الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نتائج الأفكار، الأول- السيد الگلپايگاني

نتائج الأفكار، الأول

السيد الگلپايگاني


[ 1 ]

نتائج الافكار في نجاسة الكفار تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله بقلم سماحة الحجة الشيخ علي الكريمي الجهرمي

[ 2 ]

دار القرآن الكريم الطبعة الاولى التاريخ: غره محرم الحرام 1413 ه‍. ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة المؤلف الحمد لله الذى من علينا ان هدانا للاسلام - وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله - وطهرنا من ادناس الكفر وعبادة الاوثان والاصنام التى هي اكبر الجرائم والآثام و اعظم المعاصي العظام. وافضل الصلاة والسلام على المبعوث إلى كافة الانام الذى علمنا معالم الحلال، وعلى آله الائمة الابرار الكرام ماكر الليالى والايام و من الآن إلى يوم القيام. وبعد فان اعظم خطر كان يهدد الانسانية منذ بدء الحياة ونشئ الانسان هو خطر الكفر والالحاد، واكبر داء يقضى على سعادة البشر وكيانه هو الشرك، والانحراف عن مبدأ حياته، واخطر فساد يعترى الكون وهذا النوع، الغفلة عن الخالق، وانكاره، واصطناع آلهة دون الله يعبدون. واى خطر اعظم من سقوط الانسان عن سماء عظمة الانسانية إلى حضيض أحط من عالم البهائم التى لا تعقل شيئا واى خسارة اعظم من ابتعاده عن الخالق العظيم والتحاقه بالشياطين ودخوله ابواب الشقاء نار جهنم خالدا فيها؟ وعلى هذا الاساس قال الله تبارك وتعالى: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا

[ 4 ]

فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " 1. وقال امير المؤمنين عليه السلام؟ فمن يبتغ غير الاسلام دينا تتحقق شقوته وتنفصم عروته وتعظم كبوته ويكن مآبه إلى الحزن الطويل والعذاب الوبيل. 2 وقد تصدى المكاتب السماوية لمحاربة الاديان الباطلة والمذاهب المفتعلة الواهية التى تجمعها كلمة الكفر، كى يتخلص الانسان من انياب العقائد السخيفة الهدامة، ويتشرف بشرف التوحيد، والاقبال إلى الله تعالى، الذى ليس له مثيل ولا عنه بديل، ومن طالع ما جاء به مكتب الوحى حول الكفار وقرره الدين في المنحرفين عن التوحيد، يرى ان صفة الكفر الخبيثة تستتبع آثارا خطيرة سيئة في الدنيا والآخرة: اما في الآخرة فهو ما وعد الله تعالى لهم من العقوبات العظيمة والعذاب الدائم، وقد اقسم الله سبحانه ان يملا جهنم من الكافرين من الجنة والناس اجمعين، ويحبسهم في اطباق النار ويعذبهم اشد العذاب. واليك نبذا من الآيات الكريمة القرآنية الواردة في هذا الشأن: قال الله تعالى: " ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار اولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين. " 3 وقال: " ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من احدهم ملؤ الارض ذهبا ولو افتدى به اولئك لهم عذاب اليم. " 4 وقال: " ان الذين كفروا لوان لهم ما في الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب اليم، يريدون ان يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم. " 5


1. سورة آل عمران الآية 85 2. نهج البلاغة الخطبة 161 3. سورة البقرة الآية 161 4. سورة آل عمران الآية 91 5. سورة المائدة الآيات 37 - 36

[ 5 ]

وقال: " وويل للكافرين من عذاب شديد. " 1 وقال: " انا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. " 2 وقال: " الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا. " 3 وقال: " انا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالا وسعيرا. " 4 إلى غير ذلك من الآيات القارعة النازلة في شأن الكافرين في الآخرة و شدة عذابهم وعقوباتهم. واما في الحياة فقد خذل الله الكفار والملحدين، وحرمهم من الكرامات، وشرع احكاما للتعامل معهم والوقاية من شرهم وشقائهم، كتحريم التناكح بينهم وبين المسلمين، ومنع دفنهم في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك. ومن تلك الاحكام، الحكم بنجاستهم الذى حمل حكما بالغة، واسرارا و مصالح ظاهرة وفوائد مهمة قيمة قال الله الحكيم: " انما المشركون نجس " 5 وانت تعرف مدى تأثير هذا الحكم في الجوانب المختلفة: السياسية والثقافية والاجتماعية. ولا يزال المسلمون في ظلال تعاليم الاسلام السامية يرون الكفار انجاسا يجتنبون مجالستهم ومزاولتهم - الا في حدود ما سمح به الحكم الشرعي - وقد روى عن عمربن عبد العزيز انه كتب: امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين واتبع نهيه قول الله تعالى: " انما المشركون نجس " الآية 6 واما اصحابنا الامامية رضوان الله عليهم اجمعين الذين كانوا ممثلى جوهر الاسلام - فقد دأبوا على تطبيق هذا الحكم الشرعي المقدس طوال القرون


1. سورة ابراهيم الآية 3 2. سورة الكهف الآية 102 3. سورة الفرقان الآية 26 4. سورة الدهر - الانسان - الآية 4 5. سورة التوبة الآية 28 6. مجمع البيان ج 3 ص 20

[ 6 ]

والاعصار، بيد انه وقع نوع اختلاف فنى من بعض العلماء بالنسبة إلى بعض الكفار وهم الكتابيون كما نسب القول بطهارتهم إلى بعض آخرين وان لم يتحقق ذلك. ونحن لم نعثر على من صرح بطهارة هذه الفرقة منهم، جزما 1 الا المرجع الكبير الراحل السيد الحكيم قدس الله روحه الطاهرة ونور الله مرقده الشريف فورد في مجلة عربية تحت عنوان: فتاوى تهمك: س 3 - سمعت ان سماحتكم ترون طهارة اهل الكتاب فهل صحيح ذلك؟ وفى اية حدود؟ ج - نعم الذى اراه طهارة اهل الكتاب طهارة ذاتية وان كانت ابدانهم تنجس عرضا بملاقاة النجاسة كالبول والدم والمنى وغيرها من النجاسات فلو طهر بدنه في الماء طهر وجازت مساورته ولا يتنجس 2 الا ان هذا الراى مهما كان مستدلا فهو خلاف ما هو المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا بل لعله خلاف المجمع عليه بينهم في الاعصار والامصار. وقد اسهبوا البحث واستقصوا الكلام في نجاسة الكافر مطلقا سواء اكان كتابيا أو غير كتابي واستدلوا عليه وشيدوا بنيانه بادلة عديدة وبراهين سديدة، بل وقد الفوا وصنفوا في خصوص الموضوع رسائل مستقلة.


1. والا فقد مال إليها بعض آخر ايضا ومنهم المحقق الكبير الآخوند الخراساني قدس سره قال في اللمعات النيرة عند ذكر النجاسات: ثامنها الكافر باى سبب من اسبابه وقد استدل على النجاسة باخبار كثيرة واردة في اهل الكتاب وغيرهم. لكنه بعد ذلك قد قوى هو بنفسه اخبار الطهارة الا انه قال اخيرا: ومع ذلك كان الفتوى على خلافهم جسارة وجرأة، والاحتياط طريق النجاة انتهى. 2. رسالة الاسلام عدد 201 3. منها: (فصل الخطاب وكنه الصواب) في نجاسة اهل الكتاب والنصاب لشيخ سليمان بن عبد الله البحراني م 1121، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 16 ص 233 ومنها رسالة في نجاسة ذبائح الكفار وصنايعهم، للبهائى م 1031، الذريعة ج 24 ص 65 ومنها رسالة في نجاسة الكافر فارسية مطبوعة لسيد بنده حسن بن سلطان العلماء محمد النقوي م 1295 الفها في جواب سؤال ورد من لندن فأجاب عنه، الذريعة... ص 66 ومنها رسالة في نجاسة الكافر فارسية مطبوعة لممتاز العلماء... وهى ايضا في الجواب عن السؤال المذكور، الذريعة... ص 66

[ 7 ]

واقتداءا بهم قدس الله اسرارهم كتبت هذه الرسالة التى بيدك ايها القارئ الكريم. وهى نبذة من محاضرات علمية ودراسات فقهية لسيد الفقهاء والمجتهدين الذى لم يأل جهدا في خدمة الاسلام وكيان المسلمين، سماحة المرجع الا على واستاذنا الاكبر، آية الله العظمى، السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگانى مد ظله العالي، وقد القاها على جم غفير وجماعة كثيرة من رواد العلم وعشاق الفضيلة الذين كانوا يجتمعون حوله ويحضرون مباحثه ودروسه العالية في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة، في سنة 1388 من الهجرة النبوية، وهى درر لامعة، وجواهر ثمينة، التقطتها من بحر علم فقيه كبير قل ما يأتي الزمان له من نظير، صانه الله عن المخاطر والحوادث وادام ظله ذخرا لحوزة الاسلام ودفاعا عن القرآن الكريم. وقد سميت كتابي هذا ب‍ (نتائج الافكار) في نجاسة الكفار، وارجوا من الله تعالى - الذى لا يرجى الا هو - ان يجعله واحسانه خدمة علمية تستتبع رضوانه وقبول القارئ المحترم. قال الله تعالى: " ورضوان من الله اكبر. " 1 وقال الامام امير المؤمنين عليه السلام: الا وان اللسان الصالح يجعله الله تعالى للمرء في الناس خير له من المال يورثه من لا يحمده 2 اكرمنا الله بالاهتداء بهداه وحرية النفس والتحرير من مكائد الاجانب


ومنها رسالة في نجاسه الكافر لتاج العلماء... م 1311 فارسية مطبوعة، الذريعة... ص 66 ومنها رسالة في نجاسة الكافر، فارسية لميرزا محمد على صاحب الهندي وهى جواب استفتاء، ط 1286 الذريعة... ص 66 ومنها رسالة في نجاسة الكافر لناصر حسين الجنفورى م 1313 الذريعة... ص 66 ومنها رسالة في نجالسة الكافر للقاضى نور الله المرعشي.... الذريعة.... ص 66 ومنها رسالة في نجاسة المشركين بالذات والصفة ليوسف الفقيه العاملي.. الذريعة... ص 66 1. سورة التوبة الآية 72 2. نهج البلاغة الخطبة 118

[ 8 ]

والكفار، عملة الابالسة والشياطين، وابادهم عن وجه الارض وجعلهم عبرة للناظرين. جمادى الاولى سنة 1412 ه‍ على الكريمى الجهرمى

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى رفع منازل العلماء وفضل مدادهم على دماء الشهداء ونالوا بذلك نيابة خاتم الاوصياء والصلاة والسلام على خير خلقه واشرف بريته محمد خاتم الانبياء وعلى آله الامناء الكرماء واللعن الدائم على اعدائهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم ما دامت الارض والسماء وبعد فان قرة عينى الفاضل المهذب العلامة الحجة الحاج الشيخ على الكريمى الجهرمى دام الله ايام افاضاته ممن سلك سبيل السلف الصالح وصرف عمره الشريف في تحصيل العلوم الدينية والمعارف الحقة الاسلاميته وتهذيب الملكات النفسانية وحضرا بحائنا العالية في الفقه حضور تفهم وتحقيق وتعمق وتدقيق فدون ما القيناه وكتب ما بيناه وعرض علينا كتابه المسمى به (نتائج الافكار في نجاسة الكفار) وقرأه علينا من المبد والى الختام فوجدناه حاويا لما قررناه ببيان حسن واسلوب بديع وتحقيق رائع فاستجازنا في طبعه فاجزنا له فلله دره وعليه سبحانه اجره وكثر في العلماء العاملين امثاله والله تبارك وتعالى اسأل واياه ارجوا أن يزيد في توفيقاته ويديم تأييداته والسلام عليه ورحمة الله وبركاته 23 / شعبان المعظم ه‍ 1412

[ 11 ]

" بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله رب العاليمن والصلاة والسلام على خير خلقه واشرف بريته ابى القاسم محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين 1 من جملة النجاسات التى بحث عنها الفقهاء، الكافر، فانهم قدس الله اسرارهم قالوا: النجاسات عشرة انواع: الاول والثانى: البول والغائط مما لا يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة. الثالث: المنى من كل حيوان ذى نفس سائلة. الرابع: الميتة كذلك. الخامس: الدم، السادس والسابع: الكلب والخنزير. الثامن: المسكرات، التاسع: الفقاع العاشر: الكافر. قال المحقق في الشرايع: وضابطه كل من خرج عن الاسلام أو من انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوارج والغلاة 2


1. نلفت انظار القراء الكرام إلى ان سماحة سيدنا الاستاد الاكبر دام ظله الشريف لا يزال يفتتح دراساته وابحاثه العالية بهذه الخطبة الشريفة نصا 2. راجع الشرايع طبع تهران ج 1 ص 53 - 51

[ 12 ]

وقد استدل على نجاسة الكافر بامور: الكتاب والسنة والاجماع اما الكتاب فبآيات كريمة منه. منها قول الله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء ان الله عليم حكيم. " 1 هذه الآية الكريمة من سورة التوبة المعروفة بالبرائة ايضا لانها افتتحت بها ونزلت باظهار البرائة من الكفار سنة تسع من الهجرة النبوية صلى الله عليه وآله و كانت سنة ذات حركات مهمة ونهضات عظيمة تجاه الكفار، وكانت لها ذكريات خالدة. ومن جملة تلك الذكريات التى لها اهمية كبيرة في تاريخ الاسلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفع هذه السورة إلى ابى بكر اولا كى يقرأها على الناس بمكة ثم بعث عليا عليه السلام خلفه 2 ليأخذها منه ويقرأها بنفسه على الناس بها فجاء وقرأها عليهم ونادى بالبرائة من المشركين، وقطع العصمة والموالاة، بينهم، كما ان الله تعالى في هذه السنة وفى نفس السورة منع الكفار عن عمارة المساجد أو المسجد الحرام، وامر ان يكون ذلك بايدى المسلمين 3 ثم قال سبحانه بعد ذلك: " يا ايها الذين آمنوا انما المشركون نجس. " وجه الاستدلال بها ان الله تعالى نص فيها على نجاسة المشركين. وهم جميع اصناف الكفار من الملحد وعابد صنم ويهودى ونصراني ومجوسى و


1. سورة التوبة الآية 28 2. ففى فصول المهمة لابن صباغ الماكى ص 24: روى الترمذي انه صلى الله عليه وآله بعث ببراءة، أو قال: سورة التوبة، مع ابى بكر ثم دعاه فقال: لا ينبغى لاحد ان يبلغ عنى الا رجل من اهل بيتى أو قال: لا يذهب بها الا رجل هو منى وانا منه فدعا عليا فاعطاه اياها. 3. قال الله تعالى: " ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر اولئك حبطت اعمالهم وفى النار هم خالدون انما يعمر مساجد الله من آمن بالله. "

[ 13 ]

زنديق وغيرهم. 1 وقد اورد عليه بان الآية تدل على نجاسة صنف خاص من الكفار و هو المشرك، أي القائل بالشريك لله سبحانه، لا جميع اصنافهم، كمن انكر وجود الواجب وجحد مبدأ العالم اساسا أو من انكر النبوة والرسالة، لعدم كون انكار المبدء أو الرسالة من قبيل الاشراك لله تعالى، فان المتبادر من معنى المشرك هو من اعتقد مع الله الها آخر أو عبده، والحاصل ان الدليل اخص من المدعى لان المدعى نجاسة كل كافر والدليل لا يثبت الا نجاسة خصوص المشرك منهم. قال صاحب المدارك قدس سره موردا على المحقق - في استدلاله بالآية الكريمة: اللازم من ذلك نجاسة المشرك خاصة وهو اخص من المدعى، إذ من المعلوم ان من افراد الكافر ما ليس بمشرك قطعا فلا يصلح لا ثبات الحكم على وجه العموم. 2 وفيه ان المفهوم من لفظ المشرك هو من جعل لله سبحانه ندا ونظيرا و


1. يقول المقرر: وقد استدل بها على نجاسة مطلق الكافر كثير من الاعلام والاساطين كالسيد ابن زهرة والعلامة وغيرهما قال السيد في الغنية: والكافر نجس بدليله - الاجماع - وبقوله تعالى " انما المشركون نجس " وهذا نص وكل من قال بذلك في المشرك قال به فيمن عداه من الكفار والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع انتهى كلامه وقال العلامة في التذكرة ص 8: الكافر عندنا نجس لقوله تعالى: " انما المشركون نجس..... " لا فرق بين ان يكون الكافر اصليا أو مرتدا ولا بين ان يتدين بملة اولا ولا بين المسلم إذا انكر ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة وبينه، وكذا لو اعتقد المسلم ما يعلم نفيه من الدين ضرورة انتهى وقال المحقق القمى في جامع الشتات ج 1 ص 12: المعروف من مذهب الاصحاب نجاسة اهل الكتاب والمجوس ايضا والاقوى عندي ذلك وادعى جمع من علمائنا اجماع الشيعة على نجاستهم والآية الشريفة يعنى قوله تعالى: " انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " والاحاديث الكثيرة تدلان على ذلك انتهى 2. مدارك الاحكام في شرح شرائع الاسلام الطبع القديم ص 101 والطبع الجديد ج 2 ص 295 - 294 يقول المقرر: وقد يجاب عن هذا الايراد بعدم القول بالفصل كما اشير إليه في عبارة الغنية التى نقلناها في التذييلات السابقة الا انه اورد عليه بعض بانه خروج عن التمسك بالآية.

[ 14 ]

اتخذ له مثلا وشريكا، وهذا مفهوم واسع له جوانب مختلفة وابعاد متعددة فالشرك غير مختص بمقام الذات بل يجرى في ناحية الصفات، وكذا في الافعال كالخلق والرزق، وفى العبادة، حيث انه على وزان التوحيد الذى ينقسم على اربعة اقسام، وله اربعة معان: توحيد الذات وتوحيد الصفات، وتوحيد العبادة، و توحيد الخلق. فالمشرك تارة يعتقد الشريك له تعالى في ناحية الذات الذى هو واجب الوجود ويقول باصلين قديمين بالذات. واخرى يقول به في مقام الصفات بان كان يرى صفات الله تعالى زائدة على ذاته. وثالثة في مقام العبادة بان يجعل العابد في عبادته نصيبا لغير الله ولو بان يعبد غير الله لزعمه انه واسطة بينه وبين الله تعالى ومقربه إليه كعبدة الاصنام والاوثان الذين كانوا يجعلونها وسائل وذرائع إلى الخالق وقد بينهم الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: " والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبد هم الا ليقربونا إلى الله زلفى ان الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون. " 1 ورابعة بالنسبة إلى مقام الصنع وتدبير النظام وفى مقام الخلق والرزق بان يسند الخلق أو الافعال الخاصة بالله تعالى إلى غيره، فإذا انكر كون الله خالقا لكل المخلوقات فلا بد من ان يسند الخلق إلى غيره سبحانه لعدم امكان تحقق الممكن ووجوده بدون علته، واسناد الخلق إلى غيره تعالى هو اشراك الغير مع الله تعالى في الخلق واقعا، ونسبة عمل خاص بالله إلى غيره شرك حقيقة سواء اثبته لله تعالى ايضا ام لا، بل وان انكر اصل وجوده تعالى فيجرى عليه حكم المشرك، و من المعلوم ان هذا المفهوم الواسع العام الذى ذكرناه للمشرك شامل لجميع الكفار


1. سورة زمر الآية 3

[ 15 ]

أو اكثرهم فيدخل في هذا العنوان: الدهرية والمجوس واليهود والنصارى و غيرهم بواحد من معانيه ونواحيه. وان شئت فقل انه وان اطلق المشرك لكنه اريد منه الكافر مطلقا وان لم يطلق عليه المشرك اصطلاحا. ويؤيد ذلك قوله تعالى: " ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما " 1 فقد صرح بانه لا يغفر كبيرة الشرك، فهل ترى من نفسك ان لا يغفر الله لمن اشرك به وجعل له ندا و نظيرا ولكنه سبحانه يغفر من انكر اصل وجوده تعالى ولم يعتقد بالصانع والخالق كالدهرية الذين يقولون: " ما هي الا حياتنا الدينا " 2؟ فهو ايضا كمن اشرك بالله ولذا لا نتمسك هنا بالاولوية على ما تمسك به البعض، فلعلها مستهجنة بل نقول: ان المراد من الشرك هو مطلق الكفر ويكون هو اسما واصطلاحا لجيمع اصنافه، وعنوانا مشيرا إليها، كما يظهر ذلك من التأمل في سياق الآية الكريمة حيث وقعت في ذيل الخطاب باهل الكتاب، قال الله تعالى: " يا ايها الذين اوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل ان نطمس وجوها فنردها على ادبارها أو نلعنهم كما لعنا اصحاب السبت وكان امر الله مفعولا ان الله لا يغفر ان يشرك به... " والحاصل: ان الكفر ذنب لا يغفر أي صنف من اصنافه كان، ومطلق الكفر على اختلاف اشكاله ومجرد التدين بغير دين الله شرك، ويترتب عليه احكامه فتارة يحكم على المتصف به بالنجاسة واخرى بمنع دخول المساجد وثالثة


1. سورة النساء الآية 48 2. سورة الجاثية الآية 24 ومثلها قوله تعالى حكاية عن قولهم: " ان هي الا حياتنا الدنيا نموت و نحيا وما نحن بمبعوثين، سورة المؤمنون الآية 37 "

[ 16 ]

بوجوب مقاتلته، فترى انه تعالى يقول: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " 1 فانه قد حكم بقتال جميع هذه الاصناف ومن له هذه الاوصاف، فالاوصاف المذكورة كفر وهى ايضا شرك. والحكم بالنجاسة، والمنع من دخول المسجد، ووجوب المقاتلة، و غيرها احكام مترتبة على الكفر. وان شئت زيادة توضيح وتأييد في المقام الفكر في ساير آيات هذه السورة وامعن النظر في قوله تعالى فيها: " ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر... " 2 فقد ابتدأ بذكر المشركين ووصفهم بقوله: " شاهدين على انفسهم بالكفر " فلو لم يكن المراد من المشرك هو الكافر لكان اللازم ان يقول: شاهدين على انفسهم بالشرك، وعلى هذا فيستفاد منه ان السبب الوحيد في منع المشركين عن عمارة مساجد الله هو الكفر. وانظر إلى قوله تعالى: " وقالت اليهود عزير ابن الله و قالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بافواههم يضاهون قول الذين كفروا قاتلهم الله انى يؤفكون اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما امروا الا ليعبدوا الها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون " 3 فان من المعلوم ان هؤلاء الذين ذمهم الله تعالى وعيرهم باتخاذ الاحبار والرهبان اربابا ولا مهم على ذلك لم يتخذوا الاحبار والرهبان شركاء لله في ذاته أو في خلقه بل اتخذوهم اربابا في العبادة نظير ما صدر عنهم في مورد المسيح و


1. سورة التوبة الآية 29 2. سورة التوبة الآية 17 3. سورة التوبة الآية 31 - 30

[ 17 ]

تشريع الاحكام وتحريم الحلال وتحليل الحرام وقد سمى الله تعالى عملهم شركا وقال: " سبحانه عما يشركون. " والحاصل: ان اليهود والنصارى مشركون في صريح القرآن 1 ولذا قال العلامة في التذكرة ج 1 ص 442 في ضمن شرائط الذمة: ولا يظهروا شركهم في عيسى وعزير انتهى. وعلى هذا الجملة فاتخاذ غير الله في قباله معبودا ومطاعا ايضا شرك، كما ان اتخاذ الشريك له في ذاته وجعل الا بن والانداد والامثال له تعالى شرك.


1. قال الفاضل المقداد رضوان الله عليه عند الحكم بتحريم نكاح الكتابية والاستدلال عليه: انهن مشركات وكل مشركات نكاحهن حرام فنكاح اليهوديات والنصرانيات حرام اما الصغرى فلقوله تعالى: " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله إلى قوله سبحانه: عما يشركون " واما الكبرى فلقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (سورة البقرة الآية 220) والجمع المعرف بلام الجنس للعموم. ان قلت: الصغرى ممنوعة إذ لا قائل اليوم من اليهود بذلك بل كان شرذمة وانقرضوا فلا يتناول الحكم الموجودين اليوم. قلت: الحجة في قوله تعالى لا في قولهم وقد اخبر الله تعالى عنهم بذلك إذا الجمع المحلى باللام للعموم كما تقرر في الاصول إلى آخر كلامه فراجع التنقيح الرائع ج 3 ص 97 اقول: هذا مضافا إلى ان قولهم بالتثليث: الاب والابن وروح القدس، معروف. وحكى الشيخ محمد عبده عن كتاب اظهار الحق: نقل انه تنصر ثلاثة اشخاص وعلمهم بعض القسيسين العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث وكانوا في خدمته فجاء محب من احباء هذا القسيس وسأله عمن تنصر، فقال: ثلاثة اشخاص تنصروا فسأل هذا المحب: هل تعلموا شيئا من العقائد الضرورية؟ فقال: نعم، وطلب واحدا منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث فقال: انك علمتني ان الآلهة ثلاثة: احدهم الذى هو في السماء، والثانى الذى تولد من بطن مريم العذراء، والثالث الذى نزل في صورة الحمامة على الالة الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسيس وطرده وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: انك علمتني ان الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي الاهان فغضب عليه القسيس ايضا وطرده، ثم الثالث وكان ذكيا بالنسبة إلى الاولين وحريصا في حفظ العقائد فسأله فقال: يا مولاى حفظت ما علمتني حفظا جيدا وفهمت فهما كاملا بفضل السيد المسيح: ان الواحد ثلاثة والثلاثة واحد و صلب واحد منهم ومات فمات الكل لا جل الاتحاد ولا اله الآن والا يلزم نفى الاتحاد انتهى راجع المنار، ج 6 ص 458

[ 18 ]

وبعبارة اخرى كما ان المجوس القائلين بفاعلين فاعل الخير المسمى عندهم ب‍ (يزدان) وفاعل الشر المسمى عندهم ب‍ (اهريمن) والمعتقدين بالنور والظلمة مشركون، كذلك من اتخذ الها ومعبودا آخر سوى الله يكون مشركا، و كما يتحقق الشرك بالقول بتعدد واجب الوجود، كذلك يتحقق بانكار الله تعالى و جعل ما كان له سبحانه لغيره. وان ابيت مع ذلك كله عن قبول كون الثاني من الشرك والتزمت بكونه كفرا في الحقيقة لا شركا فالذي يسهل الخطب هو استعمال الشرك في الكفر والكفر في الشرك في القرآن الكريم، والتعبير عن كل واحد منهما بالآخر 1 من باب استعمال اللفظ الموضوع للخاص في العام، وبالعكس، وفيما نحن فيه استعمل الشرك في الكفر، والقرينة القطعية قائمة على ارادة الكفر من الشرك، و هي عدم مناسبة منع المشرك المصطلح اعني من اتخذ شريكا لله سبحانه عن دخول المسجد مع تجويز ذلك لمن انكر الله تعالى ونفاه من اصله وجحد مبدأ الكون رأسا. وبعبارة اخرى لا ملائمة بين منع المشرك، وبين اباحته بالنسبة إلى المنكر. ومما يشهد لاطلاق الشرك على الكفر ما روى عن الفضل: دخل على ابى


1. فترى ان الله تعالى يقول: " لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بنى اسرائيل اعبدو الله ربى وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأويه النار " سورة المائدة الآية 75، فقد اطلق الشرك على ما هو كفر اصطلاحا وعبر عنه بالكفر اولا في نفس الآية، وقال تعالى: " لقد كفر قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم " سورة المائدة الآية 76. ترى انه اطلق الكفر على القول بان الله ثالث ثلاثة الذى هو شرك صريح، وهذه الآية مشعرة بان الله عند اليهود ثانى اثنين، قال في الجواهر: ولا خفاء في ان القول بكون الله ثانى اثنين أو ثالث شرك محض و مع ذلك يقول الله تعالى: " ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم " انتهى.

[ 19 ]

جعفر عليه السلام رجل محصور عظيم البطن فجلس معه على سريره فحياه و رحب به فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو قال: قلت: مشرك فقال: مشرك والله مشرك. 1 ترى ان الامام ابا جعفر عليه السلام اطلق المشرك على هذا الذى كان من الخوارج مع انهم مؤمنون بالله يوحدونه ولا يشركون به شيئا بظاهر حالهم و مقالاتهم ولا يعتقدون في الله شيئا يخالف عقيدتنا بل شعار هم الخاص بهم الذى قالوا تجاه امير المؤمنين على عليه السلام مخاطبين له: لا حكم الا لله، هذا. ولكن الانصاف انه على فرض كون الشرك والكفر شيئين وان الاول اخص من الثاني فمجرد اطلاق المشرك على الكافر في بعض الموارد لا يوجب ولا يقتضى ظهور الآية الكريمة ايضا في ذلك. اللهم الا ان يقال باستفادة ذلك بمناسبة الحكم والموضوع، فان العرف إذا سمع قول الله تعالى: انما المشركون نجس، وقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة، يفهم بارتكازه ان ما هو المناط في نجاستهم هو الكفر وان الملاك في وجوب مقاتلهم ذلك ايضا فحيثما وجد وتحقق هذا المعيار اعني الكفر يترتب عليه حكم النجاسة ووجوب المقاتلة، ولا يفهم ان هذين الحكمين اختصا بالمشرك بمعناه الخاص والا لكان منكر المبدأ خارجا عنه، وعلى الجملة فالعرف لا يرى له خصوصية اصلا بل يفهم ان الكافر نجس ويجب مقاتلته وان هذين الحكمين وكذا غير هما من الاحكام تجرى على كل فرد من افراد الكافر. نعم قد يحكم الشارع بحكم خاص على صنف خاص من الكفار دون غيره لمصالح خاصة نظير وجوب القتل المختص بالكافر الحربى دون غيره لان حفظ المملكة الاسلامية وكيان المسلمين واعلاء كلمتهم وسياسة النظام وتدبير


1. ذكرى الشيعة للشيخ الشهيد ص 13، وضبط اسم الراوى فضيلا.

[ 20 ]

الامور وجريانها تقتضي قتل الحربى دون المتسالم الذى يعطى الجزية، و من المعلوم ان هذه الاحكام معدودة مضبوطة مستفادة من ادلة خاصة والا فلا فرق بين اصناف الكفار، هذا، وقد فسرت الآية في كلمات المفسرين على نحو ما ذكرناه. ان قلت: فإذا كان المشركون نجسا لا لخصوصية شركهم بل بملاك كفرهم كما ذكر فما وجه العدول عما هو الملاك التام إلى غيره؟ ولماذا لم يقل الله تعالى: انما الكافرون نجس؟ نقول: لعل ذلك لان الكافر الذى يدخل المسجد الحرام وكان بينه و بين المسلمين ارتباط ومواصلة ويتكاتفون معه في التجارات وترويج الاسواق والذى ابتلى به المسلمون كان كافرا خاصا وهو المشرك واما الآخرون فلم يكن لهم اهتمام بالمسجد بل كانوا - كما تعلم - يأتون بالفيل لهدم اساسه وتخريب بنيانه قال الله سبحانه: " الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل. " 1 والحاصل: ان الآية نازلة حسب حوائجهم وابتلائاتهم ومطابقة لشئونهم و حالاتهم والا فالكفر بواقعه ملة واحدة في أي صورة وحالة وعلى اختلاف شعبه وتشتت مناهجه واغصانه ومهما تغير شكله وتبدلت الوانه. واما ما ترى من قبول الجزية من اليهود والنصارى دون غيرهما من اصناف الكفار فهو لمكان اعترافهم بالله وقبول الانبياء والكتب السماوية خصوصا بلحاظ احتوائها لاخبار خاتم النبوات فهم لا محالة في معرض الانتباه والاستبصار، وينتظر منهم الرجوع، واقبالهم إلى الاسلام واعتناقهم به بخلاف المشركين والملحدين فانه لا يظن بهم ولا يرتجى منهم ذلك غالبا. فالجزية و غيرها من الاحكام الخاصة الاخرى الجارية في خصوص اليهود والنصارى لا


1. سورة الفيل الآية 1

[ 21 ]

تقتضي خروجهم عن المشركين والكفار، كما تقدمت الاشارة إلى ذلك ايضا. ان قلت: ان في بعض الآيات الكريمة اشعارا بالاختصاص، وان المشركين هم عبدة الاصنام والاوثان مثلا، ولا يعم غيرهم. منها قوله تعالى: " ما يود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم ". 1 ومنها قوله تعالى: " ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيرا ". 2 ومنها قوله تعالى: " ولتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا..... ". 3 ومنها قوله سبحانه: " ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ". 4 ومنها قوله عزوجل: " لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ". 5 فان عطف المشركين على اهل الكتاب بالواو في الآية الاولى والخامسة، و عطف " الذين اشركوا " على " الذين اوتوا الكتاب " في الثانية، و " على اليهود " في الثالثة، و " على الذين هادوا في الرابعة مشعر بالتغاير والتقابل. نقول: انه كلما ذكرا معا فهو كذلك الا ان الكلام في ذكر المشرك وحده فان المراد منه حينئذ مطلق الكافر. 6


1. سورة البقرة الآية 105 2. سورة آل عمران الآية 186 3. سورة المائدة الآية 82 4. سورة الحج الآية 17 5. سورة البينة الآية 1 6. قال السيد في المدارك الطبع الجديد ج 2 ص 296: وربما كان في الآيات المتضمنة

[ 22 ]

ثم ان كلمة (انما) الدالة على الحصر، المذكورة في صدر الآية لا تضر بالاستدلال بالآية فان الحصر هنا اضافي بالنسبة إلى الطهارة، ومن باب قصر الموصوف على الصفة مثل: انما زيد قائم حيث يفيد ان القيام فقط ثابت لزيد لا القعود ونحوه فهو لا ثبات خصوص القيام لزيد ونفى ما سواه عنه، وهذا بخلاف قولنا: انما القائم زيد حيث يثبت القيام لزيد، وينفى عمن سواه، كعمرو وبكر، فمفاد الآية ان المشركين نجس فقط لا طاهر، فلا يكون لهم من الصفتين الا النجاسة. والعجب من الفخر الرازي حيث انه فسرها بعكس ذلك وان النجس من اصناف الانسان هو المشرك وحده، وغير المشرك منه يكون طاهرا، وبما ان ابا حنيفة كان يقول بطهارة المشركين ويفتى بنجاسة اعضاء المحدث وعليه بنى نجاسة الماء المستعمل في الحدث الاكبر والاصغر فقد طعن عليه الفخر في تفسيره بان كلامه في الموضعين مخالف للآية الكريمة 1 حيث ان المستفاد منها ان المشرك نجس، والمؤمن لا ينجس، والحال ان ابا حنيفة ومن سلك مسلكه يقولون: المشرك طاهر والمؤمن في حال الحدث نجس فقلبوا الامر. والحاصل ان الرازي قال: معنى الآية ان المشرك وحده نجس لا غيره.


لعطف المشركين على اهل الكتاب وبالعكس بالواو اشعار بالمغايرة. 1. اقول هذه عبارته في تفسيره ج 4 ص 614: المسألة الرابعة قال أبو حنيفة واصحابه: اعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه ان الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس ثم روى ابو يوسف انه نجس نجاسة خفيفة وروى الحسن بن زياد انه نجس نجاسة غليظة وروى محمد بن الحسن ان ذلك الماء طاهر. واعلم ان قوله تعالى: " انما المشركون نجس " يدل على فساد هذا القول لان كلمة انما للحصر وهذا يقتضى ان لا نجس الا المشرك فالقول بان اعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص والعجب ان هذا النص صريح في ان المشرك نجس وفي ان المؤمن ليس ينجس ثم ان قوما قلبوا القضية وقالوا: المشرك طاهر والمؤمن حال كونه محدثا أو جنبا نجس وزعموا ان المياه التى استعملها المشركون في اعضائهم بقيت طاهرة مطهرة و المياه التى يستعملها اكابر الانبياء في اعضائهم نجاسة غليظة وهذا من العجائب.

[ 23 ]

ولكن قد اشتبه عليه الامر، واستفاد من الآية خلاف ما كانت الآية بصدده، فانها تفيد عدم حصول الطهارة لهم في آن من الآنات مادام الوصف العنوانى ثابتا لهم، أي ما داموا مشركين ومتصفين بهذا الوصف، وكلامه صحيح لو كانت العبارة: انما النجس المشركون، فكم فرق بين قولنا: انما زيد شاعر وبين قولنا: انما الشاعر زيد، فالاول يقال لمن اراد مثلا تعلم الفقه أو الاصول من زيد فيقال له: انما زيد شاعر يعنى انه ليس فقيها ولا اصوليا كى تتعلم منه ذلك، فليس هو الا شاعرا واما الثاني فانه يقال لمن اراد استماع الشعر وتعلمه من زيد وعمرو وبكر فيقال له: انما الشاعر زيد، أي ان غير زيد ليس شاعرا بل الشاعر زيد فقط. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل بل هو من قبيل الاول لانه قال: " انما المشركون نجس " ولم يقل: انما النجس المشركون، والحاصل انه لا اشكال اصلا من ناحية الحصر. ما هو المراد من النجس؟ النجس والنجاسة بحسب اللغة مطلق القذارة، وبحسب الشرع قذارة خاصة تترتب عيها احكام معينه، وهذا لا كلام فيه، وانما الكلام في ان اطلاق النجاسة على هذا المعنى هل هو بعنوان الحقيقة الشرعية وانه كان يتبادر منه المعنى المزبور عند نزول الآية الكريمة، أو لم يكن كذلك بل الشارع افاد هذا المعنى بمعونة القرائن ولا يزال هو كذلك، كى لا يمكن الحمل على هذا المعنى الا مع ثبوت القرينة. ادعى كثير من الاعلام ان استعمال النجاسة في هذا المعنى كان منذ زمن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم بنحو الحقائق الشرعية، كما ان الطهارة

[ 24 ]

ايضا كذلك فمتى ورد حكم من الاحكام المربوطة بها استفيد منها هذا المعنى اعني الطهارة الشرعية وهى احدى الطهارات الثلاث: الوضوء، والغسل، والتيمم، أو الحالة الحاصلة للمتطهر عقيب احدى تلك الثلاث مثلا، فكان المسلمون عند سماع قول الله تعالى: " وانزلنا من السماء ماءا طهورا " 1 أو قوله تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " يستفيدون - باعمال الشارع وتصرفه من اول الامر - الطهارة الشرعية من الحدث أو الخبث وكما ان الصحابة كانوا يتبعون نبيهم الموحى إليه في احكام الكتاب والسنة وغيرها، كذلك كانوا يتبعونه في حقائق هذه الالفاظ، وممن ادعى الحقيقة الشرعية وبالغ عليه كثيرا هو صاحب الحدائق قدس سره. 3 واورد بعضهم بان دلالة الآية على نجاسة الكفار وان كانت تامة غير قابلة للانكار الا ان المراد من النجاسة هو القذارة أي المعنى اللغوى فلا حقيقة شرعية في البين. وفيه ان الظاهر منها هو النجاسة المصطلحة أي العينية الذاتية. هذا مضافا إلى انه منقوض اولا في خصوص بعض بل وكثير من الكفار حيث انه في غاية النظافة الظاهرية بحيث لا يرى في ظاهره قذارة اصلا. وثانيا بان بعض المسلمين ايضا غير نظيف وبالجملة فالنجاسة اللغوية والعرفية لا تختص بالمشركين بل يشاركهم فيها غيرهم من المسلمين. 4 وقد ظهر مما ذكرنا ان ما اصر عليه الفقيه الهمداني قدس سره من الايراد على صاحب الحدائق مدعيا ان المراد من النجاسة هو المعنى اللغوى، في غير


1. سورة الفرقان الآية 48 2. سورة المائدة الآية 6 3. راجع الحدائق الناضرة ج 5 ص 165 4. يقول المقرر: وهنا وجه آخر في الجواب عنه وهو ان بيان النجس العرفي أي القذارة خلاف وظيفة الشارع أو انه ليس من وظيفته.

[ 25 ]

محله. والتحقيق ان يقال: انه لا حاجة في اثبات المطلوب إلى اثبات الحقيقة الشرعية، فان ظهور النجس في النجاسة الشرعية مما لا يقبل الانكار، و هذا يكفينا في اثبات ما نحن بصدده سواء كان ذلك من باب المجاز الشايع أو من قبيل استعمال المشترك المعنوي في احد افراده. ويمكن ان يقال هنا ايضا تثبيتا للمرام وتتميما للكلام انه رتب النهى عن قربهم من المسجد الحرام - في الآية الكريمة - على نجاستهم حيث قال: " انما المشركون نجس فلا يقربوا..... " والنهى في الحقيقة متوجه إلى المؤمنين وهم مأمورون بمنع المشركين عن قربهم من المسجد، والعلة في ذلك بمقتضى فاء التفريع هو شركهم فنضم هذا إلى الاجماع القائم على عدم جواز ادخال النجس في المسجد وننتج منهما ان المشرك نجس بالمعنى المصطلح حيث انه هو الذى منع عن ادخاله في المسجد. ان قلت: ان كلمة (نجس) مصدر ولا يمكن حمل المصدر على الذات ولا يصح وصف الجثة بالمصدر فحينئذ لابد من ان يقدر معه (ذو) تصحيحا للحمل وفرارا عن الاشكال فالتقدير انما المشركون ذو نجس وقد صرح الزمخشري بذلك قائلا: نجس مصدر... ومعناه ذوو نجس لان معهم الشرك الذى هو بمنزلة النجس ولانهم لا يتطهرون الخ 1 وهذا يساعد النجاسة العرضية ويناسبها و من المعلوم انهم لا يجتنبون عن النجاسات كالخمر والخنزير وغير ذلك واين هذا من اثبات نجاستهم بذواتهم واعيانهم التى هي المدعى؟ نقول: ان بلاغة الكلام ولطافة التعبير في المقام تقتضي كونه مصدرا محمولا على الذات من غير تقدير ولا تأويل، نظرا إلى المبالغة المطلوبة، فهم


1. الكشاف ج 2 ص 146

[ 26 ]

متجسمون بالنجاسة كما في كل مورد اريد المبالغة من المصدر المحمول على الذات نظير زيد عدل، فلو قدر (ذو) في تركيب زيد عدل مثلا، فهناك لا تأكيد ولا مبالغة اصلا وهو خلاف المقصود ونقض للغرض المسوق له الكلام، و على الجملة فعلى تقدير كون النجس مصدرا فهو دال على المقصود جدا بلا حاجة إلى تأويل أو تقدير شئ اصلا هذا. مضافا إلى امكان كون النجس صفة مشبهة 1 وعلى هذا فهى كسائر الصفات تحمل على الذوات بلا حاجة إلى تقدير أو اعمال نكتة، ولا مجال للاشكال المذكور آنفا. نعم يرد اشكال آخر وهو انه كيف اخبر عن الجمع بالمفرد؟ فالموضوع أي المشركون جمع، والمحمول اعني لفظ نجس مفرد، ولا يصح حمل المفرد على الجمع. ويدفع بارادة الجنس من الجنس والجنس يساعد معنى الجمع فهو وان كان مفردا بحسب اللفظ لكنه جمع بحسب المعنى 2. والانصاف انه لا حاجة اصلا إلى التمسك بتلك الوجوه فان المقام شبيه قولهم: الكلب نجس والخنزير نجس، وهو من اصرح التعبيرات عن النجاسة يعنى انه من الاعيان النجسة وعليه فالمشركون ذوات نجسة واعيان كذلك. وقد يقال: ان حكم القرآن الشريف بنجاستهم وعدم جواز دخولهم


1. اقول: فان فعل على وزن حسن من اوزانها قال في القاموس: النجس بالفتح وبالكسر و بالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر. انتهى. 2. قال علم التحقيق والتقى الشيخ المرتضى في طهارته: النجس بفتح الجيم اما مصدر... واما صفة مرادفة للنجس بالكسر...... ويكون افراد الخبر مع كونه وصفا على تأويل انهم نوع أو صنف نجس انتهى اقول: ويمكن ان يكون من قبيل الوصف الذى يستوى فيه الافراد والجمع والذكورة والانوثة كما نقل ذلك في اللغة ايضا فراجع ويستفاد من عبارة المجمع انه يحمل عليه مع كونه وصفا باعتبار اصله الذى هو المصدر.

[ 27 ]

المسجد كان لا جل جنابتهم وعدم اغتسالهم منها، فان الجنب ممنوع عن الدخول فيه 1. وفيه: اولا: ان هذا تساعده نسبة النجاسة إليهم الظاهرة في كونهم كذلك بالذات. وثانيا: لو كان المراد عدم دخولهم المسجد للجنابة فهذا غير مختص بالكفار. وثالثا: انه ربما يفرض كافر لا يكون جنبا كمن كان قد بلغ بالانبات أو السن، حد التكليف جديدا ولم يمض من بلوغه كثير زمان وتأخر احتلامه مع انه في هذه الفترة ايضا لا يجوز له دخول المسجد ولم يصدر منه لا قبل التكليف ولا بعده ما يوجب الجنابة وضعا. وعلى هذا فالآية الكريمة تدل بظاهرها على انهم اعيان نجسة 2 وذوات قذرة شرعية بلا فرق بين افرادهم بحيث لو فرض مورد على خلاف ذلك فهو استثناء من الحكم الكلى العام، ولو كان المراد من النجس هو القذارة أو الخباثة


1. ممن قال بذلك وجنح إليه هو قتادة فانه على ما حكاه الطبرسي قال: سماهم نجسا لانهم يجنبون ولا يغتسلون ويحدثون ولا يتوضؤن فمنعوا من دخوله المسجد لان الجنب لا يجوز له دخول المسجد. 2. اقول: لا يقال: ان المراد من النجس النجاسة المعنوية الموجبة للمنع عن دخول المسجد الحرام مثل القذارة المعنوية الحاصلة من الجنابة أو الحيض المانعة من الدخول فيه فالنجاسة هنا هي القذارة القائمة بالنفس اعني الكفر وهى كناية عن خبث اعتقادهم فان الكفر قذارة باطنية و نجاسة معنوية ودخول الكافر في المسجد لهتك حرمته. لانا نقول: ظاهر الآيه نجاسة البدن اعني الهيكل الخاص لا نجاسة روحه ونفسه وصرفها إلى المنقصة في النفس والقذارة الباطنة تأويل لا دليل عليه قال ابن زهرة في الغنية: وقول المخالف: المراد بذلك نجاسة الحكم، غير معتمد لان اطلاق لفظ النجاسة في الشريعة تقتضي كظاهره نجاسة العين حقيقة وحمله على الحكم مجاز واللفظ بالحقيقة اولى من المجاز ولا نا نحمل اللفظ على الامرين جميعا لانه لا تنافى بينهما.

[ 28 ]

لكان معنى الآية ان المشركين خبيثة قذرة وعلى ذلك كان يحتاج الحكم بالنجاسة الشرعية في الكفار حتى المشركين منهم إلى دليل خاص غير هذا العموم وهذا خلاف الظاهر جدا فانهم كانوا يحكمون بنجاسة الكفار بمجرد هذا الآية الكريمة ولا جل هذا العموم المذكور على لسان المولى سبحانه وتعالى، فانظر إلى كلام الطبرسي في مجمع البيان، قال: واختلف في نجاسة الكافر فقال قوم من الفقهاء ان الكافر نجس العين، و ظاهر الآية يدل على ذلك وروى عن عمر بن عبد العزيز انه كتب: امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين واتبع نهيه قول الله تعالى: " انما المشركون نجس " الآية وعن الحسن قال: لا تصافحوا المشركين فمن صافحهم فليتوضأ انتهى. والمراد من التوضئ هو غسل اليد ولابد من ان يراد منه لزوم الغسل إذا تصافحا مع نداوة في يد احدهما فإذا صافح المسلم المشرك " الكافر " مع رطوبة سارية فلابد من غسل اليد لتنجسها بالمساس والملاقاة. إلى غير ذلك مما ورد في الاخبار أو التواريخ، الظاهر في ان استنادهم في الاحكام المقررة كان إلى الآية الكريمة. واما قوله تعالى: " فلا يقربوا المسجد الحرام... " فهذا في الحقيقة نهى متوجه إلى المؤمنين لا إليهم، لعدم ايمانهم بالله كى ينتهوا عما نهوا عنه، والا فالاجدر بهم ان يؤمنوا بالله ويتركوا الاصنام والاوثان، ويخرجوا من عبادتهم إلى عبادة الله سبحانه، وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة انه يجب على المؤمنين ان يمنعوا المشركين عن دخولهم المسجد الحرام. 1


1. اقول: ولا ينافى هذا ما ذكروه من ان الكفار مكلفون بالفروع كما انهم مكلفون بالاصول، وذلك لان ما افاده دام ظله متعلق باجراء الحكم وتحقيقه وانفاذه.

[ 29 ]

وهنا اشكال ينبغى التعرض له وهو انه سلمنا دلالة الآية على نجاسة الكفار وعدم جواز دخولهم المسجد لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا وبين ما ثبت وتحقق من ان عدم جواز ادخال النجس في المسجد مشروط بكونه ذا رطوبة متعدية واما النجاسة الجافة غير المتعدية فادخالها فيه غير ممنوع. والجواب عنه اولا: انه يمكن ان يكون هذا تعبدا محضا لا مستندا إلى نجاستهم المقطوع بها، وان كان الحكم ذا اسرار كثيرة وحكم بالغة عظيمة، لكنها خافية علينا مستترة عن افهامنا منا الضئيلة، وعقولنا الضعيفة، ولا يعلمها الا الله تعالى. وعلى الجملة فمن الممكن حرمة ادخال كل نجس في المسجد إذا كان رطبا ساريا الا الكافر فانه يجب منعه عنه مطلقا تعبدا في خصوص المورد وفى هذا النجس الخاص. وثانيا: انه يمكن ان يكون هذا لاجل دفع التوهين عن المسجد، الذى هو اشرف مكان معد لتعبد المتعبدين، وصلاة المصلين، يتقرب العباد فيه إلى خالقهم، ويذكرون فيه اسم الله تعالى آناء الليل واطراف النهار، وتعظيمه و تكريمه فرض على جميع المسلمين، ودخول الكافر فيه مناف لتعظيمه واجلاله. وثالثا: انه يمكن ان يكون وجه هذا التشديد في امر الكفار هو كونهم غير مأمونين عليه من التلويث فلربما ينجسون المسجد أو يتنجس المسجد بهم قهرا بالقاء النخامة والنخاعة، وتأثره وتنجسه برطوباتهم لعدم مبالاتهم بالطهارة والنجاسة، وعدم اعتنائهم بشأن المسجد الرفيع واحترامه المخصوص. 1


1. قال الشهيد في الذكرى ص 157 - لا يجوز لاحد من المشركين دخول المساجد على الاطلاق و لا عبرة باذن مسلم له لان المانع نجاسته للآية، فان قلت: لا تلويث هنا قلت: معرض له غالبا و جاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر. انتهى.

[ 30 ]

نكتة شريفة ثم ان في الآية الشريفة نكتة لطيفة ينبغى التعرض لها فنقول: انه يستظهر منها بدوا بحسب الفقاهة ان السر الوحيد والعلة التامة في منع المشركين عن دخول المسجد هو كونهم نجسا فيصطاد ويستفاد منها - بمقتضى كون العلة معممة - عموم وهو عدم جواز قرب أي نجس من النجاسات من المسجد مطلقا ولكن الظاهر من جملة (فلا يقربوا المسجد الحرام) بعد التأمل فيها انه حكم مختص بالمشركين وان نجاستهم ليست علة حتى يعم الحكم جميع النجاسات بل هي حكمة لذلك. وذلك لان النهى فيها عن قربهم من مسجد الحرام لا عن دخولهم فيه مع ان مجرد قرب النجاسة لا يوجب السراية وليس هو سببا للنجاسة بل هي موقوفة على المماسة والملاقاة وتأثر الملاقى بها فهذا التعبير حاك عن كمال اهتمام الشارع بعدم حصول أي صلة وترابط بين المسلمين والكفار وعزلهم عن اطار عيشهم وعشرتهم وعلى هذا فلا عموم اصلا. وبعبارة اخرى لما كان الناس يستبعدون عدم جواز قرب المشركين من المسجد ويكبر عليهم هذا الحكم لا سيما بلحاظ اناطة منافعهم بالتبادل التجارى معهم، واختلافهم، وترددهم إلى مكة المعظمة، فلذا بين حكمة هذا الحكم اعني لزوم طرد الكفار فقال: انما المشركون نجس. وهذه الحكمة تكشف عن عظمة تعاليم النبي الكريم وسمو دعوته، وتقوى روح المؤمن و تشجعه وتجعله عزيزا شديدا على الكفار، غير مكترث بهم في جنب الله، لا يخاف في الله لومة لائم، وتعلو في ظلها همته، فلا يودهم ولا يتولاهم ولا

[ 31 ]

يتخذهم اولياء وبطانة ويكون صلب العود، في مواجهة الكفار، ولا يكون الدين عنده العوبة يعبث به فقد اراد الله تعالى ان يكون المسلم متصلبا خشنا في ذات الله، وان يجعل من الامة الاسلامية رجالا شجعانا ابطالا يكون الكافر في اعينهم اصغر من ذبابة وان يكونوا بحيث لو اجمع العالم كله على الكفر والعناد واتفق اهله على الضلال والالحاد ولم يكن من ينتحل الاسلام الا واحدا فهذا المسلم الواحد يكون معتزا بالاسلام معتدا بشرفه لا يخاف ولا يستوحش بل يقوم وحده حذاء العالم المجمع على الكفر ويقول مخاطبا لهم لا تمسوني ولا تقربوا منى فانكم باجمعكم - ايتها الامة المجتمعة على الكفر والضلال - نجس وانا وحدي - في ظلال التوحيد والاسلام - طاهر وفيه من رقى الاسلام وكيان المسلم واعلاء كلمة الدين وتحرير الانسان من الخضوع لغير الله ونفخ روح الرجولة والجلادة فيه ما لا يخفى. والحاصل ان الله تعالى يريد بذلك ان يلهم الامة الاسلامية الحماسة والاعتماد على النفس والتحفظ على استقلالهم وسؤد دهم. ثم انه لما كان بين المسلمين والمشركين ارتباط تجارى وكان اقتصادهم بزعمهم منوطا بالمعاشرة معهم والمخالطة والالفة بهم فكانوا يجدون في انفسهم ضيقا من طرد المشركين على اثر حكم الله تعالى المزبور، وكان يقرء في صفحة وجوههم وجبينهم خطوطا خوف الاملاق والنكبات المالية والخسارات التجارية، فلذا وجه حكمه السابق وعقبه بقوله: " وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء " يعنى وان خفتم في اجراء هذا الحكم و انفاذه الفقر والحاجة وانقطاع المتاجر وتعطل الاسواق وذهاب التجارات بسبب منع المشركين عن دخولهم المسجد، فانه لا موجب لهذا الخوف، فلا تخالفوا فسوف يغنيكم الله من فضله، وقدو في الله بوعده هذا، وانجز واصلح امورهم و

[ 32 ]

اغناهم من فضله العميم ولطفه الجسيم، ومن اوفى بعهده من الله؟ ما هو المراد من المسجد الحرام؟ ثم ان هنا بحثا في تعيين المراد من المسجد الحرام المذكور في الآية، فهل هو مجموع مساحة الحرم أو خصوص المسجد الشريف المحيط بالكعبة زاد ها الله شرفا واجلالا؟ اقول: المناسب لقوله تعالى: " وان خفتم عيلة... " والمساعد لخوف الفقر والحاجة، وضنك المعيشة، والعوز المالى، هو الاول فانه لا مجال لخوف المؤمنين من العسرة والعيلة إذا كان المشركون ممنوعين عن دخول المسجد فقط مع جواز دخولهم في مكة وعدم المانع لهم عن ذلك، وانما يصح هذا الخوف وله مورد عرفا إذا كانوا ممنوعين عن دخول مكة مطلقا، حيث انه بذلك تنقطع التجارات ويسد ابواب المعاملات. ويؤيد ذلك ما ورد في الروايات من انه فتحت للمؤمنين ابواب الارزاق بعد منعهم المشركين عن دخول مكة. 1 هذا كله مضافا إلى ما ورد من ان الحرم كله مسجد. 2 فتحصل مما ذكرناه حول الآية الكريمة انها تدل بالوضوح على المطلوب أي نجاسة مطلق الكفار حتى اهل الكتاب ومن البعيد ان لا يكون تسالم الاصحاب وكذا عدة من اهل السنة على نجاسة غير اهل الكتاب من الكفار، و


1. راجع تفسير الصافى ج 1 ص 693 2. ففى الكشاف ج 2 ص 147: وعن عطا: ان المراد بالمسجد الحرام الحرم، وان على المسلمين ان لا يمكنوهم من دخوله الخ وفى مجمع البيان ج 3 ص 20 عند شرح المسجد الحرام: قيل: المراد به منعهم عن دخول الحرم، عن عطا قال: والحرم كله مسجد وقبلة.

[ 33 ]

هكذا حكم الاصحاب - الاشاذ منهم - بنجاسة اهل الكتاب ايضا مستندا إلى الكتاب ومستفادا من الآية الشريفة. ولذا ترى ان المحقق قدس سره يقول في باب الاسئار من المعتبر ما حاصله ان الكفار قسمان: احدهما اهل الكتاب ثانيهما غيره، مثل النواصب والخوارج والغلاة والمشركين وغيرهم. 1 وادعى عدم الخلاف في نجاسة الثاني، ولم يعترض عليه احد، مع ان مخالفة الخوارج لاهل الحق ليست الا في الولاية والخلافة، وهم لا يدعون في ناحية المبدء أو المعاد أو النبوة شيئا جديدا غير معهود من المسلمين، ولا اظن ان احدا قال بطهارتهم بل ولا مال إليها فهل ترى ذلك الا لاجل ان العلماء استفادوا واستظهروا من الآية نجاسة الكفار مطلقا نجاسة عينية ذاتية واعتمدوا في افتائهم هذا على الآية الشريفة. واما مخالفة شاذ منهم في نجاسة اهل الكتاب فهى لاجل امور و استدلالات نذكرها فيما سيأتي ونجيب عنها انشاء الله تعالى وقد ذكرنا انهم ايضا مشركون حقيقة ولا اقل من كونهم كذلك تنزيلا وبعبارة اخرى ان منشأ حكم العلماء بنجاستهم بل ومنشأ كلمات الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين وحكمهم بها هو القرآن الكريم، وهذه الآية الكريمة التى تنادى بنجاسة المشركين باعيانهم، كما ان اقدم المفسرين ابن عباس يقول ان نجاستهم كنجاسة الكلب والخنزير 2 واعتقد بذلك الشيعة.


1. المعتبر الطبع الجديد ج 1 ص 95 وعبارته كذا: واما الكفار فقسمان يهود ونصارى ومن عداهما اما القسم الثاني فالاصحاب متفقون على نجاستهم... 2. وفى التواريخ انه قد مر أبو موسى الاشعري على عمر بحساب فدفعه إلى عمر فاعجبه فقال لابي موسى: اين كاتبك يقرء هذا الكتاب على الناس؟ فقال: انه لا يدخل المسجد فقال: لم اجنب هو؟ قال: انه نصراني فانتهره وقال: لا تدنهم وقد اقصاهم الله ولا تكرمهم وقد اهانهم الله ولا تأمنهم وقد خونهم الله. اوثق عرى الايمان ص 92.

[ 34 ]

نعم خالف جمع منهم مستدلين بما رووه باسنادهم من استعمال النبي الاعظم صلى الله عليه وآله اوانى المشركين والكفار واجاب عنه القائلون بالنجاسة منهم بان هذا كان قبل نزول الآية الكريمة الناطقة بنجاستهم، والحاصل انه لا غبار على الاستدلال بالآية، وانكار ذلك ليس في مورده. حول معارضة آية الطعام نعم يوجد هنا اشكال وحاصله: سلمنا دلالة الآية على نجاسة الكفار حتى اهل الكتاب منهم، الا انها معارضة بآية الطعام في مورد اهل الكتاب وهى قوله تعالى: " اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتو الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " 1 فان لازم حل طعام اهل الكتاب للمسلمين هو طهارة ابدانهم، فإذا كان طعامهم الذى صنعوه وعالجوه بايديهم حلالا للمسلمين فكيف يحكم بنجاستهم؟ وعلى الجملة فمفاد الآية الاولى نجاسة مطلق الكفار حتى اليهود والنصارى، ومفاد هذه الآية طهارة خصوص اهل الكتاب فتخصص الاولى بهذه لانها اعم وهذه اخص. والجواب عن ذلك ان آية الطعام ليست في هذا المقام، وليس المراد منها ذلك، بل لما امر الله تعالى المسلمين بالاجتناب عن الكفار ومنع عن ترددهم إلى مكة، وقربهم من المسجد الحرام، وكان هذا معرضا لتوهم المؤمنين وجوب الانقطاع عن الكفار بكل وجه، وحرمة البيع منهم، والاشتراء عنهم، و مظنة لان يتخيلوا عدم جواز المعاشرة معهم، وحظر طعام كل من الطائفتين على الاخرى على حسب ما تقرره آية النجاسة فلذا نص القرآن الكريم - دفعا


1. سورة المائدة الآية 7

[ 35 ]

لهذا التوهم وابطالا لهذا الخيال - على ان طعام اهل الكتاب حل لكم، وطعامكم ايها المسلمون حل لهم، فلا تعطل الاسواق لنجاسة الكفار ولا تسد ابواب المعاملات والمبادلات لذلك على حسب ما تشير إليه آية الطعام. إذا تلونا عليك هذا فاعلم انه قد فسر الطعام في كلام بعض اللغويين بالبر، أي الحنظة، وفى كلام بعض آخر منهم بالحبوب، فقال الفيومى في مصباحه: إذا اطلق اهل الحجاز لفظ الطعام عنوابه البر خاصة انتهى. وعن المغرب: ان الطعام اسم لما يؤكل وقد غلب على البر وحكى عن ابن الاثير عن الخليل ان الغالب في كلام العرب انه البر خاصة. وقال الطريحي في مجمع البحرين: الطعام ما يؤكل وربما خص بالبر. إلى غير ذلك ما كلمات اللغويين وقد وردت روايات ايضا تفسر الطعام المذكور في الآية بالبر أو الحبوب مطلقا وفسرها المفسرون ايضا كذلك، ومعلوم ان البرو الحبوب يا بسة لا تتجنس بملاقاة ابدانهم، فاجاز الشارع بيع الحبوب لهم واشترائه منهم لا لخصوصية فيها، بل لكونها يا بسة لم تتجنس، ويترتب عليه بالطبع انه لو كان لهم شئ غير نجس مما يؤكل فهو ايضا يجوز شرائه منهم واكله، وعلى ذلك فلا دلالة فيها على طهارة اهل الكتاب اصلا. بل يمكن ان يقال - بلحاظ ما ورد في التفاسير مؤيدا بقول اهل اللغة و مستندا إلى روايات اهل البيت عليهم السلام من كون الطعام بمعنى البر أو الحبوب - ان في الآية اشعارا بنجاسة الكفار من اهل الكتاب أو الدلالة على ذلك. ثم لو فرض عموم الطعام وشموله لكل ما يطعم، فلا دلالة ايضا في آية الطعام على مراد الخصم، ولا معارضة بينها وبين الآية الاولى اصلا، لان اطلاق هذه الآية الكريمة حيثى، فهى في مقام بيان حكم طعام اهل الكتاب بعنوان كونه طعاما لهم وبلحاظ هذه الحيثية فقط ولا اطلاق لها حتى يكون طعامهم حلا

[ 36 ]

للمؤمنين كيفما كان وفى أي شرط من الشرائط وحال من الحالات، ولا يشمل العناوين المتعددة والحيثيات المتكثرة فإذا قيل: لحم الغنم حلال. فهل ترى من نفسك ان معناه هو حلية لحم الغنم مطقا وان كان مغصوبا أو مأخوذا بالسرقة وبغير رضا صاحبه؟ وكذا لو كان جلالا وغير مذكى؟ أو تقول ان معناه ان لحم الغنم في نفسه وفى حد ذاته مباح وهذا لا ينافى ان يكون حراما من الجهات الطارئة وبالعناوين العارضة. ولهذا لا يرى العرف تعارضا اصلا بين قولنا لحم الغنم حلال، وبين قولنا اللحم المغصوب حرام، وليس الا لعدم اطلاق للاول يشمل الحيثيات و التطورات الحادثة. فطعام اهل الكتاب في اطار كونه طعاما لهم حل للمؤمنين وليس محرما من المحرمات، أو نجسا من النجاسات، نعم يمكن ان يحرم بالطوارى والعوارض كما إذا لاقاه صاحبه مع الرطوبة وكما إذا لاقى هذا الطعام نجسا آخر معها. هذا بالنسبة إلى حل طعام اهل الكتاب للمؤمنين المستفاد من قوله تعالى: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم. " واما بالنسبة إلى حل طعام المؤمنين لهم المستفاد من قوله تعالى " و طعامكم حل لهم " فلا اشكال فيه اصلا مضافا إلى انه ايضا حيثى. والحاصل: انه ليس في هذه الآية اقل مرتبة من الدلالة على الطهارة فضلا عن ظهور أو صراحة فيها وان اغمضنا النظر عن تفسير الطعام بالبر والحبوب، و قلنا بشموله لهما ولغيرهما مما يساغ ويؤكل، ولا مخالفة ولا تهافت بين هذه الآية والآية المبحوث عنها الدالة على النجاسة، وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع عند الجواب عن استدلال القائلين بالطهارة انشاء الله تعالى. فالانصاف ان الآية الكريمة تدل على نجاسة الكفار مطلقا بلا أي نقص

[ 37 ]

في دلالتها أو معارض يعارضها وبلا فرق بين اقسام الكفار بل ليس هنا ايضاح ابلغ من هذا الايضاح. الاستدلال بآية الرجس ومن الآيات التى قد يستدل بها لا ثبات نجاسة الكفار قوله تعالى: " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ". 1 فنقول في تقريب الاستدلال بها: ان مفادها: ان كل من لا يؤمن بالله - سواء كان مشركا اصطلاحيا أو كان منكرا لله تعالى أو غيرهما من اصناف الكفار فقد كتب الله وجعل عليه الرجس. والرجس هو النجاسة. 2 ولكن الانصاف ان هذه الآية ليست كالسابقة في - نهوضها لا ثبات ما


1. سورة الانعام الآية 125. اقول: وقد استدل بها العلامة اعلى الله مقامه في التذكرة ج 1 ص 8 و في نهاية الاحكام ج 1 ص 273 والشهيد في الدروس ص 13 وفى الذكرى ص 13 على نجاسة الكافر مطلقا والمحقق في المعتبر ص 24 على نجاسة من عدا اليهود والنصارى من الكفار، وابن ادريس على نجاسة كل من لم يعتقد الحق الا المتسضعف، على ما حكاه العلامة. 2. قال السيد أبو المكارم بن زهرة في الغنية: معنى الرجز والرجس والنجس واحد بدلالة قوله تعالى: " والرجز فاهجر " " فاجتنبوا الرجس من الاوثان " انتهى. وقال الشيخ في التهذيب الطبع الجديد ج 1 ص 278: ان الرجس هو النجس بلا خلاف. وفى مجمع البحرين بعد نقل هذا: وظاهره انه لا خلاف بين علمائنا في انه في الآية بمعنى النجس انتهى. وقال في المختلف ص 58 في ضمن البحث عن نجاسة الخمر والتعرض لآية " انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس " الخ -: ان الرجس هو النجس. وقال الشيخ البهائي قدس سره في الحبل المتين ص 102 في ذيل آية الخمر: والرجس وان كان يطلق على غير النجس ايضا الا ان الشيخ في التهذيب نقل الاجماع على انه هنا بمعنى النجس... وحينئذ فاما ان يكون خبر بقية المتعاطفات في الآية محذوفا أو يكون رجس هو الخبر عن الكلام من قبيل عموم المشترك أو عموم المجاز ومثله غير عزيز في الكلام انتهى كلامه.

[ 38 ]

نحن بصدده أي نجاسة الكفار - فان كلمة (نجس) في الآية الاولى كانت ظاهرة في النجاسة الشرعية قطعا، بخلاف لفظ (الرجس) فانه وان امكن ان يكون المراد منه النجس، الا انه لا يكون ظاهرا فيه 1 كما ترى انه اريد به غير النجاسة المصطلحة في قول الله تعالى: " انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس. " 2 فان الرجس هنا بقرينة المتعاطفات هو الخبيث والعمل القبيح. وعلى الجملة فان ثبت ان المراد من الرجس في الآية المبحوث عنها هي النجاسة الشرعية فهى ايضا من ادلة المطلب والا فهى اجنبية عن المقام، ولا يصح الاستدلال بها في اثبات المطلوب.


1. اقول: خصوصا بلحاظ صدر الآية وهو قوله تعالى " فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء كذلك... " 2. سورة المائدة الآية 92.

[ 39 ]

الاخبار الدالة على نجاسة الكفار وقد استدل القائلون بالنجاسة ايضا بالاخبار المروية عن الائمة عليهم السلام ونحن نورد منها ما يلى: منها: موثقة سعيد الاعرج فعلى نقل التهذيب والكافي قال: سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: لا. وعلى نقل الفقيه: سئل الصادق (ع) سعيد الاعرج عن سؤر اليهودي والنصراني ايؤكل أو يشرب؟ فقال لا. 1 وجه الاستدلال ان ظاهر السؤال فيها هو السؤال عن الاكل أو الشرب من حيث الطهارة والنجاسة، وقد علمت ان الامام عليه السلام نهاه عن اكل سؤره و


1. جامع احاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 21، وفى مرآت العقول ج 13 ص 40: حسن، و في المستمسك ج 1 ص 369 مصحح سعيد الاعرج.

[ 40 ]

شربة، وظاهر النهى الحرمة. والقول بان نهيه عليه السلام وحكمه بالتحريم تعبد محض ولا يستلزم نجاسة سؤرهما فكأنه قد حرم الاكل والشرب من سورهما مع طهارته توهم لان الظاهر ان تحريمه كان للنجاسة وليس هذا الظهور في مورد الانكار. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن رجل صافح مجوسيا قال: يغسل يده ولا يتوضأ. هكذا نقل في التهذيب، ولكن في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في رجل صافح موجسيا... 1 وجه الاستدلال بها ان الامام عليه السلام قال في شأن من صافح مجوسيا: يغسل يده. وهذه الجملة خبر يفيد الانشاء، بل هو آكد منه حيث ان المتكلم إذا اخبر في مقام الانشاء فهو يرى الامر واقعا محققا مفروغا عنه، ولا يفرض ولا يحتمل صورة عدمه بل يرى تركه غير محقق، وعلى هذا فقد اوجب عليه السلام غسل اليد على هذا المصافح لاجل مصافحته المجوسى ومن العيان المغنى عن البيان ان وجوب الغسل دليل النجاسة وكاشف عنها. نعم يمكن المناقشة فيها بان ملاقاة النجس مطلقا لا تكون سببا للنجاسة و وجوب الغسل بل هي مشروطة بالرطوبة المتعدية بحيث يتأثر الملاقى بالنجاسة، ومعلوم ان مجرد مصافحة المجوسى لا يوجب سراية النجاسة من يده إلى يد المسلم، وانما تسرى إذا كانت يد احدهما اعني يد المجوسى أو يد المسلم المصافح رطبة والحال ان مقتضى هذه الرواية وجوب غسل يده مطلقا بلا تقييد بما إذا كانت المصافحة وتلاقي اليدين مع رطوبة سارية في احديهما. ويمكن الجواب عنها والتخلص منها بوجوه:


1. جامع احاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 43، والطبع الجديد ج 2 ص 113

[ 41 ]

الاول: ان الغالب في البلاد الحارة و - منها الحجاز التى هي ارض النبوة و مهبط الوحى ومحل صدور تلك الرواية الشريفة - وهو عدم خلو يد واحد من المصافحين عن الرطوبة السارية، كما ان هذا امر مجرب محسوس فيها بل و في غيرها من البلدان ايضا عند اشتداد الحر، فلذا اكتفى الامام عليه السلام بالغلبة التى هي قرينة واضحة مغنية عن ذكر الرطوبة. والثاني: ان مراد الامام عليه السلام هو المصافحة المقيدة برطوبة في يد احدهما، الا ان القيد مذكور في الاخبار الاخر، أو هو معلوم غير محتاج إلى ذكره، وعلى الجملة فلا يلزم ذكر المقيد عند القاء المطلق وذكره مطلقا ولا يستلزم ترك ذكره الاغراء بالجهل كما انه لا بأس بذكر المطلق بلا قيد مع ارادة المقيد اعتمادا على كون القيد معلوما. الا ترى ان المولى إذا طلب من عبده الماء وامره باتيانه بلا تقييد بكونه باردا مع كون الهواء حارا جدا فان العبد يعلم بمقتضى الحال ان المولى لم يطلب ولم يرد منه الا الماء البارد أو المثلج، وان كان امره مطلقا، فانه قد اعتمد على علم العبد بذلك ولم ير حاجة إلى ذكره. وهنا وجه ثالث في الجواب عن المناقشة المذكورة، ودفعها عن الرواية، الا انه على ذلك لا دلالة لها على النجاسة، وهو ان يقال: انه ليس ظاهر الامر - الذى هو الوجوب - مرادا هنابل المراد منه الاستحباب لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر، والظاهر حملها على احد الاحتمالين الاولين. بقى الكلام هنا في قوله عليه السلام: ولا يتوضأ. فنقول: المراد منه ان مصافحة المجوسى مع الرطوبة في اليد وان كانت موجبة لتنجس يد المسلم الذى صافحه الا انها لا توجب الحدث كى يحتاج في رفعه إلى الوضوء. وربما يشعر هذا أو يظهر منه ان المؤمنين واصحاب الائمة عليهم السلام

[ 42 ]

كانوا يتوهمون ان مصافحة الكفار توجب الحدث لشدة خباثتهم عندهم و تبريهم عنهم وعن طريقتهم فلذا صرح الامام بعدم ايجابها الوضوء ولعله كانت بين الامام وصاحبه خصوصية اورثت واقتضت ذلك من عدم المخالطة معهم و امرهم عليهم السلام اياهم بقطع المراودة عنهم - عل خلاف العامة القائلين بطهارة اهل الكتاب والمعاشرين لهم - فنشأ من الخصوصية المذكورة التوهم المزبور فردهم عليه السلام عن توهمهم، واخبرهم بانه لا يتوضأ المسلم المصافح معهم. ومنها رواية ابى بصير عن احدهما عليهما السلام في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وراء الثياب صافحك بيده فاغسل يدك. 1 تقريب الاستدلال بها انه عليه السلام امر بغسل اليد لمصافحة اليهودي والنصراني، وليس ذلك الا لنجاستهما وتنجس يد المصافح بمصافحتهما. ويمكن ان يورد عليها ما اورد على الرواية السابقة، والجواب هو الجواب. نعم هنا اشكال يختص بالمقام وهو انه كيف لم يأمر الامام عليه السلام بغسل الثياب التى صافحهما المسلم من ورائها والحال انه لو كانت يدهما توثر النجاسة فلا فرق فيه بين يد المصافح وثيابه؟ ويمكن الجواب عنه بوجوه: احدها: ان الامام عليه السلام يريد ان لا تتنجس يد المسلم ولا تتلوث و لذا يرشده إلى ما يحتفظ به على طهارة يده وهو المصافحة من وراء الثياب أي بقطعة من الثوب أو خرقة تكون حائلة بين يده وبين يد الكتابى وان كان ذلك بان ياخذ المسلم شيئا من ثوب الكتابى نفسه ويصافحه من ورائه وبيده المغطاة بثوبه لا بثوب نفسه كى لا يتنجس، وعلى الجملة فلا يستفاد من قوله عليه السلام (من


1. جامع احاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 42، والطبع الجديد ج 2 ص 133

[ 43 ]

وراء الثياب) ان يأخذ الحائل من ثوب نفسه الملبوس بل اللازم هو الحيلولة بين يده ويد الكتابى حفظا ليده عن النجاسة. ثانيها: سلمنا شمول قوله عليه السلام، لثياب المسلم الملبوسة ايضا التى يصلى فيها لكن من المعلوم، الفرق بين تنجس اليد والثوب فان تنجس اليد يحصل بمجرد رطوبة يسيرة وبلة قليلة في يد احدهما ولا يحتاج إلى كثير مؤنة بخلاف تنجس الثوب فانه يحتاج إلى اكثر من هذا ولا يتحقق الا برطوبة جلية بينة ونداوة ظاهرة سارية كى يتأثر بها غاية الامر انه بعد المصافحة من ورائه يصير الثوب مشكوك النجاسة فربما تكون الرطوبة سارية في شئ ولا تكون كذلك في غيره، ومن المعلوم ان مشكوك الطهارة والنجاسة محكوم بالطهارة، كما ان الاستصحاب ايضا يقتضى الطهارة في المقام، حيث ان الثوب كان مسبوقا بها. ثالثها: ان قوله عليه السلام بعد ذلك (فاغسل يدك) قرينة ظاهرة على لزوم غسل الثوب ايضا لو صافحه من وراء الثوب إذا اراد الصلاة فيه لان غاية ما يقال في الاول هو عدم البيان حيث انه عليه السلام لم يقل: ان صافحت مع الثوب فلا بأس اصلا، حتى يقال انه صريح أو ظاهر في طهارة الثوب، ويلزم الاشكال، بل هو اللابيانية المحضة وحينئذ فالجملة الثانية بيان صريح ولا يصح رفع اليد عن الدليل الصريح ولا البيان الظاهر لاجل عدم البيان بل اللازم بمقتضى الصناعة هو الاخذ بالبيان ورفع الاشكال والاجمال به في مورد عدم البيان، فإذا قال: فان صافحك بيده فاغسل يدك. يعلم منه انه ان صافح من وراء الثياب - ثياب المسلم - يجب غسله وتطهيره إذا اراد ان يصلى فيه وبعبارة اخرى يفهم منه ان الثياب ايضا نجسة. 1


. 1. اقول: وهنا وجه رابع وهو ان شأن الناس بالنسبة إلى اثوابهم وابدانهم مختلف فترى ان لهم

[ 44 ]

ومنها: عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن آنية اهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذى يطبخون ولا في آنيتهم التى يشربون فيها الخمر. 1 تقريب الاستدلال بها ان المقصود من طعامهم المطبوخ الذى نهى عن اكله على ما هو الظاهر، الطعام الرطب الذى باشروه بابدانهم حين صنعه وطبعه فقلما يتفق طبخ غذاء مع عدم مباشرة يد الطابخ له بخلاف غير المطبوخ أو الفواكه، فلو اخذ المسلم من بيت الكتابى تفاحا أو بطيخا مثلا وشقه بسكين طاهر فلا اشكال فيه من ناحية الطهارة لعدم مباشرة بدنه له واما ما طبخه الذمي فهل يكون المسلم على وثوق واطمئنان من ذلك؟ لا بل الاطمينان حاصل بملاقاته و نجاسته وكذا آنيتهم نجسة لاجل مباشرتهم لها. واما ما ترى من تقييدها في الرواية بقوله: التى يشربون فيهما الخمر. فهذا لنكتة خاصة راعاها الامام (ع) وهى ان فقهاء العامة كانوا يقولون بطهارتهم، و سواد الناس وعوامهم يقلدونهم طبعا في ذلك كما في ساير الامور فكانوا هم ايضا يقولون بطهارتهم. وكان ائمة اهل البيت بصدد تحذير الناس عن مخالطة الكفار، والحكم بنجاستهم وكانوا صلوات الله عليهم اجمعين يهتمون بمعايش العباد وصلاح الامة والاحتفاظ على نفوس الشيعة والدماء الزاكية وحيث انه لم يمكن لهم مخالفة العامة بالصراحة فلذا يحتالون في ذلك، وكان ذكر قيد (التى


الالبسة الصيفية، والشتوية، والسفريه، والحضرية، وثياب التجمل، والعمل، والعبادة، فربما يتعرى من ثيابه التى قد تنجست ولا يلبسها بعد ذلك مطلقا وربما لا يصلى في هذا الثوب ابدا بل هو ثوب خاص لحالة خاصة وان لم تكن متنجسة بخلاف اليد فانه عضو من اعضاء الانسان متصل به ولذا ذكر الامام وجوب الغسل في اليد دون الثياب. 1. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 1 اقول: ومن العجب انه استدل بها للقول بطهارة اهل الكتاب ايضا كما سيأتي انشاء الله تعالى.

[ 45 ]

يشربون فيها الخمر) من هذا الباب، فهو نحو احتيال في مخالفة العامة ونوع فرار من شرهم واذاهم، لان الشيعة كانوا يجتنبون عن مطلق اوانيهم، وعلى الجملة فان الامام عليه السلام يظهر ان الاجتناب عنها لاجل انهم يشربون فيها الخمر لا لكونها اوانى لهم وانهم نجس. 1 فانقدح بذلك ان دلالة هذه الرواية على نجاستهم تامة جدا وليس فيها أي نقصان وذلك للملازمة بين وجوب الاجتناب المستفاد من النهى وبين النجاسة. ومنها: ما عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس ولا يصلى في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسى في قصعة واحدة ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه قال: وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدرى لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: ان اشتراه من مسلم فليصل فيه و ان اشتراه من نصراني فلا يصلى فيه حتى يغسله. 2 تقريب الاستدلال انه عليه السلام جوز النوم على فراشهم ومنع عن الصلاة في ثيابهم، ومقتضى الاطلاق المنع عن ذلك سواء كانت لها نجاسة عرضية اولا، ومن المعلوم ان النهى عن اتيان الصلاة فيها ليس الا لغلبة المماسة الحاصلة بينها وبين ابدانهم مع الرطوبة، ولو علم عدم المماسة فلا بأس بالصلاة فيه، الا ان الغالب هو الاول، والالحاق منزل على الغالب، وهذه الغلبة كانت بحيث اوجبت الملازمة بين كون الثوب ثوبا لليهود والنصارى ومنتحلا إليهم و بين كونه نجسا مع ان ثوبهما ليس نظير السؤر في عدم انفكاكه عن مماسة بدنه


1. يمكن ان يقال: ان حكمه عليه السلام في الجملة الاولى والثانية خلاف التقية وهذا يبعد حمل الثالثة عليها فتأمل. 2. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 10

[ 46 ]

مع الرطوبة. ترى ان الشارع قد وسع في باب الطهارة، بحيث لم يعتبر الشك في النجاسة بل ولا الظن بها وقال: كل شئ لك طاهر حتى تعلم انه قذر 1 ومع تلك التوسعة والنظر الوسيع في امر الطهارة والنجاسة فقد نهى عن الصلاة في الثوب المزبور، واما الثوب المتعلق بالمسلم الذى يستعيره الذمي ثم يرده إليه فيجوز الصلاة فيه من دون غسله، لانه ليس مثل ثياب الذمي نفسه في مظنة النجاسة. ثم انه عليه السلام نهى بعد ذلك عن اكل المسلم مع المجوسى في قصعة واحدة أي في اناء واحد، ووجه ذلك ان الاكل معه في صحفة 2 واحدة يلازم النجاسة فانه اما ان يأكل بيده فالامر ظاهر حيث انه بمجرد ادخال اليد فيها يتنجس الطعام واما بالملعقة فإذا ادخلها في فمه واخرجها فلا محالة هي متنجسة لمباشرتها لفمه وشفتيه فإذا ادخل الملعقة في الصحفة أو وضعها فيها يتنجس الطعام طبعا كما يتنجس الاناء ايضا، فعلى أي حال يلازم اكل المسلم معه الاكل من النجس، ولذا نهى الامام عن ذلك. واما النهى عن اقعاده على فراشه في قوله عليه السلام: (ولا يقعده على فراشه) فهو نهى تنزيهي، ارشادا إلى انه يمكن ان تكون لواحد من اعضائه واطرافه رطوبة ويتنجس الفراش بجلوسه عليه، وليس المراد منه انه يتنجس تحقيقا وعلى أي حال بمجرد جلوسه عليه. ويمكن ان يكون النهى لاجل عدم كرامة في جلوسه على فراش المسلم.


1. وسائل الشيعة ج 2 ب 37 من ابواب النجاسات ح 4 عن ابى عبد الله عليه السلام: كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر... 2. الصحفة اناء كالقصعة والجمع صحاف مثل كلبة وكلاب، وقال الزمخشري: الصحفة قطعة مستطيلة، راجع المصباح المنير ص 403

[ 47 ]

وعلى هذين الوجهين ايضا يحمل نهيه عليه السلام عن اقعاده على مسجده ومحل عبادته وسجوده. واما قوله على السلام: (ولا يصافحه) فقد علم وجهه مما ذكرناه، فراجع. واما تجويزه عليه السلام الصلاة في الثوب الذى اشتراه من مسلم، دون ما اشتراه من نصراني، فانه لا يصلى فيه، فالوجه في ذلك ان كونه مسلما امارة على الطهارة، وكونه نصرانيا امارة على النجاسة، لا ان يكون النجاسة قطعية و من المعلوم ان الثوب المشترى من النصراني في السوق تارة يكون من الجلود المحتاجة التى التذكية، فحكمه واضح، واخرى يكون متخذا من غيرها كالقطن مثلا فالنجاسة هنا وان لم تكن قطعية، الا ان يد الكفار امارة على نجاسته. وعلى الجملة فهذه المطالب ليست من باب التعبد المحض بل الكافر نجس فلذا يتنجس ثوبه الذى مسه بيده وبدنه مع الرطوبة يقينا، فإذا علمنا ان الثوب الخاص هو ثوبه، ولكن لم تعلم مسه له كذلك، فمجرد كون الثوب له وهو مالكه امارة على ذلك، ولذا يحكم بنجاسته كما لو كنا نعلم نجاسته بالقطع والوجدان. ومنها عن على بن جعفر عن اخيه ابى الحسن موسى عليه السلام قال: سألته عن مؤاكلة المجوسى في قصعة واحدة وارقد معه على فراش واحد واصافحه؟ قال: لا 1 هذه ايضا ظاهرة في عدم جواز مؤاكلة المسلم المجوسى في قصعة واحدة، ومنع الرقود معه على فراش واحد، والاجتناب عن مصافحته، و هذه الامور كلها كاشفة عن كون نجسا.


1. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 6

[ 48 ]

ومنها عن هارون بن خارجة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى اخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال: لا 1 ودلالتها ايضا على المراد ظاهرة. ومنها: عن سماعة قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن طعام اهل الذمة ما يحل منه؟ قال: الحبوب. 2 معلوم ان الحبوب لا يباشرها الكافر بجزء من بدنه مع الرطوبة، فلذا حكم الامام بحليتها لطهارتها، وعلى الجملة فقد رخص استعمال الحبوب واكلها وكذا ما اشبهها مما لا يقبل النجاسة، وان باشروها بايديهم بخلاف الغداء المطبوخ فانه لا محالة يباشره بيده رطبة فلذا لا يحل لكونه نجسا. ومنها: عن على بن جعفر انه سأل اخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام الا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل. وسأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء ايتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا الا ان يضطر إليه. 3 والظاهر منها ان على بن جعفر سأل اخاه الامام عن الحياض الصغار التى تكون تحت مضخة يدفع بها الماء ويصب منها في هذه الحياض ولم تكن كرا و كان الناس يقومون على جنبها ويغتسلون من الجنابة مثلا، ولو كانت كرا لم يكن اغتسال النصراني منها موجبا للنجاسة، ولذا قال الامام عليه السلام: إذا علم ان هذا الذى يغتسل معه نصراني فليغتسل هذا المسلم بغير ماء الحمام يعنى لا يغتسل بهذا الماء.


1. وسائل الشيعه ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 7 2. وسائل الشيعة ج 16 ب 51 من ابواب الاطعمة المحرمة ح 1 3. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 9

[ 49 ]

واما قوله عليه السلام: (الا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل) فالمقصود انه لو كان النصراني في الحمام وفرغ من تنظيفه وذهب واراد المسلم ان يغتسل في الحمام وحده فهنا يطهر اطراف الحوض ونواحيه فان نفس الحوض وماءه يتطهران بفتح المضخة الممتصة من البئر أو المتصلة بالمادة فإذا صب الماء منها في الحوض يتطهر الحوض وماءه فلا حاجة إلى اكثر من تطهير جوانب الحوض بخلاف ما إذا كان يغتسل مع النصراني فانه لا محالة يتنجس الحوض وكذا يتقاطر من بدن النصراني ويترشح إلى بدنه والى نواحى الحوض وجوانبه ولا يتيسر الاغتسال في تلك الظروف والاحوال، وعلى الجملة فهذه الفقرات كلها تدل على نجاسة النصراني " فتأمل ". نعم ذيل الرواية اعني قوله (وسأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء ايتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا الا ان يضطر إليه) فهو محل البحث والكلام حيث ان الظاهر منه جواز الوضوء من الماء الذى ادخل النصراني يده فيه عند الاضطرار إلى الوضوء منه في حين انه لو كان قد تنجس الماء بذلك فلا يصح الوضوء منه، لعدم جواز الوضوء بالماء النجس، فتجويز الامام الوضوء بهذا الماء لا يساعد نجاسة النصراني وبعبارة اخرى انه كاشف عن طهارته. لكن حملها الشيخ الطوسى رضوان الله عليه على التقية 1 بيان ذلك ان التقية


1. هكذا افاد سيدنا الاستاذ الاكبر مد ظله العالي كما انه المحكى في كلام شيخنا الانصاري في طهارته والفقيه الهمداني في طهارته ايضا. لكنى لم اجد ذلك في كتب الشيخ رغم الفحص البالغ وقد روى هذا الخبر في التهذيب ج 1 الطبع الجديد ص 223 ولم يقل في ذيله كلمة اصلا نعم روى بعده خبر عمار الساباطى قائلا: واما الخبر الذى رواه سعد... عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو اناء غيره إذا شرب على انه يهودى؟ فقال: نعم قلت فمن ذاك الماء الذى يشرب منه؟ قال: نعم. ثم قال الشيخ: فهذا محمول على انه إذا شرب منه من يظنه يهوديا ولم يتحققه فيجب ان لا يحكم عليه بالنجاسة الا مع اليقين أو اراد به من كان يهوديا ثم اسلم فاما في

[ 50 ]

قسمان: احدهما: تقية الامام عليه السلام بنفسه لكنه ليس هذه مراد الشيخ ولا يمكن القول بها فان الامام صرح بنجاستهم قبل هذه الجملة بقوله: (إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام) وانت ترى ان هذه الجملة نص في مخالفة العامة القائلين بطهارة النصارى فلو كان الامام عليه السلام بنفسه في مقام التقية لما تفوه بهذه الجملة الناطقة بخلاف مذهبهم ومذاقهم. ثانيها: تقية الشيعة واصحاب الائمة عليهم السلام فاجاز الامام لهم عند الاضطرار، الوضوء من هذا الماء النجس حتى يعملوا بهذا الدستور، ولا يتظاهروا بخلاف مذهب العامة، فانهم لو اجتنبوا عن النصارى حتى في حال الاضطرار معتنين وملتزمين بذلك كيفما كانوا فلا محالة يراهم اهل السنة كذلك ويعرفون عند العامة بالمخالفة لهم، ويكون هذا سببا هاما لا بتلائهم و اصابة السوء والاذى منهم، ولذا استثنى صورة الاضطرار، وقال: الا ان يضطر إليه. يعنى إذا اضطر إلى استعماله والتوضئ منه فلا بأس به ويجوز هناك الوضوء من الماء الذى قد تنجس بادخال النصراني يده فيه فيوافق حكمه بذلك قوله: عليه السلام التقية من دينى ودين آبائى. 1 وعلى هذا فوظيفة المسلم التوضئ من الماء المزبور ما دامت التقية، فما دام مضطرا كان حكمه ذلك، والوضوء من هذا الماء للمضطر إليه لاجل التقية كالوضوء من الماء الطاهر للمختار ومن ليس له اضطرار، وواجد لتمام المصالح التى كانت في الوضوء من الماء الطاهر، وقد اتى هذا المتوضئ بما هو وظيفته، و


حال كونه يهوديا فلا يجوز التوضوء بسؤره انتهى ولم يذكر هنا ايضا اسما من التقية اصلا. ولعله قدس سره ذكره في موضع آخر لم اصادفه. 1.... عن معمر بن خلاد قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: التقية من دينى ودين آبائى ولا ايمان لمن لا تقية له. الوسائل ج 11 ص 460 ح 3

[ 51 ]

ما كان في عهدته، وما قرره الله عليه، وطلب منه. والحاصل: ان هذا الوضوء ووضوء المختار بالماء الطاهر على حد سواء، ولا نقصان في الاول بالنسبة إلى الآخر اصلا حتى في ترتب الآثار الوضعية كالطهارة والنجاسة مضافا إلى ترتب الآثار التكليفية فهذا الماء طاهر الآن أي في حال التقية كماء لم يصبه الكافر اصلا بالنسبة إلى الآخرين. اشكال الهمداني والجواب عنه ثم ان الفقيه الهمداني رضوان الله عليه بعد تقريره حمل الاخبار الظاهرة في الطهارة على التقية في مقام العمل - بان يعمل السائلون وغيرهم من الشيعة على ما يوافق مذهب العامة اتقاء شرهم وكيدهم - استشكل في خصوص الآثار الوضعية قال:.... فالذي يحتمل قويا كونها صادرة لاجل التقية في مقام العمل بمعنى انه قصد بها ان يعمل السائلون على ما يوافق مذهب العامة كيلا يصيبهم منهم سوء، ولا مبعد لهذا الاحتمال عدا الآثار الوضعية الثابتة للنجاسات فانه لو لم يكن لها الا الاحكام التكليفية التى يرفعها دليل نفى الحرج ونحوه لكان الامر فيها هينا لكن على تقدير نجاسة الكتابى وتنجس من خالطه واستلزام تنجسه بطلان وضوئه وغسله المتوقف عليهما صلاته وصومه وساير عباداته المتوقفة على الطهور لدى قدرته من تطهير بدنه واستعمال الماء الطاهر أو التيمم بدلا منهما لدى العجز عن التطهير فمن المستبعد جدا ان يأمر الامام بمخالطتهم و مساورتهم من غيران يبين لهم نجاستهم حتى يتحفظوا عنها في طهورهم و صلاتهم ولو بالتيمم بدلا من الوضوء والغسل مع ان العادة قاضية بقدرتهم

[ 52 ]

على التيمم غالبا من غير ان يترتب عليه مفسده هذا. 1 لكن لا وقع لهذا الاشكال بعد ما قررناه من ان مقتضى كون التقية دين الامام ودين آبائه عليهم السلام هو ان يكون الوضوء بهذا الماء النجس من الدين ووظيفة شرعية الهية لمن كان في معرض التقية فيترتب على وضوئه كل الآثار المختلفة المترتبة على الوضوء بالماء الطاهر الواقعي للمختار سواء في ذلك الاحكام التكليفية والوضعية، لا التكليفية وحدها، وعلى هذا فلا اشكال اصلا. ويؤيد ما ذكرناه من ترتب مطلق الاحكام والآثار، حكمهم بكفاية الصلاة مع الوضوء نكسا عند التقية وانه لا حاجة إلى قضاءها بعد ذلك، فان هذا كاشف عن حصول الطهارة به التى هي حكم من الاحكام الوضعية، والا فلا صلوة بلا طهور. وبهذا البيان يجمع بين نجاسة الماء، وجواز الوضوء منه، وعدم لزوم تنبيه الامام الشيعة أو السائلين على كونه متنجسا بالملاقات، ومحصل الكلام ان امره عليه السلام بالوضوء منه كان للتقية هذا. لكن مع ذلك كله فهنا احتمال آخر ايضا غير الحمل على التقية وهو العفو عن النجاسة عند الضرورة فيكون قوله عليه السلام: (الا ان يضطر إليه) يراد به ان الوضوء من هذا الماء النجس لدى الاضطرار وعند الابتلاء به جائز، وقد عفى عن هذه النجاسة في هذه الحالة، وقد مال المحقق الهمداني ايضا إليه في آخر كلامه فراجع. وعلى الجملة فهذه الاخبار الشريفة وغيرها مما لم نتعرض لها 2 تدل على


1. مصابح الفقيه كتاب الطهارة ص 561 2. اقول مثل ما رواه العلامة في التذكرة ص 8 والشهيد في الذكرى ص 13 عن النبي صلى الله عليه و آله وقد سئل انا بارض قوم اهل كتاب ناكل من آنيتهم: لا تأكلوا فيها الا ان لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها. وقال العلامة اعلى الله مقامه في نهاية الاحكام ج 1 ص 273 عند ذكر

[ 53 ]

نجاسة الكفار. ولو فرض عدم وضوح دلالة كل واحد منها على ذلك فهى مشتملة على روايات صحيحة السند واضحة الدلالة ناطقة بنجاسة اليهود والنصارى و المجوس وهذه تكفينا، نعم لنا اخبار ربما تستظهر منها طهارتهم ونحن نتعرض لها عند ذكر ادلة القائلين بها ونجيب عنها انشاء الله تعالى فانتظر.


النجاسات: العاشر: الكافر نجس العين عند علمائنا كافة لقوله تعالى: " انما المشركون نجس " و " كذلك يجعل الله "... ولان ابا ثعلبه قال: قلت يا رسول الله انا بارض اهل الكتاب افنأكل في آنيتهم؟ قال عليه السلام: ان وجدتهم غيرها فلا تأكلوا فيها، وان لم تجدوا غيرها فاغسلوها و كلوا فيها، وقال عليه السلام: المؤمن ليس ينجس، والتعليق على الوصف المناسب يشعر بالعلية الخ.

[ 55 ]

الكلام حول الاجماع على النجاسة ومن الوجوه التى تمسك بها القائلون بنجاسة اليهود والنصارى - مضافا إلى المشركين والملاحدة - هو الاجماع، فنقول: ذهب علماء الاصحاب وفقهاء الشيعة خلفا عن سلف إلى القول بنجاسة اهل الكتاب، ولم يظهر بينهم خلاف في ذلك، بحيث ادعى الاجماع على نجاستهم 1 وعدم الخلاف في المسألة، بعد


1. اقول وممن ادعى الاجماع هو السيد وكثير من اعلام الشيعة فقال السيد المترضى على الهدى في كتاب الطهارة من الانتصار: ومما انفردت به الامامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر... ويدل على صحة ذلك مضافا إلى اجماع الشيعة عليه قوله تعالى انما المشركون نجس الخ. وقال في الناصريات: عندنا ان سؤر كل كافر باى ضرب من الكفر كان كافرا، نجس... دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد اجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: انما المشركون نجس الخ. وقال الشيخ في التهذيب ج 1 ص 223: اجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار اطلاقا وذلك ايضا يوجب نجاسة اسئارهم الخ. وقال العلامة في المنتهى ج 1 ص 168: الكفار انجاس وهو مذهب علمائنا اجمع سواء كانوا اهل كتاب أو حربيين أو مرتدين وعلى صنف كانوا.

[ 56 ]

انه لا خلاف قطعا في نجاسة المشركين ومنكري الصانع وامثالهم، وعلى الجملة فهذا هو مذهب علمائنا الاخيار المتفرقين في البلدان والامصار، طيلة قرون و اعصار، فهم اجمعوا على نجاسة الكفار ولم يخالفوا في ذلك، نعم نسب الخلاف إلى شاذ منهم وهو الشيخان - المفيد والطوسي - والقديمان - العماني والاسكافى - ولكن الظاهر عدم خلافهم ايضا فيما هو المقصود، فان السبب في عد الشيخ من المخالفين انه قال في النهاية 1: ويكره ان يدعو الانسان احدا من الكفار إلى طعامه فيما كل معه فان دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه ان شاء انتهى. حيث انه عبر بالكراهة ولم يقل يحرم ومفاد كلامه ان المؤاكلة مع الكفار للمسلم مكروه، وكذا قال بانه لودعاه إلى طعامه فليأمره بان يغسل يده ثم يأكل هذا المسلم مع الكافر الذى غسل يديه، فلو كان نجسا ذاتيا فكيف يؤمر بغسل يديه؟ وهل غسل اليد يرفع النجاسة العينية ويزيلها؟. وعلى الجملة فكراهة الاكل معه وامره بغسل اليدين ينافيان النجاسة العينية الذاتية. وفيه انه قدس سره قال في النهاية قبل العبارة المذكورة باسطر قليلة: لا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال اوانيهم الا بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بايديهم وباشروه بنفوسهم لم يجزا كله لانهم انجاس ينجس الطعام بمباشرتهم اياه وقد رخص في جواز استعمال الحبوب وما اشبهها مما لا يقبل النجاسة وان باشروها بايديهم، انتهى كلامه رفع


وقال علم التحقيق شيخنا الانصاري قدس سره في طهارته بعد ادعاءه الاجماعات المستفيضة: بل يمكن دعوى الاجماع المحقق. 1. كتاب الا طعمة والا شربة باب الا طعمة المحظورة والمباحة ص 589

[ 57 ]

مقامه. 1 وهذه العبائر كما ترى صريحة جدا في نجاستهم بحيث لا تنالها ايدى الاحتمالات وهى نصوص قاطعة منه قدس سره على موافقته للمشهور في نجاسة الكفار، وانهم من النجاسات، فهل يمكن ان يقال انه نسى تلك العبارات الناطقة بالمطلوب، وغفل عنها أو انه رجع عن الحكم في هذه المسافة القصيرة والاسطر القليلة، وافتى بخلافه؟. فحينئذ لابد من رد اللاحق إلى السابق وحمل عبارته الاخيرة على ما لا تخالف كلامه الصريح 2. وهذا بمكان من السهولة، و حمل الظاهر على النص امر رائج عند الفقهاء. ويؤيد ذلك ان ارادة الحرمة من الكراهة واستعمال الكراهة في الحرمة في كلمات اصحابنا السابقين واساطير اعلامنا الماضين غير عزيز، وارادة المعنى اللغوى من الكراهة في عرف القدماء شايعة 3. وان ابيت عن ذلك فنقول: سلمنا ارادة الكراهة المصطلحة من لفظ الكراهة، الا ان المراد من المؤاكلة هنا المؤاكلة في اليابس. واما الامر بغسل يده ثم الاكل معه فلا يستلزم جواز الاكل معه بعد ذلك مطلقا حتى في اناء واحد كى يستلزم ذلك كونه طاهرا بالذات بل المقصود من غسلها نظافتها ورفع القذارة عنها كيلا يتنفر الجلساء 4 فيأكل هذا من اناء وذاك


1. نفس الصفحة المذكورة 2. بتنزيل الطعام على ما ليس برطب، وما لا سراية فيه كطبخ الارز، يأكل من جانب، وغسل اليدين لا زالة ما عساه يعلق بايديهم من اقذارهم ثم ينتظر حتى يجف، كذا في وسائل الشيعة للفقيه الكاظمي ص 145 3. اقول: وقد صرح في المبسوط بنجاسة اوانى المشركين واهل الكتاب وساير الكفار إذا باشروها باجسامهم فراجع ج 1 ص 14 4. اقول: وقد تعرض لهذا، المحقق في نكت النهاية واجاب ببعض ما افاده سيدنا الاستاذ، دام ظله العالي واليك عين العبارة: قوله ويكره ان يدعو الانسان واحدا من الكفار إلى طعامه

[ 58 ]

من آخر والمؤاكلة مع لا يستلزم وحدة الاناء ايضا. هذا بالنسبة إلى شيخ الطائفة اعلى الله مقامه. واما الشيخ المفيد قدس الله اسراره فقد عبر في الرسالة الغرية بالكراهة في اسئارهم وصار هذا التعبير منه سببا في عده ايضا من المخالفين. لكن الظاهر عدم دلالته على كونه قائلا بطهارتهم، لا مكان ارادة الحرمة من الكراهة كما ذكرناه آنفا. ويؤيد ذلك انه في غير هذه الرسالة من كتبه افتى بالنجاسة. هذا مضافا إلى ان اتباعه وتلاميذه الذين هم اعرف بمذهبه وفتاواه من غيرهم ادعوا الاجماع على النجاسة، ولم ينقلوا عنه خلافا، ولا القول بكراهة اسئار الكفار - اليهود والنصارى - وهو بمكانه الخاص به من كونه رئيس الفرقة، وعماد الامة، بل نقله عنه بعد ذلك المتوسطون، فهو لم يحسب مخالفا في المسألة عند اصحابه واتباعه، وعلى ذلك فلا بد اما من حمل الكراهة في كلامه على الحرمة، كما احتملنا ذلك في كلام شيخ الطائفة، واما من القول بانه قد عدل عن قوله كما يشهد بذلك شأن سائر كتبه، وما ذكرنا من حال اصحابه و تلاميذه. وعلى هذا فكيف يعد ويحسب المفيد مخالفا في المسألة والحال هذه؟ و هل يمكن نسبة المخالفة إليه مع تلك القرائن الظاهرة والامارات الدالة على قوله بالنجاسة؟.


فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يده ثم يأكل معه ان شاء. ما الفائدة في الغسل وهولا يطهر به؟ الجواب الكفار لا يتورعون عن كثير من النجاسات، فإذا غسل يده فقد زالت تلك النجاسة و هذا يحمل على حال الضرورة أو على مؤاكلة اليابس، وغسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذى يعرض من ملاقات النجاسات العينية وان لم يفد طهارة اليد. ثم استشهد المحقق برواية عيص بن قاسم فراجع الجوامع الفقهية ص 437.

[ 59 ]

واما ابن ابى عقيل فهو وان كان يقول بطهارة سؤر الذمي، الا انه ليس ذلك لا جل كونه قائلا بالطهارة، بل ان فتواه بذلك ناشئة عما تحقق عنده من عدم انفعال الماء القليل بملاقات النجس، ومن نسب الخلاف إليه استفاد ذلك من تصريحه بطهارة سؤر الذمي، والحال ان افتاءه بطهارة سؤره مبنى على اجتهاد خاص به في الماء القليل حيث انه على خلاف كافة العلماء والاصحاب - القائلين بان الماء القليل ينجس بملاقات النجاسة، وان الكر لا يتنجس الا إذا تغير احد أو صافه الثلاثة بها - يقول ان الماء القليل ايضا مثل الكثير لا يتنجس بمجرد الملاقات، وبعبارة اخرى انه قائل بعدم انفعال القليل بالنجاسة، و سؤر الذمي طاهر عنده لذلك - بعد تخصيص السؤر بالماء 1 - فلا يدل افتاءه بذلك على طهارتهم اصلا. بقى من هولاء الذين قد يدعى مخالفتهم للاصحاب ابن الجنيد الاسكافي. 2 والذى يسهل الخطب ويهون الامر انه مرمى بشذوذ القول والميل إلى القياس والافتاء غالبا على طبق مذهب العامة وقد شنعوا عليه في ذلك وصار


1. اقول: كما عليه جملة من الاصحاب على ما صرح به في المدارك. وقال في كشف الغطاء: الاسئار جمع سؤر وهو فضلة الشرب من قليل الماء من حيوان ناطق أو صامت وان اشتهر في الثاني أو ما اصاب أو اصابه فم حيوان أو جسم حيوان كذلك والاظهر الاول. 2. فان له كلامين ظاهرين في مخالفته للاصحاب وذهابه إلى طهارة اهل الكتاب وقد نقلهما علم التقى الشيخ المرتضى قدس سره الشريف في طهارته. قال في احد كلاميه: التجنب من سؤر من يستحل المحرمات من ملى أو ذمى احب إليه إذا كان الماء قليلا. وفى الآخر: ان التجنب مما صنعه اهل الكتاب من ذبائحهم وفى آنيتهم ومما صنع في اوانى مستحلى الميتة ومؤكلتهم ما لم تيقن طهارة آنيتهم وايديهم احوط، انتهى. فتارة عبر، بان التجنب احب واخرى بانه احوط فتأمل.

[ 60 ]

هذا سببا لرفض اقواله عند الاصحاب وعدم اعتنائهم بفتاويه 1 وعلى هذا فافتاءه بطهارة اهل الكتاب غير ضائر بالاجماع بعد ان كان رأيه متروكا. ولذا لم يوافقه في هذه الفتوى احد من المتقدمين ولم يسلك سبيله في هذا الرأى من عرف بدقة النظر وجودة الرأى من المتأخرين. نعم مال إليه المحقق السبزواري 2 والمحدث الفيض الكاشانى رضوان الله عليهما الا انهما ايضا معروفان بشذوذ القول ومرميان بالفتاوى الغريبة والآراء النادرة حتى انه قد يقال في حق الاول منهما انه في المتأخرين كابن الجنيد في المتقدمين. فتحصل مما ذكرنا في هذا المضمار ان الاجماع قائم على نجاستهم بلا خلاف قادح في المسألة. نعم يمكن ان يقال: ان الاجماع لا يعتد به في المقام لعدم كونه دليلا مستقلا ممتازا عن الادلة اللفظية الواردة. والاجماع حجة إذا لم يكن في المسألة دليل صالح للاستناد إليه، فانه يحدس هناك وجود دليل معتبر عند المجمعين و


1. اقول يؤيد ما افاده سيدنا الاستاذ دام ظله ما ذكره التسترى في المقابيس. فانه بعد ان مدح الاسكافي بالفاظ شريفة واطراه الاطراء الجميل الفائق كقوله العزيز النظير البالغ في الفقه و ساير فنون العلم اقصى المراتب. قال: وصنف كتبا كثيرة جيدة حسنة بديعة وان كان بعضها مما يتعلق بالقياس والاجتهاد فاسد الوضع كما بيناه في موضع آخر وقد نقلوا عنه انه كان يرى القول بالقياس فتركت لذلك كتبه ولم يعول عليها. انتهى. وفى مقدمة كتاب المقنع: وحكى بعض ان الشيخ المفيد قدس سره صرح في بعض اجوبة المسائل الورادة عليه انه نسب إليه - ابن الجنيد - العمل بالقياس واتهم بالسلوك مسالك العامة في الفقه. 2. قال في الكفاية: ولا خلاف بين الاصحاب في نجاسة غير اهل الكتاب من اصناف الكفار، و في نجاسة اهل الكتاب خلاف والمشهور بين الاصحاب نجاستهم وذهب المفيد في احد قوليه و ابن الجنيد إلى الطهارة وادلة النجاسة محل بحث والاخبار المعتبرة دالة على الطهارة لكن لا ينبغى الجرأة على مخالفة المشهور المدعى عليه الاجماع.

[ 61 ]

عثورهم عليه، حيث ان بناء هم كان على ان لا يتكلموا من عند انفسهم وبدون دليل معتبر موثوق به واما إذا كان في المسألة دليل صالح لان يستند إليه المجمعون فالاعتماد هناك عليه والاستناد إليه، وليس الاجماع شيئا ورائه، و اللازم حينئذ الاقبال والتوجه إلى هذا الدليل الذى يصلح للاستناد إليه ولو بالنسبة إلى بعض دون الآخرين. والظاهر عندي ان مسئلتنا كذلك فان الدليل على نجاستهم هو الآية الكريمة الظاهرة في نجاستهم، والروايات الشريفة الدالة على ذلك، غاية الامر ان الخاصة واصحاب الائمة اخذوا بظاهر الآية وحكموا بالنجاسة العينية الذاتية كما ان الائمة عليهم السلام اخذوا هذا المعنى من القرآن الشريف والآية الكريمة و نشروه وروجوه باخبارهم فاتخذ الشيعة سبيلهم وسلكوا طريقهم وعلى منهاجهم. واما العامة فهم قالوا بالنجاسة الحكمية مؤولين الآية الكريمة عليها وهذا ايضا اثر سيئ من آثار انحرافهم عن معاهد اهل البيت وثمة تباعدهم عن ولاية اسرة رسول الله خزان علم الله ومهابط وحيه وتراجمة كتابه وينابيع احكامه. اجل انحرفوا عنهم فصاروا يتيهون في كل واد ويسيرون خلف كل ناعق. وعلى الجملة فهذا كما ذكرنا تأويل منهم في الآية حيث انها ظاهرة في النجاسة الذاتية، وفيما ذكره الشيخ الطوسى قدس سره: (ان الكفار نجس في الجملة) اشارة إلى ما ذكرناه فان قوله: (في الجملة يعنى اما ذاتا كما يقوله الشيعة واما حكما كما جنح إليه العامة هذا وقد علمت مما ذكرنا ان استناد الاصحاب في الحكم بالنجاسة مطلقا إلى الآية الكريمة والروايات، فهم قد فهموا واستظهروا النجاسة، وافتوا بها، واجمعوا عليها، ولم يظهر بينهم طوال الاعصار الكثيرة والسنوات المتمادية خلاف يعبأ به، فالا عراض عن هذا النظرو وغمض العين عن فتوى الاعلام والاجلة، والرغبة عن الحكم بالنجاسة في غاية الاشكال.

[ 62 ]

لا يقال ان الحكم بنجاسة البئر كان مجمعا عليه بن المتقدمين فكانوا يفتون بوجوب نزح المقدارت عند تنجسه، قاطعين به، ثم بعد مضى قرون متوالية على هذا اعرض العلماء عن ذلك وافتوا بعدم تنجسه بالملاقات وقالوا باستحباب المنزوحات واشتهر هذا القول حتى اتفقت كلمة المتأخرين على ذلك، بلا قيل وقال، فاى اشكال أو بعد في كون مسئلتنا ايضا كذلك وان يفتى المتأخرون بطهارة اهل الكتاب ويوافقوا المحقق السبزواري مثلا وزملاءه في الافتاء بذلك بعد ان كان السابقون مجمعين على النجاسة؟ فانا نقول: بين المسألتين بون بعيد وفرق ظاهر، فان مسألة البئر ونزحه حكم لم يكن له عرق قرآني بل مأخذه اخبار واردة في الباب فقط، وهذه الاخبار وان كانت مسلمة الصدور عنهم عليهم السلام ولم يكن صدورها للتقية لكنها مع ذلك لم تكن بنحو يوجب حكم الفقهاء جزما بنجاسة البئر لا جلها. فترى الشيخ الصدوق قدس سره قال في الهداية: ماء البئر واسع لا يفسده شئ، 1 ثم ذكر مقادير النزح من دون تصريح بالنجاسة وهذا سواء كان عين فتواه و نظره أو انه كانت رواية نقلها بصورة الفتوى لا يدل على اكثر من حسن النزح و استحبابه، أو على الوجوب تعبدا، ولا دلالة فيه على النجاسة، ولا تصريح فيه بذلك. وذهب شيخ الطائفة ايضا إلى القول بعدم الانفعال والتنجس على ما نسب إليه العلامة في المختلف، ومال إليه جماعة ذكر اسمائهم في مفتاح الكرامة 2 وآل الامر إلى ان قال بعض العلماء 3: ان الاجماع القائم على انفعال البئر بالملاقات


1. الهداية ص 14، لكن في النسخة الموجودة عندي: ماء النهر... فراجع 2. ج 1 ص 79 3. هو المحقق الهمداني على ما يستفاد من كلامه قدس سره.

[ 63 ]

اجماع اجتهادى، أي ان البحث في الدلالة، فهم قد فهموا من تلك الاخبار نجاسته، وبحذائهم قوم لم يفهموا ذلك ولم يستظهروه منها بل استفادوا و استظهروا منها الطهارة، لكنهم يرون انفسهم في معرض الاتهام لو افتوا بما تحقق عندهم أو انهم كانوا يراعون الادب بالنسبة إلى الاعاظم ورؤساء المذهب القائلين بالنجاسة فلم يبدون ما علموا واستمروا على ذلك، إلى ان تجرأ بعض وفتح باب المخالفة وافتى فرقة ضئيلة بالطهارة نظرا إلى كون رواياتها اقوى عندهم و بمجرد افتتاح هذا الطريق الصعب اقبل المتأخرون إليه واتبعوا هذه الجماعة القليلة فرحين بذلك فافتوا بالطهارة مع كونهم بحيث نعرفهم بعدم بناء هم على مخالفة الاخبار أو الخروج عن مقتضى الادب بالنسبة إلى ساحة الاكابر، والقدماء الاخيار، والسلف الابرار، بل كان لهم كمال الاهتمام بالادب إلى مقامهم العظيم وشأنهم الرفيع وهذا هو الديل على كونه اجتهاديا وعدم وجود عرق اصيل للمسألة حيث انهم مع غاية اهتمامهم بكلمات الاعلام السابقين اتفقوا على خلافهم حتى ان الفقيه الهمداني رضوان الله عليه دعالهم وشكر مساعي من ابدى المخالفة وهون الخطب 1 هذا حال تلك المسألة. واما مسئلتنا هذه فقد خالف المحقق السبزواري مثلا رأى القدماء، وافتى بطهارتهم، ولكنهم لم يتبعو بل كل من قال بالطهارة تركه العلماء وحيدا و رفضوا كلامه، واعرضوا عن طريقه جدا فكم فرق بين مسئلتنا التى تدل عليها الآية الكريمة، وظاهر الروايات تبعيتها - غايه الامر انه وردت اخبار في طهارة اهل الكتاب المعلوم صدورها تقية من اهل السنة والحكام الظالمين - وبين مسألة البئر التى هي اجتهادية محضة، وافتاء القدماء فيها بخلاف اخبار الطهارة لا يوجب طرحها.


1. راجع مصباح الفقيه الطهارة ص 35

[ 64 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا حجة لى فيما بينى وبين الله في القول بطهارتهم ولا في الاعتماد على اخبار الطهارة مع اعراض المشهور 1 واعاظم العلماء بل كلهم عنها، وذلك لعدم الوثوق بها والحال هذه. ان قيل ان بعض المتأخرين قال بانه لا يلزم في الاخذ بالخبر والاعتماد عليه والعمل به كون الرواية بنفسها موثوقا بها بل يكفى في ذلك كون الراوى محل الوثوق فمجرد الاطمينان براوى الخبر كاف في العمل به وان لم يكن الخبر بنفسه كذلك، وما نحن فيه من هذا الباب فان الاخبار الدالة على الطهارة اخبار رواها العدول والموثقون، وهذا يوجب الاطمينان بها والوثوق بصدورها و صحتها فكيف تطرحونها وتفتون بخلافها؟. نقول: اللازم هو الوثوق بنفس الرواية، غاية الامر ان لا ثبات وثاقة الخبر طرقا من جملتها وثاقة الراوى، فإذا لم يكن شأن الخبر معلوما فوثاقة الرواة امارة توجب الوثوق بالرواية، لا ان يكون وثاقة الراوى كافية مطلقا حتى وان ظهرت علامات الكذب ولاحت امارات بطلان الرواية اتفاقا، فليس معنى قول الراوى: افيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم دينى 2 ان ما رواه الثقة يؤخذ به وان


1... عن على بن مسيب قال قلت للرضا عليه السلام شقتي بعيده ولست اصل اليك في كل وقت فعمن آخذ معالم دينى؟ فقال: من زكريا بن آدم القمى المأمون على الدين والدنيا قال على بن مسيب فلما انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت إليه، المصدر السابق بعينه. 2. اقول: قال الطريحي في مجمع البحرين - باب نور - قول عليه السلام: اعطاك من جراب النورة لامن العين الصافية على الاستعارة، والاصل فيه انه سئل سائل محتاج من حاكم قسى القلب شيئا فعلق على رأسه جراب نورة عند فمه وانفه كلما تنفس دخل في انفه منها شئ فصار مثلا يضرب لكل مكروه غير مرضى. وفى الوسائل ج 17 ص 541 ب 1 من ابواب ميراث ولاء التعق ح 16 عن سلمة بن محرز قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل مات وله عندي مال و له ابنة وله موالى قال: فقال لى: اذهب فاعط البنت النصف وامسك عن الباقي فلما جئت اخبرت اصحابنا بذلك فقالوا اعطاك من جراب النورة فرجعت إليه فقلت: ان اصحابنا قالوا لى: اعطاك من جراب النورة قال: فقال: ما اعطيتك من جراب النورة علم بها احد؟ قلت: لا قال: فاعط البنت الباقي. وفى رواية سلمة بن محرز المنقولة في ج 9 من الوسائل ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع:

[ 66 ]

اعتناءا بمضامينها وبينا لحكم الله الواقعي. ويؤيد ما ذكرنا - من ان المعيار هو الوثوق بالخبر نفسه - انه لو لم يكن الراوى لرواية خاصة موثوقا به لكن رأينا العلماء - الذين هم خبرة الروايات والعارفون بصحيحها وسقيمها وغثها وسمينها - قد عملوا بها وجب الاخذ بها و كلما ازدادت ضعفا من حيث السند از دادت قوة من حيث الدلالة. تذنيب البحث قد استظهرنا سابقا من الاخبار الشريفة نجاسة اهل الكتاب ومن لحق بهم، لكونها ظاهرة بل صريحة في ذلك، لكنها لم تكن متعرضة لغير هم ولم تذكر غير اليهود والنصارى والمجوس فما حكم غيرهم؟ وبعبارة اخرى لو فرض تعرض الآية لخصوص المشركين وهذه الروايات لا هل الكتاب فاى دليل يدل على نجاسة غيرهم من الكفار؟


فيمن واقع امرأته قبل طواف النساء فقال الصادق عليه السلام: ليس عليك شئ فاخبر هو الاصحاب بذلك فقالوا له: اتقاك واعطاك من عين كدرة راجع ح 5. وقال المولى الوحيد البهبهانى قدس سره في فوائده (ص 314 ملاحظات): قد ورد في الاخبار ان الشيعة كانوا يقولون في الحديث الذى وافق التقية: اعطاك من جراب النورة قيل: مرادهم تشبيه المعصوم عليه السلام بالعطار وكانوا يبيعون اجناس العطارين بجربان وكان النورة ايضا يبيعون من جرابها - بجراب - فإذا اعطى التقية قالوا اعطاك من جرابها: أي مالا يؤكل ولو اكل لقتل، والفائدة فيه دفع القاذورات وامثالها وقيل: ان النقباء لما خرجوا في اواخر زمن بنى امية في الخراسان واظهروا الدعوة لبنى العباس بعثوا إلى ابراهيم الامام منهم بقبول الخلافة فقبل و هو في المدينة وكانت هي وسائر البلدان في تحت سلطنة بنى امية وحكمهم سوى خراسان إذ ظهر فيها النقباء وكانوا يقاتلون ويحاربون ولما اطلع بنو امية بقبول ابراهيم الخليفة اخذوه و حبسوه وقتلوه خفية ووضعوا جراب النورة في حلقه فحنقوه به فصار ضرب المثل اشارة بالنسبة إلى من ترك التقية وتاركها وكان هذا الكلام من الشيعة إلى هذه الحكاية ومثلا مأخوذا منها.

[ 67 ]

نقول: مذهب الشيعة نجاستهم ايضا والمستند في ذلك وان امكن ان يكون هو الاجماع الا ان الظاهر عدم استنادهم إليه، بل تمام المستند هو الآية الشريفة فلم يروا خصوصية للمشرك المذكور فيها كما انهم لم يستظهروا من الاخبار المذكورة الواردة في نجاسة اهل الكتاب دخل خصوصية كونهم كتابيين في الحكم بنجاستهم فان كون الانسان كتابيا بنفسه غير مقتض للنجاسة و ليس هو عنوانا من العناوين المقتضية لها فالحكم دائر مدار الصفة الخاصة و هي الكفر فهو صفة خبيثة تكفى وحدها لترتب هذا الاثر عليها ويدور مدارها. كما ترى رعاية هذه النكتة في بعض الاخبار الشريفة مثل مرسلة الوشا عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام انه كره سؤر ولد الزنا وسؤر اليهودي و النصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب. 1 فان المستفاد منها ان المقتضى للنجاسة هو المخالفة للاسلام باى نحو كانت وباى صورة اتفقت وعلى كثرة الوانها وتفرق اغصانها غاية الامر ان الناصب شر مخالفى الاسلام. وقد استدل المحقق 2 رضوان الله عليه على نجاستهم بقوله تعالى: " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. " فتمسك باطلاق عدم الايمان وظهور الرجس في النجاسة وقد مر البحث حول هذه الآية الكريمة عند الاستدلال بالآيات فراجع.


1. وسائل الشيعة ج 1 ب 3 من ابواب الاسئار 2 2. اقول: قال في المعتبر ص 24 اما الكفار فقسمان يهود ونصارى ومن عداهما اما القسم الثاني فالاصحاب متفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم اصليا أو ارتداديا لقوله تعالى: انما المشركون نجس ولقوله تعالى: كذلك يجعل الله على الذين لا يؤمنون...

[ 69 ]

ادلة القائلين بطهارة اهل الكتاب استدل القائلون بطهارة اهل الكتاب بوجوه ثلاثة: الاصل والكتاب والسنة. اما الاصل: فتقريره انا نشك في كونهم محكومين بالنجاسة ومقتضى الاصل عند الشك في الطهارة والنجاسة هو الطهارة فنحكم بها. وفيه انه معلوم غير خاف على احد ان الحكم عند الشك في الطهارة والنجاسة هو الطهارة عقلا ونقلا، فالعقل يحكم بطهارة كل شئ لم يرد دليل من الشارع بنجاسته كما ان الشارع قد صرح ايضا بطهارة كل شى حتى يعلم انه قذر، الا ان الاصل دليل حيث لا دليل ويؤخذ به ويصار إليه عند الشك وحين فقد الدليل على المطلب اما إذا كان هناك دليل يمكن التمسك به على واحد من الجانبين فلا مجال للتمسك بالاصل والاستدلال به، وما نحن فيه كذلك لوجود

[ 70 ]

الدليل على النجاسة وهو الكتاب والاخبار. وبعبارة اخرى ان الاصل منقطع بالآية الكريمة والروايات الدالة على النجاسة، وانقطاعه بالدليل مانع عن التمسك به. الاستدلال بالكتاب على طهارتهم. واستدلوا ايضا بقوله تعالى: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم ". 1 تقرير الاستدلال ان الله تعالى صرح بحل طعام اهل الكتاب للمسلمين، و طعام المسلمين لاهل الكتاب، وإذا حل طعامهم - الذى صنعوه بايديهم وعالجوه بمباشرتهم - للمسلمين فكيف يحكم بنجاستهم والحال ان حل طعامهم مستلزم لطهارة طعامهم وطهارة طعامهم مستلزم لطهارة انفسهم، وهذا - أي طهارة الكتابى بذاته - هو المطلوب. وفيه ان الطعام وان كان بحسب الوضع اللغوى هو كل ما يطعم، نظير الشراب الذى هو اسم لما يشرب، فالموضوع له اولا هو المطلق لكنه استعمل في البر 2 أو مطلق الحبوب كثيرا وائمة اهل اللغة ايضا قد صرحوا بذلك و قد نقلنا سابقا كلام بعضهم كالفيومى في المصباح المنير وكذا صاحب المغرب و غيرهما من اللغويين وقد ورد هذا الاطلاق في كلام النبي الكريم صلى الله عليه و آله وسلم واصحابه في حديث ابى سعيد: كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد


1. سورة المائدة الآية 7 2. اقول: قال في القاموس: البر بالضم الحنطة. وقال الراغب في مفردات القرآن ص 41: البر معروف وتسميته بذلك لكونه اوسع ما يحتاج إليه في الغذاء انتهى.

[ 71 ]

رسول الله صاعا من طعام أو صاعا من شعير 1 فانه ذكر الطعام مقابل الشعير وهذا قرينة على ان المراد من الطعام هو الحنطة وكانه قال: صاعا من البر أو من الحنطة. ويمكن ان يكون السر في غلبة الطعام في البر واطلاقه عليه بالخصوص هو كثرة الحاجة في محيط اطلاقه فكون الناس اشد حاجة إلى البر هو السبب في اطلاق العام والمطلق عليه وصيرورته اسما له بخصوصه، ويمكن ان يكون ذلك لجهات اخرى ولا يهمنا البحث عن ذلك. وإذا تحقق ان الطعام اسم للحبوب مطلقا أو البر فقط أو غلب استعماله فيهما فاى اشكال في حمل الآية الكريمة على هذا المعنى؟ وإذا حملناها عليه فلا يثبت بها مراد المستدل فان حل الطعام المطبوخ أو المصنوع الذى باشروه و عالجوه بايديهم وان كان مستلزما لطهارة طعامهم، وهى مستلزمة لطهارة انفسهم، واما حل البر أو مطلق الحبوب فلا يستلزم ذلك اصلا. مع صاحب المنار وقد ظهر مما ذكرنا حول الآية الكريمة ان ما اورده صاحب المنار على الشيعة - في تفسير الطعام بالحبوب أو الحنطة - في غير محله قال في ذيل الآية الشريفة: وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح، أو اللحوم، لان غيرها حلال بقاعدة اصل الحل، ولم تحرم من المشركين، والا فالظاهر انه عام يشملها، ومذهب الشيعة ان المراد بالطعام، الحبوب، أو البر، لانه الغالب فيه وقد سئلت عن هذا


1. نقله في الجواهر ج 6 ص 44 وقال الراغب في المفردات مادة طعم: وقد اختص بالبر فيما روى أبو سعيد ان النبي امر بصدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير.

[ 72 ]

في مجلس كان اكثره منهم وذكرت الآية فقلت ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن فقد قال الله تعالى في هذه السورة أي المائدة: " احل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم وللسيارة " 1 ولا يقول احد، ان الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب. وقال: " كل الطعام كان حلا لبنى اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة " 2 ولم يقل احد ان المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا إذ لم يحرم شئ منه على بنى اسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها فالطعام في الاصل كل ما يطعم أي يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: " فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فانه منى " 3 وقال: " فإذا طعمتم فانتشروا " 4 أي اكلتم، وليس الحب مظنة التحليل والتحريم وانما اللحم هو الذى يعرض له ذلك لوصف حسى كموت الحيوان حتف انفه وما في معناه، أو معنوى كالتقرب به إلى غير الله... 5 فهو بذكر هذه الآيات واستشهاده بها صار بصدد ابطال ما قال به الشيعة و اثبت بزعمه ان تفسير الطعام بالحبوب أو البر خلاف آيات القرآن نفسها. وفيه ان الاطلاق المذكور على ما ذكرنا مؤيد عند اهل اللغة، فلو انكر كون هذا المعنى موضوعا له فلا يمكن انكار اصل الاستعمال كما في كل مورد يطلق المطلق ويراد منه قسم خاص منه مع قرينة تدل عليه حالية أو مقالية أو غير هما ككون هذا القسم الخاص اغلب من ساير الاقسام الموجودة في المطلق، أو كونه مظنة للحاجة كثيرا، كما ان الحبوب أو البر فيما نحن فيه كذلك، ولينظر


1. سورة المائدة الآية 96 2. سورة آل عمران، الآية 93 3. سورة البقرة الآية 249 4. سورة الاحزاب الآية 53 5. المنار، ج 6 ص 178

[ 73 ]

صاحب المنار إلى اقوال اللغويين وقد مر قسم منها. ولا يخفى ان هذا البحث غير مختص بالشيعة في هذه الآية الكريمة كما انه غير مختص بهذه المسألة بل هو بعينه جار بين اهل السنة ايضا في بعض المسائل الفقهية فان ابا حنيفة والشافعي الذين هما من ائمة العامة قد اختلفا فيمن وكل وكيلا على ان يبتاع له طعاما فقال الشافعي: لا يجوز ان يبتاع الا الحنطة وقال أبو حنيفة: يكفى ان يشترى الدقيق ايضا 1 وهكذا لو قال المولى لعبده ادخل السوق واشتر الطعام. فان بعضهم قال بان المراد من السوق هنا هو سوق البر لان الطعام هو البر. وهذه المسألة نظير المسألة المعروفة بين فقهاء الشيعة في فدية المساكين فانهم اتفقوا على عدم الاجتزاء بقيمة الطعام واختلفوا في انه يجب اعطاء خصوص البر كما قاله بعض أو يكفى اعطاء الشعير ايضا كما قاله الآخرون. وعلى الجملة فلا مجال اصلا للاشكال في استعمال الطعام في البر ولا يلزم من قولنا هذا استعماله فيه مطلقا وفى كل الموارد حتى يستشكل صاحب المنار وينقض بتلك الآيات الكريمة، بل الغرض هو خصوص آية حل الطعام. الطعام في السنة ثم ان الذى يحملنا على الاصرار على هذا المطلب واثبات اطلاق الطعام


1. اقول: ذكر ذلك السيد ابن زهرة في الغنية وقال بعد ذلك: ذكر ذلك المحاملى في آخر كتاب البيوع من كتابه الاوسط في الخلاف، وذكره الاقطع في آخر كتاب الوكالة من شرح القدورى، و قال في الشرح: والاصل في ذلك ان الطعام اسم للحنطة ودقيقها وانما احوجنا إلى ذكر مذهب المخالف في ذلك والاحالة على كتبهم انكار من انكره من جهالهم إلى آخر كلامه زيد في علو مقامه.

[ 74 ]

في اللغة والاصطلاح على الحبوب أو البر انما هو الجواب عن صاحب المنار و زملائه ممن انكروا على الاصحاب في ذلك، وصاروا بصدد الطعن والوقعية فيهم. واما الشيعة فيكفيهم جملة واحدة وهى تفسير الطعام بالحبوب في لسان الائمة المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين وهم بما وهبهم الله تعالى من العلم الغزير والفهم البالغ وبما انهم اهل بيت الوحى والتنزيل ومهابط نور الله و عندهم ما نزلت به رسله وهبطت به ملائكته، والعلم بما اراد الله تعالى من الآيات الكريمة، قالوا بان المراد من الطعام في الآية الشريفة المبحوث عنها هو الحبوب مثلا لا كل ما يساغ ويبتلع، وبها ينقطع الكلام ويثبت المقصود والمرام، فان الشيعة تعتقد في الائمة الطاهرين عليهم السلام العلم والعصمة وانهم مستودع علوم رسول الله الذى: " لا ينطق عن الهوى، ان هوالا وحى يوحى " 1 فما قاله الامام هو الصحيح العارى عن كل ريب وشائبة، وهو الحق، وعين الحق، وليس في خلافه حق، وان كان على خلاف الظواهر أو مخالفا لقول اهل اللغة. فهو نظير ما إذا علمنا عقلا ان الظاهر ليس بمراد كما في قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " 2 حيث ان ظاهره ان الله تعالى متحيز وله مكان و الحال انا نعلم عقلا ان الله تعالى ليس جسما حتى يستوى ويستقر على العرش، والعقل ينكر ذلك جدا فلذا نقول ان المراد منه استواءه بقدرته، واستيلائه و سلطانه على عالم الوجود. وعلى الجملة فلا بعد اصلا في ان يطلق الله تعالى لفظا عاما ويقول الامام عليه السلام الذى هو المفسر لكلام الله وترجمان آياته والشارح لمراده انه اريد منه كذا، كما فيما نحن فيه حيث ان الروايات الصحيحة واخبار العترة الطاهرة


1. سورة والنجم الآية 3 2. سورة طه الآية 5

[ 75 ]

تصرح بان المراد من الطعام في الآية الحبوب. 1 فكيف يمكن ان يقال ان المراد منه هو مطلق الطعام مع ورود هذه الروايات الشريفة الصريحة، ووجودها؟ لا يقال: انه يلزم من ذلك تخصيص الاكثر حيث ان الطعام موضوع لكل ما يؤكل ويبتلع واين هذا من تخصيصه بالحبوب. لا نا نقول: ليس هذا من باب التخصيص اصلا كى يرد عليه الاشكال بلزوم تخصيص الاكثر، بل هو من باب التفسير، حيث ان الامام عليه السلام الذى هو ترجمان وحى الله واعلم الناس باحكامه وشرائعه والمرادات من كتابه يخبرنا بان الله تعالى اراد من الطعام كذا، واين هذا من التخصيص؟ اضف إلى ما ذكر من الجوابين: - احدهما كون المراد من الطعام هو البر و


1. واليك بعض هذه الاخبار الناطقة بذلك: عن ابى الجارود قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، قال: الحبوب والبقول. (1) وعن قتيبة الاعشى عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث انه سئل عن قوله تعالى: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، قال: كان ابى يقول: انما هي الحبوب واشباها (2) وعن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: وطعامهم حل لكم، فقال: العدس والحمص وغير ذلك (3) وعن محمد بن على بن الحسين قال: سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم، قال: يعنى الحبوب (4) وباسناده عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام قال: العدس والحمص وغير ذلك (5) العياشي في تفسيره عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: و طعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم، قال: العدس والحبوب واشباه ذلك يعنى من اهل الكتاب (6) وعن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن طعام اهل الذمة ما يحل منه؟ قال: الحبوب (7) عن سماعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن طعام اهل الذمة ما يحل منه؟ قال: الحبوب (8) راجع وسائل الشيعة ج 16 ح 3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 1 و 2.

[ 76 ]

اطلاقه عليه في اللغة والاصطلاح، ثانيهما ورود الروايات بذلك عن تراجمة كتاب الله - جوابا ثالثا وهو انا نقول: سلمنا كون الطعام مطلقا يشمل غير الحبوب ايضا الا انا نقول ان الآية ناظرة إلى حكم ذات الطعام بعنوانه الاولى فكون الطعام طعاما لهم ليس بنفسه علة للحرمة فان اضافة الطعام إلى (الذين اوتوا الكتاب) ظاهرة في خصوصية انتسابه إليهم، وتعلقم بهم، وكونه لهم، وهذه الاضافة بمجردها لا توجب الحرمة، فالطعام المملوك لهم حلال على المؤمنين من حيث ذاته، لكن يمكن عروض عوارض توجب الحرمة، فان الحلية الذاتية لا اطلاق لها يشمل الحالات العارضة والعناوين الطارية فلو صار هذا الطعام سؤرا له وكان فضل غذائه وبقية طعامه وادخل يده فيه أو باشره بشفتيه فلا يكون حلالا كما انه إذا قيل ان طعام اهل الكتاب حل لكم فهذا لا يشمل الخنزير المذبوح عندهم حتى يحتاج اخراجه إلى التخصيص وقد امضينا في ذلك كلاما ايضا فراجع ولا حظ. نعم لما كان بعض اطعمتهم ملازما للنجاسة ولا ينفك عنها نظير المطبوخات التى يعالجونها باجسامهم ويباشرونها بايديهم فلذا يقول الامام بان المراد من الطعام الحبوب مثلا، يعنى ان غيرها وان كان متصفا بالحلية الذاتية الا انه محرم لعروض العارض وطرو حالة أو جبت النجاسة. الا ترى انه لو قيل لمن يريد دخول قرية: ان طعام اهل هذه القرية حلال، ثم بعد ذلك قال انسان مطلع على شأن القرية وحال اهلها: ان مراد هذا القائل هو غير ذبائحهم فان ذبحهم ليس شرعيا، فهذا لا ينافى الحكم الاول بالحلية، لان الحل ذاتي والحرمة عرضية. ولا يخفى انه يجرى في قول الامام عليه السلام وتفسيره احتمال آخر و هو كنه في مقام بيان الحليه الفعلية فانها محققة في الحبوب غير محققة في

[ 77 ]

غيرها. وما قيل من ان المراد من حل الطعام هو حل ذبائحهم فقط على المسلمين لانهم سئلوا عن ذلك وليس المراد هو الحبوب لعدم كونها في معرض الحاجة والسؤال. ففيه ان الله تعالى بين واوضح حكم الذبيحة غير الشرعية قبل نزول سورة المائدة المدنية في سورة الانعام التى هي مكية وصرح بكونها فسقا، ونهى صريحا عن اكلها، وحرم ذلك، فقال: " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم باياته مؤمنين وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم... ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق. " 1 فكيف تكون آية الحل متعلقة بذبائحهم مع هذه التعابير القارعة التى نزلت قبل ذلك؟ اللهم الا ان تكون آية الحل ناسخة لآيات الحرمة من سورة الانعام وهو بعيد غايته، فان تلك الآيات الشريفة بلسانها الجازم وبيانها القاطع وتعابيرها الخاصة والخصوصيات الملحوظة فيها آبية عن النسخ 2 فلا وجه لحملها عليه، ولا لتفسير حل طعامهم بحل ذبائحهم، ولا دليل على ذلك اصلا، وان قاله اكثر المفسرين 3 فانهم لم يأخذوه من عين صافية بل اخذوه من مثل قتادة ومن


1. سورة الانعام الآيات 121 - 118 2. اقول: بل يظهر من بعض الاعاظم عكس ذلك أي نسخ آية الحل بآية الحل الحرمة فهذا هو السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى يقول: وطعام الكفار الذى باشروه بالرطوبة نجس يجب الاجتناب عنه مطلقا وان عملوا بشرائط الذمة وكانوا في بلاد المسلمين والآية الشريفة " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم " منسوخة أو المراد من الطعام فيها كما يستفاد من الاخبار هو الحنطة والشعير والارز من الحبوب اليابسة. راجع السؤال والجواب منه ص 125 3. اقول: قال الاردبيلى في آيات الاحكام ص 361: قيل المراد بالطعام ذبائحهم قال في ن قاله اكثر المفسرين واكثر الفقهاء وجماعة من اصحبنا ولا يخفى بعده إذ ليس معنى الطعام الذبيحة لا لغة ولا عرفا ولا شرعا...

[ 78 ]

يحذو حذوه، واما لو كان المراد من الطعام مطلقه الشامل للذبيحة ايضا فليس الاطلاق بنحو يمنع عن جريان الشروط كلها بعد العلم باعتبارها حتى لا يلزم مثلا ذكر اسم الله عليها. وبعبارة اخرى اطلاق الحل لا يوجب اسقاط الشروط التى نعلم شرطيتها، والحكم بعدم لزوم ذكر اسم الله عليها مع العلم بكونه شرطا تمسكا باطلاق الحل، في غاية الفساد، وبمكان من البطلان، بلا أي خفاء فيه، فهل ترى من نفسك إذا سمعت قول الله تعالى (فكلوا مما امسكن...) 1 ان تقول انه مطلق واطلاقه يقتضى الاكل منه بلا أي شرط وقيد حتى يحكم بعدم لزوم التطهير بالنسبة إلى محل ملاقاة فم الكلب منه؟ وهل ترى منافاة بين قوله تعالى: " احلت لكم بهيمة الانعام " 2 وقوله تعالى: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه "؟ 3 كلا فلا يتفوه بذلك فقيه، ولا يمكن المصير إليه ابدا، فالامر فيما نحن فيه ايضا كذلك حيث انه دلت الادلة الشرعية على نجاسة سؤر الكافر اعني الفضلة من شرابه أو البقيه من طعامه وما لاقاه بيده أو بدنه رطبا وهذه الادلة هي ما ذكرناها فراجع. فحينئذ فإذا سمعنا ان الله حلل لنا طعام الكافر فلابد وان نشعر من هذا التحليل المستفاد من الآية الكريمة، الحلية من حيث كونه طعاما ولا منافاة بينها وبين نجاستها لا جل كونه سؤرا له، أو لمسه الطعام مع الرطوبة. فتحصل ان الآية الكريمة بصدد اثبات مطلب آخر، حيث ان الله تعالى حرض المؤمنين وحثهم على ان يكونوا اشداء واعزة قبال الكفار وشوقهم على ان ينقطعوا عنهم ولا يعتمدوا عليهم ولا يتخذهم اولياء وبطانة فقال:


1. سورة المائدة الآية 5 2. سورة المائدة الآية 1 3. سورة الانعام الآية 121

[ 79 ]

" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " 1 وقال ايضا: " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدى القوم الظالمين " 2 إلى غيرها من الآيات الشريفة، فالمسلمون تخيلوا حرمة أي ارتباط وعلقة بينهم وبين اليهود و النصارى حتى الاقتصادي منها وتوهموا ان اشتراء امتعتهم ايضا حرام ممنوع عنه بحيث لو حملت يهود خيبر مثلا الحنطة والشعير والحبوب إلى المدينة لكان يحرم عليهم شراؤها منهم وكذا استشعروا حرمة أي عنوان من عناوين المعاملات الرائجة الناقلة إذا حدث بينهم وبين اليهود والنصارى فلذا نبههم الله على خطأهم واعلن اباحة هذه الوجوه بقوله الكريم: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم " فاجاز التصرف فيما انتقل عنهم إلى المؤمنين بوجه شرعى و من المؤمنين إليهم كذلك واحل المعاشرة معهم ولم يعلن اليأس البات منهم بل ابرز التسامح الاسلامي. هل الطعام بمعنى الاطعام؟ بقى في المقام انه ذكر بعض ان الطعام في الآية الكريمة بمعنى الاطعام فمعناها ان اطعام اهل الكتاب لكم جائز واطعامكم لهم جائز. وفيه انه وان امكن ذلك على حسب القواعد الادبية بل وله شواهد ايضا من الآيات الكريمة 3 الا انه خلاف الظاهر فان الظاهر من الطعام والمفهوم منه


1. سورة البقرة الآية 120 2. سورة المائدة الآية 51 3. اقول: فمنها قوله تعالى في سورة البقرة الآية 180 وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، و منها قوله تعالى في سورة الحاقة الآية 34 وسورة الماعون الآية 3: ولا يحض على

[ 80 ]

لغة كونه اسما للشئ الذى يطعم ويؤكل لا لما هو عمل وفعل للانسان مثلا فارادة المعنى المصدرى وعنوان كونه فعلا من الافعال خلاف الظاهر. هذا مضافا إلى انه تعالى يقول: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم " و معناه على ما ذكره هذا القائل ان اطعام اهل الكتاب لكم حلال وجائز لكم ويلزم من ذلك حلية فعل غير المسلمين - اهل الكتاب - للمسلمين فالفعل فعل اهل الكتاب ومع ذلك يحل ويباح للمؤمنين وهذا من البعد بمكان. ولو كان المراد هذا المعنى فالانسب بل اللازم ان يقول: يحل لكم ان تكونوا ضيوفا لاهل الكتاب أو: يجوز ويباح لكم الحضور في ضيافتهم، وامثال ذلك من التعابير الظاهرة في المعنى المزبور. هذا تمام الكلام في هذا المقام حول قول الملك العلام. وصفوة البحث انه لا دلالة لهذه الآية الكريمة على مراد من استدل بها على طهارة اهل الكتاب. الاخبار التى تمسك بها القائلون بالطهارة واستدل القائلون بطهارة اهل الكتاب ايضا باخبار نقلها الاعلام و اصحاب الحديث. منها رواية عيص بن القاسم الصحيحة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن مؤالكة اليهودي والنصراني فقال: لا بأس إذا كان من طعامك. وسألته عن مؤاكلة المجوسى فقال: إذا توضأ فلا بأس. 1 وجه الاستدلال بها ان الامام عليه السلام جوز مؤاكلة اليهودي والنصراني


طعام المسكين ومنها قوله في سورة والفجر الآية 19: ولا تحاضون على طعام المسكين. 1. وسائل الشيعة ج 16 ب 53 من ابواب الا طعمة المحرمة ح 1.

[ 81 ]

مطلقا بشرط كون الطعام من المسلم واطلاق تجويز مؤاكلتهم يقتضى الطهارة، والكلام في المجوسى هو الكلام فيهما. وفيه ان المراد من مؤاكلتهم الجلوس معهم على المائدة والا كل منها معا و نحن لا ننكر جواز ذلك ابدا لكنه لا يثبت به المطلوب ولا يدل هذا على طهارتهم اصلا. الا ترى انه ربما يجلس جماعة كثيرة على مائدة، وخوان طعام، ولا يدخل احد منهم يده في اناء الآخرين، بل كل منهم يأكل من انائه الخاص به، ومن بين يديه، ولا يقرب يده من اناء سائر الضيوف والجالسين على المائدة، فضلا عن ان يمس طعامه بيده وبدنه، فالرواية لا تدل على اكلهم من اناء واحد مشترك فيه و ان الكتابى مس الطعام بيده، كى يكون تجويز الامام عليه السلام المؤاكلة الخاصة دليلا على طهارة اهل الكتاب. بل يمكن ان يقال: ان هذا الخبر ادل على النجاسة من الطهارة حيث ان الامام قيد الجواز بما إذا كان من طعامه لا من طعام الكتابى فان المفهوم من الجملة الشرطية المذكورة في كلام الامام عليه السلام البأس والاشكال في المؤاكلة إذا كان الطعام منهم، لا من المسلمين، وعدم جواز مؤاكلتهم على هذا الطعام. والسر في ذلك ووجهه عدم كونه مأمونا عليه من النجاسة، فهذا بنفسه قرينه على ان جواز مؤاكلة المسلم اهل الكتاب مشروط بعدم تنجيسهم للطعام و عدم تنجسه برطوبتهم مثلا، والا فلا يجوز مؤاكلتهم حتى على طعام المسلم. وعلى الجملة فالحق انه لو وضعنا هذه الرواية في جنب الروايات الناطقة بنجاسة اسئارهم لما رأينا بينهما معارضة اصلا، فاى معارضة توجد بين حلية مؤاكلتهم وبين حرمة سؤرهم؟ فهذا شئ وذلك شئ لا تعلق لا حدهما بالآخر، و بينهما كمال الملائمة والمساعدة. هذا بالنسبة إلى صدر الرواية الشريفة. واما ذيلها اعني قضية مؤاكلة المجوسى وتجويز الامام ذلك مشروطا بما

[ 82 ]

إذا توضأ، - يعنى إذا غسل يده فلا اشكال بها - فلا دلالة فيه ايضا على مراد المستدل لان غاية ما يمكن ان يقرر هو ان قول الامام عليه السلام دليل على انه إذا غسل يده يأكل مع المسلم، وغسل اليد لا جل ازالة النجاسة الظاهرية، حيث ان النجاسة الذاتية غير قابلة للرفع بالماء وازالته به. وفيه ان غسل اليد لم يكن لا زالة النجاسة بل لرفع الدرن والقذارة وزوال الاستقذاز والاستنفار النفساني خصوصا بلحاظ ان المجوسى لا يبالى بالاوساخ والقذارات، وكون القذارة بمرأى الآكل يوجب ان لا يسيغ عليه الطعام وربما يأكل - والحال هذه - مع كره وملال ونفرة، بل ربما يتهوع منه، فغسل المجوسى يده لا جل ان لا يستكره المسلم الطعام من قذارة يده، وكما ان الانسان يأمر ابنه الصغير غير المبالى ان يغسل يده عند جلوسه على المائدة والحال انه لا يأكل من انائه - بل كل يأكل من اناءه الخاص به - هكذا يأمر المسلم المجوسى بغسل يده، فيأكل من انائه، ولا ملازمة بين غسل يده والاكل من اناء يأكل منه المسلم. ومنها صحيحة ابراهيم بن ابى محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة قال: لا بأس تغسل يديها. 1 وجه الاستدلال انه يظهر منها ان غسل النصرانية يديها كاف في توليها امور البيت التى تتعلق بالخادمة كطبخ الطعام وغير ذلك وهذا يدل على ان نجاستها ليست ذاتية. ونحن نقول قبل الجواب عنه ان من المحتمل انه كانت للامام عليه السلام جارية نصرانية وكان ابراهيم بصدد الايراد والاشكال عليه في القضية الخارجية و خصوص الجارية المعينة التى كانت تخدم الرضا عليه السلام أو استفهام وجه


1. وسائل الشيعة ج 3 ب 54 من ابواب النجاسات ح 2.

[ 83 ]

ذلك فاجابه الامام بما اجابه به. ويحتمل كون السؤال عن القضية الكلية الحقيقية وجريه على نحو الاسئلة الدائرة بين الناس حيث انهم عند السؤال عن حكم شئ يضربون المثل على انفسهم أو على مخاطبهم أو على غائب على سبيل الفرض والتقدير، وغرضهم هو تصوير المسألة واحضارها، وترسيم صورة السؤال وتجسيمها في نظر المخاطب، لا انه وقعت هذه الواقعة للسائل أو للمخاطب أو غيرهما وابتلى بها خارجا، وبناءا على هذا لا يلزم كون الجارية المذكورة للامام عليه السلام وايا ما كان فلا يهمنا ذلك وانما تعرضنا له لانه نكتة لا يخلو التنبيه عليها عن الفائدة وانما المهم في المقام الجواب عنه فنقول: انه وان كان من المحتمل كون السؤال عن وجه استخدام المسلم جارية نصرانية غير مبالية بالطهارة والنجاسة، وهى تجنب ولا تغتسل - ولا يصح غسلها لو اغتسلت - ولازم هو تنجس اثاث البيت مثلا فأجاب الامام بجواز ذلك معللا بانها تغسل يديها أي لا تتنجس الاثاث لغسلها يديها، وعلى هذا الاحتمال تكون الرواية دليلا لهم وناطقة بما حاولوا اثباته واستدلوا بها عليه اعني طهارة اهل الكتاب ذاتا. الا ان فيها احتمالا آخر اظهر واقوى من الاحتمال المزبور وهو ان يكون السؤال عن اصل جواز الاستخدام وعدمه، وكان السائل يستبعد جواز استخدام المسلم النصرانية خصوصا بملاحظة انها لا تغتسل ولا تتوضأ، فذكر هذه الامور و الجهات لم يكن لاجل كونها مدارا للسؤال بل تمام المدار في السؤال هو استخدام النصرانية بلحاظ كونها نصرانية، وكان ذكر الجهات المذكورة لاجل اظهار مزيد التنفر منها، واستبعاد جواز ان تكون خادمة للمسلم، وبعبارة اخرى كان لتقريب عدم الجواز، وقد اجاب الامام بالجواز، وعدم البأس لانها بغسل.

[ 84 ]

يديها تزيل الاوساخ المنفرة. ولا منافاة بين جواز اصل الاستخدام بين ونجاسة الاسئار وما لمسته بيدها وبدنها المستفادة من الادلة السابقة ولا معارضة بينهما اصلا فان المعارضة هي كون الدليلين بحيث لو القاهما المتكلم معا صدق عليه انه يتناقض في اقواله وانه يقول اولا شيئا ويتكلم بما يخالفه ثانيا وما نحن فيه ليس كذلك فان بين الدليلين كمال الملائمة ولا يصدق على المتكلم بهما انه يتناقض ويتكلم بما يخالف ما قاله اولا. وعلى الجملة فلا بأس باستخدام الجارية النصرانية من حيث كونها كذلك ولو مست شيئا مع نداوة في البين يتأثر ويتنجس بذلك ويلزم غسله، واما قذارات يدها فأمرها سهل، لانه يأمرها بغسل يدها وازالتها عنها. هذا مضافا إلى ان امر الاستخدام بمكان من السهولة حيث يمكن ان يستخدمها لامور غير مستلزمة للنجاسة ككنس الدار وطحن الحنطة والشعير و اشباه ذلك لا في طبخ الطعام وامثاله. ومنها صحيحة ابراهيم بن ابى محمود ايضا قال: قلت للرضا عليه السلام: الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال: لا بأس. 1 وجه الاستدلال بها ان الامام عليه السلام اجاز كون اليهودي أو النصراني خياطا للمسلم أو قصارا له يخيط أو يبيض ثيابه والحال ان نجاسة الخياط أو القصار تلازم نجاسة الثوب الذى خاطه أو حوره وبيضه ملازمة عادية فهذا


1. التهذيب ج 6 ص 385 الوافى ج 1 ص 32 من ابواب الطهارة قال المحدث الفيض رحمه الله: لا يتوضأ أي لا يستنجى والمراد بعمله معموله وهو الثوب يخيطه أو يقصره انتهى ثم لا يخفى ان لقب ابراهيم بن ابى محمود هو الخراساني.

[ 85 ]

يكشف عن طهارتهم. وفيه ان هذه لا تدل على ازيد من جواز استيجارهم للعمل ولا دلالة فيها على جواز مباشرة ما باشروه مع الرطوبة ولو صحت الملازمة المذكورة للزم طهارة بولهما ايضا لان الفرض بحسب تصريح الرواية انه يبول ولا يغسل ومن المعلوم انه يتلوث بدنه أو يده أو كلاهما، فهذا يكشف عن ان السؤال لم يكن عن الطهارة والنجاسة، بل عن مجرد استيجارهما للخياطة أو القصارة، وعن الاستفادة من عملهم، وقد جوز الامام ذلك، فلا بأس ان يخيط اليهودي مثلا ثوب المسلم، غاية الامر انه لو علم انه نجسه فلا بد له من ان يطهره ولو لم يعلم فلا يحتاج إلى الغسل والتطهير اصلا وكذا لا يلزم في القصار ان يكون طاهر العين كما في باب كلب الصيد حيث انه مع نجاسته عينا يحل صيده. ومنها صحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في طعام اهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول انه حرام ولكن تتركه تنزها عنه ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير. تقرير الاستدلال ان الامام عليه السلام علل النهى عن اكل طعام اهل الكتاب بمباشرتهم النجاسات حيث قال: ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير. و هذا كاشف عن عدم نجاستهم الذاتية والا لكانت اولى وانسب بالتعليل بها، ولم يحسن التعليل بالنجاسة العرضية مع تحقق النجاسة الذاتية 1.


1. قال صاحب المعالم في معالم الدين ص 255 في ذيل هده الرواية: قال والدى رحمه الله: تعليل النهى في هذه الرواية بمباشرتهم للنجاسات تدل على عدم نجاسة ذواتهم إذ لو كانت نجسة لم يحسن التعليل بالنجاسة العرضية التى قد تتفق وقد لا تتفق انتهى. وقال المحدث الكاشانى في الوافى ج 2 باب طعام اهل الذمة: والمستفاد من كثير من اخبار هذا الباب عدم نجاسة اهل الذمة أو عدم تعدى نجاستهم لان الامر باجتنابهم فيها معلل

[ 86 ]

ونحن نقول: لا خفاء في صدر الرواية حيث ان اسماعيل سئل الامام عن اكل طعام اهل الكتاب ونهاه الامام في الجواب عن اكله وسكت قليلا ثم نهاه ثانيا عنه وسكت قليلا ايضا فنهاه ثالثا عنه الا انه اضاف هنا شيئا وهو قوله: ولا تتركه تقول الخ ومعنى هذه الفقرة: احذر من ان تقول انه حرام بل اترك طعامهم تنزها عن الخمر ولحم الخنزير وكانه عليه السلام يقو ل: انى نهيتك عن اكله لهذه الجهة وقلت لك لا تأكله وفى هذه الفقرة نوع خفاء حيث يحتمل فيها وجهان: احدهما: كونها لبيان حكم الله الواقعي المكتوب في اللوح المحفوظ، عاريا عن كل شائبة ولا شك على ذلك في ان دلالة الرواية على مطلوبهم و مرادهم ظاهرة لانه اسند النهى عن ترك طعامهم إلى التنزه عن الخمر والخنزير. ثانيها: انه عليه السلام بين حكم الله بقوله: لا تأكله فنهاه عن اكل طعامهم لنجاستهم عينا وذاتا لكنه اتى بالفقرة الاخيرة رعاية للتقية، حيث انه بعد ذكر حكم الله الحقيقي لاحظ شأن المجلس وحضور رجال الامن ومأموري الدولة الظالمة والجواسيس الاشرار والعملاء الاقذار ورآى لزوم رعاية اهل الخلاف اتقاء شرهم فذكر هذه الجملة أو انه رآى ابتلاء الرواى بهم ولذا قال له: لا تتركه الخ يعنى لا يصدر منك القول بالحرمة فانى نهيتك عن اكل لاجل ان اوانيهم متلطخة وملوثة بالخمر ولحم الخنزير - الذين يجتنب عنهما اهل الخلاف ايضا -. ولا يخفى ان الظاهر من هذين الاحتمالين - بلحاظ افتاء اهل السنة


باستعمالهم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر ونحو ذلك ولا ينافى هذا النهى عن مؤاكلتهم في بعضها أو مصافحتهم لا حتمال ان يكون ذلك لشركهم وخبثهم الباطني وان يكون اطلاق النجس عليهم حيث وقع بهذا المعنى دون وجوب غسل الملاقى.

[ 87 ]

بطهارة اهل الكتاب وان القول بنجاستهم من متفردات الامامية ومن شعار الشيعة - هو الثاني بل لا يدع لحاظ هذه الامور للاول مجالا. ويؤيد ذلك نهيه عليه السلام عن التفوه بانه حرام. والذى يظهر لى من الرواية ان الامام بالغ في اثبات الرحمة واكد عليه إلى ان كرر النهى عن الاكل ثلاث مرات، وهو يدل على مزيد الاهتمام به، وانه حكم قطعي اصدره التفاتا، وعن عناية به، كى يقطع المخاطب به، ويطمئن إليه، ولكن نهاه في الآخر عن اظهار ذلك تقية كيلا يصيبه منهم سوء. 1


1. اقول: ان لشيخنا البهائي قدس سره جوابا آخر عن هذه الرواية بعد ان اعترف باشعار التعليل فيها بان نجاستهم عرضية لا لذواتهم واعيانهم فانه قال: ولا يذهب عليك ان نهية عليه السلام عن طعامهم ثم سكوته هنية ثم نهيه ثم سكوته هنية اخرى ثم امره في المرة الثالثة بالتنزه عنه لا تحريمه مما يوذن بالتردد في حكمه وحاشاهم سلام الله عليهم من التردد فيما يصدر عنهم من الاحكام فان احكامهم ليست صادرة عن الظن بل هو صلوات الله عليهم قاطعون في كل ما يحكمون به وقد لاح لى على ذلك دليل اوردته في شرحي على الصحيفة الكاملة فهذا الحديث من هذه الجهة معلول المتن وذلك بوجب ضعفه. ثم قال في الحاشية: ان قلت يمكن حمل التردد المذكور على وقوع السؤال في مجلس كان مظنة للتقية بحضور بعض المخالفين فيه فتردد عليه السلام في انه هل يفتى ام لا. قلت هذا الحمل ايضا يقتضى ضعف التعويل على هذا الحديث لجواز ترجيحه عليه السلام التقية بل هذا هو الواقع لانه عليه السلام قد اجاب بما يوافق العامة من عدم نجاستهم. راجع حبل المتين ص 99. وقال في مشرق الشمسين ص 360: ما تضمنه هذا الحديث من نهيه عليه السلام عن اكل طعامهم اولا ثم سكوته هنيئة ثانيا ثم سكوته ثم امره اخيرا بالتنزه عنه يوجب الطعن في متنه لا شعاره بتردده عليه السلام في هذا الحكم وان قوله هذا عن ظن وحاشاهم عليهم السلام ان يكون احكامهم صادرة عن ظن كاحكام المجتهدين بل كلما يحكمون به فهو قطعي لهم لا يجوزون نقيضه. ويخطر بالبال في الاستدلال على ان كل احكامهم عليهم السلام صادرة عن قطع وانه لا يجوز صدور شئ منها عن ظن اننا إذا سمعنا من احدهم عليهم السلام حكما فانا لا نجوز احتمال كونه خطأ لان اعتقادنا عصمتهم على انفسهم الخطأ عليهم وكما انا لا نجوز عليهم الخطأ في احكامهم فهم ايضا لا يجوزون على انفسهم الخطأ لعلمهم بعصمة انفسهم سلام الله عليهم. ومن هذا يعلم انهم قاطعون بجمع الاحكام التى تصدر عنهم ولا يجوزون نقيضها كما يجوزره المجتهدون في

[ 88 ]

وعلى هذا فلا دلالة فيها على طهارة اهل الكتاب التى هي مراد المتسدلين بها بل لعل الامر بالعكس. ومنها حسنة الكاهلى قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا عنده عن قوم مسلمين حضرهم رجل مجوسي ايدعونه إلى طعامهم؟ قال: اما انا فلا ادعوه ولا اؤاكله وانى لا كره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم. 1 فان الظاهر منها هو جواز دعوة المسلم المجوسى إلى طعامه وان كان يكره ذلك وإذا جاز ذلك فاللازم هو طهارة المجوسى. وفيه انه لا يصح التمسك بها ايضا فان فيها شائبة التقية بشهادة نفس الرواية وقرينة قوله عليه السلام في آخرها: شيئا تصنعونه في بلادكم فانه بمنزلة ان يقول: لو اقول انه حرام يصير سببا لا ذاك وانجر إلى بروز الحوادث و توجه المكاره اليك لانه شئ دائر بينكم ورائج في بلادكم تصنعونه كثيرا وانكم تضطرون إلى المعاشرة معهم والا فالحكم الواقعي هو الحرمة. ومنها رواية زكريا بن ابراهيم قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فقلت: انى رجل من اهل الكتاب وانى اسلمت وبقى اهلي كلهم على النصرانية وانا معهم في بيت واحد لم افارقهم فآكل من طعامهم؟ فقال لى: يأكلون لحم


احكامهم المستندة إلى ظنونهم ولعل ظنونهم ولعل نهيه عليه السلام عن اكل طعامهم محمول على الكراهة ان اريد الحبوب ونحوها. ويمكن جعل قوله: لا تأكله مرتين للاشعار بالتحريم كما هو ظاهر التأكيد ويكون قوله بعد ذلك: لا تأكله ولا تتركه محمولا على التقية بعد حصول التنبيه والاشعار بالتحريم، هذا ان اريد بطعامهم اللحوم وما باشروه برطوبة، ويمكن تخصيص الطعام بما عدا اللحوم ونحوها ويؤيد تعليله عليه السلام باشتمال آنيتهم على الخمر ولحم الخنزير. انتهى كلامه رفع مقامه. 1. الحدائق ج 5 ص 170، وفى الوسائل ج 16 ب 53 من الاطعمة المحرمة: الكاهلى قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم مجوسي ايدعونه إلى طعامهم؟ فقال اما انا فلا أو اكل المجوسى واكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم.

[ 89 ]

الخنزير؟ فقلت: لا ولكنهم يشربون الخمر فقال لى كل معهم واشرب. 1 فان الامام عليه السلام جوز لزكريا الاكل والشرب مع اهله النصرانيين و كان مبتلى بمعاشرتهم والاكل من طعامهم ومماسة آنيتهم ومباشرتها بمجرد انهم لا يأكلون لحم الخنزير وهذا يدل على طهارة النصارى والا لما كان يجوز الامام مؤاكلتهم. وفيه انه وان كانت الرواية تدل بحسب الظاهر على طهارة النصارى، حيث ان زكريا وحده كان قد اسلم من بين اهله واسرته وبقى اهله على نصرانيتهم، ولما صرح هو بانهم لا يأكلون لحم الخنزير اجاز الامام الاكل و الشرب معهم. الا ان في الرواية احتمالات اخرى: احدها: ان يكون تجويز الامام لاجل اضطرار زكريا إلى معاشرتهم و مزاولتهم والاكل معهم ومن آنيتهم كما لعله يظهر ذلك من شرائط حاله وشأنه الخاص به حيث انه كان قد نشأ في رهط نصرانيين واسلم وحده وبنفسه فهو عرفا في ظروف خاصة وشرائط استثنائية واضطرارية. ويؤيد ذلك، الخبر الذى رواه على بن جعفر عن اخيه وسيأتى ذكره انشاء الله تعالى فانتظر. ثانيها: ان يكون تجويز الامام لا جل مصلحة اهم مثل مصلحة ائتلاف قلوب اهله وعائلته وتوجيههم إلى الاسلام كما يؤيد هذا الاحتمال ما نقل من ان امه قد اسلمت لما رأت من ابنها ما حيرها واعجبها واستحسنته من محامد الاخلاق والسيره المحمودة والمواقف المشكورة ومناهج الصلاح والسداد و المداراة معها وانه يبالغ في الاحسان إليها ويخدمها خدمة صادقة، تلك الصفات الكريمة التى اكتسبها في ظلال الاسلام.


1. وسائل الشيعة ج 16 ب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة ح 5.

[ 90 ]

ثالثها: ان يكون حكم الامام بذلك لاجل انه عليه السلام كان عالما بانه لا يبتلى باكل النجس ولا يصادف له ذلك لانتحال اهله الاسلام واقبالهم إلى دين الله قبل مصادفة الاكل معهم. فمع وجود هذه الاحتمالات كيف يمكن الحكم بطهارتهم بمجرد تجويزه الاكل معهم؟ وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. ثم ان في هذه الرواية كلاما من جهة اخرى وان لم تكن مرتبطة بمسئلتنا، وهى ان الراوى صرح بان اهله يشربون الخمر، ومع ذلك اجاز الامام الاكل و الشرب معهم بعد ان قال زكريا بانهم لا يأكلون لحم الخنزير وقد فرق بين الخمر والخنزير وهذا يدل على طهارة الخمر. ويمكن دفع هذا الاشكال بان آنية الخمر غير آنية الطعام فان للشراب اناءا خاصا به وللطعام اناءا آخر، هذا بالنسبة إلى الاناء. واما بالنسبة إلى الشفة ونجاستها ففيها انه لا ملازمة بين نجاسة الخمر و نجاسه الشفة فمن الممكن شرب الخمر بنحو لا يتنجس خارج الفم وظاهره. وان ابيت الا عن دلالة هذه الجمله على طهارته فنقول: انه قد جوز ذلك للاضطرار إليه، أو نقول: ان هذه الرواية من الروايات الدالة على طهارة الخمر و عند معارضتها للاخبار الدالة على النجاسة تقدم الثانية وتطرح ما دلت على الطهارة. ثم لا يخفى عليك ان هذه الرواية منقولة في الكافي بتفصيل غير مذكور في هذا النقل فراجع. 1


1. في اصول الكافي ج 2 ص 160 عن زكريا بن ابراهيم قال: كنت نصرانيا فاسلمت وحججت و دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فقلت: انى كنت على النصرانية وانى اسلمت، فقال: واى شئ رأيت في الاسلام؟ قلت: قول الله عزوجل: " ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء " فقال: لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده - ثلاثا - سل عما شئت يا بنى

[ 91 ]

ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن آنية اهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طهامهم الذى يطبخون ولا في آنيتهم التى يشربون فيها الخمر. 1 تقريب الاستدلال ان الامام لم ينه عن مطلق طعامهم بل عن المطبوخ منه ولا عن استعمال مطلق اوانيهم بل عن التى يشربون فيها الخمر. والسر في النهى عن طعامهم المطبوخ عدم تجنبهم لحم لخنزير فانهم يستحلونه ويأكلونه كثيرا وهذا بنفسه امارة على ان طعامهم المطبوخ من لحم الخنزير ولا اقل من كونه خليطه ومزيجه واما النهى عن آنيتهم التى يشربون فيها الخمر فهو واضح لا يحتاج إلى توجيه وبيان فيعلم ان مطلق طعامهم واواينهم ليس نجسا وحينئذ فلا وجه للحكم بنجاستهم. وبعبارة اخرى ان لازم الحكم بنجاستهم الحكم بالتجنب عن جميع اوانيهم سواء اشربوا فيها الخمر أو الماء كما ان لازم ذلك التجنب عن مطلق طعامهم دون خصوص ما يطبخونه فتقييد اوانيهم بالتى يشربون فيها الخمر و


فقلت: ان ابى وامى على النصرانية واهل بيتى، وامى مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا ولا يمسونه، فقال: لا بأس فانظر امك فبرها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن انت الذى تقوم بشأنها ولا تخبرن احدا انك اتيتني حتى تأتيني بمنى ان شاء الله قال: فاتيته بمنى والناس حوله كانه معلم صبيان هذا يسأله وهذا يسأله فلما قدمت الكوفة الطفت لا مى وكنت اطعمها وافلى ثوبها ورأسها واخدمها فقالت لى: يا بنى ما كنت تصنع بى هذا وانت على دينى فما الذى ارى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية؟ فقلت: رجل من ولد نبينا امرني بهذا فقالت: هذا الرجل هو نبى؟ فقلت: لا ولكنه ابن نبى فقالت: با بنى هذا نبى ان هذه وصايا الانبياء، فقلت: يا امه انه ليس يكون بعد نبينا نبى ولكنه ابنه فقالت: با بنى دينك خير دين، اعرضه على فعرضته عليها فدخلت في الاسلام وعلمتها فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم عرض لها عارض في الليل، فقالت: يا بنى اعد على ما علمتني فاعدته عليها، فأقرت به وماتت، فلما اصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت انا الذى صليت عليها ونزلت في قبرها. 1. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 1.

[ 92 ]

طعامهم بالذى يطبخونه لا وجه له وحينئذ فالتقييد كاشف عن عدم نجاستهم. وقد ظهر جوابه مما قدمناه حول هذه الرواية في تقريب الاستدلال بها على النجاسة فراجع وتأمل فان في ما ذكر هناك غنى وكفاية عن اعادته في هذا المقام. ومنها صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام وقد سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء ايتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا الا ان يضطر إليه. 1 وجه الاستدلال بها ان الامام عليه السلام اجاز الوضوء بالماء الذى ادخل النصراني يده فيه، فيعلم ان الماء كان طاهرا، وطهارة الماء تدل على طهارة النصراني، وهذا هو المطلوب. واما قيد الاضطرار فهو لعدم الداعي للمسلم في التوضى من هذا الماء اختيارا وان لم يكن نجسا بل لا جل استقذاره، واما في حال الاضطرار فلا يبالى بذلك، والا فالاضطرار لا يصير النجس طاهرا صالحا للوضوء منه. وفيه اولا: من اين ثبت كون المفروض الماء القليل؟ فمن الممكن كون المفروض ومورد السؤال ادخال اليهودي أو النصراني يده في الماء الكثير، ومن المعلوم ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ. ان قلت ان الرواية مطلقة شاملة للماء القليل ايضا وهذا كاف في اثبات طهارتهم. نقول: يجب تقييد الاطلاق - لو كان اطلاق - بنجاسة سؤر الكافر أو ما بشروه بالرطوبة التى استفدناها من الادلة. وثانيا: سلمنا ان الرواية متعرضة للماء القليل اما اختصاصا واما اطلاقا


1. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من ابواب النجاسات ح 9.

[ 93 ]

لكن مع ذلك فالحكم بطهارة هذا الماء مع ان اليهودي مثلا ادخل يده فيه لا يدل على طهارته حيث انه يمكن ان يكون هو نجسا ومع ذلك يكون الماء المزبور طاهرا بان يقال بعدم انفعال الماء القليل كما هو مذهب ابن الجنيد نعم هو خلاف نظرنا ومبنانا. ان قلت: ان هذا لا يساعده اشتراط جواز الوضوء منه بالاضطرار فانه لو كان الماء طاهرا - لعدم انفعاله بملاقات يد الكافر فاللازم هو الحكم بجواز الوضوء منه اختيارا. نقول: لا منافاة اصلا فان هذا الماء قذر بسبب ادخال اليهودي يده فيه وان لم يكن نجسا - لكن في حال الضرورة لا بأس اصلا - كما انه لا يجوز التوضؤ بماء الاستنجاء والحال انه طاهر مع الشرائط. وثالثا: انه يمكن حمل هذا الخبر ايضا كسابقه على التقية 1 فعلى هذا لا دلالة فيه على طهارة اهل الكتاب. ويضاف إلى ذلك كله ان القائلين بالنجاسة ايضا يتمسكون بهذه الرواية ويستدلون بها ويقولون انها تدل على النجاسة حيث انه لم يجوز الامام استعمال هذا الماء غاية الامر اختصاص لزوم الاجتناب بحال الاختيار واما في حال


1. اقول: وقد حمله كذلك شيخنا البهائي قدس سره في الحبل المتين ص 99 فانه بعد ان اعترف بان جواز الوضوء بسؤر هم إذا اضطر إليه دليل على طهارتهم قال: وظني انه لا يبعد ان يقال ان الاضطرار يجوز ان يكون كناية عن التقية فان المخالفين من العامة على طهارتهم انتهى وقال في مشرق الشمسين في ذيل الخبر: قوله عليه السلام في آخر الحديث: الا ان يضطر إليه مما يتأيد به القول بعدم نجاسة اليهود والنصارى وبعض الاصحاب حمل الوضوء في الحديث على ازالة الوسخ. ولا يخفى ان ذكر الصلاة ينافيه وبعضهم حمل على تسويغ الاستعمال عند الضرورة على الاستعمال في غير الطهارة فالمعنى الا ان يضطر إليه في غير الطهارة وهو بعيد. ثم قال: و الاولى حمل الاضطرار على ما إذا دعت التقية إلى استعماله وعدم التحرز عنه كما يقع كثيرا لا صحابنا الامامية في بلاد المخالفين فانهم قائلون بطهارة اهل الكتاب انتهى كلامه.

[ 94 ]

الاضطرار فلا يلزم الاجتناب عنه، إلى غير ذلك من الروايات. 1 كلمة حول الرأى المختار قد علمت ان الاخبار التى استدل بها على طهارة اهل الكتاب حملناها اما على التقية، واما على الاضطرار، واما على غير ذلك، والسبب في ذلك الذى هو حجة لى بينى وبين الله وقد حملني على ان ادع هذه الروايات واتركها هو انها مع صحة اسناد قسم منها غير معمول بها، فترى انها اما صحيحة واما موثقة، و قد رواها الفحول وجهابذة العلماء الاكابر مثل الكليني والصدوق والشيخ الطوسى رضوان الله عليهم اجمعين الذين هم في الحقيقة حلقات الترابط بين لاحق الامة الاسلامية وسابقها والوسائط بين الشيعة وائمتهم المعصومين عليه السلام وقد اودعوا هذه الاخبار في كتبهم ووصلت الينا بواسطتهم، ومع تمام هذه الجهات و شدة اهتمامهم بالتعبد بما وصل إليهم، ووقع بايديهم، من الائمة الطاهرين، فهم


1. اقول: كرواية عيص بن القاسم عن الصادق عليه السلام قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن مؤاكلة اليهودي والنصراني فقال: لا باس إذا كان من طعامك. وسالته عن مؤاكلة المجوسى فقال: إذا توضأ فلا بأس. التهذيب ج 9 ص 88 قال الفاضل المقداد رضوان الله عليه: وليس فيها حجة على الطهارة والا لم يحتج إلى قوله: (إذا كان من طعامك) ويمكن حملها على طعام جامد. والمراد بالتوضؤ كما قال هو ايضا هو غسل يده راجع التقيح الرائح الرائع ج 4 ص 53 وقال المحقق في المختصر النافع: وفى رواية إذا اضطر إلى مواكلته - أي الذمي - امره بغسل يده، وهى متروكة انتهى. وقال الفاضل السيورى في شرحه: لم نقف على رواية بطهارة الذمي، فان وجد شئ فهو محمول على التقية، واما روايات النجاسة فكثيرة ولذلك جعلها هي الاشهر خصوصا مع موافقتها للكتاب في قوله تعالى: (انما المشركون نجس) واهل الذمة مشركون لما تقدم في النكاح انتهى راجع التنقيح ج 4 ص 53.

[ 95 ]

بانفسهم تركوا هذه الرويات، واعرضوا عنها، ولم يعملوا بها، وهذا بنفسه امارة اجمالية كاشفة عن خلل فيها، وهو العلة الوحيدة في ضعف تلك الاخبار واقوى حجة عليه، فان الخبر كلما كان صريحا من حيث الدلالة وصحيح من حيث السند فهو يضعف ويسقط بسبب الاعراض عنه، لا سيما هذا الاعراض، أي اعراض ناقليه ورواته عنه، فانه يوجب الوهن فيه جدا، وما نحن فيه كذلك، فانها مع كونها صريحة الدلالة، صحيحة السند، لم يعمل ناقلوها بها ونحن نفهم ان عدم اعتنائهم بها وافتاءهم بالطهارة كان لا جل نكتة ثابتة وجهة محققة عندهم، حملتهم على الافتاء بخلافها كعلمهم بصدورها تقية، أو وجود قرينة في مقام الدلالة أو غير ذلك من الامور والنكات. والحاصل: انها صدرت عنهم عليهم السلام لمصلحة من المصالح فهى ساقطة عن الحجية وحينئذ تبقى اخبار النجاسة سالمة بلا معارض، فيعمل بها، و قد ثبت ان ادلة القائل بالطهارة اصلا وآيه ورواية لم تنفع شيئا ولا دلالة اصلا و ان كل هذه الآثار لا تثبت المقصود الذى يحاوله هذا القائل. كلمة من بعض الاجلاء بقى الكلام هنا في ما اورده بعض المعاصرين - عند التعرض للروايات التى يستظهر منها الطهارة والا يراد عليها - بقوله: نعم تشكل موثقة عمار المتضمنة تغسيل النصراني للمسلم إذا لم يوجد مسلم أو مسلمة ذات رحم و تغسيل النصرانية للمسلمة كذلك فان البناء على وجوب التغسيل بالماء النجس بعيد جدا لانه يزيد الميت نجاسة، وحمله على التغسيل بالكثير ابعد، ولا جل ذلك رد الموثقة المذكورة بعضهم لمخالفتها للقواعد لكن المشهور بين القدماء

[ 96 ]

والمتأخرين العمل بها. 1 وفيه ان عدم تمشى قصد القربة من النصراني الذى يغسل المسلم لكونه نصرانيا غير معتقد بالله وبما اوجب الله على المسلمين. وكذا عدم حصول قرب إلى الله للميت المسلم الذى غسله النصراني بل وعدم امكان حصول القربة لكون ماء الغسل نجسا، كاشف عن عدم كون هذا الغسل غسلا حقيقيا واقعيا، بل هو صورة الغسل، والمأمور بة هو الغسل (بالفتح) والغمس في الماء مثلا دفعا للسموم الخارجة من بدن الميت ولان ينظف ويبرأ من ادناس امراضه، وما اصابه من صنوف علله، تحفظا من سراية الاذى والامراض إلى الناس. 2 ثم ان له اشكالا آخر ايضا نتعرض له قال: ان الاقوى ما عليه الاصحاب من النجاسة لولا ما يقتضيه النظر في روايات نكاح الكتابية متعة أو مطلقا فانها على كثرتها واشتهارها وعمل الاصحاب بها لم تتعرض للتنبيه على نجاستها فان الملابسات والملامسات التى تكون بين الزوج والزوجة لا تمكن مع نجاسة الزوجة ولم يتعرض في تلك النصوص للاشارة إلى ذلك. 3 ويرد عليه اولا: ان تحفظ الزوج نفسه من تأثره بنجاستها امر ممكن. وثانيا: ان مباشرة الرجل المسلم زوجته المسلمة ايضا ربما تكون ملازمة للنجاسة عرفا ومع ذلك لم تتعرض اخبار النكاح والمضاجعة لذكر ذلك، وللزوم التطهير، فهل هذا دليل على عدم حصول النجاسة أو عدم لزوم التطهير؟ والجواب في المقامين ان الزوم تطهير الثوب والبدن إذا تأثرا بالنجاسة


1. مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 374، واما موثقة عمار فراجع الوسائل ج 2 ب 19 من ابواب غسل المبت ح 1 وجامع احاديث الشيعة ب 18 من ابواب التغسيل ح 49 2. هكذا افاد دام ظله هنا لكنه قد ذكر في بحث غسل الاموات وجوها اخر كما قررناها في كتابنا: مناهل الحياة في احكام الاموات ولعله يطبع انشاء الله تعالى. 3. مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 377

[ 97 ]

مذكور في موضعه وموكول إلى محله.

[ 99 ]

الكلام حول نجاسة اولاد الكفار وعدمها قد عرفت من ابحاثنا الماضية انه لا مناص عن القول بنجاسة الكفار مطلقا وان كانوا كتابيين فحينئذ يتوجه السؤال عن انه هل يلحق بهم اولادهم قبل ان يبلغوا أو يتوقف الحكم بنجاستهم على كفرهم المتوقف على البلوغ وتوجه التكليف؟ وبعبارة اخرى هل الحكم في اولاد الكفار تبعية الآباء في النجاسة ام لا؟ قال الشيخ حسن ابن شخينا الشهيد الثاني رضوان الله عليهما: ظاهر كلام جماعة من الاصحاب ان ولد الكافرين يتبعهما في النجاسة الذاتية بغير خلاف لانهم ذكروا الحكم جازمين به غير متعرضين لبيان دليله كما هو الشأن في المسائل التى لا مجال للاحتمال فيها وممن ذكر الحكم كذلك، العلامة في التذكرة ولكنه في النهاية اشار إلى نوع خلاف أو احتمال فيه، فقال: الا قرب

[ 100 ]

في اولاد الكفار التبعية لهم. 1 اقول: ان تعبير النهاية بلفظ: (الاقرب) مشعر بوجود الخلاف، ويستفاد منه انه بنفسه احتمل عدم الالحاق، فحينئذ لو ثبت كون المسألة اجماعية وانه لم يكن الاجماع مستندا إلى ما يصلح ان يكون مستندا له ودليلا عليه فالحكم قطعي لا يبقى معه مجال للبحث، واما لو لم يكن اجماع اصلا أو كان ولكنه كان مستندا إلى ما يستدل به في المقام فهناك لا بد من التمسك بادلة اخرى في اثبات المطلوب اما على فرض عدم الاجماع فالامر واضح واما على الفرض الاخير فلان الاجماع على ذلك ليس دليلا مستقلا في قبال مستنده فاللازم فعلا ذكرما يقال ويستدل به للحكم بالتبعية والالحاق وان ولد الكافرين نجس كابويه وهى امور: الاول: انه قد تولد ونشأ من النجس والمتولد من النجس والمتكون منه نجس وبتقريب آخر ذكره بعض العلماء: انه حيوان متولد من حيوانين نجسين فيثبت له حكمهما كالمتولد من الكلب والخنزير. وفيه ان مجرد نش ء شئ من النجس والتولد منه لا يوجب كونه نجسا ولا دليل على ذلك ما لم يصدق عليه عنوان من العناوين النجسة، ولذا لا يحكمون على الدودة المتولدة من النجاسة والمتكونة منها بالنجاسة، بل النجاسة دائرة مدار صدق عنوان من عناوين النجسات - على المتولد أو المتكون - عرفا فالمتولد من الكلب والشاة أو من الخنزير والشاة ليس نجسا لو لم يصدق عليه الكلب أو الخنزير، ومجرد عدم صدق عنوان الكلب أو الخنزير كاف في الحكم، بالطهارة، وعلى هذا فالحكم بالنجاسة فيما نحن فيه موقوف على صدق عنوان الكافر عليه وهو غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم.


1. معالم الدين في الفقه ص 259

[ 101 ]

الثاني: وهو الذى تمسك به بعض العلماء 1 واعتمد عليه - ان نجاسة اولاد الكفار ارتكازى عند اهل الشرع، حيث انهم يتعدون من نجاسة الابوين ذاتا إلى المتولد منهما، فهو شئ مركوز في اذهانهم مثل حكمهم بنجاسة المتولد من الكلبين ارتكازا. وفيه انه لو سلم ذلك فانما هو فيما إذا كانت النجاسة ذاتية في الاصل غير قابلة الانفكاك عنه، كالكلب فان النجاسة لا تنفك عنه ابدا وفى أي شرط من الشرائط وحال من الاحوال، فإذا المتولد من كلبين محكوم بالنجاسة لارتكاز اهل الشرع بكونه نجسا، واما إذا لم يكن الامر كذلك بل كانت النجاسة في الاصل لجهة عارضة تدور معها نفيا واثباتا كالكفر القابل للتغير والتبدل - وما دامت هذه الصفة الخبيثة موجودة يحكم بالنجاسة وتزول بزوال الوصف العنوانى فهنا لا ارتكاز على نجاسة المتولد منه، لعدم كونه واجدا للصفة، وعدم صدق الكافر عليه، بل وعدم صلاحيتة لذلك. والحاصل: ان الكفر علة تقييدية لا تعليلية ولذا لا يمكن ادعاء الارتكاز في نجاسة المتولد من الكافر كما لا يصح ايضا في كل مورد كانت النجاسة في الاصل لاجل فعل من الافعال وصفة من الصفات. الثالث: قول الله عزوجل: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم... 2 فان الظاهر منه الحاق ذرية كل به.


1. اقول: قال علم التحقيق والتقى الشيخ المرتضى في طهارته ص 306:... بل هذا الوجه هو العمدة... 2. سورة الطور الآية 31 اقول: وفى الكافي باب الاطفال من كتاب الجنائز: وفى حديث آخر اما اطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم واولاد المشركين يلحقون بآبائهم وهو قول الله عزوجل والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمانهم الحقنا بهم ذريتهم. ثم لا يخفى ان الشيخ قدس سره استدل بالآية الكريمة في المبسوط ج 3 ص 341 قال: اعتبار اسلام الطفل بشيئين احد هما يعتبر بنفسه والثانى يعتبر بغيره... واما اعتباره بغيره فعلى ثلاثة

[ 102 ]

وفيه ان الظاهر كون الآية الكريمة اجنبية عما نحن بصدده، فانها ناظرة إلى النشأة الآخرة وما بعد الموت، واما الحاق اولاد الكافرين لهم ما داموا في دار الدنيا في جميع الاحكام ومنها النجاسة فهو مشكل جدا ولا يستفاد من الآية. 1 الرابع: خبر حفص بن غياث قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل من اهل الحرب إذا اسلم في دار الحرب وظهر عليهم المسلمون بعد ذلك قال: اسلامه اسلام لنفسه ولولده الصغار وهم احرار وماله ومتاعه ورقيقه له. 2 وهذا الخبر يدل بمنطوقه على ان الصغار يحكم عليهم بحكم الاسلام بمجرد حدوث الاسلام وتحققه لوالدهم، ولازم ذلك بمقتضى المفهوم كون الاولاد الصغار محكوما عليهم بالكفر ايضا بسبب كفر والدهم لانه لا واسطة بين الاسلام والكفر فإذا انتفى الاسلام فلا بد وان يثبت الكفر. ويرد عليه انه لا دلالة لهذا الخبر ايضا على نجاسة اطفالهم، فان المستفاد منه ان كفر الوالد مسوغ لاسترقاق الاطفال ايضا مضافا إلى جواز استرقاق الوالد بنفسه واما النجاسة فهى امر آخر غير مرتبط بذلك فانها مترتبة على الكفر. والطفل المتولد من كافرين ليس بكافر بل لا يصلح لذلك. وما ذكره المستدل من انه إذا انتفى حكم الاسلام في الولد يثبت عليه حكم الكفر وان مجرد عدم كونه مسلما كاف في الحكم بكفره.


اضرب احدها الابوان فاعتباره بالوالدين إذا كان ابواه مسلمين فانه يحكم باسلامه لقوله تعالى " الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنابهم ذريتهم " فاخبر تعالى ان ايمان الذرية يلحق بايمان ابويه وهكذا ان كان ابواه كافرين فانه يحكم بكفر الاولاد والاطفال تبعا لهما انتهى كلامه. 1. اقول: وقد يستدل بقوله تعالى حكاية عن نوح: " ولا يلدوا الا فاجرا كفارا "، وان لم يتعرض له سيدنا الاستاد الاعظم مد ظله. والجواب عنه هو ما ذكره العلامة اعلى الله مقامه في شرحه على التجريد بقوله: انه مجاز والتقدير انهم يصيرون كذلك لا حال طفوليتهم. 2. وسائل الشيعة كتاب الجهاد ب 43 ح 1.

[ 103 ]

ففيه انه غير قابل للاسلام والكفر لعدم شأنيته وصلوحه لذلك مع كونه صغيرا - كعدم صلاحية الجدار لهما ولذا لا يصح اطلاق الكافر عليه ايضا وان امكن ان يقال انه يصلح للاسلام لمكان محبوبيته الذاتية. الخامس: صحيح عبد الله بن سنان قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن اولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث؟ قال: كفار والله اعلم بما كانوا عامين يدخلون مداخل آبائهم. 1 والجواب: ان من المعلوم كما ذكرنا آنفا عدم صدق الكافر بالمعنى الحقيقي على هذا الولد المتكون من الكافر، فان معناه هو المنكر لله ولرسوله مثلا، والصبى غير صالح لذلك، إلى ان يبلغ، ولا اقل من ان يصير مميزا، فالمراد بالكفر آثاره. والظاهر انه لادلالة له على الحاقهم بآبائهم في النجاسة وانما هو في مقام بيان حالهم بعد الموت ولحوقهم بهم في النشأة الآخرة فيعامل مع اولاد المشركين فيها معاملة المشركين انفسهم، باعتبار انهم لو بقوا في الدنيا لصاروا كفارا فيدخلون مداخل آبائهم. ويمكن ان يقال: ان السؤال مطلق يشمل الدنيا والآخرة، ولا وجه لا ختصاصه بها فيكون الولد في حكم الكافر في جميع الاحكام ومنها النجاسة. والجواب عن ذلك ان للسؤال - بلحاظ قول السائل: (يموتون قبل البلوغ) وبلحاظ قول الامام: (الله اعلم بما كانوا عاملين) الذى معناه ان الله يعلم انهم لو عاشوا في الدنيا ماذا يصنعون - قدرا متيقنا وهو السؤال عن الآخرة فإذا كان كذلك فينصرف إليها.


1. من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491 باب حال من يموت من اطفال المشركين ح 2 (اقول: قال صاحب الحدائق: يمكن الاستدلال للقول المشهور من تبعية ولد الكافر لا بويه في الكفر بما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن جعفر بن بشير عن عبد الله بن سنان...

[ 104 ]

السادس: ما رواه وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام قال: قال على عليه السلام: اولاد المشركين مع آبائهم في النار واولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة. 1 وفيه انه وان كان دالا على دخوله النار الا انه لا دلالة له على نجاستهم ولا ملازمة بينهما عقلا كما انه لم يرد دليل يدل على ان كل من دخل النار فهو نجس ومن المعلوم ان الفساق يدخلون جهنم ويعذبون على ما فعلوه من المعاصي مع انهم ليسوا نجسا، وترى ان الله تعالى يقول في المنافقين: " ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار " مع ان لا يحكم بنجاسة المنافقين بل يعاملون معاملة الطهارة. السابع النبوى المشهور: كل مولود يولد على الفطرة وابواه يهودانه و ينصرانه ويمجسانه حتى يعرب عنه لسانه فاما شاكر واما كفورا. 2 تقريب الاستدلال ان الود - بمقتضى هذا الخبر - بحسب اصل خلقته و سذاجة فطرته عار عن شوائب الشرك والكفر فهو من هذه الحيثية موحد و محكوم عليه بحكم الاسلام، وانما يلحقه حكم الكفر تبعا لوالديه اليهوديين أو النصرانيين أو المجوسيين فالا بوان صارا سببا لكون الطفل يهوديا مثلا أي مشمولا لحكمه، والمراد من قوله: حتى يعرب الخ ان هذه التبعية باقية ثابتة إلى


1. من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491.. ح 1 2. تذكره الفقهاء ج 2 كتاب اللقطة ص 274. ورواه الشهيد في لقطة الدروس ص 299 الا انه ضبط كذا: حتى يكون ابواه... والمجلسي التقى في روضه المتقين ج 1 ص 60 وضبطه: ولكن ابواه اللذان الخ كما انه في الكافي اقتصر على نقل: كل مولود يولد على الفطرة، فراجع ج 2 ص 13 من طبعة تهران وفى الوسائل ج 11 ص 96 ح 3 ب 48 من جهاد العدو عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: ما من مولود يولد الا على الفطرة فابواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه. وفى السفينة ج 2 ص 373 قال النبي صلى الله عليه وآله كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ابواه يهودانه وينصرانه.

[ 105 ]

ان يبلغ فيظهر الاسلام أو الكفر. اقول: لا يخفى انه كما تمسك به القائل بالالحاق كذلك تسمك به من يقول بطهارة ولد الكافر وعدم تبعيته له في النجاسة - غاية الامر ان الاول تمسك بذيله والثانى بصدره - مقررا انه ولد على فطرة الاسلام فهو محكوم عليه بحكمه، هذا. والحق انه لا يصح ولا يتم الاستدلال بالحديث الشريف مطلقا - لا للتبعية ولا لعدمها - ولا دلالة فيه على أي واحد من الامرين فانه غير مرتبط بالمقام. ولتوضيح الكلام واثبات ما ذكرناه في المقام ينبغى البحث في معناه فنقول: اختلفوا في معنى الحديث فقال علم الهدى الشريف المرتضى قدس سره: الفطرة ههنا الدين وتكون (على) بمعنى اللام فكأنه قال: كل مولود يولد للدين ومن اجل الدين لان الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلفين الا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون... 1 ولكن الذى افاده قدس سره خلاف الظاهر فان الظاهر من معناه ان الله جعل في كل مولود استعداد التوجه إلى الله الذى لا يزول ولا يزال واقتضاء اقباله وتوجهه إلى المبدء المتعال فالانسان يتولد والحال انه جعل بحسب التكوين بحيث لولا الموانع والحواجز الخارجية يتوجه في القابل من حياته والمستقبل القريب من عمره إلى ربه الذى فطره وانشأه ويهتدى بنور هداه وفطرته إلى الله


1. امالي المرتضى ج 2 ص 83 ثم لا يخفى عليك انه ذكر في معنى الحديث واحدا من الوجهين ولم يذكر سيدنا الاستاد دام ظله الاخير منهما وهذه عبارة السيد: والوجه الآخر في تأويل الفطرة ان يكون المراد بها الخلقة وتكون لفظة (على) على ظاهرها لم يرد به غيرها و يكون المعنى كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وعبادته والايمان به، إلى ان قال: فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقه وصورته على عبادة الله تعالى وان عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا وهذا الوجه يحتم له ايضا قوله تعالى فطرة الله التى فطر الناس عليها.

[ 106 ]

سبحانه لما يراه من الآيات والبينات قال الله تعالى: فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله 1 الا انه يوجد صوارف وموانع ومنها البيئة الفاسدة ومنها الابوان المنحرفان عن الله السالكان سبيل الشيطان المعتنقان لليهودية أو النصرانية. فيتهود أو يتنصر لنشئه في بيئة يهودية أو نصرانية فان الاولاد ينشئون في الغالب على مذاهب آبائهم ويألفون اديانهم وعقائدهم صحيحة كانت ام فاسدة فيختارون الضلالة بدلا من الحق في ما إذا كانت الآباء والامهات من اهل الضلال. وعلى الجملة فكلام النبي الامين صلى الله عليه وآله اخبار في الحقيقة عن كون الانسان ذا استعداد قوى والقابلية العميقة وان فيه شأنية التوحيد، لا ان يكون في مقام الالحاق والتنزيل، ومن الممكن عدم ترتب حكم على هذه القابلية والاستعداد نعم إذا صار مكلفا ورجع عما هو مقتضى فطرته واعتنق اليهودية أو النصرانية مثلا فهناك يكون كافرا نجسا لانه يصدق عليه اليهودي أو النصراني جدا. الاخبار المعارضة قد علمت ان الروايات التى استدل بها على تبعية اولاد الكفار لهم لم تكن دالة على ذلك فهنا نقول: اضف إلى ذلك انها معارضة باخبار اخر. ومنها: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاثة يحتج عليهم الابكم والطفل ومن مات في الفترة فترفع لهم نار فيقال لهم: ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا و


1. سورة الروم الآية 30

[ 107 ]

سلاما ومن ابى قال تبارك وتعالى هذا قد امرتكم فعصيتموني. 1 تدل على اخبار الاطفال يوم القيامة بالنار، والطفل مطلق شامل لولد المسلم والكافر، وعلى هذا فأولاد الكفار ايضا يختبرون، رغما لما ذكروه من لحوقهم بآبائهم. ومنها عن سهل عن غير واحد رفعوه انه سئل عن الاطفال فقال إذا كان يوم القيامة جمعهم الله واجج لهم نارا وامرهم ان يطرحوا انفسهم فيها فمن كان في علم الله عزوجل انه سعيد رمى بنفسه فيها وكانت عليه بردا وسلاما ومن كان في علمه انه شقى امتنع فيأمر الله بهم إلى النار فيقولون يا رب تأمر بنا إلى النار و لم يجر علينا القلم؟ فيقول الجبار قد امرتكم مشافهة فلم تطيعوني فكيف ولو ارسلت رسلي بالغيب اليكم؟ 2 ودلالة هذه ايضا ظاهرة، ومجرد امتناع الاطفال عن دخول النار بامر الله تعالى يوجب - بمقتضى هذه الرواية - دخولهم في النار. لا يقال: كيف يصح دخولهم في جهنم وخلودهم في النار ابدا لا متناع امر واحد ومخالفة واحدة له سبحانه؟. لانا نقول: هذا هو عين الاشكال الذى يذكر في الكافرين انفسهم فيقال كيف يمكن خلودهم في النار ابد الآبدين لعصيان سبعين سنة أو اقل أو اكثر من ذلك؟ والجواب في المقامين واحد، وهو ان الله تعالى يعلم انه لو بقى ابد الآباد لكان مصرا على معاصي الله ومقيما على مخالفته متوغلا في الفواحش


1. الكافي ج 3 باب الاطفال ص 249 الوافى ج 3 ابواب ما بعد الموت ص 100 2. الكافي ج 3 ب الاطفال ح 2 ص 248 الوافى ح 3 ص 100 من ابواب ما بعد الموت. إلى غيرهما من الروايات الواردة في التأجيح لكن الاستاذ الاكبر مد ظله اكتفى بذكر هذين الخبرين فراجع الوافى ج 3 ابواب ما بعد الموت ب 112 وكذا الخصال باب السبعة.

[ 108 ]

والمنكرات. 1 وتمام البحث في علم الكلام. ثم ان الاخبار الواردة في الاطفال من مشكلات الاخبار ومعضلاتها فترى ان بعضا منها صريحة في كونهم تابعين لآبائهم وقسما منها المذكور آنفا صريحة في الامتحان والتأجيج وعرض النار عليهم فمن رمى بنفسه فيها فهو من اهل الجنة ومن ابى عن ذلك فهو من اهل النار. وبين القسمين بحسب الظاهر كمال المنافرة والمخالفة ولذا تصدى العلماء للجمع بينهما. فقال المحدث الكاشانى رضوان الله عليه: دخول الاطفال مداخل آبائهم غير مستلزم لان يكونوا معذبين بعذاب الآباء وكذلك نقول في اطفال المؤمنين و هذا في البرزخ واما في القيامة فيمتحن بالنار... انتهى. وحاصل كلامه ان اخبار اللحوق متعرضة لحالهم في البرزخ بخلاف اخبار التأجيج فانها متعرضه لحالهم في يوم القيامة. وفيه ان هذا الحمل خلاف ظاهر قوله عليه السلام في رواية عبد الله بن سنان في شأن اطفال المشركين: (كفار يدخلون مداخل آبائهم) حيث صرح بكونهم كفارا.. 2 وقال المحدث البحراني قدس سره: والجمع بينهما - يعنى خبرى عبد الله بن سنان ووهب بن وهب - وبين ما ذكر من اخبار تأجيج النار ممكن باحد وجهين: اما بحمل اخبار تأجيج النار على ان الذين يدخلون النار ويطيعون هم اولاد المؤمنين والذين يمتنعون هم اولاد الكفار والمشركين وحينئذ فيلحق كل من الفريقين بالآباء في الجنة أو النار بعد الامتحان المذكور واما بحمل اخبار


1. اقول: يؤيد ذلك ما ورد عن رسول الله صلى اله عليه وآله من انه إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنة القاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله القاتل فما بال المقتول؟ قال لانه اراد قتلا. التهذيب ج 6 ص 174 ح 25. 2. الوافى ج 3 ابواب ما بعد الموت ص 101

[ 109 ]

تأجيج النار على غير اطفال المؤمنين والكفار بناء على ما ثبت بالاخبار الصحيحة من تقسيم الناس إلى مؤمن ومسلم وكافر فاهل الوعدين و هم المؤمنون والكفار لا يقفون في الحساب ولا تنشر لهم الدواوين ولا تنصب لهم الموازين وانما يساقون بعد البعث إلى الجنة ان كانوا مؤمنين والنار ان كانوا كافرين وهذان الفريقان يلحق بهم اولاهم في الجنة والنار كما صرحت به تلك الاخبار واما المسلمون وهم اهل المحشر الذين يقفون في الحساب وتنشر لهم الدواوين وتنصب لهم لموازين فهولاء الذين تأجج لاولاد هم النار. 1 ونحن نقول: ان هذه المطالب متعلقة بالآخرة وعالم الغيب الذى له اسرار عظيمة وجريانات خافية علينا ولا علم لنا بمعاملة الله خلقه ولا ما يقع في تلك النشأة قال الله تعالى: " وما اوتيتم من العلم الا قليلا 2 " نسئل الله ان يجعل عواقب امورنا خيرا، ونعم ما قاله بعض الفقهاء - بل هو حق الكلام - من ان البحث في هذه الامور ليس من شأن الفقيه من حيث انه فقيه، بل هو مربوط بالمتكلمين، لانهم يبحثون - في علم الكلام - في كيفية العقوبة والمثوبة واشباه ذلك فعدم تعرضنا لذلك انسب وايكال هذه المطالب إليهم اولى. وقد تلخص مما ذكرنا انه لا يمكن اثبات الحكم الظاهرى كالنجاسة بهذه الاخبار.


1. الحدائق الناظرة ج 5 ص 199 اقول: الاولى ما ذكره السيد الشبر من حمل الاخبار الدالة على تعذيب الاطفال والحاقهم بآبائهم على التقية لذهاب جماعة من حشوية العامة إلى انهم يلحقون بآبائهم كما ان المشهورين بين اصحابنا المتكلمين انهم لا يدخلون النار. راجع مصابيح الانوار، ج 1 ص 286. 2. سورة الاسراء الآية 85

[ 110 ]

الكلام في استصحاب النجاسة استدل بعضهم لا ثبات نجاسة اولاد الكفار والحاقهم بهم بالاستصحاب، فان الولد كان في السابق في وقت نجسا فهو في الحال ايضا كذلك. والجواب انه ما هو الوقت الذى كان نجسا؟ فهل هو قبل ولوج الروح فيه أو غير ذلك؟ فان كان المراد هو الاول بان نقول: انه قبل ولوج الروح فيه كان نجسا، ففيه: اولا: انه ليس النجس نجسا في الباطن. 1 وثانيا: انه بعد صيرورته ولدا وطفلا فقد استحال من كونه نطفة وعلقة و مضغة وانقلب الموضوع ولم يبق الهاذهية ولا يصدق ان هذا ذلك حتى يجرى الاستصحاب فانه مشروط بانحفاظ الموضوع وبقائه وصدق الهاذوية في الزمن اللاحق.


1. لعله يرد عليه انه وان كان يتم ان النجس ليس نجسا في الباطن الا ان ذلك في مورد المسلم واما الكافر الذى هو بكامله وبتمام وجوده نجس فلا وذلك لان مما حوته الام هو الولد وهو من اجرائها. اللهم الا ان يكون مراده دام ظله ان كون الولد جزاءا من اجزاء امه بحث يكون نجسا كسائر اعضائها الباطنة مشكل وعلى فرض كونه كذلك فالاستصحاب لا يخلو من اشكال للشك في بقاء الموضوع بعد الولادة والانفصال، كما وان بعض الاعلام قد استكشل في الاستصحاب بهذين الوجهين بل واستشكل فيه الشيخ الاعظم في طهارته فانه صرح بان بالعمدة في الحكم بالنجاسة هو ان تعدى نجاسة الابوين ذاتا إلى المتولد منهما شئ مركوز في اذهانهم ثم قال: والا فيمكن منع الاستصحاب بمنع جزئية الجنين في بطن امه للام عند صيرورته مضغة فلا دليل على نجاسته في ذلك الوقت ضرورة عدم صحة استصحاب نجاسته حال كونها علقة لانها من حيث كونها دما انتهى.

[ 111 ]

اما لو كان المراد غير ذلك كان يقال ان الكافر بنفسه نجس ورطوباته مطلقا - دما أو غيره - ايضا نجسة وعلى ذلك فهذا الولد عند توله كان متلطخا برطوبات نجسة فكان نجسا بلاشك في ذلك فحينئذ نشك في ان نجاسته هل كانت عرضية حتى تطهر وتزول بالغسل أو ذاتية لا ترتفع به فتستصحب النجاسة. وهذا هو القسم الثاني من استصحاب الكلى الذى وجد الكلى في ضمن فرد مردد بين قصير العمر وطويله كالبق والفيل، فإذا شك في بقاء الحيوان يقال لو كان الحيوان الموجود طويل العمر فالحيوان أي الجامع والكلى باق بعد ولو كان هو قصيره كالبق، فلا محالة لم يبق إلى الآن فهنا يصح استصحاب الكلى اعني الحيوان ويترتب عليه آثاره الشرعية، دون آثار خصوص الفيل مثلا، و كذلك فيما نحن فيه نقول: انا علمنا بوجود النجاسة لكنها مرددة بين كونها ذاتية طويل المدة، وثابتة باقية لا ترتفع الا باظهار الشهادتين بعد البلوغ وبين قصيرها التى ترتفع بمجرد الغسل وهى النجاسة العرضية، ومن المعلوم ان الشك هو الشك في الرافع حيث ان النجاسة من الامور المقتضية للبقاء إلى الابد لولا الرافع، فلو كانت في الواقع عرضية فإذا غسلها فقد جاء الرافع وتحقق وازالها وان كانت ذاتية فهى باقية لا تزول ولا ترتفع به فيستصحب اصل النجاسة ويترتب آثارها فانها الجامع المشترك بينهما. وان شئت فقل ان هذا نظير الرطوبة المترددة بين المنى والبول فانه وان لم يجز ترتيب آثار خصوص الجنابة حتى لا يجوز للواجد التوقف في المسجد باستصحاب الجامع، الا ان استصحاب الجامع اعني الحدث وترتيب آثاره جائز، وثمرة ذلك عدم جواز الصلاة، حيث ان الحدث مطلقا مانع عنها سواء كان هو الحدث الاكبر أو الاصغر، فهذا الشخص قبل التوضئ كان على يقين من الحدث و

[ 112 ]

بعده يشك في زواله وبقاءه فيستصحب اصل الحدث فلا يجوز له الدخول في الصلاة مثلا لان هذا الاثر اثر الجامع. هذا. لا يقال: ان مقتضى اصالة عدم كون النجاسة ذاتية ترتب آثار الطهارة، كما ان مقتضى الاصل في مثال الطويل والقصير من المعمر هو اصالة عدم كونه طويلا. لا نا نقول: ليست الطهارة من آثار عدم كون النجاسة ذاتية، بلا اللازم بعد جريان هذا الاصل ان يقال: فكانت عرضية، ثم يترتب عليها طهارتها بالغسل، لان الطهارة من آثار النجاسة العرضية فيؤل الامر إلى الاصل المثبت وهو باطل كما حقق في محله. وعلى الجملة فمقتضى استصحاب اصل النجاسة بعنوانها الجامع وترتيب آثارها هو الحكم بنجاسة ولد الكافر. ولنا عن هذا الاستصحاب جوابان نقضى وحلى: اما الاول: فهو انه لو صح هذا الاستصحاب لوجب الحكم بنجاسة الحديد ابدا إذا تنجس بالعرض حيث ان نجاسة الحديد الذاتية محتملة لورود بعض الروايات بذلك. 1 ومن الواضح المعلوم ان من قال بطهارته يقول بها عند عدم تنجسه بالعرض فعلى هذا لو تنجس بالعارض فهناك يقطع بنجاسته وإذا غسل بالماء و شك في طهارته ونجاسته يحكم بنجاسته، لانه لو كانت النجاسة عرضية فقد زالت ولو كانت ذاتية فهى باقية بعد، ولو جرى الاستصحاب فيما نحن فيه للزم جريانه في هذا المورد ايضا وان لا يحكم بطهارته بعد الغسل بل اللازم هو الحكم بالنجاسة لعدم فرق بين المقامين اصلا مع انهم لا يقولون بنجاسته.


1. راجع وسائل الشيعة ج 1 ص 203 ب 14 من ابواب نواقض الوضوء ح 4 و 5، وج 3 ب 32 من ابواب لباس المصلى ح 6، لكن في الحدائق ج 5 ص 233: لم اقف على قائل بنجاسته، و في الجواهر ج 6 ص 84 دعوى الاجماع محصلا ومنقولا على الطهارة.

[ 113 ]

واما الثاني: فنقول: ان الاستصحاب كما ذكره علم التحقيق والتقى الشيخ المرتضى والمحققون، على قسمين: الاستصحاب الموضوعي والاستصحاب الحكمى لانه تارة يجرى في الموضوعات، واخرى في الاحكام، وثمرة استصحاب الموضوع جعل حكم الموضوع وترتيبه عليه في الآن اللاحق، مثلا لو شك في ان الخمر الكذائي صار خلا ام لا فيجرى استصحاب الخمرية، وفائدته جعل الحرمة - التى كانت متعلقة بالخمر المعلوم - لهذا المشكوك واما استصحاب الحكم فانه جعل حكم كالحكم السابق الا ان الحكم السابق كان حكما واقعيا و هذا الحكم الفعلى حكم ظاهري، فلو شك في وجوب صلوة الجمعة في زمن الغيبة بعد ان كانت واجبة في زمن الامام عليه السلام فيستصحب وجوبها ومعنى استصحابه جعل (صل) فعلا نظير " صل " في زمن الحضور مع تفاوت ان الاول واقعى والاخير ظاهري. ثم ان بين الموضوعات والاحكام فرقا وهو انه يمكن في الموضوعات جعل الحكم للفرد ويمكن جعله للجامع فإذا قيل: ان جاءك زيد فاعطه درهما، فقد حكم بالاعطاء بشخص زيد وخصوصية الزيدية ملحوظة عند المتكلم اما إذا قيل: ان جاءك انسان أو فقير مثلا فاعطه درهما، فهنا قد تعلق بالجامع ولو حظ القدر المشترك والكلى بين زيد وغيره. واما الاحكام فلا يمكن فيها جعل القدر الجامع بل لابد من جعل شخص الحكم ولا يزال المجعول في الاحكام يكون شخصيا وليس جامع الحكم مجعولا ابدا فان الجامع امر انتزاعي لا يكون بحذائه في الخارج شئ بل ما كان بحياله هو الافراد فقط. إذا تحقق هذا فلا يصح ان يقال: النجاسة الجامعة كانت موجودة سابقا و الآن شك في بقاءها فهى في الحال ايضا موجودة لانها بلحاظ كونها جامعة بين

[ 114 ]

الذاتية والعرضية ليست مجعولة حتى تستصحب وانما المجعول هو شخص النجاسة الذاتية وشخص النجاسة العرضية فلا يمكن اسراء الاستصحاب - الجارى في البق والفيل أو في البول والمنى - فيما حيث انهما من قبيل الموضوعات وما نحن فيه من استصحاب الاحكام. ويمكن ان يقال: سلمنا عدم امكان استصحاب الجامع فيما نحن فيه لكنا تمسك باستصحاب احكام الجامع وآثاره نظير عدم جواز الدخول في الصلاة المترتب على الجامع بين الحدثين - الاكبر والاصغر - في الرطوبة المرددة بين البول والمنى. والجواب عنه انه: بعد عدم امكان استصحاب الجامع هنا يتردد امر الولد بين كونه نجسا أو طاهرا وهذا بعينه مصب اصالة الطهارة ومجراها ولا مجال لجريان استصحاب حكم الجامع واثره مع كونه بنفسه غير قابل للجعل ولا تصل النوبة إلى ترتب آثار النجاسة بعد شمول (كل شئ لك طاهر حتى تعلم انه قذر) له، هذا، وقد تحصل مما ذكرنا ان التمسك بالاستصحاب ايضا لا ينفع المستدل، لعدم جريانه. الكلام في السيرة وقد يستدل لا ثبات نجاسة اولاد الكفار بالسيرة القطعية المستمرة من زمن المعصوم إلى زماننا في معاملتهم معامله آبائهم والاحتراز عنهم والحاقهم بآبائهم، وعدم الافتراق بينهم. ونحن نقول: لو ثبت ذلك وتحقق اتصال السيرة بزمن المعصوم وعصر الائمة عليهم السلام فنعم المراد ويثبت بها المطلوب. ولو لم يكن في الادلة

[ 115 ]

الماضية ما تطمئن إليه النفس فهذه بنفسها كافية الا ان اثبات ذلك مشكل، فلم يثبت بحسب الظاهرة سيرة متصلة إلى عصر الائمة لعدم ابتلائهم بهذا في ذلك الزمان. فتحصل من جميع هذه الابحاث انه لم يبق في المقام شئ يستند إليه في الحكم بالالحاق الا ان يكون الحكم اجماعيا كما قد يدعى ذلك، وعلى هذا فيحكم بتبعيتهم لهم في النجاسة بالاجماع، ويتم الامر، اما لو لم يكن اجماع أو شك في قيامه وتحققه أو في تحقق السيرة ولم يمكن اثبات الحكم من هذين الطريقين فالحكم لا محالة هو الطهارة بعد الشك في ذلك، لترتب النجاسة على الكفر وهو لم يتحقق بعد والمرجع عند الشك هو الطهارة. لكن لا يخفى عليك انه على هذا لا يجرى غيرها من الاحكام الاسلامية على هذا الطفل قبل ان يبلغ الحلم لكونها مترتبة على البالغ بخلاف الحكم بالطهارة فانه مقتضى كل شئ لك طاهر حتى تعلم انه قذر. 1 ولكن الانصاف انه يمكن القول بالنجاسة لذهاب العلماء والاصحاب إلى ذلك واستقرارا عملهم عليه على ما نعرف من حالهم وعدم وقوع مورد كان عملهم على خلاف ذلك والا فلو كان لبان وبعبارة اخرى ان الحكم بالحاقهم بآبائهم ومعاملتهم معامله النجس مشهور من كبار العلماء الاتقياء، حفاظ الشريعة، وحملة الكتاب، الذين نعرفهم بكثره الاهتمام بامر الدين ولم ينقل في طول التاريخ حتى من عظيم من عظماء الدين وواحد من علماءنا الاجلة الماضين ولا من غيرهم من الطائفة المحقة انه انكر ذلك وخرج عن هذه السيرة والا لذكر ونقل الينا لكونه مما يقضى العادة بنقله، والترديد في الابتلاء في غير محله.


1. تقدم مصدر ذلك آنفا فراجع

[ 116 ]

ان قلت: من المحتمل ان هذه السيرة حدثت في الاعصار المتأخرة عن زمن الائمة عليه السلام ولم تكن متصلة إلى زمن المعصوم عليه السلام. نقول: ان الاصل عدم التبديل والا لنقل لنا خلاف عن واحد من العلماء. 1 ثم لا يخفى ان البحث في نجاسة اطفال الكفار وطهارتهم يختص بما إذا كان ابواه كافرين، واما إذا كان احدهما مسلما فلا اشكال اصلا في كونه ملحقا به لانه الاشرف من بين الابوين. مسألة في اولادهم من السفاح بعد التسالم على تبعية ولد الكافر له في النجاسة فهل ان ولده المتولد سفاحا ايضا كذلك لو يحكم عليه بالطهارة ويقتصر في الحكم بالنجاسة على ولده نكاحا؟ قال صاحب الجواهر رضوان الله عليه بعد تحقيقه في اصل المطلب: نعم قد يمنع الاجماع المزبور في المولد منهما بغير النكاح الصحيح في حقه اقتصارا على المتيقن منه في قطع الاصول والعمومات، وان كان لا يخلو عن اشكال، كما يمنع فيما لو كان احد ابويه مسلما لتبعيته للاشرف حينئذ بل في شرح الاستاذ انه الظاهر منهم للاصل وغيره من الاجماع والاخبار انتهى. وعلى هذا البيان فالمتيقن - من اولاد الكفار المحكوم عليهم بنجاستهم التبعية - المتولدون منهم بالنكاح والذين يصدق عليه معرفا انهم اولاد لهم


1. ففى الجواهر كتاب الجهاد ص 134: الطفل ذكر أو انثى تابع لابويه في الاسلام والكفر وما يتبعهما من الاحكام كالطهارة والنجاسة وغيرهما بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى امكان القطع به من السنة.

[ 117 ]

فالمتولد منهم زنى وسفاحا ليس بنجس لعدم دليل على ذلك. لكن الانصاف ان هذا لا يخلو من نظر واشكال - كما استشكل صاحب الجواهر نفسه ايضا على ما رأيت في عبارته - لانه لو كان الدليل على طهارة ولد الكافر سفاحا الاجماع القائم على نجاسة الولد الصحيح دون غيره. ففيه انه ليس معقد الاجماع هو الولد الصحيح العرفي كى يحكم بالطهارة على ولده المتكون من غير نكاح، بل الاجماع قائم على نجاسة ولد الكافر، كما انه ليس للاجماع قدر متيقن ليختص بالمتولد من النكاح بعد ان كان مراد المجمعين هو الاعم بحسب الظاهر. اما لو كان الدليل على طهارته الاخبار الواردة في عدم ارث ولد الزنا و اختصاصه بمن تولد من النكاح حيث يستظهر منها انه كما لا يرث من ابيه الكافر الزانى كذلك لا يلحق به في النجاسة ايضا. ففيه ان من الممكن التفصيل في الاحكام بين ما كان فيه اكرام للولد كالارث وامثاله وما لم يكن كذلك كالحكم بالنجاسة التى هي نوع مهانة و استقذار للوالد ويسرى إلى الولد لكونه منه، فيقال في الاول باختصاصه بما إذا كان الولد شرعيا فلا يرث منه ولد من الزنا شيئا وفى الثاني - اعني ما إذا كان الحكم لاجل المهانة - يسرى من الآباء إلى الابناء مطلقا اعم من الولد الصحيح الشرعي وغيره. فسريان النجاسة والخباثه من الآباء إلى الابناء غير مختص بالولد الحقيقي، بل كما انها تسرى إلى الولد الصحيح كذلك تسرى إلى غيره لانها مستندة إلى التبعية والا فلا يصدق عليه الكافر، كما امضيناه في الابحاث السابقة ولا فرق في التبعية بين القسمين من الولد.

[ 118 ]

كلمة حول التبعية ثم لا يخفى ان التبعية على قسمين وكل منهما اغلبية بحسب واقعيتها: احدهما: التبعية في الولادة وهذه من الامور الارتكازية يدل عليها قوله تعالى: " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا ". 1 وقد افصح عنها الشاعر بالفارسية بقوله: زمين شوره سنبل بر نيارد * در آن تخم وعلم ضايع مگردان ومعروف بين الناس كالمثل السائر بالعربية. وكل اناء بالذى فيه ينضح. و بالفارسية: از كوزه همان برون تراود كه در اوست فالكافر رجس وخبيث لكفره ولا يخرج ولا يتولد من الخبيث غالبا الا الخبيث فهذا هو مقتضى خباثه المنشأ، ودنائة المولد، ولؤم الاصل، وسوء المنبت، كما ان الاصل الطيب والمنشأ الطاهر لا ينتج الا ثمرات طيبة واولادا امجادا صلحاء، فان الطهارة والكرامة موروثتان من معدن اصيل في الاسرة ومن البيوت العريقة في الدين. ثانيهما: التبعية في التربية التى اشار إليها النبي الاقدس صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف الذى امضيناه: (انما ابواه يهودانه وينصرانه و يمجسانه) فالفطرة الاسلامية ثابتة مودعة في كل مولود مدخرة في زوايا قلبه و اعماق نفسه حتى من ولد في بيئة الكفر وتكون من والدين كافرين ونشأ في اجواء الضلال ومواطن الشرك والالحاد فقد اودع الله في قلبه حب المبدأ والرغبة إلى الحق والتوحيد والدين الحنيف والصراط المستقيم لكن التربية المغلوطة


1. سورة الاعراف الآية 58.

[ 119 ]

تهوده وتنصره فان البيئة مؤثرة جدا وشئون البيت وساكنيه نافذة قطعاو اعتقادات المربى تسرى إلى المربى " بالفتح " بلا ارتياب وعلى الجمله فنجاسة الاولاد تبعية لا تعبدية محضة ومن المعلوم جريان كل قسم منهما في ولد الكافر سفاحا ايضا مع ضميمة اخرى وهى كونه من السفاح فيزداد به خبثا، وقد تحصل ان اخراج ولد الزنا من حكم الاولاد غير صحيح وانه لا فرق في نجاستهم بين ما إذا ولدوا من نكاح صحيح أو من سفاح. مسألة بالنسبة إلى ولد الكافر، المجنون بعد ثبوت نجاسة ولد الكافر فلو بلغ وجن فهل هو يطهر أو يبقى على نجاسته؟ في المسألة اربعة صور: الاولى: ان يبلغ مجنونا سواء كان الجنون قبل البلوغ أو مقارنا له. الثانية: ان يبلغ اولا ثم يكفر ثم يجن. الثالثة: ان يبلغ اولا ثم يسلم ثم يجن. الرابعة: ان يبلغ عاقلا ثم يجن في الفترة وفسحة النظر، وهذا هو الفرض الذى قد تعرض له صاحب الجواهر رضوان الله عليه. اما الفرض الاول: وهو ما إذا بلغ مجنونا فالحكم هنا النجاسة 1 والدليل على ذلك الاستصحاب لان الكفر والتبعية منتفيان، اما الكفر فلانه فرع العقل فلا يتحقق في حال الجنون وهذا بحسب الفرض مجنون وكان بلوغه عن الجنون فلا يتم الحكم بالنجاسة مستندا إلى الكفر، واما التبعية فلا ختصاصها بالطفل فانه


1. كما ان الشيخ المرتضى نور الله مرقده بعد ان حكم بنجاسة اولاد الكفار وان العمدة في ذلك انه شئ مركوز في اذهان اهل الشرع، قال: والظاهر ان من بلغ مجنونا حاله حال الطفل انتهى

[ 120 ]

تابع ولذا يحكم بنجاسة بالذات للتبعية ومفروض البحث هو البالغ الكبير فلا يكون تابعا والنتيجة انه لا يمكن اثبات نجاسته الا بالاستصحاب لثبوت الموضوع وصدق بقاءه وعدم تغيره عرفا فيقال هذا كان نجسا قبل البلوغ أو بالامس واليوم قد بلغ ونشك في بقاء نجاسته فهو نجس بعد بمقتضى الاستصحاب. اللهم الا ان تقيد نجاسة الطفل في موضوع الدليل بما انه طفل وصغير فعلى هذا تنتفى النجاسة بعد البلوغ بلسان نفس الدليل فانه ليس بصغير فعلا كما في كل مورد اخذ عنوان في دليل ثم انتفى ذلك العنوان فانه لا يجرى الاستصحاب حينئذ بل ينفى الحكم بنفس الدليل، مثلا لو قيل يجوز الاقتداء بالعادل وفرضنا ان زيدا مثلا كان عادلا ثم علمنا انه اصبح فاسقا فنفس دليل جواز الاقتداء بالعادل يكفى في عدم جواز الاقتداء به وهو ناطق بذلك، كما انه لو اصبح عادلا ثانيا لدل نفس الدليل الاول على جواز الاقتداء به بلا حاجة إلى الاستصحاب اصلا. والحاصل: انه لو كان ما نحن فيه كذلك بان كان الدليل ناطقا بان اولاد الكفار في حال الصغر تابعون لهم فبعد الكبر لا مورد لاستصحاب تبعيتهم اصلا فان الدليل يطرد الحكم ويرفعه عن هذا المورد وحينئذ يحكم بطهارته لخروجه عن محور الموضوع. نعم قد يؤخذ العنوان في نفس الدليل لكنه لا جل اثبات الحكم فعلا وان الحكم ثابت مادام العنوان ثابتا ولكنه ساكت بالنسبة إلى ما بعده ولا تعرض له اصلا لا نفيا ولا اثباتا مثل قيام الاجماع على نجاسة ولد الكافر فيما قبل بلوغه و حال صغره (لا قيدا بل ظرفا) بلا تعرض اصلا لما بعد البلوغ فإذا بلغ وجن وشك في طهارته ونجاسته جرى استصحاب النجاسة ان كانت له حالة سابقة كما إذا

[ 121 ]

جن حين البلوغ فانه كان نجسا سابقا وموضوع الدليل وهو الصغر قد انتفى و ارتفع - لانه كبير فعلا - ولكن الموضوع باق وثابت عرفا الا ترى ان الحكم بنجاسته الآن ابقاء لنجاسة هذا عرفا، فلا يقال انه شخص آخر حكم عليه بالنجاسة، وعلى الجملة فيجرى استصحاب النجاسة. وهنا اشكال وهو: انه بعد الشك في طهارته ونجاسته يجرى اصل الطهارة لا استصحاب النجاسة. والجواب عنه: ان الاستصحاب مقدم على اصل الطهارة حيث انه ناظر إلى الواقع بخلاف اصالة الطهارة التى هي مجرد وظيفة للشاك والمتحير ولو فرض عدم حالة سابقة وشك في الطهارة والنجاسة مع عدم تعرض الدليل لما بعد البلوغ فهناك تجرى اصالة الطهارة. واما الفرض الثاني: وهو ما إذا بلغ ثم كفر ثم جن فهنا يحكم بنجاسته قطعا وان لم يشمله دليل الكفر لعدم اجتماعه مع الجنون على ما امضيناه آنفا كما ان دليل التبعية ايضا لا يشمله لا نقطاع التبعية بالبلوغ، والمفروض ان هذا بالغ فيشك في طهارتة ونجاسته ويحكم عليه بالنجاسة بمقتضى الاستصحاب، لان جنونه حسب الفرض كان مسبوقا بالكفر، فقد كفر بعد بلوغه، ثم جن، فيكون نجسا. نعم لو كانت النجاسة مترتبة على الكفر أو الشرك بحيث لو لم تتحقق الصفة لحكم عليه بالطهارة وان لم يكن مسلما، وبعبارة اخرى: لو كانت النجاسة والطهارة دائرتين مدار صدق الكفر وعدمه بلا أي دخل لغير صفة الكفر وجودا وعدما بحيث يكون الكفر وحده علة تامة للنجاسة كما استفاده بعض من الآية الكريمة: (انما المشركون نجس) قائلا: ان النجس من بين افراد الانسان هو المشترك فقط أو هو ومن كان بحكمه كالساب، حسب ما تعرضنا في مفتتح

[ 122 ]

الابحاث واوائل الكتاب فهناك يحكم على المجنون في فرض بحثنا بالطهارة فانه انسان غير الكافر والحكم بالنجاسة مختص بالكافر. اما لو لم يكن الامر كذلك ولم تكن الآية متعرضة لغير المشرك أو الكافر و لم تكن بصدد الحكم بطهارة من عداه بل كانت متعرضة له وحده ساكتة عما عداه وغير متعرضة بالنسبة إلى ما وراء ذلك فلا دليل على نجاسة المورد المفروض ولا على طهارته فيشك، ولا محالة يجرى الاستصحاب فيحكم ببقاء الحالة السابقة على الجنون. واما الفرض الثالث: وهو ان يبلغ ثم يسلم ثم يجن فلا اشكال هنا في طهارته وان فرضنا عدم صدق المسلم عليه وعدم وتحقق الاسلام في هذه الحالة وبعبارة اخرى انه محكوم بالطهارة وان قلنا بطهارة المسلم بما هو مسلم وبما هو متصف بصفة الاسلام، والمجنون حال جنونه ليس بمسلم ولا متصفا بالاسلام وعلى الجملة فنقول بطهارته حيث لم يدل على نجاسته دليل ولا شك في كونه طاهرا ذاتا قبل جنونه فيستصحب طهارته. واما الفرض الرابع: وهو ما إذا جن في فسحة النظر، وبعبارة اخرى كان من ابتداء بلوغه وتكليفه بصدد التحقيق في الاديان والتنقيب في الشرايع لتشخيص ما هو الحق منها فشرع في التفكر والدقة والنظر فصار مجنونا فلا تشمله ادلة التبعية لكونه بالغا ولا الكفر حيث انه مجنون ولكن يحكم عليه بعين الحكم الذى كان يترتب عليه في حال صحة عقله من النجاسة والطهارة و الظاهر انه كان طاهرا وبحكم المسلم في تلك الحال لعدم تبعيته لهم أو اعتناقه لعقيدتهم، هذا كاف في الحكم بالطهارة بناءا على ان المستفاد من الآية الشريفة هو حصر النجس من افراد الانسان في من ثبت كفره، وعلى الجملة فهنا يستصحب حكم حال صحوه ولا تصل النوبة إلى التمسك باصالة الطهارة كما

[ 123 ]

زعمه صاحب الجواهر رضوان الله عليه. 1 بحث في المسبى: بعد الحكم بنجاسة ولد الكافر فلو سباه مسلم واسترقه فهل يكون كذلك ايضا أو يحكم بطهارته حيث انه في يد المسلم تابع له؟ للمسألة صور لان المسبى لا يخلو اما ان يكون كبيرا أو صغيرا وعلى كلا التقديرين فاما ان يسبى مع ابويه أو مع احدهما واما ان يسبى منفردا فهو وحده مسبى. فنقول: لا نزاع في الصورة الاولى وهى ما إذا سبى كبيرا مع والديه أو مع احدهما فانه باق على نجاسته. وكذلك في الصورة الثانية وهى ما إذا سبى كبيرا منفردا فان النجاسة لا ترتفع الا بالاسلام ولا يكفى مجرد السبى. الثالث ما إذا سبى صغيرا مع والديه أو مع احدهما والحكم هنا ايضا النجاسة للتبعية.: واما الصورة الرابعة وهو ما إذا سبى منفردا صغيرا فهذا هو محل النزاع و الكلام في انه طاهر أو نجس؟ ويمكن ان يستدل على طهارته بامرين: احدهما: ان سبب الحكم بنجاسته قبل سبيه هو تبعيته لابويه الكافرين و قد زال وارتفع هذا السبب بسبي المسلم له وحده وتبعيته له وكما ان مقتضى ما


1. راجع الجزء 6 منه ص 46 اقول: لكن المبنى الذى ذكره دام ظله العالي هنا قد رده سابقا وعليه فلا بد من ان يوخذ بما ذكره في الجواهر.

[ 124 ]

ذكر تفسيرا لقول النبي الاعظم صلى الله عليه وآله: انما ابواه يهودانه و ينصرانه ويمجسانه انه يتربى على عادات اليهودية والنصرانية مثلا وينحرف في البيئة المنحطة الملوثة الظالم اهلها فيعتنق العقائد الباطلة كذلك إذا دخل تحت ولاية المسلم فيرث العقائد الحقة وتنفذ الحقائق الالهية في اعماق روحه وزوايا نفسه وان كان بحسب الذات مشمولا لقوله تعالى: " والذى خبث لا يخرج الا نكدا. " 1 الا انه ببركة ولاية المسلم عليه وكونه في ظلال الاسلام فهو في معرض الخروج عن هذه القاعدة وصيرورته من الطيبين ومن عباد الله الصالحين. وان شئت فقل ان كفر ولد الكافر اما للتبعية التوالدية والتناسلية أو التربوية وفيما نحن فيه تكون تبعية الولادة ثابتة محققة غير قابلة للتغيير والتبديل ولكنه خرج بتبعية المسلم عن التبعية التربوية فلا تصدق الاخيرة نظير المتولد من الكافر حديثا وحينئذ لا يصدق عليه انه تابع لا بويه الكافرين في التربية وعلى الجملة فالصغير المسبى ليس بكافر وتابعا له لما ذكرناه من الاعتبار فيكون طاهرا لخروجه عن التبعية التربوية: وهنا بيان آخر وهو ان نقول ان الولادة موجية للنجاسة إلى اوان التمييز و من اوان التميز يحكم عليه بالنجاسة لاجل التبعية فإذا سبى مميزا وكان السابى مسلما فلا يكون نجسا لان العلة إذا انتفت انتفى المعلول. وفيه ان هذه الامور ليست الا مقربات للمطلب، واستحسانات لتوجيه المقصد، ولا تنهض دليلا لا ثبات طهارة ولد الكافر بعد ثبوت نجاسته بالدليل القوى. ثانيهما: قول النبي الاعظم صلى الله عليه وآله: الاسلام يعلو ولا


1. قد تقدم قريبا موضعه فراجع ان شئت.

[ 125 ]

يعلى عليه. 1 تقريب الاستدلال به ان مقتضى اعتلاء الاسلام ومجده، وكيانه وسلطانه صيرورة هذا المسبى تابعا للمسلم ومحكوما عليه بحكم الاسلام، وهو الطهارة فان الحكم بنجاسته وتبعيته للكافر مع كونه تحت ولاية المسلم لا يناسب علو الاسلام وغالبيته. وفيه ان قوله الشريف غير مرتبط بالمقام بل هو متعلق بما إذا تولد صبى من ابوين احدهما مسلم والآخر كافر، وتردد الامر في دفعه إلى المسلم أو الكافر منهما فهناك يدفع هذا الولد إلى المسلم منهما دون الكافر ويتبع الطفل الاشرف منهما ويلحق به ويحكم بطهارته، وهذا هو مقتضى مجد الاسلام وعلوه، و كيانه، وشرفه، وغلبته، على الكفر. وحينئذ فلم يبق في المقام شئ يثبت طهارته ويقتضيها. اللهم الا ان يكون المسألة اجماعيا وقام الاجماع على الحكم تعبدا 2 و على ذلك فنفس تبعية المسلم مطهرة له كالاقرار بالشهادتين حين البلوغ، و عندئذ لا يمكن التخلف عنه، واما لو لم يكن اجماع على طهارته فاستصحاب نجاسته السابقة جار بلا أي ترديد أو ابهام.


1. من لا يحضره الفقيه الطبعة الحديثة ج 4 ص 334. وسائل الشيعه ج 17 الباب 1 من الارث ح 11 ص 376 اقول: اورد بعض الا كابر على الاستدلال بهذا الخبر - في المكاسب - بانه يحتمل معان احدها بيان كون الاسلام اشرف المذاهب ثانيها بيان انه اقوى حجة ثالثها انه يغلب على ما عداه من الاديان رابعها انه لا ينسخ خامسها ما اراده الفقهاء من بيان الحكم الشرعي الجعلى بعدم علو غيره عليه وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال انتهى. وقد اورد بعض الاجلة اشكالا آخر على الاستدلال لا به فراجع بلغة الطالب للشيخ محمد كاظم الشيرازي ج 1 ص 218. 2. كما ادعاه بعض الاعلام في قواعده قائلا: فالظاهر هو اتفاق الاصحاب وتسالمهم على الحاقه بالسابي والطهارة الخ.

[ 126 ]

فرعان يكثر الابتلاء بهما الاول: انه قد يتفق ان اطفال اليهود أو النصارى أو غيرهما من الكفار يدرسون في مدارس المسلمين ويتوجهون في خلال ذلك إلى الدين ويعتقدون بما اعتقده المسلمون ويعتنقون الاسلام، بما يتلقونه من معلميهم المتدينين أو من منظم المدرسة أو مديرها أو من اطفال المسلمين وشركاء درسهم الذين يجتمعون معهم في ساحة المدرسة وحلقات الدرس، ولما يسمعون من المعارف العالية الالهية والحقائق الخالدة الاسلامية ويشعرون بان الاسلام ضامن لسعادة الانسان ومتكفل لحل مشكلاتهم فيتنور قلوبهم بمعالم الدين ويؤمنون بالله والرسول فحينئذ هل يخرجون بذلك عن تبعية آبائهم الكافرين ام لا؟ الثاني: عكس هذا فقد يتفق انه يدرس اطفال المسلمين في مدارس الكفار والمعاهد الثقافية أو التعليمة التى اسسها الاروبيون، ويعلمهم معلم ضال مضل، ينشر بين جدران تلك المدارس افكاره ويبث سمومه ضد القرآن، فيشكك في مناهج الاسلام وعقائد المسلمين، ويكثر من الايحائات الباطلة اغواءا لهم، فيؤثر ذلك في هولاء التلاميذ الصغار 1 إلى ان ترى ان بعضا منهم قد انحرف وترك الاسلام ورغب عنه مقبلا بقلبه إلى تلك المعتقدات الواهية والاوهام الباطلة الكافرة التى اشرب في قلبه بها وعلى الجملة فان هذا المعلم


1. اقول قد شاع هذا البلاء في عصرنا هذا بل المدارس من اقوى اجهزة الاستعمار الكافر الهدامة التى تبث روح الاستهتار والانحراف والسفور في نفوس النش ء الجديد من الطلاب والطالبات. والحق هو ما قاله الكاتب السورى الغيور: محمد سعيد العرفي: وفى الحقيقة ان المدارس الاجنبية قضت على كل آمال المسلمين لانها موضوعة لنشر التربية الاروبية النصرانية التى يقصد منها اضمحلال الاسلام انتهى.

[ 127 ]

المضل وعميل الاجانب قد اضله واغواه، فهل يحكم بنجاسته حينئذ أو هو بعد طاهر تبعا لابويه المسلمين؟. اقول: اما الفرض الاول: فالظاهر شمول الادلة الشارحة لحقيقة الاسلام له، فان مفادها ان كل انسان اعلن الشهادتين: الشهادة لله تعالى بالتوحيد وللنبى محمد صلى الله عليه وآله بالرسالة - واعتقد بالله، وبالنبوات، والمعاد، و غيرها من المعتقدات الاسلامية، فهو مسلم، وليس البلوغ شرطا في الاسلام، و ربما يكون غير البالغ اكثر تميزا واشد اعتقادا واقوى ايمانا من كثير من البالغين و قد يكون الصبى رشيدا كامل العقل متمكنا من الاستدلال على مبادئه ومعتقداته بنحو لا يتمكن منه الا الخواص. ويدل على عدم اشتراط الاسلام بالبلوغ اسلام الامام على عليه السلام فانه كان اقدم الصحابة اسلاما، واسبقهم ايمانا، وكان له من العمر حين نزول الوحى على النبي صلى الله عليه وآله احد عشر سنة أو اثنا عشر أو ثلاثة عشر سنة فاسلم ولم يبلغ الحلم على ما قيل - وان كان ذلك لا يخلو عن المناقشة - وبالجملة فهذا الصبى قد اقر بالشهادتين، واعتنق الاسلام، واتخذه دينا له ونبراسا لحياته، فلماذا لم يحكم عليه بحكم الاسلام بعد عدم اشتراط البلوغ، و أي نقص يتصور في اسلامه؟ واما الفرض الثاني: اعني ولد المسلم الذى انحرف وتأثر بعقائد اهل الضلال، ونفذت فيه الافكار العليلة، التى ركزها فيه تزريق السفسطيين أو الملحدين، حتى انكر وجود الصانع تعالى، أو وحدانيته، أو رسالة محمد رسول الاسلام صلى الله عليه وآله، أو المعاد، واشباه ذلك، من ضروريات الاسلام، عن عقل وادراك، وشعور وتميز، فهذا يصدق عليه انه كافر، ويحكم عليه بالنجاسة.

[ 128 ]

وما ورد من ان اولاد المسلمين مسلمون، وان اولاد الكفار كفار 1 فهو مختص بما إذا لم يكونوا مستقلين في العقيدة والاعتقاد، اما الطفل المستقل في ذلك فهو لا يتبع والديه لا في الاسلام ولا في الكفر وكذا ما ورد من الروايات في اولاد المشركين من انهم يدخلون مداخل آبائهم 2 فهو ايضا لا يشمل المستقل في الاعتماد المنقطع عن ابويه وعن اهل نحلته هذا. مضافا إلى ما ذكرناه سابقا من كون هذا الامر اخرويا ولا مساس له بالدنيا. وربما يقال: ان مقتضى رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم 3 عدم اعتبار اسلام الصبى أو كفره إلى ان يبلغ الحلم، وعلى هذا فلا يحكم باسلام الطفل في الفرض الاول ولا يحكم عليه بالكفر في الفرض الثاني. والجواب: ان الظاهر من رفع القلم عنه هو رفع قلم المؤاخذة لا عدم ترتب حكم عليه اصلا ولذا لواجنب الصبى وجب عليه الغسل بعد البلوغ فدليل رفع القلم لا يرفع هذا وامثاله من الاحكام وان امكن للشارع رفعها الا ان لسان الدليل لا يقتضى ذلك والحاصل ان مقتضاه رفع المؤاخذة فقط وعدم جريانه في الاحكام الوضعية. نعم مقتضى اطلاق رواية حفص المذكورة سابقا الواردة في رجل اسلم في دار الحرب، وقول الامام عليه السلام: اسلامه اسلام لنفسه ولولده الصغار هو التبعية مطلقا سواء كان الطفل سالكا سبيل ابويه أو سبيلا يخالفه ويضاده أو لم يتخذ سبيلا اصلا وعلى هذا فمجرد اسلام المرء يكفى في اسلام الولد، وكفره


1. راجع البحار ج 5 ص 292 ح 9 وص 294 ح 21. 2. من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491 وهو صحيح عبداله بن سنان. 3.... عن ابن ظبيان قال: اتى عمر بامرأة مجنونة قد زنت فامر برجمها فقال على عليه السلام: اما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وسائل الشيعة ج 1 الباب 4 من ابواب مقدمة العبادات ح 11.

[ 129 ]

ايضا كاف في كفره. ولا يخفى ان هذا يتم لو كان الصغر عنوانا اصطلاحا لما قبل البلوغ و معرفا له فانه على هذا تدل الرواية على ان ولد المسلم الذى لم يبلغ الحلم يكون مسلما، أي يترتب عليه آثار الاسلام واحكامه، وولد الكافر كذلك يكون كافرا، أي يترتب عليه احكام الكفر، اما لو لم يكن الامر كذلك بل كان للفظ الصغير معنى عرفى ولغوى، وهو الطفل غير المستقل والولد التابع (لا عنوانا لعدم البلوغ أو عبارة اخرى عن تعبير بعض الروايات اعني الذى لم يبلغ الحلم) فعلى هذا يكون الصغير منصرفا عن الطفل الذى استقل في الرأى والعقيدة، والظاهر هو الوجه الثاني لا الاول ولذا افتى كثير من العلماء بمشروعية عبادات الصبى و صحتها. نعم ربما يخطر ببالى ويبدو في نظرى في هذا المقام وجه لم اجد من تمسك به وهو ان العلماء رضوان الله عليهم اجمعين يتمسكون لا ثبات عدم اثر على بيع الصبى بما ورد من ان عمد الصبى خطأ 1 والاخذ بظاهر هذا الدليل في المقام يقتضى عدم الاعتناء باسلام الصبى أو كفره، وعدم ترتيب آثارهما اصلا فان اسلامه أو كفره الذى نشأ عن عمد فهو كالخطأ ويكون هذا الصبى كمن اسلم بلا اختيار، أو كفر بلا ارادة وكما انهم قالوا لا يعبأ ببيعه وسائر عقوده وافتوا بان الصبى لو وكل في انشاء العقد لا يكون عقده منشأ للآثار، بل عمده في اجراء العقد كالخطأ، وكانه فعله بلا اختيار، وهكذا يقولون في سائر الامور والموارد، فليكن ما نحن فيه ايضا كذلك.


وسائل الشيعة الجزء 19 الباب 11 من ابواب العاقلة ح 2 عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: عمد الصبى وخطأه واحد. والباب 36 من ابواب القصاص في النفس ح 2 عن على عليه السلام انه كان يقول في المجنون والمعتوه الذى لا يفيق والصبى الذى لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة...

[ 130 ]

الا انه يرد عليه ان الظاهر من (عمد الصبى خطأ) كونه في مقام الامتنان و مقتضاه رفع خصوص ما كان في رفعه امتنان دون ما لا يكون كذلك، فكل ما كان في رفعه منة فهو مرفوع فاخذ الصبى بقوله وبيعه، والزامه على ذلك، خلاف الامتنان، ويأتى في تلك الموارد عمد الصبى خطأ، ويحكم مثلا بعدم صحة عقده، ويقال ان قول الصبى: (بعت) كقول الساهي، فان هذا هو مقتضى الارفاق والامتنان من الله تعالى عليه، حيث ان نوع افعاله وتصرفاته على خلاف المصلحة، وهكذا لا تترتب عليه احكام الحدود، والقصاص، فلا تكليف ولا الزام عليه، لان لسان رفع القلم رفع المؤاخذة امتنانا. وهذا هو السبب في انصرافه عما إذا اقر بالشهادتين، فانه يترتب عليه الاحكام ويؤثر اقراره واعترافه، ويخرج به عن تبعية الابوين الكافرين ويكون طاهرا. نعم قصارى ما يكن ان يقال هنا انه يشمل ما إذا اقر بالكفر، أو قال بكلمة الردة، فيقال ان عمده في ذلك كالخطأ فيه، فلا يعبأ بقوله هذا، وهو بعد باق على تبعيته للوالد المسلم على ما هو مقتضى الامتنان. واما عدم قبول الاقرار بالشهادتين من الصبى فلا يقتضيه الامتنان بل هو خلافه. لوضوح البحث نمثل مثالا فنقول: لو شتمنا صبى فمقتضى الامتنان وان عمد الصبى خطأ هو عدم الاعتناء بشتمه، وان لا نرتب عليه اثرا، واما لو سلم علينا فلا يصح ان يقال انه لا يجب رد سلامه، تمسكا بعمد الصبى خطأ، بل يجب علينا بمقتضى قول الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها) 1 رد سلامه، فهو كغيره وان لم يكن عليه التسليم بل ولا يجب عليه رد السلام إذا


1. سورة النساء الآية 86

[ 131 ]

سلم غيره عليه، الا انه لو سلم يجب رد سلامه عليه. وعلى ذلك فلا بعد اصلا في كون الصبى المتميز المقر بالشهادتين و سائر اللوازم محكوما عليه بالاسلام والطهارة، وخارجا بذلك عن تبعية والديه في الكفر. اما طفل المسلم والصبى المتولد منه فلو قال بالردة فيمكن التمسك هناك بعمد الصبى خطأ، والقول بعدم ترتب الاثر عليه، وانه باق على تبعية المسلم فتكون ردته نظير ردة من قال بها بمجرد لقلقة اللسان فهى غير مؤثرة، كما انه لو قتل احدا لا يقتل به وعلى الجملة فالآثار الوضعية مترتبة ما لم تكن خلاف الامتنان. تنبيه: ثم انه لا يتوهم مما ذكرنا مثالا - من تعلم اولاد الكفار في مدارس المسلمين ومعاهدهم العلمية - عدم جواز ذلك، فانه جائز قطعا وبلا اشكال، و كان الامام امير المؤمنين عليه السلام ينهى 1 عن ان يكون لاهل الكتاب مدارس مستقلة في البلاد الاسلامية، ويمنع عن تأسيسها فيها لا نفسهم، وكان اولاد اهل الكتاب يتعلمون ويدرسون في مدارس المسلمين مع اطفالهم. وكان هذا لاجل نكتة شريفة اجتماعية وهى انهم إذا كانوا في مدارس المسلمين - مع ان مناهجها التعليمية وبرامجها ونظاماتها بيد المسلمين و تحت مديريتهم وان هذه الاطفال يعاشرون المسلمين واطفالهم - فمن الممكن جدا ان يتسرب إليهم شئ من سيرتهم الحسنة أو قبس من اقوالهم القيمة المضيئة ويهتدوا إلى الله ويتوجهون إلى الاسلام في ظلال معاشرتهم هذه، وببركة


1. كلما تفحصت لم اعثر على مصدر المطلب.

[ 132 ]

مساورتهم لاطفال المسلمين، فان المجالسة مؤثرة، والعقائد والصفات تتغير بالمعاشرة والمخالطة. كلمة اخرى حول التبعية ولما كان الدليل على نجاسة اولاد الكفار وعمدة ما يعتمد عليه في الحكم بالتبعية، الاجماع فاللازم في الحكم المزبور الاقتصار على القدر المتيقن، وهو ما إذا كانت التبعية محققه عرفا. فلو استدل الولد وخرج عن عنوانها، قبل ان يبلغ فلا دليل على تبعيته ونجاسته سواء كان استقلاله بنحو ما ذكرناه آنفا وهو اختياره الاسلام، واعتناقه العقائد الاسلامية المقدسة، أو بنحو ذكره الفقيه الهمداني رضوان الله عليه بقوله: فلو استقل الولد وانفرد ولحق بدار الاسلام وخالط المسلمين وخرج عن حد التبعية العرفية خصوصا مع تدينه في الظاهر بدين الاسلام ولا سيما على القول بشرعية عبادة الصبى فلا ينبغى الاشكال في طهارته انتهى. 1 غاية الامر ان مثالنا مشمول للادلة الشارحة لمفهوم الاسلام، وما ورد من انه يتحقق بالاقرار بالشهادتين، فالطفل المزبور طاهر بالدليل بخلاف المثال الذى فرضه قدس سره، فانه لا تشمله هذه الادلة لان مجرد لحوقه بدار الاسلام و مخالطته للمسلمين لا يوجب صيرورته مسلما ما لم يقر بالشهادتين فالدليل على طهارته - على ما يستفاد من كلامه - ان المتيقن من نجاسة اولاد الكفار هو ما إذا لم يستقلوا والمفروض ان هذا قد خرج عن دار الكفر واستقل بنفسه. وحيث انه ليس تابعا لا بويه فلذا لا يحكم عليه بالنجاسة.


1. كتاب الطهارة مصباح الفقيه ص 563.

[ 133 ]

واما استصحاب النجاسة فلا مجال له بعد تبين الموضوع وعدم تحققه عرفا فان موضوع النجاسة واضح معلوم، وهو واحد من امرين: احدهما: الكفر فقد دلت الآية الكريمة على انه علة تامة في الحكم بنجاسة الانسان. ثانيهما: التبعية فقد قام الاجماع على انها العلة في نجاسة اولاد الكفار و هما - أي الكفر والتبعية - معا منفيان لان الطفل المزبور ليس كافر وهو معلوم، لكونه صبيا، ولا تابعا للكافر، لخروجه عن دار الكفر، ودخوله في دار الاسلام، فالموضوع وهو التابع قد تبدل، وهذا بعينه نظير ما إذا علمنا ان المدار في جواز الايتمام وعدمه هو العدالة وجودا وعدما، وفرضنا ان زيدا كان عادلا ثم صدر منه الفسق فانه لا مجال حينئذ للاستصحاب لتبدل الموضوع. كما انه لو شك في المراد من التعبية وانها هي التبعية في الولادة كى يكون نجسا إلى ان يبلغ الحلم ويتضح هناك انه كافر فينجس كما كان، أو مسلم فيكون طاهرا، أو التبعية التربوية وكونه تحت تربية الكفار، فهنا يتردد الموضوع حيث لم يدل على حدوده وقيوده دليل لفظي بل الموضع مأخوذ من الاجماع وهو دليل لبى غير ناطق لا لسان له فيشك في بقاء التبعية في الفرض ويكون الموضوع مشكوك التحقق الآن، وهنا ايضا لا يجرى الاستصحاب كما لا يجرى عند القطع بتبدله. هذا. ولكن الظاهر مع ذلك كله جريان الاستصحاب لوجود الموضوع العرفي و بقائه عرفا وحيث ان المعتمد هو الموضوع العرفي فيجرى الاستصحاب كما احتمله علم التحقيق والتقى الشيخ المرتضى رضوان الله عليه 1 وان لم يقوه، فانه


1. قال في طهارته ص 306 بعد كلام له: والنجاسة الثابتة بالاجماع لم يعلم ثبوتها لنفس الطفل أو الطفل المصاحب للابوين فلعل لوصف المصاحبة مدخلا في الموضوع الذى يعتبر القطع ببقائه

[ 134 ]

من القائلين بالطهارة وعلى الجملة فالموضوع فيما نحن فيه محقق وباق عرفا، و لذا تستصحب نجاسة هذا الصبى الثابتة له قبل استقلاله ودخوله في دار الاسلام. هذا بالاضافة إلى ان النجاسة - كما في كلمات شيخنا المرتضى قدس سره - مقتضية للبقاء ويحتاج رفعها إلى رافع فما لم يتحقق ولم يثبت قطعا يحكم بالنجاسة ولذا لو لم يقم الاجماع على تبعية المسبى للسابى وكونه محكوما عليه بحكمه لما قلنا بذلك بل الحكم لولاه هو النجاسة بمقتضى الاستصحاب. الكلام في حكم اللقيط اللقيط هو الصبى الضايع الذى لا كافل له، ولا يستقل بنفسه على السعي فيما يصلحه ودفع ما يضره. فلو وجد في دار الاسلام لقيط فهو ملحق بالمسلمين وحكم باسلامه تبعا للدار، كما انه لو وجد في دار الكفر الحق بالكفار، حكى ذلك عن شيخ الطائفة رضوان الله عليه 1 ولا فرق في دار الاسلام بين كونها مبنية في الاسلام اولا وبين


في جريان الاستصحاب ولا يتوهم جريان مثل ذلك في سائر موارد الاستصحاب ولان النجاسة من الامور التى إذا تحققت لا يرتفع الا بالمزيل فلا بد من اثباته لا ندفاع الاول بان ذلك من خصائص المستصحب الثابت بالاجماع فان الموضوع فيه مشتبه غالبا الا ان يرجع في تشخيصه إلى العرف أو كلمات المجمعين واما إذا ثبت المستصحب بالادلة اللفظيه فالموضوع فيه معلوم غالبا واندفاع الثاني بان النجاسة انما تحتاج إلى المزيل في ارتفاعها عن محلها الخ. 1. اقول: قال في المبسوط ج 3 ص 343: واما الدار فداران دار الاسلام ودار الحرب فدار الاسلام على ثلاثة اضرب بلد بنى في الاسلام ولم يقربها المشركون مثل بغداد والبصرة فان وجد لقيط ههنا فانه يحكم باسلامه لانه يجوز ان يكون ابنا لمسلم ويجوز ان يكون لذمى فيغلب حكم الاسلام لقوله عليه السلام: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه إلى آخر كلامه قدس سره فراجع. وقال الشهيد في الدروس ص 299 المراد بدار الاسلام ما ينفذ فيه حكم الاسلام فلا يكون بها

[ 135 ]

كونها دار الكفر اولا ثم بعد ذلك انتقلت - بالحرب أو الصلح - إلى المسلمين، أو انها دار الاسلام باعتبار كونها في الحال معسكر الاسلام ومركز تجمع جنود المسلمين وجيوشهم وقواتهم لكن بشرط كون الاطفال معهم كى يحتمل كون هذا اللقيط منهم، فلو لم يصحبوا اطفالهم فلا يحكم على هذا اللقيط بالاسلام، وكذا في كل مورد لم يحتمل كون اللقيط من المسلمين. وتحقيق البحث ان هنا مقامان: احدهما: في الحكم عليه بالطهارة ثانيهما: في الحكم عليه بالاسلام ليترتب عليه جميع احكامه كوجوب غسله وتكفينه ودفنه وغير ذلك. اما الثاني: فيدل عليه الغلبة التى هي امارة عقلائية لم يردع عنها الشارع فان الغلبة في دار الاسلام للمسلمين ومعهم وان كان قد يوجد فيها كافر ايضا و حيث ان الغلبة فيها معهم فيحمل الفرد المشكوك فيه على الغالب الكثير، لا على الشاذ النادر، واللقيط - في الفرض - وان احتمل كونه من الكفار لكنه محكوم عليه بالاسلام بمقتضى الغلبة المذكورة وليعلم ان الاخذ بالغلبة غير مختص بباب الاطفال، بل يجرى في الكبير ايضا، كما انك لو كنت جالسا في ناد من اندية بلدة كبيرة مثل تهران التى قد يوجد فيها المشرك ويأوى إليها الكافر ويقطنها الطوائف المختلفة وكان بجنبك من يأكل ويشرب معك وانت لا تعرفه فهناك لا ينبغى ان تشك في اسلامه حيث ان الغلبة تقتضي كونه مسلما بل الحاقه فطرى طبيعي فربما لا يحتمل خلافه الا الاذهان المشوشة، واحتمال الخلاف لا يأتي الا بمنبه خارجي وتوجيه من


كافر الا معاهدا فلقيطها حر مسلم... واما دار الكفر فهى التى ينفذ فيها احكام الكفار فلا يكن فيها مسلم الا مسالما فلقيطها محكوم عليه بكفره ورقه الخ كلامه.

[ 136 ]

الغير. كما ان الغلبة في البلاد الخارجة ومدن الاجانب - التى قد يوجد فيها مسلم أو مسلمون ايضا - للكفار فلو شككت في ان من جلس إلى جنبك في تلك البلاد هل هو مسلم أو كافر فلا محالة يحكم عليه بالكفر إلى ان يثبت خلافه وان احتمل كونه مسلما. والعلة الوحيدة في ذلك غلبة الكفر هناك. هذا كله بالنسبة إلى المقام الثاني وقد تحصل انه يلحق الطفل بالاغلب. واما الاول اعني كونه محكوما عليه بالطهارة فلا يفتقر إلى التمسك بالغلبة بل يكفى احتمال الطهارة أو الاسلام في الحكم بطهارته. وبعبارة اخرى لا يتوقف الحكم بالطهارة على وجود امارة على اسلام اللقيط بل يكفى عدم وجود امارة على كفره فبمجرد احتمال كونه مسلما يحكم بطهارته إلى ان يدل دليل على الخلاف. وعلى هذا فاللقيط في ساحة الحرب وان كان بدار الكفر - كما إذا وجد فيها بعد تفرق عسكر الطرفين - محكوم عليه بالطهارة لا حتمال كونه من المسلمين. وان شئت فقل ان الكفار نجس واما هذا اللقيط فهو من الشبهة المصداقية، وعلى هذا يشمله دليل الطهارة اعني كل شى لك طاهر حتى تعلم انه قذر، هذا. ولكن لا يخفى انه لا يترتب عليه سائرا احكام المسلم كوجوب دفنه وغير ذلك، كما انه لا يجوز سبيه ايضا بمجرد احتمال كونه من الكفار لكون السبى مترتبا على الكفر، والمفروض عدم ثبوته. ثم ان هذا كله في الطفل الذى لم يعلم له سابقة في الكفر.

[ 137 ]

حكم اجزاء الكافر التى لا تحله الحياة المنسبق إلى الاذهان ابتداءا من نجاسة الكافر انه كالكلب والخنزير في كون هذا العين بكافته نجسا فكما ان مفاد قولنا ان الكلب نجس، نجاسة مجموع هذا العين حتى الظفر والشعر منه كذلك إذا قيل: ان الكافر نجس، فالمتبادر منه ان هذا العين كله نجس بلا فرق في اجزائه بين ما تحله الحياة وما لا تحله، بل الحكم والكلام في الكافر اتم واوضح منه في باب الكلب والخنزير، لانه وردت في باب الخنزير روايتان - صحيحة زرارة 1 وموثقة حسين بن زرارة 2 - توهمان


1. عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس. وسائل الشيعة ج 1 ص 125 ح 2 ب 14 من ابواب الماء المطلق. 2. عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا ويستق به من البئر التى يشرب منها أو يتوضأ منها؟ قال: لا بأس " وسائل الشيعة ج 1 ص 126 ح 3.

[ 138 ]

طهارة شعره - وان حملهما الاصحاب على ما لا ينافى نجاسته وذكروا في ذلك وجوها ليس هنا مقام ذكرها - وحيث انه لا فرق بين الكلب والخنزير عندهم فيمكن القول بطهارة شعرهما بخلاف ما نحن فيه فانه لم تنقل رواية تدل على طهارة مثل تلك الاجزاء من الكافر. وعلى هذا فيمكن ان يكون منشأ البحث في نجاسة ما لا تحله الحياة من الكافر هو التردد في انه إذا قيل: الكافر نجس فهل معناه ان هذا العين بتمام اجزائه من الرأس إلى القدم كذلك بلا استثناء شئ منه أو ان معناه نجاسة ما تحله الحياة وحده، لانها هي المدار في الحكم بالنجاسة وموضوعه، والشك في غيره، نظير الميتة حيث لا ينجس ما لا تحله الحياة منه لعدم صدق الميتة عليها والظاهر هو الاول، والنتيجة ان هذه الجثة بكافة اجزاءها نجس مثل الكلب الذى دلت الروايات على نجاسة عينه مطلقا. 1 وخالف في ذلك الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني قدس سرهما ذاهبا إلى طهارة ما لا تحله الحياة من اجزاء الكافر للاشكال بزعمه في دلالة الآيتين - آية انما المشركون، وآية الرجس، - على نجاسة الكافر ولخلو الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم قال: نص جمع من الاصحاب على عدم الفرق في نجاسة الكفار بين ما تحله الحياة منه وما لا تحله وظاهر كلام العلامة في المختلف عدم العلم بمخالف في ذلك سوى المرتضى فانه حكم بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين وقد مرت حكاية خلافه آنفا وبينا ان الحجة المحكية عنه في ذلك ضعيفة ولكن


1. ففى صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل قال: يغسل المكان الذى اصابه. فترى انه حكم بغسل موضع الاصابة مع ان الماس للجسد هو شعر الكلب، وظاهر قوله: يغسل الخ هو الوجوب. منه دام ظله العالي.

[ 139 ]

الدليل المذكور هناك للحكم بالتسوية بين جميع الاجزاء لا يتأتى هنا لخلو الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم كما وقع هناك وقد نبهنا على ما في التمسك بالآيتين من الاشكال فلا يتم التعليق بهما في هذا الحكم حيث وقع التعليق فيهما بالاسم وحينئذ يكون حكم مالا تحله الحياة من الكافر خاليا من الدليل فيتجه التمسك فيه بالاصل إلى ان يثبت المخرج عنه. 1 وقد تصدى المحدث البحراني قدس سره للجواب عنه والرد عليه فاجابه بثلاثة وجوه فانه بعد ان ذكر كلام صاحب المعالم قال: وفيه اولا: ان الاخبار التى قدمناها دالة على نجاسة اليهود والنصارى قد علق الحكم فيها على العنوان اليهودي والنصراني الذى هو عبارة عن الشخص أو الرجل والمنسوب إلى هاتين الذمتين ولا ريب ان الشخص والرجل عبارة عن هذا المجموع الذى حصل به الشخص في الوجود الخارجي ولا ريب في صدق هذا العنوان على جميع اجزاء البدن وجملته كصدق الكلب على اجزائه ومتى ثبت الحكم بالعموم في اهل الكتاب ثبت في غيرهم ممن يوافق على نجاستهم بطريق اولى. وثانيا: انه روى الكليني في الحسن عن الوشا عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام: انه كره سؤر ولد الزنا واليهودى والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب 2 ولا اشكال ولا خلاف في ان المراد بالكراهة هنا التحريم والنجاسة وقد وقع ذلك معلقا على هذه العناوين المذكورة ومنها المشرك ومن خالف الاسلام. وكل من هذه العنوانات اوصاف لموصوفات محذوفة وقد شاع التعبير بها عنها من لفظ الرجل أو الشخص أو


1. معالم الدين في الفقه ص 261 2. وسائل الشيعة ج 1 ص 165 الباب 3 من ابواب الاسئار ح 2.

[ 140 ]

الذات أو نحو ذلك ولا ريب في صدق هذه الموصوفات على جملة البدن و جميع اجزائه كصدق الكلب على جملته كما اعترف به فكما ان الكلب اسم لهذه الجملة فالرجل ايضا كذلك ونحوه الشخص. وثالثا: انا قد اوضحنا سابقا دلالة احدى الآيتين المشار اليهما في كلامه (آية: انما المشركون) على النجاسة في المقام وبينا ضعف ما اورد عليها من الالزام وبه يتم المطلوب والمرام انتهى كلامه رفع مقامه. 1 لكن اورد علم التقى الشيخ المرتضى على المحدث البحراني قدس سرهما بقوله: لا يخفى ان كلام صاحب المعالم على فرض عدم دلالة الآيات كما هو المتضح عنده وكلامه في الاخبار ولا يخفى ان مرسلة الوشاء على فرض دلالتها لا تدل الا على نجاسة سؤرهم ولاريب في ظهور السؤر فيما باشره جسم حيوان لا كشعره بل ولا كظفره المجرد بل عن ظاهره عرفا كما تقدم في باب الاسئار بقية الشراب فلا دلالة فيها على نجاسة مثل الشعر اصلا، واما الاخبار الدالة على نجاسة اليهود والنصارى فليس فيها الا الاجتناب عن مساورتهم و مخالطتهم ومؤاكلتهم. ثم قال: فما ذكره في مقابل صاحب المعالم لم يصب موقعه، فالاولى المتسك في ذلك باطلاق معاقد الاجماعات المستفيضة بل المتواترة في نجاسة الكفار. انتهى كلامه الشريف. 2 اقول: التحقيق ان دلالة الروايات على نجاسة الكفار تامة ظاهرة على ما اوضحناه سابقا، فلو كانت الاخبار الواردة في مؤاكلتهم ومساورتهم ومصافحتهم واردة للتعبد المحض بتلك الامور لصح ان لا يجزم بنجاسة الشعر مثلا منهم كما


1. راجع الحدائق الناضرة ج 5 ص 175 2. كتاب الطهارة ص 306.

[ 141 ]

افاده شيخنا المترضى رضوان الله عليه، لكن ليس الامر كذلك، بل الظاهر كونها في مقام بيان نجاستهم فالسؤر نجس لكونه سؤرا من اليهودي أو النصراني وكذا يجب غسل اليد وتطهيرها لو صافح المسلم مع نداوة في يد احدهما أو إذا حصلت المماسة مع الرطوبة، فيستفاد منها ان اليهودي أو النصراني مثلا نجس و إذا كان نجسا فلا فرق في ذلك بين اجزائه لاقتضاء نجاسة العين والشخص ذلك، فان الظاهر منه انه بجملة بدنه ووجوده وجميع اجزائه كان نجسا سواء كانت مما تحله الحياة أو لا تحله كصدق عنوان الكلب على الموجود المعين الخاص بشراشر وجوده. هذا كله مع تسليم ما ذهب إليه صاحب المعالم من خلو الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم والحال ان تسليم ذلك وتصديقه في قوله هذا مشكل فراجع الاخبار تجد صدق ذلك فيها. 1


1. الظاهر ان الحق في المقام مع صاحب المعالم رضوان الله عليه وذلك لانا تفحصنا كثيرا مظان المطلب في الكتب كالوسائل وجامع احاديث الشيعة ومستدرك الوسائل وغيرها ولم نعثر على ذلك. اللهم الا ان يكون نظره الشريف دام ظله العالي إلى ما افاده صاحب الحدائق في الوجه الثالث من الوجوه الذى ذكرها، وقد تقدم ذلك آنفا أو انه كان تعبير الآية الكريمة: (انما المشركون نجس) في ذهنه الشريف فاورد بان تعليق النجس على الاعيان محقق موجود والحال ان البحث فعلا في الاخبار بعد ان صاحب العلم انكر دلالة الآيات.

[ 143 ]

حول معنى الكفر والاسلام الكفر في اللغة: التغطية والستر، يقال: كفرت الشئ، أي سترته، ولذا يطلق الكافر على الزارع، لانه إذا القى البذر في الارض فقد ستره وغطاه، وقد ورد هذا الاطلاق في القرآن الكريم قال اللله تعالى: " كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما... " 1 وفى اصطلاح الشارع وعرف المتشرعة هو الجحد، فمن نفى الصانع أو جحد توحيده أو انكر النبوة مثلا فهو كافر بلا فرق بين كون الجاحد مقرا ومعتقدا في الواقع ومذعنا وقلبه وبين كونه جاحدا في قلبه ايضا. وهنا بحث وهو انه هل التقابل بين الكفر والاسلام تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر حيث ان العمى عدم البصر لمن من شأنه البصر، فمن كان من


1. سورة الحديد الآية 20 اقول: وقال لبيد الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها. أي ستر.

[ 144 ]

شأنه ان يكون مسلما ومع ذلك لم يسلم فهو كافر الا في موارد خاصة خرجت بالدليل كأولاد المسلمين الملحقين يهم أو ان التقابل بينهما تقابل التضاد فالكفر ضد الاسلام مع وجود ثالث لهما كالشاك مثل تضاد السواد والبياض حيث انه يمكن ان لا يتحقق شئ منهما بل كان شئ آخر كالحمرة مثلا؟ وبعبارة اخرى وبيان اوضح، هل الكفر هو الانكار فلو كان شاكا بلا انكار اصلا لم يكن كافرا؟ أو ان الكفر بمعنى عدم الايمان فبمجرد عدم الاقرار يكون كافرا سواء كان مذعنا بالخلاف بنحو الجهل المركب أو كان شاكا؟ ذهب الفقيه الهمداني رضوان الله عليه إلى انهما من قبل العدم والملكة فلا يعتبر جحده في الحكم عليه بالكفر عند الشارع بل الشاك ايضا محكوم بالكفر شرعا، والمسلم هو المقر بالشهادتين مع اعتقاده بذلك واليك عين عبارته: الكفر لغة هو الجحد والانكار، ضد الايمان فالشاك في الله تعالى أو في وحدانيته أو في رسالة الرسول صلى الله عليه وآله ما لم يجحد شيئا منها لا يكون كافراولغة ولكن الظاهر صدقه عليه في عرف الشارع والمتشرعة كما يظهر ذلك بالتدبر في النصوص والفتاوى. وما يظهر من بعض الروايات من اناطة الكفر بالجحود مثل روايت محمد بن مسلم قال: سأل أبو بصير ابا عبد الله قال: ما تقول فيمن شك في الله تعالى قال: كافر يا ابا محمد قال: فشك في رسول الله قال: كافر ثم التفت إلى زرارة فقال: انما يكفر إذا جحد. وفى رواية اخرى لو ان الناس إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا. فلا يبعد ان يكون المراد به ان الناس المعروفين بالاسلام المعترفين بالشهادتين الملتزمين بشرائع الاسلام في الظاهر إذا طرأ في قلوبهم الشكوك و

[ 145 ]

الشبهات الناشئة من جهالتهم لا يخرجون بذلك من زمرة المسلمين ما لم يجحدوا ذلك الشئ الذى شكوا فيه ولو بترتيب آثار عدمه في مقام العمل كترك الصلوة والصوم ونحوهما فليس المراد بمثل هذه الروايات ان من لم يتدين بدين الاسلام ولم يلتزم بشئ من شرائعه متعذرا بجهله بالحال ليس بكافر انتهى. اقول: التحقيق في المقام التفصيل بان يقال: ان الاسلام على قسمين: ظاهري وواقعى. والاول: يوجب صيرورة الانسان كسائر المسلمين وداخلا في زمرتهم يجرى عليه احكام الاسلام، من طهارة البدن، وحل المناكحة، وحقن الدم، و احترام ماله وعرضه، فلا فرق في جريان هذه الاحكام وترتب هذه الآثار عليه بينه وبين سائر المسلمين، وهو يدور مدار الاقرار بالشهادتين فقط، فإذا اقربهما تترتب تلك الاحكام. واليه يشير قوله تعالى: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا " 1 وتدل عليه ايضا روايات عديدة كما ان كلمات العلماء وعبائر هم صريحة في ذلك، ولا يزال المسلمون على مضى الاعصار ومختلف الامصار يعاملون المقر لسانا معاملة المسلمين. اضف إلى ذلك كله ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول للناس: قولوا لا اله الا الله تفلحوا، ولم يقل اعتقدوا بلا اله الا الله. والحاصل: ان الكافر هو من لم يقر بالشهادتين مع صلوحه لذلك، سواء كان شاكا أو قاطعا بالخلاف، غاية الامر ان عذاب القاطع بالخلاف اشد من الشاك، ولا بأس به، فان المعذبين في النار ليسوا على حد سواء من العذاب،


1. سورة الحجرات الآية 14.

[ 146 ]

الا ترى ان الله تعالى يقول: " ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار " 1 وعلى هذا فلا حاجة في ترتب الاحكام المذكورة إلى ازيد من الاقرار بتوحيد الله تعالى ورسالة محمد صلى الله عليه وآله، سواء كان مذعنا بذلك ام شاكا بل وان كان معتقدا بخلاف ذلك كما ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعامل منافقي اصحابه معاملة المسلم المسلم، مع انهم منافقون لم يؤمنوا بالله ولا برسوله، وكان شأنهم الحط من كرامة رسول الله، بنسبه مالا يليق به إليه، والصاق أي نقيصة به، عند كل فرصة تسمح لهم، قال الله تعالى فيهم: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون " 2 فإذا حكم على من اقر بالشهادتين بطهارة البدن وجواز المناكحة وغير ذلك من الاحكام مع العلم بكذبه في اقراره فكيف بمن كان شاكا لم يحصل له يقين بعد. نعم هذا الاسلام الذى لم يتجاوز عن اطار الاقرار لا ينفع في الآخرة شيئا ولا يوجب اجرا ولا ثوابا ولا يعتبر زادا للعبد ليوم معاده وحاجزا له عن عذاب الله تعالى، وللآخرة حساب آخر. ولو لم يقر بالشهادتين لم يترتب ولم يجر عليه شئ من تلك الاحكام سواء كان معاندا اخذت العصبية العمياء بعنانه وقياده، أو كان مستضعفا لا يستطيع التحقيق، غاية الامر ان الثاني لا يعاقب عند الله تعالى، بينا يستحق الاول العذاب الاليم والعقوبة الدائمة. واما القسم الثاني: أي الايمان الواقعي فهو الدين الذى ارتضاه الله للناس


1. سورة النساء الآية 145 2. سورة المنافقون الآية 1.

[ 147 ]

وقال: " ان الدين عند الله الاسلام " 1 وقال: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " 2 وهو ملاك الاجر، ومناط المثوبات الاخروية، والحصن الذى يلجأ إليه في التخلص من النار، وهو عبارة عن لا قرار المتعاضد بالاعتقاد الجازم والشهادة المقرونة بعقد القلب لا يفترق ولا يتخلف احدهما عن الآخر، ويزول الايمان بزوال كل واحد من الامرين، سواء اعتقد بالقلب ولم يقر بذلك لسانا بل انكره باللسان أو تظاهر بالدين واقرت باللسان و لم يعتقد بقلبه فيعاقب على عدم اليقين ان لم يكن قاصرا اما لو كان قاصرا أو لم تسمح له الوسائل الكافلة للقطع واليقين، فيمكن ان لا يكون معاقبا ومعذبا عند الله تعالى. والحاصل ان هذا القسم لا يجامع الشك فضلا عن الانكار القلبى بخلاف القسم الاول الذى كان تمام المعيار فيه هو الاقرار باللسان حيث انه كان يجامع الانكار القلبى فضلا عن الشك. ثم ان بين ما مضى من كلام المحقق الهمداني وما اتى به بعده نوع تهافت وتنافر حيث انه قال بعد العبارات التى نقلناها آنفا: وهل يكفى الاقرار والتدين الصوري في ترتيب اثر الاسلام من جواز المخالطة والمناكحة والتوارث ام يعتبر مطابقته للاعتقاد فلو علم نفاقه وعدم اعتقاده حكم بكفره واما لو لم يعلم بذلك حكم باسلامه نظرا إلى ظاهر القول؟ وجهان لا يخلوا ولهما عن قوة كما يشهد بذلك معاشرة النبي مع المنافقين المظهرين للاسلام مع علمه بنفاقهم مضافا إلى جملة من الاخبار بكفاية اظهار الشهادتين في الاسلام الذى به يحقن الدماء و يجرى عليه المواريث من غير اناطته بكونه ناشئا من القلب وانما يعتبر ذلك في


1. سورة آل عمران الآية 19. 2. سورة آل عمران الآية 85.

[ 148 ]

الايمان الذى به يفوز الفائزون وهو اخص من الاسلام الذى عليه عامة الامة كما نطق بذلك الاخبار الكثيرة وشهد له قول الله عزوجل: " قالت الاعراب... " 1 ونحن نتسائل ونقول: ان الشاك الذى حكم قدس سره في اول بحثه بكفره لظاهر الشرع هل هو الشاك المقر بالشهادتين أو غير المقر. فان كان المراد هو الاول فكيف قوى في العبارة الاخيرة كفاية الاقرار و التدين الصور في ترتيب اثر الاسلام. وان كان المراد هو الشاك غير المقر ففيه انه لا اثر لشكه لكفاية مجرد عدم الاقرار بالشهادتين في الحكم بكفره. وعلى الجملة فمع كفاية الشهادتين في الحكم بالاسلام الظاهرى لا مجال للبحث في الشك اصلا فينبغي ان يقال: ان من اقر بالشهادتين فهو مسلم ظاهري سواء كان معتقدا بهما في قلبه أو شاكا أو قاطعا بالخلاف ومن لم يقربهما فليس بمسلم وان علمنا انه معتقد واقعا. ويشهد لذلك قوله تعالى: " وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما و علوا " 2 حيث ان الله سبحانه عابهم ولامهم بذلك ولو كان الاعتقاد قلبا ومجردا عن الاقرار كافيا لما صح ان يعيبهم بهذه الكلمة الواردة في مقام اللوم والذم. ومما يجدر بنا ان نذكره في هذا المقام ان ما ذكرنا من كفاية الاقرار بالشهادتين في الحكم بالاسلام مشروط بعدم اظهاره ما يخالف شهادته، وما يكذب اقراره، والا كان كافرا ولذا قال المحقق في الشرايع عند ذكر النجاسات وعدها: الكافر وضابطه من خرج عن الاسلام أو من انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة انتهى.


1. مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 563 2. سورة النمل الآية 14.

[ 149 ]

وعلى هذا فالكافر قسمان: احدهما: الخارج عن حد الاسلام من رأس. ثانيهما: من انتسب إلى الاسلام واقر بالشهادتين لكن اتى بشئ يكذب انتحاله وهو انكاره ما كان ضروريا في الدين فان انكار ما كان من الدين بالضرورة تكذيب لشهادته بالرسالة والا فمن شهد ان محمدا صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، ومرسل من الله تعالى إلى الخلق اجمعين، وانه " ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى " 1 فكيف ينكر شيئا ثبت انه مما جاء به قطعا - حيث انه من الضروريات - وهو عالم بذلك؟ واما الملاك والمعيار في كون شئ ضروريا فسنبحث فيه مستقلا انشاء الله تعالى كما ان البحث في كون الامامة التى هي من المسائل المهمة العريقة في الاسلام هل هي من الضرورى ليكون انكارها انكارا للضروري ويلزم رد النصوص الواردة في امير المؤمنين عليه السلام كما ذهب إليه صاحب الحدائق أو انها ليست من الضروريات بان يقال ان هذا البحث من الابحاث الحادثة بعد زمن النبي والنصوص الواردة فيها ليست متواترة فهذا البحث بحث موضوعي لا حكمي نظير البحث في انه لماذا اقتصر العلماء في مقام المثال للكافر على ذكر منكر التوحيد أو الرسالة ولم يذكروا المعاد مع ذكره في القرآن الكريم مرارا قرينا بالايمان بالله وهو ضروري من ضروريات الاسلام بل من ضروريات الاديان السماوية كلها فمنكره منكر لكل الاديان إلى غير ذلك من امثال هذه المباحث فهى موكولة إلى مقام آخر وهو البحث في تعيين الموضوع ولعلنا نبحث فيها أو في بعضها ان شاء الله تعالى. ثم ان في عبارة المحقق المذكورة آنفا نوع اجمال فانه عند بيان الضابط الكلى للكفر قال: ضابطه من خرج عن الاسلام الخ.


1. سورة النجم الآية 3 و 4.

[ 150 ]

والمستفاد منها بلحاظ التعبير بالخروج لزوم كون الكفر مسبوقا بالايمان وهذا يقتضى كون الكافر الاصلى خارجا عن تحت التعريف لانه غير مسبوق بالاسلام ولا يصدق في حقه انه خرج عن الاسلام. ولعله لرفع هذا الاجمال أو الايهام والاشكال فسر السيد صاحب المدارك قدس سره العبارة بقوله: المراد بمن خرج عن الاسلام من باينه كاليهود والنصارى وبمن انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة من انتمى إليه واظهر التدين به لكن جحد بعض ضرورياته 1 انتهى كلامه رفع مقامه. وعلى ما بيناه فمعنى العبارة ان الكافر قسمان. احدهما: من لم يكن مسلما مقرا وداخلا في حوزة الاسلام وعلى هذا فالمراد بمن خرج عن الاسلام هو غير المسلم سواء كان مسبوقا بالاسلام ام لم يكن كذلك ولم يعهد منه الاسلام اصلا. ثانيهما: من كان منتحلا ومع ذلك كان منكرا للضروري. ولعل هذا المعنى والتفسير اقرب مما افاده سيد المدارك وكيف كان يصرف النظر عن ظاهر لفظ الخروج، وقد تحقق ان الحكم بالكفر دائر مدار احد الامرين احدهما تحقق نفس الكفر سواء كان مسبوقا بالاسلام ام لا والآخر الانتحال إلى الاسلام مع انكار الضرورى. كلمة اخرى حول الكفر لا يخفى ان للكفر - في الآيات والروايات وكلمات العلماء - اطلاقات مختلفة:


1. مدارك الاحكام الطبع الجديد ج 2 ص 294.

[ 151 ]

فتارة يطلق على منكر الصانع تعالى أو الرسالة مثلا. واخرى يطلق على تارك فريضة من الفرائض قال الله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين " 1 فقد عد واعتبر ترك الحج كفرا وتاركه كافرا. وثالثة يطلق ويراد به ان المتصف به يحشر في القيامة مع الكافرين وفى زمرتهم. ولكن المقصد فيما نحن فيه هو الحكم بالنجاسة على المتصف به وهو تمام المراد ومطمح النظر ويؤل الامر إلى تفسير الكافر هنا بمن يحكم عليه بالنجاسة وهو يدور مدار واحد من الامرين المذكورين آنفا: احدهما: كون الانسان خارجا عن حريم الاسلام وحوزة المسلمين بان لا يقر بالشهادتين كعباد الاصنام واليهود والنصارى. ثانيهما: الانتحال مع الانكار وعلى ذلك يحكم بكفر الشاك الذى لا يقر ولا ينكر فهو بعدم اقراره بالشهادتين يكون كافرا. نعم في بعض الاخبار ما لا يساعد ذلك حيث ان الظاهر منه ان الملاك في الكفر هو الجحد، وبما ان الشاك ليس بجاحد فليس هو كافرا. واهم هذه الاخبار واظهرها روايتان: احديهما: رواية محمد بن مسلم قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام جالسا عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال يا ابا عبد الله ما تقول فيمن شك في الله؟ فقال: كافر يا ابا محمد قال: فشك في رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: كافر، قال ثم التفت إلى زرارة فقال: انما يكفر إذا جحد. 2


1. سورة آل عمران الآية 97. 2. الكافي ج 2 ص 399.

[ 152 ]

ثانيهما: رواية عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لو ان العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا. 1 وحملهما المحقق الهمداني على المعروفين بالاسلام المعترفين بالشهادتين إذا طرء في قلوبهم الشكوك والشبهات الناشئة عن جهالتهم فهم لا يخرجون بذلك عن الاسلام ما لم يجحدوا ما شكوا فيه وليس المراد من لم يتدين بدين الاسلام اصلا فانه كافر نجس. فراجع ما نقلناه من كلامه آنفا. وقال المحدث الفيض الكاشانى رضوان الله عليه في ذيل الرواية الاولى مبينا لها: يعنى انه لا يكفر مادام شاكا فإذا جحد كفر أو ان المراد بالشاك، المقر تارة والجاحد اخرى وانه كلما اقر فهو مؤمن وكلما جحد فهو كافر والاول اظهر انتهى كلامه. توضيحه ان الشاك على الاحتمال الاول قسمان: احدهما الشاك غير الجاحد ثانيهما الشاك الجاحد، فان جحد فهو كافر نجس والا فلا. وعلى الاحتمال الثاني فالشاك يختلف حاله فتارة يقر واخرى ينكر. و يدور الاسلام والكفر مدار الجحد والاقرار فهو في حين الاقرار مسلم وفى حين الانكار كافر. لكنه رحمه الله استظهر الوجه الاول من الوجهين. وذكر العلامة المجلسي قدس سره هنا وجوها واحتمالات فقال: قوله عليه السلام لزرارة انما يكفر إذا جحد يحتمل وجوها: الاول: ان غرضه الرد على زرارة فيما كان بينه وبينه من الواسطة بين الايمان والكفر لئلا يتوهم زرارة من حكمه (ع) بكفر الشاك في الله والرسول كفر الشاك في الامام ايضا، بل ما لم يجحد الامام لا يكفر ويؤيده الخبر الاول من


1. الكافي ج 2 ص 388.

[ 153 ]

الباب الآتى. 1 الثاني: ان يكون المراد ان الشك في اصول الدين مطلقا انما يصير سببا للكفر بعد البيان واقامة الدليل ومن لم تتم عليه الحجة ليس كذلك فالمستضعف الذى لا يمكنه التميز بين الحق والباطل ولم تتم عليه الحجة ليس بكافر كما زعمه زرارة وقيل انما ذلك في الشك في الرسول واما الشاك في الله فهو كافر لان


1. مراده هو خبر هاشم صاحب البريد قال: كنت انا ومحمد بن مسلم وابو الخطاب مجتمعين فقال لنا أبو الخطاب ما تقولون فيمن لا يعرف هذا الامر؟ فقلت: من لم يعرف هذا الامر فهو كافر فقال أبو الخطاب ليس بكافر حتى تقوم عليه الحجة فإذا قامت عليه الحجة فلم يعرف فهو كافر فقال له محمد بن مسلم: سبحان الله ما له إذا لم يعرف ولم يجحد يكفر؟ ليس بكافر إذا لم يجحد قال: فلما حججت دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فاخبرته بذلك فقال: انك قد حضرت وغابا ولكن موعدكم الليلة الجمرة الوسطى بمنى فلما كانت الليلة اجتمعنا عنده وابو الخطاب ومحمد بن مسلم فتناول وسادة فوضعها في صدره ثم قال لنا: ما تقولون في خدمكم ونساءكم واهليكم اليس يشهدون ان لا اله الا الله؟ قلت بلى قال: اليس يشهدون ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قلت بلى قال: اليس يصلون ويصومون ويحجون؟ قلت بلى قال: فيعرفون ما انتم عليه؟ قلت لا قال فماهم عندكم؟ قلت من لم يعرف هذا الامر فهو كافر قال: سبحان الله اما رأيت اهل الطريق واهل المياه؟ قلت بلى قال: اليس يصلون ويصومون و يحجون؟ اليس يشهدون ان الا اله الا الله وان محمدا رسول الله قلت: بلى قال: فيعرفون ما انتم عليه؟ قلت: لا قال: فما هم عندكم؟ قلت: من لم يعرف هذا الامر فهو كافر قال: سبحان الله اما رأيت الكعبة والطواف واهل اليمن وتعلقهم باستار الكعبة قلت: بلى قال: اليس يشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويصلون ويصومون ويحجون؟ قلت بلى قال: فيعرفون ما انتم عليه؟ قلت لا قال: فما تقولون فيهم؟ قلت من لم يعرف فهو كافر قال: سبحان الله هذا قول الخوارج ثم قال: ان شئتم اخبرتكم فقلت انا: لا فقال: اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا قال: فظننت انه يديرنا على قول محمد بن مسلم كافى. ج 2 ص 401. وهذا الخبر وان كان فيه هاشم وهو مجهول الا ان نقل على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير يوجب توثيقه وقوله عليه السلام: هذا قول الخوارج. يعنى ان قولك: هذا كافر يوافق قول الخوارج المعتقدين ان من انكر حكما من احكام الله ضروريا كان أو غيره فهو كافر. وقد استشهد المجلسي بهذا الخبر على ان البحث في مسألة الامامة كانت دائرة وشايعة بين اصحاب الائمة وهم يبحثون حول من كان مسلما مقرا لكنه شك أو لم يعتقد أو انكر واحدا من الاحكام والمقرارت أو المعارف مثل الامامة لا في الشاك غير المسبوق بالاسلام. منه دام ظله العالي.

[ 154 ]

الدلائل الدالة على وجوده اوضح من ان يشك فيها ولا ينكره الا معاند مباهت. الثالث: ما قيل المراد بالشاك المقر تارة والجاحد اخرى وانه كلما اقر فهو مؤمن وكلما جحد فهو كافر. الرابع: ان المعنى ان الشك انما يصير سببا للكفر إذا كان مقرونا بالجحود الظاهرى والا فهو منافق يجرى عليه احكام الاسلام ظاهرا. 1 وعلى أي حال فلا شبهة في ظهور الروايتين في اناطة الكفر بالجحود و توقفه عليه وعدم البأس بمجرد الشك ما لم يكن مقرونا بالانكار كما ان رواية هاشم البريد المذكورة آنفا ايضا ظاهرة في هذا، فإذا اقر بالشهادتين وشك بعد ذلك فهذا الشك غير ضار اصلا بل واليقين بالعدم ايضا لا يضر إلى ان يجحد صراحة فهناك يضر ويكون كافرا بذلك، وعلى هذا فلا واسطة في البين، وهذا هو الذى يظهر من الروايات الواردة في مقام الفرق والتميز بين الاسلام والايمان، و اليك منها ما يلى. عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عن الاسلام و الايمان اهما مختلفان؟ فقال: ان الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان، فقلت: فصفهما لى، فقال: الاسلام شهادة ان لا اله الا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح و المواريث وعلى ظاهره جماعة الناس، والايمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام وما ظهر من العمل به، والايمان ارفع من الاسلام بدرجة، ان الايمان يشارك الاسلام في الظاهر والاسلام لا يشارك الايمان في الباطن وان اجتمعا في القول والصفة. 2


1. مرآت العقول الطبعة القديمة ج 2 ص 389 والطبعة الجديدة ج 11 ص 183. 2. الكافي ج 2 ص 25. اقول: وفى مروج الذهب للمسعودي ج 4 ص 171 حدثنى محمد بن

[ 155 ]

وحيث ان هذه الرواية موثقة، وقد عمل بها الاصحاب، فجدير ان نقف هنا ونبحث فيها فنقول: هي صريحة في امكان تحقق الاسلام بدون الايمان و عدم امكان العكس، فيمكن ان يكون الانسان مسلما ولا يكون مؤمنا، ولا عكس وليس هذا الا لاجل دوران الاسلام مدار الاقرار بالشهادتين، فهناك يحل المناكحة ويجرى المواريث ويحفظ الاموال ويصان الاعراض ويحقن الدماء و يحكم بطهارة البدن إلى غير ذلك من الاحكام كحلية الذبيحة. واما الايمان فهو درجة رفيعة فوق ذلك. وعلى الجملة فالرواية في افادة هذا التفاوت وارفعية الايمان من الاسلام بمثابة من الوضوح لا تكاد تخفى وانما البحث والكلام في المقام في توجيه ترتب الاحكام المذكورة على الاقرار بالشهادتين فنقول: هنا ثلاث احتمالات: احدها: كون الاقرار طريقا محضا إلى عقد القلب واعترافه الباطني فالمقر بالشهادتين كائنا من كان ولو كان غير معتقد بالقلب واقعا يجب على المسلمين ان يعاملوه معاملة المسلم المسلم بمجرد الاقرار، ما لم يعلموا كذبه، و


الفرج بمدينة جرجان في المحلة المعروفة ببئر ابى عنان قال: حدثنى أبو دعامة قال: اتيت على بن محمد بن على بن موسى عائدا في علته التى كانت وفاته منها في هذه السنة فلما هممت بالانصراف قال لى يا ابا دعامة قد وجب حقك افلا احدثك بحديث تسربه؟ قال: فقلت: ما احوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله قال: حدثنى ابى محمد بن على قال: حدثنى ابى على بن موسى قال: حدثنى ابى موسى بن جعفر قال: حدثنى ابى جعفر بن محمد قال: حدثنى ابى محمد بن على قال: حدثنى ابى على بن الحسين قال: حدثنى ابى على بن ابى طالب رضى الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اكتب يا على، قال: فقلت: وما اكتب؟ قال لى: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم الايمان ما وقرته القلوب وصدقته الاعمال، والاسلام ما جرى به اللسان وحلت به المناكحة، قال أبو دعامة: فقلت: يا ابن رسول الله ما ادرى والله ايهما احسن الحديث ام الاسناد؟ فقال: انها لصحيفة بخط على بن ابى طالب با ملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتوارثها صاغرا عن كابر. ورواه المجلسي قدس سره ايضا عنه في بحار الانوار طبع بيروت ج 50 ص 208.

[ 156 ]

عدم اعتقاده في الباطن، ويجب عليهم ان يتخذوا اقراره طريقا إلى تحقق الاعتقاد في ضميره، واعتضاد اقراره باللسان باذعانه بالجنان، نظير اتخاذ الاذان طريقا إلى تحقق الوقت وامارة على دخوله، وعلى ذلك فلو علم كذبه ونفاقه فاقراره لا ينفع شيئا. ثانيهما: ان يكون موضوعا طريقيا وعلى هذا فلا يحكم باسلامه الا إذا اجتمع الاقرار والعقيدة وتقارنا وبعبارة اخرى اللازم تحقق اللفظ نفسه بعنوان انه طريق إلى عقد القلب واذعان الضمير وتسليم النفس. ثالثها: ان يكون موضوعا محضا ولازم ذلك هو الحكم بالاسلام وجريان احكامه بمجرد اللفظ ومحض الاقرار. ولا يخفى ان الظاهر من بين هذه الاحتمالات الثلاثة هو الاحتمال الاخير، الا ترى انه عليه السلام قال: به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح و الموارث؟ ولولا ان المؤثر التام والسبب الوحيد في جريان تلك الاحكام هو نفس الاقرار لما استقام اللفظ ولما صح التعبير بقوله: (به) وكذا التعبير بقوله: (عليه). ويؤيده قوله عليه السلام: وعلى ظاهره جماعة الناس. أي سواد الناس و العدة الوافرة، فان الجماعة وسواد الناس - الا نزر يسير وفرقة قليلة - كانوا يقرون بتوحيد الله ورسالة النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ولكنهم اتبعوا ائمة الضلال وانحرفوا عن ولاية العترة الطاهرة والائمة من آل محمد عليهم السلام. ويشهد على ذلك ايضا الحكم باسلام المنافقين في الصدر الاول المعلوم حالهم، بحيث ورد في حق بعضهم: انه لم يؤمن بالله طرفه عين، وكان النبي يساورهم، وما كان يجتنب عنهم، وكان يباشرهم مع الرطوبة ويناكحهم و يوارثهم ويعامل معهم معاملة المسلمين وكان يكتفى من الكفار بكلمتي الشهادة

[ 157 ]

ويحكم باسلامهم وهذا هو الدليل القاطع والبرهان القوى الدال على ان تمام الملاك في تحقق الاسلام وترتب احكامه هو الاقرار وان علم انه شاك بل وان علم انه غير معتقد اصلا كالمنافق المظهر للاسلام والمبطن للكفر. وعلى هذا فالبالغ العاقل غير المستضعف لو لم يقر بالشهادتين لا يكون مسلما، ولذا يلقن ولد الكافر عند بلوغه الشهادتين فان اقر واعترف فهو مسلم و الا فيحكم بكفره. واما عدم لزوم تلقين ولد المسلم عند البلوغ أو التميز، والحكم باسلامه بلا توقف على الاقرار، فهو لاجل وجود الامارة الظاهرة في كونه مسلما فانه نشأو نمى في محيط دينى وبيئة طيبة وربى في جو الاسلام وعند ابوين مسلمين ومنذ خرج من بطن امه وفتح عينيه لم ير ولم يشاهد الا المناظر الاسلامية ولم يقرع سمعه الا اصوات قراء القرآن ونغمات المؤذنين بالاذان. واهتمام المسلمين ولا سيما الشيعة الموالين لآل الرسول بتربية اولادهم والمواظبة على حالهم ليتعلموا معالم دينهم ويتأدبوا بآداب الاسلام امر لا يحتاج إلى البيان، لانه بمكان من الوضوح والعيان فهذا هو الرجل الشيعي يرى ولده يقع على الارض أو يسقط من شاهق أو من مكان عال أو يراه يريد ان يقوم من موضعه ومقامه فيلقنه الاستمداد من الله تعالى ومن اوليائه ويعلمه التوجه إلى المبادئ العالية ويقول له: ولدى قل: يا الله، أو قل يا على، وامثال تلك التلقينات الطيبة فإذا تعلم الصبى من والديه الاستنصار من الله تعالى والا ستشفاع إليه من الاولياء، والائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين فلا بد من كونه مقرا بالشهادتين و مذعنا معتقدا بهما وعارفا بالله ورسوله بل خلاف ذلك كاد ان يكون محالا عاديا. وهذا بخلاف ولد الكافر الذى نشئ على الكفر والضلال، والمفاهيم

[ 158 ]

الخاطئة، والعقائد الفاسدة الكاسدة، ولم يشم منذ ولادته رائحة الاسلام ولا يزال من بدع طفولته إلى سنين رشده سمع وشاهد الحاد الملحدين وتشكيك الضالين المضلين وحثه الابوان على الجحود والانكار والزندقة والالحاد وكان طوال هذه المدة تحت تبعية الكافر فلا بد من ان يتأثر بالسموم المبثوثة الالحادية في تلك البيئة المظلمة بل هو معلوم النهاية من مطلع البداية فالحكم باسلامه رهين الاقرار بالشهادتين وموقوف عليه فان اقر ودان بكلمة الاسلام فنعم المطلوب و الا كان كافرا نجسا مهدور الدم هذا. وقد تحصل من جميع ما قررناه في هذا المضمار انه ليس الاسلام شيئا سوى تسليم الانسان للشهادتين والاقرار بهما وسيجئ في الابحاث الآتية مزيد توضيح وما ينفع لهذا البحث انشاء الله تعالى فانتظر.

[ 159 ]

حول انكار الضرورى ثم انك قد علمت انه يدخل في ضابط الكافر من انكر ضروريا من ضروريات الدين وان كان بحسب الظاهر مسلما مقرا بالشهادتين وقد صرح العلماء رضوان الله عليهم اجمعين بذلك كما قال المحقق في عبارته المتقدمة: و ضابطه من خرج عن الاسلام أو من انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة الخ و مثله ايضا كلمات الآخرين ولا خلاف في ذلك ظاهرا بل هو من المسلمات. وانما المهم هو ان انكار الضرورى بنفسه ومن حيث هو سبب مستقل للكفر تعبدا 1 أو لانه كاشف عن انكار النبوه وراجع إلى تكذيب النبي صلى الله


1. اقول: قال المحقق الهمداني في طهارته ص 566: ان القول بالسببية صريح بعض وظاهر آخرين بل ربما استظهر من المشهور انتهى ولكنه رحمه الله خالف هذا الرأى وقال في ص 567: انه لا دليل على سببية الانكار من حيث هو الكفر. وقال في مفتاح الكرامة ج 1 ص 143: وهنا كلام في ان جحود الضرورى كفر في نفسه أو

[ 160 ]

عليه وآله والعدول والانصراف عن الاقرار بالشهادتين وكونه نقضا لا قراره؟ و قد تشعبت في ذلك اقوال المحققين وذهب إلى كل فريق والظاهر عندنا هو الوجه الثاني ويمكن ان يقال: ان انكار الضرورى بمجرده غير ملازم لتكذيب النبي وانكار الشريعة توضيحه ان من كان بعيد الدار عن حوزة نفوذ الاسلام و المسلمين وقاطنا في بلاد الكفر ولالحاد فصادفه مسلم ودعاه إلى الاسلام ولقنه الشهادتين فاثرت هذه الدعوة ونفذت فيه فاقر بالشهادتين ثم امره المسلم بالصلاة - التى لا شك في كونها ضرورية في الاسلام ولا مرية فيه ابدا - فابى منها وانكرها اشد الانكار فهل ترى من نفسك ان انكار جديد اسلام مثل هذا تكذيب للنبى والحال انه بعد لا يعرف الضرورى مفهومه، ومصاديقه، وعدده، وليس عارفا بحقيقة الصلاة وعظمها ومبلغ اهتمام الشارع بها وهل يمكن الحكم بكفره والحال هذه؟ اللهم الا ان يقال انها ليست ضرورية بالنسبة إليه فان الضرورى الذى يكفر منكره هو ما ثبت عنده يقينا كونه من الدين. وقد قيده بعضهم بما إذا لم يكن انكاره عن شبهة طارئة عليه والا فهو لا يوجب الكفر وكانه قيل: من انكر الضرورى عالما بكونه ضروريا فهو كافر لان الانكار مع هذه الخصوصية ملازم للتكذيب قهرا ولا ينفك عنه جدا. لكن هذا ايضا لا يخلو عن المناقشة حيث انه قد يتفق ان المنكر ينكر ما يعلم كونه ضروريا بلا التفات اصلا إلى كون انكاره هذا تكذيبا للنبى صلى الله عليه وآله وسلم. ويرد ايضا على قولهم برجوع الانكار إلى التكذيب انه لو كان الملاك هذا لجرى ذلك في كل ما علم انه من الدين وان لم يكن ضروريا فان من الممكن


يكشف عن انكار النبوة مثلا ظاهرهم الاول واحتمل الاستاد الثاني قال فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بتكفيره الا ان الخروج عن مذاق الاصحاب مما لا ينبغى انتهى.

[ 161 ]

انكار حكم ثبت عند منكره انه من الدين ويتحقق التكذيب بذلك مع عدم كونه ضروريا فلو كان الملاك هو التكذيب فلماذا خصوا الضرورى بالذكر وما وجه التخصيص؟ والتحقيق ان انكار الضرورى يتصور بحسب مقام الثبوت على ثلاثه انحاء: الاول: الموضوعية في الحكم بالكفر فكما انه يحكم بكفر من جحد اله العالم وانكر النبوة كذلك يحكم بكفر من انكر ضروريا من ضروريات الدين بمجرد انكاره نظير كون الاقرار بالشهادتين موضوعا للحكم بالاسلام وترتب احكامه على المقر بهما فمنكر الضرورى كافر لا من حيث كفره الباطني وعلمنا بانه كافر واقعا بل هو كافر ولو لم نعلم حاله ولم يثبت لدينا كفره الباطني بل و ان علمنا انه كاذب في انكاره وانه مومن واقعا فعلى الموضوعية المحضة يحكم عليه بالكفر لعلة انكار الضرورى وحده الا من اضطر إليه أو اكره عليه مع الايمان الرصين كما قال الله تعالى في حكاية عمار " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان. " 1 الثاني: ان يكون انكار الضرورى موجبا للكفر لكونه كاشفا عن انكار الرسالة وتكذيب النبي الامين ونقضا تفصيليا لما اقربه اجمالا فهما كالمتلازمين عقلا وعلى هذا فلو شك في انه مكذب واقعا واحتمل خلاف ما نطق به مع انه منتحل إلى الاسلام ومقر بالشهادتين فلا يكون انكاره سببا للحكم بكفره نظير ما ورد من ان الحدود تدرء بالشبهات. هذا إذا كان قد احتمل في حقه عدم التكذيب فكيف بما إذا علم انه ليس بمكذب وانه ليس بصدد انكار الرسالة ولا يريد ذلك اصلا فهو ينكر امرا خاصا


1. سورة النحل الآية 106.

[ 162 ]

سواء كان لاجل عدم علمه بكونه ضروريا أو لغير ذلك من الجهات. الثالث: ان يكون موجبا للكفر لا بما هو موضوع له ولا بما هو كاشف واقعى عنه بل من جهة الكشف التعبدى عنه فيكون نظير الطرق التى يعمل بمقتضاها ويلغى معها احتمال الخلاف ما لم يقطع بخلافها كما إذا قامت البينه على تذكية حيوان مثلا واحتمل عدم التذكية لجهة خارجية فان هذا الاحتمال ملغى في نظر الشارع، وعلى هذا فيحكم بكفر منكر الضرورى ما لم يعلم ولم يقطع منه عدم التكذيب سواء علمنا جزما انه مكذب أو احتملنا ذلك في حقه فان انكاره طريق تعبدي يعمل على طبقه بلا اعتبار لا حتمال عدم ارادته التكذيب فانه ملغى ولا يؤثر في رفع الحكم بالكفر، الا ترى انه لو اقر مقر بالقتل أو الدين فهو مأخوذ باقراره ولا يعتنى إلى احتمال ارادته خلاف ظاهر اقراره. والحاصل: انه إذا حكم بكفر منكر الصانع ومكذب الرسول فلا فرق فيه بين الانكار صريحا أو بالدلالة الالتزامية ومعلوم ان منكر الضرورى يكذب النبي التزاما. والفرق بين الاحتمالين الاخيرين - كالفرق بينهما وبين الاحتمال الاول - لا يكاد يخفى على من لاحظ الوجهين فان مقتضى الوجه الاول منهما الحكم بكفره في صورة واحدة لانه إذا احتمل في حقه عدم التكذيب أو قطع بذلك فلا يحكم عليه بالكفر بخلاف الاخير منهما فانه يحكم عليه بالكفر في صورتين اعني ما إذا احتمل في حقه التكذيب وما إذا علم انه مكذب فتبقى صورة واحدة لا يحكم فيها بالكفر وهى ما ذا علم جزما أنه ليس مكذبا هذا. واما في مقام الاثبات فنقول: اما الاحتمال الاول فاثباته غير ممكن الا أن يكون هناك اجماع ويتمسك القائل بالموضوعية، به بعد التتبع البالغ، والاستقصاء الكامل، والوقوف على

[ 163 ]

كلماتهم، وموافقتهم على ذلك. ولكن لا يخفى ان استفادة ذلك من كلماتهم في غاية الاشكال فانها ليست على نسق واحد فترى أن بعضا منهم يقيد انكار الضرورى بعدم شبهة طارئة له ولا اقل من كون هذا البعض مخالفا فانه لا يساعد كون الانكار كيفكان - ولو عن شبهة بل ولو كان ناشيا عن الجهل المركب - سببا للحكم بالكفر. واما الاحتمال الثاني: فاثباته بدليل العقل بادعاء التلازم بين الانكار و التكذيب، وهو غير بعيد. واما الثالث؟ وهو اقرب الاحتمالات فدليله الشرع، وهو الذي تعرب عنه كلمات الاعلام، وعلى هذا فما كان من انكار الضروريات مستلزما لتكذيب النبي وكاشفا عنه، فانكاره موجب للكفر، ودليل كفره هو دليل كفر تكذيب النبي فمنكر الضرورى كافر، كما ان منكر الباري ومكذب النبي كافر، و التفكيك بينهما، والقول بان مكذب النبي كافر ولكن منكر الضرورى ليس بكافر في محل المنع وكيف لا والحال انه انكر حكما ثابتا من احكامه وشعيرة قطعية من شعائره. ان قلت: ان هذا ينافى ما قاله العلماء من ان الالتزام بكل الاحكام ليس واجبا. نقول: لا تنافى بينهما اصلا فان معنى كلامهم قدس الله اسرارهم عدم وجوب الالتزام به تفصيلا لا مطلقا حتى الاجمالي منه فانه واجب بلا كلام بل الاقرار بالشهادتين هو الالتزام بالاحكام كلها اجمالا. وعلى الجملة فلا شك في كفر من أنكر الضرورى غاية الامر انه يعتبر فيه الكشف عن كونه مكذبا كمن نشأ في بلاد الاسلام وعاش طوال حياته مع المسلمين وحضر انديتهم وشهد مجامعهم فان تلك الامور تلازم عادة علمه

[ 164 ]

بكون حكم كذا من احكام الاسلام وضرورياته فلو انكره فهو تكذيب لا محالة اما لو كان ساكنا في بلاد الكفار أو قاطنا في البلدان النائية محروما ومبتعدا عن مجالس المسلمين ومجالستهم، لاصلة له بهم: ولا رابطة بينه وبينهم، وكان مسلما بعيدا عن حقائق الاسلام، بسيطا يجهل الآداب والمعارف الدينية، ولا حظ له في الثافة الاسلامية، قد اضله زنديق ولقنه مثلا بان الصلاة الواجبة علينا هي الدعاء لا الاركان المخصوصة، ولا يجب عند اوقات الصلاة سوى قرائة دعاء كذا أو ذكر كذاك ناد عليا مظهر العجائب. فتأثر هذا المسلم البسيط بهذه الاباطيل الفاضحة، والبدع والخرافات الواهية حتى انكر الصلاة المعهودة، فان انكاره هذا ليس تكذيبا للنبى صلى الله عليه وآله وانكارا للشريعة ولا يوجب الكفر و النجاسة، وهو بعد رجل مسلم، مؤمن بالله ورسله، وآياته وكتبه. وبهذا البيان ترتفع المناقشة في المقام بان المنكر للضروري ربما لا يلتفت حين انكاره إلى كون انكاره تكذيبا للنبى وانكارا للرسالة المحمدية صلى الله عليه وآله لانا ذكرنا انه يوجب الكفر للكشف التعبدى عن التكذيب فإذا علمنا انه غير ملتفت إلى ذلك فانكاره لا يوجب الكفر. نعم يبقى المناقشة بعدم الفرق بين انكار الضرورى وانكار غير الضرورى من الاحكام فان الملاك لو كان هو التكذيب فهو جار في غير الضرورى ايضا من الاحكام المعلومة الصدور عن النبي كما إذا سمع حكما عن النبي أو الامام فانكره فهو تكذيب له ويصير كافرا بذلك مع ان الحكم ليس بضروري. لكن الانصاف ان بينهما فرقا واضحا وهو انه في الضرورى يحكم عليه بالكفر لكونه مكذبا فلا حاجة إلى شئ آخر غير نفس الانكار بخلاف غير الضرورى فان انكاره بمجرده لا يوجب الكفر لعدم كشفه عن التكذيب فربما يكون منكرا له وإذا قلنا له انكرت حكم الاسلام يعتذر بان النبي لم يقل بذلك

[ 165 ]

فهذا في الحقيقة تكذيب لنا لا للنبى فاثبات كونه مكذبا منوط بامر آخر وهو اقراره بنفسه واعترافه بانه يكذب الرسول صلى الله عليه وآله. وبعبارة اخرى المدار في الحكم غير الضرورى على حصول العلم بان المنكر مكذب للنبى ومنكر للرسالة بخلاف الضرورى فانه بنفسه دال على ذلك. لكن يبقى اشكال آخر في المقام وهو ان العلماء رضوان الله عليهم اجميعن مع تقييدهم انكار الضرورى بعدم كونه ناشئا عن الشبهة كما هو الحق اطلقوا المثال فانهم مثلوا لمنكر الضرورى بالغلاة والخوارج من دون تقييدهم المثال بعدم الشبهة كما رأيت ذلك في عبارة المحقق التى ذكرناها سابقا والحال ان الغلو في حق الائمة عليهم السلام أو الخروج عليهم ربما ينشئآن عن الشبهة ايضا، والولاية أو الوصية مع انها من الامور الثابتة العريقة في الاسلام التى نص عليها القرآن العظيم، واكد عليها النبي الكريم صلى الله عليه وآله شديدا، والمودة المفروضة في القرآن لا غبار عليها ولا ارتياب، ووجوب احترامهم وحرمة اهانتهم مما نطق به الكتاب، قال الله تعالى: " قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى " 1 إلى غيرها من الآيات كآية يوم الغدير 2 الا انها مع ذلك كله قابلة لان يشتبه فيها الامر على بعض التابعين أو تابعي التابعين ممن لم يدركوا عصر رسول الله الذهبي لا سيما بلحاظ موقعية امر الولاية الخطيرة واهميتها الخاصة و وجود دواع كثيرة - من الحكام المخالفين للعترة الزاكية ومهابط الوحى - على تشويه الامر وتلبيسه على الناس وابعادهم عن ولى الله على عليه السلام والطاهرين من ذريته، وخذلان العترة الطاهرة، بشتى الوسائل، ومن ثم لم يدعوا


1. سورة شورى الآية 23. 2.: " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدى القوم الكافرين "، سورة المائدة الآية 68 " اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " سورة المائدة الآية 3

[ 166 ]

أي فرصة في ذلك. اما كان معاوية الطاغية يدعو الناس دائما على الاعراض عن امير المؤمنين؟ الم يكن يتهمه بانواع الاتهامات حتى قال انه لا يصلى؟ فكل من سبر تأريخ الاسلام يعرف ويعلم ان دين معاوية وديدنه هو القاء ما يمس كرامة ساحة اهل البيت وما ينفى محاسنهم لا سيما بالنسبة إلى الامام على عليه السلام فلم يزل دائبا على الوقيعة فيه والحط من كرامته والصاق كل تهمة به وبذل كل جهده و امكانياته في ذلك وكان بنفسه قد افصح بلسانه واعرب بلفظه عن عقيدته المشئومة التى هي القاء بذر عداوة وصى الرسول في قلوب الامة الاسلامية بقوله - في جواب قوم من بنى امية قالوا له: انك قد بلغت ما املت فلو كففت عن لعن هذا الرجل -: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلا 1 وكان ذلك اسلوبه حتى ان هلك ومات فآل الامر إلى ان ظهر النصب و العداوة في عصره وانتشر بغض على وغيره من آل محمد في ايامه، وتقرب الناس بذم آل الرسول طلبا لرفده وعطاياه، وطمعا في صلته وجوائزه، أو خوفا من قتله ونهبه واسره وتنكيله فراجع التاريخ. ونزيد على ذلك سؤالا آخر وهو انه اما ورد في التاريخ تقديم نذور عديدة وقرابين كثيرة من فلان وفلان عند قتل الحسين عليه السلام؟ 2 الم يبنوا مساجد فرحا بقتل سيد الشهداء؟ 3


1. شرح نهج البلاغه الحديد ج 4 ص 57. 2. اقول روى المسعودي في مروج الذهب ج 3 ص 152 وابن ابى الحديد في شرح النهج ج 4 ص 61 ان عبد الله بن هاني وهو رجل من اود قال عند ذكر مفاخره لحجاج: وما منا امرأة الا نذرت ان قتل الحسين ان تنحر عشر جزائر لها ففعلت قال الحجاج: وهذه والله منقبة.

3. اقول: في الوسائل ج 3 الطبع الحديث ص 520: عن ابى جعفر عليه السلام قال: جددت اربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسين عليه السلام مسجد الاشعث ومسجد جرير ومسجد سماك و مسجد شبث بن ربعى لعنهم الله.

[ 167 ]

وإذا كان كذلك فاى بعد في ان يتأثر البعض في هذه الاجواء المظلمة بتلك المفاهيم الخاطئة والالقاآت المضلة ويقطع بها ويتداخل بغض على عليه السلام في قلبه، وهل يمكن القول بان كل ما وقع وما صدر عن الناس بعد قتل الحسين من الفرح والسرور، والصدقات والنذور، كان عن تفهم وشعور؟. ومجمل الكلام ان كثيرا منهم ولا اقل من بعضهم كان قد اشتبه عليه الامر فقال ما قال واتى بما اتى في تلك الظروف الخاصة، وعلى هذا فكيف يطلقون كفر الخوارج مثلا مع انهم ربما يقيدون انكار الضرورى الموجب للكفر بعدم كونه عن شبهة فان ظاهر اطلاق المثال يعرب عن موضوعية الانكار في اقتضاءه الكفر كانكار الصانع، والحال ان مقتضى ظاهر تقييد بعض انكار الضرورى بعدم الشبهة، طريقته للتكذيب. وقد تصدى علم التحقيق والتقى الشيخ المرتضى قدس سره للجواب عنه وملخص كلامه ان الاسلام شرعا وعرفا عبارة عن التدين بهذا الدين الخاص الذى يراد منه مجموع حدود شرعية منجزة على العباد كما قال الله تعالى: " ان الدين عند الله الاسلام. " فمن خرج عن ذلك ولم يتدين به كان كافرا غير مسلم سواء لم يتدين به اصلا أو تدين ببعضه دون بعض أي بعض كان. ثم استشهد بصحيحة ابى الصباح الكنانى 1 وقال بعد ذلك: فهذه الرواية واضحة الدلالة على ان التشرع بالفرائض مأخوذ في الايمان المرادف للاسلام كما هو ظاهر السؤال و الجواب. ثم ذكر مكاتبة عبد الرحيم 2 وصحيحة عبد الله بن سنان 3 واشار بعدها إلى رواية مسعدة بن صدقة 4 ثم ذكر صحيحة بريد العجلى 5 وقطعة من رواية


1. الكافي ج 2 ص 33 الحديث 2. 2. وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من ابواب مقدمة العبادات ح 18. 3. وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من ابواب مقدمة العبادات ح 10. 4. وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من ابواب مقدمة العبادات ح 11.

[ 168 ]

سليم بن قيس الهلالي واشار بعدها إلى روايات اخر دالة ايضا على كفر منكر شئ من الدين واستثنى - تبعا للاخبار الواردة - الجاهل بالحكم. ثم حمل ما دل من النصوص والفتاوى على كفاية الشهادتين في الاسلام على حدوث الاسلام بهما ممن ينكرهما من غير منتحلى الاسلام إذ يكفى منه الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة المستلزمة للالتزام بجميع ما جاء به النبي وتصديقه في ذلك اجمالا وهذا لا ينافى كون عدم التدين ببعض الشريعة أو التدين بخلافه موجبا للخروج عن الاسلام. ثم قسم عدم التدين ببعض الشريعة أو كلها الذى هو سبب في الخروج عن الدين إلى اقسام فقد يرجع إلى عدم الانقياد لله بان يعلم مجئ النبي به ويعلم صدقه في ذلك الا انه لا يتدين بذلك عصيانا بحيث لو اوجب الله عليه ذلك من غير واسطة لابي عنه وامتنع نظير كفر ابليس لعنه الله وقد يرجع إلى انكار صدق النبي كمن انكر شيئا من الدين مع علمه بان النبي جاء به، وصرح رضوان الله عليه بعدم الاشكال في كفر هذين القسمين الا ان تكفيرنا له متوقف على علمنا بعلمه المذكور سواء نشأ علمنا من الخارج أو من جهة اقراره أو من جهة كون المنكر - بالفتح - ضروريا لا يخفى على مثل هذا الشخص الذى نشأ بين المسلمين فعلمنا من ذلك بضرورية المنكر - بالفتح - لا دخل له في كفر المنكر، وانما له دخل في تكفيرنا اياه، حيث انه لا سبيل لنا غالبا إلى العلم بعلم المنكر الا من جهة كون المنكر - بالفتح - مما لا يخفى على مثل المنكر ممن نشأ بين المسلمين. وقد لا يرجع انكاره إلى شئ من العنوانين كمن انكر شيئا من الدين بدعوى عدم مجئى النبي به أو مجيئه بخلافه، بحيث يعلم أو يحتمل ان ذلك ليس لاجل تكذيب النبي، كما ان كثيرا من الخوارج والنواصب والمتدينين ببعض ما هو مخالف


1. الكافي ج 2 ص 397 باب الشرك ح 1.

[ 169 ]

لضروري الدين من هذا القبيل أو ظنا أو احتمالا بل ربما يعدون المخالف له خارجا عن الدين فيتقربون إلى الله ببغضه وعداوته. قال رحمه الله: فاللازم على من استند في كفر منكر الضرورى إلى رجوع انكاره إلى تكذيب النبي ان لا يحكم بكفرهم من غير تفرقة بين كون هذا الانكار ناشئا عن قصورهم أو عن تقصيرهم غاية الامر مؤاخذة المقصر على ترك التدين بما انكره له كان انكاره متعلقا بالعقائد كالمعاد ونحوه والا فالعمليات لا عقاب فيها الا على ترك العمل فمنكر حرمة الخمر لا دليل على عقابه الا على نفس شرب الخمر لو شربها لعدم قصد الشارع إلى التدين تفصيلا بالاحكام العملية اولا وبالذات. ثم قال: لكن الانصاف ان هذا القول مخالف لظاهر كلمات الفقهاء في حكمهم بكفر منكر الضرورى على الاطلاق بل مقابلته لانكار الرسالة وفى حكمهم بكفر الخوارج والنواصب معللين بانكارهم للضروري مع ما هو المشاهد من كثير من هذا الفرق الخبيثة وانهم يتقربون إلى الله بذلك ولا يحتمل في حقهم رجوع انكار هم لحق امير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم إلى انكار النبي وتكذيبه مضافا إلى مخالفته لا طلاقات الاخبار المتقدمة في حصول الكفر باستحلال الحرام وتحريم الحلال... مع ما عرفت من ان عدم التدين ببعض الدين يوجب الخروج عن الدين. اقول: انه قدس سره عدل في هذه القسمة من كلامه عما ذهب إليه - من التفصيل بين موارد الانكار واقسامه والحكم بعدم كفر الثالث منها - ومال إلى ما حققه اولا من ان عدم التدين ولو بحكم من الاحكام يوجب الكفر إلى ان قال: و الحاصل ان المنكر للضروري الذى لا يرجع انكاره إلى انكار النبي اما ان يكون قاصرا واما ان يكون مقصرا وعلى التقديرين فاما ان يكون الضرورى الذى

[ 170 ]

انكره اعتقادا من العقائد كالمعاد واما ان يكون فعلا كالالقأ المصحف في بعض الامكنة واما ان يكون قولا كسب النبي وان كان الفاعل يعتقد كون ذلك حراما في الشريعة إذ ليس المأخوذ في الدين التدين بحكمه بل التدين بترك عمله فهذه اقسام ستة. ظاهر اطلاق النصوص والفتاوى خصوصا اجماعهم على كفر الخوارج والنواصب مستدلين بانكارهم للضروري حيث ان عموم كلامهم للقاصر والمقصر من هذا الفرقة الخبيثة ليس باولى من عمومه للقسمين من اليهود والنصارى، الحكم بكفر جميعهم... ثم رجع وعدل عما ذكره وقال: الا ان الانصاف ان في شمول الاخبار المطلقة المتقدمة الدالة على حصول الكفر بالاستحلال للقاصر نظرا ظاهرا ومنع وجود القاصر في الكفار كلام آخر واما نجاسة الخوارج والنواصب فنمنع كونها لمجرد الانكار للضروري فلعله لعنوانهما الخاص بل لا يستفاد من الاخبار الا ذلك كما في اليهود والنصارى فيكون ولاية الامير والائمة صلوات الله عليهم بمعنى محبتهم كالرسالة في كفر منكرها من غير فرق بين القاصر والمقصر ولو سلم ما ذكر من الاطلاق فانما هو في العقائد الضرورية المطلوبة من المكلفين التدين بالاعتقاد بها دون الاحكام العملية الضرورية التى لا يطلب فيها الا العمل فالاقوى التفصيل بين القاصر وغيره في الاحكام العملية الضرورية دون العقائد تمسكا في عدم كفر منكر الحكم العملي الضرورى بعدم الدليل على سببيته للكفر مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ولا بالعمل بمقتضاه. إلى آخر كلامه زيد في علو مقامه. وقد علمت بانه قال بان كفر الخوارج والنواصب ليس من باب انكار الضرورى بل لاجل عنوانهما الخاص وعلى هذا فلا يرد الاشكال على العلماء في عدم تقييد مورد التمثيل وهو الخوارج والغلاة مثلا بعدم الشبهة لان الوصف.

[ 171 ]

العنوانى موجب لترتب الحكم بالكفر مطلقا. وقد تحصل من كلامه انه فصل بالاخرة في الضروريات بين العقائد و الاحكام العملية فحكم في الاولى بان انكارها سبب للكفر مطلقا وفى الثانية بالتفصيل بين كون الانكار عن قصور أو عن تقصير والثانى محكوم بالكفر دون الاول. ونحن نقول: ان ما ذهب إليه واختاره في رفع الاشكال - من كون العنوان موجبا للكفر - وجه غير بعيد وبه يرتفع الاشكال ومع ذلك فسيجئ منا وجه في ان اطلاقهم القول بكفر منكر الضرورى غير مناف للتقييد في كلمات بعضهم فانتظر. ثم ان من كلامه الشريف مواقع للنظر ينبغى لنا التعرض لها. فمنها انه قدس سره اصر شديدا على القول بكون الاسلام هو التدين بمجموع الدين واستشهد على ذلك بما اشرنا إليه من الاخبار وهو وان استشكل في اثناء كلامه ومطاوى تحقيقاته في هذا الاطلاق اعني كفر مطلق من جحد شيئا ضروريا من الدين الا انه بالاخرة اعتمد عليه ولم يستثن منه سوى منكر الحكم العملي قاصرا فكل من سواه داخل تحت الاطلاق سواء كان منكرا للعقائد قاصرا ومقصرا أو منكرا للحكم العملي تقصيرا. والحال ان استظهار كون الدين هو مجموع الحدود الشرعية - من الاخبار - وان انكار أي واحد منه موجب للكفر مشكل - وسنبين ما يستظهر من الروايات انشاء الله تعالى - والالتزام به لو سلم استفادته اشكل بل يمكن ادعاء كون ذلك مخالفا للاجماع فان لازم التمسك بهذا الاطلاق هو كفر منكر كل حكم لو كان عن تقصير وان لم يكن ضروريا فان الروايات قد تتضمن ما لا يكون ضروريا ايضا وعلى هذا فمن استنبط غلطا لتقصيره في مقدمات الاستنباط مثل ان عمل

[ 172 ]

بالقياس وتمسك به أو لم يتتبع كاملا في مقام الاجتهاد يكون كافرا وهذا مما لا يمكن الالتزام به اللهم الا ان يقيد الاحكام العملية بكونها ضرورية واستنبط غلطا عن تقصير. لكن يبقى الا يراد عليه بانه ما الفرق بين الضرورى وغيره فان كنتم تفرقون بينهما لان انكار الضرورى يوجب التكذيب ومستلزم له دون غير الضرورى. ففيه انه لا تكذيب اصلا مع عدم العلم كما هو المفروض، فمن الممكن ان هذا المنكر لو ارتفع جهله وعلم بان النبي قال به لقبله واقربه وخفض جناح الذل تجاه قول رسول الله ورسالته الخالدة. ومنها انه قدس سره علل عدم كفر منكر الحكم العملي الضرورى بعدم الدليل على سببيته للكفر مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ولا بالعمل بمقتضاه لانه المفروض. وعلى هذا فلو انكر احد، جهلا وجوب الصلاة أو غيرها فهو غير مكلف بالتدين به وإذا لم يكن مكلفا فلا يعاقب بتركه لعدم التكليف به فكيف يمكن الحكم بكفره بذلك والحال هذه؟ فقد تمسك قدس سره بانه لا يمكن عقلا ان يكون غير مكلف وغير معاقب ومع ذلك يحكم عليه - لا جل هذا الحكم الذى لا يوجب عقابا - بالكفر. وفيه ان هذا بمكان من الامكان فلو دل دليل على الكفر مع عدم التكليف والعقاب فلا استبعاد عقلا بل هو واقع ومحقق كما اعترف هو بنفسه في صورة انكار الضرورى الاعتقادى جهلا كمن كان قد ولد في جزيرة بعيدة و نشأ فيها بعيش بسيط انفرادي ولم ير احدا ولم يشعر بان للعالم الها وصانعا فهو غير معاقب لعدم التقصير مع انه كافر لعدم اقراره بالشهادتين ومجمل الكلام انه من الممكن في مفروض الكلام كونه غير مكلف ومع ذلك يكون كافرا، ولا

[ 173 ]

وجه للاستبعاد فيه الا انه لم يقم عليه دليل وقد ذكرنا انه لو دل عليه دليل فهو في نفسه غير بعيد. ثم انك قد علمت ان الشيخ المرتضى جمع بين اخبار الشهادتين و الاخبار المطلقة الدالة على كفر منكر حكم من الاحكام: بحمل الاولى على مورد حدوث الاسلام ممن كان ينكره، والاخذ باطلاق الاخبار الاخر والحكم بان انكار مطلق الاحكام موجب للكفر الا الحكم العملي إذا كان انكاره عن قصور عند ما كان معتنقا للدين. وللفقيه الهمداني قدس سره طريق آخر للجمع بين تلك الاخبار اعني روايات كفر منكر شئ من الاحكام وروايات الشهادتين قال: ويتوجه على الاستدلال بمثل روايات بعد الغض عما في بعضها من الخدشة ان استحلال الحرام أو عكسه موجب للكفر من غير فرق بين كونه ضروريا أو غيره بل بعضها كالصريح في الاطلاق وحيث لا يمكن الالتزام باطلاقها يتعين حملها على ارادة ما إذا كان عالما بكون ما استحله حراما في الشريعة فيكون نفى الاثم عن نفسه و استحلاله منافيا للتدين بهذا الدين ومناقضا للتصديق بما جاء به سيد المرسلين فيكون كافرا سواء كان الحكم في حد ذاته ضروريا ام لم يكن (إلى قال:) والحاصل انه لا يفهم من هذا الاخبار اعتبار عدم انكار شئ من الاحكام الضرورية من حيث هو وان لم يكن منافيا لتصديق النبي في جميع ما جاء به اجمالا في مفهوم الاسلام المقابل للكفر حتى يتقيد به الاخبار الواردة في تفسير الاسلام الخالية عن ذكر هذا الشرط مثل ما رواه في الكافي عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله: اخبرني عن الاسلام والايمان اهما مختلفان؟ فقال: ان الايمان يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لى فقال: الاسلام شهادة ان لا اله الا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله به حقنت

[ 174 ]

الدماء وجرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس والايمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام إلى غير ذلك من الاخبار الدالة عليه انتهى. وحاصل كلامه رضوان الله عليه ان تلك الاخبار مطلقة في تحقق الكفر بانكار أي حكم من الاحكام ضروريها وغير ضروريها لكن لا يمكن الالتزام بهذا الاطلاق ولذا يحمل على ما إذا كان عالما بانه حرام في الشرع ومع ذلك احله فان هذا التصرف والتدين خلاف التدين بالاسلام فيحكم بكفره. وفيه ان الروايات بعد عدم امكان الاخذ بظاهرها كما اعترف به تصير مجملة لدوران الامر بين تقييد الظاهر بالعلم أو بالضروري وإذا صارت مجملة فلا يمكن التمسك بها لاشتراط الدليل بكونه صريحا ولا اقل من كونه ظاهرا. وهنا وجه ثالث للجمع بين الاخبار يغاير ما قاله شيخنا المرتضى و كذا الهمداني وقد قاله بعض وهو انه ليس الكافر في هذا الروايات بمعناه المصطلح، بل هو بمعنى العاصى، وعلى هذا فالمنكر لشئ من الاحكام مطلقا عاص الله سبحانه. وفيه انه خلاف الظاهر جدا. هذا مضافا إلى عدم مساعدة ذلك لما ورد في روايات اخرى كصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: من ارتكب كبيره من الكبائر فزعم انها حلال اخرجه ذلك عن الاسلام وعذب اشد العذاب وان كان معترفا انه اذنب و مات عليه اخرجه من الايمان ولم يخرجه من الاسلام وكان عذابه اهون من عذاب الاول. 1 الا ترى انه قد تعرض لصورة الفسق على حدة في قبال المرتكب المستحل المحكوم عليه بالكفر.


1. الكافي ج 2 ص 285 الحديث 23.

[ 175 ]

ولنا في هذا المقام بيان في وجه الجمع بينها لا يرد عليه هذه الايرادات و هو ان الظاهر من تلك الروايات وتعبيراتها الخاصة وكيفية الخطاب والعتاب الواردين فيها انها واردة في المستحل للحرام أو المحرم للحلال عالما عامدا فمن كان عالما بحرمة الخمر ومع ذلك قال بحليته فهو كافر قطعا وهو في الحقيقة مبدع في الدين نظير ما ورد في الروايات في من يأكل الربا ويسميه اللبا 1. فهذه الاخبار غير مربوطة بالجاهل اصلا الا ترى انه قد يعبر في بعضها بالجحد؟ ومن المعلوم ان الجحود هو الانكار مع العلم. وبعبارة اخرى: لا يطلق الكافر على من استحله جهلا فهذا التعبير أي الجحود يشهد بورود الروايات في شأن العالم بالخلاف وعلى هذا فليس مستحل الخمر عن جهل كافرا بل انه يعاقب على ترك التعلم. ويقال له - كما في الروايات - هلا تعلمت. 2 وعلى الجملة فالذي استظهر منها هو انها واردة في الانكار عن علم و متعرضة له ولمن انكر عالما ولا اقل من كونه المتيقن منها وعلى هذا فليس المنكر عن جهل أو عن شبهة كافرا نعم هذا كله في الاحكام والفرائض واما الاصول الاعتقادية فانكارها موجب للكفر مطلقا. واما اطلاق كلام بعضهم في كفر منكر الضرورى فهو غير ضائر لانه ناظر إلى نوع المنكرين وغالبهم، ووارد بحسب حال الاكثر، من علمهم بالحكم الضرورى فان الحكم إذا كان ضروريا فقلما يتفق ان لا يكون معلوما للناس فيؤل


1. ولفظ الخبر هذا: عن ابن بكير قال: بلغ ابا عبد الله عليه السلام عن رجل انه كان يأكل الربا و يسميه اللبا، فقال: لئن امكنني الله منه لا ضربن عنقه وسائل الشيعة ج 12 ص 429 الباب 2 من ابواب الربا، ح 1 ثم لا يخفى ان اللبا هو اللبن الاول الذى يناط به حياة الولد على ما قيل. 2. عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام وقد سئل عن قوله تعالى. " فلله الحجة البالغة " فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدى اكنت عالما؟ فان قال: نعم. قال له: افلا عملت بما علمت؟ وان قال: كنت جاهلا قال له: افلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة. امالي الشيخ الطوسى ج 1 ص 8.

[ 176 ]

قولهم بكفر منكر الضرورى إلى كفر من انكره عالما بانه حكم شرعى الهى. ومجمل القول ان هذا الاطلاق لا ينافى التقييد اصلا وان كان صرف النظر عن اطلاق كلمات العلماء في مثل منكر الصلاة والصيام والحج والجهاد مشكل جدا، وعلى هذا فلا يعتبر في الحكم بكفر منكر مثل هذا الاحكام رجوع انكاره إلى تكذيب النبي أو كون المنكر عالما فان ظاهر كلامهم كفره على أي حال. ولكن يمكن ان يقال ان اطلاقهم محمول على ان هذه الامور ضرورية واضحة للكل بمعنى ان ادعاء الجهل فيها غير مسموع ناشئا عن جهل أو شبهة فيمكن ان لا يكون مستندا إلى انكار الضرورى بل كان الوصف العنوانى عنوانا خاصا للكفر نظير عنوان اليهودية والنصرانية على ما افاده علم التقى الشيخ المترضى قدس سره الشريف. لكن هذا منوط بعدم كون الولاية بمعناها الخاص اعني الوصاية الخاصة و الخلافة بلا فصل وزعامة الامة الاسلامية بعد النبي الا قدس صلى الله عليه وآله 1 بل بمعنى وجوب المحبة وود العترة الطاهرة الزاكية فانه امر قطعي كالرسالة ومن ضروريات الدين الاسلامي التى لا تقبل الجدل والشك ويعترف بها الفريقان حيث ان اهل السنة ايضا على كثرتهم وتفرقهم واختلاف نحلهم وآرائهم - الا الخوارج والنواصب - معترفون بعظمة مقام على عليه السلام وعلو شأنه ورفعة مناره وكونه من العشرة المبشرة 2 بل هو عند بعضهم افضل اصحاب الرسول و


1. اقول: إذا بنينا على عدم استناد كفرهما إلى انكار الضرورى فلا معنى لقولنا: لكن هذا منوط الخ لانه يساعد الاستناد إلى انكار الضرورى فتأمل. 2. اخرج أبو داود من طريق عبد الرحمن الاخينس انه كان في المسجد فذكر رجل عليا عليه السلام فقام سعيد بن زيد فقال: اشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله انى سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وابو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة، وعلى في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بين العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، و عبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: من هو؟

[ 177 ]

اعلمهم. ان قلت هنا اشكال وهو انه لو كان انكار الضرورى موجبا للكفر بملاك تكذيب النبي فكيف لا يحكم بكفر من رد المتعتين معربا عن ذلك بقوله: متعتان محللتان كانتا في زمن رسول الله وانا احرمهما واعاقب عليهما 1 كما انه قال عند نزول آية حج التمتع معترضا على ذلك: نحج ورؤسنا تقطر 2 فاستهجن واستبعد توجه الناس إلى الحج واحرامهم به والحال ان رؤسهم تقطر ماء الغسل عن مجامعة النساء بعد الفراغ عن العمرة كما انه يرد هذا الاشكال في مورد عثمان ايضا فانه امر مناديه في الحج ينادى: اجعلوها حجة وخالفه امير المؤمنين ورفع صوته لبيك بحجة وعمرة معا لبيك وقد صرح عثمان في هذه القضية في جواب اعتراض على عليه السلام وايراده في ذلك بان: هذا رأى رأيته 3.


فقال: هو سعيد بن زيد وبهذا الاسناد اخرجه الترمذي في جامعه / 13: 183، 186 وابن الديبع في تيسير الوصول 3: 260، ذكره بالطريقين المحب الطبري في الرياض النضرة 1: 20 راجع الغدير ج 10 ص 118. 1. ضبط العبارة على نقل صحيح مسلم ج 1 ص 395 وسنن البيهقى ج 7 ص 206 - على ما حكاه الغدير ج 6 ص 210 - هكذا: كانتا متعتان على عهد رسول الله وانا انهى عنهما واعاتب عليهما متعة النساء... والاخرى متعة الحج. وفى شرح ابن ابى الحديد ج 1 ص 182 متعتان كانتا على عهد رسول الله وانا محرمهما ومعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج. 2. اقول: في الوسائل ج 8 ص 25 من ابواب اقسام الحج: محمد بن على بن الحسين قال: نزلت المتعة على النبي عند المروة بعد فراغه من السعي فقال: ايها الناس هذا جبرئيل - واشار بيده إلى خلفه - يأمرنى ان آمر من لم يسق هديا ان يحل ولو استقبلت من امرى ما استدبرت لفعلت كما امرتكم ولكني سقت الهدى وليس لسائق الهدى ان يحل حتى يبلغ الهدى محله فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم (خثعم) الكنانى فقال: يا رسول الله علمنا ديننا فكانما خلقنا اليوم ارأيت هذا الذى امرتنا به لعامنا هذا أو للابد؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله: لا بل لابد الابد وان رجلا قام فقال: يا رسول الله نخرج حجاجا ورؤسنا تقطر؟ فقال: انك لن تؤمن بهذا ابدا... 3. في الوسائل ب 21 من ابواب الاحرام ح 7 عن الحلبي عن ابى عبداله قال: ان عثمان خرج حاجا فلما صار إلى الابواء امر مناديا ينادى بالناس: اجعلوها حجة ولا تمتعوا فنادى المنادى فمر المنادى بالمقداد بن الاسود فقال... فلما انتهى المنادى إلى على عليه السلام وكان عند

[ 178 ]

فهل لم تكن هذه من الضروريات أو كانت ضرورية الا ان الامام عليه السلام كان في تقية من الحكم بالكفر أو ان الحكم مع كونه ضروريا الا انه غير موجب للكفر لكونه حكما عمليا والموجب للكفر هو انكار الضرورى من الاصول أو غير ذلك، وجوه واحتمالات؟ والحق ان المتعتين تعتبران من ضروريات المذهب - أي مذهب الشيعة - لا من ضروريات الدين وهذا غير مستلزم للتكذيب وانكار الرسالة كما في كل ضروري كان قابلا لان يأوله احد أو يرى فيه مجالا لاعمال الرأى والنظر بل و انكاره من رأس أو الاعتذار بكونه حكما موقتا زال وقته وانقضى اجله فان ما كان كذلك وان كان ضروريا الا انه ضروري في حوزة محدودة لا في حوزة الاسلام وانكار ضروري الاسلام هو الذى يوجب الكفر والخروج عن الدين و يشهد على هذا تصريح عثمان بان هذا رأى رأيته الظاهر في انه كان يرى في ذلك مجالا للرأى والاجتهاد ويحتمل انه كان تصرفه من باب حكومة الحاكم بزعمه حيث كان عثمان في ذاك الوقت متصديا للخلافة الاسلامية وعاهلا لحوزة المسلمين. وصفوة القول هنا انه قد يكون الضرورى يحث يتفق عليه كلمة المسلمين على اختلاف شعبهم وكثرة اغصانهم فهذا هو الذى يقتضى انكاره التكذيب ويترتب عليه الحكم بالكفر والنجاسة كوجوب الصلاة وصوم شهر رمضان وقد لا يكون كذلك بل هو في حد يمكن ان يذعن به تابعو مذهب و ينكره الآخرون كما في قضية المتعتين، وانكار هذا القبيل من الضرورى الذى


ركائبه يلقمها خبطا ودقيقا فلما سمع النداء تركها ومضى إلى عثمان وقال: ما هذا الذى امرت به؟ فقال: رأى رأيته فقال: والله لقد امرت بخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله ثم ادبر موليا رافعا صوته: لبيك بحجة وعمرة معا لبيك...

[ 179 ]

يكون ضروريا في اطار خاص وحوزة محدودة غير موجب للتكذيب فلا يترتب على انكاره الحكم بالكفر. 1 كلمة في معيار الضرورى بقى الكلام هنا في ملاك الضرورى - ولا بد من معرفته وتميزه عن غيره كى لا يتبادر بتكفير مسلم أو الحكم باسلام من خرج عن الاسلام - فنقول: انه ليس له اصطلاح خاص وراء اصطلاحه الجارى في المنطق فاهل المنطق قسموا القضايا إلى قسمين: نظرية، وضرورية. والاولى: هي ما يحتاج اثباته إلى دليل وبرهان ولا يمكن التصديق به بدون ذلك نظير قولنا: العالم حادث. فانه مترتب على تشكيل قياس وترتيب صغرى وكبرى حتى يحصل الجزم به والحكم بحدوث العالم. واما الثانية: اعني الضرورية من القضايا فهى ما لا حاجة في اثباته إلى ترتيب قياس واقامة دليل وبرهان مثل قولنا: النار حارة وعلى هذا فكل حكم اعتقادي أو عملي في الاسلام الذى لا حاجة لنا في اثبات كونه من الاسلام وانه من برامجه إلى دليل فهو ضروري نظير الصلاة بل ومثل الختان فانه في الشريعة الاسلامية من الامور التى صارت ضرورية الثبوت يعلم كل من دخل في حوزة الاسلام بل وغير المسلمين ايضا انه من دين النبي صلى الله عليه وآله ومن


1. يؤيد ما افاده دام ظله العالي كلام المحقق القمى في القوانين واليك نصه: اعلم ان ضروري الدين كما يستلزم انكاره الخروج عن الدين فضروري المذهب ايضا يستلزم انكاره الخروج عن المذهب، وهنا دقيقة لابد ان ينبه عليها وهو ان ضروري الدين قد يختلف باعتبار المذهب فيشتبه ضروري الدين بضروري المذهب كما لو صار عند الشيعة وجوب مسح الرجلين ضروريا عن النبي فانكاره من الشيعة انكار لضروري الدين بخلاف مخالفيهم فتأمل انتهى كلامه.

[ 180 ]

خصائص المسلمين يترددون في اسلام من لم يكن مختونا أو يحكمون بكفره فالمسلم وغير المسلم يعلم شدة اهتمام الشارع على هذه السنة ولهذا قد يتفق ان المسيحي يريد ان يعتنق الاسلام فيحاسب نفسه اولا انه يمكنه التسليم حذاء اجراء هذه السنة القطعية عليه فحينئذ يتشرف بقبول الاسلام واعتناقه ام لا يمكنه ذلك ولا يرى من نفسه التهيؤ للختان ويثقل عليه ذلك فهناك يرجع و ينصرف عما اراده من قبول الاسلام.

[ 181 ]

الكلام في الارتداد واحكام المرتد. ثم ان المسلم المقر بكلمة الاسلام أي الشهادتين لو اقر على نفسه بالخروج عن الاسلام أو تفوه بكلمة كاشفة عن عدم اعتقاده بما وجب الاعتقاد به ضرورة، أو اتى بما ينافى اعتناقه بالاسلام، مثل انه احدث في المسجد الحرام أو القى المصحف الشريف في المقذر فانه يرتد بذلك ومن هذا الباب الاستهزاء بالاسلام أو بشئ من مسلماته أو الاستهانة بمقدساته كسب النبي صلى الله عليه و آله وسلم، وعلى الجملة فالارتداد هو قطع الاسلام وتركه والخروج من الملة و اختيار الكفر بقول ينافى الاسلام أو فعل يناقضه بشرط ان يكون ذلك عن قصد و اختيار. وقد ظهر مما ذكرنا ان المرتد هو من خرج عن الاسلام واختار الكفر بعد ما كان مسلما. وهو على قسمين: الفطري، والملى.

[ 182 ]

والاول: هو من كان احد ابويه مسلما حال انعقاد نطفته ثم اظهر الاسلام بعد بلوغه ثم ارتد وخرج عن الاسلام. والثانى: هو من كان ابواه كافرين حين انعقاد نطفته ثم اظهر الكفر بعد بلوغه فصار كافرا ثم اسلم عاد إلى الكفر. ثم ان المرتد لو كان فطريا يجب قتله ويقسم امواله التى كانت له حين ارتداده بين ورثته المسلمين واما الاموال التى يكتسبها بعد ذلك أي في حين كفره ففى دخولها في ملكه وكذلك تبين منه زوجته في الحال وينفسخ نكاحها بلا حاجة إلى طلاق وعليها ان تعتد عدة الوفاة، ولو تاب فالتوبة وان كانت مقبولة عنه، الا انها لا تنفع لرفع حكم القتل، ولا في رجوع ماله إليه، ولا في رجوع زوجته إليه. وهل يجوز له نكاحها بعقد جديد ام لا؟ اختلف الاعلام في ذلك فبين قائل بالجواز وبين قائل بالمنع، والظاهر انه يجوز ذلك، هذا في الرجل. واما المرأة فلو ارتدت بقيت اموالها على ملكها ولا تنقل عنها إلى ورثتها الا بالموت وينفسخ نكاحها بانقضاء العدة سواء كانت فطرية أو ملية كما انها لا تقتل مطلقا بل تحبس وتضرب اوقات الصلاة ويدام عليها السجن حتى تتوب أو تموت. واما المرتد عن ملة فلا تنتقل امواله إلى ورثته الا بالموت كما انه لا يقتل الا إذا تكررت منه الردة، واما زوجته فان فسخ نكاحها موقوف على انقضاء العدة بلا توبة الا ان يكون الارتداد قبل الدخول فانه يقع الانفساخ في الحال، هذا. وقد علمت مما ذكرنا ان للمرتد احكاما خاصة في نفسه وماله وزوجته كما ان لمطلق الكافر ايضا احكاما مثل نجاسة بدنه وكونه مهدور الدم الا ان

[ 183 ]

يكون كتابيا في ذمة الاسلام مواظبا على آدابها وشرائطها - فان ماله محترم ودمه محقون - وكذا غير الكتابى الذى اجاره المسلم. كلمة في ولد المرتد ثم انا قد ذكرنا سابقا ان ولد الكافر ملحق به الا في موارد تعرضنا لها فحينئذ تصل النوبة إلى البحث في ان ولد المرتد هل يلحق بالمرتد في احكامه ايضا ام لا؟ اقول: من الواضح ان ولد المرتد من حيث هو ليس بمرتد لان المرتد هو من كان مسبوقا بالاسلام ثم ارتد وخرج بالردة قولا أو فعلا وهذا التعريف لا يصدق عليه الا انه لو انعقدت نطفته في حال ارتداد الابوين فانه لا محالة يكون الولد - على ما ذكرنا من ادلة التبعية - نجسا ويترتب عليه احكام الكفر، اما لو كان علوق الولد وانعقاد نطفته قبل ارتدادهما أي في حال اسلامها، ثم بعد ذلك حصل لهما الارتداد، فلا يلحق بالكفار اجماعا لا قتضاء شرف الاسلام وعلوه و سموه لحوقه بالمسلمين فهو وارث مسلم لهما سواء كان تولده في حال الارتداد أو عرض الارتداد بعد ذلك ايضا وهذا كله في ارتداد كليهما واما لو ارتد احدهما فالولد ملحق بالمسلم منهما وان كان العلوق حال الارتداد - لشرف الاسلام فانه يقتضى الحاقه به كما ذكرنا ذلك سابقا. 1


1. اقول ان سيدنا الاستاد الاكبر دام ظله قد تعرض لاحكام المرتد في هذا المقام عابرا لكنه دام بقاه قد تعرض لاستدلالاتها تفصيلا عند البحث عن المرتد في الحدود وقد قررناها تفصيلا في كتابنا: الدر المنضود في احكام الحدود وقد طبع المجلد الاول منه بحمد الله ومنه.

[ 184 ]

تنبيهات: ثم ان ههنا امورا ينبغى التعرض لها: احدها ان الفقيه الهمداني رضوان الله عليه ادعى انصراف الاجماعات القائمة على نجاسة الكافر إلى غير المرتد منهم، فانه عند البحث عن كفر النواصب قال: فمتى حكمنا بكفرهم هل يثبت بذلك نجاستهم ام لا؟ فيه تردد نظرا إلى ان عمدة مستنده الاجماع، وربما يتأمل في تحققه على نجاسة كل كافر نظرا إلى انصراف معاقد الاجماعات المحكية وكلمات المجمعين إلى غير المرتد انتهى كلامه رفع مقامه. وهذا عندنا غير وجيه فان الانصراف الذى ادعاه انصراف بدوى يزول بادنى تأمل واقل توجه والتفات. وهذا نظير انصراف طهارة الملح إلى الملح المتداول المتعارف الذى كان من بدو الامر ومن حين نشأه ملحا، وانصرافها عما إذا كان كلبا فصار ملحا في المملحة فان هذا الانصراف ابتدائى ويزول بالتوجه و الالتفات إلى امكان تبدل الكلب في المملحة ملحا وهناك يقطع بعدم الفرق بين القسمين من الملح، والحاصل انه لا فرق في الحكم بنجاسة الكافر بين ما إذا كان كافرا اصليا غير مسبوق بالاسلام وبين ما إذا كان كفره مسبوقا به اعني المرتد. ثانيها: في ميزان ثبوت الردة فنقول انها تثبت بالشاهدين أو الاقرار ولا تثبت بغير ذلك وتفصيل هذه المطالب موكول إلى كتاب الشهادات والحدود. ثالثها: انه لو علم احد، ارتداد شخص بان سمع منه كلمة الردة مثلا يجوز له قتله ان لم يخف على نفسه، ويعامله معاملة النجس ومع ذلك فلو قتله فعليه اثبات ارتداده بطريق شرعى وان قتله له كان بذلك السبب لا لجهة اخرى ولو قتله ولم يتمكن من اثبات ذلك يقتل لانه قتل من لم يثبت كونه مهدور الدم. لا يقال: ان النبي مع علمه بارتداد بعض الناس لم يقتلهم.

[ 185 ]

لانا نقول ان الملاك هو العلم بالطريق العادى لا المستفاد من طرق غير جلية كالوحي مثلا. كلمة حول المنافقين ثم انك قد علمت مما ذكرنا مرارا ان المعيار في الحكم باسلام احد هو الاقرار بالشهادتين وانهما تمام حقيقة الاسلام مشروطا بعدم ابراز ما يخالف الاسلام والا فهو محكوم بالكفر والارتداد وامضينا ايضا ان المنافقين كانوا محكومين عليهم بحكم الاسلام وكان النبي يعاملهم معاملة المسلمين لانهم اظهروا الشهادتين واقروا بكلمة الاسلام وان كانوا مضمرين للكفر. وقد اورد علينا بعض شركاء مجلس الدرس بانهم وان اقروا بالشهادتين لكنهم ابرزوا مخالفتهم للاسلام وانهم بصدد استهزاء المؤمنين كما نص على ذلك القرآن الكريم حيث يقول: " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزءون... " 1 فان قولهم لزملاءهم و شياطينهم: (انا معكم) وكذا قولهم: (انما نحن مستهزءون) مخالف لا قرارهم بالشهادة، ورجوع عن الاسلام، وكان اللازم على ما ذكر من المبنى والمعيار في الارتداد ان يحكم النبي بارتداد هم وكفرهم، مع انه لم يحكم بذلك بل كان يعاشرهم ويجالسهم. وفيه ان الحكم بالارتداد أو القتل وامثال ذلك - نظير باب القضاء - تابع لموازين خاصة وقواعد ومعائير مضبوطة لا يتجاوزها بل يدور مدارها نفيا و اثباتا فترى ان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله يقول: (انما اقضي بينكم


1. سورة البقرة الآية 14.

[ 186 ]

بالبينات والايمان) 1 وكان يقضى بين الناس على حسب هذه الموازين العادلة أي بمقتضى بينة المدعى، والا فيمين المدعى عليه، مع انه كان عالما بحقيقة الامر ومتن الواقع، لكنه كان لا يعمل بعلمه المأخوذ من الغيب ولم يكن مأمورا ان يعامل المترافعين معاملة الواقعيات والحكم بين الناس بحكم داود على نبينا و آله وعليه السلام والامر فيما نحن فيه ايضا كذلك فان الملاك في الحكم بالارتداد والكفر هو اظهار الردة واتيان كلمة الكفر عيانا أو بمثبت شرعى واما اتيانها خفاءا والعلم بذلك بطريق الوحى فلو يعتبر ذلك سببا للحكم بالكفر والارتداد. وما نحن فيه كان من هذا القبيل فان المنافقين قد اقروا بتوحيد الله ورسالة محمد صلى الله عليه وآله، وهم وان خالفوا ذلك لكن مخالفتهم كانت في الخفاء وعند شياطينهم وفى اندية زملائهم مع احتفاظهم جدا على ظاهر الامر فكانوا على ظاهرهم مسلمين ومقرين في مجامع اهل الايمان بالشهادتين وانما علم النبي صلى الله عليه وآله بما اتوا في الخفاء بعلمه الخاص الذى اشرق وافيض عليه من افق الغيب، وليس هو الملاك والمعيار في الحكم بالكفر، فلذا كان يعاملهم على حسب ظاهرهم الذى هو الاسلام. وهذا الحكم بعد ايضا كذلك فلو اقر شخص بالاسلام، ثم انه قال بكلمة الردة في الخفاء، ولم يبرز منه الا الاسلام والاعتناق به، ولم يتفوه بشئ يخالفه، فهو مسلم عندنا. ويؤيد ما ذكرنا انه في عصر النبي صلى الله عليه وآله ربما كان واحد منهم يقول بشئ يخالف الاسلام وبعد ما يؤاخذه النبي على ذلك ينكره


1. وسائل الشيعة ج 18 ص 169 ب 2 من ابواب كيفية الحكم ح 1 وباقى الحديث ايضا شاهد للبحث فراجع.

[ 187 ]

اشد الانكار وكان النبي يقبل منه هذا الاعتذار والانكار، ولاجل هذا واشباهه سموه اذنا قال الله تعالى: يقولون هو اذن قل اذن خير لكم. 1


1. سورة التوبة الآية 61: اقول ولى في الاستشهاد بالآية الكريمة على ما افاده سيدنا الاستاد الاكبر دام ظله العالي نظر وتأمل حيث انه تعالى يقول: بعد ذلك: يومن بالله ويومن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم...

[ 189 ]

الكلام حول كفر الخوارج والنواصب قد علمت انهم حكموا بكفر من انكر الضرورى مع الانتماء إلى الاسلام ايضا وانهم مثلوا بالخوارج واشباههم فراجع عبارة المحقق في الشرايع المذكورة من قبل. وقد علمت ايضا انا ذكرنا تبعا لعلم التحقيق الشيخ المرتضى قدس سره بان كفر هولاء ليس من باب انكار الضرورى بل هم كافرون بعنوانهم الخاص فالمناسب هنا ان نتعرض للخوارج والنواصب حكما وموضوعا. فنقول: دلت الروايات الكثيرة على كفر الخوارج والنواصب، وانهم كافرون بعنوانهم الخاص، وقد جمعها الفقيه الهمداني قدس سره. منها ما ارسل عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال في وصف الخوارج: انهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. 1


1. بحار الانوار ج 33 ص 325.

[ 190 ]

وظاهرها كفرهم مطلقا سواء كان عن علم أو عن جهل مركب. ومنها رواية الفضل قال: دخل على ابى جعفر عليه السلام رجل، محصور عظيم البطن فجلس معه على سريره فحياه ورحب به فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو قال: قلت مشرك؟ فقال: مشرك والله مشرك. والمراد من المشرك هو الكافر وقد مر ذلك الخبر في اوائل الكتاب. وفى الزيارة الجامعة: ومن حاربكم مشرك. ومنها ما عن الكافي: عن بعض اصحابنا عن ابن ابى جمهور عن محمد بن قاسم عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا تغتسل من البئر التى تجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب وهو شرهما ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان الناصب اهون على الله من الكلب. 1 وذيل هذا الخبر دال على المطلوب، واما عدم العمل بصدره الدال على نجاسة ولد الزنا فهو غير ضائر بذلك. ومنها رواية القلانسى قال: قلت لابي عبد الله القى الذمي فيصافحني قال: امسحها بالتراب أو بالحائط قلت: فالناصب؟ قال: اغسلها. 2 ومنها مرسلة الوشا عن ابى عبد الله عليه السلام انه كره سؤر ولد الزنا واليهودى والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب. 3 ومنها مرسلة على بن الحكم عن رجل عن ابى الحسن عليه السلام في


1. الكافي ج 3 ص 14 باب ماء الحمام... ح 1 2. جامع احاديث الشيعة ج 2 ص 113 ب 13 من النجاسات ح 3. 3. جامع احاديث الشيعة ج 2 ص 53 ب 1 من ابواب الاسئار ح 4.

[ 191 ]

حديث انه قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم. 1 ومنها موثقة عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: واياك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا اهل البيت لا نجس منه. 2 نعم اورد بعض على الاستدلال بهذه الروايات مناقشات بعضها راجع إلى السند، وبعضها إلى الدلالة. اما الاول: فهو ان تلك الاخبار مرسلة، أو ضعيفة السند، فكيف يعتمد عليها ويستدل بها؟ وفيه انها وان كانت كذلك لكنها منجبرة بعمل الاصحاب فان عملهم على طبقها وان لم يكونوا يستندون إليها، هذا مضافا إلى ان بعضها كرواية ابن ابى يعفور موثقة. واما الثاني: أي ما هو راجع إلى دلالتها فامور: منها ذكر ولد الزنا في بعض هذه الروايات مع الناصب وقرينا له، وهذا يشهد بان الناصب ليس نجسا اصطلاحيا، لان ولد الزنا لم يحكم بنجاسته قطعا، بل المراد من نجاسته الخباثة الذاتية. وفيه انه لا يرفع اليد عن ظاهر ما دل على النجاسة بمجرد خروج مورد عنه المعلوم خروجه بالقرائن الخارجية. ومنها انه كيف يمكن الحكم بكفرهم مع انه ثبت وتحقق معاشرة


1. جامع احاديث الشيعة ج 2 ص 51. 2. جامع احاديث الشيعة ج 2 ص 49 ح 12.

[ 192 ]

اصحاب الائمة ومخالطتهم لهم طيلة اعوام كثيرة بل ومعاشرة الائمة عليهم السلام بانفسهم معهم وعدم تحرزهم عنهم كما هو ظاهر جدا لمن سبر الاخبار وراجع التواريخ والآثار. لا يقال: ان هذه الامور صحيحة غير قابلة للانكار الا انها كانت لا جل التقية. لا نا نقول: الحمل على التقية على مر العصور الكثيرة والازمان الطويلة بعيد جدا لا سيما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله فانه كان يجالس سواد الناس وعامتهم ويعاشرهم، مع انه كان فيهم من كان يبغض عليا عليه السلام كبغض زوجاته ونسائه، الم يكن من الواضحات المسلمات ان عايشة كانت مبغضة له عليه السلام شديدا؟ بل وكانت تظهر بغضها له وتعلن ذلك خصوصا بعد قضية الافك ومع ذلك فقد نقل اغتسال النبي معها في اناء واحد وعلى الجملة فبقى الاشكال - أي اشكال معاشرة الائمة واصحابهم مع النواصب مثلا - بحاله. واجاب عنه علم التقى شيخنا المرتضى قدس سره الشريف بان الحكم بنجاسة الناصب يمكن ان يكون مثل كثير من الاحكام قد انتشر في زمن الصادقين عليهما السلام بعد ما لم يكن ظاهرا إلى زمانهما، وكان مخزونا في خزانة علوم الائمة الطاهرين المعصومين وحيث ان المسلمين لم يكونوا عالمين بكفرهم فكانوا يعاملون معاملة الطهارة، هذا بالنسبة إلى الاصحاب واما بالنسبة إلى النبي والائمة فمخالطتهم ومعاشرتهم مع هولاء النواصب بحيث يكشف عن طهارتهم فغير ثابتة ولم يعلم ذلك اصلا. ولنا عن الاشكال المزبور جواب آخر ولعله اظهر مما افاده قدس سره. تحقيقه ان عداوة المبغضين لا مير المؤمنين عليه السلام على قسمين:

[ 193 ]

احداهما: العدواة الشخصية بالنسبة إليه مثل ان يبغضه حسدا له لكونه حليف النصر يفتح الله على يديه في الحروب والمغازى دون غيره أو لكونه صهرا لرسول الله وزوجا لا بنته الصديقة دون غيره اولانه قاتل ولده أو ابيه أو اخيه و عشيرته أو غير ذلك من الاسباب المورثة للعداوة. ثانيتهما: العداوة الدينية كان يبغضه تبريا منه جاعلا ذلك امرا دينيا يتعبد و يتدين به ويتقرب إلى الله تعالى بذلك وامر الثاني في غاية الصعوبة والاشكال و هو الكفر حقيقة. ويشهد على ما ذكرنا انه كان الامام على عليه السلام قد يلقى إلى خواص اصحابه الاسرار والمغيبات ويخبرهم بانه سيعرض عليهم بعض الطواغيت البرائة منه عليه السلام وسبه وكان يأمرهم بان يسبوه اتقاءا منهم كيلا يصيبهم منهم الفتنة ولكنه كان ينهاهم عن البرائة عنه 1 وهم رضوان الله عليهم عاهدوه على عدم التبرى منه وقد انجزوا هذا الوعد وصدقوا ما عاهدوه عليه وقتلوا وصلبوا ثابتين على ولايته. وعلى الجملة فالنوع الاخير من هذين هو المحبوب للكفر والنجاسة واما الاول فلا ولم يثبت ان بغض من عاشرهم المسلمون وخالطهم النبي والائمة عليهم السلام من المخالفين والمبغضين كان من القسم الاخير حتى عداوة مثل


1. اقول: فمن كلام له عليه السلام: اما انه سيظهر عليكم بعدى رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب مالايجد فاقتلوه ولن تقتلوه الا وانه سيأمركم بسبي والبرائة منى فاما السب فسبوني فانه لى زكاة ولكم نجاة واما البرائة فلا تبرأوا " فلا تتبروا " منى فانى ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة نهج البلاغه، ووسائل ج 11 ب 6. وعن ميثم النهرواني قال: دعاني امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام وقال: كيف انت يا ميثم إذا دعاك دعى بنى امية عبيد الله بن زياد إلى البرائة منى؟ فقلت يا امير المؤمنين انا والله لا ابرء منك قال: إذا والله يقتلك ويصلبك قلت: اصبر فذاك في الله قليل فقال: يا ميثم إذا تكون معى في درجتي الوسائل ج 11.

[ 194 ]

عايشة ايضا لم يتحقق كونها من باب التدين بها 1 بل عداوة المبغضين لهم غالبا كانت ناشئة من اغراض شخصية وجهات مادية دنيوية كحب الملك والجاه. والخوارج بمعناها المصطلح لم يكونوا في زمن النبي بل وجدوا وتشكلوا بعد واقعة التحكيم بصفين قائلين لا حكم الا لله، واعتقدوا ان اقدام الامام على تحكيم الحكمين وقبول ذلك موجب لخروجه عن الدين وشركه بالله تعالى و بعد واقعة نهروان لم يكونوا يظهرون العداوة له عليه السلام. وعلى الجملة فالخوارج 2 هم الطائفة الملعونة والفئة الخبيثة المعهودة الذين كانوا يكفرون بالذنب وقد خرجوا على امير المؤمنين في صفين وكذا كل من اعتقد بما اعتقده هذه الطائفة الكافرة من كفر الامام واستحلال قتاله ودمه كما ان المتيقن من الناصب هو العدو لآل محمد صلى الله عليه وآله واهل البيت مع اظهار عداوته عداوة دينية لا كل اصطلاحاته 3 فانه على ما قاله الفاضل المقداد رضوان الله عليه يطلق على خمسة أو جه واليك كلامه بلفظه: قيل في تعريف الناصب وجوه:


1. اقول: معذرة إلى سيدنا الاستاد الاكبر دام ظله حيث ان هذا محل التأمل فان معاوية مثلا كان يقول في قنوت صلاته اللهم ان ابا تراب الحد في دينك... وكم له نظير تلك الكلمات الاثيمة و يؤيد ما ذكرنا من الاشكال مكالمة حدثت بين الحسين عليه السلام ومعاوية حيث ان معاوية بعد ان قتل حجرا واصحابه حج في ذاك العام فلقى الحسين فقال: يا ابا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر واصحابه واشياعه وشيعة ابيك؟ فقال: وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم فضحك الحسين ثم قال: خصمك القوم يا معاوية لكنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا صلينا بهم ولا قبرناهم... احتجاج الطبرسي فتأمل. 2. قال العلامة في التذكرة ج 1 ص 454: اما الخوارج فهم صنف مشهور من المبتدعة يعتقدون تكفير اصحاب الكبائر واستحقاق الخلود في النار بها كشرب الخمر والزنا والقذف ويستحلون دماء المسلمين واموالهم الا من خرج معهم وطعنوا في على وعثمان ولا يجتمعون معهم في الجمعات والجماعات... وعندنا ان الخوارج كفار. 3. قال: دام ظله العالي: وان كان مقتضى وجوب مودتهم المستفاد من آية القربى وغيرها حرمة بغضهم ومنافات ذلك للدين مطلقا وعلى أي وجه كان.

[ 195 ]

1 - انه الخارجي الذى يقول في على عليه السلام ما قال. 2 - انه الذى ينسب إلى احد المعصومين عليهم السلام ما يثلم العدالة. 3 - من إذا سمع فضيلة لعلى عليه السلام أو لغيره من المعصومين انكرها. 4 - من اعتقد افضلية غير على عليه السلام عليه. 5 - من سمع النص على عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله و سلم أو بلغه تواترا أو بطريق يعتقد صحته فانكره. والحق صدق النصب على الجميع، اما من يعتقد امامة غيره للاجماع أو لمصلحة ولم يكن من احد الاقسام الخمسة فليس بناصب. انتهى. 1 وعلى الجملة فالمتيقن من الاجماعات في الاطلاقات هو المتدين بعداوته وقد فسر في القاموس النواصب بذلك قال: والنواصب والناصبية واهل النصب المتدينون ببغضة على لانهم نصبوا له أي عادوه انتهى. واستوجهه صاحب الجواهر رضوان الله عليه. ولو كان المقصود من الخوارج أو النواصب مطلق المبغضين لامير المؤمنين وكل من كان عدوا له عليه السلام لاشكل الامر فيما حكى من المعاشرة معهم والحال ان الاخبار دالة على كفرهم والاجماع قائم على ذلك وبذلك يتضح ما ذكرنا من ان عداوة الناس وبغضهم لعلى عليه السلام لم تكن من هذا الباب بل كانت للمعارضة في الملك ولا غراض شخصية وانظار مادية قادتهم إلى ذلك فكان فلان يطرد عليا عن الخلافة مستدلا ومعتذرا بانه شاب لم يمض من عمره حين وفات النبي اعوام كثيرة وحداثة سنه توجب ان لا يطيعه الناس ولا ينتظم امر الامة وان ابا بكر شيخ كبير عاش عمرا بين الناس يقبله عامة الناس ويوقرونه أو ان عليا (ع) قتل آباءهم واخوانهم فلم يرتضوا بخلافته. وقد نقل عن بعض علماء اهل السنة انه قال: انه صح ما قاله النبي صلى الله عليه وآله


1. التنقيح الرائع لمختصر الشرايع ج 2 ص 421.

[ 196 ]

في فضائل على ومناقبه الا ان المتصدين لامر الخلافة قبله كانوا انسب لادارة امور الناس إلى غير ذلك من الاعذار الفاسدة والدعاوى الواهية التى هي اوهن من بيت العنكبوت " وان أو هن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. " ان قلت: فما تصنع بما قاله الامام أبو جعفر عليه السلام: ارتد الناس بعد رسول الله الا ثلاثة نفر سلمان وابوذر والمقداد. 1 نقول: ان هذا الارتداد ليس هو الارتداد المصطلح الموجب للكفر و النجاسة والقتل، بل الارتداد هنا هو نكث عهد الولاية، ونوع رجوع عن مشى الرسول الاعظم، وعدم رعاية وصاياه، ولو كان المراد منه هو الارتداد الاصطلاحي لكان الامام عليه السلام - بعد ان تقلد القدرة وتسلط على الامور - يضع فيهم السيف ويبددهم ويقتلهم من اولهم إلى آخرهم خصوصا بلحاظ ان توبة المرتد الفطري لا تمنع قتله ولا ترفعه بل يقتل وان تاب. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان اطلاق النواصب والخوارج لا يشمل كل من كان له عداوة باى الوانها بل المسلم منها العدواة الدينية واتخاذها دينا لنفسه يتقرب بها إلى الله سبحانه. وهذه الفرقه الملعونة مع تلك العقيدة المشئومة قليلة جدا اعتبروا اعداءا لآل محمد صلى الله عليهم اجمعين وبهذا يعدون من المنكرين لضرورة اسلامية ولا مجال للترديد والارتياب في كفرهم ونجاستهم ابدا هذا و سيجيئ مزيد بيان لهذا في المباحث القادمة انشاء الله تعالى.


1. رجال الكشى ص 8 وذيل ص 244 من الكافي ج 2، وذيل الخبر هكذا: قال الراوى فقلت: عمار؟ قال: كان جاض جيضة ثم رجع...

[ 197 ]

الكلام حول الغلاة من جملة الفرق التى حكموا بكفرهم الغلاة وهم الذين يألهون امير المؤمنين أو احدا من الائمة 1 وبعبارة اخرى انهم الذين تجاوزوا الحد في الائمة عليهم السلام المعتقدون بالوهيتهم أو نبوتهم. ويظهر من كلام المحقق قدس سره المذكور سابقا في بيان ضابط الكافر ان الغلاة من جملة المنتحلين إلى الاسلام وانما السبب في كفرهم هو انكارهم الضرورى. ولكن الذى يظهر ويستفاد من بعض انه لا تعتبر الغلاة من المنتحلين إلى


1. كما قد وقع ذلك بالنسبة إلى ولى الله وعبده الخالص امير المؤمنين عليه السلام فاعتقد فيه فريق ذلك. لكنى لم اعثر على من قال واعتقد بذلك بالنسبة إلى غيره من الائمة سوى الامام الصادق عليه السلام فقد قال المحقق في المعتبر ص 5: انه انتشر عنه من العلوم الجمة ما بهر به العقول حتى غلا فيه جماعة واخرجوه إلى حد الالهية.

[ 198 ]

الاسلام وان بينهم وبين العقيدة الاسلامية مباينة جوهرية من اول الامر. ونحن نقول: ان كان المراد من الانتحال الاقرار بالشهادتين والتسليم لهما فمن المعلوم ان عدة منهم لو لم يكن كلهم لا يقرون بذلك نعم يمكن توجيه عبارة المحقق بان المراد من الانتحال هو الانتساب بحسب الادعاء فالغالى ينسب نفسه إلى الاسلام ويدعى انه مسلم 1 لا باقراره بالشهادتين والالتزام بلوازمهما. لا يقال انهم مقرون بهما الا انهم يطبقون - الله تعالى - على الامام على عليه السلام قائلين انه المصداق والمقصود. لانا نقول: ان هذه الشهادة لا تنفع شيئا ولا تعتبر شهادة في الحقيقة لان المراد من " الله " الذى يذكر في الشهادة هو الله الواحد الاحد الذى بيده الخلق وله الامر واليه المرجع والمصير الذى يقر ويذعن به المؤمنون ويعتقده كافة الموحدين وينكره الكافرون واين هذا من الاعتقاد بربوية امير المؤمنين وكون (الله) هو عليه عليه السلام أو اتحاده معه أو حلوله فيه بل ليس هذا الا الكفر المحض والضلال العظيم لانه لا رب الا رب العالمين ولا اله الااله الخلق اجمعين. والتحقيق ان الاعتقاد بالوهية امير المؤمنين وقصده من لقظ الجلالة كفر رأسا وموجب لعدم الاقرار بالشهادة اما اعتقاد الحلول فيه، أو الاتحاد معه تعالى، مع ذكر الشهادتين فهو انكار للضروري مع الانتحال إلى الاسلام. اما إذا كان الغالى ناسبا إلى على عليه السلام صفة من صفات الله تعالى المختصة به كالاحياء والاماتة أو انه لا تأخذه سنة ولا نوم أو قال بتفويض الامور إليه مع كون


1. قال السيد الاصفهانى قدس سره في الوسيلة المحشئ بحاشية سيدنا الاستاذ ج 3 ص 193: مسألة 7 لا يجوز للمؤمنة ان تنكح الناصب المعلن بعداوة اهل البيت عليهم السلام ولا الغالى المعتقد بالوهيتهم أو نبوتهم وكذا لا يجوز وكذا لا يجوز للمؤمن ان ينكح الناصبة والغالية لا نهما بحكم الكفار وان انتحلا دين الاسلام.

[ 199 ]

الله بمعزل عنها فهذا كفر بالله تعالى لنقض توحيد الافعال بهذه الاعتقادات الفاسدة والتمويهات الكاسدة فان ازمة الامور كلها بيد الله تعالى. ولو قال الغالى واعتقد بان النبي أو الوصي أو الائمة عليهم السلام ليسوا بشرا فهذا تكذيب للقرآن الكريم حيث يقول: " قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلى " 1 وهذا صريح في ان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله الذى هو افضل الخلائق كلها ايضا بشر، الا انه كان في اعلى درجات الكمال حيث كان يوحى إليه فهو من هذه الحيثية نظير ما لو قال بان مسيلمة نبى من انبياء الله فانه تكذيب لقوله تعالى: " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " 2 ولو فرض ان مسيلمة بحسب الذات كان قابلا وصالحا لذلك. والحاصل: انه لو آل الامر وانجر الغلو إلى انكار الصانع تعالى اوالى اثبات شريك له أو إلى نسبة صفة من صفات الله تعالى التى يجب الاعتقاد بها إلى الغير اوالى تكذيب القرآن فلا محالة يوجب الكفر والنجاسة. ويستحق الغالى بذلك ما اعده الله للكافرين وقد كانت الائمة عليهم السلام يتبر أون منهم ويطردونهم و يعاقبونهم. 3


1. سورة الكهف الآية 110. اقول: وهنا لطيفة لا يخلو ذكرها عن فائدة وهى ان واحدا من تلامذه الاستاذ الاعظم دام ظله استشكل عليه في هذا اليوم - 21 ذى القعدة الحرام 1388 ه‍ - وفى هذا المقام أي عند انجرار البحث إلى هذه المطالب وذكر الاستاذ الآية الكريمة فقال معترضا عليه بانه فكيف ورد في القرآن الكريم: " ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم " فاجابه سيدنا الاستاذ دام ظله بداهة ان هذا كلام النساء - نساء مصر - وهن قد قلن ذلك ما انت وكلام النساء؟ وضحك هو والفاضل المستشكل والجم الغفير الحاضرون. 2. سورة الاحزاب الآية 40. 3. اقول: فعن ابى عبد الله قال: اتى قوم امير المؤمنين فقالوا السلام عليك يا ربنا فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة واو قد فيها نارا وحفر حفيرة اخرى إلى جانبها إلى وافضى بينهما فلما لم يتوبوا القاهم في الحفيرة واو قد في الحفيرة الاخرى حتى ما توا الكافي ج 7 ص 257 ووسائل الشيعة

[ 200 ]

واما إذا كان الغالى مقرا بالتوحيد بجميع مراحله ومعانيه ولم يعتقد خلاف ضروري الاسلام، وما هو ثابت بالقطع، فاعتقاد شئ لم يكن صدوره من البشر محالا بل كان صدوره من الانسان ولو في فرد منه الا وحدي أو في فئة قليلة منه لا يوجب الكفر كما إذا اعتقد في النبي أو الائمة عليهم السلام الحد العالي الذى هم عليه مثل ان اعتقد عدم سهوهم اصلا كما ان كثيرا من العلماء قائلون


ج 18 ص 552 ب 6 من احكام المرتد ح 1. وعن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام ان امير المؤمنين عليه السلام لما فرغ من اهل البصرة اتاه سبعون رجلا من الزط فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم ثم قال: انى لست كما قلتم انا عبد الله مخلوق فابوا عليه وقالوا انت هو فقال لئن لم تنتهوا وترجعوا عما قلتم في و تتوبوا إلى الله لا قتلنكم فابوا ان يرجعوا ويتوبوا فامران تحفر لهم آبار فحفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم خمر رؤوسها ثم الهبت النار في بئر منها ليس فيه احد منهم فيدخل عليهم الدخان فيها فماتوا. كافى ص 259 وسائل الشيعة ص 553. وكان الامام الصادق عليه السلام يلعن الغلاة ويكفرهم عموما وخصوصا وقال عليه السلام لمرازم: قل للغالية: توبوا إلى الله فانكم فساق كفار مشركون. وقال عليه السلام له: إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيرى وقل له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر يا فاسق انا برئ منك. قال مرازم: فلما قدمت الكوفة قلت له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر يا فاسق يا مشرك انا برئ منك قال بشار: وقد ذكرني سيدى؟ قلت: نعم ذكرك بهذا قال: جزاك الله خيرا. ولما دخل بشار الشعيرى على ابى عبد الله عليه السلام قال له: اخرج عنى لعنك الله والله لا يظلنى و اياك سقف ابدا فلما خرج قال عليه السلام: ويله ما صغر الله احدا تصغير هذا الفاجر انه شيطان ابن شيطان خرج ليغوى اصحابي وشيعتي فاحذروه وليبلغ الشاهد الغائب انى عبد الله وابن امته ضمتني الاصلاب والارحام وانى لميت ومبعوث ثم مسئول. وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام يوما لا صحابه: لعن الله المغيرة بن سعيد لعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها الشعر والشعبذة والمخاريق ان المغيرة كذب على ابى، وان قوما كذبوا على ما لهم؟ اذاقهم الله حر الحديد، فوالله ما نحن الا عبيد خلقنا الله واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع الا بقدرته ان رحمنا فبرحمته وان عذبنا فبذنوبنا ولعن الله من قال فينا ما لا نقول في انفسنا ولعن الله من ازالنا عن العبودية لله الذى خلقنا واليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا. راجع الامام الصادق والمذاهب الاربعة ج 1 - 2 ص 235. ونلفت نظر القارئ الكريم إلى انه قد الف كتب قيمة مستقلة حول موقف الائمة الطاهرين عليهم السلام من الغلاة وتبريهم عنهم والجهر بلعنهم.

[ 201 ]

بذلك في قبال الشيخ الصدوق اعلى الله مقامه المعتقد بسهو النبي صلى الله عليه وآله حتى انه قال: لو وفقني الله تعالى اصنف كتابا في ذلك 1 وقال بعض العلماء: الحمد لله الذى لم يوفقه لذلك. وعلى الجملة فاعتقاد عدم سهو النبي ليس من الغلو الموجب للكفر فانه امر ممكن للانسان، وليس بمحال ان يوجد فرد لا يسهو ابدا لان شأن الاشخاص من جهة السهو والخطأ وجودا وعدما قلة وكثرة مختلف، فقد يرى من لا يخلو صلاته من السهو ابدا بل يشك في كل شئ وينسى حينا بعد حين - وانت تعلم ان لكثير الشك في الفقه احكاما - كما انه قد يوجد من يدعى انه لا يسهو ابدا ويقول: ليس ببالى انى سهوت أو شككت في الصلاة مثلا ولو مرة واحدة في العمر، فحيث ان اصل هذه الصفة غير خارج عن طوق البشر كله بل هو امر ممكن في حقه، فلذا لا بأس باعتقادها في حق النبي أو الائمة عليه السلام. وقد جرى بحث ومناظرة لطيفة بيننا وبين قاضى القضاة بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله عند ما تشرفنا الزيارة في السفرة الاولى وقد دعوناه لنستأذن منه في اقامة حفلة عزاء لشهيد الحق والانسانية مولانا الحسين ايام العاشور و


1. اقول: الظاهر ان نظره دام ظله إلى ما قاله الصدوق في الفقيه ج 1 ص 360 في احكام السهو و اليك نص كلامه: وانا احتسب الاجر في تصنيف كتاب منفرد في اثبات سهو النبي والرد على منكريه انشاء الله تعالى انتهى. وحكى قدس سره عن شيخه ابن الوليد انه كان يقول: ان اول درجة في الغلو نفى السهو عن النبي صلى اله عليه وآله انتهى. وفى الدر المنثور للشيخ على حفيد الشهيد الثاني ج 1 ص 110: ويحكى عن الشيخ بهاء الدين طاب ثراه انه سأله سائل عن سهو النبي صلى الله عليه وآله وعن كون الصدوق يعتقد ذلك فاجابه بان ابن بابويه اولى بالسهو من النبي عليه السلام انتهى. وفى الانوار النعمانية ج 4 ص 34 قال الشيخ بهاء الدين في جملة كلامه: ان نسبة السهو إلى ابن بابويه اولى من نسبتها إليه صلى الله عليه وآله وقال ايضا: عند قول ابن بابويه وان وفقنا الله صنفنا كتابا في كيفية سهو النبي: الحمد لله الذى لم يوفقه لتصنيف ذلك الكتاب.

[ 202 ]

ذكرى مصائب سيد الشهداء عليه السلام وما اصابه في سبيل الله فلبى دعوتنا مشكورا وحضر مسجد رسول الله وهناك دار البحث بيننا حق انجر الكلام إلى ان قال لنا: انتم غالون، تستشفون من النبي والامام، وتقولون انهم احياء، إلى غير ذلك من الامور فقلنا في جوابه. اولا: وانتم ايضا كذلك الم تكونوا تسلمون على رسول الله وتقولون: السلام عليك يا نبى الله؟ فلو انه صلى الله عليه واله قد مات ولا يشعر شيئا ولا يسمع سلام المسلم عليه فما معنى مبادرتكم إلى المثول في حضرته والوقوف على قبره وسلامكم عليه كسلامكم على الاحياء؟ وثانيا: هب ان ما ذكرته كان من الغلو فهل مطلق الغلو يوجب الكفر؟ و هل القول بحياة النبي مثلا وانه يسمع سلام المسلم عليه باذن الله تعالى غلو مضر بالتوحيد؟. والحاصل: ان هذه الامور ليست غلوا في شأنهم 1 فان المراد من حياتهم هو انهم بعد الموت يسمعون الكلام ويطلعون على الحوادث والوقائع كما تقول في زيارة الامام امير المؤمنين اشهد انك تسمع كلامي وتشهد مقامي 2 وهذه المزايا وان لم تكن عادية يجدها كل الناس وعامتهم الا انها ليست من صفات الله الخاصة به لان الاطلاع على الامور والعلم بالحوادث حتى بعد الموت ليس من صفات الباري تعالى.


1. وكيف تكون غلوا في حقهم عليهم السلام وقد اثبتها الله في حق الشهداء بقوله الكريم: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله... (سورة آل عمران الآية 196 و 197) فقد صرح بحياة الشهداء وكونهم مرزوقين عند الله وفرحين، فإذا كان هذا حال الشهداء فكيف بالائمة الطاهرين الذين هم سادات الشهداء ومن علم الشهداء درس الشهادة والهموهم رموز الكرامة والسعادة؟ 2. وفى العبارات الواردة لاذن الدخول في الاعتاب المقدسة: واعلم ان رسولك وخلفائك عليهم السلام احياء عندك يرزقون يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامى...

[ 203 ]

وكذلك القول بعصمة شخص أو اشخاص مثل النبي والائمة فانها امر غير خارج عن طاقة الانسان في الجملة لان الناس مختلفون في الاجتناب عن المعاصي ففرقة منهم يعصون الله كثيرا ومن كان كذلك فهو فاسق متهتك وفرقة لا يعصون الله الا شاذا نادرا واحيانا، ومن كان كذلك فهو العادل وثلة من الناس لا يعصون الله تعالى ابدا ولا يخرجون عن زى العبودية ومنهاج الطاعة حتى ولو في آن من الآنات وحين من الاحيان ومن كان كذلك فهو المعصوم وهذا المقام مقام العصمة وهى لطف خفى من الالطاف الالهية العظيمة فاعتقادها في حق احد لا يكون ضائرا اصلا. وصفوة الكلام انه بعد الاقرار بالتوحيد وشئونه فاثبات صفة غير مختصة بالله تعالى لاحد من الناس سواء اكان واجدا لها كاثبات العصمة، أو العلم بخفايا الامور، أو المعجزة، أو الشفاعة، أو كونه مستجاب الدعوة للائمة عليهم السلام أو فاقدا لها وغير اهل لها كاثبات تلك المزايا لغير الانبياء والائمة، والاعتقاد في احد بازيد مما هو عليه وحقيق به، حتى مثل الاعتقاد بكون فرعون مستجاب الدعوة لا يوجب الكفر من هذه الجهة فان القائل بهذه الامور المثبت لها للانبياء والائمة فلا يقتضى قوله بها خللا في التوحيد حيث انه يقول انها ثابتة لهم باذن الله ومشيته بعد امكان تحققها لغير الله تعالى. واما من اثبتها لغيرهم عليهم السلام فهو مجرد غلط صدر منه حيث انه نسب امورا - يمكن وقوعها من البشر وتحققها له - إلى من لم تكن له اهلية ذلك ومن هو فاقد لها.

[ 205 ]

البحث حول المجسمة من جملة الفرق التى حكموا بكفرها المجسمة أي القائل بتجسمه تعالى بعد الاعتراف بالمفهوم من لفظ الجلالة، ولا يخفى ان المجسمة على قسمين: احدهما: القائلون بالتجسم بالحقيقة وهو القول بان الله تعالى جسم حقيقة كسائر الاجسام فكما ان الانسان جسم وله ابعاد ثلاثة فكذلك الله تعالى لفظا بلفظ 1 وهذا القول مستلزم لحدوثه تعالى وتركيبه وتحيزه وتحديده و حاجته ولا محالة يحكم على المعتقد به بالكفر والنجاسة. لا يقال يمكن ان يقول مع ذلك بانه تعالى قديم فالقول بالتجسم غير مستلزم للكفر.


1. اقول: قال ابن ابى الحديد في شرح نهج البلاغة ج 1 ص 119: وكان في العرب مشبهه و مجسمة منهم امية بن ابى الصلت وهو القائل: من فوق عرش جالس قد حط رجليه إلى كرسيه المنصوب.

[ 206 ]

لا نا نقول: إذا قال بالتجسم والقدم فلا بد من ان يكون اجزاء هذا الجسم ايضا قديما ويلزم من ذلك تعدد القدماء وهو ايضا كفر بالله العظيم. ثانيهما: القول بالتجسم بالتسمية وهو القول بان الله جسم لا كالاجسام فهو في الحقيقة مجرد اسم وهذا نظير اطلاق الشئ على الله الذى رخص في الروايات الشريفة وقد ورد في بعض الاخبار انه تعالى شئ لا كالاشياء 1 وعلى أي حال فالمعتقد بهذه العقيدة يقول ان الله جسم ولكنه ليس كسائر الاجسام بلا توجه إلى حقيقة الجسم ولوازمه من الحدوث والافتقار والتركيب، أو جاحدا ونافيا لها عن الله تعالى مع الالتفات إليها بان الله ليس حادثا ولا مركبا ولا متحيزا ولا مفتقرا وانما هو جسم، وكانه يتناقض في اقواله. ويشكل اطلاق المجسمة وصدقها عليه وشمول الاجماع والضرورة القائمين على كفر المجسمة له. ويؤيد ذلك انه قل في سواد الناس وعامتهم من كان ملتفتا إلى ان قوله بتجسمه تعالى مستلزم لحدوثه وتحيزه وغير ذلك من الآثار والتوالي الفاسدة فان افهامهم بسيطة وعقولهم محدودة، بل قد يتفق انه يشكل على العامة وذوى الافهام القاصرة تصور عدم المكان لله تعالى في حاضر الاسلام وماضيه حتى في صدر الاسلام وعصر النبي الاعظم صلى الله عليه وآله الذهبي. وكان شيخنا الاستاذ الحائري قدس سره الشريف 2 ينقل انه لما نزل قوله


1. سئل أبو جعفر عليه السلام ايجوز ان يقال: ان الله عزوجل شئ؟ فقال نعم يخرجه عن الحدين حد التعطيل وحد التشبيه. وعن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله انه قال للزنديق حين سأله ما هو؟ قال: هو شئ بخلاف الاشياء... توحيد الصدوق الطبع الحديث ص 104 باب انه تبارك و تعالى شئ ح 1 و 2. 2. شيخ مشايخنا العظام وآية الله الملك العلام، مشيد اركان الحوزة العلمية، صاحب النفس الطاهرة القدسية، المتصف بمكارم الاخلاق ومحاسن الصفات، والحائز اعالي مراتب العلم و الكمال، حضرة الشيخ عبد الكريم اليزدى الحائري اعلى الله في الخلد مقامه ورفع الله في روض

[ 207 ]

تعالى: " واذ اسر النبي إلى بعض ازواجه حديثا فلما نبأت به واظهره الله عليه


القدس اعلامه. اصله من مهرجرد، قرية من قرى يزد وقد ولد بها في سنة 1276. ه‍ والده محمد جعفر المهر جردي وهو وان لم يكن من العلماء لكنه كان من الصلحاء الاتقياء، بل وممن يعد مثلا لاهل التقوى. وقد شرع في تحصيل العلوم الدينية المتداولة في قريته ثم في يزد، إلى ان هاجر إلى كربلاء، و على رأس حوزته المحقق النحرير الصمدانى، الفاضل الاردكانى رضوان الله عليه، وقد ارشده و شوقه في المهاجرة إلى سامراء التى كانت آنذاك مركز الثقافة الاسلامية والحوزة العلمية العظيمة ومجمع رجالات العلم والفقاهة وكانت تشد إليها الرحال وتأوى إليها النزال، كل كذلك في ظلال الزعيم العالمي الذى طار صيته السامية في ارجاء العالم الاسلامي آية الله العظمى المجدد السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي قدس الله نفسه الطاهرة، وكتب الفاضل الاردكانى إلى السيد المجدد كتابا عرف فيه الشيخ عبد الكريم واطراه فيه بالثناء الجميل والمدح البالغ واوصاه به، و كانه كان قد قرء في صفحة جبينه المضئ خطوط الرشد والجلالة ورآى منه انه ينبثق استعداداته المكنونة قواه المكمونة وانه تنمو مواهبه في جو حار علمي مثل حوزة سامراء السامية و تحت اشراف السيد المجدد، وعلى الجملة فهاجر إليها واخذه المجدد الشيرازي تحت ظلال انعامه واحسانه وتتلمذ هناك على فحول العلماء واساطين الدين واكابر الاساتذة من الفقهاء و الاصوليين، كالشيخ فضل الله النوري الشهيد قدس سره، والميرزا ابراهيم المحلاتي الشيرازي، والميرزا محمد تقى الشيرازي، والسيد محمد الفشاركى، بل وحضر برهة من الزمان في مجلس درس المجدد الشيرازي - على ما حكاه لى نجله المرتضى قدس سره الشريف، ولكن كان عمدة استفادته من محضر السيد الفشاركى فقد تعلق به كثيرا واتصل به شديدا وحكى من شدة تعلقه وكمال اتصاله به ما يبهر لديه العقول ولم يقرع الاسماع من احد كان كذلك بالنسبة إلى استاذه فكان يؤثره على نفسه وجعل نفسه منه موضع الخادم من مخدومه، وقد نقلنا نبذا من القضايا العجيبة المنقولة عنه في هذا الموضوع، في كتاب الفناه في ترجمته وشرح احواله، وحق القول ايها القارئ الكريم انه من اعجب الاعاجيب. ثم انه كان مصرا على التحصيل والتحقيق ومجدا في الاخذ والاستفادة منه والاستضائة من انواره و عاكفا على بابه إلى ان نعى الاسلام بوفاة السيد المجدد سنة 1312 ه‍ ونعق غراب البين فتفرق الاعلام والاساطين، والاساتذة والفطاحل فبعض قدبقى في سامرا وبعض - وهو اكثرهم) قد راح إلى نجف أو غيره من البلدان ومنهم السيد الفشاركى فقد خرج إلى نجف وصحبه تلميذه اليزدى الحائري ولا يزال كان يستضئ من نور علمه إلى ان وافى السيد الاجل في سنة 1316 وبعد ذلك فقد اتصل الحائري قدس سره بالمحقق الفريد الآخوند الخراساني) صاحب الكفاية - قدس سره. ترى انه يعبر في الدرر عن السيد الفشاركى بسيدنا الاستاد طاب ثراه. وعن الخراساني بشيخنا الاستاد دام بقاه. وعن المجدد بسيد مشيخنا الميرزا الشيرازي. ثم لما جرى بعض الجريانات

[ 208 ]

عرف بعضه واعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من انبأك هذا قال: نبأنى


السياسية وكان لا يحب ان يكون فيها بل كان يرجح ان لا يكون في نجف كى يكون بمعزل عنها، فلذا خرج إلى كربلاء، واشتغل هناك بالتدريس والتحقيق إلى ان هاجر من كربلاء إلى اراك - من بلاد ايران - بدعوة بعض الاثرياء من رجال العلم واستقر هناك وشرع في التدريس وتربية الطلاب واجتمع حوله رواد العلم وعشاق الفضيلة والكمال من كل صقع وناحية، وممن كان في طليعتهم تلميذه الجليل القدر سيدنا الاستاذ الاكبر آية الله العظمى السيد الگلپايگانى مد ظله العالي فقد خرج في اوان شبابه من مولده متوجها إلى اراك ولسان حاله: انى ذاهب إلى ربى سيهدين، ولما نزل اراك والتقى بالشيخ عبد الكريم الحائري وجد ما كان يطلبه وعكف عليه إلى نهاية مدة اقامة استاذه في اراك. ثم انه قدس الله نفسه هاجر سنة 1340 إلى قم واحيى في هذه البلدة الطيبة ما درس من آثار السابقين، واقام الحوزة العلمية هذه الحوزة العظيمة القيمة، وكان على ما ينقل من حاله مشوقا لاهل الفضل خصوصا بالنسبة إلى من كان يحس منه نبوغا ويحدس فيه شأنا رفيعا. وبعد ان هبط مدينة قم وعزم على الاقامة فيها ارسل كتابا إلى تلميذه المحبوب لديه السيد الگلپايگانى دام ظله العالي وكان هو بعد في اراك ودعاه إلى ان يهاجر من اراك إلى قم ويلحق به ويكون في صحبته فهاجر مد ظله على اثر ذلك إلى قم ولحق به. ولا يزال مؤسس هذه الحوزة السامية آية العظمى الحائري قدس سره يجد بتمام سعيه في تحكيم اساس الدين وحفظ حوزة المسلمين. ومما اتحف الله سبحانه وتعالى هذا الرجل العظيم به ان وفق لتربية عدة غير يسيرة من العلماء الاعلام والفقهاء الكرام، وقد قيض الله تعالى له ان صار جمع من تلامذته من مراجع الامة الاسلامية، منهم حسنة الدهر وسيد فقهاء العصر، المرجع الا على آية الله العظمى الگلپايگانى دام ظله العالي. وعلى الاجمال فقد خص الله تعالى آية الله المؤسس الحائري هذا الرجل المخلص والعبد الصالح بمواهب عظيمة واختاره لتلك المواقف الكريمة من اهمها تأسيس الحوزة العلمية بقم، ومنها حدة نظره وبصيرته النافذة وخطه السياسي العريق وهو اغفال العدو السفاك عن قدرته و نفوذه البالغ في اعماق نفوس الامة الاسلامية، وحفظ كيان المسلمين ودفع ما كان يهدد اساس الدين من حملات الحكومة الاجنبية وعميلها الطاغوت الخائن (الپهلوى) الفاجر، خذله الله و اخزاه. ومنها تلك الاخلاق الفاضلة والشيم الطاهرة، ووصوله إلى مقام كريم لم ير للدنيا وما فيها ثمنا، إلى غير ذلك مما خصه الله تعالى به واختاره الله له، وحقيق ان يقال فيه: هنيئا لا رباب النعيم نعيمهم. وقد افل هذا النجم اللامع عن سماء الفقاهة والتقوى في 17 ذى القعدة سنة 1355 في قم و ارتحل عن دار الغرور إلى مستقر رحمة الله الواسعة في دار السرور ملبيا دعوة ربه الكريم وخسر

[ 209 ]

العليم الخبير " 1 قالت فلانة لزميلتها: ان الله سمع من فوق العرش... فكانت تتصور ان الله تعالى جالس على العرش، ولم تشعر انه تعالى منزه عن المكان وغيره من لوازم الجسم. ويؤيد ذلك ايضا انه لا يزال المسلمون يلتزمون برفع ايديهم ونصب وجوههم إلى السماء عند ادعيتهم وابتهالاتهم مع ان نسبة الجهات إليه تعالى متساوية، ويمكن توجيه الايدى إلى الارض مثلا بدلا عن السماء، قال الله تعالى: " اينما تولوا فثم وجه الله " 2 وتفهيم كثير من العوام تلك الامور وان التوجه إلى القبلة اوالى السماء انما هو للامر بذلك ولان الرحمة تنزل من السماء مثلا وغير ذلك من الجهات و الاسرار صعب جدا، وليس كل احد يفهم هذه المطالب ويدركها حتى يحصل له - بمجرد الاقرار بالشهادتين - الاعتقاد بكل الخصوصيات بلا أي نقصان فهذا هو شأن الاوحدي والخواص كامام العارفين امير المؤمنين على عليه السلام حيث يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا 3 والحاصل: انه لما لم يكن تلك المطالب ضرورية يعلمها كل احد بل يعجز عن دركها عقول كثير من الناس، ويقصر افهامهم، فلذا لو كان قد اشتبه


هنالك المسلمون وافتقدوا مرجعا دينيا عظيما والحوزة العلمية ابا شريفا ووالدا بارا كريما و قائدا روحيا وزعيما كبيرا، وذلك بعد ان تجرع من حكومة عصره الملعونة غصصا عظيمة وثلم في الاسلام بموته ثلمة لا يسدها شئ، فرحمة الله ورضوانه على روحه الطاهرة وافكاره العالية وانزله الله تعالى اعلى درجات القدس وارفع غرف الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين وحسن اولئك رفيقا. وهو وان مات على ما هو السنة الجارية الحاكمة على كل الموجودات ولكن ما ماتت معالمه السنية، فكل سطر من حياته الطيبة درس عميق للباقين. والسلام. 1. سورة التحريم الآية 3. 2. سورة البقرة الآية 115. 3. شرح مأة كلمة، لابن ميثم ص 52، ارشاد القلوب للديلمي الباب 37، انوار الولاية ص 406.

[ 210 ]

الامر على احد وتخيل بان الله جسم لا كالاجسام فليس هو محكوما بالكفر، هذا حال الجاهل. واما من كان عالما بمعنى الجسم وبلوازم القول بالتجسم وآثاره فالقول بعدم كفره مشكل، ولا يقاس هذا بمن يقول ان الله شئ لا كالاشياء، الذى نص الامام عليه السلام على جوازه لان الشئ لكثرة شموله وشدة اتساع مفهومه ليس محاطا للذهن فيشمل حتى مثل الباري تعالى باعتبار صرف وجوده بخلاف القول بانه تعالى جسم لا كلاجسام فانه نظير القول بانه تعالى مركب لا كالمركبات وبعبارة اخرى هو في حكم القول بانه تعالى مخلوق لا كالمخلوقات فالنتيجة ان العالم بمعنى الجسم ولوازمه لو نسبه إلى الباري ولو بهذا النحو الخاص فالظاهر انه يصير كافرا. واما ما رمى به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ففيه: اولا: انه ليس المقصود هو التجسيم بالحقيقة، بل الظاهر منه ان المراد ان الله جسم لا كالاجسام. وثانيا: ان اكثر اصحابنا على ما قاله علم الهدى السيد المرتضى قدس سره الشريف يقولون انه اورد ذلك على سبيل الجدل والمعارضة للمعتزلة لا اعتقادا به حيث انهم كانوا يقولون ان الله شئ لا كالاشياء فقال لهم: إذا قلتم ان القديم تعالى شئ لا كالاشياء فقولوا انه جسم لا كالاجسام انتهى 1 وعلى هذا فهو قد قال بذلك في مقام النقض عليهم لا ان هذا الكلام صحيح عنده أو انه رحمه الله كان معتقدا بذلك، فانه من اجلاء الاصحاب وممدوح بمدائح بليغة. 2


1. راجع الشافي للسيد المرتضى ص 12. 2. اقول: وقد يقال في الجواب عن هذا الاشكال: ان هذا كان قبل رجوعه إلى الامام جعفر بن محمد فلما رجع إليه تاب ورجع إلى الحق. قال الكراجكى في كنز الفوائد ص 199: واما موالاتنا هشاما رحمه الله فهى لما شاع عنه و

[ 211 ]

والحاصل: ان القول بالتجسيم يتصور على انحاء وصور: فتارة يكون بحيث ينكره المسلمون كافة مثل ان يقول ان الله تعالى مركب من ثلاثة اشياء فانه بمكان من الفساد والبطلان عند المسلمين ويتلوه في وضوح البطلان القول باصل تجسمه الذى قال به بعض العامة. - وقد لا يكون بطلانه بهذه المثابة من الوضوح بل يحتاج إلى الاستدلال و اقامة البرهان وهو الامر النظرى الذى يحتاج اثباته إلى دليل عقلي أو نقلى وهنا لا يمكن الحكم بالكفر لعدم كفر منكر الامر النظرى. فترى ان علم التحقيق شيخنا المرتضى قدس سره قال بعد تحقيقه في العقائد الضرورية: واما النظرية فلا اشكال في عدم كفر منكرها إذ لم يرد دليل على كفره بالخصوص انتهى. 1 نعم لو ورد دليل خاص على كفر من اعتقد بامر خاص من تلك الامور يؤخذ به مع انه ليس من الضروريات نظير ما ورد في الاخبار عن الامام الصادق عليه السلام: من انكر ثلاثة اشياء فليس من شيعتنا المعراج والمسائلة في القبر و الشفاعة. 2 وعلى هذا فبدون دليل خاص لا يحكم بكفر القائل بالتجسم لو لم يكن


استفاض منه من تركه للقول بالجسم الذى كان ينصره ورجوعه عنه واقراره بخطائه فيه وتوبته منه وذلك حين قصد الامام ابا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام إلى المدينة فحجبه وقيل له: انه قد آلى ان لا يوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم فقال: والله ما قلت به الا لانى ظننت انه وفاق لقول امامى فإذا انكره على فانني تائب إلى الله منه فاوصله الامام عليه السلام حينئذ إليه ودعا له بخير انتهى. وفى طهارة السمنانى ص 394: وما ينسب إلى هشام بن الحكم من التجسم افتراء وبهتان، و شأنه اجل من هذه الخرافات إلى آخر كلامه الذى فيه نوع اهانة بالنسبة إلى علم الهدى قدس اله نفسه وروح سائر الاصحاب. 1. طهارة الشيخ ص 312. 2. امالي الصدوق ص 177 المجلس 49.

[ 212 ]

قوله منافيا للتوحيد بمراتبه الاربعة ولم يكن هو بنفسه ملتزما بالتوالى الفاسدة، و اثبات كفره يحتاج إلى دليل خاص وهو غير موجود في المقام. نعم ورد عن مولانا الرضا عليه السلام: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة. 1 لكن يرد عليه. اولا: ان الرواية ضعيفة. 2 وثانيا: ان المراد من التشبيه القول بان الله تعالى في جهة الفوق ويمكن ان يرى، وغير ذلك من خصوصيات الجسم الحقيقي ومزاياه، وقد عدل العلماء عن الاستدلال بها حتى في التجسم بالحقيقة واستدلوا بلزوم التركيب والحدوث والمكان مثلا وليس هذا الا لضعفها فلذا لا يمكن التمسك بها في اثبات كفر من قال بان الله جسم لا كالاجسام ولو لم يلتفت إلى لوازمه أو انه انكرها بعد ان ثبت اسلامه باقراره بالشهادتين، بل يحمل الكفر في الرواية على ما يقابل الايمان لا الاسلام، ولا دليل آخر على كفره. اللهم الا ان يكون المسألة مجمعا عليها ولو بين الامامية. والحاصل: ان التجسم من الصفات السلبية وهى صفات يحب الاعتقاد بنزاهة ساحة قدس الله تعالى وبرائته عنها ومن المعلوم ان من انكر واحدة منها غفلة عن لوازمها وآثارها ليس بكافر خصوصا مع لحاظ بعد هذه المطالب عن مستوى عقول العامة وافق افكارهم. الا ترى انه إذا قيل لواحد منهم ان الله عالم. يتخيل ان علمه تعالى كعلمنا زائد على الذات مع ان علمه عين ذاته فهو لا يتصور ولا يتعقل اتحاد العلم مع


1. وسائل الشيعة ج 18 ص 558 الباب 10 من ابواب حد المرتد الحديث 5. 2. فان في: سلسلة الرواية على بن معبد مثلا وقد قال المامقانى: لم ينص فيه بتوثيق ولا مدح انتهى.

[ 213 ]

الذات بل هو كالصبى الذى لو قيل له ان الله تعالى ليس له عين يتخيل انه اعمى و لو قيل له انه تعالى لا سمع له، يظن انه اصم. وعلى الجملة فالذي يمكن ان يقال قطعا بلا أي تزلزل وارتياب وتردد و اضطراب هو ان من قال بتجسمه تعالى ملتفتا إلى لوازمه وتواليه الفاسدة فهو كافر نجس، واما غير ذلك فلا.

[ 215 ]

الكلام حول المجبرة ومن جملة الفرق المحكومة عليها بالكفر المجبرة. ولا يخفى ان المجبرة على قسمين: احدهما القائل بالجبر المحض أي القول بصدور الافعال مطلقا عن الله تعالى وانه الفاعل لافعال المخلوقين، وكون الانسان كالجماد فكما ان الجماد ليست له ارادة ولا يتحرك الا بمحرك كذلك الانسان لا يتحرك الا بيد الله ولا يصدر منه فعل اختياري ابدا قبيحا كان أو حسنا، فالساجد لله يتخيل انه بنفسه وضع جبهته على الارض والحال انه ليس كذلك بل هو كقطعة حديد في يد الحداد يرفعها وينزلها ويدقها على قطعة اخرى، والحاصل انه يقول بان الله قد اجبر الناس على افعالهم مطلقا. ولا اظن ان عاقلا يتفوه بامثال هذه الترهات والمقالات الفاسدة

[ 216 ]

والاباطيل الكاسدة، كيف وهى خلاف الحس والوجدان واستخفاف بشموخ مقام الانسان بجعله آلة بلا ارادة وان قال بها بعض الجهلة المتعصبون، حتى انى قد رأيت في بعض الكتب المعدة في هذا الموضوع عند بيان عقيدتهم، التصريح بكون الانسان كالحجر. 1 وغير خفى ان هذا النوع من الجبر مستلزم لا نكار كل ما جاء به الشرع، و ابطال اصل الشرعيات والنبوات، وانزال الكتب، وارسال الرسل، وخلق الجنة والنار، ولم يبق معه مورد ومجال للوعد والوعيد، ومدح الصلحاء والابرار، وذم الفسقة والاشرار، وعليه يلزم ايضا ان يكون بعث السفراء العظام وانزال الصحف السماوية الكرام لغوا لا فائدة فيه اصلا، وكذلك يلزم ان يكون خلق الجنة والنار عبثا غير ناتج شيئا، حيث انه بناءا على ذلك لم يتحقق فعل خير الا بيد الله لا باختيار الانسان فكيف يدخل الجنة ولماذا؟ وهكذا لم تقع على ذلك معصية وخطيئة بارادة العبد، بل الذنوب والمعاصي كلها صادرة عن الله، فلماذا يعاقب العبد؟ وهل هو الا العقاب على ما لم يفعله الذى هو قبيح بالضرورة العقلية؟ ولا شك في ان هذا القسم من الجبر كفر وموجب للنجاسة بل هو من اعظم انواع الكفر واشده لاستلزامه كما ذكرنا تكذيب الانبياء جميعا وانكار الكتب كلها وغير ذلك من التوالى الفاسدة، واللوازم الباطلة، التى لا يمكن للمسلم الالتزام بها ابدا. وكيف يمكن ان يقال ان شمرا لعنه الله لم يقتل الامام ابى عبد الله الحسين عليه السلام باختياره وارادته بل كان قتله وقتل غيره من الاسرة الطاهرة النبوية و


1. يشهد لما ذكره دام ظله كلام العلامة في شرح التجريد قال: انا نعلم بالضرورة الفرق بين حركة الحيوان اختيارا وحركة الحجر الهابط الخ.

[ 217 ]

ذرية الرسول الطيبة من فعل الله سبحانه؟ ما هذا الا بهتان عظيم. وقد قذف بهذه الكلمة الاثيمة الكافرة ام الفساد وراس الضلال والالحاد عبيد الله ابن زياد، عليه لعائن الله حيث نسب قتل على بن الحسين عليهما السلام " الشهيد بالطف " إلى الله تعالى ورد عليه الامام زين العابدين عليه السلام بقوله: قتله الناس. 1 اما القسم الآخر من المجبرة فهم القائلون به لكن لا بهذه الشدة وانما يقولون ان الفعل مقرون بارادة الانسان الا انه حيث كان افاضة الوجود واعطاء القوة والارادة والامهال، من الله تعالى فالفعل ليس في الحقيقة صادرا عن الانسان، والخطايا صادرة وناشئة عن الارادة الحاصلة للانسان بامر الله تعالى. وهذا القسم من الجبر لا يوجب الكفر لو لم يلتزم ولم يلتفت قائله و المعتقد به بلوازم الجبر المذكورة آنفا في القسم الاول لعدم كونه على خلاف ضرورة الاسلام حتى يقتضى الكفر والنجاسة بل هو مخالف لضرورة مذهب الشيعة حيث ان الائمة المعصومين عليهم السلام اجتهدوا بكل قواهم وكافة امكانياتهم لاقامة الشيعة على الحد الوسط الفاصل بين الجبر والتفويض بقولهم لا جبر ولا تفويض بل امر بين الامرين. وحثهم دائما بذلك الاعتقاد واصروا على تزريفه في اعماق نفوسهم خلافا لكثير من العامة كاصحاب الشافعي والمالك و ابى حنيفة بل الاشاعرة من العامة مطلقا حيث ذهبوا إلى ذلك واعتقدوا بالجبر. ونحن نقول في مقام الجواب عن القائلين بالجبر: ان اقوى دليل على بطلانه هو الوجدان 2 ويكفى في تصديق ذلك، الرجوع إلى اول مرتبة التميز و لا حاجة إلى ازيد من ذلك فراجعوا اول مرتبة من التميز كى تفقهوا بطلان ما


1. راجع اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس قدس سره ص 143 2. ولذا قال المحقق الطوسى في التجريد في جوابهم: والضرورة قاضية باستناد افعالنا الينا.

[ 218 ]

تعتقدونه وتقولون به. فهذا الصبى الذى لم يبلغ قد يؤاخذ الجماد على امر خيالي عرض له الا انه بمجرد رشده وبلوغه حد التميز والرشد يدع هذا الاسلوب ولا يؤاخذه من لا شعور له ولا ارادة كالجماد على شئ ابدا، فلو وقع الحجر من يده على الارض لا يوبخه ولا يعاتبه ولا يقول له لم سقطت على الارض بخلاف ما لو ضربه انسان يؤاخذه ويعاتبه ويقول لم تضربني؟ وترى انه لو ضربه ضارب بآلة كالخشب والعصا فهو يذم الضارب دون آلة الضرب، ولو رماه رام بحجر مثلا فهو يلوم الرامى دون الحجر. فالله تعالى خلق الانسان واعطاه القوى وامهله وجعل واودع فيه بحكمته البالغة، الارادة، الا انه تعالى جعل له شيئا آخر يسمى بالاختيار، والانسان في اعماله وافعاله ليس مسلوب الاختيار بل كل ما يصدر عنه فانما يصدر عنه باختياره وهذا امر محسوس لا يقبل الانكار، فان كل فرد من افراد الانسان يعلم ويدرك من نفسه انه قادر على ايقاع فعل كذا وتركه بخلاف الجماد مثلا فانه لا يقدر على ذلك وليس له اختيار الفعل على الترك، أو الترك على الفعل، وترجيح احدهما على الآخر. ولا يخفى ان مجرد اعطاء الاختيار ووساطته مصحح للمؤاخذة، وهو ملاك العقاب والثواب. وكون الخالق تعالى علة العلل وقيام وجود الانسان وارادته وتمام قواه به سبحانه مما لا ريب فيه الا انه مع ذلك كله، له ان يفعل وان لا يفعل فتصح مؤاخذته على فعل القبيح ولو لم يكن له حظ من هذه القدرة الثمينة والموهبة الكريمة لما كان لمؤاخذته وجه ابدا كما لا وجه لمؤاخذة الاخرس في يوم القيامة على عدم اقراره بالشهادتين لانه لم يكن قادرا على التكلم والاقرار بهما

[ 219 ]

بخلاف من كان ناطقا طلق اللسان قادرا على الاقرار وعدمه فانه لو لم يقربهما لصح مؤاخذته عقلا.

[ 221 ]

الكلام حول المفوضة وهم فرقة قائلون بانعزال الله تعالى عن الافعال وارجاع الامور إلى العباد و انه سبحانه فوض الافعال إلى المخلوقين 1 هذا. والحق ان التفويض على اقسام: منها القول بان الله لما خلق العباد اعطاهم قدرة اغناهم بها عنه فهم بعد ذلك مستقلون في الامور قائمون على وفق مشيتهم وارادتهم وقدرتهم ولا يحتاجون إليه والى حوله وقوته وهو بمعزل عن الامور لتفويض الامر إليهم و


1. قال: الشيخ الصدوق في رسالة الاعتقادات: اعتقادنا في الغلاة والمفوضة انهم كفار بالله جل اسمه وانهم شر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ومن جميع اهل البدع و الاهواء المضلة... وفى المكاسب للشيخ الانصاري ص 27:... ان الضرورى عدم نسبة تلك الافعال إلى فاعل مختار باختيار مستقل مغاير لا ختيار الله كما هو ظاهر قول المفوضة.

[ 222 ]

ذلك مثل ان مثريا اعطى فقيرا مالا وامره بالتجارة لنفسه فهذا الآخذ بعد قبضه و اخذه المال المزبور يتجر لنفسه ولا يحتاج إلى المعطى اصلا، وعلى هذا فالله تعالى وان كان قادرا الا ان العبد ايضا قادر لا يحتاج إليه بعد ذلك، غاية الامر ان الله قادر بذاته، والانسان قادر بالله سبحانه. ولعل الذى حملهم على هذا الاعتقاد هو ما رأوه من القبائح والسوء و الفحشاء الصادرة من الانسان فزعموا انه لو لم يقولوا بتفويض الامور إلى العبد لزم نسبة تلك الذنوب والقبائح إليه تعالى فلاجل تنزيه الله عن ارتكاب الجرائم قالوا بان الله فوض الامور إلى العباد ولا دخل له سبحانه في امورهم اصلا. ومنها القول بتفويض امر الخلق والرزق إلى بعض عباده كان يقال ان الله لما خلق الارض فوض الامر إلى النبي صلى الله عليه وآله فخلق هو صلى الله عليه وآله ما فيها أو انه تعالى خلق محمدا صلى الله عليه وآله وفوض إليه امر العالم فهو الخلاق للدنيا وما فيها. وبطلان كلا القولين واضح لان ازمة الامور كلها بيد الله ولا غناء عنه لاحد ابدا ولا يملك العبد في الحقيقة شيئا والله تعالى خلق الخلق وهو مدبر عالم الوجود ومديره حدوثا وبقاءا ولو لا عناية الله تعالى وافاضة الفيوض الربانية لما بقى شئ، ولما استقام امر. وعلى الجملة فحياة الانسان وتصرفاته كلها منوطة بالله والخلق كلهم عياله وفى قبضته ومحتاجون إليه آنا فآنا. وله القدرة التامة والسلطنة الكاملة في كل آن من الآنات. ولازم القول بالتفويض على كلا القسمين هو سلب القدرة عن الله تعالى و اخراجه عن سلطانه كما ورد عن الامام الصادق عليه السلام: انهم ارادوا ان

[ 223 ]

لا ينسبوا إلى الله القبائح فسلبوا عنه القدرة. 1 ومنها القول بتفويض التكاليف إلى النبي بمعنى انه لا يحتاج في التشريع إلى الوحى لان الله تعالى جعل امر التشريع بيده وفوضه إليه فكلما جعله فهو حكم يجب اتباعه ولا يجوز التخلف عنه. ومنها القول بتفويضها إلى على عليه السلام أو إليه والى الائمة المعصومين كل في زمانه، فهم غير محتاجين بعد ذلك إلى الله في التكاليف و الاحكام، إلى غير ذلك من المقالات الفاسدة والمذاهب الباطلة. وكل هذه الاقسام ايضا باطل مخالف للشرع لان الائمة عليهم السلام لا يقولون الا ما قاله النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وهو لا يقول الا ما امره الله تعالى به قال الله تعالى: " وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى " 2 واما قوله تعالى: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا " 3 فليس المراد منه مجيئ الرسول بشئ من عند نفسه وبدون اخذه من الله بل المراد منه وجوب اخذ ما جاء به الرسول المعلوم انه من الله سبحانه فكل ما جاء واتى به النبي والائمة من عترته صلوات الله عليهم اجمعين فهو مأخوذ من الله وان لم يذكر في القرآن تفصيلا. وعلى الجملة فالنبى واسطة في الرسالة لا جاعل الاحكام والتكاليف و مقنن للقوانين.


1. اقول: لم اعثر على رواية بهذا اللفظ نعم روى في الوسائل ج 18 ص 558 عن الصادق: الناس في القدر على ثلاثة اوجه رجل يزعم ان الله تعالى اجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر ورجل يزعم ان الامر مفوض إليهم فهذا قد اوهن الله في سلطانه فهو كافر... 2. سورة النجم الآية 3 و 4 وقوله تعالى: قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم ان اتبع الا ما يوحى إلى سورة الاحقاف الآية. 9. 3. سورة الحشر الآية 7.

[ 224 ]

وهنا اشكال وهو انه 1: كيف لا دخل للنبى صلى الله عليه وآله في جعل الاحكام، وهذه الروايات المنقولة في كتب الحديث والمجامع المعتبرة مثل الكافي صريحة في ان النبي اضاف الركعتين 2 على ركعتي الظهر والعصر لجهة مذكورة فيها وقد امضاها الله تعالى وانفذها ولو لا ان الاحكام مفوضة من الله تعالى إليه لما كان يضيف الركعتين مثلا. والجواب عنه: ان هذه الاضافة كانت بعد استدعائه من الله تعالى وقبوله سبحانه لذلك وليس ضم شئ بعد استدعاء ضمه من الله وقبوله وامضائه، من باب جعل الاحكام وتشريعه من عند نفسه، وكون الامر مفوضا إليه، ولو كانت هذه الاضافة من قبل التفويض الواقعي لما احتاجت إلى امضاء الله تعالى و انفاذه، والحال انه نص في بعض الروايات على اجازة الله لذلك. كما ورد في الاخبار ان عبد المطلب خمس ما له في الجاهلية ولما بزغ فجر الاسلام انفذ الله تعالى ذلك 3 ومن هذا الباب تحريم الله ما حرم اسرائيل على


1. اورده بعض تلامذة سيدنا الاستاد دام ظله العالي. 2. من جملة هذه الروايات رواية فضيل بن يسار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول لبعض اصحاب قيس المعاصر: ان الله عزوجل ادب نبيه فاحسن ادبه فلما اكمل له الادب قال: انك لعلى خلق عظيم. ثم فوض إليه امر الدين والامة ليسوس عباده... ثم ان الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات فاضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين والى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن الا في سفر وافرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فاجاز الله عزوجل ذلك كله الخ. الكافي ج 1 ص 266، وسائل الشيعة ج 3 ص 31. 3. روى الصدوق... عن على بن ابى طالب عن النبي انه قال في وصية له: يا على ان عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن اجراها الله له في الاسلام: حرم نساء الآباء على الابناء فانزل الله عزوجل: ولا تنكحوا ما نكح آباء كم من النساء. ووجد كنزا فاخرج منه الخمس وتصدق به فانزل الله عزوجل: واعلموا ان ما غنمتم من شئ فان لله خمسة الآية. ولما حضر زمزم سماها سقاية الحاج فانزل الله عزوجل اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد

[ 225 ]

نفسه، 1 إلى غير ذلك من الموارد فانها لا تدل على التفويض اصلا. 2 وما ورد في الاخبار من التعبير بتفويض امر الدين إلى النبي والائمة عليهم السلام، فمعناه انهم حافظون لشئون الدين وامناء الله على حدود الله وحلاله و حرامه واوامره ونواهيه، والا فهو مخالف لصريح قوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى " وعلى الجملة فالقول بالتفويض بانحاءه المذكورة باطل لا يصار إليه. قال الشيخ الصدوق في باب اعتقاد نفى الجبر والتفويض: اعتقادنا في ذلك قول الصادق عليه السلام: لا جبر ولا تفويض بل امر بين الامرين... 3 وعلى هذا فالقول به مخالف لمذهب الامامية واما مخالفته لضروري الدين وايجابه الكفر والنجاسة فهو موقوف باستلزامه تكذيب النبي وانكار النبوة والقرآن ايضا. كما ان القسم الاول منه مستلزم لسلب القدرة ونقض التوحيد، وفيه تكذيب النبي والقرآن لان الله تعالى يقول في اليهود: " قالت اليهود يد الله مغلولة


الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، الآية. وسن في القتل مأة من الابل فاجرى الله ذلك في الاسلام. ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسن فيهم عبد المطلب سبعة اشواط فاجرى الله ذلك في الاسلام الخ الخصال ابواب الخمسة ح 90 1. سورة آل عمران الآية 93. 2. يقول المقرر: هذا مضافا إلى عدم الوثوق والاطمينان على امثال هذه الرواية وذلك لما ورد في الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقترح على ربه في شئ يأمره به " مجمع البحرين مادة قرح، واقترحت عليه شيئا سئلته اياه من غير روية. " 3. اعتقادات الصدوق المطبوع مع شرح باب حادى عشر ص 98 ومثله كلامه في الهداية ص 5 فراجع وراجع الكافي ج 1 ص 160 ح 13.

[ 226 ]

علت ايديه ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء " 1 وعلى هذا فهو كفر وضلال والمعتقد به كافر نجس هذا. واما ساير الاقسام فليس كفرهم بهذا الوضوح فكلما لزم منه تكذيب الرسالة مع العلم به والالتفات إليه فهو ايضا كذلك والا فمجرد القول بالتفويض لا يقتضيه وان كان على خلاف ضروريات المذهب فان انكار ضروري المذهب يوجب الخروج عن ربقة التشيع لا الاسلام، بخلاف تكذيب النبي الذى يلزم من انكار ضروري الدين فانه يوجب الخروج عن دائرة الاسلام، والدخول في حوزة الكفر. تذنيب يناسب المقام ثم ان بعضا ممن اعتنق تلك المبادئ الفاسدة، والمذاهب والمقالات الكاسدة - التى امضينا الكلام فيها - وغيرها قد يتمسك بآيات أو روايات، فيفسرها بحيث تطابق تلك المعتقدات الباطلة، فهنا نقول: قد يكون التفسير والتوجيه واضح الفساد والبطلان واقبح من طرح الآية أو الرواية، ومن هذا القبل قول بعض الفلاسفة ان المعاد روحاني والجنة والنار ليستا جسمانيتين وان المراد من الجنة والنعم المعدة في الآخرة هو النشاط الروحي وانبساط النفس وابتهاجها في النشأة الآخرة وسرورها بالاعمال الصالحة التى قد تزود بها الانسان من دنياه، والمراد من نار الجحيم والعذاب الاليم هو الآلام النفسانية، إلى غير ذلك من الترهات والاقاويل الكافرة. وعلى الجملة فهذا النوع من التفسير والتأويل واضح الفساد وموجب


1. سورة المائدة الآية 64.

[ 227 ]

للكفر والنجاسه فانه خلاف الآيات الكريمة الناطقة بالمعاد البدني 1 الناصة في ذلك. اضف إلى ذلك ان من يفسر الآيات بهذا النحو والنسق وفقا لعقيدته الفاسدة فكأنه يتخيل ويزعم ان احدا من الاكابر والاصاغر لا يعرف ولا يفهم معناها وانما هو وحده قد فهمه، ومآل ذلك نزول القرآن لا جله فقط، كما انه يستلزم لغوية نزوله بالنسبة إلى غيره من الناس حيث انهم لا يفهمون معنى الآيات ولا يفقهون مغزى معارف الكتاب ومستلزم لاغراء الله تعالى عباده بالجهل. نعم الحكم بكفر القائل بالامور المزبورة موقوف على علمه والتفاته إلى تلك اللوازم.


1. قال الله تعالى: " أو لم يرى الانسان انا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا و نسى خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم " سورة يس الآية 77 و 78. وقال تعالى: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " سورة النساء الآية 56. وقال سبحانه: " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذى انطق كل شئ " سورة فصلت الآية 21. وقال تعالى: " ايحسب الانسان الن نجمع عظامه بلى قادرين على ان نسوي بنانه " سورة القيامة الآية 3 و 4. إلى غير ذلك من عشرات آيات صريحة في ذلك. فانظر بعين الانصاف فهل يمكن توجيه هذه الآيات الشريفة وهل هي قابلة للتأويل؟ ولذا قال بعض بعد ذكر آية أو لم ير الانسان، إلى قوله: بكل خلق عليهم، ونقل حكاية ابى بن خلف، الواردة في شأن نزول الآية: وهذا مما يقطع عرق التأويل بالكلية. وقال العلامة المجلسي رضوان الله عليه: اعلم ان القول بالمعاد الجسماني مما اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج عن عداد المسلمين والآيات الكريمة في ذلك ناصة لا يعقل تأويلها، والاخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها وقد نفاه اكثر ملاحدة الفلاسفة تمسكا بامتناع اعادة المعدوم ولم يقيموا دليلا عليه بل تمسكوا تارة بادعاء البداهة و اخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين انتهى.

[ 228 ]

وقد لا يكون توجيهه وتأويله بهذه المثابة من وضح بطلانه بل هناك نوع خفاء يمكن عادة توجيهها كذلك، وهنا لا يمكن الحكم بكفر من قال به تمسكا بالآيات والروايات لا حتمالها ذلك عرفا.

[ 229 ]

الكلام حول المخالفين من جملة المباحث التى وقعت موردا للنقض والابرام وصارت معركة آراء الاعلام هو البحث في طهارة المخالفين ونجاستهم. فقال صاحب الجواهر قدس سره: الاقوى طهارتهم... وفاقا للمشهور، انتهى ويستفاد منه ان غير المشهور قائلون بنجاستهم. وقال صاحب الحدائق: المشهور بين متأخرى الاصحاب هو الحكم باسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب، (إلى ان قال:) المشهور في كلام اصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم و نجاستهم وهو المؤيد بالروايات الامامية. ثم انه رحمه الله ذكر اسماء عدة من الاعلام والاكابر القائلين بالنجاسة 1 و


1. وهم الشيخ ابن نوبخت من متقدمي الاصحاب ومتكلميهم والمفيد والشيخ الطوسى وابن

[ 230 ]

لكن ليس هؤلاء كلهم من المتقدمين بل فيهم من كان من المتوسطين والمتأخرين، فالاولى مراجعة كلمات القدماء ليعرف آرائهم وفتاويهم فانهم اعمدة الدين ووسائط بيننا وبين الائمة المعصومين، صلوات الله عليهم اجمعين. ويظهر من كلامه قدس سره ان منشأ الخلاف في المسألة واول من قال بالطهارة هو المحقق صاحب الشرايع واليك نص كلام الحدائق: ان من جملة من صرح بطهارة المخالفين - بل ربما كان هو الاصل في الخلاف في هذه المسألة في القول بالاسلامهم وما يترتب عليه - المحقق في المعتبر... اقول: ويرد عليه ان بعضا من الاركان قبل المحقق ايضا قد قال بطهارة اهل الخلاف وليس هو المبتكر لهذا القول والبادى به قال المحقق في المعتبر: اسآر المسلمين طاهرة وان اختلفت آرائهم عدا الخوارج والغلاة، وقال الشيخ في النهاية بنجاسة المجبرة والمجسمة، وخرج بعض المتأخرين بنجاسة من لم يعتقد الحق عدد المستضعف. 1 ومراده من بعض المتأخرين هو ابن ادريس حيث قال: المخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. 2 ثم ان المحقق قدس سره قد استدل على ما ذهب إليه من طهارتهم بامور: احدها ما ذكره بقوله: لنا ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يجتنب سؤر احدهم وكان يشرب من الموضع الذى تشرب منه عايشة، وبعده لم يجتنب على عليه السلام سؤر احد من الصحابة مع مباينتهم له ولا يقال: كان ذلك تقيه لانه لا


ادريس والعلامة وابن براج والسيد المرتضى والمولى محمد صالح المازندرانى والمولى ابو الحسن الشريف ابن الشيخ محمد طاهر وغيرهم. 1. المعتبر، الطبع القديم ص 24، الطبع الحديد ج 1 ص 97. 2. السرائر ج 1 ص 356 بحث صلاة الميت ولفظه: والمخالف للحق كافر، بلا خلاف بيننا.

[ 231 ]

يصار إليه الا مع الدلالة. ثانيها ما افاده بقوله: وعن علي عليه السلام انه سئل ايتوضأ من فضل جماعة المسلمين احب اليك أو يتوضأ من ركو ابيض مخمر؟ فقال: بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فان احب دينكم إلى الله تعالى الحنيفية السهلة السمحة و ذكره أبو جعفر بن بابويه في كتابه. 1 اقول: بيان هذه الرواية ان عدم استعمال سؤرهم امر مشكل، وفى اجتنابه صعوبة وزحمة على العباد، ومن المعلوم ان الاسلام هو الشريعة السهلة السمحة و دين فيه من اليسر والسهولة ما لا يخفى، فلذا لا يجب الاجتناب ولا يلزم تحمل هذا الامر الشاق. والايراد عليه في استدلاله هذا بشموله للخوارج والنواصب ايضا مع انهم كفار بلا كلام ويجب الاجتناب عنهم قطعا، في غير محله. وذلك لان غرضه هو اثبات طهارتهم في الجملة، وهذا لا ينافى استثناء افراد خاصة بالدليل المخصص. ثالثها: رواية عيص بن القاسم عن ابى عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يغتسل هو وعايشة من اناء واحد. 2 رابعها قوله: ولان النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة ثم قال: اما الخوارج فيقدحون في على عليه السلام وقد علم من الدين تحريم ذلك فهم الاعتبار داخلون في الكفر لخروجهم عن الاجماع وهم المعنيون بالنصاب واما الغلاة فخارجون عن الاسلام وان انتحلوه انتهى. وحيث ان صاحب الحدائق كان قائلا بنجاسة المخالفين فقد اجاب عن


1. من لا يحضره الفقيه ج 1 باب المياه ح 16. 2. وسائل الشيعة ج 1 ص 168 ب 7 من ابواب الاسئار ح 1.

[ 232 ]

تلك الوجوه. اما عن حديث السؤر وحكاية عايشة فبان الولاية التى هي معيار الكفر و الايمان انما نزلت في آخر عمره صلى الله عليه وآله في غدير خم والمخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف انما وقعت بعد موته فلا يتوجه الايراد بحديث عايشة والغسل معها من اناء واحد ومساورتها كما لا يخفى وذلك لانها في حياته على ظاهر الايمان وان ارتدت بعد موته كما ارتد ذلك الجم الغفير المجزوم بايمانهم في حياته صلى الله عليه وآله. ثم نقض على المحقق بما حاصله انه يعترف بكفر من انكر ضروريا من ضروريات الدين وان لم يعلم ان ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يحكم بنجاسة من يسب امير المؤمنين عليه السلام واخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين... ونحن نقول: بالنسبة إلى قصة عايشة: ان ولاية امير المؤمنين عليه السلام و وصايته كانت امرا مسلما من اوائل امر الدعوة وظهور الاسلام خصوصا بالنسبة إلى من كان في بيت رسول الله كما يدل على ذلك حديث يوم الدار 1، وعداوة عايشة لا مير المؤمنين عليه السلام ايضا لم تكن منحصرة بما بعد وفاة النبي


1. وهو انه لما نزلت قوله تعالى: " وانذر عشيرتك الا قربين " (سوره الشعراء الآية 214) صنع رسول الله صلى عليه وآله طعاما وجمع بين عبد المطلب وهم يومئذ اربعون رجلا فاكلوا جميعا... وفعل ذلك في يوم بعده وبعد ان اكلوا - من الطعام القليل - حتى ما لهم بشئ حاجة... تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بنى عبد المطلب انى والله ما اعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل مما قد جئتكم به انى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد امرني الله تعالى ان ادعوكم إليه فايكم يوازرني على هذا الامر على ان يكون اخى ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال على عليه السلام: فاحجم القوم عنها جميعا وقلت: وانى لا حدثهم سنا وارمصهم عينا... آنا يا نبى الله اكون وزيرك عليه فاخذ برقبتى ثم قال: ان هذا اخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا قال: فقام القوم يضحكون لابي طالب: قد امرك ان تسمع لا بنك وتطيع، راجع الغدير ج 2 ص 278 وقد نقله عن تاريخ الطبري ج 2 ص 216 وعن جماعة من اهل السنة.

[ 233 ]

الاعظم صلى الله عليه وآله وارتحاله بل هي لا تزال كذلك في حياته وبعد وفاته. 1 ويرد على ما اورده من النقض بان كل ما يؤتى به بالنسبة إلى امير المؤمنين من الهتك والظلم فليس من باب انكار الضرورى للدين ولامن باب الانكار بل ربما يكون منشأ ذلك هو غلبة الهوى... واجاب عن حديث الوضوء من فضل وضوء جماعة المسلمين بوجهين: احدهما: انه مصادرة بالمطلوب. ثانيهما: انا لا نسلم ان المراد بالاسلام في الرواية معناه الاعم، بل المراد منه هو المعنى المرادف للايمان.


1. كما يفصح عن ذلك ما ورد في حديث الطير من ان عليا عليه السلام قد طرق الباب ليدخل على رسول الله ثلاث مرات ولم تأذن له ان يدخل حتى قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله في الثالثة: يا عايشة افتحي له الباب... وورد في آخر هذا الخبر ان النبي قال لها: ما هو باول ضغن بينك و بين على وقد وقفت على ما في قلبك لعلى انك لتقاتلينه... راجع البحار ج 38 ص 348. وايضا ما رواه عن كشف اليقين عن على بن ابى طالب عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ان يضرب الحجاب وهو في منزل عايشة فجلست بينه وبينها فقالت: يا ابن ابى طالب ما وجدت مكانا لاستك غير فخذي؟ امطه عنى فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بين كتفيها ثم قال لها: ويك ما تريد من امير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين. راجع البحار ج 22 ص 244. وما حكاه ابن ابى الحديد عن شيخه اللمعانى في علة ضغنها - بعد كلام طويل له -: ثم كان بينها وبين على عليه السلام في حياة رسول الله صلى عليه وآله احوال واقوال كلها تقتضي تهييج النفوس نحو قولها له وقد استدناه رسول الله فجاء حتى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان: اما وجدت مقعدا لكذا - لا تكنى عنه - الا فخذي ونحو ما روى انه سايره يوما واطال مناجاته فجاءت وهى سائرة خلفها حتى دخلت بينهما وقالت: فيم انتما فقد اطلتما. فيقال ان رسول الله صلى الله عليه وآله غضب ذلك اليوم... راجع شرح ابن ابى الحديد ج 9 ص 194 وقال في ص 199: هذه خلاصة كلام الشيخ ابى يعقوب رحمه الله ولم يكن يتشيع وكان شديدا في الاعتزال وفى نهج البلاغه خطبة 155:... واما فلانة فادركها رأى النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين ولو دعيت لتنال من غيرى ما انت إلى لم تفعل الخ.

[ 234 ]

توضيحه انا لو كنا نعلم ان المراد التوضئ من سؤر المخالفين لكان هذا دليلا على المطلوب ولكن الرواية لم تدل على ازيد من جواز الوضوء من فضل جماعة المسلمين، ومن الممكن فرض كونهم من موالى امير المؤمنين ومحبيه و اشياعه لامن المخالفين، واستشهد لذلك بقول بعض العلماء الاعيان فراجع. ثم اورد على المحقق - فيما قاله في الخوارج من انهم المعنيون بالنصاب - بالخروج عن مقتضى النصوص المستفيضة في الباب وعدم موافق له في ذلك لا قبله ولا بعده من الاصحاب. والمستفاد من ايراده هذا هو ان النواصب مطلق المخالفين لا طائفة خاصة منهم على ما افاده المحقق من تفسير الخوارج بهم. وفى هذا المطلب وما ذكره قبل ذلك ما لا يخفى. ثم انه رحمة الله عليه ذكر اخبارا دالة - عنده وبزعمه - على كفر المخالفين ونجاستهم - دفعا لما اورده المحقق في الوجه الرابع من ان النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة - ونحن نذكر تلك الاخبار ونتعرض لما فيها. قال: فمنها ما رواه في الكافي بسنده عن مولانا الباقر عليه السلام قال: ان الله عزوجل، نصب عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا، ومن انكره كان كافرا، ومن جهله كان ضالا. 1 وفيه ان الظاهر منها بقرينة قوله: ومن جهله كان ضالا، هو انكار الولاية عن علم وفهم، لان الجهل به عليه السلام هو الجهل بشامخ مقامه وان عرف شخصه فمن جهل امر الولاية فهو ضال، وفى قباله من انكر عالما بعلو شأنه ورفعة مقامه وسمو مكانته وانه المنصوص بالخلافة قطعا، ولا اطلاق لقوله: و من انكره كان كافرا، حتى يشمل الجاهل ايضا حيث ان الجملة الاخيرة متعرضة


1. اصول الكافي ج 1 ص 437.

[ 235 ]

للجاهل بالخصوص. فحاصل الرواية ان العارف بشأنه مؤمن، والمنكر الجاهل ضال، والمنك العالم كافر، فلم يثبت الكفر الا للمنكر العالم ولا نتضائق عن ذلك فانه امر مسلم مفروغ عنه، فان الانكار مع العلم واليقين يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه و آله وسلم، لكن اين هنا ومدعى صاحب الحدائق من كفر مطلق المخالفين مع ان اكثر هم ليسوا من المنكرين عن علم ويقين بل منشأ انكار اكثر هم هو الجهل و الشبهة فالرواية على خلاف مدعاه ادل مما استدل له بها. وان شئت مزيد توضيح للمقام نقول: ان الانكار على ثلاثة اقسام: 1 - الانكار مع العلم. 2 - الانكار مع الشك وهذا لا يتحقق الا بمعنى انه لو كان في الواقع فهو ينكره، والا فالشك لا يجامع الانكار لان معنى الشك هو احتمال الصحة كاحتمال البطلان والدوران بينهما فكيف يمكن انكار شئ مع احتمال صحته؟ 3 - الانكار مع الجهل المركب وهذا في الحقيقة ليس انكارا بل هو الجهل المحض وان كان انكارا بالنسبة إلى معتقدنا، والرواية متعرضة للاول والثالث و ان المنكر بالنحو الاول كافر، وبالنحو الاخير ضال، لكن لا يخفى ان الانكار بالنحو الاخير ايضا قسمان: فتارة لا ينافى التصديق الاجمالي بما قاله النبي صلى الله عليه وآله نظير قطع الفقيه وافتاءه بشئ فهو ينكر ما يخالفه لكنه بحيث لو علم ان الحق هو ما يخالف قوله لاقر بذلك واعترف بخطأه. واخرى ينافيه بحيث ينكر شيئا مصرا عليه حتى ولو علم بخطأه كمن يقول: انى لا اقبل امر كذا وان كان حقا في الواقع، فانكار هذا الشخص ينافى التصديق الا جمالي ويرجع امره إلى القسم الاول من الاقسام الثلاثة، وعلى أي

[ 236 ]

حال فلا يصح التمسك بهذه الرواية في اثبات دخل الولاية في تحقق الاسلام مضافا إلى الاقرار بالشهادتين. ومنها: عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: ان عليا (عليه السلام) باب من ابواب الجنة فمن دخل بابه كان مؤمنا ومن خرج من بابه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله عزوجل فيهم المشيئة. 1 اقول: الظاهر ان المراد من قوله فمن دخل بابه الخ هو لمصدق للولاية المعترف بالوصاية فهو المؤمن حقا، ومن قوله (ع): ومن خرج من بابه الخ هو المنكر لها عن علم وعرفان، فهو الكافر، ومن قوله: من لم يدخل ولم يخرج الخ هو المستضعف اما لضعف عقله ودركه أو لعدم مساعدة الوسائل والتوفيق للعلم وان كان بحيث لو ساعدته الوسائل لعلمها بهو في الطبقة الذين لله عزوجل فيهم المشيئة وامره موكول إلى الله يحكم فيه ما يريد. وهذه ايضا لا تدل على مدعاه حيث انها تدل على كفر الخارج عن باب الولاية عالما عارفا، ونحن ايضا نقرو نعترف بذلك، وانما النزاع في كفر مطلق المخالف ولم يثبت ذلك. ومنها: عن الصادق عليه السلام قال: من عرفنا كان مؤمنا ومن انكرنا كان كافرا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذى افترضه الله عليه من طاعتنا الواجبة فان مات على ضلالته يفعل الله به ما يشاء. 2 اقول: ان معنى قوله عليه السلام: يفعل الله به ما يشاء، هو انه يمكن مساعدة وسائل المغفرة كما انه يمكن عدم مساعدتها له فقد ورد في بعض الروايات شفاعة امير المؤمنين عليه السلام للمخالف إذا لم يكن معاندا


1. اصول الكافي ج 2 ص 389. 2. اصول الكافي ج 1 ص 187.

[ 237 ]

له عليه السلام. ومعنى قوله: لم يعرفنا ولم ينكرنا، هو الساكت عن امر الولاية كمن يقول عند ذكر هذه الامور: مالنا والغور فيها ذروها بحالها حقا كانت أو باطلا. وهذه الرواية ايضا لا تدل على مدعاه بل هي صريحة في ان مجرد عدم قبول الولاية لا يوجب الكفر بل يوجب الضلالة. نعم نقل بعد هذه الاخبار روايات تدل باطلاقها على كفر المخالفين. ومنها ما رواه الصدوق عن ابى عبد الله عليه السلام: ان الله تبارك تعالى جعل عليا عليه السلام علما بينه وبين خلقه ليس بينهم وبينه علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ومن شك فيه كان مشركا. 1 فان قوله عليه السلام: ومن جحده كان كافرا، وان كان ظاهرا في الجحد عن علم ويقين الا انه عليه السلام صرح بعد ذلك بشرك الشاك ايضا وعندئذ يقع التعارض بينها وبين ما مضى من الاخبار الدالة على ضلالة من لم يعرفهم ولم ينكرهم، وعدم شركه. ويمكن ان يجمع بينهما باحد وجهين: احدهما: بالاطلاق والتقييد فان قوله عليه السلام: من لم يعرفنا ولم ينكرنا مطلق يشمل الشاك وغيره. واما قول ابى جعفر عليه السلام في هذه الرواية: ومن شك فيه كان مشركا خاص بحال الشك، والنتيجة اختصاص الضلالة وعدم الكفر بمن لم يعرفهم لا مع الشك بل لعدم انقداح الاحتمال فيه حتى يحقق وتتم عليه الحجة، فلو انقدح فيه الاحتمال ولم يعتن به وترك الفحص والتحقيق والتنقيب وبقى على ما كان عليه من الشك يكون مشركا فكأنه لا يريد التصديق الا جمالي للنبى صلى الله عليه


1. ثواب الاعمال وعقاب الاعمال ص 249.

[ 238 ]

وآله حيث ان الشاك في التكليف الاعتقادى المحتلم له يجب عليه الفحص و النظر، ومعنى عدم نظره وتحقيقه هو عدم قبوله وتسليمه له لو كان في الواقع كذلك ولا يجرى اصالة البرائة أو الاستصحاب في الامور الاعتقادية - بخلاف احتمال التكليف في غير الاعتقادات من الامور التكليفية - بل الواجب هو الاجتهاد والفحص بمجرد الاحتمال والشك، كما انه يجب النظر في المعجزة لتبين صدق مدعى النبوة وكذبه فربما يكون صادقا ومرسلا من الله، فلو ترك النظر فيها فلم يصدقه يكون كافرا. لا يقال: ان مقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل في الصورة الاولى ايضا هو وجوب الفحص فمع تركه يكون كالثاني فلا فرق بينهما اصلا. لا نا نقول: ليس هناك احتمال الضرر حتى يجب دفعه حيث ان المفروض عدم انقداح الاحتمال اصلا وهذا امر جار في مطلق الامور الاعتقادية حتى بالنسبة إلى الاعتقاد بمبدأ الوجود، فلو كان قاصرا لم ينقدح فيه احتمال وجود المبدأ من رأس ولم ينظر في الادله والشواهد حتى يوحد الله تعالى ويؤمن به، فهو لا يستحق العقاب ويكون امره إلى الله ومعه قال الله تعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " 1 وليس المقصود من البعث مجرده حتى ولو بلا وصول أو بلا انقداح الاحتمال. ثانيهما: ان يقال: ان المراد من الشك في على عليه السلام الموجب للكفر هو ما يلازم الشك في النبوة كان يحتمل انه اصطفاه النبي صلى الله عليه وآله، و نصبه وصيا لكونه صهرا له وانه من اسرته، وبعبارة اخرى قد انتخبه للوصاية من عند نفسه وارضاءا لهواه، نعوذ بالله من ذلك. ويؤيد ذلك ما نطقت به التواريخ من سؤال بعض انه هل كان نصب على


1. سورة الاسراء، الآية 15.

[ 239 ]

للخلافة من عند نفسه صلى الله عليه وآله أو بامر الله تعالى؟ فهذا الشك ملازم للشك في النبوة ولذا يوجب الكفر، بل ربما يوجب رد امر الله تعالى كما يشهد بذلك ما نقل في ذيل آية: " سئل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع " من ان واحدا منهم قال: اللهم ان كان هذا من عندك فامطر علينا حجارة من السماء. 1 ومن جملة تلك الروايات ما عن الصادق عليه السلام قال: ان عليا عليه السلام باب هدى من عرفه كان مؤمنا ومن خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار. 2 ومنها ما عن الصادق عليه السلام ايضا قال: الامام علم بين الله عزوجل و بين خلقه، من عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا. 3 تقريب الاستدلال ان الانكار وان كان بحسب ما ذكر سابقا ظاهر في الانكار عن علم ويقين الا انه يمكن شموله هنا للانكار عن جهل ايضا حيث لا تعرض هنا لصورة الجهل بالخصوص كى يختص الانكار بصورة العلم، بخلاف الروايات المذكورة سابقا فانها متعرضة لحال الجهل ايضا نظير قوله عليه السلام: ومن جهله كان ضالا.


1. فعن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه و آله عليا وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي صلى الله عليه وآله النعمان بن الحارث الفهرى فقال: امرتنا عن الله ان نشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله، وامرتنا بالجهاد و الحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلى مولاه فهذا شئ منك أو امر من عند الله؟ فقال: والله الذى لا اله الا هو ان هذا من عند الله، فولى النعمان بن الحارث وهو يقول: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وانزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع. راجع مجمع البيان ج 5 ص 352. 2. ثواب الاعمال وعقاب الاعمال ص 248 ولفظه هكذا: عن محمد بن جعفر عن ابيه عليه السلام قال: على عليه السلام باب الهدى من خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار. 3. كمال الدين وتمام النعمة ص 412 ب 39 وحكاه في البحار ج 23 ص 88.

[ 240 ]

وفى الامالى بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لحذيفة اليماني: يا حذيفة ان حجة الله عليكم بعدى على بن ابى طالب عليه السلام، الكفر به كفر بالله سبحانه، والشرك به شرك بالله سبحانه، والشك فيه شك في الله سبحانه، و الالحاد فيه الحاد في الله سبحانه والانكار له انكار الله سبحانه والايمان به ايمان بالله تعالى، لانه اخو رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وامام امته ومولاهم و هو حبل الله المتين وعروته الوثقى التى لا انفصام لها... 1 اقول: يمكن الخدشة في دلالة هذه الرواية فان ظاهر قوله عليه السلام: الكفر به الخ هو الكفر مع العلم بان الله جعله علما وحجة وكذا الشك فيه مع العلم بنص النبي صلى الله عليه وآله شك في الله لان معناه الشك في صحة النص المزبور فكأنه شك في كلام الله تعالى، وعلى هذا فلا دلالة ظاهرة لهذه الرواية على ما كان بصدده. ومنها ما رواه الصحاف قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) فقال: عرف الله تعالى ايمانهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم اخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم. 2 إلى غير ذلك من الروايات التى تمسك بها صحاب الحدائق رضوان الله عليه على كفر المخالفين المنحر فين عن ولاية امير المؤمنين واولاده الطيبين فراجع. وهى معارضة لما تقدم سابقا من الروايات الشارحة لمفهوم الاسلام الدالة على عدم كون الولاية شرطا في الاسلام وانها شرط الايمان وانما ملاك الاسلام وتمام حقيقته هو الاقرار بالشهادتين.


1. امالي الصدوق، م 36 ص 119. 2. اصول الكافي ج 1 ص 426 وآلاية: سروة التغابن الآية 2.

[ 241 ]

وقد جمع بينها بنحوين: احدهما: ان الكفر الذى اطلق عليهم في هذه الاخبار هو الكفر الحقيقي و ان كانوا مسلمين في الظاهر بحسب الروايات المتقدمة فتجرى عليهم احكام الاسلام من طهارة البدن وجواز المناكحة وصيانة المال وحقن الدم والموارثة فهم مخلدون في النار لما ذكر من انهم كفار حقيقة وواقعا. ثانيهما: حمل كفرهم على بعض معانيه ومرتبة من مراتبه وهو كفر الترك حيث انهم تركوا واضاعوا ما امر الله تعالى به فالكفر هنا نظير كفر من ترك الحج الذى نص عليه في القرآن الكريم بقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين " 1 وايضا نظير ما ورد من ان تارك الصلاة كافر 2 وتارك الزكاة كافر. 3 واورد في الحدائق على الوجه الاول من انهم مسلمون ظاهرا وكفار حقيقة بانه لم يقم دليل على ذلك في غير المنافقين في وقته صلى الله عليه وآله وسلم... والمتبادر من اطلاق الكفر حيث يذكر انما هو ما يكون مباينا للاسلام و مضادا له في الاحكام إذ هو المعنى الحقيقي للفظ... لكن الانصاف عدم ورود اشكاله وذلك لعدم المناص عن الجمع بين الاخبار فإذا كان بعض الروايات ناطقة بكفر المخالفين، وبعضها ناطقة بخلاف ذلك صريحة في اسلام المقر بالشهادتين فما يصنع هناك لو لم يجمع بينهما كذلك. ولكنه رضوان الله عليه لم يتعرض للاخبار المعارضة ولم يذكرها اصلا


1. سورة آل عمران الآية 97. 2. وسائل الشيعة ج 3 ص 28 ب 11 من اعداد الفرائض ح 4. 3. وسائل الشيعة ج 6 ب 4 من ابواب ما تجب فيه الزكاة باختلاف يسير لفظا.

[ 242 ]

مع صراحتها في كون الولاية شرطا في الايمان لا في الاسلام، وان المعيار الاصيل في الاسلام هو شهادة التوحيد والرسالة. ثم ان له رحمة الله عليه استدلالا آخر على كفر المخالفين ونجاستهم وهو مركب من صغرى وكبرى مستظهرا لهما من الاخبار، ومحصل هذا البرهان ان كل من كان مخالفا لعلى عليه السلام فهو ناصبى، وكل ناصبى كافر نجس، و نتيجة هاتين المقدمتين نجاسة مطلق المخالف وكفره. واستدل على الصغرى بروايات منها رواية معلى بن خنيس قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لا تجد احدا يقول: آنا ابغض آل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من اعدائنا. 1 ومنها ما عن مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا ابى الحسن على بن محمد الهادى عليه السلام في جملة مسائل محمد بن على بن عيسى قال: كتبت إليه اسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والظاغوت واعتقاد امامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب. 2 واما الروايات الدالة على نجاسة الناصب فمنها ما رواه في الكافي بسنده عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام قال: لا تغتسل من البئر التى تجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان


1. معاني الاخبار ص 365. 2. السرائر ج 3 ص 583.

[ 243 ]

الناصب اهون على الله تعالى من الكلب 1 إلى غير ذلك مما تمسك به من الروايات. وفيه انه وان كان قد ورد اطلاق الناصبي على المخالف وورد ايضا نجاسة الناصب وكفره، الا ان ورود الروايات الصريحة في كفاية الشهادتين في تحقق الاسلام وان الاقرار بهما هو الملاك والميزان، ايضا غير قابل للانكار وعندئذ فلا بد من الجمع بينهما بنحو يرتفع التنافى فنقول: النصب المذكور في الروايات التى تمسك بها صاحب الحدائق هو مجرد العداوة والمراد من الكفر هنا هو بعض مراتبه أو معانيه، واما الحكم بعدم حرمة ماله ونفسه فهو مترتب على النصب بمعناه المصطلح المعروف. وكيف يمكن الحكم بكفر مطلق من قدمهما وان كان مقرا بخلافة امير المؤمنين لكنه يراه رابع خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله؟ وعلى الجملة فهم ايضا يحبون و يقرون بفضائله ويعترفون بمناقبه الضاحية. وقد وقعت - في المرة الاولى من تشرفي بحج بيت الله الحرام - قضية لطيفه يناسب ذكرها في المقام وهى انه: عندما تشر فنا بالمدينة الطيبة لزيارة قبر النبي الاقدس وقبور الائمة عليهم السلام فقد سمحت بنا الظروف وساعدنا الامر فكنا نصلى بالناس جماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله واذن مؤذننا واجهر بشهادة الولاية فافضى المخبر الدولي هذه القضية إلى قاضى القضاة و اخبره ان موذن جماعة الشيعة قال في اذانه: اشهد ان عليا ولى الله، ولكن القاضى اجابه: وانا ايضا اقول: اشهد ان عليا ول يا لله افهل انت تقول اشهد ان عليا عدو الله؟ فاجابه بقوله: لا والله وانا ايضا اقول: انه ولى الله وعلى الجملة فقاضيهم ايضا قد صرح باننا نقول انه ولى الله غاية الامر انا لا نقول به في الاذان، وبذلك


1. وسائل الشيعة ج 1 ص 159 ب 11 من الماء المضاف ح 4.

[ 244 ]

قضى على الامر واطفئت نائرة الفتنة. ويؤيد ما ذكرناه - في الجمع بين الاخبار - من ترتب احكام الكفر على النصب المصطلح لا مطلق الانحراف عن امير المؤمنين عليه السلام ان في بعض الروايات يقول: وفيهم ناصبى، فهذه الجملة ظاهرة بل صريحة في عدم كون مطلق المخالف ناصبيا وان بعضهم كذلك. ثم ان له رضوان الله عليه كلاما آخر في هذا المقام افاده تتميما للبحث و هذا لفظه: لا يخفى انه على تقدير القول بالنجاسة كما اخترناه فلو الجأت ضرورة التقية إلى المخالطة جازت المباشرة دفعا للضرر كما أو جبته شرعية التقية في غير مقام من الاحكام الا انه يتقدر بقدر الضرورة فيتحرى المندوحة مهما امكن. ثم قال: بقى الكلام في انه لو زالت التقية بعد المخالطة والمباشرة بالبدن والثياب فهل يجب تطهيرها ام لا، اشكال ينشأ من حيث الحكم بالنجاسة وانما سوغنا مباشرتها للتقية وحيث زالت التقية فحكم النجاسة باق على حاله فيجب ازالتها إذ لا مانع من ذلك، ومن حيث تسويغ الشارع المباشرة وتجويزه لها اولا فما اتى به من ذلك امر جائز شرعا وهو حكم الله تعالى في حقه في تلك الحال و عود الحكم بالنجاسة على وجه يوجب التطهير بعد ذلك يحتاج إلى دليل. إلى آخر كلامه. اقول: يستفاد من ملاحظة كلامه هنا ان النزاع بينه وبين المشهور في الحقيقة لفظي لانه قد ثبت معاشرة الائمة الطاهرين سلام الله عليهم، واصحابهم ولا يزال المؤمنون من بعدهم كذلك في مختلف الاعصار والامصار إلى زماننا هذا، فإذا لم يلزم التطهير مع ثبوت المباشرة والمزاولة معهم من اول الامر إلى هذا الزمان طوال اعصار طويله وان كانت المعاشرة تقية فهذا عين القول

[ 245 ]

المشهور أي القول بطهارتهم وقد علمت انه استشكل في لزوم التطهير بعد زوال التقية، ومن المعلوم ان مقتضى الاشكال والشك هو البرائة. وبعبارة اخرى: ان المشهور قد افتوا بجواز معاشرتهم وصيانة اموالهم و دمائهم لكونهم طاهرين، وصاحب الحدائق يقول بذلك للتقية، وعلى هذا فلا فائدة في هذا النزاع ولا تترتب عليه ثمرة الا في موارد نادرة لا تكون هناك تقية حيث يقول صاحب الحدائق هناك بوجوب التحرز والاجتناب دون المشهور. وان شئت فقل: ان المشهور القائلين باسلامهم لا يقولون به في تمام الشئون وجميع المراتب ظاهرا وواقعا بل غرضهم ترتب خصوص هذه الاحكام المذكورة من احكام الاسلام والا فهم لو ماتوا على ذلك وبلا توبة يحشرون في الآخرة كفارا. ثم انه رحمة الله عليه قد نسب القول بالكفر والنجاسة إلى القدماء على ما مر سابقا. ولا يخفى ان هذا غير سديد الا على ما استفاده من الاخبار من كون مطلق المخالف ناصبيا ومن المعلوم ان كل ناصبى نجس، وعلى الجملة فقد نسب ما استفاده من الاخبار إلى القدماء والا فلا تصريح في كلماتهم على نجاسة العامة بل المتيقن من قولهم هو نجاسة الناصب المصطلح المعروف. 1


1. اقول: وقد استدل علم الهدى السيد المرتضى اعلى الله مقامه على نجاسة غير المؤمن بقوله تعالى: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون سورة الانعام الآية 125 وبقوله تعالى: ان الدين عند الله الاسلام، سورة آل عمران الآية 19 وقوله تعالى: ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، سورة آل عمران الآية 85 والايمان يستحيل مغايرته للاسلام، فمن ليس بمؤمن ليس بمسلم. ورد عليه فخر المحققين بقوله: وليس بجيد لقوله وتعالى: قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا سورة الحجرات الآية 14 ولقوله عليه السلام: امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله، محمد رسول الله، والمراد بالايمان هنا الاسلام استعمالا للفظ الخاص في العام.

[ 246 ]

فتحصل من ابحاثنا الماضية وما ذكرناه في هذا المقام ان ما يتحقق به الاسلام هو الاقرار بالشهادتين فقط بشرط عدم اظهار ما يخالف الاسلام كانكار الضرورى وثبت ايضا ان الغلاة والخوارج منكرون للضروري ومحكومون بالكفر. الشئون وجميع المراتب ظاهرا وواقعا بل غرضهم ترتب خصوص هذه الاحكام المذكورة من احكام الاسلام والا فهم لو ماتوا على ذلك وبلا توبة يحشرون في الآخرة كفارا. ثم انه رحمة الله عليه قد نسب القول بالكفر والنجاسة إلى القدماء على ما مر سابقا. ولا يخفى ان هذا غير سديد الا على ما استفاده من الاخبار من كون مطلق المخالف ناصبيا ومن المعلوم ان كل ناصبى نجس، وعلى الجملة فقد نسب ما استفاده من الاخبار إلى القدماء والا فلا تصريح في كلماتهم على نجاسة العامة بل المتيقن من قولهم هو نجاسة الناصب المصطلح المعروف. 1


1. اقول: وقد استدل علم الهدى السيد المرتضى اعلى الله مقامه على نجاسة غير المؤمن بقوله تعالى: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون سورة الانعام الآية 125 وبقوله تعالى: ان الدين عند الله الاسلام، سورة آل عمران الآية 19 وقوله تعالى: ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، سورة آل عمران الآية 85 والايمان يستحيل مغايرته للاسلام، فمن ليس بمؤمن ليس بمسلم. ورد عليه فخر المحققين بقوله: وليس بجيد لقوله وتعالى: قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا سورة الحجرات الآية 14 ولقوله عليه السلام: امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله، محمد رسول الله، والمراد بالايمان هنا الاسلام استعمالا للفظ الخاص في العام.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية