الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




ثلاث رسائل فقهية - الشيخ لطف الله الصافي

ثلاث رسائل فقهية

الشيخ لطف الله الصافي


[ 1 ]

ثلاث رسائل فقهية

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أمرنا بالعدل والإنصاف، ونهانا عن الظلم والإعتساف، والصلاة والسلام على النبي الذي شريعته عدل في كل باب، أبي القاسم محمد سيد أولى الألباب، وعلى آله الطاهرين أعدال الكتاب، وهداة الخلق إلى طريق الصواب، سيما برهان الله الساطع، ونوره اللامع، كلمته التامة وآيته المحكمة، الحصن الحصين، والإمام المبين، قامع المستكبرين الجبارين، ومفزع المستضعفين، مولانا الإمام الهادي المهدي صلى الله عليه وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين. وبعد، فهذه ثلاث رسائل وجيزة فيما يتعلق بباب القضاء كتبتها تذكرة لنفسي، ورجاء أن تنفعني يوم شدة فقري وفاقتي وبؤسي ومسكنتي، يوم يقضي الله بين عباده بالحق. وإليك عناوينها: الرسالة الأولى: في حكم القضاء على المدعي عليه إذا نكل عن اليمين والرد. الرسالة الثانية: في حكم تداعي شخصين أو أشخاص في مال لم تكن لواحد منهم أو لغيرهم يد عليه، وكان دعواهما متقارنين، ولم تكن لواحد من المتداعيين بينة شرعية، أو كانت بينة كل واحد منهما معارضة ببينة الاخر... الرسالة الثالثة: فيما إذا كان مال معلوم معين بين شخصين أو أشخاص معلومين محصورين الذين يعلم كل واحد منهما أن المال إما يكون له أو لصاحبه، بحيث لم يكن لواحد منهم إلا العلم بأنه ليس لغيرهما، واحتمال كونه لنفسه دون صاحبه.

[ 4 ]

الرسالة الأولى في حكم نكول المدعى عليه عن اليمين والرد

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة وبعد لا ريب في أن العدل في القضاء والحكومة بين الناس من أكبر الدعائم التي تقوم عليها التمدن الصحيح، والمجتمع الصالح فلا تحفظ بدونه الحقوق العامة، ولا مصلحة الجامعة. به يستقيم نظام المعاملات، والمناكحات، وتصان حرمة النواميس، والأعراض، وتؤمن السبل، وتعمر البلاد، وفيه حياة الدين، وإصلاح أمور المسلمين، ونصرة المظلومين، وإجراء الحدود، وإعطاء الحقوق، وإيثار حق الله عزوجل وطلب الزلفة لديه، والقربة إليه. كما لا شك في أن إنحطاط الآداب، واستبداد الأقوياء بالأمور، وفشل الحركات الإصلاحية، وغلبة الجهل والهمجية والرجعية، ووقوع التكالب والحيف والظلم بين الأمة ترجع إلى فساد نظام القضاء، أو ضعف القضاة في تنفيذ الأحكام، أو خيانتهم وجورهم وجهلهم بموازين القضاء. ومن أعظم الجنايات، والجرائم التي اتفق العقل والشرع على تقبيحه، وتشنيعه، تولية القضاء من ليس له أهلية ذلك، والجور فيه، والحكم بغير ما

[ 6 ]

أنزل الله قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (1) وقال عز من قائل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (2) وقال سبحانه وتعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. (3) وقد اعتنى الإسلام بإصلاح نظام القضاء عناية تامة، فأقام سياسة الحكم على أساس العدل من الحكام، ومساواة الجميع أمام القوانين والأحكام. وقد كان القضاة في ظل هذه التشريعات الإلهية يقضون للفقير الضعيف على الغني القوي، وللمأمور على الأمير، والأسود على الأبيض، والمرأة على الرجل، والسوقة على السلطان والخليفة، ويقتصون من الملوك والأمراء. فيامن يريد التلمس بروح العدل الإسلامي راجع تشريعات الإسلام وأحكامه في ما يتعلق بالقضاء وفصل الخصومات وموازين الحكم، وآدابه وشرايط القاضي والشاهد حتى تعرف كيف وطد الإسلام قواعد العدل، ووصل إلى منتهى الكمال في ذلك. وإليك نموذج من هذه التعاليم المقدسة حتى تعلم خطورة أمر القضاء وعلو شأن هذا المنصب الرفيع الذي لا يجوز توليه إلا بجعل من الله أو بجعل من رسوله أو خلفائه عليهم السلام.


(1) س 5 يه 44 - قال في كنز العرفان: الحاكم بغير ما أنزل الله إن كان مع اعتقاده لذلك الحكم فهو كافر، وإن كان لامع اعتقاده فهو ظالم أو فاسق. (2) س 5 يه 45. (3) س 5 يه 47.

[ 7 ]

قال الله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى. (1) وقال: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم (2) وإستفادوا من الآيتين الكريمتين وجوب الحكم بالحق، والنهي عن إتباع الهوى والإجتناب عما فيه حظ نفساني، فيجب عليه التسوية بين الخصمين بنظره واستفهامه، ولطفه ولحظه، واستماعه وإنصاته والسلام، وأنواع الإكرام، وقال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما (3) فكما أوجب على الحاكم الحكم بالحق أوجب على المحكوم عليه التسليم والإنقياد. وأكد ذلك بالقسم المتبوع بعدم إيمانهم إن لم يحكموا وينقادوا ظاهرا وباطنا للحق. وقال عز شأنه: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (4) وقال سبحانه: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله (5). وقال تعالى شأنه: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به. (6)


(1) س 38 يه 26. (2) س 5 يه 48. (3) س 4 يه 65. (4) س 4 يه 58. (5) س 4 يه 105. (6) س 4 يه 60.

[ 8 ]

فنهى عن التحاكم إلى الطاغوت، وهو كما في التفسير المأثور حاكم الجور، ومن يحكم بغير ما أنزل الله، وبغير ما صدر عن أهل البيت، ويدين بما أمرنا أن نكفر به وهو كل حاكم يقضي بغير حكم الله. ويكفي في تعظيم أمر القضاء، وخطورته قول أمير المؤمنين لشريح: قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي (1) وقال الصادق عليه السلام: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله فهو كافر بالله العظيم (2) وقال عليه السلام: أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء (3). وقال النبي صلى الله عليه وآله: لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس فإما إلى الجنة وإما إلى النار (4). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك، ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوك من عدلك (5) وقال عليه السلام: من ابتلي بالقضاء فليواس (فليساو خ - ل) بينهم في الإشارة والنظر والمجلس. (6) وقال النبي صلى الله عليه وآله: من ابتلي بالقضاء فلا يقضي وهو غضبان (7).


(1) الوافي ج 9 ص 132. (2) الوافي ج 9 ص 132. (3) الوافي ج 9 ص 133. (4) الوافي ج 9 ص 133. (5) الوافي ج 9 ص 135. (6) الوافي ج 9 ص 136. (7) الوافي ج 9 ص 136.

[ 9 ]

والأخبار في هذه المعاني كثيرة، وإنما ذكرت ذلك تنبيها على خطورة أمر القضاء، وعظم شأنه، وتخويفا لمن يتصدى ذلك وليس له بأهل، ويحكم بغير حكم الله تعالى. فإذا سقط القاضي أبعد من السماء إذا أخطأ فما ظنك بمن يقضي بغير حكم الله مع العلم بأنه ليس من حكم الله. والحاصل أن الإسلام قد جعل القضاء على الدعائم القويمة، والموازين الصحيحة المستقيمة. ومن هذه الموازين المحكمة ما شرع بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى، واليمين على من ادعي عليه. فانظر إلى إتقانه، وما فيه من الحكم، ورعاية مصلحة المدعي والمدعى عليه، وفصل الخصومة بينهما فلا يتصور في هذا المقام قانون أصوب وأتقن منه، وانظر إلى ما يترتب على الحكم من المفاسد لو كان على عكس ذلك، أي كان المجعول البينه على المدعى عليه، واليمين على المدعي (1) وقد استنبط الفقهاء من هذه القاعدة فروعا كثيرة مهمة ذكروها في كتب القضاء.


(1) من أكبر الواجبات على المسلمين أن يأخذوا بهذه القواعد المحكمة في تحاكمهم وترافعهم، وأن يتركوا القوانين المستحدثة التي اختلقها المستعمرون، والفسقة والكفرة ليذهبوا بكيان المسلمين وشوكتهم ومجدهم وقد ألغت قوانين المحاكمات في بعض الممالك الإسلامية مطلقا أو في الجملة ميزانية اليمين في فصل الخصومات مع أن العامة والخاصة اتفقوا على ميزانية الحلف وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان. وقال في الحديث المشهور: البينة على من ادعى إلخ، وكثيرا ما يتوصل بها صاحب الحق إلى حقه، ويفصل بين الخصمين مضافا إلى أن حلف المدعى عليه يمنع من الكبت، ويذهب بغيظ المدعي. فما يصنع طالب الحق المسكين العاجز عن إقامة البينة المطالب بمال كثير في عهدة المدعى عليه إن جعلناه محروما عن حق استحلاف خصمه فليس ظلم هذا القانون عليه بأقل من ظلم خصمه.

[ 10 ]

ومن المسائل المترتبة على هذه القاعدة مسألة نكول المدعي عليه عن اليمين وردها إلى المدعي فاختلف فيها كلمات الفقهاء قد ذكرت أقوالهم وموارد إختلافهم وما استدلوا بها أو يمكن أن يستدل عليها في هذه الرسالة والرجاء ممن يراجعه إن عثر على سهو أو خطأ، أن يسامحني فيه ويصلحه فإن الله يحب المصلحين.

[ 11 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: اختلف الفقهاء في أن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين هل يحكم عليه بمجرد النكول أو يرد الحاكم اليمين على المدعي فإن حلف يقضي له وإلا فيسقط دعواه؟ فقال مالك، والشافعي، وفقهاء أهل الحجاز، وطائفة من العراقيين: إذا نكل المدعى عليه لم يجب للمدعي شئ بنفس النكول إلا أن يحلف المدعي أو يكون له شاهد واحد، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور الكوفيين: يقضي للمدعي على المدعى عليه بنفس النكول، وذلك في المال بعد أن يكرر عليه اليمين ثلاثا، وقلب اليمين عند مالك يكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين، وقلب اليمين عند الشافعي يكون في كل موضع يجب فيه اليمين، وقال ابن أبي ليلى: أردها في غير تهمة: ولا أردها في التهمة، وعند مالك في يمين التهمة هل تنقلب أم لا؟ قولان، فعمدة من رأى أن تنقلب اليمين ما رواه مالك من أن رسول الله صلى الله عليه وآله رد في القسامة اليمين على اليهود بعد أن بدأ بالأنصار، ومن حجة مالك أن الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين إما بيمين وشاهد، وإما بنكول وشاهد، وإما بنكول

[ 12 ]

ويمين، أصل ذلك عنده اشتراط الإثنينية في الشهادة، وليس يقضى عند الشافعي بشاهد ونكول، وعمدة من قضى بالنكول: إن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى، واليمين لإبطالها وجب إن نكل عن اليمين أن تحقق عليه الدعوى قالوا: وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف للنص لأن اليمين قد نص على أنها دلالة المدعي عليه (1). وقال الشيخ في الخلاف (2): مسألة 58: إذا ادعى رجل على رجل حقا، ولا بينة له فعرض اليمين على المدعى عليه فلم يحلف ونكل ردت اليمين على المدعى فيحلف، ويحكم له، ولا يجوز الحكم على المدعي عليه بنكوله، وبه قال الشعبي، ومالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ترد اليمين على المدعي بحال فإن كان التداعي في مال كرر الحاكم اليمين على المدعي عليه ثلاثا فإن حلف، وإلا قضي عليه بالحق بنكوله، وإن كان في قصاص قال أبو حنيفة: يحبس المدعى عليه أبدا حتى يقر بالحق أو يحلف على نفيه، وقال أبو يوسف، ومحمد: يكرر عليه اليمين ثلاثا، ويقضى عليه بالدية، وأما إذا كانت الدعوى في طلاق أو نكاح فإن اليمين لا تثبت في هذه الاشياء في جنبة المدعى عليه فلا يتصور فيهما نكول، ونحن نفرد هذا القول بالكلام، وقال ابن أبي ليلى: يحبس المدعي عليه في جميع المواضع حتى يحلف أو يقر، فالخلاف مع أبي حنيفة في فصلين أحدهما في الحكم بالنكول، والثاني في رد اليمين. هذه موارد اختلاف الجمهور على ما في بداية المجتهد والخلاف.


(1) بداية المجتهد ص 457 ج 2. (2) ج 2 ص 621.

[ 13 ]

أقوال فقهاء الإمامية وأما فقهاؤنا رضوان الله عليهم فقد اختلفوا أيضا، قال العلامة في المختلف: قال الشيخ في النهاية: وإن نكل عن اليمين لزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه وهو يعطي القضاء بالنكول من غير إحلاف المدعي وهو قول شيخه المفيد رحمه الله، وسلار، وأبي الصلاح، وبه قال في القدماء من علمائنا ابنا بابويه. وقال ابن الجنيد: يرد اليمين على المدعي، ويحلف، ويقضى له، وهو اختيار ابن حمزة، وابن إدريس، ونقله ابن ادريس عن الشيخ في المبسوط والخلاف، وقال: إنه قد رجع عن قوله في النهاية، ولابن البراج قولان في الكامل كقول النهاية، وفي المهذب كالمبسوط والخلاف، والمعتمد أنه لا يحكم بالنكول بل بيمين المدعي (انتهى) وإن شئت زيادة على ذلك فراجع المستند، ومفتاح الكرامة وإليك بعض عبائر فقهائنا القدماء في المسألة. قال الصدوق في المقنع: واعلم أن الحكم في الدعاوي كلها أن البينة على المدعى، واليمين على المدعي عليه فإن نكل عن اليمين لزمه الحق، فإن رد المدعى عليه اليمين على المدعي إذا لم يكن للمدعي شاهدان فلم يحلف فلاحق له إلا... إلخ. وقال في الفقيه: قال أبي رضي الله عنه في رسالته: إعلم يا بني أن الحكم في الدعاوي كلها أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه فان نكل عن اليمين لزمه الحق.

[ 14 ]

وقال المفيد في المقنعة: وإن نكل (يعني المدعى عليه) عن اليمين لزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه. وقال الشيخ في النهاية: فإن نكل ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه. وقال السيد ابن زهرة في الغنية: وإن نكل المدعى عليه عن اليمين ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه. وقال سلار في المراسم: وإن نكل عن اليمين ألزمه المدعى عليه. وقال الشيخ في المبسوط: فإن لم يحلف، ونكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت، وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على خصمك فيحلف، ويستحق عليك ويقول هذا له ثلاثا فإن حلف فقد مضى، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي فيحلف ويثبت له الحق. وقد مر كلامه في الخلاف. وقال ابن إدريس في السرائر: فإذا عرض اليمين عليه لم يخل من أحد أمرين إما أن يحلف أو ينكل، فإن حلف أسقط الدعوى وليس للمدعي أن يستحلفه مرة أخرى في هذا المجلس أو في غيره، فإن لم يحلف ونكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على خصمك فيحلف ويستحق عليك، ولا يجوز أن يحكم عليه بالحق بمجرد النكول بل لا بد من يمين المدعي ليقوم النكول واليمين مقام البينة. وقال ابن حمزة في الوسيلة: وإن نكل له قال ثلاثا إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا فإن حلف فذاك، وإن رد فقد ذكرنا حكمه، وإن أصر رد على خصمه فإذا حلف ثبت حقه.

[ 15 ]

فهذه جملة من فتاواهم في المسألة وقد عرفت منها أن المشهور بينهم إلى عصر الشيخ هو القول بالقضاء على المدعى عليه بنفس النكول. تحرير المسألة بحسب الأصل وأما تحريرها بحسب الأصل كما استقر عليه دأب القوم ليكون هو المعول عليه عند عدم تمامية ما أقاموا من الدليل فنقول: مقتضى الأصل عدم جواز القضاء تكليفا على المنكر بمجرد النكول وعدم ترتب الأثر عليه، ولا يعارض ذلك بعدم جواز القضاء وعدم ترتب أثر عليه بعد رد الحاكم اليمين على المدعى وحلفه، فإن جواز القضاء بكلا معنييه من التكليف والوضع في صورة نكول المنكر، وحلف المدعي بعد رد اليمين عليه يقيني، وإن لم نعلم أنه جاء من قبل النكول أو الرد أو الحلف. ولا ينافي ذلك أصالة عدم مشروعية رد اليمين من الحاكم فإن ذلك لا يثبت عدم جواز القضاء إلا بعدم القول بالفصل. مضافا إلى أن المراد من عدم المشروعية إن كان عدم تشريع رد اليمين من الحاكم من قبل الشارع فالأصل عدم تشريعه بالخصوص، وإن كان المراد عدم جواز رد اليمين من الحاكم إلى المدعي مطلقا حتى احتياطا واستظهارا، وإذا توقف فصل الخصومة عليه فهو ممنوع، فإن الأقوى جواز ذلك، لأن فصل الخصومات أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا لا يجوز إهماله، كما أن عدم ترتب الأثر على رد الحاكم، وحلف المدعي أيضا، وإن كان مقتضى الأصل لكن لا

[ 16 ]

ينافي ذلك توقف فصل الخصومة، وجزم الحاكم في حكمه عليه فإذا حكم بعد ذلك يحصل القطع بنفوذ حكمه، وإن لم نعلم وجهه. ومثل ذلك نقول في أصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر فإن ذلك إنما يكون بحسب الوظيفة الأولية لا إذا انحصر طريق فصل الخصومة، وجزم الحاكم في حكمه بيمين المدعي هذا. وقد قيل في تأسيس الأصل وجوه لا تخلو من الضعف. منها أصالة براءة ذمة المدعى عليه من الحق بمجرد النكول فلا يحكم عليه. وفيه إنه كان المراد براءة ذمته واقعا فمجرد النكول لا يؤثر في براءة ذمة المدعى عليه فهي على حالها الواقعي من الإشتغال أو البراءة ولا تنقلب عما هي عليه بمجرد النكول أو الحلف. وإن كان المراد براءة ذمته ظاهرا بحيث يسقط بالنكول دعوى المدعي فهو موقوف على حكم الحاكم، ولا معنى لتأثير نكول المنكر في سقوط دعوى المدعي، وهذا الأصل لم يتولد من نكول المنكر بل كان معه قبل النكول أيضا، ولم يؤثر في سقوط دعوى المدعي فكيف أثر بعد النكول. ومنها أصالة براءة ذمة الحاكم من التكليف بالرد. وفيه أن هذا الأصل لا يثبت وجوب القضاء على المدعى عليه للمدعي فلا فائدة للتمسك بها مع أنا نقول إذا توقف فصل الخصومة، والجزم في الحكم على الرد يجب ذلك على الحاكم لعدم جواز توقيف الدعوى.

[ 17 ]

ومنها أصالة براءة ذمة المدعي من التكليف باليمين، وهذا الأصل أيضا لا ينفع، لإثبات وجوب القضاء للمدعي على المدعى عليه، مضافا إلى أن يمين المدعي لم تجب عليه بالوجوب النفسي التكليفي الذي يصح للمولى مؤاخذة العبد في مخالفته، حتى يجري فيه أصالة البراءة بل إنما وجبت عليه بالوجوب الشرطي الإرشادي من غير أن يترتب على مخالفته عقوبة ولا مؤاخذة، فلا معنى للتمسك في نفيه بالبراءة. إن قلت: إذا كان مقتضى الأصل عدم جواز القضاء بمجرد النكول، وعدم مشروعية رد اليمين من الحاكم، وعدم ترتب الأثر على رده، وحلف المدعي، وعدم توجه اليمين على غير المنكر، ولم يتم ما أقاموا من الأدلة على جواز القضاء بمجرد النكول، وعلى وجوب رد الحاكم اليمين إلى المدعي فكيف يفصل الخصومة بين المتخاصمين. قلت قد مر أنه لابد للحاكم في مقام فصل الخصومة رد اليمين إلى المدعى، والقضاء على المدعى عليه بحلفه، وهذا الحكم نافذ يقينا وإن لم نعلم أن وجه جوازه ونفوذه مجرد النكول أو رد اليمين وحلف المدعي. إن قلت: إن هذا الإحتياط، وتحصيل الجزم بالحكم وفصل الخصومة إنما يمكن إذا كان المدعي باذلا لليمين وأما إذا كان ناكلا فلا يمكن الإحتياط لأن الأمر يدور بين القضاء على المدعى عليه الناكل بمجرد نكوله، وعلى المدعي الناكل بمجرد نكوله ولا ترجيح للطرفين. قلت: نعم ما قلنا إنما يجري فيما إذا كان المدعي باذلا لليمين وأما إذا لم يكن باذلا فلا وجه لرد اليمين إليه وحينئذ لابد إلا عن القول بحبس المدعى

[ 18 ]

عليه، حتى يختار اليمين أو الرد، بدعوى العلم بعدم رضا الشارع بتوقيف الدعوي أو القول بتوقيف الدعوى حتى يبذل المدعى اليمين أو يقيم البينة. هذا تحرير المسألة بحسب ما يقتضيه الأصل. أدلة عدم جواز الحكم بالنكول وأما بحسب الأدلة فاستدل لعدم جواز الحكم بالنكول، ووجوب رد اليمين إلى المدعي بوجوه: الأول بالأصل الذي ذكرناه. وفيه أنه المعول عليه إذا لم يقم دليل على جواز الحكم بالنكول، ومع قيام الدليل فلا معارضة بينه وبين الدليل. الثاني بقوله تعالى: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم (1) فاستدل الشيخ بها في الخلاف قال: فأثبت الله يمينا مردودة بعد يمين فاقتضى ذلك أن اليمين ترد في بعض المواضع بعد يمين أخرى. فإن قيل: الآية تقتضي رد اليمين بعد اليمين والإجماع أن المدعى عليه إذا حلف لم ترد اليمين بعد ذلك على المدعي قيل: لما أجمعوا على أنه لا يجوز رد اليمين بعد اليمين عدل بالظاهر عن هذه، وعلم أن المراد به أن ترد أيمان بعد وجوب أيمان (إنتهى) وفيه أن رد الأيمان كما أفاد في كنز العرفان هنا مجاز فإن رد اليمين عن شخص إلى شخص آخر يكون حقيقة إذا توجه اليمين على شخص من الأول


(1) س 5 يه 108.

[ 19 ]

ثم ردها إلى غيره أو ردها الحاكم إليه، وفي المقام لم يتوجه اليمين إلى الوصيين بل إنما توجهت إلى ورثة الميت لأنهم وجدوا إناء الميت عندهما فطالبوهما به فادعيا شراءه من الميت فأنكر الورثة فتوجه اليمين إليهم لإنكار هم ذلك (فراجع ما ورد في سبب نزول الآية) ولو أغمضنا عن ذلك، وقلنا إن اليمين لو لم تكن هذه الآية تتوجه إلى الوصيين المنكرين لا بآخرين يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان نقول: إن المستفاد من ظاهر الآية أن العدول عن يمين ذي اليد المنكر إلى من يقوم مقامه إنما كانت لأجل خصوصية في المورد، وهي إلزام الوصيين بحسب اليمين الأولى عرفا باليمين الثانية أيضا لأنهما لو امتنعا عنها ورداها إلى الورثة يظهر كذب يمينهما الأولى فيفتضحان، ومثل هذه اليمين لا ينبغي أن يكون من موازين فصل الخصومة، ومستند القاضي في قضائه فوجه الله تعالى اليمين إلى الورثة لأن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وأبعد من الكذب، وأن يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم فيظهر كذبهم، ويفتضحوا بين الناس فلا يجوز التعدي عن موارده إلى غيره. الثالث مادل على حصر ميزان القضاء بما ليس النكول منه كقوله صلى الله عليه وآله: إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، (1) وخبر يونس عمن رواه قال: إستخرج الحقوق بأربعة وجوه: شهادة رجلين عدل فإن لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه فإن لم


(1) التهذيب ج 6 ب 89 ح 562 و 3 - الكافي ج 2 ص 359.

[ 20 ]

يحلف رد اليمين على المدعي، وهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه فإن أبى أن تحلف فلا شئ له. (1) وما روى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة. أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى (2) وقول النبي صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى، واليمين على من ادعي عليه (3) وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: إن البينة على المدعي، واليمين على من ادعي عليه (4). فإن التفصيل قاطع للشركة، ولازم ذلك عدم كون اليمين وظيفة المدعي إلا في صورة رد المنكر فإن ميزانية نكول المدعي في هذه الصورة قد ثبت بالدليل المخصص للعمومات فبناء على هذا إذا حكم القاضي بمجرد نكول المدعى عليه ليس لحكمه مستند غير نكوله، مع أن ميزان القضاء انحصر بما يكون نكول المدعى عليه خارجا عنه. والجواب عن ذلك كله إن هذه العمومات يخصص بما ذكره القائل بالحكم مضافا إلى أنه يمكن أن يقال إن هذه العمومات إنما وردت لبيان الوظيفة في الحكم في أول الأمر، وعدم تعرضها لصورة النكول.


(1) التهذيب ج 6 ب 562 89 و 13 - الكافي ج 2 ص 360. (2) التهذيب ج 6 ب 92 ح 796 و 3 - الكافي ج 2 ص 366. (3) التهذيب ج 6 ب 89 ح 553 \ 4 - الكافي ج 2 ص 360 خرج هذا الحديث علماء الجمهور في كتبهم أيضا ولفظ الحديث عندهم: البينة على المدعى. واليمين على المدعي عليه فراجع مصابيح السنة ج 2 ص 73 و 74 والجامع الصغير ص 128 ج 1 وغيرهما. (4) التهذيب ج 6 ب 89 ح 554.

[ 21 ]

ولو أغمضنا عن ذلك يمكن أن يقال بدلالة قوله: البينة على المدعي إلخ على جواز الحكم بالنكول، لأن رد اليمين على المدعي مخالف لعكس القضية الأولى فإن مقتضى كل من القضيتين حصر مبتدائها في خبرها وبالعكس فمعنى قوله: البينة على المدعي إلخ إنه لا بينة إلا على المدعي، ولا مدعي إلا من عليه البينة، وهكذا الكلام في القضية الثانية فرد اليمين مخالف لعكس قوله: البينة على المدعي، ومخالف لأصل القضية الثانية، (واليمين على من أنكر). لا يقال: القضاء بالنكول أيضا مخالف لحصر المستفاد من الخبر. فإنه يقال القضاء بالنكول موجب لرفع اليد عن قوله: البينة على المدعي الذي يستفاد منه من جهة كون الرواية في مقام حصر ما يلزم به المدعي في إثبات حقه، وما يلزم به المنكر في التخلص عن دعوى المدعي أن حق المدعي لا يثبت إلا بالبينة، وهذا بخلاف رد اليمين إلى المدعي فإنه مستلزم لرفع اليد عن عكس القضية الأولى، وأصل القضية الثانية. ولا يخفى أنه إذا دار الأمر بين رفع اليد عن ظهور قضية واحدة أو ظهور قضيتين يكون الأول اولى، وهذا إنما يتم على عدم القول بالفصل والإجماع المركب وإلا فلولم يكن هنا إجماع، واحتملنا توقيف الدعوى لا مجال لرفع اليد عن ظهور أصل القضيتين وعكسهما. هذا مضافا إلى أنه على تقدير رد اليمين إلى المدعي، ونكوله عن اليمين، والقضاء عليه يلزم رفع اليد عن الحصر المستفاد من عكس قضية اليمين على من أنكر فإن المستفاد من عكسها وهو لا منكر إلا من عليه اليمين حصر رفع الخصومة عن المنكر باليمين مع أن في صورة نكول المدعي عن اليمين المردودة رفع الخصومة عنه بغير اليمين.

[ 22 ]

لا يقال: إن عموم حصر رفع الخصومة عن المنكر باليمين قد خصص بما دل على جواز الحكم بنكول المدعي. فإنه يقال: قد خصص هذا العموم بما دل على جواز الحكم بنكوله إذا رد المدعى عليه إليه اليمين فنكل عنها، وأما إذا رد الحاكم إليه اليمين، ونكل فلم يعلم تخصيصه به. الرابع من الوجوه التي استدل بها لعدم جواز القضاء بمجرد النكول خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يدعى عليه الحق، ولابينة للمدعي؟ قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له (1). بناء على قراءة يرد بالبناء بصيغة المجهول. وفيه أن الظاهر كونه مبنيا للفاعل، وبصيغة المعلوم فهذا الخبر أجنبي عما نحن فيه. الخامس خبر ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ترد اليمين على المدعي (2). وفيه أن الظاهر كون هذه الجملة صدرت جوابا عن مسألة سألها عنه عليه السلام أو كان لها صدر أو ذيل، ولم ينقله الراوي لا تكاله على قرينة حالية أو مقالية فيحتمل قويا أن يكون المراد اليمين المردودة من المنكر إلى المدعي، ولو


(1) التهذيب ح 556 و 7 ب 89 ج 6 - الكافي ج 2 ص 360. (2) التهذيب ح 560 و 11 ب 89 ج 6 - الكافي ج 2 ص 360.

[ 23 ]

أغمضنا عن ذلك، وقلنا بأنه عام فعمومه يخصص بما دل على جواز القضاء بالنكول. السادس ما أخرجه في الخلاف عنه صلى الله عليه وآله: المطلوب أولى باليمين من الطالب. (1) وما روى عنه أيضا صلى الله عليه وآله: المدعي عليه أولى باليمين إلا أن تقوم عليه البينة (2). فاقتضى النبويان أن الطالب والمطلوب، والمدعى عليه والمدعي يشتركان في اليمين لكن للمطلوب المدعى عليه مزيد مزية على الطالب بالتقديم. وفيه أنه لم يثبت اعتبار الخبرين مضافا إلى أنه يستفاد من قوله: المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم عليه البينة أولوية المدعى عليه باليمين، وإن اليمين على من أنكره ويتخلص بها المنكر عن دفع دعوى المدعي إذا لم تكن مع المدعي البينة، وأما إذا كان معه البينة فهو أولى بها فيقيمها، ولا يبعد أن يكون المراد من قوله: المطلوب أولى باليمين من الطالب أيضا أولويته باليمين إذا لم تكن البينة مع الطالب فليتدبر. السابع ماروى عن النبي أيضا صلى الله عليه وآله وسلم: إنه رد اليمين على طالب الحق. (3) وفيه أنه ضعيف لم يخرج في جوامعنا في الحديث.


(1) ج 2 ص 621 م 38. (2) الجامع الصغير ج 2 ص 185 عن البيهقي في السنن. (3) مختلف الشيعة ص 143 ج 2.

[ 24 ]

الثامن: من الوجوه التي استدل بها لجواز رد الحاكم اليمين إلى المدعي ولايته الشرعية، وإنه ولي الممتنع بتقريب أن الواجب على المنكر الحلف أورده إلى المدعي للأخبار الدالة على أنه مخير بينهما فإذا امتنع عنهما يرد الحاكم اليمين إلى المدعي لولايته على ذلك. وفيه أن ولاية الحاكم على مثله غير معلوم خصوصا إذا كان اليمين أوردها حقا للمدعى عليه لاحقا عليه فيجوز أن يكون اليمين أوردها على المدعي لتخلصه عما ادعى عليه فإن تخلص بواحد منهما فهو، وإلا فيلزم على أداء ما ادعي عليه. التاسع: ما استدل به بعض العامة كما سمعت من ابن رشد في بداية المجتهد، وهو ما رواه مالك من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رد في القسامة اليمين على اليهود بعد أن بدأ بالأنصار. وفيه مضافا إلى أن أصل توجه اليمين على المدعي في القسامة يدل على أن حكمها ليس كأحكام ساير الدعاوي فلا يتعدى عنها إلى غيرها إن بعد التأمل في الروايات المأثورة عن طرق الخاصة والعامة في القسامة يظهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد اليمين في القسامة على اليهود بل خير الأنصار بين اليمين، وردها إلى اليهود، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله رد اليمين إلى اليهود لم يكن لهم أن يقولوا: من يصدق اليهود؟ أو: وكيف يرضى باليهود. فيظهر من ذلك أنهم كانوا بالخيار في اليمين والرد بل يظهر منه إن من توجه إليه اليمين إذا نكل عنها وعن الرد إلى صاحبه، وكان له عذر في الإمتناع عن اليمين لا يجوز الحكم عليه بل يؤدي الوالي ما ادعاه من الحق من بيت المال، وعلى كل حال لا يصح التمسك بمسألة القسامة على حكم

[ 25 ]

مسألتنا هذه لأنهما لم ترتضعا من لبن واحد حتى يحكم بإلغاء الخصوصية، ويتمسك بمفهوم الموافقة، والله أعلم. العاشر الشهرة المنقولة بل والإجماع المنقول. وفيه أن المشهور بينهم إلى عصر الشيخ كما قد عرفت هو القضاء بمجرد النكول مضافا إلى أن في الإحتجاج بالشهرة المحققة بل والإجماع المحصل في مثل هذه المسألة نظر فإن الشهرة وكذا الإجماع لا تكشف عن وجود نص في المسألة غير ما عثرنا عليه في ما بأيدينا من جوامع الحديث فإن من المحتمل بل المظنون أن المشهور أو المجمعين اعتمدوا في ما ذهبوا إليه بهذه الروايات، والأحاديث المخرجة في كتب الحديث الباقية إلى عصرنا: حجج القول بجواز الحكم بمجرد النكول وقد استدل لهذا القول أيضا بوجوه. الأول رواية حماد عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأخرس كيف يحلف؟ (فأجابه في حديث طويل) أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب له اليمين، وغسلها، وأمره بشربها فامتنع فألزمه بالدين (1). وقد أورد على الإستدلال بها بوجوه: أحدها إنها قضية في واقعة، وفيه أنه يتم إذا لم تكن نقل القضية مسبوقا بالسؤال عن الإمام عليه السلام.


(1) راجع متن الحديث في التهذيب ج 6 ح 779 \ 86 ب 92 وفي الفقيه ج 3 ص 65.

[ 26 ]

ثانيها أن السؤال إنما وقع عن حكم الحلف دون الإمتناع عنه فليس الخبر واردا في مقام بيان هذا الحكم حتى يتم الإطلاق. وأجيب عنه بأن من تأمل في الرواية يجد أن مراد السائل السؤال عن حكم حلف الأخرس مطلقا، وفيه إنا تأملنا فيه فلم نجده إلا في مقام السؤال عن كيفية حلفه أللهم إلا أن يقال أن ظاهر قوله: فامتنع فألزمه الدين دال على تعقيب الإلزام للإمتناع بغير مهلة لمكان الفاء، وهو ينافي تخلل اليمين بينهما. ثالثها أن القضاء للمدعي بمجرد امتناع المدعى عليه عن اليمين خلاف الإجماع لأن القائل بجواز القضاء يقيده بصورة عدم رد المنكر اليمين على المدعي، والقائل بعدمه يقيده بصورة حلف المدعي فلابد من نقدير عدم الرد أو حلف المدعي، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. وأجيب عنه: بأن مقتضى ظاهر الرواية كون مجرد امتناعه عن الشرب علة تامة لإلزامه بالدين، والقدر المتيقن تقييده بصورة عدم الرد، وتقييده بصورة حلف المدعي غير معلوم فيبقى الإطلاق بالنسبة إليه على حاله، وسيجئ توضيح ذلك عند الكلام عن رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله. رابعها إعراض المشهور عن العمل بالرواية في موردها، وهو يمين الأخرس بل قيل إن الإجماع قائم على خلافه، ونقل عن الجمهور أنهم نقلوا عنه عليه السلام خلاف ذلك. (1)


(1) نقل العلامة في المختلف عن الجمهور أنهم نقلوا القول بعدم جواز الحكم بالنكول عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، ولم أجد ذلك فيما عندي من كتبهم، وعلى كل حال فما نقل عن الجمهور ليس موضوعه بين الأخرس والإشتباه إنما نشأ من عدم التأمل في كلام العلامة في المختلف.

[ 27 ]

الثاني ما في خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: لو أن رجلا ادعى على رجل عشرة آلاف درهم أو أقل أو أكثر لم يكن اليمين على المدعي، وكانت اليمين على المدعى عليه. (1) وفيه: أن ظاهر الخبر كون هذا حكم اليمين في أول الأمر، وإنها لا تتوجه إلا على المدعى عليه فلا ينافي توجهها على المدعي إذا نكل المدعى عليه عن اليمين. الثالث الأصل المقرر بوجوه كأصالة عدم مشروعية رد اليمين من الحاكم، وأصالة عدم ثبوت الحلف على المدعي، وأصالة براءة ذمة الحاكم من التكليف بالرد وغير ذلك. وفيه إن شيئا من هذه لا يثبت جواز الحكم على المدعى عليه الناكل، ولا يفيد إثبات كفاية النكول في الحكم بثبوت حق المدعي مع أن الأصل عدمه فإن أمكن الأخذ بالقدر المتيقن كما إذا كان المدعي باذلا لليمين يستحلف، ويقضى له، وإلا يتوقف الدعوى. الرابع الإجماع أو الشهرة، وقد عرفت ما في الإستدلال بمحصلهما في مثل مسألتنا فضلا عن منقولهما. الخامس رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله المخرجة في التهذيب في باب كيفية الحكم والقضاء (2) قال:


(1) التهذيب ج 10 ب 12 ح 663 \ 3 والكافي ج 2 ص 342 والفقيه ج 4 ص 73. (2) التهذيب ج 6 ب 89 ح 555 \ 6 والكافي ج 2 ص 360 والفقيه ج 3 ص 38.

[ 28 ]

أحمد بن محمد بن عيسى (1) بن عبيد عن ياسين الضرير قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت للشيخ (2) اخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله؟ قال: فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه، وإن كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لاإله إلا هو لقدمات فلان، وإن حقه لعليه فإن حلف وإلا فلا حق له لأنا لا ندري لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضعها أو بغير بينة قبل الموت فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة فإن ادعى، ولا بينة له فلاحق له لأن المدعى عليه ليس بحي، ولو كان حيا لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت عليه حق. والإستدلال بها من وجهين: أحدهما بصدرها على ما في الكافي والتهذيب، وهو قوله: فإن حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه. فإن المستفاد منه إلزام المنكر بالحق في صورة عدم الحلف. وثانيهما قوله عليه السلام في ذيلها: ولو كان حيا لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت عليه حق. فإن المستفاد منه أنه يرتب على عدم البينة للمدعي مع حياة المدعى عليه أحد أمور ثلاثة: إلزام المدعى عليه باليمين أو الحق أو رده اليمين إلى المدعي، ومع انتفاء اليمين والرد يلزم بالحق، وليس هذا إلا معنى القضاء بمجرد النكول.


(1) الظاهر أنه سقط من هنا جملة (عن محمد بن عيسي) فراجع جامع الرواة ص 169 ج 2. (2) الظاهر أنه هو الإمام موسى الكاظم عليه الصلاة والسلام كما ذكره الصدوق قده.

[ 29 ]

وقد أورد على الإستدلال بصدرها وذيلها بعد تضعيف سندها بمحمد بن عيسى بوجهين: أما بصدرها فأورد عليه أولا بمعارضتها مع ما في الفقيه فإنه أخرج الحديث بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت للشيخ يعني موسى بن جعفر عليهما السلام: أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة بما له قال: فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له. وثانيا بمخالفة ظاهره للإجماع فإن القضاء على المدعى عليه في صورة عدم الحلف مقيد إما بعدم رده اليمين إلى المدعي أو برد الحاكم اليمين إلى المدعي وحلفه فلا بد من تقدير أحدهما، وحيث لا معين في البين لأحدهما يسقط الإستدلال به على كل من الطرفين. والجواب أما عن ضعف السند بمحمد بن عيسى فالأقوى كونه موثوقا به، وما ذكروا في تضعيفه مخدوش بما في جامع الرواة وغيره مضافا إلى جبره بعمل المشهور به. وأما الإيراد عليه بمعارضة صدره مع نسخة الفقيه فأجيب عنه بترجيح ما خرجه الشيخ. والكليني على ما في الفقيه مع أن المعارضة بينهما ممنوعة فإنه لا مانع من العمل بكلتا النسختين، ولا منافاة بينهما. وأما الإيراد الثاني ففيه أن تقدير عدم الرد لازم على كل حال أما بناء على القول بالحكم بمجرد النكول فمعلوم وأما بناء على القول بالقضاء بحلف المدعي فلا يرد الحاكم إليه الحلف إلا في صورة عدم رد المنكر اليمين إليه فيبقى تقدير الحلف بلا وجه.

[ 30 ]

إن قلت: نعم تقدير عدم الرد يقيني لكن إذا كان تقدير شئ في الكلام معلوما بالإجمال فما هو المعين لكون القدر المتيقن عدم الرد مجردا عن حلف المدعي فلعله كان عدم الرد والحلف معا. قلت: المقطوع تفصيلا تقديره هو عدم الرد، وأما رد الحاكم وحلف المدعي فتقديره غير معلوم لا يعتنى باحتماله كما جرت به سيرة العرف في الأخذ بظواهر الألفاظ مع احتمال التقدير. هذا وربما قيل في مقام الجواب عن هذا الإشكال: إن الأمر دائر بين الأقل والأكثر، وهو عدم رد المدعى عليه اليمين إلى المدعي، وعدم رده مع رد الحاكم وحلف المدعي فالأخذ بالأقل يقيني، والأصل عدم الأكثر. وفيه إن هذا لا يثبت وجوب القضاء على الحاكم، وجواز حكمه تكليفا ووضعا، ومجرى البراءة في الأقل، والأكثر إنما يكون إذا كان التكليف بالأقل معلوما، وشككنا في التكليف بالأكثر، والمقام ليس من هذا القبيل فإن الحاكم شاك في تحقق موضوع جواز القضاء فلا يحصل له العلم بوجوب الحكم عليه، ونفوذ قضائه إلا في صورة عدم رد المنكر اليمين إلى المدعي، ورد الحاكم، وحلف المدعي، وأصالة عدم وجوب الحلف لا يثبت وجوب الحكم عليه. ثم إنه قد أورد بعضهم على الإستدلال بصدر الحديث إيرادا ثالثا وهو كون المبتدأ المقدر لقوله (فعليه) الحلف. والضمير المجرور للمدعي أي فالحلف على المدعي، وفيه أن هذا الإحتمال خلاف الظاهر، وفتح باب هذه الإحتمالات يسد باب الإستظهار، والإستدلال بظواهر الألفاظ.

[ 31 ]

وأما الإيراد على ذيل الرواية فأورد عليه أولا بأن الإستدلال به على جواز القضاء بمجرد النكول يتم إذا كان يرد مبنيا للفاعل، وأما إذا كان مبنيا للمفعول فلا دلالة للحديث على المدعي. وثانيا بما حكي عن بعض الأجلة من أن التمسك به إنما يستقيم إذا كان المراد من إلزام المدعي بالحق إلزامه والقضاء عليه بسب النكول مع إن من الممكن أن يكون المراد إلزامه بسبب إقراره، واعترافه وإذا تردد الأمر بينهما يسقط الإستدلال به. ولا يخفى ما في الوجهين. أما الأول فإن ظاهر الرواية كون مورد الإلزام بالحق غير مورد الإلزام باليمين والرد، وإذا كان يرد مبنيا للمفعول يصير مورد الإلزام بالحق مع مورد الرد المذكور في قوله: (أو يرد اليمين عليه) واحد إذ على هذا يكون المراد من إلزامه بالحق إلزامه به بعد رده اليمين إلى المدعي وحلفه، وهو خلاف الظاهر. هذا مضافا إلى كونه في مقام بيان ما يتوجه على المنكر لو كان حيا لا بيان وظيفة الحاكم. وأما الثاني ففيه أن الظاهر من الإلزام بالحق إلزامه بما أنه منكر للحق وناكل، ومن أقر على نفسه بالحق ليس منكرا ولا خصومة بينه، وبين المقر له حتى يلزم بالحق، ويؤيد ذلك قوله: فمن ثم لم يثبت عليه حق. فإن إثبات الحق فرع الإنكار، وأيضا يؤيد ذلك قوله: لألزم باليمين أو الحق. فإنه لو كان المراد من الإلزام بالحق إلزامه بإقراره كان الأولى ذكره أولا، وأن يقول: لألزم الحق أو اليمين أو يرد اليمين.

[ 32 ]

فالإنصاف إن هذه الرواية كافية لإثبات الحكم وهو جواز الحكم بمجرد النكول، ولو قيل برفع اليد عن صدرها بسبب اختلاف النسخ فلا وجه لرفع اليد عن ذيلها. وقد تم كتابة هذا البحث مختصرا بيد مؤلفه أقل أهل العلم علما وعملا وأكثرهم خطأ وزللا لطف الله الصافي الكلبايكاني غفر الله له ولوالديه، ولجميع أساتذته في 16 من ذي القعدة الحرام من شهور سنه 1374. ثم أجلت النظر فيه حتى انتهيت نهاية البحث، وفرغت منه في اليوم السابع من شهر ربيع الآخر من سنة 1385 راجيا من الله تعالى أن يجعله في صحيفة حسناتي، وأن يتقبل مني بأحسن القبول إنه ولي الحسنات وغافر السيئات، والصلاة على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطاهرين سيما مولانا الإمام المنتظر بقية الله في الأرضين أرواح العالمين له الفداء، وكحل الله أبصارنا بتراب مقدم أصحابه وأعوانه. * * *

[ 33 ]

الرسالة الثانية التداعي في مال من دون بينة ولا يد

[ 34 ]

مسألة: إذا تداعى شخصان أو أشخاص في مال لم تكن لواحد منهم ولا لغيرهم يد عليه، فادعى كل واحد منهم أن المال له ورفع الأمر إلى الحاكم وكانت الدعويان متقارنتين، ولم تكن لأحد من المتخاصمين بينة شرعية، أو كانت بينة كل واحد معارضة ببينة الآخر، حيث لا يكون لإحدى البينتين أو البينات ترجيح على غيرها من حيث العدالة والعدد، فهل يحكم بالقرعة حتى يكون المال لمن خرجت القرعة باسمه. أو يحكم بتقسيم المال وتوزيعه بين المتداعيين بالسوية. أو يبنى على حلف أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة. أو على التحالف، فإن حلف أحدهما دون الآخر يقضى للذي حلف، وإن حلف الجميع يقسم المال بينهما بالسوية. أو على التحالف، وبعد حلف كل واحد منهما يرجع إلى القرعة. أو يفصل بينما إذا لم تكن لأحدهما بينة شرعية، وبين صورة معارضة بينة كل واحد منهما ببينة الآخر. ففي الصورة الأولى قضي به بينهما نصفين، وفي الصورة الثانية يبنى إما على الحلف وتعيين الحالف بالقرعة أو على التحالف على ما يأتي تفصيله إنشاء الله تعالى. في المسألة احتمالات ووجوه، ولا ريب أنه ليس هنا أصل ولا ظاهر يعول عليه في مقام الترافع والحكم وفصل الخصومة، اللهم إلا قاعدة (البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه) وقاعدة (القضاء بالبينات والأيمان، وأن أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى). فلابد من النظر في الإحتمالات والوجوه المذكورة والأخذ بأقواها بحسب الدليل. فنقول مستعينا بالله تعالى:

[ 35 ]

أما الإحتمال الأول وهو الرجوع إلى القرعة إبتداء فوجهه كونها لكل أمر مجهول، وأنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج بينهم المحق. ولا ريب أن ما نحن فيه من الأمور المجهولة التي تشملها قاعدة القرعة، ورواياتها الكثيرة المتواترة معنى بل وإجمالا أيضا، لأن القدر المتيقن من الموارد التي تشملها أدلة القرعة هو الشبهة الموضوعية المحصورة المقرونة بالعلم الإجمالي التي وقع فيها التنازع والتخاصم، وادعي كل واحد من المدعيين أن موردها حق له من غير أن يكون لواحد منهما ولغيرهما يد عليه ولا بينة لإثبات مدعاه عند الحاكم أو صارت بينته معارضة ببينة الآخر، ولو كان القدر المتيقن من أدلتها أوسع من ذلك فلا ريب أنها تشمل المورد. هذا وقبل الكلام في رد هذا الإحتمال ينبغي التنبيه على نكتة وهي أن أدلة القرعة أعم موردا مما ذكر فتشمل الشبهة الموضوعية التي وقع فيه التنازع، وما لم يقع فيه ذلك، كما تشمل المبهمات الواقعية والموضوعات الغير المعينة في الواقع، لا بمعنى أن القرعة تصيب الواقع لأن إصابتها الواقع فرع وجود أمر في الواقع، بل بمعنى أن ما خرج به السهم عند كون الموضوع مبهما وغير معين في الواقع يجب الأخذ به تعبدا، فليس مفادها على ذلك مفاد الأمارة، بل يكون أوسع وأوثق منها لإمكان كشف الخلاف في الأمارة، وعدم إمكانه في القرعة إذا كان مجراها ما لا تعين له في الواقع كما إذا كان لمورثه ستون مملوكا وعتق ثلثهم، أو كان له مثل ذلك فأوصى بعتقهم ولم يكن له من المال غيرهم فلم يجز الورثة الوصية فإنه يعتق عشرون منهم بالقرعه، وهكذا إذا أوصى بعتق ثلث مماليكه، فإنه يستخرج ذلك بالقرعة.

[ 36 ]

ثم إنه بعد التنبيه على ذلك نقول إنه يرد على ما وجه به احتمال الرجوع إلى القرعة في المسألة: إنه إنما يجوز الرجوع إلى القرعة إذا لم يندرج المورد في قاعدة من القواعد الشرعية مما يرفع به الإعضال والحيرة، وأما الموضوع المتنازع فيه المذكور في عنوان المسألة لا إعضال فيه عند العرف بحيث لا يمكن للحاكم فصل الخصومة فيه إلا بالقرعة. وذلك أولا لحكم العرف والعقل بالنصف والعدل، والجمع بين ما يقتضيه الدعاوي الواردة على مال واحد في الجملة إذا لم يكن لأحدهما البينة فيشمله قوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) بعد حكم العرف بما يقتضيه العدل والنصف، وشمول مثل الآية له. وثانيا لا موضوع للقرعة ولا إعضال حتى يرجع إليها لدفعه لأنه إذا أقام كل منهما البينة يندرج تحت قاعدة: (القضاء بالبينات والأيمان) فيرجع إليها ويحكم بحلف أحدهما أو كليهما، نعم يرجع إلى القرعة في تعيين الحالف إذا قلنا بأن الوجه حلف أحدهما أو القرعة إذا حلف كلاهما، وأين هذا من الرجوع إلى القرعة ابتداء. أقول: أما ارتفاع الإعضال والإشكال بالحكم بالنصف ففيه أن ذلك فرع كون موضوع القرعة مجرد الإعضال والإشكال كما توهمه بعض المعاصرين، ولذلك مع ذهابه إلى أمارية القرعة اختار تقدم الأصول عليها إذا كان موردها مجرى لأصل من الأصول لارتفاع موضوع الحكم بالقرعة، وهو الحيرة والإعضال من البين، وهذا توهم فاسد، لأنه مع البناء على كون القرعة في الموارد المتنازع فيها والشبهات الموضوعية مطلقا أمارة وطريقا إلى الواقع كما

[ 37 ]

دلت عليها أدلتها (1) لا مجال للرجوع إلى مثل قاعدة العدل والإنصاف وتقديمها عليها، ولا يصح أن يقال إنها أمارة وطريق إذ لم يكن أصل لرجوع ذلك إلى التهافت وتأخر ما رتبته التقدم، وتقدم ما رتبته التأخر. هذا مضافا إلى أنه إن قلنا بأن موضوعها كما يستفاد من الأحاديث الجهل بالواقع مثل موضوع سائر الأمارات، لا مجرد الإعضال والإشكال فالجهل بالواقع باق لا يرتفع بالجمع بين الدعويين والعمل بالنصف والعدل. والحاصل أن الحكم بالنصف والعدل بالجمع بين الدعويين رتبته رتبة الأصل لا نظر له إلى الواقع بخلاف القرعة، فإن لها مرتبة الأمارة والطريقية، والنظر إلى الواقع فالقرعة أمرها أوسع وأشمل من سائر الأمارات لأنها طريق إلى الواقع، وترشد إليه، والقرعة ترشد إلى الواقع في موارد وإلى ما ينبغي أن يكون العمل به ويختاره الله تعالى فيما ليس معينا في الواقع فكما لا يقدم الأصل على سائر الأمارات لا يقدم عليها أيضا. فإن قلت: قد روى ثقة الإسلام الكليني قدس سره عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام اختصم إليه رجلان في دابة، وكلاهما


(1) هذا إذا كان لمورد الشبهة نفس الأمرية الواقعية اشتبه لأمور خارجية، وأما فيما ليس له ذلك فالظاهر أن الحكم بها فيه تعبدي صرف، وإن شئت قلت: على حسب قاعدة العدل والإنصاف وطلب تعيين ما ليس في الواقع من الله تعالى ومن باب التسليم لاختياره وقضائه، فموضوع القرعة الحيرة في أمر من الأمور من جهة التكليف الشرعي، سواء كان سببها الشك والإشتباه في موضوع معين في الواقع، أو كان سببها عدم تعينه في الواقع.

[ 38 ]

أقاما البينة إنه أنتجها فقضى بها للذي في يده وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين. وروى أيضا عنه عن أحمد عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة: أن رجلين عرفا بعيرا وأقام كل واحد منهما بينة فجعله أمير المؤمنين عليه السلام بينهما نصفين، وموردهما وإن كان صورة تعارض البينتين إلا أن جعل المال بينهما نصفين مع إمكان الرجوع إلى القرعة يدل على أنه لا تصل النوبة إلى القرعة، ولا اعتبار لها شرعا إلا عند فقد جميع ما يرتفع به الإشكال الذي منه قاعدة العدل والإنصاف فلابد من الرجوع إليها. قلت: إن الخبرين يردان الرجوع إلى القرعة يحكمان بالتنصيف عند تعارض البينتين لا مطلقا وإن لم تكن لواحد منهما البينة فيمكن أن يكون الحكم بالتنصيف لخصوصية إقامة كل واحد منهما البينة وعدم إمكان الحكم باليمين إذا لم يكن المال تحت يدهما لعدم المدعى عليه الذي عليه اليمين، فلا يرد بهما الرجوع إلى القرعة إذا لم يكن لواحد منهما البينة. إن قلت: فما تقول في رواية الصدوق والشيخ قدس سرهما في الفقيه والتهذيب عن عبد الله بن المغيرة، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: بيني وبينك، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما الذي قال: هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وإنه لصاحبه يقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين. فليس تنصيف الدرهم بينهما نصفين إلا بقاعدة العدل والإنصاف.

[ 39 ]

قلت: إن الحكم بالتنصيف للعمل بمقتضى اليد في صورة عدم البينة، أو تعارض البينتين أو تحالفهما أو نكولهما عن اليمين حسب ما يقتضيه الجمع بينهما وبين سائر الأخبار فيحكم بكون المال لهما لكونه تحت يدهما وفيما نحن فيه ليس لأحدهما يد على المال. لا يقال: إن الحكم على طبق قاعدة اليد إنما يتم إذا كان يد كل منهما على النصف لاعلى كل المال لعدم تعقل كون اليد على النصف المشاع إلا بكونها على كله فالظاهر أن الحكم بالتنصيف مبني على سقوط أمارية يد كل واحد منهما على المال بمعارضتها بيد الآخر، فالحكم بكون المال بينهما نصفين حكم بالعدل والإنصاف. فإنه يقال هذا إذا كان المراد من اليد، الجارحة، وأما إذا كان المراد التسلط على المال يكون تسلط كل منهما عليه بالنصف اعتبارا لضعف سلطنتها خارجا عليه لاعدمها رأسا فتدبر. ثم إنه يمكن أن يقال في رد القاعدة الموسومة بالعدل والإنصاف إن الحكم بالعدل ليس إلا الحكم بالحق المأمور به في قوله تعالى (فأحكم بين الناس بالحق) والحكم بما زعم أنه حكم بالنصف والعدل ليس حكما بالحق، للعلم بعدم وصول صاحب الحق إلى حقه وإبطال حقه في نصفه بهذا الحكم. بل يمكن أن يقال إن الحكم بالعدل مورده الأحكام الحكومية والنظامية التي يحكم بها الحاكم حسب ما يقتضيه مصالح النظام والإدارة، لطرو بعض العوارض وحدوث بعض الحوادث التي لا استمرار لها، بل بقاؤه يدور مدار بقاء المصلحة التي اقتضته، أو دفع مفسدة لا يرضى الشارع بوقوعها، وأما ما

[ 40 ]

يتعلق بحقوق الناس والماليات مما يقع فيه بينهم التنازع والتخاصم فالحكم فيه يجب أن يكون حكما بالحق أو يقال بأن الحكم بالعدل أعم مما ذكر والحكم بالحق، فكل حكم بالحق حكم بالعدل دون العكس، لا لأن الحكم بالعدل في بعض الموارد حكم بغير الحق حتى يكون الحكم بالعدل والإنصاف منه، بل لعدم كون الأحكام النظامية أحكاما حقوقية فالحكم بها حكم بالعدل وليس حكما بالجور ولا بالباطل كما أنه ليس حكما بالحق بخلاف الأمور الحقوقية والمالية مما يقع فيه بين الناس التنازع، فالحكم فيها يجب أن يكون بالحق حسب ما يقتضيه قواعد القضاء من البينة واليمين والإقرار وعلم الحاكم وهو حكم بالعدل أيضا، نعم حكم الحاكم في الأمور النظامية حكم حق وليس حكما بالحق فتدبر. ولكن يمكن أن يقال: إن ما هو الواجب في مقام القضاء هو الحكم بالعدل لا الحكم بالواقع الذي يعبر عنه بالحكم بالحق، كما يصح أن يعبر عن الحكم بالعدل أيضا بالحكم بالحق لا بما أنه حكم بالواقع، لأنه يحتاج إلى العلم بالغيب وإعماله ممن كان عنده بإذن الله تعالى، بل لأنه حكم بالقانون والقواعد القضائية، وبأحكام الله الحقة، فالحكم بالواقع حكم بالحق بكلا معنييه، وإن كان الحاكم غير عالم بكونه حكما بالواقع، ويجوز أن يكون المراد من قوله تعالى خطابا لداود (إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) الحكم بالواقع كما خص الله بذلك أيضا على حسب ما يستفاد من الأخبار مولانا المهدي عليه السلام، فإنه مأذون بالحكم بالواقع كما كان داود مأذونا به.

[ 41 ]

ولعل قوله صلى الله عليه وآله (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان) إشارة وتوطئة لبيان أنه لا يقضي بعلمه بالواقعيات بل يقضي كغيره بالبينات والأيمان. فعلى هذا يمكن تصحيح القول بقاعدة العدل والانصاف في الجملة في الموارد التي لا يمكن الحكم فيها بالبينة واليمين واليد، كما إذا كان مال بين شخصين كل واحد منهما يعلم أنه إما له أو لصاحبه، ولا يد لأحدهما عليه، فالحكم في ذلك، التنصيف دون القرعة عملا بقاعدة العدل والإنصاف. وكذا إذا كان المال بيد المتنازعين ولا بينة، وقلنا بعدم كون كل منهما مدعيا للنصف الآخر ومدعيا عليه في نصفه، فعلى هذا تنحصر موارد القرعة بما إذا لم يمكن في المورد الحكم بالبينة أو اليمين أو اليد، حيث لا علم للقاضي بالواقع ولا يمكن العمل بقاعدة العدل والإنصاف. هذا، وقد ظهر من ذلك كله بطلان احتمال الرجوع إلى القرعة إذا لم تكن لواحد منهما البينة وأن الحكم هو القضاء بينهما نصفين، وإذا كانت بينة كل واحد منهما معارضة ببينة الآخر فالقضاء بالحلف وتعيين الحالف بالقرعة أو بالتحالف على تفصيل يأتي إنما يتم إذا كان لهما أو لواحد منهما يد على المال، ومع عدم ذلك فلابد من القضاء بكون المال بينهما. فإن قلت: إذا آل أمر القرعة إلى هذا الضيق مع كونها طريقا إلى الواقع، فكيف يرتفع التهافت بين كونها كذلك وحصر جواز الرجوع إليها في موارد لم تكن مجرى لقاعدة من القواعد أو أصلا من الأصول. قلت: إن القرعة ليست بنفسها ومن غير إذن الشارع وتضمينه طريقيتها طريقا إلى الواقع، وليس فيها مطلقا وبالذات جهة كشف ناقص يتمها الشارع

[ 42 ]

ويعتبرها كالكشف التام، بل هي كالاستخارة، استعلام الرشد والصلاح من الله تعالى، لأنه أذن بها وضمن هدايتها إلى الرشد والصلاح، إلا أن هذا الإذن والتضمين من الله تعالى لم يثبت إلا في موارد خاصة مما لم يكن لرفع الجهل والشك والحيرة طريق أو أصل عملي في البين، فلذا يصح إن قلنا إنها في مواردها دائمة الموافقة للرشد والصلاح كما لا يخفى، فإنها ليست من الأمارات التي كان اعتبارها وجعلها حجة بغلبة إصابتها الواقع، وكانت حجيتها بمنزلة تتميم جهة كشفها وتنزيلها منزلة القطع الذي حجيته ذاتية، بل جعلها الشارع سببا للهداية إلى الرشد وكشف الواقع بعنايته ورعايته الخاصة، كجعل الشكر سببا لزيادة النعمة أو الدعاء سببا للإجابة، أو الصدقة سببا لدفع البلاء. وبعبارة أخرى قد أخبر الله تعالى عباده ووعدهم وشرط لهم أنهم إن عملوا بالقرعة في الموارد التي عينها وعرفها لهم يهديهم إلى ما فيه السداد، فإذا كان موردها الشك في أمر له نفس الأمرية الواقعية يهديهم إلى الواقع وإلا فيهديهم إلى الرشد والسداد. فشأن القرعة ليس شأن الأصول ولا الأمارات العرفية التي أمضاها الشارع، فلا يقع التعارض بينها وبين القواعد والأصول والأمارات أصلا. هذا تمام الكلام في الإحتمال الأول في المسألة، وقد ظهر مما ذكرناه بطوله عدم جواز الرجوع إلى القرعة إبتداء دون ما يأتي في بيان سائر الإحتمالات، كما ظهر لك مورد الرجوع إلى القرعة وإلى قاعدة النصف والله تعالى هو العالم.

[ 43 ]

تذنيب: مما يدل في الجملة على عدم جواز الرجوع إلى القرعة إذا أمكن العمل بالنصف والعدل هو صحيح أبي بصير سأل الباقر عليه السلام عن رجل تزوج أربع نسوة في عقد واحد، أو قال في مجلس واحد، ومهورهن مختلفة قال: جائز له ولهن، قال: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان، فطلق واحدة من الأربع، وأشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد، وهم لا يعرفون المرأة، ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة التي طلق، ثم مات بعد ما دخل بها كيف يقسم ميراثه؟ قال: إن كان له ولد فإن للمرأة التي تزوجها أخيرا من أهل تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، وإن عرفت التي طلق من الأربع نفسها ونسبها فلا شئ لها من الميراث وعليها العدة، وإن لم تعرف التي طلق من الأربع نسوة اقتسمن الأربع نسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا وعليهن العدة جميعا. فإن مورده وإن كان اشتباه الأمر على الأربع نسوة أنفسهن وليس من باب التنازع وادعاء كل واحد منهن زوجية المطلق حين موته، إلا أنه يدل في الجملة على الرجوع إلى قاعدة العدل والإنصاف حيث أمكن الرجوع إلى القرعة. نعم اختار ابن إدريس الرجوع إلى القرعة واستخراج المطلقة بها لأنه لا يعمل بخبر الواحد. وربما يستشهد لذلك أيضا برواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن علي عليهم السلام في رجل استودع رجلا دينارين واستودعه آخر

[ 44 ]

دينارا فضاع دينار منها فقضى لصاحب الدينارين ويقسمان الدينار الباقي بينهما نصفين. وفي دلالته على قاعدة العدل والنصف إشكال، لأن الأمر لا يخلو من صورتين: الأولى أن يكون ضياع دينار منها بعدما خلط الدنانير وحصل الإشتراك القهري في الجميع لما لك الدينارين ولمالك دينار واحد، ففي هذه الصورة الحكم ضياع ثلث الضايع من مال مالك دينار واحد وثلثيه من مال مالك دينارين فيبقى لمالك دينار واحد ثلث كل من الدينارين الباقيين. والثانية أن يحصل الضياع حال كون الدينار الواحد ممتازا من الدينارين ثم اشتبه الأمر بين كون الضايع دينار مالك الواحد أو دينارا من ديناري مالك الدينارين، فالحكم بالعدل والإنصاف يقتضي أن يكون لصاحب الدينار الواحد ثلثي دينار من الدينارين الباقيين، ولصاحب الدينارين ثلثه الآخر، وذلك لأن احتمال كون الضايع من مال صاحب الدينارين اثنان، واحتمال كونه من صاحب الدينار الواحد واحد، وهكذا يقل احتمال كون الضايع ممن له دينار واحد كلما زيد في دنانير الآخر فإذا كان له مثلا تسعمأة وتسع وتسعون، وللآخر واحد فمقتضى العدل والإنصاف أن يكون لمالك الدينار الواحد تسعمأة وتسع وتسعون منه ولمالك الدنانير واحد من الألف منه، فمقتضى العدل والإنصاف أن يكون لصاحب الدينار الواحد ثلثان ولصاحب الدينارين الثلث.

[ 45 ]

فالرواية من هذه الجهة بعد الحكم باعتبار سندها لا تدل على القاعدة المذكورة، فلابد أن يحمل على التعبد وإلا لو أخذ بها يجب أن نحكم به إذا كان لأحدهما ثلاثة أو أربعة أو أزيد، وللآخر دينار واحد. ولاريب أن الحكم به لا يوافق العدل والنصف، أما على ما قلنا إنه يوافق العدل والنصف إذا كان لأحدهما ثلاثة أو أربعة وللآخر دينار واحد يحكم بكون ثلاثة أرباع، أو أربعة أخماس من دينار واحد من الدنانير الباقية لمالك الدينار الواحد والباقي لمالك الدنانير. وأما الإحتمال الثاني وهو الحكم بتقسيم المال وتوزيعه بين المتخاصمين فوجهه كون نسبة كل واحد من المتداعيين إلى المال متساوية لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالعدل والإنصاف يقتضيان القضاء بالتنصيف وكون المال بينهما إذا لم يكن لأحد منهما يد على المال ولا بينة. ويظهر من الجواهر إنه المتسالم عليه بين الأصحاب وتدل عليه روايتا غياث وتميم بل ورواية ابن المغيرة. لا يقال: لم لا يقضى بينهما باليمين؟ فإنه يقال: إن اليمين على المدعى عليه ومع عدم كون يد واحد منهما على المال لا وجه لاستحقاق كل منهما اليمين على الآخر، ضرورة عدم كون من لا يد له على المال مدعى عليه يراد رفع يده عنه، فقول كل منهما: المال لي دعوى بلا مدعى عليه. هذا ولا فرق في ذلك بين ما إذا لم يكن لأحدهما البينة أو كان لكل منهما البينة وسقطتا بالتعارض.

[ 46 ]

لا يقال فرق بين عدم إمكان العمل بالبينتين وتساقطهما وانتفاء ميزانية البينة، ففي المقام وإن لم يمكن العمل بالبينتين إلا أن إعطاء كل منهما نصف المال مستند إلى بينته، فإنها شهدت له بالكل وإنما منعه عن نصفه معارضة بينته بينة صاحبه، فصار كل واحد من عقدي الإيجاب والسبب والإعطاء والمنع مستندا إلى البينة، وهذا معنى الأخذ بميزانية البينة والحكم بالتنصيف بالبينة. فإنه يقال عدم الحكم لكل منهما بالنصف الآخر مستند إلى تعارض البينتين وسقوط دعوى كل منهما بالنسبة إليه وليس هذا إلا تعذر القضاء بالميزان وتساقط البينتين فالحكم بالتنصيف لا يكون إلا بميزانية قاعدة العدل والإنصاف. اللهم إلا أن يقال إن العرف لا يرى سقوط البينتين بالنسبة إلى كل المال، ولذا لو ادعى ثالث كون المال له ولا بينة له لا يقضى بالتثليث على كل حال، ولا فرق بين الصورتين لولا النص الذي سيأتي عند ذكر الإحتمال الثالث والرابع. وأما الإحتمال الثالث وهو البناء على حلف أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة ففيما إذا لم يكن لأحد من المتخاصمين بينة شرعية لا محل للرجوع إلى اليمين على ما ظهر وجهه مكررا فيما أسلفناه، ويكون القضاء على التنصيف لميزانية القضاء بالنصف في مثله. وأما إذا كان لكل واحد منهما البينة ولا يد لأحدهما على المال على الفرض فلولا النص وإن كان الحكم هو القضاء بالنصف أيضا، لكن يستدل للبناء على يمين أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة بمثل صحيح داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا

[ 47 ]

علي غير الذي شهدا عليه واختلفوا قال: يقرع بينهم فأيهم قرع عليه اليمين وهو أولى بالقضاء. لا يقال: إن اليمين المذكور فيه ظاهر في اليمين الذي على المدعى عليه، وعليه يلزم أن يكون التنازع بينهما على نحو يكون كل منهما مدعيا ومدعى عليه بأن يكون المال تحت يدهما، حتى يكون توجيه اليمين إلى كل واحد منهما على القاعدة، نعم يقتصر بمقتضى الحديث على يمين أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة. فإنه يقال: إن ذلك خلاف الظاهر، فإنه يوجب حرمان الآخر من حقه، وإسقاط دعواه على صاحبه بدون يمينه وبقاء حقه في يده، والظاهر أنه ميزان آخر للقضاء في موارد لا يشملها ميزان (البينه على المدعي واليمين على المدعى عليه) وهو ما إذا أقام كل منهما البينة ولم يكن لأحدهما يد على المال، وهذا الميزان هو حلف أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة، ولو فرض كون مورد هذا الميزان أوسع وأشمل من ذلك فلا ريب لشموله له فالحكم القضاء بيمين من جائت القرعة به، فإن نكل ترد اليمين إلى الآخر. ويمكن أن يوجه ذلك بأن ميزانية اليمين لفصل الخصومات والقضاء يقتضى الحكم باليمين بعد سقوط البينتين عن الميزانية بالتعارض، وهذه تحصل بيمين أحدهما، وحيث لا مرجح لأحدهما على الآخر يقرع بينهما ليعلم أيهما يكون الحالف وبعد حلف من جائت القرعة به يحكم له باليمين عملا بميزانية اليمين. فإن قلت: لم لا يحلفان جميعا، فإن حلفا يجعل المال بينهما نصفين أو يعمل بالقرعة.

[ 48 ]

قلت: لازم ذلك رفع اليد عن ميزانية اليمين والأخذ بما ميزانيته بعد ميزانية اليمين وهو القرعة، أو قاعدة العدل والإنصاف، وأما البناء على تعيين الحالف بالقرعة الذي معناه جعل من يجئ القرعة به منكرا فالحكم بيمينه يكون من الحكم بالأيمان، وبالجملة يكفي في الحكم باليمين يمين واحد منهما، ويعين ذلك بالقرعة، بخلاف ما إذا حلفا جميعا وحكمنا بالقرعة أو بقاعدة النصف، فإنه ليس حكما باليمين، بل حكم بالقرعة. وعلى كل حال فالنصوص المعتبرة تدل على البناء على الحلف وتعيين الحالف بالقرعة، فالعمل يجب أن يكون على تلك النصوص، ولا يعارضها خبر إسحاق بن عمار الذي سنذكره في وجه الإحتمال الرابع لصحة تلك النصوص وأقوائيتها بحسب السند والشهرة الروائية. إن قلت: فقولوا مثل ذلك في الصورة الأولى التي ليس لأحدهما البينة أيضا لإمكان القضاء بينهما باليمين وتعيين الحالف بالقرعة، فلا يجوز الخروج عن قوله صلى الله عليه وآله: إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان وعما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى. قلت: لا بأس بذلك لو لم يثبت تسالم الأصحاب فيه على الحكم بالتنصيف، فنقول به ونقيد بمثل رواية داود إطلاق روايات غياث وتميم وابن المغيرة. فعلى هذا يستقر النظر في مسألتنا هذه بصورتيها على الحكم بحلف أحدهما وتعيين الحالف بالقرعة، سواء كانت لهما البينة المتعارضة ببينة الآخر أو لم يكن لأحدهما البينة. وعلى ذلك ينحصر مورد العمل بقاعدة العدل والإنصاف

[ 49 ]

بمثل مورد صحيح أبي بصير مما لا يمكن فيه الحكم بالبينات والأيمان، ويعمل بالقرعة في غير ذلك مما لا يمكن فيه إجراء قاعدة العدل والإنصاف، أو ورد النص فيه بالخصوص بالعمل بالقرعة. وأما الإحتمال الرابع، وهو البناء على التحالف فإن حلفا جميعا يقسم المال بينهما بالسوية، سواء كان التداعي بين إثنين أو أكثر، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر يقضى للذي حلف - فمستنده خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: إن رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين عليه السلام في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة أنها نتجت عنده فأحلفهما علي عليه السلام فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف فقيل له: ولو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، فقال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل: فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا البينة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده. والظاهر في الصورة الأولى أيضا أن الحكم بحسب هذا الخبر جعل المال بينهما نصفين إعتناء بحلفهماكما في الصورة الثانية، بل يمكن أن يكون قوله: (فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين) حكم الصورتين، كما أن الظاهر عدم الفرق بين صورة وجود البينة لهما وعدمها لإلغاء تلك الخصوصية عرفا أولا، وثانيا لإمكان فصل الخصومة بالحلف فيجب أن يقضي به. وهذا الإحتمال أيضا وإن كان يساعده الإعتبار ويقتضيه القضاء بالبينات والأيمان إلا أنه معارض للإحتمال الثالث الذي دل عليه الروايات الصحيحة التي هي أقوى من خبر إسحاق بن عمار سندا وشهرة، فالعمل يكون عليها،

[ 50 ]

ويمكن استفادة تخيير القاضي بين الحكم بهما حملا للظاهر على الأظهر لظهور كل منهما لفظا على جواز الحكم به دون نفي جواز الحكم بالآخر، فإن دلالته على ذلك إنما يكون بالسكوت في مقام البيان فتأمل. وأما الإحتمال الخامس، وهو الحكم بالتحالف والقرعة إن حلفا جميعا فلا أرى مستندا له، مضافا إلى أن الحكم بالتحالف إنما يكون للحكم لهما بكون النصف لكل واحد منهما، والرجوع إلى القرعة بعد حلف الجميع رد للحلف، ويلزم منه لغوية الحكم به، وإن قيل بأن الحكم ليس التحالف بل حلف واحد منهما، فالرجوع إلى القرعة يجب أن يكون لتعيين الحالف بعد حضور كل واحد منهما للحلف فلا محل للرجوع إلى القرعة بعد حلفهما أصلا. وأما الإحتمال السادس، وهو التفصيل بينما إذا لم تكن لأحدهما بينة شرعية وبين صورة معارضة بينة كل واحد منهما ببينة الآخر ففي الصورة الأولى يقضى به بينهما نصفين وفي الصورة الثانية يبنى اما على الحلف وتعيين الحالف بالقرعة أو على التحالف، فقد ظهر أيضا بما ذكرناه في وجه الإحتمال الثالث ضعفه، وإن حكم الصورتين واحد. هذا ما تيسر لنا من الكلام حول هذه المسألة والإحتمالات الستة المذكورة مع عدم المجال وتشتت البال والله هو المستعان. وقد ظهر منه أن أقوى الإحتمالات فيها هو الإحتمال الثالث، ويليه الرابع بحمل ما يدل عليهما على تخيير القاضي في القضاء بأيهما شاء، وحيث إن الروايات الواردة في الإحتمال الثالث أكثر وأشهر فالعمل بها أولى وأحوط، لا ينبغي العدول عنها.

[ 51 ]

تنبيه: قد ظهر لك من مطاوي ما ذكرناه أنه لا فرق في القضاء بما ذكر بين ما إذا كان المال بيد المتداعيين أو لم يكن بيد واحد منهما، ولابين أن تكون لهما البينة وبين أن لا تكون لواحد منهما البينة، فمقتضى الأحاديث المذكورة والجمع بينها وكون فصل الخصومات بالبينات والأيمان وعدم اختصاص ذلك بكون أحد طرفي التخاصم مدعيا والآخر مدعى عليه هو القضاء في جميع هذه الصور بالحلف، وتعيين الحالف بالقرعة. نعم يمكن أن يقال فيما إذا كان المال بيدهما جميعا أن العرف حاكم بكون المال تحت يدهما بالمناصفة، وأن لكل منهما نصفه لكونه تحت يده، فكل منهما مدع للآخر ما تحت يده، ومحكوم بملكيته بحسب اليد وهو منكر له، فدعوى كل منهما وإن كانت دعوى ملكية كل المال إلا أنه بالنسبة إلى النصف الذي تحت يده ومحكوم بملكيته ليس مدعيا للآخر، ولا يطالبه منه فيرجع دعواه إلى النصف الآخر الذي هو تحت يد الآخر، فكل منهما منكر دعوى الآخر، وإذا حلفا جميعا لقاعدة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه تسقط دعواهما على الآخر ويبقى المال بينهما بالتنصيف، وليس هذا من باب تعارض اليمينين ، والحكم بتساقطهما بل حكم بسقوط دعوى المدعي بيمين المنكر فتأمل. وكيف كان نحن لا نرى اختصاص الحكم بالبينات والأيمان على مورد كان المال بيد أحد وطلب الآخر منه تسليمه ورفع يده عنه حتى يكون الثاني الطالب هو المدعي والمطلوب منه مدعى عليه، بل يعم ما نحن فيه والله هو العالم.

[ 52 ]

كما قد ظهر لك عدم جواز الحكم في مسألتنا بما سمي بقاعدة العدل والإنصاف، وبقاعدة القرعة إلا لأجل تعيين الحالف، وهي في هذه الصورة ليست طريقا إلى المعين الواقعي المجهول في الظاهر، بل مؤداها تعيين الحلف المجعول على واحد منهما مبهما بالقرعة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *

[ 53 ]

الرسالة الثالثة في المال المعلوم معين بين شخصين أو أشخاص معلومين محصورين...

[ 54 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مسألة: إذا علم بكون مال معلوم العين والمقدار لواحد من إثنين معلومين أو لأشخاص معلومين محصورين، وكان نسبة كلهم إلى هذا المال سواء، بحيث لا يعرف أحد منهم من له الحق بشخصه، فلا يدري غير أن المال إما له أو لصاحبه فتارة يكون بينهما الإختلاف في حكم القضية فيرفعان الامر إلى الحاكم ليحكم بينهما، وأخرى يكون المهم لهما أن يعلما حكم الشارع المقدس في المسألة، فلا تخاصم بينهما لا في الموضوع فإنه مبين عندهما ولا في الحكم لجهلهما به فليس عند كل منهما إلا احتمال كون المال له وإنه ليس لغيرهما. ولا ريب أنه لا تأثير للعلم الإجمالي هنا حتى يجب بمقتضاه على كل واحد منهما الإحتياط بالإجتناب عن التصرف فيه مثلا: إذا علم أن أحد الإنائين نجس، أو أحد المالين مغصوب يجب عليه الإجتناب من كليهما لأن النجس أو المغصوب لو كان في أي الطرفين يجب الإجتناب عنه، وبعبارة أخرى يجب الإجتناب عما هو النجس أو المغصوب في البين. وهذا بخلاف ما لو علم إجمالا أن هذا المال ملك له أو لغيره، فإنه لا يحرم التصرف فيه مطلقا، أي سواء كان له أو لغيره فلا يمكن أن يتعلق الأمر بالإجتناب عما هو الحرام في البين. وعلى هذا يمكن أن يقال بعدم حرمة التصرف فيه تكليفا لقوله عليه السلام: كل شئ لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، فلو أكله أو تصرف فيه بأمر آخر لم يرتكب حراما، كما لا يحكم بضمانه، لأن الحكم به في الظاهر يدور مدار إثبات وضع اليد على مال الغير أو إتلافه.

[ 55 ]

أللهم إلا إذا بنينا على أصالة الحظر في الأموال، ومعها لا يجوز التصرف فيه تكليفا، وأما ضمانه فهو تابع لحصول أسبابه واقعا والحكم به يدور مدار إحرازها وإثباتها ظاهرا. نعم لا يجوز بعض التصرفات مثل البيع والإجارة وضعا لأنه مقتضى القول بأصالة الفساد في المعاملات بإستصحاب بقاء المال في ملك مالكه وعدم نقله إلى المشتري. وأما بحسب الأدلة فيمكن أن يستدل بتوزيع المال بين الأفراد الذين هم اطراف الشبهة، أولا بأن ذلك حكم بالعدل المأمور به في قوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل فالعدل توزيع المال بينهم. لا يقال: إن الواجب هو الحكم بالحق وهذا ليس منه بل حكم بغير الحق. فإنه يقال: الواجب على الحاكم هو الحكم على طبق الموازين الشرعية وهو الحكم بالعدل، وأما الحكم بالواقع وبما هو الحق في الواقع، فلا يتأتى إلا ممن كان عالما بالواقعيات بإذن الله تعالى. والظاهر أن الله تعالى لم يأذن لهم بالقضاء بعلومهم اللدنية الموهوبة إليهم منه إلا لداود على نبينا وآله وعليه السلام، فقال الله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفه في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) وإلا لمولانا ومولى الكونين الإمام المهدي أرواح العالمين له الفداء حسبما جاء في بعض الروايات، هذا مضافا إلى أنه يستفاد من الأخبار أن الحكم على طبق الموازين، سواء أصاب الواقع أم لم يصب حكم بالحق. لا يقال: إن الحاكم على طبق الموازين معتمدا عليها له العلم العادي أو الظن المعتبر بالواقع، وأين ذلك مما نحن فيه، فإن الذي يحكم بالتنصيف عالم بعدم إصابة حكمه إلى الواقع لا محالة.

[ 56 ]

فإنه يقال: نعم ولكن العدل والنصف يقتضي ذلك والحكم به مأمور به. فإن قلت: لماذا لا يحكم بالقرعة التي بالحكم بها يحصل الظن بإصابة الواقع. قلت: إن القدر المتيقن من الحكم بالقرعة هو الموارد المشكلة التي ليس عند العرف طريق لرفع الإشكال، والحكم بالتنصيف رافع للإشكال يحصل به رضا الطرفين لا يعترض عليه أحد، بخلاف القرعة فإنها مع إمكان الحكم بالتنصيف لا يرجع إليها العرف، وقد مضى بعض الكلام في ذلك في المسألة السابقة. وثانيا بروايات أسدها وأتمها سندا ودلالة هي رواية أبي بصير التي رواها الكليني والشيخ، رضوان الله عليهما بإسنادهما عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوج أربع نسوة في عقد واحد أو قال: في مجلس واحد، ومهرهن مختلفة قال: جائز له ولهن، قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحده من الأربع، وأشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد، وهم لا يعرفون المرأة، ثم تزوج إمرأة من أهل تلك البلاد بعد إنقضاء عدة تلك المطلقة ثم مات بعد، فأدخل بها كيف يقسم ميراثه؟ فقال: إن كان له ولد فإن للمرأة التي تزوجها أخيرا من أهل تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، وإن عرفت التي طلقت من الأربع بعينها ونسبها فلا شئ لها من الميراث و (ليس) عليها العدة قال: ويقتسمن الثلاثه النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، وعليهن العدة، وإن لم تعرف التي طلقت من الاربع (قسمن النسوة) ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا وعليهن جميعا العدة. وجه الإستدلال بها تساوي نسبة الأربع نسوة إلى ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، فيقسم بينهن أرباعا عملا بالرواية والعدل والإنصاف، ولذا يتعدى عن مورده - كما في الجواهر - إلى ما لو اشتبهت المطلقة في اثنتين أو ثلاثة خاصة أو في

[ 57 ]

جملة الخمس، أو كان للمطلق دون الأربع، فطلق واحدة وتزوج بأخرى، وحصل الإشتباه بواحدة أو أكثر أو لم يتزوج فاشتبهت المطلقات بالباقيات أو بعضهن، أو طلق أزيد من واحده وتزوج كذلك حتى لو طلق الأربع وتزوج الأربع اشتباها أو فسخ نكاح واحدة لعيب أو غيره، وتزوج غيرها أو لم يتزوج. فالإقتصار على مورد النص، والإشكال في التعدية المذكورة كما حكي عن القواعد جمود بظاهر اللفظ لا يقبله العرف، لعدم احتمال وجود خصوصيه للمورد غير ما ذكر أصلا. ولعله كان من ذلك حصول الشركة بإمتزاج أحد المالين بالآخر حيث لا تميز لأحدهما من الآخر، فإن الإمتزاج الرافع للتميز صار سببا لتساوي نسبة الشركاء إلى كل واحد من حبات الحنطة أو الشعير مثلا، وقد اتفقت كلماتهم على حصول الشركة، وادعي دلالة الروايات عليه، وذلك ليس إلا لتساوي النسبة واقتضاء العدل والإنصاف ذلك. إلا أنه يمكن أن يقال: إن بين المثالين فرقا ظاهرا، ففي المثال الأول يعلم إجمالا أن واحدة من النسوة الاربع ليس لها من ثلاثة أرباع الثمن شئ، ومع ذلك يؤخذ مما لهن ويعطى التي ليست لها من الثمن شئ، وفي المثال الثاني ما يعطى من أحدهما الآخر يعطى عوضه منه، فلا ينقص من حق أحدهم شئ، فالحكم بالشركة إعطاء كل ذي حق حقه بخلاف المثال الأول، فإن الحكم بالتوزيع بين النسوة يكون بقاعدة العدل والإنصاف. ولكن يجاب عن ذلك بأن مثل هذا الفرق ليس بفارق بين هذه الأمثلة في حكم العرف في كل مورد بالعدل والإنصاف ففي كل هذه الأمثلة عندما

[ 58 ]

يعرض على العرف حكمه من سنخ واحد، ليس عند أحد حكم أعدل منه، كما أن الحكم في موارد القرعة أيضا بالقرعة الذي قرره الشارع هو الحكم بالعدل عند العرف. وعلى كل حال فرواية أبي بصير هي الحجة للحكم بالتوزيع في مسألتنا، فكما أنه يحكم بتوزيع ثلاثة أرباع ثمن ما ترك الزوج في المثال المذكور في الرواية بين النسوة الأربع يحكم بتوزيع المال المعلوم كونه من واحد من الإثنين أو الثلات أو الأربع بين الإثنين أو الثلاث أو الأربع. هذا وربما يستدل للحكم بالتوزيع المذكور برواية السكوني عن مولانا أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن علي عليهم السلام في رجل استودع رجلا دينارين واستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها فقضى لصاحب الدينارين دينارا ويقتسمان الدينار الثاني بينهما نصفين. وقد ادعي عمل الأصحاب بها وجبر ضعف سندها بالسكوني إن قيل بضعفه به (1) إلا أن الكلام في أنه هل يستفاد منها قاعدة كلية يعمل بها في سائر الموارد التي ترددت ملكية المال بين أشخاص كانت نسبهم إلى المال سواء بالغاء الخصوصية وتنقيح المناط القطعي بدعوى أن العدل والإنصاف يقتضي هذا الحكم، والعقل يأبى اختصاص مثل هذا الحكم بخصوص مورده، فمفهومه


(1) قال السيد الداماد ص 57 ذلك (أي ضعف ا لسكوني) غلط من مشهورات الاغاليط، والصحيح أن الرجل ثقة، وقال في ص 58 لم يبلغني من أئمة التوثيق والتوهين في الرجال رمي السكوني بالضعف وقد نقلوا إجماع الإمامية على تصديق ثقة العمل بروايته، فاذن مروياته ليست ضعافا، بل هي من الموثقات المعمول بها والطعن فيها بالضعف من ضعف التميز وقصور التتبع.

[ 59 ]

بالموافقة بل في بعض الموارد بالأولوية هو القاعدة الكلية، وليست هي إلا قاعدة العدل والإنصاف. ولكن في دلالة هذه الرواية على القاعدة وعدم اختصاص الحكم بمضمونه بمورده تأمل، وذلك لأن الحديث إن كان واردا لحكم مورد كان دينار صاحب دينار واحد مشخصا مميزا من ديناري الآخر، والإشتباه حصل بعد ضياع دينار من الدنانير الثلاثة، فالحكم بالعدل والإنصاف يقتضي أن يكون لصاحب دينار واحد ثلثي دينار من الدينارين الباقيين، ولصاحب الدينارين ثلثه، وذلك لكون احتمال الضايع من مال صاحب الدينارين ضعف احتمال كونه من صاحب الواحد، ويوضح هذا إن فرض أن يكون لصاحب الدينارين ثلاثة دنانير وأكثر إلى ألف وأزيد، وكان للآخر دينار واحد، وضاع دينار من الجميع، فهل العدل والإنصاف يقتضي أن يكون لصاحب الألف تسعماءة وتسع وتسعون ثم ينصف الدينار الباقي بينه وبين صاحب الدينار الواحد مع كون نسبة احتمال أن الضايع من صاحب الواحد بالنسبة إلى كونه من صاحب الألف نسبة الواحد إلى الألف، فكلما زادت دنانير صاحب الأكثر يقوى احتمال كون التالف منه بنسبة دنانيره، ويضعف احتمال كونه من صاحب الواحد، فالعدل والانصاف يقتضى أن يكون لصاحب الواحد من دينار واحد بنسبة احتمال كون الضايع من مال الآخر. وإن كان الحديث واردا لمورد اشتباه الدنانير قبل ضياع الدينار الضايع، فالحكم فيه بالعدل والإنصاف حصول الشركة القهرية في الدنانير الثلاثة بين صاحب الدينارين وصاحب الواحد، فيكون لصاحب الدينارين من كل واحد من الدنانير الثلاثة ثلثاه ولصاحب الواحد ثلثه، وبعد ضياع دينار من الدنانير

[ 60 ]

يبقى لصاحب الدينارين من كل واحد من الدينارين الباقيين ثلثاه ولصاحب الواحد الثلث من كل واحد منهما، فإذا تلف مأتان من ألف كان مثلا ثمانماءة منه لشخص وماءتان منه لشخص آخر بالإشاعة فالعدل والإنصاف يقتضي أن يكون من الباقي بالإشاعة لصاحب الماءتين ماءة وستون، ولصاحب الثمانماءة ستماءة وأربعون، والقول بأن لصاحب الثمانماءة ستماءة، ثم يقسم الماءتان بينهما بالتنصيف خلاف العدل والإنصاف. فالإنصاف أن هذه الرواية لا تصلح لأن تكون دليلا لهذه القاعدة، بل قد ظهر لك أن نسبة الرجلين ليست إلى المال سواء حتى يحكم بينهما بالتنصيف، فالحكم فيها بالتنصيف إما أن يحمل على التعبد أو بعض محامل صحيحة أخرى، أو يرد علمه إلى أهله. ويمكن أن يقال في توجيه الحكم بالتنصيف إن احتمال أن يكون الضايع لصاحب الدينارين وإن كان ضعف احتمال أن يكون لصاحب الواحد، إلا أن مقتضى العلم الإجمالي بكون الضايع إما كان من مال صاحب الدينارين أو من الآخر، أو العلم الإجمالي بكون الدينارين الباقيين إما يكونان لصاحب الدينارين أو يكون أحدهما لصاحب الدينار، كون الدينار بينهما نصفين. فالعمل يكون على مقتضى العلم الإجمالي لاعلى مقتضى الإحتمالات، وكيف كان فلا يتعدى إلى غيره. ومما استند عليه لإثبات القاعدة المسماة بقاعدة العدل والإنصاف ثم الحكم بها في مسألتنا بتوزيع المال بين الشخصين أو الأشخاص المعلوم كون المال لواحد منهم: خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام - الذي رواه المشايخ الثلاثة، وحكي عن الشيخ رحمه الله تعالى العمل به - في الرجل

[ 61 ]

يبضعه الرجل بثلاثين درهما في ثوب، وآخر عشرين درهما في ثوب فبعث بالثوبين فلم يعرف هذا ثوبه وهذا ثوبه؟ قال عليه السلام: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن والآخر خمسي الثمن، قلت: فإن صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين اختر أيهما شئت قال: قد أنصفه. والظاهر أن الحكم المذكور في الرواية إنما يستقيم ويكون على طبق العدل والإنصاف إذا بنينا على كون نسبة قيمة كل من الثوبين إلى الآخر في حال كونهما متميزين عين نسبة ثمن كل منهما إلى الآخر، ثم بقاء هذه القيمة لهما في حال صيرورتهما مشتبهين أيضا بحيث كان شراؤهما بأي ثمن بملاحظة كون قيمة أحدهما ثلاثة أخماس قيمتيهما والآخر خمسي قيمتيهما. فلا فرق بين الحالتين في القيمة، وما يقع من الثمن عوضا من كل من الثوبين إلا أنهما في الحال الأول متميزان عن الآخر، وفي الحال الثاني صارا مشتبهين، فالحكم بالعدل بشركة كل منهما في الثوبين بهذه النسبة، وحيث لا يمكن إفراز الثوبين بهذه النسبة إلا ببعض الصور التي لا يرغب فيها فالحكم هو بيع الثوبين وتقسيم الثمن بينهما بالنسبة المذكورة. وهذا الحكم موافق للعدل والإنصاف، وإنما حكم بذلك لأن الظاهر إن تفاوت ثمنيهما إنما كان بملاحظة تفاوت قيمتهما. والحاصل أنه لا ريب أن الحكم على هذا موافق للعدل والإنصاف فلا يشمل الخبر غير هذه الصورة، كما إذا نقص قيمة الثوب الذي كان أغلى وصارت قيمتاهما بسبب الإشتباه متساويتين وتغيرت النسبة بغير ذلك، فالحكم بالعدل والإنصاف يكون على نحو آخر.

[ 62 ]

وبالجملة فيجب بدلالة هذا الحديث في غير هذه الصورة أيضا الحكم بالعدل والإنصاف، لأنه لا خصوصية لهذا المورد في الحكم به، نعم يختلف الحكم بحسب الموارد كما لا يخفى. لا يقال: إن هذا ليس من قاعدة العدل والإنصاف، وإنما هو إعطاء كل ذي حق حقه، والحكم بالعدل والإنصاف إنما يكون في مورد اشتباه المالك في الشخصين مثل مورد رواية أبي بصير والسكوني، أو اشتباه المالين على نحو لا يمكن تشخيص أن أيا منهما لأي المالكين. فإنه يقال: لا فرق في ذلك بعد ما يرى العرف الحكم في الكل موافقا للعدل والإنصاف، فالعدل والإنصاف يقتضي في اشتباه المالين باستخراج ما لكل منهما بالمحاسبات الدقيقة كما يقتضي توزيع المال في مورد اشتباه المالك بشخصين أو أشخاص والحكم بالشركة في اشتباه المالين. ولكن الإنصاف أن الفرض خارج عن قاعدة العدل والإنصاف، فلو كان الخبر ناظرا إلى الفرض يكون صادرا على طبق القواعد الأصليه القاضية بإعطاء كل ذي حق حقه، ولا ارتباط له بمسألتنا. نعم لو فرض كون الخبر ناظرا إلى صورة الجهل بقيمة الثوبين وعدم إمكان بيع كل منهما منفردين، فالحكم هو بيعهما وإعطاء كل منهما من ثمنيهما بنسبة ما أديا ثمنا لكل منهما، ولكن هذا فرض نادر جدا، وأما إذا كانت قيمتهما معلومة وكانت نسبتهما إلى الأخرى متساوية فالحكم شركتهما في الثوبين بالنسبة، أو كون أحدهما لواحد منهما والآخر للآخر، وإذا اختلف نسبة قيمتيهما فالثوب الذى قيمته الأكثر لمن أدى الثمن الأكثر، والآخر للآخر، وهذا موافق للعدل والإنصاف.

[ 63 ]

وعلى كل، تعيين المراد من الخبر في غاية الإشكال، والإستناد به لقاعدة العدل والإنصاف أشكل، فنبقى نحن ورواية أبي بصير بالغاء الخصوصية بين الموارد كما نبه عليه في الجواهر وعدم الفرق بين اشتباه المالكين وهو منطوق الرواية وبين اشتباه المالين. فإن قلت: مثل رواية أبي بصير معارض بأخبار القرعة المتواترة الدالة على أن منزلتها منزلة الأمارة وإنها الطريق لمعرفة الواقع والوصول إليه تصيب ولا تخطئ، ومعها كيف يوجه العمل بما ليس له شأنية الطريق ولا نظر له إلى رفع الشك والوصول إلى الواقع بل العمل به موجب للقطع بمخالفة الواقع في الجملة. قلت: قد عرفت أنه ليس طريقية القرعة كطريقية سائر الطرق العرفية الظنية، مثل خبر العادل والبينة وظواهر الألفاظ التي نزلها الشارع منزلة القطع بالواقع بل هي كما يستفاد من الأخبار تصيب ولا تخطئ بعناية الله تعالى ورعايته في موارد خاصة عينها الشارع، وليس منها ما ارتفع إعضاله وإشكاله، بل وجهالته بحكم الشارع، وإن كان ذلك تعبدا وبحسب الظاهر، فمثله خارج عن تحت أدلة القرعة تخصيصا أو تخصصا. والذي يظهر من أخبار القرعة أنه يعمل بها في كل مورد لا يرتفع الشجر الناشي من الإعضال والإشكال والجهالة عملا إلا به، وفي غير ذلك لا يعمل بها إلا بالدليل الخاص. ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان الأمر الذي صار موردا للإعضال والإشكال غير معين في الواقع أو كان معينا في الواقع مجهولا في الظاهر، ومن ذلك ما إذا سقط بيت على قوم وبقي منهم صبيان أحدهما حر والآخر مملوك، فإنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو حر فيعتق الثاني ويجعل مولى له، وأما إذا سقط بيت على أهل بيتين وبقي منهما صبيان حران كل واحد منهما من أهل بيت ولا

[ 64 ]

يعرف أي منهما من أي أهل بيت، فالعمل فيه على قاعدة العدل والإنصاف سواء كان الوارث منحصرا بهما أم غير منحصر. وكذا إذا سقط بيت على أهل بيتين وبقي صبي منهما لا يعرف أنه من أي البيتين فالعمل أيضا على طبق القاعدة، فإذا لم يكن معه أحد من الطبقة الأولى من أي البيتين كان فتركة كل من البيتين تنصف بين الصبي ومن يكون في الطبقة الثانية. ومن الموارد التي يعمل فيها بالقرعة، الوصية بعتق ثلث مماليكه. ومنها ما إذا قال شخص: أول مملوك أملكه فهو حر، ومنها غير ذلك. ولا يخفى عليك أن القرعة تارة يعمل بها لفصل الخصومات فهي لا تقع إلا بحكم القاضي الشرعي، ولعل قوله عليه السلام: القرعة لا تكون إلا للإمام راجع إلى هذا القسم، فالإمام عليه السلام والمنصوب من قبله خاصا أو عاما يعمل بها لقطع الدعاوي والمرافعات. وتارة تكون لرفع الشبهة التي حصلت لشخص واحد أو للإثنين أو الأكثر، مثل بعض الأمثلة في الروايات التي اشتبهت الأمر عليهم، سواء كان الأمر معينا في الواقع مشتبها في الظاهر، أو كان مبهما غير معين في الواقع، فلا ريب في جواز العمل بها إذا تراضيا عليها، وإن لم تقع عند الحاكم , ولكن هل يجب العمل بها ولا يجوز العدول عنها، ثم هل للحاكم ان يحكم بها إذا ثبتت عنده أو وقعت بحضوره أو بأمره؟ ظاهر الأخبار وجوب العمل بها مطلقا ووجوب حكم الحاكم بها إذا طلبها واحد من الذين اشتبه عليهم الأمر والله هو العالم. هذا ولا يخفى عليك أن الحكم بالرجوع إلى القرعة في الأخبار في بعض مواردها أيضا ينطبق على قاعدة العدل والإنصاف، كما في بعض الوصايا المبهمة كالوصية بعتق عشرين من ستين عبيده.

[ 65 ]

وبما ذكرنا ظهر لك مورد القاعدة المسماة بقاعدة العدل والإنصاف ومورد قاعدة القرعة، وأنهما لا تتعارضان، كما قد ظهر لك وجه كون الأول مع أنه بمنزلة الأصل مقدما على الثاني الذي هو بمنزلة الأمارة بل أقوى منها. وظهر لك حكم مسألتنا التي عنونا بها البحث وأنها من صغريات قاعدة العدل والإنصاف. والله العالم. والصلاة والسلام على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطاهرين واللعن على أعدائهم أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. جددنا النظر في المسألتين في المشهد المقدس الرضوي على صاحبه سلام الله وأزكى تحياته في رجب الحرام 1400. ثم جددنا النظر فيهما في محرم الحرام 1416 وأنا أقل من أناخ مطيته بفناء شيعة أهل البيت عليهم السلام لطف الله الصافي حشره الله مع أوليائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. وإن لم تقع عند الحاكم , ولكن هل يجب العمل بها ولا يجوز العدول عنها، ثم هل للحاكم ان يحكم بها إذا ثبتت عنده أو وقعت بحضوره أو بأمره؟ ظاهر الأخبار وجوب العمل بها مطلقا ووجوب حكم الحاكم بها إذا طلبها واحد من الذين اشتبه عليهم الأمر والله هو العالم. هذا ولا يخفى عليك أن الحكم بالرجوع إلى القرعة في الأخبار في بعض مواردها أيضا ينطبق على قاعدة العدل والإنصاف، كما في بعض الوصايا المبهمة كالوصية بعتق عشرين من ستين عبيده.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية