذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف، أو حصلت له الاستطاعة للحج في عامه وطرا له مثل تلك الاعذار المانعة له من الاتيان بالحج وكان العذر مستمرا لا يرجو ارتفاعه وجبت عليه الاستنابة، ويعم المكلف المعذور بمقتضى أصل خلقته كالشخص الذي لا يستطيع الاستمساك على الدابة ولا يمكنه السفر بوسيلة أخرى لنقصان في تكوينه أو شلل طفولة، فإذا أيسر مثل هذا واستطاع الحج في ماله، كان عليه أن يستنيب من

[ 86 ]

يحج عنه. والظاهر أن الحكم المذكور يعم المكلف المعذور بهذه الاعذار، سواء سبقت استطاعته على وجود العذر أم سبق وجود العذر على حصول الاستطاعة. [ المسألة 166: ] يختص الحكم الآنف ذكره بحج الاسلام، ولا يجري في الحج الواجب بالنذر أو بالعهد أو اليمين، فإذا وجب الحج على المكلف بالنذر، وعرض له عذر من الاعذار السابق ذكرها، فمنعه عن الحج المنذور، أو كان الحج بسببه موجبا للعسر والحرج سقط عنه وجوب الوفاء بالنذر ولم تجب عليه الاستنابة له، وكذلك الحكم في الحج الذي يجب على المكلف بالافساد، إذا كان الحج الثاني الذي يلزمه الاتيان به في العام المقبل هو العقوبة، فإذا عرض له ما يتعذر معه الاتيان به سقط وجوبه، ولم تجب الاستنابة فيه. [ المسألة 167: ] إذا وجب على الانسان المعذور بأحد الاعذار التي ذكرناها ان يستنيب في الحج، ولم يجد أحدا ينوب عنه، أو تلف المال الذي بيده فلم يتمكن من ان يستنيب حتى مات، فإن كان وجوب الحج قد استقر في ذمته قبل حصول العذر وجب على وليه أو وارثه بعد الموت أن يقضي الحج عنه من أصل تركته، وان لم يستقر عليه وجوب الحج، كما إذا استطاع للحج في عامه، وطرأ له العذر المانع من الحج ولم يتمكن من الاستنابة حتى مات، فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه بعد الموت.

[ 87 ]

[ المسألة 168: ] إذا وجد المكلف المعذور الذي تجب عليه الاستنابة من ينوب عنه في الحج، ولكن النائب طلب منه أكثر من أجرة المثل وهو لا يجد الزيادة التي طلبها منه، أو كان دفع تلك الزيادة يوجب له الضرر الذي لا يتحمل أو يوقعه في العسر والحرج لم تجب عليه الاستنابة لذلك، فإذا مات ولم يستنب للعذر المذكور وجب على وليه القضاء عنه بعد الموت إذا كان الحج قد استقر في ذمته قبل طروء العذر، ولا يترك الاحتياط بالقضاء عنه أيضا إذا طرأ له العذر في عام الاستطاعة. [ المسألة 169: ] إذا وجبت الاستنابة على المكلف المعذور كما تقدم في الفروض السابقة وترك الاستنابة مع التمكن منها ثم مات وجب قضاء الحج عنه بعد موته من أصل تركته، وان كان طروء العذر له في عام الاستطاعة، فإن الحج قد استقر في ذمته بتركه الاستنابة وهو متمكن منها. [ المسألة 170: ] إذا عرض العارض للانسان المستطيع، فمنعه من الحج وكان العذر مما يرجا زواله فاستناب المكلف أحدا وحج النائب عنه، ثم حصل اليأس من زوال العذر بعد حج النائب واستمر به العذر حتى مات، كفاه حج النائب، لوجود شرط صحة الاستنابة وهو استمرار العذر في الواقع وان لم يعلم المكلف بقاءه، لذلك فلا يجب القضاء عنه بعد الموت.

[ 88 ]

[ المسألة 171: ] إذا تحقق العذر المستمر للمكلف فمنعه عن اتيان الحج بنفسه، وجب عليه أن يستنيب احدا ليحج عنه كما هو ظاهر الادلة الواردة في المسألة، ولذلك فيشكل الحكم بكفاية تبرع أحد بالحج عنه، والاحوط لزوما عدم الاكتفاء بذلك، ولا يترك الاحتياط بأن يكون النائب رجلا وصرورة إذا كان المكلف المعذور رجلا. [ المسألة 172: ] إذا حصل العذر المستمر للانسان المستطيع أو الذي استقر الحج في ذمته فلم يتمكن من الحج وجب عليه أن يستنيب أحدا للحج عنه كما قلنا ذلك مرارا، سواء أوقع العقد مع النائب بنحو الاجارة أم بنحو الجعالة أم الصلح بعوض أم الهبة المشروطة، فإذا استنابه على أحد الوجوه الشرعية وأتى النائب بالحج عنه برئت ذمة المكلف وسقط عنه التكليف مع استمرار العذر. [ المسألة 173: ] يكفيه أن يستنيب أحدا يحج عنه من الميقات، ولا يتعين عليه أن تكون الاستنابة عنه من البلد الذي هو فيه أو من وطنه، كما لا يتعين عليه أن يستنيبه للحج عنه من ميقات بلده. [ المسألة 174: ] لا يصح الحج من الكافر وان كان مكلفا بالفروع كما هو المشهور ولعله الاقوى، بل وان اعتقد وجوب الحج وقصد التقرب في فعله، فإن الاسلام شرط في صحة كل عبادة، وإذا مات لم يقض عنه وان كان وارثه مسلما.

[ 89 ]

[ المسألة 175: ] إذا ملك الكافر نفقة الحج وتمت له شروط الاستطاعة وهو كافر، ثم أسلم واستطاعته لا تزال باقية وجب عليه حج البيت وصح منه بعد اسلامه، وكذلك إذا زالت استطاعته وهو كافر ثم تجددت له بعد اسلامه، فيجب عليه الحج ويصح منه، وإذا استطاع وهو كافر وزالت استطاعته في حال كفره ثم أسلم ولم تتجدد له الاستطاعة بعد الاسلام، ففي سقوط وجوب الحج عنه بسبب اسلامه كما هو المشهور اشكال، ولعل قول الرسول صلى الله عليه وآله في الحديث الشريف: (الاسلام يجب ما قبله) انما يدل على أن الاسلام يمحو ما وقع من الكافر قبله من الكفر والخطايا والموبقات التي ارتكبها قبل اسلامه، ويرشد إلى ذلك اقتران الاسلام بالتوبة والهجرة في بعض موارد الحديث وأنها تجب ما قبلها، فلا يكون الحديث دالا على سقوط وجوب الحج بعد الاسلام بسبب الاستطاعة التي وجدت وزالت في حال الكفر. [ المسألة 176: ] لا تصح العبادة من الكافر، وقد ذكرنا هذا قبل مسألة، ونتيجة لذلك فإذا أحرم بالحج أو بالعمرة كان احرامه باطلا، فإذا أسلم بعد احرامه وجب عليه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، ولم يكفه أن يستمر في احرامه الاول ولم يعتد بشئ من أعماله من طواف أو سعي أو غيرهما إذا أوقعه في حال الكفر أو أوقعه في إحرامه الاول ولم يجدده بعد الاسلام، وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات رجع إلى الموضع الذي يمكن له الرجوع إليه فأحرم منه،

[ 90 ]

فإن لم يقدر أحرم من موضعه الذي هو فيه. [ المسألة 177: ] يجب الحج على المرتد عن الاسلام إذا تحققت له الاستطاعة وتمت شروطها، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة، وسواء حصلت له الاستطاعة في حال اسلامه قبل الارتداد، أم في حال ردته بعد الاسلام، ولا يصح حجه إذا أتى به في حال ارتداده، ولا يقضى الحج عنه إذا مات قبل أن يتوب ويرجع إلى الاسلام، وان كان وجوب الحج قد استقر في ذمته. [ المسألة 178: ] إذا تاب المرتد ورجع إلى الاسلام وكان قد استطاع للحج في حال ردته، أو في حال اسلامه السابق على الردة وجب عليه الحج، إذا كانت استطاعته لا تزال باقية، أو زالت ثم تجددت بعد التوبة، وكذلك إذا زالت استطاعته وقد تمت له شرائط استقرار الوجوب في ذمته، فيجب عليه الحج في هذه الفروض، وإذا حج بعد التوبة صح حجه سواء كان مليا أم فطريا بناءا على ما هو الاقوى من قبول توبة المرتد وان كان فطريا. [ المسألة 179: ] إذا أحرم المرتد في حال ردته عن الاسلام كان احرامه باطلا، فإذا تاب بعد احرامه وجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام منه كما في نظيره الكافر الاصلي، وقد سبق بيانه وبيان بعض الاحكام المتعلقة به في المسألة المائة والسادسة والسبعين.

[ 91 ]

[ المسألة 180: ] إذا حج المكلف وهو مسلم ثم ارتد بعد الحج، وتاب بعد الارتداد لم يبطل بذلك حجه ولم تجب عليه اعادته، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة. [ المسألة 181: ] إذا أحرم الانسان بالحج أو بالعمرة وهو مسلم ثم ارتد بعد احرامه ثم تاب بعد ردته ورجع إلى الاسلام لم يبطل إحرامه الذي أوقعه بسبب الارتداد الذي حصل له في الاثناء، فيجب عليه أن يستمر في إحرامه حتى يتم عمله، نعم يجب عليه تطهير بدنه وثياب إحرامه من النجاسة التي قد تطرأ عليه حال الارتداد من رطوباته وغيرها في الموارد التي تجب فيها الطهارة من النجاسات، ويستحب في موارد الاستحباب وسيأتي تفصيل ذلك، ولا يبطل وضوئه ولا غسله اللذان أوقعهما في حال الاسلام بعروض الارتداد ما لم يطرأ له أحد الاحداث التي تنقض الطهارة، ولا فرق بين المرتد الملي والفطري في ذلك. [ المسألة 182: ] لا يبطل وضوء المسلم ولا غسله إذا ارتد عن دينه في اثناء وضوئه أو غسله، فإذا رجع إلى الاسلام وتاب من ردته ولم تفت الموالاة في الوضوء ولم يحدث طهر أعضائه من نجاسة الكفر وأتم وضوئه أو غسله وصحت طهارته، ولا يصح ذلك في الوضوء إذا هو أتم غسلاته ثم ارتد قبل المسح، فانه لا يمكن له المسح ببلة الوضوء، ولذلك فلابد له في هذه الصورة من إعادة الوضوء بعد أن يطهر الاعضاء من النجاسة.

[ 92 ]

[ المسألة 183: ] إذا ارتد المسلم في أثناء صلاته ثم رجع إلى الاسلام وتاب من ردته، فإن وقع منه خلل في الصلاة في أجزائها أو شرائطها كانت صلاته باطلة للخلل المذكور، ومثال ذلك أن يرتد وهو مستمر في صلاته فيأتي بالقراءة أو بالاذكار أو ببعض الاعمال من الركوع والسجود والقيام في حال ارتداده، ولا ريب في بطلان صلاته لبطلان تلك الاجزاء، أو يحصل منه سكوت طويل يمحو صورة الصلاة، فتبطل صلاته لفوات الموالاة، أو تخرج منه رطوبة في حال ردته وكفره من عرق أو بصاق أو غيرهما فيتنجس بها جسمه أو ثيابه ولا يمكن له تطهيرها بعد رجوعه إلى الاسلام، فتكون صلاته باطلة للخلل الواقع فيها. وان لم يقع منه أي خلل في صلاته، فارتد وأمسك في حين ردته عن القراءة والذكر والعمل ثم عاد إلى الاسلام وتاب قبل أن تفوت الموالاة ومن غير أن يحدث منه أي خلل في الشرائط، فالظاهر صحة صلاته إذا أتمها على الوجه المطلوب. [ المسألة 184: ] الصوم هو أن يمسك المكلف عن تناول جميع المفطرات الشرعية من أول طلوع الفجر إلى أن يتحقق دخول الليل، فهو عام لجميع آنات الزمان المعين وأجزائه، ونتيجة لذلك فإذا ارتد المسلم الصائم في بعض أوقات النهار ثم رجع الى الاسلام بطل الصوم في تلك الآنات وإن قلت، ويبطل الصوم في مجموع النهار لبطلان ذلك البعض، فإن المجموع عبادة واحدة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها بطل جميعها.

[ 93 ]

[ المسألة 185: ] إذا حج المسلم من غير الشيعة على وفق ما حدد له مذهبه من الاحكام، ثم دخل بعد الحج في مذهب الشيعة كفاه حجه وإن كان ما أتى به مخالفا لمذهبنا ولم تجب عليه الاعادة، وكفاه ما أتى به أيضا إذا كان موافقا لمذهب الشيعة ومخالفا لمذهبه، إذا كان قد أتمه بقصد القربة فلا تجب عليه الاعادة في كلتا الصورتين، ولكن يستحب ذلك، وفي شمول الحكم في هذه المسألة للغلاة إشكال [ المسألة 186: ] إذا ملك المسلم غير الشيعي نفقة الحج وتمت له جهات الاستطاعة ولم يحج، ثم دخل في مذهب الشيعة، وجب عليه أن يحج سواء كانت استطاعته لا تزال باقية، أم زالت عنه بعد ان استقر وجوب الحج في ذمته، وإذا حصلت له الاستطاعة وفق مذهبه ولم تتم له جهات الاستطاعة وفق مذهب الشيعة، ولم يأتي بالحج، ثم دخل في مذهب الشيعة لم يجب عليه الحج حتى تتوفر له الاستطاعة التامة على وفق هذا المذهب. [ المسألة 187: ] إذا تمت في المكلف شروط وجوب الحج وكملت له شروط الاستطاعة حسب ما تقدم من التفصيل، ولم يحج حتى انقضى الوقت الآتي بيانه استقر وجوب الحج عليه، وأصبح دينا ثابتا في ذمته، فيجب عليه امتثاله بأي وجه أمكن، وإذا مات ولم يؤده وجب على وارثه قضاؤه من أصل تركته، وقد تكرر منا ذكر هذا مرارا في عدة مناسبات، ونحن نذكره هنا تمهيدا للمسائل الآتية.

[ 94 ]

[ المسألة 188: ] إذا استقر وجوب الحج على الانسان، وتوقف الاتيان بالفرض على أن يحج متسكعا، وكان ذلك موجبا للعسر والحرج عليه، ففي سقوط وجوب الحج عنه بذلك إشكال، والاحتياط لازم. [ المسألة 189: ] الظاهر أن الشروط التي اعتبرها الشارع في وجوب الحج على المكلف يختلف دخلها في استقرار الحج في ذمته ولزوم القضاء عليه حسب اقتضاء الادلة الشرعية لذلك، وهي ليست على نسق واحد، فالادلة التي اشترطت في وجوب الحج على المكلف أن يكون عاقلا إنما تدل على اعتبار وجود هذا الشرط فيه حتى يتم أعمال الحج لا أكثر من ذلك، فإذا وجدت جميع الشرائط في المكلف وأهمل ولم يأتي بالحج حتى مضى الوقت الذي تتم فيه أعمال الحج وهو اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة والشرائط فيه مجتمعه، ثم عرض له الجنون بعد ذلك استقر وجوب الحج عليه، فيجب عليه امتثال الحج إذا أفاق من جنونه في العام المقبل وإن لم تبق له بقية شروط الاستطاعة، وإذا مات ولم يحج وجب على وارثه القضاء عنه. وكذلك الحال في اعتبار حياة المكلف في استقرار وجوب الحج عليه، فيعتبر فيه أن يكون حيا إلى الوقت الذي تتم فيه أعمال الحج، فإذا وجدت الشرائط في المكلف تامة وترك امتثال الحج إلى الوقت المذكور وهو حي استقر وجوب الحج عليه، فإذا مات بعد ذلك وجب القضاء عنه من أصل تركته. [ المسألة 190: ] يعتبر في استقرار وجوب الحج على المكلف المستطيع أن تبقى

[ 95 ]

استطاعته المالية لذهابه إلى الحج ورجوعه منه موجودة لديه حتى يعود إلى وطنه بعد الحج، وإذا هو ترك الحج ولم يسافر اعتبر في استقرار الحج عليه أن تكون الاستطاعة موجودة لديه إلى وقت رجوعه إلى وطنه لو أنه حج وسافر، فإذا ذهبت استطاعته جميعا أو قصرت عن مقدار كفايته للذهاب أو الاياب قبل ذلك الوقت لم يجب عليه، وإذا هو ترك الحج ولم يسافر وكانت شروط الوجوب متوفرة فيه جميعا إلى أن حل الوقت المذكور ثم ذهبت الاستطاعة أو قصرت بعد ذلك استقر عليه وجوب الحج ولزمه أداء الحج إذا كان موجودا، ووجب على وارثه القضاء من تركته إذا مات. وكذلك الحال في نفقة عياله مدة غيبته للحج حتى يعود إليهم، فيعتبر فيها أن تكون موجودة لديه إلى الوقت الذي ذكرناه. [ المسألة 191: ] إذا ذهبت الاستطاعة المالية من المكلف بعد حضور أوان الحج أو تلف جميعها كذلك أو ذهب بعض استطاعته أو تلف، بحيث قصر الباقي منها عن مقدار كفايته، وكان ذهاب الذاهب من الاستطاعة وتلف التالف منها باختيار المكلف نفسه لذلك، وجب عليه الحج بأي وجه أمكن ولو متسكعا ولم يسقط الوجوب عنه، وإذا هو لم يحج في عامه استقر عليه الوجوب، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين، وفي المسألة الرابعة والسبعين وما بعدها فالتراجع، ويكون هذا من الاستثناء في المسألة المائة والتسعين. [ المسألة 192: ] يعتبر في وجوب الحج على المكلف المستطيع في ماله أن يكون مستطيعا في بدنه، صحيحا من العوارض التي تمنعه من أداء الحج

[ 96 ]

في ذهابه إليه ورجوعه منه، كما أوضحناه في المسألة المائة والثانية والعشرين، فإذا حدث له في بدنه أحد العوارض التي تمنعه من ذلك قبل ذهابه إلى الحج أو بعد ذهابه وقبل إحرامه فلم يتمكن من أداء الفرض سقط عنه وجوبه في العام الحاضر، وروعي في وجوبه في الاعوام المقبلة أن توجد له شرائط الاستطاعة فيها. وإذا عرض له العارض بعد احرامه فلم يتمكن من اتمام مناسكه جرت عليه أحكام المحصر، وسيأتي بيانها في فصل الاحصار والصد، ويتحلل بذلك من احرمه، ولا يجب عليه الحج في الاعوام المقبلة، الا إذا تحققت له الاستطاعة فيها، أو كان وجوب الحج قد استقر في ذمته من قبل هذا. وإذا عرض له العارض بعد الحج فلم يتمكن من العود إلى وطنه، كشف ذلك عن عدم استطاعته للحج من أول الامر، فلا يكون الحج الذي أتى به مجزيا عن الفرض لانه غير مستطيع، ولم يستقر عليه الوجوب، ونتيجة لذلك فيشترط في استقرار الحج على المكلف أن يكون مستطيعا له في بدنه حتى يعود الى وطنه، كما قلنا في الاستطاعة في المال، ويجري مثل ذلك في شرط تخلية السرب، إذا كان المانع في الطريق مما لا يمكن معه الحج في الذهاب أو الاياب أو في الاثناء، فإذا عرض المانع وإن كان في العود، وصدق معه ان المكلف غير مخلى السرب كشف ذلك عن عدم استطاعته للحج من أول الامر وأن الحج غير واجب عليه. وهكذا في بقية الفروض التي ذكرناها في نظيره. [ المسألة 193: ]: إذا اجتمعت في المكلف شروط وجوب الحج كلها، وكان العذر

[ 97 ]

المانع له من الحج شرعيا خالصا، وقد ذكرنا في المسائل التي سنشير إليها أن العذر الشرعي ينحصر في ما إذا استلزم الاتيان بالحج ترك واجب فوري من الواجبات، أو استلزم فعل محرم من المحرمات، وكان ذلك الواجب أو المحرم المزاحم لاداء الحج أهم من امتثال الامر بالحج نفسه، بحسب ما دلت عليه السنة الادلة الشرعية، أو هو محتمل الاهمية منه، فإذا كان المزاحم للحج كذلك سقط وجوب الحج عن المكلف، لعدم تمكنه من الجمع بين المتزاحمين، وإذا هو ترك الحج لهذا العذر الشرعي لم يستقر في ذمته وجوب الحج في الاعوام المقبلة إلا إذا حصلت له الاستطاعة التامة فيها وزالت عنه الاعذار، أو كان الحج مستقرا في ذمته من قبل. ولا فرق بين أن يكون حدوث ذلك العذر الشرعي مانعا لذهاب المكلف إلى الحج أو مانعا له من الاياب أو مانعا له من الاتيان بالاعمال، وتلاحظ المسألة المائة والثالثة والثلاثون وما بعدها. [ المسألة 194: ] إذا استلزم إتيان المكلف بالحج ترك واجب شرعي أو فعل محرم، وكانا أهم من امتثال الحج أو كانا محتملي الاهمية منه، فقدم الاتيان بالحج على الواجب المزاحم أو على ترك المحرم كان بذلك آثما عاصيا، وصح حجه وكان مبرئا لذمته من حج الاسلام على الاقوى. [ المسألة 195: ] إذا كان الشخص ممن وظيفته حج القران أو حج الافراد والعمرة المفردة، ووجدت له شروط الاستطاعة لكل من الحج والعمرة، وأهمل ولم يأت بما هو وظيفته من الحج والعمرة في عامه،

[ 98 ]

استقر في ذمته وجوب كل من الحج والعمرة، ولزمه أن يأتي بهما وان كان متسكعا، وإذا أتى باحدهما وأهمل الآخر صح ما أتى به واستقر عليه وجوب الآخر، وكذلك إذا استطاع للحج وحده أو للعمرة وحدها، وأهمل ولم يأت بالنسك الذي استطاع له استقر عليه وجوبه خاصة، ولزمه أن يأتي به ولو متسكعا، وإذا مات ولم يأت به وجب قضاؤه عنه من أصل تركته، وكذا في الفرضين السابقين. [ المسألة 196: ] إذا استقر حج الاسلام في ذمة المكلف وسافر ليؤدي الفرض الذي وجب عليه ومات بعد أن أحرم بنسكه ودخل الحرم، كفاه ذلك عن فرضه وبرئت ذمته من التكليف الذي استقر فيها، فلا يجب على وارثه القضاء عنه، وإذا مات قبل أن يحرم بنسكه، أو بعد الاحرام به وقبل أن يدخل في الحرم، لم يكفه ذلك، فيجب القضاء عنه إذا كان الحج قد استقر عليه كما هو المفروض. [ المسألة 197: ] إذا مات بعد أن أحرم بنسكه ودخل الحرم كفاه ذلك كما قلنا، سواء دخل مكة أم لم يدخلها، وسواء تلبس بعد الاحرام بشئ من أعمال عمرة التمتع أو الحج أو لم يتلبس، فيجزيه ما أتى به عن الواجب، وتلاحظ المسألة المائتان والثالثة. [ المسألة 198: ] يعتبر في جريان الحكم الآنف ذكره أن يكون إحرامه بالنسك المفروض عليه، فإذا استقر في ذمته حج التمتع مثلا، ولما وصل إلى الميقات أحرم بعمرة مفرده ودخل الحرم ليتمها ويخرج بعدها إلى الميقات ليأتي بعمرة التمتع الواجبة عليه، ثم مات بعد

[ 99 ]

دخول الحرم في إحرامه الاول لم يكفه ذلك عن فرضه الذي استقر في ذمته، فيجب على وارثه قضاؤه عنه. [ المسألة 199: ] الظاهر أن الحكم الذي ذكرناه يجري في المكلف الذي لم يستقر الحج في ذمته من عام سابق، فإذا اجتمعت في الشخص شروط الوجوب ونواحي الاستطاعة في عامه، وخرج في أوان الحج ليؤدي فريضة الاسلام، وأحرم بنسكه المفروض عليه من الميقات، ودخل الحرم ثم مات في الحرم أجزأه ذلك عن حج الاسلام، فلا يجب على وارثه القضاء عنه، وإذا مات قبل أن يحرم، أو مات بعد الاحرام وقبل أن يدخل في الحرم سقط عنه الوجوب لعدم اتساع زمانه لاداء الفرض الواجب عليه فلا يكون مستطيعا من حيث الزمان، ولا يجب القضاء عنه. [ المسألة 200: ] إذا أحرم المكلف بعمرة التمتع ودخل مكة وأتم عمرته، ثم مات بعد أن أحل من العمرة وقبل أن يحرم بالحج، أجزأه ذلك عن الفرض، وكذلك إذا مات بعد إحرامه للحج وقبل الموقفين، أو في موقف المشعر الحرام أو بعده فيكفيه ذلك عن الفرض الواجب عليه في جميع هذه الصور لاطلاق الاخبار، سواء كان ممن استقر الحج في ذمته، أم ممن استطاع للحج في عامه ولم يستقر عليه، وتلاحظ المسألة المائة والسابعة والتسعون الماضية وتراجع المسألة المائتان والثالثة الآتية. [ المسألة 201: ] لا يختص الحكم الذي بيناه بحج التمتع، بل يجري في حج

[ 100 ]

القران وحج الافراد لمن وظيفته ذلك، فإذا استقر وجوب الحج في ذمة المكلف من اهل مكة وتوابعها، وأحرم من ميقاته بالحج الواجب عليه قرانا أو إفرادا، ثم مات بعد ما دخل الحرم، كفاه ذلك عن فرضه، وكذلك إذا استطاع للحج في عامه وبادر ليمتثله، فيجزيه إذا أحرم ودخل الحرم ثم مات فيه، سواء أتى ببعض المواقف والاعمال أم لم يأت بشئ منها. [ المسألة 202: ] حج القران أو الافراد الواجبان على أهل مكة وتوابعها مع العمرة الواجبة لهما عملان مستقلان لا صلة لاحدهما بالآخر، وليسا كعمرة التمتع وحج التمتع عملا واحدا يرتبط بعضه ببعض، فإذا مات في عمرة التمتع بعد الاحرام لها ودخول الحرم أجزأه ذلك عن عمرة التمتع وحجه كليهما وقد سبق بيان ذلك، ونتيجة لهذا الفرق، فإذا أحرم المكلف من أهل مكة وتوابعها للعمرة الواجبة لحج القران أو الافراد ودخل الحرم ليتم عمرته ثم مات لم يجزه ذلك عن حجه، فإذا كان ممن استقر الحج عليه وجب على وارثه أن يقضي الحج عنه من أصل تركته، وإذا كان ممن لم يستقر عليه الحج سقط الفرض عنه، لعدم استطاعته بحسب الزمان كما سبق في نظيره. وإذا أحرم المكي لحج القران أو الافراد ودخل الحرم ليتم نسكه ثم مات أجزأه ذلك عن حجه ولم يجزه عن عمرته إذا لم يكن قد أداها من قبل، ويجب قضائها عنه إذا كانت مستقرة في ذمته. [ المسألة 203: ] لعل الذي يظهر من النصوص الواردة في المسألة أنه يعتبر في الحكم بالاجزاء عن المكلف أن يكون موته في الحرم بعد أن يتلبس

[ 101 ]

بالاحرام، فلا يشمل من كان موته في خارج الحرم وان كان قد أحرم ودخل الحرم قبل موته، كما إذا خرج من الحرم بعد الدخول فيه لبعض الطوارئ أو الضرورات فمات في خارج الحرم، وكما إذا مات في موقف عرفات بعد أن دخل الحرم وهو محرم، ولا ريب في أن ذلك أحوط ان لم يكن هو الظاهر من النصوص كما ذكرنا، وأولى من ذلك بعدم الاجزاء ما إذا أحرم المكلف بحج القران أو الافراد ومضى إلى عرفات ليقف بها قبل أن يدخل الحرم ومات فيها خارج الحرم. [ المسألة 204: ] لا يعم الحكم الذي ذكرناه العمرة المفردة، فإذا وجبت على المكلف من أهل مكة وتوابعها، وأحرم من ميقاته للعمرة الواجبة عليه ومات بعد ما أحرم بها ودخل الحرم لم يكفه ذلك عن عمرته المفروضة عليه، فإذا كانت مستقرة في ذمته وجب على وارثه قضاؤها عنه. ولا يشمل غير حج الاسلام من أنواع الحج الواجب على المكلف، فإذا وجب عليه الحج بسبب نذر أو عهد أو يمين وخرج ليؤدي ما وجب عليه وأحرم به من الميقات ودخل الحرم ثم مات لم يكفه ذلك عما وجب عليه، ووجب على الوارث قضاؤه إذا كان مما يقضى، وكذلك إذا وجب عليه الحج بسبب افساده لحج سابق، فإذا كان الحج الثاني الذي يأتي به في السنة المقبلة هو العقوبة كما هو الاقوى لم يجر فيه الحكم، فإذا خرج ليأتي بحج العقوبة في العام المقبل وأحرم به من الميقات ثم مات بعد دخول الحرم لم يجزه ذلك عن الواجب، وإذا قلنا بأن الحج الثاني هو حج الاسلام كما يراه

[ 102 ]

جماعة من الاصحاب رضي الله عنهم جرى فيه الحكم، وشمله اطلاق دليله، فإذا أحرم بالحج في السنة المقبلة ومات بعد دخول الحرم أجزأ عنه.

[ 103 ]

[ الفصل الرابع ] [ في الوصية بالحج ] [ المسألة 205: ] إذا استقر وجوب حجة الاسلام في ذمة المكلف، ومات ولم يؤدها في حياته، وجب على وليه قضاء الحجة عنه من أصل تركته، والمقدار المعلوم وجوبه من ذلك أن يقضى الحج عنه من الميقات لا من بلد الميت، وإذا اختلفت المواقيت في مقادير الاجرة للنيابة منها، فالواجب منها هو أقلها مقدارا وان كان أبعدها مسافة عن مكة. وإذا اتفق ان بعض البلدان التي تقع قبل الميقات والتي يمكن للولي الاستئجار للنيابة عن الميت منها أقول وإذا كان بعض هذه البلاد أقل أجرة من الميقات، لكثرة من يمكن استنابته في ذلك البلد، وندرته في الميقات، أو لتوفر وسائل النقل في البلد وهبوط أجرتها بسبب ذلك، فلا يبعد تعين الاستئجار من ذلك البلد وخصوصا إذا كان في الورثة صغار وقاصرون. وهذا هو الحكم في ما إذا علم باستقرار وجوب الحج في ذمة الميت ولم يوص بالقضاء عنه بعد موته، وهو الفرض الثاني من فروض المسألة، وسيأتي بيان الحكم في ما إذا أوصى بذلك في حياته ثم مات وهو الفرض الثالث في المسألة، وقد سبق منا ذكر الحكم في المكلف المعذور إذا وجب عليه الحج ومنعه مرض مستمر أو عذر آخر دائم لا يرجا زواله من ان يقوم باداء الواجب بنفسه، فيجب عليه ان يستنيب من يحج عنه، ويكفيه ان تكون الاستنابة عنه من الميقات، وهذا هو الفرض الاول، وقد مر بيانه في المسألة المائة

[ 104 ]

والثالثة والسبعين. [ المسألة 206: ] إذا استقر وجوب حجة الاسلام في ذمة المكلف ثم مات ولم يوص بقضاء الحجة عنه، وجب على الورثة قضاؤها عنه من أصل تركته كما قلنا في المسألة المتقدمة، من غير فرق بين ان يكون الحج الواجب عليه حج تمتع أو أن يكون حج قران أو إفراد، ومثله ما إذا استقرت عليه العمرة لحج القران أو الافراد. وكذلك الحكم إذا أوصى بأن يقضى عنه حج الاسلام أو العمرة لحج الافراد أو القران ولم يعين في وصيته ان القضاء من أصل التركة أو من الثلث، فيجب على الورثة قضاء ما أوصى به من أصل التركة. [ المسألة 207: ] إذا استقر الحج أو العمرة في ذمة المكلف كما تقدم وأوصى بقضائه عنه من ثلث ماله وجب على الورثة انفاذ وصيته حسب ما عين، فيقضى الحج أو العمرة عنه من الثلث، وإذا قصر ثلث ماله عن الوفاء بالواجب أخذ الباقي من أصل التركة، ويلاحظ ما ذكرناه في أول هذا الفصل فإن الذي يؤخذ من أصل التركة انما هو نفقة الحج من الميقات. [ المسألة 208: ] إذا أوصى الانسان بأن يقضى عنه حج الاسلام من البلد الذي يستوطنه أو من البلد الذي يموت فيه، وجب على وليه بعد موته أن يعمل بموجب وصيته، فيقضي عنه الحج من البلد الذي عينه ويخرج نفقة ذلك من ثلث ماله، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالوصية أخرجت نفقة الحج من الميقات من أصل تركته وأخرج ما زاد عليها من الثلث، وكذلك إذا أوصى بأن يقضى عنه من بلد خاص غير

[ 105 ]

بلده كالنجف وكربلاء مثلا. وكذلك الحكم إذا أوصى بأن يقضى عنه حج الاسلام وقامت قرائن عامة أو خاصة على ان المقصود له من الوصية ان يقضى الحج عنه من البلد أو من بلد معين كما إذا كان المال كثيرا وكان المتعارف المعتاد من امثاله ان يقضى الحج عنهم من البلد أو من بلد معين، فيعمل بموجب هذا الظاهر حسب ما ذكرنا في سابقه. [ المسألة 209: ] إذا حدد في وصيته مبلغا من المال وأوصى بأن يقضى عنه بذلك المبلغ حج الاسلام ولم يعين بلدا خاصا، صح أن يقضي الولي الحج عنه من أي بلد أراد إذا لم يكن دون الميقات والاحوط استحبابا أن يقضي من بلد الميت فإن لم يسع المال فمن الاقرب إليه فالاقرب. [ المسألة 210: ] إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته وجوب حجة الاسلام جاز للورثة قضاء الحج عنه من البلد ولا يتعين عليهم أن يكون القضاء من الميقات، وتخرج نفقة الحج من الميقات من أصل التركة، كما تقدم ذكره، ويحتسب الزائد على ذلك من حصص البالغين الراشدين من الوراث، ولا يحتسب من حصص غير البالغين منهم ولا من حصص غير الراشدين أو غير الراضين. [ المسألة 211: ] إذا تعدد من يمكن استئجاره للحج عن الميت واختلفوا في مقادير الاجرة تعين على الولي ان يستأجر اقلهم أجرة إذا أحرزت صحة عمله ولو بأصالة الصحة، الا إذا كان جميع الورثة بالغين كاملين ورضي الجميع باستئجار من يكون أكثر أجرة منه، أو احتسب الراشدون منهم زائد الاجرة من حصصهم.

[ 106 ]

ويستثنى من ذلك ما إذا كانت استنابة ذلك الاجير توجب مهانة للميت عند الناس لضعة في منزلة النائب أو لقلة أجرته بالاضافة إلى المقدرة المالية لذلك الميت، فيتعين استئجار غيره ممن لا مهانة فيه وتخرج أجرته من أصل التركة وان كانت أجرته أكثر من الاول، بل لا يبعد انصراف الادلة إلى لزوم استئجار من يناسب الميت في شرفه ومنزلته ممن يمكن استئجارهم لقضاء الحج عنه وان كان أكثر أجرة من غيره ولم تكن في استنابة غيره مذلة ولا نقيصة على الميت وقد سبق نظير هذا في كفن الميت وواجبات تجهيزه بعد موته. [ المسألة 212: ] إذا تعذر الاستئجار للحج عن الميت إلا من البلد لعدم وجود من يصلح للنيابة في الميقات والبلدان التي يكون الاستئجار منها أقل من البلد أو لسبب آخر، وجب الاستئجار من البلد وان كانت الاجرة منه أكثر وأخرجت من أصل التركة، وان كان في الورثة أطفال وقاصرون، وكذلك إذا لم يمكن الاستئجار إلا من بلد آخر هو أكثر أجرة من الميقات، بل وان كان أكثر أجرة من بلد الميت. [ المسألة 213: ] إذا مات الميت بعد أن ثبت وجوب حج الاسلام أو عمرة الاسلام في ذمته وجبت المبادرة إلى الاستئجار عنه في سنة موته، ولا يجوز التأخير عنها من غير عذر، ونتيجة لذلك فإذا لم يمكن الاستئجار عنه من الميقات وجبت الاستنابة عنه من البلد وأخرجت الاجرة من أصل التركة كما قلنا في المسألة السابقة، ولا يجوز التأخير إلى عام مقبل وان علم بإمكان الحج عنه من الميقات وكان في الورثة صغار وقاصرون. وكذلك إذا وجد من يمكن استئجاره للحج عنه من الميقات وطلب أكثر من أجرة المثل وتعذر وجود غيره فيجب استئجاره،

[ 107 ]

وتخرج الاجرة من أصل المال ولا يجوز التأخير إلى العام المقبل، و لا تجب المبالغة في الفحص في الفروض المذكورة، فيكفي الفحص المتعارف فإذا لم يجد رتب الآثار التي تقدم ذكرها. [ المسألة 214: ] إذا مات الشخص وقد استقر في ذمته وجوب الحج أو العمرة، ووجب عليه خمس أو زكاة، فإن كان الخمس والزكاة الواجبان عليه متعلقين بأعيان التركة الموجودة بعده وجب تقديمهما على الحج، فإذا أخرجا من العين الموجودة، وبقي من التركة ما يفي بنفقة الحج من الميقات وجب قضاؤه عنه وان استوعبت نفقته بقية التركة، وإذا قصر الباقي بعد اخراج الخمس والزكاة عن الوفاء بالحج جرى فيه الحكم الآتي عندما تضيق التركة عن الوفاء بالواجبات والديون. [ المسألة 215: ] إذا مات المكلف وعليه حج الاسلام أو عمرة الاسلام وكان عليه خمس أو زكاة قد اشتغلت بهما ذمته وأصبحا دينا عليه، وليسا متعلقين بأعيان التركة كما في الفرض المتقدم، أو كانت عليه ديون للناس قد اشتغلت بها ذمته كذلك، فإن وفت التركة باداء الجميع وجب على الورثة وفاؤها، وان استوعبت جميع التركة ولم يبق للوارث منها شئ. وإذا ضاقت التركة عن الوفاء بما عليه من واجبات وديون، وجب توزيع المال الموجود عليها بالحصص كما توزع اموال المدين المفلس على غرمائه بنسبة ديونهم عندما تضيق أمواله عن الوفاء بالديون، وقد فصلنا هذا في كتاب الحجر. فإذا وفت حصة الحج من التركة بأداء الواجب منه، وجب صرفها فيه، كما إذا وفت الحصة بالعمرة والحج معا في حج التمتع أو

[ 108 ]

وفت بحج القران، أو حج الافراد وحده، أو بالعمرة وحدها في من تكون وظيفته ذلك، فيجب صرف الحصة في قضائه كما ذكرنا، وإذا قصرت حصة الحج أو العمرة عن الوفاء بجميع النسك سقط وجوب قضاء ذلك النسك وصرفت حصته في اداء الخمس أو الزكاة أو الديون الاخرى، وان كانت الحصة وافية ببعض أفعال ذلك النسك كالطواف والسعي ونحوهما. [ المسألة 216: ] قد ذكرنا فيما سبق ان العمرة مع الحج في حج التمتع عمل واحد في حكم الشريعة يرتبط بعضه ببعض، فلا يمكن التفكيك بين العمرة والحج فيه، ونتيجة لذلك فإذا وزعت التركة في المسألة المتقدمة وكانت حصة الحج تكفي لعمرة التمتع وحدها دون الحج، أو لحج التمتع وحده دون عمرته، لم يكف ذلك، فيسقط وجوب قضاء حج التمتع كله وتصرف حصته من التركة في وفاء الخمس والزكاة والديون. وذكرنا ان حج القران أو الافراد مع العمرة لاحدهما عملان يستقل أحدهما عن الآخر في الحكم والآثار، ونتيجة لذلك فإذا وزعت التركة وكانت حصة الحج تكفي للحج خاصة أو للعمرة خاصة صح ذلك، ووجب على الولي قضاء النسك الذي تكفي الحصة لقضائه وسقط الآخر، وإذا كانت الحصة تكفي لواحد من الحج والعمرة، فلا يترك الاحتياط بتقديم الحج. [ المسألة 217: ] إذا مات الشخص وعليه حجة الاسلام فالظاهر انه لا يجوز الورثة ان يتصرفوا في التركة قبل الاستئجار للحج عنه، أو تأدية مقدار الاجرة لولي الميت، وهذا إذا كان مصرف الحج يستغرق جميع التركة الموجودة، فإذا كانت نفقة الحج لا تستوعب جميع

[ 109 ]

التركة جاز لهم التصرف في ما زاد على مقدار الاجرة منها مع عزمهم على اخراجها سواء كانت التركة واسعة أم لا. [ المسألة 218: ] إذا مات الشخص وهو مدين للناس فإن كان الدين الذي اشتغلت به ذمته لا يستوعب جميع التركة جاز للورثة التصرف فيما زاد على مقدار الدين من التركة، ولا يجوز لهم التصرف فيما يساوي الدين منها، الا إذا ضمنوا الدين للغرماء ورضي الغرماء بضمانهم، وكذلك الحكم إذا كان الدين مستغرقا للتركة، فإذا ضمنوا الدين للغرماء ورضي هؤلاء بالضمان جاز لهم التصرف في التركة، وإذا لم يضمنوا الدين أو لم يرض الغرماء بضمانهم لم يجز لهم التصرف فيها. [ المسألة 219: ] إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته حج الاسلام، وكانت تركته التي خلفها من بعده لا تفي بقضاء الحج عنه رجعت التركة ميراثا لورثته، ولا يجب عليهم ان يتموها من اموالهم ويستأجروا بها احدا للحج عن مورثهم، وقد تقدم بيان الحكم في ما إذا كان مدينا للناس أو للخمس والزكاة مع وجوب الحج عليه، وضاقت التركة عن الوفاء. وانما تعود التركة ميراثا لورثته في الفرض الذي ذكرناه، إذا كانت التركة لا تكفي للحج عنه حتى في المستقبل، فإذا احتمل عند العقلاء انها تكفي لقضاء الحج عنه في المستقبل وجب حفظها حتى تتبين الحال، وكذلك إذا وجد من يتبرع بيقية النفقة للقضاء عن الميت، فيجب صرفها في ذلك. [ المسألة 220: ] يصح التبرع بقضاء الحج عن الميت، سواء كان المتبرع قريبا

[ 110 ]

للميت أم أجنبيا عنه، وسواء وجدت للميت تركة تفي بقضاء الحج عنه أم لا، وسواء أوصى الميت بالقضاء عنه من بعده أم لم يوص. فإذا تبرع أحد عن الميت فقضى الحج عنه برئت ذمة الميت من التكليف بالحج وسقط وجوب القضاء عنه من تركته، وعادت تركته ميراثا للورثة من بعده، وإذا استأجر الولي أو الورثة أحدا لقضاء الحج عن الميت، ثم تبرع أحد فحج عنه برئت ذمته كما ذكرناه وانفسخت الاجارة، ورجعت الاجرة ملكا للورثة، وإذا كان الميت قد أوصى قبل موته بقضاء حجة الاسلام عنه من ثلثه، ثم تبرع أحد فحج عنه حجة الاسلام بعد موته، وجب صرف مقدار الحج عنه من الثلث في وجوه البر والخير عنه. [ المسألة 221: ] إذا كان الميت قد أوصى إلى شخص أن يحج عنه بتركته كلها ولم يكن له وارث، وجب على الوصي أن ينفذ وصيته فيحج عنه بالتركة بالغة ما بلغت، فإذا قصرت التركة ولم تكف للحج حتى من مكة نفسها، تصدق بها عنه، وإذا وفت بالحج من مكة، فالاحوط أن يستنيب له أحدا من أهل مكة. [ المسألة 222: ] إذا وجب قضاء الحج عن الميت من تركته فأهمل ولي الميت أو وارثه، فلم يستأجر أحدا لذلك حتى تلفت التركة، أو قلت قيمتها السوقية حتى أصبحت لا تفي بأداء الواجب عنه كان ضامنا، فعليه قضاء الحج من ماله، وكذلك إذا كان الميت قد أوصى بالحج عنه من ثلثه فأهمل الوصي انجاز الوصية بالحج حتى تلف الثلث أو نقصت قيمته عن الوفاء بها، فيكون ضامنا كما ذكرنا في نظيره فيجب عليه القضاء من ماله.

[ 111 ]

[ المسألة 223: ] إذا أوصى المكلف بقضاء الحج عنه من البلد أو دلت القرائن على أن ذلك هو المقصود من الوصية بالحج عنه تعين ذلك على الوصي كما ذكرناه في المسألة المائتين والثامنة، فإذا تبرع أحد فحج عن الميت من الميقات برئت ذمة الميت من التكليف بالحج، وسقط وجوب القضاء عنه من البلد، وكذلك إذا خولفت الوصية فاستؤجر أحد للحج عنه من الميقات، وأتى النائب بالحج عنه كذلك وهو يجهل الحال فتبرأ ذمة الميت ويسقط وجوب القضاء عنه من البلد. والظاهر أن الولي يكون آثما بمخالفته للوصية إذا كان عالما مختارا فيها، وان عقد الاجارة بينه وبين الاجير يقع باطلا، فإذا حج الاجير من الميقات لم يستحق الاجرة المسماة في العقد، وإذا حج كذلك وهو يجهل الحال صح حجه، وبرئت ذمة الميت المنوب عنه كما ذكرنا، واستحق على الولي اجرة المثل لعمله، وقد يشكل الحكم بصحة حج النائب إذا كان عالما بوجوب الاستنابة من البلد، وان حجه من الميقات يكون سببا لتفويت الواجب. [ المسألة 224: ] ذكرنا في أول هذا الفصل أن قضاء حج الاسلام عن الميت دين من ديونه التي تشتغل بها ذمته اشتغالا وضعيا، ويخرج من أصل تركته كما تخرج سائر الديون التي تستقر في ذمته، وان المقدار المعلوم وجوبه من ذلك هو القضاء من الميقات، وإذا اختلفت المواقيت في مقادير الاجرة للاستنابة منها، فالواجب أقلها أجرة، وذكرنا في المسألة المائتين والثالثة عشرة: ان الاستئجار لقضاء الحج من الميقات إذا لم يمكن الا باكثر من أجرة المثل وجب ذلك وأخرج من الاصل، وإذا تعذر الاستئجار من الميقات مطلقا، فلم يمكن الحج عن الميت إلا من بلده أو من بلد آخر وجب ذلك، وأخرجت الاجرة

[ 112 ]

من الاصل، ونتيجة لذلك، فالاجرة لقضاء الحج عن الميت في جميع هذه الفروض المختلفة في المقادير تكون دينا على الميت تخرج من أصل تركته، وتزاحم سائر الديون التي تشتغل بها ذمته، فإذا تحقق بعض هذه الفروض، وكان الميت مدينا أيضا بخمس أو زكاة أو دين لبعض الناس وضاقت تركته عن الوفاء بالواجبات والديون التي عليه وزعت التركة عليها بالحصص، كما فصلناه في المسألة المائتين والخامسة عشرة ولحقتها احكامها. [ المسألة 225: ] إذا أوصى المكلف أن يقضي الوصي حجة الاسلام عنه من بلده أو دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن ذلك هو المقصود من وصيته، وجب العمل بذلك، والمنساق من النصوص والمتعارف بين الناس في امثال ذلك ان المراد الحج عنه من البلد الذي يستوطنه، الا أن تدل القرائن على انه يريد بلدا آخر، أو أنه يريد الحج عنه من أي بلد يكون قبل الميقات، وقد سبقت أمثلة من ذلك. وإذا كان له بلدان يستوطنهما، فالمتبع ظهور الوصية في تعيين أي البلدين يريد الحج منه، فإذا لم يعين بلدا خاصا منهما ولم تدل القرائن على شئ فالظاهر تخيير الوصي في الحج من أيهما شاء. [ المسألة 226: ] إذا أوصى الشخص بأن يحج عنه حج مندوب اخرج الوصي ذلك من ثلثه، وأتبع ظهور وصيته في تعيين ان الحج من البلد أو من الميقات على الوجه الذي تقدم في المسألة المائتين والثامنة، وإذا عين مقدارا من ثلثه يحج به عنه ندبا وجب أن يحج عنه من حيث يسع ذلك المال، وإذا لم يكف للحج عنه حتى من مكة صرف المال في وجوه البر ولم يعد ميراثا على الاحوط.

[ 113 ]

[ المسألة 227: ] إذا اختلف المكلف الميت مع وارثه أو وليه في الحكم، فكان الميت يرى بحسب اجتهاده أو تقليده وجوب القضاء عنه من البلد مثلا، وكان الولي يرى كفاية القضاء من الميقات أو بالعكس فالمدار على اعتقاد الوارث أو الولي الذي يباشر الحج عن الميت أو الاستئجار له، فإذا كان يرى كفاية القضاء من الميقات جاز له ذلك وان كان الميت ممن يرى وجوب البلدية. [ المسألة 228: ] إذا تبرع أحد بقضاء الحج عن الميت من الميقات وكان المتبرع ممن يرى كفاية ذلك في القضاء عن الميت بحسب اجتهاده أو تقليده برئت ذمة الميت من الفرض الواجب عليه وسقط وجوب القضاء عنه، وان كان الميت نفسه والوارث من بعده يعتقدان - بحسب اجتهادهما أو تقليدهما - بوجوب الحج من البلد. [ المسألة 229: ] إذا أوصى مكلف قد استقرت في ذمته حجة الاسلام بأن تقضى الحجة عنه من ثلثه بعد موته ثم تبرع عنه أحد بعد الموت فحج عنه من البلد أو من الميقات، برئت ذمة الميت من الحج الواجب عليه وسقط وجوب العمل بالوصية به، ووجب صرف مقدار اجرة الحج من ثلثه في وجوه البر على الاحوط، ولم يرجع الى الورثة. [ المسألة 230: ] إذا اختلف الورثة في ما بينهم في الحكم، فكان بعضهم يرى وجوب القضاء عن الميت من الميقات بحسب تقليده وبعضهم يذهب إلى وجوب الحج عنه من البلد، عمل كل واحد منهم وفق تقليده فيؤخذ من حصته بمقدار ما يصيبها من الاجرة بمقتضى رأي الفقيه الذي يرجع إليه، فإذا لم يف مجموع ذلك بقضاء الحج من البلد،

[ 114 ]

حج به من الاقرب فالاقرب إلى البلد. وإذا أدى ذلك إلى التنازع والخصام في ما بينهم، أو إلى التنازع والخصام بينهم وبين الوصي الذي اعتمد عليه مورثهم، تعين الرجوع الى الحاكم الشرعي فيفصل الخصومة ما بينهم بمقتضى ما يذهب إليه في المسألة. [ المسألة 231: ] قد ذكرنا مرارا أن حجة الاسلام متى استقرت في ذمة المكلف أصبحت عليه دينا من الديون يقضى من أصل تركته إذا مات، ولا فرق في ذلك بين أن يوصي بقضائها من بعده أو لا يوصي، نعم يجوز له أن يوصي بإخراجها من ثلث تركته بعد موته فيصرح بذلك في وصيته أو يدل عليه بقرينة مفهمة، فإذا أوصى بها كذلك ووفى الثلث بها نفذت الوصية ولزم العمل بها، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بها أخرج ما زاد عن الثلث من أصل التركة. وإذا أوصى بأن يستأجر له أحد ليقضي عنه حجة الاسلام بعد موته، وعين لذلك مبلغا محدودا، وجب على الوصي أن يعمل بوصيته كذلك، فإذا كانت الاجرة التي عينها بمقدار أجرة المثل للحج من الميقات أو أقل منها أخرجت من أصل التركة، وإذا زادت على ذلك أخرج الزائد من الثلث. [ المسألة 232: ] إذا أوصى المكلف بأن يحج عنه بعد الموت، وعين لذلك مالا مخصوصا من التركة، وعلم الوصي أن المال الذي عينه الموصي للحج قد تعلق به الخمس أو تعلقت به الزكاة ولم يؤدهما المالك في حياته، وجب على الوصي اخراج الحق الواجب من المال أولا، ثم صرف الباقي منه في انجاز الوصية بالحج، وإذا قصر الباقي عن نفقة الحج وكان الحج الذي أوصى به هو حج الاسلام أو حج واجب

[ 115 ]

بالنذر، وجب اتمام الناقص من أصل التركة، وإذا كان الحج الذي أوصى به غيرهما صرف الباقي من المال بعد اخراج الحق منه في وجوه البر على الاحوط بل الاقوى. [ المسألة 233: ] الحج الذي يجب على الانسان بالنذر، إذا تمت شروط انعقاد النذر ووجب عليه الوفاء به يكون من الديون التي تشتغل بها ذمة الناذر اشتغالا وضعيا، فإذا مات الناذر بعد أن استقر عليه الوجوب، وجب قضاؤه من أصل تركته على الاقوى، فهو في ذلك نظير حج الاسلام وقد أشرنا إلى هذا في المسألة المتقدمة. وإذا أوصى بقضاء حج النذر عنه وصرح في وصيته بإخراج أجرته من الثلث أو دلت القرائن على ذلك وجب العمل بموجب وصيته، وجرت فيه الفروض التي سبق ذكرها في الوصية بحج الاسلام وطبقت عليها أحكامها المتقدمة. ويشكل جريان الحكم في الحج الذي يجب على المكلف بسبب افساده لحج سابق وفي الحج الذي يجب عليه بالعهد أو اليمين. [ المسألة 234: ] إذا أوصى المكلف بالحج عنه بعد موته ولم يعين مقدارا مخصوصا للاجرة التي تصرف في الحج عنه، وجب أن يقتصر على أجرة المثل لذلك ولا يزاد عليها، وإذا وجد في الاشخاص الذين يمكن استئجارهم للحج من يرضى بأقل من أجرة المثل وجب استئجاره. وإذا أوصى بالحج عنه ولم يعين مقدارا للاجرة كما ذكرناه، واحتمل في الاشخاص الذين وصفناهم من يرضى بأقل من أجرة المثل وجب الفحص عنه على الاقوى، الا إذا رضي الورثة كلهم باستئجار غيره، وكانوا جميعا بالغين غير قاصرين.

[ 116 ]

[ المسألة 235: ] إذا مات المكلف وقد استقر في ذمته وجوب حج الاسلام، ووجد من يريد التبرع بالحج عنه لم تجب المبادرة على الولي أو الورثة إلى الاستئجار عن الميت، فإذا حج المتبرع عنه وكان عمله صحيحا، ولو بأصالة الصحة أجزأ ذلك عن الميت كما بيناه في المسألة المائتين والعشرين، وإذا لم يتبرع أو لم يكن حجه صحيحا وجب الاستئجار عن الميت. [ المسألة 236: ] إذا أوصى الانسان بأن يحج عنه بعد الموت، وعين في وصيته أجيرا خاصا يستأجره الوصي للحج عنه، وجب على الوصي أن يعمل بوصيته، فيستأجر ذلك الاجير بذاته بأجرة المثل ويخرجها من أصل تركة الميت إذا كان الحج الذي أوصى به حج الاسلام أو كان حجا واجبا عليه بالنذر كما ذكرنا في ما سبق، وإذا لم يقبل الاجير بأجرة المثل وطلب أكثر منها وكانت الزيادة التي يطلبها مما يفي بها ثلث الميت تعين استئجاره ايضا عملا بالوصية، وأخرج الزائد عن أجرة المثل من الثلث، وإذا كان الزائد الذي يطلبه الاجير لا يفي به الثلث ولم يجزه الورثة سقط وجوب العمل بالوصية واستأجر الورثة للحج عن الميت شخصا آخر بأجرة المثل، وهذا إذا كان الحج الموصى به حج الاسلام أو حج النذر. [ المسألة 237: ] إذا أوصى بأن يحج عنه بعد موته حج مندوب، وعين أجيرا مخصوصا لذلك كما قلنا في المسألة السابقة، ولم يقبل الاجير المعين بأصل الاجارة أو لم يقبل الا بأكثر من الثلث ولم يجز الورثة ذلك استأجر الوصي شخصا آخر واخرج بدل اجارته من الثلث، وإذا كان الموصي قد عين ذلك الاجير على وجه التقييد به دون غيره،

[ 117 ]

ولم يقبل بالاجارة أو لم يقبل بمقدر الثلث سقطت الوصية ورجع المال إلى الورثة. [ المسألة 238: ] إذا أوصى الانسان بعد موته بحج مندوب وعين لذلك اجرة لا يرغب فيها أجير حتى من الميقات، ولا يرجا وجود راغب بها في المستقبل سقط وجوب الحج، وصرف المال الذي عينه في الوصية: في وجوه البر، وإذا علم من القرائن أن الموصي قد أراد الحج بالمال على وجه التقييد بالحج دون غيره من وجوه البر بطلت الوصية عن أصلها ورجع المال إلى الورثة. [ المسألة 239: ] إذا علم الولي أن وجوب الحج قد استقر في ذمة مورثه في حال حياته، وشك في انه أدى ما وجب عليه قبل موته أم لم يؤده، وجب على الولي قضاء الحج عنه واخرجه من أصل تركته. [ المسألة 240: ] إذا علم الولي بأن ميته قد وجب عليه الخمس أو الزكاة في حال حياته ولم يعلم بأنه قد أدى الحق الواجب عليه أم لم يؤده، فإن كانت عين المال التي تعلق بها الخمس أو تعلقت بها الزكاة لا تزال موجودة، وجب على الولي قضاء الحق عنه، واحتسبه من أصل تركته. وإذا علم الولي بأن جميع المال الذي تعلق به الحق قد تلف في حياة المورث، وشك في أن ذمة الميت قد اشتغلت ببدل الحق، فلعل تلف المال كان بغير تعد، ولا تفريط منه فلا يكون ضامنا، والظاهر عدم وجوب القضاء على الولي في هذه الصورة. وإذا علم الولي بأن المال قد تلف في حياة المورث وان ذمة المورث قد اشتغلت بالخمس أو الزكاة، لان تلف المال كان بتعد منه

[ 118 ]

أو تفريط، ثم شك في أن المورث الضامن قد ادى ما اشتغلت به ذمته من الحق بعد تلف المال وجب عليه القضاء. [ المسألة 241: ] إذا علم ولي الميت بأن مورثه قد استطاع الحج في حياته استطاعة مالية ولم يعلم بأن بقية شرائط الاستطاعة والوجوب قد تحققت له، فيجب القضاء عنه، أو لم تتحقق، فلا يجب، فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه، الا إذا دلت على حصول الشرط المشكوك امارة شرعية من بينة ونحوها، أو كان ذلك مقتضى أصل شرعي، كما إذا كان صحيح البدن مخلى السرب ثم شك الولي هل عرض له بعد ذلك مرض أو مانع فمنعه عن أداء الحج. [ المسألة 242: ] لا يكفي في الحكم ببراءة ذمة الميت وسقوط وجوب القضاء عنه أن يستأجر الوارث احدا للنيابة في الحج عنه حتى يؤدي الاجير الحج الذي استؤجر له، فإذا علم ان الاجير لم يؤد ما استؤجر له وجب على الوارث أن يستأجر من يؤدي عنه، وكذلك إذا شك في أنه أدى أو لم يؤد فيجب على الوارث الاستئجار. ويكفي العلم العادي بأنه قد أدى ما استؤجر له، والعلم العادي هو المتعارف الذي يكتفي به الناس في معاملاتهم، ويرتبون الآثار عليه في أعمالهم وشؤونهم. [ المسألة 243: ] إذا أوصى الرجل قبل موته بأن يحج عنه حجة الاسلام من بلده أو من بلد معين آخر، وخالف الوارث أو الوصي تلك الوصية فاستأجر أحدا للحج عنه من الميقات وكانت اجارته من مال الميت فالظاهر بطلان الاجارة، وإذا حج الاجير من الميقات برئت ذمة الميت الموصي من الواجب وسقط وجوب العمل بالوصية لارتفاع

[ 119 ]

موضوعها، ولم يستحق الاجير الاجرة المسماة لبطلان الاجارة - كما قلنا - ولكنه يستحق أجرة المثل لعمله الا إذا كانت الاجرة المسماة اقل منها. [ المسألة 244: ] الوصي أمين شرعي فإذا تلف بيده مال الاجارة قبل الاستئجار ولم يكن متعديا ولا مفرطا فلا ضمان عليه، فإذا كان الحج الموصى به هو حج الاسلام أو حج النذر وجب الاستئجار له من بقية التركة، وإذا كان حجا مندوبا وجب الاستئجار له من بقية ثلث الميت، وإذا اقتسم الورثة بقية المال استرد منهم المقدار المذكور من التركة بنسبة حصصهم منها، وكذلك إذا شك في كونه مقصرا أو لا، وقد تقدم الاشكال في الحج الواجب بسبب افساد الحج أو بالعهد أو اليمين هل يخرج من ثلث التركة كالحج المندوب كما هو غير بعيد أو من اصل التركة ولا يترك الاحتياط في ذلك. [ المسألة 245: ] إذا استأجر الوصي أجيرا ليحج عن الميت الموصي ودفع إليه مال الاجارة ثم مات الاجير قبل ان يحج، ولم تكن له تركة فيسترد الوصي أو غيره منها المال، أو لم يمكن له اخذ المال من ورثة الاجير بعد موته، فلا ضمان على الوصي بذلك إذا لم يقع منه تقصير، بل عليه ان يستأجر شخصا آخر للحج عن الميت من بقية التركة أو من بقية الثلث على النهج الذي اوضحناه في المسألة السابقة. [ المسألة 246: ] إذا مات الوصي وشك ورثة الموصي في ان الوصي هل نفذ الوصية لما كان حيا فاستأجر أحدا للحج عن مورثهم أو لم يستأجر له حتى مات، وجب عليهم أيستأجروا احدا من بقية تركة مورثهم إذا كان الحج الموصى به حج الاسلام أو حجا منذورا ومن بقية

[ 120 ]

الثلث إذا كان حجا مندوبا، وليس لهم ان يكتفوا بحمل امر الوصي على الصحة فيتركوا العمل بالوصية اعتمادا على ذلك سواء مضت على الوصية مدة يمكن فيها الاستئجار أم لا. وإذا وجد هؤلاء الورثة في تركة الوصي عين المال الذي قبضه منهم أو من مورثهم للاستئجار عنه جاز لهم اخذه، وإذا لم يجدوا المال فلا ضمان على الوصي لاحتمال ان يكون المال المدفوع إليه قد تلف في يده من غير تقصير. [ المسألة 247: ] لا تنفذ الوصية بالحج المندوب إذا كان المال الذي عينه الموصي لها يزيد على ثلث تركته أو كان مما تحتمل زيادته على الثلث، فإذا أوصى بذلك لم يجز صرف ما زاد أو ما تحتمل زيادته في الوصية الا إذا اجاز الورثة ذلك، وكانوا بالغين رشيدين، وإذا اختلفوا في البلوغ أو الرشد صح في البالغ الرشيد بمقدار ما ينوب حصته، وإذا اختلفوا في الاجازة وعدمها صح في حصة من أجاز منهم وبطل في حصة من لم يجز. [ المسألة 248: ] إذا مات الشخص وقد اشتغلت ذمته بوجوب حجة الاسلام عليه، وكانت له وديعة عند بعض الثقاة تكفيه لنفقة الحج عنه أو تزيد عليها، فإن علم من بيده الوديعة أو اطمأن بأن ورثة الميت صاحب الوديعة لا يؤدون الحج عن مورثهم إذا هو رد المال إليهم أو ثبت له ذلك بالبينة الشرعية، وجب عليه ان يحج بالمال عن الميت أو يستأجر به نائبا يحج عنه، فإذا فضل من المال شئ بعد نفقة الحج رد الزائد على الورثة، كما دلت عليه صحيحة بريد بن معاوية، وإذا علم أو اطمأن بأن الورثة يقضون الحج عن الميت إذا قبضوا الوديعة فالظاهر وجوب ردها إليهم، وإذا لم يثبت له شئ

[ 121 ]

من أمرهم فالاقوى أيضا وجوب قضاء الحج عليه عن صاحب الوديعة ورد الزائد من المال إلى الورثة كما هو الحكم في الفرض الاول، عملا باطلاق الصحيحة الآنف ذكرها، وخصوصا إذا ظن بانهم لا يؤدون. ولا تتوقف صحة حجه بالمال عن الميت على الاذن له من الحاكم الشرعي في كلتا الصورتين، وان كان ذلك هو الاحوط له استحبابا مع الامكان. [ المسألة 249: ] الظاهر انه لا خصوصية للوديعة في ترتب الحكم الآنف ذكره وان كانت الوديعة هي المذكورة في السؤال عن الحكم في الصحيحة، فإذا كانت للميت عند الشخص عارية أو عين مستأجرة أو كان له في ذمته دين أو كان له في يده مال قد استنقذه له من يد غاصب جرى فيه الحكم المذكور فإذا علم الشخص الذي بيده المال بأن الميت صاحب ذلك المال قد استقر في ذمته حج الاسلام جرت فيه الفروض التي ذكرناها في المسألة الماضية وترتبت عليها الاحكام التي بيناها. نعم يشكل انطباق الحكم إذا كان للميت في يد الشخص مال مغصوب وكان الشخص بذاته هو غاصب المال وقد عزم على رد المال إلى أهله، فإذا كان الميت صاحب المال ممن استقر الحج عليه، واحتمل الشخص الغاصب ان ورثة الميت من بعده يؤدون الحج عنه إذا اخذوا المال وانهم لا يؤدون اشكل الحكم بثبوت الولاية لذلك الغاصب على ان يحج عن الميت بالمال أو يستأجر من يحج عنه من غير مراجعة للورثة وللحاكم الشرعي في ذلك، وإذا علم أو اطمأن بانهم لا يؤدون الحج عن الميت اشكل الحكم بجواز ذلك له من غير استئذان للحاكم الشرعي.

[ 122 ]

[ المسألة 250: ] إذا علم من بيده الوديعة بأن الميت صاحب الوديعة قد استقر في ذمته حج منذور أو أنه مدين بخمس أو زكاة أو مظالم، أو أنه مدين لبعض الناس بمبلغ من المال، وعلم ايضا بأن ورثة الميت لا يؤدون ما في ذمته من تلك الواجبات أو الديون، أو اطمأن بذلك أو قامت عليه بينة شرعية، وجب عليه أن يصرف ما في يده من الوديعة في قضاء ما في ذمة الميت من الامور المذكورة، والاحوط لزوما ان يستأذن الحاكم الشرعي في تولي ذلك، ويشكل الحكم في غير هذه الصورة من الفروض. والظاهر أن هذا الحكم لا يختص بمن بيده مال وديعة بل يعم من كان للميت عنده مال عارية أو عين مستأجرة أو كان له عليه دين أو مال مغصوب قد أخذه للميت من غاصبه، إذا تم الفرض الذي سبق ذكره في الوديعة، وتوفرت الامور التي اشترطناها في ثبوت الحكم. [ المسألة 251: ] يصح للمكلف أن يوصي إلى وارثه أو غيره بأن يقضي الحج عنه ماشيا أو حافيا من أول سفره إلى الحج إلى آخر اعماله مثلا، أو من ابتداء الاحرام من الميقات إلى نهاية الاعمال، ويجب على الوصي العمل بما أوصى، فإذا كان الحج الموصى به حجا مندوبا اخرج جميع أجرته من الثلث، وإذا كان حج الاسلام أو حجا منذورا أخرج مقدار أجرة المثل للحج من الميقات إلى آخر الاعمال من أصل التركة - كما تقدم مرارا - وأخرج أجرة المشي والحفاء مدة الحج وما زاد على الواجب من الثلث، وكذلك كل خصوصية مشروعة يوصي بها الميت وهي تزيد على اصل الواجب فإنها تخرج من الثلث.

[ 123 ]

[ المسألة 252: ] إذا نذر الانسان ان يحج البيت ماشيا أو يحجه حافيا وكان قادرا على ذلك وجب عليه الوفاء بنذره، فإذا لم يف به حتى مات وجب على ورثته قضاؤه عنه واخرجت الاجرة من اصل تركته. [ المسألة 253: ] إذا أقر المكلف بأن عليه حجة الاسلام وحجة منذورة قد اشتغلت بهما ذمته صدق اقراره، ووجب على الورثة قضاؤهما عنه واخراجهما من أصل تركته، وكذلك إذا أقر بوجوب حجتين منذورتين أو اكثر. وإذا أقر بشئ من ذلك وهو في مرض الموت وكان متهما في اقراره اخرج ما أقر به من ثلثه خاصة لا من اصل تركته، وقد ذكرنا في فصل منجزات المريض من آخر كتاب الحجر: ان المراد بكونه متهما في اقراره ان توجد امارات تدل على ان المريض يريد باقراره تخصيص بعض الورثة أو غيرهم بشئ من ماله، أو انه يريد حرمان بقية الورثة منه. [ المسألة 254: ] إذا أوصى الرجل بأن يحج عنه بعد موته، ولم يذكر في وصيته انه يريد الحج عنه مرة واحدة أو مكررا، كفى في العمل بوصيته أن يحج الوصي عنه مرة واحدة بنفسه، أو يستأجر من يحج عنه مرة واحدة كذلك، ولا يجب تكرار الحج الا إذا علم أو دلت القرائن على انه يريد التكرار، وإذا أوصى وعين انه يريد الحج عنه مرة واحدة أو مرتين أو اكثر اتبع ظهور وصيته في العدد الذي ذكره، فيحج عنه بمقدار ما عين، وإذا اوصى بان يحج عنه مكررا كفى ان يحج عنه مرتين، الا إذا علم أو دلت القرائن على انه يريد الحج عنه أكثر من ذلك، ومثاله ان يقول: حجوا عني مرارا

[ 124 ]

متعددة أو مرارا كثيرة أو يقول: حجوا عني ما وسع ثلث التركة. [ المسألة 255: ] إذا أوصى الرجل بأن يحج عنه سنين متعددة معينة العدد أو غير معينة، وجعل لكل سنة مقدارا معلوما من المال يحج به فقال مثلا: حجوا عني خمس سنين، كل سنة بمائة دينار، ولم يكف المقدار الذي ذكره للحج عنه في كل سنة كما اراد صرف ذلك المقدار المعين على حسب ما يكفي له من السنين فيجعل نصيب سنتين لسنة واحدة أو نصيب ثلاث سنين لسنتين وهكذا. وإذا علم أن مقصوده في وصيته ان يحج عنه بالمائة دينار حسب ما تكفي، فإن وفت للحج عنه من البلد حج عنه بها من البلد، وان لم تكف الا للحج من الميقات حج بها من الميقات. وإذا صرف المقدار الذي عينه للحج على احد الوجهين المذكورين، وبقيت منه زيادة لا تفي بالحج صرفت في وجوه البر. [ المسألة 256: ] الطواف بالبيت الحرام عبادة مستقلة بنفسه، وان لم يكن في ضمن حج أو عمرة فهو مستحب نفسي في ذاته، وتصح النيابة فيه عن الميت، وتصح النيابة فيه عن الحي ايضا إذا كان غائبا عن مكة، وتصح النيابة فيه عن الحي إذا كان حاضرا لا يتمكن ان يتولى الطواف بنفسه، وإذا أوصى المكلف ان يطاف عنه بالبيت بعد موته طوافا مستحبا وجب العمل بوصيته، وإذا نذر ان يطوف بالبيت انعقد نذره ووجب عليه الوفاء به مع القدرة، فإذا مات ولم يف بنذره وجب القضاء عنه على الاحوط. ولم يثبت استحباب الاتيان ببقية اعمال الحج استحبابا مستقلا، كالوقوف بعرفات أو عند المشعر الحرام وكالمبيت بمنى في ليالي التشريق ورمي الجمرات في ايامها، بل وحتى السعي بين الصفا

[ 125 ]

والمروة، إذا أتى بهذه الاعمال مستقلة وليست في ضمن اعمال الحج. ولذلك فلا تثبت لها الاحكام المذكورة. [ المسألة 257: ] إذا أوصى الرجل بان يحج عنه بعد موته حجتين جاز للوصي من بعده ان يستأجر عنه اجيرين ليأتيا بالحجتين الموصى بهما في عام واحد، سواء كانت الحجتان واجبتين أم مندوبتين، أم كانت احداهما واجبة والاخرى مندوبة، وكذلك إذا اوصى بحجات متعددة، فيصح للوصي ان يستأجر جماعة ينوبون عنه في الحجات كلها في عام واحد، وسنتعرض ان شاء الله تعالى لهذه المسألة في فصل الحج بالنيابة بوجه أكثر تفصيلا. [ المسألة 258: ] إذا أتم الاجير حجه عن الشخص المنوب عنه وفرغ من اعماله جاز له ان يطوف لنفسه، وان يطوف عن غيره تبرعا أو بإجارة، وصح له كذلك ان يعتمر عمرة مفردة لنفسه أو بالنيابة عن غيره، تبرعا أو بالاجارة، وكذلك إذا كان أجيرا للعمرة المفردة، فإذا أتم اعمالها جاز له الطواف والاعتمار لنفسه ولغيره، بل ويجوز له الحج لنفسه أو لغيره إذا اتفق ذلك في اوانه وتمكن من الاتيان به، وسيأتي ان شاء الله تعالى بيان الحكم في الفصل ما بين العمرتين، وفي الطواف له أو لغيره بعد عمرة التمتع وقبل الحج. [ المسألة 259: ] إذا دفع الوصي أو الوارث إلى احد مقدارا من المال ووكله في ان يستأجر به أجيرا يحج عن الميت، فإن علم الوكيل بان المعطي يريد استئجار الوكيل نفسه، أو علم بأنه يريد استئجار احد يختاره الوكيل لذلك، وان كان هو الوكيل نفسه، صح له أن يحج بنفسه، والاحوط استحبابا له ان يوكل غيره في قبول الاجارة لذلك،

[ 126 ]

فلا يكون هو الموجب لعقد الاجارة وهو القابل، وإذا علم انه يريد استئجار غيره، أو شك في شمول وكالته لاستئجار نفسه لم يجز له أن يستأجر نفسه. وإذا وكله في أن يستأجر شخصا معينا تعين استئجار ذلك الشخص، الا إذا علم الوكيل بان الموكل انما ذكره لانه احد الافراد الذين يمكن استئجارهم، فيجوز له ان يستأجر غيره، أو علم الوكيل بان ذلك الشخص ليس أهلا لذلك، فلا يستأجره، ويستأمر الموكل في استئجار غيره. [ المسألة 260: ] إذا كان المكلف يملك دارا أو بستانا، وملك رجلا غيره داره أو بستانه بالمصالحة معه على ذلك، واشترط على الرجل في عقد المصالحة معه أن يحج عنه بعد موته، وقبل الرجل الصلح والشرط، ملك الرجل الدار أو البستان بالصلح، وملك المكلف على الرجل ان يحج عنه بعد موته، واصبح ذلك دينا على الرجل يجب عليه وفاؤه، ولا يكون ذلك من الوصية بالحج، سواء كان الحج الذي اشترطه عليه حجا واجبا أم مندوبا، ولا تترتب عليه احكام الوصية ليعتبر ان لا يزيد على الثلث، ولتتوقف صحته على اجازة الورثة إذا زاد على الثلث، كما يراه المحقق القمي (قدس الله سره). ومن نظائر الفرض الآنف ذكره في المسألة ومشاركاته في الحكم ان يملك المكلف داره أو بستانه ذلك الرجل بالمصالحة - كما قلنا - ويشترط عليه في ضمن العقد ان يبيع الدار أو البستان الذي صالحه عليه بعد موت المكلف ويصرف ثمنه في الحج عنه، فإذا تمت المصالحة وقبل الرجل الشرط ملك الدار أو البستان ولم يبق فيها اي حق لورثة المكلف من بعده، وملك المكلف عليه الشرط فيجب عليه ان يبيع الدار أو البستان بعد موت المكلف، وان يصرف الثمن في

[ 127 ]

الحج، ولم يكن ذلك من الوصية فتجري فيه احكامها، كما قلنا في الفرض المتقدم. وإذا لم يف الرجل بالشرط كان الخيار للحاكم الشرعي لا للورثة، فإذا فسخ الدار أو البستان باعهما وصرف ثمنهما في الحج عن الميت، وإذا زاد من الثمن شئ صرفه في وجوه البر للميت. [ المسألة 261: ] إذا باع الرجل داره أو بستانه على أحد بثمن معين، واشترط البايع على المشتري في ضمن العقد أن يصرف الثمن المذكور في الحج عنه إذا مات، وقبل المشتري بالشرط، ولا ينبغي الاشكال في ان هذا من الوصية بعد الموت فتلزمه احكامها، فإذا كان الحج المشروط على المشتري أن يأتي به هو حج الاسلام أو كان حجا منذورا لزم العمل بالشرط، وأخرج مقدار أجرة المثل له من اصل التركة، وأخرج ما زاد على ذلك من الثلث، وإذا كان الحج المشروط عليه حجا مندوبا، وكانت نفقته لا تزيد على الثلث لزم العمل بالشرط، واخرجت نفقته من الثلث، وإذا زادت الاجرة على الثلث لم يلزم العمل بالشرط في ما زاد عليه، بل لم يجز ذلك الا إذا اجاز الورثة، وإذا لم يوف المشتري بما شرط عليه ثبت للورثة خيار تخلف الشرط، والاحوط ان يكون فسخ الوارث للمعاملة بالاستئذان من الحاكم الشرعي. [ المسألة 262: ] إذا وجدت شروط وجوب الحج على المكلف، وتحققت له جهات الاستطاعة التي اعتبرتها الشريعة وجب عليه ان يبادر لحج البيت فورا، ولم يجز له أن يتأخر فيه أو يتهاون من غير عذر يبيح له ذلك، وكذلك الحكم في من استقر وجوب الحج في ذمته، فتجب عليه المبادرة في الامتثال، ولا يسوغ له التأخير، وقد تكرر بيان

[ 128 ]

هذا في عدة من المناسبات، فإذا استقر وجوب حج الاسلام في ذمة المكلف وتمكن من ادائه، أو وجب عليه الحج في عامه، وتمكن من ادائه حرم عليه ان يحج عن غيره متبرعا أو أجيرا، وحرم عليه ان يحج لنفسه متطوعا، لانه يفوت الحج الواجب الفوري عليه، وإذا حج كذلك كان عاصيا آثما، ولا ريب في ذلك، وكان حجه باطلا على القول المشهور بين الفقهاء، ولكن الاقوى الصحة إذا حج عن غيره، للنصوص المعتبرة الظاهرة في الدلالة على ذلك، ولا موجب لتأويلها. وإذا حرم عليه ان يحج لغيره كما ذكرنا لم تصح اجارته لذلك على الاقوى لعدم قدرته شرعا على الفعل المستأجر عليه، فإذا استؤجر للحج عن غيره كانت الاجارة باطلة، ونتيجة لذلك فإذا حج عن الميت المنوب عنه صح حجه وان كان آثما فتبرأ ذمة الميت من التكليف لصحة الحج ولم يستحق الاجرة المسماة لبطلان عقد الاجارة ولكنه يستحق اجرة المثل بفعله ما تبرأ به ذمة الميت الا إذا كانت الاجرة المسماة اقل منها.

[ 129 ]

[ الفصل الخامس ] [ في النيابة للحج أو العمرة ] [ المسألة 263: ] تصح النيابة في الحج عن الانسان بعد موته، سواء كان الحج المنوب فيه واجبا عليه أم مندوبا، وسواء أكان الحج الواجب عليه هو حج الاسلام أم حجا منذورا، أم حجا وجب عليه بإجارة أو شرط في ضمن العقد أو بسبب إفساد حج سابق، فإذا وجب الحج على الانسان واستقر في ذمته ولم يؤده حتى مات، صحت النيابة فيه عن الميت إذا كان ذلك الحج مما يقضى بعد الموت، وتصح النيابة عنه في العمرة الواجبة والمندوبة، ومن أي أقسام العمرة الواجبة إذا كانت مما تقضى، وتصح النيابة عن الانسان الحي في الحج المندوب وفي حج الاسلام إذا استطاع إليه سبيلا، أو استقر في ذمته ثم عرض له مرض أو عذر مستمر لا يرجا زواله فمنعه عن مباشرة الحج بنفسه، وقد مر تفصيل أحكامه في الفصل الثالث، ولا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب في غير هذه الصورة. وتصح النيابة عن الحي في الطواف إذا كان المنوب عنه غائبا عن مكة، أو كان حاضرا فيها ولا يمكنه أن يطوف بنفسه لبعض الاعذار، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائتين والسادسة والخمسين. [ المسألة 264: ] يشترط في النائب أن يكون بالغا، فلا تصح نيابة الصبي عن غيره وإن كان مميزا وهذا هو القول المشهور بين الاصحاب (قدس الله أنفسهم)، وللمناقشة في ما أقاموه من الادلة لاثبات هذا القول مجال واسع، ولكن في هذا القول احتياطا لا يترك، فلا يجتزى بحجه

[ 130 ]

ولا بعمرته عن غيره على الاحوط سواء حج أو اعتمر عنه متبرعا أم أجيرا، وسواء أذن له وليه بذلك أم لا، وسواء كان الحج والعمرة واجبين أم مندوبين. [ المسألة 265: ] يشترط في النائب أن يكون عاقلا، فلا تصح نيابة المجنون المطبق، ولا الذي يعترضه الجنون ادوارا إذا كانت نيابته في دور جنونه، وتصح نيابته إذا وقعت في دور إفاقته من الجنون وكان دور الافاقة يفي بجميع الاعمال، ويصح للولي أو الوصي أن يستأجره لذلك إذا اطمأن بأن دور إفاقته يفي بالاعمال جميعا. [ المسألة 266: ] يشكل الحكم بصحة نيابة المجنون إذا كان مميزا، ولا يترك الاحتياط بعدم الاجتزاء بفعله، إلا إذا كان تام التمييز، بحيث يلحق بالعقلاء عرفا، وتصح نيابة السفيه، ولكن اجارته للنيابة لا تصح إلا بإذن وليه. [ المسألة 267: ] يشترط في النائب أن يكون مؤمنا، فلا تصح نيابة غير المؤمن وإن اعتقد بوجوب الحج، وأتى بالاعمال موافقة للمذهب الحق، وأتى بجميع ذلك بقصد القربة. [ المسألة 268: ] يشترط في النائب أن يكون ممن يوثق به وبمعرفته وبصحة أدائه للاعمال ليحرز بذلك أنه قد أتى بالعمل المستناب فيه على الوجه الصحيح، ولا يعتبر فيه أن يكون عادلا، ويكفي في معرفته للاعمال والاحكام أن تكون له مصادر صحيحة يرجع إليها إذا شك أو احتاج إلى التعلم، أو يكون له مرشد موثوق يوجهه إلى الفعل الصحيح والحكم الصحيح متى احتاج، وإذا علم المستنيب أن النائب قد أتى

[ 131 ]

بالعمل وشك في صحة فعله بنى على أصالة الصحة فيه، فإذا أحرزت بجميع ما ذكرناه صحة عمل النائب حكم ببراءة ذمة المنوب عنه من التكليف الواجب عليه. [ المسألة 269: ] يشترط في صحة استئجار النائب للحج، وفي مطلق استنابته فيه - ولو بنحو الصلح أو الشرط في ضمن العقد - أن يكون النائب غير مشغول الذمة بحج واجب في عام الاستنابة، فلا تصح استنابته إذا كان ممن وجب عليه الحج في ذلك العام مع تمكنه من أدائه، أو كان قد استقر وجوب الحج في ذمته مع تمكنه من الاداء، فإذا استؤجر للنيابة في هذا الحال كانت اجارته باطلة، وإذا خالف وحج عن المنوب عنه كان آثما، وإن كان حجه صحيحا على الاقوى، فتبرأ بفعله ذمة المنوب عنه، ولا يستحب الاجرة المسماة له بالعقد ولكنه يستحق أجرة المثل، وقد سبق بيان هذا في آخر الفصل المتقدم. ولا فرق في جريان هذه الاحكام بين أن يكون الحج الفوري الذي وجب على النائب في ذلك العام حج اسلام، أو حج نذر معين، أو حجا معينا آخر وجب عليه في ذلك العام بإجارة أو عهد أو يمين أو شرط في ضمن العقد، أو وجب عليه بإفساد حج سابق. ويستثنى من ذلك ما إذا آجر الشخص نفسه لحج في ذمته، يوقعه في ذلك العام ولم يقيد إجارته بأن يتولى الحج بنفسه، فيجوز له في هذه الصورة أن يؤجر نفسه لحج آخر يتولاه بالمباشرة، ويستأجر شخصا آخر للنيابة في الحج الاول. [ المسألة 270: ] إذا كان النائب ممن وجب عليه الحج في ذلك العام أو ممن استقر وجوب الحج في ذمته وتمكن من أدائه، وكان جاهلا أو غافلا عن وجوب الحج عليه، فآجر نفسه للحج عن غيره في ذلك العام

[ 132 ]

صحت إجارته إذا كان قاصرا معذورا في جهله أو غفلته، وبطلت إجارته إذا كان مقصرا غير معذور، وتصح إجارته واستنابته أيضا إذا لم يتمكن من أداء الواجب لنفسه لبعض الاعذار. [ المسألة 271: ] تصح نيابة العبد المملوك في الحج والعمرة عن غيره إذا أذن له مولاه بذلك، وإذا أذن له بأن يؤجر نفسه لهما صحت إجارته وصح حجه أجيرا وإذا لم يأذن له لم يصح. [ المسألة 272: ] تصح النيابة عن الصبي المميز في قضاء الحج أو العمرة عنه كما تصح النيابة عن البالغ فقد ثبت أن عبادات الصبي المميز شرعية تامة وأنها بذاتها هي العبادات التي يأتي بها المكلف بعد البلوغ، فصلاته وصومه وحجه وعمرته هي نفس الحقائق التي يأتي بها البالغ، وإن لم تجب عليه الا بعد البلوغ لحديث رفع القلم، فإذا أتى بها النائب وقصد بها امتثال الامر المتوجه إلى الصبي فقد ناب عنه في فعلها وشملتها أدلة النيابة وترتبت عليها آثارها وأحكامها. [ المسألة 273: ] يشكل الحكم بصحة النيابة عن المجنون فيما يفوته حال جنونه من الحج أو العمرة، وإذا استقر وجوب الحج أو العمرة عليه في حال عقله ثم عرض له الجنون، ومات وهو مجنون صحت النيابة عنه فيهما ووجب الاستئجار عنه، وعلى هذا فإذا أفاق المجنون ذو الادوار من جنونه في دور يسع الحج ولم يحج ثم مات صحت النيابة عنه، فإن كان قد اجتمعت له شروط الوجوب حج عنه وجوبا، وإن لم يجب عليه حج بالنيابة عنه ندبا. [ المسألة 274: ] يشترط في المنوب عنه أن يكون مسلما، فلا تصح النيابة في

[ 133 ]

الحج أو العمرة عن الكافر، سواء كان ملحدا أم مشركا أم غير مشرك، وكتابيا أم غير كتابي، وإن كان وارثه مسلما وأراد النيابة عنه أو الاستئجار له من تركته. [ المسألة 275: ] تصح نيابة الولد المؤمن في الحج عن أبيه إذا كان ناصبا، وتمنع إذا كان خارجيا أو مغاليا. [ المسألة 276: ] لا يعتبر في صحة النيابة أن يكون النائب مماثلا للمنوب عنه في الذكورة والانوثة، فتصح نيابة الرجل عن المرأة وتصح نيابة المرأة عن الرجل، وتصح كذلك أن يكون أحدهما خنثى، أو يكون كلاهما خنثيين. [ المسألة 277: ] لا يمنع من استنابة الصرورة، سواء أكان رجلا أم امرأة، وسواء أكان المنوب عنه رجلا أم امرأة، والصرورة هو الذي لم يحج من قبل، ولعل المراد من النهي عن استنابة الصرورة الوارد في الادلة: أن الصرورة في الغالب يكون غير عارف بأحكام الحج، فيكون المدار على المعرفة بالاحكام، وعلى هذا فلا تكون الروايات دالة على كراهة استنابة الصرورة، وقد تقدم في حكم المكلف المستطيع الذي يطرأ له مرض ملازم أو عذر آخر دائم فيمنعه عن امتثال الحج أن الاحوط له أن يستنيب عنه في الحج رجلا وصرورة إذا كان المكلف المعذور نفسه رجلا، وتلاحظ المسألة المائة والحادية والسبعون. [ المسألة 278: ] لا تتحقق النيابة من النائب حتى يعين الشخص الذى ينوب عنه، وينوي العمل المعين الذي ينوب عن ذلك الشخص فيه،

[ 134 ]

ويقصد بفعله امتثال الامر المتوجه إلى المنوب عنه بذلك الفعل، فإذا حصل ذلك من النائب تحققت منه النيابة وأغناه ذلك عن قصد مفهوم النيابة نفسها، ويكفي في تعيين المنوب عنه أن يستخصه بقصده على سبيل الاجمال، فيقصد الرجل الذي استأجرني فلان للحج عنه مثلا، أو المكلف الذي تبرعت عنه بالعمرة، ولا يشترط أن يذكر اسمه واسم أبيه ومشخصاته الخاصة، وإن كان ذلك أحوط، ويستحب ذكره في كل عمل وفي كل موطن. [ المسألة 279: ] إذا آجر الرجل نفسه ليصحب بعض الحجاج في الطريق ويخدمهم فيه بحيث كان مسيره في الطريق مملوكا لهم ومستحقا عليه بعقد الاجارة، لم يصح له أن يؤجر نفسه للحج عن غيره من البلد أو من الميقات، فإن القصد من الميقات إلى البيت الحرام أحد الواجبات كما دلت عليه آية الحج الكريمة فإذا ملكه لغيره بالاجارة لم يكن له عليه سلطان ليؤجر نفسه للحج، فلا تصح اجارته للحج، ولا يكفي تبرعه بالحج عن غيره، فإذا تبرع به في الفرض المذكور لم تبرأ بفعله ذمة المنوب عنه، وقد تقدم ذكر هذا وذكر بعض الفروض والاحكام التى تتعلق به في المسألة المائة والسادسة وما بعدها فلتراجع. [ المسألة 280: ] إذا آجر الرجل نفسه للنيابة عن غيره بحجة من البلد أو من الميقات فلا مانع له من أن يؤجر نفسه للخدمة أو لغيرها وهو في طريق الحج. [ المسألة 281: ] يشترط في النائب أن يكون قادرا على أن يأتي بالاعمال الاختيارية للحج غير مضطر إلى الاتيان بوظيفة المعذور فيها، فلا

[ 135 ]

تصح نيابته إذا كان في حال الاستنابة عاجزا يضطر إلى ترك بعض الاعمال في الحج أو إلى الاتيان بأبدال اضطرارية لها تصح من العاجز ولا تكفي القادر. فإذا كان المكلف المنوب عنه ممن يجب عليه حج التمتع، فلا يصح له أو لوليه بعد موته أن يستأجر نائبا لا يقدر على ذلك لضيق الوقت مثلا فلا يمكنه أن يأتي بعمرة التمتع قبل الحج ويضطر إلى العدول إلى حج الافراد، أو يستأجر امرأة يعلم أنها لا تستطيع الاتيان بعمرة التمتع، لان حيضها أو نفاسها لا ينقطع عنها قبل الوقوف بعرفات، أو يستأجر نائبا يعلم أنه لا يدرك الوقوف بعرفات أو الوقوف عند المشعر الحرام إلا في وقته الاضطراري، أو يستأجر أحدا لا يمكنه المبيت في منى في ليالي التشريق، أو يستنيب رجلا لا يمكنه الطواف أو السعي إلا محمولا، أو لا يؤدي صلاة الطواف إلا جالسا أو متيمما، ونحو ذلك من ذوي الاعذار، وإذا تبرع هذا الرجل المعذور فحج عن المكلف بعد موته أشكل الحكم ببراءة ذمته وسقوط الفرض عنه. [ المسألة 282: ] إذا استأجر ولي الميت أو وصيه أجيرا للحج عن الميت وكان الاجير بحسب الظاهر قادرا على الاتيان بأعمال الحج الاختيارية غير عاجز عنها، ثم طرأ له العجز عن بعض الاعمال، واضطر إلى الاتيان بالبدل الاضطراري الذي جعله الشارع للعمل الذي عجز عنه، صحت نيابته على الاقوى، وجاز له بعد طروء العجز أن يعدل إلى وظيفة المعذور فيأتي بالبدل الاضطراري لذلك العمل الذي عجز عنه ويصح بذلك حجه، وتبرأ بإتمامه ذمة المكلف المنوب عنه على الاصح، ويستحق عليه الاجرة المسماة إذا كانت الاجارة قد أوقعت بينه وبين الولي على الاتيان بالعمل المبرئ للذمة.

[ 136 ]

ومن أمثلة ذلك أن يستأجر الولي نائبا قادرا على حج التمتع في سعة من الوقت، ثم يتفق للنائب لبعض الامور غير المقصودة أن يضيق عليه الوقت عن إتمام عمرة التمتع، فيضطر إلى أن يعدل إلى حج الافراد ليدرك الحج، فيجوز له العدول ويتم حجه، ويأتي بعد إتمامه بعمرة مفردة، ويكفيه ذلك في تصحيح حجه عن الميت المنوب عنه، وإسقاط الفرض عنه، وفي استحقاق الاجرة المسماة له في العقد. وكذلك الحكم في المرأة إذا استنابها ولي الميت وهي قادرة على حج التمتع، ثم طرأ لها الحيض أو النفاس من غير علم سابق بالامر، وإضطرت بسببه إلى العدول إلى حج الافراد فتعمل مثل ذلك، وفي الاجير إذا اضطر بعد الاستنابة فلم يدرك الوقوف إلا في وقته الاضطراري، أو حدث له مرض فاضطره إلى الطواف محمولا، أو إلى الصلاة جالسا أو متيمما أو بوضوء الجبيرة، وهكذا في بقية الاعمال والاعذار التي قد تحدث للمكلف من غير علم سابق، وإنما يستحق الاجرة على عمله في هذه الفروض إذا كانت الاجارة على العمل الذي تحصل به براءة الذمة للمنوب عنه. [ المسألة 283: ] إذا استأجر الولي أو الوصي النائب على أن يأتي بالحج التام، بأعماله الاختيارية التامة، وكان النائب قادرا على ذلك، ثم حصل له العجز عن بعض الاعمال، واضطر إلى أن يأتي بوظيفة الحاج المعذور، وهي أبدالها الاضطرارية، وأتى بها كما ذكرناه في المسألة المتقدمة، بطلت الاجارة التي وقعت بينه وبين المستأجر، وان كان عمل النائب الذي أتى به صحيحا على الاقوى، ومبرئا لذمة الميت الذي ناب عنه، ولذلك فهو لا يستحق على عمله الاجرة المسماة له في عقد الاجارة، ويستحق عليه اجرة المثل الا إذا كانت الاجرة المسماة أقل منها.

[ 137 ]

وإذا كانت الاجارة قد وقعت بينهما على الاتيان بالاعمال الاختيارية للحج على نحو تعدد المطلوب، قسمت الاجرة المسماة على الاعمال كلها، واستحق النائب من الاجرة بمقدار ما أتى به من الاعمال، وسقط نصيب الباقي الذي إضطر إلى تركه من الاعمال وإن جاء ببدله. [ المسألة 284: ] إذا كان العمل الذي عجز النائب عنه في المسألة المتقدمة مما ليس له بدل اضطراري، فاضطر إلى تركه لا إلى بدل، بطلت الاجارة وبطل العمل ولم يستحق عليه شيئا، ومثال هذا أن يعجز النائب عن إدراك الوقوفين معا في الحج فيتركه ولا بدل لهما فيبطل بذلك حجه، وتبطل إجارته، ولا يستحق على عمله شيئا. [ المسألة 285: ] تصح نيابة المعذور في ارتكاب بعض محرمات الاحرام كالرجل الذي لا يقدر أبدا على المشي في الشمس وفي الحر والبرد والمطر، ولا يستطيع المكوث فيها في أثناء المسير لبعض العوارض الموجبة، ولذلك فهو يضطر إلى التظليل في أثناء إحرامه للحج أو للعمرة، وكالمعذور الذي يضطر إلى تغطية رأسه، أو إلى ارتكاب بعض ممنوعات الاحرام الاخرى، فتصح نيابته وإستئجاره. [ المسألة 286: ] إذا كان الاجير عارفا بالاحكام الشرعية التي تقتضيها التقية عند إختلاف الحكم في الاهلة ومواعيد أعمال الحج، وقادرا على الاتيان بالعمل المبرء للذمة فيها، صحت نيابته وصح استئجاره لذلك، فيستأجره ولي الميت أو وصيه للاتيان بالحج المبرء للذمة حسب ما يقتضيه الحكم الشرعي في المواقف والاعمال، فإذا أتى النائب بالحج كذلك صح عمله وأبرأ ذمة الميت المنوب عنه من التكليف

[ 138 ]

الذي استقر فيها، واستحق النائب الاجرة المسماة لقيامه بالعمل المستأجر عليه. [ المسألة 287: ] إذا استأجره الولي للحج عن الميت على وفق مذهب الشيعة وإن خالف ما تقتضيه أحكام التقية، ولم يستطع النائب أن يأتي بالعمل كذلك، وأتى بالحج عن الميت طبقا لما يقتضيه الحكم الشرعي في حال التقية بطلت الاجارة لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه، فلا يستحق الاجرة المسماة وصح حجه الذي أتى به، وبرئت بذلك ذمة الميت المنوب عنه من التكليف، والاحوط للولي أن يدفع له أجرة المثل، أو يرجع معه إلى المصالحة، إذا لم يقصد التبرع. [ المسألة 288: ] إذا مات الشخص وقد استقر في ذمته حج الاسلام أو عمرة الاسلام أو كلاهما وجب على وليه أو وارثه أن يبادر بعد موته إلى الاستنابة للقضاء عنه، وإذا أخر ولم يبادر في السنة الاولى لعذر أو لغير عذر وجبت عليه المبادرة بعدها، وهكذا. وكذلك الحكم إذا وجب عليه الحج أو العمرة أو كلاهما بالنذر ولم يف بنذره حتى مات، فتجب المبادرة إلى الاستنابة عنه ما أمكن، بل وكذلك إذا أوصى الميت بالحج والعمرة عنه بعد موته أو بكليهما فعلى الوصي بعد الموت أن يبادر ما أمكن إلى الاستنابة عنه، على الاحوط لزوما. [ المسألة 289: ] لا يصح استئجار النائب عن الميت للحج حتى يعين المستأجر في عقد الاجارة معه نوع الحج الخاص الذي اشتغلت به ذمة الميت من أنواع الحج، والذي يستأجر النائب لقضائه من تمتع أو قران أو إفراد، أو النوع الذي يختار المستأجر نفسه عقد الاجارة عليه من

[ 139 ]

الانواع المذكورة، فيما إذا كان الحج عن الميت مندوبا أو منذورا مطلقا، فإذا أوقع الولي أو الوصي عقد الاجارة مع النائب على أحد أنواع الحج الثلاثة مرددا بينها من غير تعيين لاحدها كانت الاجارة باطلة. ويصح له أن يستأجر النائب على أن يأتي بأحد أفراد الحج المذكورة على وجه التخيير ما بينها فيكون النائب مخيرا في وفائه بالاجارة بأي الانواع الثلاثة أراد، وأيها أتى به أجزأه في صحة عمله واستحق عليه الاجرة المسماة في العقد، ولا يتعين عليه أن يأتي بالنوع الافضل منها، وهذا في ما إذا لم يتعين على الميت المنوب عنه واحد منها على الخصوص، كما إذا كان الحج عنه مندوبا أو منذورا على سبيل الاطلاق أو كان الميت ذا منزلين تتساوى إقامته فيهما أحدهما في مكة والآخر في بلد ثان يبعد عنها بثمانية وأربعين ميلا. وإذا عين المستأجر نوعا خاصا منها في عقد الاجارة تعين على النائب أن يأتي به ولم يجز له العدول عنه إلى غيره، إلا إذا كان الحج مندوبا، أو حجا منذورا على وجه الاطلاق، أو كان الميت ذا منزلين تتساوى إقامته فيهما في مكة وفي خارجها كما ذكرنا في الفرض المتقدم، فإذا إستأجر الولي أو الوصي أجيرا في إحدى هذه الصور ليحج عن الميت حج إفراد جاز للنائب فيها أن يعدل إلى ما هو أفضل كحج التمتع أو حج القران، وإذا عدل إليه وأتم حجه استحق الاجرة المسماة، والاحوط استحبابا أن يكون ذلك برضى المستأجر. [ المسألة 290: ] لا يعتبر في صحة الاجارة للحج أن يعين المستأجر الطريق الذي يسلكه الاجير حتى إذا كان الحج المستأجر عليه من البلد.

[ 140 ]

وإذا عين له طريقا مخصوصا جاز للاجير أن يعدل عنه إلى غيره إلا إذا علم أن للمستأجر غرضا خاصا في سلوك الطريق الذي عينه، وهذا الحكم هو ما دلت عليه صحيحة حريز بن عبد الله، وهي ظاهرة في الحكم بالجواز، وبصحة الحج في مورد السؤال، وهو الحج المستأجر عليه مع عدول الاجير عن البلد والطريق الذي عينه المستأجر، ولا موجب للحمل والتأويل فيها. وأما صورة العلم بوجود غرض للمستأجر في سلوك الطريق المعين، فالصحيحة منصرفة عنها إنصرافا تاما. [ المسألة 291: ] إذا استأجر الولي أجيرا للحج عن الميت في سنة معينة وجب على الاجير أن يحج عنه في تلك السنة، ولم يجز له التقديم عليها ولا التأخير عنها، إلا إذا رضي المستأجر بذلك، فإذا تأخر عنها بغير رضى المستأجر ولم يكن له عذر يبيح له ذلك كان آثما، فإن كان المستأجر قد قيد إجارته بأن يكون الحج في تلك السنة وأخر الاجير حجه عنها بطلت الاجارة فلا يستحق من الاجرة شيئا، وفي الحكم ببراءة ذمة الميت المنوب عنه بحجه إشكال، وإن كان المستأجر قد اشترط في العقد أن يوقع الحج في السنة المعينة ولم يقيد الاجارة بذلك، ولم يأت الاجير بالشرط فلم يحج عن الميت في تلك السنة ثبت للمستأجر خيار الفسخ بسبب ذلك، فإن هو أجاز العقد ولم يفسخه استحق الاجير الاجرة المسماة له بالعقد إذا أتى بالحج بعد ذلك، وإن فسخ المستأجر العقد لم يستحق الاجير الاجرة المعينة، وإذا كان قد أتى بالحج بعد السنة فالاحوط الرجوع إلى المصالحة بينهما. [ المسألة 292: ] إذا استأجر الولي أحدا للحج أو العمرة عن الميت وأطلق إجارته ولم يعين للعمل وقتا فمقتضى الاطلاق حلول وقت العمل،

[ 141 ]

فتجب على الاجير المبادرة له، سواء طالبه المستأجر أم لم يطالب، الا إذا وجدت قرينة تدل على التأخير، كما إذا إستأجره للحج وهما في موسم الحج أو بعده بقليل، وكما إذا استأجره للعمرة المفردة وهما في شهر ربيع الاول وكان التعارف يدل على أن المراد العمرة في شهر رجب، وكذلك إذا دلت قرينة على رضى المستأجر بالتأخير، وإذا تباطأ الاجير ولم يبادر لم تبطل الاجارة، وفي ثبوت خيار الفسخ للمستأجر لذلك إشكال. [ المسألة 293: ] إذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد في سنة معينة على أن يتولى أعمال الحج عنه بنفسه لم يصح له أن يؤجر نفسه للحج عن شخص آخر في تلك السنة المعينة على أن يتولى الحج بنحو المباشرة أيضا لعدم قدرته على الثانية، وإذا آجر نفسه لحجتين في سنة واحدة يقوم بأعمالهما بنفسه لم يصح ذلك وان كانت الحجتان عن شخص واحد، فإذا تقارنت الاجارتان في الوقت بطلتا معا، وإذا تقدمت إحداهما على الثانية في الوقت صحت الاولى وبطلت الثانية. [ المسألة 294: ] يصح للرجل أن يؤجر نفسه لحجتين عن شخصين أو عن شخص واحد في سنة واحدة إذا هو لم يشترط على نفسه المباشرة في كلتا الحجتين، فيستأجر لكل واحدة منهما أجيرا يأتي بها، أو يحج بنفسه إحداهما ويستأجر غيره للثانية، ويصح له أن يؤجر نفسه لحجتين في سنة واحدة إذا شرط على نفسه المباشرة في إحدى الحجتين ولم يشترط ذلك في الاخرى. ويصح أن يؤجر نفسه لحجة في سنة معينة، ويؤجر نفسه لحجة ثانية في سنة معينة أخرى وإن اشترط على نفسه المباشرة في كلتيهما، ويصح له أن يؤجر نفسه لحجتين موسعتين في الوقت فيأتي

[ 142 ]

بإحداهما في عام ويأتي بالثانية في عام آخر، ويصح له أن يؤجر نفسه لحجتين ويعين السنة لاحداهما ويوسع الوقت في الحجة الاخرى، فتصح الاجارة والنيابة منه في جميع هذه الفروض، لعدم التنافي، وقدرته على الوفاء بالاجارتين. [ المسألة 295: ] ذكرنا في المسألة المائتين والثانية والتسعين أن إطلاق عقد الاجارة للحج يقتضي حلول وقت الحج المستأجر عليه، ووجوب مبادرة الاجير إلى الاتيان به ونتيجة لهذا الحكم فلا يصح للرجل أن يؤجر نفسه لحجتين مطلقتين، لعدم القدرة على المبادرة إليهما في عام واحد. إلا إذا دلت القرائن على رضى المستأجر بالتأخير في الحجتين أو في إحداهما، ولا يصح له أن يؤجر نفسه لحجه مطلقة ثم يؤجر نفسه بعدها لحجة ثانية مقيدة بالتعجيل، إلا مع القرينة الدالة على الرضا - كما قلنا -. [ المسألة 296: ] إذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد في سنة معينة على أن يأتي بالحج بنفسه، وآجره وكيله لحجة ثانية في تلك السنة نفسها على أن يأتي بها بنحو المباشرة أيضا، صحت السابقة من الاجارتين وإن كانت هي إجارة الوكيل وبطلت اللاحقة، وإذا وقعت الاجارتان في وقت واحد بطلتا معا، وقد تقدم هذا الفرض في المسألة المائتين والثالثة والتسعين، ونظير ذلك في الحكم إذا آجره وكيلان مفوضان عنه لحجتين في سنة واحدة كذلك. [ المسألة 297: ] تجري الفضولية في الاجارة للحج كما تجري في سائر الاجارات والعقود، فإذا آجر الفضولي أجيرا للحج عن ميت كان الامر في

[ 143 ]

تصحيح تلك الاجارة إلى الاجير الاصيل نفسه، فإن أجاز إجارة الفضولي صحت ووجب عليه الوفاء بها، وإن ردها كانت باطلة لا أثر لها. وإذا آجره فضوليان للحج عن شخصين، صح له أن يجيز إجارة أحدهما ويلغي الاخرى، وإن وقعت الاجارتان في زمان واحد، وكانتا للحج في سنة واحدة. وإذا آجر الرجل نفسه للحج عن أحد، ثم علم أن فضوليا قد آجره للحج عن ميت آخر، لم يجز له أن يجيز إجارة ذلك الفضولي، وإن كانت سابقة في وقتها على إجارته لنفسه، ولا يكون لاجازته أثر لو أنه خالف فأجازها. [ المسألة 298: ] إذا صد الاجير عدو أو ظالم قاسي فمنعه عن الحج أو عن العمرة، أو أحصره مرض فعاقه عنهما ثبت له حكم المصدود والمحصر - وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى -، وانفسخت بذلك إجارته إذا كانت مقيدة بالحج في ذلك العام، وبقيت ذمته مشغولة بالحجة أو العمرة إذا كانت الاجارة مطلقة غير مقيدة، وإذا كان المستأجر قد اشترط على الاجير في ضمن العقد أن يأتي بالحج في تلك السنة ولم يكن ذلك على وجه التقييد في الاجارة ثبت للمستأجر خيار تخلف الشرط، فإذا هو فسخ إجارته بطلت، وإذا هو أمضى الاجارة ولم يفسخ بقيت ذمة الاجير مشغولة بالحجة فإذا أتى بها في القابل برئت ذمته وذمة المنوب عنه، واستحق الاجرة المسماة. [ المسألة 299: ] إذا أتى الاجير في أثناء إحرامه بالحج أو بالعمرة بما يوجب الكفارة وجب ذلك عليه في ماله لا في مال الميت أو المستأجر، وكذلك إذا كان حجه أو عمرته عن الغير بجعالة أو بصلح أو بغيرهما من

[ 144 ]

المعاوضات أو الشرط في ضمن العقد أو كان متبرعا. [ المسألة 300: ] يجب في الحج إذا كان من البلد - كما إذا أوصى به الميت - أن ينوب فيه شخص واحد يسافر من البلد بقصد الحج عن الميت حتى يحرم من الميقات ويتم الاعمال، ولا يكفى أن يتقاسم السفر من البلد أجراء متعددون فيقطع كل واحد منهم بعضا من الطريق إلى الميقات حتى يتموه، وينوب الاخير من أول الاحرام إلى أن يتم الاعمال، فلا يكفي ذلك وإن إستوعبوا الطريق كله وترتبوا في السفر واحدا بعد واحد. [ المسألة 301: ] إذا نقصت الاجرة المعينة للاجير عن الوفاء بنفقته في الحج لم يجب على المستأجر أن يتمها له، ويستحب له إتمامها إذا استبان له قصور الاجرة عن الوفاء بها قبل العمل أو في أثنانه وكان في الدفع إليه إعانة له على البر والتقوى، وإذا زادت الاجرة على النفقة لم يجز للمستأجر أن يسترد الزائد منها. [ المسألة 302: ] إذا تم العقد ملك الاجير مال الاجارة فعلا، وإذا شرط الاجير تعجيل دفع المال إليه وجب على المستأجر دفعه إليه عملا بالشرط، ومثله ما إذا دلت على التعجيل قرينة عامة أو خاصة من انصراف أو عادة متبعة بين الناس فيلزم التعجيل لتلك القرينة، وإذا لم يشترط الاجير تعجيل الدفع ولم تدل عليه قرينة ظاهرة لم يجب على المستأجر تسليم الاجرة إلا بعد إتمام العمل. [ المسألة 303: ] إذا ملك الاجير الاجرة بالعقد وكانت عينا خارجية ملك جميع نمائها الذي يتجدد لها بعد العقد وإن لم يجب على المستأجر تسليمها

[ 145 ]

كما ذكرنا، فإذا أتم الاجير العمل المستأجر عليه وجب على المستأجر دفع العين ودفع نمائها للاجير، وقد فصلنا ذكر هذا في كتاب الاجارة. [ المسألة 304: ] إذا كان المكلف ممن تجب عليه الاستنابة للحج عنه في حياته لبعض الاعذار التي ذكرناها في المسألة المائة والستين وما بعدها، فوكل أحدا يستأجر من يحج عنه، لم يجز للوكيل أن يسلم الاجرة للاجير إلا بإذن موكله، وإذا أذن له في أصل التسليم لم يجز له تعجيل التسليم إليه قبل أن يتم العمل المستأجر عليه، إلا إذا تعذر استئجار الاجير بغير ذلك أو أذن له الموكل به، وإذا لم يتعذر الاستئجار ولم يأذن له الموكل، وسلم الاجرة قبل إتمام العمل كان ضامنا للاجرة إذا لم يأتي الاجير بالعمل أو أتى به باطلا. ومثله الحكم في وكيل الولي أو الوصي إذا وكله في الاستئجار عن الميت، فليس له أن يدفع الاجرة أو يعجل تسليمها للاجير قبل أن يتم العمل إلا بإذن موكله كما سبق في نظيره. وإذا أوصى الميت إلى أحد بأن يستأجر بعد موته أجيرا يحج عنه، صح للوصي أن يستأجر الاجير ويسلمه الاجرة بعد اتمام عمله عملا بالوصية، ولا يجوز له أن يدفعها إليه قبل العمل إلا إذا تعذر استئجار الاجير بغير ذلك أو كان الميت قد أوصى به، وإذا عجل له التسليم بدون ذلك كان ضامنا كما في الوكيل. [ المسألة 305: ] لا يصح للوكيل أن يشترط في عقد الاجارة تعجيل تسليم الاجرة للاجير أو يقبل من الاجير هذا الشرط إلا بإذن الموكل له في ذلك. وكذلك الحال في وصي الميت، فإذا إستأجر أحدا للحج عن

[ 146 ]

الميت لم يجز له أن يشترط تعجيل تسليم الاجرة للاجير أو يقبل منه هذا الشرط إلا إذا كان الميت قد أوصاه بذلك، وإذا كان الحج واجبا تخرج نفقته من أصل التركة، وكانت التركة ضعف أجرة الحج أو أكثر، لم يجز للوصي أن يشترط ذلك الشرط إلا بإذن الوارث له، فلعل الاجير لا يؤدي الحج ولا يمكن استرجاع الاجرة منه ويحتاج إلى اخراج أجرة الحج من التركة مرة ثانية، ويوجب ذلك نقصا على الوارث، ومن أجل وجود هذا الاحتمال فلا يصح اشتراط التعجيل في هذه الصورة إلا بإذن الوارث. [ المسألة 306: ] إذا استأجر الرجل الاجير ولم يدفع إليه الاجرة المسماة، فتعذر على الاجير أن يأتي بالحج لعدم قدرته المالية، كان الامر في ذلك إلى المستأجر، فيجوز له أن يدفع الاجرة للاجير فيمكنه من العمل وتتم الاجارة، ويجوز له أن لا يدفعها إليه، فيعجز عن الوفاء وينفسخ بذلك عقد الاجارة لانعدام المنفعة فإن الاجارة لا تقع ولا تصح إلا مع وجودها. [ المسألة 307: ] الظاهر ثبوت عادة مستقرة بين الناس على دفع أجرة الحج للاجير قبل السفر إلى الحج، أو دفع قسط منها على الاقل، فيكون ذلك عرفا متبعا ينصرف إليه عقد الاجارة، ويكون دليلا على المقصود منه عند الاطلاق وعدم التبيين، ولذلك فيجوز للاجير بعد العقد أن يطالب المستأجر بتسليم الاجرة أو بقسط منها حسب ما يتعارف بين أهل البلد. وإذا وكل المستأجر وكيلا في الاستئجار أو أوصى الرجل إلى وصي به، اتبع الوكيل أو الوصي ذلك لهذه القرينة الدالة على المراد، وجاز لهما دفع الاجرة إعتمادا على ذلك.

[ 147 ]

[ المسألة 308: ] إذا استأجر الشخص أجيرا للحج عن ميت أو عن حي، وأطلق عقد الاجارة معه اقتضى إطلاق الاجارة أن يتولى الاجير بنفسه الحج عن المنوب عنه، فلا يصح له أن يستأجر غيره للنيابة، ولا يكفيه ذلك في الوفاء بالعقد، إلا أن يدل على ذلك قول صريح من المستأجر أو قرينة ظاهرة الدلالة عليه، أو يأذن المستأجر له بذلك بعد العقد معه أو يجيز اجارته لمن استنابه. [ المسألة 309: ] إذا مات النائب بعد أن أحرم بحج النيابة وبعد أن دخل الحرم أجزأ ذلك عن النائب، فتبرأ به ذمته من حج الاجارة، وان لم يأتي بعد بشئ من الاعمال، وأجزأ عن المنوب عنه فتبرأ به ذمته من الحج إذا كان واجبا عليه سواء كان حج الاسلام أم غيره من الحج الذي يجب قضاؤه عنه، وكفاه أيضا إذا كان حجا مندوبا عنه، ولا فرق في جميع ذلك بين أن يكون النائب أجيرا أو متبرعا. [ المسألة 310: ] إذا مات الاجير بعد ما أحرم بالحج ودخل الحرم وكان قد أجر نفسه للعمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه استحق جميع الاجرة المسماة بحصول العمل المستأجر عليه كما قلنا، فلا يسترد المستأجر من الاجرة شيئا إذا كان قد دفعها إليه من قبل، ويجب عليه أن يدفعها إلى وارثه إذا لم يكن قد دفعها إليه. وإذا كان الاجير قد آجر نفسه للمجئ بأعمال الحج المخصوصة، وكانت الاجارة على نحو التقييد ووحدة المطلوب لم يستحق من الاجرة شيئا لعدم حصول المقصود، وإذا كانت الاجارة للاتيان بالاعمال على وجه تعدد المطلوب، استحق من الاجرة بنسبة ما أتى به من الاعمال المستأجر عليها، ومنها السفر وقطع المسافة إذا

[ 148 ]

كان قد لاحظه جزءا من العمل المستأجر عليه، وستأتي الاشارة إليه. [ المسألة 311: ] إذا مات النائب بعد احرامه بحج النيابة وقبل أن يدخل في الحرم ففي إجزاء ذلك عن المنوب عنه اشكال، والاحوط عدم الاكتفاء به فلابد من الاستنابة عنه مرة ثانية على الاحوط، ولذلك فيشكل الحكم باستحقاق النائب الاول الاجرة إذا كان قد آجر نفسه للعمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه كما في المسألة المتقدمة، وإذا كان قد آجر نفسه للاتيان بأعمال الحج المخصوصة استحق من الاجرة بنسبة ما أتى به من الاحرام وحده إلى مجموع الاعمال، وهذا إذا لاحظ الاعمال في الاجارة بنحو تعدد المطلوب، وبنسبة الاحرام ومعه السفر إذا كان قد لاحظ السفر جزءا من الاعمال المستأجر عليها، وإذا كان قد لاحظ الاعمال بنحو وحدة المطلوب لم يستحق من الاجرة شيئا على إحرامه ولا على سفره. [ المسألة 312: ] إذا مات النائب قبل أن يأتي بشئ من مناسك حجه فالاحوط بل الاقوى عدم إجزاء ذلك عن المكلف المنوب عنه فلا تبرأ ذمته من الحج إذا كان واجبا عليه، وما ورد من الاخبار الدالة على أن الاجير ضامن للحج، فلعل المراد منه ان الله سبحانه يتفضل على المنوب عنه بثواب الحج إذا مات الاجير أو قصر فلم يأت بالعمل المستأجر عليه، ولذلك فلابد من الحج عن المنوب عنه. [ المسألة 313: ] إذا مات الاجير قبل أن يبدأ بشئ من أعمال الحج المستأجر عليه، لم يستحق من الاجرة شيئا، سواء كان المستأجر عليه هو العمل المبرئ لذمة المنوب عنه، أم كانت هي الاعمال كلها على نحو

[ 149 ]

وحدة المطلوب، أو على سبيل تعدد المطلوب، فإن المفروض أن الاجير لم يأت بشئ من ذلك. وإذا كان قد سافر ليحج وقطع بعضا من الطريق وكان السفر بعضا عن الاعمال المستأجر عليها، استحق من الاجرة بنسبة سفره إلى مجموعة الاعمال إذا كانت ملحوظة في عقد الاستئجار بنحو تعدد المطلوب. [ المسألة 314: ] الظاهر - ولو بمعونة القرائن العامة التي توضح المراد - ان الحج المستأجر عليه إذا كان هو الحج من البلد فالسفر منه إلى الحج وقطع المسافة داخل في الاعمال المستأجر عليها على نحو الجزئية فإذا مات الاجير قبل الاحرام من الميقات استحق من الاجرة ما يقابل سفره من البلد إلى حين موته، وإذا كان المستأجر عليه هو الحج من الميقات، فالسفر إليه قبل الميقات غير داخل فيه فلا يستحق عليه شيئا. [ المسألة 315: ] إذا جامع الاجير زوجته في أثناء حجه عن المنوب عنه وقبل وقوفه في المشعر الحرام لزمه ما يلزم الحاج عن نفسه إذا ارتكب مثل هذا المحرم، فيجب عليه أن يتم الحج الذي بيده، ويلزمه التكفير عن فعله الذي ارتكبه بنحر بدنة، ويجب عليه الحج من قابل على التفصيل الآتي بيانه في مبحث محرمات الاحرام، والاقوى - كما دلت عليه النصوص الواردة هنا في حج النائب وفي حج المكلف عن نفسه - أن الحجة التي ارتكب فيها ذلك الفعل هي الحجة الواجبة عليه، وأن الحج الثاني الذي يأتي به في القابل إنما يجب عليه عقوبة له على ما فعل، ونتيجة لهذا فيكون حجه الاول مجزيا للمنوب عنه وموجبا لبراءة ذمته من التكليف، وباتمامه يستحق الاجير الاجرة المسماة له

[ 150 ]

في العقد، سواء أتى بالحج من قابل أم عصى هذا التكليف ولم يأت به، وسواء كانت اجارته للحج في سنة معينة أم كانت مطلقة غير معينة في الوقت، وسواء كان الحج المستأجر عليه واجبا أم مندوبا، بل وإن كان النائب متبرعا بالحج عن المنوب عنه، والفارق أن المتبرع لا يستحق على عمله أجرة. [ المسألة 316: ] يجوز للمكلف أن يتبرع عن الميت فيحج عنه بنفسه، من غير فرق بين أن يكون الحج الذي يتبرع به واجبا على الميت أو مندوبا، وسواء كان الحج الواجب هو حج الاسلام أم غيره من الواجب الذي يجب قضاؤه، ويجوز له أن يتبرع عن الميت بحج مندوب وإن كان الميت ممن استقر في ذمته حج واجب، ويجوز له أن يتبرع من ماله فيستأجر أجيرا ينوب عن الميت في حج واجب أو حج مندوب في كل الفروض التي تقدم ذكرها. ويجوز للمكلف أن يتبرع عن إنسان حي فيحج عنه بنفسه حجا مندوبا، وإن كان على المنوب عنه حج واجب قد اشتغلت به ذمته، سواء كان متمكنا من أداء الواجب أم لا، فيصح التبرع عنه بالحج المندوب في كل أولئك على الاقوى، ويجوز له أن يتبرع من ماله فيستأجر من يحج عن ذلك الانسان الحي حجا مندوبا في الفروض الآنف ذكرها. ولا يصح التبرع عن إنسان حي في حج واجب عليه، حتى إذا كان معذورا لا يستطيع الاتيان بالحج لمرض أو هرم أو لعذر آخر لا يرجا زواله، على الاحوط لزوما في المعذور، وعلى الاقوى في غيره، وتلاحظ المسألة المائة والحادية والسبعون. [ المسألة 317: ] إذا استأجر ولي الميت أو وصيه أجيرا ليؤدي الحج عن الميت

[ 151 ]

إن شاء بنفسه وإن شاء بغيره، جاز للاجير أن يستأجر شخصا آخر للنيابة فيه، سواء كانت إجارة المستأجر الاول له على عمله الخارجي أم على الحج في ذمته، فإذا استأجر شخصا آخر للنيابة في الحج كان هذا الشخص نائبا عن النائب، ويكفي في صحة عمله أن يقصد الحج عن الميت المنوب عنه امتثالا للامر المتوجه إليه، فإذا أتم حجه كذلك برئت ذمة الميت من التكليف بالحج إذا كان واجبا عليه، وبرئت ذمة الاجير الاول والاجير الثاني من الحج الذي وجب عليهما بالاجارة، واستحق كل واحد منهما الاجرة المسماة له بالعقد معه. [ المسألة 318: ] إذا استأجر الانسان أجيرا للحج أو العمرة عن شخص ثم مات الاجير قبل أن يأتي بالعمل الذي استؤجر عليه، فللمسألة صور تختلف باختلاف الفروض التي تقع عليها مضامين الاجارة بين المتعاقدين، ولكل صورة منها أحكام تجري فيها. [ الصورة الاولى: ] أن يكون مضمون العقد الذي وقع بينهما تمليك نفس العمل الذي يعمله الاجير في الخارج وهو الحج أو العمرة للمستأجر، فيكون العمل المستأجر عليه هو أن يحج أو يعتمر بنفسه في الخارج عن الشخص المنوب عنه، وتكون هذه المنفعة الخاصة من منافع الاجير مملوكة للمستأجر بالعقد، فإذا مات الاجير قبل أن يأتي بالحج أو العمرة إنفسخت الاجارة بموته، فإن عمل الانسان بنفسه لا يمكن أن يقع من غيره، ولذلك فلا يستحق الاجير من الاجرة المسماة شيئا إذا كانت الاجارة على العمل الذي تبرأ به ذمة المنوب عنه، وقد تقدم بيان الحكم في ما إذا مات بعد أن سافر وقطع بعض الطريق، وكان السفر جزءا من العمل المستأجر عليه، وتلاحظ المسألة الثلاثمائة والثالثة عشرة. وكذلك الحكم إذا كان الاجير معذورا لا يستطيع أن يؤدي

[ 152 ]

العمل الذي استؤجر عليه لبعض الاحداث التي أوجبت له عدم القدرة على ذلك. [ المسألة 319: ] [ الصورة الثانية: ] أن يكون مضمون عقد الاجارة مع الاجير هو أن يصبح الحج أو الاعتمار عن المنوب عنه دينا للمستأجر على الاجير يستقر في ذمته، ويجب عليه وفاؤه في الوقت المعين، سواء أتى بالعمل بنفسه أم استأجر له شخصا آخر يأتي به بالنيابة عنه، فإذا مات الاخير في هذه الصورة أو تعذر عليه الاتيان بالعمل المستأجر عليه لم تنفسخ الاجارة الواقعة بينه وبين المستأجر، لامكان صدور العمل من غيره بحسب الفرض، فيجب على وارث الاجير بعد موته أن يستأجر أحدا ينوب عن مورثه في العمل المستأجر عليه، ويكون هذا الاجير الثاني نائبا عن الاجير الاول ويأتي بالحج أو العمرة عن المنوب عن الاول، فإذا أتم العمل وقام بالنيابة كما هو المطلوب صح عمله وبرئت ذمم الجميع واستحق كل واحد من الاجيرين أجرته التي سميت له في العقد الخاص معه. وإذا كان الاجير الاول لا يزال موجودا وتعذر عليه العمل وجب عليه أن يستأجر غيره ممن يقوم بالنيابة عنه، فتصح نيابته وتجري أحكامها الآنف ذكرها. [ المسألة 320: ] [ الصورة الثالثة: ] أن يكون مضمون الاجارة مع الاجير هو أن يصبح مدينا للمستأجر بالحج أو العمرة المستأجر عليهما - كما فصلنا في المسألة المتقدمة -، ثم يشترط المستأجر على الاجير في ضمن العقد أن يأتي بالحج أو العمرة بنفسه، فإذا مات الاجير في هذه الصورة أو تعذر عليه أن يأتي بالعمل المستأجر عليه، لم تنفسخ الاجارة بين المتعاقدين بذلك، وثبت للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط، فإذا

[ 153 ]

اختار فسخ العقد استرد الاجرة من الاجير إذا كان موجودا، ومن وارثه إذا كان ميتا، وإذا اختار امضاء العقد فأمضاه، وجب على الاجير أو على وارثه إذا كان ميتا، أن يستأجر شخصا ينوب عنه في العمل من ابتدائه، ولا تكفي الاستنابة من موضع التعذر، إذا حدث الموت أو التعذر في الاثناء. وقد بينا في المسألة الثلاثمائة والتاسعة وما بعدها حكم ما إذا مات الاجير بعد أن أحرم بحج النيابة ودخل في الحرم فلتراجع. [ المسألة 321: ] إذا وجب الحج على المكلف للاستطاعة أو للنذر أو لسبب آخر، وجب عليه أن يأتي بحج تام مستقل في النية وفي الاعمال، ولا يكفيه في الامتثال أن يأتي بحج يشرك فيه مكلفا غيره، فيكون الحج الواحد أصليا للمكلف نفسه ونيابيا للمكلف الاخر الذي شركه معه، فلا يصح ذلك سواء كان حج الاخر الذي شركه معه واجبا على ذلك الشخص أم مندوبا، ولا يكفيه في الامتثال أن يأتي بحج واحد يشرك فيه مع ذلك الحج الواجب عليه حجا آخر عن نفسه أيضا، فيكون الحج الواحد امتثالا لكليهما، فلا يصح ذلك سواء كان الحج الثاني واجبا أيضا عليه أم مندوبا. فإذا مات المكلف وكان الحج مما يجب قضاؤه، وجب أن يكون القضاء عنه تاما مستقلا كذلك، فلا يجوز أن ينوب شخص واحد عن شخصين أو عن أشخاص في قضاء مثل ذلك الواجب، إذا كان القضاء في سنة واحدة، فيأتي بحج النيابة الواحد عنهم جميعا، وسيأتي ذكر صورة خاصة تستثنى من عموم هذا الحكم. [ المسألة 322: ] يجوز بل يستحب للانسان إذا حج لنفسه حجا مندوبا أن يشرك معه أباه وأمه، وأقاربه وغيرهم من الاولياء والصلحاء

[ 154 ]

والمؤمنين في حجه، فينوي الحج لنفسه والنيابة عنهم في عمله وقد ورد الحث والتأكيد على ذلك في عديد من النصوص، ففي الحديث عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجه، فقال (ع): (إذن يكتب لك حجا مثل حجهم، وتزداد أجرا بما وصلت)، وعن أبي الحسن (ع) قال قال أبو عبد الله (ع): (لو أشركت الفا في حجتك لكان لكل واحد واحد حجة من غير أن تنقص حجتك شيئا) ويجوز له أن يأتي بالحج المندوب وهدي الثواب إليهم، بل يستحب له ذلك أيضا. [ المسألة 323: ] يجوز لشخص واحد أن ينوب عن شخصين أو أشخاص متعددين في الحج المندوب في سنة واحدة، فيأتي بحج واحد ينوي به النيابة عنهم جميعا، يمكن له أن يتبرع بذلك الحج عنهم، ويصح لهم أن يستأجروه لذلك، ويجوز له أن يحج ثم يهدي الثواب إليهم. [ المسألة 324: ] إذا نذر الرجل أن يحج ويشرك معه أباه أو أمه أو غيرهما في حجه انعقد نذره، ولزمه الوفاء به مع القدرة، فإذا تمكن من الوفاء ولم يف به حتى مات وجب قضاء ذلك عنه بعد موته على حسب نذره، فيأتي النائب بحج واحد يشرك فيه ما بين الناذر المنوب عنه والاشخاص الذين نذر تشريكهم معه في حجه. وإذا نذر رجلان أن يستأجرا أحدا يأتي بحج واحد عنهما معا على نحو التشريك بينهما انعقد نذرهما ووجب عليهما الوفاء به، فإذا استأجرا أحدا لذلك وجب على الاجير الحج عنهما كما استأجراه له، وكما عينا في نذرهما، فيأتي بحج واحد ينوب به عنهما معا على وجه التشريك بينهما. وهذان الموردان هما الصورة المستثناة التي تصح فيها النيابة

[ 155 ]

من شخص واحد في حج واجب واحد عن أكثر من شخص واحد، وتلاحظ المسألة الثلاثمائة والحادية والعشرون. [ المسألة 325: ] يصح أن ينوب أشخاص متعددون في الحج عن شخص واحد في عام واحد إذا كان الحج مندوبا، سواء كان الشخص المنوب عنه ميتا أم حيا، فيأتي كل واحد من أولئك النواب بحجة تامة مستقلة عن ذلك الشخص المنوب عنه، ويمكن أن يقع ذلك منهم على وجه التبرع، وعلى نحو الاستئجار ويمكن أن يتبرع البعض منهم ويستأجر البعض، ويجوز ذلك أيضا إذا كان الحج واجبا، فإذا كانت على الميت حجة اسلام وحجة نذر أو أكثر مثلا، أو كانت عليه حجتان وجبتا عليه بالنذر، أو اكثر أمكن أن يستأجر أو يتبرع بها أشخاص متعددون فيأتي كل واحد منهم بحجة تامة عما في ذمة الميت. وكذلك إذا استقرت في ذمة المكلف حجتان أو أكثر بالاستئجار، وأوصى بأن تقضى عنه من ثلثه، فيمكن لوصيه بعد موته أن يستأجر نوابا متعددين في عام واحد، فيأتي كل نائب منهم بحجة خاصة منها. وقد لا يتصور جريان هذا الحكم في النيابة عن الانسان الحي في قضاء الحج الواجب عنه، فقد تقدم أن النيابة في الحج الواجب عنه لا تصح إلا إذا كان معذورا لا يقدر على الحج بنفسه لمرض أو هرم أو لعذر مستمر آخر لا يرجا زواله، وقد ذكرنا أن هذا لا يجري على الاحوط لزوما في غير حجة الاسلام من أقسام الحج الواجب، وحجة الاسلام إذا وجبت عليه فانما هي حجة واحدة لا تعدد فيها، ومن أجل ذلك فلا يتصور في الانسان الحي تعدد حج واجب يصح قضاؤه بالنيابة عنه ليفرض تعدد النائب.

[ 156 ]

ويمكن تصحيح الفرض فيه إذا وجبت عليه حجة الاسلام للاستطاعة وتعذر عليه الاتيان بها كما ذكرنا، وأراد أن يستنيب عنه أجيرين في عام واحد ليحجا عنه حجتين تامتين للاحتياط، فلعل إحدى الحجتين تقع باطلة فتكفيه الثانية، فيصح الفرض على هذا الوجه وتجوز له الاستنابة. [ المسألة 326: ] يستحب للنائب إذا حج عن غيره متبرعا عنه أو أجيرا أن يذكر اسمه في المواطن والمواقف، ولا يجب عليه ذلك إذا كان قد عينه في نيته حينما قصد النيابة عنه، وقد ذكرنا في ما تقدم انه يكفي في صحة النيابة أن يعين الشخص المنوب عنه على وجه الاجمال. ويستحب له أن يقول عند احرامه: (اللهم ما أصابني من نصب أو شعث أو شدة فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه).

[ 157 ]

[ الفصل السادس ] [ في الحج الواجب بالنذر أو بالعهد أو باليمين ] [ المسألة 327: ] لا ينعقد نذر الصبي غير البالغ للحج ولا لغير الحج وان كان مميزا أو بلغ عشر سنين بل وان كان مراهقا، فلا يجب عليه الوفاء بنذره ولا تلزمه الكفارة إذا خالفه ولم يف به، ولا تترتب عليه الاثار الاخرى من قضاء وغيره، وان قلنا بأن عبادات الصبي صحيحة شرعية، ولا تنعقد يمينه ولا عهده إذا حلف بالله ليحجن أو عاهد الله على ذلك ولا تلزمه أحكامهما. ولا ينعقد نذر المجنون، سواء كان جنونه مطبقا أم كان ذا أدوار إذا أوقع النذر أو كان وقت الوفاء به في دور جنونه، ولا تنعقد يمينه ولا عهده كذلك ولا تترتب عليهما الآثار والاحكام. ولا ينعقد النذر ولا اليمين ولا العهد من المكره غير المختار في فعله، ولا من الغافل والهازل والسكران غير القاصد، وقد بينا جميع هذا مفصلا في كتاب الايمان والنذور والعهود، فليرجع إليه من أراد المزيد. [ المسألة 328: ] قال جماعة من الاعلام (قدس الله أنفسهم): لا ينعقد نذر الكافر إذا نذر لله على نفسه حجا أو برا أو صدقة، ونسب ذلك إلى القول المشهور، وذكروا له أدلة لا يمكن الاعتماد عليها في اثبات القول، والبحث في هذه المسألة قليل الجدوى، فإن الكافر إذا نذر الحج مثلا وقلنا بصحة نذره وانعقاده لا يمكنه الوفاء بالنذر في حال كفره لان الحج عبادة لا تصح من الكافر، وان كان قادرا على الاتيان به بسبب قدرته على الدخول في الاسلام، وإذا خالف النذر لم

[ 158 ]

يكفه الاتيان بالكفارة في حال كفره، فإن العتق والصيام والصدقة عبادات لا تصح من الكافر، وإذا أسلم سقطت الكفارة وسقط وجوب القضاء عنه بعد اسلامه، نعم، إذا أسلم ووقت الوفاء بالنذر لا يزال باقيا أشكل الحكم بسقوط الوفاء عنه بسبب اسلامه، وقد تقدم الاشكال في دلالة قول الرسول صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور: (الاسلام يجب ما قبله)، على ذلك ولتراجع المسألة المائة والخامسة والسبعون. [ المسألة 329: ] لا يصح نذر العبد المملوك في حج ولا عمرة ولا زيارة، ولا غير ذلك من الاعمال والنذور إلا باذن سيده، ولا تصح يمينه كذلك ولا عهده بدون اذن، فإذا نذر لله حجا أو عمرة أو غيرهما من القربات، أو حلف بالله أو عاهدة ليأتين بشئ منها، وكان نذره أو يمينه أو عهده بغير اذن سيده لم ينعقد، ولم تترتب عليه آثار الصحة وتوابعها. ويشكل الحكم بالصحة أو بعدمها إذا نذر العبد شيئا أو حلف أو عاهد الله عليه بغير اذن سابق من مولاه ثم أجاز المولى فعله، فلعل النذر والعهد واليمين من الامور التي لا تجري فيها احكام الفضولي. [ المسألة 330: ] لا يشترط على الاقوى في صحة يمين الولد أن يأذن له والده باليمين ولا يشترط في صحة يمين الزوجة أن يأذن لها زوجها، فإذا حلف الولد يمينا أن يحج البيت أو يعتمر أو يزور، أو يفعل شيئا من الاشياء الراجحة انعقدت يمينه، ووجب عليه الوفاء بها، على ما أوضحناه في كتاب الايمان والنذور، وان لم يأذن له والده، وإذا سبق الوالد فنهى ولده عن اليمين ثم حلف الولد لم تنعقد يمينه

[ 159 ]

بعد نهي أبيه عنها، ولم يجب عليه الوفاء بها، ولا تجب عليه الكفارة إذا حنث بها، وإذا لم يسبق من الوالد نهي ولا اذن باليمين انعقدت يمين الولد كما ذكرنا، وجاز للوالد أن يحل يمينه بعد انعقادها، فإذا حلها بطلت ولم يجب عليه الوفاء بها، ولم تلزمه الكفارة إذا خالفها. ومثله الحكم في الزوجة مع زوجها على الاقوى، فتنعقد يمين الزوجة إذا حلفت بغير اذنه، ويجوز له حلها وابطالها إذا حلفت بغير اذنه، وإذا سبق الزوج فنهاها عن اليمين لم يصح لها الحلف بعد نهيه. [ المسألة 331: ] ورد في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يمين للولد مع والده ولا للملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية ولا يمين في قطيعة)، وهذا الصحيح هو مستند الحكم في المسألة الماضية، وانما وقع الاختلاف بين الفقهاء في الحكم لسبب اختلافهم في تقريب المراد من الحديث، ومورد الاستدلال هي الجمل الثلاث في أوله. ولا يجدي شيئا في توضيح المراد من الحديث بل ويصح أن نقدر كلمة (وجود) في كل واحدة من الجمل المذكورة كما يراه جماعة من الاعلام فيكون حاصل التقدير في الجملة الاولى: لا يمين للولد مع وجود والده، وهكذا في الجملتين بعدها، فإن نتيجة ذلك أن يمين الولد لا تنعقد مع وجود والده وان أذن له والده في اليمين وكذلك الزوجة والمملوك فلا تنعقد يمينها مع وجود الزوج والمالك وان أذنا لهما، وهذا المعنى غير مراد بل هو بين البطلان. ولا يتضح المراد منه الا أن نقدر كلمة (الا باذن) في كل جملة من الجمل المذكورة ويكون حاصل التقدير: لا يمين للولد الا

[ 160 ]

مع اذن والده، ولا للمملوك الا مع اذن مولاه ولا للزوجة الا مع اذن زوجها، فيكون الحديث على هذا دالا على قول جماعة من الاكابر، أو نقدر كلمة (منع) ويكون تقديره: لا يمين للولد مع منع والده، ولا للمملوك مع منع مولاه ولا للزوجة مع منع زوجها، ويكون دالا على القول الذي ارتضيناه، وقال به فريق من الفقهاء، وقيل أنه الرأي المشهور بينهم، ولا ريب في أن التقدير الثاني أقل مؤنة وأقرب إلى التفاهم بين أهل اللسان من ألفاظ الحديث الشريف. وإذا تردد الامر بين التقديرين المذكورين ولم يمكن استيضاح احدهما وجب الاخذ بالمتيقن منهما في تقييد المطلقات من أدلة وجوب الوفاء باليمين، وتكون النتيجة هي القول المختار أيضا، وقد أطلنا الكلام في المسألة لما فيه من التنبيه، والحكم الذي ذكرناه انما يجري في الولد والزوجة وأما المملوك فقد بينا حكمه في المسألة الثلاثمائة والتاسعة والعشرين، وقد دلت عليه الآية الكريمة الواردة في العبد المملوك. [ المسألة 332: ] لا يشترط في صحة نذر الولد ولا في صحة عهده أن يأذن له أبوه، فإذا نذر لله حجا أو عمرة أو غيرهما من الاعمال والامور الراجحة في الدين أو الدنيا، أو عاهد الله على فعله انعقد نذره وعهده، ووجب عليه الوفاء به وان لم يأذن له والده، وإذا نهاه الاب عن النذر أو عن الفعل المنذور لم يجز له النذر بعد سبق نهي أبيه وكذلك الحكم في العهد، ويشكل الحكم بالحاق الام بالاب في الاحكام المذكورة ولا تترك مراعاة الاحتياط في الموارد وهي مختلفة كما هو واضح، وإذا نذر الولد أن يفعل شيئا راجحا أو عاهد الله عليه ثم نهاه أبوه عنه بعد النذر أو العهد، ففي صحتهما اشكال.

[ 161 ]

[ المسألة 333: ] لا تجري الاحكام المذكورة في الوالد إذا كان كافرا، فلا اعتبار بنهيه إذا نهى ولده المسلم عن اليمين قبل أن يحلف، ولا أثر لحله إذا حل يمينه بعد الحلف، ولا اعتبار به إذا كان مجنونا. [ المسألة 334: ] لا فرق في جريان الاحكام الآنف ذكرها للولد بين أن يكون ذكرا أو أنثى في كل من النذر والعهد واليمين، وفي شمول الاحكام لولد الولد أو انصرافها عنه اشكال. [ المسألة 335: ] لا فرق في جريان أحكام النذر والعهد واليمين بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها فلا ينعقد نذرها إذا نذرت بغير اذن زوجها، ولا تنعقد يمينها إذا سبق الزوج فنهاها قبل أن تحلف وإذا سبقت هي فحلفت بغير اذنه انعقدت يمينها ولزمها الوفاء بها، وجاز للزوج حل يمينها، فإذا حلها بطلت ولم تجب عليها الكفارة بمخالفتها. [ المسألة 336: ] لا فرق في المملوك بين أن يكون عبدا أو أمة فتجري فيه الاحكام السابقة في كل من النذر والعهد واليمين، ولا فرق بين أن يكون المالك له رجلا أو امرأة وواحدا أو متعددا وإذا كانت الامة متزوجة جرت عليها أحكام الامة لسيدها وأحكام الزوجة لزوجها. [ المسألة 337: ] إذا أذن السيد لمملوكه فنذر لله حجا أو عمرة أو غيرهما من القربات أو حلف أو عاهد الله على فعل ذلك انعقد نذره أو يمينه ولزمه الفعل، ولم يجز للسيد أن يرجع باذنه أو يحل نذر العبد أو يمينه بعد الانعقاد، وإذا باع المولى عبده أو وهبه فانتقل العبد إلى مالك آخر، أو مات المولى فانتقل المملوك إلى الوارث لم ينحل بذلك

[ 162 ]

نذر العبد ولا عهده ولا يمينه، ولم يسقط عنه وجوب الوفاء، وان لم يأذن المالك الجديد له بفعله. [ المسألة 338: ] إذا اذن الرجل لامرأته فنذرت حجا أو عمرة أو غيرهما انعقد نذرها ووجب عليها الوفاء به ولم يجز للزوج أن يرجع باذنه لها ولا ينحل نذرها برجوعه إذا رجع، وإذا أذن لها باليمين فحلفت فليس له أن يرجع باذنه أو يحل اليمين، وكذلك الحكم في الولد، فإذا أذن له والده فحلف أن يحج أو يعتمر أو يزور وجب عليه أن يبر بيمينه ولم يجز للوالد أن يرجع باذنه أو يحل يمينه بعد ان انعقدت. [ المسألة 339: ] إذا أقسم الولد يمينا على فعل أمر راجح ولم يسبق له من الوالد اذن فيه ولا منع منه انعقدت يمينه كما قلنا سابقا، وجاز لابيه أن يحل يمينه، ويجوز للولد على الاظهر أن يطلب من والده حل تلك اليمين، فإذا أجابه وحل يمينه بطلت وسقط حكمها، وكذلك إذا حلفت الزوجة على شئ من غير اذن ولا منع من زوجها، فتنعقد يمينها ويجوز للزوج حلها ويسوغ للمرأة أن تطلب من الزوج حل اليمين وابطالها. [ المسألة 340: ] إذا نذرت المرأة وهي خلية لم تتزوج بعد: أن تحج البيت أو تعتمر أو تصوم يوما معينا من كل اسبوع انعقد نذرها، وإذا حلفت على شئ من ذلك انعقدت يمينها، ولزمها البر بما نذرته أو حلفت عليه، فإذا تزوجت بعد ذلك لم يسقط نذرها ولا يمينها وان لم يأذن لها الزوج به، بل وان منعها منه، أو كان منافيا لحقه من الاستمتاع، ولا يحق له أن يمنعها من أدائه.

[ 163 ]

ومثله ما إذا كانت ذات بعل وأذن لها بعلها فنذرت أو حلفت باذنه فيلزمها الوفاء بنذرها وحلفها، وإذا فارقها الزوج بموت أو بطلاق وتزوجت غيره لم يسقط الوجوب عنها وجرت الاحكام السابقة، وان لم يأذن لها الزوج الثاني أو منعها من العمل الذي نذرته أو كان منافيا لحقه. [ المسألة 341: ] إذا نذرت المرأة قبل أن تكون ذات بعل - كما هو المفروض في المسألة السابقة - أو حلفت شملتها أدلة وجوب الوفاء بالنذر أو اليمين من عامات ومطلقات من غير معارض كما هو المفروض، ووجب عليه الحج أو الصوم الذي نذرته أو أقسمت عليه، وإذا تزوجت بعد ذلك ووجبت عليها اطاعة الزوج وتمكينه من استيفاء حقه، فإنما يجب عليها ذلك في غير زمان الحج المنذور، وفي غير أيام الصوم المنذورة فقد ثبت وجوب الحج والصوم عليها شرعا، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، فيكون وجوب الحج والصوم عليها رافعا للموضوع في وجوب طاعة الزوج وثبوت حقه. وإذا نذرت المرأة تلك نذرا مشروطا بالتزويج، فقالت: لله علي ان تزوجت زيدا أن أحج البيت أو أن أصوم يوم الخميس من كل أسبوع أشكل الحكم بانعقاد نذرها أو حلفها، فإن الحج أو الصوم لا يجب عليها الا بعد تزويجها بزيد حسب ما اشترطت، وإذا تزوجت به وجبت عليها طاعة الزوج كذلك فيكون وجوب الوفاء بالنذر ووجوب طاعة الزوج كلاهما في وقت واحد ولا يكون أحدهما رافعا لموضوع الآخر كما في الفرض المتقدم، ولعل الاقرب عدم انعقاد النذر إذا لم يأذن به الزوج، وخصوصا إذا منع منه، وإذا كان الزوج نفسه قد نذر أو حلف أيضا ان تزوج بها أن يجامعها في كل خميس كان انعقاد نذر المرأة أشد اشكالا وأولى بالحكم بالعدم.

[ 164 ]

[ المسألة 342: ] قد ينذر الانسان أن يحج البيت من مكان خاص يعينه في نذره، فإذا قصد نذر الفرد الخاص من مطلق الحج، وهو الحج من ذلك الموضع، تعين عليه العمل بنذره، وكفاه في صحة نذره رجحان أصل الحج بقصد هذا الفرد منه، وكذلك إذا كانت للمكان الذي عينه مزية توجب رجحان العمل المنذور أو مزيد الاخلاص والتقرب فيه، فينعقد النذر ويجب العمل به، فإذا حج من موضع آخر لم تبرأ ذمته بذلك حتى يحج من المكان الذي عينه، فإذا حج من ذلك الموضع في سنة ثانية كفاه ذلك في الوفاء بالنذر ولم تجب عليه الكفارة. وإذا نذر الحج من مكان معين - كما تقدم - في سنة معينة لزمه ذلك، فإن هو حج في تلك السنة من موضع آخر لم يكفه ذلك ووجبت عليه كفارة النذر، ولا تبرأ ذمته إذا حج من ذلك الموضع في سنة أخرى لانه غير الحج المنذور، وهذا كله إذا كان نذره للحج من المكان الخاص على احدى الصورتين المذكورتين. وإذا نذر ان وفقه الله للحج أن يجعل حجه من المكان المعين، ولم يكن على احدى الصورتين الآنف ذكرهما لم ينعقد نذره، لعدم الرجحان في متعلق النذر، فإذا حج من مكان آخر أو من بلد آخر كان حجه صحيحا، ولا كفارة عليه لعدم انعقاد نذره. [ المسألة 343: ] إذا نذر المكلف أن يحج حجة الاسلام من بلد خاص أو من مكان خاص - على أحد الوجهين الآنف ذكرهما في المسألة الماضية - انعقد نذره، ووجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام من البلد أو الموضع الذي عينه، فإذا خالف نذره وأتى بحجة الاسلام من موضع آخر صحت حجته، وبرأت ذمته من الفرض، ولزمته الكفارة لمخالفة

[ 165 ]

النذر، والاحوط استحبابا اعادة حجة الاسلام من الموضع المعين مع الكفارة. ومثله ما إذا نذر لله حجة مطلقة ولم يعين لابتداء حجته بلدا أو مكانا خاصا، ثم نذر نذرا آخر أن يحج حجته المنذورة من مكان معين على احدى الصورتين الآنف ذكرهما، فينعقد النذران ويجب عليه أن يأتي بحجته المنذورة من ذلك الموضع، فإذا أتى بالحجة من غير ذلك الموضع صح عمله وبرأت ذمته من النذر الاول ووجبت عليه الكفارة لمخالفة النذر الثاني، والاحوط اعادة الحج من ذلك الموضع مع الكفارة كما سبق في نظيره. [ المسالة 344: ] إذا نذر المكلف أن يحج البيت أو يعتمر، ولم يقيد حجته أو عمرته بوقت معين وجب عليه ان يفي بنذره وجوبا مطلقا كما نذر، ولذلك فيجوز له تأخير الامتثال حتى يظن عروض الموت له، أو يظن حدوث بعض العوارض التي يفوت بها الامتثال، وتمنعه من أداء الواجب من مرض أو هرم أو ضعف أو غير ذلك، فتجب المبادرة إلى الاداء حين ذلك، ولا يجوز له التأخير إذا استلزم تهاونا بأمر الله، أو استخفافا بحكم الشريعة. وإذا نذر الحج وعين له سنة خاصة وجب عليه الحج في تلك السنة ولم يجز له أن يتأخر عنها، وإذا ترك الحج فيها من غير عذر كان آثما عاصيا بذلك ووجبت عليه الكفارة، والظاهر عدم وجوب قضاء هذا الحج عنه إذا كان حيا ولا على وارثه أو وليه إذا كان ميتا، وان كان القضاء أحوط فلا ينبغي له تركه. [ المسألة 345: ] إذا نذر الشخص أن يحج البيت نذرا مطلقا ولم يعين لحجته المنذورة وقتا، وتمكن من الوفاء بنذره ولم يمتثل حتى مات،

[ 166 ]

فالاحوط لزوما وجوب القضاء عنه بعد موته، بل هو الاقوى. والظاهر أن قضاء حجته المنذورة الآنف ذكرها يكون من أصل تركته، ولا تخرج كفارة مخالفة النذر من أصل التركة وإن وجبت عليه إذا تعمد المخالفة، فإذا أوصى بها أخرجت من ثلثه، وإذا لم يوص بها سقطت ولزمته الآثام. [ المسألة 346: ] إذا نذر الانسان أن يحج البيت ولم يستطع الوفاء بالنذر، سقط عنه الوجوب، بل كشف ذلك عن عدم انعقاد نذره من أول الامر، فلا يجب على وليه القضاء عنه إذا مات، سواء كان نذره مطلقا أم مقيدا بسنة معينة. [ المسألة 347: ] إذا نذر المكلف لله حجا أو عمرة - أو غيرهما من القربات أو الامور الراجحة - وعلق نذره على حصول شئ، فقال: لله علي حج البيت ان شفى الله زيدا من مرضه، أو ان رجع علي من سفره، ومات الناذر قبل ان يتحقق له الامر الذي علق عليه نذره، بطل النذر ولم يجب قضاء الحج عنه وان حصل الشرط بعد موته، فإن الفعل المنذور غير مقدور له بعد الموت، فلا يكون واجبا عليه ولذلك فلا يجب القضاء على وليه، من غير فرق بين ان يكون النذر من الوجوب المشروط، أو الواجب المعلق. [ المسألة 348: ] إذا نذر الرجل أن يحج البيت وتمكن بعد النذر من الوفاء به ولم يف به، استقر الحج المنذور في ذمته، فإذا عرض له بعد التمكن من الاداء واستقرار الوجوب في ذمته مرض أو هرم أو عذر آخر مستمر لا يرجا زواله ولا يتمكن معه من الاتيان بالحج بنفسه، لم تجز له الاستنابة عنه في حال حياته، وقد تقدم في المسألة المائة

[ 167 ]

والسادسة والستين ان جواز الاستنابة عند طروء مثل هذه الحالة يختص بحج الاسلام، ولا يعم الحج الواجب بالنذر ولا غيره من انواع الحج الواجب، فإذا مات وجب القضاء عنه من اصل تركته. وإذا نذر الحج ثم عرض له العذر المانع من الاداء قبل أن يتمكن من الوفاء بنذره، أو قبل أن يوجد الشرط الذي علق عليه نذره، أو نذر الحج وهو مريض أو معذور بأحد الاعذار المذكورة، لم ينعقد نذره لعدم القدرة، فلا تجب عليه الاستنابة في حياته، ولا يجب القضاء عنه بعد وفاته. [ المسألة 349: ] إذا نذر الرجل أن يبذل نفقة الحج لاحد ليحج بها، وقيد نذره في سنة معينة، فخالف نذره - مع قدرته على الوفاء به - ولم يبذل النفقة للشخص المنذور له حتى انقضى الوقت، ففي وجوب القضاء عليه إذا كان حيا، ووجوب قضاء الوارث عنه إذا كان ميتا تأمل واشكال، ولا يترك الاحتياط بالقضاء، وتجب عليه الكفارة لمخالفة النذر، وإذا مات فإن كان قد اوصى بها، اخرجت من ثلث التركة، وان لم يوص بها سقطت. [ المسألة 350: ] إذا نذر أن يحج احدا من ماله - كما في الفرض المتقدم - ولم يقيد ذلك بسنة معينة، فإن تمكن من الوفاء بنذره ولم يف به حتى مات، وجب على الورثة القضاء عنه من اصل تركته، وإذا هو لم يتمكن من الوفاء به حتى مات أشكل الحكم بوجوب القضاء عنه، والوجوب احوط. ونظير ذلك في الحكم ما إذا نذر أن يدفع إلى الفقراء أو إلى اليتامى - مثلا - مبلغا معينا من المال ومات قبل ان يفي بنذره، فإن كان قد تمكن من الوفاء بالنذر في حياته ولم يف به حتى مات وجب

[ 168 ]

القضاء عنه من أصل تركته، وان لم يتمكن من الاداء في حياته فالاحوط القضاء عنه بعد الموت. [ المسألة 351: ] إذا نذر الرجل ان يحج احدا من ماله وعلق نذره على حصول شرط، ومات الناذر ثم حصل الشرط بعد موته، فالظاهر عدم وجوب قضاء الولي عنه بعد الموت، ومثال ذلك أن يقول: لله علي ان رزقني الله ولدا ذكرا أن أدفع لزيد نفقة الحج من مالي وأحجه بها، ويموت الناذر ثم يولد له ولد ذكر بعد موته، فلا يجب على الوارث أن يدفع لزيد نفقة الحج من التركة قضاء عن الميت، والرواية التي دلت على القضاء عنه مما ترك غير صالحة للاعتماد عليها في المورد. [ المسألة 352: ] إذا نذر المكلف المستطيع للحج أن يحج حجة الاسلام انعقد نذره على الظاهر، وان كانت حجة الاسلام واجبة عليه بالفعل بسبب الاستطاعة، وأفاد نذره اياها تأكد الوجوب عليه من الناحيتين، فإذا أتى بالحج مرة واحدة فقد امتثل كلا الامرين، وبرئت ذمته من التكليف الواحد المؤكد، وإذا ترك الحج ثم مات، وجب القضاء عنه من أصل تركته، ولزمته الكفارة لمخالفة النذر، فإذا اوصى بها أخرجت من الثلث، وان لم يوص بها سقطت. وإذا نذر أن يحج حجة الاسلام في السنة الاولى من استطاعته تعين عليه ذلك من الناحيتين ايضا، فإذا ترك الحج في تلك السنة عصى لمخالفته تكليف الحج وتكليف النذر، وسقط نذره لمخالفته، وانقضاء وقته، ولزمته كفارة النذر على الوجه الذي سبق بيانه، ولم يسقط عنه التكليف بحجة الاسلام في العام المقبل.

[ 169 ]

[ المسألة 353: ] إذا كان المكلف مستطيعا للحج وجبت عليه المبادرة إلى الحج في عامه، ولم يجز له التأخير الا لعذر يسوغ له ذلك، وقد تقدم ذكر هذا مرارا، فإذا نذر المكلف المستطيع أن يحج حجة الاسلام في سنة تتأخر عن عام الاستطاعة لم ينعقد نذره، وكان باطلا لعدم الرجحان، ووجب عليه ان يبادر للاتيان بحج الاسلام. [ المسألة 354: ] إذا نذر المكلف ان يحج حجة الاسلام، وكان نذره قبل ان يستطيع للحج استطاعة مالية انعقد نذره، ووجب عليه ان يسعى لتحصيل مقدمة الواجب، وهي الاستطاعة الشرعية للحج فإذا حصلت له بالكسب، أو بالهبة من أحد، أو بالبذل، وجب عليه ان يؤدي التكليف بالحج والوفاء بالنذر بحجة واحدة كما تقدم، الا إذا قصد في نذره ان الاستطاعة شرط في النذر كما هي شرط في وجوب حجة الاسلام، فلا يجب عليه تحصيلها في هذا الفرض، وإذا كان قد أخر حج الاسلام عن عام الاستطاعة عامدا ووجب عليه ان يحج ولو متسكعا، ثم نذر ان يأتي بحجة الاسلام انعقد نذره ولزمه ان يحج كذلك ولو متسكعا بسبب النذر وبسبب التكليف الاصلي بالحج. [ المسألة 355: ] يشترط في صحة النذر وانعقاده ان يكون الفعل المنذور مقدورا للناذر في وقت الوفاء، فلا ينعقد النذر إذا كان متعلقه غير مقدور له في ذلك الحين، وقد فصلنا هذا في كتاب الايمان والنذور، وتلاحظ المسألة التاسعة والستون وما بعدها من الكتاب المذكور، ولا فرق في هذا الشرط بين نذر الحج وغيره، فإذا نذر المكلف لله حجا أو عمرة وكان قادرا على الاتيان به في وقت الوفاء انعقد نذره ووجب عليه الحج أو العمرة، ولا تعتبر فيه الاستطاعة المالية وغيرها

[ 170 ]

التي اشترطتها الشريعة في وجوب حجة الاسلام، الا إذا نذر حجة الاسلام كما ذكرنا في المسائل المتقدمة. [ المسألة 356: ] إذا كان الرجل مستطيعا لحج الاسلام، ونذر وهو في عام الاستطاعة ان يحج فيه غير حجة الاسلام، لم ينعقد نذره، لوجوب حجة الاسلام عليه في عام الاستطاعة فلا يكون غيرها مقدورا للناذر، الا إذا قيد نذره بزوال استطاعته للحج، فقال: لله علي ان أحج في هذا العام غير حجة الاسلام إذا زالت استطاعتي للحج، فينعقد نذره، ويجب عليه عند زوال استطاعته ان يفي بحجة النذر، وإذا لم تزل استطاعته وجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام. [ المسألة 357: ] إذا نذر الرجل ان يحج البيت في ذلك العام، وكان في حال نذره غير مستطيع لحج الاسلام انعقد نذره، وان اتفق ان حدثت له الاستطاعة للحج بعد النذر، فيحج الحجة المنذورة في تلك السنة، ثم ينتظر إلى العام المقبل، فإن كانت استطاعته للحج لا تزال باقية، أو زالت ثم تجددت له قبل موسم الحج وجبت عليه حجة الاسلام، وان زالت استطاعته ولم تعد لم تجب عليه الحجة. وكذلك الحال إذا نذر الحج، وقيد نذره بأن يأتي به فورا، فيجري فيه جميع ما تقدم من الاحكام. [ المسألة 358: ] إذا نذر وهو غير مستطيع ان يحج البيت، ولم يعين لحجه المنذور سنة خاصة أو عين له سنة متأخرة عن العام الحاضر، ثم حصلت له الاستطاعة بعد النذر وجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام في سنة الاستطاعة، ثم يأتي بحجة النذر بعدها متى شاء إذا كان نذرها مطلقا، وفي السنة التي عينها إذا كان النذر معينا.

[ 171 ]

وإذا أهمل في هذا الفرض، فترك حجة الاسلام في عام الاستطاعة عصى وأثم بذلك، ووجب عليه أن يأتي بها في السنة الثانية إذا كان النذر مطلقا، وأخر حجة النذر عنها، وإذا كان قد عين تلك السنة لحجة النذر أتى بها كما نذر وأخر حجة الاسلام إلى ما بعدها. [ المسألة 359: ] إذا نذر الانسان ان يحج البيت، وقيد نذره بأن يأتي بالحج فورا، وكان غير مستطيع لحج الاسلام في حين نذره ثم حصلت له الاستطاعة بعد النذر انعقد نذره - كما قلنا قبل مسألة - ووجب عليه تقديم حجة النذر، فإذا أهمل وترك حجة النذر في عامه الاول أثم بتأخيرها وعصى، ووجب عليه أن يأتي بها في السنة الثانية، وأخر حجة الاسلام إلى ما بعدها. وإذا نذر ان يحج في السنة الاولى ثم حصلت له الاستطاعة لحجة الاسلام بعد نذره قدم حجة النذر - كما ذكرنا في المسألة الثلاثمائة والسابعة والخمسين -، فإذا ترك حجة النذر في السنة المعينة لها أثم، ووجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام في السنة الثانية، وقد بينا في المسألة الثلاثمائة والرابعة والاربعين ان النذر الموقت في سنة معينة مما لا يجب قضاؤه على الاقوى، وان كان القضاء أحوط ولا ينبغي تركه. [ المسألة 360: ] إذا نذر المكلف ان يحج البيت الحرام نذرا مطلقا، وكان في حين نذره مستطيعا للحج أو حصلت له الاستطاعة بعد النذر، اتبع قصده، فإن قصد في نذره ما يعم حجة الاسلام كفاه في امتثال الواجب عليه أن يأتي بحجة واحدة، فتكون هي بذاتها حجة الاسلام وحجة النذر، ولا يكون ذلك من التداخل، وان قصد بنذره حجا

[ 172 ]

غير حجة الاسلام وجب عليه ان يحج حجة الاسلام للاستطاعة، وان يحج حجة أخرى للنذر، ويقدم منهما حجة الاسلام إذا كانت استطاعته لها سابقة على النذر أو كان النذر موسعا في الوقت وان كان سابقا على الاستطاعة، ويقدم حجة النذر إذا كانت مضيقة في الوقت وكان النذر سابقا على الاستطاعة. [ المسألة 361: ] إذا نذر المكلف ان يحج البيت ان شفى الله مريضه مثلا، وكان غير مستطيع للحج في حال نذره ثم حصلت له الاستطاعة قبل ان يوجد الشرط الذي علق عليه نذره، قدم حجة الاسلام على حجة النذر، وان كان النذر سابقا، لعدم وجوب الوفاء بالنذر قبل حصول شرطه، ويشكل الحكم بتقديم حجة الاسلام إذا كان نذره مقيدا بالفور، وحصل الشرط الذي علق عليه نذره بعد الاستطاعة وقبل خروج الرفقة، أو بعد خروجهم وأمكنه أن يفي بالنذر. [ المسألة 362: ] إذا وجبت على المكلف حجة الاسلام وحجة منذورة واستطاع أن يأتي اما بحجة الاسلام أو بالحجة المنذورة خاصة، ولم يمكنه الاتيان بهما معا لبعض الاعذار المانعة، تعين عليه أن يأتي بحجة الاسلام، لانها اهم في نظر الشارع، أو هي محتملة الاهمية على الاقل، وان كان النذر سابقا على الاستطاعة، فلا يلتفت الى السبق واللحوق في هذا المورد بخلاف الفروض المتقدمة. وإذا مات المكلف وقد استقرت في ذمته حجة الاسلام وحجة النذر المطلق معا، وقصرت تركته عن الوفاء بكلتا الحجتين، ولم تف الا بقضاء احداهما دون الاخرى، قدمت حجة الاسلام كذلك وان كان النذر سابقا على الاستطاعة، فلا يلتفت إلى السبق واللحوق كما في المورد المتقدم، وإذا وفت التركة بقضاء الحجتين معا، وجب

[ 173 ]

اخراجهما من التركة ولو باستئجار أجيرين للنيابة في قضائهما في عام واحد. [ المسألة 363: ] يجوز للمكلف الذي وجب عليه حج منذور وكان النذر موسعا: أن يحج قبل الوفاء به حجا مندوبا لنفسه أو لغيره، ويجوز له إذا كان الحج المنذور الذي استقر في ذمته مقيدا بسنة متأخرة، ان يحج حجا مندوبا في السنة المتقدمة عليها، لنفسه أو لغيره كذلك. [ المسألة 364: ] إذا نذر الشخص ان يحج البيت بنفسه، أو يحج احدا غيره بأن يدفع له نفقة كافية ويحمله على الحج بها، انعقد نذره وكان في الوفاء مخيرا بين الامرين المذكورين، فأيهما أتى به كان وفاءا للنذر، وإذا طرأ له عذر مانع عن أحد الامرين المنذورين فأصبح ذلك الامر غير مقدور له، تعين عليه أن يأتي بالمنذور الآخر المقدور له، كما هو الحكم في خصال الكفارة المخيرة متى عجز عن بعض خصالها وجب عليه أن يأتي بالخصلة المقدورة منها. وإذا مات الناذر قبل أن يفي بنذره الآنف ذكره وجب على وليه أو وصيه ان يقضي ذلك من أصل تركته وجوبا تخييريا بين الامرين كما هو الحال في أصل النذر، فأيهما قضاه عنه أجزأه عن نذره في كلتا الحالتين اللتين تقدم ذكرهما، فإذا كان أحد المنذورين قد تعذر على الناذر في حياته وتعين عليه أن يأتي بالمنذور الآخر ثم مات ولم يأت به تخير الولي بعد موته في القضاء عنه بين الامرين، ولا تتعين عليه الخصلة التي كانت مقدورة للناذر في حياته. [ المسألة 365: ] إذا علم ولي الميت ان على ميته حجا واجبا قد استقر في ذمته، وتردد الولي بين ان يكون هو حج الاسلام أو حجا وجب

[ 174 ]

عليه بالنذر، وجب عليه قضاء الحج عن الميت من تركته، ويكفيه في القضاء حج واحد ينوي به ما في ذمة الميت من غير تعيين، ولا يجب عليه قضاء كفارة النذر عنه. [ المسألة 366: ] تكاثرت الاحاديث الدالة على استحباب المشي على القدم في حج البيت، وتضافرت في الدلالة عليه، حتى ورد فيه: (ما عبد الله بشئ أشد من المشي ولا أفضل) وروي انه (ما تقرب العبد إلى الله عز وجل بشئ احب إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين)، و (ان الحجة الواحدة تعدل سبعين حجة)، إلى غير ذلك من الروايات، ولا ريب في ان المقصود من هذه الادلة الحث على المشي الذي يكون راجحا في الشريعة، وهو ما يقصد به الحاج الماشي على قدميه تعظيم الله واجلاله واظهار شدة العبودية له وكمال الانقطاع إليه، أو يريد به اعظام شعائر الله وتقديس شريعته وأحكامه، أو يريد به اظهار حرمة البيت والمشاعر الكريمة، أو ينوي به نيل مزيد القرب منه والمثوبة لديه، فإن أفضل الاعمال أحمزها كما في الحديث، واشباه هذه الغايات، فإذا نذر الانسان ان يمشي على قدميه في حجة الاسلام الواجبة عليه، أو في حجته المنذورة، أو في حجه المندوب لاحدى الغايات المذكورة، انعقد نذره ووجب عليه الوفاء به، وكذلك إذا نذر المشي في الحج لاصل رجحان المشي واستحبابه الذي دلت عليه مطلقات الاحاديث المشار إليها، فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به. وإذا نذر أن يحج ماشيا فكان نذره لاصل الحج والاتيان به ماشيا انعقد نذره لوجود الرجحان المشترط في كل من الحج والمشي وهو واضح. وقد ورد في الاخبار أيضا ما ينافي ذلك في بعض الحالات،

[ 175 ]

فقد روي عن ابي بصير انه سأل الصادق (ع) عن المشي أفضل أو الركوب، فقال (ع): (إذا كان الرجل موسرا، فمشى ليكون اقل لنفقته فالركوب أفضل)، ومن البين ان المشي بهذا القصد لا رجحان فيه أصلا، فإذا نذر الانسان المشي لهذه الغاية اشكل الحكم بانعقاد نذره، بل الوجه عدم الصحة. [ المسألة 367: ] قد يبدو للانسان ان يحج ماشيا لتكون نفقته اقل من نفقة الحج راكبا كما تقدم في رواية أبي بصير، فينذر ان يحج كذلك لهذه الغاية، وقد ذكرنا ان المشي في مثل هذا الفرض لا رجحان فيه أصلا، ويظهر من بعض العلماء ان ذلك من النذر الصحيح، فإن الناذر انما ينذر فردا من أفراد العبادة الصحيحة، فيكفيه في صحة نذره رجحان أصل الحج وان لم يكن القيد الذي قيد به النذر وهو المشي راجحا لتلك الغاية التي لاحظها. ولا ريب في صحة النذر إذا تعلق بفرد من افراد العبادة وكان الفرد من الافراد المتعارفة لتلك العبادة، وان لم يشتمل على مزية تزيد على أصل العبادة في الرجحان، كما إذا نذر المكلف ان يحج راكبا، أو نذر ان يحج مع أول قافلة تسير من البلد، وقد تقدم في المسألة الثلاثمائة والثانية والاربعين وما بعدها حكم ما إذا نذر الانسان ان يحج البيت من مكان خاص يعينه في نذره وما يتفرع على ذلك ويتصل به، ولا أظن ان التعميم للافراد المرجوحة من العبادة أو التي لا رجحان فيها أصلا لبعض الجهات التي توجب النقصان فيها عن الافراد المتعارفة مما يمكن الالتزام به كما يراه ذلك البعض من العلماء، فيحكم بانعقاد النذر وبوجوب الوفاء به إذا نذر مثلا أن يحج وهو مكتوف اليدين بعد الاحرام وفي المواقف وعند الاتيان بالاعمال، ويلزمه الوفاء إذا نذر ان يحج في سيارة

[ 176 ]

بيضاء أو من نوع وطراز مخصوص، أو أن يحرم في ثياب من صنع بلد خاص أو معمل معين، ويجب عليه الوفاء إذا نذر الصلاة في ساتر يستر العورتين خاصة، وهكذا، والظاهر أن أدلة صحة النذر للعبادة لا تشمل ذلك، فإذا نذر الناذر مثل هذه النذور فلا بد من الالتزام بالغاء القيد إذا كان نذر الناذر له على نحو تعدد المطلوب، وببطلان النذر من أصله إذا كان على وجه وحدة المطلوب. [ المسألة 368: ] إذا نذر الرجل أن يحج البيت راكبا انعقد نذره، ووجب عليه الوفاء به كما قلنا في المسألة السابقة، فلا يجوز له المشي على القدمين في طريق الحج، وفي الموارد التي يلزمه الركوب فيها كالمسافات ما بين المشاعر وفاءا بنذره، ويتبع قصده إذا نذر أن يكون راكبا في حال الوقوفين وعند المسير إلى الجمار وفي حال الرمي، وعلى وجه الاجمال يتبع قصده في تحديد أمكنة الركوب وأزمنته. [ المسألة 369: ] يصح للمكلف أن ينذر المشي في بعض طريقه إلى الحج، فإذا نذر أن يمشي في كل يوم ساعة أو ساعتين مثلا، أو فرسخا أو فرسخين، أو نذر ان يمشي من الميقات إلى مكة، أو من مكة إلى الموقفين، أو إلى أن يتم أعمال الحج اتبع نذره وقصده في جميع ذلك، ووجب عليه العمل بمقتضى ذلك. [ المسألة 370: ] إذا نذر الانسان أن يحج البيت ماشيا حافي القدمين، أو نذر أن يمشي إلى البيت حافيا انعقد نذره في كلتا الصورتين على الاقوى، ووجب عليه الوفاء به، فلا يكفيه أن يحج راكبا ولا يكفيه أن يمشي وهو منتعل.

[ 177 ]

[ المسألة 371: ] يشترط في صحة نذر الانسان للمشي أو الحفاء ان يكون الناذر قادرا على الوفاء بنذره، من غير فرق بين صور النذر التي ذكرناها، فلا ينعقد النذر في شئ منها، إذا كان الناذر عاجزا غير قادر على المشي أو الحفاء الذي تعلق به نذره، ويشترط في صحته ان لا يكون المشي أو الحفاء مضرا ببدنه بحيث يكون محرما مرجوحا، فلا ينعقد نذره إذا أوجب له ذلك. وإذا نذر المشي أو الحفاء وكان ذلك يوجب له حرجا ومشقة شديدة ولكنها لا تبلغ الضرر المحرم، فإن كان الناذر في حال نذره يعلم بأن ما نذره يوجب له الحرج من اول الامر أو يعلم بأنه يوجب له الحرج بعد ذلك، انعقد نذره ووجب عليه الوفاء به لاقدامه على ما يوجب له الحرج مختارا وان حصل له الحرج بالفعل فلا يبطل نذره بذلك، وإذا نذر وهو يجهل بأن المشي أو الحفاء يوجب له الحرج ثم وجده بعد ذلك بطل نذره وسقط عنه وجوب الوفاء به. [ المسألة 372: ] إذا نذر الرجل ان يحج البيت ماشيا، أو أن يحجه ماشيا حافيا، أو نذر أن يمشي، أو أن يمشي حافيا في حجه الواجب أو المندوب، وعين في نذره موضعا خاصا لابتداء مشيه وحفائه، وجب عليه اتباع ما عينه، فيبدأ في مشيه وحفائه من الموضع الذي نذره، وكذلك إذا عين لنهاية المشي أو الحفاء موضعا مخصوصا من مكة أو المسجد أو المشاعر، أو عين عملا مخصوصا من أعمال الحج، فيجب عليه اتباع ما عينه. وإذا نذر ولم يعين موضعا للبداءة والنهاية، فالظاهر لزوم المشي أو المشي والحفاء عليه من ابتداء سفره إلى الحج، والاحوط أن تكون النهاية في آخر أعمال الحج بمنى وهو رمي الجمرات في أيام

[ 178 ]

التشريق. [ المسألة 373: ] إذا نذر الرجل أن يحج ماشيا أو أن يمشي في سفره إلى البيت وجب عليه أن يسلك طريق البر إلى الحج، ولا يجوز له أن يسافر إليه في طريق البحر فانه ينافي ما نذره، ولذلك فلا يصح لمن ينحصر طريقه إلى الحج بركوب البحر ان ينذر المشي إلى الحج لعدم قدرته على ذلك، الا ان يريد المشي في المواضع التي يمكنه المشي فيها. وإذا نذر المشي إلى الحج وكان قادرا على سلوك طريق البر ثم طرأ له ما يمنعه منه، وانحصر طريقه إلى الحج بركوب البحر، بطل نذره وسقط وجوب الوفاء به، الا إذا كان نذره مطلقا وتمكن من طريق البر والمشي فيه في سنة اخرى، وإذا تيسر له الطريق وعجز عن المشي لم يجب عليه الوفاء. [ المسألة 374: ] إذا نذر الانسان المشي على احد الوجوه التي تقدم ذكرها، وكان في طريقه إلى الحج نهر أو شط أو خليج لا يمكنه العبور فيه الا بسفينة ونحوها جاز له أن يركب المركب والعبور فيه، ولزمه القيام فيه اثناء عبوره مع الامكان على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى، فإن لم يمكنه القيام فيه ولو مع الاعتماد سقط وجوبه عنه. [ المسألة 375: ] إذا نذر المكلف ان يحج البيت ماشيا ولم يعين في نذره للحج سنة خاصة ثم حج راكبا، لم يكفه ذلك، ووجب عليه ان يفي بنذره فيحج ماشيا، فإذا ترك الاعادة وهو غير معذور في ترك الوفاء بنذره حتى ظن الوفاة وجبت عليه كفارة الحنث بنذره، وإذا لم يف بنذره حتى مات وجب على وليه القضاء عنه على الاحوط لزوما كما

[ 179 ]

سبق، وأما الكفارة فإذا أوصى بها وجب على وصيه قضاؤها بعد موته من ثلثه، وإذا لم يوص بها لم يلزم الوصي قضاؤها، ولزم الميت عقابها، وقد تقدم بيان هذا جميعا. وإذا نذر أن يحج ماشيا وعين لذلك سنة خاصة ثم حج راكبا في تلك السنة المعينة أو لم يحج أصلا وجبت عليه الكفارة لمخالفته النذر، ولم يجب عليه القضاء بعد تلك السنة إذا كان حيا، ولا على وارثه بعد موته، وان كان القضاء أحوط وقد تقدم نظير هذا في المسألة الثلاثمائة والرابعة والاربعين [ المسألة 376: ] إذا كان على المكلف حج واجب في سنة معينة قد وجب عليه بنذر أو شبهه، ثم نذر أن يأتي بذلك الحج ماشيا، وجب عليه ذلك، فإذا خالف هذا النذر وأتى بالحج المعين الواجب عليه راكبا وجبت عليه الكفارة لمخالفته نذر المشي، والظاهر صحة الحج الذي أتى به، فتبرأ ذمته من نذر أصل الحج إذا كان منذورا ومن الحلف أو العهد إذا كان محلوفا أو معاهدا عليه. وكذلك إذا كان الحج الواجب عليه بالاصل مطلقا غير معين الوقت، ثم نذر المشي فيه، فإذا ترك المشي وأتى بالحج راكبا، صح الحج ووجبت على المكلف الكفارة لمخالفة نذره للمشي، ولكن الاحوط استحبابا في هذه الصورة اعادة الحج ماشيا ولا تسقط عنه الكفارة بذلك. [ المسألة 377: ] إذا نذر الرجل المشي على أحد الفروض التي قدمنا ذكرها ثم ركب في بعض الطريق عامدا ومشى في بعضه، فقد خالف النذر ولزمته أحكام المخالفة في جميع الطريق وقد بسطناها في المسائل الماضية، فلتراجع.

[ 180 ]

[ المسألة 378: ] إذا نذر الانسان أن يحج البيت ماشيا، أو ان يمشي في حجه إلى البيت على الفروض الآنف ذكرها وكان قادرا على الوفاء بنذره، ثم عجز عن المشي سقط عنه وجوب المشي، ووجب عليه أن يحج راكبا، سواء طرأ له العجز وعدم التمكن من المشي قبل السفر إلى الحج أم في أثناء الطريق وقبل الاحرام أم بعده، وسواء كان نذره مقيدا في سنة معينة أم كان مطلقا غير معين الوقت، فيسقط عنه وجوب المشي في جميع هذه الصور، ويجب عليه الحج راكبا، والاحوط لزوما أن يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب، ويستحب له أن يسوق بدنة ولا يجب عليه ذلك. وإذا عجز عن المشي وكان نذره مطلقا لم تعين فيه سنة مخصوصة، ثم تجددت له القدرة في بعض السنين وأمكن له المشي فيها، فالاحوط له لزوم الحج ماشيا بل لا يخلو ذلك عن قوة. [ المسألة 379: ] الظاهر أنه لا فرق في جريان الحكم الآنف ذكره بين أن يكون السبب المانع للمكلف عن المشي والموجب لعجزه وعدم استطاعته، ضعفا في قواه عن المشي على القدمين، أو مرضا طارئا، أو حرا أو بردا شديدين لا يقوى معهما على المشي، أو خشونة في حجارة الارض، أو أشواكا لا يستطيع معهما السير على القدم، أو حشرات أو هوام ضارة تمنعه من ذلك، وأمثال هذه الموانع الموجبة للعجز وعدم الطاقة.

[ 181 ]

[ الفصل السابع ] [ في الحج المندوب ] [ المسألة 380: ] يستحب للمكلف الذي لم تجتمع له شروط وجوب الحج: أن يحج البيت الحرام ما أمكنه، ففي الحديث عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أبو جعفر (ع): (ان العبد المؤمن إذا أخذ في جهازه لم يرفع قدما ولم يضع قدما الا كتب الله له بها حسنة، حتى إذا استقل لم يرفع بعيره خفا ولم يضع خفا الا كتب الله له بها حسنة، حتى إذا قضى حجه مكث ذا الحجة والمحرم وصفر تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات الا أن يأتي بكبيرة)، وروي عنهم (ع) أضعاف ذلك وأضعاف أضعافه، وعن أبي عبد الله (ع) قال: (الحاج والمعتمر وفد الله ان سألوه أعطاهم، وان دعوه أجابهم، وان شفعوا شفعهم، وان سكتوا ابتدأهم، ويعوضون بالدرهم الف درهم)، وعن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الحاج ثلاثة، فأفضلهم نصيبا رجل غفر الله له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ووقاه الله عذاب القبر، وأما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه تقدم منه ويستأنف العمل في ما بقي من عمره، واما الذي يليه فرجل يحفظ في اهله وماله)، وعن ابي عبد الله (ع) وقد سأله رجل في المسجد الحرام من أعظم الناس وزرا؟ فقال (ع): (من يقف بهذين الموقفين عرفة والمزدلفة، وسعى بين هذين الجبلين ثم طاف بهذا البيت وصلى خلف مقام ابراهيم ثم قال في نفسه وظن أن الله لم يغفر له فهو من اعظم الناس وزرا)، وعن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله (ع): ما يصنع الله بالحاج؟، قال: (مغفور والله لهم لا أستثني

[ 182 ]

فيه). ويستحب لمن كلف بالحج وقضى ما عليه من حج واجب ان يحج مندوبا، ويستحب له ان يكرر الحج ما قدر على ذلك، فعن ابي عبد الله (ع) قال: (الحج والعمرة سوقان من أسواق الآخرة، اللازم لهما في ضمان الله، إن أبقاه اداه إلى عياله، وإن أماته أدخله الجنة، وعن عيسى بن أبي منصور قال: قال لي جعفر بن محمد (عليهما السلام): يا عيسى إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل، وعن عمر بن يزيد، قلت لابي عبد الله (ع): أحج رسول الله صلى الله عليه وآله غير حجة الوداع، قال: (نعم، عشرين حجة)، وفي الرواية أن الحسن (ع) حج عشرين حجة ماشيا على قدميه، وروي أنه (ع) حج خمسا وعشرين حجة، وأن علي ابن الحسين (ع) حج أربعين حجة، وعن أبي جعفر (ع): (كان لعلي بن الحسين (ع) ناقة قد حج عليها أثنتين وعشرين حجة ما قرعها قرعة قط، وقد حج الامام جعفر بن محمد (ع) وكرر الحج حتى كبر وضعف بدنه، وحتى قال له أبو الورد: رحمك الله، انك لو كنت أرحت بدنك من المحمل، فقال (ع): يا أبا الورد إني أحب أن أشهد المنافع التي قال الله عز وجل، (ليشهدوا منافع لهم)، أنه لا يشهدها أحد إلا نفعه الله، أما أنتم فترجعون مغفورا لكم، وأما غيركم فيحفظون في أهاليهم وأموالهم، وهكذا دأب آبائه وابنائه المطهرين)، وورد عن أبي عبد الله (ع): من حج ثلاث حجج لم يصبه فقر أبدا، وعن أبي جعفر (ع): إن لله مناديا ينادي ان عبدا أحسن الله إليه وأوسع عليه في رزقه فلم يفد إليه في كل خمسة أعوام مرة ليطلب نوافله أن ذلك لمحروم، وبمعناه روايات متعددة اخرى. [ المسألة 381: ] تقدم منا في المسألة السابعة عشرة ان البلوغ في الصبي والصبية

[ 183 ]

شرط في وجوب الحج عليهما، وليس شرطا في صحة الحج ومشروعيته منهما، ولذلك فيستحب لهما الاتيان بالحج المندوب إذا كانا مميزين وأحسنا أن يأتيا به على الوجه المطلوب، فإذا تبرع لهما أحد بالنفقة وحجا صح حجهما، وترتب عليه الثواب المرغب فيه والآثار المطلوبة في الحج المندوب، ولم تتوقف صحته على اذن الولي الشرعي لهما، وإذا أراد احدهما أن يحج حجا مندوبا من ماله توقفت صحة حجه على إذن وليه له بالتصرف في المال، فلا يصح بغير اذنه، وذكرنا في المسألة الثامنة عشرة وما بعدها أنه يستحب للولي أن يحج الصبي والصبية غير المميزين، وذكرنا في المسألة وما بعدها بعض التفاصيل التي تتعلق بحجهما واحجاجهما. [ المسألة 382: ] يصح للعبد المملوك أن يأتي بالحج المندوب إذا أذن له مولاه بذلك ويستحب له، ولا يصح حجه بغير إذنه، ولا فرق بين أن تكون النفقة من مال العبد نفسه وأن تكون من مال المولى ومن مال شخص آخر وإذا أذن له سيده بالحج فأحرم به وجب عليه أن يتم عمله وإن رجع السيد عن إذنه، ولا تجوز للعبد اطاعته في ذلك ولا يصح ذلك للسيد، وتلاحظ المسألة الرابعة والثلاثون وما بعدها، وكذلك الحكم في الامة المملوكة. [ المسألة 383: ] لا يصح للزوجة أن تحج حجا مندوبا الا بإذن بعلها، فإذا أذن لها صح منها واستحب لها، سواء كانت نفقة الحج من مالها أم من مال زوجها أم من مال شخص آخر، كما إذا تبرع لها بالنفقة أبوها أو أحد أرحامها، وسواء كان نكاح الزوجة دائما أم موقتا، وسواء كان حجها منافيا لحقوق الزوج الواجبة عليها أم لا، وكذلك الحكم في المطلقة الرجعية مادامت في العدة، وإذا أحرمت المرأة بإذن

[ 184 ]

الزوج وجب عليها اتمام الحج وان منع منه، ولا يجوز له المنع ولا الرجوع عن اذنه بعد تلبسها بالاحرام، وتراجع المسألة السادسة والعشرون في حكم الولد البالغ إذا أراد الحج المندوب بغير إذن أبيه، وإذا نها أحد أبويه عن ذلك لسبب يوجب النهي، أو كان سفره موجبا للعقوق والايذاء لهما لخطر ونحوه. [ المسألة 384: ] يشترط في صحة الحج المندوب أن لا يكون في ذمة المكلف حج واجب مضيق، فإذا كان عليه حج الاسلام - مثلا - وتمت له جهات الاستطاعة وجب عليه أن يأتي به فورا، ولم يجز له تأخيره أو التسامح فيه، ولذلك فلا يجوز له أن يحج متطوعا لنفسه أو لغيره، وإذا حج كذلك كان آثما عاصيا، وكذلك إذا وجب عليه حج مضيق آخر، وقد تقدم بيان هذا الحكم في المسألة المأتين والثانية والستين، فلتلاحظ. [ المسألة 385: ] يستحب لمن دخل مكة في حج واجب أو مندوب وأراد الخروج منها - بعد انقضاء حجه - أن ينوي العود إلى الحج، ويكره له أن ينوي في نفسه عدم الرجوع له، وإذا صدر ذلك منه استخفافا بشأن الحج أو استصغارا لامره كان محرما، وربما أدى ذلك إلى ما هو أشد وأعظم جرما، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (من أراد الدنيا والآخرة فليؤم هذا البيت، ومن رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره، ومن خرج من مكة ولا ينوي العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه)، وبمضمونه أحاديث أخرى.

[ 185 ]

[ المسألة 386: ] يستحب للانسان أن لا يترك الحج المندوب، وإن لم يكن له زاد وراحلة، فيستقرض ويحج بمال القرض إذا كان قادرا على الوفاء، ففي خبر يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يحج بدين وقد حج حجة الاسلام، قال: نعم ان الله سيقضي عنه إن شاء الله، وفي رواية موسى بن بكر الواسطي قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يستقرض ويحج، فقال: إن كان خلف ظهره مال إن حدث به حدث أدى عنه فلا بأس، وعن أبي عبد الله (ع) - وقد قال له الراوي: إني رجل ذو دين، أفأتدين وأحج؟ -، فقال (ع): نعم هو أقضى للدين. [ المسألة 387: ] تكاثرت الروايات وتنوعت في الدلالة على ان الحج أفضل من الصدقة بنفقته، بل وبأضعافها، ففي الرواية عن أبي عبد الله (ع): (حجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق به حتى يفنى، وعنه (ع) قال: درهم تنفقه في الحج أفضل من عشرين الف درهم تنفقها في حق) وروي أكثر من ذلك، وفي خبر ابراهيم بن ميمون قال: قلت لابي عبد الله (ع) اني أحج سنة وشريكي سنة، قال: ما يمنعك من الحج يا ابراهيم؟ قلت: لا اتفرغ لذلك جعلت فداك اتصدق بخمسمائة مكان ذلك؟ قال: الحج أفضل، قلت: الف؟ قال: الحج أفضل، قلت: ألف وخمسمائة: قال: الحج أفضل، قلت ألفين؟ قال: في ألفيك طواف البيت؟ قلت: لا، قال: أفي ألفيك سعي بين الصفا والمروة؟ قلت: لا، قال: أفي ألفيك وقوف بعرفة؟ قلت: لا قال: أفي ألفيك رمي الجمار؟ قلت: لا، قال: أفي ألفيك المناسك؟ قلت: لا، قال: الحج أفضل. وفي حديث معاويه بن عمار عنه (ع) قال: لما أفاض رسول

[ 186 ]

الله صلى الله عليه وآله تلقاه اعرابي بالابطح، فقال: يا رسول الله اني خرجت أريد الحج ففاتني، وأنا رجل مميل يعني كثير المال، فمرني أصنع في مالي ما أبلغ به ما يبلغ به الحاج، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي قبيس فقال: (لو أن أبا قبيس لك زنته ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت ما بلغ الحاج...)، إلى غير ذلك من الاحاديث، واختلافها في مقادير الاضعاف ينشأ من اختلاف مراتب الناس في حجهم وقرباتهم، وتفاوتهم في درجات الاخلاص في طاعاتهم، وتكاثرت الروايات أيضا في فضل الحج على العتق أضعافا، وقد عقد له في كتاب الوسائل بابا يحتوي على تسعة احاديث. [ المسألة 388: ] يستحب للرجل ان يكثر الانفاق في الحج إذا كان ممن يقدر على ذلك، ولا يكون سببا في ان يمل الحج ولا ينشط له، أو يوجب عدم المكنة من العود إليه، ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: ما من نفقة احب إلى الله عز وجل من نفقة قصد، ويبغض الاسراف الا في الحج والعمرة، وعن ابي عبد الله (ع) انه قال لراوي الحديث: يا فلان اقلل النفقة في الحج تنشط للحج، ولا تكثر النفقة في الحج فتمل الحج، وعنه (ع) انه قال لعيسى بن أبي منصور: يا عيسى ان استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل، وقال (ع) لعيسى بن ابي منصور ايضا يا عيسى اني احب ان يراك الله في ما بين الحج إلى الحج وانت تتهيأ للحج. [ المسألة 389: ] يجب ان تكون نفقة الحج من المال الحلال سواء كان الحج واجبا أم مندوبا، ولا يجوز ان تكون من المال الحرام، فقد ورد عنهم (ع): من حج بمال حرام نودي عند التلبية لا لبيك عبدي ولا سعديك، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: من اكتسب مالا حراما لم يقبل الله

[ 187 ]

منه صدقة ولا عتقا ولا حجا ولا اعتمارا، وكتب الله له بعدد اجزاء ذلك اوزارا، وما بقي منه بعد موته كان زاده إلى النار، وعن ابي جعفر (ع): لا يقبل الله عز وجل حجا ولا عمرة من مال حرام، وعن ابي عبد الله (ع) انه قال: اربع لا يجزن في اربع، الخيانة والغلول والسرقة والربا لا يجزن في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة وتراجع المسألة المائة والحادية والعشرون في ما يتعلق بصحة الحج وبطلانه. ويجوز الحج والعمرة بجوائز السلطان ونحوها إذا لم يعلم بأنها محرمة بعينها، وتلاحظ المسألة الرابعة والاربعون من كتاب التجارة. [ المسألة 390: ] يجوز لمالك المال ان يدفع إلى المستحق من زكاة ماله ليحج به حجا واجبا أو حجا مندوبا إذا كان المقدار المدفوع من سهم سبيل الله، فإذا قبضه المستحق حج به، وتلاحظ المسألة السادسة والثمانون. [ المسألة 391: ] يستحب للشخص أن يتبرع عن أرحامه وعن اخوانه من المؤمنين في حج واجب عنهم إذا كانوا أمواتا، وقد سبق بيان هذا في فصل النيابة في المسألة المائتين والثالثة والستين والمسألة الثلاثمائة والسادسة عشرة، ويستحب له ان يتبرع عنهم في الحج المندوب، سواء كانوا أمواتا أم أحياءا، ففي الحديث عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وصل قريبا بحجة أو عمرة كتب الله له حجتين وعمرتين، وكذلك من حمل عن حميم يضاعف له الاجر ضعفين، وعن اسحاق بن عمار عن ابي ابراهيم (ع) قال: سألته عن الرجل يحج، فيجعل حجته وعمرته أو بعض طوافه لبعض اهله

[ 188 ]

وهو عنه غائب ببلد آخر، قال فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال: لا هي له ولصاحبه، وله سوى ذلك بما وصل، قلت وهو ميت، هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم، حتى يكون مسخوطا عليه، فيغفر له، أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه، فقلت: فيعلم هو في مكانه ان عمل ذلك لحقه؟ قال (نعم)، وفي رواية موسى بن القاسم البجلي قال قلت لابي جعفر الثاني (ع):... ربما حججت عن أبيك، وربما حججت عن ابي، وربما حججت عن الرجل من اخواني، وربما حججت عن نفسي فكيف اصنع؟ فقال: (تمتع). ويستحب له ان يطوف عن الاموات من ارحامه وغيرهم، وعن الاحياء الغائبين منهم عن مكة، فقد روي عن أبي عبد الله (ع)، من وصل اباه أو ذا قرابة له فطاف عنه كان له اجره كاملا، وللذي طاف عنه مثل أجره، ويفضل هو بصلته اياه بطواف آخر، وعن معاوية بن عمار عنه (ع) قال: قلت له: فأطوف عن الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟، فقال: نعم، يقول حين يفتتح الطواف، اللهم تقبل من فلان للذي يطوف عنه، وعنه (ع) - وقد قال له الراوي الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة؟ قال: لا، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكة، فقال له: وكم مقدار الغيبة؟ قال (عشرة أميال). ويجوز له أن يشرك بين اثنين واكثر في حجة مندوبة واحدة، وان يتطوع بطواف واحد عن رجل واحد وعن رجلين وعن أكثر من ذلك بل وعن جماعة كثيرة، ويجوز له الطواف عن الحي الحاضر إذا كان معذورا. [ المسألة 392: ] يستحب للانسان أن يتطوع بالحج المندوب وبالعمرة المندوبة عن المعصومين من الاموات (ع) وعن المعصوم الحي (ع)، وقد

[ 189 ]

تقدمت رواية موسى بن القاسم عن الامام ابي جعفر الجواد (ع) في المسألة السابقة، ويستحب أن يتطوع بالطواف عن امواتهم واحيائهم (ع)، ففي الحديث عن موسى بن القاسم قال قلت لابي جعفر الثاني (ع): قد اردت أن أطوف عنك وعن أبيك فقيل لي: أن الاوصياء لا يطاف عنهم، فقال: بلى طف ما أمكنك فإن ذلك جائز، ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين: اني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك فأذنت لي في ذلك فطفت عنكما ما شاء الله، ثم وقع في قلبي شئ فعملت به، قال وما هو؟ فقلت طفت يوما عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ثلاث مرات: صلى الله على رسول الله، ثم اليوم الثاني عن أمير المؤمنين (ع)، ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن (ع)، والرابع عن الحسين (ع)، والخامس عن علي بن الحسين (ع)، واليوم السادس عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، واليوم السابع عن جعفر بن محمد (ع)، واليوم الثامن عن أبيك موسى (ع)، واليوم التاسع عن أبيك علي (ع)، واليوم العاشر عنك يا سيدي، وهؤلاء الذين أدين الله بولايتهم فقال: إذا والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره فقلت وربما طفت عن أمك فاطمة (ع) وربما لم أطف، فقال: استكثر من هذا فانه أفضل ما انت عامله ان شاء الله. [ المسألة 393: ] يستحب للمكلف أن لا يدع الحج ما أمكنه ذلك فيأتي به ولو بان يؤجر نفسه للنيابة في الحج عن غيره، ففي رواية عبد الله بن سنان، قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل، فأعطاه ثلاثين دينارا يحج بها عن اسماعيل، ولم يترك شيئا من العمرة إلى الحج الا اشترط عليه، حتى اشترط عليه ان يسعى في وادي محسر، ثم قال: يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما أنفق من ماله، وكانت لك تسع بما أتعبت من بدنك، وعن

[ 190 ]

ابن مسكان قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يحج عن آخر ماله من الثواب، قال: للذي يحج عن رجل أجر وثواب عشر حجج، ولعل هذه الرواية واردة في من يتبرع بالحج عن غيره فيكون له ثواب عشر حجج، وفي رواية اخرى عنه (ع) مثل ذلك ثم قال: ويغفر له ولابيه ولامه ولابنه ولابنته ولاخيه ولاخته ولعمه ولعمته ولخاله ولخالته، إن الله واسع كريم. [ المسألة 394: ] يجوز للرجل بعد أن يفرغ من الحج المندوب أن يهدي ثواب حجته إلى أحد من أقاربه أو من غيرهم، فعن الحارث بن المغيره قال قلت لابي عبد الله (ع) - وأنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة - إني أردت أن أحج عن ابنتي، فقال: اجعل ذلك لها الآن، وعنه (ع) وقد قال له رجل: جعلت فداك اني كنت نويت أن أدخل في حجي العام أبي أو بعض أهلي فنسيت، فقال (ع) الآن فأشركه، ويجوز له أن يقصد إهداء ثواب حجه لمن يريد قبل الشروع في العمل، وكذلك في العمرة والطواف والزيارة. [ المسألة 395: ] يستحب للانسان إذا كان متمكنا ان يتبرع بنفقة الحج لبعض إخوانه من المؤمنين ليحجوا بماله حجا واجبا أو مندوبا، فعن الحسن بن علي الديلمي قال: سمعت الرضا (ع) يقول: من حج بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عز وجل بالثمن.

[ 191 ]

[ الفصل الثامن ] [ في أقسام الحج والعمرة ] [ المسألة 396: ] ينقسم الحج إلى ثلاثة أنواع: حج تمتع، وحج قران، وحج افراد، وحج التمتع فريضة تختص بكل مكلف مستطيع للحج ولا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، وهو من يبعد منزله عن مكة المكرمة بثمانية واربعين ميلا أو أكثر من جميع جوانبها، فلا يجزيه عن فرضه غير حج التمتع، وحج القران أو الافراد فريضة كل مكلف مستطيع من أهل مكة وتوابعها الذين لا تبلغ منازلهم إلى الحد المذكور من البعد عنها، ولا يجزي هؤلاء عن فرضهم غير حج القران أو حج الافراد، ويتخير المكلف أيهما شاء. [ المسألة 397: ] المراد بالميل هنا هو الميل الشرعي، وهو اربعة آلاف ذراع بذراع اليد من الشخص المتوسط الخلقة. فإذا كان أقل الاذرع المتوسطة يبلغ خمسة وأربعين سنتيمترا - كما ذكرنا في المسألة الالف والمائة والرابعة والسبعين من كتاب الصلاة -، فإن مجموع المسافة الانف ذكرها يبلغ ستة وثمانين كيلومترا وأربعمائة متر، وهو ستة عشر فرسخا تامة. والظاهر أن المدار في الحكم ان يبعد المكلف عن المسجد الحرام نفسه بالمقدار المذكور لا عن آخر عمارة مكة، وهل المراد ان يبعد منزل المكلف عن المسجد بالمقدار المذكور أو أن تبعد عنه حدود بلده، فيه اشكال، فإذا اختلفا فلابد من مراعاة الاحتياط.

[ 192 ]

[ المسألة 398: ] إنما يتعين حج التمتع على البعيد النائي عن مكة في حج الاسلام خاصة، فإذا وجب عليه حج البيت باستطاعة أو ببذل من أحد وجب عليه أن يحج متمتعا ولم يكفه أن يحج قارنا أو مفردا كما ذكرنا، ولا يتعين عليه فيما سوى ذلك، فإذا أراد النائي عن مكة أن يحج حجا مندوبا جاز له أن يحج متمتعا وأن يحج قارنا وأن يحج مفردا، وكذلك أذا نذر أن يحج البيت نذرا مطلقا ولم يعين واحدا من الانواع فيكفيه أن يأتي بأي الانواع شاء، ومثله ما يجب بالعهد أو اليمين، وإذا عين في نذره أو عهده أو يمينه واحدا من الانواع الثلاثة وجب عليه في الوفاء أن يتبع ما عينه على نفسه منها. وكذلك في الحج الذي يجب عليه بالاستئجار، وتراجع المسألة المائتان والتاسعة والثمانون من فصل حج النيابة، وأما الحج الذي يجب عليه بافساد حج سابق فلابد من أن يكون مطابقا في النوع للحج الاول الذي أفسده. [ المسألة 399: ] ولا يتعين حج القران أو حج الافراد على المكلفين من أهل مكة ومن قاربها الا في حج الاسلام فحسب، فإذا استطاع المكلف منهم للحج أو بذل احد له الزاد والراحلة وجب عليه أن يحج قارنا أو مفردا ولم يجزه أن يحج متمتعا، ولا يعم الحكم غير ذلك، فإذا أراد أن يحج حجا مندوبا أو وجب عليه حج مطلق بنذر أو عهد أو يمين من غير تعيين تخير بين أن يحج متمتعا أو قارنا أو مفردا، كما تقدم في حكم البعيد عن مكة، وتجري فيه‌ايضا أحكام الفروض التي ذكرناها في المسألة الماضية في الحج المعين وفي الحج الواجب

[ 193 ]

بالاستئجار أو بالافساد. [ المسألة 400: ] إذا تخير الانسان بين أنواع الحج الثلاثة كما في الفروض المتقدم ذكرها، فالافضل له أن يختار حج التمتع، وإذا تردد أمره بين حج القران وحج الافراد فالافضل له أن يختار حج القران. [ المسألة 401: ] إذا كان الرجل ذا منزلين يسكنهما بالفعل وأحد المنزلين في مكة أو في المواضع التي تتبعها في الحكم، والثاني في بلد يبعد عنها ثم استطاع حج البيت، فإن كان توطنه في أحد المنزلين أكثر من الآخر لحقه حكم ذلك المنزل، فيجب عليه حج القران أو الافراد إذا غلبت عليه سكنى مكة، ويلزمه حج التمتع إذا غلبت عليه سكنى البلد النائي، سواء حصلت له الاستطاعة في كلا البلدين أم في أحدهما أم في غيرهما، وان تساوى توطنه في البلدين تخير بين الانواع الثلاثة وان كان التمتع أفضل ومن بعده القران، ولا فرق في الحكم ايضا بين أن تكون استطاعته من كلا البلدين أو من البلد النائي أو القريب أو من غيرهما. [ المسألة 402: ] إذا خرج المكلف من أهل مكة أو بعض توابعها إلى أحد البلاد البعيدة عن مكة ثم رجع في أيام الحج، ومر في رجوعه ببعض مواقيت الاحرام للبعيد وجب عليه ان يحرم من ذلك الميقات، فإن كان إحرامه بحج مندوب أو بحجة منذورة بنذر مطلق لا تعيين فيه، تخير بين ان يحج متمتعا أو قارنا أو مفردا، كما بينا في المسألة الثلاثمائة والتاسعة والتسعين، واتبع ما ذكرناه في المسألة المذكورة إذا كان

[ 194 ]

الحج معينا عليه بالنذر وشبهه، أو بالاجارة، وان كان الحج الواجب عليه هو حج الاسلام أشكل الحكم فيه، ولا يترك الاحتياط بأن يحرم قارنا في حجه أو مفردا. [ المسألة 403: ] إذا أعرض البعيد النائي عن وطنه ونوى السكنى الدائمة في مكة، أصبح من أهل مكة ومن حاضري المسجد الحرام منذ ابتداء سكناه بها ولم يتوقف ذلك على مضي أشهر أو مدة، ولزمته أحكام حاضري المسجد الحرام، فإذا استطاع حج البيت وجب عليه أن يحجه قارنا أو مفردا ولم يجز له أن يحج متمتعا، وكذلك إذا كان مستطيعا للحج في وطنه الاول وقبل انتقاله إلى مكة ولم يؤد حجة الاسلام، فيلزمه القران أو الافراد على الاقوى، ويكفيه في الاستطاعة التي تحصل له بعد سكناه مكة ما يكفي المكلف من أهلها، فلا يعتبر في استطاعته أن يملك نفقة السفر من بلده الاول والعود إليه. [ المسألة 404: ] إذا أعرض المكي عن وطنه وقصد الاستيطان الدائم في بلد يبعد عن مكة كان منذ أول سكناه في ذلك البلد من أهل الامصار، ولا يكون من حاضري المسجد الحرام، فإذا استطاع الحج بعد انتقاله، ولم يكن قد أتى بحج الاسلام قبل ذلك وجب عليه أن يحج متمتعا، ولا يكفيه القران أو الافراد، وإذا كان قد استطاع الحج قبل انتقاله من مكة ولم يحج حتى استقر الحج في ذمته وجب عليه ان يحج وان كان متسكعا، ويجب ان يكون حجه متمتعا، وإذا حدثت له الاستطاعة بعد انتقاله إلى الوطن الجديد اعتبر فيها ما يعتبر في استطاعة البعيد من نفقة الذهاب والاياب وغيرها.

[ 195 ]

[ المسألة 405: ] إذا حصلت للمكي نفقة الحج بمقدار يكفيه للسفر من مكة إلى المشاعر والرجوع منها إلى مكة له ولعياله حتى يرجع إليهم، ثم خرج من مكة قبل حضور موسم الحج وتوطن في بلد يبعد عنها كما ذكرنا في المسألة المتقدمة وكانت النفقة التي حصلت له لا تحقق له الاستطاعة في وطنه الجديد لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة. [ المسألة 406: ] إذا أقام المكلف من أهل الامصار البعيدة في مكة بقصد المجاورة بها لا بقصد التوطن لم يتغير حكمه بسبب مجاورته فيها، فإذا كان مستطيعا للحج قبل المجاورة أو حصلت له الاستطاعة بعد المجاورة فيها وجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام متمتعا، كما هو حكم النائي البعيد عن مكة. فإذا استمرت مجاورته فيها سنتين كاملتين ودخل في السنة الثالثة ثم استطاع بعد ذلك وأراد الحج كان له حكم أهل مكة، فيجب عليه أن يحج قارنا أو مفردا. ويعتبر في استطاعته ما يعتبر في استطاعة غيره، فإذا كان في مكة نفسها كفى في تحقق استطاعته أن يحصل له من النفقة ما يسافر به من مكة إلى المشاعر فيؤدي مناسكه ثم يعود إلى مكة، وإذا اتفق ان كان في المدينة مثلا أو في بلده لم تتحقق له الاستطاعة حتى تحصل له نفقة الذهاب إلى مكة وأداء المناسك والعود إلى مكة، وإذا كان من عزمه الرجوع إلى وطنه بعد أداء الحج فلابد له من نفقة العود وهكذا.

[ 196 ]

[ المسألة 407: ] إذا أقام المكي في المدينة أو في غيرها من البلاد البعيده عن مكة بقصد المجاورة لا بقصد التوطن فيها لم يتغير حكمه الذي تقدم ذكره في المسألة الثلاثمائة والسادسة والتسعين وان استمرت مجاورته في ذلك البلد سنين متعددة، كما إذا سكنه للتجارة أو للدراسة أو لبعض الاعمال، فإذا حصلت له استطاعة الحج في ذلك البلد وأراد أن يحج حجة الاسلام وجب عليه أن يحج قارنا أو مفردا، وتراجع المسألة الاربعمائة والثانية. [ المسألة 408: ] إذا أقام البعيد النائي في مكة للمجاورة لا للتوطن وكان مستطيعا للحج قبل مجاورته فيها، أو حصلت له إستطاعة الحج في مكة وقبل أن تنقضي له في مجاورته سنتان وجب عليه أن يحج متمتعا كما ذكرنا قريبا، فإذا أراد الحج وجب عليه أن يخرج إلى أحد المواقيت التي عينها الرسول صلى الله عليه وآله لاحرام الحجاج من أهل البلاد البعيدة، فيحرم بعمرة التمتع منه، والاحوط استحبابا أن يخرج إلى الميقات الخاص الذي عينه الرسول صلى الله عليه وآله لاحرام أهل بلده، فإذا كان من أهل المدينة خرج إلى مسجد الشجرة، وإذا كان من أهل نجد خرج إلى العقيق وإذا كان من أهل الشام خرج إلى الجحفة وهكذا، والاحوط استحبابا كذلك أن يجدد نية الاحرام والتلبية في أدنى الحل عند وصوله إليه. وإذا لم يمكنه الخروج إلى بعض المواقيت لضيق الوقت أو لبعض الاعذار المانعة، فلا يترك الاحتياط بأن يخرج إلى ما يمكنه الخروج إليه في طريق الميقات خارج الحرم، فيحرم من ذلك الموضع،

[ 197 ]

فإن لم يقدر أحرم من أدنى الحل وإلا خرج إلى ما يمكنه، فإن لم يتمكن من الخروج أصلا أحرم من موضعه. ويجري الحكم الذي ذكرناه في المسألة في كل من يكون في مكة من الواردين إليها إذا أراد حج التمتع، سواء كان حجه مندوبا أم واجبا فعليه الخروج إلى أحد المواقيت والاحرام منه وتجري جميع التفاصيل التي ذكرناها، وكذلك المكي على الاحوط إذا أراد التمتع في حج مندوب أو منذور فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم منه، ثم يجدد نية الاحرام والتلبية في مكة إذا دخلها على الاحوط أيضا. [ المسألة 409: ] تنقسم العمرة إلى عمرة مفرده عن الحج وعمرة يتمتع بها إلى الحج، وتنقسم ايضا إلى عمرة واجبة وعمرة مندوبة، وتنقسم العمرة الواجبة إلى واجبة في أصل شريعة الاسلام وواجبة بالعارض بسبب نذر أو يمين أو عهد أو إجارة أو شرط في ضمن عقد. [ المسألة 410: ] تجب العمرة في أصل الشريعة على كل مكلف تكمل فيه شروط الوجوب وشروط الاستطاعة، وشروط الوجوب والاستطاعة في العمرة هي بذاتها شروط الوجوب والاستطاعة في الحج، وقد تقدم بيانها في الفصل الثاني والفصل الثالث، فإذا اجتمعت الشروط المعتبرة كلها وجبت العمرة على المكلف مرة واحدة في حياته ولا يجب تكرارها، ووجب الاتيان بها فورا على الاحوط، كما هو الحكم في الحج سواء بسواء، وإذا لم تتوفر الشروط في المكلف كانت العمرة مندوبة في الشريعة إذا لم يوجبها المكلف على نفسه بنذر أو شبهه.

[ 198 ]

[ المسألة 411: ] تقدم منا في أول هذا الفصل أن كل مكلف تبعد داره عن المسجد الحرام بثمانية واربعين ميلا إذا هو استطاع الحج وكملت له شروطه وجب عليه ان يحج البيت متمتعا، ولا يجزيه في فرضه غير حج التمتع، والمعنى الواضح لهذا الحكم أن العمرة الواجبة على المكلف المستطيع البعيد عن مكة هي عمرة التمتع، فهي ترتبط بالحج ولا تنفصل عنه، ويرتبط بها الحج كذلك ولا ينفصل عنها، وقد علمنا أن المكلف لا يجب عليه في الشريعة أكثر من عمرة واحدة، فإذا اتى بحج التمتع تاما فقد امتثل فرض الحج وفرض العمرة معا. واللازم الصريح لهذا الحكم أيضا ان استطاعة المكلف البعيد عن مكة للحج هي عين استطاعته للعمرة فلا يكون مستطيعا للحج إذا لم يكن مستطيعا للعمرة. وهذا هو المقدار الملعوم من وجوب العمرة على البعيد النائي من المكلفين، فلا تجب عليه العمرة المفردة إذا استطاع لها ولم يستطع للحج، ولا تجب عليه العمرة المفردة لنفسه إذا حج أجيرا عن غيره بعد أن يتم حج النيابة، أو اعتمبر أجيرا عن غيره كذلك بعد أن يتم عمرة النيابة وان كان مستطيعا للعمرة بعد أن دخل مكة، والاحوط استحبابا الاتيان بها في الفروض المذكورة. [ المسألة 412: ] الحج والعمرة للمكلف من أهل مكة وتوابعها نسكان يستقل أحدهما عن الآخر ولا يرتبط به، ولذلك فلا يشترط في وجوب العمرة عليه أن يكون مستطيعا للحج والعمرة معا كما في عمرة التمتع على البعيد، فإذا استطاع للحج وحده ولم يستطع للعمرة وجب عليه

[ 199 ]

الحج وحده ولم تجب عليه العمرة، وإذا استطاع للعمرة وحدها ولم يستطع للحج وجبت عليه العمرة ولم يجب عليه الحج. [ المسألة 413: ] يعتبر في الاستطاعة لوجوب العمرة المفردة على المكلف من أهل مكة وتوابعها كل ما اعتبرناه في الاستطاعة للحج حتى الرجوع إلى كفاية، وتخلية السرب، والصحة في البدن، من غير فرق بينهما، وتراجع المسائل المتعلقة بالاستطاعة في الفصل الثالث. [ المسألة 414: ] تجب العمرة المفردة على المكلف إذا نذرها وكان قادرا على الوفاء بها، فينعقد نذره ويلزمه اتباع ما ذكره في صيغة نذره من إطلاق أو تعيين، فإذا نذر لله أن يعتمر عمرة مطلقة ولم يعين لها وقتا ولا وصفا، كفاه أن يأتي بالعمرة كما نذر، وأمكن له أن يؤخرها ما شاء، ما لم يظن الموت أو فوت الواجب أو يؤدي التأخير إلى التهاون بحكم الشرع، وإذا نذر أن يعتمر في شهر رجب مثلا أو في وقت آخر راجح وجب عليه ان يفي بالنذر حسبما عين، وتجب العمرة أيضا إذا أوجبها على نفسه بيمين أو عهد أو اجارة أو بشرط على نفسه في ضمن العقد، ويتبع ما حدده كذلك من إطلاق أو تقييد. [ المسألة 415: ] تجب العمرة المفردة بإفساد عمرة سابقة عليها، فإذا أحرم المكلف بعمرة واجبة أو مندوبة وجامع زوجته أو غيرها قبل أن يتم طوافه وسعيه فسدت عمرته بذلك، ولا يترك الاحتياط بأن يتم العمرة التي أفسدها، ووجب عليه أن ينحر بدنة كفارة لما فعل،

[ 200 ]

سواء كان الجماع قبل طواف العمرة أم في أثنائه أم بعده أم في أثناء السعي وقبل أن يتمه، ووجب عليه أن يقيم في مكة حتى ينقضي الشهر الذي أفسد فيه عمرته ويخرج بعده إلى أحد المواقيت ويحرم منه بعمرة مفردة، وسيأتي بيان حكم مثل هذا إذا وقع في عمرة التمتع في المسألة الستمائة والرابعة والسبعين، ويراجع ما بعد المسألة المذكورة في حكمه إذا جامع بعد السعي وقبل أن يتم طواف النساء. [ المسألة 416: ] الاحرام شرط شرعي في جواز دخول مكة، فلا يجوز للمكلف أن يدخلها وهو محل غير محرم، والاحرام عبادة شرعية لا يمكن حصولها شرعا الا إذا وقعت جزءا في حج أو عمرة، ولذلك كله فإذا أراد المكلف أن يدخل مكة في غير أيام الحج، فلابد وأن يكون دخوله بعمرة مفردة، ولا يحل له بدون ذلك، ولا يترك الاحتياط لمن أراد الدخول إلى الحرم خاصة ولا يريد دخول مكة، بأن يكون محرما بعمرة مفردة أيضا ويستثنى من ذلك ما إذا دخل مكة محرما بحج أو بعمرة وأتم نسكه فيها ثم خرج منها، فيجوز له أن يدخلها بغير إحرام بعد ذلك إذا لم ينقض الشهر الذي أوقع فيه إحرامه الاول، وإن تكرر الدخول منه مرارا وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، وتستثنى من ذلك الحطابة والحشاشة والرعاة والجصاصة والحجارة ومن ينقل الميرة إلى البلد ويتخذ ذلك مهنة له، فيتكرر دخوله وخروجه إلى مكة بسبب ذلك فيجوز لهؤلاء دخولهم بغير إحرام، ولا يلحق بهم في الحكم من يتكرر دخوله وخروجه من مكة لغير ذلك، كالتلاميذ والمدرسين والعمال وغيرهم.

[ 201 ]

[ المسألة 417: ] إذا أحرم الانسان بحج واجب عليه أو مندوب ففاته الحج ولم يتمكن من ادراكه لبعض الطوارئ والاحداث التى أوجبت له ذلك وجب عليه أن يتحلل من إحرامه بعمرة مفردة. [ المسألة 418: ] تستحب العمرة المفردة ففي الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الحجة ثوابها الجنة، والعمرة كفارة لكل ذنب)، وعن الامام الرضا (ع): (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)، ويتأكد استحباب العمرة في شهر رجب على غيره من بقية الاشهر، فعن النبي صلى الله عليه وآله: (أفضل العمرة عمرة رجب)، وعن أبي عبد الله (ع): (المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء وأفضل العمرة عمرة رجب)، وعنه (ع): (إذا أهل بالعمرة في رجب وأحل في غيره كانت عمرته لرجب، وإذا أهل في غير رجب وطاف في رجب فعمرته لرجب)، وفي حديث عنه (ع) أنه سئل عن رجل أحرم في شهر وأحل في آخر فقال: (يكتب في الذي قد نوى، أو يكتب له في أفضلهما)، ويتأكد بعده استحبابها في شهر رمضان، ويستحب تكرارها ففي الخبر عن الامام الصادق (ع) قال: (في كتاب علي (ع) في كل شهر عمرة)، وعن اسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (ع): السنة اثنا عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة، ويستحب أن يعتمر ماشيا، ففي الخبر عن علي بن جعفر قال: خرجنا مع أخي موسى (ع) في أربع عمر يمشي فيها إلى مكة بأهله وعياله واحدة منهن مشى فيها ستة وعشرين يوما، وأخرى خمسة وعشرين يوما، وأخرى أربعة وعشرين يوما، وأخرى أحد وعشرين يوما.

[ 202 ]

[ المسالة 419: ] الظاهر من قول المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في الاحاديث التي تقدم بعضها: في كل شهر عمرة أو لكل شهر عمرة: أن العمرة وظيفة خاصة في الشهر تترتب عليها بعض الآثار الشرعية، فيتأكد على المكلف استحباب العمرة في كل شهر، وإذا أتى المكلف بها جاز له أن يدخل مكة محلا بعدها مرة أو مرارا ما دام الشهر الذي اعتمر فيه، ولا يفتقر فيه إلى إحرام بعمرة جديدة، وإذا أتم المكلف عمرة التمتع ثم خرج من مكة إلى بعض النواحي لضرورة أحوجته إلى الخروج، ورجع إلى مكة قبل انتهاء شهر عمرته لم يفتقر إلى عمرة تمتع أخرى وكفته عمرته الاولى، وإذا أفسد المكلف عمرته المفردة بالجماع قبل أن يتم السعي في العمرة وجب عليه أن يقيم في مكة حتى يخرج شهر عمرته الفاسدة ويعتمر في الشهر المقبل، وهذه كلها أحكام خاصة لعمرة الشهر ثبتت لادلتها الخاصة، وقد سبق ذكر بعضها، وأما أن المكلف لا يشرع له أن يأتي بعمرة مفردة ثانية في الشهر إذا كان قد اعتمر فيه عمرة مفردة قبلها، فلا دلالة في الاحاديث المذكورة على ذلك، ولا دلالة لها على اعتبار الفصل بشهر بين العمرتين لتكون مقيدة للمطلقات الدالة على استحباب العمرة. وأما خبر علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي الحسن (ع) الدال على أن في كل عشرة أيام عمرة، فالظاهر ضعف سنده ولذلك فلا يصلح أن يكون مقيدا للمطلقات المذكورة، وإذا فرضنا سلامة سنده فسبيله الاحاديث المعتبرة التي تقدم الكلام فيها.

[ 203 ]

وعلى وجه الاجمال فتستحب العمرة بعد العمرة وان لم يفصل بينهما فاصل من الايام، ويتأكد استحبابها إذا اعتمر المكلف عمرته الاولى في شهر هلالي ثم أعتمر الثانية في شهر هلالي بعده، وأقل منه تأكدا أن يفصل ما بينهما بعشرة ايام. [ المسألة 420: ] يجوز بل يستحب للانسان أن يأتي بعمرة مفردة بعد أن يتم أعمال الحج، سواء كان حجه تمتعا أم قرانا أم افرادا، فعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن المعتمر بعد الحج، قال: إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن.

[ 204 ]

[ الفصل التاسع ] [ في صور أنواع الحج على نحو الاجمال ] [ المسألة 421: ] النوع الاول من الحج حج التمتع وهو أفضل أنواعه جميعا، وهو كما قلنا في أول الفصل الثامن فريضة كل مكلف تبعد داره عن مكة المكرمة بثمانية وأربعين ميلا فأكثر إذا استطاع إلى الحج سبيلا، وهو يتألف من نسكين مترتبين يرتبط أحدهما بالآخر ولا يسقط الفرض عن المكلف الا بالاتيان بهما معا على الترتيب الشرعي بينهما، ووفقا للشروط المعتبرة فيهما وفي أعمالهما. [ المسألة 422: ] النسك الاول من هذا النوع هو عمرة التمتع وتجب فيها خمسة أعمال: (الاول): أن يحرم المكلف من أحد المواقيت الآتي ذكرها بعمرة التمتع لحج التمتع، وأن يكون احرامه في أحد أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. (الثاني): أن يأتي مكة بعد الاحرام فيطوف بالبيت الحرام سبعة أشواط طواف العمرة. (الثالث): أن يصلي بعد ذلك في مقام ابراهيم ركعتين صلاة الطواف، (الرابع): أن يسعى بعدهما بين الصفا والمروة سبعة أشواط سعي العمرة.

[ 205 ]

(الخامس): أن يقصر فيأخذ شيئا من شعره، أو يقلم شيئا من أظفاره، فإذا فعل ذلك حل من احرامه، وجاز له أن يأتي بأي عمل حرم عليه بسبب الاحرام، ولا يحل له أي شئ حرم عليه بسبب الحرم، وسيأتي تفصيل ذلك (ان شاء الله تعالى). [ المسألة 423: ] لا يجب على المكلف طواف النساء في عمرة التمتع على الاقوى، والاحوط استحبابا ان يأتي به بعد السعي وقبل التقصير وأن يكون الاتيان به برجاء المطلوبية. [ المسألة 424: ] النسك الثاني من هذا النوع هو الحج، وقد يطلق عليه بالخصوص إسم حج التمتع، وتجب فيه ثلاثة عشر عملا: (الاول): أن يحرم بحج التمتع من مكة، والافضل أن ينشئ احرامه في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، ويكفيه أن يحرم في وقت يمكن معه ان يدرك الوقوف بعرفات في اليوم التاسع حين الزوال. (الثاني): أن يقف في عرفات من زوال الشمس في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى غروب الشمس منه، ويراد بالوقوف في الموضع المذكور: أن يكون فيه جميع المدة المذكورة على ما سيأتي بيانه، وعرفة موضع يقع في طريق مكة إلى الطائف وعلى بعد أربعة فراسخ من مكة. (الثالث): أن يبيت ليلة العاشر من ذي الحجة في المزدلفة عند المشعر

[ 206 ]

الحرام ويقف فيها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم الاضحى، والمزدلفة واد يقع ما بين عرفة ومكة قبل أن يصل إلى منى. (الرابع): أن يرمي جمرة العقبة في يوم الاضحى، وتقع العقبة في آخر وادي منى مما يلي مكة. (الخامس): أن يذبح هديه إذا كان من البقر أو الغنم، وينحره إذا كان من الابل، وهو الواجب الثاني من واجبات منى في يوم العيد. (السادس): أن يحلق شعره أو يأخذ من طول شعره أو يقلم أظفاره على التفصيل الاتي ذكره وهو الواجب الثالث منها، فإذا أتم هذه الاعمال حل له جميع ما حرمه الاحرام عليه ما عدا الطيب والنساء، وما عدا الصيد أيضا، وهو من محرمات الحرم فلا يحل له مادام فيه. [ المسألة 425: ] يتخير المكلف بعد ان يتم أعمال منى في يوم العيد بين أن يعود إلى مكة فيأتي بأعمالها في ذلك اليوم وأن يؤخرها إلى اليوم الثاني، ويجوز له أن يؤخرها إلى ما بعد ايام التشريق، والافضل ان يأتي بها في يومه، والاحوط استحبابا أن لا يؤخرها عن اليوم الثاني. [ المسألة 426: ] (السابع): من واجبات حج التمتع ان يطوف بالبيت إذا رجع إلى مكة كما ذكرنا طواف الحج سبعة اشواط.

[ 207 ]

(الثامن): أن يصلي صلاة الطواف وهي ركعتان خلف المقام. (التاسع): أن يسعى بين الصفا والمروه سبعة أشواط، فإذا أتم سعيه حل له الطيب. (العاشر): أن يطوف بالبيت طواف النساء سبعة أشواط. (الحادي عشر): أن يصلي بعده صلاة الطواف وهي ركعتان خلف المقام، فإذا أتمهما حلت له النساء. (الثاني عشر): أن يبيت في منى ليالي التشريق وهي ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر إذا كان قد اتقى النساء والصيد في أيام احرامه فلم يرتكب منها شيئا، وإذا كان قد خالف ولم يتق وجب عليه ان يبيت ليلة الثالث عشر أيضا، وسيأتي تفصيل ذلك. (الثالث عشر): أن يرمي الجمار الثلاث في منى في كل من اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث عشر أيضا إذا بات ليلته في منى، فإذا أتم الاعمال الثلاثة عشر المذكورة بعد عمرة التمتع على الوجه المطلوب صح حجه تمتعا وبرئت ذمته من التكليف به إذا كان واجبا. [ المسألة 427: ] يشترط في صحة حج التمتع ان تتوفر فيه عدة أمور: (الاول): النية، وهي أن يقصد المكلف الاتيان بهذا النوع الخاص من الحج متقربا به إلى الله، ويكفيه ان يقصد الاتيان بمجموعة الاعمال

[ 208 ]

الخاصة التي أمره الله بها على وجه الاجمال وان لم يعلم بها على التفصيل في وقت النية، وموضع النية هو أول احرامه بالعمرة من الميقات، فإذا قال في ذلك الوقت: أحرم بعمرة التمتع في حج الاسلام - مثلا - حج التمتع قربة إلى الله، ثم تابع أعماله في العمرة والحج على هذه النية أجزأه ذلك وهذه المتابعة الاجمالية للنية في الاعمال هي الاستدامة الحكمية للنية التي يشترطها الفقهاء في صحة كل عبادة حتى تتم أجزاؤها، وقد تقدم ذكرها في الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات. [ المسألة 428: ] إذا اعتمر الشخص عمرة مفردة حتى أتمها كذلك، وكانت عمرته في أشهر الحج جاز له ان يعود بعدها إلى أهله، وجاز له أن يجعل عمرته المفردة التي أتي بها عمرة تمتع ويبقى في مكة ويحج بعدها حج تمتع، وإذا أقام بعد عمرته المفردة في مكة إلى هلال ذي الحجة استحب له ان يجعلها عمرة تمتع ويحج بعدها حج تمتع، وإذا أقام في مكة إلى ايام الحج ويوم التروية تأكد له استحباب ذلك، وإذا حج بعدها متمتعا كفاه ذلك في جميع الصور المذكورة إذا كان حجه مندوبا، ولا يكفيه على الاصح إذا كان الحج واجبا عليه لاستطاعة أو نذر أو غير ذلك لعدم نية حج التمتع من أول الامر، وانما يصح مندوبا للادلة الخاصة المحمولة على ذلك. [ المسألة 429: ] يظهر من بعض الروايات الواردة في المسألة المتقدمة أن عمرته المفردة التي أتى بها ثم أقام بعدها إلى ايام الحج تنقلب بنفسها إلى عمرة تمتع، وهو مشكل فيتعين حمل تلك الاخبار على أن المكلف ينوي التمتع بالعمرة المتقدمة فيجعلها عمرة تمتع كما ذكرنا.

[ 209 ]

[ المسألة 430: ] (الشرط الثاني): أن يكون كل من عمرة التمتع وحجه في أشهر الحج، وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة، فلا يصح إذا وقعت العمرة أو وقع بعضها قبل هذه الاشهر، فإذا أحرم بالعمرة في آخر يوم من شهر رمضان مثلا كانت عمرة مفردة، ولم يجز له ان يتمتع بها إلى الحج، وان وقعت بقية أعمالها في شهر شوال. [ المسألة 431: ] (الحج أشهر معلومات)، - كما تقول الاية الكريمة - وكما دلت عليه أحاديث عديدة من السنة، ولذلك فأشهر الحج الثلاثة كلها - ومنها شهر ذي الحجة - أشهر هلالية كاملة على الاصح، وليست شهرين وبضعة أيام من الشهر الثالث كما يراه بعض الفقهاء، وان لم يصح عقد الاحرام لعمرة التمتع بعد يوم التروية من شهر ذي الحجة، لعدم اتساع الوقت لهذه العمرة، أو لعدم بقاء وقتها لحضور أيام الحج، وسيأتي أن بعض أعمال الحج يجوز الاتيان به إلى آخر شهر ذي الحجة، ومن أجل ذلك قال بعض الاكابر: إن النزاع في هذه المسألة لفظي لا أثر له. [ المسألة 432: ] إذا اعتمر الانسان في غير اشهر الحج، وقصد بعمرته التمتع بها إلى الحج لم تصح عمرة تمتع كما قلنا آنفا، ويشكل الحكم بصحتها عمرة مفردة كما يراه بعض العلماء لانه لم ينو العمرة المفردة، وخبر أبي جعفر الاحول وخبر سعيد الاعرج اللذان اعتمد عليهما القائلون بالصحة من العلماء غير واضحي الدلالة على ذلك، فلا يترك الاحتياط بأن يتم المكلف عمرته المذكورة برجاء المطلوبية، ولا يكتفي بها إذا كانت عليه عمرة واجبة.

[ 210 ]

[ المسألة 433: ] (الشرط الثالث): أن يوقع المكلف عمرة التمتع وحجه كليهما في سنة واحدة، وهذا هو القول المشهور بين الاصحاب (قدس الله أرواحهم)، وما ذكروه لهذا الشرط من الادلة كلها قابلة للمناقشة، ولكن اعتضاد بعض هذه الادلة ببعض والاحتياط يقتضي اشتراط ما ذكروه، ولذلك فلا يصح للمكلف أن يأتي بعمرة التمتع في سنة ويأتي بحجه في سنة أخرى بعدها، وان أقام بمكة إلى العام الثاني حتى أدى الحج فيه، وسواء أحل من احرام عمرته بعدما أتمها أم بقي محرما حتى أتم عمرته في السنة الثانية وحج فيها، ولا يصح له أن يأتي بعمرة التمتع للحج في آخر ذي الحجة ويأتي بالحج في أيام الحج المقبلة، وان لم تفصل ما بينهما سنة كاملة. [ المسألة 434: ] (الشرط الرابع): أن يكون احرام المكلف بحج التمتع من مكة نفسها، والمراد بها مكة الاصلية، فيكفيه ان يحرم في أي محلة شاء من محلاتها القديمة، أو شعب من شعابها، أو شارع من شوارعها، أو مسجد من مساجدها، ولا يجزيه ان يحرم في المحلات والاحياء الجديدة التي أضيفت إليها بعد الاتساع. وأفضل مواضع مكة للاحرام منه هو المسجد الحرام، وأفضله مقام ابراهيم أو حجر اسماعيل، وفي بعض النصوص ما بين الركن والمقام. وإذا تعذر على المتمتع أن يحرم بحجه من مكة لضيق الوقت عليه، أو لبعض الطوارى التي أوجبت له التعذر أحرم من الموضع الذي يتمكن منه، ويجب عليه أن يختار الموضع الاقرب إلى مكة

[ 211 ]

فالاقرب، فيرجع إليه ويحرم منه مع الامكان. [ المسألة 435: ] إذا أحرم المكلف بحج التمتع من غير مكة مختارا متعمدا في ذلك وقع احرامه باطلا، فيجب عليه ان يعود إلى مكة ويجدد الاحرام فيها، ولا يكفيه ان يعود إلى مكة وهو محرم من غير ان يجدد الاحرام فيها وإذا لم يعد إلى مكة أو لم يجدد الاحرام وحج بإحرامه الاول كان حجه باطلا. وإذا ضاق عليه الوقت عن الرجوع فلم يعد إلى مكة لضيق الوقت، وجدد احرامه بعد ذلك في الموضع الذي يمكنه صح احرامه وحجه، وان كان آثما عاصيا بتركه الاحرام في مكة مختارا. [ المسألة 436: ] إذا أحرم بحج التمتع من غير مكة جاهلا أو ناسيا، ثم علم بالحال أو تذكره بعد احرامه، وجب عليه ان يعود إلى مكة ويجدد احرامه فيها إذا أمكن له ذلك، ولا يصح احرامه ولا حجه بغير ذلك، فإن لم يتمكن من الرجوع وجب عليه أن يحرم من المكان الذي يمكنه الاحرام فيه، وان كان في عرفات نفسها ويصح حجه بذلك، ويجب عليه أن يختار الاقرب إلى مكة فالاقرب مع الامكان كما سبق في نظيره. [ المسألة 437: ] (الشرط الخامس): يعلم من مجموع الادلة والنصوص الواردة في حج التمتع ان العمرة والحج في هذا النوع من الحج وان كانا عبادتين تنفرد كل واحدة منهما عن الاخرى باحرام وأعمال خاصة بها، الا انهما مشتبكتان مترابطتان، لا تنفك احداهما عن الاخرى، وقد شبك الرسول صلى الله عليه وآله أصابعه وقال: (دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم

[ 212 ]

القيامة) وتكرر هذا القول من خلفائه المعصومين (ع). ومن النتائج الواضحة لذلك: ان لا يقوم بهذا العمل الواحد شخصان فيأتي احدهما بعمرة التمتع وحدها، ويأتي الثاني بحج التمتع وحده وان كانا في عملهما نائبين عن شخص واحد، فإن هذا التفكيك بين أجزاء العمل الواحد المترابط الاجزاء غير مشروع، أو هو مشكوك الشرعية في الاسلام على أقل الاحتمالات، ولا يصح ان يقوم بحج التمتع شخص واحد فيأتي بعمرة التمتع بالنيابة عن أحد ويأتي بحج التمتع بالنيابة عن شخص آخر. [ المسألة 438: ] ورد في الخبر عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع)، في رجل تمتع عن امه وأهل بحجه عن ابيه؟ قال (ع): (ان ذبح فهو خير له، وان لم يذبح فليس عليه شئ لانه انما تمتع عن أمه، وأهل بحجه عن أبيه)، والرواية غير ظاهرة الدلالة على خلاف الحكم الذي ذكرناه في المسألة الماضية، فمن المحتمل القريب ان الرجل قد أتي بعمرة مفردة عن أمه قبل الحج ثم أتي بحجة مفردة بعدها عن أبيه ومن أجل ذلك فلا يجب عليه الهدي كما قال له الامام (ع) في الجواب، لانه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج، وليس المراد ان الرجل أتى بعمرة التمتع عن أمه وأتى بحج التمتع عن أبيه، فالرواية غامضة الدلالة على ذلك. وأما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتع، فقال (ع): نعم المتعة له والحج عن أبيه، فهي أكثر غموضا وأخفى دلالة على ذلك، فإن الراوي يسأل الامام عمن يحج عن أبيه أيجوز له أن يعتمر لنفسه عمرة مفردة قبل حجه عن أبيه أو بعده، فقال له الامام: نعم يجوز له ذلك، وتكون العمرة له والحجة لابيه، وهي غير ما نحن فيه، أو يسأله عمن يحج

[ 213 ]

عن أبيه وهو ميت أيجوز له أن يحج عن أبيه حج التمتع مع ان الميت لا يتلذذ بالاحلال بين الاحرامين؟، فقال الامام له: نعم، يجوز له ذلك ويكون التمتع والتلذذ بين الاحرامين له وحج التمتع كله لابيه، وعلى كلا الاحتمالين فلا دلالة في الصحيحة على أن تكون عمرة التمتع للرجل وحج التمتع لابيه. [ المسألة 439: ] إذا اعتمر الانسان عمرة التمتع وجب عليه البقاء في مكة بعد الاحلال من العمرة، ولم يجز له الخروج من مكة حتى يأتي بحج التمتع، وإذا دعته إلى الخروج منها حاجة وجب عليه أن يحرم بالحج قبل خروجه، ثم يخرج إلى حاجته وهو محرم حتى يعود إلى مكة ويأتي بالحج، وإذا لم يتمكن من العود إلى مكة مضى من وجهه إلى عرفات والمشاعر ليؤدي الحج فلا يفوته. ولا فرق في حرمة خروج المتمع من مكة بين ان يكون خروجه إلى جهة تبلغ المسافة الشرعية الموجبة لقصر الصلاة أو تزيد عليها أو تنقص عنها، إذا كان ذهابه إلى ذلك الموضع يعد خروجا عن مكة، فلا يجوز له ذلك، ولا بأس بالذهاب أو التردد أو السكنى في المواضع التي تعد من بلد مكة عرفا، ولا يعد الذهاب إليها خروجا عن مكة في نظر العقلاء، ولا اعتبار بأقوال المتسامحين والمتهاونين في الحدود من الناس. [ المسألة 440: ] إذا خرج المكلف من مكة بعد احلاله من عمرة التمتع عامدا من غير عذر ولم يحرم بالحج، كان عاصيا آثما بخروجه كذلك، ولا تبطل عمرته ومتعته بمجرد ذلك، وإذا كان جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه، فإذا رجع إلى مكة بعد خروجه منها، فإن كان رجوعه إليها قبل ان ينقضي الشهر الهلالي الذي أتم عمرته فيه كفته عمرته تلك،

[ 214 ]

ولم يفتقر في دخوله إلى مكة ولا في صحة حجه إلى استئناف عمرة اخرى وان كان رجوعه إلى مكة بعد أن انقضى شهر عمرته ودخل شهر هلالي آخر وجب عليه أن يأتي بعمرة تمتع اخرى، وعليه ان يحرم بها من أحد المواقيت، ولم تكفه عمرته السابقة في جواز دخوله إلى مكة، ولا في صحة حجه متمتعا، فإذا دخل مكة محلا كان آثما بدخوله كذلك وإذا حج متمتعا بانيا على متعته الاولى كان حجه باطلا. [ المسألة 441: ] إذا خرج المتمتع من مكة بعد احلاله من العمرة وقبل الاحرام بالحج لعذر أو لغير عذر - كما فرضنا في المسألة الماضية - وأراد الرجوع إلى مكة بعد انقضاء الشهر الهلالي لعمرته، وقد تعذر عليه العود من موضعه إلى الميقات ليحرم منه بعمرة ثانية يدخل بها إلى مكة، أو كان رجوعه إلى الميقات موجبا للعسر والحرج الشديد الذي لا يتحمل، فإن لم يتضيق عليه وقت الحج وعلم انه إذا بقي في موضعه مدة اخرى ارتفع عذره وأمكن له ان يعود إلى الميقات ويحرم منه من غير عسر ولا مشقة، وجب عليه الصبر في موضعه حتى يرتفع العذر ويأتي بالواجب ويدخل مكة، وان يئس من ذلك أو ضاق عليه وقت أدراك الحج، رجع بالمقدار الذي يمكن له من طريق الميقات وأحرم من ذلك الموضع بالعمرة ودخل مكة محرما معتمرا متمتعا، وان لم يقدر أحرم من موضعه، ولعلنا نتعرض لنظير هذه المسألة في مبحث أحكام المواقيت. [ المسألة 442: ] إذا أحل المتمتع من عمرة التمتع وعرضت له حاجة دعته إلى الخروج من مكة إلى بعض النواحي القريبة أو البعيدة عنها ولم يكن يعلم بها من قبل، جاز له الخروج إلى موضع حاجته بعد أن يحرم

[ 215 ]

من مكة بالحج كما بينا في بعض المسائل المتقدمة، ويكفي في جواز ذلك ان تعرض له حاجة عادية لمثله تدعوه إليه ولا يشترط ان تكون ضرورة لابد منها أو يكون فقدها موجبا للعسر أو الحرج. فإذا أحل المقاول مثلا من عمرة التمتع ودعته الحاجة الطارئة إلى الخروج إلى منى أو إلى المشعر أو إلى عرفات لارتياد أمكنة لحجاجة ونصب خيام لهم، جاز له ان يخرج لذلك بعد أن يحرم بالحج، وكذلك إذا عرضت له الحاجة أن يخرج إلى جدة لاستقبال الحجاج، أو ان يسافر إلى المدينة لترحيلهم الى مكة، أو تيسير أمر سفرهم واحرامهم، وان كان له من ينوب عنه في ذلك. وهذا كله إذا عرضت له الحاجة بعد احلاله من العمرة ولم يكن يعلم بها قبل اعتماره، وإذا علم قبل احرامه بعمرة التمتع بأنه يحتاج إلى الخروج من مكة بعد العمرة أشكل الحكم لذلك. ويمكن للمقاول وشبهه إذا كان يعلم قبل الاعتمار بأن الحاجة تدعوه إلى الخروج بعد عمرته، أن يحرم أولا بعمرة مفردة يدخل بها إلى مكة، ثم يخرج بعد الاحلال منها إلى حوائجه، فإذا أنجزها عاد إلى مكة، وإذا فرغ خرج إلى الميقات وأحرم بعمرة التمتع وخرج بعدها إلى الحج. [ المسألة 443: ] إنما يجوز للمتمتع ان يخرج من مكة بعد احلاله من العمرة، لطروء الحاجة الداعية إلى ذلك إلى لم يخف فوات الحج بخروجه، فيحرم بالحج ويخرج لحاجته محرما كما تكرر ذكره، وإذا خاف فوات الحج بذلك لم يجز له، ولا يجوز لمن تمتع بالعمرة إلى الحج ان يترك الحج اختيارا، أو يفعل ما يؤدي الى تركه، وان كان الحج مندوبا.

[ 216 ]

[ المسألة 444: ] إذا اتفق ان عرضت للمكلف المتمتع ضرورة لابد له منها إلى الخروج من مكة، كما إذا أمره الحاكم بشئ ولم يمكنه التأخير، أو طرأت له حاجة يلزمه العسر أو الحرج إذا فقدها، وكان الاحرام بالحج من ذلك الحين يوجب له العسر والحرج الشديد ايضا، جاز له الخروج محلا من غير احرام، فإذا رجع إلى مكة بعد خروجه منها اتبع الاحكام التي مر ذكرها، فإذا كان رجوعه قبل ان ينقضي شهر العمرة دخل مكة محلا، وإذا كان رجوعه بعد انقضاء الشهر وجب عليه ان يحرم من الميقات بعمرة ثانية للتمتع، لانفصال عمرته الاولى. [ المسألة 445: ] تجري الاحكام الانف ذكرها في حج التمتع سواء كان واجبا على المكلف أم مندوبا، ولا يختلفان في شئ عدا ما سيأتي استثناؤه، فالصورة الاجمالية لحج التمتع المندوب هي الصورة الاجمالية التي ذكرناها للحج الواجب، والاعمال فيه هي الاعمال التي عددناها في أول هذا الفصل، والشروط فيه هي الشروط، وإذا أتم المتمتع في الحج المندوب عمرته وأحل من احرامها حل له كل شئ حرمه عليه احرامها إلى ان يحرم بعدها بالحج من مكة كما في التمتع الواجب، وحرم عليه كذلك ان يخرج من مكة حتى يحج، وإذا طرأت له حاجة تدعوه إلى الخروج من مكة بعد احلاله من العمرة لم يخرج الا إذا أحرم بالحج، إلى غير ذلك من الاحكام التي بسطنا ذكرها في المسائل الماضية. والفارق الاول بين حج التمتع الواجب والمندوب في النية، فإذا أراد المكلف ان يأتي بحج التمتع المندوب قصد عند احرامه بالعمرة من الميقات: انه يحرم بعمرة التمتع للحج المندوب حج التمتع قربة إلى الله، ثم يتابع أعمال العمرة وأعمال الحج على هذه النية، وقد سبق

[ 217 ]

ذكر النية في الحج الواجب في المسألة الاربعمائة والسابعة والعشرين. والفارق الثاني بينهما في الحكم، في ما إذا خرج المكلف من مكة بعد عمرة التمتع وهو محل غير محرم بالحج، ثم عاد بعد انتهاء شهر العمرة، فإذا كان حجه واجبا وجب عليه ان يدخل مكة ليتم حجه، ولذلك فيجب عليه ان يحرم بعمرة ثانية يدخل بها مكة يتمتع بها ثم يحج بعدها، فإن عمرته السابقة قد انفصلت عن الحج شرعا بعد انقضاء شهرها، وقد بينا هذا في ما مضى، وإذا كان حجه مندوبا جاز له بعد خروجه من مكة محلا وانقضاء شهر عمرته ان يرجع إلى وطنه فلا يحج، فإن حجه مندوب حسب الفرض، وعمرته الاولى قد انفصلت عن الحج بعد انقضاء شهرها، فلا حكم لها، ولذلك فلا يكون المكلف مرتهنا بالحج ولا يجب عليه دخول مكة حتى يجب عليه الاعتمار لدخولها، ولكنه إذا تطوع فرجع إلى الميقات وأحرم بعمرة التمتع ثانيا وأتم عمرته الثانية ارتهن بعدها بالحج ووجب عليه ان يحج متمتعا. [ المسألة 446: ] إذا خرج المتمتع من مكة وهو محل بعد عمرته وانقضى شهر العمرة ثم أراد الرجوع بعد الشهر إلى مكة وجب عليه ان يجدد عمرة ثانية كما سبق في المسألة الاربعمائة والاربعين وكانت الثانية هي عمرة التمتع، ولذلك فهو لا يحتاج فيها إلى طواف النساء، وكانت عمرته الاولى بعد الحكم بانفصالها شرعا عن حج التمتع، عمرة مفردة، ولذلك فالاحوط لزوما بل الاقوى انها تفتقر إلى طواف النساء فلا تحل له النساء الا به وعليه ان يأتي به قضاءا بعد ان يتم عمرته الثانية، فإذا أتى بالطواف قبل التقصير في العمرة صح لانه لا يزال محرما، وإذا لم يأت به حتى قصر وأحل من احرامه لم

[ 218 ]

يصح حتى يأتي به وهو محرم باحرام آخر. [ المسألة 447: ] إذا أحرم المكلف بعمرة التمتع ودخل مكة بهذا القصد، فالظاهر حرمة خروجه من مكة حتى يتم متعته ويتم حجه، ولا ريب في ان غالب النصوص الواردة في المسألة انما تعرضت في السؤال والجواب للخروج من مكة بعد اتمام العمرة والاحلال من احرامها، ولذلك لم يتعرض الفقهاء لحكم الخروج في اثناء العمرة ومن تعرض لذلك منهم افتى بجواز الخروج، ولكن الاطلاق في صحيحة حماد بن عيسى يكفي في الدلالة على التحريم، فإن الروايات الاخرى قد دلت على تحريم الخروج بعد اتمام العمرة لان ذلك مورد الفرض في الرواية أو محل السؤال ولم تقيد الحكم بذلك فلا موجب لتقييد الصحيحة الدالة على الحرمة. [ المسألة 448: ] إذا دخل مكة وهو محرم بعمرة التمتع ثم عرضت له ضرورة لابد منها للخروج من مكة في اثناء عمرته أو طرأت حاجة توجب له العسر أو الحرج إذا فقدها جاز له الخروج وهو محرم بالعمرة فإذا قضى حاجته وعاد إلى مكة جاز له دخولها لانه محرم وان طالت مدة احرامه فيتم عمرته ويأتي بالحج بعدها. [ المسألة 449: ] إذا خرج المكلف من اهل مكة أو المجاورين فيها إلى بعض المواضع القريبة أو البعيدة عن مكة ثم أراد الدخول إليها وجب عليه الاحرام بحج أو بعمرة ولم يجز له ان يدخلها محلا، الا إذا كان من الحطابة أو الحشاشة أو الرعاة أو نقلة الميرة إلى البلد الذين يتخذون ذلك عملا ومهنة لهم، إلا إذا كان قد دخل مكة قبل ذلك وهو محرم بحج أو بعمرة تمتع أو بعمرة مفردة وأتم نسكه فيها، ثم خرج منها،

[ 219 ]

فيجوز له ان يدخلها بغير احرام إذا كان دخوله قبل ان ينقضي شهر نسكه السابق، وقد ذكرنا هذا في المسألة الاربعمائة والسادسة عشرة، وقد سبق منا انه لا يعتبر الفصل بين العمرتين بفاصل من الايام، ونتيجة لذلك فيجوز لمن خرج من مكة وأراد الدخول فيها ان يحرم بعمرة جديدة وان لم تفصل بينها وبين عمرته الاولى مدة. [ المسألة 450: ] يجوز للمتمتع ان ينزل في ضواحي مكة التابعة لها عرفا والتي لا يعد الذهاب إليها خروجا من مكة، فإذا أقام بها في اثناء عمرته أو بعد الاحلال منها لم يضره ذلك وجاز له الغدو والرواح إلى منزله فيها وقد تقدم ذكر هذا في المسألة الاربعمائة والتاسعة والثلاثين. [ المسألة 451: ] النوع الثاني من الحج هو حج الافراد، وقد بينا في أول الفصل الثامن ان حج الافراد أو حج القران فريضة كل مكلف يستطيع الحج ممن يكون اهله حاضري المسجد الحرام، وهم اهل مكة نفسها ومن يحيط بها من اهل الضواحي والديار القريبة التي لا تبعد عن المسجد الحرام بستة عشر فرسخا تامة، أو بستة وثمانين كيلومترا ونصفا على وجه التقريب، فيتخير المكلف المستطيع للحج منهم ان يأتي بأي هذين النوعين من الحج اراد، وافضلهما هو حج القران. وقد سبق ايضا ان الحج في كل من النوعين ينفرد عن العمرة ولا يرتبط بها في العمل ولا في الاستطاعة ولا في التكليف، فإذا استطاع المكلف للحج وحده وجب عليه ولم تجب عليه العمرة، وإذا استطاع للعمرة وحدها وجبت عليه ولم يجب الحج، وإذا استطاع لهما معا وجب عليه كل واحد منهما على انفراده ولم تتوقف صحته على ان يأتي بالآخر.

[ 220 ]

[ المسألة 452: ] أعمال حج الافراد بذاتها هي اعمال حج التمتع ما عدا الهدي فإنه غير واجب في حج الافراد وقد تقدم تعداد الاعمال في المسألة الاربعمائة والرابعة والعشرين وما بعدها وذكرها هنالك يغنينا عن التكرار. [ المسألة 453: ] يشترط في صحة حج الافراد أولا النية كما تشترط في غيره من العبادات، وهي كما قلنا في نظيره ان يقصد المكلف الاتيان بالنوع الخاص من الحج متقربا به إلى الله وموضعها عند الاحرام به، ويكفي ان يقصد الاتيان بالاعمال على وجه الاجمال كما ذكرنا في حج التمتع وان يجري على مقتضى نيته هذه حتى يتم الاعمال وتراجع المسألة الاربعمائة والسابعة والعشرون. ويشترط فيه ثانيا ان يكون الاتيان باحرامه واعماله في اشهر الحج، فلا يصح إذا احرم به قبل اشهر الحج وان بقي على احرامه في مكة أو في غيرها حتى أتم الحج في ايامه، ويشترط فيه ثالثا ان يحرم به من احد المواقيت الآتي ذكرها أو من دويرة اهله إذا كانت أقرب إلى مكة من الميقات على ما يأتي بيانه في فصل المواقيت. [ المسألة 454: ] إذا استطاع المكلف من حاضري المسجد الحرام للحج والعمرة في سنة واحدة وجب عليه الاتيان بهما والمبادرة لهما، والاحوط ان يقدم الحج، فإذا أتى بحج الافراد واتمه فالاحوط له لزوما ان يأتي بعده بالعمرة المفردة من ادنى الحل، ولكنها لا ترتبط بالحج كما هو الحكم في عمرة التمتع، فإذا أخرها لغير عذر اثم بتأخيره، وإذا اخرها لعذر لم يأثم ولا يبطل حجه في الصورتين، وتلزمه المبادرة للاتيان بها وهكذا، ولا يشترط في صحتها ان يأتي بها في اشهر

[ 221 ]

الحج. [ المسألة 455: ] النوع الثالث من الحج هو حج القران، وهو الثاني من النوعين اللذين يتخير بينهما المكلف من اهل مكة وتوابعها في الحكم إذا استطاع الحج كما تقدم، واعمال حج القران هي اعمال حج الافراد التي ذكرناها، وشروطه واحكامه هي بذاتها شروط حج الافراد واحكامه. والفارق الاول بينهما هو ان القارن يسوق معه هديا عند احرامه بالحج، فيتعين عليه ان يذبح ذلك الهدي أو ينحره في يوم النحر بمنى، وان المفرد لا يجب عليه الهدي كما قلنا في المسألة الاربعمائة والثانية والخمسين. والفارق الثاني بينهما ان القارن يتخير عند احرامه بالحج بين ان يعقد احرامه باشعار الهدي الذي ساقه معه أو تقليده، وسيأتي بيان المراد منهما، وان يعقد احرامه بالتلبية بعد الاحرام، وان المفرد يتعين عليه ان يعقد احرامه بالتلبية خاصة. والفارق الثالث بينهما ان القارن لا يجوز له بعد انعقاد احرامه ان يعدل من الحج إلى عمرة التمتع سواء كان حجه واجبا أم مندوبا، وان الحاج المفرد إذا دخل مكة وكان احرامه بحج مندوب، يصح له ان يعدل عن حج الافراد إلى عمرة التمتع إذا كان قبل الوقوف بعرفات، فيتم نسكه عمرة تمتع ثم يحرم بعدها بحج التمتع. [ المسألة 456: ] الاشعار هو ان يشق القارن سنام البدنة التي يسوقها معه هديا عند احرامه، فيقوم عن جانبها الايسر وهي معقولة ويشق سنامها من جانبه الايمن ويلطخ صفحته بالدم، ويختص الاشعار

[ 222 ]

بالهدي إذا كان من الابل، ولا يجري فيه إذا كان من البقر أو الغنم، والتقليد ان يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى فيه، ويجوز التقليد في كل من الابل والبقر والغنم، وستأتي بقية الاحكام في فصل الاحرام. [ المسألة 457: ] يفترق حج التمتع عن حج الافراد وحج القران في عدة جهات: الفارق الاول: يشترط في عمرة التمتع وحجه ان يكونا متصلين فيجب ان يقعا في اشهر الحج من سنة واحدة وقد تكرر منا ذكر هذا، ولا يعتبر ذلك في حج الافراد وحج القران مع العمرة المفردة حتى إذا استطاع المكلف للحج والعمرة في عام واحد وقد اوضحنا هذا من قبل وتراجع المسألة الاربعمائة والرابعة والخمسون، وحكم حج القران في هذا وفي غيره حكم حج الافراد. الفارق الثاني: يشترط في صحة عمرة التمتع وفي صحة حجه ان يأتي المكلف بالعمرة قبل الحج وفي عامه كما قلنا ولا يشترط ذلك في حج الافراد والقران مع العمرة المفردة، فيصح كل من الحج والعمرة إذا أتي المكلف به منفردا عن الآخر أو مقدما عليه أو متاخرا عنه. الفارق الثالث: يجب في حج التمتع ان يكون الاحرام به من مكة نفسها، ويجب في حج الافراد وفي حج القران ان يكون الاحرام بهما من أحد المواقيت الآتي ذكرها أو من دويرة أهل المكلف إذا كانت أقرب من المواقيت إلى مكة. الفارق الرابع: يجب على المكلف في حج التمتع ان ينحر أو يذبح ما استيسر من الهدي، ويجب ذلك على المكلف في حج القران إذا ساق الهدي معه عند احرامه، ولا يجب عليه شئ من ذلك في حج الافراد.

[ 223 ]

الفارق الخامس: لا يجوز للمكلف في حج التمتع ان يقدم الطواف والسعي الواجبين على الوقوف بعرفات والمشعر الحرام ومناسك منى يوم النحر الا إذا كان مضطرا الى التقديم، ويجوز ذلك في حج الافراد وفي حج القران مع الاختيار. [ المسألة 458: ] يجوز للمكلف إذا دخل مكة وهو محرم بحج الافراد أو بحج القران ان يطوف بالبيت طوافا مندوبا قبل ان يخرج إلى الموقفين، والاحوط له ان يجدد التلبية بعد صلاة الطواف، وإذا تكرر منه الطواف فلا يترك الاحتياط بأن يجدد التلبية بعد صلاة كل طواف. والاحوط للمتمتع إذا أحرم بحج التمتع ان لا يطوف بالبيت طوافا مندوبا قبل الموقفين وأعمال منى في يوم النحر وان كان الاقوى جواز ذلك على كراهة. [ المسألة 459: ] إذا أحرم الانسان بحج الافراد وكان حجه مندوبا، جاز له ان يعدل بنيته عن حج الافراد إلى عمرة التمتع، فإذا دخل مكة بعد عدوله طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ثم أحل من احرامه، فإذا حضرت أيام الحج أحرم بحج التمتع وأتم نسكه، وكذلك إذا دخل مكة بعد احرامه بحج الافراد، أو طاف بالبيت بعد دخوله وسعى بين الصفا والمروة، فيجوز له العدول بنيته إلى عمرة التمتع في جميع هذه الصور، فيقصر بعد السعي ويحل من احرامه ويأتي بحج التمتع. ولا يجوز له العدول إلى عمرة التمتع إذا جدد التلبية بعد ان أتم السعي، ولا يجوز له العدول إلى عمرة التمتع وحج التمتع بعد الوقوف بعرفات وان كان قد طاف وسعى قبل الوقوف، ولا يجوز

[ 224 ]

للمكلف ان يعدل إلى عمرة التمتع إذا أحرم بحج القران وساق معه الهدي وان كان حجه مندوبا. [ المسألة 460: ] لا يجوز لمن يحرم بعمرة التمتع ان يعدل بنيته بعد الاحرام بها إلى حج الافراد أو حج القران أو إلى العمرة المفردة، سواء كان ممن يتعين عليه حج التمتع قبل الاحرام أم كان ممن لا يتعين عليه، كما إذا كان حجه مندوبا أو منذورا مطلقا. ويستثنى من ذلك ما إذا ضاق عليه الوقت، فإذا هو أتم عمرة التمتع فاته الحج ولم يدركه، فيجوز له العدول في هذه الصورة بنيته إلى حج الافراد، فإذا أتم اعمال الحج أتى بعده بعمرة مفردة يحرم بها من أدنى الحل، ويتحقق للمكلف ضيق الوقت الذي يفوت بعده الحج ويجوز معه العدول بأن لا يبقى له من الفرصة ما يمكنه ان يطوف فيها ويصلي ركعتي الطواف ويسعى ويحل من احرامه، ثم يحرم بالحج ويدرك مسمى الوقوف بعرفات قبل ان تغرب الشمس من اليوم التاسع، وهو الركن الاختياري من الموقف بعرفات، فإذا ضاق الوقت عن ذلك جاز له العدول، وإذا عدل بنيته إلى حج الافراد وعمل على ما ذكرناه صح حجه وكفاه إذا كان مندوبا، واجزأه في براءة ذمته من التكليف إذا كان واجبا. [ المسألة 461: ] إذا عدل المتمتع بنيته عن عمرة التمتع إلى حج الافراد كما ذكرنا في المسألة السابقة وأتمها حجة مفردة، فإن كانت عمرة التمتع التي عدل عنها واجبة عليه، وجب عليه أن يأتي بعد الحج بعمرة مفردة يأتي بها من ادنى الحل بدلا عن عمرة التمتع التي فاتته، وان كانت مندوبة لم يجب عليه الاعتمار بعد الحج، واستحب له ذلك.

[ 225 ]

[ المسألة 462: ] إذا دخل المتمتع مكة في سعة من الوقت وأكمل عمرة التمتع وأحرم بعدها بحج التمتع في حال السعة، ثم عرض له بعض الموانع حتى فاته الركن من الموقف الاختياري في عرفات كفاه ان يدرك الموقف الاضطراري فيها وسيأتي بيانه ان شاء الله في فصل الوقوف بعرفات، وكذلك إذا عرض له بعض الموانع فلم يتمكن من الاحرام بحج التمتع في حال السعة وامكن له ان يحرم بالحج بعد الوقت الاختياري فيجب عليه ان يبادر فيحرم بالحج ويدرك الموقف الاضطراري ويجزيه ذلك عند العذر. [ المسألة 463: ] إذا كان المكلف ممن يتعين عليه في حج الاسلام ان يأتي بحج التمتع، وهو البعيد الذي لا يكون اهله حاضري المسجد الحرام، وعلم قبل احرامه بأن الوقت ضيق لا يقدر فيه على اتمام عمرة التمتع وأدراك الموقف الاختياري في الحج، لم يجز له ان يحرم من أول الامر بحج الافراد، فإنه غير وظيفته التي تتعين عليه ولا يكون حكمه حكم من طرأ له العذر بعد الاحرام، فإن كان الوقت متسعا أو لا ولكن المكلف اخر الاحرام باختياره حتى ضاق الوقت استقر الحج في ذمته ووجب عليه الاتيان به في العام المقبل، وان كان الوقت ضيقا منذ البداءة فلا يمكنه الاحرام الا في الوقت الضيق، فالظاهر سقوط الفرض عنه لعدم قدرته على حج التمتع، وأما حج الافراد أو القران فإنما هو فرض القريب. [ المسألة 464: ] إذا أحرم المكلف بعمرة التمتع في سعة من الوقت، ودخل مكة كذلك، ولكنه اخر الطواف والسعي لعمرته عامدا مختارا حتى ضاق الوقت، وأصبح اتمام العمرة غير ممكن غير ممكن له لانه يفوت عليه الحج

[ 226 ]

بفوات الركن الاختياري من وقت عرفات، فالظاهر وجوب العدول عليه إلى حج الافراد واتمامه كذلك وان كان آثما عاصيا بتأخيره افعال العمرة باختياره. [ المسألة 465: ] إذا دخل المكلف المتمتع مكة واعتقد ان الوقت واسع يستطيع ان يتم فيه اعمال عمرته ويحل منها ثم يحرم بعدها للحج ويدرك الموقف، فأتم طوافه وسعيه بهذا القصد، ثم استبان له انه مخطئ في اعتقاده وقد فاته الموقف الاختياري بعرفات، فالظاهر بطلان طوافه وسعيه وانه باق على احرامه الاول، ولذلك فيجب عليه ان يعدل بنيته إلى حج الافراد وان يبادر لادراك الموقف الاضطراري في عرفات في ليلة العاشر، فإن لم يقدر على ادراكه ادرك الموقف الاختياري في المشعر الحرام، وبذلك يصح حجه مفردا، وعليه أن يأتي بعمرة مفردة بعد فراغه من الحج إذا كان حج التمتع واجبا عليه. [ المسألة 466: ] إذا احرمت المرأة بعمرة التمتع وهي حائض أو نفساء، وقدمت مكة وهي كذلك وجب عليها ان تنتظر، فإن هي طهرت من حدثها في سعة من الوقت اغتسلت ثم طافت بالبيت طواف العمرة وسعت وأحلت من احرامها، ثم أحرمت بحج التمتع في موعده، وان استمر بها الدم حتى ضاق الوقت ولم يمكن لها الطواف لتتم العمرة، وجب عليها ان تعدل بنيتها إلى حج الافراد وتخرج إلى المشاعر لتؤدي المناسك، فإذا تم الحج وجب عليها ان تعتمر عمرة مفردة إذا كانت عمرة التمتع واجبة عليها، وكفاها حج الافراد والعمرة المفردة اللذان أتت بهما عما في ذمتها من حج التمتع وعمرته، والمدار على ان تدرك الركن من الوقوف الاختياري

[ 227 ]

كما ذكرنا في ما تقدم. [ المسألة 467: ] إذا احرمت المرأة بعمرة التمتع وهي طاهرة، ثم حاضت أو نفست بعد الاحرام، أو بعد دخول مكة وقبل الاتيان باعمال العمرة، وجب عليها ان تنتظر، فإن طهرت من حدثها قبل اوان الحج اغتسلت واتت باعمال عمرتها كما تقدم، ثم أحرمت بالحج في موعده، وان استمر بها الدم حتى ضاق عليها الوقت، تخيرت على الاقوى بين ان تعدل بنيتها إلى حج الافراد فتخرج إلى عرفات والمشاعر وتتم اعمال الحج وتأتي بعده بعمرة مفردة كما سبق في المسألة الماضية، وان تغتسل وتحتشي، ثم تسعى بين الصفا والمروة وتقصر وتحل من احرام العمرة، وتحرم بعدها بحج التمتع فإذا طهرت من حدثها بعد اعمال منى اغتسلت وطافت طواف عمرة التمتع اولا، ثم طافت طواف حج التمتع ثانيا وسعت سعي الحج، وطافت طواف النساء، والاحوط استحبابا لها ان تختار العدول إلى حج الافراد. [ المسألة 468: ] إذا حاضت المرأة المتمتعة في اثناء طوافها بعمرة التمتع ولم تتجاوز نصف الطواف وهو ثلاثة اشواط ونصف بطل طوافها على الاصح، ووجب عليها الخروج من المسجد، فإن كانت في سعة من الوقت وجب عليها ان تتربص حتى تطهر من حدث الحيض وتغتسل وتستأنف طوافها من اوله وتتم اعمال العمرة وتحل منها، ثم تحرم بعدها بحج التمتع، وان ضاق عليها الوقت ولم تطهر من الحيض، تخيرت - كما قلنا في المسألة الماضية - بين ان تعدل بنيتها إلى حج الافراد وتعتمر بعده عمرة مفردة، وبين ان تسعى بين الصفا والمروة، وتقصر فتحل من العمرة ثم تحرم لحج التمتع

[ 228 ]

كما فصلنا في المسألة المشار إليها، وقد قلنا: ان الاحوط لها ان تختار العدول الى حج الافراد. [ المسألة 469: ] إذا حاضت المرأة المتمتعة بعد ان تجاوز النصف من طواف عمرة التمتع، وجب عليها أن تحفظ عدد الاشوط التي قطعتها، والموضع الذي انقطع فيه طوافها، وان تخرج من المسجد، فإن كانت في سعة من الوقت صبرت حتى تطهر من الحيض، فإذا اغتسلت منه وجب عليها ان تتم طوافها بالبيت سبعة اشواط من الموضع الذي قطعته، ثم تصلي صلاة الطواف وتسعى وتقصر، وتحرم بعد ذلك بحج التمتع، وان ضاق عليها الوقت من قبل ان تطهر من الحيض، وجب عليها ان تسعى بين الصفا والمروة ثم تقصر، وتحرم بعده بالحج، فإذا طهرت من الحيض بعد مناسك منى مضت إلى مكة، واتمت ما نقص من طواف العمرة من الموضع الذي قطعته حين حاضت وصلت الطواف ثم طافت بعده طواف الحج وصلت صلاته وسعت سعي الحج وطافت بعده طواف النساء. [ المسألة 470: ] إذا اكملت المرأة المتمتعة طواف العمرة سبعة أشواط ثم حاضت قبل ان تصلي صلاة الطواف، وجب عليها ان تخرج من المسجد، فإذا كان الوقت واسعا انتظرت حتى تطهر من الحيض فإذا هي اغتسلت من حدثها صلت صلاة الطواف ثم سعت واتمت اعمال العمرة واحرمت بعدها بالحج، وإذا كان الوقت ضيقا أخرت صلاة الطواف وسعت بين الصفا والمروة واتمت العمرة واحرمت للحج، فإذا طهرت بعد اعمال منى اغتسلت ومضت إلى البيت وصلت صلاة طواف العمرة أولا وطافت طواف الحج وسعت له، وطافت

[ 229 ]

طواف النساء.

[ 230 ]

[ الفصل العاشر ] [ في المواقيت ] [ المسألة 471: ] المواقيت المبحوث عنها في كتاب الحج هي المواضع الخاصة التي عينت في الشريعة لاحرام المسلمين بالحج وبالعمرة أو بأحدهما خاصة، ومجموع ما يذكره الفقهاء من هذه المواضع عشرة: الاول: ذو الحليفة، ويسميه عامة الناس في هذه الاعصار (آبار علي)، وقد أطلق عليه في بعض النصوص اسم الشجرة، ولا يختص موضع الاحرام بمسجد الشجرة نفسه على الاقوى، فيصح الاحرام من خارجه مما يسمى بالشجرة وبذي الحليفة، وان كان الاحرام من المسجد الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وآله وأحرم فيه أفضل بل وأحوط، ولكنه لا يتعين وخصوصا لذوي الاعذار كالحائض والمريض في أوقات الازدحام وشبه ذلك، ولا تلحق الزيادة التي أضيفت إلى المسجد بالمسجد الاصلي في الفضيلة، ويصح الاحرام منها وأداء صلاة الاحرام فيها. وذو الحليفة ميقات وقته الرسول صلى الله عليه وآله لاهل المدينة ولكل من يمر عليها في طريقه إلى مكة في حج أو عمرة من أهل الامصار الاخرى، وان كان لاهل مصره ميقات آخر قد عينه الرسول صلى الله عليه وآله لهم إذا مروا به في طريق بلادهم الخاص إلى مكة.

[ 231 ]

[ المسألة 472: ] يمر الحجاج والمعتمرون من أهل المدينة وأهل الامصار الذين يحجون أو يعتمرون من طريق المدينة بذي الحليفة وبالجحفة وهي الميقات الثالث الذي سيأتي ذكره، ولا يجوز لهم على الاقوى أن يؤخروا الاحرام من ذي الحليفة إلى أن يصلوا إلى الجحفة إذا كانوا مختارين في ذلك غير معذورين، ويجوز ذلك لمن اضطر إليه لمرض أو ضعف يمنعه من تقديم الاحرام، وكذلك إذا لزمه ضرر شديد أو حرج لا يتحمل عادة من الاحرام من الشجرة، فيجوز له تأخير الاحرام إلى الجحفة، ولا يتعدى في الحكم بالجواز إلى الموانع الاخرى كالحر والبرد والمطر وشبه ذلك إذا لم يلزم منها ضرر أو حرج كما ذكرنا. [ المسألة 473: ] لا يتعين على الحاج أو المعتمر من أهل المدينة أن يسلك في سفره إلى مكة طريق أهل المدينة المعروف، فيجوز له أن يسلك طريقا آخر لا يمر بمسجد الشجرة أو يحج ويعتمر من بلد آخر فيحرم من ميقات ذلك البلد، وكذلك الحجاج والمعتمرون من أهل الامصار إذا دخلوا المدينة وأرادوا السفر إلى مكة من غير طريق المدينة، عدا ما يأتي استثناؤه في المسألة الآتية، وإذا دخل الحاج أو المعتمر المدينة ومر بالشجرة ثم أراد العدول إلى طريق آخر غير طريق المدينة فلا يترك الاحتياط بأن يحرم من الشجرة ثم يخرج محرما إلى أي طريق أراد فلا يجتاز الشجرة الا وهو محرم. [ المسألة 474: ] يستثنى من الحكم المتقدم من دخل المدينة من حجاج الامصار وأقام فيها شهرا أو نحوه وهو يريد الحج ثم بدا له أن يسلك في سفره إلى مكة غير طريق مسجد الشجرة فيجب عليه أن

[ 232 ]

يحرم عند محاذاة مسجد الشجرة في البيداء على ستة أميال من المدينة كما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان. [ المسألة 475: ] قد ذكرنا أن ميقات ذي الحليفة لا يختص بمسجد الشجرة. بل يعم الموضع كله، وان كان الاحرام من المسجد الذي أحرم فيه الرسول صلى الله عليه وآله أفضل، ولذلك فيصح للحائض والنفساء والجنب الذي لا يمكنه الاغتسال لمرض وشبهه أو لا يجد الماء ليغتسل به ولا يمكنه التيمم، يصح لهؤلاء جميعا ولغيرهم أن يحرموا من خارج المسجد، ويمكن للحائض والنفساء والجنب أن يحرموا من المسجد نفسه في حال الاجتياز في داخله والعبور منه، والاجتياز هو أن يدخل الانسان من أحد أبواب المسجد ويخرج من باب آخر من غير مكث ولا تردد ولا طواف في المسجد، فيدخل الجنب المعذور والحائض فيه ويعقدان احرامهما ويهلان بالحج أو بالعمرة وهما مجتازان من غير صلاة. [ المسألة 476: ] الثاني من مواضع الاحرام: العقيق، وهو واد واحد مستطيل جدا أو عدة أو دية متصلة قد عقها السيل أي شقها وأنهرها ووسعها -، كما يقول بعض اللغويين في وجه تسميته بالعقيق -، وسيله يصب في غور تهامة، وهذا الموضع ميقات وقته الرسول صلى الله عليه وآله لاهل العراق وأهل نجد ومن يحج أو يعتمر على طريقهما من أهل الامصار الاخرى. وأول هذا الميقات من جهة العراق ونجد، موضع يقال له المسلخ وأوسطه غمرة وآخره ذات عرق، والافضل للمكلف أن يحرم من المسلخ، والاحوط أن لا يؤخر احرامه إلى ذات عرق الا إذا اقتضته ضرورة أو تقية، وان كان الاظهر جواز ذلك كما هو المشهور.

[ 233 ]

[ المسألة 477: ] إذا لم يعلم المكلف بحدود الميقات الذي يحرم منه أخر احرامه حتى يعلم بدخوله في الميقات الشرعي، ويجوز له أن يقدم احرامه عليه بالنذر. [ المسألة 478: ] إذا اقتضت خصوصية ملزمة من التقية أن يؤخر الرجل احرامه إلى ان يصل إلى ذات عرق جاز له أن يحرم سرا من المسلخ، فينزع ثيابه ويلبس ثوبي الاحرام ويعقد احرامه ويلبي سرا، ثم ينزع الثوبين ويلبس ثيابه حتى يصل ذات عرق فينزع ثيابه ويظهر احرامه ويجهر بتلبيته، ويلزمه الفداء على الاحوط للبس المخيط، وقلت: إذا اقتضت ذلك خصوصية ملزمة من التقية، لان ظاهر مذاهب الجمهور أنهم متفقون على جواز تقديم الاحرام قبل الميقات، ولذلك فلابد وأن تكون التقية في المورد لا تتأدى الا بذلك. [ المسألة 479: ] الثالث من المواضع المعينة للاحرام: الجحفة بالجيم ثم الحاء، وهو منزل بين مكة والمدينة يقرب من رابغ، ويقول بعض اللغويين: هي قرية كانت جامعة فأجحف بها السيل، ومن أجل ذلك سميت جحفة، وقد أصبحت خربة غير آهلة وتسمى المهيعة، وهي موضع وقته الرسول لاحرام أهل الشام وأهل مصر والمغرب، ومن يحج أو يعتمر على طريقهم إلى مكة من أهل البلاد الاخرى. [ المسألة 480: ] الظاهر أن الجحفة غير معروفة المعالم في الوقت الحاضر، وان حددها بعضهم بأنها تقرب من رابغ، أو بأنها تقع بين بدر وخليض، وبأنها على سبع مراحل من المدينة، وعلى ثلاث مراحل من

[ 234 ]

مكة، وانها مرحلة تكون بين قديد والابواء. وقد قال في ملحق كتاب أخبار مكة للازرقي: الجحفة في طريق الساحل الشمالي من الحجاز، والجحفة مندثرة اليوم، ويحرم الحاج في الوقت الحاضر من رابغ، ولا اعتبار ولا غناء بجميع ذلك في تعيين الموضع أو تعيين موضع محاذاته، وحتى إذا أخبر بعض سكان تلك النواحي بشئ فلا دليل على اعتبار قوله، فانه انما يعتمد على أمور حدسية أو ظنية لا تغني شيئا، ولذلك فلابد للحاج أو المعتمر من أن يقصد أحد المواقيت الاخرى فيحرم منه، أو يقدم احرامه على الجحفة بالنذر، الا إذا حصل له العلم بموضع الميقات من تلك الاقوال، أو من قرائن أخرى أو حصل له العلم بمحاذاته. وقد ورد من طرق الشيعة ومن طرق سائر المسلمين في حديث الغدير المتواتر بينهم: أن الرسول صلى الله عليه وآله لما رجع من حجة الوداع وبلغ الجحفة جمع المسلمين عند الظهيرة أو بعد صلاة الظهر وخطب فيهم خطبته المعروفة، والتي قال فيها: من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وبمقتضى هذه الاحاديث أن مسجد الغدير الموجود - الذي يذكره كثير من الثقاة المترددين في طريق المدينة - من الجحفة، وقد ورد أيضا في جملة من تلك الاحاديث أن الغدير قبل الجحفة بثلاثة أميال، وعلى هذا فلا يكون مسجد الغدير من الجحفة وان كان قريبا منها، وبعد، فالنصوص المذكورة ليست واردة في مقام بيان هذه الجهة فلا يستفاد منها تعيين موضع الجحفة، وقد جمع العلامة الثقة الاميني (قدس سره) من هذه الاحاديث ما يغني عن غيره في كتاب الغدير فليرجع إليه من أراد.

[ 235 ]

[ المسألة 481: ] الرابع من مواضع الاحرام: يلملم، وهو جبل يكون على مرحلتين في طريق مكة إلى صنعاء، والمرحلة الاولى بعد مكة هي الملكان كما يقول المؤرخ اليعقوبي في كتاب البلدان، والثانية هي يلملم، ويسمى في الايام الحاضرة السعدية، وهو ميقات عينه الرسول صلى الله عليه وآله لاهل اليمن، ومن يحج أو يعتمر على طريقهم من أهل البلاد الاخرى. [ المسألة 482: ] الخامس من مواقيت الاحرام: قرن المنازل، وهي قرية تتبع مدينة الطائف تعرف بهذا الاسم، وهي ميقات وقته الرسول صلى الله عليه وآله لاحرام الحجاج والمعتمرين من أهل الطائف ومن يحج أو يعتمر على طريقهم إلى مكة من أهل البلاد الاخرى، ولا يختص الميقات بالجبل الموجود في القرية ولا بالمساجد التي بنيت على الجبل أو في القرية، فيصح الاحرام من أي موضع يكون من القرية المعروفة بهذا الاسم. [ المسألة 483: ] السادس من مواضع الاحرام: مكة المكرمة، وهي ميقات للاحرام بحج التمتع الواجب منه والمندوب، سواء كان المتمتع من أهل الامصار البعيدة أم القريبة، ويختص الميقات بمكة الاصلية ولا يعم المحلات والاحياء في مكة الجديدة، فلا يصح للمكلف الاحرام فيها، وقد بينا هذا مفصلا في المسألة الاربعمائة والرابعة والثلاثين فليرجع إليها. [ المسألة 484: ] السابع من مواضع الاحرام: من كان من المكلفين منزله الذي يتوطنه أقرب إلى مكة من

[ 236 ]

الميقات، فميقاته منزله، فإذا أراد الحج أو العمرة أحرم من منزله وخرج إلى نسكه في مكة أو في عرفات، ويجوز له أن يخرج إلى أحد المواقيت الاخرى فيحرم منه ولا يحرم من منزله. [ المسألة 485: ] إذا كان منزل الرجل أقرب إلى مكة من الميقات، وكان في طريقه إلى مكة ميقات آخر أقرب إليها من منزله لم يكفه أن يحرم من منزله، ووجب عليه أن يحرم من الميقات الذي يكون في طريقه إذا وصل إليه، ومثال ذلك: أن يكون منزل الرجل بعد مسجد الشجرة وقبل الجحفة، فلا يكون ميقاته دويرة أهله، بل يخرج من منزله محلا حتى يصل الجحفة فيحرم منها أو يخرج إلى العقيق أو غيره من المواقيت فيحرم منه. [ المسألة 486: ] إذا كان ميقات الرجل دويرة أهله فأحرم منها وخرج إلى مكة كفاه احرامه كما ذكرنا، ولا يجب عليه تجديد الاحرام إذا اتفق له أن مر بعد الاحرام ببعض المواقيت لبعض الحاجات. [ المسألة 487: ] لا يترك الاحتياط للمكلف من أهل مكة إذا هو أراد الاحرام بحج الافراد أو القران أن يخرج من مكة إلى الجعرانة، فيحرم منها ثم يعود إلى مكة، ويجدد احرامه وتلبيته في مكة نفسها، وكذلك من سكن مكة من أهل الامصار البعيدة وقصد التوطن فيها، ومن أقام فيها بقصد المجاورة وتمت له فيها سنتان أو أكثر، فيكون حكمهما حكم أهل مكة، ويلزمهما الاحتياط المذكور، وإذا أقام فيها بقصد المجاورة ولم تكمل له سنتان، وأراد الاحرام بحج الافراد أو القران خرج كما ذكرنا إلى الجعرانة وأحرم منها، ولم يحتج إلى تجديد احرامه في مكة، وقد بينا حكم أهل مكة والمقيمين فيها إذا أرادوا

[ 237 ]

حج التمتع في المسألة الاربعمائة والثامنة وسيأتي ذكر ميقاتهم في العمرة المفردة. [ المسألة 488: ] الجعرانة بكسر الجيم والعين وتشديد الراء ويخففها بعضهم، موضع في طريق الحجاج المقبلين من العراق، وهي تبعد عن مكة بخمسة عشر كيلومترا، وقد نزلها الرسول صلى الله عليه وآله بعد رجوعه من الطائف في غزوة حنين، وقسم فيها غنائم الغزوة، وأحرم منها للعمرة في شهر ذي القعدة سنة ثمان للهجرة، وعلى رأس هذا الموضع تقع أنصاب الحرم من هذه الجهة، وتسمى هذه الانصاب المستوفرة وتبلغ سعة الحرم من هذه الجهة تسعة أميال من مكة. وفي صحيحة أبي الفضل قال: كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله (ع): من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من الجعرانة، أتاه في ذلك المكان فتوح، فتح الطائف وفتح خيبر والفتح. [ المسألة 489: ] الثامن من مواضع الاحرام: فخ، أو بطن مر، أو العرج، أو الجحفة، وهو ميقات خاص بالاطفال والصبيان الذين يخشى أولياؤهم عليهم من الحر أو البرد إذا أحرموا بهم من مسجد الشجرة، فيؤخرون الاحرام بهم إلى أن يصلوا إلى أحد هذه المواضع، ويتخيرون منها ما ترتفع به الضرورة بحسب الزمان وحال الطفل. وفخ واد معروف قريب من مكة ويقع في مدخلها من طريق جدة، وبين وادي فاطمة وطريق التنعيم، ويعرف أيضا بالشهداء، ولعله اشارة إلى واقعة فخ المشهورة التي قتل فيها الحسين بن علي بن الحسن شهيد فخ، وبطن مر موضع في مر الظهران، ويسمى مر

[ 238 ]

الظهران في الايام الحاضرة وادي فاطمة، والعرج موضع يكون على أقل من سبع مراحل من المدينة ويكون قبل الجحفة. [ المسألة 490: ] ذهب بعض الاجلة من العلماء (قدس الله أسرارهم) في المسألة السابقة إلى عدم الفرق بين الصبيان وغيرهم في الميقات، فيتعين عندهم على ولي الصبي إذا أراد الاحرام به أن يحرم به من الميقات، نعم، يجوز له أن يؤخر تجريده من الثياب المخيطة إلى أن يصل إلى فخ، أو إلى أحد المواضع الاخرى التي مر ذكرها، وحملوا النصوص الواردة في المسألة على ما يقولون، وبعض هذه النصوص صريح في أن المراد تأخير الصبيان في الاحرام إلى هذه المواضع وبعضها ظاهر فيه ولا موجب لحملها على ما ذهب إليه هؤلاء الاجلة، ونتيجة لذلك، فإذا أحرم الولي بالصبي من الميقات وأخر تجريده من الثياب إلى فخ أو غيره وجب عليه الفداء للبس المخيط. [ المسألة 491: ] التاسع من مواقيت الاحرام: الموضع الذي يحاذي المكلف فيه أحد المواقيت الخمسة الاولى الآنف ذكرها، وهي ذو الحليفة، والعقيق، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وموضع المحاذاة ميقات للحاج والمعتمر الذي لا يمر في طريقه بأحد المواقيت المذكورة، فإذا بلغ إلى موضع يحاذي فيه أحد المواقيت أحرم من ذلك الموضع. ويراد من موضع المحاذاة: المكان الذي إذا استقبل المكلف فيه القبلة كان الميقات موازيا له في نظر أهل العرف على يمينه أو على يساره ولا يعتبر فيه الموازاة بالدقة العقلية، ولذلك فيعتبر في المحاذاة أن يكون الميقات قريبا من موضع المكلف كما إذا كان بينه فرسخان أو ثلاثة أو نحو ذلك، ولا تكفي موازاته إذا كان الفاصل

[ 239 ]

بينهما كثيرا، فان الموازي للشئ مع البعد الكثير عنه لا يكون محاذيا له عرفا. [ المسألة 492: ] يشترط في صحة احرام المكلف من الموضع المذكور أن يحصل له العلم بمحاذاة الموضع للميقات، أو تشهد له بها بينة عادلة، أو يحصل له الاطمئنان الكامل بها من القرائن والامارات الموجبة للاطمئنان، فلا يصح الاحرام إذا لم تتوفر له هذه الامور، ويمكنه أن ينذر الاحرام قبل الميقات، فيصح بذلك احرامه في جميع الفروض ويتخلص من الاشكال. [ المسألة 493: ] إذا سافر المكلف إلى مكة للحج أو العمرة في طريق يحاذي فيه ميقاتين أو أكثر وجب عليه أن يحرم عند محاذاة أولهما، ومثال ذلك: أن يخرج من المدينة على طريق البيداء، فيحاذي مسجد الشجرة والجحفة، فيجب عليه أن يحرم عند محاذاة مسجد الشجرة، ولا يجوز له تأخير احرامه إلى ان يحاذي الجحفة، وكذلك إذا خرج على طريق يحاذي فيه الجحفة والعقيق، فيجب عليه الاحرام عند محاذاة أول الميقاتين وأبعدهما عن مكة، وإذا كان الميقات الاول بعيدا لا تحصل معه المحاذاة العرفية لبعده أحرم عند محاذاة الميقات الثاني، وكذلك إذا شك في صدق المحاذاة عرفا، فيؤخر احرامه إلى أن يحاذي الميقات الثاني، ويمكنه أن ينذر الاحرام في موضع الشك ويتخلص من الاشكال. [ المسألة 494: ] إذا أحرم الشخص للحج أو العمرة عند محاذاة الميقات عرفا على النهج الذي فصلناه، صح احرامه وكفاه، وان أمكن له أن يذهب إلى الميقات نفسه فيحرم منه، وصح احرامه وكفاه وان كان

[ 240 ]

يمر في طريقه بميقات آخر بعد ذلك، وان كان الاحوط في هذه الصورة ان يجدد إحرامه وتلبيته عند وصوله إلى الميقات الثاني. [ المسألة 495: ] إذا قطع المكلف بأنه قد بلغ إلى موضع يحاذي فيه الميقات محاذاة عرفية، فأحرم بالحج أو بالعمرة، ثم ظهر له بعد ذلك إنه قد أخطأ في الاعتقاد وإنه أحرم قبل المحاذاة، كان احرامه باطلا، فإذا ظهر له ذلك وهو في موضع المحاذاة وجب عليه أن يجدد احرامه في موضعها ولا يعتد باحرامه السابق، وكذلك إذا استبان له ذلك قبل أن يصل إلى موضع المحاذاة، فعليه أن يجدد الاحرام إذا وصل إلى الموضع، وإذا انكشف له إنه قد أحرم قبل المحاذاة بعد أن تجاوز موضع المحاذاة، وجب عليه أن يرجع إلى موضع المحاذاة ويحرم منه إذا أمكن له الرجوع إليه، فان لم يمكنه الرجوع إليه وجب عليه أن يجدد إحرامه في موضعه الذي هو فيه، ولا يعتد باحرامه الاول في جميع الصور. وكذلك الحكم إذا شهدت له البينة بانه قد حاذى الميقات، فأحرم اعتمادا على قول البينة، ثم علم بخطأ قول البينة، فتجب عليه اعادة احرامه على التفصيل الآنف بيانه، ونظيره ما إذا حصل له الاطمئنان بالمحاذاة لقول بعض الخبراء أو لبعض القرائن فأحرم، ثم تبين له خطأ ذلك فتجب عليه اعادة الاحرام على نهج ما سبق ذكره. [ المسألة 496: ] إذا حصل له العلم بمحاذاة الميقات، أو شهدت له بها البينة أو حصل له الاطمئنان بها لبعض القرائن الموجبة - كما فرضنا في المسألة المتقدمة - فأحرم بالحج أو بالعمرة من ذلك الموضع، ثم تبين له خطأ ذلك وانه قد تأخر في احرامه عن موضع المحاذاة الصحيح،

[ 241 ]

فان كان بعد تبين الخطأ له قادرا على الرجوع إلى موضع المحاذاة للميقات وجب عليه أن يرجع إلى الموضع ويجدد الاحرام فيه، وان لم يستطع العود بالفعل نظر في حاله المتقدم في وقت احرامه، فان كان في ذلك الوقت قادرا على الذهاب إلى الميقات والاحرام منه فلم يذهب إليه وأحرم من الموضع الذي اعتقد بمحاذاته كان احرامه السابق باطلا، ولذلك فيجب عليه أن يجدد الاحرام في موضعه الذي هو فيه، وان كان في وقت احرامه لا يقدر على الوصول إلى الميقات كان احرامه من ذلك الموضع صحيحا وان تبين له أنه أحرم بعد تجاوز موضع المحاذاة، ولذلك فلا يجب عليه أن يجدد الاحرام. [ المسألة 497: ] إذا تحققت للمكلف المحاذاة العرفية للميقات على الوجه الذي بيناه في كيفيتها وما يعتبر فيها وما يثبتها صح له الاحرام من ذلك الموضع، سواء كان الطريق الذي يسلكه في البر ام في البحر، بل ويصح احرامه في الجو إذا أحرز وهو في الطائرة أنه قد حاذى الميقات محاذاة عرفية، وأمكن له الاحرام من موضع المحاذاة، ولا يعتبر في هذه الحالة أن يكون الميقات عن يمينه أو يساره إذا استقبل مكة، بل يكفي أن يوازي الميقات من أعلى. [ المسألة 498: ] إذا سافر الانسان إلى مكة للحج أو العمرة في طريق لا يمر فيه على المواقيت ولا يحاذي شيئا منها وجب عليه أن يقصد أحد المواقيت الشرعية فيحرم منه، وإذا تعذر عليه الوصول إلى أحدها والى موضع يحاذي فيه بعضها، وجب عليه أن يرجع في طريق الميقات ما أمكنه الرجوع فيحرم من الموضع الذي يمكنه الوصول إليه، فإذا تعذر عليه ذلك أحرم من أدنى الحل، وسيأتي في فصل أحكام المواقيت، حكم من ترك الاحرام من الميقات جاهلا أو ناسيا،

[ 242 ]

وتذكره بعد ذلك، أو كان غير قاصد للنسك ثم قصده بعد ذلك. [ المسألة 499: ] العاشر من مواضع الاحرام: أدنى الحل، وهو ميقات للاحرام بالعمرة المفردة التي يأتي بها الانسان بعد حج الافراد أو حج القران، وهو ميقات للعمرة المفردة للواردين إلى مكة حجاجا أو معتمرين بعد أن يتموا نسكهم، ثم يريدون الاحرام بعمرة مفردة، وهو على الاحوط ميقات العمرة المفردة لاهل مكة وأهل الحرم والمجاورين فيها، فإذا أرادوا العمرة المفردة خرجوا إلى أدنى الحل وأحرموا منه على الاحوط. وأما النائي من أهل الامصار فيحرم بالعمرة المفردة من مهل أرضه، أو من أحد المواقيت الاخرى إذا مر به في طريقه إلى مكة، وإذا خرج النائي من أهل الامصار من بلده وهو غير قاصد لعمرة حتى وصل أدنى الحل أو ما يقرب منه ثم بدا له أن يعتمر، أحرم بعمرته من أدنى الحل، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد انتهائه من غزوة حنين من الجعرانة، ومن كان منزله أقرب الى مكة من الميقات أحرم من دويرة أهله. [ المسألة 500: ] أدنى الحل هي الحدود الفاصلة بين الحرم المحيط بمكة المكرمة من جميع جوانبها وبين الخارج عنه، ومن هذه الحدود الحديبية، وهي في الاصل بئر تقع في طريق جده إلى مكة ثم سمي بها الموضع كلها وهي تقع على بعد عشرة أميال من مكة، وفي الحديبية مسجد الشجرة التي وقعت عندها بيعة الرضوان المنوه بها في الكتاب الكريم. ومنها التنعيم وهو موضع يقع في طريق المدينة على ثلاثة أميال من مكة، وفيه مسجد عائشة لما أمر الرسول صلى الله عليه وآله أخاها عبد الرحمن

[ 243 ]

بن أبي بكر أن يخرج بها لتعتمر من هذا الموضع بعد حجة الوداع. ومنها الجعرانة وقد تقدم ذكرها في المسألة الاربعمائة والثامنة والثمانين، وهي تبعد عن مكة بتسعة أميال، وأبعد حدود الحرم عن مكة هي ذات السليم وتقع في طريق عرفات والطائف، وأنصاب الحرم فيها على جبل نمرة، وهي تبعد عن مكة أحد عشر ميلا. ومن حدود الحرم أضاءة لين وهي موضع في طريق اليمن وانصاب الحرم فيها على جبل غراب وهي تبعد عن مكة سبعة أميال، ومنها القطع وهو جبل في طريق نجد والعراق، وأنصاب الحرم على ثنية خل بالقطع وهي أيضا على سبعة أميال، والحدود المذكورة معلومة معروفة بين أهل البلاد ويصح الاحرام من أيها شاء. [ المسألة 501: ] لا يتعين على الحاج أو المعتمر أن يحرم من الميقات الخاص الذي عينه الرسول صلى الله عليه وآله لاهل بلاده، فيجوز له أن يحج على طريق آخر لا يصل فيه إلى ميقات أرضه، وإذا حج أو اعتمر على طريق آخر ومر على ميقات وجب عليه أن يحرم من ذلك الميقات، وإذا حاذى أحد المواقيت محاذاة عرفية وجب عليه الاحرام من موضع المحاذاة. [ المسألة 502: ] إذا نذر الانسان أن يحرم في حجه أو عمرته من ميقات معين وجب عليه أن يحرم من ذلك الميقات الذي عينه، ويستثنى من ذلك ما إذا حج أو اعتمر على طريق يمر فيه بميقاتين، فلا يصح له أن ينذر الاحرام من الميقات الثاني، ومثال ذلك: أن يحج المكلف على طريق المدينة وينذر أن يكون احرامه من الجحفة فيبطل نذره، فقد سبق أنه يجب عليه الاحرام من الميقات الاول وهو ذوالحليفة،

[ 244 ]

ويستثنى من ذلك أن ينذر الاحرام بحج التمتع من أحد المواقيت غير مكة، فلا يصح له ذلك فقد تقدم ان الاحرام بحج التمتع يجب أن يكون من مكة، فإذا نذر الاحرام من غيرها كان نذره باطلا.

[ 245 ]

[ الفصل الحادي عشر ] [ في أحكام المواقيت ] [ المسألة 503: ] لايشرع للحاج ولا للمعتمر أن يحرم قبل أن يصل إلى الميقات، وإذا هو أحرم قبل وصوله إليه لم يصح احرامه ولم يكفه ذلك لحجه أو عمرته، وان مر على الميقات بعد ذلك وهو محرم، بل يجب عليه أن ينشئ احراما آخر بعد وصوله إلى الميقات، ولا يعتد باحرامه الاول. [ المسألة 504: ] تستثنى من الحكم الذي ذكرناه في المسألة السابقة صورتان: الصورة الاولى: أن ينذر المكلف أن يحرم من موضع معين قبل الميقات، فيجب عليه الاحرام من ذلك الموضع وفاءا بنذره سواء كان الموضع الذي نذر الاحرام منه بعيدا عن الميقات أم قريبا منه، فينذر الاحرام من بلده مثلا أو ينذر الاحرام من المدينة قبل أن يصل إلى مسجد الشجرة، وسواء كان نذره متقدما على احرامه بمدة طويلة أم بفترة قليلة متصلة به، وقد وردت النصوص بذلك ولا وجه بعد ورودها للتشكيك في الحكم أو للمنع منه وقد نقل ذلك عن بعض الاصحاب. [ المسألة 505: ] إذا نذر الرجل أن يحرم بالحج أو بالعمرة من موضع معين قبل الميقات وأحرم من ذلك الموضع وفاءا بنذره صح احرامه وكفاه،

[ 246 ]

ولم يجب عليه أن يحرم مرة أخرى عند وصوله الى الميقات أو يجدد النية فيه، بل ولا يجب عليه المرور بالميقات، فيجوز له العدول إلى طريق آخر لا يمر به. [ المسألة 506: ] لا يبعد الحاق العهد واليمين بالنذر في الحكم الآنف ذكره، فيجوز للرجل أن يعاهد الله سبحانه أو يقسم به يمينا على أن يحرم قبل الميقات، ويكون حكمه حكم الناذر الذي مر بيانه، اعتمادا على موثقة أبي بصير الدالة على ذلك، ولكن الاحتياط لا يترك بأن يحرم أولا من الموضع الذي عينه في عهده أو يمينه، ثم يجدد الاحرام عند وصوله إلى الميقات. [ المسألة 507: ] يشترط في صحة نذر الاحرام قبل الميقات أن يعين الناذر في صيغة نذره موضعا يوقع احرامه منه، فيقول: لله علي إن رزقني هذه النعمة أو إن دفع عني هذه البلية أن أحرم بالحج أو بالعمرة من النجف مثلا، أو يقول: لله علي أن أحرم من المدينة، أو أن أنشئ احرامي من المسجد الجامع في الكوفة، ولا يصح نذره إذا لم يذكر موضعا خاصا أو بلدا معينا، فقال: لله علي أن أحرم بالحج أو بالعمرة قبل الميقات من غير تعيين، أو قال: لله علي ان أحرم اما من النجف أو من كربلاء، على الترديد بين البلدين، أو قال: لله علي أن أحرم من أي موضع التقي فيه بصاحبي زيد. [ المسألة 508: ] لا فرق في جريان الاحكام الآنف ذكرها بين أن يكون الاحرام في حج أو في عمرة، ولا بين أن يكون النسك الذي يحرم له واجبا أو مندوبا، ولا بين حج الاسلام وعمرة الاسلام وغيرها من اقسام الحج والعمرة الواجبين، فلا يصح الاحرام فيها جميعا قبل أن

[ 247 ]

يصل إلى الميقات، ويصح ذلك مع النذر على الوجه الذي أوضحناه، وإذا استؤجر الرجل أن يحج أو يعتمر بالنيابة عن أحد، واشترط المستأجر عليه أن يحرم من الميقات تعين عليه الاحرام منه، ولم يجز له أن يقدم الاحرام عليه بالنذر، وإذا اشترط عليه أن يحرم من ميقات خاص تعين عليه ذلك ولم يجز له ابداله. [ المسألة 509: ] لا يشرع للانسان ان يحرم بعمرة التمتع قبل أشهر الحج، وقد سبق منا ذكر هذا في المسألة الاربعمائة والثلاثين وما بعدها وما يليهما، ولذلك فلا يشرع له أن ينذر الاحرام بها قبل أشهر الحج، وإذا نذر ذلك لم ينعقد نذره ولم يصح احرامه، ولا تشمله الادلة التي أشرنا إليها في نذر الاحرام قبل الميقات، وكذلك الحكم في حج القران وحج الافراد، فلا يصح الاحرام بهما قبل أشهر الحج، ولا ينعقد نذر ذلك إذا نذره المكلف، ولا تشمله نصوص نذر الاحرام قبل الميقات، وأما حج التمتع فالحكم فيه أوضح. [ المسألة 510: ] إذا نذر الانسان أن يحرم من موضع معين قبل الميقات ثم نسي نذره وأحرم بعد وصوله الى الميقات لم يبطل احرامه بمخالفة النذر ولم تجب عليه الكفارة، وإذا ترك الاحرام من الموضع المنذور عامدا وأحرم بعد وصوله إلى الميقات كان آثما بمخالفته للنذر ووجبت عليه الكفارة، ولم يبطل احرامه على الاقوى فيصح حجه وعمرته بذلك الاحرام، والاحوط له استحبابا اعادة الحج والعمرة إذا كانا واجبين، وإذا أراد الاعادة أحرم من الموضع المعين للاحرام إذا كان نذره مطلقا. [ المسألة 511: ] الصورة الثانية:

[ 248 ]

مما يجوز الاحرام فيه قبل الوصول إلى الميقات: أن يقصد المكلف الاعتمار في شهر رجب، ويخاف إن هو أخر الاحرام إلى أن يصل الميقات أن يهل شهر شعبان وتفوته بذلك عمرة رجب، فيجوز له ان يحرم قبل الميقات ليدرك فضل العمرة في رجب، ففي موثقة اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق، فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أم يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان، قال (ع): (يحرم قبل الوقت لرجب، فإن لرجب فضلا)، وفي خبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن عمرة رجب ما هي، قال: (إذا أحرمت في رجب وان كان في يوم واحد فقد أدركت عمرة رجب وان قدمت في شعبان). [ المسألة 512: ] إذا أحرم الشخص قبل الميقات ليدرك عمرة رجب - كما هو الفرض السابق - ثم وصل إلى الميقات، لم يجب عليه أن يجدد الاحرام في الميقات على الاقوى، إذا كان وصوله إلى الميقات بعد هلال شهر شعبان، والاحوط استحبابا أن يجدده، وإذا وصل إلى الميقات قبل هلال شعبان فالاحوط لزوم تجديده، بل لا يخلو من قوة. [ المسألة 513: ] إذا علم الرجل أنه لا يدرك العمرة في رجب إذا هو أخر الاحرام إلى ان يبلغ الميقات لطول المسافة ما بينه وبين الميقات، جاز له أن يحرم بالعمرة قبل الميقات ليدركها وان لم يتضيق عليه وقت هلال شعبان، وكذلك إذا علم أنه لا يدرك العمرة في الفرض المذكور فأراد أن يقدم الاحرام قبل الميقات قبل أن يتضيق عليه الوقت لتكون مدة احرامه في أيام رجب أطول فيجوز له ذلك.

[ 249 ]

[ المسألة 514: ] يجري الحكم المذكور في عمرة رجب المندوبة، والظاهر جريانه كذلك في عمرة رجب الواجبة بالنذر أو العهد أو اليمين، إذا كان قد نذر عمرة رجب أو حلف أو عاهد الله عليها، ويشكل جريان الحكم في غير ذلك من أقسام العمرة الواجبة. [ المسألة 515: ] ذكرنا في أول هذا الفصل أنه لا يشرع للحاج أو المعتمر ان يحرم بنسكه قبل أن يصل إلى الميقات، وهذا الحكم انما يثبت إذا كان الموضع الذي يعق احرامه فيه ليس من المواقيت، فإذا كان ميقاتا جاز له الاحرام منه بل وجب، ولا اشكال في ذلك، ومثال ذلك: أن يخرج المكلف الذي يكون ميقاته الجحفة إلى مسجد الشجرة فيحرم منه قبل أن يصل إلى الجحفة، ومثال ذلك أيضا: أن يخرج الرجل من أهل مكة إلى بعض المواقيت الاخرى فيحرم منه بالعمرة المفردة قبل أن يصل إلى ميقاته وهو أدنى الحل. [ المسألة 516: ] لا يجوز للمكلف إذا مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الا وهو محرم منه، الا إذا كان معذورا في تأخير الاحرام، وان كان أمامه ميقات آخر، وقد سبق منا في المسألة الاربعمائة والثانية والسبعين أنه لا يجوز للحاج أو المعتمر من أهل المدينة، وأهل البلاد الذين يحجون أو يعتمرون من طريق المدينة، أن يؤخر إحرامه عن ذي الحليفة إلى أن يصل إلى الجحفة الا إذا كان مضطرا إلى تأخير الاحرام لمرض أو ضعف، أو لزمه من الاحرام من الميقات الاول ضرر شديد أو حرج بالغ لا يتحمل عادة، فيجوز له التأخير حين ذلك إلى الميقات الثاني.

[ 250 ]

وكذلك الحكم إذا مر بالميقات وهو يريد الدخول إلى مكة فلا يجوز له تأخير احرامه عن ذلك الميقات وان كان أمامه ميقات آخر الا إذا كان معذورا، ومثله على الاحوط من يريد دخول الحرم خاصة من غير أن يدخل إلى مكة، وقد سبق منا ذكر هذا الاحتياط له في المسألة الاربعمائة والسادسة عشرة، فعليه أن لا يؤخر احرامه عن الميقات إذا كان مختارا غير معذور. [ المسألة 517: ] ذكرنا في المسألة الاربعمائة والحادية والتسعين أن الموضع الذي يحاذي المكلف فيه بعض المواقيت الخمسة ميقات شرعي للاحرام، فإذا حاذى المكلف في طريقه ميقاتا منها محاذاة عرفية وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه أن يحرم بنسكه من ذلك الموضع، ولم يجز له أن يؤخر احرامه إلى موضع آخر، وان كان أمامه ميقات آخر أو موضع يحاذي فيه ميقاتا آخر. ولا يترك الاحتياط لمن يريد الدخول إلى مكة أو يريد الدخول في الحرم، أن يحرم من موضع المحاذاة كذلك ولا يؤخر احرامه إلى موضع آخر. [ المسألة 518: ] إذا مر المكلف بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو يريد دخول مكة، ولم يحرم من الميقات عامدا أثم بذلك ووجب عليه ان يرجع إلى ذلك الميقات ويحرم منه ولا يكفيه مع إمكان ذلك أن يحرم من موضع غيره أو من ميقات آخر يمر به أو من موضع يحاذي فيه ميقاته الاول، فإذا هو أحرم من بعض هذه المواضع التي ذكرناها وهو قادر على الرجوع إلى الميقات الاول كان احرامه باطلا، وإذا حج أو اعتمر بهذا الاحرام كان نسكه باطلا، وإذا كان مستطيعا للحج لم تبرأ ذمته من التكليف بذلك ووجب عليه الحج في العام المقبل

[ 251 ]

وكذلك إذا كان الحج واجبا عليه بنذر أو غيره وكان مما يقضى، ومثله العمرة الواجبة إذا كانت مما تقضى. وإذا كان مريدا دخول مكة ولم يقصد حجا ولا عمرة ثم دخلها بذلك الاحرام كان آثما بدخوله لبطلان إحرامه ولم يجب عليه قضاء النسك أو الاحرام. [ المسألة 519: ] إذا مر المكلف بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو يريد الدخول إلى مكة وترك الاحرام منه عامدا وهو يعلم بالميقات وبوجوب الاحرام منه كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، ثم تعذر عليه بعد ذلك أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه لضيق وقت النسك أو لطروء عارض يمنعه من الرجوع إليه، أثم بترك الاحرام كما قلنا ووجب عليه العود في طريق الميقات بالمقدار الممكن فيحرم من الموضع الذي يمكنه الوصول إليه وإذا لم يستطع شيئا من ذلك أحرم من موضعه وإذا كان قد دخل الحرم صنع كذلك فيخرج ما أمكنه ولو إلى خارج الحرم أو بعض طريقه فيحرم منه والا أحرم من موضعه، فيصح احرامه بذلك ويصح حجه أو عمرته وان كان آثما بتركه الاحرام قبل العذر. [ المسألة 520: ] إذا مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة وترك الاحرام منه متعمدا وهو يعلم بأنه الميقات الذي يلزمه الاحرام منه، ثم أحرم بعد أن تجاوزه وهو يقدر على الرجوع إلى الميقات، لم يصح احرامه كما تقدم، ولا يصح حجه ولا عمرته بذلك الاحرام وان تعذر عليه الرجوع إلى الميقات بعد احرامه، فإذا كان الحج أو العمرة الذي قصده مما يلزمه الاتيان به وجب عليه أداؤه بعد ذلك، وإذا كان من غير ذلك لم يلزمه القضاء لمجرد تلبسه به أو لمجرد قصده دخول

[ 252 ]

مكة. [ المسألة 521: ] الذي يظهر من الادلة المخصوصة ان وجوب الاحرام على كل من يريد الدخول إلى مكة انما هو حكم خاص شرعه الله تعالى لتعظيم هذه البقعة المكرمة في الاسلام، فلا يجوز أن يدخلها أحد وهو محل غير محرم، وليس ذلك لوجوب حج أو عمرة على كل من يدخلها من الناس، وهو في ذلك نظير استحباب صلاة التحية لمن دخل أحد المساجد، وانما وجب على من دخل مكة محرما أن يكون حاجا أو معتمرا، لان الاحرام لا يكون الا جزءا أو شرطا في حج أو عمرة، ولان التحلل من الاحرام لا يكون الا بأحدهما. ونتيجة لذلك فإذا مر الشخص بالميقات وهو يريد دخول مكة ولم يحرم منه، أو أحرم بعد أن تجاوز الميقات متعمدا، ثم دخل مكة كان آثما كما قلنا ولم يجب عليه قضاء حج أو عمرة لعدم وجوبهما عليه. [ المسألة 522: ] الظاهر أنه لا فرق بين العمرة المفردة والحج وعمرة التمتع في الحكم المذكور، فلا يجوز لمن قصد العمرة المفردة أن يؤخر احرامها عن الميقات إذا مر به الا إذا كان معذورا، وإذا ترك الاحرام لها من الميقات عامدا أثم ولابد له من الرجوع إليه مع الامكان وإذا تركه متعمدا ثم تعذر عليه الرجوع إلى الميقات أحرم لها من أدنى الحل. [ المسألة 523: ] إذا مر الرجل بالميقات ونسي أن يحرم من حتى تجاوزه ثم تذكر وجب عليه أن يعود إلى ذلك الميقات ويحرم منه مع امكان ذلك له، ولا يكفيه في هذه الصورة أن يحرم من ميقات آخر يمر به أو من موضع هو دون الميقات، وإذا تعذر عليه أن يرجع إلى الميقات

[ 253 ]

رجع إلى المقدار الذي يمكنه من طريق الميقات وأحرم من ذلك الموضع على الاحوط، وإذا تعذر عليه كل ذلك وخشي أن يفوته الحج أحرم من موضعه الذي هو فيه، وكذلك إذا ترك الاحرام من الميقات لجهله بالميقات أو لجهله بوجوب الاحرام منه فيأتي فيه التفصيل الذي بيناه. [ المسألة 524: ] لا يجب على الشخص أن يحرم إذا مر بالميقات ولم يكن مريدا للنسك بحج أو عمرة، ولا قاصدا دخول مكة أو دخول الحرم، وان قصد الوصول إلى بعض البلاد أو المنازل القريبة من الحرم لبعض الغايات، فإذا مر كذلك من غير احرام ثم بدا له أن يعتمر عمرة مفردة، وجب عليه أن يحرم من أدنى الحل، وقد مر الرسول صلى الله عليه وآله على الميقات وهو يقصد الطائف في غزوة حنين حتى فرغ منها، ثم اعتمر بعدها من الجعرانه وأحرم منها وقد ذكرنا هذا في المسألة الاربعمائة والثامنة والثمانين، والمسألة الاربعمائة والتاسعة والتسعين. وإذا مر المكلف على الميقات وهو لا يريد النسك فلم يحرم حتى تجاوزه، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر عمرة تمتع، فالاحوط له أن يرجع إلى ميقات أهل بلده فيحرم منه وان جاز له أيضا أن يحرم من أحد المواقيت الاخرى وان لم يمكن له ذلك رجع بمقدار ما يمكن له الرجوع إليه من طريق الميقات على الاحوط فأحرم منه وإذا تعذر عليه جميع ذلك أحرم من موضعه. [ المسألة 525: ] تقدم في المسألة الاربعمائة والثامنة حكم النائي البعيد من أهل الامصار إذا أقام بمكة للمجاورة فيها وأراد أن يأتي بعمرة التمتع فيلزمه الخروج منها إلى أحد المواقيت الخمسة، والاحوط له أن يختار

[ 254 ]

الخروج إلى ميقات أهل بلده، وإذا تعذر عليه الوصول إلى الميقات جرى فيه نظير الحكم الذي قدمناه لمن ترك الاحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا ثم تعذر عليه الرجوع إليه وقد سبق بيانه في المسألة الخمسمائة والثالثة والعشرين. [ المسألة 526: ] إذا بلغ الحاج أو المعتمر الميقات ولم يمكنه الاحرام منه لمرض أو ضعف، أو كان الاحرام من ذلك الموضع يوجب له ضررا شديدا أو حرجا لا يتحمل عادة جاز له أن يؤخر احرامه إلى ميقات آخر يمر به في طريقه، وان لم يكن في طريقه ميقات آخر أخر إحرامه إلى أدنى الحل. وإذا زال عذره بعد تجاوز الميقات الاول فالاحوط له أن يعود الى الميقات ويحرم منه، وان لم يستطع ذلك رجع في طريق الميقات ما أمكنه الرجوع وأحرم من ذلك الموضع فإن لم يمكن أحرم من موضعه الذي هو فيه، وتراجع المسألة الاربعمائة والثانية والسبعون، وكذلك الكم في من يريد دخول مكة إذا جرى له مثل ذلك. [ المسألة 527: ] إذا أغمي على المكلف في الميقات أو جن فلم يحرم منه حتى تجاوزه ثم أفاق وجب عليه أن يعود إلى الميقات ويحرم منه، وإذا تعذر عليه الرجوع إلى الميقات جرى فيه الحكم السابق في نظائره، فيرجع في طريق الميقات ما استطاع ويحرم في الموضع الذي يستطيع الوصول إليه، وان لم يمكن أحرم من موضعه. [ المسألة 528) إذا أحرم الشخص من الميقات ثم رجع إلى ما قبل الميقات لبعض الغايات التي دعته إلى ذلك لم يبطل احرامه، ومثال ذلك: أن

[ 255 ]

يصل إلى مسجد الشجرة فيحرم منه، ثم يبدو له بعد الاحرام أن يرجع إلى المدينة، فلا يبطل احرامه، ولا يجب عليه تجديد الاحرام إذا عاد إلى مسجد الشجرة أو إلى موضع يحاذيه، وإذا عدل عن ذلك الطريق إلى غيره ومر بميقات آخر غير ميقاته الاول، ففي وجوب تجديد الاحرام منه تأمل، ولكن في تجديد الاحرام في هذه الصورة احتياطا لا يترك. [ المسألة 529: ] إذا قصد المسافرون في الطائرة الوصول إلى جدة ومن بعدها إلى المدينة لزيارة الرسول صلى الله عليه وآله قبل الحج، فلا يجب عليهم الاحرام وإن مروا وهم في الجو على بعض المواقيت وحاذوه محاذاة عرفية، فإذا وصلوا إلى المدينة وارتحلوا بعد الزيارة إلى مكة، وجب عليهم الاحرام من الميقات الذي يمرون به في طريقهم. وإذا سافروا إلى جده في الطائرة وكان من قصدهم الوصول إلى مكة بحيث كانت جدة مرحلة من مراحل سفرهم إليها وجب عليهم الاحرام من موضع يحاذون فيه الميقات من الجو محاذاة عرفية إذا أمكن لهم ذلك، ويجوز لهم أن ينذروا الاحرام من موضع معين قبل الميقات فيحرموا من ذلك الموضع. وإذا وصل المسافر منهم أو من غيرهم ولم يمر في طريقه بالميقات ولم يحاذه محاذاة عرفيه ولم يحرم قبلها بالنذر وجب عليه أن يتوجه إلى أحد المواقيت الخمسة ويحرم منه، أو يحرم قبل الميقات وقبل محاذاته بالنذر، فينذر الاحرام من رابغ مثلا، فانه يقع قبل الجحفة للآتي من طريق المدينة، وإذا تعذر عليه ذلك أحرم من جدة بالنذر ثم جدد نيته وتلبيته في أدنى الحل. [ المسألة 530: ] يجب على المكلف تحصيل العلم بالوصول إلى الميقات الذي

[ 256 ]

يحرم منه، فلا يصح له الاحرام مع الشك في وصوله إلى الميقات، ويكفيه في صحة الاحرام أن تشهد به البينة العادلة، وإذا لم يحصل له ذلك كفاه الاطمئنان الكامل الذي يحصل من إخبار العارفين بالموضع، وإذا لم يحصل له الاطمئنان أمكن أن يحرم من ذلك الموضع بالنذر. [ المسألة 531: ] يكفي في جواز دخول المكلف إلى مكة والى الحرم أن يكون محرما باحرام صحيح، سواء كان إحرامه بحج تمتع أم بحج قران أم إفراد، أم بعمرة تمتع أم بعمرة مفردة، وسواء كان النسك الذي أحرم به واجبا عليه باستطاعة أم بنذر وشبهه، أم باجارة أم بإفساد، أم كان متبرعا به عن غيره أم مندوبا، أم أتى به على سبيل الاحتياط اللازم أو غير اللازم، فإذا أحرم بالنسك على أحد هذه الفروض جاز له دخول الحرم ودخول مكة ودخول الكعبة المعظمة. [ المسألة 532: ] إذا وصل النائي من أهل الامصار البعيدة إلى الميقات قبل ان يهل هلال شوال، لم يصح له أن يحرم بعمرة التمتع، وقد بينا من قبل أن الاحرام بعمرة التمتع لا يجوز قبل أن تدخل أشهر الحج، فإذا احتاج إلى دخول مكة تعين عليه أن يحرم بعمرة مفردة لنفسه، أو عن غيره فإذا دخل مكة وأتم عمرته وعزم من بعدها على حج التمتع وجب عليه أن يعود إلى الميقات بعد دخول أشهر الحج ليحرم منه بعمرة التمتع. [ المسألة 533: ] إذا وصل النائي الذي وظيفته التمتع إلى الميقات في شهر شوال أو في غيره من أشهر الحج وكان وقته متسعا، جاز له أن يحرم من

[ 257 ]

الميقات بعمرة مفردة لنفسه أو عن غيره، فإذا دخل مكة وأتم عمرته رجع بعدها الى الميقات وأحرم منه بعمرة التمتع، ويجوز له أن يكرر العمرة المفردة بعدها من أدنى الحل أو من الميقات إذا كان وقته يتسع لذلك ولا يضيق عن عمرة التمتع الواجبة عليه. وبذلك يمكن للمقاولين ان يترددوا من المدينة إلى مكة لاستئجار المنازل وتهيئة المواضع والمعدات لحجاجهم في مكة ثم يعودوا إلى المدينة ويحرموا من الميقات مع الحجاج بعمرة التمتع. [ المسألة 534: ] يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج أن يكون إحرامه بحج التمتع من مكة، وقد فصلنا هذا في المسألة الأربعمائة والرابعة والثلاثين، وأشرنا إليه في المسألة الاربعمائة والثالثة والثمانين، ولا يكفي المتمتع أن يحرم بحجه من غير مكة في حال الاختيار، فإذا هو أحرم من غير مكة متعمدا وهو يعلم بالحكم، لم يصح، ولا يصح احرامه أن يدخل مكة بعده وهو محرم قبل خروجه إلى عرفات، بل يجب عليه تجديد الاحرام فيها مع الامكان، وإذا لم يجدده وحج باحرامه الاول بطل حجه. وإذا تعذر عليه أن يحرم من مكة لبعض الطوارئ التي أوجبت له عدم القدرة، كما إذا خرج من مكة مضطرا ولم يستطع الرجوع حتى ضاق عليه الوقت، فإن هو رجع إلى مكة ليحرم منها لم يدرك الركن الاختياري لموقف عرفات، وكما إذا لم يجد الوسيلة للرجوع إلى مكة، أو كان مريضا أو سجينا لا يمكنه الوصول إليها، فيكفيه في هذه الصورة أن يحرم من الموضع الذي يمكنه الاحرام فيه، ويجب عليه أن يختار الموضع الاقرب فالاقرب إلى مكة مع امكان ذلك له، فإذا أحرم منه صح احرامه وحجه وإذا لم يحرم كذلك لم يصح.

[ 258 ]

[ المسألة 535: ] إذا نسي المتمتع فلم يحرم بحج التمتع لا من مكة ولا من غيرها وخرج إلى المشاعر محلا ثم تذكر بعد خروجه، وجب عليه أن يعود إلى مكة ويحرم منها وان وصل إلى عرفات، وهذا إذا أمكن له أن يرجع منها إلى مكة ويحرم فيها ثم يعود إلى عرفات ويدرك الوقوف فيها قبل غروب الشمس من اليوم التاسع، فإن لم يمكن له ذلك لضيق الوقت، أو لعدم الوسيلة، أو لفقد القدرة أحرم في عرفات نفسها، ولا يترك الاحتياط بأن يقول مع احرامه (اللهم على كتابك وسنة نبيك)، كما ورد في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع)، فإذا فعل كذلك صح إحرامه وحجه، وإذا ترك الاحرام بعدما تذكر بطل حجه. وكذلك حكمه إذا نسي وجوب الاحرام من مكة فأحرم من غيرها ثم تذكر بعد الاحرام، فيجب عليه الرجوع والاحرام من مكة وان كان في عرفات مع القدرة عليه على الوجه الذي تقدم بيانه، وإذا لم يمكن له ذلك احرم من موضع تذكره فيصح بذلك حجه، وإذا ترك الاحرام بعدما تذكر كان حجه باطلا، وإذا اتفق لهذا المكلف في حال نسيانه واحرامه من غير مكة انه كان غير قادر على الوصول إلى مكة لبعض الاعذار صح إحرامه من غير مكة، ولم يفتقر إلى تجديد بعد تذكره. [ المسألة 536: ] إذا جهل المتمتع وجوب الاحرام عليه فلم يحرم بحج التمتع وخرج من مكة إلى المشاعر وهو محل، ثم علم بوجوب الاحرام وجب عليه العود إلى مكة والاحرام فيها مع الامكان وان بلغ إلى عرفات كما قلنا في صورة النسيان، فإن لم يمكن له العود إلى مكة أو خشي فوت الوقوف إذا هو عاد إلى مكة أحرم من موضعه، ونظيره في الحكم ما

[ 259 ]

إذا جهل وجوب الاحرام من مكة فأحرم من سواها، فيجري فيه التفصيل الذي بيناه وتنطبق الاحكام التي ذكرناها. [ المسألة 537: ] إذا نسي المتمتع فلم يحرم بحج التمتع وخرج من مكة إلى المشاعر وهو محل، ولم يتذكر الا في المشعر الحرام صح وقوفه بعرفات وجرى فيه الحكم الذي سبق بيانه، فإذا استطاع العود إلى مكة والاحرام فيها، بحيث لا يفوته الوقوف في المشعر الحرام بعد الاحرام من مكة وجب عليه أن يفعل ذلك ويدرك الوقوف، وان تعذر عليه الرجوع أحرم في موضعه وأتم أعماله وكذلك إذا نسي وجوب الاحرام في مكة فأحرم من غيرها أو جهل وجوب الاحرام فلم يحرم أو أحرم بحجه من غير مكة، فيجري فيه التفصيل الذي مر بيانه وبتطبيق الاحكام الآنف ذكرها يصح عمله. و نظيره في الحكم ما إذا طرأ للمكلف بعض الفروض المذكورة من النسيان أو الجهل فلم يحرم أو أحرم من غير مكة، ولم يتذكر الا بعد الافاضة من المشعر الحرام قبل الاتيان بأعمال منى في يوم النحر أو في أثنائها، فإذا تذكر فعليه الرجوع والاحرام من مكة مع التمكن، والاحرام من موضعه مع التعذر ويتم عمله، وتصح أعماله التي أتى بها وهو محل قبل أن يتذكر في جميع الصور الآنف ذكرها، وتصح أعماله التي يأتي بها بعد التذكر إذا أحرم لها من مكة أو في موضعه مع التعذر، ولا تصح إذا ترك الاحرام عامدا بعد تذكره. [ المسألة 538: ] إذا نسي المتمتع أن يحرم لحج التمتع أو جهل الحكم بوجوبه فلم يحرم، ولم يتذكر حتى أتم جميع أعمال الحج فالظاهر صحة حجه، من غير فرق بين أن يكون الحج واجبا عليه أو مندوبا، ومن

[ 260 ]

غير فرق بين أقسام الحج الواجب تمتعا، ويشكل شمول الحكم المذكور لحج القران أو الافراد، بل ولعمرة التمتع أيضا، فلا يترك الاحتياط فيها كافة، وأشد منها اشكالا القول بشمول الحكم للعمرة المفردة الواجبة أو المندوبة. [ المسألة 539: ] إذا بطلت عمرة التمتع لبعض الجهات التي أوجبت فسادها شرعا وجب على المكلف أن يستأنفها مع القدرة على ذلك في عامه، وإذا لم يعدها في ذلك العام لضيق الوقت أو لسبب مانع آخر لم يصح حجه تمتعا، ولم يجز له أن يحج في ذلك العام قارنا أو مفردا، ولزمه اعادة عمرة التمتع وحجه في العام المقبل. [ المسألة 540: ] إذا أحرم الانسان بحج واجب أو مندوب، أو بعمرة واجبة أو مندوبة، لنفسه أو عن غيره، فلا يجوز له أن يحرم بحج آخر أو بعمرة أخرى حتى يحل من احرامه السابق، والاحوط لزوما أن يكون تحلله منه تحللا كاملا، فإذا كان نسكه الاول الذي أحرم به حجا أو عمرة مفردة فلا يحرم بالنسك الثاني حتى يأتي بطواف النساء، ولا فرق بين أن يكون النسك الثاني واجبا أو مندوبا لنفسه أو عن غيره، وحتى إذا أتى بالنسك الاول أو الثاني أو بكليهما احتياطا لازما أو غير لازم. [ المسألة 541: ] لا يجوز لمن أحرم بعمرة التمتع أن يحرم بعمرة مفردة قبل أن يحل من عمرته الاولى، فانه من ادخال نسك على نسك، وقد تقدم المنع منه في المسألة السابقة، ولا يجوز لمن أحرم بحج التمتع أن يحرم أيضا بعمرة مفردة قبل ان يتم أعمال حجه ويتحلل من احرامه حتى بطواف النساء على الاحوط فيه كما ذكرنا، وكذلك إذا أتم المكلف

[ 261 ]

عمرة التمتع وأحل من احرامها فالاحوط له لزوما أن لا يفصل ما بينها وبين حج التمتع بعمرة مفردة يأتي بها بينهما، بل لا يخلو ذلك من قوة، وان اتفق للمكلف أنه خرج من مكة بعد احلاله من عمرة التمتع جاهلا بحرمة خروجه، أو خرج لضرورة لابد له منها ثم عاد إلى مكة قبل أن ينقضي شهر متعته، وأما إذا انقضى شهر المتعة قبل أن يعود فقد سبق أنه يجب عليه الاحرام بعمرة تمتع ثانية، وتلاحظ المسألة الاربعمائة والاربعون.

[ 262 ]

[ الفصل الثاني عشر ] [ في مقدمات الاحرام وآدابه ] [ المسألة 542: ] يستحب لمن عزم على الحج في عامه أن يترك شعر رأسه ولحيته، فلا يأخذ منه شيئا بحلق ولا بتقصير ولا بغيرهما من أول شهر ذي القعدة، وان كان احرامه بالحج يقع في شهر ذي الحجة، من غير فرق بين أن يكون الحج الذي قصد الاتيان به تمتعا أو قرانا أو إفرادا، وواجبا أو مندوبا، لنفسه أو لغيره، ولا يجب ذلك عليه على الاقوى ما لم يحرم بالفعل، ولا تلزمه الكفارة إذا خالف ذلك فحلق رأسه في ذي القعدة أو بعده قبل أن يحرم، فلا يجب عليه أن يهريق دما كما يراه بعض العلماء. ويستحب لمن أراد العمرة أن يترك شعره ثلاثين يوما، فلا يأخذ من شعر رأسه ولا من لحيته شيئا في هذه المدة حتى يحرم، سواء كانت عمرته في أشهر الحج أم في غيرها من الشهور، وسواء كانت واجبة أم مندوبة وسواء كانت عمرة تمتع أم عمرة مفردة. [ المسألة 543: ] إذا عزم المكلف على حج التمتع استحب له أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول شهر ذي القعدة - كما قلنا -، ويكفيه ذلك لعمرة التمتع ولحج التمتع، ولا ينافي هذا الحكم أن يجب عليه التقصير بعد أن يتم العمرة ليحل منها، فيبقى استحباب ترك الباقي من شعره حتى يتم حجه ويحلق أو يقصر في يوم النحر، بل الاحوط لزوما أن يترك الشعر في هذه الصورة حتى يتم حجه، اعتمادا على صحيحة جميل بن دراج الواردة في من حلق رأسه في مكة بعد عمرة التمتع في

[ 263 ]

المدة التي أمر بتوفير الشعر فيها. وإذا أحرم بعمرة التمتع في شهر شوال حرم عليه أن يأخذ من شعره مادام محرما، فإذا أتم أعمال عمرته وأحل منها جاز له حلق رأسه والاخذ من شعره قبل أن يحرم بالحج، فإذا هل عليه هلال ذي القعدة استحب له ترك شعره وتوفيره حتى يحج، ولزمته مراعاة الاحتياط الذي ذكرناه. [ المسألة 544: ] ذكرنا أنه يستحب لمن يريد العمرة أن يترك شعره لها ثلاثين يوما، وان هذا الحكم يعم عمرة التمتع، وظاهر النصوص أن المستحب إعفاء الشعر ثلاثين يوما قبل احرام العمرة، ونتيجة لهذا فإذا أراد المكلف عمرة التمتع في أول شهر ذي القعدة استحب له أن يعفي شعره للعمرة من أول شهر شوال، فإذا تمتع بالعمرة في هلال ذي القعدة وأحل من عمرته بالتقصير استحب له اعفاء شعره بعدها حتى يحج، ويلزمه الاحتياط المتقدم. [ المسألة 545: ] يستحب للمكلف قبل أن يحرم بالحج أو بالعمرة أن يقلم أظافر يديه ورجليه، وأن يأخذ من شاربه، وأن يزيل شعر ابطيه بالطلي وهو الافضل، أو بالحلق وهو أقل من الطلي فضلا، أو بالنتف وهو أدناها، وان يزيل شعر عانته، ولا يبعد أن تكون ازالته بالاطلاء أفضل، لانه طهور كما في الروايات ثم بالحلق، ولكن هذا الترتيب بينهما في ازالة شعر العانة لا يختص بالاحرام، وينبغي له تنظيف الجسد من الاوساخ، وان لم يرد به دليل في الاحرام، ويستحب له أن يستاك، ويجوز له ان يبدأ من المستحبات المذكورة بما شاء فلا ترتيب ما بينها.

[ 264 ]

[ المسألة 546: ] إذا كان الشخص قد اطلى قبل وقت الاحرام، فإن كان اطلاؤه السابق لا بقصد التهيؤ للاحرام استحب له أن يعيد الاطلاء للاحرام وان مضى عليه يومان أو ثلاثة أو نحوها، وان كان قد اطلى بقصد التهيؤ للاحرام كفاه اطلاؤه السابق ولم يحتج إلى الاعادة الا إذا مضى عليه خمسة عشر يوما أو نحوها، بحيث لا يعد اطلاؤه المتقدم تهيؤا للاحرام، فتستحب اعادته. [ المسألة 547: ] يستحب له استحبابا مؤكدا أن يغتسل غسل الاحرام، وموضع الغسل هو الميقات الذي يحرم منه إذا وجد فيه الماء، فإذا خاف عدم الماء فيه أو إعوازه لكثرة المحرمين مثلا، أو عدم تمكنه من الغسل فيه لبعض الاعذار، قدم الغسل على الميقات، وإذا خشي اعواز الماء في الميقات أو عدم تمكنه من الغسل فيه، فقدم الغسل قبله ثم وجد الماء عند وصوله إليه وأمكنه الغسل فيه استحبت له الاعادة. [ المسألة 548: ] يجوز للانسان أن يغتسل غسل الاحرام قبل الميقات في حال الاختيار وان لم يخش إعواز الماء في الميقات أو عدم إمكان الغسل فيه، فيصح له أن يغتسل في المدينة مثلا قبل أن يخرج إلى الميقات في ذي الحليفة وإن أمكنه الغسل فيه، والافضل له في هذه الصورة أن يلبس ثوبي الاحرام بعد غسله في المدينة وان لا يتناول ما يحرم أكله على المحرم حتى يأتي الميقات ويعقد احرامه منه، وإذا لبس المخيط أو أكل ما يحرم على المحرم أو تطيب قبل الميقات وعقد الاحرام فالافضل له إعادة الغسل، ولا يتعين عليه ذلك، وكذلك إذا فعل شيئا من المحرمات الاخرى للاحرام على الاحوط. ومثله ما إذا خاف إعواز الماء في الميقات، أو عدم تمكنه من

[ 265 ]

الغسل فيه فقدم الغسل عليه، فالاولى له أن يلبس ثياب الاحرام ويجتنب محرماته حتى يأتي الميقات ويعقد الاحرام، وإذا فعل شيئا من ذلك أعاد الغسل استحبابا كما تقدم سواء بسواء. [ المسألة 549: ] لا يختلف غسل الاحرام عن باقي الاغسال الشرعية في الكيفية، ولا في الاحكام التي تعمها، فيصح أن يأتي به المكلف مرتبا بين اعضائه كما يرتب في غسل الجنابة وغيره، ويصح أن يأتي به ارتماسا على التفاصيل التي ذكرناها في مباحث الغسل من كتاب الطهارة. وهو كباقي الاغسال المندوبة والواجبة يغني عن الوضوء للصلاة وغيرها من الاعمال المشروطة بالوضوء، وان كان الاحوط للمكلف أن يأتي معه بالوضوء، احتياطا لا ينبغي تركه، كما قلنا في المسألة الثمانمائة والعاشرة من كتاب الطهارة وفي مسائل أخرى، والافضل أن يأتي بالوضوء قبل الغسل. [ المسألة 550: ] إذا اغتسل الانسان غسل الاحرام في الميقات أو قبله ثم نام قبل أن يحرم لم يكفه ذلك الغسل، واستحبت له الاعادة، وكذلك إذا أحدث أحد الاحداث الاخرى على الاقوى فعليه إعادة الغسل استحبابا. [ المسألة 551: ] إذا كان الشخص مجنبا أو كان عليه أحد الاحداث الاخرى الموجبة للغسل واراد الغسل للاحرام كفاه غسل واحد لحدثه واحرامه، فيصح له أن ينوي الجميع بهذا الغسل، ويصح له أن يقصد امتثال الامرين المتوجهين إليه بالغسل، ويصح له أن ينوي أحد الغسلين على التعيين، فيصح منه ذلك الغسل ويكفي عن

[ 266 ]

الجميع، وتراجع المسألة الخمسمائة والثالثة من كتاب الطهارة، وإذا أراد الاحرام، وكان في يوم الجمعة، وأراد في يومه دخول الحرم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام، كفاه أن ينوي الجميع بغسل واحد. [ المسألة 552: ] إذا اغتسل الانسان في أول النهار كفاه ذلك في أداء وظيفة الاحرام في ذلك اليوم وان لم يحرم الا في آخر النهار، وإذا اغتسل في أول الليل كفاه للاحرام في تلك الليلة وان لم يحرم إلا في آخرها، بل يكفيه غسل النهار وان لم يحرم الا في آخر ليلته المقبلة، ويكفيه غسل الليل وان لم يحرم الا في آخر نهاره المقبل، وهذا كله إذا هو لم ينقض غسله بنوم أو حدث بعده حتى أحرم كما قلنا في المسألة الخمسمائة والخمسين. [ المسألة 553: ] إذا لم يقدر الشخص أن يغتسل غسل الاحرام، ووجد له بعض مسوغات التيمم التي ذكرناها في مباحث التيمم، وتوفرت شرائط صحته جاز له التيمم بدلا عنه، وكفاه ذلك لاحرامه، وتراجع المسألة التسعمائة والثامنة وما بعدها من كتاب الطهارة. [ المسألة 554: ] إذا اغتسل الرجل غسل الاحرام ثم مسح رأسه بمنديل ونحوه قبل عقد الاحرام فلا شئ عليه ولا يعيد الغسل، وإذا اغتسل ثم قلم أظفاره بعد الغسل استحب له أن يمسحها بالماء ولا اعادة عليه. [ المسألة 555: ] الذي يستفاد من ملاحظة مجموع الادلة الواردة في غسل الاحرام أن هذا الغسل من المستحبات المؤكدة، تأكيدا شديدا، كما أشرنا إليه في المسألة الخمسمائة والسابعة والاربعين، وليس شرطا في

[ 267 ]

صحة الاحرام ولا واجبا فيه، ولذلك فإذا أحرم المكلف بغير غسل كان احرامه صحيحا، ولكنه ناقص الفضيلة، فاقد المزية والخصوصية لعدم الغسل، وقد ورد في صحيح الحسن بن سعيد قال: كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (ع): رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي أن يصنع؟ فكتب (ع) يعيده. والظاهر من ضم هذا الدليل إلى مجموع الادلة السابقة أنه يستحب لهذا الرجل ان يغتسل ويعيد احرامه مع الغسل ليستدرك باحرمه الثاني ما فقده احرامه الاول من الخصوصية، وأن هذه الخصوصية المذكورة مطلوبة في الاحرام على نحو تعدد المطلوب وقابلة للاستدراك، ومن أجل ذلك أمره الامام بالاحرام الثاني، فالاحرام الثاني متمم للنقص الذي دخل على الاحرام الاول ومحقق للمرتبة الكاملة التي كان فاقدا لها، وليس احراما مستقلا في قبال الاول، وكذلك الحكم إذا أحرم بغير صلاة كما ورد في الصحيح، فيستحب له أن يصلي صلاة الاحرام ثم يعيد احرامه بعد الصلاة على النهج المتقدم في الغسل. ويتفرع على صحة احرامه السابق وجوب الكفارة عليه إذا ارتكب ما يوجب الكفارة بين الاحرامين، ويشكل جريان الحكم باستحباب الاعادة في ما إذا نسي فأحرم بغير غسل أو أحرم بغير صلاة. [ المسألة 556: ] يستحب للرجل أن يقول في أثناء غسله أو بعد أن يتم غسله: (بسم الله وبالله اللهم اجعله لي نورا وطهورا وحرزا وأمنا من كل خوف، وشفاءا من كل داء وسقم، اللهم طهرني وطهر قلبي، واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك،

[ 268 ]

فإنه لا قوة الا بك، وقد علمت ان قوام ديني التسليم لامرك والاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله). [ المسألة 557: ] يجوز للانسان أن ينشئ احرامه بالحج أو بالعمرة في أي وقت يشاء من الليل والنهار، والافضل له أن يكون عند الزوال، ففي صحيح معاوية بن عمار والحلبي عن أبي عبد الله (ع): (لا يضرك بليل أحرمت أو نهار، الا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس) وبمضمونة روايات عديدة أخرى. ويستحب استحبابا مؤكدا أن يكون الاحرام بعد أداء صلاة فريضة حاضرة، ولذلك فالافضل في غير حج التمتع أن يكون احرامه بعد أداء صلاة الظهر في أول وقتها وهو الزوال فيدرك الفضيلتين، ويتحقق له ذلك أيضا إذا صلى الظهر والعصر معا بعد الزوال ثم أحرم بعدهما، وسيأتي بيان حكم الاحرام لحج التمتع في موضعه ان شاء الله تعالى. ودون ذلك في الفضل أن يحرم بعد صلاة فريضة حاضرة أخرى، فإن لم يتفق إحرامه في وقت فريضة استحب له أن يصلي قبل إحرامه ست ركعات ثم يحرم بعدها، ودونها في الفضل أن يصلي أربع ركعات، وأقلها أن يصلي ركعتين ويحرم بعدها. [ المسألة 558: ] يجوز للمكلف أن يصلي نافلة الاحرام في أي وقت يشاء ويحرم بعدها، ولا تكره في الاوقات التي تكره فيها النوافل المبتدأة، ولا يمنع منها حتى في وقت الفريضة إذا حضرت، وقد دلت النصوص على أن صلاة الاحرام احدى الصلوات التي تصلى في كل وقت ولا تترك على حال.

[ 269 ]

[ المسألة 559: ] يستحب له أن يقرأ في الركعة الاولى من نافلة الاحرام الحمد وسورة التوحيد، ويقرأ في الركعة الثانية منها الحمد وسورة الجحد وهي قل يا أيها الكافرون، بل ينبغي أن يقرأ كذلك في كل ركعتين من نافلة الاحرام إذا صلاها ست ركعات، أو صلاها أربعا ولا يشمل هذا الاستحباب الفريضة الحاضرة إذا صلاها وهو يريد الاحرام بعدها. [ المسألة 560: ] الاحوط لزوما أن لا يختضب الرجل أو المرأة بالحناء وهما يريدان الاحرام بعد ذلك إذا كان لون الحناء يبقى إلى حال الاحرام وكان مما يعد زينة في الكف أو في الشعر، سواء قصدا به التزين أم لا، وكذلك الخضاب بغير الحناء إذا كان مما يبقى أثره ويعد زينة، بل لا يبعد القول بوجوب ازالة الاثر بعد الاحرام إذا أمكن ذلك. [ المسألة 561: ] قد تستعمل الحناء علاجا لتشقق الاصابع والكفين والقدمين ونحو ذلك، فإذا اضطر الرجل أو المرأة إلى ذلك جاز له أن يستعملها قبل الاحرام وان بقي اللون إلى حال الاحرام، وإذا لم يبلغ درجة الضرورة كره استعمالها للمرأة قبل الاحرام إذا كان الاثر مما يبقى، وأشكل القول بالكراهة للرجل فإن النص إنما ورد في المرأة، وهذا إذا كان الاثر الباقي لا يعد زينة والا جرى فيه الاحتياط المتقدم. وإذا اختضب وهو لا يريد الاحرام ثم أراد الاحرام بعد ذلك لم يحرم ولم يكره، وإذا كان الاثر الباقي بعد الاحرام مما يعد زينة أزالة مع الامكان وان لم يمكن ذلك فلا شئ عليه.

[ 270 ]

[ الفصل الثالث عشر ] [ في الاحرام وواجباته وآدابه ] [ المسألة 562: ] إذا أراد الانسان الاتيان بنسك حج أو عمرة واجب عليه أو مندوب، لنفسه أو بالنيابة عن غيره، وجب عليه عند وصوله إلى الميقات أن يعزم في نفسه على اجتناب جملة من المنهيات المخصوصة منذ ذلك الوقت إلى أن يتم أعمال نسكه الذي أراد القيام به، وهو بهذا العزم المستقر في نفسه ينشئ لنفسه صفة الاحرام الذي يجب عليه في تأدية النسك، فالصفة التي تحصل للانسان من عزمه المتقدم ذكره ومن التزامه النفساني بترك المنهيات هي الاحرام، والمنهيات الخاصة التي يلتزم باجتنابها في تلك المدة هي محرمات الاحرام، وسيأتي بيانها ان شاء الله. ويتضح مما بيناه أن الاحرام صفة اختيارية للانسان لا يمكن أن تحصل له الا بالقصد، ولابد فيها من النية، مسببة من الالتزام النفساني المذكور، وإذا حصلت للانسان صفة الاحرام وتم له انشاؤها بعزمه على ترك المحرمات والتزامه بذلك، حكم الشارع بثبوتها وبقائها، فلا ينتقض احرامه ولا يتحلل منه الا بمحلل شرعي عند اتمام النسك وانهاء أعماله، ولا يبطل الاحرام ان يرتكب المحرم بعض المحرمات أو يرتكب جميعها بعد عزمه السابق والتزامه به، بل تجب عليه كفاراتها وسيأتي بيانها. [ المسألة 563: ] الاحرام من الامور القصدية كما أوضحناه ولذلك فلابد فيه من النية منذ ابتدائه وسيأتي لها مزيد بيان وايضاح ان شاء الله.

[ 271 ]

وأما التلبية ولبس ثوب الاحرام فهما واجبان في الاحرام، ولكنهما ليسا دخيلين في مفهومه، وسنذكر أن التلبية شرط في تحريم المحرمات على الناسك، فلا يحرم عليه شئ منها قبل ان يلبي. [ المسألة 564: ] يكفي في تحقق نية الاحرام من المكلف أن يعزم على اجتناب محرمات الاحرام على وجه الاجمال وان لم يحط بها علما حين احرامه على التفصيل، فيجزيه أن يقصد ترك كل شئ حرمه الله عليه مادام ناسكا، ثم يجتنب عن أي شئ ذكره الفقيه الذي يقلده في رسالته، أو أي شئ يذكره المرشد الثقة في تعليمه. ويجب في نية الاحرام أن يعين النسك الذي يحرم له، أحجا هو أم عمرة، وحج اسلام أم حج نذر أم حجا مندوبا، وحج تمتع أم قران أم إفراد، وعمرة تمتع أم عمرة مفردة، وأن النسك الذي يأتي به لنفسه أو بالنيابة عن غيره، فلا يصح الاحرام لنسك مردد غير معين، ولا يصح الاحرام لنسك سيختار تعيينه في ما بعد من حج أو عمرة، ولا يصح الاحرام لحج أو لعمرة غير معينة حين الاحرام ثم يعينها بعد أن يتم العمل، ومن ذلك يتبين أن نية الاحرام بذاتها هي نية الحج أو العمرة التي يريد الاحرام لها، فهي نية لهما معا، وتلاحظ المسألة الخمسمائه والتاسعة والستون الآتية. [ المسألة 565: ] إنما يعتبر في نية الاحرام قصد الوجوب أو الندب إذا توقف على ذلك تعيين النسك الذي يحرم له المكلف كما في الامثلة التي ذكرناها في المسألة السابقة، ولا يجب قصد الوجوب أو الندب إذا كان العمل متعينا لا يتوقف على ذلك كما في سائر العبادات التي يكون فيها العمل المنوي متعينا فلا تجب فيها نية الوجه من الوجوب أو الندب، ولا يجب في نية الاحرام اخطار صورة العمل في الذهن

[ 272 ]

إذا كان متعينا، ويكفي الداعي في قصد التقرب به، ولكن ذكر هذه الامور أحوط وأولى. [ المسألة 566: ] يعتبر في نية الاحرام أن يقصد المحرم التقرب باحرامه وبنسكه الذي يحرم به إلى الله سبحانه، وان يخلص لله في نيته، فلا رياء ولا سمعة، كما يعتبر ذلك في سائر العبادات وقد فصلنا ذلك وذكرنا فروعه وأحكامه في مباحث النية من كتاب الصلاة وكتاب الطهارة وكتاب الصوم وغيرها، فإذا لم يتقرب العبد باحرامه أو بعمله الذي يحرم به إلى الله أو لم يخلص له في نيته كان احرامه باطلا. [ المسألة 567: ] الاحرام - كما قلنا أكثر من مرة - من الامور التي يتحقق وجودها الا بالقصد، فإذا لم تحصل النية من المكلف لم يتحقق الاحرام منه ووجب عليه تجديده، سواء أخل بالنية عامدا أم جاهلا أم ناسيا، وقد تقدمت أحكام من ترك الاحرام من الميقات متعمدا أو جاهلا أو ناسيا في فصل أحكام المواقيت فليرجع إليها، ولا فرق في حصول الخلل بالاحرام بذلك بين ان لا ينوي المكلف ترك المحرمات من أول الامر عامدا أو ساهيا كما ذكرنا وبين أن يقصد من أول أمره أن يرتكب بعض المحرمات أو جميعها من غير عذر. [ المسألة 568: ] إذا عزم الانسان في نفسه عزما مستقرا على ترك محرمات الاحرام جميعها من وقته هذا إلى أن يتم أعمال حجه أو عمرته والتزم في نفسه باجتنابها التزاما نفسانيا حصلت له صفة الاحرام كما قلنا في أول هذا الفصل، وتم له بهذا العزم المستقر والالتزام القلبي انشاء الاحرام، ثم لا ينتقض احرامه ولا يبطل إذا خالف عزمه الاول فارتكب بعض ما حرم الله عليه أو ارتكب جميعها، وانما تجب عليه

[ 273 ]

الكفارات بسبب مخالفته، ولا منافاة بين الامرين المذكورين. فإن عزمه المستقر في نفسه على ترك المحرمات في جميع المدة المذكورة سبب تام لحدوث صفة الاحرام له وقد تم السبب كما فرضنا وحصل الانشاء وتحقق له الاحرام، ولا ينافي ذلك ان يتبدل عزمه السابق بعد الاحرام بعزم آخر، فيرتكب المحرم فإن وجود العزم الاول سبب في حدوث الاحرام وليس بقاء العزم شرطا في بقاء الاحرام، ولذلك فلا يبطل الاحرام بذلك وتلزمه الكفارة للمخالفة. والفارق في ذلك واضح بين الاحرام والصوم، فان الصوم هو امساك الصائم عن المفطرات من أول النهار إلى دخول الليل قربة إلى الله ومعنى ذلك ان المفطرات منافيات للصوم في حدوثه وفي بقائه فإذا تناول الصائم أي مفطر منها في نهاره بطل صومه وليس الاحرام كذلك. [ المسألة 569: ] إذا تعدد ما في ذمة الشخص من الحج أو من العمرة وكان مختلفا في النوع أو في الاحكام وجب عليه تعيين ما يحرم له، ومثال ذلك أن تجب عليه حجة تمتع بسبب النذر وحجة تمتع أخرى بسبب الاستطاعة، فيجب عليه أن يعين عند احرامه أن ما يأتي به هي الحجة المنذورة مثلا أو انها حجة الاسلام، ومثال ذلك ايضا أن تشتغل ذمته بحجة تمتع منذورة، وحجة قران أو افراد بالاستطاعة فيلزمه التعيين. وإذا تعدد ما في ذمته وكان متحدا في النوع والحكم لم يجب عليه التعيين، ومثال ذلك: أن تجب عليه حجتان بسبب النذر وكلتاهما من حج التمتع أو من حج القران أو الافراد، فلا يجب عليه ان يعين في نية الاحرام أنه يحرم للحجة المنذورة أولا، أو للمنذورة ثانيا، فإذا أحرم بعمرة التمتع لحج التمتع المنذور في المثال الاول

[ 274 ]

وأتى بالعمل تاما برئت ذمته من احدى الحجتين المنذورتين وبقيت الثانية وهكذا في باقي الامثلة. [ المسألة 570: ] إذا نوى المكلف اجتناب جميع محرمات الاحرام، وعقد عزمه على ذلك حتى يتم نسكه، وأنشأ احرامه من الميقات بذلك صح احرامه وان كان في ذلك الوقت معذورا لا يستطيع ترك بعض المحرمات، ومثال ذلك أن ينوي الاحرام كذلك من الميقات وهو مريض لا يقدر على ترك التظليل مثلا، فيصح احرامه ويجوز له التظليل لوجود العذر وتلزمه الكفارة بسببه ويجب عليه اجتناب باقي المحرمات. [ المسألة 571: ] إذا وجب على الرجل نسك معين من حج أو عمرة باستطاعة أو نذر مثلا أو غيرهما، ونوى الاحرام بنسك آخر غيره، لم يكفه ما نواه عن الواجب الذي لزمه، لانه لم ينوه، وهل يصح احرامه والاتيان بالعمل الذي قصده؟، فيه اشكال وتردد. [ المسألة 572: ] إذا قصد الرجل في ضميره الاحرام بنسك معين لا تردد فيه ونوى الاتيان به ونطق بلسانه انه يحرم بنسك آخر غيره، صح احرامه لما قصده في نفسه، ولغي اعتبار ما نطق به بلسانه. [ المسألة 573: ] قد تقدم ان الاحرام من الامور القصدية التي تتقوم بالنية ولا تتحقق الا بها، ولذلك فإذا شرع المكلف في نوع من النسك حج أو عمرة، ثم شك في أثنائه، هل نواه عند الاحرام أم لم ينوه ففي صحته اشكال بل منع، فإن قاعدة الصحة وقاعدة التجاوز انما تثبتان صحة العمل إذا شك في صحته بعد احراز أصل عنوانه، لا

[ 275 ]

في مثل ذلك مما يكون الشك في النية شكا في أصل عنوان العمل ولم يحرز فيه عنوانه. [ المسألة 574: ] الحج والعمرة عبادتان مستقلتان، ولذلك فلابد في كل واحدة منهما من احرام خاص تنفرد به ومن نية مستقلة تختص بها، حتى عمرة التمتع مع حج التمتع، فهما نسكان متميزان يختص كل واحد منهما باحرامه ونيته وآثاره، وان ارتبط أحدهما بالآخر ودخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كما في الحديث، فلا تكفي فيهما نية واحدة تجمعهما معا ولا يصح ذلك، وإذا قرن المكلف بينهما في النية كذلك كان باطلا لانه نوى ما لا يشرع، فيجب عليه التجديد على حسب ما أمرت به الشريعة، من غير فرق بين أن يقع ذلك منه في اشهر الحج وغيرها. نعم، يصح له أن ينوي الاتيان بعمرة التمتع ليأتي بعدها بحج التمتع بعد الاحلال من العمرة كما أمره الله به، وهذا ليس من القران بين النسكين في النية، وانما هو نية عبادة حتى يتمها ثم نية عبادة أخرى تترتب عليها في احرامها وأعمالها ولا ريب في صحة ذلك. [ المسألة 575: ] إذا أحرم الرجل لنسك معين من الحج أو العمرة ثم نسي النسك الذي عينه ولم يتذكره ليأتي بأعماله، فهنا صور تجب ملاحظتها لتطبيق أحكامها. الصورة الاولى: أن يتردد النسك الذي عينه ثم نسيه بين ما هو صحيح وما هو باطل، ومثال ذلك: أن يكون احرامه بالنسك في غير أشهر الحج، ثم ينسى ما أحرم به فلا يدري أهو عمرة مفردة فيكون صحيحا في غير أشهر الحج، أم هو حج أو عمرة تمتع فيكون باطلا لانهما لا

[ 276 ]

يصحان فيها. والحكم في هذه الصورة أن يجدد احرامه بنية العمرة المفردة، وذلك لان احرامه السابق ان كان للعمرة المفردة كان احرامه الثاني تأكيدا له لا عدولا عنه فيصح، وان كان لحج أو لعمرة تمتع كان باطلا في غير أشهر الحج ولا مانع من الاحرام بعده، فإذا جدد احرامه للعمرة المفردة وأتمها لم يبق في ذمته من قبل الاحرام شئ. ومن أمثلة ذلك أن يكون الرجل قد دخل مكة بعمرة تمتع وأتمها وأحل منها، ثم عقد الاحرام من مكة ونسي هل أنه أحرم بحج التمتع فيكون صحيحا، أم أحرم بعمرة مفردة فيكون إحرامه باطلا، لان الاحرام بالعمرة المفردة يجب أن يكون من أدنى الحل، ولان الاحرام بالعمرة المفردة لا يجوز على الاحوط لزوما بعد عمرة التمتع وقبل الاحرام بالحج كما تقدم في المسألة الخمسمائة والحادية والاربعين، فعليه أن يجدد احرامه من مكة لحج التمتع لعين ما ذكرناه في المثال الاول. [ المسألة 576: ] الصورة الثانية أن يكون النسك الذي قصده المكلف في احرامه معلوم الصحة ثم ينساه على التعيين، ويكون الاحتياط في ما احرم به ممكنا، ومثال ذلك: أن يحرم في أشهر الحج ثم ينسى النسك الذي أحرم به، فلا يعلم أهو حج افراد أم عمرة مفردة، وكلاهما مما يصح الاحرام به في أشهر الحج، فيحكم بصحة احرامه ويلزمه الاحتياط لاتمامه، فيخرج إلى المشاعر أولا لاحتمال أنه قد أحرم بالحج، فيقف في عرفات وفي المشعر الحرام، ويرمي جمرة العقبة بمنى في يوم النحر، ثم يعود إلى مكة في يومه فيأتي بالطواف والسعي وطواف النساء بنية أداء ما في ذمته من أعمال الحج أو العمرة المفردة، ثم

[ 277 ]

يرجع في يومه إلى منى فيقصر فيها لما في ذمته من تقصير الحج أو العمرة، ويتم بعدها أعمال منى في أيام التشريق. ويجوز له أن يقدم أعمال العمرة على الحج فيطوف بالبيت أولا، ويسعى لاحتمال أنه قد أحرم بالعمرة ولا يقصر بعدهما، ثم يذهب إلى المشاعر فيقف في عرفات وفي المشعر ويرمي جمرة العقبة ثم يقصر في منى لما في ذمته من تقصير للحج أو العمرة، ثم يعود إلى مكة فيأتي بطواف الحج وسعيه، ثم يطوف طواف النساء لما في ذمته، ويتم أعمال منى. [ المسألة 577: ] إذا أحرم الرجل في أشهر الحج ثم نسي أن النسك الذي أحرم به هو عمرة التمتع أو العمرة المفردة، وهذا المثال مما يمكن فيه الاحتياط أيضا، فيلزمه الطواف والسعي والتقصير لما في ذمته من احدى العمرتين، فإذا أحل من احرامه بالتقصير حرم عليه الخروج من مكة حتى يأتي بحج التمتع، فإذا أحرم به وأتم أعماله، وأتى بأعمال مكة للحج أتى بطواف النساء بقصد ما في ذمته في العمرة المفردة أو حج التمتع. [ المسألة 578: ] الصورة الثالثة أن يكون النسك الذي قصده المكلف في الاحرام معلوم الصحة كما تقدم، وينساه ويكون الاحتياط التام فيه غير ممكن، ومثال ذلك: أن يحرم في أشهر الحج، وينسى النسك الذي أحرم به أهو عمرة التمتع أو حج الافراد، والاحتياط في هذا الفرض غير ممكن كما ذكرنا، فإن ما أحرم به إذا كان هو عمرة تمتع وجب عليه التقصير بعد الطواف والسعي فيها ليحل من احرامه، ويحرم بعدها بحج التمتع، وإذا كان حج افراد حرم عليه التقصير حتى يقف

[ 278 ]

الموقفين ويرمي جمرة العقبة في يوم النحر، فإذا دار الامر بين المحذورين ولم يمكن الاحتياط وجب عليه الرجوع إلى الموافقة الاحتمالية، ومتى صنع كذلك فأتم عمرة التمتع وقصر بعدها وأحرم بعدها لحج التمتع وأتم أعماله برئت ذمته من ناحية احرامه، ولزمته الكفارة لمخالفته الاحتمالية بسبب تقصيره بعد العمرة. [ المسألة 579: ] يستحب التلفظ بنية الاحرام ونية الحج أو العمرة التي يحرم بها ولا يجب ذلك، فيصح احرامه ويصح نسكه إذا قصد العمل المعين في نفسه متقربا به إلى الله وان لم يتكلم بشئ، واستحباب النطق بالنية مما يختص به الاحرام والنسك الذي يحرم به، دون سائر العبادات فلا يستحب التلفظ بنياتها، وقد ذكرنا في المسألة الثلاثمائة والثالثة والاربعين من كتاب الصلاة حكم التلفظ بنيتها وبنية صلاة الاحتياط على الخصوص. [ المسألة 580: ] ليس لنية الاحرام أو النسك لفظ مخصوص، فإذا أراد المكلف المستطيع أن يحرم من الميقات وكان فرضه عمرة التمتع، كفاه أن يقول بعد لبس ثوبي الاحرام: (أحرم بعمرة التمتع لحج الاسلام حج التمتع قربة إلى الله تعالى)، فإذا قال ذلك، فقد أنشأ الاحرام بقصد ترك محرماته. ونوى النسك المفروض عليه في الاسلام، وقد ذكرنا أنه يجزيه عند النية أن يكون عارفا بالمحرمات على سبيل الاجمال، فيعزم في نفسه عزما مستقرا على اجتنابها، وان يكون عالما بأعمال العمرة والحج على وجه الاجمال كذلك، فيقصد الاتيان بها في مواضعها متقربا بجميع ذلك الى الله وقاصدا امتثال أمره، وسنذكر ان شاء الله بعض الادعية المأثورة المشتملة على نية الاحرام ونية النسك، والتي تستحب قراءتها عند عقد النية.

[ 279 ]

ويراد بحج الاسلام هنا وبعمرة الاسلام الحج والعمرة اللذان يفرضهما الاسلام على ذلك المكلف إذا استطاع الحج والعمرة، وقد بينا ذلك في فصل أقسام الحج والعمرة، وإلا فجميع أقسام الحج والعمرة الواجبة والمندوبة مما أمرت به شريعة الاسلام. وإذا كانت عمرة التمتع واجبة عليه بالنذر وشبهه أو بالنيابة عن أحد، قال: (أحرم بعمرة التمتع لحج وفاءا بما نذرته أو بما حلفت عليه)، أو قال: بالنيابة عن فلان بن فلان، قربة إلى الله تعالى. وإذا كان فرضه عند الاستطاعة حج القران أو الافراد، قال: أحرم بحج القران حج الاسلام. أو قال: أحرم بحج الافراد حج الاسلام قربة إلى الله، وإذا كان واجبا بالنذر أو بالنيابة عينه كذلك. وكذا الحال في العمرة المفردة إذا كانت واجبة عليه لنفسه أو عن غيره وفي عمرة التمتع المندوبة، والحج المندوب بجميع أقسامه، فيذكرها جميعا على النهج المتقدم بيانه. [ المسألة 581: ] الواجبات في الاحرام ثلاثة أمور: الواجب الاول فيه: النية، وقد فصلنا القول فيها في المسائل المتقدمة تفصيلا وافيا بالمقصود، ومن طلب المزيد فليعد إلى مباحث النية من كتاب الصلاة، ومبحث نية الوضوء، من كتاب الطهارة، وسيأتي هنا - إن شاء الله - ذكر بعض الآداب والمستحبات فيها. [ المسألة 582: ] الواجب الثاني من واجبات الاحرام: لبس ثوبي الاحرام، والظاهر من الادلة ان لبسهما واجب

[ 280 ]

تكليفي في الاحرام، وليس شرطا في صحته، فإذا نوى الاحرام ولبى وهو عار انعقد احرامه على الظاهر، وان كان آثما بعدم لبسهما في حال عقد الاحرام إذا كان عامدا، ويجب عليه نزع المخيط، والظاهر كذلك أنه ليس شرطا في صحة الاحرام، فإذا نوى الاحرام ولبى وهو لابس للمخيط صح احرامه، وأثم بذلك إذا كان عامدا، ووجب عليه نزعه ويجوز له نزعه من رأسه، والاحوط اعادة الاحرام إذا أحرم بالمخيط وكان عالما عامدا. وإذا أحرم ولبى، ثم لبس القميص بعد ذلك لم يبطل إحرامه بذلك وإن كان متعمدا، ووجب عليه شق القميص وإخراجه من رجليه، وسيأتي بيان الكفارة في ذلك في فصل الكفارات. [ المسألة 583: ] يجب على المحرم أن يأتزر بأحد الثوبين ويرتدي بالآخر، والاحوط إن لم يكن ذلك هو الاقوى أن يكون اتزاره وارتداؤه بهما على النحو المألوف، فلا يعقد الرداء في عنقه أو في عضو آخر من بدنه، ولا يعقد بعضه ببعض، ولا يغرزه بإبرة وشبهها، بل يغرزه بنفسه، وكذلك في الازار وإن كان الجواز فيه غير بعيد، وأولى من ذلك بالجواز في الازار ما إذا وضع في طرفه حجرا صغيرا أو حصاة مثلا وحبس الطرف الثاني عليهما بمطاط ضيق مستدير يمنعهما من الانفصال ويشد الازار بسبب ذلك على حقويه من غير عقد. [ المسألة 584: ] يعتبر في الرداء أن يكون في طوله وسعته مما يصدق معه الارتداء عرفا إذا وضعه المحرم على ظهره ومنكبيه، ولذلك فيجب أن يكون في طوله ساترا أكثر من الظهر والمنكبين، ولا يكتفى به إذا كان بمقدارهما دون زيادة، والاحوط أن يكون في سعته وعرضه شاملا لطول الظهر كله، فلا يكفي إذا كان يقصر عنه، والاحوط في

[ 281 ]

الازار أن يستر ما بين السرة والركبة، فلا يكتفى بما دون ذلك، وأن يكون في سمكه ساترا للبشرة، فلا يجتزأ به إذا كان خفيفا غير ساتر لها، ويكفيه أن يتزر بثوبين خفيفين يحصل بمجموعهما الستر وبثوب خفيف طويل يتزر به مرتين لطوله ويحصل به الستر المقصود، ويشكل ان يتزر بإزار خفيف غير ساتر، ثم يرتدي برداء سميك يشمل بسعته موضع الازار ويحصل به الستر. [ المسألة 585: ] الاحوط لزوما بل الاقوى أن تلبس المرأة عند عقد احرامها ثوبي الاحرام الازار والرداء كما في الرجل، وان جاز لها أن تلبس المخيط حتى عند الاحرام، بل ويجوز لها أن يكون ازارها ورداؤها اللذان تحرم بهما مخيطين، ويجوز لها أن تنزع ثوبي الاحرام بعد عقده حتى في أوقات تأدية المناسك من طواف وسعي ووقوف وغيرها، وتجتنب المرأة زر ثوبي الاحرام وعقدهما كما يجتنب الرجل ذلك [ المسألة 586: ] الظاهر انه لا يكفي في صحة الاحرام ثوب واحد طويل يتزر ببعضه ويرتدي ببعضه الآخر. [ المسألة 587: ] يشترط في الازار والرداء اللذين يحرم بهما المحرم من الرجال والنساء أن يكونا مما تصح الصلاة فيه للرجال، فلا يجوز الاحرام في الثوب إذا كان مغصوبا أو كان جميعه أو بعض اجزائه متخذا مما لا يؤكل لحمه، وان كان من صوفه أو شعره أو وبره أو ريشه، أو كان مذهبا أو كان من الحرير الخالص، ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، بل الاحوط للنساء ان يجتنبن لبس الحرير الخالص وهن محرمات، حتى في ثيابهن الاخرى غير ثياب الاحرام،

[ 282 ]

وحتى في غير وقت عقد الاحرام. ولا يجوز الاحرام للرجل ولا للمرأة في ثوب متنجس إذا كانت نجاسته غير معفو عنها في الصلاة. [ المسألة 588: ] الاحوط لزوما في ثوبي الاحرام ان لا يكونا من الجلود، وان كانت من الحيوان المذكى المأكول اللحم، ولا من الملبد، فإن الجلد والملبد مما يشك في صدق اسم الثوب عليه عرفا، ولا بأس بما صدق اسم الثوب عليه إذا وجدت فيه الشرائط التي تقدم ذكرها، وان لم يكن من المنسوجات كالثياب الحديثة التي تصنع من النايلون وشبهه، ولا بأس بالمنسوجات المخملة، كالمناشف والبرود والمناديل الكبيرة الواسعة ذات الخمل المنسوج على وجهها مما يشبه الزغب في القطائف. [ المسألة 589: ] لا يترك الاحتياط بمبادرة المحرم إلى تطهير بدنه وثوب إحرامه إذا عرضت لهما نجاسة بعد الاحرام، ويكفيه أن يبدل الثوب المتنجس بثوب آخر طاهر، وإذا كانت نجاسة الثوب معفوا عنها في الصلاة لم يفتقر إلى تطهير أو تبديل وكذا نجاسة البدن. [ المسألة 590: ] لا يترك الاحتياط بأن يقدم المكلف لبس ثوبي الاحرام قبل أن ينوي الاحرام، وقد سبق ان لبس الثوبين واجب تعبدي في الاحرام وليس شرطا في صحته، وان المكلف إذا أحرم ولبى قبل أن يلبس الثوبين صح إحرامه، وان كان آثما بعدم لبس الثوبين حين احرامه، وإذا قرن عقد احرامه مع لبس الثوبين صح احرامه من غير إثم.

[ 283 ]

[ المسألة 591: ] الاحوط بل الاقوى أن ينوي لبس ثوبي الاحرام إذا أراد لبسهما للاحرام، فيقصد في قلبه أو يقول بلسانه أيضا: ألبس ثوبي الاحرام لعمرة التمتع مثلا امتثالا لامر الله تعالى، وأما التجرد من لبس المخيط فلا تعتبر فيه النية. [ المسألة 592: ] لبس المخيط مما ينافي نية الاحرام، فقد تقدم أن انشاء الاحرام يحدث من العزم الثابت في ضمير الانسان على ترك جميع المحرمات والتزامه النفساني ذلك، ولا ريب في ان لبس المخيط منها ولذلك فإذا لبس المكلف ثوبي الاحرام مع المخيط فوقه أو تحته وهو عالم عامد، فالاحوط له لزوما اعادة الاحرام بعد نزع المخيط إذا كان قبل التلبية، وتلاحظ المسألة الخمسمائة والثانية والثمانون، وإذا كان جاهلا وجب عليه نزعه حين ما يعلم بالحكم ولا يجب عليه أن يعيد الاحرام. [ المسألة 593: ] يجوز للمحرم أن يلبس في احرامه أكثر من ثوبين، فيعدد الازار أو الرداء إتقاءا من البرد أو الحر أو لغير ذلك من الدواعي، مع وجود الشرائط في ما يلبسه من الثياب، سواء كان ذلك في ابتداء إحرامه أم بعد ذلك، وإذا لبس بعد الاحرام ما لا يحل له لبسه ناسيا أو جاهلا وجب عليه نزعه متى تذكر. [ المسألة 594: ] لا يجب على المحرم أن يلبس ثياب إحرامه في جميع مدة الاحرام، فيجوز له أن ينزعها عن جسده ليغتسل مثلا أو ليطهر الثياب من نجاسة أو لينظفها من الاوساخ، ولبعض الموجبات

[ 284 ]

الاخرى، ويجوز له أن يلقيها عن بدنه اختيارا في بعض الاوقات إذا أمن الناظر، ويجوز له ابدالها بغيرها مع وجود الشروط. [ المسألة 595: ] يستحب للمحرم التلفظ بنية الاحرام - كما قلنا في المسألة الخمسمائة والثمانين -، ويستحب له أن يشترط على الله عند احرامه أن يحله إذا حبسه فعرض له عارض يمنعه من أن يتم النسك الذي أحرم به من الحج أو العمرة كما نطقت به الادلة الكثيرة، فيقول - كما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال -: فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله وأثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وآله، وتقول: (اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك، واتبع أمرك، فإني عبدك وفي قبضتك لا أوقى الا ما وقيت، ولا أجد الا ما أعطيت، وقد ذكرت الحج فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، وتقويني على ما ضعفت وتسلم مني مناسكي في يسر منك وعافية، واجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت وسميت وكتبت، اللهم إني خرجت من شقة بعيدة وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك اللهم فتمم لي حجتي وعمرتي، اللهم اني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فان عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة، أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب، ابتغي بذلك وجهك والدار الآخرة). أو يقول ما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا أردت الاحرام والتمتع فقل: (اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر ذلك لي، وتقبله مني، وأعني عليه، وحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت علي، أحرم لك

[ 285 ]

شعري وبشري من النساء والطيب والثياب). وقد ذكر الفقهاء (قدس الله أنفسهم): للمحرم أحكاما إذا أحصر بعد احرامه فعرض له مرض يمنعه عن أن يأتي بنسكه أو عن أن يتمه، أو صده عدو فلم يتمكن من ذلك، وسنثبت فرقا في الاحكام يختلف فيها من يشترط في احرامه على الله أن يحله إذا حبسه عمن لا يشترط ذلك، وسنتعرض ان شاء الله تعالى لبيان ذلك في الفصل السادس والعشرين في الصد والاحصار. [ المسألة 596: ] إذا أبدل المحرم ثياب احرامه بغيرها استحب له متى دخل مكة أن يلبس الثوبين اللذين أحرم بهما ليكون طوافه وسعيه بهما، ويكره له أن يبيعهما ولو بعد ذلك، ولا يحرم عليه البيع. [ المسألة 597: ] الواجب الثالث من واجبات الاحرام: التلبيات الاربع، وهي أن يقول المحرم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، والاحوط لزوما أن يقول بعد ذلك: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ولا ينعقد الاحرام في عمرة التمتع، ولا في حج التمتع، ولا في حج الافراد، ولا في العمرة المفردة الا بالتلبيات المذكورة، كما لا تنعقد الصلاة الواجبة ولا المندوبة الا بتكبيرة الاحرام، وأما حج القران فيتخير المكلف فيه بين أن يعقد إحرامه بالتلبية، وأن يعقده باشعار هديه إذا كان من الابل، أو بتقليده إذا كان من الابل أو البقر أو الغنم، وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله، وقد سبق ذكره في المسألة الاربعمائة والخامسة والخمسين وما بعدها. فإذا نوى الشخص الاحرام ولبس الثوبين ثم أتى بعض محرمات الاحرام من الصيد أو النساء أو الطيب أو غير ذلك من

[ 286 ]

قبل أن يعقد إحرامه بالتلبية لم تجب عليه الكفارة، وكذلك القارن إذا فعل شيئا منها قبل أن يلبي أو يشعر هديه أو يقلده فلا كفارة عليه. [ المسألة 598: ] يجب على المكلف أن ينطق بالتلبيات الواجبة عليه على الوجه العربي فيؤدي كلماتها وحروفها على النهج الصحيح، وعلى وفق القواعد الثابتة في اللغة، ويكفيه أن يتلقنها من المرشد العارف بها جملة جملة أو كلمة كلمة، مع فهم المعنى المقصود منها، ولا يجزيه - مع التمكن من ذلك - أن ينطق بها ملحونة ولو في بعض كلماتها، وإذا عجز عن النطق الصحيح فالاحوط له لزوما أن يأتي بها كما يحسن، ويستنيب من يلبي عنه تلبية صحيحة فيجمع بينهما، ولا تكفي ترجمتها بغير العربية مع التمكن من التلفظ بها عربية على الوجه الذي بيناه، وان كانت الترجمة مطابقة، فإذا عجز عن النطق العربي جمع على الاحوط لزوما بين الترجمة والاستنابة. [ المسألة 599: ] يكفي الاخرس في التلبية عند الاحرام أن يشير إلى التلبية بأصبعه، ويحرك بها لسانه، ويعقد بها قلبه، والاحوط له استحبابا أن يجمع بين ذلك وبين أن يستنيب أحدا يلبي عنه. [ المسألة 600: ] إذا أحرم الولي بالصبي أو الصبية فان كان مميزا أمره بالتلبية ليلبي بنفسه، وإذا كان لا يحسنها علمه أو لقنه اياها كلمة كلمة ليقولها، وإذا كان الصبي غير مميز لبى الولي بالنيابة عنه، وقد تقدم في المسألة الخمسمائة والسابعة والعشرين حكم الشخص إذا أغمي عليه في الميقات فلم يتمكن من الاحرام فيه وكذلك حكمه إذا أحرم وأغمي عليه قبل أن يلبي، وسيأتي حكم من نسي التلبية عند

[ 287 ]

الاحرام حتى تجاوز الميقات. [ المسألة 601: ] المعلوم من موارد الاستعمال في العرف واللغة أن لبيك كلمة تستعمل في اجابة نداء المنادي، وفيها دلالة على اكبار المنادي واجلاله، وهي قد تضاف إلى الظاهر فيقال: لبي زيد وقد تضاف إلى الضمير فيقال: لبيك ولبيكما ولبيكم، ومن ذلك يكون اشتقاقها فيقال: لباه تلبية وهو ملب إذا أجاب نداءه، واما أقوال اللغويين التي ذكروها في أصل هذه الكلمة فلا تعدو أن تكون تخرصا قد لا يثمر الظن فضلا عن العلم. [ المسألة 602: ] الاولى للمحرم أن يقول في تلبيته: (إن الحمد والنعمة لك) بكسر الهمزة في إن لا بفتحها، بل لا ينبغي له ترك ذلك، وان صح له أن يقرأها بالفتح أيضا، الا ان المعنى في التلبية مع كسر الهمزة يكون أعم وأتم. [ المسألة 603: ] لا يشترط في صحة الاحرام أن يقرن المكلف نية إحرامه بالتلبية ولا تجب عليه المبادرة إليها، فإذا أخر التلبية عن نية الاحرام ولبس الثوبين عامدا لم يبطل إحرامه ولم يأثم بذلك، وان كان الاحوط له أن لا يؤخرها، نعم يجب عليه أن يكون عقد احرامه بالتلبية في الميقات، فلا يجوز له أن يؤخر تلبيته حتى يتجاوز الميقات، أو الموضع الذي يجب عليه الاحرام منه بالنذر أو غيره. [ المسألة 604: ] لا يحرم على الانسان شئ من محرمات الاحرام حتى يعقد إحرامه بالتلبية، أو بالاشعار أو التقليد إذا كان قارنا، وان نوى الاحرام ولبس ثيابه، وقد ذكرنا من قبل ان كفارات الاحرام لا

[ 288 ]

تجب عليه إذا فعل شيئا من المنهيات قبل ذلك، وكما لا تلزمه الكفارة فلا يكون آثما بفعله، وهل يجوز له أن يبطل إحرامه عامدا فيعدل عن نيته قبل التلبية وما هو بمنزلتها فيرجع إلى أهله أو يحرم إحراما آخر؟ فيه اشكال. [ المسألة 605: ] إذا نسي المحرم التلبية الواجبة عليه حتى تجاوز الميقات وجب عليه الرجوع والتلبية من الميقات على الاحوط لزوما بل على الاقوى، فإذا تعذر عليه العود إلى الميقات رجع في طريقه ما أمكنه الرجوع ولبى من الموضع الذي يستطيع الوصول إليه، فان تعذر عليه ذلك لبى في موضعه، وإذا أتى بشئ من محرمات الاحرام قبل أن يلبي فلا كفارة عليه كما تقدم. [ المسألة 606: ] إذا أتى المكلف بالتلبيات الاربع بعد احرامه مرة واحدة انعقد إحرامه وتأدى بها الواجب، ولم تجب عليه الزيادة على ذلك، ويستحب تكرارها والاكثار منها ما استطاع، وأن يأتي بها في دبر كل صلاة مكتوبة ونافلة، وحين تنهض به راحلته، وإذا علا شرفا أو هبط واديا، أو لقي راكبا أو استيقظ من منامه، وبالاسحار، وكلما ركب، وكلما نزل، ويستحب أن يجهر بها ويرفع صوته ويعج، ويستحب له أن يلبي في إحرامه سبعين مرة، ففي الحديث عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من لبى في احرامه سبعين مرة ايمانا واحتسابا أشهد الله له ألف ألف ملك ببراءة من النار وبراءة من النفاق)، وعنه صلى الله عليه وآله: (ما من حاج يضحي ملبيا حتى تزول الشمس الا غابت ذنوبه معها)، وفي الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أحرم أتاه جبرئيل (ع) فقال له: مر أصحابك بالعج والثج)، والعج رفع الصوت بالتلبية، والثج نحر البدن، قال:

[ 289 ]

وقال جابر بن عبد الله: (ما بلغنا الروحا حتى بحت أصواتنا). [ المسألة 607: ] يستحب أن يقول في التلبية ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: التلبية أن تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك، لبيك غفار الذنوب لبيك، لبيك أهل التلبية لبيك، لبيك ذا الجلال والاكرام لبيك، لبيك تبدئ والمعاد اليك لبيك، لبيك تستغني ويفتقر اليك لبيك، لبيك مرهوبا ومرغوبا اليك لبيك، لبيك إله الحق لبيك، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك، لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، لبيك عبدك وابن عبديك لبيك، لبيك يا كريم لبيك)، وورد في الصحيحة نفسها وأكثر من ذي المعارج فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكثر منها. ويستحب أن يقول: (لبيك أتقرب اليك بمحمد وآل محمد لبيك، لبيك بحجة أو عمرة لبيك، لبيك وهذه عمرة متعة إلى الحج لبيك، لبيك أهل التلبية لبيك، لبيك تلبية تمامها وبلاغها عليك). [ المسألة 608: ] إذا نوى المكلف الاحرام بالعمرة أو بالحج في مسجد الشجرة ولبس الثوبين جاز له أن يأتي بالتلبية الواجبة من وقته، وجاز له أن يؤخرها ويأتي بها بعد ذلك قبل أن يخرج من حدود الميقات وإذا أتى بها تخير بين أن يأتي بها سرا وأن يأتي بها جهرا، والافضل أن يؤخر الجهر بها وبالتلبية المستحبة حتى يصل البيداء، والبيداء أرض مستوية تقع على بعد ميل واحد من ذي الحليفة. وإذا نوى الاحرام في ميقات أهل العراق أو غيره من المواقيت الخمسة جاز له كذلك أن يعجل بالتلبية فيأتي بها في موضعه سرا أو جهرا، وجاز له أن يؤخرها على أن يأتي بها قبل خروجه عن حدود

[ 290 ]

الميقات، والافضل له أن يؤخر الاتيان بالتلبية سرا وجهرا إلى أن يمشي قليلا قبل أن يتجاوز الميقات. وإذا نوى الاحرام لحج التمتع في المسجد الحرام ولبس ثوبي الاحرام جاز له أن يلبي في موضعه من المسجد وأن يجهر بها إذا شاء، وجاز له أن يؤخر تلبيته مادام في مكة، والافضل له أن يؤخرها إلى الرقطاء في خروجه إلى منى فيلبي فيها قبل ان يصل إلى الردم، فإذا انتهى إلى الردم وأشرف على الابطح رفع صوته بالتلبية، وكذلك إذا أحرم في غير المسجد من مكة. والابطح أو المحصب سيل متسع يقع بين مكة ومنى، والردم حاجز يكون في آخر الابطح من جهة مكة يمنع وصول السيل إلى المسجد الحرام، والرقطاء موضع في مكة يكون قبل الردم المذكور. [ المسألة 609: ] يختص استحباب الجهر بالتلبية بالرجال، فلا جهر فيها على النساء. [ المسألة 610: ] تتأدى وظيفة الاستحباب في تكرار التلبية بأن يقول: (لبيك اللهم لبيك)، ويكرر ذلك وان لم يأت بها بصورة التلبية الواجبة، أو بصورة التلبيات المستحبة، وتتأدى أيضا بأن يكرر بعض الفقرات المأثورة فيقول مثلا: (لبيك ذا المعارج لبيك)، أو (لبيك يا كريم لبيك)، وتتأدى بأن ينشئ كلمات صحيحة المعنى في التلبية ويكررها، ولا يكفي جميع ذلك عن التلبية الواجبة. [ المسألة 611: ] يجب على المحرم بعمرة التمتع أن يقطع تلبيته إذا شاهد بيوت مكة القديمة، فلا تشرع له التلبية بعد ذلك، ولا اعتبار بمشاهدة بيوت مكة في المحلات والشوارع المستجدة فيها، وحد مكة

[ 291 ]

القديمة - على ما عينته النصوص المعتبرة - هو عقبة المدنيين لمن دخل من أعلى مكة كما في بعض النصوص، وعقبة ذي طوى لمن دخل من أسفلها، وهي قريبة من عقبة المدنيين، على ما يذكره الازرقي في كتابه أخبار مكة، ويضبطه محقق الكتاب وهما يسميان الموضعين ثنية المدنيين وثنية ذي طوى، ويقول محقق الكتاب ثنية المدنيين هي التي تسمى اليوم ثنية الحجون، ويقول أيضا: وادي ذي طوى بين مقبرة الحجون بالمعلاة وربع الكحل المسمى بالثنية الخضراء وكان وادحي طوى يسمى وادي ضبع أما اليوم فيعرف ببير الهندي، ونحن ننقل ذلك للتقريب والمدار في الحكم على مشاهدة بيوت مكة القديمة كما قلنا من أية جهة يدخلها المحرم، ولا فرق في الحكم بين عمرة التمتع الواجبة والمندوبة. ويجب على المحرم بالعمرة المفردة أن يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم، سواء كانت عمرته واجبة أم مندوبة، وهذا إذا كان إحرامه بالعمرة من الميقات، أو من دويرة أهله إذا كانت دون الميقات وقبل حدود الحرم، وإذا كان قد خرج من مكة فأحرم بعمرته من أدنى الحل لم يقطع التلبية حتى يشاهد الكعبة المعظمة، وكذلك النائي عن مكة إذا مر بالميقات، وهو لا يريد النسك ولا الدخول إلى مكة فلم يحرم حتى وصل أدنى الحل ثم أراد العمرة المفردة، فقد سبق أن حكمه أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل كما فعل الرسول صلى الله عليه وآله في عمرته بعد غزوة حنين، فإذا أحرم بها لم يقطع تلبيته حتى يشاهد الكعبة. وإذا أحرم المتمتع من مكة بحج التمتع قطع تلبيته عند زوال الشمس من يوم عرفة، وكذلك المحرم بحج القران أو بحج الافراد فعليه أن يقطع التلبية عند الزوال في عرفة.

[ 292 ]

[ المسألة 612: ] إذا نوى الشخص الاحرام بالحج أو العمرة ولبس ثوبي الاحرام وشك هل أنه أتى بالتلبية بعدهما فانعقد احرامه ووجب عليه ترك محرمات الاحرام، أو لم يلب بعد فلم يجب عليه تركها، بنى على عدم الاتيان بالتلبية، ولذلك فلا يحرم عليه فعلها ولا تجب عليه الكفارة بفعل شئ منها حتى يلبي بعد ذلك. [ المسألة 613: ] إذا أتى المكلف بالتلبية بعد النية ولبس الثوبين وشك بعد الفراغ منها هل كانت تلبيته صحيحة أم لا؟ بنى على الصحة، ولذلك فيجب عليه ترك المحرمات وتلزمه الكفارة بفعل شي منها. [ المسألة 614: ] إذا أراد الانسان أن يحرم من الميقات بحج القران وساق معه هديا، تخير بعد أن ينوي الاحرام ويلبس الثوبين بين أن يعقد احرامه بالتلبية كغيره من المحرمين، وان يعقده باشعار الهدي إذا كان من الابل، وتقليده إذا كان من الابل أو البقر أو الغنم، فإذا لبى أولا انعقد احرامه بتلبيته ولم يجب عليه اشعار الهدي ولا تقليده واستحب له الاتيان بهما، وإذا سبق فأشعر البدنة انعقد احرامه بالاشعار واستحبت له التلبية والتقليد، وإذا قدم التقليد انعقد احرامه به ولم تجب عليه التلبية ولا الاشعار واستحبت له التلبية، واستحب له اشعار الهدي إذا كان من الابل. [ المسألة 615: ] يستحب للقارن أن يجمع بين التلبية والاشعار والتقليد إذا كان هديه من الابل، وأيها قدمه كان هو الواجب وكان ما بعده مستحبا، ويستحب له ان يجمع بين التلبية والتقليد إذا كان الهدي من البقر أو الغنم، وأيهما بدأ به كان هو الواجب وكان الثاني

[ 293 ]

مستحبا كما قلنا. [ المسألة 616: ] لا يختص الحكم الذي تقدم بيانه بالمكلف القريب الذي يكون أهله حاضري المسجد الحرام، بل يشمل البعيد عنه من أهل الامصار إذا أراد أن يحج حجا مندوبا، فيتخير بين حج التمتع والقران والافراد، فإذا أراد حج القران جرى فيه الحكم المذكور، وقد سبق في فصل أقسام الحج ان من يكون أهله حاضري المسجد الحرام انما يتعين عليه حج القران أو الافراد في الحج الواجب عليه بالاستطاعة أو البذل، فلا يعم حجه المندوب ولا المنذور إذا كان نذره مطلقا، ولا الحج الذي يجب عليه بالاستنابة إذا استؤجر على حج مطلق، وكذلك البعيد من أهل الامصار فانما يتعين عليه ان يحج متمتعا إذا كان الحج واجبا عليه بالاستطاعة أو بالبذل، فإذا أراد أحد هؤلاء حج القران وكان ممن يصح منه جرى فيه الحكم الآنف ذكره. [ المسألة 617: ] اشعار البدنة هو أن يشق جانب سنامها بسكين أو خنجر أو نحوهما ويلطخ صفحة السنام بدمه، ويستحب أن يشعرها وهي معقولة، وأن يشق السنام من جانبها الايمن، ويقف الرجل عن جانبها الايسر، وإذا تعددت البدن وقف بين كل اثنتين منها واشعر هذه من جانبها الايمن، وهذه من جانبها الايسر حتى يأتي عليها، وفي موثقة يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد الله (ع): اني قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها؟ قال: (انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فأفض عليك من الماء والبس ثوبك ثم أنخها مستقبل القبلة ثم ادخل المسجد فصل، ثم افرض بعد صلاتك، ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الايمن من سنامها ثم قل: (بسم الله اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه)، وقد

[ 294 ]

ذكرنا أن التلبية بعد الاشعار الواجب مستحبة، وتقليد الهدي أن يعلق في رقبته نعلا خلقا قد صلى فيه، ولا يكفي أن يقلده بخيط أو سير أو بنعل لم يصل فيه، وإذا فعل كذلك لم ينعقد به احرامه. [ المسألة 618: ] لا يشترط في صحة الاحرام ان يكون المكلف طاهرا من الحدث الاكبر أو الاصغر، فيصح إحرامه إذا كان جنبا، ويصح احرام المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء أو مستحاضة ولم تؤد وظائفها، ويصح احرام الرجل أو المرأة وهو على غير وضوء، وتصح تلبيته بعد الاحرام وان كان محدثا كذلك، ولكنه مع الطهارة أفضل، ومع الطهارة التامة أتم فضلا، ومع الاتيان بجميع الوظائف والآداب المسنونة أرقي في مرتبة الفضيلة وأوجب للمزيد من القرب الالهي والعطاء غير المحدود منه سبحانه. [ المسألة 619: ] يستحب أن يكون الثوبان اللذان يحرم المحرم فيهما من القطن، ففي الخبر عن بعضهم (ع) قال: (أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله في ثوبي كرسف)، (والكرسف هو القطن)، ويستحب أن يقول عند لبس ثياب الاحرام: (الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي، وأؤدي فيه فرضي، وأعبد في ربي، وأنتهي فيه إلى ما أمرني، الحمد لله الذي قصدته فبلغني، وأردته فأعانني وقبلني ولم يقطع بي، ووجهه أردت فسلمني، فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي، ورجائي ومنجاي وذخري وعدتي في شدتي ورخائي)، وقد تقدم في مبحث لباس المصلي أن الافضل أن يكون أبيض اللون. [ المسألة 620: ] يصح للمرأة الحائض والنفساء ان تغتسل غسل الاحرام، ويستحب لها ذلك وان لم ينقطع حدثها ولا دمها، فإذا أرادت

[ 295 ]

الاحرام بالحج أو العمرة اغتسلت غسل الاحرام، واحتشت بالكرسف، واستثفرت ولبست ثوبا تحت ثياب احرامها، واستقبلت القبلة ولم تدخل المسجد، وأهلت بالحج أو بالعمرة كما تصنع سائر النساء من غير صلاة، ولبت تلبيتها الواجبة والمستحبة. [ المسألة 621: ] يستحب للمحرم أن يجهر بالتلبية، ويكثر منها في آناء الليل والنهار وان كان محدثا أو مجنبا، ولا يقطع تلبيته الا إذا وجب عليه قطعها - كما ذكرنا في المسألة الستمائة والحادية عشرة -، ويستحب ذلك للمرأة ايضا ولكنها لا تجهر بالتلبية. [ المسألة 622: ] ورد في موثقة الحسين بن المختار قال: قلت لابي عبد الله (ع): يحرم الرجل بالثوب الاسود؟ قال (ع): (لا يحرم في الثوب الاسود ولا يكفن به الميت)، والظاهر منها تحريم ذلك وقد قامت القرينة القطعية في مسألة التكفين على كراهته بالثوب الاسود ومن أجل ذلك فقد ذهب المشهور إلى كراهة الاحرام به أيضا، وهو مشكل، فلا يترك الاحتياط باجتناب لبس الثوب الاسود في الاحرام. [ المسألة 623: ] يكره الاحرام في الثوب الوسخ، وإذا غسل قبل الاحرام به وزالت الاوساخ عنه زالت الكراهة عن الاحرام فيه، وإذا توسخ الثوب النظيف بعد الاحرام فيه فالاولى أن لا يغسله من الاوساخ التي أصابته في أثناء الاحرام حتى يحل، ويجوز له ابداله بثوب آخر، وإذا أصابته جنابة أو نجاسة أخرى طهره. [ المسألة 624: ] يكره للرجل أن يحرم في الثياب المعلمة، ويراد بها المخططة بعلم وتطريز ونحوه، ولا كراهة على المرأة أن تحرم بذلك أو تلبسه

[ 296 ]

بعد احرامها. [ المسألة 625: ] يكره للمحرم أن ينام على فراض أصفر، وأن يتوسد على مرفقة صفراء. [ المسألة 626: ] ذكرنا في المسألة الخمسمائة والستين وما بعدها حكم الخضاب بالحناء وغيرها قبل الاحرام، فإذا كان الاثر مما يبقى إلى حال الاحرام، وكان مما يعد زينة فالاحوط لزوما لكل من الرجل والمرأة ترك ذلك، ولابد لهما من ازالة الاثر بعد الاحرام إذا كانت ازالته ممكنة. وإذا اضطر الرجل أو المرأة لاستعمال الحناء لعلاج تشقق الاصابع أو الكفين أو القدمين جاز لهما استعمالها قبل الاحرام للضرورة وان بقي الاثر بعد الاحرام، وإذا لم يصل ذلك إلى حد الضرورة كره ذلك للمرأة، وأشكل الحكم بالكراهة للرجل، وإذا كان الاثر الباقي إلى ما بعد الاحرام مما يعد زينة، فقد ذكرنا أن الاحوط لزوما للرجل والمرأة ترك ذلك، وعليهما ازالة الاثر مع الامكان. [ المسألة 627: ] يكره للمحرم أن يدخل الحمام بعد احرامه، ولا يكره له أن يغتسل في غير الحمام، ويكره له أن يدلك جسده في الحمام وغيره، ولا فرق في جميع ذلك بين الرجل والمرأة. [ المسألة 628: ] الاحوط للمحرم إذا ناداه أحد من الناس أن لا يجيبه بالتلبية حتى يحل من احرامه، فإذا دعاه داع قال له: يا سعد، أو قال له: نعم أو أجابه بغيرها من الاجوبة المتعارفة غير التلبية.

[ 297 ]

[ المسألة 629: ] يكره للمحرم أن يحتبي، والاحتباء هو أن يجمع ساقيه وفخذيه إلى بطنه ويشدها جميعا إلى ظهره بثوب وشبهه أو بحمائل أو بيديه، ويكره له انشاد الشعر وروايته.

[ 298 ]

[ الفصل الرابع عشر ] [ في محرمات الاحرام وكفاراتها ] [ المسألة 630: ] محرمات الاحرام هي الامور التي تحرمها شريعة الاسلام على الشخص بسبب احرامه بأحد المناسك، والكفارات هي الواجبات المقدرة التي تفرضها الشريعة عليه إذا ارتكب أحد المنهيات المذكورة وهو محرم قبل أن يحل شرعا من ذلك النسك الذي احرم له. فإذا أراد الشخص أن يؤدي نسكا معينا من حج أو عمرة، وعزم في قلبه أن يحرم لله بترك جميع ما نهاه عنه من ذلك ليأتي بالنسك المعين، والتزم بما قصده في ضميره التزاما ثابتا، كان هذا العزم والالتزام النفساني منه ايقاعا للاحرام وسببا لانشائه، فإذا لبس ثياب الاحرام وتمت نيته للاحرام وللنسك متقربا بهما إلى الله تعالى، ثم عقد احرامه بالتلبية أو بالاشعار أو التقليد إذا كان قارنا، حرم عليه أن يفعل شيئا من المنهيات، وإذا فعله كذلك لزمته الكفارة المعينة لذلك الفعل إذا كان مما فيه الكفارة شرعا. [ المسألة 631: ] المحرمات التي يجب على المكلف اجتنابها في حال احرامه خمسة وعشرون أمرا، وهي على وجه الاجمال: (1) صيد البر (2) الجماع (3) التقبيل (4) اللمس بشهوة (5) النظر إلى الزوجة أو إلى الاجنبية بشهوة وبغير شهوة (6) الاستمناء (7) عقد النكاح (8) لبس المخيط إذا كان المحرم رجلا (9) لبس الخف والجورب إذا كان اللابس رجلا (10) استعمال الطيب (11) التزين (12) الاكتحال (13) الادهان (14) النظر في المرآة (15) إزالة الشعر عن البدن (16) الفسوق

[ 299 ]

(17) الجدال (18) قتل القمل وحشرات الجسد (19) التظليل للرجال (20) ستر الرأس للرجال ومنه الارتماس في الماء وشبهه (21) ستر المرأة وجهها (22) تقليم الاظفار (23) إخراج الدم من البدن (24) قلع الضرس (25) حمل السلاح، وتفصيل هذا المجمل يأتي في بقية مسائل هذا الفصل ان شاء الله تعالى. [ المسألة 632: ] الاول من محرمات الاحرام: صيد البر: كما يقول سبحانه: (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما)، والمراد بصيد البر هو كل ما يبيض ويفرخ أو يتوالد في البر من الحيوان والطير، ويختص التحريم به فلا يعم صيد البحر، وهو ما يبيض ويفرخ أو يتوالد في الماء وان كان ماء نهر أو جدول صغير أو ساقية ولا يعم الحيوان الاهلي وإن توحش. فيحرم على المحرم اصطياد صيد البر، ويحرم عليه ذبحه وإن كان صائده غيره محلا أو محرما، ويحرم عليه أكله وإن كان الصائد والذابح محلا، ويحرم عليه امساك الصيد وإن أمسكه لغيره، ويحرم عليه أن يعين أحدا على صيده فيشترك معه في أخذه، أو يدفع له الآله، أو ينصبها له، أو يدله على مكمنه، أو يشير إليه ولو باشارة خفيه، - وإن كان الصائد محلا، ويحرم عليه أن يغلق الباب عليه ليموت أو ليصطاده الصائد أو ليصطاده هو بعد أن يحل من احرامه، ويحرم عليه أن يحرض عليه كلبا أو طيرا أو حيوانا صيودا لنفسه أو لغيره وان كان محلا، سواء كان الصيد في الحل أم في الحرم في جميع الفروض التي ذكرناها. [ المسألة 633: ] الجرد من صيد البر فلا يحل للمحرم صيده، ولا امساكه، ولا أكله، ولا الاعانة على صيده، ولا الاغلاق عليه، وكذلك الدبا

[ 300 ]

المحرم وهو الجراد غير الطائر. [ المسألة 634: ] لا يحرم على المحرم صيد البحر من السمك وغيره، فيجوز له اصطياده وبيعه وشراؤه وأكله إذا كان محللا، ويجوز له كذلك بيعه وشراؤه وان كان محرما إذا كانت له منافع محلله. ولا يحرم عليه ذبح الحيوان الاهلي من الانعام والدواجن والدجاج الحبشي، ويجوز له أكلها إذا ذكيت، سواء كان الذابح لها محرما أم محلا. [ المسألة 635: ] الفراخ والبيوض تابعة للاصل الذي تولدت منه في الحكم، فيحرم على المحرم صيد فراخ صيد البر وذبحها وأكلها ويحرم عليه أكل بيضه، وأخذه للبيع والاحضان ونحو ذلك وتلزمه أحكامها، ويجوز له اصطياد فراخ صيد البحر وبيوضه، ويحل له أكله إذا كان أصله محللا، وكذلك فراخ الحيوانات الاهلية وبيوضها فلا تحرم على المحرم. [ المسألة 636: ] إذا اصطاد المحرم صيد البر فقتله بالآلة أو بالكلب المعلم حرم أكله عليه وعلى غيره وان كان محلا، سواء اصطاده في الحل أم في الحرم، وكذلك إذا ذبحه المحرم وان كان صائده محلا، والاحوط جريان أحكام الميتة عليه فلا يصلى في جلده وان يتطهر من جلده وأجزائه التي تحلها الحياة إذا باشرها برطوبة، بل الاحوط دفنه كما أمرت به النصوص. ومثله الحكم في صيد الحرم إذا أصابه الصائد فقتله بالآلة، أو قتله كلبه المعلم، أو ذبحه وان كان الصائد أو الذابح محلا، فلا يجوز أكله لمحرم ولا لمحل، ويجري فيه الاحتياط المتقدم.

[ 301 ]

[ المسألة 637: ] إذا استولى المحرم على صيد البر وهو في الحل فأخذه حيا أثم بذلك ولزمته كفارة الصيد ووجب عليه اطلاقه كما سيأتي، وإذا أخذه منه محل فذكاه قبل أن يطلقه المحرم جاز للمحل أكله على الاقوى ولم تسقط الكفارة عن الصائد المحرم، ويحل أكله لغيره من المحلين ولا يحل للمحرمين. [ المسألة 638: ] إذا أشار المحرم نحو الصيد اشارة خفية أو واضحة تعرف غيره بموضعه، أو دله عليه ولو بالتحريض المفهم والحركات المشعرة بوجوده ونحو ذلك من الافعال وان كانت خفية الدلالة فانتبه الغير إلى ذلك فأخذ الصيد أو قتله كان ذلك من الاستحلال المحرم على المحرم ولزمه الفداء به. وإذا لم يترتب على اشارة المحرم وتحريضه أثر، فلم يقتل الصيد ولم يصبه الصائد أو لم يدركه أو لم يلتفت إلى الاشارة أو الدلالة التي أبداها المحرم أو لم يعتن بها، فالظاهر عدم تحريم ذلك الفعل وعدم لزوم الكفارة به على المحرم، ويستحق به عقاب المتجري إذا قصد بفعله ذلك. [ المسألة 639: ] إذا استولى المكلف على بعض صيد البر قبل أن يحرم فأخذه حيا ثم أحرم بعد ذلك بالحج أو العمرة والصيد لا يزال في حيازته، فالاحوط له أن يخرج ذلك الصيد بعد الاحرام عن ملكه، والظاهر عدم وجوب الكفارة عليه بمجرد ذلك، فإذا أدخله الحرم وجب عليه أن يخلي سبيله، وإذا هو لم يخل سبيله ومات الصيد بعد ادخاله الحرم أو ذبحه أحد وجب عليه الفداء، وإذا بقي الصيد حيا بعد دخوله الحرم ولم يخل سبيله ففي خروجه عن ملك الرجل اشكال،

[ 302 ]

وكذلك الحكم إذا ملك الصيد قبل الاحرام ببيع أو إرث أو غيرهما من أسباب الملك. [ المسألة 640: ] إذا أحرم الرجل وكان في حال احرامه يملك بعض الصيد من الوحوش أو الطيور وهي نائية عنه قد خلفها في منزله أو في مكان آخر، لم يخرج ذلك الصيد عن ملكه بمجرد احرامه، ولا يجب عليه تخلية سبيله، ولا تلزمه الكفارة بسببه. نعم، يشكل بل يمنع أن تكون له آلة صيد منصوبة عند أهله أو عند وكيله فيصطادون بها بالوكالة عنه وهو محرم، وكذلك إذا تجدد له ملك الصيد ببيع أو هبة أو نحوهما بعد ما أحرم وقبل أن يحل على الاحوط ان لم يكن المنع هو الاقوى. [ المسألة 641: ] لا يجوز للمحرم قتل السباع من الوحوش والطير في الحل ولا في الحرم، الا إذا أرادته وخاف منها على نفسه فيجوز له قتلها عند ذلك، ويجوز له قتلها ايضا إذا آذت حمام الحرم، ولا فرق في الحكم بين الاسد وغيره من السباع، ولا تجب عليه الكفارة إذا قتل شيئا منها غير الاسد سواء جاز له قتلها أم لم يجز، وسيأتي بيان الكفارة في قتل الاسد في المسألة الستمائة والثامنة والخمسين. [ المسألة 642: ] يجوز للمحرم أن يقتل الافعى وهي الحية الخبيثة، والافعوان وهو الذكر من الافاعي، ويجوز له ان يقتل كل حية سوء، بل وكل حية ولا سيما إذا قصدته بالاذى، ويجوز له قتل العقرب والفأرة من غير فرق في جميع ذلك بين أن يكون في الحل أو في الحرم، ولا تلزمه كفارة في قتل شئ منها، ويجوز له أن يرمي الغراب والحدأة ولا كفارة عليه إذا قتلهما بذلك، ولا فرق بين الغراب الابقع وغيره،

[ 303 ]

والحدأة طائر من الجوارح. [ المسألة 643: ] إذا شك في حيوان انه من صيد البر أو من صيد البحر ولم يعلم حاله فالاحوط للمحرم الاجتناب عن صيده وأكله. [ المسألة 644: ] إذا ولد حيوان بين جنسين أحدهما من صيد البر والثاني من غيره مما يجوز للمحرم صيده وأكله، فإن كان الحيوان المتولد منهما في صورته النوعية تابعا لاحد الجنسين بحيث يصدق على الحيوان المتولد اسم ذلك الجنس لحقه حكم ذلك الجنس، فيحرم إذا كان تابعا في صورته وفي اسمه لصيد البر، ويحل إذا كان تابعا لغيره، وإذا لم يلحق بأحدهما في الصورة والاسم وشك في حكمه فالاحوط الاجتناب عنه بل لا يخلو عن قوة. [ المسألة 645: ] إذا قتل المحرم نعامة أو أكل من لحمها وهو في الحل بعد انعقاد احرامه وجب عليه أن ينحر بدنة ولا يجزيه غيرها مع القدرة، فإذا عجز عن نحر البدنة لعدم وجودها مثلا وجب عليه أن يفض ثمن البدنة على البر أو غيره من الاطعمة التي يجزي دفعها في الكفارة، وقد ذكرناها في المسألة السبعين من كتاب الكفارات، وأطعم به ستين مسكينا ودفع لكل مسكين مدا، والاحوط استحبابا أن يدفع لكل مسكين مدين مع الكفاية، وإذا زاد ثمن البدنة عن اطعام ستين مسكينا لم يجب عليه التصدق بالزائد وإذا نقص ثمنها عن اطعام الستين تصدق على العدد الذي يفي الثمن به ولم يجب عليه ان يتم ما نقص. وإذا عجز عن الاطعام كذلك كفاه على الاقوى أن يصوم بدل ذلك ثمانية عشر يوما، والاحوط استحبابا ان يصوم من الايام

[ 304 ]

بمقدار عدد المساكين الذين يتسع الثمن لاطعامهم لو كان الاطعام مقدورا سواء بلغ ستين مسكينا أم لم يبلغ، فإن عجز عن ذلك صام ثمانية عشر يوما، وسيأتي الحكم في ما إذا قتل المحرم النعامة أو أكل من لحمها في الحرم. [ المسألة 646: ] إذا اصطاد المحرم بقرة وحشية فقتلها أو أكل من لحمها وهو في الحل بعد احرامه، وجب عليه ان يذبح في كفارته عن ذلك بقرة أهلية، وان لم يجد البقرة وجب عليه ان يفض ثمن البقرة على البر أو غيره من الاطعمة المجزية في الكفارة ويطعم به ثلاثين مسكينا على الوجه الذي بيناه في المسألة المتقدمة، وإذا زاد ثمن البقرة على اطعام ثلاثين مسكينا لم يجب عليه التصدق بما زاد وكان له، وإذا قصر ثمنها عن الوفاء بإطعام ثلاثين مسكينا لم يجب عليه أن يتم ما نقص من العدد، وإذا لم يمكنه الاطعام كذلك، أجزأه أن يصوم بدل ذلك تسعة ايام، والاحوط استحبابا كما تقدم بأن يصوم اياما بمقدار العدد الذي يتسع الثمن لاطعامه من المساكين سواء بلغ ثلاثين أم لا، وإذا عجز عن صيام ذلك صام تسعة أيام ويلاحظ ما يأتي إذا قتل البقرة أو أكل من لحمها في الحرم. [ المسألة 647: ] إذا أصاب المحرم بعد انعقاد احرامه حمار وحش فقتله وهو في الحل أو أكل من لحمه، تخير على الاقوى في كفارته بين ان ينحر بدنة وأن يذبح بقرة أهلية، ولا يكفيه غيرهما مع القدرة عليهما أو على احداهما، فإن هو لم يجد بدنة ولا يقرة، فض ثمن البقرة على البر أو على طعام غيره مما يجزي في الكفارة وأطعم به ثلاثين مسكينا على نهج ما بيناه في بقرة الوحش وكفاه ذلك، ويجري فيه جميع القول المتقدم، فإذا عجز عن إطعام المساكين صام تسعة أيام

[ 305 ]

والاحوط استحبابا ان يصوم بعدد المساكين التي يتسع لها ثمن البقرة أياما سواء بلغت ثلاثين أم لا، فإن عجز عن ذلك صام تسعة أيام كما قلنا في نظيره. ويجوز له إذا لم يجد البدنة ولا البقرة أن يفض ثمن البدنة على البر ويطعم به ستين مسكينا أو ما بلغ على نهج ما تقدم في كفارة النعامة، وإذا لم يمكنه الاطعام صام بقدر عدد المساكين أياما، فإذا لم يقدر على ذلك صام ثمانية عشر يوما، وهذا هو الاحوط استحبابا. [ المسألة 648: ] إذا قتل المحرم ظبيا وهو في الحل أو أكل من لحمه أو قتل ثعلبا أو أرنبا وجب عليه ان يذبح عن كل واحد من المذكورات شاة، فإن لم يجدها لزمه ان يفض ثمن الشاة على الطعام ويطعم به عشرة مساكين لكل مسكين مد ويجري فيها الكلام المتقدم في نظائرها، وان لم يمكنه الاطعام صام ثلاثة أيام والاحوط استحبابا ان يصوم بعدد المساكين أياما سواء بلغت عشرة أيام أم لا، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام. [ المسألة 649: ] إذا كسر المحرم بيضة نعامة، فإن كان الفرخ قد تحرك في البيضة وجب عليه أن ينحر عنها بكرا من الابل، وان لم يتحرك فيها الفرخ بعد أو لم يكن فيها فرخ أرسل فحلا من الابل على أنثى صالحة للحمل منها وكان النتاج هديا للبيت، وإذا تعدد البيض المكسور لزمه لكل بيضة منها مثل ذلك، وإذا لم ينتج الارسال شيئا فلا شئ عليه، وإذا لم يقدر على ذلك وجب عليه أن يذبح عن كل بيضة شاة، فإن عجز عنها أطعم عن كل بيضة عشرة مساكين، وان لم يقدر على الاطعام صام عنها ثلاثة أيام.

[ 306 ]

[ المسألة 650: ] إذا كسر المحرم بيض القطا وهو في الحل جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في بيض النعام، فإن كان الفرخ قد تحرك في البيضة التي كسرها وجب عليه ان يذبح بكرا من صغار الغنم كفارة عنها، وإذا لم يكن في البيضة المكسورة فرخ، أو كان فيها فرخ ولم يتحرك بعد، أرسل فحلا من الغنم على أنثى صالحة للحمل منها، وكان نتاج ذلك هديا للبيت كفارة عن ذلك، وإذا تعدد البيض الذي كسره لزمه لكل بيضة كسرها مثل ذلك. [ المسألة 651: ] يجب على المحرم بعد انعقاد احرامه في أكل الصيد مثل ما يجب عليه في قتله وان كان الصائد غيره، فإذا قتل الصيد في الحل ثم أكل من لحمه وجبت عليه كفارتان تامتان ولا تكفي كفارة واحدة عنهما. [ المسألة 652: ] إذا قتل المحرم الصيد وهو في الحل أو أكل من لحمه وجبت عليه الكفارة، كما بينا بعضه في ما سبق وسنذكر بعضه في ما يأتي، وإذا قتل المحل الصيد وهو في الحمر أو أكل من لحمه وجبت عليه قيمة ذلك الصيد، فإذا قتل المحرم الصيد وهو في الحرم أو أكل من لحمه وجب عليه الامران معا وان بلغ بدنة أو زاد عليها على الاحوط. [ المسألة 653: ] إذا قتل المحرم حمامة أو شبهها من الطير الوحشي أو الاهلي وكان المحرم في الحل وجب عليه في قتلها أن يذبح شاة، وإذا قتل فرخا من فراخها وهو في الحل وجب عليه أن يذبح حملا أو جديا، والحمل بفتح الحاء والميم هو الضأن الصغير في سنته الاولى،

[ 307 ]

والاحوط ان لا يقل عمره عن ستة أشهر، والجدي هو الصغير من أولاد المعزى. وإذا كسر بيضة من بيضها وكان الفرخ قد تحرك في البيضة كان حكمها حكم الفرخ، فعليه أن يذبح حملا أو جديا، وإذا كسر منها بيضة لا فرخ فيها أو قبل أن يتحرك الفرخ فيها وهو في الحل فالاحوط له أن يدفع أكثر الامرين من الدرهم وقيمة البيضة. [ المسألة 654: ] إذا قتل محل حمامة أو ما يشبهها من الطير وهو في الحرم لزمه على الاحوط أن يكفر بدفع أكثر الامرين: قيمة الحمامة والدرهم، وإذا قتل فرخا من فراخها دفع أكثر الامرين: قيمة الفرخ ونصف درهم، وكذلك إذا كسر بيضة من بيضها قد تحرك فيها الفرخ، وإذا كسرها قبل ان يتحرك الفرخ فيها دفع أكثر الامرين من قيمة البيضة وربع درهم. وإذا قتل المحرم وهو في الحرم حمامة أو فرخها أو كسر بيضة من بيضها وجب عليه ان يدفع كفارة المحرم في الحل وجزاء المحل في الحرم، فإذا قتل حمامة أو شبهها وجب عليه أن يذبح شاة وأن يدفع معها أكثر الامرين وهما قيمة الحمامة ودرهم، وإذا قتل فرخا من فراخها أو كسر بيضة تحرك فيها الفرخ وجب عليه أن يذبح حملا أو جديا، وان يدفع معه الاكثر من قيمة الفرخ ونصف درهم، وإذا كسر بيضة لم يتحرك فيها فرخ وجب عليه ان يدفع الاكثر من قيمة البيضة ودرهم، وأن يدفع مع ذلك أكثر الامرين أيضا من قيمة البيضة وربع درهم. [ المسألة 655: ] إذا قتل المحرم وهو في الحل قطاة أو حجلة أو دراجة أو احدى نظائرها وجب عليه ان يذبح عن الواحدة منها حملا قد فطم

[ 308 ]

من اللبن ورعى من الشجر، وإذا قتل احداها محل وهو في الحرم وجب عليه ان يكفر بدفع قيمة ما قتله، وإذا قتلها محرم وهو في الحرم وجب عليه ان يكفر بكلا الامرين. [ المسألة 656: ] يجب على المحرم إذا قتل وهو في الحل عصفورا أو قنبرة أو صعوة أن يكفر عنه بدفع مد من الطعام، ويجب عليه إذا قتل جرادة أن يدفع عنها تمرة، وإذا قتل أكثر من جرادة واحدة وجب عليه ان يتصدق بكف من طعام، وإذا قتل جرادا كثيرا وجب عليه أن يكفر عنه بدم شاة، ويجب عليه التحرز عنه إذا كان في طريقه، فإذا لم يمكنه الاحتراز عنه، فلا إثم عليه ولا كفارة في قتله. [ المسألة 657: ] يجب على المحرم إذا قتل ضبا أو قنفذا أو يربوعا أو ما أشبهها ان يكفر عن قتله بدم جدي ويجب عليه في قتل العظاية ان يكفر عنها بكف من الطعام، والعظاية حشرة من كبار الوزغ، ويجب عليه كذلك في القملة يلقيها عن جسده أن يتصدق عنها بكف من طعام، ويجب عليه إذا قتل زنبورا متعمدا، أن يتصدق بشئ من الطعام، ولا شئ عليه إذا قتله دفعا لايذائه. [ المسألة 658: ] إذا قتل المحرم أسدا وهو في الحرم فالاحوط له ان يكفر عن قتله بذبح كبش، بل الاحوط له ذلك إذا قتله وهو في الحل، وإذا خاف من الاسد على نفسه جاز له قتله بل وجب إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل، ولا اثم عليه ولا كفارة في قتله، سواء كان في الحل أم في الحرم. [ المسألة 659: ] إنما يثبت الفداء والكفارة على المحرم بقتل الصيد، سواء

[ 309 ]

باشر قتله بنفسه أم كان سببا في قتله بدلالة أو اشارة أو اعانة على الاقوى في بعض الصور، وعلى الاحوط لزوما في جميعها، ويثبت الفداء والكفارة كذلك بأكله من الصيد وان كان الصائد أو الذابح غيره كما قلنا في المسألة الستمائة والحادية والخمسين، ولا تثبت الكفارة عليه بنفس أخذه للصيد إذا لم يقتله أو يأكل من لحمه أو يوجب له جرحا أو كسرا، ومثال ذلك: ان يستولي على الحيوان أو الطير ثم يطلقه سويا غير مصاب بجرح ولا كسر في بعض اعضائه فلا كفارة عليه وان كان آثما بصيده، ولا تثبت الكفارة بالدلالة على الصيد أو الاشارة إليه إذا لم يقتل الصيد بسبب اشارته ودلالته ولم يجرح أو يكسر بعض أعضائه، وان كان آثما في جميع ذلك كما قلنا في المسألة الستمائة والثانية والثلاثين. [ المسألة 660: ] تلزم الكفارة على المحرم إذا قتل الصيد سواء وقع منه عامدا أم ساهيا أم جاهلا، وتجب عليه الكفارة كذلك إذا أكل من الصيد في جميع الصور المذكورة، ولا اثم عليه في غير صورة العمد، والظاهر شمول الحكم للدلالة والاشارة ونحوهما إذا كانت سببا للقتل وان وقعت منه خطأ أو سهوا أو جهلا فتلزمه الكفارة بذلك، ولا تختص بصورة العمد كما في غير الصيد من محرمات الاحرام. [ المسألة 661: ] إذا فعل المحرم بما يوجب عليه كفارة الصيد أكثر من مرة واحدة وهو في احرام واحد، ومثال ذلك: ان يقتل في مدة احرامه أكثر من صيد واحد، سواء كان الصيد من جنس واحد أم من أجناس مختلفة، أو يأكل من لحم الصيد البري أكثر من مرة واحدة، أو يدل على الصيد أو يشير إليه، ويتحقق قتل الصيد بسبب دلالته أو اشارته أكثر من مرة، أو يقتل صيدا ويأكل من

[ 310 ]

صيد آخر ويدل على صيد ثالث. فإن فعل ذلك ساهيا أو ناسيا للاحرام أو جاهلا بالموضوع أو مخطئا تعددت عليه الكفارة ووجبت عليه بعدد ما صدر عنه من افعال توجب الكفارة، ولا يسقط عنه شئ منها، وكذلك إذا فعل ذلك عامدا وكان كل فعل في احرام، ومثال ذلك: أن يقتل صيدا عامدا أو يدل عليه وهو في إحرام عمرة التمتع، ويأكل من لحم الصيد وهو في احرام حج التمتع، فتجب عليه الكفارة في كل واحد من الفعلين وان كان عامدا فيهما، وإذا ارتكب موجب الكفارة عامدا أكثر من مرة واحدة وهو في احرام واحد، وجبت عليه الكفارة في ارتكابه الاول ولا كفارة عليه في ارتكابه للمرة الثانية إذا كان عامدا كذلك وكان موضعا لاستحقاق نقمة الله منه، كما دلت عليه الآية الكريمة: (ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام). [ المسألة 662: ] يشكل الحكم في المحرم إذا تكرر منه ما يوجب كفارة الصيد وهو جاهل بالحكم الشرعي، فهل يعد مخطئا، فتتكرر عليه الكفارة في كل ما فعل، أو يلحق بالعامد فتجب عليه الكفارة في المرة الاولى ولا تجب عليه في ما بعدها؟ والاحتياط له بالتوبة عن فعله وتكرار الكفارة. ولا يجري التفصيل المذكور في المكلف المحل إذا تكرر منه الصيد في الحرم أكثر من مرة، فتجب عليه الكفارة في كل مرة سواء كان مخطئا في فعله أم متعمدا، ولا فرق في الاحكام المذكورة في هذه المسألة وسابقتها بين أن يتخلل التكفير بين موجبات الكفارة وعدمه. [ المسألة 663: ] إذا اشترك محرمان أو أكثر في قتل صيد واحد، أو في الاكل من لحمه، أو في الدلالة على موضعه أو في الاشارة إليه، فقتله

[ 311 ]

الشخص الذي حرضوه بسبب دلالتهم أو إشارتهم أو تحريضهم وجبت على كل واحد منهم كفارة تامة لذلك الصيد. وإذا اشترك المحرم وغير المحرم في قتل الصيد أو في أكله أو الدلالة عليه لزم كل واحد حكمه فتلزم الكفارة على المحرم، ولا كفارة على المحل الا إذا كان المقتول من صيد الحرم فتلزمه كفارته كما ذكرنا في المسألة الستمائة والثانية والخمسين. [ المسألة 664: ] إذا قتل المحرم حمامة من حمام الحرم لزمه أن يكفر عنها بذبح شاة - كما قلنا في المسألة الستمائة والرابعة والخمسين - وان يدفع مع الكفارة أكثر الامرين من قيمة الحمامة والدرهم، فيذبح الشاة في موضع الذبح وسيأتي بيانه، ويتخير في ما يدفعه من القيمة أو الدرهم بين ان يشتري به علفا لحمام الحرم وان يتصدق به في الحرم، وإذا قتل فرخا من فراخها، أو كسر بيضة قد تحرك فيها الفرخ من بيضها جرى فيه مثل ذلك، فيذبح الحمل والجدى في موضع الذبح، ويتخير في قيمة الفرخ أو نصف الدرهم بين ما ذكرنا، ويجري التخيير كذلك، في قيمة البيضة إذا كسرها قبل ان يتحرك الفرخ، ومثله حكم المحل إذا قتلها، أو قتل الفرخ، أو كسر البيضة. [ المسألة 665: ] إذا كان الصيد الذي أصابه المحرم مملوكا لاحد وجب عليه أن يدفع الكفارة المقدرة في الشريعة لذلك الصيد إلى الفقراء، وضمن للمالك قيمة الصيد إذا قتله، وأرشه إذا أصابه بجرح أو كسر أو نقص في بعض أعضائه. [ المسألة 666: ] إذا رمى المحرم صيدا فقتل برميته صيدين وجبت عليه بذلك

[ 312 ]

كفارتان تامتان، سواء كان عامدا في ضربه للاول أم مخطئا، وإذا تعمد في رميته قتلهما معا وجبت عليه الكفارتان كذلك، ولم تسقط عنه كفارة الثاني بسبب تعمده قتلهما. [ المسألة 667: ] إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب الصيد وكان احرامه بحج التمتع، أو بحج القران، أو بحج الافراد وجب عليه ان يذبح الفداء أو ينحره بمنى، ويتخير في أي موضع يشاء منها، وإذا كان احرامه بعمرة التمتع أو بعمرة مفردة وجب عليه ان يذبح الفداء أو ينحره بمكة، ويتخير في أي موضع يشاء منها، ولا يشمل الجواز المواضع والمحلات الجديدة من مكة على الاحوط بل الاقوى، ولا يجوز له التأخير عن منى في الحج، ولا التأخير عن مكة في العمرة، ولا يكفيه أن يذبح الفداء قبلهما، كما إذا اراد ان يذبحه في موضع إصابته للصيد. [ المسألة 668: ] إذا فعل المحرم ما تلزمه بسببه كفارة الصيد تعلق به وجوب الفداء من ذلك الموضع، ولا يجب عليه شراء الفداء من الموضع، ويجوز له تأخير شرائه حتى يصل إلى موضع النحر في مكة أو منى، الا إذا علم بأن الفداء لا يوجد فيهما فيلزمه الشراء من حيث يمكن. [ المسألة 669: ] إذا وجب على المكلف نحر بدنة لصيد النعامة، أو وجب عليه ذبح بقرة لبقرة الوحش أو حماره، أو وجب عليه ذبح شاة لصيد الظبي ونحوه، ولم يجد الفداء في مكة أو منى، لم ينتقل حكمه إلى التصدق أو الصيام - كما فصلناه في المسألة الستمائة والخامسة والاربعين والمسائل التي تليها - حتى يعلم أو يطمئن بعدم وجود

[ 313 ]

الفداء في موضع النحر والاماكن الممكنة الاخرى، فيجب شراؤه وتحصيله منها إذا كان ذلك ممكنا، ولم يلزم منه عسر ولا حرج، فإذا لم يجد الفداء أو كان نقله موجبا للعسر أو الحرج انتقل إلى البدل من الصدقة ثم الصيام. [ المسألة 670: ] إذا وجبت على المحرم كفارة لغير الصيد من تظليل ونحوه، فالاحوط له ان يذبح الفداء بمنى إذا فعل موجب الكفارة وهو في احرام الحج، وان يذبح في مكة إذا فعله في احرام العمرة، ويجوز للمعتمر ان يؤخر ذبحه إلى منى وان كان في عمرة مفردة، بل الظاهر أنه يجوز له ان يذبحه حيث يشاء، فله ان يؤخر ذبحه حتى يرجع إلى أهله، ومصرف الفداء بعد ذبحه أو نحره هم المساكين فلا يكفي صرفه لغيرهم، سواء كان كفارة صيد أم غيره. [ المسألة 671: ] إذا اصطاد الرجل حيوانا بريا وهو محل قبل أن يحرم، فذكاه وبقي لحمه المذكى حتى احرم لم يجز له ان يأكل منه بعد احرامه وقبل ان يحل، ويجوز أكله للمحلين، وإذا بقي منه شئ حتى احل من احرامه جاز له أكله. [ المسألة 672: ] إذا وجبت الكفارة على المحرم في عمرة التمتع، جاز له أن يؤخر ذبح الفداء حتى يتم حج التمتع، وإذا وجبت عليه وهو محرم بحج أو بعمرة مفردة وعزم من بعد احلاله من نسكه أن يحرم بنسك آخر فيجوز له أن يؤخر الفداء حتى يتم نسكه الثاني. [ المسألة 673: ] الثاني من محرمات الاحرام: الجماع: يحرم الوطء على المحرم بعد أن ينعقد احرامه في قبل أو دبر، سواء أنزل في وطئه

[ 314 ]

أم لم ينزل، وسواء كان احرامه في حج أم في عمرة تمتع أم في عمرة مفردة حتى يحل من احرامه احلالا تاما، والتحلل الكامل في احرام الحج واحرام العمرة المفردة من هذا المحرم لا يكون الا بعد الاتيان بطواف النساء وصلاة ركعتيه على ما سيأتي بيانه، فلا يجوز الجماع لمن أحرم بالحج أو بالعمرة المفردة قبل الاتيان بهما. [ المسألة 674: ] إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بعمرة التمتع، وهو يعلم باحرامه وبأن الجماع محرم عليه حال الاحرام، فإن فعل ذلك قبل طواف العمرة أو قبل السعي لها أو في اثناء السعي وقبل أن يتمه وجب عليه أن ينحر بدنة، ويشكل الحكم بفساد عمرته بذلك، فيلزمه - على الاحوط - أن يتم عمرته ثم يعيدها من الميقات، ويأتي بحج التمتع بعدها، وهذا مع سعة الوقت لذلك، وإذا لم يتسع الوقت لاعادة العمرة فعليه - على الاحوط - أن يتمها ويأتي بالحج بعدها، ثم يقضي الحج في السنة المقبلة، وأحوط من ذلك أن يأتي بعمرة مفردة بعد الحج في سنته الاولى، ويلحق الزنا ووطء الامة المملوكة بجماع الزوجة في الحكم المذكور على الاحوط. وإن فعل ذلك بعد أن أتم السعي في عمرته وقبل التقصير وجب عليه إتمام العمرة والحج بعدها، ووجب عليه التكفير بأن ينحر جزورا أو يذبح بقرة أو يذبح شاة مخيرا بين الثلاثة، والاحوط أن ينحر بدنة إذا كان موسرا، ويذبح بقرة إذا كان متوسط الحال، ويذبح شاة إذا كان معسرا. [ المسألة 675: ] إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بعمرة مفردة، وكان جماعه اياها قبل الطواف أو في اثنائه، أو قبل السعي أو في أثنائه وقبل أن يتمه، فسدت عمرته، ولا يترك الاحتياط بأن يتم عمرته

[ 315 ]

وان كانت فاسدة، ووجب عليه ان ينحر بدنة كفارة لفعله، ووجب عليه أن يقيم في مكة حتى ينقضي الشهر الذي أفسد فيه عمرته، ثم يخرج بعد انقضائه إلى أحد المواقيت ويحرم منه بعمرة مفردة، وقد تقدم ذكر هذا في المسألة الاربعمائة والخامسة عشرة. وإذا جامع زوجته في احرام العمرة المفردة بعد أن أتم السعي وقبل التقصير، أو بعد التقصير وقبل أن يتم طواف النساء أثم بذلك ولم تفسد عمرته، ووجب عليه اتمامها، ولزمه - على الاحوط - أن يكفر عن فعله ببدنة، ويلحق الزنا بجماع الزوجة في الاحكام المذكورة على الاحوط وكذلك وطء المولى لامته المملوكة. [ المسألة 676: ] إذا جامع الرجل زوجته وهما محرمان معا بعمرة التمتع أو بعمرة مفردة، وجبت على الرجل الكفارة، على الوجه الذي تقدم بيانه، ولزمته الاحكام الآنف ذكرها في المسألتين السابقتين، ووجبت الكفارة المذكورة على الزوجة أيضا إذا كانت مطاوعة للزوج وعالمة بالاحرام وبالحكم، ولزمتها بقية الاحكام على الاحوط، وإذا أحل الرجل من احرامه وجامع زوجته وهي لا تزال محرمة وجبت عليها الكفارة، وغرمها لها الزوج سواء كانت مطاوعة له أم مكرهة. [ المسألة 677: ] إذا جامع الرجل امرأته وهو محرم بحج التمتع أو بحج القران أو حج الافراد، فللمسألة صور مختلفة تجب ملاحظتها وتطبيق أحكامها. الصورة الاولى: أن يكون جماعه لزوجته قبل وقوفه بالمشعر الحرام، سواء كان قبل وقوفه بعرفات أم بعده أم في أثنائه، ويجب عليه في هذه الفروض كلها أن يتم حجه إلى نهاية أعماله، فلا يجوز له قطعها ولا ابطالها، وأن ينحر بدنة كفارة لما ارتكب، وأن يعيد

[ 316 ]

حجه في العام المقبل، ولا فرق في لزوم الاحكام المذكورة بين أن يكون الحج الذي أوقع فيه ذلك الفعل فريضة أو نافلة، وواجبا عليه أو بالنيابة عن غيره، ولا فرق بين أن يكون جماعه لزوجته قبلا أو دبرا، وان لم ينزل في جماعه أو أنزل في الخارج بعد تحقق الدخول، وهذا إذا كانت الزوجة في حال وطئه لها محلة غير محرمة. [ المسألة 678: ] الصورة الثانية: أن يكون جماعه لزوجته قبل وقوفه بالمزدلفة، كما ذكرناه في الفروض المتقدمة، وتكون المرأة في حال جماعه لها محرمة بالحج أيضا، ويجب على كل من الرجل والمرأة في هذه الصورة جميع الاحكام التي بيناها إذا كانت المرأة مطاوعة له في فعله، ويجب الافتراق بينهما من الموضع الذي وقعت فيه معصيتهما إلى أن يفرغا من مناسك الحج على الاحوط، وإذا كانت المعصية قد وقعت منهما في أثناء الطريق وكان رجوعهما من الحج في طريق ذهابهما فالاحوط لهما ان يفترقا حتى يصلا إلى موضع وقوع المعصية من الطريق، ويراد من وجوب الافتراق بينهما ان لا يجتمعا منفردين الا ومعهما غيرهما ممن يكون وجوده معهما مفرقا بينهما عرفا، فلا اعتبار بالطفل أو الشخص الذي لا يعد وجوده مفرقا بينهما، وإذا أتيا بحجة الاعادة في السنة المقبلة وجب عليهما الافتراق كذلك من محل وقوع المعصية إلى أن يفرغا من مناسك حجهما، وإذا كان الرجل قد أكره المرأة فجامعها من غير رضاها لم تترتب عليها الاحكام المتقدمة، ووجب عليه أن يدفع كفارته وكفارتها معا ولا شئ على المرأة، وجرت الاحكام عليه خاصة. [ المسألة 679: ] الصورة الثالثة: أن يكون الرجل محرما بالحج، وتكون المرأة محرمة بعمرة التمتع أو بعمرة مفردة، ويجامعها كما في الفروض

[ 317 ]

السابقة، وهما معا عالمان بالاحرام وبالتحريم، والمرأة راضية غير مكرهة، فتثبت للرجل جميع أحكام الجماع في احرام الحج التي ذكرناها، وتثبت للمرأة أحكام الجماع في احرام عمرة التمتع أو في العمرة المفردة، وقد ذكرناها في المسألة الستمائة والرابعة والسبعين وما بعدها. وإذا أكرهها على الفعل فجامعها وهي غير مطيعة لم تبطل متعتها ولا عمرتها بذلك، وكانت كفارتها على الزوج على الاحوط، ولا شئ على المرأة منها. [ المسألة 680: ] الصورة الرابعة: أن يجامع المحرم بالحج زوجته بعد الوقوف في المشعر الحرام، فإن كان جماعه اياها قبل أن يطوف طواف النساء وجب عليه ان ينحر بدنة كفارة لما فعل، وان يتم أعمال حجه، ولا تجب عليه اعادة الحج، وكذلك إذا طاف ثلاثة أشواط من طواف النساء أو أقل، ويجب على المرأة مثل ذلك إذا كانت مطاوعة غير مكرهة، ولا شئ عليها إذا أكرهها عليه، وان كان جماعه بعد أن أتم خمسة أشواط من طواف النساء أو أكثر فلا كفارة عليه، وإذا كان قد أتم منه أربعة أشواط ففي لزوم الكفارة عليه اشكال، ولابد فيه من مراعاة الاحتياط. وإذا جامع زوجته بعد أن طاف طواف الحج وقبل أن يطوف طواف النساء فعليه أن ينحر بدنة ان كان موسرا، وان يذبح بقرة ان كان متوسطا، ويكفيه أن يذبح شاة إذا كان معسرا. [ المسألة 681: ] إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بالحج أو بالعمرة، وكان جاهلا بتحريم ذلك عليه، أو كان ناسيا للاحرام لم تجب عليه الكفارة لفعله، وكذلك الحكم في باقي الكفارات التي يأتي بيانها، فلا تجب

[ 318 ]

على المحرم إذا ارتكب ما يوجبها وهو جاهل بالحكم أو ناس للاحرام، وهذا في غير كفارات الصيد وقد سبق ذكر هذا في المسألة الستمائة والستين، وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل، فلا كفارة عليها مع الجهل أو النسيان في غير الصيد، ولهذا الحكم مستثنيات يأتي ذكرها في مواردها - إن شاء الله تعالى -. [ المسألة 682: ] الثالث من محرمات الاحرام: تقبيل الزوجة، فإذا انعقد احرام المحرم بحج أو بعمرة حرم عليه أن يقبل زوجته بشهوة، بل الظاهر تحريم ذلك بغير شهوة، وإذا قبلها بشهوة وجب عليه أن يكفر بنحر بدنة، سواء خرج منه المني أم لم يخرج على الاحوط، وإذا قبلها بغير شهوة وجب عليه أن يكفر عن ذلك بذبح شاة. ومن أشد الامور تحريما وأكثرها قبحا بل وتناقضا: أن يرتكب المرء هذه الجريمة وشبهها مع من لا حق له فيه، فيقبل امرأة أجنبية عنه أو ذكرا مثله، بشهوة خسيسة وشبهها، أن يرتكب المرء مثل هذه الجرأة المنكرة ولا سيما في هذه المواقف التي يطلب العبد فيها مزيد القرب من ربه العظيم وهو يؤم بيته الكريم للوفادة عليه والوقوف ببابه والنزول بفنائه والاستجابة لامره!... ولا حول ولا قوة الا بالله... وعلى أي حال فإذا حدث للمحرم مثل هذه الخسائس. فلابد من دفع الكفارة على الاحوط وهي ما تقدم ذكره. [ المسألة 683: ] الرابع من محرمات الاحرام: أن يلمس المحرم زوجته بشهوة، فلا يحل له أن يلمسها كذلك بعد انعقاد احرامه، وإذا لمسها بشهوة وجب عليه أن يكفر بذبح شاة من غير فرق بين أعضائها الملموسة، وكذا إذا حملها أو أنزلها من المحمل بشهوة، سواء أمنى أم لم يمن، وإذا لمسها أو أركبها أو أنزلها بغير شهوة

[ 319 ]

فلا شئ عليه. [ المسألة 684: ] الخامس من محرمات الاحرام: أن ينظر المحرم إلى امرأته بشهوة، فلا يحل له ذلك على الاحوط بعد انعقاد احرامه، وإذا نظر إلى زوجته بشهوة بعد الاحرام فأمنى وجب عليه أن ينحر بدنة، وإذا نظر إليها بشهوة ولم يمن أثم بذلك ولم تجب عليه الكفارة، وكذلك إذا نظر إلى زوجته بغير شهوة فأمنى، فلا كفارة عليه، وهذا فرض في غاية الندرة، فإن الامناء مع عدم قصد الشهوة مما يتعذر عادة، ولكنه قد يتفق لبعض الناس. [ المسألة 685: ] إذا نظر المحرم إلى امرأة اجنبية عنه فأمنى وجبت عليه الكفارة، وكفارته أن ينحر بدنة إذا كان ذا يسار، وان يذبح بقرة إذا كان متوسط الحال، وان يذبح شاة إذا كان فقيرا، وإذا نظر إليها بشهوة ولم يمن أثم بفعله، ولم تجب عليه كفارة، فليتق الله ولا يعد إلى مثل فعله. [ المسألة 686: ] السادس من محرمات الاحرام: الاستمناء: فإذا عبث الرجل بذكره حتى أمنى وهو عالم عامد في فعله، وكان ذلك منه في أثناء احرامه وجب عليه ما يجب على من يجامع أهله وهو محرم، فإذا وقع ذلك منه في احرام الحج وقبل الوقوف بالمشعر الحرام وجب عليه أن يتم أعمال حجه فلا يقطعها، وأن ينحر بدنة كفارة لفعله، وأن يعيد حجه في العام المقبل، وإذا كان ذلك بعد وقوفه بالمشعر لزمته البدنة واتمام الحج ولم تجب عليه اعادته، وإذا فعل ذلك وهو في احرامه العمرة المفردة قبل السعي فعليه أن يتم عمرته وأن ينحر بدنة، ويقيم في مكة حتى ينقضي الشهر الذي افسد فيه عمرته ثم

[ 320 ]

يخرج إلى أحد المواقيت فيحرم منه بعمرة مفردة، وإذا حصل ذلك وهو في احرام عمرة التمتع لزمه أن ينحر بدنة وعليه ان يحتاط بالاحكام التي ذكرناها لمن جامع في عمرة التمتع في المسألة الستمائة والرابعة والسبعين. وإذا عبث مع زوجته حتى أمنى عامدا لزمته البدنة، ولم تجب عليه اعادة الحج حتى إذا كان ذلك قبل الوقوف بالمشعر، وكذلك حكمه إذا استمنى بالنظر أو التخيل، فتجب عليه البدنة ولا تلزمه الاعادة. [ المسألة 687: ] السابع من محرمات الاحرام: عقد النكاح: فلا يجوز للشخص بعد أن ينعقد احرامه بحج أو بعمرة ان يعقد لنفسه عقد النكاح، أو يعقد لغيره بالوكالة عنه، أو بالولاية عليه أو فضولا، ولا يجوز أن يعقد له غيره بالوكالة عنه، أو بالولاية عليه، أو فضولا، سواء كان موجبا في جميع الفروض أم قابلا، وسواء كان عقد النكاح دائما أم منقطعا، وسواء كان الغير الذي يزوجه المحرم أو يعقد للمحرم محلا أم محرما، وإذا أجري عقد النكاح في جميع هذه الصور المذكورة كان باطلا، وقد فصلنا هذه الاحكام في كتاب النكاح في البحث عن السبب السادس من أسباب تحريم النكاح، فليلاحظ ذلك في المسألة المائتين والثانية والخمسين إلى المسألة المائتين والثانية والستين. [ المسألة 688: ] الاحوط للمحرم أن لا يكون شاهدا في عقد نكاح ولو بين محلين، وأحوط من ذلك أن لا يؤدي في حال احرامه شهادة عنده قد تحملها على عقد وهو محل، وأن لا يخطب امرأة يريد الزواج بها بعد أن يحل من احرامه.

[ 321 ]

ويجوز للمحرم في حال احرامه ان يرجع بامرأة قد طلقها، ويجوز له ان يشتري أمة وإن كان شراؤه للامة بقصد ان يستمتع بها بعد ان يحل من احرامه، والاحوط له ترك شرائها إذا قصد ان يستمتع بالامة في حال احرامه. [ المسألة 689: ] إذا عقد المحرم، لرجل محرم، على امرأة محرمة عقد النكاح بينهما، ودخل الرجل بالمرأة، وكان العاقد والزوج والمرأة يعلمون جميعا بأنهم محرمون، وبأن التزويج في مثل هذه الحالة محرم عليهم، وجب على كل واحد من العاقد والزوج والزوجة أن ينحر بدنة كفارة لفعله. وكذلك إذا عقد المحرم، لرجل محرم عقد النكاح على امرأة محلة غير محرمة، ودخل الزوج بها وكان جميعهم يعلمون باحرام العاقد والزوج وان ذلك مما يحرم عليهم، فيجب على كل واحد التكفير بنحر بدنة حتى على المرأة المحلة، ومثله ما إذا عقد المحل لرجل محرم على امرأة محرمة، أو على امرأة محلة ودخل الزوج بها، وكان الجميع يعلم بالاحرام وبالحرمة، فتجب الكفارة المذكورة حتى على العاقد المحل، وحتى على امرأة إذا كانت محلة، مع علمها باحرام الزوج وبحرمة التزويج، وإذا كانت المرأة محلة ولا تعلم بالاحرام، أو لا تعلم بحرمة ذلك عليها لم تجب عليها الكفارة. [ المسألة 690: ] الثامن من محرمات الاحرام: لبس المخيط: إذا كان المحرم رجلا، وقد ذكر في الاحاديث تحريم لبس القميص عليه، وتحريم لبس القباء والسروال، والثوب الذي تكون له ازرار والثوب الذي يتدرعه، ولا ريب في ان التحريم لا يختص بذلك، فقد ورد في النصوص المعتمدة ان الرسول صلى الله عليه وآله لما نزل الشجرة في خروجه الى

[ 322 ]

حجة الوداع أمر الناس بالغسل والتجرد في ازار ورداء، أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء، وجاء في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (ان المحرم يقول عند عقد احرامه: أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب). وورد مثله في صحاح كثيرة أخرى، والاحوط له ان يجتنب لبس كل ثوب مخيط، أو ما يشبه المخيط كالثياب الملبدة التي تكون بصورة الثياب المخيطة، والثياب التي تنسج كاملة بصورة المخيط وهي غير مخيطة. [ المسألة 691: ] يجوز للمحرم أن يلبس المنطقة أو الهميان الذي يحفظ فيه نفقته، فيتوشح به أو يشده على بطنه أو على ظهره وان كان مخيطا، ويجوز له أن يلبس الحزام الذي يحتاج إليه المبتلى بالفتق لمنع نزول الامعاء أو الريح إلى الانثيين، ويجوز له أن يلبس الحزام الذي يضطر إليه المبتلى بالتهاب فقرات الظهر أو العنق، وان كان مخيطا. [ المسألة 692: ] الظاهر أنه يجوز للمحرم ان يفترش الفراش المخيط للاضطجاع أو الجلوس عليه، ويجوز له أن يتدثر به أو يلتحف للنوم إذا لم يغط به رأسه وان كان الاحوط اجتناب ذلك، وقد ذكرنا في المسألة الخمسمائة والثالثة والثمانين حكم عقد ثوبي الاحرام وما يتعلق بذلك فلتراجع. [ المسألة 693: ] يجوز للنساء المحرمات أن يلبسن المخيط من أي نوع كان، وتلاحظ المسألة الخمسمائة والخامسة والثمانون وما بعدها، ويستثنى من ذلك القفازان فلا يجوز للنساء لبسهما، والقفاز شئ تلبسه المرأة يغطي أصابعها وكفها وقد تكون له ازرار تزر على ساعديها وقد

[ 323 ]

يحشى بقطن وشبهه. [ المسألة 694: ] إذا لبس المحرم شيئا من المخيط وهو عالم عامد بفعله، وجب عليه ان يكفر عن ذلك بذبح شاة، وان كان مضطرا إلى ذلك على الاحوط، وإذا لبس اكثر من ثوب مخيط واحد تعددت عليه الكفارة بعدد الثياب، وكذلك الحكم إذا لبس ثوبا لا يجوز له لبسه من غير المخيط فتجب عليه الكفارة المذكورة، وإذا لبس أكثر من واحد تعددت الكفارة بعدده. [ المسألة 695: ] التاسع من محرمات الاحرام: أن يلبس الرجل المحرم خفا أو جوربا، فلا يجوز له لبسهما، والاحوط له لزوما أن يجتنب لبس غيرهما مما يستر جميع ظهر القدم، وإذا لم يجد نعلا عربيا واحتاج إلى لبس الخف جاز له ذلك، ولزمه على الاحوط أن يشق ظهر الخف. [ المسألة 696: ] يجوز للمحرم أن يغطي ظهر قدمه، كما يتعارف عادة عند الجلوس على القدمين وان يلقي عليه طرف الازار أو الغطاء في حال الجلوس أو النوم أو المشي. [ المسألة 697: ] إذا لبس الرجل المحرم خفا أو جوربا وكان عالما عامدا في فعله، فالاحوط له ان يكفر عنه بذبح شاة. [ المسألة 698: ] العاشر من محرمات الاحرام: استعمال الطيب: فيحرم على المحرم بعد انعقاد احرامه شم المسك والعود والعنبر والكافور والورس والزعفران، واكلها وسائر انحاء استعمالها، وتحرم العطور والخلاصات والحبوب والادقة والصابون المستحضرة منها أو التي

[ 324 ]

تدخل في تركيبها، ويحرم لبس الثياب التي يكون عليها أثرها ورائحتها، ويحرم عليه - على الاحوط - استعمال جميع أقسام الطيب الاخرى في شتى أصنافه وخلاصاته ومشتقاته. وإذا اضطر المحرم إلى أكل ما فيه طيب لبعض الضرورات التي حتمت عليه ذلك، أو اضطر إلى لبسه مع وجود أثر الطيب فيه، وجب عليه أن يسد انفه عن شمه، وكذلك إذا جلس عند بائع الطيب أو مر به فيجب عليه سد أنفه. [ المسألة 699: ] يجوز للمحرم وهو يسعى بين الصفا والمروة أن يشم رائحة الطيب التي تأتي إليه من سوق العطارين، ولا يجب عليه أن يسد أنفه عنها، ويختص ذلك بحال السعي فيجب سد الانف في الحالات الاخرى، ويجوز له شم خلوق الكعبة وهو العطر الخاص بها، ولا يختص ذلك في حال، ويجوز للمحرم أكل السفرجل والتفاح والاترج وغيرها من الفواكه الطيبة الرائحة وأن يشم رائحتها عند أكلها، والاولى له ان لا يستشمها في حال الاكل. [ المسألة 700: ] إذا استعمل المحرم الطيب عامدا فالاحوط له التكفير عن ذلك بدم شاة، من غير فرق بين أنحاء استعماله، وكذلك إذا اضطر إلى استعمال الطيب فالاحوط له التكفير، ولا اثم عليه في هذه الحال. [ المسألة 701: ] الاحوط الحاق الهيل والقرنفل بالزعفران في الحكم، فلا يضعها المحرم في القهوة أو في المطعومات أو المشروبات في حال احرامه، وإذا استعملها كفر عن استعمالها على الاحوط. [ المسألة 702: ] لا يجوز للمحرم أن يمسك أنفه عن الروائح المنتنة، ويجوز له

[ 325 ]

أن يعدل عنها إلى طريق آخر، وأن يسرع في مشيته إذا مر بها، وإذا مر بها فأمسك أنفه عنها أثم بذلك ولا كفارة عليه. [ المسألة 703: ] الحادي عشر من محرمات الاحرام: التزين: فلا يجوز للمحرم أن يلبس الخاتم إذا قصد به الزينة أو ينظم شعره تنظيما مخصوصا بقصد الزينة أو بما يعد زينة في نظر أهل العرف، أو يلبس في احرامه ثيابا ذات ألوان زاهية تعد زينة أو يقصد بها ذلك، وقد سبق الحكم بتحريم استعمال المحرم الحناء والخضاب إذا عد زينة في نظر الناس وان لم يقصد به الزينة، ولا يحرم عليه لبس الخاتم إذا قصد به الاستحباب الشرعي، فالمدار في حكم الخاتم على قصد المكلف المحرم من لبسه، ويحرم على المرأة بعد احرامها أن تلبس الحلي للتزين به، ويجوز لها أن تبقي على نفسها منه ما كانت قد اعتادت على لبسه قبل أن تحرم، ويجب عليها أن لا تظهر ذلك بعد الاحرام لزوجها ولمحارمها من الرجال فضلا عن الاجانب. [ المسألة 704: ] إذا ارتكب المحرم بعض تلك الامور عالما عامدا، فلا يترك الاحتياط بأن يكفر عنه بدم شاة. [ المسألة 705: ] الثاني عشر من محرمات الاحرام: الاكتحال على التفصيل الآتي: فلا يجوز للرجل المحرم، ولا للمرأة المحرمة أن يكتحلا بالسواد فانه من الزينة كما في الصحاح، سواء قصدا به التزين أم لا، ولا يجوز لهما الاكتحال بغير السواد إذا عد زينة في نظر أهل العرف سواء قصدا به التزين أم لا، ويجوز لهما الاكتحال بغير السواد إذا لم يكن زينة ولم يكن فيه طيب. وإذا اكتحل المحرم أو المحرمة، بما يعد زينة لزمتهما الكفارة

[ 326 ]

بدم شاة على الاحوط كما تقدم، وإذا اكتحل بما فيه طيب ولا يعد زينة لزمته كفارة الطيب على الاحوط، كما ذكرناها في المسألة السبعمائة وإذا اضطر إلى الكحل بما يعد زينة أو بما فيه طيب كفر ولا أثم عليه. [ المسألة 706: ] الثالث عشر من محرمات الاحرام: الادهان: فلا يجوز للرجل ولا للمرأة أن يدهنا بعد احرامهما، سواء كان الدهن مما له رائحة طيبة أم لا، وسواء دهن جميع بدنه أم بعضه، ويجوز لهما ذلك لعلاج أو ضرورة. فإذا ادهن وكان عالما عامدا في فعله كفر عنه بذبح شاة على الاحوط، وإذا فعله جاهلا كفر باطعام فقير على الاحوط كذلك، ولا تسقط الكفارة عنه بالاضطرار. [ المسألة 707: ] الرابع عشر من محرمات الاحرام: النظر في المرآة: فلا يجوز للرجل ولا للمرأة بعد احرامهما أن ينظرا في المرآة الحاكية لصورتهما، سواء قصدا بنظرهما فيها الزينة أم لا، وإذا نظرا فيها استحب لهما أن يجددا التلبية، والظاهر أن المراد بالنظر المحرم أن ينظر الرجل إلى صورته في المرآة أو إلى ملابسه أو بعض شؤونه مما يعد النظر إليه في المرآة زينة أو تزينا في نظر العرف، ولذلك فلا يمنع من نظر السائق المحرم فيها لرؤية شبح ما خلفه من السيارات، ولا يمنع من نظر الرجل فيها لرؤية بعض المناظر الاخرى التي لا تتعلق به، ويختص الحكم بالتحريم بالنظر في المرآة، فلا يحرم عليه أن ينظر في ما يشبه المرآة من الاجسام الحاكية للصورة كالماء الصافي، والفضة المصقولة، والاجسام الصقيلة الاخرى.

[ 327 ]

[ المسألة 708: ] إذا نظر المحرم في المرآة - كما ذكرنا - وهو عالم عامد فعليه أن يكفر عن ذلك بدم شاة على الاحوط. [ المسألة 709: ] يجوز للرجل المحرم وللمرأة المحرمة أن يلبسا النظارة في حال احرامهما، الا إذا عد ذلك من الزينة، فيجب عليهما اجتنابه وتلزمهما كفارة التزين بارتكابه على الاحوط، وهي دم شاة كما تقدم. [ المسألة 710: ] الخامس عشر من محرمات الاحرام: ازالة الشعر عن البدن: فلا يجوز للرجل بعد انعقاد احرامه أن يزيل جميع شعر بدنه أو يزيل شيئا منه وان كان قليلا، بحلق أو نتف أو غيرهما من وسائل ازالة الشعر، ويحرم عليه ازالة الشعر عن بدن غيره، سواء كان الغير محرما أم محلا، وكبيرا أم صغيرا، ومعذورا أم غير معذور، وكذلك حكم المرأة المحرمة. [ المسألة 711: ] يجوز للمحرم أن يزيل شعر جسده أو بعضه إذا لزم من بقائه ضرر لا يتحمل عادة، ومن أمثلة ذلك أن يكثر القمل والهوام في جسده فيضره ذلك، ويتوقف دفعه على ازالة شعر رأسه، أو ازالة شعر بدنه، فيجوز له ذلك وتقدر الضرورة بقدرها، ولا يجوز له التعدي عن مقدار الضرورة، ومن أمثلة ذلك: أن تحدث في بدنه قروح أو جروح أو دمامل ويحتاج إلى ازالة الشعر عن مواضعها للعلاج، فيباح له ذلك بمقدار الضرورة، ومن أمثلة ذلك: أن يصيب المحرم بسبب بقاء شعر رأسه صداع أو حرارة شديدة، فيحتاج إلى ازالته عنه لرفع هذه العوارض ويباح له ذلك، وتلاحظ

[ 328 ]

المسألة الآتية. ويجوز للمحرم أن يسبغ الوضوء والغسل وان لزم من ذلك ان يسقط منه بعض شعر وجهه أو رأسه أو جسده بسبب الغسل، فإن تحريم ذلك عليه يستلزم وقوعه في الحرج عند اداء وظائفه الشرعية، ويشترط في جواز ذلك أن لا يبالغ في تخليله الشعر وغسله أكثر مما يتعارف، وكذلك الحكم في غسل بعض الاعضاء من بدنه لتطهيرها عند التنجس. [ المسألة 712: ] إذا حلق المحرم شعر رأسه أو أزال شعره بغير الحلق، وهو عالم عامد، من غير ضرورة دعته إلى ذلك، تعين عليه - على الاحوط - أن يكفر عنه بذبح شاة، بل لا يخلو تعين ذلك عليه عن قوة، وإذا أزال شعر رأسه لضرورة حتمت عليه ذلك تخير بين أن يذبح شاة، وأن يصوم ثلاثة أيام، وأن يطعم ستة مساكين، يدفع لكل مسكين منهم مدين من الطعام، وإذا نتف شعر ابطيه كفر بذبح شاة، وكذلك إذا نتف أحدهما على الاحوط. وإذا مس رأسه أو لحيته فسقط من شعره شئ بمسه تصدق عن ذلك بكف من الطعام - على الاحوط - يدفعه لمسكين، وإذا كان ذلك في وضوء أو غسل أو تطهير فلا شئ عليه، وإذا خلل شعره في وضوئه أو غسل أو طهارته أكثر مما يتعارف فسقط منه الشعر تعين عليه الفداء على الاحوط. [ المسألة 713: ] إذا حلق المحرم شعر غيره، أو ازاله بغير الحلق، اثم بفعله ولم تجب الكفارة عليه، سواء كان الغير محرما أم محلا، ويجب الفداء على ذلك الغير إذا كان محرما.

[ 329 ]

[ المسألة 714: ] يجوز للمحرم أن يحك رأسه أو جلده بأصابعه وأظافره ما لم يدمه، أو يعلم بسقوط الشعر به، وإذا حكه أو مسه فسقط بذلك بعض الشعر تصدق بكف من الطعام كما تقدم. [ المسألة 715: ] السادس عشر من محرمات الاحرام: الفسوق: كما ذكر في الآية الكريمة والمراد به الكذب والسب، ولا ريب في حرمتهما على المحرم وغيره فيكون تحريمهما في حال الاحرام أشد وآكد، وقد ذكر بعض النصوص معهما المفاخرة، ولعل المراد بها اظهار الفخر على الناس الآخرين كذبا وافتراءا، أو ما يستلزم الاهانة والشتم للآخرين فتكون من المحرم، وتحريم هذه الامور وغيرها من القبائح شاملة للمحرم وغيره كما ذكرنا، فتكون مؤكدة في حال الاحرام، ولا تجب على المحرم في ارتكابها كفارة، ولا يفسد بها احرامه بل يتضاعف عليه بها العقاب ويشتد استحقاقه للعذاب، ويحرم عليه ايضا البذاء والتكلم باللفظ القبيح، ويجب عليه الاستغفار منها جميعا. [ المسألة 716: ] السابع عشر من محرمات الاحرام: الجدال: كما في الآية الكريمة وقد فسر في الاحاديث الواردة في تفسيرها بأن يقول المحرم: لا والله، وبلى والله، فيحرم عليه أن يقول ذلك عند المخاصمة، بل الاحوط تركه حتى مع عدم المخاصمة، والظاهر أن كلمتي لا وبلى لا دخل لهما في صيغة الجدال المحرم، فالمراد بها أن يحلف بقوله والله على نفي شئ أو على اثباته، والاحوط أن يجتنب المحرم مطلق اليمين وان لم يكن بالصيغة المذكورة.

[ 330 ]

[ المسألة 717: ] قد يضطر المحرم الى اثبات حق له على أحد، أو إلى نفي دعوى باطلة يدعيها عليه أحد، فإذا كان هذا الاضطرار مما يرتفع معه التكليف بحرمة اليمين جاز له أن يحلف لاثبات حقه، أو على نفي دعوى المبطل، ولم يؤثم بذلك، ويشكل الحكم بسقوط الكفارة عنه إذا حلف لذلك، بل الظاهر لزوم الكفارة وعدم سقوطها عنه. وقد يدور الحديث بين المحرم وصديق له في مقام المجاملة، فيريد الصديق أن يتبرع له بشئ - مثلا - أو يقوم له بعمل، فيقول المحرم له: لا والله لا تفعل هذا الشئ، أو يقول له الصديق وهو محرم كذلك: بلى والله أفعله، فيجوز هذا الحوار لهما ولا يكون من الجدال المحرم عليهما، وهو ناشئ عن المحبة والوئام بينهما لا من التنافر والخصام. [ المسألة 718: ] إذا جادل المحرم أحدا وكان صادقا في جداله وحلفه أثم حتى في المرة الاولى، ووجب عليه الاستغفار، وكذلك في المرة الثانية ولا تجب عليه فيهما كفارة، فإذا جادل في المرة الثالثة وهو صادق وجب عليه ان يكفر بذبح شاة، سواء كان جداله متواليا وفي مقام واحد أم متفرقا، وسواء كان مع شخص واحد أم مع متعددين، وإذا زاد في جداله على ثلاث مرات وهو صادق، فعليه في كل مرة منها دم شاة، من غير فرق بين الرابعة والخامسة وغيرها سواء كفر لما قبلها أم لا، فلا تتداخل كفاراته. وإذا جادل غيره وكان كاذبا في حلفه أثم بكذبه وبجداله وحلفه على الكذب، ووجب عليه في المرة الاولى أن يكفر بدم شاة، فإذا جادل مرة ثانية كاذبا وجب عليه أن يكفر بشاة أخرى، فإذا جادل كاذبا مرة ثالثة وجب عليه أن يكفر بدم بقرة سواء كفر

[ 331 ]

للاولتين أم لم يكفر، ولا تتداخل كفاراته، وإذا جادل كاذبا مرة رابعة أو خامسة لزمه في كل مرة منها بقرة أخرى غير السابقة عليها، من غير تداخل، وهكذا. [ المسألة 719: ] إذا جادل المحرم صادقا ثم جادل كاذبا أو بالعكس، لزمه حكمهما الذي تقدم بيانه، فلا شئ عليه في المرة الاولى صادقا ولا في الثانية، وتجب عليه الشاة في المرة الثالثة وما بعدها، سواء تقدم جداله الصادق أم تأخر أم تفرق وتجب عليه الشاة في المرة الاولى والثانية كاذبا، وتجب عليه البقرة في المرة الثالثة والرابعة وما بعدهما سواء تقدم جداله الكاذب أم تأخر. [ المسألة 720: ] الثامن عشر من محرمات الاحرام: قتل الهوام: والحشرات التي تتكون في جسد المحرم أو في رأسه من قمل ونحوه، فلا يجوز للمحرم قتل القمل الذي يتكون فيه، بل ولا ما ينتقل إليه من غيره إذا اتفق، ولا يجوز له القاء القمل عن جسده، ويجوز له أن يحول القملة من موضع إلى موضع آخر من جسده لا تكون فيه معرضا للسقوط، فإذا قتلها أو ألقاها من جسده أثم بذلك ولم تجب عليه كفارة، والاحوط استحبابا أن يتصدق عنه بكف من الطعام. ويجوز له أن يلقي عن جسده الحشرات والدواب الاخرى التي تعلق به، كالقراد والحلم ونحوهما، والحلمة دودة تقع على الجلد فتأكله، ويجوز له قتل البرغوث والبق إذا آذاه، والاحوط الاجتناب عنه إذا لم يضره، وخصوصا للمحرم في الحرم. [ المسألة 721: ] التاسع عشر من محرمات الاحرام: التظليل للرجال: فلا يجوز للرجل بعد انعقاد احرامه أن يتظلل في حال مسيره، سواء

[ 332 ]

كان راكبا أم راجلا، وسواء كان في أثناء الطريق أم في شوارع بلد، حتى في شوارع مكة ومحلاتها، وحتى في المشاعر وفي اثناء اتيانه بالمناسك والاعمال إذا كان قبل ان يحل من احرامه. والمحرم على الرجل أن يتظلل في حال مسيره بظل يتنقل وغير مستقر، فيستظل بسقف سيارة أو محمل أو هودج يركبه في سفره أو في تنقله، أو سقف طائرة أو غيرها من وسائل النقل المسقوفة، حتى في مثل البواخر والسفن البحرية والقطارات التي تشبه البيوت والمنازل فلا يجوز للرجل المحرم أن يتظل بسقوفها في أثناء المسير، ولا يجوز له أن يسير وعلى رأسه مظلة، ويجوز له أن يسير في ظل الاشياء الثابتة كالبيوت والجدران والاشجار والانفاق والاسواق المسقوفة. ويجوز للرجل أن ينشئ احرامه تحت السقف من مسجد الشجرة وغيره من المساجد التي تبنى في مواقيت الاحرام، بل ويجوز له أن ينشئ احرامه في الخيام التي يبنيها الحجاج لانفسهم في المواقيت، وفي بيوت مكة في احرام حج التمتع. [ المسألة 722: ] لا يجوز للمحرم أن يستظل في أثناء مسيره وتنقله بظل غير ثابت - كما وصفنا - وان كان الظل يقع عليه من احد جانبيه، ومثال ذلك أن تكون الشمس مائلة عن سمت رأسه إلى احد الجانبين فيجعل المظللة أو السقف مائلا كذلك ويستظل بهما، فلا يجوز له ذلك. [ المسألة 723: ] يجوز للمحرم الماشي مع قطار الابل وشبهه أن يمشي في ظلال المحامل فيستظل بظلها وهي سائرة ولا يحرم عليه ذلك، والفارق بين هذا وبين ما تقدم هو النص.

[ 333 ]

[ المسألة 724: ] إذا نزل المحرم في منزل جاز له أن يستظل في المنزل بسقف بيت أو جدار أو خيمة، بل يجوز له أن يجعل على نفسه مظلة يتفيأ ظلها وهو جالس أو نائم أو واقف مستقر، ولا يجوز له ذلك وهو يمشي في المنزل لبعض حاجاته، وإذا وقفت السيارة في موضع جاز للمحرم أن يستظل بسقفها وأن ينام تحته مادامت واقفة، وكذلك السفينة ووسائل النقل الاخرى. [ المسألة 725: ] تختص حرمة التظليل بالرجال المحرمين في حال الاختيار، فيجوز التظليل اختيارا للنساء المحرمات وللصبيان المحرمين، ويجوز التظليل للرجل المحرم إذا اضطر إلى استعمال الظل لسبب من الاسباب ولو للتقية ونحوها، وإذا كان له عذر ثابت يخاف معه على نفسه ضرر الحر أو البرد ضررا لا يتحمل عادة أو كان عدم التظليل له موجبا للعسر والحرج. [ المسألة 726: ] إذا استظل الرجل المحرم وهو عالم عامد من غير عذر أثم بفعله، ووجب عليه أن يكفر عنه بدم شاة يذبحها في مكة إذا كان تظليله في احرام العمرة، ويذبحها في منى إذا كان في احرام الحج، وإذا تكرر منه التظليل كفته كفارة واحدة في الاحرام الواحد، فإذا استظل مرارا في احرام العمرة أو في احرام الحج كفر عن جميع تظليله بشاة واحدة، وإذا استظل مرة واحدة أو مرارا متعددة في احرام العمرة، ثم استظل مرة أو مرارا في احرام الحج كفر بشاة عن احرام العمرة وبشاة أخرى عن احرام الحج. [ المسألة 727: ] انما يحتاج الانسان إلى الظل بحسب العادة الجارية بين

[ 334 ]

الناس، للتوقي به من حر الشمس أو للتستر عن حر الجو وان لم تكن الشمس طالعة، أو للتوقي من البرد أو من المطر، وقد يحتاج إليه للوقاية عن الريح إذا كانت عاصفة، فإذا لم تكن الشمس طالعة ولم يكن في الجو ما يوجب التوقي من حر أو برد أو مطر أو ريح، لم يكن للتظليل أي أثر، بل لا يعد الكون تحت السقف تظليلا في نظر الناس العقلاء، فإذا اتفق للمحرم مثل ذلك كما إذا احرم في ليلة هادئة من جميع ذلك أو أحرم في نهار هادئ كذلك ولا موجب فيه للظل من شمس وغيرها لم يحرم عليه الركوب في السيارة المسقوفة أو في المحمل أو الهودج المسقوفين فإنه ليس من التظليل وإذا اتفقت له سرعة في الريح بسبب سرعة مسير السيارة وهو تحت سقفها أمكن له فتح منافذ السيارة فلا تكون مظللة له عن الريح ولا يحرم عليه ركوبها ولا تجب عليه كفارة. [ المسألة 728: ] من الوصف الذي فصلناه في المسألة المتقدمة يتضح أمر ركوب المحرم في المصعد الكهربائي، فإذا كان الموضع الذي جعل فيه المصعد الكهربائي من العمارة مستورا عن الشمس وعن الحر والبرد والمطر، ولو بسبب تعدد طبقات العمارة وكثرتها، وضيق الموضع الذي نصب المصعد فيه من العمارة، فلا تتسلط الشمس ولا المطر على نفس المصعد، لم يكن الوقوف في المصعد وقوفا في مظلة، ولا الكون فيه كونا تحت ظل، فيجوز للمحرم الوقوف والصعود والهبوط فيه، وإذا كان الموضع بارزا للشمس وللحر والبرد وصدق على الواقف في المصعد انه متظلل بسقفه عن الشمس أو عن الحر أو البرد أو عن المطر في أوقات المطر، لم يجز للمحرم الوقوف فيه في تلك الساعات ولزمته الكفارة إذا وقف واستظل به.

[ 335 ]

[ المسألة 729: ] إذا وقف المحرم في أثناء مسيره لمخاطبة أحد مثلا أو جلس لقضاء حاجة أو وقفت سيارته في الطريق لازدحام المارة أو لاخذ الوقود أو لخلل أصاب السيارة جاز له التظلل بسقف السيارة أو بغيره في أثناء وقوفه. [ المسألة 730: ] لا يضر في السيارة المكشوف سقفها ان توجد في أعلاها روابط من حديد أو من خشب تشد أحد الجانبين بالآخر، وتكون على رؤوس الجالسين فيها إذا كانت صغيرة الحجم ومتباعدة فلا يكون وجودها على رؤوس المحرمين الجالسين فيها من التظليل الممنوع على المحرم، وكذلك المحمل والهودج والقبة إذا رفعت السقوف عنها وبقيت بعض الاخشاب الصغيرة الحجم تشد أحد جناحي المحمل بالآخر فلا يكون من الظل الممنوع. [ المسألة 731: ] إذا أحرم سائق السيارة وكانت سياقته اياها تحتم عليه الاستظلال فيها، فإن أمكن له أن يوكل أمر السيارة إلى أحد مأمون يطمئن إليه، ولا يخشى مع تسليمها إليه تلف السيارة أو تضررها وجب عليه ذلك، ولم تجز له سياقتها والتظلل فيها، ولا يكون معذورا في ذلك، وإذا لم يجد من يطمئن إليه، وخشي عليها التلف أو الضرر الذي لا يتحمل عادة، أو لزم منه الحرج والمشقة جاز له تولي زيادتها والاستظلال بها، فإذا ركبها وجبت عليه الكفارة، وكذلك إذا كان معه في سيارته نساء محرمات، وخشي التعدي عليهن بما لا يتحمل إذا سلم سيارته إلى سائق آخر، أو كان معه رجال يحترمهم ويخشى العدوان عليهم، ونظير ذلك ما إذا أحرم الرجل ومعه نساء محرمات لا يتمكن من تركهن، ولا يتمكن من اركابهن في

[ 336 ]

سيارة مكشوفة، فيجوز له أن يركب معهن في سيارة مظللة، ويجب عليه الفداء للتظليل. [ المسألة 732: ] لا تحريم ولا كفارة على المحرم إذا قسره متغلب من الناس فظلله بمظلة أو حبسه تحت الظل من غير اختياره، وكذلك إذا غطى رأسه أو قهره على بعض محرمات الاحرام الاخرى ولا خيرة له في ذلك، فلا تحريم على المحرم فيها ولا كفارة. [ المسألة 733: ] العشرون من محرمات الاحرام: ستر الرأس للرجال: ويراد بالرأس هنا ما يقابل الوجه والرقبة فهو من أول منابت الشعر من أعلى الجبهة والجبين إلى نهايتها مما يتصل بالعنق، وان لم ينبت فيه شعر بالفعل ويلحق به الاذنان في الحكم، فلا يجوز للمحرم أن يغطي جميع رأسه أو يغطي بعضه، أو يغطي أذنيه بساتر يصيب البشرة من عمامة أو قلنسوة أو كوفية أو ثوب يتقنع به، أو حناء أو طين أو ما يشبه ذلك من أدوية وغيرها، ولا يجوز له أن يحمل على راسه شيئا يغطيه، أو يغطي بعضه، من طبق أو فراش أو رزمة ثياب ونحو ذلك. [ المسألة 734: ] لا يجوز للمحرم أن يرمس رأسه في الماء، والاحوط له أن لا يرمس بعض رأسه في الماء، وان لا يرمس رأسه ولا بعض رأسه في غير الماء من المائعات، بل الاحوط للمرأة كذلك أن لا ترمس جميع رأسها في الماء خاصة. [ المسألة 735: ] يجوز للمحرم أن يعصب رأسه بعصابة أو منديل إذا أصابه صداع أو غيره، أو أصابته شجة أو قرحة في رأسه فاحتاج إلى

[ 337 ]

شدها وتضميدها، ويجوز له ان يغطي رأسه بيده أو بعض جسده عن حر الشمس ونحوه. ويجوز له ان ينام على فراش أو وسادة، وان لزم من وضع رأسه عليها ستر رأسه أو ستر بعض رأسه بهما، ولا يجوز له أن يخمر راسه أو يغطيه بغير ذلك عند النوم. [ المسألة 736: ] يجوز للمحرم أن يلبس نظارة يضطر إلى لبسها إذا لم تعد من الزينة في نظر أهل العرف، كما قلنا في المسألة السبعمائة والتاسعة، أما ستر بعض الرأس بها بمقدار يديها فلا يعتبر من التغطية المحرمة، وإذا صب المحرم على راسه ماء في اثناء احرامه جاز له أن يمسحه بيده، ولا يعد مسحه بيديه من التغطية المحرمة. [ المسألة 737: ] إذا غطى المحرم رأسه فالاحوط له أن يكفر عن ذلك بدم شاة، ولا ينبغي ترك هذا الاحتياط حتى مع الضرورة. [ المسألة 738: ] الحادي والعشرون من محرمات الاحرام: أن تغطي المرأة وجهها: فلا يجوز للمرأة بعد انعقاد احرامها أن تستر جميع وجهها ولا بعضه بساتر يصيب البشرة، من برقع أو ثوب أو نقاب أو غير ذلك، ويجوز لها النوم عليه أو على بعضه، ويجوز لها بل يجب عليها في حال الصلاة أن تستر من اطراف وجهها ما يكون مقدمة لستر الشعر والبدن الواجب عليها في الصلاة، فإذا فرغت من صلاتها أزالت ذلك. [ المسألة 739: ] إذا أرادت المحرمة ستر وجهها عن الاجانب من الرجال اسدلت القناع أو الخمار من فوق وجهها الى طرف أنفها أو ذقنها

[ 338 ]

ورفعته بيدها أو بغير ذلك حتى لا يصيب بشرة الوجه على الاحوط. [ المسألة 740: ] إذا سترت المرأة وجهها، أو سترت بعضه بساتر يصيب البشرة وهي عالمة عامدة كفرت عن ذلك بدم شاة على الاحوط. [ المسألة 741: ] الثاني والعشرون من محرمات الاحرام: تقليم الاظفار: فلا يجوز للرجل ولا للمرأة إذا انعقد احرامهما أن يقلما أظافر يديهما أو رجليهما أو يقلما شيئا منها ولو ظفرا واحدا أو بعض ظفر الا إذا انكسر الظفر فيكون بقاؤه كذلك موجبا للاذية والعسر والحرج عليه، فيجوز له تقليم ذلك الظفر، أو احتاج إلى تقليم الظفر لعلاج قرحة في الاصبع مثلا، فيجوز له تقليمه وعليه الفداء في الصورتين. [ المسألة 742: ] إذا قلم المحرم بعض أظفار يديه أو بعض أظفار رجليه وكان عالما عامدا في فعله وجب عليه أن يكفر عن كل ظفر منها بمد من الطعام فيتصدق بعدد الاظفار التي قلمها أمدادا، فإذا قلم جميع أظافر يديه وجب عليه أن يكفر عنها بدم شاة ولم تكفه الصدقة بعشرة أمداد، وإذا قلم أظافر رجليه كلها وجب عليه أن يكفر عنها بدم شاة كذلك، وإذا قلم جميع أظافر يديه وأظافر رجليه وكان ذلك في مجلس واحد أجزأه أن يكفر عن جميعها بشاة واحدة، وإذا قلم جميعها في مجلسين وجب عليه أن يكفر عنها بشاتين ولم تكفه واحدة، ولا فرق بين المحرم والمحرمة في جميع ذلك. [ المسألة 743: ] إذا أفتى شخص للمحرم أو للمحرمة بجواز تقليم الظفر فقلمه اعتمادا على قوله وأدمى أصبعه وجب على المفتي أن يكفر بدم شاة.

[ 339 ]

[ المسألة 744: ] الثالث والعشرون من محرمات الاحرام: اخراج الدم من الجسد: وقد ذهب إلى تحريمه على المحرم جماعة من الاصحاب، واجتنابه أحوط مع عدم الضرورة، سواء كان بحجامة أم بحك جسده حتى يدميه، أم بسواك كذلك، ويجوز له مع الضرورة، وإذا أدمى جسده بشئ من ذلك أو بغيره وهو غير مضطر إليه فالاحوط له أن يكفر عن فعله بدم شاة. [ المسألة 745: ] الرابع والعشرون من محرمات الاحرام: قلع الضرس: وقد ذهب إليه جماعة كذلك وان لم يخرج بقلعه دم، وهو مشكل، بل الظاهر عدم حرمته، وإذا قلع المحرم ضرسه لغير ضرورة وخرج معه دم كفر عنه بدم شاة على الاحوط للادماء، كما تقدم بيانه في المسألة السابقة. [ المسألة 746: ] الخامس والعشرون من محرمات الاحرام: لبس السلاح: فلا يجوز للمحرم ذلك بعد انعقاد احرامه إذا كان ما يلبسه مما يعد سلاحا كالسيف والخنجر والبندقية والمسدس وغيرها من أنواع السلاح، والاحوط اجتناب الدرع والترس والمغفر وشبهها من الآلات التي تعد للوقاية، ولا يحرم عليه أن يوجد السلاح معه في سيارته، أو على بعض أبله ودوابه إذا لم يكن لابسا له ومتسلحا به، وهذا كله إذا كان مختارا، وإذا اضطر إلى لبس السلاح وخشي العدو أو السارق جاز له لبسه. [ المسألة 747: ] إذا لبس المحرم السلاح بعد احرامه وهو مختار عامد من غير ضرورة تبيح له ذلك فعليه أن يكفر عنه بذبح شاة على الاحوط.

[ 340 ]

[ المسألة 748: ] يحرم على المحرم وعلى غير المحرم أن يقطع أو يقلع كل ما ينبت في الحرم من شجر ونبات، ما عدا الاذخر والنخيل وشجر الفاكهة فلا يمنع من أخذها، ولا يعم الحكم بالتحريم الكمأة فيجوز أخذها فانها لا تعد نباتا، ويجوز له أن يترك دوابه وابله ترعى في أرض الحرم وتأكل من حشائشه وأعشابه، ولا يجوز له الاحتشاش لها. ويجوز لصاحب المنزل أو الدار أو الضرب المملوكات له أن يقلع الشجر والنبات الذي يغرسه هو فيها وأن يقطعه، ويجوز له أن يقطع أو يقلع ما ينبت ويتجدد فيها من ذلك بعد اتخاذها منزلا، ولا يعم الحكم بالجواز الشجر والنبات الموجود فيها قبل ذلك، ويختص الحكم بذلك على الاحوط، فلا يعم الملك إذا لم يكن منزلا أو دارا أو مضربا. [ المسألة 749: ] إذا تكرر من الانسان المحرم أو غير المحرم فعل ما يوجب الكفارة عليه تكرر وجوب الكفارة بعدد ما ارتكب، ولا تتداخل الكفارات ولا يسقط بعضها عنه، ولا فرق بين الجماع واستعمال الطيب ولبس ما لا يحل للمحرم وبقية محرمات الاحرام وموجبات الكفارة التي تقدم ذكرها، ويستثنى من ذلك كفارة الصيد إذا كان المحرم عامدا، وقد ذكرنا هذا مبينا في المسألة الستمائة والحادية والستين، وتستثنى من ذلك كفارة التظليل إذا تكرر فعله من المحرم وكان في احرام واحد فلا تتكرر كفارته، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعمائة والسادسة والعشرين، ولا يترك الاحتياط بتكرر الكفارة في تغطية الرأس إذا تكررت من المحرم وان كان في احرام واحد فلا يكون حكمها كحكم التظليل.

[ 341 ]

[ المسألة 750: ] لا تجب الكفارة على المكلف إذا فعل ما يوجب الكفارة ناسيا أو جاهلا، وان كان جهله عن تقصير الا في كفارة الصيد، وقد ذكرنا هذا في المسألة الستمائة والستين وما بعدها، وتستثنى من الحكم في مسألتنا هذه موارد تجب فيها الكفارة على الناسي وغيره، وسيأتي ذكر هذه الموارد في مواضعها من الكتاب. ولا تجب الكفارة على الصبي ولا على المجنون المحرمين في ما عدا الصيد وان كانا مميزين، وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة والعشرين وما بعدها وبينا فيها حكم كفارة الصيد عليهما وانها تجب في مالهما أو في مال الولي، فلتراجع. [ المسألة 751: ] لا يشترط في الشاة التي تجب في الكفارة ما يشترط في هدي التمتع من الشروط، فيجزي المكلف ذبحها وان كانت غير تامة أو مهزولة سواء كانت ذكرا أم أنثى، ويشكل اجزاء المعز عن الضأن.

[ 342 ]

[ الفصل الخامس عشر ] [ في سنن دخول الحرم ودخول مكة والمسجد الحرام ] [ المسألة 752: ] يستحب للانسان إذا وصل إلى الحرم الشريف وأراد دخوله أن ينزل من راحلته أو سيارته التي يركبها، وأن يغتسل لدخول الحرم، وأن يخلع نعليه ويأخذهما بيديه، ويدخل الحرم حافيا تواضعا لله وتعظيما لحرمه، ففي الخبر عن أبي عبد الله (ع): (من صنع ذلك محى لله عنه مائة الف سيئة، وكتب له مائة ألف حسنة، وبنى الله له مائة ألف درجة، وقضى له مائة ألف حاجة). ويجوز له أن يقدم غسل دخول الحرم قبل ذلك فيغتسل له من أول النهار، وان كان دخوله للحرم في آخره، أو في ليلته، ويغتسل من أول الليل وإن كان دخوله في آخره أو في نهاره إذا لم ينم قبله أو يحدث، وقد ذكرنا نظير هذا في غسل الاحرام، ويكفيه أن يؤخره، فيغتسل لدخول الحرم في مكة بعد أن يدخلها وفي منزله بمكة من أن ينزله. [ المسألة 753: ] يستحب له أن يمضغ شيئا من الاذخر بعد دخوله للحرم، وقد ذكر أنه يستحب ذلك ليطيب فمه لتقبيل الحجر، ويستحب له إذا كان قادما من المدينة ان يدخل مكة من أعلاها من عقبة المدنيين، وان يكون خروجه من أسفل مكة من ذي طوى إذا كان يريد المدينة أيضا، كما فعل الرسول صلى الله عليه وآله في حجة الوداع. [ المسألة 754: ] يستحب له عند دخول الحرم أن يدعو بهذا الدعاء فيقول:

[ 343 ]

(اللهم انك قلت في كتابك، وقولك الحق: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، اللهم إني أرجو أن أكون ممن أجاب دعوتك، وقد جئت من شقة بعيدة وفج عميق، سامعا لندائك ومستجيبا لك مطيعا لامرك، وكل ذلك بفضلك علي، وإحسانك إلي، فلك الحمد على ما وفقتني له، أبتغي بذلك الزلفة عندك، والقربة إليك، والمنزلة لديك، والمغفرة لذنوبي، والتوبة علي منها بمنك، اللهم صل على محمد وآل محمد وحرم بدني على النار وآمني من عذابك وعقابك برحمتك يا أرحم الراحمين). [ المسألة 755: ] يستحب للانسان أن يغتسل غسلا آخر لدخول مكة يأتي به بعد غسله الاول لدخول الحرم أو معه أو بعد دخول الحرم وقبل دخول مكة، ويجوز له أن يؤخره حتى يدخل مكة، ويصح له أن يأتي بغسل واحد لهما فيقصد به امتثال الامرين معا، ويستحب له ان يدخل مكة بسكينة ووقار، متأنيا متواضعا حافيا، غير متكبر ولا متجبر، ويستحب له إذا دخل مكة أن يبدأ بدخول منزله قبل الطواف. [ المسألة 756: ] ذكر جماعة من الفقهاء استحباب غسل ثالث لدخول المسجد الحرام، ومن أراد الاتيان بهذا الغسل فليأت به برجاء المطلوبية. [ المسألة 757: ] ورد في حديث ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: تقول وأنت على باب المسجد: (بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وما شاء الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وخير الاسماء لله، والحمد لله، والسلام على رسول الله، السلام على محمد بن عبد الله، السلام عليك

[ 344 ]

ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على أنبياء الله ورسله، السلام على ابراهيم خليل الرحمن، السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد عبدك ورسولك وعلى ابراهيم خليلك وعلى أنبيائك ورسلك وسلم عليهم، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني في طاعتك ومرضاتك، واحفظني بحفظ الايمان أبدا ما أبقيتني، جل ثناء وجهك، الحمد لله الذي جعلني من وفده وزواره، وجعلني ممن يعمر مساجده، وجعلني ممن يناجيه، اللهم إني عبدك وزائرك في بيتك، وعلى كل مأتي حق لمن أتاه وزاره، وأنت خير مأتي وأكرم مزور، فأسألك يا الله يا رحمن، وبأنك انت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وبأنك واحد أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك صلى الله عليه وعلى أهل بيته، يا جواد يا كريم يا ماجد يا جبار يا كريم أسألك أن تجعل تحفتك إياي من زيارتي إياك أول شئ تعطيني فكاك رقبتي من النار، اللهم فك رقبتي من النار (تقولها ثلاثا) وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب، وادرأ عني شر شياطين الانس والجن وشر فسقة العرب والعجم). [ المسألة 758: ] في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): فإذا انتهيت إلى باب المسجد فقم وقل: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله وبالله ومن الله وما شاء الله، والسلام على أنبياء

[ 345 ]

الله ورسله، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله، والسلام على إبراهيم خليل الله، والحمد لله رب العالمين) فإذا دخلت المسجد فارفع يديك واستقبل البيت وقل: (اللهم إني أسألك في مقامي هذا في أول مناسكي أن تقبل توبتي، وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، اللهم إني أشهد أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمنا مباركا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك مطيعا لامرك راضيا بقدرك أسألك مسألة المضطر اليك الخائف من عقوبتك، اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني بطاعتك ومرضاتك). ويستحب أن يتوجه إلى الكعبة ويقول مخاطبا لها: (الحمد لله الذي عظمك وشرفك وكرمك وجعلك مثابة للناس وأمنا مباركا وهدى للعالمين). [ المسألة 759: ] يستحب للمحرم إذا دخل المسجد الحرام وحاذى الحجر الاسود أن يقول كما ورد عن أبي جعفر (ع): (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، آمنت بالله وكفرت بالطاغوت وباللات والعزى، وبعبادة الشيطان، وبعبادة كل ند يدعى من دون الله)، وأن يقول ايضا كما عن أبي عبد الله (ع): (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، اكبر من خلقه، واكبر ممن أخشى وأحذر، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي بيده الخير وهو على كل شئ قدير، اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد

[ 346 ]

وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد عبدك ورسولك وعلى ابراهيم خليلك وعلى أنبيائك ورسلك وسلم عليهم، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين إني اؤمن بوعدك وأوفي بعهدك). [ المسألة 760: ] يستحب له أن يستلم الحجر ويقبله، فان لم يستطع أن يقبله استلمه بيده، فان لم يستطع ذلك أشار إليه، وأن يقول: (اللهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى، وعبادة الشيطان وعبادة كل ند يدعى من دون الله)، فإن لم يستطع أن يقول هذا كله فبعضه، وأن يقول: (اللهم إليك بسطت يدي، وفي ما عندك عظمت رغبتي، فاقبل سبحتي واغفر لي وارحمني، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة).

[ 347 ]

[ الفصل السادس عشر ] [ في الطواف وشرائطه وواجباته وآدابه ] [ المسألة 761: ] الطواف بالبيت الحرام هو الواجب الثاني من واجبات عمرة التمتع، وهو ركن من أركانها كما سيأتي بيانه، ويجب الطواف فيها مرة واحدة، وليس فيها طواف للنساء، وتختص عمرة التمتع بهذا الحكم دون حج التمتع، ودون حج القران وحج الافراد ودون بقية أقسام العمرة فيجب الطواف في جميعها مرتين، أولهما: طواف الزيارة وهو ركن من أركانها، وثانيهما: طواف النساء، وهو واجب فيها غير ركن. [ المسألة 762: ] الواجب الركن في أي نسك من أنواع الحج أو العمرة التي ذكرناها، هو العمل الواجب الذي إذا تركه المكلف متعمدا بطل نسكه الذي كان قد أحرم به، فإذا ترك الحاج طواف الحج متعمدا ولم يأت به حتى انقضى شهر ذي الحجة بطل حجه، سواء كان حجه الذي أحرم به حج تمتع أم حج قران أم حج إفراد، والظاهر بطلان احرامه أيضا، وان كان الاحوط له أن يتحلل منه بعمرة مفردة يأتي بها. وإذا ترك المكلف طواف الزيارة في العمرة المفردة متعمدا حتى خرج من مكة إلى بلده وصدق عليه عرفا أنه قد ترك الطواف الركن فيها، فلا يبعد الحكم ببطلان عمرته، وكذلك الحال في العمرة التي يأتي بها مع حج القران أو مع حج الافراد، فتبطل عمرته تلك إذا ترك الطواف فيها متعمدا وخرج إلى وطنه، وخصوصا إذا كان

[ 348 ]

وطنه بعيدا لا يمكنه الرجوع منه إلى مكة للاتيان بالطواف الركن في عمرته، أو صمم على عدم الاتيان به أبدا. [ المسألة 763: ] إذا ترك المتمتع طواف عمرة التمتع متعمدا حتى ضاق عليه وقت الركن من الوقوف الاختياري بعرفات، فلم يبق له من الوقت ما يمكنه أن يأتي فيه بطواف العمرة ثم يأتي بالمسمى من وقوف عرفات بعده، فيجب عليه في هذا الحال أن يبادر فيدرك الوقوف بعرفات بادراك الركن منه، ويتم حجه إفرادا، وتراجع المسألة الاربعمائة والستون وما بعدها، والمسألة الاربعمائة والثالثة والستون وما بعدها، فقد فصلنا القول فيها، ولا يبعد أن الجاهل بالحكم كالعامد في ذلك، فإذا ترك الطواف لزمه الحكم المذكور. [ المسألة 764: ] إذا نسي المتمتع طواف عمرة التمتع فلم يأت به، وسعى بين الصفا والمروة لم تبطل عمرته وتمتعه بذلك، فيجب عليه قضاء طوافها متى تذكره، وان لم يتذكر فواته الا بعد أن أتم مناسك الحج كلها، بل وان خرج شهر ذي الحجة، والاحوط له أن يعيد سعي العمرة بعد أن يقضي طوافها، وإذا كان قضاء الطواف بعد انقضاء شهر ذي الحجة لم تجب عليه اعادة السعي. وكذلك إذا ترك المتمتع طواف العمرة وهو جاهل بالموضوع، فيجري فيه نظير حكم الناسي في الصورة المذكورة. [ المسألة 765: ] إذا نسي المتمتع طواف عمرة التمتع ولم يتذكره حتى أتم مناسك حج التمتع وخرج من مكة، وجب عليه أن يعود إلى مكة لقضاء طواف العمرة مع إمكان العود له وعدم الحرج عليه في ذلك، وإذا كان خروجه بعد انقضاء شهر من إحرامه السابق فالاحوط له

[ 349 ]

استحبابا أن يدخل مكة بعمرة مفردة ويأتي بالطواف الفائت في احرامه لها، وان كان الاقوى الاجتزاء باحرامه الاول حتى بعد انقضاء الشهر، فيقضي الطواف بذلك الاحرام. وإذا تعذر عليه الرجوع إلى مكة أو كان عوده إليها موجبا للعسر والمشقه استناب أحدا يقضي الطواف عنه، وعليه أن يبعث ببدنة تنحر عنه إذا كان قد واقع أهله في هذه الفترة، بل وان لم يواقع على الاحوط، ويجري نظير ذلك في المتمتع إذا ترك الطواف وهو جاهل بالموضوع في هذه الصورة أيضا. [ المسألة 766: ] إذا عرض للمكلف عارض في بدنه من مرض أو كسر أو غيرهما فمنعه عن الطواف مستقلا بنفسه وجب عليه أن يطوف معتمدا على غيره أو متوكئا على عصى ونحوها، فإن لم يمكن له ذلك وجب أن يحمله غيره فيطوف بنفسه محمولا، فإن لم يستطع أن يطوف كذلك وجب عليه أن يستنيب أحدا يطوف عنه. وتصح بذلك متعته ولا تنقلب إلى حج إفراد، ولا تجوز له الاستنابة ولا تكفيه إذا أمكن له أن يطوف بنفسه معتمدا أو متوكئا أو محمولا، كما قلنا في أول المسألة. [ المسألة 767: ] تشترط في صحة الطواف خمسة أمور: الامر الاول: النية: فإن الطواف عبادة من العبادات، ولذلك فلابد فيها من قصد القربة بالعمل المعين، والامر في النية في غاية السهولة واليسر، كما فصلناه في مباحث النية من العبادات، وإذا عين المكلف العمل المقصود عند الفعل، وكان الداعي له إلى فعله هو امتثال أمر الله فقد تمت النية وصح العمل، وان كان الاولى أن يقول في طواف العمرة: (أطوف بالبيت سبعة أشواط لعمرة التمتع لحج الاسلام حج

[ 350 ]

التمتع قربة الى الله تعالى). [ المسألة 768: ] الامر الثاني من شرائط صحة الطواف: أن يكون الطائف متطهرا من الحدث الاكبر ومن الحدث الاصغر، فلا يصح طوافه إذا كان محدثا بأحدهما، سواء كان عالما بالحكم أم جاهلا أم ناسيا أم غافلا، وهذا إذا كان طوافه واجبا، ولا تشترط الطهارة في صحة الطواف المندوب، فإذا طاف المكلف بالبيت طوافا مستحبا وهو على غير وضوء صح طوافه، فإذا أراد أن يصلي ركعتين للطواف وجب عليه أن يتطهر للصلاة، وإذا كان محدثا بالحدث الاكبر من جنابة ونحوها لم يجز له الدخول في المسجد الحرام ليطوف، والمراد بالطواف الواجب ما يؤتى به جزءا من حج أو عمرة سواء كانا واجبين أم مندوبين، والطواف المندوب ما يأتي به المكلف تطوعا من غير حج ولا عمرة. [ المسألة 769: ] إذا علم الانسان قبل شروعه في الطواف بأنه كان على طهارة سابقة من الحدث، وشك في أنه أحدث بعد تلك الطهارة أم لا بنى على بقاء الطهارة، فيصح له الطواف الواجب من غير تجديد وضوء، وكذلك حكمه إذا شرع في الطواف ثم شك وهو في أثناء طوافه في حصول حدث بعد طهارته المعلومة سابقا فيبني على بقاء طهارته ويتم طوافه ولا يعتني بشكه، وإذا علم بأنه كان محدثا وشك في أنه تطهر بعد الحدث السابق أم لا، فلا يصح طوافه في كلتا الحالتين المذكورتين، وتجب عليه الطهارة ثم يطوف بعدها وللمسألة فروع تعرضنا لتفصيلها في مباحث الوضوء من كتاب الطهارة، فليرجع إليها من أحب.

[ 351 ]

[ المسألة 770: ] إذا أتم المكلف طوافه ثم شك بعد فراغه من الطواف في أنه كان متطهرا حين طوافه أم لا، بنى على صحة طوافه ولم يعتن بشكه، وتجب عليه الطهارة لصلاة الطواف، وإذا أتم كلا من الطواف وصلاة الركعتين ثم شك في الطهارة بعد الفراغ منهما بنى على الصحة في الطواف والصلاة كليهما. [ المسألة 771: ] إذا فرغ من طوافه ثم تذكر بعد الفراغ أنه طاف على غير طهارة، وجبت عليه اعادة الطواف متطهرا إذا كان الطواف واجبا، وصح طوافه إذا كان مندوبا. [ المسألة 772: ] إذا أحدث الطائف قبل أن يتم النصف من طوافه بطل طوافه إذا كان واجبا، ووجب عليه التطهر من حدثه واعادة الطواف من أوله، وكذلك إذا أحدث وقد أتم نصف طوافه ولم يتجاوزه، فتجب عليه الطهارة واستئناف الطواف، والمراد بنصف الطواف أن يبلغ الطائف إلى الركن الثالث من الكعبة في شوطه الرابع، والركن الثالث هو الركن الغربي منها. [ المسألة 773: ] إذا أحدث الطائف بعدما تجاوز النصف من طوافه وجب عليه أن يعين موضع وقوع الحدث من طوافه، وأن يخرج فيتطهر من حدثه ثم يرجع فيتم طوافه من موضع قطعه، فإذا فعل ذلك صح طوافه، وعليه أن يبادر إلى الطهارة واتمام الطواف قبل أن تفوت الموالاة في الطواف. [ المسألة 774: ] لا يترك الاحتياط لزوما إذا وقع الحدث منه باختياره أن

[ 352 ]

يفعل ما ذكرناه فيتم طوافه ثم يعيد الطواف من أوله. [ المسألة 775: ] إذا تطهر الطائف من حدثه طهارة المعذور كصاحب الجبيرة على أعضاء وضوئه أو على أعضاء غسله وكالمسلوس والمبطون وأتى بالطهارة على الوجه الذي بيناه في أحكامهم في كتاب الطهارة كفته طهارته الاضطرارية في صحة عمله، فيصح طوافه وصلاة طوافه بتلك الطهارة، وان كان الاحوط استحبابا للمسلوس والمبطون أن يطوف بنفسه كذلك، ثم يستنيب من يطوف عنه. وإذا كانت المرأة المتمتعة مستحاضة وكانت استحاضتها قليلة توضأت للطواف ثم توضأت بعده وضوءا آخر لصلاة الطواف، وإذا كان استحاضتها متوسطة اغتسلت للطواف ولصلاة الطواف غسلا واحدا، وتوضأت بعد للطواف، ثم توضأت بعده وضوءا آخر لصلاة الطواف، وإذا كانت استحاضتها كثيرة اغتسلت ثم توضأت بعده للطواف، ثم اغتسلت بعده غسلا ثانيا وتوضأت بعده لصلاة الطواف، وهذا كله على الاحوط لها في جميع الفروض. [ المسألة 776: ] إذا لم يتمكن المكلف من الطهارة المائية لبعض الاعذار المسوغة للتيمم كفاه التيمم عن الوضوء أو الغسل، وصح طوافه وصحت صلاته بتلك الطهارة، والاحوط له استحبابا إذا تيمم وهو جنب أن يطوف بتيممه ثم يستنيب شخصا يطوف عنه. [ المسألة 777: ] إذا عجز الرجل أو المرأة عن الوضوء من الحدث لبعض العوارض المانعة له عن استعمال الماء ولم يتمكن أيضا من التيمم كان له حكم العاجز عن الطواف، فيجب عليه أن يستنيب أحدا للطواف والصلاة عنه، والاحوط له أن يستنيب كذلك وأن يطوف

[ 353 ]

بالبيت بنفسه بغير طهارة، وكذلك المجنب والحائض والنفساء إذا لم يستطيعوا الغسل ولا التيمم فتجب عليهم الاستنابة، وإذا أمكن لهم التيمم كفاهم التيمم عن الغسل كما تقدم، ووجب عليهم الطواف وصلاة الطواف مع التيمم وصح ذلك منهم. [ المسألة 778: ] إذا أحرمت المرأة من الميقات بعمرة التمتع وكانت حائضا أو نفساء في وقت احرامها، وقدمت مكة بعد الاحرام وهي لا تزال حائضا أو نفساء وجب عليها أن تنتظر، فإن هي طهرت من الحدث في سعة من الوقت وجب عليها أن تغتسل منه وتتم عمرتها، وتأتي بعدها بحج التمتع كما هو حكمها، وكذلك إذا طهرت في ضيق من الوقت، وأمكن لها أن تتم عمرة التمتع وتدرك الركن من الوقوف الاختياري في عرفات، فتجب عليها المبادرة والعمل كذلك، وإذا استمر بها الدم والحدث حتى ضاق الوقت ولم تتمكن من الطواف واتمام العمرة عدلت بنيتها إلى حج الافراد، ووجب عليها أن تخرج إلى عرفات قبل أن يخرج الوقت، وان تتم أعمال حج الافراد. وإذا كانت عمرة التمتع واجبة عليها بنذر ونحوه وجب عليها بعد حج الافراد أن تعتمر عمرة مفردة، وقد ذكرنا هذا في المسألة الاربعمائة والسادسة والستين وتعرضنا بعدها لفروض أخرى تتعلق بالمرأة المتمتعة إذا حاضت في أثناء عمرتها أو في أثناء طوافها أو بعد ذلك فلتراجع لتعلقها بالموضوع، ولا موجب لا عادة جميع ما تقدم بيانه. [ المسألة 779: ] الامر الثالث من شرائط صحة الطواف: أن يكون الطائف طاهر البدن والثياب من أي نجاسة، حتى النجاسات المعفو عنها في الصلاة، كالدم الذي تكون سعته أقل من الدرهم البغلي وكثوب المرأة

[ 354 ]

المربية للطفل الصغير إذا تنجس ببول الطفل، وكنجاسة الشئ المحمول على ما سبق بيانه في كتاب الطهارة في مبحث لباس المصلي، فلا يصح الطواف فيها على الاحوط، وحتى النجاسة في ما لا تتم الصلاة فيه، فلا يترك الاحتياط باجتناب الطواف فيها. [ المسألة 780: ] يجوز للمكلف الطواف في دم الجروح والقروح منه إذا تنجس بها بدنه أو ثيابه ولزم العسر والحرج من التجنب عنها. [ المسألة 781: ] إذا طاف المكلف وهو لا يعلم بنجاسة ثوبه أو بدنه حتى أتم الطواف، ثم علم بعد الفراغ منه بنجاستهما أو بنجاسة أحدهما صح طوافه، ووجب عليه تطهير النجاسة لصلاة الطواف، وإذا لم يعلم بالنجاسة حتى أتم الطواف والصلاة كليهما، صح طوافه وصلاته ولم تجب عليه الاعادة. [ المسألة 782: ] إذا طاف الطائف وهو لا يعلم بنجاسة ثوبه أو بدنه ثم علم بها في أثناء طوافه فإن أمكن له أن يتم طوافه بثوب طاهر من غير فصل ينافي الموالاة في الطواف، كما إذا كان يلبس في احرامه ردائين أو ازارين وعلم بنجاسة أحدهما المعين فيقف من طوافه وينزع الثوب النجس ثم يتم طوافه بالثوب الطاهر من غير فصل، وكما إذا أمكن أن يطهر النجاسة بماء كثير قريب منه ويعود في طوافه من غير فصل، فيجب عليه أن يفعل كذلك، ثم يواصل طوافه حتى يتمه ولا شئ عليه ولا اعادة. وإذا لم يمكن له ذلك طهر النجاسة وأتم طوافه على الاحوط ثم استأنفه من أوله، وهذا إذا علم بالنجاسة قبل أن يبلغ في طوافه أربعة أشواط، وإذا بلغ فيه أربعة أشواط أو أكثر ثم علم بالنجاسة قطع

[ 355 ]

طوافه في الموضع الذي علم فيه بالنجاسة، ثم خرج فطهر النجاسة أو بدل الثوب وعاد فأتم طوافه من ذلك الموضع وصح بذلك طوافه، وكذلك الحكم إذا طاف وهو طاهر البدن والثياب ثم طرأت له النجاسة في أثناء طوافه فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه، وإذا نسي النجاسة في ثوبه أو بدنه فطاف بها ثم تذكر، فالاحوط له استئناف الطواف، حتى إذا تذكر النجاسة بعد أربعة أشواط، وحتى إذا تذكرها بعد اتمام الطواف وبعد صلاة الطواف. [ المسألة 783: ] الامر الرابع من شرائط الصحة في الطواف: الختان للرجال والصبيان، فلا يصح طواف غير المختون، سواء كان بالغا أم صبيا، وعامدا كان أم جاهلا، وتبطل بذلك عمرته ويبطل حجه، وإذا طاف الاغلف أو طيف به كان كتارك الطواف، وجرت عليه أحكامه التي ذكرناها في أول هذا الفصل. [ المسألة 784: ] إذا ولد الشخص مختونا في أصل خلقته كفاه ذلك وصح طوافه، ولا يشترط الخفض في صحة طواف المرأة، والخفض في النساء من السنن المندوبة، وهو فيهن نظير الختان في الرجال. [ المسألة 785: ] طواف النساء في الحج وفي العمرة المفردة وفي عمرة حج القران والافراد أحد الواجبات في النسك وان لم يكن ركنا من أركانه، ولذلك فيشترط في صحته ما يشترط في صحة الطواف الواجب، فلا بد وأن يكون الطائف مختونا، فإذا طاف الاغلف طواف النساء أو طيف بالاغلف وهو صغير لم يصح منه طوافه ولم تحل له النساء ولا يباح له التزويج، وان كبر حتى يأتي بطواف النساء بنفسه وهو مختون، أو يطوف عنه غيره إذا عجز عن الطواف بنفسه.

[ 356 ]

[ المسألة 786: ] الامر الخامس من شرائط الصحة في الطواف: أن يكون الطائف مستور العورة في حال طوافه على الاحوط، فلا يصح طوافه إذا طاف وهو غير مستور العورة، وأن يكون الساتر الذي يطوف به مباحا غير مغصوب، بل تشترط الاباحة في ما يلبسه في حال طوافه وان لم يكن ساترا له بنفسه، ومثال ذلك: أن يطوف بإزارين خفيفين لا يحصل الستر الا بهما معا، فلا يصح طوافه إذا كان أحدهما مغصوبا، ولا يترك الاحتياط بأن يكون لباس الطائف في حال طوافه مستجمعا لجميع ما يعتبر في لباس المصلي من شرائط صحة الصلاة فيه وعدم الموانع منه. والامور الخمسة التي قدمنا ذكرها أشياء خارجة عن حقيقة الطواف تتوقف على وجودها صحته ومن أجل ذلك سميت شروطا. [ المسألة 787: ] يجب في الطواف أن تجتمع فيه أمور سبعة، وهذه أمور داخلة في حقيقة الطواف ولا يتحقق وجود الطواف شرعا إذا فقدت أو فقد شئ منها، ومن أجل ذلك كانت واجبات في الطواف، وليست شروطا كالاولى. الواجب الاول: أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الاسود وأن يكون الاختتام به، ويحصل ذلك بأن يقف الطائف في الشوط الاول قبل الحجر الاسود بمقدار يسير للمقدمة العلمية، فإذا نوى وتحرك في طوافه نوى الابتداء من الموضع الواجب، وان الزائد مقدمة يحوز بها تحقق الواجب وليس من الطواف، ثم يتابع أشواطه حتى يتمها، ويزيد في الشوط الاخير مقدارا يسيرا كذلك، وينوي الطواف إلى الحد الواقعي، وان الزائد مقدمة يحوز بها الواجب وليس من الطواف.

[ 357 ]

[ المسألة 788: ] الثاني من واجبات الطواف: أن يجعل الطائف البيت المعظم على يساره في جميع حالات طوافه، والواجب منه أن يطوف والكعبة على يساره في نظر أهل العرف لا بالنظرة العقلية الدقيقة، فلا يضر بطوافه أن يكون منحرفا انحرافا يسيرا لا ينافي الصدق العرفي المذكور، وإذا استقبل الطائف الكعبة في بعض الحالات ليقبل البيت أو ليستلم الركن أو ليقبله، لم يجز له أن يتحرك وهو في تلك الحالة حركة يحتسبها من الطواف، بل يقف في طوافه، فإذا قبل أو استلم ورجع الى حاله وجعل البيت على يساره، تحرك في طوافه من موضعه الاول، واستمر في الطواف والبيت إلى يساره، وكذلك إذا ألجأه الزحام أو اصطدم بأحد أو عثر فاستقبل البيت أو استدبره أو أصبح البيت على يمينه، فيجب عليه أن يعتدل ويعود إلى موقفه الاول من الطواف، ولا يعتد بالخطوات التي خطاها في تلك الحالة، فإذا اعتدل ورجع إلى موضعه من الطواف استمر في طوافه والكعبة إلى يساره. وأكثر ما يحتاج الطائف إليه هو التحفظ عند أركان البيت، وعند فتحتي حجر اسماعيل الاولى والثانية، فإن فتحتي الحجر تقعان في امتداد البيت، فإذا استمر الشخص في حركته ولم يلتفت فربما أصبحت الكعبة خلف ظهره أو أمام وجهه أو مائلة اليهما وهو غير قاصد، ولذلك فهو يحتاج إلى الالتفات في هذه المواضع للتحفظ على صحة طوافه، ويكفيه الصدق العرفي كما ذكرناه، ولا يجب عليه أكثر من ذلك. [ المسألة 789: ] الامر الثالث من الواجبات الطواف: أن يطوف المكلف حول البيت وحول حجر اسماعيل إذا وصل إليه ما بين الركن الشامي

[ 358 ]

والركن الغربي، فيجعل الحجر على يساره في كل شوط من أشواطه، ولا يجوز له أن يدخل الحجر فيطوف ما بينه وبين البيت، وإذا فعل كذلك في جميع أشواطه بطل طوافه ووجبت عليه اعادة جميع الطواف، وإذا فعل ذلك في بعض أشواطه بطل ذلك الشوط ووجبت اعادته خاصة، ولم تبطل بقية طوافه، والاحوط له استحبابا أن يعيد ذلك الشوط ويتم بقية طوافه ثم يعيد طوافه كله من أوله. [ المسألة 790: ] الرابع من واجبات الطواف: أن يطوف الشخص حول البيت والحجر - كما قلنا - فلا يدخل في أثناء طوافه في البيت، ولا يمشي على الشاذروان، ولا على حائط الحجر، وإذا فعل كذلك بطل ذلك المقدرا من طوافه، فتجب عليه اعادته على الوجه الصحيح، ولم تبطل بقية طوافه، والشاذروان بقية من أساس جدار الكعبة لم تدخل فيه عند عمارته، فهو جزء من الكعبة يجب أن يكون الطواف حوله، وأن يخرج جميع بدن الطائف عنه في أثناء طوافه، فإذا أدخل يده أو بعض أعضاء بدنه فوق الشاذروان ليمس جدار البيت أو ليقبله، أو ألجأه الزحام إلى ذلك لم يحتسب ذلك الجزء من طوافه، ولا يقترب من جدار الكعبة عند الباب بمقدار عرض الشاذروان، ولا يدخل يده وبعض أعضائه فوق حائط الحجر، وإذا فعل ذلك لم يحتسب مقداره من الطواف كما تقدم في الشاذروان، والاحوط استحبابا أن لا يمس حائط الحجر من خارجه، وان لا يصل أصابع قدمه بأساس الحجر والشاذروان. [ المسألة 791: ] الخامس من واجبات الطواف: أن يكون الطواف ما بين البيت ومقام ابراهيم (ع)، وهو الصخرة التي عليها أثر قدميه لما بنى عليها البيت، والمسافة ما بين شاذروان البيت والمقام هي ستة

[ 359 ]

وعشرون ذراعا ونصف ذراع، على ما ضبطه الاكابر من المحققين، وعلى ما ذكره الازرقي في كتابه أخبار مكة، فيجب أن لا يخرج الطائف في طوافه عن هذا المقدار في أي جانب من جوانب البيت مع الاختيار حتى من جانب حجر اسماعيل، ولذلك فيكون الباقي من المسافة في هذه الجهة ستة أذرع ونصف ذراع فحسب بعد الحجر، فيتعين الطواف في هذه البقية مع الاختيار، ولا يجوز الخروج عنها الا إذا اقتضته التقية، أو الضرورة وعدم القدرة فيجوز لذلك، وكذلك في بقية الجوانب. [ المسألة 792: ] إذا خرج الطائف عن الحد المذكور للطواف مع الاختيار والتمكن وجب عليه أن يعيد المقدار الذي خرج فيه عن الحد من طوافه، وإذا ألزمته التقية بذلك أو التجأ إليه لعدم القدرة كفاه ذلك ولم تجب عليه الاعادة. [ المسألة 793: ] السادس من واجبات الطواف: أن يتم طواف الطائف سبعة أشواط تامة، دون زيادة فيها ولا نقيصة، فلا يجزيه الطواف إذا كان اقل منها، ويبطل طوافه إذا زاد عليها وكان ذلك عن عمد - وسنتعرض - ان شاء الله - في ما يأتي للزيادة في عدد الاشواط والنقيصة منها في جميع فروضهما وأحكامهما. [ المسألة 794: ] السابع من واجبات الطواف: الموالاة عرفا في طواف الفريضة على الاحوط بل على الاقوى، الا إذا دل الدليل الشرعي على صحة الطواف مع عدم الموالاة، ولا تجب الموالاة في طواف النافلة.

[ 360 ]

[ المسألة 795: ] إذا زاد المكلف في عدد أشواط طوافه متعمدا وقصد منذ أول طوافه أن يطوف ثمانية أشواط مثلا أو تسعة، فلا ريب في بطلان طوافه وكونه آثما للتشريع، وتجب عليه إعادة الطواف تاما، وكذلك إذا نوى الطواف في ابتدائه سبعة أشواط ثم بدا له في أثناء الطواف فنوى أن يجعل طوافه ثمانية أشواط أو أكثر فيبطل طوافه وتجب عليه إعادته، بل وكذلك إذا طاف سبعة أشواط وزاد في طوافه بعد إكماله شوطا ثامنا أو أكثر وقصد به الجزئية لطوافه فيبطل وتلزمه الاعادة. [ المسألة 796: ] إذا أنقص الطائف من عدد الاشواط متعمدا ونوى ذلك في أول طوافه، فنوى أن يطوف بالبيت ستة أشواط أو خمسة فحسب مثلا بطل طوافه، وأثم للتشريع ووجبت عليه اعادته وان لم تفت الموالاة، للخلل في نية الطواف، وكذلك إذا نوى في أول الامر الطواف سبعة أشواط ثم بدا له في أثناء طوافه فعدل إلى نية ستة أشواط أو أقل فيبطل طوافه للخلل في النية، وان لم تفت الموالاة، وتجب عليه الاعادة. [ المسألة 797: ] إذا أنقص الطائف من عدد الاشواط متعمدا ولم يوجب ذلك خللا في نية الطواف، كما إذا نوى الطواف الشرعي الكامل وشرع في طوافه كذلك، ثم أنقص منه شوطا أو أكثر لانه يعتقد أن الطواف الشرعي التام هو ذلك، فإن لم تفت الموالاة العرفية وجب عليه ان يتم ما نقص من طوافه، والظاهر صحة الطواف في هذه الصورة فلا اعادة عليه، وإذا فاتت الموالاة العرفية وكان قد تجاوز النصف من طوافه، فالاحوط له أن يتم ما نقص من طوافه، ثم يعيده بعد

[ 361 ]

ذلك، وإذا فاتت الموالاة ولم يتجاوز النصف من أشواط طوافه وجبت عليه الاعادة. [ المسألة 798: ] إذا زاد الطائف في طوافه ساهيا، وكان ما زاده أقل من شوط قطعه ولم يضر ذلك بصحة طوافه، وإذا كان ما زاده شوطا تاما أو أكثر من شوط، فالاحوط له أن يتمه سبعة أشواط، ويكون أحد الطوافين هو الفريضة والآخر نافلة كما تضمنته أدلة المسألة، وفي كون أي الطوافين المذكورين هو الفريضة وأيهما هو النافلة خفاء، ولذلك فلا يترك الاحتياط بأن ياتي الطواف الثاني بقصد امتثال أمره الواقعي من غير تعيين، ويصلي صلاة الطواف الفريضة قبل السعي وصلاة الطواف النافلة بعده. [ المسألة 799: ] إذا أنقص الطائف بعض الاشواط من طوافه ساهيا وتذكر النقص قبل أن تفوت الموالاة العرفية من طوافه، وجب عليه أن يكمل ما نقصه من الاشواط، ويجزيه ذلك في صحة طوافه سواء كان ما نقصه شوطا تاما أم بعض شوط أم أكثر من شوط واحد، وسواء كان قد تجاوز النصف من طوافه أم لم يتجاوزه، وسواء كان لا يزال في المطاف أم خرج منه. وإذا تذكر النقص بعد أن فاتت الموالاة عرفا، فإن كان قد تجاوز النصف من طوافه وجب عليه أن يرجع إلى الموضع الذي قطع فيه طوافه ويتمه سبعة أشواط، ثم يعيده بعد الاتمام على الاحوط، وإذا تذكر النقص بعد أن فاتت الموالاة العرفية ولم يتجاوز النصف من طوافه وجب عليه أن يستأنف الطواف من أوله. [ المسألة 800: ] لا يجوز للطائف أن يقرن بين طوافين واجبين، ولا بين

[ 362 ]

طواف فريضة وطواف نافلة، والمراد بالقران أن يصل الطواف الثاني بالاول بعد تمامه قبل أن يصلي ركعتي الطواف الاول. ولا فرق في التحريم بين أن يكون الطوافان واجبين عليه بالاصالة أو بالنذر أو بالنيابة أو بالتفريق، فإذا نسي المكلف الطواف في عمرة مفردة مثلا وتذكره بعد مدة فرجع إلى مكة بعمرة ثانية ليدخل بها مكة ويقضي طوافه المنسي، فلا يجوز له القران بين طواف الاداء وطواف القضاء أو بين الطواف المنسي وطواف النساء. وإذا قرن بين طوافين واجبين، أو بين طواف واجب وطواف نافلة، فلا يبعد الحكم ببطلان الطواف الثاني وفي صحة الاول اشكال، فلا يترك الاحتياط باعادته أيضا، ويجوز له أن يقرن بين طوافين مندوبين على كراهة، وإذا طاف طوافا مندوبا كره له أن ينصرف من طوافه على غير وتر من الاشواط. [ المسألة 801: ] إذا طاف المكلف بالبيت طوافا واجبا حتى أتمه ثم زاد من بعده شوطا أو أكثر ونوى به طوافا واجبا آخر يقرنه بالاول كان ذلك من القران المحرم فيبطل طوافه كما تقدم، وكذلك إذا أتى بالزيادة بقصد طواف آخر مستحب يقرنه بالفريضة، فيبطل طوافه. ويجوز للشخص أن يمشي حول البيت الحرام ما شاء لا بقصد الطواف قبل الطواف الواجب أو بعده ولا يضر ذلك بطوافه. [ المسألة 802: ] إذا نسي المكلف بعض أشواط الطوف الواجب، ولم يتذكر حتى رجع الى بلده جرى عليه الحكم الذي بيناه في المسألة السبعمائة

[ 363 ]

والتاسعة والتسعين، فإذا كان ما نسيه من الاشواط بمقدار نصف الطواف أو أكثر وجب عليه أن يعيد الطواف كله، وإذا كان ما نسيه أقل من نصف الطواف قضى ما نسيه من أشواط الطواف ثم أعاده كله على الاحوط، فإن أمكن له الرجوع إلى مكة وجب عليه أن يعود ويفعل كذلك، وان لم يقدر على العود أو كان موجبا للعسر استناب في ذلك، وتلاحظ المسألة السبعمائة والخامسة والستون. [ المسألة 803: ] يجوز للطائف أن يقطع طواف الفريضة إذا عرضت له ضرورة لا يستطيع معها الاستمرار في طوافه، فإذا قطع طوافه لتلك الضرورة، وكان ذلك قبل أن يتجاوز النصف من أشواط طوافه وجب عليه أن يعيد طوافه من أوله، وإذا قطع طوافه بعد أن تجاوز النصف وجب عليه أن يتم طوافه سبعة أشواط من الموضع الذي قطعه فيه، ثم يستأنف الطواف من أوله على الاحوط، وان لم يقدر على أن يطوف بنفسه استناب أحدا يطوف عنه ما وجب عليه، ومثله ما إذا عرض له مرض يمنعه من اتمام طوافه فيجوز له قطع الطواف أيضا. [ المسألة 804: ] يجوز له أن يقطع طواف الفريضة إذا عرضت له في أثناء طوافه حاجة توجب له العسر والحرج إذا لم يبادر إلى قضائها، فيقطع الطواف ويجري فيه التفصيل الذي بيناه في المسألة المتقدمة، ويشكل الحكم بجواز القطع إذا كانت الحاجة التي عرضت له لا توجب العسر والمشقة. [ المسألة 805: ] يجوز له أن يقطع طواف الفريضة لقضاء حاجة أخيه المؤمن، وقد ورد الحث المؤكد على ذلك في أحاديث المعصومين (ع)، وإذا

[ 364 ]

قطع طوافه لذلك جرى فيه التفصيل المتقدم، ويجوز له قطع الطواف إذا أراد عيادة مريض من اخوانه على نهج ما سبق أيضا. ويجوز له أن يقطع طواف الفريضة إذا حضر وقت الصلاة المكتوبة، فيؤدي الصلاة ثم يستأنف الطواف من أوله إذا قطعه قبل أن يتجاوز نصفه، وإذا كان قد تجاوز النصف منه وجب عليه أن يتم طوافه من حيث قطعه، ويشكل الحكم بجواز قطع الطواف الواجب لغير ما ذكرناه حتى لدخول البيت، فلا يترك الاحتياط باجتنابه. [ المسألة 806: ] يجوز للمكلف إذا أعيى في الطواف الواجب أن يجلس في أثناء طوافه ليستريح، ثم يقوم ويستمر في طوافه حتى يتمه بشرط أن لا تطول مدة استراحته فيخرج بها عن الموالاة العرفية في الطواف، فإذا فاتت الموالاة وكانت جلسته قبل أن يتجاوز النصف من طوافه وجبت عليه الاعادة، وإذا كانت بعد أن تجاوزه أتم الطواف من موضع قطعه ثم أعاده على الاحوط. [ المسألة 807: ] إذا أحدث الطائف في أثناء طوافه الواجب قبل أن يتجاوز النصف من الاشواط وجب عليه أن يتطهر ويعيد طوافه من أوله، وإذا كان حدثه بعدما تجاوز النصف وجب عليه أن يتطهر ويتم طوافه سبعة أشواط من الموضع الذي وقع فيه حدثه وانقطع فيه طوافه، وكذلك المرأة إذا حاضت في أثناء طوافها وقد ذكرنا جميع هذا مفصلا في ما تقدم. وإذا عرض للمكلف عارض من مرض أو صداع أو غير ذلك فمنعه عن اتمام الطواف الواجب جاز له قطع الطواف كما ذكرنا آنفا، فإذا قطع طوافه قبل أن يتجاوز النصف منه ثم زال العارض

[ 365 ]

وجب عليه أن يعيد الطواف من أوله، وإذ قطعه بعد ما تجاوز النصف، وجب عليه أن يتم الطواف سبعة أشواط من موضع قطعه. [ المسألة 808: ] إذا شك المكلف في عدد أشواطه، وكان شكه بعد فراغه من الطواف بنى على الصحة ولم يلتفت إلى شكه، ومثال ذلك: أن يشك بعد ما فرغ من طوافه: هل طاف سبعة أشواط أو أكثر؟، أو يشك هل طاف سبعة أشواط أو أقل؟، أو يشك هل طاف سبعة أشواط أو أقل من ذلك أو أكثر؟، فيبني على صحة طوافه ولا يعتني بالشك في الزيادة أو النقصان. وكذلك الحكم إذا شك في صحة طوافه وعدمها لا في عدد أشواطه، فيبني على الصحة ولا يلتفت إلى شكه إذا كان شكه بعد الفراغ من طوافه، ونظير ذلك ما إذا شك المكلف في عدد الاشواط أو في صحتها وهو في أثناء صلاة الطواف أو في أثناء السعي، ويلحق ذلك في الحكم بالصحة ما إذا أتم الشوط ووصل إلى الركن وشك عند ذلك ان الشوط الذي أتمه هل هو الشوط السابع أو الثامن، فيبني على الصحة لحديث الحلبي، وإذا شك في ذلك قبل أن يصل إلى الركن حكم بالبطلان. [ المسألة 809: ] إذا شك المكلف في عدد الاشواط وهو في أثناء الطواف بطل طوافه، ووجب عليه أن يستأنفه، ومثال ذلك: أن يشك بين الستة والسبعة أو يشك بين السبعة والثمانية أو بين ما هو أقل من ذلك أو أكثر، سواء حدث شكه عند الركن أم قبله، وكذلك إذا شك في صحة طوافه وعدم صحته فيبطل طوافه، ويجب عليه الاستئناف في جميع الفروض، والاحوط له استحبابا أن يبني على الاقل ويتم طوافه ثم يعيد الطواف من أوله.

[ 366 ]

[ المسألة 810: ] لا عبرة بالشك إذا لم يستقر، فإذا شك الطائف بين الستة والسبعة مثلا واستمر في طوافه ثم زال شكه وحصل له اليقين بأحدهما، بنى على العدد الذي تيقن به وأتم طوافه وأجزأه ذلك. [ المسألة 811: ] إذا شك في طواف النافلة بين الاقل والاكثر بنى على الاقل وأتم طوافه على ذلك، سواء كان شكه في الزيادة أم في النقيصة. [ المسألة 812: ] يجوز للانسان أن يعتمد على احصاء غيره في عدد الاشواط، ويكفيه ذلك إذا كان ذلك الغير متيقنا للعدد. [ المسألة 813: ] إذا نسي المكلف الطواف وجب عليه أن يأتي به كما ذكرناه في أول هذا الفصل، ولا يحل له ما يتوقف حله على ذلك الطواف حتى يأتي به هو أو نائبه، ولا يحل بمجرد الاستنابة حتى يعلم بأن النائب قد طاف بالنيابة عنه فعلا. [ المسألة 814: ] يستحب للطائف استلام الحجر الاسود وتقبيله والصادق البطن به ومسحه باليد في كل شوط مع الامكان، فإذا كثر الازدحام عليه أجزأت الاشارة إليه والايماء من بعد، ولا سيما للشيخ الكبير والضعيف والمريض ومن يخشى أن يؤذي ضعيفا أو يزاحم امرأة، ولا يتأكد استلام الحجر للنساء بل قد يكون مرجوحا. [ المسألة 815: ] يجوز له الاسراع في طوافه، ويجوز له الابطاء فيه ما لم يؤذ أحدا في حركته ويستحب له الاقتصاد والتوسط بين الاسراع والابطاء، وان يقول في طوافه: (اللهم اني أسألك باسمك الذي

[ 367 ]

يمشى به على طلل الماء، كما يمشى به على جدد الارض، وأسألك باسمك الذي يهتز له عرشك، وأسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك، وأسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور فاستجبت له وألقيت عليه محبة منك، وأسألك باسمك الذي غفرت به لمحمد صلى الله عليه وآله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتممت عليه نعمتك أن تفعل بي كذا وكذا) ويذكر ما أحب من الدعاء والحوائج. وأن يقول في حال طوافه: (اللهم اني اليك فقير واني خائف مستجير فلا تغير جسمي ولا تبدل اسمي) وروي عن أبي عبد الله (ع) قال: كان علي بن الحسين (ع) إذا بلغ الحجر قبل أن يبلغ الميزاب يرفع رأسه ثم يقول: (اللهم أدخلني الجنة برحمتك) وهو ينظر إلى الميزاب (وأجرني برحمتك من النار وعافني من السقم، وأوسع علي من الرزق الحلال، وأدرأ عني شر فسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم). وعن عمر بن أذينة قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لما انتهى إلى ظهر الكعبة حين يجوز الحجر: (يا ذا المن والطول والجود والكرم، ان عملي ضعيف فضاعفه لي وتقبله مني انك انت السميع العليم). وعن سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: كنت معه في الطواف فلما صرنا بحذاء الركن اليماني قام (ع) فرفع يده إلى السماء ثم قال: (يا الله يا ولي العافية، وخالق العافية، ورازق العافية، والمنعم بالعافية، والمنان بالعافية، والمتفضل بالعافية علي وعلى جميع خلقك، يا رحمن الدنيا والآخره ورحيمهما، صل على محمد وآل محمد، وارزقنا العافية، ودوام العافية، وتمام العافية، وشكر العافية في الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين). وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): وكلما انتهيت إلى

[ 368 ]

باب الكعبة فصل على النبي صلى الله عليه وآله وتقول في ما بين الركن اليماني والحجر الاسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). [ المسألة 816: ] في الحديث عن أبي مريم قال: كنت مع أبي جعفر (ع) أطوف، فكان لا يمر في طواف من طوافه بالركن اليماني الا استلمه ثم يقول: (اللهم تب علي حتى أتوب، واعصمني حتى لا أعود)، ومما يستحب استلام الاركان كلها، ويتأكد الاستحباب في الركن الذي فيه الحجر الاسود والركن اليماني الا إذا كثر الازدحام وخيف الاذى للضعفاء والمرضى كما تقدم. [ المسألة 817: ] ومما ورد عنهم (ع) أن يقول: (سائلك فقيرك مسكينك ببابك فتصدق عليه بالجنة اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك المستجير بك من النار، فاعتقني ووالدي وأهلي وولدي واخواني المؤمنين من النار يا جواد يا كريم)، وعن أبي عبد الله (ع): إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل، فابسط يديك على البيت وألصق بدنك وخدك بالبيت وقل: (اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مكان العائذ بك من النار) ثم أقر لربك بما عملت، فانه ليس من عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا الكان الا غفر الله له ان شاء الله، وتقول: (اللهم من قبلك الروح والفرج والعافية، اللهم ان علمي ضعيف فضاعفه لي واغفر لي ما اطلعت عليه مني وخفي على خلقك) ثم تستجير بالله من النار، وتخير لنفسك من الدعاء، ثم استلم الركن اليماني ثم ائت الحجر الاسود، ويستحب أن تقول عنده: (اللهم قنعني بما رزقني وبارك لي في ما آتيتني).

[ 369 ]

ويستحب أن يدعو عند الملتزم بما ورد عن الامام زين العابدين (ع) فيقول: (اللهم ان عندي أفواجا من ذنوب وأفواجا من خطايا وعندك أفواج من رحمة وأفواج من مغفرة، يا من استجاب لابغض خلقه إذ قال: انظرني إلى يوم يبعثون. استجب لي)، ثم يطلب حاجته. [ المسألة 818: ] في الحديث عن العبد الصالح (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من طائف يطوف بهذا البيت حين تزول الشمس حاسرا عن رأسه حافيا يقارب بين خطاه، ويغض بصره ويستلم الحجر في كل طواف من غير أن يؤذي أحدا، ولا يقطع ذكر الله عن لسانه، الا كتب الله له بكل خطوة سبعين ألف حسنة، ومحى عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين الف درجة، وأعتق عنه سبعين ألف رقبة، ثمن كل رقبة عشرة آلاف درهم، وشفع في سبعين من أهل بيته، وقضيت له سبعون ألف حاجة ان شاء فعاجلة وان شاء فآجلة.

[ 370 ]

[ الفصل السابع عشر ] [ في صلاة الطواف وأحكامها وآدابها ] [ المسألة 819: ] يجب على المكلف إذا أتم الطواف الواجب في حجه أو عمرته أن يصلي صلاة الطواف وهما ركعتان يأتي بهما بعد الطواف كصلاة الصبح بغير أذان ولا إقامة، ويتخير في قراءته فيهما بين الجهر والاخفات، ويجوز له أن يجهر في بعض قراءته ويخفت في البعض. وصلاة الطواف هي الواجب الثالث من واجبات عمرة التمتع، وتجب على المكلف المبادرة إليها بعد الطواف، فلا يجوز له تأخيرها لغير عذر حتى تفوت الموالاة العرفية بينها وبين الطواف، ويستثنى من ذلك ما إذا اتفقت معها فريضة حاضرة في وقتها، فيجب تقديم الفريضة الحاضرة عليها. [ المسألة 820: ] يجب على المكلف أن يأتي بصلاة الطواف الواجبة خلف المقام، والمقام هو الصخرة التي يوجد عليها أثر قدم إبراهيم (ع)، فيجب على الطائف أن يصلي الركعتين خلف المقام قريبا منه بحيث يصدق عليه أنه صلاهما عنده، وتكفيه الصلاة كذلك سواء صلى موازيا للصخرة بموقفه أم صلى خلفها من أحد جانبيها، وإذا لم يتيسر له أن يصلي الركعتين قريبا من المقام لكثرة الازدحام أو لانشغال الموضع بالطائفين كفاه أن يصليهما خلف المقام عرفا من المسجد الحرام بحيث يكون المقام موازيا لموقفه وفي قبلته وإن كان بعيدا عنه، فإن لم يتمكن من ذلك صلاهما حيث شاء من المسجد

[ 371 ]

الحرام ويراعي الاقرب فالاقرب إلى الموضع الذي يكون فيه خلف المقام. [ المسألة 821: ] إذا لم يتمكن المكلف من الصلاة خلف المقام وفي حياله فصلى الركعتين في موضع آخر من المسجد كما هو الحكم في الصورة الاخيرة، ثم تمكن من الصلاة خلاف المقام بعد ذلك، فلا يترك الاحتياط بإعادة الصلاة خلف المقام ثم يعيد السعي بعدها. [ المسألة 822: ] لا يعتبر في صلاة الطواف إذا كان مندوبا أن تكون خلف المقام أو قريبا منه، فيصح للطائف أن يصليها في أي موضع أراد من المسجد الحرام، ولا يترك الاحتياط في أن يأتي بالصلاة له. [ المسألة 823: ] إذا ترك المكلف صلاة الطواف الواجب متعمدا، وأتى بالسعي والتقصير في العمرة وأتى ببقية الاعمال في الحج، ففي صحة سعيه ومناسكه التي أتى بها بعد تركه صلاة الطواف الواجبة إشكال، ولذلك فيشكل الحكم بصحة عمرته وصحة حجه ولا يترك الاحتياط بلزوم إعادة الحج عليه في العام المقبل. [ المسألة 824: ] إذا نسي الطائف صلاة الطواف الواجبة، وسعى بين الصفا والمروة ثم تذكر الصلاة بعد أن أتم سعيه وجب عليه أن يأتي بالصلاة في موضعها، ولم تجب عليه إعادة السعي، وإذا نسي الصلاة وذكرها وهو في أثناء السعي، قطع سعيه في موضع تذكره إياها ورجع إلى المسجد الحرام وصلى الركعتين في موضعهما ثم رجع إلى ما بين الصفا والمروة فأتم سعيه من الموضع الذي قطعه.

[ 372 ]

[ المسألة 825: ] إذا نسي المكلف صلاة الطواف الواجبة وتذكرها بعد السعي والتقصير في العمرة أو بعد الاحرام بحج التمتع، وجب عليه أن يأتي بالصلاة متى تذكرها، فإذا كان لا يزال في مكة وجب عليه أن يصليها في موضعها خلف المقام، وكذلك إذا تذكرها بعد خروجه من مكة بالقرب منها، كما إذا تذكرها في الابطح أو بعده قبل وصوله إلى منى، فيجب عليه الرجوع إلى المسجد الحرام وتأدية الصلاة. وإذا تذكرها وهو في منى أو بعدها أو في عرفات أو في بقية المشاعر، فإن استطاع العود إلى مكة وتأدية الصلاة في موضعها ثم الرجوع بعدها إلى تأدية مناسكه وأعماله، فالاحوط لذلك، وإن هو لم يقدر على ذلك لضيق الوقت، أو لتعذر الوسائل، أو لبعض الاعذار الاخرى المائعة من الرجوع، أو كان الرجوع إلى مكة يوجب له العسر والمشقة صلى صلاة الطواف في موضعه. وإذا تذكر الصلاة بعد أن أتم أعمال الحج وسافر إلى بلاده، فإن استطاع الرجوع إلى مكة لقضاء الصلاة ولا عسر عليه في ذلك ولا مشقة، وجب عليه العود وتأدية الصلاة خلف المقام، وإن لم يستطع ذلك أو كان موجبا للعسر والحرج جاز له أن يستنيب أحدا يصليهما عنه خلف المقام، ويكفيه أن يصلي الركعتين في موضعه، وإذا مات قبل أن يصليها أو يصليها أحد بالنيابة عنه قضاها عنه وليه بعد موته. [ المسألة 826: ] إذا ترك الانسان صلاة الطواف الواجب جاهلا بوجوبها جرى فيه حكم الناسي للصلاة، الذي بيناه في المسألتين الماضيتين، ولا فرق بين أن يكون مقصرا في جهله أو قاصرا.

[ 373 ]

[ المسألة 827: ] إذا ترك المكلف بعض الخصوصيات التي تعتبر في صحة الصلاة، فأتى بصلاة الطواف الواجب في غير موضعها مثلا جاهلا بالحكم، أو أتى بالركعتين على وجه تبطل به الصلاة، فيشكل الحاقه بالناسي في أمثال هذه الفروض، ولا تترك فيها مراعاة الاحتياط. [ المسألة 828: ] يجب التعلم على المكلف الجاهل إذا كان ملتفتا يمكنه التعلم، ويجزيه ان يتقن القراءة والاذكار الصحيحة من المرشد الثقة فيتابعه في صلاته كلمة كلمة، فإن لم يقدر على ذلك فالاحوط له أن يأتي بما يمكنه من الصلاة ثم يقتدي بعدها بمن يصلي صلاة الطواف الواجب، فإن لم يجد اقتدى في صلاته بمن يصلي الصلاة اليومية، وتكون قدوته في هذه الصورة برجاء المطلوبية، ثم يستنيب من يصلي عنه، فيجمع بين الامور الثلاثة. [ المسألة 829: ] إذا طافت المرأة المتمتعة حتى تجاوزت النصف من طواف عمرتها ثم حاضت قبل أن تتم الطواف وجب عليها أن تحفظ عدد الاشواط التي أتت بها، وتعين الموضع الذي انقطع فيه طوافها بطروء الحيض، فإذا ضاق عليها وقت حج التمتع ولم تطهر من حيضها وجب عليها أن تسعى بين الصفا والمروة، وأن تقصر وتحل من عمرتها، وتحرم بعدها بحج التمتع وتأتي بأعمال الحج، فإذا طهرت بعد مناسك منى واغتسلت من الحيض قضت ما بقي عليها من طواف العمرة فأتمته سبعة أشواط من موضع القطع، وصلت صلاة الطواف، ثم طافت بعد ذلك طواف الحج وأتمت أعماله، وكذلك الحكم إذا طافت طواف العمرة وحاضت قبل أن تأتي بصلاة الطواف، وتراجع المسألة الاربعمائة والتاسعة والستون وما بعدها

[ 374 ]

فقد فصلنا فيهما حكم الفرضين المذكورين، وتلاحظ المسألة السبعمائة والخامسة والسبعون في ما يتعلق بأحكام المستحاضة، فإذا أتمت أعمالها المذكورة في المسألة فهي بحكم الطاهرة. [ المسألة 830: ] يستحب للمكلف أن يقرأ سورة التوحيد وهي: قل هو الله أحد في الركعة الاولى من صلاة الطواف وأن يقرأ في الركعة الثانية منها سورة الجحد وهي: قل يا أيها الكافرون، فإذا فرغ من صلاته تشهد الشهادتين، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وآله (ع)، وسأل الله أن يقبل منه، وقد ورد أن يقول: (الحمد لله بجميع محامده كلها على نعمائه كلها حتى ينتهي الحمد إلى ما يحب ربي ويرضى، اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل مني وطهر قلبي وزك عملي). [ المسألة 831: ] يستحب أن يقول بعد الصلاة: (اللهم ارحمني بطواعيتي إياك وطواعيتي رسولك صلى الله عليه وآله، اللهم جنبني أن اتعدى حدودك، واجعلني ممن يحبك ويحب رسولك وملائكتك وعبادك الصالحين). [ المسألة 832: ] في الحديث عن بكر بن محمد أنه سمع أبا عبد الله (ع) يقول بعد صلاة الطواف وهو ساجد: (سجد وجهي لك تعبدا ورقا، لا إله إلا أنت حقا حقا، الاول قبل كل شئ، والآخر بعد كل شئ، وها أنا ذا بين يديك، ناصيتي بيدك، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك، فاغفر لي فإني مقر بذنوبي على نفسي، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك) ثم رفع رأسه ووجهه من البكاء كأنما غمس في الماء.

[ 375 ]

[ الفصل الثامن عشر ] [ في السعي وواجباته وأحكامه وآدابه ] [ المسألة 833: ] يجب على المتمتع أن يسعى بين الصفا والمروة وهذا هو الواجب الرابع من واجبات عمرة التمتع، وهو ركن من أركانها، فإذا تركه المتمتع وهو عالم بوجوبه، ومتعمد في تركه بطلت عمرته وببطلانها يبطل حجه. والسعي كذلك واجب وركن في كل نسك يحرم به الانسان من حج أو عمرة، سواء كان الحج الذي أحرم به تمتعا أم قرانا أم إفرادا، وسواء كانت العمرة عمرة مفردة أم عمرة حج افراد أم عمرة حج قران، فإذا ترك السعي عالما متعمدا بطل نسكه الذي أحرم به. [ المسألة 834: ] الواجب من السعي في الحج أو في العمرة هو أن يأتي به الناسك مرة واحدة في نسكه بعد طوافه بالبيت، فلا يجب عليه في النسك الا مرة واحدة، بل ولا يشرع الاتيان به في النسك الواحد أكثر من مرة واحدة، وقد تقدم في المسألة المائتين والسادسة والخمسين أن السعي لم يثبت له استحباب نفسي ولا مشروعية إذا لم يكن في ضمن نسك من حج أو عمرة، فلا يكون مستحبا ولا مشروعا إذا أتى الانسان به مستقلا من غير احرام. [ المسألة 835: ] إذا نسي الحاج أو المعتمر السعي بين الصفا والمروة فلم يأت

[ 376 ]

به في موضعه الذي يجب عليه الاتيان به، ثم تذكره بعد ذلك، وجب عليه أن يأتي به بعد تذكره وان كان قد أتم أعمال حجه أو عمرته فان كان لا يزال في مكة وجب عليه أن يقضيه بنفسه وان خرج شهر ذي الحجة، وإذا تذكره بعد أن خرج من مكة وجب عليه أن يرجع إلى مكة، ويأتي بالسعي بنفسه، وهذا إذا كان قادرا على الرجوع والاتيان بالسعي، ولم يكن عليه في ذلك عسر ولا مشقة، وان لم يستطع الرجوع أو كان موجبا للحرج وجب عليه أن يستنيب من يأتي بالسعي عنه، ولا يحل له ما حرم عليه بسبب احرامه حتى يقضي السعي بنفسه أو يقضيه عنه نائبه، فإذا واقع أهله في هذه الفترة قبل السعي أو قلم أظفاره وجبت عليه الكفارة وقد تقدم بيانها في الكفارات. [ المسألة 836: ] إذا سعى المكلف بعض الاشواط في عمرة التمتع واعتقد مخطئا بأنه قد أتم السعي فأتى أهله أو قلم أظفاره ثم تذكر أنه لم يتم سعيه وجب عليه أن يتم السعي، وان يكفر عما فعله بدم بقرة على الاحوط بل هو الاظهر. [ المسألة 837: ] السعي بين الصفا والمروة احدى العبادات الثابتة في الاسلام، ولذلك فلابد فيه من النية ومن قصد القربة، ويجب في نيته تعيين العمل الذي يقصد الاتيان به، فيقصد السعي في عمرة التمتع مثلا، أو في حج التمتع أو في العمرة المفردة أو غيرها متقربا به إلى الله، ويكفي أن يكون امتثال أمر الله داعيا له إلى حصول ذلك العمل كما في نظائره من العبادات، وإذا قال في ابتداء سعيه: (أسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط في عمرة التمتع لحج الاسلام حج التمتع امتثالا لامر الله تعالى)، صحت نيته وصح عمله.

[ 377 ]

[ المسألة 838: ] يجب على المكلف أن يستديم حكم نيته المذكورة حتى يتم أشواط سعيه، بحيث يكون جميع حركاته في السعي حاصلة عن نيته الاولى، وإذا اتفق له أن قطع سعيه لسبب من الاسباب ثم عاد إليه ليتمه، كفاه أن يعود إلى سعيه الاول بقصد أن يتم ما نقص منه، وإذا جدد النية فهو أحوط. [ المسألة 839: ] لا يشترط في صحة السعي أن يكون الشخص متطهرا من الحدث، فيصح منه السعي وهو على غير وضوء أو كان جنبا أو كانت المرأة حائضا أو نفساء، أو طرأ ذلك لهما في أثناء السعي، وقد تقدم حكم المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل السعي أو في أثنائه، وان كان الاحوط والافضل أن يكون المكلف متطهرا من أي حدث في حال سعيه، ولا يشترط في صحة السعي أن يكون الشخص طاهر البدن والثياب من النجاسات والاخباث، وان كان الاولى مراعاة ذلك. ولا يشترط في صحة السعي أن يكون ساترا لعورته في أثناء سعيه، ولذلك فلا يبطل سعيه إذا انكشفت عورته في أثناء سعيه، أو كان ستره غير تام، أو سعى في الظلام عاريا مع الامن من المطلع. [ المسألة 840: ] يجب في السعي أن يكون الابتداء فيه من أول الصفا، ويتحقق ذلك بأن يلصق المكلف عقبه بأول الصفا ثم يتحرك سائرا نحو المروة، وإذا ألصق عقبيه كليهما بالصفا ثم سعى فهو أحوط، ويمكنه أن يصعد على بعض درجات الصفا بحيث يكون واقفا عليه، ثم ينحدر عنه ناويا السعي من أول الصفا، فإذا بلغ المروة ألصق أصابع قدميه بها أو صعد بعض درجات المروة ناويا السعي إلى أول المروة، ويجزيه أن يستوعب المسافة بينهما بسعيه وان لم

[ 378 ]

يكن بخط مستقيم، أو لم تكن أشواطه بخط واحد. ويجب في الشوط الثاني أن يكون الابتداء فيه من المروة، على النحو الذي ذكرناه في الابتداء من الصفا في الشوط الاول، ثم يسعى حتى ينتهي إلى الصفا على النحو المتقدم في بلوغ المروة، فيكون الذهاب إلى المروة شوطا، والعود إلى الصفا شوطا، حتى يتم أشواطه سبعة، ويكون الانتهاء بالمروة. [ المسألة 841: ] إذا بدأ المكلف سعيه من المروة كان سعيه باطلا، فتجب عليه اعادة السعي من أوله سواء فعل ذلك عامدا أم ناسيا أم غافلا، وسواء كان قد أتى بشوط واحد أم بأشواط متعددة على تلك النية، فلابد من الغاء ما فعله ونواه، واعادة السعي من الصفا بنية جديدة مستأنفة. [ المسألة 842: ] يجب أن يكون ذهاب الساعي وايابه في الطريق المتعارف للسعي بين الصفا والمروة، فلا يكفيه أن يسعى بينهما في طريق غير متعارف لذلك، كما إذا خرج من الصفا إلى المسجد الحرام ثم خرج من المسجد إلى المروة، وكما إذا خرج من الصفا إلى سوق الليل وسلك من سوق الليل إلى المروة. [ المسألة 843: ] يجب على الساعي إذا انحدر في شوطه من الصفا أن يكون متوجها بوجهه وبدنه إلى المروة حتى يصل إليها، وإذا خرج في عوده من المروة أن يكون متوجها بوجهه وبدنه إلى الصفا حتى يصل إليه، والمراد أن يتوجه إلى مقصده توجها عرفيا، فلا يصح سعيه إذا مشى وهو معرض بوجهه عن مقصده، أو مشى متقهقرا حتى يبلغ مقصده، أو مشى عرضا، ولا يضر في صحة سعيه أن ينحرف في

[ 379 ]

أثناء مشيه انحرافا يسيرا لا يبلغ الاعراض، ولا يضره أن يلتفت بوجهه في حال السعي إذا كان متوجها إلى المقصد بمقاديم بدنه، ولا يضره إذا وقف عن المشي لبعض الدواعي فالتفت بجميع بدنه أو استدبر في حال وقوفه عن السعي، ولا يضره إذا نسي الهرولة في موضعها أن يرجع القهقرى ليأتي بالهرولة المطلوبة كما سيأتي، شريطة أن لا يحتسب رجوعه القهقهرى جزءا من سعيه. [ المسألة 844: ] الظاهر كفاية السعي في الطريق الثاني الذي استحدث في الوقت الحاضر على سقف السعي، بشرط أن توجد فيه جميع واجبات السعي، ومنها أن يتصل الساعي بالصفا والمروة في كل شوط من أشواطه في أول الشوط وفي آخره على الوجه الذي تقدم بيانه، ولو بالنزول من الدرج ليتصل بهما عند وصوله اليهما، ولا تكفي المحاذاة، ومنها أن يكون متوجها بوجهه وبدنه إلى المقصد فلا يخالف ذلك في سعيه ولا في أثناء صعوده في الدرج أو هبوطه، وقد قلنا: أن الانحراف اليسير لا يضر بصحة السعي. [ المسألة 845: ] يجوز للانسان أن يسعى بين الصفا والمروة راكبا على دابة أو في محمل مع الاختيار، ولا يختص ذلك بحال الضرورة، وان كان السعي ماشيا أفضل، ولابد للراكب والماشي من الاتصال بالصفا والمروة في أول الشوط وفي آخره، وفي - بدء السعي وختامه - كما ذكرنا في ما تقدم، وكذلك إذا ركب دراجة ونحوها لضعفه وعدم قدرته على المشي، فلا يكتفى بالاقتراب أو المحاذاة. [ المسألة 846: ] يجوز للشخص أن يجلس بين الشوطين على الصفا أو على المروة ليستريح، ويجوز له أن يجلس ما بينهما في أثناء الشوط،

[ 380 ]

والاحوط له والاولى أن لا يجلس في الصورة الاخيرة الا عند الجهد. [ المسألة 847: ] إذا عجز المكلف عن أن يسعى بنفسه مستقلا وجب عليه أن يسعى معتمدا على عصا أو نحوها أو على انسان، وقد سبق انه يجوز له أن يسعى راكبا على دابة حتى مع الاختيار، فإذا هو لم يقدر على جميع ذلك وجب عليه أن يستنيب من يسعى عنه، ويكفيه ذلك - مع العجز - في صحة عمرته وصحة حجه. [ المسألة 848: ] يجب على المكلف أن يسعى في عمرته أو في حجه سبعة أشواط تامة دون زيادة ولا نقيصة، فيتم سعيه بأربعة أشواط ذاهبا يبدأ في كل واحد منها من الصفا وثلاثة أشواط راجعا يبدأ في كل واحد منها من المروة، وإذا زاد المكلف في أشواط سعيه شوطا واحدا أو أكثر، وكان عالما بما يجب عليه من عدد الاشواط، ومتعمدا في الزيادة عليها كان سعيه باطلا، سواء قصد الزيادة منذ أول الامر، فنوى السعي بين الصفا والمروة ثمانية أشواط أو أكثر، أم تجدد له قصد بالزيادة في الاثناء، فنوى السعي أولا سبعة أشواط، ثم بدا له في أثناء السعي فنوى زيادة شوط أو أكثر بقصد الجزئية لسعيه، فيبطل سعيه في كلتا الصورتين وتجب عليه اعادته، وكذلك إذا زاد في سعيه بعض شوط عالما متعمدا فيبطل السعي، وتجب الاعادة، والاحوط اعادة السعي أيضا إذا زاد في أشواطه وهو يجهل الحكم. [ المسألة 849: ] إذا زاد الانسان في أشواط السعي، وكان ساهيا غير عامد في فعله، لم يبطل بذلك سعيه، فإذا التفت بعد ذلك ألغى الشوط أو الاشواط التي زادها، واكتفى بالاشواط السبعة التي أتى بها، وصح بذلك سعيه، ولم تضره الزيادة التي وقعت منه، ومثله: ما إذا زاد

[ 381 ]

في سعيه أقل من شوط ساهيا فيلغي الزيادة ويصح السعي، وقد ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): (ان المكلف إذا استيقن انه سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط سهوا، فليضف إليها ستة)، فالصحيحة دالة على صحة سعيه في الاشواط السبعة الاولى، وعلى استحباب أن يضيف الى الشوط الثامن ستة أشواط أخرى، فيتم له بذلك سعي آخر ويكون مندوبا، ولا مانع من ذلك بعد أن دلت عليه الصحيحة المذكورة. [ المسألة 850: ] إذا أنقص الانسان شوطا من سعيه أو أكثر وكان عالما عامدا في فعله، فالظاهر بطلان سعيه بذلك فتجب عليه اعادة السعي، وإذا أنقص أشواطه وهو جاهل بالحكم أشكل الامر في صحة سعيه وبطلانه، ولابد من مراعاة الاحتياط في هذا الفرض. وإذا أنقص بعض الاشواط منه وكان ناسيا أو ساهيا غير ملتفت لم يبطل بذلك سعيه فإن تذكر النقص قبل أن تفوت الموالاة في السعي وجب عليه‌أن يتم ما نقص من الاشواط، فإذا هو أتى به قبل أن تفوت الموالاة في سعيه صح سعيه وصح نسكه، سواء كان قد تجاوز النصف من أشواط سعيه أم لا. وإذا تذكر نقص الاشواط بعد مدة، فإن كان قد تجاوز النصف من سعيه وأنقص الباقي وجب عليه أن يتم سعيه، فيأتي بما نقص منه بعد تذكره، وان كان ذلك بعد انتهاء الموقفين في الحج أو بعد أعمال منى، بل وان تذكره بعد خروجه من مكة أو بعد رجوعه إلى بلده، فإذا أتى بعد التذكر بما نقص من الاشواط صح سعيه وصح نسكه، وان لم يقدر على السعي بنفسه، أو كان موجبا للعسر والمشقة وجب عليه أن يستنيب من يسعى عنه وتلاحظ المسألة الآتية.

[ 382 ]

وإذا تذكر نقص الاشواط بعد مدة، وكان ما أنقصه أكثر من النصف، فالاحوط له في هذه الصورة أن يعيد السعي من أوله، وينوي بما يأتي به امتثال الامر المتوجه إليه بالسعي التام، إذا كان ما أتى به من الاشواط باطلا أو بما بقي منه إذا كان ما أتى به منها صحيحا. [ المسألة 851: ] إذا أنقص الانسان أشواطا من سعيه ناسيا أو ساهيا وكان حكمه أن يأتي بما أنقصه من أشواط سعيه متى تذكر نقصها وان كان تذكره بعد أعمال الحج أو بعد خروجه من مكة أو بعد عوده إلى بلده، وقد ذكرنا هذا في بعض فروض المسألة المتقدمة. فإذا فعل المكلف كذلك وأتى بعد التذكر بالاشواط التي أنقصها من السعي، صح سعيه وصح نسكه إذا كان في عمرة مفردة أو في عمرة حج افراد أو في عمرة حج قران، وصح سعيه ونسكه كذلك إذا كان في عمرة تمتع أو كان حاجا، وقد أتى بالاشواط الناقصة من سعيه قبل أن ينقضي شهر ذي الحجة. وإذا كان نقص الاشواط في سعي عمرة التمتع أو في سعي الحج ولم يتذكر النقص الا بعد انقضاء أشهر الحج، لزمه على الاحوط أن يأتي بسعي كامل سبعة أشواط، وينوي به امتثال الامر المتوجه إليه بالسعي التام إذا كان ذلك هو الواجب عليه بعد فوات أشهر الحج، أو بما بقي من الاشواط إذا كان ذلك هو الواجب عليه. [ المسألة 852: ] إذا وجب على الانسان أن يأتي ببعض الاشواط التي أنقصها من سعيه ناسيا أو ساهيا كما قلنا في المسألة المتقدمة، ولم يقدر أن يأتي بذلك أو كان الاتيان بها موجبا للعسر والحرج وجب عليه أن

[ 383 ]

يستنيب من يسعى عنه، والاحوط أن يأتي النائب بسعي تام سبعة أشواط، وينوي به النيابة عن المكلف في قضاء ما يجب عليه من سعي تام أو أشواط فائتة. [ المسألة 853: ] إذا شك المكلف في عدد أشواطه أهي ستة أم سبعة مثلا أو هي أقل من ذلك أو أكثر وكان شكه في أثناء السعي وقبل الفراغ منه، بطل سعيه ووجبت عليه اعادته من أصله، وإذا شك في ذلك بعد الفراغ من السعي بنى على صحة سعيه ولم يلتفت إلى شكه، سواء انصرف عن المسعى أم لم ينصرف عنه، وسواء قصر في عمرته بعد السعي أم لم يقصر، ما لم يستلزم الخلل في سعيه من ناحية أخرى كما سيأتي في المسألة الآتية. [ المسألة 854: ] إذا شك المكلف هل انه بدأ في أول سعيه من الصفا أو من المروة وكان شكه في أثناء السعي بطل سعيه ووجبت عليه اعادته من أوله لعدم احرازه لشرط الصحة في سعيه، وإذا شك في ذلك بعد الفراغ من سعيه وبعد انصرافه من المسعى بنى على صحة السعي ولم يلتفت إلى شكه، وإذا شك في ذلك بعد الفراغ من سعيه وقبل انصرافه من المسعى، فالاحوط له في هذه الصورة أن يعيد السعي من أوله ومثال ذلك أن يشك وهو على المروة: هل كان سعيه سبعة أشواط أو ثمانية؟ فإن شكه هذا يستلزم شكا آخر في صحة سعيه من ناحية ثانية، فإن سعيه إذا كان سبعة أشواط فقد أبتدأ فيه من الصفا فيكون صحيحا وإذا كان ثمانية أشواط فقد بدأه من المروة فيكون باطلا، ولذلك فيحكم ببطلان سعيه لعدم احراز شرط الصحة، وقد أشرنا إلى هذا في المسألة المتقدمة.

[ 384 ]

[ المسألة 855: ] إذا علم الانسان عدد الاشواط التي سعاها بين الصفا والمروة وحفظ العدد باتقان وشك في أنه بدأ أول سعيه من الصفا أو من المروة، كان عدد الاشواط الذي يحفظه قرينة قطعية يزول بها عنه الشك في مبدأ السعي، فإذا كان عدد الاشواط فردا، ووجد نفسه على الصفا أو وجد نفسه متوجها إلى الصفا، علم بأنه قد بدأ سعيه من المروة، وإذا كان عدد الاشواط فردا ووجد نفسه على المروة أو وجد نفسه متوجها إلى المروة، علم بأنه قد بدأ سعيه من الصفا. وإذا كان العدد زوجا ووجد نفسه على الصفا أو متوجها إلى الصفا، علم بانه قد بدأ سعيه من الصفا وإذا كان العدد زوجا ووجد نفسه على المروة أو متوجها إليها، علم بأنه قد بدأ سعيه من المروة، وهو أمر واضح وانما نذكره للتنبيه، ويجب عليه الاستئناف إذا كان البدء من المروة. [ المسألة 856: ] لا يصح للناسك أن يقدم السعي على الطواف في حال الاختيار، سواء كان في حج أم في عمرة، فإذا سعى قبل الطواف متعمدا أو جاهلا بالحكم وجبت عليه اعادة السعي، وقد تقدم بيان الحكم في ما إذا سعى قبل الطواف ناسيا أو جاهلا بالموضوع، وتقدم الحكم في ما إذا عرض للمرأة حيض أو نفاس فمنعها عن الطواف. [ المسألة 857: ] إذا سعى المكلف بين الصفا والمروة بعض الاشواط من سعيه، وتذكر أنه قد بقي عليه بعض الاشواط من طوافه، قطع السعي في الموضع الذي تذكر فيه نقص الطواف ورجع إلى البيت،

[ 385 ]

فإن علم انه قد أتى بأكثر من نصف الطواف، وبقي عليه أقل من نصفه وجب عليه ان يأتي بما بقي من الطواف، فيتمه سبعة أشواط من الموضع الذي ترك الطواف فيه، ثم يعود بعده إلى المسعى فيتم سعيه من الموضع الذي قطع فيه أشواطه، وان تذكر أنه قد أتى بنصف الطواف فحسب أو بأقل من نصفه، لزمه - على الاحوط - أن يأتي بطواف كامل بالبيت وينوي به امتثال الامر المتوجه إليه بالطواف التام إذا كان ما أتى به باطلا، وبالاشواط الباقية منه إذا كان ما أتى به صحيحا، ثم يعود بعده إلى المسعى، ويأتي بسعي كامل على الاحوط بمثل تلك النية. [ المسألة 858: ] يجوز للحاج وللمعتمر أن يؤخر السعي عن الطواف وصلاة الطواف إلى عصر يومه، والى الليل اختيارا، والاحوط استحبابا أن لا يؤخره الا لبعض الدواعي لذلك من حر أو برد أو تعب، ولا يجوز تأخيره إلى الغد مع الاختيار، ولا تعتبر فيه الموالاة بين أشواطه على الاقوى، فيجوز له الفصل ما بينها، ويجوز له قطع أشواطه إذا حضر وقت الصلاة المكتوبة فيؤديها ثم يعود فيتم سعيه، ويجوز له قطعها إذا دعاه صديق له لقضاء حاجة أو دعاه إلى طعام، فيجيبه إلى دعوته أو يقضي حاجته ثم يعود إلى المسعى فيتم أشواطه، وان كان قد سعى منها شوطا أو شوطين. [ المسألة 859: ] يستحب للحاج والمعتمر إذا فرغ من صلاة الطواف وأراد الخروج إلى الصفا للسعي أن يأتي إلى الحجر الاسود فيقبله ويستلمه ويشير إليه، وأن يشرب من ماء زمزم، وان يقول حين يشرب: (اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا، وشفاءا من كل داء وسقم)، وفي الحديث عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع)، إذا فرغ الرجل من

[ 386 ]

طوافه وصلى ركعتين، فليأت زمزم ويستق منه ذنوبا أو ذنوبين، فليشرب منه وليصب على رأسه وظهره وبطنه، ويقول: (وذكر الدعاء المتقدم) ثم يعود إلى الحجر الاسود. ويستحب أن يستقي الماء من زمزم بيده بالدلو الذي يلي الحجر، وان يستلم الحجر الاسود قبل الشرب وبعده كما ذكرنا. [ المسألة 860: ] يستحب له أن يخرج إلى الصفا من الباب الذي يقابل الحجر الاسود، وهو الباب الذي خرج منه الرسول صلى الله عليه وآله، وأن يكون على سكينة ووقار، ويستحب له أن يصعد على الصفا حتى ينظر إلى البيت، كما ورد في حديث معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع)، ويستقبل الركن الذي فيه الحجر الاسود، ويحمد الله (عز وجل) ويثني عليه، ويذكر من آلاء الله وبلائه وحسن صنيعه إليه ما يقدر على ذكره، ثم يقول: (الله أكبر) سبع مرات، (الحمد لله) سبع مرات، (لا اله الا الله) سبع مرات، ثم يقول (لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت (ويميت ويحيي خ ل)، وهو حي لا يموت (بيده الخير خ ل)، وهو على كل شئ قدير) ثلاث مرات. ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وآله وآله، ويقول: (الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والحمد لله الحي القيوم، والحمد لله الحي الدائم) ثلاث مرات، ويقول: (أشهد أن لا اله الا الله، (وحده لا شريك له خ ل)، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لا نعبد الا اياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون) ثلاث مرات، ويقول: (اللهم إني أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة) ثلاث مرات، ويقول: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ثلاث مرات، ثم يقول: (الله أكبر) مائة مرة، (لا اله الا

[ 387 ]

الله) مائة مرة، (الحمد لله) مائة مرة، (سبحان الله) مائة مرة، ثم يقول: (لا اله الا الله وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الاحزاب وحده، فله الملك، وله الحمد، ومحده وحده، اللهم بارك لي في الموت، وفي ما بعد الموت، اللهم اني أعوذ بك من ظلمة القبر ووحشته، اللهم أظلني في ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك). ويكثر من أن يستودع الله دينه ونفسه وأهله، ثم يقول: (استودع الله الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه ديني ونفسي وأهلي، اللهم استعملني على كتابك وسنة نبيك وتوفني على ملته وأعذني من الفتنة)، ثم يقول: (الله أكبر) ثلاث مرات، ويقرأ الدعاء السابق مرتين، ثم يقول: (الله أكبر) مرة واحدة ويعيد الدعاء، فإن لم يستطع جميع ذلك فليأت بما تيسر له منه. [ المسألة 861: ] ورد في مرفوعة علي بن النعمان قال: كان أمير المؤمنين (ع) إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم رفع يديه ثم قال: (اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته قط، فإن عدت فعد علي بالمغفرة، فانك أنت الغفور الرحيم، اللهم افعل بي ما أنت أهله، فانك إن تفعل بي ما أنت أهله ترحمني، وان تعذبني فأنت غني عن عذابي، وأنا محتاج إلى رحمتك، فيا من أنا محتاج إلى رحمة ارحمني، اللهم لا تفعل بي ما أنا أهله، فانك ان تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولم تظلمني، أصبحت أتقي عدلك ولا أخاف جورك، فيا من هو عدل لا يجور ارحمني). ومما ورد عنهم (ع) أن يقول: (يا من لا يخيب سائله ولا ينفذ نائله صل على محمد وآل محمد وأجرني من النار برحمتك)، وعن أبي عبد الله (ع): (من أراد أن يكثر ماله فليطل الوقوف على الصفا)، وفي رواية اخرى: (فليطل الوقوف على الصفا والمروة).

[ 388 ]

[ المسألة 862: ] ومما ورد أن يتوجه إلى الكعبة وهو على الدرجة الرابعة من الصفا ويقول: (اللهم اني أعوذ بك من عذاب القبر وفتنته وغربته ووحشته وظلمته وضيقه وضنكه، اللهم اظلني في ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك) ثم ينحدر منها ويكشف عن ظهره ويقول: (يا رب العفو، يا من أمر بالعفو، يا من هو أولى بالعفو، يا من يثيب على العفو، العفو العفو العفو، يا جواد يا كريم، يا قريب، يا بعيد، أردد علي نعمتك، واستعملني بطاعتك ومرضاتك). [ المسألة 863: ] يستحب أن ينحدر ماشيا قاصدا وعليه السكينة، وقد ذكرنا من قبل: ان المشي في السعي أفضل من الركوب، والقصد في المشي هو الاستواء أو التوسط، حتى يصل إلى المنارة وهي أول المسعى (ويراد بالمسعى هنا الموضع الذى تستحب فيه الهرولة) فإذا بلغ المنارة سعى مل ء فروجه وهو أن يوسع خطاه ويسرع وهو يقول: (بسم الله والله أكبر، وصلى الله على محمد وأهل بيته، اللهم اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، انك أنت الاعز الاكرم، واهدني للتي هي أقوم، اللهم ان عملي ضعيف فضاعفه لي وتقبله مني، اللهم لك سعيي وبك حولي وقوتي، تقبل مني عملي يا من يقبل عمل المتقين)، وسعى هكذا مهرولا حتى يبلغ المنارة الاخرى، فإذا بلغها مشى وعليه السكينة والوقار، وهو يقول: (يا ذا المن والفضل والكرم والنعماء والجود اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب الا انت)، فإذا وصل إلى المروة صعد عليها حتى يبدو له البيت، وقرأ الادعية والاذكار التي مر ذكرها على الصفا. ويستحب له أن يقول: (اللهم يا من أمر بالعفو، يا من يجزي على العفو، يا من دل على العفو، يا من زين العفو، يا من

[ 389 ]

يثيب على العفو، يا من يحب العفو، يا من يعطي على العفو، يا من يعفو على العفو، يا رب العفو، العفو العفو العفو)، ويستحب له إذا رجع من المروة أن يهرول ما بين المنارتين ويقرأ الادعية الآنف ذكرها، وهكذا في كل شوط. [ المسألة 864: ] يستحب للانسان أن يقول - وهو على الصفا وعلى المروة وما بينهما في ذهابه وايابه - ما ورد عن الامام أبي الحسن موسى (ع): (اللهم اني اسألك حسن الظن بك في كل حال، وصدق النية في التوكل عليك). [ المسألة 865: ] إذا نسي الهرولة في موضعها أو نسي بعضها ثم تذكر وهو في أثناء الشوط رجع القهقرى إلى المضوع وأتى بالهرولة المنسية في موضعها، ورجوع القهقرى هو المشي إلى الخلف من غير التفات. [ المسألة 866: ] الهرولة في موضعها مستحبة مؤكده للرجال وليست واجبة، فإذا نسيها الرجل أو تركها عامدا فلا شئ عليه، ولا هرولة على النساء وان اتفق فراغ المسعى لهن من الرجال، ويستحب للساعي إذا كان راكبا على دابة أن يسرع دابته في موضع الهرولة.

[ 390 ]

[ الفصل التاسع عشر ] [ في التقصير ] [ المسألة 867: ] التقصير هو أن يأخذ الانسان من طول شعره الموجود في رأسه أو لحيته أو يقص شيئا من أظفار يده أو رجله، وهو الواجب الخامس من واجبات عمرة التمتع، وهو واجب مستقل فيها كالتسليم الواجب في الصلاة يتحلل به من احرم بالعمرة من محرمات إحرامه، ويكفيه أن يأخذ من شعر رأسه أو من شاربه أو لحيته أو حاجبه، أو من أي شعر في بدنه، أو يقلم بعض أظفاره، سواء أخذ الشعر أو الظفر بحديد أو نحاس أو أي قاطع آخر وإن قرضه بأسنانه، ولا يكفي نتف الشعر عن قصه. [ المسألة 868: ] يجب التقصير على المعتمر بعد الفراغ من السعي، ولا تجب عليه المبادرة له بعد السعي أو في المسعى، فيجوز له أن يؤخره حتى يرجع إلى منزله أو الى موضع غيره، أو إلى وقت آخر وإن أخره أياما. [ المسألة 869: ] التقصير واجب مستقل وهو عبادة من العبادات، ولذلك فلا بد في صحته من النية، ويلزم في نيته تعيين العمل المقصود وقصد القربة، ويكفيه أن يقول عند إرادة التقصير: (أقصر للاحلال من عمرة التمتع لحج الاسلام حج التمتع إمتثالا لامر الله تعالى). [ المسألة 870: ] يتعين على من تمتع بالعمرة أن يقصر للاحلال من عمرته،

[ 391 ]

ولا يجزيه عن التقصير حلق الرأس، بل لا يجوز له حلق راسه، وإذا حلق جميع رأسه وجب عليه أن يكفر عن ذلك بذبح شاة إذا كان عالما بالحكم عامدا في فعله، وكذلك إذا حلقه ناسيا أو جاهلا على الاحوط لزوما، بل وكذلك إذا حلق بعض رأسه على الاحوط أيضا، ولا يكفيه ذلك عن التقصير الواجب عليه، ولا يكفيه حلق موضع آخر من بدنه، وإذا حلقه قبل أن يقصر لزمته كفارة إزالة الشعر. [ المسألة 871: ] لا يجوز للمتمتع أو المعتمر أن يقصر قبل ان يفرغ من السعي، وإذا قصر قبل السعي أو قبل ان يتمه وجبت عليه الكفارة، وقد ذكرنا كفارة أخذ الشعر وتقليم الاظفار في فصل محرمات الاحرام. [ المسألة 872: ] إذا قصر المتمتع بالعمرة بعد الفراغ من السعي أحل من إحرامه، وحل له كل شئ حرم عليه بسبب الاحرام حتى النساء والطيب والمخيط وغيرها، وتراجع المسألة الخمسمائة والثالثة والاربعون في ما يتعلق بحلق الشعر بعد التقصير في عمرة التمتع، فقد فصلنا حكم ذلك فيها. [ المسألة 873: ] لا يجب على المتمتع بالعمرة أن يطوف في عمرته طواف النساء لا قبل التقصير ولا بعده، وقد قلنا: ان النساء تحل له بالتقصير، ولا يحل له اتيانهن قبل أن يقصر، وان طاف لذلك طواف النساء، فإذا جامع زوجته قبل ان يقصر وجب عليه أن يكفر ببدنة، وكذلك حكم المرأة، ولا كفارة عليها إذا قصرت من شعرها أو من أظفارها قبل الجماع.

[ 392 ]

[ المسألة 874: ] إذا ترك المتمتع التقصير في عمرته فلم يقصر متعمدا حتى أحرم بحج التمتع بطلت متعته، وانقلب حجه إلى حج افراد، فيجب عليه اتمامه، ولا يترك الاحتياط بأن يعتمر بعد حجه بعمرة مفردة وبقضاء الحج في السنة المقبلة، وإذا ترك التقصير ناسيا حتى أحرم بالحج لم تبطل متعته بذلك، فعليه أن يتم حج التمتع ولا شئ عليه، والاحوط له استحبابا أن يكفر بدم شاة. [ المسألة 875: ] يستحب لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إذا قصر في عمرته وأحل من احرامه أن يتشبه بالمحرمين فلا يلبس قميصا أو مخيطا، ولعل استحباب التشبه بالمحرمين يعم التشبه بهم في غير لباس المخيط أيضا. [ المسألة 876: ] إذا قصر المتمتع في عمرته وأحل من احرامه جاز له أن يطوف بالبيت ما يشاء من طواف مستحب وواجب عنه وعن غيره، ويجوز له إذا طاف الطواف الواجب في عمرته وصلى صلاة الطواف أن يطوف ما شاء من الطواف المندوب قبل أن يأتي بالسعي الواجب أو بعده وقبل أن يقصر، ويجوز له أن يقرن بين طوافين مندوبين من غير أن يصلي صلاة الطواف بينهما على كراهة. [ المسألة 877: ] بإتمام هذه الواجبات الخمسة التي تقدم تفصيلها: وهي الاحرام، والطواف بالبيت، وصلاة ركعتي الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والتقصير، تتم أعمال عمرة التمتع، ويحل المتمتع من احرامها، وهي النسك الاول من وظيفة المكلف النائي الذي لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام إذا وجب عليه حج الاسلام، وقد

[ 393 ]

ذكرناها مجملة في الفصل التاسع، والنسك الثاني الذي يجب عليه هو حج التمتع، وواجباته ثلاثة عشر واجبا وقد مرت الاشارة إليها في ذلك الفصل وسيأتي بيانها مفصلة انشاء الله تعالى في الفصول اللاحقة. [ المسألة 878: ] إذا أحل المكلف من عمرة التمتع، ثم خرج بعد عمرته من مكة إلى بعض الجهات بقصد التنزه مثلا أو لبعض الغايات غير المهمة، أثم وعصى بخروجه إذا كان عامدا، ولا يقدح ذلك بصحة عمرته ولا بصحة حجه إذا أتى به على الوجه المطلوب، وإذا فعل ذلك جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه.

[ 394 ]

[ الفصل العشرون ] [ في الاحرام بحج التمتع وآداب الخروج من مكة إلى عرفات ] [ المسألة 879: ] الواجب الاول من واجبات حج التمتع الاحرام به، وهو أيضا ركن من أركانه فيبطل الحج إذا تركه المكلف متعمدا، وقد قلنا أكثر من مرة: إن ميعاد عمرة التمتع أشهر الحج، ونتيجة لذلك فإذا أحرم المكلف بعمرة التمتع في أول أشهر الحج وأتم أعمالها وأحل من إحرامها صح له بعدها أن يحرم بحج التمتع وهذا هو أول وقته على الاصح، ويمتد وقته إلى أن يبقى من الزمان ما يتمكن الانسان فيه من الاحرام بالحج وإدراك الركن من الوقوف الاختياري في عرفات وهو المسمى منه، فيتعين عليه ذلك ولا يسوغ له التأخير عنه. وأول وقت الاحرام بحج القران والافراد هو أول أشهر الحج، ويمتد إلى أن يضيق الزمان في ادراك الموقف الاختياري الآنف ذكره، فيتعين على المكلف الاحرام فيه لادراك الحج. وميقات حج التمتع هو مكة على ما سبق ذكره في المسألة الاربعمائة والثالثة والثمانين، وميقات حج القران والافراد هو أحد المواقيت الخمسة أو ما يحذايها عرفا، ومنزله إذا كان أقرب إلى مكة من الميقات والموضع المنذور لمن نذر الاحرام بالحج قبل الميقات، وقد بينا جميع هذا في فصل المواقيت. [ المسألة 880: ] يتحد إحرام الحج مع إحرام العمرة في الكيفية والواجبات حتى

[ 395 ]

في نية اللبس لثوبي الاحرام، ويجري فيه جميع ما يجري في إحرام العمرة من الاحكام، حتى في الفاظ التلبية الواجبة منها والمستحبة، ويسن فيه ما يسن لذلك من مقدمات وآداب وأدعية وأذكار، حتى في اشتراط أن يحله حيث حبسه، فذكرها هنالك يغنينا عن اعادتها هنا، فليرجع إليها من أحب في فصل الاحرام وفي فصل مقدمات الاحرام. [ المسألة 881: ] تجب النية في إحرام الحج، فيعين المكلف في نيته العمل والنسك، ويقصد القربة والامتثال، والاولى التلفظ، فيقول: أحرم بحج التمتع حج الاسلام امتثالا لامر الله تعالى، وكذلك في نية حج القران والافراد. [ المسأله 882: ] يجب أن يكون إحرام حج التمتع من مكة القديمة، ويجوز للمتمتع أن ينشئ إحرامه في أي موضع يشاء من مواضعها، وفي أي شارع من شوارعها، دون المحلات والاحياء الجديدة التي أضيفت إليها في العصور المتأخرة وقد تقدم منا بعض ما يشير إلى حدودها، والافضل أن يوقع احرامه في المسجد الحرام، وأفضله أن يوقعه في مقام ابراهيم وفي حجر اسماعيل، وقد ذكرنا هذا في المسألة الاربعمائة والرابعة والثلاثين. [ المسألة 883: ] يستحب أن يوقع احرامه في يوم التروية، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (إذا كان يوم التروية - إن شاء الله تعالى - فاغتسل ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافيا، وعليك السكينة والوقار ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما

[ 396 ]

قلت حين أحرمت من الشجرة، فأحرم بالحج وعليك السكينه والوقار، فإذا انتهيت إلى الرقطاء دون الردم فلب، فإذا انتهيت إلى الردم وأشرفت على الابطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى). وعن أبي بصير عنه (ع): (إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تحرم... إلى أن قال (ع): واغتسل والبس ثوبيك ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم وتدعو الله وتسأله العون، وتقول: (اللهم إني أريد الحج فيسره لي وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) وتقول: (أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي من النساء والثياب والطيب أريد بذلك وجهك والدار الآخرة، وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين احرمت، وتقول: (لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك)، فإن قدرت أن يكون رواحك إلى منى زوال الشمس، وإلا فمتى ما تيسر لك من يوم التروية. وفي الحديث الثاني وفي غيره دلالة على أن الافضل للمكلف أن يصلي صلاة الظهر في منى بعد أن يحرم من المسجد في مكة، ودون ذلك في الفضل أن يصلي الظهر في المسجد الحرام ثم يحرم بعد الصلاة. وفي الحديث الاول دلالة على أن الافضل للمحرم أن يؤخر التلبية بعد الاحرام من المسجد إلى أن يصل لى الرقطاء، ويرفع صوته بالتلبية حين يشرف على الابطح، ودون ذلك في الفضل أن يلبي بعد الاحرام وهو في المسجد الحرام، وقد ذكرنا بعض هذا في المسألة الستمائة والثامنة، وتلاحظ المسألة المشار إليها، فقد ألمحنا فيها إلى تعيين المواضع التي ذكرت في الحديث الشريف.

[ 397 ]

[ المسألة 884: ] إذا لبى المتمتع بعد إحرامه بالحج من مكة إنعقد إحرامه وحرمت عليه جميع محرمات الاحرام التي تقدم ذكرها في فصل محرمات الاحرام، وإذا ارتكب شيئا منها لزمته كفارة ذلك الشئ الذي فعله كما تقدم بيانها. [ المسألة 885: ] يستحب للرجل أن يجهر بالتلبية، ويستحب للمحرم الرجل والمرأة أن يأتي بالتلبيات المستحبة، وأن يكررها في أطراف الليل والنهار، وفي كل صعود ونزول كما ذكرنا في آداب الاحرام. [ المسألة 886: ] يجوز لمن أحرم بحج التمتع أن يطوف بالبيت طوافا مندوبا أو أكثر من بعد إحرامه وقبل أن يخرج إلى المشاعر على كراهة في ذلك، وإن كان الاحوط له استحبابا تركه، ولا يفتقر بعد الطواف إلى تجديد التلبية، ويجوز لمن كان محرما بحج القران أو الافراد ودخل مكة أن يطوف بالبيت طوافا مندوبا قبل وقوفه بعرفات والمشعر الحرام، والاحوط له أن يجدد التلبية بعد صلاة الطواف وإذا تكرر منه الطواف جدد التلبية بعد الصلاة في كل مرة، وقد ذكرنا هذا في المسألة الاربعمائة والثامنة والخمسين. [ المسألة 887: ] تلاحظ المسألة الخمسمائة والرابعة والثلاثون في حكم من ترك الاحرام من مكة في حج التمتع عامدا، أو تركه مضطرا لعروض بعض الاعذار التي أوجبت له عدم القدرة على الاحرام منها، فقد أوضحنا فيها أحكام ذلك، وذكرنا في المسائل التي تليها حكم المتمتع إذا نسي الاحرام فلم يحرم من مكة ولا من غيرها، وحكمه إذا جهل ذلك فلم يحرم، والفروض الاخرى التي تتعلق به وفصلنا أحكامها

[ 398 ]

هنا لك ولا موجب للتكرار هنا. [ المسألة 888: ] لا يصح للمتمتع أن يحرم بحج التمتع قبل أن يتم أعمال عمرته ويحل من إحرامها بالتقصير، ولا يصح لمن أحرم بحج التمتع أو القران أو الافراد أن يحرم بعمرة مفردة حتى يتم أعمال حجه ويتحلل من إحرامه، وقد سبق منا بيان هذا. [ المسألة 889: ] يستحب للحاج إذا توجه إلى منى أن يقول: (اللهم إياك أرجو وإياك أدعو فبلغني أملي وأصلح لي عملي)، وأن يقول إذا وصل إليها: (الحمد لله الذي أقدمنيها صالحا في عافية وبلغني هذا المكان). ويستحب له أن يقول عند دخولها: (اللهم إن هذه منى وهي مما مننت به علينا من المناسك فأسألك أن تمن علي بما مننت به على أنبيائك، فإما أنا عبدك وفي قبضتك). [ المسألة 890: ] يستحب له أن يبيت ليلة عرفة بمنى، وأن يكون في إقامته فيها ذلك اليوم وتلك الليلة مشغولا بما يمكنه من التعبد والذكر لله والتوجه إليه، وأن يؤدي صلواته المكتوبة في مسجد الخيف، وأن يعقب فيه بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم يفيض إلى عرفات بعد طلوعها، ودونه في الفضل أن لا يتجاوز وادي محسر قبل طلوعها. والظاهر أنه يجوز الخروج من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس بل وقبل طلوع الفجر، ولا سيما للمشاة وأشباههم الذين يخافون التأخر والتعوق، ويخشون الزحام إذا خرجوا بعد ذلك. [ المسألة 891: ] ورد في حديث معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (إذا

[ 399 ]

غدوت إلى عرفة فقل وأنت متوجه إليها: (اللهم إليك صمدت وإياك اعتمدت ووجهك أردت، فأسألك أن تبارك لي في رحلتي، وأن تقضي لي حاجتي، وأن تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني)، ثم تلبي وأنت غاد إلى عرفات).

[ 400 ]

[ الفصل الحادي والعشرون ] [ في الوقوف بعرفات وأحكامه وبعض آدابه ] [ المسألة 892: ] الواجب الثاني من واجبات الحج الوقوف في عرفات في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، من زوال الشمس في ذلك اليوم على الاحوط إلى المغرب الشرعي منه، والمغرب الشرعي هو ذهاب الحمرة التي تحدث في المشرق بعد غروب الشمس حتى تتجاوز قمة الرأس. ويراد بالوقوف الواجب على الحاج في عرفات أن يكون فيها طول هذه المدة ويمكث في ضمن حدودها، سواء كان راكبا أم راجلا، وسواء كان واقفا على قدميه أم جالسا أم مضطجعا، وسواء كان مستقرا في موضع واحد أم متنقلا بين مواضع منها. [ المسألة 893: ] عرفة أو عرفات - على ما يقول أهل الخبرة وأهل البلاد من المؤرخين - ميدان واسع أرضه مستوية، يبلغ نحو ميلين طولا في مثلها عرضا، وهذا كله موقف، ومن الموقف نفس الجبل المعروف بين الناس بجبل الرحمة، واسمه إلال على ما ورد في الحديث عن الامام الصادق (ع)، وعلى ما يقوله المؤرخون أيضا، وإلال على وزن هلال، فيجوز الوقوف عليه على كراهة، وتزول الكراهة عند كثرة الناس وازدحامهم في الموقف، والفضل أن يكون الوقوف في السهل من أي جهة من جهات الجبل، والافضل الوقوف في ميسرة الجبل، ويراد بها الجانب الايسر منه لمن استقبل القبلة، ويجوز الوقوف على الهضبات والتلال الموجودة في الموقف.

[ 401 ]

[ المسألة 894: ] لا يكفي الوقوف في نمرة ولا عرنة ولا ثوية والاراك وذي المجاز فهذه كلها حدود عرفة وليست منها، وفي الحديث عن ابي عبد الله (ع): اتق الاراك ونمرة وبطن عرنة وثوية وذا المجاز فإنه ليس من عرفة فلا تقف فيه، وبمضمونه ادلة أخرى. ونمرة بفتح النون وكسر الميم موضع بقرب عرفات يقع بين طرف الحرم وطرف عرفات، وبطن عرنة بضم العين وفتح الراء والنون يكون ما بين العلمين اللذين هما حد عرفة والعلمين اللذين هما حد الحرم ولعله جزء من نمرة، وذو المجاز موضع في خارج عرفات كانت العرب في الجاهلية تقيم فيه سوقا من أسواقها في أيام الموسم. [ المسألة 895: ] الوقوف في عرفات عبادة من العبادات فلا بد فيه من النية، فلا يصح من المكلف إذا حضر الموقف وهو غير قاصد أو كان قاصدا لامر آخر، ويجب في نيته تعيين النسك وقصد القربة، فإذا قال عند الزوال أو قبله: أقف في هذا الموقف من زوال الشمس إلى الغروب الشرعي في حج التمتع حج الاسلام امتثالا لامر الله تعالى، صح عمله وكفاه في حصول الامتثال، وكذلك إذا كان في حج القران أو حج الافراد. ويجب أن يكون وقوفه عن إختيار، فلا يصح إذا جن أو أغمي عليه أو سكر قبل الوقت ولم يفق الا بعد خروجه، وكذلك إذا نام قبل الوقت ولم ينتبه الا بعد خروجه. [ المسألة 896: ] الواجب الركن من الوقوف بعرفات هو أن يحضر المكلف في بعض الوقت الذي ذكرناه، من أول الوقت أو من آخره أو في

[ 402 ]

أثنائه، بحيث يصدق عليه أنه حضر عرفات ووقف فيها مسمى الوقوف في وقتها الاختياري المذكور، والباقي من الوقوف في الوقت واجب غير ركن، والنتيجة المعلومة لذلك: أن المكلف إذا ترك الوقوف في جميع الوقت من أوله إلى آخره ولم يدرك منه شيئا، وكان عامدا في فعله بطل حجه، ولا يصححه أن يحضر موقف عرفات في فترة من ليلة العاشر، وهي الوقت الاضطراري لعرفات كما سيأتي بيانه، ولا يصح حجه ان يحضر الوقوف في المشعر الحرام في وقته الاختياري أو في وقته الاضطراري - كما سيأتي -، سواء وقف في عرفات ليلة العيد أم لا، وعلى وجه الاجمال فلا يصح حجه في جميع الصور، وكذلك الحكم في المكلف إذا كان جاهلا مقصرا في تعلم أحكامه، فإذا ترك الوقوف ولم يدرك الركن منه بطل حجه وجرى فيه حكم العامد. [ المسألة 897: ] إذا ترك المكلف الوقوف في عرفات ناسيا أو ساهيا غير عامد، فإن تذكره والوقت الاختياري للوقوف بها لا يزال باقيا، وجب عليه أن يحضر ويتدارك الوقوف ولو بادراك الركن، وهو مسمى الوقوف، فإذا بادر وأدركه كذلك صح حجه، وإذا تركه بعد أن تذكره مع قدرته على الحضور والتدارك بطل حجه لتعمده، وإذا تذكر الوقوف بعد غروب الشمس وخروج الوقت وجب عليه أن يقف في عرفات فترة من ليلة العيد، وهي الوقت الاضطراري لها، ثم يفيض منها ليدرك الوقوف بالمشعر الحرام في وقته، وبذلك يصح حجه، وكذلك الحكم في المكلف إذا كان جاهلا قاصرا، أو كان معذورا لبعض الطوارئ التي أوجبت له عدم القدرة فلم يدرك الموقف لعذره، فيجري فيه الحكم الآنف بيانه، وإذا ترك المكلف الوقوف الاضطراري بعرفات في الصور المذكورة في المسألة ولم يأت به بعد

[ 403 ]

تذكره وارتفاع عذره وكان عامدا قادرا بطل حجه. [ المسألة 898: ] في صحيحة معاوية بن عمار الواردة عن أبي عبد الله (ع) في صفة حج الرسول صلى الله عليه وآله يقول (ع): حتى انتهوا (وهو يعني الرسول ومن معه من الناس في حجة الوداع)، حتى انتهوا إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الاراك ضربت قبة الرسول، وضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية، حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر باذان واحد واقامتين، ثم مضى إلى الموقف فوقف به. والصحيحة ظاهرة الدلالة على أن الرسول صلى الله عليه وآله ومن معه من المسلمين قد أخروا الوقوف في عرفات عن أول الزوال حتى أتى مسجد نمرة وخطب في الناس، وصلى الظهر والعصر بعد الخطبة ثم توجه بهم حتى أتى الموقف فوقف به، وبمضمون هذه الصحيحة نصوص معتبرة أخرى، ولا محيد عن العمل بها، فيجوز للحاج أن يؤخر الوقوف عن أول الزوال حتى يغتسل وحتى يصلي الفريضتين كما ذكر ثم يتوجه إلى الموقف إذا كان قد ضرب خباءه في نمرة أو غيرها من حدود عرفة. ويشكل الحكم بجواز التأخير، بل يمنع على الاحوط إذا كان لغير ذلك، كما إذا كان المكلف قد اغتسل قبل الوقت أو كان لا يريد الغسل، وكما إذا كان في داخل حدود عرفة من أول الوقت وأراد تأخير الصلاة عن أول وقتها، فيجب عليه أن ينوي الوقوف من أول الزوال على الاحوط، ويأثم إذا ترك الوقوف وأخره عامدا، ولا يفسد وقوفه ولا حجه بالتأخير إذا نوى الوقوف ووقف بعد ذلك.

[ 404 ]

[ المسألة 899: ] إذا أفاض الشخص من موقف عرفات قبل الغروب الشرعي من يوم عرفة، وكان متعمدا في خروجه منها، أثم بذلك ووجب عليه أن ينحر بدنة، ولا يفسد بذلك حجه إذا كان قد أتى بالركن الواجب عليه من الوقوف بعرفات، كما هو المفروض في المسألة، وإذا تاب ورجع إلى عرفات قبل أن يخرج الوقت لم تجب عليه الكفارة، وإذا تاب ولم يرجع إليها لم تسقط عنه الكفارة على الاقوى، ومثال ذلك: أن يتوب بعد مضي الوقت، فلا فائدة في رجوعه إذا رجع ولا تسقط به الكفارة، ولا تسقط الكفارة أيضا إذا رجع إلى عرفات من غير توبة ومثال ذلك: أن ينسى بعض حوائجه في عرفات فيرجع إليها ليأخذ أمواله المنسية. [ المسألة 900: ] إذا أفاض الرجل من عرفات قبل الغروب وكان غير متعمد للمخالفة ومثال ذلك: أن يكون جاهلا قاصرا أو ساهيا أو ناسيا ولا يتذكر حتى يخرج الوقت، فلا اثم عليه ولا كفارة، ويشكل الحكم بسقوط الكفارة عنه إذا كان جاهلا مقصرا في تعلم الاحكام فلا يترك الاحتياط فيه. وإذا أفاض منها قبل الغروب ساهيا أو ناسيا أو جاهلا قاصرا ثم تذكر أو علم بالحكم بعد خروجه منها وجب عليه الرجوع إذا كان ممكنا، فإن هو لم يعد إليها مع قدرته على العود كان آثما، والاحوط له دفع الكفارة. [ المسألة 901: ] يجب عليه أن ينحر البدنة الآنف ذكرها في منى، وإذا لم يقدر على البدنة وجب عليه أن يصوم بدلا عنها ثمانية عشر يوما، ويتخير في أن يصومها في مكة أو في الطريق أو عند أهله بعد رجوعه

[ 405 ]

إليهم، ولا يجب عليه التتابع في صيام الايام المذكورة، وان كان التتابع فيها أحوط استحبابا. [ المسألة 902: ] قد اتضح مما فصلناه في المسائل السابقة أن للوقوف في عرفات وقتين، أحدهما وقت اختياري يجب على الحاج حضوره والوقوف فيه في حال اختياره، وقد ذكرناه وذكرنا مبدأه ونهايته، وبينا بعض أحكامه ولوازمه، وثانيهما وقت اضطراري يجب حضوره والوقوف فيه على من ترك الوقوف الاختياري فيها حتى انتهى وقته المحدود، لنسيان أو لسهو أو لجهل يعذر فيه، أو تركه لعذر يسقط معه التكليف بالوقوف في الوقت الاول، فيجب على هؤلاء الحضور في عرفات والوقوف بها في الوقت الثاني، والوقت الثاني الاضطراري هو الليلة العاشرة من ذي الحجة، ومبدأها من الغروب الشرعي في أول الليلة إلى طلوع الفجر منها، والواجب من هذا الوقت هو أن يقف المعذور فترة من الليلة يصدق معها انه قد حضر عرفات ووقف فيها، ويكفيه أن يقف في أي جزء أمكن له الوقوف فيه من الليلة في أولها أو في أثنائها أوآخرها وان كان قليلا، ولا يجب عليه استيعاب الليلة بالوقوف ولا قسم كبير منها. ويشترط في صحة وقوفه في الوقت الاضطراري بعرفات أن لا يكون ذلك سببا في فوات الوقوف في المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، فإذا علم أنه لا يدرك المشعر في وقته إذا هو مضى إلى عرفة ووقف فيها في ليلة العيد، أو خاف ذلك لم يجب عليه الحضور في عرفة ليلة العيد ولم يجز له ذلك، ووجب عليه البدار الى المشعر فلا يفوته الوقوف الاختياري فيه، فإذا أدركه صح حجه. [ المسألة 903: ] إذا أمكن للحاج الذي فاته الوقوف الاختياري بعرفات من

[ 406 ]

ذوي الاعذار المذكورين، بأن يقف فيها في الوقت الاضطراري على الوجه الذي بيناه تعين عليه ذلك، وقام وقوفه الاضطراري مقام الاختياري وأصبح ركنا في حجه، فإذا تركه متعمدا بطل حجه، ولا يكفيه في تصحيح حجه أن يدرك المشعر الحرام في وقته الاختياري. [ المسألة 904: ] سنذكر ان شاء الله تعالى في الفصل الآتي أن الاحوط لزوما للحاج أن يبيت ليلة العاشر في المزدلفة حتى يصبح، وان كان الوقوف الواجب فيها بعد طلوع الفجر، فيلزمه المبيت فيها على الاحوط مع الاختيار ونتيجة لذلك، فإذا أمكن للمعذور أن يؤدي الوقوف الاضطراري في عرفات في وقت سابق من ليلة العيد ثم يفيض إلى المشعر الحرام ويدرك المبيت فيه جزءا من ليلته قبل الفجر وقبل الوقوف الواجب، تعين عليه أن يفعل ذلك على الاحوط، وإذا لم يمكن له ذلك وقف في عرفات ثم أفاض منها ليدرك الوقوف بالمشعر الحرام في وقته الاختياري وان لم يدرك المبيت فيه. [ المسألة 905: ] إذا حكم القاضي من الجمهور بثبوت هلال ذي الحجة في يوم من الايام، ولم يثبت ذلك عند الشيعة، واقتضى ذلك أن يكون الوقوف في عرفات في اليوم المشكوك عند الشيعة أو في اليوم الثامن عندهم، واستدعت التقية ذلك، صح للمكلف أن يقف في عرفات في يوم وقوفهم، وأن يقف في المشعر الحرام بعد الفجر من يوم عيدهم، وإذا عمل على وفق ذلك صح وقوفه وحجه، وبرئت ذمته من التكليف بالحج، إذا كان واجبا عليه في ذلك العام، أو كان مستقرا في ذمته من عام سابق أو أكثر، وبرئت ذمة الشخص المنوب عنه إذا كان المكلف نائبا في الحج عنه، واستحق الاجرة المسماة له إذا كان مستأجرا للنيابة، وسنتعرض لبقية أحكام هذا الحج في الفصل الآتي

[ 407 ]

عند التعرض للوقوف في المشعر، ولاعمال الحج في يوم النحر وما بعده فليلاحظ ذلك. [ المسألة 906: ] في الخبر عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية، واغتسل وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله، وصل الظهر والعصر بأذان واحد واقامتين. وفي صحيحة معاوية بن عمار عنه (ع)، قال: (فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل، وصل الظهر والعصر بأذان واحد واقامتين، فانما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فانه يوم دعاء ومسألة)، ويستحب له أن يأتي الموقف وعليه السكينة والوقار. [ المسألة 907: ] يستحب كما قلنا من قبل أن يكون موقف الحاج في ميسرة الجبل، وأن يجمع أمتعته ورحله وأهله وأصحابه ويسد الخلل والفرج الموجود في الموقف بنفسه وبهم. [ المسألة 908: ] يستحب له إذا أتى الموقف أن يحمد الله ويهلله ويمجده ويثني عليه بما هو أهله، وأن يقول: (الله أكبر) مائة مرة، (الحمد لله) مائة مرة، (سبحان الله) مائة مرة، وأن يقرأ (قل هو الله أحد) مائة مرة، وأن يختار لنفسه ما أحب من الدعاء، ويجتهد في الدعاء والمسألة والتوبة والاستغفار من الذنوب والصلاة على الرسول وآله المطهرين صلى الله عليه وآله، وأن يستعيذ بالله من الشيطان أن يذهله في هذا الموطن عن الاخلاص لله والتوجه إليه، وأن يشتغل بالنظر إلى نفسه والعمل لخلاصها واسعادها عن النظر إلى الناس وأفعالهم وحركاتهم في

[ 408 ]

الموقف. ويستحب أن يقول في دعائه: (اللهم اني عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك، وارحم مسيري اليك من الفج العميق)، وأن يقول: (اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال، وادرا عني شر فسقة الجن والانس)، وأن يقول: (اللهم لا تمكر بي ولا تخدعني ولا تستدرجني). وأن يقول: (اللهم اني أسألك بحولك وجودك وكرمك وفضلك ومنك، يا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا) ويذكر حاجته ويستحب أن يقول وهو رافع رأسه إلى السماء: (اللهم حاجتي اليك التي ان اعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، والتي ان منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار). وأن يقول: (اللهم اني عدك وملك يدك، ناصيتي بيدك، وأجلي بعلمك، أسألك أن توفقني لما يرضيك عني، وأن تسلم مني مناسكي التي أريتها خليلك ابراهيم (ع)، ودللت عليها نبيك محمدا صلى الله عليه وآله) وان يقول: (اللهم اجعلني ممن رضيت عمله وأطلت عمره، وأحييته بعد الموت حياة طيبة). [ المسألة 909: ] يستحب أن يقرأ دعاء الرسول صلى الله عليه وآله الذي علمه لعلي (ع) وقال له: هو دعاء من كان قبلي من الانبياء والدعاء هو أن يقول: (لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، اللهم لك الحمد أنت كما تقول، وخير ما يقول القائلون، اللهم لك صلاتي ونسكي وديني ومحياي ومماتي، ولك ثرائي، وبك حولي، ومنك قوتي، اللهم اني أعوذ بك من الفقر، ومن وسواس

[ 409 ]

الصدر، ومن شتات الامر، ومن عذاب النار، ومن عذاب القبر، اللهم اني أسألك من خير ما تأتي به الرياح، وأعوذ بك من شر ما تأتي به الرياح، وأسألك خير الليل وخير النهار). وأن يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وبصري نورا، ولحمي ودمي وعظامي وعروقي ومفاصلي ومقعدي ومقامي ومدخلي ومخرجي، واعظم لي نورا يا رب يوم ألقاك، انك على كل شئ قدير). [ المسألة 910: ] عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا أتيت الموقف فاستقبل البيت وقل: (سبحان الله) مائة مرة، (الله أكبر) مائة مرة، وتقول: (ما شاء الله لا قوة الا بالله) مائة مرة، وتقول: (أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، بيده الخير وهو على كل شئ قدير) مائة مرة، وتقرأ: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون، إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم، ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون). وتقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات، وتقرأ آية الكرسي، وتقرأ آية السخرة، وهي قوله تعالى: (ان ربكم الله الذي خلق السماوات

[ 410 ]

والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها وادعوه خوفا وطمعا ان رحمة الله قريب من المحسنين). وتقرأ (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، وتقول: (الحمد لله على كل نعمة أنعم بها علي، مما أعلم ومما لا أعلم، ومما أحصي ومما لا أحصي)، وتذكر أنعمه عليك واحدة واحدة ما أحصيت منها، وتقول: (الحمد لله على ما أنعم به علي من أهل ومال، الحمد لله على ما أبلاني، اللهم لك الحمد على نعمائك التي لا تحصى بعدد، ولا تكافأ بعمل) وتحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن، وتسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، وتكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن، وتهلله بكل تهليل هلل به نفسه في القرآن. ويستحب أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تكثر منها وتجتهد فيها، وأن تدعو الله بكل اسم سمى به نفسه في القرآن، وبكل اسم تحسنه، وتدعوه باسمائه التي ذكرها في آخر سورة الحشر، فتقول: (يا الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، يا الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، يا الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم). وتقول: (أسألك يا الله يا رحمن بكل اسم هو لك، وأسالك بقوتك وقدرتك وعزتك، وبجميع ما أحاط به علمك، وبجمعك وبأركانك كلها، وبحق رسولك صلوات الله عليه وباسمك الاكبر الاكبر، وباسمك العظيم الذي من دعاك به كان حقا عليك أن لا تخيبه، وباسمك الاعظم الاعظم الاعظم الذي من دعاك به

[ 411 ]

كان حقا عليك ان لا ترده وأن تعطيه ما سأل، أن تغفر لي جميع ذنوبي في جميع علمك في)، وتسأل الله حاجتك كلها من أمر الآخرة والدنيا، وترغب إليه في الوفادة في المستقبل في كل عام، وتقول: (أسأل الله الجنة) سبعين مرة، (أتوب إلى الله) سبعين مرة، وتقول: (اللهم فكني من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب وادرأ عني شر فسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم). [ المسألة 911: ] يستحب للانسان ان يكثر في الموقف وفي غيره من المشاعر والمواطن من الدعاء والاستغفار لابويه ولاولاده ولارحامه ولاخوانه المؤمنين، ويسمي من يتذكره منهم بأسمائهم من الاحياء والموتى ولا يختص ذلك بعدد معين، ويذكر من لم يسمه منهم على نحو العموم، وان يختار ذلك على الدعاء لنفسه ففي الخبر عن ابراهيم بن أبي البلاد أو عبد الله بن جندب قال: كنت في الموقف، فلما أفضت لقيت ابراهيم ابن شعيب فسلمت عليه، وكان مصابا باحدى عينيه، وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم، فقلت له: قد أصبت باحدى عينيك وانا والله مشفق على عينك الاخرى فلو قصرت من البكاء قليلا، قال: لا والله يا أبا محمد، ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة، فقلت: فلمن دعوت؟ قال: دعوت لاخواني، فإني سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (من دعا لاخيه بظهر الغيب وكل الله به ملكا يقول: ولك مثلاه، فأردت أن أكون أنا أدعو لاخواني ويكون الملك يدعو لي، لاني في شك من دعائي لنفسي، ولست في شك من دعاء الملك لي)، وعن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع): (من دعا لاخيه بظهر الغيب نودي من العرش، ولك مائة ألف ضعف مثله). [ المسألة 912: ] يجب أن يكون الانسان حسن الظن بالله أن يغفر له ذنوبه،

[ 412 ]

ويقضي له حوائجه إذا هو وقف في المواقف وأدى الاعمال، ففي الخبر عن أبي عبد الله (ع) وقد سأله رجل في المسجد الحرام: من أعظم الناس وزرا فقال (ع): (من يقف بهذين الموقفين: عرفة والمزدلفة، وسعى بين هذين الجبلين، ثم طاف بهذا البيت، وصلى خلف مقام ابراهيم، ثم قال في نفسه وظن ان الله لم يغفر له، فهو من أعظم الناس وزرا). [ المسألة 913: ] يستحب للحاج استحبابا مؤكدا أن يكون على طهارة في حال وقوفه بعرفات، ولا يجب عليه ذلك. [ المسألة 914: ] يجوز للحاج في وقوفه بعرفات أن يدعو بأي دعاء ينشئه أو يختاره، ولا يتعين عليه شئ من ذلك، والافضل أن يدعو بالمأثور عن المعصومين (ع)، وقد سبق ذكر بعضها، ومن المأثور عنهم (ع) دعاء الامام أبي عبد الله الحسين (ع) الذي دعا به في موقف عرفات، وهو دعاء عظيم الشأن كبير المقاصد، فليغتنمه الحاج في هذا الموقف الشريف وغيره، ومن المأثور أيضا دعاء ولده الامام زين العابدين (ع)، وهو الدعاء السابع والاربعون من أدعية الصحيفة السجادية فليطلبه فيها أو في غيرها من المصادر، وللامام زين العابدين (ع) دعاء آخر في يوم عرفة يرويه الشيخ الطوسي (قدس الله سره) في كتابه (مصباح المتجهد). [ المسألة 915: ] يستحب له أن يقول إذا أشرفت الشمس على الغروب: (اللهم اني أعوذ بك من الفقر ومن تشتت الامر ومن شر ما يحدث بالليل والنهار، أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك، وأمسى خوفي مستجيرا بأمائك، وأمسى ذلي مستجيرا بعزك، وأمسى وجهي الفاني

[ 413 ]

مستجيرا بوجهك الباقي، ياخير من سئل ويا أجود من أعطى، جللني برحمتك وألبسني عافيتك واصرف عني شر جميع خلقك)، ويستحب له أن يقول إذا غربت الشمس: (اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه من قابل أبدا ما أبقيتني، واقلبني اليوم ملفحا منجحا مستجابا لي، مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم احد من وفدك وحجاج بيتك الحرام، واجعلني اليوم من أكرم وفدك عليك وأعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة وبارك لي في ما أرجع إليه من أهل ومال أو قليل أو كثير وبارك لهم في). [ المسألة 916: ] إذا طرأ للحاج عارض من مرض ونحوه فاضطر معه إلى الافاضة من عرفات قبل وقت الافاضة جاز له ذلك ولا كفارة عليه، وكذلك إذا خرج به السائق عن حدود عرفة قبل المغرب الشرعي بغير علم منه، أو كان لا يقدر على منعه من الخروج، فلا شئ عليه. [ المسألة 917: ] إذا غابت الشمس وذهبت الحمرة عن المشرق، وزالت إلى قمة الرأس كما ذكرناه هنا وكما بينا في الغروب الشرعي من مبحث الوقت في الصلاة، جاز للحاج أن يفيض من عرفات ليذكر الله عند المشعر الحرام، وان يخرج من حدود الموقف الاول ويتوجه إلى الموقف الثاني، ويستحب له أن يكون في افاضته على سكينه ووقار، وأن يكون في مسيره قاصدا متوسطا بين الاسراع والابطاء، وأن يشتغل في حال مسيره بالدعاء والاستغفار كما يقول سبحانه: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم)، فإذا بلغ إلى الكثيب الاحمر، وهو يقع عن يمين الطريق أستحب له أن يقول: (اللهم ارحم موقفي وزد في عملي وسلم لي ديني وتقبل

[ 414 ]

مناسكي)، وليسر سيرا جميلا وليتق الله ربه، فلا يطأ ضعيفا أو مسلما ولا يشرك في عنت انسان، ويستحب له أن يكبر بين المأزمين إذا مر بينهما. [ المسألة 918: ] يستحب للحاج إذا أفاض من عرفات أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء حتى يصل إلى المزدلفة، فيصليهما فيها وإن مضى شطر من الليل، وان يجمع بينهما بأذان واحد واقامتين، ولا يصلي النافلة بينهما فإذا فرغ من الفريضتين صلى النافلة بعدهما إذا شاء. [ المسألة 919: ] يستحب له مع الامكان أن يكون نزوله في المزدلفة ببطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر، ويراد بالمشعر هنا جبل في الوادي يسمى قزح، وعليه مسجد معروف، والجبل المذكور والمسجد المبني عليه يعرفان عند العامة من أهل تلك البلاد بالمشعر، ويستحب للحاج إذا كان صرورة أن يطأ المشعر برجله، والصرورة هو الذي لم يحج من قبل هذا وان كان قد اعتمر.

[ 415 ]

[ الفصل الثاني والعشرون ] [ في الوقوف بالمزدلفة وأحكامه ] [ المسألة 920: ] الاحوط احتياط لازما للحاج - بعد افاضته من عرفات - أن يبيت ليلة العاشر من ذي الحجة في المزدلفة حتى يصبح، بل القول بوجوب المبيت فيها لا يخلو من قوة، والنصوص وان كانت غير صريحة في ذلك، ولكن يستفاد من مجموع أدلة المسألة المفروغية عنه، ولذلك فعلى الحاج أن لا يتركه ولا يتسامح فيه إذا كان مختارا غير معذور، وينوي المبيت في المزدلفة في الحج امتثالا لامر الله المتوجه إليه بذلك. [ المسألة 921: ] المزدلفة والمشعر الحرام وجمع أسماء ثلاثة لموضع واحد، وهو الموقف الثاني الذي يجب الوقوف فيه في الحج، وقد سبق في المسألة التسعمائة والتاسعة عشرة أن العامة من أهل تلك البلاد يسمون جبل قزح الموجود في الوادي والمسجد المؤسس عليه باسم المشعر الحرام، ولكن ورد في معتبره أبي بصير عن الامام أبي عبد الله (ع) انه قال: والمشعر من المزدلفة والمزدلفة من المشعر، ونتيجة لذلك فلا فرق ما بينهما في الحكم. وحد المزدلفة من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر، وفي صحيحة زرارة عن الامام أبي جعفر (ع): حدها ما بين المأزمين الى الجبل إلى حياض محسر، وظاهر الصحيحة أن الحياض من وادي محسر أو هي متصلة به، وليست حدا للمزدلفة من ناحية أخرى، والجبل المذكور في الصحيحة حد من حدود المزدلفة من أحد جوانبها

[ 416 ]

وليس المراد به جبل قزح فلا يلتبس الامر في ذلك. والحدود المبينة ليست من وادي المزدلفة، فلا يجوز للحاج أن يقف في الحياض أو في وادي محسر، ولا يقف في المأزمين، الا إذا كثر الناس وضاق وادي المزدلفة عنهم، فيجوز عند ذلك الارتفاع إلى المأزمين، وقد وردت الرخصة الشرعية به في هذا الحال، ولا يصح في غير ذلك، وقد سبق أن جبل قزح من المزدلفة فيصح الوقوف عليه، ويصح الوقوف في ما بعده الى حد الوادي من تلك الجهة، وهكذا من الجهات الاخرى. [ المسألة 922: ] الواجب الثالث من واجبات الحج: الوقوف في المزدلفة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من اليوم العاشر من ذي الحجة. والمراد بالوقوف الواجب هنا أيضا: الكون في الموقف المحدود والحضور فيه على نهج ما ذكرناه في الوقوف بعرفات، فيجوز للحاج أن يمكث المدة المبينة في الوادي راكبا أو راجلا، وواقفا على قدميه أو جالسا أو مضطجعا، ولا يجب على الحاج أن يستوعب جميع المدة ما بين الطلوعين في الوقوف على الاقوى، فيجوز له أن يفيض من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس إذا كان قد وقف فيها مدة يتأدى بها الواجب بعد طلوع الفجر، وإذا تأخر في وقوفه عن أول الفجر لعذر أو لغير عذر لم يجز له أن يفيض حتى يؤدي الواجب قبل طلوع الشمس. [ المسألة 923: ] يجب على الحاج أن ينوي الوقوف الواجب في المزدلفة في أوله، فإذا كان ممن لم يدرك المبيت في المزدلفة ووصل إليها عند طلوع الفجر نوى الوقوف في المزدلفة من الفجر إلى طلوع الشمس في حج التمتع مثلا حج الاسلام لوجوبه امتثالا لامر الله، وكذلك إذا تأخر

[ 417 ]

وقوفه عن أول الفجر وأدركه قبل طلوع الشمس، فعليه أن ينوي الوقوف الواجب من ذلك الوقت إلى مطلع الشمس. وإذا أدرك المبيت في المزدلفة ولو شطرا صغيرا من الليل، فالاحوط له أن ينوي الوقوف فيها من ذلك الوقت إلى طلوع الشمس في حج الاسلام امتثالا لامر الله المتوجه إليه به، فإذا طلع الفجر جدد نية الوقوف من الفجر إلى طلوع الشمس لوجوبه امتثالا لامر الله تعالى. [ المسألة 924: ] الركن من الوقوف في المزدلفة - وهو الذي يبطل الحج إذا تعمد المكلف تركه - هو الوقوف فيها فترة من الوقت يصدق معها انه أتى بمسمى الوقوف في المزدلفة، فإذا وصل الحاج إلى المزدلفة عند الفجر ووقع فيها إلى طلوع الشمس، فالمسمى من هذا الوقوف هو الركن، والباقي منه وقوف واجب غير ركن، وإذا تأخر فلم يقف عند الفجر ثم وقف فيها قبل طلوع الشمس صح حجه لادراكه الركن، وأثم بتركه الوقوف الواجب بعد الفجر إذا كان عامدا، وإذا هو ترك الوقوف متعمدا فلم يقف فيها قبل الفجر ولا بعده حتى طلعت الشمس أثم وبطل حجه. [ المسألة 925: ] إذا وقف الحاج في المزدلفة في ليلة العاشر قبل الفجر فقد أدرك الركن من الوقوف على الاقوى، فإذا أفاض من المزدلفة ليلا بعد ما وقف فيها وترك الوقوف فيها بعد الفجر عامدا أثم بذلك لانه ترك وقوفا واجبا، وصح حجه لانه قد أدرك الركن كما قلنا، ووجب عليه أن يجبره بشاة، وإذا أفاض منها ليلا بعدما وقف فيها وكان جاهلا - صح حجه، ولا شئ عليه، وإذا تنبه من جهله بعد ما أفاض وجب عليه الرجوع إلى المزدلفة لادراك الواجب وهو الوقوف

[ 418 ]

بعد الفجر، فإذا تعمد ولم يرجع ففي وجوب الجبر بشاة اشكال ولا يترك الاحتياط، وكذلك الحكم في الساهي. [ المسألة 926: ] يجوز للخائفين والضعفاء من الشيوخ والعجزة والمرضى، وللنساء والصبيان أن يقفوا في المزدلفة ليلا، ثم يفيضوا منها إلى منى قبل طلوع الفجر ولا شئ عليهم، ويصح بذلك حجهم، وكذلك من يتولى شؤون النساء والصبيان وان كان من غير الاصناف المذكورين، والاحوط أن يكون ذلك بعد انتصاف الليل، ومثلهم في الحكم من يلزمه من البقاء إلى طلوع الفجر والوقوف ما بين الطلوعين حرج أو ضرر لا يتحمل عادة. [ المسألة 927: ] يجوز للحاج - حتى في حال الاختيار - أن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس إذا كان قد وقف فيها من الليل إلى ذلك الوقت، أو كان قد وقف فيها من طلوع الفجر إلى ذلك الوقت، ولا تجوز له الافاضة قبل أن يحصل منه مسمى الوقوف. [ المسألة 928: ] إذا لم يدرك الانسان المزدلفة لسبب يعذر من أجله، فلم يقف فيها ليلة العاشر، ولم يقف فيها بعد طلوع الفجر منه، لنسيان استمر معه إلى أن طلعت الشمس أو لسهو عرض له كذلك أو لعذر آخر منعه من الحضور والوقوف طول تلك المدة، ثم زال العذر بعد ذلك، وجب عليه أن يقف فيها ما بين طلوع الشمس إلى وقت زوالها من يوم النحر، فإذا وقف فيها في هذا الوقت أجزأه ذلك على ما سيأتي تفصيله، وهذا هو الوقت الاضطراري للوقوف بالمزدلفة للمعذورين والمضطرين، ولا يكفي الوقوف فيه مع الاختيار. فإذا استطاع المعذور أن يقف في هذا الوقت وجب عليه أن

[ 419 ]

يدركه، وإذا تركه عامدا مع الاستطاعة بطل حجه، ولا يجب عليه أن يستوعب جميع هذه المدة بالوقوف، بل يكفيه أن يقف فترة قصيرة منه يصدق بها مسمى الوقوف في المزدلفة، على نهج ما أوضحناه في الموقف الاضطراري بعرفات، وقد سبق بيانه في المسألة التسعمائة والثانية. [ المسألة 929: ] إذا استمر بالحاج المعذور عذره المانع له عن الحضور في المزدلفة حتى خرج الوقت الاضطراري للوقوف فيها، فلم يقف بها في الوقت الاختياري ولا في الوقت الاضطراري فللمسألة صور ثلاث: الصورة الاولى: أن يكون قد أدرك الوقوف في عرفات في وقتها الاول الاختياري، وترك الوقوف بالمشعر، لجهله بوجوب الوقوف فيه، فإن كان قد عبر على المشعر في ليلة العاشر لما أفاض إلى منى من عرفات صح بذلك حجه، وان لم يعبر بالمشعر في ليلة العاشر أشكل الحكم بصحة حجه. الصورة الثانية: أن يكون أدرك الوقوف في عرفات في وقتها الاختياري وترك الوقوف بالمشعر لنسيان أو اضطرار، والحكم بصحة الحج في هذه الصورة مشكل أيضا، سواء مر بالمشعر في ليلة العاشر أم لا. الصورة الثالثة: أن يكون قد فاته الوقوف الاختياري في عرفات ثم فاته الوقوف في المشعر في الوقت الاختياري والاضطراري معا، والظاهر بطلان حجه في هذه الصورة وان كان معذورا في ترك الوقوف فيهما. [ المسألة 930: ] ذكرنا أكثر من مرة أن للوقوف بعرفة وقتا اختياريا لا يجوز التأخر عن الوقوف فيه للمكلف المختار، وهو ما بين زوال الشمس

[ 420 ]

من اليوم التاسع إلى المغرب الشرعي منه، ولكن هو المسمى من الوقوف في مجموع هذا الوقت، وله وقت اضطراري يجب على المكلف الوقوف فيه إذا فاته الوقت الاول لعذر من الاعذار، وهو لليلة العاشر، والركن منه هو المسمى أيضا. وذكرنا كذلك أن للوقوف في المزدلفة وقتا اختياريا وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من يوم النحر، وإذا كان المكلف قد بات في المزدلفة، فالوقت الاختياري من أول وقوفه في الليل إلى مطلع الشمس من يوم النحر، والركن هو المسمى من الوقوف فيه، وله وقت اضطراري يجب على المكلف أن يقف فيه إذا فاته الوقوف الاختياري فلم يدركه لعذر من الاعذار، وهو ما بين طلوع الشمس ووقت الزوال من يوم النحر، والركن منه هو المسمى من الوقوف فيه، وقد أعدنا ذكر هذا تمهيدا لبيان الاحكام ف ادراك الوقوفين معا أو ادراك احدهما في المسائل الآتية فإن ادراك الحاج للوقوفين أو لاحدهما يقع على وجوه. [ المسألة 931: ] الوجه الاول: ان يقف الحاج في عرفات في وقتها الاختياري كله، أو يؤدي الواجب الركن منه - على الاقل - ثم يفيض منها إلى المزدلفة فيقف بها وقوفها الاختياري التام أو الركن منه، ولا ريب في الحكم بأن هذا الحاج قد أدرك الوقوفين وصح حجه، وإذا هو ادى الركن من الوقوفين وترك الوقوف غير الركن فيهما أو في احدهما عامدا، أثم بذلك وصح حجه، لانه قد ادى الركن كما فرضنا. [ المسألة 932: ] الوجه الثاني: أن يكون الحاج معذورا فيقف في عرفات ليلا في وقتها الاضطراري على الوجه الصحيح، ثم يفيض بعدها إلى المشعر الحرام فيقف به في وقته الاختياري كله أو يؤدي الركن منه،

[ 421 ]

فيصح ايضا وقوفه بذلك ويصح حجه، وإذا تعمد فلم يقف في المشعر في بعض الوقت الواجب، ولكنه ادى الركن منه، أثم بترك الواجب، وصح حجه. وقد سبق منا أن الوقوف في المشعر ليلا يكفي الحاج في تأدية الركن من الوقوف فيه، ونتيجة لذلك فإذا وقف ليلا وأفاض من المشعر قبل الفجر، وترك الوقوف الواجب بعده صح حجه، ولا شئ عليه إذا كان جاهلا أو معذورا ببعض الاعذار المسوغة، وأثم بتركه الموقف بعد الفجر إذا كان عامدا في فعله غير معذور، ووجب عليه أن يجبره بشاة، وتراجع المسألة التسعمائة والخامسة والعشرون، وهذا كله إذا كان وقف في الوقت الاضطراري من عرفات. [ المسألة 933: ] الوجه الثالث: أن يقف الحاج في عرفات في وقتها الاختياري وقوفا تاما أو بمقدار يدرك الركن من الوقوف الواجب فيه، ثم يعرض له أحد الاعذار المانعة فلا يبلغ المزدلفة حتى تطلع الشمس من اليوم العاشر، فيقف فيها في وقتها الاضطراري بعد طلوع الشمس وقبل الزوال، فيصح بذلك وقوفه ويصح حجه. [ المسألة 934: ] الوجه الرابع: أن يعرض للحاج أحد الموانع فيدرك بسببه وقوف عرفات في وقتها الاضطراري ثم يدرك المزدلفة في وقتها الاضطراري أيضا من غير اختيار له فيهما، فإذا وقف فيهما صح وقوفه وحجه. والاحوط استحبابا له أن يعيد الحج في السنة المقبلة إذا كان الحج قد استقر في ذمته من عام سابق، أو بقيت استطاعته إلى السنة الآتية أو تجددت له استطاعة أخرى بعد زوال الاولى.

[ 422 ]

[ المسأله 935: ] الوجه الخامس: أن يقف الحاج في عرفات في وقتها الاختياري في جميع الوقت أو يدرك الركن الواجب منه، ثم يعرض له أحد الموانع فلا يدرك المزدلفة أصلا، لا في وقتها الاختياري ولا في وقتها الاضطراري، فإن كان السبب الذي ترك من أجله وقوف المزدلفة هو الجهل، وكان قد مر عابرا بالمزدلفة ليلا في أثناء افاضته من عرفات إلى منى وان لم يمكث بالمزدلفة برهة من الوقت، فالظاهر صحة حجه في هذه الصورة، سواء كان السبب جهله بالمزدلفة أم جهله بوجوب الوقوف فيها. وان كان قد ترك الوقوف في المزدلفة لنسيان أو لسبب آخر غير الجهل ففي صحة حجه اشكال، وكذلك إذا كان السبب هو الجهل ولم يعبر بالمزدلفة ليلا، ومثال ذلك: أن يبقى في عرفات ثم يفيض منها بعد الزوال من يوم النحر فيشكل الحكم بصحة حجه. [ المسألة 936: ] الوجه السادس: أن يفوت الحاج وقوف عرفات لبعض الاعذار فلا يقف بها في وقتها الاول ولا في وقتها الثاني، ثم يدرك المزدلفة فيقف بها في وقتها الاختياري، ومثال ذلك: أن يصل الحاج إلى مكة في ليلة النحر ولا يمكنه الوصول فيها إلى عرفات، فإذا خرج إلى المزدلفة وأدرك الوقوف الاختياري فيها صح وقوفه وحجه. [ المسألة 937: ] الوجه السابع: أن يدرك الحاج عرفات في وقتها الاضطراري فيقف فيه خاصة ولا يدرك المزدلفة في كلا الوقتين، والظاهر بطلان حجه، ويجب عليه أن يحول النية في إحرامه إلى عمرة مفردة، فإذا أتمها تحلل من احرامه، ولم يكفه ذلك عن الحج.

[ 423 ]

[ المسألة 938: ] الوجه الثامن: أن يفوت الحاج موقف عرفات فلا يقف به في كلا الوقتين، ويدرك الوقوف في المشعر في وقته الاضطراري خاصة، ويشكل الحكم بصحه الحج أو ببطلانه في هذه الصورة، ولا يترك الاحتياط بأن يأتي بباقي الاعمال بقصد اتمام الحج ان كان حجه في الواقع صحيحا، ويقصد العمرة المفردة ان كان حجه باطلا، ثم يعيد الحج في العام المقبل. [ المسألة 939: ] إذا لم يدرك الحاج وقوفا في عرفات، ولا وقوفا في المزدلفة، لا في الوقت الاختياري منهما معا ولا في الوقت الاضطراري، بطل حجه، ووجب عليه أن يحول النية في احرامه إلى عمرة مفردة ويجب عليه أن يتمها ويتحلل من إحرامه بها، ثم يجب عليه الحج في السنة المقبلة إذا كان الحج قد استقر في ذمته، أو بقيت استطاعته إلى السنة القادمة، أو تجددت استطاعته للحج بعد زوالها. [ المسألة 940: ] إذا ترك الحاج وقوف عرفات أو وقف المشعر في الوقت الاختياري منهما عامدا من غير عذر، فلم يأت حتى بمقدار الركن من الوقوف فسد حجه، وكذلك إذا ترك الوقوف في الوقت الاضطراري من أحدهما عامدا بعدما وجب عليه بسبب من الاسباب، فيبطل حجه بترك الركن عامدا وقد تقدم ذكر هذا، ويمكن القول بفساد احرامه، وان كان الاحوط أن يأتي بأعمال العمرة المفردة برجاء المطلوبية، ثم يجب عليه أن يستأنف الحج في السنة القادمة إذا كان الحج واجبا عليه أو وجب عليه باستطاعة جديدة بعد زوال الاولى.

[ 424 ]

[ المسألة 941: ] إذا حكم الحاكم من قضاة الجمهور بثبوت هلال ذي الحجة، فكان يوم عرفة ويوم النحر الثابت عندهم مشكوكي الثبوت عند الشيعة أو كانا معلومي المخالفة عندها، وجب على الحاج الشيعي أن يجري في أحكام الموقفين على وفق ما تقتضيه التقية في كل من الفرضين المذكورين، فيؤدي الوقوف الاختياري والوقوف الاضطراري في عرفة وفي المشعر الحرام على طبق ذلك، وتلزمه أحكامهما التي تقدم تفصيلها، ويجزيه ذلك كما بيناه في المسألة التسعمائة والخامسة، ويجب عليه أن يجري وفق أحكام التقية كذلك في أعمال منى وأعمال مكة في يوم النحر وأيام التشريق: إذا كان يوم الهلال الثابت عندهم مشكوك الثبوت عند الشيعة، ويحتمل مطابقته الواقع، فيلزمه تطبيق أحكام التقية في جميع ذلك، وتبرأ بتطبيقها ذمته، بل لا مسوغ له في التأخير ولا سيما إذا كانت التقية شديدة. وإذا كان يوم الهلال الثابت عندهم معلوم المخالفة عند الشيعة، وجب على الحاج تطبيق أحكام التقية في الموقفين كما ذكرنا وعليه أن يؤخر أعمال الحج في منى وفي مكة إلى يوم النحر وأيام التشريق عند الشيعة ولا يجري فيها وفق التقية. [ المسألة 942: ] إذا اقتضت التقية أن يعمل وفق حكم الجمهور في موقف عرفات وجب على الحاج أن يقف في اليوم التاسع عندهم كما قلنا وأما الوقوف نفسه فيجب على الحاج أن يجري فيه وفق مذهبنا لا وفق التقية، فلا تجوز الافاضة فيه قبل المغرب الشرعي، وهكذا في سائر أحكام الوقوف، وكذلك في موقف المزدلفة فيقف فيه في ليلة النحر وفق حكمهم، ولكن المبيت والوقوف فيها والافاضة منها يجب الجري

[ 425 ]

فيها وفي أحكامها وفق مذهبنا، الا إذا استدعت التقية الجري عليها في ذلك، وكذلك أعمال منى في يوم النحر وغيرها إذا كان حكم الحاج فيها أن يأتي بها في يوم النحر عندهم، فالتقية انما تقتضي أن يتبع حكمهم في تعيين اليوم وفقها لا في كيفية الاعمال وأحكامها فيلزم الحاج العمل فيها وفق مذهبنا، الا إذا الزمته التقية بموافقتهم في الاعمال والاحكام. [ المسألة 943: ] يستحب للمكلف إذا نزل المزدلفة في ليلتها أن يقول ما روي عن أبي عبد الله (ع): (اللهم هذه جمع، اللهم اني أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير، اللهم لا تؤيسني من الخير الذي سألتك أن تجمعه لي في قلبي، وأطلب اليك ان تعرفني ما عرفت أولياءك في منزلي هذا وان تقيني جوامع الشر). [ المسألة 944: ] عنه (ع): (ان استطعت أن تحيي تلك الليلة فافعل، فانه بلغنا أن أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة لاصوات المؤمنين، لهم دوي كدوي النحل، يقول الله جل ثناؤه (أنا ربكم وأنتم عبادي أديتم حقي، وحق علي أن أستجيب لكم)، فيحط تلك الليلة عمن اراد أن يحط عنه ذنوبه ويغفر لمن أراد أن يغفر له). [ المسألة 945: ] يستحب للمكلف أن يصبح على طهارة، فإذا صلى صلاة الفجر وقف بعدها، وتخير في الوقوف في أي موضع يختاره من الوادي، وأن يكون في وقوفه متوجها إلى القبلة، وأن يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ويذكر من آلائه ونعمائه وبلائه ما يقدر على ذكره وتعداده. وليقل: (أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن

[ 426 ]

وليذكر الائمة (ع) واحدا بعد واحد وليدع لهم وليبرأ من عدوهم. [ المسألة 946: ] يستحب له أن يقول: (اللهم رب المشعر الحرام فك رقبتي من النار وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب وأدرأ عني شر فسقة الجن والانس، اللهم أنت خير مطلوب إليه وخير مدعو وخير مسؤول، ولكل وافد جائزة، فاجعل جائزتي في موطني هذا ان تقيلني عثرتي وتقبل معذرتي، وأن تجاوز عن خطيئتي، ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي). [ المسألة 947: ] مما ورد عنهم (ع) أن يكثر الانسان في الموقف من الدعاء لنفسه ولوالديه وأولاده وأهله وماله، ولاخوانه المؤمنين والمؤمنات، وأن يجتهد ويلح في الدعاء. [ المسألة 948: ] ومما أثر عنهم (ع) أن يقول: (الله أكبر) مائة مرة، (الحمد لله) مائة مرة، (سبحان الله) مائة مرة، (لا اله الا الله) مائة مرة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويقول: (اللهم اهدني من الضلالة وانقذني من الجهالة، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، وخذ بناصيتي إلى هداك، وانقلني إلى رضاك، فقد ترى مقامي بهذا المشعر الذي انخفض لك فرفعته، وذل لك فأكرمته، وجعلته علما للناس، فبلغني فيه مناي ونيل رجائي، اللهم اني أسألك بحق المشعر الحرام أن تحرم شعري وبشري على النار، وأن ترزقني حياة في طاعتك، وبصيرة في دينك، وعملا بفرائضك، واتباعا لاوامرك وخير الدارين وان تحفظني في نفسي ووالدي وولدي وأهلي واخواني وجيراني برحمتك)، وان يجتهد في المسألة والتضرع إلى الله والدعاء والابتهال إليه سبحانه حتى تطلع الشمس.

[ 427 ]

والابتهال إليه سبحانه حتى تطلع الشمس. وقد تقدم أنه يستحب للحاج أن يطأ المشعر الحرام برجله والمراد به هنا جبل قزح ويتأكد استحباب ذلك للصرورة وهو الذي لم يحج من قبل، وفي حجة الاسلام، ويستحب الصعود على الجبل وأن يذكر الله ويدعو. [ المسألة 949: ] يستحب للحاج أن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأن لا يتعدى وادي محسر قبل ان تطلع الشمس، ومحسر واد عظيم يقع بين المزدلفة ومنى، وهو ليس من المزدلفة ولا من منى فلا تلحقه أحكامهما، ويستحب للحاج إذا بلغ في افاضته وادي محسر أن يسعى ويهرول في الوادي حتى يقطعه، وأقل السعي فيه مائة خطوة أو مائة ذراع، وإذا كان راكبا حرك دابته لتسرع في الوادي، ويستحب أن يقول في سعيه (اللهم سلم لي عهدي واقبل توبتي واجب دعوتي واخلفني بخير في من تركت بعدي)، ويستحب لمن ترك السعي فيه أن يرجع إلى الوادي ويسعى فيه. [ المسألة 950: ] يستحب للحاج أن يلتقط الحصى التي يرمي بها الجمار من المزدلفة، ودون ذلك أن يأخذه من منى، ويجوز أخذها من سائر مواضع الحرم، ولا يجوز أخذها من المسجد الحرام ولا من مسجد الخيف، ولا يجوز أخذها من المواضع المملوكة الا باذن أهلها ولا أخذها من الاماكن الموقوفة كالمساجد ونحوها، ولا تجزي إذا أخذت من غير الحرم، أو كانت غير أبكار قد أخذت من الحصى التي رميت به الجمار من قبل. [ المسألة 951: ] يستحب أن تكون الحصاة التي ترمى بها الجمار رخوة

[ 428 ]

برشاء كحلية منقطة، وأن تكون بقدر الانملة، وأن تكون ملتقطة، ويكره أن تكون صماء وأن تكون سوداء أو حمراء أو بيضاء، وأن تكون مكسرة، وعدد الحصى التي يلتقطها سبعون حصاة، والاولى أن يزيد على ذلك للاستظهار، فلعله يخطئ في البعض، والاولى بل الاحوط أن تكون الحصيات طاهرة فلا يرمي بها إذا كانت معلومة النجاسة. [ المسألة 952: ] يكفي المكلف في تأدية الواجب من الرمي أن يرمي الجمرة بما يسمى حصاة في نظر أهل العرف وان كانت على غير الصفات المستحبة التي ذكرناها أو كانت على الصفات المكروهة، وما ذكرناه انما هو للفضل والاستحباب في الوظيفة، ولا تكفيه إذا كانت لا تعد حصاة لصغرها أو لكبرها مثلا، ولا يكفيه أن يرمي الجمرة بغير الحصى.

[ 429 ]

[ الفصل الثالث والعشرون ] [ في واجبات منى يوم النحر ] [ (1): رمي جمرة العقبة ] [ المسألة 953: ] يجب على الحاج بعد أن يتم وقوفه في المزدلفة أن يخرج منها إلى منى ليؤدي فيها أعمال الحج الواجبة في يوم النحر، والاعمال الواجبة عليه في منى يوم النحر ثلاثة: الواجب الاول منها: رمي جمرة العقبة وهو الواجب الرابع من واجبات الحج، ووقت رمي الجمرة من طلوع الشمس في يوم النحر إلى وقت غروب الشمس فيه، وإذا لم يأت الحاج به لنسيان أو سهو أو جهل أو لعذر آخر حتى غربت الشمس وجب عليه أن يقضيه في اليوم الحادي عشر قبل أن يرمي الجمرات الثلاث فيه، وإذا إستمر به العذر قضاه في اليوم الثاني عشر، وإذا تركه فيه أيضا قضاه في الثالث عشر، وإذا تذكره في أحد ليالي التشريق قضاه في نهار تلك الليلة. وإذا نفر من منى في الثاني عشر أو الثالث عشر، وتذكره وهو في مكة أو في بعض الطريق وجب عليه الرجوع إلى منى وقضاء رمي الجمرة إذا أمكنه الرجوع والقضاء في أيام التشريق. وإذا تذكره بعد انقضاء أيام التشريق، وجب عليه أن يقضيه في السنة المقبلة فيعود إلى منى مع الامكان، ويقضيه بنفسه في يوم النحر أو أيام التشريق، وان لم يمكن له ذلك استناب أحدا في القضاء عنه. [ المسألة 954: ] لا يصح رمي الحاج للجمرة حتى تتحقق فيه عدة أمور:

[ 430 ]

أحدها: النية في أول الرمي، فيعين فيها العمل والنسك ويقصد القربة، والاولى أن يقول في أول الرمي: (أرمي جمرة العقبة سبع حصيات في حج التمتع (مثلا) حج الاسلام طاعة لامر الله تعالى)، ثم يتابع رميه إلى نهايته تنفيذا لنيته. ثانيها: أن يرميها بسبع حصيات فلا يكفيه أقل من ذلك، ولا تعد الحصاة التي يخطئ فيها من السبع. ثالثها: أن يصيب الجمرة بكل واحدة من الحصيات بما يسمى رميا، فلا يكفيه أن يضع الحصاة على الجمرة أو يضربها بالحصاة وهي في كفه، أو تصيب الحصاة شيئا آخر ثم تنحدر انحدارا حتى تصل إلى الجمرة، أو تصطدم بشئ ثم تثب منه إلى الجمرة، أو يرمي بالحصاة إلى أعلى فتسقط بعد ارتفاعها وتقع على الجمرة. رابعها: أن يرمي الجمرة بالحصيات واحدة بعد واحدة، فلا يكفيه أن يرميها بأكثر من حصاه في مرة واحدة، وإذا رماها كذلك عدها حصاة واحدة. [ المسألة 955: ] يجب أن يرمي الجمرة نهارا، فلا يكفيه أن يرميها ليلا إذا كان صحيحا مختارا، ويجوز ذلك له إذا كان من ذوي الاعذار كالخائف والمريض وشبههما وسيأتي تفصيل هذا الحكم في مبحث رمي الجمار. [ المسألة 956: ] إذا شك الانسان في أنه أصاب الجمرة برميته أو لم يصبها، وكان في أثناء الرمي بنى على عدم الاصابة فتجب عليه إعادة الرمية المشكوكة، وكذلك إذا شك في عدد الرمي فيبني على الاقل، وإذا شك في صحة الرمي بعدما دخل في أعمال الحج التي تترتب على

[ 431 ]

الرمي كالذبح والحلق وأعمال مكة بنى على الصحة، أو شك فيه بعد دخول الليل. ولا يترك الاحتياط إذا شك في الصحة أو في العدد بعدما انصرف من الرمي قبل أن يدخل في الاعمال الاخرى فيعيد ما شك في صحته ويبني على الاقل في ما شك في عدده. [ المسألة 957: ] يستحب للحاج في حال الرمي أن يكون ماشيا، ويجوز له أن يكون راكبا، ويستحب له أن يكون على طهارة، وأن يرمي جمرة العقبة من قبل وجهها وأن يكون ما بينه وبين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا، ويستحب له أن يقول والحصى في يده: (اللهم إن هؤلاء حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي)، ثم ينوي النية ويرمي، ويقول مع كل حصاة يرميها: (الله أكبر، اللهم ادحر عني الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك، وعلى سنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله اللهم اجعله لي حجا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا)، ويستحب أن يأخذ الحصى بيده اليسرى ويرمي بيده اليمنى، وان يحذف الحصاة حذفا فيجعلها على الابهام ويدفعها بظفر السبابة، فإذا أتم الرمي ورجع إلى رحله في منى قال: (اللهم بك وثقت وعليك توكلت، فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير). [ (2) الذبح أو النحر في منى ] [ المسألة 958: ] الواجب الثاني من أعمال منى في يوم النحر: ذبح الهدي إذا كان من البقر أو الغنم، ونحره إذا كان من الابل، وهو الواجب الخامس من واجبات حج التمتع، ولا يجب الهدي في حج الافراد ولا في حج القران، والهدي في حج القران إنما وجب على المكلف بسبب سياقه للهدي وعقد إحرامه به، ولم يجب عليه لانه نسك من أعمال

[ 432 ]

الحج نفسه كما في التمتع. ويجب الهدي في حج التمتع وان كان مندوبا أو منذورا، حتى على المكي ومن بحكمه من حاضري المسجد الحرام إذا حج ندبا واختار أن يأتي بحجه تمتعا، فيجب عليه أن يأتي بما استيسر من الهدي على الاحوط، بل لا يخلو من قوة. [ المسألة 959: ] يجب أن يكون ذبح الهدي أو نحره نهارا، فلا يكفي ذبحه أو نحره ليلا مع الامرين، حتى للشيوخ والضعفاء والمرضى والنساء والصبيان الذين أجاز الشارع لهم أن يفيضوا من المزدلفة ويرموا جمرة العقبة ليلا، فلا يصح لهم الذبح والنحر ليلا، ولا يكفيهم ذلك في أداء الواجب، ولا فرق في الحكم بين العامد والجاهل والناسي، ويصح ذلك للخائف خاصة، فيجوز له أن يذبح هديه أو ينحره في ليلة العيد إذا أفاض فيها بعد الوقوف في المزدلفة وبعد أن يرمي جمرة العقبة في منى في ليلته. [ المسالة 960: ] يجب أن يكون الذبح أو النحر بعد رمي جمرة العقبة، فلا يصح للحاج أن يذبح هديه قبل أن يرمي الجمرة عامدا، وإذا فعل كذلك وجبت عليه إعادة الذبح، وإذا نسي أو سها أو جهل فقدم الذبح على الرمي صح رميه وذبحه أو نحره، ولم تجب عليه الاعادة. [ المسألة 961: ] يجب أن يكون ذبح الهدي أو نحره في وادي منى ويجزي الحاج أن يذبح أو ينحر في اي موضع يشاء من مواضعها، إلا إذا ذبح في المسجد واستلزم ذلك تنجيسه، فالظاهر عدم جواز ذلك وعدم الاجتزاء به، ولا يكفي الذبح أو النحر في غير منى مع الاختيار، ولا يكفيه الذبح في خارج منى وهو يعتقد أنه ذبح فيها.

[ 433 ]

وإذا منعت السلطة الحاكمة في البلاد من الذبح في وادي منى، وعينت للحجاج مذبحا خاصا في خارج الوادي ولم تجز التعدي عنه، واقتضت التقية الجري على هذا الحكم جاز للحاج أن يذبح أو ينحر في ذلك الموضع وكفاه في تأدية الواجب وترتبت عليه أحكامه، وان أمكن له الذبح في منى في آخر شهر ذي الحجة أو بعد انتهاء أيام التشريق، ولا سيما إذا كان في التأخير حرج على الحاج أو لم يجد من ينوب عنه في شراء الهدي وذبحه أو نحره بعد النفر وخروج رفقته من مكة إلى أوطانهم. [ المسالة 962: ] الاحوط لزوما أن يكون ذبح الهدي أو نحره في اليوم العاشر، فلا يؤخره المكلف عنه اختيارا إلى ما بعده من أيام التشريق فضلا عن غيرها من أيام ذي الحجة، ولا ريب ولا خلاف بين الفقهاء في صحة الذبح والنحر إذا وقع فيه، والتردد الحاصل من بعضهم إنما هو في تعين ذلك على المكلف مع اختياره وجواز التأخير عن اليوم العاشر إلى ما بعده، فلا يترك الاحتياط فيه بل لا يخلو تعينه من قوة، وإذا ترك الذبح فيه عامدا من غير عذر أثم، ووجب عليه أن يأتي به في أيام التشريق، وإذا نسي الحاج الذبح أو غفل عنه أو جهل حكمه، فلم يذبح هديه أو لم ينحره في يوم الاضحى لم يأثم، ووجب عليه أن يذبحه في ما بعده من أيام التشريق، وإذا استمر به النسيان أو العذر وجب عليه‌أن يأتي به في شهر ذي الحجة، وإذا استمر به النسيان أو العذر فلم يذبح هديا في حج التمتع حتى رجع إلى أهله وجب عليه أن يأتي به في العام المقبل بمنى، فإن لم يتمكن من ذلك بنفسه استناب أحدا يهدي عنه. [ المسألة 963: ] يجب أن يكون الهدي من الانعام الثلاثة: الابل والبقر

[ 434 ]

والغنم، فلا يجزي غيرها من أجناس الحيوان الاخرى، والاحوط اجتناب الابل البخاتي، ولا تجزي البقر الوحشية ولا الغنم الجبلية، ويعتبر في الهدي إذا كان من الابل أو من البقر أو من المعز أن يكون ثنيا فما فوق، والثني من الابل هو ما أكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة من عمره، والثني من البقر ما أكمل الثانية ودخل في الثالثة، والثني من المعز ما أكمل سنة ودخل في الثانية، ولا يجزي ما هو أقل من ذلك في الانعام الثلاثة المذكورة، ويجزي الجذع من الضأن وهو ما تمت له سنة كاملة وإن لم يتجاوزها. [ المسألة 964: ] إذا ذبح المكلف الهدي أو نحره ثم علم بعد الذبح أو النحر أن هديه لم يبلغ السن التي اعتبرها الشارع في الهدي لم يكفه ذلك ووجبت عليه الاعادة. [ المسألة 965: ] يجب أن يكون الهدي سليما تام الاعضاء والجوارح، فلا يكفي ذبح الاعور ولا الاعرج ولا مقطوع الاذن وإن كان المقطوع منه بعضها، ولا مقطوع الذنب أو الالية وإن كان المقطوع بعضهما ولا مكسور القرن الداخل وإن كان الكسر لجزء صغير منه، والمراد بالقرن الداخل: القرن الصغير الابيض الذي يكون في وسط القرن الخارج، ولا يضر في صحة الهدي كسر القرن الخارج منه إذا كان الداخل سليما، ولا يكفي الهدي إذا كان كبير السن لا مخ له لكبره. ولا يكفي الخصي ولا المجبوب من الذكور، ولا يكفي المهزول أو المهزولة، وقد فسر الهزال في بعض النصوص بأن لا يوجد على كلية الهدي شحم، والاحوط أن لا يجتزأ بذبح ما يعد مهزولا في نظر أهل العرف وإن وجد على كليته بعض الشحم.

[ 435 ]

[ المسألة 966: ] الاحوط بل الاقوى أن لا يكتفى بالشاة الجماء، وهي التي لم يوجد لها في أصل تكوينها قرن، ومثلها المعزاة والبقرة الجماء، ولا يكتفى بالصمعاء التي لم تخلق لها أذن، ولا البتراء التي لم يخلق لها ذنب، نعم، يصح ذلك ويكفي إذا اتفق وجود صنف من الغنم والمعز والبقر له مثل هذه الصفات في أصل خلقته بحيث لا يعد ذلك نقصا فيه، ويجوز في الهدي ان يكون موجوءا أو مرضوض الخصيتين، وإن كان الاحوط استحبابا تركه، ولا بأس بالهدي إذا كان مشقوق الاذن أو مثقوبها ما لم ينقص من الاذن شئ بسبب الثقبة. [ المسألة 967: ] إذا اشترى الحاج هديا وهو يظن أو يعتقد أنه سمين، واستبان له بعد أن ذبحه أو نحره أنه مهزول أجزأه ذلك فلا إعادة عليه، وكذلك إذا ظن أن الهدي الذي اشتراه أو الموجود لديه مهزول، ثم ذبحه برجاء أن يكون سمينا في الواقع، ووجده بعد ذبحه سمينا كما احتمل، فيكفيه ذلك ولا تجب عليه الاعادة. وإذا اشترى هديا وهو يعتقد سلامته من العيوب، ثم وجد به عيبا بعد أن نقد ثمنه كفاه ذلك، وإذا علم بالعيب قبل أن ينقد الثمن رد الهدي على بائعه واشترى غيره. [ المسألة 968: ] يجب على الحاج المتمتع أن يذبح أو ينحر في حجه هديا واحدا على الاقل، ويجوز له أن يذبح أو ينحر أكثر من هدي واحد، ولا يكفي هدي واحد عن أكثر من شخص واحد مع الاختيار، وإن كان الهدي من البقر أو الابل. وإذا لم يجد المتمتع هديا خاصا يستقل به، ووجد ما

[ 436 ]

يشترك فيه مع غيره، فالاحوط له أن يجمع بين الاشتراك في الهدي والصوم عشرة أيام بدل الهدي، وكذلك الحكم إذا لم يجد الثمن لشراء الهدي إلا على وجه الاشتراك، وسيأتي ذكر الصوم بدل الهدي. [ المسألة 969: ] إذا لم يجد المتمتع من الانعام الثلاثة ما يهديه في أيام النحر والتشريق، ووجد ثمنه وأراد الرجوع إلى أهله بعد النفر، دفع الثمن إلى من يأتمنه ويثق به ووكله على شراء الهدي وذبحه بالنيابة عنه في أيام شهر ذي الحجة، وإذا لم يجد الوكيل في بقية الشهر اشتراه وذبحه عنه في ذي الحجة من السنة الآتية، فإذا فعل الوكيل ما وكله به كفى المتمتع ذلك، وأجزأ عنه في أداء ما وجب عليه. [ المسألة 970: ] كل ما ذكرناه من الشروط والصفات المعتبرة في الهدي إنما يكون شرطا فيه مع الامكان، وإذا فقد ذلك ولم يمكن تحصيله جاز للحاج أن يأتي بما استيسر من الهدي وإن كان ناقصا في بعض الشروط والصفات، ويجب عليه أن يأتي بالاتم فالاتم منه والاقرب فالاقرب من التام. [ المسألة 971: ] إذا ضل الهدي الذي إشتراه المتمتع، وجب عليه أن يشتري بدله هديا آخر، فإذا وجد الهدي الاول بعد أن إشترى الثاني وقبل أن يذبحه، تعين عليه أن يذبح الاول، وكان الهدي الآخر الذي اشتراه ثانيا كسائر ماله فيجوز له ذبحه وتركه، وإن كان ذبحه أيضا افضل، وإذا وجد الهدي الاول بعد أن ذبح الهدي الثاني، فلا يترك الاحتياط بان يذبح الاول أيضا بعد ما وجده.

[ 437 ]

[ المسألة 972: ] إذا وجد انسان هديا ضالا ولم يعرف صاحبه، وجب عليه أن يعرف بالهدي في يوم النحر وفي اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر، فإذا لم يعرف صاحبه ذبحه عنه بمنى في عصر اليوم الثاني عشر، وإذا ذبحه كذلك أجزأ عن صاحبه، ولا يجب على الواجد الذابح أن يأكل من هذا الهدي بالنيابة عن صاحبه، والاحوط له استحبابا أن يتصدق بثلث الهدي ويهدي ثلثه، ولا يجب عليه ذلك. [ المسألة 973: ] يستحب للمكلف أن يختار لهديه الانثى السمينة من الابل والبقر، وهي من الابل أفضل من البقر، وأن يختار الذكور من الضأن والمعز، وقد ورد الحث على أن يكون الهدي كبشا سمينا فحلا من الضأن، فإن لم يجد فموجوء من الضأن، فإن لم يجد فتيسا فحلا، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): (الفحل من الضأن خير من الموجوء، والموجوء خير من النعجة، والنعجة خير من المعز)، والمراد أن النعجة خير من المعزة الانثى، أما الذكر من المعز فهو أفضل من النعجة [ المسألة 974: ] لا يتعين على الحاج في هدي التمتع أن يباشر ذبح الهدي أو نحره بيده، بل يجوز له حتى في حال الاختيار والقدرة أن يستنيب أحدا غيره في الذبح والنحر عنه، ومثله الحكم في الفداء الذي يجب عليه في إحدى الكفارات، فيجوز له الاستنابة في ذبحه أو نحره. [ المسألة 975: ] يستحب أن يكون الهدي مما عرف به، والمراد أن يكون قد أحضر في عرفات يوم الوقوف بها، ويكفي إخبار البائع بذلك، ويستحب أن يتولى الناسك ذبح هديه أو نحره بنفسه إذا كان

[ 438 ]

يحسن ذلك، فإن لم يحسن أو لم يقدر على أن يتولى ذلك إستحب له أن يضع السكين بيده ويقبض الذابح أو الناحر على يده فيذبح أينحر، ودون ذلك في الفضل أن يشهد الناسك ذبح هديه أو نحره. [ المسألة 976: ] تجب النية في ذبح الهدي أو نحره، فيعين العمل والنسك ويقصد به التقرب إلى الله فإذا كان الذابح أو الناحر هو الناسك فالاولى أن يقول: (أذبح أو أنحر هذا الهدي في حج التمتع حج الاسلام لوجوبه إمتثالا لامر الله تعالى). وإذا تولى الذبح أو النحر غير الناسك بالنيابة عنه، فإن أخذ الذابح بيد الناسك وذبح نوى الذابح والناسك معا، وإذا إنفرد النائب بالذبح تولى النائب النية وقصد بفعله النيابة عن الناسك، وإذا كان الناسك حاضرا، فالاحوط أن ينويا معا، ويشكل الحكم بالاجتزاء إذا نوى الناسك ولم ينو النائب. [ المسألة 977: ] يستبين مما قدمنا ذكره أنه يشترط في النائب في الذبح والنحر أن يكون ممن تصح منه نية التقرب، ولذلك فلابد فيه من الاسلام والايمان، ولا تصح إستنابته ولا عمله إذا كان غير مسلم أو غير مؤمن. [ المسألة 978: ] يستحب أن تنحر الابل وهي قائمة، وأن يربط يديها ما بين الخف والركبة، وفي خبر أبي خديجة رأيت أبا عبد الله (ع) وهو ينحر بدنته معقولة يدها اليسرى، ثم يقوم من جانب يدها اليمنى ويقول: (بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني) ثم يطعن في لبتها ثم يخرج السكين بيده، فإذا وجبت قطع موضع الذبح بيده.

[ 439 ]

[ المسألة 979: ] في الصحيح عن أبي عبد الله (ع): إذا اشتريت هديك فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه، قل: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسك ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين، اللهم منك ولك، باسم الله وبالله والله أكبر، اللهم تقبل مني) ثم امر السكين ولا تنخعها حتى تموت. وورد أن يقول بعد ذلك: (تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، وموسى كليمك، ومحمد حبيبك صلى الله عليه وآله وعليهم). [ المسألة 980: ] إذا إشترى الحاج هديا تام الخلقة سليما من العيوب ثم أصابه بعد شرائه إياه كسر أو عيب أو حدث فيه نقص في بعض أعضائه بغير تسبيب أو فعل من الناسك نفسه، أجزأ الناسك ان يذبحه أو ينحره ولم يجب عليه أن يبدله بهدي غيره. [ المسألة 981: ] إذا اشترى الحاج هديا ودفعه إلى احد غيره ووكله في ذبحه أو نحره عنه، أو دفع إليه ثمن الهدي ووكله في أن يشتريه ويذبحه بالنيابة عنه، لم تبرأ ذمة الحاج بمجرد التوكيل والدفع، حتى يؤدي الوكيل النائب ما وكله فيه، وإذا شك في أن الوكيل أدى ما استنابه فيه أو لم يؤد، بنى على عدم فعله، وإذا أخبره الوكيل بأنه قد اشترى الهدي وذبحه عنه أو نحره وكان ثقة قبل قوله. [ المسألة 982: ] إذا ذبح الحاج هدي التمتع أو نحره، أو تولى ذلك عنه نائبه، قسمه أثلاثا، وإختص الناسك لنفسه وأهل بيته بثلث منه واهدى ثلثا منه إلى بعض إخوانه، وتصدق بثلث منه على البؤساء

[ 440 ]

المساكين، والاحوط لزوما أن يأكل من الثلث الذي يختص به، بل لا يخلو وجوب ذلك عليه من قوة، ولا يجب عليه ان يأكل جميع ثلثه فيجوز له أن يأكل بعضه ويهدي بعضه أو يتصدق به، ويجوز له أن يدع باقي الثلث في موضعه ويعرض عنه، ولا ضمان عليه في ذلك. [ المسألة 983: ] الاحوط لزوما ان يهدي الناسك ثلث هديه إلى بعض إخوانه من المؤمنين، بل الحكم بوجوب ذلك عليه هو الاظهر من الادلة، فلا يجوز له ترك ذلك مع الاختيار، ويجوز له أن يدفع هذا الثلث إلى الاغنياء من إخوانه والفقراء بعنوان الاهداء، ويجوز له أن يدفعه إلى من لا يعرفه على الخصوص إذا علم بأنه من أهل الايمان، وهذا هو المراد من قولنا: يهديه إلى بعض إخوانه، ويكفي أن تكون قسمة الهدي أثلاثا بالتساوي والتعادل - بين الاقسام الثلاثة على وجه التقريب، ولا يجب أن تكون بالميزان والمقياس المضبوط بحيث لا يختلف مقدار واحد منها عن مقدار الآخر، ويجوز أن يدفع الثلث كله إلى شخص واحد، ويجوز له أن يدفع الثلثين إلى فقير واحد فيعطيه ثلث الهدي هدية والثلث الثاني صدقة. [ المسألة 984: ] إذا ترك الناسك ثلث الهدية متعمدا فلم يدفعه إلى أحد هدية مع إمكان ذلك له أثم بتركه على الاقوى، وكان له ضامنا على الاحوط، وإن لم يكن له مالك خاص فيضمنه للجهة التي وجب عليه صرف الثلث فيها. [ المسألة 985: ] إذا أعطى الحاج ثلث الهدية إلى احد، وقبله المدفوع إليه برئت ذمة الحاج من التكليف وجاز للشخص المدفوع إليه بعدما تملكه أن

[ 441 ]

يأكله إذا شاء، وأن يتصدق به على فقير، وأن يبيعه وأن يهديه إلى غيره، وإن كان غير مؤمن، وجاز له أن يعرض عنه ويتركه في موضعه، ولا ضمان عليه في ذلك ولا على الحاج صاحب الهدي. وبذلك فيمكن للناسكين بعدما يذبحان أو ينحران لديهما أن يهدي كل منهما ثلث هديه إلى صاحبه، فتبرأ بذلك ذمتهما من التكليف والضمان، ويفعل كل منهما بالثلث الذي صار إليه من صاحبه ما يشاء. [ المسألة 986: ] يجب على الناسك أن يتصدق بثلث هديه على البائسين الفقراء من المؤمنين مع إمكان ذلك له، وإذا تعذر عليه التصدق به لعدم وجود الفقير في منى، أو لعدم الفقير المؤمن سقط عنه وجوب التصدق به ولا شئ عليه بسبب ذلك، وإذا أمكن للناسك عزل ثلث الصدقة وإيصاله إلى فقير موجود في منى من الحجاج أو من غيرهم أو إلى وكيل قد وكله الفقير في القبض عنه، فالاحوط وجوب عزله وإيصاله إليه، ويكفي في تأدية الواجب دفعه إلى الوكيل المذكور. فإذا قبض الفقير ثلث الصدقة أو قبضه وكيله برئت ذمة الناسك من التكليف به وجاز للفقير أن يتصرف فيه بما يشاء من بيع وغيره، ويجوز لوكيل الفقير أن يتصرف في حصة الفقير بعد قبضها بمقدار ما لوكالته عنه من عموم وخصوص وإطلاق أو تقييد، ويجوز للفقير ولوكيله مع عموم الوكالة أن يدفعه إلى غير المؤمن. [ المسألة 987: ] يصح للفقير أن يوكل احدا في أن يقبض له ثلث الصدقة من الناسكين في منى وان كان الفقير الموكل غائبا عن منى، فيوكل ذلك الشخص في أن يقبضه له من صاحب الهدي، وفي أن يبيعه بعد

[ 442 ]

القبض ويقبض ثمنه من المشتري، أو يهبه لاحد، بل ويجوز أن يوكله في قبض الثلث ثم الاعراض عنه بعد القبض والتملك، لتيسير الامر على بعض الناسكين ونيل المثوبة بسبب ذلك. ويجوز للفقير الغائب أن يوكل الناسك نفسه في قبض ثلث الصدقة من هديه إذا ذبحه في منى، وفي بيعه له أو هبته أو الاعراض عنه بعد القبض. [ المسألة 988: ] يجوز للحاج أن يشتري ثلث الصدقة من المسكين بعد أن يتصدق به عليه ويقبضه المسكين أو وكيله، ويجوز له أن يشتري ثلث الهدية من الشخص المهدى إليه بعد أن يتملكه الشخص بالاهداء إليه والقبض، وإذا إشترى الثلث أو الثلثين كذلك جاز له أن يتصرف في المبيع كما يشاء. [ المسألة 989: ] الاحوط في الشخص أو الاشخاص الذين يهدي الناسك إليهم ثلث الهدية، والفقير أو الفقراء الذين يعطيهم ثلث الصدقة أن يكونوا من المؤمنين، فإذا أهدى الثلث إلى غير المؤمن مع وجود المؤمن والتمكن من الدفع إليه كان ضامنا للثلث على الاحوط، وكذا إذا تصدق بالثلث على غير المؤمن مع التمكن من صرفه في موضعه، وقد ذكرنا أن الضمان للجهة التي وجب على الناسك صرف الثلث فيها. ويضمن الهدية أو الصدقة أيضا إذا تركهما متعمدا، أو أتلف الثلثين بإختياره، أو فرط في الثلثين حتى حصل التلف أو دفعهما لغير من يستحقهما عامدا، ولا ضمان عليه إذا لم يتيسر له الاهداء أو التصدق وكان معذورا في الترك، ولا ضمان عليه إذا نهب الثلث أو الهدي غير المؤمن أو أخذه قهرا عليه.

[ 443 ]

[ المسألة 990: ] إذا أهدى الناسك ثلثه الذي يختص به إلى غيره ولم يأكل منه شيئا أثم بترك الاكل كما تقدم، ولا ضمان عليه، وكذلك إذا أعرض عنه ثلثه الخاص به ولم يأكل منه، فيأثم لترك الاكل ولا ضمان عليه، وبحكمه ما إذا تصدق بثلث الهدي وأهدى الثلثين الآخرين ولم يتناول شيئا. [ المسألة 991: ] إذا أهدى الناسك جميع هديه إلى غني، ولم يأكل منه شيئا ولم يتصدق بثلثه أثم بترك الاكل وضمن حصة الفقير، وإذا أكل منه ثلثا أو أقل وأهدى الباقي ضمن حصة الفقير، وإذا دفع جميع الهدي إلى الفقير أثم بترك الاكل منه، والاحوط ضمان ثلث الهدية إذا كان دفعه إلى الفقير بقصد الصدقة عليه. [ المسألة 992: ] يجوز اخراج لحم الهدي والاضاحي من منى بعد أن اكثر اللحم وزاد على الحاجة، ولا يمنع من ذلك على الاقوى، فيجوز للناسك أن يخرج المختص به ليأكله في مكة أو في الطريق بعد النفر، ويجوز له أن يخرج ثلث الهدية وثلث الصدقة ليوصلهما إلى من يستحقهما إذا كان الشخص المهدى إليه والفقير المستحق في خارج منى، وإذا قبض المهدى إليه ثلث الهدية وقبض الفقير ثلث الصدقة وملكا ما صار اليهما وهما في منى، جاز لهما اخراج اللحم بلا ريب، ويجوز كذلك اخراج لحم الفداء من منى. [ المسألة 993: ] إذا لم يجد المتمتع هديا ليذبحه أو ينحره في حجه، ولم يجد ثمن الهدي ليودعه عند ثقة أمين يشتري به هديا ويذبحه بالنيابة عنه كما قلنا في المسألة التسعمائة والتاسعة والستين، وجب عليه أن

[ 444 ]

يصوم بدل الهدي عشرة أيام تامة، ثلاثة أيام منها في الحج، وسبعة بعد عودته إلى اهله. ويشترط في صحة صوم الايام الثلاثة أن يصومها المكلف في شهر ذي الحجة وبعد أن يحرم بعمرة التمتع، وأن يصومها متوالية عدا ما يأتي استثناؤه، ويصح من المكلف صومها وان كان مسافرا لم ينو الاقامة في موضع معين، فإذا أحرم بعمرة التمتع من أول شهر ذي الحجة أو كان قد أحرم بها قبله في أشهر الحج، جاز له أن يصوم الايام الثلاثة من أول الشهر، في الطريق أو في مكة بعد أن يصل إليها، سواء كان في حال عمرته أم بعد الاحلال منها، ولا يصح منه صومها قبل أن يحرم بعمرة التمتع، ولا صومها قبل هلال ذي الحجة، ولا يصح صومها إذا أتى بها متفرقه غير متوالية. [ المسألة 994: ] الافضل له أن يصوم اليوم السابع واليوم الثامن ويوم عرفة، فإذا فاته الصوم في هذه الايام فالافضل له أن يبادر إلى الصوم بعد النفر من منى فيصوم الايام الثلاثة في مكة أو في الطريق، ولا يجوز له أن يصوم يوم النحر ولا أيام التشريق بمنى، فإذا نفر من منى في اليوم الثاني عشر جاز له أن يبتدئ بصيامها من اليوم الثالث عشر، وإذا تأخر في منى إلى الثالث عشر لم يجز له الصوم فيه وصام ما بعده، ولا يجوز له أن يؤخر صيام الايام الثلاثة عن شهر ذي الحجة، فإذا انقضى الشهر قبل أن يصومها لم يكفه الصوم بعده وتعين عليه الهدي يبعث به ليذبح عنه بمنى في أيام التشريق، والاحوط أن ينوي به امتثال الامر المتوجه إليه به من الهدي أو الكفارة. [ المسألة 995: ] يجوز للمكلف أن يصوم اليوم الثامن واليوم التاسع، فإذا

[ 445 ]

صامهما وجب عليه أن يفطر في يوم النحر وفي أيام التشريق بمنى، فإذا نفر من منى في اليوم الثاني عشر وجب عليه أن يبادر بعده إلى الصوم في الثلث عشر ولم يخل ذلك بتتابع صومه، وإذا نفر في اليوم الثالث عشر وجب عليه أن يفطر فيه ويبادر إلى الصوم في الرابع عشر ولم يخل ذلك بالتتابع، ولا يجوز له التأخير اكثر من ذلك، وهذه هي الصورة المستثناة من وجوب التتابع في صيام الايام الثلاثة. وإذا لم يصم يوم التروية لم يكفه أن يصوم في يوم عرفة ووجب عليه تأخير صيام الايام الثلاثة إلى ما بعد النفر من منى. [ المسألة 996: ] إذا لم يجد المكلف الهدي ولا ثمنه فصام ثلاثة أيام في الحج ثم وجد الهدي بعد ذلك أو وجد ثمنه، فلا يترك الاحتياط بأن يذبح الهدي إذا وجده، أو يخلف الثمن عند من يشتري الهدي ويذبحه بالنيابة عنه إذا لم يكن موجودا بالفعل، ويصوم الايام السبعة بعد رجوعه إلى أهله. [ المسألة 997: ] لا يجب التتابع في صيام الايام السبعة التي يجب صومها على المتمتع بعد الرجوع إلى أهله في بدل الهدي، وإن كان التتابع فيها أحوط وأولى، ولا تجب المبادرة إلى صيامها بعد رجوعه من الحج. [ المسألة 998: ] إذا لم يتمكن المكلف من صيام الايام الثلاثة في الحج، ورجع إلى أهله قبل خروج ذي الحجة، وجب عليه أن يصوم الثلاثة قبل خروج الشهر كما ذكرنا في ما تقدم، ثم يصوم بعدها الايام السبعة، والاحوط له أن يفرق ما بين الثلاثة والسبعة، وإذا انقضى شهر الحج قبل أن يصوم الثلاثة سقط الصوم كما قلنا من قبل، وتعين عليه أن يبعث بهدي يذبح عنه في منى وتراجع المسألة

[ 446 ]

التسعمائة والرابعة والتسعون. ويجري مثل هذا التفصيل في ما إذا نسي المتمتع صيام الثلاثة في الحج حتى عاد إلى بلده، بل وحتى إذا ترك صيامها متعمدا حتى رجع، فعليه أن يصوم الايام الثلاثة قبل أن ينقضي شهر ذي الحجة، ثم يصوم السبعة بعدها، ويفرق ما بينهما على الاحوط، وإذا انقضى الشهر قبل أن يصوم الثلاثة سقط وجوب الصوم ووجب عليه أن يبعث بالهدي، وإذا صام منها يوما أو يومين ثم خرج الشهر قبل أن يتمها لم يكفه ذلك، فعليه أن يبعث بالهدي في هذه الصورة أيضا. [ المسألة 999: ] لا يشترط في قسمة الهدي أن يفرز الناسك ثلث الهدية عن ثلث الصدقة إفرازا خارجيا فإذا أخذ لنفسه ثلث الهدي، وأهدى أحد الثلثين الباقيين إلى شخص على سبيل الاشاعة وتصدق بالثلث الثاني على وجه الاشاعة كذلك صح التقسيم وكفى في تأدية الواجب، فيصبح الشخص المهدي إليه والفقير شريكين في الثلثين يفعلان فيهما ما يختاران من قسمة خارجية أو بيع أو غير ذلك. [ المسألة 1000: ] إذا أخذ المرشد أو المقاول ثمن الهدي من الناسك ليذبح عنه، ثم شك في أنه ذبح عن موكله أم لا، بنى على أنه لم يذبح، فيجب عليه الذبح عنه، وتراجع المسألة التسعمائة والحادية والثمانون في حكم الحاج نفسه إذا شك في أن وكيله ذبح عنه أم لا. [ المسألة 1001: ] إذا ساق الحاج أو المعتمر مع احرامه هديا لم يخرج الهدي بسياقه عن ملكه وان أشعره أو قلده عند عقد احرامه، ولذلك فيجوز له ركوب الهدي إذا كان جزورا أو بدنة. وإذا أضر الركوب به لم

[ 447 ]

يجز، ويجوز له حلب الانثى وشرب لبنها وبيعه، وإذا كان لها ولد وأضر الحلب بولدها أو أنهكه لم يجز، ويجوز له أن يتصرف في الهدي بما يريد الا إذا كان التصرف يمنع عن نحره أو ذبحه فلا يجوز له ذلك، ولا يجوز له أن يبدله بغيره وإن كان البدل أسمن منه أو أتم وصفا، ويجب ذبحه أو نحره في منى إذا ساقه في احرام الحج، وفي مكة إذا ساقه في احرام العمرة. [ المسألة 1002: ] إذا كان لهدي القران ولد وكان تولده بعد السياق تبعه الولد في وجوب ذبحه أو نحره، وإذا كان تولده قبل السياق لم يتبعه فلا يجب ذبحه أو نحره، الا إذا سيق الولد هديا مع أمه. [ المسألة 1003: ] يقسم هدي القران بعد ذبحه أو نحره أثلاثا كما يقسم هدي التمتع، فيأخذ الناسك لنفسه وأهل بيته ثلثا، ويهدي لبعض اخوانه ثلثا، ويتصدق على المساكين بثلث. [ المسألة 1004: ] يتسحب للانسان أن يضحي لنفسه استحبابا مؤكدا إذا تمكن من ذلك، وقد ورد في الاخبار عنهم (ع): (إن الله يغفر لصاحب الاضحية عند أول قطرة تقطر على الارض من دمها)، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: (استفرهوا ضحاياكم فانها مطاياكم على الصراط)، ويستحب لمن لا يجد ثمن الاضحية أن يستقرض ثمنها ويضحي، وفي الخبر أنه دين يقضى. ويستحب له أن يضحي عن أهل بيته مع القدرة حتى عن الطفل غير المميز، ولا يضحى عن الحمل في بطن أمه، ويستحب أن يتبرع بها عن الاحياء والاموات من أهله وأرحامه وغيرهم، ويجوز الاشتراك في الاضحية فيذبح الرجل أضحية واحدة من البقر أو

[ 448 ]

الغنم، وينحرها إذا كانت من الابل عن نفسه وعن أهل بيته مثلا، أو عنه وعن جماعة من اخوانه وذوي الحقوق عليه سبعة أو أكثر، ويجوز التعدد في الاضحية مع القدرة لنفسه أو بالاشتراك مع غيره، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وآله ضحى بكبشين، ذبح واحدا بيده، وقال: (اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أهل بيتي)، وذبح الآخر وقال: (اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي). [ المسألة 1005: ] الاحوط في الاضحية أن تكون ثنيا من الابل أو البقر أو المعز، ويجزيه الجذع من الضأن على ما سبق بيانه في المسألة التسعمائة والثالثة والستين، ويكفي أن تكون الاضحية سليمة العينين والاذنين، والافضل أن يضحي بكبش أملح أقرن فحل سمين. [ المسألة 1006: ] يبدأ وقت ذبح الاضحية من طلوع الشمس من يوم النحر، ومضي مقدار أداء صلاة العيد بعد الطلوع، وهذا هو أفضل أوقاتها، ويمتد وقتها أربعة أيام لمن كان بمنى، وثلاثة أيام في غيرها، وان كان في مكة على الظاهر، وإذا ذبح المتمتع هديه الواجب عليه في حج التمتع أو نحره، كفاه هديه عن الاضحية، وبحكمه الحاج القارن إذا ذبح هدي القران في منى، فيجزيه هديه عن الاضحية، سواء أشعره وقلده أم لا، والجمع بين الهدي والاضحية أفضل في كليهما. [ المسألة 1007: ] يستحب له إذا أراد أن يذبح الاضحية أو ينحرها أن يقول وهو مستقبل القبلة: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من

[ 449 ]

المسلمين، اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني، بسم الله الذي لا اله الا هو، والله أكبر وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته)، ثم يذبح ويأكل ويطعم. [ المسألة 1008: ] يتسحب للمالك أن يتصدق بجلود الاضاحي على الفقراء المحتاجين، ويكره له أن يدفعها أجرة للجزار والسلاخ، بل الظاهر الكراهة أيضا إذا دفعها إليهم بقصد الهدية، ويستحب دفعها إلى الجزار إذا كان فقيرا مؤمنا ودفعها إليه بقصد التصدق بها عليه، وإذا تصدق المالك بها على الفقير جاز للفقير أن يفعل بها ما يشاء فيجوز له أن يبيعها أو يهبها للجزار أو لغيره، ويكره للمالك أن يأخذ لنفسه من جلودها شيئا فيجعله شيئا فيجعله جرابا أو فروا أو فراشا أو غير ذلك الا إذا تصدق بثمنه، وتكره له التضحية بالثور والحمل. [ المسألة 1009: ] إذا لم يجد الانسان في السوق من الانعام ما يشتريه ويضحي به، استحب له أن يتصدق بثمنه لو كان موجودا، فإذا اختلفت أثمانه في السوق، فكان له قيمتان، جمع القيمتين، وتصدق على المساكين بمقدار نصفهما، وإذا كانت له ثلاث قيم، جمع القيمة الاولى والثانية والثالثة، وتصدق بمقدار ثلث المجموع منها، وإذا كانت له أربع قيم جمعها، وتصدق بمقدار ربع المجموع، وهكذا. [ (3) الحلق أو التقصير ] [ المسألة 1010: ] الثالث من واجبات منى: الحلق أو التقصير وهو الواجب السادس من أعمال الحج، ولا يصح للحاج أن يوقع حلقه أو تقصيره

[ 450 ]

في ليلة العاشر، وإن كان من الضعفاء أو الشيوخ أو المرضى الذين تجوز لهم الافاضة من المزدلفة ليلا، فلابد وأن يكون حلقهم أو تقصيرهم في النهار، بعد الذبح أو النحر على ما سيأتي من بيان ذلك، ويتعين على الحاج إذا كان صرورة أن يحلق شعر رأسه، فلا يكفيه تقصير الشعر ولا تقليم الاظفار، والصرورة كما ذكرنا قبل هذا هو الذي لم يحج من قبل هذه الحجة لا واجبا ولا مندوبا لنفسه، ولا نائبا عن غيره، ويتعين الحلق كذلك على من لبد شعره في إحرامه، وتلبيد الشعر عادة كان بعض العرب القدماء يتخذها مخافة أن يتولد القمل في شعره لطول مدة الاحرام، فيجعل في شعر رأسه الصمغ أو العسل أو ما يشبههما حتى يتكتل الشعر ويتلاصق بعضه ببعض، فإذا فعل المحرم ذلك في إحرام الحج تعين عليه أن يحلق رأسه ولم يكفه التقصير، ومثله من يعقص شعره في احرامه وعقص الشعر ان يجمع الشعر ويلفه بعضه ببعض ويعقده عقائص، فيتعين عليه الحلق وان كان حجه مندوبا وكذلك الصرورة ومن لبد شعره. ويتعين على النساء المحرمات أن يقصرن من شعورهن أو يقلمن أظفارهن، ولا يجوز لهن حلق الرأس في حج ولا عمرة، وإذا حلقن لم يكفهن ذلك في تأدية الواجب، فيجب عليهن تقليم الاظفار إذا لم يبق من شعر الرأس ما يقصرنه، ويتخير الرجل غير الصرورة وغير من لبد شعره أو عقصه بين أن يحلق شعر رأسه وأن يقصر والحلق له أفضل. [ المسألة 1011: ] لا فرق ما بين أدوات الحلاقة التي يصدق مع استعمالها الحلق عرفا، فتجزي الماكينة الناعمة وماكينة الكهرباء وأنواع الموسى المختلفة وغيرها، ولا تجزي الماكينة التي يصدق معها انه

[ 451 ]

جز الشعر ولم يحلقه، ولا تكفي الماكينة التي يشك معها في صدق الحلق عرفا. [ المسألة 1012: ] لا يجوز للرجل المحرم أن يحلق رأس غيره أو يقصر له قبل أن يحلق شعر رأسه هو أو يقصر لنفسه فيحل بذلك من إحرامه، فإذا حلق لغيره أو قصر له قبل ذلك أثم بفعله، وقد تقدم في المسألة السبعمائة والثالثة عشرة أنه لا تلزمه كفارة بفعل ذلك، ولا يجوز للحاج أن يحلق بعض شعر وجهه أو بدنه قبل أن ينوي الحلق أو التقصير الواجبين عليه واللذين بهما يحل من احرامه، فإذا فعل ذلك لزمته الكفارة، وإذا فعله ساهيا فلا شئ عليه. [ المسألة 1013: ] إذا لم يكن في رأس الرجل شعر لصلع وشبهه وجب عليه التقصير، والاحوط له لزوما أن يمر الموسى على رأسه مع ذلك إذا كان صرورة، فلا يكتفي بالتقصير وحده، ويكفيه التقصير وحده إذا لم يكن صرورة. [ المسألة 1014: ] إذا كان في رأس الحاج الصرورة أذى يمنعه من حلق رأسه سقط وجوب الحلق عنه واكتفى بالتقصير. [ المسألة 1015: ] إذا قصر الحاج الصرورة ولم يحلق من غير عذر يسوغ له ذلك لم يحل من احرامه على الاحوط حتى يحلق رأسه، بل لا يخلو ذلك من قوة، ولا فرق في هذا بين العالم بالحكم والجاهل به، وكذلك من لبد شعره أو عقصه. [ المسألة 1016: ] إذا حج الخنثى المشكل وكان صرورة لم يحج قبل تلك المرة

[ 452 ]

وجب عليه على الاحوط أن يجمع بين حلق رأسه والتقصير، ويجب عليه الجمع بينهما أيضا إذا كان قد لبد شعره بعد إحرامه وإذا عقص شعره وان لم يكن صرورة، وإذا حج ولم يكن صرورة ولم يلبد شعره ولم يعقصه تعين عليه التقصير. [ المسألة 1017: ] يجب على الحاج أن يأتي بأعمال منى الثلاثة مترتبة على الاحوط بل على الاقوى، فيرمي جمرة العقبة أولا، ثم يذبح هديه أو ينحره ثانيا، ثم يحلق رأسه أو يقصر على الوجه الذي تقدم بيانه ثالثا، ولا يصح له أن يخالف الترتيب متعمدا، فيذبح قبل أن يرمي أو يحلق قبل أن يرمي، ولا يصح له أن يحلق قبل ان يذبح، وإذا فعل ذلك عامدا أثم بفعله ووجب عليه أن يعيد على ما يحصل معه الترتيب، فإذا ذبح قبل أن يرمي الجمرة أعاد الذبح بعد الرمي، وإذا حلق أو قصر قبل الرمي وجب عليه أن يمر الموسى على رأسه أو يقصر بعد الرمي والذبح، وكذلك إذا حلق قبل الذبح، وإذا فعل ذلك ناسيا أو جاهلا صح فعله ولا اثم ولا إعادة عليه. [ المسألة 1018: ] الحلق أو التقصير في الحج عبادة من العبادات، ولذلك فلابد فيه من النية، ويجب في النية تعيين العمل المقصود وتعيين النسك وقصد القربة إلى الله، والاولى أن يقول: (أحلق أو أقصر في حج التمتع حج الاسلام (مثلا) امتثالا لامر الله تعالى)، وإذا نوى الحاج والحلاق كلاهما فهو أحوط. [ المسألة 1019: ] يستحب للحاج إذا أراد حلق رأسه أن يكون مستقبلا للقبلة، وأن يسمي وان يبدأ في الحلق من قرنه الايمن، وينتهي به إلى العظمين الناتيين في قبالة وتد الاذنين، ويستحب له أن يقول:

[ 453 ]

اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة) وزاد بعض العلماء في الدعاء: (وحسنات مضاعفات وكفر عني السيئات انك على كل شئ قدير) وليختم دعاءه بالصلاة على النبي وآله الطاهرين كما حثت عليه النصوص المطلقة. [ المسألة 1020: ] الاحوط لزوما أن لا يوقع الحاج حلقه أو تقصيره ليلا، فلا يؤخره عن يوم النحر إلى الليل اختيارا، وإذا تركه عامدا حتى دخل الليل أثم وأتى به في اليوم الحادي عشر، وإذا نسي الحلق أو غفل عنه أو جهل فلم يأت به حتى دخل الليل أتى به كذلك في نهار اليوم الحادي عشر، ولم يأت به ليلا على الاحوط، وكذلك إذا طرأ له بعض الموانع فلم يرم جمرة العقبة أو لم يذبح الا في آخر النهار فلم يتمكن منه بسبب ذلك أن يحلق نهارا، فعليه أن يؤخر حلقه أو تقصيره إلى الغد. [ المسألة 1021: ] يجب على الحاج أن يكون حلقه أو تقصيره في منى، فإذا ترك ذلك حتى خرج من منى أثم بفعله، ووجب عليه أن يرجع إليها ويحلق أو يقصر فيها، وإذا نسي الحلق أو غفل عنه أو تركه جاهلا حتى خرج من منى وجب عليه العود والحلق والتقصير فيها ولا اثم عليه، وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى منى أو كان الرجوع إليها موجبا للعسر والحرج حلق أو قصر في مكانه الذي هو فيه، ولا يترك الاحتياط مع الامكان بأن يبعث بشعره إلى منى ليلقى فيها، ويستحب دفنه فيها. [ المسألة 1022: ] إذا حلق الحاج أو قصر في غير منى عامدا أو ناسيا أو جاهلا لم يكفه ذلك في تأدية الواجب، فيجب عليه الرجوع إلى منى مع

[ 454 ]

الامكان واعادة التقصير فيها، وعليه أن يمر الموسى على راسه إذا كان ممن يتعين عليه الحلق، وإذا لم يمكنه الرجوع إلى منى أو كان موجبا للعسر والحرج عليه اعاد التقصير وامرار الموسى في مكانه الذي هو فيه على النهج الذي ذكرناه وبعث بالشعر إلى منى كما تقدم. [ المسألة 1023: ] إذا أكمل الحاج أعمال منى التي تجب عليه في يوم النحر وأتمها على النهج الذي فصلناه فرمى جمرة العقبة ثم ذبح هدي التمتع أو نحره، ثم حلق رأسه أو قصر، تحلل بذلك من كل شئ حرمه الله عليه بسبب الاحرام ما عدا الطيب والنساء، نعم، يكره له أن يغطي رأسه وأن يلبس المخيط حتى يطوف طواف الحج ويصلي صلاة الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا رجع إلى مكة وأتى بالاعمال المذكورة زالت الكراهة، وحل له استعمال الطيب على كراهة أيضا، فإذا طاف طواف النساء وصلى ركعتي الطواف زالت الكراهة وحلت له النساء، وإذا طافت المرأة طواف النساء وصلت الركعتين حلت لها الرجال وسيأتي تفصيل ذلك وبيان فروضه وفروعه ان شاء الله تعالى.

[ 455 ]

[ الفصل الرابع والعشرون ] [ في أعمال مكة بعد النحر والحلق ] [ المسألة 1024: ] إذا أتم الحاج المناسك الثلاثة التي تجب عليه في منى يوم النحر، وجب عليه أن يعود منها إلى مكة ليطوف بالبيت الحرام طواف الحج، ويأتي بعد الطواف بما يجب عليه من الاعمال في مكة، ومجموع المناسك الواجبة فيها خمسة: الاول: الطواف بالبيت سبعة أشواط بقصد طواف الحج، ويسمى أيضا طواف الزيارة، وهذا هو الواجب السابع من واجبات الحج، وشرائط هذا الطواف وواجباته وأحكامه وآدابه هي بذاتها شرائط طواف عمرة التمتع وواجباته وأحكامه وآدابه، وقد ذكرناها في الفصل السادس عشر وبيانها هنالك يغنينا عن الاعادة فلتراجع. [ المسألة 1025: ] يفترق هذا الطواف عن طواف عمرة التمتع في النية، فينويه الناسك لحج التمتع حج الاسلام، أو لحج القران أو الافراد حج الاسلام، والاولى أن يقول مثلا: (أطوف بالبيت سبعة أشواط لحج التمتع حج الاسلام لوجوبه امتثالا لامر الله تعالى)، ويمكنه أن يقول: (أطوف طواف الزيارة سبعة أشواط في حج التمتع حج الاسلام طاعة لامره تعالى). [ المسألة 1026: ] يجب على الحاج أن يقدم الحلق أو التقصير على طواف الحج، فإذا طاف عامدا قبل أن يحلق أو يقصر وهو عالم بالحكم لم يصح طوافه فتجب عليه اعادة الطواف بعد أن يحلق أو يقصر،

[ 456 ]

ويجب عليه أن يجبره بشاة، وإذا سعى بعد الطواف أعاد الطواف والسعي كليهما بعد الحلق أو التقصير وجبره بشاة. وإذا قدم الطواف على الحلق أو التقصير ناسيا أو جاهلا بالحكم ثم تذكر أو علم بالحكم بعد الطواف فالظاهر صحة طوافه، بل وصحة سعيه إذا سعى ولم يتذكر أو لم يعلم بالحكم الا بعد الفراغ منهما ولا شئ عليه، وإن كان الاحوط له استحبابا الاعادة في كلا الفرضين. [ المسألة 1027: ] إذا أتم الحاج مناسك منى في يوم النحر، فالافضل له أن يرجع إلى مكة ويأتي بمناسكها في يوم النحر نفسه أو في الليلة الحادية عشرة، ودون ذلك في الفضل أن يؤخر مناسكها إلى اليوم الحادي عشر، والاحوط استحبابا أن لا يؤخرها عنه، ولا يجب عليه ذلك، فيجوز له أن يؤخر مناسك مكة إلى آخر أيام التشريق، والاحوط له إذا كان متمتعا أن لا يؤخرها بعد ذلك، وإذا تعمد فأخرها فالظاهر صحة طوافه وبقية أعماله إذا أتى بها قبل أن يخرج شهر ذي الحجة، ويجوز للحاج القارن أو المفرد أن يؤخرها عامدا مادام شهر ذي الحجة. [ المسألة 1028: ] يستحب للانسان إذا أراد زيارة البيت الحرام أن يغتسل لدخول مكة، ولدخول المسجد وللزيارة، ويكفيه ان يغتسل لجميع ذلك غسلا واحدا يوقعه في منى أو في الطريق أو في مكة، ويكفيه أن يغتسل في النهار ويزور في الليل بغسل واحد ما لم ينم بعده أو يحدث حدثا يوجب الوضوء، فإذا حدث منه ذلك أعاد غسله، وقد ذكرنا تفصيل هذه الآداب وأحكامها في الفصل الخامس عشر، وذكرنا فيه ما يستحب أن يدعى به على باب المسجد، وبعد

[ 457 ]

الدخول فيه، وعند رؤية الكعبة، وعند استلام الحجر الاسود، وما يندب إليه من الدعوات والاقوال، وهي بنفسها واردة في المقام فليرجع إليها من يريد. [ المسألة 1029: ] ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (فإذا أتيت يوم النحر فقمت على باب المسجد، قلت: (اللهم أعني على نسكك وسلمني له وسلمه لي، أسألك مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي وان ترجعني بحاجتي، اللهم اني عبدك، والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك متبعا لامرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر اليك المطيع لامرك، المشفق من عذابك، الخائف لعقوبتك أن تبلغني عفوك وتجيرني من النار برحمتك) ثم تأتي الحجر الاسود فتستلمه وتقبله، فإن لم تستطع فاستلم بيدك وقبل يدك، وإن لم تستطع فاستقبله وكبر وقل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكة). [ المسألة 1030: ] تلاحظ المسألة الثمانمائة والرابعة عشرة وما بعدها من المسائل إلى آخر الفصل السادس عشر، فيجري الطائف هنا جميع ما بيناه فيها من الآداب ويدعو في طوافه بما سبق فيها من الدعاء. [ المسألة 1031: ] إذا طاف الحاج طواف الحج وجب عليه أن يصلي بعده صلاة الطواف، وهذا هو الواجب الثاني من مناسك مكة بعد العود إليها، وهو الواجب الثامن من واجبات الحج، وصلاة الطواف ركعتان يجب على المكلف أن يصليهما مع الامكان خلف مقام ابراهيم، وقد فصلنا أحكام هذه الصلاة، وبينا آدابها وذكرنا ما يستحب قراءته فيها وما يدعى به بعدها، في الفصل السابع عشر

[ 458 ]

وحسبنا هاهنا الاشارة إليه. [ المسألة 1032: ] يستحب له بعد فراغه من صلاة الطواف أن يعود إلى الحجر الاسود فيقبله إذا استطاع، وإن لم يستطع ذلك لكثرة الناس استقبله وأومأ إليه وكبر، ثم يمضي إلى زمزم فيستقي منها على ما بيناه في المسألة الثمانمائة والتاسعة والخمسين وذكرنا فيها من الآداب والمستحبات، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الذي يقابل الحجر الاسود ليسعى بين الصفا والمروه. [ المسألة 1033: ] المنسك الثالث من أعمال مكة بعد العود إليها: السعي بين الصفا والمروة، وهو الواجب التاسع من واجبات الحج، فيجب على الحاج أن يبدأ فيه بالصفا ويختم بالمروة على النهج الذي أوضحناه في الفصل الثامن عشر من شروط وواجبات، ويستحب له ان يراعي ما بيناه في ذلك الفصل من آداب ويقرأ ما ذكرناه من أدعية وأذكار. [ المسألة 1034: ] الواجب الرابع من أعمال مكة: طواف النساء، وهو الواجب العاشر من واجبات الحج، فلا تحل النساء للرجل إذا هو لم يطف بعد الحج طواف النساء، ولا تحل الرجال للمرأة إذا هي لم تطف بعد الحج طواف النساء، ويجري الحكم في الذكر وإن كان غير بالغ أو كان غير مميز فإذا أحرم به الولى لم تحل له النساء الا بعد طواف النساء، فيطوف به وليه إذا كان غير مميز ويستنيب أحدا في الصلاة عنه، ويطوف الصبي ويصلي صلاة الطواف بنفسه إذا كان مميزا، ويجري مثله في الصبية غير البالغة وإن كانت غير مميزة، وفي المجنون والمجنونة إذا حج بهما وليهما.

[ 459 ]

[ المسألة 1035: ] الاحوط أن لا يقدم الحاج طواف النساء على السعي بين الصفا والمروة، فإذا أتى به بعد صلاة طواف الحج وقبل السعي متعمدا وجبت عليه إعادته بعد السعي على الاحوط، وإذا أتى به قبل السعي ناسيا أو ساهيا أو جاهلا أجزأه على الظاهر. [ المسألة 1036: ] الافضل أن يبادر الحاج إلى الاتيان بطواف النساء بعد الفراغ من السعي، ولا يؤخره عامدا إلى آخر أيام التشريق، وإذا أخره كذلك أجزأه متى أتى به وإن كان بعد أيام التشريق أو في آخر ذي الحجة، ويأثم إذا أخره حتى انقضى الشهر. [ المسألة 1037: ] إذا ترك الحاج طواف النساء متعمدا لم يبطل بذلك حجه، ولكنه لم يتحلل كما ذكرنا من محرمات الاحرام التي تتعلق بالنساء، من استمتاعات، ووطء وعقد نكاح وشهادة على عقد وغير ذلك من جميع المحرمات التي تتعلق بهن، ولا يباح له ذلك حتى يأتي بالطواف بنفسه، وإذا لم يقدر على الطواف بالمباشرة، أو كان ذلك موجبا للعسر والحرج وجبت عليه الاستنابة فيه، ولا يتحلل حتى يأتي نائبه بالطواف عنه، وكذلك الحكم إذا ترك طواف النساء ناسيا أو جاهلا ثم تذكره بعد ذلك أو علم بحكمه. [ المسألة 1038: ] يجب على المكلف أن يطوف طواف النساء مستقلا بنفسه غير معتمد ولا مستعين بغيره مع القدرة على الاستقلال، فإذا عجز عن ذلك جازت له الاستعانة فيه بمقدار الضرورة، فيطوف متكئا على أحد، أو محمولا على متن انسان أو ظهر حيوان أو غيرهما كما هو الحكم في طواف الحج والعمرة، فإذا عجز عن ذلك وجبت عليه

[ 460 ]

الاستنابة. [ المسألة 1039: ] يتحد طواف النساء مع طواف الحج في الكيفية وفي شرائط الصحة، ويفترق عنه في النية فيجب على المكلف أن ينوي الطواف بالبيت طواف النساء في النسك المعين، حج التمتع مثلا أو حج القران أو الافراد أو العمرة المفردة، متقربا به إلى الله، والاولى أن يقول مثلا: (أطوف بالبيت سبعة أشواط طواف النساء، في حج التمتع حج الاسلام لوجوبه طاعة لامر الله تعالى). [ المسألة 1040: ] يجب على المكلف إذا فرغ من طواف النساء أن يصلي بعده صلاة الطواف، وهي ركعتان تتحدان مع صلاة طواف الحج في الكيفية وفي الشرائط وفي الموضع، وهي الواجب الخامس من أعمال مكة، وهي الواجب الحادي عشر من واجبات الحج. [ المسألة 1041: ] إذا أتم الحاج مناسك منى يوم النحر، فرمى جمرة العقبة، ثم ذبح أو نحر هديه، ثم حلق أو قصر، حل له كل شئ حرمه الاحرام عليه ما عدا الطيب والنساء، وقد أوضحنا قريبا أن المراد بالنساء كل حكم يتعلق بهن من محرمات الاحرام، وهذا هو المحلل الاول للحاج من بعض محرمات احرامه، وتراجع المسألة الالف والثالثة والعشرون. وإذا عاد من منى إلى مكة فطاف بالبيت طواف الحج وصلى ركعتي الطواف ثم سعى بين الصفا والمروة حل له استعمال الطيب على كراهة، وهذا هو المحلل الثاني له من بعض محرمات إحرامه، فإذا طاف بالبيت بعد السعي طواف النساء وصلى بعده صلاة الطواف حلت له النساء، وتحلل من باقي المحرمات التي تتعلق بهن

[ 461 ]

وزالت الكراهة عن استعمال الطيب، وهذا هو المحلل الثالث والاخير. [ المسألة 1042: ] لا يجوز للحاج المتمتع في حال الاختيار والتمكن أن يقدم الطواف والسعي على الوقوف في عرفة والوقوف في المشعر الحرام، ويجوز له التقديم عند الضرورة كالشيخ الكبير والمريض والضعيف والخائف الذي يعلم أو يظن أو يخاف عدم القدرة على الاتيان بالطواف إذا أخره إلى ما بعد النحر، فيجوز له التقديم في هذه الحالات، وكالمراة إذا علمت أو خافت طروء الحيض عليها بعد النحر فيمنعها من الطواف، فيجوز لها التقديم كذلك. فإذا قدم الحاج المعذور طواف الحج والسعي وطواف النساء قبل الوقوفين في مثل هذه الحالة، وأتى بأعمال منى في يوم النحر حل بذلك من إحرامه حتى من الطيب والنساء، وهذا إذا كان عذر الحاج لا يزال مستمرا فلم يتمكن من الاتيان بالطوافين والسعي بعد النحر، وإذا زال عذره وأمكن له الاتيان بهما في يوم النحر أو أيام التشريق وجبت عليه إعادة الطوافين والسعي ولا يتحلل من الطيب والنساء الا بعد الاتيان بهما، وكذلك المرأة التي تخاف طروء الحيض فيجري فيها التفصيل الذي ذكرناه. [ المسألة 1043: ] يجري الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة في الحاج المتمتع الذي يلزمه العسر والحرج إذا هو أخر طوافه وسعيه إلى ما بعد النحر، فيجوز له تقديم الطوافين والسعي في مثل هذه الحالة أيضا. [ المسألة 1044: ] إذا كان الحاج المتمتع من أصحاب الاعذار المذكورة وأراد تقديم الطوافين والسعي قبل الوقوفين، فيجب عليه أن يكون طوافه وسعيه بعد الاحرام بالحج، ولا يجزيه أن يطوف ويسعى قبل

[ 462 ]

الاحرام، وكذلك حكم المرأه التي تخشى طروء الحيض. [ المسألة 1045: ] إذا كان الحاج معذورا وقدم طوافه وسعيه قبل الوقوفين لعذر معين، وتبدل عذره الخاص بعذر آخر يمنعه من الطواف أو يكون موجبا للعسر والحرج بحيث لم يتمكن من الطواف والسعي بعد النحر كفاه طوافه وسعيه الاول ولا إعادة عليه. [ المسألة 1046: ] إذا قدم الحاج المتمتع طواف الحج والسعي قبل الوقوفين لوجود العذر كما تقدم، وأخر طواف النساء لانه يعلم أو يظن أن عذره لا يستمر إلى ما بعد أيام التشريق أو إلى آخر ذي الحجة فعزم على تأخير طواف النساء إليها، فإذا وقف الموقفين وأتى بأعمال منى في يوم النحر تحلل بذلك من جميع محرمات الاحرام حتى من الطيب، ولم تحل له المحرمات التي تتعلق بالنساء حتى يأتي بطواف النساء. [ المسألة 1047: ] العذر الذي يسوغ للمتمتع معه أن يقدم الطواف والسعي على الوقوفين هو العذر الذي لا يتمكن المكلف معه من الاتيان بالطواف في يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، أو يكون الاتيان به فيها موجبا للعسر والحرج، فإذا زال العذر وتمكن من الطواف والسعي في أيام التشريق وجبت عليه الاعادة كما قلنا، وإذا زال العذر بعد أيام التشريق وتمكن من إعادة الطواف والسعي قبل خروج ذي الحجة فلا يترك الاحتياط بالاعادة استحبابا. [ المسألة 1048: ] إذا حصل للحاج المتمتع بعض الاعذار المسوغة فقدم طواف الحج والسعي وطواف النساء على الوقوفين من أجله، لم يحل له

[ 463 ]

استعمال الطيب ولم تحل له النساء بذلك حتى يقف في الموقفين ويأتي بعدهما بأعمال منى في يوم النحر، فإذا رمى جمرة العقبة وذبح الهدي وحلق أو قصر، حل حين ذلك من إحرامه من جميع المحرمات حتى الطيب والنساء. [ المسألة 1049: ] ذكرنا في المسألة الاربعمائة والسابعة والخمسين أنه يجوز للحاج المفرد وللحاج القارن أن يقدما طواف الحج والسعي بين الصفا والمروة على الوقوفين حتى في حال الاختيار، وإن هذا أحد الامور الفارقة بينهما وبين حج التمتع فلا يصح ذلك فيه كما قلنا إلا في حال الضرورة، وأما طواف النساء فلا يجوز لهما تقديمه على الوقوفين إلا مع العذر وعدم القدرة، كما هو الحال في حج التمتع. ونتيجة لذلك، فإذا قدم الحاج المفرد أو القارن طواف الحج وسعيه قبل الوقوفين ثم وقفا في عرفات وفي المزدلفة، وأتيا بأعمال منى في يوم النحر تامة، تحللا بذلك من إحرامهما حتى من الطيب، ولم تحل لهما النساء حتى يطوفا طواف النساء ويصليا بعده صلاة الطواف، وإذا هما لم يطوفا طواف الحج ولم يسعيا حتى حلقا أو قصرا في منى يوم النحر تحللا بالحلق أو التقصير من بعض المحرمات ولا يحل لهما الطيب على الاحوط حتى يأتيا بطواف الحج وسعيه، ولا تحل لهما النساء حتى يطوفا طواف النساء ويصليا صلاة الطواف، وإذا قدما طواف الحج وسعيه، وقدما طواف النساء ايضا قبل الوقوفين لوجود بعض الاعذار التي أوجبت لهما ذلك، أحلا بعد الفراغ من مناسك منى يوم النحر من جميع محرمات الاحرام، حتى من النساء. [ المسألة 1050: ] يجب على المحرم والمحرمة طواف النساء، ولا تحل النساء

[ 464 ]

على المحرم الذكر إلا بعد الاتيان به وبصلاته، ولا تحل الرجال على الانثى المحرمة إلا بعد الاتيان به وبصلاته، سواء كان الاحرام بحج أم بعمرة، وسواء كان الحج واجبا أم مندوبا، وسواء كانت العمرة واجبة أم مندوبة، وسواء كان المحرم كبيرا أم صغيرا، وسواء كان النسك الذي أحرم به لنفسه أم بالنيابة عن غيره، وحتى المجنون إذا أحرم به وليه، وحتى الرق المملوك والامة المملوكة إذا أحرما بإذن مولاهما، وتستثنى من ذلك عمرة التمتع وحدها فليس فيها طواف نساء وقد تكرر منا ذكر هذا. وإذا حج الانسان أو اعتمر نائبا عن غيره، نوى طواف النساء وصلاة الطواف عن الشخص المنوب عنه لا عن نفسه وإن كان هو المحرم، وإذا أتى النائب بطواف النساء وبصلاته بالنيابة حلت له النساء، كما يحل من حرمة الطيب إذا طاف وسعى في الحج وهو ينوي النيابة، وكما يحل من المحرمات الاخرى إذا ذبح وحلق أو قصر في منى وهو ينوي النيابة كذلك. [ المسألة 1051: ] إذا حاضت المرأة بعد ما فرغت من أعمال منى يوم النحر أو تنفست، فلم تكن بسبب ذلك من أداء طواف الحج ولم يمكن لها البقاء حتى تطهر وتأتي بالطواف الواجب، وجب عليها أن تستنيب أحدا يطوف عنها طواف الحج ويصلي عنها صلاة الطواف، ثم تسعى بنفسها بين الصفا والمروة بعد أن يفرغ النائب من الطواف والصلاة، ثم تستنيب بعد السعي في طواف النساء وفي صلاة الطواف، وتخرج بعد النفر من منى إذا شاءت، وكذلك الرجل إذا طرأ له من العوارض ما لا يقدر معه على الاتيان بالطواف بنفسه ولم يتمكن من المكث حتى يزول العذر وتتجدد له القدرة على المباشرة، فتجب عليه الاستنابة في الواجب الذي تتعذر عليه مباشرته بنفسه،

[ 465 ]

ويأتي بالعمل الذي يقدر على الاتيان به، ويراعي الترتيب بين الاعمال ويقدر الضرورة بمقدارها، فإذا منعه المرض عن الطواف استناب فيه ثم أتى بصلاة الطوا ف بنفسه إذا كان قادرا عليها، وكذلك السعي فإذا لم يقدر على الاتيان به لوجود العذر استناب فيه.

[ 466 ]

[ الفصل الخامس والعشرون ] [ في واجبات ليالي التشريق وأيامه بمنى ] [ المسألة 1052: ] يجب على الحاج إذا كان قادرا غير معذور أن يبيت الليلة الحادية عشرة والليلة الثانية عشرة من شهر ذي الحجه بمنى، وهذا هو الواجب الثاني عشر من واجبات الحج، فإذا قضى الحاج واجباته في مكة يوم النحر وجب عليه أن يعود إلى منى للمبيت بها، فإذا كان قد اتقى الصيد في أيام احرامه اتقاءا كاملا واجتنب المحرمات من النساء اجتنابا تاما، جاز له أن يخرج من منى بعد الزوال من اليوم الثاني عشر، ولم يجب عليه المبيت في الليلة الثالثة عشرة، وإذا هو لم يتق الصيد أو النساء ولم يجتنبهما وجب عليه المبيت بمنى في الليلة الثالثة عشرة، والمراد بالاتقاء أن يجتنب قتل الصيد وذبحه وأكله والاستيلاء عليه ويجتنب الاستمتاع بوطئ النساء في مدة احرامه، فإذا هو لم يتق كذلك تعين عليه المبيت بمنى في الليلة الثالثة من ليالي التشريق، وكذلك من غربت عليه الشمس في الليلة الثالثة عشره وهو في منى، فيجب عليه المبيت فيها، ولا يجوز له الخروج منها وإن كان قد تأهب للخروج منها ولم يخرج بالفعل. [ المسألة 1053: ] إذا لم يتق الحاج النساء في مدة احرامه بمثل القبلة والنظرة واللمس بشهوة أو بعض المحرمات الاخرى التى تتعلق بالنساء، أو لم يتق الصيد بمثل الدلالة أو الاشارة إليه أو الاعانة أو نحو ذلك من المحرمات التي تتعلق به، فالاحوط استحبابا له المبيت في الليلة الثالثة عشرة بمنى، وان كان الظاهر عدم وجوب ذلك عليه.

[ 467 ]

[ المسألة 1054: ] لا يجب المبيت في الليلة الثالثة عشرة على الحاج الذى ارتكب في احرامه بعض محرمات الاحرام غير الصيد والنساء، ولا على من ارتكب احدى الكبائر وهو محرم، ولا على الصرورة الذى لم يحج قبل هذه المرة حتى نائبا عن غيره، وان قال بعض العلماء بالوجوب في هذه الموارد، نعم، الافضل لكل حاج أن يبيت الليلة الثالثة عشرة في منى، ولا ينفر قبلها وان كان قد اتقى الصيد والنساء. [ المسألة 1055: ] يتحقق المبيت الواجب شرعا بأن يمكث الحاج في منى أحد نصفي الليل الاول أو الاخير، فإذا مكث فيها من غروب الشمس إلى النصف من الليل جاز له أن يخرج عنها بعد النصف على كراهة في الخروج منها قبل الصبح، وإذا خرج من منى نهارا وغربت عليه الشمس وهو في مكة أو في غيرها أو خرج من منى في أول الليل، وجب عليه أن يعود إليها قبل منتصف الليل ليبيت فيها النصف الاخير منه، ويستثنى من ذلك ما إذا بقي في مكة مشتغلا بالنسك والعبادة إلى طلوع الفجر، فيكفيه ذلك عن العود إلى منى، والافضل له في هذه الصورة أن يرجع إلى منى قبل أن ينشق الفجر. [ المسألة 1056: ] تجب النية في مبيت الحاج بمنى كسائر المناسك والعبادات، فإذا بات فيها ليلته كلها أو بات فيها النصف الاول من الليل، نوى المبيت عند غروب الشمس، والاحوط له أن يقدمها في آخر أجزاء النهار، وإذا بات فيها النصف الاخير من الليل نوى المبيت عند أول جزء من الليل بعد رجوعه إلى منى، فيقول في نيته: (أبيت هذه الليلة بمنى في حج التمتع حج الاسلام لوجوبه امتثالا لامر الله تعالى)، وإذا كان في حج الافراد أو القران أو كان نائبا عن غيره عين نسكه

[ 468 ]

في النية. [ المسألة 1057: ] إذا أخل المكلف بهذا الواجب فبات في غير منى عامدا أثم بذلك، ووجب عليه أن يكفر عن كل ليلة بدم شاة، ويستثنى من ذلك ما إذا بات في مكة مشتغلا في ليلة بالنسك والعبادة حتى أصبح، فيكفيه ذلك عن مبيته بمنى ولا فدية عليه، ولا يكفيه ولا يجزئ عن الواجب أن يبيت الليلة في مكة وهو غير مشغول بالعبادة، أو يبيت الليلة في غير مكة وغير منى وإن كان مشغولا فيها بالتعبد حتى يصبح، فتجب عليه الفدية بل ويكون عاصيا بترك الواجب عامدا. وإذا بات في غير منى ناسيا أو ساهيا أو جاهلا بالحكم لم يأثم بذلك ووجبت عليه الفدية، وكذلك إذا بات في موضع يعتقد أو يظن أنه من منى ثم ظهر له أنه ليس منها، فتجب عليه الفدية ولا إثم عليه، الا إذا كان مقصرا فاعتمد على قول من لا يعتمد عليه. وإذا اضطره مرض أو خوف أو غيرهما من الاعذار الموجبة للاضطرار فبات في غير منى فلا إثم عليه، ولم تسقط عنه الفدية على الاحوط، ومن الاعذار الموجبة لذلك: أن يكون له مريض في غير منى يخاف عليه، أو يكون له مال يخاف تلفه أو ضياعه. [ المسألة 1058: ] إذا أخل الحاج بالمبيت الواجب في منى لزمته الكفارة كما ذكرناه أكثر من مرة، وتتكرر الكفارة بعدد الليالي التي أخل بها، فإذا ترك المبيت فيها ليلة واحدة وجب عليه ذبح شاة واحدة، وإذا أخل بليلتين كفر بذبح شاتين، وإذا وجب عليه المبيت في الليلة الثالثة وأخل بها أيضا وجب على التكفير بثلاث شياه، ويجب ذبح هذه الفديه بمنى، ومصرفها هو مصرف الكفارات الواجبة للصيد

[ 469 ]

وغيره، وهم المساكين فلا يجوز صرفها في غيرهم، وقد ذكرنا هذا في المسألة الستمائة والسبعين. [ المسألة 1059: ] نقل بعض الاكابر من العلماء: أنه يستحب للحاج عند رجوعه من مكة إلى منى أن يقول: (اللهم بك وثقت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير)، ولا بأس بالاتيان بذلك برجاء المطلوبية. [ المسألة 1060: ] الثاني من واجبات منى في أيام التشريق: رمي الجمرات الثلاث، وهو الواجب الثالث عشر من أعمال الحج، وهو الاخير من واجباته وأعماله، فيجب على الحاج في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وفي اليوم الثاني عشر منه وفي اليوم الثالث عشر لمن بات ليلته في منى أن يرمي الجمرات الثلاث على الترتيب ما بينها، فيبدأ برمي الجمرة الاولى بسبع حصيات، ثم يرمي الجمرة الثانية بعدها بسبع حصيات وتسمى الجمرة الوسطى، ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة وتسمى الجمرة العظمى بسبع حصيات كذلك. ويجب رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثالث عشر أيضا على الحاج إذا وجب عليه المبيت في منى في الليلة الثالثة عشرة، وان لم يبت بها عامدا أو ناسيا أو جاهلا أو معذورا فتجب عليه الفدية كما تقدم بيانه، ويجب عليه رمي الجرمات الثلاث في يومه. [ المسألة 1061: ] يجري في رمي الجمرات هنا كل ما ذكرناه في رمي جمرة العقبة يوم النحر من شروط وواجبات وأحكام، فيراعى في الرمي هنا ما بيناه هنالك، وتجب النية عند رمي كل واحدة منها، ويعين في نيته الجمرة التي يرميها والنسك الذي يؤديه، ويقصد به التقرب إلى

[ 470 ]

الله، فيقول على الاولى: (أرمي هذه الجمرة بسبع حصيات في حج التمتع حج الاسلام لوجوبه قربة إلى الله تعالى)، وإذا كان في حج قران أو إفراد عينه كما سبق في نظائره. [ المسألة 1062: ] يجب الترتيب في صحة رمي الجمرات كما اشترطنا ذلك قريبا، فإذا أخل الناسك به وجب عليه أن يعيد ما قدمه منها على موضعه، فإذا رمى جمرة العقبة أولا ثم رمى الوسطى، ثم الاولى، صح رمي الجمرة الاولى وحدها، فيجب عليه أن يرمي الجمرة الوسطى بعدها، ثم يرمي جمرة العقبة، وكذلك إذا رمى الجمرة الوسطى أولا ثم رمى جمرة العقبة، ثم الاولى، أو رمى الوسطى أولا ثم الاولى ثم جمرة العقبة، فيصح رمي الاولى في هذه الفروض، ويجب عليه أن يعيد رمي الوسطى ثم العظمى أخيرا. وإذا رمى الاولى ثم رمى جمرة العقبة ثم الوسطى، صح رمي الاولى والوسطى، وعليه أن يعيد رمي جمرة العقبة، وكذلك إذا رمى جمرة العقبة أولا، ثم الاولى ثم الوسطى، فعليه أن يعيد رمي جمرة العقبة، ولا فرق في الحكم الذي ذكرناه بين أن يكون قد أخل بالترتيب عامدا أو ناسيا أو جاهلا. [ المسألة 1063: ] يجب أن يكون رمي الجمرات نهارا، فلا يجوز للحاج إذا كان مختارا أن يرميها ليلا، ولا يجزيه ذلك في أداء الواجب، وسنبين فيما يأتي إن شاء الله حكم أصحاب الاعذار وأشباههم ممن يجوز لهم الرمي ليلا، ويمتد وقت الرمي للمختار غير المعذور من طلوع الشمس إلى غروبها، وأفضل أوقاته أن يكون عند زوال الشمس.

[ 471 ]

[ المسألة 1064: ] ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (ارم في كل يوم عند زوال الشمس، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، وابدأ بالجمرة الاولى فارمها عن يسارها من بطن السيل، وقل كما قلت يوم النحر، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله واثن عليه، وصل على النبي وآله، ثم تقدم قليلا فتدعو وتسأله أن يتقبل منك، ثم تقدم أيضا، ثم افعل ذلك عند الثانية، واصنع كما صنعت بالاولى، وتقف وتدعو الله كما دعوت، ثم تمضي الى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم، ولا تقف عندها)، وتراجع المسألة التسعمائة والسابعة والخمسون، فقد ذكرنا فيها آداب رمي جمرة العقبة، وذكرنا الادعية والاقوال المستحبة التي أشار الامام (ع) إليها في الصحيحة السابقة وجملة من الاداب الاخرى وهي تجري في المقام. [ المسألة 1065: ] إذا رمى الناسك الجمرة بأربع حصيات أو خمس أو أكثر ونسي أن يتم رميها سبعا، ثم رمى الجمرة اللاحقة كفاه ذلك في حصول الترتيب بين الجمرتين، فيجب عليه بعدما يتذكر أن يكمل رمي الجمرة السابقة سبعا، ولا يجب عليه أن يستأنف رميها من أوله، ويصح رميه الاول للجمرة اللاحقة ولا يفتقر إلى اعادته، فإذا رمى الجمرة الاولى أربعا ونسي فلم يكملها، ورمى الجمرة الثانية سبعا، أكمل الاولى بثلاث حصيات فيتم بذلك رميها سبعا وصح رميه للثانية، وكذلك الحكم إذا رمى الوسطى أربعا ثم رمى الثالثة سبعا، وإذا رمى الجمرة الاولى بأربع حصيات ونسى أن يتمها ورمى الجمرة الثانية بأربع ونسي أن يتمها ورمى الثالثة سبعا وجب عليه أن يرمي الاولى بثلاث حصيات ليتمم بذلك سبعا، ثم يتم رميه

[ 472 ]

للثانية كذلك سبعا، ويكتفي برمي الثالثة، وإذا كان قد رماها أربعا وجب عليه أن يتمها سبعا أيضا، ولا يترك الاحتياط بلزوم الاعادة إذا فاتت الموالاة العرفية في جميع الصور. وإذا رمى الجمرة بثلاث حصيات أو أقل، ونسي أن يتمها سبعا ثم رمى ما بعدها لم يحصل الترتيب، فيجب عليه أن يعيد رمي الجمرة السابقة من أوله ولا يعتد بما رماها به من حصيات، وأن يعيد الرمي على اللاحقة وإن كان قد أتم رميها سبعا، فإذا رمى الجمرة الاولى بثلاث حصيات ثم رمى الثانية سبعا وجب عليه أن يعيد رمي الجمرتين كلتيهما، وكذلك إذا رمى الاولى ثلاثا ثم رمى الثانية ثلاثا ثم رمى الثالثة فعليه أن يعيد على الجميع وان كان قد رمى الثالثة سبعا. [ المسألة 1066: ] إذا رمى الجمرة الاولى والثانية وأتم رميهما، ثم رمى الجمرة الثالثة بثلاث حصيات أو أربع ونسي أن يتمها ثم تذكر، وجب عليه أن يتم ما نقص منها ولا اعادة عليه، وهذا إذا لم تفت المولاة في رميها، وإذا فاتت المولاة العرفية فالاحوط اعادة الرمي عليها. [ المسألة 1067: ] إذا نسي الحاج رمي الجمرات في اليوم الحادي عشر مثلا أو في اليوم الثاني عشر وجب عليه أن يقضي الرمي في غد ذلك اليوم، والاحوط أن يقدم القضاء على الاداء، وأن يفرق ما بين القضاء والاداء في الوقت، وأن يأتي بالقضاء في أول النهار، ويأتي بالاداء عند زوال الشمس، وكذلك إذا ترك الرمي في بعض الايام عامدا أو معذورا فيجب عليه قضاؤه على نهج ما تقدم، ويأثم بتركه إذا كان عامدا.

[ 473 ]

[ المسألة 1068: ] يجوز الرمي ليلا للخائف على نفسه أو على عرضه أو على ماله، وللمدين الذي يحذر أن يقبض عليه، وللعبيد الذين لا يملكون من أمرهم شيئا مع مواليهم، والرعاة والحطابة الذين يقضون النهار في عملهم ويصعب عليهم الرمي نهارا، وللشيوخ العجزة والمرضى والنساء والضعفاء الذين يخشون شدة الزحام، وأمثال هذه الطوائف من المعذورين، أو الذين يلزمهم الحرج والعسر إذا أخروا رمي الجمرات إلى النهار، فيصح لهم أن يرموا جمرات كل يوم من أيام التشريق في الليلة السابقة على ذلك اليوم، فيرمون في الليلة الحادية عشرة عن اليوم الحادي عشر، وفي الليلة الثانية عشرة عن اليوم الثاني عشر، وفي الليلة الثالثة عشرة عن اليوم الثالث عشر، ولا يؤخروا رمي اليوم إلى الليلة المتأخرة عنه الا إذا كان الرمي قضاءا. [ المسألة 1069: ] يشكل الحكم بجواز الرمي للمعذور في الليلة الحادية عشر مثلا عن اليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر لمن علم بأنه لا يمكن له الرمي فيها ولا في لياليها، وأشد من ذلك اشكالا أن يرمي في الليلة العاشرة عن أيام التشريق، ويكفيه الرمي في الليلة الثالثة عشرة عن جميع أيام التشريق قضاءا إذا فاته الرمي فيها وفي لياليها. [ المسألة 1070: ] إذا علم المكلف بأنه لم يرم احدى الجمرات ولم يدر بالجمرة التي تركها على التعيين، وجب عليه أن يرمي الجمرات الثلاث كلها على الترتيب، وكذلك الحكم إذا علم بأنه قد رمى احدى الجمرات بثلاث حصيات فحسب، ولم يدر بتلك الجمرة على الخصوص، فيجب عليه أن يعيد الرمي على الجمرات كلها مع الترتيب.

[ 474 ]

وإذا علم بأنه قد رمى احدى الجمرات بأربع حصيات ولم يعلم بها على التعيين وجب عليه أن يرمي كل واحدة من الجمرات بثلاث حصيات، وكذلك إذا علم بأنه قد رماها بخمس حصيات أو بست، فيجب عليه أن يرمي كل واحدة من الجمرات الثلاث بما نقصه من عدد الحصيات، ولا تجب عليه مراعاة الترتيب في هذه الصور. [ المسألة 1071: ] إذا علم الشخص بأنه قد أنقص بعض الجمرات ثلاث حصيات أو ثنتين أو واحدة، وشك في أنه صنع ذلك في جمرة واحدة أو في أكثر وجب عليه أن يرمي كل واحدة من الجمرات الثلاث العدد الذي أنقصه من الحصيات وأن يرميها مرتبة، فيرمي الاولى ببقية العدد قبل الثانية ويرمي الثانية قبل الثالثة وإذا علم بأنه أنقص بعض الجمرات أربع حصيات أو أكثر، ولم يدر أنه صنع ذلك في جمرة واحدة أو أكثر وجب عليه أن يعيد الرمي كله على الجمرات كلها. [ المسألة 1072: ] إذا نسي الحاج أو جهل فلم يرم الجمار حتى خرج إلى مكة، وجب عليه أن يرجع إلى منى ويرمي الجمار بعدد الايام التي ترك الرمي فيها، ويفصل على الاحوط ما بين كل رميتين بساعة أو نحوها، وهذا إذا كان وقت الرمي باقيا، وإذا انقضى وقت الرمي وهو أيام التشريق لم يجب عليه الرجوع والرمي في عامه الحاضر، وان كان الرجوع والقضاء أحوط استحبابا، ويجب عليه قضاء الرمي في العام الآتي، فعليه أن يرجع ويقضي بنفسه، وإن هو لم يستطع الرجوع والقضاء بنفسه أو كان الرجوع موجبا للعسر والحرج وجب عليه أن يستنيب فيه، وكذلك الحكم إذا ترك الرمي

[ 475 ]

عالما عامدا فيجري فيه التفصيل المتقدم ذكره، ويأثم بتركه للواجب في عامه، ولا تحرم عليه النساء في جميع الصور المذكورة بعد أن حلت له بطواف النساء وان وجب عليه قضاء الرمي في الآتي، ولا يبطل حجه بذلك. [ المسألة 1073: ] يجب على الحاج أن يتولى رمي الجمرات عن نفسه بنفسه مع قدرته على فعل ذلك، فلا تجوز له استنابة غيره فيه مع الاختيار، وتجوز الاستنابة فيه للمعذور غير القادر كالمريض الذي لا يستطيع الرمي بنفسه طول وقت الرمي، فإذا طرأ له المرض المانع في اليوم الحادي عشر مثلا حتى لم يتمكن من المباشرة بنفسه من طلوع الشمس إلى غروبها من اليوم جازت له الاستنابة فيه، وإذا يأس من زوال العذر فاستناب في الرمي، ثم اتفق له البرء من المرض وزوال العذر قبل غروب الشمس وجب عليه الرمي بنفسه ولم يكفه رمي النائب عنه وإن كان قد أتى بالعمل، وكذلك الحكم في المقعد والكسير والمبطون والمغمى عليه، وإذا استناب من يعتاده الاغماء أحدا في حال افاقته ليرمي عنه، ثم أغمي عليه لم تبطل استنابته بعروض الاغماء عليه فيجوز للنائب أن يرمي عنه في حال أغمائه، وإذا أغمي على الرجل ولا نائب له، قام وليه مقامه فاستناب أحدا للرمي عنه على الاحوط، والظاهر جواز التبرع بالرمي عن المعذور وان لم يأذن ولم يستنب وإن وجب عليه أن يستنيب مع قدرته على الاستنابة لتأدية التكليف الواجب عليه، فإذا أتى المتبرع بالعمل الصحيح سقط التكليف عنه. [ المسألة 1074: ] إذا كان الرجل أو المرأة ممن لا يستطيع رمي الجمرات بنفسه لكثرة الازدحام، أو كان ذلك موجبا للخوف على نفسه من حدوث

[ 476 ]

مرض أو كسر أو خطر آخر، أو كان ذلك موجبا للعسر والحرج الشديدين عليه، أو كانت المرأة تعلم أو تخشى عدم المحافظة على سترها، أو كان الرجل يخشى أو يعلم بملامسته للمرأة الاجنبية عنه بسبب ذلك جازت لهما الاستنابة في الرمي. [ المسألة 1075: ] إذا نسي الرجل أن يرمي الجمرات في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر، وتذكر ذلك قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، ولم يبق من النهار إلا ما يؤدي به الرمي لاحد اليومين فقط وجب عليه أن يقدم الرمي ليومه الحاضر وينوي به الاداء، ويؤخر القضاء إلى اليوم الثالث عشر. [ المسألة 1076: ] لا يجب على المكلف أن يقيم بمنى نهارا في أيام التشريق، والواجب عليه في منى نهارا إنما هو رمي الجمار، فإذا أدى ذلك جاز له أن يخرج إلى مكة أو إلى غيرها، ثم يرجع إلى منى قبل غروب الشمس للمبيت فيها، وسيأتي بيان الحكم باستحباب الاقامة في منى أيام التشريق وهو حكم آخر غير الوجوب. [ المسألة 1077: ] تنوعت الاحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين (ع) في الدلالة على كبير الاجر الذي يناله الحاج في رمي الجمار إذا هو أخلص لله النية في عمله، ولا سيما إذا التزم الآداب الشرعية في حال رميه، وأداه وفق ما يريده الله من غاية وابتعاد عن مزالق الشيطان ومكائده ووساوسه وعباداته، وتعوذ بالله من مكره، وادرع بتقوى الله من جميع شروره، وقرأ الادعية الواردة عنهم (ع) في ذلك، ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: (رمي الجمار ذخر يوم القيامة)، وعن أبي عبد الله (ع) في رمي الجمار قال: (له بكل

[ 477 ]

حصاة يرمي بها يحط عنه كبيرة موبقة)، وعنه (ع): (الحاج إذا رمى الجمار خرج من ذنوبه)، وعن أبي جعفر (ع): (لا ترم الجمار الا وأنت على طهر)، وقد تقدم أن الطهارة في حال رمي الجمار من المستحبات وليس من الواجبات. [ المسألة 1078: ] يجوز للانسان بعد أن يرمي الجمرات في أيام التشريق بمنى أن يخرج منها نهارا فيأت مكة ويزور البيت الحرام ويطوف به طوافا مندوبا، ويجوز له أن يبقى في مكة أو في غيرها طول نهاره لراحته أو لبعض أعماله، فإذا كان آخر النهار عاد إلى منى ليبيت الليل فيها، ولكن الاقامة نهارا في منى إلى يوم النفر أفضل وأحب شرعا. ويستحب التكبير في أيام التشريق بعد التسليم في الصلوات الفرائض والنوافل استحبابا مؤكدا، ويبدأ به من صلاة الظهر في يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الثالث عشر إذا كان بمنى، والى صلاة الصبح من اليوم الثاني عشر إذا كان في غير منى من سائر الامكنة والامصار، فيكون التكبير المندوب عقيب خمس عشرة فريضة لمن كان بمنى، وعقيب عشر فرائض لمن كان في غيرها، وإذا صلى صلاة الظهر والعصر بمنى في اليوم الثاني عشر كبر عقيب كل واحدة منهما، فإذا نفر من منى بعد الصلاة قطع التكبير بعد الصلوات الآتية التي يصليها بعد النفر، وإذا نفر بعد الزوال وقبل صلاة الظهر والعصر لم يكبر بعدهما. [ المسألة 1079: ] ورد في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): أن يقول في التكبير المستحب بعد الصلوات: (الله أكبر، الله أكبر، لا اله الا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله اكبر على ما هدانا،

[ 478 ]

الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام)، وورد ذلك أيضا في صحيحة معاوية بن عمار عنه (ع) وزاد في آخره أن يقول: (الحمد لله على ما أبلانا) ووردت فيه صور أخرى تختلف عنها في بعض العبارات، والظاهر التخيير بين الصيغ المأثورة وغيرها، فأيها أتى به أجزأه. [ المسألة 1080: ] لا يختص الاستحباب الذي ذكرناه بالناسك في منى، فيستحب لمن كان في منى أن يكبر عقيب خمس عشرة فريضة من ظهر يوم النحر، سواء كان حاجا أم لا. [ المسألة 1081: ] ينبغي للحاج في أيام اقامته في منى أن يواظب على الصلاة والعبادة في مسجد الخيف، وأن يصلي فرائضه ونوافله فيه، وعن أبي عبد الله (ع): (صل في مسجد الخيف وهو مسجد منى، وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده عند المنارة التى في وسط المسجد وفوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا، وعن يمينها وعن يسارها وخلفها نحوا من ذلك، قال: فتحر ذلك، فان استطعت أن يكون مصلاك فيه فافعل، فانه قد صلى فيه الف نبي). وعن أبي جعفر (ع): (من صلى في مسجد الخيف بمنى مائة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما، ومن سبح الله فيه مائة تسبيحة كتب له كأجر عتق رقبة، ومن هلل الله فيه مائة تهليلة عدلت أجر احياء نسمة، ومن حمد الله فيه مائة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين يتصدق به في سبيل الله عز وجل)، ولعل المراد في هذا الخبر أن يجعل الحاج صلاة المائة ركعة في المسجد آخر عهده بالمسجد وبعدها ينفر من منى، وعن أبي عبد الله (ع): (صل ست ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة).

[ 479 ]

[ المسألة 1082: ] إذا أتم الحاج رمي الجمار في اليوم الثاني من أيام التشريق، وكان قد اجتنب الصيد والنساء في مدة احرامه، واتقى الله في التوقي عنهما، جاز له النفر من منى بعد الزوال من ذلك اليوم، ولا يجوز له أن ينفر فيه قبل الزوال، وان كان قد فرغ من رمي الجمار، وإذا هو لم يمتنع من الصيد أو النساء فارتكب احدهما أو كليهما في أيام احرامه لم يجز له النفر في الثاني عشر، ووجب عليه أن يؤخر نفره إلى اليوم الثالث عشر، وأن يبيت الليلة الثالثة عشر فيها، ويجوز له أن ينفر فيه قبل زوال الشمس. [ المسأله 1083: ] إذا كان الشخص متمتعا ولم يتق الصيد أو النساء في أيام احرامه بعمرة التمتع، فالاحوط له لزوما أن لا ينفر من منى في اليوم الثاني عشر، وان يبيت بها في الليلة الثالثة عشرة، وان كان قد اجتنب الصيد والنساء في احرامه بحج التمتع، ولعل هذا هو الاقوى أيضا. [ المسألة 1084: ] إذا نفر الحاج من منى في اليوم الثاني عشر عصرا غير أن ازدحام الطريق في السيارات والعابرين منع سيارته من الخروج عن حدود منى، فلم يخرج منها حتى غربت الشمس ودخل الليل وهو فيها، وجب عليه المبيت في منى تلك الليلة ولم يجز له الخروج، وإذا تعذر عليه المبيت بها أو كان ذلك موجبا للعسر والحرج من حيث أن أثقاله وعائلته قد حملت في السيارة ويتعذر أو يشق عليه ارجاعها وانزالها لشدة الازدحام أو لمنع قوانين السير من الوقوف والانزال أو لغير ذلك من الاعذار المانعة جاز له الخروج، والاحوط لزوما أن

[ 480 ]

يكفر عن ذلك بدم شاة. [ المسألة 1085: ] إذا خرج الحاج من منى في اليوم الثاني قبل زوال الشمس، فان كان عامدا أثم بذلك ووجب عليه الرجوع إلى منى إذا استطاع الرجوع إليها قبل الزوال، وإذا كان ناسيا أو جاهلا فلا إثم عليه. ويجب عليه الرجوع إذا علم بالحكم وأمكن له الرجوع قبل الزوال، وإذا زالت الشمس عليه قبل ان يعود أو لم يمكن له الرجوع فلا شئ عليه. [ المسألة 1086: ] إذا خرج الحاج من منى في اليوم الثاني قبل غروب الشمس، ثم عرضت له حاجة فرجع إلى منى بعد دخول الليل عليه وهو في خارج منى، جاز له الخروج منها ليلا بعد قضاء حاجته ولم يجب عليه المبيت بها. [ المسألة 1087: ] يستحب للمكلف إذا أراد الخروج من مكة إلى أهله أن يودع البيت الحرام، وان يطوف به طواف الوداع، وأن يستلم الحجر الاسود والركن اليماني في كل شوط من أشواط طوافه إذا استطاع ذلك، وان لم يستطع افتتح طوافه وختمه به، وأن يأتي المستجار فيصنع عنده كما صنع يوم قدومه إلى مكة، وقد سبق ذكر ذلك في المسألة الثمانمائة والسابعة عشرة، وأن يدعو الله بما شاء من الدعاء، ويستحب له أن يستلم الحجر الاسود، وان يلصق بطنه بالبيت، ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد وآله، وأن يقول: (اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأمينك وحبيبك ونجيبك وخيرتك من خلقك، اللهم كما بلغ رسالتك وجاهد في سبيلك وصدع بأمرك وأوذي فيك وفي جنبك حتى أتاه اليقين، اللهم اقبلني مفلحا

[ 481 ]

منجحا مستجابا لي بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك من المغفرة والبركة والرضوان والعافية مما يسعني أن أطلب، أن تعطيني مثل الذي أعطيته أفضل من عبدك وتزيدني عليه، اللهم إن أمتني فاغفر لي، وإن احييتني فارزقنيه من قابل، اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك، اللهم اني عبدك ابن عبدك وابن أمتك حملتني على دوابك، وسيرتني في بلادك، حتى أدخلتني حرمك وامنك، وقد كان في حسن ضني بك أن تغفر لي ذنوبي، فان كنت قد غفرت لي ذنوبي فازدد عني رضا وقربني اليك زلفى ولا تباعدني، وان كنت لم تغفر لي فمن الآن فاغفر لي قبل أن تنآى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي ان كنت أذنت لي، غير راغب عنك ولا عن بيتك، ولا مستبدل بك ولا به، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي حتى تبلغني أهلي، واكفني مؤنة عبادك وعيالي، فانك ولي ذلك من خلقك ومني). ويستحب له أن يأتي زمزم فيشرب منها، ثم يخرج ويقول: (آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، الى ربنا راغبون، إلى ربنا راجعون) وعن أبي عبد الله (ع): انه لما أن ودع واراد أن يخرج من المسجد خر ساجدا عند باب المسجد طويلا ثم قام فخرج. [ المسألة 1088: ] من نسي وداع البيت أو تركه لبعض العلل أو الاعذار لم يضره ذلك إذا كان قد قضى مناسكه، ولا ينبغي له ترك وداعه بغير سبب يوجب ذلك. [ المسألة 1089: ] يستحب للمكلف دخول الكعبة المعظمة استحبابا مؤكدا، وعن أبي جعفر (ع) أنه قال: (الدخول فيها دخول في رحمة الله والخروج منها خروج من الذنوب، معصوم في ما بقي من عمره مغفور له ما

[ 482 ]

سلف من ذنوبه)، وهو للحاج الصرورة الذي لم يحج من قبل أشد تأكدا. [ المسألة 1090: ] يستحب لمن اراد دخول الكعبة أن يغتسل قبل دخولها، وان يدخلها على سكينة ووقار وأن يستشعر عند دخوله وفي حركاته وسكناته وأعماله في البيت كبرياء الله وعظمة بيته، وان لا يدخلها بحذاء ولا يبزق ولا يمتخط ولا يأتي ما يخالف الادب أو ينافي الخشوع، وأن يقول إذا دخل: (اللهم انك قلت: ومن دخله كان آمنا، فآمني من عذاب النار)، وأن يصلي ركعتين بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء، يقرأ في الركعة الاولى حم السجدة، وفي الثانية عدد أياتها من القرآن، وأن يصلي في زواياه الاربع، في كل زاوية ركعتين، وأن يقول: (اللهم من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله وفواضله فاليك يا سيدي تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي، رجاء رفدك ونوافلك وجائزتك، فلا تخيب اليوم رجائي، يا من لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نائل، فاني لم آتك اليوم بعمل صاحل قدمته ولا بشفاعة مخلوق رجوته، ولكني أتيتك مقرا بالظلم والاساءة على نفسي، فانه لا حجة لي ولا عذر، فاسألك يا من هو كذلك أن تصلي على محمد وآله، وتعطيني مسألتي وتقيلني عثرتي وتقلبني برغبتي ولا تردني مجبوها ممنوعا ولا خائبا، يا عظيم يا عظيم يا عظيم، أرجوك للعظيم، اسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم، لا اله الا أنت)، وإذا منعته كثرة الناس من الوصول إلى الزوايا استقبل الزوايا وهو في موضعه حيث صلى ودعا الله وسأله.

[ 483 ]

[ المسألة 1091: ] في الحديث عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله (ع) وهو خارج من الكعبة وهو يقول: (الله اكبر الله اكبر حتى قالها ثلاثا) ثم قال: (اللهم لا تجهد بلاءنا ولا تشمت بنا أعداءنا فانك أنت الضار النافع) ثم هبط فصلى إلى جانب الدرجة جعل الدرجة عن يساره مستقبل الكعبة ليس بينه وبينها احد، ثم خرج إلى منزله. [ خاتمة: في العمرة المفردة ] [ المسألة 1092: ] تقدم منا في المسألة الاربعمائة والتاسعة وما بعدها من المسائل إلى نهاية الفصل الثامن بيان أقسام العمرة المفردة وتفصيل شروطها وأحكامها، وتعرضنا في فصل الاحرام وفي فصل المواقيت للمسائل والفروض التي تتعلق باحرامها وتعيين مواقيت احرامها وقد اغنانا ذلك عن اعادة ذكرها، فعلى من يريد العمرة المفردة أن يلاحظ ما أوضحناه هناك. [ المسألة 1093: ] تفترق العمرة المفردة عن عمرة التمتع في عدة فروق: الاول: أن عمرة التمتع ترتبط بحج التمتع ارتباطا كاملا، ولذلك فيجب أن تقع مع حج التمتع في سنة واحدة وقد تقدم تفصيل ذلك، وأما العمرة المفردة فهي نسك مستقل لا يرتبط بحج افراد ولا بحج قران، وان اجتمعت على المكلف شروط الوجوب في كل من الحج والعمرة فوجب عليه كلاهما، فيجوز له أن يفصل بينهما فيأتي بالحج

[ 484 ]

في سنة ويأتي بالعمرة في سنة أخرى. [ المسألة 1094: ] الفارق الثاني: أن عمرة التمتع لا يجوز للمكلف ايقاعها ولا يصح منه الاحرام بها الا في أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة، ويصح له أن يوقع العمرة المفردة ويحرم بها في أي شهر أراد من شهور السنة، وقد ذكرنا: أن الافضل ايقاعها في شهر رجب، ودون ذلك في الفضل إيقاعها في شهر رمضان. [ المسألة 1095: ] الفارق الثالث: أن عمرة التمتع لا يجب فيها على المعتمر طواف نساء، بخلاف العمرة المفردة، فيجب عليه فيها طواف النساء، وتجب فيها صلاة طواف النساء، ولا تحل له النساء بعد إحرامه إلا بهما. [ المسألة 1096: ] الفارق الرابع: أن عمرة التمتع يتعين على المكلف فيها التقصير، ولا يجوز له حلق رأسه، ويتخير المعتمر في العمرة المفردة بين أن يحلق رأسه وأن يقصر، فأيهما فعل أجزأه، وقد تفترقان في غير ذلك ايضا، وتراجع المسألة الاربعمائة والخامسة عشرة والمسألة الستمائة والرابعة والسبعون. [ المسألة 1097: ] الاعمال التي يلزم الانسان أن يأتي بها في العمرة المفردة هي بذاتها الاعمال التي يلزم المتمتع أن يؤديها في عمرة التمتع، فيجب عليه الاحرام بها اولا، والطواف بالبيت طواف العمرة ثانيا، وصلاة ركعتي الطواف ثالثا، والسعي بين الصفا والمروه رابعا، ثم يتخير بين الحلق والتقصير خامسا، وتزيد على عمرة التمتع بأن يطوف المعتمر بعد الحلق أو التقصير طواف النساء سادسا ثم يصلي

[ 485 ]

ركعتي هذا الطواف سابعا. والنيات في لبس ثوبي الاحرام للعمرة المفردة وفي الاحرام بها، وفي الطوافين وفي صلاة الطوافين، وفي السعي بينهما وفي الحلق أو التقصير نظير النيات التي تقدم بيانها في أعمال عمرة التمتع، والتلبية عند عقد الاحرام هي التلبية المتقدمة، الواجب منها والمندوب، والسنن والاداب في جميع هذه الافعال هي السنن والاداب التي سبق منا بيانها في مواضعها من الفصول المتقدمة. [ المسألة 1098: ] يجب على المعتمر أن يعين في النية القسم الخاص الذي يحرم به من العمرة المفردة، فإذا كانت العمرة التي يريدها واجبة عليه بالاستطاعة، ومثال ذلك: أن يكون المكلف من حاضري المسجد الحرام وتكمل له شروط وجوب العمرة، فيجب عليه عند الاحرام أن ينويها كذلك، فيقول على الاولى: (أحرم بالعمرة المفردة عمرة الاسلام لوجوبها أمتثالا لامر الله تعالى)، وإذا كانت واجبة عليه بالنذر قال: (أحرم بالعمرة المفردة وفاءا بالنذر طاعة لامره تعالى بها)، وإذا وجبت عليه بالنيابة عن أحد، وجب عليه أن يعينها كذلك، ويعين الشخص المنوب عنه قربة إلى الله، وإذا أرد الاحرام بعمرة مندوبة، قال: (أحرم بالعمرة المفردة استحبابا طاعة لامر الله تعالى)، وتكفيه نية الندب المطلق في عمرة رجب مثلا، وعمرة شهر رمضان إذا لم تكن منذورة أو واجبة عليه بسبب آخر، فلا حاجة إلى ذكر كونها عمرة رجب أو رمضان. [ المسألة 1099: ] إذا أحرم الرجل بعمرة مفردة لم يجز له أن يعدل بنية إحرامه إلى حج الافراد، وإن كان قد أحرم بها في أشهر الحج شوال وذي القعدة وذي الحجة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الوقت إلى إدراك

[ 486 ]

الوقوفين واسعا أو ضيقا، وإذا أتم أعمال عمرته وأمكن له بعد الاحلال منها أن يخرج إلى الميقات ويحرم منه بالحج ويدرك الموقفين، صح له ذلك، وهذا الحكم واضح وقد ذكرناه للتنبيه. [ المسألة 1100: ] إذا أحرم الرجل من الميقات بحج الافراد بنية الندب، لم يجز له أن يعدل بنيته إلى عمرة مفردة، كما إذا أراد أن يحيل نسكه إلى عمرة مفردة فإذا أتم أعمالها وأحل من إحرامه رجع إلى الميقات وأحرم منه بعمرة تمتع لنفسه أو لغيره، فلا يصح له ذلك.

[ 487 ]

[ الفصل السادس والعشرون ] [ في الصد والاحصار ] [ المسألة 1101: ] لا يعبد أن لفظ الصد ولفظ الاحصار كلمتان مترادفتان تدلان على مفهوم لغوي واحد كما يقول بعض علماء اللغة، أو هما متحدتان في المصاديق، فالصد والحصر هو الضيق والحبس الذي قد يحدث للانسان بسبب تسلط عدو عليه يمنعه عن فعل شئ يحتاج إلى فعله، وقد يحدث له بسبب طروء مرض ونحوه يمنعه عن الاتيان بذلك الشئ الذي يرغب فيه، فيكون منع العدو أو المرض له عن فعل ذلك الامر موجبا لوقوعه في الضيق والحصر، وقد نقل بعض المفسرين أن علماء التفسير متفقون على ان آية الاحصار، وهي قوله تعالى: (فإن أحصرتم فلما استيسر من الهدي)، قد أنزلت على الرسول صلى الله عليه وآله لما صده المشركون عن دخول مكة في الحديبية، وقد أنزلت عليه صلى الله عليه وآله بكلمة الاحصار لا بكلمة الصد، فالكلمتان متحدتان في المعنى، أو هما متحدتان في المصاديق كما قلنا، وهذا كله بحسب معنى الكلمتين في اللغة. وتختص كلمة الصد الواردة في أخبار أهل البيت (ع) بالمنع إذا كان من قبل عدو متسلط، كما تختص كلمة الحصر بالمنع بسبب حدوث مرض ونحوه، فالمصدود في أخبارهم (ع) هو الشخص الذي منعه العدو بعد إحرامه عن إتمام حجه أو عن إتمام عمرته، والمحصور أو المحصر هو الشخص الذي منعه المرض بعد إحرامه عن إتمام نسكه، والاحكام التي تذكر في الاخبار لاحدهما لا تعم الآخر، وقد جرى على الفرق بينهما في ذلك إصطلاح الفقهاء من

[ 488 ]

الشيعة أيضا لئلا يقع الالتباس بين الموضوعين. [ المسألة 1102: ] إذا أحرم الانسان بعمرة مفردة واجبة أو مندوبة، ثم منعه عدو بعد إحرامه أن يدخل إلى مكة، فلم يتمكن بسبب منعه أن يأتي بأعمال العمرة من طواف وسعي وتقصير وطواف نساء ولم يقدر على الاستنابة فيها، جاز له أن يذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلل به من الاحرام، والاحوط له لزوما أن يقصر أو يحلق بعد ذلك، فإذا ذبح وقصر أو حلق أحل بذلك من جميع محرمات الاحرام، حتى من الطيب والثياب والنساء، ويجوز له ان يفعل ذلك عاجلا عند الصد ولا يجب عليه ان يبعث بالهدي إلى مكة، وإن كان ذلك هو الاحوط استحبابا مع الامكان فيبعث بالهدي إلى مكة بقصد التحلل به، وينتظر فلا يحلق ولا يقصر حتى يبلغ الهدي إلى مكة، فإذا بلغ الهدي محله حلق أو قصر في موضعه، وأحل من محرمات إحرامه كلها. وإذا استطاع أن يستنيب عنه أحدا في أداء أعمال العمرة وجبت عليه الاستنابة، ولم يجز له أن يتحلل من إحرامه حتى يتم النائب جميع أعمال العمرة على الوجه الصحيح، ولا يتحلل بالهدي. [ المسألة 1103: ] إذا أحرم الانسان بحج واجب أو مندوب، ثم صده العدو أن يأتي باعمال الحج كلها، أو صده عن أن يحضر الموقفين عرفات والمشعر الحرام في كل من وقتيهما الاختياريين والاضطراريين جرى فيه نظير الحكم المتقدم، فعليه أن يذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلل به من إحرامه، ويضم إليه الحلق أو التقصير كما سبق في الصد عن العمرة المفردة، فإذا فعل ذلك أحل من جميع محرمات الاحرام حتى من النساء، ولا يجب عليه أن يبعث بالهدي

[ 489 ]

الى منى وينتظر بلوغ الهدي محله وإن كان ذلك هو الاحوط له استحبابا كما تقدم في نظيره. [ المسألة 1104: ] إذا أحرم الرجل بالحج ووقف الموقفين، ثم صده العدو بعدهما عن أن يأتي بمناسك منى في يوم النحر، فإن استطاع أن يستنيب أحدا في أداء هذه الاعمال عنه، وجب عليه أن يستنيب فيها، فإذا رمى النائب جمرة العقبة بالنيابة عنه، وذبح الهدي عنه إذا كان متمتعا أو قارنا، حلق المكلف بعدهما أو قصر، ثم مضى إلى مكة ليؤدي مناسكه فيها، فإن المفروض انه غير مصدود عنها، ولم يجز له أن يتحلل بالهدي، وإن صده العدو عن أعمال منى حتى عن الاستنابة فيها، أشكل الحكم فيه. [ المسألة 1105: ] إذا صده العدو عن دخول مكة بعد النحر، أو صده عن أن يأتي بأعمال مكة بعد الدخول فيها، فلم يتمكن من الطواف والسعي وطواف النساء بنفسه ولم يقدر على الاستنابة فيها إلى آخر شهر ذي الحجة جرى عليه حكم المحرم المصدود، فيذبح أو ينحر ما استيسر له من الهدي بقصد التحلل من إحرامه على الوجه الذي تقدم بيانه، فيحل بذلك من محرمات إحرامه، وإذا استطاع الاستنابة في الاعمال استناب وكفاه فعل النائب ولم يجر عليه حكم الصد، وكذلك الحكم إذا صده العدو بعد الموقفين عن أعمال منى يوم النحر وعن أعمال مكة معا فيجري فيه البيان المذكور. [ المسألة 1106: ] إذا صده العدو عن العود من مكة إلى منى ليبيت فيها ليالي التشريق ويرمي الجمرات في أيامه، لم يجر عليه حكم المصدود، فيسقط عنه وجوب المبيت ولم يضر ذلك بصحة حجه، وتجب عليه

[ 490 ]

استنابة من يرمي الجمار عنه مع القدره، فإن لم يستطع ذلك في سنته، ففي أيام التشريق من العام القابل. [ المسألة 1107: ] إذا صد المكلف عن العمرة أو عن الحج، فذبح هدي التحلل أو نحره على الوجه الذي تقدم بيانه أحل بذلك من محرمات إحرامه، ولم يجب عليه المضي في نسكه الذي أحرم به ولم يسقط عه وجوب الحج أو العمرة بذلك فإذا كان وجوب الحج أو العمرة قد استقر في ذمة المكلف من عام سابق وجب عليه أن يأتي به في العام القابل، وكذلك إذا استطاع الحج أو العمرة في عامه وبقيت استطاعته إلى العام المقبل فيجب عليه اداء ذلك النسك الواجب فيه، وإذا استطاع الحج في عامه وصده العدو عن أداء الواجب فيه ثم زالت استطاعة ولم تتجدد لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة وكذلك حكم العمرة المفردة لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا وجبت عليه بالاستطاعة. [ المسألة 1108: ] من الصد أن يسجن المحرم سلطان ظالم بغير حق فيكون سجنه سببا في فوات الحج أو العمرة عليه وعدم تمكنه من ادائهما، فيتحلل من إحرامه بذبح الهدي أو نحره. [ المسألة 1109: ] إذا حبس المحرم بعد إحرامه بدين لاحد في ذمته أو بحق ثابت عليه، فإن كان قادرا على وفاء الدين الثابت في ذمته وأداء الحق الواجب عليه، والتخلص من الحبس لم يجر عليه حكم المصدود، الحق الواجب عليه، والتخلص من الحبس لم يجر عليه حكم المصدود، فإذا هو لم يؤد ما عليه واستمر حبسه لم يجز له أن يتحلل من إحرامه بالهدي، وإن كان غير قادر على الوفاء بهما لحقه حكم المصدود وأمكن له التحلل بذبح الهدي.

[ 491 ]

[ المسألة 1110: ] قد اتضح مما بيناه في هذا الفصل ان الصد هو أن يمنع المكلف المحرم شخص متسلط عليه عن إتمام الحج أو العمرة، وان الاحصار هو أن يمنعه مرض وشبهه من الطوارئ عن ذلك، وان التحلل بذبح ما استيسر من الهدي إنما هو حكم للمصدود والمحصر، ونتيجة لذلك، فإذا عرض للمحرم عارض آخر غير الصد والحصر فمنعه عن إتمام الحج لم يجر عليه حكم المصدود أو المحصر، ولم يتحلل بالهدي. ومن امثلة ذلك: أن تنكسر دابته أو سفينته أو سيارته فلا يمكنه الوصول إلى مكة أو إلى الموقفين حتى يفوته النسك الذي أحرم به، ومن أمثلة ذلك: أن يعرض له في أثناء سفره بعض السباع والوحوش فيقطع عليه الطريق، ومن أمثلة ذلك: أن يتفق له في سفره نزول أمطار غزيرة أو برد شديد أو عواصف عاتية فيمنعه ذلك عن مواصلة السفر، فلا يجوز له أن يتحلل بالهدي، وإذا اتفق له حدوث مثل ذلك ففاته الحج وجب عليه أن يتحلل من إحرامه بعمرة مفردة. [ المسألة 1111: ] يجب أن يكون الهدي الذي يتحلل به المصدود أو المحصر من إحرامه من الانعام الثلاثة: الابل أو البقر أو الغنم، ولا يجزي غيرها من الحيوانات الاهلية أو الوحشية. [ المسأله 1112: ] إذا أحرم المكلف بحج القران وساق معه هديا، ثم صده العود عن إتمام الحج فلا يترك الاحتياط بأن يكون الهدي الذي يتحلل به من إحرامه غير الهدي الذي ساقه معه في إحرامه، وكذلك إذا ساق معه هديا في إحرام العمرة ثم صد عن اتمامها، فلا يتداخل الهديان على الاحوط.

[ 492 ]

وإذا أتى المحرم في أثناء احرامه ما يوجب الكفارة، ثم صد عن اتمام الحج أو العمرة، لم يكفه هدي واحد للكفارة وللتحلل به، ولابد من التعدد، ونظير ذلك: ما إذا نذر في احرامه أن يذبح هديا، ثم صد عن اتمام نسكه، فلا يكفيه هدي واحد للنذر وللتحلل، الا إذا قصد في نذره ان يذبح هديا مطلقا وان كان للتحلل به إذا صد. [ المسأله 1113: ] إذا أحرم الانسان بعمرة مفردة أو بعمرة تمتع، أو بحج تمتع أو افراد، ثم حدث له بعد احرامه مرض فمنعه عن الاتيان بالنسك الذي أحرم به سمي ذلك المكلف محصرا، كما ذكرنا في المسألة الالف والمائة والواحدة، وقد سبق في المسألة الخمسمائة والخامسة والتسعين: انه يستحب للمحرم ان يشترط على الله عند احرامه أن يحله حيث حبسه. فإذا كان المحرم قد اشترط في احرامه هذا الشرط ثم احصره المرض، أحل من احرامه من غير حاجه إلى هدي يتحلل به، والظاهر أن المحرم يتحلل عند ذلك من جميع محرمات الاحرام حتى من الثياب والطيب والنساء، والاحوط له استحبابا اجتناب النساء حتى يحج في القابل أو يعتمر، فيطوف ويسعى ويطوف طواف النساء، وسيأتي حكمه إذا احرم بحج القران وساق معه الهدي ثم احصر. [ المسألة 1114: ] إذا أحرم بعمرة مفردة أو بعمرة تمتع أو بحج التمتع أو الافراد كما في الفرض المتقدم، ولم يشترط في احرامه على ربه أن يحله حيث حبسه، ثم احصره المرض واراد التحلل من احرامه لم يتحلل منه الا بالهدي، ويتخير على الاقوى بين أن يبعث الهدي مع بعض من يأتمنه، ليذبحه عنه في منى، ويبقى هو على احرامه فلا

[ 493 ]

يحلق ولا يقصر حتى يبلغ الهدي محله على التفصيل الآتي، وأن يذبح الهدي في الموضع الذي احصر فيه، فإذا فعل احدهما احل من محرمات الاحرام كلها الا النساء، فانها لا تحل له حتى يحج أو يعتمر في القابل فيطوف ويسعى ويطوف طواف النساء. [ المسألة 1115: ] إذا أحرم المكلف بحج القران وساق معه هديا، ثم أحصره المرض عن الاتيان بالحج أو عن اتمامه، فإن كان قد اشترط على الله في احرامه أن يحله حيث حبسه، وجب عليه أن يبعث بهديه الذي ساقه معه مع بعض من يأتمنه ليذبحه عنه في منى، ثم قصر أو حلق في موضعه وتحلل من احرامه بنفس ارسال الهدي مع الامين، ولم ينتظر أن يبلغ الهدي محله، فيحل بذلك حتى من النساء، ويجري فيه الاحتياط المستحب الذي ذكرناه قبل المسألة المتقدمة. وان لم يشترط القارن على الله ان يحله حيث حبسه ارسل هدي السياق مع الشخص الذي استأمنه واستنابه ليذبحه عنه في منى وعينا بينهما موعدا لذبح الهدي في محله، وبقي هو منتظرا على احرامه، فإذا حل الموعد ومضى الوقت المعين بينهما قصر واحل من احرامه، وحل له كل شئ من محرمات الاحرام الا النساء فلا تحل له كما ذكرنا في المسألة السابقة [ المسألة 1116: ] إذا احصر المحرم بالحج وبعث بالهدي ولم يتحلل بعد من احرامه، ثم زال عنه الاحصار وظن أو احتمل احتمالا قريبا انه يدرك الحج إذا التحق بالناس وجه عليه أن يلتحق، فإن هو ادرك الوقوفين أو أحدهما على الوجه الذي يصح معه وقد تقدم بيان هذا في المسألة التسعمائة والحادية والثلاثين والمسائل التي تليها، أجزأه ذلك، وإن فاته الحج تحلل من احرامه بعمرة مفردة، وكذلك الحكم

[ 494 ]

في المصدود إذا ارتفع عنه الصد قبل أن يتحلل من احرامه. [ المسألة 1117: ] إذا احصر المكلف عن مناسك منى في يوم النحر، أو أحصر عن أعمال مكة بعد النحر جرت فيه احكام المصدود عنها وقد تقدم بيانها قريبا. [ المسأله 1118: ] إذا احصر المكلف عن الحج أو العمرة فتحلل من احرامه بأحد الوجوه التى مر ذكرها لم يسقط عنه التكليف بالحج ولا العمرة إذا كانا واجبين، فيجب عليه الحج في العام المقبل إذا كان وجوبه قد استقر في ذمته من عام سابق، أو استطاع الحج لعامه ولم تزل استطاعته إلى العام الآتي، أو زالت ثم تجددت له بعد ذلك، ومثله حكم العمرة المفردة إذا وجبت عليه كذلك. [ المسألة 1119: ] إذا أرسل المكلف المحصر ثمن الهدي مع بعض اصحابه ليشتري به هدي التحلل ويذبحه بالنيابة عنه في الوقت المعين والموضع المعين، واحل المكلف من احرامه بعد مضي الوقت الذي عينه النائب، ثم علم أن النائب لم يجد الهدي أو نسي أن يشتريه، وجب على المكلف أن يجتنب محرمات الاحرام حتى يرسل مرة أخرى ولم يضره ما فعل من المحرمات في حال جهله. [ المسألة 1120: ] إذا احصر المحرم بالحج وبعث بالهدي ولم يتحلل بعد من احرامه كما في المسألة الالف والمائة والخامسة عشرة، لم يجز له الحلق حتى يبلغ الهدي محله، فإذا اضطر إلى الحلق لاذى في راسه من ألم شديد أو قرحة أو قمل لا يتحمل عادة جاز له أن يحلق رأسه ويكفر عن ذلك بذبح شاة أو بصيام ثلاثة أيام أو باطعام ستة مساكين

[ 495 ]

يدفع لكل مسكين مدين من الطعام.

[ 496 ]

[ الفصل السابع والعشرون ] [ في بعض ما ينبغي فعله في مكة من المستحبات والاعمال ] [ المسألة 1121: ] والاعمال يستحب للانسان أن يطوف بالبيت في مدة إقامته بمكة ثلاثمائة وستين طوافا تاما، كل طواف منها سبعة أشواط، فإن لم يقدر على ذلك استحب له أن يطوف به ثلاثمائة وستين شوطا يقسمها كل سبعة أشواط طوافا، فإذا طاف إثنين وخمسين طوافا تم له العدد المذكور وزاد عليه أربعة أشواط، فإن لم يقدر على ذلك طاف بقدر ما يستطيع. وفي الحديث عن أبي عبد الله (ع): (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يطوف بالليل والنهار عشرة أسابيع، ثلاثة أول الليل وثلاثة آخر الليل، وإثنين إذا أصبح وإثنين بعد الظهر، وكان في ما بين ذلك راحته). [ المسألة 1122: ] تستحب كثرة الطواف في العشر الاولى من ذي الحجة، ففي الخبر عنه (ع): (الطواف قبل الحج افضل من سبعين طوافا بعد الحج)، وعنه (ع): (مقام يوم قبل الحج أفضل من مقام يومين بعد الحج). [ المسألة 1123: ] يجوز للمكلف أن يأكل ويشرب في حال طوافه بالبيت ولا يبطل طوافه بذلك، ويجوز له أن يتحدث مع غيره في أثناء الطواف، ويضحك وينشد الشعر إذا كان الشعر من غير الممنوع شرعا سواء

[ 497 ]

كان الطواف واجبا أم مستحبا، نعم، يكره له التكلم في أثناء الطواف الواجب بغير الدعاء وذكر الله وتلاوة القرآن، ولا ينبغي له التعدي عن مراعاة الادب في حديثه وضحكه وهو في حال الطواف وإن كان مستحبا. [ المسألة 1124: ] يستحب للطائف أن يختار قراءة القرآن على الدعاء والذكر في أثناء طوافه، فإذا مر بآية من آيات السجود وأمكنه السجود سجد إلى الكعبة ثم قام وأتم شوطه من موضع قطعه، وإن لم يمكنه السجود أومأ برأسه إلى الكعبة بنية السجود. [ المسألة 1125: ] يكره للمكلف أن يطوف بالبيت وعلى رأسه برطلة، وهي قلنسوة طويلة كانت من زي اليهود، والكراهة التي ذكرناها إنما هي لغير الطائف المحرم، واما المحرم فلا ريب في حرمة تغطية رأسه بها وبغيرها، ويكره لبس البرطلة حول الكعبة وإن لم يكن اللابس لها طائفا، وإذا كان في لبسها تشبه بأعداء الله ورسوله، فالاحوط للمكلف إجتناب لبسها في جميع الحالات. [ المسألة 1126: ] يستحب للحاج والمعتمر أن يكثر من النظر إلى الكعبة المعظمة، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله: (النظر إلى الكعبة حبا لها يهدم الخطايا هدما)، وعن أمير المؤمنين (ع): (إذا خرجتم حجاجا إلى بيت الله فاكثروا النظر إلى بيت الله، فإن لله مائة وعشرين رحمة عند بيته الحرام، ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين)، وقد تكثرت الاخبار في الدلالة على ذلك. ويستحب له التعلق بأستار الكعبة عند المستجار وغيره وإكثار الدعاء والتوسل إلى الله سبحانه عند التعلق بها.

[ 498 ]

[ المسألة 1127: ] يستحب للحاج وللمعتمر بعد أن يفرغ من نسكه أن يطوف بالبيت اسبوعا ويصلي صلاة الطواف عن أبيه وعن أمه وعن ولده وعن زوجته وعن أخيه ورحمه وجاره وصديقه وذي الحق عليه، فإن لم يفرد كل واحد منهم بطواف أو لم يقدر على ذلك، إستحب له أن يطوف طوافا ويصلي ركعتيه عن جميعهم، ففي خبر إبراهيم الحضرمي أنه قال لابي الحسن موسى (ع): إني إذا خرجت إلى مكة ربما قال لي الرجل: طف عني أسبوعا وصل ركعتين، فأشتغل عن ذلك، فإن رجعت لم أدر ما أقول له، قال (ع): إذا أتيت مكة فقضيت نسكك، فطف أسبوعا وصل ركعتين، ثم قل: (اللهم إن هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وعن أمي وعن زوجتي وعن ولدي وعن حامتي وعن جميع أهل بلدي حرهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم) فلا تشاء ان تقول للرجل إني قد طفت عنك وصليت عنك ركعتين إلا كنت صادقا، فإذا أتيت قبر النبي صلى الله عليه وآله فقضيت ما يجب عليك فصل ركعتين، ثم قف عند رأس النبي صلى الله عليه وآله ثم قل (السلام عليك يا نبي الله من أبي وأمي وزوجتي وولدي وجميع حامتي ومن جميع أهل بلدي حرهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم) فلا تشاء أن تقول للرجل: إني قد أقرأت رسول الله صلى الله عليه وآله عنك السلام، إلا كنت صادقا. [ المسألة 1128: ] يستحب للانسان أن يكثر من العبادة في مكة، ومن قراءة القرآن، وقد ورد عنهم (ع): (تسبيحة بمكة أفضل من خراج العراقين ينفق في سبيل الله)، وعنهم (ع): (الساجد بمكة كالمتشحط بدمه في سبيل الله)، ويستحب له أن يختم القرآن فيها

[ 499 ]

مرة أو أكثر، ففي الخبر عن الامام زين العابدين (ع) وعن ولده أبي جعفر (ع): (من ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وآله ويرى منزله في الجنة). [ المسألة 1129: ] ينبغي للناسك أن يزور مولد الرسول صلى الله عليه وآله وهو الموضع الذي ولد صلى الله عليه وآله فيه، وقد كان أحد بيوتهم في شعب بني هاشم، وقد أدخل في دار محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف لما إشتراه محمد بن بعض أولاد عقيل بن أبي طالب، ثم إشترته الخيزران أم هارون الرشيد وجعلته مسجدا يصلى فيه وأشرعت بابه في الزقاق، وهو الآن يقع في زقاق يقال له: زقاق المولد في سوق الليل. وينبغي له أن يزور منزل الرسول صلى الله عليه وآله، وهو منزل زوجته خديجة بنت خويلد أم المؤمنين (رض) وقد سكنه الرسول صلى الله عليه وآله معها في أيام حياتها، وسكنه بعد وفاتها إلى أن هاجر إلى المدينة وفيه ولدت أولادها، وهو الآن مسجد يقع في زقاق يسمى زقاق الحجر، ويقال لهذه الدار: مولد فاطمة الزهراء (ع)، وينبغي له أن يزور دار الارقم المخزومي، وهي دار كان الرسول صلى الله عليه وآله يختبئ فيها عن المشركين، ويجتمع فيها مع أصحابه يقرأ عليهم القرآن ويعلمهم، وهي الآن مسجد في جنب الصفا. [ المسألة 1130: ] يستحب له أن يزور قبر السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين (رض)، وقبرها معروف في مقبرة الحجون ويقع في سفح الجبل، وأن يزور أبا طالب مع الامكان، وقبور من تصح زيارته وتمكن من الهاشميين وغيرهم، على أن لا يعرض نفسه للاخطاء

[ 500 ]

والاخطار. [ المسألة 1131: ] يستحب للحاج والمعتمر أن يزور المواضع التي إتصلت بتأريخ الرسول صلى الله عليه وآله، حتى أصبحت من آثار النبوة ومن أجزاء تأريخها، وأن يتذكر ويتأمل ويعتبر، فيستفيد من عطاء هذه المواضع ويقتبس من أعمال الرسول وأقواله فيها في تركيز عقيدته وترسيخ إيمانه وتصحيح عمله وتصفية نفسه. فمن المواضع المذكورة غار حراء، وحراء بكسر الحاء وفتح الراء جبل طويل يكون في الشمال الشرقي من مكة، وغار حراء يقع في رأس الجبل مشرف مما يلي القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وآله قبل نزول الوحي عليه يأتي هذا الجبل ويقيم في الغار أياما وليالي للانفراد والتعبد فيه والتبتل، حتى نزل عليه الوحي وأمر بالتبليغ وأن يصدع بالرسالة. ومن المواضع التي تستحب زيارتها جبل ثور، وهو جبل يقع بأسفل مكة على طريق عرنة، وقد خرج إليه الرسول صلى الله عليه وآله مع صاحبه في ليلة الهجرة واختبأ في الغار حتى أمره الله بالهجرة إلى المدينة. [ المسالة 1132: ] ومن المساجد المباركة التي يستحب للناسك أن يزورها مسجد غدير خم، وهو الموضع الذي جمع الرسول صلى الله عليه وآله فيه المسلمين في رجوعهم من حجة الوداع ونص بالامامة على أمير المؤمنين (ع) وأعلن كلمته في الولاية من بعده على الامة، فقال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. وفيه أنزلت الآية الكريمة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) بعد عقد الولاية.

[ 501 ]

[ المسالة 1133: ] يستحب للناسك إذا رجع من مكة على طريق المدينة أن ينزل بالمعرس، وهو موضع بذي الحليفة مما يلي القبلة من مسجد الشجرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله ينزل فيه ويصلي ويضطجع، ومن أجل ذلك سمي بالمعرس، فيستحب للناسك عند رجوعه من مكة أن ينزل في الموضع المذكور ويصلي فيه ويضطجع ولو قليلا، سواء مر به ليلا أم نهارا، وإذا تجاوزه ولم ينزل فيه استحب له أن يرجع إليه ويفعل ذلك، وإستحباب التعريس إنما هو في الرجوع من مكة لا في الذهاب إليها.

[ 502 ]

[ الفصل الثامن والعشرون ] [ في أعمال المدينة المنورة وآدابها ] [ المسألة 1134: ] للمدينة حرم حدده الرسول في عهده صلى الله عليه وآله وهو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، أو ما بين لابتي المدينة، أو ما بين الحرتين منها. وعائر جبل يقع في جهة المشرق من المدينة، أو هو في جهة القبلة منها بالقرب من ذي الحليفة كما يقول صاحب خلاصة الوفاء، ووعير في الجهة المقابلة منها، والمسافة ما بين الجبلين تبلغ اربعة فراسخ أو اثني عشر ميلا، واللابة بتخفيف الباء هي الارض ذات الحجارة السوداء، وهي كذلك الحرة بفتح الحاء وتشديد الراء، وللمدينة لابتان أو حرتان تقع احداهما في شرق المدينة وهي حرة بني قريضه، وتقع الثانية في غرب المدينة وهي حرة العقيق، والتحديدات الثلاثة المذكورة ترجع إلى شئ واحد لا اختلاف فيه. [ المسألة 1135: ] لا يجب الاحرام لدخول حرم المدينة كما يجب لدخول الحرم في مكة، ولا تلزم الكفارة للصيد في حرم المدينة كما تلزم للصيد في حرم مكة، ولا تجب الكفارة لقطع الشجر والنبات أو قلعه في حرم المدينة، ولا يحرم أكل صيد الحرم المدني كما يحرم أكل صيد الحرم المكي، وكل ذلك مما لا خلاف ولا ريب فيه. وذهب جماعة من الفقهاء إلى حرمة قطع الشجر والنبات في حرم المدينة عدا ما يجوز قطعه في حرم مكة، والى حرمة الصيد فيه حرمة تكليفية خاصة في كلا الموردين فيأثم من يفعل ذلك متعمدا ولا

[ 503 ]

كفارة عليه، والاحوط ذلك، وان كان القول بالكراهة وعدم الحرمة فيهما لا يخلو من وجه قوي. [ المسألة 1136: ] تستحب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله في المدينة استحبابا شديد التأكد وخصوصا للحاج، وقد ورد في كتاب الخصال عن علي (ع) قال: (أتموا برسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام فإن تركه جفاء وبذلك أمرتم، وأتموا بالقبول التي ألزمكم الله حقها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها). وعن ابي عبد الله (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة جفاني ومن جفاني جفوته يوم القيامة، ومن جاءني زائرا وجبت له شفاعتي ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة). وتراجع المسألة الخامسة من أول الكتاب. [ المسألة 1137: ] يستحب الغسل لدخول المدينة ويتخير المكلف بين أن يقدم الغسل على الدخول فيها وأن يغتسل بعدما يدخل، وأن يبادر إلى زيارة الرسول صلى الله عليه وآله قبل أي عمل من أعمالها، ويكفيه أن يغتسل غسلا واحدا ينوي به الدخول إلى المدينة، والدخول إلى المسجد وزيارة الرسول صلى الله عليه وآله ما لم ينقضه بأحد الاحداث قبل العمل. [ المسألة 1138: ] إذا أراد الانسان دخول المسجد للزيارة وقف على باب المسجد مستأذنا وقال كما ورد في الكتب المعتمدة: (اللهم اني وقفت على باب من أبواب بيوت نبيك (صلواتك عليه وآله)، وقد منعت الناس أن يدخلوا الا باذنه فقلت: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم، اللهم اني اعتقد حرمة

[ 504 ]

صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقدها في حضرته، وأعلم أن رسولك وخلفاءك عليهم السلام أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامي، وانك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم، واني استأذنك يا رب أولا، واستأذن رسولك (صلى الله عليه وآله) ثانيا، واستأذن خلفاءك الائمة المفروض علي طاعتهم والملائكة الموكلين بهذه البقعة المباركة ثالثا، أأدخل يا رسول الله، أأدخل يا حجج الله، أأدخل يا ملائكة الله المقربين المقيمين في هذا المشهد، فأذن لي يا مولاي في الدخول أفضل ما أذنت لاحد من اوليائك، فإن لم أكن اهلا لذلك فأنت أهل لذلك)، ثم ليدخل وهو يقول: (بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي، انك انت التواب الرحيم). [ المسألة 1139: ] في حيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها، ثم تأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله فتسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم تقوم عند الاسطوانة المقدمة من جانب القبر الايمن عند رأس القبر عند زاوية القبر وانت مستقبل القبلة ومنكبك الايسر الى جانب القبر، ومنكبك الايمن مما يلي المنبر، فإنه موضع رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول: (أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، وأشهد أنك محمد بن عبد الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لامتك وجاهدت في سبيل الله، وعبدت الله حتى أتاك اليقين بالحكمة والموعظة الحسنة، وأديت الذي عليك من الحق، وأنك قد رؤفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين، فبلغ الله بك أفضل شرف محل المكرمين، الحمد لله الذي استنقذنا

[ 505 ]

بك من الشرك والضالة، اللهم فاجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السموات والارضين، ومن سبح لك يا رب العالمين من الاولين والآخرين على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيك وحبيبك وصفيك وخاصتك وصفوتك وخيرتك من خلقك، اللهم اعطه الدرجة والوسيلة من الجنة، وابعثه مقاما محمودا يغبطه به الاولون والآخرون، اللهم انك قلت: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)، واني أتيت نبيك مستغفرا تائبا من ذنوبي، واني اتوجه اليك بنبيك نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله، يا محمد اني أتوجه بك إلى الله ربي وربك ليغفر لي ذنوبي). ثم قال (ع): وان كانت لك حاجة فاجعل قبر النبي خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يديك، وسل حاجتك، فإنك أحرى ان تقضى إن شاء الله. [ المسألة 1140: ] روى ابن قولويه باسناده عن ابراهيم بن أبي البلاد قال: قال لي أبو الحسن (ع): كيف تقول في التسليم على النبي صلى الله عليه وآله؟ قلت الذي نعرفه ورويناه، قال أولا أعلمك ما هو أفضل من هذا؟، قلت نعم جعلت فداك، فكتب لي وأنا قاعد بخطه وقرأه علي: إذا وقفت على قبره صلى الله عليه وآله فقل: (أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأشهد أنك محمد بن عبد الله، وأشهد أنك خاتم النبيين، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لامتك وجاهدت في سبيل ربك وعبدته حتى اتاك اليقين، وأديت الذي عليك من الحق، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونجيك وأمينك وصفيك وخيرتك من خلقك أفضل ما صليت على

[ 506 ]

أحد من أنبيائك ورسلك، اللهم سلم على محمد وآل محمد كما سلمت على نوح في العالمين، وامنن على محمد وآل محمد كما مننت على موسى وهارون، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل محمد، اللهم رب البيت الحرام ورب المسجد الحرام، ورب الركن والمقام ورب البلد الحرام ورب الحل والحرام ورب المشعر الحرام بلغ روح نبيك محمد صلى الله عليه وآله مني السلام). [ المسألة 1141: ] مما ورد عنهم (ع): أن يقول الانسان في السلام عليه صلى الله عليه وآله: (السلام على رسول الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أمين الله، اشهد انك قد نصحت لامتك، وجاهدت في سبيل الله وعبدته حتى اتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، أفضل ما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد). وورد عن الامام علي بن الحسين (ع): إذا سلم على النبي صلى الله عليه وآله ودعا بما أراد، اسند ظهره الى القبر، واستقبل القبلة، وقال: (اللهم اليك الجأت أمري والى قبر نبيك محمد صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك أسندت ظهري، والقبلة التي رضيت لمحمد صلى الله عليه وآله استقبلت، اللهم اني أصبحت لا املك لنفسي خير ما أرجو، ولا أدفع عنها شر ما احذر عليها، وأصبحت الامور بيدك، فلا فقير أفقر مني، رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير، اللهم ارددني منك بخير فإنه لا راد لفضلك، اللهم إني أعوذ بك من أن تبدل اسمي، أو تغير جسمي، أو تزيل نعمتك عندي، اللهم كرمني بالتقوى، وجملني بالنعم، واعمرني بالعافية وارزقني شكرا لعافيتك).

[ 507 ]

[ المسألة 1142: ] يستحب للانسان أن يغتنم فرصة بقائه في المدينة فيكثر من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فالصلاة الواحدة فيه تعدل ثواب ألف صلاة في غيره من المساجد غير المسجد الحرام، وفي بعض النصوص: (ان الصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة)، والاختلاف في مقادير الفضل منزل على اختلاف مراتب المصلين في العلم والايمان والاخلاص، ويتأكد الاستحباب في الروضة المباركة، وهي ما بين القبر والمنبر، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة)، وفي خبر مرازم عن ابي عبد الله (ع).. فقلت له: جعلت فداك، ما حد الروضة؟ فقال (ع): بعد اربع أساطين من المنبر إلى الظلال، فقلت: جعلت فداك من الصحن فيها شئ قال: لا. [ المسألة 1143: ] يستحب له أن يأتي مقام جبرئيل (ع)، وموضعه تحت الميزاب، وأن يقول: (أي جواد أي كريم، أي قريب، أي بعيد أسألك أن تصلي على محمد وأهل بيته وان ترد علي نعمتك). [ المسألة 1144: ] تستحب زيارة السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) استحبابا مؤكدا، وقد نقلت في تعيين موضع قبرها عدة روايات، فقيل: انها مدفونة في البقيع عند قبور أولادها أئمة البقيع (ع) أو في موضع آخر منه، وقيل: انها دفنت في الروضة ما بين قبر الرسول ومنبره، وقيل: انها دفنت في بيتها، ولما زاد بنو أمية في توسعة المسجد في أيام خلافتهم دخل القبر في المسجد، وقد اعتمد على هذا القول جماعة من الاعلام.

[ 508 ]

[ المسألة 1145: ] يستحب أن يقول الانسان في زيارتها (ع): (يا ممتحنة، امتحنك الذي خلقك قبل ان يخلقك، فوجدك لما امتحنك صابرة، وزعمنا أنا لك أولياء ومصدقون وصابرون لكل ما أتانا به أبوك صلى الله عليه وآله، وأتى به وصيه (ع)، فإنا نسألك ان كنا صدقناك الا ألحقتنا بتصديقنا لهما لنبشر أنفسنا بانا قد طهرنا بولايتك)، وقد روى الشيخ الطوسي (ره) في المصباح لها زيارة أخرى وقد ذكرها صاحب المفاتيح فليطلبها من أحب المزيد. [ المسألة 1146: ] تستحب زيارة الائمة الطاهرين المدفونين في البقيع، وهم الامام الحسن بن علي الزكي، والامام علي بن الحسين السجاد، والامام محمد بن علي الباقر، والامام جعفر بن محمد الصادق، (صلوات الله عليهم) استحبابا مؤكدا، وقد ذكر الشيخ القمي في كتاب المفاتيح لهم (ع) زيارة جامعة تشتمل على الاستيذان والظاهر أنه (ره) قد رواها عن بعض كتب الشيخ والسيد ابن طاووس ونحن نوردها اعتمادا على أمانته في النقل. قال (تغمده الله برحمته) بعد أن ذكر بعض آداب الزيارة، وقل أيضا: (يا موالي يا أبناء رسول الله عبدكم وابن أمتكم، الذليل بين أيديكم، والمضعف في علو قدركم، والمعترف بحقكم جاءكم مستجيرا بكم قاصدا إلى حرمكم، متقربا إلى مقامكم، متوسلا إلى الله تعالى بكم، أأدخل يا موالي، أأدخل يا أولياء الله، أأدخل يا ملائكة الله المحدقين بهذا الحرم، المقيمين بهذا المشهد)، وادخل وأنت تقول: (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، والحمد لله الفرد الصمد الماجد الاحد المتفضل المنان المتطول الحنان الذي من بطوله وسهل زيارة ساداتي

[ 509 ]

باحسانه ولم يجعلني عن زيارتهم ممنوعا بل تطول ومنح). ثم اقترب من قبورهم المقدسة واستقبلها واستدبر القبلة ثم قل: (السلام عليكم أئمة الهدى، السلام عليكم أهل التقوى، السلام عليك ايها الحجج على أهل الدنيا، السلام عليكم ايها القوام في البرية بالقسط، السلام عليكم أهل الصفوة، السلام عليكم آل رسول الله، السلام عليكم أهل النجوى، أشهد أنكم قد بلغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله، وكذبتم وأسئ اليكم فغفرتم، واشهد أنكم الائمة الراشدون المهتدون، وأن طاعتكم مفروضة، وأن قولكم الصدق، وأنكم دعوتم فلم تجابوا، وأمرتم فلم تطاعوا، وأنك دعائم الدين، وأركان الارض، لم تزالوا بعين الله، ينسخكم من أصلاب كل مطهر، وينقلكم من أرحام المطهرات لم تدنسكم الجاهلية الجهلاء، ولم تشرك فيكم فتن الاهواء، طبتم وطاب منبتكم، من بكم علينا ديان الدين، فجعلكم في بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلاتنا عليكم رحمة لنا، وكفارة لذنوبنا، إذ اختاركم الله لنا وطيب خلقنا بما من علينا من ولايتكم، وكنا عنده مسمين بعلمكم، معترفين بتصديقنا اياكم، وهذا مقام من أسرف وأخطأ واستكان واقر بما جنى، ورجا بمقامه الخلاص وأن يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى من الردى، فكونوا لي شفعاء فقد وفدت اليكم إذ رغب عنكم أهل الدنيا واتخذوا آيات الله هزوا واستكبروا عنها)، وارفع هنا راسك إلى السماء وقل: (يا من هو قائم لا يسهو ودائم لا يلهو ومحيط بكل شئ، لك المن بما وفقتني وعرفتني بما اقمتني عليه إذ صد عنه عبادك وجهلوا معرفته، واستخفوا بحقه، ومالوا إلى سواه، فكانت المنة منك علي مع أقوام خصصتهم بما خصصتني به فلك الحمد، إذ كنت عندك في مقامي هذا مذكورا مكتوبا، فلا تحرمني ما رجوت ولا تخيبني في ما دعوت بحرمة محمد وآله

[ 510 ]

الطاهرين وصلى الله على محمد وآل محمد) ثم ادع لنفسك بما تريد، ثم صل صلاة الزيارة لكل امام ركعتين. [ المسألة 1147: ] يستحب ايضا ان تقول في زيارتهم (ع): (السلام على أولياء الله وأصفياته، السلام على أمناء الله وأحبائه، السلام على انصار الله وخلفائه، السلام على محال معرفة الله، السلام على مساكن ذكر الله، السلام على مظهري أمر الله ونهيه السلام على الدعاة إلى الله، السلام على المستقرين في مرضات الله، السلام على المخلصين في طاعة الله، السلام على الادلاء على الله، السلام على الذين من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن تخلى منهم فقد تخلى من الله عز وجل، واشهد الله أني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم، مؤمن بسركم وعلانيتكم، مفوض في ذلك كله اليكم، لعن الله عدو آل محمد من الجن والانس، وأبرأ إلى الله منهم، وصلى الله على محمد وآله) وتكثر من الصلاة على محمد وآله وتسمي واحدا واحدا بأسمائهم، وتبرأ إلى الله من أعدائهم، وتدعو بما أحببت لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات. وهذه هي الزيارة الجامعة الصغيرة التي يزار بها جميع المعصومين (ع)، ومما يتأكد استحبابه مع الامكان أن تزورهم بالزيارة الجامعة الكبيرة وزيارة أمين الله. [ المسالة 1148: ] تستحب للرجل زيارة قبور المؤمنين والصلحاء في البقيع من الصحابة والتابعين ومن أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وبناته وزوجاته وغيرهم، ويقرأ في زيارتهم زيارة أهل لا اله الا الله المعروفة. وتستحب له زيارة قبر ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبر

[ 511 ]

السيدة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) وسنذكر ما يقال في زيارتهما، ومن البر برسول الله صلى الله عليه وآله أن يزار قبر عمه العباس وابن عمه عقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر ومرضعته السعدية وقبر أم البنين وقبور صحابته الاجلاء المدفونين هناك. [ المسألة 1149: ] يستحب للانسان أن يزور المساجد المباركة في المدينة وما حولها، ومن المستحبات المؤكدة أن يأتي مسجد قبا ويصلي فيه ويكثر الصلاة فيه، فإنه أول مسجد صلى فيه الرسول في المدينة وهو المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وان يأتي مشربة أم ابراهيم وهي موضع كانت تسكنه مارية القبطية، وتقع بالقرب من مسجد قبا، وكانت مسكن الرسول (ص) ومصلاه، فيستحب للانسان أن يزورها ويصلي فيها ويجدد التسليم على الرسول فيها، ويستحب له أن يأتي مسجد الفضيخ، ويقع ايضا بالقرب من مسجد قبا، وفي بعض الاخبار أنه الموضع الذي ردت الشمس فيه لامير المؤمنين (ع) بعد غروبها، فتستحب زيارته والصلاة فيه. [ المسألة 1150: ] ومن المستحبات المؤكدة: أن يأتي الرجل أحدا ويزور عنده قبر حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء وأن يقول في زيارته ما رواه ابن قولويه (قده) في كتابه كامل الزيارات: (السلام عليك يا عم رسول الله وخير الشهداء، السلام عليك يا أسد الله وأسد رسوله، أشهد أنك قد جاهدت في الله حق جهاده ونصحت لله ولرسوله، وجدت بنفسك، وطلبت ما عند الله ورغبت في ما وعد الله)، فإذا أمكنك الصلاة فادخل وصل ولا تستقبل القبر عند صلاتك، فإذا فرغت من صلاتك فقل: (اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته، اللهم اني تعرضت لرحمتك بلزوقي بقبر عم نبيك (صلواتك عليه وعلى

[ 512 ]

أهل بيته)، لتجيرني من نقمتك وسخطك ومقتك، ومن الاضلال في يوم تكثر فيه الاصوات والمعرات، وتشتغل كل نفس بما قدمت وتجادل كل نفس عن نفسها، فإن ترحمني اليوم فلا خوف علي ولا حزن، وان تعاقب فمولى، له القدرة على عبده، اللهم فلا تخيبني اليوم ولا تصرفني بغير حاجتي، فقد لزقت بقبر عم نبيك وتقربت به اليك ابتغاء لمرضاتك ورجاء رحمتك فتقبل مني، وعد بحلمك على جهلي، وبرأفتك على جناية نفسي، فقد عظم جرمي، وما أخاف أن تظلمني ولكن اخاف سوء الحساب، فإنظر اليوم تقلبي على قبر عم نبيك (صلواتك على محمد وأهل بيته) فبهم فكن لي ولا تخيب سعيي ولا يهون عليك ابتهالي ولا تحجب عنك صوتي ولا تقلبني بغير حوائجي، يا غياث كل مكروب ومحزون، يا مفرج عن الملهوف الحيران الغريب الغريق المشرف على الهلكة صل على محمد وأهل بيته الطاهرين، وانظر الي نظرة لا أشقى بعدها أبدا، وارحم تضرعي وغربتي وانفرادي فقد رجوت رضاك وتحريت الخير الذي لا يعطيه أحد سواك ولا ترد أملي). [ المسألة 1151: ] يستحب له أن يزور قبور الشهداء ويقول: (السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) ويقول: (السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط وانا بكم لاحقون)، ثم يأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينه فيصلي فيه، فقد صلى الرسول فيه يوم أحد لما خرج إلى حرب المشركين. ويستحب له أن يأتي مسجد الاحزاب ويسمى ايضا مسجد الفتح فيصلي فيه ويدعو الله، وقد دعا الرسول صلى الله عليه وآله فيه عند اشتداد الامر في يوم الاحزاب إذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وظن البعض بالله الظنون وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا

[ 513 ]

شديدا، فقال صلى الله عليه وآله في دعائه: (يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا مغيث المهمومين اشكف همي وكربي وغمي فقد ترى حالي وحال أصحابي)، فكشف الله همه وفرج كربه بقتل عمرو بن عبدود، والقصة معلومة مشهورة، وقد ورد أنه يستبح أن يقول الانسان في دعائه في هذا المسجد: (يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين اشكف همي وغمي وكربي كما كشفت عن نبيك همه وغمه وكربه وكفيته هول عدوه في هذا المكان). [ المسألة 1152: ] ينبغي للانسان أن يزور مسجد القبلتين ومسجد علي ومسجد فاطمة وبقية المساجد المباركة وآثار الرسول الشريفة في تلك البقاع، ويكثر من الصلاة والذكر والدعاء فيها. [ المسألة 1153: ] يستحب للرجل ان يقيم بالمدينة ويطيل مدة مكثه فيها، ويكثر فيها من التعبد، ويختار الاقامة فيها على الاقامة في مكة ما أمكنه ذلك، وإذا استلزمت اقامته فيها محذورا شرعيا لم تجز. [ المسألة 1154: ] من المستحبات المأثورة للشخص إذا زار السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وصلى صلاة الزيارة أن يقرأ بعدها هذا الدعاء (اللهم اني أتوجه اليك بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وبأهل بيته صلواتك عليهم، وأسألك بحقك العظيم عليهم الذي لا يعلم كنهه سواك، وأسألك بحق من حقه عندك عظيم، وبأسمائك الحسنى التي أمرتني أن أدعوك بها، وأسألك باسمك الاعظم الذي أمرت به ابراهيم أن يدعو به الطير فأجابته، وباسمك العظيم الذي قلت للنار كوني بردا وسلاما على ابراهيم فكانت بردا، وبأحب الاسماء اليك وأشرفها وأعظمها لديك وأسرعها اجابة وأنجحها طلبة، وبما أنت أهله

[ 514 ]

ومستحقه ومستوجبه، وأتوسل اليك، وأرغب اليك، وأتضرع والح عليك، واسألك بكتبك التي أنزلتها على أنبيائك ورسلك صلواتك عليهم من التوراة والانجيل والزبور والقرآن العظيم، فإن فيها اسمك الاعظم، وبما فيها من اسمائك العظمى أن تصلي على محمد وآل محمد، وان تفرج عن آل محمد، وشيعتهم ومحبيهم وعني، وتفتح ابواب السماء لدعائي وترفعه في عليين، وتأذن في هذا اليوم وفي هذه الساعة بفرجي، واعطاء أملي وسؤلي في الدنيا والآخرة، يا من لا يعلم أحد كيف هو وقدرته الا هو، يا من سد الهواء بالسماء وكبس الارض على الماء، واختار لنفسه أحسن الاسماء، يا من سمى نفسه بالاسم الذي يقضي به حاجة من يدعوه، أسألك بحق ذلك الاسم، فلا شفيع أقوى لي منه أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تقضي لي حوائجي، وتسمع بمحمد وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن ابن علي، والحجة المنتظر لاذنك، صلواتك وسلامك ورحمتك وبركاتك عليهم صوتي، ليشفعوا لي اليك، وتشفعهم في ولا تردني خائبا بحق لا اله الا أنت) وتسأل حوائجك تقضى ان شاء الله تعالى. [ المسألة 1155: ] ينبغي للانسان إذا دخل البقيع أن يزور قبر ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فيقف على قبره ويقول: (السلام على رسول الله، السلام على نبي الله، السلام على حبيب الله، السلام على صفي الله، السلام على نجي الله، السلام على محمد بن عبد الله سيد الانبياء، وخاتم المرسلين، وخيرة الله من خلقه في أرضه وسمائه، السلام على جميع انبيائه ورسله، السلام على الشهداء والسعداء، والصالحين،

[ 515 ]

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليك أيتها الروح الزاكية، السلام عليك أيتها النفس الشريفة، السلام عليك أيتها السلالة الطاهرة، السلام عليك أيتها النسمة الزاكية، السلام عليك يا بن خير الورى، السلام عليك يا بن النبي المجتبي السلام عليك يا بن المبعوث إلى كافة الورى، السلام عليك يا بن البشير النذير، السلام عليك يا بن السراج المنير، السلام عليك يا بن المؤيد بالقرآن، السلام عليك يا بن المرسل إلى الانس والجان، السلام عليك يا بن صاحب الراية والعلامة، السلام عليك يا بن الشفيع يوم القيامة، السلام عليك يا بن من حباه الله بالكرامة، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اشهد انك قد اختار الله لك دار انعامه قبل أن يكتب عليك أحكامه أو يكلفك حلاله وحرامه، فنقلك إليه طيبا زاكيا مرضيا طاهرا من كل نجس، مقدسا من كل دنس، وبوأك جنة المأوى، ورفعك الى الدرجات العلى، وصلى الله عليك صلاة تقر بها عين رسوله، وتبلغه أكبر مأموله، اللهم اجعل أفضل صلواتك وأزكاها، وأنمى بركاتك وأوفاها، على رسولك ونبيك وخيرتك من خلقك محمد خاتم النبيين، وعلى من نسل من أولاده الطيبين، وعلى من خلف من عترته الطاهرين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اني أسألك بحق محمد صفيك، وابراهيم نجل نبيك أن تجعل سعيي بهم مشكورا، وذنبي بهم مغفورا، وحياتي بهم سعيدة، وعاقبتي بهم حميدة وحوائجي بهم مقضية، وأفعالي بهم مرضية واموري بهم مسعودة، وشؤوني بهم محمودة، اللهم وأحسن لي التوفيق ونفس عني كل هم وضيق، اللهم جنبني عقابك، وامنحني ثوابك، وأسكني جنانك وارزقني رضوانك وأمانك، وأشرك لي في صالح دعائي والدي وولدي وجميع المؤمنين المؤمنات، الاحياء منهم والاموات انك ولي الباقيات الصالحات آمين رب العالمين)، ويدعو بما يريد وينصرف.

[ 516 ]

[ المسألة 1156: ] ورد في زيارة السيدة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع): أن تقف على قبرها فتقول: (السلام على نبي الله، السلام على رسول الله، السلام على محمد سيد المرسلين، السلام على محمد سيد الاولين، السلام على محمد سيد الآخرين، السلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على فاطمة بنت أسد الهاشمية، السلام عليك أيتها الصديقة المرضية، السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك ايتها الكريمة الرضية، السلام عليك يا كافلة محمد خاتم النبيين، السلام عليك يا والدة سيد الوصيين، السلام عليك يا من ظهرت شفقتها على رسول الله خاتم النبيين، السلام عليك يا من تربيتها لولي الله الامين، السلام عليك وعلى روحك وبدنك الطاهر السلام عليك وعلى ولدك ورحمة الله وبركاته، اشهد انك أحسنت الكفالة، وأديت الامانة، واجتهدت في مرضات الله، وبالغت في حفظ رسول الله، عارفة بحقه، مؤمنة بصدقه، معترفة بنبوته، مستبصرة بنعمته، كافلة بتربيته، مشفقة على نفسه، واقفة على خدمته، مختارة رضاه، وأشهد انك مضيت على الايمان، والتمسك بأشرف الاديان، راضية مرضية طاهرة زكية تقية نقية، فرضي الله عنك وأرضاك، وجعل الجنة منزلك ومأواك، اللهم صل على محمد وآل محمد، وأنفعني بزيارتها وثبتني على محبتها، ولا تحرمني شفاعتها وشفاعة الائمة من ذريتها، وارزقني مرافقتها، واحشرني معها، ومع أولادها الطاهرين، اللهم لا تجعله آخر العهد من زيارتي اياها، وارزقني العود إليها ابدا ما أبقيتني، وإذا توفيتني فاحشرني في زمرتها، وأدخلني في شفاعتها برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم بحقها عندك ومنزلتها لديك اغفر لي ولوالدي

[ 517 ]

ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار) ثم تدعو بما تشاء وتنصرف. [ المسألة 1157: ] يستحب لمن أتى المدينة أن يصوم فيها يوم الاربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة لقضاء الحاجة، وقد وردت لهذا العمل كيفيتان، فيتخير المكلف ما شاء منهما. الكيفية الاولى: ما دلت عليها صحيحة معاوية بن عمار، وهي أن يصلي في ليلة الاربعاء وفي يومها جميع فرائضه ونوافله عند اسطوانة أبي لبابة في الروضة الشريفة، وهي المعروفة باسطوانة التوبة، ويقيم عندها بقية ليلته ويومه ويصوم وهو مقيم عندها يوم الاربعاء، ثم ينتقل في ليلة الخميس ويوم الخميس الى الاسطوانة التي تلي اسطوانة التوبة مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله، فيصلي عندها جميع صلواته ويمكث عندها ليلته ويصوم عندها نهاره، ثم ينتقل في ليلة الجمعة وفي يومها إلى الاسطوانة القريبة من مقام النبي صلى الله عليه وآله ومحرابه، فيصلي عندها صلواته ويمكث ليلته ويصوم عندها نهاره، وإذا استطاع أن لا يتكلم في تلك الليالي والايام بشئ الا بمقدار الضرورة، وان لا يخرج من المسجد الا لحاجة، وان لا ينام في ليله ولا نهاره فهو أفضل، فإذا كان في يوم الجمعة، حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله وسأل حاجته التي يريد، وليكن من دعائه أن يقول: (اللهم ما كانت اليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع، سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها) فإنك حري ان تقضى حاجتك ان شاء الله تعالى. الكيفية الثانية: ما وردت فيها صحاح أخرى، وهي أن يصوم الايام الثلاثة المذكورة، ويصلي في ليلة الاربعاء ويومها جميع

[ 518 ]

صلواته عند الاسطوانة التي عند القبر الشريف، ويقيم عندها ليلته ونهاره، ويدعو الله ويسأله كل حاجة يريدها في آخرته ودنياه، ويتحول في ليلة الخميس ويومه إلى اسطوانة التوبة، ويصنع عندها كما صنع في سابقتها، ثم يتحول في ليلة الجمعة ونهارها إلى الاسطوانة التي تلي مقام الرسول صلى الله عليه وآله ومحرابه فيصلي عندها ويمكث ويدعو كما صنع بالامس، ويقول في دعائه: (اللهم اني اسألك بعزتك وقوتك وقدرتك وجميع ما أحاط به علمك أن تصلي على محمد واهل بيته، وأن تفعل بي كذا وكذا)، ويذكر حاجته التي يريد. [ المسألة 1158: ] لا يشترط في صحة صوم الايام الثلاثة التي ذكرناها ان يكون الصائم حاضرا في المدينة أو مسافرا نوى الاقامة فيها، فقد دلت النصوص المعتبرة على صحة هذا الصيام منه وان كان مسافرا لم ينو اقامة العشرة، وهي احدى المستثنيات من الحكم بعدم صحة الصوم في السفر، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والثانية والاربعين من كتاب الصوم. [ المسألة 1159: ] لا يختص استحباب صيام الايام المذكورة بالقادمين إلى المدينة من غير أهلها بل يستحب ذلك لاهل المدينة والمجاورين فيها أيضا. [ المسألة 1160: ] يستحب للانسان أن يسلم على الرسول صلى الله عليه وآله كل ما دخل إلى المسجد وكل ما خرج منه، سواء دنا من القبر أم كان بعيدا منه، وأتم ذلك ان يقول: (أسأل الله الذي اجتباك واختارك وهداك وهدى بك أن يصلي عليك)، ثم يقول: (ان الله وملائكته يصلون

[ 519 ]

على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). [ المسألة 1161: ] يستحب له ان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله سلام أهله وأقربائه وإخوانه، كما ورد عن ابي الحسن (ع) قال: (وإذا أتيت قبر النبي فقضيت ما يجب عليك فصل ركعتين ثم قف عند رأس النبي صلى الله عليه وآله وقل: (السلام عليك يا نبي الله من أبي وأمي وولدي وخاصتي وجميع اهل بلدي حرهم وعبدهم وأبيضهم واسودهم) فلا تشاء أن تقول للرجل قد أقرأت رسول الله صلى الله عليه وآله عنك السلام، الا كنت صادقا، وقد سبق هذا في الفصل السابع والعشرين. [ المسألة 1162: ] يستحب للزائر إذا أراد الخروج من المدينة أن يغتسل لوداع الرسول صلى الله عليه وآله ثم يأتي القبر الشريف بعدما يفرغ من حوائجه، ويقف عند الاسطوانة المقدمة من جانب القبر الايمن عند رأس القبر وهو مستقبل للقبلة ويجعل منكبه الايسر إلى جانب القبر ومنكبه الايمن مما يلي المنبر، ويسلم على الرسول ثم يقول: (اللهم لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر نبيك، فإن توفيتني قبل ذلك فإني أشهد في مماتي على ما شهدت عليه في حياتي أن لا اله الا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك). وعن يونس بن يعقوب قال سألت ابا عبد الله (ع) عن وداع قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال (ع) تقول: (صلى الله عليك، السلام عليك، لا جعله الله آخر تسليمي عليك). والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله المنتجبين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية