الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 1

در المنضود

السيد الگلپايگاني ج 1


[ 1 ]

الدر المنضود في احكام الحدود الجزء الاول تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله بقلم سماحة الحجة الشيخ على الكريمي الجهرمي

[ 2 ]

دار القرآن الكريم الطبعة الاولى التاريخ: غرة شوال المكرم 1412 ه‍ ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الذي اسبغ نعمه ظاهرة وباطنة - لا سيما - على عباده المؤمنين، ووفق من اختاره من بريته للتفقه في الدين وافضل الصلاة والسلام على من دعا إلى الحق المبين، وبعثه الله رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الامين، وعلى اهل بيته الميامين الاكرمين، واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين.

[ 4 ]

(كلمة المؤلف) ان صلاح حال الامة، وتفجر استعدادات الانسان المكنونة في ذاته انما يتحقق في ظل اعتناقه للدين، ومراعاة انظمة الشارع الحكيم والتسليم المحض لتشريع المولى سبحانه وتعالى. والدين هو مجموعة القوانين السماوية والاوامر الالهية التي هي مناهج راقية ضامنة لسعادة الانسان، وهدايته إلى كماله المطلوب، وعليه فان انحراف الانسان عن الدين مساو لهلاكه وانهياره وإذا فقد دينه فانه يواجه الاخطار العظيمة، بل لاخطر على المجتمع الانساني اعظم من الفوضى واللادينية والخروج عن نظام الدين والاستخفاف بشأنه. اجل، انه اخطر ما يمكن ان يواجهه الانسان، وذلك لانه يمسخ شخصية الانسان السامية ويوجب سقوطه من ذروة الانسانية إلى حضيض البهيمية العمياء. ان خروج الانسان عن دائرة دين الله خروج في الحقيقة عن السلالة المختارة التي اختارها الله له وخلق العالم كله لاجلها 1 ودخوله في السلالة التي نبذها الله سبحانه وخلقها حطبا للجحيم ووقودا للنار، قال الله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اؤلئك كالانعام بل هم أضل اؤلئك هم الغافلون) 2.


(1) ففي الاحاديث القدسية: يابن آدم خلقت الاشياء لك وخلقتك لاجلي. (2) سورة الاعراف الاية 179.

[ 5 ]

والحق ان الانسان لولا الدين لم يكن شيئا سوي صورة انسان فلذا اهتم خالق الانسان العطوف عليه، العالم بما فيه صلاحه وفساده وخيره وشره، بامر دينه الذي هو العنصر الاصلي في حياته، فخلق الجنة لمن اطاع الله وراقب ربه وواظب على مراسم العبودية، قال سبحانه. (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) 1 وخلق النار لمن عصاه وخالفه وخرج عن زي (؟) العبودية ونظام الطاعة وقرر عقوبات عظيمة على التخلف عن تلك البرامج العالية والمناهج القويمة الراقية، وعلى عصيان العباد في اوامره ونواهيه، وقال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) 2 وقال سبحانه: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد، يتجرعه، ولا يكاد يسيغه. ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) 3 (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، كما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) 4 ولا شك ان لهذا الوعيد والعقوبات المقررة في الاخرة اثرا محسوسا في تحذر الانسان وارتداعه من المعاصي. ترى ان الله سبحانه بعد ان ذكر عذاب الاخرة في سورة (الرحمن) يقول: فبائ آلاء ربكما تكذبان، وبذلك يشير إلى ان ذكر عذاب الله ايضا من انواع نعم الله تعالى على عباده. قال الطبرسي قدس سره الشريف - عقيب قوله تعالى:


(1) سورة مريم الاية 63 (2) سورة التوبة 35 - 34 (3) سورة ابراهيم 17 - 16 - 15 * (4) سورة الحج 22 - 21 - 20 - 19

[ 6 ]

(يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأى آلاء ربكما تكذبان) 1 أي باخباره اياكم هذه الحالة لتتحرزوا عنها ام بغيره من النعم، فان وجه النعمة في ارسال الشواظ من النار والنحاس على الثقلين هو ما في ذلك لهم من الزجر في دار التكليف عن مواقعة القبيح وذلك نعمة جزيلة انتهى 2. فلولا النواهي والعقوبات لاسترسل الانسان في شروره ولما وقف عن فساده، بل لو لم يكن خوف عقاب الاخرة لغشيت العالم الرذائل والاجرام، وتفاقم الاقدام على قتل النفوس ونهب الاموال وهتك الاعراض والحرمات من كل من تمكن من ذلك، الا القليل من ذوي النفوس الطاهرة العالية. غير انه مما لا يمكن انكاره ان هذا العامل مؤثر في اجواء خاصة وطبقات مخصوصة وهم الذيم نفذ الايمان في قلوبهم، واطمأنوا بما وعد الله تعالى من الثواب والعقاب. إذا فالخطر غير مستأصل من اصله واساسه، ولا شئ يمنع عن انتشار الجرائم، فلابد من جعل عقوبة عاجلة تزجر الطبقات السافلة عن الاقدام على الشر والفساد. والشارع الحكيم لم يهمل هذه الجهة فقرر عقوبات خاصة على قسم من المعاصي، ويعاقب المجرم بها عاجلا قبل العقوبة الاجلة في الدار الاخرة، وليست هذه العقوبات الا الحدود المقررة في الشرع على المعاصي المعينة، والتعزيرات على ما سواها. وبتقرير آخر: ان النفوس بالنسبة إلى طاعة الله تعالى على ثلاثة اقسام، الاول: النفوس العالية القدسية المتصلة بالملا الاعلى. الثاني: النفوس الشريفة المؤمنة بالاخرة. الثالث: النفوس السافلة التي لم يرسخ الايمان فيها عميقا. اما الفئة الاولى فيكفي في ارتدادهم عن معصية الله سبحانه عرفانهم بالله تعالى وانهم رأوه مستحقا للطاعة فلذا لا حاجة في هذا المجال لاكثر من ذلك. واما الفئة الثانية الذين لم يبلغوا ذاك المقام الرفيع، فان الذي يردعهم عن


(1) سورة الرحمن 36 - 35 (2) مجمع البيان ج 5 ص 205

[ 7 ]

اقتراف الذنوب هو الخوف من النار والعقوبات الثابتة للعاصين. واما الفئة الثالثة الذين لم ينالوا شيئا من المقامين الاولين فلا يردعهم خوفهم من مقام الرب، ولا خوفهم النار، فلابد من ارتدادعهم من جعل عقوبة عاجلة دنيوية، لانه لولا ذلك لاكبوا على المعاصي واقترفوا الجرائم والاثام، فلذا قرر الشارع الحدود المقررة في الشريعة بلحاظ حال هذه الفئة السافلة. (حكمة تشريع الحدود، في كلام الامام امير المؤمنين) يقول الامام امير المؤمنين علي عليه السلام: عند بيان حكمة الاحكام: (فرض الله الايمان يطهيرا من الشرك، واقامة الحدود اعظاما للمحارم) 1 وظيفة الامام والقائد اقامة الحدود من جملة وظائف الامام وقائد الامة المتولي لامور المسلمين اقامة الحدود قال امير المؤمنين عليه السلام: (انه ليس على الامام الا ما حمل من امر ربه: الابلاغ في الموعظة، والاجتهاد في النصيحة، والاحياء للسنة واقامة الحدود على مستحقيها) 2 الاشتكاء من تعطيل الحدود ان تعطيل حدود حدود الله تعالى يتعقب مصائب عظيمة ومشاكل شتى، فلذا كان الامام امير المؤمنين عليه السلام يشكوا صحابه من عدم اهتمامهم باقامة الحدود واهمالهم هذا الامر العظيم. قال سلام الله عليه في خطبة القاصعة. (الا وقد قطعتم قيد الاسلام وعطلتم حدوده وامتم احكامه) 3 الجهاد لاقامة حدود الله تعالى: ان الرمز الوحيد في تأكيد الشارع على الجهاد في سبيل الله هو احياء


(1) نهج البلاغة، الحكمة 244 (2) نهج البلاغة، الخطبة 104 * (نهج البلاغة، الخطبة 234

[ 8 ]

ما اماته الطواغيت من احكام الله وسننه، واقامة حدود الله سبحانه في الارض. يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: (اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فصول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك) 1 ترى انه صلوات الله عليه كان يأسف على ما وقع على الامة الاسلامية من اهمال الدين وقطع علائق الاسلام وتعطيل حدود الله واحكامه ويشكو من ذلك ويعيرا صحابه عليه وكان صلوات الله عليه قد جاهد في سبيل الله وقاتل اعداء الدين لاحياء معالم الدين واقامة ما عطل من حدود الله فإذا كانت الامة الاسلامية المعاصرة ايضا غير مهمة باقامة الحدود فهم ايضا جديرون بان يلاموا على ذلك لوما عنيفا كما ان على المجاهدين ان يجاهدوا ويبذلوا طاقاتهم لاحياء شعائر الدين وحدود الله في عباده وبلاده. ومع الاسف فقد عطلت اقامة الحدود طيلة اعوام كثيرة وذلك لسلطة الطواغيت وتوليهم امور المسلمين، وقد جندوا - خذلهم الله - جميع طاقاتهم لتدمير الاسلام واحكامه وآدابه لانهم يريدون ان ترتد الشعوب المسلمة عن دينها وتتخذ القرآن مهجورا. ومع ذلك كله فان بعض المراجع العظام والعلماء الموجهين في بعض البلاد قد وفقوا لاقامة حدود الله تعالى قليلا أو كثيرا خصوصا بعد انتصار الثورة الاسلامية بايران. ثم ان اهمية اقامة الحدود وعظم خطرها وجلالة امرها وبالغ اثرها حملت الفقهاء الاكابر على تبيين احكامها وايضاح مواردها واقسامها وما يتعلق بها، وبذلوا طاقاتهم كاملة في تحقيقها وتنقيح ادلتها. ومن هؤلاء الفطاحل استاذنا الافخم، فقيه الطائفة وزعيمها، المرجع الاعلى وآية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله العالي، فانه - ادام الله بقاه - مع ضعف مزاجه وكثرة مشاغله وتحمله لاعباء المرجعية الكبرى شرع في تدريس الحدود وابان مواضعها وبحثها بحثا كاملا جامعا طوال سنين، فقد شرع دام ظله في هذه الابحاث الشريفة يوم الاحد الخامس عشر من ذي الحجة


(1) نهج البلاغة الخطبة 131

[ 9 ]

الحرام سنة 1405 هجرية إلى منتهى سنة 1410 ومن اعطم ما من الله سبحانه وتعالى علي ان وفقني للاستفادة من دروسه الشريفة وابحاثه العالية، وكنت بحمد الله ومنه مواظبا على حفظ افاداته وما كان يلقيه على جم غفير وجماعة كثيرة من العلماء والمجتهدين والفضلاء والمشتغلين الذين كانوا يحضرون مجلس افاضاته وتحقيقاته، حتى كتبت في الحدود دفاتر ومجلدات عديدة. وقد طلب مني عدة من العلماء الاعلام والفضلاء الكرام ممن حضروا تلك الدراسات ومن لم يحضرها ان اقدم ما دونته إلى الطبع كي يسهل وقوفهم على آرائه وبدايع انظاره حول هذا الامر الخطير الاسلامي فاجبت مسؤولهم، وها انا اقدمها بين يدي حضرات العلماء والفضلاء وقد سميته ب‍ (الدر المنضود في احكام الحدود). وقد تكرم سيدي الاستاذ المرجع دام ظله وتفضل علي بالتقريض المطبوع في صدر الكتاب. ارجو المولى الكريم رب العالمين، الذي هداني لهذا، ان يجعله اثرا نافعا وان كان فيه خلل وخطأ فان الانسان محل السهو والنسيان، الا من عصمهم الله من الزلل، وآمنهم من الخطأ وجعل بيوتهم مهابط وحيه ومختلف ملائكته وسكان سماواته. قال الله جل جلاله: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)) 1 وفي الخبر انه شاجر علي بن الحسين عليهما السلام بعض الناس في مسألة من الفقه، فقال عليه السلام: (يا هذا لو صرت إلى منازلنا لاريناك آثار جبرئيل في رحالنا افيكون احد اعلم بالسنة منا؟) 2.


(1) سورة الاحزاب الاية 33 (2) نزهة النواظر للحلواني من اعلام القرن الخامس ص 94

[ 10 ]

وسئل علي بن الحسين عليه السلام: (باي حكم تحكمون؟ قال: بحكم آل داود، فان عيينا عن شئ تلقانا به روح القدس) 1. محرم الحرام 1412 ه‍ علي الكريمي الجهرمي


(1) كشف الغمة في معرف الائمة ج 2 ص 113.

[ 13 ]

الكلام في الحدود وقبل الشروع في البحث وتعريف الحد واسبابه نتبرك بذكر بعض الروايات الواردة في اهمية اجراء الحدود والفوائد الكثيرة المترتبة على ذلك: عن محمد بن يعقوب.. عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان في كتاب على عليه السلام انه كان يضرب بالسوط وبنصف السوط وببعضه في الحدود وكان إذا اتى بغلام وجارية لم يدركا لا يبطل حدا من حدود الله عزوجل. قيل له: وكيف كان يضرب؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه أو من ثلثه ثم يضرب به على قدر اسنانهم ولا يبطل حدا من حدود الله عزوجل (2). وعن حنان بن سدير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: حد يقام في الارض


(1) وسائل الجلد 18 الباب 1 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. والاسنان جمع السن قال الفيومي في المصباح المنير:.. والسن إذا عنيت بها العمر مونثة ايضا لانها بمعنى المدة انتهى ثم ان التقي المجلسي رضوان الله عليه قال في شرح هذا الخبر: انه كان يضرب بالسوط في البالغ مثلا وبنصف السوط وببعضه في الصبي مثلا بان كان عليه السلام يضربهم في القذف ثمانين ولكن كان يضرب بثلثي السوط لمن كان قريبا من البلوغ وبنصفه لمن كان ابعد وهكذا وربما كان يضربهم بالسوط تاما ولكن كان ينقص من العدد وربما كان ينقصهما معا وتقدم ان التعزير منوط برأى الامام وكان يعزر بحسب حالاتهم في السن والقوة والضعف والعقل انتهى. راجع روضة المتقين الجلد 10 ص 203 (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 14 ]

ازكى فيها من مطر اربعين ليلة وايامها (1). وعن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: في قول الله عزوجل: يحيى الارض بعد موتها، قال: ليس يحييها بالقطر ولكن يبعث الله رجالا فيحيون العدل فتحيى الارض لاحياء العدل، ولاقامة الحد فيه انفع في الارض من القطر اربعين صباحا (2). القطر، بالفتح، المطر، فيه، أي في العدل. وعن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اقامة حد خير من مطر اربعين صباحا (3). عن حفص بن عون رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ساعة امام عادل افضل من عبادة سبعين سنة وحد يقام لله في الارض افضل من مطر اربعين صباحا (4). عن ابى بصير عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن ابيه في حديث طويل ان امرأة اتت امير المؤمنين عليه السلام فاقرت عنده بالزنا اربع مرات قال: فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم انه قد ثبت عليها اربع شهادات وانك قد قلت لنبيك صلى الله عليه وآله فيما اخبرته من دينك: يا محمد من عطل حدا من حدودى فقد عاندني وطلب بذلك مضادتى (5). وعن حمران قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل اقيم عليه الحد في الدنيا آيعاقب في الآخرة؟ فقال: الله اكرم من ذلك (6). ثم ان هذه الروايات الشريفة ظاهرة جدا في ان الحد هو نفس العقوبة لاماله العقوبة على ما ذكره في الشرايع.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 4. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 5. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 6. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من مقدمات الحدود الحديث 7.

[ 15 ]

ونظيرها في الدلالة على ذلك بل واصرح منها خبر على بن رباط عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله عزوجل جعل لكل شئ حدا وجعل على من تعدى حدا من حدود الله عزوجل حدا وجعل ما دون الاربعة الشهداء مستورا على المسلمين (1). وذلك لان قوله عليه السلام: ان الله جعل لكل شئ حدا، ظاهر غايته في ان الحد عقوبة مجعولة على الشئ وهو المعصية الخاصة مثلا لانفسها. ومثل ذلك خبر عمر بن قيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا عمرو بن قيس آشعرت ان الله ارسل رسولا وانزل عليه كتابا وانزل في الكتاب كل ما يحتاج إليه وجعل له دليلا يدل إليه وجعل لكل شئ حدا ولمن جاوز الحد حدا إلى ان قال: قلت: وكيف جعل لمن جاوز الحد حدا؟ قال: ان الله حد في الاموال ان لا تؤخذ الا من حلها فمن اخذها من غير حلها قطعت يده حدا لمجاوزة الحد وان الله حد ان لا ينكح النكاح الا من حله ومن فعل غير ذلك ان كان عزبا حد وان كان محصنا رجم لمجاوزته الحد (2). وخبر عمرو بن القيس الماصر عن ابى جعفر عليه السلام قال: ان الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة الا انزله في كتابه وبينه لرسوله (وجعل لكل شئ حدا وجعل عليه دليلا يدل عليه) وجعل على من تعدى الحد حدا (3). وضع الحدود في الماضي والحاضر ثم ان مما يورث الاسف ان الحدود - مع عظم خطرها وشأنها واهميتها الخاصة وكونها مما تترتب عليها فوائد كثيرة ونتائج جليلة واناطة حياة المجتمعات وسعادة الامم بها قد كانت معطلة طيلة اعوام واعصار خصوصا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من مقدمات الحدود الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 5.

[ 16 ]

في الازمنة الاخيرة وعصر حكومة الطاغوت المقبور وان كابعض العلماء ربما يقدمون على ضرب بعض مرتكبي المعاضى والفجور الا ان ذلك كان من باب التأديب لا من باب اجراء الحدود. نعم قد رأيت مرة واحدة انه اقيم حد من حدود الله تعالى وذلك عند ما كنت مشتغلا بالتحصيل في حوزة اراك قبل تأسيس الحوزة العلمية بقم (1). وقد اجرى هذا الحد باقدام الاعاظم من العلماء الذين كانوا يومئذ في اراك كشيخنا الاستاذ الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (2) والآقا نور الدين الاراكى (3) وغيرهما رضوان الله عليهم وذلك بعد ان بذلوا جهودهم وطاقاتهم تحملوا الشاق والمتاعب وجدوا كمال الجد وطال الامر واشتد الجدال ولكنهم قد وافقوا لذلك وصلب المجرم اللعين على رؤس الاشهاد خذله الله واخزاه (4).


(1) اقول: كان بعض العلماء قد اقام الحدود الشرعية وذلك مثل وحيد الايام السيد محمد باقر الشفتى الاصفهانى المشتهر بحجة الاسلام، على الاطلاق المتوفى سنة 1260 ه‍ قدس سره الشريف فانه قد اقام حدودا كثيرا حتى قيل: بلغ عدد من اقام عليهم الحد ثمانين وعلى قول: تسعين وفى قول ثالث: عشرين ومأة شخصا فراجع الفوائد الرضوية الصفحة 427 وقد ذكرنا شطرا مما يناسب المقام في كتابنا: سيماء عباد الرحمن الصفحة 92 فراجع إذا شئت. (2) هو الاية العظمى شيخ مشايخنا الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر المهرجردى اليزدى الحائري، قال العلامة التهرانى: فقيه جليل وعالم كبير وزعيم دينى شريف.. ولد في مهر جردي في قرى يزد في سنة 1276 ه‍، وفى رجب سنة 1340 هبط مدينة قم المشرفة بدعوة بعض رجال العلم فيها رغبة في احياء امرها الغابر.. وتوفى ليلة السبت 17 ذى القعدة سنة 1355 ه‍، فثلم الاسلام بموته وخسر المسلمون به زعيما كبيرا وركنا ركينا. نقباء البشر الجلد 3 الصفحة 1158. وفى احسن الوديعة / 2 / 118: هو اليوم ادام الله وجوده ونفع الفقراء بفيض جوده في قم بل في ايران بل في جميع البلدان عز الشيعة وماحى البدعة والشنيعة.. (3) هو العلامة الفهامة وحيد عصره.. آية الله في العالمين السيد نور الدين الحسينى العراقى طاب ثراه.. ولد في بلدة اراك سنة 1278 ه‍، وارتحل في رجب 1341 وكان فقيها متتبعا اصوليا دقيقا ومتكلما حكيما وعارفا ومرجعا وحيدا للفتوى. راجع مقدمة تفسير القران والعقل. (4) قال دام ظله: اصل الواقعة ان رجلا خبيثا من الفرقة الضالة المضلة قد اقدم على احراق القرآن =

[ 17 ]

ولكن بعد نجاح الثورة الاسلامية الايرانية وانتصارها بقيادة العلماء الاعلام فقدا قيمت حدود كثيرة من حدود الله عقيب المحاكمات الشرعية والحمد الله وله الشكر على هذا. وان كان قد يصدر ويقع احيانا ما يوجب الاسف من اجراء بعض الحدود في غير موقعه ومن غير اهله ونسئل الله تعالى الاستقامة في الامور والتثبت في امر الدين وعدم الابتلاء بالاعوجاج والانحراف، والنجاة والحفظ من كل زيغ وزلة.


= الكريم فصبلوه عيانا اجراء الحد الارتداد والاهانة بالمصحف الشريف وقد شاهدت بنفسى ذاك الخبيث وهو مصلوب، هذا. "

[ 18 ]

الحد والتعزير الحدود جمع الحد والحد لغة بمعنى المنع (1). وبمعنى منتهى الشئ يقال: دارى محدودة من جوانبها الاربع بكذا، يعنى ان منتهاها مجاورة له، وذكروا لها معاني اخر ايضا وان كان اكثرها من باب بيان موارد الاستعمال دون ما وضع له اللفظ. كما انه قد كثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى ما حدده الله وقدره من الاحكام من الصوم والطلاق ومعاشرة النساء والارث وغير ذلك. قال الله تعالى بعد ذكر الطلاق واحكامه والعدة ودفع الصداق: تلك حدود الله فلا تعتدوها و من يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون (2). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.


(1) قال الفيومى في المصباح المنير: الحد في اللغة الفصل والمنع فمن الاول قول الشاعر: وجاعل الشمس حدا لا خفاء به، ومن الثاني: حددته عن امره، إذا منعته، فهو محدود. (2) سورة البقرة الاية 299، اقول: ومن تلك الايات قوله تعالى بعد ذلك: فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا ان ظنا ان يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون البقرة / 230. ومنها قوله تعالى: ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها.. البقرة / 187. ومنها قوله تعالى: تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين. النساء 14 13 ومنها قوله تعالى: والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين سورة التوبة / 112. ومنها قوله تعالى بعد بيان كفارة الظهار: وتلك حدود الله وللكافرين عذاب اليم سورة المجادلة / 4. ومنها قوله تعالى بعد ذكر عدة الطلاق: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسة =

[ 19 ]

ولعل اطلاق الحدود على احكام الله تعالى وقوانينه لاجل انها الخطط النهائية التى لا يجوز التعدي عنها والاهانة بها. هذا بحسب اللغة. واما بحسب الشرع وان شئت تقول: في الاصطلاح فقد عرفها المحقق فقال في الشرايع: كل ماله عقوبة مقدرة يسمى حدا وما ليس كذلك يسمى تعزيرا. وقد سمى الحدود الشرعية حدا بمناسبة معنى المنع والدفع وذلك لان الحدود تمنع المرتكب للمصعية عن العود إلى ارتكابها ثانيا ويمنع غيره عن الارتكاب والاقتحام فيها. فكما ان الايمان بالآخرة والخوف من العذاب الاليم ونار الجحيم يمنع الانسان عن ارتكاب المعاصي واتيان القبائح كذلك الحدود المقررة في الشرع على المعاصي في الدنيا ترده وتمنعه عن الاقدام على الذنوب مخافة اقامتها واجراءها عليه عقيب اتيانه بالمعاصى الخاصة وتلبسه بها واقدامه عليها لكونها موجبة له. ويمكن ان يكون تلك التسمية بلحاظ المعنى الثاني اللغوى له وبمناسبة ان للحدود انتهاء الا يجوز التعدي عنه. ثم ان التعيف الذى ذكره المحقق لا يخلو عن تسامح وذلك لان ماله عقوبة هو نفس المعصية الخاصة وهى ليست حدا وانما الحد هو ما اوجبتها المعصية الخاصة، والظاهر في تعريف الحد هو ما ذكره الاعلام الثلاثة صاحبوا التنقيح والمسالك والرياض رضوان الله عليهم اجمعين. فقال الفاضل المقداد السيورى بعد ان ذكر معنى الحد لغة: وشرعا عقوبة تتعلق بايلام البدن عين الشارع كميتها. انتهى (1).


= / 1. وقد يطلق على المعاصي كقوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها. البقرة / 187، أي المعاصي التى نهى الله عنها فلا ترتكبوها. (1) التنقيح الرائع الجلد 4 الصفحة 327.

[ 20 ]

وقال الشهيد الثاني:.. وشرعا عقوبة خاصة تتعلق بايلام البدن بواسطة تلبس المكلف بمعصية خاصة عين الشارع كميتها في جميع افراده. انتهى (1). وقال السيد: وشرعا عقوبة خاصة تتعلق بايلام بدن المكلف بواسطة تلبسه بمعصية خاصة عين الشارع كميتها في جميع افراده. انتهى (2). فترى انهم نصوا على ان الحد هو نفس العقوبة. وظهر ايضا من تقييدهم الايلام بكونه متعلقا ببدن المكلف ان الايلامات الروحية والسب واللعن والحبس والتغريم واخذ المال من احد ليس من باب الحد والا فقد جعل الشارع على ارتكاب بعض المعاصي الكفارة المعينة كاطعام ستين مسكينا مثلا. وقولهم: تتعلق بايلام البدن انتهى لخروج مثل السجن والتغريب وما اشبه ذلك مما يتعلق بالمكلف ولكن لا يكون من باب ايلام بدنه. وقولهم: قد عين الشارع كميتها قيد لاخراج التعزيرات فلابد في الحد من ان تكون العقوبة المذكورة معينة على لسان الشرع القويم. واما التعزير فهو في اللغة التأديب (3) وفى الشرع عقوبة لا تقدير لها شرعا وانما امره موكول إلى نظر الحاكم بحسب ما يراه من المصلحة. ولا يخفى ان هذا امر غالبى والا فقد اطلق التعزير على عقوبة خاصة معينة ايضا في بعض الموارد فان من جامع امرأته في نهار رمضان وهما صائمان يضرب كل واحد منهما خمسة وعشين سوطا فهذا من اقسام التعزيرات مع كونه معينا محدودا ولعل ذلك لكونه اقل من الحد. وعلى الجملة فمهما لم تقدر العقوبة شرعا تسمى تعزيرا. قال الشهيد الثاني في تعريف التعزير: عقوبة أو اهانة لا تقدير لها باصل


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 423. (2) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 463. (3) اقول: وقد يجئ بمعنى النصرة والتعظيم كما في قوله تعالى: لتؤمنوا بالله ورسوله وتغزروه.. سورة الفتح الاية 9، راجع المصباح المنير ومجمع البيان.

[ 21 ]

الشرع غالبا (1). فقد ذكر في تعريفه ان عدم التقدير غالبى وقيد ذلك بقوله: غالبا، ولكن الآخرين لم يذكرا هذا القيد. ووجه اضافة هذ القيد هو ما تقدم من وجود موارد قد عين فيها مقدار التعزير كالحد بعد ان الاصل فيه عدم التقدير، وذلك لورود الايات بتقدير بعض افراده وقد احصاها في المسالك وعدها خمسة: الاول: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان فهو مقدر بخمسة وعشرين سوطا. والثانى: من تزوج امة على حرة ودخل بها قبل الاذن ضرب اثنا عشر سوطا ونصفا ثمن حد الزانى. الثالث: المجتمعات تحت ازار واحد مجردين مقدر بثلاثين إلى تسعة وتسعين على قول. الرابع: من افتض بكرا باصبعه قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة وسبعين. وقال المفيد: من ثلاثين إلى ثمانين. وقال ابن ادريس: من ثلاثين إلى تسعة وتسعين. الخامس: الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد وازار مجردين يعزران من عشرة إلى تسعة وتسعين. قاله المفيد واطلق الشيخ التعزير. وقال في الخلاف: روى اصحابنا فيه الحد انتهى كلامه زيد في علو مقامه (2). واما وجه عد هذه الموارد من باب التعزير مع ورود مقدر خاص فيها فهو اطلاق ذلك في بعض الروايات. ولا يخفى ان اكثر هذه الموارد داخلة في قاعدة التعزير ومعياره وذلك لانه وان ذكر وعين فيه طرفا هذا المقدر الا ان الامر في اختيار ما بين الطرفين موكول إلى نظر الحاكم وهذا غير ما قدر مقدار العقوبة معينا بلا زيادة أو نقصان وبلا تخيير في مراتب العقوبة الذى يسمى بالحد اصطلاحا. وتطهر الثمرة في مثل ما ورد من عدم الاقتداء بالامام الذى اقيم عليه الحد مع كونه قد ارتكب سابقا ما يوجب واحدة من هذه المقدرات كما إذا كان قد


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 223. (2) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 423.

[ 22 ]

جامع زوجته في نهار شهر رمضان وضرب خمسة وعشرين سوطا فانه لو كان هذا المقدر من باب التعزير فلا بأس بامامته والايتمام به بخلاف ما لو كان من باب الحد لكون المقدار المزبور معينا معلوما فانه لا يجوز الاقتداء به.

[ 23 ]

الكلام في اسباب الحد ثم ان البحث هنا في ذكر اسباب الحد والتعزير. قال المحقق بعد بيان تعريفهما: واسباب الاول ستة: الزنا، وما يتبعه، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق. والثانى اربعة: البغى، والردة، واتيان البهيمة، وارتكاب ما سوى ذلك من المحارم. ويرد عليه كما في المسالك بان عقوبة الباغى أي المحارب ليست من باب التعزير بل هي من الحدود كما انه المعروف بين الفقهاء. ولا ينافى ذلك كون الحد مقدرا لان عقوبته وهى القتل ايضا مقدرة بازهاق الروح اما مطلقا أو على وجه مخصوص. وهنا كلام آخر وهو عدم الملائمة بين الامور الاربعة المتعلقة بالتعزير وذلك لان الرابع منها وهو: ارتكاب ما سوى ذلك من المحارم، قد جعل قسيما للثلاثة المتقدمة والحال انها من اقسامه وافراده. ولعل ذلك لكون هذه الثلاثة منصوصة من الشارع بخصوصها والا فالمعيار هو الاتيان بشئ من المحرمات إذا لم ينصب الشارع له حدا، فذكر المحارم بعد الثلاثة في حكم قوله: ارتكاب واحد من هذه الثلثة أو معصية اخرى غيرها. ولا يخفى انه وان كان المصطلح من الحد هو القدر المعين من العقوبة الا انه قد يطلق ايضا على مجرد العقوبة وان لم تكن محدودة بحد معين ومقدرة

[ 24 ]

بمقدار مخصوص. وحينئذ يأتي البحث في انه هل تجرى الاحكام المتعلقة بالحد، في مطلق العقوبات التى اطلق عليها الحد وكان موضوعها ذلك، ام لا وذلك كعدم اليمين في الحد وان للامام العفو عن الحد الثابت بالاقرار دون البينة، وعدم الشفاعة في الحد وغير ذلك من الاحكام، فهل هي احكام تختص بالحد المصطلح المشهور أو تعمه وما اطلق عليه الحد؟ الظاهر انه لو ثبت كون الموضوع له للحد هو مطلق العقوبة فهناك تجرى فيها كل الاحكام وكذا لو كانت هناك كثرة استعمال بها تنصرف اللفظ إليه. اما لو كان ذلك مشكوكا فمقتضى القاعدة الاقتصار في ترتيب الاحكام المزبورة على الموارد المخصوصة أي الامور الستة خاصة دون مطلق موارد العقوبة. ثم ان صاحب الجواهر رضوان الله عليه قال: لا كلام في كون المقدرات المزبورة حدودا انما الكلام في اندراج مالا مقدر له شرعا تحت اسم الحد الذى هو عنوان احكام كثيرة في النصوص كدرء الحد بالشبهة وعدم اليمين في الحد وعدم الكفالة فيه وللامام العفو عن الحد الثابت بالاقرار دون البينة وعدم الشفاعة في الحد وغير ذلك وعدم اندراجه. إلى آخر كلامه (1). اقول: الظاهر انه لا ثمرة بالنسبة إلى درء الحدود بالشبهة. وذلك لانه لا تجوز عقوبة احد بدون دليل شرعى وقبل ان يثبت موجبها شرعا سواء كانت هذا العقوبة مقدرة معينة التى تسمى بالحد أو غير مقدرة الموسومة بالتعزير، فالعقوبة مع الشبهة غير جائرة مطلقا وان كانت بعنوان التعزير، والاصل عدم جوازها ما لم ترفع الشبهة بكاملها. ولا فرق في المفاد بين اصل عدم جواز العقوبة قبل اثبات موجبها وبين ما ورد من درء الحدود بالشبهات (2).


(1) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 256. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من مقدمات الحدود الحديث 4 ولفظه: ادراء والحدود بالشبهات.

[ 25 ]

وهذا الاشكال جار في كثير من الموارد المذكورة وذلك كعدم اليمين في الحد فانه وان كان كذلك لما ورد من الروايات الدالة عليه مثل ما رواه احمد بن محمد بن ابى نصر عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل فقال: هذا قذفني ولم تكن له بينة فقال: يا امير المؤمنين استحلفه فقال: لا يمين في حد ولا قصاص في عظم (1). ولكن لو كان المراد هو يمين المنكر كما هو الظاهر فلا فرق فيه ايضا بين الحد والتعزير لانه إذا ادعى احد على غيره ما يوجب عقوبة فان اقام العدد المعتبر في الشهادة فهو والا فلا يحلف المنكر على عدم اتيانه بما يدعيه المدعى، ولا تحوز عقوبته الا مع اقامة الشهودا واقرار المنكر سواء أكانت حدا أو تعزيرا. وهكذا عدم الكفالة في الحد فهو وان كان صحيحا لورود اخبار في ذلك كقوله صلى الله عليه وآله: لا كفالة في حد (2) الا ان الظاهر انه لا وجه للكفالة في التعزير ايضا بعد ان كانت العقوبة ثابتة عليه. وكذا عدم الشفاعة في الحد فانه وان دلت جملة من الاخبار (3) على ذلك لكن لعله لا فرق فيه بين الحد والتعزير. وتفصيل المطلب وتحقيقه موكول إلى محله ومحتاج إلى مزيد تأمل. فيبقى عفو الامام عن الحد الثابت بالاقرار دون البينة الذى وردت به الاخبار (4) فهناك تظهر الثمرة بين كون التعزير حدا ايضا فان للامام العفو عن مطلق العقوبة، وعدم كونه حدا بان يكون الحد موضوعا للعقوبة المقدرة فله العفو عن ذلك إذا كان قد ثبت موجبها بالاقرار دون البينة.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 21 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 20 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1 و 2 و 3 و 4. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1.

[ 26 ]

الكلام في الزنا قال المحقق: الباب الاول في الزناء والنظر في الموجب والحد واللواحق اما الموجب فهو ايلاج الانسان ذكره في فرج امرأة محرمة عن غير عقد ولا شبهة ولا ملك ويتحقق بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا. وفى الجواهر عند ذكر لفظ الزناء: الذى يقصر فيكتب بالياء ويمد فيكتب بالالف المجمع على تحريمه في كل ملة حفظا للنسب، ولذا كان من الاصول الخمسة التى يجب تقريرها في كل شريعة. اقول: المراد من الاصول الخمسة: الدين والعقل والنفس والنسب والمال ويقال لها المقاصد الخمسة ايضا (1). ثم ان المحقق فد اضاف ونسب الايلاج إلى الانسان وعبر بايلاج


(1) اقول: ذكرها الشهيد الاول في القواعد والفاضل المقداد في نضد القواعد الفقهية. قال في الاول الصفحة 6: الوسيلة الرابعة ما هو وصلة إلى حفظ المقاصد الخمسة وهى: النفس والدين والعقل والنسب والمال، التى لم يأت تشريع الا بحفضها، وهى الضروريات الخمس، فحفظ النفس بالقصاص والدية والدفاع، وحفظ الدين بالجهاد وقتل المرتد، وحفط العقل بتحريم المسكرات والحد عليها، وحفط النسب بتحريم الزنا واتيان الذكران والبهائم، ووجوب الحد بالقذف على ذلك، وحفظ المال بتحريم الغصب والسرقة والخيانة وقطع الطريق، والحد والتعزير عليها انتهى ثم لا يخفى ان الزنا من الكبائر التى نص على تحريمها الكتاب قال الله تعالى: ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا سورة الاسراء، الاية 32 وقال تعالى: والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى حرما لله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. سورة الفرقان / 68 69.

[ 27 ]

الانسان، دون ايلاج الرجل، والحال ان المتبادر منه في الاذهان هو الثاني. ويمكن ان يكون نظره في العدول والتعبير بالانسان، دون الرجل إلى شمول التعريف للخنثى ايضا بناء على صدق (الذكر) على آلته ايضا وعدم كونها عضوا زائدا. قال الشهيد الثاني بشرح العبارة: ويدخل في الانسان الصغير والكبير والعاقل والمجنون فلو زاد فيه المكلف كان اجود. وكانه غرضه رحمه الله ان التعريف غير مانع لشموله للصغير والمجنون بل والمكره كما ذكره ايضا بعد ذلك والجاهل كشموله للكبير والعاقل والمختار والعالم ولو كان قد زاد قيد (المكلف) بان يقول: هو ايلاج الانسان المكلف الخ لخرجت الموارد المذكورة عن التعريف وذلك لعدم تكليف بالنسبة إلى الصغير والمجنون.. ثم صار بصدد الجواب عنه بانه: ويمكن تكلف اخراجهما أي اخراج الصغير والمجنون بقوله في فرج امرأة محرمة فانه لا تحريم في حقهما، وقال بالنسبة إلى المكره: الا ان يخرج بما يخرج به الاولان. اقول: وفيه اولا انه لو كان المراد من التكليف هو التكيف الفعلى لصح ذلك اما لو كان المراد هو المحرم بالذات وفى الواقع فلا يتم ما ذكره وذلك لان الوطى المزبور حرام شانا واقتضاءا حتى على الصغير والمجنون. وثانيا يمكن القول بان الحرمة هنا وضعية لا تكليفية والحرمة المختصة بالبالغين غير الجارية بالنسبة إلى غيرهم هي الحرمة التكليفية، واما الوضعية منها فلا فرق فيها بين البالغين وغير البالغين. وفى الجواهر ردا على المسالك: انه في غير محله لانها على التقدير المزبور شرائط في الحد لا في تحقق حقيقة الزناء انتهى. والذى يبدو في النظر ان ما اورده غير وارد عليه وذلك لان الكلام بمقتضى عقد الباب في الزنا الموجب للحد، وقد علمت ان المحقق عبر هكذا: اما الموجب فهو ايلاج الخ ومن المعلوم ان الموجب للحد هو ايلاج الانسان المكلف

[ 28 ]

دون غيره كالصغير والمجنون وعلى هذا فكلام الشهيد الثاني خال عن الاشكال من هذه الجهة. ثم ان ظاهر قول الحقق وغيره: ايلاج الانسان ذكره الخ هو ايلاج الجميع، ومع ذلك ففى الشرايع بعد ذلك: ويتحقق ذلك بغيبوبة الحشفة انتهى وظاهره ان الملاك هو الحشفة لا الزائد، وتمام الحشفة دون الناقص، وهم يريدون تطبيق الآية الزانية والزانى فاجلدا كل واحد منهما مأة جلدة على هذا. فيكون مصداق الزنا عندهم هو ادخال هذا الحد: فان وجد على ذلك دليل يعين ان المعيار في تحقق الزنا هو ادخال هذا الحد أي الحشفة فقط كما انهم يدعون ظهور الاخبار في ذلك فلا محالة يؤخذ به، والا فلو شك في المقدار الخاص المعتبر في الحد فالشبهة مفهومية. وانى إلى الآن لم اجد ولم اصادف لغة فارسية تفسير لفظ الزنا العربي تفسيرا بسيطا لا مركبا بان تفسره بكلمة واحدة مبينة كى نقول ان الزنا في العربي هو هذا المفهوم الفارسى نظير لفظ (آب) في الفارسية في قبال لفظ الماء في العربية، وحينئذ فيوخذ بالقدر المتيقن أي التمام وذلك لاجمال اللفظ كما انه لو تحقق كفاية غيبوبة الحشفة وشك لاجمال الحشفة في ان ادخال بعض الحشفة ايضا كافية ام لا فلابد من الاخذ بالمتيقن الذى هو تمامها. قوله: من غير عقد، يفيد انه لو اولج في المرأة المحرمة الا انه كان يعلم ويعتقد حليته مثل ما إذا عقد على محارمه مثلا زاعما حلية ذلك لما كان هذا سبيا للحد كما انه لو اولج فيها بلا عقد لكن مع الشبهة والاعتقاد بالحلية لما اوجب ذلك حدا فالمراد كونه من دون عقد مشروع لا مجرد العقد كما سيأتي ذلك انشاء الله تعالى. وقوله: ولا شبهة، لبيان اعتبار كونه عالما بالحرمة لا معتقدا للحل جهلا مركبا فكأنه قال: إذا كانت معلوم الحرمة، وعلى هذا فلا حد مع العلم بالحل موضوعا أو حكما وان كان حراما في الواقع وهذا لا كلام فيه. واما الظن بالحل ففى الرياض انه كالعلم به قال مزجا: واما الزناء

[ 29 ]

الموجب للحد فهو ايلاج الانسان وادخاله فرجه وذكره الاصلى في فرج امرأة محرمة عليه اصالة من غير عقد نكاح ولا متعة بينهما ولا ملك من الفاعل للقابل ولا شبهة دارئة (ثم قال:) وضابطها ما اوجب ظن الاباحة بلا خلاف اجده وبه صرح في الغنية ولعله المفهوم منه عرفا ولغة (1). ترى انه جعل الضابط في الشبهة الدارئة ما اوجب ظن الاباحة مع انه لا يجرى الاصل في الشبهة المصداقية أي فيما إذا شك مثلا في ان المرأة الفلانية هل هي زوجة أو محللة ام لا كى يثبت الحل الا ان ظن الاباحة اوجب دفع الحد وهذا هو المورد للقاعدة وبدونها يجب الحد عليه. ثم قال: واطلاق العبارة وان شمل غير المكلف الا انه خارج بما زدناه من قيد التحريم. مع احتمال ان يقال: ان التكليف من شرائط ثبوت الحد بالزناء لا انه جزء من مفهومه فلا يحتاج إلى ازدياد التحريم من هذا الوجه وان احتيج إليه لتحقيق معنى الزناء لعدم تحققه عرفا ولغة الا به والا فدخول المجنون بامرأة مثلا لا يعد فيهما زناء ما لم تكن المدخول بها محرمة عليه اصالة. اقول: ان ما ذكره من ان قيد التحريم في التعريف يوجب خروج غير المكلف بعد ان اطلاق العبارة شامل له يتم إذا كان المقصود من المحرمة، المحرمة بالفعل، لعدم الحرمة الفعلية بدون التكليف وقبل البلوغ أو مع الجنون واما لو كان المراد المحرمة بالاصالة وان لم تكن كذلك بالفعل، فغير المكلف ايضا داخل في التعريف ومشمول للعبارة لصدقها على ايلاجه في امراة تكون حراما عليه بالاصالة وليست محرمة عليه بالفعل. ثم ان ما ذكره اخيرا بقوله: وان احتيج إلى ازدياد التحريم لتحقيق معنى الزناء، لا يلتئم ظاهرا مع ما ذكره قبل ذلك بقوله: ان التكليف من شرائط ثبوت الحد بالزناء لا انه جزء من مفهومه، فان الصدر يفيدان التكليف ليس جزءا من مفهوم الزناء بل هو شرط في ثبوت الحد بخلاف الذيل فانه صريح في الحاجة إلى قيد التكليف في تحقيق معنى الزناء.


(1) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 463.

[ 30 ]

ثم ان الظاهر ان ما ذكره اولا من عدم دخل التكليف في حقيقة الزنا ومفهومه وانما هو معتبر في الحد وشرط له، لعله خلاف ما يظهر من الآية الكريمة فان ظاهر قوله سبحانه: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة (1) هوان تمام الموضوع في اجراء الحد هو كونه زانيا وكونها زانية، وبعبارة اخرى ان المستفاد من الآية ان الموجب للحد هو الزناء فكان الشارع قد استعمل الزنا فيما هو موجب للحد الخاص. وكيف كان فقد اورد عليه صاحب الجواهر بقوله: وفيه ان ذلك لا يوجب الزيادة المزبورة، ضرورة تحقق الايلاج بامرأة بلا عقد ولا ملك ولا شبهة وان لم يكن في ذلك حرمة عليه لعدم التكليف الذى فرض عدم مدخليته في تحقق معنى الزناء الذى هو على التقدير المزبور وطى الاجنبية التى هي غير الزوجة والمملوكة عينا أو منفعة الخ. قوله: أو منفعة، أي ما كان تحل منفعتها، والمراد منه هو التحليل فان ملك المنفعة في الامة لا يتصور الا بالتحليل. وحاصل ايراده عليه انه لا وجه لزيادة القيد المزبور بعد كون الزنا هو الايلاج بامرأة بدون عقد ولا ملك للعين ولا التحليل وان لم تكن هناك حرمة لعدم التكليف ثم اورد عليه بان مقتضاه كون وطى الشبهة زناءا الا انه لا يوجب الحد وذلك لصدق التعريف المزبور عليه وهو مناف لمقابلته به في النكاح المقتضية لكونه وطى الاجنبية على انها اجنبية، ولازم ذلك عدم كون الوطى بالشبهة داخلا في مفهوم الزنا اصلا. ثم رتب على ذلك اولوية ايكاله إلى العرف، فيكون الموضوع هو كلما صدق عليه انه زناء عرفا، والعرف يعرف المفهوم من الزنا ويرى ان الزناء اتيان الرجل المرأة الاجنبية بعنوان انها اجنبية لا مع الاعتقاد بانها حليلة. ولذا نرى ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لما عز بعد اقراره بالزنا اربع مرات: اتعرف الزنا؟ فقال: هو ان يأتي الرجل حراما كما يأتي اهله حلالا (2).


(1) سورة النور، الاية 2. (2) مسالك الجلد 2 الصفحة 425: فهل تدرى ما الزنا؟ قال: نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته.

[ 31 ]

هل يتحقق الزنا بالوطى في دبرها؟ قال المحقق: ويتحقق ذلك بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا. لكن قال ابن حمزة: في الوطى في دبر المرأة قولان احدهما ان يكون زنى وهو الا ثبت والثانى ان يكون لواطا انتهى (1). وقال الشيخ المفيد قدس سره: الزنا الموجب للحد وهو وطئ من حرم الله تعالى وطئه من النساء بغير عقد مشروع إذا كان الوطى في الفرج خاصة دون ما سواه. انتهى (2) وقال شيخ الطائفة: الزنا الموجب للحد هو وطئ من حرم الله تعالى وطئه من غير عقد ولا شبهة عقد ويكون الوطئ في الفرج خاصة انتهى (3). فمقتضى بعض هذه الكلمات هو اختصاص الزنا بالقبل. وتظهر الثمرة في الاحكام الخاصة المترتبة على اللواط كالقائه من شاهق مثلا. والظاهر ان الزنا اعم من الايلاج في القبل أو الدبر، والفرج بسحب الظاهر اعم بالنسبة إلى كل واحد منهما كما ان ظاهر الروايات ايضا عدم الفرق بينهما. ففى خبر حفص بن سوقة عمن اخبره قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل يأتي اهله من خلفها قال: هو احد المأتيين فيه الغسل (4). وفى صحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام: سألته: متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال: إذا ادخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم (5).


(1) الوسيلة إلى نيل الفضيلة الصفحة 409. (2) المقنعة الطبع الجديد الصفحة 774. (3) النهاية الصفحة 688. (4) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 73 من مقدمات النكاح، الحديث 7. (5) وسائل الشيعة الجلد 1 الصفحة 469 الباب 6 من ابواب الجنابة الحديث 1.

[ 32 ]

فإذا كان الدبر احد المأتيين فيتحقق الزنا بالدخول فيه ايضا كما ان قوله عليه السلام: إذا ادخله الخ يصدق على الادخال فيه ايضا ويشمله، وعلى الجملة فظاهر الاطلاقات نصا وفتوى هو عدم الاختصاص. بل صرح بعض العلماء رضوان الله عليهم بالتعميم وعدم الفرق بينهما قال ابن ادريس: الزنا الموجب للحد هو وطئ من حرم الله تعالى وطيه من غير عقد ولا شبهة عقد ويكون الوطئ في الفرج، سواء كان قبلا أو دبرا بلا خلاف.. (1) وقال العلامة اعلى الله مقامه: قال الشيخان وابن البراج: حكم الزنا بالمرأة في الدبر حكم الزنا في القبل وهو المشهور ايضا وقال ابن حمزة: وفى الوطى في دبر المرأة قولان احدهما ان يكون زنا.. والثانى ان يكون لواطا والمشهور هو الاول فتعين المصير إليه (2). وقال صاحب الرياض بعد قول المحقق: قبلا أو دبرا بلا خلاف اجده (3). ترى تصريح بعض كالعلامة بانه المشهور والحلى وصاحب الرياض بعدم خلاف أو خلاف اجده به (4). حكم مقطوع الحشفة ثم انه لما كان المعتبر في تحقق الزنا هو غيبوبة الحشفة فهنا يأتي البحث في انه لو كان مقطوع الحشفة فما هو المعتبر؟ والظاهر الذى صرح به غير واحد هو اعتبار قدر الحشفة من مقطوعها. وان امكن الخدشة فيه بان ظاهر " ادخله " ادخال التمام غاية الامر انه خرج منه ذو الحشفة حاصة لترتب الحكم فيه بالتقاء الختانين وبقى الباقي تحته.


(1) كتاب السرائر الصفحة 428 الطبع الجديد الجلد 3. (2) المختلف الصفحة 762. (3) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 463. (4) اقول: واما تقييد الفرج بخاصة في كلام الشيخين فلعله لاخراج مثل التفخيذ وفى قباله.

[ 33 ]

لكن فيه ان الظاهر من التقاء الختانين الوارد في الروايات المترتب عليه الاحكام هو بيان للمصداق العرفي من الدخول لا انه مصداق له تعبدا وعليه فلا فرق بين المقامين ويكفى مقدار الحشفة من الباقي في مقطوعها. شروط تعلق الحد قال المحقق قدس سره: ويشترط في تعلق الحد العلم بالتحريم والاختيار والبلوغ وفى تعلق الرجم مضافا إلى ذلك الاحصان. اقول: ويدل على اعتبار العلم أو ما هو قائم مقامه أي الحجة من الاجتهاد والتقليد امور: منها الاجماع المحكى، وفى الجواهر: بل يمكن تحصيل الاجماع عليه فضلا عن محكيه مضافا إلى الاصل. ومنها قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1) ثالثها ما رواه الصدوق مرسلا انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادرأوا الحدود بالشبهات (2). ومن اشتراط العلم يعلم وجه اشتراط العقل ايضا وانه بدون ذلك لا يتعلق به الحد فان المجنون لا علم له بالحرمة فلا تكليف عليه حتى يعاقب بمعصية، ويأتى البحث في ذلك ومعلوم ان العقل من شرائط التكليف العامة وهذا احد الامور التى يستدل بها في اعتبار العقل لاجراء الحد ومحصله انه لولا العقل لما كان هناك تكليف عقلا لعدم صلاحية الانسان للتكليف بدون العقل. وثانيها حديث الرفع عن المجنون المنقول في الارشاد عن امير المؤمنين عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق (3).


(1) سورة الاسراء الاية 15. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من مقدمات الحدود الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 34 ]

فإذا كان التكليف مرفوعا عن المجنون على ما هو الظاهر منه فلا شئ عليه. ولو قيل: ان المراد من الرفع هو رفع العقاب الاخروي لا التكليف لقنا: يكفينا ذلك لان العقوبة الدنيوية حينئذ مرفوعة بالاولوية. ثالثها الروايات الخاصة كخبر حماد بن عيسى عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عليهم السلام: قال: لا حد على مجنون حتى يفيق ولا على صبي حتى يدرك ولا على النائم حتى يستيقظ (1). واما الاختيار أي عدم الاكراه فهو معتبر ايضا في تعلق الحد فمع الاكراه لا حد اصلا سواء كان المكره بالفتح المرئة أو الرجل قد اكره من أي ناحية وان كان من ناحية زوجته كما إذا كانت المرأة تتغلب على زوجها وكانت قاهرة عليه. ويدل على اعتبار الاختيار في ترتب الحد قوله تعالى في قصة عمار: الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان (2). حيث يدل على انه لا بأس بالتكلم بكلمة الكفر مكرها إذا كان القلب مطمئنا بالايمان فكما ان الاكراه يبرر التكلم بالكفر كذلك يسوغ الزنا هذا مضافا إلى ان عدم سقوط الحد على الزنا مع الاكراه عليه من قبيل التكليف بما لا يطاق. فتحصل انه لابد من سقوط التكليف عن المكره. واما البلوغ فهو شرط فيه بلا كلام وقد قام الاجماع بقسميه عليه وذلك لعدم توجه التكليف إلى الصبي كي يقام ويجرى عليه الحد وان كان يجوز


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. اقول: واما وجه عدم تعرض المصنف لشرط (العقل) فلعله لما يأتي في المتن من الخلاف فيه في الجملة. (2) سورة النحل الآية 1 06. اقول: ويدل على اعتبار الاختيار خبر الرفع وكذا الاخبار الكثيرة الواردة في الباب 18 من ابواب الزنا.

[ 35 ]

تعزيره وتأديبه وتربيته حتى ينشأ على الصلاح والسداد ويجري بعد بلوغه مجرى الصالحين، لكن هذا غير الحد، وحديث الرفع ناطق برفع قلم التكليف عن الصبي. وعلى الجملة فهذه الشروط اما اجماعية أو انه لا خلاف في اعتبارها (1) هذا كله في الحد واما الرجم فيشترط فيه مضافا إلى جميع هذه الشرائط كونه محصنا وهو ان يكون له ما يغدو عليه ويروح ولا مانع له عن ذلك وقد قام على ذلك الاجماع ودلت عليه النصوص كما يأتي ذلك في محله ان شاء الله تعالى. والحاصل انه لا مورد للاخذ باطلاق: الزانية والزانى فاجلدوا الخ، بل تلاحظ تلك الشرائط في اقامة الحد. ثم ان وجه اعتبار الشرط الزائد في الرجم هو انه حد الله الاكبر بخلاف الجلد فانه حد الله الاصغر كما ورد التعبير بهما في الاخبار فراجع (2). قال المحقق: ولو تزوج امرأة محرمة كالام والمرضعة والمحصنة وزوجة الولد والاب فوطأ مع الجهل بالتحريم فلا حد. اقول: كان البحث في شرائط الحد سواء كان لبعضها دخل في ماهية الزنا ام لا، وقد علمت ان من جملتها العلم فيعتبر علم كل واحد منهما بالحرمة حتى يجب عليه الحد فلو عقد على امرأة محرمة عليه ووطأها جاهلا بالتحريم فلا حد. ثم ان لفظ الجهل مطلق يشمل الجهل المركب والبسيط فتارة يكون الانسان جاهلا بالحرمة ويرى نفسه عالما فهو قاطع بالحل، واخرى لا يعلم الحكم وهو ملتفت إلى عدم علمه بذلك. والجاهل الاصلي أي الجاهل بالجهل المركب قد يكون جاهلا


(1) اقول: وهو ايضا من الفاظ الاجماع وان كان يظهر من بعض الكلمات انه ليس في رديف الاجماع الا ان الشيخ المرتضى قدس سره صرح بان نفى الخلاف لا يقصر عن نقل الاجماع فراجع المكاسب المحرمة الصفحة 30 باب حفظ كتب الظلال. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا حديث 1.

[ 36 ]

بالحكم واخرى بالموضوع فالاول كما إذا كان حديث العهد بالاسلام وكان قبل اسلامه يستحل نكاح المحارم مثلا وبعد لم يتوجه لحرمة ذلك في الاسلام وارتكب ذلك. والثانى كمن وطئ الاجنبية معتقدا انها حليلته. والجاهل بالجهل البسيط تارة يكون جهله هو الشك البدوى واخرى مقرونا بالعلم الاجمالي وهو على قسمين فتارة يكون الشك والشبهة في اطراف محصورة واخرى في اطراف غير محصورة. كما ان الجهل البسيط قد يكون بمجرد الشك واخرى مع الظن وثالثه مع الوهم، لاشك ولا ترديد في سقوط الحد عن الجاهل بالجهل المركب مطلقا سواء كان بالنسبة إلى الحكم أو الموضوع. وانما الاشكال في الجهل البسيط وقد اختلفت الاقوال في مسألة الجهل فذهب بعض إلى كون الجهل مطلقا باى صورة كان مانعا عن تعلق الحد وان كان جهلا بسيطا سواء أ كان الجاهل شاكا في الحرمة أو ظانا بها أو واهما لها فمجرد عدم العلم كاف في درء الحد. وقال بعض آخر انه لاحد مع الجهل المركب وكذا مع الجهل البسيط إذا كان الجاهل ظانا بالحل واهما للحرمة فقط، وعلى هذا فالصورتان الباقيتان أي الجاهل الشاك والجاهل الواهم للحل يتعلق بهما الحد. وقال الشهيد الثاني: ضابط الشبهة المسقطة للحد توهم الفاعل أو المفعول ان ذلك الفعل سائغ له لعموم ادرءوا الحدود بالشبهات لا مجرد وقوع الخلاف فيه مع اعتقاده تحريمه انتهى (1). فاعتبر هو في درء الحد توهم الجواز. ولا ندري ان مراده من التوهم هو التوهم المصطلح أي الاحتمال الذى هو دون الشك أو ان مراده منه هو الظن بالجواز وعلى الاول فيكتفى في درء الحد بمجرد الاحتمال المرجوح فضلا عن الشك والظن وهذا بخلاف الثاني فانه عليه لا يدرء الحد مع الشك فضلا عن التوهم وان كان لا يبعد ظهوره في


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 423.

[ 37 ]

الاول أي الاحتمال المرجوح ومقتضى ذلك، الاكتفاء في حصول الشبهة الدارئة للحد به وبالاحتمال المساوى فضلا عن الظن بالحل. وقال صاحب الرياض عند بيان ملاك الشبهة: ما اوجبت ظن الاباحة، فقد اعتبر رضوان الله عليه الظن بالاباحة وعليه فالشك في الحل أو احتمال المرجوح لا ينفع شيئا ولا يدفع الحد. لكن في كلامه اجمال من ناحية اخرى وهى ان الظن على قسمين ظن معتبر وظن غير معتبر ولا تعرض في كلامه لاشتراط اعتباره وعدمه ومقتضى ذلك هو الاكتفاء بالظن مطلقا وان لم يكن معتبرا. وبعضهم قد فسر الظن بالعلم والاعتقاد، فالملاك عنده هو القطع. وفى الجواهر في باب النكاح: ان وطى الشبهة على ثلاثة اقسام الاول الوطى الذى ليس بمستحق مع اعتقاد فاعله الاستحقاق لجهل بالموضوع أو جهل بالحكم الشرعي على وجه يعذر فيه، الثاني الوطى الذى ليس بمستحق مع اعتقاد فاعله الاستحقاق الا ان النكاح معه جائز شرعا كالمشتبه بغير المحصور والتعويل على اخبار المرأة. الثالث الوطى الغير المستحق ولكن صدر ممن هو غير مكلف كالنائم والمجنون والسكران بسبب محلل ونحوهم وما عدا ذلك والنكاح الصحيح الذى قد عرفت كله زناء هذا (1) وحاصل كلامه انه لابد في سقوط الحد اما من العلم بالحل جهلا مركبا وأما من قيام الظن المعتبر على حله فلو لم يكن هناك علم بالحل ولا ظن معتبر به فلم يكن له سوى الشك فلا اقل من ان يكون مع شكه مجوز للارتكاب فالظن أو الشك الذى لا مانع من العمل به شرعا يدرء الحد واما بدون ذلك فلا. وقال ايضا بعد تحقيقات له: وقد ظهر من ذلك ان اطلاق الظن في تعريف الوطئ بالشبهة وكذا عدم العلم بالتحريم ليس محمولا على ظاهره بل هو مقيد بما يجوز معه الوطئ على ما صرحوا به واقتضته طريقتهم المعلومة في


(1) جواهر الكلام الجلد 29 الصفحة 247.

[ 38 ]

استباحة الفروج انتهى (1). اقول: وعلى هذا فيشترط العلم بالحل ولو بحسب الظاهر فيؤخذ بالعموم أو الاطلاق وغيرهما وذلك كما في الشبهة غير المحصورة حيث يوخذ فيه بعموم: وانكحوا الايامى منكم، وغيره، كما انه لو شهد عدلان بطلاق امراة خاصة أو بموت زوجها فانه يجوز نكاحه لان الشارع جعل البينة حجة وحينئذ وان كان الشك في جواز الوطى محققا الا ان الدليل الشرعي يسوغ ذلك فلو لم يكن دليل اصلا فهو في صريح كلامه زناء ويترتب عليه الحد، ولا يلحق الولد، لكنه مال إلى خلاف ذلك في الحدود لانه نقل اولا عن العلامة السيد الطباطبائي قدس سره تعريف الوطئ بالشبهة بانه: الوطئ الذي ليس بمستحق في نفس الامر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق أو صدوره عنه بجهالة مغتفرة في الشرع أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرم. وفي الجواهر بعد نقل كلام المصابيح: والمراد بالجهالة المغتفرة ان لا يعلم الاستحقاق ويكون النكاح مع ذلك جائزا كما لو اشتبه عليه ما يحل من النساء بما يحرم منهن مع عدم الحصر أو عول على اخبار المرأة بعدم الزوج أو انقضاء العدة أو على شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته، إلى غير ذلك من الصور التى لا يقدح فيها احتمال عدم الاستحقاق شرعا وان كان قريبا أو مظنونا، وبارتفاع. إلى آخره، الجنون والنوم ونحوهما دون ما كان بسبب محرم كشرب الخمر المسكر فانه بحكم الزانى في تعلق الحد وغيره. ومقتضى ما ذكره في المصابيح كما صرح به في الجواهر هو عدم ترتب الشبهة على الظن غير المعتبر شرعا لا في الموضوع ولا في الحكم الا ان يعتقد الاباحة به جهلا منه والا كان زانيا. واورد قدس سره عليه بقوله: وهو وان كان صريح بعض المتأخرين كثاني الشهيدين وسبطه الا ان جملة من عبارات الاصحاب مطلقة في الاكتفاء بالظن الشامل لما لا يعلم صاحبه الحل وربما لا يكون ملتفتا لذلك ولا متصورا


(1) جواهر الكلام الجلد 29 الصفحة 253.

[ 39 ]

لحكمه من هذا الجهة، انتهى (1) فلازم كلام السيد في المصابيح هو عدم كون الاحتمال المرجوح ولا الظن غير المعتبر موجبا للشبهة الدارئة ومقتضى كلام صاحب الجواهر في المقام وما اورده من الاشكال، هو الاكتفاء بالظن مطلقا. وعلى الجملة فظاهر كلام الجواهر في باب النكاح (2) هو دوران الامر بين وجود مجوز شرعي للارتكاب وان كان هو الاصل فهناك يدرء الحد وعدم ذلك فلا لان الفروج لا تستباح الا بسبب شرعي وليس منه مجرد الاحتمال أو الظن فانه قد اباحه بشرط العلم بالاستحقاق أو حصوله ما جعله امارة وبدونها يكون الوطئ زناءا وذلك كما إذا تزوج المفقود زوجها من دون فحص ولا رفع إلى الحاكم ولكن بظن وفاته لطول المدة أو تعويلا على اخبار من لا يوثق به أو شهادة العدل الواحد الا ان يحصل له الاعتقاد بالجواز هذا. فاختلفت الاقوال والآراء واختلف معيار الجهل عندهم في المقام. فلابد من مراجعة الادلة والنظر والتأمل فيها وهى الآية الكريمة والاخبار الشريفة. اما الاولى: قوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة (3) وظاهرها ترتب الحكم أي الحد على من كان زانيا أو زانية لا الزاني العالم، والمعيار هو الزناء لا الزناء المعلوم وعلى هذا فكلما صدق الزنا يجب الحد وان لم يكن عالما وفى مثل الجهل المركب ربما لا يصدق الزنا وكذا الجهل البسيط مع قيام البينة كما إذا تزوج امرأة معتدة مع قيام البينة على انقضاء عدتها فانه وان كان العقد باطلا مع انكشاف الخلاف لكن مفهوم الزنا غير صادق ظاهرا وان امكن ادعاء ان للعلم دخلا في تعلق الحد ولا مدخل له في صدق المفهوم.


(1) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 263. (2) راجع الجلد 29 الصفحة 245. (3) سورة النور لآية 2.

[ 40 ]

واما الثانية أي الاخبار فمنها رواية الكناسي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن امرأة تزوجت في عدتها فقال: ان كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فان عليها الرجم وان كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فان عليها حد الزانى غير المحصن وان كانت قد تزوجت في عدة بعد موت زوجها من قبل انقضاء الاربعة اشهر والعشرة ايام فلا رجم عليها وعليها ضرب مأة جلدة. قلت: ارأيت ان كان ذلك منها بجهالة؟ قال: فقال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين الا وهي تعلم ان عليها عدة في طلاق أو موت ولقد كن نساء الجاهلية يعرفن ذلك قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة ولا تدرى كم هي؟ فقال: إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم. (1) قوله عليه السلام: ما من امرأة الخ يحتمل ان يكون المراد منه انه لا يمكن ان تكون جاهلة فلو ادعت الجهل فهي كاذبة بعد ان كانت المطلب بحيث يعلمه الكل. ويمكن ان يكون المراد عدم كون جهلها عذرا وذلك لتقصيرها في التعلم والحال هذه. وقوله عليه السلام: لزمتها الحجة، يحتمل ان يراد منه لزوم الحجة في العقاب فيقال له في الآخرة على ما ورد في بعض الاخبار هلا تعلمت (2). ويمكن ان يراد لزوم الحجة حتى في اجراء الحد فلا تدرء الشبهة الحد، والجهل غير مانع عنه هنا. فهذه الرواية غير واضحة الدلالة على ما نحن بصدده. وهنا اخبار اخر نقلها المحدث العاملي في باب عنوانه: باب ان من فعل ما يوجب الحد جاهلا بالتحريم لم يلزمه شئ من الحد:


(1) وسائل الشيعة الجلد 1 8 الباب 27 من ابواب الحدود الحديث 3. (2) امالي الشيخ الطوسى الجلد 1 الصفحة 9 وتفسير الصافى ذيل الآية 149 من سورة الانعام.

[ 41 ]

عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لو ان رجلا دخل في الاسلام واقر به ثم شرب الخمر وزنى واكل الربا ولم يتبين له شئ من الحلال والحرام لم اقم عليه الحد إذا كان جاهلا الا ان تقوم عليه البينة انه قرأ السورة التى فيها الزنا والخمر واكل الربا وإذا جهل ذلك اعلمته واخبرته فان ركبه بعد ذلك جلدته واقمت عليه الحد (1). وهذه الرواية ظاهرة في مانعية الجهل عن تعلق الحد لكن في سقوطه للجهل البسيط تأمل وترديد، والمتيقن هو الجهل المركب. بل يمكن ان يقال: ان الظاهر انه إذا كان قد دخل في الاسلام جديدا على ما هو المفروض في الرواية فهو بحسب النوع غافل محض أي الجاهل المركب فلا يشمل ما إذا كان ملتفتا إلى جهله ظانا كان أو شاكا أو محتملا. كما ان قوله عليه السلام: ولم يتبين له شئ من الحلال والحرام، ليس له ظهور في الجهل البسيط ولا الاعم بل هو يساعد الجهل المركب بالخصوص ولعل المراد منه هو انهم لم يبينوا له ذلك ولم ينبهوه. وعلى الجملة فالرواية ظاهرة في الجهل المركب. وعن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل دعوناه إلى جملة الاسلام فاقر به ثم شرب الخمر وزنى واكل الربا ولم يتبين له شئ من الحلال والحرام اقيم عليه الحد إذا جهله؟ قال: لا الا ان تقوم عليه بينة انه قد كان اقر بتحريمها (2). قوله: قد اقر بتحريمها يراد به انه كان عالما بتحريمها فان الاقرار طريق إليه. ولا يخفى انه يجرى في هذه ما ذكرناه في سابقته. عن ابى عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لو وجدت رجلا كان من العجم اقر بجملة الاسلام لم يأته شئ من التفسير زنى أو سرق أو شرب


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 42 ]

خمرا لم اقم عليه الحد إذا جهله الا ان تقوم عليه بينة انه قد اقر بذلك وعرفه (1). عن جميل عن بعض اصحابه عن احدهما عليهما السلام في رجل دخل في الاسلام شرب خمرا وهو جاهل قال: لم اكن اقيم عليه الحد إذا كان جاهلا ولكن اخبره بذلك واعلمه فان عاد اقمت عليه الحد (2). وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث ان ابا بكر اتى برجل قد شرب الخمر فقال له: لم شربت الخمر وهى محرمة؟ فقال: انى اسلمت ومنزلي بين ظهرانى قوم يشربون الخمر ويستحلونها ولو اعلم انها حرام اجتنبتها فقال علي عليه السلام لابي بكر: ابعث معه من يدور به على مجالس المهاجرين والانصار فمن كان تلا آية التحريم فليشهد عليه فان لم يكن تلا عليه آية التحريم فلا شئ عليه ففعل فلم يشهد عليه احد فخلى سبيله (3). وهذه الاخبار كلها واردة في الجهل بالحكم واما الجهل بالموضوع فلا تعرض له في الروايات. نعم هنا رواية اخرى واردة في الجهل بالموضوع وهى رواية يحيى بن العلا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما ترى في رجل تزوج امرأة فمكثت معه سنة ثم غابت عنه فتزوجت زوجا آخر فمكثت معه سنة ثم غابت عنه ثم تزوجت آخر ثم ان الثالث اولدها قال: ترجم لان الاول احصنها قلت: فما ترى في ولدها؟ قال: ينسب إلى ابيه. قلت: فان مات الاب يرثه الغلام؟ قال: نعم (4) فان الظاهر منها انه كان الزوج أبو الغلام جاهلا بكون المرأة ذات بعل فيلحق به الولد وتجرى الوراثة بينهما فيعلم ان الحد يدرء في الجهل الموضوعي ايضا كما هو مسلم عند العلماء في الجملة. وحاصل الكلام بالنسبة إلى البحث الاصلى هو انه ليس في الروايات


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب مقدمات الحدود 3. (2) وسائل الشيعه الجلد 18 الباب 14 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 4. (3) وسائل الشيعه الجلد 18 الباب 14 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 5. (4) وسائل الشيعه الجلد 18 الباب 27 من ابواب حد الزنا الحديث 12.

[ 43 ]

ظهور تطمئن إليه النفس بل هي ظاهرة في الجهل المركب بلحاظ ما تقدم منا من ان من دخل في الاسلام جديدا فهو غير ملتفت اصلا إلى الاحكام وهى غير مبينة له. فلم نجد في الاخبار ايضا ما يفيدنا بالنسبة إلى الجهل البسيط فلم يبق الا الحكم على حسب القواعد. فنقول: لا شك في انه لا حد على من اعتقد الحل مع عدم استحقاقه واقعا بل لعله لا يصدق عليه انه قد زنى، فمن تزوج امرأة معتقدا الحل ثم بان انها كانت عمته أو خالته مثلا لا يقول الناس انه زنى بل يقال في حقه انه وطئ شبهة. والظاهر من لفظ الشبهة كالاشتباه هو عدم الاعتقاد الباطل كما حملت الروايات الواردة في جديد الاسلام على ذلك على ما تقدم. واما من شك في الحرمة فهو من افراد العالم بالحرمة، والعلم طريقي لا موضوعي فتخلفه الامارات والاصول فلو شهد عنده عدلان بان المرأة التى يريد تزويجها مزوجة ولم يحصل له العلم بذلك. فانها محرمة عليه ويحد هو على وطيها بلا توقف على انهما صادقان في علم الله ام لا كما انه لو كان الاصل الشرعي يقتضى الحرمة كالمرأة المعتدة التى يراد تزويجها ويشك في انقضاء عدتها فان مقتضي الاستصحاب وابقاء ما كان على ما كان بحكم الشرع هو الحكم ببقاء العدة وترتيب احكامها كالحرمة وغيرها وعليه فيجب اجراء الحد عليه ايضا إذا وطئها والحال ذلك وهذا هو الحكم في تمام صور الجهل البسيط أي سواء كان شاكا أو ظانا أو واهما إذا كان هناك دليل شرعي يدل على الحرمة كما انه لو كان هناك دليل من الامارة والاصل قد دل على الحل والجواز فانه يترتب عليه سقوط الحد. واما لو كان شاكا مطلقا ولم يكن دليل أو اصل شرعى يدلان على الحرمة بان كان في مجرد حال الشك في الحرمة أو الظن بها مع عدم كون ظنه من الظنون المعتبرة شرعا، أو الوهم بها فهناك لا وجه لجريان الحد بالارتكاب قبل الفحص في الاحكام. واما إذا كان شكه مع العلم كما إذا تردد الحرام بين اطراف في

[ 44 ]

الموضوعات فان العلم الاجمالي قائم على وجود حرام في البين، وهو على قسمين فتارة يكون اطرافه محصورة واخرى غير محصورة والحكم في الثانية عدم لزوم الاجتناب كما إذا تردد احد المحارم بين افراد غير محصورة فالمتزوج يكون كالمعتقد بالحلية بناء على عدم تنجيز التكليف بالعلم بالحرام المردد بين غير المحصور واما إذا كانت اطراف الشبهة محصور فالدليل العقلي على لزوم الاحتياط قائم وذلك لوجود الحرام المقطوع به في البين مع عدم كون اطراف الشبهة غير محصورة فان كانت الحجة اعم من الشرعي والعقلي فلا محالة يكون ارتكاب احد الاطراف غير سائغ ويترتب عليه الحد واما على فرض الاختصاص بالدليل الشرعي فهو مفقود فلا يترتب على ارتكابه الحد وذلك لان اللازم على هذا هو الحجة على التحريم المنجزة للمقاب ومن المعلوم ان ارتكاب احد الطرفين مثلا كوطى احدى المرأتين المرددتين فيما إذا علم ان واحدة منهما حلال له والاخرى محرمة عليه مما لم تقم عليه حجة شرعية على التحريم وعلى هذا فلا يوجب الحد. والظاهر من رواية ابى ايوب هو كفاية الحجة على العقاب لدلالتها على لزوم الحجة على المرأة بمجرد علمها بلزوم اصل العدة مع انها لا تعلم كم هي. ويظهر ذلك ايضا من قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1). حيث انه يدل على انه لا عذاب بدون بعث الرسول والاتيان بالاحكام واما ابلاغها إلى كل احد فليس معتبرا في العذاب وانما وظيفة العباد هو الرجوع إلى الرسول والسؤال منه. ويدل على ذلك ايضا ما ورد في بعض الاخبار من ان مثل الامام مثل الكعبة حيث تؤتى ولا تأتى (2). لكن مع ذلك ليس هنا الا الحجة على العقاب وهو حكم العقل بلزوم الاجتناب حذراعن ارتكاب المحرم الواقعي فلو كان الحد موقوفا على الحجة


(1) سورة الاسراء الآية 15. (2) الانصاف للسيد البحراني الصفحة 290 ومنتخب الاثر الصفحة 90 عن كفاية الاثر.

[ 45 ]

على التحريم فهنا ايضا لا حد نعم لو قلنا بكفاية الحجة على العقاب فارتكاب احد الطرفين يوجب الحد. والظاهر ان الحد مترتب على العلم بالزنا وان كان ذلك بسبب دليل شرعي وامارة شرعية لا على حكم العقل بلزوم الاحتياط فلذا لا حد في المقام وبعبارة اخرى انه كلما وجد دليل على الحرمة الظاهرية وان لم يكن هناك علم وجدانى فلا يسقط الحد وكلما لم يوجد ذلك وانما وجب الاحتياط عقلا فهناك يسقط وذلك لعدم المانع من جريان قاعدة درء الحدود بالشبهات الا على القول بان المراد من الشبهة هي الشبهة التى يجوز ارتكابها باحدى الامارات المعتبر أو الاصول كذلك. وفيه انه لا شبهة هناك حتى يتمسك بالقاعدة وذلك لانه مقطوع الحلية بحكم الظاهر (1). وعلى الجملة فلو كان المراد من الشبهة مجملا فكلما دل الدليل الشرعي على الحرمة فهو كاف في ترتب الحد والا فلا يجرى عليه الحد وذلك لحرمة اقامته الا بمبرر قاطع. فلا يجوز اجرائه في اطراف العلم الاجمالي وان كان يحرم ارتكابها عقلا. واما ما ذكروه من لزوم الاحتياط في الفروج على ما هو دأب العلماء في الشبهات الموضوعية. ففيه انهم قالوا بالاحتياط في الدماء ايضا فكيف يمكن الحكم بالزنا والاقدام على الرجم (2) مثلا مع لزوم الاحتياط في الدماء الا بدليل قاطع فبلحاظ


(1) قال سيدنا الاستاذ دام ظله في دفتر مذكراته: فتحصل من جميع ذلك، سقوط الحد غير وطى اعتقد حرمته أو دل دليل معتبر عليها من غير فرق بين الشبهات الحكمية أو الموضوعية وذلك لان المتيقن من وجوب الحد ذلك والباقى مشكوك والاصل عدمه ولعل المحقق رحمه الله اراد بالعلم اعم من الحرمة الظاهرية انتهى كلامه دام بقائه. (2) وقد اوردت بانه ليس حكم الزنا هو الرجم مطلقا كى يتمسك بالاحتياط في الدماء والانفس. فأجاب سيدنا الاستاذ الاكبر دام ظله بانه لا فرق بين الجلد والرجم في مساسهما بالنفوس وانما ذكروا الرجم من باب اظهر المصاديق.

[ 46 ]

هذا الاحتياط لا يجوز اجراء الحد عليه. ولا يخفى عليك ان النزاع في باب درء الحد بالشبهة قليل الجدوى وذلك لان الغالب هو قيام الدليل في الموارد وبحسبها اما على الحل أو الحرمة وقلما يتفق مورد لا يكون هناك امارة أو اصل شرعى معتبر كما إذا وجد امرأة في فراشه مثلا ودار الامر بين كونها حليلة أو اجنبية. الغافل والناسي واما الغافل المحض أي غير المتوجه إلى المطلب بحيث لا ينقدح في ذهنه اصلا كي يعتقد بالحل مثلا فالظاهر ان يكون كالقاطع بالخلاف فتشمله الروايات الواردة في الجهل المركب فلا يجرى عليه الحد لدرءه بالشبهة. واما الناسي فالظاهر انه ايضا كذلك فتشمله الروايات ولا خصوصية للجهل بل المراد هو ما يشمل ذلك ايضا كما هو الظاهر من كلام شيخ الطائفة. قال قدس سره: باب ماهية الزنا وما يثبت به ذلك. الزنا الموجب للحد هو وطئ من حرم الله تعالى وطيه من غير عقد ولا شبهة عقد ويكون الوطئ في الفرج خاصة ويكون الواطى بالغا كاملا فاما العقد فهو ما ذكرناه في باب النكاح من اقسامه مما قد اباحه الله تعالى في شريعة الاسلام. واما شبهة العقد فهو ان يعقد الرجل على ذى محرم له من ام أو بنت أو اخت أو عمة أو خالة أو بنت اخ أو بنت اخت وهو لا يعرفها ولا يتحققها أو يعقد على امرأة لها زوج وهو لا يعلم ذلك أو يعقد على امرأة وهى في عدة الزوج لها اما عدة طلاق رجعي أو بائن أو عدة المتوفي عنها زوجها وهو جاهل بحالها أو يعقد على امرأة وهو محرم أو هي محرمة ناسيا ثم علم شيئا من ذلك فانه يدرأ عنها الحد ولم يحكم له بالزنا (1). ثم لو فرض عدم شمول ادلة المقام للناسي فانما يكفي في ذلك حديث الرفع لكون النسيان من الامور التسعة المرفوعة عن الامة.


(1) النهاية كتاب الحدود الصفحة 688.

[ 47 ]

العقد بمجرده غير كاف في سقوط الحد وهل يكتفي بمجرد العقد في سقوط الحد بان ينهض شبهة فيوجب الدرء ام لا؟ قال المحقق قدس سره: ولا ينهض العقد بانفراده شبهة في سقوط الحد فلو استأجرها للوطى لم يسقط بمجرده. اقول: ولا اشكال في ذلك ولا خلاف فيه بل لا يحتاج هذا الكلام إلى الاستدلال ولا حاجة إلى رد من قال بان العقد بنفسه كاف في السقوط وانما قد تعرضوا لذلك ردا لابي حنيفة فانه الذى قال بذلك (1) ولو كان عالما بالتحريم، مستدلا بدرء الحدود بالشهادت. قال شيخ الطائفة قدس سره: إذا استأجر امرأة للوطئ فوطئها لزمه الحد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا حد عليه. دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى: الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم، وهذه ليست واحدة منهما (2). وقال قدس سره ايضا: إذا عقد النكاح على ذات محرم له كامه وبنته واخته وخالته وعمته من نسب أو رضاع أو امرأة ابنه أو ابيه أو تزوج بخامسة أو امرأة لها زوج ووطئها أو وطئ امرأة بعد ان بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم فعليه القتل في وطئ ذات محرم والحد في وطئ الاجنبية


(1) ففى الفقه على المذاهب الاربعة للجزيرى الجلد 5 الصفحة 98 (في بحث العقد على المحارم): المالكية والشافعية والحنابلة وابو يوسف والامام محمد بن الحنفية قالوا: إذا عقد رجل على امرأة لا يحل له نكاحها بان كانت من ذوى محارمه كامه واخته مثلا أو محرمة من نسب أو رضاع ثم وطئها في هذا العقد وهو عالم بالتحريم فانه يجب عليه اقامة الحد لان هذا العقد لم يصادف محله لانه لا شبهة فيه عنده، ويلحق به الولد الامام أبو حنيفة قال: لا يجب عليه اقامة الحد، وان قال: علمت انها على حرام، لكن يجب عليه بذلك المهر، ويلحق به الولد، ويعاقب عقوبة هي اشد ما يكون من انواع التعزير سياسيا لا حدا مقدرا شرعيا إذا كان عالما بذلك الخ. (2) الخلاف كتاب الحدود مسألة 26.

[ 48 ]

وبه قال الشافعي الا انه لا يفصل وقال أبو حنيفة: لا حد في شئ من هذا حتى قال: لو استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها لا حد عليه، فان استأجرها للخدمة فوطئها فعليه الحد. دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح ابائكم من النساء الا ما قد سلف انه كان فاحشة. إلى آخر كلامه (1). وقد يوجه كلامه بارادة ما لا يعلم حرمته يقينا وان كان هو حراما بمقتضى الاجتهاد. ولكن كلامه يأبى عن ذلك بل هو يقول بان مجرد العقد أي عقد نكاح المحرمات أو استيجار المرأة للوطئ كاف في حصول الشبهة وسقوط الحد. والذي يسهل الخطب انه لا مورد لتوجيه كلام ابى حنيفة بعد ان نعلم ما هو المعهود منه من الفتاوى الفاسدة والآراء والنظرات الباطلة المخالفة لضرورة الدين مثل حكمه بالحاق الولد بالرجل إذا كانت زوجته قد حملت في ايام سفره، فلا بعد اصلا من مثله ان يقول بان العقد ينهص شبهة في سقوط الحد. نعم ما ذكر في هذا التوجيه في نفسه كلام حسن في الجملة ووجيه في بعض الموارد فان من الممكن ان يكون العقد سببا للشبهة ودرء الحد كما إذا فرض ان خبرا صحيحا دل على كفاية عشر رضعات في التحريم ومع ذلك قد تزوجها فانها بحسب اجتهاده وان كانت محرمة عليه الا ان ذلك لا يوجب القطع بالحرمة فان الخبر واجب العمل عنده ظاهرا والا فلا يخلو الامر في الواقع من كفاية العشر فهي محرمة عليه أو اعتبار خمس عشر رضعة فهى عليه حلال وهذه هي الشبهة لان الزنا هو الوطى غير المستحق وهذا مشكوك فيه في المقام فيكون العقد كافيا في درء الحد (2).


(1) الخلاف الجلد 3 كتاب الحدود مسألة 29. (2) فيه انه ينافى ما كان يذكره دام ظله كثيرا في الدرس من انه لا شبهة مع الاستظهار عن الدليل وقد تقدم ان العلم اعم من الوجداني والحكم الظاهرى اجتهادا أو تقليدا هذا مضافا إلى انه خروج عن محل الكلام فانه يقول بكفاية العقد بمجرده لا العقد مع عدم العلم بالتحريم وهكذا =

[ 49 ]

وهكذا بالنسبة إلى عقد الاجارة بان استأجر امرأة للوطى زاعما انها عليه بذلك فانه لا يحد حينئذ خصوصا بلحاظ ما ورد من التعبير بالاجر عما يدفع اليهن في الاستمتاع كقوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة (1). وعلى الاخص بلحاظ ان العامة يفسرون آيات القرآن الكريم بما يبدو في اذهانهم بلا مراجعة إلى اهل بيت الوحي والتنزيل، وعلى الجملة فلو تخيل لاجل هذه الامور انه يباح استيجارهن لذلك فانشأ عقد الاجارة فانه كاف في سقوط الحد. ونظير ذلك ما إذا تخيل واعتقد انه يجوز للمرأة ان تهب نفسها لرجل وتباح له بذلك حيث راى جواز ذلك بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله لقوله تعالى: وامرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبى (2) فزعم ان ذلك حكم عام يشمل النبي صلى الله عليه وآله وغيره ولا يختص به فانه لو وطئها والحال هذه فلا حد عليه. وكيف كان فبطلان ما ذكره أبو حنيفة بمكان من الوضوح وقد ردوا عليه في كلماتهم. قال العلامة اعلى الله مقامه: لو تزوج من يحرم عليه نكاحها كالام والبنت والاخت والمرضعة وذات البعل والمعتدة وزوجة الاب أو الابن كان العقد باطلا بالاجماع فان وطئها مع علمه بالتحريم وجب عليه الحد، ولا يكون العقد وحده شبهة في سقوط الحد، ولو وطئى جاهلا بالتحريم سقط الحد وهكذا كل نكاح اجمع على بطلانه كالخامسة والمطلقة ثلاثا، اما النكاح المختلف فيه كالمجوسية فانه لا حد فيه وهكذا كل نكاح توهم الواطى الحل فيه، ولو استأجرها للوطى وجب الحد ولم يسقط به الا ان يتوهم الحل به انتهى (3).


= الكلام في فرض الاجارة. (1) سورة النساء الآية 24. (2) سورة الاحزاب، الآية 50. (3) التحرير كتاب الحدود الصفحة 219.

[ 50 ]

وقال المحقق الاردبيلى قدس سره: ويشترط في الحد بالزنا مطلقا العلم بتحريمه من غير ان يحصل عنده شبهة محلله فلو توهم الواطى حل احد المحرمات المؤبدة نسبا أو رضاعا أو مصاهرة يسقط الحد أي لا يجب به الحد ولا يسقط بمجرد العقد مع العلم بالتحريم معه وفساد العقد وكذلك لا يسقط الحد بل يتعلق ويجب باستيجار المرأة للوطئ مع العلم بعدم الحل بذلك وفساد العقد. نعم لو توهم الحل بالاستيجار أو بغير الاستيجار مثل ان تهب نفسها أو تبيح وطيها أو يوقعه بلفظ غير صحيح أو يكون قصده الاباحة مع الجهل بان ذلك غير كاف وكذا العقود الفاسدة لعدم العربية أو القصد أو الاعراب أو المقارنة أو الاشتمال على شرط فاسد مثل ان لا يطأ وبالجملة جميع ما يمكن ان يتوهم ويعتقد انه ليس بمحرم وان كان نفس رضاهما وباى شئ كان فانه موجب لعدم تعلق الحد وسقوطه. ثم قال: ودليل تحريم الزنا وجوب الحد مع الشرائط، الكتاب والسنة والاجماع ودليل عدمه مع عدم ولو كان بوجه بعيد كون الجاهل معذور أو بناء الحدود على التخفيف ودرء الحدود بالشبهات انتهى كلامه رفع مقامه. قال المحقق: ولو توهم الحل به سقط وقد فسر في الجواهر التوهم بالاعتقاد وقال عقيب قول المصنف: ولو توهم: على وجه اعتقده، فلو قطع بان العقد كاف في الحل فلا محالة يسقط الحد. ولا فرق في ذلك بين ان يكون اعتقاده ناشيا عن الاجتهاد أو التقليد وقد مر ذلك وفي الجواهر: بل وان كان ذلك لتقصير منه في المقدمات باختيار مذهب فاسد يقتضى ذلك أو باعراض عن اهل الشرع أو بغير ذلك مما يكون فيه مشتبها وان كان هو آثما في ظنه الخ. قال المحقق: وكذا يسقط في كل موضع يتوهم الحل كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته ولو تشبهت له فعليها الحد دونه وفى رواية يقام عليها

[ 51 ]

الحد جهرا وعليه سرا. اقول: كل ذلك على اساس المعيار الذى ذكرناه من ان من بان له الامر فوطئى عالما بان عمله حرام يحكم عليه بالزنا ويحد ومن اقدم على الوطئ مشتبها عليه الامر فلا يحل عدم ثبوت الحرمة عليه شرعا. وعليه يتم ما افاده من ان من وجد على فراشه امرأة فوطئها زاعما انها زوجته فانه لا حد عليه. وهكذا لو تشبه الرجل لها بحيث زعمت انه زوجها فلا حد على المرأة وانما يحد الرجل والعكس العكس فلو تشبهت المراة للرجل بحيث ايقن انها زوجته فان عليها الحد لانه لا شبهة لها فانها قد تعمدت واقدمت على العمل عالمة بالحرمة بخلاف الرجل لانه قد اقدم للشبهة الطارية عليه فلا حد عليه. هذا هو مقتضى الادلة والقاعدة وذلك لان احدهما زان دون الاخر. نعم هنا رواية تدل على خلاف ذلك في الفرض الاخير وهي رواية ابي الروح: ان امرأة تشبهت بامة لرجل وذلك ليلا فواقعها وهو يرى انها جاريته فرفع إلى عمر فارسل إلى علي عليه السلام فقال: اضرب الرجل حدا في السر واضرب المراة حدا في العلانية (1).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 38 من ابواب حدود الزنا الحديث 1، وقال الشيخ الحر العاملي: حمله اكثر الاصحاب على شك الرجل أو ظنه وتفريطه في التأمل وانه حينئذ يعزر لما تقدم في تزوج امرأة لها زوج وغير ذلك وقد رواه المفيد في المقنعة مرسلا نحوه، الا انه قال: فوطأها من غير تحرز انتهى. وقال المحقق في نكت النهاية بعد التعرض لخبر الاعمى: وكذا القول في الرواية عن امير المؤمنين عليه السلام عن امرأة تشبهت لرجل بجاريته واضطجعت على فراشه ليلا فظنها جاريته فوطئها من غير تحرز ورفع خبره إليه فامر باقامة الحد على الرجل سرا واقامة الحد على المرأة جهرا، وفى هذا الخبر شيئان كل واحد منهما يوجب الشبهة وهو انها تشبهت، الثاني انه ظنها جاريته ثم إذا حكم عليه بانه زان لم حده سرا؟ ثم قال: الجواب: اما الاعمى إلى ان قال: واما الرواية المتضمنة اقامة الحد على الرجل سرا فهى رواية ابى بشر عن ابى نوح ان عمر ارسل في ذلك إلى على (ع) فقال له: اضرب المرأة حدا في العلانية والرجل حدا في السر ذكرها الشيخ في التهذيب، والروايتان محمولتان وسمعنا من بعض فقهائنا انه عليه السلام اراد ايهام الحاضرين الامر باقامة الحد على الرجل سرا ولم يقم عليه الحد =

[ 52 ]

فهى صريحة في انه يحد كلاهما مع تفاوت انه يحد الرجل في الخفاء والمرأة في اعين الناس وعلى رؤس الاشهاد، وقد عمل وافتى بها القاضي ابن البراج (1). ولكنها مخالفة للقواعد الشرعية متروكة عند المعظم ولم يفت بها سواه (2) وقد وجهها بعض العلماء بان الامام عليه السلام ذكر ذلك بحسب الظاهر لا الواقع لايهام الحاضرين الامر باقامة الحد على الرجل سرا استصلاحا وحسما لمادة الفساد لئلا يتخذ الجاهل الشبهة ذريعة وعذرا، ولم يقم عليه السلام عليه الحد بان كان قد امر سرا ان يدعوه ويتركوه ولا يضربوه في السر، وعلى الجمله فالمعتقد بالحل لا شئ عليه سواء كان احدهما أو كليهما ولذا قال المحقق بعد ذلك: وكذا يسقطه لو اباحته نفسها فتوهم الحل اقول: وذلك لما تقدم من انه لابد في الحد من عدم شبهة في البين. كلام حول الاختيار والاكراه قال المحقق قدس سره: ويسقط الحد مع الاكراه وهو يتحقق في طرف المرأة قطعا وفي تحققه في طرف الرجل تردد والاشبه امكانه لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع. اقول: عرفت ان من جملة شرائط تعلق الحد هو الاختيار وان لا يكون المرتكب لموجبه مكرها، والكلام حينئذ في مقامات.


= استصلاحا وحسما للمادة لئلا يتخذ الجاهل الشبهة عذرا وهذا ممكن انتهى كلامه. وقال في الرياض: ان الرواية ضعيفة بالارسال وعدة من الجهلة انتهى، وفى كشف اللثام: وهو متروك يحتمل لان يكون ع علم منه العلم أو الظن بحالها وان ادعى الشبهة. (1) المهذب الجلد 2 الصفحة 542. يقول المقرر: قد افتى به يحيى بن سعيد الحلى ايضا جامعه الصفحة 5 48 قال: فان تشبهت امرأة لاجنبي بمنكوحته على فراشه حد سرا وحدت جهرا الخ.

[ 53 ]

منها انه ما هو المعيار في الاكراه فهل يتحقق بتوعيده باخذ ماله أو ضربه وامثال ذلك؟ ومنها انه هل يمكن اكراه الرجل على الزنا ام لا ومنها انه مع تحقق الاكراه فلا حرمة ولا حد في البين. اما الاول فالظاهر انه ليس كلما هدده المكره بالكسر على ترك الزنا يتحقق معه الاكراه وان كان تحمله شاقا فاللازم هو مراعاة الاهم وتشخيصه، الا ترى ان الحرج يرفع التكليف لكن لا في كل الموارد فالمسح على البشرة حرج وقد امر الامام عليه السلام بالمسح على المرارة (1) مستدلا بقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج (2) واما إذا كان شاب كثير الشبق غير متمكن من النكاح لا يستريح طول ليله ولا ينام فهل يجوز له وطى المحارم مثلا تمسكا بلا حرج؟ وهكذا من كان في شدة من الجوع فلا يجوز له الاخذ من مال غيره إذا امكنه التحمل نعم لو كان مشرفا على الموت فهناك يجوز له ان يأخذ منه ما يسد به رمقه مضمونا عليه. وعلى هذا ففيما نحن فيه لو هدده المكره بانه يأخذ مالا منه أو يضربه مثلا لو لم يرتكب الزنا فلا يسوغ مجرد ذلك ان يقدم على هذه المعصية نعم لو هدده بقتله أو قتل ولده مثلا إذا ترك الزنا فهناك يجوز له ارتكاب ذلك. وعلى الجمله فلابد من كون ما وعده وهدده به بحيث يحق عرفا ويناسب ان يرتكب الزنا فرارا عنه وكثيرا ما يحصل الاشتباه في انه من موارد الاكراه ام لا. واما الثاني فنقول: لا خلاف ولا اشكال في تحقق الاكراه بالنسبة إلى المرأة ولكن وقع الاشكال والبحث في امكان اكراه الرجل على الزنا وعدمه فقد حكى عن السيد ابن زهرة الجزم بعدم امكان ذلك اصلا (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الصفحة 327 الباب 39 من ابواب الوضوء الحديث 5. (2) سورة الحج الآية 78. (3) اقول: لم اعثر على ذلك في الغنية وان نسب إليه جزما في كشف اللثام بقوله: وهو خيرة. الغنية انتهى، ولعله لذلك قال في الرياض: المحكى عن الغنية الخ وفى الجواهر: بل عن الغنية الجزم بعدمه.

[ 54 ]

وقد يستدل لذلك بان الاكراه يمنع عن انتشار العضو وانبعاث القوى لتوقفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل. ويقرب منه ما ذكره في كشف اللثام في مقام التعليل وهو قوله: لعدم انتشار الآلة الا عن الشهوة المنافية للخوف. ويرجع هذا الكلام إلى ان المكره كالعنين فكما لا يمكن حمل العنين على الوطي كذلك لا يمكن حمل المكره على ذلك. وحاصل هذا الكلام والاستدلال انه لو لم يكن له ميل نفساني فكيف حصل له الانتشار، فانتشار عضوه كاشف عن انه كان مائلا إلى ذلك فلا يكون مكرها. وفيه انه لو كان معنى الاكراه هو خصوص حمل الشخص غيره قسرا على اتيان ما هو خلاف ميله الطبيعي النفساني لتم الاستدلال وورد الاشكال. اما لو كان المراد حمله على العمل الذي لا يميل إليه عادة بل يتركه ويحترز عنه بالنظر إلى تكليفه الشرعي وما يعتنقه من العقائد الدينية فهذا ممكن وذلك لكون العزيزة النفسانية مستعدة قوية. وعليه فيمكن ان يكون الانسان بحيث لا يرضى بمعصية الله سبحانه حتى في حين كونه مكرها ومع ذلك يحصل له الانتشار بمقتضى عزيزته الشهوية والميل النفساني المركوز في ذاته، ولولا الاكراه والتهديد لما ارتكب ذلك اصلا بل كان يردعه خوف الله تعالى مع الانتشار كما قد وقع مثل ذلك في الحالات العادية حيث عزم على المعصية وانتشر عضوه ولكنه تركها وردعه خوف الله سبحانه حينما كان مشرفا على الوقوع فيها الا ان القوة القاسرة حمله على الارتكاب، وهذا هو الذي اشار إليه المحقق بقوله: لما يعرض له من ميل الطبع المزجور بالشرع. وحاصل الكلام في المقام ان الاكراه هو حمل الغير على خلاف ارادته. وميله وهو على قسمين فتارة يكون حملا له على خلاف ارادته الناشئة من القوى الحيوانية واخرى يكون حملا له على خلاف ارادته الناشئة عن دينه وايمانه، وبلحاظ الاطلاق الثاني يتحقق الاكراه وان كان بلحاظ الاول لا يمكن ذلك.

[ 55 ]

واما ما افاده صاحب الجواهر رضوان الله عليه اشكالا ونقضا على الاستدلال المزبور من امكان فرض الاكراه على الزنا وتحققه بدون الانتشار بان يدخل الحشفة في الفرج وهو غير منتشر. فهو غير تام وذلك لانصراف البحث عن ذلك ولا يقول احد بعدم امكان الاكراه بهذا النحو ولا يدعيه مدع، وعلى الجملة فالكلام في غيره. ثم ان الشهيد الثاني بعد ان ذكر انكار بعض انتشار العضو مع الاكراه واستظهاره بنفسه امكان ذلك معللا بان الانتشار يحدث عن الشهوة وهو امر طبيعي لا ينافيه تحريم الشرع قال: وعلى كل حال لا حد لانه شبهة والحد يدرء بالشبهة (1). واورد عليه في الجواهر بعد انقل كلام المسالك بهذا اللفظ: وعلى كل حال فلا حد للشبهة بان المتجه الحد بناءا على عدم تحقق الاكراه فيه ضرورة استلزام حصوله حينئذ لعدم كونه مكرها فيه انتهى (2). اقول: وقد استفاد واستظهر من عبارة المسالك: وعلى كل حال الخ ان مراده انه سواء قلنا بامكان الاكراه على الزنا بان لا يكون الانتشار منافيا للاكراه أو قلنا بعدم امكان الاكراه عليه لعدم حصول الانتشار معه فلو انتشر يعلم انه لم يكن مكرها فلا حد فيهما للشبهة. فلذا اورد عليه بانه إذا بنينا على عدم امكان اكراه الرجل فاللازم هو الحد فكيف نقول بالشبهة وعدم جريان الحد؟ ولكن يمكن ان يكون مراد المسالك غير ما استظهره منه فلا يرد عليه


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 424 اقول: وشبيه هذه العبارة عبارة الكاشانى في مفاتيحه الجلد 2 الصفحة 64 قال: ولو اختصت الشبهة أو الاكراه باحدهما سقط عنه للنص: ليس على المستكرهة شئ إذا قالت: استكرهت، وقول القاضى بوجوب اقامته على المشتبه عليه سرا وعلى الآخر جهرا شاذ ومستنده ضعيف والاصح امكان الاكراه في حق الفاعل كما في حق المفعول لان انتشار العضو يحدث عن الشهوة وهو امر طبيعي وعلى التقديرين لا حد، للحديث النبوى المشهور: ادرءوا الحدود بالشبهات انتهى. (2) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 266.

[ 56 ]

اشكال. وذلك لانه لو لم يكن في عبارة الشهيد الثاني كلمة (لانه) كما هي كذلك في نقل الجواهر عنه على ما تقدم آنفا فلا بعد اصلا في القول بكون مراده انه لا حد عند الشبهة والشك، وكأنه قيل: من قال بامكان الاكراه يقول لا حد لكونه مكرها عليه، ومن قال بعدم امكانه يقول بوجوب الحد لان ما وقع وصدر عنه حينئذ كان باختياره وهو يوجب الحد، ومن شك في ذلك ولم يدر انه يمكن ذلك ام لا فلا حد لاجل الشك والشبهة. واما على فرض وجود كلمة (لانه) كما هو كذلك في ضبط المسالك نفسه كما مر، فيمكن ان يكون المراد هو الاشعار إلى عدم الحرمة وعدم الحد في مورد الاكراه حيث ان الكلام في المكره فانا نقطع بعدم الحرمة هذا الزنا الصادر عن اكراه ولا حد عليه، فقد عبر عن الاكراه بالشبهة وكانه قال: لا حد مع الاكراه بسبب نفس الاكراه فلم يكن المراد من الشبهة، الشك، وقد عبر عن اليقين بعدم الحرمة والحد، بالشبهة هذا (1). واما المقام الثالث وهو انه لا حرمة ولا حد مع الاكراه فقد استدل لذلك بامور: منها انه لولا ذلك لزم التكليف بما لا يطاق. قال في المسالك: الاكراه يسقط به اثر التحريم عن المكره اجماعا حذرا من تكليف ما لا يطاق انتهى. وفيه انه لا يجري في كل موارد الاكراه وانما يتم ويجري في بعضها فانه ربما يتحقق الاكراه وليس تحمل ما توعد به تكليفا بما لا يطاق وليس مغلوبا على


(1) اقول: هكذا افاد دام ظله في مجلس الدرس ولعله لا يخلوا عن شئ، فان الكلام وان كان في الاكراه كما افاد الا انه بهذه المناسبة انجر الكلام إلى انه هل يمكن اكراه الرجل على الزنا ام لا والى ذكر القولين في المسألة فكيف نغض النظر عن ذلك ونقول بان كلامنا في المكره، وعلى الجملة فالظاهر ان الحق مع صاحب الجواهر فانه لو قلنا بعدم امكان الاكراه في خصوص الرجل فلابد من ان يكون ما صدر منه اختياريا لفرض عدم تحقق الاكراه فيجب اجراء الحد عليه. وانى اظن جدا ان مراد المسالك هو انه سواء قيل بامكان اكراهه أو قلنا بعدمه لا يجب الحد للاختلاف في المسألة الموجب للشبهة. ويؤيد ذلك ان فخر المحققين صرح بعدم لذلك فقال: ويمكن ان يقال: هذه مسألة مختلف فيها فيكون محل الشبهة وقال عليه السلام: ادرءوا الحدود بالشبهات انتهى.

[ 57 ]

عقله كالمجنون بل انما يرتكبه باختياره بعد الاكراه، كذا في الجواهر (1). ومنها حديث الرفع وهو قوله صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي تسعة الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة (2). فانه وارد في مقام الامتنان ورفع التكليف والمؤاخذة حيث انه كان يمكن التكيف مع كونه مكرها بان يقال له: لا ترتكب الزنا وان جرى عليك ما جرى ووقع عليك ما وقع كما ان الامر كذلك في الاكراه على قتل الغير فانه لا يرفع التكليف وان كان في ترك قتل الغير قتل نفسه وعلى الجملة فقد رفع الله التكيف بالاجتناب عن الزنا عند الاكراه عليه امتنانا على العباد. ومنها الاخبار الخاصة الواردة في المقام فقد عقد المحدث العاملي بابا سماه باب سقوط الحد عن المستكرهة على الزنا ولو بان تمكن من نفسها خوفا من الهلاك عند العطش وتصدق إذا ادعت عن ابي عبيدة عن ابي جعفر عليه السلام قال: ان عليا عليه السلام اتي بامراة مع رجل فجر بها فقالت: استكرهني والله يا امير المؤمنين. فدرأ عنها الحد ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا لا تصدق وقد والله فعله امير المؤمنين عليه السلام (3). عن العلا عن محمد عن احدهما عليهما السلام في امراة زنت وهى مجنونة فقال أنها لا تملك امرها وليس عليها رجم ولا نفي وقال في امرأة اقرت على نفسها انه استكرهها رجل على نفسها قال: هي مثل السائبة لا تملك نفسها


(1) اقول: يمكن دفع هذا الايراد عنه بما ذكره المحقق الآقا جمال في حاشية الروضة بعد تمسك الشهيد الثاني بلزوم التكليف بما لا يطاق انتهى بقوله: اراد به ما يشمل الحرج المنفى في الدين فافهم. انتهى. (2) خصال الصدوق باب التسعة الحديث 9، والكافي الجلد 2 الصفحة 462 بلفظ: وضع، والفقيه الجلد 1 الصفحة 36 كذلك. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 58 ]

فلو شاء قتلها ليس عليها جلد ولا نفي ولا رجم (1). قوله عليه السلام: هي مثل السائبة. يعني المغلوبة التي لا قدرة لها على المدافعة فكان قوله: لا تملك نفسها تفسير لها فهي تكون بحيث يمكن ان يقتلها. عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام في امرأة مجنونة زنت فحبلت قال: مثل السائبة لا تملك امرها وليس عليها رجم ولا جلد ولا نفي وقال في امرأة اقرت على نفسها انه استكرهها رجل على نفسها قال: هي مثل السائبة لا تملك نفسها فلو شاء لقتلها فليس عليها جلد ولا نفي ولا رجم. (2) وعن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال: ليس على زان عقر ولا على مستكرهة حد (3). وعن موسى بن بكير قال: سمعته وهو يقول: ليس على المستكرهة حد إذا قالت: انما استكرهت (4). وعن محمد بن عمرو بن سعيد عن بعض اصحابنا قال: اتت امراة إلى عمر فقالت: يا امير المؤمنين اني فجرت فاقم في حد الله فامر برجمها وكان علي عليه السلام حاضرا فقال له: سلها كيف فجرت؟ قالت: كنت في فلاة من الارض فأصابني عطش شديد، فرفعت لي خيمة فاتيتها فاصبت فيها رجلا اعرابيا فسألته الماء فابى الا ان امكنه من نفسي فوليت منه هاربة فاشتد بي العطش حتى غارت عيناى وذهب لساني فلما بلغ منى اتيته فسقاني ووقع علي فقال له على عليه السلام: هذه التي قال الله عزوجل: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، هذه غير باغيه ولا عادية إليه فخل سبيلها فقال عمر: لولا علي لهلك عمر (5).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 6. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 7.

[ 59 ]

وعن محمد بن محمد المفيد في الارشاد قال: روى العامة الخاصة ان امرأة شهد عليها الشهود انهم وجدوها في بعض مياه العرب رجل يطأها وليس ببعل لها فامر عمر برجمها وكانت ذات بعل فقالت: اللهم انك تعلم اني بريه فغضب عمر، وقال وتجرح الشهود ايضا؟ فقال امير المؤمنين عليه السلام: ردوها واسئلوها فلعل لها عذرا فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لاهلي ابل فخرجت مع ابل اهلي وحملت معي ماءا ولم يكن في ابلي لبن وخرج معي خليطنا وكان في ابل له فنفد مائى فاستقيته فابى ان يسقيني حتى امكنه من نفسي فابيت فلما كادت نفسي ان تخرج امكنته من نفسي كرها فقال امير المؤمنين عليه السلام: الله اكبر، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه. فلم سمع عمر ذلك خلى سبيلها (1). فهذه الاخبار الشريفة تدل صريحة على انه لا حد على المراة إذا استكرهت على الزنا. في ادعائها انها مستكرهة ثم انه يستفاد من بعض هذه الاخبار قبول دعويها اناه مستكرهة على الزنا ففي خبر ابي عبيدة التي مر نقلها آنفا ان عليا عليه السلام اتى بامرأة مع رجل فجر بها فقالت استكرهني والله يا امير المؤمنين فدرأ عنها الحد. إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على ذلك. وهل قبول قولها وادعائها انها مستكرهة تعبد خاص في هذا المورد أو انه مقبول في غير ذلك ايضا وفي جميع الموارد؟ قد يقال بان دعوى الاستكراه غير مسموعة فلذا لو باع سلعته ثم بعد ذلك ادعى انه كان قد اكره على ذلك فانه لا تسمع منه هذه الدعوى الا ان يقيم هو بينة أو اقر المشتري بذلك لان ظاهر البيع صدوره عن اختيار. ولكن الظاهر الفرق بين المقامين لانه في باب البيع يريد البايع المدعى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 8.

[ 60 ]

للاكراه استرجاع المال بدعوى الاستكراه عن يد المشتري ولا وجه لذلك بعد ان صار ملكا له وهذا بخلاف المقام فان مدعي الاكراه يدفع بذلك، الحد من نفسه، ولا بأس به بعد الامر بدرء الحدود بالشبهات وعلى هذا ففي كل الموارد التي يتوجه حد من حدود الله تكون دعوى الاستكراه مسموعة سواء كان في باب الزنا أو شرب الخمر أو غير ذلك، وادعاء الزاني عدم الاكراه في قبال المراة التي تدعي ذلك لا اثر له بالنسبة إلى المراة ولا يوجب حدها وان كان ينفع ويؤثر بالنسبة إلى نفسه حيث يرفع عنه حكم القتل المترتب على الواطى اكراها الا ان يثبت عدم كونها مستكرهة بالامارة كالبينة. الكلام في مهر المستكرهة على الزنا قال المحقق: ويثبت للمكرهة على الواطئ مثل مهر نسائها على الاظهر. اقول: هذا هو المشهور كما صرح بذلك في المسالك والجواهر. واستدل له في المسالك بقوله: لان مهر المثل عوض البضع إذا كان محرما عاريا عن المهر كقيمة متلف المال. والبضع وان لم يضمن بالفوات لكنه يضمن بالتفويت والاستيفاء (1).. واورد عليه في الجواهر بعدم رجوعه إلى حاصل يعتد به. وكأنه لاجل الاشكال في صدق الاتلاف على الانتفاع هنا، وفي كون البضع مثل المال عند الشارع، وفي كون مهر المثل قيمة وعلى هذا فليس مشمولا لقاعدة من اتلف مال الغير. نعم يدل على المطلوب بعض ما ورد من النصوص كخبر طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال: إذا اغتصب الرجل امة فافتضها فعليه عشر قيمتها وان كانت حرة فعليه الصداق (2).


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 424. (2) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 3 من ابواب النكاح المحرم، الحديث 3 والجلد 15 الباب 45 =

[ 61 ]

وروى الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: إذا نعى الرجل إلى اهله أو اخبروها انه قد طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الاول فان الاول احق بها من هذا الاخير دخل بها الاول أو لم يدخل بها وليس للآخر ان يتزوجها ابدا ولها المهر بما استحل من فرجها (1). وفى رواية اخرى مثله الا ان فيها: قد دخل بها الاخير ام لم يدخل بها (2) ويمكن التائيد لذلك بمفهوم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من عدم المهر لبغى (3). فان المستفاد منه النهي عن مهر البغي، فيثب لغيرها، ومن المعلوم ان المستكرهة ليست بغيا فلها المهر. إذا كان المكره هو الغير ثم ان ما ذكرناه متعلق بما إذا كان المكره هو الزاني فكان يجب عليه مهرها، فيبقى الكلام فيما إذا كان المكره غير الزاني فهل الضامن للمهر هو المباشر أو المكره له على الزنا؟ قال في الجواهر: مقتضى ما سمعته في كتاب الغصب ان الضمان على المكره الذي هو اقوى من المباشر ولكن قد ذكرنا هناك انه لو لم يكن اجماعا امكن القول بالرجوع عليه وان رجع على الاخر. وهو كما اشار إليه هنا قال في باب الغصب اولا: ان ظاهر الاصحاب عدم رجوع المالك على المكره بشئ..


= من ابواب المهور الحديث 2. (1) و (2) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 16 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 12 الباب 5 من ابواب ما يكتسب به الحديث 5 و 7 و 13، ثم لا يخفى ان بما ذكر يخرج عن مقتضى خبر طلحة بن زيد عن على عليه السلام: ليس على زان عقر ولا على مستكرهة حد، الوسائل الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 5، وقد صرح بذلك في الجواهر. وفى المصباح المنير: العقر بالضم دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها ثم كثر ذلك حتى استعمل في المهر.

[ 62 ]

ثم قال بعد اسطر: ولكن مع ذلك ان لم يكن اجماعا لا يخلو من نظر خصوصا مع عود النفع إلى المباشر باعتبار مباشرته الاتلاف وان رجع هو على المكره بل قد يقال: ان القاعدة تقتضي اختصاص الضمان بالمباشر الذي هو المكره (1).. اقول: فرق بين مسئلتنا وما في كتاب الغصب فان البحث هناك كان في المتلف المكره وكان يصح القول بضمان المتلف حيث انه سبب اقوى بخلاف المقام حيث ان المباشر مختار غير مكره وانما اكرهت المرأة باكراه الغير ولا وجه لضمان المكره مع اختيار المباشر. وتحقيق الكلام ان اكراه الغير لا الزاني على الزنا يتصور على ثلاثة وجوه: الاول ان يكون المكره قد اكره الرجل خاصة على الزنا دون المراة وانما هي زنت باختيارها. الثاني ان يكون قد اكره المرأة خاصة عليه دون الرجل. الثالث ان يكون قد اكره كليهما على الزنا. فلو كان مراده قدس سره هو الفرض الاول فيرد عليه انه حينئذ تكون المرأة زانيه ولا مهر لها اصلا فكيف يطرح النزاع في ان المهر على الزاني أو على المكره. ولو كان المراد هو الثاني وهو ما إذا اكرهت المرأة خاصة ففيه ان لازم ذلك هو ثبوت المهر على الزاني لانه قد باشر الزنا باختياره بلا أي اكراه ولا وجه اصلا لاحتمال كون المهر على المكره، وهذا نظير ما إذا حبس رجلا واتلف آخر ماله فانه لا اشكال في كون الضامن هو المباشر المتلف دون الحابس الذي حبس صاحب المال ولم يخل سبيله فان المباشر اقوى في المقام. نعم لو كان مراده هو الفرض الثالث وهو اكراه المكره كليهما على الزنا فهناك يصح الدعوى في ان المهر على المكره أو على الواطي ويجري هذا البحث ولعل الاقوى حينئذ كونه على المكره الذي هو السبب فهو الضامن له دون المباشر للوطي لكن هذا الوجه ليس الظاهر من مفروض كلامه.


(1) جواهر الكلام الجلد 37 الصفحة 58.

[ 63 ]

الكلام في لحوق الاولاد من المعلوم انه يلحق الولد في الوطي بالشبهة، بمن هو المشتبه عليه واطيا كان أو الموطوئة أو كليهما فهل الامر كذلك في باب الاكراه ايضا بان يكون الولد ملحقا بمن اكره على الزنا ام لا؟ اقول: أنا وان لم نجد نصا معتبرا في المقام يدل عليه بالخصوص كما ذكر ذلك صاحب الجواهر ايضا الا ان المقام في الحقيقة من افراد الشهبه بناءا على كونها هو الوطي الذي اعتقد المشتبه عليه عدم الحرمة وان لم يكن هناك ملك البضع ومقتضى ذلك هو الحاقه به. وان شئت فقل ان المشتبه عليه حيث كان معتقدا للحل جهلا مركبا فهو معذور في اقدامه وعمله وهذا المناط محقق في مورد الاكراه بل المقام اولى به من باب الشبهة وذلك لانه وان كان بين المقامين فرق وهو انه هناك يرتكب قاطعا بالاستحقاق بخلاف المقام حيث ان المكره عالم بعدم الاستحقاق وبذلك يمكن الاشكال في المقام الا انه في المقام قد رفع التكليف بسبب الاكراه فلا حرمة في البين اصلا والمكره يأتي بما هو جائز، فالمقام اولى بالحاق الولد من الواطى شبهة الذي يأتي بالحرام وهو معذور. وبعبارة اخرى ان اعتقاده بعدم الحرمة مطابق للواقع بخلاف من اقدم على الوطي جاهلا فانه وان كان يعتقد عدم الحرمة لكن اعتقاده لا يطابق الواقع ويدل على المطلوب قاعدة اللحوق باشرف الابوين، فيما إذا كان الاكراه في احدهما دون الاخر وهي مستفادة من الروايات ففي خبر يحيى بن العلا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما ترى في رجل تزوج امرأة فمكثت معه سنة ثم غابت عنه فتزوجت زوجا آخر فمكثت معه سنة ثم غابت عنه ثم تزوجت آخر ثم ان الثالث اولدها قال: ترجم لان الاول احصنها قلت: فما ترى في ولدها؟ قال: ينسب إلى ابيه. قلت: فان مات الاب يرثه الغلام؟ قال: نعم. (1)


(1) امالي الشيخ الطوسى الجلد 2 الصفحة 287.

[ 64 ]

فحيث الزوج الذي اولدها كان جاهلا بانها ذات بعل فلذا ينسب الابن إليه ويرثه الغلام وبعبارة اخرى ان المانع من الالحاق، الفجور وهو منتف بالنسبة إليه حسب الفرض. ولك ان تقول ان الولد ملحق عرفا بمن تولد منه وان كان زان أو زانية وانما رفع النسب يحتاج إلى دليل وهو وارد في الزنا، ومن المعلوم ان الوطي بالشبهة ليس زناءا عند العرف. الكلام في الاحصان قد يكون الزنا موجبا للرجم وهو ما إذا كان عن احصان ويعتبر فيه مضافا إلى الشروط المعتبرة في اصل الزنا امور اخر لا يجوز الرجم بدونها. قال المحقق: ولا يثبت الاحصان الذي يجب معه الرجل حتى يكون الواطي بالغا حرا ويطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق متمكن منه يغدو عليه ويروح. اقول ان الاحصان لغة هو المنع وفي الشرع ورد على معاني كثيرة كالاسلام والبلوغ والعقل والحرية والتزويج والعفة كذا في المسالك وقد (1) استعمل في القرآن الكريم في كل واحد من هذه المعاني. ولكن المراد منه في باب الزنا الموجب للرجم هو شئ خاص وهو ما يجمع امورا ذكره المحقق وهي كون الواطي بالغا وحرا ومتمكنا من الوطي في فرج مملوك له اما بالعقد الدائم أو بالرق.


(1) قال: الاحصان والتحصين في اللغة: المنع قال تعالى: لتحصنكم من بأسكم، وقال: في قرى محصنة وورد في الشرع بمعنى الاسلام وبمعنى البلوغ والعقل وكل منها قد قيل في تفسير قوله تعالى: فإذا احصن فان اتين بفاحشة، وبمعنى الحرية ومنه قوله تعالى: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، يعنى الحرائر، وبمعنى التزوج، ومنه قوله تعالى: والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم، يعنى المنكوحات وبمعنى العفة عن الزنا، ومنه قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات، وبمعنى الاصابة في النكاح ومنه قوله تعالى: محصين غير مسافحين ويقال: احصنت المرأة عفت..

[ 65 ]

ولا يخفى ان الشرط الاول اعني البلوغ غير مختص بالمقام بل هو شرط الحد مطلقا رجما كان أو جلدا فان غير البالغ رفع عنه حتى يدرك أو يحتلم على اختلاف ما ورد في الروايات من التعابير، وقد قام الاجماع على عدم حد مطلقا على الصبي، وفي الجواهر: بل الاجماع بقسميه عليه لكن على معنى اعتبار البلوغ حين الزناء بل الظاهر كونه كذلك ايضا بمعنى اعتباره في وطي زوجته الخ. واما الشرط الثاني وهو الحريه حال الزنا فلا خلاف في اعتبارها في الرجم وان لم تكن معتبرة في الجلد فلو زنى العبد جامعا لجميع الشرائط فانه لا يرجم وقد قام الاجماع على ذلك ايضا وان كان بين الشرطين فرق فان غير البالغ قد رفع عنه بخلاف العبد فانه ليس كذلك ولذا يحتاج عدم رجمه مع انه قد زنى جامعا للشرائط إلى دليل. وقد وردت فيه روايات. وعقد المحدث البارع الشيخ حر العاملي بابا عنونه بقوله: باب انه يجب على المملوك إذا زنى نصف الحد خمسون جلدة ولا يرجم وان كان محصنا الا ما استثنى، ونقل ما يدل على ذلك فيه. عن الحسن بن السري عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى العبد والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم انما عليهما الضرب خمسين، نصف الحد (1). وعن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في العبيد إذا زنى احدهم ان يجلد خمسين جلدة وان كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا ولا يرجم ولا ينفى (2). وعن بريد العجلى عن ابي عبد الله [ جعفر ] عليه السلام في الامة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن لها زوج (3). واما الشرط الثالث وهو ان يطأ في فرج مملوك له بالعقد الدائم أو بملك


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 5. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 2.

[ 66 ]

اليمين متمكن منه ليلا ونهارا فهو في الجملة مما لا خلاف فيه. وانما البحث والكلام في انه هل يكتفى بمجرد التمكن أو يشترط معه الدخول ايضا؟ وتظهر الثمرة فيما إذا تزوج وعقد امرأة لكنه بعد لم يدخل بها وزنى والحال هذه فانه على فرض اعتبار الوطئ لا يرجم. وقد اعتبر نفس الوطى قبل ارتكابه للزنا كثير من العلماء كالمحقق والعلامة وغيرهما وقد مرت عبارة المحقق. واما العلامة اعلى الله مقامه فقال في القواعد: المطلب الثاني في الاحصان وانما يتحقق بامور سبعة: الاول الوطي في القبل حتى تغيب الحشفة فلو عقد وخلا بها خلوة تامة أو جامعها في الدبر أو فيما بين الفخذين أو في القبل ولم تغب الحشفة لم يكن محصنا ولا يشترط الانزال. الثاني: ان يكون الواطى بالغا فلو اولج الطفل حتى غيب الحشفة لم يكن محصنا ولا المرأة وكذا المراهق وان بلغ لم يكن الوطي الاول معتبرا بل يشترط في احصانه الوطي بعد البلوغ وان كانت الزوجية مستمرة. الثالث ان يكون عاقلا فلو تزوج العاقل ولم يدخل حتى جن أو زوج الولي المجنون لمصلحته ثم وطئ حالة الجنون لم يتحقق الاحصان.. الرابع الحرية فلو وطئ العبد زوجته الحرة أو الامة لم يكن محصنا الخامس: ان يكون الوطى في فرج مملوك بالعقد الدائم أو ملك اليمين.. السادس ان يكون النكاح صحيحا.. السابع ان يكون متمكنا من الفرج يغدو عليه ويروح إلى آخر كلامه. ترى انه رحمه الله اعتبر مضافا إلى اعتباره التمكن الوطي واشترط ذلك في تحق الاحصان. ولكن قال الفاضل الاصبهاني في كشف اللثام: عند شرح اول هذه الشروط: ولا ذكر له في المقنعة والانتصار والخلاف والتبيان ومجمع البيان انتهى. ويظهر من اطلاق بعض آخر ايضا عدم اشتراط ذلك اصلا الا ان المشهور هو اعتباره بل واعتبار وقوعه في الكبر فلا اعتبار بالوطي الصادر منه في

[ 67 ]

حال صغره وان كان قد زنى كبيرا. وفي الجواهر عند البحث عن البلوغ بعد التمسك برفع القلم عن غير البالغ: ومن هنا كان الاجماع بقسميه عليه لكن على معنى اعتبار البلوغ حين الزناء بل الظاهر كونه كذلك ايضا بمعنى اعتباره في وطئ زوجته فلو اولج غير بالغ ولو مراهقا في زوجته حتى غيب الحشفة ثم زنى بالغا لم يكن الوطئ الاول معتبرا في تحق الاحصان. وهنا قال: لانه يشترط في احصانه الوطئ بعد البلوغ وان كانت الزوجية مستمرة. وقد تمسك لذلك بامور: الاصل والاستصحاب وقصور فعله عن ان يناط به حكم شرعي، ونقص اللذة، وعدم انسباق نحوه من الدخول وشبهه. ولابد من ان يكون مراده من الاصل والاستصحاب اصالة عدم تحقق الاحصان بالوطي قبل البلوغ واصاله عدم الرجم الثابتة قبل الزنا فانه حيث يشك في ثبوته بعد الزنا يستصحب العدم السابق. ولكن لا تصل النوبة إلى الاصل والاستصحاب إذا امكن الاستظهار من الروايات فلو استظهرنا منها عدم كفاية مجرد التمكن مثلا فلا حاجة إلى الاصول. واما ما ذكره من قصور فعل غير البالغ عن ان يناط به حكم شرعي ففيه انه لا قصور فيه بل وقع ذلك اي ترتب الاثر عليه في الشرع. وذلك كما إذا اجنب غير البالغ فانه وان كانه لا يترتب عليها في حال صغره تكليف لكنه بعد بلوغه يجب عليه الغسل فلا اشكال في ان يكون وطيه صغيرا موجبا لترتب الرجم على زناه كبيرا. كما انه لا مجال للتمسك بنقص اللذة وعدم انسباق نحوه من الدخول، لو استفيد الحكم من الاخبار. هذا بالنسبة إلى الاقوال واما الاخبار فهي طائفتان يظهر من احديهما كفاية مجرد التمكن من الوطي في صدق الاحصان وحصوله وتحققه ومن الاخرى

[ 68 ]

عدم حصوله بدونه بل هي صريحة في اعتبار الوطئ وانه لا رجم بدونه. فمن الاولى ما رواه اسماعيل بن جابر عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن (1). وعن حريز قال سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن المحصن قال: فقال: الذي يزني وعنده ما يغنيه (2). ويؤيد الاطلاق المستفاد من هذه الروايات، التعليل الوارد في بعض الاخبار الواردة في الاحصان والرجم وهو قوله ع: لان عنده ما يغنيه عن الزنا (3). وقوله ع: انما هو على وجه الاستغناء (4). فان هذا التعليل جار في مطلق من كان متمكنا من الوطي وان لم يتحقق ذلك منه بعد. ومن الثانية صحيح رفاعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزنى قبل ان يدخل باهله ايرجم؟ قال: لا (5). ورواه الصدوق باسناده عن رفاعة بن موسى انه سأل أبا عبد الله عليه السلام وذكر مثله وزاد: قلت: هل يفرق بينهما إذا زنى قبل ان يدخل بها؟ قال: لا (6). إلى غير ذلك من الروايات. وهنا اخبار اخر واردة في خصوص العبد وانه لا يرجم الا ان يزني بعد ان اعتق ويواقع بعد عتقه: عن ابي بصير يعني المرادي عن ابي عبد الله عليه السلام قال في العبد


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا حديث 1. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا حديث 2.

[ 69 ]

يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة قال: فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعدما يعتق (1). ومقتضى الجمع الدلالي هو تقديم هذه الاخبار الدالة على اعتبار الوطي على الاخبار المطلقة حيث انها ظاهرة في الاطلاق لا نصا فيه بخلاف الاخبار الداله على اعتبار الوطي فانها تدل على ذلك نصا والنتيجة اعتبار التمكن مع الوطي حتى يتحقق الاحصان وذلك لتقييد المطلق بالمقيد. ولو قيل بان النسبه بينهما التباين وكونهما كالمتباينين بان يكون قسم منها دالا على كفايه مجرد التمكن بلا حاجة إلى الوطي والاخر على اعتبار الوطي بنفسه فهناك يحصل التعارض بالنسبة إلى ما قبل الوطي، والتقدم للاخبار الدالة على اعتبار الوطي فانها اكثر عددا واصرح دلالة وقد عمل بها المشهور ايضا. ولو فرض تساقطهما وعدم الترجيح في البين فحينئذ يرجع إلى عموم التنزيل وهو قوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، وعلى هذا فلا رجم بدون الوطي مطلقا وان كان له التمكن من ذلك. هذا كله لو اغمضنا النظر عن احتمال ان المراد من يغدو عليه ويروح هو نفس الوطي كما لا يبعد ارادة ذلك منه والا فالامر واضح. فتحصل من ذلك كله ان الاقوى عدم وجوب الرجم قبل الوطي واما بعد الوطي فكلا الدليلين يثبتان الرجم بلا تعارض. ثم ان ما ذكرنا من الرجوع إلى عموم جلد الزانية والزاني مأة جلدة يتم لو قلنا بانه يجب جلد كل زان سواء كان محصنا ام لا، غاية الامر ان المحصن يرجم ايضا، فان المخصص المجمل يكتفي فيه بالقدر المتيقن وهو في المقام، الوطي بالفعل ويرجع في غيره إلى عموم الجلد. اما لو قلنا بانه في مورد الرجم ليس شئ سوى الرجم ولا مجال للجلد، وانه مع وجود الاكثر والاشد فلا مورد للاقل والاخف فلو لم يتحقق الوطى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 70 ]

لا رجم ولا جلد وذلك للتنويع فان الجلد على هذا يختص بالزاني غير المحصن وهو غير معلوم. ثم ان ما ذكره في الجواهر من عدم الاعتبار بالوطي الصادر من الصبي قبل بلوغه، في تحقق الاحصان بالزنا بعد البلوغ فلا نص في ذلك بخلاف باب العبد فان رواية ابي بصير المرادي (1) صريحة في عدم الاعتبار بالوطى الذي صدر عن العبد الا ان يواقع بعد عتقه وقد تقدمت آنفا. ولعل العلماء استفادوا من هذه الرواية اعتبار كون الوطي بعد البلوغ كما انه يعتبر وقوعه بعد الحرية نعم لا بأس بتحقق الزوجية قبله. ويمكن ان يستفاد ذلك - اعتبار وقوع الوطى بعد البلوغ من الاخبار بان يقال: ان اشتراط الوطئ يكون على وزان اشتراط يغدوا عليه ويروح، فهو شرط حيثما يشترط التمكن ومن المعلوم ان المورد الذي يعتبر فيه التمكن هو حال البلوغ لا قبله فلا محالة يكون هذا هو المورد الذي يعتبر فيه الوطى (2). حول تحقق الاحصان بالامة ثم انه لاشك في تحقق الاحصان إذا كانت له زوجة معقودة بالعقد الدائم ولا خلاف في ذلك اصلا. فهل الامر كذلك إذا كانت له ملك يمين حتى يحكم عليه بالرجم إذا زنى وهو كذلك ام لا؟ المشهور ذلك وخالف فيه على ما في كشف اللثام الصدوق في الفقيه والمقنع والعلل وابناء الجنيد وابي عقيل فلم يروا تحقق الاحصان الموجب للرجم بالامة قال: ويعطيه كلام سلار (3) للاصل والاحتياط وقول الباقر


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (2) اقول: ويؤيد ذلك كما قيل ورود لفظ الرجل في بعض الروايات المشعر بعدم كونه صبيا. (3) قال في المراسم الصفحة 252:.. واما العاقل المحصن فانه إذا شهد عليه اربعة رجال عدول بانه وطئيها وكان لا حائل بينه وبين وطئ زوجته وكان نكاحها للدوام فان المتعة لا تحصن فاما ملك اليمين فقد روى: تحصن.

[ 71 ]

عليه السلام الخ. اقول اما الاصل والاحتياط فلا يرجع اليهما مع الدليل واما الرواية فالتحقيق ان يقال انه قد وردت روايات تدل على ذلك ففي صحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الحر اتحصنه المملوكة؟ قال: لا يحصن الحر المملوكة ولا يحصن المملوك الحرة، والنصراني يحصن اليهودية، واليهودية يحصن النصرانية (1). وفي صحيح آخر له عنه ايضا قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن الرجل يزني ولم يدخل باهله ا يحصن؟ قال: لا ولا بالامة (2) وفي صحيحه ايضا عن ابي جعفر عليه السلام.. وكما لا تحصنه الامة واليهودية والنصرانية ان زنى بحرة كذلك لا يكون عليه حد المحصن ان زنى بيهودية أو نصرانية أو امة وتحته حرة (3). ومفاد هذه الرواية اعتبار كون زوجته حرة وكون الزنا ايضا بالحرة ولكن هذه الروايات معارضة بعدة اخبار تدل على تحقق الاحصان بالامة ايضا كالحرة وهي مفتى بها، هذا بالاضافة إلى كون هذه الصحيحة متضمنة لما اجمع على بطلانه فانها صريحة في عدم رجم من زنى باليهودية أو النصرانية أو الامة وهذا يطابق فتوى العامة ولعله يكون شاهدا على صدور الرواية تقية. واستدل لقول المشهور باخبار وهي هذه: عن اسماعيل بن جابر عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت: ما المحصن رحمك الله؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن (4). فهي باطلاقها تدل على تحقق الاحصان بالامة ايضا كالزوجة الدائمة


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 5 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب الزنا الحديث 9. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 9 وقد حمله الشيخ على ما في الوسائل والكشف على ما إذا كن عنده بعقد المتعة، وفى كشف اللثام: وهو بعيد. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من حد الزنا الحديث 1.

[ 72 ]

بل واطلاقها شامل للمتعة ايضا الا انها خرجت بدليل خاص كما سيأتي ذلك. وعن حريز قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحصن قال: فقال: الذي يزني وعنده ما يغنيه (1). وهي ايضا تدل باطلاقها على تحقق الاحصان بالامة ايضا. وعن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة يطأها تحصنه الامة وتكون عنده؟ فقال: نعم انما ذلك لان عنده ما يغنيه عن الزنا قلت: فان كانت عنده امرأة متعة ا تحصنه؟ قال: لا انما هو على الشئ الدائم عنده (2). وهذه صريحة في تحقيق الاحصان بان يكون عنده امة يطأها. والوجه في قوله عليه السلام: لا يصدق، هو قيام الامارة على خلاف قوله، فان من له امة وهي فبيته ولا مانع في البين فانه يبعد جدا ولا يطأها. ومثل ذلك رواية اسحاق بن عمار قال: قلت لابي ابراهيم عليه السلام: الرجل تكون له الجارية ا تحصنه؟ قال: فقال: نعم، انما هو على وجه الاستغناء (3). وعن علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال:


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من حد الزنا الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من الزنا الحديث 2 قوله: السرية، قال في المنجد: السرية ج سرارى الامة التى تقام في البيت والاغلب ان اشتقاهها من السر، وفى المصباح المنير: والسرية فعليه قيل مأخوذ من السر بالكسر وهو النكاح فالضم على غير القياس فرقا بينها وبين الحرة إذا نكحت سرا فانه يقال لها: سرية، بالكسر على القياس وقيل من السر بالضم بمعنى السرور لان مالكها يسر بها فهو على القياس انتهى. وفى القاموس: السرية بالضم الامة التى بوأتها بيتا منسوب إلى السر بالكسر للجماع من تغيير النسب. وفى الروضة عند ذكر ان: في شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته كفارة، قال: والمطلقة رجعية زوجة ولا يلحق بها الامة وكانت سرية. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من حد الزنا الحديث 5.

[ 73 ]

سألته عن الحر تحته المملوكة هل عليه الرجل إذا زنى؟ قال: نعم (1) فمع التصريح بتحقق الاحصان إذا كانت تحته امة لا مجال للاشكال في ذلك. وبتقرير آخر ان هنا اخبارا صحاحا تدل على عدم تحقق الاحصان بالامة وفي قبالها اخبار اخر تدل على تحققه بها وحينئذ يرجع إلى المرجحات وحيث ان بعضا من القسم الاول حاو لما يطابق فتوى العامة فهذا يوجب ترجيح القسم الثاني على الاول احتواءه على ما يوافق فتوى العامة شاهد على صدور القسم الاول تقية فترجح الروايات المثبتة بمخالفة العامة. ولو قيل بان ما هو مطابق لفتوى العامة هو عدم ايجاب الزنا باليهودية والنصرانية للرجم وهذا لا يوجب رفع اليد عن الحكم الاخر المذكور فيها. فحينئذ نقول: انه قد وقع التعارض بين الطائفتين من الاخبار وبعد التكافؤ والتساقط يرجع إلى العمومات كصحيح اسماعيل بن جابر وصحيح حريز المذكورين آنفا نظير تساقط اكرم زيدا ولا تكرم زيدا والرجوع إلى عموم اكرم العلماء. لا يقال: ان المتبادر والمنصرف إليه من لفظ (من كان له فرج يغدو عليه ويروح) هو الزوجة الحرة الدائمة دون ملك اليمين خصوصا بلحاظ ان المتمحض في ذلك هو الحرة واما الامة فليست متمحضة في ذلك بل يستفاد منها للخدمة وطبخ الطعام الغذاء وتربية الاولاد وغير ذلك (2). لانا نقول: ادعاء الانصراف لاجل الظروف الموجودة الان والا ففي تلك الازمنة كانوا يتمتعون بالامة كالحرة بعينها وكان ذلك امرا متعارفا. عدم تحقق الاحصان بالمتعة وهل المتعة توجب تحقق الاحصان الموجب للرجم ام لا؟


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 11 (2) اورده هذا العبد واجاب سيدنا الاستاذ الافخم، دام بقاءه بما في المتن.

[ 74 ]

المشهور انه لا ينفع ذلك شيئا ولا اثر لها في تحقق الاحصان بل عن بعض انه المتسالم عليه، وعن آخر الاتفاق عليه أو عدم الخلاف فيه والظاهر انه كذلك وان كانت عبارة السيد المرتضى قدس سره مشعرة بوجود القول بالخلاف فانه بعد ان ذكر ان من متفردات الامامية القول بان الاحصان الموجب في الزاني الرجم هو ان يكون له زوجة أو ملك يمين يتمكن من وطيها متى شاء قال: ونكاح المتعة عندنا لا يحصن على اصح الاقوال لانه غير دائم ومعلق باوقات محدودات. انتهى كلامه رفع مقامه (1). ومن المعلوم ان التعبير باصح الاقوال يشعر بالخلاف وقول آخر في المسألة. وفي القواعد عند ذكر شروط الاحصان وما يعتبر فيه: الخامس ان يكون الوطئ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو ملك اليمين فلا يتحقق الاحصان بوطي الزنا ولا الشبهة ولا المتعة وفي كشف اللثام بعد لفظة (ولا الشبهة): اتفاقا. وبعد لفظة (ولا المتعة): على الاصح كما في الانتصار. هذا لكن في الجواهر بعد ذكر اشعار كلام الانتصار بوجود المخالف في المسألة قال الا اني لم اتحققه كما اعترف به غيرنا ايضا. واستدلوا على عدم تحقق الاحصان بها بالاصل والاحتياط والاعتبار والروايات. اما الاصل فالظاهر هو اصالة عدم التخصيص فان آية الزنا ظاهرة في وجوب جلد مطلق الزاني والزانية ثمانين جلدة فالخروج عن هذا سواء كان بالرجم أو بهما يحتاج إلى دليل، فإذا زنى مع ان له زوجة دائمة فقد خرج عن تحت الحكم بالدليل قطعا اما لو كانت له متعة وقد زنى فلا يعلم انه خرج عن الاية ام لا وانه هل خصصت الاية به ام لا، والاصل هو العدم.


(1) الانتصار، الطبع الجديد الصفحة 258.

[ 75 ]

واما الاحتياط فلان الحكم بالرجم أو به مع الجلد في المتعة مع الشك في تحقق الاحصان خلاف الاحتياط فان الاحتياط يقتضي عدم الاقتحام في الدماء بدون دليل قاطع. واما الاعتبار الذي هو وجه من الوجوه المحسنة تبدو في ذهن الفقيه، فهو في المقام ان يقال: الزوجة الدائمة هي التي يغدو الانسان عليه ويروح وهي التي تغنيه عن الحرام، واما المتعة فليس هي في الحقيقة كذلك في الخارج. وفيه ان الاعتبار بما ذكرنا له من التفسير ليس مما يثبت به حكم شرعي، مضافا إلى انه يمكن ان يقال: ان الاعتبار يقتضي خلاف ذلك أي جريان الحكم في المتعة ايضا وذلك لان صاحب الزوجة المنقطعة يصدق عليه عرفا ان له فرجا يغنيه عن الحرام كما يصدق ذلك على صاحب الزوجة الدائمة، والعرف مساعد لتحقق الاحصان مع المتعة إذا كان متمكنا منها بحيث يغدو عليها ويروح، هذا مضافا إلى انه لا سبيل للاعتبار مع وجود الاخبار. واما الاخبار فنقول: انه وان كان قد وردت روايات تشمل باطلاقها أو عمومها المتعة كالدائمة وذلك كصحيح اسماعيل بن جابر عن ابي جعفر عليه السلام: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن (1) وصحيح حريز عن الصادق عليه السلام الوارد في تفسير المحصن الذي يزني وعنده ما يغنيه (2) فانهما وامثالهما يشمل المتعة الا ان هنا روايات تخصص تلك العمومات أو تقيد تلك المطلقات فانها صريحة في ان المتعة لا توجب الاحصان ففي موثقة اسحاق بن عمار المذكورة آنفا قلت: فان كانت عنده امرأة متعة اتحصنه؟ فقال: لا انما هو على الشئ الدائم عنده (3). ومثلها رواية اخرى له ايضا وفيها بعد السؤال عن الجارية وجواب الامام عليه السلام بانه توجب الاحصان: قلت: والمراة المتعة؟ قال: فقال: لا،


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب الزنا الحديث 2.

[ 76 ]

انما ذلك على الشئ الدائم. (1) وهل سئل اسحاق، الامام الكاظم عليه السلام عن هذه المسألة مرتين واجابه الامام عليه السلام عنها في كل مرة بتعبير خاص أو انه سئل مرة واحدة الا انه نقل مرة لصفوان واخرى ليونس وقد حصل النقل بالمعنى؟ يحتمل الامران. وكيف كان فقد صرح فيه بعدم تحقق الاحصان إذا كانت عنده المتعة وفى مرسلة ابن ابى عمير عن هشام وحفص البخترى عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل يتزوج المتعة اتحصنه؟ قال: لا انما ذاك على الشئ الدائم عنده (2). وارسالها غير قادح بعد ان تقرر ان مراسيل ابن ابى عمير كالمسانيد. وعن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: لا يرجم الغائب عن اهله ولا المملك الذى لم يبن باهله ولا صاحب المتعة (3). قوله: لم يبن باهله، أي لم يدخل بها. وعلى الجملة فمقتضى هذه النصوص ان صاحب المتعة ليس بمحصن وعلى ذلك فلا يترتب على زناه سوى الجلد المقرر في كتاب الله سبحانه. عدم تحقق الاحصان بالمحللة إذا زنى ولم تكن له زوجة دائمة ولا ملك يمين وانما كانت عنده امة قد حللها مولاها له فهل هذا يكفى في احصانه حتى يرجم ام لا؟ الظاهر هو الثاني ويدل على ذلك امور: 1 - التعليل الوارد في روايات المتعة وهو قوله عليه السلام: انما هو على الشئ الدائم (4) فان ذلك يفيد ان الملاك والمعيار في صدق الاحصان هو ان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب الزنا الحديث 5. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 2 و 5.

[ 77 ]

يكون له ما يدوم ويثبت لا ما يزول وينقطع بحسب طبعه وبمقتضى طبيعته وذاته، ومن المعلوم ان التحليل غير مقتض للزوم والبقاء فان للمولى الرجوع عن التحليل في كل وقت وآن. 2 - انصراف قوله عليه السلام: ان يكون له فرج يغدو عليه ويروح، عن التحليل فانه ليس له ذلك بل هو لمالكها وانما حلل واباحها له. 3 - الاصل. فانه لو شك في ايجاب التحليل الاحصان فالاصل هو العدم وهكذا بالنسبة إلى الرجم وعلى هذا فلا يكون محصنا ولا يجوز رجمه. 4 - الاحتياط، فان الاحتياط في الدماء يقتضى عدم احصانه وعدم رجمه. وخالف في ذلك الشهيد الثاني في الروضة فقال قدس سره: وفى الحاق التحليل بملك اليمين وجه لدخوله فيه من حيث الحل والا لبطل الحصر المستفاد من الاية ثم قال: ولم اقف فيه هنا على شئ ومراده من الاية هو قوله تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين (1). وقد انحصرت اسباب اباحة النساء بمقتضى الاستثناء الوارد فيها بالزوجية أو ملك اليمين، ولمكان الحصر المزبور لابد من القول بكفاية التحليل في تحقق الاحصان بان يكون هو من افراد ملك اليمين فانه ليس داخلا تحت عنوان الزوجية قطعا ولولا ذلك لبطل الحصر المستفاد منها. وفيه انه وان كان التحليل من شئون ملك اليمين فالامة المحللة ملك لمولاها ومالكها وقد اباحها للغير لكن ذلك في خصوص الوطى ولا يستلزم تحقق الاحصان به كما ان المتعة مبيحة للوطى ولم تكن مقتضية للاحصان. والحاصل ان تحليل الامة مستفاد من (ما ملكت) ولا يكفى في الاحصان كما ان المتعة داخلة في ازواجهم ولا تكفى هي في الاحصان.


(1) سورة المؤمنون الآية 22 - 23 وسورة المعارج الآية 30 - 29.

[ 78 ]

الوطى المعتبر في الاحصان ثم انه بعد ان ثبت بمقتضى الروايات المتقدمة وادعاء الاجماع من الامامية ان الوطى معتبر في تحقق الاحصان، فهل المعتبر هو وطى خصوص القبل أو يكفى الوطى مطلقا وان كان في الدبر؟ مقتضى اطلاق لفظ الفرج هو الثاني وذلك لانه بمعنى الثقب وهو شامل لهما. لكن دعوى التبادر، والانصراف إلى ما هو مبنى الزوجية وهى الوطى في القبل خاصة ليس ببعيد. ولم يتعرض لذلك بعض العلماء كالمحقق رضوان الله عليه لا في الشرايع ولا في المختصر النافع ولكن العلامة اعلى الله مقامه صرح في القواعد باعتبار كون الوطى في القبل وجعله اول الامور السبعة المعتبرة في الاحصان فقال في كلامه الذى نقلناه من قبل: الاول الوطئ في القبل.. فلو عقد وخلا بها خلوة تامة أو جامعها في الدبر.. لم يكن محصنا انتهى كلامه. فان كان لفط الفرج في كلام الباقين منصرفا إليه ايضا فهو والا فظاهره بلحاظ المعنى اللغوى هو الاطلاق، ولو شك في شمول اللفظ المزبور الوارد في الروايات للدبر ايضا فاللازم هو الاخذ بالمتيقن. وفى الجواهر بعد ذكر بما يدل على الاختصاص قال هو وان كان مقتضى الاصل والاحتياط الا ان الانصاف عدم خلوه من الاشكال ان لم يكن اجماعا في ما إذا وطأ بالغا دبرا وكان متمكنا من الفرج ايضا نعم لو لم يتمكن الا من الدبر امكن الاشكال فيه بعدم انسياقه من النصوص اما الاول فيحتمل قويا الاجتزاء به كما في كل مقام اعتبر الدخول فيه. وفيه انه لو كان هناك انصراف فلا فرق بين ما إذا وطئ دبرا متمكنا من الفرج أو غير متمكن منه.

[ 79 ]

اعتبار كون زوجته معه ثم انه يعتبر ان يكون مع ذلك متمكنا من قضاء وطره بها ليلا ونهارا وكونها في اختياره مهما اراد. فلو كانت له زوجة الا انه كان بينهما افتراق بان كان احدهما مسجونا أو غائبا مثلا فليس بمحصن. ففى خبر ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في الرجل الذى له امرأة بالبصرة ففجر بالكوفة ان يدرأ عنه الرجم ويضرب حد الزانى قال: وقضى في رجل محبوس في السجن وله امرأة حرة في بيته في المصر وهو لا يصل إليها فزني في السجن قال: عليه الحد (يجلد الجلد) ويدرأ عنه الحد (1). وفى خبر ربيع الاصم عن الحارث قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل له امرأة بالعراق فاصاب فجورا وهو في الحجاز فقال: يضرب حد الزانى مأة جدة ولا يرجم قلت: فان كان معها في بلدة واحدة وهو محبوس في سجن لا يقدر ان يخرج إليها ولا تدخل هي عليه. ارأيت ان زنى في السجن؟ قال: هو بمنزلة الغائب عن اهله يجلد مأة جلدة (2). تحقق الاحصان مع الموانع الشرعية ثم ان ههنا مسألة مهمة وهى انه لو كانت له زوجة دائمة وكانت عنده وليس بينهما افتراق اصلا الا انه قد كان ممنوعا عن مقاربتها لموانع شرعية كالحيض أو الصوم أو الاحرام مثلا حيث ان وطيها محرم إذا كانت في هذه الاحوال فلو زنى والحال هذه فهل يكون محصنا ام لا؟ الظاهر عندنا هو ان الممنوعية بالعرض لا تمنع عن تحقق الاحصان. وذلك لان قوله عليه السلام: من كان له فرج يغدو عليه ويروح، يراد به ان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا الحديث 4.

[ 80 ]

يكون قد اعطاه الله ما يقضى به وطره على ما قرر الشارع وفى المواقع التى اباحه الله تعالى فيها. فإذا كانت له زوجة دائمة يتمكن من وطيها ولا مانع له عن ذلك فهذا كاف في صدق الاحصان فيرجم بالزنا وان كان قد زنى حينما كان ممنوعا شرعيا عن وطئ زوجته لاجل الحيض مثلا وعلى الجملة فالحيض أو الصوم أو الاحرام لا يمنع تحقق الاحصان واجراء حد الرجم عليه. نعم من استظهر من قوله عليه السلام: يغدو عليه ويروح، كونه كذلك بالفعل واستفاد منه الارسال المحض بان لا يكون هناك أي مانع من مقاربتها مطلقا فحينئذ لا يتحقق الاحصان. كما انه لو شك في ان المراد من يغدو عليه ويروح، هو هذا أو ذاك فانه لا يحكم عليه بالاحصان ولا يرجم بالزنا وذلك للشبهة الدارئة. كلمة اخرى حول حد الاحصان. ثم ان هنا بحثا آخر وهو انه ما هو حد الاحصان؟ فنقول: اعتبر بعض فيه التمكن من الوطى متى شاء. وقيده بعض بالغدو والرواح، وكيف كان فالغائب عن اهله ليس بمحصن. ثم ان حد الغياب مكانا وزمانا ايضا محل البحث والكلام فقد يقيد بمقدار السفر الشرعي الذى يوجب الافطار وقصر الصلاة، كما انه قد يقيد بمدة شهر أي إذا طال سفره إلى ان بلغ شهرا كاملا، خلافا لمن اطلق الغائب. قال شيخ الطائفة في المبسوط: حد الاحصان عندنا هو كل حر بالغ كامل العقل كان له فرج يغدو إليه ويروح على جهة الدوام متمكنا من وطئه سواء كان ذلك بعقد الزوجية أو بملك اليمين ويكون قد وطئ (1). وقال في الخلاف: الاحصان لا يثبت الا بان يكون للرجل الحر فرج يغدو إليه ويروح متمكنا من وطيه سواء كانت زوجته حره أو امة أو ملك يمين ومتى لم يكن متمكنا منه لم يكن محصنا وذلك بان يكون مسافرا منها أو محبوسا


(1) المبسوط الجلد 8 كتاب الحدود الصفحة 3.

[ 81 ]

أو لا يكون مخلى بينه وبينها انتهى (1). وقريب منه عبارة المحقق والشهيد الثاني وقد تقدم كلام المحقق واما الشهيد الثاني فقال في المسالك: رابعها ان يكون متمكنا من الفرج يغدو عليه ويروح بمعنى القدرة عليه في أي وقت اراده مما يصلح لذلك، والغدو والرواح كناية عنه، والى هذا المعنى اشار الشيخ في النهاية فقال: ان يكون له فرج يتمكن من وطيه انتهى (2). وقال العلامة في القواعد في الامور المحققة للاحصان: السابع ان يكون متمكنا من الفرج يغدو عليه ويروح فلو كان بعيدا عنه لا يتمكن من الغدو عليه والرواح أو محبوسا لا يتمكن من الوصول إليه خرج عن الاحصان. وفى رواية مهجورة يكون بينهما دون مسافة التقصير. انتهى. وفى كشف اللثام عن التبيان وفقه القرآن للراوندي. (3) لو كان غائبا عن زوجته شهرا فصاعدا أو محبوسا لا يتمكن من الوصول إليه كذلك أو كانت مريضة لا يمكنه من وطيها خرج عن الاحصان. انتهى (4). وقال السيد المرتضى في الانتصار: وفرقوا بين الغيبة والحيض لان الحيض لا يمتد وربما امتدت الغيبة ولان قد يتمتع من الحائض بما دون موضع الحيض وليس كذلك الغيبة. انتهى (5).


(1) الخلاف الجلد 3 كتاب الحدود المسألة 5. (2) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 424. (3) واليك عين عبارة الشيخ في التبيان في ذيل الآية 15 من سورة النور: ومن كان غائبا عن زوجته شهرا فصاعدا أو كان محبوسا أو هي محبوسة هذه المدة فلا احصان انتهى ثم ان عبارة الراوندي هي عين عبارة الشيخ بلا أي زيادة أو نقيصة فقال في فقه القرآن الجلد 2 الصفحة 371: ومن كان غائبا عن زوجته شهرا فصاعدا أو هي محبوسة هذه المدة فلا احصان انتهى. ولعل الراوندي قد اخذ ذلك من الشيخ واقتبس منه وذهب إليه، كما ذكر بعض من حقق الكتاب: ان القطب في هذا الكتاب شديد التأثر بآراء شيخ الطائفة في كتابيه: التبيان في تفسير القرآن، والاستبصار. انتهى. (4) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 221. (5) الانتصار الطبع الجديد الصفحة 258.

[ 82 ]

فترى انه اقتصر في عبارة النهاية بالتمكن من الوطى ولكن كثير من الكلمات يدل على اعتبار التمكن في كل غدو ورواح كما ان مقتضى ما نقلناه عن الكشف هو ان الاحص ان محقق إذا كان غائبا باقل من شهر واما إذا كان غائبا عنها شهرا أو اكثر فهو غير محصن. وقد مال صاحب الجواهر إلى ذلك على ما هو ظاهر عبارته حيث قال: عند ذكر اعتبار التمكن على وجه يغدو عليه ويروح إذا شاء فمتى لم يكن كذلك كمن كان غائبا عن زوجته شهرا على ما في التبيان وفقه القران لم يكن محصنا انتهى (1) وان كان قد جعل الملاك بالاخرة هو العرف. ولا ادرى انهم من اين استفادوا ذلك واى دليل لهم في القول به فانا لم نقف على ذكر الشهر في شئ من الروايات. اللهم الا ان يكون ذكر ذلك من باب ذكر المصداق العرفي وان كان يرد عليه ان المصداق العرفي ربما يتحقق باقل من ذلك ايضا (2). ولو بنينا على اعتبار الشهر في السفر فلابد من القول به في المحبوس والمريض ايضا لعدم وجه للفرق بينهما وبين المسافر هنا. نعم لا يجرى هذا الكلام في الحيض وذلك لعدم امتداده اكثر من عشرة ايام. واما ما افاده السيد قدس سره من التفصيل بين الحيض والغيبة وتوجيه ذلك بان الحيض لا يمتد ولكن الغيبة ربما امتدت وبانه قد يتمتع من الحائض بغير موضع الحيض بخلاف الغائب. فنقول لو كان الملاك هو الشهر فمن المعلوم عدم جريانه في الحيض. اما


(1) الجواهر الجلد 41 الصفحة 274. (2) اقول: لعل اعتبار الشهر لاجل خبر ربيع الاصم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل له امرأة بالعراق فاصاب فجورا وهو في الحجاز فقال: يضرب حد الزانى مأة جلدة ولا يرجم الخ وسائل الشيعه الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا، الحديث 4، بان يكون المسافة بين الحجاز والعراق يومئذ شهرا. وقد اوردت ذلك واجاب دام ظله بامور منها انه لابد من اعتبار الاقل فيما إذ قطعت المسافة ما بين الحجاز والعراق في عشرة ايام مثلا أو اقل. (فتأمل).

[ 83 ]

لو كان الملاك هو عدم التمكن عرفا - فمن لم يكن متمكنا ومسغنيا عند العرف فليس بمحصن وايضا الزانى الذى كانت زوجته حائضا كذلك - ففيه ان عدم تمكنه من الوطئ ايام الحيض انما هو بحكم الشرع ولو كان هو معتنيا بحكم الشرع بحيث يترك الوطى في ايام الحيض فكيف يرتكب الزنا ولا يبالى بحرمته مع ان الزنا ايضا كالوطى في الحيض بل الزنا اشد واعظم شرعا وعقوبة وعلى الجملة فمن كان غير متمكن من الوطى بواسطة حكم الشرع فيأوى إلى حرام اعظم أي الزنا لا يصدق عليه انه غير متمكن الا ان يكون بحيث تمنعه زوجته عن الوطى في حال الحيض ولا قدرة له على الغلبة عليها. هذا كله مضافا إلى ان من كانت له زوجة دائمة أو امة مملوكة فهو متمكن عرفا من دفع شهوته وقضاء وطره بها ومجرد كونه ممنوعا في ايام خاصة لا يخرجه عن كونه متمكنا ومستغنيا عن الحرام. اللهم الا ان يؤخذ بلفظ يغدو عليه ويروح ويقال باعتبار التمكن الفعلى جمودا على ظاهر اللفظ لكن الظاهر انه كما لا يعتبر في التمكن، التمكن العقلي كذلك لا يعتبر التمكن الفعلى بهذا النحو أي بحيث لا يكون له أي مانع حتى الحيض بل المراد هو التمكن العرفي وهو لا ينافى الحيض ولعل الاخبار بتعابيرها المختلفة تفيد ذلك ايضا. هذا وقد عرفت ان كلماتهم رضوان الله عليهم اجمعين في حد الاحصان من حيث الحضور والغيبة ومن حيث مكان الغيبة وطول زمانها ومن حيث التمكن غدوا ورواحا أو التمكن في كل زمان أو مطلق التمكن مختلفة. واما الاخبار ففى بعضها: (ما يغنيه) وذلك كموثقة اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة يطأها تحصنه الامة وتكون عنده؟ فقال نعم انما ذلك لان عنده ما يغنيه عن

[ 84 ]

الزنا (1).. وصحيح حريز قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحصن قال: فقال: الذى يزنى وعنده ما يغنيه (2). وفى بعضها: كون امرأة عنده يغلق عليها بابه (3)، وذلك كخبر ابى بصير قال: قال: لا يكون محصنا حتى (الا ان) يكون عنده امرأة يغلق عليها بابه. وفى بعضها ذكر المعية. وذلك كرواية محمد بن مسلم قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: المغيب والمغيبة ليس عليها رجم الا ان يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل (4). ويشعر بذلك ما رواه أبو عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في الرجل الذى له امرأة بالبصرة ففجر بالكوفة ان يدرأ عنه الرجم ويضرب حد الزانى قال: وقضى في رجل محبوس في السجن وله امرأة حرة في بيته في المصر وهو لا يصل إليها فزنى في السجن قال: عليه الحد (يجلد الجلد) ويدرأ عنه الرجم (5). فان المورد وهو من زنى بالكوفة مع كون زوجته بالبصرة فهو من مصاديق المغيب والمغيبة وعدم كونها عنده ومعه. واما كونها عنده فلا اشكال في عدم ارادة العندية العقلية بان تكون على جنبه وفى حضوره نظير ما يقال في باب الصلاة بان من تنجس ثوبه في الصلاة وعنده ماء يمكنه تطهيره الخ الذى يراد منه كون الماء في جنبه كى لا يلزم من تطهير به الفعل الكثير بل المراد في المقام هو كونها عنده بحسب العرف وان لم تكن الان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 6. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 الحديث 1، واما قوله: المغيب والمغيبة، فقال الفيومى في المصباح: اغابت المرأة بالالف غاب زوجها هي مغيب ومغيبة وفى القاموس: امرأة مغيب ومغيبة ومغيب كمحسن، غاب زوجها، وفى المنجد: اغابت المرأة غاب زوجها فهى مغيب ومغيبة. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من حد الزنا الحديث 2.

[ 85 ]

في حجرته مثلا. وكذلك المراد من (اغلاق الباب عليها) ليس هو الفعلى منه بل هو كناية عن كونه متمكنا من الوقاع حيث شاء. وهكذا بالنسبة إلى المعية الواردة في صحيح ابن مسلم فان المراد منها ليس هو الالتصاق بل المراد عدم الحاجة إلى مؤنة في الوصول إليها. ولكن مع ذلك ربما يحصل الشك في صدق ذلك لكونه من المفاهيم المشككه فهل يصدق فيما إذا كان البلد من البلاد الكبيرة وكانت المرأة في بيت على رأس فرسخين مثلا انها عنده أو ان عنده ما يغنيه؟ كما انه ربما يحصل للانسان الشك فيما إذا زنى المحبوس في اول يوم من ايام حبسه فهل يرجم هو أو لا؟ وعلى الجملة فهذه الاخبار بتعابيرها المختلفة واردة في مقام تخصيص الاية الكريمة الناطقة بجلد الزانية والزانى فترفع حكم الجلد وتبدله بالرجم أو تضيف الرجم إلى الجلد على ما يأتي ذلك في محله. فحينئذ فلو كان بين هذه الروايات بانفسها عام وخاص أو مطلق ومقيد أو مجمل ومبين فلا محالة يحمل البعض على الاخر أي يحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد والمجمل على المبين، والحاصل انه يؤخذ بما هو اضيق دائرة منها وتخصص الاية الشريفة به. ولو لم يكن كذلك فلو استفدنا وفهمنا ان الكل بصدد بيان امر واحد فهو والا فمع ورود التعابير المختلفة مع اجمالها في الجملة فلا مناص عن الاخذ بالقدر المتيقن أي ما يتوافق عليه الكل لكثرة القيود. ويمكن ان يقال: ان اخص ما ذكر في حد الاحصان هو ما ورد في خبر ابن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام: المغيب والمغيبة ليس عليها رجم الا ان يكون الرجل مع المرأة والمرآة مع الرجل (1) وما في خبر ابى بصير: الا ان يكون عنده امرأة يغلق عليها بابه (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من حد الزنا الحديث 16 اقول: ولا ادرى أي فرق بين (عنده) و (معه) حتى يكون خبر ابن مسلم المتضمن للثاني اخص من خبر ابى بصير المتضمن للاول؟

[ 86 ]

فالملاك والمعية فمتى تحققت يترتب عليها الرجم، والخارج عن هذا الحكم هو المغيب والمغيبة وما إذا لم يكن الزوجان معا فلو كانا في دارين لكن في مصر واحد فالمعية محققه والحكم هو الرجم إذا زنى بخلاف ما إذا كان هو في بلد وزوجته في بلدة اخرى. ثم لو سافر عن بلده التى تكون زوجته ايضا فيها إلى بلد آخر لاجل الزنا فغاب عنها لاقتراف نفسه المعصية الزنا فهل يصدق عليه عنوان المغيب والمغيبة حتى لا يحكم بالرجم؟ الظاهر انصراف المغيب عن ذلك فان الظاهر منه هو الذى غاب بالطبع وللحاجة وسبب طبيعي لا للزنا وعليه فلو زنى فانه زان محصن لانه وان كان في بلد آخر الا انه كالذى زنى وعنده امرأته. وقد ظهر بما ذكرناه ان المستفاد من الروايات هو تحقق الاحصان بمجرد التمكن من الحلال، والغناء به عن الحرام كما اقوله عليه السلام: يغدو عليه ويروح ايضا قد كنى بهما عن التمكن لا خصوص التمكن في الوقتين بحيث لو كان متمكنا في الظهر لما شمله. فالمقصود هو انه بحسب طبعه لا مانع له عن الوقاع. ويشير إلى ذلك ما ورد في بعض الروايات من قوله: مخلى بينها وبينه (1). وهل يمكن اسراء الحكم إلى الغائب الذى يتمكن ان يعود إلى اهله وبلده كلما شاء وحيثما اراد ام لا؟ الظاهر هو الثاني وذلك لان المراد هو التمكن الطبيعي العرفي ومن كان في بلد آخر فهو غير متمكن عرفا وان كانت له وسائل وامكانيات يتمكن معها من العود إلى موطنه حيثما شاء. ثم انه قد تقدم انه لا دليل على التحديد بالنسبة إلى الزمان بالشهر مثلا واما بالنسبة إلى المكان فقال المحقق قدس سره: وفى رواية مهجورة: دون مسافة التقصير.


(1) اقول: لم اجد هذه الرواية لا في الوسائل ولا في مستدركه ولعله دام ظله العالي وجدها في موضع آخر..

[ 87 ]

اقول: هذه الروايات المهجورة الدالة على اعتبار عدم قصور المسافة عن مسافه التقصير في تحقق الاحصان هي رواية عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عن الغائب عن اهله يزنى، هل يرجم إذا كان له زوجة وهو غائب عنها؟ قال: لا يرجم الغائب عن اهله ولا الملك الذى لم يبن باهله ولا صاحب المتعة. قلت: ففى أي حد سفره لا يكون محصنا؟ قال: إذا قصر وافطر فليس بمحصن (1). وعن محمد بن يحيي عن محمد بن الحسين رفعه قال: الحد في السفر الذى ان زنى لم يرجع ان كان محصنا؟ قال: إذا قصر فافطر (2). وحيث ان في طريق رواية عمر بن يزيد جهالة (3) والرواية الثانية مرفوعة (4) ولم يذهب إلى مضمونهما الاصحاب فلذا تكون الرواية في المقام مهجورة وهم قد جعلوا المدار على نظر العرف وقضائه. هل يعتبر في الاحصان العقل ام لا؟ قال المحقق: وفى اعتبار كمال العقل خلاف فلو وطى المجنون عاقلة وجب عليه الحد رجما أو جلدا هذا اختيار الشيخين وفيه تردد. اقول: المناسب هو التعبير بالعقل (لا كمال العقل) فان المقابل للمجنون هو العاقل. ثم ان ترتب الحكم بوجوب رجم المجنون الذى وطئ عاقلة أو جلده على الخلاف في اعتبار كمال العقل غير ملتئم ولا مناسب. ولذا قال قدس سره


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 4 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 4 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (3) اقول: وجه الجهالة ان في سندها عبد الرحمن بن حماد وهو مجهول ولم يرد فيه توثيق في كتب الرجال. (4) وجه كونها مرفوعة انه قد سقط من السند بعض مع التصريح بلفظ الرفع وهو الملاك في المرفوعة راجع مقباس الهداية الصفحة 39 ثم انه يرد على هذا الرواية انه لم يذكر فيها الراوى ولا المروى عنه.

[ 88 ]

بعد الحكم المزبور: هذ اختيار الشيخين، ثم تردد هو بنفسه في ذلك. ثم انه لابد من تعميم عنوان البحث رجما وجلدا لجريان الاشكال في كلا المقامين وعدم انحصاره بصورة الاحصان والرجم. وكيف كان فالظاهر انه لا خلاف في اعتباره في المرأة المزني بها ولو كان خلاف فهو شاذ جدا (1). واما بالنسبة إلى الرجل فقد اختلفوا في ذلك - كما صرح بذلك المحقق قدس سره - فذهب جمع من الاعلام كالشيخ المفيد وشيخ الطائفة والصدوق والقاضى وابن سعيد إلى عدم اشتراط ذلك في الزانى، واعتبرة فيه الاخرون. وهنا بحث وهو انه هل يجوز ويمكن تكليف المجنون كى يجوز عقوبته بالرجم أو الجلد؟ وهل الرجم أو الحد عقوبة للزاني المجنون أو هو تعبد محض؟ الظاهر - بالنسبة إلى الثاني - هو انه من باب العقوبة وحينئذ فإذا جاز رجم المجنون أو جلده فلابد من ان يجوز لله تعالى عقابه في الاخرة ايضا. وعلى الجملة فالعقوبة مترتبة على مخالفة التكليف، والتكليف منوط ومشروط بالعقل فبدونه لا يمكن التكليف فانه يصح حيث كان هناك اثر، والمجنون لا يدرك التكليف كى يتأثر به وان كانت له اعمال وحركات يأتي بها على طبق ارادتها الحيوانية لكنه لا درك له فلا يصح تكليفه، والتذاذه بالشهوات الجنسية لا يدل على دركه كما في الحيوانات. ولذا فانى اتعجب من تعرض العلماء لهذا البحث وذهاب بعضهم إلى حد الزانى المجنون أو رجمه ولا ادرى لماذا وقع هذا البحث منهم وهذا النظر من بعضهم؟ واستدل القائلون بعدم اعتبار العقل في الرجل وانه يرجم المجنون مع احصانه ويجلد مع عدمه برواية ابان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا


(1) قال السيوري في التنقيح الرائع الجلد 4 الصفحة 330: اعلم انه لا حد على المجنونة اجماعا.

[ 89 ]

زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد وان كان محصنا رجم. قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المرأة انما تؤتى والرجل انما يأتي وانما يزنى إذا عقل كيف يأتي اللذة وان المرأة انما تستكره ويفعل بها وهى لا تعقل ما يفعل بها (1). وفيه - مضافا إلى ضعف الرواية (2) ان للمجنون ارادات بالنسبة إلى افعال خاصة كأكله وشربه وفراره عن المخوفات في بعض الاحايين ومن هذا القبيل زناه فانه يزنى بارادته كما يأكل ويفر بارادته لكن هذا لا فرق فيه بين المجنون والمجنونة فهى ايضا تأتى بهذه الافعال بارادتها فكما ان المجنون يأتي المرأة ويقصد ذلك هكذا المجنونة تقصد ذلك ولذا تخلى بينه وبين نفسها وليس فعل الزنا متحققا وقائما بفعل الرجل وحده بل للمرأة دخل فيه ولذا ينتسب الفعل إليها كما ينتسب إليه - اللهم الا ان تكون المرأة مستكرهة على الزنا كما ذكر ذلك في الرواية - بل قد يتفق ان المجنونة تدعو الرجل إلى نفسها وتخلى نفسها له كى يزنى بها فكيف نقول بانه يحد ويرجم المجنون دون المجنونة والحال انهما على حد سواء؟ ولو كان المراد ان للمجنون مقدارا من العقل دون المجنونة فاللازم بيان الفرق بين العاقل والمجنون - دون المجنون والمجنونة الذى هو المذكور في الرواية - فانه على ذلك يلزم القول بانه يحد الزانى عاقلا كان أو مجنونا. وعلى الجملة فلا يمكن للشرع تجويز ما ينكره العقل ويأباه بالاستقلال، فإذا لابد اما من تأويل الرواية المزبورة أو طرحها. وقد حملها بعض العلماء على بعض الوجوه غير المنافية للحكم العقلي ومن هؤلاء هو الشهيد الثاني قدس سره فقال في المسالك بعد ذكر اشتراط البلوغ في الاحصان وان الصبى ليس بمحصن: والاظهر ان المجنون كذلك لاشتراكهما في العلة فيشترط البلوغ والعقل


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 21 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) لان في سلسلة السند ابراهيم بن الفضل (فهو الذى نقل الرواية عن ابان) وهو مجهول.

[ 90 ]

ويجمعهما التكليف فلو وطئ المجنون فلا حد عليه رجما ولا جلد العدم التكليف الذى هو مناط الحدود على المعاصي. ثم قال: وذهب الشيخان وجماعة إلى وجوب الحد على المجنون وتحقق الاحصان منه فيثبت عليه الرجم معه والجلد دونه استنادا إلى رواية ابان بن تغلب - وعندئذ نقل الرواية -. واجاب عنها بقوله: وهذا الرواية ظاهرة في كون الفاعل غير مجنون وان كان صدرها قد تضمن المجنون فيحمل على مجنون يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصينه لتناسب العلة التى ذكرها في الرواية انتهى. وفيه ان هذا الحمل خلاف الظاهر جدا بل خلاف الصريح فان الرواية صريحة في المجنون حال الزنا وانه يكفى في صحة الحد مجرد انه يعقل كيف يأتي اللذة فكيف نقول: ان المراد هو الذى زنى محصنا ثم عرض عليه الجنون (1). هذا كله مضافا إلى ان نفس هذا الحكم أي اقامة الرجم أو الجلد على من زنى في حال عقله عند جنونه لا يخلو عن كلام وذلك لما هو الحق من عدم صحة عقوبة المجنون مؤاخذته على ما فعله، وان كان ما فعله كان في حال الصحة. وحملها بعض آخر على ارادة بعض مراتب الجنون الذى يجتمع مع العقل وبقاء ما يصلح لثبوت التكليف عليه من الشعور. وبعبارة اخرى تحمل الرواية على قليل العقل لا كامل العقل الذى قد عبر به المحقق رحمه الله عليه في بداية البحث فكان بحيث يصح توجه التكليف إليه وان لم يكمل عقله.


(1) اقول مبنى اشكاله دام ظله على الشهيد الثاني هو ما استظهره من كلامه من انه يقول بان لزاني قد زنى ثم عرض عليه الجنون فلذا اورد عليه بان الرواية تقول: إذا زنى المجنون الخ. ولكن الظاهر ان مراد الشهيد الثاني هو ان المجنون المذكور في الموضوع مجنون ادوارى ولا منافاة اصلا بين كون احد مجنون ادواريا وبين ان يزنى في دور افاقته ومع ذلك يصدق عليه المجنون ويقال: زنى المجنون وعلى ذلك فما ذكره رحمة الله عليه في التوجيه وجيه ولذا قد جمع بذلك الفاضل السيورى رضوان الله عليه فقال في التنقيح الرايع الجلد 4 الصفحة 330 والرواية محمولة على من يفيق تارة ويجن اخر فيكون قد زنا وقت تعلقه، والتعليل عليه وهو قوله عليه السلام: وانما يأتي إذا عقل.

[ 91 ]

وفيه انه ان كان بحيث يصح معه توجه التكليف إليه فهو عاقل وخارج عن محل الكلام وان لم يكن له اول مرتبة التعقل والتميز الذى يصح معه التكليف فلا يمكن العقوبة لعدم التكليف. وحينئذ فلا مفر عن ورود الاشكال العقلي على القول المزبور. هذا مضافا إلى روايات دالة على رفع القلم عن المجنون كالصبى بعينه: عن ابن ظبيان قال: أتى عمر بامرأة مجنونة قد فجرت فامر برجمها فمروا بها على على بن ابى طالب عليه السلام فقال: ما هذا؟ قالوا مجنونة فجرت فامر بها عمر ان ترجم. قال لا تعجلوا فاتى عمر فقال له: اما عملت ان القلم رفع عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ (1). وعن على عليه السلام قال: لا حد على مجنون حتى يفيق ولا على صبى حتى يدرك ولا على النائم حتى يستيقظ (2). وفى صحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام في امرأة مجنونة زنت قال: انها لا تملك امرها ليس عليها شئ (3). ومورده وان كان هو المرأة التى لا نزاع فيها الا ان التعليل عام كلى يشمل الرجل ايضا. ومثله ما رواه محمد عن احدهما عليهما السلام في امرأة زنت وهى مجنونة قال: انها لا تملك امرها وليس عليها رجم ولا نفى (4).. وعن محمد بن محمد المفيد في الارشاد قال: روت العامة والخاصة ان مجنونة فجر بها رجل وقامت البينة عليها، فامر عمر بجلدها الحد فمر بها على امير المؤمنين عليه السلام قال: ما بال مجنونة آل فلان تقتل؟ فقيل له: ان رجلا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشية الجلد 18 الباب 8 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 21 من ابواب مقدمات حد الزنا الحديث 1. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 2.

[ 92 ]

فجر بها فهرب وقامت البينة عليها فامر عمر بجلدها. فقال لهم: ردوها إليه وقولوا له: اما علمت ان هذه مجنونة آل فلان وان النبي صلى الله عليه وآله قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وانها مغلوبة على عقلها ونفسها، فردوها إليه فدرأ عنها الحد (1). واما ما قد يتوهم من ان مقتضى هذه الاخبار هو عدم اقامة الحد على المجنون حال جنونه واما بالنسبة إلى بعد افاقته فلا دليل على عدم اقامته عليه، وعلى هذا فيقام عليه الحد بعد حصول الافاقة له، فهو غير تام. وذلك لان مقتضى رفع القلم عن المجنون هو عدم شئ عليه وانه لا يترتب على فعله اثر اصلا والاشكال الجارى في عقوبة المجنون حال جنونه جار في عقوبته حال افاقته لما اتى به في حال جنونه الا ان يرتكب المعصية في حال صحته وافاقته فيعاقب على فعله والمسلم المتيقن عقوبته على ذلك في خصوص حال افاقته واما في حال جنونه فهو محل الكلام ويأتى في محله انشاء الله تعالى. ان قلت: فما تقول في تعزير الصبى فكما انه يجوز ذلك هكذا يجوز اجراء الحد على المجنون. نقول: لو كان تعزير الصبى بمعنى عقوبته على فعله لجرى فيه الاشكال المزبور حرفا بحرف. لكن الظاهر ان تعزير الصبى بمعنى تأديبه ولاجل ان لا يعتاد على الذنب بل يدعه ويتركه في القابل كما ترى انه قد يضرب الحيوان كيلا يعود إلى ما فعله - وعلى ذلك يأول ما ورد من تعزير الزانى المجنون ايضا كخبر اصبغ بن نباته قال: اتى عمر بخمسة نفر اخذوا في الزنا فامر ان يقام على كل واحد منهم الحد وكان امير المؤمنين عليه السلام حاضرا فقال: يا عمر ليس هذا حكمهم قال: فاقم انت الحد عليهم فقدم واحدا منهم فضرب عنقه وقدم الاخر فرجمه وقدم الثالث فضربه الحد وقدم الرابع فضربه نصف الحد وقدم الخامس فعزره


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 93 ]

فتحير عمر وتعجب الناس من فعله فقال عمر: يا ابا الحسن خمسة نفر في قضية واحدة اقمت عليهم خمسة حدود ليس شئ منها يشبه الاخر فقال امير المؤمنين عليه السلام: اما الاول فكان ذميا فخرج عن ذمته لم يكن له حد الا السيف واما الثاني فرجل محصن كان حده الرجم واما الثالث فغير محصن حده الجلد واما الرابع فعبد ضربناه نصف الحد واما الخامس، فمجنون مغلوب على عقله (1). فترى انه عليه السلام لم يحد الخامس، واما التعزير فقد ذكرنا وجهه وعلى الجملة فترفع اليد عن رواية ابان بهذه الروايات الشريفة ولا مقاومة لها في اثبات الحكم لانها على خلاف العقل المستقل وان لم يكن لها معارض فكيف بهذه الاخبار المعارضة لها. ولذا قال في الجواهر بعد قول الشرايع: وفيه تردد: كما في النافع بل منع، وفاقا لكافة المتأخرين حتى المصنف في نكت النهاية بل عن الشيخين في العريض والخلاف ذلك ايضا بل عن المبسوط قبل النسبة المزبورة ما يشعر بالاجماع على العدم بل هو المحكى عن صريح الغنية وظاهر السرائر الخ (2). ثم انه بعد ان اتضح اعتبار العقل في احصان الرجل كما اعتبر ذلك في


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 16. (2) الجواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 274 اقول: واما كلامه في النكت فهذه: انما صار الشيخ إلى ذلك لان الواطى يفتقر إلى قصد ولا يحصل القصد إلى الوطى مع ذهاب العقل فمع حصول الوطى يعلم ان له قصد. ويؤيد ذلك رواية ابان - وهنا نقل الرواية ثم قال قدس سره: - ويقوى عندي انه لا حد على المجنون لما روى عن الاصبغ ان عمراتى بخمس اخذوا في الزنا - ونقل تمام الرواية. ثم قال: - وهذه وان كانت صورة واقعة لكن التعليل فيها يؤذن بسقوط الحد ولعله احداث شبهة في طرف المجنون لاحتمال ان يكون ذلك هو الحكم في انتهى. راجع الجوامع الفقهية الصفحة 452. ثم اقول: انه قد ضعفت الرواية لان في سندها ابراهيم بن الفضل ولم يرد في توثيق ولا مدح، وفى جامع المدارك الجلد 7 الصفحة 6: والظاهر ان ابراهيم المذكور الهاشمي كما يظهر من جامع الرواة وهو امامى وقيل حسن واستشعر المحقق البهبهانى ره وفى تعليقته من راوية جعفر بن بشير عنه وثاقته انتهى.

[ 94 ]

المرأة كى تكون محصنة فهل يعتبر في احصان الرجل كون المزني بها ايضا عاقلة ام لا؟ اختلف العلماء في ذلك فذهب كثير منهم إلى عدم اعتباره وخالف فيه المحقق الاردبيلى رضوان الله عليه وقال في مجمع الفائدة والبرهان: يشترط في احصان الرجل ورجمه كون المرأة المزني بها عاقلة بالغة فلو زنا المحصن بمجنونة أو صغيرة فلا رجم انتهى. وفى الجواهر بعد ان نقل دلك عنه: وفيه نظر يأتي عند تعرض المصنف لذلك (1). الكلام في ادعاء الزوجية.. قال المحقق: ويسقط الحد بادعاء الزوجية ولا يكلف المدعى بينة ولا يمينا وكذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعى. وفى المسالك: انما يسقط الحد عنه بمجرد الدعوى وان لم يثبت الزوجية لان دعواه شبهة في الحل، والحد يدرء بالشبهة ومثله ما لو ادعى شراء الامة من مالكها وان لم يثبت ذلك. ثم قال: ولا يسقط فيه من احكام الوطى سوى الحد فلو كانت امة. فعليه لمولاها العقر أو حرة مكرهة فمهر المثل ان لم يثبت استحقاق الوطى. وفى الجواهر بعد نقل ذلك عن المسالك قال: قلت: هو كذلك إذا لم يكن مقتضى الاصل سقوطه. اقول: انه قد يكون مقتضى الاصل سقوط سائر الاثار ايضا كما إذا ادعى زوجية المزني بها مع انها لم تكن من قبل مزوجة فان ادعاء الزوجية يوجب درء الحد ومقتضى الاستصحاب هو عدم الزوجية فلا يلزم المهر ايضا لكن هذا يوجب كون الاصل مثبتا لان استصحاب عد التزويج ينتج كونها اجنبية فلا مهر لها وهذا الاصل المثبت الذى ليس بحجة، ولو كانت الحالة


(1) عند قوله: ولو زنا البالغ المحصن بغير البالغة أو بالمجنونة فعليه الجلد لا الرجم انتهى.

[ 95 ]

السابقة هي الزوجية أو العدة فادعى المتزوج لها انه كان يزعم رفع الزوجية أو انقضاء العدة فحينئذ يدرء الحد بالشبهة ولكن مقتضى الاستصحاب بقاء الزوجية أو العدة ويترتب احكامهما. وما ذكره في المسالك صحيح ان كان مستند السقوط الشبهة لاحتمال صدقه أو اصالة الصحة في قوله أو فعله كما يوجد في عباراتهم واما ان كان مستند السقوط حجية قول المدعى بلا معارض فيسقط سائر ما يترتب على الوطى الحرام. وتحقيق الكلام ان هنا امور ايمكن التمسك به في درء الحد ويتفاوت الامر بالنسبة إلى بقية الاثار باختلاف مقتضيات هذه الامور. احدها التمسك بدرء الحدود بالشبهة ومقتضى ذلك هو درء الحد وترتب سائر الاحكام. ثانيها صحيح ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: ان عليا عليه السلام اتى بامرأة مع رجل فجر بها فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين فدرأ عنها الحد ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا لا تصدق وقد والله فعله أمير المؤمنين عليه السلام (1). وهذه ايضا كالسابقة. ثالثها اصالة الصحة كما قد يرى التمسك بها في عباراتهم. وفيه ان مقتضى اصالة الصحة في القول هو ان يصدق في قوله وفى دعواه الزوجية مثلا وبعبارة اخرى الحكم بصدقه لا الحكم بكذبه وفسقه في ذلك لكن لا يترتب اثار الواقع المترتبة على الزوجية. كما ان اصالة الصحة في الفعل تنتج انه لم يفسق بعمله المشكوك فيه وانه لم يزن عامدا، ولا يترتب وراء ذلك شئ (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من ابواب حد الزنا الحديث 18. (2) راجع لهذا الكلام، التنبيه الخامس من تنبيهات باب اصالة الصحة من فرائد الشيخ الاعظم الجلد 2 الصفحة 728 الطبع الجديد.

[ 96 ]

رابعها ما بدا لنا وهو كون المقام من قبيل الادعاء بلا معارض، فكما انه لو كان هناك مال وكان زيد يدعى انه له ولم يكن له معارض يعارضه في ذلك فانه يأخذه ويعامل معه معاملة المالك فيشترى منه ويصلى فيه ويورث منه، إلى غير ذلك من الاثار فهنا ايضا يدعى الرجل انها زوجته ولا تعارضه الزوجة فيعامل معه معاملة الزوج فيترتب جميع الاثار كما انه لا حد عليه. ويؤيد ذلك ان صاحب الجواهر مثل بباب التزويج ايضا للدعوى بلا معارض وهذا يشعر بانه لا يختص ذلك بباب الاموال، والسيرة جارية على قبول الدعوى بلا معارض إذا كان المدعى ظاهر الصلاح، وعلى الجملة فمقتضى ذلك هو ترتيب جميع الاثار. وقد اتضح بما ذكرناه ان ترتيب الاثار كلها موقوفة على الامر الرابع وان كان مجرد درء الحد يجرى مع كل الوجوه الاربعة. وظاهر عبارة المحقق ان مستنده هو الوجه الاول ولذا قال بعد فرض ادعاء الزوجية: وكذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعى. وعلى الجملة فدرء الحد بالشبهة امر جار في كل امور كانت هناك شبهة ولم يمكن اثبات الزنا بنحو القطع، فيكفى احتمال الزوجية عند ادعائها أو احتمال الجهل بالحكم أو الموضوع أو الاشتباه المصداقى كما يكفى ادعاء شراء الامة من مالكها كما مر. نعم على فرض ترتب آثار الوطى مطلقا سوى الحد يأتي اشكال في زنا الامة فمن حيث انها زنت برضاها فهى بغية ولا مهر لبغية في الحرة، فلا عقر لها في الامة ومن حيث انها لمولاها وهو لم يأذن في ذلك فيلزم على الزانى العقر، وكونها بغية لا يوجب اسقاط حق المولى. الكلام في احصان المرأة قال المحقق: والاحصان في المرأة كالاحصان في الرجل. وفي الجواهر: بلا خلاف اجده بل عن الغنية الاجماع عليه لاشتراك معنى الاحصان فيهما نصا وفتوى فيشترط حينئذ فيها جميع ما عرفته على النحو

[ 97 ]

الذي سمعته انتهى. اقول: وعلى هذا فالمسألة من جهة الفتوى مما لا خلاف فيها بل هي مجمع عليها. هذا بالنسبة إلى الاقوال، واما بالنسبة إلى الاخبار التي يستفاد منها ذلك فهي عدة اخبار منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول المغيب والمغيبة ليس عليهما رجم الا ان يكون الرجل مع امرأة والمراة مع الرجل (1). فهي تدل على ان الغيبوبة كما توجب خروج الرجل عن كونه محصنا كذلك توجب خروج المرأة عن كونها محصنة. ومنها صحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن امرأة تزوجت رجلا ولها زوج قال: فقال: ان كان زوجها الاول مقيما معها في المصر التي هي فيه تصل إليه ويصل إليها فان عليها ما على الزاني المحصن [ الزانية المحصنة ] الرجم وان كان زوجها الاول غائبا عنها أو كان مقيما معها في المصر لا يصل إليها ولا تصل إليه فان عليها ما على الزانية غير المحصنة ولا لعان بينهما (2).. وهذه تدل على ان الملاك في احصانها وصولها إليه كوصوله إليها وكونهما في مصر واحد. وعن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل فإذا احصن قال: احصانهن ان يدخل بهن قلت: ارأيت ان لم يدخل بهن واحدثن ما عليهن من حد؟ قال: بلى (3). وهذه صريحة في اعتبار الدخول لصدق احصانهن. ومرسلة الصدوق: محمد بن علي بن الحسين قال: سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: والمحصنات من النساء قال: هن ذوات الازواج قلت:


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 3 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 4.

[ 98 ]

والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم قال: هن العفائف (1). ومقتضى هذه هو اشتراط كونها ذات زوج كي يصدق عليها كونها محصنة. وعن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله: فإذا احصن قال: احصانهن إذا دخل بهن قال: قلت: ارأيت ان لم يدخل بهن واحدثن ما عليهن من حد؟ قال: بلى (2). ثم ان مقتضى الجمع بين هذه الروايات انه يعتبر في احصان المرأة ان تكون مزوجة أي ذات بعل ومدخولا بها وان لا يكون زوجها غائبا عنها بل كان مقيما معها في البلد بحيث تصل إليه ويصل إليها. وعلى هذا فيصح القول بان المستفاد منها هو ان جميع ما يشترط في احصان الرجل يشترط في احصان المراة كما لا يخفى. نعم من جملة شرائط احصان الرجل ان يكون له فرج يغدو عليه ويروح، ومن المعلوم ان هذا لا يتم بالنبسة إلى المراة فانه ليس لها ان تغدو على الرجل وتروح بل هذا حق للزوج، والاختيار في ذلك بيده، فالمراد انه لو كان الرجل له زوجة يغدو عليها ويروح فهما محصنان بذلك وكما انه سبب لاحصانه، كذلك يكون سببا لاحصانها، والمقصود من قوله ع يصل إليها هو امكان الوصول إليها، ومن قوله ع: وتصل إليه، هو امكان وصولها إليه مهما اراد الرجل الوصول إليها والتمكن منها غدوا ورواحا. ولذا قال في الجواهر: فما يعتبر في احصان الرجل معتبر في احصان المرأة لكن المراد من تمكنها من الزوج ارادته الفعل على الوجه المزبور لا ارادتها متى شاءت ضرورة عدم كون ذلك حقا لها انتهى كلامه (3). ثم انه قد تقدم انه يعتبر في احصان الرجل ان لا تكون زوجته متعة بل


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 10. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 11. (3) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 277.

[ 99 ]

اللازم كونها دائمة فهل يعتبر في احصان المراة ايضا كونها زوجة دائمة أو انه وان كان ذلك شرطا في احصان الرجل لكنه ليس شرطا في احصانها؟ ربما يؤيد الثاني صدق ان لها زوجا وقد ورد في الروايات السابقة ان المتعة لا تحصن الرجل واما عدم كونها محصنة ايضا فلم يكن فيها شئ من ذلك وقد يستدل للاول أي اشتراط العقد الدائم في احصانها ايضا برواية اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة يطأها تحصنه الامة وتكون عنده؟ فقال: نعم انما ذلك لان عنده ما يغنيه عن الزنا. قلت: فان كانت عنده امرأة متعة اتحصنه؟ فقال: لا. انما هو على الشئ الدائم عنده (1). فان المشار إليه بقوله: ذلك، أو مرجع ضمير انما هو على الشئ الدائم هو الاحصان فيدل على انه انما يكون الاحصان في الشئ الدائم بلا فرق بين احصان الرجل والمرأة فان المورد وان كان هو الرجل الا ان الحكم عام وهو من باب تطبيق الكبرى على الصغرى (2). لكنه مشكل وذلك لعدم الملازمة بين ان لا تحصن المتعة الرجل الزاني وبين ان لا تكون هي بنفسها محصنة. والظاهر انه يصدق عليها كونها مزوجة خصوصا إذا كان زوجها بحيث لا يعطلها وحينئذ فلو زنت فهي محصنة وترجم الا ان يكون هناك اجماع على اعتبار الدوام وعدم كونها متعة في احصانها. اللهم الا ان يكون معنى: لها زوج، ان يكون لها زوج محصن فان الزوج لا يكون محصنا الا إذا كان له ما يدوم أي الزوجة الدائمة أو ملك اليمين. والا فلم يكن في الروايات ما يفيد ان المتعة لا تكون محصنة فيكفي في احصانها كون الزوج محصنا نعم في خصوص المغيب والمغيبة والمحبوس منصوص بعدم كون


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) اورده بعض الاعاظم في مباني تكملته الجلد 1 الصفحة 207.

[ 100 ]

المراة محصنة (1). فتحصل من جميع ما ذكرناه في المقام انه إذا كانت الزوجة مدخولا بها وكانت بحيث كلما اراد زوجها ان يواقعها امكنه ذلك فهي ايضا محصنة وان فرض ان الزوج لم يرد ذلك وان الملاك هو امكان ذلك وتيسره حين اراد ولو في كل اربعة اشهر مرة حيث انه ليس لها حق اكثر من ذلك. نعم لو كانت مريضة أو محبوسة لا تمكنها اجابة الزوج فليست بمحصنة كما ان الزوج لا يكون حينئذ محصنا. هل يعتبر حريتها في تحقق احصانها؟ قد تقدم انه تعتبر في احصان الرجل، الحرية فهل هي شرط في احصان المراة وثبوت الرجم عليها حتى لا يحكم عليها بالرجم إذا لم تكن حرة؟ الظاهر هو الاول بل ادعى عدم الخلاف في ذلك. وتدل عليه صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في مكاتبة زنت قال: ينظر ما ادت من مكاتبتها فيكون فيها حد الحرة وما لم تقض فيكون فيه حد الامة إلى ان قال: وابى ان يرجمها وان ينفيها قبل ان يبين عتقها (2). ورواية بريد العجلي عن ابي عبد الله [ جعفر ] عليه السلام في الامة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن لها زوج (3). وعلى هذا فالامة ليست بمحصنة وان كان لها زوج محصن وبتعبير آخر يشترط في احصانها ورجمها حريتها كما تشترط في احصانه ورجمه حريته. هل تعتبر حرية الزوج في احصان المراة؟ وهل تشترط في احصانها - مضافا إلى حرية نفسها - حرية زوجها بان


(1) اقول قد صرح في صحيح ابن مسلم بعدم الرجم على المغيب والمغيبة واما المحبوس فالمصرح به في رواية ابى عبيدة هو عدم رجم الرجل الزانى المحبوس واما الزوجة فلا، نعم يمكن ان يستفاد منه ذلك. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا الحديث 2.

[ 101 ]

لا تكون الحرة الزانية زوجة للعبد ام لا؟. نقول: قد عرفت انه لا يشترط في احصان الرجل حرية زوجته بل لو كان له ملك يمين لكفى ذلك في كون محصنا ولا فرق بين الزوجة الدائمة والامة في احصان الرجل، وانما الكلام في عكس ذلك وهو ما إذا كان زوج الزانية الحرة عبدا، والظاهر انه ليس في نص خاص يدل على كونها محصنة كالعكس على ما تقدم. بل في صحيح الحلبي: قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يحصن الحر المملوكة ولا المملوك الحرة (1). لكن فيه كلاما فلذا قال الشيخ الحر العاملي: حمله الشيخ على ان المراد به ان المملوك والمملوكة لا يحصنان بالحر والحرة بحيث يجب على المملوك الرجم لان ذلك لا يجب عليه على حال بل عليه الجلد لما مضى ويأتي، فهو نفي لاحصان خاص. ونحن نقول: لا شك في ان الحر في الجمله الاولى فاعل، والمملوكة مفعول ومعناها ان الزوج الحر لا يكون سببا لكون الزوجة المملوكة محصنة حتى ترجم بزناها بل يشترط في احصانها كونها حرة واما الجملة الثانية فظاهر السياق وان كان يقتضي كونها كالاولى بان يكون المملوك فاعلا والحرة مفعولا فيكون المراد ان الزوج المملوك لا يكون سببا لاحصان الحرة فيعتبر في احصانها كون الزوج غير مملوك وان تكون المراة زوجة للحر الا انه يرفع اليد عن هذا الظاهر لما هو المعلوم من ان العبد أو الامة لا يغيران حكم الحر والحرة وذلك بدليل خارج كخبر ابي عبيدة عن ابي عبد الله عليه السلام وفيه: ان كان زوجها الاول مقيما معها في المصر التي هي فيه تصل إليه ويصل إليها فان عليها ما على الزاني المحصن [ الزانية المحصنة ] الرجم (2). فان الظاهر منه ان المرأة إذا كان لها زوج حاضر يصل إليها وتصل


وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد الزنا الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 102 ]

إليه فلو زنت فهي زانية محصنة، وهذا بعينه صادق في المقام وان كان زوجها مملوكا. وعلى هذا فتقرء الجملة الثانية بتقديم المفعول وتأخير الفاعل، والمعنى ان الزوج المملوك لا يصير محصنا بمجرد كون الزوجة حرة بل تعتبر في احصان الزوج حريته بنفسه فإذا كان هو حرا متمكنا من امرأة يغدو عليها ويروح فهو محصن سواء كان لها زوجة حرة أو ملك اليمين فقد ظهر ان ما افاده الشيخ الطوسي قدس سره هو الظاهر. كما ان في كشف اللثام ايضا: ولعل المملوك منصوب والحرة مرفوعة فيكون كصحيح ابي بصير (1). ومراده من صحيح ابي بصير هذا: عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة قال: فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق (2). ثم لو فرض كون الجملة الثانية كالاول في كون الاول المملوك فاعلا والثاني الحرة مفعولا، فهذا يوجب التخصيص في الروايات الدالة على ان المرأة التي لها زوج، محصنة إذا كان يصل إليها وتصل إليه، والنتيجة ان المرأة التى لها زوج كذلك إذا زنت فهي محصنة الا إذا كان زوجها مملوكا فلا تكون محصنة، لوضوح ان المعنى على فرض تقديم الفاعل هو ان الزوج المملوك لا يصير الزوجة الحرة محصنة، وهذا بخلاف العكس وهو ما إذا كان المفعول مقدما فانه لا يلزم التخصيص اصلا، ومعلوم انه مع الشك في التخصيص لا يمكن الذهاب إليه بل المرجع هو عموم المحصنات هي المزوجات، المستفاد من الروايات فيجب الرجم (3).


(1) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 220. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (3) اقول: وصريح عبارة صاحب الرياض عدم اشتراط حرية الزوج في احصان المرأة وان ذلك مجمع عليه قال - في ذيل عبارة المختصر النافع: واحصان المرأة كاحصان الرجل -: في اشتراط ان تكون

[ 103 ]

لا يقال انه على ما ذكرتم يحتمل التخصيص فلا رجم، وعدمه فيجب الرجم فيكون المورد من موارد الشبهة ومن المعلوم وهو درء الحدود بالشبهات. لانا نقول: اجل ان الحدود تدرء بالشبهات لكن بشرط عدم وجود عام يكون هو المرجع والا فمع الرجوع إليه مثلا كما في المقام فلا شبهة في البين كي تدرء. (المطلقة الرجعية محصنة). قال المحقق: ولا تخرج المطلقة الرجعية عن الاحصان ولو تزوجت عالمة كان عليها الحد تاما وكذا الزوج ان علم بالتحريم والعدة ولو جهل فلا حد ولو كان احدهما عالما حد حدا تاما دون الجاهل، ولو ادعى احدهما الجهالة قبل إذا كان ممكنا في حقه. اقول: غير خاف ان المطلقة على قسمين رجعية وبائنة اما الرجعية فهي زوجة في الحقيقة أي في حكمها وذلك لانه كلما اراد الزوج الرجوع إليها يمكنه ذلك فان امرها بيده ما دامت في العدة كما إذا لم تكن مطلقة وعلى هذا فله فرج يغدو عليه ويروح، وعلى الجملة فلم تتحقق البينونة الحقيقية بينهما بالطلاق الرجعي وهي من هذه الجهة كأنها غير مطلقة وان كان وطيها يحتاج إلى الرجوع الا انه كم فرق بين من ليس له زوجة - وان كان يمكن له تحصيلها في كل آن - وبين من كانت له مطلقة رجعية يمكن له الرجوع إليها مهما اراد وهذا بخلاف المطلقة البائنة التي لا سبيل للزوج إليها - وعلى هذا فلو طلق الزوج زوجته كذلك ثم زنى حال كون زوجته في العدة فهو محصن وان لم تكن له زوجة اخرى في حبالته فانه يصل إليها كلما اراد وعند ما شاء كما انها تصل إليه عند ما اراد الزوج الوصول إليها. هذا مضافا إلى روايات خاصة منها صحيح الكناسي قال: سألت


= بالغة عاقلة حرة لها زوج دائم أو مولى وقد وطأها وهى حرة بالغة عاقلة وهو عندها يتمكن من وطئها غدوا ورواحا بلا خلاف اجده في اعتبار كمال العقل فيها الخ

[ 104 ]

ابا عبد الله عليه السلام عن امراة تزوجت في عدتها فقال: ان كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فان عليها الرجم وان كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فان عليها حد الزاني غير المحصن، وان كانت تزوجت في عدة بعد موت زوجها من قبل انقضاء الاربعة اشهر والعشرة ايام فلا رجم عليها، وعليها ضرب مأة جلدة. قلت: ارأيت ان كان ذلك منها بجهالة؟ قال: فقال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين الا وهى تعلم ان عليها عدة في طلاق أو موت ولقد كن نساء الجاهلية يعرفن ذلك. قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة ولا تدري كم هي؟ فقال: إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم (1). ومنها رواية الكناسي الاخرى قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن امرأة تزوجت في عدتها فقال: ان كانت تزوجت في عدة من بعد موت زوجها من قبل انقضاء الاربعة الاشهر وعشر فلا رجم عليها وعليها ضرب مأة جلده وان كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها رجعة فان عليها الرجم وان كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها فيها رجعة فان عليها حد الزاني غير المحصن (2). فقد فصل فيما بين المطلقة الرجعية والبائنة وصرح بلزوم الرجم في الاولى والجلد في الثانية كما ان الامر في المتوفى عنها زوجها ايضا كذلك. وليعلم ان المراد من التزويج في عدة الطلاق الرجعي الموجب للرجم هو التزويج مع الدخول فان مجرد التزويج - وان كان محرما - لا يوجب الحد والرجم وانما يوجب التعزير وليس هو من اسباب الحد المذكورة في بداية الكتاب. وعلى الجملة فبعد تحقق الوطى يتحقق الزنا الموجب للرجم فيكون كالزنا بدون النكاح في ايام العدة الرجعية. نعم في بعض الروايات الحكم بالرجم في ايام العدة مطلقا.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من ابواب حد الزنا الحديث 10.

[ 105 ]

فعن عمار بن موسى الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له امرأة فطلقها أو ماتت فزنى قال: عليه الرجم وعن امرأة كان لها زوج فطلقها أو مات ثم زنت عليها الرجم؟ قال: نعم (1). وعن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل طلق و (أو) بانت امرأته ثم زنى ما عليه؟ قال: الرجم. وسألته عن امرأة طلقت فزنت بعد ما طلقت هل عليها الرجم؟ قال: نعم (2). لكن لابد بمقتضى خبر الكناسى الصريح في التفصيل بين الرجعية والبائنة من حمل المطلق على المقيد ولا يمكن الاخذ باطلاق هاتين. ولذا قال الشيخ الطوسى قدس سره عند ما نقل رواية الساباطى: ما يتضمن هذا الخبر من حكم الرجل انه إذا طلق امرأته أو ماتت فزنى ان عليه الرجم لا ينافي ما قدمناه من الاخبار لان كونه مطلقا يحتمل ان يكون انما كان طلاقا يملك فيه الرجعة فهو محصن لانه متمكن من وطئها بالمراجعة، وان كانت بائنة أو ماتت هي فلا يمتنع ان يكون انما اوجب عليها الرجم إذا كان عنده امرأة اخرى تحصنه واما حكم المرأة إذا طلقها زوجها انما يجب عليه الرجم إذا كان الطلاق رجعيا حسب ما قدمناه في الرجل، واما موت الرجل فلا يحصنها بعد ذلك فإذا زنت في العدة فليس عليها غير الجلد، ويحتمل ان يكون ذلك وهما من الراوى (3). ترى انه قدس سره حمل رجم الرجل المطلق زوجته على ما إذا كان الطلاق رجعيا أو انه لو كان الطلاق بائنا فانما كانت عنده امرأة اخرى فكان زناه عن احصان ايضا وبهذا وجه ايضا حكم رجم الرجل الزانى الذى ماتت زوجته


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من حد الزنا الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 6 من حد الزنا الحديث 1 و 2، لكن ليس فيه لفظ (بسنة) في حين انه موجود في المصدر أي قرب الاسناد فراجع الصفحة 110 حيث قال: بعد ما طلقت بسنة. (3) التهذيب الجلد 10 الصفحة 22.

[ 106 ]

وذلك لما هو مقرر من ان موت الزوجة يخرج الرجل عن كونه محصنا فلابد من حمل ما يدل على احصانه ورجمه على ما إذا كانت له زوجة اخرى. كما انه قدس سره حمل ذيل الرواية الدال على رجم المرأة التى زنت بعد ان طلقها زوجها على ما إذا كان الطلاق رجعيا فكانت في الحقيقة ذات بعل قد زنت وحكمها الرجم. واما رجم المرأة التى زنت بعد ان مات زوجها فقد حمل قدس سره ذلك على وهم الراوى أي تردده في النظر، وخطأه، وذلك لتسالم الاصحاب على ان زنا احد الزوجين بعد موت الآخر لا يوجب الرجم لعدم الاحصان. وعلى الجملة فالحكم برجم الرجل الذى زنى بعد ان طلق امرأته، في رواية قرب الاسناد ايضا يحمل على كون الطلاق رجعيا كى يكون ذا زوجة فيكون محصنا ويترتب على زناه الرجم، أو يحمل على انه كانت له زوجة اخرى. واما قوله عليه السلام في هذا الخبر: أو بانت، فحيث ان الزنا بعد الطلاق البائن مع عدم زوجة اخرى له لا يوجب الرجم فلابد من ان يحمل اما على كون (أو) بمعنى الواو فيكون قوله: أو بانت امرأته، عبارة اخرى عن قوله عليه السلام: طلق، واما على كون المراد انها بانت وتركت زوجها وذهبت فلا يدله عليها (1) أو على ان المراد انها بانت وحرمت عليه بعامل غير الطلاق كالرضاع أو النشوز وعدم التمكين. ولو لم يمكن الحمل على شئ من هذه الوجوه أو غيرها فلا اشكال في طرحها لمعارضتها لروايات اخرى اقوى منها كروايتي الكناسى فانهما بسند صحيح ودلالة واضحة تدلان على ان الرجعية بحكم الزوجة وعلى ان الاحصان محقق بالطلاق الرجعى دون البائن.


(1) هذا الحمل والحمل الاخير لا ينفعان شيئا وذلك لانه وان وجه بذلك معنى (بان) الا ان من المسلم عدم ارادة هذا المعنى وذلك لانه لا يكون حكم الزنا مع البينونة بهذا النحو الرجم في حين ان الرواية صريحة في الرجم بزناه

[ 107 ]

هذا كله بناء على ان ضبط الخبر هو لفظة (أو) واما لو كان الوارد فيه هو لفظ (الواو) - كما هو كذلك في قرب الاسناد - فلا اشكال اصلا ولا حاجة إلى التوجية لانه على ذلك تكون جملة: وبانت عند امرأته، تفسيرا للطلاق وعبارة اخرى عنه شيئا آخر ورائه. ثم ان الموجود في رواية قرب الاسناد على ما هو المضبوط في نفس المصدر هكذا: وسئلته عن امرأة طلقت فزنت بعد ما طلقت بسنة. فلو كان لفظ (سنة) بلا تشديد فهو بمعنى العام وحينئذ لا يكون ملائما للحكم المذكور فيها وهو الرجم لانه مع مضى سنة من طلاقها تكون بائنة لا محالة، فلابد من كون اللفظ مشددا مرادا به ما يقابل البدعة، وهو المعروف بالطلاق السنى وهو منسوب إلى السنة وله اطلاقان: احدهما انه كان طلاق جائز شرعا وهو ما قابل الحرام وفى مقابله البدعى أي الحرام. ثانيهما ما هو اخص منه وهو ان يطلق على الشرائط ثم يتركها حتى تخرج من العدة ويعقد عليها ثانيا ويقال له طلاق السنة بالمعنى الاخص. ثم انك قد علمت انه صرح في روايتي الكناسى بان المطلقة الرجعية إذا زنت فهى محصنة وترجم لكن لا تعرض فيهما بالنسبة إلى الزوج وانه إذا زنى يكون محصنا الا انهم استظهروا منهما ان الزوج ايضا لو زنى قبل انقضاء عدتها يكون محصنا ويرجم وذلك للعلم بوحدة المناط وهو حصول الزوجية وتحققها في هذه المدة. كما ان موثقة الساباطى ورواية قرب الاسناد للمذكورتين آنفا تدلان باطلاقهما على ان مطلق مطلق امرأته فزنى بعد ذلك يكون محصنا وحيث ان الحكم المذكور فيهما هو الرجم فلذا حملتا على من طلق زوجته رجعيا، وعلى الجملة فبمناط روايتي الكناسى ومقتضى رواية عمار الساباطى ورواية قرب الاسناد يحكم بان الزوج ايضا كالزوجة إذا زنى في مدة عدتها فهو محصن وحده هو الرجم.

[ 108 ]

واما ما في الموثقة من عطف موت المرأة بطلاقها الدال على ان الرجل يرجم بالزنا بعد موت زوجته فهو لا يلائم القواعد فلذا صار معرضا عنه عند العلماء. ثم ان ما افاده المحقق في عبارته المتقدمة من وجوب الحد التام على المرأة إذا تزوجت عالمة فتكفى في الاستدلال عليه الاخبار الدالة على رجم المرأة ذات بعل وذلك لان الرجعية زوجة. حول اشتراط العلم لا شك في اعتبار العلم بالحكم والموضوع كى يوجب الزنا في المقام الرجم وقد صرح بذلك المحقق فيما نقلناه من كلامه بلا فرق بين الرجل والمرأة فلو جهلا أو جهل احدهما سقط الحد عنهما أو عن الجاهل منهما. والدليل على ذلك صدق المحصن على المطلق والمحصنة على المطلقة إذا كان سائر شرائط الاحصان موجودة، والروايات الواردة في المقام. واما قوله عليه السلام في رواية الكناسى في جواب السؤال عن انها إذا تزوجت في ايام العدة جهلا: ما من امرأة من نساء المسلمين الا وهى تعلم ان عليها عدة في طلاق أو موت ولقد كن نساء الجاهلية يعرفن ذلك الخ (1) فالمراد منه نفى العلم خارجا وهو محمول على الغلبة فلو علم انه كان جاهلا فلا رجم ولا حد اصلا. وفى المسالك: ولو تزوجت الزوجة بغير الزوج فكتزويج المطلقة رجعيا واولى بالحكم. ثم ان من جملة الروايات الدالة على انه مع العلم يترتب الرجم رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألت عن امرأة تزوجها رجل فوجد لها زوجا قال: عليه الجلد وعليها الرجم لانه تقدم بعلم وتقدمت هي بعلم وكفارته ان لم يقدم إلى الامام ان يتصدق بخمسة اصابع دقيقا (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من حد الزنا الحديث 5.

[ 109 ]

وهى صريحة في ان المرأة ذات البعل إذا تزوجت بآخر فانها ترجم، لكونها عالمة بان لها زوجها وبحرمة النكاح مع ذلك. نعم يشكل الامر بالنسبة إلى الرجل الذى تزوجها فانه لو كان عالما بذلك كما هو صريح العبارة، فان كان له فرج مملوك فلابد من ان يرجم هو ايضا لكونه محصنا على ذلك، وان لم يكن له فرج مملوك فحكمه وان كان هو الجلد الا ان ذلك لا يناسب تعليل الرواية فلو كان يعلل بقوله: لانه كان عالما ولم يكن له فرج مملوك لكان حسنا لكنه علل بقوله: لانه تقدم بعلم. وعلى الجملة فيحمل هذا الحكم على ان الرجل لم تكن له زوجة فلذا يحد ولا يرجم نعم في نسخة الكافي: لانه تقدم بغير علم، وهذا انسب ان يكون تعليلا للحكم بعدم رجمه مع انها ترجم. الا انه يرد عليها انه إذا كان قد اقدم بغير علم فلا حكم له حتى الجلد وان كان له فرج مملوك (1) والحال انه قد حكم عليه بالجلد. وكيف كان فهى تدل على رجم المرأة التى قد تزوجت وكان لها زوج وهى عالمة. وعن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: سئل عن امرأة كان لها زوج غائبا عنها فتزوجت زوجا آخر، قال: ان رفعت إلى الامام ثم شهد عليها شهود ان لها زوجا غائبا وان مادته وخبره يأتيها منه وانها تزوجت زوجا آخر كان على الامام ان يحدها ويفرق بينها وبين الذى تزوجها، قلت: فالمهر الذى اخذت منه كيف يصنع به؟ قال: ان اصاب منه شيئا فليأخذه وان لم يصب منه شيئا فان كل ما اخذت منه حرام عليها مثل اجر الفاجرة (2).


(1) اقول: لكن على نقل العلامة المجلسي قدس سره، حمل هذا الحد على التعزير لتقصيره في التفتيش أو على ما إذا ظن ان لها زوجا، ثم قال: واحتمل الشيخ ان يكون متهما في دعوى التزويج. فراجع مرآت العقول الجلد 23 الصفحة 294. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من حد الزنا الحديث 6.

[ 110 ]

قوله: مادته يعني النفقة الواجبة عليه لها. وهي تدل بالمنطوق على انه إذا اقامت البينة على حياة زوجها ومع ذلك تزوجت برجل آخر فان عليها الحد دون الرجم لان زوجها غائب عنها وليس معها، وبالمفهوم على انه لو لم تقم البينة عند الامام على كونها عالمة بحياة زوجها فليس له ان يحدها باستصحاب علمها إلى حال التزويج، ويستفاد منها انه يكتفي في اجراء الحد بالبينة فهي كالعلم وقيام البينة على ان لها زوجا غائبا وان خبره ونفقته يأتيها ومع ذلك فقد تزوجت بآخر فهو كالعلم بحياة زوجها وبقاءه بلا فرق بينهما واما لو لم تقم البينة فلا (1). والتحقيق ان العلم ان اخذ في موضوع الحد بما هو صفة من صفات النفس فالمعتبر في اجراء الحد مطلقا هو حصول هذه الصفة وتحققها بنفسها ولا يقوم مقامها شئ. اما لو كان مأخوذا فيه بما هو طريق فحينئذ تقوم البينة مقامه. واما انه بعد ان اخذ في الموضوع فمن اين يعلم ان اخذه كان على النحو الاول أو الثاني فهذا قد يستفاد من ظاهر اخذه فيه وقد يستفاد من الخارج كالتصريح به في نص من النصوص أو التصريح بقيام شئ كالبينة مقامه أو بعدم قيامه وما نحن فيه من هذا القبيل للتصريح بقيامها مقامه في خبر ابي بصير. واما بالنسبة إلى قيام الاستصحاب مقامه وعدمه فمقتضى طريقية العلم هو الاول فهذه المرأة التي كان يأتيها خبر زوجها ومادته تستصحب بقاءه وحياته كما يستصحب علمها الحاصل في اول ازمنة غيبوبة زوجها بوجوده فلو تزوجت وتحقق الوطي ايضا يجب اجراء الحد عليها، الا انه يخرج عن هذه القاعدة لما ذكرنا من اقتضاء رواية ابي بصير قيام خصوص البينة مقام العلم دون


(1) هكذا افاد دام ظله الشريف في مجلس الدرس وكتب كذلك في دفتر مذكراته وهو بظاهره لا يخلوا عن كلام وذلك لان البينة المذكورة في خبر ابى بصير كانت المرافعة إلى الحاكم ولاثبات زناها وتزويجها مع كونها ذات بعل ولم تكن بينة قائمة للزوجة وعندها حتى يستفاد من ذلك قيام البينة مقام العلم، ثم استفادة الخصوصة لها، لا يجوز قيام الاستصحاب مقامه، وهذا الاشكال وارد في مواقع من هذا البحث.

[ 111 ]

غيرها إذا فلا وجه للتمسك بالاستصحاب بعد عدم العلم. لا يقال: يكفينا في المقام انه من موارد الدرء للشبهة حيث ان المرأة لم تكن عالمة ببقاء الزوج بل كانت شاكة في ذلك فيدرء الحد عنها بلا حاجة إلى التمسك بالرواية واخذ المفهوم. لانا نقول: انه لا ينفع في المقام شيئا وذلك لانه إذا شك في خروج المورد عن حكم العام الدال على وجوب حد الزاني والزانية فالاصل عدمه لان الاصل عدم التخصيص وهذا الاصل جار بلا كلام، والعام حجة، فلا مورد للقاعدة لعدم الشبهة والحال هذه، فلا محيص حينئذ عن التمسك بالرواية وهو يقتضي عدم قيام غير البينه مقام العلم. واما ما عن ابن ابي عمير عن شعيب قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل تزوج امرأة لها زوج، قال: يفرق بينهما قلت: فعليه ضرب؟ قال: لا، ما له يضرب؟ إلى ان قال: فاخبرت ابا بصير فقال: سمعت جعفر عليه السلام يقول: ان عليا عليه السلام قضى في رجل تزوج امرأة لها زوج فرجم المرأة وضرب الرجل الحد، ثم قال: لو علمت انك علمت لفضخت رأسك بالحجارة (1) فما عن شعيب يحمل على كون الرجل جاهلا واما ما عن ابي بصير، فلا يصح الا إذا حمل الضرب على التعزير لمسامحته في الفحص مع الشك والتزويج بلا سؤال عنها. الكلام في المطلقة البائنة قال المحقق: وتخرج بالطلاق البائن عن الاحصان ولو راجع المخالع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من حد الزنا الحديث 8، اقول: وفى التهذيب الجلد 10 الصفحة 25: ان ابا الحسن (ع) نفى عنه الحد لانه لم يعلم ان لها زوجا والذى ضربه امير المومنين عليه السلام يحتمل شيئين احدهما ان يكون ضربه لعلمه بان لها زوجا.. والثانى لغلبة ظنه ان لها زوجا ففرط في التفتيش عن حالها وليس في الخبر انه ضربه الحد تاما ويكون قوله عليه السلام: لو علمت انك علمت لفضخت رأسك بالحجارة، المراد به انك لو علمت يقين ان لها زوجا لفعلت ذلك بك.

[ 112 ]

لم يتوجه عليه الرجم الا بعد الوطئ. اقول: اما الاول فلما تقدم آنفا من عدم كون البائنة زوجة لحصول البينونة بينهما بالطلاق ومن التصريح بالتفصيل بين الرجعى والبائن وباجراء حد غير المحصن في مورد البائن في صحيح الكناسي الذي مر نقله. واما الثاني فلان طلاق الخلع من اقسام الطلاق البائن، والمختلعة بائنة فلو زنى في العدة بلا رجوعها عن بذلها فلم يتحقق الاحصان ولا يترتب عليه الرجم ولو رجعت عن بذلها ورجع هو في الزوجة فحينئذ يكون محصنا إذا وطئها. وقال ايضا في المختصر النافع: ولو راجع المخالع لم يتوجه عليه الرجم حتى يطأ انتهى. وفي المسالك بعد عبارة الشرايع المذكورة آنفا: اما المخالع فلانه بالخلع الموجب للبينونة خرج عن الاحصان حيث لا يملك فرجا آخر غيرها فيشترط في عوده إلى الزوجة وان كان برجوعه (إلى الزوجة) بعد رجوعها (إلى البذل) تجدد الوطي ليتحقق احصان جديد لبطلان الاول بالفرقة الثانية انتهى. وفي الجواهر: لانها بحكم الزوجة الجديدة. وفي الرياض - بعد العبارة المذكورة عن النافع -: لزوال الاحصان بالبينونة وخروج الاختيار عن يده، والرجوع غايته انه كعقد جديد أو نفسه وهو بمجرده لا يوجب الاحصان ما لم يدخل. وقال العلامة في القواعد: ولو راجع المخالع اما لرجوعها بالبذل أو بعقد مستأنف لم يجب الرجم الا بعد الوطي في الرجعة. وفي كشف اللثام - بعد ذلك -: لزوال الاحصان بالبينونة وخروج الاختيار عن يده. وقال العلامة في الارشاد: ويشترط وقوع الاصابة بعد الحرية والتكليف ورجعة المخالع. وقال الاردبيلي في الشرح: ومن شرائط الدخول كونه بعد رجعة

[ 113 ]

المخالع فلو دخل رجل بامرأته ثم خالعها فرجعت المرأة في البذل فرجع الرجل إلى زوجته المخالعة ثم زنا قبل وطى امرأته المراجعة والمخالعة لم يرجم وان تحقق شرائطه غير الدخول ويجلد، وجه ذلك ظاهر، فان المرأة بعد الخلع خرجت عن حباله وصارت اجنبية محضة وبعد الرجوع صار بمنزلة شخص تزوج امرأة اجنبية أو التي طلقها بائنا، إلى آخر كلامه. إلى غير ذلك من كلماتهم ونحن قد تفحصنا ما كان بايدينا من كتبهم وكلماتهم، وكلهم يقولون بهذا المضمون ولا مخالف في خصوص المسألة اصلا بناء على لزوم الوطئ في الاحصان، وانما المخالف هو من خالف في اصل اعتبار الوطئ في تحقق الاحصان وقد تقدم في موضعه ان عدة من العلماء صرحوا باعتبار - الوطى في كون الزاني محصنا واطلق اخرون، والمحقق اعتبره في الشرائع صريحا كما مر ذلك واطلق في المختصر النافع. وقد صار صاحب الجواهر هناك بصدد الجمع بينهما بقوله: ويمكن حمله على الغالب، وعلى الجملة فكل من اعتبره هناك اعتبره في الراجع المخالع. ويمكن ان يستدل على ذلك ببعض الاخبار. منها خبر رفاعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزني قبل ان يدخل باهله أ يرجم؟ قال: لا (1). ومنها صحيح محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن الرجل يزني ولم يدخل باهله ا يحصن؟ قال: لا ولا بالامة (2). فانهما صريحان في عدم الرجم أو الاحصان إذا زنى مع عدم الدخول باهله، والمطلقة بائنة ليست باهل للرجل ولا هو زوج لها وان كانت تصير اهلا له بالرجوع الا انه قد انقطعت العلقة بينهما بالطلاق، فإذا صارت اهلا بالرجوع فهناك يلزم الدخول والا فهي اهل لم يدخل بها فلا رجم عليها ولا عليه. ان قلت انها بعد رجوعه إليها - عقيب رجوعها في البذل - صارت


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 9.

[ 114 ]

رجعية ولذا يجوز له الوطي بعد ذلك مهما اراد والمفروض انه قد دخل بها سابقا كما في الرجعية المصطلحة ودخوله من قبل سبب لاحصانه. نقول: الفرق بينهما واضح وذلك لان الرجعية لم تنقطع اهليتها ولم تخرج عن كونها اهلا له في حال كونها مطلقة وللزوج الاستمتاع منها منذ وقوع الطلاق إلى تمام العدة مهما شاء بخلاف المختلعة فانه بعد الطلاق ليس له فرج مملوك اصلا ولذا لو زنى فانه يجلد ولا يرجم إلى ان ترجع عن بذلها ويرجع هو فيها وعندئذ يكون له فرج مملوك بعد ان لم يكن كذلك وصار زوجها لها بعد انقطاع العلقة وهي صارت اهلا له بعد ان كان قد زالت الاهليه فهي زوجة جديدة نظير ما إذا عقد عليها بعد انقضاء العدة وليس الامر من باب اعادة المعدوم بل علقة جديدة وزوجية حادثة. وعلى الجملة فالعمدة في المقام هو ان العلقة في الرجعية باقية ثابتة ولذا تجرى بينهما الوراثة في ايام العدة بخلاف البائنة لانقطاعها جدا فإذا حصلت الزوجية برجوعها ورجوعه فهي زوجية مستحدثة ولابد في تحقق الاحصان معها من وقوع وطي جديد فهذا هو الوجه في اتفاقهم على اعتبار الوطي في المخالع والا فلا رواية في المقام تدل على اشتراط الوطي في المخالع. ثم لو شك في ذلك أي في كونها الاهل السابق حتى يكتفي بالوطي السابق أو انها اهل جديد كي يحتاج إلى وطي جديد فهو في الحقيقة شك في التخصيص فان عموم (الزانية والزاني فاجلدوا..) يدل على جلد كل من زنى وانما خصص هذا العموم بالمحصن والمحصنة فانهما يرجمان فإذا شك في ان الزاني إذا كانت زوجته هي المختلعة الراجعة بدون الوطي فعلا هل يكون محصنا ام لا وهل خرج عن عموم الاية لا محالة يرجع إلى العام لانه يقتصر في العام المردد مفهوما بين الاقل والاكثر على المتيقن. وقد اتضح من هذه الابحاث حول المطلقة، ان الرجعية لو تزوجت فعليها الحد التام وهو الرجم وكذا بالنسبة إلى الزوج ويشترط ذلك بالعلم موضوعا وحكما أي بالعدة والحرمة والا فلا حد ولو ثبت ان احدهما كان عالما

[ 115 ]

والاخر جاهلا يختص الحد بالعالم دون الجاهل. ولو ادعى احدهما الجهل فهو من موارد الشبهة إذا امكن ذلك في حقه ومن مثله، فيدرء عنه الحد والفرق بين الشبهة ومورد الجهل هو انه في مورد الشبهة يحكم بدرء الحد بحسب الظاهر واما الجاهل فلا حكم له اصلا. قال المحقق: وكذا المملوك لو اعتق والمكاتب إذا تحرر. اقول فقد ذكر رضوان الله عليه ثلاثة موارد يشترط فيها الوطى احدها المخالع الراجع، على ما تقدم، ثانيها: المملوك إذا اعتق فانه لو وطئ ثم زنى بكون محصنا، ثالثها: المكاتب إذا تحرر وذلك لورود النص في المملوك بانه لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما اعتق. فعن ابي بصير يعني المرادي عن ابي عبد الله عليه السلام قال في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة قال: فقال لا رجم عليه حتى يواقع الحره بعد ما يعتق (1).. إلى غير ذلك من الروايات وقد مر ذلك. وفي الجواهر: والحقنا به الصبي إذا بلغ والمجنون إذا افاق لان الوطي السابق على ذلك بحكم العدم للاصل والاحتياط وغيرهما مما اشرنا إليه سابقا انتهى. اقول: ان هذه الموارد لم يرد فيها نص ولا عموم تعليل يشملها. الكلام في الاعمى لو زنى الاعمى فهل يجري عليه الحد جلدا أو رجما كما في البصير ام لا؟ قال المحقق: ويجب الحد على الاعمى. اقول: وذلك لعموم الادلة ولا يدفع الحد عنه عماه اجماعا بل في الجواهر: الاجماع بقسميه عليه، إذا فلا فرق بين البصير والاعمى في ذلك اصلا. قال المحقق: فان ادعى الشبهة قيل لا تقبل والاشبه القبول مع الاحتمال.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 116 ]

اقول: في المسألة اربعة اقوال. احدها انه لا تقبل مطلقا ذهب إليه شيخ الطائفة والشيخ المفيد والقاضي وسلار ثانيها القبول مطلقا مع احتمال صدقة وهو مذهب الاكثر بل المشهور، ثالثها القبول إذا كان هناك شاهد حال على ما ادعاه بان كان قد وجدها على فراشه مثلا فظنها زوجته أو امته اما لو شهد الحال بخلاف ذلك لم يصدق، ذهب إليه ابن ادريس رابعها التفصيل بين كونه عادلا فيقبل وعدمه فلا، ذهب إليه الفاضل المقداد قال قدس سره: ويظهر لي انه ان كان على ظاهر العدالة قبل الفعل قبل منه والا لم يقبل (1). ويمكن ان يكون ما ذهب إليه ابن ادريس مصداقا لكلام المشهور (2) فانه إذا كان هناك شاهد حال على صدقه وامكان ذلك في حق مثله فقد اقترنت دعواه بالاحتمال. ولا شك ان الاحتمال محقق مع دعواه ويشمله دليل الدرء كما في المبصر واما النافون فلم يقيموا على ما ذهبوا إليه دليلا مقنعا تطمئن إليه النفس وانما قالوا بذلك لبعض الوجوه الاعتبارية، قاله في الجواهر. والوجه الاعتباري مثل انه حيث كان اعمى فقد كان ينبغي له التحرز والتحفظ كثيرا كي لا يقع في الفجور، أو انه كان يجب عليه ذلك لمكان فقده حاسة الابصار. ومقتضى ذلك كون الاعمى مكلفا بازيد واشد مماكلف به المبصر فيلزم عليه عند الوقاع ان يثبت حتى يتحقق له ان المرأة حليلته أو مملوكته. ويمكن ان يكون من هذه الوجوه، ان قبول دعواه يفضي إلى تعطيل


(1) التنقيح الرائع الجلد 4 الصفحة 332. (2) قد احتمل ما احتمله دام ظله، السيد في الرياض فانه بعد ان نقل كلام الحلي قال: وهو موافق للقوم ان اراد بشهادة الحال بخلافة الشهادة بالقطع وضعيف ان اراد بها الشهادة بنحو من المظنة لعدم ارتفاع الشبهة الحاصلة من دعواه بمجرده وان ضعفت معه فقوله على هذا التقدير ضعيف انتهى بل الفاضل السيوري جعل القول بالقبول مع الاحتمال قول ابن ادريس فانه عند قول المحقق في النافع: فان ادعى الشبهة فقولان اشبههما القبول مع احتمال، قال: هذا قول ابن ادريس لقوله صلى الله عليه وآله: ادرءوا الحدود بالشبهات، والفرض احتمال ذلك في حقة انتهى.

[ 117 ]

الحدود والاجتراء على اقتراف المحرمات وارتكاب الفواحش. وقد يقال ما وجه التعرض للاعمى وقبول ادعائه الشبهة والحال ان المبصر ايضا كذلك؟ والجواب عنه ان خصوصية المقام هو كون الاعمى اقرب إلى الاشتباه من البصير فحيث انه يكون في معرض الاشتباه اكثر من المبصر فلذا تعرضوا له مستقلا. ثم انه قد تتحقق الشبهة بدون ان يدعيها هو بنفسه كما في غير ذلك من اموره وما يجري عليه ويصدر عنه نظير ما لو وقع في البئر فانه لا يشك احد في ان وقوعه وسقوطه فيه لم يكن عن عمد واختيار بل كان ذلك لعدم تفطنه وتذكره فوقع في البئر على حين غفلة منه، وعلى الجملة فهل الشبهة بحقيقتها ونفسها بدون ادعائه لها توجب الدرء كما يدرء بها مع ادعائه ام لا؟ الظاهر هو الاول وذلك لما هو المفروض من تحقق الشبهة وان الشبهة دارئة للحد فإذا رأى الشهود ان الاعمى قد باشر الاجنبية وزنى وشهدوا بذلك لكن كان هناك احتمال الغفلة والاشتباه وان لم يدع ذلك اصلا فكيف يجوز اجراء الحد عليه مع احتمال الشبهة احتمالا قويا والحدود تدرء بالشبهات؟ لكني لم اقف على ذلك في كلمات العلماء رضوان الله عليهم اجمعين. ومثل ذلك ان يقال بلزوم السؤال عنه والحكم على حسب ما يجيبه فربما ابدى عذرا واتى بشبهة كما في المرأة الحامل بلا زوج، وذلك لوقوع الشبهة واحتمال الجذب في الحمام أو الوطي بشبهة فلا تعرض لذلك في كلماتهم. نعم افتى شيخ الطائفة قدس سره بلزوم السؤال، واليك عبارته: إذا وجدت امراة حامل ولا زوج لها فانها تسئل عن ذلك فان قالت: من زنا، فعليها الحد وان قالت من غير زنا فلا حد عليها وقال بعضهم: عليها الحد والاول اقوى لان الاصل برائة الذمة لانه يحتمل ان يكون من زنا أو من وطي بشبهة

[ 118 ]

أو مكرهة والحد يدرأ بالشبهة انتهى كلامه رفع مقامه (1). وعلى الجملة فمقتضى القاعدة انه إذا قام شاهد الحال ودل على ان الاعمى ارتكب الزنا شبهة فلا حاجة إلى السؤال بل يكتفى به ويحكم بالدرء. اللهم الا ان يقال: انه فرق بين السقوط في البئر وارتكاب الزنا وذلك لان العاقل لا يقدم على القاء نفسه في البئر بعزمه وارادته الا في موارد شاذة ومواقع استثنائية كما إذا اقدم على الانتحار حينما سئم الحياة والا فالتعمد بذلك اما غير محتمل اصلا أو ان احتماله بعيد غايته وهذا بخلاف الاقدام على الزنا وغير من الامور الاختيارية فان العاقل إذا اتى بعمل فالظاهر انه اتى به بعلمه واختياره فلذا لو اقر بالزنا فلا يسئل عن انه كان عن عمد أو شبهة وان كان يسئل عن ذلك احيانا كما روى ذلك بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام الا ان الظاهر ان العمل قد صدر عن الفاعل بعلمه واختياره وعلى الجملة فيمكن ان يكون عدم تعرض العلماء لاحتمال الشبهة بالنسبة إلى الاعمى - مع عدم ادعائه الشبهة - ودرء الحد بذلك لاجل هذه النكتة أي قيام الدليل وهو شاهد الحال على انه فعل ذلك عالما عامدا لا عن شبهة واضطرار واكراه كما في ظاهر اقرار المقر بالزنا الا ان يقوم شاهد الحال على الخلاف ولذا اقتصروا على ذكر صورة ادعاء الشبهة فقط. الكلام في ما يثبت به الزنا قال المحقق قدس سره: ويثبت الزنا بالاقرار أو البينة. اقول: لعل ظاهره العبارة حصر الطريق فيهما فيرد عليه بانه لماذا لم يذكر علم الحاكم فهل لا يكون ذلك حجة هنا مع انه كان حجة في باب القضاء؟ نعم انه قد ذكر ذلك في المسألة الخامسة من النظر الثالث وصرح هناك بانه يجب على الحاكم اقامة حدود الله تعالى بعلمه كحد الزنا.


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 7 من كتاب الحدود.

[ 119 ]

لكن يرد عليه انه بناء على ذلك كان الانسب ان يقيد كلامه هنا ويقول: لو لم يعلم القاضى بنفسه. والذى يسهل الخطب انه رحمه الله لم يؤد المطلب بصورة النفى والاثبات ولم يقل: لا يثبت الا بالبينة والاقرار، بل قال: ويثبت الزنا بالاقرار أو البينة وهذا لا يفيد سوى اثبات الزنا بهما لا الحصر فيهما. ثم لو فرض حصول العلم بمجرد اقرار المقر مرة واحدة أو بشهادة واحد من الشهود لشدة وثوقه به فما يصنع هنا فهل يأخذ بعلمه ويقتصر على الاقرار الواحد والشهادة الواحدة أو لابد من شهادة الاربع والاقرار اربعا ولا يكون علمه هنا حجة لانه تمسك اولا بالبينة الاقرار؟ فيه تردد، من كون العلم هنا جزء الموضوع فان اللازم علم الحاكم بانه قد زنى عالما غاية الامر قيام البينة مقام العلم فيمكن ان يكون حجة في مورد دون مورد، ومن عدم ورود استثناء هذا الفرض في كلماتهم، فلم نقف على من قال بان علم الحاكم بموجب الحد حجة الا إذا حصل في اثناء الشهادة أو الاقرار. نعم قطع الحاكم اقرار المقر في الاثناء أو قطعه شهادة باقى الشهود بعد ان شهد شاهد مثلا، بان يقول الحاكم: لا حاجة إلى تكميل الاربعة لانه قد حصل لى العلم بذلك، غير معهود فلذا يشكل الفتوى بذلك جدا، فما يظهر من بعض من اعتبار اربعة شهود أو اربعة اقارير إذا لم يتبين المطلب عند الحاكم في غاية الاشكال. الكلام حول الاقرار وشرائط المقر قال المحقق قدس سره: اما الاقرار فيشترط فيه بلوغ المقر وكماله والاختيار والحرية وتكرار الاقرار اربعا في اربعة مجالس. اقول: اما البلوغ فاستدلوا على اعتباره بوجوه: وقبل ذكر ذلك ينبغى تذكار ان الصبى قسمان مدرك مميز، وغير ذلك اما الثاني فعدم حجية اقراره

[ 120 ]

لا يحتاج إلى الاستدلال وذلك لان العقلاء لا يعتنون باقراره اصلا واما المميز كالمراهق فهم يعتنون باقراره فلابد في الحكم بعدم اعتباره من التمسك بدليل شرعى وها هو هذه الوجوه التى اشير إليها. الاول حديث رفع القلم عن الصبى، الثاني كون عمد الصبى خطأ الثالث الاجماع. ولكن يرد على الاول أي التمسك برواية الرفع بان عنوان الاقرار على النفس الصادر عن العقلاء هو عنوان الكاشفية غاية الامر انه لما لم تكن تلك الكاشفية تامة فلذا تتم وتكمل بامضاء الشرع وهو طريق نوعي عندهم وذلك لان العاقل لا يقدم على الاضرار بنفسه واتلاف ماله فإذا اقر بضرر نفسه مثلا فلا محالة يفهم منه انه صادق في اقراره. وحينئذ نقول: ان المرفوع في مورد اقرار الصبى ما هو؟ فان كان هو التكليف فلا مساس له باقراره لان رفع التكليف لا يوجب رفع اقراره ولا يمنع عن كاشفية اقراره فلو كان يتمسك هنا باصالة الصحة لصح ان يقال انه لا تكليف عليه كى تجرى اصالة الصحة في افعاله واما كاشفية اقراره فلا ترفع بذلك، فترى انهم يولون بكون الصبى مسلوب العبارة في باب المعاملات، لكن هل يوجب ذلك عدم ظهور الفاظ الصبى في المعاني؟ فكيف وعباداته مشروعة على المشهور واقراره بالشهادتين - التوحيد والنبوة - مقبول. ولو كان اقراره بلا اثر مطلقا فلازم ذلك عدم صحة اقراره بوحدانية الله جل وعلا وبرسالة الرسول صلى الله عليه وآله إذا كان متولدا من الكافرين، وهم لم يلتزموا به. وان كان المرفوع هو العقاب فهو ايضا كذلك فان رفع العقاب لا تعلق له بعدم صحة الاقرار وكاشفيته التى مناط حجيته عند العقلاء. وعلى هذا فالتمسك بحديث رفع القلم عن الصبى غير سديد واما عمد الصبى خطأ فهو تعبد خاص ويمكن التمسك به ان لم يرد عليه ما ذكرناه من

[ 121 ]

الاشكال والا فلم يبق الا الاجماع. نعم قد يقال بانه يؤدب لكذبه أو صدور الفعل منه. وهذا ايضا لا يخلو عن اشكال وذلك لانه لو لم يكن اقراره طريقا فلا وجه لتأديبه لعدم تحقق الفعل، واما كذبه فهو مشكوك فيه ويكون من باب الشبهة المصداقية، ولو كان اقراره طريقا وحجة فلا محالة يكون التأديب على مجرد الفعل ولا مورد للترديد وجعله من باب العلم الاجمالي (1). هذا كله بالنسبة إلى حده. واما الاثار الوضعية كحرمة النكاح بام المزني بها فهل هي تترتب على اقراره أو لا مثل الحد بعينه؟ مقتضى عدم حجية هذا الطريق هو الثاني لكن الظاهر انها تترتب، بل القول بعدمه مشكل جدا حيث ان المتيقن هو عدم ترتب الاثر الخاص وهو الحد لا ان اقرار الصبى كالعدم. واما الشرط الثاني أي كمال المقر بالعقل فهو واضح فانه لا عبرة بكلام المجنون عند العقلاء علما بانه ليس المجنون بحيث لا يتكلم بكلام صحيح اصلا بل ربما ينطق بعض المجانين بكلمات حسنة جيدة الا ان الغلبة بالعكس فلذا لا يعتنى العقلاء باقوال المجنون مطلقا ولم يردع الشارع عن هذه السيرة العقلائية وقد اتضح بذلك انه لا حاجة هنا إلى التمسك بحديث الرفع بعد عدم اعتبار لقوله عند العقلاء بضم عدم ردع الشارع عنه. واما الشرط الثالث وهو الاختيار فهو معتبر بلا خلاف ولا اشكال وذلك لما تقدم آنفا من ان حجية الاقرار بطريقته وكاشفيته، ولا شك في انه مع الاكراه كما لو هدد بالقتل مثلا فلا طريقية ولا كشف له عند العقلاء بل يحمل على انه لدفع الضرر ولا حاجة هنا ايضا إلى التمسك بحديث الرفع الصريح


(1) اقول: هكذا افاد دام ظله وفيه نوع اجمال وذلك للعلم الاجمالي والقطع بانه ارتكب واحدا من الامرين وان لم يعلم شخصه، اللهم الا ان يعتبر في التاديب العلم بخصوصية العمل الذى ارتكبه.

[ 122 ]

في رفع ما استكرهوا عليه (1). واما الشرط الرابع أي الحرية واعتبار كون المقر بالزنا حرا فيدل عليه ان العبد ملك لمولاه فاقراره على نفسه اقرار على الغير وبضرر المولى لا على نفسه ومن المعلوم ان اقرار العاقل - بمقتضى لسان الدليل - نافذ أذا كان في اطار خاص وهو على نفسه لا على غيره، وعلى هذا فلا يعبأ باقرار العبد بالزنا ولا اثر له فلا يجرى عليه الحد الخاص به الذى هو نصف حد الحر. نعم لو صدقه مولاه لنفذ اقراره - لرفع المانع - وكذا لو اقر ثم اعتق، على ما افاده العلامة في القواعد بقوله: ولو اعتق بعد الاقرار فالاقرب الثبوت، وذلك لانه لا ضرر فعلا على مولاه حيث انه حر. ولكن يرد عليه ان اقراره لما وقع في حال العبودية وعند ما كان بضرر الغير فلا عبرة به وهو لم يؤثر شيئا فلا وجه لاجراء الحد عليه بعد عتقه فان اقامة الحد وان كانت في حال لا تضر بالغير الا ان الاقرار حيث كان بضرر الغير فهو بنفسه غير نافذ ولا يترتب عليه اثر والى هذا القول اشار العلامة بقوله: الاقرب، المشعر بوجود قول غير اقرب والظاهر ان اقراره نافذ إذا لم يرجع عنه بعد ان اعتق. واما الخامس وهو تكرار الاقرار اربعا فاختلف فيه العامة فعن اكثرهم الاكتفاء بالمرة واما الامامية فهم متفقون على ذلك الا شاذ منهم وهو ابن ابى عقيل رضوان الله عليه. قال شيخ الطائفة: لا يثبت حد الزنا الا بالاقرار اربع مرات من الزانى في اربع مجالس متفرقة وبه قال جماعة وقال قوم: يثبت باقراره دفعة واحدة كسائر الاقرارات واعتبر قوم اربع مرات سواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة (2). وقال ايضا: لا يجب الحد بالزنا الا باقرار اربع مرات في اربعة مجالس


(1) وقد استدل له برواية ابى البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام قال: من اقر عند تجريد أو تخويف أو حبس أو تهديد فلا حد عليه وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد السرقة الحديث 2. (2) المبسوط الجلد 8 الصفحة 4 من كتاب الحدود.

[ 123 ]

فاما دفعة واحدة فلا يثبت به على حال وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إذا اقر دفعة واحدة لزمه الحد بكرا كان أو ثيبا وبه قال في الصحابة أبو بكر وعمر، وفى الفقهاء حماد بن ابى سليمان ومالك وقال ابن ابى ليلا لا يثبت الا بان يعترف اربع مرات سواء كان في اربع مجالس أو مجلس واحد دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا الاصل برائة الذمة وإذا اقر اربع مرات على ما بيناه لزمه الحد بلا خلاف ولا دليل على استحقاقه باقراره مرة واحدة وروى عن ابن عباس ان ماعزا اقر عند النبي مرتين فاعرض ثم اقر مرتين فامر برجمه وروى ان ابا بكر قال لماعز: ان اقررت اربع مرات رجمك رسول الله (1). وقال الشهيد الثاني في المسالك: اتفق الاصحاب الا من شذ على ان الزنا لا يثبت على المقر به على وجه يثبت به الحد الا ان يقر به اربع مرات ويظهر من ابن ابى عقيل الاكتفاء بمرة وهو قول اكثر العامة ومنهم من اعتبر الاربع كالمشهور عندنا لنا.. الخ. وفى الجواهر بلا خلاف معتد به اجده عندنا ولا ريب في ضعفه الخ. وعلى الجملة فلم ينقل الخلاف عن سوى العماني بل مذهبهم على اشتراط الاربع مع ان سيرة العقلاء على قبول اقرار المقر بذلك بلا حاجة إلى تكراره بل وربما يحصل القطع من قوله واقراره بخلاف باب البينة فانه ربما لا يحصل العلم حتى بالثلاثة بل وبالاربعة. ففى الاقرار بشئ لا يتعقبه مال أو جاه بل جاء المقر واقر بما يوجب الجلد أو الرجم وهيأ نفسه لذلك ويستدعى ويلتمس ان يقام عليه الحد كى يتطهر، ويقول: ان عذاب الدنيا ايسر من عذاب الاخرة الذى لا ينقطع - كما سترى ذلك في بعض الروايات - فانه يحصل للانسان القطع بقوله واقراره ولو مرة واحدة لانه لا داعى له إلى اقراره سوى صدقه وخوفه من الله سبحانه وطهارة نفسه من تبعات ما اقترفه، في الاخرة فان هذا الاقرار بلحاظ ما يترتب عليه لا يقع


(1) الخلاف الجلد 3 كتاب الحدود المسألة: 16.

[ 124 ]

الا من اهل الاخلاص واليقين وذوى الايمان الصادق. وعلى الجملة فمع حصول القطع عرفا وعادة باقراره مرة واحدة اعتبر الشارع في اقراره ان يتكرر اربع مرات ففى الحقيقة لم يلاحظ الاقرار في خصوص اجراء الحد بعنوان كاشفيته بل اعتبر خصوص كونه اربعا كما اعتبر مرتين في بعض الموارد ولعل الحكمة في ذلك شدة عناية الشارع الحكيم باختفاء هذه المعصية العظيمة وعدم ظهورها وبروزها واثباتها، وكيف كان فهذه من ناحية الاقوال. واما الادلة: فقد ادعى في الجواهر تطابق النصوص من الطريقين على ذلك. والمروى من طرقنا اخبار عديدة فعن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما عليها السلام في رجل اقر على نفسه بالزنا اربع مرات وهو محصن رجم إلى ان يموت أو يكذب نفسه قبل ان يرجم فيقول: لم افعل. فان قال ذلك ترك ولم يرجم وقال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود وقال: لا يرجم الزانى حتى يقر اربع مرات بالزنا إذا لم يكن شهود، فان رجع ترك ولم يرجم (1). فصدر هذه المرسلة وذيلها ظهورا وصراحة يدل على اعتبار الاربع مرات في الاقرار بالزنا الموجب للرجم. وهنا روايات تعرض لها المحدث البارع الحر العاملي رحمه الله في باب عنونه بقوله: باب ثبوت الزنا بالاقرار اربع مرات لا اقل منها وكيفية الاقرار وجملة من احكام الحد فاليك هذه الروايات. محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن محبوب عن على بن ابى حمزة عن ابى بصير عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن ابيه قال: اتت امرأة مجح امير المؤمنين عليه السلام فقالت يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني طهرك الله فان عذاب الدنيا ايسر من عذاب الاخرة الذى


(1) المجح بتقديم المعجمة على المهملتين الحامل المقرب التى دنا ولادتها، النهاية.

[ 125 ]

لا ينقطع، فقال لها: مما اطهرك؟ فقالت: انى زنيت فقال لها: وذات بعل انت إذ فعلت ما فعلت ام غير ذلك؟ قالت بل ذات بعل، فقال لها: افحاضرا كان بعلك إذ فعلت ام غائبا كان عنك؟ قالت: بل حاضرا، فقال لها: انطلقي فضعى ما في بطنك ثم ايتينى اطهرك فما ولت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم انها شهادة فلم تلبث ان اتته فقالت: قد وضعت فطهرني قال: فتجاهل عليها فقال: اطهرك يا امة الله مماذا؟ قالت: انى زنيت فطهرني قال: وذات بعل انت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم. قال فكان زوجك حاضرا ام غائبا؟ قالت: بل حاضرا قال: فانطلقي فارضعيه حولين كاملين كما امرك الله قال: فانصرفت المرأة فلما صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم انهما شهادتان قال: فلما مضى الحولان اتت المرأة فقالت: قد ارضعته حولين فطهرني يا امير المؤمنين فتجاهل عليها وقال: اطهرك مماذا؟ فقالت: انى زنيت فطهرني فقال: وذات بعل انت إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: نعم قال: وبعلك غائب عنك إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: بل حاضر قال: فانطلقي فاكفليه حتى يعقل ان يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر قال: فانصرفت وهى تبكى فلما ولت وصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه ثلاث شهادات قال: فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومى فقال لها: ما يبكيك يا امة الله وقد رايتك تختلفين إلى على تسألينه ان يطهرك؟ فقالت: انى اتيت امير المؤمنين عليه السلام فسألته ان يطهرني فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل ان يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر وقد خفت ان يأتي علي الموت ولم يطهرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فانا اكفله فرجعت فاخبرت امير المؤمنين عليه السلام بقول عمرو بن حريث فقال لها امير المؤمنين عليه السلام وهو متجاهل عليها: ولم يكفل عمرو ولدك؟ فقالت: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني فقال: وذات بعل انت إذ فعلت ما فعلت قالت: نعم قال: افغائبا بعلك إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: بل حاضرا قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم انه قد ثبت عليها

[ 126 ]

اربع شهادات، (إلى ان قال:) فنظر إليه عمرو بن حريث وكأنما الرمان يقفأ في وجهه فلما راى ذلك عمرو قال: يا امير المؤمنين انى انما اردت ان اكفله إذ ظننت انك تحب ذلك فاما إذ كرهته فان لست افعل فقال امير المؤمنين عليه السلام ابعد اربع شهادات بالله؟ لتكفلنه وانت صاغر، الحديث، وذكر انه رجمها (1). وهذه الرواية تدل على اعتبار الاربع في الاقرار من وجوه فانه لو لم يكن ذلك شرطا ومعتبرا لما اخر الامام عليه السلام اجراء الحد هذا التأخير، كما ان قوله عليه السلام: اللهم انها شهادة ثم قوله: اللهم انها شهادتان ثم في الاقرار الثالث: اللهم انها ثلاث شهادات وفى الرابع: اللهم انه قد ثبت لك عليها اربع شهادات، دليل على ذلك وعلى الجملة فهى تدل بوضوح على اعتبار الاربع في الاقرار كما في الشهادة وان سبيله سبيلها. وعن على بن ابراهيم عن احمد بن محمد بن خالد رفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام، قال: اتاه رجل بالكوفة فقال: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني قال: ممن انت؟ قال: من مزينة قال: اتقرء من القرآن شيئا؟ قال: بلى قال: فاقرأ، فقرأ فاجاد فقال: ابك جنة؟ قال: لا، قال فاذهب عنى حتى نسأل عنك فذهب الرجل ثم رجع إليه بعد، فقال: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني قال: الك زوجة؟ قال: بلى، قال: فمقيمة معك في البلد؟ قال: نعم فأمره امير المؤمنين عليه السلام فذهب وقال: حتى نسأل عنك فبعث إلى قومه فسأل عن خبره فقالوا يا امير المؤمنين صحيح العقل فرجع إليه الثالثة فقال مثل مقالته فقال: اذهب حتى نسأل عنك فرجع إليه الرابعة فلما اقر قال امير المؤمنين عليه السلام لقنبر: احتفظ به ثم غضب، الحديث، وفيه انه رجمه (2)... عن ابن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يقطع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 2.

[ 127 ]

السارق حتى يقر بالسرقة مرتين ولا يرجم الزانى حتى يقر اربع مرات (1)... عن ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام قال: اتت امرأة امير المؤمنين عليه السلام فقالت: انى قد فجرت فاعرض بوجهه عنها فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت: انى قد فجرت فاعرض عنها ثم استقبلته فقالت: انى قد فجرت فاعرض عنها ثم استقبلته فقالت: انى فجرت فامر بها فحبست وكانت حاملا فتربص بها حتى وضعت ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وادخلها الحفيرة إلى الحقو وموضع الثديين واغلق باب الرحبة ورماها بحجر وقال: بسم الله اللهم على تصديق كتابك وسنة نبيك ثم امر قنبر فرماها بحجر ثم دخل منزله ثم قال: يا قنبر ائذن لاصحاب محمد فدخلوا فرموها بحجر حجر ثم قاموا لا يدرون أيعيدون حجارتهم أو يرمون بحجارة غيرها وبها رمق فقالوا يا قنبر اخبره انا قد رمينا بحجارتنا وبها رمق كيف نصنع؟ فقال: عودوا في حجارتكم فعادوا حتى قضت فقالوا له: قد ماتت فكيف نصنع بها؟ قال فادفعوها إلى اوليائها ومروهم ان يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم (2). فهذه الروايات كلها تدل على اعتبار اربع مرات في الاقرار بالزنا نعم هنا اشكال وهو انها واردة في مورد الرجم أو متعرضة لخصوصه كما ان رواية ماعز المروية بطرق اهل السنة ايضا كذلك ولا ذكر فيها عن الجلد ويزيد الاشكال التصريح الوارد في رواية جميل على اعتبار الاقرار في السرقة مرتين وفى الرجم اربع مرات فلو كان يعتبر ذلك في الجلد ايضا لكان اللازم ذكره. وإذا كان الامر كذلك فكيف اطلق العلماء رضوان الله عليهم اجمعين الحكم باعتبار الاربع في حد الزنا جلدا كان أو رجما فهل كانت هناك رواية تدل على ذلك لم نجدها؟ أو انه قام الاجماع على عدم الفرق بينهما؟ أو انهم الحقوا الجلد بالرجم تنقيحا للمناط؟ لم يتعرضوا لذلك.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 128 ]

بل مقتضى مفهوم صحيح فضيل هو الاقتصار في الحكم باعتبار الاربع على خصوص الرجم والاكتفاء باقرار واحد في مورد الجلد واليك لفظه:.. عن الفضيل قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من اقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو عبدا أو حرة كانت أو امة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه للذى اقر به على نفسه كائنا من كان الا الزانى المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء فإذا شهدوا ضربه الحد مأة جلدة ثم يرجمه (1).. فان مقتضى قوله: (الا الزانى المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء) بعد قوله: (من اقر على نفسه.. مرة واحدة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه) هو انه يكتفى بمرة واحدة في الجلد للزنا. نعم هذه الرواية موافقة لمذهب العامة ومشتملة على امور مخالفة للقواعد المقررة (2). ويمكن ان يستدل بهذا الخبر (3) لابن ابى عقيل في قوله بالاكتفاء باقرار واحد في الزنا - على ما نسب إليه - نعم هو صريح في اعتبار الاربع بالنسبة إلى الرجم، ولعل العماني ايضا يقول بالاكتفاء بمرة واحدة في خصوص مورد الجلد وزنا غير المحصن لا الاعم الشامل للرجم وزنا المحصن ايضا، واللازم ملاحظة كلامه.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) اقول هي على ما ذكروه: عدم الفرق بين الحر والعبد والحال انه لا اثر لاقرار العبد بلا تصديق المولى، والفرق بين المحصن وغيره الذى لم يحك عن ابن ابى عقيل ذلك، وكون ظاهرها ان الرجم لا يترتب على الاقرار وان كان اربع مرات وانما يثبت بشهادة اربعة شهداء وهو مخالف لمذهب الاصحاب. (3) إذا اريد الاستدلال بهذا الخبر فلما لا يتمسك بصدره والحال ان ذيل صريح في الاكتفاء في زنا غير المحصن وهو: فقال له بعض اصحابنا يا ابا عبد الله فما هذه الحدود التى إذا اقر بها عند الامام مره واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا اقر على نفسه انه شرب خمرا حده فهذا من حقوق الله.. وإذا اقر على نفسه بالزنا وهو غير محصن فهذا من حقوق الله.

[ 129 ]

هذا ولكنهم ارسلوا اعتبار الاربعة في كل من الجلد والرجم ارسال المسلمات فيكتفى بمرة واحدة مطلقا. واما العامة فهم فرقتان - كما اشرنا إلى ذلك - فمنهم من قال بالاكتفاء بمرة واحدة وحجتهم على ذلك امور. 1 - ما جاء في حديث ابى هريرة وزيد بن خالد من قول النبي صلى الله عليه وآله في حديث العسيف: اغد يا انيس على امرأة في هذا فان اعترفت فارجمها فغدا عليها انيس، فاعترفت فامر النبي صلى الله عليه وآله بها فرجمت (1). فترى انه لم يذكر فيه العدد. 2 - عن البيهقى: امر عمر ابا واقد الليثى بمثل ذلك ولم يأمره بعدد الاعتراف (2). 3 - ان الانسان إذا اقر على نفسه بما يوجب الحد جلدا أو رجما دل هذا على صدق قوله. ومنهم من ذهب إلى اشتراط الاقرار بالزنا بالاربعة. واستدلوا على ذلك بحديث ماعز وهو على ما رواه البيهقى عن ابن المسيب وابى سلمة ان ابا هريرة قال: اتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل من الناس وهو في المسجد فناداه يا رسول الله انى زنيت يريد نفسه فاعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله فتنحى لشق وجهه الذى اعرض قبله فقال يا رسول الله انى زنيت فاعرض عنه فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وآله الذى اعرض عنه فلما شهد على نفسه اربع شهادات دعاه النبي فقال: ابك جنون؟ فقال: لا يا رسول الله فقال: احصنت؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا فارجموه (3) وفى بعض رواياته قال صلى الله عليه وآله له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يا رسول الله قال: انكتها لا تكنى؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم. قال: فهل


(1) الفقه على المذاهب الاربعة الجلد 5 الصفحة 83. (2) سنن البيهقى الجلد 8 الصفحة 226. (3) سنن البيهقى الجلد 8 الصفحة 225.

[ 130 ]

تدرى ما الزنا؟ قال: نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال: ما تريد بهذا القول؟ قال: اريد ان تطهرني فامر به فرجم. وفى بعض الفاظ الحديث. شهدت على نفسك اربع شهادات اذهبوا به فارجموه. وفى رواية اخرى انه لما اعترف ثلاث مرات قال له: ان اعترفت الرابعة رجمتك فاعترف الرابعة. وقد يقال كما في المسالك: انه ارتاب في امره فاستثبت ليعرف انه مجنون ام شرب خمرا ام لا. وفيه ان الاستثبات لا يتقيد بهذا العدد وكان يمكن البحث والسؤال عنه في اول مرة والتثبت في بدأ الامر. ثم ان روايات العامة ايضا كروايات الخاصة خالية عن ذكر الجلد بل موردها هو الرجم ولم نجد دليلا على ان الاقرار بالجلد ايضا كالرجم يحتاج إلى وقوعه اربع مرات. نعم قد مر ان الشيخ الطوسى قدس سره الشريف قال في الخلاف: لا يجب الحد في الزنا الا باقرار اربع مرات.. فاما دفعة واحدة فلا يثبت به على حال، قد عبر قدس سره بالحد وهو شامل للجلد والرجم لو لم يكن ظاهرا في الجلد واعتبر الاربعة وصرح بانه لا اثر لاقرار واحد. ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا الاصل برائة الذمة وإذا اقر اربع مرات على ما بيناه لزمه الحد بلا خلاف ولا دليل على استحقاقه باقراره مرة واحدة انتهى. ونحن نقول: إذا قلنا بان خروج معلوم النسب لا يقدح في تحقق الاجماع فالظاهر تحققه وذلك لعدم نسبة الخلاف إلى احد سوى ابن ابى عقيل. واما الاخبار التى ادعى رضوان الله عليه دلالتها على اعتبار الاربع فلعله عثر على ذلك واما نحن فلم نجد في الروايات ما يدل على ذلك في الجلد وانما المستفاد منها اعتبارها في مورد الرجم وحده كما تقدم. واما التمسك في ذلك بتنقيح المناط والحكم بان حكم الجلد حكم

[ 131 ]

الرجم فغير صحيح، وذلك لانه لا مورد لتنقيح المناط بعد ان نعلم ان الرجم امر اشد من الجلد بلا كلام حيث ان فيه ازهاق النفس بخلاف الجلد الذى نرى ان المجرم يجلد ثم يقوم ويشتغل بعيشه فاين هذا من ذاك ولا يصح ان يقال ان كلما اشترط واعتبر في تحقق الامر الاشق الاشد فهو معتبر في الامر الاسهل، وما يلاحظ في العقوبة الشديدة الصعبة يلاحظ في العقوبة الخفيفة السهلة. واما ما ذكره الشيخ قدس سره من الوجهين الاخيرين فيرد عليه ان ما افاده هنا موقوف على عدم وجود عام يرجع إليه عند الشك والا فالشك في الحقيقة راجع إلى الشك في التخصيص وعدمه والمرجع حينئذ هو ذاك العام لا اصل البرائة كما انه على ذلك لا يتم التمسك بعدم الدليل لان العام المزبور دليل، وما نحن فيه كذلك لان قوله صلى الله عليه وآله: اقرار العقلاء على انفسهم جائز (1) عام ظاهر في العموم وهل هو ليس دليلا حتى يرجع إلى الاصل؟ نعم قد خرج عن هذا العام اقرار الزانى المحصن وذلك بمقتضى تلك الروايات المتقدمة آنفا الصريحة في عدم حجية الاقرار في باب الرجم إذا كان اقل من اربعة، وعلى الجملة فقد خصص العام بهذا المورد واما الجلد فلم نجد ما يدل على استثنائه ايضا كى يحتاج اثباته بالاقرار إلى وقوعه اربع مرات، ومع الشك في التخصيص يرجع إلى العام المقتضى حجية الاقرار فيكتفى في اثبات زنا غير المحصن باقرار مرة واحدة وذلك لوجود اصل لفظي. اللهم الا ان يدعى ان هذا العام ليس عاما شرعيا وارد ودليلا لفظيا يؤخذ به وانما هو من التقاط العلماء رضوان الله عليهم فيقتصر في التمسك به على موارد خاصة التي تمسكوا به فيها دون غيرها. لكن الظاهر خلاف ذلك. لا يقال: ان مقتضى درء الحدود بالشبهات عدم تأثير الاقرار مرة واحدة. لانا نقول: قد ظهر جوابه مما ذكرناه في المقام من وجود اصل لفظي في


(1) وسائل الشيعة الجلد 16 الباب 3 من ابواب الاقرار الحديث 2. *)

[ 132 ]

المقام كاصالة عدم التخصيص ومع وجوده يرجع إلى العام ولا شبهة في البين كى يدرء الحدبها. نعم لو كان الاصل من قبيل الاستصحاب وغيره لصح التمسك بدرء الحدود بالشبهات. واما ما قد يقال من ان مورد الروايات وان كان هو الرجم الا انه يستفاد منها حكم الجلد ايضا وذلك لتنزيل الاقرار في الزنا بمنزلة الشهادة كما عرفت ذلك من بعض الروايات الماضية حيث قال رسول الله صلى الله على وآله بعد اقرار المقر بالزنا: اللهم ان هذه شهادة.. اللهم ان هذه شهادتان.. وغير ذلك (1) وحيث انه لا يكتفى بواحد في الشهادة سواء كان الحد رجما أو جلدا فكذلك الاقرار. ففيه ان مجرد اطلاق الشهادة على الاقرار لا يقتضى اتحاد حكمهما حتى يقال انه يعتبر في الاقرار بالزنا العدد الخاص أي الاربعة كما انه يعتبر ذلك في الشهادة خصوصا بعد العلم بتحقق الفرق بينه وبين البينة، فقد تخلف احدهما عن الاخر في موارد فيقولون بانه يجوز للحاكم العفو عنه إذا تاب وكان قد ثبت زناه بالاقرار ولا يجوز إذا ثبت بالشهادة. فلم يبق الا ان يتمسك بالاجماع على اعتبار الاربعة مطلقا. نعم قد وقفنا على روايتين في باب القذف تدلان على اعتبار ذلك في الاقرار بالزنا الموجب للجلد. احديهما صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في رجل قال


(1) اقول: وقد اطلقت الشهادة على الاقرار في القرآن الكريم ايضا قال الله تعالى في سورة النور الآية 6: والذين يرمون ازواجهم ولم يكن لهم شهداء الا انفسهم فشهادة احدهما اربع شهادات بالله لمن الصادقين.. ثم قد يتمسك لاثبات اعتبار الاربعة ايضا بان لو كان يثبت بالاقرار مرة واحدة لم يكن وجه لتأخير الحد في الاقرار بالزنا إلى ان يتم اربع مرات كما في هذه الروايات الشريفة. ولكن هذا لا ينفع جوابا بالنسبة إلى من يقول بالاكتفاء بالمره في الجلد وذلك لان هذه الروايات وارده في باب الرجم.

[ 133 ]

لامرأته: يا زانية انا زنيت بك قال: عليه حد واحد لقذفه اياها واما قوله: انا زنيت بك فلا حد فيه الا ان يشهد على نفسه اربع شهادات بالزنا عند الامام (1). قوله: انا زنيت. يعنى انه زنا بها قبل ان ينكحها فيكون الزنا حينئذ هو الزنا الموجب للجلد خاصة أو المراد هو الاعم بسبب الاطلاق أو ترك الامام الاستفصال في ذلك. ثانيتهما مرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام في رجل قال لامرأته: يا زانية قالت: انت ازنى منى فقال: عليها الحد فيما قذفت به واما اقرارها على نفسها فلا تحد حتى تقر بذلك عند الامام اربع مرات (2). ترى انه عليه السلام ترك الاستفصال عن كون الموجب موجبا للرجم أو الجلد وعلى هذا فيصح تمسكهم بالاجماع والنص في اثبات اعتبار الاربعة في الاقرار بالزنا مطلقا فبدون ذلك لا يثبت شئ منهما إذا كان ما يثبت به هو الاقرار. (وهل يعزر المقر بالزنا دون الاربع؟) بعد ان ثبت انه إذا اقر دون الاربع فلا حد عليه، فهل يجب تعزيره ام لا؟ قال المحقق: ولو اقر دون الاربع لم يجب الحد ووجب التعزير. وقد قال بذلك ايضا الشيخان والعلامة في القواعد وابن ادريس. ففى القواعد: انما يثبت بامرين: الاقرار أو البينة، فهنا مطلبان الاول الاقرار ويشترط فيه البلوغ والعقل والحرية والاختيار والقصد وتكراره اربع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب حد القذف الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب حد القذف الحديث 3. اقول: يمكن الاشكال في الاستدلال بالثانية وذلك بانها نسبة الزنا إلى نفسها وهى محصنة فان الظاهر ان نسبة الزنا بلحاظ الحال لا بالنسبة إلى قبل التزويج بل لعلها منصرفة عنه نعم لا كلام في دلالة الاولى.

[ 134 ]

مرات.. ولو اقر من جمع الصفات اقل من اربع لم يثبت الحد وعزر انتهى وقد يستدل لذلك بوجوه احدها عموم الاخذ بالاقرار. ثانيها ما دل على ان الاقرار بالمعصية معصية. ثالثها العلم الاجمالي لانه اما اين يكون صادقا في اقراره وقوله أو انه كاذب في ذلك فيجب تعزيره على عمله لو كان صادقا في الواقع مع عدم تحقق ملاك الحد أو على قوله لو كان كاذبا في الواقع والحاصل ان تعزيره متيقن على كل حال. وكل هذه الوجوه مخدوش ومحل الاشكال اما الاول فلان عموم الاخذ بالاقرار قد خصص في باب الزنا بلزوم التكرار، وبدونه الا اثر له. واما الثاني فلان الاقرار بالمعصية لم يكن معصية إذا كان في مقام التوبة والتحمل للعقوبة الدنيوية فرارا عن العقوبة الاخروية. توضيح ذلك ان المستفاد من مجموع الروايات الواردة في الاقرار بالزنا هو ان تخلص الزانى من عقوبة الله في الاخرة يحصل بواحد من امرين ويكفيه في رفع العذاب والعقاب واحد منهما. احدهما ان يتوب إلى الله سبحانه فيما بينه وبين الله قبل ان يطلع الحاكم وبدون المراجعة إليه وقد ورود في بعض الروايات انه افضل (1). ثانيهما ان يراجع الحاكم ويقر عنده حتى يقام عليه الحد ويطهر من الذنب نظير توبة من كان عنده حق من حقوق الناس حيث انه مضافا إلى الندم الحاصل له يؤدى حقوق الناس إليهم فيتهيأ لان يقتل ويصبر على ذلك كى يتخلص من عذاب الله تعالى وقد ورود في مرفوعة احمد بن محمد بن خالد انه لما رجم الامام امير المؤمنين عليه السلام الرجل الذى كان من مزينة وقد اقر عنده بالزنا اربع مرات، فمات فاخرجه امير المؤمنين عليه السلام فامر فحفر له وصلى عليه ودفنه فقيل: يا


(1) ففى مرفوعة احمد بن محمد بن خالد في الزانى الذى اقر اربع مرات: افلا تاب في بيته فو الله لتوبته فيما بينه وبين الله افضل من اقامتي عليه الحد الوسائل الباب 16 من مقدمات الحدود الجلد 2.

[ 135 ]

امير المؤمنين الا تغسله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة لقد صبر على امر عظيم (1). وعلى هذا فالذي يقر لم يأت الا بما هو احد طرفي الواجب التخييري فضلا عن ان يكون عمله معصية يترتب عليها التعزير. وقد يقال (2) الاقرار الذى كان واحدا من طرفي الواجب التخييري هو الاقرار الكامل البالغ حد الاربعة لا ما ينقطع في الاثناء ولا يبلغ حد الكمال والنصاب المعتبر فيه. وفيه ان للاقرار عند الحاكم هذا الاثر فالمقر في طريق تطهير نفسه وان لم يبلغ اقراره الاربعة ولذا لم يكن النبي صلى الله عليه وآله ينتظر ان يأتي المقر ويقر ثانيا وهكذا ولا يطالبه بذلك. واما الثالث فلان العلم الاجمالي لا يؤثر شيئا حيث ان الزنا بدون الاثبات لا يترتب عليه شئ فلا عقوبة دنيوية بالنسبة إلى ما لم يثبت منه اصلا، هذا بالنسبة إلى عمله واما من حيث الكذب فهو مشكوك فيه. ثم انه يشهد بما ذكرنا من عدم التعزير في المقام معاملة النبي الاعظم وامير المؤمنين مع المقرين حيث انهما لم يعزراهم باقرارهم دون الاربع وقد مر في قصة رجل اقر عند رسول الله بالزنا انه اعرض بوجهه عنه لشق وجهه، إلى ان اقر ثانيا وهناك ايضا اعرض بوجهه عنه وهكذا فلو كان يجب تعزير المقر بما دون الاربع فكيف اعرض عنه بوجهه ولم يحكم بتعزيره ولا امر بذلك؟ أو هكذا تقدم في قصة رجل اقر عند الامام على عليه السلام بالزنا انه صلوات الله عليه قال له: اذهب عنى حتى نسأل عنك، ولو كان يجب تعزير المقر بمجرد اقراره لما كان وجه لهذا التأخير والتوانى. واما احتمال ان ترك تعزيرهم كان لعلمهما بانه سيكمل الاقارير


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود الحديث 2، الكافي الجلد 7 الصفحة 189. (2) اورده هذا العبد واجاب دام ظله بما في المتن ولعله لا يخلو عن كلام

[ 136 ]

الا ربعا، فهو خلاف الظاهر حيث ان عليا عليه السلام امر بالذهاب بعد الاقرار دون الاربع ولم يأمر بالمراجعة. نعم يمكن ان يقال بان الاقرار بالمعصية يوجب التعزير الا ان في المقام خصوصية اوجبت انهما صلوات الله عليهما وآلهما تركا التعزير وهى ما تقدم آنفا من ان المقر هنا قد اقدم على الاقرار تطهيرا لنفسه وخلاصا من العقاب، فلا يحمل المقر على الاقرار الا خوفه القلبى من مقام ربه واخلاصه الكامل فلا يعقبه التعزير فلذا ترى في قصة ماعز انه صلى الله عليه وآله قال -: على ما في بعض الفاظ الحديث - ان اعترفت الرابعة رجمتك، ولم يقل له بعد اقراره الاول أو الثاني أو الثالث: ان لم تتم اربعة اقارير لعزرتك (1). بقى في المقام شئ وهو انه قد استدل بعض على عدم جواز الاقرار وانه معصية بانه اشاعة الفاحشة وقد قال الله تعالى: ان الذين يحبون تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم (2). وفيه ان هذا ليس من باب اشاعه الفاحشة واذاعة السوء بل ربما يكون فيه ترويج الدين وتشييد اركان اليقين حيث يراه الناس وقد هيأ نفسه للقتل مثلا طلبا لمرضاة الله واقامة لامر الله، وكم من قلوب تتوجه إلى الله بسماع حاله وقوة يقينه وتصلبه في ذات الله وتسليمه قبال امر الله. فتحصل من جميع ما ذكرنا انه لا وجه لما ذهب إليه المحقق وصاحب الجواهر من وجوب تعزير المقر دون الاربع.


(1) وقد يقال بان اعراضه صلى الله عليه وآله عمن اقر عنده، نوع تعزير منه وفيه انه خلاف الظاهر مضافا إلى عدم نقل اعراضه صلوات الله عليه في سائر الموارد. ومثله ما قد يقال أو يحتمل من ان ما هو المسلم هو عدم تعزيرهما عليهما السلام المقرين كماعز وغيره وهو اعم من عدم الاستحقاق فلعله كان عدم تعزيرهما للمقر من باب العفو لمصالح كانت هتاك. (2) سورة النور الآية 19.

[ 137 ]

وهل يعتبر تعدد المجالس ام لا؟ قال المحقق: ولو اقر اربعا في مجلس واحد قال في الخلاف والمبسوط: لا يثبت وفيه تردد. ثم انه على القول بكفاية اقرار واحد فلا مورد للبحث عن اعتبار تعدد المجلس وعدمه واما إلى القول باعتبار الاربعة فيجرى البحث في انه هل يعتبر تعدد مجلس الاقارير - أي وقوع كل اقرار في مجلس غير مجلس الآخر - أو انه لا يعتبر ذلك ويكفى كونها في مجلس واحد؟ ذهب جماعة منهم الشيخ في الخلاف والمبسوط وابن حمزة إلى الاول، وافتى الاكثر بخلاف ذلك ومنهم الشيخ في النهاية والمفيد وابن ادريس وغيرهم. ويدل على الاول ما وقع في المجالس عند النبي والوصى بامرهما وذلك كقصة ماعز وغيره فقد وقع الاقارير الاربعة في اربعة مجالس لا في مجلس واحد، هذا مضافا إلى ان الاصل برائة الذمة عن الحد بالاقرارات في مجلس واحد. واجيب عن الاول بان قصة ماعز وامثالها قضايا اتفاقية فلا دلالة لها على اعتبار تعدد المجالس، وفى الجواهر بل لعل ظاهر خبر ماعز كون المجلس واحدا. وفيه انه لا فرق بين مراعاة الاداب المعمولة بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله في مورد الحد وما كان يفعله ويأتى به من الاركان المخصوصة في الصلاة مثلا. ويمكن ان يقال بانه ليس المراد من تعدد المجالس تفرقهما وانعطال المجلس حتى يفتتح مجلس آخر ويأتى الحاكم والمقر ثانيا حتى يستشكل بان قصة ماعز لا ظهور لها في تعدد المجلس أو انها ظاهرة في وحدته، بل يكفى ما كان يكفى في صدق التعدد والتفرق، فهو شئ يقرب ما ذكروه في باب خيار

[ 138 ]

المجلس من انه يدوم ما داما في المجلس ولم تحصل بينهما فرقة يذهب واحد منهما إلى ناحية اخرى من المجلس ولا حاجة في صدق تعدد المجلس إلى ازيد من هذا المقدار (1) والظاهر ان هذا المقدار من المفارقة كان حاصلا في قصة ماعز لانه قد ذكر فيها ان النبي صلى الله عليه وآله قد اعرض عن ماعز لما اقر بالزنا فجاء ماعز من ناحية اخرى التى توجه إليها النبي. صلى الله عليه وآله. ولو تردد في صدق تعدد المجلس على هذا فنقول: هب انه ليس منه لكن لابد من تحقق هذا المقدار من الفاصلة والتفرق سمه ما شئت لو سلم لزوم مراعات خصوصيات قضاء رسول الله، فلا يكفى وقوع الاقرار الثاني في موضع الاول وبعبارة اخرى يجب التعدد وان كان بمجرد تحقق حضوره بعد غيبوبته عن مرأى الحاكم. واستدل المشهور القائلون بعدم اعتبار التعدد، باصالة عدم اشتراطه وباطلاق الروايات الواردة في حد الزانى فانها تدل على اعتبار اربعة اقارير ولم يكن فيها ذكر عن تعدد المجالس ففى رواية جميل المذكورة آنفا: لا يرجم الزانى حتى يقر اربع مرات. اقول: يمكن ان يكون المراد من الاطلاق هو ما كان من مقدمات الحكمة بتقريب انه مع كونه في مقام البيان لم يذكر هذا القيد ولو كان تعدد المجالس معتبرا في الواقع لكان اللازم ذكره والا لزم نقض الغرض والاغراء بالجهل. ويمكن ان يكون المراد هو الظهور اللفظى - لا المقامى - بلحاظ ان تمام الموضوع هو الاقرار اربع مرات فقط وعلى هذا فلا حاجة إلى مقدمات الحكمة. واما الاصل فالمراد به انه إذا لم يعلم ان هذا الحكم مشروط بتعدد


(1) قال الاردبيلى قدس سره في الشرح بعد ان استشكل بعدم دلالة بعض الروايات الراجعة إلى فعله صلى الله عليه وآله على تعدد المجلس فانه كان في مجلس واحد الا انه كان تارة عن يمينه واخرى عن شماله: الا ان يراد بتعدد المجلس تغير مكان المقر وهو بعيد على ان ذلك غير ظاهر في فعله في الثالثة والرابعة انتهى.

[ 139 ]

المجالس ام لا فالاصل عدم اشتراطه به وبعبارة اخرى ان الشارع عند جعل الحكم لم يجعل تعدد المجالس شرطا ولم يكن جعله مقرونا بهذا الشرط. اقول: ان اصالة العدم إذا كانت من الاصول العملية فلا اثر له في قبال عموم درء الحدود بالشبهات نعم إذا كانت من الاصول اللفظية على ما قررناه آنفا - من عدم جعل هذا شرطا للاقرار - فهى في حكم الدليل لانها شبيه اصالة عدم القرينة عند ما شك في وجود قرينة اختفت علينا، والنتيجة انه يجب الحد بمجرد اقراره اربع مرات، ومرجع هذا الاصل إلى اصالة عدم تخصيص الاكثر فان عموم اقرار العقلاء على انفسهم جائز قد خصص باعتبار الاربعة في باب الزنا، والاصل عدم تخصيصه بازيد من ذلك، هذا هو مقتضى الاصل لو شك في اعتبار تعدد المجلس. نعم يمكن ان يقال: لو لم يكن في الروايات ما يزيل الشك عن اعتبار تعدد المجلس وعدمه فالاقرار اربع مرات في مجلس واحد مورد للشك والحدود تدرء بالشبهات. الرجل والمرأة في ذلك سواء قال المحقق: ويستوى في ذلك الرجل والمرأة. اقول: ويدل على ذلك امور احدها: ما في الجواهر من انه لا خلاف ولا اشكال في ذلك. ثانيها اطلاق الادلة الدالة على ان من اقر اربع مرات بالزنا يرجم مثلا فراجع رواية جميل وغيرها. ثالثها ان الوقائع الواردة على رسول الله وامير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما مختلفة فبعضها كان في مورد الرجال وآخر منها في مورد النساء. الكلام في اقرار الاخرس قال المحقق: وتقوم الاشارة المفيدة للاقرار في الاخرس مقام النطق.

[ 140 ]

اقول: لا خلاف ولا اشكال في ذلك بشرط ان تكون الاشارة مفهمة ومفيدة للاقرار. وهل يكتفى في اشارته المفهمة باشارة واحدة أو لابد من اشارته اربع مرات؟ من المعلوم ان سبيل الاشارة في الاخرس سبيل النطق في الناطق، والعرف يرتب على اشارة الاخرس ما يترتبه على نطق الناطق ولم يردع الشارع عنه فيعتبر في هذه الاشارة ما يعتبر في ذاك النطق شرعا ومن ذلك هو كونها اربعا فان المعتبر في اقرار الناطق هو الاربع. وإذا احتيج في فهم معنى اشارة الاخرس إلى الترجمة فهناك يكفى الاثنان ولا حاجة إلى اكثر من ذلك كما انه لا يكتفى باقل منه وذلك لان الترجمة من باب الشهادة وهما يشهدان بان الاخرس قد اقر - باشارته بالزنا ومن المعلوم الفرق بين اقرار احد بالزنا أو الشهادة على زناه وبين الشهادة على اشارة الاخرس وترجمتها فيعتبر في الاولين خصوص الاربعة بخلاف الاخيرة فان المترجم يفسر معنى اشارة الاخرس وفى الحقيقة تكون الشهادة هنا شهادة بالاقرار لا بالزنا حتى يعتبر فيها الاربعة هذا هو الوجه في عدم الحاجة إلى الاربعة، واما وجه عدم الاكتفاء بواحد فلان الترجمة من باب الشهادة لا من باب الرواية التى يكتفى فيها بواحد. ثم ان ما ذكرناه يجرى في اقرار الناطق إذا كان بلغة تحتاج إلى الترجمة. الكلام في قول القائل: زنيت بفلانة قال المحقق: ولو قال: زنيت بفلانة لم يثبت الزنا في طرفه حتى يكرره اربعا وهل يثبت القذف للمرأة؟ فيه تردد. اقول: حيث ان هذا التعبير من انواع تعابير الاقرار فلذا يعتبر في اثبات زنا المقر بذلك ايضا تكراره اربع مرات فلا يقام عليه حد الزنا بدون ذلك. واما انه هل يثبت بذلك القول قذف المرأة التى سماها؟ فهو محل التردد والكلام ويحتمل الوجهان: الاثبات والنفى.

[ 141 ]

اما الاول فلان العبارة ظاهرة في القذف ونسبة الزنا إليها وهتك حرمتها عند العرف ولا يدرء هذا الحد باحتمال انه يريد خصوص زنا نفسه عمدا دون المرأة وذلك لان هذا الحد مجعول حقا للمقذوف وما كان يدرء هو خصوص حق الله تعالى، وعلى الجملة فللعبارة ظهور عرفى في نسبة الزنا إليها ايضا وان كان لا ملازمة بينهما الا ان العرف يفهم منها انه نسبها إلى الزنا. واما الثاني: فلان ما هو صريح العبارة هو نسبة الزنا إلى نفسه دونها ولا ملازمة بينهما اصلا لاحتمال الاشتباه والاكراه في ناحيتها ولا تدل قوله: زنيت بفلانة على زناء المرأة بواحدة من الدلالات الثلاثة المطابقة والتضمن والالتزام فان زناء المرأة غير زناء الرجل وليس عينه ولا جزءا منه ولا لزاما له نعم يعزر القائل لان الكلام المزبور هتك للمرئة عرفا. واستوجه في المسالك الوجه الاول فانه بعد ذكر الوجهين وتقريرهما قال: والوجه ثبوت القذف بالمرأة مع الاطلاق لانه ظاهر فيه والاصل عدم الشبهة والاكراه. قوله قدس سره: (مع الاطلاق) يعنى مع عدم تعرضه للشبهة أو الاكراه بالنسبة إليها فحيث لم يلحق بكلامه قرينة تدل على عدم التعمد والاختيار فهو في نفسه ظاهر في وقوعه عن اختيار وعلى هذا فقد نسب إليها زناها عن اختيارها، وليس المراد من الاطلاق هو الشمول لكليهما واحتمال الاختيار والاكراه. واما ما افاده من ان الاصل عدم الشبهة والاكراه فهذا لم يعلم وجهه ولم يتضح مراده لانه لو كان المراد جريان الاصل بالنسبة إلى فعل المرأة فاصالة عدم الشبهه أو الاكراه الجارية في فعلها لا تعلق لها بنسبة الزنا الصادرة عن الرجل ولا مساس لذلك بقذفه فان هذه قد تتحقق بدون وقوع الزنا في الخارج اصلا ويترتب على قذفه الحد. هذا مضافا إلى ان الزنا الواقع في الخارج مردد بين الاختياري والاكراهي ولا يمكن اثبات ضد بنفى ضده فانه من الاصول المثبتة حيث ان

[ 142 ]

اثبات احد الضدين بنفى الاخر ليس اثرا شرعيا حتى يثبت بنفى الاخر. وهنا اشكال ثالث وهو كون هذا الاصل معارضا باصالة عدم كون زناها اختياريا لان الاصل عدم. صدور الزنا عن اختيار وذلك لان كليهما فردان من الزنا فيقال زناء اختياري وزناء غير اختياري. ولو كان المراد جريان الاصل بالنسبة إلى فعل القاذف - كما فهم صاحب الجواهر ذلك من عبارة المسالك وكان من المسلم عنده ان نظر الشهيد الثاني إلى الافتراء والقذف - ففيه ما اورده عليه في الجواهر - بعد ان استشكل في الظهور المزبور بانه ظهور في بادئ النظر بقوله: والاصل المزبور لا يحقق موضوع القذف بعد عدم دلالة اللفظ عليه في ثانى النظر، ودعوى عدم سقوط المزبور بالشبهة لكونه حقا للمقذوف لا لله تعالى خاصة يدفعها عموم الدليل. اقول: ويرد هنا ما اوردناه في الفرض الاول من عدم صحة اثبات احد الضدين بنفى الاخر. ثم ان الشهيد الثاني قال في اخر كلامه: ولو فسره باحدهما قبل واندفع عنه الحد ووجب التعزير انتهى. يعنى لو صرح بانى قد اكرهتها على الزنا اوانه اشتبه عليها الأمر، وزعمت انه زوجها ووقعت في الزنا من حيث لا تعلم، قبل ذلك منه ويندفع عنه حد القذف بذلك ولكن لا يندفع عن التعزير. وهذا ايضا لا يخلو عن كلام، لانه إذا كان الكلام المزبور ظاهرا في نسبة الزنا إليها كما صرح هو قدس سره بذلك فتفسيره بعد ذلك بالشبهة أو الاكراه لا ينفع شيئا لانه يكون من باب الانكار بعد الاقرار الذى لا اثر له اصلا كما لو قال: انا قتلت فلانا - المقتول - ثم فسر القتل بالضرب فانه لا يقبل ولا يسمع منه وعلى الجملة فلو كان هناك ظهور للفظ واقعا فلا وجه لرفع اليد عنه بتفسيره بما ينافيه بعد ذلك. فلابد من القول بنقصان في الظهور بان يكون برزخا بين الظاهر والمجمل فلذا يقبل التفسير، وعلى الجملة فلعل ما ذكره شاهد على عدم ظهور

[ 143 ]

زنيت بفلانة في القذف. نعم لو كان مقصوده قدس سره - كما يظهر من كلامه - هو التمسك بقاعدة درء الحدود بالشبهات فلا يرد عليه اشكال الانكار بعد الاقرار وذلك لانه تحصل الشبهة بتفسيره بهما. وان كان قد يستشكل عليه ايضا بان هذا الحد حق للمقذوف على القاذف فلا يدرء بالشبهة وانما يدرء الحد بها إذا لم يكن هناك حق للغير. لكن اجاب عنه في الجواهر بان دعوى عدم سقوط المزبور بالشبهة لكونه حقا للمقذوف لا لله تعالى خاصة يدفعها عموم الدليل. يعنى ان دليل درء الحدود عام يشمل كل الحدود ولا اختصاص له بحد مخصوص فيجرى في كل ما كان حدا سواء كان حقا لله تعالى أو للناس. ثم ان صاحب الجواهر قال - عند توجيه الوجه الاول من الوجهين وهو كون القول المزبور قذفا -: وربما ايد بقول النبي صلى الله عليه وآله في خبر السكوني: لا تسألوا الفاجرة من فجر بك، فكما جاز عليها الفجور يهون عليها ان ترمى البرئ المسلم (1) وقول على عليه السلام: إذا سألت الفاجرة من فجربك فقالت: فلان جلدتها حدين حدا للفجور وحدا لفريتها على الرجل المسلم (2). وفيه انه لا تأييد فيما ذكره للمقام وذلك لان قول المرأة في الجواب: فجر بى فلان، غير قول الرجل: انا زنيت بفلانة فان الاول صريح في نسبة الفجور إليه فلا يجرى فيه احتمال الاكراه أو الاشتباه في حين ان الثاني ليس صريحا في نسبة الزنا إليها بل يحتمل الشبهة والاكراه فلم يبق الا الظهور العرفي له في صدور الزنا عنها ايضا بالاختيار. ثم انه قدس سره عند توجيه الوجه الثاني وهو عدم كون القول المزبور قذفا قال: وربما كان في صحيح محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام في رجل قال لامرأته: يا زانية انا زنيت بك قال: عليه حد القذف لقذفه اياها، واما قوله:


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 41 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 41 من ابواب حد الزنا الحديث 2.

[ 144 ]

انا زنيت بك فلا حد عليه فيه الا ان يشهد على نفسه اربع مرات بالزناء عند الامام (1)، نوع ايماء إلى عدم القذف بالقول المزبور. ولعل مقصوده قدس سره من نوع ايماء انه لو كان زنيت بك كافيا للقذف لما احتاج إلى اضافة قوله: يا زانية وكلامه هذا ايضا لا يخلوا عن اشكال وذلك لتحقق القذف بقوله: يا زانية، إذا فلا تصل النوبة إلى قوله: انا زنيت بك. واما التعزير في المقام فهو صحيح وذلك لانه ليس في مقام التوبة. الكلام فيما لو اقر بحد ولم يبينه قال المحقق: ولواقر بحد ولم يبينه لم يكلف البيان وضرب حتى ينهى عن نفسه، وقيل لا يتجاوز به المأة ولا ينقص عن ثمانين وربما كان صوابا في طرف الكثرة ولكن ليس بصواب في طرف النقصان لجواز ان يريد بالحد التعزير. اقول: إذا اقر بما عليه حدا أي اقر بارتكابه ما يوجب الحد ولكن لم يفصل ولم يبين ذلك الحد بل اقتصر على مجرد الاقرار الاجمالي ففيه وجوه: الاول انه يخلى سبيله ولم يكلف البيان فلا يترتب على اقراره شئ ذهب إليه الشهيد الثاني في المسالك وقواه. وقد يستدل على ذلك بالاصل ودرء الحدود بالشبهات وما ورد من ترديد جزم المقر كما في قصة ماعز. الثاني انه يكلف البيان فيجبر على ان يبين ما اجمله ويوضح انه أي حد كان هو وذلك لعدم جواز تعطيل حدود الله تعالى. الثالث انه يضرب لكن لا يتجاوز به المأة ولا ينقص عن ثمانين ذهب إليه ابن ادريس نظرا إلى ان اقل الحدود حد الشرب وهو ثمانون جلدة واكثرها حد الزنا وهو مأة.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 145 ]

ومقتضى اطلاقه انه لا يتجاوز به المأة وان لم ينه عنه بل وان طلب المقر ان يضربوه بعدكما ان المعتبر على ذلك ان لا يضربوه اقل من الثمانين وان نهى عن نفسه. وصوبه المحقق - بعد نقل ذلك - في طرف الزيادة لان الحد لا يزيد عليها ولم يصوبه في طرف النقصان لجواز ان يريد بالحد التعزير (1). فقد اورد عليه في جانب النقصان لامكان ان يكون مراده من الحد التعزير فانه قد يطلق عليه لغة فلا يتحقق ثبوت الحد المعهود، عليه. وقد استشكل في المسالك والجواهر على ابن ادريس وعلى المحقق فيما استصوبه من كلامه فبالنسبة إلى الاول - أي كلام ابن ادريس - بان كلا الامرين ممنوعان اما في جانب القلة فلان حد القواد خمسة وسبعون فليس اقله الثمانين، واما في جانب الكثرة فلان حد الزنا قد يتجاوز المأة كما لو زنى في مكان شريف أو وقت شريف فانه يزاد على المأة بما يراه الحاكم. واما بالنسبة إلى الثاني اعني كلام المحقق فاولا بان الحد حقيقه شرعية في المقدرات المذكورة، واطلاقها على التعزير مجاز لا يصار إليه عند الاطلاق بدون القرينة. وثانيا بانه على فرض حمله على التعزير فأمره منوط بنظر الحاكم وهو يتوقف على معرفة المعصية ليرتب عليها ما يناسبها لا بالتشهى. وثالثا بان من التعزير ما هو مقدر فجاز ان يكون احدها فيشكل تجاوزها أو نقصها بدون العلم بالحال. الرابع انه يضرب حتى ينهى عن نفسه أي يقول: لا تضرب. أو يقول يكفى، ولا يخفى ان الظاهر انه يحكم عليه بذلك بمجرد اقراره ولو مرة واحدة وقد ذهب جمع من العلماء إلى هذا القول ونسب ايضا إلى الشيخ والقاضى. ومستندهم على ذلك خبر محمد بن قيس - وفى المسالك: انه الاصل في هذه المسألة عن ابى جعفر عن امير المؤمنين عليهما السلام في رجل اقر على


(1) وفى تحرير العلامة بعد نقل المزبور: وهو جيد في طرف الكثرة لا القلة.

[ 146 ]

نفسه بحد ولم يسم أي حد هو، قال: امر ان يجلد حتى يكون هو الذى ينهى عن نفسه في الحد (1). واورد عليه في المسالك بوجوه عديدة احدها: ضعف سنده لاشتراك محمد بن قيس الذى يروى عن الباقر عليه السلام بين الثقة وغيره. ثانيها ان الحكم الوارد فيه مخالف للاصل. ثالثها ان الحد يطلق على الرجم وعلى القتل بالسيف والاحرق بالنار ورمى الجدار عليه ونحو ذلك، وعلى الجلد وهو يختلف كمية وكيفية فحمل مطلقه على الجلد غير مناسب للواقع ولا يتم معه اطلاق ان الاقرار اربع مرات يجوز جلد المأة. رابعها استلزام انه لو نهى عن نفسه فيما دون الحدود المعلومة قبل منه وليس هذا حكم الحد ولا التعزير. خامسها ان الحدود مختلفة فمنها ما يتوقف على الاقرار اربع مرات ومنها ما يتوقف على الاقرار مرتين ومنها ما يثبت بمرة. سادسها انه معارض بما روى بطريق يشاركه في الضعف ان لم يكن منه عن انس بن مالك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فجائه رجل فقال يا رسول الله انى اصبت حدا فاقمه على ولم يسمه قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله الصلاة قام إليه الرجل فقال يا رسول الله انى اصبت حدا فاقم ما في كتاب الله فقال: اليس قد صليت معنا؟ قال: نعم قال: ان الله قد غفر لك ذنبك أو حدك (2). قال قدس سره: ولو كان الحد يثبت بالاقرار مطلقا لما اخره النبي صلى الله عليه وآله ولا حكم بان الصلاة تسقط الحد وانما اجابه بذلك من حيث عدم ثبوته مع اطلاقه لذلك وان تكرر الاقرار. ثم استنتج من جميع ذلك بقوله: فالقول بعدم ثبوت شئ بمجرد الاقرار


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) صحيح البخاري الجلد 8 الصفحة 207.

[ 147 ]

المجمل قوى.. وعلى هذا فيمكن القول بعدم وجوب استفساره بل ولا استحبابه. وقد اجاب عنه في الجواهر بصحة السند لان محمد بن قيس الوارد في السند هو محمد بن قيس الموثق، وذلك للقرائن المفيدة لذلك كرواية عاصم بن حميد عنه كما ان العلامة المجلسي قدس سره قال: حسن كالصحيح. وعبر السيد صاحب الرياض عن هذا الخبر بقوله: الصحيح على الصحيح.. يعنى ان خبر قيس صحيح على القول الصحيح (1). واجاب قدس سره عن باقى اشكالات الرواية سوى اشكال المعارضة بانها كالاجتهاد في مقابل النص، أي إذا كان الخبر صحيحا فنحن متعبدون به ونقول بكل ما دل عليه تعبدا. ويمكن ان يجاب عنها ايضا بان المحاذير مولودة اجماله في الاقرار فلو كان يقر بالزنا لما كان عليه شئ باقرار مرة واحدة إلى ان يقر اربع مرات وهنا يقام على الحد. واما انه يمكن ان ينهى عن نفسه باقل من الحد كان ينهى بعد ان ضرب جلدتين ومقتضى الخبر القبول منه والحال ان هذا ليس حكم الحد ولا التعزير. ففيه ان نهيه عن نفسه قبل البلوغ إلى الحد مناف لاقراره بالحد وسيأتى الكلام بالنسبة إلى التعزير. واما المعارضة ففيها ان المعارضة فرع اعتبار المعارض قال في الجواهر: وخبر انس الذى هو من طرق العامة المحتمل لصدور التوبة منه لا يصلح معارضا للصحيح المعمول به من طرق الخاصة المؤيد بمرسل المقنع الخ (2). واما ما ذكره ايرادا على المحقق - في ما افاده في جانب النقيصة من


(1) واستشكل الاردبيلى بان في سنده سهلا واجاب عنه في الجواهر بان الامر في سهل، سهل. راجع الجواهر الجلد 41 الصفحة 287. (2) المقنع الصفحة 147.

[ 148 ]

احتمال ارادة التعزير من الحد من ان التعزير امره منوط بنظر الحاكم وهو متوقف على معرفة المعصية تفصيلا كى يترتب عليها ما يناسبها. فقد اجاب عنه بقوله: وكون التعزير مقدرا بنظر الحاكم، ولا نظر له ما لم يعلم المعصية، انما هو في غير المقام المحتمل تقدير الشارع بما يؤدى إليه نظر المقر فيضرب ما لم ينه وان زاد على المأة ويترك مع نهيه وان نقص عن اقل الحد لاحتمال ارادة التعزير منه ولو على ان يكون نهيه قرينة على ذلك مع فرض المجازية انتهى كلامه رفع مقامه. اقول: تارة يبحث في صحة الرواية وسقمها وقد عرفت الكلام فيه حيث ان الشهيد الثاني ضعفها لتردد محمد بن قيس بين الموثق وغيره وقد مر ان عدة من الاعلام صححوها واعتمدوا عليها، واخرى بعد تصحيحها. فلو اعتمدنا على الرواية وصححناها فلا اشكال من سائر الجهات فان كون الحد معينا، والتعزير منوطا بنظر الحاكم وعلى حسب ما يراه من المصلحة وان كان تاما صحيحا لكن ذلك في الحدود المفصلة المبينة واما الحد المجمل فلا بأس بان يقال فيه انه يضرب حتى ينهى فيكون هذا حدا في هذا الظرف الخاص في قبال سائر الحدود وهكذا بالنسبة إلى التعزير فلا مانع عن القول بانه إذا اقر اقرارا مبهما يكون تعزيره منوطا برأى المقر لا بنظر الحاكم فلا رأى له إذا لم يعرف المعصية بعينها وعلى هذا فلا معارضة بين هذا الخبر وادلة الحدود لانها متعلقة بالحدود المعينة وهذا بالحد المجمل. ثم ان هنا احتمالا آخر وهو حمل رواية محمد بن قيس على انها قضية في واقعة ولعل الامام امير المؤمنين عليه السلام كان يعلم من الطرق العادية - لا من علم الغيب الذى ليس هو ملاك الاحكام - ما فعله المقر في الخارج وانه اتى كى يطهره الامام مما ارتكبه وتلوث به فعمل عليه السلام بعلمه وامر بان يضرب حتى ينهى، لانه ليس بازيد واكثر من صدور فعل من الامام عليه السلام، وعلى هذا فلا يمكن التمسك بها. والانصاف ان هذا الاحتمال في غير موضعه وذلك لان الائمة

[ 149 ]

عليهم السلام إذا نقلوا شيئا مما يرتبط بالاحكام عن جدهم رسول الله أو عن امير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما فالظاهر انه حكم كلى ذكر لاجل تمسك الناس وجيئ به للاخذ به فانهم لم يكونوا في تلك المقامات بصدد ذكر التاريخ. نعم يبقى الكلام في انه ما يصنع حينئذ بدليل درء الحدود بالشبهات لكن امره سهل فانه على تقدير صحة الرواية تكون هي حاكمة على دليل الدرء، نعم لو لم تثبت صحتها فلا حجة بيننا وبين الله في الحكم بالحد وضربه مع ما نعلم من شدة اهتمام الشارع بحرمة المؤمن وكمال عنايته في وضوح موضوع الحدود وعدم الاقدام على اقامتها بدون ذلك فيبقى السؤال عن انه ما هو التكليف بالنسبة إلى المقر بالاقرار بحد مجهول؟ يمكن ان يقال ان الظاهر من الحد الذى اقر به هو الحد المقابل للتعزير وعندئذ يتردد الامر بين الاقل والاكثر ولابد من الاقتصار على الاقل وهو ما يصدق عليه الحد. ولكن يرد عليه بان ذلك موقوف على كون المقام من قبيل الاقل والاكثر والحال ان كونه من باب المتباينين ليس ببعيد وعليه فالعمل بالاقل لا اثر له اصلا بل هو في حكم العدم وربما يكون الواجب هو الفرد الاخر، وما اتى به حراما في الواقع. ان قلت: على ذلك يجب الزامه بتوضيح ما اجمله وتبيين ما ابهمه من سبب الحد. نقول: لا وجه لذلك اصلا بعد ما نعلم ونعهد من فعل النبي والامير عليهما السلام من التسامح في ذلك وما ورد في غير واحد من النصوص من ترديد المقر الجازم الذى كان يقر بالحد المعين، فإذا لم يجب تكرار الاقرار، والاصرار عليه مع كون الحد معينا فكيف نقول بوجوب الزامه بالبيان والتوضيح في الاقرار بالمجمل؟ لا يقال فكيف يجب الزام المقر بحق الناس مجملا على البيان والتوضيح؟ لانا نقول: انه وان كان يصح ذلك في حق الناس الا انه ليس من

[ 150 ]

مذهبنا القياس. وعلى الجملة فلا يجب الزامه بالبيان ولا يكلف التفصيل وقد وافق على ذلك صاحب المسالك والجواهر. وقد ظهر بما ذكرناه الجواب عن القول الثاني وهو انه يكلف المقر، بالبيان. كما اجاب عنه في الجواهر بالاصل وظاهر بعض النصوص والامر بدرء الحد بالشبهة وخبر انس ولما في غير واحد من النصوص من ترديد جزم المقر فكيف بالساكت ولقوله صلى الله عليه وآله: من اتى هذه القاذورات شيئا فستر ستره الله وان من بدا صفحته اقمنا عليه الحد، وقول امير المؤمنين عليه السلام للرجل الذى اقر عنده اربعا: ما اقبح في الرجل منكم ان يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا افلا تاب في بيته؟ فو الله لتوبته في ما بينه وبين الله افضل من اقامة الحد عليه. فقد جعل الاقرار بالحد مجملا كالاقرار بالزنا تصريحا حيث لا يكلف هو ان يقر ثانيا وثالثا ورابعا بل وكانوا عليهم السلام يرددون في مقال المقرين واقرارهم ويلقونهم الشبهة كقوله صلى الله عليه وآله لعلك مجنون أو لعلك غمزت، وامثال ذلك. ثم ان المحقق قدس سره كما استصوب هنا كلام ابن ادريس في طرف الزيادة نفى عنه الاستبعاد في نكت النهاية ايضا وقد ذكر هناك نكات ومطالب زائدة على ما افاده هنا واليك عبارته: قوله: وقضى امير المؤمنين في من اقر على نفسه بحد ولم يبينه ان يضرب حتى ينهى هو عن نفسه الحد هل يعتبر هذا فيمن يعرف الحدود ام لا وهل إذا بلغ معه المأة يقطع عنه الضرب ام لا؟ الجواب: روى هذه محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام عن علي عليه السلام في رجل اقر على نفسه بحد ولم يسم أي حد هو، قال: امر ان يجلد حتى يكون هو الذى نهى عن نفسه الحد. وهذا اللفظ مطلق فتحمل على العارف وغيره وهذه الرواية مشهورة فيعمل بها وان كان في طريقها قول،

[ 151 ]

ويؤيدها انه اقرار من بالغ عاقل فيحكم به ولا استبعد إذا وصل به إلى مأة جلدة ان يقطع عنه الجلد وان لم يمنع عن نفسه لانه لا حد وراء المأة، وإذا نهى عن نفسه قبل وان كان دون الحد لاحتمال ان يكون ذلك توهمه وانه يسمى حدا فيسقط ما زاد للاحتمال إذ لا يثبت بالاقرار الا ما يتحقق انه مراد من اللفظ انتهى كلامه رفع مقامه (1). نقول: اما ما كان منه متعلقا بمحل الكلام هو ان النزاع في الحقيقة في انه هل يؤخذ باطلاق الرواية على تقدير صحتها ويحكم بانه يضرب إلى ان ينهى فما لم ينه يضرب وان مات وانجر إلى زهوق روحه، أو انه يقتصر على ضربه ماة جلدة ان لم يزجر ضاربه قبل ذلك؟ ويدل على الاول اطلاق الرواية وعليه فيضرب كائنا ما كان. وتمسك من قال بالثاني بان هذا المقر لم يقر بازيد من الحد ومن المعلوم انه لا حد فوق مأة وازيد منها، واما ما كان يزاد على هذه تغليظا ولاجل ارتكابه القبيح في مكان شريف أو زمان كذلك فليس هو من الحد في شئ بل هو امر زائد على اصل الحد من باب التعزير والتأديب فيمن لم يراع شرف الزمان المخصوص أو المكان كذلك وضيع حرمتهما، ومن المعلوم ان المقر في المقام قد اقر بالحد لا بالحد والتعزير كليهما. والظاهر ان هذا الكلام حسن فيكون معنى (يضرب حتى ينهى) انه يضرب كذلك إلى بلوغ الحد التام وهو المأة فحينئذ يخلى سبيله ولا حاجة إلى ان ينهى فنهيه يفيد ويؤثر بالنسبة إلى ما قبل المأة الا إذا ظن في حقه ما يوجب القتل كزنا المجارم فهناك يمكن ان يقال انه يضرب ما لم ينه عنه وان قتل به فان حكم الزانى كذلك، وان كان هو الرجم أو القتل لا عن جلد وضرب، الا ان ذلك إذا كان معينا واما إذا كان مجملا فلا بأس بما ذكرناه. لكنى لم ار في كلماتهم من يقول بذلك. هذا بالنسبة إلى استصوابه طرف الزيادة من كلام ابن ادريس واما


(1) الجوامع الفقهية الصفحة 454.

[ 152 ]

بالنسبة إلى ما ذكره من كونه عارفا أو غيره فنقول: وهل تعتبر في هذا الحكم - أي ضرب هذا المقر حتى ينهى - علمه ومعرفته بالحدود المقررة في الشرع أو لا يعتبر ذلك؟ اعتبر ذلك بعض العلماء (1)، قال في كشف اللثام (عند قول العلامة ضرب حتى ينهى عن نفسه): وان لم يبلغ احدا من الحدود المقدرة لان نهيه يدل على ارادته التعزير أو يبلغ المأة فانها اقص الحدود وما يزاد لشرف المكان أو الزمان تعزير زائد على اصل الحد والاصل عدمه. ثم قال: نعم ان علم بالعدد وبالمسألة وطلب الزيادة توجه الضرب إلى ان ينهى انتهى. اقول: والمستند في ذلك انه إذا كان عارفا بالمسألة وبالحدود والتعزيرات فانه يعتمد بنهيه ويطمئن إليه فإذا نهى قبل بلوغ اقل الحدود فانه يعلم انه اراد من الحد التعزير، كما انه إذا نهى عند بلوغ الضربات ثمانين جلدة يعرف انه كان حده حد شرب الخمر وهكذا، بخلاف ما إذا لم يكن عالما بالمسائل وعارفا بالحدود المقررة فانه ربما يضرب فوق المقدار اللازم وهو لعدم كونه عارفا لا ينهى أو انه لشدة تسليمه قبال حكم الله تعالى وجده البلاغ في تطهير نفسه عن دنس ما اتى به من الذنب قد هيأ نفسه لان يضرب كملا ويرى انه كلما زيد في ضربه ازداد مغفرة ورحمة فلابد من ان يكون عارفا حتى يكون نهيه ناشيا عن علم وبصيرة فيعتمد عليه. ولكن المحقق خالف في ذلك مستدلا بان اللفط مطلق فيحمل على العارف وغيره كما عرفت آنفا من كلامه الذى نقلناه من النكت.


(1) قال الشهيد في غاية المراد: وخص هذا الحكم في النكت بالعالم بالحدود - ثم قال: - قلت: وقول الاصحاب ببلوغ المأة فيه نظر إذ لم يعتبروا التعدد هنا وموجب المأة يعتبر فيه التعدد قطعا وكذا في البلوغ إلى الاقل لما ذكر من اعتبار التعدد فان كان مراد الاصحاب ان ذلك مع الاقرار اربعا فليس ببعيد ما قالوه والا فهو مشكل، ولك ان تقول: ان من اقر مرة لم يتجاوز التعزير وان ثنى أو ثلث لم يتجاوز الثمانين وان ربع لم يتجاوز المأة ويحتمله لجواز تغليظ الحد بالزنا في مكان شريف أو زمان شريف ومع التعدد يحتمل حمله على التأسيس فيتعدد الحدود انتهى كلامه.

[ 153 ]

ويرد عليه ان الاطلاق متعلق بما إذا كان هناك حكم كلى قد تعلق بمفهوم شامل لافراد كما إذا قال اعتق رقبة حيث ان الرقبة شاملة للمؤمنة والكافرة فما لم يدل دليل على اختصاص الحكم بالمؤمنة يؤخذ بالاطلاق ويقال: ان المراد هو محض الرقبة سواء ا كان مؤمنا ام كافرا، واما إذا استعمل لفظ في مقام الحكاية وان كان لاجل بيان الحكم فلا اطلاق هنا كما إذا قال: رجل قتل رقبة الخ فهل يمكن ان يقال: ان الرقبة مطلقة؟ وما نحن فيه كذلك فلا اطلاق يشمل كليهما فالصحيح التمسك بترك الاستفصال، وذلك لوقوع هذا الامر بامر الامام عليه السلام وله وجهان فيمكن كونه في الواقع عارفا كما يمكن كونه جاهلا ولما لم يسئل الامام عن ذلك فلذا يحمل على العموم أي سواء كان عارفا أو جاهلا. ثم ان هنا كلاما آخر وهو انه إذا ضرب مأة ثم كف عن ضربه اما بنهيه أو لانها اقصى الحدود فقد اجرى حد الزنا باقرار واحد والحال انه يعتبر فيه اربعة شهود وهكذا. ولذا قال في كشف اللثام في مقام رفع الاشكال: واطلاق الخبر الاول والاصحاب نزل على الحد الذى يقتضيه ما وقع منه من الاقرار فلا يحد مأة ما لم يقر اربعا ولا ثمانين ما لم يقر مرتين ولا يتعين المأة إذا اقر اربعا ولا الثمانون إذا اقر مرتين على قول غير ابن ادريس انتهى. قوله: الخبر الاول يعنى خبر محمد بن قيس المتقدم آنفا. ثم ان كلامه محل النظر والاشكال وذلك لان (اقر) ظاهر في الاقرار مرة واحدة لا الاقرار بمقتضى الحدود مرتين أو اربع مرات فهذا تعبد خاص في الموضع. وقد تحصل من جميع ما ذكرناه في المقام انه يؤخذ بالرواية ويعمل بها فإذا اقر بحد ولم يبينه فانه يضرب إلى ان ينهى عن نفسه إلى ان يبلغ المأة فهناك يخلى سبيله.

[ 154 ]

حكم الرجل والمرأة الذين وجدا في ازار واحد قال المحقق: وفي التقبيل والمضاجعة في ازار واحد والمعانقة روايتان احديهما مأة جلدة والاخرى دون الحد وهى اشهر. البحث هنا في انه إذا وجد الرجل والمراة في ازار أو لحاف يقبلان ويعانقان فهل يحكم عليهما بالحد أو التعزير؟ بعد انه يحرم مضاجعة الاجنبيين تحت ازار واحد مجردين. مقتضى رواية هو الاول ومقتضى رواية أخرى هو الثاني ويستفاد من عبارة المحقق انه مائل إلى الثاني حيث عبر بانه الاشهر، فهو مشعر بالتقدم لقوله عليه السلام: خذ بما اشتهر بين اصحابك (1). وفي الجواهر في شرح (وهي اشهر): عملا على معنى ان في ذلك التعزير المناط بنظر الحاكم الذي اقصاه مأة سوط دون الحد بل قيل انه المشهور بل في كشف اللثام الاجماع كما يظهر منهم عليه بل عن الغنية دعواه صريحا انتهى والوجه في قوله: عملا ان روايات الحد اكثر. فهم بين من عبر بالاشهر ومن عبر بالمشهور، ومن ادعى الاجماع على ذلك، والفرق بين الاشهر والمشهور واضح لان الاشهر مقابل المشهور واما المشهور


(1) وقال الشيخ في المبسوط الجلد 8 الصفحة 7: إذا وجد رجل مع امرأة في فراش واحد يقبلها أو يعانقها فلا حد عليه وعليه التعزير، وروى في بعض اخبارنا انه يجلد كل واحد منهما مأة جلدة وكذلك روى المخالف ذلك عن على عليه السلام وقال بعضهم خمسين وقال الباقون يعزر انتهى. وقال الشيخ المفيد في المقنعة الصفحة 774: فان شهدوا عليه بما عاينوه من اجتماع في ازار والتصاق جسم بجسم وما اشبه ذلك ولم يشهدوا عليه بالزنا قبلت شهادتهم ووجب على الرجل والمرأة التعزير حسب ما يراه الامام من عشر جلدات إلى تسع وتسعين جلدة ولا يبلغ التعزير في هذا الباب حد الزنا المختص في شريعة الاسلام. وقال العلامة في التحرير الصفحة 222: وفى التقبيل والمضاجعة في ازار واحد والمعانقة التعزير.

[ 155 ]

فهو مقابل الشاذ. وقد عقد المحدث الحر العاملي في ذلك بابا تحت عنوان: باب ثبوت التعزير بحسب ما يراه الامام على الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة إذا وجدا في لحاف واحد أو ثوب واحد مجردين من غير ضرورة ولا قرابة ويقتلان في الرابعة. وهذه فتواه في المقام فيحب التعزير مع هذه القيود وكيف كان فقد ذكر في هذا الباب خمسة وعشرين حديثا، وهذه الروايات على قسمين فبعضها يدل على وجوب الحد أي مأة جلدة وبعضها الاخر على ان الحكم هنا هو التعزير وحيث ان كل واحد من القسمين متضمن لروايات صحيحة السند صريحة الدلالة فلذا كان الجمع بينهما وعلاج تعارضهما بما تطمئن إليه النفس مشكلا، كما ان الحكم بالتساقط بعد تعارضهما ايضا في غاية الاشكال للاجماع على ان الحكم هنا واحد من هذين واللازم هو المراجعة إلى الروايات والنظر فيها فلعلنا نصادف فيها شيئا يجمع به بين الطائفتين. فمنها صحيح الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: حد الجلد، ان يوجدا في لحاف واحد والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد والمرأتان تجلدان إذا اخذتا في لحاف واحد الحد (1). وحيث ان الفرض الثاني متعلق برجلين والثالث بالمرأتين فلابد من ان يكون الفرض الاول متعلقا بالرجل والمرأة. وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: حد الجلد في الزنا ان يوجدا في لحاف واحد والرجلان يوجدان في لحاف واحد والمرأتان توجدان في لحاف واحد (2). وعن عبد الرحمن الحذاء قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مأة جلدة (3)


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 156 ]

وعن ابى الصباح الكناني عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد جلدا مأة مأة (1). وعن سلمة عن ابي عبد الله عليه السلام: ان عليا عليه السلام قال: إذا وجد الرجل مع المرأة في لحاف واحد جلد كل واحد منهما مأة (2). إلى غير ذلك من الاخبار بهذا المضمون. ولا شك في دلالة هذه الروايات على ان حد المجتمعين في لحاف واحد هو الجلد، والظاهر من الجلد والحد هو حد الزنا مأة جلدة كما صرح بكون حد ذلك مأة جلدة التي، التي هي حد الزنا في قسم منها كما عرفت اما الاخبار الدالة على التعزير حيث استثنى فيها من المأة، واحدة فهي هذه: عن زيد الشحام عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل والمرأة يوجدان في اللحاف قال: يجلدان مأة مأة غير سوط (3). وعن ابان بن عثمان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ان عليا عليه السلام وجد امرأة مع رجل في لحاف واحد فجلد كل واحد منهما مأة سوط غير سوط (4). وعن ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في رجلين يوجدان في لحاف واحد قال: يجلدان غير سوط واحد (5). وعن حريز عن ابي عبد الله عليه السلام: ان عليا عليه السلام وجد رجلا وامرأة في لحاف واحد فضرب كل واحد منهما مأة سوط الا سوطا (6). إلى غير ذلك من الروايات الشريفة الدالة على التعزير. والامر الصعب جدا هو الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات،


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 10. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 24. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 19. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 18. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 من ابواب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 20.

[ 157 ]

والقائلون بلزوم التعزير حملوا روايات المأة على وجوه لا تنافي ذلك بناءا منهم على ان مقدمات الزنا ومناسباته لا تكون مثل الزنا نفسه. ففي الوسائل في ذيل خبر ابن سنان ح 4: هذا محمول على الجلد دون المأة في ذيل خبر الحذاء ح 5: هذا يحتمل الحمل على انه يجلد كل واحد منهما خمسين جلدة لوجود التصريحات الكثيرة السابقة والاتية بانه يجلد دون الحد انتهى. وان كان هذا الحمل عندنا بمكان من البعد لمخالفته للظاهر شديدا. وقد يجمع بينهما بحمل روايات المأة على التقية وجعلوا رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتعرضة لدخول عباد البصري على الامام الصادق عليه السلام: عن شاهدا على ذلك عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فدخل عليه عباد البصري ومعه اناس من اصحابه فقال له: حدثني عن الرجلين إذا اخذا في لحاف واحد فقال له: كان على عليه السلام إذا اخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد فقال له عباد: انك قلت لي: غير سوط، فاعاد عليه ذكر الحديث الحد حتى اعاد ذلك مرارا فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك، الحديث (1). قال في الجواهر: ولعل التأمل في الجمع بين النصوص يقتضي تعيين كونه مأة الا سوطا خصوصا بعد اشعار صحيح الحلبي الوارد في الرجلين بان ذكر المأة للتقية. وفيه ان في رواية عبد الرحمن قرائن تدل على ان الحكم بالتعزير واستثناء واحد من مأة، صدر تقية. احدها نسبة ضرب المأة إلى امير المؤمنين عليه السلام فان التقية تحصل بالقاء الحكم على خلاف الواقع ولا حاجة إلى نسبة هذا الحكم إلى امام آخر فانه كذب وافتراء (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 2 (2) اقول: يرد عليه ان في عدة من روايات هذا الباب نسب الامام عليه السلام ضرب كل واحد مأة الا =

[ 158 ]

ثانيها ان ظاهر السياق ان الامام ابا عبد الله عليه السلام ذكر اولا الحكم الواقعي ولما رأى الراوى نسب إليه صلوات الله عليه انه قال من قبل (من غير سوط) واصر على ذلك فلم ير مقتضيا لبيان الحكم الواقعي فهناك قال: من غير سوط. ثالثها ان فتوى الفقهاء من العامة هو وجوب التعزير لا الحد كما صرح بذلك الشيخ الطوسى قدس سره الشريف حيث قال: روى اصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة اجنبية يقبلها ويعانقها في فراش واحد ان عليهما مأة جلدة، وروى ذلك عن على عليه السلام وقد روى ان عليهما اقل من الحد، وقال جميع الفقهاء عليه التعزير، دليلنا اخبار الطائفة، وقد ذكرناها، وقد روت العامة ذلك عن على عليه السلام (1). قوله: وقد ذكرناها الخ مراده ذكر ذلك في كتبه الروائية مثل التهذيب والاستبصار، وكيف كان فترى انه نسب وجوب مأة جلدة إلى اصحابنا، والتعزير إلى الفقهاء أي فقهاء العامة كما هو مصطلحه. وإذا كان فتوى العامة هو وجوب التعزير فهل يصح القول بان افتاء الامام عليه السلام بالمأة محمول على التقية؟ بل حمل نصوص دون الحد على التقية اولى. هذا كله مضافا إلى ان الحمل على التقية معناه الطرح وليس هو في الحقيقة جمعا بين الروايات. ومن وجوه الجمع ما افاده شيخ الطائفة من حمل روايات المأة على صورة علم الامام بوقوع الزنا قال قدس سره بعد ذكر الاخبار الدالة على وجوب المأة ومن جملتها خبر ابى الصباح الكنانى المذكورة آنفا: الوجه في هذه الاخبار هو انه إذا انضاف إلى كونهما في ازار واحد، الفعل وعلم ذلك منهما الامام فان حنيئذ يقيم عليهما الحد كاملا (2).


= سوطا، إلى امير المؤمنين عليه السلام، فالاشكال مشترك الورود (1) الخلاف كتاب الحدود المسألة: 9. (2) التهذيب الجلد 10 الصفحة 44.

[ 159 ]

وعلى هذا فيعمل باخبار التعزير لان روايات المأة محمولة على صورة الزنا وعلم الامام بذلك. وفيه انه لا وجه لهذا الحمل بعد ان الظاهر منها هو بيان الحكم الشرعي الكلى وليس في الروايات ما يشعر بذلك حتى يكون شاهدا له (1) فيبعد في النظر جدا حملها على هذا الوجه فان هذه الروايات متعرضة لاصل الحكم واما طريق اثبات الموضوع فهو موكول إلى مقام آخر (فتأمل). ومنها ما افاده ايضا من حمل روايات المأة على صورة قد زبره الامام ونهاه ثم وجد انه قد عاد إلى فعل الاول. قال قدس سره بعد ذكر خبر عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد وقامت بذلك عليهما البينة ولم يطلع منهما على سوى ذلك جلد كل واحد منهما مأة جلدة: فيحتمل هذا الخبر ان يكون المراد به من قد زبره الامام وادبه ونهاه عن ذلك بفعل كان منه ثم وجده قد عاد إلى مثل فعله فحينئذ جاز له اقامة الحد عليه كاملا وهذا الوجه تحتمله الاخبار الاول والذى يدل على ذلك.. الخ (2). اقول: وهذا ايضا خلاف الظاهر وبعده غير خفى (3) ويمكن ان يجمع بينهما بحمل الاخبار الدالة على المأة على ما إذا وجدا مجردين واما إذا وجدا لا كذلك فهناك يضربان مأة الا واحدا. ويمكن الاستشهاد لذلك برواية ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: كان على عليه السلام إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزانى مأة جلدة كل واحد منهما وكذلك المرأتان إذا وجدتا في لحاف واحد مجردتين جلدهما كل واحدة منهما مأة جلدة (4).


اقول: ذكر الشيخ خبر حسين بن خالد شاهدا ودليلا على حملة فراجع. (2) التهذيب الجلد 10 الصفحة 44. (3) اقول: انه قدس سره جعل رواية ابى خديجة دليلا على ما افاده فراجع. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 15.

[ 160 ]

نعم لا تعرض في هذه الرواية للرجل والمرأة وانما المفروض فيها الرجلان مرة والمرأتان اخرى وبذلك تخصص اخبار المأة بما إذا وجدا مجردين لا مع الثوب فان حكمه هو اقل من مأة. اللهم الا ان يقال بعدم خصوصية للفرضين المذكورين، بل اجتماع الرجل والمرأة تحت لحاف واحد ايضا كذلك وعلى هذا فتخصص الحكم في الجميع أي الصور الثلاثة والا فيقتصر على الفرضين المذكورين في رواية ابى عبيدة. وكيف كان فقد جمع بين الطائفتين بهذا النحو فانهما كالمثبتين، وقد ذكر هذا القيد في كلمات جماعة من العلماء القائلين بالمأة. الا انه يمكن الاشكال في هذا الوجه ايضا بان التقييد في المثبتين متعلق بما إذا احرزت وحدة الحكم ولم يحتمل تعدده مثل: ان ظاهرت فاعتق رقبة وان ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، وهنا لانقطع بذلك، فربما يكون الحكم في المجردين وغير المجردين مأة جلدة، ولو قيدنا بهذا القيد فلعله يقتصر فيه على الموردين، واما في الرجل والمرأة الذى لم يذكر في الخبر فلا، بل يقال هناك بالاطلاق. كما انه لو شك في اعتبار هذا القيد وعدمه فالحد يدرء بذلك وعلى هذا فلا يحدان ولا يعزران بدون ذلك الا مع فرض حرمة كونهما تحت لحاف واحد مطلقا نعم معلوم ان كون الرجل والمرأة تحت لحاف واحد حرام لانه اولى من مجرد النظر الذى هو حرام بل اولى من مجرد كونهما في الخلوة الذى ورد فيه: ان ثالثهما الشيطان فهنا لا حاجة إلى قيد التجرد كما لا حاجة في الحرمة ووجوب التعزير إلى روايات هذا الباب وهذا بخلاف الرجلين فان نومهما تحت لحاف واحد ليس في حد نفسه بحرام فيقيد بما إذا كانا مجردين فيحرم ويعرزان وكذلك المرأتان. وقد يجمع بين الطائفتين بالتخيير فان هذا هو مقتضى تعارض الاخبار الصحاح الواجدة لشرائط الحجية. والذى يقتضى القاعدة هو الاخذ بروايات المأة فانها مخالفة للعامة كما

[ 161 ]

رأيت ذلك في كلمات الشيخ قدس سره في الخلاف، مضافا إلى انها اكثر عددا فيؤخذ بهذه ويغض النظر عن روايات ما دون مأة لموافقتها لمذهب العامة. وان كان ربما يستبعد في الذهن تساوى النوم تحت لحاف واحد، والزنا، في الحكم بان يكون حد كل منهما مأة لكن إذا ثبت التعبد فلا مجال للاستبعاد. كما ان مقتضى قوله عليه السلام: خذ بما اشتهر بين اصحابك، ايضا هو القول بالتعزير. نعم يشكل ذلك أي القول باعتبار المأة، ان العلماء رضوان الله عليهم اجمعين مع انهم قد رأوا تلك الروايات الدالة على المأة ونقلوها ومع ان بناءهم على العمل بالاخبار الصحاح واضحة الدلالة، لم يعملوا بتلك الاخبار وهذا مما يوجب سلب الاطمينان بالنسبة إليها ويبدو في الذهن الظن بانه كانت عندهم قرينة حملتهم على الاعراض عن هذه الاخبار ولم يقولوا بالتخيير فضلا عن الافتاء بخصوص المأة. واما احتمال الجمع بينهما بكون الاخبار الدالة على المأة في مورد الرجل والمرأة، واخبار التعزير في مورد الرجلين، أو المرأتين، فهو في غير محله وذلك لورود الاخبار المتعارضة في كل واحد من الموارد الثلاثة. اما بالنسبة إلى الرجل والمرأة فقد تقدم. واما في مورد الرجلين فرواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام وقد تقدم نقلها، وفيها: والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد، الحد.. وصدر رواية عبد الرحمن بن الحجاج في قصة عباد البصري: كان على عليه السلام إذا اخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد.. ورواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام التى مر نقلها وفيها: حد الجلد في الزنا ان يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد. ورواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول:

[ 162 ]

كان على عليه السلام إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد (1).. ورواية ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: كان على عليه السلام إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزانى مأة جلدة كل واحد منهما (2). واما ما يعارض ذلك فمنها ذيل الرواية الواردة في قصة عباد البصري وفيها: فقال: غير سوط. ومنها رواية معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام.. قلت الرجلان ينامان في ثوب واحد، قال: يضربان، قال: قلت: الحد قال: لا (3). ومنها رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في رجلين يوجدان في لحاف واحد قال يجلدان غير سوط واحد (4). ومنها رواية سليمان بن هلال قال: سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك، الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد فقال: ذوا محرم؟ فقال: لا، قال: من ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا ثلاثين سوطا (5). ومنها رواية حفص البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل وجد تحت فراش رجل فامر به امير المؤمنين عليه السلام فلوث في مخرؤة (6). واما المرأتان، فالروايات الدالة على لزوم الحد عليهما كثيرة منها رواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام المتقدمة ففى آخرها: والمرأتان تجلدان إذا اخذتا في لحاف واحد الحد.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 6. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 15. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 16. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 18. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 21. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 6 من حد اللواط الحديث 1.

[ 163 ]

ومنها خبر عبد الله بن سنان: عن ابى عبد الله عليه السلام: حد الجلد في الزنا.. والمرأتان توجدان في لحاف واحد (1). ومنها خبر عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كان على عليه السلام.. فإذا اخذ المرأتين في لحاف ضربهما الحد (2). ومنها رواية ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: كان على عليه إذا وجد.. وكذلك المرأتان إذا وجدتا في لحاف واحد مجردتين جلدهما كل واحدة منهما مأة جلدة (3). ومنها رواية عبد الله بن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام: حد الجلد في الزنا.. والمرأتان توجدان في لحاف واحد (4). ومنها رواية ابى خديجة قال: لا ينبغى لامرأتين تنامان في لحاف واحد الا وبينهما حاجز فان فعلتا نهيتا عن ذلك فان وجدهما بعد النهى في لحاف واحد جلدتا كل واحد منهما حدا حدا (5). واما ما يعارض ذلك فمنها رواية معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: تضربان: قلت: حدا؟ قال: لا (6). ومنها رواية سليمان بن هلال قال: سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام.. قلت: فامرأة نامت مع امرأة في لحاف؟ فقال: ذواتا محرم؟ قلت: لا. قال: من ضرورة؟ قلت: لا، قال: تضربان ثلاثين سوطا (7).. واما قيد المحرمية وعدمها الذى ورد في هذه الرواية رواية سليمان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 15. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 23. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 25. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 16. (7) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 21.

[ 164 ]

صدرا وذيلا فنقول: انه لو كان كونهما تحت لحاف واحد للريبة وقصد السوء فأمره اشد، واثمه اعظم من غير المحرم كما ان الزنا بالمحارم كذلك فلابد من ان يكون سؤال الامام عليه السلام لاجل استظهار انه مع المحرمية والقرابة لا يصدر منهما قصد السوء والفساد والفحشاء فالاب أو الاخ لا يصدر منهما بحسب النوع قصد المعصية بالنسبة إلى ابنه واخيه، وعلى الجملة فاجراء الحد أو التعزير منوط بان يعلم منهما ارادة الفساد والعصيان واما بدون ذلك فلا يترتب على مجرد كونهما تحت لحاف واحد، شى لان ذلك ليس بحرام. كما انه بالنسبة إلى التجرد وعدمه نقول: انهما لو كانا رجلين ولم يكونا مجردين فلا شئ، واما لو كانا مجردين فهناك يترتب الحد أو التعزير، وكذا في المرأتين، واما الرجل والمرأة فمجرد كونهما تحت لحاف واحد يوجب التعزير لانه حرام مطلقا سواء كانا مجردين أو غير مجردين كما تقدم ذلك. وعلى الجملة فمع وجود التعارض بين الاخبار في كل من المقامات الثلاثة فلا وجه للحمل المزبور أي حمل اخبار المأة على صورة كونهما رجلا ومرأة واخبار التعزير على صورة كونهما رجلين، أو امرأتين. هذا كله مضافا إلى ان اخبار الزنا الدالة على انه يعتبر في الزنا ان يكون الشهود قد رأوه ذلك بالنحو المعروف أي كالميل في المكحلة والا فلا يحد، تكون بنفسها كالمعارض لاخبار الحد في المقام فانه يبعد في النظر جدا ان يجعل حد الزنا لمجرد كونهما تحت لحاف واحد ولو كان الامر كذلك لما كانت حاجة إلى ان يروهما كذلك بل يقتصر على الشهادة بكونهما تحت لحاف أو ازار واحد ويجلدان مأة جلدة بلا حاجة إلى تلك القيود الصعب التحقق. اللهم الا ان يكون مجرد كونهما تحت لحاف واحد امارة على تحقق الزنا وطريقا إليه. واما ما قيل من ان الروايات الدالة على ضربهما مأة مقيدة برواية ابى خديجة المذكورة آنفا الدالة على نهى الامرأتين اللتين كانتا في لحاف واحد، عن ذلك ثم ان فعلتا ذلك ثانيا جلدت كل واحدة منهما حدا والنتيجة ان

[ 165 ]

المضطجعين تحت لحاف واحد ينهيان اولا ثم في المرة الثانية يجلدان، فجلد مأة يختص بالمرة الثانية واما قبلها فما دونها. ففيه ان ذلك غير تام لخلو الروايات الكثيرة الواردة في مقام البيان عن هذا القيد فلا يكتفى في تقييدها برواية واحدة مثلها (1). هذا كله بالنسبة إلى اصل الحد والتعزير، والنزاع في اختيار هذا أو ذاك، وقد ظهر بما ذكرناه ان المشهور لم يعملوا باخبار الحد أي مأة جلدة فهى مطروحة. واما البحث في نفس التعزير ومقداره فنقول: قد ورد في هذه الروايات انه يضرب أو يجلد مأة الا سوطا واحدا وظاهره تعيين ذلك كما ان ظاهر رواية سليمان بن هلال (2) هو تعيين الثلاثين سوطا. لكن يشكل الامر بالنسبة إلى تعيين المأة دون سوط حيث انه قال في الجواهر: انى لم اجد بذلك قائلا انتهى، وعلى هذا فلابد من ان يقال بان المراد كون هذا اكثره. واما بالنسبة إلى اقله فمقتضى كون التعزير بنظر الامام وان كان هو جوازه إلى واحدة لكن خبر ابن هلال صريح في اعتبار الثلاثين فان كان مخدوشا من حيث السند فهو والا فمع صحة السند أو انجبار ضعفه بالعمل فلا محيص عن القول بان اقله الثلاثون. والرواية وان كانت واردة في خصوص الرجلين وكذا المرأتين الا ان الظاهر اتحاد الحكم من هذه الجهة وعلى هذا فالامر بيد الحاكم في هذه المحدودة أي من ثلاثين إلى تسعة وتسعين بحسب ما يراه من المصالح لا خصوص التسعة والتسعين. والوجه في ذكر الاكثر بان يكون منتهاه مأة الا واحدا مع ان امر التعزير


(1) قال العلامة المجلسي في المرآت الجلد 23 الصفحة 309 عند ذكر خبر ابى خديجة: مختلف فيه. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب حد الزنا الحديث 21.

[ 166 ]

بيد الامام ومحول إلى نظره، هو خصوصية هذا العمل الشنيع بالنسبة إلى غيره من المعاصي وهذا التعزير بالنسبة إلى غيره من التعزيرات فان عظمة هذه المعصية اقتضت ان يذكر ان لتعزيره مجالا واسعا إلى ان يبلغ مأة دون واحد ومناسبة هذه المعصية تقتضي ان يجلد مرتكبها باكثر من مرتكب سائر المعاصي والا فامر التعزير بيد الحاكم الشرعي. ثم لو شك في تعيين خصوص المأة الا واحدا أو ان الواجب هو ضربه ما بين الثلاثين إلى تسع وتسعين فالاحتياط في اجراء الحدود يقتضى الثاني والنتيجة ان مأة سوط غير سوط نهاية التعزير. قال المحقق الاردبيلى في مجمع الفائدة والبرهان: فينبغي العمل بالاحتياط التام في الحدود خصوصا القتل لا درءوه، وبناء الحد على التخفيف مهما امكن فتأمل انتهى. بقى امران. احدهما: ان هذه المباحث كلها متعلقة بما إذا كان في حال الاختيار وبلا ضرورة اما إذا دعتهما الضرورة كالبرد الشديد أو غير ذلك إلى ان يكونا تحت لحاف واحد فلا بأس به ولا يجرى هناك تلك المطالب كما يستفاد ذلك من بعض الروايات الواردة في الباب ايضا (1). ثانيهما انه لا خصوصية للحاف بل الحكم هو ما ذكرناه إذا كانا تحت ازار واحد ايضا فالملاك مطلق ستريمكن لهما الاستمتاع به وتحته وقد وردت الرويات ايضا بالتعبيرين لا بخصوص احدهما (2). الكلام في ما لو انكر بعد ما اقر قال المحقق قدس سره: لو اقر بما يوجب الرجم ثم انكر سقط الرجم.


(1) اقول وذلك كخبر سليمان بن هلال (الحديث 21) حيث سئل الامام ان نيام الرجل مع الرجل في لحاف واحد هل كان من ضرورة؟ فراجع. (2) كرواية ابى بصير (الحديث 7) ورواية معاوية بن عمار (الحديث 16) حيث عبرنا بالثوب، وأما التعبير باللحاف فكثيرة وقد تقدم.

[ 167 ]

اقول: الظاهر من العبارة هو الاقرار المعتبر في باب الزنا وهو الاقرار اربعا فان الاقرار مرة واحدة مثلا لا يؤثر في الرجم فهو لم يكن ينفع شيئا حتى يحتاج رفع الحد إلى ذلك أي الانكار بعد الاقرار. وفى الجواهر بعد عبارة الشرايع: بلا خلاف اجده كما عن الفخر الاعتراف بل يمكن تحصيل الاجماع عليه. قال شيخ الطائفة: إذا اقر بحد ثم رجع عنه سقط الحد وهو قول ابى حنيفة والشافعي واحدى الروايتين عن مالك، وعنه رواية اخرى انه لا يسقط وبه قال الحسن البصري وسعيد بن جبير وداود. دليلنا اجماع الفرقة وايضا فان ماعزا اقر عند النبي صلى الله عليه وآله بالزنا فاعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم قال: لعلك لمست، لعلك قبلت فعرض له بالرجوع حين اعرض عند اقراره وصرح له بذلك في قوله: لعلك لمست لعلك قبلت ولولا ان ذلك يقبل منه لم يكن له فائدة انتهى (1). وتعبيره بالحد مطلق شامل للحد والرجم، وكيف كان فقد تمسك قدس سره في اثبات المطلب بخبر ماعز. وتبعه في ذلك الشهيد الثاني في المسالك فقال: واما سقوط الرجم بالانكار فيدل عليه قضية ماعز وتعريض النبي صلى الله عليه وآله له بالانكار بعد الاقرار ولولا قبوله منه لم يكن لترديده فائدة (2). وفيه انه لا مساس لخبر ماعز بمسئلتنا هذه وذلك لان الكلام في الانكار بعد تمام الاقرار الموجب للرجم، والحال ان خبر ماعز يدل على انه صلى الله عليه وآله كان بترديده وتلقينه ما لقنه بصدد ان لا يتم ولا يتحقق الاقارير الاربعة وكان يجد ويجتهد في ان يقول ماعز: انى لمست أو قبلت، رجاء ان لا تكمل


(1) الخلاف كتاب الحدود المسألة 17. (2) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 426 واستدل قدس سره بقوله ص لاصحابه لما فر من الحفيرة فادركوه وقتلوه: هلا تركتموه وجئتموني به لنستتيبه، وفى بعض الفاظها: هلا رددتموه الي لعله يتوب انتهى.

[ 168 ]

الاربعة، واين هذا من انه لو كان المقر ينكر ما اقر به اربعا لكان النبي صلى الله عليه وآله يقبل منه فليس في الخبر ما يدل على ذلك وهو صلى الله عليه وآله وان قال له: ان اقررت الرابع رجمتك، المستفاد منه انه ان لم يقر الرابعة لا يرجمه لكن لم يقل بانى ما ارجمك ان انكرت بعد تحقق الاقرارات وتمامها (1) وعلى هذا فالاستدلال بخبر ماعز للمقام غير سديد. والعمدة في مقام الاستدلال الروايات الواردة في الباب وهى تغنينا عن التمسك بخبر ماعز وقد جمعها في الوسائل في باب عنونه بقوله: باب ان من اقر بحد ثم انكر لزمه الحد الا ان يكون رجما أو قتلا ويضرب المقر بالرجم الحد إذا رجع. وقد اضاف القتل وافتى بجريان حكم الرجم فيه وهو محل الكلام وسنتعرض له ان شاء الله تعالى كما انه ذكر ايضا ان من اقر بموجب الحد ثم انكر يضرب الحد وهذا قد ذكر في بعض الروايات واليك تلك الاخبار. عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اقر على نفسه بحد ثم جحد بعد فقال: إذا اقر على نفسه عند الامام انه سرق ثم جحد قطعت يده وان رغم انفه وان اقر على نفسه انه شرب خمرا أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة، قلت فان اقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم ا كنت راجمه؟ فقال: لا ولكن كنت ضاربه الحد (2). وعن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا اقر الرجل على نفسه بحد أو فرية ثم جحد جلد قلت: ارأيت ان اقر على نفسه بحد يبلغ فيه الرجم ا كنت ترجمه؟ قال: لا ولكن كنت ضاربه (3). وعن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اقر على نفسه


(1) اقول: الظاهر ان معنى قوله صلى الله عليه وآله، ان رجوعك ينفع الآن ولا ينفع بعد تمام الاربع. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من مقدمات الحدود الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 169 ]

بحد اقمته عليه الا الرجم فانه إذا اقر على نفسه ثم جحد لم يرجم (1). ومعلوم ان الظاهر منها اقراره اربعا وبعد تمام الاربع لا قبل ذلك فانه بعد ليس عليه الرجم. الانكار بعد الاقرار في مورد القتل وهل يلحق القتل بالرجم في انه يسقط بالانكار بعد الاقرار - ام لا؟ فرض المسألة هو ما إذا اقر بالزنا الذى يوجب القتل كالزنا بالمحارم ثم رجع عن ذلك، فقال ابن حمزة: ويستحب للحاكم التعريض إليه بالرجوع وان رجع بعد الاربع لم يسقط ان كان موجبه الجلد وسقطان كان موجبه القتل (2). وقال العلامة في القواعد: ولو انكر ما اقر به من الحدود لم يلتفت إليه الا بما يوجب الرجم فانه يسقط بانكاره - ثم قال: - وفى الحاق القتل به اشكال (3). وقال المحقق في المختصر النافع: ولو اقر بما يوجب الرجم ثم انكره سقط عنه ولا يسقط غيره. وقال السيد صاحب الرياض بشرح العبارة: ويدخل في اطلاق غير الرجم في النص والعبارة ونحوها، القتل بغيره فلا يسقط بالرجوع عن الاقرار واستشكله في القواعد من خروجه عن المنصوص ومن الاحتياط في الدماء وبناء الحد على التخفيف ولعل هذا اظهر وفاقا للمحكى عن الوسيلة لذلك ولمنع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من مقدمات الحدود الحديث 3. (2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة الصفحة 410. (3) وقال فخر الدين في الايضاح، الجلد 4 الصفحة 473 في شرح العبارة: هنا مسئلتان (الف) سقوط الرجم بالانكار، ولا خلاف بين الاصحاب فيه (ب) سقوط القتل كالزنا بالعمة أو الخالة أو احدى المحرمة لو انكره بعد الاقرار قال المصنف: فيه اشكال، ينشأ من ثبوت المقتضى وهو الانكار لما بنى على التخفيف، ولمبالغة الشارع في عصمة دم المسلم، وبنائة على الاحتياط التام ومن عدم النص عليه، وامتناع القياس عندنا والاقرب عندي الاول انتهى.

[ 170 ]

اختصاص النص بالرجم. وفى الجواهر: وفى الحاق القتل به اشكال من الاحتياط في الدماء وبناء الحد على التخفيف، ومن خروجه عن النص، ولعل الاول لا يخلو عن قوة. انتهى. ويدل على كون القتل كالرجم في الحكم المبحوث عنه، مرسل جميل بن دراج عن بعض اصحابه عن احدهما عليهما السلام انه قال: إذا اقر الرجل على نفسه بالقتل قتل إذا لم يكن عليه شهود فان رجع وقال: لم افعل ترك ولم يقتل (1). قوله عليه السلام: إذا اقر على نفسه بالقتل، أي بموجب القتل كالزنا بالمحارم وليس المراد انه اقر بقتل احد حتى يجب قتله، وذلك لظهور كونه من باب الحد عرفا لا القود والقصاص، خصوصا بلحاظ تعين القتل في المقام فان القتل قصاصا يختص بما إذا كان عمدا مع مطالبة الولى ذلك حيث انه حق له لقوله تعالى: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل (2). هذا مضافا إلى ان القصاص من حقوق الناس وهو لا يسقط بالانكار ولذا قال المجلسي رضوان الله عليه عند ذكر الرواية: ولعل المراد ما يوجب القتل من الحدود انتهى (3). والرواية تدل على سقوط القتل إذا انكر بعد ما اقر بموجبه وهى وان كانت مرسلة الا ان مرسلها جميل بن دراج الذى له مكانة معلومة وتكون مرسلاته كمرسلات ابن ابى عمير في حكم المسانيد. وعلى هذا فلا بأس بالعمل بها في القتل الواجب بالزنا خصوصا بعد انها موافقة للاحتياط وبناء الحدود على التخفيف.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب مقدمات الحديث 4. (2) سورة الاسراء 33. (3) مرآت العقول الجلد 23 الصفحة 340.

[ 171 ]

وهل يجب عليه اليمين ام لا؟ الظاهر انه يسقط الرجم والقتل على ما مر بالانكار بعد الاقرار مطلقا بلا حاجة في ذلك إلى يمينه. نعم نقل وحكى عن جامع البزنطى انه يحلف ويسقط عنه الرجم وانه رواه عن الصادقين عليهما السلام بعدة اسانيد. الا انه قال في الجواهر: ولكن لم نقف على شئ منها فالمتجه عدم اعتباره (1). وهل يجب جلده أو تعزيره ام لا؟ ثم انه بعد سقوط الرجم والقتل على ما تقدم فهل يخلى سبيله أو انه يجب اجراء حد الجلد عليه أو انه لا جلد عليه ايضا بل يجب تعزيره؟ مقتضى بعض الروايات الواردة في المقام، انتفاء الاحتمال الاول، إذا فيبقى الاحتمالان الآخران، ومنشا الاشكال هو الاختلاف في ضبط رواية الحلبي. ففى الكافي: محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابان عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل.. فان اقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم ا كنت راجمه؟ قال: لا ولكن كنت ضاربه الحد (2) ورواها الشيخ قدس سره كذلك في التهذيب (3). ومقتضى هذا الضبط هو وجوب حده بعد ان سقط عنه الرجم أو القتل.


(1) اقول: وفى الرياض، وليس فيها (أي النصوص) ولا فيما وقفت عليه من الفتاوى اعتبار الحلف، وعن جامع البزنطي انه يحلف ويسقط عنه الرجم وانه رواه عن الصادقين ع بعدة اسانيد فلم اقف على شئ منها. راجع الرياض الجلد 2 الصفحة 46 7. (2) الكافي الجلد 7 الصفحة 219 الحديث 4. (3) التهذيب الجلد 10 الصفحة 123 الحديث 109.

[ 172 ]

لكن في رواية اخرى عنه ليس فيها لفظ (الحد) وهى:.. على بن ابراهيم عن ابن ابى عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا اقر الرجل على نفسه بحد أو فرية ثم جحد جلد قلت ارأيت ان اقر بحد على نفسه يبلغ فيه الرجم ا كنت ترجمه؟ قال: لا ولكن كنت ضاربه (1). وهنا قد اقتصر على ذكر الضرب وليس هو ظاهرا في الحد. وعن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اقر على نفسه بحد اقمته عليه الا الرجم فانه إذا اقر على نفسه ثم جحد لم يرجم (2). وهنا اقتصر على مجرد سقوط الرجم وليس فيه ذكر عن سوى ذلك. وقد نقل الفيض رضوان الله عليه رواية الحلبي في الوافى - وهو معروف بالضبط - مع لفظة: ولكن كنت ضاربه الحد (3) نعم نقل بعد ذلك عن التهذيب رواية محمد بن مسلم الخالية عن ذكر الحد. لكن حيث ان هذا اللفظ مذكور في رواية الحلبي المنقولة عن ابان فالاقوى هو الحكم باجراء الجلد عليه بعد سقوط الرجم عنه. وبذلك يظهر ضعف ما ذكرناه في جواب الاستفتاء عن ذلك في مجمع المسائل من الحكم بسقوط الرجم الا انه يعزر ولا يسقط التعزير بالانكار بعد الاقرار (4) نعم ذكر في الجواهر الروايتين كلتيهما بدون ذكر الحد.


(1) الكافي الجلد 7 الصفحة 219 الحديث 3. (2) الكافي الجلد 7 الصفحة 219 الحديث 5. (3) الوافي الجلد 3 الصفحة 76. (4) لعل الظاهر هو ما افاده في المجمع الجلد 2 الصفحة 193 فانه يبدو في الذهن ان المراد من الحد هو التعزير كما قال العلامة المجلسي في المرآت الجلد 23 الصفحة 339 في ذيل خبر الحلبي: حسن وهذا الخبر وما يوافقه من الاخبار الآتية محمولة على انه جحد بعد الاقرار فانه يسقط به الرجم دون غيره من الحدود ويكون الحد المذكور في بعض الاخبار محمولا على التعزير، إذ ظاهر كلامهم انه مع سقوط الرجم لا يثبت الجلد تاما.

[ 173 ]

عدم تأثير للانكار بعد الاقرار في سقوط الحد هذا كله حكم الانكار بعد الاقرار في مورد الرجم والقتل، واما لو اقر بحد غير ذلك ثم انكر فهل يوجب انكاره سقوط الحد عنه؟ قال المحقق: ولو اقر بحد غير الرجم لم يسقط بالانكار. اقول: ويدل على ذلك صدر خبر الحلبي المذكور آنفا عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اقر على نفسه بحد ثم جحد بعد فقال: إذا اقر على نفسه عند الامام انه سرق ثم جحد قطعت يده وان رغم انفه (1). نعم في خبر جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام.. وقال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود (2). وهذا يدل على سقوط حد السرقة وهو القطع بالانكار بعد الاقرار. لكن فيه انه مع كونه مرسلا شاذ لا عامل به. وقد حمل على الرجوع بعد الاقرار مرة أي قبل تمام الاقرار المعتبر فيه فان المال وان كان يثبت بالاقرار مرة واحدة الا ان القطع لا يثبت الا بالاقرار مرتين. وان كان هذا الحمل خلاف الظاهر فان عدم القطع حينئذ لا يحتاج إلى الرجوع. لا يقال: إذا كان الرجم يسقط بالانكار بعد الاقرار فلابد من ان يسقط الجلد بعده فانه سقط الرجم مع كمال اهميته فالجلد اولى بالسقوط بذلك. لانا نقول: ان امر الحد اسهل من الرجم والقتل فترى انه يضرب ثم يقوم ويشتغل بحوائجه ولوازم عيشه ومعيشته وهذا بخلاف الرجم مثلا الذى يختم على حياته وحينئذ فلو سقط الرجم بالانكار بعد الاقرار فهذا لا يلازم ان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من مقدمات الحدود الحديث 5.

[ 174 ]

يسقط الجلد ايضا بذلك. فتحصل من جميع هذه الابحاث ان الحكم في الرجم والقتل استثنائي ومن باب التخصيص والا فلا ينفع الانكار بعد الاقرار. إذا اقر ثم تاب تخير الامام في اقامة الحد والعفو قال المحقق: ولو اقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا في اقامته رجما كان أو جلدا. وفى الجواهر بعد هذه الجملة: بلا خلاف اجده في الاول بل في محكى السرائر الاجماع عليه بل لعله كذلك في الثاني ايضا وان خالف هو فيه للاصل الذى يدفعه اولوية غير الرجم منه بذلك والنصوص المنجبرة بالتعاضد وبالشهرة العظيمة الخ (1). اقول: ان ما ذهب إليه ابن ادريس هو مقتضى مبناه المعروف من عدم العمل باخبار الآحاد فيبقى ان الحكم في الرجم اجماعي فيقول به ولا اجماع في غيره فلا يقول به فيه. قال في السرائر: لانا اجمعنا انه بالخيار في الموضع الذى ذكرناه ولا اجماع على غيره، فمن ادعاه وجعله بالخيار وعطل حدا من حدود الله فعليه الدليل. واستدل في الثاني بالاصل، بيان ذلك انه إذا شك في سقوط الحد بعد استحقاقه بالاقرار فالاصل عدم سقوطه. وقد اجاب عنه صاحب الجواهر باولوية غير الرجم منه بذلك. توضيح ذلك انه إذا كان الرجم مع ما هو عليه من الاهمية يسقط بالتوبة فالحد الذى هو اخف واهون منه اولى بالسقوط بها. وقد تمسك بها غيره ايضا كالشهيد الثاني في المسالك (2).


(1) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 293. (2) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 426 قال قدس سره بعد ذكر الروايات في بيان مستند سقوط =

[ 175 ]

وفيه ان الجلد وان كان اخف من الرجم، الا ان هذا بنفسه يقتضى ان لا تكون اولوية اصلا لان في الرجم تلف النفس وزهوق الروح بخلاف الجلد فانه مجرد ايلام وايذاء ومن المعلوم ان حفظ النفس مما اهتم به الشارع كثيرا كما يشهد بذلك لزوم الاحتياط في الشبهات في باب الدماء إلى ان يتحقق ويثبت المبرر للقتل فلو كانت التوبة موجبة لجواز العفو عن الرجم فهذا لا يلازم جواز العفو عن الجلد ايضا فضلا عن ان يكون ذلك اولى بعد ما نعلم باهتمام الشارع في حفظ الدماء المحترمة والنفوس المصونة بما لم يهتم بشئ سواه. نعم النصوص الواردة المنجبرة بالعمل تدل على العموم. فمنها خبر ضريس الكنانى عن ابى جعفر عليه السلام قال: لا يعفى عن الحدود التى لله دون الامام، فاما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس بان يعفى عنه دون الامام (1). فان المفهوم من صدره هو ان للامام العفو عن حدود الله تعالى وانه مختص به. ومنها ما عن ابى عبد الله البرقى عن بعض اصحابه عن بعض الصادقين عليهم السلام قال: جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام فاقر بالسرقة فقال له: اتقرء شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة


= الرجم: وتخيير الامام بعد توبة المقر، بين حده والعفو عنه مطلقا، وهو المشهور بين الاصحاب وقيده ابن ادريس بكون الحد رجما، والمعتمد المشهور، لاشتراك الجميع في المقتضى، ولان التوبة إذا اسقطت تحتم شد العقوبتين فاسقاطها لتحتم الاضعف اولى انتهى كلامه رفع مقامه. (1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من مقدمات الحدود الحديث 1، اقول: وقد اورد عليه سندا ومتنا اما الاول. فلان راوي الخبر وهو ضريس الكناسي لم يرد فيه مدح واما الثاني: فلعدم ذكر فيه عن الاقرار فلعله يشمل ما ثبت بالشهادة. ويمكن الجواب اما عن الاول فبجبران ضعف الخبر بعمل الاصحاب على ما هو مذاق سيدنا الاستاد الاكبر دام ظله وسيصرح في المتن بذلك، هذا مضافا إلى ما ذكروه من كون ابن محبوب في سلسلة السند وهو من اصحاب الاجماع. واما عن الثاني فبان امره سهل بعد عدم القول بالاطلاق، ولعل الرواية ايضا لم تكن في مقام افادة ذلك مطلقا.

[ 176 ]

قال: فقال الاشعث: اتعطل حدا من حدود الله؟ فقال: وما يدريك ما هذا، إذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو وإذا اقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام ان شاء عفا وان شاء قطع (1). ومنها ما عن الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول عن ابى الحسن الثالث عليه السلام في حديث قال: واما الرجل الذى اعترف باللواط فانه لم يقم عليه البينة وانما تطوع بالاقرار من نفسه وإذا كان للامام الذى من الله ان يعاقب عن الله كان له ان يمن عن الله اما سمعت قول الله: هذا عطائنا فامنن أو امسك بغير حساب (2). وهذه الروايات وان كان كلها أو اكثرها ضعيفة لكنها منجبرة بعمل الاصحاب كما تقدم ذلك ثم ان صريح المتن وكذا كلمات غيره من الفقهاء هو اعتبار التوبة في حين انه لم يكن في هذه الروايات ذكر عن التوبة اصلا، وفوق ذلك ان المستفاد منها كون الملاك والميزان هو اقراره فإذا ثبت الاقرار يكون الحاكم مخيرا بين عفوه واجراء الحد عليه. اللهم الا ان يقال: ان اقراره هذا عند الحاكم للتطهير، يكون توبة (3) والا لما استسلم للقتل أو الرجم أو الحد، وعلى هذا فيصدق انه قد تاب باقراره. الا ان ظاهر عباراتهم هو لزوم التوبة مضافا إلى الاقرار. وفى الجواهر (4): ولعل اتفاقهم عليه (أي على اعتبار التوبة) كاف في تقييدها الخ وعليه فقد خصصت تلك الروايات بالاجماع القائم على لزوم التوبة، فلا يكفى التوبة المطوية، في ترتب هذا الاثر على الاقرار بل لابد من


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من مقدمات الحدود الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 18 من مقدمات الحدود الحديث 4. (3) اقول: خصوصا بلحاظ اشعار لفظ (تطوع) المذكور في رواية تحف العقول بانه تائب ونادم من عمله. (4) اقول: وقد قال بذلك قبله صاحب الرياض فراجع الجلد 2 الصفحة 467.

[ 177 ]

توبة مستقلة معه. لكن الظاهر كفاية الاقرار للتطهير في التوبة إذا كان حاضرا لاجراء الحد عليه. نعم لو كان مع اقراره بموجب الحد يقول لشدة غروره واستكباره: انى قد فعلت وسافعل ذلك ايضا فاصنع ما شئت، فان هذا الاقرار لا ينفع شيئا بلا كلام ولا تشمله الاخبار فلا تخيير للامام في هذا الفرض، في حين انه لو كان يقر ويقتصر عليه يجرى ما ذكرناه من التخيير للامام في العفو عنه وعدمه. ثم ان البحث في مسئلتنا هذه في تخيير الحاكم بين العفو والاجراء لا في سقوط الحد بخلاف البحث السابق " الانكار بعد الاقرار " حيث ان البحث هناك في سقوط الحد. هل الحكم يختص بالامام (ع) ويشمل الفقيه؟ وهل هذا الحكم مختص بالامام المعصوم فيقتصر عليه أو انه يشمل الحاكم الاسلامي العادل أي الفقيه الجامع للشرائط ايضا؟ استظهر في الجواهر الاول واحتمل ثانيا الثاني وجعل الاحوط هو الاول، قال: ظاهر النص والفتوى قصر الحكم على الامام عليه السلام وربما احتمل ثبوته لغيره من الحكام ولا ريب في ان الاول احوط لعدم لزوم العفو.. اقول: بيان ذلك ان الامر دائر بين التخيير والتعيين لان اجراء الحد جائز للحاكم بلا اشكال ولكن لا يعلم جواز العفو ايضا فالترديد في جواز العفو وعدمه فيتردد الامر بين تعيين الاجراء أو التخيير بينه وبين العفو ومع الشك في جواز العفو له فالاصل عدمه ولربما تشمله ادلة من عطل حدا من حدود الله فكذا..، ثم قال: لكن قد يقوى الالحاق لظهور الادلة في التخيير الحكمى الشامل للامام عليه السلام ونائبه الذى يقتضى نصبه اياه ان يكون له ماله انتهى (1).


(1) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 294.

[ 178 ]

فقد قوى في آخر كلامه الحاق الفقيه الجامع للشرائط بالامام الاصل في كون التخيير له ايضا وذلك لان المستفاد من قوله عليه السلام: فذاك إلى الامام، ان الحكم المجعول هنا التخيير، فانه قد يكون الحكم الاولى هو التخيير كما انه قد يكون الحكم الاصلى هو تعيين اجراء الحد الا ان للامام ان يعفو عنه والظاهر من الادلة هو الاول وعلى هذا فالحكم في هذا الموضوع التخيير لا ان يكون مختصا بالامام عليه السلام. فمن قال بان الحدود ليست مما يرضى الشارع بتعطيلها ولابد ممن يتعهد ويتصدى لاقامتها وليس هو الا من كان نائبا للامام الحجة عليه السلام أي الفقيه الجامع للشرائط وله ما للامام المعصوم، فمن جملة ما كان له عليه السلام هو التخيير في المقام بين اجراء الحد عليه والعفو عنه. نعم من قال باختصاص اجراء الحدود بالامام عليه السلام فهو في راحة من هذه الابحاث لان امر الحد على ذلك ليس بيد غيره حتى يبحث في عفوه وعدمه. ما هو الحد الذى للامام العفو عنه؟ بقى الكلام في ان هذا الحد الذى للامام اجرائه والعفو عنه ما هو؟ قال في كشف اللثام: المراد بالحد حدود الله فان ما كان من حقوق الناس لا يسقط الا باسقاط صاحب الحق وسيأتى في حد القذف انه لا يسقط الا بالبينة أو اقرار المقذوف أو عفوه أو اللعان وفى حد السرقة انه لا يسقط بالتوبة بعد الاقرار انتهى (1). اقول: لو كان مراده من عدم السقوطانه لا يسقط باى نحو حتى بأن يعفو عنه الامام ففيه ان مرسلة البرقى المنجبرة صريحة في عفو الامام عليه السلام عن


(1) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 215 اقول: إذا كان الاشكال في حقوق الناس فكيف نقض دام ظله وكذا صاحب الجواهر بحد السرقة الذي ذكروه انه حق الله تعالى وان كان ضمان المال حق الناس؟

[ 179 ]

حد السرقة وهبته ذلك لاجل سورة البقرة. نعم لو كان مراده ان الاقرار المتعقب بالانكار لا يوجب ثبوت الحد بل هو ساقط بطبعه فلا مورد للعفو (1) فهو امر آخر ومسألة غير مسئلتنا بل هو داخل تحت المسألة السابقة. وقال صاحب الرياض في المقام: ثم ان هذا في حدود الله سبحانه واما حقوق الناس فلا يسقط الحد الا باسقاط صاحبه كما صرح به بعض الاصحاب ووجهه واضح وفى بعض المعتبرة لا يعفى عن الحدود التى لله دون الامام واما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس بان يعفى عنه دون الامام انتهى. فقد استدل بمعتبرة الكناسى على اختصاص عفو الامام في التوبة بعد الاقرار، بما إذا كان من حقوق الله دون حقوق الناس. وفيه انه لا دلالة فيه على انه ليس للامام العفو عنه وانما تدل على انه ليس لغير الامام العفو الا في حقوق الناس لا غير، فيمكن ان يكون للامام العفو عن حقوق الناس كما ان له العفو عن حق الله وعلى الجملة فلا منافاة بين المعتبرة وبين ان يكون للامام العفو عمن اقر وتاب كما هو واضح. وفى الجواهر في ضمن امور ذكرها جوابا عن الرياض: مضافا إلى ما يفهم منها من كون ذلك حكم الاقرار من حيث كونه كذلك والى اطلاق الاصحاب، ولعله لان الامام اولى بالمؤمنين من انفسهم (2). اقول: بيان الاولوية انه إذا كان لصاحب الحق ان يسقط حقه ويعفو عنه فالامام اولى بذلك منه. هذا ولكن لا يخفى انه وان كان يتم التمسك بما يفهم من الاخبار من ان هذا اثر التوبة بعد الاقرار من حيث هو بلا فرق بين الموارد وكذا باطلاق


(1) اقول: هذا الاحتمال بعيد عن ظاهر عبارته وسياقها فانه ذكر ذلك عند قول العلامة قدس سره: ولو تاب عند الحاكم بعد الاقرار تخير الامام في اقامة الحد عليه والعفو عنه. (2) لان ولايته ولاية النبي وقد قال الله تعالى: النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم، سورة الاحزاب الآية 6.

[ 180 ]

الاصحاب وعدم تفصيلهم وفرقهم بين الموردين الا ان التمسك بالاولوية محل الاشكال. بيانه ان ذلك خلاف ظاهر قوله (ع) إذا اقر.. فللامام الخيار، هذا مضافا إلى كلام آخر وهو ان ظاهر الآية الكريمة: النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم، بمقتضى لفظ الاولى، ان ما كان امره بيد المؤمنين كالنكاح والطلاق وغير ذلك فالنبى اولى بذلك منهم، واما ما لم يكن اختيار فيه فكيف يصح القول بالاولوية هناك؟ ولا يخفى ان الحد في باب السرقة من قبيل الثاني فهو من حقوق الله تعالى (1) وليس امره بيد المسروق عنه، فما ذكره وان كان يصح في مثل حد القذف لكنه لا يتم في حد السرقة الذى ذكره ايضا. الكلام في ما لو حملت المرأة ولا بعل لها قال المحقق: ولو حملت ولا بعل لم تحد الا ان تقر بالزناء اربعا. اقول: ومثله ما لو قامت البينة على ذلك. ووجه عدم اقامة الحد عليها هو احتمال الاشتباه أو الاكراه أو جذب المنى من الحمامات أو تزوجها في الخفاء مثلا وليس لاحد ان يسئل عنها لانها تفحص عما يحرم شيوعه. وفى الجواهر: بل ليس علينا سؤالها للاصل بل الاصول. وهل المراد من قوله (ليس علينا) عدم الوجوب أو عدم الجواز؟ الظاهر هو الثاني فانه من باب التفحص والتجسس، بل ومن قبيل اشاعة ما نهى الله سبحانه عن اشاعته بقوله تعالى: والذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنو لهم عذاب اليم (2) ولو تردد في ذلك فلا اقل من كونه في معرض اشاعة الفاحشة. واما (الاصل أو الاصول) فلا يخفى ان ذلك لا يساعد ارادة عدم


(1) هذا ينافي ما افاده دام ظله آنفا من النقض وقد اشرنا إلى ذلك فراجع الصفحة 178. (2) سورة النور الآية 19.

[ 181 ]

الجواز من قوله: ليس علينا، وانما يتم لو كان المراد عدم الوجوب وذلك لان الاصل عدم وجوب السؤال مثلا (1). لكن بعد حرمة التفحص والتجسس فلا مورد للاصل، ولولا ذلك فالاصل جواز السؤال وعدم حرمته. وعليه فما ذكره في المبسوط من وجوب السؤال بقوله: (إذا وجدت امرأة حامل ولا زوج لها فانها تسئل عن ذلك فان قالت من زنا فعليها الحد وان قالت من غير زنا فلا حد عليها وقال بعضهم عليها الحد والاول اقوى لان الاصل برائة الذمة لانه يحتمل ان يكون من زنا أو من وطى بشبهة أو مكرهة والحد يدرء بالشبهة انتهى) فلم يعلم وجهه الا ان لايراد ظاهره كان يكون مراده وجوب السؤال في موارد خاصة: كما إذا وقع ذلك في اسرة جليلة محترمة رأوا وجاهتهم الاجتماعية في معرض الهتك وهجموا عليها من كل جانب ويعيرونها ويلومونها بذلك ويظن أو يحتمل وقوع فساد عظيم فهناك تسئل كى يرتفع بذلك، الفساد والفتنة، ويدفع الهتك عنهم، وهو في الحقيقة من باب دفع الافسد بالفاسد. ويبعد ان يكون مراده السؤال مطلقا والا فيجب الفحص والسؤال في كل مورد احتمل في حق احد ارتكابه للمعصية وهو واضح البطلان. كلام من العلامة حول الاقرار قال العلامة اعلى الله مقامه في القواعد: ويشترط في الاقرار ان يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة إذ قد يعبر بالزنا عما لا يوجب الحد ولهذا قال عليه السلام لما عز: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت، قال: لا. قال: افنكتها؟ لا تكنى؟ قال: نعم، فقال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم. قال فعند ذلك امر برجمه.


(1) قال في المسالك بعد عبارة المتن: لان الحمل لا تستلزم الزنا، والاصل في تصرف المسلم حمله على الصحة ولاصالة برائة الذمة من وجوب الحد ولاحتمال ان يكون من شبهة..

[ 182 ]

اقول: ان فعله صلوات الله عليه يدل على الجواز ولكن لا يدل على الوجوب ولعل استفساره كان لخصوصية في المقام. نعم يمكن ان يقال: ان ما افاده لاجل ان الحد ايذاء وايلام وربما يوجب قبول اقراره وعدم السؤال والاستفسار عنه، قتله مع انه ليس مستحقا للقتل وربما يقتل بمجرد قبلة أو غمز أو لمس اطلق عليها الزنا وعلى ذلك فلا يجوز الاقدام عليه بلا مبرر فيلزم السؤال حتى يقطع بتحققه وعدمه وذلك لاطلاق الزنا في الاخبار والآثار على بعض المقدمات أو الاعمال كما ورد: ان العينين تزنيان، وكذا ورد: زنا العين، وهو النظر إلى الاجنبيات أو يقال زنا الشفة، أي القبلة. وقد اورد في الجواهر على العلامة، بقوله: وفيه انه - مع كونه ليس من طرقنا قضية في واقعة والا فالظاهر الاكتفاء بظاهر اللفظ لعموم ما دل على حجيته ولذا لم يستقص في جملة من النصوص. والانصاف ان ما افاده من كون الزنا ظاهرا في معناه الحقيقي وان الظاهر حجة وان كان تاما الا ان ما ذكره العلامة ايضا ليس بلا اساس وملاك وذلك لان المقام مقام اجراء الحد ومع احتمال التجوز يضعف الظاهر عن ظهوره ولا يمكن اجراء الحد مع احتمال التجوز احتمالا عقلائيا بل تجرى قاعدة درء الحدود بالشبهات. فروع مناسبة للمقام ثم ان هنا فروعا ذكرها العلامة في القواعد بمناسبة الاقرار بالزنا وقد تعرض لها صاحب الجواهر ايضا ونحن نقفوا اثرهما ونتبعهما في ذلك وان لم يذكرها المحقق رضوان الله عليه وعليهم اجمعين. فمنها: لو اقر انه زنى بامرأة فكذبته حد دونها وان صرح بانها طاوعته على الزناء إذا لا يؤخذ احد باقرار غيره. اقول: لابد من ان يكون المراد انه اقر بذلك اربع مرات والا فلا حد،

[ 183 ]

واما عدم اجراء الحد عليها فلعدم مسوغ لذلك، ولا يكفى في الحكم بزناءها مجرد اقرار احد به بعد ان كانت تنكره وتكذب المقر بذلك أو ما دام لم تقر هي ايضا بذلك. ومنها انه لو اقر من يعتوره الجنون حال افاقته بالزناء واضافه إلى حال افاقته حد ولو اطلق لم يحد. اقول: اما الاول فلان الاقرار صدر في حال الافاقة فهو اقرار من العاقل، والمغروض انه نسبه إلى حال الافاقة فقد وقع كل من الفعل والاقرار في حال السلامة والعافية فإذا اكمل اربعة اقارير فلابد من ان يقام عليه الحد. واما الثاني وهو عدم الحد فيما إذا اقر في حال الافاقة بالزنا ولم ينسبها إلى حال الافاقة فقد علل ذلك باحتمال وقوعه حال جنونه لكنه رد عليه في الجواهر بقوله: وفيه نظر خصوصا إذا قلنا باعتبار العقل في مفهوم الزنا. بيان ذلك ان الاطلاق محمول على ما هو الظاهر منه وهو وقوع الزنا في حال الافاقة والعقل، لا مع الجنون ومن حيث لا يشعر، خصوصا إذا قلنا باعتبار العقل في تحقق مفهوم الزنا فانه على ذلك ليس وطيه في حال الجنون زناءا مع انه قد اقر بالزناء فلابد من اجراء الحد عليه. وفيه ان اعتبار العقل في مفهوم الزنا شرعا لا ينافى صدقه بدونه عرفا وفى بعض اطلاقاته وليس بنحو لا يصدق الزنا مطلقا فترى انه يصدق الزنا على وطئ المجنون. والحق هو ان يقال ان المواقع مختلفة فتارة قد بقى في ذهنه صورة من اعماله وحركاته حال الجنون والآن يريد اين يحكيها وينقلها، واخرى لا يكون كذلك فلو حصل الاطمينان بانه يريد من قوله ما فعله حال جنونه فهنا لا شئ كما انه لو حصل الاطمينان بانه يريد حال افاقته فلا اشكال في اجراء الحد عليه واما لو لم يحصل لنا ظهور تام تطمئن إليه النفس فلا يجوز ذلك ولا يمكن الاخذ باقرار مجمل الا إذا سئل وانكشف الحال بالسؤال، فتحصل ان الاقوى عدم الحد الا بقرينة تدل على وقوعه حال افاقته.

[ 184 ]

ومنها انه لو اقر العاقل بوطئ امرأة وادعى انها امرأته فانكرت الزوجية والوطئ فلا حد عليه وان اقر اربعا لانه لم يعترف بالزنا ولا مهر لها عليه لانكارها الوطئ. الامر هنا واضح لانه وان اقر اربعا فان اقراره كان بوطئ زوجته بزعمه غاية الامر ان المرأة تنكر الامرين الزوجية والوطى ومن المعلوم ان الاقرار لا يوجب الحد إذا لم يكن بالزنا وحيث ان المرأة تنكر وقوع الوطى فلا تستحق عليه مهرا (1) لانه في قبال الوطئ. ومنها ما لو اعترفت بالوطئ وانه زنى بها مطاوعة فلا مهر ولا حد عليه ولا عليها الا ان تقر اربعا. اما عدم استحقاقها المهر فلاقرارها بالمطاوعة في الزنا، واما عدم الحد على الرجل فلانه وان كان يدعى ويعترف بالوطى لكنه يدعى انها زوجته، واما عدم الحد عليها فلانها وان كانت تدعى الزنا لكنها اقرت مرة وهو لا يؤثر في لزوم اجراء الحد عليها. نعم لو اقرت اربعا فهناك يجب عليها الحد. ومنها ما لو اقرت بالوطئ الا انها ادعت اكراهه لها عليه أو انه اشتبه عليها فهنا لا حد على احد منهما لكن عليه المهر. اما عدم الحد على الرجل فلما تقدم، واما بالنسبة إليها فلادعائها الاكراه أو اشتباه الامر عليها. واما وجوب المهر عليه فلانه مدع للزوجية والوطى، وهى وان كانت تعترف بوقوع الوطئ المحرم لكنها لا تدعى المطاوعة كى لا يترتب عليه مهر بل تدعى الاكراه أو الاشتباه، والوطئ الناشئ منهما يوجب المهر. الكلام في البينة وما يعتبر فيها قد تقدم انه يثبت الزنا بالاقرار أو البينة، وما ذكرناه إلى هنا كان


(1) هذا لا ينافي وجوب اداء المهر على الزوج بمقتضى اقراره، ولعله إلى ذلك يشير كلام كاشف اللثام في المقام حيث قال: وان كان اقبضها شيئا على انه مهر لم يكن له الاسترداد.

[ 185 ]

متعلقا بالاقرار، وبقى الكلام في البينة: قال المحقق: واما البينة فلا يكفى اقل من اربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء منفردات ولا شهادة رجل وست نساء. اقول: انه يثبت الزنا الموجب للرجم باربعة رجال كما يثبت الزنا الموجب للجلد بهم، وبعبارة اخرى تعتبر في اثبات الرجم اربعة رجال ولا يكتفى بغير ذلك واما الجلد فيثبت بذلك وبغير ذلك. ولا خلاف في اثباته مطلقا باربعة رجال، وفى الجواهر: بل الاجماع بقسميه عليه. ويدل على ذلك، الكتاب والسنة المستفيضة. اما الكتاب فآيات، منها قوله تعالى: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (1). ومنها قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون (2). ومنها قوله تعالى في قصة الافك: لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون (3). والآية الاولى صريحة في اعتبار الاربعة في الشهداء كما ان مفهوم الآية الثانية انه إذا اتوا باربعة شهداء ثبت قولهم، وقد اطلق في الآية الثالثة، الكاذبون على ما دون الاربعة من الشهداء، ويستفاد منه انهم لو اتوا باربعة شهداء فهناك ليسوا بكاذبين ويقبل عنهم. واما السنة فبالنسبة إلى حد الرجم فالروايات مستفيضة وقد اخرجها المحدث الحر العاملي رضوان الله عليه في باب سماه: باب ان الزنا لا يثبت الا باربعة شهداء يشهدون على معاينة الايلاج..


(1) سورة النساء الآية 14. (2) سورة النور الآية 4. (3) سورة النور الآية 13.

[ 186 ]

عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: حد الرجم ان يشهد اربع انهم رأوه يدخل ويخرج (1). وعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه اربعة شهود على الايلاج والاخراج (2). وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يجب الرجم حتى يشهد الشهود الاربع انهم قد رأوه يجامعها (3). وايضا عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: حد الرجم في الزنا ان يشهد اربعة انهم رأوه يدخل ويخرج (4). وهذه الروايات بتعابيرها المختلفة من: حد الرجم ان يشهد اربع الخ ولا يرجم حتى يشهد اربعة الخ ولا يجب الرجم حتى يشهد الشهود الاربع الخ - ظاهرة في الحصر وان طريق الا ثبات في الرجم منحصر باربعة شهداء ولا يثبت بما سوى ذلك، وإذا ثبت الرجم باربعة رجال فالجلد اولى بالاثبات بذلك، هذا، مضافا إلى التصريح بذلك في بعض الروايات فعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهود على الايلاج والاخراج وقال: لا اكون اول الشهود الاربعة اخشى الروعة ان ينكل بعضهم فاجلد (5) إلى غير ذلك من الاخبار، وعلى الجملة فلا اشكال في الاثبات باربعة رجال في الرجم والجلد واما اثباته بثلاثة رجال وامرأتين الذى مر في عبارة المحقق فنقول: انه وان كان ظاهر الاخبار الماضية هو الحصر على ما تقدم الا ان هنا روايات اخرى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من أبواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 11.

[ 187 ]

تدل على اثبات ذلك بثلاثة رجال وامرأتين ايضا وهى بالطبع تكون قرينة على ان الحصر المستفاد من الروايات المتقدمة هو الحصر النسبى الاضافي لا الحقيقي وهذا الجريان ليس بعزيز في ادلتنا. ومن هذه الاخبار صحيح الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن شهادة النساء في الرجم فقال: إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان رجلان واربع نسوة لم تجز في الرجم (1). وصحيح عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين واربع نسوة ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان (2).. وصحيح زرارة قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم ولا تجوز في الطلاق قال: وقال علي عليه السلام تجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان وإذا كان اربع نسوة ورجلان فلا يجوز الرجم (3). نعم هنا رواية ناطقة بعدم قبول ذلك وهى صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم (4). ولكن حيث انها موافقة لفتوى اكثر العامة على ما حكى ولم يعمل بها المشهور بل ادعى الاجماع على عدم العمل بهذه الرواية - بخلاف الاخبار المتقدمة عليها فانها معمول بها عندهم - فلذا لا تصلح للمعارضة وتحمل على التقية. واما الروايات الدالة على عدم قبول شهادة النساء في الحدود كرواية غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عليه السلام قال: لا تجوز


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 10. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 11. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 28.

[ 188 ]

شهادة النساء في الحدود ولا في القود (1) إلى غير ذلك من الروايات، فأمرها سهل لانها مطلقات، وروايات المقام مقيدات لها، ويحمل المطلق على المقيد، والنتيجة انه لا تقبل شهادة النساء في الحدود الا في باب الزنا. والفرض الثالث هنا هو شهادة رجلين واربع نسوة واثبات الزنا بذلك فعن كثير انه يثبت ذلك بل قيل انه المشهور لكن في خصوص الجلد دون الرجم فقد صرح في الاخبار الماضية بعدم ثبوت الرجم باقل من ثلاثة رجال وامرأتين فلا يثبت برجلين واربع نسوة فراجع رواية الحلبي وابن سنان وزرارة وغيرها. وتدل على اثبات الجلد بذلك دون الرجم، معتبرة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم وان شهد عليه رجلان واربع نسوة فلا تجوز شهادتهم ولا يرجم ولكن يضرب حد الزانى (2). ترى التصريح بانه يضرب حد الزانى ولكن لا يرجم. ولا يخفى ان الروايات بهذه الصورة والعبارة ناقصة ولا اقل من سقوط لفظ قال (3) حتى تكون العبارة بهذه الصورة: قال: وجب عليه الرجم. وكيف كان وتدل على الجواز في الفرضين الاخيرين مضافا إلى ما مضى الروايات الدالة على جواز شهادة النساء في الحدود مع الرجال الا انها دالة على المقام بعمومها واطلاقها لا بعنوان خصوص المورد فان مفادها جواز شهادتهن مع الرجال في الجملة، وذلك كرواية عبد الرحمن عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 29. وسائل الشيعة جلد 18 باب 30 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) اقول: الرواية في نقل الفقيه متضمنة للفظ (قال) واما التهذيب فازيد من ذلك واليك عبارته: انه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان قال: فقال: إذا شهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب الخ. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 21 من أبواب الشهادات الحديث 21.

[ 189 ]

واما الفروع الاخر التى تعادل اربعة رجال في الواقع كشهادة رجل وست نساء، وكذا شهادة النساء منفردات بان تشهد ثمان نسوة فلا تنفع شيئا ولا يثبت الزنا بذلك. تذنيب بقى في المقام امران: احدهما ان مقتضى ما تحقق من عدم ثبوت الرجم برجلين واربع نسوة هو عدم ثبوت القتل بذلك ايضا وهذا هو مقتضى القاعدة لكنى بعد لم اتفحص كلمات العلماء رضوان الله عليهم اجمعين في ذلك. ثانيهما ان بعضا من الاصحاب كالعماني والمفيد والديلمي على ما حكى عنهم ذهبوا إلى عدم جواز الرجم بشهادة ثلاثة رجال وامرأتين - كما لا يجوز برجلين واربع نسوة - وانه لا يثبت بذلك، وذلك للاصل. اقول: لا مجال للتمسك بالاصل بعد ورود تلك الروايات الصريحة ولعل تمسكهم بالاصل كان جل انهم لم يطمئنوا بحمل الروايات النافية على التقية كى يرجحوا الاخبار المثبتة فلا مناص لهم عن الرجوع إلى الاصل ولكن نحن قد ذكرنا ان الترجيح للاخبار المثبتة فراجع. شهادة ما دون الاربع قال المحقق: ولو شهد ما دون الاربع لم يجب وحد كل منهم للفرية. اقول: إذا كان المعتبر في الشهادة بالزنا اربعة رجال أو ما في حكم ذلك بحيث يكمل النصاب المعتبر كامرأتين مع ثلاثة رجال أو اربع نسوة مع رجلين فكل من شهد ولم يكن داخلا تحت الضابط - كما إذا شهد ثلاثة رجال فقط فما دون ذلك أو شهد رجل وست نسوة أو ثمان نسوة - فلا يثبت الزنا فلا يقام على المشهود عليه رجم ولا جلد بل يحد حينئذ الشاهد أو الشهود حد الافتراء والقذف. ولازم ذلك انه لو شهد بالزنا اربعة لم يكونوا عدولا ثم قامت الشهادة

[ 190 ]

الصحيحة من العدول عليه فان ذلك لا يوجب سقوط الحد عن الاولين الشهادة الصحيحة من العدول عليه فان ذلك لا يوجب سقوط الحد عن الاولين. الشروط المعتبرة في شاهد الزنا ثم انه قد تعرض المحقق هنا للشرائط والامور المعتبرة في شاهد الزنا فالاول منها ان تكون الشهادة بالرؤية والمشاهدة. قال: ولابد في شهادتهم من ذكر المشاهدة للولوج كالميل في المكحلة.. اقول: وعلى هذا فلا يكتفى بالشهادة بدون المشاهدة وان حصل العلم للشاهد من قول الموثقين أو من اقرار الزانى مثلا عنده بذلك أو من قرائن اخرى والحاصل انه لا تقبل الشهادة بالعلم والحدس مع عدم الرؤية والمشاهدة، وفى الجواهر: بلا خلاف معتد به اجده فيه بينهم ولعله للاحتياط في الحدود المبنية على التخفيف. وقال الشهيد في اللمعة: ويشترط ذكر المشاهدة كالميل في المكحلة انتهى. وقال الشهيد الثاني في الروضة: فلا يكفى الشهادة بالزنا مطلقا انتهى. وفى المسالك: لما كان الزنا قد يطلق على ما دون الجماع فيقال: زنت العين وزنت الاذن وزنى الفرج، والجماع يطلق على غير الوطئ لغة وكان الامر في الحدود سيما الرجم مبنيا على الاحتياط التام ويدرء بالشبهة فلابد في قبول الشهادة من التصريح بالمشاهدة لوقوع الفعل على وجه لا ريب فيه بان يشهدوا بمعاينة الايلاج ويدل عليه صحيحة الحلبي.. انتهى. وقال في الرياض - عند كلام المحقق في النافع: ولابد في الشهادة، من ذكر المشاهدة كالميل في المكحلة - بعد ان تمسك بالاخبار: ولان الشهادة انما تسمع بما عوين.. أو سمع ولا معنى للزنا حقيقة الا ذلك فلا تسمع الشهادة به الا إذا عوين كذلك وربما اطلق على غيره من التفخيذ ونحوه فلو لم يصرح الشهود لم تكن الشهادة نصا في الموجب للحد انتهى.

[ 191 ]

اقول: قوله: إذا عوين كذلك، يعنى المعاينة والمشاهدة بالنحو المخصوص المذكور في النصوص وفى متن كلام المحقق. وكلامه هذا يشير إلى انه يشترط في الشهادة على الزنا امران احدهما رؤية العمل ومشاهدته حيث قال: فلا تسمع الشهادة به الا إذا عوين كذلك، ثانيهما ان تكون الشهادة صريحة فلا يذكر الالفاظ الكنائية كما هو صريح آخر كلامه المذكور. ثم انه يمكن في الخارج تحقق الشهادة بالايلاج والاخراج بدون ان يكون راى ذلك بل اعتمادا على ما سمع ونقل له، فهذه شهادة صريحة مع انه لو سئل عن انه هل راى ذلك لاجاب بانى ما رأيت ولكن علمت بذلك من طريق كذا، والحال ان مقتضى النصوص هو اعتبار التعرض بانه قد رأى ذلك وشاهد لا مجرد التصريح بالادخال والاخراج كى ينتفى احتمال المجاز والكنية كالتفخيذ وغيره. وعلى هذا فلا يكفى مجرد استعمال اللفظ الصريح بل لابد من ذكر المشاهدة والرؤية في مقام الشهادة، والنتيجة انه لا يجوز للشاهد الاقدام على اقامة الشهادة الا إذا رآه وشاهد على الوجه المزبور ثم لا تعتبر شهادته مع ذلك الا إذا شهد بلفظ صريح اولا وبالمعاينة والمشاهدة ثانيا. والتحقيق ان في الشهادة على الزنا ثلاثة امور مذكورة في كلمات الاصحاب وقد وقع خلط في بعض الكلمات بين هذه الثلاثة: الاول انه هل تعتبر في الشهادة على الزنا كسائر المبصرات الرؤية والمشاهدة، وفى المسموعات السماع، أو انه يكفى العلم ولا حاجة إلى ازيد من ذلك؟ بل وقد يجعل البحث اوسع من ذلك فيقال: هل تعتبر الرؤية مثلا أو انه يكفى العلم بل والظن والاستصحاب، فلو قلنا بكفاية العلم فلا حاجة إلى احراز الحاكم ان الشاهد قد رآه وعاينه وهذا بخلاف ما إذا اعتبرت الرؤية والمعاينة فانه على ذلك يشكل الامر لانه يلزم احراز انه قد شاهد ذلك وعاينه ولو بالحجة على المشاهدة والمعاينة.

[ 192 ]

الثاني انه لابد من كون الشهادة صريحة فلا تقع الشهادة بالالفاظ الكنائية والمجازية بدون اقامة القرينة الصارفة لها عن معناها الظاهر. ولا فرق في هذين الشرطين بين باب الزنا وغيره كالسرقة مثلا. الثالث ذكر الرؤية والمشاهدة وهذا هو الذى يمتاز به الزنا عن غيره فانه يكفى في غير المقام الشهادة باصل الفعل اما في باب الزنا فلابد من ذكر المشاهدة والمعاينة. والدليل على اعتبار اللفظ الصريح دون الاستعارات والمجازات هو قضية ماعز الذى اقر على نفسه بالزنا فكان شهادته النسبة إلى عمل نفسه لا غيره ومع ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: انكتها؟ فقد سئله عن ان عمله كان هو النيك الذى هو الدخول بلا كلام وصريح فيه؟ واضاف بعد ذلك قوله: لا تكنى؟ أي لعلك اردت من الزنا غير النيك كالتقبيل والغمز وغير ذلك. فهذا ينادى باعتبار اللفظ الصريح في قبول الشهادة بالزنا. واما ذكر المشاهدة فذلك للنصوص العديدة الدالة على ذلك وقد اخرجها الشيخ المحدث العاملي في باب سماه: باب ان الزنا لا يثبت الا باربعة شهدا يشهدون على معاينة الايلاج: عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: حد الرجم ان يشهد اربع انهم رأوه يدخل ويخرج (1). وعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه اربعة شهود على الايلاج والاخراج (2). وعن ابى بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهداء على الجماع والايلاج والادخال كالميل في المكحلة (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من أبواب حدود الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من أبواب حدود الزنا الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من أبواب حدود الزنا الحديث 4.

[ 193 ]

وعن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام قال:.. فان شهد له ثلاثة وابى واحد يجلد الثلاثة ولا تقبل شهادتهم حتى يقول اربعة: رأينا مثل الميل في المكحلة (1). وصحيح حريز هذا الصريح في المقصود يفيد ان ذلك شرط القبول في الشهادة على الزنا مطلقا سواء كان حده هو الرجم أو الجلد وإن كان غيره من الروايات متعرضا لخصوص الرجم. فهذه النصوص تدل على اعتبار ذكر الرؤية والمشاهدة. ولعل نظر الشارع الاقدس من اعتبار هذا الشرط في الزنا إلى ان لا يثبت في الخارج تحقق هذا العمل الشنيع ووقوع هذه المعصية الكبيرة بسرعة وسهولة كما يستشم ذلك من بعض الشرائط المعتبرة فيه غير ذلك. وكيف كان فنظر المحقق في الكتابين: الشرايع والمختصر النافع، في المقام إلى ذكر الشرط الاخير لكن شارح الاول في المسالك وشارح الثاني في الرياض قدذكرا في شرح كلامه ما لا يساعد ذلك. فما ذكره في المسالك من ان الزنا قد يطلق على ما دون الجماع لو كان بذلك بصدد شرح عبارة المحقق فهو بمعزل عنها لانه بصدد اشتراط ذكر الرؤية والمعاينة وكلام الشهيد الثاني يفيد اعتبار التصريح في الشهادة وعدم قبول الشهادة بالالفاظ غير الصريحة وهذا شئ وذاك شئ آخر، نعم انه قدس سره قد مال وتوجه بقوله: فلابد في قبول الشهادة..) وقوله: بان يشهدوا بمعاينة الايلاج، إلى ما هو محل البحث والكلام. وعلى الجملة فاعتبار المعاينة لاجل النصوص لا من جهة الصراحة فانها شرط آخر وامر مستقل. وهكذا الامر بالنسبة إلى كلام المحقق في النافع وما افاده السيد صاحب الرياض بشرحه، فان نظر المحقق من كلامه المذكور آنفا إلى اشتراط ذكر المشاهدة في مقام الشهادة كعبارته في الشرايع بعينها، والحال ان الرياض


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب حد القذف الحديث 5.

[ 194 ]

علل بقوله: لان الشهادة انما تسمع بما عوين أو سمع، وهذا وان كان تاما في موضعه ومقامه أي البحث في انه لابد في الشهادة في المبصرات من المعاينة وفى المسموعات من السماع الا انه غير مرتبط بما كان المحقق بصدده. وبعبارة اخرى ان ما افاده المحقق متعلق بسماع الشهادة وقبولها وهو مرتبط بالحاكم، وما ذكره في الرياض متعلق بوظيفة الشاهد فانه يجب عليه ان يكون تحمله للشهادة بالمعاينة، فالمعاينة شرط اقامة الشاهد الشهادة لا القبول منه والا لكان اللازم على الحاكم احراز ذلك (1) وذكر الرؤية شرط في قبول الحاكم الشهادة منه. كما ان ما ذكره في الرياض ايضا بقوله: (وربما اطلق الزنا على غيره من التفخيذ وغيره فلو لم يصرح الشهود به لم تكن الشهادة نصا في الموجب للحد) امر غير ما ذكره المحقق فان هذا شرط التصريح وعدم استعمال الالفاظ المجازية والكنائية واين هذا من اشتراط ذكر المعاينة والمشاهدة؟ والحاصل ان اشتراط الصراحة في الشهادة غير اشتراط ان يكون الشهادة بالرؤية فانهما شرطان، وشرط الصراحة لا يختص بباب الزنا، بخلاف شرط الرؤية فانه مختص بالزنا للنصوص المذكورة فلو صرح في مقام الشهادة بالادخال بالنحو المخصوص ولكن كان منشاء ذلك علمه به للسماع عن غيره أو لقرائن اخرى فانه لم تقبل شهادته، ولو رأى ذلك بعينه لكنه لم يشهد بالمشاهدة والعيان بل شهد بمطلق الزنا ولو صريحا لم تقبل ايضا. واورد في الجواهر على المحقق وصاحب الرياض ما حاصله بتوضيح منا انه لا يعتبر في الشهادة ذلك بل يكفى مجرد العلم، نعم الرؤية والمشاهدة من طرقه، وما دل على اعتبار ذلك فالمقصود ذكر احد طرق العلم لا لاجل الخصوصية وعلى الجملة فلا يعتبر في الشاهد ان يكون رأى ذلك ولا يعتبر في قبول شهادته ذكر الرؤية. كما انه قدس سره في باب الشهادات افاد عدم الحاجة إلى الرؤية في


(1) اقول: قد مر آنفا ما لا يساعد ذلك فراجع ما افاده دام ظله عند وروده في التحقيق .

[ 195 ]

المبصرات وان الضابط الكلى هو العلم وذلك لقول الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم (1).. وإذا حصل العلم فهناك يجوز الشهادة استنادا إليه وان لم تكن منشأه الرؤية، وقد اكد على ذلك حتى عد قول من اعتبر الاستناد إلى الحس من غرائب الكلام قال: ضرورة اقتضائه عدم صحة الشهادة لنا الان لامير المؤمنين عليه السلام بنصب النبي صلى الله عليه وآله اماما يوم غدير خم لانه واصل الينا بطرق التواتر ولم نكن حاضرين وقت النصب. وقد بنى على ذلك في كتاب الحدود واكتفى بمجرد العلم وان لم يكن مستندا إلى الحس أي البصر. نعم احتمل هنا ان تكون للزنا ونحوه مما يكون التخفيف فيه مطلوبا للشارع خصوصية، تحكيما للادلة الواردة في المقام على الادلة الدالة على كفاية العلم مطلقا مؤيدا ذلك بكلام الاصحاب. لكنه استدرك ذلك بانه الا ان يدعى ان ما ورد في الباب أي روايات رؤية الايلاج والاخراج مبنى على ما هو الميزان الكلى من اعتبار الرؤية في المبصرات لا لتعبد خاص في المقام، قال: فيرد عليه ما قدمناه في كتاب الشهادات، يعنى انه على ذلك يرد عليه انه لا حاجة إلى الرؤية وان كان المشهود به من المبصرات بل المعيار هو العلم. ولا يخفى عليك ان ما افاده وكان بصدد اثباته خلاف ظواهر روايات الباب جدا فان ظهورها الذى لا يقبل الانكار هو اعتبار نفس الرؤية والمشاهدة فليس ذكر ذلك فيها من باب انها الغالب في حصول العلم في المبصرات، نعم ما ذكره من كفاية مطلق العلم صحيح بالنسبة إلى سائر الامور دون المقام فكرر النظر في رواية الحلبي وابى بصير وحريز وغيرها من الروايات فانها تدل على اعتبار كون الشهادة بخصوص الرؤية لا باصل الفعل وهى اما صحيحة أو معتبرة ولا معارض لها وهى مفتى بها عندهم فلا وجه لرفع اليد عنها والقول بكفاية مطلق العلم بل القول به طرح لهذه الروايات العديدة بلا وجه، الا ترى انه لو


(1) سورة الاسراء الآية 36.

[ 196 ]

اعتبرت في الشهادة بالهلال، الرؤية فانه لا تصح الشهادة بالعلم بل اللازم هو نفس الرؤية والشهادة بها، وما نحن فيه من هذا القبيل والمعتبر فيه الشهادة بالطريق لا بذى الطريق. نعم قد يستشكل بانه لو اعتبرت رؤية الايلاج والاخراج على النحو المخصوص المذكور في الروايات فوقوع هذا بعيد بل لعله لا يتحقق في الخارج الا نادرا وذلك يفضى ويؤدى إلى تعطيل الحدود. وفيه ان بعض الروايات يدل على الاكتفاء برؤية الجماع ولا تعرض فيه لرؤية الايلاج والاخراج فعن علي بن ابى حمزة عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يجب الرجم حتى يشهد الشهود الاربع انهم قد رأوه يجامعها (1). لا يقال: ان مقتضى حمل المطلق على المقيد حمل مثل رواية ابى بصير هذه على الروايات السابقة وذلك يوجب عدم قبول الشهادة على انه رأوه يجامعها حتى يضموا إلى ذلك: انه كالميل في المكحلة. لانا نقول: لعل المقام من قبيل المثبتين الذين لا يعلم وحدة المراد ومن المعلوم ان الشرط في التقييد هو العلم بذلك كما في مثل ان ظاهرت فاعتق رقبة، وان ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، فإذا لم يتحقق ذلك فيؤخذ بكليهما ويكتفى برؤية الجماع والشهادة به خصوصا بلحاظ بعد رؤية الظرف والمظروف. ثم ان من شروط الشهادة بالزنا كما اشرنا إليه هو التصريح لبناء الحدود على التخفيف ودرءها بالشبهة والاحتياط التام فيها ويدل على ذلك قصة ماعز على ما اوضحناها آنفا. وخالف في ذلك في الجواهر قائلا: انك سمعت ما ذكرناه في الاقرار من عدم دليل معتبر على اعتبار النصوصية فيه بل ولا الشهادة فيكفى فيهما اللفظ الدال على ذلك وضعا أو عرفا ولا يحتاج إلى زيادة على ذلك بحيث يعلم منه ارادة الامر المخصوص ولو من قرائن الاحوال.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من حد الزنا الحديث 3.

[ 197 ]

ترى انه نفى اشتراط صراحة الشهادة صريحا وصرح بكفاية مجرد كون اللفظ دالا على المراد بحسب الوضع أو عند العرف فيكفى ما يعلم منه ارادة الامر المخصوص ولو كان ذلك بمعنونة القرائن الحالية ولا حاجة إلى ازيد من ذلك. لكنه ينافى ذكر الرؤية المخصوصة في تلك الروايات، وحملها على انها من طرق العلم خلاف الظاهر كما تقدم، فهل ترى من نفسك انه يمكن التعبير باصرح من تلك التعابير الواردة في الروايات كالايلاج، والادخال، والاخراج، وكالميل في المكحلة؟ فالظاهر ان الاكتفاء بمطلق الدال وضعا أو عرفا وان لم يكن صريحا في غاية الاشكال. نعم في الموثق عن ابى جعفر عليه السلام: إذا قال الشاهد: انه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته اقيم عليه الحد (1). فقد حكم بوجوب الحد بشهادة الشهود انه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته والحال ان هذا اللفظ ليس صريحا بل ولا مجعولا للزنا وضعا أو عرفا وانما يمكن ان يكون كناية عنه، نظير ما ورد في قصة ماعز من انه بعد ان سئله رسول الله صلى الله عليه وآله عن انه يدرى ما هو الزنا ام لا قال: نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. الا انه لابد من طرحه لانه قاصر عن مقاومة تلك الروايات التى هي اقوى سندا واكثر عددا ولم يعهد من احد من الاصحاب العمل به. نعم حكى عن الشيخ قدس سره احتماله بعد تخصيصه الحد بالجلد دون الرجم ولكنه مجرد احتمال فانه لم يفت بذلك. ومثل ما حكى عن الشيخ ما ذكره العلامة المجلسي رضوان الله عليه فانه في مقام الجمع بين اخبار اجتماع الرجلين أو الرجل والمرأة في لحاف واحد التى دل بعضها على تمام الحد وبعضها الاخر على انقص منه قال: والاظهر في الجمع بين الاخبار مع قطع النظر عن الشهرة ان يؤخذ بالاخبار الدالة


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 10.

[ 198 ]

على تمام الحد بان يقال: لا يشترط في ثبوت الجلد المعاينة كالميل في المكحلة وتحمل الاخبار الدالة على ذلك على اشتراطه في الرجم كما هو الظاهر من اكثرها واما اخبار النقيصة فمحمولة على التقية انتهى (1). لكنه رحمه الله كما ترى صرح بان ذلك مع قطع النظر عن الشهرة، واما ما ذكره من حمل اخبار النقيصة على التقية فقد مر انه لا يصح حملها على ذلك. ثم ان في بعض الروايات ما يبطل هذه الوجه الذى قد جمع به بين الاخبار وهو معتبرة محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهود على الايلاج والاخراج (2) فانها صريحة في اعتبار معاينة الايلاج والاخراج في الجلد. ويمكن حمل الحد في الموثق الدال على كفاية اللفظ الكنائى على التعزير وعليه فلا يرد اشكال حتى يحتاج إلى الجمع والتوجيه لعدم ارادة الحد المصطلح عليه. هذا مضافا إلى انه مخالف لما ذهب إليه الاصحاب بل مخالف للاجماع كما في الجواهر، فقد تحصل ان المستفاد من الاخبار عدم قبول الشهادة بالزنا الا مع ذكر رؤيته في الشهادة. ومنه يظهر انه ليجوز للشاهد ان يشهد عليه من دون الرؤية لانه لو شهد به بلا رؤية لكانت شهادته كذبا. نعم لو كان المراد من الرؤية هو رؤية الآلتين بالحالة المخصوصة فهى غير متيسر الا في فروض نادرة كما إذا تعمد احد لشدة تجريه وعدم حيائه في ان يأتي بهذا العمل بمراى الناس ومنظرهم قصدا منه ان يرى منه كل الخصوصيات والا فبحسب المتعارف فلا يمكن ذلك وان كان ربما يظهر من بعض العبارات ذلك.


(1) مرآت العقول الجلد 23 الصفحة 276. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 حد الزنا الحديث 11، اقول: لكن في نسخة الكافي الجلد 7 الصفحة 184 (لا يرجم) بدل (لا يجلد).

[ 199 ]

قال العلامة المجلسي رضوان الله عليه بشرح خبر الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام: حد الرجم ان يشهد اربعة انهم رأوه يدخل ويخرج: ولا خلاف بين الاصحاب في انه لابد في شهادة شهود الزنا من ذكر المشاهدة للولوج كالميل في المكحلة (ثم قال:) واما الاخراج الذى يدل عليه بعض الروايات فلم يتعرض له اكثر المتأخرين فيمكن ان يكون ذكره مبنيا على الغالب من كون مشاهدتهما معا، على انه لا استبعاد في اشتراط مشاهدته ايضا فان هذا الحكم مخالف لسائر الاحكام في الشهادة كما هو ظاهر كلام ابن الجنيد وبعض القدماء. قال ابن الجنيد على ما حكى عنه: ليس يصح الشهادة بالزنا حتى يكونوا اربعة عدول وليس فيهم خصم لاحد الشهود عليهما ويقولوا: انا رأيناه يولج ذلك منها ويخرجه كالمرود في المكحلة (1).. لكن فيه عدم امكان رؤية الموضع بحسب النوع والعادة، واشتراط ذلك يوجب سد باب الشهادة. فلابد من حمل الاخبار وكلمات العلماء على رؤية المقدمات الملازمة الحاكية عن الدخول والخروج بحيث يصدق انه رأه يدخل ويخرج كالميل في المكحلة وذلك كما إذا رآهما مجردين ضامى الموضعين إلى غير ذلك من المقدمات الملازمة فانه في هذه الظروف والاحوال لابد من ان يواقعها ويزنى بها والا فكيف يحمل الرؤية على ما لا مصداق له في الخارج نوعا؟ (2). وتدل على ما ذكرناه قصة المغيرة بن شعبة التى رواها الشيخ قدس سره في الخلاف فانه استخلف عمر المغيرة على البصرة وكان نازلا في اسفل الدار، ونافع وابو بكرة وشبل بن معبد وزياد في علوها فهبت ريح ففتحت باب البيت ورفعت الستر فرأوا المغيرة بين رجلى امرأة (3).. فانه كيف يمكن ان يرى من كان في العلو ان من كان في السفل يولج


(1) مرآت العقول الطبع القديم الجلد 4 الصفحة 166 والجديد الجلد 23 الصفحة 278 (2) وهكذا قال بعض الاعاظم في مباني تكملته الجلد 1 الصفحة 180. (3) راجع الخلاف الجلد 3 الصفحة 154.

[ 200 ]

ويخرج مع الخصوصيات؟ فالحق انه ليس الا الشهادة على الزنا بما رأه من الاحوال المناسبة لا رؤية العضوين وساير الخصوصيات. واما ما قد يقال من انه كيف يجمع بين رؤية جماع غيره مع العدالة؟ ففيه ان المستفاد من الادلة عدم حرمة النظر لاقامة الشهادة، وهل ترى من نفسك ان الآية الكريمة: لولا جاءوا عليه باربعة شهداء، جوزت المعصية؟ فلابد من ان يكون ذلك جائزا. حول قيد آخر من قيود الشهادة ثم ان من جملة ما اعتبره المحقق قدس سره في الشهادة هو ما ذكره بقوله: من غير عقد ولا ملك ولا شبهة. ومعنى ذلك انه فعل ذلك عالما بحرمته من دون شك ولا ريبة، وعليه فهذا من قيود الشهادة ولابد من ذكره، كما انه لابد من ان يكون هذا من الشهادة بالعلم، بخلاف الشهادة على الوطى فانه امر مرئى ولابد في الشهادة به من ذكر قيد الرؤية كما كان تعتبر فيه نفس الرؤية، ولازم ذلك انه لو شهد برؤية الولوج ولكنه لم يقيده بقيد: بلا عقد الخ أو قيده بقوله: بلا عقد، ولم يذكر انه كان بلا ملك ولا شبهة، لم يحد المشهود عليه بل حد الشهود، لكنه استدرك وقال: ويكفى ان يقولوا لا نعلم بينهما سببا للتحليل. اقول: وفيه اولا ان بين كلاميه نوع تهافت لانه اعتبر اولا ذكر الشهادة بعدم وجود مبرر للوطى علما على ما هو ظاهر عبارته وهنا يقول بالاكتفاء بالشهادة بعدم العلم بوجود سبب مبرر، ومن المعلوم انهما لا يجتمعان، وكان الانسب ان يقول اولا: من غير علم بالعقد أو الملك أو الشبهة، حتى تكون بين العبارتين ملائمة. وثانيا ان نفس المطلب غير تام وذلك لانه كيف يمكن الحكم باجراء الحد مع ان الشهود يقولون: لا نعلم سببا للتحليل والحال ان معناه: انه

[ 201 ]

لا نعلم بموجب الحد ولا نعلم بالزنا. ولا يخفى ان سبب التحليل قسمان احدهما ان يكون من قبيل الزوجية والملكية وتحليل المالك، فمعنى قول الشهود: لا نعلم بينهما سببا للتحليل، هو انا لا نعلم الزوجية أو الملك أو تحليل المالك. ثانيهما ان يكون المراد هو المسقط للحد بعد ان عدم الزوجية والملكية والتحليل امر مفروغ عنه كالشبهة والاكراه وغير ذلك. فعلى الاول فشهادتهم بعدم العلم بسبب التحليل تؤول إلى عدم علمهم بالحرمة اصلا وهذا لا ينفع في الشهادة شيئا. واما على الثاني فهو الذى حاول صاحب الجواهر حل الاشكال به فقال بعد ان اشكل بعدم تحقق الزنا مع احتمال كونها زوجة: ويمكن ارادته بعد العلم بكونها اجنبية عنه لكن لم يعلم الشبهة أو الاكراه أو نحوهما مما يسقط به الحد انتهى. يعنى ان الزنا بالاجنبية بعد كون المرأة كذلك حسب الفرض موجب للحد، والمسقط مشكوك فيه والاصل عدمه. وفيه اولا انه خلاف المتبادر من (سبب التحليل) لان وطى الاجنبية مع الشبهة محرمة واقعا وليس هناك سبب للتحليل غاية الامر انه لا عقاب عليه ولا حد، والحال ان عبارة المحقق: لا نعلم سببا للتحليل، لا السبب المسقط للحد، والحاصل المسقطات ليست سببا للتحليل. وثانيا هب انه كان المراد ذلك لكن هل يجوز اقامة الشهادة مع عدم العلم بالشبهة أو كون الزنا عن اكراه؟ أو ليس هذه الموارد من موارد الشبهة والحدود تدرء بالشبهات؟ وكيف يحد من اقيم عليه الشهادة بانه وطئ وطئا لم يعلم انه يوجب الحد؟ وعلى الجملة فالشبهة الموضوعية اقتضت عدم جواز الشهادة وعدم اقامة الحد. وعلى قوله قدس سره، لو شهدوا كذلك لاوجبت اجراء الحد وهو

[ 202 ]

مشكل جدا، ومثل عبارته صدر أو ذيلا عبارة العلامة في القواعد حيث قال: ولا تكفى شهادتهم بالزنا عن قولهم: من غير عقد ولا شبهة عقد بل لابد من ذلك، نعم يكفى ان يقولوا: لا نعلم سبب التحليل. وفيه ما مر من الاشكال لانه مع وجود احتمال الاكراه أو الشبهة لا مورد للشهادة ولا لاجراء الحد، وفى الحقيقة ان هذه الشهادة مركبة من الوجدان والاصل الجارى لنفى الشبهة والاكراه، وهذا لا ينفع فان المعتبر في الشهادة هو العلم ومآل ما ذكر إلى الشهادة مع الشك، ولا فرق بين هذا وبين ما إذا صرح الشاهد وقال: انه زنى ولكني لا اعلم انه كان مكرها ام لا. فكما انه لا اثر لهذه الشهادة كذلك لا اثر لها بالنحو المبحوث عنه، وعلى الجملة فما ذكر غير قابل للقبول والتصديق وان قاله كثير من الاعلام (1). واحتمال ان يكون مرادهما ومراد غيرهما من ذلك هو العلم بالعدم نظير قولك: لا نعلم انه عادل، الذى تريد منه: انى لا اراه عادلا واعلم انه غير عادل، مع انه خلاف الظاهر حيث ان الظاهر من قول الشهود: لا نعلم الخ هو عدم علمهم لا علمهم بالعدم يرد عليه انه لو كان المراد ذلك يكفيه قوله: من غير عقد ولا شبهة ولم يكن مورد لقوله: ويكفى الخ. حول كلام من الشهيد الثاني ثم ان الشهيد الثاني قال في المسالك في هذا المقام: وانما تحد الشهود إذا لم يشهدوا بالايلاج على ذلك الوجه، بتقدير ان يكون شهادتهم بالزنا، ثم قال: اما لو شهدوا بالفعل ولم يتعرضوا للزنا سمعت شهادتهم ووجب على المشهود عليه التعزير انتهى. ولم نقف على مراده رحمه الله من وجوب تعزير المشهود عليه بعد ان الشهود لم يتعرضوا للزنا وانما اقتصروا على الشهادة باصل الفعل.


(1) راجع لهذا البحث شرح الارشاد للاردبيلي فان فيه ما يؤيد ما افاده السيد الاستاذ الاكبر دام ظله العالي.

[ 203 ]

ويمكن توجيه كلامه بنحو لا يرد عليه اشكال لكنه موقوف على ذكر مطلب مقدمة وتمهيدا له. فنقول: هل المعتبر في الشهادة على مقدمات الزنا كجلوسه معها مجلس الرجل من زوجته، ايضا اربعة رجال أو انه يكفى الاثنان؟ بعد انه لا شك اصلا في اعتبار الاربعة في الشهادة على الزنا نفسه على ما تقدم مقتضى قبول شهادة العدلين مطلقا الا ما خرج بالدليل هو حجية قول الاثنين وشهادتهما على مقدمات الزنا بلا حاجة إلى ازيد من ذلك، فان كل ما كان غير الزنا مثلا يقتصر فيه على شهادة الاثنين ومنه مقدمات الزنا. وحينئذ نقول: لعل مراده رحمه الله انه لو شهد الشهود سواء كانوا اثنين أو ثلاثة أو اربعة بالفعل أي بالمقدمات كجلوسه معها على النحو المخصوص ولم يتعرضوا للزنا اصلا فانه يعزر المشهود عليه على ما فعله، الا انه لا خصوصية للاربعة. نعم هذا الحمل خلاف ظاهر (الفعل) حيث انه ظاهر في نفس الفعل المعهود أي الوقاع والجماع (1). جلد الشهود لو لم يشهدوا بالمعاينة قال المحقق: ولو لم يشهدوا بالمعاينة لم يحد المشهود عليه وحد الشهود. اقول: اما الاول فلان شرط قبول الشهادة هو ذكر الرؤية والمعاينة وهو مفقود حسب الفرض ولا يجوز ان يسئل الشهود عن انهم رأوا ذلك ام لا؟ لانه تجسس لاثبات الزنا وهو حرام، وهذا بخلاف قصة ماعز لانه اقر بالزنا وكان صلى الله عليه وآله بصدد ما يدفع عنه الحد. واما الثاني فلان الشهود قد اقدموا على القذف فيقام عليهم حده


(1) يحتمل ان يكون المراد من الفعل هو نفس الوطى الا انه يعزر لعدم تحفظه عن اعين الناس وعدم الاختفاء به، وان لم يكن زناءا

[ 204 ]

الكلام في لزوم اتفاق الشهود في الشهادة. قال المحقق: ولابد من تواردهم على الفعل الواحد والزمان الواحد و المكان الواحد فلو شهد بعض بالمعاينة وبعض لابها، أو شهد بعض بالزنا في زاوية بيت وبعض في زاوية اخرى أو شهد بعض في يوم الجمعة وبعض في يوم السبت فلا حد ويحد الشهود للقذف. اقول: لاشك ولا شبهة في انه لو تعرض الشهود لذكر الخصوصيات واختلفوا في ذلك فانه ترد شهادتهم فلابد من ان تكون شهادتهم متحدة فعلا وزمانا ومكانا. واضاف في المسالك الصفة ايضا فقال: لا ريب في عدم قبول شهادتهم على تقدير الاختلاف في الفعل بالزمان أو المكان أو الصفة انتهى. والوجه في ذلك انه لو اختلفوا في الخصوصيات، فلم تقم اربعة شهداء المعتبرة في الشهادة، على الفعل الواحد بل قام على الزنا في هذه الزاوية مثلا شاهدان وعلى وقوعها في زاوية اخرى آخران، هذا إذا اختلفوا من جهة المكان، وهكذا الامر لو اختلفوا من جهة الزمان كما إذا شهد بعض بالزنا في يوم الجمعة وآخران به في يوم السبت، وان كانت الشهادة محققة على اصل الزنا الا انها غير كافية بعد عدم تواردهم على فعل واحد. بل ولو شهد بعض بوقوع الزنا حال كونهما مجردين وآخر به حال كونهما من وراء الثوب أو شهد بعض بوقوع الزنا في ثوب ابيض وآخر بوقوعه في ثوب اصفر مثلا فان ذلك غير مقبول على ما هو مقتضى ما ذكره في المسالك من اعتبار اتحاد الصفة ايضا فهذا لا كلام فيه ولذا قال بعد ما نقلناه من عبارته: لان كل واحد من الفعل الواقع على احد الوجوه غير الفعل الاخر، ولم يقم على الفعل الواحد اربعة شهداء. وانما النزاع والكلام في انه هل يعتبر تعرض الشهود للخصوصيات أو انه يكفى الشهادة مطلقة.

[ 205 ]

قال في المسالك: ان ظاهر المصنف والعلامة اشتراط ذلك فلا يكفى اطلاقهم الشهادة على الزنا على الوجه السابق الا مع تصريحهم باتحاد الزمان والمكان حتى لو اطلق بعضهم وقيد آخرون حدوا والنصوص خالية من اشتراط ذلك ودالة على الاكتفاء بالاطلاق وهذا هو الظاهر من كلام المتقدمين. ثم نقل كلام الشيخ في النهاية وقال بعد ذلك: وهذا صريح في عدم اعتبار التقييد بالزمان. ثم نقل عبارة ابن الجنيد، وقال بعد ذلك: وهذا صريح في ذلك وكلام غيرهما قريب من ذلك، وهذا هو المعتمد. ثم صار بصدد توجيه عبارة المحقق وقال: ويمكن تنزيل كلام المصنف وما اشبهه على ذلك بحمل عدم القبول على تقدير التعرض على ذلك والاختلاف فيه. اقول: ان هذا الحمل خلاف الظاهر جدا بل الظاهر هو لزوم التعرض واتحادهم في الخصوصيات ولعل الاقوى ذلك، وذلك لاحتمال ان يكون نظر بعض الشهود إلى وقوع الفعل مع خصوصية تكون مغايرة للخصوصية التى كانت بنظر الآخر فلم تتحقق شهادة الاربع على فعل واحد وانما تتحقق ذلك مع التعرض للخصوصيات والاتفاق عليها. وما افاده من خلو النصوص من اشتراط ذلك. فيه ان ذلك غير قادح ولا يوجب القول بعدم اعتبار ذكر هذه القيود والخصوصيات ولا دلالة له على صحة الشهادة وقبولها فان ذكر ذلك في النصوص غير لازم بعد ان المعتبر بحسبها هو شهادة الاربع على فعل واحد وهو الزنا الشخصي فإذا تعرضوا للخصوصيات واتفقوا عليها وفيها، يتحقق موضوع الشهادة ويمكن هناك اجراء الحد واما إذا اطلقوا فمن الممكن ان يكون شهادة بعض في الواقع على خلاف ما يشهد به بعض آخر. وغاية ما يمكن ان يقال هو ان الشهادة المطلقة بلا ذكر فيها عن الزمان والمكان تكون ظاهرة في وحدة الفعل، فليست صريحة في ذلك وقد تقدم اعتبار

[ 206 ]

الصراحة في الشهادة على خلاف من صاحب الجواهر فلا يكتفى بها. ويشهد على ما ذكرناه من ان خلو النصوص عن ذكر ذلك لا يدل على عدم اعتباره، خلوها عن قيد: بلا عقد ولا ملك ولا شبهة، فقد راجعنا الروايات ولم نجد فيها ذكرا عن ذلك والحال انهم اعتبروا هذا القيد و لم يكتفوا بظهور لفظ الزنا في انه صدر بلا عقد ولا ملك ولا شبهة (1). ولباب الكلام ان الملاك في جواز اجراء الحد بالشهادة هو الشهادة مع ذكر الخصوصيات لانها الشهادة الخالية عما يوجب درء الحد فمع التعرض والاتفاق على القيود يحصل ذلك والا فلا. وبعبارة أخرى ان الشهادة بهذا النحو مصداق للشهادة الموجبة للحد وبدون ذلك تحصل الشبهة الدارئة للحد، لاحتمال اختلافهم في القيود لو كانوا يتعرضون لها ومع الاختلاف كان يحصل التعارض في شهادتهم ولم يتحقق الشهادة اللازمة على فعل واحد. وفي الجواهر بعد عباره المصنف المذكورة آنفا بلا خلاف اجده في شئ من ذلك بل ولا اشكال في صورة عدم اتفاق الاربعة على شئ من ذلك بل ولا اشكال في صورة عدم اتفاق الاربعة على شئ واحد كغير المقام من المشهود عليه من البيع والاجارة وغيرهما. يعني انه لا فرق بين المقام وغيره في هذا المقدار وهو لزوم الاتفاق في المشهود به مع تمام الخصوصيات إذا تعرضوا لذلك، غاية الامر اعتبار اتفاق الاربعة في باب الزنا، والاثنين في مثل البيع والاجارة. ثم قال: انما الكلام في اختصاص المقام عن غيره باعتبار ذكر الشهود الخصوصيات والاتفاق عليها مع تعرض البعض على وجه لا يجزئ اطلاق الاخر ولا قوله: لا اعلم به وربما شهد للثاني الموثق.. ولا يخفى انه قد تعرض هنا لقسم من موضع البحث وهو انه هل يعتبر مع ذكر بعض منهم الخصوصيات ان يتعرض الآخرون لها ايضا ام لا؟ مع ان


(1) اقول: هذا مضافا إلى ما سيأتي من ذكر ذلك في بعض النصوص فانتظر.

[ 207 ]

المستفاد من ظاهر عبار المحقق هو اعتبار ذكر الخصوصيات وان على الشهود التعرض لها اولا. ومراده من الثاني هو فرض قول واحد من الشهود: لا اعلم، في قبال الآخرين المتعرضين لذكر الخصوصيات، فان الفرض الاول في كلامه هو تعرض بعض منهم واطلاق الاخرين، واما الموثق فهو موثق عمار وقد نقله باختلاف يسير في الالفاظ، ومتنه على ما في الوسائل هذا: عن عمار الساباطي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل يشهد عليه ثلاثة رجال انه قد زنى بفلانة ويشهد الرابع انه لا يدري بمن زنى قال: لا يحد ولا يرجم (1). ولعله تمسك به جوابا عما قاله في المسالك من خلو النصوص، وكأنه يقول: ان فيها تعرضا لذلك غايه الامر بالنسبة إلى بعض فروضه وصوره. والظاهر انه يستفاد من ذلك حكم ما لو تعرض بعض الشهود للخصوصيات وسكت الاخرون ايضا وانه لا تقبل شهادتهم وذلك لان عدم قبول الشهادة في مفروض الرواية ليس لاجل قول الرابع: لا اعلم، بخصوصه وتعبدا مخصوصا بتلك الشهادة، حتى يتفاوت الحكم بالنسبة إلى ما لو اطلق الرابع ولم يتعرض للخصوصيات حتى بقوله: لا اعلم، بل ذلك لمكان عدم حصول اربعة شهداء، المشترك بينه وبين المقام. وقد ظهر بما ذكرنا انه لا حاجة في اسراء حكم المثال إلى سائر الامثال، إلى التمسك بالاجماع المركب والقول بانه يتم في غيره بعدم القائل بالفرق بين الاصحاب، كما تمسك به في الرياض، حتى يرد عليه ما اورده في الجواهر بقوله: لا اجماع مركب تسكن إليه النفس على عدم الاجتزاء بالشهادة على معاينة الادخال والاخراج على وجه الزناء من غير تعرض للزمان والمكان ولا على ما إذا تعرض بعد واطلق الاخر على وجه لم يعلم عدم شهادته بها ثم استنتج بقوله: فالمتجه الاقتصار في الموثق على مورده. وذلك لان بما ذكرنا يحصل الغناء عن ذلك وهو انه لابد من تحقق


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا، الحديث 6.

[ 208 ]

اربعة شهداء على فعل واحد بحيث لا يجري احتمال تعدد الواقعة فإذا كانت الشهادة بحيث تحتمل التعدد فلا تنفع في اثبات الحد على المشهود عليه، فمن هذا الباب ما إذا تعرض البعض وقال الباقي: لا اعلم، ومنه ما إذا تعرض بعض واطلق الباقي، ومنه ما إذا لم يتعرضوا للخصوصيات اصلا فان الرمز الاصيل والوحيد في رد الشهادة في مورد الرواية هو احتمال تعدد الواقعة وهو محقق في غير موردها ايضا. فكما انه لو شهد اثنان بوقوع الزنا في مكان كذا وشهد آخران بوقوعه في مكان آخر فانها لا تؤثر شيئا، كذلك فيما إذا تعرض بعض واطلق الباقون مثلا. وهذا الكلام يأتي في جميع الشهادات وان كان بينها فرق من جهة العدد المعتبر فيها فإذا شهد شاهدان بوقوع القتل الا ان احدهما قال بان زيدا قتل عمروا وقال الاخر: ان زيدا قتل ولكن لا ادرى انه قتل أي شخص ولا اعلم انه كان عمروا مثلا فانه لا تقبل هذه الشهادة ولا تؤثر في استحقاق القصاص فليس لولي المقتول الاقتصاص منه لعدم اثبات انه قتل عمروا حتى يجوز له ذلك وهكذا لو كانت شهادتهما من باب المطلق والمقيد بان شهد احدهما بانه قتل عمروا وقال الثاني: انه قد قتل رجلا. نعم في مورد لا يفضى الاختلاف في الخصوصيات إلى احتمال تعدد المشهود به لا اشكال، وذلك كما إذا شهد الشهود ان هذا الرجل قد زنى بهذه المرأة لكنهم اختلفوا في معرفتها والجهل لها فبعضهم يعرفها ويسميها وبعض لا يعرفها ولا يسميها مثلا فان اختلافهم في المعرفة بها وعدمها وانه يعرفها بعضهم دون الاخرين غير قادح بعد تعيينهم جميعا شخصها وذلك لعدم احتمال التعدد حيث عينوا شخصها وزمان الزنا ومكانه. فقوله عليه السلام في الرواية: لا يحد ولا يرجم اشارة إلى عدم تمامية الشهادة في الواقع وذلك لاحتمال عدم اتفاقهم على شئ واحد. وبذلك قد ظهر ايضا ان ما افاده في الجواهر بعد التمسك بالموثق بقوله: ومنه يعلم الوجه في اشتراط توارد الجميع على الخصوصية إذا ذكرها بعضهم

[ 209 ]

فيختص المقام حينئذ بذلك تعبدا من غير فرق بين الخصوصيات (1)، لا يخلو عن اشكال فانه لو كان المراد عدم قبول الشهادة مع تمامها وكمالها وذلك للتعبد بسبب الخبر المزبور كما ان الظاهر من التعبد ايضا ذلك حيث ان حقيقته الحكم بشئ مع عدمه في الواقع أو بالعكس أو الحكم بكونه من امر مع عدم كونه منه في الواقع أو بالعكس نظير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء. واولئك هم الفاسقون (2) فانه اطلق عليهم الفاسقين مع احتمال صدقهم في الواقع ففيه انه غير صحيح لان الشهادة غير تامة على حسب الفرض وذلك لاحتمال التعدد بان يكون شهادة بعضهم بشئ والاخرين على شئ آخر. نعم لو كان المراد منه ان الشارع اعتبر الاربعة تعبدا ولم يحصل ذلك فليس فيه اشكال. الكلام في ما لو شهد بعض بالاكراه وبعض بالمطاوعة قال المحقق: ولو شهد بعض انه اكرهها وبعض بالمطاوعة ففي ثبوت الحد على الزاني وجهان احدهما يثبت للاتفاق على الزناء الموجب للحد على كلا التقديرين، والاخر لا يثبت لان الزناء بقيد الاكراه غيره بقيد المطاوعة فكأنه شهادة على فعلين. اقول: ذهب الشيخ في المبسوط إلى الاول، واختار في الخلاف، الثاني فقال في الاول: إذا شهد اثنان انه اكرهها وقال آخرون انها طاوعته فلا حد عليها لان الشهادة لم تكمل والرجل لاحد عليه ايضا وقال بعضهم: ان عليه الحد، وهو الاقوى عندي، لان الشهادة قد كملت في حقه على الزنا لانه زان في الحالين ومن قال بالاول، قال: لان الشهادة لم تكمل على فعل واحد فان الاكراه غير المطاوعة (3).


(1) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 302. (2) سورة النور الآية 4. (3) المبسوط الجلد 8 الصفحة 8.

[ 210 ]

وقال الثاني: إذا شهد اربعة شهود على رجل بالزنا بامرأة فشهد اثنان انه اكرهها وآخران انها طاوعته قال الشافعي: انه لا يجب عليه الحد وهو الاقوى عندي، وقال أبو حنيفة: عليه الحد وبه قال أبو العباس: دليلنا ان الاصل برائة الذمة، وايجاب الحد يحتاج إلى دليل وايضا الشهادة لم تكمل بفعل واحد وانما هي شهادة على فعلين لان الزنا طوعا غير الزنا كرها (1). وحاصل الاستدلال على استقرار الحد عليه كما هو مختاره في المبسوط هو تمام الشهادة وكمالها بالنسبة إلى زناه لان المرأة سواء كانت مكرهة في زناها أو مطاوعة فان الرجل قد زنى بها فيجب عليه الحد لتحقق الشهادة المعتبرة بالنسبة إليه. وقد مال إلى ذلك صاحب الجواهر فانه بعد ان نقل الاستدلال على وجوب الحد بالاتفاق على الزنا الموجب للحد على كلا التقديرين قال: والاختلاف انما هو في قول الشهود لا في فعله (2). وفيه ان منشأ الاختلاف في القول اختلاف المقول ولولا اختلاف المقول لاتحد القول، فإذا قال بعضهم: انه قد زنى مكرها لها وقال آخرون: انه قد زنى بها وهي قد طاوعته فالاختلاف انما هي في قسمي الزنا المختلفين وذلك لان زنا المكره قسم وزنا غير المكره قسم آخر، والشاهد على ذلك ان الاول موجب للقتل والثاني للحد جلدا أو رجما وحينئذ فلم يتحقق اربعة شهود على فعل واحد فان هذا الزنا فرد خاص والآخر فرد آخر منه غير الاول، فيقال زنا اكراهي وزنا مطاوعي فهما موضوعان متباينان ولهما حكمان مختلفان لا تعلق لاحدهما بالآخر وهذا نظير تردد القاتل بين هذا وذاك الذي لا يمكن الاقتصاص هناك. وعلى الجملة فلا يجوز اجراء الحد على الفعل المردد. قال الشهيد الثاني: إذا شهد بعض الاربعة على رجل بانه زنى بفلانة مكرها لها في ذلك الزنا وشهد الباقون بانه زنى بها مطاوعة له فيه فلا حد على


(1) الخلاف كتاب الحدود مسألة 24. (2) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 330.

[ 211 ]

المرأة قطعا لعدم ثبوت المقتضي لحدها وهو الزنا مطاوعة واختلف قولا الشيخ في الرجل فقال في الخلاف: لا حد عليه وتحد الشهود لانها شهادة على فعلين فان الزنا بقيد الاكراه غيره بقيد المطاوعة وهي كشهادة الزوايا، وقال في المبسوط: يحد الرجل لثبوت الزنا على كل واحد من التقديرين المشهود بهما ولان الاختلاف انما هو في اقوال الشهود لا في فعله وهذا مختار ابن الجنيد وابن ادريس، وتردد المصنف مقتصرا على نقل القولين وكذلك العلامة في الارشاد والتحرير، ورجح في القواعد والمختلف الاول وكذلك الشهيد في الشرح ولعله اوجه ويمنع ثبوت الزنا على كل واحد من التقديرين لانه لم يشهد به على كل تقدير العدد المعتبر فهو جار مجرى تغاير الوقتين والمكانين المتفق على انه لا يثبت على تقديره انتهى (1). وان اورد عليه في الجواهر بقوله: وفيه وضوح الفرق بينهما ضرورة اقتضاء الاختلاف تعدد الفعل بخلافه هنا المفروض اتفاق الجميع على اتحاد الزمان والمكان وانما اختلفوا في حال المزني بها والزاني، الذي لا يقتضي تعدد الفعل فيمكن اطلاع من شهد بالمطاوعة على كون الاكراه الظاهر صوريا نعم لو لم يتعرضا للزمان وقلنا بكفايته واختلفا في الاكراه والمطاوعة على وجه لا يمكن الجمع بينهما الا بتعدد الفعل اتجه حينئذ عدم القبول فتأمل جيدا انتهى (2). لكن فيه تأمل واشكال وذلك لانه إذا كان السواد والبياض ضدين فلا محالة يكون الاسود والابيض ايضا ضدين وكذلك إذا كان الاكراه والمطاوعة ضدين فلا محالة الفعل الصادر من الاكراه والصادر من المطاوعة ايضا ضدان ولا يجتمعان، وليس المراد من كونهما قسمين ان الواقع في الخارج فعلان وقسمان فانه لا شك في ان الفعل واحد وانما تردد امره بين ان يكون من هذا أو من ذاك وقد شهد بعض الشهود على الاول وبعض على الثاني وبعبارة أخرى


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 427. (2) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 302.

[ 212 ]

لا نعلم ان الواقع في الخارج من افراد هذا القسم أو من افراد القسم الآخر فعدد الشهود في كل من الفردين ناقص، واتفاق الشهود انما كان على الجامع وامر كلي لا على امر شخصي الذي هو الموجب للحد. ثم انه قد يقال ان الوجه في عدم اثبات الزنا امر آخر لا عدم شهادتهم على امر واحد وذلك لان من شهد منهم على مطاوعة المرأة فقد قذفها ورماها بالزنا فيجري عليه حكم القذف ويكون فاسقا فلا تقبل شهادته. وفيه انه مع فرض وحدة الفعل فقد كملت شهود الزنا ويثبت ذلك، ومعه فالشهادة تؤثر في امرين احدهما اثبات حد الزنا على الزاني، ثانيهما نفي حد القذف كما في كل مورد يؤخذ بشهادة الشهود الذين شهدوا على الزنا، والا تكون الشهادة قذفا، وعلى الجملة فمع وحدة الفعل ليس هناك قذف وانما يتحقق هو فيما كان الفعل بالمآل متعددا، وبعبارة أخرى انه مع كمال الشهود لا تدخل الشهادة تحت عنوان القذف بل اللازم عليه هو ترتيب آثار الزنا المشهود به. ثم ان العلامة في القواعد ذكر الوجهين في المسألة: ثبوت الحد على المشهود عليه لكمال الشهادة على الزنا وكون اختلافهم في فعلها لا في فعله، وثبوت الحد على الشهود، مستدلا بتغاير الفعلين ثم قال: وهو اوجه ولا حد عليها اجماعا ثم ان اوجبنا الحد بشهادتهم لم يحد الشهود والا حدوا ويحتمل ان يحد شهود المطاوعة، لانهما قد قذفا المرأة بالزنا ولم تكمل شهادتهم عليها دون شاهدي الاكراه لانهما لم يقذفا وقد كملت شهادتهم وانما انتفى عنه الحد للشبهة انتهى. اقول: يمكن ان يورد عليه بانه بعد البناء على ايجاب الحد بشهادتهم واثبات الزنا بذلك لا وجه لحد الشهود مطلقا فكيف احتمل ان يحد شهود المطاوعة، وبعبارة أخرى اما ان نقول بان الشهادة قد كملت وعلى هذا فلا وجه لحد الشهود بل يحد المشهود عليه لا غير، واما ان نقول بعدم ذلك لكون بعضهم قاذفا وفاسقا فيلزم حد الشهود دون المشهود عليه لانه لم تستكمل الشهادة. وعلى الجمله فلو تحقق ان الشهادة كانت على فعلين كما استوجهه

[ 213 ]

العلامة قدس سره بنفسه فلم يبق الا حد الشهود ولا مجال لانتفاء الحد عنهم وان قلنا بعدم التعدد كما هو المفروض والمبنى في كلامه حيث قال: أن اوجبنا الخ فلابد من اجراء الحد على المشهود عليه ولا شبهة كى ينتفي الحد بعد فرض ايجاب الحد وثبوته (1). وفي الجواهر بعد لفظ الشبهة الوارد في كلام العلامة المذكور آنفا: أي لا لعدم الثبوت، ثم قال قدس سره: وفيه ان الشهادة بالمطاوعة اعم من القذف لاحتمال الشبهة فيها وان كان هو زانيا. يعني انه وان شهد شاهد المطاوعة بمطاوعتها له الا ان مجرد ذلك لا يلازم قذفها بالزنا وذلك لامكان مطاوعتها زعما منها ان ذلك يحل لها، هذا. اقول: وفيه ان هذا الاشكال وان كان يصح وياتي على مذهب من يعتبر التصريح في الشهادة اما على مذهب من يكتفي بلفظ ظاهر في المراد كما اكد عليه صاحب الجواهر آنفا فلا، فانه إذا قال بعض انها كانت مكرهة على الزنا وشهد الباقون انها قد طاوعته في ذلك، فان ظاهر هذا انها قد زنت وكانت زانية لا انه اشتبه عليها الامر، فيجب عليها الحد. هذا مع انه فرق بين قبول الشهادة وباب القذف حيث انه لا حاجة في القذف إلى الصراحة بل يكفي قول: يا بن الزانية أو انت زان وامثال ذلك كما ترى كلماتهم في القذف، والحاصل انه يكفي في القذف مجرد النسبة على ما هو ظاهر اطلاق الادلة والكلمات من غير توقف على ادعاء الرؤية أو استعمال لفظ صريح في ذلك بل يكفي اللفظ الظاهر في الزنا الحقيقي. اختلاف الشهود في قميص الزاني قال في القواعد: لو شهد اثنان بانه زنى وعليه قميص ابيض واثنان ان


(1) اقول: وفي دفتر مذكراته دام ظله بعد نقل كلام القواعد: اقول: مع اعترافه بتغاير الفعلين فكيف يقال: وقد كملت شهادتهم عليه الا ان يكون المقصود على القول الآخر ولكن عليه لا ينفي الحد انتهى هذا لكن لا يخفى ان توجه الاشكال على العلامة في المقام محل تأمل واشكال فراجع كلام العلامة ثانيا ان شئت.

[ 214 ]

عليه قميصا اسود ففي القبول نظر. وفي الجواهر: وفيه انه لا مانع من اجتماع الخصوصيتن فلا تعدد للفعل. اقول: انه وان كان لا مانع من اجتماعهما لكن العبارة ظاهرة في انحصار القميص كما لا يخفى. إذا شهد بعض فلا يرتقب اتمام البينة بل يحد الشهود قال المحقق: ولو اقام الشهادة بعض في وقت حدوا للقذف ولم يرتقب اتمام البينه لانه لا تأخير في حد. وفي الجواهر بعد ذلك: بلا خلاف محقق اجده فيه الا ما يحكى عن جامع ابن سعيد وهو شاذ (1). وقال العلامة في القواعد عند عد شرائط ثبوت الزنا بالبينة: الثالث اتفاقهم على الحضور للاقامة دفعة فلو حضر ثلاثة وشهدوا حدوا للفرية ولم يرتقب اتمام الشهادة لانه لا تأخير في حد نعم ينبغي للحاكم الاحتياط بتفريق الشهود في الاقامة بعد الاجتماع وليس لازما ولو تفرقوا في الحضور ثم اجتمعوا في مجلس الحكم على الاقامة فالاقرب حدهم للفرية انتهى. اقول: ظاهر عبارة المحقق المذكورة آنفا هو اشتراط اجتماع الشهود حين الشهادة بخلاف كلام العلامة فان الظاهر منه اعتبار اجتماعهم حين الحضور، وان امكن ان يكون مراده ما هو الظاهر من كلام المحقق، غاية الامر انه اضاف اجتماعهم وقت الحضور ايضا ولذا قال في الجواهر انه قد بالغ الفاضل في القواعد وولده في الشرح فاعتبر حضورهم قبل الشهادة للاقامة. الخ. وكيف كان فعلى ما هو ظاهر العبارات، لو حضر بعضهم وشهد ثم بلا أي تأخير شهد الباقون فانه يكتفي بذلك عند المحقق دون العلامة لانهم لم يحضروا


(1) قال ابن سعيد في جامع الشرايع الصفحة 548: وان شهد ثلاثة في وقت ثم تم العدد في وقت آخر ثبت الزنا، وروى: لا نظرة فيه ويحدو ويدرء الحدود بالشبهات.

[ 215 ]

جميعا ومعا وان كانوا مجتمعين على الشهادة بعد ان من المسلم عدم اعتبار اداءهم الشهادة دفعة واحدة ومعا. وقد وافقه في ذلك ولده فخر الدين فقال في شرح كلام والده المذكور آنفا: وجه القرب ان اجتماعهم على الحضور شرط في ثبوت الحد على المشهود عليه وانتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط وكلما لم يوجب شهادة الزنا الحد اوجبت حد القذف، ويحتمل عدم وجوب الحد ويمنع اشتراط الحضور دفعة وكونه وقع في حضرة النبي صلى الله عليه وآله على هذه الحالة لا يوجب اشتراطه بل جاز ان يكون اتفاقا. ثم قال: والاقرب عندي الاول لانه حد مبنى على التخفيف انتهى (1) ولا يخفى انه لم يقم دليل واضح على مختار العلامة اعلى الله مقامه. وهنا قول ثالث ذهب إليه الشيخ قدس سره في الخلاف، قال: إذا تكامل شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس وشهادتهم متفرقين احوط وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ان كانوا شهدوا في مجلس واحد ثبت الحد بشهادتهم وان كانوا شهدوا في مجالس فهم قذفة يحدون والمجلس عنده مجلس الحكم فان جلس بكرة ولم يقم إلى العشى فهو مجلس واحد فان شهد اثنان فيه بكرة وآخران غشية ثبت الحد، ولو جلس لحظة وانصرف وعاد فهما مجلسان. ترى تصريحه بانه يثبت الحكم بتكامل الشهود سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس متعددة والظاهر من المجالس المتعددة هو تعدد المجالس حقيقة بان يشهد بعضهم في هذا اليوم مثلا وبعضهم في يوم آخر لا ان يشهد كل من الشهود في بيت فانه شئ آخر ذكره بقوله: وشهادتهم متفرقين احوط، وعلى هذا فلا فرق بين اجتماعهم في الحضور وعدمه. وكيف كان فقد استدل على ما ذكره بقوله: دليلنا كل ظاهر ورد بأنه إذا شهد اربعة شهود وجب الحد، يتناول هذا الموضوع فانه لم يفصل وايضا قوله


(1) ايضاح الفوائد الجلد 4 الصفحة 476 - 475.

[ 216 ]

تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولم يفصل، وايضا فإذا شهد واحد اولا لم يخل من احد امرين اما ان يكون شاهدا أو قاذفا فبطل ان يكون قاذفا لانه لو كان قاذفا لم يصر شاهدا باضافة شهادة غيره إليه فإذا ثبت انه ليس بقاذف ثبت انه يكون شاهدا وإذا كان شاهدا لم يكن قاذفا بتأخر شهادة غيره من مجلس إلى مجلس آخر انتهى (1). اقول: ان مقتضى اطلاقات الادلة كتابا وسنة هو الاكتفاء في الحكم بالزنا باربعة شهداء مطلقا سواء كان حضورهم في المجلس دفعيا أو بالتدريج، وبلا فرق بين كونهم معا حاضرين ومجتمعين في المجلس وعدمه وذلك لصدق شهادة اربعة شهداء، كما ان مقتضى هذا الاطلاق هو القول بانه لا فرق في اقامتهم الشهادة متعاقبا وبدون أي تأخير أو معه، غاية الامر انا قد خرجنا عن هذا الاطلاق بسبب الروايات مثل قوله صلوات الله عليه بعد ان شهد ثلاثة: اين الرابع؟ (2) كما انا قد نخرج بسبب الروايات عما افاده الشيخ من عدم الفرق بين وحدة المجلس وتعدده فان مقتضى بعض الاخبار هو اعتبار وحدة المجلس. ثم ان المحقق الاردبيلي عند تعرضه في شرح الارشاد لقول العلامة: ولو سبق احدهم بالاقامة حد للقذف ولم يرتقب اتمام الشهادة. قال: إذا حضر بعض الشهود مجلس الحكم وشهد بالزنا قبل الباقي يجب حد الشاهد الذي اقام ولا ينتظر باقي الشهود واتمام الشهادة وعدمها. فحضور الشهود كلهم مجلس الحاكم واجتماعهم فيه قبل الشهادة سواء دخلوا مجتمعين أو متفرقين شرط لسماع شهادتهم واقامة شهادتهم وثبوت الحد بها على المشهود عليه وسقوطه عنهم فلا يجوز قبل الاجتماع ولا ينفع نعم يجوز التفرق في الاقامة بل قالوا يستحب التفرقة بين الشهود بعد اجتماعهم حال الاقامة فيفرق بعد الاجتماع ويستشهد واحدا بعد واحد كما قالوا باستحباب ذلك في سائر الاحكام لكن مع الريبة وهنا مطلقا للاحتياط والتخفيف، ودليل حد


(1) الخلاف الجلد 3 الصفحة 153 المسألة 31. (2) سيأتي نقل الخبر بكامله.

[ 217 ]

الشاهد السابق من غير انتظار الباقي هو انه صدق عليه انه افترى ورمى بالزنا ولم يأت باربعة شهداء وانه كاذب فيحد بالفعل للفرية إذ لا تأخير لحد على ما ثبت بالرواية بل بالاجماع ويدل عليه ايضا رواية نعيم بن ابراهيم عن عباد البصري قال: سألت ابا جعفر عليه السلام. ورواية النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام عن ابيه عن علي عليه السلام في ثلاث شهدوا. ثم قال: وقد ترى سندهما كانه انجبر بالشهرة وفيه ما مر مرارا. اقول: ان من المسلم عندهم ان الروايتين ضعيفتان لكنهم يقولون بانجبار الضعف بالعمل نعم للاردبيلي رحمه الله في انجبار ضعف الخبر بالشهرة تأمل واشكال. ثم قال: وقد بالغ في القواعد في ذلك حيث قال باشتراط اجتماعهم في الحضور مجلس الحكم فلو تفرقوا بالحضور حدوا وهو بعيد وكذا الاول. فهنا قد استبعد كلام العلامة اولا وعطف عليه في ذلك القول الاول الذي هو في الحقيقة قول الشرايع ايضا فهو ايضا عنده بعيد وعلل ذلك بقوله: لان ثبوت الحد بعد غير معلوم حتى يقال: ولا تأخير للحد فان الشاهد قد يكمل شهادته بالباقي وقد يكون اعتمادا على ذلك شهد، فحده قبل شهادة الباقي ومعلومية حالهم خصوصا مع العلم بوجود الباقي وانه سيجيئ عن قريب وتسهل محل التأمل، ولانه يصدق بعد شهادة الباقي انه اتى باربعة شهداء فلا حد عليه بل لا يبعد الصدق قبله وان كان على سبيل المجاز وبالجملة ابطال هذه الشهادة وحد الشهود بمجرد السبق مشكل مع التخفيف في الحدود، والدرء بالشبهات، بل ينبغي ان يحمل على الوجه المتعارف في ذلك فان كمل الشاهد المسقط والا حدوا. ثم قال: وكانه لذلك قال الشيخ في الخلاف بعدم اشتراط اتحاد المجلس لانه قال: إذا تكاملت. احوط، وتأويل المختلف وحمله على تفرقهم بعد اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة نظرا إلى ان ذلك هو المذهب عندنا

[ 218 ]

بعيد الا ان يثبت الاجماع وهو بعيد لخلاف الشيخ المتقدم على الظاهر نعم ان شهد البعض ونكل البعض حد الشاهد للفرية وعدم الاتيان بالاربعة ولحسنة محمد بن قيس. وقد ايد ما ذهب إليه من كفاية الاربعة وان كان قد وقع تراخ بالنسبة إلى بعض منهم، بكلام الشيخ في الخلاف وهو عدم اشتراط اتحاد المجلس وقد مر منا نقل كلام الشيخ فراجع واستبعد ما ذكره العلامة في المختلف تأويلا لكلام الشيخ من التفرق بعد الاجتماع لاقامة الشهادة، وعليه فلا يكون نظر الشيخ من تعدد المجالس تفرق الشهود في اقامة الشهادة بعد اجتماعهم معا بل المراد هو حصول التراخي في الشهادات مستقلا. وعلى ذلك فلم يبق في اثبات اعتبار تتابع الشهادات وحد الشهود لو وقع بينها تراخ، سوى الروايات على ما هو المبني من الجبر والا فادلة حجبة الشهادة شامله لما إذا تتابعت الشهادات أو بالتراخي وحصول الفصل بينهما والنتيجة انه لو وقعت الشهادات كل واحدة عقيب الاخرى حتى كملت فهو والا فيحد الشهود خلافا للشيخ حيث جوز تعدد المجالس. واما كلام العلامه في المختلف فهو هذا: قال الشيخ في الخلاف: إذا تكاملت شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو مجالس وشهادتهم متفرقين احوط. وقال ابن حمزة: وانما يقبل البينة مع ثبوت العدالة بستة شروط: قيامها في مجلس واحد، والمعتمد ما قاله الشيخ للعموم ولاستحباب تفريق الشهود، وان قصد ابن حمزة اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة صح كلامه لانه المذهب عندنا وقال سلار: كل حدود الزنا على اختلافه لا يثبت الا بشهادة اربعة رجال على الوجه الذي ذكرناه في مجلس واحد انتهى كلامه (1).


(1) مختلف الشيعة الصفحة 764. اقول لعل التنزيل المزبور يستفاد من ان العلامة اولا نقل كلام الشيخ ثم كلام ابن حمزة المخالف له الناطق باعتبار قيام الشهود في مجلس واحد، ثم جعل المعتمد كلام الشيخ وبذلك رد كلام ابن حمزة ثم صدق كلام ابن حمزة إذا كان مقصوده اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة وصحح كلامه على هذا الفرض ولازم ذلك انه على هذا يكون ابن حمزة موافقا للشيخ فيعلم ان الشيخ يقول بذلك بنظر العلامة حيث ان قول الشيخ هو المعتمد عنده.

[ 219 ]

اقول: وفيه ان ذلك لا يساعده دليل الشيخ وذلك لانه علل ما ذكره بان الشاهد الاول اما ان يكون قاذفا أو شاهدا لكنه ليس بقاذف وذلك لانه لو كان قاذفا كان لا ينفع ضم شهود اخر إليه لكونه فاسقا مع انه لو ضمت إليه الثلاثة لقبلت وحكم بالحد على المشهود عليه فإذا ثبت انه ليس بقاذف بل هو شاهد فإذا لا يضره تأخير سائر الشهود من مجلس إلى مجلس آخر هذا وكان الشيخ لم يعمل بالرواية الدالة على اعتبار حضور الشهود كلهم عند اقامة الشهادة كي تتحقق الشهادات متعاقبة. هذا ولكن الانصاف انه يمكن استفادة اعتبار اجتماعهم قبل مقام الشهادة من كلام الشيخ وذلك لمكان قوله: وشهادتهم متفرقين احوط. بيان ذلك ان الاحتياط جار فيما امكن ما يقابله ايضا حتى يكون الاول احتياطا وما يقابله خلاف الاحتياط، وفيما نحن فيه يكون تفريق الشهود احوط، إذا امكن التفريق والاجتماع كلاهما وذلك لا يتحقق الا بان يكون الشهود حاضرين عند اقامة الشهادة حتى يفرق الحاكم بينهم في اداءها، واما إذا لم يكن بعضهم حاضرين فهو امر قهري ولا يصدق عليه انه احتياط، فمن ذلك يمكن ان يستفاد ان مراد الشيخ ايضا اعتبار حضورهم عند الاقامة جميعا الذي يعبر عنه بالمجلس الواحد عرفا غاية الامر انه يقول بجواز اقامتهم الشهادة واداءها في هذه الحال وفي حال افتراق كل منهم عن الباقين وقد اضاف ان الثاني هو المستحب لئلا يطلع احدهم على ما شهد به الاخر، واللاحق على ما شهد به السابق، فيتلقى منه الشهادة. وربما يؤيد ذلك ان ابن ادريس عبر في السرائر بذلك أي مجلس واحد أو مجالس فانه قال: إذا تكامل شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس ولا يعتبر حضور الشهود لاداء الشهادة في وقت واحد الا ههنا الخ (1) مع انه قال قبل ذلك: ولا تقبل شهادة الشهود على الزنا الا إذا حضروا في وقت واحد فان شهد بعضهم وقال: الآن يجيئ


(1) السرائر الطبع الجديد الجلد 3 الصفحة 434.

[ 220 ]

الباقون جلد حد المفتري لانه ليس في ذلك تأخير انتهى (1) وجه التأييد وبيانه انه عبر في المقام بالمجلس أو المجالس والحال انه اعتبر قبل ذلك وفي كلامه السابق، الحضور في وقت واحد، فمن هذا يعلم ان المراد من المجلس أو المجالس هو تفريق الحاكم بين الشهود وعدمه عند الشهادة، بعد انه يعتبر حضورهم جميعا قبل ذلك. وبالجملة فعلى هذا فالشيخ ايضا موافق للمشهور ولذا قال في الجواهر: وحينئذ لا خلاف في المسألة الا من ابن سعيد الذي قد سمعت شذوذه انتهى. استدل المشهور بروايات منها رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا فقال علي عليه السلام اين الرابع؟ قالوا: الآن يجئ فقال علي عليه السلام: حدوهم فليس في الحدود نظر ساعة (2). ومنها ما رواه عباد البصري قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزناء وقالوا: الآن نأتي بالرابع قال: يجلدون حد القاذف ثمانين جلدة كل رجل منهم (3). ولو استشكل في الاولى باحتمال كونها قضية في واقعة ولعل الامام امير المؤمنين عليه السلام كان يعلم بان الرابع لا يأتي أو يأتي بعد مضي مدة فلذا حكم بحد الشهود، فان الرواية الثانية لا يجري فيها هذا الاحتمال لان السؤال فيها قد وقع عن امر كلي.


(1) السرائر الجلد 3 الصفحة 431 اقول: ولا يخفى ان عبارة الجواهر الطبع الجديد مغلوطة محرفة، والصحيح هو عبارته في الطبعة القديمة واليك متنها في الجديد: وربما ايد الحمل المزبور بانه عبر في السرائر انه قال قبلها. الخ واما متن القديم فهذا: وربما ايد الحمل المزبور بانه عبر به في السرائر مع انه قال قبلها الخ وقد اوجب تحريف النسخة الجديدة ان يستشكل على ابن ادريس بانه ليس في ما سبق من كلام الشيخ هذا الكلام، ثم يوجه باحتمال انه ربما كان في الخلاف الذي كان عند ابن ادريس فلا تغفل. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا، الحديث 8. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 9.

[ 221 ]

فقد استفيد من الاخبار اعتبار حضورهم واجتماعهم قبل الشهادة وكذا اعتبار تتابع شهاداتهم وعدم فصل فيها. والانصاف عدم استفادة الاول منها وانه لا دلالة لها على عدم قبول الشهادة إذا لم يكن الرابع مثلا حاضرا الا انه قد حضر بمجرد ان تمت شهادة الثالث وشهد بما شهد به الاولون ومن قبله. فهل ترى من نفسك ان في قصة قضاء الامام امير المؤمنين عليه السلام رواية السكوني لو كان الرابع يدخل مجلسه وبمجرد قوله عليه السلام: اين الرابع؟ يجيب: ها انا حاضر، فهل كان الامام يرد شهادته ولم يقبل منه؟ كلا. فتحصل انه قد استثنى من حجية الشهادة ما إذا ادوها بتراخ وانفصال كما إذا شهد بعضهم ولم يكن الباقي حاضرا وبعد مضي زمان دخل وشهد فان هذه الشهادة تكون مردودة. اربعة فروع في المقام ثم ان هنا فروعا تناسب المقام نتعرض لها تبعا لصاحب الجواهر وان لم يذكرها المحقق قدس سرهما. الفرع الاول لو شهد بعض وابى الآخر بعد الحضور لها حد الشاهد للقذف كما صرح به غير واحد نافيا للخلاف فيه. اقول: المفروض ان الشهود قد حضروا واجتمعوا لاقامة الشهادة وقد اديها بعضهم الا انه ابى من اداءها الآخرون فهنا لا خلاف في عدم ثبوت الحد على المشهود عليه لعدم ثبوت الزنا كما انه لا خلاف في عدم حد الناكل عن الشهادة، وانما الكلام في حد من اقامها وعدمه وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامه، واما الخاصة فذهبوا إلى وجوب الحد عليه للقذف ولا خلاف بينهم

[ 222 ]

في ذلك الا عن العلامة اعلى الله مقامه وادعى الشيخ الاجماع على ثبوت الحد، ونفى الآخرون الخلاف فيه. وقد استدل على ذلك بامور. احدها ما مر من ادعاء الاجماع وعدم الخلاف فيه. ثانيها صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا اكون اول الشهود الاربعة في الزنا اخشى ان ينكل بعضهم فاجلد (1). ثالثها فحوى الخبرين المذكورين آنفا خبر السكوني وخبر عباد البصري فانه إذا وجب حد ثلاثه شهدوا على رجل بالزنا مع عدم حضور الآخر فهم اولى بالحد إذا كان الرابع حاضرا وابى عن اقامة الشهادة لانه يأتي في الاول احتمال ان الرابع لم يستطع من الحضور والا فلو كان متمكنا منه لحضر، وادى الشهادة، والحاصل انه قد عرض له مانع عن الحضور، فاحتمال كذب الشهود هناك ضعيف، بخلاف الثاني حيث ان الرابع مثلا على حسب الفرض حاضر ومع ذلك فلا يشهد وهذا مما يقوى احتمال كذب مقيمي الشهادة فكأنه بابائه يكذبهم فيها. رابعها قصة المغيرة مع عدم انكار احد فيها، وقد تمسك بهذا، الشيخ قدس سره بعد ان تمسك باجماع الفرقة واخبارهم. قال في الخلاف: إذا حضر اربعة ليشهدوا بالزنا فشهد واحد أو ثلاثة ولم يشهد الرابع لم يثبت على المشهود عليه بالزنا لان الشهادة ما تكاملت بلا خلاف ومن لم يشهد لا شئ عليه ايضا بلا خلاف ومن شهد فعليه الحد، حد القذف وبه قال أبو حنيفة واصحابه والشافعي في احد قوليه في القديم والجديد وقال في الشهادات: لا يجب الحد وهى المشهورة بالقولين والاول اظهر في الآية والثانى اقيس. ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا ففيه اجماع الصحابة روى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من حد القذف الحديث 2.

[ 223 ]

ذلك عن علي وعمر، ولا مخالف لهما اما علي (عليه السلام) فروى ان اربعة اتوه ليشهدوا على رجل بالزنا فصرح ثلاثة وقال الرابع: رأيتهما تحت ثوب، فان كان ذلك زنا فهو ذلك، واما عمر فالقصة مشهورة وهو انه استخلف المغيرة بن شعبة على البصرة وكان نازلا في اسفل الدار، ونافع وابو بكرة وشبل بن معبد وزياد في علوها فهبت ريح ففتحت باب البيت ورفعت الستر فرأوا المغيرة بين رجلى امرأة فلما اصبحوا تقدم المغيرة ليصلى فقال له أبو بكرة: تنح عن مصلانا فبلغ ذلك عمر فكتب ان يرفعوا إليه وكتب إلى المغيرة: قد يحدث عنك بما ان كان صدقا فلو كنت مت من قبله لكان خيرا لك فاشخصوا إلى المدينة فشهد نافع وابو بكرة وشبل بن معبد فقال عمر: اودى المغيرة الاربعة، فجاء زياد ليشهد فقال عمر: هذا رجل لا يشهد الا بالحق انشاء الله فقال: اما بالزنا فلا اشهد ولكني رأيت امرا قبيحا فقال عمر: الله اكبر وجلد ثلاثة فلما جلد أبو بكرة فقال: اشهد ان المغيرة زنا فهم عمر بجلده فقال له علي عليه السلام: ان جلدته فارجم صاحبك يعنى المغيرة. فموضع الدلالة ان هذه قصة ظهرت واشتهرت ولم ينكر ذلك احد. واستدل من قال بعدم الحد على من شهد بامور. منها ما حكاه الشيخ قدس سره في الخلاف فانه بعد ما نقلناه من عبارته وكلامه قال: ومن قال: لا حد عليهم استدل بقول تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، فاخبر ان القاذف من إذا لم يأت باربعة شهداء حد، وهذا ليس منهم فانه لا يحد إذا اتى باقل منهم وهو إذا شهد معه ثلاثة فكل من خرج من قذفه باقل من اربعة شهود لم يكن قاذفا انتهى (1). ومنها ما تمسك به العلامة اعلى الله مقامه وقد مر انه قدس سره قائل بعدم الحد - فانه في المختلف عنون المسألة وذكر اولا كلام الشيخ في الخلاف المذكور آنفا ثم قال: وقال الشيخ في المبسوط: الذى يقتضيه مذهبنا ان


(1) انظر الخلاف كتاب الحدود المسألة 32.

[ 224 ]

عليهم الحد، وعلى ما يحكمون اصحابنا في قصة المغيرة، لا حد عليهم والشيخ نقل قصة المغيرة في الخلاف وجعله دليلا بعد استدلاله باجماع الفرقة. وقول الشيخ في المبسوط مشكل، وابن الجنيد قال: لو شهد ثلاثة وتأخر الرابع إلى تصرم مجلس الحكم أو قدر ساعة صاروا كلهم بمعنى القذفة. ثم تعرض لكلام من صاحب الشامل ونقل عنه انه قال: إذا لم يتم عدد الشهود كان شهد ثلاثة أو شهد واحد فهل يكون قذفة يجب عليهم القذف؟ فيه قولان احدهما وهو المنصوص المشهور انهم يحدون وبه قال مالك وابو حنيفة، والثانى انهم لا يحدون لانه اضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم فلم يجب عليه الحد كما لو شهد الاربعة ثم رجع واحد منهم، فلم يحد الباقين. قال قدس سره: وهذا القول عندي لا يخلو من قوة والا لادى ذلك إلى امتناع الشهود عن اقامتها لان تجويز ان يترك احدهم الشهادة يقتضى تجويز ايقاع الحد عليه فيمتنع من ادائها، ولان اصحابنا نصوا على انه لو شهد اربعة فردت شهادة واحد منهم بامر خفى لا يقف عليه الا الآحاد يقام على المردود الشهادة الحددون الثلاثة لانهم غير مفرطين في اقامتها فان احدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها فلهذا لا حد وما ذكرناه من الامور الباطنة (1). اقول: والانصاف ان ما اورده على القول بحد الشهود، وارد لا محيص عنه فان من احتمل نكول واحد من الشهود يحتمل لا محالة ان يحد هو بنفسه، ولا يقدم على اقامة الشهادة طبعا والحال هذه، وقل جدا من يقدم عليها ولا يبالى باجراء الحد عليه مع نكول بعض. ولا يمكن الذب عن هذا الاشكال بعدم الاقدام على الشهادة بدون العلم بتكميل الشهادة وعدم نكول بعض الشهود. وذلك لانه لو لم يكونوا يقولون بوجوب الحد على الشهود مع نكول البعض مطلقا حتى ولو حصل لهم العلم بعدم تخلف الباقين لكان ذلك حسنا


(1) مختلف الشيعة الصفحة 756.

[ 225 ]

واما مع حكمهم بوجوب الحد على الشهود مع نكول بعض منهم وان كانوا عالمين بذلك فلا. وعلى الجملة فهذه عويصة في الباب، فكيف يمكن الحكم بوجوب الحد على من اقام الشهادة مع اباء واحد منهم بعد ذلك، والحكم بوجوب اداء الشهادة وحرمة كتمانها وان من يكتمها فانه آثم قلبه (1)؟ ومعلوم ان الحكم بحد الشهود المطمئنين بعدم تخلف واحد منهم عن الاداء، اكبر ذريعة إلى عدم اقدام احد على الشهادة. فلو امكن الاعتراض على الشهود فيما إذا شهدوا مع عدم حضور الرابع بانه لماذا اقدمتم على الشهادة وقد رأيتم ان رابعكم لم يحضر، فلا يمكن هذا الاعتراض عليهم في المقام لان الشهود كلهم حاضرون، والمقدم على الشهادة كان مطمئنا باقدام الباقي عليها ايضا، والحاصل ان الحكم بحد الشهود هنا مخالف بظاهره للقواعد الشرعية الثابتة. وبعبارة اخرى ان الثلاثة الذين اقدموا على اقامة الشهادة مع حضور الرابع وتهيئه لذلك قد اقدموا عليها اقامة لامر الله واطاعة لواجبه تعالى و انقيادا لنهيه عن الاباء بقوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا (1) غاية الامر ان الرابع قد عصى وخان أو خاف من اداء الشهادة أو لم يقمها لاغراض دنيوية فما هو تقصيرهم حتى يحدوا؟ وكيف يرضى الفقيه ان يحكم بحد من اراد اطاعة ربه؟ وعلى هذا فالمتجه هو قول العلامة اعلى الله مقامه ولا مناص عن الذهاب إليه، وحمل الاخبار حتى صحيحة قيس المذكورة آنفا على ما إذا لم يكن هناك اطمينان بتمام الشهادة وقيام الباقي بها، والا فتنافى حكم العقل، فانهم إذا اقدموا على الشهادة اطمينانا بقيام الباقي ايضا فهم معذورون عقلا وكيف لا يكون العذر المقبول عند العقل مقبولا عند الشرع؟ نعم لو لم


(1) سورة البقرة الآية 283.

[ 226 ]

يكونوا مطمئنين بقيام الباقي فلا اشكال في الحكم بالحد لانهم مقصرون. اضف إلى ذلك كله انه ما الفرق بين المقام وبين من ترد شهادته بامر خفى حيث لم يحد الباقون هناك ويحكم بحد الباقين في المقام وكذلك أي فرق بين ما إذا رجع بعضهم عن شهادته حيث يحكموم بان لا حد عليهم، وبين المقام الذى حكموا فيه بوجوب الحد عليهم؟ وقد ظهر مما ذكرناه ان ما اورده صاحب الجواهر على العلامة بقوله: فما عن المختلف من عدم الحد لبعض الوجوه الاعتبارية التى لا تصلح معارضا للدليل الشرعي واضح الضعف انتهى ليس في محله وذلك لانه ليس وجها اعتباريا بل هو حكم العقل الصريح. الفرع الثاني ولو شهدوا وكانوا فساقا كلا أو بعضا حدوا، ذكره في الجواهر، ثم نقل عن الخلاف والمبسوط والسرائر والجامع والتحرير التفصيل بين ما إذا كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والفسق فيجب حد الجميع وما إذا كان لمعنى خفى فانه يحد مردود الشهادة دون الباقين لانهم غير مفرطين. قال الشيخ في الخلاف: إذا شهد الاربعة على رجل بالزنا فردت شهادة واحد منهم فان ردت بامر ظاهر لا يخفى على احد فانه يجب على الاربعة حد القاذف وان ردت بامر خفى لا يقف عليه الا آحادهم فانه يقام على المردود الشهادة الحد، والثلاثة لا يقام عليهم الحد.. دليلنا ان الاصل برائة الذمة ولا دليل على انه يجب على هولاء الحد وايضا فانهم غير مفرطين في اقامة الشهادة فان احدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها فلهذا لا حد ويفارق إذا كان الرد بامر ظاهر لان التفريط كان منهم فلهذا حدوا (1).. وقال في المبسوط: ان شهد الاربعة لكن ردت شهادة واحد منهم لم يخل من احد امرين اما ان يرد بامر ظاهر أو خفى فان ردت بامر ظاهر مثل ان كان


(1) الخلاف كتاب الحدود المسألة 33.

[ 227 ]

مملوكا أو امرأة أو كافرا أو ظاهر الفسق فان حكم المردود شهادته قال قوم: يجب عليه الحد وقال آخرون: لا يجب وكذك اختلفوا في الثلاثة إذ لا فصل بين ان لا يشهد الرابع وبين ان ترد شهادته بامر ظاهر لا يخفى على الثلاثة والاقوى عندي ان عليهم الحد وان كان الرد بامر خفى قبل ان يبحث الحاكم عن حاله فوقف على باطن يرد به الشهادة فالمردود الشهادة قال قوم: لا حد عليه وهو الاقوى والثلاثة قال قوم لا حد عليهم ايضا وهو الاقوى عندي وفيهم من قال: عليهم الحد، لان نقصان العدالة كنقصان العدد والاول اقوى لانهم غير مفرطين في اقامتها فان احدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها فلهذا لا حد ويفارق هذا إذا كان الرد بامر ظاهر لان التفريط كان منهم فلهذا حدوا عنه من قال بذلك على ما اخترناه فبان الفصل بينهما (1). وانت ترى ان بين مختاره في الخلاف ومختاره في المبسوط فرقا فانه في الاول اختار ان مردود الشهادة في الامر الخفى يحد دون الثلاثة الاخر فانهم لا يحدون بخلاف المبسوط فان مختاره فيه ان مردود الشهادة ايضا لا يحد كما ان الثلاثة لا يحدون فليس مختاره في الكتابين واحدا على ما هو الظاهر من عبارة الجواهر. ويرد على مختاره في المبسوط انه وان كان غير المردود ليس مفرطا بلا اشكال فيه واما المردود فانه مفرط فلم لا يحد هو والحال انه قد فرط وقصر لانه قد اقدم على الشهادة مع العلم بانه لا يجوز للفاسق ذلك؟ اللهم الا ان يكون نظر الشيخ ايضا إلى ما إذا لم يكن مردود الشهادة مقصرا بان لا يرى عمله الذى يأتي به فسقا موضوعا أو حكما. لكن يرد عليه انه على ذلك فهو ليس بفاسق لعدم تقصيره. لا يقال: لعل المراد هو ما إذا اقدم على الشهادة زاعما جواز الاقدام عليها مع علمه بفسقه في الخفاء (2).


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 9. (2) اورده هذا العبد وقد تفضل بالجواب عنه بما في المتن.

[ 228 ]

لانه يقال: فعلى هذا كان اللازم التفصيل في الحكم بعدم تقصيره والحال انه قد اطلق في ذلك. ومما ذكرناه يعلم ما في الخلاف من اطلاق حد المردود إذا كان الرد بامر ظاهر، فانه لو لم يعلم بان شهادته مردودة فليس بمفرط. الفرع الثالث لو شهدوا وكانوا مستورين أي مجهولي الحال كلا أو بعضا فلا شك في عدم الحد على المشهود عليه لان اثبات الحد موقوف على شهادة العدول وهى مشكوكة في المقام لانه من قبيل الشبهة المصداقية للعادل واما الشهود ففى القواعد: لا حد للشبهة. بيان ذلك انه ربما كانوا في الواقع عدولا وربما كانوا فساقا فان من لم تثبت عدالته ولا فسقه يجرى في حقه الاحتما لان فيشك في استحقاقه الحد وفى جواز ذلك عليه، والحدود تدرء بالشبهات. واورد عليه في الجواهر بخبر ابى بصير عن الصادق عليه السلام في اربعة شهدوا على رجل بالزناء فلم يعدلوا قال: يضربون الحد (1). اقول: لو كان المراد من عدم تعديلهم مجرد عدم شهود يعدلهم مع جهل الحال واحتمال كونهم عادلين أو فاسقين فكلام العلامة لا يلائم الرواية ويرد بها عليه، واما لو كان المراد من انهم ليسوا عادلين كون هذا التعبير رمزا إلى فسقهم فلا منافاة اصلا لانه لا شك في اجراء الحدعلى الشهود الفاسقين في المقام ولذا قال بعد اشكاله عليه بهذا الخبر: ويمكن حمله على ظهور الفسق انتهى. ثم ان هولاء الشهود تارة قد اقدموا على الشهادة علما منهم بعدم قبول شهادتهم وعدم اثر لها في اثبات المشهود به حيث انهم يعلمون انهم لا يعدلون فحينئذ يصح ان يحدوا وذلك لتفريطهم والحال هذه.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد القذف الحديث 4.

[ 229 ]

واما إذا كانوا يرون انفسهم عادلين وزعموا ان الناس ايضا يعتقدون فيهم العدالة ويرونهم متصفين بها فاقدموا على ذلك فمقتضى القاعدة عدم حد عليهم لكونهم غير مفرطين. نعم هنا بحث وهو انه إذا كان الشاهد يرى نفسه فاسقا ويراه الناس عادلا فهل يجب عليه اقامة الشهادة احقاقا للحق ام لا؟ الظاهر هو الوجوب، ولا يضر عدم عدالته، ولا يجب عليه اعلان غيره بفسقه كما انه لا يجب على من يرى نفسه فاسقا ان يعلن المؤتمين به بفسقه، وتصح صلاة من اقتدى بامام يراه عادلا وان انكشف بعد ذلك كونه فاسقا بل وكافرا وعلى الجملة فالظاهر انه يكفى للحاكم، المصحح الفعلى في حكمه وان لم يكن بحسب الواقع محققا وليس مثل باب الطلاق الذى لو بان فسق الشاهدين يكشف بطلان الطلاق، كما سيتضح ذلك من بعض الفروع القادمة. " الفرع الرابع " لو رجعوا عن الشهادة كلا أو بعضا قبل الحكم فعليهم اجمع (1) الحد الا ان يعفو المقذوف وذلك لانهم قد قذفوا فيجب حدهم ولا يثبت الزنا حتى يحد المشهود عليه لعدم تحقق الشهادة المعتبرة، ورجوع الشاهد عما شهد به اولا يوجب ان لا يبقى اطمينان بما قاله اولا فلم يبق لقوله كشف عن الواقع ويزول الاطمينان بخبره فالشهادة مع الرجوع عنها مساوقة لعدم الشهادة والحاصل ان الاختلال في الشهادة يوجب ان لا يثبت الزنا. نعم هنا كلام بالنسبة إلى الشهود وهو انه لو قال الراجع: انى قد كذبت في الشهادة فهو يحد بلا كلام لاقراره بنسبة الزنا إلى الغير عمدا وكذبا، واما لو ادعى الخطأ في ذلك كما إذا راى عمروا فزعم انه زيد الذى رآه وعاينه وهو يزنى، وشهد بان هذا قد زنى ثم ظهر له ان الزانى كان غيره فلا وجه هنا لحده اصلا لانه قد اخطأ وقد رفع عن الامة خطأ، هذا كله فيما إذا رجعوا قبل


(1) اقول: يرد هنا ما اورده دام ظله من قبل ذلك.

[ 230 ]

الحكم. واما إذا رجعوا بعد الحكم ففى الجواهر انه يختص الراجع بالحد اخذا باقراره. وفيه انه لا يصح ذلك على اطلاقه لانه لو كان ذلك خطأ فلا وجه لحده لان المخطئ ليس بمفرط وقد مر مرارا ان ميزان الحد كونه مفرطا ولا عقوبة على المخطئ مطلقا دنيوية أو اخروية. واما ثبوت الدية في القتل خطأ فهو جبران وتدارك لدم المسلم وليس هو من باب العقوبة، فلابد من التقييد بما إذا كان قد تعمد في الشهادة كذبا. هذا. لكن قال الشيخ فالخلاف إذا شهد اربعة ثم رجع واحد منهم فلا حد على المشهود عليه بلا خلاف وعلى الراجع الحد ايضا بلا خلاف واما الثلاثة فلا حد عليهم، وللشافعي فيه قولان، المنصوص عليه مثل ما قلناه. وقال بعض اصحابه هذا ايضا على قولين. وقال أبو حنيفة: عليهم الحد. دليلنا قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء. وهذا اتى باربعة شهداء ورجوع واحد منهم لا يؤثر فيما ثبت. وايضا الاصل برائة الذمة. فمن اوجب عليهم الحد فعليه الدلالة (1). اقول: يمكن ان يقال: لماذا لا يجب الحد على المشهود عليه إذا كان رجوع واحد منهم بعد الحكم، بعد ان حكم قدس سره بان الثلاثة لا حد عليهم؟ وقوله: ورجوع واحد منهم لا يؤثر فيما ثبت، لا يخلو عن شئ لانه إذا كان المطلب ثابتا بحيث ان رجوع واحد منهم لا يؤثر فيه فلماذا لا يحد المشهود عليه (2)؟


(1) الخلاف الجلذ 3 كتاب الحدود المسألة 34. (2) يمكن ان يقال: ان المقام نظير ما تقدم في مسألة شهادة البعض بالطوع وبعض آخر بالمطاوعة حيث قال العلامة هناك بانه يثبت الزنا بحسب الشهادة الا ان الشبهة تمنع عن اجراء الحد وقد ذكرت ذلك في مجلس الدرس لكن سيدنا الاستاد كان يرى هناك ايضا التنافي بين الثبوت وبين الشبهة.

[ 231 ]

كما انه يرد عليه في الحكم بوجوب الحد على الراجع، بان هذا باطلاقه لا يتم فانه ربما لا يكون مقصرا في رجوعه. ثم انه قد يقال بان حد القذف حق للغير ومن حقوق الناس جعله الشارع على القاذف للمتهم جبرانا لما اتلف القاذف منه من شرفه وجاهه ومروئته فهو نظير مال الغير الذى من اتلفه يكون ضامنا بلا تفرق بين المفرط وغيره والمتعمد والمخطى وكما يجب على المتلف تدارك ما اتلفه المتلف وان كان ذلك عن غير تعمد كذلك يجب الحد على القاذف إذا طالبه المقذوف بذلك وان كان ذلك عن غير تقصير وتفريط. وعلى هذا فكيف يقال بانه لا حد على الشهود لانهم غير مفرطين، كما ذكر في المقام وكما عن الشيخ في الخلاف والمبسوط بالنسبة إلى الشهود فيما ردت شهادة احدهم لمعنى خفى، وعنه في المبسوط بالنسبة إلى مردود الشهادة ايضا وكما عن العلامة في المختلف بالنسبة إلى الشهود لذا شهد ثلاثة من الاربعة وابى الرابع، على ما تقدم، إلى غير ذلك من الفروع والمسائل. وفيه الفرق بين حد القذف وباب الضمانات والحقوق المالية فان الضمانات من قبيل التدارك للمال الذى اتلفه المتلف ولذا لا فرق فيه بين ما إذا تعمد في الاتلاف أو اخطأ أو انه اتلف في النوم فالمال يقابل بالمال ويتدارك به وهذا بخلاف الحد فانه ليس من الحقوق المالية يبدل بازائها المال حتى يكون على المتلف بل هو عقوبة من الله تعالى على القاذف نظير عقاب الزنا لكنه بعدله وحكمته جعلها بيد المقذوف وموكولة بارادته تداركا لما وقع عليه من الهتك نقصان الوجاهة والاحترام لقذفه بين الناس. فقرر سبحانه على الذى هتك عرض المسلم بالقذف ان يهتك عرضه باجراء الحد عليه وجعل امره بيده فله الاستيفاء والعفو بمقتضى كونه من حقوق الناس، والعقوبة فروع التعمد فلا عقوبة مع عدم التفريط. واما عدم تصريحهم في المقام بان حد القذف منوط بمطالبة المقذوف فأمره سهل لان ذلك موكول إلى محله.

[ 232 ]

البحث في الشهادة بالزنا المتقادم قال المحقق قدس سره: ولا يقدح تقادم الزنا في الشهادة، وفى بعض الاخبار: ان زاد عن ستة اشهر لم يسمع وهو مطرح. اقول: لا فرق في اثبات الزنا باربعة شهود واجراء الحد على المشهود عليه بين ان يشهدوا بوقوع الزنا حديثا أو فيما سبق من الازمان فلو شهدوا بان فلانا قد زنى قبل سنتين مثلا فانه يثبت ايضا ولا يقدح في ذلك مضى زمان عليه. نعم نقل المحقق ان في بعض الاخبار انه ان زاد عن ستة اشهر لم يسمع، لكن لم يذكر هو ولا غيره هذه الرواية ولا اين هي؟ والحاصل انا لم نجدها في الروايات، وقد حكم هو كغيره بانها مطرحة (1) وذلك لموافقتها


(1) فافتوا بعدم الفرق بين الحديث منه والمتقادم. قال الشيخ في المبسوط الجلد 8 الصفحة 13 إذا شهد اربعة بالزنا قبلت شهادتهم سواء تقادم الزنا أو لم يتقادم وفيه خلاف، وروى في بعض اخبارنا انهم ان شهدوا بعد ستة اشهر لم يسمع وان كان لاقل قبلت. انتهى. وقال في مسائل خلافه الجلد 3 كتاب الحدود المسألة 45 إذا شهد اربعة بالزنا قبلت شهادتهم سواء تقادم الزنا أو لم يتقادم وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة واصحابه: إذا شهدوا بزنا قديم لم تقبل شهادتهم وقال أبو يوسف: جهدنا بابي حنيفة ان يوقت في التقادم شيئا فابى. وحكى الحسن بن زياد ومحمد عن ابي حنيفة انهم إذا شهدوا بعد سنة لم تجز وقال أبو يوسف ومحمد: إذا شهدوا بعد شهرين من حين المعاينة لما يجز وفي الكملة إذا لم يقيموها عقيب تحملها لم تقبل. دليلنا قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة وايضا قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة. ولم يفرق بين الفور والتراخي دل على انهم إذا اتوا بالشهود لم يجب عليهم الحد وإذا لم يجب عليهم الحد وجب الحد بشهادتهم لان احدا لا يفرق. انتهى. وقال العلامة في القواعد: ولا يقدح تقادم الزنا في الشهادة انتهى. وقال في كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 225: عند شرح العبارة المذكورة: ما لم يظهر توبته، للاصل والعمومات خلافا لابي حنيفة، وفي المبسوط: وروى في بعض اخبارنا انهم ان شهدوا بعد سنة اشهر لم يسمع وان كان لاقل قبلت انتهى. وفي اللمعة والروضة: ولا يقدح تقادم الزنا المشهود به في صحة الشهادة للاصل، وما روى في

[ 233 ]

لمذهب بعض العامة، أو انها تحمل على ما لو ظهر منه التوبة كما تدل على ذلك أو تومى إليه مرسلة جميل، فعن ابن ابى عمير عن جميل بن دراج عن رجل عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح فقال: إذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد. قال محمد بن ابى عمير: قلت: فان كان امرا قريبا لم يقم؟ قال: لو كان خمسة اشهر أو اقل وقد ظهر منه امر جميل لم تقم عليه الحدود (1). قال العلامة المجلسي قدس سره: قوله: لو كان خمسة اشهر، لعله على سبيل المثال، ولم ار قائلا بالتفصيل سوى ما يظهر من المصنف انتهى (2). ثم ان الشهيد الثاني استدل في اثبات عدم قدح التقادم باصالة البقاء وقال بشرح عبارة المحقق: إذا ثبت موجب الحد لم يسقط بتقادم عهده لاصالة البقاء الخ. ولكن صاحب الجواهر عند شرح كلام المحقق تمسك باطلاق الادلة، ولعلك تقول: ما وجه ان الاول تمسك بالاصل دون الاطلاق والثانى بالعكس تعلق بالاطلاق دون الاصل؟ ونحن نقول: الحق ان كلا منهما صحيح لان كل واحد منهما دليل في مورده فان التمسك بالاطلاق يكون في قبال من ادعى انصراف الادلة إلى الزناء القريب المشهود عليه دون البعيد كالشهادة بزناه بمدة كثيرة مثل عشر سنين قبل ذلك، فيقال في دفعه بان الادلة مطلقة وتشمل كل فرد من افراد الزنا في أي


= بعض الاخبار من انه متى زاد عن ستة اشهر لا يسمع، شاذ. راجع الجلد 2 الصفحة 331. وقال العلامة في التحرير الصفحة 221: ولا يقدح تقادم الزنا في الشهادة فلو شهدوا بزنا قديم وجب الحد وكذا الاقرار بالقديم يوجب الحد. وقال في الارشاد: ولو شهدوا بزنا قديم سمعت انتهى. واستدل له الاردبيلي قدس سره في الشرح بعموم الادلة وعدم مخصص بزمان قريب. (1) الكافي الجلد 7 الصفحة 250 والتهذيب الجلد 10 الصفحة 122 ورواها في الوسائل الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود، الحديث 3 لكن فيها: فان كان امرءا غريبا لم تقم. (2) مرآت العقول الجلد 23 الصفحة 389.

[ 234 ]

زمان قد وقع، والحاصل ان اطلاق الادلة لا تفرق بين الموارد ولا انصراف في البين. واما اصالة البقاء فهى متعلقة بما إذا شك في سقوط الحد بمرور الزمان ومضيه سواء كان بالشك الحكمى كما تقدم أو بالشك الموضوعي بان احتمل انه قد تاب عن فعله فلا مورد لاجراء الحد عليه، فحينئذ يوخذ باستصحاب بقاء الحد وهذا الاستصحاب تعليقي. بيانه ان في مورد الزانى كان حكم تعليقي وهو انه لو اقيم عليه البينة أي الاربعة شهود لحد، لكن حيث انه قد تقادم عهده يحتمل انه قد سقط حده شرعا بذلك فيستصحب هذا الحكم ويقال الآن ايضا: هذا لو قيمت عليه اربعة شهود لحد، وكذا لو احتملنا انه تاب في خلال هذه المدة فارتفع عنه الحد فانه يقال: هذا كان بحيث لو اقيمت عليه اربعة شهود يحد فالآن ايضا كذلك وعلى الجملة فالزنا بنفسه بدون قيام اربعة شهود مثلا لا يوجب الحد فالحكم إذا تعلق بموضوع فما دام لم يدل دليل على ارتفاعه يحكم ببقائه ومجرد سبق الزمان وتقادم العهد لا يقدح في الشهادة فتقبل وان كان قد مضى على الفعل زمان طويل (1).


(1) اقول: ويناسب هنا نقل كلام العامة ايضا، قال في الفقه على المذاهب الاربعة الجلد 5 الصفحة 72: واذ اشهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم من اقامته بعدهم من الامام الحاكم. اختلف فيه الفقهاء، الحنفية قالوا: انه لا تقبل شهادتهم في هذه الحالة لوجود شبهة التقادم في اداء الشهادة لان الاصل عندهم ان الحدود الخالصة لله تعالى تبطل بالتقادم، لان الشاهد مخير بين حسبتين احداهما اداء الشهادة، وثانيتهما الستر على المسلم فالتأخير في اداء الشهادة لاختيار الستر فالاقدام على الاداء بعد ذلك لوجود ضغينة هيجتهم أو لعداوة حركتهم بعد السكوت، فيتهمون في شهادتهم الا إذا وجد عذر لهم، اما إذا كان التأخير لغير سبب يصير الشاهد فاسقا، فنرد شهادته لتيقننا بالمانع، المالكية والشافعية والحنابلة قالوا ان الشهادة في الزنا وفي القذف وشرب الخمر تسمع بعد مضي زمان طويل من الواقعة وذلك لان الحد بعد الشهادة اصبح حقا ولم يثبت لنا ما يبطله وقد يكون عندهم عذر منعهم من اداء الشهادة في وقت وقوع الفاحشة بان الفتنة قائمة لم تخمد إلى ذلك الوقت الذي يقام الحد فيه فيعذرون في تأخيرهم انتهى.

[ 235 ]

عدم اعتبار كون المشهود به واحدا قال المحقق: وتقبل شهادة الاربع على الاثنين فما زاد. اقول: لا يشترط في قبول شهادة الاربع ان تكون شهادتهم على مورد واحد وبعبارة اخرى لا يعتبر فيه كون المشهود عليه واحدا بل هي مقبولة وان كانت على اثنين أو ازيد. واستدل على ذلك اولا باطلاقات ادلة الشهادة فانها شاملة لكلا الموردين وثانيا بخصوص خبر عبد الله بن جذاعة قال: سألته عن اربعة نفر شهدوا على رجلين وامرأتين بالزنا قال: يرجمون (1). ثم لو شك في اشترط ذلك فالاصل عدمه فمجرد عدم الدليل كاف في الحكم بالجواز كما لا يخفى. حول تفريق الشهود قال المحقق: ومن الاحتياط تفريق الشهود في الاقامة بعد الاجتماع وليس بلازم. والظاهر ان هذا الاحتياط جار بالنسبة إلى حكم الحاكم ومتعلق به وذلك لانه مع الاجتماع في اداء الشهادة بحيث يسمع بعضهم كلام بعض وشهادة الباقي، يحتمل كثيرا ان يشهد الاول كذبا وعلى خلاف الواقع ثم يقفو اثره الباقون ويتبعونه في الكذب وابداء ما هو خلاف الواقع بخلاف ما إذا فرق بينهم واستشهد من الاول في غياب الباقين ثم يحضر الثاني ويستشهد منه وهكذا فان الثاني مثلا حيث لم يسمع شهادة الاول يزعم انه قد اتى بما هو الواقع والحق، فهو ايضا يصدق في شهادته ويبدى ما هو الحق والواقع نوعا خصوصا إذا كان ذلك بصورة قضاء الامام امير المؤمنين عليه السلام حيث انه


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من ابواب حد الزنا الحديث 7.

[ 236 ]

فرق بين الشهود ولما شهد الاول قال عليه السلام: الله اكبر (1) فان باقى الشهود إذا سمعوا التكبير مثلا يزعمون جدا ان الاول شهد بصدق القضية، وعلى الجملة فاداء الشهادة في هذه الظروف والاحوال ابعد عن الكذب والتهمة وعن ان يتلقى بعضهم من بعض واقرب إلى الصدق والحقيقة من ان يشهد الشهود متكافتين جنبا بجنب. ولذا قال صاحب الجواهر عقيب قول المحقق، بعد الاجتماع: جميعا في المجلس فيفرقوا ويستنطق كل واحد منهم بعد واحد استظهارا في الحدود المبنية على التخفيف وتدرأ بالشبهة، وعقيب قوله: وليس بلازم قال: للاصل واطلاق الادلة. والمقصود انه يدقق النظر في الامر كى لا يقع في اجراء حد الزنا على من لم يكن بحسب الواقع زانيا ولو فرق بين الشهود لبان ما كان، واتضح نوعا الواقع والحقيقة، وان شهادتهم كانت صدقا وعدلا أو توطئة وخيانة. اقول: الظاهر انه لا احتياط في المقام وذلك لانه كما ان في عدم تفريقهم خوف الوقوع في اجراء حد الزنا على غير الزانى كذلك في تفريقهم خوف اجراء الحد على الشهود لانه ربما يتفاوت ويختلف شهاداتهم ويوجب ذلك حد القذف بالنسبة إلى اربعة اشخاص، واى احتياط في عدم الوقوع في جلد احد مع الوقوع في جلد اربعة اشخاص؟ فالامر دائر بين المحذورين (2). هذا مضافا إلى انه لو كان المورد من موارد الاحتياط لكان يلزم هذا الاحتياط لانه من قبل الاحتياط في الدماء والاعراض والحال انه قدس سره قال: وليس بلازم، فهذا يكشف عن عدم كون المورد من موارد الاحتياط.


(1) بحار الانوار طبع بيروت جلد 40 الصفحة 260. (2) اقول: ان الامر في الحقيقة مردد بين الحد للقذف الذي هو الجلد قطعا لا غير وهو ثمانون جلدة وبين حد الزنا الذي قد يكون ماة جلدة وقد يكون الرجم أو الجلد والرجم وقد يكون هو القتل وما افاده دام ظله لو كان تاما في الفرض الاول فانه لا يتم في الفروض الاخيرة حيث ان حد الزاني فيها اشد واعظم، والجلد - وان كان بالنسبة إلى الاربعة - لا يقاوم القتل أو الرجم.

[ 237 ]

وحينئذ لم يبق شئ سوى فعل المعصوم وصدوره عن الامام عليه السلام وهو يدل على جواز ذلك لا محالة وان لم يكن الفعل دليلا على الوجوب. ثم قال في الجواهر: ولذا كان المستحب للشهود ترك اقامتها سترا على المؤمن الا إذا اقتضى ذلك فسادا. اقول: لو تعلق هذه الجملة بقوله من قبل: " وليس بلازم للاصل والاطلاقات " كما هو مقتضى ظاهر الكلام وقربها منه وعدم الفاصلة بين الجملتين فلا يلتئم الكلام اصلا لعدم ربط بين الكلامين كى يعلل احدهما بالآخر ويترتب احدهما على الآخر، فلم يبق الا ان تتعلق هذه الجملة بما سبق من ان الاحتياط يقتضى تفريق الشهود في الاداء حتى يستنطق كل واحد منهم بعد واحد وفى غياب منه فيستظهر في الحدود ويتضح الامر جدا ويعلم انه لم يكن هناك تواطى وتوطئة، وعلى هذا فكأنه قيل: ينبغى الاستظهار حتى لا يقع حد الزنا بسهولة وسرعة بل تختلف الشهادات ببركة التفريق فلا يقع هذا الحد ولذا يستحب ترك اقامة الشهادة ايضا. وبتعبير آخر: فكما انه يستحب ترك اقامة الشهادة للستر على المؤمن كذلك ينبغى تفريق الشهود كى لا يفتضح المؤمن ولا يجرى عليه حد الزنا، لاحتمال انتهائه إلى اختلافهم في الشهادة وعدم ثبوت حد الزنا. لكن لا يخفى ان نفس هذا الكلام " أي استحباب ترك الاقامة " محل التأمل والاشكال وذلك لان اقامة الشهادة واجبة من باب اقامة الدين واحياء معالم الشريعة والنهى عن المنكر، فلا يجوز تركها إذا لم يترتب عليها فساد، لانها اما واجبة عينا إذا انحصر من يقوم بالشهادة بهذه الشهود أو كفائيا إذا كان هناك من يقوم بها وعلى أي حال فلا يصح الحكم باستحباب تركها. ان قلت أو ليس قوله رحمه الله: الا إذا اقتضى ذلك فسادا، جوابا عن هذا الاشكال؟ فانه قال باستحباب ذلك بشرط عدم لزوم فساد والا فهى واجبة (1).


(1) اورده هذا العبد واجاب دام ظله بما قررناه.

[ 238 ]

نقول: ان المراد من هذا الفساد هو الفساد بوقوع الفتنة واثارة الاختلافات وبروزها واراقة الدماء وما اشبه ذلك لا ما يقع فيه الانسان من ترك الوظيفة وتبعات ترك الواجب معنى وعند الله سبحانه. ولعل كلامه يحمل على ما إذا لم تكن اقامة الشهادة واجبة عليه وذلك لاقامة الآخرين، فإذا كان قد حضر شهود لاداء الشهادة فلا داعى هناك له إلى الشهادة وكشف سر المؤمن وايضاح قبائحه (1). بحث عن الاقرار بمناسبة المقام ثم لا يخفى ان هنا امرا اعظم من استحباب ترك اقامة الشهادة الذى ذكره وهو انه يستحب للمؤمن الذى اقترف المعصية ان يستر ما فعله واتى به من المعصية ولا يكشف عن ذلك باقراره انه قد عصى الله، وكما ان التجاهر بالمعصية اشد اثما واعظم ذنبا من مجرد الاتيان بها وذلك لمزيد هتك العبد بذلك بالنسبة إلى ساحة المولى الجليل سبحانه وتعالى، كذلك ذكر اتيانه بالمعصية ايضا يزداد اثما للعلة نفسها وحينئذ لو كان اظهار ذلك وذكره لاجل اقامة الحد عليه فلا حرمة والا فهو حرام، وعند ما كان لاجراء الحد فالاحسن ترك ذكره، والالتجاء إلى التوبة بينه وبين الله تعالى، كيلا يفتضح بين الناس. والمستفاد من اخبار كثيرة هو ان لتطهيره طريقين احدهما التوبة في الخفاء وفيما بينه وبين الله تعالى، ثانيهما اقراره عند الامام أو نائبه حتى يحد، والثانى اولى من الاول. ويدل على ذلك ما ورد في قصة ماعز المذكورة سابقا حيث كان النبي صلى الله عليه وآله يلقنه المعاذير كى لا يقر بالمعصية، وقوله صلوات الله عليه: لو سترته بثوبك كان خيرا لك، وما رواه في الوسائل في


(1) اقول: وقال المحقق في كتاب القضاء: لا بأس بتفريق الشهود ويستحب في من لا قوة عنده، وقال ايضا: ويكره للحاكم ان يعنت الشهود إذا كانوا من ذوى البصائر والاديان القوية مثل ان يفرق بينهم لان في ذلك غضاضة لهم ويستحب ذلك في موضع الريبة.

[ 239 ]

قصة رجل كان قد اقر عند النبي اربع مرات وفر من الحفيرة عندما احس الم الحجارة لكن الناس ادركوه وقتلوه حيث قال النبي صلى الله عليه وآله: هلا تركتموه، ثم قال: لو استتر ثم تاب كان خيرا له (1). وفى مرفوعة احمد بن محمد بن خالد عن امير المؤمنين عليه السلام في حديث الزانى الذى اقر اربع مرات، انه قال عليه السلام لقنبر: احتفظ به ثم غضب وقال: ما اقبح بالرجل منكم ان يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا افلا تاب في بيته؟ فو الله لتوبته فيما بينه وبين الله افضل من اقامتي عليه الحد (2). انظر إلى اهمية المطلب ترى التصريح بان توبته فيما بينه وبين الله افضل من اقامتي الخ فنسب اقامة الحد إلى نفسه، فالتوبة افضل من اجراء الحد عليه بمباشرة الامام امير المؤمنين بمقتضى هذه الرواية الشريفة. وفى رواية الاصبغ بن نباته في رجل اتى امير المؤمنين عليه السلام وقال: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني فاعرض عنه بوجهه ثم قال له: اجلس. فقال: ايعجز احدكم إذا قارف هذه السيئة ان يستر على نفسه كما ستر الله عليه فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين انى زنيت فطهرني فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة، قال: واى طهارة افضل من التوبة (3). وعلى الجملة فهذه الروايات واشباهها تدل جدا على افضلية التوبة سرا من الاقرار بالمعصية والتمكين للحد وترغب إلى الستر وعدم اظهار المعصية. الشهادة بالزنا شهادة الحسبة ثم لا يخفى ان حد الزنا حيث كان من حقوق الله تعالى فلذا يجوز ان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من حد الزنا الحديث 2. () 3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود الحديث 6.

[ 240 ]

يقدم الشاهد على الشهادة به من دون ان يطالب منه ذلك، فتكون الشهادة به شهادة الحسبة التى لا حاجة فيها إلى مدع يدعى هذا المطلب بل قد يجب فيما يتوقف تركه بذلك. والمراد من الحسبة هو الامور التى لابد من اقامتها وحفظها والاهتمام بامرها، والشارع لا يرضى بتركها واهمالها، فيجب على كل من قدر على ذلك من المكلفين اقامة ذلك نهيا عن المنكر، وما مر من استحباب تركها، لعله فيما كان بقدر الكفاية موجودا. تصديق المشهود عليه أو تكذيبه قال المحقق: ولا تسقط الشهادة بتصديق المشهود عليه ولا بتكذيبه. اقول: مذهب الاصحاب انه لا اثر لتصديق المشهود عليه كما لا اثر لتكذيبه سواء كان مرة أو مرات. واما العامة فاختلفوا في الفرض الاول أي تصديق المشهود عليه، فذهب ابو حنيفة إلى انه لو صدقهم لخرج عن باب الشهادة ودخل تحت باب الاقرار ويترتب عليه احكامه بناء على انه يحتاج إلى الشاهد لغير المقر واما المقر فلا، وعليه فلو اقر مرة أو مرتين أو ثلاث مرات فلا اثر له واما إذا اقر اربع مرات فانه يحد حد الزنا. قال الشيخ في الخلاف: إذا شهد عليه اربع شهود بالزنا فكذبهم اقيم عليه الحد بلا خلاف وان صدقهم اقيم عليه الحد وبه قال الشافعي، وقال ابو حنيفة: لا يقام عليه الحد لانه يسقط حكم الشهادة مع الاعتراف، وبالاعتراف دفعة واحدة لا يقام عليه الحد. دليلنا عموم الاخبار التى وردت في وجوب اقامة الحد إذا قامت عليه البينة ولم يفصلوا. اقول: وما ذكره المخالف انما يتم على مذهبه وممشاه من التمسك بالاستحسانات العقلية والاعتبارات الذهنية فانه يقول: يؤخذ بشهادة الشهود إذا كان المجرم أو المتهم منكرا واما إذا كان هو بنفسه يقر بالمعصية فهناك لا مورد

[ 241 ]

للبينة وحينئذ يجرى عليه احكام الاقرار مرة أو مرات، واما على مذهب العدلية فمقتضى الادلة هو وجوب الحد ولو كان ما ذكره تاما فيما إذا اقر اربع مرات فانه لا يتم فيما لم يتم الاربع بل هناك يؤخذ بقول الشهود وشهادتهم. نعم لا تسقط بتكذيبه حتى على قول ابى حنيفة. حكم التوبة قبل قيام البينة وبعده قال المحقق: ومن تاب قبل قيام البينة سقط عند الحد ولو تاب بعد قيامها لم يسقط حدا كان أو رجما. وفى كشف اللثام الاتفاق على السقوط فيما تاب قبل قيام البينة، للشبهة، وفى الرياض بعد قول المصنف: ويسقط لو كانت قبلها رجما كان أو غيره: بلا خلاف اجده وبه صرح بعض الطائفة، وبالوفاق بعض الاجلة وهو الحجة انتهى وفى الجواهر بعد الفرض الاول: بلا خلاف اجده. وقد استدل على ذلك بامور احدها ما مر من الكشف فقد علل السقوط بقوله: للشبهة. والمقصود الشك في وجوب الحد وعدم ثبوت ذلك لانه مع عدم قيام البينة لا يثبت الحد لا انه ثابت ويسقط بالشبهة وانما يثبت إذا قامت البينة فلو قامت البينة وثبت الزنا قبل التوبة وجب الحد واما إذا قامت بعد التوبة فنشك في وجوبه فيستصحب عدمه وهذا بخلاف ما إذا قامت البينة وثبت الزنا فانه يشك في سقوط ما وجب والاصل عدمه فان مقتضى الاستصحاب بقاء ما ثبت فالشبهة محققة في التوبة قبل الثبوت وبعد الثبوت لكن الاصل فيهما مختلفان وتحصل ان الشبهة في مورد التوبة قبل البينة ترجع إلى عدم ثبوت الحد من رأس وإذا قامت البينة يشك في سقوطه والاصل عدمه. ثانيها الاولوية فإذا كان التائب من الذنب كمن لا ذنب له فلا عقوبة عليه في الاخرة كما هو مقتضى الايات والروايات الكثيرة الواردة في التوبة فالعقاب الدنيوي اولى بالسقوط وقد تمسك بها الشهيد الثاني قدس سره في

[ 242 ]

المسالك قائلا: اما سقوطه بتوبته قبل قيام البينة فلان التوبة تسقط الذنب وعقوبة الاخرة فعقوبة الدنيا اولى انتهى وكذا صاحب الرياض حيث قال: ولسقوط عقوبة الاخرة بالتوبة فالدنيا اولى. وفيه ان الاولوية لو كانت تنهض دليلا للسقوط فلم لا تدل على السقوط في التوبة بعد الثبوت فانه لا فرق فيها بين قبل الثبوت وبعده مع انهم فرقوا بينهما ولا يقولون بسقوط الحد لو تاب بعد البينة. ثالثها الاخبار الواردة في المقامين المتعين التمسك بها. ففى مرسل جميل بن دراج عن رجل عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح؟ فقال: إذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد، قال ابن ابى عمير: قلت: فان كان امرا قريبا لم يقم؟ قال: لو كان خمسة اشهر أو اقل منه وقد ظهر امر جميل لم يقم عليه الحدود (1). قال العلامة المجلسي: مرسل كالصحيح بسنديه ويدل على انه يسقط الحد بالتوبة قبل ثبوته وهو موضع وفاق (2). اقول: لا شك في ارسال الخبر الا ان المرسل هو جميل، ومراسيل جميل في حكم المسانيد. هذا مضافا إلى انه معمول به فلم نعثر على مخالف لا من القدماء ولا من المتأخرين، وعمل الاصحاب جابر لضعف الخبر على ما هو المبنى وان خالف فيه بعض العلماء، ومن المعلوم ان السؤال كلى لا شخصي، وعلى ذلك فكل من تاب قبل قيام البينة فلا يحد. وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اقيمت عليه البينة بانه زنى ثم هرب قبل ان يضرب قال: ان تاب فما عليه شئ وان وقع في يد


(1) الكافي الجلد 7 الصفحة 250 والتهذيب الجلد 10 الصفحة 122 الحديث 107، ورواه في الوسائل الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود الحديث 3 لكن بلفظ امرءا غريبا، وقد مر ذلك. (2) مرآت العقول 23 الصفحة 389.

[ 243 ]

الامام اقام عليه الحد وان علم مكانه بعث إليه (1). والظاهر ان المراد منه ان هذا الرجل الذى اقيمت عليه البينة وهرب تارة يكون قد تاب قبل ذلك واخرى لم يتب حتى وقع في يد الامام فالاول لا شئ عليه واما الاخر الذى وقع في يد الامام بدون التوبة فهو يحد سواء تاب بعد ذلك ام لا. ويستفاد ذلك ايضا من اخبار باب الاقرار بالزنا كخبر رجل اتى النبي وقال: طهرني.. وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: لو استتر ثم تاب كان خيرا له (2) وقد نقلناه آنفا، وخبر اصبغ المذكورة آنفا ايضا وفيه: ايعجز احدكم إذا قارف هذه السيئة ان يستر على نفسه كما ستر الله عليه، وفيه ايضا فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة قال: واى طهارة افضل من التوبة (3)؟ تدل هذه الروايات صريحة على ان التوبة فيما بينه وبين الله تعالى افضل من الاقرار عند الحاكم، وان ما يترتب عليه من الطهارة فهو يترتب على التوبة. وكيف كان فيستفاد من الاخبار ان التوبة قبل وصول الامر إلى الحاكم وقيام البينة تسقط الحد بخلاف ما إذا كانت بعد قيام البينة فانها لا توجب سقوطه. ثم انه ذهب بعض الاصحاب كالمفيد والحلبيين ابن زهرة وابو الصلاح قدس الله اسرارهم إلى ان الحاكم مخير بين الاقامة وعدمها فيما إذا تاب بعد قيام البينة لا انه يتعين عليه الحد. قال المفيد: ومن زنا وتاب قبل ان تقوم الشهادة عليه بالزنا درأت عنه التوبة الحد فان تاب بعد قيام الشهادة عليه كان للامام الخيار في العفو عنه أو اقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له ولاهل الاسلام فان لم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من حد الزنا الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من مقدمات الحدود الحديث 6.

[ 244 ]

يتب لم يجز العفو عنه الحد بحال انتهى (1). وقال السيد أبو المكارم ابن زهرة في الغنية: وإذا تاب احد الزانيين قبل قيام البينة عليه وظهرت توبته وصلاحه سقط الحد منه.. وان تاب بعد ثبوت الزنا عليه فللامام العفو منه (2). وقال أبو الصلاح الحلبي: فان تاب الزانى أو الزانية قبل قيام البينة عليه وظهرت توبته وحمدت طريقته سقط عنه الحد، وان تاب بعد قيام البينة فالامام العادل مخير بين العفو والاقامة وليس ذلك لغيره الا باذنه، وتوبة المرء سرا افضل من اقراره ليحد (3). وهم قدس سرهم لم يتعرضوا لدليل على ما ذهبوا إليه واختاروه، نعم قد استدل لهم بامور اولها اصالة البرائة. ثانيها ان الحد لم يثبت في الذمة بمجرد قيام البينة حتى يستصحب ذلك بعد التوبة المسبوقة بالبينة (4). ثالثها ظاهر خبر ابى بصير المتقدم آنفا بناء على ان المراد من قوله: ان تاب. هو التوبة عند الهرب أو بعده، وان قوله: وان وقع، بمعنى الوقوع قبل التوبة. رابعها اولوية سقوط عقاب الدنيا من عقاب الاخرة بالتوبة. ويرد على الاول انه لا مجال للاصل مع وجود الدليل على وجوب الحد إذا تاب بعد اقامة البينة وقد رأيت دلالة الاخبار على ذلك فالاصل مقطوعة بهذه الاخبار المعمول بها، ولو شك فيه بعد ذلك فالاستصحاب يقتضى بقاءه. هذا مضافا إلى انه لو جرت اصالة البرائة لكان اللازم هو الحكم بسقوط الحد، فمن اين يستفاد التخيير؟


(1) المقنعة الطبعة القديمة الصفحة 123 والحديثة الصفحة 777. (2) الجوامع الفقهية الصفحة 622. (3) الكافي الصفحة 407. (4) اقول: فقد كان من ادلة المثبتين ذلك قال في المسالك: واما عدم سقوطه بتوبته بعد اقامة البينة فلثبوته في ذمته فيستصحب.

[ 245 ]

ويرد على الثاني ان المستفاد من الاخبار هو وجوب الحد بمجرد قيام البينة وان التوبة مسقطة للحد لا انه يكشف بها عن انه لم يكن حد من اول الامر وقد عبر عن التوبة في بعض الاخبار بالممحاة (1) الدالة على انها تمحو ما ثبت، وعلى هذا فعلى الحاكم اجراء الحد إلى ان يعلم ويقطع بزوال الحد ورفعه، وبعبارة اخرى يستصحب الوجوب ما لم يدل دليل على سقوطه بالتوبة. نعم لو كانت التوبة دافعة لا رافعة ومسقطة لصح القول بانا لا نعلم تعلق الحد على من يتوب في علم الله تعالى فلم يبق مورد لاستصحابه وذلك لان الافراد قسمان من جعل له الحد، ومن لم يجعل له ذلك، والحد مجعول لمن لا يتوب فإذا شك في ان هذا ممن جعل له أو ممن لم يجعل له ذلك فالاصل عدمه فليس الحاكم ملزما باجراء الحد لجريان البرائة. هذا مضافا إلى ان مقتضى عدم ثبوته في الذمة ان لا يكون حد الآن اصلا فمن اين يقال بالتخيير؟ ويرد على الثالث بقصوره سندا ودلالة، وبمعارضته بما يدل على عدم السقوط. وعلى الاولوية بانها لا تثبت ذلك لانها لا تعارض الادلة الدالة على عدم السقوط، هذا مضافا إلى ان عقاب الآخرة مرفوع قطعا فلو كانت اولوية لاقتضت سقوط الحد لا التخيير بينه وبين اقامته. الكلام في اقسام الحد قال المحقق: النظر الثاني في الحد وفيه مقامان الاول في اقسامه وهى قتل أو رجم أو جلد وجز وتغريب. اقول: ان العبارة غير وافية بالمراد لانه قد يجتمع الجلد مع الرجم وقد


(1) ففي امالي شيخنا الطوسي قدس سره الجلد 1 الصفحة 86 عن الشعبي قال: سمعت علي بن ابي طالب عليه السلام يقول: العجب عمن يقنط ومعه الممحاة فقيل له: وما الممحاة؟ قال: الاستغفار.

[ 246 ]

يجمع مع مع القتل كما ان الجلد قد يكون هو بوحده غير مقرون بالجز أو التغريب وقد يكون الضرب السيف ثم الحبس إلى ان يتوب على القول بذلك كما انه قد يكون القتل وحده بلا جلد وقد يكون الرجم كذلك. حد الزانى بالمحارم وكيف كان فقال: اما القتل فيجب على من زنى بذات محرم كالام والبنت وشبههما. اقول: وليس المراد من الام خصوصها بل الام وان علت وهكذا البنت فالمراد: هي وان نزلت إلى غير ذلك من المحارم كالاخت الابى أو الامي أو كليهما والعمة والخالة وان علتا وبنت الاخ وبنت الاخت وان نزلتا. وفى الجواهر: بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به غير واحد بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكى منهما مستفيض كالنصوص الدالة على ذلك في الجملة. وقال شيخ الطائفة في المبسوط: إذا ابتاع رجل ذات محرم له كالاخت والخالة والعمة من نسب أو رضاع أو الام والبنت من الرضاع فانه يحرم عليه وطيها فان خالف ووطئ مع العلم بالتحريم وجب عليه القتل عندنا وكذلك إذا وطئ ذات محرم له وان لم يشترها سواء كان محصنا أو غير محصن وقال قوم: عليه الحد وقال آخرون: لاحد عليه لانه وطئ مملوكته فلم يجب عليه الحد كما لو كانت زوجته أو امته خالصا انتهى (1). قوله قدس سره: وقال قوم الخ لابد من ان يكون هذا القوم من العامة. ويمكن ان يستدل لذلك بروايات كرواية جميل بن دراج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يأتي ذات محرم اين يضرب بالسيف؟ قال: رقبتة (2). وعنه ايضا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اين يضرب هذه الضربة؟


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 8. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من أبواب حد الزنا الحديث 2.

[ 247 ]

يعنى من اتى ذات محرم قال: تضرب عنقه " أو قال: رقبته " (1). وعن جميل بن دراج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اين يضرب الذى يأتي ذات محرم بالسيف: اين هذه الضربة: قال: تضرب عنقه. أو قال: تضرب رقبته (2). والظاهر من ضرب العنق أو الرقبة هو قطعه عرفا مثل ما ورد في القرآن الكريم فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب (3) فلذا يستفاد العلماء رضوان الله عليهم ان المراد القتل، وحكموا به وارسلوه ارسال المسلمات، مع عدم التعبير فيها بالقتل اصلا وانما المذكور فيها الضرب بالسيف أو ضرب الرقبة أو ضرب العنق. واما احتمال ارادة انه يضرب مجرد الضرب في ناحية عنقه دون سائر المواضع فهو بعيد كما ان المراد من " اين " في سؤال الراوى هو الموضع من بدن الزانى أو رأسه وليس المراد منه السؤال عن المكان، وعلى هذا فقد اجاب الامام عليه السلام سؤال الراوى كما بين حكم الله تعالى الذى هو القتل، فان المستفاد من ضرب العنق هو قطع الرقبة والفصل بين الرأس والبدن. نعم، عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن ابيه عن ابن بكير عن رجل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يأتي ذات محرم؟ قال: يضرب بالسيف قال ابن بكير: حدثنى حريز عن بكير بذلك (4). وظاهر هذا هو مجرد الضرب بالسيف مطلقا كما انه قد ورد في بعض الاخبار التعبير بالضرب بالسيف اخذت منه ما اخذت، مثل ما رواه أبو ايوب قال: سمعت ابن بكير بن اعين يروى عن احدهما عليهما السلام قال: من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف اخذت منه ما اخذت وان كانت تابعة ضربت ضربة بالسيف اخذت منها ما اخذت، قيل له فمن يضربهما وليس لهما


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (3) سورة محمد " صلى الله عليه وآله " الآية 4. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من حد الزنا الحديث 5.

[ 248 ]

خصم؟ قال: ذاك على الامام إذا رفعا إليه (1). وما رواه عبد الله بن بكير عن ابيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من اتى ذات محرم ضرب ضربة بالسيف اخذت منه ما اخذت (2). وهذه الروايات وان لم تدل على تعيين القتل لكن بضميمة ما ورد في تفسير " ضرب ضربة بالسيف اخذ السيف ما اخذ " بالقتل، في حد اللواط ونكاح البهائم، يحمل التعبير الوارد فيها ايضا على القتل. اما الاول فهو ما رواه سليمان بن هلال عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يفعل بالرجل قال: فقال: ان كان دون الثقب فالجلد وان كان ثقب اقيم قائما ثم ضرب بالسيف ضربة اخذ السيف منه ما اخذ، فقلت له: هو القتل؟ قال: ذاك (3). واما الثاني فهو ما رواه سليمان بن هلال ايضا قال: سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي البهيمة قال: فقال: يقام قائما ثم يضرب ضربة بالسيف اخذ السيف منه ما اخذ، قال: فقلت: هو القتل: قال: هو ذاك (4). فان الظاهر ان مرجع الضمير في كلتيهما هو الضرب بالسيف، وقد فهم الراوى منه القتل وسئل الامام في ذلك وقرره عليه الصلاة والسلام وصدقه في ذلك أي ان المراد من الضرب بالسيف هو القتل. هذا مضافا إلى ان الضرب بالسيف الوارد في هذا القسم من الروايات، إذا كان على العنق كما هو مقتضى تقييد هذه بالروايات المقيدة المتقدمة فهو ملازم نوعا للقتل كما هو المعهود من حال مجرى حدود الحكام، وقد نقل وحكى من عاين وقعة قتل الرجل المظلوم اليزدى زائر بيت الله الحرام، بحكم القاضى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من حد الزنا الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد اللواط الحديث 2. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 2 من ابواب نكاح البهائم الحديث 7.

[ 249 ]

السعودي (1) عليه ما عليه انه ضربه الحداد ضربة طار منها رأسه وسقط على الارض. وهنا خبر نبوى صريح في الحكم بقتل من زنى بذات محرم وهو: من وقع على ذات محرم فاقتلوه (2). وعلى الجمله فقد تحقق ان حكم الزانى بالمحارم هو القتل. نعم هنا روايتان تعارضان ما دل على وجوب القتل من الروايات المتقدمة احديهما رواية محمد بن عبد الله بن مهران عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل وقع على اخته: قال يضرب ضربة بالسيف، قلت: فانه يخلص؟ قال: يحبس ابدا حتى يموت (3). والاخرى رواية عامر بن السمط عن علي بن الحسين عليهما السلام في الرجل يقع على اخته قال: يضرب ضربة بالسيف بلغت منه ما بلغت فان عاش خلد في السجن حتى يموت (4). فانهما صريحتان في انه لو لم يمت من الضربة فانه يخلد في السجن إلى ان يموت، الا انهما ضعيفتان سندا ولم يعمل بهما كما قال العلامة المجلسي قدس سره عند ذكر رواية ابن مهران: ضعيف ولم ار قائلا بها بل المقطوع به في كلامهم هو القتل (5). وبعد سقوط هاتين تبقى الاخبار الدالة على وجوب القتل المعمول بها عندهم ويعمل بهما. ثم ان هنا رواية اخرى في حد الزانى بذات محرم وهى لا تساعد شيئا


(1) وقد قتلوه في سنة 362. ه‍ بين الصفا والمروة مظلوما لفرية ثانئة عليه. راجع الغدير الجلد 2 الصفحة 316. (2) راجع سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 237 والمستدرك الجلد 2 الصفحة 225. اقول: قال السيد ابن زهرة في الغنية: يحتج على المخالف بما رووه من قوله (ع): من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ولم يفصل، ثم قال: وليس لهم ان يحملوا ذلك على المستحل لانه تخصيص بغير دليل ولانه لو اراد ذلك لم يكن لتخصيص ذوات الارحام فائدة. وروى المخالف ايضا ان رجلا تزوج امرأة ابيه قال أبو بردة فامر النبي صلى الله عليه وآله ان اقتله. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا، الحديث 4. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا، الحديث 10. (5) مرأت العقول الجلد 23 الصفحة 280.

[ 250 ]

من الروايات السابقة وهى رواية ابى بصير عن عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزانى الا انه اعظم ذنبا (1). فان الظاهر منها ان الزانى بذات محرم كالزاني بغيرها بلا فرق بينهما وانه لا خصوصية للزنا بذات محرم ونتيجة ذلك انه لو كان الزانى بذات محرم محصنا يرجم والا فانه يجلد وانما التفاوت بين الزنا بذات محرم والزنا بغيره هو زيادة الذنب المحقق بالزنا بذات محرم، وحيث ان هذه المعتبرة مخالفة للروايات المتقدمة الدالة على القتل فلذا ذهب الشيخ قدس سره إلى التخيير بين القتل وبين الرجم جمعا بينهما (2). وفيه ان هذا الحمل مشكل وهو خلاف ظاهر الرواية جدا كما لا يخفى والعمدة انها مطرحة غير معمول بها (3). ثم انه بان مما ذكرنا في المقام ان الواجب والمعتبر هو قتله بضرب العنق بالسيف فلا يجوز قتله بغير السيف كالخنق أو بالرصاص وغير ذلك كما لا يجوز مطلق قتله بالسيف بان يضرب بالسيف على غير رقبته مثل ان يضرب به في بطنه أو على وسطه وغير ذلك، وذلك لما مر من دلالة الروايات على خصوص ضرب الرقبة. فالقول بان المناط في ذلك كله هو القتل من غير دخل للخصوصيات


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا الحديث 8. (2) قال قدس سره في التهذيب الجلد 10 الصفحة 23: فاما ما رواه محمد بن علي.. عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى الرجل..، فلا ينافي ما قدمناه من الاخبار من انه يجب عليه ضربة بالسيف لانه إذا كان الغرض بالضربة قتله وفيما يجب على الزاني الرجم وهو يأتي على النفس فالامام مخير بين ان يضربه بالسيف أو يرجمه. (3) اقول: ويرد عليه ايضا بالنسبة إلى الجلد فان حد الزاني الوارد في المعتبرة اعم من الرجم والجلد فكيف يجمع بينها وبين الاخبار المتقدمة من هذه الجهة؟ ويمكن ان يكون المراد من هذا الخبر ان الزنا بذات محرم مساو للزنا بغيرها اولا فيجب الجلد ثم ازداد عظما واثما لاجل المحرمية فيجب القتل وعلى هذا فلا منافاة بينه وبين ساير الاخبار لانه يجب الجلد لكونه زنا والقتل لخصوصية زائدة أي كونه بذات محرم فتأمل فانه غير مفتى به.

[ 251 ]

اجتهاد في مقابل الظاهر. واما النبوى المتقدم آنفا: من وقع على ذات محرم فاقتلوه، فهو وان كان ظاهرا في تجويز مطلق القتل الا انى لم اجد في كلمات الاصحاب من تمسك به واعتمد عليه واستند إليه فيشكل جبره بمجرد الوفاق في القتل وان قال صاحب الجواهر بانه منجبر وحينئذ فيشكل رفع اليد عما ورد في روايات متعددة من اعتبار ضرب العنق. اللهم الا ان يستظهر ان الملاك هو القتل باى صورة ولا خصوصية لضرب العنق لكنه مشكل عندنا (1). واما انه هل يعتبر كون قتله بضربة واحدة؟ فالظاهر انه لا خصوصية لها بعد ان الحكم هو القتل، وعلى هذا فلو لم يقتل بالاولى فانه يقتل بالثانية وهكذا. وهل الحكم جار في مطلق الزانى بالمحارم وان كان محصنا أو انه يختص بالزانى غير المحصن واما المحصن فله حكمه أي الرجم؟. اقول: ان نسبة ادلة الاحصان وادلة الزنا بذات محرم، العموم من وجه ولا اشكال في مادتي الافتراق أي زنا المحصن بغير ذات محرم والزنا بذات محرم بلا احصان فان الحكم في الاول هو الرجم وفى الثاني هو القتل، وانما يشكل الامر في المجمع أي الزانى بذات محرم وهو محصن، ومقتضى القاعدة الاصولية وان كان هو التخيير في اخذ هذا أو ذاك لكنهم رضوان الله عليهم اجمعين رجحوا جانب ادلة الزنا بذات المحرم وحكموا بالقتل وعلى هذا فلا فرق في ذلك بين كونه محصنا أو غير محصن كما لا فرق بين المسلم وغيره ولا بين الحر والعبد. ولعل ذلك لاجل ما ربما يظهر من ادلة الزنا بذات محرم من ان لسانها آبية عن التخصيص بخلاف ادلة الاحصان فانها ليس بهذه المثابة. وهل يجب مع القتل الجلد ايضا كما قد يقال بالجمع بين الجلد


(1) اقول: يبدو في الذهن قريبا ان ذكر السيف لكونه الة متداولة للقتل آنذاك والضرب به على العنق اسهل طريق في قتله به.

[ 252 ]

والرجم في المحصن أو انه يقتصر على مجرد القتل؟ اقول: ان لنا عاما وخاصين اما العام فهو قوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة (1) فانه ظاهر في ان حكم كل زان أو زانية هو الجلد. واما الخاصان فاحدهما ان الزانى بذات محرم يجب قتله، ثانيهما ان الزانى المحصن يرجم، ولا شك في ان النسبة بين العام وكل واحد من هذين هو العموم المطلق فان الزانى اعم من المحصن وغيره كما وانه اعم من الزانى بالمحرم وغيره ومقتضى ذلك، الحكم بان الزانى يجلد الا إذا كان قد زنى بذات محرم مثلا فانه يقتل وقد ذهب إليه المشهور. وخالف في ذلك ابن ادريس رحمه الله فانه قال: فاما من يجب عليه القتل على كل حال سواء كان محصنا أو غير محصن حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا شيخا كان أو شابا فهو كل من وطئ ذات محرم له اما أو ابنة أو اختا أو بنتيهما أو بنت اخيه أو عمته أو خالته فانه يجب عليه القتل على كل حال بعد جلده حد الزانى لانه لا دليل على سقوطه عنه لقوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، ولا منافاة بين جلده وبين قتله بعد الجلد، وليس اطلاق قول اصحابنا: يجب عليه القتل على كل حال، دليلا على رفع حد الزنا عنه انتهى (2). وفيه انه وان كان الجمع بينهما ممكنا ومحتملا عقلا الا ان الحكم


(1) سورة النور الآية 2. (2) السرائر الطبع الجديد الجلد 3 الصفحة 437 اقول: وقد افتى بما ذهب إليه ابن ادريس بعض آخر كالشهيدين والاردبيلي ففي الروضة مزجا: ويجمع له أي للزاني في هذه الصور الثلاث - الزاني بالمحرم، والذمي بالمسلمة والزاني مكرها للمرأة - بين الجلد ثم القتل على الاقوى جمعا بين الادلة فان الآية دلت على جلد مطلق الزاني والروايات دلت على قتل من ذكر، ولا منافاة بينهما فيجب الجمع انتهى راجع الصفحة 332 من الجلد 2. وقال الاردبيلي رحمه الله: ولما امكن الجمع بين الجلد وضرب العنق يفعل، عملا بالدليلين انتهى.

[ 253 ]

بخصوص القتل في الزانى بالمحرم هو مقتضى الجمع بين العام والخاص سواء كان الخاص ودليل الاستثناء هو الاخبار أو انه الاجماع كما عبر هو باطلاق قول اصحابنا، حيث انه لا يعمل باخبار الاحاد فان معنى هذا الخاص ان حكم الزانى وان كان هو الجلد الا انه يستثنى من ذلك قسم خاص من الزناة وهو الزانى بذات محرم، وعلى الجملة فظاهر الاخبار وكلمات الاصحاب هو التنويع والتقسيم كالحاضر والمسافر والقصر في الاول والاتمام في الثاني. وما ذكره يصح لو لم تكن الادلة ظاهرة في التنويع واختصاص كل موضع بحكم، والحال ان الاخبار ظاهرة جدا في ذلك واليك بعضها: عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الرجم حد الله الاكبر، والجلد حد الله الاصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يجلد (1). وعن يونس عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مأة جلدة فاما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم (2). ترى ان صريح الاولى وظاهر الثانية هو ان الزانى غير المحصن يجلد والمحصن يرجم لا غير كما انه يستفاد من قوله عليه السلام في الرواية الاولى: حد الله الاكبر وحد الله الاصغر، ان الحدين لا يجتمعان في مورد واحد وعمل واحد وانه لا يحد المرتكب للزنا حدين لصدور زنا واحد عنه (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 3، اقول: وفي نهج البلاغة خطبة 127: وقد علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني المحصن.. وجلد الزاني غير المحصن. (3) اقول: قال العلامة في القواعد بعد ذكره ان القتل حد اربعة..: ولا يعتبر في هولاء الاحصان ولا الشيخوخية بل يقتل كل منهم حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافر شيخا كان أو شابا ويقتصر على قتله بالسيف. انتهى وقال فخر الدين في شرحه: افتى المصنف بقتلهم من غير اشتراط امر زائد على الزنا أو من غير امر زائد على القتل وهو قول الشيخ في النهاية والمفيد وابن البراج وابى الصلاح، وقال ابن ادريس: " نقل =

[ 254 ]

وقد ظهر ان ما افاده رحمه الله بقوله: وليس اطلاق قول اصحابنا: يجب عليه القتل على كل حال، دليلا على رفع حد الزنا عنه، ليس تاما فان ظاهرهم كظاهر الاخبار هو وجوب خصوص الرجم بلا ضم الجلد إليه. هذا هو مقتضى القاعدة والا فلو دل الدليل في مورد على الجمع بينهما كما في زنا الشيخ والشيخة فانه يجمع بينهما. لا يقال: ان الروايات الواردة في ب 15 من مقدمات الحدود تدل على انه يجمع بين الجلد والحد (1). لانا نقول: انها واردة في الاسباب المختلفة وليس هنا الا سبب واحد لما ذكرنا من ان المقام من قبيل الحاضر والمسافر. هذا كله بالنسبة إلى العام والخاصين. واما نسبة الخاصين احدهما إلى الاخر فهى العموم من وجه، وذلك لانه يقال: من زنى بذات محرم يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن، ومن زنى محصنا يرجم سواء كان قد زنى بذات محرم ام لا ولا اشكال كما تقدم في مادتي الافتراق فانه يقتل الزانى بذات محرم وهو غير محصن كما انه يرجم الزانى محصنا بغير ذات محرم، وانما النزاع في مادة الاجتماع فمقتضى دليل الاحصان رجمه كما ان مقتضى دليل الزنا بذات محرم هو قتله وحيث ان المقتضى لكل من الرجم والقتل موجود فالمقام من قبيل المتزاحمين نظير من رأى غريقين ولا يقدر على انقاذ كليهما وانما يتمكن من انقاذ واحد منهما فانه لو كان متمكنا من انقاذ كليهما كان يجب ذلك فدليل وجوب انقاذ الغريق والامر به لم يخصص بالنسبة إلى احدهما لكنه لا يتمكن الا من انقاذ واحد


= هنا كلام السرائر إلى ان قال: " والاقوى عندي اختيار والدى المصنف انتهى وفي الرياض بعد المناقشة في دعوى عدم المنافاة بين الادلة قال: بعد ما عرفت من ورود ادلة القتل في مقام الحاجة الموجب للدلالة على عدم حد آخر والا للزم تأخير البيان عنها وهو غير جائز بلا شبهة ولعله لذا اختار المشهور القتل خاصة كما صرح به بعض الاجلة إلى ان قال: فإذا الشهور لا يخلو عن قوة سيما وان الحدود تدرء بالشبهة انتهى. (1) اورده هذا العبد واجاب ادام الله بقاه بما في المتن.

[ 255 ]

منهما والعقل يحكم في هذا المقام باتيان واحد من الامرين فان كان ترجيح فيأتى بذى المرجح كما إذا كان في المثال احدهما عالما والاخر ليس بعالم والا فهو مخير بينهما ففى المثال ينقذ واحدا ايهما شاء هذا أو ذاك، وكذا الحكم في المقام، وحيث ان دليل الرجم والقتل تام، والمقتضى موجود الا انه لا يمكن الجمع بينهما عقلا فيحكم بتخييره بينهما فله ان يرجمه اخذا بدليل الرجم، أو يقتله تمسكا بدليل القتل، لكن المشهور بل قاطبة الاصحاب حكموا بالقتل ولم اعثر كما مر إلى الآن على من قال بالرجم هنا والحاصل ان الترجيح لدليل القتل للاجماع على ذلك. وقد ذكر لتقديم القتل عندهم وجهان احدهما ان ادلة القتل ناظرة إلى اثبات خصوصية في الزنا بذاته محرم فيرفع اليد بها عن اطلاق ما دل على ثبوت الرجم. ثانيهما ان الروايات الدالة على ان الزانى بذات محرم يقتل بالسيف، اظهر من الروايات الدالة على ان الزانى محصنا يرجم نظرا إلى ان الاولى بالعموم ودلالة هذه بالاطلاق ومن المعلوم ان دلالة العموم وضعي ودلالة الاطلاق ليست كذلك بل هي بالمقدمات فتقدم ادلة القتل على ادلة الرجم في مورد الاجتماع. وكلاهما محل الاشكال اما الاول فلانه لا فرق بينهما من جهة الخصوصية فكما ان في الزنا بذات محرم خصوصية اوجبت القتل كذلك في الزنا محصنا ايضا خصوصية اوجبت الرجم ولا تفاوت بينهما اصلا. واما الثاني فلعدم الفرق بينهما وعدم اظهرية لادلة القتل فإذا كان قوله (ع): من وقع أو من زنى بذات محرم دالا على العموم فقوله (ع): المحصن يرجم ايضا يدل على العموم فان معناه بعد كون الالف واللام للاستغراق هو ان كل محصن يرجم بل وكذلك لو كان حرف التعريف للجنس وكما ان للزاني بذات محرم افراد ومصاديق كذلك الزانى المحصن. واما النبوى صلى الله عليه وآله: من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ففيه اولا انهم لم يتمسكوا به وثانيا ان النسبة بينه وبين ادلة الرجم ايضا عموم من وجه والكلام

[ 256 ]

هو الكلام. نعم لو قيل بان الميزان هو افناء هذا الشخص بلا خصوصية للقتل بالسيف فهناك لا معارضة، لصح الحكم بالتخيير شرعا بين قتله أو رجمه، واما بعد البناء على خصوصية القتل بالسيف تعبدا كخصوصية رجم المحصن فهما متزاحمان والعقل بحكم بالتخيير عند عدم مرجح في البين. الكلام في الحاق السببي من المحارم بالنسبى ثم انه هل تلحق المحرمات سببا بالمحرمات نسبا في ايجاب الزنا بهن القتل، ام لا؟ ظاهر الشرايع والمختصر النافع هو اختصاص الحكم بالنسبى، وقذ ذهب إليه المشهور ايضا وعليه فلا يشمل الحكم المحرمات بالسبب كام الزوجة وبنتها، وخالف في ذلك بعض الاصحاب. وغير خاف ان البحث ليس لغويا ولا الاختلاف في المسألة اللغوية وذلك لعدم خفاء اصلا في معنى المحرم ووضوح ان معناه من يحرم نكاحه وهذا المعنى يعم السببي ايضا بل والرضاعي، فلا حاجة إلى ذكر قول اللغويين وانما البحث في انصرافه في الادلة إلى خصوص من يحرم نكاحه بالسبب بحيث لا يتبادر منه الا ذلك مع ان اللفظ باطلاقه يشمل غيرها وعدم انصرافه، وقد ادعى ذلك بعض العلماء قال الشهيد الثاني قدس سره والمتبادر من ذات المحرم النسبية، ثم قال: ويمكن شمولها للسببية وقد تقدم في بابه ان المحرم من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة وحينئذ فلا يقتصر على امرأة الاب بل يتعدى إلى غيرها من المحرمات السببية والرضاعية انتهى (1). فمع دعواه تبادر الخصوص قوى واستظهر العموم وعدم فرق بين النسبى والسببى والرضاعي. وقال كاشف اللثام: لما كان التهجم على الدماء مشكلا قصر الحكم


(1) مسالك الافهام الجلد 2 الصفحة 427.

[ 257 ]

على ذات محرم نسبا لا سببا أو رضاعا الا ما سيأتي في امرأة الاب وفاقا للمحقق وبنى ادريس وزهره وحمزة بناء على انه المتبادر إلى الفهم ولا نص ولا اجماع على غيرها، وفى المبسوط والخلاف والجامع الحاق الرضاع بالنسب دون السبب الا امرأة الاب (1). فهو قد ادعى تبادر خصوص النسبى وقصر الحكم عليه. وقال صاحب الرياض بعد ذكر المحرمات بالنسب والحكم بان الزنا بهن يوجب القتل، والاستدلال بالاجماع والنصوص: واما غيرهن من المحارم بالمصاهرة كبنت الزوجة وامها فكغيرهن من الاجانب على ما يظهر من الفتاوى، والنصوص خالية من تخصيص النسبى بل الحكم فيها معلق على ذات محرم مطلقا لكن سند اكثرها ضعيفة، والحسن منها قاصر عن الصحة، والصحيح منها رواية واحدة لا يجسر بمثلها على التهجم على النفوس المحترمة سيما مع عدم صراحة في الدلالة لو لم نقل بكونها ضعيفة بناء على عدم انصراف ذات محرم بحكم التبادر إلى السببيات بل المتبادر منها النسبيات خاصة (2). وهو قد اعترف اولا بشمول اللفظ للسببي والرضاعي لكنه استشكل في ذلك، ونحن نقول ان الحكم قد تعلق بذات محرم ففى بعض الروايات: من وقع على ذات محرم كذا، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضي كون الملاك في الحكم بالقتل وهو وقوع الزنا بذات محرم، وبعبارة اخرى ان الحكم معلل في الحقيقة وكانه قيل: يجب قتل هذا الزانى لكون زناه زناء بذات محرم فان تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية وعلى هذا فالروايات شاملة لكل من انطبق


(1) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 218. (2) ومثله الاردبيلي فانه قال في الشرح: العمل بظاهر الروايات يقتضي التعميم ولكن سند اكثرها غير صحيح ومبنى الحدود على التخفيف والسقوط للشبهة، وفتوى الاكثر على خلاف ذلك على ما يظهر من تقييد الاكثر بالنسب والتردد في غيره أو السكوت مع ذكر امرأة الاب كما في المتن فتأمل انتهى. وقال العلامة في الارشاد: القتل، ويجب على الزاني بالمحرمات نسبا كالام وبامرأة الاب انتهى.

[ 258 ]

عليه هذا العنوان بلا فرق بين النسبى والسببى، واما ما ذكره بعد اعترافه باطلاق الادلة وشمولها للسببي ايضا، من ضعف سند الروايات الواردة في الباب وعدم صحة سندها الا رواية واحدة ولا يجسر بمثلها على التهجم على النفوس، وكذا تبادر النسبيات، فهو غير تام وذلك لانه لو كانت الرواية حجة قابلة للاعتماد عليها والعمل بها فلابد من الاخذ بها مطلقا بلا فرق بين المقامين. وبذلك ظهر الجواب عما ذكره في كشف اللثام ايضا وذلك لان الحكم بالالحاق مع الدليل ليس من باب التهجم على الدماء فلو لم يكن لنا دليل على الالحاق لصح ما ذكره، واما إذا كان هناك دليل يدل على المطلوب فلا، وقد علمت ان الروايات تدل بظاهرها على الالحاق. واما بالنسبة إلى التبادر فنقول: ان المتبادر من: الزنا بذات محرم يوجب القتل، سواء القيت بالعربية أو بالفارسية هو الزنا الصادر ممن كان محرما وبالنسبة إلى المحرم أي من يحرم نكاحه ولا انصراف في البين ولا تبادر، وعلى الجملة فالمتفاهم العرفي من مثل قوله عليه السلام: من وقع بذات محرم، وامثال ذلك هو الاطلاق والشمول، وان كان قوله عليه السلام في بعض الروايات كرواية ابن مهران: رجل وقع على اخته الخ منصرفا إلى الاخت النسبى، ومن ذلك يعلم ان ما ذكره في الجواهر في اثناء كلامه دفاعا عن الرياض من ان المنساق من ذات محرم هو النسبى، في محل المنع، فان رفع اليد عن العام الظاهر في العموم بادعاء التبادر المختلف فيه في خصوص المقام، في غاية الاشكال (1) الا ان يكون اجماع على اختصاص الحكم بالنسبى. واما كون النسبى هو المتيقن من ذات محرم فيؤخذ به دون السببي.


(1) اقول: وقال الفيض الكاشاني في المفاتيح الجلد 2 الصفحة 70: وكذا (يقتل) إذا زنى بذات محرم بلا خلاف للنصوص المستفيضة. وخصه جماعة بالنسبيات لانهن المتبادر، والاظهر شموله للسببيات وفي التبادر منع انتهى.

[ 259 ]

ففيه ان القدر المتيقن إذا كان متعلقا بمقام التخاطب لكان يجب الاخذ به واما إذا لم يكن كذلك فهو لا يضر بالاخذ بالاطلاق. لا يقال: ان اطلاق الروايات وان كان شاملا للنسبى والسببى الا ان ذهاب المشهور إلى اختصاص الحكم بالاول يحملنا على الاخذ بقول المشهور دون غيره كما قد يتمسك بفهم الاصحاب في بعض الموارد الاخر (1). لانه يقال يشكل رفع اليد عن العموم بمجرد فهم الاصحاب بعد انه الظاهر. واما القول بالحاق خصوص السببي المذكور في الآية الكريمة دون غيره (2) فهو بلا دليل ولم يقل به احد، وانما ذكر بعض السببيات في الآية من باب المثال وارائة المصداق، غاية الامر ان للزاني بزوجة الاب حكما خاصا وهو الرجم. لا يقال: انه لا اقل من كون المقام من موارد الشبهة لعدم افتاء الاكثر بالالحاق، والحدود تدرء بالشبهات (3). لانا نقول: لاشبهة بعد الاستظهار من الادلة. فتحصل انه لا يتم القول بالانصراف، بل لا فرق بينهما في الحكم. الا ان المشهور القول بعد القتل هنا ولعله اشير إليهم من النواحى العالية.


(1) اورده هذا العبد وتفضل دام عمره بالجواب بما ذكرناه (2) اورده بعض زملائنا والآية هو قوله تعالى: حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم. وامهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل ابناءكم الذين من اصلابكم وان تجمعوا بين الاختين. سورة النساء / 27. (3) اورده هذا العبد وقد اجاب دام ظله بما في المتن ولكن لم اقتنع كاملا فانه لا شك في عدم افتاء المشهور بالالحاق وهذا يوجب الشبهة في الحكم به وقد رأيت بعد ذلك ان الاردبيلي قدس سره ايضا ذكر ذلك فراجع ما ذكرناه عنه في بعض الهوامش السابقة كما ان السيد الخوانساري قدس سره ايضا اورد ذلك فانه بعد نقل رواية اسماعيل بن ابي زياد الدالة على رجم الزاني بامرأة ابيه قال: ويقع الاشكال من جهة عدم صحة السند وفتوى الاكثر على الخلاف وتدرء الحدود بالشبهات.

[ 260 ]

والانصاف انه يشكل الامر بذلك فلو اريد الاحتياط في مورد الاحصان يدور الامر بين الرجم لانه محصن والمشهور قائلون بالانصراف وبين القتل على ما ذكرناه من عدمه والاحتياط في اختيار الاخف زجرا وهو القتل واما في غير مورد الاحصان فالدوران بين القتل والجلد ويؤخذ بالاخف أي الجلد. وهل الحكم جار في النسبى الشرعي خاصة أو انه جار في النسبى مطلقا وان لم يكن شرعيا كما إذا كان من زنا؟ قال في الجواهر: نعم قد يقال باختصاص ذلك بالنسب الشرعي اما المحرم من الزنا فلا يثبت له فيها الحد المزبور للاصل وغيره، ولم يحضرني الآن نص لاصحابنا فيه. اقول: الوجه في عدم الشمول هو ان الشارع قد نفى النسبة وحكم بعدم التوارث بين الولد والوالدين وعليه فهذه الامومة غير معتبرة شرعا وانما المعتبر الامومة الشرعية الحقيقة لا العرفية. ولكن الظاهر ان الامر ليس كذلك فانا إذا علمنا انه لا يجوز لولد الزنا نكاح امه فلا محالة تكون امه هذه محرمة النكاح عليه وحينئذ يجرى الدليل العام وهو ان الزنا بذات محرم يوجب القتل وبعبارة اخرى ان ام ولد الزنا ام، والزانى بالام يقتل، وذلك لان الام هو من ولدت الطفل وليس له اصطلاح خاص غير ذلك. وعلى الجملة فالشارع وان كان قد نفى الامومة في بعض الاحكام كالتوارث لكن الامومة الحقيقية وهى الولادة، ثابتة محققه، والارث خارج بالنص الخاص وحيث ان الامومة والولادة الحقيقية موضوع لترتب القتل على الزنا هناك فلا محالة يقتل الزانى بالام الزنائى ولا انصراف للام عنها وان فرضنا انصراف ذات محرم عن السببي لان هذه محرم نسبا وهى ام واقعا.

[ 261 ]

المحرمات الرضاعية وهل الحكم في المحرمات بالرضاع ايضا هو القتل كالمحرمات بالنسب ام لا؟ قد الحق بعض الاصحاب كالشيخ في الخلاف والمبسوط وابن سعيد في الجامع، الرضاع بالنسب (1) وخالف فيه الآخرون. وقد يتمسك ويستدل للاول بالخبر الشريف: الرضاع لحمة كلحمة النسب (2) واللحمة بالفارسية يعنى تار وپود ورشته، فاللحمة المحققة بالرضاع كاللحمة الحاصلة بالنسب، ووجه الشبه واضح فان النسب يؤثر في التكوين والايجاد، والرضاع في النمو التربية، وكما ان الولد النسبى قد تكون وخلق من الاب والام، كذلك الولد الرضاعى قد نما وشب بلبن امه الرضاعى. وقد يستشكل في ذلك بعدم عمل معظم الاصحاب به في اكثر المقامات كالارث والولاية وغيرها، فان الولد الرضاعى لا يرث امه ولا العكس وكذا لا ولاية لابي المرتضع، في حين ان للوالد الحقيقي الولاية على ولده، وذلك يدل على ان لحمة الرضاع كلحمة النسب في خصوص النكاح. وفيه ان الظاهر من الخبر هو افادة حكم عام والمستفاد منه ان


(1) راجع الخلاف كتاب الحدود المسألة 29 والمبسوط كتاب الحدود - ج 8 - الصفحة 9، والجامع الصفحة 549 قال الاخير: من زنى بذات محرم كالام والبنت والاخت نسبا أو رضاعا أو عقد عليها ووطئها وهو يعرفها قتل وكذلك ان اشتراها فوطئها فان زنا باخته فضرب بالسيف ضربة فلم يمت فروى انه يحبس ابدا انتهى. ويستفاد من كلامه انه قد جمع بين الروايات بان الزاني بالمحرمات يقتل الا الزاني بالاخت فانه يضرب بالسيف فان قتل فهو والا فانه يحبس إلى ان يموت ولعله وجه حسن للجمع لان رواية الحبس بعد الضرب واردة في الاخت وقد ذكرت ذلك للسيد الاستاد الاكبر لكنه دام ظله اجاب بانه لم يقل به احد ويرجح طرح الرواية على حملها على ما لم يقل به احد. (2) الميزان الجلد 4 الصفحة 301، الجواهر الجلد 29 الصفحة 310 لكني لم اجدها في الوسائل ولا في مستدركه، وفي تذييلات الجواهر: لم نعثر على هذه الرواية مع التتبع التام في مظانها الخ.

[ 262 ]

الرضاع كالنسب في تمام الاحكام، نعم قد يخرج عن العام بدليل خاص، وعلى هذا فيجرى عليه كل احكام الولد النسبى، منها انه لا يجوز النكاح ومنها انه لو ابتاع الولد الرضاعى اباه عن رضاع لانعتق عليه كالولد النسبى وهكذا، فالخارج كالارث والولاية قد خرج بالدليل، ومقتضى هذا ان يكون حد الزنا بالمحرمات بالرضاع هو حده بالمحرمات بالنسب وهو القتل. ويؤيد ذلك ما ورد من انه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (1) بضم الروايات الدالة على ان الزنا بذات محرم يوجب القتل. نعم لو كان هناك اجماع على عدم الحاقه به فلا كلام لنافي مقابل الاجماع. الذمي إذا زنى بمسلمة يقتل وممن حده القتل، هو الذمي الذى فجر بامرأة مسلمة. قال المحقق: والذمى إذا زنى بمسلمة. اقول: ولا فرق في ذلك بين كونها مطاوعة أو مكرهة بل الحكم كذلك في مطلق الكافر وان لم يكن ذميا. ولا خلاف في ذلك قال في الجواهر: بلا خلاف اجده بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكى منها مستفيض. قال الصدوق قدس سره: والذمى إذا زنى بمسلمة قتل (2). وقال الشيخ الطوسى: فاما من وجب عليه القتل على كل حال سواء كان محصنا أو غير محصن.. فهو كل من وطئ ذات محرم له.. وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة فانه يجب عليه القتل على كل حال (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 14 الصفحة 280 الحديث 1 و 3 و 4. (2 الهداية الصفحة 76. (3) النهاية الصفحة 692.

[ 263 ]

وقال الشيخ المفيد: إذا فجر ذمى بمسلمة كان حده القتل (1). وقال ايضا: إذا زنى الذمي بالمسلمة ضربت عنقه (2). وقال ابن ادريس في السرائر: فاما من يجب عليه القتل على كل حال.. فهو كل من وطئ ذات محرم.. وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة فانه يجب عليه القتل على كل حال (3). وقال السيد المرتضى: ومما انفردت به الامامية القول بان الذمي إذا زنى بالمسلمة ضربت عنقه (4). وقال سلار: ويقتل الذمي إذا زنى بمسلمة على كل حال (5). وقال ابن زهرة: ومنهم من يجب عليه القتل حرا كان أو عبدا محصنا أو غير محصن على كل حال وهو من زنى بذات محرم له ووطيئها مع العقد عليها والعلم برحمها منه أو زنى بامرأة ابيه أو غصب امرأة على نفسه أو زنى وهو ذمى بمسلمة.. وفى زنا الذمي بالمسلمة خرق للذمة ومن خرق الذمة فهو مباح القتل بلا خلاف (6). وقال ابن حمزة: اما الزناة فضربان احدهما يستوى فيه الاحصان وفقده، والآخر لا يستويان، فما يستويان فيه يكون موجبه القتل وهو في خمسة مواضع: الزنا بزوجة الاب وبجاريته التى وطئها وقهر المرأة على فرجها.. وزنا الذمي بالمسلم ووطئ كل ذات محرم مع العلم بانها ذات محرم بعقد كان أو بابتياع (7). إلى غير ذلك من كلماتهم في المقام.


(1) المقنعة الصفحة 783. (2) المقنعة الصفحة 778. (3) السرائر الجلد 3 الصفحة 439. (4) الانتصار الصفحة 261. (5) المراسم الصفحة 251. (6) راجع الجوامع الفقهية كتاب الغنية الصفحة 622. (7) الوسيلة الصفحة 410

[ 264 ]

وتدل على ذلك مضافا إلى الاجماع الذى تقدم ذكره رواية حنان بن سدير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن يهودى فجر بمسلمة قال: يقتل (1). نعم هنا بحث وهو انه هل الحكم كذلك ايضا حتى فيما إذا تاب واسلم بعد ان زنى بالمسلمة أو انه إذا اسلم يرفع عنه هذا الحكم؟ احتمل بعض الاصحاب سقوط الحد عنه بذلك لكن المشهور خلافه. ورواية حنان بن سدير مطلقة تشمل ما إذا اسلم بعد ان فجر وما إذا لم يسلم وان كان الظاهر منها هو فرض عدم اسلامه والا لكان يذكر ذلك. قال الشيخ المفيد بعد ان حكم بقتل الذمي الذى فجر بمسلمة: فان اسلم عند اقامة الحد عليه قبل اسلامه وامضى فيه الحد يضرب عنقه ولم يمنع اظهاره الاسلام من قتله، فان كان قد اسلم فيما بينه وبين الله عزوجل


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 36 من ابواب حد الزنا الحديث 1، اقول: قال في جامع الرواة الجلد 1 الصفحة 284: حنان بن سدير الصيرفي واقفي ثقة انتهى. وقال المحقق الاردبيلي في مجمع البرهان: ولا يضر القول في حنان. ثم اقول: قد استدل ايضا يكون ذلك خروجا عن الذمة، قال في الانتصار: والوجه في صحة قولنا زائدا على اجماع الطائفة ان هذا الفعل من الذمي خرق للذمة وامتهان للاسلام وجرأة على اهله ولا خلاف في ان من خرق الذمة كان مباح الدم، ثم قال: فان قيل: كيف يقتل من لم يكن قاتلا؟ قلنا كما نقتله مع الاحصان وليس بقاتل ويقتل المرتد وليس بقاتل وبعد فإذا جاز ان يتغلظ في الشريعة حكم زنا المحصن حتى يلحق باخذ النفس، ما المنكر من ان يتغلظ ايضا زنا الذمي بالمسلمة حتى يلحق بوجوب تناول النفس انتهى. وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي الصفحة 406: وان كان " الزاني ذميا " بمسلمة حرة أو امة صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة حية أو ميتة قتل لخروجه عن حرمة الذمة الخ. وفي كشف اللثام: لخروجه بذلك عن الذمة واجترائه على الاسلام وهتكه حرمته. (2) المقنعة الصفحة 783.

[ 265 ]

وقال الشيخ بعد العبارة المتقدمة عنه: فان اسلم الذمي لم يسقط بذلك عنه الحد بالقتل ووجب قتله على كل حال (1). وقال ابن ادريس: فان اسلم الذمي ما يسقط بذلك عنه الحد بالقتل ووجب قتله على كل حال (2). وقال العلامة: ولو اسلم الذمي الزانى بالمسلمة قتل ايضا (3). فهولاء الافذاذ كلهم متفقون على ان اسلامه بعد زناه لا يوجب سقوط الحد عنه. نعم في عبارة المفيد قيد زائد على غيره وهو اسلامه عند اقامة الحد عليه، بخلاف عبارات الآخرين فانها مطلقة في عدم سقوط الحد باسلام الذمي بعد ان زنى بمسلمة. ومن هذا يظهر ما في كشف اللثام في هذا المقام من عد المقنعة في رديف النهاية والسرائر والتحرير، من التسامح وذلك لانه قد قيد في المقنعة اسلامه بما إذا كان عند اقامة الحد عليه. والذى يستدل به على ذلك امور ذكرها في كشف اللثام قال: وان اسلم الذمي بعد ذلك فهل يسقط منه القتل؟ في المقنعة والنهاية والسرائر والتحرير: لا، استصحابا وعملا بالعموم ولخبر جعفر بن رزق الله. اقول: اما الاستصحاب فهو لا يجرى الا بعد ثبوت الزنا يعنى انه إذا اسلم بعد ان ثبت عليه الزنا فهناك لو شك في بقاء حكم القتل عليه فانه يستصحب ذلك بخلاف ما إذا اسلم قبل ذلك فانه حينئذ يجرى استصحاب عدم الوجوب لان الشك حينئذ في ثبوت القتل عليه دون سقوطه.


(1) النهاية الصفحة 692. (2) السرائر الجلد 3 الصفحة 439 و 440. (3) التحرير الجلد 2 الصفحة 222. اقول: وقال أبو الصلاح في الكافي الصفحة 406: فان اسلم قبل اسلامه واجريت عليه احكامه ولم يدرا ذلك عنه الحد. وقال ابن سعيد في جامعه الصفحة 549 عند عده من يقتل من الزناة: وكذلك الكافر إذا زنى بمسلمة فان اسلم لم يسقط عنه ذلك.

[ 266 ]

واما العموم فالمراد به عموم مثل موثق حنان بن سدير. وفيه انه محكوم برواية جب الاسلام، وبعبارة اخرى ان دليل الجب يمنع العموم. واما خبر جعفر فهو هذا:.. عن جعفر بن رزق الله قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة واراد ان يقيم عليه الحد فاسلم فقال يحيى بن اكثم: قد هدم ايمانه شركه وفعله وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود وقال بعضهم يفعل به كذا وكذا فامر المتوكل بالكتاب إلى ابى الحسن الثالث عليه السلام وسؤاله عن ذلك فلما قدم الكتاب كتب أبو الحسن عليه السلام: يضرب حتى يموت فانكر يحيى بن اكثم وانكر فقهاء العسكر ذلك وقالوا يا امير المؤمنين سله عن هذا فانه شئ لم ينطق به كتاب ولم تجيئ به السنة فكتب: ان فقهاء المسلمين قد انكروا هذا وقالوا: لم تجيئ به سنة ولم ينطق به كتاب، فبين لنا بما اوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنابه مشركين فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التى قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون. قال: فامر به المتوكل فضرب حتى مات (1). وهى تدل على ان التوبة بعد رفع الامر إلى الحاكم وثبوت الزنا لديه لا تنفع في رفع الحد وقد استشهد عليه السلام لذلك بالآية الكريمة، ويستفاد منه ان البأس الذى إذا عاينه الانسان لا ينفعه الندم اعم من العقوبة الاخروية التى هي العذاب فتشمل الدنيوية ايضا وهى الحد وذلك لمكان تطبيقه عليه السلام الآية الكريمة على الحد فهذه سنة الله تعالى التى اجراها في الامم الماضين فلم يك ينفع توبتهم في رفع العذاب والعقوبة. وشبيه هذه الآية في المؤدى والمضمون، الآية الشريفة الواردة في هلاك فرعون ورد توبته وهى قوله تعالى: وجاوزنا ببنى اسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ادركه الغرق قال آمنت بما آمن به بنوا اسرائيل وانا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 36 من ابواب حد الزنا الحديث 2، والآية: سورة غافر / 84.

[ 267 ]

من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (1). وخبر جعفر وان كان ضعيفا لعدم ثبوت وثاقته لكنه منجبر بعمل الاصحاب الا ان المستفاد والظاهر منه هو اسلامه عند تحتم الحد عليه فرارا عنه. ومقتضى ذلك هو التفصيل بين التوبة قبل ثبوت الحد عليه، والتوبة بعده في رفع الحد، فتقبل في الاول دون الثاني خلافا لما فهم المشهور وذهبوا إليه من الاطلاق وعدم فائدة في اسلامه بعد ان زنى، سواء كان قبل الثبوت والحكم أو بعد ذلك.. وقد ظهر بما ذكرناه ان تفصيل المقنعة مستفاد من هذه الرواية فان الظاهر منها ان النصراني المذكور لما راى العذاب أي الحد الذى هو القتل، اسلم و قد حكم الامام عليه السلام بان اسلامه لا يفيد في رفع العذاب عنه وعلى هذا فلو اسلم وتاب بعد فجوره وقبل ان يثبت ذلك فانه يرفع عنه القتل. وهنا وجه ثالث احتمله في كشف اللثام قائلا: ويحتمل السقوط لجب الاسلام ما قبله، والاحتياط في الدماء، وحينئذ يسقط عنه الحد رأسا ولا ينقل إلى الجلد للاصل انتهى. وهو ظاهر في ان الاسلام يوجب رفع الحد عنه مطلقا سواء كان قبل اثبات الحد عليه ام بعده. وقد استدل على ذلك بجب الاسلام (2) ما سلف والاحتياط في الدماء.


(1) سورة يونس الآية 89 و 90، اقول: ونظيرها ايضا في المضمون قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين. سورة يونس / 97. ثم اني اوردت بانه لا كلية لعدم نفع الايمان بعد رؤية البأس وذلك لتحصيصه في قصة قوم يونس فأجاب دام ظله بانه هناك كان مقدمة العذاب وآثاره لا نفسه. (2) حديث الجب رواه في كنز العمال الجلد 1 الصفحة 17 و 20، والجامع الصغير للسيوطي الجلد 1 الصفحة 160 ومسند احمد بن حنبل الجلد 4 الصفحة 199 و 205، واسد الغابة الجلد 5 الصفحة 54 وقد رواه القمي في تفسيره الجلد 2.

[ 268 ]

وقد يقال بان حديث الجب ليس مرويا عن طرقنا بل هو مروى عن طرق العامة. واجيب عن ذلك بان المشهور من العامة والخاصة قد عملوا به فيما لا دليل على خلافه. نعم يرد على الاستدلال به ما مر من حكومة موثق ابن سدير وخبر جعفر بن رزق الله، على ذلك، فالاسلام يجب ما قبله الا فيما إذا زنى الذمي بالمسلمة فان اسلامه وان كان مقبولا وهو يحسب مسلما الا ان الحد أي القتل لا يسقط عنه. وهنا وجه رابع يظهر من صاحب الجواهر وهو التفصيل بين الاسلام حقيقة والاسلام لفظا وصوريا تخلصا وفرارا عن القتل، فيقبل اسلامه ويؤثر في الاول سواء كان قبل اثبات الحد أو بعده، ولا يؤثر مطلقا في الفرض الثاني. وفيه انه مخالف لما هو السيرة القطعية من معاملة النبي صلى الله عليه وآله بالنسبة إلى المنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الاسلام فانه صلوات الله عليه لم يكن يؤاخذهم بعد اظهارهم الاسلام بما فعلوه واتوا به قبل اظهارهم الاسلام مع كونهم في الحقيقة كفارا وانما اظهروا الاسلام حفظا لنفوسهم وحقنا لدمائهم (1) وقد صرح الله تعالى بذلك واخبر النبي بكذبهم بقوله: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول لله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون (2) وعلى الجملة فلازم ما ذكره عدم جب اسلام المنافقين ما فعلوه في حال الكفر، وهو كما تراه فانهم كانوا يقبلون اسلامهم ولم يؤاخذوهم بما فعلوا قبل الاسلام. وقد ظهر من تلك الابحاث انه لا يبعد القول بالتفصيل بين اسلامه قبل قيام البينة واثبات الحد عليه، واسلامه بعد ذلك، فيدفع الحد في الاول دون


(1) في دعاء الامام زين العابدين عليه السلام: اللهم ان قوما آمنوا بالسنتهم ليحقنوا به دمائهم فادركوا ما املوا وانا آمنا بالسنتنا وقلوبنا لتعفو عنا الخ (2) سورة المنافقون الآية 1.

[ 269 ]

الثاني، وان كان اسلامه يقبل في كلا الحالين. ثم انه قد يقال بعدم تطابق رواية جعفر مع ما هو المذكور في الكلمات وعبارات الفقهاء، وذلك لانهم يقولون بان الذمي إذا فجر بامرأة مسلمة يقتل في حين ان المذكور المصرح به في صدر الرواية ان ابا الحسن الثالث عليه السلام كتب: يضرب حتى يموت. كما ان في ذيلها: فامر به المتوكل فضرب حتى مات، والضرب حتى يموت امر غير القتل وفوقه وهو قتل مخصوص غير مطلقه. ويمكن ان يكون حكمه هذا، لتشديد المعصية فيكون حكمه كقتل الصبر (1). وفيه ان هذا التعبير محمول على ما هو الوارد في نظائر المقام من الروايات التى ورد فيها انه يضرب بالسيف، أو يضرب عنقه، وعلى هذا فالمراد من ضربه حتى يموت انه يضرب بالسيف الا انه لو لم يمت ولم يقتل بالضربة الاولى فانه لا يكتفى بها بل يضرب ثانيا وثالثا إلى ان يقتل، ويبعد جدا ان يكون المراد ضربه بالعصا وغيره إلى ان يموت. ان قلت: ان المستند في كلمات القدماء غيره في كلمات المتأخرين وذلك لان المذكور في كلمات المتأخرين غالبا هو التمسك بالروايات كموثق ابن سدير وخبر جعفر وإذا كان الامر كذلك امكن اسراء الحكم من الذمي إلى مطلق الكفار، وهذا بخلاف القدماء فترى السيد المرتضى لم يتمسك بالرواية اصلا بل استدل بخروج الذمي عن الذمة وهكذا الحلبي فراجع الانتصار والكافي، وعلى هذا فيشكل الامر في التعدي إلى ساير الكفار بل يقتصر على خصوص الذمي بلحاظ التعليل والاستدلال (2). نقول: لا بأس باسراء الحكم وان كان تمسك القدماء بخصوص هذا التعليل، وذلك لان قصارى الكلام انه بخروجه عن الذمة بزناه بالمسلمة قد ادرج في الكافر الحربى، بل لعل ذلك بنفسه يشعر بكون الحكم ذلك في


(1) اورده هذا العبد وتكرم دام ظله بالجواب بما في المتن. (2) اورده هذا العبد واجاب دام بقائه بما قررناه.

[ 270 ]

مطلق الكفار، اما الحربى فبنفسه واما الذمي فلصيرورته حربيا بواسطة خروجه عن الذمة حيث انه زنى بالمسلمة، هذا مضافا إلى انه يمكن ادعاء الاولوية كما ادعى ذلك. الكلام في من زنى بامرأة مكرها لها قال المحقق: وكذا من زنى بامرأة مكرها لها. اقول: ممن حده القتل من الزناة هو من زنى بامرأة مكرها لها. وفى كشف اللثام: اجماعا كما في الانتصار والغنية. وفى المسالك: بلا خلاف.. وفى الجواهر: بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكى منهما مستفيض كالنصوص المعتبرة. انتهى. واما النصوص والاخبار الواردة في المقام الدالة على المقصود فمنها صحيح بريد العجلى قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها، قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن (1). ومنها صحيح زرارة عن احدهما عليهما السلام في رجل غصب امرأة نفسها قال: يقتل (2). ومنها خبره الآخر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يغصب المرأة نفسها، قال: يقتل (3). نعم هنا روايات لا تلائم تلك الروايات لان لسانها هو انه يضرب السيف، بلغت منه ما بلغت، أو، مات منها أو عاش. ففى خبر زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في رجل غصب امرأة فرجها قال: يضرب ضربة بالسيف بالغة منه ما بلغت (4).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 17 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 17 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 17 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 17 من ابواب حد الزنا الحديث 3.

[ 271 ]

وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا كابر الرجل المرأة على نفسها ضرب ضربة بالسيف مات منها أو عاش (1). ومن المعلوم ان ضربة بالسيف بالغة منه ما بلغت كما هو تعبير خبر زرارة وضربة بالسيف مات منها أو عاش، الواردة في خبر ابى بصير، غير القتل المذكور في الروايات المتقدمة. والذى يسهل الخطب هو ان صاحب الجواهر قال: انى لم اجد عاملا بهما فوجب طرحهما في مقابل ما عرفت أو حملهما على ما لا ينافى ذلك انتهى (2). واما احتمال ان يكون المكابرة في نفسها في معتبره ابى بصير بمعنى المجادلة في قتلها، فهو خلاف الظاهر جدا. هذا مضافا إلى اشتمال القسم الاول على صحيحتين وعدم اشتمال القسم الاخير على رواية صحيحة (3). عدم اعتبار الاحصان في المواضع المذكورة قال المحقق: ولا يعتبر في هذه المواضع الاحصان بل يقتل على كل حال، شيخا كان أو شابا ويتساوى فيه الحر والعبد والمسلم والكافر. وفى الجواهر: بلا خلاف اجده في شئ من ذلك كما اعترف به بعض الاجلة بل قد سمعت التصريح بالاول في نصوص المكرهة ولا قائل بالفرق، على انه لو سلم التعارض بين اطلاق الادلة هنا وبين غيرها من وجه فلا ريب في ان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 17 من ابواب حد الزنا الحديث 6. (2) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 316. (3) فان في سلسلة سند رواية زرارة علي بن حديد وحكى المامقاني عن القسم الثاني من الخلاصة انه قال: ضعفه شيخنا في كتاب الاستبصار والتهذيب وقال بانه لا يعول على ما ينفرد به، وعن الكشي انه فطحي، راجع رجال المامقاني الجلد 2 الصفحة 275. واما رواية ابي بصير فقد عبر عنها سيدنا الاستاذ الاكبر دام ظله كبعض اجلاء العصر بالمعتبرة الا ان المجلسي قدس سره صرح بكونها صحيحة فراجع مرات العقول الجلد 23 الصفحة 288.

[ 272 ]

الترجيح لما هنا ولو لفتوى الاصحاب انتهى. اقول: اما التصريح بعدم الفرق بين الاحصان وعدمه في النصوص، ففى صحيح العجلى في خصوص رجل اغتصب امرأة فرجها، صرح بانه يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن، فراجع. وهذا هو الذى استظهرناه قبل ذلك وقلنا ان ظاهر الادلة هو التنويع والتقسيم، فإذا كان الزانى زانيا بذات محرم أو ذميا زنى بالمسلمة أو زنى مكرها للمرأة فحكمه القتل بلا فرق بين ان يكون محصنا أو غيره وبين ان يكون شيخا أو شابا وبين ان يكون حرا أو عبدا وبين ان يكون مسلما أو كافرا. خلافا لابن ادريس حيث قال بانه إذا كان احد الموارد الثلاثة مجمعا لعنوانين يحكم فيه بحكم كل من العنوانين إذا امكن الجمع بينهما جمعا للادلة. فلو كان غير محصن فانه يجلد ثم يقتل ولو كان محصنا يجلد اولا ثم يرجم فان القتل يحصل بالرجم وغيره فلو رجم الزانى محصنا الذى هو من مصاديق المسائل الثلاثة فقد عمل فيه بالقتل ايضا لان الرجم هو القتل باشد صوره واشق انواعه (1). وفيه انه يصح ذلك لو لم يفهم من دليل القتل سوى مجرد ازهاق الروح اما لو استفيد منه خصوص القتل بالسيف كما هو الظاهر منه فلا مجال لهذا الكلام ولا يجمع بينهما اصلا لان القتل بالسيف شئ والرجم شئ آخر. واما كون فتوى الاصحاب بالقتل مرجحا لو سلم التعارض بين اطلاق الادلة هنا وبين غيرها من وجه. فنقول: لو كان ذلك مرجحا كما في باب السند فهو والا فالحكم هو


(1) اقول: اليك نص كلامه: والذي يجب تحصيله في هذا القسم وهو الذي يجب عليه القتل على كل حال ان يقال: ان كان محصنا فيجب عليه الجلد اولا ثم الرجم فيحصل امتثال الامر في الحدين معا ولا يسقط واحد منهما، ويحصل ايضا المبتغى الذي هو القتل لاجل عموم اقوال اصحابنا واخبارهم لان الرجم يأتي على القتل ويحصل الامر بحد الرجم وان كان غير محصن فيجب الجلد لانه زان ثم القتل بغير الرجم فيلحظ ذلك، راجع السرائر الصفحة 438 الجلد 3.

[ 273 ]

التخيير، والمسلم هو الاخذ بذلك عند التعارض السندي لا الدلالى. اللهم الا ان يقرر المقام بانه نظير باب التعيين والتخيير فان الاخذ بمقتضى دليل القتل الذى افتى به المشهور لا ينافى التخيير لانه احد طرفيه بخلاف الاخذ بدليل الاحصان والرجم فانه لا يطمئن إليه بعد ذهاب المشهور إلى خلافه، والعقل يحكم بترجيح احد الطرفين إذا كانت الحال كذلك. الزناء بامرأة الاب قال المحقق: وكذا قيل في الزناء بامرأة ابيه. اقول: يستفاد من العبارة انه قدس سره غير جازم بذلك حيث انه نسبه إلى القيل. وكيف كان فالقائل به هو الشيخ والحلبي وابن زهرة وابن ادريس وابن حمزة وابن البراج وابن سعيد، على ما في الجواهر، وقال: بل نسبه بعض إلى كثير وآخر إلى الشهرة بل عن الغنية الاجماع عليه وهو الحجة بعد خبر السكوني. ويظهر من كلامه ان الزنا بامرأة الاب ليس كالزنا في الموارد الثلاثة السابقة لانه رحمه الله ذكر في كل واحد منها ان الاجماع بقسميه عليه، ولم يذكر ذلك في المقام، وانما اقتصر على ذكر الاجماع المنقول. واما خبر السكوني فهو خبر اسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن ابيه عن امير المؤمنين عليه السلام انه رفع إليه رجل وقع على امرأة ابيه فرجمه وكان غير محصن (1). وقد قيل بانه منجبر (2) كما قد عبر عنه بالمعتبرة (3). نعم هنا اشكال وهو ان هذا الخبر صريح في كون حده هو الرجم في


(1 وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 19 من ابواب حد الزنا الحديث 9. (2) جواهر الكلام الجلد 41 الصفحة 316. (3) وقال في مباني التكملة الجلد 1 الصفحة 192: تدل على ذلك معتبرة اسماعيل بن زياد عن جعفر الخ.

[ 274 ]

حال انهم قد حكموا فيه بالقتل كما ان مقتضى تعبير المحقق: وكذا قيل الخ هو ان الحكم في هذا المورد ايضا هو الحكم في المسائل المتقدمة أي القتل، فكيف يلتئم الحكم بالقتل استنادا إلى خبر صريح في الرجم، مع التصريح بانه كان غير محصن، الظاهر جدا في ان الحكم كذلك إذا كان محصنا بالاولوية حيث لا يجرى الحكم بالقتل الذى هو الاسهل في مورد الاحصان، وعلى هذا فحكمه في كلتا الصورتين هو الرجم مع انهم قالوا بالقتل. ويمكن الذب عنه بان الرواية قضية في واقعة ولا نعلم حقيقة الحال. وعلى الجملة فيشكل انجبار الخبر بفتوى المشهور مع هذا الاختلاف في المؤدى. وقد صرح غير واحد من العلماء بانه لا فرق في المقام ايضا كالمسائل الثلاثة الماضية بين المحصن وغيره ولا بين الحر والعبد ولا بين الكافر والمسلم، وقد استفيد الاول من نفس الخبر، واما الجهات الاخر فاورد عليها في الجواهر بانه ان كان اجماع على عدم الفرق من الجهات المزبورة فذاك والا فلا يخلو من اشكال، وعلل ذلك بقوله: إذ لم نظفر فيه هنا بنص مطلق بالخصوص. وفيه انه وان صح ما ذكره من عدم رواية مطلقة تدل على عدم الفرق بين ما إذا كان حرا أو عبدا وغير ذلك من الجهات الا ان خبر السكوني بنفسه كاف في ذلك. بيانه ان الامام ابا جعفر عليه السلام نقل وحكى ذلك عن امير المؤمنين عليه السلام في مقام بيان الحكم ولم يكن بصدد نقل واقعة تاريخية عنه عليه السلام ولا اشكال في ان الرجل الذى رفع إلى امير المؤمنين عليه السلام اما انه كان حرا أو عبدا واما انه كان شيخا أو شابا وهكذا لانه شخص واحد والقضية واقعة شخصية فلو كان لواحدة من الخصوصيات دخل في الحكم بحيث كان الحكم مختصا بالحر دون العبد أو بالشيخ دون الشاب مثلا لكان اللازم ذكره والا كان مخلا بالمقصود أو لم يكن تترتب على ذكر ما ذكره ونقل هذا المطلب فائدة لانه كان في حكم ان يقال: ان أمير المؤمنين عليه السلام قد رجم شخصا، ومن المعلوم انه لا فائدة في ذكر ذلك، فيفهم انه لا مدخلية لهذا الحيثيات اصلا وان تمام الموضوع

[ 275 ]

هو الزنا بامرأة الاب وان هذا حكمه بلا دخالة قيد فيه. واما التعرض لخصوص عدم كونه محصنا فلعله لاجل رفع توهم ان رجمه كان لاجل كونه محصنا. والحاصل انه لا حاجة إلى الاجماع في فهم تلك الامور لانه يفهم ذلك من نفس الخبر. ثم انه هل يلحق بزوجة الاب في هذا الحكم امته أو موطوئته بالملك ام لا؟ فيه اشكال. وقال ابن حمزة عند ذكر اقسام الزنا الموجبة للقتل: والزنا بزوجة الاب وبجاريته التى وطأها الخ (1) فقد الحق جارية الاب بزوجته وساوى بينهما في الحكم. ولا يخلو عن اشكال ولذا نسب في الرياض القول به إلى الشذوذ. واستوجهه في كشف اللثام بشمول لفظ " امرأته " الوارد في خبر السكوني لها. وفيه ان استفادة ذلك من الخبر مشكل جدا وذلك لعدم تعلق لامرأة الاب بجاريته حتى تشملها. نعم لو كان الالحاق من باب ان جارية الاب من المحارم، والحكم شامل لمطلق المحارم فهو حسن، كما انه لا بأس بالقول بشمول امرأة الاب لامرأته الحرة والامة، وذلك لمكان اطلاق اللفظة أي زوجة الاب. ثم انه قد الحق بعض كابن ادريس امرأة الابن ايضا، فلو زنى بامرأة ابنه وجب قتله. ولا دليل على ذلك الا ان يقال بالغاء الخصوصية عن امرأة الاب التى حكموا فيها بوجوب القتل أو يقال كما في الجواهر: لعله لا دراجه اياها في المحارم. وان كان يرد عليه انه لا وجه لادراج امرأة الابن في المحارم بعدان قالوا باختصاص الحكم بالمحارم النسبية دون السببية.


(1) الوسلة الصفحة 410.

[ 276 ]

نعم على ما ذكرناه وقررناه من تعميم المحارم لكل واحد منهما لا يرد عليه اشكال. تذنيب وتنبيه بعد ان ثبت ان الزانى بذات محرم يقتل، فهل الحكم في الزانية ايضا كذلك بان تقتل إذا زنت بذى محرم ام لا؟ الظاهر ذلك فحد المرأة بذى محرم القتل، كالزاني بذات محرم بعينه، وذلك لوحدة الملاك. ثم انه قد بقى بعض الموارد الذى يكون حد الزنا فيه القتل لم يذكره هنا ويذكر في مناسباته، ومنه من اقدم على الزنا ثلاث مرات أو اربع فانه بعد حده مرتين أو ثلاث مرات يقتل. وهل يقتصر على القتل في المواضع المزبورة؟ الكلام هنا في انه بعد كون الحكم في المواضع الاربعة المتقدمة هو القتل فهل يكتفى بذلك أو انه لابد من الجلد اولا ثم القتل في غير المحصن مثلا؟ قال المحقق: وهل يقتصر على قتله بالسيف؟ قيل نعم، وقيل يجلد ثم يقتل ان لم يكن محصنا ويجلد ثم يرجم ان كان محصنا عملا بمقتضى الدليلين والاول اظهر. اقول: اختار المشهور وكذا المحقق، الاول، وخالف ابن ادريس (1) فانه ذهب إلى انه لو كان محصنا يجلد اولا ثم يرجم والا فيجلد ثم يقتل وقد مر كلامه فراجع. والدليل على ذلك هو الجمع بين الدليلين فان الآية الكريمة تدل على لزوم جلد الزانى والزانية مأة جلدة وهى بعمومها أو اطلاقها شاملة لمطلق من


(1) اقول: ووافقه الشهيدان ايضا الا انهما قالا باعتبار الجلد اولا ثم القتل مطلقا بلا فرق بين المحصن وغيره.

[ 277 ]

زنى، ومقتضى الاخبار هو قتل من زنى بالمحارم مثلا ورجم من زنى وهو محصن، وعلى هذا فيجب جلد الزانى اولا ثم رجمه ان كان محصنا، وقتله ان كان من مصاديق المسائل المبحوث عنها آنفا. والجواب عنه ان الظاهر من الادلة الدالة على القتل في الموارد الاربعة أي الزانى بالمحارم والذمى الزانى بالمسلمة والمكره والزانى بزوجة الاب هو ان هذا الموارد قد خرجت عن قول الله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، وان الحد فيها هو القتل، وقد مر ان مقتضى الادلة هو التنويع والتقسيم كالحاضر والمسافر ولذا قال المحقق: والاول اظهر. وقد ايد في كشف اللثام قول ابن ادريس بقول الصادق عليه السلام في خبر ابى بصير: إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزانى الا انه اعظم ذنبا (1). وفيه ان كونه اعظم ذنبا لا يلازم كونه اشد حدا، وظاهر ما مر من الروايات المعتبرة كون الحد فيه واحدا، وهذه الرواية لا تصلح لمعارضتها، وعلى هذا فلا جلد في تلك الموارد بل الحكم هو القتل وحده فلا جلد كما انه القتل بالسيف دون الرجم. غاية الامر ان مقتضى الخبر الوارد في الزنا بزوجة الاب هو الرجم ومقتضى خبر جعفر في زنا النصراني بالمسلمة انه يضرب حتى يموت مع ان المشهور افتوا بالقتل، وقد تقدم البحث عنهما. وقال صاحب الجواهر بالنسبة اليهما: فينبغي الاقتصار عليهما فيهما انتهى وكانه يقول: يجب قتلهما لكن بالصورة المذكورة في الروايتين. ويمكن ان يكون مراده انه لو قلنا بغير القتل فانه يقتصر على الموردين. ولكن الظاهر انه رحمه الله مايل إلى الافتاء بذلك في الموردين وانه قد القى ذلك مبرزا لنظره الشريف. ولا يخفى ان الاحتياط في المسألة مع قول المشهور كما ان الاحتياط في


(1) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 218 وراجع للرواية الوسائل الجلد 18 الباب 19 من حد الزنا الحديث 8.

[ 278 ]

مورد اجتماع الاحصان وهذه العناوين يقتضى الحكم بالقتل، لان الرجم اشد منه وفى غير مورد الاحصان هو القتل وحده دون الجلد والقتل. الكلام حول الرجم قال المحقق: واما الرجم فيجب على المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة فان كان شيخا أو شيخة جلد ثم رجم وان كان شابا ففيه روايتان احداهما يرجم لا غير والاخرى يجمع له بين الحدين وهو اشبه. اقول: بعد الفراغ عن حد القتل في الزنا فالآن يبحث في الرجم، وهنا مباحث احدها انه هل هنا رجم ام لا وبعبارة اخرى هل يجب رجم المحصن ام لا؟ ثانيها انه هل يجمع بين الرجم والجلد ام لا؟ ثالثها انه هل هناك تفصيل بين الشيخ والشيخة والشاب والشابة أو انه لا فرق بين الموارد؟ رابعها في ان الشيخ والشيخة بعنوانهما يرجمان إذا زنيا وان لم يكونا محصنين ام لا؟ اما الاول فلا كلام ولا نزاع فيه بل اتفق الكل على انه إذا زنى البالغ العاقل المحصن ببالغة عاقلة فانهما يرجمان، وكذلك إذا زنت بالغة عاقلة محصنة ببالغ عاقل، بل اجماع المسلمين على ذلك ولم يخالف فيه الا الخوارج (1) فانهم


(1) اقول: وكذا بعض المعتزلة، قال الجزيرى في الفقه على المذاهب الاربعة الجلد 5 الصفحة 58: اما حد الزنا فقد فرقت الشريعة فيه بين الذي تزوج والذي لم يتزوج فشددت العقوبة على الاول.. وقال في الصفحة 69: تحت عنوان مبحث رأى الخوارج والمعتزلة: ولم يخالف في هذا الحد الا بعض المعتزلة والخوارج فانهم قالوا: ان عقوبة الرجم كانت موجودة في صدر الاسلام ثم نسخت بقوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة فالزانيان يستحقان الجلد مطلقا سواء كانا محصنين أو لا ولكن دليلهم هذا لا يتم الا إذا ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله لم يرجم احدا بعد نزول هذا الآية. ولكن الجمهور قالوا: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد رجم بعد نزول هذه الآية بدليل ان ابا هريرة حضر الرجم وهو لم يسلم الا بعد سنة سبع، وسورة النور نزلت سنة ست أو خمس وقد رجم الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وآله وصرحوا بان الرجم حد وقد نازع هولاء بان الكتاب لا يصح نسخه بالسنة واجيب بان السنة المشهورة تخصص الكتاب بلا خلاف وهنا خصصت السنة، الزاني، بغير المحصن انتهى. ثم نقل في ذيل الصفحة: عدم الرجم عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام واصحابه ثم قال: ولا =

[ 279 ]

انكروا حكم الرجم رأسا مستدلين على ذلك بعدم ذكر عنه في الكتاب ولا في سنة متواترة. وفى الجواهر: بلا خلاف اجده بل الاجماع بقسميه عليه والمحكى منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص. قال الشيخ في المسألة الاولى من كتاب الحدود من الخلاف: يجب على الثيب الرجم وبه قال جميع الفقهاء وحكى عن الخوارج انهم قالوا: لا رجم في شرعنا لانه ليس في ظاهر القرآن ولا في السنة المتواترة. دليلنا اجماع الفرقة وايضا روى عبادة بن الصامت ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مأة والرجم، وزنى ماعز فرجمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجم العامرية وعليه اجماع الصحابة وروى عن نافع عن ابن عمر، ان النبي (صلى الله عليه وآله) رجم يهوديين زنيا وروى عن عمر انه قال: لولا اننى اخشى ان يقال: زاد عمر في القرآن لكتبت آية الرجم في


= مستند لهم الا انه لم يذكر في القران الكريم. ثم قال: وهذا باطل فان الرجم قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها، وايضا هو ثابت بنص القران لحديث عمر بن الخطاب عند الجماعة انه قال: كان مما انزل الله على رسول الله صلى الله عليه وآله آية الرجم فقرأناها وحفظناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله ورجمنا بعده، ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم وهنا تعرض لحديث وهو: ان فيما انزل الله من القران: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. ثم نقل روايات تدل على وجوب رجم المحصن. ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وآله: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مأة والرجم. وقال في آخر البحث: وقد اجمعت الامة على وجوب حد الرجم على الزاني المحصن وقال في ذيل الصفحة 59: اتفق الائمة على ان من كملت فيه شروطا لاحصان ثم زنا بامرأة قد كملت فيها شروط الاحصان.. فهما زانيان محصنان يجب على كل واحد منهما الرجم حتى يموت، وهنا استدل بحديث الشيخ والشيخة المذكور آنفا. وقال حديث متفق عليه، وبروايات اخرى وبان النبي صلى الله عليه وآله رجم ماعزا ورجم الغامدية وغيرهما ولان الخلفاء الراشدون اقاموا حد الرجم بالاجماع من غير نكير من واحد منهم فحد الرجم ثابت بالاحاديث المتواترة وفعل الرسول صلى الله عليه وآله واجماع الامة وثابت بالكتاب على رأى من يقول ان حديث الرجم كان آية من القرآن ثم نسخت وبقى حكمها انتهى اقول: راجع لاستدلالات الخوارج آيات الاحكام للكاظمي 4 / 193.

[ 280 ]

حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله، وروى ان عليا جلد سراقة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتهما بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله فقد ثبت ذلك بالسنة واجماع الصحابة انتهى. فالرجم بالنسبة إلى المحصن امر مفروغ عنه ولا يحتاج إلى البحث وسيمر عليك بعض النصوص الدالة على ذلك واما الثاني أي الجمع بين الجلد والرجم، فنقول: هل يجمع بينهما في المحصن مطلقا، اولا يجمع بينهما اصلا وانما يرجم فقط، أو يفصل بين الشيخ والشيخة والشاب والشابة فيجمع بينهما في الاول ولكن يرجم فقط في الثاني؟ لا خلاف معتد به بيننا في ان الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين فانه يجمع في حدهما بين الجلد والرجم بل هو امر مفروغ عنه بيننا وانما نقل عن ابن ابى عقيل انه قد اطلق الرجم في المحصن من دون ذكر للجلد لكنه كما في الجواهر غير معلوم المخالفة وذلك لانه لم يصرح بعدم الجلد كى يعد مخالفا في المسألة وليس في البين الا اطلاق كلامه، وعلى الجملة فالاجماع بقسميه قائم على الجمع بينهما في خصوص الشيخ والشيخة وقد علم ان المقامين ليسا محل الخلاف والكلام، فنحن نصرف النظر عن البحث فيهما ويبقى البحث في المقام الثالث والرابع. واستفادة الحكم فيهما منوط بصرف العنان إلى الروايات والاستظهار منها وهى مختلفة جدا. وتنقيح البحث يقتضى تفكيك فروع اصل المسألة والتعرض لكل منها علي حده فنقول هنا فروع ومسائل الاول في حكم الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين الثاني إذا زنيا ولم يكونا محصنين الثالث الشاب والشابة إذا زنيا وكانا محصنين الرابع إذا زنيا وكانا غير محصنين. اما الاول أي الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين فالحكم فيهما هو الرجم مع الجلد، قال الشيخ قدس سره في النهاية: اما القسم الثاني وهو من

[ 281 ]

يجب عليه الحد ثم الرجم فهو الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين فانه كان على كل واحد منهما مأة جلدة ثم الرجم يقدم الجلد عليه ثم بعده الرجم الخ. وقال في الخلاف في المسألة الثانية من الحدود: المحصن إذا كان شيخا أو شيخة فعليهما الجلد والرجم وان كانا شابين فعليهما الرجم بلا جلد وقال داود واهل الظاهر: عليهما الجلد والرجم ولم يفصلوا وبه قال جماعة من اصحابنا الصحابة وقال جميع الفقهاء: ليس عليهما الا الرجم دون الجلد. دليلنا قوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، ولم يفصل. وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مأة ثم الرجم وفيه اجماع الصحابة وروى ان عليا عليه السلام جلد سراجة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة فقيل له: تحدها حدين؟ فقال: حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى. وقد علق عليه فقيه عصره السيد البروجردي قدس الله روحه بما هذا عين كلامه: قوله: دليلنا قوله تعالى: الزانية والزاني الخ لا دلالة فيه على الرجم ولا على التفصيل المذكور، وكذا لا يدل خبر عبادة على التفصيل بل على ما حكاه من جماعة من اصحابنا وكذا جلد علي عليه الصلاة والسلام سراجة ورجمها كما لا يخفى واما اجماع الصحابة فلم نتحققه بعد، حسين. انتهى. اقول: ان ما اورد طاب ثراه على الشيخ من ان الآية لا دلالة فيها على الرجم، غير وارد عليه، وذلك لان الشيخ لم يتمسك بها لاثبات الرجم بها فان من المعلوم عدم تعرض الآية له اصلا وانما اراد هو اثبات الجلد والرجم كليهما للشيخ والشيخة المحصنين فاستدل بالآية الكريمة لاثبات الجلد فانها لم تفصل بين الشيخ والشاب فباطلاقها تشمل المحصن والمحصنة والشيخ والشاب، واعتمد في اثبات الرجم على الاجماع والروايات، كما انه رحمه الله قد تعرض في المسألة الاولى لاثبات الرجم، فراجع ما تقدم من كلامه، وعلى هذا فلا يرد على اشكال من هذه الجهة.

[ 282 ]

نعم يمكن ان يورد عليه في مورد الشاب والشابة فيقال: لم لا يجب الجمع بين الجلد والرجم فيهما، مع ان مقتضى الجمع بين الآية والروايات هو الجمع بين الحكمين فيهما إذا كانا محصنين كما انه يرد هذا الاشكال على صاحب الجواهر ايضا وعلى الجملة فيمكن ان يطالب بالدليل على نفى الجلد في الشاب مع ان الآية تشمله. ويمكن ان يكون دليله في نفى الجلد في الشاب الروايات النافية للجلد فيه. ومما ذكرنا يظهر عدم ورود ما اورده قدس سره ايضا على الشيخ من عدم دلالة الآية على التفصيل، وذلك لانه لم يقصد من ذكر الآية دلالتها على التفصيل حتى يرد عليه انها لا تدل على ذلك. ثم ان هنا كلاما آخر وهو ان ما افاده الشيخ قدس سره من الجمع بين الجلد والرجم في مورد الشيخ والشيخة مع الاحصان هو عين ما كان يقول به ابن ادريس في باب الزنا بذات محرم فانه قال كما تقدم بوجوب الجلد ثم القتل لاقتضاء الجمع بين الآية والروايات ذلك، والحال انه قد رد كلامه هناك بان ظاهر الادلة هو التنويع والتقسيم. واما الثاني وهو حكم الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا غير محصنين فهل يجب رجمهما حتى تكون للشيخوخة خصوصية توجب الرجم نظير خصوصية الاحصان وانما يتفارقان في ان مع الاحصان يجب الجلد ايضا دون الشيخوخة، أو انه يختص ذلك بما إذا كانا محصنين، فمع عدم الاحصان لا رجم بل يكون الشيخ والشيخة مع عدم الاحصان كسائر الزناة وحدهما هو الجلد خاصة؟ اختلف الروايات بظاهرها في هذا المقام، فبعضها يدل على وجوب الرجم وبعضها على عدم ذلك. والاول: على قسمين قسم اقتصر فيه على الرجم وقسم تعرض للجلد ايضا أي جمع بين الجلد والرجم. ففى رواية عبد الله بن طلحة عن ابى عبد الله: إذا زنى الشيخ والعجوز

[ 283 ]

جلدا ثم رجما عقوبة لهما (1). وظاهرها بمقتضى التعليل الوارد فيها ان السبب في وجوب الجلد والرجم هو عقوبتهما. وفى صحيح الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: في الشيخ والشيخة جلد مأة والرجم، والبكر والبكرة جلد مأة ونفى سنة (2). وفى رواية عبد الرحمن عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يضرب الشيخ والشيخة مأة ويرجمهما ويرجم المحصن والمحصنة ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة (3). وفى رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الرجم في القرآن قول الله عزوجل: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة (4). وفى رواية سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: في القرآن رجم؟ " قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة (5). فمقتضى الاخيرتين هو وجوب الرجم فقط بخلاف الروايات المتقدمة عليهما فانها صريحة في الجمع بين الجلد والرجم. ولا يخفى ان روايتي عبد الله بن سنان وسليمان بن خالد ظاهرتان في وقوع التحريف في القرآن الكريم، ولكن الاقوى والمستظهر عندنا عدم تحريف فيه حتى بالنقيصة، خصوصا وان هذه العبارة المذكورة فيهما بعنوان القرآن لا تلائم آياته الكريمة التى قد آنسنا بها. هذا مع ان الاصل في هذا الكلام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 11. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 9. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 12. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 4. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 18.

[ 284 ]

عمر بن الخطاب (1). وكيف كان فهذه الروايات تدل على وجوب الرجم في الشيخ والشيخة مطلقا وان لم يكونا محصنين غاية الامر دلالة اكثرها على ضم الجلد ايضا. واما الثاني فهى رواية محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة ان يجلدا مأة وقضى للمحصن الرجم وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مأة ونفى سنة في غير مصرهما وهما اللذان قد املكا ولم يدخل بها (2). وهنا قد اقتصر على ذكر خصوص الجلد على ما هو الحال في سائر الزناة. ويمكن الجمع بينهما باخذ المتيقن من الروايات بان يقال: القدر المسلم من رجم الشيخ والشيخة لو كان هناك رجم عليهما كما هو صريح الروايات المتقدمة هو المحصن منهما، كما ان المتيقن من نفى الرجم عنهما لو نفى ذلك عنهما كما هو ظاهر رواية ابن قيس هو غير المحصن منهما فيجمع بين القسمين من الاخبار بان الشيخ والشيخة إذا زنيا فان كانا محصنين فان عليهما الرجم، أو الرجم والجلد، واما إذا كانا غير محصنين فعليهما الجلد فقط. لكن لا يخفى ان الجمع كذلك ليس جمعا عرفيا. ولذا قال الشيخ الحر العاملي في الوسائل بعد ذكر خبر محمد بن قيس: اقول: خص الشيخ والشيخة بما إذا لم يكونا محصنين لما مضى ويأتى. اقول: يمكن ان يقرر المطلب بانه لما كان رجم الشيخ والشيخة مع الاحصان امرا مفروغا عنه فانه قد قام الاجماع على ذلك، فلابد من كون المراد من قضاء امير المؤمنين بالجلد فيهما على ما هو صريح رواية ابن قيس قضائه عندما لم يكونا محصنين فلا تنافى ما دل على الرجم. وهذا الجمع عرفى لانه من باب حمل العام على الخاص، والنتيجة ان الشيخ والشيخة يجلدان الا إذا كانا محصنين فانه يجب رجمهما.


(1) راجع بعض ما قدمناه من التذييلات. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 2.

[ 285 ]

ويمكن ان يقرر بان المحصن يرجم باجماع المسلمين سواء كان شيخا أو شيخة أو شابا أو شابة وعلى هذا فرواية محمد بن قيس الدالة بظاهرها على جلد الشيخ والشيخ خلاف الاجماع فلذا تخصص بسبب الاجماع، بغير المحصن، فهما يجلدان إذا كانا غير محصنين وبعبارة اخرى يجلدان الا إذا كانا محصنين فانه يجب رجمهما. لكن التخصيص لا يخلو عن كلام وذلك لان تقديم الخاص على العام انما يكون من باب ظهور الخاص الاقوى أي اظهريته من العام بلحاظ خصوص الخاص ونفس العام، واما إذا حصل التقييد من الخارج فهذا لا ينافى ظهور العام ولا يفيد في تخصيصه لان ظهور العام بعد محفوظ بحاله ولا يحصل خلل فيه فلا يصح ان يقال ان ما دل على رجم الشيخ والشيخة مطلقا محصنين كانا أو غير محصنين يخصص ويقيد بسبب الاجماع القائم على رجم الشيخ المحصن بما إذا كانا محصنين فيقيد العام الدال على جلدهما بما إذا كانا غير محصنين، وعلى الجملة فالقول بان الشيخ والشيخة المحصنين حكمهما الرجم علما منا بذلك من الخارج بالاجماع مثلا لا ينفع في تخصيص العموم. نعم يمكن الجمع بينهما بان يقال: ان لرواية محمد بن قيس دلالتين دلالة اثباتية ودلالة سلبية اما الاولى فهى دلالتها على وجوب الجلد، ولا تعارض بينهما وبين روايات الرجم واما الاخرى فهى دلالتها على نفى الرجم، ومن هذه الجهة يحصل التعارض بينهما الا ان الرواية ليست بحجة من هذه الجهة والحيث، لانه يؤل إلى مخالفة الاجماع في بعض الفروع وهو ما إذا كانا محصنين فان الاجماع قائم على وجوب الرجم هناك. وإذا سقط دلالتها السلبية عن الحجية والاعتبار فلم يبق للرواية الا حيث اثبات الجلد وقد مر آنفا ان وجوب الجلد واثباته لا ينافى وجوب الرجم بدليل آخر، وعلى هذا فشأن رواية ابن قيس شأن الآية الكريمة التى قد يستظهر منها ان مطلق الزانى يجلد ولا تعرض فيها للرجم، فبذلك يرتفع التعارض بين القسمى ن.

[ 286 ]

نعم يبقى تعارض آخر اشرنا إليه آنفا وهو التعارض بين الروايات الدالة على الرجم بوحده والروايات الدالة على الجمع بين الجلد والرجم، فترى رواية ابن سنان المتقدمة تقول: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة (1) ورواية سليمان بن خالد تقول: الشيخ والشيخة فارجموهما البته (2) في حين ان رواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام: في الشيخ والشيخة جلد مأة والرجم (3) صريحة في الجمع بينهما، ومثلهما روايات اخرى بهذا المضمون، فيتعارض هذان القسمان في خصوص الجلد بعد اتفاقهما في اعتبار الرجم فيرجع إلى عموم الآية الكريمة: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، الدالة على وجوب جلد الزانى. وقد يقال بان المقام من باب النص والظاهر فان ما دل على الرجم وحده وهو الروايتان الذكورتان آنفا قد تعرض لذكر الرجم ولا تعرض فيه لذكر الجلد ايضا وهذا بخلاف رواية الحلبي ونظائرها الدالة على وجوب الجمع بين الجلد والرجم فانها صريحة في اعتبار كلا الامرين فيقدم النص على الظاهر (4). هذه غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الجمع بين روايات الشيخ والشيخة، وقد تحصل ان مقتضى الجمع هو اقامة الجلد والرجم كليهما في موردهما وعلى هذا فالشيخوخة خصوصية توجب الجلد والرجم كخصوصية الاحصان على قول من قال بوجوب الجلد والرجم في المحصن والمحصنة. هذا لكنى بعد التتبع التام والفحص البالغ لم اجد من قال بان الزانى إذا كان شيخا أو شيخة يرجم وان لم يكن محصنا حتى ان السيد المرتضى قدس سره لم يذكر الشيخ والشيخة في الانتصار، وليس في كلامه ذكر عنهما، وانما


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 18. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 9. (4) ذكره هذا العبد يوم 20 رجب المرجب سنة 1406 (ه‍).

[ 287 ]

ذكر المحصن والمحصنة، وعلى هذا فالروايات الدالة على وجوب الجمع بين الجلد والرجم في الشيخ والشيخة وان لم يكونا محصنين متروكة لم يعمل بها الاصحاب وهذا امر يوجب وهنها فهى مطروحة لا يؤخذ بها ان لم يكن حملها على المحصن والمحصنة، والنتيجة ان الشيخ غير المصحن كالشاب كذلك يقتصر على جلده ولا يرجم. هذا تمام الكلام في المسألة الثانية. واما الثالث وهو زنا الشاب والشابة إذا كانا محصنين فقال المحقق: وان كان شابا ففيه روايتان احديهما يرجم لا غير، والاخرى يجمع له بين الحدين وهو اشبه. اقول: فمن الروايات الدالة على الرجم وحده رواية عبد الله بن طلحة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا ثم رجما عقوبة لهما وإذا زنى النصف من الرجال رجم ولم يجلد إذا كان قد احصن وإذا زنى الشاب الحدث السن جدل ونفى سنة من مصره (1). ومنها رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الرجم حد الله الاكبر والجلد حد الله الاصغر فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يجلد (2). ومنها رواية سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مأة جلدة فاما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم (3). ومنها رواية زرارة عن ابى ج عفر عليه السلام قال: المحصن يرجم والذى قد املك ولم يدخل بها فجلد مأة ونفى سنة (4). ومنها ما عن الاصبغ بن بناته قال: اتى عمر بخمسة نفر اخذوا في الزنا فامر ان يقام على كل واحد منهم الحد وكان امير المؤمنين عليه السلام حاضرا فقال: يا عمر ليس هذا حكمهم قال: فاقم انت الحد عليهم فقدم واحدا منهم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 11. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 6.

[ 288 ]

فضرب عنقه وقدم الآخر فرجمه وقدم الثالث فضربه الحد وقدم الرابع فضربه نصف الحد وقدم الخامس فغرره فتحير عمر وتعجب الناس من فعله فقال عمر: يا ابا الحسن خمسة نفر في قضية واحدة اقمت عليهم خمسة حدود ليس شئ منها يشبه الآخر فقال امير المؤمنين عليه السلام: اما الاول فكان ذميا فخرج عن ذمته لم يكن له حد الا السيف واما الثاني فرجل محصن كان حده الرجم واما الثالث فغير محصن حده الجلد واما الرابع فعبد ضربناه نصف الحد واما الخامس فمجنون مغلوب على عقله (1). واما الروايات الدالة على الجمع بين الجلد والرجم فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في المحصن والمحصنة جلد مأة ثم الرجم (2). ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام في المحصن والمحصنة جلد مأة ثم الرجم (3). ومنها ما عن زرارة ايضا عن ابي جعفر عليه السلام قال: قضى علي عليه السلام في امرأة زنت فحبلت فقتلت ولدها سرا فامر بها فجلدها مأة جلدة ثم رجمت وكانت (كان) اول من رجمها (4). وظاهر هذه عدم كون المرأة شيخة كما ان ما تقدم عليها مطلق يشمل الشاب والشابة لعدم ذكر عن الشيخ والشيخة فيه. وفى صحيح الفضيل قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من اقر على نفسه عند الامام، إلى ان قال: الا الزانى المحصن فانه لا يرجمه الا ان يشهد عليه اربعة شهداء فإذا شهدوا ضربه الحد مأة جلدة ثم يرجمه (5).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 16. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من حد الزنا الحديث 8. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من حد الزنا الحديث 14. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من حد الزنا الحديث 13. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من حد الزنا الحديث 1 5.

[ 289 ]

وفى المرسل الوارد في قصة شراحة الهمدانية ان عليا عليه السلام جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله. ويستفاد من الرواية الاخيرة التى كأنها تفسر الآية الكريمة الواردة في جلد الزناة، ان للآية اطلاقا يشمل كل زان وانها لا تختص بغير المحصن. واذ حصل التعارض بين الطائفتين من الاخبار فان كان هناك ترجيح فيؤخذ بذات الترجيح والا فالتخيير، وقد ادعى المحقق ان الترجيح للطائفة الاخيرة وذلك لكونها اشبه باصول المذهب وقواعده. ومن جملة المرجحات هو كون هذه الروايات اصح سندا من الطائفة الاولى ففى المسالك بعد ذكر رواية طلحة وابن سنان التصريح بضعف الرواية وفى الجواهر بعد كلام المحقق المذكور آنفا: بقصور الخبرين سندا عن التخصيص. ومنها انها اقوى دلالة، قال في المسالك: والرواية مع ضعف سندها لا تدل على حكم الشاب إذا كان محصنا فلا ينافى غيرها مما دل على العموم. ومنها ان الشهرة على وفق الطائفة الاخرى الدالة على لزوم الجمع، وعلى هذا فيحكم بالجمع بين الجلد والرجم ومن المعلوم ان الروايات الدالة على الرجم تثبت ذلك ولا تنفى الجلد وهذا غير مناف لاثبات الجلد بدليل آخر ولو دل بعضها كرواية ابى بصير ورواية اصبغ بن نباته على الرجم وحده فهو محمول على التقية أو غير ذلك وان كان التعليل الوارد في مثل رواية ابى بصير لا يلائم التقية. واما الفرع الرابع فهو ما إذا زنى الشاب غير المحصن وحكمه الجلد بلا خلاف وهو المتيقن مما دل على وجوب جلد الزانى والزانية من الآية الكريمة والروايات الشريفة، فهو شامل له قطعا والا فاى مورد يكون تحت هذا الحكم لو لم يكن الشاب والشابة غير المحصنين مشمولا له؟ هذا مضافا إلى روايات عديدة تدل على ذلك.

[ 290 ]

فتحصل من جميع هذه الابحاث ان حكم الشيخ والشيخة المحصنين هو الجلد مع الرجم، وغير المحصن منهما هو الجلد وحده، وان كان مقتضى الجمع بين الاخبار هو الجمع بين الجلد والرجم، الا ان الاصحاب لم يقولوا بذلك، واما الشاب والشابة المحصنان فهما يجلدان ويرجمان وغير المحصن منهما يجلد فقط ولا يرجم. واتضح انه قد يجمع بين الحدين الجلد والرجم وذلك فيما إذا كان الزانى محصنا، نعم في بعض الاخبار ما ربما يستظهر منه انه لا يجمع بينهما اصلا. وفعن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن ابان عن ابى العباس عن ابى عبد الله عليه السلام قال: رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يجلد، وذكروا ان عليا عليه السلام رجم بالكوفة وجلد فانكر ذلك أبو عبد الله عليه السلام وقال: ما نعرف هذا، أي لم يحد رجلا حدين جلد ورجم في ذنب واحد (1). قوله: أي لم يحد الخ من تفسير يونس لقوله عليه السلام: ما نعرف هذا، وصريح ضبط الكافي والتهذيب والاستبصار ذلك فان فيها: قال يونس: أي لم يحد الخ. وقد نسبه الشيخ قدس سره إلى الغلط في تفسيره هذا، وحمل هو كلام الامام عليه السلام على واحد من وجهين وزاد في الوسائل وجها ثالثا. قال الشيخ قدس سره: الذى ذكره يونس ليس في ظاهر الخبر ولا فيه ما يدل عليه بل الذى فيه انه قال: ما نعرف هذا، ويحتمل ان يكون انما اراد: ما نعرف ان رسول الله صلى الله عليه وآله رجم ولم يجلد لانه قد تقدم ذكر حكمين من السائل احدهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله والآخر عن امير المؤمنين عليه السلام وليس بان يصرف قوله: ما نعرف هذا، إلى احدهما باولى من ان نصرفه إلى الآخر وإذا احتمل ذلك لم يناف ما قدمناه من الاخبار، ثم لو كان صريحا بانه قال: ما نعرف هذا من افعال امير المؤمنين عليه السلام لم يناف


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 5.

[ 291 ]

ما ذكرناه لانه يجوز ان يكون امير المؤمنين عليه السلام ما فعل ذلك لانه لم يتفق في زمانه من وجب عليه الجلد والرجم معا (1).. وقال في الوسائل: ويحتمل الحمل على التقية انتهى. ولا يخفى ان المستفاد من كلام الشيخ هو ان كلام الامام عليه السلام في هذا الحديث ليس الا جمله: ما نعرف هذا. وهو خلاف الظاهر فان ظاهر جملة: رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يجلد، هو انها من كلام الامام عليه السلام. الكلام في زنا البالغ المحصن بغير البالغة أو بالمجنونة قال المحقق: ولو زنى البالغ المحصن بغير البالغة أو بالمجنونة فعليه الجلد لا الرجم. وفى المسالك: هذا مذهب الشيخ وجماعة من المتأخرين ومستندهم صحيحة ابى بصير عن الصادق عليه السلام. ولا يخفى ان الصحيحة واردة في خصوص عكس المسألة وهو زنا غير البالغ بالبالغة. ووجه الاستدلال بها مع كونها كذلك هو الاخذ بالفحوى. والتحقيق ان ما تمسكوا به أو يمكن ان يتمسك به في المقام امور: 1: اصالة البرائة. 2: نقص حرمتهما بالنسبة إلى الكاملة ولذا لا يحد قاذفها 3: نقص اللذة فيه، فلا تجب العقوبة فيه بما يجب في الكامل. 4: فحوى نفى الرجم عن المحصنة إذا زنى بها صبى كما سيبحث فيه انشاء الله تعالى. 5: عموم التعليل الوارد في خبر ابى بصير الآتى ذكره. 6: درء الحدود بالشبهات. 7: انصراف الادلة عنه.


(1) التهذيب الجلد 10 الصفحة 6.

[ 292 ]

8: مرسلة السرائر. 9: عدم القول بالفصل. ولا يخفى ان شيئا من المذكورات لا يصلح لرفع اليد عن الادلة الدالة على وجوب رجم الزانى المحصن، أو الجمع بين جلده ورجمه واكثرها امور اعتبارية لا تنفع في استنباط الاحكام. فنقول في دفع هذه الوجوه: اما الاصل فانه لا مجال له مع وجود الدليل الشرعي وصدق الموضوع وهو زنا المحصن الموجب للرجم. واما نقص حرمة الصغيرة والمجنونة، ففيه ان العقوبة ليست منوطة بكمال الاحترام بل هي حد هذا العمل. واما نقص اللذة ففيه اولا انه غير مسموع في المجنونة بل الامر كذلك في الصغيرة فلعل اللذة تكون ازيد واكثر في بعض الموارد منها. وثانيا ان كثرة اللذة وقلتها ليست مناطا للحكم الالهى، وانت ترى ان الشيخ إذا زنى محصنا فانه يجلد ويرجم والحال ان اللذة في خصوصه قليلة إذا قيست بالنسبة إلى الشاب، وهل يمكن ان يقال إذا كان الزانى في ظروف لا يلتذ فيها بزناه مطلقا فلا حد له؟ وعلى الجملة فالعقاب وهو الحد مترتب على الزنا ولا عبرة بكمال اللذة ونقصانها. واما الفحوى فالظاهر انه لا فحوى في المقام وسيوافيك البحث في ذلك انشاء الله تعالى، وكذلك الامر بالنسبة إلى التعليل. واما درء الحد بالشبهة ففيه انه لا شبهة بعد استظهار المطلب من الادلة. واما الانصراف فيمكن ان يورد عليه بانه لو كان، فهو بدوى وثانيا انه على ذلك يشك في اصل الحد ايضا ويلزم ان لا يقام عليه حد اصلا لا ان ينتفى عنه خصوص الرجم كما هو المدعى الا ان يدعى الاجماع على وجوب الجلد. والانصاف ان احتمال الانصراف اقرب إلى الذهن من سائر الوجوه وان لم اقف على من ادعاه، لكن يمكن القول به أو احتماله في الآية الكريمة

[ 293 ]

والروايات الشريفة من الزنا بغير البالغ أو بالمجنونة وذلك لندرة وقوعه وشذوذه، والادلة محمولة على المتعارف وعلى ذلك فلا حد عليه ولا اقل من ان يشك في ذلك. واما المرسلة فنقول: لابد لنا من المراجعة إلى الاخبار المناسبة للمقام كى يتضح حال كل ماله تعلق بالاخبار ايضا كالتعليل والفحوى فنقول: عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة قال: يجلد الغلام دون الحد وتجلد المرأة الحد كاملا قيل فان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم لان الذى نكحها ليس بمدرك ولو كان مدركا رجمت (1). وهى وان كانت صحيحة ظاهرا (2) الا انها كما مر واردة في عكس المسألة لان المفروض فيها هو زناء غير البالغ بالبالغة في حين ان مفروض المقام هو زناء البالغ بالصغيرة مثلا. نعم قد علل عدم رجم البالغة بان ناكحها ليس بمدرك أي ليس ببالغ ويمكن ان يستفاد منه انه لو زنى البالغ بغير البالغة ايضا لا يرجم البالغ لان المنكوحة ليست بمدركة، وبعبارة اخرى مجرد عدم كون واحد من طرفي الزنا غير مكلف موجب لرفع الرجم من الطرف الآخر. لكن هذا مشكل جدا فان ظاهر قوله: لان الذى نكحها ليس بمدرك، هو انه علة مختصة بالناكح يعنى انه علة في خصوص مورده وهو ما إذا كان الناكح غير مدرك، واين هو من محل النزاع وهو كون المنكوحة غير مدركة بعد ما نعلم ان الناكح غير المنكوح ومباين له، خصوصا لو لوحظ ان زنا البالغ بالصبية مقرون باللذة له بخلاف زنا الصغير بالكبيرة حيث انه تقل وتنقص اللذة جدا. والعمدة ان الظاهر من الخبر اختصاص العلة بمورده فهو بعينه نظير أن


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (2) قال في المسالك الجلد 2 الصفحة 428: وقد عرفت مرارا حال ابي بصير واشتراكه وان صحة روايته اضافية.

[ 294 ]

يقال: لو قتل صغير احدا فانه لا يقتل لانه غير مدرك، حيث انه لا يدل على انه إذا قتل رجل صغيرا ايضا لا يقتل الرجل، ومن المعلوم انه لا دلالة له على ذلك. نعم لو كان يقول في مقام التعليل: لاقتران الزنا بعدم الادراك لكان يحسن اسراء الحكم، لانه كان نظير لا تشرب الخمر لانه مسكر، وهذا بخلاف التعليل الوارد في الرواية، الظاهر في الاختصاص، وان العلة هو عدم مدركية الناكح، فلا عموم للتعليل كى يتمسك به في المقام. وقد ظهر انه لا اولوية ايضا بان يقال: إذا كان زنا الصغير بالكبيرة يوجب رفع حكم الرجم عن الكبيرة فلو كان الزانى كبيرا والزانية صغيرة فاولى بعدم رجم الكبير، ولا يعلم من اين هذه الاولوية؟ بل لعل الامر بعكس ذلك. وعن ابن بكير عن ابى مريم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام في آخر ما لقيته عن غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة وفجر بامرأة اي شئ يصنع بهما؟ قال: يضرب الغلام دون الحد ويقام على المرأة الحد، قلت: جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها؟ قال: تضرب الجارية دون الحد ويقام على الرجل الحد (1). وهذه الرواية متضمنة لفرعين ثانيهما هو الفرع المبحوث عنه في المقام فنقول في شرحها: قوله: يقام على المرأة الحد، يمكن ان يكون المراد هو مجرد الجلد بان يكون اللام للعهد المذكور في الغلام، فتضرب المرأة اقل من الحد ويضرب الرجل تمام هذا الحد فلا محالة يكون المراد هو الجلد. ويمكن ان يكون المراد انه يقام عليها حدها المناسب لها المجعول عليها من الجلد ان كانت غير محصنة والجلد والرجم ان كانت محصنة كما لعله يومى إلى هذا، العدول عن لفظة يضرب إلى يقام، وعلى هذا تكون الرواية معارضة لرواية ابى بصير حيث انها نفت الرجم عن المرأة. ولكن مقتضى القاعدة ان يقال: ان هذه الرواية وان كانت مطلقة لكنها تقيد بصحيحة ابى بصير الصريحة في عدم الرجم فليس الا الحد. هذا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد الزنا، الحديث 2.

[ 295 ]

بالنسبة إلى الفرض الاول. واما الفرض الثاني في هذه الموثقة وهو فجور رجل بجارية غير بالغة فقد حكم الامام عليه السلام فيه بانه تضرب الجارية دون الحد ويقام على الرجل الحد وهذا وان كان هو فرضنا الا ان مراده من قوله: يقام على الرجل الحد غير واضح لانه ربما يبدو في الذهن ان المراد منه هو الحد المناسب بحاله المجعول له من الجلد في غير المحصن، والجلد والرجم فيه وان كان يحتمل ايضا ان يكون المراد منه هو خصوص الجلد. وعن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل وقع على صبية ما عليه؟ قال: الحد (1). والكلام هنا هو الكلام فيما مضى. وسألته عن صبى وقع على امرأة قال: تجلد المرأة وليس على الصبى شئ (2). وفى الوسائل: هذا محمول على غير المميز أو على نفى الحد دون التعزير انتهى. وكيف كان فقد علمت انه لم تكن في هذه الروايات رواية واردة في المقام صريحة في عدم الرجم نعم بالنسبة إلى عكس المسألة قد صرح في بعضها بعدم الرجم والاقتصار على مجرد الجلد. وإذا لم يحصل الاطمينان بعدم الرجم في رجل زنى بالصغيرة أو المجنونة فلا محالة نرجع إلى ادلة الزنا ونقول: لو لم يكن محصنا فمقتضى الاية والاخبار هو الجلد وان كان محصنا فهو يجلد ويرجم على ما مضى، لعدم وجود ما يصلح ان يكون مخصصا لروايات الزنا وحكم الاحصان. واما مرسلة السرائر فهذه: قد روى ان زنا الرجل بصبية لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ لم يكن عليه اكثر من الجلد وليس عليه رجم.. وكذلك المرأة إذا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد الزنا، الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 296 ]

زنت بصبى لم يبلغ لم يكن عليها رجم وكان عليها جلد مأة.. وروى ان الرجل إذا زنى بمجنونة لم يكن عليه رجم إذا كان محصنا وكان عليه جلد مأة وليس على المجنونة شئ بحال، لا جلد ولا رجم ولا تعزير (1). ومن المعلوم انه كان لا يعمل باخبار الاحاد، ولا يعلم انه نقل هذه الرواية المرسلة مفتيا بها أو انه اتى بها لمجرد نقل الرواية، وعلى هذا لابد من العمل بمقتضى قاعدة الاحصان لعدم اعتبار المرسلة. نعم قال في الرياض: ارسالها مجبور بالشهرة الظاهرة والمحكية. ثم قال: ولولا شبهة احتمال ضعف الدلالة لكانت هي للجماعة حجة مستقلة فالمشهور لعله لا يخلو عن قوة لقوة ما مر من الحجة المعتضدة زيادة على الشهرة بما ذكروه من علل اعتبارية، ولو تنزلنا عن قوتها فلا ريب في ايراثها الشبهة الدارئة للحدود اتفاقا فتوى ورواية انتهى. وبذلك يرتفع الرجم ويبقى الجلد بمقتضى الاية والروايات الدالة على ان الزنا يوجب الجلد قطعا. لكن يرد عليه ان الشهرة محل الكلام واول البحث بل في الجواهر ما يفيد انكارها فإذا لم يتحقق ذلك فلا محالة يؤخذ بالعمومات والاطلاقات ولا مجال للشبهة في قبالها كما انه في موارد الظهورات لا شك في وجود احتمال الخلاف ومع ذلك فلا يعتنى به بل يؤخذ بالظاهر ويطرح احتمال الخلاف، وعلى الجملة فالشبهة في مقابل الحجة الشرعية لا توجب درء الحدود الا فما من عام أو مطلق أو ظاهر الا ويحتمل خلافه مع انه لا يعتنى به فتحصل انه ان كان محصنا يجلد ويرجم والا يجلد فقط ولا يرجم. واما دعوى عدم القول بالفصل بين المسألة الاتية ومسئلتنا هذه بتقريب ان كل من قال بعدم الرجم في المرأة البالغة إذا زنى بها صغير فقد قال بعدمه في الرجل الذى زنى بالصغيرة وهو محصن ومن قال بثبوته فيها قال بثبوته هنا


(1) السرائر الجلد 3 الصفحة 443 و 444. (2) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 471.

[ 297 ]

فقد اجاب عنها في الجواهر بانه لا محصل لها على وجه ترجع إلى مدرك معتد به فان ثبوت الاجماع بذلك كما ترى انتهى. وذلك لانه على ذلك ففى كل من المسئلتين قولان ولا اجماع، فيرجع إلى الروايات الدالة على حكم الاحصان بعد صدق الزنا على الزنا بالصغيرة مثلا ايضا. ثم لا يخفى انه لم يكن في هذه الروايات ذكر عن زنا العاقل بالمجنونة لكن العلماء رضوان الله عليهم جعلوا الزنا بالمجنونة رديفا للزنا بغير البالغة. نعم في مرسلة السرائر: وروى ان الرجل إذا زنى بمجنونة لم يكن عليه رجم إذا كان محصنا وكان عليه جلد مأة (1). الكلام في زناء الطفل مع المرأة هذا كله حكم زناء البالغ مع غير البالغة واما عكس ذلك أي ما إذا زنى غير البالغ مع البالغة فقال المحقق. وكذا المرأة لو زنى بها طفل. يعنى ان المرأة لا ترجم ان كانت محصنة، وما ذكره هنا تام، وذلك لصراحة صحيحة ابى بصير في ذلك وبها تخصص الاخبار الدالة على رجم المحصن والمحصنة. وبهذه الصحيحة يعلم ان الحد في موثقة ابن بكير الناطقة بوجوب اجراء الحد على المرأة يراد به غير الرجم، وعلى الجملة فالفارق بين الفرعين هو النص فان رواية ابى بصير (2) صريحة في المقام بعدم الرجم، على خلاف الادلة الدالة


(1) السرائر الجلد 3 الصفحة 444. (2) قال العلامة المجلسي قدس سره في مرآت العقول بشرح خبر ابي بصير: صحيح ويدل على انه لو زنى غير البالغ بالمحصنة لا ترجم، وذهب إليه الشيخ وجماعة من المتأخرين، وذهب جامعة منهم ابن الجنيد وابو الصلاح وابن ادريس وهو ظاهر المفيد إلى وجوب الحد على الكامل منهما كملا بالرجم ان كان محصنا لورود الروايات باطلاق حد البالغ منهما وهو محمول على الحد المعهود عليه بحسب حاله من الاحصان وغيره وكذا الكلام فيمن وطأها المجنون .

[ 298 ]

على ان زنا المحصن والمحصنة يوجب الرجم. الكلام في ما إذا زنى المجنون قال المحقق: وفى ثبوته في طرف المجنون تردد والمروى انه يثبت وخالف في ذلك كثير. اقول: ان ما تقدم كان حكم الطرف البالغ العاقل فهنا يبحث في الطرف الاخر اعني المجنون مثلا إذا زنى وانه هل يقام عليه الحد ام لا؟ وقد وقع الخلاف في ذلك، فذهب جماعة إلى وجوب الحد عليه مطلقا وان كان محصنا فيرجم وانكره الكثيرون. واستدل الاولون بخبر ابان بن تغلب عن الصادق عليه السلام: إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد وان كان محصنا رجم. قلت: فما الفرق بين المجنون أو المعتوه والمجنونة والمعتوهة؟ فقال: المرأة انما تؤتى والرجل يأتي وانما يأتي إذا عقل كيف تأتى اللذة، وانما المرأة تستكره ويفعل بها وهى لا تعقل ما يفعل بها (1). وفى الجواهر: المشهور عدم الحد عليه حتى الجلد للاصل. اقول: الحق هو ما ذهب إليه المشهور واما التمسك بالاصل فهو غير صحيح لان الاصل يجرى فيما يمكن، وهنا لا يمكن اصلا فان من المعلوم ان العقل شرط عقلي في التكليف وبدونه يكون لغوا فإذا كان الانسان لا يتعقل شيئا ولا يدركه فهو ليس بمكلف حتى يجب عليه الحد لعدم ترتب اثر عليه اصلا والحال هذه، بل الامر كذلك في التعزير، فما ورد في بعض الروايات من ضربه وتأديبه فهو لتخويفه كى لا يرتكب العمل المعزر عليه فان المجنون يتخوف من عوامله كثيرا ولو فرض عدم فهمه لذلك ايضا فلا مجال للتعزير ايضا. وعلى الجملة فلو كان هناك تعبد خاص فهو، بان يكون بحيث يضرب قربة إلى الله؟! والا فلا وجه لحده اصلا.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 21 من ابواب حد الزنا، الحديث 2.

[ 299 ]

وقد ظهر بذلك ان مثل خبر ابان يشكل العمل به جدا كما ان فهم المراد منه ايضا امر مشكل لان الرجل إذا كان يأتي عند ما عقل فلذا يحد فهذا جار في طرف المرأة ايضا لان تهيئها لذلك يتحقق إذا عقلت فلا فرق بينهما وعلى هذا فلابد من حمل الرواية على ما لا يناقض القاعدة العقلية بان يكون المراد ان الرجل كان ناقص العقل لا مجنونا محضا فكان حال العمل عاقلا والا فلو كان مجنونا محضا كما انه قد يكون المجنون كذلك ويصدر منه الافعال حتى الزنا من غير توجه وارادة فيكون كالحيوانات بل اسوء حالا منها فلا وجه لحده اصلا ولذا لم يعمل المشهور بهذه الرواية لانه لا يمكن الالتزام بصدور ما يخالف الحكمة من الحكيم، فكيف يوجه الحكيم التكليف إلى المجنون الذى لا يعقل شيئا؟ وعلى الجملة فلابد اما من حملها ان امكن والا فطرحها. وبعضهم حملوها على مجنون يتعقل المقدار الذى يكون مصححا للتكليف (1) لكنه غير تام لانه على هذا فالمجنونة ايضا لو كانت كذلك فانها تحد بلا فرق بينهما، واما وجه استفادة الراوى واستظهاره الفرق بين المذكر والمؤنث فلعله هو انه كان قد سمع من الخارج ان الامام عليه السلام تعرض للحكم الانثى وانه لا يجرى عليها الحد وبعد ما سمع ان المجنون إذا زنى جلد وان كان محصنا رجم، بداله السؤال عن الفرق بينهما. ويمكن ان يكون نظر الراوى من السؤال إلى نفس هذا الكلام بان يكون مراده الاستفهام عن عدم تعرض الامام عليه السلام للمجنونة والمعتوهة مع تعرضه عليه السلام للمجنون والمعتوه وكانه يقول لم لا تذكر هذا الحكم في المجنونة والمعتوهة ايضا؟ الكلام فيمن حده مع الجلد، الجز والتغريب قال المحقق: واما الجلد والتغريب فيجبان على الذكر غير المحصن


(1) أو على من يعتوره الجنون ادوارا وقد زنى في حال تعقله هذا مضافا إلى ضعف طريق الرواية فراجع المسالك والجواهر.

[ 300 ]

فيجلد مأة ويجز رأسه ويغرب عن مصره عاما مملكا أو غير مملك. اقول: إذا كان الزانى حرا مذكرا غير محصن فانه يجمع في حده بين الجد وحلق رأسه ونفيه عن بلده عاما فيعاقب بالعقوبات الثلاث بلا فرق بين ان يكون مملكا أو غير مملك. اما الحكم الاول أي الجلد فلا خلاف ولا اشكال فيه وقد مر ان حكم الزانى غير المحصن هو الجلد ويدل عليه مضافا إلى اجماع المسلمين وعدم الخلاف فيه الكتاب والسنة وقد علمت دلالة الاية: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، والروايات الكثيرة على ان حده هو الجلد. واما الثاني أي جز الرأس يعنى قرض شهر رأسه بالمقراض أو حلقه فقد نسب إلى جمع من القدماء وان لم يتعرض غير واحد منهم لذلك. ومستندهم في ذلك روايتان احديهما معتبرة حنان قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا اسمع عن البكر يفجر وقد تزوج ففجر قبل ان يدخل باهله فقال: يضرب مأة ويجز شعره وينفى من المصر حولا ويفرق بينه وبين اهله (1). والاخرى رواية على بن جعفر وقد يعبر عنها بالصحيحة عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال: يجلد الحد ويحلق رأسه ويفرق بينه وبين اهله وينفى سنة (2). وقد عبر في الاولى بالجز وفى الثانية بالحلق، ولعل المقصود من الجز


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا، الحديث 8. اقول: وفي المسالك: رواية عبد الله بن بكير طلحة عن الصادق عليه السلام إذا زنى الشاب الحدث السن جلد وحلق رأسه ونفى عن مصره الخ. وفي شرح الارشاد للاردبيلي: ونقل في شرح الشرايع في خبر عبد الله بن طلحة وحلق رأسه بعد الجلد وقبل النفى، وما رأيته في الاصول ولا في الفروع وهو اعلم انتهى، اقول خبر طلحة الباب 1 الحديث 11.

[ 301 ]

المذكور في الاولى هو الحلق المذكور في الثانية. ويمكن ان يكون المقصود هو التخيير بينهما. وكيف كان فلا شك ان المراد من الشعر المذكور في رواية حنان هو شعر الرأس كما صرح بذلك في رواية على بن جعفر فان هذا هو المنصرف إليه من جز الشعر وحلقه والمتبادر منه، فلا يكفى غيره كحلق اللحية وغيرها. قال في الرياض: وظاهر اطلاق الجز فيه وان شمل جز شعر اللحية ونحوها الا ان المتبادر منه جز شعر الرأس منه فينبغي تقييده به سيما مع التصريح به في الخبر الاول يعنى خبر علي بن جعفر. وهل يعتبر حلق تمام الرأس أو موضع خاص منه أو يكفى حلق بعضه مطلقا؟ ظاهر المقنعة والمراسم والوسيلة تخصيص ذلك بشعر الناصية. وقد تمسك لذلك بالاصل أي اصالة البرائة من الزائد وممن تمسك به صاحب الجواهر قال: ولعله لاصالة البرائة من الزائد وزيادة اختصاصها بالشناعة لكن ينافيه ظاهر الخبرين المزبورين اللذين هما الاصل في الحكم. اقول: لا مجال لاصالة البرائة اصلا بعد ان الظاهر من حلق الرأس هو حلق تمامه، فان كان هناك انصراف إلى الناصية لاحترامها الخاص، واهميته الخاصة بحيث إذا اخذ بناصية احد فهو مسلوب القدرة وعاجز عن المقاومة كما يومى إلى ذلك ما ورد في الدعاء الشريف: اللهم ان هذا عبدك ناصيته بيدك (1) وغير ذلك فيحلق خصوصها لمزيد الشناعة، أو ان جز خصوص الناصية كان يستعمل في الامم بعنوان التوهين والتشهير عند ما يريدون عقوبة احد، أو ان ذلك هو المتيقن منه فهو والا فلابد من الاخذ بالظاهر وهو حلق الجميع ولا وجه للاكتفاء بحلق الناصية والظاهر انه لا انصراف في البين. ثم ان الروايتين كلتيهما واردتان في خصوص من تزوج ولم يدخل بها، فهو


(1) قد يقرء هذا في الصلوة على الميت كما سمعنا ذلك عن سيدنا الاستاد في الصلوة على الاموات لكن لم نجده في الكتب نعم في دعاء ليلة الجمعة ويومها انا عبدك وابن امتك وفي قبضتك وناصيتي بيدك راجع المفاتيح الصفحة 32 وفي دعاء كميل: يا من بيده ناصيتي.

[ 302 ]

إذا زنى من غير احصان يجز شعره، وحيث ان بينه وبين من لم يتزوج اصلا فرقا واضحا وذلك لان من تزوج وعقد على امرأة ولم يدخل بها يمكنه في كل آن ان يتمتع بها ويدفع بذلك شهوته في حين ان من لم يعقد على امرأة لا يتيسر له ذلك فربما يكون عقوبة الزنا في حقه اقل واسهل فلذا لا يحصل القطع بتنقيح المناط حتى يحكم بذلك في كل زان غير محصن سواء املك ام لا وخصوصا ان الحدود تدرء بالشبهات. لكن المحقق وجماعة عمموا الحكم لكل زان غير محصن وان لم يكن مملكا ونسبه في المسالك إلى اكثر المتأخرين وفى الجواهر بعد عبارة المحقق المذكورة آنفا قال: مملكا كان أو غير مملك وفاقا لظاهر المحكى عن العماني والاسكافى والحلبي وصريح المحكى عن المبسوط والخلاف والسرائر الخ. واما الحكم الثالث اعني النفى عن البلد واخراجه منه ففى وجوبه واستحبابه كلام، وذلك لاستشمام الاستحباب من بعض الروايات. لكن المشهور هو الحكم بالوجوب بل المستفاد من بعض العبائر الاجماع على ذلك بل صرح بذلك في الخلاف واليك عبارته: البكر عبارة عن غير المحصن فإذا زنى البكر جلد مأة وغرب عاما كل واحد منهما حد، ان كان ذكرا، وان كان انثى لم يكن عليها تغريب وبه قال مالك وقال قوم: هما سواء ذهب إليه الاوزاعي والثوري وابن ابى ليلى واحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة: الحد هو الجلد فقط، والتغريب ليس بحد وانما هو تعزير إلى اجتهاد الامام وليس بمقدر، فان رأى الحبس فعل وان رأى التغريب إلى بلد آخر فعل من غير تقدير، وسواء كان ذكرا أو انثى، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا الاصل برائة الذمة في المرأة فمن اوجب عليها التغريب فعليه الدليل، والجلد لا خلاف انه عليها إلى ان قال: واما الدليل على انهما حدان ظاهر الاخبار وان النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك وامر به فمن حمل ذلك على التعزير أو جعله إلى اجتهاد الامام فعليه الدليل

[ 303 ]

هو اجماع الصحابة (1).. ثم انه لما كان مستند العلماء هو الروايات فلابد من المراجعة إليها والاستظهار منها. فنقول: انها بواحد من الاعتبارات على قسمين: قسم منها وارد في فعل النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء والامام امير المؤمنين عليه السلام وناطق بانهم قد نفوا الزانى من البلد ولم يكن في هذا القسم تعرض لكونه مملكا أو غير مملك ولا فيه ذكر عن ذلك. نعم لما لم يتعرض ناقل القضية في هذه الاخبار عن ان الزانى الذى نفى عن بلده كان مملكا أو، لا، فلعل ترك الاستفصال فيها يفيد العموم. قال الشيخ قدس سره في الخلاف: روى عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وآله جلد وغرب، وان ابا بكر جلد وغرب وان عمر جلد وغرب. وروى عن علي عليه الصلاة والسلام


(1) الخلاف كتاب الحدود المسألة 3، وقال الكاظمي في مسالك الافهام الجلد 4 الصفحة 194: وهل يجب الجمع بين الجلد والتغريب في حد غير المحصن؟ اثبته اصحابنا والشافعية. وانكره الحنفية زاعمين ان التغريب مفوض إلى رأى الامام قالوا وروى عنه (صلى الله عليه وآله): البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام وكذا ما روى عن الصحابة انهم جلدوا ونفوا، منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب لا الوجوب واحتجوا على ذلك بان ايجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وذلك لان ايجاب الجلد ترتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء ومعنى الجزاء كونه كافيا في ذلك فايجاب شئ آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافيا ولان التغريب لو كان مشروعا لوجب على النبي صلى الله عليه وآله توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر مع ان ابا هريرة روى انه صلى الله عليه وآله قال في الامة: إذا زنت فاجلدها فان زنت فاجلدها فان زنت فبعها ولم يذكر التغريب. والجواب ان ايجاب الجلد في الآية لا ينافي ايجاب التغريب وعدمه بل يحصل مع كل منهما فلا اشعار في الآية باحد القسمين الا ان عدم التغريب لما كان موافقا للبرائة الاصلية كان ايجابه بخبر الواحد لا يزيل الا محض البرائة فلا يلزم نسخ القرآن به. وقول النحاة انما سمى الجزاء جزاء لانه كاف في الشرط، فلا يصح حجة في الاحكام، ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الاحكام كاكثر المخصصات، والاخبار الواردة في نفى التغريب معارضة باخبار أخر دلت على ثبوته وبالجملة فقول الحنفية ضعيف انتهى.

[ 304 ]

وعثمان انها فعلا ذلك. وروى عن ابى وابن مسعود مثل ذلك فغرب أبو بكر وعمر إلى الشام، وعثمان إلى مصر، وعلى عليه الصلاة والسلام إلى الروم ولا مخالف لهم، وما روى من عمر انه قال: والله ما غربت بعدها ابدا، وروى عن علي عليه الصلاة والسلام انه قال: التغريب فتنه، الوجه فيه ان عمر نفى شارب الخمر فلحق بالروم فلهذا حلف، وقول علي عليه الصلاة والسلام، اراد ان نفى عمر فتنة وهذا الذى حكيناه (1). إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على ذلك. واما القسم الاخر فهى الروايات الواردة عن النبي والائمة عليهم السلام المصرحة بانه حد له. ففى النبوي صلى الله عليه وآله: البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مأة ثم الرجم (2). والتقسيم بحسب هذا الخبر ثنائي فان كانت للزاني زوجة وقد دخل بها فهو ثيب والا فهو بكر سواء عقد على امرأة ام لا فإذا زنى فانه ينفى عن بلده ويغرب، وعلى الجملة فالبكر هنا هو من لا يجامع. وفى خبر عبد الله بن طلحة عن ابى عبد الله عليه السلام:.. وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد ونفى سنة من مصره (3). وهو ايضا كذلك يدل على ان الشاب الحدث السن إذا زنى ينفى عن بلده سواء كان له زوجة ام لا غاية الامر انه قد خرج منه المحصن بدليله فانه يرجم ولا مورد للنفي مع الرجم فيبقى غيره تحت العنوان. وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان محمد بن ابى بكر كتب إلى علي عليه السلام في الرجل زنى بالمرأة اليهودية والنصرانية فكتب عليه السلام إليه: ان كان محصنا فارجمه وان كان بكرا فاجلده مأة جلدة ثم انفه واما


(1) الخلاف الجلد 3 كتاب الحدود المسألة 3. (2) سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 222. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 11.

[ 305 ]

اليهودية فابعث بها إلى اهل ملتها فليقضوا فيها ما احبوا (1). ترى تثنية التقسيم فاما هو محصن فيرجم واما انه بكر فيجلد وينفى الا انه قد خرج الشيخ والشيخة المحصنان بدليلهما فانهما يجلدان ويرجمان وعلى الجملة فالبكر هنا في مقابل المحصن فيشمل ما إذا لم يتزوج ولم يدخل بها وعن مثنى الحناط عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الزانى إذا جلد الحد قال: ينفى من الارض إلى بلدة يكون فيها سنة (2). فهذه الاخبار ناطقة بوجوب النفى وانه مثل الجلد حد للزاني غير المحصن نعم في خبر سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا زنى الرجل ينبغى للامام ان ينفيه من الارض التى جلد فيها إلى غيرها فانما على الامام ان يخرجه من المصر الذى جلد فيه (3). والتعبير بلفظ (ينبغى) الظاهر في الاستحباب يوجب نقص ظهور الاوامر الواردة في الروايات الاخر في الوجوب، هذا مضافا إلى نقل الشيخ الصدوق الرواية بلفظ ليس ينبغى (4) الا ان في مفاد الخبر على فرض عدم لفظة (ليس) نوعا من الاجمال لعدم الملائمة بين الصدر والذيل نعم لو كانت الرواية مشتملة عليها كما هو مقتضى نقل الفقيه فالمعنى ظاهر وذلك لان المراد من الارض على هذا بقرينة تقابلها للمصر هو المملكة الاسلامية وكانه قال: لا ينبغى للامام ان يخرجه من ارض الاسلام ومملكة المسلمين إلى خارجها وانما عليه ان يخرجه من البلدة التى جلد فيها، وعليه فلا ابهام ولا اجمال في البين وتساعد سائر الاخبار. ولسماعة خبر آخر غير مشتمل على هذا الذيل وهو: عن ابى عبد الله


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من حد الزنا الحديث 5. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من حد الزنا الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من حد الزنا الحديث 4. (4) راجع من لا يحضره الفقيه الجلد 4 الصفحة 25، وفي الوافي الجلد 2 الصفحة 45 من ابواب الحدود: في الفقيه فليس ينبغي للامام، وهو الاظهر وعلى التقديرين لا يخلو متن الابهام واجمال انتهى.

[ 306 ]

عليه السلام قال: إذا زنى الرجل يجلد وينبغى للامام ان ينفيه من الارض التى جلد فيها إلى غيرها سنة (1). وكيف كان فالاخبار الدالة على الوجوب كثيرة عددا ومعمول بها عند المشهور وعلى هذا فالزانى إذا لم يكن محصنا يجب مضافا إلى جلده، نفيه عن بلده وتغريبه إلى بلد آخر. واما ما ورد من حلف عمر بالله سبحانه على عدم التغريب بعدها ابدا ففيه مضافا إلى ما مر عن الشيخ قدس سره انه قد نقل ان عمر نفاه من بلده لانه شرب الخبر (2) ومن المعلوم ان حد شرب الخمر هو جلد ثمانين وليس على شارب الخمر التغريب، ولما اعترض عليه في ارتكابه ما يخالف حكم الشرع حلف بالله ان لا يغرب بعد ذلك ابدا والى ذلك يشير الامام عليه السلام في قوله: ان نفى عمر فتنة. وهذه الاخبار تدل باطلاقها على تغريب مطلق الزانى غير المحصن في حال تدل روايات اخرى على اختصاص ذلك بالبكر مثلا. ففى رواية محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة ان يجلدا مأة وقضى للمحصن الرجم وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مأة ونفى سنة في غير مصرهما وهما اللذان قد املكا ولم يدخل بها (3). ترى انه عليه السلام قد خص النفى بالبكر والبكرة، وقد فسر ذلك بمن تزوج ولم يدخل بها. نعم قد يبحث في ان هذا التفسير من الامام عليه السلام أو من الراوى ولكن الظاهر هو الاول. والظاهر من نقل الامام ابى جعفر عليه السلام وحكايته عن امير المؤمنين


(1) الوسائل الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 5. (2) صرح به في كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 219. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 2.

[ 307 ]

عليه السلام هو الاختصاص وانه صلوات الله عليه نفى خصوص هذا الفرد والا فكان يقول: نفى الزانى غير المحصن. وفى رواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: المحصن يرجم والذى قد املك ولم يدخل بها فجلد مأة ونفى سنة (1). وهنا جعل المحصن مقابلا المملك وعلى هذا يكون التقسيم ثلاثيا ويبقى غير المحصن الذى لم يتزوج اصلا ولابد ان يكون حكمه هو ما ذكر في الاية الشريفة من وجوب الجلد. وفى رواية زرارة ايضا عن ابى جعفر عليه السلام قال: الذى لم يحصن يجلد مأة ولا ينفى والذى قد املك ولم يدخل بها يجلد مأة وينفى (2). وهذه الروايات تصلح للتقييد وخصوصا الاخيرة منها حيث نفى فيها النفى عمن لم يحصن وانما خصت النفى بمن تزوج ولم يدخل بها وعلى هذا فالمحصن يرجم وغير المحصن إذا كان قد تزوج ولم يدخل بها يجلد، وينفى وإذا لم يتزوج اصلا فانه يجلد بلا نفى. والتحقيق ان ههنا اخبارا مطلقة غير مقيدة بمن تزوج ولم يدخل بها وهى واردة بالسنة مختلفة. فمنها ما ورد بعنوان: إذا زنى الرجل، أو الشاب كرواية سماعة ورواية عبد الله بن طلحة المذكورتين آنفا. ومنها ما ورد بعنوان البكر كرواية الحلبي عن الصادق عليه السلام: والبكر والبكرة جلد مأة ونفى سنة (3) ومثله رواية عبد الرحمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يضرب الشيخ والشيخة مأة ويرجمهما ويرجم المحصن والمحصنة، ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة (4).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 6. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 9. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 12.

[ 308 ]

ومنها ما ورد بلفظ الزانى كرواية ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الزانى إذا زنى اينفى؟ قال: فقال نعم من التى جلد فيها إلى غيرها (1). لكن في قبالها روايات ذكر فيها: من تزوج ولم يدخل بها، وهى على اقسام فمنها ما ورد بلفظ الاثبات وذلك كرواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام: والذى قد املك ولم يدخل بها فجلد مأة ونفى سنة (2). ومنها ما تضمن النفى والاثبات كقوله عليه السلام في رواية زرارة الاخرى: الذى لم يحصن يجلد مأة جلدة ولا ينفى والذى قد املك ولم يدخل بها يجلد مأة وينفى (3) " فتأمل ". ومنها ما دل على بيان المورد الصالح لان يدل على عدم جريان الحكم في غيره وذلك كرواية محمد بن قيس التى مر نقلها. هذه مجموعة الاخبار الدالة على التقييد، والكلام هنا في انه هل تصلح هذه الروايات لتقييد المطلقات ام لا والا فلا شك في كون المطلقات دليلا على العموم وان النفى جار في غير المحصن سواء كان قد تزوج ام لا، فلو استشكل في دلالة المقيدات يؤخذ بالاطلاقات بلا كلام، والظاهر عدم خلو ما يؤتى للتقييد عن الاشكال. اما رواية محمد بن قيس ففيها اشكالات عديدة منها ما ذكره في الجواهر ومن قبله صاحب الرياض فيه من ضعف دلالتها وذلك لاحتمال كون التعريف من غير الامام وعدم العلم بكونه منه عليه السلام حتى يؤخذ به. ومنها ضعفها وعدم الجابر لها فانه وان ادعى بعض عليه الشهرة واختاره العلامة في المختلف وولده في الايضاح وابو العباس في المقتصر (4) الا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. (4) راجع المختلف الصفحة 757 وايضاح الفوائد الجلد 4 الصفحة 479 والمقتصر الصفحة 401 ونسب هو إلى القاضي وابن حمزة والصدوق وظاهر المفيد وتلميذه، فراجع.

[ 309 ]

انها موهونة بعدم تحقق الشهرة، هذا مضافا إلى دعوى الشهرة على خلاف ذلك ايضا وممن ادعاها الشهيد الثاني في المسالك، والى رجوع الشيخ قدس سره عما ذكره في النهاية من الاختصاص في كتابيه: الخلاف والمبسوط إلى القول بشمول الحكم لغير المحصن مطلقا وقد ذكر ذلك صاحب الرياض ايضا. ومنها ما اورده هو وصاحب الجواهر من اشتمالها على نفى البكرة ايضا مع انهم لا يقولون به وهو خلاف المشهور بل قد ادعى الاجماع على عدم نفى المرأة. ومنها ما اورده بعض الاعاظم رضوان الله عليه من ان معنى البكر والبكرة معلوم عند الناس ومعروف لدى العرف وهو الذى يذكر في كتاب النكاح حيثما يقولون بولاية الاب والجد بالنسبة إلى الباكرة يعنى من لم تتزوج واما تقييدهما بمن تزوج ولم يدخل بها فهو لا يخلو عن رجوعه إلى تقييد الموضوع أو إلى تعيينه فان رجع إلى تقييده فلا كلام، بان يكون المراد ان حكم الله تعالى بالنفى الوارد على البكر يراد به فرد خاص منه وهو من تزوج ولم يدخل بها، وان رجع إلى تعيينه فيشكل من جهة انه اثبات الموضوع بخبر واحد مع انه لابد في الموضوعات من البينة ولا يكتفى بالواحد (1). وهذه الاشكالات وان فرض امكان الذب عنها أو بعضها بان يقال بالنسبة إلى الاشكال الاول مثلا بان الظاهر كون التفسير من الامام، على ما ذكرنا من قبل، وبالنسبة إلى الاشكال الثالث مثلا أي تضمن الرواية لنفى البكرة الذى لا يقول به العلماء، بانه لا بأس باشتمال رواية على جملتين كانت واحدة منهما غير معمول بها وانه لا يقدح في العمل بالاخرى، وان كان يرد عليه بان هذا يتم فيما إذا كانت هناك جملتان مستقلتان كذلك واما مثل المقام الذى ليس من هذا القبيل بل ذكر الحكمان بانشاء واحد فلا. الا ان لنا اشكالا آخر لا مخلص منه، وهذا الاشكال المهم في المقام هو


(1) راجع جامع المدارك الجلد 7 الصفحة 31.

[ 310 ]

ان رواية محمد بن قيس الدالة على وجوب نفى البكر المفسر بمن تزوج بالنسبة إلى الروايات الناطقة بنفى كل زان الا ما خرج بالدليل كالمحصن يكونان من قبيل المثبتين، وشرط التقييد في المثبتين هو العلم بوحدة المطلوب فإذا ورد مثلا: اعتق رقبة وورد ايضا اعتق رقبة مؤمنة فما لم يعلم بان المطلوب من كلا الدليلين واحد، بل احتمل ان يكون كل واحد مطلوبا في حد نفسه لا يمكن التقييد. فإذا علم ذلك فهناك يقيد وفى المقام لا علم بذلك بل من المحتمل القريب ان يكون من تزوج ولم يدخل بها محكوما بالنفى وكذا من لم يتزوج اصلا وهو غير محصن، فكيف نقول باختصاص الحكم بمن تزوج والحال هذه؟ وعلى هذا فيقال بان الحكم حكم العام أو المطلق وانما ذكر خصوص من تزوج ولم يدخل بها في بعض الروايات لانه احد افراده ولئلا يتخيل انه صار محصنا بذلك وخارجا عن الحكم، فالحكم حكى الزانى غير المحصن مطلقا. هذا مضافا إلى اشكالات اخرى في الروايات الدالة على التخصيص فان رواية محمد بن قيس وان عبر عنها في الجواهر بالحسنة مثلا فانها محل الخلاف وقال بعض بضعفها وذلك لان محمد بن قيس مشترك، والتمسك برواية كان سندها مختلفا فيه مشكل خصوصا بلحاظ ان الروايات الناطقة بالنفى في مطلق الزانى غير المحصن اكثر عددا وقد افتى بها اكثر العلماء. كما ان رواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام: المحصن يرجم والذى قد املك ولم يدخل بها فجلد ماة ونفى سنة (1) المذكور فيها النكاح مع عدم الدخول فالظاهر عندي ان اختصاص من املك ولم يدخل بها بالذكر من باب دفع توهم ان من تزوج ولم يدخل بها يكون محصنا، بل الاحصان موقوف على الدخول، لا لخصوصية لمن تزوج ولم يدخل بها، كما ان روايته الاخرى عن ابى جعفر عليه السلام (2) لم يثبت كونها متضمنة لكلمة " لا " حتى تدل على


(1) قد تقدم نقلها آنفا فراجع. (2) الحديث 7 وقد مر آنفا.

[ 311 ]

الخصوص ولعله يكون الصحيح: الذى لم يحصن يجلد مأة وينفى كما قال في الوافى بعد نقلها: بيان: في التهذيب: وينفى في الموضعين بدون لا، والتى قد املكت على المؤنث، وفى الاستبصار مثل ما في الكافي (1). ولذا ترى ان صاحب الرياض لم يطمئن بتخصيص الروايات برواية محمد بن قيس ورواية زرارة قال: وقصور سند الثاني (2) وتضمن الاول نفى البكرة مع انهم لا يقولون به بل ادعى في الخلاف الاجماع على خلافه كما يأتي يمنع عن العمل بهما مع ضعف دلالة الاول باحتمال كون التعريف من غير الامام ولا جابر لهذه القوادح عدا الشهرة المحكية في السرائر وهى موهونة بعدم المعلومية مع دعوى جماعة الشهرة على خلافها ومنهم شيخنا في المسالك كما عرفته، ويزيد وهنا رجوع الشيخ عما يوافقها إلى القول الاول أي تغريب مطلق غير المحصن في كتابيه المبسوط والخلاف سيما وان في الثاني ادعى الاجماع، فالقول الاول لا يخلو عن قوة. ثم قال: وان كانت المسألة لا يخلو بعد عن شبهة ولعله لذا ان الفاضل في الارشاد والقواعد والفاضل المقداد في التنقيح والصيمري في شرح الشرايع ظاهرهم التردد حيث اقتصروا على نقل القولين من دون ترجيح لاحدهما في البين. ثم قال: وبه تحصل الشبهة الدارئة وبموجبه يتقوى القول الثاني في المسألة سيما وان ظاهر الغنية ان عليه اجماع الامامية انتهى (3). وقد تبعه في ذلك صاحب الجواهر ايضا حيث قال: وهو في محله. ونحن نقول: انهما وان اجادا في القول بعدم الحصول على ما يصلح


(1) الوافي الجلد 2 كتاب الحدود الصفحة 38 اقول: لكن لفظة " لا " موجودة في التهذيب الموجود عندي. (2) اقول: الوجه في ذلك ان من جملة رجال سنده موسى بن بكر وهو واقفي كما صرح به في جامع الرواة. (3) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 472.

[ 312 ]

لكونه مخصصا الا ان الذى تمسكا به من الشبهة الدارئة ليس في محله وذلك لانه لا شبهة مع وجود المطلقات الدالة على وجوب النفى لكل زان غير محصن فلابد من التمسك بها بعد عدم ما يصلح لكونه مخصصا. وقد ظهر بما حققنا ان ما افاده المحقق " بقوله: وقيل يخص التغريب بمن املك ولم يدخل، (ثم قال): وهو مبنى على ان البكر ما هو والاشبه انه عبارة عن غير المحصن وان لم يكن مملكا. " ليس بوجيه فانه إذا كان الموضوع في النفى والتغريب قد جيى به بعناوين متعددة فكيف يبتنى البحث على فهم معنى البكر الذى هو احد تلك العناوين؟ مضافا إلى عدم خفاء في معنى البكر اصلا فانه هو الذى لم يدخل والبكرة هي التى لم يدخل بها ففى الرواية عند التعبير عن كونها بكرا لم تزن: ان عليها خاتما من الله، فلا اجمال في البين، ويبقى ان لنا هذه الاخبار ومقتضى عموم الموضوع في كثير منها هو تعميم الحكم بالنسبة إلى كل زان غاية الامر خروج المحصن بالدليل والاخذ بالخاص مشكل جدا بعد ان اكثر الروايات الواردة في المقام دال على العموم والاطلاق، واكثر العلماء قائلون بذلك، وما دل على الخصوص كرواية محمد بن قيس لم يكن كما عرفت من حيث السند والدلالة بحيث تطمئن إليها النفس وان عبر عنها في الجواهر بالحسنة واعتمد عليها بعض ايضا ولا يعتمد على رواية رماها بعض بالضعف كما ترى تصريح المسالك باشتراك محمد بن قيس الذى هو في سلسلة رواتها. فتحصل ان الاظهر والاقوى بحسب الاجتهاد هو ما ذكره المحقق قدس سره من التعميم وان كل زان غير محصن يجب عليه ان ينفى من بلده كما يجب ان يجلد مأة جلدة بلا فرق بين من تزوج ولم يدخل بها أو لم يتزوج اصلا. الكلام في انه من اين ينفى بعد ان ثبت وتحقق وجوب النفى تصل النوبة إلى البحث في انه من اين ينفى فهل الملاك هو وطنه أو بلد الزنا أو بلد الجلد؟

[ 313 ]

اختلفت الروايات في التعبير عن هذا الموضوع كما ان بعضها مطلق لا تعرض فيه لذلك بل يقول بالنحو الكلى ينفى سنة كما في رواية الحلبي: والبكر والبكرة جلد مأة ونفى سنة (1) وفى رواية زرارة: فجلد مأة ونفى سنة (2) ومثلها روايته الاخرى وفيها: وينفى (3) وفى رواية على بن جعفر عن اخيه: ينفى سنة (4)، وفى بعضها: من بلدة إلى بلدة كرواية الحلبي عن الصادق عليه السلام (5) وليس المراد منها، واضحا فهل المقصود وطنه أو غير ذلك؟ وعلى الجملة ففى بعضها: من مصره، أو: من المصر، أو: من مصرهما، ففى خبر عبد الله بن طلحة: ونفى سنة عن مصره (6) وفى خبر حنان: وينفى من المصر حولا (7) وفى خبر محمد بن قيس: ونفى سنة في غير مصرهما (8) وهذه الاخبار ظاهرة في كون الملاك نفس الوطن وان لم يكن هو بلد الزنا والجلد. وفى بعض منها: ينفى من الارض إلى بلدة يكون فيها سنة كرواية مثنى الحناط عن ابى عبد الله عليه السلام (9). وفى بعضها ان امير المؤمنين نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة (10) وغير معلوم ان الزنا والجلد أو واحد منهما وقع في الكوفة ام لا. ومنها ما هو صريح في بلد الجلد وذلك كرواية سماعة: ينبغى للامام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 9. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا، الحديث 8. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 11. (7) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. (8) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 2. (9) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (10) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 314 ]

ان ينفيه من الارض التى جلد فيها إلى غيرها فانما على الامام ان يخرجه من المصر الذى جلد فيه (1). ورواية ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الزانى إذا زنى اينفى: قال: فقال: نعم من التى جلد فيها إلى غيرها سنة (2). فما نصنع إذا مع هذا الاختلاف في التعابير والروايات؟ وما هو الحكم؟ ذهب الشيخ إلى ان المعيار هو بلد الزنا واليك نص كلامه: والنفى واجب عندنا وليس بمستحب وقال بعضهم هو مستحب موكول إلى اختيار الحاكم ان راى نفى وان راى حبس وحد التغريب ان يخرجه من بلده أو قريته إلى بلد آخر وليس ذلك بمحدود بل على حسب ما يراه الامام وقال قوم ينفيه إلى موضع يقصر فيه الصلاة حتى يكون في حكم المسافر عن البلد فان كان الزانى غريبا نفاه إلى بلد آخر غير الذى زنى فيه (3). واختار صاحب الجواهر التغريب عن مصره الذى هو وطنه، ولم يبين قدس سره انه كذلك مع وقوع الزنا أو الجلد فيه اولا. لكنه عند توجيه كلام الشيخ ايضا قال: ولعله الظاهر من خبر مثنى الحناط. اقول خبر مثنى الحناط هذا: عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الزانى إذا جلد الحد، قال ينفى من الارض إلى بلدة يكون فيها سنة (4). وهذا الخبر بظاهره دال على لزوم نفيه من بلد الجلد لا بلد الزنا وذلك لان الالف واللام في (الارض) للعهد، والمراد الارض التى جلد فيها الحد وقد علمت ان روايات عديدة تدل على انه ينفى من الارض التى جلد فيها (5).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (3) المبسوط الجلد 8 الصفحة 3 وقد وافقه الاردبيلي ايضا فقال: الثامن التغريب الاخراج عن البلد الذي زنا فيه إلى بلد آخر لا عن تحت حكومة قاضي تلك البلد انتهى. (4) وسائل الشيعة الجلد 8 الباب 24 من ابواب حد الزنا، الحديث 4. (5) ما افاده دام ظله اشكالا على الجواهر لعله لا يخلو عن كلام وذلك لان استظهار الجواهر من قول =

[ 315 ]

وكيف كان فنحن نقول: اللازم مراعاة كل هذه العناوين المذكورة في الروايات عند نفى الزانى وتغريبه. توضيح ذلك يتوقف على ذكر مقدمتين احديهما انه ليس للنفي خصوصية اصلا بل النفى والاخراج ملحوظان مقدمة وانما العناية التامة للشارع قد تعلقت على عدم كون الزانى هنا فهو المقصود وذو المقدمة وبعبارة اخرى ان الهدف الاصيل والمقصد الوحيد هو ان لا يكون الزانى في المكان المذكور في الروايات. ثانيتهما انه لا يستفاد من كل من الروايات الحصر ونفى المكان المذكور في الرواية الاخرى وانما المستفاد من كل هذه الروايات اخراجه من البلد المذكور فيها بلا تعرض لنفى غيره. وحينئذ نقول: انه لا تنافى بين هذه الروايات اصلا كى يحتمل الحكم بالتخيير أو نحكم باعتبار خصوص بلد الجلد أو بلده الذى هو وطنه كما


= الشيخ بكون الملاك هو بلد الزنا لا يكون من رواية الحناط على نقل الوسائل المطابق لنقل الكافي بل انما هو منها على نقل الشيخ في التهذيب فان هذه الرواية المنقولة في الكافي والتهذيب وقد نقلها الوسائل وفقا للكافي فراجع واما هي على نقل التهذيب الجلد 10 الصفحة 197: عن مثتى الحناط عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الزاني إذا جلد الحد؟ قال: ينفي من الارض التي يأتيه إلى بلدة تكون فيها سنة، وغير خفي ان الظاهر منها هو ان المراد من " من يأتيه " اي يأتي الزنا، قال المحدث الكاشاني في الوافي الجلد 1 الصفحة 25 من الحدود: بيان: في التهذيب: من الارض التي يأتيه أي يأتي الزنا انتهى فلذا احتمل في كشف اللثام عود الضمير إلى الامام وقال بعد نقل الخبر على ما ذكرناه: فان الظاهر ان يأتيه بمعنى يأتي الزنا ويحتمل: يأتي الامام فيكون النفي من ارض الجلد إلى مصر آخر كما مر في خبري حنان ومحمد بن قيس وكما قال الصادق عليه السلام في حسن الحلبي.. وفي خبر سماعة: إذا زنى الرجل.. وانما على الامام ان يخرجه من المصر الذي جلد فيه، وهذا الخبر نص في النفى من بلد الجلد وكذا خبر ابي بصير:.. نعم من التي جلد فيها إلى غيرها. وعلى ما ذكرنا يترتب قول الجواهر: وربما احتمل بعد ان يأتي الامام، فيكون النفى من ارض الجلد إلى مصر آخر انتهى. فان هذا ناظر إلى كلام كاشف اللثام وعلى ما افاده دام ظله لا معنى لهذه الجملة في الجواهر اصلا. وقد اوردت ذلك عليه دام ظله في يوم 11 شعبان المعظم 1406

[ 316 ]

اختاره صاحب الجواهر مصرحا ان مصره هو وطنه، أو بلد وقوع الزنا كما اختاره شيخ الطائفة فان المواجهة مع الروايات بهذا النحو فرع التنافى بينها وعدم امكان اجتماعها مع ان بينها كمال الملائمة ويجمع بينها بلا اشكال وحينئذ يجب على الحاكم ان ينفيه من وطنه ومن بلد زناه ومن بلد جلده فتارة تجتمع وتتحد تلك العناوين أي الوطن وبلد الزنا وبلد الجلد فالامر سهل ولا كلام، واخرى تفترق العناوين فيكون بلد وطنه غير بلد زناه وهو غير بلد جلده وهناك يخرج وينفى من كل هذه البلاد إلى بلد آخر اياما كان وعلى الجملة فاللازم ان لا يكون هو لا في وطنه ولا في بلد قد زنى فيه ولا ما جلد فيه. وهل الحكم مختص بالمصر والبلد أو انه يجرى في القرية ايضا؟ الظاهر انه لا فرق بينهما ولا خصوصية لعنوان البلد والمصر ولذا قال الشيخ الطوسى قدس سره في المبسوط في كلامه المتقدم: وحد التغريب ان يخرجه من بلده أو قريته إلى بلد آخر. ثم انه هل يجرى الحكم في الفلاة ايضا ام لا؟ الظاهر انه يجرى هناك ايضا فلو كان الزانى من اهل البادية وساكنا في الفلاة ويعيش في البراري فانه ينفى من مكانه إلى موضع آخر فلو لم يكن ساكنا فيها يجب منعه من دخول بلده إلى سنة (1). وقال الفاضل الاصبهاني: لو زنى في فلاة لم يكن عليه نفى الا ان يكون من منازل اهل البدو فيكون كالمصر. ثم قال: والمصلحة في النفى يحتمل ان يكون مجرد الاهانة والعقوبة وان يكون التبعيد عن المزني بها ومكان الفتنة وبحسب ذلك يختلف الرأى في


(1) قال المامقاني رحمة الله عليه في مناهج المتقين الصفحة 498: اما الجلد والتغريب فيجبان على الذكر غير المحصن إذا عقد على امرأة ولم يدخل بها وكذا الجز فيجلد حينئذ مأة ويجز رأسه وينفي من المصر الذي جلد فيه سنة، والقرية كالمصر في ثبوت النفى عنه وكذا الفلاة على الاظهر الاقرب سيما إذا كان من سكانها ولا جز ولا تغريب على الانثى ولا على مطلق غير المحصن من الذكور انتهى.

[ 317 ]

التغريب من بلد الجلد واحتمل جواز التغريب إلى بلد الزنا. وفى الجواهر: قد يقال: ان الظاهر كون المصلحة في التغريب الاهانة والعقوبة فلا يختلف الحال وربما احتمل كونها التبعيد من المزني بها ومكان الفتنة وهو بعيد فيكفى حينئذ التغريب من بلد الجلد بناء على القول به إلى بلد الزناء انتهى. اقول: ان المصالح والحكم الكامنة كالاعتبارات لا تصح ان تكون دليلا على الحكم وموجبا لصرف الادلة وهذا الذى ذكر من النفى إلى بلد الزنا بعيد بحسب الادلة، بل الظاهر منها ما ذكرناه من مراعاة جميع العناوين، ونفيه عن بلد الزنا وبلد جلده وعن موطنه. قال كاشف اللثام ايضا: وان كان الامام في سفر معه جماعة فجلد رجلا منهم للزناء وهو بكر احتمل وجوب نفيه من القافلة انتهى (1). اقول: ان احتمال نفيه عن القافلة بعيد ولذا قد اورد عليه في الجواهر بانه خلاف ظاهر النصوص المزبورة. فاللازم بمقتضى الاستظهار من الروايات هو منعه عن بلده ووطنه مدة سنة واما مكان الزنا والجلد فيفارق منه قهرا. ثم انه قد يورد على ما ذكرناه في مقام الجمع بين الاخبار في المقام من ان الغرض الاصيل هو عدم كونه في تلك الاماكن وان النفى والاخراج مقدمة لذلك بان لازم ذلك هو عدم وجوب نفيه إذا خرج هو بنفسه عقيب زناه. ونحن نقول: انا نلتزم بذلك ولا بأس به، ومن البعيد جدا ان يقال انه إذا خرج هو بنفسه يلزم ان يعاد حتى يخرجه الحاكم من البلد (2).


(1) كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 219. (2) اقول: لا بعد في ذلك بعد ان المفروض كون التغريب حدا فان الحد لابد ان يكون بنظر الحاكم.

[ 318 ]

فروع تتعلق بالمقام ثم ان في نفى الزانى عن بلده فروعا اخر نتعرض لها تتميما لبحث واكمالا للفائدة. منها انه بعد ان تحقق وجوب النفى فالى اين ينفى؟ إلى بلد الاسلام أو بلد الشرك أو يختار الحاكم في ذلك فله نفيه إلى أي واحد منهما قد شاء؟ اقول: في صحيح الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة (1). ولكن في خبر بكير بن اعين عن ابى جعفر عليه السلام قال: كان امير المؤمنين عليه السلام إذا نفى احدا من اهل الاسلام نفاه إلى اقرب بلد من اهل الشرك إلى الاسلام فنظر في ذلك فكانت الديلم اقرب اهل الشرك إلى الاسلام (2). ومقتضى هذا الخبر هو النفى إلى خارج ارض الاسلام مع مراعاة كونه قريبا إلى ارض الاسلام. وقد مر ان عليا عليه السلام غرب إلى روم فراجع والحال ان ارض روم لم تكن في زمن الامام صلوات الله عليه، ارض الاسلام. نعم في الوسائل بعد نقل خبر بكير: الظاهر ان النفى هنا للمحارب. انتهى. وما قد يقال من ان هذا خلاف ظاهر لفظ (كان) الظاهر في الدوام والاستمرار ولفظ: إذا نفى، كذلك ولفظ: احدا، الدال على العموم (3). ففيه انه يمكن ان يجاب عنه بناء على ما ذكره الوسائل بان دأبه عليه السلام في نفى المحارب مطلقا كان دائما على نفيه إلى اقرب بلد من اهل


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 6. (3) اورده هذا العبد.

[ 319 ]

الشرك. لكن الرواية في نفيه عليه السلام إلى بلاد الشرك ليست منحصرة في هذه وقد مر نقل بعضها عن الخلاف، والظاهر هو صدق النفى والتغريب فيكتفى بصدق هذين العنوانين سواء كان إلى بلاد الاسلام أو إلى ديار الكفر بحسب ما تقتضيه المصلحة، وما ذكره في الوسائل فهو خلاف ظاهر الرواية. وعلى هذا فلابد من ان يكون قوله عليه السلام في رواية سماعة: ليس ينبغى للامام ان ينفيه من الارض التى جلد فيها إلى غيرها فانما على الامام الخ (1) محمولا على الكراهة أو غير ذلك من الوجوه غير المنافية للتخيير والاناطة بالمصلحة. وان كان مقتضى القاعدة هو الاقتصار على بلاد الاسلام وعدم نفيه إلى بلاد الكفر الا بدليل قاطع وذلك لانه من مصاديق التعرب بعد الهجرة وهو حرام بلا كلام. واما ما ذكره الاردبيلى قدس سره من عدم جواز نفيه إلى بلد يخرج عن تحت حكومة هذا القاضى قائلا: الثامن التغريب الاخراج عن البلد الذى زنا فيه إلى بلد آخر لا عن تحت حكومة قاضى تلك البلدة انتهى، فلم يظهر له وجه اصلا ومقتضى كلامه انه لو كان في جنب البلد بلد آخر له قاض مستقل فانه لا يجوز اخراجه إلى ذاك البلد، وهو مشكل، وليس في الروايات ولا في الكلمات مما ذكره عين ولا اثر. ومنها ما هو الحد المعتبر في البعد من البلد؟ الظاهر عدم ورود تحديد له في الاخبار سوى ما حكى عن الفقه الرضوي عليه السلام: حد التغريب خمسون فرسخا، ومن المعلوم ان فقه الرضا بنفسه لا يصلح للافتاء به ولم نعثر على من قيد النفى بذلك. واظن انى رأيت في رواية انه ينفى إلى موضع يقصر فيه الصلاة (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من حد الزنا الحديث 4 لكن بنقل التهذيب على ما تقدم. (2) اقول: لم اعثر إلى الآن على هذا الخبر نعم ورد ذلك في كلمات الشيخ ففي المبسوط الجلد 8 =

[ 320 ]

لا يقال: انه وان لم يرد دليل صريح صحيح يدل على اعتبار خمسين فرسخا الا ان ما حكى من نفى الامام علي عليه السلام بحسب الموارد والمصاديق كان إلى مواضع لا تقصر عن ذلك فانه عليه السلام قد نفى إلى البصرة مثلا ومعلوم ان المسافة بينها وبين الكوفة ازيد من خمسين فرسخا وهكذا ما نقل من نفيه إلى الروم وغير ذلك (1). لانه يقال: انه مجرد ذلك لا يدل على الاختصاص واعتبار هذا الحد لانه مجرد العمل ولعله عليه السلام راى مصالح في ذلك. اضف إلى ذلك ما نقل من ان عمن نفى إلى فدك وهو وان لم يكن بنفسه دليلا الا انه دليل بضم انه كان ذلك بمراى ومنظر الامام امير المؤمنين عليه السلام والظاهر كفاية مطلق التغريب وصدق كونه غريبا ومجرد نفيه إلى بلد آخر ايا ما شاء، وذلك بمقتضى لفظ التغريب والنفى واطلاقهما، وعدم ما يصلح للتقييد والتحديد. ومنها انه يجب نفيه إلى اي مدة؟ نقول: مقتضى الاخبار الكثير الواردة في هذا الباب ان مدة نفيه التى يجب منعه فيها عن دخول البلد سنة كاملة، وهذه الاخبار بعضها بلفظ حول وبعضها بلفظ عام وبعضها بلفظ سنة. فمن الاول خبر حنان، ففيه: يضرب مأة ويجز شعره وينفى من المصر حولا ويفرق بينه وبين اهله (2). ومن الثاني النبوى صلى الله عليه وآله: البكر بالبكر جلد مأة وتغريب عام..


= الصفحة 3 من كتاب الحدود: وحد التغريب ان يخرجه من بلده أو قريته إلى بلد آخر وليس ذلك بمحدود بل على حسب ما يراه الامام. وقال قوم: ينفيه إلى موضع يقصر فيه الصلاة حتى يكون في حكم المسافر عن البلد الخ. (1) من هذا العبد وقد تفضل سيدنا الاستاذ الافخم دام ظله بما هو مذكور في المتن. (2) وسائل الشيعة الجلد 18، الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 7.

[ 321 ]

ومن الثالث الحديث 2 و 6 و 9 و 11 و 12 من الباب الاول من حد الزنا والحديث 8 من الباب 7 والحديث 4 و 5 من الباب 24 وقد طفحت بذلك كلمات العلماء، ومر كلام الشيخ في الخلاف آنفا فراجع. وقال الاردبيلى في مجمع الفائدة والبرهان: التاسع مدة التغريب سنة لا ازيد انتهى. ومنها ان المراد من السنة والعام هو الهلالي منهما دون الشمسي فان الاحكام الواردة من الشرع في الشهور والسنة فهى محمولة على القمرية كالحج والصوم والاشهر الحرم وسنة التكليف وغير ذلك. قال الله تعالى: ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم (1) إلى غير ذلك من الايات الكريمة. نعم استثنى خصوص باب الخمس حيث انهم قد قالوا ويستفاد من بعض الاخبار ايضا ان الزارع يجعل مبدأ سنته حين حصول فائدة الزوع ووصولها بيده وهو عند تصفية الغلة.. وعلى الجملة فالملاك هو السنة القمرية، ولذا قيد الشهيد الثاني في الروضة، العام المذكور في عبارة الشهيد في المقام بقوله: هلاليا. ومنها انه لو غرب ونفى لكنه في اثناء الحول وقبل ان ينقضى العام، فرمن منفاه ورجع عن محل النفى فاما ان يرجع إلى بلده واما إلى بلد آخر فعلى الاول يجب على الحاكم نفيه ثانيا من بلده، فان ذلك مقتضى وجوب كونه منفيا عن البلد وخارجا عنه مدة حول.


(1) سورة التوبة الآية 36. اقول: ومن هذا القبيل قوله تعالى: شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن.. فمن شهد منكم الشهر فليصمه.. البقرة الآية 185. وقوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص. البقرة الآية 194. وقوله تعالى: الحج اشهر معلومات.. البقرة الآية 197. وقوله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير. البقرة الآية 217. وقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام.. المائدة الآية 2. وقوله تعالى: فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم سورة التوبة الآية 5.

[ 322 ]

قال الشهيد الثاني في الروضة: ان رجع إلى ما غرب منه قبل اكماله اعيد. واما على الثاني أي ما إذا فر وراح إلى بلد آخر فهناك لا يجب بحسب الظاهر اخراجه عنه وارجاعه إلى المنفى وذلك لان المستظهر من الادلة هو عدم كونه في بلده، وما كان على الحاكم فهو اخراجه واما تعيين الموضع الذى ينفى إليه فليس بيد الحاكم، نعم لا يجوز له ان يخرج إلى بلاد الكفر كما تقدم الاشارة إلى ذلك قريبا. ومنها انه هل اللازم بعد ما اعيد إلى منفاه هو الاستيناف أو انه يكفى البناء على ما مضى من نفيه؟ الظاهر هو الثاني كما قال في الروضة بعد عبارته السابقة: بانيا على ما سبق وان طال الفصل. ومنها انه هل يعتبر في هذه المدة أي السنة الكاملة، التوالى أو لا يعتبر فيها ذلك؟ ظاهر الادلة الناطقة بوجوب نفيه سنة هو السنة متوالية وعلى هذا فلا يجوز له ان يقيم مدة في المنفى ومدة في بلده مثلا هذا هو حكم المقام من حيث هو وذلك لا ينافى البناء على ما مضى في الفرع السابق (1). ومنها انه هل يجوز له ان يخرج من المنفى إلى بلد آخر بعد مفروغية عدم جواز الخروج إلى بلده ما لم يقض الحول؟ الظاهر بحسب ما تقدم من ان اختيار النفى وحده بيد الحاكم دون اختيار موضعة فانه بيد الزانى هو الجواز. ومنها انه إذا نفى الزانى عن بلده ولكنه قد زنى في منفاه ايضا فما يصنع هناك؟ مقتضى وجوب نفى الزانى عن بلد الزنا هو اخراجه من هذه الارض ايضا، وعلى ما تقدم منا لو كان وطنه وبلد جلده غير بلد زناه يجب ان يطرد عنهما ايضا فان كان بعد مضى الحول وانقضائه يجب نفيه حولا آخر،


(1) لعل الثمرة تظهر في انه لا يجوز له في ابتداء الامر ان يقبل النفى منفصلا وغير متتابع فتأمل.

[ 323 ]

واما إذا كان قد زنى في اثناء الحول كما إذا انقضى منه ستة اشهر فقط فزنى ثانيا فانه يخرج من هذا البلد إلى بلد آخر، وهل تتداخل السنتان حينئذ بان ينفى من هذا البلد ويمنع من الدخول فيه حولا فقط أو انه يجب اكمال السنة الاولى أو لا ثم يبدء في سنة اخرى لزناه الثاني؟ يمكن ان يقال بالاول وذلك لانه بعد ان نفاه الحاكم ثانيا ففى المنفى يصدق انه قد اخرج عن البلد الاول كما يصدق انه قد اخرج من البلد الثاني الذى زنى فيه ثانيا فيكتفى بمضي سنة بعد ذلك خصوصا ان مبنى الحدود على درءها بالشبهات. هذا لكن التحقيق خلاف ذلك فان اثر الزنا هو نفى الزانى عن البلد وإذا لم يتم الحول الاول وقد زنى مرة اخرى فانه يتم ويكمل الحول الاول ثم يشرع في الثاني فان كل سبب يوجب ويطلب مسببا مستقلا، والتداخل يحتاج إلى الدليل. نعم حيث انه قد زنى هنا يجب ان يخرج من هذا المكان حتى بالنسبة إلى ما بقى من الحول الاول وعلى هذا فبحسب الظاهر لا مانع مع انقضاء ما بقى من العام الاول ان ينفى إلى بلد قد زنى فيه اولا إذا لم يكن وطنه وكذا بالنسبة إلى بلد الجلد، وعلى الجملة فيمنع من وطنه على أي حال، واما بالنسبة إلى الزنا الثاني فانه يمنع عن بلد الزنا والجلد الفعليين. ومنها انه إذا كان في نفيه فساد له في المنفى أو لعائلته في البلد فما يصنع هناك؟ اقول: انه من باب الاهم والمهم وتزاحمهما فيلاحظ الاهم، ولا وجه لسقوط النفى من رأس، فإذا راى الحاكم انه يمكن حدوث قتل وقتال واثارة الفتن بين الطوائف والقبائل مثلا بسبب نفيه عن البلد فانه يتوقف الحاكم بنفيه إلى ان يرتفع المانع ويزول المحذور وتيسر نفيه كما ان الامر كذلك في الحد بنفسه ولذا ترى انه يؤخر حد المرأة الزانية إذا كانت حاملا، والحد قد يؤخر لعلل واسباب لكنه لا يسقط، وعلى الجملة فمقتضى القاعدة هو كونه عليه،

[ 324 ]

ومقتضى حكم العقل تقديم جانب الامر الاهم لا انه وردت به رواية، وهكذا لو منع من نفيه مانع آخر فانه ينتظر زواله ولا يرفع النفى عنه فينتظر زواله فينفي بعده وان طالت المدة. ومنها انه هل مؤنته ومخارجه في تلك المدة على نفسه حتى يشتغل في منفاه بعمله وحرفته ويديم تجارته وصنعته أو انها على الامام وفى بيت مال المسلمين؟ مقتضى القاعدة انه لو كان له مال فلا وجه لاداء مخارجه ومصارفه عن بيت المال، فهى على نفسه بمقتضى تمكنه ويساره وانه بنفسه وبسوء اختياره صار سببا لوقوعه في هذا الابتلاء، بل لعل الامر كذلك لو لم يكن له مال بالفعل الا ان له صنعة وحرفة يمكن له الاكتساب بهما وبعمله فانه يكلف بذلك ويكون مؤنته على نفسه وفى حاصل عمله وكسبه، كما ان مخارج عائلته ومؤنتهم ايضا يجب عليه لو امكن وتيسر له بواحد من الوجهين ولو لم يتمكن من اداء مؤنتهم ومصارفهم فانه يؤخر نفيه إلى رفع المانع عنه. واما لو لم يكن له مال ولا له شغل وعمل يتمكن به من ادارة معاشه فان رزقه ومؤنته على الامام ويدفع إليه من بيت المال. هذا إذا كان هناك بيت مال امكن التوفر منه عليه والا فلو لم يكن كذلك فمؤنته على المسلمين وحينئذ يمكن اداءها من الزكوات والصدقات واموال الفقراء وسهامهم. وهذا البحث جار بالنسبة إلى المحبوسين والمسجونين ايضا. بقى في المقام امران ثم انه قد بقى في المقام امران لابد من التعرض لهما. احدهما انه هل تعتبر مراعاة الترتيب بين الامور الثلاثة والعقوبات المذكورة أو انه لا ترييب في البين وانما اللازم الاتيان بهذه الامور كيف اتفق؟ الظاهر هو وجوب تقديم الجلد والجز على النفى وذلك لانه تقديمهما فقد اسرع في ايقاع حد الله تعالى، وذلك لعدم افتقارهما إلى وقت كثير بخلاف

[ 325 ]

ما لو اخر إلى ما بعد النفى فانه بمقتضى احتياج النفى إلى زمان زائد فقد لزم تأخيرهما وهو تأخير حد الله تعالى، وعلى ذلك فتقديم الجلد والجز على النفى بمقتضى القاعدة. هذا واما بينهما فالظاهر انه لا ترتيب. ثانيهما ان من المعضلات المتعلقة بهذه الابحاث ما ورد في بعض اخبارها من التفريق بينهما أي بين الزانى واهله وهو حكم آخر غير الاحكام الثلاثة المذكورة في كلام المحقق التى كنا بصدد اثباتها وهو عقوبة من عقوبات هذا الزانى، فان من كانت له زوجة يمكنه ان يتمتع ويلتذ بها كل حين ومع ذلك فقد ارتكب الزنا فان عقوبته وكفارته ان يفرق بينه وبين حليلته فتكون العقوبة متجانسة للجرم الذى قد اتى به، نظير ان من افطر في شهر رمضان فان عليه بدل كل يوم صوم ستين يوما. لا يقال ان المراد منه هو التفريق بينه وبين اهله بالسفر والتغريب فيكون قوله عليه السلام في خبر حنان: ويفرق بينه وبين اهله عطفا تفسيريا لنفيه عن المصر كما ان قوله عليه السلام في رواية علي بن جعفر: ينفى سنة عطف تفسير لقوله: يفرق بينه وبين اهله. لانا نقول: ان المراد بالاهل هنا ليس هو العائلة والاقرباء بل المراد هو الزوجة وذلك بقرينة ذكر الاهل وارادة الزوجة منه في صدر رواية حنان حيث قال: ففجر قبل ان يدخل باهله. هذا هو مقتضى الخبرين واما انه هل افتى العلماء بذلك ام لا فهو كلام آخر. والتحقيق ان هنا جهات من الاشكال منها الاجمال في لفظ التفريق ومنها الاجمال في لفظ الاهل ومنها الذى يقوى الاشكال جدا هو انى مع الفحص البالغ التام وصرف اوقات كثيرة في ذلك لم اجد احدا من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين قد تعرض لذلك وان كانوا قد نقلوا الاخبار المتضمنة له لكنهم في مقام الافتاء لم يتعرضوا لذلك لا نفيا ولا اثباتا بل سكتوا عنه ومضوا. واما وجه الاجمال في لفظ الاهل فلاحتمال ان يكون المراد منه خصوص

[ 326 ]

الحلية كما ان يحتمل ان يكون المراد هو مطلق الاهل والعشيرة، نعم الاخص مراد على اي حال فان الاخص داخل في الاعم. واما بالنسبة إلى التفريق فلانه من المحتمل ان يكون المراد هو فسخ النكاح وابطاله وان يكون المراد هو وجوب الطلاق كما ان المحتمل ان يكون المراد هو مجرد التفريق بينهما بان لا يكون الزانى في مصاحبة اهله، وعلى الاولين يكون المراد من الاهل هو الزوجة وعلى الاخير يلائم ارادة الزوجة كما انه يلائم ارادة الاعم. والذى يبدو في الذهن ان يكون المراد من الاهل هو الزوجة ومن التفريق افتراقه وانقطاعه عنها وعدم كونها من مصاحبته في السفر وان امكن ان يكون المراد من التفريق ما تقدم، ومن الاهل مطلق اقاربه وعشيرته وخواصه ومنهم زوجته وكيف كان فيشترط ان لا يخرج إلى المنفى مع زوجته وفى مصاحبتها فان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ذلك وهو عقوبة له على ارتكاب الزنا. ولعل وجه عدم تعرض العلماء لذلك اكتفاءهم بذكر النفى عن ذكر ذلك واستغناءهم بذلك عنه فان نفى الزانى عن البلد خصوصا بمناسبة كونه زانيا قد ارتكب الفحشاء وان النفى عقوبة له على هذا العمل الشنيع هو خروجه عن اهله وحرمانه عن مصاحبتهم وعدم كونه معهم، وذهابه إلى مكان لا يصاحبهم، ولو كان يجوز له ان يذهب بهم معه لذكروا ذلك طبعا وتعرضوا له لكنهم لم يذكروه لانهم لم يروا حاجة إلى ذكر ذلك بعد ان النفى عقوبة له على فعله وهو يقتضى ذهابه وحده ومتفردا، خصوصا بمناسبة الحكم والموضوع التى توجب ان يكون محروما عن الالتذاذات المباحة المتعلقة بالنساء. واما رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام في المرأة إذا زنت قبل ان يدخل بها قال: يفرق بينهما ولا صداق لها لان الحدث كان من قبلها (1) فأمرها اسهل وذلك لانه لا ذكر فيها عن الزوج. قوله: زنت قبل ان يدخل بها يحتمل ثبوتا ان يكون انها قد تزوجت ولم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا، الحديث 7. ()

[ 327 ]

يدخل بها وانها لم تتزوج اصلا، ولعل المراد في المقام هو الثاني ويكون المراد من التفريق بينهما، التفريق بينهما وبين الزاني كى لا يكونان في معرض ذلك ثانيا بعد حصول ترابط بينهما. لا يقال: ان قوله: ولا صداق لها يوجب ظهور الخبر في المتزوجة التى لم يدخل بها وينقص من ظهوره في من لم تتزوج اصلا. لانا نقول: عدم صداق لها لا يوجب ذلك لان الجملة المزبورة ناظرة إلى ما ورد في الروايات من ان من اغتصب فرجا بحرام واكراه امرأة على الزنا فعليه مهر مثلها، فهذه الروايات تقول انه لا مهر لها على الزانى وذلك لان المرأة قد زنت وابتدأت بالزنا فلا حق لها في المهر حيث كان الحدث أي الزنا من ناحيتها ولا مهر لبغى اصلا. واما ارادة التفريق بين الزوج والزوجة ففيه مضافا إلى عدم ذكر عن الزوج فيها فلعل الحكم بوجوب التفريق وبطلان العقد أو وجوب طلاق الزوجة إذا زنت بعد العقد عليها، وعدم وجوب المهر لها خلاف الضرورة. واما رواية رفاعة عن نقل الصدوق قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزنى قبل ان يدخل باهله ا يرجم؟ قال: لا، قلت هل يفرق بينهما إذا زنى قبل ان يدخل بها؟ قال: لا (1) فهى معارضة لما هو صريح في لزوم التفريق خبر حنان ورواية علي بن جعفر. وقد تقدم ان العلماء لم يتعرضوا لهذا الحكم اصلا، نعم للمحدث الكاشانى في المقام كلام في وجه الجمع بين الاخبار واما الافتاء بما افاده رحمه الله فلم يظهر منه ذلك (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) اقول ان المحدث المزبور قدس سره قد عنون في الوافي الجلد 2 كتاب النكاح الصفحة 25 بابا سماه باب زنا احد الزوجين قبل الدخول. وروى هناك عن التهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: قرأت في كتاب علي عليه السلام ان الرجل إذا تزوج المرأة فزنى من قبل ان يدخل =

[ 328 ]

الكلام في النفى والجز بالنسبة إلى المرأة قال المحقق: واما المرأة فعليها الجلد مأة ولا تغريب عليها ولا جز. وفى الجواهر بعد ذلك: بلا خلاف معتد به اجده بل في كشف اللثام الاتفاق عليه في الظاهر في الثاني وعن الخلاف والغنية وظاهر المبسوط الاجماع عليه في الاول. وقال الشيخ في المبسوط بعد ان حكم بوجوب الجلد مأة والنفى سنة في الرجل: ولا نفى عندنا على المرأة وفيهم من قال: يجب عليها النفى ايضا انتهى. وقال في الخلاف: إذا زنى البكر جلد مأة وغرب عاما كل ذلك حد ان كان ذكرا، وان كان انثى لم يكن عليها تغريب وبه قال مالك وقال قوم: هما سواء ذهب إليه الاوزاعي والثوري وابن ابى ليلى واحمد والشافعي.. ثم قا: دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا الاصل برائة الذمة في المرأة فمن اوجب عليها التغريب فعليه الدليل انتهى. ثم انه يدل على ذلك امور احدها وهو العمدة، الاجماع. ثانيها الاصل، وقد تمسك به الشيخ. ثالثها وقد تمسك هو به أيضا قوله تعالى: فعليهن نصف ما على


= بها لم تحل له لانه زان ويفرق بينهما ويعطيها نصف الصداق. ثم نقل صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام المذكورة آنفا ثم رواية فضل بن يونس الدالة على التفريق بين الزوجين بزناها ولا صداق لها ثم رواية السكوني - التي مر نقلها - ثم قال: بيان: قال الصدوق طاب ثراه في كتاب علل الشرايع بعد ايراد حديث طلحة: والذي افتى به واعتمد عليه في هذا الباب ما حدثني به محمد بن الحسن.. عن رفاعة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزني قبل ان يدخل باهله ا يرجم؟ قال: لا قلت: يفرق بينهما إذا زنى قبل ان يدخل بها؟ قال: لا. وزاد فيه ابن ابي عمير ولا يحصن بالامة. اقول: التوفيق بين الخبرين يقتضي ان يحمل حديث طلحة وما في معناه على ما إذا شهر بالزنا كما مر في الباب السابق وحديث رفاعة على ما إذا لم يشتهر انتهى.

[ 329 ]

المحصنات من العذاب (1) تقريب الاستدال به، انه لو كانت المرأة الحرة يجب عليها التغريب لكان على الامة نصفها وقد اجمعنا على انه لا تغريب على الامة لقوله عليه السلام: إذا زنت امة احدكم فليجلدها، فكان هذا كل الواجب. قوله: لكان على الامة نصفها، يعنى ستة اشهر مثلا. وهنا امور اعتبارية قد تمسك بها بعض وزاد في الاستدلال. منها انه لو غربت فاما مع محرم لها أو زوج ولا تزر وازرة وزر اخرى (2) اولا، ولا يجوز لقوله (عليه السلام) لا يحل لامرأة ان تسافر من غير ذى محرم. ومنها ان الشهوة غالبة فيهن والغالب ان انزجارهن واحترازهن عن الزنا لاستحيائهن من الاقارب ووجود الحفاظ لهن من الرجال، وبالتغريب يخرجن من ايدى الحفاظ ويقل حياؤهم لبعدهن من اقاربهن ومعارفهن وربما اشتد فقرهن ويصير مجموع ذلك سببا لانفتاح باب هذه الفاحشة العظيمة عليهن. ومنها انه ربما يقهرن عليه إذا بعدن من الاقارب والمعارف. ولا يخفى ان هذه الادلة ليست بحيث يتمسك بها ويعتمد عليها في اثبات الحكم الشرعي إذا كان في قبالها دليل متين على اعتبار النفى فيهن. اما الاصل فحاله معلوم لانه دليل حيث لا دليل، واما الآيه فيمكن الخروج عن ظاهرها في مورد بالدليل واما هذه الامور فامور اعتبارية ووجوه استحسانية لا يتمسك بها الا توجيها للحكم الثابت لا في اثبات اصل الحكم. نعم لو تحقق الاجماع فهو الدليل الذى لا مفر عنه، ولعله محقق، فان الخلاف في المسألة غير معتد به لانه لم يخالف الا واحد أو اثنان وهما حسن بن ابى عقيل وابن الجنيد (3) وهو لا يقدح في الاجماع.


(1) سورة النساء، الآية 25. (2) سورة الانعام الآية 164، سورة الاسراء / 15، سورة فاطر / 18، سورة زمر / 7. (3) اقول: والصدوق ايضا فانه قال في المقنع الصفحة 145: والبكر والبكرة إذا زنيا جلدا مأة جلدة ثم ينفيان سنة إلى غير مصرهما انتهى. وتردد فيه الشهيد الثاني فقال في المسالك: ولكن القول بالثبوت هو الاقرب انتهى. نعم انه قد وافق المشهور في الروضة فاليك عبارته مزجا: ولا جز على المرأة ولا تغريب بل يجلد مأة لا غير لاصالة البرائة وادعى الشيخ عليه اجماع وكانه لم يعتد =

[ 330 ]

ثم انه يدل على وجوب النفى فيها ايضا عدة من الروايات. منها صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام.. وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مأة ونفى سنة في غير مصرهما وهما اللذان قد املكا ولم يدخل بها (1). ومنها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: في الشيخ والشيخة جلد مأة والرجم، والبكر والبكرة جلد مأة ونفى سنة (2). ومنها صحيحة عبد الرحمن عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يضرب الشيخ والشيخة ويرجمهما ويرجم المحصن والمحصنة ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة (3). فان ظاهر هذه الاخبار نفيه عن مصره ونفيها ايضا عن مصرها. واختار ذلك بعض اجلاء العصر وزاد الاستدلال له بالروايات الواردة في نفى الرجم والتغريب عن المرأة المجنونة والمستكرهة معللة بانها لا تملك امرها، فانها تدل بالوضوح على انها لو كانت مالكة لامرها لكان عليها رجم ونفى (4). لكن لا يخفى ان الروايات المذكورة ليست معمولا بها بل قد اعرض عنها المشهور، والرواية إذا كانت كذلك تسقط عن حد الاعتبار، وان كان هناك ايضا بحث مبنائى فذهب بعض إلى انه لا وجه لرفع اليد عن الرواية المعتبرة بسبب اعراض المشهور عنها، لكن المبنى المعروف المحقق عند كثير وعندنا هو سقوطها بذلك عن الاعتبار وقد اشتهر انه كلما ازدادت صحة ازدادت وهنا


= بخلاف ابن ابي عقيل حيث اثبت التغريب عليهما للاخبار السابقة، والمشهور اولى بحال المرأة وصيانتها ومنعها من الاتيان بمثل ما فعلت. وقد مال إلى هذا القول بعض الاعاظم قائلا: لا موجب لرفع اليد عما دلت عليه الروايات الصحيحة. (1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 9. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا، الحديث 13. (4) راجع تكملة المنهاج الجلد 1 الصفحة 201.

[ 331 ]

باعراض المشهور، وكلما ازدادت ضعفا ازدادت قوة بعملهم وذلك لان بناؤهم على العمل بالروايات، فإذا كانت الرواية في متناول ايديهم ولم يحتمل في حقهم عدم وصولها إليهم ومع ذلك لم يعملوا بها فان ذلك كاشف عن شئ فيها، وقد خفى علينا، ويقل الاطمينان بها (1). ثم انه كمالا تغريب على المرأة كذلك لا يجز رأسها بل الامر في جزها اصعب، وذلك لورود تلك الروايات الدالة على النفى رجلا كان أو امرأة، في حين انه لم يرد رواية تدل على وجوب حلق رأس الزانية، فان ما تعرض لذكر الجز روايتان وكلتاهما واردتان في الزانى دون الزانية حيث ان السؤال فيهما عن بكر، أو رجل قد تزوج وقد زنى أو فجر قبل ان يدخل بها وهما رواية حنان ورواية على بن جعفر (2) ولذا قال المحقق: واما المرأة فعليها الجلد مأة ولا تغريب عليها ولا جز. الكلام في حد المملوك هذا كله بالنسبة إلى الحر واما إذا كان الزانى مملوكا فقال المحقق: والمملوك يجلد خمسين محصنا كان أو غير محصن ذكرا كان أو انثى. اقول: وسواء كان مسلما أو نصرانيا كما سترى ذلك في الروايات فليس عليه الجز ولا التغريب وانما يجلد خاصة نصف حد الحر.


(1) اقول: هذا مضافا إلى اشكال آخر في الرواية وهو ما ذكره في كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 219 بقوله: خلافا للحسن لما مر من حسن محمد بن قيس وليس نصا في نفيها لجوازه ان يراد انه عليه السلام قضى فيما إذا زنى ببكر بجلد مأة ونفى سنة إلى غير مصرهما اي المصر الذي زنيا فيه وهو ليس صريحا في نفيهما فيجوز اختصاصه به انتهى وتبعه في الرياض ج 2 الصفحة 472 فقال: مضافا إلى ما قيل عليه " الصحيح " من انه ليس صريحا في تغريبها لجواز ان يراد انه (عليه السلام) قضى فيما إذا زنى بكر ببكرة بجلد مأة ونفى سنة إلى غير مصرهما اي المصر الذي زنيا فيه وهو ليس صريحا في تغريبها فيجوز اختصاصه به. (2) الوسائل الجلد 18 الباب 7 من ابواب حد الزنا الحديث 7 و 8.

[ 332 ]

وفى الجواهر بعد عباره المصنف: شيخا أو شابا بكرا أو غير بكر بلا خلاف اجده فيه بل الظاهر الاجماع عليه للآية وقول الباقر عليه السلام الخ. اقول: يدل على ان العبد يجلد خمسين ولا شئ آخر عليه الكتاب والسنة. اما الكتاب فقوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات والله اعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن اهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان فإذا احصن فان اتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وان تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (1). قوله تعالى: فنصف ما على المحصنات يشير إلى الجلد المذكور في الآية الكريمة: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة. وقد يقال: كيف يستدل بالآية على ان على المملوك خمسين جلدة مع ان على المحصنات الرجم؟ وبعبارة اخرى ان حد المحصنات ليس هو الجلد حتى ينتصف في الامة وانما ترجم المحصنة إذا زنت فكيف نقول بانه إذا زنت الامة فحدها نصف حد الحرة وهو خمسون التى هي نصف المأة. وفيه ان المراد من المحصنات في ذيل الآية هو المراد من المحصنات المذكورة في صدر الآية، ولا شك انه ليس المراد منها في الصدر، المتزوجات وذوات البعل لان ذات البعل لا تتزوج ثانيا فالمراد منها في الصدر هو الحرات فيقول سبحانه إذا لم يتمكن احد منكم بسبب العوز المالى والفقر الاقتصادي من ان يتزوج الحرة المؤمنة فهو ينكح من المملوكات المؤمنات، ومن المعلوم ان الحرة الزانية تجلد مأة جلدة الا ان تكون ذات بعل وحينئذ يتم ان يقال ان الامة تجلد خمسين وهى نصف حد الحرة فالمراد من العذاب هو الجلد واما الرجم فلا يتصور له نصف.


(1) سورة النساء الآية 25.

[ 333 ]

واما الاخبار: فمنها عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: قيل له: فان زنى وهو مكاتب ولم يؤد شيئا من مكاتبته؟ قال: هو حق الله يطرح عنه من الحد خمسين جلدة ويضرب خمسين (1). ومنها عن بريد العجلى عن ابى عبد الله " ابى جعفر " عليه السلام في الامة تزني، قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن لها زوج (2). ومنها عن الحسن بن السرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى العبد والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم انما عليهما الضرب خمسين نصف الحد (3). ومنها عن عاصم بن حميد عمن ذكره عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مملوك طلق امرأته تطليقتين ثم جامعها بعد فامر رجلا يضر بهما ويفرق بينهما يجلد كل واحد منهما خمسين جلدة (4). وفى هذه الرواية حكم بالجلد والتفريق بينهما أي بين الزانى والزانية ولعل الحكمة فيه ان لا يكونا معا فلا يقعان في الزنا ثانيا ومرة اخرى، ويمكن ان يكون المراد من التفريق بينهما حرمة نكاحها عليه فان الامة إذا طلقت تطليقتين تكون كالحرة التى طلقت ثلاث طلقات فتحرم هي عليه بدون المحلل، ومقتضى هذه الرواية على الاحتمال الثاني هو حرمتها مؤبدا عليه بزناه بها ولكن العلماء لا يفتون بذلك فان الموجب للحرمة ابدا هو الزنا بالمرأة في العدة الرجعية فانها كذات البعل بخلاف البائنة فلا يوجب الزنا في عدة البائن الحرمة الابدية. وعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في العبيد إذا زنى احدهم ان يجلد خمسين جلدة وان كان مسلما


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 4.

[ 334 ]

أو كافرا أو نصرانيا ولا يرجم ولا ينفى (1). وهنا قد صرح بعدم الرجم والنفى على العبيد وعن بريد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى العبد جلد خمسين فان عاد ضرب خمسين فان عاد ضرب خمسين إلى ثمان مرات فان زنى ثمانى مرات قتل وادعى الامام قيمته إلى مواليه من بيت المال (2). والتعبير في الخبرين الاخيرين وكذا في بعض ما سلف وان كان بالعبد لكن الظاهر عدم خصوصية له، فالامة ايضا كذلك فلا رجم على الامة ولا نفى وانما عليها الجلد خمسين جلدة (3). وإذا استظهرنا عدم النفى والجز في الحرة فالامة اولى بذلك ولا اقل من كون الامة كالحرة في هذه الجهة. وفى رواية عبيد بن زرارة أو بريد العجلى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: امة زنت؟ قال: تجلد خمسين جلدة، قلت: فانها عادت؟ قال: تجلد خمسين، قلت فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات؟ قال: إذا زنت ثمانى مرات يجب عليها الرجم قلت: كيف صار في ثمانى مرات؟ فقال: لان الحر إذا زنى اربع مرات واقيم عليه الحد قتل. فإذا زنت الامة ثمانى مرات رجمت في التاسعة قلت: وما العلة في ذلك؟ قال: لان الله عزوجل رحمها ان يجمع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا، الحديث 5. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب حد الزنا، الحديث 2. (3) وفي آيات الاحكام للكاظمي ج 4 الصفحة 193 عند البحث عن آية جلد الزاني.. وهذا العموم مخصوص بالاجماع والاخبار بالحر والحرة غير المحصنين، فلو كان عبدا أو امة ينصف عليهما الحد كما اقتصاه قوله: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وقال بعض الظاهرية: عموم قوله: الزانية والزاني، يقتضي وجوب المأة على العبد والامة الا انه ورد النص بالتنصيف في حق الامة فلو قسنا العبد عليه لزمنا تخصيص عموم الكتاب بالقياس، ومنهم من قال: الامة إذا تزوجت فعليها خمسون لقوله: فإذا احصن " آي تزوجن " فان اتين بفاحشة مبينة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فإذا لم تتزوج فعليها المأة للعموم واتفاق العلماء على خلاف هذين القولين يردهما انتهى.

[ 335 ]

عليها ربق الرق وحد الحر قال: ثم قال: وعلى امام المسلمين ان يدفع ثمنه إلى مواليه من سهم الرقاب (1). واما التصريح بانها ترجم في التاسعة مع اقتصاء التعليل القتل في الثامنة فيمكن ان يكون ذلك لمزيد الترحم على الارقاء والعبيد في قبال الاحرار. وكيف كان فهى ايضا دالة على المقصود والمطلوب، فالمستفاد من هذه الروايات مضافا إلى الآية الكريمة هو ان حد المملوك والمملوكة نصف حد الحر والحرة فيضربان خمسين جلدة ولا شئ سوى ذلك عليهما ولذا قال المحقق: ولا جز على احدهما ولا تغريب انتهى وخالف الشافعي في ذلك فقال بان المملوك ايضا ينفى إذا زنى ومدة نفيه ستة اشهر (2). وانت قد علمت التصريح بعدم النفى في العبيد في رواية محمد بن قيس وغيرها. هذا مضافا إلى ما فيه من الاضرار بالسيد وتفويت المنفعة عليه. واما الجز فما ورد فيه روايتان، وهما واردتان في الرجل ولعل المنصرف منه هو الحر لا مطلقا. هذا كله في العبد المحض سواء لم يقع عليه عقد الكتابة اصلا أو وقع لكنه لم يؤد شيئا اصلا أو وقع وادى لكنه كان من المكاتب المشروط الذى لا يؤثر اداء بعض المال في عتقه شيئا. واما العبد المبعض فلم يتعرض له المحقق قدس سره نعم تعرض له صاحب الجواهر رضوان الله عليه فقال: ويحد المبعض حد الاحرار بنسبة ما عتق فيحد من انعتق نصفه خمسة وسبعين. وقد وردت في ذلك اخبار شريفة اوردها صاحب الوسائل في باب تحت


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (2) اقول: قال الشيخ في حدود الخلاف المسألة 4: لا نفى على العبد ولا على الامة وبه قال مالك واحمد، وللشافعي فيه قولان احدهما مثل ما قلناه والثاني ان عليهما النفى، وكم النفى؟ له فيه قولان احدهما سنة مثل الحر والآخر نصف السنة. دليلنا ان الاصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. وروى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: إذا زنت امة احدكم فليجلدها فان زنت فليجلدها، ولم يذكر التغريب.

[ 336 ]

عنوان: باب ان المملوك إذا تحرر بعضه ثم زنى فعليه حد الحر بقدر الحرية وحد الرق بقدر الرقية. فعن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في المكاتب قال: يجلد في الحد بقدر ما اعتق منه (1). وعن حريز عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: يجلد المكاتب على قدر ما اعتق منه. وذكر انه يجلد ببعض السوط ولا يجلد به كله (2). اقول: ولعل المراد منه انه اما ان يضرب من اعتق نصفه مثلا خمسين جلدة واما ان يضرب مأة ببعض السوط. وعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في مكاتبة زنت قال: ينظر ما ادت من مكاتبتها فيكون فيها حد الحرة وما لم تقبض فيكون فيه حد الامة. وقال في مكاتبة زنت وقد اعتق منها ثلاثة ارباع وبقى الرابع جلدت ثلاثة ارباع الحد حساب الحرة على مأة فذلك خمس وسبعون جلدة وربعها حساب خمسين من الامة اثنى عشر سوطا ونصف فذلك سبع وثمانون جلدة ونصف وابى ان يرجمها وان ينفيها قبل ان يبين عتقها (3). وعن محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام مثله الا انه قال: يؤخذ السوط من نصفه فيضرب به وكذلك الاقل والاكثر (4). إلى غير ذلك من الروايات الدالة على انه يعتبر شقصه الحر وهو المعيار بالنسبة إلى المأة التى هي حد الحر الخالص، ويعتبر شقصه من الرق بالنسبة إلى الخمسين التى هي حد العبد الخالص فمن كان نصفه حرا ونصفه عبدا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا، الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا، الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا، الحديث 4.

[ 337 ]

فبالنسبة إلى نصفه الحر يجب خمسون وبالنسبة إلى نصفه الآخر يجب خمسة وعشرون فيجب خمسة وسبعون. نعم في رواية ما يخالف ذلك وهى رواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله عليه السلام في عبد بين رجلين اعتق احدهما نصيبه ثم ان العبد اتى حدا من حدود الله. قال: ان كان العبد حيث اعتق نصفه قوم ليغرم الذى اعتقه نصف قيمته فنصفه حر يضرب نصف حد الحر ويضرب نصف حد العبد وان لم يكن قوم فهو بعد يضرب حد العبد (1). لكن ربما يتضح المراد منها بذكر ما قالوه في باب العتق عند البحث عن السراية حيث قالوا من اعتق شقصا من عبده أو امته وان قل الجزء سرى العتق فيه وعتق كله. ولو كان له في هذا المملوك شريك بالسوية مثلا قوم على معتق النصف موسرا بان كان مالكا لما زاد عن مستثنيات الدين فإذا قوم عليه سهم شريكه وتعهد بالاداء فانه يعتق سهمه وسهم شريكه، ولو كان معسرا فان العبد يسعى بنفسه في باقى قيمته ويؤدى قيمة سهم الشريك ويصير حرا باجمعه. وعلى هذا فلو كان موسرا وقوم نصيب الشريك ليغرمه له المعتق فانه يصح عتق المعتق بالنسبة إلى سهمه فعلا وإذا ادى قيمة سهم الشريك يصير كله حرا وحينئذ فلو زنى بعد تحقق عتق نصفه اعني إذا اعتق سهمه وقوم سهم الشريك ليدفع إليه وقد ارتكب هذا العبد الزنا في الاثناء أي قبل ان يدفع قيمة سهم الشريك فهنا يضرب العبد نصف حد الحر ويضرب نصف حد العبد، واما إذا كان قد اعتق سهم نفسه ولم يقوم سهم شريكه لانه لا يريد اداء قيمته


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 33 من ابواب حد الزنا، الحديث 6، قال في الوافي: بناء هذا الحكم على ان بالتقويم يتم عتق النصف وباداء القيمة يتم الكل، وهذا الاصل غير مستقيم كما تبين في ابواب العتق انتهى. وعن بعض الحواشى على الفقيه: لعل التقويم كناية عن صحة العتق اي لم يقصد المعتق الاضرار بالشريك ليبطل العتق حيث لم يقصد القربة بل قصدها ورضى بتقويم حصة الشريك عليه لكن لم يقوم عليه لمانع فبقى النصف في الرق فيكون المعنى: ان كان عتق نصفه صحيحا فكذا والا فهو عبد. انتهى راجع تذييلات المقنع الصفحة 147.

[ 338 ]

إليه فهناك يبطل عتق سهم نفسه ايضا وعلى هذا فلو زنى العبد والحال هذه فهو عبد خالص فيضرب حد العبد وهو خمسون جلدة وذلك لعدم وقوع العتق اصلا. وفى خبر عباد بن كثير البصري عن جعفر بن محمد عليهما السلام في المكاتبين إذا فجرا يضربان من الحد بقدر ما اديا من مكاتبتهما حد الحر ويضربان الباقي حد المملوك (1). وعن محمد بن محمد المفيد في الارشاد قال: روت العامة والخاصة ان مكاتبة زنت على عهد عثمان قد عتق منها ثلاثة ارباع فسأل عثمان امير المؤمنين عليه السلام فقال: يجلد منها بحساب الحرية ويجلد منها بحساب الرق وسأل زيد بن ثابت فقال: يجلد بحساب الرق وقد اعتق ثلاثة ارباعها؟ وهلا جلدتها بحساب الحرية فانها كثر؟ فقال زيد: لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية فقال له امير المؤمنين عليه السلام: اجل ذلك واجب فافحم زيد وخالف عثمان امير المؤمنين عليه السلام (2). ويستفاد من كلام زيد ان كون حد الرق على نصف من الحر كان امرا مفروغا عنه عند الصحابة، وانما الاختلاف في النظر والفتوى كان فيما إذا عتق منه شئ وبقى الباقي. وقوله عليه السلام: اجل ذلك واجب، جواب لقياس استعمله زيد. قتل الزانى في الثالثة أو الرابعة. قال المحقق: ولو تكرر من الحر الزناء فاقيم عليه الحد مرتين قتل في الثالثة وقيل في الرابعة وهو اولى. اقول: الكلام هنا في من زنى واقيم عليه الحد ثم زنى ثانيا واقيم عليه الحد ثم زنى ثالثا فهنا ثلاثة اقوال، احدها: انه يقتل في الثالثة وهذا هو


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من ابواب حد الزنا الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 الحديث 9 اقول: وفي ارشاد المفيد الصفحة 102 في آخر الخبر ولم يصغ إلى ما قال بعد ظهور الحجة عليه.

[ 339 ]

الذى اختاره المحقق وهو قول الصدوقين وابن ادريس بل هو اظهر الاقوال على ما في المسالك. ثانيها: انه يقتل في الرابعة بعد ثلاثة حدود واختاره الشيخ في النهاية والمبسوط، وكذا المفيد والسيد المرتضى والاتباع والعلامة، وهو الاولى عند المحقق. ثالثها: وهو اغرب الاقوال: انه يقتل في الخامسة وقد ذكره الشيخ قدس سره في الخلاف فقال: إذا جلد الزانى الحر البكر اربع مرات قتل في الخامسة وكذلك في القذف يقتل في الخامسة والعبد يقتل في الثامنة، وقد روى ان الحر يقتل في الرابعة وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا عليه الحد بالغا ما بلغ، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم (1). وهذا القول مرمى بالشذوذ والندرة (2) ولعل الاخبار والاجماع الذين ادعاهما كان بالنسبة إلى اصل المطلب أي القتل فان العامة لا يقولون بالقتل في الزنا وان بلغ ما بلغ ومهما تكرر، ولا شك في دلالة الاخبار على القتل في الجملة كما ان الاجماع ايضا قائم على ذلك، والا فلم نعثر على خبر يدل على ان الزانى يقتل في الخامسة كما وانا لم نجد قائلا. بذلك غيره قدس سره. واستدل للقول الاول بصحيحة يونس عن ابى الحسن الماضي عليه السلام قال: اصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة (3). واستدل للقول الثاني أي قتله في الرابعة بعد ان اقيم عليه الحد ثلاث مرات برواية ابى بصير الموثقة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الزانى إذا زنى يجلد ثلاثا ويقتل في الرابعة يعنى جلد ثلاث مرات (4) رواها المشايخ الثلاثة.


(1) الخلاف المسألة 55 من كتاب الحدود. (2) قال في الرياض: واما القول بقتله في الخامسة كما يحكي عن الخلاف فشاذ غير واضح المستند مخالف للاجماع انتهى. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 20 من ابواب حد الزنا، الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 20 من ابواب حد الزنا، الحديث 1.

[ 340 ]

وقد اورد عليها بان في طريقها محمد بن عيسى عن يونس واسحاق بن عمار وهو فطحى المذهب كما ان ابا بصير مشترك. واجيب بانهم عبروا عن الرواية بالموثقة وهذا يكفى في الاستدلال بها ولو كانت الرواية ضعيفة فضعفها منجبر بعمل الاصحاب. وعن العلل وعيون اخبار الرضا باسناده عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه: وعلة القتل بعد اقامة الحد في الثالثة على الزانى والزانية لاستحقاقهما وقله مبالاتهما بالضرب حتى كانه مطلق لهما ذلك. وعلة اخرى ان المستخف بالله وبالحد كافر فوجب عليه القتل لدخوله في الكفر (1). وقد جمع الشيخ القائل بالقول الثاني بين صحيح يونس وموثق ابى بصير بان صحيح يونس محمول على غير الزانى، والنتيجة ان اصحاب الكبائر كلهم يقتلون في الثالثة سوى الزانى فانه يقتل في الرابعة وذلك بمقتضى العموم والخصوص فان الخاص مقدم على العام. وقد كان هذا القول عند المحقق اولى والمراد منه كما في المسالك هو الاولى من حيث الاحتياط في الدماء لا من حيث الفتوى؟ فان مختاره في الكتابين هو الاول. وفى الرياض. بالنسبة إلى القول الثاني: هذا القول في غاية القوة مع كونه احوط بلا خلاف ولا شبهة، لما فيه من عدم التهجم على اراقة الدماء وحفظ النفس المحترمة. فاختار هو ايضا قتله في الرابعة بعد ان حد ثلاث مرات. ونحن نقول: اما ان يقال باعتبار خبر ابى بصير أو بعدمه فعلى الاول لابد من الاخذ به، والتخصيص، والافتاء بان الملاك هو المرة الرابعة فلا يجوز قتله في الثالثة، وعلى الثاني فالملاك هو المرة الثالثة وفى الحقيقة الامر دائر بين محذورين فان القتل في الثالثة ربما يكون بلا مسوغ ومبرر فهو محذور كما ان القتل في الرابعة ايضا ربما يكون من باب التأخير في الحد وعدم اجرائه وهو ايضا حرام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 20 من ابواب حد الزنا، الحديث 4.

[ 341 ]

ومحذور وكما ان القتل بلا مسوغ كبيرة موبقة كذلك ترك اجراء الحد ايضا من الكبائر فلا وجه للاحتياط لانه نطير باب التعارض. هذا مضافا إلى ان التأخير إلى الرابعة من باب الاحتياط إذا كان المعتبر بحسب الواقع قتله في الثالثة يودى إلى خلاف الاحتياط لان جلده في الثالثة ايذاء للمؤمن بلا وجه، وعلى الجملة فالظاهر انه لا وجه لهذا الاحتياط الذي قاله المحقق وفسره في المسالك على ما تقدم. واما ما يستفاد من كلام السيد صاحب الرياض من كونه من باب الاهم والمهم (1)، ففيه ان مورد قاعدة الاهم والمهم هو ما إذا كان هناك دليلان وتكليفان الا ان عدم قدرة المكلف على الاتيان بهما اصظره إلى الاخذ باحدهما وهناك لابد من الاخذ بالاهم وترك المهم كما في غريقين احدهما عالم والآخر عامى، وما نحن فيه ليس، كذلك فانه كما تقدم نظير باب التعارض فاما ان يكون التكليف هو القتل في الثالثة أو في الرابعة. نعم يمكن ان يقال ان الآية الكريمة تدل على وجوب جلد الزانية والزانى مأة جلدة وصحيح يونس: (ان اصحاب الكبائر إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة) يقتضى تخصيص الآية الكريمة بانهما يقتلان في المرة الثالثة مع اجراء الحد عليهما مرتين وموثق ابى بصير يقتضى تخصيصها بالمرة الرابعة فهما يقتلان بعد جلدهما ثلاث مرات وهذا يوجب الشبهة في تخصيصها بالثلاث أو باربع في باب الزنا والمتيقن هو المرة الرابعة اما بنفسها أو لانه قد وجب القتل قبل الرابعة أي في المرة الثالثة، واصالة العموم واصالة عدم التخصيص تقتضيان عدم خروج الزانى عن تحت عموم الآية إلى المرحلة المسلمة وهى المرة الرابعة. لكن من الواضح ان هذا يقتضى عدم القول بالقتل في الثالثة رأسا ولزوم تأخيره إلى الرابعة، وفى الحقيقة هذا دليل مستقل في استظهار القول الثاني كما ان صاحب الرياض كان بصدد ذلك على خلاف المحقق


(1) راجع الرياض الجلد 2 الصفحة 473.

[ 342 ]

والشهيد الثاني هذا، وعلى الجملة فالاظهر عندنا هو القول الثاني فان الخاص مقدم بعد اعتباره بالتوثيق. ولا يخفى ان ما ذكر من وجوب قتله سواء كان في المرة الثالثة أو الرابعة جار فيما إذا اقيم عليه الحد مرتين على الاول وثلات مرات على الثاني ومشروط به والا فانه لا يقتل اجماعا كما سيأتي ذلك ايضا. قتل المملوك في الثامنة أو في التاسعة هذا كله في الحر واما المملوك مطلقا فقال المحقق: اما المملوك فإذا اقيم عليه الحد سبعا قتل في الثامنة وقيل في التاسعة وهو اولى. اقول: هنا ايضا ثلاثة اقوال: احدها: قتله في الثامنة وهو مختار الشرايع وقد ذهب إليه المشهور. ثانيها انه يقتل في التاسعة وقد ذهب إليه الشيخ في النهاية، والقاضى وجماعة وجعله المحقق اولى، ويظهر من عبارة صاحب الوسائل انه اختار هذا القول فانه قال في عنوان الباب المتعلق بالمقام: باب ان المملوك إذا جلد ثمان مرات في الزنا رجم في التاسعة عبدا كان أو امة.. ثالثها التفصيل بين ثبوته بالبينة فيقتل بعد الثامنة وبين ثبوته باقراره فلا يقتل الا بعد التاسعة وهو المحكى عن الراوندي. وقد استدل للقول الاول بعد ادعاء الاجماع عليه من الانتصار والغنية بصحيح بريد عن ابى عبد الله عليه السلام: إذا زنى العبد جلد خمسين، فان عاد ضرب خمسين فان عاد ضرب خمسين إلى ثمانى مرات فان زنى ثمانى مرات قتل وادى الامام قيمته إلى مواليه من بيت المال (1). اقول: وهذا هو المناسب لكون حد المملوك نصف حد الحر المستفاد


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب حد الزنا، الحديث 2.

[ 343 ]

من الآية الكريمة: وعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب (1) فانه إذا كان عذاب الحر في المرة الرابعة فعذاب المملوك في المرة الثامنة. واستدل للقول الثاني بخبر عبيد أو بريد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: امة زنت؟ قال: تجلد خمسين جلدة قلت: فانها عادت، قال: تجلد خمسين، قلت: فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات؟ قال: إذا زنت ثمانى مرات يجب عليها الرجم قلت: كيف صار في ثمانى مرات؟ فقال: لان الحر إذا زنى اربع مرات واقيم عليه الحد قتل فإذا زنت الامة ثماني مرات رجمت في التاسعة (2). وفيه انه وان كان يدل على اعتبار التاسعة الا انه ضعيف السند (3) مختل الدلالة وترى ان التعليل لا يلائم الذيل والحكم، وذلك لان مقتضى لحاظ حال الحر هو قتله في الثامنة الذى ذكر في صدر الرواية ومع ذلك فقد فرع عليه انه يقتل في التاسعة، ولعل ذلك من خطأ الراوى هذا، مضافا إلى انه لا قائل بالرجم بالنسبة إلى المملوك وقد صرح الخبر برجمه وهذا مما يوجب مزيد الوهن في الرواية. وعلى هذا فالترجيح بحسب الرواية للقول الاول أي قتله في الثامنة ومع ذلك فقد جعل المحقق القول الثاني اولى. ويرد عليه ما ذكرناه آنفا بالنسبة إلى الحر فان المقام ليس بنحو يخرج المكلف عن عهدة التكليف باى واحد من التكليفين حتى يكون احدهما احوط


(1) سورة النساء الآية 25. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب حد الزنا، الحديث 1. (3) صرح في المرأت الجلد 23 الصفحة 366 يكون الخبر مجهولا. اقول: ان اصبغ بن اصبغ على ما قاله المامقاني: ليس له في كتب الرجال ذكر اصلا فهو مجهول انتهى راجع الجلد 1 الصفحة 150. واما محمد بن سليمان، ففي روضة المتقين الجلد 10 الصفحة 87 عن رجال الشيخ: محمد بن سليمان له كتاب يرمى بالغلو انتهى وفي رجال المامقاني الجلد 3 الصفحة 122: مقتضى نقل الشيخ رميه بالغلو هو ضعفه وان تأمل احد في ذلك فلا اقل من جهالته انتهى. واما مروان بن مسلم فقط اختلفوا فيه كما يظهر ذلك من رجال المامقاني الجلد 3 الصفحة 210.

[ 344 ]

مع الاجتزاء بالآخر بل هو من قبيل الدوران بين المحذورين. كما انه يرد على كلام صاحب الرياض هنا ما اوردناه عليه في ذلك المقام من عدم كون محل الكلام من باب الاهم والمهم حتى يؤخذ بالاهم بل المقام من قبيل المتعارضين فان الخصوصية ليست هي عدم قدرة المكلف على الاتيان بهما. نعم يمكن التمسك بما ذكرناه هناك من الشك في التخصيص وعدمه والاصل عدمه (1). الكلام في الزنا المتكرر بلا تخلل الحد قال المحقق: وفى الزناء المتكرر حد واحد وان كثر. اقول: بلا فرق بين اقسامه من الحر أو المملوك وكون الزنا بامرأة واحدة أو متعددة في يوم واحد أو في ايام، نعم الظاهر انه لا تشمل العبارة ما إذا اوجب الزنا كل مرة حدا غير الآخر، كالزناء الموجب للجلد، والزنا الموجب للرجم، فالمقصود هو ما إذا كان حد كل واحد هو الجلد. وفي المسألة قولان احدهما انه لا يتكرر الحد بل يكتفى بحد واحد وهذا هو المشهور. ثانيهما انه ان زنا بامرأة واحدة كفى حد واحد، وان زنا بجماعة نساء في ساعة واحدة حد لكل امرأة حدا، ذهب إليه ابن الجنيد والصدوق في المقنع. واستدل على الاول باصل البرائة وصدق الامتثال. اقول: انه لو وصلت النوبة إلى الشك ولم يمكن الاستظهار من الادلة فالحكم هو الرجوع إلى البرائة واما مع الاستظهار منها فلا، سواء استظهر الاكتفاء بالمرة أو اعتبار التكرار.


(1) لم يتعرض دام ظله لاستدلال القول الثالث فاقول: ان مأخذه الجمع بين الخبرين بحمل الاول على ما إذا اقيمت البينة والثاني على حالة الاقرار، قال في الرياض: وهو مع شذوذه تحكم كما صرح به جمع لفقد التكافؤ ثم الشاهد انتهى.

[ 345 ]

وحينئذ يجرى الكلام في الاستظهار من الادلة وان المستفاد من الآية الكريمة: " الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة " هل هو الوحدة أو التعدد والتكرار؟ وهكذا الكلام بالنسبة إلى الروايات المساوقة للآية الكريمة. وبعبارة اخرى: يبحث في ان الموضوع في الدليل الشرعي ملحوظ في المقام بنحو صرف الوجود واصل الطبيعة حتى لا تقبل التعدد أو انه ملحوظ بنحو الطبيعة السارية حتى يتكرر بعد انا نعلم انه في مواضع بنحو الاول واخرى بنحو الثاني، فان من اكل مرات متعددة في يوم من شهر رمضان فليس عليه الا كفارة واحدة ولا يوجب ذلك تكرارها وان كان يجب عليه الامساك بعد افطاره، وهكذا باب الحدث والخبث فان البول مهما تكرر لا يوجب الا وضوءا واحدا، وتلطخ الثوب أو البدن بالدم مثلا لا يوجب الا غسلا واحدا لتطهير المعتبر في الصلاة وان كان قد تلطخ به مرارا، وهذا بخلاف من افطر اياما من شهر رمضان فان لكل يوم من تلك الايام كفارة مخصوصة به، فالافطار في هذا اليوم غير الافطار في يوم آخر، وعلى الجملة فربما يوجب تعدد السبب تعدد المسبب واخرى لا يوجبه وذلك لدلالة الدليل بعد ان القاعدة تقتضي تكرار المسببات بتكرر الاسباب والاصل عدم التداخل. ولعله يستظهر من الآية الكريمة مثلا ان وجود العلة أي الزنا ليس مأخوذا بنحو وجود الشئ وجودا ساريا بل بنحو اصل الطبيعة وصرف الوجود غير القابل للتكرر وعلى ذلك فلا يجب الا حد واحد لان نفس الطبيعة غير متكررة فلا يتكرر المسبب عنها. لا يقال على هذا فالمسألة السابقة ايضا كذلك يعنى إذا كان صرف الوجود سببا للحد فإذا حد فلا يوجب الزنا التالى حد آخر لعدم تكرر صرف الطبيعة (1). لانا نقول: ان هذا خلاف ظاهر الدليل فان الظاهر منه انه بعد تحقق الزنا يجب الحد، فإذا زنى واقيم عليه الحد ثم زنى ثانيا فلو اكتفى بالحد الاول


(1) راجع جامع المدارك الجلد 7 الصفحة 34.

[ 346 ]

لزم كون حد الزنا السابق كافيا للزنا اللاحق مع ان الحد حد للزنا الذى وقع الحد عقيبه لا لما يأتي بعده. وقد ذكر في الجواهر قرائن لاستظهار ذلك اي كون المراد هو اصل الطبيعة الذى لا يقبل التكرر. منها ما اشار إليه بقوله: مع ابتناء الحدود على التخفيف ولذا تدرء بالشبهة. وفيه ان قرينية هذا لصرف الظاهر عن ظهوره محل تأمل واشكال لو كان الظاهر من الآية هو الاستغراق أو الجنس الذى ينتج نتيجته، والتعبير وان كان بلفظ الزانية والزانى الا ان من المعلوم ملاحظة علية الوصف للحكم وكانه قيل: فاجلدوا الزانية والزانى لمكان زناهما فهو نظير " لا تصل خلف الفاسق، أو، لا يجوز الايتمام بالفاسق " فانه ظاهر في ان العلة في ذلك، هو فسقه، وعلى الجملة فبعد تحقق هذا الظهور وان كل فرد من افراد الزنا يوجب حدا مستقلا فصلاحية ابتناء الحدود على التخفيف لصرف هذا الظاهر محل التأمل. ومنها ما افاده بقوله: وغلبة تكرار الخروج والولوج في المرة الواحدة فضلا عن تكراره مستقلا. وفيه اولا ان غلبة ذلك غير مسلم وثانيا سلمنا ذلك الا ان المقصود من الزنا هو الزناء العرفي الذى لا ينافيه تكرار الخروج والولوج ويحسب مع هذه الخصوصيات زناء أو احدا لا متعددا. ومنها قوله: بل لعل التأمل الجيد في تعليق الحكم في الآية الشريفة على الزانية والزانى يقتضى ذلك ضرورة كون التعدد في اشخاص الزنا حينئذ كالتعدد في اسباب الحدث والنجاسة ولكن يكفى طهارة واحدة وتطهير واحد لان العنوان طهارة المحدث وتطهير النجس وهو صادق على متعدد السبب ومتحده، فكذلك الكلام في الزناء فان الزانى والزانية يصدق كذلك، إلى آخر كلامه. وفيه انا لا نعلم فرقا بين التعبيرين لانا لو استفدنا العلية فكل زناء يوجب

[ 347 ]

حدا مستقلا نعم لو لم يستظهر ذلك لتم ما افاده. وكيف كان فارادة الطبيعة أو الوجود السارى امر موكول إلى لحاظ المتكلم فان استظهر انه اراد ولاحظ اصل الطبيعة وان كان بمعونة القرائن التى ذكرها العلماء الاعلام رضوان الله عليهم فهو، كما انه لو استظهرت الطبيعة السارية فلا كلام، ولو شك في ذلك يتمسك باصل البرائة. وفى الرياض عند الاستدلال على كفاية حد واحد وعدم تعدده بتعدد الزنا قال: قيل لاصالة البرائة وصدق الامتثال وابتناء الحدود على التخفيف وللشك في وجوب الزائد فيدرء بالشبهة. اقول: هذه هي الوجوه التى استدل بها للقول بعدم تعدد الحد، والعمدة من بينها هو الاطلاق. ثم قال: وفى الاولين مناقشة لاقتضاء تعدد الاسباب تعدد المسببات والتداخل خلاف الاصل. ثم رد على هذه المناقشة المقتضية للتعدد والتكرار فقال: لكن مقتضى هذا لزوم التعدد مطلقا ولو كان المزني بها مكررا، واحدة، ولم يقل به احد من الطائفة حتى الاسكافي والصدوق الذين حكى عنهما الخلاف في المسألة فانهما قالا بما عليه الجماعة ان وقع التكرار بامرأة واحد، واوجبا التعدد ان وقع بالمتعدد، فحينئذ لا يمكن الاخذ بالقاعدة المقتضية لتعدد المسببات عند تعدد اسبابها، المخالفة عمومها الاجماع هنا فلابد من المصير إلى احد القولين اما التفصيل المتقدم أو المنع عن التعدد مطلقا والاول غير ممكن لعدم الدليل عليه عدا خبر واحد قاصر السند بل ضعيف شاذ مطروح كما صح به الماتن في الشرايع فتعين الثاني. انتهى. ويرد عليه كما في الجواهر بانه لو كان المقام من باب تعدد الاسباب فلابد من العمل بالقاعدة والاخذ بها الا في خصوص ما قام الاجماع على الخلاف ولازم ذلك العمل بها فيما إذا زنى بنسوة متعددة دون ما إذا زنى مرارا بامرأة واحدة لقيام الاجماع في هذا المورد على عدم التعدد والتكرار، واما

[ 348 ]

بالنسبة إلى النسوة المتعددة فلا وجه لذلك بعد اقتضاء القاعدة التكرار. وقولهم " لا يمكن الاخذ بالقاعدة " لا يتم هنا اصلا. نعم يمكن ان يتمسك بما اشرنا إليه من قبل من ان الحكم فرع الموضوع ومتعلق به، والموضوع هنا الزانية والزانى وهذا لا تعدد فيه فيكون الزانى زانيا سواء زنى مرة أو مرات بالواحدة أو بالمتعددة نظير وجوب الغسل على الجنب فان الجنب جنب سواء كان بالانزال أو بالدخول أو كليهما. وعلى الجملة فالعلمان صاحبا الرياض والجواهر متفقان في انه مع عدم تخلل الحد لا يتعدد ذلك بتعدد الزنا الا ان الاول يستند في ذلك إلى الاجماع القائم على خلاف القاعدة بحيث لولاه لكان الحكم هو التعدد بمقتضى القاعدة فالاجماع مانع عنها، في حين ان الثاني يقول بانه لا تعدد اصلا لعدم دليل يدل على ذلك فعدم التكرار عنده هو مقتضى القاعدة. واما القول بالتفصيل فقد ذهب إليه ابن الجنيد والصدوق في المقنع فقالا: ان زنا بامرأة واحدة كفى حد واحد وان زنا بجماعة نساء في ساعة واحدة حد لكل امرأة حدا، وقد استندا في ذلك إلى رواية ابى بصير كما قال المحقق: " وفى رواية ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام: ان زنا بامرأة مرارا فعليه حد وان زنى بنسوة فعليه في كل امرأة حد وهى مطرحة ". وقد نقلها بالمعنى ومحصلا فاليك متنها: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد وعن علي بن ابراهيم عن ابيه جميعا عن ابن محبوب عن علي بن ابى حمزة عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يزنى في اليوم الواحد مرارا كثيرة قال: فقال: ان زنى بامرأة واحدة كذا وكذا مرة فانما عليه حد واحد فان هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد وفى ساعة واحدة فان عليه في كل امرأة فجر بها حدا (1).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 باب 23 من ابواب حد الزنا، الحديث 1.

[ 349 ]

وقد اورد بان في طريق الرواية ضعفا وذلك لان علي بن ابى حمزة البطاثنى الذى نقلها عن ابى بصير واقفى وان كان الخبر معتبرا عندهما ولذا فقد تمسكا به. هذا كله بحسب استظهارات العلماء رضوان الله عليهم اجمعين فلو قلنا بشئ منها فهو والا فلو شك في الوحدة والتعدد وان الموضوع هل هو الفعل القابل للتكرار أو الفعل الذى لا يقبل التكرار وبعبارة اخرى لو شك في ان الموضوع مأخوذ بنحو صرف الوجود حتى لا يقبل التكرار والتعدد أو بنحو الطبيعة السارية الصالحة للتعدد فهناك لا اشكال في جريان اصالة البرائة كما تقدم ذلك لان الحد الواحد مقطوع به ومتيقن والزائد عليه مشكوك فتجرى البرائة عنه. لا يقال: ان كل واحدة من المرات المتعددة حرام قطعي فكيف يجرى اصل البرائة بالنسبة إلى الحد مع العلم بالحرمة؟ لانا نقول ان التحريم وان كان امرا مسلما مفروغا عنه لكنه امر آخر غير الحد، فالموضوع بالنسبة إلى الحرمة مأخوذ بنحو الطبيعة السارية بلا كلام ولا ترديد، ولا منافاة بين تعدد المعصية ووحدة الحد اصلا. الكلام فيما إذا زنى الذمي بالذمية قال المحقق: لو زنى الذمي بذمية دفعه الامام إلى اهل نحلته ليقيموا الحد على معتقدهم وان شاء اقام الحد بموجب شرع الاسلام. اقول: ادعى كثير من العلماء عدم الخلاف في ذلك. قال في الرياض: بلا خلاف اجده وبه صرح بعض الاجلة وهو الحجة انتهى. وقال في الجواهر: بلا خلاف اجده فيه كما عن بعضهم الاعتراف به. وعلى هذا فالحاكم الاسلامي مخير بين ان يحكم هو بنفسه بحكم الاسلام وان يعرض عنه ويدفعه إلى الحكام الذميين كى يحكموا عليه بمقتضى

[ 350 ]

مذهبهم (1). ويمكن ان يستدل على ذلك بوجوه: الدليل الكلى بلحاظ انهم في ذمة الاسلام، والكتاب، والسنة. اما الاول فبيانه ان ذلك مطابق أو مستلزم للوفاء بعهدهم لشرائط الذمة فمقتضى كونهم من اهل الذمة متعهدين بشرائطها ملتزمين باداء الجزية وغير ذلك من الامور المشروطة عليهم هو كونهم في ذمة الاسلام وفى امن وامان وراحة وسلام، وعدم اجبارهم على الالتزام بمقررات الاسلام وآدابه، وعدم الزامهم باحكام المسلمين فلهم ان يعملوا بما هو مقتضى مذهبهم فترى ان من اهم الواجبات على المسلمين الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيجب حمل تاركى الصلاة على الاتيان بها وهكذا بالنسبة إلى سائر شعائر الاسلام ولكن لا يجوز ذلك بالنسبة إلى اهل الذمة وليس للمسلمين اجبارهم على الصلاة أو غيرها فان الاسلام يتركهم وما يدينون ولهم ان يعيشوا في ظل الاسلام آمنين مطمئنين وهذا من الحقوق التى اوجب عقد الذمة لهم علينا وعلى هذا فيجوز للحاكم ارجاعهم في المرافعات إلى حكامهم. هذا. ويمكن ان يقال: إذا حدث بينهم ما يحتاج إلى التحاكم وفصل الامر واطلع على ذلك الحاكم الاسلامي فلا يجوز له ان يلزموهم بالرجوع إلى حكم الاسلام واعتناق ما هو المقرر عند المسلمين بل الامر هنا بيدهم ولا مانع لهم عن الرجوع إلى حكامهم إذا اختاروا ذلك. واما إذا وقع امرهم بيد الحاكم الشرعي كما إذا كانوا قد ترافعوا إليه فهنا لا دليل على جواز ترك الحكم بمقتضى الاحكام الاسلامية فان من المعلوم ان الاحكام الالهية الاسلامية كلها متعلقة بكل المكلفين وكافة إبناء البشر من المسلم والكافر كتابيا كان أو غيره، وان دينهم صار منسوخا بطلوع الاسلام غاية الامر ان الشارع قرر عقد الذمة لمصالح عالية في ذلك وهو يمنع


(1) اقول: وقد تعرض العلامة اعلى الله مقامه لهذه المسألة في كتاب الجهاد من التذكرة الجلد 1 الصفحة 451 فراجع.

[ 351 ]

عن الزامهم ابتداءا باحكام الاسلام، واما عند ترافعهم إلى الحاكم الاسلامي وايكالهم الامر إليه وتسليمهم لدى نظره فليس له ان يترك الحكم الشرعي المكتوب على كل المكلفين وارجاعهم إلى حكامهم فبحسب الادلة الكلية يشكل الحكم بالتخيير بل مقتضى القواعد الشرعية هو تعين الحكم بحسب الاحكام الاسلامية. واما الثاني وهو الكتاب فقوله تعالى في مذمة اليهود: سماعون للكذب اكالون للسحت فان جاءوك فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين (1). فان الظاهر منه ان النبي صلى الله عليه وآله كان مخيرا بين ان يحكم هو بنفسه بينهم إذا جاءوه أو يعرض حتى يحكم بينهم حكامهم. واما مجرد الاعراض وترك القضية فوضى فهو بعيد عن مقام الرسول العظيم صلى الله عليه وآله ودينه الشامل الجامع فان من كان منصوبا من قبل الله إلى الناس اجمعين لاصلاح امورهم وحل مشاكلهم كيف يمكن ان يقال له: احكم بينهم أو اتركهم بحالهم؟ فلابد ان يكون الاعراض عنهم المذكور في الآية الكريمة مقدمة لان يحكم بينهم من هو من اهل نحلتهم لو كان لهم في ذلك حكم، والعقل يأبى ان يأتي قوم عنده لفصل الخصوصة وهو يتركهم بلا جواب بل لابد من ان يحكم بينهم بنفسه أو يرسلهم إلى فاصل خصومة وان كان من اهل مذهبهم وعلى الجملة فالآية الكريمة تدل على تخيير الحاكم بين الامرين. لا يقال ان كون (أو) في الآية الكريمة للتخيير غير مسلم وقد تردد في ذلك بعض كالمحقق الاردبيلى حيث قال في مجمع الفائدة والبرهان: ان الآية غير صريحة في التخيير. لانا نقول: ان ظهورها في التخيير مسلم واحتمال خلاف ذلك خلاف


(1) سورة المائدة الآية 42.

[ 352 ]

الظاهر جدا (1). نعم قد ينافى التخيير قوله تعالى: وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله.. (2) فان ظاهره وجوب الحكم بما انزل الله على نبيه الاعظم بنفسه وتعيين ذلك لا بما انزل الله إلى الانبياء السابقين. ولا ينافى ذلك ما ذكره بعده بقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة (2) فان الظاهر ان المراد منه: ان لكل من الانبياء شريعة ومنهاجا ولم يجعلكم الله امة واحدة فلهم شريعتهم ولك شريعتك فاعمل بها وليس المراد انه جعل لكل منهم شريعة، ولك ان تعمل بشريعة غيرك فان ذلك ليس من متفاهم الآية الكريمة بل المقصود من الشريعة الآن هو الاسلام ولا غير فهو الذى يجب اتباعه والحكم بمقتضاه، وعلى الجملة فظاهر هذه الآية الكريمة هو تعيين الحكم بمقتضى ما انزل الله على رسوله الخاتم وعلى هذا فتنافى الآية السابقة الدالة على التخيير. وعالج بعض العامة هذا التنافى بان الآية السابقة منسوخة بهذه (3)


(1) اقول: هكذا اجاب دام ظله عن الاشكال ولكن هنا كلام وهو انه وان كان ظهور " أو " في التخيير غير قابل للانكار الا انه ليست ظاهرة في التخيير بين حكمه صلى الله عليه وآله بنفسه وارجاعه اياهم إلى اهل نحلتهم بل التخيير بين الحكم طبق الاسلام اوردهم وتركهم ولا اشكال فيه وتؤيد ذلك تتمة الآية الكريمة: وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسطان الله يحب المقسطين وعلى الجملة فاني كلما تأملت في الآية لم ار فيها دلالة على ارجاعهم إلى حكامهم وان كان " أو " فيها للتخيير فضلا عما إذا قيل بانه ليس للتخيير اصلا بان يكون للجمع مثلا، وعلى ذلك فلم يبق الا الروايات. (2) سورة المائدة الآية 49. (3) قال الشيخ قدس سره في التبيان الجلد 3 الصفحة 524: وفي اختيار الحكام والائمة الحكم بين اهل الذمة إذا احتكموا إليهم قولان احدهما قال ابراهيم والشعبي وقتادة وعطاء والزجاج والطبري وهو المروى عن علي عليه السلام والظاهر في رواياتنا انه حكم ثابت والتخيير حاصل، وقال الحسن وعكرمة ومجاهد والسدي والحكم وجعفر بن مبشر واختاره الجبائي انه منسوخ بقوله: وان احكم بينهم بما انزل الله، فنسخ الاختيار واوجب الحكم بينهم بالقسط وهو العدل انتهى.

[ 353 ]

ولكن لم يثبت ذلك والاصل عدمه. ويمكن الجمع بينهما بان الآية الاخيرة متعرضة لواحد من طرفي التخيير فلا منافاة بينهما. لا يقال: ان النبي صلى الله عليه وآله كان بمقتضى الآية الثانية مأمورا بالحكم بين الناس كلهم بما انزل الله ولعل ما انزل الله إليه بالنسبة إلى اهل الكتاب هو ارجاعهم إلى حكامهم إذا احتكموا إليه صلى الله عليه وآله إذا لا تنافى بينهما. لانه يقال: انه لا شك في نسخ الاديان السابقة بسبب الاسلام فالحكم الواقعي لكافة المكلفين واهل الارض بعد ذلك هو الاسلام لا غير غاية الامر ان مقتضى عقد الذمة والمسالمة جواز ارجاعهم إلى حكامهم وبتعبير آخر ان جواز ان يحكم الحاكم الاسلامي وان يتركهم كى يحكم بينهم حاكمهم، هو الحكم الواقعي بالنسبة إلى الحاكم، فكان حكم النبي صلوات الله عليه هو تجويز ان يعملوا باحكامهم المنسوخة مع اداء الجزية لمصلحة مقتضية لذلك لا ان يكون هذا هو الحكم الواقعي بالنسبة إلى اهل الذمة فان وظيفتهم قبول الاسلام والعمل باحكامه ولذا فهم معذبون في الآخرة لو ماتوا على ذلك. فتحصل ان التنافى بحسب الظاهر محقق وبعد انه لم يثبت النسخ فلا محالة يجمع بين الآيتين بحمل الاولى على ذكر عدلى التخيير والثانية على ذكر واحد منهما خاصة. واما الثالث وهو الاخبار فهى روايات واردة في خصوص المقام أي الزنا بخلاف الدليلين الماضيين فانهما كانا في مورد ترافع اهل الكتاب إلى النبي والحاكم الاسلامي، وعنوان بابها في الوسائل: باب وجوب اقامة الحد على الكفار إذا فعلوا المحرمات جهرا أو رفعوا إلى حكام المسلمين. فمنها ما عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن يهودى أو نصراني أو مجوسي اخذ زانيا أو شارب خمر ما عليه؟ قال:

[ 354 ]

يقام عليه حدود المسلمين إذا فعلوا ذلك في مصر من امصار المسلمين أو في غير امصار المسلمين إذا رفعوا إلى حكام المسلمين (1). ومقتضى ظاهر هذا الخبر هو تعين الحكم عليهم بحكم الاسلام (كما ان المجوسى قد الحق فيه باهل الكتاب). ومثله ما رواه في باب الديات عن ابى بصير قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن دية اليهود والنصارى والمجوس قال: هم سواء ثمان مأة درهم. قلت ان اخذوا في بلاد المسلمين وهم يعملون الفاحشة ايقام عليهم الحد؟ قال: نعم يحكم فيهم باحكام المسلمين (2). وعن اسماعيل بن ابى زياد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان محمد بن ابى بكر كتب إلى علي عليه السلام في الرجل زنى بالمرأة اليهودية والنصرانية فكتب عليه السلام إليه: ان كان محصنا فارجمه وان كان بكرا فاجلده مأة جلدة ثم انفه واما اليهودية فابعث بها إلى اهل ملتها فليقضوا فيها ما احبوا (3). ترى التصريح فيها بان الامام عليه السلام امر ببعث اليهودية إلى اهل ملتها حتى يحكموا هم فيها. ومقتضى هذا الخبر هو تعين البعث إليهم وعدم الحكم بحكم الاسلام. لا يقال: ان هذه الرواية متعلقة بالمرأة اليهودية والحال انه كان الكلام في الرجل الذمي لا في المرأة وقد تقدم في خبر علي بن جعفر ان السؤال كان عن يهودى أو نصراني.. اخذ زانيا. ففيه ان هنا من الموارد التى لا خصوصية لاحدهما فإذا وجب بعث اليهودية يجب بعث اليهودي ايضا ويشعر بوحدة الحكم في المقام قوله تعالى:


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 29 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 19 الباب 13 من ابواب ديات النفس الحديث 8 الصفحة 162. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 8 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 355 ]

الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، فانه يستشعر منه انه لا فرق في احكام الزنا بين الرجل والمرأة في غير ما اخرجه الدليل. وعلى الجملة فإذا كانت رواية على بن جعفر ورواية ابى بصير ظاهرتين في تعين حكم الاسلام واجراء حدود المسلمين، ورواية اسماعيل بن زياد ظاهرة في تعين بعثهم إلى قضاتهم واهل نحلتهم فيرفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين ويؤخذ بما هو المقطوع به من جواز كل واحد منهما، ونتيجة ذلك هو التخيير بين الامرين. ويشهد لذلك ما في باب القضاء عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: ان الحاكم إذا اتاه اهل التوراة واهل الانجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه ان شاء حكم بينهم وان شاء تركهم (1). وقد ظهر مما ذكرنا في هذا المضمار ان الاخبار على ثلاثة اقسام: منها ما يفيد الرجوع إلى حكامهم ومنها ما يفيد اقامة حكم الاسلام ومنها ما يفيد كون الحاكم مخيرا بينهما، والاخير شاهد الجمع بين الاولين لسقوط ظهورهما في التعيين بالمعارضة. ثم انهم عنونوا المسألة بعنوان زناء الذمي كما رأيت ذلك في كلام المحقق ولكن بدل بعض العلماء لفظ الذمي بالكافر فعمم محل البحث وقال: لو زنى الكافر..، وقد تقدم ان المحدث صاحب الوسائل رضوان الله عليه ذكر رواية على بن جعفر تحت عنوان باب وجوب اقامة الحد على الكفار، مع ان السؤال فيها كان عن يهودى أو نصراني أو مجوسي. ونحن نقول ان الكفار على اقسام: كتابي ذمى، وكتابي غير ذمى، وغير اهل الكتاب من الكفار الحربيين. والذى يقطع بشمول الاخبار له هو الاول أي الكتابى الذى كان في ذمة الاسلام مع العمل بشرائط الذمة واما غير ذلك وان كان ذميا لا يبالى ولا يعتنى شرائط الذمة فلا، ولو فرض تعميم الحكم وتسريته فانما يتجاوز عن المورد المقطوع به إلى مطلق الكتابى وان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 27 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 356 ]

لم يكن ذميا وذلك بلحاظ انتحاله إلى شريعة الهية ودين سماوي وان كان محرفا واما الحربى وغير المعتقد بدين الهى اصلا كالاشتراكيين فلو راجعوا إلى حكام الاسلام في واقعة فلا يصح القول بجواز ارجاعهم إلى حكامهم واحكامهم التى ليست الا مجعولات بشرية وقوانين خاطئة فيجب هناك عند ما راجعوا إلى حكام المسلمين اجراء احكام الاسلام وتنفيذها بالنسبة إليهم والا فانهم ربما يبيحون بحسب مقرراتهم الوضيعة المنحطة نكاح الرجال للرجال وكيف يمكن الالتزام بجواز الارجاع إليهم والحال هذه؟ وعلى الجملة فالظاهر ان الادلة كتابا وسنة منصرفة عن هذا. ولو شك في اختصاص الادلة بالمورد المتيقن وهو إذا كانت لهم شريعة واحكام ينتحلون بها إلى الله سبحانه أو شمولها لمطلق الكفار فلابد من الاكتفاء بالقدر المسلم والرجوع في غيره إلى احكام الاسلام. لكنا قد ذكرنا ان الادلة ظاهرة في الاختصاص باهل الملل الذين يعملون بمقتضى معتقداتهم ويعيشون في ضوء الحكومة الاسلامية مع تعهدهم بالجزية وغيرها من الشرائط. نعم إذا كان الذمي قد زنى بالمسلمة فلا محالة يقتل كما مر ذلك لانه قد هتك حرمة الاسلام وخرج عن شرائط الذمة. كما انه لو زنى المسلم بالذمية فانه يحكم على المسلم بما مضى سابقا من الاحكام من كونه محصنا أو غير محصن واما بالنسبة إلى الذمية فالحاكم بالخيار.. ثم انه قد يستشكل في جواز الارجاع إليهم إذا كان قوانينهم محرفة واحكامهم مبدلة ليست على ما جاء به التوراة والانجيل وانما يقتصر في ذلك على ما إذا وافقت قوانينهم الدائرة كتابهم السماوي، كما ربما يدل على ذلك ما رواه المحدث العاملي في باب القضاء عن هارون بن خارجه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت: رجلان من اهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة فقضى بينهما حاكم من حكامهما بجور فابى الذى قضى عليه ان يقبل

[ 357 ]

وسأل ان يرد إلى حكم المسلمين قال: ير إلى حكم المسلمين (1). وفيه انه يجوز الارجاع إليهم حتى فيما حرف من قوانينهم فانه يكفى في ذلك مجرد انتحالهم إلى الله وانهم ينسبون مقرراتهم الجارية بينهم إلى الله تعالى، ويشهد على ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله قررهم على قوانينهم واحكامهم والحال ان كثيرا من مقرراتهم واحكامهم كانت محرفة. واما الرواية فالظاهر ان الحكم بالجور كان لاجل ان الحاكم قد حكم بخلاف ما هو المقرر على حسب نظامهم القضائى وليس المراد انه حكم على خلاف كتابهم السماوي. الكلام فيما إذا كانت المزني بها حاملا قال المحقق قدس سره: ولا يقام الحد على الحامل حتى تضع وتخرج من نفاسها وترضع الولد ان لم يتفق له مرضعة ولو وجد له كافل جاز اقامة الحد (2). وفى الجواهر بعد قول المحقق: وتخرج من نفاسها: بلا خلاف اجده نصا وفتوى بل ولا اشكال مع فرض خوف الضرر على ولدها لو جلدت لعدم السبيل عليه. اقول: ان المراد من الحد اعم من الرجم والجلد كما ان الحامل اعم من كون حملها من الحلال أو من الزنا. ثم انه تارة يكون في اجراء الحد عليها وهى حامل ضرر على


(1) الوسائل الجلد 18 الباب 27 من كيفية الحكم الحديث 2، اقول: اورده هذا العبد وقد اجاب دام ظله العالي بما ذكرناه في المتن. (2) وقال ابن البراج في المهذب الجلد 2 الصفحة 528: وإذا زنت امرأة هي حامل لم يقم عليها حد بجلد ولا رجم وهي كذلك فإذا وضعت ولدها وخرجت من نفاسها وارضعته جلدت أو رجمت وقال سلار في المراسم الصفحة 253: ولا يحد الحامل حتى تضع. وقال ابن سعيد في جامع الشرايع الصفحة 554: ولا تحد الحامل حتى تضع وترضع.

[ 358 ]

نفسها، واخرى على ولدها، وقد نفى صاحب الجواهر الاشكال في الصورة الثانية. ويمكن ان يقال انه لا فرق في ذلك بين ضرر الولد وضرر الام إذا كان زائدا على ما هو من طبع الحد ومقتضاه، وان كان يمكن ان يقال انه إذا كان حدها الرجم فلا ضرر اعظم من القتل والموت فلا يعتنى بذلك الضرر، فالحكم بعدم اجراء الحد عليها حينئذ موقوف على تعبد خاص. وكيف كان فإذا كان في اجراء الحد عليها ضرر على الولد فتارة يكون الضرر هو سقطه أو موته عند الرضاع واخرى من قبيل المرض وغيره ففى الاول يتمسك في عدم اجراء الحد حينئذ بقاعدة الاهم والمهم. بيان ذلك ان التسريع في اجراء الحد كنفس اجرائه واجب ومن ناحية اخرى فان حفظ النفس المحترمة ايضا واجب الا انه لا شك في كون حفظ الدماء والنفوس المحترمة اهم من ترك التسريع في اقامة الحد وتأجيله ومن المعلوم ان الاهم مقدم على المهم عند دوران الامر بينهما بل لا يلزم العلم بموت الولد فانه يكفى مجرد خوف ذلك وكونه في معرض التلف والهلاك فيكون العلة حكمة في الحكم لا علة حقيقية حتى يعتبر العلم بها ويدور الحكم مدارها وطبقا لهذه القاعدة العقلية وردت الرواية عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال لعمر وقد اتى بحامل قد زنت فامر برجمها فقال له علي عليه السلام: هب لك سبيل عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى، فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن. ثم قال: فما اصنع بها يا ابا الحسن؟ قال: احتط عليها حتى تلد فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فاقم الحد عليها (1). واما إذا لم يكن الضرر اللازم هو الموت والتلف بل كان من قبيل المرض مثلا كما إذا فسدت لبن الام عقيب اجراء الحد عليها وكان ذلك موجبا لفساد مزاج الولد واضطراب حاله أو لزم من ذلك ان يتغذى بلبن غير لبن امه الذى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 7.

[ 359 ]

هو انسب لبن بحال الولد وانفعه لمزاجه ولذا جعله الله تعالى غذاءا له وافضى ذلك إلى مرضه فحينئذ يتمسك بلا ضرر فانه حاكم على جميع الادلة فيجب التأخير في الحد إلى ما بعد الرضاع. ثم انه قد اكتفى بعض من ايام الرضاع باللبأ مستندا إلى اناطة حياة الولد به، قال بعض الاجلة إذا كانت المزني بها حاملا فان كانت محصنة تربص بها حتى تضع حملها وترضعه مدة اللباء ثم ترجم. واستدل على ذلك بعد ذكره عدم خلاف ظاهر بين الاصحاب بمعتبرة عمار الساباطى قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن محصنة زنت وهى حبلى، قال: تقر حتى تضع ما في بطنها وترضع ولدها ثم ترجم (1) قال: والارضاع في الرواية لابد من حمله على الارضاع مدة اللباء فان الطفل على ما قيل لا يعيش بدونه والدليل على ذلك صحيحة ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام (2)..، قال: فان هذه الصحيحة واضحة الدلالة على ان الرجم لا يؤخر إلى اتمام الرضاع حولين كاملين.. ثم اورد على الرواية بعدم اعتبارها لاشتراك ابى مريم بين من ثبتت وثاقته ومن لم يثبت وثاقته، واجاب بوجهين يوجبان حمله على الثقة. وقال ايضا: وان كانت غير محصنة حدت الا إذا خيف على ولدها واستدل على ذلك بقوله: اما لزوم الحد فلعدم الدليل على التأخير لما عرفت من اختصاصه بالرجم إلى ان تضع حملها نعم إذا خيف على ولدها وجب التاخير تخفظا عليه.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث. (2) قال: اتت امرأة امير المؤمنين عليه السلام فقالت: اني قد فجرت فاعرض بوجهه عنها فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت: اني قد فجرت فاعرض عنها ثم استقبلته فقالت: اني قد فجرت فاعرض عنها ثم استقبلته فقالت: اني فجرت فامر بها فحبسب وكانت حاملا فتربص بها حتى وضعت ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وادخلها الحفيرة إلى الحقو.. ورماها بحجر. الحديث 5.

[ 360 ]

اقول: ان اصل اناطة حياة الطفل باللباء محل الترديد والكلام، وليس ذلك بمسلم وان كان هو المشهور. ولذا قال بعض الاعاظم مجيبا عنه ويمكن ان يقال: ما ذكر من لا بدية حمل الارضاع على مدة اللباء مشكل حيث ان ما ذكر من ان الطفل لا يعيش بدون اللبأ مورد الانكار فكيف يصرف اللفظ إليه بلا قرينة وما ذكر في رفع شبهة الاشتراك ليس يقيد الا الظن، والظن ما لم يصل إلى حد الوثوق والاطمينان كيف يصح الاعتماد عليه في رفع الشبهة (1). والتحقيق ان يقال: ان ما تمسك به في اثبات مدعاه من صحيح ابى مريم لا ينفع في ذلك اصلا فان قوله عليه السلام: حتى وضعت ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها الخ ليس له اطلاق فانه بيان لما وقع وصدر عنه صلى الله عليه وآله ولا يمكن حمله على صورة عدم المرضع والكافل اصلا بان يكون يجب التسريع في اجراء الحد وان افضى ذلك إلى هلاك الصبى، والعقل حاكم بذلك فلابد من ان يحمل على صورة وجود المرضع والكافل ومن المعلوم ان هذا مطابق للقاعدة العقلية ولا شك في انه مع وجود الكافل لا يؤخر اجراء الحد اصلا واما مع عدم وجوده فيجب التأخير في الحد عقلا ونقلا وعلى هذا فالخبر لا ينفع في اثبات مدعاه من وجوب ارضاع الصبى اللبا. هذا مضافا إلى التصريح بالارضاع حولين كاملين في روايات اخرى وعلى الجملة فهذا الصحيح لا يقول الا ما قالت به الروايات الاخرى من انه مع وجود الكافل يقام عليها الحد وعلى هذا فلا حاجة إلى تجشم الذب عن الاشكال الوارد في الرواية من جهة اشتراك ابى مريم، والاشكال الذى اورده بعض الاعاظم على هذا الذب، فان الصحيح المزبور لا ينفع في اثبات مراده شيئا. واما ما ذكره من ان رواية اصبغ اجنبية عن المقام فان الامر بالارضاع كان قبل الثبوت، ففيه ما اورد عليه من انه يشكل حيث انه مع اصرار المرأة بتطهيرها والعلم العادى بانها تقر مكررا حتى يجرى عليها الحد كيف تؤمر بالارضاع حولين كاملين إلى آخر كلامه.


(1) جامع المدارك الجلد 7 الصفحة 39.

[ 361 ]

وكيف كان فمقتضى القاعدة انه لا يجوز رجم الحامل كما لا تجوز رجم المرأة إذا كانت ترضع الولد وكان في رجمها هلاك الولد وموته لفساد تغذيته أو لغير ذلك فيجب التأخير في الحد رعاية لقاعدة الاهم والمهم، واما إذا لم يلزم موته بل كان في اقامة الحد عليها ضرر عليه فمقتضى تقديم ادلة الضرر لزوم التأخير في الحد واما إذا لم يلزم ضرر اصلا فالقول بجواز تأخير الحد هناك إلى ما بعد الرضاع مثلا يحتاج إلى تعبد خاص واستفادة ذلك من الروايات، والا فمقتضى القاعدة وجوب التسريع فيه والظاهر انه لا يبعد استفادة ذلك منها. ففى خبر ابى بصير عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن ابيه قال: اتت امرأة مجح امير المؤمنين عليه السلام فقالت: يا أمير المؤمنين انى زنيت فطهرني طهرك الله.. فقال لها: مما اطهرك؟ فقالت انى زنيت.. فقال لها: انطلق فضعى ما في بطنك ثم ايتينى اطهرك فلما ولت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم انها شهادة فلم تلبث ان اتته فقالت: قد وضعت فطهرني قال: فتجاهل عليها فقال: اطهرك يا امة الله مماذا؟ قالت: انى زنيت فطهرني.. قال فانطلقي فارضعيه حولين كاملين كما امرك الله قال: فانصرفت المرأة فلما صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم انهما شهادتان. قال: فلما مضى الحولان اتت المرأة فقالت: فقد ارضعته حولين فطهرني يا امير المؤمنين فتجاهل عليها وقال: اطهرك مماذا؟ فقالت: انى زنيت فطهرني.. قال: فانطلقي فاكفليه حتى يعقل ان يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر، قال: فانصرفت وهى تبكى فلما ولت وصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه ثلاث شهادات قال: فاستقبلها عمرو بن الحريث المخزومى فقال لها: ما يبكيك يا امة الله وقد رأيتك تختلفين إلى علي تسألينه ان يطهرك فقالت: انى اتيت امير المؤمنين عليه السلام فسألته ان يطهرني فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل ان يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتردى في بئر وقد خفت ان يأتي علي الموت ولم يطهرني فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فانا اكفله فرجعت فاخبرت امير المؤمنين

[ 362 ]

عليه السلام بقوله عمرو بن حريث فقال لها امير المؤمنين عليه السلام وهو متجاهل عليهما؟ ولم يكفل عمرو ولدك؟ فقالت: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني.. فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم انه قد ثبت عليها اربع شهادات إلى ان قال: فنظر إليه عمرو بن حريث وكانما الرمان يفقأ في وجهه فلما راى ذلك عمرو قال: يا امير المؤمنين انى انما اردت ان اكفله إذ ظننت انك تحب ذلك فاما إذ كرهته فانى لست افعل فقال امير المؤمنين عليه السلام ابعد اربع شهادات بالله؟ لتكفلنه وانت صاغر (1). قوله: المجح بتقديم المعجمة: الحامل المقرب التى دنا ولادها، والفقوء الشق والبخص على ما في المصباح المنير والمراد به انه احمر وجهه عليه غضبا. لتكفلنه وانت صاغر أي ذليلا بلا اجر لانك عاهدتها والمسلمون عند شروطهم ويطلق هذا الكلام في مقام السب والذم. ترى انه عليه السلام امرها بالانطلاق حتى ترضعه حولين كاملين وبعد ذلك امرها بكفالة الصبى. لا يقال ان الرواية اجنبية عن المقام حيث يظهر من قوله عليه السلام: اللهم انها شهادة، اللهم انها شهادتان وهكذا، ان المانع من الحد كان عدم كون الشهادة كاملة. فانه يقال: ان قوله عليه السلام: انطلقي فضعى ما في بطنك ثم ايتينى اطهرك وقوله عليه السلام في المرة الثانية: انطلقي فارضعيه حولين كاملين كما امرك الله، صريح في ان المانع كان هو الحمل والرضاع ولا ينافى ذلك انه كلما اقرت عنده عليه السلام كان يقول: اللهم انها شهادة، أو شهادتان أو ثلاث شهادات.. وعلى الجملة فبالنسبة إلى حال الحمل مضافا إلى عدم الخلاف، والروايات القاعدة العقلية ايضا تقتضي عدم جواز اجراء الحد عليها، واما


(1) الكافي الجلد 7 الصفحة 186 والوسائل الجلد 18 الباب 16 من ابواب الزنا الحديث 1، وقد تقدم نقل الخبر بكامله.

[ 363 ]

بالنسبة إلى حال الرضاع فهل هو كحال الحمل امر عقلي ويكون الروايات ايضا ناظرة إلى القاعدة العقلية أو ان مقتضى الروايات حصول توسعة زائدة بالنسبة إلى حال الرضاع بتقريب انه لو كان النظر إلى القاعدة العقلية لكان يكتفى من رضاعه باللبأ ولكان اللازم ان لا يؤخر الحد إلى اكمال الرضاع والحال انه يستفاد من الاخبار تأخيره إلى تمامه؟ قال في كشف اللثام عند قوله العلامة " وان وجدت له مرضع أو حاضن جاز اقامة الحد ": بل وجبت لارتفاع المانع كما ان عمرو بن حريث لما كفل لتلك المرأة وولدها فقال له امير المؤمنين عليه السلام لتكفلنه وانت صاغر ثم رجمها. ثم قال رحمة الله عليه: ولما لم يكمل نصاب الاقرار الا بعد ذلك لم يسترضع لولدها والا فالظاهر وجوبه، والاجرة من بيت المال ان لم يتبرع احد ولا كان للولد مال إذ ليس في الحدود نظر ساعة. اقول: الوجه في كون الاجرة من بيت المال هو انه لمصالح المسلمين وهذا منها فان الحد قد اقيم على الام لحفظ حدود الله تعالى. وكيف كان فقد حملت الروايات على مقتضى العقل وحيث انه كان الاسترضاع للولد ممكنا فلذا حكم بوجوب رجمها واسترضاع من يرضعه. واورد عليه في الجواهر بقوله: قد يقال: ان اطلاق الموثق والنبوي المذكورين يقضى بعدم وجوب ذلك مضافا إلى الاصل وبناء الحدود على التخفيف الذى يصلح ان يكون هذا وشبهه عذرا في تأخيره فتأمل انتهى كلامه. اقول: المراد من الموثق هو موثق عمار الساباطى المذكور آنفا، واما النبوى فهو المروى عن سنن البيهقى وقد نقله رحمه الله بعد الموثق وهو انه صلى الله عليه وآله قال لها: حتى تضعى ما في بطنك فلما ولدت قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فان اطلاقهما شامل لما إذا امكن استرضاع الغير ايضا، وبعبارة اخرى مقتضى هذين هو تأخير الحد إلى حصول الفطام سواء

[ 364 ]

امكن استرضاع الغير أو لم يمكن. ويمكن الانتصار لكشف اللثام، فان ما ذكره الجواهر من اطلاق الامهال إلى ما بعد الرضاع محمول على ما إذا لم يتيسر مرضع وكافل والا فكما يجب حفظ النفس فانه يجب ان لا يؤخر اجراء الحد فإذا تيسر الاسترضاع يلزم ذلك حتى يجمع بين حفظ النفس والتسريع في اجراء الحد. كما ان ما تمسك به في الجواهر من الاصل غير تام وذلك لانه لا مجال للتمسك به عند ما كان المطلب عقليا الا ترى انه في الدوران بين الاهم والمهم الذى يوخذ بالاهم فانه لا مورد لاصالة عدم وجوب المهم بعد العلم بوجوب كل واحد منهما وعدم قدرة للمكلف على اتيان كليهما فإذا استفدنا من حال الشارع عدم جواز التأخير في الحد كما استفدنا انه يهتم بحفظ النفوس اهتماما بالغا كاملا فلا يصح التمسك باصالة عدم وجوب الاسراع كما لا يفيد هنا ما ذكره اخيرا من بناء الحدود على التخفيف ولا يصلح هذا وشبهه لان يكون عذرا في تأخيره. ولعله لذلك امر هو قدس سره بعد ذلك بالتأمل، وعلى الجملة فالقدر المتيقن من جواز التأخير في الحدود هو ما إذا لم يمكن الارضاع والتكفل وهناك يلزم عليها ان ترضعه وتكفله ويؤخر الحد طبعا، وبعبارة اخرى انه مع عدم امكان مرضعة اخرى فاطلاقات لزوم الارضاع مثلا عليها، شاملة لها واما في غير ذلك فشمولها مشكوك فيحكم بعدمه ولا يرد ان ذلك يؤل إلى حملها على الفرد النادر، وذلك لان الغالب هو ان الانسان يكفل ولده بنفسه وقلما يتفق ان يودعه بيد غيره وذلك لقلة من يقبل ذلك مع كونه ممن يوثق به ويطمئن إليه. فإذا افضى الحد إلى هلاك الولد فالقيد العقلي مانع عن التمسك باطلاقات اجراء الحدود فيبقى الباقي بحاله ولا يجوز تخصيص هذه الاطلاقات المحكمة الدالة على لزوم اجراء الحد والتسريع فيه بل لعلها آبية عن التخصيص نعم لو لزم الضرر بسبب ارضاع غير الام كما لعله يلزم ذلك غالبا فهناك يمكن التمسك بقاعدة لا ضرر.

[ 365 ]

ثم انه هل المراد من الوجدان وجدان المرضع والكافل بنفسه حتى يكون كالواجب المشروط فلا يجب تحصيل مقدماته كالاستطاعة في باب الحج حيث انه يجب إذا حصلت مقدماته أو ان الملاك هو الوجدان باى نحو كان، ولو كان بالاستيجار والاسترضاع من ناحية الحاكم بحيث انه لو امكن الحاكم ان يسترضع مرضعا فعل حتى يجرى على الام حد الله تعالى؟ حتى يكون شبيه باب التيمم الذى قال الله تعالى فان لم تجدوا ماءا فتيموا ولا شك انه يجب طلب الماء غاية الامر ان الشارع جعل له حدا معينا فإذا لم يحصل الماء ولو بالطلب يصدق عدم وجدان الماء وتصل النوبة إلى التيمم. ذهب بعض العلماء إلى الاول واما الاخرون فليس في عبائرهم ما ينافى ذلك وان لم يصرحوا بالموافقة بل تكون عباراتهم بحيث يمكن حملها على ما ذهب إليه خصوصا ما تضمن منها للفظ إذا لم يوجد، واليك بعض عباراتهم: قال العلامة في التحرير: الحامل لا يقام عليه الحد سواء كان جلدا أو رجما حتى تضع وترضع الولد ان لم تحصل له مرضع سواء كان الحمل من زنا أو غيره. وقال في القواعد: ولا يقام على الحامل جلدا كان أو رجما حتى تضع ويستغنى الولد بها عن الرضاع ان لم تتفق له مرضع وان وجدت جاز اقامة الحد. وقال المحقق: وترضع الولد ان لم يتفق له مرضعة ولو وجد له كافل جاز اقامة الحد. وفى الرياض عند قول المحقق في النافع: ولا يقام على الحامل حد ولا قصاص حتى تضع وتخرج من نفاسها: إذا كان المقصود جلدها والا فترجم أو تقتل بعد الوضع من ساعتها ان مات ولدها والا فيتربض بها حتى ترضع الولد وتحضنه إذا لم يوجد له مرضع أو حاضن إذ لا سبيل على حملها ولا تزر وازرة وزر اخرى إلى ان قال: ولو وجد له أي للولد كافل يرضعه ويحضنه جاز بل وجبت اقامة الحد عليها انتهى. هذا كله بحسب الاقوال، واما بحسب الادلة فنقول: ان ادلة وجوب

[ 366 ]

الحد ولزوم تسريعه شاملة لجميع الموارد وانما خرج المورد الذى يلزم المحذور العقلي كتلف الطفل، لقاعدة الاهم والمهم والا فهو ايضا مشمول للادلة فيبقى البحث في ان الارضاع الذى خرج بالدليل هل له خصوصية وموضوعية أو انه لاجل المحافظة على الولد والاهتمام بحياته؟ المستفاد من الروايات هو الثاني فترى انه لم يقتصر في الحكم بتأخير الحد في رواية ابن ميثم على الارضاع وحده بل امر صلوات الله عليه بان تكفله حتى يعقل ولا يتردى ولا يسقط في بئر أو غير ذلك، وهذا ظاهر جدا في ان الغرض الاصلى هو الاحتفاظ على حياة الولد وعليه فكلما توقف حياته على ارضاع خصوص الام فهو واما إذا لم تتوقف على ذلك ولم يكن خطر عليه في ارضاع الغير فهناك يجب الاسترضاع والاستيجار كى يجرى الحد ولا يحصل تأخير في اقامته وعلى ذلك فيجب على الحاكم استيجار المرضعة لانه لا وجه اصلا في تأخير الحد. نعم قد مر انه لو كان في ارضاع الغير ضرر عليه فناك يتمسك بقاعدة لا ضرر ويؤجل الحد. لا يقال ان هذا البيان يستلزم حمل الروايات المتضمنة لامر النبي أو الوصي الزانية بالصبر إلى ان ترضع ولدها على صورة عدم تمكن ارضاع الغير والا فكانا صلوات الله عليهما يطلبان ذلك ويأمران به مع انه لم ينقل ذلك عنهما عليهما السلام ولم يرد في مورد انهما طلبا المرضع والكافل. لانه يقال: من الممكن انه لم يكن يوجد في تلك الاحائين والازمنة مرضع تتكفل امر الصبى فلذا امرا صلوات الله عليهما بارضاع الام إلى ان يتم رضاع الولد. هنا فروع منها انه لو مات الولد حين الوضع، رجمت الام الزانية وهذا واضح فان المانع من الرجم كان هو الولد وهو قد مات، واما كون المرأة في حال النفاس فليس مانعا عن الرجم فانه لا يتفاوت الحال بالنسبة إلى من يقتل أو يرجم بين حال صحته وسقمه ولا بين كونه صحيحا أو سقيما.

[ 367 ]

ومنها انه لو مات الولد وكان حد المرأة هو الجلد اخر الحد حتى تخرج من نفاسها فان الجلد ربما اثر فيها واوجب تشديد المرض بل وقتلها ومن المعلوم انه يحد المجرم إذا لم يستلزم ضررا متزايدا على ما هو مقتضى طبيعة اجراء الحد. ويدل على ذلك ما روى عن امير المؤمنين عليه السلام ان امة لرسول الله صلى الله عليه وآله زنت فأمرني ان اجلدها فإذا هي حديث بنفاس فخشيت ان اجلدها فاقتلها فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وآله فقال: دعها حتى ينقطع دمها ثم اقم عليها الحد (1). قال الشيخ: فان وجب على امرأة حامل الحد فانه لا يقام عليها حتى تضع لانها ربما اسقطت، فإذا وضعت فان لم يكن بها ضعف اقيم عليها الحد في نفاسها وان كانت ضعيفة لم تقم عليها حتى تبرأ كالمريض انتهى (2). وقال ابن حمزة: والحامل إذا وضعت حملها وكان حدها الرجم تركت حتى ترضع ولدها حولين كاملين وان كان حدها الجلد وكانت ضعيفة اخرت حتى قويت وان كانت قوية جلدت منفوسة (3). والظاهر انه لا خصوصية لحال النفاس بل الضعف ايضا إذا كان معرضا للضرر فهو مانع عن اجراء الحد وان لم يكن مع النفاس. ومنها انه لو لم يكن عليها اثر من الحمل ولا انها ادعت ذلك (4) فقال في الجواهر: لم يؤخر الحد ولا اعتبار بامكانه نعم لو ادعته قبل قولها. ولكن يرد عليه بانه بعد ما نعلم بان مورد الحد هو الزانية غير الحامل يكون المقام من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وذلك لاحتمال كونها حاملا فكيف يمكن اجراء الحد عليها والحال هذه: وثانيا ان المقام من قبيل موارد الشبهة وذلك لاحتمال وجود الحمل المانع عن اجراء الحد، والحدود تدرء بالشبهات، وعلى الجملة فالظاهر انه لابد هنا من التأخير في اجراء الحد


(1) راجع سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 229. (2) المبسوط الجلد 8 الصفحة 5. (3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة الصفحة 412. (4) اقول: ذكر العلامة هذا الفرع في التحرير الصفحة

[ 368 ]

إلى ان يتبين الحال. وما قد اورد علينا من انا نستصحب عدم الحمل الذى هو امر حادث فيثبت مصداق عدم الحمل ويستعجل في اجراء الحد وليس من باب الشبهة المصداقية. ففيه انه لو كان الحكم متعلقا بالحمل لكان يتم ذلك مثلا لو كان الدليل يقول: ان الحمل يوجب التأخير في الحد، لكنا نستصحب عدم الحمل وينتج ذلك عدم جواز التأخير واما لو لم يكن كذلك بل كان الحكم قد تعلق بالزانية غير الحامل أي الموضوع المتصف والمقيد فاستصحاب عدم الحمل لا يترتب عليه انها زانية غير حامل بل هذا اثر عقلي مترتب عليه ويكون من قبيل الاصل المثبت. لا يقال: انه إذا كان الموضوع مركبا من جزئين وكان احد الجزئين ثابتا بالوجدان يمكن اثبات الجزء الاخر بالاستصحاب ويترتب عليه الحكم. لانا نقول: هذا يتم في الموضوعات المركبة من جزئين لا في المقيد وما نحن فيه من هذا القبيل فان الموضوع امر واحد مقيد. في رجم المريض والمستحاضة قال المحقق: ويرجم المريض والمستحاضة ولا يجلد احدهما إذا لم يجب قتله ولا رجمه توقيا من السراية ويتوقع بهما البرء. اقول: اما رجم المريض والمستحاضة فلاطلاق ادلة الحدود وكذا الادلة الدالة على عدم جواز تأخير الحد فلا فرق بينهما وبين الصحيح بعد ان كان الواجب هو الرجم فان من كان حده الرجم مثلا فهو في معرض التلف شرعا ونفسه مستوفاة ولا فرق بين كونه صحيحا أو سقيما وقد ورد في الاخبار انه ليس


= 223 قائلا: ولو لم يظهر الحمل ولم تدعه لم تؤخر بل تحد في الحال ولا اعتبار بامكان الحمل من الزنا نعم لو ادعت الحمل قبل قولها انتهى لكنى لم ادر ما هو وجه التقييد بل لزنا في كلامه؟

[ 369 ]

في الحدود نظر ساعة. نعم احتمل في المسالك جواز تأخيره فيما إذا ثبت موجبه أي الزنا بالاقرار إلى ان يبرء لانه سبيل من الرجوع وربما رجع بعد ما رمى فتعين ما وجد من الرمى على قتله قال: ومثله يأتي في رجمه في شدة الحر والبرد (1). وكانه تبع العلامة في القواعد فانه بعد ان حكم بعدم اقامة الحد في حر شديد أو برد شديد قال: وكذا الرجم ان توهم سقوطه برجوعه أو توبته أو فراره انتهى. أي لا يقام الرجم في شدة الحر أو البرد ان توهم سقوط الرجم عنه برجوعه عن الاقرار أو توبته أو فراره، وقد علل ذلك في كشف اللثام بقوله: احتياطا في الدم واتقاء عليه ما امكن انتهى. وليعلم انه لم يرد نص يدل على انه مع احتمال الرجوع مثلا يؤخر الرجم وانما ذكروا ذلك على حسب القواعد مثل ان حفظ الدماء مطلوب للشارع فيلزم الاهتمام به مهما امكن ذلك ومع احتمال عروض ما يمنع من القتل أو الرجم يؤخر في اجراء حده. ولكن الظاهر ان ذلك مشكل فكيف يجوز تأخير الحد مع تلك التأكيدات البليغة على التسريع في اجرائه بمجرد الاحتمال وليت ولعل، وعلى الجملة ففتح هذا الباب يفضى إلى تأخير حدود الله سبحانه وهو غير جائز حتى إلى ساعة ولم نظفر على مورد من موارد الاقرار عند النبي أو الوصي انهما اخرا الحد باحتمال رجوعه من اقراره، ولذا اورد عليه في الجواهر بقوله وفيه ما لا يخفى. هذا كله بالنسبة إلى الرجم واما الجلد فقد حكموا بان المريض والمستحاضة لا يجلدان توقيا من السراية ولتوقع البرء.


(1) توضيح المقام ان المحكومين بالرجم مثلا قسمان قسم يتحتم عليه ذلك كما إذا ثبت زناه بالبينة وقسم لا يتحتم عليه ذلك كمن ثبت زناه الموجب للرجم باقراره فترى انه لو فر من الحفيرة لا يرجع إليها كما انه لو رجع عن اقراره لا يرجم فإذا كان الزاني من هذا القسم فلا يجوز رجمه في حال أو زمان يعين على قتله كحال المرض وشدة الحر والبرد لانه ربما يوجب ذلك قتله.

[ 370 ]

وتدل على ذلك اخبار اخرجها الوسائل في مقدمات الحدود فعن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يقام الحد على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها (1). وعن السكوني ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل اصاب حدا وبه قروح في جسده كثيرة فقال امير المؤمنين عليه السلام: اقروه حتى تبرا لا تنكؤها عليه فتقتلوه (2). قوله عليه السلام لا تنكؤها الخ من نكأ القرحة أي قشرها قبل ان تبرأ وقوله عليه السلام: فتقتلوه، لا يراد به خصوصية القتل بل لزوم مطلق الاذية والضرر ايضا يمنع عن ذلك وكانه عليه السلام قد ذكر القتل كى يخوف ويحذر المخاطبين ان يقعوا في هذا الامر العظيم أي ان ذكر القتل لاجل ان يخافوا ولا يقربوا من اجراء الحد على المريض اصلا. وعن مسمع بن عبد الملك عن ابى عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام اتى برجل اصاب حدا وبه قروح ومرض واشباه ذلك فقال امير المؤمنين عليه السلام: اخره حتى تبرأ لا تنكا قروحه عليه فيموت ولكن إذا برأ حددناه (3). فمقتضى هذه الاخبار ان المريض والمستحاضة لا يجلدان لان في ذلك ضررا عليهما زائدا على اصل الحد وهو مظنة الخطر والتلف. وهل للمرض موضوعية توجب ان يكون هو بنفسه سببا للتأخير ومقتضيا له أو انه لا خصوصية له وانما ذكر ذلك لكونه مظنة للخطر؟ وجهان. وكيف كان فلا شك في ان المرض يوجب التأخير وقد حكم العلماء رضوان الله عليهم اجمعين بمقتضى اطلاق الروايات بان المريض لا يجلد إلى ان يحصل له البرء.


(1 و 2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 3 و 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 6.

[ 371 ]

ضرب المريض بالضغث إذا اقتضت المصلحة التعجيل قال المحقق: وان اقتضت المصلحة التعجيل ضرب بالضغث المشتمل على العدد. اقول: ومن المصلحة الموجبة للتعجيل ما إذا علم انه لا يحصل له البرء وحصل اليأس عن ذلك كالزمانة وغيرها فانه يعجل في حده لانه لا يرجى برؤه وهناك يحد الا انه يضرب بالضغث أي بحزمة مشتملة على العدد المعتبر في الحد من شماريخ أو اعواد بل والسياط على ما ذكره بعض العلماء -. وقد ذهب إلى ذلك الاصحاب رضوان الله عليهم بل وعدة من اهل الخلاف قال الجزيرى: إذا كان المطلوب جلده نحيفا أو هزيلا شديد الهزال أو مريضا مرضا خبيثا لا يرجى برؤه كالمسلول والمجذوم والمصاب بالسرطان و غير ذلك من الامراض الفتاكة الخطيرة يجلد بمكتال النخل أي عرجون عليه غصن وبه مأة غصن أو خمسون ففى المأة يضرب به مرة واحدة وفى الخمسين يضرب به مرتين مع ملاحظة مس الاغصان لجميع جسمه أو يضرب بطرف ثوب مفتول أو يضرب بالنعال كما حدث ايام الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري وابو داود ان ابا هريرة قال: اتى النبي صلى الله عليه وآله برجل قد شرب فقال: اضربوه، فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: اخزاك الله فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان (1). وقال شيخ الطائفة اعلى الله مقامه: المريض المأيوس منه إذا زنى وهو بكر اخذ عذق فيه شمراخ أو مأة عود يشد بعضه إلى بعض ويضرب به ضربة واحد على وجه لا يؤدى إلى التلف (ثم قال): وقال أبو حنيفة: يضرب مجتمعا ومتفرقا ضربا مولما. وقال مالك: بالسياط مجتمعا ضربا مولما، وقال


(1) الفقه على المذاهب الاربعة الجلد 5 الصفحة 62.

[ 372 ]

الشافعي: يضرب مأة باطراف الثياب والنعال ضربا لا يولم الماء شديد الخ (1). اقول: اما اصل مشروعية الضرب فيدل عليها الكتاب الكريم: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث (2). فان ايوب عليه السلام حلف ان يضرب زوجته في امر ثم ندم عليه فحل الله يمينه بذلك. وتدل على كون حد المريض هو الضغث الروايات الشريفة فمنها رواية يحيى بن عباد المكى قال: قال لى سفيان الثوري: انى ارى لك من ابى عبد الله عليه السلام منزلة فسله عن رجل زنى وهو مريض، ان اقيم عليه الحد مات [ خافوا ان يموت ] ما تقول فيه؟ فسألته، فقال: هذه المسألة من تلقاء نفسك أو قال لك انسان ان تسألني عنها؟ فقلت: سفيان الثوري سألني ان اسألك عنها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتى برجل احتبن [ آحبن ] مستسقى البطن قد بدت عروق فخذيه وقد زنى بامرأة مريضة، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بعذق فيه شمراخ فضرب به الرجل ضربة وضربت به المرأة ضربة ثم خلى سبيلهما، ثم قرء هذه الاية: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث (3). اقول: وفي اللغة: حبن عظم بطنه ورم واحبن امتلا غيظا. وعن ابى العباس عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى رسول الله صلى الله عليه وآله برجل دميم قصير قد سقى بطنه وقد درت عروق بطنه قد فجر بامرأة فقالت المرأة: ما علمت به الا وقد دخل على فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ازنيت؟ فقال له: نعم ولم يكن احصن فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله بصره وخفضه ثم دعا بعذق فقده مأة ثم ضربه بشماريخه (4). وعن سماعة عن ابى عبد الله عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي


(1) الخلاف كتاب الحدود المسألة 18. (2) سورة ص الآية 42. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 5.

[ 373 ]

صلى الله عليه وآله انه اتى برجل كبير البطن قد اصاب محرما، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بعرجون فيه مأة شمراخ فضربه مرة واحدة فكان الحد (1). اقول: العرجون اصل العذق الذى يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد ان تقطع عنه الشماريخ، والشمراخ بالكر العثكال وهو ما يكون فيه الرطب. وعن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لو ان رجلا اخذ حزمة من قضبان أو اصلا فيه قضبان فضربه ضربة واحدة اجزأه عن عدة ما يريد ان يجلد من عدة القضبان (2). وعن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتى بامرأة مريضة ورجل اجرب مريض قد بدت عروق فخذيه قد فجر بامرأة فقالت المرأة: يا رسول الله اتيته فقلت له: اطعمني واسقني فقد جهدت، فقال: لا حتى افعل بك ففعل، فجلده رسول الله صلى الله عليه وآله بغير بينة مأة شمراخ ضربة واحدة وخلى سبيله، ولم يضرب المرأة (3). قال الشيخ بعد العبارة التى نقلناها عنه آنفا: دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث، وهذه قصة لايوب معروفة، وروى ان مقعدا اقر عند النبي بالزنا فامر ان يضرب مأة بانكال باسكال النخل انتهى. ثم انك قد عرفت ان اخذ مأة شمراخ مجتمعة والضرب بها ضربة واحدة مما قد ورد به الكتاب الكريم وقد ورد ذلك في الروايات ايضا المذكورة آنفا.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 7. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 8. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 9 اقول: لا يخفى عليك انه لم يكن في هذه الروايات ذكر عن المصلحة نعم قال في النهاية الصفحة 701: ومن وجب عليه الجلد وكان عليلا ترك حتى يبرأ ثم يقام عليه الحد فان اقتضت المصلحة تقديم الحد عليه اخذ بعرجون فيه مأة شمراخ أو ما ينوب منابه ويضرب ضربة واحدة واجزأه عنه انتهى، ولصاحب الرياض هنا كلام فراجع ان شئت.

[ 374 ]

لكن قد تعدى بعض عن مأة شمراخ إلى مأة سوط مجتمعة والضرب بها فان ذلك امر ممكن حيث كان لكل واحد من الشرطة سوط، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان ضم مأة سوط لعله كان بنظرهم اقرب إلى الحد اللازم فان الجلد يقع بالسوط فإذا ضمت مأة سوط وضرب المجرم بها لكان ذلك اقرب إلى ضرب مأة سوط مستقلة منفردة كما انه قد تعدى بعض عن المأة شمراخ إلى خمسين، غاية الامر انه يضرب بها مجتمعة مرتين وهكذا، قال في الجواهر: ولو اشتمل الضغث على خمسين ضرب به دفعتين وهكذا بل لعله اولى من الضربة به دفعة. ولكن الظاهر ان التعدي من الشمراخ إلى السياط امر مشكل وذلك لانه صلوات الله عليه قد دعا بعذق فقده مأة ثم ضرب بمشاريخه مع انه كما ذكرناه كان يمكن له ان يدعو بمأة سوط ويضرب بها مجتمعة (1). وهل يعتبر في ضربه بالعرجون أو الضغث وصول كل شمراخ وعود إلى جسده ام لا؟ لا خلاف بين الاصحاب في عدم اشتراط ذلك بل ولا خلاف ظاهر منهم ايضا فيه وان كان قد يتوهم من عبارة الجزيرى المذكورة آنفا اعتبار ذلك لكنها لا تدل عليه اصلا وذلك لانه قال: مع ملاحظة مس الاغصان لجميع جسده، ولم يقل: مع ملاحظة مس جميع الاغصان لجميع جسده. نعم نفس العبارة مجملة في حد ذاتها وليس لها معنى ظاهر، ولعل المراد انه لابد من مس الاغصان أي عضو وموضع من بدنه الذى يضرب بها وكيف كان فلا دلالة لها اصلا على اشتراط وصول كل شمراخ إلى الجسد. قال المحقق قدس سره: ولا يشترط وصول كل شمراخ إلى جسده. وقد ذكر العلامة عين هذه العبارة في القواعد. واستدل على ذلك بوجهين احدهما اطلاق الادلة كما في الجواهر. ثانيهما التعذر عادة فيكفى التأثير بالاجتماع، كذا ذكره في كشف


(1) اقول: فيما افاده دام ظله من الاستدلال مجال للكلام.

[ 375 ]

اللثام، وهو كذلك فكيف يمكن ان يمس كل واحد واحد من الشماريخ بدن المضروب بعد كونها مجتمعة ولو جعلت الشماريخ بحيث يكون كل واحد منها في جنب الآخر فربما يصير المجموع اطول من طول البدن. وقد ظهر بما ذكرنا ما في كلام الشهيد الثاني قدس سره في المسالك، قال: وينبغى ان يمسه الشماريخ أو ينكبس بعضها على بعض ليثقل الغصن ويناله الالم، فان انتفى الامران أو شك فيه لم يسقط الحد انتهى. وذلك لان ما كان متعذرا لا يتيسر عادة فكما لا يصح ان يشترط ويلزم عليه كذلك لا يصح ان يستحسن ويندب إليه بعنوان: ينبغى ثم انه لا يختص عدم اجراء الحد الدائر على المريض والمستحاضة بباب الزنا بل الظاهر بملاك وحدة المناط جريانه في كل واحد من الحدود، بل وربما يأتي ذلك في الجراحات التى يقتص فيها ممن اوردها والبحث يحتاج إلى مزيد تأمل وتحقيق. ثم ان النفساء ايضا كالمستحاضة والمريض فيؤخر حدها إلى ان تمضى تلك الايام وتخرج عن النفاس وقد مرت حكاية امة لرسول الله قد زنت فراجع ولاحظ. ثم انه لو لم تسع اليد العدد فماذا يصنع؟ قال في الروضة: ضرب به مرتين فصاعدا انتهى وعلى هذا فلو وسعت نصف العدد فهناك يضرب بها مرتين ولو وسعت للربع فقط يؤخذ به ويضرب به اربع مرات وهكذا. وفى الجواهر: ولو اشتمل الضغث على خمسين ضرب به دفعتين وهكذا بل لعله اولى من الضربة دفعة. وظاهره جواز ذلك وان امكن الضغث المشتمل على المأة فمع وجوده يؤخذ بنصفه ويضرب به دفعتين. وفيه ان الظاهر اختصاص ذلك بحال الاعواز والاضطرار، واستفادة جواز ذلك عند الاختيار من الادلة كقوله تعالى: فخذ بيدك ضغثا، وغير ذلك، امر مشكل وما افاد من الاولوية وان كان تاما بلحاظ حصول مزيد الالم،

[ 376 ]

لكن استفادة جوازه اختيارا غير ظاهرة، والحكم بذلك يحتاج إلى تنقيح مناط قطعي وهو غير ممكن لنا، وعلى هذا، فلو كان هناك ضغث مشتمل على المأة فلا يجوز ضربه بخمسين منها مرتين ولا ضربه مرة بنصف ومرة بنصف آخر، ولو لم يكن الا الضغث المشتمل على النصف مثلا فلابد من تحصيل المشتمل على المأة مقدمة للواجب خصوصا بلحاظ انه لم يرد في الادلة: وان لم تجدوا المشتمل على المأة فاضربوه بالمشتمل على الخمسين مثلا، إذا فلابد من تحصيل ما هو الواجب الا ان يتعذر ذلك من رأسه. فهناك يضرب بالضغث الموجود مكررا إلى ان يكمل العدد ولا فرق في تعذره بين عدم وجدانه أو عدم اتساع اليد للعدد اجمع. واما ما مر من قول اهل الخلاف وهو جواز ضرب المريض بطرف ثوب مفتول أو النعال، فهو من مخترعاتهم وكم لهم امثال ذلك من نظير، وما نقلوه من الرواية فلم يثبت من طرقنا وانما الثابت بمقتضى الروايات هو ضربه بالعرجون والضغث المشتمل على مأة شماريخ. وما هو حكمه إذا امكن جلده في ايام؟ الظاهر ان الضغث حد المريض مطلقا سواء امكن جلده مأة جلدة في الايام المتفرقة ام لا وقد اقتصر المحقق على ذكر الضرب بالضعث ولم يتعرض للتفريق على الايام. لكن قال العلامة في القواعد: ولا يفرق السياط على الايام وان احتمله. وقال كاشف اللثام: لا يجب بل لا يجوز ان يفرق السياط على الايام بان يضرب كل يوم بعضا منها حتى يستوفى بل إذا لم يحتمل النصاب في يوم واحد عدل إلى الضغث لانه مأثور وقد ورد انه لا نظرة في حد. وفى اللمعة عند ذكر اقسام الحد الثمانية: سابعها الضغث المشتمل على العدد وهو حد المريض مع عدم احتماله الضرب المتكرر. وفى الروضة، بعد ذلك: متتاليا وان احتمله في الايام متفرقا وفى المسالك: ولا يجب تفريق السياط على الايام وان احتمل

[ 377 ]

التفريق بل يقام عليه الممكن ويخلى سبيله. نعم في كلماتهم نوع ابهام واجمال من جهات ومن جملتها اختلافهم في التعبير بالوجوب والجواز فبعضهم قال: لا يجب الخ ومن المعلوم ان هذا ظاهر في اصل الجواز الا انه لا الزام عليه، في حين ان في كلمات بعضهم الاخر التعبير ب‍ لا يجوز وهو صريح في عدم الجواز. ولكن الظاهر من قوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، هو جلدهما متالية فهو المطلوب اولا فإذا لم يتيسر ذلك تصل النوبة إلى الضرب مرة واحدة بالضغث المشتمل على العدد المعتبر ولا دليل على جواز تفريق المأة على الايام لان الشرط في الحد بالضغث بحسب الاخبار هو عدم امكان ضرب المأة متتالية. لا يقال: ان الامر مردد بين صرف النظر عن الحد الاصلى وهو جلد مأة الذى هو ممكن على حسب الفرض، ورفع اليد عن ايقاعها في يوم واحد، ولابد من ان ندع التوالى والتعاقب ونرفع اليد عنه كى يتحقق اصل الحد ولا يتبدل إلى الضغث. لانا نقول: الظاهر هو وحدة المطلوب فإذا لم يمكن ضرب المأة متتالية تصل النوبة إلى الضغث فان وظيفة الحاكم الاسلامي هو حل الدعاوى وفصل الخصومات وتوجيه الامور دفعة واحدة، فايكال الحد إلى ايام متعددة بحيث بضرب كل يوم ما يتحمله منه يوجب تعويق الامور والتأخير فيها وهذا ينافى الغرض المقصود من الحكم. ثم ان الشهيد الاول قال في اللمعة بعد ما نقلناه من عبارته السابقة: واقتضاء المصلحة التعجيل، وقد مر ان المحقق ايضا قال: لو اقتضت المصلحة التعجيل ضرب بالضغث المشتمل، وهذا ايضا من الامور المجملة في كلماتهم وذلك لانه لا يدرى ما هو المراد من المصلحة بنظر الحاكم فهل هي ان في التأخير خوف فوت الحد أو يكفى كون التسريع والضغث اوفق للمريض؟ ويمكن ان يقال: ان مقتضى الاية الكريمة هو وجوب جلد الزانى مأة

[ 378 ]

جلدة مهما امكن، فيجب العمل على طبقها والجرى بمقتضاها الا إذا لم يمكن ذلك ولم نقدر عليه، أو كان العمل بها مزاحما بالاهم كما إذا افضى جلده مأة إلى موته وتلفه، أو دل دليل قطعي على تبديله بحد آخر يكون اسهل، ارفاقا عليه وتسهيلا له، وملاحظة الاية الكريمة المفيدة لاجراء الحد التام تقضى اجراء الجلد مأة حتى بالنسبة إلى المريض إذا كان بحيث يحصل له البرء بالتأخير فيؤخر في حده إذا رجى برءه وبعد ذلك يضرب تاما كما يدل على ذلك خبر السكوني وخبر مسمع بن عبد الملك ففى الاول عن ابى عبد الله عليه السلام قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل اصاب حدا وبه قروح في جسده كثيرة فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اقروه حتى تبرأ لا تنكؤها عليه فتقتلوه (1) وفى الثاني قال امير المؤمنين عليه السلام اخروه حتى تبرأ.. ولكن إذا برأ حددناه (2) نعم هذا إذا كان برؤه قريبا لا موقوفا على مضى زمان طويل كاعوام وسنوا والا فيسرع في حده وليس الا الضغث فان الاسراع في الحد مصلحة تقتضي ذلك واما إذا كان يحصل له البرء عن قريب فلا مصلحة توجب الاسراع في الحد حتى يحد بالضغث بل لعل المصلحة في التأخير وجلده بعد البرء وكذا لو كان يلزم عليه الضرر إذا حد ولو بالضغث فانه يؤخر إلى ان يبرء فالقدر المتيقن من الحد بالضغث هو ما إذا لم يرج زوال مرضه أو يرجى ذلك لكن بطيئا، ولا يبعد التبديل إلى الضغث ايضا إذا كان ذلك اوفق بحال المريض. ثم انه لو كان يحتمل سياطا ضعافا فهل يقام عليه الحد كذلك ام لا؟ ذهب في الجواهر إلى انه اولى من الشماريخ واحوط، ولكن الظاهر انه ليس بتام لعدم الدليل على ذلك، وهذا ايضا مما لم يتضح المراد منه وذلك لانه لا يعلم ان المراد هو انه احتمل مأة جلدة ضعاف خفاف أو انه احتمل مأة


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 6.

[ 379 ]

مجتمعة بدل الشماريخ (1) وكيف كان فالحكم في حال المرض هو ضربه بالضغث المشتمل على المأة وما ذكره ليس باحوط بل لعله خلاف الاحتياط. تذكار ثم ان مقتضى صحيحة ابى العباس المذكورة آنفا هو كفاية الاقرار مرة واحدة في اثبات الحد والحال ان الروايات تدل على اعتبار الاربعة، فهل هذه معارضة لها أو انها مخصصة لها؟ اقول: لم اقف على من قال بالتخصيص حتى يقال انه يعتبر في اثبات الزنا اربعة اقارير الا في حد الضغث فانه يكفى اقرار واحد بل لعل ذلك مقطوع العدم وخلاف الاجماع، والظاهر انه ليس من باب التعارض ايضا. ويمكن ان يقال: انه فعل من رسول الله صلى الله عليه وآله، والاستدلال بالفعل موقوف على العلم بجهته فلو لم تكن جهته معلومة لا يتم الاستدلال به وهنا ليس كذلك، ولعله كان قد ثبت الامر عنده صلوات الله عليه بغير اقراره فلم يكن اقراره للاثبات حتى يحتاج إلى اربع مرات بل كان لسد احتمال رجوعه، أو انه صلوات الله عليه قد اعتمد هناك على علمه بالواقعة وعلى ذلك فاقراره عند النبي صلى الله عليه وآله مرة واحدة ليس بحجة لنا.


(1) اقول: لعل الظاهر هو الاول والا فظاهر كلماتهم عدم الفرق في الضغث المجتمع بين ان يكون مركبا من السياط أو من الشمراخات. اللهم الا ان يقول سيدنا الاستاد ادام الله بقاه بخصوصية الشمراخات والاغصان الدقيقة ارفاقا بحال المريض.

[ 380 ]

الكلام في الحائض هذا كله في المريض والمستحاضة والنفساء واما الحائض فليست كذلك فلا يجوز التأخير في حدها وذلك لان الاستحاضة والنفاس من المرض بخلاف الحيض فانه ليس كذلك بل قيل بانه يدل على صحة مزاجها واعتدال حالها ولذا قال المحقق: ولا يؤخر الحائض لانه ليس بمرض. وقال العلامة في التحرير: ولا يؤخر الحائض لان الحيض ليس بمرض. لا يقال: ان ظاهر الاية الكريمة خلاف ذلك، لان الله تعالى يقول: ويسئلونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض (1).. لانه يقال: ليس الاذى بمعنى المرض وانما هو بمعنى القذر والمستقذر والنجس يؤذى من يقربه نفرة منه له فهو سبب لايذاء الرجل لو قاربها ولذا ترى ان الاصحاب. رضوان الله عليهم لم يفتوا بكون الحائض كالنفساء والمستحاضة بل اقتصروا في الحكم المزبور على المريض والمستحاضة والنفساء. ان قلت: ان ظاهر الاية الكريمة ان الحيض اذية لها بنفسها ولذا رتب على هذا، الحكم بالاعتزال عنهن في الحالة المزبورة كما ان بعض المفسرين


(1) سورة البقرة الآية 222.

[ 381 ]

فسروها كذلك (1) ويؤيده ان مفهوم الاذى هو مفهومه في آية الحج: وان كان به اذى من رأسه (2) ففديه ولعل العرف يساعد ذلك ولذا يراعون المرأة في تلك الحالة ويرافقونهن، وما نرى بينهم من الارفاق والتسهيل في حقهن شاهد على انهم يرون الحيض مرضا بل يعاملون المرأة في حال الحيض بما لا يعاملونها في حال الاستحاضة من الرفق وعدم التحميل عليهن، هذا مضافا إلى ورود رواية تدل على ان الحيض ايضا مرض وهى ما رواه في الجعفريات ان عليا عليه السلام قال: ليس على الحائض حد حتى تطهر ولا على المستحاضة حد حتى تطهر (3) وقد افتى الكاشانى رحمه الله بما ذكرناه والحق الحائض بالمريض والمستحاضة (4). نقول: اثبات ظهورها في ذلك مشكل وكذا ارادة المعنى المزبور عند العرف، واما تفسير بعض المفسرين ففيه ان بعضهم فسروه بما ذكرناه ايضا فراجع تفسير الصافى للفيض الكاشانى واما الرواية فدلالتها وان كانت واضحة الا انها ليست معمولا بها عندهم واما افتاء الفيض فلا يخرج المطلب عن الشذوذ بعد كونه منفردا في الافتاء بذلك ومخالفة الواحد لا يضر بالاجماع خصوصا إذا كان من المتأخرين وانه بنفسه قد افاده في تفسيره خلاف ذلك. اعتراض الجنون أو الارتداد غير مانع من الحد قال المحقق: ولا يسقط الحد باعتراض الجنون ولا الارتداد.


(1) اقول: راجع مجمع البيان، الجلد 1 الصفحة 319، اليك ما افاده وحكاه في مجمع البيان: معناه قذر ونجس.. وقيل هو اذى لهن وعليهن لما فيه من المشقة انتهى. (2) سورة البقرة الآية 196. (3) الجعفريات ص 137. (4) مفاتيح الشرايع الجلد 2 الصفحة 80 قال: ويرجم الحائض والمريض والمستحاضة والنفساء ولا يجلد احدهم..، اورد الاشكال هذا العبد واجاب دام ظله بما في المتن ويؤيده اني كلما تفحصت كلماتهم لم ار من افتى بسقوط الجلد عن الحائض.

[ 382 ]

اقول: وذلك لان المفروض انه قد زنى في حال كونه مكلفا أي انه كان عاقلا ثم عرض له الجنون فلا مانع من اقامة الحد عليه. ويدل على ذلك صحيح ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام في رجل وجب عليه الحد فلم يضرب حتى خولط، فقال: ان كان اوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقل اقيم على الحد كائنا ما كان (1). وفى المسالك: ثم ان كان قتلا لم ينتظر بالمجنون الافاقة وان كان جلدا ففى انتظار افاقته ان كان له حالة افاقة وجهان، من انه اقوى في الردع، ومن اطلاق الامر باقامته عليه في صحيحة ابي عبيدة عن الباقر عليه السلام، وهذا اجود. واورد عليه في الجواهر في احتماله الانتظار بقوله: والاقوى خلافه للاصل وصحيح ابى عبيدة، ثم فرع على هذا قوله: فما عن بعض من احتمال السقوط في المطبق مطلقا وآخر من السقوط كذلك ان لم يحس بالالم وكان بحيث ينزجر به، كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى. اقول: ويمكن توجيه ما احتمله في المسالك وهذا البعض، بان المقصود الاصلى من الضرب هو ردع المضروب وعقابه على عمله القبيح، والمجنون إذا كان بحيث لا يدرك ولا يحس اصلا فلا فائدة في ضربه وجلده لان ضربه وضرب الحجر والجدار على حد سواء، ولماذا يضرب وهو لا يدرك الالم الان، ويتذكر بعد ان افاق، انه قد جلد في حال جنونه. لا يقال: فكيف يقام عليه حد القتل والرجم إذا كان قد اتى بسبب ذلك في حال عقله؟ لانا نقول: فرق بين هذا وذاك فان المقصود في باب القتل والرجم هو اعدام هذا الشخص، وان لا يبقى في صفحة الوجود في حين ان المقصد الاعلى في باب الجلد هو تأديبه واذاقته الم الجرم والمعصية وارتداعه وانزجاره عن العود إلى ما اقترفه من المعاصي وهذا لا يحصل بدون الحس والادراك. اللهم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من مقدمات الحدود الحديث 1.

[ 383 ]

الا ان يلاحظ ردع الاخرين، وهو ايضا ربما لا يحصل بضرب المجنون الذى لا يدرك ولا يعقل شيئا، والاية الكريمة الآمرة بالجلد الواردة في مقام التخويف منصرفة عنه. وعليه فليس ما حكى عن هذا البعض بهذه المثابة من البعد، ولا ينبغى ان يرمى بكونه كالاجتهاد في مقابلة النص فانه بالحمل على مجنون لا يحس شيئا يتم كلامه. واما كون المجنون بهذه الحالة فهو امر واقع وربما يكون بحيث لا يتالم مما يصيبه ولذا لا يفر ممن يريد ان يضربه، ولا يخاف منه. وبذلك ظهر الكلام وانكشف الظلام عن فرع ربما يذكر في هذا المقام وهو انه لو كان المجرم شللا لا يحس الم الضرب فهل هو يجلد الحد أو يضرب بالشماريخ؟ وذلك لانه إذا كان بهذه المثابة فلا فائدة في ضربه لانه لا ينزجر ولا يرتدع بذلك. هذا كله بالنسبة إلى الجنون واما الارتداد فهو ايضا ليس بمانع عن اقامة الحد عليه بعد ان اتى بموجبه في حال اسلامه فلا يسقط الحد الواجب باعتراض الارتداد، فلو زنى وهو غير محصن يقام عليه الحد ويجلد اولا ويقتل ثانيا لارتداده، ولا وجه اصلا لسقوط جلده، ولو كان محصنا فقد اجتمع عليه الرجم والقتل وحيث انه لا كيفية خاصة للقتل بخلاف الرجم الذى هو كيفية خاصة من القتل فلذا يقدم الرجم، والظاهر ان المطلب واضح لا يحتاج إلى مزيد بحث وبيان واستدلال فلذا نقتصر على ذلك روما للاختصار كما ان شراح الشرايع ايضا لم يتعرضوا لذلك. حول اقامة الحد في اعتدال الهواء قال المحقق: ولا يقام الحد في شدة البرد ولا شدة الحر ويتوخى به في الشتاء وسط النهار وفى الصيف طرفاه. اقول: وقد علل ذلك كثير من العلماء ومنهم صاحبا المسالك والجواهر

[ 384 ]

بخوف التلف وخشية الهلاك بتعاون الجلد والهواء فيؤخر من شدة البرد والحر إلى اعتدال الهواء، ففى الشتاء ينتظر وسط النهار وفى الصيف طرفاه. وتدل على ذلك الاخبار الشريفة التى اخرجها المحدث الحر العاملي في باب عنوانه: باب انه ينبغى اقامة الحدفي الشتاء في آخر ساعة من النهار وفى الصيف في ابرده. فعن هشام بن احمر عن العبد الصالح عليه السلام قال: كان جالسا في المسجد وانا معه فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البدر فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يضرب، فقال: سبحان الله في هذه الساعة؟ انه لا يضرب احد في شئ من الحدود في الشتاء الا في اخر ساعة من النهار ولا في الصيف الا في ابرد ما يكون من النهار (1). وعن ابى داود المسترق عن بعض اصحابنا قال: مررت مع ابى عبد الله عليه السلام وإذا رجل يضرب بالسياط، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله في مثل هذا الوقت يضرب؟ قلت له: وللضرب حد؟ قال: نعم، إذا كان في البرد ضرب في حر النهار، وإذا كان في الحر ضرب في برد النهار (2). وعن سعدان بن مسلم عن بعض اصحابنا قال: خرج أبو الحسن عليه السلام في بعض حوائجه فمر برجل يحد في الشتاء فقال: سبحان الله ما ينبغى هذا فقلت: ولهذا حد؟ قال: نعم، ينبغى لمن يحد في الشتاء ان يحد في حر النهار ولمن حد في الصيف ان يحد في برد النهار (3). والظاهر من هذه الروايات هو الوجوب فان الاستعجاب الوارد فيها لا يناسب ارتكاب خلاف المستحب وانما يناسب ارتكاب امر ليس بجائز، ولا ينافى ذلك اطلاق لفظ ينبغى في الرواية الاخيرة بعد ظهور ساير الاخبار بل ونفس هذا الخبر في الوجوب فان قول الراوى: لهذا حد؟ وجواب الامام عليه السلام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من مقدمات الحدود الحديث 2. وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 7 من مقدمات الحدود الحديث 3.

[ 385 ]

وتقريره يدل على الوجوب ولزوم مراعاة هذا الامر، وعلى الجملة فلو لم نقل بالوجوب جزما فلا اقل من كونه هو الاحوط، وعلى هذا فلا وجه للقول بالاستحباب بل اللازم مراعاة ان لا يلزم ضرر واذية زائدة على ما هو اللازم من طبع الحد. ثم انه هل وجوب ذلك على نحو وحدة المطلوب أو تعدده؟ وتظهر الثمرة فيما إذا خالف مجرى الحد واقامه في هواء غير معتدل فانه على الاول يترتب امران احدهما انه على ذلك لم يقم الحد بل كان ما فعله جناية بخلاف ما إذا كان وجوب مراعاة الوقت من باب تعدد المطلوب ومن قبيل الواجب في الواجب فان الحد قد تحقق وصح وان كان المجرى قد عصى الله باجراء الحد في غير الوقت المفروض، ثانيهما ان مقتضى القاعدة هو تكرار الحد على فرض وحدة المطلوب دون فرض تعدده والاصناف ان الحكم بتكرار الحد مشكل كما ان الحكم بسقوط الحد ايضا غير واضح. واما استظهار هذا المذهب أو ذاك فنقول: مقتضى ظاهر كلمات العلماء هو تعدد المطلوب وان المقام من قبيل الواجب في الواجب فانهم كما تقدم يتمسكون بخوف التلف وخشية الهلاك، وهذا يفيد ان الواجب اثنان احدهما اقامة الحد ثانيهما عدم التسريع عند خوف التلف نظير ما مضى في المريض من انه لا يقام عليه الحد في حال المرض لخوف الهلاك بل يؤخر إلى ان يحصل له البرء أو يقام عليه الحد بالضغث. هذا لكن ظاهر تقرير الامام عليه السلام: لكل حد حد، هو وحدة المطلوب فان ظاهر ذلك انه إذا تعدى الحد عن مقرراته ومحدودته فليس هو هذا الحد وانما الحد هو الحد المخصوص مع ما اعتبره الشارع فيه، ولعل نظر العلماء رضوان الله عليهم اجمعين إلى ان خوف الهلاك علة أو حكمة في جعل هذا الحكم على سبيل وحدة المطلوب. والانصاف انه يمكن ان يستفاد من روايات الباب ان هذا من باب تعدد المطلوب وذلك لانه وان كان الامام عليه السلام انكر عليهم فيها اجراء الحد في

[ 386 ]

غير اعتدال الهواء الا انه لم يأمر في شئ منها بتكرار الحد، واقامته ثانيا على الوجه الصحيح ولو كان ذلك واجبا لكان اللازم عليه ان يذكر ذلك لان وظيفته بيان الاحكام فيستفاد من عدم ذكر ذلك في كلماتهم ان وجوب ايقاع الحد في الهواء الملائم والمناسب كان بعنوان الواجب في الواجب، ولو ثبت انه كان من باب القيد ووحدة المطلوب فلا محيص عن القول بان الشارع قد جعل هذا الذى وقع على المحدود مسقطا عن الحد من باب التفضل وان لم يكن حدا واقعا وكيف كان فلو شك في اعتبار القيد الزائد فالاصل هو العدم كما انه لا شك في انه لو مات بسبب الجلد وعدم مناسبة الهواء فان المجرى ضامن وتكون ديته عليه سواء قلنا بوحدة المطلوب أو تعدده. وليعلم ان هذا البحث أي وجوب اجراء الحد في الجو المعتدل مخصوص بالجلد، واما في مورد الرجم فلا مجال لهذه المطالب، وذلك لان المحكوم بالرجم محكوم بالاتلاف والاعدام ولا يتفاوت الحال بالنسبة إليه بين اعتدال الهواء وعدمه. نعم في كلمات بعض الاصحاب لزوم مراعات ذلك بالنسبة إلى من حده الرجم إذا كان قد ثبت ذلك باقراره وذلك لاحتمال رجوعه عن اقراره الذى يوجب عدم رجمه، فلو رجم في الهواء الحار مثلا فربما وقع عليه اول حجر وقد اثر فيه ذلك في تلك الهواء الخاص فيقضيان عليه ويوجبان موته وهلاكه فلا ينفعه الرجوع. قال العلامة اعلى الله مقامه في القواعد: ولا يقام الحد في حر شديد أو برد شديد بل يقام في الشتاء وسط النهار وفى الصيف طرفيه وكذا الرجم ان توهم سقوطه برجوعه أو توبته أو فراره. وقال الشهيد الثاني في المسالك عند البحث عن المريض: المشهور ان الرجم لا يؤخر بالمرض مطلقا لان نفسه مستوفاة فلا يفرق بين المريض والصحيح ويحتمل جواز تأخيره ان ثبت زناه بالاقرار إلى ان يبوء لانه سبيل من الرجوع وربما رجع بعد ما رمى فتعين ما وجد من الرمى عليه قتله. (ثم قال): ومثله

[ 387 ]

يأتي في رجمه في شدة الحر والبرد. نعم ظاهر كلامه رحمه الله ان هذا البحث من توابع بحث المرض ولكن الحق ان اجراء الحد في الحر والبرد بحث مستقل غير متعلق بالمرض (1). ثم انه قد ظهر بما ذكرناه تقديم اخبار التأخير إلى الهواء المعتدل على اخبار عدم جواز التأخير في الحد وليس من باب المعارضة بينهما. وشرح هذا المقام يتوقف على ذكر ما ورد من الاشكال ثم الجواب عنه فنقول: ان بعض الاعاظم قدس سره قال بعد ذكر الاخبار الناطقة بتأخير الحد إلى اعتدال الهواء: ويمكن ان يقال: كيف يجمع بين هذه الاخبار وما دل على عدم جواز التأخير؟ ثم تعرض لهذه الجملة من كلام امير المؤمنين في خبر ابن ميثم المشتمل على قصة المرآة المحصنة: اللهم.. وانك قد قلت لنبيك صلى الله عليه وآله فيما اخبرته من دينك: يا محمد من عطل حدا من حدودى فقد عاندني وطلب بذلك مضادتى. قال قدس سره: وحمل التعطيل على ترك الحد اصلا بعيد انتهى وهو كذلك ثم ذكر تصريح معتبرة السكوني بعدم جواز التأخير،: عن علي عليه السلام في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا فقال علي عليه السلام اين الرابع: قالوا الآن يجيئ فقال: حدوهم فليس في الحدود نظر ساعة. اقول: تأييدا لمراده انه بعد ما شهد ثلاثة بالزنا لم يكن الناقص من الشهود الا واحدا ويقرب في الاذهان جدا لزوم الصبر إلى ان يلحقهم الرابع ويشهد بالزنا ويقام الحد على المرأة ومع ذلك فلم يصبر عليه السلام لحظان قليلة


(1) اظن انه لا يخلو هذا الاستظهار من شئ وذلك لان الظاهر ان كلام الشهيد الثاني: ومثله يأتي في رجمه الخ لا يراد به رجم المريض بل رجم من ثبت رجمه بالاقرار فهو يقول: ان من ثبت زناه بالاقرار لا يرجم في حال المرض ولا في زمان الحر والبرد، وذلك لانه كما انه يعين المرض على الهلاك كذلك ربما ادى اقامة الحد في شدة الحر أو البرد إلى التلف والهلاك وهذا عين ما قرأناه في عبارة القواعد فليس ذكر هذا الفرع عند بحث المرض من متفرعاته بل هو قسيم له فلاحظ

[ 388 ]

للحوق الرابع حتى يقيم حدا واحدا عليها، واقام حد القذف على الثلاثة فليس العدول عن حد شخص واحد إلى حد ثلاثة اشخاص الا لالتزامه الكامل التام بعدم تأخير الحد. ثم ايد المطلب بمرسل الصدوق قدس سره عن امير المؤمنين عليه السلام: إذا كان في الحد لعل أو عسى فالحد معطل. وعلى الجملة فقد تعرض لهذه الاخبار بتعابيرها الشديدة الدالة على وجوب التسريع في الحد وعدم التأخير فيه وان الحكم بتأخير الحد إلى اعتدال الهواء لا يساعد هذه الاخبار ولا يجمع بينهما، وقال اخيرا: لا يبعد الجمع بين الاخبار بحمل الاخبار الدالة على التأخير على الاستحباب. اقول: ان الحمل على الاستحباب مشكل جدا بل لو كان الدليل مصرحا باستحباب التأخير إلى اعتدال الهواء كان لا يعارض دليل وجوب التسريع، فإذا كان التسريع واجبا والتأخير حراما كما هو مقتضى الروايات التى ذكرناها آنفا فكيف يمكن ان يقال بانه يستحب التأخير إلى اعتدال الهواء؟ وعلى الجملة فلا يمكن الجمع بين قوله عليه السلام: ليس في الحدود نظر ساعة، واستحباب التأخير اصلا كما قد اشار هو قدس سره ايضا إلى ذلك. والذى يبدو في النظر هو انه لا معارضة اصلا في البين بل ان الاخبار الدالة على التأخير إلى اعتدال الهواء، كالحاكم على اخبار عدم جواز التأخير، فان هذه الاخبار تبين وتوضح شرائط الحد ومقرراته وان الحد الواجب شرعا هو ما يقام في معتدل الجو، فالتأخير عن هذا الموقع غير جائز، كما انه لو لم يقيد الحد بايقاعه في وقت خاص بل كان مطلقا فالتأخير عن اول وقته كان محرما وعلى هذا فقد عملنا بالطائفتين وذلك لان الواجب هو اجراء الحد في وقت ملائم مناسب ولا يجوز التأخير عن هذا الوقت، والحاصل انه على فرض استفادة وجوب التأخير إلى اعتدال الهواء لا معارضة في المقام، واما الوجوب فهو الظاهر من الاخبار الشريفة. ثم انه قد بدا لى هنا بحث لم اظفر على من تعرض له اصلا وهو انه هل

[ 389 ]

الحد واجب تعبدي أو توصلي، وبتعبير آخر هل يجب ان يؤتى بقصد امر المولى أو انه يكفى مجرد اجرائه وايقاعه وان كان لامتثال امر الحاكم والرئيس وغير ذلك من الغايات غير المولى سبحانه وتعالى؟ اقول: لعل الظاهر من بعض الروايات هو الاول وذلك كمرفوعة حفص بن عون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ساعة امام عادل افضل من عبادة سبعين سنة وحد يقام لله في الارض افضل من مطر اربعين صباحا (1). فان قوله عليه السلام: يقام لله، ظاهر في ان الحد امر تعبدي لابد من ان يقام لله تعالى، ولعله الظاهر ايضا من الروايات التى عبر فيها عن الحدود بحق الله أو، حده، مثل ما رواه أبو بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الرجم حد الله الاكبر والجلد حد الله الاصغر (2). لا يقام الحد في ارض العدو قال المحقق: ولا في ارض العدو مخافة الالتحاق. اقول: المستفاد من عبارته هو ان خوف الالتحاق بالكفار حكمة في عدم اجراء الحد في ارضهم. لكن الظاهر من عبارة بعض المعاصرين ان خوف الالتحاق قيد في الحكم بحرمة اجراء الحد في ارض العدو وبلاد الكفار، قال: لا يجوز اقامة الحد على احد في ارض العدو إذا خيف ان تأخذه الحمية ويلحق بالعدو. فان المستفاد من هذه العبارة هو انه يجب تأخير حده إلى ان يخرج من ارض الكفار، لكن هذا عند ما خيف على المحدود من التحاقه بهم لا مطلقا فحينئذ يلزم مراجعة الاخبار والنظر فيها حتى نرى ما هو المستفاد منها. عن ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام:


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 5. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حدود الزنا الحديث 1.

[ 390 ]

لا يقام على احد حد بارض العدو (1). وعن غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام انه قال: لا اقيم على رجل حدا بارض العدو حتى يخرج منها مخافة ان تحمله الحمية فيلحق بالعدو (2). وظاهر هذا التعليل هو الاطلاق فيفيد انه لا يقام عليه الحد في ارض الكفار لان هذا الخوف حاصل لا انه لا يقام عليه إذا خيف عليه ذلك. ولذا قال بعض الاعاظم قدس سره: والاظهر ان يكون ما ذكر من باب الحكمة من جهة ان المطلق لابد فيه من بقاء الغالب فيه بعد التقييد لا الاقل ولا المساوى. ومراده رحمه الله انه لابد في التقييد ان لا يخرج الاكثر حتى لا يكون من باب تخصيص الاكثر. اقول الظاهر انه وان لم يكن الالتحاق بنفسه محققا الا ان خوف الالتحاق محقق نوعا لهذا هو النجاشي الشاعر المخصوص لامير المؤمنين عليه السلام فقد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه عليه السلام ثمانين ثم حبسه ليلة ثم دعا به من الغد فضربه عشرين لتجرئه على شرب الخمر في شهر رمضان وصار هذا سببا لفراره واقباله على معاوية والالتحاق به (3) وعلى هذا فهذا الخوف محقق نوعا فيكون القيد من القيود والواردة مورد الغالب وهو لا يقيد الدليل العام أو المطلق وعلى هذا فيؤخر الحد وان لم يكن في مورد خوف اصلا. لا يقام الحد في الحرم قال المحقق: ولا في الحرم على من التجأ إليه بل يضيق عليه في المطعم والمشرب ليخرج، ويقام على من احدث موجب الحد فيه. اقول: وقد استدل على ذلك بامور: الاول الاحترام، أي احترام الحرم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 10 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2. (3) في رجال المامقاني الجلد 3 الصفحة 267: النجاشي الحارثي الشاعر، عده الشيخ رحمه الله في =

[ 391 ]

فان عقوبة من التجأ إلى الحرم واقامة الحد على الملتجى به اهانة له وكذا اخراج من لاذ به عنه جبرا وقسرا. الثاني قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا (1).. الثالث صحيحة هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يجنى في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم، قال: لا تقام عليه الحد ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع فانه إذا فعل به ذلك يوشك ان يخرج فيقام عليه الحد وان جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم فانه لم ير للحرم حرمة (2). وهى تدل بالوضوح على ان الجاني الذى جنى في غير الحرم ثم لاذ إلى الحرم لا يجوز اجراء الحد عليه وانما يضيق عليه في طعامه وشرابه وساير الجهات كى يخرج منه ويقام عليه الحد في خارج الحرم. نعم لو اقدم هو على الجناية في نفس الحرم وهتك حرمته فحينئذ اقيم عليه الحد في الحرم كما هو صريح ذيل الصحيحة وسيأتى ان في بعض الروايات ما ينافى هذا الذيل فانتظر. ثم ان التحقيق في المسألة يقتضى التعرض لامور: الاول هل ان احترام الحرم الذى تمسك به العلماء واستدلوا به دليل مستقل أو انه امر مستفاد من الآية الكريمة: ومن دخله كان آمنا. الصريحة في


= رجاله من اصحاب امير المؤمنين عليه السلام وكان شاعر اهل العراق بصفين وكان علي (ع) يأمره بمحاورة شعراء اهل الشام مثل كعب بن جعيل وغيره فشرب الخمر بالكوفة اول يوم من شهر رمضان مع ابي سماك الاسد فاخذ وجيئ به إلى علي (ع) فاقامه في سراويل فضربه ثمانين للخمر ثم زاده عشرين لجرئته على الافطار بالمحرم في شهر رمضان فغضب لذلك وهرب حتى لحق بمعاوية في الشام وهجا عليا (ع) فقال: - الا من مبلغ عني عليا * باني قد امنت فلا اخاف لما عمدت لمستقر الحق * رأيت اموركم فيها اختلاف (1) سورة آل عمران الآية 97. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 34 من مقدمات الحدود الحديث 1.

[ 392 ]

ان بيت الله تعالى محل امن وامان ومن دخله فقد دخل دار الامن والسلام كائنا من كان؟ اقول: ان اجراء الحد في الحرم على الجاني لم يكن هتكا وخلافا للاحترام اللازم له عرفا ما لم يرد دليل من الشرع فانه من قبيل اقامة امر الله في بيت الله وإذا كان هو حكما الهيا وطاعة لامره سبحانه فكيف يكون اجرائه في بيته خلاف الاحترام؟ وخصوصا بلحاظ ان في الاخراج إلى خارج الحرم واقامة الحد عليه هناك تأخيرا في اجراء الحدود، وعلى الجملة فيمكن التشكيك في كون اقامة الحد في الحرم هتكا وفى خارجه احتراما له، نعم بعد ملاحظة ان الشارع جعله بيت الامن ومركز الامان يصح ان يقال: ان عدم اقامة الحد عليه في الحرم نوع احترام منه. الثاني انه هل التضييق في المطعم والمشرب على من التجئ إلى الحرم إلى ان يتعب ويضطر إلى الخروج لا ينافى كون الحرم امنا، وان من دخله كان آمنا؟ الظاهر انه مع غض النظر عن الرواية ينافى كونه محل الامن فان مقتضى كون الحرم كذلك ان يكون الداخل فيه في سعة وراحة لا في الضيق والشدة وتحت ضغط الجوع والعطش ولازم كونه آمنا هو كونه مأمونا من جميع انواع الاذى دون خصوص القتل أو الضرب نعم بلحاظ الرواية نقول بذلك. ولعل الامر بالتضيين عليه مع كونه آمنا ولائذا بدار الامن هو التنبيه على لزوم مراعاة جانب الحدود ايضا فانه لولا ذلك للزم تعطيل حدود الله تعالى ويصير ذلك ذريعة لنشر الفساد واقتراف المعاصي والمحرمات. الثالث ان الظاهر كون النسبة بين ادلة الحدود كآية الجلد وروايات الرجم والجلد وبين ادلة حرمة الحرم، العموم من وجه فان مالهما إلى انه يجلد الزانى مثلا في الحرم وغيره، ولا يجلد في الحرم سواء كان الحد حد الزنا أو غيره، فيتعارضان في المجمع وهو حد الزنا في الحرم لكنا لم نجد احدا قال بان بينهما تعارضا كذلك حتى يسقط الدليلان مثلا ولعل ذلك لاجل ان

[ 393 ]

النسبة بين الدليلين وان كانت بحسب المفهوم هو العموم من وجه لكن إذا كان احد الدليلين بحيث لو عمل به لم يبق للاخر مورد ومصداق اصلا يجب ان يعاملا معاملة العموم المطلق وما نحن فيه من هذا القبيل لانه لو عمل بدليل الحدود والجنايات كدليل جلد الزانى الذى نسبته إلى دليل احترام الحرم عموم من وجه وكذلك دليل جلد الشارب مطلقا وساير الحدود، لم يبق مورد لدليل احترام الحرم بخلاف ما لو انعكس الامر بان يترك اجراء الحد في الحرم بالخصوص فانه يبقى لدليل الجلد والقطع والرجم موارد اخر، وعلى هذا فيكون المقام كالتخصيص فتخصص ادلة الحدود بادلة احترام الحرم. الرابع انهم رضوان الله عليهم ذكروا في موضوع المسألة، التجاء الجاني إلى الحرم وقد رأيت عبارة المحقق في الشرايع. ولكن الظاهر انه لا خصوصية لهذا القيد بل ظاهر الاية الكريمة، العموم لان ذلك احترام للحرم، فكل من دخل فيه فهو آمن وان لم يكن ملتجيا ولائذا بل كان قد دخل لاتيان مناسك الحج وقد اتى بما هو سبب للحد، وهذا من مزايا الحرم وخصائصه بالنسبة إلى سائر الاماكن فان المراد ليس هو العقوبة التى لا تستحق لان كون الانسان آمن بالنسبة إليها شامل لكل الاماكن بلا فرق بين الحرم وغيره، وانما يفرق بينهما في العقوبة المستحقة لها يعنى إذا اتى الانسان بما يوجب الحد بحيث لو كان في خارج الحرم لا قيم عليه ذلك فان حرمة الحرم تقتضي عدم اقامته عليه فلا يجوز عقوبة الداخل وان لم يكن ملتجيا لان المناط هو حرمة الحرم فلا يجوز عقوبة من دخل هذا المأمن واما ذكر قيد الالتجاء في صحيحة هشام المذكورة آنفا ففيه انه ليس في كلام الامام عليه السلام بل هو من كلام الراوى، وهذا لا ينافى جريان الحكم في موضوع آخر ايضا كما إذا دخله ولم يكن ملتجيا وذلك لما مر من ان المقصود احترام الحرم ولا فرق فيه بين الملتجى والناسك وغير ذلك، كما انه لا فرق في العقوبة بين القتل والرجم والجلد والتعزير. لا يقال: ان مقتضى الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على القدر

[ 394 ]

المتيقن، هو اختصاص الحكم بصورة الالتجاء، فان القاعدة تقتضي عدم تأخير في الحد غاية الامر ان الدليل اقتضى خروج المجرم الملتجئ، فيقتصر على هذا المقدار، وعليه فالداخل لا للالتجاء يقام عليه الحد في الحرم (1). لانا نقول: هذا خلاف مقتضى ظاهر الآية فانها تفيد ان الحرم، حرم الامن ومحل الامان وهذا بظاهره آب عن التخصيص بما إذا كان قد دخله لا للالتجاء حتى يفيد انه ليس امنا له. لا يقال: ان هذا العموم قد خصص قطعا لانه إذا دخل الحرم وجنى فيه فانه يقام عليه الحد فيه. لانا نقول: لعل العام كان من اول الامر منصرفا عمن دخل الدار وجنى فيه، الا ترى انه لو قيل: ان دار العالم الفلاني محل امن وامان، فانه منصرف عمن دخل دار هذا العالم ليقتله؟ وعلى الجملة فلا وجه للتقييد بالالتجاء اصلا بل الحكم لكل من دخل الحرم وان لم يكن ملتجيا بل قد دخله للعبادة ولنسك الحج والعمرة مثلا. فتحصل انه لا يجوز اقامة الحد على الداخل مطلقا خصوصا الملتجى به ما دام فيه بل يضيق عليه حتى يخرج فإذا خرج يقام عليه الحد. الخامس: ان صريح صحيح هاشم: لا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع، كما ان المحقق قال: يضيق عليه في المطعم والمشرب ليخرج، انتهى، ومن المعلوم انه إذا منع مطلقا وبالكل عن الطعام والشراب فهو ادعى لان يخرج ويستوفى منه الحد مما إذا اعطى الماء والطعام قليلا، فكيف قال صاحب الجواهر بشرح عبارة الشرايع: بان يقتصر على ما يسد به الرمق انتهى ولماذا اضاف ذلك وفسر التضييق باعطاء ما يسد به رمقه ودفع مقدار يسير من الماء والغذاء إليه؟ هذا مضافا إلى ان مقتضى ذكر (لا يسقى ولا يطعم) عقيب ذكر عدم الحد انه لا يسقى ولا يطعم اصلا.


(1) اورده هذا العبد وكذا الاشكال الآتي وقد اجاب دام ظله عنهما بما في المتن.

[ 395 ]

اقول: ان منعه عن الماء والطعام مطلقا إلى ان يموت خلاف كون البيت امنا وينافى ان من دخله كان آمنا كما انه خلاف المصلحة الملحوظة في المقام من اضطراره والجائه إلى الخروج فيقام عليه الحد. هذا مضافا إلى انه لا يجوز الاقدام على هلاك احد واتلافه بذنبه وان كانت عقوبته القتل أو الرجم فانه لابد من اجراء الحد عليه بالنحو المشروع والمنهاج المأثور لا مطلقا ولا يجوز قتله بالجوع والعطش. السادس: انه قد استشكل بعض الاعاظم قدس سره في شمول لفظ الجناية المذكورة في صحيح هشام، للزنا، قال: والتعبير بالجناية في السؤال وشمولها لارتكاب الزنا لا يخلو عن النظر وان كان الجواب مناسبا انتهى. وفيه ان ذكر الصحيحة في كلماتهم رضوان الله عليهم اجمعين عند البحث عن ارتكاب الزنا والالتجاء في الحرم شاهد على انهم باجمعهم قد فهوا شمول الجناية لمثل الزنا وساير موجبات الحد. والسر في ذلك ووجهه هو ان للجناية معنيين احدهما ايجاد الجرح وايصال الالم إلى بدن الانسان كله أو بعضه والاول جناية النفس والثانى جناية الطرف. ثانيهما ذنب اخذ الانسان بعقوبته، والزنا وان لم يشمله الجنابة بمعناها الاول لكنها تشمله بمعناها الثاني. هذا مضافا لى ان الراوى اطلق الجناية واجابه الامام بانه لا يقام عليه الحد وهذا ظاهر في كون الموضوع هو ما له حد في الشرع وليس المراد هو ايراد ما يعاقب المورد على مثله، وليس هذا الا لواحد من الوجهين فاما ان تكون الجناية هو الذنب الذى له عقوبة واما انه كان هناك قرينة على ان مقصود السائل هو هذا وكان الامام عليه السلام عالما بذلك. السابع: ان الضمير في قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا، وان كان يرجع إلى البيت المذكور في الآية السابقة وهى قوله تعالى: ان اول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين (1)، الا ان المراد بحسب الاثار هو مطلق


(1) سورة آل عمران الآية 97.

[ 396 ]

الحرم. نعم يستثنى من الحكم المزبور وهو عدم جواز اقامة الحد في الحرم فيما إذا كان الجاني قد ارتكب الجرم في الحرم فانه يقام عليه الحد فيه وذلك لانه بنفسه قد هتك الحرم وضاع حرمته ولم يراعها. وتدل على ذلك صحيح هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام التى مر نقلها فان في آخرها: وان جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم فانه لم ير للحرم حرمة. الا ان في مرسل الصدوق ما ينافى ذلك، واليك نصة: قال الصادق عليه السلام ولو ان رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا اخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عنقه (1). فهذا يفيد انه يخرج الجاني من الحرم ويقام عليه الحد في خارجه مع انه قد ارتكب الجناية في الحرم. وقال صاحب الجواهر: ولعله الاحوط والاولى. ولكن الظاهر عند خلاف ذلك، وذلك لما مر من تصريح صحيح هشام بان الجاني في الحرم يقام عليه الحد في نفس الحرم معللا بانه لم ير للحرم حرمة، وليس لنا ما يدل على اعتبار اخراجه إلى خارج الحرم سوى هذا المرسل، وكيف يمكن رفع اليد عن الرواية الصحيحة برواية مرسلة لا يقويها شئ سوى ما ذكره الصدوق بنفسه في مقدمة كتابه من لا يحضره الفقيه بقوله: ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما افتى به واحكم بصحته واعتقد فيه انه حجة فيما بينى وبين ربى تقدس ذكره وتعالت قدرته (2). هذا مضافا إلى انه قدس سره قد رجع عما وعد، واورد في كتابه ما لا يعمل ولا يفتى به ايضا وعلى هذا فليس في قبال الخبر الصحيح الصريح في


(1) وسائل الشيعة الجلد 9 الباب 46 من مقدمات الطواف الحديث 3. (2) من لا يحضره الفقيه الجلد 1 الصفحة 3.

[ 397 ]

لزوم اخراجه إلى الخارج واجراء الحد عليه في غير الحرم في مفروض المقام دليل حجة يدل على اخراجه إلى خارج الحرم، فهنا يحد في نفس الحرم، والاحتياط يقتضى ذلك. حكم من جنى في حرم النبي أو الائمة عليهم السلام ثم ان ما ذكرناه كان بالنسبة إلى الحرم المعهود، وما هو المتبادر من الحرم، المعهود بمكة المشرفة فحينئذ تصل النوبة إلى البحث في انه هل الحكم في حرم المدينة وحرم الائمة عليهم السلام ايضا كذلك ام لا؟ قد الحق ابن حمزة خصوص حرم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله (1). وعن شيخ الطائفة الحاق حرم النبي وكذا الائمة عليهم السلام به (2) وحكى ذلك ايضا عن الحلى. ولكن خالف في ذلك الشهيد الثاني قدس سره فقال في المسالك: والحق به بعضهم حرم النبي والائمة عليهم السلام وهى مشاهدهم المشرفة، ولم نقف له على مأخذ صالح انتهى. كما ان صاحب الجواهر قال بعد نقل القولين: ولا دليل على شئ منهما. ونحن نقول ان كل واحد من هذين العلمين قد تمسك بالاحترام في قبال الآية الكريمة والرواية الشريفة، فإذا كان الدليل الذى يتمسك به في عدم اقامة الحد على المحرم في الحرم هو الاحترام فهذه العلة موجودة في ما نحن فيه وذلك لان اخذ من دخل دارا من تلك الدار اهانة بصاحب البيت عرفا، وكانت العرب يعتبر ذلك اعظم اهانة بالنسبة إليه ولذا كان هاني بن عروه رحمة الله عليه الذى قد اجار مسلما وحماه وآواه في داره بذل له تمام النصرة وامتنع شديدا من تسليمه إلى ابن زياد واختار القتل على ذلك وقال لابن زياد: والله لا آتيك بضيفي لتقتله ابدا، ولما قال له ابن زياد لتأتينى به، قال: والله لا آتيك به،


(1) اقول: فانه عبر بقوله: أو في الحرمين إذا التجأ إلى احدهما. (2) قال في النهاية: ولا يقام الحد ايضا على من التجأ إلى حرم الله ورسوله أو حرم احد من الائمة الخ.

[ 398 ]

وفى رواية والله لو انه تحت قدمى ما رفعتهما عنه ولا اجيئك به. وانى اتذكر بيوت العلماء ومنازلهم كانت مأمنا للملتجئين والواردين حتى ان الحكام والسلاطين كانوا يهمون ذلك يهتمون به كما ان حرم الامام الرضا عليه السلام كان مأمنا للواردين واللائذين والملتجئين على مر الدهور والاعصار إلى ان جاء پهلوى الطاغوت ونقض هذا الامان، بعد ان كان الامر بحيث قد عرف بعض الشوارع والبيوت المتصلة بالحرم الشريف بذلك العنوان وبقى له هذا العنوان والاسم إلى يومنا هذا. وعلى الجملة فهذا الامر عرفى دائر بين الاقوام، والعرف يرى اخراج احد من دار دخل فيها ولجا إليها اهانة برب البيت وقد امضى الشارع هذا الامر العرفي ولم يردع عنه كما في حرم الله سبحانه، ومن المعلوم ان هذه العلة والخصوصية لا تختص بحرم الله بل هي جارية في حرم الرسول والائمة الطاهرين، وعلى هذا فالاحوط بل الاقوى عندنا مراعاة حرمة حرمهم وعدم التعرض لمن دخل تلك المشاهد الشريفة والمواقف الكريمة، وقد اتى بما اوجب الحد، إلى ان يخرج منه. لا يقال: ان لازم ذلك هو اسراء الحكم المساجد وحرم انباء ائمه عليهم السلام ايضا. لانا نقول: ان ما ذكرناه جار في كل حرم يوازن حرم الله سبحانه أو يقرب منه في الحرمة والتكريم كحرم المعصومين عليهم السلام، فلا يجرى في مطلق المشاهد المشرفة والبقاع المقدسة نعم هتك تلك المشاهد والاماكن محرم قطعا. الترتيب في الحدود المجتمعة قال المحقق: إذا اجتمع الجلد والرجم جلد اولا وكذا إذا جتمعت حدود بدئ بما لا يفوت معه الآخر. اقول: إذا اجتمع على المكلف حد وتعزير أو حدان فصاعدا وامكن

[ 399 ]

الجمع بحيث لا ينافى اجراء واحد اقامة الباقي فلا محالة يجمع بين الامور اللازمة ويتخير المستوفى بين تقديم أي واحد وتأخيره، كما إذا وجب على احد الجلد والقطع والتعزير، واما إذا لم يمكن الجمع مطلقا وان امكن الجمع في بعض الصور وبعبارة اخرى لو كان احد الحدين مثلا بحيث لو قدم على الآخر ينتفى موضوع الاخر دون العكس فهناك يجب تقديم ما امكن معه اجراء الباقي وذلك كما إذا اجتمع حد السرقة والجلد لحد الزنا غير المحصن، والرجم أو القتل كزنا المحصن أو الزنا بالمحارم فانه لو قدم الرجم أو القتل لم يبق موضوع ومورد للقطع والجلد، ولا عكس، فيجب تقديم الجلد وحد السرقة ثم الرجم أو القتل، والبدأة بما لا يفوت معه الباقي. والدليل على ذلك اولا القاعدة العقلية فان إذا كان هناك تكليفان وامكن العمل بهما والجمع بينهما وجب ان يؤتى بكل واحد منهما عملا بالتكليفين المستقلين، والعقل لا يجوز البدأة بما لا يبقى معه موضوع الاخر لانه لا يجوز ازالة التكليف الالهى فيقدم الجلد كى يجمع بين التكليفين. وثانيا الاخبار الشريفة فقد وردت نصوص مستفيضة معتبرة تدل على ذلك ففى صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: ايما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل يبدأ بالحدود التى هي دون القتل ثم يقتل بعد ذلك (1). وعن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يؤخذ وعليه حدود احدها القتل، قال: كان علي عليه السلام يقيم عليه الحد ثم يقتله ولا تخالف عليا عليه السلام (2). وعن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يؤخذ وعليه حدود احدها القتل، فقال: كان علي عليه السلام يقيم عليه الحدود ثم يقتله ولا تخالف عليا عليه السلام (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 4.

[ 400 ]

وعن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يكون عليه الحدود منها القتل، قال: يبدأ بالحدود التى هي دون القتل ويقتل بعد (1). وعن ابى عبد الله عليه السلام في رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل، قال: يبدأ بالحدود التى هي دون القتل ويقتل بعد (2). وعن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في من قتل وشرب خمرا وسرق فاقام عليه الحد فجلده لشربه الخمر وقطع يده في سرقته وقتله بقتله (3). وعن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: ايما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل فانه يبدأ بالحدود التى دون القتل ثم يقتل (4). وهنا بحث وهو انه هل الاوامر في تلك النصوص مولوية بحيث لو خولف الترتيب وقدم القتل لما وقع الحد اصلا بل كان هو جناية صدرت من المجرى ويترتب عليها الضمان وعلى الجملة فيكون المقام كصلوتى الظهر والعصر، حيث ان صلاة العصر مترتبة على صلاة الظهر، ولو قدم صلاة العصر لكانت باطلة، أو ان الاوامر الواردة فيها ارشادية ترشد إلى ما يحكم به العقل حيث انه حاك بلزوم مراعاة كلا التكليفين مع الامكان؟ وتظهر الثمرة فيما اشرنا إليه من انه على الاول كان ما اتى به جناية وعصيانا للامرين وذلك لترك الاول رأسا مع امكان الاتيان به وترك الثاني لعدم الاتيان بشرائطه. ولم يتحقق حد اصلا في حين انه على الثاني كان ما صدر منه هو الحد غاية الامر انه قد انتفى بهذا الحد موضوع الاخر ويصدق انه قد فعل ذلك وترك الاخر ويعاقب على ترك الثاني. وقد تقدم مثل ذلك في اجراء الحد في غير اعتدال الهواء وان الكلام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 5. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 7. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 8.

[ 401 ]

يأول إلى وحدة المطلوب وتعدده. والظاهر ان المقام من قبيل تعدد المطلو ب وارشاد العقل نظير قوله تعالى اطيعوا الله واطيعوا الرسول، حيث ان العقل يحكم بذلك وان لم يكن شرع فعند ما ورد في القرآن الكريم وعلى لسان الله تعالى يكون للارشاد إلى ما حكم به العقل، ويبعد جدا ان يحصل الجزم بتعبد زائد على ذلك في الامر بتقديم الجلد على القتل أو الرجم. نعم لو اشترطت العدالة أو القربة في المجرى فلابد من ان يفرض البحث في ما إذا كان ناسيا مثلا واتى بالمؤخر اولا. لا يقال: انه ينافى الارشادية ما ورد في الرواية عن علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل اخذ وعليه ثلاثة حدود: الخمر والزنا والسرقة بايها يبدأ به من الحدود؟ قال: بحد الخمر ثم السرقة ثم الزنا (1). لانا نقول ان ذكر الزنا في الآخر محمول بقرينة سائر الروايات على ما إذا كان مع الاحصان، واما تقديم الجلد للخمر على القطع للسرقة المستفاد من لفظة (ثم) فلاجل ان تقديم القطع على الجلد قد يوجب تفويت الموضوع، وعلى الجملة فالاحتفاظ على ايقاع كل واحد من هذه الحدود يقتضى تقديم الجلد على القطع والقطع على الرجم أو القتل. ثم انه قد ظهر بما ذكرنا ان هذا البحث غير البحث الذى تقدم مفصلا من انه هل يجب في مورد رجم الزانى جلده ايضا أو انه يكتفى برجمه وحده فان الكلام في المقام في الموارد التى ثبت ان حد المجرم هو الاثنان فصاعدا وبعد الفراغ عن تعدد الحد فإذا وجب في مورد الجلد والرجم مثلا فهناك يبحث في انه أي واحد منهما يقدم وايهما يؤخر، في حين ان الكلام في ذلك البحث في اصل التعدد وعدمه.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من مقدمات الحدود الحديث 3. وقد اورد الاشكال، هذا العبد واجاب ادام الله بقاه بما في المتن

[ 402 ]

الكلام في توقع برء جلده وعدمه قال المحقق: وهل يتوقع برء جلده وعدمه؟ قيل نعم تأكيدا في الضرب وقيل: لا، لان القصد الاتلاف. اقول: ان في المسألة اربعة اقوال: احدها وجوب التأخير، ثانيها استحبابه، واقتصر في الشرايع على نقل هذين، ثالثها المنع وعدم جواز التأخير رابعها جواز التأخير بيوم لا ازيد فقد حكى عن الاسكافي القول بوجوب الجلد قبل الرجم بيوم. وقد نسب الاول إلى الشيخين وابن زهرة وابن حمزة وابن البراج وابن سعيد، واستدل على ذلك بقولهم تأكيدا للضرب والزجر. توضيح ذلك ان للجلد المين احدهما الم ايقاع الضرب عليه، ثانيهما الالم الباقي في موضع الضرب إلى مدة حتى يبرأ، فإذا لم يتوقع البرء في المقام فقد قل ايلامه وزجره فيجب تأخيره حتى يذوق الالمين جميعا. ونحن لا نعلم من اين استفادوا لزوم التأكيد في الزجر افهل كان هذا استنباطا من اصل تشريع الحد حيث انه كان للايلام واذاقة الالم له. فاستفيد من ذلك اعتبار ايذائه وايراد الالم عليه حتى بامهاله بعد جلده إلى ان يبرأ ثم بعد ذلك يرجم أو يقتل، أو انهم اعتمدوا في ذلك على الآية الكريمة واستندوا إليها حيث يقول الله سبحانه بعد الامر بجلد الزانية والزانى مأة جلدة: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر؟ وكيف كان فاستفاده هذا المطلب مشكل اما على الاول فواضح واما على الثاني فقد وردت الرواية عن امير المؤمنين عليه السلام في تفسير الآية انه قال: في اقامة الحدود (1) هكذا في تفسير الصافى عن التهذيب، وعلى هذا فالاية الكريمة غير متعلقة بهذا المطلب ولا ربط لها به بل المقصود منها ان لا تحمل الرأفة


(1) التهذيب الجلد 10 الصفحة 150 وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 5.

[ 403 ]

والرحمة على ترك اجراء الحدود المقررة، سلمنا ان الاية متعرضة لما نحن بصدده لكنها في مورد الزانى فكيف نقول بذلك في جميع الموارد ونحكم بوجوب تأخير القتل أو الرجم إلى ان يبرأ؟ هذا مضافا إلى انه على ما ذكروه يلزم الحكم بعدم جواز مداواته ليبرأ وتندمل جراحاته ولا ان يدهن بدنه المجروح حتى يذوق الم الجلد والجراحة كليهما تأكيد اللزجر، وهذا في غاية البعد. والعمدة هو ان هذا ينافى عدم التأخير المعتبر في اقامة حدود الله تعالى وقد عرفت مبلغ تأكيد الشارع وشدة اصراره واهتمامه على ايقاع الحدود سريعا ومضى انه قد بلغ التأكيد في ذلك إلى ان المريض إذا لم يكن بحيث يبرأ عاجلا يضرب في حال مرضه بالضغث كى لا يؤخر الحد. وقد ظهر بما ذكرنا انه لا وجه لاستحباب ذلك ايضا وكيف نقول باستحباب ما يؤل إلى التأخير في اجراء الحد بل الحق هو عدم جواز التأخير اصلا، ولو كان مستند القول بالاستحباب هو التأكيد في الزجر، ففيه ما ذكرناه على القول بالوجوب. واما ما ذكره ابن الجنيد من القول بوجوب الجلد قبل الرجم بيوم فهو لاجل الخبر: ان امير المؤمنين عليه السلام جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة (1). واورد عليه في الرياض بقوله: وهو شاذ كالمنع عن التأخير بل لعله احداث قول ثالث لاتفاق الفتاوى على الظاهر على جوازه وان اختلفوا في وجوبه وعدمه وعلى هذا فالتأخير لعله احوط وان لم يظهر للوجوب مستند عليه معتمد، نعم نسبه في السرائر إلى رواية الاصحاب انتهى. اقول: ان وجه عدم ظهور مستند يعتمد عليه في الحكم بوجوب التأخير واضح فقد مر ان اعتمادهم في ذلك على التأكيد على الزجر، وقد قدمنا ما فيه واما الاستناد إلى رواية الاصحاب، فهو في حكم خبر مرسل بل لعله ادون من


(1) راجع سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 220.

[ 404 ]

المرسل وذلك لانه استظهر ذلك منهم، واين هو من الاستناد إلى الخبر مرسلا فهذا لا ينفعنا شيئا. واما كون التأخير احوط، ففيه انه لو كان الامر يدور بين الوجوب والجواز لصح القول بان الاحتياط في الاتيان به رعاية لاحتمال الوجوب، وليس هنا كذلك، وذلك لاحتمال حرمة التأخير، فان مقتضى ادلة وجوب التسريع في الحدود هو عدم التأخير فيها اصلا، وعلى هذا فليس في التأخير احتياط، وليست الفتاوى بحيث يطمئن ببلوغها حد الاجماع، فهذا هو المحقق الاردبيلى قدس سره وقد افتى بوجوب التسريع وعدم تأخير إلى ان يبرأ فقال في مجمع البرهان: يجوز بل يجب ان يقتل بعد ذلك بما لا يعد تأخيرا انتهى، والاقوى بنظرنا ايضا هو هذا. واما التأخير إلى يوم فلعله كان بنحو لا ينافى الفورية العرفية أو كان الحكم به لجهات خارجية. تذكرة وتتميم ثم انه لو مات المحدود في اثناء الجلد يسقط عنه باقى الضربات كما يسقط عنه الرجم ايضا لفوات الموضوع ولا ضمان اصلا وذلك للاتيان بما هو وظيفته من ايقاع الجلد قبل الرجم، بخلاف ما لو عكس الترتيب فقدم الرجم فانه قد فوت التكليف بالجلد بتقديم الرجم على الجلد وعصى بذلك، واما الضمان فهو موقوف على وحدة المطلوب وتعدده فعلى الاول فهو ضامن وعلى الاخر فلا ولو شك في وحدة المطلوب وتعدده وشك في الضمان وعدمه فالاصل عدم الضمان. كيفية وضع المرجوم حال رجمه قال المحقق: ويدفن المرجوم إلى حقويه والمرأة إلى صدرها. اقول: ان الكلام هنا في موارد، احدها في اعتبار حفر الحفيرة وعدمه

[ 405 ]

ثانيها في اعتبار الدفن وعدمه ثالثها في تعيين المقدار الذى يعتبر ستره أو دفنه في الحفيرة إلى غير ذلك وقد اختلفت كلماتهم رضوان اللهم عليهم بالنسبة إلى كل واحد من هذه الامور (1). واليك قسما من كلماتهم: قال في المقنعة: تحفر له حفيرة إلى صدره ثم يرجم بعد ذلك وقال ايضا: وإذا وجب على المرأة رجم حفر لها بئر إلى صدرها كما يحفر للرجل ثم تدفن فيها إلى وسطها وترجم هذا إذا كان عليها شهود بالزنا وان كانت مقرة بلا شهود لم تدفن ونزلت كما ينزل الرجل الخ. وقال الصدوق في المقنع: والرجم ان يحفر له حفيرة مقدار ما يقوم فيها فتكون بطوله إلى عنقه فيرجم ويبدأ الشهود برجمه الخ. وقال سلار في المراسم: وتحفر له حفيرة ويقام فيها إلى صدره ثم يرجم والمرأة تقام إلى وسطها. الخ. وفى الغنية يحفر للمرجوم حفيرة يجعل فيها ويرد التراب عليه إلى صدره ولا يرد التراب عليه ان كان رجمه باقراره. قد مضى ان المحقق قال بدفن المرجوم، وهو رد التراب عليه بعد وضعه في الحفيرة. وحيث ان الاصل في ذلك هو الاخبار فاللازم هو المراجعة إليها والنظر فيها والاستظهار منها. فعن ابى بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: تدفن المرأة إلى وسطها إذا ارادوا ان يرجموها ويرمى الامام ثم يرمى الناس بعد باحجار صغار (2). وعن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تدفن المرأة إلى وسطها ثم يرمى الامام ويرمى الناس باحجار صغار ولا يدفن الرجل إذا رجم الا إلى


(1) لم يكن في الكلمات التي نقلها دام ظله العالي ما يدل على وجود قول بعدم الحفر أو الترديد فيه لكن كلام الشهيد الثاني في المسالك ظاهر في الترديد في ذلك واظهر منه في ذلك كلام الاردبيلي فراجع. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 406 ]

حقويه (1). وعن احمد بن محمد بن خالد رفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام قال: اتاه رجل بالكوفة فقال: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهرني، ثم ذكر انه اقر اربع مرات إلى ان قال فاخرجه إلى الجبان فقال: يا امير المؤمنين انظرني اصلى ركعتين ثم وضعه في حفرته.. فاخذ حجرا فكبر اربع تكبيرات ثم رماه بثلاثة احجار في كل حجر ثلاث تكبيرات ثم رماه الحسن عليه السلام مثل ما رماه امير المؤمنين عليه السلام ثم رماه الحسين عليه السلام فمات الرجل فاخرجه امير المؤمنين فامر فحفر له وصلى عليه ودفنه (2).. وعن الحسين بن خالد قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: اخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال: يرد ولا يرد، فقلت: وكيف ذاك؟ فقال: ان كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد وان كان انما قامت عليه البينة وهو يجحد ثم هرب رد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد وذلك ان ماعز بن مالك اقر عند رسول الله صلى الله عليه وآله بالزنا فامر به ان يرجم فهرب من الحفرة فرماه الزبير بن العوام بساق بعير فعقله فسقط فلحقه الناس فقتلوه ثم اخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقال لهم: فهلا تركتموه إذا هرب يذهب فانما هو الذى اقر على نفسه (3).. وعن ابى العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال: انى زنيت فصرف النبي صلى الله عليه وآله وجهه عنه.. فاقر على نفسه الرابعة، فامر به رسول الله صلى الله عليه وآله ان يرجم فحفروا له حفيرة فلما ان وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه الزبير فرماه بساق


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من حد الزنا الحديث 4. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من حد الزنا الحديث 1.

[ 407 ]

بعير (1). وعن ابى بصير وغيره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المرجوم يفر من الحفيرة فيطلب؟ قال: لا ولا يعرض له ان كان اصابه حجر واحد لم يطلب فان هرب قبل ان تصيبه الحجارة رد حتى يصيبه الم العذاب (2). وعن ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام قال: اتت امرأة امير المؤمنين عليه السلام فقالت: انى قد فجرت فاعرض بوجهه عنها.. ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وادخلها الحفيرة إلى الحقو وموضع الثديين واغلق باب الرحبة ورماها بحجر (3).. إلى غير ذلك من الروايات وهى متفقة في اعتبار ادخاله في الحفيرة وفيها ما هو الصحيح كرواية ابى مريم، والموثق كخبر سماعة، ولو كان كلها ضعيفا فايضا يعمل به وذلك لانه المشهور بينهم كما صرح بذلك في الجواهر. نعم بعض الاخبار ساكتة عن ذكر ذلك لكنه ليس في مقام البيان من هذا الجهة ولم يرد فيها التصريح بالعدم حتى يحصل التعارض سوى ما عن ابى سعيد الخدرى في قصة ماعز: امرنا رسول الله صلى الله عليه وآله برجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما اوثقناه ولا حفرنا له حفيرة ورميناه بالعظام والمدر والخزف.. لكن الرواية عامية منقولة عن سنن البيهقى فلا تقاوم تلك الروايات العديدة الدالة على ذلك، وهكذا ما نقلوه من ان النبي صلى الله عليه وآله حفر للعامرية ولم يحفر للجهنية. هذا مضافا إلى ان قصة ماعز منقولة بطرقنا ايضا وقد ذكر فيها انه حفر له فراجع رواية حسين بن خالد المنقولة آنفا. نعم قد يستشكل في دلالة الروايات لكونها متضمنة للجملة الخبرية بدل الامر.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من حد الزنا الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من حد الزنا الحديث 5.

[ 408 ]

وفيه ان الجملة الخبرية ايضا تدل على الوجوب كالامر بل انها اظهر في افادة الوجوب وذلك لان من يأتي بالجملة الخبرية يرى القضية محققة الوقوع وكانه يخبر عن امر سيقع ولا يحتمل الخلاف في حين ان الامر لا يدل على ازيد من طلب الفعل ولا فرق فيما ذكرنا بين المضارع المعلوم والمضارع المجهول فكما ان المضارع المعلوم يدل على الوجوب كذلك المجهول منه. هذا كله مضافا إلى ما دل على الوجوب من التأسي بفعل النبي والوصى صلوات الله عليهما وآلهما. وما نقلوه من عدم الحفر للجهنية، أو عدم الحفر لماعز فمضافا إلى ما مر، انهما حكاية فعل في بعض الاحائين وهو ليس بحجة ولو فرض ظهور الفعل في عدم الوجوب فهذا لا يقاوم ظهور القول في الوجوب وذلك لان وجه الفعل ليس بمعلوم لنا، ولامكان طرو العارض الحامل على عدم الحفر. ومع ذلك كله لو شك في اعتبار الحفر فلا شك في حسنه وانما البحث في الوجوب والاستحباب ومن المعلوم ان الوظيفة حينئذ مراعات ذلك، وعلى الجملة فوجوب حفر الحفيرة احوط لو لم يكن اقوى. فتحصل ان ما ذكره المشهور هو الصحيح فيلزم الحفيرة واما القول بعدم اعتبارها فهو شاذ ولعل القائل حمل هذه الاخبار على الاستحباب والا فلا دليل عليه ظاهرا هذا بالنسبة إلى اعتبار حفر الحفيرة ووجوب ذلك. واما الدفن فقد عبر بذلك بعض الفقهاء كما رأيت ذلك في عبارة المحقق وهو مذكور في قسم من الروايات ايضا وقد تقدم ذلك قريبا. وغير خاف ان الدفن بمعناه المعهود المذكور في باب الاموات هو المواراة في الارض بحث يختفى المدفون عن تناول يد الغير ورؤيته، وهذا المعنى غير مناسب للمقام الذى يجب الرجم والرمى فان دفنه كالميت ينافى الرجم، والدفن بذاك المعنى مذكور في بعض الروايات بالنسبة إلى ما بعد موته كما في مرفوعة احمد بن محمد بن خالد حيث قال فيها: فمات الرجل فاخرجه امير المؤمنين عليه السلام فامر

[ 409 ]

فحفر له وصلى عليه ودفنه (1). ويشهد لما ذكرناه ما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: الذى يجب عليه الرجم يرجم من ورائه ولا يرجم من وجهه لان الرجم والضرب لا يصيبان الوجه وانما يضربان على الجسد على الاعضاء كلها (2). وذلك لانه إذا دفن في الارض خصوصا لو كان بحيث دفن إلى ثدييه أو منكبيه فلم يبق من جسده حتى يقال: انما يضربان على الجسد على الاعضاء كلها، فلابد ان يكون المراد من الدفن والستر هو نفس الستر في الارض. والانصاف ان اثبات ارادة مجرد الستر في الحفيرة مشكل، والظاهر ان المراد من دفن المرجوم الوارد في الروايات هو مواراته إلى الموضع المعتبر، في الحفيرة رد التراب عليه. واما قوله عليه السلام في رواية محمد بن مسلم: وانما يضربان على الجسد على الاعضاء كلها، فلا ينافى ما ذكرناه وذلك لان الضرب على الاعضاء كلها، كان قد وقع عقيب قوله: لا يصيبان الوجه ويؤكد عدم وقوع الضرب على الوجه والرأس لا ان يكون العناية على وقوع الضرب على كل موضع موضع من جسده. واما منافاة الدفن بهذا المعنى للفرار الذى يكون في من ثبت زناه بالاقرار موجبا لتخلية سبيله. ففيه ان رد التراب وطمه لا ينافى الفرار باعمال شدة وقوة ولا يجب تسهيل سبيل الفرار على المحكوم بالرجم وانما المسلم هو انه لو فر يترك بحاله ويخلى سبيله لا ازيد من ذلك ولا اكثر. واما الحد والمقدار الذى ينزل ويجعل من المرجوم في الحفيرة فالاخبار المتعرضة لذلك مختلفة منها ما اقتصر فيه على ذكر دفن المرأة إلى وسطها وذلك كرواية ابى بصير، ولا تعرض فيها للرجل اصلا، ومنها ما يدل على انه تدفن المرأة إلى وسطها ولا يدفن الرجل الا إلى الحقوين وذلك كرواية سماعة، ومنها ما ورد في فعل امير المؤمنين عليه السلام من انه دفن المرأة المقرة بالزنا إلى الحقوين


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من ابواب حد الزنا الحديث 6.

[ 410 ]

كرواية صالح بن ميثم، ومنها ما يقول بان امير المؤمنين عليه السلام ادخل المرأة التى ثبت عليها الرجم في الحفرة إلى الحقو وموضع الثديين. والحقو هو معقد الازار واما الوسط فلا يخلو المراد منه عن اجمال، ومقتضى مقابلة الوسط في المرأة في موثق سماعة، الحقوين في الرجل هو ان يكون الوسط ما يقرب الثديين مثلا والا فلا وجه للتفصيل المزبور، وهذا ينافى ما ورد في رواية صالح من دفن المرأة المقرة إلى الحقوين كما ان رواية ابى مريم لا تساعد شيئا من الروايات لان المعتبر بحسبها دفن المرأة إلى الحقو وموضع الثديين فإذا كان (إلى) لانتهاء الغاية وكانت الغاية الحقو فما وجه ذكر موضع الثديين مع انه لو كان المعتبر هو موضع الثديين فالحقو داخل لا محالة ولا ينفك عند ابدا بخلاف العكس -؟ ويمكن ان يكون المقصود هو ستر كل هذه المواضع إلى موضع الثديين وان كان ذلك خلاف الظاهر، وعلى الجملة فلو كان الملاك هو موضع الثديين فيمكن الجمع بين هذا وبين ما دل على الدفن إلى الوسط ان كان المراد من الوسط هو ما يحاذي الصدر، ولو اريد منه ما يحاذي موضع الازار فهو يساعد رواية صالح الدالة على دفنها إلى الحقوين لكن لا يساعد ما دل على وجوب دفنها إلى موضع الثديين. اللهم الا ان يقال: ان الحد الاقل هو إلى الحقوين والاكمل هو إلى الصدر والثديين، والوسط هو الوسط بينهما. وقد حكى صاحب الجواهر رواية ابى مريم، بلفظ: دون موضع الثديين، بدل: موضع الثديين، بل هكذا كانت في بعض النسخ الاصلية الروائية (1) وهذا يسهل الامر ويرفع الاشكال، وان كان يبقى الاشكال بانه لا يساعد ما ورد من اعتبار الصدر في المرأة. وكيف كان فالظاهر هو ما افاده المشهور من لزوم دفن المرجوم إلى حقويه ان كان رجلا، والى الصدر ان كان امرأة، كما هو مقتضى قوله عليه السلام في موثق


(1) اقول: لكن في نسخة الفقيه المطبوعة جديدا: وموضع الثديين، فراجع الجلد 4 الصفحة 30.

[ 411 ]

سماعة: تدفن المرأة إلى وسطها ثم يرمى الامام.. ولا يدفن الرجل إذا رجم الا إلى حقويه،، وما ورد من انه صلى الله عليه وآله حفر للعامرية إلى الصدر وانه صلوات الله عليه رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة، فان الثندوة هو موضع الثدى، إلى غير ذلك من الروايات. بقى في المقام امران احدهما ان المحقق لم يتعرض للحفر اصلا وانما اقتصر على قوله: ويدفن المرجوم، واضاف في الجواهر قبل ذلك، قوله: ويجب ان.. " حتى يفيد انه ولو فرض استظهارهم كالشهيد الثاني عدم الوجوب، فهو بنفسه استظهر الوجوب ويقول بذلك. ثم استدل على وجوب الدفن بقوله: للامر بالحفر له في جملة من النصوص المعتبرة الخ. ونحن نقول: هل المراد منه انه إذا وجب الحفر وجب الدفن ايضا ففيه انه لا ملازمة لامكان ان يجعل في الحفيرة بدون الدفن أي رد التراب وطمه، هذا مضافا إلى عدم ورود الامر بالحفر في هذه الروايات حتى بلفظ المضارع بل هي متعرضة للدفن فقط نعم ورد في ثلاثة من الروايات انه صلوات الله عليه امر ان يحفر له حفيرة، فلو كان نظره من وجوب الدفن إلى هذه الروايات ففيه ما ذكرناه من عدم الملازمة. نعم يمكن التمسك بالسيرة في موارد الرجم فانهم صلوات الله عليهم كانوا يحفرون ويدفنون المرجوم في الحفيرة. وكيف كان فلو لم يكن الروايات صريحة في الوجوب فلا اقل من ان الاحتياط هو الحفر والدفن. ثانيهما انه هل الحفر والدفن واجبان مستقلان أو انهما شرطان في الحد؟ الظاهر هو الاول، واستفادة الشرطية مشكلة جدا، وعلى هذا فلو وقع الرجم بدون ذلك فقد تحقق امر الرجم وصح، والا لكان اللازم التعرض له

[ 412 ]

والتصريح به في النصوص والكلمات، والتنصيص على ان الرجم بدونهما ليس برجم شرعى بل هو قتل وجناية، فعدم التعرض والتصريح يدلنا على ان هذين الامرين من قبيل الواجب في الواجب لا من قبيل القيد والشرط. حكم فرار المحكوم بالرجم عن الحفيرة قال المحقق: فان فر اعيد ان ثبت زناه بالبينة، ولو ثبت بالاقرار لم يعد وقيل ان فر قبل اصابته بالحجارة اعيد. اقول: اما الحكم الاول وهو انه إذا فر المرجوم عن الحفيرة اعيد ليتم رجمه ان كان زناه قد ثبت بالشهود، فتدل عليه امور: الاصل والاجماع والنصوص. والمراد من الاصل هو اصالة عدم سقوط الرجم الثابت بثبوت موجبه، بفراره من الحفيرة، فإذا دل الدليل على وجوب الرجم وشك في ان الفرار مسقط له ام لا فالاصل هو العدم وبقاء ما ثبت عليه من الحد. ووجه ذكر الاصل مع وجود النصوص في المسألة هو انه لو لم يتم الاستدلال بها عند احد وسقطت عن حد الاعتبار وصلاحية الاستدلال ووصلت النوبة إلى الاصل كان مقتضاه ما ذكره. واما الاجماع ففى الجواهر: لا خلاف اجده فيه انتهى وفى كشف اللثام بعد قول العلامة: فان فر احدهما اعيد ان ثبت الزنا بالبينة: اجماعا كما هو الظاهر انتهى وفى الرياض: فان فر احدهما من الحفيرة اعيد إليها ان ثبت الموجب لرجمها بالبينة بلا خلاف اجده فيه بل عليه الاجماع في عبائر جماعة وهو الحجة الخ. واما النصوص فهى الاخبار الآتية الصريحة في ذلك. واما لو ثبت زناه بالاقرار وفر عند رجمه من الحفيرة فانه لا يعاد إليها بل يخلى وسبيله ويترك بحاله مطلقا على ما ذهب إليه المفيد والحلى وسلار وابنا سعيد بل المشهور أو بشرط اصابة الحجر له مطلقا على ما ذهب إليه الشيخ

[ 413 ]

في النهاية وابن حمزة في الوسيلة. قال الاول: إذا اراد الامام ان يرجمه فان كان الذى وجب عليه ذلك قد قامت عليه به بينة امر بان يحفر له حفيرة ودفن فيها إلى حقويه ثم يرجم والمرأة مثل ذلك تدفن إلى صدرها ثم ترجم فان فر واحد منهما من الحفيرة رد حتى يستوفى منه الحد بالرجم وان كان الرجم وجب عليهما باقرار منهما على انفسهما فعل بهما مثل ذلك غير انه إذا فرا وكان قد اصابهما شئ من الحجر لم يردا انتهى (1). وقال ابن حمزة عند بيان حد الرجم: فان فر بعد ما مسته الحجارة لم يرد انتهى وقال بعد ذلك عند بيان ما إذا ثبت عليه الحد بالبينة: فان فر رد على كل حال (2). والحاصل ان في المقام مذهبين احدهما ان مع اثبات الرجم بالاقرار لا يعاد إلى الحفيرة ان فر منها مطلقا ثانيهما انه فر بعد اصابة الحجارة لم يعد وان فر قبل ذلك يعاد ويستوفى منه الحد. واختار المحقق وصاحب الجواهر ايضا القول الاول. وقد استدل على ذلك بامور احدها: مرسل الصدوق وسيأتى ذكره ثانيها: مفهوم التعليل في خبر حسين بن خالد الآتى ذكره ايضا: " فانما هو الذى اقر على نفسه " يعنى انه يخلى سبيله إذا فر لانه قد اقر فان مفهومه: ان من لم يقر بل قامت عليه البينة فانه يرد وقد يؤيد ذلك بان الفرار بمنزلة الرجوع عن الاقرار الذى لا يرجم معه. ثالثها: الشبهة ودرء الحد بها. رابعها: الاحتياط في الدماء. واما المرسل فهذا: محمد بن علي بن الحسين، قال: سئل الصادق عليه السلام عن المرجوم يفر، قال: ان كان اقر على نفسه فلا يرد وان كان شهد


(1) النهاية الصفحة 699. (2) الوسيلة إلى نيل الفضيلة الصفحة 412.

[ 414 ]

عليه الشهود يرد (1). ومقتضاه انه إذا ثبت الموجب بالاقرار فلا يرد المرجوم مطلقا سواء قد اصابه من الحجارة شئ ام لا. واستدل للقول الثاني برواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام: انه ان كان اصابه الم الحجارة فلا يرد وان لم يكن اصابه الم الحجارة رد (2). ومقتضى ظاهر هذه ان الفارق هو الاصابة وعدمها مطلقا فمن اصابته الحجارة لا يرد إلى الحفيرة سواء ثبت الموجب للرجم بالبينة أو بالاقرار، ومن لم تصبه يرد كذلك. ولا تختص بظاهرها بما إذا اثبت الموجب بالاقرار، والنسبة بينهما هو العموم من وجه. ويجتمعان فيما إذا ثبت الموج باقرار ولم تصبه الحجارة فان مقتضى المرسل هو عدم الرد ومقتضى خبر ابى بصير وجوب رده. وفى قبال هاتين ما قد جمع بين الاقرار والاصابة وهو خبر حسين بن خالد قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: اخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال: يرد ولا يرد، فقلت: وكيف ذاك؟ فقال: ان كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد، وان كان انما قامت عليه البينة وهو يجحد ثم هرب رد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد وذلك ان ماعز بن مالك اقر عند رسول الله صلى الله عليه وآله بالزنا فامر به ان يرجم فهرب من الحفرة فرماه الزبير بن العوام بساق بعير فعقله فسقط فلحقه الناس فقتلوه ثم اخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقال لهم: فهلا تركتموه إذا هرب يذهب فانما هو الذى اقر على نفسه وقال لهم: اما لو كان علي حاضرا معكم لما ضللتم قال: ووداه رسول الله صلى الله عليه وآله من بيت مال المسلمين (3). فحينئذ اما ان يقال بتعارض الخبرين السابقين وتساقطهما فيرجع إلى


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من ابواب حد الزنا، الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من ابواب حد الزنا، الحديث 5. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من ابواب حد الزنا الحديث 1.

[ 415 ]

رواية حسين بن خالد الناطقة باعتبار كلا الامرين في عدم جواز الرد إلى الحفيرة. واما ان يقال بانه يلاحظ واحد منهما مع الخاص المشتمل لكلا القيدين وحيث ان النسبة العموم المطلق فيخصص العام ثم يلاحظ هذا المقيد والمخصص إلى العام الآخر فيكون النسبة العموم المطلق فيخصص العام بالخاص لانقلاب النسبة لكن هذا هو الذى حكاه الشيخ المرتضى قدس سره عن بعض ولم يرتضه وليس هو المنهاج الدائر بينهم بل البناء على ملاحظة النسبة بينهما وبالنسبة إلى الخاص والنتيجة ان بين الدليلين الاولين بنفسهما عموما من وجه وبين كل واحد منهما مع الثالث أي رواية ابن خالد العموم المطلق ويؤل إلى انه لو قيل بالتساقط عند تعارض الدليلين فيرجع إلى رواية ابن خالد ويحكم باعتبار كلا الامرين معا وانه مع انتفاء أي واحد من القيدين ينتفى الحكم بعدم الرد وعلى الجملة فهذا كله على القول بالتعارض. ويمكن ان يجمع بين الروايتين بتقييد اطلاق كل منهما بقيد الآخر فتتوافقان مع رواية ابن خالد ولعله هو الاحسن. كما يمكن ان يقال بان رواية ابن خالد شاهد للجمع بين المرسلة ورواية ابى بصير. نعم يمكن الاشكال في رواية ابن خالد بتعارض الصدر والذيل وذلك لان الصدر يقيد ان المسقط للرجم بعد الفرار هو كون الموجب قد ثبت بالاقرار مع كون الفرار بعد الاصابة والحال ان التعليل الوارد في الذيل وهو قوله صلوات الله عليه وآله: " فانما هو الذى اقر على نفسه " ظاهر في ان المسقط هو مجرد كون الموجب الاقرار. مع صاحب الجواهر في مناقشاته ثم ان صاحب الجواهر قد ناقش اولا في القول الاول فقال بعد ذكر القول الثاني والاستدلال عليه: بل قد يناقش في الاول بمنع كون الهرب بمنزلة الرجوع في ذلك.

[ 416 ]

اقول: ان من جملة ما تمسك به للقول الاول كما تقدم هو ان الفرار بمنزلة الرجوع عن الاقرار ومعلوم انه مع الرجوع لاريرجم وذلك لان من هيأ نفسه للتطهير عن المعصية بسبب الرجم فلو كان باقيا على اقراره فهو لا يفر طبعا عن الحفيرة بل يقوم ويثبت حتى يجرى حد الله تعالى عليه كى يتطهر من دنس المعصية. فناقش رحمة الله عليه في ذلك بان كون الفرار بمنزلة الرجوع في اسقاط الرجم عنه غير معلوم. وما افاده في محله وذلك لانه يمكن ان يكون فراره للالم الشديد الذى لا يتحمله فعلا مع انه قد اعد نفسه لتحمله فليس هربه في معنى الرجوع. وناقش في الاستدلال باطلاق المرسل باحتمال اختصاصه بصورة الفرار بعد الاصابة كما هو الظاهر في فرار من اقر على نفسه. اقول: ان هذه المناقشة لا تخلو عن كلام وذلك لانه لا وجه لرفع اليد عن ظاهره الذى هو الاطلاق والا فكل المطلقات يمكن ان تحمل على شئ مثل ذلك. نعم لو كانت خصوصية اقتضت صرف المطلق عن اطلاقه لكان يتم ما ذكره وهو رحمة الله وان ادعى وجود هذه الخصوصية في المقام حيث تمسك بما هو الظاهر من فرار من اقر على نفسه لكنها ليست بهذه المثابة أي بحيث يوجب صرف الاطلاق فلربما يفر ولم يصبه شئ من الحجارة اصلا فهذا لا ينفع الا لمن جزم بقرينية هذه الجهة فهو يقول بان المراد من المرسل هو ما إذا اصابته الحجارة. ثم تعرض للتعليل الوارد في قصة ماعز حيث اعترض رسول الله (صلى الله عليه وآله) على انهم لحقوا ماعز وقتلوه بعد ان فر من الحفيرة قائلا: فانما هو الذى اقر على نفسه،، فان الظاهر منه ان الفرار هو الذى يوجب ان يترك بعد ان فر وهرب. فرد رحمة الله عليه بان هذا التعليل وارد في صورة الاصابة فلا يشمل غيرها وهو ما إذا هرب بلا اصابة. فقال: وان كان العبرة بالعموم دون المورد

[ 417 ]

بناءا على ان صدر الرواية المعللة ظاهر في اعتبار الاصابة في عدم الاعادة إلى الحفيرة. أي ان العبرة بعموم الوارد لا بخصوص المورد ففيما نحن فيه العبرة بحسب القاعدة بالفرار بعد ان كان الموجب للرجم هو الاقرار ولا اعتبار بخصوصية المورد هو ان ماعز كان قد هرب مع اصابة الحجر الا انه لا يعتبر ذلك في المقام بل الامر بالعكس، والعبرة بخصوص المورد فيلاحظ الاصابة وذلك لمراعاة صدر الخبر الدال بظاهره على اعتبار الاصابة وهو قوله عليه السلام: إذا كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة،، قال: فمفهومه في ذيله معارض بمفهوم الشرط أو القيد في صدره فيتساقطان لو لم يكن الاول صارفا للثاني ومخصصا له بمورده فلا حجة فيهما. يعنى ان مفهوم الذيل كفاية مجرد الاقرار في الحكم بعدم الرد إلى الحفيرة، وهو معارض بمفهوم الصدر وهو اما مفهوم الشرط بلحاظ (إذا) الشرطية، أو مفهوم القيد بلحاظ ذكر لفظة: بعدما يصيبه،، الذى يعتبر حالا في المقام، وكيف كان فهذا المفهوم يفيد اعتبار الاصابة ايضا فيتعارضان ويتساقطان ان لم يكن مفهوم الصدر موجبا لصرف الذيل عن ظاهره ومخصصا له بمورده الذى كان مع الاصابة وعلى هذا فلا حجية لا في هذا ولا في ذاك. اقول: ان الامام عليه السلام قد ذكر الاصابة وقيد الاقرار بها بلا ترديد ثم استدل عليه السلام بقصة ماعز وما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله فيها وما قاله، فلولا انه كان تعليله صلى الله عليه وآله مقيدا بهذا القيد لما صح التمسك والاستدلال بقصة ماعز وفعل رسول الله وقوله: فهذه قرينة على ان الاصابة كانت معتبرة في الذيل ايضا الا ان الامام عليه السلام لم يذكر ذلك واقتصر على مجرد ذكر الاقرار وذلك لعدم صحة الاستدلال بالاعم للاخص، فيعلم ان قوله صلى الله عليه وآله: انما هو الذى اقر على نفسه،، معناه ان من اصابته الحجارة قد اقر على نفسه،، فيدل على دخل كل من الاقرار والاصابة في عدم الرد إلى الحفيرة.

[ 418 ]

وعلى هذا فليست هذه الرواية لا صدرا ولا ذيلا دليلا على كفاية مجرد الاقرار بل تدل على عدمها بدون الاصابة. نعم يبقى ان يدعى كون هذا القيد المذكور في الصدر واردا مورد الغالب وعليه فلا مفهوم له كما في قوله تعالى: وربائبكم اللاتى في حجوركم (1)، قال صاحب الجواهر: والذب عن مفهوم الشرط وان كان ممكنا بدعوى ورود القيد مورد الغالب كما عرفته الا ان في بعض النصوص ما يدل على اعتبار مفهومه هنا كالمرسل في الفقيه بغير واحد المحتمل للصحة عند بعض الخ. اقول: ان المرسل الذى اشار إليه هذا: عن صفوان عن غير واحد عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام انه ان كان اصابه الم الحجارة فلا يرد وان لم يكن اصابه الم الحجارة رد (2). ترى ان الصدوق عليه الرحمة نقل عن صفوان وهو عن اشخاص كثيرين ولربما كان بعضهم ممن تصح روايته ويؤخذ بها وقد تمسك قدس سره بمرسل الصدوق الصريح في المفهوم حيث صرح بانه إذا لم يكن اصابه رد لاثبات ان القيد في رواية حسين بن خالد ليس واردا مورد الغالب بل هو لافادة المفهوم. هذا ولكن لا يخفى ان القيد وان كان بحسب طبعه واردا مورد الغالب لكنه إذا وقع تلو الشرط فلا محالة يفيد المفهوم، فإذا قال: وربائبكم إذا كانت في حجوركم، فانه تختص وتقيد بهذا القيد، وما نحن فيه كذلك لوقوع قيد الاصابة عقيب إذا الشرطية وعلى هذا فنفس رواية ابن خالد تدل على الاشتراط. قال: وفيه ان ضعف الخبرين المزبورين مع عدم الجابر يمنع من العمل بهما في تقييد المرسل السابق المنجبر بهما.


(1) سورة النساء الآية 23. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 15 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 419 ]

يعنى ان رواية حسين بن خالد ضعيفة لانه مجهول ومرسل الصدوق عن صفوان عن غير واحد، ضعيف للارسال، ولا جابر لهما فلا يصلحان لتقييد المرسل السابق الدال على كفاية مجرد الاقرار في ان لا يرد إلى الحفيرة، وهو منجبر بهما. قال: ودعوى اختصاصه بصورة الفرار بعد الاصابة لانه الظاهر واضحة المنع كدعوى ان مقتضى الاصل بقاء الحد، فينبغي الاقتصار على اسقاطه على القدر المتيقن سقوطه منه بالنص والاجماع وهو الزائد عن الم الحجارة ويمكن ان يجبر به قصور السند الخ. أي ان دعوى اختصاص المرسل الذى دل على كفاية الاقرار في الاعادة بما إذا كان فراره بعد الاصابة حيث ان الظاهر ذلك، واضحة المنع كدعوى ان مقتضى الاصل بقاء الحد، ويقتصر في اسقاطه على القدر المتيقن سقوطه بالنص والاجماع وهو ما إذا اصابته الحجارة فحينئذ لا يرد فانه المتيقن من مورد عدم الرد فلا يعاد للزائد عن الم الحجارة التى اصابته، ولعل كونه متيقنا يكون جابرا لقصور السند في خبر حسين وابى بصير الدالين على اعتبار الاصابة. ثم قال: ضرورة انقطاع الاصل بالمرسل المنجبر بالعمل الذى لا اقل من ان يكون موجبا للتردد كما هو ظاهر السرائر والتحرير والصيمري ومقتضاه عدم الاعادة درءا للحد بالشبهة ان لم نقل بعدم فائدتها بعد الاصل. يعنى ان الاصل اصل بقاء الحد دليل حيث لا دليل ولما كان المرسل الدال على كفاية الاقرار وعدم الحاجة إلى الاصابة منجبرا بالشهرة كما سبق ذلك فالاصل يكون منقطعا بهذا المرسل المنجبر ولا اقل من كون ذلك موجبا للتردد كما يظهر ذلك أي التردد من الاعلام المذكورين. والحاصل انه بالاخرة ذهب إلى ما اختاره الشرايع من كفاية مجرد الاقرار وعدم اعتبار الاصابة. ونحن نقول: ان ظاهر رواية حسين بن خالد هو اشتراط الاصابة وهى صحيحة عند بعض العلماء ومنهم بعض المعاصرين أو موثقة وعلى هذا فمقتضى الاخذ بالخبر الصحيح أو الموثق الظاهر الدلالة هو اعتبار الاصابة في عدم الاعادة

[ 420 ]

إلى الحفيرة. ويؤيد ذلك ان المتيقن هو هذا الفرد ولا خلاف في عدم اعادة من فر من الحفيرة بعد ان ثبت زناه بالاقرار وكان قد اصابه حجر من احجار الرجم. نعم من قال: بان حسين بن خالد مشترك ومردد بين الثقة وغيرها فلا يرد عليه ذلك. كما ان القدر المتيقن يمكن ان يقرر هنا بوجه آخر تكون نتيجته على خلاف ما تقدم لانه إذا قيل ان المتيقن من المقيد هو ما إذا ثبت الموجب بالاقرار وكان فراره بعد الاصابة فهذا الفرد خارج عن ادلة الرجم قطعا. واما إذا لوحظ ان المتيقن من مطلقات الرجم هو ما إذا كان قد اقر ولم يفر فهذا يفيد خلاف الاول لانه يستلزم اجراء الحد إذا اقر بالموجب لكنه قد فر من الحفيرة سواء اصابته الحجارة ام لا. دفع توهم لا يقال: ان قوله عليه السلام في رواية حسين بن خالد: وان كان انما قامت عليه البينة وهو يجحد ثم هرب رد وهو صاغر، يفيد بمقتضى التقييد بالجحد انه إذا قامت عليه البينة لكنه لم يكن يجحد بل كان ساكتا مثلا لم يرد. لانا نقول: ان ذكر ذلك في الرواية من باب ذكر اجلى الفردين واعلى المصداقين للمفهوم نظير ان يقال: ان الماء القليل يتنجس بالملاقاة ثم يقال: اما ماء البحر فلا يتنجس ابدا، فليس المراد عدم انفعال خصوص ماء البحر وهكذا فيما نحن فيه قال عليه السلام بان المقر يرد بخلاف الذى قامت عليه البينة وهو جاحد فالمقصود هو غير المقر وانما ذكر واضاف قيد:،، وهو يجحد،، لتحقيق المطلب وذكر اعلى فردي المفهوم، واما افادة اخراج صورة سكوته كى يكون مفهوم الجملة الاولى خصوص من يجحد فهو غير مراد وخلاف المتعارف في ذكر المفهوم.

[ 421 ]

في حكم فرار الزانى في وسط الجلد ثم ان ما مر كله كان حكم فرار المحكوم بالرجم، فلو فر المحكوم بالجلد في اثنائه فلا ينفع الفرار منه شيئا وان كان قد اصابه بعض تلك الجلدات وكان قد ثبت موجبه باقراره، وذلك لدلالة الآية الكريمة على جلد الزانية والزانى مأة جلدة فهو واجب بلا كلام ولم يرد دليل على سقوطه فلذا يجب الاكمال إذا فر وهرب في اثنائه، هذا مضافا إلى ورود الرواية الصريحة في ذلك. فعن محمد بن عيسى بن عبد الله عن ابيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الزانى يجلد فيهرب بعد ان اصابه بعض الحد ا يجب عليه ان يخلى عنه ولا يرد كما يجب للمحصن إذا رجم؟ قال: لا ولكن يرد حتى يضرب الحد كاملا قلت: فما فرق بينه وبين المحصن وهو حد من حدود الله؟ قال: المحصن هرب من القتل ولم يهرب الا إلى التوبة لانه عاين الموت بعينه وهذا انما يجلد فلابد من ان يوفى الحد لانه لا يقتل (1). فترى انها صريحة في وجوب رده واجراء الحد عليه بكامله. نعم هنا نوع اجمال بالنسبة إلى ذيل الرواية، وما وقع من السؤال والجواب، فان الراوى سئل عن الفرق بين مورد الرجم الذى لا يرد الهارب ومورد الجلد الذى يرد، فأجاب عليه السلام بان المحصن هرب من القتل ولم يهرب الا إلى التوبة لانه عاين الموت بعينه الخ. ولعل المراد انه حيث عاين الموت لما قد رآه من الرجم فقد تاب لان من عاين الموت فهو بالطبع يتوب من معاصيه. لكن يلزم على هذا عدم قبولها كما في قصة فرعون حيث انه قد تاب بعد ما عاين الموت فردت توبته قال الله تعالى: حتى إذا ادركه الغرق قال: آمنت انه لا اله الا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 35 من حد الزنا الحديث 1.

[ 422 ]

وكنت من المفسدين (1). هذا مضافا إلى انه كيف تاب وهو يفر من الرجم ولو كان قد تاب لكان يقوم على قدمه حتى يرجم ويتطهر من العصيان. اضف إلى ذلك كله ان التوبة تنفع قبل ان يثبت الموجب عند الحاكم، اما بعد ذلك فالظاهر انه لا تنفع التوبة كما هو الظاهر من الروايات، وكيف كان فهذا ما ورد في الرواية وهو حكمة لا نعلم مغزاها. نعم يمكن ان يقال: ان بين الموردين فرقا وهو ان الحكم في مورد المحصن هو الرجم وازهاق روح انسان بخلاف الجلد الذى ليس هو الا مجرد ضرب المجرم ومن المعلوم ان للشارع اهتماما بالغا بحفظ النفوس فلذا يحكم بانه إذا فر المحكوم بالرجم من الحفيرة فانه لا يرد واما المحكوم بالجلد إذا فر فانه يرد. ثم انه قد استدل صاحب الجواهر (2) على عدم سقوط الجلد بالاصل ايضا، وهو اصالة عدم سقوط الحد. وفيه انه لا مجال للتمسك بالاصل مع وجود الآية والرواية، والتحقيق انه اما ان يكون الزانى الهارب، والزانى غير الهارب، فردين من الزانى فلا كلام في شمول آية الجلد لهما وهكذا بالنسبة إلى الرواية، وان كانا موضوعين مختلفين فمن الاول يشك في شمول الآية للزاني الهارب ومعلوم انه حينئذ لا وجه للتمسك بالاصل بعد ان كان شمول الدليل لهذا الفرد أي الزانى الهارب مشكوكا فيه من رأسه، والحق هو الاول. الكلام فيمن يبدأ بالرجم قال المحقق: ويبدأ الشهود برجمه وجوبا ولو كان مقرا بدأ الامام. اقول: هذا التفصيل مشهور وقيل يبدأ الامام في رجمه مطلقا. وتنقيح


(1) سورة يونس الآية 90 و 91. (2) اقول: وقد تمسك به قبله صاحب الرياض فراجع ان شئت.

[ 423 ]

الكلام انه لا شك في لزوم رعاية الترتيب في مقام الرجم ولا شك ايضا في انه ليس للرعية التقدم على الامام، وانما البحث والكلام في انه هل يقدم الامام مطلقا وبنحو كلى أو انه يفصل في الموارد، فهم بين من يقول بتقدم الامام مطلقا وبين من يفصل بين ما إذا ثبت الموجب بالشهادة فيبدأ الشهود أو بالاقرار فيبدأ الامام وهو مختار المحقق رضوان الله عليه والمشهور. ومستندهم في ذلك مرسلة صفوان عمن رواه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا اقر الزانى المحصن كان اول من يرجمه الامام ثم الناس، فإذا قامت عليه البينة كان اول من يرجمه البينة ثم الامام ثم الناس (1) وهذا الخبر منقول بطريق آخر ايضا فراجع الوسائل. وبهذا الخبر يقيد اطلاق رواية ابى بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: تدفن المرأة إلى وسطها إذا ارادوا ان يرجموها ويرمى الامام ثم يرمى الناس بعد باحجار صغار (2). ورواية سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تدفن المرأة إلى وسطها ثم يرمى الامام ويرمى الناس باحجار صغار (3). والا فهما بظاهر هما يدلان على ابتداء الامام سواء كان قد ثبت الموجب بالبينة أو بالاقرار كما هو القول الآخر في المسألة. واما ضعف رواية صفوان بالارسال فلا يقدح في التخصيص فانها منجبرة بذهاب المشهور إلى القول بالتفصيل وعلى هذا فالقول المزبور اقوى. ولعل الوجه في تقدم الامام عند ثبوت الموجب بالاقرار هو حصول الاطمينان للناس بلزوم الرجم في مورده كما ان الوجه في ابتداء الشهود بالرجم عند ثبوته بالبينة ذلك ايضا فانه لو كانت البينة كاذبة لارتعشت يد الشهود عند الرجم وتأخروا عنه نوعا فإذا رأى الناس انهم قد ابتدأوا بالرجم يحصل لهم


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 3.

[ 424 ]

الاطمينان بذلك فالنكتة المقتضية للابتداء في الموردين واحدة وهو حصول الاطمينان للناس. ثم ان بعض الروايات الواردة في فعل امير المؤمنين عليه السلام ناطق بانه عليه السلام ابتدأ بنفسه برجم من كان اقر بالزنا. فعن احمد بن محمد بن خالد رفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام قال: اتاه رجب بالكوفة فقال: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني ثم ذكر انه اقر اربع مرات، إلى ان قال: فاخرجه إلى الجبان فقال: يا امير المؤمنين انظرني اصلى ركعتين ثم وضعه في حفرته إلى ان قال فأخذ حجرا فكبر اربع تكبيرات ثم رماه بثلاثة احجار في كل حجر ثلاث تكبيرات ثم رماه الحسن عليه السلام مثل ما رماه امير المؤمنين ثم رماه الحسين عليه السلام فمات الرجل فاخرجه امير المؤمنين عليه السلام فامر فحفر له وصلى عليه ودفنه فقيل يا امير المؤمنين الا تغسله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة لقد صبر على امر عظيم (1). ثم انه هل بدأة الامام في مورد الاقرار والشهود في مورد البينة واجب أو مستحب؟ الظاهر من الاخبار هو الوجوب. وفى كشف اللثام: وإذا ثبت الموجب للرجم بالبينة كان اول من يرجمه الشهود وجوبا كما يظهر من الاكثر، وفى الخلاف وظاهر المبسوط ان عليه الاجماع، إلى ان قال: وان ثبت بالاقرار بدأ الامام وجوبا كما هو ظاهرهم، وفى الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه انتهى. لكن قال في المسالك: وفى كثير من الاخبار اطلاق بدأة الامام ويحتمل حمل ذلك على الاستحباب لضعف المستند عن اثبات الوجوب وللاخبار المستفيضة بقصة ماعز، وان النبي صلى الله عليه وآله لم يحضر رجمه فضلا عن بدأته به انتهى. ونحن قد ذكرنا ان الاطلاقات تقيد بما ورد فيه التفصيل، واما ضعف الخبر فمنجبر بعمل الاصحاب. واجيب عن الاستدلال بقصة ماعز بان الرواية ساكتة عن رميه صلى الله


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 1 من ابواب حد الزنا الحديث 4.

[ 425 ]

عليه وآله وليس فيها تصريح بانه لم يرم فمن المحتمل انه رمى ولكن لم ينقل في الخبر (1). وان ابيت الا عن ظهوره في عدم رميه فهذا ظهور فعلى لا يقاوم الظهور القولى الذى مر بقوله عليه السلام: يرمى الامام، فانه ظاهر في الوجوب جدا، والفعل محتمل لوجوه خصوصا بعد ان صرح في بعض الروايات الواردة في اقرار الزانى عند امير المؤمنين عليه السلام بانه (عليه السلام) اقدم على الرمى بنفسه. وقد اورد بعض الاعاظم خدشة اخرى في دلالة الروايات على الوجوب فقال: نعم يمكن الاشكال من جهة منع ظهور الجملة الخبرية في اللزوم (2). وفيه انه لا يقتصر في افادة الوجوب على الامر بالصيغة أو الامر الغائب بل كثيرا ما يؤتى بلفظ المضارع لافادة الوجوب واللزوم، بل قد تدعى اظهريته في الوجوب من فعل الامر كما تقدم ذلك. في اعلام الناس ليتوفروا على الحضور قال المحقق: وينبغى ان يعلم الناس ليتوفروا على حضوره. اقول: يحتمل ان يقرء لفظ " يعلم " بصيغة المعلوم ومبنيا للفاعل فيكون فاعله الامام وعلى هذا قال في الجواهر بعد لفظة ينبغى: للامام ومن قام مقامه إذا اراد استيفاء الحد ان يعلم الناس انتهى. ويحتمل ان يقرء بصيغة المجهول ومبنيا للمفعول، وكيف كان فظاهر عبارة المحقق انه مستحب فانه عبر بلفظ ينبغى، وقد نفى صاحب الجواهر الاشكال والخلاف في ذلك، لكن لا


(1) اقول: قال في الرياض الجلد 2 الصفحة 475: والمستفيضة قيل ما تضمنت انه صلى الله عليه وآله لم يحضر بل غايتها عدم تضمنها انه حضر، واحدهما غير الآخر فيحتمل الحضور ولم ينقل، ولو سلم الدلالة على عدم حضوره فيحتمل كونه لمانع انتهى. يقول المقرر: ولا يخفى ما فيه فان قوله صلى الله عليه وآله: لو كان علي حاضرا لما ضللتم، دال على عدم حضورهما صلوات الله عليهما. (2) جامع المدارك الجلد 7 الصفحة 48.

[ 426 ]

يعلم ان المشار إليه اصل الاعلام مطلقا أو هو استحبابه، وعلى أي حال فظاهر بعض الروايات هو وجوب الاعلام. فعن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن ابيه ان امرأة اقرت عند امير المؤمنين عليه السلام بالزنا اربع مرات فامر قنبر افنادى بالناس فاجتمعوا وقام امير المؤمنين عليه السلام فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان امامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد انشاء الله فعزم عليكم امير المؤمنين لما خرجتم وانتم متنكرون ومعكم احجاركم لا يتعرف منكم احد إلى احد فانصرفوا إلى منازلكم انشاء الله قال: ثم نزل فلما اصبح الناس بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس معه متنكرين متلثمين بعمائمهم وبارديتهم والحجارة في ارديتهم وفى اكمامهم حتى انتهى بها والناس معه إلى الظهر بالكوفة (1). وفى مرفوعة احمد بن محمد بن خالد المذكورة آنفا: ثم نادى في الناس يا معشر المسلمين اخرجوا ليقام على هذا الرجل الحد ولا يعرفن احدكم صاحبه (2).. ومنها خبر اصبغ بن نباته ان رجلا اتى امير المؤمنين عليه السلام فاقر عند بالزنا ثلاث مرات فقال له: اذهب حتى نسأل عنك. إلى ان قال: ثم عاد إليه. فقال الرجل: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني. فقال: انك لو لم تأتنا لم نطلبك ولسنا بتاركيك إذ لزمك حكم الله عزوجل. ثم قال: ايها الناس انه يجزى من حضر منكم رجمه عمن غاب فنشدت الله رجلا منكم يحضر غدا لما تلثم بعمامته حتى لا يعرف بعضكم بعضا وأتوني بغلس حتى لا يبصر بعضكم بعضا فانا لا ننظر في وجه رجل ونحن نرجم بالحجارة قال: فغدا الناس كما امرهم (3). وعن الصادق عليه السلام: ان رجلا جاء إلى عيسى بن مريم عليه السلام


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من حد الزنا الحديث 3. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من حد الزنا الحديث 4.

[ 427 ]

فقال: يا روح الله انى زنيت فطهرني فامر عيسى عليه السلام ان ينادى في الناس ان لا يبقى احد الا خرج لتطهير فلان فلما اجتمع الناس و (1).. وعلى الجملة فظاهر هذه الروايات هو وجوب الاعلان ليحضروا ويكونوا ناظرين وشاهدين لعذابه، فالاعلان مقدمة للحضور، وعلى هذا فلو حضروا بانفسهم متوفرين فلا حاجة إلى ذلك لعدم وجوب نفسي بل حضور هذه العدة للتنبه وتعظيم الشعائر وحصول الانذار كى يتنبهوا ويواظبوا على انفسهم ان لا يقعوا في مثل هذه المشكلات والمواقف الخطيرة فلو كان حضورهم موقوفا على الاعلام يلزم عليه ذلك، وكيف كان فالتأسي بامير المؤمنين عليه السلام يقتضى اعلان الحاكم الناس بذلك ثم ان صاحب الجواهر قال: بل الذى ينبغى له ايضا ان يأمرهم به انتهى مع ان المحقق اكتفى بقوله: ينبغى ان يعلم الناس،، نعم لا يبعد ان يكون مراد المحقق هو الاعلان والامر بالحضور، وبعبارة اخرى الاعلان المقترن بالامر. ثم انه هل يكتفى بحضور النساء فقط ام لا؟ لم اجد في الروايات موردا تعرض لذلك، لكن القرينة قائمة على عدمه فان النساء لا تشارك الرجال في المجامع العامة بل يقوم بتلك الامور الرجال خاصة. في حضور طائفة لاقامة الحد قال المحقق: ويستحب ان يحضر اقامة الحد طائفة وقيل: يجب تمسكا بالآية واقلها واحد وقيل عشرة وخرج متأخر ثلاثة والاول حسن. اقول: الاصل في ذلك قوله تعالى بعد بيان حكم الزانية والزانى ووجوب جلدهما: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) فانه قد امر بامر الغائب


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من حد الزنا الحديث 5. (2) سورة النور الآية 2.

[ 428 ]

بحضور الطائفة. قال الشهيد الثاني في المسالك: واختلفوا في الموضعين احدهما الامر للوجوب ام الاستحباب فقيل بالاول واختاره ابن ادريس والمصنف في النافع وجماعة عملا بظاهر الامر فان الاصل فيه الوجوب وقيل بالثاني وهو الذى اختاره المصنف هنا وقبله الشيخ في كتب الفروع لاصالة عدم الوجوب وحمل الامر على الاستحباب لانه بعض ما ورد بمعناه ولا يخفى قوة الاول الخ. اقول: انه وان كان الامر قد يأتي لافادة الاستحباب بل قال صاحب المعالم: انه يستفاد من تضاعيف احاديثنا المروية عن الائمة عليهم الصلاة والسلام ان استعمال صيغة الامر في الندب كان شايعا في عرفهم انتهى،، لكن الظاهر من الامر هو الوجوب وعلى هذا فلا بدل من القول بوجوب ذلك لا استحبابه اخذا بظاهر صيغة الامر. الا ان يكون هناك اجماع على عدم وجوب شهود الطائفة وحضورهم. وقد مر ان اعلان الامام الناس بذلك وامرهم بالحضور كان من باب المقدمة للحضور ولذا قد يكون الاعلان ايضا واجبا إذا كان الحضور متوقفا عليه. واما الموضع الثاني من الموضعين اللذين ذكر انهما محل الكلام فهو في العدد المعتبر في المقام، المراد من الطائفة. فنقول: هنا ثلاثة اقوال: احدها الواحد فان اقل الطائفة واحد وهى تصدق به وقد ذهب إلى ذلك الشيخ الطوسى في النهاية وكذا المحقق هنا وفى النافع، والعلامة في القواعد. ثانيها ان اقلها ثلاثة ذهب إليه ابن ادريس. ثالثها ان اقلها عشرة وقد اختاره الشيخ في الخلاف. واستدل للقول الاول: بوجوه احدها ما مر من صدق الطائفة بالواحد، ثانيها: اصالة البرائة من الزائد. ثالثها: رواية غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن امير المؤمنين عليه السلام في قول الله عزوجل: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، قال: في اقامة الحدود،

[ 429 ]

وفى قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، قال: الطائفة واحد (1). اقول: انه لا وجه للتمسك بالاصل مع وجود الدليل كرواية غياث، فان كانت هي حجة معمولا بها كما هي كذلك فهى المرجع، ونحن في غنى عن المعنى اللغوى لانا مأمورون بالاخذ بتفسير الامام عليه السلام والعمل بقوله دون قول اللغوى وان كان الامام عليه السلام فسر اللفظ بالمجاز، والا فالاقوال مختلفة لمناسبات مختلفة فقد يقال بان الطائفة بمعنى القطعة وهى تصدق بواحد فكذا الطائفة، وقد يقال: انها من الطوف والاحاطة والاحتفاف، وعليه فيعتبر وجود اربعة تحف به من الجهات الاربعة أو ثلاثة مثلا، إلى غير ذلك من الكلمات. لا يقال: ان ظاهر قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا (2).. بمقتضى ضمير الجمع في: ليتفقهوا وكذا في: ولينذروا، هو ان الطائفة ثلاثة وما فوقها. لانا نقول: لعل ضمير الجمع باعتبار ان من كل فرقة احدا ويؤل إلى آحاد وذلك لا ينافى كون الطائفة واحدا. وحينئذ فلو كان هناك مفهوم عرفي يجب الاخذ به وذلك لتعلق التكليف اولا وبالذات بالمتفاهم العرفي من الالفاظ، والخطابات الشرعية منزلة عليه ومن المعلوم ان الطائفة بحسب المتفاهم العرفي لا تستعمل في الواحد بل لا اقل من الثلاثة وهذا هو المرتكز في الاذهان لولا دليل صارف عن ذلك. قال العلامة اعلى الله مقامه بعد ان نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: اقل ذلك العشرة، وبعد ان نقل كلام بعض آخر من الاصحاب: وقال ابن ادريس: الذى اقول في الاقل انه ثلاثة نفر لانه من حيث العرف دون


(1) تهذيب الاحكام الجلد 10 الصفحة 150، وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 5، اقول: وقد استدل ايضا بقوله تعالى: وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.. بدليل قوله تعالى: فاصلحوا بين اخويكم. راجع كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 221. (2) سورة التوبة الآية 122.

[ 430 ]

الوضع، والعرف إذا طرأ صار الحكم له دون الوضع الاصلى، وشاهد الحال يقتضى ذلك، والفاظ الاخبار، لان الحد إذا كان قد وجب بالبينة فالبينة يرجمه ويحضره وهم اكثر من ثلاثة، وان كان باعترافه فاول من يرجمه الامام ثم الناس مع الامام، وان كان المراد والمعنى حضور غير الشهود والامام فالعرف والعادة اليوم ان اقل ما يقال: جئنا في طائفة من الناس أو جاءنا طائفة من الناس المراد به الجماعة عرفا وعادة، واقل الجمع ثلاثة، وشاهد الحال يقتضى انه اراد تعالى الجمع، وفيه الاحتياط، وخيرة شيخنا في الخلاف لا وجه له، فاما الرواية فمن الاخبار الآحاد وقد بينا ما في ذلك. ثم قال: والمعتمد في ذلك المصير إلى العرف فمهما دل عليه لفظ الطائفة صرف إليه والا فعلى الموضوع اللغوى لانتفاء العرف الشرعي فيه (1). هذا كله مقتضى الاستظهار فيبقى الكلام في انه لو لم تكن الرواية حجة لنا ولا كان هناك مفهوم عرفى للفظ الطائفة وتردد امرها بين معاني مختلفة ووصلت النوبة إلى الاصل فما هو مقتضاه؟ الظاهر ان الاصل هنا اصالة الاحتياط لا اصالة البرائة. تقرير ذلك انه إذا وقع مفهوم مجمل في كلام الشارع فان كان قد نهى عنه فمقتضى اجماله هو الاخذ بالمتيقن فيحرم على المكلف هذا المقدار، واما الزائد عليه فلا، لعدم حجية المشكوك فيه وهذا بخلاف ما إذا امر بهذا المفهوم المجمل فانه لابد من الاتيان بالمقدار المتيقن الذى يخرج به عن العهدة وهو ما لا مزيد عليه قطعا وذلك كما إذا امر بالركوع وتردد امره بين انحناء يسير أو إلى حد يبلغ كفاه ركبتيه فانه يجب الاحتياط بذلك لانه المتيقن وإذا اريد الاحتياط فالظاهر ان ما ذكره الشيخ في الخلاف هو حد الاحتياط ولا حاجة إلى ازيد من ذلك وهو العشرة لانه لا شك ولا شبهة في صدق لفظ الطائفة عليها. بقى ان الشيخ قدس سره استدل على ما ذهب إليه، بالاحتياط، قال في


(1) المختلف الصفحة 761.

[ 431 ]

الخلاف المسألة الاولى من باب الحدود: واقل ذلك عشرة وبه قال الحسن البصري، وقال ابن عباس: اقله واحد وقد روى ذلك اصحابنا ايضا.. دليلنا طريقة الاحتياط لانه إذا حضر عشرة دخل الاقل فيه الخ. ينبغى كون الحجارة صغارا قال المحقق: وينبغى ان تكون الحجارة صغارا لئلا يسرع التلف. وقال العلامة في القواعد: ثم يرمى بالاحجار الصغار. وقال كاشف اللثام بعد ذلك لئلا يتلف سريعا، وللاخبار. وقال الشهيد في اللمعة: وينبغى كون الحجارة صغارا لئلا يسرع تلفه انتهى. وقال الشهيد الثاني بعد ذلك بالكبار وليكن كما يطلق عليه اسم الحجر فلا يقتصر على الحصى لئلا يطول تعذيبه ايضا انتهى. اقول: وعلى هذا فلا يرمى بصخرة واحدة عظيمة تجهز عليه وتقتل بها سريعا بل ربما لا يصدق الرجم بذلك ولذا قال بعض بانه يرمى بالاحجار الصغار وانه لا يجزى غير ذلك. ويدل على ذلك أو يؤيده ما ورد في الاخبار من التعبير بالاحجار كما انه يدل على ذلك صريحا النصوص الناطقة بذلك ففى رواية ابى بصير: ويرمى الامام ثم يرمى الناس بعد باحجار صغار (1). وفى موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام:.. ثم يرمى الامام ويرمى الناس باحجار صغار (2). وعلى هذا فلابد من ان يكون بنحو يصدق الاحجار الذى هو لفظ الجمع، وبناءا عليه أي بناء على عدم صدق الرجم لو ضرب بحجر كبير اسرع


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب الحدود الحديث 3.

[ 432 ]

التلف يلزم الضارب القصاص ان كان قد تعمد في ذلك، أو الدية ان لم يتعمد فيه لكنهم لم يتعرضوا لذلك، كما انهم لم يتعرضوا ايضا لما إذا كان رماه بحجر معتبر في الرجم الا انه وقع على موضع منه اوجب قتله، وانه ما حكمه؟ ثم انه كما يلاحظ ان لا تكون الاحجار كبيرة لانها تسرع في قتله وتوجب ان لا تذوق الم العذاب كذلك العكس يعنى يلاحظان لا تكون الاحجار في غاية الصغر فان ذلك يوجب ان يطول الامر ويؤذيه ويتعبه كثيرا ويعذب بطول الضرب مع بقاء الحياة ورمقه، وهذا خلاف المتعارف، وعلى الجملة فالمعيار هو الحد المتوسط بين هذا وذاك، وكونه في حول ما ذكر في مرفوعة احمد بن خالد في رجل اتى امير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، إلى ان قال: فاخذ حجرا فكبر اربع تكبيرات ثم رماه بثلاثة احجار في كل حجر ثلاث تكبيرات ثم رماه الحسن عليه السلام مثل ما رماه امير المؤمنين عليه السلام ثم رماه الحسين عليه السلام فمات الرجل (1). وكذا ما ورد في خبر ابن ميثم من قوله: والحجارة في ارديتهم واكمامهم (2) فان ذلك لا يمكن في الحجر الكبير جدا، هذا بل وربما ينصرف لفظ الرجم عن رميه بالحجر الكبير فانه بالفارسية (سنگباران) وان هذا مما يقتله دفعة كما انه لا يجوز بالصغار جدا لعدم صدق الحجر عليها. وخلاصة الكلام انه لو كان هناك متعارف فانه يؤخذ به والا فاللازم الاحتياط والاخذ بالمتيقن. وبقى بعد فروع لم ينص عليها ولم تذكر في الكلمات. مثل انه هل يعتبر فيه التوالى ام لا بل تجوز مع الفصل في الرمى، وانه هل يعتبر فيه ان يكون بلا واسطة أو انه يجوز ذلك بواسطة بعض الآلات مثلا؟ وغير خاف ان اصل المسألة هام ويحتاج الافتاء به جدا إلى تحقيق كامل وحصول الاطمينان إلى احكامها.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حدود الزنا الحديث 4. (2) الكافي الجلد 7 الصفحة 187.

[ 433 ]

والحكم في الجميع مع عدم دليل يتمسك به ويستند إليه، وعدم عرفية في البين هو الاحتياط وملاحظة القدر المتيقن. لا يرجم من كان لله عليه حد قال المحقق: وقيل: لا يرجمه من لله قبله حد وهو على كراهية. اقول: ظاهر قوله: لا يرجمه، هو الحرمة وان كان لم يذكر قائله وانما نسبه إلى القيل، بل قال صاحب الجواهر بعد لفظة قيل،، في عبارة المحقق: وان كنا لم نتحققه. اقول: وقد افتى المحقق في النافع بالحرمة فقال: ولا يرجمه من لله قبله حد فقد استدل له في الرياض بظاهر النهى عنه في المعتبر المستفيضة، وهكذا العلامة اعلى الله مقامه افتى في الارشاد بالحرمة فقال: ولا يرجمه من عليه حد انتهى وقال الاردبيلى في شرحه: ظاهر هذه تحريم الرجم فيمن كان لله عليه حد سواء كان رجما أو غيره. والتحقيق ان البحث هنا في موضعين احدهما في انه هل هو حرام أو مكروه؟ ثانيهما انه هل يختص بما إذا كان عليه حد مثل حد المرجوم أو مطلق الحد؟ اما الاول فنقول: قد اختلفوا في ذلك وليس بنحو يقال بقيام الاجماع على عدم الحرمة وذلك لافتاء مثل المحقق والعلامة بها فانه إذا افتى مثلهما بشئ وان كان في بعض كتبهم يعلم ان خلافه ليس اجماعيا، وعلى الجملة ففى المسألة قولان وان كان المشهور هو القول بالكراهة، وفى الرياض انه ظاهر الاكثر بل المشهور، بل في كشف اللثام: هو مذهب الاصحاب. وقد استدل للقول بالحرمة بالنصوص والاخبار الكثيرة المتضمنة للنهى عن ذلك، والنهى ظاهر في الحرمة، وليس لنا ما يوجب صرفه عنها. ففى رواية ابن ميثم في قصة امرأة اقرت عند امير المؤمنين عليه السلام بالزنا اربع مرات: ثم وضع اصبعيه السبابتين في اذنيه ونادى باعلى صوته: ايها الناس

[ 434 ]

ان الله عهد إلى نبيه صلى الله عليه وآله عهدا عهده محمد صلى الله عليه وآله الي بانه لا يقيم الحد من لله عليه حد فمن كان لله عليه حد مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد قال: فانصرف الناس يومئذ كلهم ما خلا امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام الخ (1). وعن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل قد اقر على نفسه بالفجور فقال امير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: اغدوا غدا على متلثمين فقال لهم: من فعل مثل فعله فلا يرجمه ولينصرف، قال: فانصرف بعضهم وبقى بعضهم فرجمه من بقى منهم (2). وفى مرفوعة احمد بن محمد بن خالد في رجل اتى امير المؤمنين عليه السلام بالكوفة واقر عنده اربع مرات بالزنا وطلب منه ان يطهره: واستقبل عليه السلام الناس ثم قال: معاشر المسلمين ان هذه حقوق الله فمن كان لله في عنقه حق فلينصرف، ولا يقيم حدود الله من في عنقه حد، فانصرف الناس وبقى هو والحسن والحسين، فرماه كل واحد ثلاثة احجار فمات الرجل (3).. وفى خبر اصبغ بن نباته: ان رجلا اتى امير المؤمنين عليه السلام، إلى ان قال: فاقبل علي عليه السلام ثم قال: نشدت الله رجلا منكم لله عليه مثل هذا الحق ان يأخذ لله به فانه لا يأخذ لله بحق من يطلبه الله بمثله (4). وفى خبر الفقيه قال الصادق عليه السلام: ان رجلا جاء إلى عيسى بن مريم عليه السلام فقال: يا روح الله انى زنيت فطهرني فامر عيسى عليه السلام ان ينادى في الناس ان لا يبقى احد الا خرج لتطهير فلان، فلما اجتمع الناس وصار الرجل في الحفيرة نادى الرجل: لا يحدني من لله في جنبه حد فانصرف الناس كلهم الا يحيى وعيسى (5).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 4. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 5.

[ 435 ]

فمقتضى الاخذ بظاهر هذه الروايات هو الحكم بالحرمة. واما ما استدل به القائل بالكراهة أو يمكن ان يستدل له فامور: احدها شيوع استعمال النهى في الكراهة على وزان استعمال الامر في الاستحباب الذى هو كالمجازات الراجحة، أو كانه يكون استعمال النهى في الحرمة والامر في الاستحباب من قبيل المشترك اللفظى الذى يحتاج استعماله في معانيه المختلفة محتاجا إلى القرينة وحيث ان المشهور افتوا بالكراهة فلا يصح حمله الا على ذلك. ثانيها ان القول بالحرمة يحتاج إلى مستند صحيح ودليل قاطع بخلاف الكراهة فانها لا تحتاج إلى ذلك بل يتساهل في امرها ويتسامح فيها كما في الاستحباب وهذا الروايات ضعيفة لا تصلح لاثبات الالزام والتحريم، وبعبارة اخرى: ان قصور سند النهى عن افادة الحرمة يوجب الحمل على الكراهة. ثالثها ما استدل به بعض الاصحاب من وجوب القيام بامر الله تعالى وعموم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، والرجم من هذا القبيل. رابعها الاصل (1). ويرد على الاول انه ليس استعمال النهى في الكراهة إلى حد يوجب صرفه إليها كما ان الامر ايضا ظاهر في الوجوب ولا تطمئن النفس إلى ان استعماله في الندب صار راجحا على الوجوب. واما الثاني فيرد عليه ان الروايات ليست باجمعها ضعيفة بل بعضها صحيح كخبر زرارة وبعضها معتبر كخبر اصبغ، وعلى هذا فلا يصح الاشكال فيها من ناحية قصور السند كما ان دلالتها واضحة. واما الثالث ففيه ما ذكره في الرياض من ان مقتضاه الوجوب أي وجوب اقامة الحد وهو ينافى الكراهة المتفق عليها. واما الرابع أي اصالة عدم الحرمة، فهو دليل حيث لا دليل. وعلى هذا فمقتضى الدليل هو القول بالحرمة، وقد مال إليه صاحب


(1) اقول: وقد استدل بعض بعدم ذكر ذلك في قضة ماعز ولو كان واجبا لما تركه.

[ 436 ]

الرياض ايضا وان ادعى في اثناء كلامه الاتفاق على الكراهة وعليه فالاقوى هو الحرمة. اللهم الا ان تكون الروايات معرضا عنها بان يقال: انه كانت عندهم قرينة حملتهم على عدم العمل بهذه الروايات. وفيه ما ذكرنا من الافتاء بالحرمة من مثل المحقق والعلامة في بعض كتبهما (1). نعم ما علل به الحكم اشد مناسبة للكراهة من التحريم وهو ان من عليه الحد فلا يرجم، فانه مشعر بالعلية وكانه قيل: كيف يرجم من كان عليه حد الله تعالى؟! واما الموضع الثاني فنقول: ان الروايات بظاهرها مختلفة وهى على ثلاثة انحاء فمنها ما يستظهر منها اعتبار المثلية هو صحيح زرارة، ففيه: من فعل مثل فعله فلا يرجمه (2). ومعتبرة اصبغ بن نباته وفيها: نشدت الله رجلا منكم لله عليه مثل هذا الحق ان يأخذ لله به (3).. ومنها ما هو ظاهر في الاطلاق وان الملاك هو مجرد كون الحد عليه وذلك كمرفوعة احمد بن محمد بن خالد ففيها: فمن كان لله في عنقه حق فلينصرف، ولا يقيم حدود الله من في عنقه حد (4).. وكذا رواية الامام الصادق في حكاية عيسى بن مريم، وفيها: لا يحدني من لله في جنبه حد (5).


(1) اقول: ويظهر من المقداد قدس سره ان القائل بالحرمة ايضا غير قليل حيث قال في التنقيح الجلد 4 الصفحة 345: لا شك انه ورد النهى عن ذلك في الروايات فيحتمل ان يكون ذلك للتحريم مناسبة لاعظام حدود الله تعالى ومحارمه، ويحتمل ان يكون الكراهة لاصالة البرائة من التحريم ووجوب القيام بحقوق الله وعموم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فلذلك قال جماعة بالتحريم وجماعة بالكراهة انتهى. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 4. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 3. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 13 من مقدمات الحدود الحديث 5.

[ 437 ]

ومنها ما قد جمع بينهما بحسب صدر الرواية وذيلها وذلك كرواية ابن ميثم ففيها: لا يقيم الحد من لله عليه حد، فان ظاهر هذه الجملة هو الاطلاق وكفاية مجرد كون الحد عليه أي حد كان فلا يعتبر المثلية، الا ان فيها بعد ذلك بلا فاصلة: فمن كان لله عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد (1)، وهذه العبارة ظاهرة في اعتبار المثلية. ولكن التحقيق انه لا اعتبار بالمثلية وانما المعتبر هو كون حد عليه وذلك لامرين: احدهما مناسبة الحكم والموضوع فانها تقتضي ان من كان عليه حد من حدود الله فلا يشارك الناس في رجم احد. وثانيهما ملاحظة التفريع الذى ورد في هذه الرواية فان التفريع لا يناسب الا إذا كان المفرع من افراد المفرع عليه واحد مصاديقه فلو كان الثاني عين الاول فلا معنى لتفريعه عليه وهو بعيد عن نطاق البلاغة، وإذا كان الثاني متفرعا على الاول فلا محالة يفيد ان من كان عليه مثل هذا الحد فلا يرجم ومن كان عليه حد مطلقا فلا يرجم ايضا، وعلى هذا فهذه الرواية التى ظهر المراد منها ببركة فاء التفريع تفسر ما دل منها على اعتبار خصوص المثلية ويفهم منها انه ليس الملاك ذلك وانما الملاك تعلق حد من حدود الله تعالى به. لا يقال: لعل ذيل رواية ابن ميثم يكون مفسرا لصدره لا ان يكون تفريعا عليه، وحينئذ يكون الملاك هو خصوص الحد المماثل. لانا نقول: انه خلاف ظاهر لفظ الفاء ولا يلائم البلاغة وانما الظاهر منه التفريع. وهل الحكم يجرى فيما إذا كان قد تاب إلى الله تعالى، أو انه إذا تاب فليس عليه حد ويجوز له ان يرجم؟ المختار عندهم هو الثاني ويؤيد ذلك أو يدل عليه ما ذكروه من انه لو لم يجز على من كان عليه الحد مع انه قد تاب، ان يرجم فلعله لا يوجد من يرجم فانه قلما يوجد من لم يكن عليه حد اصلا بخلاف ما إذا قلنا بقبول التوبة


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 1.

[ 438 ]

فانه وان كان قد تعلق عليه الحد لكن التوبة فيما بينه وبين الله قد طهرته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهذا يسهل الخطب، وبه يمكن اقدام كثيرين على رجم من وجب رجمه والمستفاد من ادلة التوبة انه بعد ما تاب فليس عليه شئ ولا عليه حق ودين من الله كى لا يمكنه الاقدام على الرجم. قال في الجواهر: وظاهر النص والفتوى سقوط الحد بالتوبة قبل ثبوته عند الحاكم فيتجه حينئذ ما سمعته من ابن ادريس. اقول: وما ذكره ابن ادريس هو ما حكاه عنه آنفا بقوله: وفي السرائر: وروى انه لا يرجمه الا من ليس لله سبحانه في جنبه حد، وهذا غير متعذر لانه يتوب في ما بينه وبين الله تعالى ثم يرميه انتهى. نعم يشكل الامر على هذا بلحاظ ما ورد في رواية ابن ميثم حيث قال في آخره: فانصرف الناس يومئذ كلهم ما خلا امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام فاقام هؤلاء الثلاثة عليها الحد يومئذ وما معهم غيرهم الخ (1). لانه إذا كانت التوبة كافية في رفع الحكم الحد فلماذا لم يتوسلوا بالتوبة؟ وكيف يمكن ان يقال بان هذه الجماعة كلهم كانوا قد ارتكبوا موجب الحد ومع ذلك فلم يتوبوا حتى في هذه الساعة ورجعوا؟ ولذا قال صاحب الرياض: وربما يظهر من الصحيحة الاولى ونحوها مما تضمن انصراف الناس باجمعهم بعد ما قيل لهم ذلك ما خلا امير المؤمنين والحسنين عليهم السلام عدم الفرق فان من البعيد جدا ان جميعهم لم يتوبوا من ذنوبهم ذلك الوقت انتهى (2). وفى الجواهر بعد ايراد هذا الاشكال: ويمكن ان يكون لعدم علمهم بالحكم انتهى. اقول: ويحتمل انهم كانوا في ذاك الوقت غافلين عن التوبة، وامثال ذلك من التوجيهات.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 31 من مقدمات الحدود الحديث 1. (2) الرياض الجلد 2 الصفحة 477.

[ 439 ]

وكيف كان لا يمكن رفع اليد بهذه الرواية عن الاصل المسلم وهو قبول التوبة. ثم ان الظاهر انه لا فرق في النهى كراهة أو تحريما بين ثبوت الزنا بالاقرار أو البينة. الا انه حكى عن الصيمري اختصاص الحكم بالاول قائلا انه محل خلاف وانه إذا قامت البينة فالواجب بدأة الشهود، ولان النهى انما ورد في صورة الاقرار. ويرد على الوجه الثاني انه لا عبرة بخصوص المورد بل العبرة بعموم الوارد، وموارد النهى في المقام وان اختصت بالاقرار الا ان النهى فيها وارد على سبيل العموم. واما الوجه الاول اعني وجوب بدأة الشهود بالرجم فيما إذا قامت البينة عليه فوجه الاستدلال به هو انه إذا كان يجب على الشهود الابتداء بالرجم فكيف يقال: بان من كان عليه الرجم فلا يرجم، وبعبارة اخرى: ان ادلة بدأة الشهود بالرجم لا يساعد بل ينافى الحكم بانه لا يرجم من عليه الحد فلذا يختص هذا الحكم بمن ثبت زناه بالاقرار خاصة. وفيه ان ذلك لا يوجب تخصيص الحكم بالاقرار فان لنا عامين من وجه احدهما ان من عليه الحد لا يرجم سواء كان قد ثبت الموجب بالاقرار أو بالبينة، والآخر: يجب بدأة الشهود بالرجم سواء كان عليهم حد ام لا، ولا وجه لتقديم الثاني على الاول وذلك لاحتمال العكس فتخصص ادلة وجوب البدأة بما إذا لم يكن على الشهود حد لله تعالى. وفى الجواهر: ودليل بدأة الشهود لا يقتضى تخصيص النص والفتوى بما سمعت بل العكس اولى انتهى. ومراده من العكس الذى جعله اولى، هو ان يكون النص والفتوى يقتضيان تخصيص ادلة بدأة الشهود فيقال ان الشهود يبتدأون إذ لم يكن عليهم حد لله سبحانه.

[ 440 ]

واما وجه الاولوية فغير ظاهر حيث انهما مثلان ولا مزية لاحدهما على الآخر. اللهم الا ان يكون مراده ان ادلة عدم الرجم حاكمة على ادلة البدء وذلك لان مفاد دليل بدأ الشهود انه كلما كان حد يبدأ الشهود به وادلة: لا يرجم من كان كذا، تفيد ان الشهود الذين كان عليهم الحد ليس عليهم اجراء الحدود كى يبتدأون بها فالبدء بالحد متعلق بما إذا كان عليهم اجراء الحد (1). نعم هنا كلام وهو انه كيف يتصور في حق الشهود كون حد عليهم والحال ان المعتبر في الشهود هو العدالة؟ اللهم الا ان يقال بامكان ذلك بكون الشاهد قد ارتكب موجب الحد خفاءا بعد ايقاع الشهادة والا فلو كان عليه ذلك من قبل، لم تكن شهادته نافذة ولم يجز له ان يقدم على ادائها. ثم انه هل على الحاكم ان يستفسر الشهود عن تعلق حد بهم باتيان ما يوجبه ام لا؟ الظاهر انه ليس عليه ذلك بل لا يجوز لانه من باب التجسس والتفتيش وهو غير جائز.


(1) اقول: لعل وجه الاولوية هو انه إذا كان قد اعتبر في باب الاقرار الذي ثبت الموجب باقرار المجرم دون الناس ان لا يكون على الراجمين حد فكيف بما إذا كان المجرى للحد وهو الشهود قد اثبتوا الحد بشهادتهم وبعبارة اخرى إذا اعتبر عدم حد علي الراجمين مع عدم كونهم مثبتين للرجم فاشتراط ذلك فيمن اثبت الجرم اولى.

[ 441 ]

الكلام في وجوب دفن المرجوم قال المحقق: ويدفن إذا فرغ من رجمه ولا يجوز اهماله على حاله. اقول: لا خلاف اصلا في وجوب دفن المرجوم بعد الفراغ عن رجمه، كما لا خلاف ايضا في وجوب دفنه في مقابر المسلمين وذلك لانه مسلم فيكون كسائر اموات المسلمين ولم يخرج بسبب معصيته ولا رجمه عن الاسلام فليس المستحق للرجم بكافر كما ان كثيرا ممن يستحق القتل ايضا كذلك ومنهم المسلم الذى ارتكب القتل فانه يقتل وليس بكافر إلى غير ذلك من الموارد بل ربما يظهر من بعض الاخبار ان حضوره وتسليمه تجاه اقامة حكم الله يوجب له اجرا عظيما وربما كان الله سبحانه قد غفر له بسبب اجراء الحد عليه وهو في حكم التوبة وان كان لو تاب فيما بينه وبين الله تعالى لكان افضل، لكن صبره على اجراء حكم الله تعالى امر عظيم جدا ومظنة لمغفرة الله سبحانه. ففى رواية الجهنية لما امر رسول الله صلى الله عليه وآله برجمها فرجمت صلى عليها فقال له عمر: تصلى عليها يا رسول الله وقد زنت؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من اهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت افضل من ان جادت بنفسها لله؟ (1). وفى خبر العامرية لما رجموها فاقبل خالد بحجر فرمى رأسها فينضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع النبي صلى الله عليه وآله سبه اياها فقال: مهلا يا


(1) سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 225.

[ 442 ]

خالد فو الذى نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس ميسر لغفر له ثم امر بها صلى عليها ودفنت (1). ويدل على وجوب دفنه ما دل على لزوم معاملة المرجوم معاملة ساير الموتى من الاخبار. ففى رواية ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام قال: اتت امرأة امير المؤمنين عليه السلام فقالت: انى قد فجرت فاعرض بوجهه عنها ثم استقبلته فقالت انى فجرت فامر بها فحبست وكانت حاملا فتربص بها حتى وضعت ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وادخلها الحفيرة إلى الحقو وموضع الثديين واغلق باب الرحبة ورماها بحجر وقال: بسم الله اللهم على تصديق كتابك وسنة نبيك ثم امر قنبر فرماها بحجر ثم دخل منزله ثم قال: يا قنبر ائذن لاصحاب محمد فدخلوا فرموها بحجر حجر ثم قاموا لا يدرون أ يعيدون حجارتهم أو يرمون بحجارة غيرها وبها رمق، فقالوا يا قنبر اخبره انا قد رمينا بحجارتنا وبها رمق كيف نصنع؟ فقال: عودوا في حجارتكم فعادوا حتى قضت فقالوا له: قد ماتت فكيف نصنع بها؟ قال: فادفعوها إلى اوليائها ومروهم ان يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم (2) ثم لا يخفى ان في حكم دفنه حكم الصلاة عليه، كما صرح بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله على المرجوم في رواية الجهنية وقد تقدمت آنفا. الكلام حول غسل المرجوم بقى البحث والنزاع في سائر تجهيزاته كالغسل. فنقول: ربما يظهر من رواية ابى مريم وامر الامام امير المؤمنين عليه السلام قنبر ان يأمر الناس ان يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم، خصوصا بلحاظ عدم ذكر عن غسلها قبل رجمها، انه يجب غسله ايضا كالصلاة عليه ودفنه.


(1) سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 221، وقيل ان المراد بصاحب المكس هو العشار. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من حد الزنا الحديث 5.

[ 443 ]

لكن قال المحقق في الشرايع في كتاب الطهارة عند البحث عن احكام الميت: وكذلك من وجب عليه القتل يؤمر بالاغتسال قبل قتله ثم لا يغسل بعد ذلك. وقال العلامة في الارشاد: ويؤمر من وجب قتله بالاغتسال اولا ثم لا يغسل. وقال الاردبيلى في الشرح: كان دليله الاجماع والا فليس له مستند واضح عام (1). اقول: انه وان فرض عدم كونه اجماعيا الا ان الشهرة غير قابلة للخدشة وهى مفروغ عنها. قال الكلباسى (2) في منهاج الهداية: ولو كان الحد رجما امر المرجوم والمرجومة اولا بالاغتسال والتحنيط والتكفين للنصوص المستفيضة المؤيدة بالشهرة المحققة والمحكية انتهى. فقد ادعى رحمه الله النصوص المستفيضة المؤيدة بالشهرة بقسيمها على وجوب التجهيزات في قبال الاردبيلى الذى ادعى عدم مستند واضح عام لذلك. وقال في الجواهر بعد العبارة المذكورة آنفا عن المحقق في الطهارة: والاصل في هذا الحكم ما رواه الكليني بسند ضعيف جدا عن مسمع كردين عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان ويصلى عليهما، والمقتص منه بمنزلة ذلك يغسل


(1) مجمع الفائدة والبرهان الطبع الجديد الجلد 1 الصفحة 208. () قال في الكنى والالقاب الجلد 3 الصفحة 89: الكرباسي: الشيخ الاجل الافقه الاورع الحاج المولى محمد ابراهيم بن محمد حسن الكاخكي الاصبهاني المعروف بالكلباسى مصدر العلم والحكم والآثار، مركز دائرة الفضلاء الاخيار ركن الشيعة وشيخها الجليل المنزلة والمقدار صاحب كتاب المنهاج والنخبة والاشارات تلمذ على العلامة الطباطبائي بحر العلوم والشيخ الاكبر وصاحب الرياض وغيرهم رضوان الله عليهم بل ادرك مجلس الاستاد الاكبر المحقق البهبهاني توفى سنة 1262 وقبره باصبهان..

[ 444 ]

ويحنط ويلبس الكفن ثم يقاد ويصلى عليه، ورواه الصدوق مرسلا عن امير المؤمنين عليه السلام، والشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب وباسناد ثان فيه ارسال وغيره، لكن في التهذيب يغتسلان من الافتعال بخلاف ما في الكافي فانه فيه يغسل بالتشديد مع البناء للمجهول (1). اقول: ان الرواية واضحة الدلالة على المراد واما من حيث السند فهى وان كانت ضعيفة الا انها منجبرة بالشهرة لو لم يكن اجماع على ما قاله الاردبيلى. وهنا بحث وهو انه ربما يقال: ان غسله هذا هو غسل الميت الواجب بعد الموت الا انه يفعله المرجوم مثلا بنفسه قبل الموت تعبدا من الشارع. وهذا في النظر بعيد، فان غسل الميت موقوف على زهوق روح الانسان حتى يتنجس بدنه ويلزم بعده الغسل فكيف نقول بانه مع كونه حيا يغتسل بنفسه يكون غسله هو غسل الميت المعتبر بعد الموت؟ والمترجح في النظر انه ليس هو ذاك الغسل وانما يؤمر بالاغتسال، فإذا اغتسل فقد جعل الشارع غسله هذا مسقطا عن غسل ما بعد الموت وكذا بالنسبة إلى الحنوط والكفن. وتظهر الثمرة في انه على ما ذكرنا فلا يعتبر في هذا الغسل ما يعتبر في غسل الميت من التعدد وكذا الخليطين وغير ذلك لانه بعد عدم الدليل على شئ سوى الغسل يشك في اعتبار هذه الامور والشرائط، والاصل عدم الوجوب، والبرائة منها وان كان الاحتياط حسنا في حين انه لو كان الغسل هو غسل الميت فانه يعتبر فيه ما يعتبر في غسل الميت، ولكنه عندنا بعيد. وفى القواعد استشكل في وجوب الثلاثة بعد ان قال بها، قائلا: ويؤمر من وجب قتله الاغتسال قبله ثلاثا على اشكال (2) والتكفين والتحنيط.


(1) جواهر الكلام الجلد 4 الصفحة 94، ورواية مسمع: وسائل الشيعة الجلد 2 الباب 17 من غسل الميت الحديث 1. (2) وقال ولده الشارح فخر الدين قدس سره في بيان الاشكال: من حيث انه غسل الاموات ومن انه حى وعدم اقتضاء الامر المطلق التكرار، والاصح عندي الاول لانه تقديم لغسل الاموات على الموت وهو هو بعينه انتهى، راجع ايضاح الفوائد الجلد 1 الصفحة 59.

[ 445 ]

واستدل بعضهم على انه غسل واحد، بامور: منها اصالة البرائة ومنها اطلاق النصوص والفتاوى وعدم التعرض فيها للثلاثة وكذا غيرها من الشرائط المعتبرة في غسل الاموات، ومنها ان هذا الغسل يأتي به الحى، واغتسال الاحياء ثلاثا غير معهود. كما انه استدل من اعتبر الثلاثة بان الظاهر كون هذا الغسل غسل الميت الذى قدم على الموت بامر الشارع فحينئذ يعتبر فيه ما هو المعتبر في غسل الاموات. والانصاف ان الظاهر من النص والفتوى هو الثاني فهو غسل الميت وانما يقدم للتعبد وامر الشارع فلذا يعتبر فيه ما يعتبر في غسل الاموات كما قوى ذلك في الجواهر قال: من غير خلاف اجده فيه سوى العلامة في القواعد وتبعه بعض من تأخر عنه، ثم تعرض قدس سره لاستدلالات المخالف واجاب عنها بضعف الجميع، ثم قال: وكذا لا اشكال في الاجتزاء به عن الغسل بعد الموت وانه به ترتفع النجاسة الحاصلة بسبب الموت في غيره وكذا ساير ما يترتب على غسل الميت من عدم وجوب الاغتسال بالمس ونحوه ولا وجه لاستبعاد ذلك من حيث تقديم الغسل على سبب النجاسة بعد فرض ثبوت ذلك من النص والفتوى إذ الاحكام الشرعية موكولة إلى صاحبها انتهى. وفى مفتاح الكرامة بعد كلام العلامة في القواعد المذكور آنفا: هذا الحكم في الجملة مما لا خلاف فيه كما في المعتبر والذكرى، وعليه الاجماع كما في الخلاف. ثم قال: ووقع الخلاف في مواضع، الاول: ان هذا الامر على سبيل الوجوب أو الاستحباب، الثاني: الحكم عام أو مقصور على المرجوم والمقتول قودا الثالث: ان الواجب أو المستحب الغسل مع التكفين والتحنيط أو بعضها الرابع: انه يغسل ثلاثا أو واحدة وهذا هو الذى استشكل فيه المصنف (1).. ونحن نقول: اما بالنسبة إلى الموضع الاول فيمكن ان يقال: انه لا يجب ما لم يأمر الحاكم به وانما يجب ذلك إذا امره به.


(1) مفتاح الكرامة الجلد 1 الصفحة 423.

[ 446 ]

ولكن الظاهر انه يجب الغسل على المرجوم بنفسه وانما يجب ان يؤمر بذلك تحفظا على ايقاع العمل وعلى ذلك فلو فعله هو بنفسه لكفى ذلك عن امره به، وذلك لانه إذا امر الشارع احدا ان يأمر آخر بشئ فلابد ان يكون ذلك الشئ واجبا على المأمور، ولذا اوجب امره به وعلى الجملة فتارة نقول بضعف سند الخبر كما عبر صاحب الجواهر بقوله: بسند ضعيف جدا بلا جابر له في البين فهو، واما لو كان ضعف سنده منجبرا بعمل المشهور كما هو كذلك فلا وجه حينئذ لحمله على الاستحباب فان ظاهره الوجوب. نعم ربما يوهم مرفوعة ابن خالد في رجل طلب من الامام امير المؤمنين عليه السلام ان يطهره من الزنا عدم لزوم الغسل اصلا فان فيها: فاخرجه امير المؤمنين فحفر له وصلى عليه ودفنه فقيل يا امير المؤمنين الا تغسله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة. لقد صبر على امر عظيم (1) عدم وجوب الغسل مطلقا لا قبل الرجم ولا بعده والا لكان اللازم ان يجيب " عليه السلام " بانه قد اغتسل قبل رجمه. وفيه انها ليست صريحة ولا ظاهرة في ذلك ولعل وجه عدم التعرض له هو انه عليه السلام كان قد امره بالغسل قبل رجمه. واما بالنسبة إلى الموضع الثاني وهو انه هل الحكم عام لكل من كان محكوما بالقتل أو انه يختص بالمرجوم والذى يحكم عليه بالقتل قصاصا؟ فنقول: ان المذكور في رواية كردين التى هي الاصل في الحكم هو المرجوم والمرجومة وكذا المقتص منه ولم يزد فيها على ذلك شئ، فان كان قد تحقق اجماع على التعميم والالحاق فهو والا كما هو الواقع فلا وجه للتعميم، استنادا إلى المشاركة في السبب، بل هو قياس لا نقول نحن به، فالقدر المسلم والمتيقن الذى لا مناص عن الاخذ به هو المرجوم والمقتول قودا، كما انه لو شك في ذلك فالاصل عدم الالحاق، فيكون غير الموردين الخاصين تحت ادلة غسل الميت فيجب غسله بعد قتله وموته.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من ابواب حد الزنا الحديث 4.

[ 447 ]

واما الموضع الثالث وهو اعتبار التكفين والتحنيط ففى خبر كردين (1) ذكرهما مع الغسل حيث قال: المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن، لكن عبارات الاصحاب مختلفة فبعضها ساكت عن ذكرهما رأسا وذلك كعبارة المحقق في " حدود الشرايع " كما انه اقتصر على ذكر امره بالاغتسال قبل القتل في " كتاب الطهارة " وبعضها متعرض لكليهما كما ان بعضها قد تعرض لواحد منهما. ففى المبسوط: إذا رجم غسل وصلى عليه وحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات وحكم من يقتل قصاصا يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بلا خلاف، وروى آصحابنا أنه يؤمر بالاغتسال قبل الرجم والتحنيط، وكذلك من وجب عليه القصاص فإذا قتل صلى عليه ودفن (2). فقد ذكر هنا مع الاغتسال التحنيط خاصة. وقال الصدوق في المقنع: والمرجوم يغسل ويحنط ويكفن ثم يرجم بعد ذلك، وكذا القاتل إذا اريد قتله قودا (3). ترى انه ذكر مع الغسل، التحنيط والتكفين كليهما، نعم ظاهر كلامه ان المباشر لهذه الامور هو غير المرجوم ومقتضى ذلك هو انه يجب ان يغسل آخر ويحنطه ويكفنه لا انه يؤمر هو بذلك كى يأتي به بنفسه. وقال الشيخ المفيد: والمقتول قودا يؤمر بالاغتسال قبل قتله فيغتسل كما يغتسل من جنابته ويتحنط بالكافور فيضعه في مساجده ويتكفن ثم يقام فيه بعد ذلك الحد بضرب عنقه ثم يدفن (4). ولكن الظاهر هو وجوب كل هذه الامور، وان ترك ذكر التحنيط أو التكفين في بعض الكلمات كان للاختصار لا لعدم الاعتبار.


(1) وسائل الشيعة الجلد 2 الباب 17 من ابواب غسل الميت الحديث 1. (2) المبسوط الجلد 8 الصفحة 4. (3) المقنع الصفحة 20. (4) المقنعة الصفحة 85.

[ 448 ]

واما الموضع الرابع أي البحث في انه يغتسل ثلاثا أو واحدة فهو محل الكلام كما تقدم. وقد يستظهر من عبارة المفيد المذكورة آنفا انه غسل واحد وذلك لانه قال: يغتسل كما يغتسل من جنابته انتهى فان من المعلوم ان غسل الجنابة غسل واحد لا ازيد. نعم يمكن ان يحمل كلامه على ان غسل هذا كغسل الجنابة في الترتيب والكيفية ولا ظهور كامل له في تشبيهه بغسل الجنابة في عدم التعدد والتكرار وان كان هذا الحمل بعيدا وذلك لظهوره في المثلية مطلقا لا في خصوص الترتيب وكيفية الايقاع فتشمل جهة الوحدة وعدم التعدد ايضا. ثم ان ممن انكر اعتبار الثلاثة هو الفقيه الهمداني رضوان الله عليه وقد بالغ واكد على ذلك قال بعد كلام له: وكيف كان فلا ينبغى الارتياب في ان المراد في النص والفتاوى ليس الا الغسل بالماء القراح دون الغسل مع مزج الخليطين إذ من المستبعد جدا بل المحال عادة في خصوص الفتاوى ان يكون المقصود بالغسل الاغسال الثلاثة من دون اشارة إليها مع انه لا ينسبق إلى الذهن من امر الحى بالغسل كما وقع في عبائرهم الا الغسل بالماء القراح فكيف يجوز في مثل الفرض الاهمال في بيان المقصود اتكالا على ظهور العبارة في ارادة غسل الميت مع انه على تقدير تسليم الظهور لا دلالة فيها على ارادة الاغسال الثلاثة لاحتمال اختصاص الغسل بالممزوج، بالميت، لخصوصية فيه، وكون الغسل الحقيقي المؤثر في رفع حدثه هو الغسل بالماء القراح فاستظهار اعتبار التثليث من اطلاق النص وفتاوى الاصحاب كما زعمه غير واحد من المتأخرين غير سديد فالاظهر كفاية الغسل الواحد بالماء القراح وان كان الثلاث احوط خروجا من شبهة الخلاف انتهى. ولقد اجاد فيما افاد من عدم ذكر عن التعدد ولا الخليطين في النصوص والفتاوى، وهذا يقوى في الذهن عدم اعتبارهما اصلا خصوصا بلحاظ ذكر الحنوط والكفن في العبائر وعلى هذا فلا يعتبر التعدد ولا الخليطان على ما هو المنساق إلى الاذهان من غسل واحد بالنسبة إلى الحى.

[ 449 ]

ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط، بمراعاة الامرين وذلك لما ذكرناه آنفا من ان هذا الغسل بمقتضى مقام الاستظهار هو الغسل المقرر للاموات بعد تحقق الموت لكنه قد قدم في المورد على الموت، وإذا استظهر كونه هو بنفسه فلابد من مراعاة ما كان له من الشرائط ولا اقل من الاحتياط بمراعاته. لان الغسل بالماء القراح يتحقق على كلا القولين وضم الغسل بالخليطين لا يبطل الغسل بالماء الخالص، وان كان لو شك واقعا تجرى اصالة البرائة عن الزائد لكن بلحاظ ما ذكرناه يحتاط بثلاثة اغسال على ما هو المعهود في غسل الاموات. وإذا اغتسل قبل رجمه أو قتله فيترتب على غسله ما يترتب على غسل الاموات فلا يوجب مسه بعد ذلك الغسل لان بدنه طاهر. نعم هنا بحث وهو ان غسل الميت حيث يكون عقيب الموت يوجب زوال النجاسة الحاصلة بالموت فكان الميت قبل ان يغسل نجسا ويؤثر مسه بعد برده الغسل وإذا غسل يكون طاهرا ولا يوجب مسه الغسل، واما إذا وقع الغسل قبل الموت فكيف يتصور ان يزيل النجاسة التى لم تحصل بعد. اللهم الا ان يقال في رفع الاشكال بانه لا يحكم بنجاسة الميت الذى قد اغتسل قبل قتله بامر الشارع ويكون غسله هذا مانعا عن حصول النجاسة وبعبارة اخرى: انه قد يكون الغسل رافعا للنجاسة وقد يكون دافعا لها، والغسل بعد الموت في المورد المبحوث عنه من قبيل الدفع الذى هو المنع عن تقرر الشئ خارجا ويؤل الامر إلى القول بان الانسان يتنجس بالموت الا الذى اغتسل قبل موته في الموارد الخاصة فانه لا يتنجس اصلا. وبعبارة ثالثة: ان الامر يدور بين ان نقول بان هذا المرجوم مثلا يتنجس بموته ولكن يجب دفنه كذلك تعبدا وعلى هذا فقد خصص دليل وجوب تطهير المؤمن قبل دفنه وكانه قيل: الا في المرجوم ويجب غسل الميت المسلم الا في هذه الموارد المعينة، وبين ان نقول بانه يلزم تطهير المسلم قبل دفنه وبعد موته الا في المرجوم مثلا فانه يغتسل قبل الموت لقيام الدليل على ذلك وعلى هذا فقد خصص دليل وجوب كون الغسل بعد الموت، والظاهر هو الثاني.

[ 450 ]

الكلام فيما إذا لم يغتسل قبل الرجم ولو لم يغتسل قبل الرجم مثلا فما هو الوظيفة؟ الظاهر انه يجب تغسيله بعده لانه لو كان يغتسل قبل رجمه لكان غسله كافيا عن الغسل بعد الموت بلا كلام واما إذا لم يغتسل قبل ذلك فادلة وجوب تغسيل المسلم مطلقا تقتضي وجوب تغسيله الآن، ولذا قد يقال: بان وجوب الغسل قبل موته أو بعده من قبيل الوجوب التخييري. ولكن فيه انه يمكن ان يقال بان الواجب هو غسله قبل الرجم مثلا الا انه لو خولف ذلك وعصى هذا الامر يجب غسله بعد الموت وعلى هذا فلم يكن من قبيل الوجوب التخييري بل من باب الوجوب التعييني والترتيبى. الكلام فيما إذا كان جنبا ثم انه لو كان جنبا فهل يكفى غسله هذا عن الجنابة ام لا؟ معلوم انه في غسل الحى يتداخل الاغسال إذا كان قد نوى الجميع ويسقط الاغسال المتعددة بذلك بل ولو قصد الجنابة لكفى ذلك عن باقى الاغسال واما في المقام فيشكل الثاني فإذا نوى الجنابة بغسله لا يكون هذا كافيا عن غسل المرجوم. نعم لو نوى به غسل الجنابة ايضا وكذا سائر الاغسال إذا كانت عليه فهناك يكتفى به لكن لا يخفى ان التداخل يجرى في الغسل بالماء القراح واما بالماء الممزوج بالخليطين فلا معنى للتداخل فيه. لا يقال: ان وجوب غسل الجنابة كالحيض والنفساء غيرى ومع الموت يرتفع التكليف بالصلوة مثلا فلا يبقى وجوب لهذا الغسل ولا اثر لهذه الجنابة كى يغتسل عنها وينوى باغتساله للرجم الغسل للجنابة ايضا. لانا نقول: انه وان كان قد سقط الغسل من هذه الناحية الا انه لا

[ 451 ]

ينحصر اثر الغسل في تجويز العبادة بل له آثار اخر عظيمة كعدم وروده في المحشر مع الجنابة التى هي نوع قذارة روحية فيؤثر غسل الجنابة في ان يرد القيامة طاهرا متطهرا بخلاف ما إذا لم يغتسل منها كما يظهر ذلك من قصة الشاب الذى كان ينبش القبور وينزع اكفان الموتى وكلام الجارية التى كانت من بنات الانصار بعد موتها وعندما زنى ذلك الشاب بها واخذ كفنها حيث نطقت باذن الله وقالت: يا شاب ويل لك من ديان يوم الدين يوم يقفنى واياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى ونزعتني من حفرتي وسلبتني اكفاني وتركتني اقوم جنبة إلى حسابى فويل لشبابك من النار (1).. ومع ذلك كله ففى وجوب غسل الجنابة هنا اشكال لانهم لا يقولون بوجوبه على الميت الذى كان جنبا وان كان خبر عيص قال: قالت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يموت وهو جنب قال: يغسل من الجنابة ثم يغسل بعد غسل الميت (2) يدل على الوجوب لكن المشهور لم يعملوا به فلا اعتبار له فلو كان هذا الخبر والخبران الآخران المنقولان عنه بهذا المضمون معتبرة معمولة بها لكنا نقول بالوجوب، ولكن مع عدم افتاء المشهور فلا، وعلى هذا فليس يجب على الميت غسل الجنابة لعدم مستند صحيح، لا لان غسل الجنابة غيرى وهو ساقط عن الميت وذلك لما عرفت من ضعفه، ولولا ضعف الخبر لكان اشكال الوجوب الغيرى قابلا للدفع بما ذكرناه من الوجه. هذا مضافا إلى روايات عديدة ناطقة بعدم وجوب غسل الجنابة مع كونه جنبا والاكتفاء بغسل الميت ولعل ما ذكر في خبر عيص كان لتحصيل مزيد الثواب. نعم انه وان لم يكن بواجب لكن الاحتياط حسن. وهذا الذى ذكرناه في الميت الجنب يجرى في المحكوم بالرجم الذى كان عليه غسل الجنابة ويزيد هنا التأييد بمرفوعة محمد بن خالد وقول امير المؤمنين


(1) امالي الصدوق المجلس 11 الصفحة 27 وبحار الانوار الجلد 6 الصفحة 23. (2) وسائل الشيعة الجلد 2 الصفحة 722 الحديث 7 من الباب 31 من غسل الميت والحديث 5 و 6.

[ 452 ]

فيها بالنسبة إلى رجل اقر عنده بالزنا ورجمه الامام عليه السلام: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة لقد صبر على امر عظيم، وقد تقدم ذكرها آنفا فانها ظاهرة في ان حضوره للرجم وصبره عليه موجب لطهارته وعلى هذا فلو اغتسل للرجم فلا حاجة إلى غسل الجنابة بعد ذلك. واما عدم اشتمال هذا الخبر على ذكر الغسل قبل الرجم فقد مر انه لا يدل على عدمه حتى يخالف النص والفتوى. هذا مضافا إلى ان روايات اغتساله قبل رجمه مطلقة تشمل ما إذا كان عليه غسل الجنابة ام لا. وعلى ما ذكرنا من حسن الاحتياط فان لم يغتسل لجنابته بنفسه ولا انه نواها في غسله للرجم فيحسن ان يغسل بعد موته لهذا. هذا كله إذا كانت الجنابة من قبل واما لو وقعت بعد غسله للرجم فهل هو كما إذا كان السبب من السابق؟ اقول: الظاهر عدم بطلان غسله للرجم بالجنابة اللاحقة لعدم استفادة ذلك من الادلة وان كان الاحتياط حسنا. فروع مناسبة لغسل المرجوم ثم انه لو اغتسل للرجم مثلا لكنه مات بعد الغسل حتف انفه فهل يجزيه غسله السابق ام لا؟ الظاهر عدم اجزائه عن غسل الميت وذلك لدلالة العمومات على وجوب غسل الميت المسلم مطلقا وانما خرج ما إذا كان محكوما بالرجم أو القتل فانه يقدم غسله وحيث ان المقام لم يكن من مصاديق المرجوم والمقتول فالمرجع هو العمومات الدالة على وجوب الغسل. وبعبارة اخرى انه من قبيل تبدل الموضوع، فالغسل المقدم كان للمرجوم وهذا ليس بمرجوم وانما مات هو حتف انفه. ولو اغتسل للرجم ثم قتل بسبب آخر غيره كما إذا قتل قصاصا قبل ان يرجم فالظاهر عدم الاكتفاء بغسله الذى قد اتى به للرجم.

[ 453 ]

وهكذا عكس ذلك كما إذا اغتسل لان يقتص منه ثم رجم للزنا. واما لو اغتسل لان يقتص منه لشخص ثم قتل لشخص آخر كما إذا عفى عنه وارث المقتول الاول واقتص منه ولى المقتول الثاني أو انه في الذهاب به إلى موضع القصاص للاول صادفه ولى الثاني فقتله، فقد استشكل صاحب الجواهر هنا في وجوب التجديد وذلك لاتحاد السبب. وفيه ان المعيار والميزان في لزوم التجديد وعدمه في هذه الفروع كلها امر واحد وهو انه هل الغسل هنا من التوصليات التى لا تحتاج إلى قصد القربة كرفع الخبث عن الثوب والبدن حيث يكتفى بمجرد ذلك وان لم يكن مقترنا بالقصد أو كان مقترنا بقصد آخر أو قصد الخلاف فيتطهر الثوب المتنجس بنجاسة كذا إذا غسله متخيلا تنجسه بنجاسة اخرى، أو انه ليس كذلك بل هو يحتاج إلى القصد؟ الظاهر هو الثاني ولذا لو اتى بطهارة حدثية بلا قصد ولا نية فانها باطلة قطعا، واما صحة الوضوء بلا حاجة إلى نية كونه لصلاة الظهر أو العصر فهو لاجل كفاية قصد الطهارة غاية، سواء صلى الظهر أو العصر، واما الموارد الاخر فهى تحتاج إلى القصد فلذا لو وقع الغسل بقصد الحيض ثم بان انه كان نفاسا لا حيضا أو بالعكس فانه لا يكتفى به. واما الاجتزاء بقصد الجنابة عن سائر الاغسال اللازمة باسبابها فهو لدليل خاص والا فكل سبب يحتاج إلى قصد خاص وان تداخلت الاسباب، ولو غسل ميتا بتصور انه زيد ثم انكشف انه عمرو فانه لا يجتزى بذلك الغسل الا إذا كان قد نوى غسل هذا الميت فانه لا يضره الخطأ في المصداق. والحاصل انه يشكل الاكتفاء بالغسل الذى اتى به للاقتصاص عن احد ثم قتل قصاصا عن آخر. ولو فرض الشك في الاكتفاء وعدمه فحيث ان المسألة من قبيل العام والخاص يلزم الاحتياط للشك في التخصيص.

[ 454 ]

كيفية جلد الزانى قال المحقق: ويجلد الزانى مجردا وقيل على الحال التى وجد عليها قائما اشد الضرب وروى متوسطا. الكلام هنا في امور: احدها انه هل يجلد الزانى مجردا أو مع ثيابه؟ فنقول: ان في المسألة قولين: احدهما انه يجرد عدا عورته ويجلد وقد ذهب إلى ذلك المحقق في الشرايع والنافع، والعلامة في القواعد وكذا غيرهما وعن الصيمري في غاية المرام انه المشهور. ثانيهما انه يجلد على الحال التى وجد عليها فان كان عاريا في تلك الحال جلد عاريا وان كان كاسيا فكاسيا ذهب إلى ذلك: الشيخ وجماعة بل هو المشهور بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه. وهل المراد من الحال التى وجد عليها هو حال الزنا أو حال اخذه؟ عبارة المحقق وعباراتهم مجملة ولا يتضح ان المراد هذا أو ذاك؟ (1). واحتمل كاشف اللثام ان يكون لفظ (يوجد) في رواية طلحة الآتية تصحيفا ان يكون الصحيح: (يؤخذ) حتى يكون المراد هو حال اخذه ورفع امره إلى الحاكم. وعلى الجملة فعلى القول الثاني يلاحظانه كان الزانى كاسيا أو عاريا فيضرب كاسيا ان كان هو بنفسه كذلك. نعم عن ابن ادريس: ما لم يمنع الثوب من ايصال شئ من الم الضرب. كما ان الشيخ قدس سره اعتبر نزع ما كان يمنع الم الضرب قال: واما


(1) اقول: ان عبارات عدة منهم صريحة في ان المراد هو حال الزنا، قال المفيد في المقنعة: ويجلد قائما في ثيابه التي وجد فيها زانيا.. وان وجد عريانا في حال الزنا جلد عريانا بعد ان يستر فرجه انتهى ومثلها عبارة الصدوق في المقنع الصفحة 143. وفي الغنية: ويقام الحد على الرجل على الهيئة التي رأى زانيا عليها من عرى أو لباس. وفي القواعد: ثم الحد ان كان جلدا ضرب مجردا وقيل على حالة الزنا انتهى.

[ 455 ]

صفة المضروب، فان كان رجلا ضرب قائما ويفرق الضرب على جميع بدنه ولا يجرد عن ثيابه لان النبي عليه وآله السلام امر بالضرب ولم يأمر بالتجريد، وروى اصحابنا ان في الزنا يقام عليه الحد على الصفة التى وجد عليها ان كان عريانا فعريانا وان كان عليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه فان كان عليه ما يمنع الم الضرب كالفروة والجبة المحشوة نزعها وترك بقميصين ولا يشد ولا يمد ولا يقيد ويترك يداه يتقى بهما لان النبي عليه وآله السلام يأمر بذلك (1). ثم ان منشأ القولين في المسألة هو الروايات فان فيها اختلافا. فعن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الزانى كيف يجلد؟ قال: اشد الجلد، قلت، فمن فوق ثيابه؟ قال: بل تخلع ثيابه قلت: فالمفترى؟ قال: يضرب بين الضربين جسده كله فوق ثيابه (2). وعن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الزانى كيف يجلد؟ قال: اشد الجلد، فقلت: من فوق الثياب؟ قال: بل يجرد (3). وانت ترى التصريح هنا بلزوم تجريده وخلع ثيابه. ولكن في رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه قال: لا يجرد في حد، ولا يشنح يعنى يمد وقال: يضرب الزانى على الحال التى يوجد عليها ان وجد عريانا ضرب عريانا وان وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه (4). وهى صريحة في النهى عن التجريد. نعم قد يترائى التعارض بين صدر هذا الخبر وذيله وذلك لان الصدر ينهى عن التجريد ويمنع عن ذلك، والذيل يفصل بين وجدانه عريانا فيضرب عريانا وبين وجدانه وعليه ثيابه فيضرب وعليه ثيابه فالملاك بحسب الذيل هو الحال التى وجد عليها. ونحن نقول ان في صدر الخبر احتمالين: احدهما ان يكون المراد انه لا


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 69. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من ابواب حد الزنا الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من ابواب حد الزنا الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من ابواب حد الزنا الحديث 7.

[ 456 ]

يضرب في حال التجرد اصلا بل يلزم ويعتبر ان يكون عليه ثياب ثانيهما ان يكون المراد منه انه لو كان كاسيا عليه ثيابه فلا يجرد وبعبارة اخرى انه لا يتعين تجريده للحد بحيث لو كان كاسيا لكان يجب تجريده. فعلى الاول: فبين الصدر والذيل وان كان نوع تناف لكنه بنحو العموم والخصوص أو المطلق والمقيد وذلك لان الصدر يقول: لا يجرد في حد من الحدود اصلا فيلزم ان يكون عليه ثيابه، والذيل يقول ان كان الزانى وجد عريانا ضرب كذلك، وان وجد وعليه ثيابه يضرب وعليه ثيابه، فيخصص الصدر بالذيل، والنتيجة انه لا يجوز تجريد احد في حده الا الزانى فانه لو وجد عريانا ضرب عريانا فقد خصص العموم بخصوص باب الزنا في حالة خاصة. وعلى الثاني: فلا منافاة اصلا بين الصدر والذيل لان مفاد الصدر انه لو كان كاسيا لا يعتبر تجريده، والذيل ايضا يقول لو كان حين وجد عريانا ضرب عريانا وان وجد وعليه ثيابه ضرب وهو في اثوابه، ومن المعلوم انهما متوافقان وبينهما كمال الملائمة. وعلى الجملة فعلى فرض ليس بينهما ادنى نخالف وتهافت، وعلى فرض يكون هناك تناف لكنه بنحو العموم المطلق الذى يحمل العام على الخاص فكيف يقال بان بينهما التعارض؟ ثم انه بعد ان ثبت عدم مشكلة في البين من ناحية صدر هذا الخبر وذيله تصل النوبة إلى ملاحظة هذا الخبر مع سائر الاخبار فمقتضى خبر اسحاق بن عمار هو اعتبار التجريد وخلع اللباس عن المحكوم بالجلد في حين ان خبر طلحة يدل على عدم التجريد وينهى عن ذلك ففى مورد الكاسى يتعارضان لان احدهما يوجب التجريد والآخر يمنع التجريد. وقد صاروا بصدد الجمع بينهما وذكروا له وجوها: منها التخيير بينهما، قال كاشف اللثام قدس سره: وقد يجمع بينه وبين ما تقدم بالتخيير انتهى وفى الحقيقة قد حمل النهى في خبر طلحة بقوله: " لا يجرد " على عدم تعين التجريد وعدم وجوبه وقوله: يضرب من فوق ثيابه، في خبر

[ 457 ]

اسحاق، على جواز ذلك وعدم تعين هذا ايضا. وهذا خلاف الظاهر جدا. ومنها انهما تسقطان بالتعارض والمرجع هو اطلاقات ادلة الجلد من الكتاب والسنة، ومقتضاها جواز الجلد كاسيا. واورد عليه بعض الاعاظم قدس سره بانه مع تعارض الخبرين بنحو التباين فما هو وجه عدم الاخذ بالتخيير خصوصا مع الاشكال في كون ما في الكتاب والاخبار في مقام البيان. وفيه ان الظاهر انه ليس هذه الادلة في مقام اصل التشريع بل الظاهر انها في مقام البيان من كثير من الجهات وقد استقرت عادتهم على الاخذ بعمومها أو اطلاقها في مواقع مختلفة واما التخيير فهو موقوف على كون الدليلين متكافئين ومتساويين لا مع وجود المزية والرجحان كالشهرة وغيرها ففى الخبر خذ بما اشتهر بين اصحابك، وهنا المشهور هو الاول. وقد يقال: انه بعد تساقط الروايتين لا يرجع إلى مثل الآية كى يستشكل بعدم كونها في مقام البيان بل يرجع إلى بعض الروايات الوارد في خصوص باب الجلد مع عدم تعرضه لهذه الجهة وذلك كخبر زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: يضرب الرجل الحد قائما والمرأة قاعدة ويضرب على كل عضو الخ. وفيه ان الرجوع إليه موقوف على كون هذا الخبر في مقام البيان من هذه الجهة وهو غير معلوم بل لعل الظاهر كونه في مقام البيان من حيث خصوص القيام والقعود وكذا جهة ضرب مطلق الاعضاء، واما الاشكال في الرجوع إلى العمومات فقد اجبنا عنه آنفا. ومنها ما قاله بعض بان خبر اسحاق بن عمار حيث تضمن السؤال عن الجلد من فوق الثياب فدلالته على وجوب التجريد اقوى واظهر من دلالة خبر طلحة في عدمه. وفيه اولا انه لا فرق بينهما لانه وان كان خبر اسحاق ظاهرا من هذه الجهة الا ان خبر طلحة ايضا لاشتماله على الذيل المشتمل على التشقيق يصير

[ 458 ]

ظاهرا جدا، فهما مثلان في الظهور ولا مزية لاحدهما على الآخر في ذلك. وثانيا انه لا يرفع اليد عن الظهور العرفي الحجة ولا يصرف النظر عنه بمجرد ان في قباله ما هو اظهر. ومنها ما قد يقال من ان معتبرة اسحاق بن عمار مطلقة من جهة انه كان في حال وجدانه عاريا واكتسى بعد ذلك أو انه كان كاسيا حال وجدانه وعليه فيقيد اطلاقها بمعتبرة طلحة بن زيد، والنتيجة هي اختصاص وجوب الخلع والتجريد بما إذا كان في حال وجدانه عاريا واما إذا كان كاسيا حين ان وجد، ضرب وعليه ثيابه. وفى الجواهر: بعد الاستدلال للقول بالتفصيل بخبر طلحة بن زيد: مؤيدا ببناء الحدود على التخفيف ولذا تدرأ بالشبهة فضلا عن المقام فيخص به حينئذ ما سمعت الخ. يعنى ان الخبر يؤيد بان بناء الحدود على التخفيف فمهما امكن يلاحظ ذلك في اجراء الحد ومن شئونه هو عدم جلده عريانا ومجردا مطلقا وانما يجرد إذا وجد في حال الزنا مثلا مجردا، هذا إذا لوحظ مجرد الشبهة مع صرف النظر عن الدليل الوارد في المقام فكيف بما إذا لوحظ الدليل الناطق بعدم تجريده إذا وجد وعليه ثيابه. ونحن نقول: هذ كلام لا يخلو عن اشكال بل هو خلاف ظاهر الروايات الواردة في كيفية الضرب الدالة على انه يضرب اشد الضرب. والتحقيق انه فرق بين مقام اثبات الحد ومقام اجرائه، ودرء الحدود بالشبهات متعلق بالمقام الاول دون الثاني فانه مقام التشديد لا التخفيف. لكن قوله: فيخص الخ فهو تام فان خبر طلحة صريحة في انه ان وجد عريانا ضرب عريانا وان وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه، فلا يجرد إذا كان قد وجد وعليه ثيابه واما خبر اسحاق الدال على التجريد للجلد فهو مطلق شامل لكل زان سواء ا كان وجد عاريا أو وجد وعليه ثيابه ونتيجة التخصيص وجوب تجريده إذا وجد عاريا واما إذا وجد وعليه ثيابه فلا.

[ 459 ]

نعم اورد عليه بعض الاعاظم بقوله: واما ما ذكر من اختصاص وجوب الخلع بما إذا كان في حال وجدانه عاريا واكتسى بعد ذلك فالظاهر انه من حمل المطلق على غير الغالب، ومقتضى الحكمة ذكر المطلق، والباقى فيه بعد التقييد، الاكثر، لا الاقل ولا المساوى انتهى. وحاصل ذلك لزوم تخصيص الاكثر. وفيه ان ذلك غير مسلم فلا يعلم حال الاغلب في تلك الحال كى يقال بتخصيص الاكثر أو عدمه. ثم انه يمكن ان يستفاد من رواية العلل " عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه: وعلة ضرب الزانى على جسده باشد الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كله به الخ (1) " لزوم التجريد مطلقا وذلك لان اللازم هو احساس الجسد الم الحد بعد ما احس لذة الحرام، فان هذا التعليل لا يتحقق الا بان يجرد البدن كى يتألم جسده ولا اقل من ان التجريد انسب لا حساس الالم المطلوب في حد الزنا. اللهم الا ان يقال بان الاثواب الخفيفة غير مانعة عن احساس الالم ولذا قيد بعض العلماء عدم كون الثوب مما يمنع من الم الضرب كالفروة والجبة وغير ذلك، وهو كذلك، بل لعل ادلة الضرب والجلد تكون منصرفة عن ذلك، لانه إذا كان قد كسى الجبة والمحشوة والفروة وامثال ذلك فهو لا يحس الم الضرب ولا يترتب على هذا الجلد اثر وفائدة اصلا فيلزم ان يجرد من مثل هذه الاثواب حتى ولو كان حين الزنا لابسا لها. اضف إلى ذلك كله انه لو لم يمنع عن مثل ذلك وكان مجازا ان يضرب وعليه مثل الجبة فربما يجعل الزناة ذلك ذريعة إلى هذه المعصية العظيمة لانه لا الم في الجلد والحال هذه. لا تخلع ثياب المرأة لاقامة الحد عليها ثم ان هذا كله كان بالنسبة إلى الرجل واما المرأة فلابد من ان يكون


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 8.

[ 460 ]

عليها ثيابها وذلك لان بدن المرأة عورة. واما جواز تجريدها إذا كان مجرى الحد هو المرأة فهو يحتاج إلى البحث في جواز اجراء المرأة الحد وعدمه، ولم نعثر إلى الآن على مورد في الروايات يفيد ان المجرى كان هو المرأة والبحث محتاج إلى الفحص التام والتأمل الكامل وسيأتى البحث في ذلك انشاء الله تعالى. وفى الجواهر: وعن المقنع: ويجلد ان في ثيابهما التى كانت عليهما حين زنيا وان وجدا مجردين ضربا مجردين، وفيه كما عن المختلف ان بدن المرأة عورة فلا يجوز تجريدها كعورة الرجل والخبر المزبور ظاهر في الرجل، واحتمال ارادة الجنس منه مجاز محتاج إلى قرينة وهى مفقودة بل لعل القرينة على خلافها موجودة انتهى. اقول: هكذا نقل الجواهر عن المقنع واعترض عليه بما نقلناه ولكن نحن قد راجعنا عبارة الصدوق فيه ولم تكن على طبق المحكى عنه واليك عبارة المقنع بنفسها. ويجلد ان في ثيابهما التى كانت عليهما حين زنيا انتهى كلامه (1) وانت ترى انه لا تعرض فيها لحال تجردهما اصلا وعلى هذا فلا يرد عليه اما اورده صاحب الجواهر. فلو كان الصدوق قال بذلك لما قد وقف عليه من رواية فيه لكان يمكن توجيهه بان قد استثنى هذا المورد الخاص عن الحكم بوجوب ستر بدن المرأة نظير استثناء رؤية الطبيب بدنها عند الضرورة إليها، عن الحكم الكلى بوجوب ستر بدنها، الا ان الكلام في انه رحمه الله قال بذلك ام لا، وقد نقلنا عبارته آنفا.


(1) المقنع الصفحة 144، اقول: انه لا اشكال على صاحب الجواهر فانه حكى ذلك عن المختلف واليك عبارة المختلف الصفحة 762: قال الشيخ في النهاية: وهو المشهور ان الرجل يجلد قائما على حالته التي وجد عليها ان وجد عريانا جلد كذلك وان وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه والمرأة إذا اريد جلدها ضربت مثل الرجل غير انها لا تضرب قائمة بل تضرب وهي جالسة عليها ثيابها قد ربطت عليها لئلا تنهتك فتبدو عورتها، وقال الصدوق في المقنع: ويجلد ان في ثيابهما التي كانت عليها حين زنيا وان وجدا مجردين ضربا والمعتمد الاول الخ.

[ 461 ]

والتحقيق ان هذه الروايات الواردة في التجريد لا تعرض فيها للمرأة اصلا ولا يصح ان يقال ان المراد من الرجل، الاعم من الرجل والمرأة بل الروايات منصرفة عنها بالنسبة إلى هذا الحكم، فان المطلوب منها شرعا هو الستر وما يلائم عفافها، بل في بعض الروايات ما يدل على لزوم سترها كيلا تبدو لغير ذى محرم عليها وذلك كرواية ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام في امرأة اتت امير المؤمنين عليه السلام فقالت: انى قد فجرت إلى ان اقرت بذلك اربع مرات وبعد ان وضعت حملها رجمها، وفى هذا الخبر: ثم امر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وادخلها الحفيرة إلى الحقو (1). لا يقال: ان هذا الخبر متعلق بالرجم ووارد في المحصنة، والكلام الآن في الجلد وفى غير المحصنة. لانه يقال: ان الملاك الوحيد والرمز الاصلى في ذلك هو سترها وعدم هتكها برؤية الاجانب لها وان لا تنكشف لديهم، ولا فرق في ذلك بين المحصنة وغيرها وما إذا كان حدها الرجم أو الجلد وان كانت الرواية كما ذكر واردة في المحصنة ورجمها. لا يقال انه بعد ورود الروايات في تجريد الرجل نقول بذلك في المرأة ايضا الغاءا للخصوصية. لانا نقول: انه لا يمكن ذلك بعد ان الله تعالى لم يلغ الخصوصية هنا بل اثبتها واكد عليها وذلك لتأكيد الشرع على كمال سترها بحيث ورد في بعض الآثار والكلمات انه يرتبط عليها ثيابها أي تشد عليها لئلا تنهتك وتبدو عورتها، والسر في ذلك هو المراقبة عليها كيلا يرتفع ثوبها بهبوب الرياح أو باصابة الجلدات فتبدو بدنها وعلى الجملة فالامر بالتجريد منصرف إلى الرجل ولا يشمل المرأة اصلا.


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من ابواب حد الزنا الحديث 5.

[ 462 ]

الكلام في انه يجلد قائما اشد الضرب ومما ذكره المحقق وغيره في كيفية الجلد هو ضربه قائما وانه يضرب اشد الضرب. اقول: اما الاول، فيدل عليه خبر زراره عن ابى جعفر عليه السلام قال: يضرب الرجل الحد قائما والمرأة قاعدة (1). واما الثاني، أي ضربه اشد الضرب فهو الاشهر رواية وفتوى كذا في الجواهر وتدل عليه عدة من الاخبار ففى خبر اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الزانى كيف يجلد؟ قال: اشد الجلد، فقلت: من فوق ثيابه؟ قال: بل تخلع ثيابه (2). ومثله رواية اخرى لاسحاق بن عمار عنه عليه السلام فراجع (3). وعن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: حد الزانى كاشد ما يكون من الحدود (4). وفى رواية العلل وعيون الاخبار عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه: وعلة ضرب الزانى على جسده باشد الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كله به فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره وهو اعظم الجنايات (5). واما قول المحقق رحمه الله: وروى متوسطا انتهى فالمراد به رواية حريز عمن اخبره عن ابى جعفر عليه السلام انه قال:.. ويضرب بين الضربين (6).


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 2. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 3. (4) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 4. (5) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حدود الزنا الحديث 8. (6) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حدود الزنا الحديث 6.

[ 463 ]

قال في الجواهر: وعن بعض العمل به ولم نتحققه - وفى الوسائل: لعله مخصوص بغير الزنا،، انتهى، والسر في ذلك عدم ذكر في هذا الخبر عن الزنا بخلاف الاخبار السابقة حيث انها واردة في الزانى -. الكلام في تفريق الضرب على جسده واتقاء بعض المواضع قال المحقق: ويفرق على جسده ويتقى وجهه ورأسه وفرجه. اقول: وذلك لدلالة روايات على ذلك ففى صحيح زرارة عن ابى جعفر عليه السلام المذكور آنفا: ويضرب كل عضو ويترك الرأس والمذاكير (1). وفى مرسل حريز المذكور عن قريب - عن ابى جعفر عليه السلام انه قال: يفرق الحد على الجسد كله ويتقى الفرج والوجه (2). وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: الذى يجب عليه الرجم يرجم من ورائه ولا يرجم من وجهه لان الرجم والضرب لا يصيبان الوجه وانما يضربان على الجسد على الاعضاء كلها (3). وقد علل تفريق الضرب على تمام الجسد - في رواية العلل والعيون المذكورة آنفا - باستلذاذ الجسد كله من الزنا، وعلى هذا فيضرب كل البدن حتى يحس الكل الم الجلد والعقوبة كما احس الكل لذة المعصية. نعم تستثنى الاعضاء المذكورة في الروايات المتقدمة. ثم لا يخفى انه ليس المراد من التفريق على كل الجسد هو التفريق العقلي وبالدقة العقلية بحيث لا يبقى شئ من اجزاء الجسد لم يصبه الضرب حتى يكون كغسل الاعضاء في الوضوء والغسل، بل المراد هو ضرب كل الجسد عرفا وان بقى اجزاء من الجسد لم يصبه الضربات أو وقعت ضربة منها مكان


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حدود الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حدود الزنا الحديث 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 14 من حدود الزنا الحديث 6.

[ 464 ]

ضربة اخرى منها، والا فلو كان المراد ان لا يبقى جزء من البدن غير مضروب فهو مستلزم للعسر والحرج وهكذا لو كان يعتبر عدم اصابة الضربة عضوا من الاعضاء مرتين. كيفية جلد المرأة قال المحقق: والمرأة تضرب جالسة وتربط عليها ثيابها. اقول: وتدل على الاول رواية زرارة المذكورة آنفا عن ابى جعفر عليه السلام قال: يضرب الرجل الحد قائما والمرأة قاعدة (1). وفى كشف اللثام: ولانه استر لها. واما الثاني أي ربط ثيابها عليها فيدل على ذلك ما ورد في قصة الجهنية من انه صلوات الله عليه امر فشد على الجهنية ثيابها ثم رجمت (2) ولعله يستفاد ذلك ايضا من رواية ابى مريم عن ابى جعفر عليه السلام في امرأة رجمها امير المؤمنين عليه السلام من انه عليه السلام امر بها فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا (3). وفى كشف اللثام: واما ربط الثياب عليها فلما ذكره الشيخان وغيرهما من ان لا ينهتك فتبد وعورتها. وقد تقدم منا انه لو لم تربط ثيابها، بها فربما ترفع ثيابها بهبوب الرياح أو بوقع الجلدات ويوجب ذلك هتكها. هل تجوز اقامة المرأة الحد؟ واما انه هل يجوز ان يباشر المرأة في حد المرأة كى لا يحتاج إلى ربط ثيابها - غاية الامر اشتراط كون الطائفة المشاهدين ايضا النساء ام لا؟


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 11 من حد الزنا الحديث 1. (2) سنن البيهقي الجلد 8 الصفحة 225. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 16 من حد الزنا الحديث 5.

[ 465 ]

الظاهر عدم جواز ذلك كما يستفاد هذا من الروايات الدالة على مباشرة امير المؤمنين عليه السلام بنفسه في رجم المرأة المقرة بالزنا وكذا الروايات الدالة على ان الامام يبدأ بالرجم فيما إذا ثبت الزنا بالاقرار ثم باقى الناس ويبدأ الشهود فيما إذا ثبت بالبينة ثم باقى الناس، وذلك لانه لو كان يجوز مباشرة النساء لما اقدم هو بنفسه على ذلك كما في باب غسل الميت فانه حيث يجوز مباشرة النساء في تغسيل المرأة لما جاز للرجل الأجنبي ان يباشر في ذلك. وعلى الجملة فهنا من الموارد التى يكون الجواز للمرأة ملازما للوجوب عليها وحرمته على الرجال فجواز هذا للرجال كان لمكان عدم جوازه على النساء هذا في مباشرة النساء في اقامة الحد واما حضورهن لمشاهدة العذاب فالظاهر انه لا بأس به على حسب القاعدة. مسائل عشر: الاولى فيما لو ادعت المرمية بالزنا انها بكر قال المحقق: النظر الثالث في اللواحق وهى مسائل عشر الاولى إذا شهد اربعة على امرأة بالزناء قبلا فادعت انها بكر فشهد لها اربع نساء بذلك فلا حد وهل يحد الشهود للفرية؟ قال في النهاية: نعم. وقال في المبسوط: لا حد لاحتمال الشبهة في المشاهدة، والاول اشبه. اقول: من المعلوم انه إذا شهد اربعة رجال، أو رجلان واربع نسوة، على الزنا فانه يثبت ذلك ويحد المشهود عليه، هذا من حيث هو وانه بلا مزاحم أو منازع. فلو شهد اربعة شهود عدول على امرأة بزناها قبلا لكن المرأة ادعت انها بكر وشهد لها اربع نساء عدول بذلك فهنا لا يحد المرأة فان شهادة النساء مقبولة في البكارة وليست مثل باب الزنا الذى لا يكتفى بشهادتهن محضا ومنفردات، وقد ادعوا على ذلك عدم الخلاف، بل والاجماع. واستدل على ذلك بامرين احدهما الشبهة الدارئة للحد وذلك لتعارض البينتين فيكون زناءها موردا للشبهة.

[ 466 ]

ثانيهما الاخبار ففى قوى السكوني عن ابى عبد الله عن ابيه عن علي عليه السلام انه اتى رجل بامرأة بكر زعمت انها زنت فامر النساء فنظرن إليها فقلن: هي عذراء فقال علي عليه السلام: ما كنت لا ضرب من عليها خاتم من الله وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا (1). ومنها خبر زرارة عن احدهما عليهما السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالزنا فقالت: انا بكر، فنظر إليها النساء فوجدنها بكرا فقال: تقبل شهادة النساء (2). واما احتمال عدم التنافى بين ادعائها كونها بكرا وشهادة النساء لها بذلك وبين شهادة الشهود بالزنا، وذلك لاحتمال عود البكارة مع انها قد زنت لترك المبالغة في الافتضاض. ففيه كما في الجواهر انه كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى وهم لم يعتنوا بهذا الاحتمال والا كان اللازم اجراء الحد عليها مع قيام الشهود على زناها. واما الشبهة الدارئة فالمراد منها هو ما يعرض مع صرف النظر عن نفس البينة فان البينة حجة وان لم تكن موجبة للقطع فربما يكون الاحتمال المخالف محققا معها لكن الشارع جعلها حجة وليس هذا الاحتمال موجبا للشبهة بل الشبهة دائرة مدار امر خارج وزائد على ذلك وهو هنا حاصل، وكيف كان فالرواية كافية في ذلك. ثم انه يمكن حمل الروايتين على التعبد في خصوص المورد بان لا يكون البينة حجة في هذا المقام في قبال قول النساء وشهادتهن بكونها بكرا فكونها بكرا طريق إلى عدم زناها وكاشف عنه وهذا يفيد ان الشهود قد شهدوا كذبا وافتراءا ولازم ذلك ان يحدوا حد القذف ولعل نظر من قال بانهم يحدون، إلى هذا البيان فترى المحقق والشيخ في النهاية وابن ادريس ذهبوا إلى انه يحد الشهود للحكم برد شهادتهم مع تحقق القذف بالزنا. لكن هذا الاحتمال بعيد غاية البعد


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 25 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 24 من ابواب الشهادات الحديث 44.

[ 467 ]

فان احتمال التخصيص بعيد في النظر جدا. ويمكن ان يقال بان بينة الزنا حجة لم تخرج عن عموم حجية البينة بالتخصيص الا انها معارضة ببينة المرأة على كونها بكرا فلا يؤثر بينة الزنا في الحد لا للتخصيص بل للمعارضة فالبينتان تتعارضان وتتساقطان ولم يثبت موجب حد المرأة بل يبقى الشبهة من الطرفين فالمرأة لا تحد لعدم الحجة على زناءها، وكذا الشهود لعدم حجة على الافتراء. وبتقرير آخر لابد للحاكم الشرعي المجرى للحد ان لا يقدم على اجراء الحد الا ان يحصل له العلم بموجبه أو يثبت ذلك شرعا بدليل معتبر وفى المقام لم يحصل أي واحد منهما وذلك لان المفروض هو عدم العلم، والبينة قد سقطت بالتعارض كما ان موجب حد القذف ايضا لم يثبت حتى يجرى حده والحاصل ان موجب الحد في المرأة هو الزنا وفى الرامى والشهداء، الفرية وكل منهما غير معلوم ولا ثابت بالحجة الشرعية لتعارض البينتين وتساقطهما فيبقى كل من الامرين مشكوكا ومشتبها، والحدود تدرء بالشبهات، والفرية هو الكذب، وكذب الشهود غير معلوم، ولا حجة عليها للتعارض. ويمكن ان يقال ان الاية الكريمة: الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة.. تدل بالمفهوم على ان من رمى واتى باربعة مقبولي الشهادة فلا يجلد، ولا يشترط في سقوط الحد عدم المعارض فانه لم تقيد الاربعة شهداء بكونهم غير معارضة بل يكفى في سقوط حد الرمى مجرد الاتيان باربعة شهداء والمفروض في المقام الاتيان باربعة شهداء كما انه لا حد على المرأة لعدم قيام الحجة على زناها بعد قيام المعارض. فروع في المقام ثم ان هنا فروعا تعرض لها صاحب الجواهر رحمه الله. الاول قال: وكذا يسقط الحد عن الزانى الذى شهدوا على زناه بها قبلا أو اطلقوا للشبهة انتهى.

[ 468 ]

اقول: صورة المسألة هي صورة اصل المسألة المبحوث عنها آنفا الا ان الكلام هناك كان بالنسبة إلى المرأة وهنا بالنسبة إلى الرجل، فإذا شهد اربعة بزنا رجل خاص بامرأة لكن شهدت اربعة نسوة انها بكر عقيب دعويها ذلك فانه لا يحد الزانى وذلك لعين ما سبق وهو حصول الشبهة، ولا فرق بين ان يكونوا قد شهدوا بزناه بها قبلا أو اطلقوا في ذلك ولم يتعرضوا لهذه الجهة اصلا كما لا يحد الشهود ايضا. الثاني: ولو ثبت جب الرجل المشهود على زناه في زمان لا يمكن حدوث الجب بعده درئ الحد عنه وعن التى شهد انه زنى بها وحد الشهود للفرية بتحقق كذبهم. وفى هذا الفرع يدرء الحد عن المشهود عليه بالزنا مطلقا دون الشهود اما عدم حد المشهود عليه فلان الجب الذى يمتنع عادة حصوله في هذه المدة موجبة للشبهة فلذا لا حد للزنا، واما حد الشهود فلظهور كذبهم وافترائهم فيما شهدوا به. الثالث: وكذا يسقط الحد عنها لو شهدن النساء بانها رتقاء ولكن قيل: حد الشهود لعدم امكان حدوث الرتق عادة. اقول: إذا كانت رتقاء بحيث كان هناك مانع عن دخول الحشفة فشهادة الشهود بالزنا افتراء فلذا لا تحد المرأة، واما الشهود فقد قيل بانهم يحدون وذلك لانه لا يمكن حدوث الرتق بحسب العادة فشهادتهم كذب وافتراء. واورد عليه في الجواهر بان غايته التعارض بين الشهادتين يعنى ان غاية الامر حصول التعارض بين شهادة الشهود بالزنا وشهادة النساء بكونها رتقاء فيتساقطان. قال: ومثله القول في الجب. ويرد عليه بالفرق بين المسألة المبحوث عنها ومسألة الجب وذلك لانه يحصل العلم نوعا بكونه مجبوبا حتى للحاكم ويسهل الامر هنا خصوصا لو قلنا بان حرمة النظر تختص بالعورة دون محلها لمن لم يكن له شئ، في حين ان

[ 469 ]

الامر في الرتقاء ليس كذلك وعلى هذا فيحصل العلم للحاكم بالجب نوعا دون الرتق فليسا من واد واحد حتى يتساويا في الحكم. ثم قال رحمه الله: نعم ان حصل العلم به أو بالرتق بالمعاينة أو شهادة عدد التواتر وكان المشهود به الزناء قبلا اتجه حينئذ حدهم للفرية. اقول: فالضابط الكلى هو انه لو شهدت الشهود بما ثبت للحاكم انه افتراء عليه وجب عليهم الحد، ولو شهدوا بما لم يعلم ذلك منها واحتمل الصدق والكذب سقط الحد عنهم للشبهة، وما ذكره من مصاديق هذا الضابط الكلى الجامع. لا يشترط حضور الشهود عند اقامة الحد المسألة الثانية قال المحقق: لا يشترط حضور الشهود عند اقامة الحد بل يقام وان ماتوا أو غابوا لا فرارا، لثبوت السبب الموجب. اقول: هنا مسائل: منها انه هل يجب حضور الشهود عند اقامة الحد ام لا؟ ومنها انه لو لم يحضروا اهل يسقط الحد بذلك ام لا؟ ومنها انه لو حضروا ولكنهم ابوا عن ضرب المحكوم بالحد بشهادتهم فما يصنع هناك؟ إلى غير ذلك مما يساعد ويناسب المقام. والظاهر انه لا دليل لوجوب حضورهم في مجلس الحد وذلك لان ما هو متعلق بهم هو الشهادة وقد اقدموا عليها. نعم مقتضى ما دل من الروايات على بدء الشهود بالحد إذا ثبت بها هو وجوب ذلك وان كان الظاهر انه لا وجوب للحضور نفسيا بل الاصل عدمه وانما الذى يمكن ان يقال قطعا هو انه إذا حضروا في موقف الحد وجب عليهم الابتداء بذلك والا فلا فانه لا يستفاد من وجوب بدئهم به وجوب حضورهم ايضا لذلك بل المتيقن هو الوجوب التقديرى لا الشرطي بحيث لولاه لا يجب الحد وان كان الظاهر من ادلة الاجزاء والاوصاف هو دخلها في نفس العمل فهى ظاهرة في الاشتراط، والخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل، ولكن الظاهر في

[ 470 ]

المقام انه ليس كذلك، ولعل الدليل هو الاجماع على عدم الاشتراط وعدم كون استيفاء الحد مشروطا بحضورهم ولا اقل من الشهرة المحققة. وممن يظهر منه ذلك هو الشيخ قدس سره فانه قال في الخلاف في كتاب الحدود المسألة 15: إذا حضر الامام والشهود موضع الرجم فان كان الحد ثبت بالاقرار وجب على الامام البدئة به ثم يتبعه الناس وان كان ثبت بالبينة بدأ اولا الشهود ثم الامام ثم الناس الخ. ترى انه اوجب الابتداء إذا كانوا قد حضروا لا مطلقا. ومثله كلامه في المبسوط حيث قال: وليس من شرط استيفائه (يعنى الحد) حضور شاهد الامام ولا الامام (1). كما ان المحقق ايضا لم يذكر الشرطية عند البحث عن البدأة، وانما اقتصر على ذكر وجوب بدأ الشهود برجمه وهنا صرح بعدم اشتراط الحضور. وكيف كان فقد خالف أبو حنيفة وذهب إلى عدم وجوب الحد لو غاب الشهود أو ماتوا. قال الشيخ في الخلاف (المسألة 30): إذا تكاملت شهود الزنا اربعة شهدوا به ثم ماتوا أو غابوا جاز للحاكم ان يحكم بشهادتهم ويقيم الحد على المشهود عليه وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: متى غابوا أو ماتوا لم يجز للحاكم ان يحكم بشهادتهم الخ. ولكن مقتضى ما ذكرناه هو عدم اعتبار حضورهم في اجراء الحد بل يحكم الحاكم به ويقام عليهما وان غابوا أو ماتوا ولا يعطل الحد بذلك وان كان ذلك من باب الميسور بان كان الواجب هو حضورهم والاقدام على اجراء الحد وحيث تعذر مقدار من ذلك فالباقي بحاله ولا يسقط الميسور بالمعسور، وقد مر ان وجوب الابتداء غير ملازم للشرطية بل قال صاحب الجواهر: ولا دليل على


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 4 اقول لكنه رحمه الله قال بعد ذلك: وروى اصحابنا انه يبدأ الشهود بالرجم ان ثبت بالبينة ثم الامام ثم الناس وان ثبت باعترافه بدأ برجمه الامام ثم الناس وهذا يدل على ان من شرطه حضور الامام والشهود وبه قال جماعة انتهى.

[ 471 ]

وجوب التأخير إلى حضورهم إذا توقع إذ لا نظرة في الحدود. ثم ان ذلك كله فيما إذا لم يكن غيابهم فرارا والا سقط الحد للشبهة الطارئة وذلك لان مقتضى صدقهم في شهادتهم هو حضورهم والاقدام على اجراء الحد لا الفرار عن اجرائه فان ذلك مما يوهم ان الشاهد غير معتقد بما قد شهد به وانه كاذب في قوله والا لما كان يفر بل كان هو الاولى بالحضور. نعم يشكل فيما إذا علم ان فراره لم يكن لهذه الجهة بل لجهة اخرى كما إذا كان ضعفه وعدم تحمله في تلك المواقف حمله على ان يترك هذا الموقف. وكيف كان فيدل على اصل المطلب رواية محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل جاء به رجلان وقالا: ان هذا سرق درعا فجعل الرجل يناشده لما نظر في البينة وجعل يقول: والله لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ما قطع يدى ابدا قال: ولم؟ قال: يخبره ربه انى برئ فيبرئنى ببرائتي فلما راى مناشدته اياه دعا الشاهدين وقال: اتقيا الله ولا تقطعا يد الرجل ظلما وناشدهما ثم قال: ليقطع احدكما يده ويمسك الاخر يده فلما تقدما إلى المصطبة ليقطع يده ضرب الناس حتى اختلطوا فلما اختلطوا ارسلا الرجل في غمار الناس حتى اختلطا بالناس فجاء الذى شهدا عليه فقال: يا امير المؤمنين شهد علي الرجلان ظلما فلما ضرب الناس ارسلاني وفرا ولو كانا صادقين لم يرسلانى فقال امير المؤمنين عليه السلام من يدلني على هذين انكلهما (1). والرواية وان كانت واردة في مورد حد السرقة ولكن الظاهر انه لا خصوصية له، والملاك متحد فالامر في حد الزنا ايضا كذلك. ومما ذكرنا يظهر الحال فيما إذا كانوا حاضرين عند اجراء الحد لكنهم امتنعوا من الشركة في اقامته، فان ذلك مما يورث الشبهة ويتردد الانسان في


(1) الكافي الجلد 7 الصفحة 264.

[ 472 ]

امرهم، فيقال انه لو كانوا صادقين في شهادتهم فلماذا امتنعوا عن مشاركة الناس في اجراء الحد بل الشبهة هنا اقوى من الفرع السابق وهو ما إذا حضروا واختاروا الفرار، وعلم ايضا حال ما إذا لم يكن غائبا مسافرا لكنه ابى عن الحضور في موضع الحد من رأس. وعلى الجملة فمجرد عدم حضور الشهود لا يوجب سقوط الحد وذلك لان حضورهم وان كان واجبا فهو مقدمى وليس شرطا في الحد حتى ينتفى الحد بانتفاءه فان ضربهم واجب نفسي وليس هو شرطا فإذا انتفى الحضور لا ينتفى الحد بذلك وان كانوا قد ارتكبوا الاثم بعدم حضورهم أو عدم ضربهم مع حضورهم. ولو كان حاضرا ولا يشاركهم في اقامة الحد الا انه كان بحسب حاله مثلا معذورا فان الاخرين يأتون الواجب، وعدم المشاركة في الرمى مع الحضور لا يلازم الشبهة كما ان عدم حضورهم اصلا لا يلازمها، فإذا لم يكن موجبا لها فانه يجرى الحد الواجب وقد عصى الشاهد، في عدم الحضور أو عدم المشاركة لو لم يكن معذورا والا فلا معصية ايضا. نعم قد يقترن عدم الحضور أو عدم الضرب أو الفرار من الموقف موجبا لحصول احتمال الكذب زائدا على ما هو طبع القضية الخبرية التى تحتمل الصدق والكذب فهناك يتوقف الحد (1). وجوب حضور الشهود موضع الرجم قال المحقق: قال الشيخ: لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم ولعل الاشبه الوجوب لوجوب بدأتهم بالرجم. اقول: تحصل من المسألة السابقة عدم اشتراط الحضور، وهذه المسألة


(1) وفي المسالك بعد تقرير اشتراط حضورهم: هذا إذا لم يكن الغيبة فرارا والا تربص بالحد إلى حضورهم لحصول الشبهة حينئذ ولا حد عليهم لانه ليس برجوع انتهى.

[ 473 ]

متعرضة لوجوب الحضور وعدمه (1) وقد وقع فيه الخلاف فذهب الشيخ قدس سره إلى عدم الوجوب وخالف فيه المحقق ومال إلى الوجوب واستدل على ذلك وعلله بانه يجب بدأة الشهود بالرجم فإذا وجب ذلك وجب حضورهم ايضا. وما افاده هو الاصح وذلك لما مر من دلالة النصوص على وجوب بدأ الشهود إذا كان الموجب قد ثبت بالبينة، وبدأ الامام إذا كان قد ثبت ذلك بالاقرار، وحيث انه موقوف على الحضور فيجب ذلك ايضا. واما عدم حضور الامام امير المؤمنين عليه السلام في بعض تلك الموارد مع لزوم ابتدائه عليه السلام لمكان الاقرار فلعله كان للعذر والا فقد نقل حضوره في كثير من الموارد. فيما إذا كان الزوج احد الشهود قال المحقق: إذا كان الزوج احد الاربعة فيه روايتان، ووجه الجمع سقوط الحد ان اختل بعض شروط الشهادة مثل ان يسبق الزوج بالقذف فيحد الزوج أو يدرأ باللعان فيحد الباقون وثبوت الحد ان لم يسبق بالقذف ولم يختل بعض الشرائط. اقول: ان في المسألة اقوالا مختلفة الاول انه إذا شهد اربعة احدهم الزوج ترجم المرأة فلا فرق بين كون كل واحد من الاربعة اجنبيا أو كان احدهما هو الزوج، وقد ذهب إليه الاكثر. الثاني انه إذا كان احدهم الزوج فانه يحد الشهود الثلاثة ويلاعن الزوج وهو المحكى عن جماعة.


(1) يظهر مما افاد سيدنا الاستاد دام ظله العالي ان الفرعين كليهما متعلقين بمورد واحد الا ان الاول متعرض لجهة الشرطية والآخر لجهة الوجوب، وهذا لا يخلو عن كلام وذلك لانه قد عبر في الاول بالحد وهنا بالرجم، ولذا قال في المسالك: المراد بالحد هنا ما عدا الرجم لما سيأتي من الخلاف فيه ويمكن ان يريد ما يعمه الخ.

[ 474 ]

الثالث ما عن السرائر والوسيلة والجامع من انه إذا سبق الزوج بالقذف فانه يعتبر الاربعة غيره بخلاف ما إذا شهد هو مع الثلاثة بلا سبق القذف منه فانه يكتفى بالاربعة وان كان احدهم الزوج وقد استحسنه المحقق في الشرايع. الرابع ما عن ابن الجنيد من التفصيل بان الزوجة ان كانت مدخولا بها ردت الشهادة وحدو اولا عن الزوج والا حدت هي. الخامس ما عن الصدوق من انه إذا لم ينف الولد كان احد الاربعة والا حد الثلاثة ولا عنها وذلك بناءا على ما اختاره من انه لا لعان الا إذا نفى الولد. والاصل في المسألة واختلافهم فيها هو الروايات والاختلاف فيها ففى رواية ابراهيم بن نعيم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن اربعة شهدوا على امرأة بالزنا احدهم زوجها قال: تجوز شهادتهم (1). وهذا الرواية صريحة في قبول شهادة الزوج مع الثلاثة على زنا زوجته ونفوذ تلك الشهادة. ويؤيد ذلك عدم الفرق بين الزوج وغيره في قبول شهادته للمرأة وعليها. بل الزوج اولى بالقبول من غيره وذلك لانه يشهد بما هو ضرر عليه وفيه هتك لعرضه فتكون نظير الاقرار على نفسه فيندرج فيما دل على ثبوت الزنا بشهادة الاربع. كما وانه يؤيده ايضا ما يستشعر من الاية الكريمة قال الله تعالى: ولم يكن لهم شهداء الا انفسهم الخ (2) فانها مشعرة بان نفسه ايضا شاهد لو حصل معه تمام العدد فان الظاهر ان الاستثناء متصل لا منفصل. لكن في قبال الرواية المذكورة رواية زرارة عن احدهما عليهما السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالزنا احدهم زوجها قال: يلاعن الزوج ويجلد الاخرون (3).


(1) وسائل الشيعة الجلد 15 الباب 12 من ابواب اللعان الحديث 1. (2) سورة النور الآية 6. (3) وسائل الشيعة الجلد 15 الباب 12 من اللعان الحديث 2.

[ 475 ]

وقد يؤيد ذلك بقوله تعالى: لولا جاؤوا عليه باربعة شهداء (1) وذلك لانه لا يقال جاء الانسان بنفسه. وكيف كان فهذه الرواية صريحة في عدم قبول شهادة الشهود بل يجلد الثلاثة ويدرأ الزوج الحد عن نفسه بالملاعنة واين هذه من رواية ابراهيم؟ نعم قال في الجواهر: انها ضعيفة جدا ولا جابر (2) ومخالفة للعمومات فهى قاصرة عن معارضة الاولى من وجوه. اقول: ومن جملة تلك الوجوه انها خلاف المشهور: واما كونها مخالفة للعمومات فلان العمومات تدل على قبول شهادة اربعة شهود في باب الزنا، وان امكن الايراد عليه بان كل خاص يخالف العام. نعم هنا رواية اخرى صحيحة وهى رواية ابى سيار مسمع عن ابى عبد الله عليه السلام في اربعة شهدوا على امرأة بفجور، احدهم زوجها، قال: يجلدون الثلاثة ويلاعنها زوجها ويفرق بينهما ولا تحل له ابدا (3). لكن قد رماها بعض بالضعف ايضا (4) فلو ثبت ذلك وشك في الامر فالمرجع هو العمومات. ويمكن الجمع بين القسمين من الروايات بوجه عرفى من الوجوه كحمل الثانية عل اختلال بعض الشرائط، أو يجمع بينهما بسبق رمى الزوج وعدمه. والذى يبدو في النظر هو انه لا معارضة بينهما بل هما من قبيل العام والخاص لان رواية ابراهيم بن نعيم الناطقة بالجواز والاجتزاء شاملة للمدخول بها وغيرها وهذا بخلاف رواية زرارة ومسمع فانها تختص بالمدخول بها وهذا وان لم يصرح به في الرواية الا انه مستفاد من جواب الامام عليه السلام حيث حكم بان الزوج


(1) سورة النور الآية 13. (2) اقول: لان في سندها اسماعيل بن خراش الذي قيل انه مجهول. (3) وسائل الشيعة الجلد 15 الباب 12 من ابواب اللعان الحديث 3. (4) راجع شرح الارشاد للاردبيلي.

[ 476 ]

يلاعن، والاخرين يجلدون، فان اللعان على ما صرح به المحقق بنفسه، متعلق بالمدخول بها وجار فيها، قال قدس سره في باب اللعان: الاول في السبب وهو شيئان الاول القذف ولا يترتب اللعان به الا على رمى الزوجة المحصنة المدخول بها بالزنا قبلا أو دبرا مع دعوى المشاهدة وعدم البينة.. السبب الثاني انكار الولد الخ. وعلى هذا فيعلم ان السؤال كان عن المدخول بها فلو كانت رواية مسمع حجة فهى تخصص رواية ابراهيم، والنتيجة انه تقبل الشهادة المبحوث عنها اعني ما إذا كان احد الشهود هو الزوج إذا لم تكن الزوجة مدخولا بها واما إذا كانت مدخولا بها فهناك تصل النوبة إلى اللعان، نعم لو كانت رواية مسمع ضعيفة فلا مخصص هناك لعموم رواية ابراهيم. وتمام الكلام في باب اللعان. في حكم الحاكم بعلمه قال المحقق: يجب على الحاكم اقامة حدود الله تعالى بعلمه كحد الزناء اما حقوق الناس فتقف اقامتها على المطالبة حدا كان أو تعزيرا. اقول: هنا ابحاث احدها وجوب اقامة الحدود في عصر غيبة ولى الامر ثانيها انه بعد وجوبها، على من تجب هي: ثالثها في جواز عمل الحاكم بعلمه رابعها في التفصيل بين الحقوق. اما الاول فالظاهر هو الوجوب وذلك لان ادارة الامور وحفظ النظام واجبان لا محيص عنهما وهما موقوفان على اجراء حدود الله واقامة امره. واما الثاني فهنا احتمالات: وجوبها على كل الناس ممن توجه إليه التكليف، وعلى المجتهدين الجامعين لشرائط الفتوى، وعلى خصوص السلطان الذى بيده ادارة الامور وحفظ النظام لكن الاول غير صحيح وذلك للادلة المذكورة في محلها من الزوم الهرج والمرج وغير ذلك. واما الثالث فقد حقق في محله انه يجوز للحاكم ان يعمل بعلمه وقد حققناه نحن ايضا في كتاب القضاء.

[ 477 ]

واما التفصيل الذى ذكره المحقق فليس تفصيلا في عمل الحاكم بعلمه بل مآل هذا التفصيل إلى انه يجب على الحاكم ان يعمل بعلمه مطلقا، غاية الامر انه في حقوق الله بغير توقف على شئ وهذا بخلاف حقوق الناس فانها موقوفة على مطالبة صاحبها فإذا اذن صاحبها في ذلك فهو يعتمد على علمه ويحكم بمقتضاه ولا يطالب بالبينة. ووجه هذا التفصيل هو ان احقاق الحق واخذه منوط بمطالبة من له الحق، ومن له الحق في حقوق الله تعالى هو الحاكم بنفسه لانه حافظ حدود الله، ومقيم امر الله، قد قام مقام الله ومقام خلفائه واوصيائه، في حين ان المطالب بحقوق الناس هو بانفسهم فلا يجوز الاقدام على اخذها بدون اذنهم ومطالبتهم. وهنا روايات تدل على عمل الحاكم بعلمه والفرق بين حقوق الله وحقوق الناس، قال الشيخ المحدث صاحب الوسائل: باب ان الامام إذا ثبت عنده حد من حقوق الله وجب ان يقيمه وإذا كان من حقوق الناس لم يجب اقامته الا ان يطلبه صاحبه. عن الفضيل قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من اقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو عبدا أو حرة كانت أو امة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه للذى اقر به على نفسه كائنا من كان الا الزانى المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء فإذا شهدوا ضربه الحد مأة جلدة ثم يرجمه. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: ومن اقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو عبدا أو حرة كانت أو امة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه للذى اقر به على نفسه كائنا من كان الا الزانى المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء فإذا شهدوا ضربه الحد مأة جلدة ثم يرجمه قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: ومن اقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله في حقوق المسلمين فليس على الامام ان يقيم عليه الحد الذى اقر به عنده حتى يحضر صاحب الحق أو وليه فيطالبه بحقه قال: فقال له

[ 478 ]

بعض اصحابنا يا ابا عبد الله فما هذه الحدود التى إذا اقر بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا اقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه فهذا من حقوق الله وإذا اقر على نفسه انه شرب خمرا فهذا من حقوق الله قال: واما حقوق المسلمين فإذا اقر على نفسه عند الامام بفرية لم يحده حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه وإذا اقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر اولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم (1). فهذه من جهة الفرق بين الحقوق وانه يقدم الحاكم بنفسه في حقوق الله بخلاف حقوق الناس فانها مفوضة إلى نظر صاحب الحق ومطالبته. واما من جهة عمل الحاكم بعلمه فلا دلالة لها عليه الا من حيث حكمه عليه السلام بكفاية الاقرار مرة واحدة حتى في مثل الزنا لانه قد استثنى خصوص الزنا المحصن فان الاكتفاء بالاقرار مرة واحدة مخالف لما هو المسلم من الروايات من اعتبار الاربعة في مثل الزنا فلابد من حمل هذه الرواية على ما إذا كان الامام عالما بنفسه بحيث لم يكن لاقراره اثر في الحكم أو يحمل على حصول العلم باقراره مرة واحدة، وان كان يلزم من هذا، الالتزام بكفاية علم الحاكم في الحكم مطلقا وان كان ناشيا من اقرار المقر بالزنا بالمرة الاولى وهذا مشكل لانى لم اعثر على من صرح بالاجتزاء بذلك وعدم الحاجة إلى المرة الثانية والثالثة والرابعة. وعن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اقر على نفسه عند الامام بحق احد من حقوق المسلمين فليس على الامام ان يقيم عليه الحد الذى اقر به عنده حتى يحضر صاحبه حق الحد أو وليه ويطلبه بحقه (2).. وهذه ايضا تدل على ان اقامة حد الناس منوطة بمطالبة صاحبه. وعن الحسين بن خالد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزنى أو يشرب الخمر ان يقيم عليه الحد


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2.

[ 479 ]

ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لانه امين الله في خلقه وإذا نظر إلى رجل يسرق ان يزبره وينهاه ويمضى ويدعه قلت: وكيف ذلك؟ قال: لان الحق إذا كان لله فالواجب على الامام اقامته وإذا كان للناس فهو للناس (1). وهذه صريحة في المطلوب وهو اكتفاء الامام بعلمه واقامة حدود الله تعالى معتمدا على ذلك. نعم يشكل الامر فيها من جهة تصريحها بان السرقة من حدود الناس وان على الامام إذا نظر إلى رجل يسرق ان يزبره وينهاه ويدعه معللا بان الحق إذا كان للناس فهو للناس، والحال ان الرواية الاولى صرحت بانه إذا اقر على نفسه بالسرقة قطعه وانه من حقوق الله. وحيث ان المسلم بحسب الروايات هو ان السرقة وان كانت من جهة اخذ المال من حقوق الناس الا انها من جهة القطع من حقوق الله سبحانه، فاللازم رفع اليد عما هو مذكور في رواية ابن خالد، فان ذلك امر مفروغ عنه ولذا يكتفى في جهة ماليته إلى اقرار واحد بخلاف جهة قطعه فانه يحتاج إلى اقرارين. وكيف كان فالحاكم يعمل في حقوق الله بعلمه بلا حاجة إلى شئ آخر، وفى حقوق الناس بشرط طلبهم والتماسهم ذلك. في ما إذا ردت شهادة بعض الشهود قال المحقق: إذا شهد بعض وردت شهادة الباقين قال في الخلاف والمبسوط ان ردت بامر ظاهر حد الجميع، وان ردت بامر خفى فعلى المردود الحد دون الباقين وفيه اشكال من حيث تحقق القذف العارى من بينة.. اقول: تارة ترد شهادة الباقين بامر ظاهر واخرى بامر خفى فالاول كما إذا كان فاسقا متجاهرا لفسقه فحينئذ يحد كل الشهود اما الفاسق فمعلوم واما سائر الشهود فلانهم علموا ان شهادتهم غير نافذة حيث يكون من جملة الاربعة


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 32 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 3.

[ 480 ]

من تردد شهادته ومع ذلك اقدموا على اقامة الشهادة عالمين بانها مردودة لعدم كونها واجدة لشرائط القبول، وهذا بخلاف الثاني وهو ما إذا كان جهة الرد امر خفيا. فهنا لا يحد الشهود لانهم لا يعلمون بهذا الامر حيث كان خفيا والا للزم عدم اقدام احد على الشهادة نعم يحد المردود شهادته بنفسه وذلك لفسقه. قال الشيخ في الخلاف: إذا شهد الاربعة على رجل بالزنا فردت شهادة واحد منهم فان ردت بامر ظاهر لا يخفى على احد فانه يجب على الاربعة حد القذف وان ردت بامر خفى لا يقف عليه الا آحادهم فانه يقام على المردود الشهادة الحد والثلاثة لا يقام عليهم الحد.. دليلنا ان الاصل برائة الذمة ولا دليل على انه يجب على هؤلاء الحد وايضا فانهم غير مفرطين في اقامة الشهادة فان احدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها فلهذا لا حد ويفارق إذا كان الرد بامر ظاهر لان التفريط كان منهم فلهذا حدوا والدليل على ان مع الرد بامر ظاهر يجب الحد قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، وهذا ما اتى باربعة شهداء لان من كان ظاهره ما يوجب الرد لا يكون شاهدا (1). وقال في المبسوط: فان ردت بامر ظاهر مثل ان كان مملوكا أو امرأة أو كافرة أو ظاهر الفسق فان حكم المردود شهادته قال قوم: يجب عليه الحد وقال آخرون: لا يجب وكذلك اختلفوا في الثلاثة.. والاقوى عندي ان عليهم الحد، وان كان الرد بامر خفى قبل ان بحث الحاكم فوقف على باطن يرد به الشهادة فالمردود الشهادة قال قوم: لا حد عليه وهو الاقوى والثلاثة قال قوم: لا حد عليهم ايضا وهو الاقوى عندي ومنهم من قال: عليهم الحد لان نقصان العدالة كنقصان العدد والاول اقوى لانهم غير مفرطين في اقامتها فان احدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها فلهذا لا حد، ويفارق هذا إذا كان الرد بامر ظاهر، لان التفريط كان منهم فلهذا حدوا عند من قال بذلك.


(1) الخلاف كتاب الحدود المسألة 33.

[ 481 ]

انتهى (1). ومقتضى عبارة الخلاف التفصيل بين ما إذا كان الامر ظاهرا فيحد الجميع وبين ما إذا كان خفيا فيحد المردود الشهادة دون الباقين، وهذا بمقتضى القاعدة لانه مع الامر الجلى فقد اقدموا على الشهادة غير المقبولة فيحد الجميع، بخلاف عبارة المبسوط فانها تفيد ان في العيب الظاهر يحد الجميع وفى الخفى لا حد على احد منهم. وقد اختار العلامة في المختلف مختار الشيخ في الخلاف من انه إذا ردت شهادة بعض الاربعة بامر خفى اقيم الحد على المردود الشهادة دون الثلاثة الباقية، واستدل لذلك بقوله: لنا انه مردود الشهادة فيجب عليه الحد كما لو ردت بامر ظاهر، ثم نقل عن الشيخ انه احتج على مذهبه في المبسوط من ان الاقوى ان مردود الشهادة بامر خفى لاحد عليه بانه قد لا يعلم انه يرد شهادته بما ردت به فكان كالثلاثة (2). واجاب عنه بقوله: والجواب الفرق فانه يعلم انه على سبب صفة ترد به الشهادة لو علم به بخلاف الشهود. وفيه ان المفروض انه عالم وقاطع بكون شهادته مقبولة عند الحاكم ولا يبدو في ذهنه في هذا الحال الذى هو بسبب جهله المركب قاطع انه ربما يظهر حاله للحاكم وترد شهادته بسبب ذلك فكان ما ذكره قدس سره خلاف الفرض. واشكل في الشرايع ما حكاه عن الخلاف من التفصيل في مورد الخفى بين المردود فيحد هو والباقين فلا يحدون وذلك لتحقق القذف العارى عن البينة. واضاف في الجواهر قوله: أو شبهة دارئة للحد انتهى والنتيجة انه قد


(1) المبسوط الجلد 8 الصفحة 9. (2) اقول: كلما راجعت المبسوط لم اجد هذا الاستدلال في كلامه في المسألة المزبورة من كتاب الحدود اللهم الا ان يكون في موضع آخر منه.

[ 482 ]

تحقق القذف وهو موجب للحد على القاذف الا ان يأتي باربعة شهداء أو تكون هناك شبهة تدرء الحدبها ولم يتحقق أي واحد من هذين الذين يكون احدهما دارئه للحد بنص القرآن الكريم والاخر بالاخبار الشريفة فلابد من ان يحد الجميع. ثم قال: والتفريط وعدمه لا مدخلية له بعد تناول الادلة، أي ان وقوع التفريط من المردود وعدمه من الباقين لا يؤثر شيئا بعد شمول الاطلاق واقتضائه ان يحد المردود معهم ايضا هذا. قال بعد ذلك: نعم لو كانوا مستورين ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم فلا حد عليهم للشبهة، وكانه رحمه الله صار بصدد ارائة مصداق لما ذكره آنفا بقوله: أو شبهة دارئة للحد، فهذا مثال لها لانه بعد ان كانوا مستورين ولا يعلم حالهم من العدالة والفسق فانه يحصل الشبهة وهى تقتضي ان لا يحدوا. ثم تعرض لخبر ابى بصير عن الصادق عليه السلام في اربعة شهدوا على رجل بالزنا فلم يعدلوا قال: يضربون الحد. واجاب بانه ضعيف محتمل لظهور الفسق. وكل واحد من كلاميه هنا محل الاشكال اما الاول فلان العدالة التى هي شرط في الشهادة هي العدالة المحرزة، والاطلاقات الدالة على اعتبار اربعة شهود في درء الحد عن القاذف يراد منها اربعة مقبولو الشهادة كما ان الامر كذلك في سائر الشروط والاوصاف، فإذا لم يكن الشاهد مقبول الشهادة فانه ترد شهادته، وكون الشك في تحقق الشرط كالعدالة شبهة دارئة مشكل في النظر، وكيف نقول بانه مع الشك لا تقبل الشهادة ومع ذلك لا يحدون لاجل الشبهة؟ فمطلق الشبهة باى نحو كانت لا تكون دارئة للحد والا فمن اقام شهودا فسقة بظاهر حالهم فانه يتحقق بذلك الشبهة لاحتمال صدقهم ايضا فهل يدرء بذلك الشبهة الحد؟ وهكذا لو قذف الرامى ولم يأت بشاهد اصلا فان مجرد قذفه يوجب الشبهة الا في مورد يكون الامر الذى قذفه به مقطوع العدم

[ 483 ]

فهل يمكن ان يقال بدرء الحد بالشبهة فلا يحد القاذف؟ ولو كان الامر كذلك فلا مورد لحد القذف الا في موارد نادرة ويؤل الامر إلى اختصاص الحد بما إذا اقيمت الشهادة العادلة فيحد المشهود عليه واما في غير ذلك فلا حد مطلقا لا بالنسبة إلى المشهود عليه ولا القاذفين وذلك للشبهة، فاتضح ان اللازم هو احراز الشرط فيحكم بحسب الشهادة، ولو لم يحرز ذلك فهو بعينه كما إذا علم بعدم تحقق الشرط ولازم ذلك ان يحد القاذف. واما الثاني فنقول: ان الرواية على مقتضى القاعدة فانه إذا لم يتحقق التعديل لهم لابد من ان تطرح شهادتهم ويحدون فلا وجه لرفع اليد عن مقتضاها والحال هذه. وقد ظهر بما ذكرنا ضعف ما قاله بعد ذلك ايضا وهو قوله: فالمتجه في الفرض حينئذ عدم ثبوت الزنا فيتوقف الحكم إلى ان يظهر حالهم فاما ان يحدهم أو المشهود عليه وقبل ذلك يدرأ الحد عنه وعنهم انتهى. فان مقتضى ما تقدم منا انهم يحدون حد القذف، هذا مضافا إلى انه لا وجه لتوقف الحكم بعد ان لا نظرة في الحد ولا تأخير اصلا فاما ان يكون الشهود مقبولة فيحكم على المشهود عليه والا فيحكم بقذفهم وحدهم. والتحقيق انه لا شك في ان الاتيان باربعة شهود المعتبر بنص الآية الكريمة الذى به يدفع الحد عن الرامى لا يراد به الاتيان باربعة كيف ما كانت بل المعتبر هو الاربعة المقبولة المرضية وهى الاربعة العادلة الا ان الكلام في انه هل المعتبر هو العادل الحقيقي أو العادل بنظره والمقبول في علمه؟ فعلى الاول فهو لم يأت بما هو المعتبر لان بعضا من هذه الشهود مردود شهادته في الواقع وعند الحاكم بخلاف ما لو كان الملاك هو الثاني فان الشرط موجود وهو العدالة بنظره وعنده، والظاهر هو الثاني وذلك لانه لو كان الملاك هو العادل الواقعي فهذا يتوقف على علمه بالغيب، ولا يعلم الغيب الا الله.. ويكون كالامر بالمحال، فمن اين يوجد اربعة كانوا عدولا في الواقع وثانيا انه يلزم من ذلك سد باب الشهادة فلو كان الملاك هو العدالة في الواقع والتى تكون مقبولة عند

[ 484 ]

الحاكم فمن يقدم على الشهادة والحال انه يحتمل عند نفسه ان لا يقبل الحاكم شهادته ويردها ويقيم عليه حد المفترى؟ وبتقرير آخر انه كما قد يكون العادل عادلا في الواقع كذلك قد يكون عادلا بمقتضى الطريق وبحسب الظاهر فهو بحكم الشرع يحتسب عادلا وان لم يكن كذلك في الواقع، والمفروض ان هذا الشاهد يرى نفسه عادلا فهو محكوم بحسب الظاهر بالعدالة وحيث انه يعتقد قبول شهادته عند الحاكم فلا شئ عليه وان كان علمه هذا جهلا مركبا، ومقتضى ذلك قبول شهادته، ولا فرق في ذلك بين الشاهد نفسه وبين كون القاذف يرى الشاهد عادلا مرضيا ويعتقد كونه مقبول الشهادة فلا وجه لاجراء الحد عليه كما ان الآخرين ايضا كذلك لفرض كون الامر خفيا هذا مضافا إلى شمول حديث الرفع له ولهم ايضا. واما ما ورد عن امير المؤمنين عليه السلام من انه قال: انى لا اكون اول الشهود فهذا لاجل انه لو كان يشهد اولا فربما لا يأتي الآخرون للشهادة والا ففى ما نحن فيه لا وجه لاجراء الحد ظاهرا. حول رجوع واحد منهم بعد شهادة الاربع قال المحقق: ولو رجع واحد بعد شهادة الاربع حد الراجع دون غيره. اقول: ويتصور ذلك بان يقول الراجع: ما رأيت، بعد ان كان قد شهد برؤيته أو انه يقول: ما زنى، بعد ان كان قد شهد بزناه، سواء قال: بانى قد كذبت أو نسب نفسه إلى الغلط والاشتباه. وهذا هو مقتضى اقرار العقلاء على انفسهم جائز فانه قد اقر على نفسه فيحد. ويمكن تقرير الاية الكريمة: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا

[ 485 ]

باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة (1). بحيث تنطبق على ذلك وهو ان المستفاد منها انه إذا رمى الرامى وكان صادقا بحسب دعواه واقام اربعة شهود على ذلك مقبولة بلا رجوع فهو اما لو رماه واتهمه ولم يأت بالدارء سواء كذب نفسه أو خطأه أو لم يتم له الشهود الاربعة المقبولة فانه يحد ويجلد للفرية وظاهر عبارة الشرايع هو الاطلاق وعدم الفرق بين ان يكون رجوعه قبل حكم الحاكم أو بعده. لكن في الجواهر اضاف الحكم بالشهادة وعليه فالحكم مختص بما إذا شهدوا وحكم الحاكم بمقتضى شهادتهم وخص الحكم بحد الراجع دون غيره بهذه الصورة وسيأتى تمام الكلام في ذلك. وعلل عدم حد غير الراجع، بصدق الاتيان بالبينة المسقطة. وفى بعض الكلمات: لتمامية البينة وكونها بينة كاملة. وفيه انه لو صدق على هذه اربعة شهداء لزم سقوط الحد حتى عن الراجع بخلاف ما لو قلنا بعدم صدقها على ذلك اصلا وان شهادة الاربع غير متحققة إذا رجع واحد منهم أو انه وان صدقت على ذلك لكن الاية منصرفة عن ذلك فيلزم ان يحد الراجع أو هو والباقون ايضا وذلك لصيرورة الاربعة ثلاثة وعدم صدق الاربعة مع رجوع واحد منهم فليس مما يدرأ عنه الحد والظاهر انه على ذلك لا وجه للتفصيل بين الراجع وغيره لانه لو صدقت على هذه اربعة شهود، بان تكون مطلقة شاملة لما إذا رجع واحد منهم وما إذا ثبتوا جميعا على شهادتهم ولم يكن هناك انصراف فلا فرق بين الراجع وغيره كما انه لو شك في صدقها أو قيل بالانصراف فهناك ايضا لا وجه للتفصيل بل لابد من الحكم بحدهم مطلقا. ولذا ترى العلامة اعلى الله مقامه حكم بلزوم الحد عليهم جميعا. قال في القواعد: ولو رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم قبل الحكم فعليهم اجمع الحد ولا يختص الراجع بالحد ولا العفو انتهى وفى كشف اللثام


(1) سورة النور الآية 4.

[ 486 ]

في مقام التعليل لذلك: اما مع رجوع الكل فظاهر واما إذا رجع البعض فلان رجوعه قبل الحكم بمنزلة عدم شهادته فلم يكمل شهادة الاربعة اما بعد الحكم فيختص الراجع بالحد اخذا باقراره ولا يتعدى إلى الباقين (1). اقول: ولكن الظاهر انه لا فرق من جهة عدم تحقق الشهادة بين ما إذا كان قبل الحكم أو بعده كما اطلق في الشرايع ولذا قال في الجواهر بل مقتضى اطلاق المصنف وغيره من الاصحاب انه كذلك ايضا قبل الحكم بها للاطلاق المزبور، فقد اقر رحمه الله بان عبارة المحقق بل وغيره من الاصحاب مطلقة. وما ذكره بعد ذلك بقوله: لكن قد يشكل بان الرجوع قبل الحكم بمنزلة عدم الشهادة انتهى لا يساعد ما ذكره آنفا من صدق الاتيان بالبينة المسقطة. فانه لو صدق ذلك فلا فرق بين ما إذا كان قبل الحكم أو بعده ولو لم يصدق ايضا كذلك كما لا فرق بين الراجع وغيره فإذا كان هذا الرجوع يجعل الشهادة كالعدم فهذا جار في القبل والبعد ولو كان الشارع قد اكتفى بصورة الشهادة فهو ايضا جار في المقامين، والظاهر انه يشكل شمول اطلاق الاية للمقام أي ما إذا رجع واحد من الشهود بعد ان ادى الشهادة والا فلو كانت صورة الشهادة ايضا مؤثرة فلكان اللازم ان يحد المشهود عليه ايضا. وعلى هذا فيلزم ان يحد كل واحد منهم حد القذف. ثم انه رحمه الله بعد ان استشكل في مورد يكون ذلك قبل الحكم وذكر جزم كاشف اللثام بذلك أي عدم الحاقه بما إذا كان بعد الحكم وحكم هنا بحد الجميع قال: قلت قد يقال ان مقتضى الآية وغيرها السقوط ايضا خصوصا على بناء الحد على التخفيف. ومقتضى كلامه هنا عدم حد الشهود مطلقا لا الراجع ولا غيره. لكن قد مر منا الاشكال في شمول الشبهة لمثل هذه الامور. وفى المسالك في باب الشهادات: ولو كانوا قد شهدوا بالزنا ورجعوا واعترفوا بالتعمد حدوا للقذف ولو قالوا غلطنا ففى حد القذف وجهان:


(1) قد تقدم قسم من هذه الابحاث في اوائل الكتاب

[ 487 ]

احدهما المنع لان الغالط معذور واظهرهما الوجوب لما فيه من التعيير وكان من حقهم التثبت والاحتياط وعلى هذا ترد شهادتهم. ثم قال: ولو قلنا لا حد فلا رد. وكانه رحمه الله ادعى الملازمة بين عدم الحد وعدم الرد يعنى لو قلنا بانهم لا يحدون فاللازم قبول شهادتهم والحكم بها. وفى الجواهر (1): ولو كان المشهود به الزناء واعترفوا بالتعمد حدوا للقذف ولو قالوا غلطنا فعن المبسوط والجواهر يحدان ايضا وفى المسالك وجهان الخ. وقد ذكر مؤيدا لما اختاره المسالك من رد شهادتهم مرسل ابن محبوب عن الصادق عليه السلام فراجع (2). وعلى الجملة فالمختار عندنا هو انهم يحدون حد الافتراء حتى فيما إذا ادعى الراجع الغلط والخطأ فان المصحح للحد موجود وهو انه لم يتثبت في شهادته واطلاق حد من رمى المحصنات ولم يأت باربعة شهداء، شامل للمقام فيقام الحد. ولا يرد ما قد يقال من انه كيف يحد باقى الشهود والحال انه لا تقصير من ناحيتهم حيث انهم قد ادوا الشهادة عالمين بتحقق الاربعة فإذا رجع واحد منهم فلا تعلق له بغيره من الشهود فكيف يحد؟ وذلك لان الحكمة الكامنة الملحوظة في المقام وهى كون الامر مستورا لا يقدم الناس على كشفه واظهاره اوجبت ذلك وبلحاظ هذه الحكمة الغالبة بجوز حد الباقين مع عدم تقصير منهم في رجوع الراجع عن شهادته (3).


(1) كتاب الشهادات الصفحة 221. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 12 من الشهادات الحديث 1. (3) قد مضى ما فيه فراجع.

[ 488 ]

في حكم من وجد مع زوجته رجلا يزنى بها. قال المحقق: إذا وجد مع زوجته رجلا يزنى بها فله قتلهما ولا اثم وفى الظاهر عليه القود الا ان يأتي على دعواه بينة أو صدقه الولى. اقول: لا اشكال في انه لا يجوز على من اطلع على الزانين استيفاء الحد منهما إذا لم يكن اهلا لاقامة ذلك فان امره موكول إلى نظر الحاكم. نعم قد استثنى من ذلك موارد منها مسئلتنا هذه وهى ما إذا اطلع الزوج وراى من يزنى مع زوجته فانه يجوز له ان يقتلهما مع احراز الموازين كالعلم بانه لا اكراه من ناحية الزانى بالنسبة إليها أو بالعكس، ولا اثم عليه في ذلك لترخيص الشارع فيه. نعم لو انجر الامر إلى اعتراض اولياء الدم ومطالبتهم له دم المقتول فلابد له من اثبات ذلك عند الحاكم والا فيقاد منه سواء كانا محصنين ام غير محصنين سواء كان الزوجان حرين ام عبدين ام بالتفريق وسواء كان الزوج قد دخل بها ام لا وسواء كان النكاح دائما ام متعة كل ذلك للرخصة الواردة عن الشرع، هكذا قالوا. والدليل على ذلك هو الاخبار العامة الشاملة بعنوانها العام للمقام والاخبار الخاصة. ففى خبر عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في رجل اراد أمرأة على نفسها حراما فرمته بحجر فاصابت منه مقتلا قال: ليس عليها شئ فيما بينها وبين الله عزوجل وان قدمت إلى امام عادل اهدر دمه (1). تقريب الاستدلال انها تدل على جواز المدافعة عن العرض وجواز قتل من تعرض لذلك كما يجوز المدافعة عن المال ومن جملة موارد الدفاع عن العرض هو المقام إلى ما إذا راى احدا يزنى مع زوجته.


(1) وسائل الشيعة الجلد 19 كتاب القصاص الباب 23 الحديث 1.

[ 489 ]

نعم يرد عليه انها واردة فيمن اراد، فيجوز هناك المدافعة كى لا يقع الحرام، واين هذا مما نحن بصدده من جواز القتل بعد ان وقع الامر وتحققت المعصية، مضافا إلى عدم التعرض فيها لحال المرأة وجواز قتلها ايضا. وعن ابى مخلد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كنت عند داود بن على فاتى برجل قد قتل رجلا فقال له داود بن على ما تقول: قتلت هذا الرجل؟ قال: نعم انا قتلته فقال له داود: ولم قتلته؟ فقال: انه كان يدخل منزلي بغير اذنى فاستعديت عليه الولاة الذين كانوا قبلك فأمروني ان هو دخل بغير اذن ان اقتله فقتلته، فالتفت الي داود بن على فقال: يا ابا عبد الله ما تقول في هذا؟ فقلت: ارى انه اقر بقتل رجل مسلم فاقتله فامر به فقتل، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ان ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان فيهم سعد بن عبادة فقالوا: يا سعد ما تقول لو ذهبت إلى منزلك فوجدت فيه رجلا على بطن امراتك ما كنت صانعا به؟ فقال سعد: كنت والله اضرب رقبته بالسيف قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهم في هذا الكلام فقال: يا سعد من هذا الذى قلت: اضرب عنقه بالسيف؟ فاخبره الذى قالوا وما قال سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا سعد فاين الشهود الاربعة الذين قال الله عزوجل؟ فقال سعد: يا رسول الله بعد رأى عينى وعلم الله انه قد فعل؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أي والله يا سعد بعد رأى عينك وعلم الله ان الله قد جعل لكل شئ حدا وجعل على من تعدى حدود الله حدا، وجعل ما دون الشهود الاربعة مستورا على المسلمين (1). ولكن ليست لهذا الخبر دلالة واضحة على المراد بل لعل الظاهر منه ان قتله موقوف على وجود اربعة شهود ان مقتله بدون ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى وبعبارة اخرى ان قتله لهذا الرجل بلا وجود اربعة شهود يحتسب من باب التعدي عن حدود الله تعالى لانه كان مشروطا بوجود الشهود. نعم يمكن ان يقال ان هذا الشرط معتبر بلحاظ الظاهر والتحفظ على


(1) وسائل الشيعة الجلد 19 الباب 69 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

[ 490 ]

نفسه لانه إذا بلغ الامر إلى الحاكم واحتيج إلى اثبات ان القتل كان لاجل انه راه يزنى مع زوجته فانه يحتاج في اثبات ذلك إلى اربعة شهود ولا فيحكم بقتله لاقراره بنفسه بانه قد قتله فلولا هذه الجهة لم يكن عليه باس في قتله فيما بينه وبين الله تعالى وعلى الجملة فلو كان له اربعة شهود فلا يتعرض عليه في اقدامه بنفسه على القتل ومباشرته في ذلك وعدم ارجاع الامر إلى الحاكم. وعن عبد الله بن القاسم الجعفري عن ابى عبد الله عن ابيه عليهما السلام قال: قال سعد بن عبادة ارايت يا رسول الله ان رايت مع اهلي رجلا فاقتله؟ قال: يا سعد فاين الشهود الاربعة (1). وهذه ايضا كالسابقة. وعن سعيد بن المسيب ان معاوية كتب إلى ابى موسى الاشعري ان ابن ابى الجسرين وجد رجلا مع امراته فقتله فاسأل لى عليا عن هذا قال ابو موسى فلقيت عليا عليه السلام فسألته إلى ان قال: فقال: انا أبو الحسن ان جاء باربعة يشهدون على ما شهدوا لا دفع برمته (2). ولهذا الخبر دلالة في الجملة على جواز القتل وعدم اثم عليه في ذلك الا ان دفع القتل عنه موقوف باربعة شهود. نعم يشكل الامر بالنسبة إلى قوله: وجد رجلا مع امرأته، فان مجرد ذلك لا يسوغ القتل. اللهم الا ان يكون ذلك كناية عن الزنا كما يشهد على ذلك اعتبار اربعة شهود على ما هو صريح كلام الامام عليه السلام في الجواب وان لم يكن في السؤال ذكر عن الزنا فيمكن ان يكون الامام عليه السلام قد كان علم بنفسه أو من القرائن ان السؤال كان عن الزنا واجاب على ما حسب ما علمه أي بالنسبة إلى الزنا.


وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 45 من ابواب حد الزنا الحديث 1. (2) وسائل الشيعة الجلد 19 الباب 69 من ابواب القصاص الحديث 2، وفي التهذيب الجلد 10 الصفحة 214 والفقيه الجلد 4 الصفحة 172 وفيه: والا دفع إليه برمته.

[ 491 ]

ومع ذلك فليس في هذه الروايات ذكر عن قتل الزوجة، والذى اشتمل على كلتا الجهتين هو مرسل الشهيد قدس سره في الدروس حيث قال: روى ان من راى زوجته تزني فله قتلهما (1). وعلى هذا فلا باس باصل القتل فيما بينه وبين الله ويكون شهادة الاربع لاثبات الاستناد عند الحاكم فإذا قيل له لماذا قتلت واجاب بانه راه يزنى مع زوجته وشهد الشهود بذلك يثبت مدعاه والا فانه يقتل قودا. وهل اللازم شهادتهم على اصل الزنا أو على ان الزوج راه يزنى مع زوجته بحيث لو علموا باصل الزنا لكنهم لم يروا ان الزوج راى ذلك لما جازت لهم الشهادة ولما درءت القتل عن الزوج؟ لعل الظاهر كفاية الشهادة على اصل الزنا وان لم يتعرضوا لرؤيته. وقد ابدع الشهيد الثاني قدس سره طريقا آخر لخلاص الزوج عن القتل وان لم يكن له اربعة شهود وهو الانكار مع التورية قال في المسالك: إذا اطلع الانسان على الزانيين ولم يكن من اهل الحدود فمقتضى الاصل عدم جواز استيفائه منهما بنفسه لكن وردت الرخصة في جواز قتل الزوجة والزانى بها إذا علم الزوج بها سواء كان الفعل يوجب الرجم أو الجلد كما لو كان الزانى بها غير محصن أو كانا غير محصنين وسواء كان الزوجان حرين أو عبدين ام بالتفريق وسواء كان الزوج قد دخل ام لا وسواء كان دائما ام متعة عملا بالعموم، ثم قال رحمة الله عليه: وهذه الرخصة منوطة بنفس الامر اما في الظاهر فان ادعى ذلك عليها لم يقبل وحد للقذف بدون البينة ولو قتلهما أو احدهما قيد بالمقتول ان لم يقم بينة على ما يبيح القتل ولم يصدقه الولى وانما وسيلته مع الفعل باطنا الانكار ظاهرا ويحلف ان ادعى عليه ويورى بما يخرجه عن الكذب ان احسن لانه محق في نفس الامر مؤاخذ في ظاهر الحال وقد روى داود بن فرقد في الصحيح، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان اصحاب النبي قالوا


(1) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 45 من حد الزنا الحديث 2. ولكن. عبارة الدروس الموجودة عندي الصفحة 165: روى انه لو وجد رجلا يزني بامرأته فله قتلهما.

[ 492 ]

لسعد بن عبادة.. الخ. وكيف كان فإذا جاز القتل فيما بينه وبين الله فيكون المورد من باب التخصيص للادلة الدالة على لزوم الارجاع إلى الحاكم وكون الامر في اجراء الحدود موكولا إليه فيجوز له في خصوص المقام الاقدام على القتل بدون ذلك لكن إذا احرز عدم اكراه في البين كما قد يظهر ذلك من القرائن فإذا راى الزوجة تأبى عن ذلك وتدافع عن نفسها وتصيح عليه فان يعلم ان الزانى قد اكرهها على الزنا فهنا لا يجوز له قتل الزوجة. قال في المسالك: واعلم ان مقتضى قوله: الا ان يأتي ببينة أو يصدقه الولى انه لو اتى ببينة على الزنا فلا قود عليه وهو يشمل ايضا ما لو كان الزنا يوجب القتل أو الجلد وحده ويشكل الحكم في الثاني بعدم ثبوت مقتضى القتل، والرخصة منوطة بحكمه في نفس الامر لا في الظاهر الا ان يقال انه اباحت له قتلهما مطلقا وانما يتوقف جريان هذا الحكم ظاهرا على ثبوت اصل الفعل ويختص تفصيل الحد بالرجم والجلد وغيرهما بالامام دون الزوج وهذا امر يتوقف على تحقيق النص في ذلك، والرخصة مقصورة على وجدان الزوج ذلك بالمشاهدة، واما البينة فسماعها من وظيفة الحاكم الخ. اقول: ان هنا اشكالا آخر وهو انه على ما ذكروه يلزم من اجراء هذا الحكم بدون الشهود ان يجعل الانسان نفسه في معرض القتل والاتلاف وذلك لانه ربما يؤاخذ على ما فعله واوجب ذلك ان يحكم الحاكم بقتله فكيف يحكم بجواز ذلك؟ ويمكن ان يقال: بل لابد من ان يقال بانه تعبد من الشارع فيجوز له شرعا عند المدافعة والانكار على الحرام ان يقدم على ذلك وان افضى ذلك إلى قتله فانه قد جعل نفسه فداء لدين الله. هذا مضافا إلى ان من اعظم العناوين الحسنة التى يبتغيها الرجال واباء الضيم هو الدفاع عن العرض، والقتل فيه اشرف انواع القتل. ولكن قد مر ان الشهيد الثاني تخلص عن الاشكال بانكاره القتل والتورية

[ 493 ]

فيه. ثم انه لما كان اصل هذا الحكم خلاف القاعدة حيث ان امر القتل بيد الحاكم وموكول إلى نظره فلذا يقتصر في ذلك على المتيقن وهو ما إذا راى الزوج بعينه لا انه سمع أو علم بطريق آخر كما انه لا يجوز لغير الزوج ذلك عندما راى احدا يزنى بزوجة الغير كما انه يقتصر على قتله عندما راى لا بعد ذلك. نعم من جهة الاحصان وعدم الاحصان وان كان المتيقن هو الاول الا ان الظاهر هو عدم الفرق بينهما وذلك لاطلاق المرسلة والروايات الاخرى واما ضعف المرسلة فمنجبر بالشهرة. وقد علم مما تقدم ان الروايات الاخرى غير المرسلة تدل على جواز قتل الزانى من حيث الدفاع عن العرض واما بالنسبة إلى الزوجة فهى ساكتة والذى يدل على كلا الحكمين هو مرسلة الشهيد. " حكم من افتض بكرا باصبعه " قال المحقق: التاسعة: من افتض بكرا باصبعه لزمه مهر نسائها ولو كانت امة لزمه عشر قيمتها وقيل يلزمه الارش والاول مروى. اقول: إذا افتض بكرا فاما ان يكون هو الأجنبي واما ان يكون هو الزوج اما الاول فاما ان يكون المرأة حرة أو امة. فإذا كان الأجنبي افتض الحرة باصبعه فعليه مهر نسائها. ومستند ذلك عدة روايات فمنها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في امرأة افتضت جارية بيدها قال: قال: عليها مهرها وتجلد ثمانين (1). ومنها صحيحته الاخرى عن ابى عبد الله عليه السلام ايضا في امرأة افتضت جارية بيدها قال: عليها المهر، وتضرب الحد (2).


(1 و 2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 39 من حد الزنا، الحديث 4 و 2.

[ 494 ]

وقال الصدوق: وفى خبر آخر: تضرب ثمانين (1). وعن ابن محبوب عن ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام قضى بذلك وتجلد ثمانين (2). فان مفاد هذه الاخبار ان افتضاض الحرة يوجب تدارك النقص الحاصل لها بافتضاضها باعطاء صداقها وهو مهر نسائها فعلى من اتى بذلك دفعه إليها. كما انه يستفاد منها ان افتضاض الحرة يوجب التعزير نعم قد اختلفت كلمات الاصحاب في ذلك فقال بعض يجلد من ثلاثين إلى ثمانين كما حكى ذلك عن المفيد والديلمي وقال بعض كالشيخ من ثلاثين إلى سبعة وتسعين وعن ابن ادريس من ثلاثين إلى تسعة وتسعين، ما هو الاصلح بنظر الحاكم، بعد ما حملوا الثمانين الذكور في هذه الاخبار على واحد من افراد التعزير؟ لعدم قائل به أصلا أو يطرح كما في الجواهر وقد اختار كون امره بيد الحاكم وتفويضه إلى رأيه كما عن الاكثر. واما إذا افتض الاجنبي الامة ففيه قولان، احدهما ان عليه عشر قيمتها، والثاني ان عليه الارش، ورواية طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام تدل على الاول واليك نصها: قال: إذا اغتصب امة فافتضها فعليه عشر قيمتها وان كانت حرة فعليه الصداق (3). واما لو كان المفتض بالاصبع هو الزوج ففي الجواهر: فعل حراما، قال بعضهم (4): وعزر واستقر المسمى فتأمل انتهى. اقول: فيه ان حرمة ذلك مع رضاء الزوجة غير معلوم خصوصا إذا كان الزوج ضعيفا واقدما على ذلك لتمكن الدخول، واما استقرار المهر بالدخول فلا


(1) (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 39 من ابواب حد الزنا الحديث 3، اقول: وهذه الاخبار وان كانت مطلقة الا انها تحمل على الحرة للتصريح بذلك في رواية طلحة الآتية عن قريب. (3) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 39 من ابواب حدود الزنا الحديث 5. (4) راجع كشف اللثام الجلد 2 الصفحة 226.

[ 495 ]

يلازم استقراره بازالة البكارة بغيره. اللهم الا ان يكون له دليل خاص. فيمن تزوج امة على حرة قال المحقق: التاسعة: من تزوج امة على حرة مسلمة فوطئها قبل الاذن كان عليه ثمن حد الزاني. اقول: واستدل على ذلك بخبر حذيفة بن منصور قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امة على حرة لم يستأذنها؟ قال: يفرق بينهما قلت: عليه ادب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطا ونصف، ثمن حد الزاني وهو صاغر (1). اقول: وليس فيها ذكر عن الوطي في حين ان ظاهر عبارة الشرايع ان الحد للوطي بعد التزويج، وفي الجواهر: لا اجد فيه خلافا بل عن بعض الاجماع عليه، وفى كشف اللثام: وذكر الوطي المصنف والمحقق بناء على صحة التزوج واباحته والتوقف على الاذن ابتداءا أو استدامة انتهى واختاره في الجواهر. فان كان العقد صحيحا وكان معلقا على الاذن فلازم ذلك عدم التفريق مع عدم الاذن السابق واللاحق فإذا اذن يكشف عن عدم حرمة الوطي وعدم بطلان العقد ولو رد يكشف عن البطلان ولزوم الحد عليه. والظاهر ان الحد محصوص بالوطي قبل الرد حيث انه فعل ما هو مردد بين الحلال والحرام. ثم انه لا اشكال في عدم جواز نكاح الامة على الحرة بلا اذن من الحرة سابقا أو لاحقا كما انه لا اشكال في بطلانه كذلك. ففي رواية محمد بن اسماعيل قال سألت ابا الحسن عليه السلام: هل للرجل ان يتمتع من المملوكة باذن اهلها وله امراة حرة؟ قال: نعم إذا رضيت الحرة قلت: فان اذنت الحرة يتمتع منها؟ قال: نعم (2).


(1) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 47 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (2) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 16 من ابواب المتعة الحديث 1.

[ 496 ]

وبذلك يقيد ما دل على عدم جوازه وبطلانه مطلقا مثل ما رواه يعقوب بن يقطين قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يتزوج الامة على الحرة متعة؟ قال: لا (1). وما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: تزوج الحرة على الامة ولا تزوج الامة على الحرة ومن تزوج امة على حرة فنكاحه باطل (2). وفي الرياض ادعى الاجماع على ذلك أي بطلانه مع عدم اذن الحرة فقال بعد قول النافع: لا يجوز نكاح الامة على الحرة الا باذنها: باجماعنا حكاه جماعة من اصحابنا كالمبسوط والسرائر والغنية والروضة وغيرهم والاخبار به مستفيضة.. ولا فرق فيه بين الدائم والمنقطع الخ (3). واختار المحقق القمي رضوان الله عليه في جامع شتاته اعتبار خصوص الاذن السابق. ولكن الظاهر كفاية الاذن مطلقا وان كان بعد وقوع التزويج. وفي الجواهر بعد قول المحقق: لا يجوز نكاح الامة على الحرة الا باذنها بلا خلاف اجده في المستثنى والمستثنى منه الا ما عساه يظهر مما حكاه الشيخ عن قوم من اصحابنا من عدم الجواز وان اذنت وهو مع انه غير معروف القائل واضح الضعف بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى النصوص (4).. وعلى الجملة فالنكاح كان من اول الامر صحيحا الا ان ترد الحرة ذلك وعلى هذا فثمن الحد كان على الوطي قبل ان تأذن الحرة، اما بعد الرد فالحد الكامل. واما اثنا عشر سوطا ونصفا فالمراد بالنصف ان يؤخذ بوسط السوط ويضرب به كما اوضح ذلك خبر هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل تزوج ذمية على مسلمة قال: يفرق بينهما ويضرب ثمن حد الزاني اثنا عشر


(1) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 16 من ابواب المتعة الحديث 3. (2) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 46 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (3) رياض المسائل الجلد 2 الصفحة 99 كتاب النكاح. (4) جواهر الكلام الجلد 29 الصفحة 409.

[ 497 ]

سوطا ونصفا فان رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد ولم يفرق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به (1). وقيل في كيفية التنصيف انه يضرب ضربا بين الضربين وقد حكاه في المسالك. وفيه انه لا شاهد عليه بل لا وجه له بعد ورود النص بخلاف ذلك. من زنى في زمان أو مكان شريف قال المحقق: من زنى في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب زيادة على الحد لانتهاكه الحرمة وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف. اقول: مستند ذلك مضافا إلى عدم الخلاف فيه، مرسل ابي مريم قال: اتى امير المؤمنين عليه السلام بالنجاشي الشاعر قد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين ثم حبسه ليلة ثم دعا من الغد فضربه عشرين فقال له: يا أمير المؤمنين هذا ضربتني ثمانين في شرب الخمر وهذه العشرون ما هي؟ قال: هذا لتجرئك على شرب الخمر في شهر رمضان (2). والرواية وان كانت متعلقة بشرب الخمر في رمضان الا ان التعليل يفيد عدم الاختصاص بشرب الخمر كما ان من المعلوم بحسب الاعتبار انه لا خصوصية لشهر رمضان بل الحكم شامل لسائر الازمنة المباركة بل ولا خصوصية للزمان، فالحكم شامل للمكان المحترم ايضا. والانصاف ان استفادة التعميم لكل زمان شريف أو مكان كذلك من التعليل الوارد في الرواية المتقدمة مشكله جدا فان قوله عليه السلام: (هذه لجرأتك في شهر رمضان) ظاهر في ان حرمة شهر رمضان اوجبت هذه الزيادة، ولو كان الامر كما فهمه الاصحاب للزم الحكم بذلك في كل شهر له مزيد


(1) وسائل الشيعة الجلد 14 الباب 7 من ابواب ما يحرم بالكفر الحديث 4. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد المسكر الحديث 1.

[ 498 ]

شرف عند الله كشهري رجب وشعبان بل وكل زمان شريف وساعة لها فضل، كبين الطلوعين مثلا، فلو شرب الخمر في هذه الساعة وجب ان يجلد ويزاد في حده لهتكه الساعة الشريفة، وللزم ان يزاد في حده إذا كان في ليلة القدر من شهر رمضان التي هي خير من الف شهر مضافا إلى الزيادة التي كانت لشهر رمضان وهكذا لزم الزيادة إذا اتى بموجب الحد في المسجد أو على قرب من قبور ابناء الائمة أو لدى مضاجع العلماء والاولياء الصالحين، بل وفي مثل ارض قم المشرفة التي شهدت بفضلها العظيم الاخبار الواردة عن خزان الوحي، فهل يمكن القول بان من شرب الخمر بارض قم المقدسة يزاد في حده؟ ومجرد ان الاصحاب فهموا التعميم وشهد له الاعتبار على ما افاده صاحب الجواهر غير كاف في ذلك وكانهم قالوا بذلك من باب اصل التجري وان لهذا المجرم جرأة على العصيان. وكيف كان فالجزم بذلك مشكل جدا والمقدار المسلم هو خصوص شهر رمضان وما له حرمة كحرمته مثل الكعبة ومسجد النبي وحرم الائمة الطاهرين. واني لا اظن ان الاصحاب يقولون بالتعميم إلى كل زمان أو مكان له نوع شرف وفضل. وعلى اي حال فكلما شككنا في انه يوجب الزيادة في الحد ام لا فمقتضى قاعدة الدرء هو العدم. تم بحمد الله والمنة ونحن نقول: " الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. ". العبد: على الكريمي الجهرمي. (2) وسائل الشيعة الجلد 18 الباب 9 من ابواب حد المسكر الحديث 1.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية