الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كلمة التقوى - الشيخ محمد أمين زين الدين ج 2

كلمة التقوى

الشيخ محمد أمين زين الدين ج 2


[ 1 ]

[ كلمة التقوى ] [ الجزء الثاني ] طبعة جديدة منقحة ومزيدة فتاوى المرجع الديني سماحة الشيخ محمد أمين زين الدين دام ظله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شئ عليما العبادات

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأفضل صلواته وتسليماته ورحماته المباركة الدائمة على سيد خلقه وخاتم انبيائه محمد وآله الطيبين المطهرين المنتجبين المعصومين. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شئ قدير وبعد فهذا هو القسم الأول من الجزء الثالث من رسالة كلمة التقوى وهو يحتوي على كتاب الصوم، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الزكاة وكتاب الخمس والانفال وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتب العبادات، ومن الله سبحانه اسأل لنفسي ولجميع اخواني في ديني وأوليائي فيه أن يتم علينا نعمته، ويعمنا بفضله ورحمته وأن يمدنا بهداه وتوفيقه، ويثبتنا على معرفته ويبلغنا ما نرجو من خيره وبره ورعايته وكفايته في دنيانا وآخرتنا انه ارحم الراحمين، وخير الغافرين، وأن يستجيب لعبده الضعيف المفتقر إلى فضله: محمد امين زين الدين


وهو الجزء الثاني حسب تجزئتنا في طبعتنا هذه، بعد أن جمعنا الطهارة والصلاة في الجزء الأول، وخصصنا الجزء الثالث لكتاب الحج. (.) الناشر

[ 5 ]

[ كتاب الصوم ]

[ 7 ]

[ كتاب الصوم ] الصوم احدى الدعائم الكبرى التي بني عليها الإسلام، كما تواترت به النصوص عن الرسول، وعن أهل بيته الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) وهو احدى الفرائض العظمى التي فرضها الله سبحانه على عباده، لتتهذب وتسمو بها نفوسهم، وتطهر وتطمئن بها قلوبهم، وتطيب وتزكو بها أعمالهم، وتمحى وتكفر بها خطيئاتهم، وتتوثق وتعمق بها صلات مجتمعهم، وتعظم وتقوى وترسخ بها في نفوسهم وقلوبهم صلتهم الكبرى بربهم، وتشع هذه الصلة الكبرى من وراء الاعماق والابعاد على جميع الصلات والقلوب والنفوس فتملؤها ببركة الصوم بالنور والهدى، والمزيد من الطهر والحباء والعطاء والفضل الذي لا يعرف الحدود. والصوم احدى الضروريات في الدين التي يكفر منكرها، ويعزر تاركها، ويقتل بعد إقامة التعزير عليه من أصر على تركها. والصوم هو الجنة الواقية للعبد من النار، والوسيلة القريبة لقبول دعائه واستغفاره وتوبته، والسبب المقوم لما شذ من أخلاقه، وما نشز من طباعه، وما انحرف من أعماله وسلوكه، وقد اختار الله لعبادته هذه أفضل الشهور عنده، واكرمها عليه، فكرم شهره هذا وعظمه وشرفه بانزال الكتاب الكريم فيه، واختصه بليلة القدر، وجعلها خيرا من الف شهر، وميزه بمضاعفة الحسنات فيه لمن عمل، وقبول الدعوات ممن توسل، ونجح الطلبات لمن أمل، ليكون الصوم العظيم والشهر العظيم ربيعا للعبادة، وموسما للطاعة والقربى، وليتسامى العباد في موسمهم هذا إلى المنازل، ويستبقوا إلى الخيرات، ويسارعوا إلى الغايات. وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: من صام شهر رمضان وحفظ فرجه ولسانه، وكف أذاه عن الناس، غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، وأعتقه من النار، وأحله دار القرار. وكتاب الصوم يشتمل على عدة فصول:

[ 8 ]

[ الفصل الأول ] [ في النية ] [ المسألة الأولى: ] تجب النية في الصوم، وهي القصد إلى الامساك عن جميع المفطرات متقربا به إلى الله (تعالى)، ويراد بالامساك هنا أن يترك المكلف المفطرات المشار إليها، وسيأتي تعدادها وبيانها في الفصل الثاني - ان شاء الله تعالى -، وان يكون تركه إياها عن عزم وتصميم نفساني، يكون به تركها اختياريا ومقصودا للإنسان، ومن البين أن ترك الانسان للشئ لا يعد امساكا عن فعله في نظر أهل العرف ما لم يكن تركه بعزم من الانسان واختيار. ومثال ذلك: ان يترك الشخص فعل الشئ لنوم أو غفلة عنه، أو لعدم وجود ذلك الشئ لديه، فلا يعد ممسكا عنه، فإذا كان الإمساك عن المفطرات بداعي امتثال أمر الله والتقرب به إليه حصلت النية الواجبة في العبادة، وتحقق الصوم الواجب أو المندوب، وإذا كان الإمساك لغاية أخرى كان تابعا لتلك الغاية التي قصدها، ومثاله: أن يمسك عن فعل المفطر أو عن شئ آخر، لوجود مرض يمنعه عن فعله، أو بقصد التوقي من ضرر فيه، أو لبعض الدواعي الأخرى، فلا يكون صوما ولا يكون عبادة. [ المسألة الثانية: ] يعتبر في صحة الصوم - إذا كان واجبا أو كان مندوبا معينا -، ان يعين المكلف في نيته نوع ذلك الصوم الذي يريد الاتيان به، فيقصد في الصوم الواجب كونه قضاءا عن شهر رمضان مثلا، أو كونه كفارة عن الافطار، أو بدلا عن الهدي في حج التمتع، أو وفاءا بنذر، أو ما سوى ذلك من انواع الصوم الواجب، ويجب ذلك حتى في الواجب المعين على الأحوط، كما إذا نذر صوم يوم أو أيام معينة من الاسبوع أو من الشهر، وكما إذا أراد صيام الأيام الثلاثة بعد الاحرام بالحج بدلا عن هدي التمتع، وإذا كان صومه لاحدى الكفارات فعليه أن يعين انها أي الكفارات، حتى إذا كانت الكفارة الواجبة عليه واحدة غير متعددة. ولا فرق في وجوب تعيين الصوم في النية بين شهر رمضان وغيره، نعم، يتميز شهر رمضان عن غيره بأنه متعين في ذاته، وان أيام هذا الشهر لا تقبل صوما

[ 9 ]

سواه، فإذا صام المكلف في شهر رمضان وقصد في نيته ليلا الاتيان بالصوم الخاص بغد صح صومه وكفاه ذلك في التعيين وان لم يذكر في نيته ان اليوم من شهر رمضان، وكذلك إذا قصد في نيته صوم غد امتثالا للأمر الخاص به فيصح الصوم، ويكفي في التعيين. وكذلك الصوم المندوب المعين، فلا تترتب الآثار الخاصة لذلك الصوم من ثواب خاص وأثر وضعي معين، ونحو ذلك، إلا إذا عين الصائم في نيته نوع الصوم المقصود، فيقصد به صوم الايام البيض مثلا، أو صوم يوم المولود أو يوم الغدير. وإذا صام اليوم المعين وقصد في نيته طبيعة الصوم المطلقة ولم يقصد الخصوصية في اليوم، كان صوما مندوبا مطلقا، ولم تترتب عليه الآثار الخاصة للصوم المعين، المذكورة في الاحاديث الواردة فيه. [ المسألة الثالثة: ] لا تصح في أيام شهر رمضان نية صوم آخر، فإذا صام المكلف بعض أيام الشهر أو صام الشهر كله، ونوى بما أتى به صوما آخر غير صيام شهر رمضان، وكان الناوي جاهلا بأنه في شهر رمضان، أو ناسيا له، أو غافلا عنه، أجزأه ما أتى به عن شهر رمضان إذا كان ذلك المكلف ممن يجب عليه صوم الشهر، فلا يجب عليه قضاؤه بعد ذلك، ولم يكفه عن الصوم الذي نواه، سواء كان واجبا أم مندوبا. وإذا صام في شهر رمضان ونوى صيام غيره، وهو يعلم بأنه في شهر رمضان لم يجزه ذلك عن الشهر، بل ولم يجزه عما نواه على الأحوط. [ المسألة الرابعة: ] إذا كان الصوم الذي يأتي به المكلف مما يفتقر في صحته إلى تعيين نوعه في النية، وهو الصوم الواجب، والصوم المندوب المعين، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسألة الثانية، كفى المكلف أن يعينه على وجه الاجمال، فإذا علم الشخص ان صوم يوم غد - مثلا - مما أمر الله به لبعض المميزات التي أوجبت الامر بصومه كفاه في الصحة ان ينوي صوم غد امتثالا لأمر الله المتعلق به، وان لم يعلم بالعنوان الخاص الذي تعلق به الأمر، ولا بالخصوصية المميزة التي أوجبت الأمر به، وإذا علم المكلف ان في ذمته يوما واحدا يجب عليه صيامه، كفاه في صحة

[ 10 ]

الصوم أن ينوي صوم اليوم وفاءا لما في ذمته من التكليف، وان لم يتذكر ان الصوم قضاء يوم من شهر رمضان مثلا أو أداء لنذر تعلق به أو غير ذلك، أو تذكر ذلك ولم يقصده في النية على الخصوص، وإذا علم ان في ذمته واجبات متعددة، أجزأه في صحة الصوم أن ينوي الاتيان بالواجب الأول منها. [ المسألة الخامسة: ] إذا أراد المكلف أن يصوم صوما مندوبا مطلقا غير معين، وكان الزمان صالحا لذلك، كفاه في صحة صومه ان ينوي طبيعة الصوم المطلقة امتثالا لأمر الله (تعالى)، فإذا نوى الصوم كذلك صح منه، والمراد بكون الزمان صالحا للصوم المندوب ان لا يكون من الايام التي منع الشارع من الصوم فيها، كيومي العيدين، وكأيام التشريق لمن كان بمنى ونحوها من الايام التي حرم الله صومها. وانما يكتفى في صحة الصوم المندوب المطلق بالنية التي ذكرناها إذا لم يكن المكلف مشغول الذمة بقضاء شهر رمضان، فإذا كانت ذمته قد اشتغلت بذلك لم يصح صومه بالنية المذكورة، بل لا يصح منه صوم مطلق النافلة بتلك النية ولا بغيرها سواء كانت من المندوب المطلق أم المندوب المعين. وقد ذكرنا في هذه المسألة من الطبعة الأولى أنه يكفي في الصحة ايضا ان يقصد الصائم موضوع أمر الله المتعلق بالصوم وفي ذلك خفاء يعسر تبينه على العامة من الناس ولأجل خفائه تركنا ذكره هنا. [ المسألة السادسة: ] لا يجب على المكلف أن يتعرض في نية الصوم لقصد الوجوب في الصوم الواجب ولا لقصد الندب في الصوم المندوب، بأن ينوي في نفسه: (أصوم غدا لوجوبه، أو لندبه قربة إلى الله)، ولا يجب عليه ان يتعرض لقصد الأداء إذا أتى بالصوم في وقته المعين له ولقصد القضاء إذا أتى به بعد فوات وقته، الا إذا توقف على ذلك تعيين الصوم الذي يأتي به، فيجب عليه قصده من أجل التعيين. ولا يجب التعرض لسائر صفات الأمر أو المأمور به التي لا يفتقر إليها تعيين الصوم المنوي، ولا لسائر الأوصاف الأخرى، ومثال ذلك أن يأتي المكلف بصيامه الواجب عليه أو المستحب في أيام الصيف طلبا لمزيد الثواب بذلك، أو يأتي به في اوقات شريفة أو في أمكنة شريفة طلبا لزيادة التعبد فيها، فلا يلزمه قصد هذه الخصوصيات في نيته.

[ 11 ]

[ المسألة السابعة: ] يكفي في صحة صوم المكلف - سواء كان واجبا أم مندوبا ومطلقا أم معينا - أن ينوي الامساك عن جميع المفطرات التي نهاه الله - سبحانه - عن تناولها وان لم يعلم بها وبعددها على التفصيل، بل وان أخطأ في بعض المفطرات فزعم انه غير مفطر، كالقئ والحقنة بالمائع، فإذا نوى الإمساك عن كل مفطر يحرم تناوله على الصائم، وترك الجميع حتى القئ والاحتقان ولم يتناول منها شيئا صح صومه، ولم يضره توهمه المذكور الذي أخطا في اعتقاده به. [ المسألة الثامنة: ] إذا أراد الانسان أن يصوم عن غيره، فيعتبر في صحة صومه أن يقصد النيابة في صومه عن الشخص الذي يريد الصيام عنه، ولابد وان ينوي امتثال الأمر المتوجه إلى ذلك الشخص، سواء كان المكلف مستأجرا للصيام عنه أم كان متبرعا بالصوم عنه، وإذا علم النائب أن الميت مشغول الذمة بصوم واجب عليه، ولم يدر أن الصوم من قضاء شهر رمضان أو من واجب آخر واجب القضاء، كفاه ان يقصد بصومه النيابة عن الرجل الميت في امتثال الواجب الذي اشتغلت به ذمته. وإذا علم المكلف ان عليه صوما واجبا قد اشتغلت به ذمته، وتردد في ذلك الصوم أنه مما وجب عليه لنفسه، أو مما وجب عليه بالنيابة عن غيره، كفاه في الصحة أن ينوي ما في ذمته من الواجب. [ المسألة التاسعة: ] إذا وجب على المكلف صومان من نوع واحد، وكان الصومان اللذان وجبا عليه غير مختلفين في الاحكام ولا في الآثار، كفاه في الصحة وحصول الامتثال عند الاتيان بأحد الصومين، ان ينوي الاتيان بذلك النوع الواحد الواجب عليه، ولا يحتاج إلى أن يعين ان الذي يأتي به اي الفردين الواجبين عليه من النوع، ومثال ذلك: ان يجب على الرجل قضاء صيام أيام متعددة من شهر رمضان، ويكون جميع تلك الايام من سنته الحاضرة أو يكون جميعها من سنته الماضية، فلا يجب عليه في الامتثال أن يقصد أن ما يأتي به هو اليوم الأول مثلا من أيام القضاء الواجب عليه أو اليوم الثاني منها. ونظيره في الحكم أيضا ما إذا وجب عليه نذران من الصوم وكلا النذرين للشكر على نعمة حصلت له، أو لزجر نفسه عن الوقوع في أمر مرجوح، فلا يجب عليه عند الوفاء بالنذرين أن

[ 12 ]

ينوي أن ما يأتي به من الصوم هو وفاء النذر الأول أو الثاني، ويكفيه في الصحة أن يصوم اليوم وفاءا للنذر، فيفي بأحدهما ثم يصوم يوما آخر بمثل تلك النية فيحصل الوفاء بالنذرين. وإذا وجب على الانسان صومان يختلف أحدهما عن الآخر في بعض الأحكام أو الآثار، افتقر في صحة الصوم وحصول الامتثال إلى التعيين في النية عند الاتيان بالصوم، ومن أمثلة ذلك ان يجب على المكلف قضاء صيام يوم أو اكثر من شهر رمضان في السنة الحاضرة، ويجب عليه مثل ذلك من السنة الفائتة، فإذا أراد ان يأتي بأحد القضاءين، فلابد وان يعين في نية صومه أن ما ياتي به هو امتثال قضاء السنة الحاضرة أو قضاء السنة الماضية لأن أحدهما يختلف عن الثاني في بعض الآثار. ومن أمثلة ذلك أن يجب على الانسان صوم يوم أو ايام لنذر شكر، ويجب عليه مثل ذلك لنذر زجر، فلابد من التعيين عند ارادة الوفاء بأحدهما لاختلاف الآثار بينهما. [ المسألة العاشرة: ] إذا نذر المكلف أن يصوم يوما معينا من اسبوع، لوجود خصوصية فيه تقتضي استحباب صوم ذلك اليوم، ونذر صوم يوم معين من شهر لوجود خصوصية فيه تقتضي استحبابه أيضا، فانعقد النذران للرجحان الخاص في صوم اليومين ثم اتفق اجتماعهما في يوم واحد، ومثال ذلك: أن ينذر صوم يوم الخميس المقبل، وينذر صوم يوم المولود من هذا العام، واتفق أن يكون يوم الخميس الذي عينه في نذره الأول هو يوم المولود الذي عينه في نذره الثاني، فيجب عليه أن يصوم ذلك اليوم وان يقصد بصومه امتثال النذرين معا، وإذا صامه بهذه النية كان ما اتى به وفاءا للنذرين كليهما. وإذا صام اليوم ونوى بصومه امتثال أحد النذرين خاصة صح وكان وفاءا لذلك النذر الذي نواه وحده، والأحوط له ان يدفع الكفارة لعدم وفائه بالنذر الآخر. وإذا نذر أن يصوم يوم الثلاثاء المقبل مثلا، لا لخصوصية فيه توجب رجحان صومه على التعيين، بل لانه يوم يستحب فيه الصيام بالاستحباب العام، ونذر أيضا أن يصوم اليوم العاشر من هذا الشهر لمثل ذلك، واتفق حصولهما في

[ 13 ]

يوم واحد، فكان يوم الثلاثاء الذي نذر صومه هو بنفسه اليوم العاشر انعقد النذر السابق من النذرين ووجب على المكلف الوفاء به خاصة، وسقط النذر اللاحق منهما فلا يجب الوفاء به ولا تلزمه الكفارة بتركه. [ المسألة 11: ] وقت نية الصوم في شهر رمضان وفي كل صوم واجب معين عند طلوع الفجر الثاني المعروف بالفجر الصادق، بحيث تحصل المقارنة بين النية واول الصوم ولا تتأخر عنه، ويجوز للمكلف أن يقدمها على الفجر فيأتي بها في أي جزء يشاء من أجزاء الليل. وإذا نسي المكلف أن يأتي بنية الصوم في شهر رمضان أو في غيره من الصوم الواجب المعين حتى تجاوز الوقت المذكور، وجب عليه أن يأتي بالنية متى تذكرها قبل مجئ الزوال، إذا هو لم يتناول من المفطرات شيئا في حال نسيانه، والأحوط له لزوما أن يقضي صوم ذلك اليوم من شهر رمضان ومن الصوم الواجب المعين إذا كان مما يجب قضاؤه عند فوته. وكذلك الحكم إذا نسي ان الواجب عليه في النية هو أن يأتي بها في الوقت المذكور، أو نسي الصوم نفسه أو جهل الحكم أو جهل الصوم، فترك النية حتى تجاوز وقتها، فعليه ان يأتي بالنية متى تذكر أو علم قبل مجيئ الزوال إذا لم يتناول مفطرا، ويلزمه الاحتياط بالقضاء كما ذكرنا. ووقت النية في الصوم الواجب غير المعين عند طلوع الفجر الصادق ايضا، ويمتد وقتها إلى زوال الشمس، فإذا كان على المكلف صوم يوم أو أكثر من قضاء شهر رمضان أو من نذر صوم غير معين أو سواهما من الواجبات غير المعينة، وأصبح وهو غير ناو للصوم في ذلك اليوم ثم بدا له أن يصوم فيه، فيجوز له - إذا كان قبل الزوال - أن ينوي صوم اليوم قضاءا عما في ذمته من الشهر، أو وفاءا لما عليه من النذر، وهذا إذا لم يكن قد تناول مفطرا بعد الفجر، ولم يطرأ عليه ما يفسد الصوم من رياء وشبهه، فإذا كان كذلك ونوى الصوم وأتم صيام اليوم أجزأه عما نواه من الواجب، وان تضيق عليه وقت قضاء شهر رمضان الماضي بمجئ شهر رمضان المقبل، ولا يجعله ذلك من الواجب المعين، ولا يشمله الاحتياط الذي ذكرناه في أول هذه المسألة للواجب المعين من لزوم القضاء بعد الاتمام، ويجوز للمكلف أن يقدم النية في الصوم الواجب غير المعين على الفجر

[ 14 ]

فيأتي بها في أي جزء من أجزاء الليل، كما سبق في الواجب المعين. ويمتد وقت النية في الصوم المندوب ما دام النهار، فيصح للمكلف أن ينوي هذا الصوم إذا بقي من النهار شئ وان كان قليلا، ولم يكن قد تناول مفطرا أو أفسد صومه برياء وشبهه، ويصح بذلك صومه. [ المسألة 12: ] يجوز للمكلف إذا قدم نية الصوم في اثناء الليل أن يتناول بعض المفطرات قبل طلوع الفجر، ولا يضر ذلك بنيته إذا كان قصده للصوم في نهار ذلك اليوم لا يزال مستمرا، ولافرق في ذلك بين الجماع وغيره من المفطرات، ولا بين الصوم الواجب والمندوب المعين منهما وغير المعين. [ المسألة 13: ] إذا قدم المكلف نية الصوم ليلا ثم نوى الافطار بعد أن طلع الفجر ولم يتناول مفطرا، ثم بدا له فنوى الصوم قبل مجئ الزوال، صح صومه إذا كان مندوبا أو واجبا غير معين، ووجب عليه صوم ذلك اليوم ثم قضاؤه بعد الاتمام - على الاحوط - إذا كان من شهر رمضان، أو كان واجبا معينا مما يجب قضاؤه كما تقدم. [ المسألة 14: ] إذا أفسد المكلف صومه بقصد رياء أو سمعة أو شبههما، ثم بدا له فجدد نية الصوم قبل أن تزول الشمس، لم يصح بذلك صومه - على الاحوط - وان لم يتناول من المفطرات شيئا. وإذا صام الرجل في يوم يشك فيه انه من شعبان أو من شهر رمضان، ثم أفسد صومه بقصد الرياء أو السمعة، بطل صومه، ولم يصح إذا جدد نيته قبل الزوال - على الأصح - ولا يكفيه صومه عن شهر رمضان إذا استبان بعد ذلك ان اليوم من شهر رمضان، وان كان ثبوت ذلك قبل الزوال. [ المسألة 15: ] صوم كل يوم من أيام شهر رمضان عبادة مستقلة عن غيره من ايام الشهر، ويختلف بعضها عن بعض في الأحكام والآثار، ولذلك فلابد للمكلف في صيام كل يوم من نية، والأحوط استحبابا ان يضم إلى نية كل يوم من أيامه نية صيام الشهر كله، والنية - على الاقوى - هي الداعي النفساني الذي يحرك الإنسان على

[ 15 ]

ان يفعل، ولذلك فهي في غاية البساطة واليسر، ولا عسر في أمرها ولا تعقيد، ولا ينفك العاقل الملتفت عنها. [ المسألة 16: ] اليوم الذي يشك الانسان فيه أنه من شهر شعبان أو من شهر رمضان محكوم شرعا بانه من شهر شعبان، ولذلك فلا يصح للمكلف أن يصومه بنية انه من شهر رمضان، وإذا صامه بهذه النية ثم تبين أنه من شهر رمضان لم يجزه عن الواجب ولزمه قضاؤه. وإذا صام المكلف يوم الشك بنية الندب أو صامه قضاءا عما في ذمته أو وفاءا بنذر ونحوه صح صومه، وإذا علم بعد ذلك انه من شهر رمضان أجزأه عنه، وإذا استبان له ذلك وهو في اثناء النهار جدد النية عن صوم الشهر وان كان قبل الغروب وأجزأه عنه. [ المسألة 17: ] إذا نوى المكلف الافطار في يوم الشك، ثم علم في أثناء النهار ان اليوم من شهر رمضان، فان كان قد تناول بعض المفطرات فيه قبل علمه بثبوت شهر رمضان وجب عليه أن يمسك عن المفطرات في بقية النهار، ووجب عليه قضاء صومه بعد ذلك، وكذلك إذا علم بالثبوت بعد زوال الشمس من النهار، وان لم يتناول شيئا من المفطرات فعليه الامساك في بقية النهار ثم القضاء. وإذا علم بثبوت شهر رمضان قبل أن تزول الشمس من يوم الشك، ولم يك قد تناول مفطرا في يومه، نوى الصوم فيه واتم اليوم، والأحوط لزوما أن يقضي صومه بعد ذلك، ولا فرق في جميع هذه الأحكام بين ان يكون قد عزم على الافطار فيه من أول الأمر فلم ينو الصوم، وان يصبح صائما بنية شهر شعبان ثم ينوي الافطار فيه. [ المسألة 18: ] يشترط في صحة الصوم ان يستمر المكلف على نية الصوم إلى آخر أجزاء النهار، فلا يبدل نيته بنية أخرى تنافيها، فإذا نوى المكلف في أثناء النهار أن يقطع صومه فعلا ولا يستمر بامساكه، أو نوى أن يقطع صومه بعد فترة، أو نوى أن يتناول المفطر في وقته الحاضر أو في ما يأتي من النهار، وهو يعلم بأن ذلك الشئ الذي نوى أن يتناوله مفطر من الصوم شرعا، بطل صومه، لعدم

[ 16 ]

استمراره على نية الصوم. ويبطل صوم المكلف ايضا إذا حصل منه تردد في أن يتم صيام يومه إلى الليل أو لا يتمه، على وجه ينافي قصد الاستمرار فيه، وإذا حصل منه التردد على نحو لا ينافي قصد الاستمرار في الصوم، ولو برجاء أن يبقى مستمرا على الصوم إلى الليل، لم يبطل صومه بتردده. وإذا كان المكلف صائما صياما واجبا غير معين، وعرض له بعض ما ذكرناه من منافيات الاستمرار في النية، فنوى قطع الصوم، أو نوى أن يتناول المفطر، أو تردد في أن يتم صيامه أو لا يتمه ترددا ينافي الدوام على النية ولم يتناول المفطر بالفعل، ثم جدد نية صومه قبل ان تزول الشمس في ذلك اليوم صح صومه بتجديد نيته في وقتها. وكذلك في الصوم المندوب إذا عرض له شئ من ذلك ولم يتناول مفطرا، ثم جدد نية الصوم قبل غروب الشمس فيصح صومه بتجديد النية. [ المسألة 19: ] إذا نوى الصائم أن يتناول شيئا معينا، وكان يعتقد بأن تناول ذلك الشئ في أثناء النهار من المفطرات شرعا للصائم، وكان مخطئا في اعتقاده فيبطل صومه لعدم استمرار نية الصوم منه، وان كان الشئ الذي نوى تناوله ليس من المفطرات الشرعية. [ المسألة 20: ] لا يشترط في صحة الصوم أن يكون المكلف الصائم ملتفتا إلى النية في آنات الصوم، فإذا نوى الرجل في الليل ان يصوم غدا متقربا إلى الله ونام في ليلته قبل أن يطلع عليه الفجر، ولم ينتبه من نومه طول نهاره حتى دخل الليل، كان صومه صحيحا سواء كان واجبا أم مندوبا، وكذلك إذا نوى الصوم في اثناء الليل ثم عرضت له غفلة عن الصوم واستمرت معه غفلته حتى انقضى النهار، أو نسي انه صائم ولم يتذكر صومه الا بعد دخول الليل فان صومه صحيح في جميع هذه الفروض. [ المسألة 21: ] إذا نوى المكلف صوما خاصا، فالاحوط له ان لا يعدل في نيته بعد طلوع الفجر أو في اثناء النهار إلى صيام آخر فيما عدا الفرضين الآتي ذكرهما:

[ 17 ]

(الاول): إذا نوى الرجل صوما مندوبا، ثم تذكر في أثناء النهار ان في ذمته صوما واجبا غير معين كقضاء شهر رمضان، والصوم المنذور غير المعين، فيجوز له ان يعدل عن صومه المندوب إلى هذا الواجب غير المعين إذا كان عدوله إليه قبل زوال الشمس، وخصوصا إذا كان الصيام الواجب الذي تذكره قد تضيق وقته. (الثاني): إذا نوى الرجل صوما مندوبا مطلقا، ثم تذكر أو علم في اثناء النهار ان صوم هذا اليوم مندوب معين فيجوز له ان يعدل عن صومه المندوب المطلق إلى المندوب المعين وان كان عدوله إليه في آخر النهار. وفي التحقيق ان هذين الفرضين وأمثالهما لا تكون من باب العدول في النية، بل هي ابطال للصوم الأول ونية جديدة للصوم الثاني في وقت تصح نيته والقصد إليه. [ الفصل الثاني ] [ في المفطرات ] [ المسألة 22: ] المفطرات التي يجب على الصائم أن يجتنبها ويمسك عن تناول شئ منها عشرة اشياء: (1) الأكل، (2) الشرب، (3) الجماع، (4) الاستمناء، (5) بقاء الصائم على الجنابة عامدا حتى يطلع عليه الفجر، (6) الكذب على الله أو على رسوله صلى الله عليه وآله أو على الائمة المعصومين (ع)، (7) الارتماس، (8) ان يدخل الصائم الغبار الغليظ إلى جوفه عامدا، (9) ان يتقيأ عامدا، (10) ان يحتقن بالمائع. [ المسألة 23: ] (الأول والثاني) من المفطرات الشرعية للصائم: الأكل والشرب، ولا فرق في الحكم بين ما يتعارف أكله وشربه للانسان من الأشياء وما لا يتعارف له ولا يعتاد منها، ولا بين الكثير منه والقليل، حتى مايخرج من بين الاسنان بتخليلها من بقايا الطعام بعد الأكل، فلا يجوز للصائم ابتلاعه سواء استخرجه بالخلال أو

[ 18 ]

اللسان أم خرج بنفسه، وحتى الرطوبة التي تبقى من الريق على السواك إذا استاك به الصائم، وعلى الخيط إذا بله الخياط بريقه مثلا ليدخله في سم الإبرة فإذا أخرج الصائم السواك أو الخيط من فمه وقد ابتل من ريقه، ثم أعاده إلى فمه، فلا يجوز له أن يبتلع ما عليه من الرطوبة، وإذا ابتلعها بطل صومه، وإذا امتزج ريق الصائم بهذه الرطوبة فالأحوط له لزوما ان لا يبتلع ريقه حتى تستهلك تلك الرطوبة التي امتزج بها وتكون معدومة عرفا. [ المسألة 24: ] إذا علم المكلف ان ترك تخليل اسنانه بعد أكله الطعام ليلا يؤدي إلى ابتلاع بعض بقاياه العالقة ما بين الاسنان في حال الصوم، أو اطمأن بذلك أو احتمله احتمالا يعتني به العقلاء، وجب عليه أن يخلل اسنانه بعد الأكل، وإذا ترك التخليل في هذه الفروض، فوصل بعض بقايا الطعام إلى جوفه وهو صائم بطل صومه، ولا يجب عليه تخليل أسنانه إذا احتمل ذلك احتمالا ضعيفا لا يعتنى بمثله، ولا يجب عليه التخليل أيضا إذا شك في احتماله أنه مما يعتني به العقلاء أو لا يعتنون به. [ المسألة 25: ] يجوز للصائم أن يبتلع ريقه المجتمع في فمه وان كثر، وحتى إذا كان اجتماع الريق في فمه باختياره وعمده، الا أن يخرج الريق في كثرته عن الحد المألوف، كما في الناس المبتلين ببعض الأمراض، فالأحوط لزوما أن لا يبتلع الزائد عن المقدار المألوف في هذه الفروض إذا كان صائما. [ المسألة 26: ] يجوز للصائم أن يبتلع النخامة، وهي الخلط الذي يخرج من الصدر، بل ويجوز له ابتلاعها وان وصلت إلى الفم على الأقوى، ولا يضر ذلك بصومه، ويجوز له ابتلاع الخلط الذي ينزل من الرأس أيضا إذا هو لم يصل إلى الفم، وإذا وصل إلى الفم فالأحوط لزوما للصائم عدم ابتلاعه. وإذا خرجت النخامة إلى خارج الفم حرم ابتلاعها سواء كانت مما يخرج من الصدر ام مما ينزل من الرأس، وإذا ابتلعها الصائم بعد خروجها بطل صومه. [ المسألة 27: ] المفطر الذي يجب على الصائم الإمساك عنه هو ما يصل إلى الجوف بما يسمى

[ 19 ]

أكلا أو شربا في نظر أهل العرف، فيعم ما يصل إلى الجوف بطريق الأنف، فلا يجوز للصائم أن يبتلع الماء أو المائع الذي يستنشقه أو يدخله إلى الجوف بطريق أنفه بانبوب ونحوه، ويعم ما يصل إلى الجوف بطريق منفذ حادث يتخذه الأطباء لإيصال الغذاء إلى الجوف ولو مؤقتا، والأحوط لزوم الاجتناب عما يصل بطرق التغذية الأخرى المعروفة من إبرة أو حاقنة في الوريد ونحوها. [ المسألة 28: ] لا يضر بصحة الصوم ما يصل إلى جوف الصائم بطريق لا يسمى أكلا ولا شربا في نظر أهل العرف، ومن أمثلة ذلك أن يقطر الصائم الدواء في عينه أو في أذنه أو في جرحه النافذ فيصل الدواء من هذه المنافذ إلى جوفه، ولا يضر بصحة الصوم ان يزرق الدواء بالإبرة في بعض عضلات الصائم أو في أحد عروقه، إذا كان ذلك للعلاج من بعض الأمراض أو الآلام ولم تكن للغذاء. [ المسألة 29: ] يجوز للصائم أن يدخل اصبعه أو أي جسم آخر في فمه ويخرجه عامدا وان أوصله إلى حلقومه ولا يبطل بذلك صومه، ولا يبطل صومه إذا أنفذ هو أو غيره في جسده آلة جارحة: سكينا أو خنجرا أو غيرهما، حتى بلغت الآلة إلى جوفه وان تعمد فعل ذلك، ويجوز للصائم الاستياك، ولكنه إذا أخرج عود السواك من فمه ثم أعاده إليه فلا يسوغ له أن يبتلع ما على السواك من رطوبة الفم الموجودة عليه، ولا يبتلع ريقه إذا امتزج بتلك الرطوبة على الأحوط، كما تقدم في المسألة الثالثة والعشرين. إذا استعمل الصائم الفرشاة المألوفة لتنظيف الاسنان فاستاك بها من غير ماء وخالية من المساحيق والمعاجين جرى فيها حكم السواك الذي بيناه، فلا يمنع من السواك بها، ويجب عليه التوقي من رطوبات الفم التي تكون عليها، فلا يجوز له ابتلاعها ولا ابتلاع ماء الفم الذي يتجمع فيه بسبب السواك بها، فانه‌اكثر من الحد المألوف فيه، ولا يجوز له ابتلاع الريق إذا امتزج به، والأحوط للصائم لزوما ان لا يستاك بالفرشاة مع المعاجين والمساحيق، بل ولا مع الماء الخالي منها، ويلاحظ الأمر السابع من الأمور التي تكره للصائم وسيأتي ذكرها في المسألة المائة والثالثة عشرة.

[ 20 ]

[ المسألة 30: ] انما يبطل صوم الصائم بالأكل أو الشرب أو بغيرهما من المفطرات، إذا كان المكلف الصائم عامدا مختارا في تناوله، فلا يبطل صومه إذا تناول المفطر ساهيا غير قاصد لتناوله، ولا يبطل صومه إذا تناول المفطر ناسيا للصوم، أو ناسيا لكون الشئ الذي تناوله من المفطرات، ولا فرق في هذا الحكم بين الصوم الواجب والصوم المندوب: المعين منهما وغير المعين. [ المسألة 31: ] إذا تناول الصائم بعض المفطرات وكان يجهل أن الشئ الذي تناوله من المفطرات في حكم الشريعة، ويحسب ان تناوله مما يجوز له لم يبطل بذلك صومه، سواء كان قاصرا في جهله أم مقصرا، فلا يجب عليه القضاء ولا الكفارة. وان كان الأحوط استحبابا له قضاء صوم ذلك اليوم، ويتأكد الاحتياط في الجاهل المقصر. وإذا تناول الصائم المفطر وكان جاهلا مترددا في حكم الشئ الذي تناوله: أهو من المفطرات في حكم الاسلام أم لا، بطل صومه ووجب عليه قضاؤه، وكذلك الجاهل بالموضوع إذا تناوله وهو يعلم بوجوب الاجتناب عنه فيكون صومه باطلا بتناوله ويجب عليه قضاؤه. [ المسألة 32: ] لا يبطل صوم الصائم إذا قسره أحد اقتسارا، فأوقعه في المفطر من غير مباشرة منه ولا اختيار، ومثال ذلك أن يوجر أحد الماء أو الطعام في حلق الصائم فيبتلع الصائم ذلك من غير قصد، وان يدفعه في النهر فيرتمس في الماء من دون خيرة له، فلا يبطل صومه، ويجب عليه ان يتم صوم ذلك اليوم ولا قضاء عليه. وإذا أكره الصائم مكره على أن يتناول بعض المفطرات، فتناوله مكرها عليه بطل صومه ووجب عليه قضاؤه، ولا إثم عليه في إفطاره لأنه مكره غير مختار. [ المسألة 33: ] إذا تناول الصائم بعض المفطرات للتقية، فقد توجب التقية على الصائم أن يترك صيام ذلك اليوم ويفطر فيه مع من يخالفه في المذهب تقية منه، فإذا هو تناول المفطر في هذا الفرض بطل صومه ووجب عليه أن يقضي صوم ذلك

[ 21 ]

اليوم، ولا إثم عليه في إفطاره للتقية، ومثال ذلك: أن يفطر الصائم من الشيعة مع الجمهور في يوم عيد الفطر عندهم، وهو غير ثابت عند الشيعة، للتقية منهم فيترتب عليه الحكمان المذكوران، ولا يأثم بافطاره معهم، بل يأثم إذا خالف مقتضى التقية فلم يفطر. وقد توجب التقية على الصائم أن يجاري من يتقي منهم، فيتناول بعض الأشياء المفطرة عند الشيعة وهي لا تضر بصحة الصوم عند من خالفهم، أو يجاريهم في صحة الإفطار في ذلك الوقت فيفطر معهم بعد سقوط قرص الشمس وقبل دخول وقت المغرب عند الشيعة، فيصح صومه في كلا الفرضين ولا يجب عليه القضاء بتناول المفطر للتقية. وهذا كله في التقية من الجمهور الذين يخالفون الصائم الشيعي في المذهب، وإذا افطر الصائم للتقية من غيرهم كان صومه باطلا في جميع الصور، ومن أمثلة هذا ان يتقي الصائم من بعض الظالمين من الشيعة أو من غير المسلمين، فيتناول المفطر اتقاءا منهم في الفروض المذكورة أو غيرها. [ المسألة 34: ] لا يمنع الصائم من أن يمص الخاتم أو الفص من العقيق وغيره أو يمص الحصاة الخالية من تراب وغيره، وأن يمضغ الطعام للصبي وأن يزق الطائر ويذوق المرق، شريطة أن لا يتعدى شئ منها إلى الحلق، وإذا تحفظ عن ذلك جهده فسبق شئ منها إلى حلقه من غير قصد ولا علم لم يفسد بذلك صومه. وإذا علم الرجل الصائم بأنه لا يقدر على التحفظ وان اجتهد، وأنه متى عمل هذه الأشياء سبقه شئ منها إلى حلقه، فلا يجوز له فعلها ويكون عامدا بفعله، فإذا فعل شيئا من المذكورات في هذا الفرض وسبقه شئ منها لزمه القضاء على الأحوط. ولا بأس على الصائم في أن يمضغ العلك من اللبان ونحوه وان يبتلع ريقه بعده وان تأثر ريقه بطعم العلك أو برائحته، ولا يجوز له ذلك إذا كان تأثره بالطعم أو الرائحة لتفتت أجزاء العلك في الفم وامتزاجها بالريق فيبطل الصوم بابتلاعه، ولا بأس بأن يمص لسان الطفل ولسان الزوجة إذا لم تكن عليهما من رطوبة الريق أو غيرها.

[ 22 ]

[ المسألة 35: ] يجوز للصائم أن يتمضمض بالماء وأن يستنشق به، شريطة أن يتحفظ جهده فلا يتعدى شئ من الماء إلى الحلق، ويستحبان له في الوضوء والغسل، وينبغي له بعد أن يمج الماء من فمه في المضمضة ان لا يبتلع ريقه حتى يبصق ثلاث مرات. وتكره له المبالغة في المضمضة والاستنشاق وان كانا لوضوء أو غسل. وإذا علم الصائم بانه لا يمكنه التحفظ في مضمضته أو استنشاقه، وانه متى تمضمض أو استنشق سبقه الماء إلى جوفه لم يجز له فعلهما وكان عامدا في فعله، فإذا تمضمض أو استنشق في هذا الفرض وسبقه شئ من الماء إلى الجوف لزمه القضاء على الأحوط. [ المسألة 36: ] إذا تمضمض الصائم فابتلع ماء المضمضة ناسيا لم يفسد بذلك صومه. وإذا تمضمض فسبقة الماء إلى جوفه من غير اختيار له فان كانت مضمضته لوضوء صلاة فريضة فلا شئ عليه، سواء كانت الفريضة التي توضأ لها حاضرة أم فائتة، ويومية ام غيرها من الفرائض الواجبة، وان كانت مضمضته لوضوء صلاة نافلة أو لغير ذلك من الوضوءات المستحبة، أو لغسل وان كان لفريضة، أو للتداوي أو لتطهير الفم من نجاسة وما أشبه ذلك من الضرورات، فالأحوط لزوما قضاء الصوم، وإذا كانت المضمضة لبعض الدواعي الأخرى غير الضرورية كالتبرد وتنظيف الفم وغسله ونحوها فلابد من قضاء الصوم. [ المسألة 37: ] إذا تمضمض الصائم بغير الماء من المائعات فابتلعه ناسيا، أو سبقه الى الجوف من غير قصد لم يبطل صومه بذلك ولم يجر عليه حكم المضمضة بالماء، وكذلك الحكم إذا استنشق الصائم بالماء أو بغير الماء سواء كان لوضوء ام لغيره فلا يبطل صومه إذا سبقه الماء أو المائع الذي استنشق به إلى جوفه من غير قصد أو ابتلعه ناسيا. [ المسألة 38: ] إذا تناول الصائم المفطر وكان ناسيا، فظن أو اعتقد بأن صومه قد بطل بذلك، فتناول المفطر بعد ذلك عامدا أشكل الحكم بصحة صومه، والأحوط له لزوما أن يتم صيام يومه ثم يقضيه بعد ذلك.

[ 23 ]

وإذا اعتقد بأن صومه مستحب يصح له الافطار فيه فتناول المفطر، ثم تذكر أن صومه كان واجبا بطل صومه. (الثالث من المفطرات: الجماع). [ المسألة 39: ] إذا جامع الصائم عامدا وأنزل الماء في جماعه بطل صومه، ويبطل صومه إذا جامع وقصد الإنزال بجماعه وان لم ينزل بالفعل، لعدم استمرار نية الصوم منه، ولا فرق في الحكمين المذكورين بين أن يكون الوطء في القبل أو في الدبر، وأن يكون لأنثى أو لذكر، وأن يكون لحي أو لميت أو لبهيمة. ويبطل صوم الصائم كذلك إذا جامع أنثى في قبلها فأدخل وان لم ينزل الماء ولم يقصد الإنزال، ويبطل صومه أيضا على الأقوى إذا جامع الأنثى في دبرها فأدخل ولم ينزل ولم يقصد الإنزال. وإذا وطأ غير الأنثى في الدبر ولم ينزل ولم يقصد الإنزال، ففي بطلان صومه بذلك إشكال، ولا يترك الاحتياط فيه بأن يتم الصوم ويقضيه، بل ويدفع الكفارة عنه، من غير فرق بين ان يكون الموطوء خنثى أو ذكرا أو بهيمة وحيا أو ميتا، وكذلك حكم الموطوء في الفرض المذكور إذا كان صائما. وإذا شك في حصول الدخول وعدمه لم يبطل صومه، إلا إذا كان قد أنزل بالفعل أو قصد الإنزال، أو قصد الدخول في قبل الأنثى أو في دبرها، ولا يترك الاحتياط المتقدم إذا قصد الدخول في دبر غير الأنثى فيتم الصوم ثم يقضيه. [ المسألة 40: ] إذا أولج الصائم في غير القبل والدبر، أو لامس المرأة في أعضائهما الجنسية من غير إدخال ولم ينزل ولم يقصد بفعله الإنزال، لم يبطل صومه، وإذا قصد بفعله الإنزال فسد صومه لانه نوى المفطر فلم تستمر منه نية الصوم، وان لم ينزل بالفعل. [ المسألة 41: ] إنما يبطل الصيام بالجماع إذا كان الصائم متعمدا بفعله، فإذا اتفق له أن جامع نائما أو ناسيا للصوم لم يبطل صومه، وكذلك إذا اتفق أن حصل له الدخول من غير إرادة، كما إذا قصد التفخيذ والملامسة الخارجية فحصل الدخول من غير اختيار، وكما إذا قسره قاسر على ذلك بغير اختياره، فلا يبطل صومه في مثل هذه الفروض.

[ 24 ]

[ المسألة 42: ] إذا ارتفع العذر الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة عن الصائم في اثناء عمله، فاستيقظ من نومه أو تذكر بعد نسيانه أو انتبه من غفلته أو ارتفع عنه قسر القاسر وهو في اثناء الفعل وجب عليه الاخراج فورا، فان هو استمر في عمله بعد ارتفاع العذر بطل صومه، إلا إذا فقد الاختيار في الاستمرار. (الرابع من المفطرات: الاستمناء). [ المسألة 43: ] الاستمناء: هو أن ينزل الإنسان المني من نفسه وهو عامد مختار، بان يفعل افعالا أو حركات تؤدي إلى إنزال الماء بحسب العادة المعلومة بين الناس أو بحسب عادته هو خاصة، وان لم يقصد بفعله الإنزال وإنما قصد الفعل المؤدي إليه، فإذا عبث الصائم بعضوه الجنسي، أو قبل بشهوة، أو تفخذ، أو لمس أو نظر بشهوة، أو تخيل، أو فعل اي فعل يؤدي إلى الإنزال بحسب العادة التي توجب ذلك بين الناس أو بحسب عادته هو خاصة، فأنزل بطل صومه، ووجب عليه قضاء الصوم ودفع كفارته. [ المسألة 44: ] إذا قصد الصائم الاستمناء بفعل من الأفعال أو بحركة من الحركات وكان يعلم بان الاستمناء مفطر من الصوم، بطل صومه لانه قصد ارتكاب المفطر ولم تستمر منه نية الصوم، ووجب عليه القضاء وان لم ينزل بالفعل، ولم يكن الفعل الذي أتى به والحركة التي أجراها مما يؤدي إلى الإنزال. [ المسألة 45: ] إذا أتى الصائم بشئ من تلك الأفعال أو الحركات عامدا، وكان يحتمل من نفسه انه ينزل المني عند ما يأتي بذلك الفعل أو الحركة، وهو يعلم بأن الإنزال مفطر من الصوم، فيبطل صومه لتردده في البقاء على نية الصوم، وان كان غير قاصد للإنزال. [ المسألة 46: ] لا يبطل صوم الصائم بفعل أي شئ من تلك الافعال أو الحركات، إذا هو لم ينزل المني بالفعل، ولم يقصد الإنزال وكان واثقا من نفسه بانه لا ينزل، ولا يبطل صومه إذا سبقه المني من غير ان يفعل فعلا اختياريا يؤدي إليه.

[ 25 ]

[ المسألة 47: ] يجوز للصائم ان ينام نهارا وان كان يعلم من حالته انه متى نام يحتلم في نومه، ولا يعد ذلك من الاستمناء، سواء كان عليه حرج في ترك النوم ام لا، ولا يبطل صومه إذا نام كذلك فاحتلم، إلا إذا كان قاصدا للاستمناء. [ المسألة 48: ] يجوز للصائم إذا احتلم في النهار أن يستبرئ قبل غسله من الجنابة بالبول والخرطات، وان علم بخروج بقايا المني منه باستبرائه، ولا يعد ذلك من الاستمناء، وإذا احتلم في النهار واستيقظ من نومه في اثناء انزاله لم يجب عليه أن يتحفظ من خروج المني عن المجرى. نعم إذا استيقظ من نومه قبل أن تبتدئ حركة نزول المني في احتلامه وجب عليه في هذه الصورة ان يتحفظ من الإنزال، فلا يجوز له أن يستمر على ما يوجب ذلك من تخيل أو ضغط على بعض الاعضاء من جسده أو غير ذلك، وإذا استمر عليها عامدا حتى أنزل بطل صومه، لانه قد استمنى باختياره، بل ويبطل صومه إذا قصد الانزال باستمراره على تلك الحال وان لم ينزل بالفعل، وشمله الحكم الذي بيناه في المسألة الرابعة والاربعين وما بعدها. [ المسألة 49: ] إذا احتلم الصائم في النهار واغتسل من جنابته قبل أن يبول ويستبرئ، فلا يضر بصحة صومه أن تخرج منه بقايا المني بعد الغسل، إذا خرجت منه بنفسها من غير اختياره، نعم يبطل صومه في هذه الصورة إذا تبول أو تخرط عامدا فأخرج بقية المني منه قاصدا لاخراجها بالاستبراء، ولذلك فالأحوط له عند طروء مثل هذا الفرض، بل الأقوى ان يؤخر البول إلى الليل مع الإمكان. (الخامس من المفطرات: ان يبقى الصائم على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر). [ المسألة 50: ] بقاء الصائم المجنب على جنابته عامدا إلى أن يطلع عليه الفجر الصادق، من مفطراته من صومه إذا وقع ذلك له في صوم شهر رمضان وفي قضائه، بل وفي كل صوم واجب على الأحوط، سواء كان الصوم الواجب معينا أم غير معين، وسواء كانت جنابة الصائم بجماع أم بإنزال من غير جماع، وسواء بقي المكلف

[ 26 ]

على جنابته يقظان ام نام بعد علمه بالجنابة وهو عازم على عدم الغسل. ولا يضر تعمد البقاء على الجنابة بالصوم المندوب، وان كان الأحوط استحبابا للصائم اجتناب ذلك في المندوب ايضا. [ المسألة 51: ] إذا تعمد الإنسان الجنابة قبل أن يطلع الفجر بزمان قصير لا يسع الغسل ولا التيمم، كان هذا المكلف متعمدا على البقاء على الجنابة، فيبطل صومه إذا كان صائما وكان صومه واجبا، وإذا وسع الوقت التيمم ولا يسع الغسل، وجب عليه ان يتيمم، فإذا تيمم عن جنابته قبل طلوع الفجر عليه كان صومه صحيحا، وإن كان آثما بتعمده إيقاع الجنابة مع علمه بضيق الوقت عن الغسل. وإذا ترك التيمم في هذه الصورة حتى طلع الفجر بطل صومه ووجب عليه قضاؤه إذا كان الصوم مما يقضى، ولزمته الكفارة إذا كان مما تجب فيه الكفارة. [ المسألة 52: ] إذا أصبح الصائم فوجد نفسه جنبا من غير تعمد لذلك لم يبطل صومه بذلك الا في قضاء شهر رمضان، فالأقوى فيه بطلان الصوم، والاحوط استحبابا الحاق كل صوم واجب غير معين بقضاء شهر رمضان في هذا الحكم فإذا أصبح فيه جنبا ترك صوم ذلك اليوم وابدله بصيام يوم آخر. وإذا تضيق الوقت في قضاء شهر رمضان بمجئ شهر رمضان المقبل وعرضت للمكلف في صومه مثل هذه الحالة فالأحوط له الجمع فيصوم ذلك اليوم ثم يعيد قضاء اليوم بعد انتهاء شهر رمضان ويدفع عنه الفدية. [ المسألة 53: ] لا يبطل صوم الصائم إذا احتلم في اثناء النهار، سواء كان صومه واجبا معينا ام موسعا ام كان مندوبا معينا ام غير معين. [ المسألة 54: ] إذا طهرت المرأة من حيضها أو من نفاسها ليلا في شهر رمضان أو في غيره من الأزمان التي يجب عليها الصيام فيها وجب عليها أن تغتسل من حدثها قبل طلوع الفجر الصادق مع إمكان ذلك، وإذا كانت لا تستطيع الغسل لبعض الأعذار وجب عليها التيمم، وإذا تعمدت البقاء على حدثها فلم تغتسل ولم تتيمم حتى طلع عليها الفجر بطل صومها في شهر رمضان، بل وفي قضائه وفي كل صوم

[ 27 ]

واجب، سواء كان معينا ام غير معين على الأحوط في القضاء وما بعده. وإذا طهرت من أحد الدمين قبل طلوع الفجر بفترة وجيزة لا تسع الغسل ولا التيمم، نوت الصوم وصح صومها، وكذلك إذا طهرت من أحدهما ولم تعلم بطهرها حتى طلع الفجر، فيكون صومها صحيحا. [ المسألة 55: ] إذا كانت المرأة مستحاضة كثيرة الدم فلا يصح صومها الا إذا أتت بأغسال الاستحاضة التي تجب عليها في نهار يوم الصوم، بل ولا يصح صومها الا إذا أتت بغسل الليلة السابقة على ذلك اليوم على الاحوط، ولا يترك الاحتياط في المستحاضة المتوسطة فتلحق بالمستحاضة الكثيرة الدم في الحكم المذكور. فإذا تركت المستحاضة الكبرى أو المتوسطة غسل الفجر أو غسل الظهرين مع وجوبهما عليها للصلاة بطل صومها في ذلك اليوم إذا كانت صائمة، وكذلك يبطل صومها إذا تركت غسل العشاءين في الليلة الماضية الا إذا اتفق لها ان اغتسلت في تلك الليلة قبل الفجر لصلاة الليل، فيصح صومها في ذلك اليوم لمجيئها بهذا الغسل. وانما يعتبر الاتيان بالأغسال النهارية في صحة صوم المستحاضة كما بينا، إذا كانت هذه الاغسال قد وجبت عليها للصلاة، وإذا لم تجب عليها أغسال النهار للصلاة في ذلك اليوم كان صومها فيه صحيحا وان لم تغتسل، ومثال ذلك أن تصلي المرأة صلاة الفجر وهي نقية من الدم، فإذا استحاضت بعد الصلاة استحاضة متوسطة وأخرت الغسل الواجب الى صلاة الغروب لم يبطل صومها في ذلك اليوم إذا كانت صائمة، وكذلك إذا صلت الظهرين وهي نقية من الدم، ثم استحاضت بعد ذلك استحاضة كبرى وتركت الغسل إلى صلاة العشاءين، فيصح صومها. [ المسألة 56: ] لا يجب على المرأة تقديم غسل الاستحاضة على الفجر للصوم، بل لا يكفي ذلك لصحة صومها إذا هي قدمته، الا ان تعيد غسلها بعد الفجر، ولا يعتبر في صحة صوم المستحاضة أن تأتي ببقية الأعمال الواجبة عليها غير الغسل، من الوضوء لكل فريضة وتبديل القطنة والخرقة.

[ 28 ]

[ المسألة 57: ] إذا نسي المجنب غسل الجنابة في شهر رمضان وصام يوما منه أو اياما وهو جنب، بطل صوم تلك الايام التي نسي الغسل فيها، ووجب عليه قضاء صومها ولا تجب عليه الكفارة، والأحوط لزوما الحاق قضاء شهر رمضان به في الحكم المذكور، فإذا نسي المكلف غسل الجنابة وصام يوما أو اياما من القضاء بطل صومها ووجبت عليها إعادتها. ولا يلحق بشهر رمضان في الحكم المذكور غير قضائه من الصوم الواجب كالنذر المعين وشبهه، ولا يلحق بالجنابة حدث الحيض والنفاس، فإذا نسيت المرأة فلم تغتسل من حدثهما وصامت في شهر رمضان أو في قضائه لم يبطل صومها فيهما. [ المسألة 58: ] إذا كان المجنب من ذوي الأعذار عن الغسل للصوم وجب عليه ان يتيمم بدلا عن غسل الجنابة، فإذا ترك التيمم متعمدا بطل صومه، وقد ذكرنا هذا في المسألة الحادية والخمسين، وكذلك الحكم إذا ترك المجنب غسل الجنابة متعمدا حتى ضاق الوقت عن اداء الغسل فانه يجب عليه التيمم وإذا تيمم صح صومه وان كان آثما بترك الغسل، وإذا ترك التيمم عامدا بطل صومه. [ المسألة 59: ] إذا كان المكلف المجنب من ذوي الاعذار عن غسل الجنابة، فتيمم قبل طلوع الفجر بدلا عن غسله جاز له أن ينام بعد تيممه حتى يصبح، ولا يجب عليه ان يبقى متيمما مستيقظا حتى الصباح وان كان ذلك احوط له استحبابا، وكذلك إذا تيمم من جنابته ثم أحدث بعد تيممه حدثا اصغر غير النوم، فلا يجب عليه أن يعيد التيمم بدلا عن الغسل، وان كانت اعادة التيمم احوط استحبابا. [ المسألة 60: ] إذا احتلم الصائم في النهار لم تجب عليه المبادرة إلى الغسل، فيجوز له أن يؤخر غسله من الجنابة ما لم يتضيق عليه وقت الصلاة، ولا يضر هذا التأخير بصحة صومه وان كان الاحوط استحبابا له أن يبادر إلى الغسل. [ المسألة 61: ] يجوز لمن أجنب في ليل شهر رمضان أن ينام بعد جنابته وقبل أن يغتسل

[ 29 ]

إذا علم انه يستيقظ من نومه ليغتسل من جنابته قبل طلوع الفجر، ويجوز له ان ينام كذلك إذا احتمل انه يستيقظ للغسل قبل الفجر احتمالا يعتد به، ولا فرق في هذا الحكم بين النومة الأولى والثانية والثالثة والاكثر من ذلك. وإذا علم بأنه متى نام لم يستيقظ للغسل قبل الفجر، حرم عليه النوم على الأحوط، وإذا نام في هذه الصورة ولم يستيقظ للغسل حتى طلع الفجر فهو متعمد في البقاء على الجنابة، فيبطل صومه ويجب عليه القضاء والكفارة، حتى إذا كانت نومته هي النومة الأولى. وكذلك الحكم إذا كان يحتمل انه يستيقظ من نومه قبل الفجر احتمالا ضعيفا لا يعتني به العقلاء بحيث يعدونه إذا نام مع هذا الاحتمال متعمدا في ترك الغسل والبقاء على الجنابة، فلا يجوز له النوم في هذه الصورة قبل الفجر، وإذا نام ولم يستيقظ حتى طلع عليه الفجر وجب عليه القضاء والكفارة وان كان في النومة الأولى. [ المسألة 62: ] إذا نام الجنب ليلا في شهر رمضان وهو عازم على ترك الغسل قبل طلوع الفجر، واستمر في نومه إلى ان طلع الفجر كما عزم بطل صومه ووجب عليه القضاء والكفارة وان كان في نومته الأولى. وإذا نام وهو متردد في انه يغتسل قبل الفجر أو لا يغتسل، بحيث أوجب هذا التردد له ترددا في نية صومه، ثم استمر به النوم الى ان طلع عليه الفجر، بطل صومه ووجب عليه القضاء دون الكفارة، والأحوط له التكفير استحبابا. [ المسألة 63: ] إذا نام المجنب ليلا وهو عازم على أن يغتسل من جنابته قبل الفجر، أو كان غافلا عن ذلك، واستمر به النوم إلى الفجر، فان استمرت به نومته الأولى بعد أن علم بالجنابة فلم ينتبه منها - كما قلنا - حتى اصبح، صح صومه ولم يجب عليه القضاء، وان استمرت به نومته الثانية أو الثالثة أو الاكثر من ذلك بعد ان علم بجنابته وجب عليه القضاء دون الكفارة، والأحوط له استحبابا دفع الكفارة في النومة الثالثة وما بعدها. [ المسألة 64: ] النومة الأولى أو الثانية أو الثالثة، هي التي تكون بعد علم المكلف بجنابته

[ 30 ]

كما ذكرنا، فلا تعد منها النومة التي احتلم فيها، والظاهر ان حكم النومة الرابعة وما بعدها هو حكم النومة الثالثة، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة والستين. [ المسألة 65: ] لا يترك الاحتياط بالحاق كل صوم واجب بشهر رمضان في الحكم المذكور سواء كان الصوم الواجب معينا أم غير معين، وقد ذكرنا هذا في المسألة الخمسين، ولا يترك الاحتياط بالحاقه به في الحكم حتى في الكفارة إذا كان ذلك الصوم الواجب مما فيه الكفارة كالمنذور وشبهه. [ المسألة 66: ] إذا نقت المرأة الحائض والمرأة النفساء من دم الحدث ليلا ونامتا عن غسلهما قبل الفجر لم يشملهما حكم المجنب الذي تقدم ذكره في المسائل الماضية، بل يكون المدار في حكمهما على صدق التواني عن الغسل الواجب عليهما وعدم صدقه، فإذا صدق على المرأة انها متوانية عن الغسل الواجب عليها من الحيض، أو النفاس بطل صومها وان كان ذلك في النومة الأولى بعد علمها بنقائها من الدم، وان لم يصدق عليها التواني لم يبطل صومها وان تعدد نومها. [ المسألة 67: ] إذا نسي الصائم المجنب غسل الجنابة وصام اياما من غير غسل وشك في عدد الأيام التي صامها بين الاقل والاكثر، فلهذا الفرض صور متعددة لابد من مراعاتها وتطبيق أحكامها الآتية: (الصورة الأولى): أن يعلم المكلف آخر أيام جنابته ويشك في أول حدوثها عليه، ومثال ذلك: ان يعلم الرجل بأنه قد اغتسل من الجنابة في آخر يوم من الشهر مثلا، ويشك في ان وقوع الجنابة كان في اي يوم من ايام الشهر، والظاهر ان حكم المكلف في هذه الصورة صحة صومه في الايام الأولى التي يحتمل حدوث الجنابة فيها ولا يتيقن وجودها، ويجب عليه قضاء المقدار الذي يعلم بوجود الجنابة فيه من الأيام وهو الأقل، فإذا شك في انها خمسة أيام فقط أو اكثر من ذلك، وجب عليه قضاء الايام الخمسة المتيقنة خاصة، ويصح صومه في المقدار الزائد عليها. (الصورة الثانية): أن يعلم المكلف بأول أيام جنابته، ويشك في وقت نهايتها، ومثال ذلك ما إذا علم دون ريب بأنه قد أجنب في أول ليلة من الشهر

[ 31 ]

وشك في انه اغتسل من جنابته في نصف الشهر أو في العشرين منه، وحكم المكلف في هذه الصورة ان يقضي العدد الاكثر من الأيام التي يشك في وجود الجنابة فيها، فيجب عليه ان يقضي صوم عشرين يوما في المثال الذي ذكرناه. (الصورة الثالثة): ان يعلم الانسان بأيام معينة من الشهر كان ناسيا لغسل الجنابة فيها، ولكنه يشك في انه هل توجد قبل تلك الايام المعينة أو بعدها ايام أخرى قد نسي الغسل فيها ايضا ام لا يوجد غيرها ومثال ذلك: ما إذا تيقن دون ريب انه كان مجنبا وناسيا للغسل في اليوم العاشر من الشهر وفي يومين بعده، وشك في حالته في ما قبل هذه الايام الثلاثة وما بعدها، والحكم في هذه الصورة هو وجوب قضاء الصوم في تلك الايام الثلاثة المتيقنة، وصحة الصوم في الأيام السابقة عليها، ولا يترك الاحتياط لزوما في قضاء الأيام المتأخرة من الايام التي يحتمل وجود الجنابة فيها أيضا، بل الحكم بوجوب قضائها لا يخلو من قوة، فإذا احتمل انه قد نسي الغسل مع الايام الثلاثة المتيقنة ثلاثة ايام أخرى لزمه قضاء ستة ايام. (الصورة الرابعة): ان يعلم الرجل بأيام معينة من الشهر كان ناسيا لغسل الجنابة فيها، ويعلم ايضا ان معها اياما غيرها قد نسي الغسل فيها كذلك ولكنه لا يعلم بعددها على نحو القطع. (الصورة الخامسة): ان لا يعلم المكلف شيئا عن جنابته لا عن ابتداء وقوعها ولا عن وقت نهايتها ولا عن اثنائها، والظاهر ان الحكم في كلتا الصورتين الرابعة والخامسة هو وجوب قضاء المقدار الذي يتيقن ببطلان الصوم فيه من الأيام وهو العدد الاقل، وان كان الأحوط للمكلف استحبابا قضاء العدد الاكثر. [ المسألة 68: ] إذا كان الصائم المجنب عالما بعدد أيام جنابته في أول الأمر ثم نسي عددها بعد ذلك وشك فيه بين الأقل والأكثر، فالأحوط له استحبابا قضاء العدد الاكثر مما يحتمله في جميع الصور التي تقدم ذكرها، ولكن الأقوى فيها هو ما ذكرناه من التفصيل. وكذلك الحكم في قضاء الصلوات التي صلاها في تلك الايام التي نسي فيها غسل الجنابة، فتجري فيها الصور التي تقدم ذكرها في المسألة المتقدمة وتنطبق احكامها في قضاء الصلوات سواء بسواء.

[ 32 ]

ومثله ما إذا نسي المكلف غسل غير الجنابة من الأحداث التي يشترط في صحة الصلاة أن يغتسل منها، كغسل مس الميت ونحوه، فإذا نسي المكلف بعض هذه الأغسال وصلى، ثم اغتسل من حدثه بعد ذلك، وشك في عدد الصلوات التي صلاها في أيام حدثه وقبل أن يغتسل منه، فتجري الصور المذكورة، وأحكامها في قضاء تلك الصلوات. [ المسألة 69: ] إذا علم المكلف بأنه كان جنبا، وشك في أنه اغتسل من جنابته تلك أو لم يغتسل منها، فهو مجنب يجب عليه الغسل، فإذا ترك الغسل متعمدا، وبقي على جنابته المستصحبة حتى أصبح بطل صومه إذا كان صائما ولزمه القضاء والكفارة وجرى فيه جميع الأحكام التي ذكرناها للجنابة المعلومة. [ المسألة 70: ] إذا اجنب المكلف ليلا وأراد أن يغتسل من جنابته لصوم واجب عليه، فان كان في آخر الوقت صح له أن ينوي في غسله الوجوب، وإذا أراد الغسل من الجنابة للصوم قبل آخر الوقت لم يقصد بغسله الوجوب على الأحوط، بل يأتي به بقصد القربة، وإذا أتى به بقصد القربة كفاه في صحة صومه، وكفاه للصلاة به إذا طلع عليه الفجر ودخل وقت الصلاة ولم ينقضه بحدث. [ المسألة 71: ] إذا كان المجنب فاقدا للماء والتراب اللذين يتطهر بهما من حدث الجنابة وكان في شهر رمضان أو في صوم واجب معين غيره، نوى الصوم وان كان مجنبا وصح صومه لوجود العذر، وكذلك الحكم في المرأة الحائض والنفساء إذا فقدتا الماء والتراب فيصح صومهما مع الحدث لوجود العذر. وإذا اتفق مثل ذلك للمجنب أو للحائض أو للنفساء في قضاء شهر رمضان أو في صوم واجب غير معين سواه ففي صحة صومهم إشكال. [ المسألة 72: ] يجوز للمكلف إذا مس الميت ليلا في شهر رمضان ان يؤخر غسل مس الميت عامدا حتى يصبح، ولا يضر ذلك بصحة صومه، ولا يضر صومه ان يمس الميت نهارا، وكذلك الحكم في غير شهر رمضان من الصوم الواجب أو المندوب سواء كان معينا أم غير معين.

[ 33 ]

[ المسألة 73: ] إذا ظن المكلف أن في الوقت سعة يتمكن فيه من أن يجامع مختارا ويغتسل قبل طلوع الفجر، فجامع أهله باختياره ثم تبين له بعد الجماع ان الوقت ضيق لا يتسع لفعله، فان كان قد راعى الوقت قبل الفعل فحصل له الظن ثم انكشف له الخطأ، صح صومه، وان فعل ذلك من غير مراعاة للوقت وجب عليه قضاء الصوم. وإذا تمكن في هذا الفرض من التيمم قبل أن يطلع الفجر وجب عليه التيمم، فإذا تيمم قبل الفجر صح صومه ولم يجب عليه القضاء، وإذا أمكن له التيمم وتركه عامدا حتى طلع الفجر بطل صومه ولزمه القضاء والكفارة كما سبق في المسألة الحادية والخمسين. (السادس من المفطرات: تعمد الكذب على الله أو على رسوله صلى الله عليه وآله أو على الائمة الطاهرين (ع)). [ المسألة 74: ] تعمد المكلف ان يكذب على الله سبحانه أو على الرسول صلى الله عليه وآله أو على أحد الائمة المعصومين (ع) من المفطرات على الأحوط، وكذلك تعمد الكذب على بقية الانبياء وأوصيائهم وعلى الزهراء (ع) إذا رجع الكذب عليهم الى الكذب على الله، والأحوط الالحاق به في الحكم مطلقا وان لم يرجع إليه. ولا فرق في الكذب عليهم بين أن يكون ما نقله المكلف عنهم خبرا يتعلق بأمور الدين أو خبرا يتعلق بأمور الدنيا، ومن الكذب ما إذا أفتى كاذبا وأخبر بفتواه عن الله (تعالى)، ومن الكذب ما إذا وضع الخبر غيره من الناس، وأسنده هو في نقله إلى الله أو إلى احد المعصومين (ع) وهو يعلم بأن الخبر موضوع كاذب، ولا فرق بين ان يكون الكذب منه بالقول أو الكتابة، بل بكل ما يصدق معه الكذب عليهم، من اشارة أو كناية أو غيرها. ومن الأمثلة لذلك أن يسأله سائل: هل قال الرسول أو الامام هذا القول؟ والخبر المسؤول عنه صادق صحيح، فيقول: لا، أو يشير اشارة أو يكني كناية تدل على أن المعصوم (ع) لم يقل ذلك، وان يسأله أحد عن خبر موضوع كاذب: هل قاله المعصوم (ع)؟ فيقول: نعم، أو يشير اشارة أو يكني كناية تدل على ان المعصوم قد قال ذلك، فيكون قوله أو اشارته أو كنايته كذبا متعمدا على

[ 34 ]

الرسول أو الامام ويبطل بها صومه إذا كان صائما. ومن الأمثلة لذلك: أن ينقل له ناقل قولا صادقا عن الرسول صلى الله عليه وآله أو عن الامام فيكذبه ويقول: ان المعصوم لم يقل هذا القول، وان ينقل له قولا كاذبا عن أحدهما، فيقول: ان المعصوم قال ذلك، فيكون كاذبا ويبطل بذلك صومه، وكذلك إذا أخبر هو بالقول الصادق عنهم ثم كذبه، أو أخبر ليلا بالقول الكاذب، ثم صدقه نهارا وهو صائم. [ المسألة 75: ] إذا تعمد الصائم الكذب على الله أو على أحد المعصومين (ع) ببعض الوجوه التي بيناها بطل صومه، وان تاب بعد ذلك من كذبه، واستغفر، أو رجع عن كذبه بلا فصل، فان ذلك كله لا يوجب صحة صومه بعد بطلانه. [ المسألة 76: ] إذا قصد الصائم الصدق في اخباره، ثم علم بعد ذلك ان الخبر الذي نقله كاذب لم يبطل صومه بنقل ذلك الخبر، وإذا قصد الكذب في الحديث وأخبر به بهذه النية، ثم علم بعد نقله ان الخبر الذي نقله صادق غير كاذب، بطل صومه إذا كان يعلم بأن الكذب على الله من المفطرات، فانه نوى الاتيان بالمفطر فلم تستمر منه نية الصوم، وإذا اضطر إلى الكذب على الله أو على الرسول صلى الله عليه وآله للتقية من ظالم لم يبطل صومه بذلك على الأقوى. [ المسألة 77: ] إذا نقل الصائم الخبر الكاذب هازلا في اخباره به فلم يقصد معنى الخبر الذي نقله، أو لم يقصد أنه مطابق للواقع أو أخبر به على نحو الهزء بمضمونه، أو أراد التبكيت بواضعه لم يبطل صومه بذلك. [ المسألة 78: ] إذا تعمد الصائم الكذب على العلماء من اهل الفتيا أو على رواة الحديث، فان كان المقصود له من ذلك الكذب على الله أو على المعصومين كان مبطلا للصوم، وان لم يقصد به ذلك لم يبطل به صومه وان كان حراما يوجب الإثم. [ المسألة 79: ] إنما يبطل صوم الصائم بالكذب على الله سبحانه أو على الرسول صلى الله عليه وآله أو على بعض المعصومين (ع) إذا ارتكبه المكلف متعمدا لذلك، ولا يضر بالصوم إذا

[ 35 ]

فعله المكلف ساهيا أو صدر منه عن جهل مركب، وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة والسبعين. [ المسألة 80: ] الأخبار المودعة في الكتب من جوامع الحديث وغيرها انما يجوز الاخبار بها إذا كانت معلومة الثبوت، أو قامت على ثبوتها حجة شرعية معتبرة، ولا يجوز الاخبار بما لم يعلم ثبوته منها ولم تقم عليه حجة شرعية ثابته، الا إذا كان الاخبار به على سبيل النقل والحكاية عن الكتاب، أو عن راوي القول، لا عن المعصوم المروي عنه. (السابع من المفطرات: الارتماس في الماء). [ المسألة 81: ] ارتماس الصائم في الماء من المفطرات على الأحوط، والمراد به هنا رمس الانسان رأسه، - وهو ما فوق الرقبة - سواء رمسه مع بقية بدنه، ام رمس رأسه وحده، والمفطر من الرمس هو ان يكون جميع الرأس في الماء في وقت واحد، وان كان ذلك الوقت قليلا، ولا يبطل الصوم ان يغمس الصائم اجزاء رأسه في الماء جزءا بعد جزء على التعاقب، وان استوعب الجميع، إذا لم تجتمع أجزاء الرأس كلها في الماء في وقت واحد، ولا يضر بصحة الصوم أن يغمس المنافذ من الرأس وحدها في الماء، فيغمس عينيه وأنفه وأذنيه في الماء وتكون منابت الشعر من الرأس خارجة منه. [ المسألة 82: ] إذا رمس الصائم رأسه كله في الماء حتى اجتمعت جميع أجزائه فيه بطل صومه وان كان شعره في خارج الماء، كما إذا كان شعر الرأس طويلا فلم يدخله مع بشرة الرأس والمنافذ والمنابت في الماء، أو كانت رقبته في خارج الماء، كما إذا طأطأ رأسه في الحوض أو في الإناء المملوء فغمسه فيه ولم يدخل الرقبة معه. [ المسألة 83: ] لا يضر بصحة صوم الصائم أن يرتمس في الماء المضاف، أو في غير الماء من المايعات، وان كان الأحوط له استحبابا أن يجتنب ذلك وخصوصا الارتماس في الماء المضاف.

[ 36 ]

[ المسألة 84: ] يشكل الحكم بصحة صوم الصائم إذا طلى رأسه بالحناء مثلا أو بطين الرأس أو بشئ آخر يمنع من وصول الماء إلى البشرة ثم رمسه كذلك في الماء، فلا يترك الاحتياط باجتناب الارتماس في مثل هذه الصور، وبقضاء الصوم إذا رمس الصائم رأسه كذلك. [ المسألة 85: ] لا يضر بصحة صوم الصائم أن يفيض الماء على رأسه باناء أو غيره، وان كان الماء كثيرا يغمر جميع الرأس في وقت واحد، إلا إذا صدق عليه الرمس في الماء عرفا، كما إذا رمس الصائم رأسه في شلال ينحدر ماؤه أو في نهر منصب من الأعلى، وامثال ذلك من المياه المنحدرة من الأعلى بكثرة وقوة، فإذا رمس رأسه في مثل هذه الفروض بطل صومه على الأحوط. [ المسألة 86: ] إذا علم الصائم ان أحد هذين المائعين الموجودين لديه ماء مطلق والثاني ماء مضاف مثلا، حرم عليه الارتماس في أي واحد منهما، وإذا ارتمس في كلا المائعين بطل صومه ووجب عليه قضاؤه، وكذلك إذا ارتمس في أحدهما فقط، فلا يبعد وجوب القضاء عليه أيضا. [ المسألة 87: ] انما يكون رمس الرأس في الماء من المفطرات للصائم إذا وقع ذلك منه عامدا، فلا يضر بصومه إذا ارتمس في الماء ساهيا أو ناسيا أو على غير اختيار منه، كما إذا وقع الرجل في النهر فانغمس فيه على غير إرادة منه، وكما إذا دفعه أحد في حوض الماء أو في النهر، فانغمس فيه مقسورا من غير اختيار منه، فلا يبطل صوم الصائم في هذه الفروض وما أشبهها. [ المسألة 88: ] إذا القى الصائم بنفسه في الماء، وهو يحسب ان ذلك لا يوجب له الارتماس في الماء فارتمس فيه مقهورا من غير قصد، فان كان فعل ذلك مع الاطمئنان بعدم حصول الارتماس بالقاء نفسه، لم يبطل صومه، وان ألقى نفسه وهو غير مطمئن بذلك اشكل الحكم بعدم بطلانه، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض بأن يتم صومه ثم يقضيه بعد ذلك.

[ 37 ]

[ المسألة 89: ] إذا ارتمس الصائم في الماء ساهيا أو ناسيا أو مقهورا على الارتماس من غيره، ثم ارتفع عنه العذر وهو مرتمس وجب عليه ان يبادر فيخرج رأسه من الماء، فان هو تباطأ ولم يبادر في اخراج رأسه مع قدرته على المبادرة فيه بطل صومه ووجب عليه قضاء الصوم. [ المسألة 90: ] إذا أكره الصائم مكره على أن يرتمس في الماء فارتمس فيه مكرها بطل صومه بالارتماس وان كان غير آثم بفعله لأنه مكره عليه، فيجب عليه قضاء الصوم، وكذلك إذا وجب عليه الارتماس في الماء لإنقاذ غريق محترم النفس، فيبطل صومه للارتماس ويجب عليه قضاء الصوم وان كان الارتماس واجبا عليه للإنقاذ [ المسألة 91: ] إذا ارتمس الصائم في الماء ليؤدي احد الاغسال الشرعية، فللمسألة صور مختلفة ولكل صورة منها حكمها كما سيأتي: (الصورة الأولى): أن يكون الصوم الذي ارتمس المكلف في اثنائه واجبا معينا عليه كشهر رمضان وكالمنذور المعين، وأن يكون المكلف متذكرا لصومه حين ما ارتمس في الماء، وأن يكون متعمدا في ارتماسه، فيبطل صومه في هذه الصورة ويبطل غسله ويجب عليه قضاء الصوم. (الصورة الثانية): أن يكون الصوم واجبا معينا على المكلف كما في الصورة الأولى، وان يكون المكلف ناسيا لصومه حين ما ارتمس في الماء، وأن يكون متعمدا في ارتماسه، فيصح صومه ويصح غسله كلاهما معا في هذه الصورة. (الصورة الثالثة): أن يكون الصوم واجبا غير معين على المكلف، كقضاء شهر رمضان وكالنذر المطلق، وأن يكون المكلف متذكرا لصومه حين ما ارتمس في الماء وأن يكون متعمدا في ارتماسه، فيبطل صومه، ويصح غسله. (الصورة الرابعة): أن يكون الصوم واجبا غير معين على المكلف كما في الصورة الثالثة، وان يكون المكلف ناسيا لصومه حين ما ارتمس في الماء، وان يكون متعمدا في ارتماسه، فيصح صومه ويصح غسله كلاهما. وكذلك الحكم والتفصيل إذا كان الصوم مندوبا، فإذا كان المكلف متذكرا لصومه ومتعمدا في ارتماسه بطل صومه وصح غسله كما في الصورة الثالثة، وإذا

[ 38 ]

كان ناسيا لصومه ومتعمدا في ارتماسه، صح صومه وصح غسله كلاهما كما في الصورة الرابعة. ولا فرق في الحكم بين أن يكون ارتماسه لغسل واجب وغسل مندوب، ولا يأتي في المسألة فرض أن يكون المكلف غير متعمد للارتماس، لان المفروض في المسألة ان المكلف قد ارتمس لأحد الأغسال ولذلك فلابد وان يكون متعمدا وقاصدا للارتماس. [ المسألة 92: ] إذا وجب على الصائم أن يغتسل احد الأغسال لجنابة أو غيرها، ولم يمكنه امتثال الأمر به الا بأن يأتي به بنحو الارتماس، فان كان صومه واجبا معينا عليه كشهر رمضان والنذر المعين فهو معذور شرعا عن الطهارة المائية، فلا يجب عليه الغسل ويلزمه الاتيان بالتيمم بدلا عنه، وان كان صومه واجبا غير معين أو كان مستحبا وجب عليه أن يغتسل مرتمسا، ويكون تكليفه هذا بالارتماس مبطلا لصومه. [ المسألة 93: ] إذا ارتمس الصائم في الماء وكان ذلك في صيام قضاء شهر رمضان عند تضيق وقت القضاء بمجئ شهر رمضان المقبل أو في الصيام الواجب المعين سواء كان نذرا أم غيره، فيجب على المكلف قضاء صوم ذلك اليوم كما تقدم في مطلق الصوم، ويلزمه على الأحوط مضافا إلى ذلك اتمام صيام ذلك اليوم، ويلزمه دفع الفدية عن صيام القضاء بعد الاتيان. واما شهر رمضان نفسه فلابد فيه من اتمام صيام اليوم منه إذا تناول فيه احد المفطرات، من غير فرق بين الارتماس وغيره، مضافا إلى وجوب القضاء عليه. (الثامن من المفطرات: ان يدخل الصائم الغبار الغليظ إلى جوفه عامدا). [ المسألة 94: ] إذا تعمد الصائم أن يوصل الغبار الغليظ إلى جوفه فسد صومه، بل وغير الغليظ منه على الاحوط، الا ما يعسر الاحتراز منه، فلا يكون وصوله إلى الجوف مضرا بصحة الصوم، كما إذا انعقد الغبار وتلبد به الجو، ولم يمكن التحفظ منه، أو كان التحفظ منه عسرا شاقا.

[ 39 ]

ولا يضر بصحة الصوم ما يدخل من الغبار إلى الجوف غفلة أو نسيانا أو قهرا على المكلف بغير ارادة منه، ويلزم الصائم التحفظ من دخوله إلى جوفه مع الامكان على الاحوط، الا مع الاطمئنان بعدم الوصول. [ المسألة 95: ] يلحق بالغبار الغليظ في حكمه المذكور البخار الغليظ الذي يوجب رطوبة ما يلاقيه، فإذا تعمد الصائم ايصاله إلى جوفه فسد صومه، وكذلك دخان التتن ونحوه فلا يجوز للصائم ادخاله إلى جوفه عامدا. (التاسع من المفطرات: التقيؤ عامدا). [ المسألة 96: ] إذا تقيأ الصائم متعمدا في فعل ذلك بطل صومه وان كان تقيؤه لضرورة اوجبت له ذلك من مرض وشبهه، ولا يقدح في صحة صومه أن يتقيأ ساهيا أو ناسيا أو يغلب عليه القئ من غير اختيار منه. والمبطل منه للصوم ما يعد في العرف قيئا، فلا يضر بصوم الصائم اخراج النواة واشباهها إذا انزلقت إلى حلقه من غير ارادة، ولا اخراج الذبابة وامثالها من الحشرات إذا دخلت في حلقه فأن ذلك كله لا يعد من القئ في نظر أهل العرف. [ المسألة 97: ] إذا تجشأ الصائم فخرج بالتجشؤ من جوفه شئ من الطعام أو غيره من غير اختيار لم يضر خروج ذلك بصحة صومه، ويجب عليه التحفظ كيلا يرجع ما خرج منه إلى جوفه، ويحرم عليه أن يبتلعه أو يبتلع شيئا منه إذا وصل إلى الفم، فإذا ابتلعه الصائم عامدا بعد خروجه ووصوله إلى الفم بطل صومه ووجب عليه القضاء والكفارة، بل تلزمه كفارة الإفطار على المحرم وهي كفارة الجمع على الأحوط، ولا يضر بصوم الصائم ما خرج منه بالتجشؤ إذا رجع إلى جوفه من غير اختيار، فلا يجب عليه قضاء ولا غيره. [ المسألة 98: ] إذا علم الصائم بأنه متى تجشأ خرج معه القئ من جوفه لم يجز له أن يتجشأ عامدا، ولا يجوز له كذلك أن يتجشأ اختيارا إذا أوجب له ترددا في استمراره على نية الصوم، ومثال ذلك أن يقصد التجشؤ وان صحبه القئ، فلا يجوز له ذلك،

[ 40 ]

وإذا تجشأ فسد صومه وان لم يخرج معه قئ لعدم استمراره على نية الصوم، ويجوز له التجشؤ في ما عدا ذلك. [ المسألة 99: ] يحرم ابتلاع الذباب ونحوه من الحشرات على المكلف، سواء كان صائما أم غير صائم، فإذا دخلت ذبابة في حلق الانسان، وجب عليه أن يخرجها مع الامكان، وقد قلنا آنفا: إن اخراجها من الحلق إذا دخلت إليه لا يعد من القئ عرفا، فلا يكون مضرا بصومه إذا كان صائما. وإذا دخلت الذبابة أو الحشرة في حلق الصائم ولم يمكن اخراجها من جوفه الا بالتقيؤ حرم عليه التقيؤ إذا كان في شهر رمضان ونحوه من الصيام الذي يعلم أو يحتمل أن المحافظة على صحته اكثر أهمية وأشد في الإسلام من هذا الواجب الآخر. (العاشر من المفطرات: الاحتقان بالمائع). [ المسألة 100: ] إذا احتقن الصائم بشئ من المائعات بطل صومه، وان كان بماء خالص، أو كان الرجل مضطرا إلى الاحتقان لمرض ونحوه، فيبطل صومه ويجب عليه قضاؤه إذا كان الصوم مما يقضى، وان لم يأثم بفعله إذا كان مضطرا إليه، والأقوى بطلان الصوم مع صدق الحقنة بالمائع وان لم يصل المائع إلى الجوف، بل كان بمجرد الدخول في الدبر. [ المسألة 101: ] لا يضر بصحة الصوم ان يحتقن الصائم بشئ من الجامدات وان ذاب بعد دخوله بسبب حرارة الجسد، ولا يضر بصحة الصوم ان يحتقن بما يشك في كونه جامدا أو مائعا. [ المسألة 102: ] لا يبطل صوم الصائم بتناول شئ من المفطرات الآنف ذكرها جميعا، الا إذا كان عامدا في تناوله، ما عدا المفطر الخامس منها، وهو البقاء على الجنابة حتى يصبح، فلا يضر بصحة صوم الصائم أن يتناول شيئا من المفطرات التسعة الأخرى إذا كان ساهيا عند تناوله أو غافلا أو مقهورا على الفعل من دون اختيار منه، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثين وما بعدها، ويبطل بها صوم الصائم إذا اتى

[ 41 ]

بشئ منها عامدا، وان كان مكرها على فعله من أحد أو مضطرا إلى تناوله، نعم، يرتفع عنه الإثم والعصيان بسبب الإكراه والاضطرار وقد تكرر ذكر هذا. واما البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر فقد فصلنا الحكم فيه في البحث عن المفطر الخامس فليرجع إليه من يشاء. [ المسألة 103: ] إذا تناول الصائم بعض المفطرات وهو جاهل بالحكم ففي ذلك صورتان يختلف الحكم فيهما. (الصورة الأولى): أن يكون المكلف في حال أخذه للمفطر جاهلا يحسب ان تناول ذلك الشئ مما يجوز له شرعا فلا يبطل صومه بتناوله للمفطر في هذه الصورة ولا يجب عليه القضاء ولا الكفارة، سواء كان جاهلا قاصرا أم مقصرا، ويكون آثما بفعله إذا تناوله كذلك وكان جهله عن تقصير، والأحوط له استحبابا قضاء الصوم في كلا الفرضين، إذا كان الصوم مما يقضى، والاحتياط في الجاهل المقصر اشد تأكدا. (الصورة الثانية): ان يكون المكلف حين تناول المفطر جاهلا مترددا في حكم تناول الصائم لذلك الشئ، وحكمه في هذه الصورة حكم العامد فيبطل صومه ويلزمه القضاء والكفارة، وقد سبق منا بيان هذا في المسألة الحادية والثلاثين، وتقدم في المسألة الثالثة والثلاثين حكم الافطار للتقية، وتقدمت في غضون ذلك المبحث مسائل تتعلق بالمقام، فليرجع إليها من يريد. [ المسألة 104: ] إذا نسي المكلف أنه صائم فوضع اللقمة في فمه ليأكلها أو أخذ الجرعة من الماء ليشربها، ثم تذكر أنه صائم وجب عليه أن يخرجها من فمه، وإذا ابتلعها عامدا بعد تذكره للصوم بطل صومه ولزمه القضاء والكفارة، وكذلك الحكم إذا اعتقد ان الليل لا يزال باقيا فوضع اللقمة من الطعام أو الجرعة من الماء في فمه، ثم علم بطلوع الفجر، فيجب عليه اخراج ما في فمه ويحرم عليه ابتلاعه. [ المسألة 105: ] إذا غلب العطش على الصائم حتى خشي منه الضرر، أو لزم من الصبر عليه الحرج الشديد، جاز له أن يشرب من الماء مقدار ما يندفع به الضرر ويرتفع به الحرج، ولا إثم عليه في ذلك، ويبطل به صومه، فيجب عليه قضاء صوم ذلك

[ 42 ]

اليوم، وإذا كان في شهر رمضان وجب عليه أن يمسك عن المفطرات في بقية نهاره حتى عن تناول الماء بالمقدار الذي يزيد عن الضرورة وما يرتفع به الحرج، ولا يجب ذلك في غير شهر رمضان وان كان واجبا معينا. [ المسألة 106: ] لا يجوز للمكلف إذا كان صائما صوما واجبا معينا عليه أن يذهب مختارا إلى موضع يعلم بأنه يكره فيه على الافطار في صومه، أو يضطر إليه اضطرارا أو يقسره عليه أحد اقتسارا، وإذا ذهب مختارا إلى ذلك الموضع، فاضطر فيه إلى تناول المفطر - ولو بنحو القسر عليه - بطل صومه على الأحوط، بل الأحوط بطلان صومه بمجرد قصده إلى ذلك الموضع إذا كان يعلم أو يطمئن بحصول الافطار فيه متى وصل إليه، لعدم استمراره على نية الصوم. [ المسألة 107: لا يجوز للصائم أن يبتلع ريقه إذا امتزج بريقه دم أو غيره من المحرمات أو المحللات المفطرة، الا أن يستهلك ذلك الخليط في الريق، حتى يصدق في العرف انه انما يبتلع ريقه وحده، ولا يجوز له ان يتعمد مزج ذلك الخليط بريقه اختيارا حتى يستهلكه ليبتلعه، من غير فرق بين المحرمات والمحللات المفطرة. [ المسألة 108: ] الوقت الذي يكون فيه الصوم هو النهار، وأوله طلوع الفجر الثاني الصادق، وآخره دخول الليل، وهو ذهاب الحمرة المشرقية من تمام ربع الفلك من طرف المشرق على الأقوى، فإذا استقبل الانسان نقطة الجنوب ونظر إلى جهة المشرق لم يجد أثرا للحمرة من مشرق الشمس إلى قمة رأسه. ولا يضم إلى النهار جزء من الليل، نعم لابد للمكلف من الامساك عن المفطرات في جزء من الليل قبل طلوع الفجر، وفي جزء من الليل بعد النهار ليحصل له العلم بانه قد أمسك عن المفطرات في جميع أجزاء النهار وآناته ويستيقن بامتثال الأمر بالصوم الواجب. [ المسألة 109: ] لا يجوز للصائم أن يتناول شيئا من المفطرات حتى يعلم بدخول الليل، ويصح له ان يعتمد في دخول وقت الإفطار على إخبار بينة عادلة بأن الوقت قد دخل، ويصح له أن يعتمد في ذلك على اذان المؤذن الثقة العارف بالوقت.

[ 43 ]

ويصح له ان يعتمد فيه على الظن الذي يحصل له بالنظر والمراعاة للوقت، وهذا إذا كان في السماء غيم يمنع من الرؤية ومن حصول العلم بالوقت، ولا يكتفى بالظن في غير هذه الصورة، وان كانت في السماء علة أخرى تمنع الرؤية غير الغيم من قتام أو ضباب وشبههما، ولا يكتفى بالظن الذي يحصل للمكلف من غير النظر والمراعاة في صورة وجود الغيم على الأحوط. فإذا أفطر الصائم وهو شاك في دخول الوقت وعدمه لزمه قضاء صوم ذلك اليوم مع الكفارة، إلا إذا حصل له العلم بعد ذلك بان الوقت قد دخل عند افطاره، أو يكون قد اعتمد على إخبار البينة أو على اذان الثقة العارف بالوقت، وان لم يوجبا له قطعا ولا ظنا بالوقت، فلا يجب عليه القضاء والكفارة في هذه الفروض. وإذا أفطر اعتمادا على الظن في غير الصورة التي ذكرناها وجب عليه القضاء والكفارة. [ المسألة 110: ] يجوز للمكلف أن يتناول المفطرات في آخر الليل حتى يعلم بطلوع الفجر الثاني، أو تشهد البينة العادلة بطلوعه، أو يسمع اذان المؤذن الثقة العارف بالوقت. وإذا تناول المكلف بعض المفطرات وهو شاك في طلوع الفجر فلا شئ عليه بذلك إذا لم يستبن له بعد ذلك طلوع الفجر ولا عدمه عند تناوله. وإذا شهدت البينة العادلة بطلوع الفجر، أو سمع المكلف اذان المؤذن الثقة، فلم يعتمد على ذلك وتناول المفطر وجب عليه القضاء والكفارة، وان لم يتضح له بعد ذلك أنه أكل أو شرب بعد الفجر أو قبله. [ المسألة 111: ] لا يكتفى بخبر العادل الواحد إذا أخبر بدخول وقت الافطار ولا بطلوع الفجر ولا ببقاء الليل، فإذا أخبر العادل الواحد مكلفا صائما بأن وقت الافطار قد دخل لم يجز للصائم أن يفطر من صومه اعتمادا على خبره، بل ويشكل جواز تقليده في ذلك وان كان المقلد أعمى لا يبصر أو محبوسا لا يمكنه الخروج لرؤية الوقت. وإذا أفطر الصائم اعتمادا على خبر العادل بدخول الوقت وجب عليه القضاء والكفارة عن ذلك اليوم الا إذا أفاده قوله العلم بدخول الليل، أو ظهر له

[ 44 ]

بعد افطاره أن قول ذلك العادل مطابق للواقع وأنه قد تناول المفطر بعد دخول الليل، فيسقط عنه وجوب القضاء والكفارة بعد وضوح الأمر. [ المسألة 112: ] إذا أخبر العادل الواحد بأن الفجر قد طلع ولم يحصل للصائم القطع بذلك من قوله، لم يحرم على الصائم أن يتناول المفطر بعد اخباره. وإذا أنباه العادل بطلوع الفجر فلم يعول على خبره - كما قلنا - وتناول المفطر بعد خبره، ثم ظهر له بعد ذلك أن المخبر صادق في قوله وأن الفجر كان طالعا حين ما تناول المفطر، فان كان قد راعى الوقت بنفسه قبل تناوله ولم يظهر له شئ فلا إثم عليه بتناول المفطر، ولا قضاء للصوم، وان تناول المفطر من غير مراعاة ولا نظر في الوقت لزمه قضاء الصوم، وهذا الحكم ثابت في نفسه وسيأتي تفصيله - ان شاء الله تعالى -، ولا مدخل لخبر العادل فيه، وقد مر ذكر بعض الفروض المشابهة له، وإذا أخبره العادل بطلوع الفجر وأفاده قول المخبر علما بطلوعه، حرم عليه أن يتناول شيئا مفطرا لأنه قد علم بالوقت، وليس لإخبار العادل به. [ المسألة 113: ] تكره للصائم عدة أمور: (1): أن يباشر زوجته أو أمته بمداعبة أو بتقبيل أو لمس بشهوة أو تفخيذ، أو ما يشبه ذلك، وهذا إذا كان واثقا من نفسه بأنه لا يغلب على أمره فيسبقه نزول المني منه بسبب هذه الافعال. وإذا قصد إنزال المني بهذه المباشرة فسد صومه وان لم ينزل منه شئ بالفعل، لأنه نوى المفطر فلم تستمر منه نية الصوم، وإذا كان من عادته ان يحصل منه الإنزال بمباشرة المرأة بمثل ذلك حرمت عليه المباشرة على الأحوط إذا كان الصوم واجبا معينا، وفي قضاء شهر رمضان بعد الزوال، وكذلك إذا أوجب ذلك ترددا في نية الصوم وقد سبق ذكر كل هذا مفصلا. (2): يكره للصائم ان يكتحل بكحل يحتوي على مسك أو صبر، أو يكتحل بشئ غيرهما مما يصل طعمه أو ريحه إلى الحلق. (3): يكره له أن يتناول سعوطا، والسعوط هو المائع الذي يصب في الأنف، والمكروه منه ما لا يعلم بوصوله إلى الحلق، واما ما يعلم بانه يصل إلى الحلق

[ 45 ]

فالاقوى تحريمه. (4): يكره له أن يشم النرجس والرياحين، والمراد بالرياحين كل نبات طيب الرائحة سواء كان من النبات نفسه أم من الأزهار. (5): يكره له أن يحتقن بالجامد. (6): يكره له أن يخرج من بدنه دما يوجب خروجه له الضعف، سواء كان إخراجه بفصد ام بحجامة ام بغيرهما وإذا علم ان ذلك يسبب له الإغماء كان حراما. (7): يكره له أن يقلع ضرسه أو يدمي فمه ولو بسواك وشبهه. (8): يكره له أن يدخل الحمام إذا خشي من دخوله الضعف. (9): يكره له أن يبل الثوب على جسده، أو يلبس ثوبا مبلولا. (10): يكره له أن يستاك بعود رطب. (11): يكره للمرأة الصائمة أن تجلس في الماء. (12): يكره له أن ينشد شعرا وهو صائم، سواء كان في شهر رمضان ام في غيره من أقسام الصوم، ويكره له أن ينشد الشعر في شهر رمضان وان انشده في الليل أو أنشده وهو غير صائم لبعض مسقطات الصوم، وكذلك الحكم في المرأة، ويستثنى من الشعر ما كان في مدح الرسول صلى الله عليه وآله، والمعصومين (ع) ورثائهم، بل مطلق ما كان حقا كالدعاء والمناجاة والموعظة والحكمة وغيرها من الشعر الحق، فلا كراهة في إنشاده، بل قد يكون من العبادات المحبوبة التي توجب القرب إلى الله. (13): يكره للصائم ان يأتي شيئا من مكروهات الاعمال والأخلاق والآداب النفسانية، فانها في حال الصوم وفي شهر رمضان للصائم وغير الصائم تكون أشد كراهة منها في سائر الأحوال والأوقات، كما ان المحرمات تكون فيهما أشد حرمة منها في بقية الاحوال والأزمان.

[ 46 ]

[ الفصل الثالث ] [ في الكفارات ] [ المسألة 114: ] إذا تناول الصائم بعض المفطرات التي ذكرناها في الفصل الثاني وكان متعمدا في فعله، غير ساه ولا ناس للحكم ولا الموضوع، ولا مكره من أحد على تناول المفطر ولا مجبر عليه، وجبت عليه الكفارة إذا كان صومه من الانواع التي تجب الكفارة إذا أفسدها، وسيأتي ذكر هذه الأنواع في المسألة الآتية. ووجوب الكفارة عند افسادها شامل لجميع المفطرات التي تقدم ذكرها، حتى الاحتقان بالمائع على الأقوى وحتى الارتماس في الماء، والقئ، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى المعصومين على الاحوط. واما نوم الصائم على الجنابة حتى يصبح فقد فصلنا الحكم فيه في المسألة الحادية والستين وما بعدها، فلتراجع، وقد ذكرنا في المسألة الحادية والثلاثين والمسألة المائة والثالثة حكم من ارتكب بعض المفطرات جاهلا قاصرا أو مقصرا، وحسبنا هنا هذه الاشارة إلى تلك الموارد. [ المسألة 115: ] تجب الكفارة على الصائم إذا تناول مفطرا فأفسد صومه متعمدا كما قلنا في المسألة السابقة في أربعة أنواع من الصوم: (1): صوم شهر رمضان، إذا أفطر فيه في أي جزء من أجزاء النهار. (2): صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر فيه بعد زوال الشمس من النهار. (3): الصوم المنذور إذا كان وقته معينا في أصل النذر. (4): صوم الاعتكاف. [ المسألة 116: ] إذا أفطر الصائم يوما من أيام شهر رمضان متعمدا ولا عذر له في افطاره، وكان افطاره بتناول مفطر محلل في شريعة الإسلام وجب عليه على نحو التخيير اما أن يعتق رقبة، واما أن يصوم شهرين متتابعين، واما أن يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل واحد منهم مدا واحدا من الطعام. وإذا أفطر يوما من الشهر وكان افطاره بتناول مفطر محرم في الإسلام وجب

[ 47 ]

عليه - على الاحوط - أن يدفع عن صومه كفارة الجمع، فيدفع الخصال الثلاث المذكورة جميعا، فيعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا. [ المسألة 117: ] إذا أفطر المكلف الصائم في قضاء شهر رمضان متعمدا في فعله، وكان افطاره بعد زوال الشمس من النهار، وجب عليه معينا أن يطعم عشرة مساكين أو يدفع لكل مسكين منهم مدا واحدا من الطعام كما تقدم، فان هو لم يقدر أن يطعمهم لبعض الأعذار وجب عليه ان يصوم بدلا عن ذلك ثلاثة أيام، ولا يجزيه صومهااذا كان قادرا على إطعام المساكين العشرة. [ المسألة 118: ] إذا أفطر المكلف متعمدا في صيام نذر معين، وجب عليه ان يدفع كفارة خلف النذر، وهي - على الأقوى - مثل كفارة خلف اليمين، فيجب عليه على - نحو التخيير - اما أن يطعم عشرة مساكين، واما أن يكسوهم، واما أن يعتق رقبة، فان عجز عن الخصال الثلاث، ولم يقدر على الاتيان بواحدة منها، وجب عليه - على وجه التعيين - ان يصوم ثلاثة أيام بدلا عن ذلك. [ المسألة 119: ] إذا جامع الإنسان زوجته - نهارا - وهو صائم صوم الاعتكاف، وجب عليه أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين مدا من الطعام، وكان مخيرا بين هذه الخصال الثلاث كما سبق في كفارة الافطار في شهر رمضان على مفطر محلل. وتجب هذه الكفارة أيضا على من جامع زوجته ليلا في أيام اعتكافه، وإذا اعتكف الانسان في أيام شهر رمضان وجامع زوجته فيه نهارا، وجب عليه أن يجمع بين الكفارتين، فيدفع كفارة الاعتكاف التي ذكرناها ويدفع معها كفارة الافطار في شهر رمضان، وقد سبق ذكرها في المسألة المائة والسادسة عشرة. وإذا كان اعتكاف الرجل في صوم آخر من الانواع التي تجب فيها الكفارة، وجامع فيه نهارا وجب عليه أن يجمع بين كفارة الاعتكاف وكفارة الافطار في الصوم الذي أفطر فيه، ولا تجب كفارة الاعتكاف على المعتكف بغير الجماع من بقية المفطرات، ويأتي تفصيل الحكم في كتاب الاعتكاف.

[ 48 ]

[ المسألة 120: ] إذا ارتكب الصائم ما يوجب الكفارة في أيام متعددة، وجب عليه أن يأتي بالكفارة بعدد الأيام التي أفسد صومه فيها، سواء كان في شهر رمضان أم في غيره من أنواع الصيام التي تجب فيها الكفارة، وسواء كان المفطر الذي تعمد ارتكابه من جنس واحد أم من جنس مختلف، فأكل في اليوم الأول، وشرب في اليوم الثاني، وجامع في اليوم الثالث، وهكذا، وسواء تخلل منه التكفير بين الأيام التي أفطرها، فأتى بعد كل يوم أفطره بكفارته ام لا، فلابد لكل يوم أفطر فيه من كفارة مستقلة، ولا فرق في الحكم المذكور بين ان تكون الكفارة التي وجبت عليه كفارة مفردة لأنه أفطر على شئ محلل، وأن تكون كفارة جمع، لأنه أفطر بتناول شئ محرم. [ المسألة 121: ] إذا فعل الصائم ما يوجب الكفارة أكثر من مرة واحدة في يوم واحد، فتناول المفطر في يومه مرتين، أو أكثر عامدا، لم تتعدد عليه الكفارة لذلك اليوم الواحد، سواء كان المفطر الذي تناوله من جنس واحد، فأكل في يومه مرتين أو أكثر ام كان من جنس مختلف، فأكل في يومه وشرب وارتمس، وسواء تخلل منه دفع الكفارة بين تناول المفطرين أم لا، وهذا هو الحكم في غير الجماع من موجبات الكفارة. وإذا تكرر الجماع من الصائم في يوم واحد فلا يترك الاحتياط بتعدد الكفارة عليه، فإذا جامع في يومه مرتين كفر عنهما كفارتين، وإذا جامع ثلاثا كفر ثلاثا، ولا فرق في لزوم الاحتياط في الحكم المذكور للجماع بين المحلل منه والمحرم، فإذا تكرر الجماع المحلل من الصائم في يوم واحد من شهر رمضان وجبت عليه الكفارة المخيرة بين الخصال الثلاث بعدد ما جامع، سواء كان جماعه لزوجة واحدة ام لأكثر، وسواء تخلل التكفير منه بين الجماعين ام لا. وإذا تكرر منه الجماع المحرم وجبت عليه كفارة الجمع - على الاحوط - بعدد ما جامع كذلك، وقد تقدم بيان هذه الكفارة في المسألة المائة والسادسة عشرة. وكذلك الحكم - على الأحوط - إذا تناول في يومه مفطرا غير الجماع، ثم جامع فيه بعد ذلك فتتعدد الكفارة، ومثله ما إذا انعكس الفرض، وإذا تكرر

[ 49 ]

الجماع في الصورتين تعددت كفارته، وإذا تكرر المفطر الآخر لم تجب فيه غير كفارة واحدة. [ المسألة 122: ] تجب على الصائم كفارة الجمع - على الأحوط - إذا أفطر في شهر رمضان على مفطر محرم، كما قلنا في المسألة المائة والسادسة عشرة، سواء كان المحرم الذي أفطر عليه محرما بالاصالة، كشرب الخمر وأكل اللحم غير المذكى، وأكل الطعام المغصوب، أم كان محرما بالعارض كجماع الزوجة في أيام حيضها، وأكل ما يضره أكله واكل لحوم الحيوانات الجلالة وشرب ألبانها. [ المسألة 123: ] إذا وجبت على الانسان كفارة مخيرة بين خصال، ككفارة الافطار في شهر رمضان على مفطر محلل وكفارة الاعتكاف وتعذر عليه بعض الخصال من الكفارة تخير بين باقي الخصال المقدورة له، فإذا وجبت عليه كفارة الافطار في شهر رمضان مثلا وتعذر عليه أن يعتق رقبة، تخير بين أن يصوم شهرين متتابعين وان يطعم ستين مسكينا، وإذا لم تمكن له الا خصلة واحدة منها تعينت عليه تلك الخصلة المقدورة، فيتعين عليه اطعام المساكين إذا لم يقدر على العتق والصيام. وكذلك الحكم إذا وجبت على الشخص كفارة واحدة مخيرة من جهة ومرتبة في جهة ككفارة الافطار في الصوم المنذور المعين وكفارة مخالفة اليمين وقد ذكرناهما في المسألة المائة والثامنة عشرة، فإذا تعذر عليه بعض خصال التخيير من الكفارة، تخير بين باقي الخصال الممكنة منها، وإذا لم يقدر الا على خصلة واحدة منها تعينت عليه تلك الخصلة ولا ينتقل حكمه إلى الخصلة المرتبة عليها الا إذا عجز عن جميع خصال التخيير وقد بينا هذا في المسألة المشار إليها. وإذا وجبت على المكلف كفارة الجمع ككفارة الافطار في شهر رمضان على مفطر محرم في الشريعة وتعذر عليه أن يأتي ببعض خصالها وجب عليه أن يأتي بالباقي المقدور من الخصال على الاحوط. [ المسألة 124: ] إذا أفطر المكلف الصائم في شهر رمضان على مفطر محلل، ثم تناول من بعده في ذلك اليوم نفسه مفطرا محرما وجبت عليه كفارة واحدة مخيرة بين الخصال الثلاث بسبب افطاره الأول، ولم تجب عليه كفارة الجمع بسبب تناول المفطر

[ 50 ]

المحرم في اليوم نفسه، إلا إذا كان المفطر الثاني الذي ارتكبه جماعا محرما، فتجب عليه كفارة مخيرة بافطاره الأول، وتجب عليه كفارة جمع بالافطار الثاني. [ المسألة 125: ] إذا علم المكلف الصائم بأنه قد تناول احد مبطلات الصوم، ولم يعلم أن المبطل الذي فعله مما يوجب عليه قضاء الصوم فحسب، أو هو مما يوجب عليه القضاء والكفارة كليهما، وجب عليه قضاء الصوم فقط، ولم تجب عليه الكفارة، وإذا علم بأنه قد تناول أحد المفطرات التي توجب عليه الكفارة، ولم يدر أن المفطر الذي تناوله محلل يوجب عليه كفارة مفردة، أو هو محرم يوجب عليه كفارة الجمع وجبت عليه كفارة مفردة ولم تجب عليه كفارة الجمع. [ المسألة 126: ] إذا علم الشخص بأنه قد وجبت عليه كفارات متعددة وشك في عددها أهي خمس كفارات ام ست مثلا؟ ومثال ذلك: أن يفطر اياما من شهر رمضان وتجب عليه لكل يوم كفارة، ثم يشك في عدد الأيام التي أفطرها وعدد ما وجب عليه في افطارها من الكفارات أهي العدد الاقل الذي يحتمله ام العدد الأكثر؟ فيكفيه أن يأتي بالقدر المتيقن وجوبه منها وهو العدد الأقل، وإذا كان سابقا قد علم بعدد ما وجب عليه من الكفارات، ثم نسي عددها بعد ذلك، فالأحوط له استحبابا ان يأتي بالعدد الاكثر، وان كان الأقوى الاكتفاء بالاقل حتى في هذه الصورة أيضا. [ المسألة 127: ] إذا تناول الصائم المفطر عامدا في يوم من أيام صومه الواجب وجبت عليه الكفارة بتحقق سبب وجوبها عليه، ولا يسقط وجوبها عنه إذا تعمد فسافر في ذلك اليوم، سواء سافر بعد الزوال أم قبله، وسواء قصد بسفره الفرار من الكفارة أم لم يقصد ذلك. وإذا خرج المكلف الصائم إلى السفر لم يجز له الافطار حتى يصل في سفره إلى حد الترخص، فإذا تناول المفطر متعمدا قبل ان يبلغ الى حد الترخص وجبت عليه الكفارة ولم يسقط عنه وجوبها إذا بلغ حد الترخص في يومه الذي سافر فيه أو بلغ المسافة التامة فيه، وإذا وجبت الكفارة على الرجل الصائم أو على المرأة الصائمة، بحصول سبب وجوب الكفارة ثم طرأ لهما ما يسقط وجوب الصوم عنهما من مرض أو حيض أو نفاس أو غيرها لم يسقط وجوب الكفارة عنهما على

[ 51 ]

الأحوط. [ المسألة 128: ] إذا تعمد المكلف الافطار في يوم الشك في آخر شهر رمضان وجبت عليه الكفارة بافطاره، سواء اتضح له بعد ذلك أن اليوم من شهر رمضان أم لم يتضح له شئ، وإذا ثبت بعد ذلك بوجه شرعي ان اليوم من شهر شوال سقط عن المكلف وجوب الكفارة، واستحق الإثم والعقوبة بجرأته على الافطار فيه قبل الثبوت الشرعي للهلال. وإذا أصبح المكلف في اليوم الذي يشك الناس فيه انه أول شهر رمضان أو آخر شهر شعبان، وحصل له العلم بان اليوم أول رمضان، فإذا تعمد فيه الافطار وجبت عليه الكفارة. وإذا استبان له بعد ذلك انه مخطئ في اعتقاده وأن اليوم من شعبان، سقط عنه وجوب الكفارة. [ المسألة 129: ] إذا استحل الانسان الافطار في شهر رمضان، وكان عالما بوجوب صومه في الاسلام وعامدا في استحلال الافطار فيه كان مرتدا عن الاسلام، سواء أفطر بالفعل أم لم يفطر، ومن افطر فيه وكان عالما بالحكم عامدا في افطاره وغير مستحل للافطار، وجب تعزيره على فعله، فان كان افطاره بجماع زوجته عزره الامام أو نائبه بخمسة وعشرين سوطا، وإذا كان افطاره بغير الجماع من المفطرات أو بجماع غير زوجته عزر بما يراه الامام (ع) أو نائبه. [ المسألة 130: ] من أفطر في شهر رمضان وكان عالما بالحكم وعامدا في افطاره وغير مستحل لافطاره عزر كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فان هو عاد إلى جريمته فأفطر في الشهر عالما عامدا بعد التعزير الأول عزر مرة ثانية، فان عاد إلى مثل الجريمة بعد التعزير الثاني فافطر، قتل في المرة الثالثة، والأحوط ان يعزر في الثالثة، فان عاد فافطر كذلك بعد التعزير الثالث قتل في المرة الرابعة. [ المسألة 131: ] إذا أكره الرجل الصائم زوجته وهي صائمة أيضا فجامعها في شهر رمضان وجب على الرجل ان يدفع كفارة صيامه وكفارة صيام زوجته معا، وان يعزر مرة عنه ومرة أخرى عنها، فيدفع كفارتين ويعزر مرتين فيضرب في كل تعزير منهما

[ 52 ]

خمسة وعشرين سوطا. وإذا أكره الرجل الزوجة على الجماع في أول الأمر ثم اطاعته في أثناء العمل، فلا يترك الاحتياط بأن يدفع الرجل كفارتين وتدفع المرأة كفارة واحدة، وإذا هي أطاعته من أول الأمر لزم الرجل تعزيره وكفارته ولزم المرأة تعزيرها وكفارتها، ولا فرق في الأحكام التي بيناها بين أن تكون الزوجة دائمة أو متمتعا بها. [ المسألة 132: ] يختص الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة بالرجل وزوجته، وبما إذا اكرهها على الجماع وكانا كلاهما صائمين، ولذلك، فلا يتحمل الرجل عن امته كفارة ولا تعزيرا إذا أكرهها على الجماع في مثل الفرض المذكور بل ولا يتحمل عن المرأة الأجنبية إذا أكرهها فجامعها وهما صائمان. ولا يتحمل الرجل عن زوجته شيئا إذا اكرهها على الافطار بغير الجماع من المفطرات الأخرى، فلا تلزمه كفارتها ولا تعزيرها، ولا يتحمل عن زوجته شيئا إذا اكرهها على الجماع وكان مفطرا غير صائم لمرض أو سفر وكانت هي صائمة، ولا تتحمل الزوجة عن زوجها شيئا إذا اكرهته على الجماع وهما صائمان، ولا يتحمل الرجل عن زوجته شيئا إذا أكرههما غيرهما على الجماع وهما صائمان، بل ولا يتحمل عنهما شيئا من أكرههما على ذلك وان كان عاصيا آثما بما فعل. [ المسألة 133: ] إذا وجبت الكفارة المخيرة على المكلف لافطار يوم من شهر رمضان فعجز عن الخصال الثلاث التي يتخير بينها، فلم يستطع أن يأتي بأي واحدة منها وجب عليه أن يتصدق بما يطيق، وإذا وجبت عليه الكفارة المخيرة المذكورة لغير الافطار في شهر رمضان من موجباتها الأخرى وعجز عن جميع خصالها كما ذكرنا، وجب عليه أن يصوم بدلا عنها ثمانية عشر يوما، فإذا عجز عن ذلك أيضا استغفر الله بدلا عن الكفارة. فان هو استطاع الاتيان بالكفارة بعد ذلك أو استطاع الاتيان ببعض خصالها وجب عليه الاتيان بها في كلا الفرضين على الأحوط. [ المسألة 134: ] تجب الكفارة على الانسان إذا حصل له أحد الأسباب الموجبة لها وجوبا

[ 53 ]

موسعا، ولكن لا يجوز لمن كلف بها أن يؤخر الاتيان بها إلى حد يلزم منه التهاون بأمر الله، ولا تجب عليه كفارة ثانية بسبب تأخيرها، وان مضى عليها أمد طويل. [ المسألة 135: ] يجوز للانسان أن يتبرع بدفع الكفارة عن الميت إذا اشتغلت ذمة الميت بالكفارة، ويشكل الحكم بجواز التبرع عن الغير إذا كان حيا، والاحوط ترك التبرع عنه، ويتأكد هذا الاحتياط إذا اراد التبرع عنه بالصوم من خصال الكفارة الواجبة عليه. [ المسألة 136: ] لا يقدح في صحة صوم الصائم ظاهرا أن يفطر بعد دخول الليل بتناول شئ محرم فلا يبطل بذلك صومه وان اثم بارتكاب ذلك، ولا يضر بصحة صومه أيضا ان يقصد وهو صائم في النهار أن يجعل افطاره في الليل على شئ من المحرمات وان عصى وأثم، بل وتضاعف اثمه وجرمه، وحرم وسقط بذلك حظه عن بلوغ مراتب الصيام، وتبوئ منازل الصائمين ودرجات القبول عند الله رب العالمين، وخصوصا إذا كان في شهر الصوم الذي يتضاعف فيه العقاب على المحرمات كما يتضاعف فيه الثواب على الطاعات. [ المسألة 137: ] مصرف الاطعام في الكفارة هم الفقراء المحتاجون الذين لا يملكون قوت سنتهم بالفعل ولا بالقوة، وهم المراد من المساكين الذين ذكرتهم نصوص الكفارة في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولابد من اطعام العدد المعين من المساكين في الكفارة الواحدة مع التمكن من الحصول على العدد، فيجب على المكلف أن يطعم ستين مسكينا تامة في كفارة الافطار في شهر رمضان مثلا، ويجب عليه أن يطعم عشرة مساكين كاملة في كفارة الافطار في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، وهكذا في الكفارات الأخرى، فيجب عليه أن يتم العدد المعين في الكفارة التي وجبت عليه. وإذا أطعم الفقير الواحد مرتين أو أكثر في الكفارة الواحدة لم يجزه ذلك عن أكثر من مسكين واحد، نعم يجزيه ذلك عند الاعواز وعدم التمكن من اتمام العدد لقلة الموجودين من المساكين عن بلوغ العدد الذي يجب اطعامه، فيجوز له التكرار في هذه الصورة حتى يبلغ العدد، فإذا وجد ثلاثين مسكينا فقط أطعمهم

[ 54 ]

مرتين، وإذا وجد عشرين مسكينا أطعمهم ثلاث مرات، وهكذا. وإذا وجد أربعين مسكينا اطعمهم جميعا مرة ثم كرر الاطعام على عشرين منهم، ولا يكفيه أن يطعم ثلاثين منهم مرتين، وإذا وجد ثمانية مساكين في كفارة قضاء شهر رمضان أطعمهم مرة ثم كرر الاطعام على مسكينين. ويتخير المكلف في الاطعام الواجب عليه بين أن يشبع الفقراء حتى يكتفوا مرة واحدة، وان يدفع الطعام إليهم أو إلى وكيلهم إذا كانوا راشدين والى ولي أمرهم إذا كانوا قاصرين، ليوصل الطعام إليهم، ولا يترك الاحتياط في كفارة الظهار بأن يدفع للفقير الواحد مدين من الطعام، ويكفي في غيرها من الكفارات ان يدفع مدا واحدا لكل مسكين. ولا يترك الاحتياط في كفارة اليمين بأن يكون المد الذي يدفعه للمسكين من التمر أو من الحنطة أو دقيقها أو خبزها، ويكفي في غيرها من سائر الكفارات أن يدفع مدا من مطلق الطعام، ويدفع للفقير الصغير في جميع الكفارات بمقدار ما يدفعه للفقير الكبير. [ المسألة 138: ] إذا كان للفقير عيال فقراء وكان وكيلا عنهم في قبض ما يدفع إليهم من الطعام أو وليا على القاصرين منهم، جاز للمكلف أن يدفع إليه من طعام الكفارة بمقدار عددهم وتبرأ ذمة المكلف من الاطعام بمقدار ما يدفع إليه، فإذا قبض الفقير طعام الكفارة بحسب وكالته وولايته دفع إلى الراشدين من عياله حصصهم، وبقيت حصص الصغار والمولى عليهم امانة بيده يتولى صرفها في مصالحهم وحاجاتهم بحسب ولايته عليهم. وإذا لم يكن رأس العائلة وكيلا عنهم ولا وليا عليهم، امكن للمكلف الذي وجبت عليه الكفارة، ان يجعله وكيلا عنه في إشباعهم أو في دفع الحصص إليهم وتبرأ ذمة المكلف إذا قام وكيله هذا بامر الكفارة فأشبعهم أو دفع الطعام إليهم أو إلى ولي أمرهم، ولا تبرأ ذمة المكلف من الواجب بمجرد دفع المال إلى الوكيل. [ المسألة 139: ] يجوز السفر اختيارا على الأقوى للمكلف بالصيام في شهر رمضان، وان كان سفره لا لحاجة أو لعذر يدعوه إلى السفر فيه، والمشهور بين الفقهاء كراهة

[ 55 ]

السفر فيه، الا أن يكون السفر لحج أو لعمرة أو مال يخاف تلفه فيسافر لحفظ المال، أو أخ في الله يخشى هلاكه فيسافر ليدفع عنه ما يحذره عليه، ولعل الأقرب ان المراد من أدلة المسألة هو أفضلية الاقامة في شهر رمضان على السفر فيه، وان النواهي الواردة في النصوص عن المسافرة في الشهر انما هي نواه عرضية عنه من جهة استلزام السفر في الشهر للافطار فيه وترك ما هو أفضل وهو الاقامة فيه واداء الصوم امتثالا لأمر الله سبحانه في الشهر المعظم عنده. وسواء أكان المراد من النواهي عن السفر فيه هو الكراهة كما هو المشهور، أم كان المراد بها النهي عن ترك ما هو أفضل، فان ذلك يزول بمضي الليلة الثالثة والعشرين من الشهر، فلا كراهة ولا نهي عن السفر بعدها. [ المسألة 140: ] إذا كان السفر في شهر رمضان لا يستلزم من المكلف افطارا من الصوم، ومثال هذا: ان يسافر الرجل بعد ان يدخل عليه الليل لبعض الغايات المباحة أو المستحبة ثم يعود إلى بلده قبل طلوع الفجر فالظاهر عدم شمول النواهي لمثل هذا السفر وان تكرر منه في كل ليلة، كما يفعله بعض الخطباء الذين يسافرون في ليالي الشهر إلى قرى تبعد عن بلادهم بما يبلغ المسافة الشرعية أو تزيد على ذلك للقراءة والوعظ في تلك القرى النائية ثم يعودون إلى بلادهم ومنازلهم في نفس الليلة، فلا كراهة في مثل ذلك ولا حرمة على تقدير القول بها كما يراه بعض الأعاظم (قده)، فضلا عن القول الذي اخترناه من أن النواهي انما هي نواه عرضية عن السفر لانه يستلزم ترك ما هو أفضل في هذا الشهر وهو الاقامة فيه والصوم. وكذلك إذا سافر المكلف في نهار شهر رمضان بعد الزوال، فان اتمام صوم اليوم واجب عليه في هذه الصورة، فإذا هو قضى حاجته من السفر وعاد إلى بلده ليلا لم يفته الصوم في سفره، وسيأتي بيان وجوب إتمام الصوم على المكلف إذا سافر بعد الزوال في المسألة المائة والرابعة والستين. وأجلى من ذلك وأكثر وضوحا ما إذا كان المكلف ممن عمله السفر فقد ذكرنا في مباحث صلاة المسافر ان الاقوى في هذا الصنف هو وجوب اتمام الصلاة والصيام عليه، فلا يفوته الصوم في شهر رمضان وان سافر إلى موضع عمله في صباح كل يوم من الشهر ورجع عصرا أو ليلا إلى منزله.

[ 56 ]

ومن ذلك ايضا من يسافر في شهر رمضان بعد الزوال أو بعد دخول الليل ويصل قبل طلوع الفجر من ليلته تلك إلى موضع ينوي الاقامة فيه عشرة ايام، فيجب عليه الصوم لاقامته في الموضع، ولا يفوته شئ من صيام شهر رمضان وكذلك إذا وصل إلى الموضع الذي ينوي فيه اقامة العشرة قبل زوال النهار ولم يكن قد تناول في يومه مفطرا، فتجب عليه نية الصوم ولا يفوته شئ منه. [ المسألة 141: ] المد الذي يجب دفعه إلى المسكين من الاطعام في الكفارة هو ربع الصاع الشرعي، والصاع الشرعي هو ستمائة واربعة عشر مثقالا صيرفيا وربع مثقال، فيكون المد مائة وثلاثة وخمسين مثقالا صيرفيا، وثلاث عشرة حمصة ونصفا، والمراد من الحمصة الجزء الواحد من اربعة وعشرين جزءا من المثقال الصيرفي، وعلى هذا فإذا دفع المكلف إلى المسكين ثلاثة ارباع الكيلو (والكيلو هو الوزن الغربي الشائع بين الناس في زماننا) فقد زاد على المد الواجب دفعه في الكفارة بضعة مثاقيل صيرفية. وإذا دفع إلى الفقير خمسة عشر مثقالا ونصفا (بالمثقال المعروف في البحرين، وهو عشرة مثاقيل صيرفية)، فقد زاد على المد الواجب دفعه مثقالا صيرفيا واحدا وعشر حمصات ونصفا، وإذا دفع إلى الفقير نصف حقة اسلامبولية فعليه ان يضيف إليه ثلاثة عشر مثقالا صيرفيا وثلاث عشرة حمصة ونصفا ليكون المجموع مدا. [ المسألة 142: ] يجب على المكلف قضاء الصوم ولا تجب عليه الكفارة في عدة مواضع: (الموضع الأول): إذا نام المكلف المجنب ليلا في شهر رمضان بعد ما علم بجنابته، وهو عازم على الغسل من جنابته قبل أن يطلع عليه الفجر، أو وهو غافل عن ذلك، ثم انتبه بعدها ونام مرة ثانية واستمرت به نومته الثانية حتى طلع عليه الفجر، فيجب عليه قضاء صوم ذلك اليوم ولا تجب عليه الكفارة، وكذلك الحكم في النومة الثالثة وما بعدها إذا استمرت به إلى الصباح في الفرض المذكور، فيجب عليه القضاء دون الكفارة على الأقوى، وقد بينا هذا في المسألة الثالثة والستين، والأحوط له استحبابا أن يدفع الكفارة إذا انتبه بعد النومة الثانية ثم نام النومة الثالثة أو ما بعدها واستمرت به إلى الصبح والاقوى الأول.

[ 57 ]

ويلحق بشهر رمضان في هذا الحكم على الأحوط، كل صوم واجب سواء كان معينا ام غير معين، وتراجع المسألة الخامسة والستون. (الموضع الثاني): إذا أخل المكلف بنية صومه، فتردد في الاستمرار على قصد الصوم وعدمه، أو أخل بالنية بما ينافي التقرب والإخلاص فيها، أو أحدث له نية أخرى تنافي الأولى كما إذا نوى قطع صومه في اثناء النهار، أو نوى أن يتناول أحد المفطرات وهو يعلم بان ذلك الشئ مفطر من الصوم، فإذا هو أخل بنية الصوم بأحد المنافيات المذكورة ولم يأت بشئ من المفطرات وجب عليه القضاء دون الكفارة. ومن ذلك ما إذا نام المكلف المجنب في الليل وهو متردد في أن يغتسل من جنابته قبل الفجر أو لا يغتسل واستمر به نومه حتى أصبح، فيجب عليه قضاء الصوم دون الكفارة. (الموضع الثالث): إذا نسي المكلف المجنب غسل الجنابة وصام يوما أو اياما متعددة من شهر رمضان أو من قضائه وهو مجنب ناس للغسل فيجب عليه قضاء صوم ذلك اليوم أو الأيام التي نسي الغسل فيها ولا تجب عليه الكفارة وقد بينا هذا في المسألة السابعة والخمسين. (الموضع الرابع): إذا شك المكلف في طلوع الفجر وعدم طلوعه وتناول شيئا من المفطرات من غير مراعاة منه للوقت، ثم تبين له ان الفجر كان طالعا حين ما تناول المفطر، فيجب عليه قضاء الصوم، وان كان اعمى لا يبصر، أو كان محبوسا غير قادر على مراعاة الوقت، أو كان غير عارف بالفجر، على الاقوى في كل اولئك، ولا تجب عليه الكفارة. وإذا قامت عند المكلف بينة شرعية على طلوع الفجر، أو سمع أذان الثقة العارف بالوقت، فلم يعتمد عليهما، واستصحب بقاء الليل وتناول المفطر من غير مراعاة منه للوقت، ثم استبان له بعد التناول صدق البينة، أو المؤذن، وأنه قد تناول المفطر بعد طلوع الفجر، لزمه القضاء والكفارة معا. وإذا تناول المفطر بعد أن نظر في الوقت وراعى الفجر ولم يظهر له شئ، ثم تبين له بعد ذلك ان الفجر كان طالعا عندما تناول المفطر، فلا قضاء عليه ولا كفارة، وان كانت مراعاته للوقت لم تفده اعتقادا ولا ظنا ببقاء الليل، والاحوط له استحبابا قضاء الصوم في هذه الصورة، والاحكام التي ذكرناها كلها تجري في

[ 58 ]

صوم شهر رمضان. واما غير شهر رمضان من أنواع الصيام، فان كان من الصوم الواجب غير المعين كقضاء شهر رمضان، وكالنذر المطلق، أو كان من الصوم المندوب، فإذا تناول المفطر ثم ظهر له ان الفجر كان طالعا عند ما تناول المفطر فالظاهر بطلان صومه، سواء كان قد راعى الوقت قبل تناوله ام لم يراع. وان كان من الصوم الواجب المعين غير شهر رمضان، فان هو تناول المفطر ولم يراع الوقت قبل تناوله فالظاهر بطلان صومه إذا استبان له طلوع الفجر عند تناوله، وإذا كان قد راعى الفجر قبل أن يتناول فلا يترك الاحتياط بأن يتم صوم ذلك اليوم ثم يقضيه بعد اتمامه إذا كان الصوم مما يقضى. (الموضع الخامس): إذا أخبر المكلف مخبر من الناس بان الليل لا يزال باقيا، فاعتمد المكلف على قول المخبر وتناول المفطر، ثم تبين له خطأ ذلك المخبر في قوله وأن الفجر قد طلع حينما تناول، فيجب على المكلف قضاء صوم ذلك اليوم وان كان المخبر عادلا، ويلاحظ ما يأتي بيانه في آخر الموضع السادس. (الموضع السادس): إذا أخبر المكلف أحد بأن الفجر قد طلع فاعتقد أو ظن بان المخبر هازل في قوله، وان الفجر لم يطلع بعد وتناول المفطر، فإذا ظهر له بعد تناوله ان الفجر كان طالعا في ذلك الحال لزمه قضاء الصوم. ويستثنى منه ومن الموضع الخامس المتقدم ذكره ما إذا نظر في الوقت وراعى الفجر قبل أن يتناول المفطر ولم يظهر له شئ، فلا يجب عليه قضاء الصوم إذا تبين له الخطأ في كلتا الصورتين. (الموضع السابع): إذا سمع الصائم أذان المؤذن الثقة العارف بالوقت للمغرب أو شهدت له البينة العادلة بدخول الليل فاعتمد على اذان المؤذن أو على قول البينة وأفطر من صومه، ثم تبين له انهما مخطئان وأن الليل لم يدخل حين ما أفطر، فيجب عليه القضاء ولا تجب عليه الكفارة. وإذا اخبره عادل واحد بان وقت المغرب الشرعي قد دخل فاعتمد على قول ذلك العادل وأفطر من صومه ثم تبين له أن العادل مخطئ في قوله فالظاهر وجوب القضاء والكفارة عليه. وكذلك الحكم إذا قلد أحدا في إفطاره فأفطر معه، ثم تبين له الخطأ فيجب عليه القضاء والكفارة، وان كان المكلف أعمى لا يبصر أو محبوسا لا يقدر على المراعاة على الاحوط.

[ 59 ]

(الموضع الثامن): إذا حدثت في الجو ظلمة أو همت المكلف بان الليل قد دخل، ولهذه المسألة صور تختلف فروضها وأحكامها. (الصورة الأولى): أن توجب الظلمة الحادثة للمكلف قطعا بدخول الليل عليه فيفطر لذلك من صيامه، ثم يتبين له بعد افطاره خطأه في ما اعتقد، وان الوقت لم يدخل في حال افطاره، والظاهر صحة صومه في هذه الصورة، فلا يجب عليه قضاء اليوم، ويجب عليه أن يمسك عن المفطرات في بقية نهاره إذا كان الصوم واجبا. (الصورة الثانية): أن توجب الظلمة الحادثة في الجو للمكلف شكا في دخول الوقت، ويفطر مع كونه شاكا غير قاطع، ثم ينكشف له بعد تناول المفطر أن الليل لم يدخل في حال افطاره، ويجب عليه في هذه الصورة قضاء الصوم ودفع الكفارة، ويجب عليه أن يمسك في بقية النهار، إذا كان في شهر رمضان، وكذلك الحكم إذا أفطر مع الشك لحدوث الظلمة ثم لم يستبن له شئ، فعليه القضاء والكفارة، والامساك حتى يدخل الليل إذا كان صائما في الشهر. (الصوم الثالثة): ان يحدث له مثل الفرض المتقدم فيكون شاكا في دخول الليل ويفطر مع شكه، ثم ينكشف له ان الليل قد دخل عند ما أفطر، ولا قضاء ولا كفارة عليه في هذه الصورة، وان كان آثما في افطاره مع الشك للتجري الحاصل منه. (الصورة الرابعة): ان توجب الظلمة الحادثة في الجو للمكلف ظنا بدخول الليل ويتناول المفطر لذلك، ثم ينكشف له ان الوقت لم يدخل في حال افطاره، فان كانت في السماء علة من الغيم وقد راعى الوقت قبل افطاره حتى حصل له الظن بدخول الليل بسبب المراعاة صح صومه ووجب عليه ان يمسك عن المفطرات في بقية نهاره إذا كان الصوم واجبا. وان لم تكن في السماء علة أو كانت فيها علة غير الغيم من غبار ونحوه، أو لم يراع الوقت في صورة وجود الغيم، لزمه القضاء والكفارة، وعليه أن يمسك في بقية النهار إذا كان في شهر رمضان. (الموضع التاسع): إذا تمضمض الصائم للتبرد فسبق الماء إلى جوفه من غير إرادة منه ولا قصد، لزمه قضاء الصوم ولم تجب عليه الكفارة، وكذلك إذا أدخل الماء في فمه بغير مضمضة للتبرد أو تمضمض أو أدخل الماء في فمه للتداوي من

[ 60 ]

بعض الآلام أو لتطهير الفم من النجاسة، أو تمضمض لوضوء مستحب أو لغسل واجب أو مستحب، فسبقه الماء إلى جوفه من غير ارادة فعليه قضاء الصوم على الأحوط في جميع هذه الفروض، ولا كفارة عليه. وإذا تمضمض الصائم للوضوء لصلاة فريضة فسبقه الماء إلى جوفه من غير إرادة، فلا قضاء عليه ولا كفارة، سواء كانت الفريضة التي توضأ لها حاضرة أم فائتة، ويومية أم غير يومية، وسواء كان الوضوء لها بعد حضور وقتها، أم للتهيؤ لها قبل حضور الوقت. وإذا نسي الصائم الحكم أو نسي الصوم، فابتلع الماء، لم يفسد بذلك صومه في جميع الفروض التي ذكرناها في المسألة، وكذلك الحكم إذا تمضمض بغير الماء من المائعات ناسيا أو سبقه المائع غير الماء إلى جوفه من غير قصد، فلا يفسد بذلك صومه، وقد سبق بيان جميع هذه الأحكام في المسألة السادسة والثلاثين وما بعدها. (الموضع العاشر): إذا أكره الصائم مكره يخشى الصائم من مخالفته على الافطار في شهر رمضان فتناول المفطر مكرها غير مختار، فلا اثم عليه ووجب عليه قضاء الصوم ولم تجب عليه الكفارة، ويجب عليه ان يمسك في بقية النهار إذا ارتفع عنه الإكراه. وكذلك الحكم إذا اضطر إلى الإفطار في الشهر، فيجوز له تناول المفطر الذي دعت إليه الضرورة بمقدار ما تدعو إليه، ولا إثم عليه بذلك، ويلزمه قضاء صومه ولا تجب عليه الكفارة، ولا يجوز له ان يتناول غير ما دعت إليه الضرورة من بقية المفطرات التي لم يضطر إليها، ويحرم عليه ان يتناول من المفطر الذي اضطر إليه اكثر من المقدار الذي تسد به الحاجة، فإذا أحوجته شدة الظمأ إلى تناول الماء شرب منه مقدار ما تتأدى به الضرورة ويحفظ الحياة ولم يجز له التجاوز عنه ولم يجز له تناول المفطرات الأخرى. وإذا اكره على الافطار في غير شهر رمضان من الصوم الواجب المعين، فافطر فيه مكرها وجب عليه قضاء الصوم إذا كان الصوم مما يقضى، ولا إثم عليه بإفطاره، وكذلك حكمه إذا اضطر إلى الافطار فيه. (الموضع الحادي عشر): إذا اقتضت التقية من الصائم أن يفطر يوما من شهر رمضان أو من صوم واجب معين غيره، جاز له الإفطار فيه، فإذا أفطر لذلك

[ 61 ]

لزمه القضاء ولم تلزمه الكفارة، ووجب عليه أن يمسك في بقية النهار إذا ارتفعت عنه التقية وكان اليوم الذي أفطر فيه من شهر رمضان. (الموضع الثاني عشر): إذا أفطر الصائم في شهر رمضان أو في صوم واجب معين، لسبب يوجب عليه الافطار من سفر أو مرض أو حيض أو نفاس، أو لسبب يبيح له الإفطار، وجب عليه القضاء دون الكفارة. [ الفصل الرابع ] [ في شرائط صحة الصوم وشرائط وجوبه ] يعتبر في صحة الصوم أن تتوفر في المكلف الصائم عدة أمور، ويسمي الفقهاء هذه الأمور شرائط صحة الصوم: [ المسألة 143: ] يشترط في صحة الصوم (اولا) أن يكون الصائم مسلما، ولذلك فلا يصح صوم الشخص إذا كان كافرا ولو في بعض يومه، ومثال ذلك: ان يطلع الفجر عليه وهو كافر ثم يسلم بعد طلوعه، أو يسلم في اثناء النهار قبل الزوال، فلا يصح منه صوم ذلك اليوم وان لم يتناول فيه مفطرا قبل إسلامه. وهل يشترط في صحة صوم الصائم ان يكون مؤمنا؟ فيه إشكال، فإذا استبصر المخالف واهتدى إلى الإيمان بعد ان طلع الفجر ودخل النهار، وكان الصوم واجبا معينا عليه كشهر رمضان، فالاحوط لزوما له ان يجدد نية الصوم بعد اهتدائه واستبصاره ويتم صوم نهاره، ثم يقضي صوم ذلك اليوم إذا كان الصوم مما يقضى. وكذلك الحكم في من ارتد عن الإسلام، فلا يصح منه الصوم إذا ارتد في يومه، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة، وسواء سبق الارتداد منه على نية الصوم ام نوى الصيام وهو مسلم ثم ارتد بعد ان سبقت منه نية الصوم فيبطل صومه. ويشكل الحكم بصحة صوم المرتد إذا تاب عن ارتداده وعاد إلى الإسلام بعد طلوع الفجر أو في اثناء النهار قبل زوال الشمس ولم يتناول قبل توبته

[ 62 ]

مفطرا، فعليه أن ينوي صوم ذلك اليوم على الاحوط لزوما ويتم صومه ثم يقضيه إذا كان الصوم مما يقضى. [ المسألة 144: ] يشترط في صحة الصوم (ثانيا) أن يكون الصائم عاقلا في جميع نهار الصوم، فلا يصح صومه إذا كان مجنونا سواء كان جنونه مطبقا ام أدوارا، وسواء جن في جميع النهار أم في جزء منه وان طرأ له في آخر النهار وفي فترة قصيرة منه. ولا يترك الاحتياط في السكران، فإذا سبقت منه نية الصوم ليلا في حال صحوه ثم سكر بعد ان نوى الصوم وافاق من سكره في أثناء النهار ولم يتناول مفطرا في نهاره وجب عليه ان يتم صومه وعليه قضاء اليوم بعد إتمامه، وإذا لم تسبق منه نية الصوم في الليل وسكر ثم أفاق من سكره قبل الزوال ولم يتناول في نهاره مفطرا وجب عليه ان ينوي الصوم بعد افاقته من سكره وان يتم صيام يومه ثم يقضيه بعد ذلك. وإذا افاق من سكره بعد الزوال وكان في شهر رمضان استحب له أن يمسك في بقية نهاره سواء تناول المفطر في يومه ام لم يتناول، ويجب عليه قضاء صيام اليوم في جميع الصور. وكذلك الحكم في المغمى عليه على الأحوط، فتجري فيه الصور التي ذكرناها في السكران وتنطبق عليه أحكامها ولا قضاء عليه في جميع الصور، إلا إذا ترك الصوم بعد افاقته من الإغماء فيجب عليه القضاء في هذه الصورة خاصة. [ المسألة 145: ] يشترط في صحة الصوم (ثالثا) إذا كانت الصائمة امرأة ان تكون نقية من الحيض والنفاس في جميع أجزاء النهار، فلا يصح صوم المرأة الحائض ولا النفساء وان طرأ لها الحيض أو النفاس في جزء قليل من أول النهار أو من آخره. وأما المرأة المستحاضة فيصح منها الصوم إذا أتت بما يجب عليها من أغسال النهار وبغسل الليلة الماضية، وقد تقدم تفصيل أحكامها في المسألة الخامسة والخمسين وما بعدها فلتراجع.

[ 63 ]

[ المسألة 146: ] يشترط في صحة الصوم (رابعا) أن لا يصبح الصائم وهو مجنب على تفاصيل تقدم منا ذكرها في المفطر الخامس، ولا فرق بين أن يكون الصائم المجنب رجلا أم امرأة أم خنثى، ويشترط فيها أيضا: ان لا تصبح المرأة الصائمة على حدث الحيض أو النفاس بعد نقائها من الدم ليلا، وقد سبق ذكر هذا الحكم أيضا في المبحث المذكور. [ المسألة 147: ] يشترط في صحة الصوم (خامسا) أن يكون المكلف بالصوم حاضرا غير مسافر أو هو بحكم الحاضر، فلا يصح الصوم من الرجل أو المرأة إذا كانا مسافرين سفرا يوجب عليهما القصر في الصلاة، وقد فصلنا فروض جميع ذلك وأحكامه في مباحث صلاة المسافر، ويعتبر في عدم صحة الصوم من المكلف المسافر أن يكون عالما بذلك، وسنتعرض - ان شاء الله تعالى - لبيان هذا الشرط في المسألة المائة والتاسعة والاربعين. وتستثنى من الحكم المذكور ثلاثة مواضع يصح فيها الصوم من المسافر: (الموضع الاول): صوم الأيام الثلاثة التي تجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج ان يأتي بها إذا هو لم يجد الهدي الواجب عليه في حجه، (الموضع الثاني): صوم الايام الثمانية عشر التي يأتي بها الحاج إذا أفاض من عرفات قبل أن يدخل وقت الغروب الشرعي فيجب عليه بسبب ذلك أن يذبح بدنة كفارة لما فعل، فان هو لم يجد البدنة وجب عليه صيام الايام المذكورة بدلا عنها، (الموضع الثالث): صوم النذر إذا اشترط الناذر فيه ان يأتي به في السفر أو في سفر كان أو حضر. فيصح صوم المكلف في هذه المواضع الثلاثة وان كان مسافرا. [ المسألة 148: ] لا يصح الصوم المندوب في السفر - على الاقوى - كما لا يصح الصوم الواجب فيه، ويستثنى من ذلك صوم الايام الثلاثة التي يستحب للانسان أن يصومها في المدينة لقضاء الحاجة، ويتعين في هذه الايام أن تكون هي الايام التي عينت في النصوص الواردة في المسألة وهي يوم الاربعاء والخميس والجمعة فلا يتعدى إلى غيرها، وقد ذكرناها في أحكام المدينة من توابع كتاب الحج.

[ 64 ]

[ المسألة 149: ] إذا صام المكلف في السفر وهو يعلم بأن الصوم لا يصح منه في حال سفره بطل صومه كما ذكرنا، وإذا صام في السفر وهو جاهل بهذا الحكم وان الصوم لا يصح في السفر صح صومه إذا بقي على جهله بالحكم إلى آخر النهار، فإذا انتفى هذا الشرط وعلم بالحكم في أثناء النهار ولو بفترة يسيرة منه بطل صومه. ولا يصح الصوم من المسافر إذا نسي فصام، سواء نسي كونه مسافرا أم نسي حكم الصوم في السفر فيبطل صومه في الصورتين. [ المسألة 150: ] إذا كان المسافر ممن يجب عليه أن يتم الصلاة في سفره، صح منه الصوم ووجب عليه إذا كان الصوم واجبا سواء كان معينا ام موسعا، ومن أمثلة ذلك: أن ينوي المسافر إقامة عشرة أيام أو اكثر في موضع واحد، فيجب عليه أن يتم صلاته ما دام مقيما في ذلك الموضع، ويصح منه الصوم ويجب عليه ما دامت اقامته في الموضع المذكور. ومن أمثلة ذلك: ان يتردد المسافر في موضع واحد بين أن يقيم في ذلك الموضع وان يسافر منه، ويبقى في ذلك المكان على تردده المذكور ثلاثين يوما، فيجب عليه بعد هذه المدة ان يتم الصلاة في ذلك الموضع حتى يخرج منه، ويصح الصوم ويجب عليه ايضا في ذلك الموضع حتى يخرج منه، ومن أمثلة ذلك: ما إذا قصد المعصية في سفره فيجب عليه ان يتم الصلاة وان يصوم وان كان مسافرا لم ينو الإقامة ولم يتردد فيها ثلاثين يوما. ومن أمثلة ذلك المكاري والجمال والأعراب الذين تكون بيوتهم معهم، والذين يكون السفر عملا لهم، فيجب على هؤلاء جميعا اتمام الصلاة وان كانوا مسافرين، ويصح منهم الصوم ويجب عليهم في مواضع الوجوب، وقد فصلنا هذا كله في مباحث صلاة المسافر من كتاب الصلاة، ويأتي بيان الباقي في المسائل المقبلة ان شاء الله تعالى. [ المسألة 151: ] يشترط في صحة الصوم (سادسا) ان يكون الصائم آمنا من التضرر بالصوم، فلا يصح صوم المريض إذا كان الصوم يوجب له شدة مرضه أو طول

[ 65 ]

مدة المرض، أو شدة ألمه، أو عسر برئه منه، وكذلك الأرمد إذا أوجب الصوم له مثل هذه الآثار. وكذلك الحكم إذا ظن الصائم أن الصوم يوجب له تلك الآثار والأعراض، أو احتمل ذلك احتمالا يعتني به العقلاء ويوجب لهم الخوف من عروض تلك الآثار بسبب الصوم. ولا يصح صوم الصحيح إذا علم ان الصوم يوجب له المرض أو ظن ذلك أو احتمله احتمالا يوجب الخوف كما قلنا في نظيره، وإذا كان المكلف المريض ممن لا يتضرر بالصوم صح منه ووجب عليه. [ المسألة 152: ] انما يعتمد على قول الطبيب في ذلك إذا أوجب قوله للمكلف ظنا بضرر الصوم أو خوفا من وقوعه فلا يصح الصوم من المكلف حين ذلك، وإذا ظن المكلف الضرر بالصوم أو حصل له الخوف من وقوعه، وقال له الطبيب: لا ضرر عليك في الصوم، فان أذهب قول الطبيب ذلك الظن أو الخوف عن المكلف صح منه الصوم ووجب عليه، وان لم يذهب ظنه بالضرر وخوفه منه لم يصح منه الصوم ولم يجب عليه. [ المسألة 153: ] إذا كان الصوم يوجب للمكلف الصائم ضعفا ولا يسبب له مرضا، لم يجز له الإفطار وان كان الضعف الذي يسببه الصوم شديدا، الا إذا أوجب الحرج على المكلف لشدته، فيجوز له الافطار للزوم الحرج، ثم يجب عليه قضاء الصوم بعد ذلك. وإذا أدى به الصوم إلى ضعف يقعد به عن العمل اللازم له في تحصيل معاشه، فان كان لا يتمكن من غير ذلك العمل الذي أعجزه الصوم عنه جاز له الافطار ووجب عليه قضاء الصوم بعد ذلك، والاحوط له في كلتا الصورتين أن يقتصر في افطاره على مقدار ما تتأدى به الضرورة ويرتفع به الحرج ويزول به الضعف المقعد له عن العمل، ويمسك عن الزائد على ذلك المقدار من المفطرات، ويقضي الصوم عند التمكن. [ المسألة 154: ] إذا اعتقد المكلف بأن الصوم لا يوجب له ضررا أو ظن عدم الضرر به

[ 66 ]

فصام، ثم تبين له وجود الضرر به بعد أن أتم صيامه، فالظاهر صحة صومه فلا يجب عليه قضاؤه بعد ذلك. وإذا اعتقد وجود الضرر بالصوم أو ظن ذلك أو خافه، وصام مع اعتقاده أو ظنه أو خوفه بطل صومه وان استبان له بعد ذلك عدم الضرر به، ويجب عليه قضاؤه. [ المسألة 155: ] إذا نوى المكلف في الليل صوم غد متقربا به إلى الله ثم نام واستمر به النوم ولم ينتبه في نهاره حتى دخل الليل صح صومه، وإذا لم تسبق منه نية الصوم ليلا ثم نام ولم يستيقظ في نهاره حتى دخل الليل، أو استيقظ من نومه بعد الزوال بطل صومه إذا كان واجبا ووجب عليه قضاؤه إذا كان الصوم مما يجب قضاؤه وعليه الإمساك عن المفطرات في بقية النهار إذا كان في شهر رمضان. وإذا استيقظ من نومه قبل الزوال ولم يكن قد سبقت منه نية الصوم قبل نومه فان كان في شهر رمضان أو في صوم واجب معين غيره نوى الصوم قبل الزوال واتم صوم يومه ثم قضاه على الاحوط لزوما، وقد سبق ذكر هذا في مباحث النية. وان كان الصوم واجبا غير معين كقضاء شهر رمضان والنذر المطلق غير المعين نوى الصوم حين ما يستيقظ قبل الزوال وصح بذلك صومه، وان كان الصوم مندوبا مطلقا أو معينا صح منه وان نواه قبل الغروب وقد سبق ذكر جميع ذلك في مباحث النية، وكذلك إذا غفل المكلف عن نية الصوم ولم يلتفت إليها، فيجري فيه حكم النائم في جميع الصور التي ذكرناها. [ المسألة 156: ] يصح الصوم من الصبي غير البالغ إذا كان مميزا، ويصح كذلك من الصبية المميزة كما تصح منهما العبادات الأخرى ويستحب لوليهما أن يمرنهما على ذلك. ومبدأ وقت تمرين الصبي والصبية على الصوم وعلى غيره من العبادات هو أن يبلغا السن التي تحصل لهما القوة والقدرة فيها على الاتيان بتلك العبادة التي يريد الولي تمرينهما عليها، وهي تختلف في الصبيان فإذا بلغا ذلك وحصلت لهما الطاقة لذلك مرنهما على ما يريد وأخذ بتمرينهما كلما ازدادا قوة وطاقة، وعلى هذا تجتمع النصوص المختلفة الواردة في تحديد السن للتمرين.

[ 67 ]

[ المسألة 157: ] يشترط في صحة الصوم المندوب ان يكون المكلف غير مشغول الذمة بقضاء شئ من شهر رمضان، فلا يصح منه صوم النافلة إذا كان مشغول الذمة بالقضاء، ولا يعم الحكم غير قضاء شهر رمضان من اقسام الصوم الواجب المعين أو غير المعين على الاقوى، فيصح من المكلف ان يصوم صوما مندوبا إذا كانت ذمته مشغولة بصوم كفارة، أو بصوم نذر أو غيرهما من الواجبات. (وأما شرائط وجوب الصوم على المكلف فهي ايضا عدة أمور): [ المسألة 158: ] يشترط في وجوب الصوم على الانسان (اولا وثانيا): ان يكون بالغا وان يكون عاقلا، فلا يجب الصوم على الصبي وان اتفق له أن أدرك وبلغ الحلم في نهاره بعد أن طلع عليه الفجر وهو غير بالغ، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم وان لم يتناول فيه شيئا من المفطرات قبل بلوغه. نعم، إذا كان قد نوى الصوم ليلا بنية الندب في شهر رمضان ثم اتفق ان بلغ الحلم في أثناء ذلك النهار، فعليه أن يتم صوم ذلك اليوم واجبا على الأحوط، فان هو أفطر في ذلك اليوم ولم يتم صيامه كان عليه قضاؤه، وكذلك الصبية في جميع الاحكام المذكورة. ولا يجب الصوم على المجنون وان صحا من جنونه بعد طلوع الفجر ولم يتناول شيئا من المفطرات قبل افاقته، وكذلك إذا اعترضه الجنون في جزء يسير من النهار في أوله أو آخره، نعم، إذا كان جنونه ادوارا وكان يعترضه في الليل فقط ويصحو منه قبل الفجر إلى دخول الليل، فيصح صومه ويجب عليه. [ المسألة 159: ] يشترط في وجوب الصوم (ثالثا) على المكلف عدم الاغماء، فلا يجب الصوم على من أغمي عليه في نهار الصوم، وان اتفق له طروء ذلك عليه في جزء قليل من اول النهار أو اثنائه أو آخره. نعم، إذا سبقت من المكلف نية الصوم في وقتها ولو في اثناء الليل ثم أغمي عليه وأفاق من اغمائه نهارا، فعليه ان يتم صوم ذلك اليوم على الأحوط لزوما، وان لم تسبق منه النية في وقتها - كما ذكرنا - وأفاق من اغمائه قبل الزوال نوى الصوم وأتمه على الاحوط كذلك، فان هو لم يتم صومه كان عليه

[ 68 ]

القضاء في كلتا الصورتين، وتلاحظ المسألة المائة والرابعة والاربعون. [ المسألة 160: ] يشترط في وجوب الصوم (رابعا) على المكلف عدم المرض الذي يتضرر به في صومه، وقد تقدم ذكر هذا في المسألة المائة والحادية والخمسين، فلا يجب الصوم على المريض الذي يضر به الصوم لمرضه، ولا على الصحيح الذي يسبب الصوم له المرض كما تقدم ذكره في المسألة المشار إليها. [ المسألة 161: ] إذا برئ المريض من مرضه بعد زوال الشمس من النهار لم يصح منه صوم ذلك اليوم إذا كان صومه واجبا، وان لم يتناول في يومه شيئا من المفطرات، ولا يصح صومه كذلك إذا برئ من مرضه قبل الزوال وقد تناول فيه بعض المفطرات. وإذا برئ من المرض قبل الزوال ولم يكن قد تناول مفطرا، فالاحوط له لزوما أن ينوي الصوم حين برئه قبل الزوال ويصوم يومه، ثم يقضيه بعد اتمامه وهذا إذا كان في شهر رمضان أو في صوم واجب معين غيره. [ المسألة 162: ] يشترط في وجوب الصوم (خامسا) على المرأة المكلفة أن تكون نقية من الحيض والنفاس، فلا يجب الصوم عليها إذا كانت حائضا أو نفساء في يومها، وان حصل ذلك لها في جزء يسير من النهار في اوله أو آخره. [ المسألة 163: ] يشترط في وجوب الصوم (سادسا) ان يكون المكلف حاضرا غير مسافر أو هو بحكم الحاضر، فلا يجب عليه الصوم إذا كان مسافرا سفرا يوجب عليه القصر في الصلاة، وقد سبق في المسألة المائة والخمسين بعض ما يتعلق بتوضيح هذا الشرط. [ المسألة 164: ] إذا خرج المكلف الصائم من بلده بقصد السفر منه، فان كان خروجه الى السفر قبل زوال النهار وجب عليه الافطار من صومه إذا خرج عن حد الترخص من بلده سواء عزم على السفر من الليل ام لم ينو ذلك من الليل بل حصل له العزم على السفر في اثناء النهار، فيتعين عليه الافطار في الصورتين. وكذلك الحكم

[ 69 ]

إذا خرج المسافر المقيم من الموضع الذي نوى فيه اقامة عشرة ايام بقصد الارتحال عنه، فإذا سافر منه قبل الزوال وهو صائم وجب عليه الافطار إذا تجاوز حد الترخص من موضع اقامته وان لم ينو السفر من الليل. وإذا كان خروج المكلف الصائم إلى السفر بعد الزوال من النهار وجب عليه ان يتم صوم يومه سواء كان قد نوى السفر من الليل ام حصل له العزم على السفر بعد دخول النهار، وكذلك المسافر المقيم إذا خرج من موضع اقامته بعد الزوال فيجب عليه اتمام صوم يومه في الصورتين. والمدار في الحكم المذكور على ابتداء سفر المكلف من بلده أو من موضع اقامته لا على خروجه عن حد الترخص فإذا ابتدأ في السفر قبل الزوال وجب عليه الافطار وان كان خروجه عن حد الترخص بعد الزوال. [ المسألة 165: ] إذا قدم المسافر إلى بلده أو إلى موضع قد عزم على أن يقيم فيه عشرة ايام، فان كان وصوله إلى ذلك الموضع قبل زوال الشمس من النهار ولم يتناول في يومه شيئا من المفطرات وجب عليه ان يصوم ذلك اليوم واجزأه صومه عن الفرض، وان كان وصوله إلى بلده أو إلى موضع اقامته بعد الزوال أو كان قد تناول بعض المفطرات قبل وصوله من السفر لم يجب عليه الصوم، ويستحب له ان يمسك في بقية النهار إذا كان في شهر رمضان. والمدار في الحكم في هذه المسألة على دخوله إلى البلد أو إلى موضع الاقامة لا على دخوله في حد الترخص فإذا هو دخل الى البلد بعد الزوال لم يجب عليه الصوم وان كان قد دخل في حد الترخص قبل الزوال. [ المسألة 166: ] قد ذكرنا آنفا ان المسافر انما يجب عليه الافطار من الصوم إذا خرج عن حد الترخص من بلده أو من الموضع الذي نوى الاقامة الشرعية فيه، فلا يجوز له الافطار قبل ذلك، وقد سبق في المسألة المائة والسادسة والعشرين ان الصائم إذا سافر في شهر رمضان من بلده أو من موضع اقامته وتناول المفطر قبل ان يصل إلى حد الترخص وجب عليه القضاء والكفارة. [ المسألة 167: ] يجب الافطار على المكلف المسافر إذا اجتمعت له شروط السفر الشرعي،

[ 70 ]

وان كان في احد المواضع الاربعة التي يتخير المسافر في صلاته فيها بين القصر والاتمام، وقد ذكرنا شروط السفر الشرعي مفصلة في مباحث صلاة المسافر من هذه الرسالة، وبينا فيها أحكام الصلاة في مواضع التخيير. [ المسألة 168: ] يجوز للمكلف أن يسافر مختارا في ايام شهر رمضان وان لم يك سفره لضرورة أو لحاجة ملحة ولا تجب عليه الاقامة فيه إذا كان مسافرا، وقد ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة والثلاثين وجها قريبا لعدم كراهة السفر ايضا. وحكم الصوم الواجب المعين حكم شهر رمضان في ذلك، فيجوز للمكلف السفر فيه اختيارا ولا تجب له الاقامة إذا كان المكلف مسافرا على الأقوى، نعم، الأفضل للمكلف ترك السفر فيهما اختيارا الا لضرورة أو حاجة، والاقامة لهما إذا كان المكلف مسافرا. [ المسألة 169: ] إذا نذر الرجل لله على نفسه صوم يوم معين أو أيام معينة، وإذا آجر نفسه للصيام عن غيره يوما أو أياما معينة، فالأحوط له أن لا يسافر مختارا في الوقت الذي حدده على نفسه لصوم النذر أو الاجارة، فان السفر في ذلك الوقت يكون مفوتا للحق الذي ملكه لله على نفسه بالنذر الذي نذره، والحق الذي ملكه للغير بالاجارة التي أوقعها، ولا تشمله أدلة جواز السفر للمكلف فانها منصرفة عن مثله. [ المسألة 170: ] يكره لمن جاز له الافطار في شهر رمضان ان يتملى من الطعام والشراب، سواء كان افطاره لسفر أم لمرض أم لغيرهما من موجبات الافطار ويكره له أن يجامع نهارا والكراهة في الجماع أشد. [ المسألة 171: ] يرخص للرجل والمرأة إذا بلغا سن الشيخوخة وتعذر عليهما صوم شهر رمضان لكبر سنهما أن يفطرا فيه، ولا يجب عليهما إذا أفطرا في هذه الصورة ان يدفعا عن الصوم فدية، وان كان دفعها أحوط لهما استحبابا. ويرخص لهما في افطاره إذا بلغا سن الشيخوخة ولم يتعذر عليهما الصوم، ولكن كان عليهما في الصوم حرج ومشقة، ويجب عليهما إذا أفطرا في هذه

[ 71 ]

الصورة دفع الفدية، فيدفع الواحد منهما بدل كل يوم يفطر فيه مدا من الطعام، وإذا كان المد الذي يدفعه للمسكين من الحنطة فهو أفضل، والافضل كذلك ان يدفع مدين. وإذا أفطر الشيخ أو الشيخة للزوم الحرج والمشقة عليهما في الصوم ودفعا الفدية، ثم تمكنا من قضاء الصوم بعد ذلك لم يجب عليهما القضاء. [ المسألة 172: ] يرخص للمكلف الذي يكون به داء العطاش (وهو الذي لا يرتوي من شرب الماء) أن يفطر في شهر رمضان، سواء تعذر عليه الصوم بسبب وجود هذا الداء، ام كان عليه في الصوم حرج ومشقة، وسواء كان الداء الذي يجده مما يرجا زواله ام لا، ويجب عليه ان يتصدق عن كل يوم يفطره بمد من الطعام، وإذا تصدق عن كل يوم بمدين من الطعام فهو افضل. وإذا أفطر ذو العطاش لوجود ذلك العذر ودفع الفدية عن افطاره، ثم استطاع بعد ذلك ان يقضي صومه ففي وجوب القضاء عليه إشكال، ولا يترك الاحتياط بالقضاء. [ المسألة 173: ] يرخص للمرأة الحامل إذا كانت قريبة الولادة وكان الصوم يضر بها أو يضر بحملها، أن تفطر في شهر رمضان ويجب عليها ان تتصدق عن كل يوم تفطر فيه بمد من الطعام، ثم تقضي صومه بعد ذلك، وهي المراد بالحامل المقرب المذكورة في نصوص المسألة. [ المسألة 174: ] إذا كانت المرأة المرضعة قليلة اللبن وكان الصوم يضر بها أو برضيعها جاز لها ان تفطر في شهر رمضان، ووجب عليها أن تتصدق عن كل يوم تفطر فيه بمد من الطعام وان تقضي صيامه بعد ذلك، سواء كان الرضيع ولدا لها أم كانت متبرعة بارضاعه ام كانت مستأجرة له. ويختص الحكم المذكور في المرضعة بأن لا تجد من يقوم مقامها في ارضاع الطفل، فلا يرخص لها في الافطار من الصوم إذا وجدت امرأة أخرى ترضع الطفل عنها ولو بأجرة، ولا يرخص لها في الافطار إذا وجدت ما يكفي الطفل من الحليب المستحضر لمثل هذه الحاجة، أو من المغذيات الاخرى غير المضرة به، ولا

[ 72 ]

يرخص لها على الأحوط إذا امكن لها ان تستعمل بعض مدرات اللبن في ثديها إذا كان استعمالها لا يضر بصومها ولا بصحتها. [ الفصل الخامس ] [ في طرق ثبوت الهلال ] [ المسألة 175: ] يثبت كون اليوم أول الشهر - لترتيب الآثار الشرعية من الصوم أو الافطار أو غيرهما من الآثار الأخرى، كمواقف الحج ومراسم الزيارات -، برؤية المكلف نفسه لهلال الشهر، وبتواتر الخبر برؤيته بين الناس، وبكل طريق يفيد العلم بالرؤية من شياع وغيره، فإذا حصل العلم للمكلف برؤية الهلال وجب عليه ان يرتب أثر الرؤية من صوم أو فطر أو غيرهما، وان انفرد برؤية الهلال في البلد فلم يره احد من الناس غيره، أو شهد بالرؤية عند الحاكم الشرعي فلم يقبل الحاكم شهادته، أو ردها ولم يرتب الأثر عليها لنقصان الموازين الموجودة عنده عن الاثبات، فيجب على المكلف نفسه ترتيب أثر رؤيته. [ المسألة 176: ] يثبت أن اليوم اول الشهر بما يوجب الاطمئنان الكامل برؤية الهلال في ليلته من شياع يفيد ذلك ونحوه ولو بمعونة التوثيق لبعض الشهود بالرؤية والقرائن التي تحف بالشهادة. والاطمئنان الكامل الذي ذكرناه هو المعروف عند العلماء بالعلم العادي، وهو الذي يعتمد عليه عامة العقلاء في امورهم ومعاملاتهم التي تدور بينهم في البيع والشراء والأخذ والعطاء. ومن الواضح ان حصول هذا الاطمئنان للانسان لا يتوقف على عدد معين من الشهود ولا يرتبط بنوع محدد من القرائن والشواهد، ولذلك فقد يحصل الاطمئنان الكامل للانسان بثبوت الشئ إذا شهد به عدد من الشهود وصحبت شهادتهم بعض القرائن الشاهدة لهم بالصدق، ولا يحصل بشهادة مثل هذا العدد أو بأكثر منه إذا خلت شهادتهم من المؤيدات.

[ 73 ]

وإذا حصل الاطمئنان التام للمكلف برؤية الهلال من الشياع أو الاستفاضة أو نحوهما على الوجه الذي تقدم بيانه وجب عليه أن يرتب أثر الرؤية كذلك. [ المسألة 177: ] يثبت اول الشهر بالبينة الشرعية، وهي شهادة رجلين عادلين بأنهما قد رأيا الهلال في ليلته، سواء كان الشاهدان من أهل بلد المكلف أم من غير بلده، وسواء كانت في السماء علة تمنع من رؤية سواهما أم لا، الا إذا أوجب ذلك ريبا في صدق رؤية الشاهدين. ومثال ذلك: ما إذا كثر الناظرون غيرهما إلى جهة الهلال الراغبون في اكتشاف امره، وانتفت العلة المانعة من الرؤية في السماء وفي الرائين، على وجه لو كان في الجهة هلال لظهر لغير الشاهدين من الناظرين الآخرين، وفيهم الموثوقون المتثبتون في أمور دينهم، فإذا لم يدع الرؤية سوى الشاهدين من الناس اوجب ذلك ريبا في صحة رؤيتهما، وقوة في احتمال عروض الاشتباه لهما في ما ادعيا، فلا تشمل شهادتهما ادلة حجية البينة في هذه الصورة. [ المسألة 178: ] يعتبر في حجية البينة الشرعية ان يكون الشاهدان عادلين، وقد اوضحنا المعنى المراد من العدالة في فصل شرائط الامام من مباحث صلاة الجماعة من هذه الرسالة، ويعتبر في حجية البينة ان يتفق الشاهدان في شهادتهما على أمر واحد، فإذا شهد كل واحد منهما على شئ غير ما شهد به الآخر لم تقبل شهادتهما. ومثال ذلك: ان يشهد احد الشاهدين العادلين بانه رأى هلال شهر شعبان في ليلة معينة ويشهد العادل الثاني بانه رأى هلال شهر رمضان بعد مضي ثلاثين ليلة من رؤية الشاهد الأول لهلال شعبان، فلا تكون شهادتهما جامعة لشروط البينة، لاختلاف الأمر الذي شهدا به، وان اشتركت شهادتهما في بعض اللوازم، فلا يثبت بشهادتهما ان ليلة رؤية الشاهد الثاني هي اول ليلة من شهر رمضان، ومثل ذلك ما إذا اختلف الشاهدان في أوصاف الهلال على وجه يؤدي إلى تعدد ما يشهدان به، فتسقط شهادتهما عن الاعتبار. [ المسألة 179: ] يعتبر في حجية البينة ان يشهد الرجلان برؤية الهلال بالحس، فلا يقبل

[ 74 ]

قولهما إذا شهدا بان الليلة هي ليلة الهلال شهادة حدسية تعتمد على بعض القواعد النظرية وان كانا قاطعين بصحة ما يقولان، ولا تقبل شهادتهما إذا شهد أحدهما برؤية الهلال حسا، وشهد الثاني شهادة تعتمد على الحدس كما تقدم. [ المسألة 180: ] إذا شهدت البينة الشرعية برؤية الهلال وعلم المكلف بشهادتهما وكانت عدالة الشاهدين ثابتة لديه بوجه معتبر شرعا، وجب على المكلف ان يرتب أثر الرؤية على شهادتهما من صوم وفطر وغيرهما، وان لم تشهد البينة بمحضر الحاكم الشرعي أو شهدت عنده ورد شهادتها لانه لا يعلم بعدالة الشاهدين أو لسبب آخر. [ المسألة 181: ] يثبت الهلال إذا حكم الحاكم الشرعي بثبوته وكان الحاكم جامعا لشرائط الحكومة الشرعية، فيجب على المكلف انفاذ حكمه إذا هو لم يعلم بخطأ الحاكم في الحكم ولم يعلم بخطأ مستنده فيه، ومثال العلم بخطأه في الحكم: ان يحكم الحاكم بان يوم الاربعاء مثلا أول شهر رمضان، ويعلم المكلف لسبب من الاسباب ان يوم الاربعاء المعين ليس من شهر رمضان قطعا. ومثال العلم بخطأ مستند الحاكم في الحكم: ان يعلم المكلف بان الحاكم قد قصر في بعض مقدمات حكمه، فلم يهتم في تحصيل العلم أو الاطمئنان من الشياع، أو لم يهتم في طلب التعديل في البينة، أو قبل شهادة الشاهدين مع اختلافهما في اوصاف الهلال، أو غفل فخالف الموازين الشرعية غافلا. وليس من الخطأ في المستند ان يقبل الحاكم الشهادة مع اختلاف الشهود في أوصاف الهلال إذا اتفق شاهدان عادلان من الشهود على وصف واحد، فان مستند الحاكم في حكمه هو تلك البينة الشرعية وهي متفقة الشهادة حسب الفرض فهي مقبولة، لا مجموع شهادة الشهود وان كان الشهود المختلفون في الوصف عدولا ايضا. وليس من الخطأ في المستند ان يكون للحاكم رأي يخالف فيه اجتهاد المكلف أو تقليده في بعض مقدمات الحكم، ومثال ذلك: ان يستند الحاكم في حكمه بثبوت الهلال إلى شياع يفيد الاطمئنان أو الظن، لانه يرى الاكتفاء بذلك، وكان رأي المكلف أو رأي مقلده ان لا يعتمد على الشياع الا إذا أفاد العلم

[ 75 ]

بالرؤية، فيجب على المكلف انفاذ حكم الحاكم في مثل هذه الفروض. [ المسألة 182: ] إذا حكم الحاكم الشرعي الجامع لشرائط الحكومة الشرعية بان اليوم المعين هو اول الشهر، وعلم المكلف بذلك ولم يعلم بخطأه في الحكم ولا بخطأه في المستند وجب عليه ان يرتب الآثار الشرعية على حكمه من صوم وافطار وغيرهما كما ذكرنا، ولا يختص وجوب انفاذ حكم الحاكم بمن يرجع إليه في التقليد، بل يجب انفاذه حتى على المجتهد الآخر ومقلديه، الا إذا كان المجتهد الآخر يرى عدم حجية حكم الحاكم الشرعي في الأهلة. [ المسألة 183: ] إذا التبس الأمر في أول الشهر فلم تثبت رؤية الهلال فيه بأحد الطرق الشرعية، وجب على المكلف ان يكمل عدة الشهر السابق ثلاثين يوما تامة من يوم رؤية الهلال فيه، فإذا شك في أول شهر رمضان ولم تثبت رؤية هلاله بوجه شرعي، وجب ان يكمل شهر شعبان ثلاثين يوما من يوم رؤية الهلال فيه فيكون اليوم الحادي والثلاثون أول شهر رمضان، وإذا شك في أول شهر شوال كذلك وجب ان يكمل شهر رمضان ثلاثين يوما من يوم هلاله ويكون اليوم الحادي والثلاثون اول شهر شوال. وهكذا إذا التبس الأمر في عدة من الشهور أو التبس الأمر في شهور السنة كلها، فيعد كل شهر منها ثلاثين يوما الا أن يعلم النقصان عن ذلك عادة فيؤخذ بالعلم. [ المسألة 184: ] لا تثبت رؤية الهلال بشهادة النساء، الا إذا كانت شهادتهن في ضمن الشياع المفيد للعلم، أو في ضمن الشياع المفيد للاطمئنان الكامل بالرؤية، فتكون شهادتهن جزءا من السبب الموجب للثبوت. ولا يثبت الهلال بشهادة عادل واحد من الرجال، وان انضم إلى شهادته يمين، أو انضم إليه شهادة امرأتين عادلتين، ولا يثبت بقول المنجمين وأشباههم من علماء الفلك، وان كانوا ثقاة أو عدولا، ولا يعد اليوم الخامس من شهر رمضان في السنة الماضية أول شهر رمضان في السنة الحاضرة، فإذا كان يوم الأحد مثلا أول يوم من شهر رمضان في العام الماضي كان يوم الخميس اول شهر

[ 76 ]

رمضان في العام الحاضر، ولا يعد اليوم الرابع من شهر رجب في هذا العام اول شهر رمضان منه. ولا عبرة بغيبة الهلال قبل الشفق أو بعده، فلا يكون مغيب الهلال بعد الشفق في ليلة، دليلا على ان هذه الليلة هي الليلة الثانية من الشهر، ولا عبرة بتطوق الهلال، فلا يكون ذلك دليلا على ان تلك الليلة هي الليلة الثانية من الشهر، ولا بغير ذلك من الطرق وان أفادت الظن للمكلف بما دلت عليه. وإذا رؤي الهلال في النهار قبل زوال الشمس منه، ففي اعتبار ذلك دليلا على ان ذلك اليوم هو اول يوم من الشهر إشكال. [ المسألة 185: ] إذا أفطر المكلف في يوم الشك في أول شهر رمضان ولم يصمه ثم شهدت البينة الشرعية برؤية هلال الشهر في الليلة الماضية أو ثبتت رؤيته فيها بأحد الطرق المعتبرة شرعا، وجب على المكلف قضاء صيام ذلك اليوم، وإذا بقي من النهار شئ وجب عليه ان يمسك فيه عن المفطرات. وكذلك الحكم إذا أفطر المكلف في يوم الشك في أول شهر رمضان ثم شهدت البينة العادلة برؤية هلال شهر شوال في الليلة التاسعة والعشرين بعد ذلك اليوم، أو ثبتت رؤية الهلال فيها بأحد الطرق الشرعية الأخرى، فيجب على المكلف قضاء صيام يوم الشك الذي أفطر فيه. [ المسألة 186: ] إذا صام المكلف في يوم الشك في هلال شهر شوال، ثم علم وهو في أثناء النهار برؤية الهلال في الليلة الماضية، وجب عليه الإفطار ولو عند الغروب، وكذلك إذا شهدت له البينة الشرعية بثبوته أو قامت عليه احدى المثبتات الشرعية الأخرى، فيجب عليه الافطار في بقية نهاره. [ المسألة 187: ] إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد بوجه شرعي معتبر الحجية، كفى ذلك في الثبوت في البلدان الأخرى التي توافق ذلك البلد في الأفق أو تلازمه في الرؤية، بحيث إذا ظهر الهلال في البلد الذي ثبتت فيه الرؤية، ظهر في تلك البلدان، ولا تثبت الرؤية في البلدان التي تخالفه في ذلك.

[ 77 ]

[ المسألة 188: ] يجوز الاعتماد على وسائل الاتصال المعروفة في العصر الحاضر من برق وهاتف ونحوهما إذا أفادت العلم برؤية الهلال في البلد الذي حصلت منه المكالمة أو الاتصال السلكي أو اللاسلكي، أو أفادت العلم بقيام الحجة الشرعية على الرؤية فيه، من حكم حاكم شرعي بالثبوت أو تحقق شياع تام، أو شهادة بينة عادلة معتبرة، وكذلك إذا كان المخبر بالثبوت بتوسط تلك الوسيلة بينة عادلة، مع القطع بأن الخبر خبرها. [ المسألة 189: ] الأسير والسجين الذي لا يقدر على تحصيل العلم بشهر الصوم، يجب عليه التحري والفحص عنه مهما أمكنه، فإذا حصل له الظن بالشهر وجب عليه صومه، وإذا انقطع عنه خبره فلم يمكن له تحصيل العلم به ولا تحصيل الظن، تخير شهرا من شهور السنة فصامه، ولا يترك الاحتياط في أن يجري على الشهر الذي ظنه أو الذي تخيره من الشهور، أحكام شهر رمضان، فيتابع صومه حتى يتمه، ويدفع الكفارة إذا تعمد الافطار فيه كما في شهر رمضان. وإذا صام الشهر الذي ظن أنه شهر رمضان أو الذي تخيره من شهور السنة في الفروض المتقدمة، ثم علم ان ذلك الشهر بعينه هو شهر رمضان أو بعده، صح صومه وكفاه عن الواجب، وكذلك إذا استمر به الحال فلم يظهر له من أمره شئ فيصح صومه ويكفيه عن الواجب، وإذا علم ان الشهر الذي صامه قبل شهر الصوم وجبت عليه اعادته. وإذا استمر به الأسر أو الحبس اكثر من سنة واحدة، وجب عليه ان يطابق بين الشهر الذي يصومه في السنة الثانية والشهر الذي صامه في السنة الأولى، بان يكون ما بينهما احد عشر شهرا، وفي المسألة قيود أشرنا إليها في تعليقتنا على كتاب العروة الوثقى، فلتراجع. [ الفصل السادس ] [ في أحكام قضاء شهر رمضان ] [ المسألة 190: ] يشترط في وجوب قضاء شهر رمضان على المكلف أن يكون بالغا حين

[ 78 ]

يفوت منه صومه، ولذلك فلا يجب عليه أن يقضي ما فاته من صوم شهر رمضان قبل بلوغه. نعم، إذا اتفق للصبي انه قد بلغ الحلم قبل طلوع الفجر في شهر رمضان ولم يصم ذلك اليوم، وجب عليه قضاؤه، وكذلك إذا بلغ مقترنا مع طلوع الفجر، ولم يصم اليوم، فيجب عليه القضاء، وان كان مثل هذه الاتفاقات نادر الوقوع. وقد سبق في المسألة المائة والثامنة والخمسين ان الصبي إذا نوى الصوم في شهر رمضان بنية الندب، ثم بلغ الحلم في اثناء ذلك اليوم، فعليه ان يتم صيام اليوم بنية الوجوب - على الاحوط - فان هو لم يتم صيام اليوم كان عليه قضاؤه. [ المسألة 191: ] يشترط في وجوب قضاء الصوم في شهر رمضان على الشخص ان يكون عاقلا حين فوت الصوم منه، فلا يجب عليه ان يقضي الصوم إذا فاته في حال الجنون، سواء كان جنونه في جميع النهار ام في بعضه، وفي أوله أم في آخره، وان كان سبب الجنون قد عرض له باختياره. [ المسألة 192: ] لا يجب على المكلف ان يقضي ما فاته من صوم شهر رمضان في حال الاغماء، وان عرض له ذلك في بعض النهار من أوله أو آخره، وقد سبق منا في المسألة المائة والتاسعة والخمسين: ان المغمى عليه إذا سبقت منه نية الصوم في وقتها أو في أثناء الليل ثم أغمي عليه وأفاق من اغمائه في اثناء النهار، فيجب عليه أن يتم صوم ذلك اليوم، وإذا لم تسبق منه النية قبل الإغماء وأفاق من اغمائه قبل زوال الشمس فعليه ان ينوي الصوم بعد افاقته قبل الزوال ويتم اليوم على الأحوط، وإذا هو لم يتم صومه في كلتا الصورتين، لزمه القضاء وتلاحظ المسألة المائة والرابعة والاربعون. [ المسألة 193: ] يشترط في وجوب قضاء الصوم في شهر رمضان على المكلف ان يكون مسلما في حال فوت الصوم منه، فلا يجب عليه أن يقضي صومه إذا كان كافرا في حال فوت الصوم وان أسلم في أول النهار. وإذا أسلم الكافر قبل أن يطلع عليه الفجر في شهر رمضان ولم يصم ذلك اليوم وجب عليه قضاؤه، وكذلك إذا أسلم وكان اسلامه مقارنا لطلوع الفجر

[ 79 ]

على الأحوط، فإذا لم يصم يومه فعليه القضاء. [ المسألة 194: ] يجب على المكلف ان يقضي ما فاته من صوم شهر رمضان لسكر، سواء كان سكره محرما ام لا، ومثال ذلك: ان يضطر لتناول المسكر للتداوي من بعض الامراض العسرة العلاج، مع انحصار العلاج به بحيث لا دواء له سواه. ويجب على المرتد أن يقضي ما فاته من صوم شهر رمضان في أيام ارتداده عن الاسلام، سواء كانت ردته عن ملة أم عن فطرة، ويجب على المرأة ان تقضي ما فاتها من صوم الشهر في ايام حيضها أو نفاسها. [ المسألة 195: ] يجب على المكلف قضاء الصوم إذا نام في شهر رمضان ولم يأت بنية الصوم واستمر به النوم إلى ان دخل عليه الليل، فيبطل صومه ويجب عليه القضاء، وكذلك إذا استمر به النوم إلى ما بعد الزوال، فلم ينتبه ولم ينو الصوم، فيبطل صومه ويجب عليه القضاء، وإذا انتبه من النوم في الفرض المذكور قبل ان تزول الشمس، فعليه ان ينوي الصوم قبل الزوال ويتم صوم يومه ويقضيه بعد ذلك على الأحوط، وقد سبق ذكر هذا الحكم في المسألة المائة والخامسة والخمسين. وكذلك حكم المكلف إذا عرضت له الغفلة فلم يلتفت ولم ينو الصوم واستمرت به غفلته فتجري فيه الفروض التي ذكرناها في النائم وتتعلق به أحكامها وقد مر بيان هذا في المسألة المشار إليها. [ المسألة 196: ] يجب على المخالف في المذهب إذا استبصر ان يقضي ما فاته من صوم شهر رمضان فلم يصمه حين كان على مذهبه السابق، فيلزمه قضاء الصوم بعد اهتدائه، ويجب عليه أن يقضي ما اتى به من صوم شهر رمضان إذا كان قد اتى به باطلا على مذهبه السابق. ولا يجب عليه أن يقضي ما صامه من الشهر، وكان صومه موافقا لمذهبه الأول، فلا يجب عليه قضاؤه بعد استبصاره وان كان صومه غير موافق للشرائط المعتبرة في الصحة عند الشيعة، ولا يجب عليه أن يقضي ما صامه من الشهر وكان صومه موافقا لمذهب الشيعة في الشرائط، وان كان مخالفا لمذهبه الأول وانما يصح صومه في هذه الصورة إذا تأتى منه قصد القربة في صومه، وإذا لم يتأت منه قصد

[ 80 ]

القربة في الصوم لم يصح ووجب عليه قضاؤه. [ المسألة 197: ] إذا علم المكلف ان الصوم فاته في أيام من شهر رمضان وشك في عدد الايام التي فاته صومها وتردد فيها بين الاقل والاكثر، كفاه أن يقضي اقل عدد يحتمل فوته من الايام، فإذا شك في ان الايام الفائتة من الشهر كانت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما، أجزأه ان يصوم عشرة ايام، وكذلك إذا علم ببطلان صومه في بعض ايام الشهر لنقصان بعض شروط الصحة فيها، وتردد في عدد تلك الايام. ولا يختلف الحكم الذي ذكرناه في المسألة بين أن يكون المكلف جاهلا بعدد الأيام من أول أمره، وان يكون عالما بعددها سابقا ثم نسيه بعد ذلك وتردد فيه فيكتفي بقضاء الأقل، وان كان الأحوط له استحبابا في هذه الصورة ان يأتي بقضاء الأكثر. ولا يختلف الحكم ايضا بين أن يكون فوات الصوم على الانسان في تلك الايام لتركه الصوم فيها عامدا أو ساهيا أو جاهلا، أو لغير ذلك من الفروض التي يكون حكمه فيها بطلان الصوم ووجوب قضائه، وان يكون فوات الصوم عليه لمانع عرض له من سفر أو مرض أو حيض أو نفاس للمرأة أو غير ذلك، سواء كان تردد المكلف في عدد الأيام بين الاقل والاكثر من جهة شكه في وقت حدوث المانع له، كما إذا شك في ان اول سفره أو مرضه الذي طرأ له وأفطر من أجله كان هو اليوم الخامس من الشهر أو العاشر منه مثلا، أو كان من جهة شكه في زمان زوال المانع منه وارتفاعه عنه، كما إذا شك في ان سفره أو مرضه هل استمر به إلى اليوم العاشر من الشهر فقط، أو إلى العشرين منه مثلا، فيكفيه ان يقضي أقل عدد يحتمل فوته عليه من الايام في جميع الصور، وان كان الاحوط له استحبابا ان يقضي العدد الأكثر، وقد سبقت في المسألة السابعة والستين فروض أخرى تختلف في بعض الأحكام عن هذه المسألة، فلا ينبغي ان يلتبس أمرها على المكلف المتنبه. [ المسألة 198: ] إذا مضى على المكلف يوم من شهر رمضان أو أيام منه، ثم شك بعد مضيها في أنه هل صام ذلك اليوم أو الأيام وأدى التكليف الواجب فيها أو لم يصم ولم يؤد، بنى على الصوم والاداء فيها، ولم يلتفت إلى شكه، وكذلك إذا مضى عليه

[ 81 ]

الشهر كله ثم شك بعد مدة: هل صام في الشهر أو لم يصم؟ فيبني على الاداء ولا يلتفت إلى شكه. وإذا صام اليوم أو الايام أو الشهر وبعد انتهائها شك في صحة صومه فيها، بنى على الصحة ولم يجب عليه القضاء. [ المسألة 199: ] يجب على المكلف قضاء ما فاته من شهر رمضان وجوبا موسعا، ولا تجب عليه المبادرة فيه، ويجوز له أن يؤخره إلى ان يتضيق وقته بوصول شهر رمضان المقبل، فإذا ضاق وقته بذلك وجب عليه أن يبادر إلى امتثاله، ولا يجوز له ان يؤخره عن شهر رمضان مختارا، وإذا أخر المكلف القضاء عن شهر رمضان من غير عذر أثم بتأخيره على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الأقرب، ووجب عليه ان يدفع الفدية، وبقي القضاء في ذمته واجبا موسعا. وإذا أخر القضاء عن شهر رمضان المقبل لأمر يعذر فيه فلا إثم عليه في التأخير، ووجب عليه دفع الفدية عنه، وبقي القضاء في ذمته واجبا موسعا. [ المسألة 200: ] لا يجب على المكلف ان يتابع في صوم قضاء رمضان بعضه ببعض، ويجوز له أن يفرق بين ايامه، ولكن المتابعة ما بينها أفضل، ولا يجب عليه التعيين في النية إذا كان ما وجب عليه قضاء ايام من شهر رمضان واحد، فلا يجب عليه عند الصوم ان ينوي ان ما يأتي به هو قضاء اليوم الأول منه أو اليوم الثاني مثلا، وإذا وجب عليه قضاء من رمضانين أو أكثر، واراد الصيام عن بعضها وجب عليه ان يعين في نيته ان ما يأتي به للسنة الأولى أو السنة الثانية، ويلاحظ ما حررناه في المسألة التاسعة. [ المسألة 201: ] لا يجب الترتيب في القضاء بان يأتي بالاول منه فالأول، فإذا كان على المكلف قضاء ايام من شهر رمضان واحد لم يجب عليه عند الامتثال ان يأتي بقضاء اليوم الاول منها قبل اليوم الثاني، بل ويصح له أن يقدم الثاني على الأول، وإذا كان في ذمته قضاء رمضانين أو أكثر، لم يمتنع عليه أن يأتي بقضاء الشهر اللاحق منها قبل أن يأتي بقضاء السابق، بل يتعين عليه ان يقدم قضاء اللاحق إذا كان من السنة الحاضرة وقد تضيق وقته بوصول شهر رمضان المقبل، وإذا قدم قضاء

[ 82 ]

السابق على اللاحق في هذه الصورة كان آثما بتقديمه، وصح صومه وأجزأه عن السابق كما نواه. وإذا أتى بالصوم عما في ذمته في هذه الصورة ولم يعين في نيته ان ما أتى به قضاء اي شهر مما في ذمته انصرف إلى السابق منه. [ المسألة 202: ] إذا وجب على المكلف قضاء شهر رمضان وغيره من انواع الصوم الواجب لم يجب عليه الترتيب بين الصومين، فيجوز له أن يقدم ايهما شاء على الآخر، الا إذا ضاق وقت احد الواجبين فيقدم منهما ما تضيق وقته، فيقدم صوم النذر المعين إذا حل وقته، ويقدم صوم القضاء للسنة الحاضرة، إذا تضيق وقته بمجئ شهر رمضان المقبل. [ المسألة 203: ] إذا أفطر المكلف شهر رمضان أو افطر منه اياما لمرض، ومات قبل أن يبرأ من مرضه فيتمكن من القضاء لم يجب على ولي المكلف أن يقضي عنه هذا الصوم الفائت، وكذلك حكم المرأة إذا افطرت من الشهر أياما لحيض أو نفاس ثم ماتت قبل أن تتمكن من القضاء، فلا يجب على ولي المرأة أن يقضي عنها ما فاتها من تلك الأيام التي افطرتها. وإذا أفطر الرجل أو المرأة في السفر ثم ماتا في أثناء سفرهما أو بعد العودة منه وقبل ان يتمكنا من قضاء الصوم وجب على الولي قضاء الصوم عنهما على الاقوى. [ المسألة 204: ] إذا أفطر المكلف شهر رمضان أو أفطر بعض ايامه لمرض ثم استمر به المرض فلم يتمكن من قضاء الصوم بسبب استمرار مرضه إلى ان دخل عليه شهر رمضان المقبل، سقط عنه وجوب قضاء الأول، ووجب عليه أن يتصدق بدلا عن كل يوم افطره من الشهر الأول بمد من الطعام، ولا يكفيه قضاء الصوم - لو أنه قضاه - عن الصدقة، والأحوط له استحبابا ان يجمع بين الصدقة والقضاء. وإذا افطر المكلف شهر رمضان أو أفطر بعض ايامه لسبب آخر غير المرض من سفر ونحوه، واستمر به ذلك السبب الموجب للإفطار إلى مجئ شهر رمضان الثاني، لزمه قضاء الصوم الفائت من الشهر الأول بعد انتهاء شهر رمضان الذي

[ 83 ]

حضر، ووجبت عليه الصدقة عن كل يوم من الفائت بمد من الطعام على الأحوط. وكذلك حكم المكلف إذا أفطر بسبب المرض وبرئ منه ثم عرض له سبب آخر من سفر ونحوه فمنعه من قضاء ما فاته من الصوم إلى أن جاء شهر رمضان الثاني، أو كان افطاره في الشهر بسبب السفر مثلا، ثم لزمه مرض منعه من القضاء إلى رمضان الثاني، فيجب عليه في كلتا الصورتين ان يجمع بين قضاء الصوم بعد انتهاء شهر رمضان الذي حضر والصدقة عن كل يوم من القضاء بمد من الطعام على الأحوط. [ المسألة 205: ] إذا أفطر المكلف شهر رمضان، أو أفطر منه اياما لعذر من الأعذار كمرض أو غيره، ثم ارتفع عنه ذلك العذر في اثناء السنة وجب عليه ان يقضي صومه كما تقدم، فإذا أخر قضاءه متعمدا إلى أن حل عليه شهر رمضان وجب عليه القضاء بعد خروج رمضان ولزمته الفدية. وكذلك حكمه إذا أفطر في الشهر أياما وأخر قضاءها متسامحا، ثم عرض له عند تضيق الوقت عذر يمنعه من القضاء قبل رمضان، فعليه قضاء الأيام بعد خروج الشهر مع الفدية، وكذلك إذا أخر القضاء عازما على أن يأتي به متصلا بشهر رمضان المقبل، فاتفق ان عرض له عند ضيق الوقت ما يمنعه من الصوم، فعليه القضاء بعد خروج الشهر مع الفدية على الأحوط، وإذا كان في إفطاره في الشهر أو في بعضه متعمدا لا عذر له لزمته كفارة الإفطار مع القضاء والفدية عن كل يوم في جميع الصور الآنف ذكرها. [ المسألة 206: ] إذا استمر المرض بالمكلف سنين متعددة فأفطر في تلك السنين للعذر الملازم له، المانع له من الصوم وجبت عليه الفدية لكل واحدة من السنين الأولى مرة واحدة ولم يجب عليه قضاء صومها، واما السنة الأخيرة الحاضرة، فان برئ المكلف فيها من مرضه قبل مجئ شهر رمضان اللاحق وجب عليه قضاء صوم الشهر فيها، فإذا صامه لم تجب عليه الفدية عنه، وان لم يبرأ من مرضه حتى حل شهر رمضان سقط عنه قضاء السابق، ووجبت عليه الفدية كالسنين الماضية.

[ 84 ]

[ المسألة 207: ] لا يتكرر وجوب الفدية على المكلف إذا هو أخر صوم القضاء عاما أو أكثر، بل تجب عليه فدية سنة واحدة، وان كان متعمدا في تأخير القضاء، ويأثم بتأخيره عن سنته إذا كان عامدا لا عذر له. [ المسألة 208: ] فدية كل يوم من الايام التي يفطرها المكلف كفارة مستقلة عن غيرها، ولذلك فيجوز له ان يدفع أكثر من فدية يوم واحد إلى فقير واحد، بل ويجوز له ان يدفع جميع ما وجب عليه من الفدية إلى فقير واحد وإن كانت لشهور متعددة، ما لم يخرج بذلك عن كونه فقيرا مستحقا. [ المسألة 209: ] لا تجزي قيمة الفدية عن الفدية نفسها، بل يجب على المكلف أن يدفع عين المد من الطعام إلى الفقير، نعم، يصح للمكلف أن يدفع قيمة الطعام الى الفقير المستحق، ويوكله عن نفسه في ان يشتري بها عين الطعام بالنيابة عنه، ويوكله ايضا في ان يسلم لنفسه العين التي اشتراها له، فإذا اشترى الفقير عين الطعام بالوكالة عن المالك، ثم قبض لنفسه العين المشتراة بالوكالة عنه ايضا، أجزأت عن الموكل، وكذلك الأمر في الكفارات. [ المسألة 210: ] ليست الفدية التي تلزم المكلف في الصوم من النفقة، ولذلك فلا يجب على الرجل ان يدفع فدية الصوم عن زوجته إذا وجبت الفدية عليها، ولا عن أبويه إذا كانا فقيرين، ولا عن ولده إذا كان محتاجا، ولا عن عبده المملوك له إذا وجبت عليهم، فضلا عمن سواهم ممن يستحب له الإنفاق عليهم. [ المسألة 211: ] يجوز للمكلف أن يفطر في النهار قبل زوال الشمس إذا كان صائما في قضاء شهر رمضان، ولم يتضيق وقت القضاء بمجئ شهر رمضان المقبل، وإذا تضيق عليه وقت القضاء بذلك لم يجز له الإفطار فيه قبل الزوال، وإذا افطر في هذه الصورة أثم بافطاره ولم تجب عليه الكفارة. ولا يجوز له الإفطار في صوم القضاء بعد زوال الشمس من النهار، سواء كان موسعا ام تضيق وقته، بمجئ رمضان، وإذا أفطر فيه بعد الزوال متعمدا

[ 85 ]

لزمته الكفارة في كلتا الصورتين، وقد ذكرنا كفارته، ومقدارها في المسألة المائة والسابعة عشرة. وكذلك الحكم إذا صام قضاء شهر رمضان بالنيابة عن غيره على الأحوط، فليس له أن يفطر فيه بعد الزوال، وإذا أفطر فيه لزمته الكفارة. [ المسألة 212: ] يجوز للمكلف ان يفطر قبل زوال الشمس في غير قضاء شهر رمضان من انواع الصوم الواجب إذا كان وجوبه موسعا غير معين كصوم النذر المطلق والعهد المطلق، والاحوط له ترك الإفطار فيه بعد الزوال. ولا يجوز للمكلف ان يفطر في الصوم الواجب المعين لا قبل الزوال ولا بعده، وإذا افطر فيه متعمدا وجبت عليه الكفارة إذا كان من الأنواع التي تجب فيها الكفارة. واما الصوم المندوب فيجوز له الإفطار فيه ولو قبل غروب الشمس سواء كان معينا ام مطلقا. [ المسألة 213: ] يجب على ولي الميت ان يقضي عن ميته ما فاته من الصوم الواجب، سواء كان فوته عن عمد أم عن عذر من الأعذار، وسواء كان عمده بترك الصوم ام بالاتيان به على وجه باطل، وسواء كان العذر الذي فاته الصوم بسببه سفرا أم مرضا ام غيرهما. ولا يجب على ولي الميت أن يقضي ما تركه الميت على وجه الطغيان وعدم المبالاة بالواجب، ولا يجب على الولي أن يقضي عن الميت ما فاته من الصوم لغير السفر من الأعذار كالمرض والتقية إذا لم يتمكن الميت في حياته من قضاء ذلك الصوم الفائت، واما ما تركه في حال السفر فالأقوى وجوب قضائه على الولي وان لم يتمكن الميت من قضائه في حياته وقد سبق بيان هذا في المسألة المائتين والثالثة. [ المسألة 214: ] ولي الميت الذي يجب عليه ان يقضي ما فات ميته من الصيام هو أولى الناس بميراثه من الورثة الذكور، وإذا تعدد ورثته الذكور، فالولي منهم هو أكبرهم سنا عند وفاة الميت، ولا يختص بالولد الاكبر له على الظاهر، نعم يكون الولد الأكبر مع وجوده هو ولي أبيه إذا مات ولا يعم بقية ورثته الآخرين.

[ 86 ]

وعلى ما ذكرناه فلا يختص الميت الذي يجب القضاء عنه بأن يكون أبا، بل يشمل غير الأب من الرجال ولا يختص بالرجال بل يشمل الأم وغيرها من النساء فيجب على الولي القضاء عنهن بعد الموت. [ المسألة 215: ] لا يسقط وجوب القضاء عن الولي إذا كان طفلا أو كان مجنونا أو كان حملا في بطن أمه حين موت الميت، فيجب القضاء عليه إذا كمل بعد ذلك. وإذا كان للميت وليان متساويان في السن، وجب قضاء ما فات الميت على الوليين على نحو الوجوب الكفائي، فإذا قام أحد الوليين بالقضاء الواجب ووفى به، سقط وجوب القضاء عن الولي الآخر، وإذا تركاه جميعا ولم يأتيا به كانا آثمين معا لعدم امتثالهما. [ المسألة 216: ] الأكبر سنا من الورثة أو من الأولاد هو من كان أسبق في الولادة، وان انعقدت نطفتهما معا، كما في التؤام أو سبق المتأخر في الولادة على الأول في انعقاد النطفة، كما في الولدين لشخص واحد من زوجتين، فتحمل احداهما بولدها قبل أن تحمل الثانية بشهر، وتلد الزوجة الثانية ولدها قبل ولادة الاول بشهرين، لأن مدة الحمل بالأول كانت تسعة أشهر ومدة الحمل بالثاني ستة أشهر، فيكون الولد الثاني هو ولي أبيه لأنه المولود السابق. [ المسألة 217: ] يصح لغير الولي ان يتبرع بقضاء الصوم عن الميت، سواء كان للميت ولي شرعي يجب عليه القضاء ام لم يكن له ولي، فإذا تبرع أحد فقضى عن الميت ما فاته من الصوم سقط وجوب القضاء عن الولي، ولا يسقط عنه الوجوب حتى يقضي المتبرع الصيام بالفعل، وإذا قام المتبرع فصام عن الميت بعض ما عليه من الأيام ولم يكمل قضاء الجميع وجب على الولي أن يقضي صوم الأيام الباقية. [ المسألة 218: ] يتخير ولي الميت بين ان يتولى قضاء الصوم بنفسه عن الميت، وان يستأجر أحدا غيره يصوم بالنيابة عن الميت، وإذا اختار الوجه الثاني فاستأجر من يصوم عن الميت فلا يسقط الوجوب عن الولي حتى يعلم أن الأجير قد أتى بالعمل كما تقدم في المتبرع، فلا يسقط الوجوب عن الولي إذا علم ان الأجير لم يأت بالصيام

[ 87 ]

الذي استأجره عليه، أو علم بأنه قد أتى به على وجه غير صحيح، ولا يسقط الوجوب عنه إذا شك في ان الأجير اتى بالعمل أو لم يأت به. وإذا علم الولي بان الأجير قد صام عن الميت، وشك في صحة الصيام الذي قام به، حمل عمله على الصحة وسقط وجوب القضاء عن الولي بذلك، وتجري هذه الفروض والأحكام كلها في المتبرع في المسألة المتقدمة. [ المسألة 219: ] إذا أوصى الميت وصيه قبل موته بأن يستأجر من يصوم أو يصلي عنه ما فاته، كان سقوط وجوب القضاء عن الولي مراعى بأداء الأجير للعمل، فإذا استأجر الوصي أحدا لذلك، وقام الأجير بالعمل على الوجه الصحيح سقط وجوب القضاء عن الولي، وإذا لم يأت الأجير بالعمل أو أتى به على وجه باطل، أو شك الولي بأن الأجير أتى بالعمل أو لا، لم يسقط وجوب القضاء عن الولي، وإذا علم بان الأجير اتى بالعمل المستأجر عليه وشك في صحة ما أتى به بنى على الصحة في العمل وسقط عنه وجوب القضاء. [ المسألة 220: ] يجب على ولي الميت أن يقضي ما علم ان ميته مات وهو مدين به من الصوم والصلاة، ويجب عليه أن يقضي ما شهدت البينة الشرعية بان الميت مدين به من الصوم والصلاة حين موته. ويجب عليه قضاء ما أقر الميت في حال حياته بأنه مدين به من ذلك على الأحوط، ويجب عليه قضاء ما علم بان الميت كان مدينا به في حال حياته من الصوم والصلاة ثم شك الولي في ان الميت أتى به في حياته أو لم يأت به حتى مات، على الأقوى في بعض الصور المذكورة، وعلى الاحوط في الجميع. [ المسألة 221: ] إذا شك المكلف في وجوب شئ عليه من قضاء الصوم والصلاة، وكان مقتضى استصحاب بقاء شغل الذمة بذلك العمل - في رأيه - أنه يجب عليه الإتيان به، ثم لم يأت بالعمل حتى مات، فهل يجب على الولي من بعده قضاء ذلك العمل عنه أو لا يجب؟ الظاهر انه لا يجب القضاء على الولي حتى تتم الحجة على الوجوب عند الولي نفسه، وقد أشرنا إلى هذا في الفرض الأخير من المسألة المتقدمة.

[ 88 ]

[ المسألة 222: ] يجب على ولي الميت أن يقضي ما وجب على الميت نفسه من الصوم، سواء كان من قضاء شهر رمضان، ام كان واجبا عليه بنذر أو عهد أو يمين ام كفارة ام غيرها، ولا يجب عليه ان يقضي ما وجب على الميت لغيره بإجارة أو ولاية وشبهها. [ الفصل السابع ] [ في صوم الكفارة ] [ المسألة 223: ] من الكفارات ما يجب فيه الصوم منضما إلى خصال أخرى تجب معه جميعا، وهو كفارتان: (الأولى): كفارة من قتل مؤمنا متعمدا. (الثانية): كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان بتناول مفطر محرم وكان متعمدا. والخصال التي يجب دفعها في هاتين الكفارتين: ان يعتق المكلف رقبة، وأن يصوم شهرين متتابعين، وان يطعم ستين مسكينا، فعلى المكلف إذا ارتكب احدى هاتين الجريمتين ان يجمع بين الخصال الثلاث المذكورة وجوبا في الكفارة الأولى منهما، واحتياطا لا بد منه في الكفارة الثانية. [ المسألة 224: ] من الكفارات ما يجب فيه الصوم على المكلف إذا عجز عن الاتيان بخصلة أو خصال أخرى تجب قبل الصوم، وهو احدى عشرة كفارة: (الأولى): كفارة من قتل مؤمنا خطأ. (الثانية): كفارة من ظاهر من زوجته ثم أراد وطأها بعد المظاهرة. والكفارة الواجبة فيهما: أن يعتق المكلف رقبة، فإذا عجز عن عتقها وجب عليه ان يصوم شهرين متتابعين، وإذا عجز عن صوم الشهرين وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا. (الثالثة): كفارة من أفطر في قضاء شهر رمضان بعد زوال الشمس من

[ 89 ]

النهار، وكفارته أن يطعم عشرة مساكين، فان هو لم يقدر على ذلك وجب عليه ان يصوم بدل ذلك ثلاثة ايام، وقد سبق ذكرها في المسألة المائة والسابعة عشرة. (الرابعة): كفارة مخالفة اليمين، (الخامسة): كفارة مخالفة النذر على الأقوى، (السادسة): كفارة المرأة إذا هي خدشت وجهها في المصاب حتى أدمته، أو هي نتفت شعر رأسها في المصاب، (السابعة): كفارة الرجل إذا شق ثوبه لموت ولده أو لموت زوجته. والكفارة في كل واحد من هذه الموجبات الأربعة: ان يطعم المكلف عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة مؤمنة، ويتخير بين الخصال الثلاث المذكورة، فان عجز عنها جميعا ولم يقدر على الاتيان بأي واحدة منها، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. (الثامنة): كفارة المكلف المحرم بالحج أو بالعمرة إذا قتل نعامة في أثناء إحرامه، والكفارة الواجبة عليه بسبب ذلك أن ينحر بدنة، فان هو عجز عن البدنة، وجب عليه أن يفض ثمن البدنة على البر أو على غيره من الطعام الذي يصح اخراجه في الكفارة، ويطعم به ستين مسكينا يدفع لكل مسكين منهم مدا، والاحوط له استحبابا ان يدفع لكل مسكين مدين، إذا وسعت قيمة البدنة لذلك. وإذا قصرت قيمة البدنة عن الوفاء بإطعام ستين مسكينا، أطعم المقدار الذي تسعه القيمة من عدد المساكين ولم يجب عليه اتمام العدد، وإذا اتفق ان زادت قيمة البدنة على إطعام الستين لم تجب عليه الصدقة بالزائد على ذلك. فان عجز عن الصدقة المذكورة صام على الأحوط لزوما بمقدار ما بلغت الصدقة من عدد المساكين فيصوم عن كل مسكين يوما، سواء بلغت ستين مسكينا أم لم تبلغ، فان عجز عن ذلك صام ثمانية عشر يوما. (التاسعة): كفارة من احرم بالحج أو بالعمرة إذا قتل بقرة وحشية في اثناء إحرامه. وكفارة من فعل ذلك أن يذبح بقرة أهلية، فان عجز عن البقرة وجب عليه أن يفض ثمن البقرة على البر أو على غيره من طعام الكفارات، وأطعم به ثلاثين مسكينا وجرى فيه نظير البيان الذي فصلناه في كفارة قتل النعامة. فإذا عجز عن الصدقة على الوجه الذي ذكرناه صام على الاحوط لزوما بمقدار ما بلغت الصدقة اياما كما تقدم، سواء بلغت ثلاثين يوما أم لم تبلغ، فان

[ 90 ]

عجز عن ذلك صام تسعة ايام. (العاشرة): كفارة من أحرم بالحج أو العمرة وقتل ظبيا في أثناء إحرامه. وكفارة من فعل ذلك ان يذبح شاة، فان هو عجز عن الشاة فض ثمنها على البر أو غيره من طعام الكفارة، وأطعم به عشرة مساكين على النهج الذي سبق ذكره في كفارة النعامة وبقرة الوحش، فإذا عجز عن الصدقة المذكورة صام على الأحوط لزوما بمقدار ما بلغت الصدقة أياما، سواء بلغت عشرة ايام أم لم تبلغ، فان لم يقدر على ذلك صام ثلاثة ايام. (الحادية عشرة): كفارة الحاج إذا خرج من موقف عرفات قبل أن يدخل وقت المغرب الشرعي عامدا، فيجب عليه ان ينحر بدنة فان لم يقدر على ذلك وجب عليه ان يصوم ثمانية عشر يوما في مكة أو في الطريق أو في أهله إذا رجع إليهم. [ المسألة 225: ] من الكفارات ما يجب فيه الصيام على نحو التخيير بينه وبين غيره من الخصال، وهو ست كفارات: (الأولى): كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان عامدا فتناول فيه مفطرا محللا، (الثانية): كفارة من جامع امرأته وهو معتكف، (الثالثة): كفارة من عاهد الله على فعل شئ أو على تركه ثم أخلف عهده ولم يف به، (الرابعة): كفارة المرأة إذا جزت شعر رأسها في المصاب. والكفارة الواجبة في كل واحدة من المذكورات: أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فيجب على المكلف ان يأتي بواحدة من الخصال لثلاث المذكورة وأيتها أتى بها أجزأته. (الخامسة): كفارة من حلق رأسه عامدا وهو محرم، وكفارة من فعل ذلك أن يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين فيدفع لكل مسكين مدين من الطعام، وتجزيه أية خصلة أتى بها من هذه الثلاث. (السادسة): كفارة الرجل إذا وطأ أمته وهي محرمة بإذنه. وكفارته إذا فعل ذلك وكان صاحب يسر أن ينحر بدنة أو يذبح بقرة أو شاة، فيتخير بين هذه الأنعام الثلاث، وإذا كان معسرا، وجب عليه أن يذبح شاة أو يصوم، ويتخير بين هاتين الخصلتين، وليكن الصوم الذي يأتي به ثلاثة أيام

[ 91 ]

على الأحوط، وهذه غير كفارة الرجل بنفسه عن جماعه للأمة إذا كان محرما معها، وهي مذكورة في كفارات الإحرام من كتاب الحج. [ المسألة 226: ] يجب على المكلف أن يتابع في صوم الشهرين الواجبين عليه في كفارة الجمع، وفي الكفارة المرتبة والكفارة المخيرة وقد بيناها جميعا في المسائل الثلاث الماضية. ويحصل التتابع الشرعي الواجب بين الشهرين، بأن يصوم المكلف الشهر الأول كله تاما ويصوم معه يوما من الشهر الثاني، فإذا أدى المكلف الصوم على هذا الوجه كفاه ذلك في حصول التتابع الواجب بين الشهرين، وجاز له ان يفرق بين بقية ايام الشهر الثاني في صيامه إياها. ويجب على المكلف ان يتابع في صوم الأيام الثلاثة الواجبة في كفارة خلف اليمين وخلف النذر، وان يتابع على الاحوط في صوم الأيام الثلاثة التي يصومها في الحج من بدل هدي التمتع إذا هو لم يجد الهدي، عدا ما يستثنى فيها، وسيأتي التنبيه على هذا في المسألة المائتين والثانية والثلاثين - ان شاء الله تعالى -، والاحوط استحبابا للمكلف ان يتابع في صوم بقية الكفارات. [ المسألة 227: ] إذا نذر الإنسان أن يصوم لله شهرا أو شهرين أو أقل من ذلك أو أكثر لم يجب عليه أن يتابع بين الأيام المنذورة في الصوم، إلا أن يشترط على نفسه التتابع في صيغة نذره، أو ينصرف اللفظ الذي تعلق به النذر الى المتتابع، ومثال الثاني: أن ينذر ان يصوم شهرا هلاليا أو يصوم أسبوعا، ومنه ما إذا نذر ان يصوم شهرا وقصد منه الشهر الهلالي فان اللفظ في هذه الأمثلة ينصرف إلى المتتابع، وكذلك الحكم في العهد واليمين المتعلقين بالصوم. [ المسألة 228: ] إذا نذر الرجل ان يصوم شهرين متتابعين اتبع قصده من كلمة التتابع التي اشترطها في صيغة النذر، فان قصد التتابع الشرعي في الصوم، جاز له أن يصوم شهرا ويوما متتابعا في الأيام، ثم يفرق بين بقية أيام الشهر الثاني كما تقدم، وان قصد في نذره التتابع في صوم جميع الايام المنذورة، أو كان ذلك هو الذي ينصرف إليه لفظ النذر، كما إذا نذر لله ان يصوم شهرين هلاليين متصلين،

[ 92 ]

وجب عليه ان يتابع بين جميع ايام الشهرين. وكذلك إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا، فان قصد التتابع الشرعي جاز له ان يصوم من الشهر خمسة عشر يوما متتابعة ثم يفرق صوم بقية الأيام منه، وان قصد التتابع في جميع أيام الشهر أو كان ذلك هو ما ينصرف إليه لفظ المنذور، كما إذا نذر شهرا هلاليا، وجب عليه ان يتابع صوم جميع ايام الشهر، وحكم العهد واليمين في جميع ما بيناه هو حكم النذر. [ المسألة 229: ] لا يجري التتابع الشرعي الذي ذكرناه في بقية افراد الصوم المتتابع، فلا يجوز للمكلف ان يفرق فيها اختيارا بعد تجاوز النصف كما في الشهرين المتتابعين والشهر المتتابع. [ المسألة 230: ] لا يجب على المكلف أن يتابع في قضاء الصوم المنذور المعين، فإذا نذر الرجل ان يصوم الايام البيض من شهر معين، ففاته صوم تلك الايام، فلا يجب عليه التتابع في قضائه، ولا يجب عليه التتابع في قضاء صوم قد نذر فيه التتابع، ومثال ذلك أن ينذر لله أن يصوم عشرة أيام متوالية من شهر رجب في هذا العام ثم انقضى شهر رجب من العام المعين ولم يصم فيه نذره لبعض الأعذار، فإذا أراد ان يقضي صوم هذه الأيام الفائتة، لم يجب عليه أن يتابع بين ايام القضاء، وان كان الاحوط له استحبابا أن يتابع القضاء في كلا الفرضين. [ المسألة 231: ] إذا وجب على المكلف صوم متتابع في كفارة أو صوم نذر فيه التتابع، فلا يجوز له ان يبتدئ في صومه في وقت يعلم بان التتابع لا يحصل فيه، لتخلل يوم أو ايام يحرم صومها كالعيدين وايام التشريق لمن كان بمنى، أو لتخلل شهر رمضان أو صوم واجب معين غير رمضان كالنذر المعين، فلا يجوز له أن يبتدئ صوم شهرين متتابعين في أول شهر شعبان مثلا، أو في أول شهر ذي الحجة، لأن تتابع صومه ينقطع بمجئ شهر رمضان في الفرض الأول، وبتخلل العيد في الفرض الثاني، وهكذا في نظائره من الأمثلة. نعم، إذا ابتدأ المكلف بصوم الشهرين المتتابعين في ذلك الوقت وكان غافلا عن وجود ما يمنعه من التتابع في الصوم واستمرت به الغفلة إلى أن أتى وقت ذلك

[ 93 ]

المانع، صح صومه الماضي، وبنى عليه صوم الأيام الباقية من الشهرين بعد انتهاء المانع، ولم ينقطع بذلك تتابع صومه، بسبب الغفلة. وكذلك إذا ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين وهو يعتقد سلامة الايام من الموانع، واستمر به الاعتقاد الى أن وصل وقت المانع، فيصح صومه الماضي ويبني عليه صيام الباقي بعد انتهاء المانع، وإذا كان المكلف ملتفتا شاكا بوجود المانع أو جاهلا بالحكم فالظاهر بطلان صومه. [ المسألة 232: ] يستثنى من الحكم المتقدم صوم الأيام الثلاثة التي يصومها المتمتع بالعمرة الى الحج إذا هو لم يجد الهدي الواجب عليه في حجه، فيجوز له ان يصوم يوم التروية ويوم عرفة بعد ان يحرم بالحج، ثم يأتي بصيام اليوم الثالث منها بعد العيد بلا فصل وبعد العيد وايام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، ولا يكون هذا الفصل مخلا بالتتابع الواجب عليه في صيام الايام الثلاثة المذكورة. ويختص الاستثناء بهذا المورد، فلا يصح صومه إذا فرق بين الايام الثلاثة على غير هذه الصورة، فلا يجوز له ان يصوم يوم عرفة وحده ويكمل الايام بعد العيد، ولا يجوز له ان يصوم اليوم السابع ويوم التروية ويأتي باليوم الثالث بعد يوم عرفة ويوم العيد، فيجب عليه الاستئناف في جميع ذلك. [ المسألة 233: ] إذا وجب على الرجل صوم يشترط فيه التتابع كصوم الكفارة الذي يجب فيه ذلك وكصوم النذر الذي يشترط الناذر فيه على نفسه ان يتابع صومه، فافطر في اثناء صومه عامدا من غير عذر بطل التتابع ووجب عليه أن يستأنف صومه متتابعا. وكذلك إذا صامه في زمان لا يحصل فيه التتابع لتخلل عيد أو تخلل صوم واجب معين من نذر وشبهه، كما سبق ذكره قريبا، فيجب عليه استئناف الصوم متتابعا. [ المسألة 234: ] إذا كان على المكلف صوم لا يجب فيه التتابع في أصله كقضاء شهر رمضان وكالنذر المطلق، فنذر لله أن يتابع في صوم ايامه وجب عليه ذلك، وإذا نذر التتابع فيه ثم صامه وأفطر في اثنائه عامدا ولم يتابع أثم لمخالفة نذره ووجبت

[ 94 ]

عليه كفارة مخالفة النذر، وكان صومه صحيحا، فيجزيه عما في ذمته من الواجب ولا يجب عليه الاستئناف. [ المسألة 235: ] إذا وجب على الإنسان صوم متتابع فأفطر في أثنائه لمرض حدث له، أو أفطرت المرأة في اثنائه لحيض أو نفاس أو نحو ذلك من الأعذار التي لا يكون حدوثها بفعل المكلف واختياره بنفسه، صح صومه، وبنى عليه صيام الايام الباقية بعد ارتفاع العذر المانع له من الصوم، ولم يقدح ذلك بتتابع الصوم الواجب عليه. وإذا اتفق ان حدث المرض أو الحيض أو النفاس أو العذر الآخر للمكلف بفعله بنفسه واختياره، كما إذا تناول بعض المستحضرات أو الحبوب فحدث له ذلك وأفطر من صومه انقطع به تتابع الصوم ووجب على المكلف أن يستأنف الصوم ويأتي به متتابعا بعد زوال العذر. وكذلك الحكم في السفر الموجب للإفطار، فينقطع به تتابع الصوم، وان كان المكلف مضطرا إليه على الاحوط، فيجب عليه ان يستأنف الصوم ويتابعه بعد رجوعه من السفر، الا إذا اضطر الى السفر وكان اضطراره بنحو القهر الذي يخرج به المكلف عن الاختيار، كما إذا سافر به متغلب وقطع به المسافة مقسورا على أمره ولم يملك التخلص منه، فإذا أفطر بسبب ذلك لم ينقطع تتابع صومه إذا واصله بعد ارتفاع العذر عنه. [ المسألة 236: ] إذا نسي المكلف نية الصوم في بعض ايام الصوم الذي يجب فيه التتابع، ولم يتذكر إلا بعد زوال النهار، لم يصح منه صوم ذلك اليوم ولم ينقطع به تتابع صومه، فيبني ما يأتي من صومه على ما مضى، وكذلك إذا غفل عن نية الصوم أو نام عنها ولم ينتبه للإتيان بها حتى فات محلها، فيجري فيه حكم الناسي. ونظير ذلك ايضا ما إذا نسي المكلف صومه المتتابع الواجب عليه، فنوى في أثنائه صوما آخر غيره، ولم يتذكر إلا بعد الزوال، فلا ينقطع تتابع صومه بتخلل ذلك اليوم في جميع الفروض المذكورة، ويبني ما يأتي به من الصوم على ما مضى منه. ومثله في الحكم ما إذا نذر الإنسان أن يصوم يوم كل خميس مثلا، ثم

[ 95 ]

وجبت عليه الكفارة لأحد الأسباب بعد ذلك، فإذا أراد ان يصوم شهرين متتابعين لكفارته وجب عليه أن يصوم كل خميس من الشهرين وفاءا بالنذر السابق الذي نذره، ولا يكون ذلك مخلا بتتابع صوم الكفارة على الأقوى. وبحكمه ايضا صوم الشهر المتتابع والايام المتتابعة إذا وجبا عليه، فتجري فيهما الاستثناءات المذكورة في هذه المسألة. [ الفصل الثامن ] [ في أقسام الصوم ] [ المسألة 237: ] يقع الصوم على أربعة أقسام: [ (القسم الأول) ] الصوم الواجب وقد سبق الكلام منا على الكثير المهم من أنواع هذا القسم في الفصول المتقدمة، وبينا الوافر الوافي بالحاجة من أحكامها وحسبنا في المقام هذه الإشارة إليه. [ (القسم الثاني): الصوم المندوب. ] واستحباب الصوم على وجه الاجمال، بل وتأكد استحبابه مما ثبت بالضرورة، بحيث لا ينكره أحد من المسلمين، وقد ورد الحث الشديد عليه عن الرسول وخلفائه المعصومين (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين)، ففي الحديث عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الصوم جنة من النار) وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) عنه صلى الله عليه وآله: (لكل شئ زكاة وزكاة الابدان الصيام)، وعن أبي عبد الله (ع): (أن الله تعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه)، وعنه (ع) قال أبي (ع): (ان الرجل يصوم يوما تطوعا يريد ما عند الله فيدخله الله به الجنة)، وعنه (ع) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الصائم في عبادة وان كان نائما في فراشه ما لم يغتب مسلما)، وعنه (ع): (نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله متقبل ودعاؤه مستجاب)، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (للصائم فرحتان، حين يفطر، وحين يلقى ربه، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) إلى غير ذلك مما تواتر عنهم (صلوات الله وسلامه عليهم) بألسنة مختلفة. [ المسألة 238: ] للصوم المندوب أنواع كثيرة العدد، فمنه ما أمر به في الشريعة المطهرة على

[ 96 ]

وجه الإطلاق، فليس له وقت معين ولا سبب خاص، ومن هذا النوع صوم جميع ايام السنة عدا ما استثني منها، وهي الايام التي يحرم الصوم فيها، وسيأتي ذكرها في آخر هذا الفصل ان شاء الله تعالى، والايام التي يجب صومها تعيينا كشهر رمضان، والايام التي يتعين صومها على المكلف لنذر أو عهد أو يمين، ومن كان عليه قضاء شهر رمضان، فليس له ان يصوم النافلة وقد بينا هذا في المسألة المائة والسابعة والخمسين. [ المسألة 239: ] من الصوم المندوب ما أمر به في الشريعة لسبب خاص، ولم يجعل له وقت معين يختص وقوعه فيه، فمن هذا النوع: صوم ثلاثة ايام في المدينة المنورة لقضاء الحاجة، وقد ذكر تفصيل الصوم والعمل فيها، في صحيح معاوية بن عمار عن الإمام أبي عبد الله (ع) وقد رواه في الباب الحادي عشر من ابواب المزار من كتاب وسائل الشيعة، فليرجع إليه من اراد الوقوف عليه، وقد فصلنا ذكره في المسألة الالف والمائة والثامنة والخمسين من كتاب الحج من هذه الرسالة. ومن هذا النوع: الصوم لعمل ليلة الرغائب، وليلة الرغائب هي اولى جمعة من شهر رجب فيصام يوم الخميس قبلها وان لم يكن الخميس من رجب، والعمل مذكور في اعمال شهر رجب من كتاب الاقبال للسيد ابن طاووس (قده) وفي بعض كتب الدعاء المعتبرة كمفاتيح الجنان. وأفراد هذا النوع كثيرة، مذكورة في كتب الدعاء، ولا يترك الاحتياط بأن يؤتى بالصوم في هذه الموارد وأمثالها برجاء المطلوبية. [ المسألة 240: ] من الصوم المندوب ما أمر به في الشريعة في وقت معين، وأفراد هذا النوع كثيرة أيضا، وهي متفاوتة في مراتب الفضل حسب ما ورد فيها من الأحاديث عن المعصومين (ع). فمن المندوبات المؤكدة، ولعله أشدها تأكدا: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد وردت فيه كيفيات عديدة، وأفضل كيفياتها: أن يصوم الإنسان أول خميس من الشهر وآخر خميس منه، واول اربعاء من العشر الوسطى. ويستحب للإنسان قضاء هذا الصوم إذا فاته، وإذا عجز عن هذا الصوم لكبر سن أو عطش أو غيرهما استحب له أن يتصدق عن كل يوم من الايام

[ 97 ]

الثلاثة بمد من الطعام أو بدرهم. [ المسألة 241: ] من المندوبات المؤكدة أن يصوم الإنسان اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة، وهو يوم الغدير، ففي الحديث: (وصيامه يعدل عند الله عز وجل في كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات). ويستحب صوم اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، وهو يوم مولد الرسول صلى الله عليه وآله على القول المشهور، وقد ورد في فضل الصوم فيه (ان من صامه كتب الله له صيام سنة) وفي بعض الأحاديث: (كتب الله له صيام ستين سنة). ويستحب صوم اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، وهو يوم بعث الرسول صلى الله عليه وآله بالرسالة من الله سبحانه، وقد ورد فيه (ان من صامه كتب الله له صيام ستين شهرا)، وفي بعض الروايات: (كتب الله له صيام سبعين عاما). ويستحب صوم اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، وهو يوم دحو الأرض، فعن أبي الحسن (ع): (من صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة)، وفي رواية أخرى: (من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة فله عبادة مائة سنة، صام نهارها وقام ليلها). ويستحب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة إذا لم يشك المكلف في هلال الشهر، ولم يضعفه الصوم عن الدعاء، وقد ورد فيه: (من صام ذلك اليوم كان كفارة تسعين سنة). ويستحب صوم اليوم الاول من شهر ذي الحجة، وقد ورد: (ان من صامه كتب الله له صوم ثمانين شهرا)، وفي حديث آخر: (من صام ذلك اليوم كان كفارة ستين سنة). ويستحب صوم يوم التروية وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، فعن أبي عبد الله (ع): (صوم يوم التروية كفارة سنة)، ويستحب صوم الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة ففي الحديث: (فإن صام التسع كتب الله له صوم الدهر). ويستحب صوم اول يوم من المحرم وثالثه وتاسعه، بل يستحب صوم شهر المحرم كله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله: (وان افضل الصيام من بعد شهر رمضان صوم شهر الله الذي يدعونه المحرم)، وعنه صلى الله عليه وآله: (من صام يوما من المحرم، فله بكل يوم ثلاثون يوما)، وعن ابي عبد الله (ع): (من أمكنه صوم

[ 98 ]

المحرم فانه يعصم صائمه من كل سيئة). ويستحب الإمساك في يوم عاشوراء حزنا الى ما بعد العصر، وليكن إفطاره على شربة ماء. ويستحب استحبابا مؤكدا صوم اليوم الأول من شهر رجب، وصوم الأيام البيض منه، وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ويستحب صوم كل واحد من اليوم الخامس والعشرين من شهر رجب واليوم السادس والعشرين واليوم السابع والعشرين منه. ويستحب كذلك صوم شهر رجب كله، فقد ورد الترغيب المؤكد عن ائمة الهدى (ع) في جميع ذلك، انظر الباب السادس والعشرين من أبواب الصوم المندوب من كتاب وسائل الشيعة. ويستحب استحبابا مؤكدا صوم شهر شعبان كله وبعضه كما ورد عنهم (ع)، ويلاحظ الباب الثامن والعشرون والباب التاسع والعشرون من ابواب الصوم المندوب من كتاب الوسائل. ويستحب صوم يوم الجمعة من الأسبوع فعن الإمام أبي الحسن الرضا (ع): قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي ثواب صيام عشرة أيام غر زهر لا تشاكل أيام الدنيا). وينبغي أن لا يفرد يوم الجمعة بالصوم وحده، بل يصوم معه يوما آخر قبله أو بعده. [ المسألة 242: ] يجوز لمن يصوم صياما مندوبا في أي نوع من انواعه ان يفطر اختيارا من صومه ولو قبل غروب الشمس وقد ذكرنا هذا الحكم في المسألة المائتين والثانية عشرة وذكرناه في مواضع اخرى من الفصول المتقدمة، ولا إثم عليه في ذلك، ويكره له بعد الزوال. [ المسألة 243: ] يستحب للصائم صوما مندوبا ان يجيب دعوة اخيه المؤمن إذا دعاه الى تناول الطعام، فيفطر من صومه اجابة له، سواء كان ذلك قبل الزوال أم بعده، بل يستحب له إذا دعاه وهو لا يعلم بصيامه ان يجيب دعوته ولا يعلمه بأنه صائم. ويستحب كذلك لمن كان صومه واجبا موسعا أن يجيب المؤمن إذا دعاه الى

[ 99 ]

الطعام قبل الزوال فيفطر يومه إجابة لدعوة أخيه وينال بذلك ثواب إجابة الدعوة، ثم يصوم بعد ذلك ما يجب عليه، واما الإفطار فيه بعد الزوال فقد سبق ان الأحوط لزوما تركه. [ (القسم الثالث): الصوم المكروه. ] [ المسألة 244: ] يكره للشخص ان يصوم يوم عرفة إذا كان الصوم يضعفه عن الدعاء فيه، ويكره صومه ايضا إذا شك في هلال شهر ذي الحجة، واحتمل أن يكون ذلك اليوم هو يوم العيد. [ المسألة 245: ] يكره للضيف ان يصوم متطوعا بدون إذن مضيفه، سواء نهاه المضيف عن الصوم ام لا، وسواء كان صومه مندوبا مطلقا ام كان مندوبا معينا. [ المسألة 246: ] يكره للولد ان يصوم تطوعا بدون إذن أبيه، والاحوط اعتبار إذن والدته أيضا، وفي اعتبار إذن الجد ابي الاب في صوم ولد ولده تطوعا إشكال، والاحوط اعتباره. [ المسألة 247: ] يحرم صوم يوم عاشوراء إذا صامه الرجل بنية التبرك، ويحرم صومه بالحرمة التشريعية إذا صامه بقصد كونه مندوبا وموكدا عليه كسائر الأيام التي يستحب للإنسان أن يصومها بالخصوص وان لم يقصد به التبرك، وإذا صامه بقصد انه مستحب على العموم كسائر ايام السنة التي لا خصوصية فيها، صح صومه ووقع مكروها على الأقوى، وإذا أمسك فيه عن المفطرات حزنا إلى ما بعد العصر ثم افطر كان مستحبا من غير كراهة وقد تقدم ذكر هذا قريبا. [ (القسم الرابع): الصوم المحرم. ] [ المسألة 248: ] يحرم على المكلف صوم يوم عيد الفطر ويوم عيد الاضحى، ولا يبيح الصوم فيه أن يكون في كفارة قتل مؤمن في احد الأشهر الحرم. [ المسألة 249: ] يحرم على الإنسان صوم ايام التشريق إذا كان بمنى، سواء كان ناسكا ام غير

[ 100 ]

ناسك - على الاحوط - وايام التشريق هي اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة. [ المسألة 250: ] يحرم على الإنسان ان يصوم يوم الشك في أول شهر رمضان بنية انه من شهر رمضان، وقد سبق تفصيل أحكامه في المسألة السادسة عشرة وما بعدها. [ المسألة 251: ] يحرم على المكلف ان يصوم نذرا في معصية، وهو يقع على وجهين: (الوجه الاول) ان ينذر الصوم شكرا لله إذا تيسر له ان يفعل أمرا محرما معينا، أو يترك واجبا معينا، وكذلك إذا نذر الصوم شكرا على فعل محرم، أو ترك واجب مطلق غير معين، (الوجه الثاني) ان ينذر الصوم ليزجر به نفسه عن ان يأتي بطاعة خاصة، أو يترك معصية معينة، أو ليزجر نفسه ويعاقبها، لانه فعل طاعة معينة أو ترك معصية معينة. وبحكم ذلك ان ينذر الصوم ليزجر به نفسه عن ان يأتي بأية طاعة من الطاعات أو عن ان يترك اية معصية من المعاصي التي اعتاد ارتكابها مثلا، أو ليؤنب نفسه ويعاقبها إن هو فعل اية طاعة، أو ترك اية معصية، ولا ريب في حرمة هذه النذور بنفسها وعدم انعقادها كما لا ريب في حرمة الصوم وفاءا بها. [ المسألة 252: ] يحرم على الإنسان صوم الصمت، وهو ان ينوي في صومه ترك الكلام في جميع النهار أو في جزء منه، بحيث يجعل الصمت عن الكلام قيدا من قيود صومه ويعتبر الكلام أحد المفطرات التي ينوي الإمساك عنها في صومه. ولا يحرم على المكلف الصائم ان يترك التكلم ويلتزم بالصمت في نهاره أو في جزء منه إذا لم يدخل ذلك في نية الصوم، ويحسن للصائم بل ويستحب له ان يترك الفضول من الكلام والخوض في ما لا يحمد من القول والفعل، ويعد ذلك من الآداب الرفيعة للصوم، كما يكره ذلك لغير الصائم ايضا. واما الخوض في الباطل والمحرم من الأقوال والافعال فهو من المحرمات على الصائم وغيره، وهو على الصائم وفي شهر الله العظيم اشد حرمة منه في غيرهما.

[ 101 ]

[ المسألة 253: ] يحرم على المكلف صوم الوصال، وهو أن ينوي صوم جميع نهاره وليلته إلى وقت السحر، أو ينوي صوم يومين متصلين لا يفطر بينهما، بل يحرم عليه ان يضم بعض ساعات الليل إلى النهار في نية صومه وان لم يبلغ الى وقت السحر، فينوي الصوم طول النهار إلى الساعة الأولى أو الثانية بعد دخول الليل. ولا يضر بصومه أن يؤخر افطاره فلا يأكل شيئا إلى السحر أو إلى اكثر من ذلك، إذا هو لم يجعل ذلك جزءا أو قيدا في صومه. [ المسألة 254: ] يحرم على الزوجة ان تصوم صوما مندوبا إذا كان صومها يزاحم حق الزوج الواجب عليها، والأحوط لزوما لها أن تجتنب الصوم المندوب بغير إذن الزوج. [ المسألة 255: ] يحرم على العبد المملوك أن يصوم متطوعا إذا كان صومه يزاحم حق مالكه، والاحوط له بل الأقوى وجوب اجتناب الصوم المندوب بغير إذن مالكه. [ المسألة 256: ] يحرم صوم الولد تطوعا إذا كان صومه يوجب أذى والديه، أو يوجب أذى احدهما. [ المسألة 257: ] يحرم صوم الدهر، والمراد به ان يصوم الإنسان جميع ايام عمره حتى يومي العيدين وغيرهما من الايام التي يحرم صومها. [ المسألة 258: ] يحرم الصوم على المسافر إذا كان سفره يوجب عليه القصر في الصلاة، وقد سبق ذكر هذا الحكم في المسألة المائة والسابعة والأربعين وغيرها من مسائل فصل شرائط الصوم، وذكرنا هناك بعض المستثنيات من هذا الحكم. [ المسألة 259: ] يحرم صوم المريض، ومن يضر الصوم بصحته على ما تقدم بيانه في فصل شرائط الصوم.

[ 102 ]

[ المسألة 260: ] يستحب للمكلف أن يمسك عن المفطرات تأدبا في شهر رمضان في عدة موارد، ولا يجزيه إمساكه هذا عن الصيام الواجب عليه. (المورد الأول): إذا وصل المسافر إلى بلده أو إلى موضع يعزم على اقامة عشرة ايام تامة فيه، وكان قد تناول بعض ما يفطر الصائم قبل وصوله إلى البلد أو إلى موضع الإقامة، فيستحب له ان يمسك في بقية نهاره من الشهر، سواء كان وصوله إليه قبل الزوال أم بعده. (المورد الثاني): إذا وصل المسافر إلى بلده أو إلى محل يعزم على إقامة العشرة فيه بعد زوال الشمس، سواء قد تناول المفطر قبل وصوله ام لم يتناول شيئا، فيستحب له ان يمسك عن المفطرات في بقية نهاره، وإذا وصل المسافر إلى أحدهما قبل زوال النهار ولم يتناول في يومه شيئا من المفطرات، وجب عليه ان ينوي الصوم حين وصوله، فإذا نوى الصوم واتم يومه صح صومه وكفاه عن الواجب، وقد بينا هذا في المسألة المائة والخامسة والستين. (المورد الثالث): إذا برئ المريض من مرضه في اثناء النهار من الشهر وقد تناول بعض المفطرات في يومه امسك في بقية نهاره استحبابا. (المورد الرابع): إذا برئ المريض من مرضه بعد زوال الشمس من النهار أمسك في بقية نهاره استحبابا، وان لم يكن قد تناول مفطرا في يومه قبل برئه، وإذا هو برئ من مرضه قبل الزوال ولم يكن قد تناول مفطرا، لزمه على الاحوط ان ينوي الصوم في يومه ويتمه ثم يقضيه بعد اتمامه، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والخامسة والستين. (المورد الخامس): إذا طهرت المرأة من حيضها أو نفاسها في أثناء النهار من الشهر، أمسكت في بقية نهارها استحبابا، سواء طهرت منهما قبل الزوال ام بعده، وسواء تناولت بعض المفطرات قبل طهرها ام لم تتناول منها شيئا. (المورد السادس): إذا أسلم الكافر في أثناء النهار من شهر رمضان امسك في بقية يومه استحبابا، سواء تناول في يومه شيئا من المفطرات قبل ان يسلم ام لم يتناول. (المورد السابع): إذا بلغ الصبي الحلم في النهار من شهر رمضان، ولم يكن قد نوى الصوم في يومه، استحب له ان يمسك في بقية نهاره، سواء كان قد تناول

[ 103 ]

المفطر في ذلك اليوم ام لا، وإذا كان قد نوى الصوم بنية الندب قبل بلوغه في ذلك اليوم وجب عليه ان يتم صومه وجوبا على الأحوط، فان هو لم يتم صومه في هذه الصورة، فعليه قضاء ذلك اليوم، وتلاحظ المسألة المائة والثامنة والخمسون. (المورد الثامن): إذا أفاق المجنون من جنونه في أثناء النهار قبل الزوال أو بعده من شهر رمضان، استحب له ان يمسك بقية اليوم وان لم يتناول في اليوم مفطر قبل افاقته من الجنون. (المورد التاسع): إذا أفاق المغمى عليه من إغمائه بعد الزوال أمسك بقية النهار استحبابا، إذا لم تسبق منه نية الصوم في وقتها أو في أثناء الليل، وإذا سبقت منه النية كذلك قبل الإغماء عليه وجب عليه ان يتم صومه وكفاه ذلك عن الواجب، وإذا أفاق من اغمائه قبل الزوال ولم تسبق منه نية الصوم في وقتها أو في أثناء الليل، نوى الصوم قبل الزوال وأتم الصوم وجوبا على الاحوط، فان هو لم يتم صومه وجب عليه قضاء صومه في كلتا الصورتين كما قلنا في المسألة المائة والتاسعة والخمسين. (المورد العاشر): إذا أفاق السكران من سكره بعد ان زالت الشمس من النهار ولم يكن قد نوى الصوم في وقت النية أمسك بقية النهار استحبابا، وإذا كان قد نوى الصوم في وقت النية وجب عليه ان يتم صوم يومه ويقضيه بعد ذلك، وقد بينا هذا في المسألة المائة والرابعة والاربعين. [ خاتمة كتاب الصوم ] للصوم درجات مختلفة الشان، متفاوتة الآثار والتأثير في نفس المكلف الصائم وفي سلوكه الاختياري في هذه الحياة، وفي قربه وبعده من ربه العلي الكبير، وأقل هذه الدرجات وادناها منزلة هو الصوم العام الذي يشترك في الإتيان به جميع المكلفين، يؤدون به الفرض الواجب عليهم، ويبتغون به نيل المثوبة والرضا من الله وامتثال امره، وهو الإمساك عن المفطرات التي حددتها الشريعة عند توفر الشرائط المعينة في الاوقات المبينة. ولا ريب في ان لهذه الدرجة من الصوم على وحدتها، مراتب مختلفة في نظر الشريعة الإسلامية المطهرة، وفي حصول القرب من الله، فمن يمسك عن المفطرات

[ 104 ]

التي حرمها الله عليه عند صومه، ويتنزه جهده مع ذلك في عمله وفي سره وجهره عن المحارم التي نهاه الله عنها حتى في غير الصوم، يكن حريا بنيل القرب من الله - سبحانه - واكتساب الاجر الكبير الذي وعد الله به الصائمين، وتكن نفسه جديرة بالارتفاع في مراتب التقوى والورع حتى تبلغ الغاية التي تطمح إليها، والتي مرن نفسه ومرن إرادته عليها طوال صومه وطوال شهره. وإذا أضاف إلى ذلك ما يكتسبه من عطاء شهره العظيم في إقامته فيه للصلاة وتلاوته للكتاب وقراءته للدعاء ومواظبته على الاستغفار، وفي سائر تعبداته لله، وصدقاته ومبراته في الشهر الذي يتضاعف فيه أجر العمل، ويغفر فيه الزلل، حصل له من مجموع ذلك نبع من الخير لا ينضب ومدد لا ينقطع. فإذا واصل السير في طريقه الذي اتخذه، ودأب على السعي فيه بعد انقضاء الصوم وانتهاء الشهر ارتقى في السلم مرتبة بعد مرتبة ودرجة بعد درجة، كما يقول سبحانه في كتابه: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)، وكما يقول: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا). ومن الواضح أتم الوضوح أن هذا المكلف الصائم المحافظ بمنتهى جهده على سلامة صومه وسلامة دينه لا يستوي منزلة مع المكلف الآخر الذي يمسك عن المفطرات المحظورة في الصوم كما ذكرنا، ولكنه يطلق لنفسه أن يرتكب غيرها من المحارم والمآثم التي لم تحكم ظواهر الشريعة بانها من المفطرات. ومن أمثلة ذلك: من يصوم عن المفطرات الظاهرة، ولكنه لا يبالى أن ينظر النظرة المحرمة أو يرتكب الغيبة الخبيثة أو النميمة المهلكة أو يفتري الكذبة الفاحشة أو يفعل الفعلة الآثمة أو يتعاطى المعاملة المحرمة أو يسمع أخاه أو قريبه أو أهله الكلمة النابية أو القولة الجارحة أو يفعل الفعلة السوآى. وصحة الصوم بحسب ظواهر الشريعة لا تعني أبدا ان الصوم مقبول عند الله يؤتي ثماره الطيبة ويؤدي نتاجه المحمود. وما ظنك بعبد يمسك عن منهيات الصوم من المباحات والمحرمات ليرضي ربه بهذه العبادة، ثم يرتكب تلك الجرائر أو بعضها؟! وماذا يبقى له إذا وضعت الاعمال في كفتي الميزان؟! ومن المضحك المبكي ان يقول مع ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ولا فارق في نتيجة الأمر بين ان يرتكب الحرام في يوم صومه أو في ليله،

[ 105 ]

وخصوصا في شهر الله العظيم الذي يتضاعف فيه العقاب على الفعل المحرم كما يتضاعف الثواب على فعل الطاعة والقربة، ولاسيما إذا صام في نهاره عن المباحات وأفطر في ليله على بعض الموبقات أو على أم الخبائث!. ومن الصائمين في النهار من يقضي سهرته في ليالي الصوم، في ليالي شهر العبادة والتقوى والتوبة،... في ليالي شهر الله العظيم المبارك، على مائدة القمار والميسر أو نظائرها من المهلكات، وقد يزاولها في أواخر نهار الصوم!، بحجة انه يقتل بعض الوقت ويخفف من عناء الصوم!. نعم، انه يقتل الوقت، ويقتل الصوم!، ويقتل كل طاقة وعدة في نفسه يرجا ان تعود به إلى سبيل الخير!. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأدنى ما يؤمل لمثل هذا الصائم المرتكب للمحرمات إذا كانت صغيرة واكثر منها، ان تتساوى كفتا ميزانه، فيخرج من اتعاب صومه صفر الكف صفر الميزان!!. وفي بعض الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)، وفي حديث الإمام الصادق (ع): (ودع المراء واذى الخادم وليكن عليك وقار الصائم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله سمع امرأة تسب جاريتها وهي صائمة، فدعا بطعام فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب). والثانية من درجات الصوم، وهي ارفع من الدرجة الأولى مقاما، وأوسع أثرا وأبلغ تأثيرا، هي أن يصوم الإنسان عن المفطرات المعينة، وتصوم معه جوارحه عن المآثم والمكروهات والمشتبهات وعن جميع ما لا يحمد ولا يحسن بالعبد المطيع من الاقوال والأفعال والحركات والتصرفات، ففي الحديث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع): (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، وعد اشياء غير هذا، قال: ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك). ويسمي بعض العلماء هذه الدرجة صوم الخاصة من الناس، وصوم الجوارح يعني ان تمنع وتصان كل جارحة من المحرمات والأسواء والمكروهات والمشتبهات التي تأتي من قبلها. فصوم اللسان أن يحفظه الصائم عن محرمات القول كبيرها وصغيرها وعن

[ 106 ]

مكروهاته وعن جميع فضول الحديث ومشتبهاته وما لا يحمد ولا يحسن منه، فيعتصم عن جميع ذلك بالصمت، وبالعبادة وتلاوة الكتاب وقراءة الدعاء، والذكر والاستغفار، أو بالقول النافع المجدي في الدين والدنيا. وصوم السمع ان يصون المكلف جارحته عن الإصغاء لأي محرم وباطل واي افك وزور واي قول منكر أو فعل مكروه أو مشتبه، ولاي سفه يوجب استماعه للمرء حزازة في الدين أو نقصا في المروءة، أو ضعة في النفس أو في الخلق. وهكذا في صوم بصره وسائر جوارحه ومشاعره، فيصونها عن الانحراف أو الشذوذ أو الميل في السلوك الصحيح وعن كل ما يخدش ويريب، ويتجه بها جميعا إلى النافع المجدي من الحركات والاعمال الزكية. وما ظنك بعبد يطوع جميع جوارحه في صومه هذا التطوع، ويحوطها هذه الحياطة، ويسمو بعقله وقلبه ونفسه ومشاعره هذا السمو، فهل يبقى مجال من مجالات الخير الأعلى والكمال الإنساني الرفيع، لا يستطيع هذا العبد بلوغه؟ وهل تبقى غاية من غايات النفوس الكريمة لا يستطيع إدراكها؟. ولهذه الدرجة كذلك مراتب تحصل من دقة مراقبة المرء لنفسه ومحاسبته إياها عما قد تميل إليه أو تنزلق فيه في بعض المواقف أو أزاء بعض الأهواء المرغوبة. ولا ضير على السالك إذا ضعف يوما أو ساعة، أو قصر أو قهر في بعض المجاهدات، وكان ضعفه أو قصوره في ما لا يضر بدينه - كما هو المفروض -، ولا سيما إذا عاد فثابر قويا في مجاهدته ومحاسبته، وقد يكون بعد عودته ومثابرته اقوى جلدا على الجهاد والمحاسبة منه قبل ذلك، وقد يكون بعد عودته ومصابرته في الجهاد ارفع منزلة واكثر سموا وارتفاعا منه قبل، ولكن المنازل تكون مختلفة على أي حال. وأرقى درجات الصوم وأسماها شأنا ومقاما هو صوم الصفوة المنتجبة الخالصة من النبيين صلى الله عليه وآله وأوصيائهم المعصومين (ع)، وصوم هذه الطبقة المصطفاة، هو أن يصون الصائم منها عقله وقلبه ونفسه ومشاعره، وسره وعلانيته عن الفكر بغير الله، بل وعن الغفلة عنه، والنسيان والتناسي لمواعيده،

[ 107 ]

وعن التعلق بغير سببه، والشغل بغير طاعته وموجبات رضاه، وعن التباطؤ في إقامة حدوده واداء حقوقه وحقوق عباده. وهو في الحقيقة مظهر كامل من مظاهر العصمة في هذه النفوس المطهرة من الأرجاس ومجلى من مجالي الانشداد الكلي بالله وحده، الذي اختصت به هذه القمة من الخلق، الذين اختارهم الله قادة للإنسانية إلى الخير الأعلى والكمال الأرفع، وجعلهم اولياء لها في جميع الأمور، والله اعلم حيث يجعل رسالته وحيث يجعل اصطفاءه واجتباءه، فصلوات الله عليهم أجمعين وعلى أرواحهم وأجسادهم صلاة تعمنا وجميع اتباعهم المؤمنين والمؤمنات باللطف والرحمة، وتشملنا بالهدى والبركة، وتنير منا البصائر وتطهر لنا الضمائر. وقد يرتقي بعض الخاصة من أتباع الأنبياء والأوصياء بطول الجهاد والمران وشدة المحاسبة للنفس، ودقة المراقبة عليها، فيسيرون في سبيل ساداتهم وقادتهم، ويتبعون رشدهم، حتى يصلوا بنفوسهم وقلوبهم وعقولهم ومشاعرهم إلى أرقي مراتب العدالة، وحتى يبلغوا في صومهم وصلواتهم وعباداتهم الى أسمى منازل القرب من الله. ولكن العدالة المكتسبة غير العصمة، والتابع غير القائد المتبوع، والكامل المتزايد في الكمال، غير الناقص المتكامل، والمستضئ بنور غيره غير المضئ المنير، والله سبحانه هو مؤتي كل نفس ما هي له أهل وموفيها جزاء ما كسبت من منزلة ومن ثواب أو عقاب. ومن الأحاديث الجامعة في معاني الصوم وآدابه، ما رواه جراح المدائني عن الإمام ابي عبد الله جعفر بن محمد (ع)، قال: (ان الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، انما للصوم شرط يحتاج ان يحفظ حتى يتم الصوم، وهو الصمت الداخل، إلى ان قال (ع): فاإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا ولا تخالفوا ولا تغاضبوا ولا تسابوا ولا تشاتموا ولا تنابزوا ولا تجادولوا ولا تبادوا ولا تظلموا، ولا تسافهوا ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة والزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق، ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور والكذب والمراء والخصومة، وظن السوء، والغيبة

[ 108 ]

والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة منتظرين لأيامكم منتظرين لما وعدكم الله متزودين للقاء الله، وعليكم بالسكينة والوقار والخشوع والخضوع، وذل العبد الخائف من مولاه، راجين خائفين راغبين راهبين، قد طهرتم القلوب من العيوب، وتقدست سرائركم من الخب ونظفت الجسم من القاذورات، تبرأ إلى الله من عداه، وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات مما قد نهاك الله عنه في السر والعلانية، وخشيت الله حق خشيته في السر والعلانية، ووهبت نفسك لله في أيام صومك، وفرغت قلبك له ونصبت قلبك له في ما أمرك ودعاك إليه، فإذا فعلت ذلك كله، فانت صائم لله بحقيقة صومه صانع لما أمرك وكلما نقصت منها شيئا مما بينت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك) إلى آخر الحديث. والحمد لله رب العالمين

[ 109 ]

[ كتاب الاعتكاف ]

[ 111 ]

[ كتاب الاعتكاف ] وهو يحتوي على فصلين:

[ 112 ]

[ الفصل الأول ] [ في الاعتكاف وشرائطه ] [ المسألة الأولى: ] الاعتكاف هو أن يلبث المكلف في المسجد متقربا إلى الله بلبثه وبقائه فيه في المدة المطلوبة، فإذا نوى الرجل التعبد لله بمكثه وإقامته في المسجد واقام فيه المدة المعينة فقد حصل منه الاعتكاف الشرعي، وان لم يقصد مع ذلك أن يأتي بعبادة أخرى في اثناء مكثه في المسجد، من تلاوة قرآن أو قراءة دعاء أو ذكر أو استغفار أو غيرها، فلا يكون قصد شئ من العبادات الأخرى من مقومات معنى الاعتكاف، وان كان الأحوط للمكلف أن يقصد الإتيان بها مع اللبث في المسجد. [ المسألة الثانية: ] يصح أن يقع الاعتكاف من المكلف في اي وقت يصح فيه الصوم، وسيأتي منا - إن شاء الله تعالى -: ان الصوم شرط في صحة الاعتكاف، ولا يصح بدونه، ولذلك فلا يصح الاعتكاف في وقت لا يجوز فيه الصوم، والأفضل إيقاع الاعتكاف في شهر رمضان، وأفضل ايام الشهر للاعتكاف هي الأيام العشرة الأواخر منه، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وآله انه قال: (اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين) وعن ابي عبد الله (ع) قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان في العشر الأول، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثم لم يزل صلى الله عليه وآله يعتكف في العشر الأواخر). [ المسألة الثالثة: ] لا ريب في شرعية الاعتكاف في الإسلام، ولا ريب في ثبوت استحبابه بين جميع المسلمين، وعلى ذلك جرت سيرتهم، واتفقت نصوصهم عن الرسول صلى الله عليه وآله، فهو مستحب في أصل الشرع، وقد يجب على الإنسان بالعارض من نذر أو عهد أو يمين، وقد يجب عليه بالشرط في ضمن العقد، ومثال ذلك: أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر في ضمن عقد يجري بينهما من بيع أو إجارة أو

[ 113 ]

صلح أو نكاح أو غير ذلك من العقود: أن يعتكف ثلاثة أيام، فيجب على صاحبه أن يعتكف إذا هو قبل بالشرط، سواء اشترط عليه أن يعتكف الأيام لنفسه ام لغيره. [ المسألة الرابعة: ] يصح للإنسان ان يعتكف بالنيابة عن غيره إذا كان الشخص المنوب عنه ميتا، بل الظاهر جواز النيابة عن الغير إذا كان حيا وكان الاعتكاف مندوبا له، سواء كان متبرعا بالاعتكاف عنه ام كان مستأجرا له ام مشروطا عليه في ضمن العقد، كما أشرنا إليه. [ المسألة الخامسة: ] يشترط في صحة الاعتكاف (اولا): أن يكون المعتكف مسلما، فلا يصح اعتكاف الرجل إذا كان كافرا كما في نظائره من العبادات، ويشكل الحكم في إشتراط ان يكون المعتكف مؤمنا بالمعنى الأخص، وقد سبق نظير هذا الإشكال في الصوم وغيره من العبادات، ولذلك فلابد فيه من مراعاة الاحتياط، فإذا شرع غير المؤمن باعتكاف واجب ثم استبصر في اثناء اعتكافه، فعليه ان يجدد نية الاعتكاف بعد استبصاره ويتم اعتكافه، ثم يقضيه بعد إتمامه، وإذا شرع في اعتكاف مندوب وكان استبصاره بعد انقضاء يومين منه، فالأحوط له ايضا أن يجدد النية ويتم الاعتكاف ثم يقضيه بعد الإتمام، وإذا استبصر في أثناء اليومين الأولين من الاعتكاف أمكن له التخلص من الإشكال، فيرفع يده عن الاعتكاف الذي شرع فيه، ويستأنفه من أوله على الوجه الصحيح، ويمكن له أن يجري مع الاحتياط على النهج السابق. [ المسألة السادسة: ] يشترط في صحة الاعتكاف (ثانيا): ان يكون المعتكف عاقلا، فلا يصح اعتكاف المجنون وان كان جنونه أدوارا إذا وقع اعتكافه في دور جنونه، ولا يصح الاعتكاف من السكران ونحوه، وإذا نوى الاعتكاف قبل سكره ثم سكر بعد ان سبقت منه النية فلا يترك الاحتياط له - إذا افاق من السكر - بأن يتم اعتكافه ثم يقضيه بعد ذلك إذا كان واجبا. [ المسألة السابعة: ] يشترط في صحة الاعتكاف (ثالثا): النية كسائر العبادات، فينوي اللبث في

[ 114 ]

المسجد متقربا به إلى الله، فإذا كان الاعتكاف واحدا ونواه كذلك صح وكفاه، سواء كان واجبا ام مندوبا، ولم يجب تعيينه أو وصفه في النية، وإذا تعددت الاعتكافات الواجبة على المكلف، واختلف بعضها عن بعض في الأثر، وجب على المكلف في نيته أن يعين الاعتكاف الذي يريد القيام به، ومثال ذلك أن يكون بعض الاعتكافات الواجبة عليه منذورا وبعضها واجبا باليمين أو بالعهد أو بالإجارة، فيجب عليه التعيين، وإذا تعددت الاعتكافات المطلوبة منه وكانت من نوع واحد ولم يختلف بعضها عن بعض في الأثر، فكانت كلها من الواجب بالنذر للشكر مثلا أو من الواجب بالعهد أو باليمين، لم يجب على المكلف أن يعين في نيته ان ما يريد الاتيان به هو المنذور الأول أو الثاني مثلا. وكذلك إذا استؤجر المكلف لاعتكافين أو اكثر ينوب بها عن شخص واحد، فلا يجب عليه أن يقصد ان ما يأتي به هو اي الاعتكافات عن المنوب عنه، وإذا تعدد المنوب عنه، فلابد من التعيين، وهكذا. ولا يعتبر في النية ان يقصد الوجوب في الاعتكاف الواجب، والندب في المندوب، بل تكفي فيه نية القربة، ويكفي قصد امتثال الامر المتوجه إليه بالعمل، وإذا قصد الوجوب في الاعتكاف الواجب صح وكفى، وكذلك إذا نوى الندب في الاعتكاف المندوب، ولا ينافي ذلك ان الاعتكاف في اليوم الثالث منه يكون واجبا على المعتكف. ووقت النية في الاعتكاف هو اول الشروع فيه، فإذا أراد الرجل أن يبدأ في الاعتكاف من اول النهار نواه قبل طلوع الفجر متصلا به أو مقارنا له، ولا يصح ان يؤخر نيته عن الفجر فيمر عليه جزء من النهار بغير نية. ويشكل الحكم بالصحة إذا هو بيت النية من الليل وهو يريد الاعتكاف من أول الفجر، فليس شأن الاعتكاف شأن الصوم ليكتفي فيه بتبييت النية من الليل ولا يصح قياسه عليه في الحكم. وإذا أراد الرجل الشروع في الاعتكاف من أول ليلته، أو في أثنائها نوى العمل من ذلك الوقت، وصح، وإذا أراد الشروع فيه بعد انقضاء شطر من النهار فينويه وقت الشروع به. [ المسألة الثامنة: ] يشترط في صحة الاعتكاف (رابعا): ان يكون المعتكف صائما، فلا يصح

[ 115 ]

الاعتكاف بغير صوم، ويتفرع على اعتبار هذا الشرط شرط آخر، وهو أن يكون الاعتكاف في وقت يصح فيه الصوم، فلا يصح إذا اعتكف في وقت لا يصح صومه كيومي العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى، فإذا اعتكف الرجل من يوم العيد، أو كان العيد في ضمن أيام اعتكافه الثلاثة، بطل اعتكافه ولم يصح، ولا يصح منه الاعتكاف إذا كان مسافرا سفرا لا يصح فيه الصوم، أو كان مريضا لا يصح منه الصوم، أو صحيحا يتعذر عليه الصوم، ولا يصح من المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء، لذلك ولحرمة اللبث في المسجد عليهما. وإذا كان المسافر ممن يصح منه الصوم كمقيم العشرة ومن يكون عمله السفر وغيرهما من الأصناف، فلا يمنع من الاعتكاف إذا أراد فيجوز له أن يصوم ويعتكف في سفره. [ المسألة التاسعة: ] لا يعتبر في صوم المعتكف أن يأتي به المكلف من أجل الاعتكاف نفسه، فإذا اتفق له انه كان صائما في شهر رمضان أو في قضائه، أو في واجب غيرهما من نذر أو كفارة أو عهد، أو كان صائما صوما مندوبا صح له أن يعتكف في ذلك الصوم، وكفاه في حصول الشرط المعتبر في الاعتكاف. ويصح إذا كان المكلف صائما بالنيابة عن غيره تبرعا أو مستأجرا عليه، فيجوز له ان يعتكف في هذا الصوم ويكفيه في حصول الشرط وان كان اعتكافه لنفسه. وكذلك إذا كان اعتكافه منذورا أو واجبا عليه بالنيابة عن غيره، فيكفيه أن يعتكف في اي صيام اتفق، وحتى إذا كان مستأجرا للصيام عن غيره، ومستأجرا ايضا للاعتكاف عن شخص آخر، فيصح له أن يأتي بالصيام وبالاعتكاف المستأجر عليهما للشخصين في ايام واحدة ويحصل بالصوم شرط صحة الاعتكاف. وإذا أحرم المتمتع بحج التمتع في أوائل شهر ذي الحجة ولم يجد هديا لحج التمتع واراد أن يصوم الايام الثلاثة في مكة بدلا عن الهدي، فيجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام، ويجعل صومه عن الهدي صوما لاعتكافه. [ المسألة العاشرة: ] إذا نذر الرجل ان يعتكف اياما معينة أو اياما مطلقة وجب عليه أن يفي

[ 116 ]

لله بما نذره، وجاز له أن يأتي بالاعتكاف الذي أوجبه على نفسه في صوم مندوب، ولا يجب عليه الصوم لذلك الاعتكاف على الأقوى، ولا تنافي بين أن يكون الاعتكاف واجبا عليه، وان يكون الشرط فيه وهو الصوم مندوبا، فإذا هو أتم الصوم المندوب ولم يقطعه صح اعتكافه وكان وفاءا بنذره لحصول شرطه، وإذا قطع الصوم لأنه مندوب انقطع الاعتكاف وكان آثما بذلك إذا كان نذر الاعتكاف معينا، أو كان في اليوم الثالث منه، ووجب عليه استئناف الاعتكاف. [ المسألة 11: ] يشترط في صحة الاعتكاف (خامسا): أن لا يكون اقل من ثلاثة ايام، فإذا نوى الرجل ان يعتكف اقل من ثلاثة ايام لم تصح منه نيته وكان اعتكافه باطلا، ومثال ذلك: ان ينوي الاعتكاف من ضحى يوم الاربعاء أو من زوال الشمس فيه إلى الغروب من يوم الجمعة، أو ينوي الاعتكاف من اول يوم الجمعة إلى ظهر يوم الأحد، أو إلى وقت العصر منه، وإذا نذر الاعتكاف كذلك لم ينعقد نذره على ما سيأتي بيانه. ويوم المعتكف هو يوم الصائم، وحده من طلوع الفجر الثاني الصادق إلى دخول الليل، وهو زوال الحمرة المشرقية، وقد بينا هذا في كتاب الصوم، فإذا نوى المكلف أن يعتكف من طلوع الفجر في يوم الجمعة إلى الغروب الشرعي من يوم الأحد، صح اعتكافه وكملت له الايام الثلاثة، وإذا نذره كذلك صح نذره ولزمه الوفاء به، وتدخل فيه الليلتان المتوسطتان، وهما ليلة السبت وليلة الأحد في المثال الذي ذكرناه، ولا تدخل فيه الليلة الأولى وهي ليلة الجمعة، ولا الليلة الرابعة وهي ليلة الإثنين، فلا يجب عليه الاعتكاف فيهما، وهذا هو الحد الاقل للاعتكاف. ويجوز للرجل أن يزيد في نيته على الحد المذكور في الاعتكاف، فينوي الاعتكاف من اول الليلة الأولى أو في أثنائها، أو يقصد الاعتكاف إلى آخر الليلة الرابعة أو إلى بعضها أو إلى بعض نهار اليوم الرابع أو إلى آخره، فيصح منه جميع ذلك، ويجوز له ان يعتكف اكثر منه، وإذا زاد يوما رابعا أو خامسا أو أكثر دخلت الليالي المتوسطة في الاعتكاف وشملها حكمه. [ المسألة 12: ] إذا اعتكف الإنسان خمسة أيام تامة وجب عليه أن يعتكف اليوم السادس

[ 117 ]

إلى غروبه الشرعي، ودخلت الليلة المتوسطة في الاعتكاف ايضا، فلا يجوز له ان يفسخ الاعتكاف ويرفع اليد عنه حتى يتم اليوم السادس، ويجوز له ان يستمر في اعتكافه اكثر من ذلك، وان يفسخه إذا كان مندوبا. وقد ذهب بعض العلماء إلى إجراء الحكم المتقدم ذكره في الزائد على الستة من ايام الاعتكاف، فكلما زاد المعتكف يومين في الاعتكاف وجب عليه اليوم الثالث، فإذا اعتكف الرجل ثمانية ايام تامة وجب عليه أن يعتكف اليوم التاسع، وإذا اعتكف احد عشر يوما، وجب عليه ان يعتكف اليوم الثاني عشر، ولم نقف لهذا القول على دليل، ولكن فيه احتياطا مستحبا لا ينبغي تركه. [ المسألة 13: ] يشكل الحكم بالإكتفاء في صحة الاعتكاف بثلاثة ايام ملفقة، وهي أن يعتكف الرجل من ظهر اليوم الأول مثلا إلى ظهر اليوم الرابع، فلا يترك الاحتياط بعدم الاكتفاء به، فلا ينوي الاعتكاف ثلاثة أيام ملفقة ولا ينذره كذلك، بل القول بعدم الاكتفاء بذلك لا يخلو من قوة، وهذا إذا قصد بنيته وبنذره الاعتكاف الشرعي المعروف بين المتشرعة. [ المسألة 14: ] إذا نذر الرجل أن يعتكف أقل من ثلاثة ايام، فالمعنى الظاهر من قوله هذا: انه قد قيد اعتكافه الذي نذره بأن يكون أقل من المدة المعتبرة للاعتكاف الشرعي، ولا ريب في بطلان هذا النذر من أصله، فلا ينعقد ولا يجب الوفاء به، ولا يجب قضاؤه إذا كانت الأيام التي نذر الاعتكاف فيها معينة، وكذلك الحكم إذا نذر الاعتكاف ثلاثة أيام معينة تامة، ثم تبين له بعد إيقاع النذر ان احد الأيام الثلاثة التي نذر اعتكافها يوم عيد يحرم صومه، فيبطل نذره وان كان الناذر غافلا عن العيد حين إنشائه صيغة النذر، أو كان العيد غير ثابت على الوجه الشرعي، ثم ثبت بعد إنشاء صيغة النذر أنه أحد الأيام التي نذر اعتكافها، فيبطل نذر الناذر من أصله ولا يجب قضاؤه. وكذلك إذا نوى الرجل الاعتكاف في الايام الثلاثة المعينة وشرع فيه، ثم ثبت ان العيد في احد ايام اعتكافه، أو تذكر ذلك بعد غفلته فيبطل اعتكافه من أصله. وإذا نذر الرجل ان يعتكف يوما أو يومين معينة أو غير معينة، ولم يقيد

[ 118 ]

نذره بهذا العدد صح نذره، ووجب عليه ان يتم اعتكافه ثلاثة أيام تامة. [ المسألة 15: ] يشترط في صحة الاعتكاف (سادسا): ان يكون في مسجد جامع تقام فيه صلاة الجماعة الصحيحة، فلا يصح الاعتكاف في غير مسجد من مشهد أو معبد غيره، ولا في مسجد قبيلة أو مسجد سوق، وان كانت تنعقد فيها صلاة جماعة صحيحة. وأفضل من ذلك وأحوط ان يقع الاعتكاف في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو مسجد الكوفة أو مسجد البصرة، ويصح الاعتكاف في هذه المساجد الأربعة، وان اتفق أن لا تنعقد فيها صلاة جماعة صحيحة بالفعل كمسجد البصرة مثلا. [ المسألة 16: ] يشترط في صحة اعتكاف العبد المملوك (سابعا): ان يأذن له مالكه بالاعتكاف، فلا يصح له ان يعتكف بغير إذنه، وان كان السيد في ذلك الوقت غير محتاج لخدمة أو لعمل آخر، وكان صوم العبد صحيحا، لانه في شهر رمضان مثلا، أو كان السيد قد أذن له بالصوم، فلا يصح اعتكاف العبد في جميع ذلك بغير إذن، وهذا إذا كان العبد خالصا في عبوديته ولم يتحرر منه شئ، سواء كان قنا أم مدبرا أم مكاتبا لم يتحرر منه شئ، ام كانت الأمة ام ولد لسيدها. ويراد بالعبد القن المملوك الذي لم يتشبث بالحرية من بعض جهاته، ويراد بالمدبر من أنشأ سيده له الحرية إذا مات السيد قبله، والمكاتب من يكاتبه سيده على أن يؤدي له مبلغا من المال فيكون حرا إذا أدى له المبلغ كله، أو إذا أداه إليه أقساطا، وأم الولد هي الأمة التي يطأها سيدها لانها ملك يمينه، فتلد له ولدا أو تحمل منه وتتشبث بالحرية بسبب ذلك، فإذا مات السيد انعتقت بعد موته من نصيب ولدها في الميراث، والأقسام المذكورة تشترك جميعا في ان المملوك لا يزال عبدا خالصا لسيده لم يتحرر منه شئ بالفعل، فلا يصح له الإعتكاف إلا بإذنه. [ المسألة 17: ] إذا كان العبد مبعضا فانعتق بعضه واصبح ذلك البعض حرا وبقي بعضه الآخر مملوكا لسيده، وهاياه مولاه في الزمان فقسم أوقاته بينهما بحسب ما في العبد من نصيب الحرية والرقية، فجعل بعض أيامه خاصة للسيد يقوم العبد فيها

[ 119 ]

بخدمته وبالأعمال التي تعود إليه، اداءا لنصيب العبودية في العبد، وعين أياما أخرى تكون خاصة للعبد يستقل فيها بأعماله وتصرفاته لنفسه، وفاءا بحق الحرية الثابت له، امكن لهذا العبد المبعض أن يعتكف في أيامه الخاصة به إذا كانت وافية بزمان الاعتكاف، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن من السيد، بل الظاهر أنه يصح له الاعتكاف في أيامه وان نهاه السيد عنه وصرح له بالمنع. [ المسألة 18: ] يشترط في صحة اعتكاف الأجير الخاص أن يأذن له مستأجره المالك لمنفعته بأن يعتكف، فلا يصح له أن يعتكف بغير إذنه، وهذا إذا كان الاعتكاف ينافي حق المستأجر، ومثال ذلك: أن يستأجر الإنسان الأجير لتكون جميع أعماله ومنافعه مملوكة للمستأجر مدة معلومة، فلا يحق لهذا الأجير أن يعتكف بغير إذن مستأجره، فان الاعتكاف بعض أعماله المملوكة للمستأجر، ويكون الحكم فيه في تلك المدة نظير الحكم في العبد المملوك. ولا يترك الاحتياط لزوما في ان تستأذن المرأة زوجها إذا أرادت الاعتكاف من جهة اعتبار الصوم في صحة الاعتكاف، وقد سبق في المسألة المائتين والرابعة والخمسين من كتاب الصوم ان الأحوط للمرأة أن تجتنب الصوم المندوب بغير اذن زوجها. وإذا كان صومها واجبا أو كان مندوبا وقد اذن لها الزوج به، فلا يصح لها الاعتكاف إلا بإذنه، إذا كان اعتكافها ينافي حق استمتاع الزوج. ولا يصح اعتكاف الولد على الأحوط لزوما إذا نهاه الاب عنه أو نهته الأم، وكان نهيهما بداعي الشفقة والعطف عليه، ولا يصح اعتكافه ايضا إذا كان الاعتكاف يوجب أذيتهما أو أذية أحدهما لبعض الأسباب العقلائية التي توجب ذلك، ولا اعتبار بذلك إذا كان لتوهمات وأسباب غير عقلائية. [ المسألة 19: ] يشترط في صحة الاعتكاف (ثامنا): أن يستمر المكلف في لبثه في المسجد المعين حتى تكمل الأيام التي نوى اعتكافها، فلا يخرج من المسجد إلا لضرورة عقلية أو شرعية أو عرفية تحتم عليه الخروج، فإذا خرج من المسجد عامدا مختارا لغير ذلك كان اعتكافه باطلا، وان كانت فترة خروجه قليلة يسيرة، وسنذكر في المسائل الآتية أمثلة من هذه الاعذار التي تبيح له الخروج ولا تضر باعتكافه. وليس من الأعذار التي تبيح له الخروج ان يكون المكلف جاهلا بالحكم، فإذا خرج عامدا من غير ضرورة تسوغ له الخروج بطل اعتكافه، سواء كان جاهلا مقصرا ام جاهلا قاصرا. ومن أمثلة ذلك: أن يعتقد ان الخروج من المسجد إذا كان يسيرا لا يبطل به الاعتكاف، أو يظن ان الخروج إجابة لدعوة أخيه لبعض المناسبات لا تكون مضرة بعمله، فيبطل اعتكافه إذا فعل كذلك، ويجب عليه قضاء الاعتكاف إذا كان واجبا.

[ 120 ]

[ المسألة 20: ] يشكل الحكم بصحة اعتكاف الرجل إذا خرج من المسجد لغير حاجة سوغ له الخروج، وكان ناسيا للحكم بعدم جواز خروج المعتكف، أو ناسيا لأصل اعتكافه، فلا يترك الاحتياط لزوما بالبطلان بل لا يبعد القول به، ولا يبطل اعتكاف المكلف إذا أكرهه احد من الناس يخشى وعيده على الخروج من المسجد، فخرج منه مكرها، وأولى من ذلك بعدم البطلان ما إذا قسره قاسر متغلب فأخرجه من المسجد من غير اختيار ولا قدرة على الامتناع، أو أخرجه نائما، وكذلك إذا خرج منه غافلا غير ملتفت لفعله، أو احتاج إلى الخروج منه لبول أو غائط أو نجاسة أخرى، حذرا من تلوث المسجد بها، أو اضطر إلى الخروج لمراجعة طبيب لابد من مراجعته أو لتناول علاج، أو شراء حاجة لا يستقيم بدونها، وتلاحظ المسألة السادسة والأربعون. [ المسألة 21: ] لا يضر بلبث المعتكف في المسجد ومكثه فيه أن يخرج يده من الباب لمصافحة أحد في خارج المسجد مثلا، أو ليأخذ منه حاجة أو ليدفع صدقة إلى فقير، أو يخرج رأسه للنظر إلى شئ إذا كان بدنه وسائر اعضائه داخل المسجد، فالمدار في ذلك على صدق اللبث في المسجد عرفا. [ المسألة 22: ] سبق في المسألة الخامسة انه يشترط في صحة الاعتكاف ان يكون المعتكف مسلما، ولا فرق في هذا بين أصناف الكفار ومللهم، ولا بين الكافر الأصلي والمرتد عن الإسلام، فإذا ارتد المعتكف عن الإسلام في ايام اعتكافه بطل اعتكافه، سواء ارتد في نهاره وهو صائم ام في لياليه، وسواء كانت ردته عن فطرة أم عن ملة،

[ 121 ]

وسواء تاب بعد ارتداده ورجع إلى الإسلام ام لم يتب ولم يرجع، وسواء كانت فترة ارتداده قصيرة ام طويلة. [ المسألة 23: ] الاعتكاف عبادة شرعية من العبادات، ولذلك فيشترط في صحته ان يأتي المعتكف به متقربا إلى الله، وقد بينا هذا في المسألة السابعة، ويعتبر ان تكون النية فيه مستمرة حكما من أول حدوثه إلى أن يتم آخر جزء منه كما هو الحكم في العبادات الاخرى، ومن اجل ذلك فلا يجوز للمعتكف ان يعدل من اعتكاف نواه إلى اعتكاف غيره، وان كان مثله في الوجوب أو الاستحباب، أو كانا واجبين عليه بالنذر، أو كانا واجبين بالإجارة والنيابة عن الغير، بل وان كانا بالنيابة عن شخص واحد، فإذا عين في نيته اعتكافا خاصا لم يجز له ان يعدل في الاثناء إلى نية اعتكاف آخر. [ المسألة 24: ] لا يصح لرجل واحد ان يعتكف اعتكافا واحدا ينوب فيه عن شخصين أو اكثر من الأموات أو من الأحياء، فينوي في اعتكافه الواحد النيابة عن الشخصين معا بحيث يكون الاعتكاف لهما على سبيل الاشتراك بينهما، فإذا نوى ذلك كان اعتكافه باطلا ولم يكف عن احدهما على الظاهر. ويجوز للرجل ان يعتكف اعتكافا واحدا ويهدي ثوابه إلى شخصين أو إلى اكثر، سواء كانا ميتين أم حيين ام كان احدهما حيا والآخر ميتا، ويجوز له ان يتبرع بذلك وأن يستأجر عليه. [ المسألة 25: ] يجوز للمكلف إذا اعتكف اعتكافا مندوبا - لم يوجبه على نفسه بنذر أو ما يشبهه أو بإجارة أو غيرها - ان يقطع اعتكافه في اليومين الأولين منه، فيصح له أأن يخرج من المسجد فيهما متى أراد ولا يأثم بذلك، وإذا اتم اعتكاف اليومين الأولين وجب عليه ان يعتكف اليوم الثالث، ولم يجز له الخروج من المسجد حتى يتم ذلك اليوم إلى الغروب الشرعي، والمراد أن يتم اعتكاف اليومين من أولهما الى الغروب الشرعي من اليوم الثاني، فإذا حصل له ذلك لم يصح له الخروج من المسجد في ليلة اليوم الثالث ولا في نهاره إلى دخول وقت الغروب. وكذلك الحكم في الاعتكاف المنذور غير المعين، فيجوز للناذر قطع اعتكافه

[ 122 ]

في اليوم الاول والثاني، ويحرم عليه قطعه في ليلة اليوم الثالث ونهاره على نهج الاعتكاف المندوب. ولا يجوز للمكلف قطع الاعتكاف المنذور إذا كان معينا لا في اليومين الاولين ولا في اليوم الثالث، وبحكمه الاعتكاف الواجب المعين بالعهد واليمين، وتلاحظ المسألة العاشرة. [ المسألة 26: ] يستحب للمكلف دخول المسجد والمكث فيه وإطالة اللبث والبقاء فيه في اوقات الصلاة وغيرها، وأن يكون الرجل أول داخل للمساجد وآخر خارج منها، وذلك من عمارة مساجد الله التي دلت عليها النصوص الكثيرة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولا يختص ذلك بالمسجد الجامع، وما تقام فيه الجماعة، بل يعم جميع المساجد الصغيرة والكبيرة، وليس هذا من الاعتكاف الشرعي المبحوث عنه، ولا يشترط بشرط، ولا حد له ولا وقت، بل هو باب من ابواب الخير المفتوحة مطلقا، ويتضاعف الأجر وتكبر العمارة إذا ضمت إلى ذلك عبادة أخرى، من طهارة وصلاة وتلاوة وذكر ودعاء واستغفار. وإذا نذرها الناذر انعقد نذره ولزمه الوفاء به، ولابد في صحة النذر من تعيين العمل المنذور والعبادة المقصودة، ولا يكون ذلك من الاعتكاف الشرعي وان طالت المدة وتنوعت العبادة التي يأتي بها بل وان اتفق انه كان صائما، فلا يكون بذلك معتكفا ولا تلزمه احكامه. [ المسألة 27: ] أقل الاعتكاف الشرعي ثلاثة أيام تامة ومنه الليلتان المتوسطتان وقد تقدم بيان هذا، فإذا نذر المكلف أن يعتكف ثلاثة أيام في النهار خاصة منها دون الليل لم يصح نذره ولم يجب عليه الوفاء به، وهذا إذا قصد بنذره الاعتكاف المعروف بين الفقهاء والمتشرعة، وإذا قصد بنذره أن يمكث في المسجد تلك المدة وان لم يكن من الاعتكاف المصطلح عليه بينهم صح نذره ولزمه الوفاء به، كما قلنا في المسألة الماضية. [ المسألة 28: ] إذا نذر الرجل ان يعتكف ثلاثة أيام تامة لم تدخل الليلة الأولى ولا الليلة الرابعة، فهما خارجتان عن المحدود عرفا، ولا تدخل الليلة الأولى إلا إذا أراد

[ 123 ]

من اليوم المنذور ما يعم ليلته، ولا تدخل الليلة الرابعة إلا إذا نوى اضافتها إلى الأيام المنذورة، وهو واضح. وإذا نذر أن يعتكف شهرا هلاليا، وجب عليه أن يعتكف ما بين الهلالين، ولذلك فيلزمه أن يعتكف الليلة الأولى من الشهر، لانها جزء منه عرفا، وإذا نذر أن يعتكف أسبوعا، وجب عليه ان يبتدئ بالاعتكاف من أول ليلة من ليالي الاسبوع إلى الغروب الشرعي من اليوم السابع، فتدخل الليلة الأولى ولا تدخل الليلة الثامنة. وإذا قصد في نذره أن يعتكف من النصف في الليلة الأولى من الاسبوع إلى النصف من الليلة الثامنة كما يتعارف عليه في التوقيت الغربي، لزمه العمل حسب ما قصد في نذره. [ المسألة 29: ] إذا نذر الرجل ان يعتكف شهرا، وجب عليه ان يعتكف شهرا هلاليا من الهلال إلى الهلال، سواء بلغ عدده ثلاثين يوما، ام هل الهلال الثاني على نقص، وإذا نذر ان يعتكف مقدار شهر لزمه ان يعتكف ثلاثين يوما تامة، وان بدأ باعتكافه من اول الهلال، فلا يكتفي به إذا كان ناقصا، ويلزمه ان يعتكف الليلة الأولى من الثلاثين فهي جزء من الشهر. وإذا نذر أن يعتكف شهرا من الشهور الشمسية، وجب عليه أن يعين في نذره الشهر الذي يريده فان الشهور الشمسية مختلفة في العدد، فبعضها ناقص دائما وبعضها تام دائما وبعضها زائد دائما، وعليه أن يبدأ في اعتكافه من الوقت الذي يدخل فيه الشهر المنذور إلى الوقت الذي به ينتهي. [ المسألة 30: ] إذا نذر الرجل ان يعتكف شهرا وجب عليه ان يتابع اعتكافه في الشهر المنذور من اوله إلى آخره، للإنصراف إلى ذلك عرفا من ظاهر نذره، سواء كان الشهر الذي نذره معينا ام مطلقا غير معين، وكذلك إذا نذر ان يعتكف أسبوعا فانه ينصرف إلى التتابع. وإذا نذر أن يعتكف مقدار شهر كان نذره مطلقا، فلا تجب عليه المتابعة في اعتكافه، وجاز له أن يفرق بين ايامه كيفما أراد، فإذا فرق ايام اعتكافه ثلاثة

[ 124 ]

ثلاثة، أو اكثر من ذلك حتى أتم مقدار الشهر الذي نذره صح اعتكافه ووفى بنذره، وإذا اعتكف منه يوما على إنفراده، فعليه ان يضم إلى اعتكاف ذلك اليوم اعتكاف يومين آخرين غيره ليحصل بذلك شرط صحة اعتكاف اليوم المنذور وبدون هذه الضميمة لا يصح، ويجوز ان يضم إليه اكثر من ذلك إذا شاء. وإذا اعتكف منه يومين على إنفرادهما اضاف اليهما اعتكاف يوم ثالث أو أكثر ليحصل الشرط ويصح الاعتكاف. [ المسألة 31: ] إذا نذر الشخص أن يعتكف شهرا أو زمانا معلوم المقدار، وشرط في نذره أن يكون اعتكافه فيه متتابعا، ثم أخل بتتابعه فترك اعتكاف يوم منه أو اكثر، بطل اعتكاف ذلك الشهر أو الزمان كله، ووجب عليه أن يستأنف الاعتكاف في غير ذلك الشهر أو الزمان الذي أبطل أعتكافه، وان يأتي به متتابعا كما شرط في نذره، وان اعتكف من الشهر أو الزمان المنذور ثلاثة ايام أو اكثر أو اعتكف نصف الشهر تاما، فلا يكفيه ذلك عن شئ من الواجب. وإذا كان الشهر أو الزمان الذي نذر اعتكافه معينا، بطل اعتكافه باخلاله بالتتابع فيه - كما قلنا - ووجب عليه قضاء الشهر أو المنذور من أوله، وان يأتي بالقضاء متتابعا، على الاحوط لزوما، وإذا بقيت من الشهر المعين أو الزمان المعين بقية من ايامه بعد إبطاله، فالاحوط لزوما للمكلف ان يبتدئ بالقضاء المتتابع من الايام الباقية منه ولا يؤخر القضاء عنها. وكذلك الحكم إذا نذر الرجل اعتكاف الشهر أو الزمان المعلوم، وكان نذره ينصرف إلى المتتابع في نظر اهل العرف، فتجري فيه الأحكام التي فصلناها في الشرط الصريح. [ المسألة 32: ] إذا نذر الشخص ان يعتكف اربعة ايام، ولم يشترط في نذره أن تكون الايام الاربعة متتابعة ولم تقم قرينة خاصة ولا عامة على إرادة التتابع من صيغة النذر، من انصراف أو انسباق يعول عليه أهل اللسان، أو نحو ذلك، فإذا نذر الرجل ان يعتكف كذلك، واخل عامدا باليوم الرابع فلم يعتكف فيه، صح اعتكافه في الايام الثلاثة التي أتى بها، ووجب عليه أن يقضي اعتكاف اليوم الرابع، وأن يضم إليه اعتكاف يومين آخرين ليصح بهذه الضميمة اعتكاف اليوم الرابع المنذور، ويصح قضاؤه بحصول شرطه، ويجوز له أن يجعل يوم القضاء أي الايام الثلاثة

[ 125 ]

اراد. [ المسألة 33: ] إذا نذر المكلف أن يعتكف خمسة أيام انعقد نذره، ووجب عليه أن يفي به، ووجب عليه عند الوفاء به أن يضيف إلى الخمسة المنذورة اعتكاف يوم سادس، سواء اتى بالايام الخمسة متتابعة فيأتي باليوم السادس متصلا بها، أم اعتكف الايام الثلاثة الأولى منفردة، ثم اعتكف اليومين الرابع والخامس منفصلة عنها، فعليه أن يعتكف اليوم السادس متصلا بهما، ولا يصح له أن يعتكف اليوم السادس منفردا عنهما، وإذا فصل اليوم السادس عنهما بطل اعتكاف اليومين، ووجب عليه أن يعيد اعتكافهما متصلين بيوم سادس، وإذا نذر أن يعتكف خمسة أيام متتابعة، وجب عليه - عند الوفاء بالنذر - أن يأتي باعتكاف ستة أيام متتابعة، ولم يجز له التفريق. [ المسألة 34: ] لا يشترط في صحة الاعتكاف أن يكون المعتكف بالغا، فيصح اعتكاف الصبي المميز على الأقوى، إذا اتى به على الوجه الشرعي المطلوب، وتلزمه الأحكام التي تتوقف عليها صحة الاعتكاف، فإذا هو اعتكف يومين لزمه ان يعتكف معهما يوما ثالثا متصلا بهما، وإذا اعتكف خمسة ايام لزمه اعتكاف اليوم السادس كما في المكلف البالغ، وإذا هو لم يفعل بطل اعتكافه، ولم يأثم، ويلزمه أن يجتنب محرمات الاعتكاف. [ المسألة 35: ] يعتبر في صحة الاعتكاف الواحد أن يقع في مسجد واحد، فلا يصح للرجل أن يعتكف اعتكافا واحدا في مسجدين، ومثال ذلك: أن يكون في البلد مسجدان جامعان تنعقد فيهما جماعة صحيحة، فيعتكف الرجل في أحدهما يوما أو يومين، ثم يتم اعتكافه في الجامع الآخر، فيبطل اعتكافه ولا يصح، وان كان الجامعان متجاورين أو متصلين، ويصح الاعتكاف في الزيادات التي تضاف إلى المسجد الجامع في عمارته وتصبح بذلك جزءا منه، كما يصح في الزيادات التي أضيفت إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد النبوي واصبحت جزءا منه. نعم، يشكل الحكم بجواز الاعتكاف في المسعى بين الصفا والمروة، بعد ان أضيفت مساحته إلى المسجد الحرام والحقت به، فانها من المشاعر الخاصة المعظمة

[ 126 ]

للحج والعمرة، ولذلك فيشكل جدا الحكم بنفوذ التصرف فيها وإلحاقها بالمسجد الحرام، بحيث يصح الاعتكاف فيها، سواء زاحم الساعين ام لم يزاحمهم ولا فرق بين الطبقة الأولى من المسعى والثانية، ولا يمنع ذلك من الصلاة فيه، وإن لم تثبت لها خصوصية الصلاة في المسجد الحرام. [ المسألة 36: ] لا فرق بين أجزاء المسجد ومواضعه في صحة الاعتكاف فيها، فيجوز للمكلف ان يعتكف على سطح المسجد، وفي سردابه وفي محرابه وفي أبهائه وأيواناته وحجره، وفي الطبقة الثانية منه إذا اتفق فيه ذلك، إلا إذا علم بخروج الموضع الذي يعتكف فيه عن المسجد، ويكفي في إحراز ذلك وإثباته يد المسلمين، والمؤمنين الذي تلقوا المسجد كذلك طبقة منهم عن طبقة، وخلفا عن سلف، وعرفوا مواضعه واجزاءه وما هو داخل في المسجد وما هو خارج عنه، فيعتمد على ذلك ما لم يثبت خلافه. وإذا شك في موضع انه جزء من المسجد أو من المرافق الخارجة عنه ولم يحرز ذلك، لم تجر على ذلك الموضع المشكوك أحكام المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيه. [ المسألة 37: ] إذا وضع الإنسان رحله في موضع من مواضع المسجد ليعتكف فيه، لم يتعين عليه أن يعتكف في ذلك الموضع فيجوز له أن يتحول عنه إلى موضع آخر من المسجد، وكذلك إذا شرع في الاعتكاف في موضع معين من المسجد فيجوز له الانتقال إلى غيره فيتم اعتكافه فيه، إلا إذا تعين عليه ذلك بملزم شرعي، كما إذا نذر الاعتكاف فيه، وكانت له بعض المميزات التي توجب رجحانه وفضله على غيره، بل الظاهر أنه يكفي في رجحانه انه احد المواضع في مسجد يصح الاعتكاف فيه، وان لم يرجح على غيره من اجزاء المسجد، فينعقد نذره لذلك، ويتعين بسبب النذر، وكذلك إذا استأجره أحد للنيابة في الاعتكاف، وشرط عليه في عقد الإجارة ان يعتكف في ذلك الموضع من المسجد، لبعض الأغراض التي يلاحظها المستأجر، فيتعين على النائب أن يعتكف في الموضع المعين بسبب الشرط. [ المسألة 38: ] لا يعتكف المكلف عند قبر مسلم بن عقيل (ع)، أو قبر هاني بن عروة (ره)،

[ 127 ]

ولا في المساحة بينهما، فانها ليست من مسجد الكوفة، وتشكل صحة الاعتكاف في المأذنة التي تقع عند باب الفيل من المسجد، للشك في كونها من اجزاء المسجد، أو من مرافقه الخارجة عنه. [ المسألة 39: ] إنما يجوز الاعتكاف في المكان إذا ثبت شرعا كونه مسجدا من مساجد الاعتكاف، وقد ذكرناها في المسألة الخامسة عشرة، فيصح في أحد المساجد الاربعة، وفي المسجد الجامع في البلد الذي تقام فيه صلاة جماعة صحيحة، وإنما يثبت ذلك بعلم المكلف به بسبب تواتر أو شياع يورث العلم أو بسبب قرينة خاصة أو عامة توجب ذلك، ويثبت أيضا بالبينة الشرعية التامة الشرائط، وبحكم الحاكم الشرعي، إذا وقع عنده ترافع وخصومة في الموضع، فحكم فيه بانه مسجد جامع، ولا يثبت بحكم الحاكم إذا لم يكن في مورد تنازع وفصل خصام. [ المسألة 40: ] إذا اعتقد المكلف في مكان أنه من المساجد التي يصح الاعتكاف فيها، فاعتكف فيه، ثم ظهر له انه مخطئ في اعتقاده كان اعتكافه باطلا، ولم تلزمه أحكام الاعتكاف، فلا يجب عليه الاستمرار فيه إذا تبين له ذلك في أثنائه، وان كان في اليوم الثالث منه، وإذا كان الاعتكاف واجبا مطلقا وجبت عليه اعادته في أحد المساجد التي يصح فيها الاعتكاف، وإذا كان واجبا معينا لزمه قضاؤه بعد فوات وقته. [ المسألة 41: ] لا يصح الاعتكاف في غير المساجد التي سبق ذكرها، وحكم المرأة في ذلك هو حكم الرجل، فلا يصح لها ان تعتكف في الموضع الذي أعدته في بيتها لصلاتها، وان كان مما تقام فيه صلاة جماعة صحيحة. [ المسألة 42: ] إذا اعتكف المكلف في أحد المساجد ثم عرض له ما يمنعه من أن يتم اعتكافه فيه، كما إذا انهدم ذلك المسجد فلم يمكنه البقاء فيه خوفا من وقوع سقفه أو جداره عليه، أو منعه ظالم مستبد من المكث في المسجد، أو حدث له أحد موجبات الخوف من البقاء واللبث فيه، بطل اعتكافه، فإذا كان الاعتكاف واجبا مطلقا وجب على المكلف أن يستأنف الاعتكاف من أوله في مسجد جامع آخر، أو في

[ 128 ]

المسجد الاول نفسه إذا زال المانع عنه، ولا يتعين عليه أن يكون الاستئناف في المسجد نفسه، وإذا كان الاعتكاف واجبا معينا وجب عليه قضاء اعتكافه بعد بطلانه، ويتخير في القضاء بين أن يأتي به في جامع آخر أو في المسجد الأول إذا زال المانع عنه، ولا يجوز له إتمام الاعتكاف الأول والبناء عليه إذا كانت مدة خروجه من المسجد تخل بوحدة الاعتكاف. [ المسألة 43: ] إذا خرج المعتكف من المسجد لوجود المانع من البقاء فيه كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، ثم زال المانع من البقاء بعد فترة قصيرة بحيث كان خروجه من المسجد لا يخل بوحدة اعتكافه عرفا، جاز له الرجوع إلى المسجد الاول والبناء على اعتكافه السابق فيه، ووجب عليه ذلك إذا كان الاعتكاف واجبا، ولا يصح له الذهاب بعد رجوعه إلى مسجد آخر ولا يكفيه إتمام الاعتكاف الاول فيه لتعدد المسجد بل لابد من الاستئناف. [ المسألة 44: ] إذا اعتكف العبد المملوك من غير إذن مالكه كان اعتكافه باطلا، وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة عشرة، فإذا اعتقه مالكه في أثناء هذا الاعتكاف لم يجب عليه إتمامه، وان مضى منه يومان تامان. وإذا أذن له سيده فشرع في الاعتكاف ثم أعتقه في اليوم الاول أو في اليوم الثاني كان له أن يقطع الاعتكاف فيهما إذا كان مندوبا، أو كان واجبا موسعا، وإذا مضى عليه من الاعتكاف يومان تامان وجب عليه ان يعتكف اليوم الثالث، وإذا اعتكف خمسة ايام وجب عليه ان يعتكف اليوم السادس، كما سبق في احكام المعتكف الحر. وإذا كان اعتكافه واجبا مضيقا وجب عليه أن يتمه وان كان عتقه في اليوم الأول أو الثاني، وكذلك إذا كان اعتكافه واجبا موسعا، وقد نذر أن يتمه إذا شرع فيه فلا يجوز له قطعه، وان كان عتقه في أول ايامه. [ المسألة 45: ] إذا أذن السيد لعبده فاعتكف، جاز للمولى أن يرجع عن اذنه للعبد في اليوم الأول أو الثاني من أيام اعتكافه، فإذا رجع عن اذنه بطل اعتكاف العبد ولم يجز له ان يستمر فيه، ولا يجوز للمولى أن يرجع عن الإذن في اليوم الثالث، وإذا

[ 129 ]

رجع عن إذنه لم يبطل برجوعه اعتكاف العبد ووجب عليه اتمام اليوم، وكذلك الحكم إذا رجع عن إذنه في اليوم السادس. ولا يجوز للمولى ان يرجع عن إذنه إذا كان اعتكاف العبد واجبا مضيقا، وان كان في اليومين الأولين منه أو كان الاعتكاف موسعا وقد نذر أن يتمه إذا شرع فيه، وإذا رجع المولى عن إذنه في هذه الفروض فلا أثر لرجوعه. [ المسألة 46: ] لا يجوز للمعتكف ان يخرج من مسجد اعتكافه إلا لأمر واجب عليه كصلاة الجمعة تقام في مسجد آخر من البلد، أو لحاجة لا بد له منها، والمعتبر في ذلك أن تكون الحاجة التي يخرج لأجلها ضرورة له في انظار العقلاء من الناس، أو يكون ترك الخروج لها مما يوجب الحرج عليه أو الضرر الذي لا يتحمل عادة، فلا يصح له الخروج مثلا لإقامة الشهادة على أمر ما لم تكن ضرورية له وماسة بشؤونه، وهي بلا ريب مختلفة من شخص إلى شخص، ومن أمر إلى أمر، ومن مقام إلى مقام، ولذلك فلابد له من التأمل ودقة الملاحظة لتمييز ما هو ضروري من غيره، ولا يصح له الخروج من المسجد لحضور صلاة الجماعة إذا كان الحضور لها غير واجب، بل ولا يجوز للمعتكف ان يؤدي الصلاة في غير المسجد الذي اعتكف فيه، إلا في مكة، فتجوز له الصلاة في بيوتها ومساجدها، ولا يتعين عليه ان يصلي في المسجد الذي اعتكف فيه، فان مكة كلها حرم الله كما ورد في النصوص عن المعصومين (ع). ويصح له الخروج لتشييع الجنازة وما يتعلق بذلك من تغسيل للميت وتكفين وصلاة عليه ودفن، ويصح له الخروج لعيادة المريض، وخصوصا إذا كان المريض ممن يتعلق بالمعتكف وتعد عيادته من ضروراته الخاصة. ويشكل بل يمنع الخروج لغير ذلك من تشييع مسافر أو استقبال قادم ونحو ذلك من الحاجات وان كانت راجحة، أو ذات مصلحة له في دينه أو دنياه، والميزان في الجميع ما قدمنا ذكره في أول المسألة، وهو ان تكون الحاجة واجبة شرعا أو ضرورة لا بد له منها في نظر اهل العقل والتمييز، أو يكون ترك الخروج لها موجبا للحرج والضرر الذي لا يتحمل عادة. [ المسألة 47: ] إذا أجنب المعتكف في مسجد الاعتكاف، فللمسألة صور متعددة تجب

[ 130 ]

ملاحظتها والعمل باحكامها. (الصورة الأولى): ان يكون الرجل غير قادر على الاغتسال من جنابته في المسجد، لعدم وجود الماء فيه، أو لخوفه من أن يلوث المسجد بنجاسة أو غيرها، أو لوجود مانع آخر من الغسل فيه، فيجب عليه الخروج من المسجد والاغتسال في خارجه، وإذا ترك الخروج من غير عذر كان مكثه في المسجد محرما لأنه جنب فيبطل بذلك اعتكافه، على إشكال في إطلاق الحكم. (الصورة الثانية): ان يكون الرجل قادرا على الاغتسال من جنابته وهو في المسجد من غير أن يلوثه بشئ، وتكون المدة التي يحتاج إليها في الاغتسال في المسجد لو انه اغتسل فيه اطول من مدة الخروج منه لو انه خرج منه واغتسل في خارجه، ويجب عليه في هذه الصورة ايضا أن يخرج من المسجد ويغتسل في خارجه، ولا يجوز له البقاء والاغتسال فيه. (الصورة الثالثة): ان ينعكس الفرض المتقدم فيكون الزمان الذي يحتاج إليه في الاغتسال وهو في المسجد أقل من مدة الخروج لو أنه خرج واغتسل في خارجه، ويتعين عليه في هذه الصورة ان يغتسل في المسجد ولا يجوز له الخروج منه بغير غسل. (الصورة الرابعة): ان تكون المدة التي يحتاج إليها في الاغتسال وهو في المسجد مساوية للمدة التي يحتاج إليها في الخروج بغير غسل، ويتخير في هذه الصورة بين الأمرين، فيجوز له الاغتسال من حدثه في المسجد ويصح له الخروج منه والغسل في خارجه، ولا يجوز له التساهل والتباطؤ في كل من الأمرين، وكذلك الحكم في غسل المرأة من الاستحاضة إذا احتاجت إليه وهي معتكفة فيجري فيه هذا التفصيل. [ المسألة 48: ] إذا مس المعتكف انسانا ميتا بعد برده ولم يتمكن أن يغتسل في المسجد غسل مس الميت جاز له أن يخرج من المسجد ليغتسل في خارجه وان كان مسه للميت باختياره، وإذا أمكن له ان يغتسل في المسجد لم يجز له الخروج من المسجد، فإن هذا الحدث لا يمنع من اللبث في المسجد - كالجنابة - ليكون موجبا للخروج منه، وكذلك الحكم إذا وجب الغسل على المعتكف لانه ترك صلاة الآيات عامدا لكسوف الشمس أو القمر وقد احترق القرص كله، وهو يعلم بذلك، فيجب عليه

[ 131 ]

الغسل، ويجري عليه الحكم المذكور في مس الميت. [ المسألة 49: ] إذا كان المعتكف مدينا لأحد من الناس دينا حالا أو مؤجلا وحضر وقته، وطلب الدائن منه وفاءه، فاحتاج المعتكف إلى الخروج من المسجد ليؤدي إليه دينه، جاز له الخروج لذلك، بل وجب عليه الخروج إذا لم يتمكن من الوفاء إلا بذلك، وإذا كانت لديه وديعة أو أمانة شرعية أو حق آخر لشخص وطلب منه المالك أن يرد إليه امانته أو يدفع له حقه وجب عليه رد المال إلى أهله، فإذا توقف ذلك على الخروج من المسجد جاز له الخروج منه بل وجب عليه ذلك، وإذا ترك الخروج عامدا أثم بذلك، ولم يبطل اعتكافه على الأصح. وكذلك إذا وجبت عليه صلاة الجمعة أو غيرها من الواجبات الشرعية فترك الخروج إليها عامدا، واستمر في مكثه في المسجد فيأثم بتركه للواجب ولا يبطل اعتكافه. [ المسألة 50: ] إذا طرأت للمعتكف ضرورة أو حاجة لا بد له منها، فخرج من المسجد لقضائها، وجب عليه ان يسلك الطريق الأقرب إلى موضع الحاجة، ولا يجوز له السلوك في الذهاب أو الإياب في الطريق الأبعد، إلا إذا كان التفاوت بين الطريقين يسيرا فلا يضره ذلك، ويعتبر ان يكون مسيره إلى مقصده في الذهاب والرجوع على الوجه المتعارف، فلا يجب عليه الإسراع اكثر من ذلك، ولا يسوغ له التأني والتمهل والوقوف في المشي والحركة دون ذلك، ولا يجوز له أن يمكث في المقصد أو قبله أو بعده أكثر مما يستدعيه قضاء الحاجة واداء الضرورة، والأحوط له ترك الجلوس ما دام في خارج المسجد حتى يعود إليه، وإذا اضطر إليه فلا يجلس تحت الظل مع إمكان ذلك، وإذا اضطر إلى الجلوس في الظل ولم يمكن له غيره جاز له ذلك، ومثاله: ان يضطر إلى ركوب سيارة ذات سقف، أو يضطر إلى الجلوس في موضع ذي ظل، وعليه ان يقدر الضرورة بقدرها ولا يتعداه. [ المسألة 51: ] إذا خرج المعتكف من المسجد لضرورة سوغت له الخروج منه فطالت مدة خروجه وبقائه في غير المسجد، حتى محيت صورة الإعتكاف في نظر أهل العرف

[ 132 ]

بطل اعتكافه ووجب عليه استئنافه إذا كان اعتكافه واجبا موسعا، ولزمه قضاؤه إذا كان واجبا مضيقا، بل الأحوط إعادته إذا كان مندوبا، وكان بطلانه بعد مضي يومين منه، فيعيده اعتكافا تاما ثلاثة ايام. [ المسألة 52: ] الاعتكاف هو اللبث في المسجد والكون فيه متقربا بذلك إلى الله - كما قلنا في اول الفصل - من غير فرق بين انحاء الكون والبقاء فيه، سواء مكث المعتكف فيه قائما ام جالسا ام مضطجعا ام ماشيا، ومنتبها أم نائما. [ المسألة 53: ] إذا طلق الرجل زوجته وهي معتكفة في المسجد وكان طلاقها رجعيا، فان كان اعتكافها مندوبا وهي في اثناء اليوم الأول أو اليوم الثاني منه وجب عليها ان تترك الاعتكاف، وتخرج إلى منزلها لتعتد فيه عدة الطلاق، وكذلك إذا كان اعتكافها واجبا موسعا ولم تمض منه يومان تامان، فيبطل اعتكافها، وعليها ان تخرج إلى منزلها لتعتد فيه، وكذلك الحكم إذا كان اعتكافها واجبا موسعا أو معينا أو كان مندوبا وقد اتمت منه اليوم الأول والثاني وقد اشترطت في الاعتكاف ان ترجع عنه إذا عرض لها عارض، وسيأتي - ان شاء الله - توضيح المراد من هذا الشرط، فيجب على المطلقة الرجعية في هذه الصور كلها أن تترك الاعتكاف وتعود إلى منزلها للعدة، فإذا أتمت العدة استأنفت الاعتكاف إذا كان واجبا موسعا أو مضيقا فتقضيه. [ المسألة 54: ] إذا طلق الرجل زوجته في اثناء اعتكافها طلاقا رجعيا، وكان الاعتكاف عليها واجبا معينا، ولم تكن قد اشترطت فيه أن ترجع عن اعتكافها إذا عرض لها عارض، وجب عليها ان تتم اعتكافها ولم يجز لها أن تخرج من المسجد، فإذا أتمت اعتكافها خرجت بعده إلى منزلها لتكمل عدة الطلاق فيه، وكذلك إذا كان الاعتكاف مندوبا وقد أتمت منه يومين كاملين، ولم تكن قد اشترطت فيه الشرط المذكور، فعليها ان تعتكف اليوم الثالث ثم تخرج بعده لتكمل عدة الطلاق في بيتها. وإذا طلق الرجل امرأته في أثناء اعتكافها طلاقا بائنا، اعتدت من طلاقها، وإن كانت معتكفة في المسجد، ولم يجب عليها الخروج إلى المنزل.

[ 133 ]

[ المسألة 55: ] الاعتكاف إما واجب معين على المعتكف، وهو ما عينه على نفسه بنذر أو عهد أو يمين، أو تعين عليه بإجارة أو بشرط في ضمن عقد، فينذر لله - مثلا - أن يعتكف العشرة الأولى من شهر رجب في هذا العام، أو ينذر أن يعتكف الايام البيض منه، أو يستأجر لذلك نيابة عن زيد، ويتم الإيجاب والقبول بين المستأجر والأجير على ذلك، والحكم فيه ان يعتكف المكلف كما عين، ولا يجوز له التأخير فيه. واما واجب موسع، وهو ما أوجبه الشخص على نفسه بنذر أو شبهه مما تقدم ذكره، أو وجب عليه بإجارة أو شرط ولم يعين له وقت، فينذر لله ان يعتكف أياما معلومة العدد في هذه السنة - مثلا - أو في الأشهر الحرم منها، أو في شهر رجب، أو يستأجره احد لذلك، والحكم فيه انه لا يتعين الاتيان به على المكلف في وقت خاص، وإذا ابتدأ به فاعتكف منه يومين تامين وجب عليه ان يعتكف لليوم الثالث، وإذا اشترط فيه تتابع ايامه وجب عليه أن ياتي ببقية ايامه متتابعة كما شرط. وإذا لم يشترط ذلك جاز له ان يفرق الايام على ان لا يكون ما يأتي به في كل مرة اقل من ثلاثة أيام، وقد سبق تفصيل هذا في المسائل المتقدمة. واما مندوب والحكم فيه نظير ما قلنا في الواجب الموسع. [ المسألة 56: ] يصح للمكلف عندما ينوي الاعتكاف ويريد الشروع فيه أن يشترط على الله ان يترك اعتكافه ويلغيه إذا طرأ له طارئ، سواء كان اعتكافه الذي يريد الشروع فيه واجبا معينا ام موسعا ام مندوبا، فيقول مثلا: اعتكف في هذا المسجد ثلاثة أيام تامة أو عشرة كاملة متقربا إلى الله تعالى واشترط لنفسي ان يحلني الله من اعتكافي إذا عرض لي عارض من أمره (تعالى) فأترك الاعتكاف متى عرض لي ذلك. فإذا اشترط المكلف في نيته هذا الشرط جاز له الرجوع عن اعتكافه متى عرض له العارض، في أي قسم من أقسام الاعتكاف كان، وفي أي يوم من ايامه عرض له العارض، ولا ضير عليه ولا إثم في رجوعه، ويجوز له - على الاقوى - أن يشترط لنفسه الرجوع عن الاعتكاف متى شاء، سواء عرض له شئ

[ 134 ]

أم لا، فيقول: واشترط لنفسي أن لي ان أدع الاعتكاف في أي يوم من أيامه إذا شئت، فإذا اشترط لنفسه الرجوع كذلك صح له شرطه، ولم يأثم برجوعه عنه، وتجب عليه الإعادة أو القضاء بعد ذلك إذا كان الاعتكاف واجبا في كلتا الصورتين. وموقع الإشتراط في الاعتكاف هو وقت إيقاع نيته كما ذكرنا، فلا يصح الشرط ولا يؤثر اثره إذا أوقعه قبل نية الاعتكاف أو بعد النية والشروع فيه، وإذا اشترط الشرط في موضعه ثبت، ولم يسقط إذا اسقطه بعد ذلك. [ المسألة 57: ] لا ينفذ الشرط المذكور - على الظاهر - إذا نذر المكلف ان يعتكف اياما واشترط في صيغة نذره ان يكون له الرجوع عن اعتكافه، فيقول مثلا: لله علي ان اعتكف ثلاثة أيام أو عشرة أيام، واشترط لنفسي أن يكون لي الرجوع عن الاعتكاف إذا عرض لي عارض من أمر الله، أو اشترط أن يكون لي ترك الاعتكاف إذا شئت وان لم يعرض لي عارض، فلا يصح الشرط ولا يؤثر شيئا إذا لم يذكر في نية الاعتكاف إلا أن يكون النذر نفسه مطلقا غير مشروط بشئ، ويكون الاعتكاف الذي تعلق به النذر هو المشروط بالشرط المذكور، فإذا نذر المكلف الاعتكاف كما بيناه ثم أتى بالاعتكاف المشروط وفاءا بنذره صح نذره واعتكافه ونفذ الشرط، وهو اشتراط اجمالي في نفس الاعتكاف، فيجوز له الرجوع في الاعتكاف، سواء كان المنذور معينا أم غير معين، وسواء نذر الايام متتابعة ام غير متتابعة، وإذا نذره كذلك ثم رجع فلا إثم عليه، ولا يجب عليه قضاء المنذور إذا كان معينا، ولا يجب عليه استئنافه إذا كان مطلقا. [ المسألة 58: ] لا يسوغ للمعتكف أن يشترط في اعتكافه ان تحل له بعض محرمات الاعتكاف، أو يجوز له ارتكاب بعض ما ينافيه من جماع وشبهه، وسيأتي ذكرها في الفصل الثاني - إن شاء الله تعالى -، وإذا هو اشترط لنفسه ذلك لم ينفذ شرطه. [ المسألة 59: ] إذا اشترط المكلف لنفسه ان يحل له الرجوع عن اعتكافه نفذ شرطه في اعتكافه الذي شرط ذلك فيه، ولم ينفذ في اعتكاف آخر، فإذا اعتكف في أول الشهر، وشرط فيه أن يحل له الرجوع نفذ شرطه في ذلك الاعتكاف خاصة، ولم

[ 135 ]

يجز له الرجوع في اعتكافه الثاني الذي يأتي به بعده إذا لم يشترط ذلك فيه، وإذا عزم على اعتكافين، لم يصح له ان يشترط في الأول أن يكون له الرجوع في الثاني، ولا يصح له إذا اعتكف ان يشترط في اعتكافه ان يكون لولده أو لزوجته مثلا أن يرجعا في اعتكافهما. [ المسألة 60: ] لا يصح تعليق نية الاعتكاف على حصول امر مرتقب - على الاحوط - فيقول مثلا: اعتكف في هذا المسجد ثلاثة ايام متقربا إلى الله (تعالى) إذا كان اخي زيد قد قدم من سفره، أو إذا كان هذا اليوم أول الشهر، وإذا علق نيته كذلك كان اعتكافه باطلا. ويصح إذا علق نيته على أمر حاصل بالفعل وهو يعلم بحصوله، فيقول مثلا: اعتكف في المسجد ثلاثة ايام متقربا إلى الله (تعالى) إذا كان هذا اليوم هو يوم الجمعة، وكان يعلم انه يوم الجمعة، أو يقول: أعتكف إذا قدم أخي من سفره وهو يعلم أن اخاه قد قدم من السفر، وليس هذا من التعليق، وان كان تعليقا بحسب الظاهر. [ الفصل الثاني ] [ في أحكام الاعتكاف ] [ المسألة 61: ] يحرم على الرجل المعتكف جماع حليلته، سواء كانت زوجة دائمة ام منقطعة ام أمة مملوكة له ام محللة له من مالكها، وسواء كانت معتكفة ام غير معتكفة، وسواء جامعها في القبل أم في الدبر، وفي المسجد أم في خارجه. ويحرم عليه - على الاحوط - لمس المرأة بشهوة وشمها وتقبيلها كذلك، ويحرم جميع ذلك على المرأة المعتكفة، وأما جماع الاجنبية غير الحليلة وغير المرأة فهو من المحرمات الكبرى مطلقا، ولا تختص في حال الاعتكاف، وان اشتدت حرمتها وتضاعف جرمها وعقابها على المعتكف، وعلى الصائم وفي شهر رمضان. ولا يحرم على الرجل المعتكف أن ينظر إلى حليلته بشهوة إذا لم يقصد

[ 136 ]

بنظرته الاستمناء وانزال الماء، ولا يحرم على المرأة المعتكفة أن تنظر إلى زوجها بشهوة وتلذذ جنسي، وان كان الأحوط لكل منهما استحبابا اجتناب ذلك. [ المسألة 62: ] يحرم الاستمناء - على الاحوط لزوما - على كل من الرجل المعتكف والمرأة المعتكفة، وان وقع على الوجه المحلل لغير المعتكف، ومثال هذا: أن ينظر الرجل إلى حليلته بشهوة وتلذذ جنسي حتى يمني، فيحرم ذلك على المعتكف، سواء وقع ذلك منه ليلا ام نهارا، وفي المسجد ام في خارجه، وإذا وقع في النهار حرم ايضا لمنافاته للصوم المعتبر في صحة الاعتكاف. وإذا وقع الاستمناء على الوجه المحرم على المعتكف وغيره، كانت حرمته أشد وكانت العقوبة عليه أشق. [ المسألة 63: ] يحرم على المعتكف والمعتكفة شم الطيب والتطيب به، من غير فرق بين اقسام الطيب وانواع استعماله، سواء شمه من القارورة ام من غيرها، وسواء وضعه في بدنه وشعره ام في ملابسه أم في مأكله ومشربه، ام غسل بعض أعضائه أو ملابسه بصابون فيه طيب، بل الأحوط للمعتكف عدم التطيب به وان كان فاقدا لحاسة الشم. نعم، لا بأس لمن فقد حاسة الشم ببعض الاستعمالات التي لا تعد تطيبا في نظر أهل العرف، ومثال ذلك: أن يقرب قارورة الطيب من أنفه أو يحملها معه بنحو لا يظهر ريحها للآخرين فيعد متطيبا ومستعملا له، فلا يمنع من ذلك ولا يضر باعتكافه، ويحرم على المعتكف أن يتلذذ بشم الريحان، وهو كل نبت طيب الرائحة سواء كان طريا أم يابسا. [ المسألة 64: ] لا يبعد ان يكون المراد من شم الطيب - الذي دلت النصوص على المنع منه للمعتكف - هو ما يكون شم الطيب للتلذذ بشمه والتمتع به، فان ذلك هو ما ينصرف إليه اللفظ في متفاهم أهل العرف، وعلى هذا فلا يضر باعتكاف المعتكف إذا شم الطيب بغير قصد، ومثال ذلك: أن يمر في طريقه بدكان أو سوق يباع فيه العطر فيشم رائحته، أو يمر به في الطريق إنسان متعطر فيشم رائحته من غير قصد فلا يخل ذلك باعتكافه، وكذلك الحكم في تاجر العطور أو عاملها إذا اعتكف وملابسه

[ 137 ]

تفوح بالرائحة بمقتضى عمله وصناعته، فانه يشم الطيب ولا يقصد التلذذ بشمه، فلا يضر ذلك باعتكافه، وان كان الاحوط له استحبابا إبدال ملابسه المعتادة له في أيام اعتكافه، إذا أمكن له ذلك. [ المسألة 65: ] يحرم على المعتكف البيع والشراء في أيام اعتكافه، والاحوط له لزوما ترك مطلق التجارة حتى بالصلح، والإجارة وغيرهما من المعاوضات على الاعيان والمنافع، فيجتنبها جميعا في حال اعتكافه، ولا يختص بالبيع والشراء، إلا إذا اضطر إلى ذلك فيباح له عند الإضطرار بمقدار ما تتأدى به ضرورته، ولا يتناول الحكم بالحرمة والاحتياط بالترك الذي ذكرناه مثل قبول الهدية وأخذ المرأة المهر في عقد النكاح أو المتعة، وأخذ الرجل الفدية في الخلع أو المباراة. ولا يمنع الاعتكاف المعتكف من ان يشتغل بالأمور المباحة كالكتابة والخياطة والنساجة إذا لم يكن ذلك بالاجرة، فقد سبق أن الاحوط للمعتكف ترك ذلك، والمرأة المعتكفة كالرجل المعتكف في جميع ما ذكرناه. [ المسألة 66: ] إذا احتاج الرجل المعتكف أو المرأة المعتكفة إلى شراء بعض الاشياء الضرورية لأكله وشربه ونحوهما، في حال اعتكافه، فان أمكن له أن يوكل من يشتري له الشئ الذي يريده، أو يبيع المتاع الذي يحتاج إلى ثمنه ليشتري به ما يريد لزمه التوكيل، ولا يمنع من ذلك، فإن الممنوع منه هو ان يشتري المعتكف ويبيع بنفسه، فلا يحرم عليه ان يشتري له وكيله، وإذا تعذر عليه التوكيل واضطر إلى البيع أو الشراء، جاز له ذلك بمقدار ضرورته. وإذا لم يضطر إلى البيع والشراء، وكان عدم وجود ذلك الشئ عنده يوجب الحرج والمشقة الشديدة عليه اشكل الحكم فيه بصحة اعتكافه إذا باع أو اشترى لذلك، وان كان غير آثم ببيعه وشرائه مع فرض ذلك. [ المسألة 67: ] تحرم المماراة على المعتكف، سواء وقعت منه في أمر من أمور الدنيا أم كانت في أمر من أمور الدين، والمراد بالمماراة المجادلة، سواء حصلت من المجادل ابتداءا، ام حصلت منه ردا لقول أو رأي ادعاه الشخص الآخر، والمذموم من المماراة هو ما يصد به المجادل بيان فضله ورسوخه في العلم

[ 138 ]

والاطلاع عليه، وغلبته على مجادله، وحرمة هذا النوع من المماراة لا تختص بالمعتكف، فتكون فيه أشد. وأما المجادلة إذا أراد بها إحقاق الحق، أو إبطال الباطل، أو إلقاء النور والإيضاح على بعض الأمور، لئلا يلتبس منها ما هو صحيح بما هو فاسد فهي محمودة، بل هي طاعة وعبادة، والفارق بين المذموم والممدوح هو ما يقصده الفاعل في قرارة نفسه، وان الله لا يخادع في أمره. وللمجادلات - قبل ذلك - أبعادها وآثارها في نفوس الخاصة من الناس فضلا عن العامة، وللنفس والنزعات والانفعالات طرائقها في الكر والفر وتلوين الأمور وتأويل الكلمات لكسب المواقف، وللشيطان مع ذلك مواقفه ومراصده من نفوس الناس وقلوبهم، ليقرب ويبعد ويضلل ويوهم، والعاقل البصير هو من يتأمل ولا يتعجل، وان كان سريع الفهم حتى تتبين له قولة الحق فيقولها صريحة من غير التواء، ثم يسكت إذا اقتضى الأمر السكوت، أو تتضح له مراسم الحق من قولة صاحبه فيتبعها من غير تردد ثم يحمد، أو يستبين له غير ذلك فيناقش هادئا وينقد مستفهما مستوضحا، ولا يغلب انفعاله على حقه، أو يسكت سليما غير ظالم ولا مظلوم. [ المسألة 68: ] لا يجب على المعتكف ان يجتنب ما يحرم على المحرم بالحج أو بالعمرة، فلا يحرم عليه لبس المخيط مثلا، ولا إزالة الشعر عن البدن، ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح لنفسه أو لغيره، ولا غير ذلك من محرمات الإحرام وتروكه. [ المسألة 69: ] الصوم شرط في صحة الاعتكاف وقد تكرر منا ذكر هذا في الفصل الأول، ولذلك فيحرم على المعتكف والمعتكفة تناول جميع المفطرات، كالأكل والشرب والارتماس وتعمد القئ، لانها محرمة في الصوم، فتكون من المحرمات في الاعتكاف، ويختص تحريمها بالنهار، واما محرمات الاعتكاف التي بيناها في المسائل المتقدمة من هذا الفصل فلا فرق في تحريمها على المعتكف والمعتكفة بين الليل والنهار، ولا بين ان يكونا في المسجد وأن يكونا في خارجه، كما إذا خرجا منه لقضاء بعض الضرورات.

[ 139 ]

[ المسألة 70: ] يجوز للمعتكف أن ينظر في الأمور المباحة، وأن يعمل منها ما يشاء في حال اعتكافه، ليكسب بها ويتعيش في ما بعد الاعتكاف بما أنتجه عمله من منافع ونتاج ولا يضر ذلك باعتكافه، إذا لم يكن نظره وعمله من البيع والشراء المحرمين عليه، ولم يكن من التجارات التي يلزمه الاحتياط بتركها كما بيناه في المسألة الخامسة والستين، ويجوز له أن ينصب له وكلاء وعمالا يقومون بأعماله في أثناء اعتكافه ومكثه في المسجد، حتى في البيع والشراء والمضاربة والزراعة له، وما أشبه ذلك، فيصح له التوكيل والاستنابة فيها. [ المسألة 71: ] إذا تناول المعتكف بعض المفطرات في النهار فسد صومه، وبطل بذلك اعتكافه، فان فساد الشرط يوجب بطلان المشروط، وإذا جامع امرأته في الليل أو في النهار فأدخل فيها بطل اعتكافه، وان لم ينزل في جماعه إياها، وكذلك إذا ارتكب احد محرمات الاعتكاف التي سبق ذكرها كشم الطيب والريحان ليتلذذ بهما، وكالبيع والشراء والمماراة المحرمة فيبطل اعتكافه ويلزمه استئناف الاعتكاف إذا كان واجبا مطلقا ويلزمه قضاؤه إذا كان واجبا معينا. وإذا فعل أحد المحظورات التي يلزم المعتكف الاحتياط بالاجتناب عنها كالاستمناء ولمس المرأة، أو تقبيلها بشهوة وكالتجارات بغير البيع والشراء وأمثال ذلك، لزمه الاحتياط، فعليه أن يتم اعتكافه إذا كان واجبا، وإن كان وجوبه لمضي يومين من الاعتكاف المندوب، ثم يستأنفه أو يقضيه. [ المسألة 72: ] إذا جامع المعتكف زوجته ساهيا فالأحوط له لزوما ان يتم الاعتكاف الذي بيده ثم يستأنفه بعد إتمامه إذا كان واجبا مطلقا، ويقضيه إذا كان واجبا معينا، بل ولا يترك الاحتياط بالاستئناف بعد ان يتم الاعتكاف في المندوب ايضا إذا جامع سهوا في اليوم الثالث منه، وكذلك إذا اتى ببعض محرمات الاعتكاف الأخرى ساهيا فلا يترك الاحتياط المذكور في الجميع. [ المسألة 73: ] إذا كان المعتكف قد شرط في نية الاعتكاف ان له الرجوع عن اعتكافه إذا عرض له عارض من امر الله، أو أن يكون له الرجوع عن اعتكافه مطلقا وان لم

[ 140 ]

يعرض له شئ ثم فعل أحد مفسدات الاعتكاف، فإن كان قد فعل المفسد بقصد الرجوع عن اعتكافه أو قصد الرجوع عنه بعد ان ارتكب المفسد لم يجب عليه اتمام اعتكافه، ولزمه استئنافه أو قضاؤه إذا كان واجبا. وإذا كان قد نذر الاعتكاف الخاص المشروط فيه الرجوع كما ذكرنا في المسألة السابعة والخمسين ثم فعل المفسد بقصد الرجوع عن الاعتكاف أو قصد الرجوع عنه بعد ان ارتكب المفسد لم يجب عليه قضاء الاعتكاف أو استئنافه، وإذا لم يقصد الرجوع عنه اشكل الحكم فيه، وعليه الاحتياط باتمامه ثم قضاؤه إذا كان معينا واستئنافه إذا كان مطلقا. [ المسألة 74: ] حكم الاعتكاف المندوب في اليوم الثالث منه هو حكم الواجب، فإذا ارتكب فيه بعض مفسدات الاعتكاف فعليه اتمامه ثم قضاؤه اعتكافا تاما ثلاثة ايام، إلا إذا كان قد شرط لنفسه فيه الرجوع ثم قصد الرجوع بفعله للمفسد، أو قصد الرجوع بعد أن ارتكبه، فلا يجب عليه قضاؤه، وإذا أفسد الاعتكاف المندوب في اليومين الاولين فلا شئ عليه ولاقضاء له، سواء كان قد شرط الرجوع ام لم يشرط. [ المسألة 75: ] إذا فعل المعتكف ما يوجب فساد اعتكافه، وكان الاعتكاف واجبا معينا عليه وجب عليه قضاؤه، ومثله الاعتكاف المندوب إذا أفسده في اليوم الثالث على ما بيناه من التفصيل في المسائل الماضية، والظاهر عدم وجوب المبادرة والفور في قضاء الاعتكاف، فإذا أخره لم يأثم، إلا إذا أدى التأخير إلى التهاون بالواجب. [ المسألة 76: ] إذا باع المعتكف أو اشترى في أيام اعتكافه فعل بذلك محرما على الاحوط وأثم بذلك، وبطل به اعتكافه على الأقوى وقد تقدم ذكر هذا، ولم يبطل بيعه ولا شراؤه. [ المسألة 77: ] إذا مات المعتكف في أثناء اعتكافه لم يجب على وليه قضاء الاعتكاف عنه بعد موته، سواء كان الاعتكاف الذي مات فيه واجبا عليه بنذر أو شبهه، معينا ام غير معين، ام كان مندوبا، وان كان في يومه الثالث، فان الولي إنما يجب عليه قضاء ما

[ 141 ]

فات الميت من الصلاة والصيام، ولا يجب عليه قضاء ما فاته من سائر العبادات، وإذا نذر الرجل أن يصوم أياما وهو معتكف فيها ثم مات قبل وفائه بنذره وجب على الولي قضاء الصوم وهو معتكف كما نذره الميت. [ المسألة 78: ] إذا جامع المعتكف أهله فسد اعتكافه ووجبت عليه الكفارة بذلك، وسيأتي بيانها في المسألة الآتية، سواء جامعها في النهار أم في الليل، والأحوط لزوم الكفارة له إذا أفسد اعتكافه بالجماع وان كان اعتكافه مندوبا وكان في اليوم الاول منه أو اليوم الثاني، إلا إذا ترك الاعتكاف فيهما ورجع عنه قبل الجماع، فلا كفارة عليه في هذه الصورة. ولا تجب الكفارة على المعتكف إذا افسد اعتكافه بغير الجماع من محرمات الاعتكاف كالبيع والشراء وشم الطيب وغيرها وان كان الاعتكاف واجبا، وكذلك الحكم في المرأة المعتكفة، فتجب عليها الكفارة إذا أفسدت اعتكافها بالجماع على النهج الذي ذكرناه في الرجل المعتكف، ولا كفارة عليها في غير الجماع. [ المسألة 79: ] كفارة المعتكف أو المعتكفة إذا افسدا اعتكافهما بالجماع هي كفارة من افطر عامدا في شهر رمضان فتناول مفطرا محللا في يوم من أيامه، فيتخير بين أن يعتق رقبة، وان يصوم بدلا عنها شهرين متتابعين، وان يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام، والأولى استحبابا أن يأتي بالكفارة مرتبة ككفارة الظهار، فيتعين عليه مع القدرة أن يعتق رقبة مؤمنة، فإذا عجز عن العتق تعين عليه ان يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع ذلك أطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين منهم مدين من الطعام. [ المسألة 80: ] إذا اعتكف الرجل في أيام شهر رمضان وجامع زوجته في النهار عامدا، فسد بذلك صومه وفسد اعتكافه ووجبت عليه كفارتان، احداهما لإفطاره في شهر رمضان، والثانية لإفساده الاعتكاف بالجماع، وقد تقدم ذكرهما وبيان خصال التخيير فيهما، ولا تتداخلان، ولا تكفي احداهما عن الأخرى، وكذلك حكم المرأة المعتكفة إذا حصل لها مثل هذا الفرض، فعليها كفارتان مخيرتان بين

[ 142 ]

الخصال المذكورة. وإذا اعتكف الرجل وهو صائم في قضاء شهر رمضان وجامع زوجته بعد زوال النهار فسد صومه واعتكافه، ووجبت عليه كفارة من أفطر في قضاء الشهر، وهي أن يطعم عشرة مساكين أو يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام فان هو لم يقدر على إطعامهم ولو لعدم وجود المساكين وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ووجبت عليه معها كفارة إفساد الاعتكاف المتقدم ذكرها. وإذا اعتكف في صيام منذور معين وأفسد صومه واعتكافه بالجماع وجبت عليه كفارة خلف النذر وكفارة إفساد الاعتكاف، وقد سبق ذكر كفارة النذر في فصل الكفارات من كتاب الصوم، وهكذا حكم المرأة المعتكفة إذا اتفق لها مثل هذه الفروض فيجري فيها مثل ذلك. [ المسألة 81: ] إذا نذر الرجل أن يعتكف في شهر رمضان، وصام واعتكف فيه، ثم افسد صومه واعتكافه بالجماع، وجبت عليه ثلاث كفارات الأولى لمخالفة النذر، والثانية لإفطاره في شهر رمضان، والثالثة لإفساد الاعتكاف بالجماع. وإذا كانت زوجته صائمة وأكرهها على الجماع في الفرض المذكور بغير رضاها وجبت عليه أربع كفارات: احداها لمخالفة نذره، والثانية لإفساد اعتكافه، والثالثة لإفطاره من صومه في شهر رمضان، والرابعة تحملا عن زوجته لأنه اكرهها على الجماع وهما صائمان، وقد سبق ان هذا هو الحكم الثابت في مثل هذا الفرض، وتلاحظ المسألة المائة والحادية والثلاثون من كتاب الصوم. [ المسألة 82: ] لا يتحمل الرجل المعتكف عن زوجته كفارة إفساد الاعتكاف إذا اكرهها على الجماع وهما معتكفان، كما يتحمل عنها كفارة الافطار في شهر رمضان إذا أكرهها على الجماع فيه وهما صائمان، فإذا أكره زوجته على الجماع وهما معتكفان فجامعها في الليل وجبت عليه كفارة واحدة لإفساد اعتكافه خاصة، ولم تجب عليه كفارة زوجته، وإذا اكرهها فجامعها في النهار وهما معتكفان في غير شهر رمضان، وجبت عليه كفارة الاعتكاف لنفسه ووجبت عليه كفارة الصوم لنفسه إذا كان صومه مما تجب فيه الكفارة، ولا يتحمل عن زوجته شيئا، وإذا أكرهها على الجماع في النهار وهما معتكفان في شهر رمضان وجبت عليه ثلاث

[ 143 ]

كفارات احداهما لإفساد اعتكاف نفسه بالجماع، والثانية لإفطاره في يوم من شهر رمضان، والثالثة تحملا عن زوجته لأنه اكرهها على الجماع وهما صائمان، ولا يتحمل كفارتها لإفساد اعتكافها [ المسألة 83: ] إذا اعتكفت المرأة وأفسدت اعتكافها بالجماع وهي مختارة في ذلك غير مكرهة، فإن كان الجماع ليلا وجبت عليها كفارة واحدة لإفسادها الاعتكاف، ومثال ذلك: أن يكون الزوج غير معتكف فيجامعها في اعتكافها ليلا وهي مطيعة له غير مكرهة فتجب عليها كفارة الاعتكاف ولا شئ على الزوج، وإذا جامعها نهارا وجبت عليها كفارة إفساد الاعتكاف وكفارة إبطال الصوم إذا كان صومها مما تجب فيه الكفارة. وكذلك الحكم إذا كان كل من الزوج والزوجة معتكفين وجامعها الزوج وهي مختارة غير مكرهة فإذا كان الجماع ليلا وجبت على كل واحد منهما كفارة واحدة لإفساد الاعتكاف، وإذا كان الجماع في النهار وجبت على كل منهما كفارة إفساد الاعتكاف وكفارة إبطال الصوم إذا كان مما تجب فيه الكفارة، وإذا كان صوم احدهما مما لا تجب فيه الكفارة وجبت عليه كفارة الاعتكاف خاصة. والحمد لله رب العالمين.

[ 145 ]

[ كتاب الزكاة ]

[ 147 ]

[ كتاب الزكاة ] الزكاة إحدى فرائض الإسلام الكبرى، وإحدى الدعائم الراسخة التي أقيم عليها بناؤه، وهي قرينة الصلاة وعديلتها في المنزلة، ففي الصحيح عن الصادقين عليهما السلام: (فرض الله الزكاة مع الصلاة) وفي حديث أبي جعفر (ع): (ان الله تبارك وتعالى قرن الزكاة بالصلاة فقال: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، فمن اقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة). ويكفر مانع الزكاة إذا كان جاحدا لها، فعن أبي عبد الله (ع): (من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم)، وفي رواية أخرى: (من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا) وهو يستحق العقاب الشديد إذا منعها مستخفا بها أو متهاونا، كما في الروايات الكثيرة الواردة عنهم (ع). والزكاة حصن الأموال من التلف وحرز لها من عروض الآفات، فعن الرسول صلى الله عليه وآله: (داووا مرضاكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة). وعن أبي عبد الله (ع): (إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء ومعونة للفقراء، ولو ان الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، ولاستغنى بما فرض الله له، وان الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا، إلا بذنوب الاغنياء، وحقيق على الله تبارك وتعالى ان يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله، وأقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق انه ما ضاع مال في بر ولا بحر، إلا بترك الزكاة، إلى ان قال (ع): وان أحب الناس إلى الله تعالى أسخاهم كفا، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله، ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله). وفي هذا الكتاب احد عشر فصلا:

[ 148 ]

[ الفصل الأول ] [ في الشرائط العامة لوجوب الزكاة ] وهي عدة أمور: [ المسألة الأولى: ] (الاول من شرائط وجوب الزكاة): البلوغ، فإذا كان المال مما يعتبر في وجوب الزكاة فيه ان يحول عليه الحول، وهو الأنعام الثلاث، والنقدان، اشترط في وجوب الزكاة فيه أن يكون مالك المال بالغ الحلم في جميع الحول، فلا تجب الزكاة في المال إذا كان صاحبه صغيرا غير بالغ الحلم من أول الحول إلى آخره، وإذا أدرك المالك في أثناء الحول كان ابتداء حول المال من حين بلوغ مالكه، فإذا تم الحول من ذلك الوقت وجبت فيه الزكاة. وإذا كان المال مما لا يعتبر فيه الحول وهو الغلات الأربع: اشترط في وجوب الزكاة فيه ان يكون صاحب المال بالغا في وقت تعلق الزكاة به، وهو حين انعقاد الحب من الغلة إذا كانت من الحبوب، وصدق الاسم عرفا عليها إذا كانت من التمر أو العنب وسيأتي بيان ذلك. [ المسألة الثانية: ] (الثاني من شرائط وجوبها العقل): ويجري فيه نظير التفصيل المتقدم في شرط البلوغ، فإذا كان المال مما يعتبر فيه أن يحول عليه الحول اشترط في وجوب الزكاة فيه ان يكون مالكه عاقلا في جميع الحول فإذا عرض له الجنون في أثناء الحول انقطع ولم تجب الزكاة فيه ما دام المالك مجنونا، وإذا أفاق من جنونه استأنف الحول من حين البرء، وإذا كان المال مما لا يعتبر فيه الحول اشترط في وجوب الزكاة ان يكون المالك عاقلا حين تعلق الزكاة بالمال، ولا فرق في الحكم بين أن يكون الجنون مطبقا وان يكون أدوارا.

[ 149 ]

[ المسألة الثالثة: ] (الثالث من شرائط وجوب الزكاة): أن يكون صاحب المال حرا غير مملوك، والكلام في هذا الشرط نظير ما سبق في البلوغ والعقل، فلا يدخل المال في الحول ما دام صاحبه مملوكا ولا تجب فيه الزكاة إذا كان صاحبه في وقت تعلق الزكاة به عبدا، وان قلنا بان العبد يملك المال كما هو القول الصحيح المختار، وإذا اعتق العبد سيده استأنف حول المال - إذا كان مما يعتبر فيه الحول - من حين عتقه. ولا فرق في هذه الاحكام بين أن يكون صاحب المال عبدا قنا أو مدبرا، أو مكاتبا، أو أم ولد للمالك، وإذا كان بعضه حرا وبعضه مملوكا وزع المال على قدر ما فيه من الحرية والعبودية، فإذا بلغ نصيب الحرية من المال مقدار النصاب الشرعي للزكاة وجبت فيه الزكاة ولا يجب في نصيب الرقية شئ وان بلغ مقدار النصاب. [ المسألة الرابعة: ] (الرابع من شرائط وجوب الزكاة): ان يكون المكلف مالكا للمال في جميع الحول إذا كان مما يعتبر فيه الحول، ويكفي ان يكون مالكا له في وقت تعلق الزكاة به إذا كان من الغلات كما تقدم في الشروط السابقة. ونتيجة لذلك فلا تجب الزكاة في المال الموهوب للشخص ولا في المال المقترض قبل أن يحصل القبض فيهما فان الشخص الموهوب له والمقترض لا يملكان المال حتى يحصل القبض، ولا تجب الزكاة في المال الموصى به للمكلف قبل وفاة الموصي فان الموصى له لا يملك المال قبل وفاته. [ المسألة الخامسة: ] إذا ملك السيد عبده نصابا من المال الزكوي لم تجب الزكاة في ذلك المال على العبد لأنه ليس حرا، ولا على مولى العبد لأنه ليس مالكا للمال بعد أن ملكه للعبد. [ المسألة السادسة: ] (الخامس من شرائط وجوب الزكاة): أن يكون مالك المال قادرا على التصرف فيه تصرفا خارجيا، والمراد بذلك ان يكون متمكنا من إتلافه والعمل فيه بما يريد من انواع التصرف، فيعتبر أن يكون المالك قادرا على مثل هذه التصرفات في المال طوال الحول في الانعام الثلاث وفي النقدين، إذا كان المال منها، وقادرا على التصرف كذلك في وقت تعلق الزكاة به إذا كان من الغلات. ومما يتفرع على اعتبار هذا الشرط أن الزكاة لا تجب في المال إذا كان

[ 150 ]

غائبا عن صاحبه بحيث لم يصل إليه ولا إلى وكيله المفوض منه ليتصرف فيه كما يريد ومتى أراد، ولا تجب في الدين الذي لم يستوفه مالكه من المدين، ولم يقع تحت نفوذه، ولا تجب في المال الذي سرقه السارق من صاحبه أو جحده، أو دفنه صاحبه في موضع ونسي موضع دفنه، ولا في المال الذي رهنه مالكه عند أحد أو وقفه، أو نذر أن يتصدق به، ولا في المال الذي حجر مالكه عن التصرف فيه بأحد موجبات الحجر كالسفه والفلس. [ المسألة السابعة: ] المعيار في معرفة ان مالك المال متمكن من التصرف في ماله أو غير متمكن منه هو نظر العقلاء واهل العرف في ذلك، وإذا شك في مورد أو مال أنه مما يمكنه التصرف فيه أو لا، فإن كان الشك فيه للشك في مفهوم التصرف وكان بنحو الشبهة الحكمية، فلا بد من إخراج الزكاة من ذلك المال، وان كان للشك فيه بنحو الشبهة الموضوعية وكان يعلم بحالته السابقة وانه كان متمكنا من التصرف في المال أو غير متمكن منه عمل على الحالة السابقة، وان لم يعلم بحالته السابقة فالظاهر عدم وجوب الزكاة فيه. [ المسألة الثامنة: ] (السادس من شروط وجوب الزكاة): ان يبلغ المال مقدار النصاب الشرعي، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى -، واعتبار هذا الشرط على نحو اعتبار الشروط المتقدمة، فيجري فيه البيان السابق فما يعتبر فيه الحول من الأموال يشترط فيه أن يكون بمقدار النصاب في جميع الحول من أوله إلى آخره، فإذا قصر عن مقدار النصاب في أثناء الحول انقطع الحول من ذلك الحين، ولم تجب فيه الزكاة وإذا بلغ المقدار في أثنائه ابتدأ الحول من ذلك الوقت، وما لا يعتبر فيه الحول يشترط فيه أن يكون بمقدار النصاب في وقت تعلق الزكاة به، وهو حين انعقاد الحب أو صدق اسم الغلة. [ المسألة التاسعة: ] يستحب للولي الشرعي على الصبي والمجنون ان يخرج زكاة مال التجارة إذا هو اتجر لهما بمالهما، ولا يثبت مثل هذا الاستحباب في أن يخرج الولي زكاة مال المجنون من الأنعام أو الغلات أو النقدين، والاحوط ترك اخراجها ايضا من الاموال المذكورة التي يملكها الصبي غير البالغ.

[ 151 ]

ولا يثبت الاستحباب للولي الشرعي على الحمل في بطن أمه إذا اتجر له بماله ان يخرج زكاة مال التجارة له، ولا زكاة غير ذلك من أمواله. [ المسألة العاشرة: ] لا يعتبر في وجوب الزكاة على مالك المال عدم الاغماء عليه، أو عدم عروض السكر له، فلا ينقطع حول المال الزكوي من الأنعام الثلاث أو من النقدين بعروض الاغماء على مالكه في أثناء الحول وان طالت مدة الاغماء، ولا بحدوث السكر له وان استوعب السكر الحول كله، ولا يسقط بذلك وجوب الزكاة في المال إذا تم له الحول، ولا يضر حصول الاغماء أو السكر كذلك بوجوب الزكاة إذا حدثا أو حدث أحدهما للمالك في وقت تعلق الزكاة بالغلات. [ المسألة 11: ] قد ذكرنا في ما تقدم ان الزكاة لا تجب في الغلات الأربع حتى يكون المالك بالغ الحلم في الوقت الذي تتعلق الزكاة بها، وهو حين انعقاد الحب في الحنطة والشعير، وحين صدق الاسم في التمر والعنب، إما سابقا على وقت التعلق أو مقترنا معه، فإذا شك - وهو بالغ - في ان تعلق الزكاة بالغلة قد تحقق بعد البلوغ أو مقارنا له لتجب الزكاة عليه في المال لوجود الشرط، أو كان قبله فلا تجب، لم يجب عليه إخراج الزكاة، لعدم إحراز وجود الشرط، سواء علم تأريخ بلوغه أم جهله، وكذلك إذا شك حين تتعلق الزكاة بالمال في تحقق بلوغه وعدم تحققه، أو علم وقت تعلق الزكاة بالمال وشك في سبق البلوغ عليه وتأخره عنه أو جهل تاريخهما معا، فلا يجب عليه إخراج الزكاة من المال في جميع هذه الصور. [ المسألة 12: ] إذا كان مالك المال مجنونا ثم أفاق من جنونه وشك في ان افاقته من الجنون قد حصلت قبل تعلق الزكاة بالغلة أو بعد ذلك الوقت، فالصور المحتملة في هذه المسألة هي الصور المحتملة في البلوغ التي ذكرناها في المسألة المتقدمة، والحكم فيها أيضا هو عدم وجوب الزكاة في جميع الصور. وإذا كان مالك المال عاقلا ثم طرأ عليه الجنون، فإذا علم بوقت تعلق الزكاة بالغلة، وشك في تقدم طروء الجنون على ذلك الوقت وتأخره عنه، فالظاهر وجوب الزكاة في الغلة، وإذا علم بزمان حدوث الجنون له وشك في تقدم وقت

[ 152 ]

تعلق الزكاة على زمان الجنون وتأخره عنه فالظاهر عدم وجوب الزكاة، وكذلك الحكم إذا جهل كلا من التأريخين. وإذا جهلت الحالة السابقة في مالك المال انه كان مجنونا في تلك الحالة أو عاقلا، ولم يعلم ايضا بسبق الحال الموجودة فيه بالفعل من الجنون أو العقل على وقت تعلق الزكاة بالمال أو تأخرها عنه لم تجب الزكاة أيضا. [ المسألة 13: ] إذا كان المال الزكوي الذي يملكه المكلف قد تعلق فيه حق الخيار لشخص آخر غير مالكه، فهل يكون تعلق ذلك الخيار به مانعا من تعلق وجوب الزكاة بالمال؟، وهل يكون ابتداء الحول في النصاب من حين العقد أو من حين انقضاء مدة الخيار؟ فيه إشكال، وخصوصا في الخيار المشروط برد الثمن. ومثال ذلك: ان يشتري الإنسان نصابا من الابل أو البقر أو الغنم ويشترط البائع لنفسه أن يكون له خيار فسخ البيع إذا هو رد الثمن على المشتري في مدة معلومة بينهما، ولا يترك الاحتياط بإخراج الزكاة إذا تم الحول من حين العقد الجاري بينهما. [ المسألة 14: ] إذا كان المال مشتركا بين مالكين أو اكثر، وكانت حصة أحد الشريكين أو الشركاء من المال تبلغ مقدار النصاب الشرعي وجبت عليه الزكاة في حصته، ولا تجب على شريكه الآخر إذا كانت حصته من المال لا تبلغ النصاب، ولا يكفي أن يبلغ مجموع المال نصابا شرعيا تاما. [ المسألة 15: ] تجب الزكاة في نماء الوقف إذا كان مفاد وقفه تمليك النماء للأشخاص الموقوف عليهم، سواء كان الوقف خاصا أم عاما، فإذا جعل المالك نخيله المعينة أو كرمه وقفا على ان يكون نماء النخيل والكرم ملكا لذريته أو للسادة العلويين أو لعلماء البلد وجبت الزكاة على كل شخص من الموقوف عليهم بلغت حصته من النماء مقدار النصاب أو زادت عليه، نعم، إذا كان الوقف عاما فإن الفرد من الموقوف عليهم لا يملك الحصة من النماء حتى يقبضها، ولذلك فلا تجب الزكاة في حصته قبل القبض. ولا تجب الزكاة في نماء الوقف إذا كان مفاد وقفه صرف النماء على

[ 153 ]

الموقوف عليهم من غير تمليك، سواء كان الوقف عاما ام خاصا، ومثال ذلك: ان يقف المالك نخيله على ان يصرف نماؤها على ذريته أو على الفقراء، أو على علماء البلد ولم يملكهم النماء. [ المسألة 16: ] قد سبق في المسألة السادسة ان الزكاة لا تجب في المال المغصوب من المالك، ولا في المسروق، ولا المجحود وما اشبه ذلك، لأن مالك ذلك المال غير قادر على التصرف فيه في هذه الفروض، فإذا أمكن للمالك أن يخلص ماله ويسترجعه بسهولة، فيقيم عليه بينة شرعية عند الحاكم ويسترده، أو يستعين بشخص ذي وجاهة ونفوذ ويرفع بذلك يد الظالم عنه مع تيسر ذلك له، فالأحوط له إخراج الزكاة إذا هو ترك المال ولم يخلصه مختارا في ذلك، والمدار في المسألة ان يكون المالك معذورا عرفا أو شرعا، في عدم تخليص المال من يد المستولي عليه أو غير معذور، فإن كان معذورا في ترك ماله وعدم تخليصه لم تجب عليه زكاته، وان كان غير معذور في نظر الشرع أو عند أهل العرف في ذلك وجبت عليه زكاة المال. [ المسألة 17: ] إذا أمكن للشخص الدائن أن يستوفي دينه من المدين بيسر، فترك دينه ولم يستوفه منه باختياره، لم تجب عليه زكاة المال، فإن الدائن لا يملك عوض الدين إلا بعد قبضه، وكذلك الحكم إذا أراد الشخص المدين أن يفي ما في ذمته فتركه الدائن ولم يستوفه منه فلا تجب عليه زكاته، وان كان تركه استيفاء الدين بقصد الفرار من زكاته. [ المسألة 18: ] إذا اقترض الرجل مبلغا من أحد وقبض المبلغ من الدائن أصبح المال ملكا للمقترض، فإذا كان بمقدار النصاب أو أكثر منه وحال عليه الحول بعد القبض وجبت زكاته على المقترض مع اجتماع بقية شرائط وجوبها. [ المسألة 19: ] إذا تبرع الدائن نفسه فأدى زكاة مال القرض بعد وجوبها على المقترض، أو تبرع شخص أجنبي فأدى زكاة المال عن المقترض بعد وجوبها عليه صح ذلك وكفى عن المالك، وإذا شرط المقترض على الدائن في عقد القرض بينهما أن يؤدي عنه زكاة مال القرض إذا حال عليه الحول والمال باق، وقبل الدائن

[ 154 ]

بالشرط، صح الشرط ووجب عليه العمل به، فإذا وفى الدائن بالشرط وأدى الزكاة برئت ذمة المقترض من التكليف بالزكاة، وان لم يفعل ولم يف بالشرط وجب على المقترض اداء الزكاة من ماله. [ المسألة 20: ] إذا نذر مالك المال أن يتصدق بعين ماله كلها، وكان نذره للصدقة بالمال مطلقا غير معلق على شرط ولا مقيد بوقت، وكان النذر سابقا على تعلق وجوب الزكاة بالمال، لم تجب الزكاة في ذلك المال، وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة، ويجب عليه أن يتصدق بعين ماله وفاءا بالنذر، وكذلك الحكم إذا نذر أن يتصدق ببعض معلوم من المال: النصف أو الثلث مثلا، وكان الباقي منه لا يبلغ مقدار النصاب، فيجب عليه أن يتصدق بالمقدار المنذور، ولا تجب الزكاة في الباقي لأنه دون النصاب. [ المسألة 21: ] إذا نذر مالك المال أن يتصدق بعين ماله، وكان نذره للصدقة بعد أن تعلقت الزكاة بالمال نفسه، فان كان مراده من صيغة نذره ان يبدأ اولا فيفك المال من حق الزكاة الذي تعلق به حتى يكون خالصا له ثم يتصدق به، وجب عليه ان يؤدي الزكاة من مال آخر، ثم يتصدق بجميع عين المال وفاءا بنذره، وان كان مراده من نذره أن يتصدق ببقية المال بعد ان يؤدي منه مقدار الزكاة، وجب عليه أن يفعل ذلك كما نذر. وان كان مراده من النذر ان يتصدق بجميع المال الموجود حتى بمقدار الزكاة الواجب فيه، فلذلك صورتان مختلفتان في القصد وفي الحكم. (الصورة الأولى): ان ينذر الناذر التصدق بجميع المال المذكور ويجعله على نفسه واجبا واحدا يرتبط بعضه ببعض، بحيث إذا تصدق ببعض المال دون بعض يكون غير موف بنذره فلا يفي به حتى يتصدق بالجميع، ويكون النذر على سبيل وحدة المطلوب، والحكم في هذه الصورة بطلان النذر من أصله، فيجب عليه دفع مقدار الزكاة ويسقط عنه وجوب التصدق. (الصورة الثانية): أن ينذر التصدق بالمال ويجعله واجبا انحلاليا بحيث إذا تصدق ببعض المال دون بعض فقد وفى ببعض النذر ولم يف بالباقي، ويكون انشاء النذر على نحو تعدد المطلوب، فيبطل النذر في هذه الصورة في مقدار الزكاة من

[ 155 ]

المال ويجب عليه اداؤها ويجب عليه التصدق بالباقي من المال بعد الزكاة. [ المسألة 22: ] إذا كان مال المالك مما يعتبر في وجوب الزكاة فيه أن يحول عليه الحول، ونذر المالك ان يتصدق بعين ماله وكان نذره معلقا على وجود شرط أو مقيدا بوقت معين، فالظاهر ان الزكاة لا تجب في ذلك المال، سواء كان نذره مؤقتا بما قبل تمام الحول أم بما بعده، وسواء حصل الشرط الذي علق عليه النذر قبل تمام الحول ام حصل مقارنا له ام حصل بعده. [ المسألة 23: ] كل ما ذكرناه من الأحكام في الفروض السابقة من نذر التصدق بالمال انما هو في نذر الفعل، والمراد به أن ينذر المالك أن يتصدق بماله مطلقا أو معلقا على وجود شرط. وأما نذر النتيجة - والمراد به ان ينذر المالك ان يكون ماله صدقة إما مطلقا أو في وقت معين أو عند حصول شرط مخصوص، فيكون النذر بنفسه انشاء للصدقة - ففي صحة هذا النذر إشكال بل منع. [ المسألة 24: ] إذا حصلت للمكلف الاستطاعة المالية لحج البيت بالنصاب الزكوي كله، بحيث لو ان المكلف اخرج مقدار الزكاة منه لم تحصل له الاستطاعة، فان تم حول النصاب أو حل وقت تعلق الزكاة به إذا كان من الغلات قبل أن تسافر القافلة إلى الحج، وقبل ان يتمكن المكلف من السفر إليه، وجبت الزكاة في النصاب وانتفت بذلك الاستطاعة كما هو المفروض فلا يجب الحج على المكلف، وان تمكن المكلف من السفر إلى الحج قبل أن يتم الحول وتتعلق الزكاة بالمال، وتوقف اداء الحج على صرف عين النصاب فيه سقطت الزكاة ووجب عليه الحج. وإذا لم يتوقف اداء الحج على صرف عين المال فيه ولم ينحصر في ذلك، فمقتضى الادلة ان تجب الزكاة والحج كلاهما على المكلف، فيتزاحمان، ويمكن المكلف أن يبدل النصاب الزكوي قبل أن يتم عليه الحول بعين أخرى فيسقط وجوب الزكاة بسقوط الحول وتبقى الاستطاعة للحج بغير مزاحم ويتخلص المكلف من الاشكال.

[ 156 ]

[ المسألة 25: ] إذا كان المال غائبا لا تصل إليه يد المالك ولا يد وكيله ليتمكن من التصرف فيه كما يريده أو كان مدفونا في مكان ونسي الموضع الذي دفن فيه ومضت عليه سنتان أو اكثر، ثم تمكن منه، استحب له أن يزكي المال لسنة واحدة، بل يستحب له إخراج زكاته إذا مضت عليه سنة واحدة، وفي تعدية الحكم بالاستحباب لغير الغائب والمدفون من الأموال التي سبق ذكرها في المسألة السادسة إشكال. [ المسألة 26: ] إذا كان مالك المال متمكنا من التصرف فيه حتى تم له الحول في ما يعتبر فيه الحول، وحتى تعلق به وجوب الزكاة في الغلات الأربع، استقر عليه وجوب زكاة ذلك المال، فإذا لم يمكنه التصرف في المال بعد ذلك لم يسقط عنه الوجوب، فإذا تجدد له التمكن منه بعد ذلك وجب عليه اداء زكاته، وان لم يمكنه ذلك وكان عدم تمكنه لتقصير منه فعليه ضمان الزكاة، ولا ضمان عليه إذا كان غير مقصر. [ المسألة 27: ] تجب الزكاة على الكافر، ولا تصح منه إذا أداها في حال كفره، ولإمام المسلمين (ع) أو نائبه أن يأخذ الزكاة منه قهرا، وإذا أتلفها فلهما أن يأخذا منه عوضها من المثل إذا كان المال مثليا ومن القيمة إذا كان قيميا، وكذلك إذا تلفت بيده على وجه الضمان. [ المسألة 28: ] إذا أسلم الكافر بعد أن وجبت عليه الزكاة في ماله، فإن كانت العين تالفة في وقت إسلامه سقطت عنه زكاتها، وإذا كانت العين التي تعلقت بها الزكاة موجودة ففي سقوط الزكاة عنه تأمل. [ المسألة 29: ] إذا اشترى المسلم المال الزكوي من الكافر بعد ان تعلقت به الزكاة وجبت على المشتري المسلم إخراج الزكاة من المال، وكذلك إذا اشترى منه بعض النصاب على الأحوط، فعليه إخراج زكاته، بل الظاهر جريان الحكم في مطلق الانتقال الى المسلم وان كان بغير الشراء.

[ 157 ]

[ المسألة 30: ] تجب الزكاة المالية في كل من الأنعام الثلاثة وهي الإبل والبقر والغنم، وتجب في النقدين وهما الذهب والفضة المسكوكان للمعاملة بهما، وتجب في الغلات الأربع، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ولا تجب في ما عدا هذه الأمور التسعة. ويستحب الزكاة في مال التجارة، وفي ما تنبته الأرض مما يكال أو يوزن غير الغلات الأربع كالأرز والسمسم والدخن والذرة والعدس والماش والحمص، وتستحب في إناث الخيل دون ذكورها، وفي حاصل العقار الذي يتخذ للنماء، وسيأتي - ان شاء الله تعالى - تفصيل كل اولئك الأمور وبيان أحكامها ومقادير الزكاة المستحبة فيها في الفصل الخامس. [ الفصل الثاني ] [ في زكاة الأنعام الثلاثة ] [ المسألة 31: ] لا تجب الزكاة في الأنعام الثلاثة حتى تجتمع في كل واحد منها شروط اربعة، زيادة على ما تقدم بيانه في الفصل الأول من شروط وجوب الزكاة في مطلق المال. وقد سبق في المسألة الثامنة ان الزكاة لا تجب في المال حتى يبلغ مقدار النصاب الشرعي، والنصب المحددة في الإبل لوجوب الزكاة فيها إثنا عشر نصابا، وفي البقر نصابان، وفي الغنم خمسة نصب. [ المسألة 32: ] لا تجب الزكاة في الإبل المملوكة للمكلف حتى يبلغ عددها خمسا، فإذا بلغت خمسا (وهو النصاب الأول فيها) وجبت فيها شاة، ثم لا يجب في ما زاد على الخمس شئ غير الشاة حتى يبلغ عددها عشرا، فإذا بلغت عشرا (وهو النصاب الثاني) فتجب فيها شاتان. ثم لا يجب في ما زاد على العشر شئ غير الشاتين حتى يبلغ عددها خمس عشرة (وهو النصاب الثالث) فتجب فيها ثلاث شياه.

[ 158 ]

ثم لا يجب في الزائد على ذلك شئ غير الثلاث شياه حتى يبلغ عدد الإبل عشرين (وهو النصاب الرابع) فتجب فيها أربع شياه. ثم لا يجب في الزائد عليها شئ غير الأربع شياه حتى تبلغ خمسا وعشرين، (وهو النصاب الخامس) فتجب فيها خمس شياه. فإذا زادت الإبل واحدة وبلغ عددها ستا وعشرين (وهو النصاب السادس) وجب أن يخرج فيها بنت مخاض، والمراد ببنت المخاض من الإبل هي التي دخلت في السنة الثانية من عمرها. ثم لا يجب في ما زاد على الست والعشرين شئ غير بنت المخاض حتى يبلغ عدد الإبل ستا وثلاثين (وهو النصاب السابع) فتجب فيها بنت لبون، وبنت اللبون من الإبل هي التي دخلت في السنة الثالثة من العمر. ثم لا يجب في ما زاد على الست والثلاثين شئ غير بنت اللبون، حتى يبلغ عددها ستا وأربعين (وهو النصاب الثامن) فتجب فيها حقة، والحقة من الإبل هي التي دخلت في السنة الرابعة من عمرها. ثم لا يجب في الزائد على ذلك شئ غير الحقة حتى يكون العدد واحدة وستين (وهو النصاب التاسع) فتجب فيها جذعة، والجذعة من الإبل هي التي دخلت في السنة الخامسة من عمرها. ثم لا يجب في ما زاد على الإحدى والستين شئ غير الجذعة حتى يكون عدد الإبل ستا وسبعين وهو (النصاب العاشر) فتجب فيها بنتا لبون وقد أوضحنا المراد منها في النصاب السابع. ثم لا يجب في الزائد على ذلك المقدار شئ غير بنتي اللبون حتى يبلغ عدد الإبل احدى وتسعين (وهو النصاب الحادي عشر) فتجب فيها حقتان وقد ذكرنا معناهما في النصاب الثامن. ثم لا يجب في ما زاد على الإحدى والتسعين شئ غير الحقتين حتى يبلغ عدد الإبل مائة وإحدى وعشرين (وهو النصاب الثاني عشر) فتجب فيها في كل خمسين من الإبل حقة وفي كل أربعين منها بنت لبون، على ما يأتي توضيحه في المسألة الآتية وهكذا في ما زاد على العدد المذكور. [ المسألة 33: ] إذا بلغ عدد الإبل الموجودة عند المكلف النصاب الثاني عشر أو زاد عليه،

[ 159 ]

نظر في عدد الإبل التي يملكها فما فنت عقود عشراته بعدها خمسين خمسين فقط، ومثال ذلك: أن يكون عدد الإبل مائة وخمسين، فان عده بالخمسين ثلاث مرات يفني عقودها ولا يبقى منها شئ، وعدد الاربعين لا يفني عقودها، وفي مثل هذا الفرض يتعين على المكلف عد الإبل بالخمسين وحدها ويخرج لكل خمسين من الإبل حقة، فيخرج في زكاة المائة والخمسين ثلاث حقق. وما فنت عقود عشراته بعدها اربعين أربعين فقط، ومثاله: ان يكون العدد مائة وستين فان عدد الأربعين اربع مرات يفني عقودها ولا يبقى منه شئ، وعدد الخمسين لا يفني عقودها، وفي هذا الفرض يتعين عد الإبل بالاربعين خاصة، ويخرج في زكاة كل اربعين بنت لبون، فعليه في زكاة المائة والستين اربع بنات لبون. وما فنت عقود عشراته بكل واحد من الاربعين والخمسين، ومثال ذلك: ان يكون عدد الإبل مائتين فانه اربع خمسينات أو خمس اربعينات، وفي هذا الفرض يتخير المكلف بينهما فيجوز له أن يخرج في زكاة المائتين خمس بنات لبون بعدها اربعين اربعين، ويجوز له ان يخرج في زكاتها أربع حقق بعدها خمسين خمسين. وما فنت عقود عشراته بالمركب من الأربعين والخمسين، ومثال ذلك: أن يكون عدد إبله مائة وسبعين فان فيه خمسين واحدة وثلاث اربعينات، ويتعين في مثل هذا الفرض ان يعدها كذلك، فيخرج في زكاة العدد المذكور في المثال حقة واحدة وثلاث بنات لبون. وعلى هذه القاعدة التي ذكرناها فلا يتصور عفو أبدا في عدد الإبل مهما بلغت، إلا في الآحاد ما بين عقود العشرات، وأما العشرات نفسها فلا بد وأن تفنى باحد العددين المذكورين أو بكليهما أو بالمركب منهما، فلا عفو فيها. [ المسألة 34: ] ولابد من الملاحظة في الحساب لتطبيق القاعدة التي ذكرناها في المسألة المتقدمة، فانها لا تختلف، فإذا كان عدد الإبل التي يملكها الإنسان مائة واربعين ناقة، تعين عليه أن يعدها خمسينين وأربعين واحدة فيخرج في زكاتها حقتين وبنت لبون، وإذا كان عدد إبله مائتين واربعين، امكن له أن يعدها ست أربعينات فيخرج في زكاتها ست بنات لبون، وامكن له أن يعدها اربعين واحدة، واربع خمسينات، فيخرج عنها اربع حقق وبنت لبون واحدة، وإذا كانت الإبل مائتين

[ 160 ]

وستين يتعين عليه أن يعدها خمسينين واربع اربعينات، فيخرج في زكاتها حقتين وأربع بنات لبون، ولا يكون عفو في الجميع كما قلنا. [ المسألة 35: ] لا يجوز للمكلف أن يتساهل في الحساب والتقسيم ويؤدي أقل مما يجب عليه في زكاة إبله، ويتوهم أن الزائد في الإبل عفو لا زكاة فيه، فإذا كان عدد إبله مائتين وسبعين ناقة، وجب عليه أن يعدها ثلاث خمسينات وثلاث أربعينات، فيؤدي في زكاتها ثلاث حقق وثلاث بنات لبون، وهذا هو المقدار الواجب عليه في زكاة العدد المذكور، ولا يكفيه أن يدفع عنها خمس حقق أو يدفع عنها ست بنات لبون، ويسقط الزائد بتوهم وجود العفو. وإذا كان يملك ثلاثمائة وعشرة من الإبل وجب أن يعدها ثلاث خمسينات وأربع أربعينات ويخرج في زكاتها ثلاث حقق وأربع بنات لبون، ولا يكتفي بدفع ست حقق مثلا أو بدفع خمس حقق وبنت لبون، وقد أكثرنا من الأمثلة للإيضاح، والأمر بين لا ينبغي أن يخفى. [ المسألة 36: ] إذا وجب على مالك الإبل أن يخرج في زكاتها بنت مخاض كما في النصاب السادس ولم توجد لديه، كفاه أن يدفع عوضا عنها ابن لبون، ولا يجزيه أن يدفعه بدلا عنها اختيارا مع وجودها لديه، وإذا فقدهما معا جاز له أن يشتري أيهما شاء ويدفعه في الزكاة. [ المسألة 37: ] لا تجب الزكاة في البقر حتى يبلغ عدد ما يملكه المكلف منها ثلاثين بقرة وهذا المقدار (هو النصاب الأول فيها) فإذا بلغت ذلك وجب على مالكها أن يخرج في زكاتها تبيعا أو تبيعة، والتبيع من البقر هو ما دخل في السنة الثانية من عمره، وكذلك التبيعة، فيجزيه أن يدفع أيهما شاء. ثم لا يجب في ما زاد على الثلاثين بقرة شئ غير التبيع أو التبيعة حتى يبلغ عددها أربعين بقرة (وهو النصاب الثاني) فإذا بلغت ذلك وجب على المكلف أن يخرج في زكاتها مسنة، وهي التي دخلت في السنة الثالثة من عمرها. فإذا زادت على أربعين بقرة نظر في عددها، فما فنت عقود عشراته بعده ثلاثين ثلاثين خاصة كالستين والتسعين، يجب على المكلف عده بالثلاثين ويخرج

[ 161 ]

لكل ثلاثين منها تبيعا أو تبيعة، فيخرج من الستين تبيعين أو تبيعتين، ومن التسعين ثلاث تبائع من الاناث أو الذكور. وما فنت عقود عشراته بعده أربعين أربعين خاصة كالثمانين والمائة والستين تعين على المالك أن يعده بالأربعين خاصة، فيخرج من الثمانين مسنتين، ومن المائة والستين أربع مسنات، وما فنت عقود عشراته بكل من الثلاثين والأربعين كالمائة والعشرين، يتخير مالكها بين العددين، فيجوز له أن يعدها ثلاث أربعينات ويخرج في زكاتها ثلاث مسنات من البقر، ويجوز له أن يعدها أربع ثلاثينات ويخرج في زكاتها أربع تبائع منها. وما فنت عقود عشراته بالمركب منهما كالسبعين والمائة وعشر يتعين على المالك أن يعدها كذلك فيخرج من السبعين تبيعا واحدا ومسنة واحدة، ويخرج في زكاة المائة وعشر تبيعا واحدا ومسنتين، وهكذا. وعلى هذه القاعدة التي ذكرناها فلا يتصور وجود عفو في الأعداد لا زكاة فيه الا في الآحاد ما بين العقود، واما عقود العشرات نفسها فلابد وان تفنى على الثلاثين أو الأربعين أو على كليهما أو على المركب منهما، الا إذا كان عدد البقر خمسين، فلا تجري فيه القاعدة التي ذكرناها ولا بد فيه من الزيادة ويتعين فيه الأخذ بالأربعين، فيخرج في زكاة الخمسين من البقرة مسنة واحدة ويكون الزائد من العدد عفوا. [ المسألة 38: ] لا تجب الزكاة في الغنم حتى يبلغ العدد الذي يملكه الانسان منها أربعين شاة (وهو النصاب الأول فيها) فإذا بلغت ذلك ففيها شاة واحدة. ثم لا يجب في ما زاد على الاربعين شئ غير الشاة، حتى يبلغ عددها مائة واحدى وعشرين شاة (وهو النصاب الثاني فيها) فتجب فيها شاتان. ثم لا يجب في ما زاد على هذا العدد شئ غير الشاتين، حتى يبلغ مائتين وواحدة (وهو النصاب الثالث) فتجب فيه ثلاث شياه. ثم لا يجب في الزائد على ذلك شئ غير الثلاث شياه، حتى يكمل عددها ثلاثمائة وواحدة (وهو النصاب الرابع) فتجب فيها أربع شياه. ثم لا يجب في ما زاد على ذلك المقدار شئ غير الأربع شياه حتى يبلغ عددها أربعمائة شاة (وهو النصاب الخامس) فتجب في كل مائة شاة منه اخراج

[ 162 ]

شاة واحدة. ولا نصاب في الغنم بعد هذه النصب الخمسة، فإذا زاد عددها على أربعمائة أخرج المالك في زكاة كل مائة شاة شاة واحدة، ولا شئ في ما دون المائة كما لا شئ في ما بين النصابين غير ما وجب اخراجه في النصاب السابق. [ المسألة 39: ] لا فرق في الحكم لا في الجنس من الإبل ما بين العراب والبخاتي وسائر اصنافها من ذوات السنام الواحد والسنامين، ولا فرق أيضا ما بين البقر والجاموس وسائر اصناف البقر الشرقي منها والغربي، ولا بين الضان والمعز وسائر أصناف الغنم من ذوات الألبان والأذناب، والعربي والبربري، والاسترالي وغيرها ولا بين الذكور والإناث في الجميع. [ المسألة 40: ] إذا كان القطيع الواحد من الأنعام مشتركا بين مالكين أو أكثر، وجب أن تلاحظ حصة كل واحد من الشركاء على انفراده فإذا بلغت حصته خاصة مقدار النصاب وجبت فيها الزكاة على مالكها وان لم تبلغ حد النصاب لم تجب الزكاة فيها وان كان القطيع متحدا في المسرح والمراح والمرعى والحظيرة والصنف. [ المسألة 41: ] إذا كان للمالك الواحد مال زكوي متفرق بعضه عن بعض وهو من جنس واحد، من الإبل مثلا أو من البقر أو الغنم، لوحظ جميع المال فان بلغ جميعه مقدار النصاب الشرعي وجبت فيه الزكاة وان كان كل قسم من المال على انفراده لا يبلغ النصاب، أو تباعدت أقسام المال في الأماكن والبلاد. [ المسألة 42: ] الشاة التي تدفع في زكاة الإبل أو الغنم يجب أن تكون جذعا من الضأن أو ثنيا من المعز، ولا تجزي عن الواجب إذا كانت أقل من ذلك سنا. والجذع من الضأن هو ما كملت له سنة واحدة من عمره ودخل في السنة الثانية، والثني من المعز هو ما كملت له سنتان ودخل في السنة الثالثة - على الأحوط لزوما - في كل من الجذع والثني. ويجوز للمالك أن يدفع أكبر من ذلك سنا، ويتخير بين أن يدفع الشاة من النصاب نفسه أو من مال غيره أو من شياه غير البلد وان كانت أقل قيمة من غنم النصاب.

[ 163 ]

وكذلك الحكم في الإبل والبقر، فإذا وجبت عليه بنت مخاض أو بنت لبون أو حقة في زكاة إبله، جاز له أن يدفعها من مال آخر يملكه وجاز له أن يشتريها من غيره ومن إبل غير البلد ويدفعها في زكاته، وإذا وجبت عليه تبيعة أو مسنة في زكاة البقر، صح له مثل ذلك، والمدار - على الأحوط - أن يكون ما يخرجه وسطا من أفراد مسمى الواجب، فلا يكفي أن يدفع الأدنى على الأحوط ولا يجب عليه دفع الأعلى، وإذا تطوع بدفعه فهو خير. [ المسألة 43: ] لا يتعين عليه أن يدفع الزكاة من جنس العين التي وجبت عليه في النصاب، بل يجوز له أن يدفع قيمتها من النقدين وما بحكمهما، كالأوراق النقدية والنحاس والنيكل المضروبين سكة يتعامل بها الناس بل يجوز له أن يدفع القيمة من غير ذلك إذا كانت القيمة المدفوعة من غير جنس الفريضة، فيجوز أن يدفع التمر والزبيب والحبوب قيمة للزكاة التي وجبت عليه في الأنعام وبالعكس، وإن كان الاقتصار على النقدين وما بحكمهما أحوط، وأحوط من ذلك أن يكون الاخراج من العين، واما دفع القيمة من جنس الفريضة ففيه إشكال. [ المسألة 44: ] إذا كانت العين موجودة وأراد المكلف أن يدفع القيمة بدلا عنها، أو كانت العين تالفة وكان النصاب مثليا كالغلات الأربع، فالمدار على القيمة في يوم الأداء، فإذا كان الاخراج في غير البلد فالأحوط له أن يدفع أعلى القيمتين في بلد المال وبلد الاداء. وإذا كانت العين تالفة وهي من القيميات كالأنعام الثلاثة، فالمدار على قيمة يوم التلف، وإذا كان التلف لا يستوجب الضمان كما إذا حصل بغير تعد من المالك ولا تفريط فلا شئ عليه. [ المسألة 45: ] يجزي المكلف في أداء الواجب أن يدفع الأنثى زكاة وان كان النصاب كله من الذكور، ويجزيه أن يدفع الذكر زكاة وان كان النصاب كله من الإناث، ويجزيه أن يدفع الزكاة من الضأن وان كان النصاب كله من المعز، وأن يدفع المعز وإن كان النصاب كله من الضأن، ويجزيه أن يدفع البقر زكاة عن نصاب

[ 164 ]

الجاموس، وأن يدفع الجاموس زكاة عن نصاب البقر، وأن يدفع الإبل البخاتي زكاة عن نصاب الإبل العراب، وأن يدفع العراب زكاة عن الإبل البخاتي سواء تساوت القيمة أم اختلفت في جميع الفروض المذكورة، وإذا اختلط النصاب من الصنفين أجزأه أن يخرج الزكاة من أي الصنفين شاء. [ المسألة 46: ] يدخل الصحيح والمريض من الأنعام، والسليم والمعيب، والشاب والهرم منها في وجوب عده من النصاب، ولا يجزي أن يدفع المريض زكاة إذا كان النصاب كله من الصحاح، ولا يكفي أن يدفع المعيب زكاة إذا كانت كلها سليمة، ولا يجوز أن يدفع الهرم إذا كانت كلها شابة، بل ولا يجزي ذلك على الأحوط إذا كان النصاب مخلوطا من الصحاح والمراض أو من السليمة والمعيبة أو من الشابة والهرمة، وإذا كان النصاب كله مراضا أو معيبة أو هرمة جاز الاخراج منه. [ المسألة 47: ] إذا ملك الانسان النصاب الأول دون زيادة، وحالت عليه - وهو في ملكه - أحوال، فان كان يؤدي زكاة النصاب في كل عام من غيره تكررت الزكاة عليه في النصاب ما دام يفعل ذلك، ومبدأ كل حول من حين أداء الزكاة عن الحول السابق عليه، فان ذلك الحين هو الوقت الذي تخلص للمالك فيه ملكية النصاب. وإذا أخرج الزكاة من المال نفسه نقص بذلك عن النصاب فلا تجب الزكاة فيه للسنة الثانية، وكذلك الحكم إذا لم يخرج منه الزكاة أصلا، فيجب عليه أن يزكيه لسنة واحدة. وإذا ملك المالك ما يزيد على النصاب الأول ولا يبلغ النصاب الثاني وحالت عليه وهو في ملكه أحوال وجب عليه أن يزكي ذلك المال لكل سنة منها حتى ينقص عدده عن النصاب، فإذا نقص عنه لم تجب فيه الزكاة. [ المسألة 48: ] الثاني من شروط وجوب الزكاة في الأنعام أن تكون سائمة طوال الحول، فلا تجب الزكاة فيها إذا كانت معلوفة ولو في بعض الحول، ولا يضر في تحقق الشرط المذكور في نظر أهل العرف أن تعلف اليوم الواحد أو اليومين بل والأيام إذا كانت متفرقة في أثناء الحول.

[ 165 ]

[ المسألة 49: ] لا تجب الزكاة في الأنعام إذا كانت معلوفة وان كان بسبب اضطرار لعدم وجود مرعى ترعى فيه مثلا، أو لوجود مانع يمنع من اخراجها إلى السوم، كمرض في الماشية أو نزول ثلج أو مطر أو خوف من تسلط ظالم أو سباع، وسواء كان العلف من مال المالك أم من مال غيره، وسواء أذن المالك بالعلف أم لم يأذن. ومن العلف أن يجز النبات المباح فيطعمها إياه أو يتبرع متبرع بعلفها. [ المسألة 50: ] لا يضر في صدق وصف السائمة على الأنعام أن يستأجر مالكها لها مرعى مملوكا لغيره تسوم فيه، أو يشتري نباته من مالكه لذلك، أو يرسلها مالكها في أرضه فترعى من نبت مملوك له بنبع الأرض كالحشائش والكلاء الذي ينبت في الأرض بعد الأمطار أو بعد نضوب الماء منها، ويشكل صدق السائمة عليها إذا أرسلها مالكها في زرع مملوك له قد زرعه لترعى فيه، أو زرع إشتراه من أحد لتسوم فيه، ولا يضر في صدق وصف السائمة أن يدفع إلى الظالم المتسلط مالا ليجيزه في أن ترعى أنعامه ومواشيه في أرض مباحة. [ المسألة 51: ] الثالث من شروط وجوب الزكاة في الأنعام: أن لا تكون عوامل، لا في جميع الحول ولا في بعضه، فلا تجب الزكاة فيها إذا كانت تعمل في نقل المسافرين مثلا من بلد إلى بلد، أو تعمل في نقل الرحال والأثقال وفي إثارة الارض أو سقي الزرع أو ما يشبه ذلك من الأعمال. ولا يمنع من وجوب الزكاة فيها أن تعمل في أثناء الحول يوما أو يومين، بل وأياما إذا كانت الأيام متفرقة، ومن غير إعداد لذلك، وإذا أعدها مالكها للعمل وعملت بعد الإعداد يومين أو أكثر ففي تحقق الشرط إشكال، ولابد في هذا الفرض من مراعاة الاحتياط بإخراج الزكاة. [ المسألة 52: ] إذا ملك الرجل نصابا - لا أكثر - من الإبل أو البقر، وكان بعض النصاب المملوك له من العوامل لم تجب الزكاة في جميع النصاب، وكذلك إذا كانت الأنعام التي يملكها أكثر من نصاب وكانت الأنعام غير العاملة منها لا تبلغ مقدار

[ 166 ]

النصاب فلا تجب فيها الزكاة. [ المسألة 53: ] الرابع من شروط وجوب الزكاة في الأنعام: أن يمضي عليها حول في ملك مالكها وهي جامعة للشرائط، والمراد هنا بالحول أن يدخل الشهر الثاني عشر منذ ابتداء الحول عليها، فإذا دخل الشهر الثاني عشر ثبت وجوب الزكاة فيها بدخوله واستقر على الأقوى، ولا يضر بوجوب الزكاة واستقراره أن يختل بعض الشروط بعد ذلك، وإن حصل الخلل في أثناء الشهر الثاني عشر، غير أن الحول اللاحق للأنعام لا يبتدي إلا بعد نهاية الشهر الثاني عشر. [ المسألة 54: ] إذا انتفى بعض الشروط التي ذكرناها لوجوب الزكاة قبل دخول الشهر الثاني عشر بطل الحول من غير فرق بين الشروط العامة التي ذكرناها في الفصل الأول لوجوب مطلق الزكاة والشروط التي بيناها في هذا الفصل لزكاة الأنعام. ومثال ذلك: أن ينقص عدد الأنعام عن مقدار النصاب أو يطرأ للمالك أو في الأنعام ما يمنع المالك من التصرف فيها أو يبدلها بغيرها، وإن كان العوض الذي انتقل إليه من جنسها، كما إذا عاوض عن الغنم أو البقر أو الأبل بمثلها، فيبطل الحول ولا تجب على المالك الزكاة إذا تم وان فعل ذلك باختياره فرارا من الزكاة. [ المسألة 55: ] إذا أبدل المالك النصاب الزكوي الذي يملكه بنصاب آخر من جنس الأول أو من غير جنسه قبل أن يتم الحول بطل حول النصاب الأول كما قلنا، واستأنف حولا جديدا للنصاب الجديد من الوقت الذي ملكه فيه بالمعاوضة، وكذلك إذا أبدل بعض النصاب بما يجعله نصابا مرة أخرى، ومثاله: أن تكون له أربعون شاة وتمضي عليها عدة أشهر وهي في ملكه، ثم يبدل عشرين شاة منها بعشرين شاة أخرى، فيجب عليه أن يستأنف الحول للنصاب من حين التبديل. [ المسألة 56: ] إذا اجتمعت شروط وجوب الزكاة في النصاب الزكوي وحال عليه الحول والشروط كلها مجتمعة فيه، ثم تلف بعض النصاب قبل أن يدفع المكلف زكاته، فإن كان تلف ذلك البعض بغير تفريط من المالك، فلا ضمان عليه لزكاة ذلك

[ 167 ]

البعض التالف، ويسقط عنه من الزكاة بنسبة المقدار التالف إلى مجموع النصاب، ومثال ذلك: أن يكون عدد النصاب الموجود عنده في الحول خمسا من الإبل، ثم تتلف منه بعد الحول وقبل دفع الزكاة ناقة واحدة، وهي خمس النصاب، والزكاة الواجبة عليه في هذا النصاب شاة واحدة فإذا كان تلف الناقة منه بغير تفريط سقط عنه خمس الشاة التي يجب عليه إخراجها، لأنه غير ضامن، ويجب عليه أن يدفع أربعة أخماس الشاة فقط، فإذا كانت قيمة الشاة خمسة دنانير وأراد المالك أن يؤدي القيمة وجب عليه أن يدفع لمستحق الزكاة أربعة دنانير. وإذا كان عدد النصاب المفروض وجوده عند المالك في الحول عشرا من الإبل وهو النصاب الثاني وكان التالف منه قبل دفع الزكاة ناقة واحدة، وهي عشر النصاب المذكور، والزكاة الواجبة في هذا النصاب شاتان، فيسقط عن المكلف عشر الشاتين المذكورتين ويجب عليه أن يدفع تسعة أعشار الشاتين فقط، لأنه غير ضامن، فإذا كانت قيمة الشاتين عشرة دنانير وأراد أن يؤدي القيمة، وجب عليه أن يدفع للمستحق تسعة دنانير، وهكذا. وإذا كان تلف التالف من النصاب بتفريط من المالك كان ضامنا للزكاة، فلا يسقط عنه من الزكاة شئ، ويكفي في حصول التفريط من المالك وثبوت الضمان عليه أن يؤخر دفع الزكاة عامدا مع تمكنه من أدائها. وإذا كان تلف التالف من عدد الأنعام الموجودة لا ينقص من النصاب الشرعي شيئا لم يسقط عن المالك شئ من الزكاة الواجبة عليه وإن كان التلف بغير تفريط، ومثال ذلك: أن يكون عدد الإبل الموجودة لدى المالك في الحول ستا في الفرض الأول وإحدى عشرة ناقة في الفرض الثاني، فإذا تلفت من الإبل واحدة لم ينقص من النصاب شئ فلا ينقص من الزكاة شئ. [ المسألة 57: ] يبدأ حول السخال منذ يوم ولادتها على الأقوى، سواء كانت الأمهات سائمة أم معلوفة وسواء كانت أولاد إبل أم بقر أم غنم، وإذا ولد بعض النصاب من السخال في وقت ثم ولدت بقية النصاب بعد ذلك، فمبدأ الحول فيها حين تتم ولادة باقي النصاب. [ المسألة 58: ] إذا كان الانسان مالكا لأحد النصب من الأنعام، ثم تجدد له ملك أنعام

[ 168 ]

أخرى من جنس الأنعام الأولى زيادة عليها، فلهذا الفرض صور مختلفة تجب ملاحظتها ولكل صورة منها حكمها. (الصورة الأولى): ان يملك الرجل الأنعام الجديدة عند انتهاء حول الأنعام الأولى، وتكون الأنعام الجديدة بمقدار يكمل بها النصاب اللاحق أو يزيد عليه، والحكم في هذه الصورة أن يؤدي المالك زكاة النصاب الأول الذي تم حوله ثم يبتدئ حولا جديدا لمجموع ما يملكه من الأنعام القديم منها والجديد، ومثال ذلك: أن يكون الرجل مالكا لخمس من الأبل، فتلد له خمسا من الإبل أخرى عند نهاية الحول أو يشتري مثلها في ذلك الوقت أو تنتقل إليه بميراث أو غيره، أو أن يكون الرجل مالكا لثلاثين بقرة، ثم أنتجت له في نهاية حولها إحدى عشرة، فيكون الحول الجديد حولا للأمهات والأولاد، وعليه أن يزكي النصاب الأول الذي تم حوله فيخرج شاة عن الإبل في المثال الأول ويخرج تبيعا أو تبيعة من البقر في المثال الثاني، وإذا تم الحول الجديد للأنعام القديمة والجديدة وجب عليه أن يخرج شاتين عن نصاب الإبل ومسنة عن نصاب البقر، وكذلك إذا زادت الأنعام على ما يكمل النصاب اللاحق في هذه الصورة ولا تبلغ نصابا آخر. [ المسألة 59: ] (الصورة الثانية): أن يملك الرجل أنعاما جديدة في أثناء حول الأنعام الاولى، وتكون الأنعام الجديدة التى يملكها في ما بعد نصابا زكويا مستقلا، ومثال ذلك: أن يكون مالكا لخمس من الإبل وتمضي من حولها ستة أشهر، ثم يملك ستا وعشرين ناقة غيرها، والحكم في هذه الصورة أن ينفرد كل من النصابين بحوله، فإذا تم حول النصاب الأول وجبت فيه الزكاة وأخرج عنه شاة في المثال الذي ذكرناه، وإذا انتهى حول النصاب للأنعام الجديدة أخرج في زكاته بنت مخاض، وهكذا. وبحكم هذه الصورة ما إذا زادت الأنعام الجديدة التي ملكها على النصاب بما لا يبلغ نصابا آخر أكبر منه كما إذا ملك ثلاثين من الإبل. [ المسألة 60: ] (الصورة الثالثة): أن يملك المكلف أنعاما جديدة في أثناء حول الأنعام الأولى، وتكون الأنعام التي تجدد له ملكها في ما بعد بمقدار يكمل به النصاب

[ 169 ]

اللاحق للأنعام الأولى، ومثال ذلك: أن تكون عند الرجل ثلاثون بقرة وتمضي عليها ستة أشهر وهي في ملكه، فتلد له إحدى عشرة في أثناء حولها، أو يشتري هذا العدد فيكون مجموع ما لديه إحدى وأربعين بقرة، أو يكون الرجل مالكا لأربعين شاة، ثم يملك في أثناء حولها اثنتين وثمانين شاة جديدة ويصبح مجموع ما لديه من الغنم الجديدة والقديمة مائة واثنتين وعشرين شاة. والحكم في هذه الصورة أن يتم حول الأنعام الأولى، فيؤدي بعده زكاة النصاب الأول، فيخرج فيه تبيعا أو تبيعة في مثال البقر، ويخرج شاة واحدة في مثال الغنم، ثم يستأنف حولا جديدا لمجموع ما لديه من الأنعام القديم منها والجديد، فإذا انتهى هذا الحول أخرج في زكاته مسنة في مثال البقر، وأخرج شاتين في مثال الغنم، وكذلك إذا زادت البقر أو الغنم على العدد المذكور في الصورة بما لا يبلغ نصابا آخر. [ المسألة 61: ] (الصورة الرابعة): أن تكون الأنعام الجديدة التي يملكها المكلف في الفرض المتقدم بمقدار يكون نصابا مستقلا وهو في الوقت نفسه مكمل للنصاب اللاحق، ومثال ذلك: أن يكون الرجل مالكا لعشرين من الإبل، ثم يملك في أثناء الحول ستا أخرى، فان الخمس الجديدة من الإبل نصاب مستقل كما أن الست إذا أضيفت إلى العشرين الأولى كانت متممة للنصاب السادس من الإبل، أو يكون مالكا لخمس من الإبل ثم يملك في أثناء الحول خمس إبل أخرى فان الخمس الثانية مكملة للنصاب الثاني من الإبل وهي في الوقت نفسه نصاب مستقل منها. والحكم في هذه الصورة نظير ما قدمناه في الصورة الثانية فيكون لكل واحد من النصاب الذي ملكه أولا والنصاب الذي ملكه ثانيا حول مستقل على انفراده، وعند تمام كل حول منهما يجب على المكلف دفع زكاته، فإذا تم حول النصاب الأول دفع أربع شياه في المثال الأول، ودفع شاة واحدة في المثال الثاني، وإذا تم حول النصاب الثاني دفع شاة واحدة في كل من المثالين. [ المسألة 62: ] (الصورة الخامسة): أن لا تبلغ الأنعام الجديدة التي يملكها الانسان في ما بعد نصابا مستقلا، ولا تكون مكملة للنصاب اللاحق، ومثال ذلك: أن يكون الرجل

[ 170 ]

مالكا لخمس من الإبل، فتلد له في أثناء حولها أربعا، أو يكون مالكا أربعين شاة، ثم يملك في أثناء حولها ثلاثين شاة أخرى، فالإبل الاربع الجديدة التي تجدد له ملكها في المثال الأول ليست نصابا مستقلا بعد الخمس الأولى، ولا مكملة للنصاب اللاحق من الإبل، وكذلك الثلاثون من الغنم التي ملكها في المثال الثاني ليست نصابا مستقلا بعد الأربعين الأولى ولا مكملة للنصاب اللاحق من الغنم، ولا حكم للأنعام الجديدة في هذه الصورة، فلا يستأنف لها حول، ولا تجب على المالك فيها زكاة سواء ملكها في أثناء الحول الأول أم بعده، وإنما يجب على المالك زكاة النصاب الأول بعد أن يتم حوله. [ المسألة 63: ] إذا ارتد الرجل المسلم عن دينه وكان ارتداده عن فطرة، فان كان ارتداده عن الإسلام في أثناء الحول لماله الزكوي انقطع الحول بارتداده، وانتقل المال الى ورثته المسلمين، فإذا بلغت حصة الوارث منهم مقدار النصاب الشرعي استأنف الحول من حين انتقال المال إليه، فإذا تم الحول وهو في ملكه وجبت عليه زكاته، وإذا لم تبلغ حصته مقدار النصاب لم يجب عليه شئ، وإن كان ارتداده بعد أن تم الحول لماله وجبت الزكاة في المال ووجب على الوارث إخراجها من جميع المال وإن لم تبلغ حصة الواحد منهم مقدار النصاب، ويجوز لهم اخراجها من أموالهم الأخرى فيخلص لهم النصاب. [ المسألة 64: ] إذا ارتد المسلم وكان ارتداده عن ملة وكان ذلك بعد أن تم الحول لماله الزكوي، وجبت الزكاة في المال إذا كان بمقدار النصاب أو أكثر، وإذا ارتد في أثناء الحول لم ينقطع حوله بذلك، فيجب أداء الزكاة من المال بعد أن يتم الحول، والأحوط أن يكون المتولي لإخراج الزكاة من ماله هو الحاكم الشرعي، وإذا تاب هذا المرتد ورجع إلى الإسلام قبل أن يخرج الحاكم الزكاة من ماله تولى إخراج الزكاة بنفسه. وإذا أخرج هذا المرتد الزكاة بنفسه قبل أن يتوب من ارتداده، ففي إجزائها عن الواجب إشكال، ولا يترك الاحتياط، فإذا تاب والعين المدفوعة في الزكاة لا تزال باقية في يد المستحق جدد النية بعد توبتة وأجزأت عنه، وإذا كان الفقير المستحق عالما بأن الدافع مرتد، وقبض منه الزكاة وهو في حال ردته، ثم

[ 171 ]

تلفت العين عند الفقير كان مشغول الذمة بها، فإذا تاب المرتد بعد ذلك جاز له أن يحتسبها عليه، وإذا هو لم يتب جاز للحاكم الشرعي أن يحتسبها عليه. [ المسألة 65: ] إذا ارتدت المرأة عن الإسلام لم ينقطع حول النصاب الذي تملكه بردتها، سواء كان ارتدادها عن فطرة أم عن ملة، فإذا تم الحول عليه وجب أداء الزكاة منه، والأحوط أن يتولى الحاكم الشرعي إخراجها. [ المسألة 66: ] إذا تزوج الرجل امرأة وجعل مهرها نصابا زكويا وجرى على ذلك الإيجاب والقبول ملكت المرأة النصاب بالعقد فإذا حال عليه الحول منذ ذلك الوقت وهو في تصرفها وجبت عليها زكاته. وإذا طلقها الزوج بعد أن تم الحول على النصاب المذكور وقبل أن يدخل الزوج بالمرأة رجع نصف النصاب إلى الزوج ووجب على المرأة أن تؤدي زكاة جميع النصاب من النصف الذي استقر لها، ولا يتعين عليها أن تدفع الزكاة منه فيجوز لها أن تدفع الزكاة عنه من مال آخر. وإذا تلف نصفها قبل أن تدفع الزكاة وكان تلفه بتفريط منها وجب عليها إخراج الزكاة من مالها ولم يسقط من الزكاة شئ بسبب التلف، وإذا لم تخرج الزكاة هي، تتبع الساعي عين النصاب فأخذ الزكاة منه - والساعي هو العامل الذي يعينه الحاكم الشرعي لأخذ الزكاة من المكلفين بها - فإذا أخذ الزكاة من نصف الزوج، رجع الزوج على الزوجة المطلقة بما أخذه الساعي منه. وإذا تلف نصف الزوجة المطلقة بغير تفريط منها سقط عنها نصف الزكاة ووجب عليها دفع النصف الثاني، فإذا لم تؤده أخذه الساعي من نصف الزوج ورجع الزوج عليها به. [ المسألة 67: ] يصدق مالك المال الزكوي إذا ادعى أن الحول لم يحل على ماله، أو ادعى أن بعض ماله قد تلف في أثناء الحول فنقص ماله عن النصاب، أو ادعى أنه قد أدى زكاة ماله، أو أنه قد دفع قسما منها، ولا يفتقر في شئ من ذلك إلى إقامة بينة شرعية تثبت صدق قوله في ما يدعيه، ولا إلى يمين، إلا أن يعلم كذبه في ما يقول.

[ 172 ]

[ الفصل الثالث ] [ في زكاة النقدين ] [ المسألة 68: ] يشترط في وجوب الزكاة في الذهب والفضة المسكوكين، مضافا إلى ما ذكرناه في الفصل الأول من الشروط العامة لوجوب الزكاة في مطلق الأموال الزكوية: أن تتوفر فيهما ثلاثة أمور: الأول: أن يبلغ النقد الموجود منهما عند المكلف مقدار النصاب الشرعي، ولكل واحد من الذهب والفضة نصابان. [ المسألة 69: ] لا تجب الزكاة في النقد من الذهب حتى يبلغ المقدار الموجود منه عند المكلف عشرين دينارا (وهذا هو النصاب الأول في الذهب)، فإذا بلغ هذا المقدار وتوفرت في النصاب بقية الشروط، وجب فيه نصف دينار. والمراد بالدينار المثقال الشرعي، ووزن المثقال الشرعي يبلغ ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي المعروف وهو يساوي أربعة وعشرين حمصة، وعلى هذا فالدينار الواحد أو المثقال الشرعي يزن ثماني عشرة حمصة من الذهب، والنصاب الشرعي الأول منه، - وهو كما قلنا عشرون دينارا - يبلغ في وزنه خمسة عشر مثقالا صيرفيا، ونصف الدينار الذي يجب إخراجه في زكاة هذا النصاب إذا كملت شروطه يبلغ وزنه تسع حمصات من الذهب، أو ثلاثة أثمان المثقال الصيرفي. ثم لا يجب في ما زاد على عشرين دينارا، غير نصف الدينار الذي ذكرناه فقط، حتى يبلغ الزائد أربعة دنانير، فإذا بلغ ذلك (وهذا هو النصاب الثاني من الذهب) فكان المجموع أربعة وعشرين دينارا وجب في زكاته نصف دينار وقيراطان. والأربعة دنانير تساوي في وزنها ثلاثة مثاقيل صيرفية، والقيراط هو جزء واحد من عشرين جزءا من الدينار، فالأربعة دنانير تساوي في وزنها ثمانين قيراطا، والقيراطان هما ربع عشرها، كما أن نصف الدينار هو ربع العشر من العشرين دينارا.

[ 173 ]

وهكذا إذا زادت على ذلك أربعة دنانير أخرى أخرج المكلف في زكاتها قيراطين آخرين، ولا شئ في ما دونها، ثم في كل أربعة دنانير قيراطان. وأيسر من ذلك في الحساب أن يدفع المكلف بعد النصاب الأول ربع العشر من النقد الموجود لديه، فانه يؤدي بذلك ما وجب عليه من زكاة النقد، وقد يزيد قليلا على المقدار الواجب فيه. [ المسألة 70: ] لا تجب الزكاة في النقد من الفضة حتى يبلغ مقدار ما يملكه الانسان منه مائتي درهم، فإذا بلغ هذا المقدار (وهو النصاب الأول من الفضة) وجب فيه إخراج خمسة دراهم، ثم لا يجب في ما زاد على المائتي درهم شئ غير الخمسة المذكورة حتى يبلغ الزائد أربعين درهما، (وهذا هو النصاب الثاني في الفضة) فإذا بلغ ذلك وجب فيه إخراج درهم واحد. ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، وهي تساوي خمسة مثاقيل وربعا من المثاقيل الصيرفية، وعلى هذا فالنصاب الأول من الفضة - وهو المائتا درهم - يبلغ وزنه مائة وأربعين مثقالا شرعيا، وهي تساوي مائة وخمسة مثاقيل صيرفية، والنصاب الثاني من الفضة، وهو الأربعون درهما، يبلغ ثمانية وعشرين مثقالا شرعيا، وهي تساوي واحدا وعشرين مثقالا صيرفيا، والدرهم الواحد الذي يجب في زكاة النصاب الثاني يساوي نصف مثقال صيرفي وربع عشره، والخمسة دراهم التي تجب في زكاة النصاب الأول تساوي خمسة أمثال ذلك. وإذا راعى المكلف الضابط الذي سبق ذكره في المسألة المتقدمة فدفع ربع العشر من المبلغ الموجود لديه من نقد الفضة فقد أدى ما وجب عليه في زكاته وقد يزيد عليه قليلا في بعض الفروض. [ المسألة 71: ] الثاني من شروط وجوب الزكاة في النقدين - الذهب والفضة -: أن يكونا مسكوكين للمعاملة بهما من غير فرق بين سكة الدولة المسلمة والكافرة، بل المدار على أن تجري المعاملة بهما بين الناس، ويتخذا ثمنا رائجا للمبيعات، فإذا جرت المعاملات بهما بين الناس شملهما الحكم وإن كانا ممسوحين من أثر السكة لكثرة التعامل بهما أو كانا ممسوحين بالاصالة أو اتخذهما المكلف للزينة، فالمدار في جميع الفروض على ما ذكرناه، فإذا كانت المعاملة بهما جارية بين الناس وجبت

[ 174 ]

الزكاة فيهما وإن لم تجر المعاملة بهما لم تجب الزكاة. [ المسألة 72: ] الثالث من شروط وجوب الزكاة فيهما: أن يحول الحول على النقدين وهما جامعان للشرائط التي تقدم ذكرها هنا وفي الفصل الأول على الوجه الذي فصلناه في حول الأنعام، فإذا نقص النقد عن مقدار النصاب في أثناء الحول، أو بدل المكلف النصاب بغيره وإن كان العوض من جنسه، أو غير السبك، أو صاغ الذهب والفضة حليا ونحوه لم تجب الزكاة فيه، وإن فعل ذلك بقصد الفرار من الزكاة، وكذلك الحكم إذا طرأ في أثناء الحول ما يمنع المالك من التصرف في المال. [ المسألة 73: ] المراد من أن يحول الحول على النقد هو أن يدخل الشهر الثاني عشر كما بيناه في زكاة الأنعام، فإذا دخل الشهر المذكور استقر وجوب زكاة المال على المكلف، ولا يضر بالوجوب أن تختل الشروط أو يختل بعضها في أثناء الشهر الثاني عشر، ولكن لا يبدأ الحول اللاحق للمال إلا بعد انتهاء ذلك الشهر كما تقدم. وإذا سبك المكلف الدراهم أو الدنانير بعد أن حال عليهما الحول فنقصت قيمتهما بالسبك وجب عليه إخراج زكاتهما بملاحظتهما دراهم ودنانير. [ المسألة 74: ] لا تجب الزكاة في المصوغات حليا أو غيره من الذهب أو الفضة، ولا في الأواني المتخذة من أحدهما، سواء اتخذها للاقتناء أم للاستعمال. [ المسألة 75: ] تجب الزكاة في الذهب والفضة إذا توفرت فيهما الشروط التي ذكرناها، سواء كان الذهب أو الفضة من الجنس الجيد أم الردئ أم كان بعض النصاب جيدا وبعضه رديئا. [ المسألة 76: ] إذا كان نصاب النقد من الذهب أو الفضة كله رديئا، جاز للمكلف إخراج زكاته من الردئ، وإذا كان جميع النصاب من الجيد، فلا يترك الاحتياط بأن يخرج الزكاة من الجيد، وإذا كان بعض النصاب جيدا وبعضه رديئا، فالأحوط أن

[ 175 ]

يبعض في الزكاة بالنسبة، فإذا كان نصف النصاب من الجيد، أخرج نصف الزكاة من الجيد، وجاز له أن يدفع النصف الآخر من الردئ، وإن أخرج جميعها من الجيد فهو أحسن، وإذا كان ربع النصاب من الجيد أخرج ربع الزكاة من الجيد، وصح له أن يدفع الباقي من الردئ، وهكذا. [ المسألة 77: ] تتعلق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة على الأحوط، إذا كان الغش الموجود فيها لا ينافي صدق اسم الذهب أو الفضة عليها في نظر أهل العرف، وإن لم يبلغ الخالص منها مقدار النصاب، ويؤدي زكاتها منها، وإذا كان الغش الموجود فيها بمقدار يضر في صدق اسم الذهب والفضة عليها، فان علم بأن خالص الذهب والفضة الموجود فيها يبلغ مقدار النصاب الشرعي تعلقت بها الزكاة. وإن علم بأن خالصهما لا يبلغ النصاب لم يجب فيها شئ، وإذا شك في أن خالص الذهب والفضة الموجود فيها هل يبلغ النصاب أو لا، فلا يترك الاحتياط بالتصفية ليعلم حالها، أو دفع الزكاة بقصد الرجاء. [ المسألة 78: ] إذا ملك المكلف نصابا من النقد الجيد لم يجز له أن يخرج زكاته من النقد المغشوش، إلا إذا علم بأن الخالص مما يدفعه يبلغ مقدار الزكاة الواجبة عليه، ويجوز له أن يدفع النقد المغشوش ويجعله قيمة للزكاة الواجبة عليه، إذا كانت له قيمة تساوي المقدار الواجب أو تزيد عليه، وكذلك الحكم إذا ملك نصابا من النقد المغشوش - كما ذكرنا في المسألة السابقة - وأراد إخراج زكاته من النقد المغشوش، فلابد وأن يكون دفعه على الوجه المذكور. [ المسألة 79: ] إذا ملك الرجل نقدا بمقدار النصاب الشرعي ذهبا أو فضة وشك في أن ما يملكه من النقد الخالص أو من النقد المغشوش، فلا يترك الاحتياط إما بتصفية المال لمعرفة حاله أو بدفع زكاته من باب الرجاء. [ المسألة 80: ] إذا ملك الانسان دنانير مغشوشة بالفضة، فان علم المكلف بأن ما في الدنانير من الذهب وحده لا يبلغ نصاب الذهب، وما فيها من الفضة وحده لا يبلغ نصاب الفضة، لم تجب عليه الزكاة فيها، وإن كان المجموع منهما بمقدار قيمة النصاب،

[ 176 ]

وكذلك الحكم إذا ملك دراهم مغشوشة بالذهب، فلا تجب الزكاة فيها إذا كانت فضتها وحدها لا تبلغ نصاب الفضة، وذهبها وحده لا يبلغ نصاب الذهب. وإذا علم بأن ما في الدنانير أو الدراهم المذكورة من الذهب وحده أو من الفضة وحدها أو من كل منهما على انفراده يبلغ مقدار نصابه، وجبت عليه الزكاة في ما يبلغ النصاب من أحدهما أو من كليهما، فان علم بالمقدار أدى زكاته وإن لم يعلم بالمقدار وجبت عليه تصفية المال أو الاحتياط بدفع ما يتيقن معه ببراءة ذمته. وإذا شك في ان ما في الدنانير والدراهم من الذهب وحده أو الفضة وحدها أو كل من الجنسين على انفراده يبلغ مقدار النصاب أو لا، فلا يترك الاحتياط إما بتصفية المال ليعلم حاله أو دفع الزكاة بقصد الرجاء. [ المسألة 81: ] إذا ترك الرجل عند أهله مالا من الذهب أو الفضة لنفقتهم أو لغير ذلك وغاب عنهم حولا، ففضل من المال مقدار النصاب، فان كان مالك المال في مدة الحول متمكنا من التصرف في المال المذكور كيفما يريد بتوسط وكيله مثلا، أو باتصاله الدائم بالمكالمات الهاتفية ونحوها، وجبت عليه الزكاة في المال الباقي عند أهله، وإن لم يتمكن من التصرف في المال في حال غيبته لم تجب عليه زكاته. [ المسألة 82: ] إذا ملك الرجل أموالا زكوية مختلفة في جنسها، لم تجب الزكاة في أي جنس منها حتى يبلغ ما يملكه الرجل من ذلك الجنس بمفرده مقدار النصاب الشرعي المحدد له، ولا يضم بعض الأجناس إلى بعض، فإذا كان يملك تسعة عشر دينارا من نقد الذهب، ويملك مائة وتسعين درهما من نقد الفضة، لم يضم أحد الجنسين الى الآخر، ولم تجب الزكاة فيهما، وكذلك في الأنعام والغلات. وإذا كانت الأموال الزكوية التي يملكها متحدة في الجنس ومختلفة في الصنف، ضم بعضها إلى بعض، ومثال ذلك: أن يملك نقودا ذهبية من ضرب دول متعددة، أو يكون مالكا لنقود من الفضة مختلفة في السكة، فيضم بعض النقود إلى جنسها، ولا يضر بوحدة النصاب منها أنها مختلفة في الضرب أو السكة، فإذا بلغ مجموعها مقدار النصاب وتمت الشروط المعتبرة فيها وجبت فيها الزكاة.

[ 177 ]

[ الفصل الرابع ] [ في زكاة الغلات الأربع ] [ المسألة 83: ] تجب الزكاة في كل واحدة من الغلات الأربع، وهي الحنطة والشعير، والتمر والزبيب، ولا يلحق السلت بالحنطة والشعير بالحكم، على الأقوى، وقد قال بعض علماء اللغة: السلت بضم السين ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، وقيل هو نوع من الحنطة، والمستفاد من النصوص الشرعية المعتبرة أنه غيرهما، فلا تجب الزكاة فيه على القول الأصح. وفي إلحاق العلس بالحنطة إشكال، فقد قيل بأنه نوع منها يكون بناحية اليمن، وتكون منه حبتان في قشر، وقيل هو طعام أهل صنعاء، ولذلك فلا يترك الاحتياط بإخراج زكاته إذا بلغ مقدار النصاب. ولا تجب الزكاة في ما عدا الغلات الأربع من الحبوب والثمار التي تنبتها الأرض، ويستحب إخراج الزكاة من الحبوب مما يكال أو يوزن إذا بلغت مقدار النصاب، وقد أشرنا إلى هذا في المسألة الثلاثين، وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - في الفصل الخامس. [ المسألة 84: ] يشترط في وجوب الزكاة في الغلات الأربع زائدا على ما سبق ذكره في الفصل الأول من الشروط العامة لوجوب الزكاة في الأموال الزكوية، أن تتوفر فيها عدة أمور. (الأمر الأول من الشروط المعتبرة في وجوب الزكاة في الغلات): أن تبلغ الغلة مقدار النصاب. والنصاب الشرعي في الغلة هو ان يبلغ المقدار الذي يملكه المكلف منها: ثلاثمائة صاع، وزنة كل صاع تسعة أرطال بالرطل العراقي، وعلى هذا فالنصاب الشرعي من الغلة هو ما بلغ وزنه ألفين وسبعمائة رطل عراقي. ووزن النصاب بحسب الدراهم الصيرفية المتعارفة: مائتا ألف وستة وسبعون ألفا وأربعمائة واثنا عشر درهما ونصفا، ووزنه بحسب المثاقيل الصيرفية المتعارفة: مائة الف وأربعة وثمانون الفا ومائتان وخمسة وسبعون مثقالا صيرفيا،

[ 178 ]

وعلى هذا التحديد فوزن النصاب بحسب الحقق الاسلامبولية الموجودة، يبلغ ستمائة واحدى وتسعين حقة واثني عشر درهما ونصفا وهو ثمن ربع الحقة. وهذا المقدار من الحقق الاسلامبولية يعني ثماني وعشرين وزنة اسلامبولية وثلاثة ارباع الوزنة ويزيد على ذلك بحقة واحدة واثني عشر درهما ونصفا، ويراد بالوزنة الاسلامبولية الواحدة ما يساوي اربعا وعشرين حقة اسلامبولية. وإذا كان المن البصري يزن ستين حقة اسلامبولية - كما اشتهر في تلك البلاد في بعض الأوقات - كان النصاب فيه احد عشر منا ونصفا، وزاد على ذلك بحقة اسلامبولية واحدة وثمن ربعها. والنصاب بحسب الحقة الكبيرة المعروفة في مدينة النجف وما قاربها من الضواحي، - وهذه الحقة تزن تسعمائة وثلاثة وثلاثين مثقالا صيرفيا وثلث مثقال - يبلغ مائة وسبعة وتسعين حقة كبيرة وأربعمائة وثمانية مثاقيل صيرفية وثلث المثقال، وهذا المقدار عبارة ثانية عن ثماني وزنات وخمس حقق ونصف، ينقص منها ثمانية وخمسون مثقالا صيرفيا وثلث المثقال. والوزنة الواحدة من هذه الوزنات أربع وعشرون حقة كبيرة، وتسمى (وزنة كبيرة) للتفرقة بينها وبين الوزنة الاسلامبولية التي تقدم ذكرها، وتسمى ايضا هذه الحقة (كبيرة) للتفرقة بينها وبين الحقة الاسلامبولية وجميعها معروفة في تلك البلاد. والنصاب بالمن الشاهي المعروف في بلاد ايران، يبلغ مائة واربعة وأربعين منا، ينقص منها خمسة وأربعون مثقالا صيرفيا، ووزن المن الشاهي ألف ومائتان وثمانون مثقالا صيرفيا. والنصاب بالمن التبريزي - وهو نصف المن الشاهي الذي ذكرناه - يبلغ ضعف المقدار المذكور فهو مائتان وثمانية وثمانون منا تبريزيا ينقص منها خمسة وأربعون مثقالا صيرفيا. والنصاب بوزن الربعة المعروفة في البحرين وما والاها من القرى، يبلغ أربعمائة وستين ربعة ونصفا ويزيد على ذلك بخمسة وسبعين مثقالا صيرفيا، ووزن الربعة المذكورة اربعمائة مثقال صيرفي. والنصاب بوزن الكيلو غرام (وهو الوحدة الغربية التي اشتهرت في أكثر البلاد في الأزمنة الاخيرة) يبلغ ثمانمائة وأربعة وثمانين كيلو غراما ونصفا،

[ 179 ]

وعشرين غراما على وجه التقريب. [ المسألة 85: ] قد سبق في المسألة الرابعة أنه يشترط في وجوب الزكاة على المكلف أن يكون مالكا للمال في وقت تعلق الزكاة به، فيعتبر أن يكون مالكا للغلة في ذلك الحين، سواء كان مالكا للشجرة نفسها ببيع أو إرث أو غيرهما من موجبات التملك فيكون مالكا للثمرة بتبعها إلى حين تعلق الزكاة بها، أم ملك الشجرة والثمرة معا قبل ذلك الوقت إلى أن حضر، أم تلك الثمرة منفردة قبل الوقت فحضر وهي مملوكة له. وكذلك ما يزرع من الغلات، سواء ملكه بالزراعة أم بانتقال الزرع إليه قبل الوقت حتى حل وتعلقت الزكاة بالمال. [ المسألة 86: ] الأقوى أن الزكاة تتعلق بالغلة في الوقت الذي يصدق عليها اسم الحنطة أو الشعير، أو التمر عند أهل العرف، وفي الوقت الذي يصدق اسم العنب في الزبيب، وإن كان الأحوط استحبابا أن تتعلق بها عند انعقاد الحب في الحنطة والشعير، وعند اصفرار التمر أو احمراره في ثمر النخيل وعند صيرورته حصرما في ثمرة الكرم كما هو القول المشهور، وأحوط من ذلك أن يؤخذ بأحوط القولين في كل مورد بخصوصه، وستأتي في المسائل الآتية أمثلة لذلك. [ المسألة 87: ] المدار في بلوغ الغلة مقدار النصاب على أن تبلغه عند جفاف الثمرة ويبسها وإن كان وقت تعلق الزكاة بها قبل ذلك، فإذا كان الرطب أو العنب يبلغ مقدار النصاب في حال كونه رطبا أو عنبا، ولكنه يقل عن النصاب إذا جف وصار تمرا وزبيبا، لم تجب فيه الزكاة. [ المسألة 88: ] أصناف التمر التي تؤكل بحسب العادة الجارية بين الناس في حال كونها رطبا، وإذا لم تؤكل حتى تجف يقل ثمرها، يقدر النصاب في هذه الأصناف مع فرضها جافة يابسة، فإذا كان الرطب منها على تقدير بقائه إلى أن يجف وييبس يبلغ مقدار النصاب وجب إخراج زكاته على الأحوط، وإلا لم يجب. وإذا كان بعد يبسه مما لا يصدق عليه اسم التمر، ففي وجوب الزكاة فيه إشكال، ولا يترك

[ 180 ]

الاحتياط فيه، وكذلك الحكم في أصناف الزبيب التي تؤكل عنبا بحسب العادة، وإذا لم تؤكل حتى تجف قل زبيبها أو لم يصدق اسم الزبيب عليها. [ المسألة 89: ] إذا أراد مالك الغلة أن يقتطف ثمرته كلها في حال كونها رطبا أو عنبا، وقبل أن تجف فتكون تمرا أو زبيبا، فالأحوط له أن يؤدي الزكاة حين ذلك، إذا كانت الغلة تبلغ مقدار النصاب لو أنها بقيت حتى تجف، وإذا بذل المالك الزكاة حين ذلك وجب على الساعي قبولها منه، وإذا أراد المالك أن يتصرف في الثمرة وهي بسر أو حصرم، وكان تصرفه فيها أكثر مما يتعارف فالأحوط له أن يضمن حصة المستحق بمراجعة الحاكم الشرعي. [ المسألة 90: ] وقت إخراج الزكاة هو حين جذاذ التمر، واقتطاف الزبيب، وتصفية الحنطة والشعير، فإذا أخر المالك إخراجها عن هذا الوقت مع وجود من يستحق الزكاة من غير عذر يمنعه من الإخراج كان ضامنا، وجاز للساعي أن يطالبه بها، ولا تجوز مطالبته بها قبل ذلك. وإذا دفع المالك الزكاة قبل وقت إخراجها وبعد تعلق الوجوب بها وجب على الساعي قبولها منه. [ المسألة 91: ] يجوز لمالك المال أن يدفع الزكاة والثمر لا يزال على الشجر إذا كان الدفع بعد تعلق الزكاة بالمال، سواء دفع الزكاة من العين، أم دفع قيمته تمرا أو زبيبا، ويشكل الحكم بجواز الدفع إذا بذل الزكاة بسرا أو حصرما إلا إذا أراد إقتطاف الثمرة كلها بسرا أو حصرما، وتلاحظ المسألة التاسعة والثمانون. [ المسألة 92: ] يجوز للمالك أن يدفع القيمة بدلا عن العين، سواء كانت القيمة التي يدفعها عنها من الذهب أو الفضة وما هو بحكمهما، أم كانت من غير ذلك إذا كانت من غير جنس الفريضة، وقد تقدم ذكر هذا في المسألة الثالثة والأربعين، فلتراجع هي وما بعدها فان لهما صلة بالمقام.

[ 181 ]

[ المسألة 93: ] إذا أدى المكلف زكاة الغلة ثم حال على الغلة حول أو أكثر وهي لا تزال في ملكه لم تجب فيها الزكاة مرة أخرى، نعم إذا باع الغلة بأحد النقدين وكان الثمن بمقدار نصاب ذلك النقد وجبت فيه الزكاة كلما حال عليه حول وهو لا يزال بمقدار النصاب، وقد سبق ذكر هذا. [ المسألة 94: ] إذا بلغت الغلة مقدار النصاب الشرعي أو زادت عليه بالغة ما بلغت، واجتمعت فيها بقية الشروط، وجبت فيها الزكاة، ومقدار الزكاة التي يجب إخراجها من المال هو العشر إذا كانت الغلة تسقى سيحا بالمياه الجارية على الأرض، سواء كانت تنبع من الأرض أم تنحدر عليها من أعالي الجبال، أم تتجمع فيها من مياه الأمطار والسيول ونحوها، أو تسقى بماء السماء أو بما تمتصه جذور الشجر والزرع من مياه الأرض، ولا ينافي ذلك أن يحتاج الري إلى شق جداول ومجاري، ليعم الماء على أنحاء الأرض المغروسة أو المزروعة. وإذا كانت الغلة تسقى بالدوالي والنواضح وشبهها أو بالوسائل الحديثة للري، فمقدار الزكاة فيها هو نصف العشر، وإذا كانت الغلة تسقى بالأمرين معا، بحيث يصدق عند أهل العرف أن سقي الغلة بهما معا على التساوي، وجب في نصف الغلة إخراج العشر منه وفي النصف الآخر منها إخراج نصف العشر، وإذا غلب أحدهما بحيث ينسب السقي إليه ولا يعتد بالآخر لقلته فمقدار الزكاة يتبع ما غلب منهما. وإذا شك المكلف في أن الأمرين متساويان في سقاية الغلة بهما معا أو أن أحدهما اغلب، كفاه أن يدفع في الزكاة نصف العشر، وإن كان دفع العشر أحوط له استحبابا. [ المسألة 95: ] إذا كان النخيل أو الكرم أو الزرع يسقى بالسيح أو بماء المطر وكان ذلك كافيا في إنمائه وإرواء غلته وسقاه مالكه مع ذلك بالمكائن ونحوها، ولم يؤثر ذلك في كثرة الغلة، وجب على المالك في زكاة غلته دفع العشر، وإن كان يسقى بالأدوات والوسائل الحديثة ونحوها وكان ذلك مستمرا، وكافيا، وسقاه المالك مع ذلك بالسيح من غير أن يؤثر فيه وجب في زكاته نصف العشر.

[ 182 ]

[ المسألة 96: ] إذا سقى المالك نخيله أو كرمه أو زرعه بالدوالي والأدوات، وأصابته الأمطار، فان استغنى بها لكثرتها وغزارتها عن السقي بالدوالي وجب في غلته إخراج العشر، وإن أوجب ذلك اشتراك الأمرين في السقاية في نظر أهل العرف، وجب في نصف الغلة إخراج العشر وفي نصفها الآخر نصف العشر، وإن لم توجب الأمطار شيئا من ذلك ففي الغلة نصف العشر. [ المسألة 97: ] إذا أخرج أحد الناس الماء من الآبار أو العيون بالدوالي أو المكائن فأجراه في أرض مباحة عبثا أو لبعض أغراض خاصة، ثم بدا له بعد ذلك فزرع الأرض أو زرعها شخص غيره، بحيث اكتفى الزرع بذلك الماء الموجود في الأرض، ففي وجوب العشر في زكاة غلته إشكال، ولكنه أحوط. وكذلك إذا صرف ذلك الماء بعد أن استخرجه أو صرفه غيره فسقى به زرعه في غير تلك الأرض فيجري فيه الإشكال والاحتياط المتقدم. وإذا أخرج الماء لسقاية زرع معين ثم بدا له بعد ذلك وسقى به زرعا آخر، أو زاد الماء عن كفايته فسقى بالزائد منه زرعا آخر فالظاهر وجوب نصف العشر في زكاته. [ المسألة 98: ] ما ذكرناه من التفصيل في الحكم بين ما يسقى بالأدوات وغيرها إنما هو في سقي الغلة نفسها، لا سقي أصول النخيل والشجر، فالنخيل والشجر الذي يسقى بالدوالي والأدوات، إذا اكتفى في وقت إثماره وتنمية غلته وإنضاجها بمص جذوره من الماء الموجود في الأرض لكثرته، يجب في زكاة غلته إخراج العشر تاما، والنخيل والشجر الذي يكتفي بالسيح والماء المخزون في الأرض، إذا احتاج في إثماره ونضوج غلته إلى السقي بالأدوات والآلات، يجب في زكاة غلته إخراج نصف العشر. [ المسألة 99: ] لا تجب الزكاة على المالك في حصة السلطان، والمراد بها ما يأخذه السلطان من الثمر والزرع نفسه باسم المقاسمة، فلا يعد ذلك على المالك في النصاب الشرعي ولا يجب عليه دفع زكاته، وكذلك ما يأخذه عمال السلطان وولاته من

[ 183 ]

العين الزكوية زائدا على حصة السلطان نفسه إذا لم يكن للمالك بد من الدفع إليهم، سواء كان الظلم عاما له ولغيره أم خاصا به. وكذلك ما يأخذه السلطان باسم الخراج إذا كان مرتبطا بالغلة ومنسوبا بالمقدار إليها، فلاتجب على المالك زكاة ذلك، بل يخرج الخراج من وسط المال ثم يؤدي الزكاة مما بقي، والأحوط اعتبار النصاب قبله، بخلاف المقاسمة. [ المسألة 100: ] الأحوط لزوما عدم استثناء المؤن مطلقا من وجوب الزكاة، فيعتبر النصاب في أصل المال فإذا بلغ مقدار النصاب أخرجت الزكاة منه ثم أخرجت المؤن بعد ذلك. والمؤن هي ما يحتاج الشجر أو الزرع إليه من أجرة فلاح أو عامل أو ساق أو حارس، أو أجرة حيوانات للحراثة والدياسة، أو إصلاح موضع لتشميس الغلة وتصفيتها وما يشبه ذلك، ومنها أجرة الأرض إذا كانت مستأجرة، وأجرة مثلها إذا كانت مغصوبة، ومنها خراج السلطان إذا لم يكن مرتبطا بالغلة أو لم يكن منسوبا بالمقدار إليها، وما يأخذه عمال السلطان إذا كان من غير العين الزكوية ولم يمكن الامتناع عليهم، فلا يستثنى جميع ذلك من وجوب الزكاة على الأحوط كما تقدم، سواء كانت المؤن سابقة على وقت تعلق الزكاة بالغلة أم كانت متأخرة عنه. [ المسألة 101: ] تضم غلة النخيل بعضها إلى بعض وإن كانت متفرقة في المكان أو كانت متباعدة في البلاد إذا كان مالك المال واحدا، فإذا بلغ المجموع حد النصاب أو زاد عليه وجبت فيه الزكاة، وإن كانت ثمرة كل قطعة على انفرادها دون النصاب، وكذا إذا اختلفت في زمان الإثمار أو زمان الإدراك، فأثمر بعضها أو أدركت غلته قبل الآخر بشهر أو أكثر فيضم اللاحق إلى السابق إذا كان الجميع ثمرة عام واحد ويزكى الجميع إذا بلغ النصاب. وكذلك الحكم في غلة الكرم إذا كانت مملوكة لمالك واحد فيجري فيها البيان المتقدم، ومثلهما الحكم في غلة الزروع المتعددة في المكان والبلاد والوقت إذا كانت مملوكة لشخص واحد. وإذا أثمرت النخيل المملوكة لمالك واحد مرتين في عام واحد، ضمت

[ 184 ]

الثمرة الثانية إلى الثمرة الأولى، فإذا بلغ مجموعهما مقدار النصاب زكاه على الأحوط احتياطا لا يترك، وإذا بلغت إحدى الثمرتين مقدار النصاب ونقصت الأخرى عنه زكاهما جميعا على الأحوط كذلك. [ المسألة 102 ]: لا يجوز للمالك أن يدفع الرطب زكاة عن التمر فريضة، ويجوز له أن يدفعه عنه على أن يكون قيمة له، وأحوط من ذلك أن يبيع الرطب بأحد النقدين أو ما هو بحكمهما ثم يدفع ذلك قيمة للتمر، والأحوط في العنب ذلك فلا يدفعه زكاة عن الزبيب إلا أن يجعله قيمة له ويجري فيه القول المتقدم. وإذا وجبت عليه الزكاة في نصاب التمر أو الزبيب، فأراد أن يدفع زكاته من تمر آخر أو من زبيب آخر، فالأحوط له أن يدفعه بقصد الواقع فريضة أو قيمة، وكذلك إذا أراد أن يدفع زكاة الحنطة من حنطة أخرى وزكاة الشعير من شعير آخر فيقصد ما وجب عليه في الواقع من الفريضة أو القيمة. [ المسألة 103: ] إذا وجبت على الانسان زكاة التمر مثلا، فأراد أن يدفع زكاته من تمر آخر على ان يكون قيمة له، وأراد أن يزيد فيها على المقدار الواجب، لأن التمر المدفوع أدنى منه، أو أراد أن ينقص عن المقدار الواجب لأن التمر المدفوع أجود من تمر النصاب - لم يكن ذلك من الربا المحرم، ولكن قد سبق منا الإشكال في القيمة إذا كانت من جنس الفريضة، ولذلك فالأحوط الترك وكذلك الأمر في الغلات الأخرى. [ المسألة 104: ] إذا كان المكلف مدينا لأحد من الناس، وحل عليه وقت إخراج الزكاة الواجبة، فالزكاة مقدمة على الدين إذا كانت العين التي تعلقت بها الزكاة موجودة، فيجب عليه دفع الزكاة، وإن كان الدين مطالبا به من صاحبه، ولا يصح له وفاء الدين بالنصاب ما لم يؤد الزكاة منه أو من مال آخر. وإذا اتفق أن العين الزكوية تلفت مع التفريط كان المكلف ضامنا للزكاة واستقرت دينا في ذمته وكان حكمها كبقية الدين فلا تقدم عليه. [ المسألة 105: ] إذا مات مالك المال بعد أن تعلق وجوب الزكاة بماله، وجبت الزكاة ولم

[ 185 ]

تسقط بموته، فيجب على ورثته إخراجها، وإذا مات قبل تعلق الوجوب انتقل المال بموته إلى ورثته، فتجب الزكاة على من بلغت حصته منه مقدار النصاب واجتمعت فيه بقية شروط وجوب الزكاة، ولا زكاة على من لم يملك النصاب منهم، أو لم تجتمع فيه شروط الوجوب، كالطفل الصغير والمجنون، والمحجور عن التصرف. [ المسألة 106: ] إذا انتقل المال الزكوي إلى ورثة المالك بعد موته - كما فرضنا في المسألة المتقدمة - وكانت حصة بعض الورثة من المال الموروث لا تبلغ مقدار النصاب، وكان لذلك الوارث مال زكوي غيره قد ملكه بسبب غير الميراث المذكور، ضم بعض ماله إلى بعض، فإذا بلغ الجميع النصاب الشرعي وجبت عليه فيه الزكاة، ولا تسقط الزكاة عنه لنقصان حصته من الميراث عن النصاب. [ المسألة 107: ] إذا مات مالك المال بعد أن تعلق وجوب الزكاة بماله وكانت عين المال موجودة حين موته، وجب إخراج الزكاة وان كان الميت مدينا لغير أرباب الزكاة، وكان الدين الذي عليه يستوعب جميع تركته أو يزيد عليها، ولا نصيب لأصحاب الدين الآخرين في مقدار الزكاة من ماله الزكوي. وإذا كانت الزكاة قد استقرت في ذمة الميت لا في عين المال، ومثال ذلك: ما إذا تعلقت الزكاة بالمال ومالك المال حي، ثم أتلف المالك المال في حياته، أو تلف المال بنفسه وكان التلف بتفريط المالك فتكون الزكاة في ذمته قبل موته في كلتا الصورتين، فإذا مات بعد ذلك وعليه ديون تستوعب التركة أو تزيد عليها كانت الزكاة دينا كسائر الديون التي في ذمته ولم تتقدم عليها، فيجمع جميع ما على الميت من الديون ومنها الزكاة المستقرة في ذمته، ثم ينسب كل واحد من هذه الديون إلى مجموعها، فيأخذ صاحب ذلك الدين من تركة الميت بمقدار تلك النسبة فإذا كان لأحد اصحاب الدين نصف مجموع الديون أخذ نصف التركة، وإذا كان للثاني ربع مجموع الديون أو خمسه أخذ من التركة بتلك النسبة، وهكذا حتى توزع التركة على أصحاب الديون بنسبة ديونهم، ومنهم أرباب الزكاة، فيأخذون من التركة بنسبة مقدار الزكاة الى مجموع الدين.

[ 186 ]

[ المسألة 108: ] إذا مات مالك المال الزكوي قبل أن تظهر الغلة فيه، أو بعد أن ظهرت في المال وقبل أن يتعلق وجوب الزكاة بها، وكان على المالك الميت دين يستوعب التركة أو يزيد عليها، فان أدى ورثة الميت دين مورثهم من مال آخر قبل أن يتعلق وجوب الزكاة بالمال كانت تركة الميت لهم، وملكوا المال الزكوي بالميراث، فإذا حضر وقت تعلق الزكاة بالغلة وجبت الزكاة على كل وارث منهم بلغت حصته حد النصاب أو زادت عليه. وكذلك الحكم إذا ضمن الورثة دين مورثهم قبل تعلق وجوب الزكاة بالمال ورضي أصحاب الدين بضمانهم فتبرأ ذمة الميت من الدين، وتنتقل التركة إلى ملك الورثة، وتجب الزكاة على من بلغت حصته مقدار النصاب. وإذا لم يؤد الدين الذي في ذمة المالك ولم يضمنه ضامن، فالأقوى عدم وجوب الزكاة في المال سواء كان موت مالك المال قبل ظهور الثمرة فيه أم كان بعده وقبل تعلق الوجوب بها. وإذا كان الدين الذي في ذمة المالك لا يستوعب المال وجبت الزكاة في ما زاد على الدين من المال الزكوي على من بلغت حصته حد النصاب من الورثة. [ المسألة 109: ] إذا ملك الانسان النخيل أو الكرم أو الزرع قبل أن تظهر ثمرته، أو بعد أن ظهرت الثمرة فيه وقبل تعلق وجوب الزكاة بها، وبقيت في ملكه حتى حل وقت تعلق الزكاة بالغلة، كانت عليه زكاتها مع اجتماع شروط الوجوب، وإذا ملكها بعد زمان تعلق الوجوب بالغلة، فالزكاة على مالكها الأول الذي تعلق الوجوب بها وهي في ملكه، فإذا علم المالك الأخير أن الأول المكلف قد أدى الزكاة فلا شئ عليه، وكذلك إذا أداها بعد ذلك، فلا شئ على المالك الأخير. وإذا لم يؤدها المالك الأول، أخذ الساعي زكاة الغلة من العين، ورجع المالك الثاني بها على المالك الأول، وإذا شك في أن المالك الاول أدى زكاة الغلة أم لم يؤدها، ففي الحكم إشكال. [ المسألة 110: ] إذا اختلفت أنواع الغلة الواحدة التي يملكها الانسان، فبعضها من النوع الجيد، وبعضها من الأجود وبعضها من الردئ، ضم بعض الأنواع الموجودة الى

[ 187 ]

بعض في عد النصاب، وجاز للمالك أن يدفع الجيد زكاة عن الجيد وعن الأجود، وجاز له أن يدفع الردئ زكاة عن الردئ، ولم يجز له أن يدفع الردئ زكاة عن الجيد - على الأحوط - فضلا عن الأجود. [ المسألة 111: ] الزكاة حق يتعلق بالعين الزكوية إذا اجتمعت فيها الشروط المتقدمة، وهذا الحق يختلف في أحكامه عن سائر الحقوق المعروفة، ومن أحكامه أنه لا يجوز لمالك العين الزكوية أن يتصرف فيها تصرفا ينافي الحق المذكور قبل أن يؤدي الزكاة من المال أو من غيره، فليس له - مثلا - أن يتلف جميع النصاب أو يبيعه، بحيث لا يبقى منه مقدار الزكاة. وإذا باع جميع النصاب كذلك لم يصح بيعه حتى يدفع الزكاة أو يدفعها المشتري بعد ذلك، فإذا دفعها أحدهما صح البيع، ولم يحتج إلى إجازة منه أو من الحاكم الشرعي، وإذا دفعها المشتري رجع بها على البائع، وكذلك غير البيع من التصرفات وأسباب النقل كالهبة والصلح وغيرهما. [ المسألة 112: ] يجوز للمكلف أن يعزل زكاة ماله، من عين النصاب أو من مال آخر، حتى مع وجود المستحق على الأقوى، فيتعين ما عزله زكاة، فإذا تجدد له نماء بعد عزله فهو بحكم الزكاة، سواء كان النماء متصلا كالسمن والصوف والوبر، أم منفصلا كاللبن والدهن والولد. وإذا عزل المالك الزكاة أصبحت أمانة في يده، فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت عنده إلا إذا فرط فيها أو أخر دفعها مع وجود من يستحقها، وإذا عزل الزكاة فليس له أن يبدل عينها بعد العزل بعين أخرى. [ المسألة 113: ] يجوز للحاكم الشرعي أو وكيله أن يخرص ثمرة النخيل أو الكرم أو الزرع على مالكها، فإذا عين الخارص مقدار الغلة ومقدار الزكاة منها، وقبل المالك بذلك على الوجه الذي يأتي بيانه، جاز للمالك أن يتصرف في المال كيف يشاء، وفائدة الخرص الأخرى هي أنه يجوز للمالك وللساعي الاعتماد على ذلك التقدير في الأداء من غير حاجة إلى كيل أو وزن لجميع الغلة، فيودي مقدار ما عينه الخارص للزكاة.

[ 188 ]

وانما تترتب هذه الآثار على الخرص إذا انضمت إليه المعاملة من الحاكم الشرعي أو وكيله التي تشغل ذمة المالك بحصة الفقراء أو تثبتها في العين بنحو الكلي في المعين، والأحوط أن تكون المعاملة المذكورة بصيغة الصلح، وان كان الأقوى الصحة إذا وقع الخرص بقصد إنشاء المعاملة المذكورة، ولابد فيها من قبول المالك، وسيأتي بيان هذه المعاملة وتفصيل بعض أحكامها وآثارها في كتاب المزارع والمساقاة من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى. ووقت الخرص هو وقت تسمية الغلة تمرا وعنبا وحنطة وشعيرا، ولا يتولى المالك الخرص بنفسه أو بالاستنابة أو التوكيل لغيره إلا إذا اعتمد الحاكم الشرعي على عمله فأنشأ المعاملة معه اعتمادا على خرصه. وإذا انكشف الخلاف وتبين خطأ الخارص في التقدير وجبت مراعاة الواقع، كما في سائر الموارد التي يتبين فيها خطأ الطريق ومخالفته للواقع. [ المسألة 114: ] إذا باع المالك الثمر أو الزرع، ثم شك في أن بيعه كان بعد تعلق وجوب الزكاة بالغلة فتكون الزكاة عليه لأنه المالك الأول لها كما ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة، أو كان بيعه قبل تعلق الوجوب بها، فتكون الزكاة على المشتري، لم يجب عليه شئ. نعم، إذا علم بوقت تعلق الوجوب بالغلة على التعيين، وشك في أن البيع وقع قبل ذلك الوقت المعين أم بعده، لزمه إخراج الزكاة على الأحوط، بل هو الأقوى. وإذا كان الشاك في ذلك هو المشتري، فالأقوى عدم وجوب الزكاة عليه، نعم إذا علم بأن البائع لم يؤد زكاة المال، فليس له أن يتصرف فيه حتى يؤدي زكاته، وإذا هو أدى الزكاة لم يرجع بها على البائع، وللحاكم الشرعي أو وكيله أن يتبع المال الموجود فيأخذ منه زكاته، وإذا أخذها منه لم يرجع المشتري بها على البائع كذلك.

[ 189 ]

[ الفصل الخامس ] [ في ما تستحب فيه الزكاة ] وقد تقدم في المسألة الثلاثين أن الزكاة تستحب في عدة أمور: (الأول منها): مال التجارة. [ المسألة 115: ] مال التجارة هو المال الذي يتملكه الانسان بعقد معاوضة، وكان تملكه لذلك بقصد الاكتساب به، فلا يشمل الحكم باستحباب الزكاة ما يملكه الانسان بهبة أو صلح بغير عوض، أو إرث، ولا يكفي مجرد إعداد المال للتجارة والتكسب به، ولا يشمل ما يتملكه بقصد الاقتناء لا بقصد التكسب، وان كان قد تملكه بعقد معاوضة. ولا فرق في مال التجارة بين ما تتعلق بمثله الزكاة وجوبا أو استحبابا عند وجود الشرائط كالغلات الأربع، وكالحبوب الأخرى على ما سيأتي من استحباب الزكاة فيها، وما لا تتعلق الزكاة به كالخضروات والفاكهة، ولا بين الأعيان والمنافع، فإذا ابتاع الرجل الخضروات أو استأجر الدار أو العقار بقصد الاكتساب بها شملها عنوان مال التجارة واستحبت الزكاة فيها، وكذلك إذا اشترى العقارات من بساتين ومساكن ومحلات، ودكاكين وخانات وعمارات وحمامات وغيرها للاكتساب بما تدره عليه من منافع وحاصل ونتاج، أو استأجرها لهذه الغاية. [ المسألة 116: ] يشترط في استحباب الزكاة في مال التجارة أن تتحقق فيه أمور: (الأول): أن يبلغ ذلك المال مقدار النصاب في أحد النقدين: الذهب أو الفضة. قالوا ولا تستحب الزكاة في مال التجارة إذا كان دون النصاب، وقد استفاض بين العلماء نقل الاجماع على هذا الشرط ولا دليل لهذا الشرط سوى هذا الاجماع المستفيض نقله. (الشرط الثاني): أن يتم لمال التجارة حول من حين تملك المالك له بقصد الاسترباح به. (الشرط الثالث): أن يستمر مالك المال على قصد الاكتساب به طول

[ 190 ]

الحول، فإذا عدل عن هذا القصد في بعض الحول، سقط استحباب الزكاة عنه، وإذا رجع فقصد الاكتساب بالمال مرة ثانية بعد عدوله عنه، استأنف الحول من حين قصده الثاني. (الشرط الرابع): أن يبقى مال التجارة طول الحول في ملك المالك ولو بملك أعواضه وأبداله ولا يشترط بقاء المتاع بعينه. (الشرط الخامس): أن يطلب المالك بعوض المتاع رأس ماله أو الزيادة عليه في طول الحول، ورأس المال هو العوض الذي ملك به المتاع، فإذا اتفق للمالك - ولو في بعض الحول - أنه طلب بيع المتاع بنقيصة عن رأس المال لبعض الطوارئ التي تحوجه إلى ذلك سقط استحباب الزكاة. [ المسألة 117: ] إذا اجتمعت الشروط التي مر ذكرها في المسألة المتقدمة في مال التجارة، استحب للمالك أن يخرج زكاة المال، ومقدار الزكاة فيه هو ربع العشر كما في زكاة النقدين. والزكاة المستحبة في مال التجارة أيضا حق يتعلق بالعين يختلف في أحكامه عن سائر الحقوق المعروفة كما في الزكاة المالية الواجبة، ويكفي في تعلق الاستحباب بمال التجارة إذا كان من العروض والأمتعة أن تبلغ قيمته النصاب في أحد النقدين، وإن لم تبلغ النصاب في النقد الآخر، بل وان لم يستبدل المتاع بالنقد فعلا، وكذلك إذا كان مال التجارة نقدا غير الذهب والفضة، كالأوراق النقدية الدارجة بين الناس وشبهها. [ المسألة 118: ] إذا اشترى الانسان أحد النصب التي تجب فيها الزكاة بعد الحول وقصد بشرائه الاتجار به والتكسب، فإذا حال عليه الحول واجتمعت فيه شرائط الزكاة الواجبة وحدها، وجب عليه إخراجها دون زكاة التجارة، وإذا اجتمعت فيه شروط زكاة التجارة وحدها استحب له إخراجها دون الزكاة الواجبة، وإذا اجتمعت في المال شروط كل من الزكاة الواجبة والزكاة المستحبة وجب على المالك إخراج الزكاة الواجبة على الأحوط وسقطت المستحبة. [ المسألة 119: ] إذا اتجر الانسان بأحد النصب الزكوية - كما فرضنا في المسألة المتقدمة -،

[ 191 ]

وتم حول الزكاة المالية قبل أن يتم حول التجارة، وجب عليه إخراج الزكاة المالية وسقطت زكاة التجارة، وإن سبق حول التجارة، فان أدى المالك زكاة التجارة قبل أن يتم حول الزكاة الواجبة، سقطت الزكاة المالية عنه، وان أخر الزكاة المستحبة ولم يؤدها حتى تم حول زكاة المال الواجبة، وجب عليه إخراج الزكاة الواجبة، على الأحوط وسقطت زكاة التجارة، وكذلك الحكم إذا حال الحولان معا في وقت واحد. [ المسألة 120: ] إذا اشترى الرجل أربعين شاة سائمة مثلا وقصد بشرائها أن يتجر بها، ثم استبدلها قبل أن يتم الحول عليها من وقت شرائها باربعين شاة سائمة غيرها، سقط حول الزكاة المالية الواجبة بتبديل النصاب، وبقي حول زكاة التجارة، فان زكاة التجارة لا يشترط فيها بقاء العين، ويكفي بقاء عوضها كما تقدم في الشرط الرابع، فإذا تم الحول مع اجتماع الشرائط استحب له إخراج زكاة التجارة. [ المسألة 121: ] إذا كان رأس المال في المضاربة بين الشخصين يبلغ حد النصاب أو يزيد عليه، واجتمعت شروط زكاة التجارة فيه، فزكاته على رب المال خاصة، وإذا ربحت المضاربة وبلغت حصة رب المال من الربح مقدار النصاب كانت زكاتها عليه أيضا، إذا حال حولها وتمت الشرائط فيها، وكذلك حكم العامل إذا بلغت حصته من الربح مقدار النصاب واجتمعت الشرائط فيها استحب له إخراج زكاتها. [ المسألة 122: ] إذا كان الشخص مدينا وحل عليه وقت إخراج زكاة التجارة، فان كان الدين الذي اشتغلت به ذمته مطالبا به من أصحابه فهو مقدم على هذه الزكاة عند المزاحمة وعدم إمكان الوفاء بهما معا، لأن الزكاة مستحبة فلا تزاحم الواجب، وإذا أخر الدين وأدى الزكاة صحت منه وان أثم بترك الواجب وهو وفاء الدين، وإذا كان الدين غير مطالب به جاز للمكلف تقديم الزكاة المستحبة عليه. [ المسألة 123: ] إذا اتجر الانسان برأس مال لا يبلغ مقدار النصاب لم تستحب الزكاة فيه كما تقدم، فإذا ظهر الربح في التجارة وبلغ المجموع من رأس المال ومن الربح

[ 192 ]

الحاصل له مقدار النصاب ابتدأ الحول منذ ذلك الوقت، فإذا تم الحول والشرائط استحبت الزكاة فيه. [ المسألة 124: ] إذا كانت للشخص تجارات متعددة، فكان لكل تجارة منها رأس مال خاص، كان لكل واحدة من التجارات على انفرادها شروطها وأحكامها، فإذا توفرت شرائط الحكم في واحدة منها ولم تجتمع في الثانية استحبت الزكاة في الأولى ولم تستحب في الأخرى، وإذا خسرت إحداها لم تحمل خسارتها على ربح الثانية. [ المسألة 125: ] (الأمر الثاني مما تستحب فيه الزكاة): ما تنبته الأرض مما يكال، كالأرز، والعدس، والماش، والحمص، والسمسم، والدخن، والذرة، وأمثالها، عدا الغلات الأربع، فقد تقدم بيان الحكم بوجوب الزكاة فيها وتفصيل أحكامها، ولا يشمل الحكم باستحباب الزكاة: البقل، والريحان، والنعناع، والفجل، والجرجير، وشبهها مما يسرع إليه الفساد، ولا يشمل الثمار كالبطيخ، والخيار، والباذنجان، والبطاطس، والجزر، ولا يشمل الفاكهة كالتفاح والخوخ والمشمش ونحوها، ولا القت، والاشنان وأوراق الشجر وأزهارها كورق السدر، والتوت، والآس، والحناء، وقد ورد في بعض النصوص نفي الزكاة في القطن والزعفران. [ المسألة 126: ] يشترط في استحباب الزكاة في ما تنبته الأرض مما تقدم ذكره أن يبلغ مقدار النصاب، وحد النصاب الشرعي فيه هو النصاب في الغلات الأربع، وقد بيناه مفصلا في المسألة الرابعة والثمانين فلتلاحظ، ومقدار الزكاة المستحبة فيه هو مقدار الزكاة الواجبة في الغلات الاربع، فما سقاه مالكه بالدوالي والآلات ففيه نصف العشر، وما سقي بغيرها ففيه العشر. [ المسألة 127: ] (الأمر الثالث مما تستحب فيه الزكاة): الإناث من الخيل، ولا زكاة في الذكور منها، ويشترط في استحباب الزكاة فيها أن تكون سائمة، فلا زكاة فيها إذا كانت معلوفة، وان يحول عليها الحول وهي في ملك صاحبها، فلا زكاة فيها إذا لم يتم عليها الحول. ومقدار الزكاة التي يستحب إخراجها عنها هو ديناران شرعيان في كل سنة

[ 193 ]

عن كل فرس عتيق، والمراد بها الفرس التي تتولد من ذكر وأنثى من الخيل عربيين، ودينار واحد في كل سنة عن كل برذون، وهي غير العتيق، والدينار الشرعي هو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي من الذهب، وقد سبق بيانه في زكاة النقدين، فيكون مقدار الزكاة المستحبة مثقالا صيرفيا ونصفا من الذهب في كل سنة عن الفرس العتيق، وثلاثة أرباع المثقال الصيرفي في كل سنة عن البرذون. ولافرق في ثبوت هذا الاستحباب بين أن تكون الخيل عوامل أو غيرها، ولا بين أن تكون الفرس مملوكة لمالك واحد أو أكثر، فإذا تعدد مالك الفرس أخرجت الزكاة المذكورة بنسبة الحصص من الملك، فإذا كانت الفرس مملوكة لمالكين بالمناصفة فالزكاة بينهما بالمناصفة، وإذا كانت مملوكة لأكثر من اثنين أو بالتفاوت فالزكاة بالنسبة. [ المسألة 128: ] تقدم منا في المسألة الخامسة والعشرين حكم المال الذي يكون غائبا عن صاحبه فلا تصل إليه يده ولا يد وكيله فلا يمكن له التصرف فيه كما يريد، والمال الذي دفنه مالكه ونسي موضع دفنه ومضت عليه سنة واحدة أو أكثر، ثم تمكن بعد ذلك من التصرف في المال الغائب، وتذكر موضع المال الذي دفنه فيه فأخرجه، وذكرنا أنه يستحب له أن يزكي ذلك المال لسنة واحدة. [ المسألة 129: ] إذا أبدل المالك النصاب الزكوي الذي يملكه في أثناء الحول بنصاب آخر بقصد الفرار من وجوب الزكاة عليه بطل الحول بتبديل النصاب، وسقط عنه وجوب الزكاة، وقد ذكرنا هذا في فصل زكاة الأنعام، وفي فصل زكاة النقدين. نعم، يستحب له أن يخرج زكاة المال إذا تم عليه الحول الأول، وان بدل فيه عين النصاب. [ المسألة 130: ] ذكرنا في فصل زكاة النقدين أن الزكاة لا تجب في غير المسكوك من الذهب والفضة، فلا تجب في الحلي والمصوغات منهما، نعم، ورد في بعض الأخبار عن الحلي: (ولكن تعيره مؤمنا إذا استعار منك فهو زكاته) ولا بأس بالعمل بذلك برجاء المطلوبية.

[ 194 ]

[ الفصل السادس ] [ في مصارف الزكاة ومستحقيها ] وهي ثمانية: [ المسألة 131: ] (الأول والثاني من مستحقي الزكاة): الفقير والمسكين. والمراد بالفقير: الشخص الذي لا يملك مؤونة السنة لنفسه ولمن يعول به لا بالفعل ولا بالقوة، ويقابله الغني، فهو الانسان الذي يملك المؤونة له ولعياله بالفعل أو بالقوة، ويراد بمن يملك مؤونته بالفعل من تكون لديه أعيان جميع ما يحتاج إليه في مدة سنته لنفسه ولعياله من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك من ضروريات الحياة، أو تكون لديه قيمة ذلك من نقود أو أجناس أخرى يمكنه أن يجعلها أثمانا وأعواضا يشتري بها ما يحتاج إليه في سنته، أو يكون له رأس مال يخرج له من الربح ما يقوم بكفايته لذلك، أو تكون لديه مصادر أخرى من ضيعة أو عقار أو حيوان يقوم نماؤها ومنافعها بمؤونته وشؤونه. ويراد بمن يملك المؤونة بالقوة من يكون ذا صنعة أو عمل أو كسب يقوم انتاجه وحاصله بما يكفيه لجميع حاجاته في حياته. والفقير هو من لا يكون له ذلك، وان ملك شيئا مما تقدم ذكره، بمقدار لا يفي بكفايته واقامة شؤونه. والمسكين أسوأ من الفقير حالا وأشد حاجة. والمراد بعيال الشخص من يقوم بنفقاتهم والصرف عليهم، سواء كانوا ممن تجب نفقاتهم عليه شرعا، أم ممن يستحب له القيام بها، أم ممن يجوز له ذلك. [ المسألة 132: ] المدار في الفقر والغنى على مؤونة السنة كما ذكرنا، فمن ملك المقدار الذي يكفيه لذلك كان غنيا، وحرم عليه أن يأخذ الزكاة، فإذا صرف بعض ذلك في حاجاته وأصبح الباقي في يده لا يكفي لمؤونة سنة تامة له ولعياله، جاز له أن يأخذ من الزكاة، إذا لم يكن لديه مصدر آخر لبقية المؤونة بالفعل أو بالقوة، ولا يجب عليه الصبر إلى أن ينتهي جميع ما عنده من المال أو الأعيان المملوكة. [ المسألة 133: ] لا يجوز لمن يقدر على الاكتساب من الناس أن يأخذ الزكاة، وان هو ترك

[ 195 ]

التكسب تكاسلا، ولكنه إذا ترك التكسب متكاسلا في أول الأمر، فعجز عنه بعد ذلك وأصبح غير قادر عليه بالفعل، جاز له أن يأخذها، ومثال ذلك: أن يكون لكسبه وقت مخصوص فيتكاسل عنه حتى يخرج وقته، فيصبح بعد الوقت عاجزا عن المؤونة وعن التكسب لها، فيجوز له أخذ الزكاة بعد عجزه وافتقاره وان كان عاصيا بترك التكسب في وقته. [ المسألة 134: ] إذا كان الرجل مالكا لضيعة أو عقار لا يكفيه حاصلهما لمؤونته فهو فقير بالفعل، فيجوز له أخذ الزكاة، ولا يجب عليه أن يبيع ضيعته أو عقاره ويصرف ثمنهما في المؤونة، وان كان الثمن لو باعهما كافيا لحاجته، وكذلك الحكم في صاحب الحرفة والصنعة إذا قصر نتاجها عن مقدار كفايته وكانت أثمان الآلات والأدوات التي يستخدمها في صنعته وافية بمؤونته، فيجوز له أخذ مؤونته من الزكاة ولا يجب عليه بيع الآلات والتعيش بأثمانها. ونظيره مالك رأس المال إذا كان الربح الذي يدر عليه من رأس ماله لا يفي بمؤونته وكان صرف رأس المال وافيا بها، فيجوز له أخذ الزكاة ولا يجب عليه صرف رأس المال في المؤونة. [ المسألة 135: ] يجوز لمالك المال أن يدفع للفقير من زكاة ماله ما يزيد على مؤونة سنته التي يحتاج إليها إذا كان الإعطاء له دفعة واحدة، ويجوز للفقير أن يأخذ ذلك منه وتبرأ ذمة المالك بذلك من الحق الواجب عليه، وبحكمه الكاسب الذي يقصر كسبه عن الوفاء بمؤونته، بل والتاجر الذي يقصر ربحه عن الوفاء بمقدار حاجته وأمثالهما، فيجوز لمالك المال أن يدفع إليهم من الزكاة أكثر من مؤونة السنة إذا كان الإعطاء لهم دفعة واحدة. وإذا أعطي الفقير أو أحد المستحقين المذكورين من الزكاة دفعات متعددة حتى ملك مقدار مؤونة السنة له ولمن يعول به لم يجز أن يعطى من الزكاة شيئا بعد ذلك، ولا تبرأ ذمة المالك بدفع الزائد ولا يجوز للمستحق في هذه الصورة أن يأخذ من الزكاة شيئا حتى ينقص ما بيده عن مؤونة سنته. [ المسألة 136: ] مؤونة السنة التي ذكرناها وقلنا أن المدار في الحكم بالغنى والفقر عليها، هي

[ 196 ]

ما يحتاج إليه الانسان في حياته وبقائه بما يناسب حاله وشرفه ومنزلته في المجتمع الذي يعيش فيه من دار للسكنى تليق به، واثاث للدار تامة، من فرش وأمتعة، وأدوات وظروف وأواني، ومطعم ومشرب، وأكسية وأغطية، وملابس صيفية وشتوية، ووسائل إنارة، وغسل وطبخ وراحة وغير ذلك. ويراعى في جميع ذلك ما يليق بالفرد ويناسب أمثاله في البلد الذي يسكن فيه، بل وخادم وكتب علمية، وثياب للتجمل، وسيارة للتنقل إذا كان في مكانته الاجتماعية ممن يحتاج إلى ذلك، ولم يمكن الوفاء بالحاجة، باستئجار واستعارة ونحوهما على الأحوط. فلا يكون وجود مثل هذه الامور عند الرجل مانعا من صدق الفقير عليه إذا قصر ما يملكه عما يحتاج إليه، ولا يجب عليه بيعها لشراء باقي مؤونته، ويجوز له شراؤها من مال الزكاة الذي يدفع إليه إذا لم تكن موجودة لديه. وإذا كان لدى الرجل من هذه الأشياء أكثر مما يحتاج إليه بحيث كان ثمن الزائد منها - لو أنه باعه - كافيا له في مؤونته، لم يجز له أخذ الزكاة، وكذلك إذا كانت الدار التي يسكنها أو السيارة التي يملكها أو الأثاث الذي يجده أرقي درجة مما يحتاج إليه بحسب حاله وشأنه، وكان التفاوت ما بينهما في القيمة كافيا له في مؤونته، فلا يجوز له أخذ الزكاة في هذه الفروض على الأحوط، بل لا يخلو عن قوة، فيجب عليه بيع ذلك وشراء ما يناسب حاله وصرف مقدار التفاوت في مؤونته. [ المسألة 137: ] إذا كان الرجل قادرا على نوع من الاكتساب أو وجه من وجوهه وكان في ذلك مهانة للرجل أو منقصة عليه، أو كانت فيه مشقة شديدة عليه لمرض فيه أو كبر سن أو ضعف، لم يجب عليه التكسب بذلك النوع، وجاز له أخذ الزكاة إذا لم يقدر على غيره. [ المسألة 138: ] إذا كانت للرجل صنعة أو حرفة ولم يستطع الاكتساب بها لأنه يفقد الآلات والوسائل التي يحتاج إليها في ذلك العمل، أو لعدم الطالب لما ينتجه في تلك الصنعة، جاز له أخذ الزكاة، وإذا كانت الآلات التي يحتاج إليها في صنعته قليلة المؤونة، بحيث يصدق عليه عند أهل العرف أنه قادر على التكسب، أخذ من

[ 197 ]

الزكاة مقدار ما يشتري به الآلات أو يستأجرها، واكتسب بها ولم يأخذ من الزكاة غير ذلك. [ المسألة 139: ] إذا كان الرجل قادرا على تعلم صنعة أو حرفة تكفيه للتكسب بها وكان تعلم تلك الصنعة ميسورا له وغير محتاج إلى مدة طويلة حرم عليه أخذ الزكاة، وإذا كان تعلم الصنعة شاقا عليه أو كان محتاجا إلى وقت طويل جاز له أخذ الزكاة، وإذا كانت المدة التي يحتاج إليها في تعلم الصنعة قليلة واشتغل بتعلمها، فان أمكن له أن يستدين لنفقته في تلك المدة ثم يؤدي الدين بعد ذلك من نتاج صنعته وجب عليه أن يفعل ذلك، وان لم يتمكن من ذلك أخذ الزكاة في تلك المدة. [ المسألة 140: ] إذا كان طالب العلم قادرا على الكسب لنفقته، ولكن طلبه للعلم واشتغاله به يمنعه من ذلك، أو كان التكسب لا يليق بمنزلته الاجتماعية، فان كان العلم الذي يطلبه ويشتغل به مما يجب تعلمه وجوبا عينيا عليه، جاز له أن يأخذ من حصة الفقراء من الزكاة، وكذلك إذا كان العلم مما يجب تعلمه على سبيل الكفاية مع عدم من يقوم به غيره، فيجوز له أن يأخذ لنفقته من سهم الفقراء في الزكاة، وان كان العلم الذي يطلبه مما يستحب تعلمه، لم يأخذ من ذلك. ويجوز الصرف على طالب العلم من سهم سبيل الله، سواء كان العلم الذي يطلبه مما يجب عينا أم كفاية أم مما يستحب، وإذا كان الرجل في طلبه للعلم الديني أو الدنيوي قاصدا لما يحرم من الغايات لم يجز له الأخذ من الزكاة، وإذا كان العلم الذي يطلبه مما لا يجب ولا يستحب شرعا، لم يجز له أخذ الزكاة الا إذا كان فقيرا وغير قادر على الكسب. [ المسألة 141: ] إذا ملك الرجل مقدارا من المال، وشك في أن المقدار الذي يملكه منه يكفيه لمؤونة سنته أو لا يكفيه، لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، حتى يعلم أن المال الموجود لديه لا يكفيه، وإذا كان الرجل فقيرا في حالته السابقة، ثم حصل له مقدار من المال وشك في أن ما ملكه من المال يكفيه لسنته أو لا، استصحب فقره السابق وجاز له أخذ الزكاة.

[ 198 ]

[ المسألة 142: ] إذا علم المكلف بدفع الزكاة أن الرجل فقير لا يملك مؤونة سنته، أو علم بأنه غني غير مستحق عامله بما علم من أمره، فيجوز له إعطاؤه من الزكاة إذا علم فقره، ولا يجوز له أن يدفع له شيئا منها إذا علم بغناه، وإذا شك في فقره وغناه وكان يعلم بأنه فقير سابقا، جاز له إعطاؤه من الزكاة، وان علم بغناه سابقا أو جهل أمره في حالته السابقة واللاحقة لم يعطه من الزكاة، ولم يصدقه في قوله إذا ادعى الفقر، الا إذا حصل له الوثوق بصدقه. [ المسألة 143: ] إذا كان لمالك المال دين على الفقير، جاز للمالك الدائن أن يحتسب دينه عليه من الزكاة، فيكون ذلك وفاءا لما في ذمة الفقير وأدءا لزكاة المالك، وكذلك إذا كان للمالك دين في ذمة ميت ولم تكن للميت تركة تفي بالدين فيجوز له أن يحتسب الدين من الزكاة، وإذا كانت للميت تركة تفي بالدين الذي في ذمته لم يجز للمالك المكلف أن يحتسب الدين زكاة، وإذا كانت للميت المدين تركة وامتنع ورثته عن وفاء دينه من التركة، ففي جواز احتساب الدين من الزكاة إشكال. [ المسألة 144: ] يجوز لمالك المال أن يدفع زكاته إلى الفقير ولا يعلمه بانها زكاة، وإذا كان الفقير ممن يترفع في نفسه عن قبض الزكاة ويدخله الحياء من أخذها، استحب للمالك المكلف بالزكاة أن يدفعها له على وجه الصلة ظاهرا، ويقصد في نفسه إيتاء الزكاة، فإذا أخذها الفقير وتملكها صحت زكاة، ولا يجوز للمالك المكلف أن يكذب في ذلك فيقول له مثلا: هذه صلة مني لك وليست زكاة، ولا بأس بالتورية عند الحاجة إليها، فيقول له: هي صلة ويقصد في نفسه اني أصلك بإيتاء زكاتي لك، والعبرة بقصد الدافع لا بقصد القابض على الأقوى. [ المسألة 145: ] إذا اعتقد مالك المال أن الرجل فقير يستحق الزكاة فدفع إليه زكاة ماله، ثم ظهر له بعد أن دفعها إليه أنه غني لا يستحق الزكاة، فلذلك صورتان مختلفتان. (الصورة الأولى): أن يكون المالك قد عزل المبلغ الذي دفعه إلى الرجل وقصد أنه زكاة معزولة قبل أن يدفعه إلى الرجل، وقد سبق منا في المسألة المائة

[ 199 ]

والثانية عشرة ان المالك إذا عزل الزكاة تعينت زكاة، وليس له بعد العزل أن يبدل عينها بعين أخرى، والحكم في هذه الصورة أنه يجب على المالك استرجاع عين الزكاة المدفوعة إذا كانت باقية بيد الرجل، فإذا أخذها منه دفعها لمن يستحقها أو صرفها في مصارف الزكاة الأخرى. وإذا كانت العين تالفة كان الرجل الذي قبضها ضامنا لها، سواء كان عالما بأنها زكاة وقبضها وهو غير مستحق، أم كان جاهلا، فيلزمه دفع مثلها إذا كانت مثلية ودفع قيمتها إذا كانت قيمية، ولا ضمان عليه إذا كان المالك الدافع للزكاة قد غره فقبضها منه مغرورا، فيكون ضمانها على المالك. وإذا كانت عين الزكاة موجودة وتعذر على المالك استرجاعها من القابض، أو كانت تالفة وتعذر عليه أخذ عوضها منه فلا ضمان على المالك الا إذا كان مفرطا في دفعها لذلك الرجل، فدفعها إليه من غير اعتماد على حجة تثبت أنه مستحق فيكون ضامنا لتفريطه، أو كان قد غر الرجل كما ذكرنا فقبضها منه مغرورا، فيكون المالك ضامنا للزكاة في الصورتين. وإذا تمكن المالك فاسترجع العين أو أخذ عوضها من القابض صرف ذلك في مصرف الزكاة. (الصورة الثانية): أن يكون مالك المال قد دفع المبلغ لذلك الرجل ولم يكن قد عزل المبلغ قبل دفعه إليه، فإذا تبين له بعد الدفع إليه أنه غني غير مستحق للزكاة، لم يكفه ما دفعه إليه عن الزكاة الواجبة، ووجب عليه دفعها لمن يستحقها، وكان المال الذي أعطاه الى الرجل من أموال المالك المكلف، فيجوز له أن يسترجعه من قابضه إذا كان موجودا، ويجوز له أن يتغاضى عنه فلا يطالبه به، وإذا كان المال تالفا تخير المالك بين أن يأخذ منه عوضه وان يدعه فلا يأخذ منه شيئا، وإذا كان القابض قد غره المالك فدفع المال إليه لم يرجع عليه بالعوض إذا كان تالفا. [ المسألة 146: ] إذا دفع المكلف زكاة ماله إلى رجل فقير، وظهر للمالك بعد دفع المال أن الرجل الذي أعطاه الزكاة هاشمي لا تحل له زكاة غير الهاشمي، وكان المالك الدافع غير هاشمي، جرت فيه الفروض التي ذكرناها في المسألة المتقدمة وترتبت عليها الأحكام والآثار التي بيناها.

[ 200 ]

وكذلك إذا دفع المالك زكاته إلى مستحق ثم ظهر للمالك أن المدفوع إليه ممن تجب عليه نفقته لا تحل له زكاته، فتجري فيه الفروض والأحكام المتقدمة كلها. [ المسألة 147: ] إذا دفع المالك زكاة ماله إلى الفقيه العادل، لأنه الولي العام للفقراء ولمال الزكاة، برئت ذمة المالك من الزكاة الواجبة عليه، وكذلك إذا دفعها إلى الوكيل الذي استنابه الفقيه العادل في ذلك، واعتمد عليه في تصرفاته، فتبرأ ذمة المكلف من الزكاة الواجبة عليه بالدفع إليهما. فإذا دفع الحاكم الشرعي أو وكيله المذكور مال الزكاة إلى رجل ولم يقصر في التعرف على حال الرجل وفي الفحص عن أمره من الفقر أو الغنى مثلا أو غير ذلك من الشروط والصفات المعتبرة في المستحق، ثم ظهر بعد ذلك أن الرجل لا يستحق الزكاة، فلا ضمان على الحاكم الشرعي ولا على وكيله، وإذا قصر في التعرف والفحص كان ضامنا للمال المدفوع وكان ضمانه في ماله الخاص لا في مال الزكاة أو بيت المال، ولا ضمان على مالك المال كما تقدم. [ المسألة 148: ] إذا اعتقد المكلف أن للرجل الفقير صفة خاصة يتميز بها على الفقراء الآخرين، كالعدالة أو المعرفة أو الاجتهاد أو القرابة منه أو غير ذلك من الأوصاف المميزة، ودفع إليه زكاة ماله بانيا على ذلك، ثم ظهر له بعد دفع المال إليه أن الرجل لا يتصف بتلك الصفة التي اعتقدها فيه، فان كان قد قيد دفع الزكاة إليه بأن تكون تلك الصفة موجودة فيه كان دفعه إليه باطلا ولم يكن إيتاءا للزكاة، ولم يجزه ما دفعه عن الواجب الذي كلف به، وجاز له أن يسترجعه منه إذا كانت عين المال موجودة بيد القابض، وأن يأخذ منه عوضه إذا كانت العين تالفة، ولا ضمان على القابض إذا كان الدافع قد غره فأوهمه بوجود الصفة وانطباقها عليه كما سبق في نظيره فلا يأخذ منه عوض المال إذا تلف بيده بعد قبضه. ويجوز للمالك في هذه الصور كلها أن يجدد نية إيتاء الزكاة في ما دفعه الى الرجل، فان المفروض أن الرجل فقير يستحق دفع الزكاة إليه وان لم يتصف بالصفة التي توهمها فيه، فإذا جدد النية أجزأت عنه وبرئت ذمته من الواجب

[ 201 ]

سواء كانت عين المال باقية أم تالفة. وإذا لم يقيد المالك المكلف دفع الزكاة الى الرجل بوجود تلك الصفة، بل كان اعتقاده بوجود الصفة المميزة فيه داعيا الى اعطائه، صح ما دفعه إليه زكاة وبرئت ذمته من الواجب، ولم يجز له أن يسترد المال من القابض وان كانت العين باقية. [ المسألة 149: ] (الثالث ممن يستحق الزكاة: العاملون عليها). والعمل المراد هنا ولاية خاصة يجعلها إمام المسلمين (ع) أو النائب عنه لبعض الناس على عمل من أعمال الزكاة، كجباية مالها، وضبط مقاديرها، وضبط الاموال التي تتعلق بها، وتدوين حسابها، وإيصالها إلى الولي العام أو إلى مستحقيها، وغير ذلك من وجوه العمل فيها. ويشترط في عامل الزكاة أن يكون بالغا وأن يكون عاقلا، وأن يكون مؤمنا عادلا، وان يكون حرا على الاحوط في جميع ذلك، ويشترط فيه أن يكون عارفا بالمسائل التي تتعلق بعمله، وبأحكامها، وان لا يكون هاشميا. [ المسألة 150: ] إذا قام العامل في الزكاة بوظيفته المحددة له من الولي العام على الوجه المطلوب منه، استحق قسطه من الزكاة وان كان غنيا، فلا يعتبر فيه ان يكون فقيرا، واستحقاق العامل لهذا السهم بجعل الشارع الأعظم، كما ذكرته الآية الكريمة، لا بعنوان الاستئجار للعمل والمعاوضة عليه. ويجوز لإمام المسلمين (ع) أو نائبه أن يستأجر موظفين أكفاء للزكاة والقيام بأعمالها ويحدد لهم وظائفهم وأعمالهم التي يقومون بها، ويعين للأجير منهم أجرة معينة أو يجعل له راتبا مقدرا كفاء عمله، وهؤلاء يستحقون ذلك على وجه المعاوضة، ويصح أن يجعل مصدر الرزق لهم من بيت المال أو من الزكاة. ويجوز أن يكون الأجير من هذه الفئة هاشميا، وان لا تجتمع فيه شروط العامل التي تقدم ذكرها في المسألة الماضية، وإذا كان الإجير هاشميا وجب ان يكون رزقه من بيت المال لا من الزكاة، وكذلك إذا كان ممن لا تجتمع فيه شروط العامل المتقدمة على الأحوط، فلا يكون رزقه من الزكاة، بل يكون من بيت المال.

[ 202 ]

[ المسألة 151: ] لا يسقط نصيب العاملين على الزكاة في زمان غيبة الإمام (ع) على الأصح، فإذا بسطت يد الفقيه العادل في بعض الاقطار، فعين للزكاة سعاة وجباة، وعمالا، شملهم الحكم وجاز اعطاؤهم من هذا النصيب. ولا يشمل هذا الحكم من تصدى بنفسه لإخراج زكاته وجباية زكاة من قبله من الناس وإيصالها إلى الفقيه أو الى المستحقين من الفقراء وغيرهم، فلا يستحق سهم العاملين، وكذلك من تصدى لذلك بإذن الفقيه إذا لم تبسط يده على الوجه الذي تقدم بيانه على الأحوط. [ المسألة 152: ] (الرابع من مستحقي الزكاة: المؤلفة قلوبهم). والذي يستفاد من الأدلة الشرعية الواردة في المسألة ان المؤلفة قلوبهم قوم من المسلمين يكونون ضعفاء في عقائدهم والبصائر في دينهم، فيسهم لهم من الزكاة لتثبت بذلك عقائدهم ويستمالوا إلى السلوك الحسن والعمل الصالح للإسلام. والظاهر ان الحكم يختص بمن يعلم أو يحتمل أن اعطاءه المال يوجب له ثبات العقيدة وحسن الإسلام فلا يشمل من يعلم أو يظن بعدم حصول هذه الغاية من اعطائه، فلايعطى من سهم المؤلفة قلوبهم. [ المسألة 153: ] (الخامس من مصارف الزكاة: الرقاب). وهم العبيد المماليك الذين يكاتبهم مواليهم على أداء مقادير معينة من المال، فإذا أدى العبد لسيده المبلغ المعين الذي كاتبه عليه كان حرا، فإذا عجز العبد عن الاكتساب ليؤدي مال الكتابة إلى مولاه ويفك رقبته جاز أن يدفع إليه من سهم الرقاب من الزكاة، وكذلك إذا ضعف كسبه، واحتاج إلى مدة طويلة يكتسب فيها حتى يؤدي ما عليه، فيجوز الدفع إليه من السهم المذكور ليعتق سواء كانت مكاتبة سيده له مطلقة أم مشروطة. والعبيد الذين يقعون تحت الشدة من قسوة مواليهم، فيشترى العبد منهم من مولاه ويدفع ثمنه من مال الزكاة ثم يعتق، بل يجوز صرف السهم المذكور في عتق مطلق الرقاب، فيشترى العبد من مال الزكاة ويعتق، وان لم يكن مكاتبا ولم

[ 203 ]

يكن تحت شدة، ويشترط في هذا الوجه الأخير وهو عتق مطلق الرقاب أن لا يوجد مستحق للزكاة. [ المسألة 154: ] (السادس من مصارف الزكاة: الغارمون). والغارم هو الشخص المدين الذي عجز عن اداء دينه، وان كان مالكا لقوت سنته بالفعل أو بالقوة، فإذا قصر كسب الرجل وما يملكه من المال عن وفاء دينه، جاز أن يقضى دينه من سهم الغارمين، ويشترط في الدين الذي يقضى من سهم الغارمين، ان لا يكون المدين قد صرفه في معصية، فلا يجوز أن يقضى من هذا السهم دين صرف في ذلك، سواء تاب المدين من تلك المعصية ام لم يتب، بل وان كان الصارف له في المعصية غير المدين، إذا كان المدين مختارا في ذلك وغير معذور، كما إذا استدان الأب، وصرفه ولده في معصية والأب مختار غير معذور في تمكينه من المال. [ مسألة 155: ] إذا كان المدين قد صرف الدين في معصية وعجز عن وفاء ذلك الدين، ثم تاب من معصيته جاز إعطاؤه من الزكاة من سهم الفقراء إذا كان ممن لا يملك قوت سنته، ولا يمنع من وفاء دينه بما يأخذه من سهم الفقراء، وإذا هو لم يتب من معصيته ففي جواز إعطائه من سهم الفقراء إشكال. وسيأتي الكلام في جواز دفع الزكاة للفقير إذا كان فاسقا أو متجاهرا بالمحرمات أو بترك الواجبات، وتلاحظ المسائل المتعلقة بذلك في الفصل السابع. [ المسألة 156: ] إذا شك المكلف بدفع الزكاة في رجل غارم، هل كان قد صرف دينه في معصية أو لا، أشكل الحكم بجواز الدفع إليه لوفاء دينه من سهم الغارمين، والأقوى جواز ذلك وان كان الاحوط له الترك. ولا يجوز للمدين الغارم أن يأخذ من سهم الغارمين ما يسد به دينه إذا كان قد صرفه في معصية الله، فإذا دفع إليه مالك الزكاة من هذا السهم ليفي دينه والدافع يجهل أمر الدين الذي عليه فلا يحل للمدين ان يأخذه منه. [ المسألة 157: ] إذا صرف المدين دينه في المعصية وهو صبي غير بالغ في حال فعله، أو وهو

[ 204 ]

مجنون غير عاقل، جاز له أن يفي دينه من سهم الغارمين، وكذلك إذا كان المدين معذورا في صرف الدين في المعصية، ومثال ذلك: أن يفعله وهو مضطر إلى فعله أو وهو ناس، أو وهو جاهل بالموضوع فلم يدر ان ذلك المائع الذي اشتراه بمال الزكاة خمر يحرم شراؤه وشربه، أو ان هذا العمل الذي عمله مقامرة يحرم فعلها وصرف المال فيها، أو يكون جاهلا بالحكم غير مقصر في جهله، فيقضى دينه من سهم الغارمين في جميع هذه الصور، وإذا كان جاهلا بالحكم مقصرا في جهله فهو عاص غير معذور، فلا يقضى دينه من سهم الغارمين. [ المسألة 158: ] لا فرق في الدين الذي يكون في ذمة الرجل المدين ويجوز وفاؤه من سهم الغارمين بين أن يكون بدل مال استقرضه الرجل فبقي في ذمته، وثمن مبيع اشتراه نسيئة ولم ينقد ثمنه، وعوض شئ ملكه بالصلح أو بالهبة المعوضة ولم يؤد العوض لصاحبه، ومهر امرأة تزوجها ولم يدفع لها مهرها وبقي في ذمته، وغير ذلك من الأموال التي تشتغل بها الذمة في إحدى المعاملات الشرعية، وحتى إذا كان غرامة عن شئ اتلفه جاهلا أو ناسيا، لا عمدا وعدوانا على الأحوط. [ المسألة 159: ] إذا كان الدين الذي اشتغلت به ذمة الرجل الغارم مؤجلا فحل أجله، جاز ان يعطى من سهم الغارمين ليفي دينه، وكذلك قبل حلول أجل الدين، فيجوز ان يدفع له من هذا السهم إذا يئس من القدرة على وفاء الدين حين يحل أجله. [ المسألة 160: ] إذا كان المدين قادرا على وفاء دينه من كسبه على سبيل التدريج، فيؤديه للدائن شيئا فشيئا حتى يتمه، وكان الدائن لا يطالبه بدينه بالفعل، فالأحوط عدم اعطائه من سهم الغارمين. وإذا طالبه الدائن بدفع دينه تاما، وكان المدين عاجزا عن ادائه الا على نحو التدريج، ولم يتمكن من الاستدانة لوفائه ولم يمهله الدائن، جاز إعطاؤه من السهم المذكور، لا مطلقا. [ المسألة 161: ] إذا أعطى مالك الزكاة إلى المدين من سهم الغارمين ليفي دينه، ثم تبين

[ 205 ]

للمالك بعد ان دفع إليه المال ان المدين قد صرف الدين في معصية، لم تبرأ ذمة المالك من الواجب، ووجب عليه أن يسترجع من المدين ما أعطاه من السهم، وان كان المدين قد تاب من معصيته التي صرف فيها الدين، ويصح له ان يحتسب المقدار الذي دفعه إليه من سهم الفقراء إذا كان الرجل لا يملك قوت سنته وقد تاب من المعصية، ويشكل أن يحتسبه عليه من سهم الفقراء إذا هو لم يتب. وكذلك الحكم إذا دفع إليه من سهم الغارمين ثم ظهر له بعد الدفع إليه انه لم يكن مدينا، أو علم بان الدائن قد ابرأ ذمته من الدين، فيجب على مالك الزكاة ان يسترجع منه ما اعطاه من سهم الغارمين، ويجوز له ان يحتسب المقدار الذي دفعه إليه من سهم الفقراء إذا كان الرجل فقيرا بالفعل. [ المسألة 162: ] إذا ادعى الشخص أنه مدين لا يقدر على وفاء دينه واقام البينة على صحة قوله، جاز للمالك ان يدفع له من سهم الغارمين، وإذا ادعى ذلك ولم يقم بينة على ما يدعيه لم يصدق قوله على الأحوط بمجرد دعواه، وان صدقه الدائن في ما يقول. [ المسألة 163: ] إذا دفع مالك الزكاة إلى المدين العاجز عن وفاء دينه مبلغا من سهم الغارمين ليفي به دينه، ثم علم أن الرجل قد صرف المبلغ الذي أخذه منه في غير وفاء دينه، وجب عليه ان يسترجع المال منه، الا إذا كان الرجل فقيرا، فيصح للمالك أن يحتسب المال عليه من سهم الفقراء أو من سهم سبيل الله. [ المسألة 164: ] تقدم منا في المسألة المائة والرابعة والخمسين: أنه يشترط في الدين ان لا يكون قد صرف في معصية، والمدار في هذا الشرط على نفس صرف الدين فيها، لا على قصد الرجل المدين من الاستدانة، فإذا كان الرجل قد استدان المال لطاعة أو لأمر مباح، ثم صرفه بعد أن قبضه في معصية، لم يجز اعطاؤه لوفاء ذلك الدين من سهم الغارمين. وإذا استدان المال للمعصية، ثم صرفه بعد ما قبضه في طاعة أو في أمر مباح، جاز إيتاؤه لوفاء الدين من سهم الغارمين. [ المسألة 165: ] إذا كان المدين غير قادر على وفاء دينه بالفعل، ولكنه يستطيع وفاءه بعد مدة، ومثال ذلك: أن تكون للمدين غلة تكفيه لذلك، وهو يرتقب ميعاد حصول

[ 206 ]

تلك الغلة في وقتها، أو يكون له دين عند بعض الناس يفي بما في ذمته، وهو ينتظر حلول أجل دينه، فالظاهر عدم جواز الدفع إليه من سهم الغارمين، الا إذا طالبه الدائن بتسديد ما في ذمته بالفعل، ولم يمهله، ولم يتمكن من تسديد ذلك بالاستدانة له، فيجوز الدفع إليه من السهم المذكور. [ المسألة 166: ] إذا كان الغارم مدينا للمالك الذي وجبت عليه الزكاة جاز لدائنه هذا أن يحتسب الدين الذي يملكه في ذمة غارمه عليه زكاة، وان لم يعلمه بذلك، ويجوز له أن يحتسب بعض اعيان الزكاة التي عليه للغارم ثم يأخذ ذلك لنفسه وفاءا لدينه الذي يملكه في ذمة الغارم، وان لم يقبضها المديون ولم يوكله في قبضها عنه، ولا يجب عليه اعلام المديون بأنه قد احتسبها عليه زكاة وأخذها وفاءا للدين. [ المسألة 167: ] إذا علم المالك المكلف بالزكاة بأن زيدا مدين لبعض الناس وهو عاجز عن وفاء دينه الواجب عليه جاز له أن يفي دينه من الزكاة، وان لم يعلم زيد الغارم بذلك، وكذلك إذا شهدت عنده بينة عادلة بان زيدا مدين وعاجز عن وفاء دينه. [ المسألة 168: ] يصح للمالك المكلف بالزكاة أن يفي من زكاته الواجبة عليه دين أبيه ودين ابنه ودين زوجته وغيرهم ممن تجب عليه نفقته إذا كان غارما، ويجوز له أن يدفع زكاته إليه ليفي بها دينه ولا يمنع من ذلك، ولا يجوز له اعطاؤه من الزكاة لنفقته إذا كان فقيرا، وسيأتي بيان هذا في الفصل السابع. [ المسألة 169: ] إذا كان الغارم - وهو زيد مثلا - مدينا لعبد الله، وكان دائنه عبد الله مدينا لخالد، وهو المالك الذي وجبت عليه الزكاة في ماله، جاز لعبد الله أن يحيل دائنه خالدا بماله من دين في ذمته على مدينه زيد، فيكون زيد بعد الحوالة مدينا لخالد، وتبرأ بذلك ذمة عبد الله من دينه، ويحتسب خالد دينه على زيد زكاة على نهج ما تقدم في المسألة المائة والسادسة والستين. [ المسألة 170: ] إذا ضمن زيد ما في ذمة أخيه عمرو لدائنه، اشتغلت ذمة زيد بالمال وبرئت ذمة أخيه عمرو من الدين، فإذا لم يكن هذا الضمان مقدمة لمعصية ثم أعسر زيد

[ 207 ]

ولم يتمكن من أداء المال الذي ضمنه، جاز اعطاؤه من سهم الغارمين لوفاء الدين. [ المسألة 171: ] إذا استدان الرجل دينا ليطفي بالمبلغ فتنة قائمة بين جماعة من لمؤمنين، أو ليصلح به ذات بين، أو ليعمر به مسجدا، أو لغير ذلك من المصالح العامة، ثم أعسر المدين فلم يتمكن من أداء الدين جاز اعطاؤه من سهم الغارمين، ولا يعطى منه إذا أمكنه الاداء، ويجوز أن يعطى لذلك من سهم سبيل الله كما سنذكره في المسائل الآتية ان شاء الله تعالى. [ المسألة 172: ] (السابع من مصارف الزكاة: سبيل الله)، والمراد بسبيل الله هاهنا ما يعم جميع سبل الخير التي تقرب الانسان إلى الله وتوجب له مرضاته، ومنها بناء القناطر والمدارس وتعمير المساجد ومساكن الحجاج والزوار والمسافرين في طرق الطاعات، والمستشفيات والملاجئ والبيوت للضعفاء والغرباء وتعميرها وتجديدها إذا احتاجت إلى الترميم والتجديد، ومنها اصلاح ذات البين، وحسم الفتن والشرور والمخاصمات التي تقع بين المسلمين، واعطاء أهل الشر والظلم ومصانعتهم لتخليص المؤمنين والضعفاء من شرهم وظلمهم إذا لم يمكن ردعهم ودفع عاديتهم الا بذلك، وكل قربة من القربات إذا كانت لموقعها وجميل أثرها في الشريعة تعد سبيلا من سبل الخير. والأحوط ان يكون الشخص المدفوع إليه ممن لا يتمكن من فعل تلك القربة بغير الزكاة، فيدفع إليه من هذا السهم عند ذلك، وان كان الاقوى عدم اشتراط هذا الشرط إذا كان ما يصرف فيه مال الزكاة هو نفس الفعل المقرب إلى الله لا نفس الشخص الذي يفعل القربة. [ المسألة 173: ] (الثامن من مصارف الزكاة: ابن السبيل)، وهو المسافر الذي ينقطع به الطريق في سفره لنفاد نفقته أو تلفها أو سرقتها أو تلف راحلته، ولا بدل عنده لها، ونحو ذلك، بحيث لا يستطيع مواصلة سفره، ولا يمكن له سد حاجته باستدانة مال أو حوالة، أو بيع ما يملكه من مال حاضر أو غائب، وان كان الرجل غنيا في بلده.

[ 208 ]

فيدفع إليه من الزكاة ما يكفيه لحاجته وما يليق بحاله وبمنزلته في الشرف من مأكول ومشروب ومتاع وأثاث، ومركب ووسيلة انتقال واستراحة إلى ان يقضي وطره من سفره والى ان يصل إلى بلده، وإذا أمكن أن يدفع إليه ما يحتاج إليه من ذلك حتى يصل إلى بلد أو موضع يقدر فيه على الاستدانة أو على التحويل أو على بيع بعض ما يملك من الأموال تعين ذلك، إذا كانت نفقته لذلك اقل من نفقة وصوله إلى بلده. ويتخير دافع الزكاة بين ان يدفع إلى ابن السبيل اعيان ما يحتاج إليه من الاشياء أو أثمانها ليشتريها، أو اعواضها ليستأجرها إذا تيسر له ذلك، ويراعى ما هو أقل كلفة وما يليق بحاله من ذلك، ويجوز له أن يدفع إليه ما يليق بحاله وان كان اكثر كلفة. [ المسألة 174: ] المراد في ابن السبيل الذي يدفع له من الزكاة عند الحاجة، من يكون مسافرا عن بلده في نظر أهل العرف، وان لم يكن سفره موجبا للقصر في الصلاة والافطار في الصوم، فلا يشترط فيه أن يكون قاصدا للمسافة الشرعية، ولا يضر به ان يقيم عشرة ايام أو يكون ممن عمله السفر أو غير ذلك مما يسقط به وجوب القصر في السفر. ويشترط في ترتب الحكم المذكور لابن السبيل ان لا يكون مسافرا في معصية، فلا يجوز أن يدفع إليه من الزكاة إذا انقطع به الطريق وكان سفره في معصية. [ المسألة 175: ] إذا فضل في يد ابن السبيل شئ من الأعيان أو الأثمان التي دفعت إليه من الزكاة، وان كانت زيادة ذلك الشئ في يده بسبب تقتيره على نفسه، وجبت عليه اعادته إلى مالك الزكاة الذي دفعه إليه أو إلى وكيله، سواء كان الزائد نقدا أم ثيابا أم متاعا ام غيرها، وإذا لم يمكن له دفعه إلى المالك نفسه أو إلى وكيله، دفعه إلى الحاكم الشرعي، وأعلمه بأنه من الزكاة، وإذا أمكن للحاكم الشرعي ايصال ذلك إلى المالك أو اسئذانه فيه، فالاحوط له ذلك. [ المسألة 176: ] لا يصدق عنوان ابن السبيل على الرجل حتى يسافر بالفعل وينقطع به

[ 209 ]

الطريق كما بيناه، وليس منه من يعزم على السفر قبل أن يسافر، فلا يدفع إليه من سهم ابن السبيل، وان كان محتاجا إلى السفر، ومحتاجا إلى المؤونة فيه، ويجوز أن يدفع إليه من سهم الفقراء إذا كان فقيرا، ويمكن أن يدفع إليه من سهم سبيل الله إذا كان سفره من القربات وسبل الخير التي توصل إلى الله كما ذكرنا في ما تقدم، وإذا سافر بالفعل وصدق عليه ابن السبيل دفع إليه من هذا السهم، وان كان ذلك لقصور ما في يده من المال عن حاجته. [ المسألة 177: ] يجزي المكلف في ايتاء الزكاة أن يدفع زكاته إلى الرجل إذا علم بانه ممن يستحق الزكاة، وان لم يدر أنه من أي الأصناف على نحو التعيين، ويجزيه أن يدفع الزكاة إلى الرجل إذا علم بأنه ممن يستحق الزكاة بسببين أو اكثر، وان لم يقصد حين دفع المال إليه احدى الجهات التي يستحق الزكاة بسببها. [ المسألة 178: ] إذا اعتقد الرجل أن الزكاة واجبة عليه في ماله فدفعها إلى الفقير، ثم علم بعد دفع المال إليه أن الزكاة لم تكن واجبة عليه، وانه كان مخطئا في اعتقاده، جاز له أن يسترجع المال من الفقير إذا كانت عين المال التي دفعها إليه موجودة، وأمكن له ان يسترجع منه عوضها إذا كانت تالفة، وإذا كان الفقير الذي قبض الزكاة مغرورا من الدافع، فلا ضمان عليه إذا تلفت الزكاة عنده. [ المسألة 179: ] إذا شك الرجل في ان الزكاة واجبة عليه أو غير واجبة، فدفعها إلى الفقير احتياطا، ثم علم بعد ذلك ان الزكاة لم تجب عليه، فقد يقصد حينما يدفع المال إلى الفقير ان هذا المال المدفوع اما زكاة واما صدقة مندوبة، وفي هذه الصورة لا يجوز له أن يسترجع المال من الفقير إذا كان موجودا، ولا يأخذ منه عوضه إذا كان تالفا، وقد ينوي حين يدفع المال أنه إما زكاة واجبة وإما هبة، وفي هذه الصورة يجوز له أن يسترجع العين إذا كانت باقية، وكانت الهبة التي قصدها لغير رحم، وإذا كانت هبة لذي رحم لم يسترجعها. [ المسألة 180: ] إذا كان للمكلف مال غائب عنه فأخرج زكاته من مال آخر، ثم علم بعد ذلك أن المال قد تلف قبل دفع الزكاة، جاز له أن يسترد العين من الفقير إذا

[ 210 ]

كانت موجودة، وأن يسترد منه مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، وإذا كان قد غر الفقير فقبضها منه مغرورا فلا ضمان عليه إذا تلفت العين، ولا حق للدافع في الرجوع عليه. [ المسألة 181: ] إذا نذر المالك أن يدفع زكاة ماله إلى فقير معين من أرحامه أو من غيرهم، وجب عليه أن يدفع الزكاة إليه، وإذا نسي أو غفل فدفع الزكاة إلى فقير آخر، أجزأت عما في ذمته وبرئت ذمته من التكليف، ولم يجز له أن يسترد الزكاة من الفقير الذي أخذها وان كانت العين موجودة. وإذا فعل ذلك عامدا فأعطى الزكاة إلى غير الفقير الذي نذرها له لم تجز عنه، ووجب عليه أن يسترجعها إذا كانت العين باقية ويدفعها للفقير الذي نذر اعطاءها له، وان يسترجع مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة ويدفعه لمن نذر اعطاءه، وإذا كان الفقير الذي قبض الزكاة مغرورا من الدافع فلا ضمان عليه، وعلى المالك أن يدفع الزكاة لمن نذر اعطاءه على الأحوط في هذه الصورة. [ الفصل السابع ] [ في أوصاف من يستحق الزكاة ] [ المسألة 182: ] الأوصاف المعتبرة شرعا في من يستحق الزكاة عدة أمور. (الأمر الأول): يعتبر في من يستحق الزكاة أن يكون مؤمنا، فلا تعطى الزكاة لكافر غير مسلم، من غير فرق بين أصناف الكفار ومللهم، ولا تدفع الزكاة لمن يعتقد خلاف الحق ممن ينتسب إلى الإسلام، وان كان من فرق الشيعة، حتى المستضعفين منهم، وقد تقدم الكلام في المؤلفة قلوبهم في المسألة المائة والثانية والخمسين. [ المسألة 183: ] أطفال المؤمنين وغير البالغين منهم، ومجانينهم بحكم المؤمنين، فيجوز اعطاؤهم من سهم الفقراء من الزكاة إذا كانوا ممن لا يملك قوت سنته بالفعل ولا بالقوة، سواء كانوا مميزين أم غير مميزين، وسواء كانوا ذكورا أم إناثا،

[ 211 ]

ويجوز أن يكون اعطاء الزكاة لهم بنحو التمليك، وفي هذه الصورة تدفع الزكاة لولي الطفل وولي المجنون بقصد تمليك المولى عليه، ويقبضها الولي عليهما من دافع الزكاة بهذا القصد، وتكون نية إيتاء الزكاة من المالك عند الدفع إلى الولي، فيتم التمليك وتبرأ ذمة الدافع، ويجوز أن يكون اعطاء الزكاة لهم بنحو الصرف عليهم مباشرة من مالك الزكاة أو بتوسط الولي عليهم، أو بيد أمين آخر إذا لم يكن لهم ولي، وتكون نية إيتاء الزكاة عند الصرف عليهم. [ المسألة 184: ] إذا كانت ولادة الطفل من أب مؤمن، ألحق الطفل بأبيه في الحكم، فيجوز أن يدفع إليه من سهم الفقراء من الزكاة إذا كان فقيرا، وان كانت أمه غير مؤمنة، ويشكل الحكم في الطفل إذا كانت الأم التي ولدته مؤمنة وكان الأب غير مؤمن، ويشكل الحكم فيه أيضا إذا كان جده أبو أبيه مؤمنا وكان أبوه غير مؤمن، والأحوط عدم اعطائه من الزكاة في الصورتين. [ المسألة 185: ] لا يعطى ابن الزنا في حال صغره وقبل بلوغه من الزكاة وان كان أبواه اللذان تكون من نطفتهما مؤمنين، وهذا الحكم موضع تأمل، ولكنه أحوط. [ المسألة 186: ] لا يمنع السفه من أن تدفع الزكاة إلى الشخص السفيه إذا كان مستحقا لها، سواء كان رجلا أم امرأة، فيجوز أن تدفع الزكاة إليه بنحو التمليك، فإذا قبضها وملكها حجر عليه عن التصرف في المال لأنه سفيه حتى يأذن له الولي كسائر أموال السفيه الأخرى، ويجوز أن يصرف على السفيه من سهم سبيل الله ومن سهم الفقراء، بل ومن السهام الأخرى للزكاة إذا كان موردا لها. [ المسألة 187: ] إذا أدى من يخالف المذهب زكاته إلى أهل مذهبه ثم استبصر واهتدى، فعليه إعادة الزكاة، وكذلك إذا دفع الزكاة إلى أهل المذاهب الأخرى من الفرق، فتجب عليه اعادة الزكاة، وان لم تجب عليه اعادة صلاته وصومه وحجه إذا كان قد أتى بها على طبق مذهبه ثم استبصر، وإذا دفع الزكاة إلى مؤمن ثم استبصر أجزأت عنه وصحت.

[ 212 ]

[ المسألة 188: ] يكفي في ثبوت ايمان الرجل العامي من الناس وترتب احكامه أن يقر على وجه الإجمال بأنه مسلم مؤمن، اثنا عشري يعتقد ما يعتقده المسلمون المؤمنون الاثنا عشريون، وان لم يعرف العقائد الصحيحة لأهل المذهب على وجه التفصيل، ولا أسماء الأئمة والترتيب في إمامتهم واحدا بعد واحد، وإذا ادعى أنه من المؤمنين الاثني عشريين، قبل قوله ودفع إليه من الزكاة إذا كان فقيرا، ولم يجب الفحص عنه الا أن تقوم قرينة على كذبه في الدعوى. [ المسألة 189: ] إذا اعتقد مالك المال في أحد بأنه مؤمن، فأعطاه من زكاة ماله، ثم علم بعد الدفع إليه أنه مخطئ في ما اعتقد، فالأقوى عدم الاجزاء وعليه الاعادة. [ المسألة 190: ] (الثاني من أوصاف مستحق الزكاة): أن لا يكون الرجل الذي تدفع إليه الزكاة ممن يستعين بالزكاة وأمثالها على فعل المعاصي. فلا يجوز دفع الزكاة لمن تكون هذه صفته، ولا لمن يكون الدفع إليه اعانة على الإثم، أو اغراءا له أو لغيره بالقبيح، ولا يترك الاحتياط لزوما بمنع شارب الخمر منها، ومنع مطلق من يتجاهر بفعل المحرمات الكبيرة، أو بترك الواجبات، وان لم يصرف الزكاة نفسها وأمثالها في المحرمات. [ المسألة 191: ] لا يشترط في الفقير الذي يستحق الزكاة أن يكون عادلا، ويكفي في جواز الدفع إليه أن يكون غير متجاهر بالمحرمات أو بترك الواجبات كما ذكرنا، ولا تشترط العدالة في المؤلفة قلوبهم، ولا في الرقاب التي تعتق من الزكاة، ولا في الاشخاص الغارمين الذين تؤدى ديونهم من الزكاة، ولا في سبيل الله، ولا في ابن السبيل إذا روعيت الشروط المعتبرة في هذه الأصناف وأحكامها التي تقدم تفصيلها، والأحوط اشتراط العدالة في العاملين عليها، وقد تقدم ذكر هذا. [ المسألة 192: ] (الثالث من أوصاف مستحقي الزكاة): أن لا يكون المستحق الذي تدفع إليه زكاة المالك ممن تجب نفقته على المالك نفسه، وهم أبوه وأمه، وجده لأبيه سواء كان بواسطة أم بوسائط، وأولاده وأولاد ولده وان تعددت الواسطة ما بينه

[ 213 ]

وبينهم، سواء كانوا ذكورا أم إناثا، وزوجته، وعبده المملوك له، فلا يجوز للمكلف أن يدفع زكاة ماله أو يدفع شيئا منها إلى أحد هؤلاء، للنفقة عليه، بل ولا للتوسعة على الاحوط، ويجوز له أن يدفع زكاته إليهم للإنفاق على عيالهم الذين لا تجب نفقتهم على المالك نفسه، ومثال ذلك: أن تكون لأبيه زوجة غير أمه وأولاد، فيدفع زكاته لأبيه للإنفاق على هؤلاء، وان تكون لابنه زوجة ومملوك فيدفع إليه زكاته للإنفاق عليهما، وهكذا في عيال الجد أبي الأب وعيال ولد الولد، ولا يجوز له أن يدفع الزكاة إلى أبيه للإنفاق على أمه، أو يدفعها إلى ابنه للإنفاق على أولاد الابن. ويجوز له أن يدفع الزكاة إليهم لأمور أخرى لا تتعلق بالنفقة، فيدفع الزكاة إلى أبيه أو إلى ولده ليتزوج بها إذا كان محتاجا إلى التزويج أو ليفي بها دينه إذا كان عليه دين يجب عليه وفاؤه، أو ليشتري بها كتبا علمية أو ثقافية يحتاج إليها. [ المسألة 193: ] لا يجوز للمكلف أن يدفع شيئا من زكاته لأحد هؤلاء الذين تجب نفقتهم عليه، إذا كان الاعطاء للنفقة الواجبة، سواء كان القسط الذي يدفعه إليهم من سهم الفقراء أم من السهام الأخرى، فإذا كان الشخص الذي تجب نفقته على المكلف موردا للسهام الأخرى من الزكاة، فكان من العاملين في الزكاة أو من المؤلفة قلوبهم، أو من الرقاب التي تعتق من الزكاة أو من الغارمين، أو كان موردا لسهم سبيل الله أو ابن السبيل، جاز للمكلف أن يدفع الزكاة إليه في غير النفقة الواجبة ولا يجوز له ولا يجزيه أن يدفع له شيئا منها للنفقة. [ المسألة 194: ] إذا كان مستحق الزكاة ممن تجب نفقته على بعض المكلفين، ولكن ذلك المكلف لم يبذل له نفقته، أو كان غير قادر على الانفاق عليه، أو كان باذلا للنفقة مع منة لا تتحمل عادة، جاز للآخرين دفع زكاتهم إليه، وجاز له أن يأخذ الزكاة منهم إذا أعطوه، وكذلك الحكم في الزوجة إذا امتنع زوجها من الانفاق عليها، ولم يمكن اجباره على بذل النفقة لها، فيجوز للآخرين اعطاؤها من الزكاة، ويجوز لها أن تأخذ الزكاة منهم.

[ 214 ]

[ المسألة 195: ] إذا كان الشخص الذي تجب عليه نفقة الفقير المستحق قادرا على النفقة وباذلا لها، أشكل الحكم بجواز دفع الزكاة من الآخرين إلى ذلك المستحق للنفقة، بل الأحوط لهم عدم دفع الزكاة إليه للتوسعة إذا كان من تجب عليه النفقة باذلا للتوسعة أيضا. ولا يجوز للآخرين دفع الزكاة إلى المرأة إذا كان زوجها باذلا لنفقتها، أو كان ممتنعا عن الإنفاق عليها مع امكان إجباره على البذل، ولا يجوز لها أخذ الزكاة من الدافعين لها في الصورتين. [ المسألة 196: ] إذا خرجت المرأة من بيت زوجها بغير إذنه فسقطت نفقتها شرعا عن الزوج بسبب ذلك ولم ينفق عليها زوجها لذلك، أشكل الحكم بجواز دفع الزكاة إليها من الآخرين، لانها قادرة على إزالة سبب الامتناع وعدم النفقة من الزوج. [ المسألة 197: ] لا تجب على الرجل نفقة زوجته المعقودة عليه بالعقد المنقطع، فإذا كانت فقيرة جاز له أن يدفع زكاته إليها، وجاز ذلك للناس الآخرين، وإذا شرطت عليه في عقد النكاح بينهما أن ينفق عليها وقبل الزوج الشرط منها، وجبت عليه نفقتها، ولم يجز له في هذه الصورة أن يدفع لها من زكاته إذا كان موسرا، ولم يجز ذلك من الآخرين إذا كان الزوج موسرا وباذلا للنفقة المشروطة عليه، وكذلك إذا امتنع عن بذل النفقة وامكن اجباره على بذلها، والوفاء بالشرط فلا يدفع لها الاخرون من الزكاة، وإذا كان الزوج معسرا أو ممتنعا ولم يمكن اجباره، جاز للآخرين دفع الزكاة إليها، وجاز لها الأخذ منهم. [ المسألة 198: ] يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها إذا كان مستحقا للزكاة، وان أنفق الزكاة عليها بعد أن قبضها، وكذلك الأجير الذي شرط على المستأجر في عقد الاجارة بينهما أن تكون نفقته عليه، والشخص الذي نذر أحد من الناس أن ينفق عليه، فيجوز لذلك الأجير أن يدفع زكاته لمستأجره إذا كان مستحقا، وللشخص المنذور النفقة ان يدفع زكاته للناذر وإن أنفق الزكاة عليه بعد أن قبضها منه وتملكها.

[ 215 ]

[ المسألة 199: ] يجوز للمالك المكلف بالزكاة أن يدفع زكاته إلى من يعول به إذا كان مستحقا للزكاة، وغير واجب النفقة عليه شرعا، سواء كان من أرحامه أم من الغرباء عنه، ويجوز للآخرين أيضا دفع زكاتهم إليه. [ المسألة 200: ] إذا عجز المكلف عن الانفاق على أبيه أو ولده أو على غيرهما ممن تجب عليه نفقته عجزا تاما يوجب سقوط التكليف عنه، فلا يبعد الحكم بجواز دفع زكاة المكلف إليه، وكذلك إذا عجز عن بعض النفقة الواجبة بمثل ذلك العجز الموجب لسقوط التكليف، بحيث لا يقدر على اتمام النفقة، فالظاهر جواز دفع الزكاة إليه من المكلف، وان كان الأحوط استحبابا عدم الدفع، ويجوز للآخرين دفع زكاتهم إليه بلا ريب. [ المسألة 201: ] إذا أعسر مالك العبد فلم ينفق على عبده لعسره، أو ترك الانفاق عليه لسبب آخر ولم يمكن اجباره على دفع النفقة، جاز للآخرين صرف زكاتهم على العبد إذا كان مستحقا، سواء كان مطيعا لسيده أم آبقا، إذا لم يكن إباقه هو السبب في عدم إنفاق السيد عليه، وإذا كان إباقه هو السبب في ذلك اشكل جواز صرف الزكاة عليه، لأنه قادر على إزالة السبب المانع من الانفاق. [ المسألة 202: ] (الرابع من أوصاف مستحق الزكاة): أن لا يكون هاشميا، والزكاة المدفوعة إليه من غير هاشمي، فلا يجوز دفعها للهاشمي ولا يحل له أخذها أو أخذ شئ منها، حتى من سهم الغارمين، وسهم سبيل الله على الأحوط، وقد تقدمت الإشارة الى هذا في المسألة المائة والسادسة والاربعين، والمسألة المائة والتاسعة والاربعين. ويجوز له أخذ الزكاة من الهاشمي، حتى من سهم العاملين عليها، ولذلك فيصح للحاكم الشرعي إذا بسطت يده أن يستعمل الهاشمي لجباية زكاة الهاشميين خاصة، ويدفع له نصيب العاملين منها، ويجوز له أن يستأجره للعمل في الزكاة ويجعل رزقه من بيت المال، كما قلنا في المسألة المائة والخمسين.

[ 216 ]

[ المسألة 203: ] يجوز للهاشمي أن ينتفع وأن يسكن في المدارس والرباطات والمنازل المعدة للحجاج والزوار، والملاجئ وأشباهها المتخذة من سهم سبيل الله من الزكاة، وأن ينتفع بالكتب الموقوفة المشتراة من هذا السهم. [ المسألة 204: ] إذا اضطر الهاشمي إلى أخذ الزكاة الممنوعة عليه، ولم يكفه الخمس وبقية الوجوه الشرعية التي يجوز له التناول منها لسد اضطراره وحاجته، جاز له أخذ الزكاة، ويقتصر منها على ما يسد الضرورة يوما بعد يوم على الأحوط مع الإمكان. [ المسألة 205: ] يختص الحكم بتحريم الزكاة على الهاشمي بزكاة المال الواجبة وزكاة الفطرة، ولا تحرم عليه الزكاة المندوبة من مال التجارة وغيرها، ولا تحرم عليه الصدقات المستحبة، ولا تحرم عليه الصدقات الواجبة الأخرى كالكفارات والمظالم والصدقات المنذورة والموصى بها، وان كان الأحوط عدم اعطائه من الصدقات الواجبة كلها. [ المسألة 206: ] يثبت كون الرجل هاشميا بقيام البينة العادلة على صحة نسبه، وبالشياع التام المفيد للعلم بذلك، وبالشياع المفيد للوثوق والاطمئنان به، وبكل امارة تفيد ذلك، ويصدق قوله إذا أوجب الوثوق بصدق دعواه، أو عضدته القرائن الموجبة لذلك، وإذا تجرد قوله عن جميع ذلك لم يقبل. [ المسألة 207: ] إذا ادعى الرجل أنه ليس بهاشمي، جاز اعطاؤه من الزكاة إذا كان مستحقا، إلا إذا علم كذبه في قوله أو اطمئن بكذبه، ويجوز أن تدفع الزكاة لمن يجهل نسبه كالقيط ونحوه، والغريب الذي لا تعرف قبيلته إذا كان مستحقا. [ المسألة 208: ] من كانت أمه هاشمية وأبوه ليس بهاشمي لا يعد هاشميا، فيجوز دفع الزكاة إليه إذا كان فقيرا مستحقا، ويجوز له أخذ الزكاة من الهاشمي وغيره.

[ 217 ]

[ المسألة 209: ] لا فرق في الاحكام التي ذكرناها للهاشمي بين الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون. [ المسألة 210: ] يشكل الحكم في ابن الهاشمي من الزنا، ولذلك فلا يجوز - على الأحوط - اعطاؤه من الخمس ولا من زكاة غير الهاشمي، ويجوز له أن يأخذ من زكاة الهاشمي ومن فطرته إذا كان مستحقا، ويجوز له أن يأخذ من الزكوات المندوبة، ومن الصدقات الأخرى الواجبة والمندوبة. [ الفصل الثامن ] [ في جملة من أحكام الزكاة ] [ المسألة 211: ] لا يجب على المالك المكلف بالزكاة أن يبسط زكاته على الأصناف الثمانية المستحقين للزكاة فيقسم المبلغ الواجب عليه ثمانية أقسام متساوية أو متفاوتة في المقدار، ويخصص لكل صنف قسما من المال ينفق فيه، لا يجب ذلك على الأقوى، بل يجوز له أن يخص بزكاته صنفا واحدا من الأصناف أو أكثر، وان كان البسط على الأصناف أفضل إذا كان المقدار الذي يجب على المكلف يتسع لذلك وكانت الأصناف موجودة. ولا يجب عليه أن يستوعب الافراد الموجودين من الصنف الذي أراد الدفع إليه، فيصح له أن يدفع جميع زكاته إلى فرد واحد منهم، ويجوز له أن يميز بعض الأصناف على بعض، وان يفضل بعض الأفراد على بعض. [ المسألة 212: ] لا تتعين الزكاة لمن حضر من الفقراء وان طالبوا بها، فيجوز لمالك المال أن يعدل بزكاته إلى غيرهم ممن لم يحضر، وخصوصا مع وجود مرجحات للغائبين وان كانوا من غير أهل البلد. [ المسألة 213: ] يجوز لمالك المال أن ينقل زكاته إلى بلد آخر غير البلد الذي تكون فيه

[ 218 ]

الزكاة وان كان المستحق موجودا في بلد الزكاة، وإذا نقل الزكاة - مع وجود المستحق في البلد - فمؤنة النقل على المكلف، لا على الزكاة، وإذا نقل الزكاة فتلفت عين الزكاة بسبب النقل كان على المالك الناقل ضمانها، حتى إذا كان نقلها باذن الفقيه على الأحوط. وإذا وكل الفقيه مالك المال في أن يقبض زكاة ماله بالوكالة عنه، فقبضها المالك بالوكالة عنه ثم نقلها إلى بلد آخر بالإذن من الفقيه أيضا، كانت مؤنة النقل على الزكاة، ولا ضمان على المالك إذا تلفت بالنقل في هذه الصورة. [ المسألة 214: ] إذا لم يجد المالك المكلف مستحقا في بلد الزكاة، ولم يرج وجوده فيه، ولم يتمكن في ذلك البلد من صرف الزكاة في مصارفها الأخرى، وجب على المكلف نقل الزكاة إلى بلد آخر يمكنه إيتاء الزكاة فيه، فإذا هو عزل مقدار المال الواجب عليه وعينه زكاة قبل أن ينقله، فمؤونة النقل على الزكاة، وان هو لم يعزل الزكاة، اشكل الحكم في كون المؤونة على المالك نفسه أو على الزكاة، ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بأن يدفع المالك مؤونة النقل، وإذا نقل الزكاة فتلفت بسبب النقل فلا ضمان عليه. وإذا كان المالك يرجو أن يجد المستحق في البلد، وأمكن له صرف الزكاة في مصارفها الأخرى، تخير بين أن ينقل الزكاة إلى بلد آخر، وأن يحفظها في موضعها إلى أن يجد المستحق الذي يرجو وجوده في البلد ويدفعها إليه، وأن يصرفها في مصارفها التي يتمكن منها بالفعل، وإذا نقلها في هذه الصورة فتلفت كان عليه ضمانها، وإذا لم يجد من يستحق الزكاة في البلد ولم يرج وجوده فيه، وأمكن له أن يصرف الزكاة في بعض مصارفها في البلد، فنقلها الى بلد آخر، وتلفت بسبب نقلها كان ضامنا لها، وإذا لم يجد المستحق في البلد فعلا ولكنه رجا وجوده في ما يأتي، ولم يتمكن من صرف الزكاة في المصارف الأخرى، فنقلها إلى بلد آخر وتلفت بنقلها فلا ضمان عليه، ومؤونة النقل تكون على المالك في هذه الصور الثلاث على الأحوط. [ المسألة 215: ] إذا كان البلد الذي يوجد فيه مال الزكاة غير بلد المالك جاز له أن ينقل الزكاة إلى بلده، فإذا تلفت بسبب النقل، فالضمان فيها على نهج ما فصلناه في

[ 219 ]

المسألتين السابقتين وعلى حسب ما ذكرنا فيهما من الصور. [ المسألة 216: ] إذا كان للمكلف بالزكاة مال في بلد آخر، جاز له أن يجعله زكاة بدلا عن المال الذي تعلقت به الزكاة، وكذلك إذا نقل مقدار الزكاة من ماله إلى بلد آخر، فيجوز له بعد أن يصل ذلك المال أن يجعله زكاة عوضا عما في بلده. وإذا كان له دين في ذمة أحد في بلد آخر، فيجوز له أن يحتسب دينه على ذلك الرجل عوضا عن زكاته الواجبة عليه إذا كان المدين مستحقا، ويجوز له أن يحول عليه مستحقا آخر عوضا عن زكاته في البلد. [ المسألة 217: ] إذا قبض الفقيه العادل الزكاة من المالك المكلف بها، بحسب ولايته على الفقراء، برئت ذمة المالك من تكليفه بها، ولا ضمان عليه إذا تلفت الزكاة بعد ذلك قبل وصولها إلى المستحق، أو كان الدفع لغير من يستحقها اشتباها، وتلاحظ المسألة المائة والسابعة والأربعون. [ المسألة 218: ] إذا احتاج المالك في إخراج زكاته من المال أو في معرفة مقدار الزكاة إلى كيل أو وزن فأجرة الكيال والوزان على مالك المال - على الأحوط - لا من الزكاة. [ المسألة 219: ] إذا استحق الرجل من الزكاة لسببين أو أكثر، ومثال ذلك أن يكون فقيرا وعاملا للزكاة وغارما مثلا، جاز أن يدفع له من الزكاة لكل سبب نصيبا. [ المسألة 220: ] لا حد لأقل ما يدفع إلى الفقير من الزكاة، والأحوط استحبابا أن لا يدفع إليه أقل من خمسة دراهم من زكاة الفضة، ولا أقل من نصف دينار في زكاة الذهب، ومراعاة هذا المقدار في غير النقدين، وقد سبق أنه لا حد لأكثر ما يدفع إليه وان أوجب ذلك غناه أو زاد عليه إذا كان الإعطاء له دفعة واحدة وتراجع المسألة المائة والخامسة والثلاثون. [ المسألة 221: ] يجب إخراج الزكاة في الأنعام وفي النقدين بدخول الشهر الثاني عشر من

[ 220 ]

الحول، وقد بينا هذا في المسألة الثالثة والخمسين والمسألة الثالثة والسبعين، ويجب إخراجها من الغلات الأربع عند جذاذ التمر واقتطاف الزبيب كما ذكرنا في المسألة التسعين، والأحوط الأولى أن يكون إخراج الزكاة فورا حسب المستطاع ولو بالعزل، وان كان الأقوى جواز التأخير، ما لم يؤد ذلك إلى حبس الزكاة ومنع الحق عن أهله، أو التساهل في أمرها أو في حكم الله فيها، فيكون التأخير محرما. وإذا أخر المكلف إخراجها مع إمكان الدفع فتلفت الزكاة بسبب ذلك كان ضامنا لها، بل وان كان التأخير مدة قليلة على الأحوط في هذا الفرض الأخير. [ المسألة 222: ] إذا أخر المالك إخراج زكاته وهو يعلم بوجود المستحق فتلفت فهو ضامن، وقد تكرر منا ذكر ذلك، وإذا أخر إخراجها مع وجود المستحق وكان لا يعلم بوجوده، فان فحص عنه ولم يجده فلا ضمان عليه إذا تلفت، وان أخرها من غير فحص عن وجوده وتلفت بسبب ذلك فعليه الضمان. [ المسألة 223: ] إذا عزل المالك زكاة ماله وأتلفها غيره قبل دفعها للمستحق، فان كان المالك قد أخر دفعها بعد العزل وهو يعلم بوجود المستحق - كما فرضنا في أول المسألة المتقدمة - فالضمان ثابت على كل من المالك والمتلف، وللحاكم أن يرجع بمثلها أو قيمتها على أيهما شاء، فإذا هو أخذ البدل من المالك رجع المالك بما غرمه للحاكم على المتلف، وإذا أخذ البدل من المتلف لم يرجع المتلف بما غرمه على المالك. وان كان المالك لم يؤخر دفع الزكاة بعد عزلها، فالضمان على المتلف وحده، وكذلك الحكم إذا عزل المالك الزكاة ولم يوجد المستحق، وأتلف الزكاة غيره فالضمان على المتلف، ولاشئ على المالك، ويجري هذا التفصيل أيضا وما ذكرناه فيه من الأحكام إذا أتلف المتلف جميع النصاب وفيه الزكاة، ولا موجب لإعادة بيانه. [ المسألة 224: ] لا يقدم إخراج الزكاة قبل تعلق وجوبها في المال، وإذا قدمها المالك فأخرجها ودفعها إلى المستحق قبل وجوبها في المال لم تقع زكاة، وبقي المال

[ 221 ]

المدفوع إلى الفقير على ملك مالكه الأول، وإذا تلف في يد الفقير وهو يعلم بأن المال ملك صاحبه وليس زكاة، كان ضامنا له، وإذا بقي الفقير على استحقاقه حتى حل وقت وجوب الزكاة في المال، صح للمالك في ذلك الوقت أن يحتسب المال الذي دفعه إلى الفقير زكاة عليه إذا كانت عينه موجودة، وان يحتسب عليه عوضه إذا كان تالفا، ويجوز له أن يأخذ المال منه أو ياخذ العوض ويدفعه زكاة إلى مستحق آخر. وإذا قبض الفقير ذلك المال وهو مغرور من المالك، فلا ضمان عليه إذا تلف في يده، ووجب على المالك دفع زكاة المال إذا حل وقت وجوبها. [ المسألة 225: ] يجوز للمالك أن يقرض الفقير بعض المال قبل أن تجب عليه الزكاة في ماله، فإذا حل وقت وجوب الزكاة عليه والفقير الذي أقرضه لا يزال مستحقا للزكاة احتسب عوض قرضه عليه زكاة. وإذا أقرض المالك الفقير - كما ذكرناه - كان مال القرض مملوكا للفقير، فيملك نماءه ونتاجه سواء كان النماء متصلا أم منفصلا، وإذا نقص المال كان النقص داخلا عليه، فإذا حل وقت وجوب الزكاة احتسب المالك عوض مال القرض زكاة على الفقير ولم يحتسب الزيادة التي زادت والنماء الذي حصل، لأنه ملك الفقير، ولم ينقص من المال المدفوع شئ لأن النقص إذا وقع فهو على الفقير، وإذا خرج الفقير عن وصف الاستحقاق للزكاة، استرد المالك عوض مال القرض، دون زيادة ولا نقيصة، ودفعه زكاة إلى من يستحق، ويجوز له أن يدفع الزكاة من مال آخر. [ المسألة 226: ] إيتاء الزكاة إحدى العبادات الشرعية، ولذلك فتجب فيه نية القربة، والتعيين، والاخلاص، وغير ذلك مما يعتبر في نية العبادة، ولا يعتبر فيها قصد الوجوب أو الندب، وإذا دفع المالك زكاة ماله ولم ينو القربة في إيتائها بطل دفعه وبقي المال المدفوع مملوكا لدافعه، فإذا نوى القربة فيها بعد ذلك وكانت عين المال موجودة صحت زكاته إذا كانت الشرائط موجودة. وإذا كانت العين قد تلفت وكانت مضمونة على القابض - كما إذا كان عالما بالحال - جاز للمالك أن يحتسب ما في ذمة القابض زكاة عليه إذا كان لا يزال

[ 222 ]

مستحقا للزكاة، ويجوز له أن يدفع الزكاة إلى فقير آخر، ويبقى ما في ذمة الفقير الأول دينا عليه، وإذا كانت عين الزكاة قد تلفت وهي غير مضمونة على القابض كما إذا كان مغرورا من المالك الدافع وجب على المالك دفع الزكاة ثانيا. [ المسألة 227: ] يجوز للمالك المكلف بالزكاة أن يوكل غيره في إيتاء زكاته، فيتولى الوكيل نية إيتاء الزكاة بالوكالة عن المالك حينما يدفعها إلى الفقير، والاحوط أن ينوي المالك أيضا حينما يدفع الوكيل الزكاة إلى الفقير مع الإمكان، كما إذا كان المالك حاضرا حين الدفع. ويجوز للمالك أيضا أن يوكل شخصا غيره في أن يوصل زكاته إلى الفقير، فإذا وكله في ذلك نوى المالك إيصال الزكاة إلى الفقير بالدفع إلى الوكيل، والأحوط أن تبقى نيته مستمرة إلى أن يدفع الوكيل المال إلى الفقير، ولابد وأن يكون الوكيل في كلتا الصورتين ثقة مأمونا يصح الاعتماد عليه. [ المسألة 228: ] إذا دفع المالك زكاته إلى الحاكم الشرعي بحسب ولايته العامة على الفقراء، تولى المالك نية إيتاء الزكاة حينما يدفع الزكاة إلى الحاكم، وإذا وكل المالك الحاكم الشرعي عن نفسه في إيتاء زكاته إلى الفقير، تولى الحاكم النية بالوكالة عن المالك عندما يدفع الزكاة إلى الفقير كما ذكرنا في الصورة الأولى من المسألة السابقة، وإذا وكل المالك الحاكم الشرعي في إيصال زكاته إلى الفقير، نوى المالك الايصال إلى الفقير بدفع الزكاة إلى الحاكم الوكيل عنه كما في الصورة الثانية من تلك المسألة. [ المسألة 229: ] إذا اتجر الولي الشرعي على الطفل أو على المجنون بمالهما، استحب له أن يخرج زكاة مال التجارة، فإذا أخرج الزكاة تولى النية عند الإخراج بحسب ولايته عليهما. [ المسالة 230: ] إذا تعدد الحق الواجب على الانسان، وأراد أن يخرج بعض ما وجب عليه، وجب عليه في نية الاداء أن يعين ما يقصد إخراجه من الحق، ومثال ذلك: أن يكون الرجل مكلفا بزكاة وكفارة، فإذا أراد أن يدفع للفقير مقدارا من المال عما

[ 223 ]

عليه، وجب عليه أن يعين في نيته أن ما يدفعه هو الزكاة أو الكفارة، ومن أمثلة ذلك أن يكون الشخص مكلفا بزكاة مال وزكاة فطرة، فإذا أراد الدفع الى المستحق، وجب عليه أن يعين ما يقصده من الواجبين، ومن أمثلة ذلك: أن يكون الانسان مكلفا في ذمته بخمس وزكاة، وأراد أن يدفع بعض ما عليه، فعليه التعيين، وخصوصا إذا كان المكلف هاشميا وأراد الدفع إلى هاشمي. ومن ذلك أيضا: ما إذا تعدد محل الوجوب، كما إذا وجبت على الرجل زكاة الأنعام وزكاة الغلات أو النقدين، وأراد أن يخرج القيمة، فعليه أن يعين عند النية أنه يخرج هذا المقدار عن أيها، وان كان نوع الحق الواجب عليه واحدا، ومثاله: أن يكون الرجل مالكا لخمس من الإبل وأربعين من الغنم، فان الواجب عليه في كل واحد من النصابين المذكورين شاة، فإذا أراد أن يخرج الشاة أو قيمتها، فلابد وان يعين ان ما يدفعه زكاة عن أي النصابين. وإذا اتحد الحق الواجب على المكلف، واتحد محل الوجوب، كفاه عند النية أن يدفع المال ويقصد بدفعه أداء ما في ذمته ولا يلزمه التعيين أكثر من ذلك، ومثاله: أن يملك الرجل عشرين من الإبل، فان الواجب عليه فيها هو أربع شياه، فإذا أراد أن يخرج شاة أو يدفع قيمتها، لم يجب عليه في النية أن يعين أنها زكاة عن أي النصب الأربعة الموجودة لديه، وكذلك إذا ملك أربعمائة من الغنم، فان الواجب عليه فيها هو شاة في كل مائة منها، فإذا أراد إخراج الشاة أو قيمتها، كفاه أن يدفعها بقصد ما في ذمته، ولا يجب عليه أن يعين أنها زكاة أي المئات الأربع التي يملكها. [ المسألة 231: ] يجوز للفقير الذي يستحق الزكاة أن يوكل أحدا في أن يقبض عنه الزكاة من شخص معين، ويجوز أن يوكله في القبض عنه من أي دافع كان، فإذا أراد مالك الزكاة دفع زكاته إلى وكيل الفقير نواها عند الدفع إليه وبرئت بذلك ذمته، وان تلفت الزكاة قبل أن تصل إلى الفقير نفسه. [ المسألة 232: ] إذا وجبت الزكاة على المكلف، وشك في أنه أدى ما وجب عليه أو لم يؤده، وجب عليه أن يخرج الزكاة، ولا فرق في الحكم بين أن تكون الزكاة التي يشك في أدائها للسنة الحاضرة وان تكون للسنة أو السنين الماضية، نعم، إذا تلف النصاب

[ 224 ]

من غير تفريط منه وهو يحتمل أنه قد أدى زكاته، فلا ضمان عليه، من غير فرق أيضا بين أن يكون للسنة الحاضرة وما قبلها. [ المسألة 233: ] إذا علم الانسان إجمالا بأنه قد كلف إما بالخمس وإما بالزكاة، وجب عليه أن يدفعهما معا، ولا يكفيه أن يؤدي أحدهما فقط، وان كان ما أداه هو الاكثر منهما، وإذا كان المالك الذي حصل له هذا العلم الاجمالي هاشميا، جاز له أن يدفع المقدار المعلوم وجوبه عليه إلى مستحق هاشمي، وينوي به أداء ما في ذمته خمسا كان أم زكاة، ويرجع في ما يعود إلى حق الامام (ع) من الخمس إلى الفقية العادل على الأحوط. وإذا اختلف المقدار فيهما، كما إذا علم أن الواجب عليه إذا كان زكاة فهو عشرة، وان كان خمسا فهو عشرون، وجب عليه أن يدفع الاكثر للهاشمي في الفرض المذكور. [ المسألة 234: ] إذا كان المكلف مشغول الذمة بحق واجب معلوم من زكاة أو خمس أو غيرهما من الحقوق المالية الواجبة وظهرت عليه امارات الموت، وجب عليه أن يوصي بأداء ما عليه من الحق، وأن يبينه إذا كان خفيا على الوصي، ويذكر في الوصية به ما يزيل الخفاء والالتباس فيه، ويذكر مقداره إذا كان محتاجا إلى البيان، وإذا مات جاز للوصي من بعده أن يدفع زكاته أو خمسه إلى وارثه إذا كان مستحقا لأحدهما، وان كان ذلك الوارث واجب النفقة على المالك الميت حين كان حيا. [ المسألة 235: ] إذا تعلق وجوب الزكاة بالنصاب، وباعه مالكه على شخص آخر، وشرط على المشتري في عقد البيع ان يؤدي زكاة النصاب عن البائع، وقبل المشتري بالشرط صح ذلك ووجب على المشتري الوفاء بالشرط، فيجب عليه اداء الزكاة، وان لم يفعل كان آثما، ولا تبرأ ذمة المالك البائع من التكليف بمجرد الشرط حتى يؤدي المشتري الزكاة بالفعل ويفي بالشرط. ولا يصح للبائع أن يشترط في العقد ان ينتقل وجوب الزكاة من البائع إلى المشتري، ولا يثمر هذا الشرط شيئا وان قبل به المشتري.

[ 225 ]

[ المسألة 236: ] إذا تبرع أحد عن مالك المال فدفع عنه الزكاة الواجبة عليه، صح تبرعه وأجزأ ذلك عن المالك، ولا يرجع المتبرع على المالك بشئ وان كان تبرعه بالزكاة بطلب من المالك نفسه، وإذا طلب المالك من ذلك الشخص ان يدفع عنه زكاة المال ولم يذكر التبرع، فدفعها ذلك الشخص عنه، جاز له ان يرجع على المالك بالزكاة التي طلب دفعها عنه. [ المسألة 237: ] إذا وكل المالك رجلا في ايتاء زكاته عنه، أو وكله في ايصال زكاته الى المستحق، فالمدار في براءة ذمة المالك من الوجوب على وثوقه بان الوكيل أوصل الزكاة إلى الفقير المستحق، سواء كان الوكيل عدلا أم لا، وتلاحظ المسألة المائتان والسابعة والعشرون. [ المسألة 238: ] لا يجب الترتيب في أداء الزكاة بين ما وجب على المكلف أولا وما وجب بعده، فيجوز للمكلف أن يدفع زكاة السنة الحاضرة قبل زكاة السنة الماضية إذا كان مشغول الذمة بهما معا، وكذلك إذا حال الحول على النصاب من الأنعام أو من النقدين فتعلق وجوب الزكاة به، ثم تعلق الوجوب بالغلة بعد ذلك، فيجوز له ان يدفع زكاة الغلة قبل زكاة الانعام أو النقدين. [ المسألة 239: ] لا يعطى الفقير - على الأحوط - من سهم الفقراء من الزكاة ليحج بالمبلغ المدفوع إليه أو ليعتمر به أو ليزور، أو ليؤدي به بعض القربات الأخرى، ويجوز ان يعطى لذلك من سهم سبيل الله. [ المسألة 240: ] إذا وكل المالك المكلف بالزكاة رجلا فقيرا في ان يدفع عنه زكاة ماله أو وكله في ان يوصل زكاته إلى الفقراء، فان علم من القرائن الحافة بالكلام ان وكالته عامة تشمل الدفع لنفسه والايصال إليه صح له أن يأخذ لنفسه نصيبا من الزكاة الموكل بدفعها أو بايصالها، وان لم يعلم ذلك لم يجز له أن يأخذ منها شيئا. [ المسألة 241: ] إذا أعطي الفقير من الزكاة نصابا زكويا تاما وحال عليه الحول وهو في

[ 226 ]

ملكه، وجب عليه اخراج زكاته إذا كانت الشرائط مجتمعة فيه. [ المسألة 242: ] يجوز على الأقوى اعطاء الزكاة المالية، واعطاء زكاة الفطرة إلى الفقير وان كان ممن يسأل الناس بكفه. [ المسألة 243: ] يستحب لمن يدفع الزكاة من ارباب المال: أن يميز أهل الفضيلة والعلم واهل الفقه والتقوى واهل العقل والاتزان بزيادة نصيبهم من الزكاة على من سواهم، وأن يلاحظ مراتبهم في ذلك، وأن يرجح الارحام والاقرباء على غيرهم، وأن يوفر المتعففين على من سواهم، ومن لا يسأل من الفقراء على أهل المسألة منهم، ويستحب له أن يصرف صدقة المواشي إلى أهل التجمل، وإذا زاحم هذه الجهات ما هو اكثر أهمية منها قدمه عليها. ويستحب للفقيه أو العامل في الزكاة، أو الفقير المستحق أو وكيله إذا أخذ الزكاة ان يدعو لمالك المال، ويتأكد ذلك ويكون أحوط للفقيه إذا أخذ الزكاة بحسب ولايته على الفقراء. [ المسألة 244: ] دفع الزكاة الواجبة جهرا أفضل من دفعها سرا، ودفع الصدقات المندوبة في السر أفضل من الجهر بها. [ المسألة 245: ] يكره لصاحب المال ان يطلب تملك ما أخرجه في زكاته وفي صدقاته الواجبة أو المندوبة بشراء ونحوه من المعاملات، ولا كراهة إذا عاد المال إليه بميراث أن يبقيه في ملكه.

[ 227 ]

[ الفصل التاسع ] [ في زكاة الفطرة ] [ المسألة 246: ] يشترط في وجوب زكاة الفطرة على الانسان أن تجتمع فيه عدة أمور. (الأول): أن يكون مكلفا، فلا يجب على الصبي غير البالغ، ولا على المجنون غير العاقل أداء زكاة الفطرة عن نفسه ولا عمن يعول به، ولا يجب على وليهما الشرعي أن يؤدي هذه الزكاة من مالهما بحسب ولايته عليهما عنهما وعمن يعولان به، وإذا كان الصبي أو المجنون عيالا على الولي أو على غيره وجب على المعيل بهما أداء الفطرة عنهما. [ المسألة 247: ] (الشرط الثاني) في وجوب الفطرة: أن يكون المكلف غير مغمى عليه عند هلال شهر شوال، وقد نسب القول باشتراط ذلك إلى الأصحاب، وهو مشكل، فلا يترك الإحتياط. [ المسألة 248: ] (الشرط الثالث) في وجوبها: أن يكون الشخص حرا، فلا تجب هذه الزكاة على العبد المملوك إذا كان قنا أو مدبرا أو كانت الأمة أم ولد لسيدها، والاحوط للعبد إذا كان مبعضا قد اعتق بعضه أو كان مكاتبا قد كاتبه سيده على أداء مبلغ من المال ليكون بذلك حرا، سواء كانت مكاتبته إياه مطلقة أم مشروطة، أن يؤديا زكاة الفطرة عنهما وعمن يعولان به. [ المسألة 249: ] (الشرط الرابع) في وجوبها: أن يكون المكلف غنيا، وهو الذي يملك بالفعل أو بالقوة قوت سنة تامة لنفسه ولعياله، فلا تجب الفطرة على من لا يملك ذلك، وقد سبق بيان هذا في المسألة المائة والحادية والثلاثين، وتجب زكاة الفطرة على من ملك قوت سنته على الوجه الذي بيناه وان كان مدينا، فلا يكون الدين مانعا من وجوب الفطرة عليه.

[ 228 ]

[ المسألة 250: ] تجب زكاة الفطرة على الكافر وان كان لا يصح منه أداؤها، وللحاكم الشرعي مع الامكان والقدرة أن يأخذها منه في حال كفره، وإذا أمكن للحاكم ذلك وأخذها منه تولى الحاكم نية أخذ الزكاة ودفعها للمستحق. وإذا أسلم الكافر بعد هلال شهر شوال سقط عنه وجوب أدائها، ولا يسقط وجوب الفطرة عن المخالف في المذهب إذا ترك مذهبه واعتنق مذهب الشيعة بعد هلال العيد، فيجب عليه أداء الفطرة إذا لم يخرج وقتها. [ المسألة 251: ] دفع هذه الزكاة من العبادات فلابد فيها من النية، ولا تصح إلا بقصد القربة كسائر العبادات، ولا يعتبر فيها قصد الوجوب أو الندب على نهج ما ذكرناه في إيتاء زكاة المال. [ المسألة 252: ] يستحب للفقير الذي لا يملك قوت سنته أن يخرج زكاة الفطرة عن نفسه وعن عياله، وإذا ملك صاعا واحدا من الطعام لا أكثر، استحب له أن يتصدق بالصاع على بعض عياله، ويتصدق به هذا على الثاني منهم، وهكذا حتى يدور التصدق بالصاع على جميع عياله، ثم يتصدق به على فقير اجنبي، ويتولى الولي الأخذ والعطاء عن الصغير والمجنون منهم. [ المسألة 253: ] إذا أدرك الانسان المكلف آخر جزء من شهر رمضان إلى أول جزء من ليلة هلال العيد وهو جامع لشروط وجوب الفطرة التي تقدم ذكرها، وجبت عليه الفطرة، ولا تجب عليه هذه الزكاة إذا لم يدرك ذلك، ففقد بعض الشرائط المذكورة في ذلك الوقت، سواء اجتمعت له الشرائط في ما قبل ذلك أو في ما بعده أم لم تجتمع له. [ المسألة 254: ] إذا بلغ الصبي الحلم، أو أفاق المجنون من جنونه، أو أسلم الكافر من كفره، أو أعتق العبد المملوك من رقه، أو ملك الفقير قوت سنته واستغنى، بعد أن غربت الشمس من ليلة الفطر إلى ما قبل الزوال من نهار يوم العيد لم تجب عليه الفطرة كما قلنا، واستحب له إخراجها عن نفسه وعمن يعول به

[ 229 ]

[ المسألة 255: ] إذا تمت الشروط التي ذكرناها في المكلف، وجب عليه إخراج زكاة الفطرة عن نفسه وعن كل فرد ممن يعول به، سواء كان الفرد ممن تجب نفقته على المكلف أم لا، وسواء كان من أرحامه أم أجنبيا عنه، وسواء كان ذكرا أم أنثى، وكبيرا أم صغيرا، وحرا أم مملوكا له أم لغيره، ومسلما أم كافرا، وحتى الضيف النازل به إذا صدق في نظر أهل العرف أنه ممن يعول به مضيفه ولو مؤقتا، والمدار في جميع من ذكرناه أن يكون الفرد منهم ممن يعول به المكلف في جزء من شهر رمضان الى دخول ليلة الفطر. [ المسألة 256: ] لا تجب على المضيف فطرة ضيفه إذا لم يصدق عليه، أنه ممن يعول به، بل تجب فطرته على نفسه أو على من يعول به إذا كان من عيال شخص آخر، ولا تجب فطرته على المضيف إذا نزل به بعد دخول ليلة الفطر، أو مقارنا لغروب الشمس منها، وان كان ممن يعد من عياله عرفا أو كان مدعوا للضيافة عنده قبل ذلك، ولا تجب على صاحب المنزل فطرة من يدعوه للوليمة وان حضر قبل دخول الليلة. [ المسألة 257: ] إذا ولد للمكلف مولود قبل غروب الشمس من آخر شهر رمضان وجبت على المكلف فطرته، وكذلك إذا كان المولود بعض عياله فكان هو المنفق على مرضعته أو كانت المرضعة مستأجرة من ماله، وكذلك إذا تزوج امرأة أو ملك عبدا، أو استأجر خادما، بحيث دخل المذكورون في ضمن من يعول به قبل غروب الشمس من آخر شهر رمضان فتجب عليه فطرتهم. وإذا كانت ولادة المولود والزواج بالمرأة وتملك المملوك بعد غروب الشمس من ليلة الفطر أو مقارنا له لم تجب على الشخص فطرتهم، ويستحب له اخراج الفطرة عنهم إذا تحقق دخولهم في ضمن عائلته بعد الغروب أو قبل زوال الشمس من يوم الفطر. [ المسألة 258: ] إذا وجبت فطرة الانسان على غيره لضيافة أو غيرها مما يوجب دخوله في ضمن عياله لم يجب عليه اخراج فطرة أخرى عن نفسه، وان كان ممن تجب عليه

[ 230 ]

الفطرة لو كان منفردا، فان لم يؤد المعيل الفطرة عنه عاصيا أو ناسيا أو غافلا، وعلم الرجل المعال به بأن المعيل لم يؤد فطرته، فلا يترك الاحتياط بإخراج الفطرة عن نفسه إذا كان غنيا. [ المسألة 259: ] إذا كان المعيل فقيرا لا تجب عليه الفطرة لفقره، وكان الشخص المعال به غنيا كالضيف الغني إذا أضافه الفقير، وكالمرأة الغنية إذا تزوجها فقير، وجب على المعال به إخراج الفطرة عن نفسه، ولا يسقط عنه الوجوب إذا تكلف المعيل الفقير فأدى الفطرة عنه، وإذا أخرج الفقير المعيل الفطرة في هذه الصورة، وقصد بإخراجه التبرع عن المعال به سقطت الفطرة عنه بذلك. [ المسألة 260: ] تجب فطرة الزوجة على زوجها إذا كانت ممن يعول به الزوج بالفعل، حتى إذا كانت متمتعا بها أو كانت غير واجبة النفقة على الزوج لسبب اقتضى ذلك، وتسقط فطرتها عنه إذا كانت ممن لا يعول به بالفعل وان كانت ممن تجب نفقتها عليه، وكذلك الحكم في العبد المملوك وغيره من واجبي النفقة، فالمدار في وجوب الفطرة على كونه ممن يعول به بالفعل لا على وجوب نفقته. وإذا عال بالمرأة المتزوجة غير زوجها، وجبت فطرتها على ذلك المعيل إذا كان غنيا، وكذلك المملوك إذا عال به غير مالكه، فتجب فطرته على المعيل به، وإذا انفردت الزوجة فلم يعل بها زوجها ولا غيره، وجبت فطرتها على نفسها إذا كانت غنية. [ المسألة 261: ] إذا أنفق الولي الشرعي على الطفل أو المجنون من مالهما، لم تجب فطرتهما على الولي ولا عليهما. [ المسألة 262: ] يجوز للمكلف أن يوكل غيره إذا كان ثقة في دفع الفطرة الواجبة عليه من مال المكلف نفسه، ويجوز أن يوكله في إيصال الفطرة إلى الفقير، فإذا وكله في دفع الفطرة عنه تولى الوكيل النية عند دفع الفطرة إلى الفقير، وإذا وكله في الإيصال تولى المكلف بنفسه النية، فينوي الايصال إلى الفقير بالدفع إلى الوكيل، وقد ذكرنا مثل هذا في زكاة المال، ويجوز للمكلف أن يأذن للثقة في دفع الفطرة عنه

[ 231 ]

من مال ذلك الثقة المأذون، فيتولي المأذون النية عنه كما في الصورة الأولى. ولا يكفي مجرد توكيله لأحد أو الإذن له في براءة ذمة المكلف من الوجوب ما لم يحصل له الوثوق بالإيصال إلى الفقير، وقد ذكرنا نظير هذا في زكاة المال. [ المسألة 263: ] إذا وجبت على المكلف فطرة غيره من ضيف أو أجير أو غيرهما، فأخرج ذلك الشخص المعال به الفطرة عن نفسه لم يجز ذلك عن المكلف المعيل، ولم يسقط عنه الوجوب، ولا يكون ما دفعه عن نفسه فطرة، وهو غير مكلف بها، إلا إذا قصد التبرع بما دفعه عن المكلف المعيل، فيجزي عنه حين ذلك، وقد تقدم مثل هذا الحكم في المسألة المائتين والتاسعة والخمسين. [ المسألة 264: ] تحرم على الهاشمي فطرة غير الهاشمي، فلا يجوز له أن يأخذها منه ولا تجزي عن الدافع إذا دفعها إليه، وقد ذكرنا نظير هذا في زكاة المال، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وتجوز فطرة الهاشمي للهاشمي، ويجوز للهاشمي دفع فطرته إلى غيره. [ المسألة 265: ] المدار في الحكم الذي بيناه في المسألة الماضية على الشخص المعيل لا على من يعول به، فإذا كان الرجل المعيل غير هاشمي وكانت زوجته مثلا هاشمية، لم يجز له أن يدفع فطرتها إلى هاشمي، وإذا كان الرجل المعيل هاشميا وكانت زوجته غير هاشمية جاز له أن يدفع فطرتها إلى هاشمي وكذلك فطرة الآخرين غير الهاشميين من عياله، فيجوز له دفعها إلى هاشمي. [ المسألة 266: ] المدار في وجوب فطرة الغير على المكلف هو أن يكون ذلك الشخص ممن يعول المكلف به، سواء كان مقيما معه في منزله أم كان في منزل آخر، وسواء كان معه في بلده أم كان في بلد آخر، فإذا كانت للرجل زوجة أو ولد أو مملوك أو غيرهم يقيمون في غير منزله أو في غير بلده، وكانوا ممن يعول ذلك الرجل بهم وينفق عليهم من ماله وجبت عليه فطرتهم. وإذا سافر الرجل عن أهله وتركهم في بلده وخلف عندهم ما ينفقون منه على انفسهم من ماله، وجبت عليه فطرتهم.

[ 232 ]

[ المسألة 267: ] إذا عال بالمرأة المتزوجة شخص آخر غير زوجها وكان المعيل بها فقيرا لا تجب عليه زكاة الفطرة لفقره أو كان عاصيا لا يؤدي الفطرة عنها، فالأحوط لزوجها أن يدفع الفطرة عنها وان لم يكن معيلا بها، وكذلك إذا كانت الزوجة منفردة ليست في عيال زوجها ولا في عيال غيره، وكانت فقيرة لا تؤدي الفطرة عن نفسها لفقرها، فالأحوط للزوج أن يدفع الفطرة عنها. وكذلك الحكم في العبد المملوك إذا كان المعيل به غير سيده، وكان المعيل فقيرا لا تجب عليه الفطرة، أو كان عاصيا لا يؤديها، أو لم يكن المملوك في عيال أحد، فالأحوط لسيده أن يؤدي الفطرة عنه. [ المسألة 268: ] يجب على المكلف أن يخرج الفطرة عن عياله وان كان غائبا عنهم، ويجوز له أن يوكل بعضهم أو بعض الناس الآخرين فيخرج الوكيل فطرتهم من أموال المكلف، ويجوز له أن يأذن له بذلك، وإذا وكل أحدا أو أذن له بإخراج الفطرة، فلا تبرأ ذمة المكلف من التكليف إلا إذا حصل له الوثوق بأن الوكيل أو المأذون قد أدى ما وجب عليه. [ المسألة 269: ] إذا كان الشخص ممن يعول به كافلان من الناس، وجبت فطرته على المعيلين به معا إذا كانا موسرين، وتكون الفطرة بينهما على نحو الاشتراك، ومثال ذلك: أن يكون للأب والأم ولدان غنيان يعولان بهما، فتجب الفطرة على كل من الولدين، ويشتركان في دفع الصاع الذي يجب إخراجه عن الأب، والصاع الذي يجب إخراجه عن الأم، والأحوط للكافلين أن يتفقا في الجنس الذي يخرجان عن الفرد من حنطة أو شعير أو غيرهما. وإذا كان أحد المعيلين غنيا والثاني فقيرا، وجب على الغني أن يخرج حصته من صاع الفطرة على الأحوط، وسقط الوجوب عن الفقير في حصته، وإذا كانا معسرين معا سقط الوجوب عنهما معا. [ المسألة 270: ] لا يكفي على الظاهر في عد الشخص عيالا للمكلف في نظر أهل العرف أن يبذل له المكلف من المال ما يكفيه في النفقة، بل يعتبر في عده عيالا أن يكون تابعا

[ 233 ]

للمعيل في نظر أهل العرف. [ المسألة 271: ] تجب فطرة الرضيع على أبيه إذا كان أبوه هو المنفق على مرضعة الطفل وان كانت المرضعة غير أمه، أو كانت المرضعة مستأجرة لرضاعه من مال الأب، وان كان المنفق على المرضعة غيره، وكذلك الحكم في طفل غيره، فإذا كان الشخص هو الذي ينفق على المرضعة، أو كان هو الذي استأجرها لإرضاع الطفل من ماله ففطرة الطفل عليه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في المسألة المائتين والسابعة والخمسين. وإذا كانت نفقة المرضعة من مال الرضيع نفسه، أو كانت مستأجرة لرضاعه من ماله، لم تجب فطرة الطفل على أحد، وان كان القائم بنفقتها أبا الطفل أو قريبه. [ المسألة 272: ] لا يجب إخراج الفطرة عن الجنين في بطن أمه، إذا لم يولد قبل غروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، وإذا ولد في ليلة الفطر أو في يوم الفطر قبل زوال الشمس منه، استحب إخراج الفطرة عنه، وقد سبق منا ذكر هذا. [ المسألة 273: ] يجب على المعيل أن يخرج زكاة الفطرة عن جميع من يعول به، وان كان إنفاقه عليهم من مال حرام أو مغصوب. [ المسألة 274: ] إذا دفع الرجل المال إلى عياله لينفقوه على أنفسهم، فلم يصرفوا المال المدفوع إليهم في النفقة، وصرفوا على أنفسهم من غير ماله، وجبت الفطرة عليه بعد صدق العيلولة والتبعية له عرفا بالدفع إليهم. [ المسألة 275: ] إذا مات المكلف بعد طلوع الفجر من يوم الفطر وجب إخراج الفطرة من تركته، عنه وعمن يعول به، وكذلك إذا مات بعد غروب الشمس من ليلة الفطر وقبل طلوع الفجر على الأحوط، وإذا مات قبل أن تغرب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان لم يجب في التركة شئ.

[ 234 ]

[ المسألة 276: ] إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا، أو طلاقا بائنا، فالمدار في الحكم بوجوب فطرة المطلقة على الرجل وعدم وجوبها على وجود العيلولة بها وعدمه، فان كانت المطلقة من عيال الرجل وجبت عليه فطرتها وان كان طلاقها بائنا، وان لم تكن من عياله لم تجب عليه فطرتها، وان كانت رجعية أو حاملا منه. [ الفصل العاشر ] [ في جنس زكاة الفطرة ومقدارها ] [ المسألة 277: ] الضابط في الجنس الذي يجب أداء هذه الزكاة منه أن يكون قوتا في الجملة، من الأقوات الغالبة بين الناس في بلد المكلف، سواء كان من الأجناس المعروفة، كالحنطة والشعير والأرز والتمر والزبيب، والدخن والذرة، أم كان من الأجناس غير المعروفة في البلاد الأخرى، ويراد بكونه قوتا في الجملة غالبا في البلد، أن يكون كثير الوجود والتقوت به بين الناس في بلد المكلف، وان لم يقتصر عليه، كالعدس والماش واللبن والدقيق والخبز. [ المسألة 278: ] الأفضل في زكاة الفطرة اخراج التمر ثم اخراج الزبيب، وما كان انفع للفقير وأصلح لحاله، وإذا دفع المكلف بعض الاجناس الاخرى وقصد بما دفعه أن يكون قيمة للتمر أو الزبيب، لم تحصل له فضيلة نفس التمر أو الزبيب، فإذا أراد دفع القيمة، فالافضل له أن يختار ما هو أنفع للفقير وأصلح لحاله. [ المسألة 279: ] يعتبر في الجنس الذي يدفعه المكلف في الفطرة أن يكون صحيحا على الأحوط، فلا يكفي ما يكون معيبا، ويشترط فيه أن يكون خالصا، فلا يكفي إذا كان ممزوجا بجنس آخر أو بتراب وما يشبهه، ويكفي دفعه إذا كان الشئ الممزوج به مما يتسامح به لقلته، كالحشف القليل في التمر، والزوان القليل في الحنطة، وأمثال ذلك مما يتعارف وجوده في الأقوات الدارجة، ويكفي دفع الممزوج إذا كان الخالص من الجنس بمقدار الواجب أو يزيد عليه.

[ 235 ]

[ المسألة 280: ] يكفي في أداء الواجب دفع القيمة لأحد الأجناس التي ذكرناها، إذا كانت القيمة المدفوعة من النقدين أو مما يعد بحكم الدراهم والدنانير في كونه ثمنا رائجا في المعاملات كالأوراق النقدية، والنقود المسكوكة من النيكل والنحاس وشبهها، ويصح أن تكون القيمة من غير ذلك إذا كانت من غير جنس الفريضة، وإن كان الاقتصار على النقدين وما هو بحكمهما أحوط استحبابا. [ المسألة 281: ] يجزي دفع الجنس المعيب، والجنس الممزوج بغيره، والجنس المشكوك في كفايته وعدمها، إذا دفع المكلف ذلك على أن يكون قيمة لما يريد إخراجه من الأجناس المجزية في زكاة الفطرة، وهذا إذا كانت القيمة من غير جنس الفريضة، وقد نبهنا على هذا في ما تقدم. [ المسألة 282: ] إذا أراد المكلف أن يخرج القيمة عن أحد الأجناس المجزية في زكاة الفطرة، اعتبر قيمة ذلك الجنس وقت إخراج الفطرة، لا وقت وجوبها عليه، واعتبر قيمته في بلد إخراج الفطرة لا في بلد المكلف أو أي بلد آخر. [ المسألة 283: ] يصح للمكلف أن يخرج الفطرة عن نفسه من جنس، وعن عياله من جنس آخر، ويجوز له أن يعدد الأجناس بعدد من يعول به من الأفراد، فيخرج عن كل فرد منهم صاعا من جنس غير أجناس الآخرين، ويجوز له أن يدفع عن بعضهم الجنس وعن بعضهم القيمة. [ المسألة 284: ] المقدار الذي يجب على الانسان إخراجه في زكاة الفطرة عن نفسه وعن كل فرد ممن يعول به هو صاع واحد من أي جنس أراد إخراجه من الأجناس المتقدم ذكرها. والصاع أربعة أمداد بالمد الشرعي، وهو عبارة أخرى عن تسعة أرطال بالرطل العراقي، ويبلغ وزنه ألفا ومائة وسبعين درهما بالدراهم الشرعية، ويكون تسعمائة وواحدا وعشرين درهما وثلاثة أثمان الدرهم بالدراهم المتعارفة في السوق، وهو أيضا عبارة عن ثمانمائة وتسعة عشر مثقالا بالمثاقيل الشرعية،

[ 236 ]

فيكون ستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع المثقال بالمثاقيل الصيرفية. وعلى هذا التحديد فيكون وزن الصاع بحساب الحقة الاسلامبولية المعروفة، عبارة عن حقتين اسلامبوليتين وربع حقة، ويزيد على ذلك بواحد وعشرين درهما وثلاثة أثمان الدرهم من الدراهم المتعارفة. والحقة الاسلامبولية الواحدة تساوي أربعمائة درهم متعارف، وتزن مائتين وستة وستين مثقالا صيرفيا وثلثي المثقال على الأصح. والصاع بحسب الحقة الكبيرة المعروفة في مدينة النجف وتوابعها يبلغ نصف حقة وثمن حقة ويزيد على ذلك بواحد وثلاثين مثقالا صيرفيا إلا حمصتين، والحقة الكبيرة المذكورة تزن تسعمائة وثلاثة وثلاثين مثقالا صيرفيا وثلث المثقال. والصاع بحسب المن الشاهي المعروف في بلاد إيران يزن نصف من وينقص عنه بخمسة وعشرين مثقالا صيرفيا وثلاثة أرباع المثقال، والمن الشاهي المذكور يساوي ألفا ومائتين وثمانين مثقالا صيرفيا. والصاع بحسب الربعة المعروفة في البحرين - وهي أربعمائة مثقال صيرفي - يكون ربعة واحدة ونصف ربعة وأربعة عشر مثقالا صيرفيا وثلاثة أرباع المثقال. والصاع بحسب الكيلو غرام - وهو الوزن الغربي المعروف في أكثر البلاد - يبلغ كيلوين ويزيد عليهما بتسعمائة وثمانية وأربعين غراما وخمسي الغرام، فمن دفع في فطرته ثلاثة كيلوات فقد زاد على الصاع واحدا وخمسين غراما ونصفا على وجه التقريب.

[ 237 ]

[ الفصل الحادي عشر ] [ في وقت وجوب الفطرة ومصرفها ] [ المسألة 285: ] وقت وجوب زكاة الفطرة هو دخول ليلة الفطر على الأحوط، واما وقت إخراجها فهو يوم الفطر، فلا يخرجها المكلف ليلا إلا من باب التقديم، وإذا مات المكلف قبل الفجر أخرجت من تركته احتياطا كما ذكرنا في المسألة المائتين والخامسة والسبعين، ويستمر وقت إخراج زكاة الفطرة إلى زوال الشمس من نهار يوم الفطر، ولكن الأحوط أن لا يؤخر دفعها أو عزلها عن صلاة العيد، وان صلاها في أول وقتها. [ المسألة 286: ] إذا عزل المكلف فطرته الواجبة عليه في وقتها صحت، ووجب عليه دفعها إلى المستحق وان خرج الوقت، بل وان تأخر دفعها يوما أو أياما أو أكثر، سواء كان معذورا في تأخيرها أم لا. وإذا هو لم يدفع الفطرة ولم يعزلها حتى زالت الشمس وخرج وقتها، فالأقوى عدم سقوطها عنه فيجب عليه دفعها، والاحوط له أن يؤديها بقصد القربة ولا يتعرض عند الدفع لنية الاداء والقضاء. [ المسألة 287: ] لا يبعد جواز تقديم الفطرة من أول شهر رمضان، وإذا قدمها المكلف فالأحوط له أن لا ينوي الوجوب بها إلا في يوم الفطر، ولا يجوز له أن يقدمها قبل شهر رمضان، وإذا أراد ذلك لبعض الدواعي - كما إذا خاف عدم وجود أجناس الزكاة لديه إذا لم يدفعها في ذلك الوقت أو خاف عدم تيسر المال عنده - دفع المال للفقير قرضا، ثم احتسبه عليه في يوم العيد فطرة إذا بقي الفقير على صفة الاستحقاق. [ المسألة 288: ] عزل الفطرة هو أن يفردها المكلف عن سائر أمواله، سواء كانت من الأجناس المجزية في الفطرة، أم من القيمة وينويها فطرة حين عزلها في الوقت،

[ 238 ]

والاقوى لزوم تجديد النية عندما يدفعها للمستحق، ويصح للمكلف أن يعزل بعض فطرته فيكون لهذا البعض حكم الفطرة المعزولة، ويكون لبقية فطرته حكم غير المعزولة. وتشكل صحة العزل إذا جعلها في مال أكثر منها، بحيث يكون المال المعزول مشتركا بين المكلف والزكاة. ويجوز له أن يعينها في مال مشترك بينه وبين غيره إذا كانت حصته من المال بقدر الفطرة أو أقل منها، فينوي ان حصته التي يملكها من المال فطرة، ويكون ذلك عزلا لها في ضمن ذلك المال. [ المسألة 289: ] إذا عزل المكلف فطرته وعينها في مال مخصوص لم يجز له ان يبدلها بعد العزل بعين أخرى. [ المسألة 290: ] إذا عزل المكلف الفطرة ولم يدفعها إلى المستحق بعد عزلها فتلفت العين المعزولة، فان كان تأخير دفعها لعدم وجود المستحق أو لعدم تمكنه من الدفع لبعض العوارض المانعة منه فلا ضمان عليه للعين التالفة، وان أخر الدفع مع تمكنه منه كان ضامنا لها على الاحوط. [ المسألة 291: ] إذا عزل المكلف الفطرة فالأحوط له ان لا ينقلها بعد العزل إلى بلد آخر مع وجود من يستحق الفطرة في البلد الذي عزلها فيه، بل وان كان المكلف قد عزلها في بلد، ثم أراد أن ينقلها إلى بلده، وإذا نقلها إلى بلده أو إلى بلد آخر فتلفت كان ضامنا لها على الاحوط. [ المسألة 292: ] الأفضل ان يكون اداء الفطرة في البلد الذي وجبت على المكلف فيه الفطرة، الا إذا استلزم ذلك نقل الفطرة إليه، فقد تقدم ان الأحوط عدم النقل. [ المسألة 293: ] مصرف زكاة الفطرة هو بذاته مصرف زكاة المال وقد تقدم ذكره مفصلا، نعم يجوز دفع الفطرة إلى المستضعف من أهل الخلاف إذا لم يوجد المستحق من المؤمنين، فلا تدفع إليه مع وجود فقير مؤمن على الأحوط. ويجوز صرف زكاة الفطرة على أطفال المؤمنين ويجوز تمليكهم اياها بدفعها

[ 239 ]

الى أوليائهم، وقد سبق ذكر جميع ذلك في زكاة المال. [ المسألة 294: ] لا يشترط في من تدفع إليه زكاة الفطرة ان يكون عادلا، ولا يجوز ان تدفع إلى من يستعين بها على فعل المعاصي والمحرمات ومن يكون الدفع إليه إعانة على الإثم أو إغراءا بالقبيح، أو دفعا لغيره على اتباع خطواته في ذلك، ويمنع على الاحوط من دفعها إلى شارب الخمر والمتجاهر بالمحرمات الكبيرة أو بترك الواجبات، وان لم يصرف مال الفطرة في شئ من ذلك. [ المسألة 295: ] يجوز للمكلف أن يتولى دفع الفطرة بنفسه مباشرة، وأن يوكل غيره في اعطائها من ماله أو في ايصالها إلى المستحق بعد ان يعزلها هو بنفسه إذا كان الوكيل ثقة وقد ذكرنا هذا في المسألة المائتين والثانية والستين، والأحوط أن يدفعها إلى الفقيه الجامع للشرائط. [ المسألة 296: ] إذا طلب الفقيه الجامع للشرائط دفع الفطرة إليه، فان كان طلبه على وجه الحكم به وجب الدفع إليه ولم يختص انفاذ الحكم بمقلديه خاصة، بل يجب الدفع إليه عليهم وعلى غيرهم، وإذا كان طلبه اياها على سبيل الفتوى بالدفع إليه، فان كانت الخصوصية التى لاحظها الفقيه تقتضي ان يكون الفقيه هو المباشر بنفسه لقسمة مال الفطرة، وجب على من يقلده دفع الزكاة إليه ولم يجب ذلك على غيرهم، وان كانت الخصوصية التي لاحظها انما تقتضي تعيين مصرف خاص للفطرة، جاز للمالك من مقلدي ذلك الفقيه ان يتولى بنفسه دفع الفطرة لذلك المصرف الخاص الذي أراده مقلده، إذا أمكن له تعيين الخصوصية التي لاحظها الفقيه، وأوجب ان يكون الفقير المستحق متصفا بها، ولم يجب عليه إعطاؤها إلى الفقيه المقلد نفسه، وكذلك الحكم في زكاة المال. [ المسألة 297: ] لا يعطى الفقير المستحق الواحد أقل من صاع واحد على الأحوط لزوما، حتى إذا اجتمع من الفقراء المستحقين جماعة لا تسعهم الفطرة الموجودة إذا قسمها المالك عليهم صاعا صاعا، فلا يدفع إلى الفقير منها أقل من صاع وان أوجب ذلك حرمان بعضهم، ويجوز ان يدفع للفقير أكثر من ذلك بل وان

[ 240 ]

أوجبت العطية غناه إذا كان الاعطاء له دفعة واحدة. [ المسألة 298: ] يستحب ترجيح الأرحام والجيران وأهل الفضل والعلم والتقوى على من سواهم، فيفضلون على غيرهم في موارد القسمة، ويخصصون في مقامات التعيين، وعند تزاحمهم تلاحظ المرجحات. [ المسألة 299: ] إذا ادعى الرجل انه فقير لم يصدق قوله الا إذا ثبت فقره بعلم أو بينة، أو امارة توجب الوثوق بصدقه، أو يعلم بفقره سابقا فيستصحب فقره. والحمد لله رب العالمين.

[ 241 ]

[ كتاب الخمس ]

[ 243 ]

[ كتاب الخمس ] وهو: فرض فرضه الله سبحانه في صريح كتابه الكريم، وجعله للرسول (صلى الله عليه وآله) وعترته وذريته عوضا لهم عن الصدقات التي حرمها عليهم، فقال تبارك اسمه: (واعلموا ان ما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله...)، وورد في الحديث عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع): (ان الله لا اله إلا هو حيث حرم علينا الصدقة، ابدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال)، وعنه (ع): (لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئا ان يقول: يا رب اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس). وفي هذا الكتاب ثلاثة فصول: [ الفصل الأول ] [ في ما يجب فيه الخمس ] [ المسألة الأولى: ] يجب الخمس في سبعة أشياء: (الأول)، الغنائم التي يغتنمها المسلمون من الكفار بالقتال، إذا كانت الحرب معهم بإذن الإمام المعصوم (ع)، والمراد بالغنائم كل ما يستولي عليه المسلمون من اموال الكفار وأشيائهم بسبب الحرب معهم، ولا تختص بما يحويه الجيش المقاتل لهم من الأموال، نعم، في تعلق وجوب الخمس بالأرض والأشجار والمساكن التي يأخذها المسلمون منهم نظر. وإذا كان القتال مع الكفار بغير إذن الإمام (ع) فالغنيمة التي تؤخذ منهم كلها للإمام (ع)، من غير فرق بين زمان ظهور الإمام وزمان غيبته (ع)، ومن غير فرق بين أن تكون الحرب معهم لامتناعهم عن الإستجابة للإسلام بعد دعوتهم إليه وغير ذلك. ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس ايضا ما يأخذه المسلمون من الكفار في الحروب الدفاعية التي يبدأ الكفار فيها بقتال المسلمين فيدافع المسلمون بها عن أرضهم وأوطانهم، سواء كانت في ظهور الإمام (ع) أم في غيبته.

[ 244 ]

ومن الغنائم ايضا الفداء الذي يؤخذ من الكفار عن بعض الأسرى أو غيرهم إذا كان ذلك بعد المقاتلة لهم والغلبة عليهم، ومنها الجزية التي يبذلها الكفار للسرية المجاهدة من المسلمين وما يصالحون به من الأموال لكف الحرب عنهم، وإذا كان ذلك من غير قتال وغلبة، جرى فيه حكم الفوائد وأرباح المكاسب، فيجب الخمس في ما يزيد منه على مؤونة السنة كما سيأتي بيانه. [ المسألة الثانية: ] الظاهر ان الحكم في ما يؤخذ من الكفار الحربيين للإسلام بالسرقة والنهب من أموالهم، أو بالاغتيال أو بالربا وأمثال ذلك من أساليب الاستيلاء على أموالهم هو حكم أرباح المكاسب، فيعتبر في وجوب الخمس فيه ان يزيد على مؤونة السنة لمن يستولي عليه من المسلمين. [ المسألة الثالثة: ] يجب الخمس في غنائم الحرب الآنف ذكرها في المسألة الأولى بعد إخراج النفقات والمصارف التي تصرف على الغنيمة في ما تحتاج إليه من حفظ وحراسة، ونقل من موضع إلى موضع ورعاية، ومن مأكل ومشرب إذا كانت من الإنسان أو الحيوان وغير ذلك، وبعد إخراج ما يجعله الإمام من أعيان الغنيمة لبعض المجاهدين أو غيرهم مكافأة له على عمل يقوم به في أثناء الجهاد أو الدفاع، أو على أمر دبره، أو غير ذلك من وجوه المصالح في الحرب، وبعد إخراج ما يصطفيه الإمام (ع) لنفسه من الغنيمة، وما من شأنه أن يختص به إمام المسلمين (ع). [ المسألة الرابعة: ] لا يدخل في غنائم الحرب ما يوجد في أيدي الكفار مغصوبا من مسلم، أو من كافر داخل في ذمة الإسلام، أو معاهد له، أو شبه اولئك من الذين تحترم أموالهم في دين الله، وإذا وجد شئ من ذلك بين أعيان الغنيمة وجب أن يحفظ ويرد إلى أهله، وكذلك الأموال غير المغصوبة إذا اتفق وجودها عند الكفار من ودائع وأمانات وأعيان مستأجرة أو مبيعة ونحو ذلك. [ المسألة الخامسة: ] إذا وجد في الغنيمة بعض الأموال المغصوبة أو غير المغصوبة لكفار محاربين للإسلام ايضا، غير ان هذه الحرب لم تكن معهم، جاز أخذ تلك الأموال، ولا ريب في وجوب الخمس فيه، وهل يعد ذلك من غنائم الحرب فيجب الخمس فيه

[ 245 ]

قبل إخراج مؤونة السنة للمكلف؟ أو يعد من الفوائد وارباح المكاسب الداخلة عليه، فيجب الخمس في ما زاد منه على مؤونة السنة؟ الأحوط الأول. [ المسألة السادسة: ] يباح ما يؤخذ من أموال الناصب الذي ثبت نصبه أينما وجده المؤمن، ويخرج خمس المال على الأحوط قبل مؤونة السنة كما في الغنيمة. [ المسألة السابعة: ] إذا خرج البغاة وحاربهم المسلمون ليردوهم إلى الطاعة، فان كانوا من النصاب جاز أخذ أموالهم، وجرى فيها حكم غنائم الحرب فوجب فيها إخراج الخمس، وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة، وان لم يكونوا من النصاب اشكل الحكم بحل أموالهم. [ المسألة الثامنة: ] يجب إخراج الخمس من غنيمة الحرب وان كانت اقل من النصاب، ومقدار النصاب عشرون دينارا شرعيا من الذهب، فلا يشترط في وجوب الخمس في الغنيمة أن تبلغ هذا المقدار. [ المسألة التاسعة: ] إذا قتل الشخص المسلم أحدا من الكفار كان سلب ذلك المقتول من الغنيمة ولا يختص به قاتله، فيجب فيه الخمس كسائر اعيان الغنيمة، وإذا جعل الولي العام لأمور المسلمين سلب المقتول لمن يقتله اختص به قاتله دون غيره، فان جعله للقاتل على وجه الإطلاق ولم يذكر الخمس دفع السلب إليه، وكان على القاتل اداء خمسه، وإن جعله له بلا خمس وجب ان يخرج خمس السلب من بيت المال ثم يدفع للقاتل. [ المسألة العاشرة: ] الثاني من الأشياء التي يجب فيها الخمس: المعدن، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، والعقيق والياقوت، والزبرجد والفيروزج، والكبريت والنفط، والقير، والزيبق، والملح، والزرنيخ، وغيرها مما يصدق كونه من المعادن. واما الجص والنورة، وحجر الرحى، وطين غسل الرأس والطين الأرمني، والمغرة، وهي الطين الأحمر، فالأحوط استحبابا اجراء حكم المعدن عليها، وان

[ 246 ]

كان الأقوى انها من ارباح المكاسب، فيجب الخمس في ما زاد منها على مؤونة السنة، ولا يعتبر فيها ان تبلغ مقدار النصاب المعتبر في خمس المعدن وسيأتي بيان هذا في المسألة الثانية عشرة. [ المسألة 11: ] يجب إخراج الخمس من المعدن، سواء عثر عليه في أرض مملوكة للواجد أم في ارض مباحة، وسواء كان الواجد له مسلما أم كافرا وان كان حربيا، وسواء كان بالغا أم صغيرا، وعاقلا ام مجنونا فيجب على ولي الصغير والمجنون إخراج خمسه إذا بلغ مقدار النصاب. وإذا كان مخرج المعدن كافرا ولم يؤد خمس المعدن باختياره جاز للحاكم الشرعي مع القدرة أن يجبره على تأديته، وإذا أسلم وجب عليه اداء الخمس إذا كانت العين موجودة، وسقط عنه الوجوب إذا كانت العين تالفة. [ المسألة 12: ] يشترط في وجوب الخمس من المعدن أن يبلغ ما أخرجه الواجد منه مقدار النصاب، وهو أن تكون قيمته عشرين دينارا شرعيا من الذهب، ولو قبل مؤونة اخراجه وتصفيته، فإذا بلغ ذلك تعلق به الخمس، ولكن الخمس يخرج منه بعد استثناء المؤونة، ولا يجب الخمس إذا كان ما أخرجه أقل من ذلك، وان كان الأحوط استحبابا للمكلف أن يدفع الخمس وان لم تبلغ قيمته المقدار المذكور. [ المسألة 13: ] إذا أخرج الشخص الذي وجد المعدن منه دفعات متعددة، وكان جميع الدفعات يعد إخراجا واحدا في نظر أهل العرف، كفى في وجوب الخمس فيه ان تبلغ قيمة مجموع الدفعات نصابا، سواء أعرض الرجل عنه بين الدفعات ثم عاد أم لم يعرض حتى أتمها، وإذا كانت الدفعات تعد إخراجا متعددا عند أهل العرف، اعتبر في كل إخراج أن يبلغ مقدار النصاب، فلا يجب الخمس في ما يكون أقل من ذلك، سواء أعرض عنه في الأثناء ام لم يعرض. [ المسألة 14: ] إذا اشترك جماعة متعددون من الناس في معدن واحد فأخرجوه إخراجا واحدا مشتركا في ما بينهم وجب الخمس عليهم إذا بلغ مجموع ما أخرجوه مقدار النصاب، وان كانت حصة الواحد منهم لا تبلغ ذلك.

[ 247 ]

[ المسألة 15: ] إذا كان المعدن مشتملا على جنسين أو أكثر، كفى في وجوب الخمس فيه ان يبلغ مجموع ما أخرج منه مقدار النصاب، وان كانت قيمة كل جنس منه على انفراده دون النصاب. [ المسألة 16: ] إذا وجد المكلف الواحد معادن متعددة اعتبر في وجوب الخمس فيها، أن يبلغ ما أخرجه من كل معدن منها على انفراده نصابا تاما، سواء اتحد الجنس الذي أخرجه من تلك المعادن ام تعدد، فلا يجب الخمس في المعدن الذي لا يبلغ النصاب منها. وإذا تقاربت المعادن المذكورة في المكان واتحد الجنس الذي أخرجه منها، بحيث كان ذلك موجبا لعد الجميع معدنا واحدا في نظر أهل العرف، كفى في وجوب الخمس أن يبلغ المجموع نصابا واحدا. [ المسألة 17: ] لا يكفي في أداء الواجب من خمس المعدن أن يخرج المكلف خمسا من مجموع تراب المعدن قبل أن يصفيه ويعلم بمقدار ما يحتوي عليه من جوهر ذلك المعدن، إلا إذا علم بان المقدار من التراب الذي اخرجه في الخمس يحتوي على خمس الجوهر الموجود في مجموع التراب أو يزيد عليه، وإذا شك في ذلك فلابد من التصفية أو دفع ما يعلم بانه يفي بالحق الواجب عليه. [ المسألة 18: ] أذا عثر الإنسان على معدن قد استخرج ما فيه من الجوهر أو استخرج مقدار منه، فوجد ذلك ظاهرا على وجه الأرض، فان علم من القرائن الموجودة أو من امارات أخرى ان مستخرج المعدن انسان وان ذلك الإنسان الذي اخرجه قد قصد بفعله تملك ما في المعدن، كان ذلك المال الموجود من اللقطة، أو من مجهول المالك، فلا يتملكه واجده ولا يحل له وإن أخرج خمسه، وإذا أراد اخراج خمسه، فالأحوط أن يكون ذلك بمراجعة الحاكم الشرعي. وإذا علم من القرائن الموجودة أو من دلائل أخرى ان الإنسان الذي استخرجه لم يقصد تملك المعدن بحيازته، أو علم بأنه قد اعرض عن المعدن بعد ان تملكه، فهو لواجده، ويجب عليه إخراج خمسه إذا علم بان الذي استخرجه لم يؤد

[ 248 ]

خمسه، وكذلك إذا شك في أنه أخرج خمسه أو لا على الأحوط. وكذلك الحكم إذا علم بأن المعدن قد أخرجه السيل أو المطر أو كشفه عاصف من الريح أو نبشه حيوان فهو لمن وجده، ويجب عليه إخراج خمسه، وإنما يجب الخمس في الفروض المذكورة إذا بلغ ما استخرج من المعدن مقدار النصاب. [ المسألة 19: ] إذا وجد معدن في أرض مملوكة، فهو ملك لمالك تلك الأرض بتبع أرضه، وإذا حازه احد غير مالك الأرض لم يملكه بحيازته، وإذا أخرجه ذلك الغير من الأرض بغير أمر مالكها فلا يثبت له حق على المالك بسبب إخراجه فليس له أن يطالبه بأجرة على عمله أو بمؤونة إخراج، وعلى هذا فيجب على مالك الأرض اداء خمس مجموع المعدن إذا بلغ النصاب، إذ لا مؤونة عليه في الفرض المذكور، وإذا كان مالك الأرض هو الذي اخرج المعدن أو أخرجه غيره بأمره، أو كان محتاجا بعد إخراجه إلى عمل وتصفية، وجب الخمس على المالك بعد المؤونة التي يتحملها. [ المسألة 20: ] إذا وجد المعدن في الأرض التي فتحها المسلمون من بلاد الكفار بالقتال، وكانت الارض عامرة في وقت الفتح، فالمعدن مملوك لمن أخرجه إذا كان مسلما، وكان إخراجه للمعدن بإذن ولي أمر المسلمين ويجب عليه اداء خمسه، وكذلك الحكم إذا كانت الأرض التي وجد فيها المعدن من الأرض الموات في وقت الفتح، فالمعدن مملوك لمن أخرجه إذا كان مسلما وعليه اداء خمسه. وإذا أخرج المعدن كافر من الأرض المفتوحة عنوة، ففي تملكه للمعدن إشكال، سواء كان في ارض معمورة في وقت الفتح أم في ارض موات، وكذلك الحال في المخرج المسلم إذا كان المعدن في الأرض المعمورة في حين الفتح، وكان إخراجه للمعدن بغير إذن ولي المسلمين، ففي تملكه للمعدن إشكال. [ المسألة 21: ] إذا استأجر الرجل عاملا ليستخرج له معدنا معينا، وحدد في عقد الإجارة بينهما العمل المستأجر عليه، والمدة ومقدار الأجرة، صحت الإجارة وملك المستأجر على الأجير العمل له، فإذا استخرج العامل المعدن المعين وقصد بعمله

[ 249 ]

حيازة المستأجر للمعدن، ملك المستأجر المعدن الذي أخرجه ووجب عليه أداء خمسه بعد إخراج جميع المؤونة التي انفقها عليه، ومنها أجرة الأجير. وإذا كانت الأرض التي استخرج المعدن فيها مملوكة للمستأجر، فالمعدن مملوك له بتبع ملكه للأرض، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة عشرة، سواء قصد الأجير بعمله حيازة المعدن للمستأجر المالك ام لم يقصد ذلك، بل وان قصد بعمله حيازة المعدن لنفسه، فان هذا القصد منه يقع لغوا ولا يؤثر شيئا، وكذلك إذا كان للمستأجر حق اختصاص في الأرض وليس مالكا لها، كالارض التي قد حجرها فكان بذلك أولى بها من غيره، فلا يجوز للأجير أن يتصرف فيها بغير إذن المستأجر المحجر، ولا يملك المعدن الموجود فيها بالحيازة لنفسه. [ المسألة 22: ] إذا استأجر الرجل عاملا ليستخرج له المعدن كما فرضنا في المسألة المتقدمة، وحدد له العمل المستأجر عليه والمدة وعين الأجرة، وكان المعدن الذي استأجره على إخراجه في أرض مباحة غير مملوكة ولا مختصة بالمستأجر ولا بأحد غيره، فإذا استخرج الأجير المعدن وقصد بعمله الحيازة للمستأجر، ملك المستأجر المعدن كما قلنا، وملك العامل الاجرة المعينة على المستأجر، فيجب عليه خمس المعدن بعد أداء المؤونة. وإذا قصد الأجير بعمله حيازة المعدن لنفسه، فان كان الأجير في عقد الإجارة الواقع بينه وبين المستأجر قد ملك المستأجر عمله في الإخراج ومنفعته الخارجية فيه بالاجرة المعينة، لم يصح له أن يقصد بعمله تمليك المعدن لنفسه، بل يكون قصده هذا لغوا لا يؤثر شيئا بعد أن كان عمله الخارجي مملوكا للمستأجر بالعقد الجاري بينهما، ويكون المعدن مملوكا للمستأجر. وإذا كان الأجير في العقد الواقع بينه وبين المستأجر قد ملكه عملا في ذمته، وقصد بعمله في استخراج المعدن أن يسلم المستأجر ما استحقه في ذمته من العمل المستأجر عليه، كان مقتضى ذلك أيضا أن يملك المستأجر المعدن، وإذا قصد الأجير مع ذلك حيازة المعدن لنفسه كان هذا القصد لغوا لا أثر له، فانه نتيجة لعمله وهو مملوك للمستأجر حسب الفرض. وإذا كان الأجير قد ملك المستأجر عملا في ذمته، ولم يقصد بعمله في إخراج المعدن تسليم المستأجر ما استحقه في ذمته من العمل الذي استأجره عليه

[ 250 ]

كما قلنا في الفرض المتقدم، بل قصد بعمله حيازة ذلك المعدن لنفسه، فلا يبعد القول بصحة قصده في هذه الصورة، ويحكم بتملكه للمعدن إذا كان في أرض مباحة، وان بقي مشغول الذمة للمستأجر بعمل الإجارة. [ المسألة 23: ] إذا شك المكلف في ان المقدار الذي أخرجه من المعدن يبلغ النصاب ليجب فيه الخمس أو لا يبلغ فلا يجب فيه شئ، فالأحوط له الاختبار أو دفع الخمس، وان كان الأقوى عدم وجوب ذلك. [ المسألة 24: ] الواجب في المعدن إنما هو إخراج الخمس من مادة الجوهر الذي يخرج من المعدن، فإذا عمل الإنسان في الجوهر عملا يوجب زيادة قيمته قبل أن يخرج خمسه، كما إذا صاغ تراب الذهب الذي اخرجه من المعدن فجعله حليا، او حك الياقوت فصيره عقدا أو فصا، فالواجب عليه أن يخرج خمس المادة فعليه أن يقومها بمفردها ويؤدي خمسها، نعم، يتعلق بما عمله خمس ارباح المكاسب إذا توفرت فيه شروط وجوب الخمس فيه، وسيأتي بيانها في الأمر السابع الذي يجب فيه الخمس. [ المسألة 25: ] الثالث من الأشياء التي يجب فيها الخمس: الكنز، وهو المال المذخور في أرض أو في جدار أو غيرهما سواء كان المال المذخور ذهبا أم فضة أم جوهرا أم غير ذلك مما يصدق عليه انه كنز في متفاهم أهل العرف، وسواء كان الذهب والفضة مسكوكين ام لا، وسواء وجد الكنز في بلاد الإسلام أم في بلاد الكفر، إذا لم يعلم أنه مملوك لمسلم أو لكافر ذمي أو معاهد للإسلام، فيكون الكنز مملوكا لمن وجده، ويجب عليه ان يؤدي خمسه إذا بلغ مقدار النصاب. [ المسألة 26: ] إذا علم واجد الكنز بأنه مملوك لشخص مسلم أو ذمي أو معاهد وجب عليه ان يدفعه لمالكه إذا كان موجودا، ولوارثه إذا كان ميتا، وكان الوارث موجودا معلوما، وإذا كان المالك مجهولا وجب على واجد الكنز التعريف به إذا كان التعريف به ممكنا، فإن لم يعرفه أو كان التعريف بالكنز غير ممكن، تصدق به بمراجعة الحاكم الشرعي على الأحوط.

[ 251 ]

وإذا كان الكنز قديما وعلم من القرائن وشواهد الحال بانه مملوك لشخص مسلم أو ذمي أو معاهد جرى فيه حكم ميراث من لا وارث له على الأحوط فهو من الأنفال، ولا يملكه واجده في جميع الصور المذكورة. [ المسالة 27: ] إذا وجد الإنسان الكنز في أرض موات بالأصل أو في ارض خربة بعد العمارة وليس لها مالك، أو وجده في أرض مملوكة لواجد الكنز وقد ملكها بالإحياء، فالكنز في جميع هذه الصور مملوك لواجده إذا لم يعلم بأنه مملوك لمالك محترم كما تقدم ذكره، ويجب عليه إخراج خمسه. [ المسألة 28: ] إذا وجد الإنسان الكنز في ارض مملوكة له وقد انتقلت إليه تلك الأرض من مالك آخر قبله بالشراء منه أو بالصلح أو بإحدى المعاملات الاخرى التي توجب التمليك الاختياري، وجب على واجد الكنز أن يعرف به مالك الأرض قبله، فان لم يعرفه هذا، عرف به من كان مالكا للأرض من قبله، وهكذا فان لم يعرفه احد منهم، فالكنز لواجده ويجب عليه فيه الخمس. وانما يجب على الواجد ان يعرف به من ملك الأرض قبله في الفرض المتقدم إذا علم من القرائن وشواهد الحال أن الكنز كان موجودا لما كانت الأرض في يد ذلك المالك، وإذا لم يعلم بوجود هذا الشرط واحتمل ان يكون الكنز متأخرا عن زمان يد ذلك المالك على الأرض، لم يجب تعريفه به، وهكذا الحال في المالك السابق عليه إذا لم يعرفه الأقرب، وهكذا من قبله، فلا يجب التعريف بالكنز على واجده إلا لمن أحرز جريان يده على الكنز. [ المسألة 29: ] إذا ادعى المالك السابق أن الكنز له صدقه واجد الكنز في دعواه ودفعه إليه، ولا يتوقف وجوب تصديقه على أن يقيم بينة على صحة دعواه، وكذلك إذا لم يعرفه هذا المالك وأدعاه السابق عليه، وإذا ادعاه اثنان من الملاك السابقين على الواجد، فالقول قول الأقرب منهما في اليد إلى الواجد مع يمينه، إلا أن يقيم الآخر السابق عليه في اليد بينة على صحة دعواه فيكون الكنز له. [ المسألة 30: ] إذا وجد الكنز في أرض مستأجرة من مالكها أو مستعارة منه، بحيث كان مستأجر الأرض أو مستعيرها صاحب يد عليها، وجب على الواجد تعريفه بالكنز كما يجب عليه تعريف مالك الأرض ايضا إذا كان صاحب يد عليها عرفا، فيعرفهما معا، ولا ريب في ان الموارد مختلفة في صدق ذي اليد على المالك

[ 252 ]

والمستأجر أو المستعير، عرفا وفي قوة احدى اليدين على الاخرى، فلابد من مراعاة ذلك وملاحظته، فإذا صدق على أحدهما انه هو صاحب اليد وحده وادعى انه مالك الكنز، صدق في دعواه ودفع الكنز إليه من غير بينة، وكذلك إذا صدق على كليهما عرفا انه صاحب اليد على الأرض، وادعى الكنز احدهما وحده ولم يدعه الثاني، فيصدق المدعي في قوله ويدفع له الكنز، وإذا ادعاه كلاهما قدم قول من كانت يده أقوى. [ المسألة 31: ] يشترط في وجوب الخمس في الكنز أن يبلغ مقدار النصاب، ومقداره عشرون دينارا شرعيا إذا كان الكنز من الذهب، ومائتا درهم إذا كان من الفضة، وأقل الأمرين منهما على الأحوط إذا كان من جنس آخر غيرهما، وأحوط من ذلك ان يكتفى بأقل النصابين في الجميع. [ المسألة 32: ] إذا وجد الإنسان كنزا وتملكه، وكان الكنز يبلغ مقدار النصاب وجب فيه الخمس، سواء أخرجه واجده كله دفعة واحدة أم أخرجه في دفعات متعددة، ام لم يخرج منه شيئا، ولا يعتبر ان يبلغ ما يخرجه منه في المرة الواحدة مقدار النصاب. [ المسألة 33: ] إذا عثر الإنسان على كنوز متعددة، استقل كل واحد من الكنوز التي وجدها بحكمه ولم يرتبط بعضها ببعض، فإذا بلغ كنز منها مقدار النصاب وجب الخمس فيه، ولم يجب في الآخر إذا لم يبلغ مقداره وإذا كان كل واحد منها على انفراده لا يبلغ النصاب لم يجب الخمس فيها جميعا، وان كان المجموع منها بمقدار النصاب أو يزيد عليه. وإذا عثر على مال واحد مدفون في مكان واحد في ظروف متعددة، فهو كنز واحد، فإذا كان مجموع المال يبلغ مقدار النصاب وجب فيه الخمس، وان تعددت ظروف المال، بل وان تعدد جنسه فكان كل ظرف مثلا يحوي جنسا من

[ 253 ]

المال، ولا ينافي ذلك وحدة الكنز ووحدة الحكم فيه. [ المسألة 34: ] إذا بلغ الكنز مقدار النصاب قبل إخراج المؤونة التي صرفها الإنسان على إخراج الكنز وتصفيته، تعلق به وجوب الخمس على الأحوط، ولكن الخمس يخرج منه بعد استثناء المؤونة، وقد ذكرنا نظير هذا في حكم المعدن في المسألة الثانية عشرة. [ المسألة 35: ] إذا وجد جماعة من الناس كنزا واحدا، واشتركوا في حيازته وتملكه، وكان مجموع ما اخرجوه منه يبلغ حد النصاب وجب الخمس فيه على الأحوط، وان كانت حصة الفرد الواحد من الشركاء لا تبلغ النصاب. [ المسألة 36: ] إذا اشترى الرجل دابة أو حيوانا آخر فوجد في جوف ما اشتراه مالا، وجب عليه أن يعرف بما وجده مالك الدابة أو الحيوان السابق عليه في الملك، فان هو لم يعرفه عرف به المالك قبله، وهكذا، فإن لم يعرفه أحد منهم فهو للرجل الذي وجده، وإذا وجد المال في جوف حيوان قد ملكه بالحيازة ولم يجر عليه ملك أحد قبله، فالمال لواجده، وليس المال في هذه الفروض من الكنز، فلا يجب فيه خمس الكنز، بل يكون من الفوائد والأرباح المكتسبة، فيجري فيه حكمها، ويجب فيه الخمس بعد إخراج مؤونة سنته من أرباحه وسيأتي تفصيل أحكامه وبيان شرائطه في الأمر السابع مما يجب فيه الخمس ان شاء الله تعالى. وكذلك الحكم إذا وجد مالا في جوف سمكة قد اصطادها، فالمال له ويجري فيه حكم الارباح ايضا، وإذا كان قد اشترى السمكة من مالك لها قبله، واحتمل ان المال لذلك المالك فعليه أن يعرفه بالمال وان بعد الفرض، فإذا لم يعرفه فالمال ملك لواجده وهو من الأرباح فإذا توفرت فيه الشروط وجب فيه خمسها. [ المسألة 37: ] الرابع من الاشياء التي يجب فيها الخمس: ما يخرجه الإنسان من البحر بالغوص فيه من جوهر ولؤلؤ ونحوها، فيجب فيه الخمس، سواء كان معدنيا كاللؤلؤ، أم نباتيا كالمرجان، ولا يشمل الحكم مثل السمك والحيوان، وان اخرج بالغوص بل يكون من الأرباح والفوائد المكتسبة فيكون فيه خمسها إذا

[ 254 ]

توفرت شروط وجوبه. [ المسألة 38: ] يجب الخمس في المال الذي يخرجه الإنسان بالغوص إذا بلغت قيمته دينارا شرعيا فصاعدا، سواء اتحد نوع المال الذي أخرجه أم تعدد، وسواء أخرجه دفعة واحدة ام في دفعات متعددة، فإذا بلغت قيمة المجموع النصاب المذكور وجب الخمس فيه، ولا يجب في ما دون ذلك. [ المسألة 39: ] إذا بلغ مال الغوص مقدار النصاب المتقدم ذكره ولو قبل إخراج المؤونة التي تصرف عليه، تعلق به وجوب الخمس على الأحوط، ولكن الخمس يخرج مما زاد على المؤونة ولا يخرج من المؤونة كما تقدم في المعدن والكنز. [ المسألة 40: ] إذا اشترك جماعة في الغوص فأخرجوا من المال ما تبلغ قيمته مقدار النصاب أو تزيد عليه وجب فيه الخمس على الأحوط، وان كان نصيب كل فرد من الجماعة لا يبلغ النصاب وقد سبق نظير ذلك في الكنز والمعدن. [ المسألة 41: ] ما يخرجه الإنسان من البحر بالآلات من غير غوص لا يلحقه حكم مال الغوص، فلا يجب فيه خمسه ولا يتقدر بنصابه وان كان ذلك احوط، والأظهر انه من الفوائد والأرباح المكتسبة فيجب فيه خمس الأرباح إذا توفرت فيه شروط ذلك، وإذا غاص الرجل على المال فشده في حبل أو جمعه في آلة ثم اخرجه بها، وجب فيه خمس الغوص إذا بلغ النصاب. [ المسألة 42: ] إذا وجد الرجل الجوهرة أو اللؤلؤة في الساحل، أو أخرجتها الأمواج إلى وجه الماء فحازها من غير غوص لم يلحقها حكم مال الغوص، ولحقها حكم الأرباح المكتسبة واعتبرت فيها شروطها. [ المسألة 43: ] إذا غاص الرجل في البحر لا بقصد الحيازة، فصادف جوهرة أو لؤلوة أو مالا آخر، فأخذ ذلك، وجب فيه الخمس إذا قصد الحيازة حين أخذه للمال وبلغ مقدار النصاب.

[ 255 ]

[ المسألة 44: ] ما يخرج بالغوص من الأنهار الكبرى من أمثال دجلة والفرات والنيل - إذا فرض تكون الجواهر واللئالئ فيها - يكون حكمه حكم ما يخرج من البحر على الأحوط، فيجب فيه خمس مال الغوص ويعتبر فيه ان يبلغ مقدار النصاب في مال الغوص. [ المسألة 45: ] إذا غرق مال في البحر أو ألقاه مالكه في البحر عند خوفه من غرق السفينة وأعرض عنه كان مباحا، فإذا أخرجه أحد بالغوص ملكه، والظاهر عدم إلحاقه بمال الغوص في الحكم وان كان من اللؤلؤ أو المرجان، فلا يكون فيه خمسه ولا نصابه، بل يجري فيه حكم الأرباح والفوائد المكتسبة، فيعتبر فيه ان تجتمع فيه شروط هذا النوع، فإذا توفرت فيه شروطه وجب فيه خمسه بعد إخراج مؤونة السنة. [ المسألة 46: ] إذا عثر الغواص في قاع البحر على بعض المعادن، كمعدن ياقوت أو غيره فأخرجه ملكه بإخراجه، وحيازته، ووجب فيه خمس مال الغوص وتعلق به حكمه على الأظهر ولم يتعلق به حكم المعدن. [ المسألة 47: ] ما يخرج من العنبر بالغوص في البحر يجري عليه حكم مال الغوص من الخمس ومقدار النصاب، وما يؤخذ منه مما يوجد على وجه الماء أو من ساحل البحر، فالأحوط إخراج خمسه وان لم تبلغ قيمته مقدار النصاب. [ المسألة 48: ] الخامس من الأشياء التي يجب فيها الخمس: الأرض التي يشتريها الكافر الذمي من المسلم، سواء كانت ارضا خالية، أم أرض زرع أو غرس، ام ارض دار أو عقار، إذا وقع عقد البيع على نفس الأرض، بحيث كانت الأرض نفسها متعلقا للمعاملة الجارية بينه وبين المسلم البائع، وان كان الشجر والنخيل والبناء الموجود فيها متعلقا للمعاملة أيضا، فيتعلق الخمس بنفس الأرض دون ما فيها من البناء والأشجار والنخيل والزرع، ولا يجب الخمس إذا وقع البيع على المسكن والدار والدكان والخان والعمارة والحمام مثلا بعناوينها الخاصة التي تقابل

[ 256 ]

عنوان الأرض، وان كانت الأرض داخلة في المبيع. [ المسألة 49: ] لا يجب الخمس في الأرض التي تنتقل إلى الرجل الذمي من المسلم إذا كان انتقالها إلى ملكه بغير البيع من المعاوضات أو كان انتقالها إليه بالتمليك المجاني بغير عوض. [ المسألة 50: ] يتخير المالك الذمي إذا تعلق الخمس بأرضه المذكورة بين أن يدفع الخمس من رقبة الأرض نفسها وان يدفع خمس قيمتها، ويجب قبول ذلك منه، وإذا دفع الخمس من الأرض نفسها فليس لولي الخمس ان يقلع الغرس والبناء والزرع الموجود فيها، بل عليه أن يبقيه في الارض باجرة مثل ذلك على الذمي. [ المسألة 51: ] ليس في هذا القسم من الخمس نصاب معين، بل يجب الخمس في الأرض المذكورة سواء كانت قيمتها قليلة أم كثيرة، ولا تجب في هذا القسم من الخمس نية القربة، فلا ينوي الآخذ القربة حين يأخذ الخمس من الذمي، ولا حين يدفعه إلى المستحق، وان تولى الحاكم الشرعي ذلك، ومصرف هذا الخمس هو مصرف غيره من أقسام الخمس. [ المسألة 52: ] إذا اشترى الذمي الأرض من المسلم وجب فيها الخمس كما ذكرنا، ولا يسقط عنه وجوب الخمس إذا أسلم بعد ذلك على الأحوط، ولا يسقط وجوب الخمس كذلك إذا باع الذمي الأرض على غيره، سواء كان المشتري كافرا ام مسلما، ولا يسقط الخمس إذا انتقلت الأرض منه إلى غيره بمعاملة أخرى غير البيع أو بميراث، ولا يسقط الخمس إذا رد الأرض مالكها الذمي على بائعها المسلم بإقالة أو بيع، ولا يسقط الخمس أيضا إذا كان للبائع المسلم الذي باع الأرض على الذمي خيار الفسخ، ففسخ بيعه على الذمي واسترد الأرض منه على الأحوط في هذا الفرض الأخير. نعم، إذا اشترى الأرض المذكورة شيعي أو ملكها بغير الشراء من الأسباب المملكة جاز له أن يتصرف في الأرض من غير إخراج الخمس.

[ 257 ]

[ المسألة 53: ] إذا اشترى الذمي الأرض من مسلم وتعلق بها الخمس، ثم انتقلت عن ملكه إلى مالك آخر ببيع أو غيره، ثم اشتراها الذمي الأول مرة أخرى من مسلم وجب في الأرض خمس آخر. فان كان قد أدى خمس الأصل من عين الأرض صح بيعه ثم صح شراؤه ووجب عليه تخميس الأربعة أخماس الباقية من الأرض بعد الشراء الثاني، وان كان قد أدى الخمس الأول من القيمة ثم باع جميع الأرض ثم اشتراها من مسلم وجب عليه خمس جميع الأرض ثانيا، وكذلك إذا اشترى خمس العين بعد ان دفعه في الخمس وتملكه المستحق، وإذا لم يكن قد أدى خمس الأصل لا من العين ولا من القيمة ففي صحة بيعه ثم في شرائه إشكال. [ المسألة 54: ] لا يصح ان يشترط الذمي في شرائه للأرض من المسلم أن لا يكون عليه خمس في الأرض، أو يشترط في العقد أن يكون الخمس على البائع، وإذا اشترط أحد الشرطين كان الشرط باطلا وان قبل به البائع، ولا يصح كذلك ان يشترط في العقد سقوط بعض الخمس عنه: نصفه أو ربعه مثلا، أو يشترط أن يكون بعضه على البائع، فيبطل الشرط في جميع هذه الصور، نعم، يصح له ان يشترط في العقد على البائع المسلم أن يدفع الخمس عنه تبرعا من ماله، فإذا قبل البائع بالشرط وجب عليه الوفاء به، ولا يسقط الخمس عن المشتري الذمي حتى يؤدي البائع الخمس عنه ويفي له بالشرط، وكذلك إذا شرط الذمي عليه في العقد أن يدفع عنه بعض الخمس: نصفه أو ثلثه مثلا، فيلزم البائع أن يفي له بالشرط كما في الفرض المتقدم، ولا يسقط الوجوب عن المشتري إلا إذا وفى البائع المسلم له بالشرط. [ المسألة 55: ] يصح للبائع المسلم أن يشترط في البيع على الذمي الذي يشتري الارض منه أن يبيع الارض عليه بعد أن يتملكها، أو يشترط عليه أن يبيعها على مسلم آخر، ولا يسقط الخمس عن المشتري الذمي بذلك. [ المسألة 56: ] إذا اشترى الذمي أرض الطفل المسلم من وليه الشرعي أو اشترى أرض

[ 258 ]

المجنون المسلم من وليه الشرعي صح شراؤه ونفذت أحكام الشراء وآثاره ووجب الخمس على الذمي في الارض المشتراة. [ المسألة 57: ] إذا دفع الذمي خمس الأرض التي اشتراها من المسلم من عين الأرض، أو أخذه ولي الخمس من عين الأرض كذلك وتملك المستحق ذلك البعض منها ثم اشتراه الذمي تعلق به الخمس. [ المسألة 58: ] السادس من الأشياء التي يجب فيها الخمس: المال الحلال المختلط بالحرام، بحيث لا يمتاز أحد المالين عن الآخر، ولا يعرف المالك الحقيقي للمال الحرام ولا مقداره، فيجب الخمس في مجموع المال على ما سيأتي تفصيله، فإذا أخرج المكلف خمسه كذلك حل له الباقي. [ المسألة 59: ] اختلاط المال الحلال بالمال الحرام قد يكون على وجه الإشاعة التامة كما إذا كان المالان من جنس واحد وامتزجت أجزاء أحدهما بأجزاء الآخر على نحو لا يمكن التمييز بين الأجزاء، ومن أمثلة ذلك: ان يمتزج المائع بالمائع أو الدقيق بالدقيق، أو الحنطة بالحنطة حتى لا تتبين أجزاء المال بعضها عن بعض، وقد يكون الاختلاط بين المالين لا على وجه الإشاعة، ومثال ذلك: ان يكون لدى الرجل مقدار من أكياس الحنطة المملوكة له واختلط عليه أمرها بمثلها من الحرام، فلم يدر أيها المملوك له وأيها المحرم المملوك لغيره، أو كان عنده عدد من الكتب واشتبهت بكتب غيره، فلم يميز بين ما يملكه منها وما يملكه غيره، والحكم في كلا الفرضين واحد، فإذا هو لم يعرف مقدار الحرام ولا صاحبه وجب عليه إخراج خمس المال وبإخراجه يحل له الباقي، سواء كان المالان المشتبه عليه أمرهما من جنس واحد أم أكثر. [ المسألة 60: ] يشترط في وجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام المتقدم ذكره: أن لا يعرف المكلف مقدار الحرام المختلط بماله، فلا يدري انه يزيد على خمس مجموع المال أو يساويه أو ينقص عنه، وبحكمه أن يعلم بأن الحرام الموجود لا يزيد على الخمس، فهو اما بمقدار الخمس من المجموع أو ينقص عنه، أو يعلم

[ 259 ]

كذلك بان الحرام الموجود لا ينقص عن مقدار الخمس، فهو اما بمقدار الخمس أو يزيد عليه، وعلى وجه الاجمال: ان يحتمل ان يكون الحرام الموجود في المال بمقدار الخمس منه، فيكون إخراج الخمس من مجموع المال موجبا لحل الباقي منه. [ المسألة 61: ] إذا علم المكلف على وجه الإجمال بان قدر المال الحرام الموجود في مجموع المال يزيد على خمسه، فالظاهر وجوب التصدق بجميع المقدار المعلوم بالإجمال، والاحوط لزوما أن يكون التصدق بالمقدار المذكور بإذن الحاكم الشرعي، وأحوط من ذلك أن يصرف جميع المقدار مصرف الخمس بنية التصدق بمجهول المالك أو الخمس بعد استئذان الحاكم الشرعي بذلك. [ المسألة 62: ] إذا علم المكلف اجمالا بان الحرام الموجود في مجموع المال أقل من خمسه، فالظاهر وجوب التصدق بالمقدار المعلوم، والاحوط لزوما ان يكون التصدق بإذن الحاكم الشرعي كما تقدم، والأحوط إخراج الخمس وصرفه مصرف الخمس بنية الصدقة بمجهول المالك أو الخمس بعد استئذان الحاكم الشرعي بذلك. [ المسألة 63: ] إذا علم الشخص بمقدار المال الحرام الذي اختلط بماله ولم يعرف مالك ذلك المال وجب عليه التصدق بالمقدار الحرام عن مالكه، ولا يترك الاحتياط بأن يكون التصدق به عن مالكه المجهول بإذن الحاكم الشرعي، وإذا عرف المكلف مقدار المال الحرام وعرف مالكه وجب على المكلف دفعه إليه ولم يكفه دفع الخمس وان كان مساويا له. [ المسألة 64: ] إذا جهل الشخص مقدار المال الحرام الذي اختلط مع ماله وعرف مالكه، صالحه عن المقدار الذي يملكه في المال المختلط، وإذا لم يرض المالك بالمصالحة، ودار الأمر في مقدار ماله بين الأقل والأكثر جاز أن يدفع إليه الأقل إذا كان المال في يد الشخص المكلف، فإن لم يرض المالك بالقسمة تعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي في حسم أصل الدعوى بينهما لا في القسمة، وإذا دار الأمر بين المتباينين، أو دار الأمر بين الأقل والأكثر ولم يكن المال في يد الشخص المكلف

[ 260 ]

تعين الرجوع إلى الحاكم في حسم أصل الدعوى، والمسألة موضع إشكال، ولذلك فالمصالحة بينهما أحوط وأبرأ للذمم من الجانبين. [ المسألة 65: ] إذا تردد مالك المال الحرام بين افراد محصورين في العدد، فالأحوط وجوب التخلص من الحرام بإرضائهم جميعا، وخصوصا إذا كان اختلاط المال الحلال بالحرام بتقصير من المكلف نفسه، فإذا تعذر عليه استرضاؤهم جميعا، أو لزم منه الضرر أو الحرج اللذان يرفعان التكليف، رجع في تعيين المالك منهم إلى القرعة. [ المسألة 66: ] إذا كان المال الحرام في ذمة الشخص المكلف وليس مختلطا في عين ماله، فلا موضع للخمس، فإذا علم بجنس المال الحرام الذي في ذمته وعلم مقداره وعرف صاحبه على التعيين، وجب عليه رد المال إليه، وإذا علم بوجود مالك المال بين أفراد محصورين في عددهم وجب عليه إرضاء الجميع على الأحوط، فإذا تعذر عليه ذلك، أو لزم منه الحرج أو الضرر الرافع للتكليف رجع إلى القرعة، وإذا علم بوجود صاحب المال في جماعة أو بلد غير محصور في عدد الأفراد، تصدق بالمال عنه، والأحوط ان تكون الصدقة بالمال بإذن الحاكم الشرعي عن المالك المجهول، أو يدفع المال إلى الحاكم ليتصدق به عنه. وإذا علم جنس المال الحرام وتردد في مقداره بين الأقل والأكثر، جاز له ان يكتفي بدفع الأقل، فيدفعه إلى المالك إذا عرفه على التعيين، وإذا تردد المالك عنده بين جماعة محصورين في عددهم كان عليه ان يسترضي الجميع كما تقدم، وإذا تعذر ذلك أو لزم منه الضرر أو الحرج رجع إلى القرعة. وإذا علم بوجود المالك بين أشخاص أو قبيلة غير محصورة في العدد، تصدق بالمال عن المالك المجهول بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط، أو دفع المال إليه ليتصدق به عنه على نهج ما تقدم. وفي المسألة فروض أخرى ذكرناها في تعليقتنا على كتاب الخمس من العروة الوثقى، فليرجع إليها من اراد. [ المسألة 67: ] يتخير المكلف في إخراج هذا القسم من الخمس، فيجوز له ان يدفع مقدار خمسه من مال آخر غير المال المخلوط نفسه، ويجوز له أن يخرجه من نفس المال

[ 261 ]

المخلوط الذي تعلق به الحكم بعد ان يستأذن من الحاكم الشرعي في إخراجه منه وتعيينه على الاحوط. [ المسألة 68: ] إذا أخرج المكلف خمس مجموع المال الحلال المختلط بالحرام، على الوجه المطلوب وصرف الخمس في مصارفه ثم عرف مالك المال الحرام بعد ذلك، فلا يكون ضامنا للمالك ماله على الأقوى، وليس للمالك أن يطالبه بشئ، وكذلك الحكم في المال المجهول المالك إذا تصدق به المكلف عن صاحبه ثم استبان له مالك المال بعد الصدقة به فلا ضمان على المكلف على الأقوى، وان كان الضمان احوط له استحبابا في كلا الفرضين. [ المسألة 69: ] إذا أخرج المكلف الخمس من المال المختلط بالحرام ودفعه للمستحق، ثم علم بعد دفع الخمس ان المقدار الحرام الموجود في المال اقل من مقدار الخمس، لم يسترجع الزائد الذي دفعه إلى المستحق على الأحوط، إن لم يكن ذلك هو الأقوى. وإذا دفع الخمس إلى المستحق، ثم علم ان الحرام الموجود في المال يزيد على مقدار الخمس الذي دفعه، فالأحوط له لزوما ان يتصدق بما زاد منه على الخمس، وان تكون الصدقة به بإذن الحاكم الشرعي. [ المسألة 70: ] إذا كان لدى الرجل مال معين مجهول المالك فخلطه عامدا بماله ليحلله بدفع الخمس خوفا من زيادة ذلك المال على مقدار الخمس، فالظاهر ان المال لا يزال على حكم مجهول المالك فلا يحل له بالتخميس. [ المسألة 71: ] إذا كان المال الحلال الذي اختلط بالحرام مما وجب فيه الخمس، لانه من أرباح المكاسب أو من المعادن مثلا، ثم اختلط بالحرام، فالأحوط للمكلف أن يخمس أولا مجموع المال المختلط ليحل بالتخميس مما فيه من الحرام، ثم يخمس الباقي من المال بعد ذلك، وان كان يكفيه على الأقوى أن يخمس في أول الأمر المقدار الذي يستيقن بوجوب الخمس فيه من المال الحلال، ثم يخمس الباقي بعد ذلك خمس التحليل، والفارق بين الطريقين واضح لا خفاء فيه.

[ 262 ]

فإذا كان مجموع المال المختلط من الحلال والحرام يبلغ مائة دينار مثلا، وكان المقدار الذي يتيقن وجوب الخمس فيه من المال الحلال ستين دينارا، فالباقي للمكلف من المال بعد اخراج الخمس الاول والخمس الثاني على الطريقة الاولى اربعة وستون دينارا لا غيرها، والباقي له بعد إخراج الخمسين على الطريقة الثانية سبعون دينارا وستمائة فلس. [ المسألة 72: ] إذا كان المال الحرام الذي اختلط بمال المكلف من المال المأخوذ بغير حق من الزكاة أو من الخمس أو من مال الوقف العام أو الخاص، لم يجب فيه الخمس بسبب الاختلاط، ولا يحل للمكلف أخذ الباقي منه إذا أخرج خمسه، بل يجري عليه حكم المال الحرام الذي يعرف مالكه، فيجب على المكلف ان يراجع الولي الشرعي لمال الزكاة أو مال الخمس، وان يراجع ولي الوقف على الوجوه التي سبق ذكرها في المال المعلوم مالكه وقد بيناها في المسائل الماضية. [ المسألة 73: ] إذا أتلف المكلف المال المختلط من الحلال والحرام قبل ان يخرج الواجب من خمسه لم يسقط عنه وجوب الخمس بإتلاف المال، فان هو عرف مقدار مجموع المال المذكور، فهو مشغول الذمة بخمس ذلك المقدار، ويجب عليه أن يؤديه، وان لم يعرف مقدار المال وتردد فيه بين الأقل والأكثر، جاز له أن يكتفي بدفع خمس الأقل، والأحوط له استحبابا أن يدفع خمس الأكثر، ويتأكد الاحتياط والاستحباب فيه إذا علم بمقدار المال في اول الأمر ثم قصر وأخر دفع الخمس حتى نسي مقدار المال. [ المسألة 74: ] إذا باع المكلف المال المخلوط من الحلال والحرام قبل أن يخرج خمسه، جاز لولي الخمس ان يرجع عليه بمقدار الخمس من المال، وصح له ان يرجع على مشتري المال المذكور فيأخذ منه خمس عين المال، وكذلك الحكم إذا نقل المكلف المال إلى مالك آخر بغير البيع من المعاملات، فيتخير ولي الخمس بين الأمرين، ويصح للحاكم الشرعي أن يمضي المعاملة التي أجراها المكلف على المال المذكور، فيأخذ منه خمس العوض الذي انتقل إليه ببيع المال أو بالمعاوضة الاخرى التي أجراها عليه، وإنما يصح هذا الإمضاء إذا لم يكن مخالفا لمصلحة الخمس.

[ 263 ]

ومثال ذلك: ان يبيع المكلف المال بقيمته المتعارفة له بين الناس أو بما يزيد عليها، فيصح للحاكم في هذه الصورة إمضاء المعاملة كما قلنا، وإذا باع المال بأقل من قيمته لم يصح له إمضاء البيع لانه مخالف لمصلحة الخمس. [ المسألة 75: ] السابع من الاشياء التي يجب فيها الخمس: ما يزيد عن مؤونة الإنسان لنفسه ولعياله في مدة سنة كاملة من فوائده التي تدخل عليه من الصناعات والزراعات والأعمال والتجارات والاجارات وسائر وجوه المهن والحرف والمكاسب، بل الأقوى وجوب الخمس في كل فائدة تدخل على الإنسان وان لم تحصل بالتكسب والمعاوضة، كالهبات والهدايا والجوائز التي ينالها من بعض المتبرعين: والمكافآت التي قد تصل إليه لقيامه ببعض الأعمال، وما يوصى به له من الأموال، والميراث الذي يحصل له من غير احتساب، والنذور، والمهر للزوجة، وعوض الخلع، وحاصل الوقف الخاص، وحاصل الوقف العام إذا قبضه وتملكه، فيجب عليه الخمس في جميع ذلك إذا زاد عن مؤونة الرجل له ولعياله في مدة سنته. [ المسألة 76: ] المدار في وجوب الخمس في المال الذي يحصل للرجل بسبب الارث ان يكون الميراث غير محتسب، سواء كان الوارث عالما بالرحم التي أوجبت له استحقاق الميراث ام كان جاهلا بها، وسواء كانت الرحم قريبة أم بعيدة. [ المسألة 77: ] إذا وجب على الإنسان الخمس في ماله ولم يؤده ثم مات، وجب على وارثه من بعده إخراج الخمس، سواء كان المال الذي تركه نفس العين التي تعلق بها الخمس أم كان عوضها، وكذلك إذا أخرج بعض الخمس في حياته وترك بعضه حتى مات، فيجب على الوارث إخراج بقية الخمس. وإذا علم الوارث بأن مورثه مات وقد انتقل الخمس إلى ذمته فاشتغلت ذمته به بعد ان كان متعلقا بعين المال، وجب عليه وفاؤه من أصل تركة الميت كسائر الديون التي تشتغل بها ذمة الميت. [ المسألة 78: ] إذا كان الرجل ممن يتعيش في حياته من الحقوق الشرعية الواجبة أو المندوبة، كالزكاة أو الخمس ورد المظالم والصدقات الواجبة الأخرى أو

[ 264 ]

المندوبة، واتفق ان زاد ما ملكه منها على مؤونة السنة له ولعياله، وجب عليه الخمس في المقدار الزائد على المؤونة، وإذا ملكها ونمت في ملكه نماءا متصلا أو منفصلا وجب عليه الخمس في نمائها، وسيأتي ان شاء الله تعالى بيان هذا في المسألة الثمانين. [ المسألة 79: ] إذا باع المكلف شيئا من الأشياء التي يملكها وقد تعلق وجوب الخمس بذلك الشئ ولم يؤد المالك خمسه قبل البيع، كان البيع في مقدار الخمس من ذلك الشئ فضوليا، لا يصح إلا بإجازة ولي الخمس وهو الحاكم الشرعي، فإذا هو أمضى البيع فيه وأجازه نفذ وصح، وأخذ الحاكم ثمن مقدار الخمس من البائع، ويجوز له أن يأخذ ثمن ذلك المقدار من المشتري، فإذا كان المشتري قد دفعه من قبل رجع به المشتري على البائع بعد ان يدفعه للحاكم، وإذا لم يمض الحاكم البيع فيه لم ينفذ ولم يصح، وجاز له أن يأخذ الخمس من عين المبيع سواء كانت بيد البائع ام بيد المشتري. وكذلك الحكم إذا نقل المكلف عين المال الذي وجب فيه الخمس إلى ملك شخص آخر بمعاوضة أخرى غير البيع فتكون المعاملة فضولية في مقدار الخمس على النهج الذي ذكرناه في البيع، وإذا ملكه المكلف لغيره بغير عوض لم يصح التمليك في مقدار الخمس. [ المسألة 80: ] يجب الخمس في النماء المنفصل للأعيان التي يملكها الإنسان، كالولد واللبن من الحيوان المملوك، وكالبيض والفراخ من الدجاج والطيور المملوكة، وكالفسيل من النخيل والودي من الشجر وان كان الأصل مما لم يتعلق به وجوب الخمس بعد، أو كان الخمس قد تعلق به واداه. ويجب الخمس في ما هو كالمنفصل من النماء المتصل للعين المملوكة، كالصوف والوبر من الحيوان، وكالحبوب والثمر والتمر في الزرع والشجر والنخيل، فيجب الخمس في هذين النوعين من النماء إذا تمت فيهما شروط الوجوب المعتبرة في الأرباح والفوائد. واما النماء المتصل غير ذلك، فإنما يجب الخمس فيه على الأحوط، في ما إذا كان المقصود المتعارف بين الناس من ذلك الشئ هو الانتفاع بنفس العين، ومن

[ 265 ]

أمثلة ذلك: بعض الشجر الذي لا يثمر فالمقصود المتعارف بين الناس من ذلك البعض هو الانتفاع بخشبه وأغصانه، فإذا نمت الشجرة منه وكبرت ازدادت فائدتها بذلك وتعلق الخمس بهذا النماء، والشجر الذي يتعارف بين الناس الانتفاع بورقه كالحناء، فإذا نمت شجرته وكثر ورقها كبرت فائدتها وتعلق الخمس بنمائها، والحيوان الذي يقصد منه الانتفاع بلحمه وسمنه، فإذا سمنت البقرة أو الشاة أو المعزاة تعلق الخمس بنمائها على الأحوط. ولا يجب الخمس في ما عدا ذلك من النماء المتصل إذا زاد، وان كان الاحوط استحبابا اخراج خمسه إذا كانت لزيادة ذلك النماء مالية في نظر أهل العرف بحيث تصدق عليه الفائدة، ولكن صدق الفائدة على ذلك ممنوع وان زادت المالية عرفا. ولا يجب الخمس في النماء المتصل للعين المملوكة ولا في النماء المنفصل إذا كان مما يحتاج إليه المكلف في مؤونته. [ المسألة 81: ] إذا ارتفعت قيمة السلعة التي يملكها الإنسان من غير زيادة في عين السلعة وزادت ماليتها بسبب هذا الارتفاع، لم يجب الخمس في هذه الزيادة السوقية، إلا إذا باع المكلف السلعة بتلك القيمة وحصل بالفعل على الزيادة، فيجب عليه الخمس فيها، وهذا بشرط ان يكون الرجل قد ملك تلك السلعة بمعاوضة وكان العوض الذي أخذ السلعة به من جنس الثمن الذي باعها به، ومثال ذلك: ان يشتري الرجل السلعة بخمسين دينارا مثلا، ثم يبيعها عند ارتفاع قيمتها في السوق بخمسة وسبعين دينارا، فيجب عليه الخمس في الفائدة التي حصلت له وهي مقدار التفاوت بين الثمنين. ولا يجب الخمس في غير هذه الصورة، كما إذا ملك السلعة بالإرث أو بهبة غير معوضة، أو ملكها بمعاوضة وكان العوض من غير جنس الثمن الذي باع به العين، وهذا كله إذا كان قد تملك العين للاقتناء، وسنتعرض في ما يأتي لحكم العين إذا كانت للتجارة. [ المسألة 82: ] إذا كانت السلعة التي يملكها المكلف من مال التجارة، بحيث كان قصده من تملكها ان يتجر بها، وكان قد ملك السلعة بمعاوضة، سواء كان العوض الذي

[ 266 ]

دفعه في تملكها من جنس الثمن الذي يبيعها به أم من جنس آخر، فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمتها بعد تمام السنة، إذا أمكن له ان يبيعها وان لم يبعها بالفعل، وإذا لم يمكن له بيعها إلا في السنة التالية، كانت الزيادة من ارباح السنة التالية التي امكن له البيع فيها، لا من أرباح السنة المتقدمة التي لم يمكن فيها البيع. [ المسألة 83: ] إذا ملك الشخص سلعة ليكتسب بها ويتجر، فارتفعت قيمة السلعة في السوق ولم يبعها مالكها في حال ارتفاعها، ثم هبطت القيمة بعد تمام السنة أو في اثنائها، فان كان الرجل مفرطا في عدم بيع السلعة بتلك الفرصة ضمن خمس زيادة القيمة في تلك الايام فيجب عليه دفع بدله، وان كان معذورا غير مفرط في نظر العقلاء، كما إذا ترك بيع السلعة لغيبته عن البلد في تلك الفرصة، أو لغفلته عن ارتفاع القيمة أو لعدم وجود المشتري بالفعل وكما إذا ترك البيع لانه يرجو زيادة السعر اكثر من القيمة الموجودة، أو لعذر آخر مقبول، فلا ضمان عليه للخمس المذكور. [ المسألة 84: ] ما يكون من سلع التجارة أو من قيمتها دينا في ذمة بعض الناس المتعاملين مع المكلف كالأشياء التي يشتريها سلفا، والأشياء التي يبيعها نسيئة وما يشبه ذلك، ان كان مما يمكن حصوله للمكلف إذا طالب المدين به وتيسر ذلك له، بحيث يكون المال كالموجود لديه، لحلول الأجل في المعاملة وسهولة الوفاء بها متى طلب، فيجب على المكلف خمسه، وإذا اتفق ان زادت قيمة تلك السلع وأمكن له أخذها من المدين وبيعها قبل انتهاء السنة وجب عليه خمس الزيادة أيضا، وكانت من أرباح تلك السنة، وان لم يمكن له تحصيلها بالفعل صبر إلى وقت تحصيلها، وتكون الزيادة من أرباح السنة المتقدمة على الاحوط. [ المسألة 85: ] إذا أقرض الرجل احدا بعض أرباحه أو بعض فوائده في أثناء سنته، ولم يكن قرضه المبلغ لذلك الرجل وجها من وجوه التكسب والاسترباح، فالظاهر وجوب الخمس في ما أقرضه إياه من المال. [ المسألة 86: ] من أرباح الإنسان ما يدخل عليه من سرقفلية أملاكه ودكاكينه ومحلاته

[ 267 ]

إذا هو آجرها لغيره وأخذ من المستأجر قيمة السرقفلية ليختص المستأجر بتلك الاملاك التي استأجرها، فلا يخرج منها إلا باختياره ورضاه، فيملك المؤجر تلك القيمة (السرقفلية) من المال، ويملك المستأجر ذلك الحق بالعين المستأجرة بحسب الشرط الذي اتفقا عليه في ضمن عقد الإجارة بينهما، وجرى عليه الإيجاب والقبول. ومن الأرباح للمستأجر ما يدخل عليه من سرقفلية المحل أو الدكان الذي استأجره هو من مالكه، ودفع له سرقفليته التي تقدم ذكرها، فأصبح المستأجر صاحب الحق بموجب الشروط المتبعة، فإذا أراد أن يؤجر المحل لشخص غيره وأخذ منه المبلغ (السرقفلية) لينتقل حق الاختصاص بالمحل منه إلى المستأجر الجديد كان هذا المبلغ من أرباحه الخاصة به. بل حق الاختصاص هذا وهو (السرقفلية) إذا كان المستأجر قد دفع عوضها للمالك كما بينا في ما تقدم أو دفعه للمستأجر السابق عليه، فأصبحت حقا ثابتا من حقوقه بحسب الشروط المتبعة التي جرى عليها العقد في أصل الإجارة، فانها تكون من أرباح المستأجر في تلك السنة ويجب الخمس في قيمتها بعد إخراج المؤونة، وان لم يقبض عوضها من مستأجر بعده، وتراجع المسألة الثانية عشرة من رسالتنا في المسائل المستحدثة. [ المسألة 87: ] الحقوق التي تدفعها الحكومات أو الشركات للموظف عندها أو العامل لديها بعد أن تستغني عن وظيفته، أو عن عمله، فائدة من جملة فوائده التي تدخل عليه، ولذلك فيجب فيها الخمس إذا زادت عن مؤونة سنته، وبحكمها ما يدفع لعائلة الموظف والعامل وورثتهما من الحقوق بعد موتهما فيجب فيه الخمس إذا زاد على مؤونة السنة. [ المسألة 88: ] إذا ربح الإنسان أو استفاد مبلغا من المال من بعض الجهات، وأراد أن يجعل ذلك المبلغ رأس مال ليتجر به ويكتسب، فالأحوط له أن يؤدي خمس ذلك المبلغ قبل أن يتجر به. وإذا كان الرجل - بحسب شرفه ومنزلته في المجتمع وبين نظرائه من الناس - ممن لابد له من راس مال، ولابد له من التجارة به، أو كان وجود رأس

[ 268 ]

المال عنده ضرورة له في تحصيل مؤونة سنته بما يليق بحاله، بحيث لا يستطيع تحصيل المؤونة بغير ذلك، فلا يبعد عدم وجوب الخمس عليه في رأس المال في هاتين الحالتين. وكذلك الحكم في الآلات التي يحتاج إليها الرجل في صناعته أو حرفته التي يكتسب بها كآلات النجارة للنجار وأدوات الزراعة للزارع وأدوات النساجة للحائك، وأمثال ذلك، فالأحوط له وجوبا أن يخرج خمس الآلات والأدوات اولا قبل ان يعمل بها ويكتسب، وإذا كان وجود هذه الآلات ضرورة له فلا يمكنه تحصيل مؤونته بدونها، أو كان إخراج الخمس منها يوجب تنزله الى مكسب لا يليق بحاله أو لا يفي بمؤونته فلا يبعد القول بعدم وجوب الخمس فيها كما قلنا في رأس المال لانه يكون من مؤونته التي يحتاج إليها. [ المسألة 89: ] إذا اشترى الرجل من أرباح كسبه أو من بعض فوائده الداخلة عليه بستانا أو دارا أو عقارا، أو اشترى بعض وسائل النقل أو الحمولة أو نحو ذلك، ليستفيد من حاصل ما اشتراه ومنافعه، أو ليحصل على الفائدة ببيعه والمعاوضة عليه، وجب عليه إخراج خمس ثمن تلك المشتريات إذا لم يكن قد أدى خمسه قبل ذلك. وكذلك ما ينفقه من الارباح والفوائد في تعمير البستان أو الدار أو العقار الذي اشتراه وفي غرس ما يحتاج إلى الغرس منه، فيجب إخراج خمس تلك النفقات إذا لم يكن قد أداه، ومثله ما ينفقه من الأرباح في تعمير البستان وغيره من الأشياء المذكورة إذا كانت مما لا خمس في أصله كما إذا دخل عليه بميراث محتسب. [ المسألة 90: ] إذا كان ثمن البستان أو الدار أو العقار أو الشئ الآخر الذي اشتراه المكلف دينا في ذمته، وجب عليه إخراج خمس الشئ المشتري بعد وفاء ذلك الدين، وإذا وفي بعض الدين وبقي بعضه، وجب عليه إخراج خمس البعض الذي أدى ثمنه من العين، فإذا وفى نصف ثمن البستان أو الدار وجب عليه خمس النصف الذي دفع ثمنه، وبقي النصف الآخر حتى يؤدي ثمنه فيخمسه. وكذلك إذا اشترى من الأرباح والفوائد غنما أو بقرا أو ابلا، ليبيعها

[ 269 ]

ويربح من ارتفاع قيمتها، أو ليكتسب ببيع لحمها أو بيع نتاجها من صوف ووبر ولبن ودهن وولد، فيجب عليه خمس الثمن إذا لم يكن أدى خمسه من قبل، وإذا باعها أو باع لحمها أو نتاجها، فحصل على زيادة كان عليه خمس الزيادة التي حصلت له، وقد سبق ذكر هذا. وإذا اشترى البقر أو الغنم أو السيارة لحاجته وحاجة أهله كانت من المؤونة فلا يجب الخمس في ثمنها. [ المسألة 91: ] إذا ملك الرجل بستانا وعمره للانتفاع بثمره وتمره حتى نمت نخيله واشجاره وزراعته كانت حاصلات النخيل والشجر والبستان والأرض من الفوائد التي تدخل عليه، فإذا زادت هذه الحاصلات على مؤونة سنته له ولعياله وجب عليه الخمس في الزيادة، وقد ذكرنا في المسألة التاسعة والثمانين وما بعدها انه لابد من تخميس الثمن الذي يشترى به البستان والنفقات التي تصرف في تعميره، ويجب كذلك تخميس الشجر والنخيل التي تغرس فيه، وان أخذها وديا أو فسيلا من الشجر والنخيل الذي أخرج خمسه، أو نبت بنفسه لا بفعل أحد كالشجر وفسيل النخل الذي ينبت في الأرض صغارا من سقوط بعض النوى والبذور فيها ثم ينمو ويكبر، فإذا عد مالا وجب فيه الخمس. واما نماء الشجر والنخيل المنفصل والمتصل فقد تقدم بيان الحكم فيه في المسألة الثمانين فلتراجع. ولا يجب الخمس في ارتفاع القيمة للبستان ونحوه في السوق، إلا إذا باعه المالك بأكثر من ثمنه الذي ملك به العين ومما صرفه فيه من ثمن الفسيل وأجرة الفلاح وغير ذلك فيجب الخمس في الزيادة. وإذا كان الرجل قد تملك البستان وعمره بقصد التكسب به وتحصيل الفائدة ببيعه، وجب الخمس في زيادة قيمته، وفي نمو اشجاره ونخيله إذا زادت قيمته بذلك على الثمن الذي ملكه به، والمال الذي صرفه في تعميره. [ المسألة 92: ] إذا تعددت مكاسب الإنسان ومصادر فائدته من الاموال، وجب عليه أن يضبط في آخر سنته مجموع ما يحصل له من أرباح وفوائد، وان يؤدي الخمس مما يزيد عن مؤونة سنته من ذلك كله.

[ 270 ]

[ المسألة 93: ] إذا كان الوجه الذي اتخذه الإنسان في كسبه من الوجوه التي تأتي فوائدها وأرباحها متدرجة في الحصول من أول الشروع فيها، فمبدأ السنة لهذا الشخص هو أول شروعه في الاكتساب، فيكون ذلك الوقت هو أول سنته التي يجب عليه الخمس بعد إخراج مؤونتها من مجموع ما اكتسب في السنة من أولها إلى انتهائها، سواء كان الوجه الذي يكتسب به من التجارات ام من الصناعات ام من الاعمال التي تكون لها هذه الصفة. وإذا كان الوجه الذي يكتسب به الرجل من الوجوه التي تتأخر ارباحها عن وقت الشروع فيها، كالزراعة والغرس والفلاحة، فمبدأ السنة له هو وقت ظهور الربح، سواء استمر ظهور الربح مدة بعد ذلك، أم ظهر دفعة ثم انقطع، وكان ما ظهر منه يكفي لمؤونة السنة. وإذا لم تكن للرجل مهنة خاصة يكتسب بها، وحصلت له بعض الفوائد التي تكفيه لمؤونته، فمبدأ السنة هو وقت حصول الفائدة. وإذا تعددت وجوه الاكتساب عند الشخص فمبدأ سنته هو أول السنة في أسبق وجوه اكتسابه لتحصيل الفائدة، سواء كان من القسم الأول ام من القسم الثاني، وسواء كان اسبق وجوه اكتسابه أكثرها فائدة أم أقلها، ويجب عليه في آخر سنته أن يضبط مجموع ما حصل له من الفوائد، ويخمس ما يزيد عن مؤونة سنته من ذلك كله، كما قلنا في المسألة المتقدمة. [ المسألة 94: ] من الفوائد التي يتعلق بها وجوب الخمس إذا زادت على مؤونة الإنسان لسنته، ما يدخل عليه من نماء الغنم التي يملكها، فإذا ملك الرجل قطيعا من الغنم مثلا، وأنتج القطيع من الصوف واللبن والدهن والجبن وأولد سخالا، وباع هذا النتاج، وحصل منه على أثمان كان ذلك من الفوائد والارباح، فإذا زادت الاثمان على مؤونته في السنة وجب عليه الخمس في الزائد منها، سواء كانت الغنم التي ملكها مما لا خمس فيه، كما إذا انتقلت إليه بميراث محتسب، أم كانت مما فيه الخمس كما إذا كانت نتاجا وجب فيه الخمس ولم يؤده، أم كانت نتاجا قد أدى خمسه، أو مشتراة بثمن قد خمسه، وكذلك الحكم في غير الغنم من الانعام أو سائر الحيوان.

[ 271 ]

[ المسألة 95: ] إذا ظهرت الارباح والفوائد من كسب الرجل ومصادر رزقه، بدأ بإخراج مؤونته التي يحتاج إليها في تحصيل الربح أو في معيشته ومعيشة من يعول به لسنة تامة، فإذا فضل من الأرباح التي اكتسبها شئ بعد المؤونة وجب فيه الخمس وقد تكرر منا ذكر هذا. وتنحصر المؤونة المذكورة في قسمين: القسم الأول من المؤونة ما يصرفه الرجل من المال في تحصيل الربح وضبطه وحفظه، كأجرة الدكان أو المحل الذي تودع فيه البضاعة وسلع الاكتساب وتحفظ فيه، أو تعرض فيه للراغبين، أو يكون موضعا للعمل ومخزنا للأدوات، وعوض السرقفلية الذي يلزمه ان يدفعه لمالك الدكان أو المحل، أو للمستأجر السابق عليه، وأجور النقل والتحميل والكتابة والحساب والحراسة في ما يحتاج إلى ذلك، وضرائب الدولة وأجور العامل والفلاح والزارع والراعي ونحو ذلك. القسم الثاني من المؤونة ما يحتاج الإنسان إلى صرفه من المال في الإنفاق على نفسه وعياله على الوجه اللائق بشأنه بحسب شرفه ومنزلته في مجتمعه وبلده، من المأكل والملبس وموضع السكنى، والزوجة المناسبة لمكانته، والأثاث والفرش والأواني والأدوات الكافية، ووسائل الراحة، بل والخدم والكتب إذا كان ممن يحتاج إلى ذلك. ومن المؤونة ما يحتاج إليه من المال لصدقاته وهداياه وجوائزه التي تناسبه، وزيارته لبعض المشاهد، وضيافة أضيافه وتكريم بعض الوافدين إليه، وما يحتاج إليه لاداء الحقوق التي تلزمه من ديون أو نذور، أو كفارات أو فديات أو أروش جنايات، أو غرامات بسبب اتلاف وشبهه. ومن المؤونة ما يحتاج إليه من النفقات والمصارف والإطعام في بعض المناسبات، وعند ولادة أولاده، وفي تربيتهم وتعليمهم، وفي ختانهم وتزويجهم، وفي مرضه أو مرض بعض اولاده وعياله وفي أسفاره للعلاج وغيره، وعلى وجه الإجمال كل ما يتعارف للإنسان صرف المال فيه على الوجه الذي يحتاج إليه أو الوجه الذي يليق بحاله. فلا يستثنى ما يزيد من النفقات على ما يليق بحاله، مما يعد عند العقلاء

[ 272 ]

وأهل العرف سفها أو سرفا بالنسبة إليه، ولا يستثنى كذلك ما يزيد منها على ما يليق بحاله وان كان مما لا يعد سفها ولا سرفا، وان كان من المؤونة، فالمدار في الاستثناء على المؤونة المتعارفة التي تليق بحاله كما ذكرنا. [ المسألة 96: ] من المؤونة ما يكون الانتفاع به باتلاف عينه وإذهابها، ومن هذا القسم: المأكولات والمشروبات، والصابون للغسل والتنظيف وما أشبهها، ومن المؤونة ما ينتفع به مع بقاء عينه، ومن هذا القسم: المسكن والأجهزة المنزلية للإنارة والتبريد والتدفئة، والظروف والأمتعة ونحوها، فيجوز للمكلف أن يشتري من ذلك في اثناء سنته ما يحتاج إليه من ربح سنته، فيشتري من ربحه دارا يسكنها بالفعل، وأجهزة وظروفا يحتاج إليها، ويكفي في الحاجة ان يعد الشئ منها لوقت الحاجة بحسب ما يتعارف له فيشتري الفرش والأواني لمن يقدم عليه من ضيوف وزوار وان لم يكن محتاجا إليه بالفعل، ويشتري لنفسه ولأولاده وعياله ملابس الشتاء أو ملابس الصيف قبل أن يحين وقتها. [ المسألة 97: ] يجوز للإنسان ان ينفق مؤونته من أرباح سنته، وان كان يملك مالا آخر قد اخرج خمسه، أو يملك مالا آخر لا يجب الخمس فيه كالمال الذي انتقل إليه بالميراث، وان كان الاحوط له استحبابا أن يوزع مؤونته على المالين. [ المسألة 98: ] إذا كان المكلف يملك دارا للسكنى وأثاثا للمنزل وأدوات للحاجة ونحو ذلك قبل سنة الربح اكتفى بذلك، ولم يعد محتاجا إلى هذه الأشياء التي يملكها من قبل، فلا يسقط الخمس عن مقدار قيمة هذه الاشياء من الربح. [ المسألة 99: ] لا يسقط وجوب الخمس عن مقدار المؤونة من الربح حتى يصرفها المكلف بالفعل، فلا تحسب له إذا قتر على نفسه فلم ينفقها، ولا يستثنى له مقدار المؤونة إذا تبرع له بها متبرع من الناس، فيجب عليه أداء خمسها في الصورتين. [ المسألة 100: ] إذا اشترى الإنسان من الربح لمؤونته مقدارا من الحبوب أو الدهن أو السكر أو غيرها مما تصرف عينه فزاد بعضه على المؤونة وجب على المكلف

[ 273 ]

إخراج خمس ما زاد منه، وكذلك إذا اشترى اقمشة لملابسه وملابس أهله وأولاده في اثناء السنة، ففضل بعض الأقمشة التي اشتراها عن الحاجة في السنة فيجب عليه إخراج خمس ما فضل منها. واما الأشياء التي تبقى أعيانها من الانتفاع بها في السنة، فلا يجب الخمس فيها إذا كان من شأنها ان تدخر للانتفاع بها في السنين الآتية، كالمسكن والأمتعة والأواني، وان استغنى عنها في بعض السنة كملابس الصيف في ايام الشتاء وملابس الشتاء في ايام الصيف. [ المسألة 101: ] إذا استغنى الإنسان عن بعض الأعيان التي اشتراها من الربح لمؤونته وكانت الاشياء المذكورة من شأنها ان تدخر للسنين الآتية لم يجب الخمس فيها، سواء كان الاستغناء عنها بعد انتهاء السنة التي اشترى الاشياء من ربحها أم كان الاستغناء عنها في اثناء سنة الربح، وقد ذكرنا هذا في المسألة المتقدمة في ملابس الصيف في الشتاء وملابس الشتاء في الصيف، بل ولا يجب فيها الخمس إذا استغنى عنها في جميع ايام السنة الثانية إذا كانت مما يحتاج إليه في ما بعدها من السنين. وإذا استغنى عن الاشياء التي اشتراها من الربح في اثناء السنة أو بعد انتهائها استغناءا تاما، فلا يحتاج إليها في السنين المقبلة، فالظاهر وجوب الخمس فيها، وكذلك الحكم في حلي المرأة فيجري فيها التفصيل المذكور. [ المسألة 102: ] إذا اشترى الرجل بعض الاشياء لمؤونته في السنة من مال قد أخرج خمسه، وبقي بعض الاشياء التي اشتراها من ذلك المال إلى السنة اللاحقة لم يجب عليه الخمس في ما بقي وان زادت قيمته السوقية على الثمن الذي اشتراه به، وإذا نقصت قيمته لم يجبر نقصه من ربح السنة. [ المسألة 103: ] إذا مات الرجل في أثناء سنة اكتسابه بعد ان حصل على الربح أو على شئ منه، وجب على الوارث أن يخرج الخمس من الربح الذي حصل له بعد استثناء مؤونته ومؤونة عياله في المدة التي كان فيها حيا، ويسقط اعتبار مؤونة ما بعد موته.

[ 274 ]

[ المسألة 104: ] إذا لم يربح الشخص في كسب سنته، ثم ربح في السنة الثانية، لم يجز له أن يخرج مؤونته في السنة الأولى من ربحه في السنة الثانية. [ المسألة 105: ] من مؤونة الإنسان التي تخرج من أرباح سنته قبل الخمس ما يصرفه من المال في نفقة الحج إذا أتى به في سنة المؤونة نفسها، فإذا وجب على المكلف حج الإسلام بسبب الاستطاعة المالية له، سواء تحققت للمكلف الاستطاعة من ارباحه في تلك السنة ام كان وجوب الحج مستقرا في ذمته من قبل، وخرج في تلك السنة لأداء الفريضة لم يجب عليه الخمس في نفقة الحج إذا هو لم يتجاوز في الصرف ما يتعارف من النفقة لأمثاله. وان لم يحج في سنته تلك لم يستثن له المقدار المذكور من الربح فيجب عليه الخمس فيه، سواء كان معذورا في تركه الحج في تلك السنة ام كان عاصيا فيه، فإذا حج في السنة الثانية أو في ما بعدها كانت نفقته من مؤونة سنة حجه. وإذا حج حجا مندوبا وكان من شأنه أن يأتي بالحج المندوب كانت نفقته في حجه من المؤونة إذا هو أخذها من ربح تلك السنة لا من ارباح السنين الماضية فلا يجب عليه الخمس فيها، وإذا أخذ النفقة من أرباح السنين السابقة وجب فيها الخمس إذا لم يكن قد أدى خمسها من قبل. [ المسالة 106: ] إذا كانت استطاعة المكلف للحج مجتمعة من ارباح سنين متعددة وجب عليه الخمس في ارباح السنين المتقدمة إذا لم يكن قد أدى خمسها من قبل، ولا يجب عليه الخمس في المقدار المتمم لاستطاعته من ربح السنة الحاضرة التي حج فيها، ويجوز له أن يأخذ نفقة حجه كلها من ربح السنة الحاضرة وحدها إذا كان ربحها وافيا بالنفقة، وإذا أخذ النفقة منها وحدها لم يجب فيها الخمس، وإذا كان قد أدى خمس ارباح السنين السابقة فلا يجب فيها الخمس مرة أخرى إذا أراد الحج منها. [ المسألة 107: ] ومن المؤونة - التي تخرج من فوائد الإنسان وربحه من مكاسبه قبل إخراج الخمس - ما يصرفه في نفقة العمرة إذا هو اعتمر في سنة ذلك الربح، سواء كانت

[ 275 ]

العمرة التي يأتي بها واجبة عليه ام مندوبة، ومن المؤونة ما يصرفه في نفقة زيارة الرسول صلى الله عليه وآله، وزيارات المشاهد المشرفة الأخرى، وان تعددت منه في عامه. وهذا إذا كان من شأن ذلك الشخص أن يأتي بمثل هذه المندوبات كما قلنا في الحج المندوب. والمدار في ذلك كله على أن يكون صرف نفقات الحج والعمرة والمندوبات المذكورة في عام الربح. فإذا انقضى الحول وجب الخمس في ما يبقى بعد انقضائه من زاد ونقود وغيرها من الأعيان التي تذهب بالانتفاع بها وان كان لا يزال في اثناء السفر، ولا يجب الخمس في مثل الراحلة والأثاث، والأمتعة ونحوها من الاشياء التي تبقى اعيانها مع الانتفاع بها، وان انقضى الحول، وكان قد اشتراها أو استأجرها من المال للسفر. [ المسألة 108: ] الظاهر أن وفاء الديون التي تكون على الإنسان يعد من مؤونته في السنة، فإذا أدى الدين من أرباح كسبه في السنة لم يجب الخمس في المبلغ الذي وفى به، سواء كانت الاستدانة في عام الربح ام كانت سابقة عليه، وسواء كان الدين لمؤونته أم لغيرها، وسواء تمكن من وفائه قبل عام الربح ام لم يتمكن، فلا يجب الخمس في مال الربح الذي يفي به الدين في جميع الصور. نعم، إذا كان للدين ما يقابله من الأشياء المملوكة لذلك الإنسان في الخارج، ومثال ذلك: أن يشتري الرجل بالدين ضيعة أو عقارا أو غيرهما من الأشياء فيتملكه، فإذا أدى ذلك الدين من مال الربح كانت الضيعة أو العقار الذي يقابل الدين من فوائد ذلك العام، فيجب فيه الخمس، سواء كان الدين والمعاوضة على ذلك الشئ في عامه أم في عام سابق. [ المسألة 109: ] إذا أراد الشخص المدين أن يؤدي الدين من ربح العام بعد انقضائه، فإن كان ذلك الدين لمؤونة سنة ذلك الربح فلا خمس عليه في ذلك، وان كان الدين لغيرها من السنين الماضية وجب عليه ان يخرج خمس الربح قبل أن يؤدي منه ذلك الدين، فإن اداء الديون السابقة انما تكون من مؤونة السنة الحاضرة إذا تحقق الأداء في أثنائها، وليس منها أن يؤدي الدين السابق من ربح السنة بعد انقضائها.

[ 276 ]

[ المسألة 110: ] النذور والكفارات التي تجب على الرجل وسائر الديون الشرعية التي تشتغل بها ذمته أو يتعلق وجوبها بأعيان ماله، كالزكاة والخمس وقيم الأشياء التي يتلفها أو يدخل النقص أو العيب فيها، وأروش الجنايات التي يجنيها وشروط المعاملات التي تلزمه، يكون شأن هذه الأمور شأن الديون العرفية، فيكون وفاؤها من المؤونة، ويجري فيها الكلام الذي قدمنا ذكره في الديون العرفية بجميع فروضه، فإذا هو أداها من ربح مكاسبه في أثناء السنة لم يجب الخمس في المقدار الذي تؤدى به من المال وان كان لزومها له قبل ذلك العام، وكذلك إذا أداها من ربحه في السنة بعد انقضاء السنة وكان لزومها له في تلك السنة، فلا يجب الخمس في المقدار الذي تؤدى به من ربحها. وإذا أراد أداءها من ربح النسة بعد انقضائها، وكان لزوم هذه الديون له قبل تلك السنة فلابد من إخراج الخمس قبل ادائها. [ المسألة 111: ] ما يستقرضه الإنسان أو يستدينه لمؤونته قبل أن يظهر الربح من كسبه لا يكون من مؤونة سنة الربح فقد سبق منا أن مبدأ السنة لا ينفك عن ظهور الربح، نعم، يكون ذلك من الدين السابق، فيجري فيه الكلام المتقدم في أداء الدين، وتلاحظ المسألة المائة والثامنة. [ المسألة 112: ] إذا اعتقد الرجل في شئ من الاشياء انه مما يحتاج إليه في مؤونته فاشتراه من ربح السنة، ثم علم بعد شرائه ان الشئ مما لا يحتاج إليه وانه قد أخطأ في اعتقاده، وجب عليه ان يخرج خمس ذلك الشئ، ولا يترك الاحتياط في أن يلاحظ في تخميسه اكثر الامرين من قيمة ذلك الشئ في الوقت الحاضر ورأس المال الذي اشتراه به، ويتأكد هذا الاحتياط في الاشياء التي يشتريها وهو يعلم في حين شرائه اياها بعدم الحاجة إليها في الوقت الحاضر، كالفراش الزائد على الحاجة في المنزل والكتب التي يعلم بعدم الحاجة إليها، والجواهر التي تدخر لوقت الحاجة، وكذلك الحكم إذا اشترى ذلك الشئ بمبلغ في الذمة ثم وفاه من الربح، فيجري فيه كل ما بيناه في المسألة.

[ 277 ]

[ المسألة 113: ] إذا حصل الربح للإنسان من كسبه وكان زائدا على مؤونته في السنة تعلق به وجوب الخمس، ويجوز له أن يؤخر دفع الخمس إلى آخر السنة احتياطا للمؤونة، لاحتمال أن تزيد على المقدار الذي يعتقد بكفايته، واحتمال ان تتجدد له مؤونة اخرى لا يعلمها. ومن النتائج التي تترتب على ذلك، ما إذا علم المكلف بأنه لن توجد له مؤونة تزيد على المقدار الذي اعتقد بالحاجة إليه، فالأحوط له استحبابا أن يعجل دفع الخمس ولا يؤخره، ومن نتائج ذلك أنه إذا أتلف المال كان ضامنا للخمس، وكذلك إذا أسرف في صرف المال في المؤونة، أو وهب المال لغيره، وكانت الهبة لا تعد من مؤونته عرفا، أو كانت هبة غير لائقة بحاله، أو اشترى بالمال أو باعه على وجه المحاباة وكانا غير لائقين بشأنه، فيكون ضامنا للخمس في جميع هذه الصور. [ المسألة 114: ] إذا احتاج المكلف إلى دار يسكنها، ولم يمكن له شراء الدار إلا بربح سنين متعددة من كسبه وجب عليه الخمس في أرباح السنين الماضية من قيمة الدار إذا لم يكن قد دفع خمسها من قبل، ولم يجب عليه الخمس في المقدار المتمم للثمن من ربح السنة التي يشتري فيها الدار، وهذا إذا اشترى الدار في أثناء السنة الأخيرة، وإذا اشتراها بعد انقضاء السنة الأخيرة وجب الخمس في الجميع، حتى في ربح السنة الأخيرة منها. وكذلك الحكم إذا اشترى في السنة الأولى أرض الدار مثلا واشترى في السنة الثانية أخشابها وحديدها وفي السنة الثالثة حجارتها وآجرها، وهكذا حتى أتم المادة والبناء، فيجب الخمس في تلك الأعيان المشتراة، ولا يجب في ما يصرفه فيها من ربح السنة الاخيرة، إذا كان الصرف في اثناء السنة وتم له سكنى الدار فيها. وإذا كان الصرف من ربح السنة الأخيرة والسكنى في الدار بعد انتهاء السنة الأخيرة وجب فيه الخمس كما في السنين السابقة، وكذلك إذا كان الصرف في اثناء السنة ولم تحصل السكنى في الدار إلا بعد انتهاء السنة.

[ 278 ]

[ المسألة 115: ] إذا اشترى المكلف دارا لسكناه بثمن بقي دينا في ذمته وسكن الدار، ثم وفى ثمنها من أرباح كسبه في السنة الثانية أو ما بعدها، لم يجب عليه الخمس في الدار ولا في الربح الذي وفى به الدين، وكذلك إذا وفى الدين اقساطا من ارباح سنين متعددة بعد شراء الدار والسكنى فيه، فلا يجب فيه الخمس، وكذلك الحكم في غير الدار من أعيان المؤونة التي يحتاج إليها في سنته إذا اشتراه بالدين ثم وفاه من الارباح اللاحقة. [ المسألة 116: ] إذا دفع المكلف في أثناء سنته مقدارا من خمس أرباحه في تلك السنة، وكان المبلغ الذي دفعه من الربح فيها، وبعد أن تم حول الاكتساب شرع في حساب الباقي من أرباحه ليتعرف مقدار خمسه، فعليه أن يدخل المبلغ الذي دفعه من الخمس في حساب الفاضل من الربح، ويتعرف مقدار خمس الجميع، ثم يسقط ما دفعه من مقدار الخمس الواجب. [ المسألة 117: ] إذا تلف بعض اشياء المكلف غير المال الذي يكتسب به أو يتجر، أو سرق ذلك الشئ منه أو غصب، فقد يكون ذلك الشئ التالف من المؤونة التي يحتاج إليها، كما إذا تلف أو سرق بعض فرشه أو أوانيه، فيحتاج إلى شراء غيره من الربح ويكون الشئ الذي يشتريه بدلا عن التالف من المؤونة، ولذلك فلا يجب فيه الخمس، وكذلك إذا كان تلف ذلك الشئ من أموال المكلف يعد في نظر أهل العرف مانعا من صدق الفائدة على الربح الموجود، ومثال ذلك: ان تتلف منه جوهرة عزيزة المنال لا يعوض باقي الربح عنها، بحيث لا يصدق عليه بعد تلفها منه انه ربح في كسبه، فلا يجب فيه الخمس، وفي غير هاتين الصورتين فالظاهر وجوب الخمس في الباقي. [ المسألة 118: ] إذا كان للإنسان أنواع متعددة من التجارة أو من الزراعة أو من وجوه المكاسب الاخرى، واتفق له ان خسر في بعض تلك الأنواع في سنته أو تلف بعض رأس ماله في البعض وربح في البعض الآخر، فان كان تلف التالف من أمواله أو خسارته في تجارته تلك يكون في نظر أهل العرف مانعا من صدق الربح

[ 279 ]

أو الفائدة على الربح الذي حصل له من الجهة الأخرى لم يجب الخمس في ذلك الربح كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، وإذا منع من صدق الفائدة في المقدار الذي يسد النقص الذي طرأ له في النوع الثاني من كسبه لم يجب الخمس في ذلك المقدار، وان لم يكن في نظرهم مانعا من صدق الربح أو الفائدة عليه فالظاهر وجوب الخمس في ذلك الربح. ولا فرق في الحكم بين ان يقع ذلك في تجارة واحدة أو زراعة واحدة، وان يكون في تجارات أو زراعات متعددة، وأن يكون في تجارة وزراعة أو غيرها من المكاسب والفوائد. وكذلك الحال إذا صرف الإنسان بعض تلك الأموال في نفقاته وبعد ذلك ظهر الربح، فيلاحظ المقياس المذكور من نظر أهل العرف، ولا يبعد أن لاستقلال التجارات ووجوه الاكتساب بعضها عن بعض، وصغرها وكبرها دخلا في حكم العرف بذلك. وإذا كان الشخص لشرفه ومنزلته الاجتماعية الخاصة ممن يكون وجود رأس المال بيده للتجارة مؤونة من مؤنه التي لا بد له منها، أو ضرورة لا يستطيع التكسب اللائق بشرفه إلا بوجوده، ثم تلف رأس ماله أو طرأت له خسارة أو نقصان فيه، عوض ما تلف منه أو نقص من الربح الموجود، ولا يجب عليه الخمس في العوض، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثامنة والثمانين، وكذلك آلات الصناعة إذا كانت ضرورية له في العمل فلا يقدر على التكسب إلا بها وقد ذكرناها ايضا في المسألة المشار إليها. [ المسألة 119: ] إذا انهدمت الدار التي يسكنها الرجل فليس له أن يأخذ هذه النقيصة التي دخلت عليه في ماله بسبب انهدام داراه فيجبر نقصه في المال من الربح، نعم يجوز له أن يعمر الدار من ربح سنته، فإذا عمرها وانفق عليها كانت نفقة تعمير الدار من المؤونة فلا يجب فيها الخمس، وإذا انهدمت له دار قد اعدها للاكتساب بإجارتها وأراد عمارتها من الربح وجب عليه أن يخرج الخمس من نفقة التعمير. [ المسألة 120: ] إذا تعلق وجوب الخمس بمال الشخص من الأرباح أو الفوائد، ثم أتلف أحد ذلك المال بعد تعلق الخمس به كان المتلف ضامنا للخمس، سواء كان المتلف

[ 280 ]

هو مالك المال ام غيره، فيأخذ الحاكم الشرعي منه مثل الخمس إذا كان المال مثليا وقيمته إذا كان قيميا، وقد ذكرنا في المسألة التاسعة والسبعين حكم ما إذا باع المالك المال الذي تعلق به الخمس أو اشترى به شيئا، أو نقله إلى ملك مالك غيره بمعاوضة اخرى غير البيع كالهبة المعوضة والمصالحة بعوض، أو ملكه غيره بغير عوض فلتلاحظ المسألة المذكورة. [ المسألة 121: ] إذا أجرى المالك معاملة البيع على الشئ بثمن في الذمة، ثم دفع عين المال الذي تعلق به الخمس وفاءا عن الدين الذي اشتغلت به ذمته كانت المعاملة صحيحة غير فضولية فلا تحتاج في نفوذها إلى إمضاء الحاكم الشرعي كما هو الحكم في المسألة المشار إليها في المسألة المتقدمة، وبقيت ذمة المالك مشغولة بمقدار الخمس، فإذا كانت عين المال موجودة اخذ الحاكم الخمس من العين، وإذا كانت تالفة رجع بعوض الخمس من المثل أو القيمة وكان مخيرا بين أن يرجع بالعوض على المالك والآخذ. وكذلك الحكم إذا كان النقل إلى الغير بمعاوضة اخرى غير البيع بعوض في الذمة ثم دفع المال وفاءا عن الدين فيجري فيه البيان المذكور. [ المسألة 122: ] الأقوى ان تعلق الخمس بالمال الذي يجب فيه من الارباح أو غيرها، من قبيل تعلق الحق بالعين نظير ما تقدم تفصيله في حق الزكاة، ولذلك فيشكل القول بجواز تصرف المالك في بعض مال الربح قبل أن يدفع خمس المال، وان كان مقدار الخمس منه باقيا في يد المالك وكان من نيته ان يخرج الخمس من البقية، ويجوز له ذلك إذا صالحه الحاكم الشرعي بحسب ولايته فنقل الخمس من عين المال إلى ذمته. [ المسألة 123: ] إذا ظهر ربح الاكتساب في اول السنة أو في أثنائها، جاز للمالك أن يتصرف في الربح من حين ظهوره وأن يتجر به ويكتسب، وإذا حصل من الاتجار والتكسب بالربح ربح آخر أو فائدة، فالظاهر أن جميع ما يحصل منه مملوك لمالك المال، وليس لأرباب الخمس منه شئ، ويكون شأن هذا الربح كشأن سائر الارباح التي تحصل للمالك، فإذا أخرجت منها المؤونة وبقيت منها بقية وجب

[ 281 ]

الخمس في الباقي. وإذا ظهر الربح في أول السنة أو في أثنائها كما قلنا في أول المسألة، ولم يتصرف المالك بالربح ولم يتجر به حتى تم الحول، تعلق به وجوب الخمس، وأشكل الحكم بجواز أن يتجر به المالك بعد ذلك إذا هو لم يؤد خمسه، وإنما يصح له الاتجار به والتصرف إذا أجاز الحاكم الشرعي معاملته، ولا يصح للحاكم ان يجيز له المعاملة ويمضيها إلا إذا احتاط للخمس بأن يشترط عليه دفع الخمس ولو من مال آخر. [ المسألة 124: ] إذا حصل للمكلف بعض الربح من كسبه في اول السنة، فقدر مؤونته التي يحتاج إليها في سنته واخرجها من الربح الذي حصل له وخمس الباقي في اثناء السنة، ثم ظهر له بعد دفع الخمس ان ما دفعه أكثر مما يجب عليه، جاز له أن يرجع على المستحق الذي قبضه منه فيأخذ منه ما زاد على المقدار الواجب إذا كانت عين الخمس الذي دفعه موجودة، ويأخذ منه العوض إذا كانت تالفة وكان المستحق عالما بالحال، ولا يرجع عليه بشئ في صورة التلف إذا كان جاهلا مغرورا من قبل المالك، وكذلك الحكم إذا دفع المالك الخمس في اثناء السنة أو بعد انقضائها، ثم تبين له أن الخمس لم يجب عليه في ماله، فيجري فيه التفصيل المذكور. [ المسألة 125: ] إذا اشترى الرجل لنفسه من الربح جارية، فان كان شراؤه للجارية في أثناء الحول وهو محتاج إليها، فهي من المؤونة ولا يجب عليه الخمس في قيمتها، وإذا اشتراها بعد انقضاء الحول على ظهور الربح، واستقرار وجوب الخمس عليه في ماله، وكان شراؤه للجارية بعين الربح، لم يجز له التصرف في الجارية ولا وطؤها حتى يؤدي خمس قيمتها. وإذا اشترى الجارية بثمن في ذمته ثم دفع الربح وفاءا لما في ذمته من الثمن كان الشراء صحيحا وجاز له وطء الجارية، ويرجع الحاكم الشرعي بالخمس إذا كانت العين موجودة وببدله من المثل أو القيمة إذا كانت عينه تالفة، ويتخير في رجوعه بذلك بين المشتري والبائع فيأخذه من ايهما أراد. وكذلك إذا اشترى المكلف له من ربح ماله ثيابا، فلا يجوز له لبسها ولا

[ 282 ]

تصح صلاته فيها إذا كان شراؤها بعد انقضاء الحول على ظهور الربح في المال واستقرار الخمس فيه وكان الشراء بعين الربح، ويجوز له لبس الثياب والصلاة فيها إذا كان شراؤها في أثناء الحول، أو كان بعد انقضاء الحول وكان الشراء بثمن في الذمة، ثم دفع الربح وفاءا لذلك. [ المسألة 126: ] إذا اتخذ الإنسان مهنة الغوص في البحر إو استخراج المعادن من الارض مكسبا له، كفاه في اداء الواجب عنه، إن يخرج خمس مال الغوص والمعدن، فلا يجب عليه بعد ان يؤدي خمسهما ان يخمس ما يزيد على مؤونته من أرباح ذلك، ولا يكفيه أن يخمس فاضل هذه الأرباح عن خمس الغوص والمعدن، ولا الكنز إذا اتفق له ذلك. وإذا ادخل على ما أخرجه من مال الغوص أو المعدن بعض العمل فارتفعت بذلك قيمته، كما إذا حك الجواهر فجعلها فصوصا، ونظم اللئالئ فصيرها عقودا أو قلائد وارتفعت بذلك قيمتها، وجب عليه اداء خمس المادة في أصل الغوص والمعدن، ووجب عليه خمس الفوائد والأرباح التي تحصل له بسبب تلك الأعمال بعد إخراج المؤونة، وقد تقدم ذكر هذا في مبحث المعدن والغوص. [ المسألة 127: ] سنة الربح - كما سبق منا ايضاحه - محدودة الأول والآخر، فهي تبدأ من اول ظهور الربح في مكسب الإنسان، وتنتهي إلى ما قبل ذلك اليوم من العام في السنة القمرية، وهي أيضا سنة المؤونة لذلك الإنسان، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة والتسعين. فكل ما يصيبه الرجل من الفوائد من نتاج الزرع، أو من نتاج العمل، أو من نتاج التجارة أو الصناعة في أثناء هذا الحول وقبل انتهائه فهو من ربح السنة، وان حصل له في اليوم الاخير من العام، فيجب الخمس في ما يفضل عن المؤونة من مجموع ذلك، وما يتأخر من النتاج عن آخر يوم من العام يكون من ارباح السنة المقبلة، وان كان الزرع أو العمل أو المكسب واحدا. فنتاج المزرعة الواحدة في اليوم الأخير من السنة يكون من ربح السنة الأولى، ونتاجها في اليوم الثاني بعده يكون من ربح السنة الثانية، وكذلك أجرة

[ 283 ]

الأجير على عمله في اليوم الأول واليوم الثاني المذكورين. وإذا بذر الزارع حنطة أو شعيرا في الأرض فنما الزرع وسنبل بعضه قبل انتهاء السنة كان جميع ذلك من ربح تلك السنة حتى القصيل الذي لم يسنبل، فعلى المكلف أن يقوم السنبل الموجود ويقوم القصيل إذا كانت له قيمة ويخرج خمسه بعد المؤونة، فإذا سنبل الباقي من الزرع بعد ذلك كان هذا السنبل من نتاج السنة اللاحقة. [ المسألة 128: ] إذا آجر الرجل نفسه للعمل عند أحد أياما معلومة واشترط أن تكون لكل يوم من الأيام على انفراده أجرة، وكانت لهذا الأجير سنة معينة لكسبه، كانت أجرته للعمل في اليوم الأخير من العام من ربح سنته الأولى، وأجرته في اليوم الثاني بعده من ربح سنته الثانية كما قلنا آنفا. وإذا استؤجر للعمل شهرا كاملا مثلا واشترط المستأجر عليه أنه لا يستحق مجموع الأجرة حتى يتم العمل في مدة الشهر، كان جميع الأجرة من ربح السنة الثانية وان كان بعض ايام العمل من السنة الأولى، سواء دفع المستأجر له مال الإجارة سابقا ام لم يدفعه حتى اتم العمل في الشهر. [ المسألة 129: ] يمكن للمكلف أن يغير رأس سنته للأرباح من يوم معين إلى يوم غيره ومن شهر إلى شهر آخر، فيدفع خمس ما ربحه في المدة الماضية من السنة، ثم يجعل له رأس سنة للأرباح من أول ظهور الربح الجديد، ولابد وان يكون ذلك بنظر الحاكم الشرعي ومراجعته على الأحوط لزوما، فيصالحه ويعين له رأس سنة آخر لأرباحه. [ المسألة 130: ] يجب على المكلف في آخر سنة ربحه ان يؤدي خمس كل ما فضل عن مؤونته ومؤنة عياله من أرباح السنة، ومنه ما فضل عنده من الأشياء التي اشتراها للمؤونة من حبوب أو دقيق أو دهن، أو سكر أو شاي، أو نفط أو غاز، أو غيرها من الأشياء التي تذهب عينها بالانتفاع بها. وإذا كان في ذمته دين قد حضر وقت وفائه، وهو يساوي قيمة تلك الأعيان الزائدة من مؤونته أو يزيد عليها لم يجب عليه الخمس في تلك الأعيان، وإذا كان الدين أقل من قيمة الأعيان، وجب الخمس في ما زاد منها على الدين،

[ 284 ]

وإذا حلت عليه السنة الثانية ووفى الدين من ارباحها، لم يجب الخمس في تلك الأعيان إذا كانت موجودة الا إذا زادت على المؤونة. [ المسألة 131: ] إذا اشترى الرجل في اثناء سنته أعيانا لغير المؤونة، كبستان أو دار للإجارة أو نحو ذلك، وكان عليه دين يجب وفاؤه في السنة يساوي قيمة تلك الأعيان المشتراة أو يزيد عليها، لم يجب عليه خمس تلك الأعيان التي اشتراها، فإذا وفى الدين في السنة، وجب عليه خمس تلك الأشياء في السنة نفسها، وإذا وفى الدين في السنة الثانية عدت تلك الاشياء من أرباح السنة الثانية ووجب على المكلف أداء خمسها فيها، سواء كان ذلك الدين من أثمان تلك الاشياء أم كان سابقا عليها. وإذا وفى من الدين بعضا وجب الخمس في ما يقابل ذلك البعض من الأعيان، فإذا وفى نصف الدين وجب الخمس في نصف الأعيان، وهكذا. [ المسألة 132: ] إذا اكتسب الرجل في سنته الأولى وأصاب من كسبه فيها ربحا، ثم اكتسب في سنته الثانية وأصاب فيها ربحا، وأراد أن يدفع خمس سنته الأولى من ربحه في سنته الثانية، وكانت عين ربحه في السنة الأولى موجودة، وجب عليه أن يخمس المبلغ الذي يريد دفعه من ربح السنة الثانية لأنه من فاضل ربحها ثم يدفع باقي المبلغ وفاءا عن مقداره من خمس السنة الأولى، وهكذا حتى يفي جميع ما عليه من خمسها. وإذا أتلف ربح السنة الأولى واستقر الخمس بسبب الإتلاف دينا في ذمته، فأراد وفاء هذا الدين من ربح السنة الثانية كان ذلك من المؤونة ولم يجب فيه الخمس إذا كان الوفاء في أثناء السنة، وكذلك إذا صالحه الحاكم الشرعي بملبغ يكون في ذمته عوضا عن الخمس بعد ان تلفت أعيان المال. [ المسألة 133: ] إذا استفادت المرأة بعض الفوائد أو اكتسبت بعض الأرباح من عمل أو صناعة أو غيرهما وجب عليها الخمس في ما يفضل من ربحها أو فوائدها عن مؤونتها كما هو الحكم في الرجل، وإذا كانت ممن يقوم زوجها أو أبوها أو

[ 285 ]

ولدها أو غيرهم بنفقاتها ومؤونتها وجب الخمس في جميع الربح والفوائد التي تدخل عليها بعد استثناء ما تنفقه على تحصيل الربح، وإذا قام المنفق ببعض نفقاتها دون بعض اخرجت بقية مؤونتها من الربح وخمست الباقي منه، وكذلك إذا نالت بعض الهبات والهدايا من زوجها أو اقربائها أو غيرهم. [ المسألة 134: ] لا يشترط في تعلق الخمس بالمعدن والكنز وما يخرج بالغوص من البحر والمال الحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمي من المسلم أن يكون صاحبه بالغا أو عاقلا أو حرا، فإذا دخل على الطفل أو على المجنون أو على العبد المملوك شئ من ذلك وجب على ولي الطفل والمجنون، وعلى سيد المملوك إخراج الخمس منه، وكذلك الحكم في أرباح مكاسب الطفل، فعلى الولي إخراج خمس أرباحه بعد استثناء المؤونة، فإن لم يخرجه الولي في حال طفولة الطفل وولاية الولي عليه أخرجه الطفل بعد أن يكبر ويبلغ الحلم. [ المسألة 135: ] يجوز للمؤمن أن يشتري الأموال من الاشخاص الذين لا يعتقدون بوجوب الخمس كالكفار والمخالفين في المذهب من فرق المسلمين، وان يقبل الهبة والجائزة منهم وان علم ان المال المبيع أو الموهوب له مما تعلق به وجوب الخمس، ويجوز له التصرف في ذلك المال ولا يجب عليه إخراج خمسه، سواء كان من ربح التجارة ام من المعادن ام غيرهما مما يجب فيه الخمس، وسواء كان المنتقل إليه من المساكن والمناكح والمتاجر ام من غيرها، فان الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، قد اباحوا ذلك لشيعتهم. وكذلك كل ما ينتقل إلى المؤمن من اولئك بغير البيع والهبة من المعاملات، فيجوز له أن يستأجر الدار والعقار والعمارة والضيعة وغير ذلك من أموالهم التي تعلق بها الخمس، ولا يجب عليه اداء خمسه. وكذلك ما ينتقل إليه ممن يقول بإباحة الخمس في حال الغيبة من الشيعة الامامية، ومن يقول بإباحة حق الإمام (ع) منهم، فيجوز للمؤمن ان يتصرف في الأموال المنتقلة إليه من هؤلاء بالبيع أو بالهبة أو بغيرهما من المعاملات، ولا يجب عليه إخراج خمسها، بل وما ينتقل إليه ممن لا يخمس من الإمامية تهاونا أو عصيانا، فلا يجب على المؤمن الذي انتقل إليه المال إخراج خمسه، ويكون

[ 286 ]

الخمس في العوض الذي اشتراه به أو دفعه بدلا في المعاوضة، ويكون في ذمة من انتقل عنه المال إذا كان نقله إليه بغير عوض. وأولى من ذلك بالإباحة أن يدخل المؤمن البيت أو المحل أو الضيعة وغيرها من المواضع التي تعلق بها الخمس من أملاك أحد من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم في المسألة، فيأكل هذا المؤمن الداخل ويشرب ويمكث وينام ويصلي في الموضع، ولا يلزمه شئ، لإباحة المعصومين (ع) ذلك لشيعتهم. [ المسألة 136: ] يجوز للمكلف من المؤمنين أن يدخل في الشركة مع من لا يعتقد بوجوب الخمس من الأصناف التي تقدم ذكرها، فيدخل معه بمضاربة أو بمعاملة أخرى توجب الشركة في المال، ولا إثم عليه في الدخول معه، ويجب عليه اداء الخمس في حصته من المال إذا تعلق بها الخمس، ويجوز له الدخول في الشركة مع من يقول بإباحة الخمس حال الغيبة كذلك، وعليه أن يؤدي خمس حصته إذا تعلق بها. [ المسألة 137: ] إذا أغفل المكلف المكتسب أمر الخمس سنين متعددة، فلم يحاسب نفسه عما ربح في كسبه وما استفاده في تلك السنين، وكان قد ربح فيها واستفاد أموالا، واشترى من أرباحه وفوائده أملاكا واشياء لمؤونته ولغير مؤونته، ثم تنبه لوجوب الخمس عليه في ذلك، فيجب عليه إخراج الخمس من كل ما اشتراه من أملاك وأشياء لغير المؤونة، كما إذا كان قد اشترى من ارباحه وفوائده بستانا أو عقارا أو دارا لغير السكنى، أو اشترى أثاثا وأمتعة وحيوانا لغير المؤونة، فيلزمه أداء خمسها. ويجب عليه أداء خمس ما صرفه من الأموال والنفقات في تعمير البستان وغرس النخيل والاشجار فيه، وتعمير الدار والعقار المتقدم ذكرهما، وللإحاطة بعلم ذلك على التفصيل تراجع المسائل المتعلقة به من هذا الفصل. واما الأعيان والأشياء التي اشتراها من الأرباح لمؤونته، فان كان قد اشتراها من ربح السنة التي اشترى الأشياء فيها ثم صرفها في المؤونة في اثناء السنة نفسها، فلا خمس عليه في ثمنها، كما إذا اشترى له من ربح تلك السنة دارا ليسكنها ثم سكنها بالفعل قبل أن ينقضي الحول، أو اشترى لمنزله فرشا وأمتعة وأواني من

[ 287 ]

فوائده في السنة واستعملها في أثنائها. وكذلك إذا اشترى هذه الأعيان للمؤونة بثمن في ذمته وجعله أقساطا، ثم وفى كل قسط من ربحه في السنة التي وفى بها ذلك القسط من دينه فلا يجب عليه الخمس في ذلك، ومثله ما إذا عمر دار سكناه من ارباح سنة التعمير أو استدان لذلك مبلغا وجعل الدين اقساطا ثم وفى الأقساط على النهج الذي تقدم ذكره. وإذا كان قد اشترى الأشياء لمؤونته من ربح سنين سابقة وجب عليه الخمس في ثمنها إذا لم يكن قد أدى خمس تلك الأرباح من قبل، ومثله إذا عمر دار سكناه من ربح سنين سابقة فيجري فيه ذلك الحكم. وإذا قسم الرجل الثمن الذي اشترى به المؤونة أو النفقة التي عمر بها دار سكناه، فأدى بعض ذلك من ربح السنة الحاضرة ووفى بعضه من أرباح سنين متقدمة، ترتب على كل واحد منهما حكمه، فلا يجب الخمس في ما أداه وصرفه من ربح سنته الحاضرة إذا صرف المؤونة في نفس السنة، ولزمه الخمس في ما أداه من أرباح السنين الماضية، وإذا كان قد خمس تلك الارباح من قبل، فلا يجب عليه الخمس مرة أخرى. وإذا التبس عليه الأمر فلم يدر أنه اشترى الأشياء أو عمر دار سكناه من اي الربحين ليجري فيه حكمه فالأحوط له المصالحة مع الحاكم الشرعي. [ المسألة 138: ] يجري في النفقات التي يصرفها الرجل في مؤونة تحصيل الربح جميع ما ذكرناه في مؤونة الشخص لنفسه ولعياله، فإذا أغفل أمر الخمس وصرف فيها من الارباح والفوائد الحاضرة أو المتقدمة، جرى فيها التفصيل الذي ذكرناه في تلك المؤونة، وإذا لم يربح الشخص في بعض السنين فصرف في نفقاته الخاصة أو في نفقة تحصيل الربح من أرباح السنين الماضية وجب عليه الخمس في تلك النفقات، فان المفروض انه قد أغفل خمس الأرباح ولم يؤده من قبل، وإذا علم ان بعض الأرباح قد تلف في يده أو حدث له فيها بعض موجبات الضمان غير التلف كالتصرف غير المأذون فيه شرعا وشبهه، كان ضامنا لخمس ذلك الربح. [ المسألة 139: ] إذا اشترى المكلف من أرباح سنته بعض السلع ليكتسب بها، وارتفعت قيمة السلعة ولم يبعها حتى حل آخر سنته للتكسب كانت السلعة المشتراة بنفسها

[ 288 ]

من الأرباح، فيجب عليه إخراج خمسها عينا أو بحسب قيمتها الموجودة حين الأداء. [ الفصل الثاني ] [ في مستحق الخمس ومصرفه ] [ المسألة 140: ] يقسم الخمس في زمان غيبة الإمام المعصوم (ع) نصفين، نصف منه لإمام العصر (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين)، وهذاالنصف يشمل سهم الله (سبحانه) وسهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وسهم ذوي القربى، وهي السهام التي ذكرتها الآية الكريمة من سورة التوبة، والنصف الثاني: لليتامي من بني هاشم والمساكين وأبناء السبيل منهم خاصة ولا تعم غيرهم. [ المسألة 141: ] يشترط في الأصناف الثلاثة الذين يستحقون النصف الثاني من الخمس من بني هاشم: أن يكونوا مؤمنين فلا يستحق الخمس كافر ولا مسلم غير مؤمن، وان صح نسبه إلى بني هاشم وكان فقيرا، والاطفال بحكم آبائهم الشرعيين، فطفل الأب الهاشمي المؤمن، هاشمي مؤمن، وطفل غير المؤمن بحكم أبيه. ويشترط في اليتامى أن يكونوا فقراء، فلا يستحق اليتيم الهاشمي من الخمس إذا كان غنيا، ويشترط في ابن السبيل أن يكون فقيرا محتاجا في بلد التسليم وان كان غنيا في بلده، ويشترط فيه ان يكون غير قادر على سد حاجته في سفره بقرض أو تحويل أو نحوهما، أو ببيع بعض ما يملكه، ويشترط فيه على الأحوط ان لا يكون سفره في معصية. ولا يشترط في مستحق الخمس من الأصناف الثلاثة ان يكون عادلا، نعم، لا يترك الأحتياط لزوما بمنع شارب الخمر ومن تجاهر بارتكاب المحرمات الكبيرة الأخرى أو بترك الواجبات، فلا يعطى من الخمس، وقد تقدم نظير هذا في مستحق الزكاة، بل يقوى عدم جواز إعطاء الخمس للمستحق إذا كان في دفعه إليه إعانة له على الإثم أو اغراء بالقبيح، وخصوصا إذا كان في منعه من الخمس ردع له عن ارتكاب ذلك.

[ 289 ]

[ المسألة 142: ] الهاشمي هو الذي ينتسب إلى هاشم بن عبد مناف بأبيه، ولا يحل الخمس لمن انتسب إليه من قبل امه، وكان أبوه من قبيلة أخرى، بل يصح له أخذ الزكاة الواجبة من الهاشمي وغير الهاشمي، ويجوز إعطاء الخمس لجميع بني عبد المطلب بن هاشم، ولجميع بني أبي طالب وان لم يكونوا علويين أو فاطميين، وان كان هؤلاء أولى بالتقديم على غيرهم. [ المسألة 143: ] يثبت نسب الشخص إلى بني هاشم أو إلى غيرهم بإقامة البينة العادلة على صحة نسبه، وبالشياع المفيد للعمل بصحته وبأي امارة أخرى توجب العلم به، ويصدق قول من يدعي النسب إذا حصل للمكلف الوثوق بصدق قوله، أو عضدته امارة توجب الوثوق بصدقه فيعطى من الخمس، ولا يصدق قوله إذا تجرد عن جميع ذلك. [ المسألة 144: ] إذا وكل المكلف بالخمس شخصا في أن يوصل الخمس الواجب عليه إلى من يستحقه وكان الوكيل ممن يوثق بأمانته وان لم يكن عدلا، فأوصل الوكيل الخمس إلى من يعلم بصحة نسبه، برئت ذمة المكلف بادائه وان كان المكلف نفسه لا يعلم بصحة نسب ذلك المستحق، فيكون المدار على علم الوكيل بذلك لا على علم الموكل به. ومن النتائج المتفرعة على هذا الحكم أن الوكيل إذا أخذ الخمس لنفسه وكان يعلم بصحة نسبه، وكانت وكالة المكلف له عامة تشمل أخذ المال لنفسه إذا كان مستحقا، فتبرأ ذمة المكلف الموكل من الخمس وان كان لا يعلم بصحة نسب الوكيل. [ المسألة 145: ] لا يجب على المالك المكلف بالخمس ان يقسم النصف الثاني من خمسه على جميع الأصناف الثلاثة من المستحقين بل يجوز له أن يخص به صنفا واحدا منهم فيدفع نصف خمسه جميعا لليتامى خاصة أو للمساكين أو لابن السبيل، ولا يجب عليه ان يستوعب بالعطاء جميع الأفراد الموجودين من ذلك الصنف الذي أراده، بل يصح له ان يدفع جميع النصف إلى فرد واحد من الصنف، ويجوز له أن

[ 290 ]

يفضل بعض الاصناف على بعض، وبعض الأفراد من الصنف على بعض. [ المسألة 146: ] لا يجوز على الأحوط أن يعطى المستحق الواحد من الخمس ما يزيد على كفايته في مؤونة سنته وان اعطاه مالك الخمس ذلك دفعة واحدة، بخلاف الحكم في الزكاة، فقد ذكرنا ان الأقرب جواز ذلك إذا كان الإعطاء في دفعة واحدة. [ المسألة 147: ] يجوز للمالك المكلف بالخمس أن يدفع من خمسه لابن السبيل من بني هاشم مقدار كفايته بحسب شرفه ومنزلته في بلده وفي مجتمعه من الاشياء التي يحتاج إليها والتي تليق بمثله من المأكولات والمشروبات وغيرها، أو من الأثمان التي يشتري بها ذلك، ومن أجرة المنازل وأجرة وسائل النقل في تنقله في سفره من موضع إلى موضع حتى يصل إلى بلده، أو إلى موضع يمكنه فيه الحصول على سد حاجته من ماله ولو بالاستدانة أو التحويل، ولا يدفع له اكثر من ذلك. [ المسألة 148: ] لا يجوز للمكلف بالخمس على الأحوط، أن يدفع من خمسه إلى مستحق تجب نفقته عليه في شريعة الإسلام من أبيه وأمه وجده لأبيه، وولده وزوجته، بل القول بالمنع من ذلك لا يخلو من قوة، ويصح له أن يعطيهم من الخمس لغير النفقة الواجبة عليه، من الأمور التي يحتاجون إليها، فيدفع لأبيه أو ولده مثلا مبلغا من مال الخمس ليتزوج، أو ليفي به ديونه، ويعطي أحدهم نفقة لزياراته وللسفر للعلاج من مرض، وللنفقة على من يعول به إذا لم يكن هذا العيال واجب النفقة على المكلف ايضا، ويجوز له أن يدفع إليهم خمس غيره إذا كانوا لا يزالون مستحقين للخمس ومثال ذلك: ان يوكله مالك المال في أن يوصل خمس ماله إلى المستحق فيجوز له أن يطبق الخمس عليهم ويدفعه إليهم بالوكالة عن صاحب المال. [ المسألة 149: ] يجوز أن يعطى الخمس للفقير المستحق من الهاشميين وان كان يسأل الناس بكفه، ولا يمنع من الخمس بسبب سؤاله، وقد تقدم نظير هذا الحكم في من يستحق الزكاة.

[ 291 ]

[ المسألة 150: ] يجوز لمالك المال المكلف أن يتولى بنفسه دفع النصف الثاني من الخمس - وهو حق الهاشميين - للأصناف الثلاثة المتقدم ذكرهم، والأحوط له استحبابا أن يدفع المال إلى الفقيه الجامع للشرائط ليتولى صرفه في مصارفه، أو يكون الدفع إليهم باذنه، أو بإرشاده وتوكيله. [ المسألة 151: ] يصرف النصف الأول من الخمس، وهو النصف الذي يختص به الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه وفرج المؤمنين به وجعل أرواحنا فداه) في زمان غيبته (ع) في ما يعلم برضا الإمام صاحب الحق بصرف حقه فيه، من تشييد دعائم الإسلام وإقامة أعلامه ونشر أحكامه وترويج الشريعة وتثبيت أسس المذهب الحق وإيضاح معالمه وتعليم الجاهلين من المؤمنين وإرشادهم إلى سبيل الحق، وتربية طلاب العلم الجادين في حفظه ونشره بين الناس، الباذلين أعمارهم وأوقاتهم وقواهم في إعلاء كلمة الله ونصح المؤمنين ودلالتهم على التمسك بالعمل الرضي والخلق الزكي وإصلاح ذات البين، وإعانة هؤلاء المرشدين على اداء مهمتهم، وتيسير وسائلهم الصحيحة إلى ذلك، وما يتصل بهذه المضامين العالية التي توجب لهم وللمسترشدين بهم رضا الله وتضمن لهم القرب منه سبحانه. ويكفي في جواز صرف حق الإمام ايضا أن يوثق برضاه (ع) به وثوقا تاما، ومما يعلم برضا الإمام في صرف حقه فيه أو يوثق به وثوقا تاما، أن يدفع بعضه في إعانة المحتاجين المنكوبين من المؤمنين، وخصوصا إذا ضاقت عليهم وعلى عائلاتهم سبل المعيشة. [ المسألة 152: ] إذا أحرز المكلف المالك للمال رضا الإمام (ع) قطعا أو وثوقا، جاز له أن يتولى بنفسه صرف الحق في ذلك المورد، وان كان الأحوط له ان يراجع الفقيه الجامع للشرائط في ذلك، ولا سيما إذا احتمل المالك ان بعض الجهات أو الخصوصيات مما يخفى عليه أو يلتبس عليه أمرها، والأحوط في صرف الحق مع إحراز الرضا قطعا أو وثوقا كما ذكرنا ان يقصد الدافع بإعطاء المبلغ من الحق للشخص الذي يطبقه عليه الصدقة عن الإمام (ع).

[ 292 ]

[ المسألة 153: ] إذا لم يوجد في البلد بالفعل من يستحق الخمس، جاز لمالك المال ان ينقل الخمس الواجب عليه إلى بلد آخر، بل الظاهر جواز نقل الخمس إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلد المال إذا لم يكن النقل ينافي فورية إخراج الحق، ويشكل الحكم بجوازه إذا وجد المستحق في البلد وكان النقل ينافي الفورية. وإذا لم يوجد في البلد بالفعل من يستحق الخمس، ولم يتوقع أن يوجد فيه بعد ذلك، وجب على المكلف نقل الخمس إلى بلد يمكن له فيه أداء الواجب ولو لوكيل المستحق في قبض الحق، وكذلك الحكم إذا لم يوجد المستحق في البلد ولا وكيله، ولم يمكن حفظ المال إلى حين وجوده أو وجود وكيله، فيجب على المكلف نقل الخمس. [ المسألة 154: ] إذا وجب على مالك المال نقل الخمس إلى بلد آخر كما هو الحكم في الفرضين الأخيرين من المسألة السابقة، صح له عزل الخمس عن بقية ماله، وإذا عزله في هذه الصورة ثم تلف بعد عزله من غير تفريط من المالك فلا ضمان عليه، سواء تلف قبل النقل أم بعده. وكذلك الحكم إذا جاز للمالك نقل الخمس كما في الصورة الاولى، واستأذن الحاكم الشرعي في ان يعزل الخمس عن بقية ماله لينقله بعد العزل، فعزله لذلك باذنه، فإذا تلف الخمس بعد عزله من غير تفريط من المالك فلا يكون ضامنا، وإذا جاز له نقل الخمس كما في الصورة المذكورة فنقل جميع المال وتلف الجميع بغير تفريط منه فلا ضمان عليه، ومثله ما إذا نقل مقدار الخمس بعد أن تلف باقي المال في موضعه، فإذا تلف الخمس قبل وصوله إلى المستحق من غير تفريط من المالك فلا ضمان عليه، ويشكل الحكم في ما عدا هذه الفروض، بل الأحوط الضمان في غيرها إذا حصل التلف وان لم يكن مفرطا. [ المسألة 155: ] إذا أذن الفقيه العادل لمالك المال في أن ينقل الخمس إلى بلد آخر، فنقله وتلف الخمس بسبب نقله لم يسقط الضمان عن المالك لمجرد اذن الفقيه له بالنقل، إلا إذا كان قد اذن له بالعزل والنقل، فإذا اذن له بهما فلا ضمان على المالك إذا تلف الخمس معهما بغير تفريط وقد ذكرنا هذا في المسألة المتقدمة.

[ 293 ]

[ المسألة 156: ] إذا جعل الفقيه العادل مالك المال وكيلا عنه في أن يقبض خمس ماله، فقبضه المالك بالوكالة عن الفقيه، ثم أذن له بعد قبضه بالوكالة في أن ينقله إلى بلد آخر، فإذا تلف الخمس في نقله بغير تفريط من المالك فلا ضمان عليه. وكذلك إذا وكل مستحق الخمس مالك المال في أن يقبض له الخمس من ماله بالوكالة وأذن له في أن ينقله إليه في بلده، فإذا تلف الخمس في هذه الصورة بعد قبضه ونقله بغير تفريط من المالك فلا ضمان عليه. [ المسألة 157: ] إذا نقل مالك المال خمس ماله إلى بلد آخر، فان كان نقله واجبا فمؤونة النقل تكون من الخمس، وان كان النقل جائزا فمؤونة النقل على المكلف، وتلاحظ المسألة المائة والثالثة والخمسون، فقد ذكرنا فيها الموارد التي يكون النقل فيها جائزا والتي يكون فيها واجبا. [ المسألة 158: ] إذا كان للمكلف بالخمس مال في بلد آخر، جاز له أن يدفع ذلك المال عوضا عن الخمس الواجب عليه الموجود عنده في بلده، ولا يكون ذلك من نقل الخمس، وكذلك إذا نقل بمقدار الخمس من بعض أمواله الخاصة إلى بلد آخر، ثم دفع ذلك المال بعد وصوله عوضا عن الخمس الموجود في بلده، فيصح ذلك ولا يكون من نقل الخمس. ويجوز للمكلف أن يدفع خمس ماله في البلد إلى وكيل الفقير وان كان الفقير نفسه في بلد آخر فإذا قبضه وكيل الفقير برئت ذمة المكلف من الخمس الواجب، وجاز للوكيل أن ينقل المال الذي قبضه إلى موكله الفقير في بلده. وكذلك الحكم في وكيل الحاكم الشرعي، فيجوز الدفع إليه بوكالته عن الحاكم الشرعي، وتبرأ ذمة المالك بالدفع إليه وان كان الحاكم الشرعي في بلد آخر. [ المسألة 159: ] إذا كان المال الذي تعلق به الخمس في غير بلد مالك المال، جاز للمالك ان ينقل الخمس إلى بلده الذي هو فيه مع ضمان الخمس إذا تلف في نقله، وهذا إذا كان نقل الخمس إلى بلده لا ينافي فورية دفع الحق إلى أهله، والأولى له ان يدفع

[ 294 ]

الخمس في بلد المال، ويشكل الحكم بجواز نقل الخمس الى بلده في الصورة المذكورة إذا كان النقل يستدعي مضي مدة تنافي الفورية. [ المسألة 160: ] إذا كان للمالك المكلف بالخمس دين في ذمة الفقير المستحق، ففي جواز أن يحتسب ذلك الدين على الفقير خمسا، إشكال. والاحوط للمالك أن يدفع للفقير مقدار الخمس وينوي به إيتاء الخمس، فإذا قبضه الفقير وملكه أخذه المالك منه وقبضه وفاءا لدينه إذا شاء، وكذلك في حصة الإمام (ع). [ المسألة 161: ] تقدم منا ان المدار في جواز التصرف في حق الإمام (ع) من الخمس على حصول العلم أو الوثوق برضاه (ع) بصرف حقه في ذلك الوجه المراد، فإذا قطع مالك المال أو احتمل ان لمراجعة الفقيه الجامع لشرائط الافتاء دخلا في رضا الإمام (ع) في صرف حقه في مصارفه المعينة، أو كان ذلك أمكن في إحراز رضاه (ع) تعين نقل الحق إلى الفقيه، وكذلك إذا عينت المرجحات فقيها معينا من الفقهاء، فيتعين الرجوع به إلى ذلك الفقيه، وإذا تساوت المحتملات في إحراز رضاه (ع) تخير المالك إذا لم يلزم من النقل تأخير في دفع الحق ينافي وجوب الفورية. [ المسألة 162: ] تبرأ ذمة المالك المكلف بالخمس إذا قبضه الفقير المستحق، أو قبضه وكيله المفوض منه، وتبرأ ذمته إذا قبضه الحاكم الشرعي بحسب ولايته على ارباب الحق، أو قبضه وكيله المفوض منه، سواء كان الخمس مستقرا في ذمة المالك ام كان متعلقا بعين المال، وتبرأ ذمته إذا وكله الحاكم الشرعي في ان يقبض الخمس من ماله بالنيابة عن الحاكم، فقبضه كذلك، وتبرأ ذمته إذا وكله الفقير المستحق في ان يقبض له الخمس من ماله، فإذا قبضه المالك الوكيل بالوكالة عن الفقير برئت ذمته، ولا تبرأ ذمته من التكليف بغير الوجوه المذكورة. [ المسألة 163: ] إذا عزل المالك الخمس من بقية ماله ونواه خمسا، ففي صحة عزله إياه بحيث يتعين الخمس في ذلك المال المخصوص إشكال، فلا يترك الاحتياط في ان يراجع الحاكم الشرعي إذا أراد ذلك.

[ 295 ]

وإذا عزل خمس ماله بغير مراجعة الحاكم الشرعي، ثم نقله إلى بلد آخر لعدم وجود المستحق في بلده فتلف من غير تفريط أشكل الحكم ببراءة ذمته. [ المسألة 164: ] إذا وجب الخمس على المالك في بعض أمواله، تخير بين ان يعطي الخمس من عين المال الذي تعلق به الوجوب، وان يدفع ذلك المقدار من مال آخر يملكه فيجعل ذلك عوضا عن العين، سواء كان المال المدفوع نقدا أم غيره، وسواء رضي المستحق أو الحاكم بهذا التعويض أم لا، نعم يجب ان يكون الشئ أو الأشياء التي يدفعها عوضا عن الخمس مساوية له بقيمتها السوقية، فلا تبرأ ذمة المالك إذا احتسبها بأكثر من قيمتها وان رضي بها المستحق. [ المسألة 165: ] إذا وجب على المكلف أداء مبلغ كبير من الخمس وأعسر عن أدائه، ولم يرج زوال العذر والتمكن من امتثال الواجب، واراد تفريغ ذمته منه، جاز له أن يدفع للفقير الذي يستحق الخمس مبلغا صغيرا من المال وينوي بدفعه للمستحق اداء ذلك المقدار من الخمس الواجب عليه، فإذا قبله المستحق وقبضه وتملكه منه بالقبض، وهبه المستحق للمالك المكلف ليكون مملوكا له بالهبة، ثم يدفعه المكلف للفقير مرة ثانية وينوي به وفاء مقداره من الخمس، ثم يهبه المستحق للمالك بعد قبضه ويتكرر الأخذ والرد بينهما على هذا النهج حتى يفي المالك جميع ما عليه من الخمس. وشرط صحة ذلك أن ينوي المكلف بدفعه في كل مرة اداء الخمس متقربا به إلى الله، وان يقصد المستحق برده المال في كل مرة الهبة المملكة للمكلف، بحيث لا يكون ذلك من مجرد الأخذ والرد بحسب الصورة فقط، وأن يكون المستحق راضيا بالتسلم للحق من المالك والدفع بالهبة له. ولا يجوز إجراء هذه المعاملة في غير مورد استنقاذ المكلف من الخطيئة بعد توبته إلى الله من تفريطه. وإذا كان المكلف ممن يرجا زوال إعساره وتمكنه من أداء الواجب بعد ذلك، فالأحوط للمستحق والمكلف أن يجريا المعاملة على نحو القرض، فيقصد المستحق برد المبلغ إقراض المكلف على أن يؤديه إلى المستحقين على سبيل التدريج ويأخذه المكلف منه بهذا القصد، وكذلك الحكم في الزكاة الواجبة إذا

[ 296 ]

تكثرت على المكلف ولم يمكنه اداؤها. [ الفصل الثالث ] [ في الأنفال ] [ المسألة 166: ] الأنفال هي الأموال التي يختص بها الرسول (صلى الله عليه وآله) في حياته وايام زعامته الإلهية على الأمة، ثم يختص بها خليفته الإمام المعصوم (ع) من بعد موته، واختصاص هذه الاموال بهما من شؤون منصبهما الإلهي المجعول لهما من الله سبحانه، وزعامتهما الكبرى للمسلمين، ولذلك فهي لا تنتقل إلى ورثتهما بعد الموت، بل تنتقل بعد الرسول إلى الإمام، ثم تنتقل إلى الإمام بعد الإمام، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأنفال المبحوث عنهما هي عدة أمور: (الأول): أراضي الكفار التي يملكها الإسلام من غير قتال، وهي تشمل الأرض التي ينجلي أهلها الكفار عنها خوفا من جيش المسلمين وسطوته، فيملكها الإسلام بعد جلاء أهلها وانصرافهم عنها، والأرض التي يسلمها أهلها للمسلمين باختيارهم من غير قتال، سواء خرجوا من الأرض بعد أن سلموها للمسلمين أم لم يخرجوا منها، ولا فرق في الصورتين بين ان تكون الأرض معمورة وان تكون غير معمورة. [ المسألة 167: ] لا يختص الحكم الذي ذكرناه في ما يملك من غير قتال بالأراضي، بل يشمل غير الأراضي من الاموال على الأقوى، فإذا ترك الكفار اموالهم المنقولة وغير المنقولة وملكها الإسلام من غير قتال كانت من الأنفال، واختص بها الإمام (ع) وان لم تكن من الأراضي. [ المسألة 168: ] (الثاني): الارض الموات، سواء كان خرابها لانقطاع الماء عنها ام لغلبته عليها، ام لاستيلاء الرمل الناعم الكثير أو السبخ على الأرض فلم تعمر لذلك، ام لغير ذلك من أسباب موت الأرض وخرابها، وسواء كانت خرابا بالأصل فلم يملكها أحد ولم يعمرها، كالمفاوز والصحارى، ام كانت مملوكة لقبائل من الناس

[ 297 ]

ثم باد أهلها أو انجلوا عنها فلم يعرفوا، ويلحق بها في الحكم القرى التي جلا عنها ساكنوها أو بادوا فخربت ودرست. ولا فرق في الأرض الميتة أو القرية الدارسة بين أن تكون في بلاد المسلمين أو بلاد الكفرة، والمفتوحة عنوة من جيش المسلمين وغيرها، فجميعها من الأنفال المختصة بإمام المسلمين (ع). [ المسألة 169: ] إذا كانت الأرض معمورة ثم طرأ لها بعض العوارض فأصبحت خرابا لا انتفاع بها، فان كان لتلك الأرض مالك معلوم وقد ملكها بالإرث أو بالشراء من مالك آخر قبله أو بغير ذلك من المعاملات التي توجب التملك والانتقال إلى المالك من الغير، فالأرض المذكورة لا تزال مملوكة لصاحبها ولوارثه من بعد موته، ولا تصبح بسبب خرابها الطارئ من الأنفال. وإذا كان مالك تلك الأرض قد ملكها بالتعمير والإحياء ثم تركها فأصبحت خرابا لا انتفاع بها إلا بإحيائها وتعميرها، عادت الأرض بسبب خرابها من الأنفال كما كانت وجرت عليها أحكامها، وكذلك إذا كانت معمورة سابقا ثم باد أهلها ولم يكن لمالكها الاول وارث فتصبح من الأنفال. [ المسألة 170: ] الأرض التي يفتحها جيش المسلمين من بلاد الكفار بالقتال والقوة، إذا كانت في حال فتحها معمورة، فهي ملك لعامة المسلمين، وقد ذكرنا هذا في كثير من المناسبات وفي عدة من المباحث في هذه الرسالة، فإذا أهملت الأرض بعد ذلك حتى خربت، فهي لا تزال مملوكة لعامة المسلمين ولا تكون من الأنفال. وان كانت في حال الفتح مواتا غير معمورة فهي من الأنفال كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة والستين، فتجري عليها أحكامها. [ المسألة 171: ] (الثالث) من الأنفال: كل أرض لا رب لها وان لم تكن مواتا، ومنها أسياف البحار وشواطئ الأنهار، والجزر التي تتكون في البحر وفي الانهار الكبيرة مثل دجلة والفرات والنيل. [ المسألة 172: ] (الرابع) من الأنفال: رؤوس الجبال وبطون الاودية، والآجام، وحكم

[ 298 ]

رؤوس الجبال يشمل ما يخرج فيها أو يوجد في قممها وأعاليها من نبات وشجر وحجر وغير ذلك، وكذلك بطون الأودية، سواء كانت متسعة أم ضيقة، والآجام هي الأرض التي يلتف فيها القصب ونحوه، أو التي تمتلئ بالاشجار والدوح غير المثمر من غير فرق في الثلاثة بين أن تكون في أراضي الإمام (ع) والارض المفتوحة عنوة وغيرهما. وإذا كانت الأرض مملوكة لمالك معين ثم اتفق لها ان صارت أجمة أو واديا، ففي عدها من الأنفال إشكال. [ المسألة 173: ] (الخامس) من الانفال: القطائع الخاصة لملوك الكفار الذين يفتح جيش المسلمين بلادهم، وصفاياهم التي تختص بهم، فتصبح بعد الفتح من الأنفال التي يختص بها إمام المسلمين (ع). والقطائع هي الأراضي والأملاك والدور التي يختص بها ملك الكفار، والصفايا هي الأموال الأخرى التي تكون له، وهذا إذا لم تكن قطائعه وصفاياه مغصوبة من مسلم أو من كافر ذمي أو معاهد للإسلام، فإذا كانت كذلك وجب ردها إلى مالكها الذي غصبت منه. [ المسألة 174: ] (السادس) من الأنفال: ما يصطفيه الإمام المعصوم (ع) لنفسه من غنيمة الحرب قبل أن تقسم، فيأخذ من الغنيمة سلاحا خاصا أو مركبا معينا، أو جارية أو عبدا، أو ما يشبه ذلك، فيختص بالشئ الذي يصطفيه ويكون من الأنفال. [ المسألة 175: ] (السابع) من الأنفال: الغنيمة التي ياخذها المقاتلون المسلمون من الكفار المحاربين إذا كان قتالهم إياهم بغير إذن من الإمام المعصوم (ع) فتكون الغنيمة كلها من الأنفال الخاصة بالإمام (ع)، سواء كان غزو المسلمين للكفار لانهم امتنعوا عن الدخول في الإسلام بعد عودتهم إليه ام لا، وسواء حدث ذلك في زمان حضور إمام المسلمين (ع) أم في وقت غيبته، وقد ذكرنا هذا في المسألة الأولى من كتاب الخمس. [ المسألة 176: ] (الثامن) من الأنفال: ميراث الميت الذي لا وارث له، والأحوط في هذا

[ 299 ]

القسم من أعيان الأنفال في زمان غيبة الإمام (ع) أن يصرف في الفقراء المحتاجين، وأحوط من ذلك أن يختص به فقراء بلد الميت، وأن يكون الصرف بمراجعة الفقيه الجامع للشرائط. [ المسألة 177: ] (التاسع) من أعيان الأنفال: المعادن التي لا تكون متعلقا لحق خاص لشخص معين، ومثال هذا: أن يكون المعدن في ارض مملوكة لمالك معلوم، أو يكون موردا لحيازته واحيائه، فان المعدن في هاتين الصورتين يختص به ذلك المالك ويجب عليه اداء خمسه، وقد سبق بيان احكامه في الأمر الثاني من الأشياء التي يجب فيها الخمس، فإذا كان المعدن مما لم يتعلق به حق خاص كذلك فهو من الأنفال. [ المسألة 178: ] قد أباح الائمة المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم) لشيعتهم في زمان الغيبة أن يتصرفوا في أراضي الأنفال وفي أعيان غير الأراضي منها، على وجه يجري عليها الملك، ولذلك فيجوز لهم تملك أرض الأنفال باحيائها، وتملك أشجارها وسائر أعيانها بالحيازة، من غير فرق بين الفقير منهم والغني. وقد تقدم في المسألة المائة والسادسة والسبعين حكم ميراث من لا وارث له. والحمد لله رب العالمين.

[ 301 ]

[ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]

[ 303 ]

[ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] وهما السبيل الذي يسره الله لعباده، وأمر أنبياءه ورسله أن يتخذوه نهجا في دعوتهم إلى الحق، وتبيين معارفه للناس ونشر كلمات الله واديانه التي أنزلها لهدايتهم، فيبينوا للناس معالم الرشد، ويأمروهم باتباعه، ويوضحوا لهم مراسم الغي وينهوهم عن اقتفائه، وان يأمروا حفظة الدين من أتباعهم بأن يلتزموا هذا السبيل ويسيروا على هذا الهدي في ما يقولون وما يعملون، فيأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويعلنون كلمة الله كما أمر ويتبعون نهجه كما شرع. وقد ورد في الكتاب الكريم وفي أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخبار المعصومين من عترته أهل بيته (ع) ما يوضح ذلك، وقد قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع): (ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الاعداء ويستقيم الامر). وقد أثنى الله سبحانه في كتابه على طائفة من اتباع الأنبياء وحفظة الأديان المتقدمة بالتزامهم هذه القاعدة فقال فيهم: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله اناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين)، وقال في ذم طائفة أخرى منهم سارت على العكس من ذلك، فاستحقت المقت من الله واللعنة الشديدة من أنبياء الله: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون). ومن الناس من تنقلب عنده الموازين الصحيحة، وتكون له موازين أخرى تتقلب مع الهوى، وتسير في ظل الباطل، والكتاب الكريم يسمي هؤلاء بالمنافقين، لاندفاعهم مع الغايات الدنيئة، وان كانوا قد ينتسبون إلى بعض الأديان، فيقول عنهم: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون). وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتوي على ثلاثة فصول.

[ 304 ]

[ الفصل الأول ] [ في الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر المحرم ] [ المسألة الأولى: ] يقول الله سبحانه في محكم كتابه: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون)، ويقول في آية كريمة أخرى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...) وفي آية ثالثة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم)، والآيات الكريمة المذكورة واضحة الدلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دين الإسلام، وعلى ثبوت الولاية بين المؤمنين بعضهم على بعض لالتزام هذه القاعدة في التعريف بالحق واتباع هذا السبيل لإظهار دعوة الله في الأرض ونشر حكمته وبث أحكامه بين الناس. وعن أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: (فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقربا أجلا ولن يقطعا رزقا)، وعنهم (ع): (ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): (ان الله ليبغض المؤمن الضعيف الذين لا دين له، فقيل له: وما المؤمن الضعيف الذي لا دين له، قال (صلى الله عليه وآله): الذي لا ينهى عن المنكر). [ المسألة الثانية: ] في الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء)، وعن الإمام ابي الحسن علي الرضا (ع): (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)، وعن الرسول (صلى الله عليه وآله): (كيف

[ 305 ]

بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ فقال: نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟). والفارق الكبير بين هذه الذنوب وغيرها: ان هذه الذنوب جرائم اجتماعية عامة توجب فساد المجتمع من أصله وفساد قيمه وركائزه وانحلال اصوله العامة المشتركة، ولذلك فلا تختص آثارها وسوؤها بفرد خاص من أفراده، ويكون المقت والعقاب عليها عاما للعامل وغير العامل إذا هو أغضى وتسامح في الأمر، أو سكت عن الإنكار، بل وللكبير والصغير، والذنوب الأخرى إنما هي مخالفات شخصية فتختص آثارها وعقابها بالعامل نفسه ولا تعم غيره من الناس، وقد أشارت الأحاديث المتقدمة إلى ذلك، بل صرحت به تصريحا تاما، ولذلك فيجب التنبه كل التنبه ويجب الحذر كل الحذر، وفي الحديث: (كان يقال لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره). [ المسألة الثالثة: ] المراد بالمعروف هنا ما كان معروفا على سبيل الوجوب في شريعة الإسلام، فيكون الامر به واجبا عند اجتماع الشرائط الآتي ذكرها، ويقابله ما كان معروفا في الشريعة على سبيل الاستحباب، فيكون الأمر به مستحبا، وسيأتي تفصيل القول فيه، ويقابله ايضا ما كان معروفا يحكم العقل بحسنه ورجحان الاتيان به وان كان مباحا في الشريعة يجوز فعله وتركه، فيكون الأمر به حسنا. والمراد بالمنكر ما كان منكرا يحرم الاتيان به في الشريعة سواء كان من المحرمات الكبيرة ام الصغيرة في حكم الإسلام، ويقابله ما كان مرجوحا يكره فعله في الشريعة، وان لم يكن محرما كبيرا ولا صغيرا. [ المسألة الرابعة: ] يجب الأمر بالمعروف إذا كان من القسم الأول الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة، وهو ما يجب الاتيان به في حكم الشرع، ويجب النهي عن المنكر إذا كان مما يحرم فعله في حكم الشرع، ووجوب الأمر والنهي فيهما على وجه الكفاية، فهما فرضان واجبان على كل مكلف يعلم بوجوب الشئ على الشخص الذي يراد أمره وأنه يترك ما وجب عليه، ويعلم بحرمة الشي الآخر على الفرد

[ 306 ]

الذي يراد نهيه وانه يرتكب ما يحرم عليه، فيجب على المكلف الأمر والنهي في الموردين. وإذا قام بعض المكلفين بالأمر والنهي، وكان قيامه يفي بالغرض المقصود من تشريعهما، فيتحقق به حصول الواجب من الشخص المأمور، ويحصل ترك المحرم من الفرد المنهي عنه، كفى ذلك في حصول الامتثال، وسقط وجوب الأمر والنهي عن المكلفين الآخرين، فلا إثم عليهم ولا عقاب إذا لم يأمروا ولم ينهوا. وإذا ترك جميعهم الأمر والنهي أثم الجميع واستحقوا بتركهم العقاب، وهذا هو ما يقتضيه الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة. [ المسألة الخامسة: ] يشترط في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخص (أولا): أن يكون عالما بالمعروف الذي يأمر به وعالما بالمنكر الذي ينهى عنه، فلا يجب عليه الأمر أو النهي إذا كان جاهلا لا يعلم بحكم ما يأمر به أو ينهى عنه، ويكفي في حصول هذا الشرط ان يكون المكلف عالما بالحكم بحسب اجتهاده أو تقليده إذا كانا صحيحين، فيجب عليه الامر بما يعلم بأنه واجب بمقتضى تقليده الصحيح ويجب عليه النهي عما يعلم بانه محرم كذلك، بل ويجب الأمر بالمعروف إذا علم على وجه الإجمال بان الشخص قد ترك احد شيئين واجبين عليه في الشريعة، ويجب عليه النهي عن المنكر إذا علم بان الشخص فعل أحد شيئين يحرم فعلهما وان لم يعلم به على وجه التعيين، وسيأتي بيان الحكم في ما إذا كان الشخص الذي يأمره أو ينهاه مخالفا له في الاجتهاد أو التقليد. [ المسألة السادسة: ] يشترط (ثانيا) في وجوب الأمر والنهي على المكلف: ان يقطع أو يحتمل على الأقل بأن أمره ونهيه يؤثران في الشخص المأمور، فيفعل الواجب الذي يأمره به ويرتدع عن المحرم الذي ينهاه عنه، فإذا علم أو اطمأن بأن أمره ونهيه لا يؤثران في الفاعل شيئا، فالظاهر سقوط الوجوب عنه، فإذا ترك الأمر والنهي في هذه الصورة لم يأثم بتركهما، ويجوز له ان يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر في هذه الصورة، وان علم بعدم الأثر لقوله إذا لم تترتب عليه مفسدة أخرى، ومن أمثلة وجود المفسدة: ان يتمادى الرجل في غيه بسبب الأمر والنهي فيترك واجبا

[ 307 ]

أو واجبات أخرى أو يفعل منكرا أو منكرات أخرى. ولا يعتبر في هذا الشرط أن يكون تأثير الأمر والنهي بالفعل فيكفي في الوجوب أن يكون أمر الآمر ونهيه مؤثرين في الفاعل ولو بعد حين وتفكير مدة مثلا. [ المسألة السابعة: ] يشترط (ثالثا) في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المكلف: أن يكون تارك الواجب مصرا على تركه، وفاعل المنكر مصرا على فعله، فإذا علم ذلك من حاله ولو بسبب وجود قرينة تدل على إصراره وجب على المكلف أمره ونهيه، وإذا وجدت امارة قطعية أو ظنية تدل على رجوعه إلى الرشد بعد الغي وعلى إقلاعه عن ترك ما يجب وارتكاب ما يحرم، لم يجب على المكلف أمره ونهيه، وخصوصا إذا كان أمره ونهيه في هذه الصورة يعد توبيخا له وتأنيبا لا يستحقه بعد رجوعه عن الإصرار وعودته إلى التوبة. وإذا عزم الرجل على ترك المعروف الواجب أو على ارتكاب المنكر ولم يرتكب بالفعل، فلا يبعد وجوب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر على الآمر، وان ظهر من بعض الامارات انه غير مصر على فعل المخالفة، وعلى أنه يرجع إلى رشده قبل أن يرتكب، فلا يسقط وجوب الأمر والنهي في هذه الحالة ما لم يقلع عن عزمه بالفعل وتتحقق منه الإنابة إلى الحق. [ المسألة الثامنة: ] يشترط في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (رابعا): ان يكون وجوب ذلك الواجب وحرمة ذلك المحرم منجزين على الفاعل ثابتين في حقه، فلا يجب على المكلف أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا كان معذورا في مخالفته، ومثال ذلك: ان يعتقد مخطئا ان ذلك الشئ مباح في الشريعة، فيفعله وهو محرم عليه في الواقع، أو ترك فعله وهو واجب، فيكون معذورا في مخالفته، ولا يجب على المكلف أمره ونهيه، ومن أمثلة ذلك: أن يكون الفاعل مخالفا للآمر في اجتهاده أو في تقليده، فإذا فعل ما يراه الآمر محرما، أو ترك ما يراه الآمر واجبا لأنه يخالفه في الاجتهاد أو في التقليد كان معذورا في عمله ولم يجب على المكلف أمره ونهيه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في المسألة الخامسة.

[ 308 ]

[ المسألة التاسعة: ] يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خامسا): ان يأمن القائم بهما من دخول الضرر عليه في نفسه أو في ماله أو في عرضه، أو على بعض المسلمين الآخرين الذين تحترم في الإسلام نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، فإذا علم الرجل بأن أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، يوجب الضرر كذلك، أو ظن بوقوعه، أو احتمله احتمالا يوجب له الخوف من وقوعه سقط عنه التكليف به ولم يأثم بتركه، وكذلك إذا لزم منه العسر والحرج الشديد. [ المسألة العاشرة: ] إذا علم المكلف بأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر يوجب له ضررا في نفسه أو في ماله كما ذكرنا، وعلم أيضا ان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر يؤثران أثرهما المطلوب وإن دخل عليه الضرر بسببهما، وجب عليه أن يقدم ما هو اكثر جدوى لدين الله من الأمرين المذكورين وأشد أهمية في موازين الشريعة، فان كان دفع الضرر عن نفسه وماله أهم في حكم الشرع من تأثير أمره ونهيه في الشخص المأمور، سقط عنه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك الشخص ولم يأثم بتركهما، بل ولزمه أن يدفع الضرر عن نفسه بتركهما، وإن كان تأثير أمره ونهيه في ذلك الشخص اكثر فائدة وجدوى للإسلام، وجب عليه أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وان أوجب ذلك الضرر الشديد، وكان ذلك من الجهاد في سبيل الله، وليس من مجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تأريخ الإسلام أمثلة معروفة ومشهورة لذلك. [ المسألة 11: ] وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعان من التكليف، ولذلك فلا يتوجهان إلى غير المكلف من الناس، فلا يجبان على الصبي غير البالغ، ولا على المجنون غير العاقل، وان كانا عارفين ببعض مواردهما، ولا يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر غير المكلف من صبي أو مجنون. وانما يؤمر الصبي غير البالغ بالعبادات الشرعية ليتمرن عليها قبل بلوغه، أو ليحصل منه بعض مراتب الطاعة، وعباداته وان كانت شرعية على القول الأصح، فهي مندوبة وليست واجبة، وانما يمنع عن المحرمات لئلا يعتاد على فعلها ويتساهل في أمرها، وهذا غير الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[ 309 ]

ولا يبعد القول بحرمة وقوع الكبيرة منه قبل بلوغه إذا كان مميزا، فيحرم عليه شرب الخمر والزنا وغيرهما من كبائر المحرمات، ومن نتائج هذا القول، فيجب أن ينهى عن مثل هذا المنكر إذا ارتكبه أو أراد ارتكابه. [ المسألة 12: ] يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المكلفين من الناس العالمين به القادرين على امتثاله إذا اجتمعت في المكلف منهم شرائط الوجوب التي ذكرناها، ولا يختص وجوبهما بصنف من الناس دون صنف وطائفة دون طائفة، سواء كان الصنف من العلماء أم من غيرهم، ومن السلطان وولاة الأمور أم من الرعية، ومن التجار وأصحاب الاموال أم من الفقراء، ومن العدول والثقاة أم من الفساق أم سائر الأمة، وإذا قام بامتثال التكليف جماعة أو آحاد يتأدى بهم الغرض ويحصل بهم امتثال الواجب، سقط الوجوب عن الباقين من المكلفين، وإذا قصر القائمون عن إتمام الواجب، وجبت على الآخرين مساعدتهم حتى يتموه إلى الغاية المطلوبة شرعا، وإذا ترك الجميع أثم الجميع، وإذا قام بعضهم بما يمكنه وعجز عن الإتمام ولم يساعده الباقون على بلوغ الغاية، أثم التاركون، وسقط الوجوب عن القائمين فيه بمقدار استطاعتهم. [ المسألة 13: ] لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخص حتى تتوفر فيه الشروط التي تقدم ذكرها، فإذا شك في وجود بعض الشروط لم يجب عليه أن يأمر وينهى، وخصوصا إذا كان أمره ونهيه يوجب أذى أو انتقاصا للفاعل الذي يأمره وينهاه. [ المسألة 14: ] إذا اجتمعت للرجل شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجب عليه ذلك وجبت عليه المبادرة للامتثال ولم يجز له التأخير، وإذا أخر ذلك لعذر أو لغير عذر لم يسقط عنه الوجوب، وأثم إذا كان غير معذور في تأخيره، ووجبت عليه المبادرة، وهكذا فكلما تأخر وجب عليه الفور ويتكرر عليه الإثم إذا كان لغير عذر. [ المسألة 15: ] إذا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإنسان وعلم أنه لا

[ 310 ]

يستطيع التأثير في الفاعل إلا بالاستعانة عليه بشخص غيرهما وجب عليه أن يعلم ذلك الشخص ويستعين به أو يوكل الأمر إليه إذا علم منه القدرة عليه منفردا، ويكون المكلف معذورا في التأخير حتى يستعين بذلك الشخص أو يوكل الأمر إليه. [ المسألة 16: ] إذا اجتمعت للمكلف شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يأمر ولم ينه، أثم بتركه إذا كان غير معذور في تركه، وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة، فإذا انتقص بعد ذلك بعض الشروط ارتفع عنه الوجوب، ومثال ذلك: ان يحصل له العلم بوقوع الضرر عليه في نفسه أو ماله، أو يخاف وقوع الضرر عليه بعد ان كان آمنا منه، أو يحصل له العلم بعدم تأثير أمره ونهيه في المخاطب بعدما كان عالما بوجود الأثر لقوله، فيسقط عنه وجوب الأمر والنهي. وإذا علم بعدم وجود بعض الشروط أو شك في وجود بعضها، فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك كان معذورا وقد بينا هذا في ما تقدم، فإذا اتفق أن توفرت له الشروط بعد ذلك وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمدار في الصورتين على إحراز وجود الشرائط في حال قيامه بالأمر والنهي وتصديه للامتثال. [ المسألة 17: ] إذا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المكلف أمكن أن يقع امتثاله لهذا الوجوب على ثلاث مراتب. (المرتبة الأولى): أن ينكر المكلف على الشخص تركه لفعل الواجب أو ينكر عليه فعله للمنكر، ويكون انكاره عليه بقلبه، ومن الواضح جدا ان مجرد إنكاره عليه بالقلب وكراهته ان يقع ذلك منه لا يعد أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إذا لم يعلم الشخص المأمور بإنكار الآمر عليه، ولم يعلم بان الإنكار والكراهة قد استحقهما من الآمر بسبب تركه للواجب وفعله للمحرم، ولذلك فلابد وان ينضم إلى الإنكار في القلب ما يدل المأمور على ذلك، فيعرض الآمر عنه بوجهه إذا لقيه أو اجتمع به مثلا، ويهجره فلا يزوره، ويحتجب عنه إذا أراد المأمور زيارته أو لقاؤه، وما يشبه ذلك من الأفعال الدالة على المقصود في نظر أهل العرف، ولا ريب أيضا في ان لذلك درجات متفاوتة في الخفة والشدة، ولابد للآمر أن يقتصر

[ 311 ]

على المقدار اللازم له في اداء الواجب، فلا يلجأ إلى الأشد إذا كان ما هو أخف نافعا ومؤديا للمقصود، ولا ينتقل إلى المرتبة الثانية إذا كان الإنكار في القلب على الوجه المذكور كافيا. (المرتبة الثانية): أن ينكر الآمر عليه تركه للواجب أو فعله للمحرم، ويكون إنكاره عليه بلسانه، وللإنكار باللسان أيضا درجات مختلفة، من التعريض بالقول، والكلمة الظاهرة في المعنى المراد، والكلمة الصريحة به، واللين والشدة، والكلمة المؤنبة، والموبخة والمزعجة إذا احتاج إليها، وعلى الآمر أن يعالج الداء بمقدار ما يحتاج إليه من الدواء، على النهج الذي ذكرناه في المرتبة الأولى وليس له ان ينتقل إلى المرتبة الثالثة إذا كان الإنكار باللسان مجديا. (المرتبة الثالثة): ان ينكر المكلف الآمر عليه فعله أو تركه بيده، من لكز، ودفع خارجي وضرب خفيف أو مؤلم وشبه ذلك، ولا ينتقل إلى الشديد أو إلى الأشد إلا بمقدار الضرورة والحاجة. ولا يحق له أن يقتل أو يجرح، أو يشل، أو يكسر عضوا من أعضائه، أو يعيب جارحة من جوارحه، أو يعطل حاسة من حواسه أو جهازا من أجهزة بدنه، فان أمر ذلك يختص بالإمام المعصوم (ع) أو نائبه الخاص. [ المسألة 18: ] يجب على المؤمن إذا رأى من يترك فعل الواجب أو من يرتكب المنكر المحرم أن ينكر ذلك بقلبه، سواء استطاع أن يظهر انكاره القلبي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ببعض المراتب التي ذكرناها أم لم يستطع أن يفعل شيئا، وهذا المقدار من الإنكار في القلب واجب على المؤمن في جميع الحالات وهو من لوازم الإيمان واتباع الحق، وان لم يكن أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر، ويكفي عنهما مع القدرة عليهما. [ المسألة 19: ] من المنكر المحرم على الإنسان أن يتهتك في دينه فلا يبالي أخطأ أم أصاب في فعله، ووافق حكم الشرع أم خالفه في عمله، فيجب على المكلفين العارفين بحاله نهيه عن هذا المنكر وزجره عن اقترافه، ومن المنكر أن يأتي بالشئ متجرئا، فيفعل الفعل وهو يعتقد حرمته عليه في الدين، فيستحق العقاب بجرأته وان كان الفعل الذي أتى به غير محرم عليه في واقع الأمر.

[ 312 ]

ومن أمثلة ذلك: أن يأكل الرجل أو يتصرف في شئ وهو يعتقد انه مال مغصوب من غيره، ثم يتبين له بعد ذلك أن المال الذي تصرف فيه ماله، ومن أمثلته: أن يشرب مائعا وهو يوقن أن ذلك المائع خمر مسكر، ثم يعلم بعد شربه انه خل مباح، وأن يجامع امرأة وهو يرى أنها أجنبية عنه يحرم عليه وطؤها، ثم يعلم بعد الجماع أنها زوجته أو أمته، ومن أمثلته: أن يفطر اليوم مختارا وهو يقطع بوجوب صيام ذلك اليوم، ثم يعلم بأنه يوم عيد، فيستحق المكلف العقاب على الفعل في جميع هذه الفروض لتجرئه على مخالفة أمر الله ونهيه، ويجب على المكلفين العالمين بحاله نهيه عن هذا المنكر وان لم يكن الفعل محرما عليه في الواقع. [ المسألة 20: ] من التهافت الصريح في سلوك المكلف والمنافاة البينة للوازم الإيمان ومقتضيات العقل والاتزان في الأمور، بل ومن الهدم الشديد لبناء الشخصية المؤمنة المتماسكة، أن يأمر الإنسان غيره بالمعروف وهو يترك فعله، وأن ينهى سواه عن ارتكاب المنكر وهو لا يرتدع عنه، وقد جاء في بعض الخطب لأمير المؤمنين (ع): (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به)، وعن الرسول صلى الله عليه وآله في وصيته لأبي ذر: (يطلع قوم من أهل الجنة الى قوم من أهل النار، فيقولون: ما أدخلكم النار وانما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم وتأديبكم؟ فيقولون: انا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله). [ المسألة 21: ] تشتد حرمة الشئ المحرم في الشريعة إذا ارتكبه فاعله في الأوقات الشريفة أو في الأمكنة المقدسة، ومن أمثلة ذلك: ان يفعل الشخص الشئ المحرم في ايام شهر رمضان، أو يترك الواجب في أيامه ولياليه، وأن يفعل ذلك في مكة أو في المدينة أو في أحد المشاعر المقدسة وأيام الحج، فتشتد حرمة الحرام ويتضاعف العقاب عليها بسبب ذلك، ويتأكد وجوب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر على المكلفين العالمين بحاله، بل وتشتد الحرمة ويتاكد وجوب الأمر والنهي إذا كان المرتكب من أهل العلم والدين ممن يتظاهر بالتقوى ويكون التكليف فيها بالأمر والنهي أشد تأكدا كما تقدم، وقد يصبح الأمر في ذلك أعظم خطورة وابلغ أثرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[ 313 ]

[ المسألة 22: ] إذا علم ان تارك المعروف أو فاعل المنكر لا يرتدع عن غيه حتى تجتمع جماعة من الناس على امره ونهيه، وجب على المكلفين العالمين بالحال إعلام بعضهم بعضا بحال ذلك الانسان، ووجب عليهم التعاون والتآزر على اداء الواجب معه حتى يتحقق لهم الغرض المقصود من زجره، ويأثم من لا يشترك منهم في أداء الواجب إذا توقف حصول الغرض على اشتراكه، أو كان امتناعه عن الاشتراك سببا في شدة إصرار الفاعل على فعل المحرم وترك الواجب. [ المسألة 23: ] إذا علم المكلف من حال أحد انه تارك للمعروف الواجب أو مرتكب للمنكر المحرم، فأظهر المكلف عزمه على أمره ونهيه وتصديه لذلك وارتدع الفاعل عن صفته بمجرد علمه بذلك وفعل المعروف الذي كان تاركا له، وترك المحرم الذي كان مرتكبا له من قبل أن يواجهه الآمر بشئ، سقط الوجوب عن المكلف بالأمر والنهي، وان كان ترك الفاعل للمنكر حياءا من المكلف وخجلا من مواجهته بالحقيقة. [ المسألة 24: ] لا يحق للإنسان أن يتطلع إلى غيره في داره وفي مخابئه، ويتعقبه في المواضع التي يتردد إليها ليطلع على امره هل يرتكب المنكر في الخفاء أو يترك الواجب فيأمره وينهاه، بل عليه ان يتبع معه الخطوات المتعارفة بين الناس وبين المؤمنين والمسلمين، ويقبل عذره إذا اعتذر ولا يهتك ستره إذا تستر، ويحمل عمله على الصحة ما أمكن، فإذا علم من حاله شيئا يقتضي الأمر والنهي بأحد الطرق المتعارفة، عامله بما علم، وإذا كشف الفاعل ستر نفسه وتجاهر بالمنكر وترك الواجب عامله بمقتضى ذلك. [ المسألة 25: ] إذا ترك الرجل فعل المعروف الذي يجب عليه فعله، أو فعل الشئ المحرم الذي يجب تركه، وعلم المكلف بذلك، ولكنه شك في أن الفاعل كان عالما بالحكم في حال مخالفته فيجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، أو كان جاهلا بالحكم أو بالموضوع، فلا يجب أمره ولا نهيه لأنه معذور في مخالفته بسبب جهله، وجب على المكلف ان يعلمه الحكم من باب إرشاد الجاهل.

[ 314 ]

[ المسألة 26: ] إذا ترك الفاعل واجبات متعددة أو فعل محرمات متعددة، ولم يستطع المكلف أن يأمره بجميع الواجبات التي تركها، أو ينهاه عن جميع المحرمات التي فعلها، وجب عليه أن يأمره بما يستطيع امره به من الواجبات وان ينهاه عما يمكنه النهي عنه من المحرمات، وسقط عنه الوجوب في الباقي لعدم قدرته عليه. وكذلك الحكم إذا احتمل تأثير أمره ونهيه في بعض الواجبات والمحرمات، وعلم بعدم التأثير في الباقي، فيجب عليه أمره ونهيه في الموارد التي يحتمل فيها تأثير قوله ويسقط عنه الوجوب في غيره. وإذا استطاع أن يقسم امره ونهيه على فترات من الزمان، فيأمر الفاعل في وقت ببعض الواجبات التي تركها وينهاه عن بعض المحرمات التي فعلها، ثم يأمره وينهاه في وقت آخر عن بعض آخر منها، وهكذا حتى يتم الجميع، فيلزمه أن يفعل كذلك فلعل اجتماع عدد كثير من الأوامر والنواهي عليه في وقت واحد هو الذي يوجب عدم قدرته على القيام بالجميع أو يوجب عدم التأثير في المأمور فإذا قسم الأمر والنهي على فترات متفرقة من الزمان أمكن له استيفاؤها جميعا، وأثرت. [ المسألة 27: ] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علاج شرعي لبعض المنحرفين في أعمالهم وسلوكهم عن الاستقامة التي أرادها الله للمؤمنين، وعن لزوم العمل الصحيح الذي حددته شريعة الحق وبينته في احكامها ومن أجل ذلك فلابد من أن يأخذ الآمر والناهي في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بمقدار ما تتأدى به الضرورة، ويحصل به العلاج النافع، ولا يجوز له أن يأخذ بالمرتبة الشديدة إذا أمكن العلاج بما هو أخف وأيسر منها، وقد تكرر منا بيان هذا وذكرنا له عدة من الأمثلة والفروض. فإذا فعل الفاعل المنكر وأصر على فعله أو ترك المعروف الواجب وأصر على تركه، ولم يمكن علاجه الا بإظهار أمره بين الناس وتعريف حاله للآخرين، جاز إعلان أمره إذا كان متجاهرا بارتكابه في ما يقول وما يفعل، ولا يبالى بكشف ستره، وجاز إعلان أمره على الأقوى إذا كان تأثير الأمر والنهي في إصلاحه يتوقف على تبيين حاله والتشهير به، فإذا كف عن فعله وارتدع عن منكره وعن

[ 315 ]

اصراره عليه، وجب ترك ذلك، بل وجب اكباره وإجلاله لسيطرته على نفسه، واحلاله الموضع اللائق به من المجتمع المسلم السليم. ولا يجوز اعلان أمره والتشهير به إذا كان متسترا بفعله، وأمكن علاجه بما هو أيسر وأخف وألين، ومن الله التوفيق والعون للآمر والمأمور، ولنا وللمؤمنين على الأخذ بأحكامه واتباع منهاجه وهداه في ما نقول وما نعمل. [ المسألة 28: ] يمكن للمكلف أن يعتمد في أمره لصاحبه بالمعروف ونهيه إياه عن المنكر على المكاتبة، فيبسط له فيها من الحديث معه ما لا يقدر على بيانه باللسان، ويكشف له ما لا يمكن كشفه بالقول وينصب له من القرائن ما يوضح المراد، ويضع النقاط على الحروف كما يقول المثل الدارج، ويتخذ الاسلوب النافع، فإذا كان المكلف في اتباع هذه الطريقة أقدر على التأثير وأكثر ضمانا للعلاج الواجب، وجب عليه ذلك. [ المسألة 29: ] إذا ترك الفاعل معروفا واجبا أو ارتكب منكرا محرما، وجب على المكلف العالم بحاله أمره بالمعروف الذي تركه ونهيه عن المنكر الذي فعله، مع اجتماع شروط الوجوب كما تقدم، ووجب عليه أمره بالتوبة من تلك الخطيئة التي فعلها، إذا كان عازما على عدم التوبة منها، فان ترك التوبة من الخطيئة احدى كبائر الذنوب، وهما واجبان مستقلان، فيجب على المكلف الأمر بالمعروف في كليهما، ولا يكفي اداء احدهما عن أداء الآخر، فإذا أمر الفاعل بالمعروف ونهاه عن المنكر من الجهة الأولى ففعل المعروف وارتدع عن المنكر، ولم يتب من خطيئته وجب على المكلف أمره بالتوبة ولم يسقط عنه وجوب الامر بها بامتثال الفاعل لأمره الأول. [ المسألة 30: ] تجب مقاطعة فاعلي الشر والسوء ومرتكبي المنكر وتاركي الواجبات من الناس، وتحرم مجالستهم، ومخالطتهم والركون إليهم مهما أمكن، وقد قال سبحانه في كتابه: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) وفي الخبر عن أمير المؤمنين (ع): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة)، وعن الإمام جعفر بن محمد (ع): (من

[ 316 ]

جالس أهل الريب فهو مريب) وفي خبر صفوان بن يحيى، عن الإمام أبي الحسن موسى (ع): (من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار)، وقد تصبح مقاطعتهم ومجانبتهم احد الطرق النافعة في علاجهم من الغي وردعهم عن السوء ورجوعهم إلى الرشد. [ المسألة 31: ] يجب على الفرد المؤمن أن يأمر أهل بيته وعياله وأولاده بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويتأكد عليه الوجوب في حقهم، وقد قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة...)، فإذا علم من حال بعض أهله أنه يترك بعض الواجبات من صلاة أو صيام أو غيرهما، أو يتساهل في أدائه، أو يتسامح في تأدية ما يعتبر فيه من شروط وأجزاء وواجبات أو يأتي به على غير الوجه الشرعي المطلوب، وجب عليه أن يأمره بالمعروف ويستعمل معه المراتب التي قدمنا بيانها للأمر والنهي، ويلين معه في مورد اللين ويشتد معه في موضع الشدة، حتى يستكمل الواجب ويستوفي الغاية ويتم العلاج، ويأتي المأمور بالواجب الذي تركه ويتم اجزاءه وشروطه على الوجه الصحيح المراد. وكذلك إذا علم أن بعضهم يفعل بعض المنكرات المحرمة من غيبة أو نميمة أو كذب أو غير ذلك من المحرمات الصغيرة أو الكبيرة، فيجب عليه أن ينهاه عن المنكر، ويتخذ معه المراتب التي ذكرناها للنهي والإنكار حتى يرتدع ويثوب إلى الحق، وأن يأمره بالتوبة في موارد وجوب التوبة كما سبق بيانه في الآخرين، فحق الأهل في ذلك أعظم من حقوق غيرهم، ولعل الولاية ما بين الرجل وبينهم على تأدية هذا الواجب معهم أشد من الولاية ما بينه وبين غيرهم، وفي الآية الكريمة المتقدمة دلالة على ذلك. [ المسألة 32: ] لا يختص الحكم المتقدم برب العائلة، فإذا علم بعض افراد أهل البيت بأن بعضهم يترك المعروف أو يفعل المنكر شمله التكليف ووجب عليه الأمر والنهي كما تقدم. وكذلك الحكم في المرأة المؤمنة إذا علمت ذلك من بعض أهلها، وتوفرت فيها شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجبان عليها، وإذا قام بعض افراد العائلة بالواجب وكان أمره ونهيه كافيين في التأثير وحصول الغاية

[ 317 ]

المقصودة سقط الوجوب عن رب العائلة وعن الأفراد الآخرين. [ المسألة 33: ] إذا علم المكلف ان أحد الشخصين المعينين أو الاشخاص المعلومين قد ترك معروفا واجبا أو ارتكب منكرا محرما، وعلم بأن أمره ونهيه لهم يؤثر في ردعهم عن المنكر، وجب عليه أمرهم ونهيهم جميعا، وكذلك إذا احتمل أن أمره ونهيه يؤثر الأثر المطلوب شرعا، فيجب عليه أمرهم ونهيهم جميعا، ومثله ما إذا علم أو احتمل أن أمره ونهيه يؤثر في ردع بعضهم من غير تعيين، فيجب عليه أمرهم ونهيهم جميعا. وإذا علم أو أحتمل ان قوله يؤثر في البعض المعين منهم خاصة، ولا يؤثر في الباقين، وجب عليه أن يأمر ذلك البعض المعين، ويسقط عنه الوجوب في الآخرين. [ المسألة 34: ] إذا توقف تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تارك المعروف وفاعل المنكر على ان يزوره المكلف في بيته مثلا، أو على أن يطنب معه في الحديث، أو على بيان بعض المحاذير والآثار السيئة التي يتركها فعل ذلك المنكر أو ترك ذلك الواجب في نفس الفاعل وفي عاقبته، أو على قراءة بعض النصوص والأحاديث التي تحذره من غضب الله وشدة مقته وأليم أخذه للمجرمين، وجب عليه ذلك مع قدرة المكلف عليه أو الاستعانة بغيره من العارفين. [ المسألة 35: ] إذا توقف تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن يدخل المكلف في بيت الرجل أو على أن يأكل من طعامه مثلا، وكان البيت مغصوبا أو كان الطعام محرما، كان ذلك من التزاحم بين الأمرين المذكورين، فيقدم منهما ما هو أكثر أهمية وأعظم فائدة في حكم الإسلام، فان كان اجتناب المكلف دخول بيت الرجل والأكل من طعامه اكبر أهمية، وجب عليه ترك الدخول والأكل، وسقط عنه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا انعكس الأمر جاز له الدخول ووجب عليه الأمر والنهي، فيدخل البيت المغصوب مثلا ويأكل الطعام الحرام إذا كان المراد تخليص نفس محترمة من القتل، أو كشف شدة كبيرة عن طائفة من المؤمنين، ويجتنب الدخول والأكل إذا كان المراد ان يأمر الرجل

[ 318 ]

بأداء فريضة من صلاة أو صوم أو ينهاه عن ترك محرم صغير يريد ارتكابه، ويرجع إلى الفقيه الجامع للشرائط في تعيين ما هو الأهم الأكبر من الأمرين المتزاحمين وما هو محتمل الأهمية منهما، وفي تعيين موارد التساوي والتخيير بينهما. [ المسألة 36: ] يجب على المؤمن - وخصوصا إذا كان من اهل العلم والدين، والمتصدين لنصيحة الناس وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر - أن يأمر نفسه بالمعروف الواجب، وان ينهى نفسه عن المنكر المحرم، الصغير منه والكبير، وأن يكون من أشد الناس التزاما بذلك وأثبتهم على إطاعته وتطبيقه على نفسه، وقد ورد في وصية الإمام أمير المؤمنين (ع) لولده محمد بن الحنفية: (كن آخذ الناس بما تامر به وأكف الناس عما تنهى عنه، وأمر بالمعروف تكن من أهله)، وعنه (ع) في بعض خطبه: (وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه، فانما أمرتم بالنهي بعد التناهي)، وعن علي بن الحسين (ع) في حديث له وصف فيه المؤمن والمنافق، قال: (والمنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي). ويستحب له ان يأمر نفسه بالمعروف المندوب وان يكون من المواظبين عليه، وان ينهى نفسه عن المكروهات ويكون من التاركين لها، وان يأخذ نفسه باكتساب الاخلاق والفضائل الحميدة والتمسك بها، ويجاهدها بنبذ الأخلاق والرذائل المذمومة والابتعاد عنها، حتى يصبح من أهل المعروف في الدنيا وأهل المعروف في الآخرة، كما نطقت به النصوص الواردة عن ادلة الهدى (ع)، فإذا هو تحلى بجميع ذلك واستكمل محامده واجتنب مذامه في القول والعمل، ثم أمر الناس الآخرين بالمعروف ونهاهم عن المنكر ودعاهم إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد قام بالامتثال بأرفع مرتبة من الأمر والنهي في الاداء وأضمنها في التأثير، وأكبرها مقاما عند الله وأقربها زلفة لديه، وقد ورد في بعض اقوال أمير المؤمنين (ع): (من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم). ومن الله التوفيق والعون لنيل هذه المرتبة وغيرها من مراتب الكمال النفساني والخير الأعلى المقصود لأهل الدين.

[ 319 ]

[ المسألة 37: ] يجب التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر بين الأفراد والجماعات من المؤمنين، فكل فرد منهم يأمر نفسه ويأمر الآخرين بفعل المعروف الواجب، وينهى نفسه وينهى الآخرين عن ارتكاب المنكر المحرم، ويجب عليهم التواصي بالحق وإقامته، والتواصي بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي، وخصوصا إذا اعتيد بين الناس ترك المعروف وارتكاب المنكر فيجب على المؤمنين ان يتآزروا على محو ذلك ما استطاعوا في أفعالهم وأقوالهم. وتحرم المجاهرة بين الأفراد والجماعات بترك المعروف والتظاهر بفعل المنكرات أو استسهال أمرها والتغاضي عن حدوثها، والمجاهرة بترك المعروف جرأة كبيرة على الله وإعلان من العبد بترك واجباته، والتظاهر بالمنكر تجرؤ شديد على الله واعلان من العبد بفعل محرماته، ومن أجل ذلك يكونان أشد حرمة وتماديا في الغي والعتو عليه سبحانه ومحاربة صريحة له، ويجب تآزر الأفراد والجماعات المسلمة على نبذ ذلك، والحيلولة عن وقوع هذا الداء العضال، وقد ذكرنا في اول الكتاب بعض النصوص المحذرة عن حصوله والمخوفة من سوء عاقبته، وعن الإمام الرضا (ع): (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فليأذنوا بوقاع الهلاك من الله)، والمراد ان يترك كل فرد وكل فريق من الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتكالا على غيره فلا يقيمهما منهم احد، وفي حديث طويل للإمام محمد بن علي الباقر (ع) ذكر فيه رفض الناس لهذه الفريضة في آخر الزمان وابتغاءهم المعاذير في تركها، ثم قال (ع): (هنالك يتم غضب الله عزوجل عليهم فيعمهم بعقابه، فيهلك الأبرار في دار الأشرار والصغار في دار الكبار) وتلاحظ المسألة الثانية. [ المسألة 38: ] يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الجماعات كما يجب على الأفراد فإذا كان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لا يتأدى إلا بقيام جماعة متعددين به ولا يكفي فيه أن يتصدى له فرد واحد، وجب على الجماعة أن يجتمعوا ويدعو بعضهم بعضا إلى ذلك، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر متعاونين بينهم متآزرين على امتثال التكليف به، سواء كان المعروف الذي يأمرون به والمنكر الذي ينهون عنه من فعل شخص واحد، فلا يأتمر ذلك

[ 320 ]

والشخص ولا يفعل المعروف الذي تركه إلا إذا اجتمع جماعة من الناس على أمره ولا ينتهي ولا يرتدع عن المحرم إلا إذا اجتمعوا على نهيه وزجره، ام كان المعروف والمنكر من فعل أشخاص متعددين، فلا يأتمرون ولا ينتهون إلا بتعاون جماعة على أمرهم ونهيهم، ولا يسقط الوجوب عن الجماعة بقيام فرد واحد بالأمر والنهي، لأنه لا يكفي في الأداء بحسب الفرض. وإذا ترك الجماعة ولم يؤدوا التكليف أثموا جميعا، وإذا استجاب آحاد لا يكفون بامتثال التكليف وترك الباقون، سقط الوجوب عمن استجاب، وأثم الآخرون الذين لم يستجيبوا. [ المسألة 39: ] إذا وجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وقام به بعض الأفراد أو الجماعات من المكلفين به، لم يسقط الوجوب عن المكلفين الآخرين بمجرد تصدي اولئك النفر القائمين، حتى يعلم أن القائمين بالأمر قد أتموا الغرض وتحققت بفعلهم الغاية المطلوب والعلاج المقصود، أو يثبت ذلك بالبينة الشرعية أو الاطمئنان العقلائي الكافي. وأولى من ذلك ما إذا اطمأن المكلف بقيام الآخرين بالامر والنهي أو اطمأن بان القائمين يكفون في تحصيل الواجب، ثم استبان له خلاف ذلك، فيجب عليه التصدي والقيام بالأمر والنهي. [ المسألة 40: ] إذا تناول الصائم بعض المفطرات فأكل أو شرب أو جامع زوجته وهو ناس للصوم، أو ناس لكون الشئ الذي تناوله من المفطرات، لم يضر ذلك بصحة صومه، وإذا علم أحد بأن الرجل قد تناول المفطر ناسيا لم يجب عليه أن يعلمه وأن ينهاه، ولا يكون ذلك من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، سواء كان في صيام شهر رمضان أم في غيره من الصيام الواجب أو المندوب، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثين من كتاب الصوم. [ المسألة 41: ] إذا أكل الرجل شيئا نجسا أو متنجسا أو شربه وهو لا يعلم بنجاسته، وعلم شخص آخر بوجود النجاسة في طعام الرجل أو شرابه أو ثوبه الذي صلى فيه، لم يجب على ذلك الشخص إعلام الرجل بالنجاسة ونهيه عن أكل ذلك الشئ أو

[ 321 ]

شربه أو الصلاة فيه، ولا يكون ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويستثنى من ذلك ما إذا كان ذلك الشخص هو السبب في أكل الرجل وشربه وصلاته في الشئ النجس أو المتنجس، كما إذا باعه ذلك الشئ النجس أو وهبه إياه ولم يخبره بأنه نجس أو متنجس، فيجب عليه إعلامه في هذه الصورة ونهيه عن أكل ذلك الشئ وشربه واستعماله في ما تشترط فيه الطهارة كالصلاة والطواف، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والثالثة والسبعين وما قبلها من كتاب الطهارة. [ المسألة 42: ] إذا أراد الرجل أن يشرب مائعا خاصا وهو يعتقد بانه شراب محلل وكان المائع خمرا مسكرا يحرم شربه في الإسلام، أو أراد أن يجامع امرأة وهو يرى انها زوجته أو أمته، وكانت المرأة اجنبية عنه يحرم عليه وطؤها، أو أراد أن يقتل شخصا، وهو يوقن أنه مهدور الدم وكان الشخص مسلما محترم النفس والدم، وعلم شخص آخر بحقيقة الحال وجب عليه أن يعلم الرجل وينهاه عن ارتكاب الأمور المذكورة، وذلك لأن شرب الخمر، والتعدي على الأعراض والفروج، وقتل النفوس المحترمة أمور يعلم من دين الله ومن شريعته المطهرة المنع عنها وعدم جواز الوقوع فيها من أحد أبدا وان كان الفاعل جاهلا أو ناسيا. [ الفصل الثاني ] [ في الأمر بالمعروف المندوب والنهي عن المكروه ] [ المسألة 43: ] القسم الثاني من المعروف في دين الإسلام ما كان مندوبا يستحب فعله كالنوافل من الصلاة، والمندوب من الصوم والزكاة والحج والعمرة والزيارة، والمستحب من الطهارات والصدقات، والأمر بهذا القسم من المعروف مندوب، ولا ريب في ثبوت هذا الحكم، ففي الخبر عن الإمام أبي عبد الله (ع): (لا يتكلم الرجل بكلمة حق يؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها)، وعن أبي بصير قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: (من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به، قلت فان علمه

[ 322 ]

غيره يجري ذلك له؟ قال: ان علمه الناس كلهم يجري له، قلت فان مات، قال وان مات). فيستحب الامر بالمعروف المستحب، ويتأكد الاستحباب في الامر بالمستحب المؤكد، ويشمل الحكم على الأظهر للمستحب الذي يثبت استحبابه بدليل ضعيف، فيستحب الأمر به، ولابد وان يقيد هذا القسم من المستحب إذا أمر به بأن يأتي المأمور به برجاء المطلوبية. ويستحب النهي عن المنكر الذي ثبتت كراهة فعله في الشريعة على النهج الذي بيناه في الأمر بالمندوب من غير فرق بينهما، فلا اثم ولا عقوبة على المكلف إذا تركهما. [ المسألة 44: ] يحسن الأمر بالمعروف العقلي وهو الشئ الذي ثبت حسن الاتيان به في حكم العقل وان لم يثبت استحبابه في الشرع، فيحسن الأمر به والإرشاد إلى فعله إذا تركه الفاعل، ولا يعاقب المكلف إذا ترك الأمر به. [ المسألة 45: ] إذا أقام الرجل لنفسه سنة حسنة أو أجرى له عادة طيبة من عوائد الخير، فاتبعه عليها اولاده أو أهل بيته أو غيرهم، كتب له اجر تلك السنة ما دام عاملا بها، ومثل أجور من عمل بها من الناس، ولا ينقص ذلك من أجور العاملين بسنته شيئا، ومثال ذلك: أن يطعم المحتاجين من أهل قريته أو يكسوهم في أوقات معينة من السنة أو من الشهر، ويتخذ ذلك دأبا له يجري عليه في عمله، ثم يتبع الآخرون سنته في عملهم. وإذا جعل له سنة سيئة فعمل عليها واتبعه غيره على تلك السنة كتب عليه وزرها كاملا ما دام عاملا بها، وكتب عليه مثل أوزار المقتدين بها، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، وقد ذكرنا في ما تقدم بعض النصوص الدالة على ذلك. [ المسألة 46: ] يستحب للمكلف الذي يأمر بالمعروف المندوب وينهى عن المنكر المكروه، ان يرفق بالمأمور ويلطف معه بأساليب أمره ونهيه، وخصوصا إذا كان المدعو ضعيف المعرفة ضعيف التحمل، أو كان جديد عهد بالإسلام أو بالإيمان، فيأمره وينهاه بالمقادير التي يسهل عليه اتباعها، وبالأساليب التي تزيد في رغبته وفي

[ 323 ]

معرفته ولا يثقل عليه ويحمله اكثر مما يحتمل، فيكون ذلك سببا في انصرافه عن الغاية التي يرجوها له، وقد ينزجر بسببها عن الهدى والإيمان بالحق. [ المسألة 47: ] يستحب للمؤمن أن يفعل الخير جهده، ويصنع المعروف الذي يقدر على صنعه مع المؤمنين، من الصدقات المستحبة، والهدايا والهبات المندوبة، وإسقاط حقوقه اللازمة لهم، ومساعدتهم في الاعمال التي يستطيع عملها، والاستجابة لطلباتهم إذا طلبوا، وما يشبه ذلك من افعال الخير، ويستحب له أن يكثر من فعل ذلك، ويتخذه دأبا له وعادة، ويكون من أهل المعروف واصطناع الخير مع الأفراد والجماعات وفي المجتمع، ولا يبتغي بذلك عوضا ولا مكافأة، ففي الخبر عن أبي جعفر محمد الباقر (ع): (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، واهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، واول أهل الجنة دخولا إلى الجنة اهل المعروف). [ المسألة 48: ] تستحب إشاعة فعل الخير وصنع المعروف والتزام العادات الحميدة في المجتمع المسلم وبين الأفراد والجماعات من المؤمنين، ودلالتهم عليها وترغيبهم فيها، فان (كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله) كما يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحديث الشريف، وان (فاعل الخير خير منه وفاعل الشر شر منه)، وان (من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة) كما يقول أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته المأثورة، (وان من بقاء المسلمين وبقاء الإسلام ان تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق ويصنع المعروف، وان من فناء الإسلام وفناء المسلمين ان تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق ولا يصنع فيها المعروف) كما يقول الإمام جعفر بن محمد (ع). [ المسألة 49: ] يستحب للإنسان استحبابا مؤكدا إذا فعل أحد معه معروفا أو صنع له خيرا على احد الوجوه التي سبقت الإشارة إليها أن يكافئ الفاعل على معروفه، ففي الحديث عن ابي عبد الله (ع): (من صنع إليه معروف فعليه ان يكافئ به، وليست المكافأة أن يصنع كما صنع به، بل يرى مع فعله لذلك ان له الفضل المبتدأ)، وفي

[ 324 ]

رواية أخرى: (وليس المكافأة أن يصنع كما صنع به حتى يربي عليه، فان صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء) وعن الرسول (صلى الله عليه وآله): (من سألكم بالله فاعطوه، ومن آتاكم معروفا فكافئوه، وان لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا الله له حتى تظنوا انكم قد كافأتموه). وأشد تأكيدا من استحباب المكافأة أن يشكر لصاحب المعروف فعله فيزيد في مقدار المعروف الذي يكافئه به أو في الثناء عليه والدعاء له. ويجب على العبد أن يشكر الله سبحانه على نعمه التي لا ينتهي مدها ولا يحصى عدها سواء كانت خاصة به أم عامة له ولغيره، ومن متممات شكر الله على نعمته ان يشكر العبد الذي ساق الله إليه النعمة على يديه، وقد دلت على هذا نصوص عديدة، وفي الشكر على النعمة أمان لها عن الزوال وضمان من الله للعبد الشاكر بالمزيد. [ المسألة 50: ] يحرم على الإنسان أن يكفر المعروف الذي يصل إليه من المخلوقين، والكفران هو أن يجحد المعروف الذي يسديه إليه صانع المعروف ويغمط حقه فلا يشكر له فعله ولا يكافئه عنه بشئ ولا يذكره بثناء ولا بدعاء، وأشد من ذلك ان يقابل معروفه بالذم والجحود والكنود، وأعظم من ذلك في التحريم ان يكفر العبد نعمة ربه، وقد توعد - سبحانه - من كفر نعمته بالعذاب الشديد، وورد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وأوصيائه المعصومين ان كفران النعمة من الذنوب التي تعجل عقوبتها ولا تؤجل إلى الآخرة. ولذلك فيكون شكر نعمة الله من موارد وجوب الأمر بالمعروف إذا أوتي العبد النعمة من الله فلم يشكر، ويكون كفران نعمته من موارد وجوب النهي عن المنكر. [ المسألة 51: ] ينبغي إعظام فاعل المعروف الواجب والمندوب، سواء كان ذلك بأمر نفسه والتزامه باحكام الله ومناهج شريعته، ام كان فعله والتزامه بعد أن أمره الآمرون بالمعروف ودلوه عليه، فتاب إلى ربه وأناب، فعن أبي عبد الله (ع): (أقيلوا لأهل المعروف عثراتهم واغفروها لهم، فان كف الله عز وجل عليهم هكذا، وأومأ بيده كأنه بها يظل شيئا)، وعنه (ع): (أهل المعروف في الدنيا هم

[ 325 ]

أهل المعروف في الآخرة، يقال لهم ان ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم). ويجب تحقير مرتكب المنكر المحرم فعن أمير المؤمنين (ع) قال: (أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة)، وهذا هو أدنى مراتب الانكار للمنكر، وقد سبق ذكر مراتبه في المسألة السابعة عشرة. [ المسألة 52: ] يجب على المؤمن العالم بالحق القادر على بيانه والتعريف به بين الناس أن يظهر العلم ويجهر بالحق ويبينه للناس إذا ظهرت البدع والضلالات المخالفة للحق وكان العالم آمنا من المخاوف والمحاذير، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) وفي حديث آخر عن الصادقين (ع): (إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فان لم يفعل سلب نور الإيمان). وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة). والمراد ان يعرف العلماء الناس ببدع المبتدعين وأهل الريب، ويبينوا لهم أعلام الحق ويوضحوا لهم مناره، ويظهروا لهم بهتان المبتدعين وكذبهم وان ما يقولونه بهتان وبدعة سبيلها إلى النار، وهذا كله مع الأمن من المحاذير. [ المسألة 53: ] من متممات فعل المعروف وصنعه للآخرين ان يعتبره فاعل المعروف شيئا صغيرا وان كبر، يسيرا وان كثر، وأن يتستر بفعله ودفعه إذا كان من الأموال عن انظار الناس، فإذا امكنه ان لا يعلم به أحد إلا الله فهو أفضل، وان يعجل صنعه ودفعه، فعن الإمام أبي عبد الله (ع): (رأيت المعروف لا يتم إلا بثلاث: تصغيره وستره وتعجيله، فانك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تممته، وإذا عجلته هنأته، وإذا كان غير ذلك سخفته ونكدته). [ المسألة 54: ] إذا أراد الرجل ان يفعل لأخيه خيرا أو يصنع له معروفا مستحبا، فلا

[ 326 ]

ينبغي له أن يبذل له من المال أو غيره ما تكون مضرته على الباذل أكثر من منفعته للمبذول له، ففي الحديث عن أحدهما (ع): (ولا تدخل في شئ مضرته عليك أعظم من منفعته لاخيك) وفي خبر آخر: (ولا تعط أخاك من نفسك ما مضرته لك أكثر من منفعته له). ومن أمثلة ذلك: ان يكون على أخيه دين، فيدفع له من ماله مبلغا ليسدد به دينه أو يوفي قسطا منه، ويكون ضرر ذلك بحال دافع المبلغ أكبر وأبلغ من منفعته لأخيه المدين لفقر الدافع وضيق ما في يده، ومن أمثلته: ان يكون له على اخيه بعض الحقوق اللازمة، فيسقط حقه عن أخيه ويصيب الباذل بسبب اسقاطه للحق ضرر أشد من نفع أخيه، أو يقوم له بعمل كذلك. [ المسألة 55: ] من المعروف المستحب المؤكد للرجل أن يقرض أخاه المؤمن عند حاجته إلى القرض، وقد روي عن الإمام الصادق (ع): (ما من مؤمن أقرض مؤمنا يلتمس به وجه الله إلا حسب له أجره بحساب الصدقة حتى يرجع إليه ماله)، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر، وصلة الاخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين). ويجب انظار المدين إذا كان معسرا، ويستحب للدائن إبراء ذمته من الدين وأن يحلله منه أو من بعضه، سواء كان المدين المعسر حيا أم ميتا. [ المسألة 56: ] يجب على المكلف إذا أنعم الله عليه بنعمائه في الدنيا، أن يشكر المنعم العظيم على ما آتاه ويعترف له بالفضل وأن يؤدي الحقوق التي تجب عليه في تلك النعمة من زكاة أو خمس أو خراج أو غيرها، والحقوق التي يوجبها المكلف على نفسه من نذور وأيمان وكفارات وشبهها. ويستحب له ان يحافظ على دوام نعمته وبقائها، بان يقوم باصطناع المعروف لأهل المعروف وقضاء حوائج المؤمنين من اخوانه وتفريج كربهم وإغاثة ملهوفهم، وان يحصن بذلك نعمته عن الزوال والنفور، ويضمن لنفسه من الله المزيد ففي خبر إبراهيم بن محمد عن ابي عبد الله (ع): (ما من عبد تظاهرت عليه من الله نعمة إلا اشتدت مؤونة الناس عليه، فمن لم يقم للناس بحوائجهم فقد عرض النعمة للزوال، قال: فقلت: جعلت فداك ومن يقدر أن

[ 327 ]

يقوم لهذا الخلق بحوائجهم؟ فقال: انما الناس في هذا الموضع والله المؤمنون)، وعن أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته: (يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، من قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء). [ المسألة 57: ] ينبغي للرجل ان لا يوجب على نفسه باختياره حقوقا غير واجبة عليه في أصل الشريعة، فينذر على نفسه أن يؤدي حقا أو مبلغا من المال أو يفعل فعلا مستحبا، أو يوجب على نفسه مثل ذلك بعهد أو يمين، فإذا نذر الشئ أو حلف أو عاهد الله على فعله وجب عليه الوفاء به ونال المثوبة على أدائه إذا كان راجحا، وحنث إذا خالفه باختياره وأثم ولزمته الكفارة، وقد فصلنا أحكام ذلك في كتاب النذر واليمين، وقد ورد في حديث إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (ع): (لا تتعرضوا للحقوق، فإذا لزمتكم فاصبروا لها). [ المسألة 58: ] من جوامع الصفات والمعاني الحميدة الباعثة على ملازمة فعل الخير وصنع المعروف العام والخاص ان يكون المسلم ممن يهتم جهد طاقته بأمور المسلمين، بل يظهر من بعض الأدلة لزوم الاتصاف بذلك، ففي الحديث المشهور أو المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وآله: (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) وعن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): (ان المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه ولا تكون عنده، فيهتم بها قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة)، ومن الجوامع المذكورة ان ينصح للمسلمين ويحسن القول فيهم فعن الرسول صلى الله عليه وآله: (أنسك الناس نسكا انصحهم حبا، وأسلمهم قلبا لجميع المسلمين)، وعنه صلى الله عليه وآله: (ان اعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه) وعن أبي عبد الله (ع): (عليكم بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه)، وعن أبي جعفر (ع) - في قول الله عز وجل: (وقولوا للناس حسنا) -: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم) وعن أبي عبد الله (ع) - في هذه الآية الكريمة -: (ولا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو). [ المسألة 59: ] من صنائع المعروف الراجحة للمؤمن، بل المؤكد عليه استحبابها: ان

[ 328 ]

يرحم الضعيف المحتاج من اخوانه ويؤوي اليتيم من اطفال المؤمنين، ويكسو العاري ويغيث الملهوف ويعالج المريض، وان يصلح طريق المسلمين ويبني القنطرة، والملجأ للفقراء والغرباء، وأن يقضي حاجة أخيه المؤمن ويهتم بها ويسعى جهده في قضائها، وان يشفع له في أمر أو حاجة عند بعض الناس، سواء طلب المؤمن منه الشفاعة أم لم يطلب، وسواء نجح في شفاعته ام لم ينجح، والروايات في كل اولئك وافرة ظاهرة، وان يسعى بمقدار طاقته في نفع المؤمنين ففي الخبر عنه صلى الله عليه وآله: (الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سرورا)، وعن الإمام علي بن الحسين (ع): (من قضى لأخيه حاجة، فبحاجة الله بدأ، وقضى الله بها مائة حاجة في أحداهن الجنة، ومن نفس عن أخيه كربة نفس الله عنه كرب الدنيا وكرب القيامة بالغا ما بلغت، ومن اعانه على ظالم له اعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الاقدام) والحديث طويل يحتوى على الحث على كثير من المندوبات وصنائع الخير، وبمضمونه أحاديث كثيرة رواها في كتاب وسائل الشيعة، وفي جوامع الحديث الاخرى، فليرجع إليها من أراد الإطلاع عليها. [ المسألة 60: ] يحرم على الإنسان ان يسخط الله فيترك شيئا من واجباته أو يفعل شيئا من معاصيه أو يغير شيئا من احكامه فيستوجب بذلك مقت الله وغضبه، ويحرم عليه ان يسخط الله بشئ ليرضي أحدا من خلقه، وان كان ابا أو اما، أو زوجا أو مالكا أو رحما قريبا أو بعيدا، وقد استفاض عن الرسول صلى الله عليه وآله: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وفي الحديث عن علي (ع): (لا دين لمن دان بطاعة مخلوق في معصية الخالق)، وعن ابي عبد الله (ع): (لا تسخطوا الله برضى احد من خلقه ولا تتقربوا إلى الناس بتباعد من الله)، وعنه (ع) في قول الله عز وجل: (واتخذوا من دون الله ألهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)، قال (ع): (ليس العبادة هي السجود والركوع، انما هي طاعة الرجال، من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده). [ المسألة 61: ] يجب على المسلم أن يغضب لله سبحانه إذا رأى واجباته تترك، أو رأى محرماته ترتكب، أو رأى شريعته تغير أو أحكامه تعطل، فإذا غضب لله أمر

[ 329 ]

ونهى وزجر بما يستطيع من مراتب الإنكار التي تقدم بيانها في مسائل الفصل الأول، وان يكون غضبه لله بمقدار ما غضب الله لنفسه. وهذا الحكم مع وجود الشرائط والقدرة على إنفاذه من أهم مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع السليم، ووجوب هذه المرتبة وانتشارها في المجتمع من اكبر الأدلة على سلامة المجتمع وبعده عن الأدواء والمؤثرات، وقد سبق في المسألة الثانية والمسألة الثلاثين والسابعة والثلاثين ما يدل على الحكم، وسبق في المسألة الحادية والخمسين قول أمير المؤمنين (ع): (أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة). وفي الخبر عن أبي جعفر (ع): (أوحى الله إلى شعيب النبي (ع): إني معذب من قومك مائة الف، أربعين ألفا من شرارهم، وستين ألفا من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه، داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي). [ المسألة 62: ] ينبغي للمؤمنين ان يؤسسوا العلاقات في ما بينهم ويقيموها على الحب في الله والبغض لاعدائه، فان الحب إذا أقيم على الايمان الخالص بالله والعمل الزكي بمرضاته، خلص وزكا وثبت ودام، وانتج النتائج الطيبة المحمودة للمتحابين في دنياهم وأخراهم، وإذا أقيم على غير ذلك لم يخلص ولم يدم، وسقط بسقوط غاياته، وعن أبي عبد الله (ع): (من أوثق عرى الإيمان ان تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله)، وعنه (ع): (من وضع حبه في غير موضع فقد تعرض للقطيعة). [ المسألة 63: ] يستحب استحبابا مؤكدا ان يتزاور المؤمنون في منازلهم الخاصة وفي مجامعهم، ويتداولوا فيها النصيحة من بعضهم لبعض في لزوم الحق والدلالة على سبل الخير، والتذاكر في ما بينهم في ما يثبت العقيدة الصحيحة في قلوبهم، ويبعث الإيمان المشرق في نفوسهم، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والثبات عليه وعلى مناهجه، والصبر والثبات على ولاء الطيبين الطاهرين محمد وأهل بيته المعصومين (ع) وعلى محبتهم والاستنارة بنور أحاديثهم، والاستشفاء من أدواء النفوس والقلوب بطبهم، والاستمداد الدائم من عطاء ذلك كله، فانهم وسائل

[ 330 ]

الرحمة التي لا تنقطع، وينابيع الخير التي لا تنقص ولا تغيض، وأدلة الهدى التي لا تشذ ولا تنحرف ومشارق النور الذي لا ينطفي، وبإحياء أمرهم حياة النفوس وبذكر فضائلهم جلاء الظلمات وبلوغ الغايات، وأن يكثروا من الصلاة عليهم إذا جرى ذكرهم فان الصلاة عليهم تحط الذنوب وتدفع الكروب وتثبت الإيمان في القلوب. [ الفصل الثالث ] [ في مجاهدة النفس ] [ المسألة 64: ] إذا رأى الإنسان نفسه تاركة وجهة الدين الصحيح في الأعمال الواجبة أو المحرمة أو في بعضها، أو في الالتزام بالأخلاق الحميدة أو الارتكاب للرذائل المذمومة أو في بعض ذلك، وجب عليه أن يجاهد نفسه ويوجهها وجهة الحق الصحيح ويلزمها به وان يردعها عن المخالفة، ويقف منها موقف الغريم المحاسب حتى يردها إلى امتثال أمر الله ونهيه، ولا يتسامح معها ولا يتساهل، فان الإصرار على الذنب ذنب آخر، وان الاستمرار على الجريمة جريمة ثانية قد تكون أكبر منها، وان البقاء على الرذيلة رذيلة أخرى تضاعف الانحراف وتناقض الاستقامة، وقد تمنع من الحصول عليها، وهذا هو الجهاد مع النفس الذي تكاثرت النصوص الدالة على وجوبه على الإنسان وسمته الجهاد الاكبر، لطوله واستمراره ووجوب اتخاذ اليقظة والحذر في جميع مراحله، ففي الحديث عن أمير المؤمنين (ع): (ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سرية فلما رجعوا، قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس)، وعنه صلى الله عليه وآله: (الشديد من غلب نفسه)، وفي كتاب المجازات النبوية عنه صلى الله عليه وآله: (المجاهد من جاهد نفسه)، وعنه صلى الله عليه وآله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر). وليست الكلمات المذكورة مواعظ قيلت لمجرد التذكير والتنبيه القصير الأمد، ولكنها مناهج واجبة الاتباع، تلقى للعمل الدائم الواجب مدى الحياة.

[ 331 ]

[ المسألة 65: ] يحرم على الإنسان أن يتبع هوى نفسه ورغباتها، إذا كان هواها ورغباتها مخالفة لما يريد الله، فان الإنسان إذا ترك نفسه وما تهوى تمادت في الغي وأوصلته إلى ما لا يحمد، وجرأته على فعل المنكرات وترك الواجبات، ولذلك فيجب عليه ان يغالب هوى نفسه ورغباتها ما استطاع، وعن أحدهم (ع): (جاهد هواك كما تجاهد عدوك) وعن أمير المؤمنين (ع): (ان أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتباع الهوى وطول الأمل، اما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق، واما طول الأمل فينسي الآخرة). فإذا اجتمعت العلتان في المرء، فصده الهوى عن اتباع الحق ونسي الآخرة لطول امله، لم يؤمل فيه خير ولم يرج له صلاح، وعن ابي عبد الله (ع): (احذروا أهواءكم كما تحذرون اعداءكم، فليس شئ أعدى للرجال من اتباع اهوائهم وحصائد ألسنتهم). [ المسألة 66: ] (رأس الحكمة مخافة الله) - كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله في الحديث المعروف بين جميع المسلمين -، فيجب على المؤمن ان يخاف الله ربه، المطلع على أمره في سره وعلانيته خوفا شديدا يبعثه على طاعته، ويردعه عن جميع معاصيه، ويمنعه عن اتباع الشهوات التي تبعده عن مرضاته، وتوجب له استحقاق غضبه ومقته، ويجب عليه ان يرجو الله ورحمته وعفوه وان سبقت منه المعاصي وكثرت، ففي الخبر عن ابي عبد الله (ع): (ارج الله رجاءا لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته)، وعن ابي جعفر (ع): (ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا)، ويجب عليه ان يكون عاملا لما يخاف ولما يرجو، وقد قيل لأبي عبد الله (ع): (قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت، فقال (ع): هؤلاء قوم يترجحون في الأماني، كذبوا ليسوا براجين، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شئ هرب منه) فإذا خاف العبد ربه ورجاه، وتوازن الخوف والرجاء في قلبه، وعمل لهما، - كما ذكرته الاحاديث - واستقام في عمله ولم ينحرف انتج ذلك له نتيجة معلومة محتومة، وهي تقوى الله، فالتقوى هي حصيلة اجتماع الخوف والرجاء الشديدين المتوازنين في قلب المؤمن، والعمل الدائب لخوفه ورجائه، والحفاظ عليهما حتى تكون ملكة ثابتة في

[ 332 ]

نفسه، وقد أشارت إلى ذلك الاية الكريمة: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم). [ المسألة 67: ] من متممات هذه المنزلة، ومقربات الوصول إلى هذه الغاية أن يشتد الخوف في قلب المؤمن، فيبكي خشية من الله لما اقترف من الذنوب، أو يبكي ندما على ما قابل به ربه الكريم العظيم من العصيان، أو خجلا مما تفضل عليه من النعم والأيادي، فعن الإمام أبي محمد الحسن العسكري (ع) عن آبائه (ع) عن الصادق (ع): (ان الرجل ليكون بينه وبين الجنة اكثر مما بين الثرى إلى العرش لكثرة ذنوبه، فما هو إلا ان يبكي من خشية الله (عز وجل) ندما عليها حتى يصير ما بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته). [ المسألة 68: ] إذا توازن الخوف والرجاء في قلب المؤمن، واثمر اجتماعهما له ملكة التقوى - كما ذكرنا في ما سبق -، قبل الله منه عمله، وان كان يسيرا، كما قال سبحانه: (انما يتقبل الله من المتقين)، وبوأه المقام الرفيع من رضاه في الدنيا والآخرة، وآتاه العزة والكرامة، كما يقول تعالى: (ان اكرمكم عند الله أتقاكم)، وعن أمير المؤمنين (ع): (لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل)، وعن الصادق (ع): (من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى اغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ) وكلما ازدادت ملكة التقوى في نفس المؤمن ثباتا ورسوخا ازداد عطاؤها وعظم نتاجها. [ المسألة 69: ] يجب على العبد المكلف ان يجتنب الذنب وان كان صغيرا فضلا عن كبائر الذنوب، ففي خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع): (اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر، قلت: وما المحقرات؟ قال (ع): الرجل يذنب الذنب، فيقول طوبى لي ان لم يكن لي غير ذلك) وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (إياكم والمحقرات من الذنوب فان لكل شئ طالبا، الا وان طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في امام مبين)، وعن أمير المؤمنين (ع): (أشد الذنوب ما استهان به صاحبه).

[ 333 ]

ويحرم على العبد ان يصر على شئ من معاصي الله، صغيرة كانت المعصية ام كبيرة، فعن ابي عبد الله (ع): (لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعته على الإصرار على شئ من معاصيه)، وعنه (ع): (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار)، وعن أبي جعفر (ع) في قول الله عز وجل: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، قال (ع): (الإصرار ان يذنب ولا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بالتوبة، فذلك الإصرار). [ المسألة 70: ] تجب التوبة على العبد إذا هو ترك واجبا من واجبات الله - سبحانه -، صغيرا كان أم كبيرا، أو اقترف ذنبا، أو أصر على ذنب صغير، أو فعل كبيرة من كبائر الذنوب وأصر على فعلها، بل وان تمادى به الغي فارتكب عدة من الكبائر وأصر على فعلها مدة من حياته، فإذا ندم على ما فعل، وتاب إلى الله توبة نصوحا مما اقترف، وكملت له شروط التوبة وأخلص لله فيها، قبل الله منه توبته، فان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين كما يقول في كتابه الكريم، وكما يقول سبحانه في آية أخرى: (وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم)، وكما وعد سبحانه به أهل السيئات من عباده، وان كانت سيئاتهم موبقة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا، عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار)، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وعنه صلى الله عليه وآله: (لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الإصرار)، وعن أمير المؤمنين (ع): (لا شفيع انجح من التوبة)، وعن أبي جعفر (ع): (فاما الظلم الذي بينه وبين الله فإذا تاب غفر له). [ المسألة 71: ] يجب على العبد المذنب ان يندم على معصيته ندامة يأسى بها على ما فرط، ويستحيي مما واجه به ربه من جرم، وخصوصا إذا كان ما عمله كبيرة أو اصرارا على معصية، والندم أول شؤون التوبة، بل هو أول الواجبات المقومة لها، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (كفى بالندم توبة)، وعن أمير المؤمنين (ع): (ان الندم على الشئ يدعو إلى تركه)، فإذا ندم الرجل واستحيا من سيئ عمله، وعزم في نفسه عزما صادقا على ان لا يعود إلى فعله ما بقي في الحياة، فقد حصل منه الركن الأساس من توبته، وهو التوبة النصوح، كما ورد عن أبي عبد الله (ع) وعن

[ 334 ]

ولده ابي الحسن موسى (ع) في تفسير الآية الكريمة. ومن دلائل شدة الندم على الذنب ان يعترف المذنب على نفسه بالاساءة والتقصير، وانه يستحق العقاب على ما فرط، فعن أبي جعفر (ع): (والله ما ينجو من الذنب إلا من أقر به)، وعنه (ع): (لا والله ما أراد الله من الناس الا خصلتين: ان يقروا له بالنعم فيزيدهم، وبالذنوب فيغفرها لهم). [ المسألة 72: ] يجب على النادم التائب من ذنوبه أن يؤدي كل فريضة واجبة تركها قبل توبته إذا كانت الفريضة مما يجب قضاؤها، ويلزمه دفع كفارتها إذا كانت مما تجب فيه الكفارة، ويجب عليه اداء الكفارات الأخرى التي اشتغلت بها ذمته ككفارات النذور والعهود والأيمان والمخالفات التي ارتكبها، وتراجع احكامها التي فصلناها عند القدرة وعند العجز في المسائل والفصول المتعلقة بها من كتاب الصوم وكتاب الحج وكتاب الكفارات. ويجب عليه أن يؤدي للناس حقوقهم وأموالهم التي استولى عليها بغير حق، فيؤديها إلى أصحابها، أو يستبرئ ذمته منهم بوجه شرعي آخر، ولا تصح توبته بغير ذلك مع القدرة والتمكن، وإذا عجز عن ذلك ولم يمكنه ان يرد المظالم إلى أهلها، وجب عليه الاستغفار للمظلومين. [ المسألة 73: ] يجب على العبد أن يجدد التوبة كلما تجدد منه الذنب، وتصح منه توبته إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها وان تكررت، ولا يجوز له أن ييأس من روح الله أو يقنط من رحمته، فعن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: (يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، اما والله انها ليست الا لأهل الإيمان، قلت: فان عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة؟ قال (ع): يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله منه توبته؟! قلت: فان فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر، فقال: كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وان الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، فإياك ان تقنط المؤمنين من رحمة الله).

[ 335 ]

[ المسألة 74: ] يجب على المكلف أن يحاسب نفسه على عمله في كل يوم يمر عليه، فان وجد ما عمله صالحا حمد الله على توفيقه وهدايته، وسأل منه المزيد من الهداية والعون، وان وجده سيئا ندم عليه واستغفر الله منه، وتداركه بالتوبة، والروايات الدالة على هذا كثيرة بل مستفيضة. [ المسألة 75: ] يستحب للإنسان أن يتذكر ذنوبه السابقة، وان كان قد تاب منها، ويكرر الندم على فعلها والاستغفار منها كلما تذكرها، وان لا تشغله النعم التي تجددت عليه من الله عن ذلك، ففي الخبر عن أبي عبد الله (ع): (ان المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له، وان الكافر لينساه من ساعته)، وإذا شغلته النعم المتجددة عليه فلم يذكر ذنوبه ولم يتب إلى الله منها كان ذلك من الاستدراج كما يقول سبحانه: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون). [ المسألة 76: ] يستحب للإنسان ان يتفكر في الأمور التي توجب له العبرة وتفيده الموعظة، والتوجه مع الانتباه الكامل إلى أعمال الخير والبر والانصراف عن اضدادها، وان يكون كثير التفكر في ذلك، فعن الإمام ابي عبد الله (ع): (التفكر يدعو إلى البر والعمل به) وعن الرسول صلى الله عليه وآله: (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) وعن أبي الحسن الرضا (ع): (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله (عز وجل)، فيتذكر أصحابا له درجوا قبله، فسبقوه في الأعمال الصالحة، أو في الابتعاد عن المعاصي أو في ملازمة الخصال المحمودة والاخلاق الفاضلة، أو في نفع الناس وبرهم وارشادهم، فيفيد من تفكره بهم اعتبارا قويا وشعورا حيا بالمسؤولية، واندفاعا للاقتداء بأعمالهم أو السبق عليهم، وعن أبي عبد الله (ع): (كان أكثر عبادة أبي ذر رحمه الله التفكر والاعتبار). ويجب على الإنسان التفكر في ملكوت الله، وفي مجالي عظمته في خلقه، ومظاهر قدرته، وفي شدة بطشه وقوة سلطانه، فيصحح بذلك معرفته بالله، ويثبت بها عقيدته، ويزكي عمله، ولا يجوز له أن يفكر في ذات الله، فالتفكر في ذلك لا يزيده إلا حيرة وتيها، وكيف يحيط الفكر المتناهي المحدود في وجوده وفي طاقته

[ 336 ]

وفي أبعاده، بموجود تستحيل عليه النهايات في كل جهة من كماله، وعن أبي جعفر (ع): (إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظم خلقه)، وعن أبي عبد الله (ع): (من نظر في الله كيف هو، هلك)، وعن أبي جعفر (ع): (اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكروا ذاته، فانكم لا تذكرون منه شيئا إلا وهو أعظم منه). [ المسألة 77: ] يجب على العبد أن يتوكل على الله وحده في جميع أموره كلها ويفوضها إليه، وقد قال سبحانه: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شئ قدرا)، وقال تعالى: (أليس الله بكاف عبده)، وروي عن أبي الحسن موسى (ع): (التوكل على الله درجات، منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها، فما فعل بك كنت عنه راضيا، تعلم انه لا يألوك إلا خيرا وفضلا، وتعلم ان الحكم في ذلك له، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها)، وفي حديث لأبي عبد الله (ع): (ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية، ثم قال: أتلوت كتاب الله عز وجل: ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، وعن أبي بصير عنه (ع) قال: (ليس شئ إلا وله حد، قلت: جعلت فداك فما حد التوكل؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين؟ قال: ان لا تخاف مع الله شيئا). [ المسألة 78: ] تجب على العبد طاعة الله في ما أمره به ونهاه عنه، فعن الرسول صلى الله عليه وآله: (انه لا يدرك ما عند الله الا بطاعته)، وعن جابر عن أبي جعفر (ع) قال قال لي: (يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول: يحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين... - إلى أن قال (ع) - أحب العباد إلى الله أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله عز وجل إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان له عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع)، والأحاديث بهذا المضمون كثيرة واضحة الدلالة. [ المسألة 79: ] يجب على العبد أن يجتنب حرمات الله كافة، وان يدرع عن الوقوع فيها

[ 337 ]

أو في بعضها بتقوى الله، والخوف الشديد من عقابه، فعن زيد الشحام قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إحذروا سطوات الله بالليل والنهار، فقلت: وما سطوات الله؟ قال: أخذه على المعاصي)، وعنه (ع): (من أشد ما فرض الله على خلقه، ذكر الله كثيرا، ثم قال (ع): لا اعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وان كان منه، ولكن ذكر الله عندما أحل وحرم فان كان طاعة عمل بها، وان كان معصية تركها)، وعن ابي بصير عنه (ع) قال: (من أشد ما عمل العباد انصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء اخاه، وذكر الله على كل حال، قال قلت: اصلحك الله وما وجه ذكر الله على كل حال؟ قال (ع): يذكر الله عند المعصية يهم بها، فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله: (ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون). [ المسألة 80: ] يجب على المكلف أن يتدبر عاقبة كل عمل يهم به قبل أن يبدأ بفعله، فان وجده خيرا فعله، وان كان شرا اجتنبه، ففي وصية أمير المؤمنين (ع) لولده محمد بن الحنفية: (من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النوائب، والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم)، وعن أبي عبد الله (ع): (ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال له يا رسول الله أوصني فقال له: فهل أنت مستوص ان أنا أوصيتك؟، حتى قال له ذلك ثلاثا، وفي كلها يقول الرجل: نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: فاني أوصيك إذا انت هممت بأمر فتدبر عاقبته، فان يك رشدا فأمضه، وان يك غيا فانته عنه). [ المسألة 81: ] (الغضب مفتاح كل شر) كما ورد عن الإمام الصادق (ع)، و (ان الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل) كما عن الرسول صلى الله عليه وآله، (وان الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار) كما يقول الإمام محمد بن علي الباقر (ع)، وكما يقول أيضا: (أي شئ أشد من الغضب؟، ان الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله، ويقذف المحصنة). فيجب على الرجل أن يسكن غضبه فلا يفعل محرما ولا يرتكب سوءا بسبب غضبه، ولا يتجاوز على الآخرين بشئ لا حق له فيه، من قول أو فعل أو

[ 338 ]

مال أو انتهاك حرمة أو عرض أو غير ذلك مما يتجاوز فيه الحد، ففي الخبر عن أبي عبد الله (ع): (انما المؤمن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وان رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر مما له) وعنه (ع): (ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتاه رجل فقال: يا رسول الله علمني عظة اتعظ بها، فقال: انطلق فلا تغضب، ثم عاد إليه، فقال: انطلق فلا تغضب، ثلاث مرات)، وعنه صلى الله عليه وآله: (من كف غضبه عن الناس كف الله (تبارك وتعالى) عنه عذاب يوم القيامة). وعن أبي جعفر (ع): (أيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فانه يذهب عنه رجز الشيطان، وايما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فان الرحم إذا مست سكنت). [ المسألة 82: ] لا يعذر الغاضب في ما يفعله من المحرمات والمحاذير بسبب غضبه وان كان شديدا، أو توهمت له نفسه الثائرة وجود المعاذير، ويجب عليه أن يتذكر غضب الله عليه في مجاوزته للحدود، فعن ابي عبد الله (ع) قال: (أوحى الله عز وجل إلى بعض انبيائه، يابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك في من امحق، وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك). [ المسألة 83: ] يحرم على الإنسان ان يتعصب على غير حق، وعن أبي عبد الله (ع): (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه) وروى ذلك في حديث له عن الرسول صلى الله عليه وآله، والمراد بمن تعصب له أن يتعصب له بعض الناس في غير الحق فيرضى بفعله ويقر له ذلك في اعماله فيكون شريكا له في التعصب، وشريكا له في الإثم، وسئل علي بن الحسين (ع) عن العصبية، فقال: (العصبية التي يأثم عليها صاحبها: ان يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم) [ المسألة 84: ] يحرم على الرجل أن يكون سيئ الخلق، ففي حديث الإمام الرضا (ع) عن الرسول صلى الله عليه وآله: (عليكم بحسن الخلق، فان حسن الخلق في الجنة لا محالة، وإياكم

[ 339 ]

وسوء الخلق فان سوء الخلق في النار لا محالة)، وعن أبي عبد الله (ع): (من ساء خلقه عذب نفسه)، وعنه صلى الله عليه وآله: (أبى الله لصاحب الخلق السيئ بالتوبة، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب اعظم منه)، والروايات الدالة على ذلك عديدة. [ المسألة 85: ] يحرم على المكلف أن يكون سفيها، فعن الصادق (ع): (ان السفه خلق لئيم يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه)، ويحرم عليه أن يكون ممن يتقى شره، فعنه صلى الله عليه وآله: (شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم)، وعن أبي عبد الله (ع): (من خاف الناس لسانه فهو في النار)، ويحرم عليه أن يكون فاحش القول، وان يكون بذيئا، فعن أبي جعفر (ع): (ان الله يبغض الفاحش المتفحش)، وعنه (صلى الله عليه وآله): (ان من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه)، وعن أبي عبد الله (ع): (ان الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق)، وعنه (ع): (الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار). [ المسألة 86: ] يحرم على الإنسان أن يبغي على غيره بقول أو بفعل، وقد قال أمير المؤمنين (ع): (ان البغى يقود أصحابه إلى النار)، وكتب أبو عبد الله (ع) إلى مسمع ابي سيار، (أنظر أن لا تكلمن بكلمة بغي ابدا، وان أعجبتك نفسك وعشيرتك)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): (ان أعجل الشر عقوبة البغي)، وورد في وصية الإمام أبي عبد الله (ع) لأصحابه: (وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فانها ليست من خصال الصالحين، فانه من بغى صير الله بغيه على نفسه، وصارت نصرة الله لمن بغى عليه، ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله). [ المسألة 87: ] يستحب للمؤمن ان ينتهز الفرصة لعمل الخير إذا أوتيت له، وان يبادر إلى فعله مهما امكن له، وفي وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (ع): (يا علي بادر بأربع قبل أربع: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك)، وعن أمير المؤمنين في قول الله عز وجل: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال (ع): (لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك ان تطلب بها الآخرة)، وعنه (ع): (الفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير)، وعن أبي

[ 340 ]

عبد الله (ع): (من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان، فالموت خير له من الحياة). [ المسألة 88: ] يجب على العبد المؤمن ان يحسن ظنه بالله انه ينجيه من عذابه، ولا يؤاخذه بسيئ عمله، ويحرم عليه أن يسيئ ظنه به، فعن ابي الحسن الرضا (ع): (أحسن الظن بالله فان الله (عز وجل) يقول: انا عند ظن عبدي المؤمن إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا)، وعن الرسول (صلى الله عليه وآله) انه قال على منبره: (والذي لا اله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله، ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه، وتقصير من رجائه له، وسوء خلقه واغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله، إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لأن الله كريم بيده الخير، يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه)، وعن أبي عبد الله (ع): (حسن الظن بالله ان لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك). [ المسألة 89: ] من زكي الإعمال ان يشتغل المرء بعيوب نفسه عن عيوب الآخرين، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): (طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين من اخوانه) وعن أبي جعفر (ع): (كفى بالمرء عيبا ان يتعرف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه، أو يعيب على الناس امرا هو فيه لا يستطيع التحول عنه إلى غيره، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه). [ المسألة 90: ] ومن زكي الأعمال والأخلاق ان يكون العبد المؤمن متواضعا، ففي الخبر عن أبي عبد الله (ع)، قال: (في ما أوحى الله عز وجل إلى داوود، يا داوود كما ان أقرب الناس من الله المتواضعون، كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون)، وسأل الحسن بن الجهم الإمام أبا الحسن الرضا (ع): ماحد التواضع؟ فقال: (ان تعطي الناس من نفسك ما تحب ان يعطوك مثله)، وعن ابي عبد الله (ع) عن آبائه (ع): (ان من التواضع أن يرضى بالمجلس دون المجلس، وان يسلم على من

[ 341 ]

يلقى، وان يترك المراء وان كان محقا، ولا تحب ان تحمد على التقوى)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال لأصحابه: (ان الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدقوا يرحمكم الله، وان التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وان العفو يزيد صاحبه عزا، فاعفوا يعزكم الله). [ المسألة 91: ] ينبغي للمؤمن ان يتنزه عن الطمع وعن الرغبات الملحة، ففي الخبر عن أبي جعفر (ع): (بئس العبد عبد يكون له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذله)، وعنه (ع): (ان رجلا اتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: علمني يا رسول الله شيئا، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس فانه الغنى الحاضر، قال: زدني يا ينبغي للمؤمن ان يتنزه عن الطمع وعن الرغبات الملحة، ففي الخبر عن أبي جعفر (ع): (بئس العبد عبد يكون له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذله)، وعنه (ع): (ان رجلا اتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: علمني يا رسول الله شيئا، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس فانه الغنى الحاضر، قال: زدني يا رسول الله، قال: إياك والطمع فانه الفقر الحاضر)، وأوصى أمير المؤمنين (ع) محمد بن الحنفية فقال له: (إذا أحببت ان تجمع خير الدنيا والآخرة فاقطع طمعك مما في أيدي الناس) وعن أبي عبد الله (ع): (ما أقبح بالمؤمن ان تكون له رغبة تذله). [ المسألة 92: ] يستحب للعبد المؤمن أن يكون حليما، ففي الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (ان الله يحب الحيئ الحليم، العفيف المتعفف) وعنه (صلى الله عليه وآله): (ما أعز الله بجهل قط ولا اذل بحلم قط) والمراد بالجهل هنا ما يقابل الحلم، وعنه (صلى الله عليه وآله): (ما جمع شئ إلى شئ أفضل من حلم إلى علم)، وعن أمير المؤمنين (ع): (أول عوض الحليم من حلمه ان الناس انصاره على الجاهل)، وعن ابي عبد الله (ع): (كفى بالحلم ناصرا، وإذا لم تكن حليما فتحلم). ويستحب له أن يكون رفيقا في أموره فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): (ان الله رفيق يحب الرفق ويعين عليه)، وعنه (صلى الله عليه وآله): (ان في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير)، وعن أبي عبد الله (ع): (من كان رفيقا في أمره نال من الناس ما يريد) وعنهم (ع): (ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجرا، وأحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه). والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خيرته وصفوته من الخلق محمد وآله الطاهرين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية