الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الهداية، الأول- السيد الگلپايگاني

الهداية، الأول

السيد الگلپايگاني


[ 1 ]

الهداية إلى من له الولاية تقرير بحث الفقيه الزاهد والمحقق الورع الحجة الكبرى والآية العظمى الزعيم الروحانى مولانا السيد محمد رضا الگلپايگانى مد ظله العالي لتلميذه الحقير احمد الصابري الهمداني ذى الحجة الحرام 1383 چاپخانه علميه قم

[ 2 ]

كلمة المقرر ان هذا ما استفدته، من افاضات سيد الفقهاء والمجتهدين، الاستاد الاعظم، و الفقيه الزاهد المعظم حافظ الشريعة وجامع شمل الحوزة العلمية بعد الشتات العلامة المحقق الرباني الحاج سيد محمد رضا الگلپايگانى مد ظله العالي، وقد كنت مولعا على حفظ ما اسمع منه دام ظله وكتابة ما احفظ حتى كتبت من ابحاثه المفيدة، احكام الخيارات، وولاية الاب والجد والفقهاء، ولما الفت هذه الرسالة في 1373 وقف عليها بعض الاعاظم والاكابر، فطلب منى تخريجها إلى البياض وتهذيبها، فانجحت سؤله، واجبت مسئوله فهذبتها، وظني انها جائت مصونة من الغلط، مأمونة من النقيصة والخلط، ومع كله فاني معترف بقصور البيان وغلبة السهوو النسيان والرجاء من القراء الكرام والفضلاء العظام ان يرشدوا المؤلف إلى ما عثروا عليه، من الخطاء وسهو القلم واسئل الله ان يوفقني لطبع ساير الاجزاء. احمد الصابري الهمداني

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين وبعد فقد وفق الله سبحانه وتعالى قره عينى الاعز المحقق العلام ثقة الاسلام والمسلمين الحاج ميرزا احمد الصابري الهمداني دامت تأييداته لاعداد هذه الصفحات حاوية لما ذكرته في مجلس الدرس حين اشتغالي بالبحث في ولاية اولياء القصر ولقد اجاء في تنقيحه وجد في توضيحه بيان رائق وترتيب فاتن فلله دره وعليه اجره وكثر الله في العلماء مثله والسلام عليه ورحمة الله وبركاته محمد رضا الموسوي الگلپايگانى

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على خير خلقه محمد وآله والطاهرين يقول العبد الراجى رحمة ربه الباري، احمد الصابري الهمداني لما انتهى بحث سيدنا الاستاد، العلم العلام والبحر والطمطام، السيد السند الفقيه الكبير المعتمد، المولى المعظم، والزعيم الاعظم، المحقق الورع الربانى، الحاج سيد محمد رضا الجرفادقانى، (گلپايگانى) ادام الله ظله العالي، إلى مسائل ولاية الاب والجد والفقيه، في التصرف في اموال الصغار، بالبيع والشراء وغيره من الشئون الاجتماعية احببت ان افرد فيها رسالة. لعل الله ينفعني بها، وسائر اخواني من الفضلاء، فقال مد ظله: قد ذكرت للولاية، ومراتب ستة، الاب والجد ووصيهما، ثم الفقيه أو المنصوب من قبله، ثم العدول من المؤمنين، ثم الموثقون منهم. اما الاب والجد فثبوت الولاية لهما في الجملة، مما لا اشكال فيه، وان وقع الخلاف في جهات اخرى، من اعتبار العدالة وعدمه، واشتراط المصلحة في التصرف أو كفاية عدم المفسدة فيه، وعدم اشتراط ذلك اصلا، الا ان اصل الولاية مما لا خلاف فيه، وادعى الاجماع بل الضرورة عليه، قال الشيخ (قده) وتدل عليه قبل الاجماع، الاخبار الخاصة المستفيضة في موارد كثيرة، وفحوى سلطنتها على بضع البنت في النكاح انتهى. لا يخفى ان مقتضى الاصل الاولى، عدم ثبوت الولاية لاحد على غيره، فكل مورد شك في شمول الادلة المثبتة للولاية له، ولم تكن حجة رافعة للشك، من عموم أو اطلاق أو اجماع، يؤخذ بالقدر المتيقن منها، ويكون الاصل هو المرجع في غيره مثلا لو شك في اعتبر العدالة والمصلحة وعدمه، يحكم بثبوت الولاية للجد والاب العادلين فيما إذا كان التصرف ذا مصلحة للمولى عليه، لا الفاسقين. ولا فيما ليس فيه مصلحة، ولا نفع عائد إلى الصغير

[ 5 ]

واما الاخبار فقد وردت في موارد متفرقة ومواضع متشتتة، مثل باب النكاح، والوصية بالمضاربة بمال الولد، والوقف والصدقات، فان امكن الغاء الخصوصية من تلك الموارد وتسرية الحكم إلى غيرها، وبدعوى القطع بعدم الفرق بينها، وبين البيع والشراء بمال الولد، أو بالاولوية في المقام، بان يقال: ان ثبوت الولاية على البضع التى تكون امرا مهما عند الشارع، ملازم لثبوتها على غيرها بالاولوية فعلى هذا فتكون النصوص الواردة في الموارد المذكورة دليلا على ثبوت الولاية للوالد في مثل التصرف بالبيع والشراء ونحوه بمال الولد، واما لو احتملت خصوصية في تلك المورد، مفقودة في مثل البيع والشراء كان يقال: ان وجود الكفو في النكاح، مما لا يتحقق في كل زمان ومكان، ولا جل ذلك جعل الشارع الولاية للاب والجد في تزويج الصغار كى لا يفوت الكفو ويتأخر التزويج، فلا يصح دعوى الاولوية ولا الغاء الخصوصية فتكون الاخبار الواردة في باب النكاح، اجنبية عن المقام نعم ورد في بعض تلك النصوص كما في الوصية بالمضاربة بمال الطفل، وان امر الولد بيد والده، وانه هو الذى يلى امره، ولا يبعد دلالته على المقصود، واما ما وردت من ان مال الولد لابيه، فهو انما يدل على جواز الاكل من مال ولده عند الحاجة إليه لا على ثبوب الولاية له عليه في البيع والطراء بماله على نحو الاطلاق، الا ان يتمسك باستدلال الامام عليه السلام كما سيجئ مفصلا انشاء الله، فالمهم في بسط المقال، نقل الاخبار وذكر الاثار، كى يتضح الحال ولكن لم يعلم ان نظر الشيخ في دوى استفاضتها إلى اية اخبار منها من النصوص ما رواه في الوسائل، عن الكليني باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن رجل اوصى إلى رجل بولده وبمال لهم واذن له عند الوصية ان يعمل بالمال، وان يكون الربح بينه وبينهم، فقال لا بأس به من اجل ان اباه قد اذن له في ذلك وهو حى وظاهر الخبر انه كان لولد اموصى مال سوى ما يرثونه من التركة وانه اوصى إلى الرجل في المضاربة بذلك المال وقد علل عدم البأس فيه باذن الاب في حال حيوته، فيعلم ان الاذن الصادر من الوالد للغير

[ 6 ]

في التصرف في مال ولده بالبيع والشراء صحيح ونافذ. والخدشة فيه بعدم التصريح بكون الولد صغارا في مورد الرواية كما ترى حيث ان الكبير لا يسئل عنه حتى يجاب عنه بما يعلم خلافه، فالتعليل فيها ظاهر في نفوذ الاذن الصادر من الاب فيؤخذ به ما لم يرد نص على خلافه كما في الكبير ومنها ما رواه المحدث الخبير الحر العاملي في كتاب الوقوف (ب 4) من الوسائل عن الشيخ الاقدم الكليني، عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن على بن الحكم عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر الباقر عليه السلام انه قال: في الرجل يتصدق على ولده، وقد ادركوا إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث فان تصدق على من لم يدرك من ولده، فهو جائز، لان والده هو الذى يلى امره ومورد الرواية وان كان في غير مال الولد الا ان التعليل ظاهر، بل صريح في ان امر الصغير من قبض الصدقة وغيرها. موكول إلى الاب فقبضه للوقف بمنزلة قبضه واخذه. إذا كان الموقوف عليه صغيرا فيصح الوقف لحصول القبض بخلاف ما لو كان كبيرا لعدم تحققه ومنها ما عنه ايضا باسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن القاسم بن سليمان عن عبيد بن زرارة، عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: في رجل تصدق على ولدله قد ادركوا قال إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث فان تصدق على من من لم يدرك من ولده، فهو جائز، لان الوالد هو الذى يلى امره والرواية كسابقتها في الصراحة، في ان كون الصدقة بيد الاب بمنزله كونها في يد الابن، والولد الغير المدرك، وانه هو الذي يلى امره ونفعه وضره ومنها ما ورد بممضمون ان الوالد وماله لابيه وانه موهوب له كما في الكريمة يهب لمن يشاء ذكورا ويهب لمن يشاء اناثا. ولا يخفى ان مورد كثير من تلك الاخبار صورة اضطرار الاب إلى التصرف في مال ولده، وان له الاخذ من ماله قدر ما يحتاج إليه، ويدفع اضرعن نفسه، والاضطرار عن شخصه، فهل يمكن التعدي من المورد وتسرية الحكم إلى غيره، بالغاء خصوصية

[ 7 ]

الاضطرار والاحتياج، أو لا يصلح ذلك، بل لقائل ان يقول ان مفاد تلك النصوص المور الاخلاقية النوعية المطلوبة عند النوع والمرضية عند العرف حتى بالنسبة إلى الكبار من الاولاد المقيد بها الاسنان في شؤنه الحياتية وامورها العادية، لا انها في مقام جعل. الولاية وتشريعها، للوالد على الولد، كما هو الظاهر ولكن ما يسهل الخطب، ويهون الامر استدلال الامام عليه السلام بها لاثبات الولاية والسلطنة للجد على نكاح الصغيرة فيعلم منه انها مسوقة لاعطاء الولاية وجعلها للاب، لا انها في مقام بيان جهات اخلاقية نوعية، وعواطف انسانية مستحسنة عند العرف ومرضية، فلابد من ذكر النصوص والبحث حولها بالخصوص. روى محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن ابى المعراء عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال انى لذات يوم عند زياد بن عبد الله، إذ جاء رجل يستعدى على ابيه، فقال اصلح الله الامير ان ابى زوج ابنتى بغير اذنى، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل، فقالوا: نكاحها باطل، قال عليه السلام: ثم اقبل على فقال ما تقول يا ابا عبد الله فلما سئلني. اقبلت على الذين اجابوه، فقلت لهم الستم تروون انتم عن رسول الله ان رجلا يستعديه على ابيه في مثل هذا فقال رسول الله انت ومالك لابيك قالوا: بلى فقلت لهم: فكيف يكون هذا هو وماله لابيه، ولا يجوز نكاحه فاخذ بقولهم وترك قولى. والخبر صريح في ان ما رواه عليه السلام عن العامة ردا عليهم تمسك به لاثبات الولاية للاب على الابن وجواز تصرفه في ماله: ونفاذ امره في حقه وحمل الرواية على الولاية المطلقة للاب على الابن، حتى بالنسبة إلى نفسه وانه مثل العبد الذى لا يقدر على شئ، وان كان مقطوع الخلاف الا ان ارادة معنى شامل لجواز تصرفاته في ماله مطلقا أو عند الضرورة بان ياخذ منه إذا احتاج إليه ويصح بيعه وشرائه إذا توقف ذلك عليه قريب جدا، وهذا وان كان يشمل الكبير والصغير من الاولاد لكن النصوص

[ 8 ]

الكثيرة المستفيضة، تدل على عدم ولايته على الكبير على نحو الاطلاق، بل فيما إذا احتاج إلى الاخذ من ماله، والاكل منه، فيبقى الصغير تحت العام ويحكم بثبوت الولاية عليه مطلقا، هذه نصوص تدل على ثبوت الولاية للاب والجد على الولد، هي وان كانت كثيرة الا ان الظهر دلالة والمعلل فيها بان الوالد هو الذي يلى امر ولده ما ذكرناه واثبات الولاية بها تصريحا أو تلويحا في الجملة مما لا اشكال فيها ولا شبه يعريها، وبعد الفراغ عن اصلها يقع الكلام في مقامين: الاول في اشتراط العدالة واعتبارها في الولى: الاب والجد والثاني في اعتبار وجود المصلحة في التصرف في مال الصغير، أو عدم المفسدة فيه واما المقام الاول فالمشهور عدم اعتبار العدالة في الاب والجد وخالف في ذلك صاحب الوسيلة والايضاح، واعتبر العدالة فيهما، واستدل لذلك بوجهين: الاول حكم العقل والثاني النقل اما الاول فتقريبه ان من المستحيل ان يجعل تبارك وتعالى الفاسق وليا على من لا يدفع عن نفسه، ولا يشعر بمصالح شخصه، بحيث يقبل اقراره في امره، ويصدق اخباره في نفعه وشره، فالحكمة الكاملة البالغة. ويقتضى اعتبار العدالة واشراط فيها، حتى يحصل الغرض من جعل الولاية وتشريعها ولا يضيع حقوق الصغار الذين لا يعرفون حدودهم ولا يقدرون على نظم امورهم واجيب عن ذلك اولا بعدم كون خلاف الحكمة، ومنا فيا لغرض التشريع إذا الشفقة الطبيعية، والمحبة والغريزية، الكامنة في الاباء بالنسبة إلى الاولاد تمتعهم عن الاقدام بما يضرهم ويفسد حالهم وتصدهم عن التسامح فيهم، وفي تحصيل اغراضهم، وتجحزهم عما ينقص عيشهم، ويفوت مصالحهم، بحيث لو لم تكن الولاية ثابتة ورعاية الصغار عليهم واجبة، لجدوا واجتهدوا ايضا في حفظ منافعهم ورعاية مصالح امورهم وتحصيل اعراضهم، وما اقدموا على ما يضر هم ولا يوافق طباعهم، كما نشاهده في ابناء الزمان، ممن يعيش في عصرنا، بل ربما يركبون المحاذير، ويرتكبون المعاصي، لاجل اولادهم وصلاح مآلهم وازدياد مالهم، والحاصل انا لله جعل في الاباء محبة ذاتية للاولاد تمنعهم عن التسامح فيهم،

[ 9 ]

والاقدام عليهم، فتشريع الولاية لهم وان كانوا فاسقين ليس منافيا لحكمة الله ولا مخالفا لسنته وقد ملا قلوبهم المحبة وجبلهم على الشفقة والمودة. وثانيا بانه يمكن ان يقال يجب على لحاكم عزل الولي، أو ضم آخر عادل إليه إذا علم خيانة في مال المولى عليه، وظهر سوء حاله وبان عدم رعايته لمصالحه فجعل الولاية للفاسق ومع وجوب عزله على الحاكم، أو ضم غيره إذا ثبت خيانته ليس منافيا للحكمة ولا مخالفا للسنة وطريق العدالة، فالاستدلال بحكم العقل لاعتبار العدالة غير تام، ولكنه بناء على تمامية حكم العقل يكون كالقرينة المتصلة بالكلام فيمنع عن انعقاد الظهور في النصوص وشمولها للفاسق، ويوجب انصرافها إلى العدول واختصاصها بهم واما الاستدلال بالنقل فقد وقع في كلام صاحب الايضاح، فانه بعد ما ادعى الاستحالة من حكمة الصانع ان يجعل الفاسق امينا يقبل اقراره، و ينفذ امره، قال: مع نص القرآن على خلافه والمراد من نص الكتاب اما قوله تعالى " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ". كما اشار إليه في جامع المقاصد، أو قوله تعالى! ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا " كما احتمله آخر. والاستدلال بالاية الاولى يمكن ان يكون من وجهين: احدهما ان الله تعالى نهى عن الركون والاعتماد إلى الظالم فلا يعقل ان يعتمد عليه ويركن إليه، بان يجعله وليا على الضعفاء من عباده ويفوض امرهم إليه، وثانيهما ان الفاسق الذى هو الظالم لو كان وليا يجب اعتماد الناس عليه، وركونهم إليه، بقبول اخباره، فيما يتعلق بالتصرف في اموال ولده وقد نهى عن الركون إليه، والاعتماد عليه، والا يلزم لغوية ولايته واما الاية الثانية، فتقريب الاستدلال بها، ان الاب الفاسق، إذا كان وليا يجب تصديقه، وعدم التفحص والتبين من افعاله واقواله، وقد اوجب الله تعالى التبين والتفحص عن بناء الفاسق، وهذا غاية تقريب الاستدلال بالآيتين. واما الجواب عن الاولى، ان ولاية الفاسق على ولده، وابنه ونفوذ اقراره فيه كولايته على نفسه، فالاية كما لا تشمل ولايته على نفسه فكذلك منصرفة عن

[ 10 ]

الولاية على ولده الذى هو بمنزلته. وتفصيل ذلك وتوضيحه: ان الابن قطعة من الاب، وبضعة منه، بل اعز إليه من نفسه، والذ من شخصه، فليس احد اوى بالولاية عليه من ابيه، لانه مجبور على مراعات مصالح ولده، فكما ان تشريع الولاية للفاسق على نفسه لا يعد ركونا إليه، ولا يوجب الاعتماد عليه فكذلك ولايته على ابنه الذى هو منه وقطعته وبضعته وبتقرير آخر الظاهر من الركون المنهى عنه في الولاية هو الاعتماد على الظالم، والركون إليه فيما يتعلق بالغير، ويرجع إليه، بان يجعله وليا عليه، لا الاعتماد عليه فيما يرجع إلى نفسه، ويتعلق بامور شخصه، ولذا لا يستشكل احد في قول عليه السلام اقرار العقلاء على انفسهم جايز بان شموله للفاسق مستلزم لجواز الركون إلى الظالم، فحينئذ يقال: ان الولد بمنزلة نفس الوالد ومهجته، وتشريع الولاية له عليه إذا كان فاسقا ليس مشمولا للآية كما ان ولايته على نفسه كذلك فتدبر واما عن الثانية، فالجواب عنه نظير الجواب عن الآية الاولى، وتوضيحه ان الابن ومصالحه كما تقدم راجع إلى الاب، وانه بمنزلة نفسه فيكون اقراره في حق ولده، كاقراره في حق نفسه في النفوذ، وآيه النبأ بعد ثبوت نفوذ الاقرار من العقلاء لقوله عليه السلام اقرار العقلاء على انفسهم جائز، كما لا يشمل اقرار الفاسق على نفسه، فكذلك لا يشمل اقراره في حق من هو كنفسه، وبالجملة بعد كون الاولاد بمنزلة الاباء وثبوت الوحدة بينهم عند العرف يكون اخبارهم واقرارهم جائزا في حق اولادهم ايضا، إذا الاباء والاجداد لا يقدمون على ما يضرهم ويفسد امرهم، كما لا يقدمون على ما يضر بانفسهم بما هم عقلاء، والجاصل ان الاية لا يشمل اخبار الفاسق في حقه ولا توجب التبين والتثبت عنه، وكذلك اخباره في حق اولاده، الذين هم بمنزلته، وليس هذا من باب تخصيص الآية، بل هو نظير الحكومة واخراج فرد من العموم بالتنزيل منزلة النفس المقر، هذا إذا لم تكن الاية منصرفة عن الاخبار والاقرار على نفسه، والا فخروجه من باب التخصص ويمكن الاستدلال لا شتراط العدالة في الاب والجد بقوله تعالى (لا ينال

[ 11 ]

عهدي الظالمين) والمراد من العهد الولاية وهى لا تنال من تلبس بالظلم و الفسق ظلم. وتقريب الاستدلال ان الولاية لها مراتب كثيرة عديدة منها الولاية الكلية المطلقة على اموال الناس وانفسهم كما في النبي والائمة عليهم السلام فانهم اولى بالمؤمنين من انفسهم ومنها ولاية شخص على فرد كولاية الاب على الابن وكل مرتبة من مراتبها لا تنال الظالمين وبتقرير آخر واوفي، ان الولاية المجعولة من الله لشخص قد تكون ولاية كلية مطلقة، وقد تكون جزئية، ويجمعها لفظ الولاية التى هي بمنزلة الجنس المشترك بينهما، وكل فرد من افراده ومرتبة من مراتبه لا ينال الظالمين ثم ان المراد من الظالم، اما من تلبس بالمبدء ولو انقضى عنه، كما هو المراد في استدلال الامام عليه السلام، أو من هو متلبس به فعلا، كما هو الظاهر من المشتقات والمتبادر منها، فبناء على ذلك الوالد المتلبس بالفسق الذى هو ظلم، لا يناله عهد الله، الذى هي الولاية الجزئية المجعولة للابآء على اولادهم، ولم أر من استدل بالاية، ويقتضيه ايضا الحكمة الالهية، والمصالح النوعية، فان جعل الظام وليا على غيره ومسلطا على امره، يوجب التشنج، والاختلال، وخلاف الانتظام و هو قبيح عند العقل (1) ويمكن الجواب عن الاية اولا بان المراد من العهد هي الولاية العامة، والخلافة التامة، بحيث يكون الاطاعة واجبة على الناس في جميع امورهم دون الولاية المتعلقة بالامور الجزئية، كما في المقام وثانيا ان الظاهر منها بقرينة الصدر، هي الولاية على الغير والحكومة والولاية عليه، لا الاعم منه ومن نفس الولى. ولذا ترى ان الفساق والظلمة، لهم الولاية على انفسهم واموالهم فكما ان الاية منصرفة عن ولاية الفساق على انفسهم، كذلك منصرفة عن الولاية على اولادهم


(1) لا يخفى ان الاستاد الاعظم مد ظله، انما ذكره هنا تأييدا لا دليلا، إذ تقدم منه الجواب عن الاستدلال بذلك فيما تقدم فراجع ص 8

[ 12 ]

وتفصيل ذلك ان الاولاد كما اسلفناه قطعة من الآباء وبضعة منهم ومهجتهم، و العرف لا يرى مغايرة بينهم كأنهم اعضاء متصلة، وجوارج مرتبطة، واغصان متسقة ويد واحدة: ويشهد بذلك السيرة الجارية المستمرة، إذ يرون ان على الآباء صيانة الاولاد، وحفظ اموالهم، واصلاح بالهم، والنظر إلى مآلهم، كما يحفظون ما يتعلق بانفسهم، فعلى هذا تنصرف الآية عن الولاية على الاولاد، إذا ليست هي الا ولاية الولى على نفسه، لا الولاية على غيره، وقد عرفت ان الظاهر من الكريمة حرمان الظالم عن الولاية على الغير، والتسلط عليه، لا مطلقا حتى يكون ممنوعا عن التسلط والولاية على نفسه ايضا فتحصل وتلخص، ان الاستدلال بالآية لاشتراط العدالة، لا يخلوا عن المنع والمناقشة. واستدل شيخ الطايفة في متأخرى المتأخرين باصالة عدم اشتراط العدالة، وبانه مقتضى اطلاق الادلة، اما ااصل فالتمسك به غير وجيه، إذ الولاية لم يكن ثابتة للاب والجد على نحو الاطلاق في وقت، ثم يشك في اعتبار العدالة في وقت آخر حتى يصح التمسك بالاصل، واستصحاب العدم الازلي لا يفيد الا بناء على القول بحجية الاصول المثبتة وهو خلاف التحقيق مضافا إلى ما تقدم من ان مقتضى الاصل الاولى، عدم ثبوت الولاية لاحد على غيره، حتى يثبت الناقل، اللهم الا ان يوجه بما ذهب إليه بعض، من ان السيرة بين عموم الناس في جميع ادوارهم، جارية على تولى الاباء امور اولادهم، وكون اختيار امورهم بيدهم مطلقا: من غير فرق بين العادل والفاسق منهم، فلو كان شئ معتبرا في ولايتهم وشرطا فيها، للزم على الشارع بيانه وردع الناس عن تلك السيره الجارية وتتخطئهم فيها ولو كان لو صل الينا وحيث انه لم يصل نحكم بكونها مرضية عند الشرع وعدم اشتراط العدالة والم هذا التوجيه لا يخلو عن المسامحة مضافا إلى عدم انطباقه على اصالة عدم الاشتراط، نعم لا يبد ان يكون المراد من الاصل في كلامه هو الاطلاق الذى يذكر بعد

[ 13 ]

واما الاطلاق فيمكن دعواه في الادلة، مثل رواية محمد بن مسلم، وعبيد بن زرارة المتقدمتان، فان قوله: عليه السلام، لان الوالد هو الذى يلى امره مطلق شامل للعادل والفاسق، واختصاصه بالعادل تقييد بلا جهة، ومثله الرواية الاخرى لمحمد بن مسلم إذ قوله عليه السلام (لان اباه قد اذن له وهو حى) شام للفاسق و العادل بترك الاستفصال بل عدم ذكر العدالة في بيان العلة مع كونه عليه السلام بصدد بيانها، يكشف عن ان العلة اذن الاب فقط لا اذن الاب العادل وهو المراد من - التمسك باطلاق العلة فالادلة شاملة لهما، اما بالاطلاق، أو بترك الاستفصال هذا تمام الكلام في المقام الاول. واما المقام الثاني فيقع الكلام فيه في موردين احدهما في جواز تصرف الولى وعدمه، إذا كانفيه مفسدة على المولى عليه وثانيهما لو اخترنا عدم الجواز عند المفسدة، فهل يعتبر وجود المصلحة فيه، أو لا يعتبر ذلك، بل يكفي عدم المفسدة. اما المورد الاول فقبل الورود فيه، ولا بدمن الاشارة إلى نكتة، وهى ان الظاهر من مناسبة الحكم للموضوع، ان جعل الولاية على الصغار، وتعيين الولى على الصغير، ومن لا يدفع عن نفسه، ولا يشعر بمصالح شخصه، كالسفيه والمجانين، انما هو لرعاية احوالهم، وحفظ نفوسهم، واعراضهم واموالهم عن التلف والتضييع لقصورهم عن ذلك، لا للاضرار بهم، وتفرقة امرهم، واختلال حالهم، وازدياد التشنج في بالهم ونهب اموالهم، وهذا ما ليس فيه خفاء ولا غطاء، وفي غاية الوضوح، ونهاية البدو يستغنى عن كل شرح وبسط، وعلى ذايكون هذا الامر المسلم العقلي، والمرتكز القطعي كالقرائن اللفظية المتصلة بالكلام، أو الصالح للقرينة مانها عن اطلاق الادلة وشمولها لصورة وجود المفسدة وانعقاد الظهور لها في ذلك، فالتمسك باطلاق الادلة في المورد غير وجيه بل ليس بصحيح مضافا إلى ان المحتمل في الادلة المطلقة مثل قوله " انت ومالك لابيك " أو " ان الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء " وغير ذلك من التعابير المتحدة سياقا جهتان.

[ 14 ]

الجهة الاولى انها في مقام بيان جهة اخلاقية معمولة بين الاب والابن ووالد وما ولد، إذ مقتضى تربيته له ولازم حقه عليه، وتحمل المشاق فيه، وايثاره على نفسه، جواز اخذه من ماله والتصرف فيه حيث انه رغب فيه حين لم يكن فيه راغب، وحفظه يوم لا حافظ له ولا كافل، ولان الابن ما نال ما نال الا به وما بلغ ما بلغ الا منه، وهذا امر عرفى وجدانى اخلاقي لا ربط له بالولاية والزعامة وعليه يحمل قوله عليه السلام: أو كان رسول الله يحبس الاب لابن. والجهة الثانية المحتملة في الادلة انها في مقام تشريع الولاية للاب والظاهر المتبادر منها لولا استدلال الامام عليه السلام هي الجهة الاولى دون الثانية، فالتمسك بالنصوص واطلاقها فيما هو محل البحث مع الغض عن استدلال الامام عليه السلام غير تام، واما بعد استدلاله عليه السلام وان كان التمسك صحيحا، للعلم بانها واردة في مقام جعل الولاية وتشريعها. الا انه لابد لنا من الاخذ بالقدر المتيقن، والاقتصار على مورد الاستدلال، واخذ الاطلاق ايضا في المورد لو كان، ولا يصح التعدي والتجاوز إلى غيره، وهذا نظير ما روى عن عبد الاعلى قال قلت لابي عبد الله عليه السلام عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح على المرارة إذ لو لم يستدل الامام عليه السلام على جواز المسح على المرارة لم يكن لنا معرفة ذلك الحكم من قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج، وبعد معرفته بمعونة الاستدلال والتمسك، لا يصلح ان نأخذ باطلاقه، ونحكم بجواز المسح على كل شئ إذا لم يقدر على المسح بالبشرة حتى انه لو لم يقدر على مسح رأسه فيجوز له مسح عنقه أو رجله أو مسح رأس صديقه، نعم يصح الغاء الخصوصية عن المرارة وتسرية الحكم إلى الدواء وما شابهه لا مطلقا وما نحن فيه ايضا كذلك فتفطن. هذا مع قطع النظر عن ورود المقيدات والنصوص الخاصة، واما مع النظر إليها، فيقيد اطلاق الادلة بعد تسليمه بصحيحة ابي حمزة الثمالى عن ابي جعفر عليه السلام، قال قال رسول الله انت ومالك لابيك، ثم قال لا نحب ان ياخذ من مال ابنه الا ما يحتاج إليه مما لابد منه ان

[ 15 ]

الله لا يحب الفساد، فان الاستدلال بالاية ظاهر في عدم جواز تصرف الاب في مال ابنه، إذا كان مفسدة وضررا عليه، وغيرهما مما قيد جواز التصرف والاخذ بكونه غير سرف أو يكون لاضطرار وشدة خاصة فيعلم ان تصرف الوالد في مال ولده إذا لم يكن محتاجا إليه ومما لابد منه فساد، والله لا يجب الفساد، فاثبات الولاية للاب والجد تمسكا باطلاقات الادلة، فيما إذا كان تصرفها مفسدة على المولى عليه، في غاية الصعوبة. واما دعوى الاطلاق في رواية محمد بن مسلم المتقدمة، عن ابي جعفر عليه السلام (في قوله عليه السلام لان الوالد هو الذى يلى امره) فيقيده ايضا ما ورد في نكاح الجد على البنت وتزويجه لها مع وجود ابيها، مصر حافيه بان نكاحه نافذ ما لم يكن مضرا فتحصل من جميع ما ذكرا، وتبين مما قدمناه، ان المطلقات بعضها غير مربوط بالمقام اصلا، لظهورها في بيان الجهات الاخلاقية العرفية لولا استدلال الامام عليه السلام بها، وما هو المرتبط به وان كان سليما من هذا الاشكال، الا انه يقيد بما ورد في موارد خاصة هذا غاية ما يقتضيه البيان ويستحسن ان يدور حوله البنان في المورد الاول. اما المورد الثاني، فقال الاستاد الفقيه الكبير دام ظله بعد الفراغ عن عدم ثبوت الولاية للاب والجد على الابن إذا كان التصرف في ماله فساد أو ضررا عليه، فهل يعتبر و يشترط وجود المصلحة أو يكفي فيه عدم المفسدة، ولو لم يصل منه نفع إلى المولى عليه مقتضى الاطلاق في رواية محمد بن مسلم وغيرها الثاني، فان القرينة العقلية التى استفدناها من مناسبة الحكم للموضوع، اشير إليها آنفا وكذا المقيدات، من النصوص الخاصة المتقدمة لا يوجب ازيد من تقييد المطلقات، واختصاصها بصورة عدم وجود المفسدة و الضرر ويبقى غيرها تحت الاطلاق، ويؤيد ايضا ما ورد في تزويج الصغير من نفوذ نكاح الجد ما لم يكن مضرا، إذ المستفاد منه ان نكاح الجد ما لم يكن مضرا على البنت، بان يزوجها بغير الكفو أو بما دون المهر، نافذ امره فيها، وثابت ولايته عليها، مضافا إلى ان ذلك، مطابق لما في الولاية العرفية، الثابتة بالسيرة المستمرة، إذا لاباء كما انهم يلاحظون عدم المفسدة في التصرفات المتعلقة باموالهم، وليسوا ملتزمين بوجود المصلحة دائما، فكذلك التصرفات المربوطة بمن لهم الولاية عليه عرفا، من الذين يحسبون منهم، نعم يراعون عدم المفسدة، ويلتزمون به دائما أو غالبا فيما يتعلق

[ 16 ]

بانفسهم، وهو مشترك بينهم وبين الولادهم، ولكن الانصاف ان اثبات هذه السيرة بهذه الخصوصية مشكل. هذا مقتضى اطلاق بعض الادلة بعد تقييدها بعدم المفسدة ويؤيده ايضا تمسكه عليه السلام بقوله تبارك وتعالى ان الله لا يحب الفساد في مقام منع الاب عن التصرف في مال ابنه قد يقال: ان اطلاق ادلد الولاية لو سلم، يقيد بقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن " لعدم القول بالفصل في الاب، وتوضيح ذلك كان المراد من لفظة " احسن "، اما الصيغة الدالة على التفضيل، فيجب تقديم كل تصرف يكون احسن وانفع، ونترك غيره ولو كان حسنا ذا نفع، واما المراد منها مطلق ما في الحسن واعتبار نفس المبدء، نظير قوله تعلاى " وجادلهم بالتى هي احسن " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعضس "، في ان المعتبر في امثال تلك القضايا، التلبس بصرف المبدء، بمعنى انه يجب ان يكون المجادلة على نحو المجاملة، وسبك لطيف ومشى ظريف، حتى لا يوجب تقوية الباطل، و الحق تحيرا. فبناء على ذلك المقصود من قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن " المعاملة الحسنة والتصرف الذى فيه حسن. ولكن يمكن ان يقال انه يكفى في حسن التصرف ان لا يكون فيه مفسدة على اليتيم (1) بل لابد ان يكون مما يقدم عليه العقلاء. ويعاملون في امورهم


(1) بقول المقرر هذا محصل ما افاده سيدنا الاستاد مد ظله العالي ومرجعه على الظاهر إلى اعتبار المصلحة وفاقا للقوم، الا انه يعبر عن ذلك بعدم المفسدة، وكنا نورد عليه في البحث بانه عين اشتراط المصلحة واعتبارها، ولكن الانصاف، والنظر الدقيق ان كلامه اعم مما ذهب إليه القوم من اعتبار المصلحة، إذ المقصود انه يعتبر ان يكون في التصرف داع عقلائي، وان لا يكون عبثا، وان كان مساويا من حيث المالية بحيث لو لم يتصرف فيه لا ينتفع الصغير به ولا يتضرر

[ 17 ]

مثله، وبتعبير آخر يشترط ان يكون التصرف الواقع في مال اليتيم، لداع عقلائي فيه وان لم يحصل له نقع زائد على ماله، وما كان له، وهذا المقدار من الحسن. يكفى في جواز التصرف، دون الدواعى الحاصلة للولى الراجعة إليه فقط، فلو احتاج الابن إلى التصرف في مال ابنه، ببيعه من شخص آخر يقدر على قضاء وطره، ودفع الخطر منه، بحيث لو لم يبعه منه بقيمة المثل، لا يقضى حاجته ولا يدفع الخطر عنه، يجوز له ذلك وان كان الداعي فيه راجعا إلى نفسه ولم يحصل منه ضرر ونفع إلى ولده بل كان سيان في حفه الا ان هذا غير مربوط بالولاية كما تقدمت إليه الاشارة، فتلخص مما طويناه وحررناه، انه يشترط ان يكون تصرف الاب في مال ابنه لداع عقلائي وان لم يحصل في الخارج نفع زائد على ماله، بل لا بد من كونه على نحو لا يعد الاقدام عليه لغوا، كما لو بادل درهما من مال الابن بدرهم آخر ثم بادله بثالث بحيث ولا ينقص في مرتبة من المراتب (تدنيب فيه بحثان) الاول: ان الجد وان علا هل يشارك الاب في الولاية، بان يكون ولاية كل منهم في عرض ولاية الآخر، لا تقدم للاب عليهم، فهم على حد سواء لا فضل لمرتبة على الاخرى. الثاني: انه هل يشترط في ثبوت الولاية للجد وجود الاب وحياته، أو يشترط عدمه، أو لا يعتبر شيئ منهما بل له الولاية مطلقا اما الاول فالادلة المتقدمة في المضاربة بمال الطفل والصدقة عليه والوقف وفى النكاح، كلها في مورد الاب فقط لم يكن معه غيره، فلا يستفاد منها الا ثبوت الولاية للاب دون غيره، إذا لم يكن الاستعمال في تلك الموارد نظير قولنا، ابونا آدم، وامنا حوا، نعم استدل الامام عليه السلام لمشاركة الجد الادنى مع الاب في مورد نكاح الصغيرة فيقتصر عليه، إذ لا يستفاد منه ان كل ما للولد فهو لوالده ويمكن ان يقال انه يعلم من استدلال الامام لكون امر النكاح بيد الجد مع حيات الاب، ان الولد وكل ما هو ثابت له من

[ 18 ]

الولاية على ولده، فهو ثابت لوالده (أي الجد) ولا يقتصر على المورد، أي الولاية على النكاح، بل يستفاد منه حكم عام كلى وهو الولد وماله (بالفتح) وماله بالضم، فهو لوالده ومنه الولاية الثابتة له على ولده بعنوان الابوة، بخلاف الاحكام الثابتة له بعنوان آخر مثل الفقاهة والعدالة والقضاوة، فعلى هذا يشارك الجد الاب في ولايته على ولده. قد يقال ان مقتضى قوله تعالى واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض تقدم القريب ونفى الولاية عن الجد وعدم شركه الاجداد للاب في الولاية نعم خرج الجد الاول بالدليل فتلتزم به ونقتصر عليه وهذا الدليل انما يتم لو كانت الآية في مقام بيان تقدم بعض الارحام على البعض الاخر من ذوى رحم، بان يكون المراد ان الاب مثلا مقدم على الجد وهو على ابيه وهكذا. ولكنه يمكن ان يقال: ان الاية في مقام بيان تقدم ذوى الارحام على غيرهم، فان المفضل عليه يصح تقديره واولى الارحام بعضهم اولى ببعض من غير ذوى الارحام فلا ظهور للاية فيما استدل به المستدل من اولوية بعض الارحام وتقدم الاقرب فالاقرب. ولو سلمنا ذلك، فهو ايضا غير مربوط بالمقام، بل هو مخصوص باحكام الارث وتعيين طبقات الوارث. وليس حكما كليا شاملا لجميع الموارد، والا لكان الاستدلال بالكريمة لاثبات اصل الولاية صحيحا ولم يستدل احدبها في المقام بان يقال ان الاب اولى بابنه، فله الولاية عليه بل صح الاستدلال بها لا ثبات الولاية للابن على الاب وكل ذى رحم على رحمه وهو كما ترى وبالجملة اولوية بعض الارحام انما هو في مسألة الارث، وليس حكما كليا حتى يعتمد عليه ويحكم بتقديم الاقرب وعلى هذا يشارك الجد للاب في الولاية فلو وقع التزاحم بينهما يقدم الجد كما في الرواية اما البحث الثاني وهو اعتبار وجود الاب وعدمه فقد ذهب بعض من اصحابنا إلى اشترط كونه حيا، والا لا يثبت للجد ولاية بل يرجع الا مر الى الحاكم والفقيه وقال بعض العامة انه يشترط في ولاية الجدان لا يكون الاب حيا والا فلا ولاية له

[ 19 ]

وقد يستدل للقول الاول بما روى عن ابي عبد الله عليه السلام ان الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان ابوها حيا وكان الجد مرضيا جاز فان هوى أبو الجارية هوى وهوى الجد هوى، وهما سواء في العدل والرضا، قال احب ان ترضى بقول الجد، و وجه الاستدلال قوله عليه السلام (وكان ابوها حيا فيعلم من التقييد دخالة القيد في الجواز واصل الحكم) وفيه ان الظاهر من الرواية بيان حكم تزويج الجد للبنت وان امره نافذ ووليه متبع مع كون الاب حيا لا ان حيوة اب البنت من القيود و الشروط المعتبرة في الحكم كما هو واضح فتلخص ان وجود الاب وكذا عدمه لا يعتبر في ولاية الجد بل له الولاية مطلقا هذا تمام الكلام في ولاية الاب والجد

[ 20 ]

في ولاية الفقهاء اما الفقيه فله مناصب ثلثة: اثنان منها غير مرتبط بالمقام. الاول منصب الافتاء، وبيان الاحكام الشرعية، ليرجع إليه. ويؤخذ منه وهذا مربوط بمسألة الاجتهاد والتقليد، وقد بين فيها معنى الاجتهاد وشرائط المفتى، وانه أي عالم يصح منه الافتاء واعمال النظر واصدار الرأى. الثاني القضاء ورفع الخصومة وقطع النزاع بالحكم على طبق الموازين الشرعية، والقوانين المدنية الدينية، من الحقوق، والجزائية، وما يكون الفصل والقطع متوقفا عليه من توقيف المدعى عليه، حتى يقيم المدعى البينة، وتفصيل هذا المنصب وبيان شرائطه موكول إلى كتاب القضاء وقد ذكر فيه الشرائط المعتبرة في القاضى والقضاء. والثالث وهو الذى يدور حوله البحث في المقام، ولاية التصرف في اموال الصغار، والسفهاء، والمجانين، وجمع شتاتهم واصلاح امورهم، وتنظيم معاشهم بالمباشرة، أو بنصب القيم، لهم أو الاذن لغيره، وغير ذلك مما تسمعه في طى البحث انشاء الله ثم الكلام في المقام يقع في امرين (الاول) في كيفية ولاية الفقهاء وانحاء تصرفهم (والثانى) في منشأها، اما الاول فقال الاستاد الاعظم مد ظله العالي، ان الولاية المجعولة للفقيه شرعا (تارة يتصور استقلالا تا ما، بان يتصرف مستقلا في اموال الصغار وينظر في امورهم، ويكون امه نافذا في جميع شئونهم، و اخرى يتصور شرطا. بان يكون اذنه شرطا في جواز تصرف الغير في اموالهم، و رضايته دخيلا فيه، بيث لو لم ياذن لا يصح لاحد ان يتصدى امرا من امور من لا ولى له، وتقع كلتا الصورتان موردا للبحث والنظر.) واما الامر الثاني - فقد تقدم ان ما يقتضيه الاصل الاولى ان لا تكون لاحد

[ 21 ]

الولاية على غيره، خرج منه النبي والائمة عليهم السلام بالدليل، وحيث ان منشأ ولاية الفقهاء رضوان الله عليهم، ولايتهم عليهم السلام، وكونهما ولى بالمؤمنين من انفسهم، فلابد من التعرض اولا لولاية النبي واوصيائه عليهم السلام، وكيفيتها، ثم النظر في ان، أي قسم منها يصلح تفويضه إلى الفقيه، واعطائه اياه، اولا يمكن اصلا، بل هو من خصائصهم، وشؤون شخصياتهم، ويعد من مناصبهم القائمة بهم. واقوى ما استدل به، واصرح ما يعتمد عليه في المقام قول تعالى " النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم " في الامور الاعتبارية التى اعتبرها العرف في عيشهم ونظم امورهم، وادارة حياتهم، أو الامور المدنية، التى لابد منها في الحيوة الاجتماعية المختصة بالطبيعة الانسانية. أو الغالبة عليها، مما يصلح دينهم ودنياهم ولحفظ امنهم وايمانهم، واما كونه اولى بهم في الجزئيات المتعلقة بعموم الناس، فليس موردا للبحث ولا ثمرة لنا فيه، للقطع بعدم ثبوت هذه الولاية للفقيه على كل حال، بل المقصود الامور الاعتبارية الجعلية المختلفة باختلاف المعتبر والاعتبار، والاية في مقام اعطاء الولاية وجعلها للنبى على المومنين في نسخ تلك الامور بحيث ان له صلى الله عليه وآله ان يزوج صغيرة من شخص، يبيع اموالها، ويشترى لها، وكذا الصغير والسفيه، ومن هو قاصر عن القيام بامره، وتشخيص مصالحه، اما لنقص في عقله أو ضعف في رشده، بل وله صلى الله عليه وآله التصرف، في اموال الكبار، ونفسهم، فيما ثبت الولاية والجواز لهم من الشرع. وواما الامور التى لا يصح للمؤمنين ارتكابه، ولا يجوز اقتحامه كقتل انفسهم تبذير اموالهم وبيعها فاسدا، فهو خارج عن مدلول الآية قطعا ولا يستفاد ولايته بالنسبة إلى تلك الامور بل هي مخصوصة بما شرع للمؤمنين ارتكابه، والاقدام فيه. وبتعبير اوضع، ان جعل الولاية للرسول صلى الله عليه وآله أو لشخص على غيره ليس مشرعا، حتى يجوز لمن له السلطة والولاية قتل الغير وبيع ماله ربويا أو احراق داره، بل المتبادر والمعقول، ان الامور التى اجاز الشرع تصديها للمؤمنين أو

[ 22 ]

امضاه، يكون النبي صلى الله عليه وآله اولى بهم من انفسهم فيها، وليست الاية مطلقة شاملة لجميع انخاء التصرفات حتى تكون مخصصة للعمومات حتى المحرمات بل هي نظير قوله صلى الله عليه وآله الناس مسلطون على اموالهم (وانفسهم) بناء على ثبوت الفقرة الاخيرة ايضا إذا لم يقل احد، ان للناس قتل نفسهم وتبذير مالهم، ونقله باى نحو شاؤا، وكيل كالوا، وعقدار ادوا، بل لابد لهم من رعاية حدود السلطنة وقيودها، و الالتزام بشروطها والمشى في طريقة بينها الشرع، وحددها ولا يميلوا عنها، ولا يحيفوا عنها، ومثله ولاية النبي صلى الله عليه وآله في كونها عند الشرع، محدودة بما حدده، ومخصوصة بما شرعه. ثم ان في المقام بحثا قد تصدى له بعض الاصحاب وهو انه هل للنبى والامام عليه السلام من باب الولاية التصرف في انفس المؤمنين واموالهم، بغير رضى منهم ولو كان فيه ضررا عليهم بان يزوج صغيرة أو كبيرة من غير كفو، أو بما دون مهر المثل، أو باع دارا مع حاجة صاحبها إليه، أو ليس له ذالك. والحق انه لا مورد لهذا البحث اصلا، فان المسلم عندنا ان النبي والائمة عليهم السلام معصومون ولا يمكن اقدامهم على امر فيه اضرار على شخص، وان كان الظاهر فيما تقدم من الادلة ايضا ذلك، لشدة ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وقوتها، واولويته منهم. وقد يقال ان اعطاء الولاية من الله تعالى وجعلها للنبي صلى الله عليه وآله بحيث ان يكون له التصرف بما يريد ويشاء، مخالف لحكمة الله، ومناف لرأفته عل عباده وموجب لاستيحاشهم واضطرابهم، وهو بعيد عن ساحته تعالى. ويردد ذالك، بان الله الحكيم، جعل في الانبياء عصمة، تمنعهم عن المعاصي، تحفظهم عن المآثم، والاقدام بما يضر الامة، ويفسد العامه، فلا مانع ولا حرج في اعطاء الولاية له صلى الله عليه وآله على نحو العموم والاطلاق، واذ لا يقدم صلى الله عليه وآله قط على ما لا يصلحهم، فضلا عما يفسدهم، ويضرهم. لا يقال: ان قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة نزل في قضية تزويجه زينب بنت جحش من زيد بن ارقم ولم تكن

[ 23 ]

راضية بذلك، وظاهر الآية عدم الاختيار لاحد من المؤمنين ولا المؤمنات فيما اقدم عليه الرسول فيهم، وان امره وتزويجه نافذ، وان لم تكن به راضية، فانه يقال: يمكن انت يكون نزول الآية لتحصيل رضايتها، وقبولها ذلك، وانه يجب عليها ان تأذن في التزويج حتى يزوجها الرسول من زيد، وليست صريحة في انه صلى الله عليه وآله زوجها منه ولم تكن به راضية، مع انه لو ثبت امره كذلك في مورد خاص يكشف به عن امر الله تعالى في خصوص المورد. واما الاستدلال في المقام بانهم عليهم السلام وسائط للفيض بين الله وعباده فغير مربوط بالولاية المبحوث عنها، وان كنا سمعنا واستفدنا من الاستاد مد ظله العالي، في اثناء البحث استطرادا في هذا الباب ايضا ما ارشدنا إلى المعارف الآلهية العالية، والعقائد الحقة. تذييل بقى الكلام في انه كما يجب اطاعة الرسول صلى الله عليه وآله في الاحكام الشرعية والامور الاجتماعية السياسية، والاعتبارات العرفية، فهل يجب في الامور العادية، مثلا لو امر بقيام رجل وجلوس آخر، واكل ثالث، وشرب رابع، فهل يجب عليهم الاطاعة والامتثال لكونه صلى الله عليه وآله وليا عليهم واولى منهم، أو لا يجب ذلك، لانصراف الولاية إلى غير تلك الامور فوجهان. فان قلنا انه صلى الله عليه وآله كلما يقول ويأمر وينهى، فهو من جانب الله تعالى ومبدء الوحى والالهام، لقوله تبارك وما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى فلا يتصور له صلى الله عليه وآله امر شخصي اصلا، بل كلما يقول من امر ونهى، فهو مما انزله الله تعالى على الناس بلسانه، والزمهم ببيانه، فعلى هذا الفرض لا يتأتى البحث ابدا، إذ يجب الاطاعة قطعا، وتحريم المخالفة حتما. وان قلنا ان الآية غير ناظرة إلى الامور العادية والاوامر الشخصية، بل هي منصرفة إلى الاحكام الشرعية والاوامر الالهية، التى من شأنها نزول الوحى،

[ 24 ]

فيأتى الكلام، ويجرى البحث، في ان جعل الولاية وثبوتها له صلى الله عليه وآله، هل يستلزم ويوجب اطاعته في الامور العادية ايضا، بدعوى ان الظاهر ان من تشريعها وجوب اطاعة الولى في كل ما يأمر به، وينهى عنه، ولو لم يكن مربوطا بالاحكام الشرعية، والامور العرفية الاعتبارية الاجتماعية، أو لا يستلزم ذلك. وقد يستدل للاول بقوله تعالى النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم، اطعوا الله واطعوا الرسول، انما وليكم الله ورسوله والمؤمنين الاية ووجهه ان المستفاد منها، انه كما يجب اطاعة الله تبارك، يجب اطاعة رسول بقرينة المقابلة، وبتقريب اوفى، ان الله تعالى ثابت ولايته على الاطلاق ويجب اطاعته فكذلك ولاية رسوله واورد عليه بان الظاهر من الآيات، والمتبادر منها، ان الرسول صلى الله عليه وآله ولى المؤمنين، ويجب اطاعته في الامور الشرعية، والاحكام الالهية الدينية، التى تحتاج إلى بعث الرسل وانزال الكتب، وبلفظ آخر ان كل ما يعد من الدستورات الشرعية السماوية، والمتكلفة للسعادة الابدية، وبها قوام الامة ونظامها، يجب قبول امره ونهيه فيها، لا كل امر وقول يصدر منه، ولو لم يكن مربوطا بها. بل انما هي من الامور العادية الشخصية، والامر بالاطاعة في الآية، امر ارشادى، وليس بمولوى شرعى تعبدي، حتى يتمسك باطلاقه وعمومه، ولا يستفاد منها ازيد مما ذكرنا، ولا ابسط مما قدمناه بل انما ترشد إلى ان كل ما يأتي به الرسول من الله تعالى، يجب اخذه، نظير قوله الكريم ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا في ان الظاهر منه ومن امثاله وجوب الاخذ والانتهاء فيها يأتي به من جانبه تعالى من الاحكام وغيرها لا مطلقا (1)


(1) يقول المقرر: ان جميع الاوامر والنواهي الصادرة من الانبياء والاوصياء عليهم السلام، كلها ارشادية، تهدى إلى حكم الله الواقعي، الذي هو ملاك العقوبة والمثوبة - نظير الفتاوى الصادرة من الفقهاء، في انها ارشادية إلى الواقع، لا انها بنفسها احكام شرعية فعلية، وخطابات مولوية، بل هي تابعة لاوامره تعالى وتقدس، كما سمعناه كرارا من الاستاد الاعظم، الزعيم الفقيد الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي، وضبطناه فيما كتبناه من ابحاثه، وكان رحمه الله يحكى ذلك عن صاحب الحاشية ايضا.

[ 25 ]

ولكن التحقيق والانصاف، وما يقتضيه المذهب ان اطاعة الرسول في جميع الامور حتى العادية والاوامر الشصية واجبة، من جهة ان جعل الولاية وتشريعها لشخص على امة مستلزم لذلك، والا لا يستحكم امر الولاية وبتعبير اوفى ان استحكام امر الولاية وتسجيلها. بحيث يكون الولى عظيما، في اعين الناس، ومطاعا فيهم، يستلزم ان يكون امره في الامور كلها نافذا ورأيه متبعا، والا يتزلزل امره، وينهدم رأيه، ولا يقوم له قائمة بل تبقى اموره عاطلة وباطلة. وكذا الانصاف صحة الاستدلال في المقام بقول تعالى " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة " لما ورد في التفسير ان زينب بنت جحش استشارت النبي صلى الله عليه وآله في التزويج، و امرها الرسول بالتزويج من زيد، فكرهت هي واختها ذلك وقالتا انه عبد، ونحن كذا وكذا، فنزت الآية، وظاهر القضية ان النبي صلى الله عليه وآله لم يزوجها من زيد، بايقاع العقد عليها واجراء الصيغة من قبلها بل انما ارمها بالتزويج بعد المشاورة، ولم تك زينب راضية والاية فقد ردت عليها، وانكرت ذلك منها ونفت الاختيار والاستقلال عنها، واوجبت عليها التسليم لامره واطاعة رأيه صلى الله عليه وآله وكذا يصح الاستدلال بقوله تعالى اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم إذ الظاهر منها ان اطاعة الرسول واولى الامر واجبة على الناس، كما يجب عليهم اطاعة الله تبارك وتعالى، هذا ما يقتضيه وحدة السياق ويفهم العرف من نظائره، مثلا لو قال ملك في حق رجل هذا خليفتي فيكم، وحجتي عليكم، ثم امر الناس باطاعته وقال اطيعونى واطعوا خليفتي، ليعلم العرف، ويستفيد منه، ان خليفة السلطان، المعبر عنه (بنماينده شاه أو نائب السلطنة) يجب اطاعته على كل فرد من الرعايا، في كل امر من امور المملكة، التى كان لنفس السلطان فيه دخل، وتصرف وولاية، وامر ونهى ورأى، دون الامور التى لم يكن له ايضا

[ 26 ]

ولاية، كقتل النفوس، ونهب الاموال، فعلى هذا، بعد ما جعل الله تبارك، الولاية للنبي والائمة عليهم السلام وتشريعها لهم بقوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " ثم امر الناس باطاعة الولى بقوله تعالى " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم " يستفاد منه قطعا، ويتبادر إلى ذهب العرف جزما، ان ولى امر الامة وامامهم، يجب اطاعته على الرعية ويحرم مخالفته على الامة في كل امر ورأى وبعث ونهى مطلقا، ولا يرد ما تقدم، من دعوى انصراف الآيد، إلى وجوب الاطاعة في الاحكام الشرعية الدينية فقط، لما عرفت ان المستفاد من الآية، بعد التنظير بما تقدم من الامثلة، وليس الا وجوب الاطاعة في كل شئ، كما ان اطاعته تعالى فيه واجبة. ويدل على ما ذكرنا بعض النصوص الواردة في موارد خاصة، كرواية عمر بن حنظلة، ومشهورة ابي خديجه، عن ابى عبد الله عليه السلام: ففى الاولى بعد الامر بالرجوع إلى الفقهاء، قال عليه السلام فانى جعلته قاضيا وفى الثانية فانى قد جعلته عليكم حاكما، إذ يعلم ان جعله شخصا حاكما، وتعيينه مرجعا، مما يجب على الناس اطاعته فيه، ولا يجوز رده ومخالفته، ولذا اكده بقوله فهو حجتى عليكم وانا حجة الله عليهم، وبالجملة المستفاد من الروايتين، ان جميع اوامر اولى الامر واجب الاطاعة والامتثال (1). وقد يستدل بحكم العقل لوجوب اطاعة النبي والائمة عليهم السلام في كل شئ، وتوضيحه ان الرسول والائمة اولياء النعم، ولولاهم لما خلق الله الافلاك، وببركتهم ثبتت الارض والسماء وبيمنهم رزق الورى، ويحكم العقل بوجوب شكر من كان كذلك واطاعته، ويستقل عليه، حيص ان وجود الانام، وما يعيشون


(1) يقول المقرر الاستدلال بالروايتين غير وجيه في المقام إذ القضاوة ليست من الامور العادية الشخصية بل هي من الامور الاجتماعية السياسية التي يجب اطاعة اولى الامر فيها ولكن الاستاد مد ظله كان يعتمد في الاستدلال على قوله (ع) فانى جعلته حاكما

[ 27 ]

به كله منهم وبهم لكن الظاهر، ان المراد من المنعم الذى يجب شكره واطاعته من بيده الايجاد والابداع، وله دخل في اصل الخلقة، وشموله للوسائط في الفيض والوسائل في وصول النعم، غير معلوم بل معلوم العدم. والا لوجب اطاعة كل من له ادنى حق، واقل دخل في تربية الانسان وتكميله. ولكن يمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، وان لم يكن داخلا فيما يستقل به العقل، وهو ان يقال: انه بعد ما ثبت وجوب اطاعة الوالدين شرعا يجب اطاعة النبي والائمة في جميع الامور. بمفهوم الموافقة.، لاولوية اطاعة النبي والامام عليهم السلام لوضوح الفرق بين النبي والامام عليه السلام وبين آباء الانام، كالثرى والثريا فان احسان الاباء إلى الاولاد، وبرهم بهم، في مقابل البركات الواصلة إلى جميع الانام، من النبي والامام، كالقطرة في جنب البحر، أو اذرة بالنسبة إلى الدرة، فانهم عليهم السلام، وسائط للفيوضات الكاملة، والنعم الدائمة الباقية، والكمالات الروحانية فما صار علة وسببا لوجوب اطاعة الوالد على الولد، يوجد في النبي والامام عليه السلام، اكمله واعلاه، ولهذا قال صلى الله عليه وآله انا وعلى ابوا هذه الامة، وبالجملة يستفاد من جميع ما تقدم، ان النبي والائمة عليهم السلام، يجب اطاعتهم مطلقا، وان لهم الولاية المطلقة، وان امرهم نافذ في حق الرعية هذا تمام الكلام بالنسبة إلى تصرفاتهم استقلالا. واما كون التصرفات الصادرة من الغير من المعاملات وغيرها مشروطة باذنهم، جوازا ونفوذا، فيقال بعد ورود العموما الدالة على سلطنة الناس على اموالهم، وصحة معاملاتهم، مثل ما يدل على صحة معاملاتهم، مثل ما يدل على صحة البيع وجوازه وغيره من سائر العقود والايقاعات. ان الظاهر استقلالهم في التصرف تكليفا ووضعا من دون حاجة إلى الرجوع إليهم عليهم السلام وان اذنهم ليس شرطا فيها تفصيل الكلام في المقام، ان الارض وما فيها كلها لله، وبيده تعالى امرها،

[ 28 ]

ولا يصح لاحد التصرف في شيئ منها الا باذنه، وقد ثبت الاذن من الله، بالادلة العامة الدالة على اباحة التصرفات في الاملاك والمباحات، تكليفا ووضعا مع الشرائط المعتبرة فيها، كقوله تعالى " احل الله البيع ". " أو وفوا بالعقود " ونظائره، ولا يحتاج التصرف في امثال تلك الامور إلى الاذن من النبي أو الامام، وما ورد من ان الارض والسماء لهم عليهم السلام، ليس المراد ان الملكية الاعتبارية المجعولة للناس في اموالهم، ثابتة لهم ايضا في عرض مالكيتهم حتى يشترط الاذن في التصرف، بانقل والانتقال، بل المراد الملكية المتقدمة على مالكية الناس مضافا إلى احتمال كون المراد من سنخ تلك الاخبار، ان لهم الاحاطة والقدرة باذن الله كما انه تعالى له الاحاطة التامة والقدرة الكاملة العامة، وما يشاؤن الا ان يشاء الله. وهم بامره يفعلون ويعملون. وكذا لا يشترط اذنهم في التكاليف الشخصية المتعلقة بالمكلفين، المتوجهة إلى المسلمين كالصلوة، والزكوة، والصيام، والحج، وغيرها من الوظائف الدينية بداهة ان ادلة الولاية المطلقة الثابتة: لا يقتضى اعتبار الاذن فيما ذكر، مع وجود المطلقات والعمومات: نعم يمكن القول باعتباره في الامور المجعولة لحفظ النظام، وحقوق الانام، من القضايا التى لا يصح الا قدام عليها الا بمعونة الزعيم والامام، ولا يتأتى من كل رعية وعوام. واستدل الشيخ قدس سره لذلك بالنصوص الواردة في المقام، وان يمكن الخدشة في بعضها، الا ان بعضها الاخر تمام. مثل ما روى عن علل الشرائع بسنده عن فضل بن شاذان عن مولانا ابي الحسن الرضا عليه السلام في علل حاجة الناس إلى الامام انه قال ومنها انا لا نجد فرقة من الفرق. ولا ملة من الملل، عاشوا وبقوا الا بقيم ورئيس لما لابد منه في امر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم، ان يترك الخلق فيما يعلم انه لا قوام لهم الا به.

[ 29 ]

والظاهر منها ان عدة من الامور مما لابد منها في قوام الملة ونظم الرعية بحيث لولاها لاختل النظام، وفسدت معيشة الانام، وتكثر الفتنة، ونزداد الحيرة وينجذم حبل الدين والدنيا، إذ ليست تلك الامور مما يمكن صدوره من أي شخص، وفرد، بل لابد في اجرائها من وجود الزعيم، وحكم القيم، الذى له الولاية على الرعية، والزعامة للامة، ولهذا نرى في عيشنا، وفى كل مجتمع: ان طبقات الناس في منازعاتهم يرجعون في بدو الامر إلى زعيمهم. ولب الكلام في المقام، ان كل امر يعد من شئون الرياسة والحكومة، يعتبر فيه اذنه عليه السلام، وبه يقيد ايضا المطلقات الدالة على جواز التصدى لكل فرد، مثل قوله تعالى " ولكم في القصاص حيوة يا اولى الالباب " " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " وهو ان كان مطلقا شاملا لكل من كان وليا لدم المقتول، فله ان يقود من القاتل وقتله بالقصاص، الا انه لابد من تقييده والحكم باشتراط اذن الامام في اجرائه، فانه المفزع عند البلية، والمرجع عند النازلة، ولا يجوز لاحد البدار فيه الا بعد اذن الزعيم والرئيس، مضافا إلى ما ورد في بعض النصوص من اعتبار اذنه عليه السلام، في مثل اجراء الحدود والتعزير، وبالجملة نفس جعل الولاية للامام عليه السلام يقتضى اشتراط اذنه (عليه السلام) في الامور العامة المجعولة لحفظ السياسة ونظم الامة ولا يحتاج إلى دليل خاص، حتى يقيد به الاطلاقات الاولية، وان ورد ايضا في بعض النصوص ثم ان البحث في اعتبار اذن الامام في بعض الامور، لا ينفع في زمن الحضور للتمكن من الوصول إلى الحجة فلو شك في شئ انه يعتبرا لاذن فيه ام لا فيرجع إلى الامام ويسئل عنه ويرتفع الشك. واما في زمان الغيبة وعدم التمكن من الوصول إلى الامام عليه السلام فينفع. وملخص الكلام، ان بعض الامور قد علم عدم دخالة الاذن من الامام فيه كالامر بالمعروف والنهى عن المنكر لمن يعرفهما وهو واضح.

[ 30 ]

ومنها ما علم ان الشارع اراد وجوده في الخارج، ولم يرض بتركه، كالصلوة على الجنائز التى لاولى لها فحينئذ لو شك في اشتراط الاذن من الامام أو نائبه في صحتها، يكون داخلا في مسألة الاقل والاكثر فيجرى البرائة فيه. ومنها ما ليس كذلك، كما لو شك في اعتبار الاذن في شئ واحتمل كونه دخيلا في اصل وجوبه، وتعلق الارادة به، وترتب المصلحة عليه، كاجراء الحدود واقامة الجمعة، وغيرهما مما يحتمل كونه من الوظائف التى يقوم بها شخص الامام، أو من هو مأذون منه، فحيئذ يكون الشك في اصل التكليف، فيجرى فيه البرائة. وبالجملة الاذن المشكوك اعتباره، قد يحتمل كونه من مقدمات وجود المكلف به وشرطا فيه. كما لو علم ان الشارع اراد وجود شئ في الخارج ولم يرض بتركه، ولكن يشك في انه يعتبر الاذن فيه من نائبه العام أو الخاص ام لا فيرجع الشك إلى القيد الزائد فيحكم بالاصل على عدم اعتباره. وقد يحتمل كون الاذن دخيلا في اصل الوجوب وشرطا له، كما في صلوة الجمعة. لقوله تعالى إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الاية لاحتمال كون المنادى هو الامام، أو المأمور من قبله، فيكون الشك في اصل التكليف والجواز ومقتضى الاصل عدمه، ومثله ما يحتمل كونه شرطا للوجود مطلقا ولو في زمان الغيبة، ولا فرق في ذلك بين الوجوب الكفائي والعيني، نعم وشك في اشتراط الاذن، فيما يكون مختصا بالامام عليه السلام وعلم ايضا انه اراد وجوده في الخارج. كسهم الامام من الخمس، يعتبر تحصيل الاذن من نائبه العام، والا لا يحصل البرائة من التكليف اليقيني الثابت، والحاصل انه بعد ما علم، ان سهما من الخمس مختص بالامام عليه السلام، ففى حيوته وحضوره، لابد من ايصاله إليه، واما زمان الغيبة فمن المعلوم ان اخراج سهمه عليه السلام واجب يقينا، ويعقب تاركه، ولكن يشك في ان اذن نائبه معتبر ام لا، فمقتضى القاعدة اعتبار الاذن، للشك في سقوط التكليف

[ 31 ]

بدونه، وليس المورد كالصلوة على الجنائز، في اجراء البرائة فيما يشك اعتباره في الملكف به، لوضوح الفرق بينهما، كما هو غير خفى لمن تأمل، هذا تمام الكلام في ولاية النبي والامام، والمهم ان نتعرض لولاية الفقيه وكيفيتها وانها ثابتة في اموال الناس وانفسهم، كمال انها للنبي والامام عليه السلام، أو ليس كذلك من الواضح المسلم انه ليس للفقيه ولاية تامة مطلقة، بحيث ان ينصرف في اموال الرعية، ويجب على الناس اطاعته في كل ما يأمر وينهى مطلقا، قبل الشروع في ذكر النصوص فاقول عظة لنفسي اولا، لانى احق به ولغيري ثانيا، ان تولى امر الامة، والاقدام في الجهات العامة، من التصدى لامور الصغار، وفصل الخصومة وقطع الدعوى، وتولى امر السفهاء والغيب، والتصرف في بيت المال وحقوق الفقراء والسادات والايتام، وغير ذلك من الاحكام الثابتة في زمان الغيبة، امر مشكل حقا، وصعب. جدا ينبغى التحرز عنه والحذر منه، وان لا يقدم عليها، الا في موارد تقتضيه الضرورة، بعد ما يكون المتصدي اهلا له، ولائقا به، واعيا لاحتياطه، ولا يكون من الذين يهلكون ويهلكون ويظلون ويظلون، قال النراقى قدس ره في العوائد: نرى كثيرا من غير المحتاطين، من افاضل العصر وطلاق الزمان، إذا وجد وافى انفسهم قوة الترجيح والاقتدار على التفريع، يجلسون مجلس الحكومة: ويتولون امور الرعية اقول وفى زماننا قد يتصدى الامور، من ليس له قوة الترجيح، ولا الاقتدار على التفريع، وبالجملة الاقدام بما ذكر. امر مهم وخطب عظيم، ينبغى التورع فيه، والتحفظ والتجافى عنه، الا في موارد لابد من الاقدام عليها، والورود فيها، وعلى كل، المهم ذكر النصوص الواردة في المقام، ثم النظر الدقيق، والتأمل، فيما يستفاد، من المناصب للفقهاء الكرام، وهى كثيرة جدا، يطول البحث بذكرها جميعا، فنورد بعضا منها ما هو المعروف المشهور، بحيث صار كالمثل السائر، وهو: العلماء ورثة الانبياء وظاهر الرواية ان العلماء يرثون الانبياء، كما يرث الوارث عن المورث

[ 32 ]

امواله، ولكن ارث المال غير مراد قطعا، فعلى هذا. فهل المراد انهم ورثة الانبياء في جميع مناصبهم، المجعولة لهم من الله تعالى التى منها السلطنة المطلقة على التصرف في اموال الناس ونفوسهم، أو المراد انهم ورثتهم فيما هو من اظهر خواص النبوة والرسالة وهو امر التبليغ والارشاد، والافتاء، وهداية الانام إلى صراط العزيز الحميد، وتعليم الناس وتزكية نفوسهم، وتهذيب اخلاقهم الظاهر المتيقن منها هو الثاني، كما يشهد عليه بعض عليه بعض الكلمات المذكورة في الرواية، وتمامها على ما في الكافي، عن ابي البخترى، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان العلماء ورثة الانبياء وذاك ان الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ بشئ منها فقد اخذ حظا وافرا فانظر واعلمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين إذا الظاهر المتبادر، ان العلماء اورثوا احاديث الانبياء، وعلمهم فكما ان عليهم نشر الاحكام، ومنهم يؤخذ العلم، فكذلك العلماء عليهم نشرها، وعلى الناس ان يأخذوا منهم لان علمهم من علوم السفراء. وهو ذو وحظ وافر، لما تمسكوا باذيالهم واقتبسوا من انوارهم، واستضاؤا بنور علمهم واما ان لهم المناصب الالهية، التى كانت موهبة من الله إلى الانبياء فغير مستفاد منه ويمكن دعوى ان الظاهر من قوله العلماء ورثة الانبياء، انهم الورثة في جميع المناصب، الا ما اخرجه الدليل، ويدل ذيل الرواية، على انهم لما كانوا عالمين بالاحكام والاوضاع، اورثوا مناصبهم وبتعبير اوفى انه في مقام بيان المنزلة التى اوجبت للانبياء بين الناس العظمة، ولاجلها جعلت لهم الولاية، وهى الفضيلة العلمية وكونهم واقفين على احوال الامة، وبصيرين بالمصالح العالية، و ان تلك الجهة موجودة اجمالا في العلماء الراشدين، الذى وقفوا على اسرار احاديث سيد المرسلين وآثار المعصومين، صلوات الله عليهم اجمعين، فهم الاتقون بالوارثة، والنيابة عنهم، فيما يتعلق بهم، من الزعامة والسياسة، والولاية

[ 33 ]

والرياسة وبين في الرواية ايضا وجه ذلك بقوله، وذلك ان الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا الخ وبالجملة، المستفاد من الرواية ان العلماء بسبب كونهم عالمين بالاواضح، والاحكام، اورثوا من الانبياء مناصبهم، فيجوز لهم التصدى في كل ما كان لهم، الا ما صد عنه الدليل. ان قلت بناء على ما ذكر من معنى الرواية، يلزم جواز تصرف كل عالم و راو في اموال الصغار والمجانين، وان لم يكن فقيها، وان لا يجبب عليهم الرجوع إلى الفقيه والحاكم، وهذا مما لا يلتزم به، قلت قد تقدم مشروحا ان الامور العامة، المربوطة بحفظ الامة، ونظام الملة، لابد من الرجوع فيها إلى الرئيس و والزعيم، لئلا يلزم الهرج في المجتمع الانساني، ولا يكثر الجدال والنزاع، فيجب على كل من ليس بمجتهد، الرجوع إلى الفقيه بعد ثبوت الولاية له، وان يأتمروا بامره ويعملوا برأيه: ولا يتصرفوا فيما ذكر من الامور الا باذنه ان قلت يلزم ايضا ثبوت الولاية للفقهاء والروات في عرض ولاية الائمة، قلت لا مانع عنه، ولا حرج فيه بعد الاذن لهم، كما في رواية محمد بن اسمعيل ابن بزيع ويأتى قريبا وفيها بعد ما سئل الراوى ابا جعفر عليه السلام عن بيع متاع الصغار وجواريهم ان كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس فلا مانع عن ثبوت الولاية لهم في زمان الائمة، اذمن المعلوم ان ولايتهم ليست بحيث يزاحم ولاية من هو اولى منهم ويمانعها ويعاندها حتى لو اراد الامام تصرفا خاصا في مال صغير، و اراد فقيه خلافه ليقع التزاحم، ضرورة انهم عليهم السلام اولى بالمؤمنين من انفسهم في جميع الشئونات المتعلقة بهم، في امر دنياهم ودينهم، ومنهم الفقيه الذى له الولاية على الصغار وغيرهم فولايتهم عليهم السلام دائما حاكمة عليه، على ولايته ومناصبة، نعم له ان يتصدى بعض الامور ويتصرف في بعض الشئون، المربوطة بالصغار وغيرهم من دون وجوب الاستيذان من الامام خصوصا بل يكفى الاذن العام، المجعول في المقام بنحو الدوام والتأييد، لامثال ابن بزيع و عبد الحميد،

[ 34 ]

ومنها ما روى عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: العلماء امناء يحتمل ان يكون الرواية ناظرة، إلى ان العلماء امناء في نقل الرواية و بيان وظائف الامة من الاحكام الشرعية، المتعلقة بهم التى يحتاجون إليها في معيشتهم وان عليهم ان يأخذ وامنهم ويعتمدوا بقولهم ويسترشدوا بهدايتهم ويتبعوا آثارهم وعلى هذا ليست في مقام جعل الولاية. لكن لا يبعد دعوى ان الظاهر منها ارجاع الغير إليهم فيما كان يرجع فيه إلى الامام، وانهم يتصدون ما كان يتصديه عليه السلام وهم المنصوبون لذلك من قبله، كما لو قال سلطان ان زيدا امينى أو اخبر ملك رعاياه بان فلانا امين يفهم العرف من كلامه ان الامور التى كانت بيده و يرجع فيها إليه، مفوضة إلى امين فهو المرجع فيها والمتصدي لها سيما لو اخبر من قبل ان فلانا وكيلى، ثم اخبر انه امينى كما في المقام، إذ قد ورد ان العلماء ورثة الانبياء وورد ايضا العلماء امناء فعلى هذا استفادة الولاية للعلماء في الامور العامة، من امثال هذا الخبر غير بعيد. ومنها مرسلة الفقيه عن امير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي قيل يا رسول الله ومن خلفائك قال: الذين يأتون بعدى ويروون حديثى، وظاهر المرسلة، ان هولاء خلفائه صلى الله عليه وآله وتوصيفهم بانهم يروون حديثى، انما هو لبيان من هو الخليفة وتعيين مصاديقه، لا بيان الوظيفة لهم وانها رواية الحديث ونشر الاحكام وتبليغها فقط. ومنها رواية على بن ابي حمزة عن ابي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها، المستفاد منها، ان حفظ الاسلام والمسلمين بسبب اجراء الاحكام والقوانين بيد الفقهاء، فكما ان البلدة تحفظ بسورها كذلك الاسلام والمسلمون يحفظ بفقهائهم فهم الحافظون لهم، الكافلون لامرهم. والناظمون لدينهم ودنياهم، الناظرون في مجتمعهم، وشتى شئونهم ومدنهم.

[ 35 ]

ومنها رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا قال: اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم وهذه في الدلالة نظير ما تقدمت عن اسماعيل ابن جابر. ومنها ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: افتخر يوم القيامة بعلماء امتى فاقول علماء امتى كساير انبياء قبلى. وجه الاستدلال به، ان الظاهر من الرواية ان الامر الامة بيد العلماء، كما ان امر الامم السالفة كان بيد الانبياء، والتأويل في نظائر هذا الخبر، والتصرف فيها ان العلماء خلفاء الرسول، في نقل الروايات ووارثوا الرسل، في نشر الاثار الباقية منهم، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر. ومثلهم في تبليغ الشريعة وهداية الامة، يشبه التأويلات الباردة، الصادرة من المعاندين، في النصوص الواردة من النبي صلى الله عليه وآله في فضل امير المؤمنين وخلافته، وزعامته وامامته، من ان المراد من الخلافة الثابتة لعلى عليه السلام في النصوص الكثيرة، ليست الزعامة للامة، و المرجعية للعامة، والامامة على الكافة، بل هو عليه السلام خليفته صلى الله عليه وآله في نقل الرواية، وبيان الاحكام والمسألة وهذا مما لا يساعده العرف العليم. والذوق السليم بداهة ان الظاهر من الخلافة. الزعامة والرياسة، كما ادعاه الناس للاول والثانى مع اختلاف المباني، وبالجملة لسنا بصدد اثبات ان كل ما كان ثابتا للنبى والائمة (ع) من وجوب الاطاعة وغيرها من الشؤن الثابة للرسالة فهو مجعول في حق الفقهاء وثابت لهم بتلك الادلة العامة، بل المراد انهم ممن يصح لهم التصدى لبعض الامور المتقدمة، وليسوا كغيرهم من افراد الامة. الذين لم يثبت فيهم تلك الفضيلة وهذه الرخصة كيف وهم الافضلون كما في الآثار الواردة وخير خلق الله إذا صلحوا بعد الانبياء والائمة كما في المروى عن الاحتياج قيل لامير المؤمنين عليه السلام: من خير خلق الله بعد ائمة الهدى ومصابيح الدجى قال: العلماء إذا صلحوا وفى المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: فضل العالم على الناس كفضلي على ادناهم،

[ 36 ]

وعن المنية للشهيد ان الله تعالى اوحى إلى عيسى: عظم العلماء، واعرف فضلهم فانى فضلتهم على جميع خلقي، ومضمون الاولى من الروايتين، ان العلماء مقدمون على غيرهم، كما ان النبي صلى الله عليه وآله كان مقدما على غيره، فلا يصلح تقدم الغير عليهم، أو تساويه معهم، الا على مذهب من قال: الحمد لله الذى قدم المفضول على الفاضل ومنها عن الصادق عليه السلام انه قال: الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، والمتبادر السابق إلى الاذهان، من حكومة العلماء، على الملوك والزعماء الولاية عليهم والزعامة لهم كما ان للسلاطين والامراء في نظر العرف العام الزعامة، والدخالة في لامور العامة، من تأديب الجهال والمتمردين، من باب السلطنة والولاية كما ورد السلطان ولى من لاولى له فكذلك العلماء. لهم جميع ذلك على جميع الامة، حتى على حكامهم العرفي، فيجب على الملوك والامراء ان يكونوا لاوامرهم مطيعين ولا فعالهم تابعين، ولرأيهم سامعين، وعلى حكمهم واقفين، وببيان اوفى، ان الحكام العرفي، والزعماء الصوري، بمنزلد القوى المجرية: لاراء العلماء، وحكم الفقهاء، فعليهم ان ينفذوا حكمهم: ويجروا امرهم، فالامر ان الملوك والامراء الا كأيديهم، لا نجاح امانيهم، أو كالعمال ورعيتهم، الساعين تحت رايتهم ومنها التوقيع المروى في الاكمال والغيبة والاحتجاج، واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة احاديثنا فانهم حجتى عليكم وانا حجة الله عليهم، يمكن الخدشة فيه، ان المراد من الحوادث غير معلوم، إذ لم ينقل السؤال فيه بتمامه، ولعله كان عن امور محدودة، ومطالب معدودة لو نقلت الينا جمع، لما يستفاد تعميم الرجوع إلى الرواة، لكن لا يبعد دفعها، بان كيفية السؤال وان كانت غير مذكورة، الا انها تظهر من الجواب وتعلم منه، إذا المراد من الحوادث ليس كل ما يحدث ويقع في الخارج، كالاكل والنوم وغيرهما، بل الامور التى تقع في المجتمع الانساني تحتاج إلى مصلح، ومتصد لها، ومقدم فيها، كالقتل و

[ 37 ]

السرقة وغيرهما من الاعمال المنافية لنظم لاجتماع وامنه التى يحتاج الرعية فيها إلى مرجع وزعيم ومصلح ومقتدر واحتمال كون المراد من الحوادث موضوعات حادثه وامور مستحدثه مجهولة حكمها كشرب التتن ونظائره من الامورات المستحدثة الكثيرة في عصرنا كما توهم، مخالف لظاهر الرواية نعم يشتمل التوقيع تلك الامور ايضا بعمومه ويؤيد ما استظهرناه التعليل المذكور فيه بانهم حجتى عليكم وانا حجة الله عليهم (1). ومنها رواية ابي خديجة قال: قال أبو عبد الله: انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا وفي رواية اخرى له اجعلوا بينكم رجلا، ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا ومنها - مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في متنازعين ينظر ان من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا، فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك يستفاد منها ان المرجع في القضايا الواقعة بين المسلمين، مما لا يخلوا منه زمان ولا مكان ويبتلي به الرعية واكثر الامة هو العالم باحكام تعالى والناظر في حلاله و حرامه، وان التمرد عن امره والتخلف عن رأيه، وعدم الاعتناء بشأنه كالشرك بالله


(1) يقول المقرر يكفى في عدم صحة الاستدلال بالتوقيع، احتمال كونه صادرا في امور مخصوصة، كما يشعر به الصدر وهو قوله وقد كتبت مسائل، فيعلم ان السائل قد كان اشكلت عليه مسائل فكتب إليه عليه السلام، ثم صدر التوقيع، اما فلان فكذا. واما فلان فكذا، واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة احاديثنا والسياق اقوى شاهد على ما ذكر، وان اجاب عنه الاستاد مد ظله، الا انه لم يكن جازما به، واما التعليل فهو صالح لكلا القسمين من الامور بل هو انسب بما لم يعلم حكمه، فلا وجه للتأييد المذكور في المتن - المقرر -

[ 38 ]

والرد عليه، فالعالم هو الذى ينفذ في تلك القضايا امره ويتبع رأيه ونظره. ومنها المروية في تحف العقول، عن مولينا سيد الاباء، ومحيى نفوسنا اما الشهداء الحسين بن على عن امير المؤمنين، عليه آلاف الثناء ان مجارى الامور والاحكام على ايدى العلماء والرواية مفصلة مطولة لا تسمع ذكرها الوجيزة، ولكن اورد منها، ما له ظهور تام، ودخل في المقام، على ان كلامه عليه السلام، تفوح منه الحرية والشجاعة، والشهامة والرشادة يرشد الجاهل ويهيج الباطل العاطل وعلى كل حال اورد الرواية، من الوافى كتاب الامر بالمعروف بعد اسقاط شطر منها عن سيد الشهداء عن امير المؤمنين عليهما الصلوة والسلام انه بعد الحث بالامر بالمعروف، والنهى عن المنكر وان به رد المظالم ومخالفة الظالم واستقامة الدين قال: ثم انتم ايها العصابة عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في انفس الناس مهابة يها بكم الشريف، ويكرمكم الضعيف ويوثر - كم من لا فضل لكم عليه إلى ان قال وانتم اعظم مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو يسعون، ذلك بان مجارى الامور والاحكام على ايدى العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، فانتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك الا بتفرقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة ولو صبرتم على الذى، وتحملتم المؤنة في ذات الله كانت امور الله عليكم ترد وعنكم تصدر، واليكم ترجع، و لكنكم كنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم امور الله في ايديهم يعملون بالشبهات و يسيرون في الشهوات سلطهم على ذلك فراركم من الموت واعجابكم بالحيوة الخطبة وهى كما ترى ظاهرة في ان للعلماء منزلة ودرجة، يقتضى ان يكون مجارى الامور بيدهم، كما تصدر الاحكام والفتاوى منهم، لكن الظالمين المعاندين، غصبوا حقهم، وتقدموا عليهم، وان كان ذلك بتفرقهم، وسوء تدبيرهم ومداهنتهم ولو انهم صبروا على الاذى ولا يخافوا من النفى والبلاء، لم يسلبوا تلك المنزلة،

[ 39 ]

وهذه الدرجة ولاستقر الحق في مقره، ولا يدور الا في مداره، وما تمكن الظالم من اعناقهم، واضاعة حقوقهم وصاروا هم المرجع، في جميع شئون المسلمين والمصدر لامر الدنيا والدين، وجلسوا في سرير القضاوة والولاية، ونظروا في امور الرعية وتصدوا نظام الامة، وتكون مجارى الامور بيدهم وتكامل الاجتماع منهم، كما ان الافتاء مخصوص بهم ولا مطمع فيه لغيرهم، ومن الاسف ان الاعداء اخذوا فتاويهم، واجروا الامور باهوائهم وبالجملة ما روى من الامام عليه السلام، من الكلمات الوزينة، والدر الثمينة، له ظهور تام في المقام من اثبات الولاية للفقهاء الكرام لا يتوهم ان الظاهر من الرواية، الوعد والبشارة لو كانت يده مبسوطة، بمعنى انه عليه السلام بصدد بيان ان اصحابه لو امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لكان الامر مستقرا في يده، ثم ينصبهم لمجاري الامور، وكانه يقول عليه السلام: لو اطعتم الله و رسوله وجاهدتم، لاستقر الامر في يدى ثم انى كنت انصبكم للولاية والقضاوة وساير مصالح الامة، إذا هو مدفوع بان الظاهر من الرواية ان هذه فضيلة وكرامة من الله تعالى للعلماء، وحكم شرعى الهى وتعيينه عليه السلام وجعله هذه المناصب لهم ليس مستندا بالامر الشخصي والوعد الخصوصي، بل هو بيان الحكم الشرعي المجعول لهم من الله تعالى، لا حكم شخصي يتحقق بنفس الجعل كما يتفق لبعض العوام من الامة لو نصبه الامام لامر من الامور. ومنها - المروى في العلل باسناده عن فضل بن شاذان عن ابي الحسن الرضا عليه السلام، قد تقدم في ولاية النبي والائمة، وهو في بيان علل حاجة الانام، إلى الولى والامام، وانه لاى جهة تعجب اطاعة اولى الامر، قال عليه السلام بعد ذكر عدة من العلل الموجبة لوجوده في المجتمع الانساني. منها ان الخلق لما وقفوا على حد محدود، وامروا ان لا يتعد واذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك، ولا يقوم، الا بان يجعل عليهم فيه امينا، يمنعهم عن التعدي، و الدخول فيما خطر عليهم، لانه ان لم يكن ذلك كك، لكان احد لا يترك لذته

[ 40 ]

ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم عن الفساد، ويقيم فيه الحدود والاحكام. ومنها انا لا نجد فرقة من الفرق، ولا ملة من الملل، بقوا وعاشوا، الا بقيم ورئيس، لما لابد لهم من امر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم منه، ولا قوام لهم الا به، إلى ان قال عليه السلام ومنها انه لو لم يجعل لهم اماما قيما امينا، حافظا مستودعا، لدرست الملة، وذهب الدين، وغيرت السنة والاحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه المحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لانا قد وجدنا الخلق منقوصين، محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف اهوائهم، ونشتت انحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما، حافظا لما جاء به الرسول. لفسدوا الخبر، والرواية وان كانت وردت في علل الاحتياج إلى الامام المنصوب من الله تعالى، لكنه يستفاد منها حكم عام بملاك واحد، ومناط جامع، وهو ان الطبيعة البشرية، والغرائز الحيوانية، تقتضي وقوع الاختلاف، والتزاحم والجدال، والتنازع والتشاح، وكذا تقتضي سلسلة من الامور وتحققها في بقاء نظمهم، وصيانتهم وحفظهم، من النفاق والافتراق، والتشعب والشقاق و الا لفسدت عيشتهم وضاقت معيشتهم. ولما كانت تلك الامور مما لا يمكن تحققها، ولا تصح صدورها من أي شخص واى فرد فلابد لهم من زعيم ورئيس وقيم وحاكم وان لم يكن نبيا أو وصيا فحينئذ يقال: القدر المتيقن من الامة والرعية للرياسة والزعامة في الجملة هو العالم الفقيه العادل. ومنها رواية محمد بن اسمعيل بن بزيع قال: مات رجل من اصحابنا ولم يوص فرفع امره إلى قاضى الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغار أو متاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما اراد بيع الجوارى ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه فيها بامر

[ 41 ]

القاضى، لانهن فروج فما في ذلك؟ قال فقال: إذا كان القيم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس، وهى صريحة في ثبوت الولاية، لا مثلا ابن بزيع و عبد الحميد وجواز التصرف له في اموال الصغار ونظائره، والمراد من المثل، ليس المثلية في الاسلام والايمان وان كان ظاهرا، بل المقصود انه لو كان المتصدي لامور الصغار مثل عبد الحميد، في الجهة المقتضية لثبوت الولاية له، وهو المقام العلمي والفقهي، وكونه راويا وعالما بامور الصغار والاحكام وعادلا فلا باس فيه، فهى اما ظاهرة في ولاية الفقيه والحاكم للشرع، أو هو القدر المتيقن من المثل والمضمون، ودعوى ان الرواية انما تدل على اذن الامام لمحمد بن اسمعيل و عبد الحميد، في ذلك التصرف ونحوه، وهو لا يستلزم ولاية غيرهما من العلماء والفقهاء، وجواز التصدى لهم، إذا لم يكونوا مأذونين من قبله، مدفوعة إذا الظاهر من الرواية، و المتبادر منها، ان الامام عليه السلام في مقام بيان الحكم الواقعي المجعول الا مثالهما، كما يشعر بذلك قول الراوى فما ترى في ذلك، لوضوح ان لسؤال انما وقع عن الحكم الشرعي، والرأى الثابت في نفس الامر، قوله عليه السلام فلا باس، جواب عنه، و راجع إليه ايضا، لا انه اجاز فعله. وامضى ما مضى، واذن فيما سيأتي، والحاصل ان المستفاد من الرواية، ان دخالة امثلا عبد الحميد وابن بزيع، من العلماء، في امر الصغار، مما لا يحتاج إلى اذن القاضى وتعيينه ونصبه. بل جواز ذلك، وثبوت الولاية لهم امر شرعى وحكم الهى. ثم انه بناء على ظهور الرواية في ولاية العالم الفقيه فقط كما هو غير بعيد، يقيد به اطلاق ما يدل من النصوص على جواز التصرف والتصدي لكل شخص من المؤمنين أو يحمل على صورة عدم التمكن من الوصول إلى الفقيه، وان كان دعوى الاطلاق غير خالية من الاشكال، كما نشير إليه، ومنها ما روى محمد بن يعقوب باسناده عن اسمعيل بن سهل الاشعري قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية وترك اولادا ذكرانا وغلمانا صغارا وترك

[ 42 ]

جواري ومما ليك، هل يستقيم ان تباع الجوارى قال نعم، وعن الرجل يموت بغير وصية، وله ولد صغار وكبار، ايحل شراء شيئ من خدمه ومتاعه من غير، ان يتولى القاضى بيع ذلك: فان تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة، ايطيب الشراء منه ام لا: فقال: اما إذا كان الاكابر من ولده في البيع فلا بأس به إذا رضى الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك، وهذه الرواية وان كانت هي تدل على صحة تصرفات العادل وقيامه بامور الصغار مطلقا لكن بناء على ظهور ما تقدم من ابن بزيع في اختصاص الجواز والقيام بالفقيه، يقيد به اطلاقها، أو تحمل على صورة فقد الفقيه، أو عدم التمكن من الوصول إليه، إذا قلنا: ان اختصاص الولاية بالفقيه من باب القدر المتيقن من الرواية، لا لظهورها فيه، كما انه تحمل على صورة عدم العدول رواية سماع الدالة على جواز قيام الثقة بامور الصغار، قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقار، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث، قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس ولا يبعد منع الاطلاق في رواية ابن سهل، حتى لا يحتاج إلى التقييد أو الجمع بنحو آخر بينها وبين ما تقدم من ادلة ولاية الفقيه، بدعوى ان المراد من العادل المذكور فيها، ليس مطلق العادل ولو لم يكن عالما فقيها، ومن المحتمل قريبا، ان يكون المراد منه هو العالم الفقيه، المتولي لامور الصغار في ساير الموارد، بقرينة سؤال الراوى وقوله: فان تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستخلفه الخليفة، فيشعر ان فرض السؤال ومورده تولية الذى كان هو من اهل الرأى والقضاوة، الا انه لم يستعمله الخليفة، وبتعبير آخر لم يكن رسميا وقانونيا، منصوبا من قبل السلطان والخليفة، مضافا إلى احتمال ان يكون محط النظر في السؤال، اصل الجواز، وحلية البيع، قبال عدم الجواز أصلا نظير الوقف، فان قوله: ايحل شراء خدمه ومتاعه وكذا قوله ايطيب الشراء منه لا يخلوا عن الاشعار وبالجملة ثبوت الاطلاق وتحققه في

[ 43 ]

الرواية لا يخلوا من الصعوبة ومنها المروى في الفقه الرضوي انه قال لم ينسى القبيلة وهو فقيهها وعالمها ان يتصرف لليتيم فيما له فيما يراه حظا وصلاحا وليس عليه خسران وله الربح والربح ولا خسران لليتيم وعليه، وظهوره في ولاية الفقيه في التصرف في اموال الصغار، ونصب القيم لهم فيما يراه صلاحا ما لا ينكر فيستفاد منه ان للفقيه ان يتصرف في مال الصغار ومن الاولى له كما هو الظاهر ايضا من رواية ابن البزيع المتقدمة، الدالة على عدم البأس في تصرف عبد الحميد وامثاله في اموال الصغار، وقد اشرنا فيما سبق ان تلك الرواية انما سيقت لبيان الحكم الواقعي المجعول لهم، لا لامضاء عملهم والاذن الخاص لهم، فبناء على ظهورها في ولاية الفقيه فقط، يقيد بها اطلاق ما تدل على ثبوت الولاية لكل عادل وثقة، واما لو قلنا ان ولاية الفقيه، انما هو من باب القدر المتيقن منها فتحمل تلك الاخبار على صورة عدم التمكن من الوصول إلى الفقيه والرجوع إليه فتحصل مما ذكرناه ان الفقيه له ان يتصرف في اموال الصغار ويتصدى الامور المتعلقة بهم في البيع في الشراء وغيرهما، بنصب القيم لهم أو المباشرة وان هذا وظيفته في المرتبة الاولى في زمان الغيبة اما من باب القدر المتيقن من النصوص أو ظهور بعضها فيه كما اشير. ومن المناصب المجعولة للفقهاء اجراء الحدود وتنبيه الغافل وارشاد الجاهل يمكن ان يستدل عليه بوجوه ثلثة الاول النصوص العامة الواردة في ان العلماء ورثة الانبياء واهم خلفاء الرسول وامناء الله وحصون الاسلام أو كالانبياء وغير ذلك من العناوين المتقدمة الدالة على علو شانهم وسمو رتبتهم في المجتمع الانساني و يستفاد منها ان ما كان ثابتا للنبى والائمة سلام الله عليهم فهو ثابت للفقهاء الا ما اخرجه الدليل أو قام اجماع عليه أو علم من دليل الحكم انه من المختصات بهم والقائم بشخصياتهم أو من شئون ولايتهم وامامتهم لا تتعدى إلى غيرهم كوجوب الاطاعة و نظائره فيبقى سوى ما ذلك تحت العمومات ومن ذلك اجراء الحدود والتعزيرات

[ 44 ]

من الضرب والقتل والقطع والنفى والحبس إذ لا دليل على خروجها من العام و اختصاصها بهم عليهم السلام بل ليست الا مرتبة عالية من مراتب الامر بالمعروف و النهى عن المنكر وحفظ مصالح الامة واحياء حقوق الملة فان منه ما يكون باللسان فقط كتعليم الجاهل ما لا يعلم وارشاد الغافل فيما اخطأ وهداية المائل عن الحق إليه وهذا القسم يجب على كل مسلم عالم بالمعروف وعارف للمنكر من غير فرق بين الطبقات والمقامات من عالم فقيه واديب وطبيب و تاجر وشريف ووضيع وغنى وفقير، ومنه ما يكون بالزجر والتهديد، والوعد والوعيد، والمجاملة والمشاجرة وهذا ايضا يجب على كل بالغ متمكن منه، وقادر عليه، ومنه ما هو اشد من القسمين، كقطع يد السارق ورجم الزانى وقتله، وتعزير مرتكبي الكبائر احيانا، والاعمال المنافية للعفة عمدا وهذا القسم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، مما لا ينبغى صدوره من كل شخص وفرد، ولا يصح وقوعه من كل آمر وناه، ولا يصلح كل فرد من المسلمين ان يتصديه ويقدم عليه، و الا يزداد الفساد: ويكثر النفاق والعناد، فحينئذ لو قلنا بعدم وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، في تلك الامور، لاضمحلت آثار الدين، واختلت امور المسلمين، واندرست الشريعة وضاقت العيشة. وان قلنا بجواز التصدى لكل فرد يلزم من الفساد ما ذكر، بل لا يوجد مرتدع ولا مزدجر، فلا مناص من القول بان، المجتمع في هذا القسم من الامور، يحتاج إلى زعيم وقيم، له العظمة بين الناس و المهابة عندهم، والشهامة لديهم، والفقيه هو المتيقن من بين الطبقات، لان يكون حافظا للنظم، وجامعا للشتات، وتوضيع ذلك لآت الوجه الثاني النصوص الخاصة الواردة في ان اجراء الحدود. بيد الحاكم بها مثل رواية حفص بن غياث، قال سألت ابا عبد الله عليه السلام من يقيم الحدود السلطان أو القاضى. فقال اقامة الحدود إلى من إليه الحكم وظاهرها انه كما ان الحكم

[ 45 ]

بان زيدا مثلا سارق أو زان أو قاتل، من شأن الفقيه والقاضى فكذلك اجراء الحدود واقامتها بيدهما، ولا يصلح صدور الحكم بالسرقة وحده من غير عالم به ولذا ترى العرفد يراجعون في ذلك إلى العام والقاضى البصيرين بالامور والعالمين بها، وكذا اجراء الحدود، لابد من ان يكون بيد من شأنه الحكم والافتاء، هذا هو الظاهر المتبادر من الرواية. ويؤيده ما في رواية ابي مريم قال قضى امير المؤمنين عليه السلام ان ما اخطأت القضاة في دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين، إذا المفهوم والمستفاد منها، ان القضاة بعد نصبهم للقضاوة، لو عملوا على طبق آرائهم وانظارهم، في قتل وقطع، فان اصابوا، وان اخطأوا فعلى بيت المال، ولازم ذلك ثبوت الولاية لهم، في اجراء الحدود (1) وقد يستدل برواية ابي عقبة، الواردة في قص جعفر بن محمد الصادق عليه السلام مع عيلان قاضى الكوفة، قال عليه السلام له: يا عيلان ما اظن ابن هبيرة وضع على قضائه الا فقيها، قال: اجل، قال: يا عيلان تجمع بين المرء وزوجه قال: نعم قال: تفرق بين المرء وزوجه قال: نعم قال: وتضرب الحدود، قال نعم، قال: وتحكم في اموال اليتامى، قال: نعم. والرواية كما ترى ظاهرة، في ان الفقيه لابد ان يكون هو المتصدي للقضاء واجراء الحدود، والحكم في اموال اليتامى، وانه لا يصح كل ذلك من غيره، ولهذا قال ما اظن ابن هبيرة وضع على قضائه الا فقيها، ثم سئل عماله التصدى من الامور، فتحصل مما ذكرناه ان الفقهاء لهم اجراء الحدود وغيرها، وان اردت توضيح ما تقدم وتفصيله، فنقول: انه كان من المتعارف والمسلم المعمول بين الناس، ان يراجعوا في كثير من امورهم، المربوطة باجتماعهم ونظمهم، إلى القضاة والحكام، الذين نصبوا من قبل سلاطين الجورو خلفائه وكانوا يرونه من مناصبهم،


(1) لا يسعنى تصديق التأييد بالرواية فانها من مقام آخر، وليس لازمه ثبوت الولاية المقرر.

[ 46 ]

وشئون رياستهم بل لا يعلمون نصبهم الا لذلك، ورياستهم الا له، فبناء على ذا، لا يبقى بعد صدور قوله عليه السلام قد جعلته قاضيا أو حاكما، شك ولا شبهة في ظهوره، في ان المناصب التى كانت لقضاة الجور، والامور التى ترجع فيها إليهم، كلها مجعولة للفقهاء، ومرجوعة إليهم المنصوبين من قبل صاحب الشرع ولو بنحو العموم إذا البدار والسباق. من جعل شخص قاضيا، وتعيينه حاكما، ليس الا ارجاع الناس إليه، فيما يرجع فيه إلى ساير القضاة والحكام، وتصديه لما كانوا يتصدونه، واقدامه على ما يقدمون، وعزله ونصبه، فيما ينصبون ويعزلون، وقد عرفت ان لتعارف بين الناس في امورهم الاجتماعية والسياسية، مثل اجراء الحدود ونحوه، الرجوع إلى القضاة والحكام، وانهم يرون ذلك من شئون القضاوة، ولازم الحكومة، ولا يشركون غيرهم فيها، بل يخصونهم بها، ففيما نحن فيه ايضا كذلك وبالجملة لا يبعد استفادة الولاية للفقيه الجامع للشرائط فيما يرتبط بالامور العامة، وحفظ المجتمع والامة، وسياسة الرعية والملة، لوضوح ان الاجتماع ونظمه لا ينتظم الا بسلسلة من القوانين المجعولة لهم، والجارية فيهم، والحاكمة عليهم حتى اوقف كل من الناس على حد محدود وحق مربوط ولا يتعدى بعض على بعض ولا يأكل القوى الضعيف ويقام الاعوجاج ويرتفع اللجاج كما في المروى عن العلل عن الرضا عليه السلام قال: كيف يمكن احالة الجهال والفاسق وتخلية سبيلهم إلى ما هو المقرر لهم في الشرع من حرمة ووجوب ولا يكون فيهم امر آخر مربوط بالرياسة والسياسة، فعلى هذا تارة يقال يؤخذ بالطلاق الادلة العامة مثل (العلماء ورثة الانبياء أو امناء الله وخلفاء الرسول) ويحكم بان كل ما كان للنبي والائمة عليهم السلام من المناصب، فهو ثابت للفقهاء الا ما اخرجه الدليل، كوجوب الاطاعة في الامور المتعلقة بشخصهم، والجهاد للدعوة إلى الاسلام، وصلوة الجمعة على ما يظهر من روايات المسألة، فكل مورد قام الدليل على اعتبار الاذن الخاص من الامام فيه، أو انه مما

[ 47 ]

لا يجوز الاقدام عليه لغير الامام، تقصير عليه ونأخذ به، فعليه خروج فرد من الولاية يحتاج إلى دليل خاص، ولولاه يكفى الدليل العام في ثبوتها لهم واخرى يقال: ان استفادة الولاية المطلقة للفقهاء وان لهم ما كانت للائمة الا ما اخرجه الدليل وان كان لا يصح من الادلة العامة، الا انه يصح التمسك بها والاستدلال عليها لاثبات الولاية لهم، في الامور العامة المتعلقة لحفظ الرعية، ونظم امرهم، وصونهم عن التجاوز، وايقافهم على حد محدود، ومنعهم على طلب ما لا يستحقون، وعونهم على اخذ ما يستحقون كما نفينا البعد عنه فيما تقدم، فعليه يحكم بثبوت الولاية للفقيه فيما يرتبط بسياسة الاجتماع، وادارة المجتمع، الا ما اخرجه الدليل مثل الجهاد للدعوة إلى الاسلام، لاختصاصه بالنبي والامام أو المأذون الخاص منه عليه السلام واما الجهاد للدفاع عن الاسلام، وحوزة المسلمين إذا خيف عليه من تهاجم الكفار، وحملة الاشرار، فللفقيه ايضا ان يحكم بنفر عدة وتخلف قوم، أو يحكم بكيفية مخصوصة، وطرق خاصة من الدفاع، لا يقال ان الدفاع ولو لم ياذن الفقيه ولم يأمر به واجب، فانه يقال وان كان اصل الوجوب كذلك، الا ان للفقيه اعمال النظر في خصوصيات الدفاع وكيفيته، ونظم المجاهدين، وغيره مما يتصور في اسباب الغلبة على الكفار ولا يبعد عد ثبوت الهلال، في شهر رمضان وذى الحجة وشوال، من الامور العامة المفوضة إلى الفقهاء، فلهم ان يحكموا به، حفظا للناس عن الخلاف في العيدين وصونا لاجتماع المسلمين، مضافا إلى نص خاص في ذلك ومثله اقامة الشهود والحكم بثبوت السرقة أو الزنا وضرب الاجل للعنين والمفقود عنها زوجها، وغير ذلك من امور العامة التى، يكفى في جواز تصرف الفقيه وتصديه لها، ما تقدم من النصوص العامة والخاصة هذا تمام الكلام في الوجه الثاني. الوجه الثالث انه يمكن اثبات الولاية للفقهاء في بعض الموارد بنفس الادلة المثبتة للاحكام في تلك الموارد مثل قوله تعالى ولكم في القصاص حيوة يا اولى

[ 48 ]

الالباب، السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما، الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما ماة جلدة وهذا الدليل انما يتم ببيان مقدمة، وهى ان سلسلة من الامور انما تعلق ارادة الشارع على تحققها في الخارج ولا يرضى بتركها وتعطيلها، لمصالح كاملة توجب ذلك وان لم يخاطب بايجادها مكلف خاص وشخص معين ثم ان بعض تلك الامور قد يتعلق بسياسة المجتمع ورياسته، وهذا القسم يكفى في ثبوت الولاية فيها للفقيه الادلة الدالة على ان مجارى تلك الامور بيد العلماء وقد تقدمت وبعضها غير مرتبط بنظام الاجتماع لكنه علم ان الشارع يريد تحققه في الخارج ولا يرضى تركه كما هو المفروض فحينئذ يجوز للفقيه ان يتصديه من باب الحسبة لكونه المتيقن من بين الامة فنفس الدليل الدال على ثبوت تلك الاحكام بضميمة العلم بان الشرع انما اراد تحققها في الخارج كاف في ثبوت الولاية للفقيه وجواز تصديه، بعد ما علم انه المتيقن ممن لهم التصدى فكل امر علم انه كذلك وانه لا يرجى تركه كتجهيز الميت الذى لاولى له وبيع مال الصغير لحفظ نفسه وسد جوعه وغير ذلك يتصدى له الفقيه من باب الحسبة وان لم يكن مربوطا بنظام الامة والا تشمله الادلة العامة. ثم انه لو جهز ميت لاولى له بغير اذن الفقيه فهل يسقط التكليف عنه وعن غيره فوجهان وما يتصور في المقام ان تارة يقال ان الشك في اعتبار اذن الفقيه وعدمه بعد العلم باصل الوجوب شك في شرطيته للمأمور به وتقيده به ومجرى الاصل فيه البرائة نقلا وعقلا أو نقلا فقط كما حقق في الاصول هذا بلنسبة إلى المكلفين واما الفقيه لو شك فيه فيجرى في حقه ايضا البرائة لانه شاك في تقيد المكلف به واشتراطه بامر زائد والاصل عدمه واخرى انه من المحتمل القريب، ان يكون تجهيز الاموات، من الامور المفوضة إلى الحكام، والمناصب المجعولة لهم، كما ورد ان السلطان إذا حضر الجنازة فهو اولى وقد عرفت ان في امثال تلك الامور لابد من الرجوع إليهم، وتحصيل اذنهم عن التمكن منهم ولعل من هذا الباب كان تجرى بعض من كانت له سلطة وزعامة واراد الصلوة على جنازة بضعة الرسول صلى الله عليه وآله ونبش قبرها ليثبتوا بذلك

[ 49 ]

الولاية الشرعية ويشتبه الامر على الامة فغضب امير المؤمنين عليه السلام وسكت القوم و انصرفوا عما ارادوا وظهر بذلك عدم ولاية الرجل على الامور نعم لو شك في ان التجهير أو غيره هل هو من وظائف الولاة والحكام ولم يكن دليل يرتفع به الشك يصح التمسك بالبرائة إذا شك في اعتبار الاذن، منهم، والظاهر عدم الفرق بين الفقيه وغيره من المكلفين في التمسك بالاصل عند الشك بعد الفراغ عن كون المأمور به مشروعا (1) واما لو شك في ان اذن الامام أو الفقيه شرط في مشروعية شئ ومعروفيته ام لا، فلا يصح الاقدام فيه، بدون الاذن منه عليه السلام وكذا الفقيه، فلابد من ملاحظة الموارد التى يحتمل اعتبار الاذن فيها، والتامل في اخبارها، ليعلم كيفية الاشتراط، من الدخل في اصل الجواز والمشروعية وغيره كما يظهر من بعض اخبار صلوة الجمعة، ان اذن الامام أو المأذون منه انما يعتبر في اصل الجواز ثم ان في الشرع قسما ثالثا من الاحكام والموضوع، غير مرتبط بشئون السياسة والزعامة، ولا داخلا فيما علم لزوم تحققه في الخارج، كتزويج الصغيرة والصغير، وتسوية الشوارع، وبيع مال الغاصب لحفظه، وتعمير الاوقاف العامة وغيرها مما هو حسن في حده ومعروف في ذاته لكنه غير داخل فيما اشير إليه من القسمين. هل يجوز للفقيه وغيره تصدى هذا القسم من الامور، وله الولاية عليه ام لا يمكن الاستدلال على ثبوت الولاية وجواز التصدى، كل شخص ففيها كان ام غيره بقوله عليه السلام كل معروف صدقة، فكال ما كان معروفا في ذاته ومطلوبا في حده فالاتيان به صدقة واحسان إلى العباد، وامر مندوب إليه، فعلى ذا يجوز للفقيه وغيره


(1) الذي يساعده الاعتبار والعرف ويقتضيه النظام الاجتماعي، ان يكون تجهيز الاموات بيد الزعماء والحكام لما يترتب على الفوات من الاحكام الكثيرة الاجتماعية ولما يختلف عوامل الموت من قتل وسم وغيرهما سيما في عصرنا الذي نشاهد من الجنايات ما لا يوجد من قبل، - المقرر -

[ 50 ]

تعمير الاوقاف العامة وحفظها، واصلاح الشوارع وبيع مال الغائب حفظا له من التلف وتزويج الصغير والصغيرة، لو تم الاستدلال: قد يقال انه يتوهم التعارض، بين هذه الرواية الدالة على جواز التصرف والتصدي لكل شخص في كل ما يعد معروفا حسنا سواء كان مربوطا بامور الاجتماع أو لم يكن كذلك، وبين التوقيع المروى في الاحتجاج الدال على وجوب الرجوع إلى الفقيه في الحوادث الواقعة قال الشيخ قدس سره النسبة بينهما وان كانت عموما من وجه، الا ان الظاهر حكومة التوقيع عليها، وانه بمنزلة المفسر الدال على وجوب الرجوع في الامور العامة التى تعد من الحوادث عرفا إلى الفقيه، ومع فرض التعارض والتكافؤ المرجع اصالة عدم المشروعية لغير الفقيه. لكن الظاهر عدم التعالض، بين قوله عليه السلام كل معروف صدقة، وبين الادلة الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير، وكذا بين التوقيع المروى في الاحتجاج والاكمال، وتوضيح ذلك، ان قوله عليه السلام كل معروف صدقة، غير شامل للتصرفات الواقعة على اموال الناس وانفسهم، نظير الناس مسلطون على اموالهم في انه ناظر إلى اثبات السلطنة عى ما لا يستلزم تصرفا في مال الغير وانفسهم، إذ لا يجوز لاحد تحريك عصاه ويده، حتى يوصله إلى حيث بلغ ووصل، ثم يعتذر و يقول الناس مسلطون على اموالهم فان الظاهر منه جعل السلطنة في ماله، مستلزما للتصرف في مال الغير أو اتلافه، فلا يستفاد منه ذلك اصلا، ومثله رواية كل معروف صدقة، لوضوح انها في مقام الترغيب إلى المعروف والاتيان به في حده ونفسه، ولا يستفاد منه جواز التصرف في مال الغير مضافا إلى انه بعد ورود النهى عن التصرف في مال الغير لا يكون معروفا فلا تعارض اصلا بينه وبين الدالة على النهى عن شيئ، ولو كان في حده معروفا، وكذا لا تعارض بينه وبين التوقيع، فان المعروف ان لم يكن من الامور

[ 51 ]

العامة المربوطة بالاجتماع التى يجب الرجوع فيها إلى الحاكم، لا يشمله التوقيع لاختصاصه بتلك الامور كما استظهرناه، فان كان منها يقيد به ما يدل على جواز التصدى لكل شخص فيما يعد معروفا، لوجوب الرجوع فيها إلى الفقيه وقد يستدل لجواز التولى في القسم الثالث، بقوله عليه السلام عون الضعيف صدقة وجه الاستدلال ان اعانة الضعيف فعل حسن مطلوب عند الشرع، وان كان مستلزما للتصرف في ماله ونفسه وليس مفاده مثل قوله عليه السلام كل معروف صدقه في عدم الشمول لما يستلزم التصرف، بل هو اعم منه ومن غيره فبيع مال الغائب لحفظه والعاجز عن بيع ماله، من الاعانة المطلوبة، يشمله عون الضعيف صدقة. فعلى هذا يقع التعارض بينه، وبين قوله عليه السلام، لا يجوز لاحد التصرف في مال اخيه المسلم الا باذنه، الدال على عدم جواز التصرف في مال الغائب والسفهاء بدون الاذن منهم، لو كان اعانة، والظاهر ان الرواية الثانية حاكمة على الاولى لانها بمنزلة يكون باذنه ورضاه، نعم لو لم يكن الدليل الحاكم موجودا، لكان الاستدلال بما ذكر على جواز الاعانة واستحبابها ولو كان مستلزما للتصرف في مال الضعيف صحيحا سواء كان المسلم عليه غير راض به، وادلة استحباب عيادة المرضى المستلزمة للدخول في دارهم على جوازه مطلقا، اللهم الا ان يكون عون الضعيف من مصاديق ما تعد من شئون الرياسة والسياسة، فلابد حينئذ، من الرجوع إلى الحكام، ولا يجوز لغيرهم الاقدام عليه. بقى الكلام في الاستدلال بما روى، ان السلطان ولى من لاولى له، قال الشيخ قدس سره يحتاج الاستدلال به إلى عموم النيابة من الادلة وقد عرفت فيما تقدم ان ذلك لا يخلو عن وهن: ثم المراد من الولاية، هي الولاية للنفع، وحفظ مصالح المولى عليه، والقيام

[ 52 ]

بما يصلحه كما هو ظاهر معنى اللام. ويقتضيه ايضا مناسبة الحكم للموضع كما سلف من ان جعل الولاية على من لا يدفع عن نفسه ولا يعرف مصالحه، انما هو لرعاية احواله، وحيازة منافعه، كما ان المراد ممن لاولى له، الذى من شأنه ان يكون له ولى، لا مطلق من ليس له الولى، واما السلطان فالمراد منه في الرواية، اما الامام عليه السلام، فيكون المعنى بعد انجبار السند انه عليه السلام ولى كل من من شأنه ان يكون له ولى، فعلى هذا فان علمنا من عموم ادلة النيابة، ان كل ما كان ثابتا للامام عليه السلام فهو ثابت للفقهاء، الا ما اخرجه الدليل، فيثبت الولاية لهم ايضا عى من لاولى له، في زمان الغيبة، ولعل هذا هو المراد في كلامه الشيخ من قوله يحتج إلى عموم النيابة. وعلى كل حال فالمراد من السلطان اما الامام عليه السلام كما تقدم أو المنصوبون من قبله للحكومة والزعامة، لاطلاق السلطان عليهم، خلافا للمتبادر منه عند الفرس من كونه مرادفا للملك وشاه، وحيث ان الفقهاء منصوبون من قبل الائمة عليهم السلام والرسول صلى الله عليه وآله، بقوله هم خلفائي وامنائي وغير ذلك يثبت الولاية لهم ايضا، مضافا إلى انه لا يبعد ان يقال: ان حفظ اموال من لاولى له والقيام بمصالحه من الامور العامة، المربوطة بسياسة الاجتماع. ونظام الامة، وحفظ المجتمع، الثابتة فيها ولاية الفقهاء، ووجوب الرجوع إليهم في امثالها هذا تمام الكلام في ولاية الاب والجد والفقيه

[ 53 ]

واما الولاية المؤمنين فالكلام فيها يقع في مقامين الاول في اصل الولاية الثاني في اشتراط العدالة فيهم. اما المقام الاول: فقال استادنا الفقيه الكبير مد ظله العالي: كل امر من امور الدين، إذا علم حسنه ومشروعيته في الخارج: اما باطلاق الدليل الدال عليه، أو بغيره من الاجماع والعقل، يجوز للمؤمنين تصديه، ولهم الولاية عليه، ان كان مما لا يرضى الشارع بتركه، بل يريد وجوده في الخارج لمصالح تقتضي ذلك، كتعمير المساجد وحفظ الاوقاف العامد واموال الغيب، الا ان يقال: ان المتيقن منهم أو الظاهر من بعض الادلة الفقيه من المؤمنين، بناء على شمول التوقيع الدال على وجوب الرجوع في الحوادث إلى الفقيه لمثل ذلك، هذا إذا كان الاستيذان منه والرجوع إليه ممكنا واما إذا تعذر، فتوضيح ذلك في المقام، ان الامور التى كان يتصديها الفقيه، للعلم بعدم جواز التعطيل فيها، ومطلوبيتها مطلقا، على انحاء: منها ان تصدى الفقيه له انما كان باعتبار الوصف الثابت فيه، والخصوصية التى تقتضي ذلك كالافتاء والقضاوة في بعض الامور، ففى مثل تلك الامور لا يجوز لغيره تصديه وان تعذر الفقيه، وعلم انها مطلوبة للشرع ولا يرضى تركها، لوضوح ان جواز الافتاء انما كان من جهة ان الفقيه عالم بالاحكام وخبيرها، وبصير فيها، فلا يعقل صدوره من غيره ومثله القضاوة. ومنها ما علم انه كان من شئون الرياسة ولوازم الزعامة يتصديه الفقيه، ضرورة ان بعضا من الامور التى نعلم مطلوبيتها في الشرع مما يتوقف عليه قوام الاجتماع ونظام المجتمع وهذا القسم من الامور، لا يصلح صدوره من كل فرد ولا يصح تحققه من أي شخص، كبعض مراتب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، المتلزم للضرب والقتل، والا يلزم التشاح والهرج فان النهى عن المنكر وان كان مطلوبا عند الشارع، وهو ايضا يريد وقوعه في الخارج، الا ان بعض المراتب منه يجوز لكل شخص القيام به وايفائه. سواء كان فقيها أو غيره كبيان المسألة، وارشاد الجاهل، وموعظة المترد ونصح الفساق وغيرها مما لا

[ 54 ]

يستلزم اعمال قوة، ونفوذ قدرة. بخلاف ما يستلزم ذلك، كتعزير الجاهل، و تأديب الفاسق والمتمرد بالضرب. وقطع يد السارق، الذى كان للفقيه تصديه، والاقدام به ولا يصح عند تعذر الفقيه، ان يقوم به كل مؤمن وعادل، كيف وهو مما خيطت للرياسة ونسجت للزعامة ولا يتوقعه العرف، الا من القائد الذى هو الحافظ الناظر في الاجتماع، والمتكفل لنظمه والمقيم للاعوجاج، والمانع عن الشقاق والنفاق، والمهاب عند الناس، والمعظم عندهم، والمقدم عليهم، فعلى ذا لابد ان يكون هو المتصدي، ولو تعذر فمن هو مقدم على غيره، ولو جاز التصدى لكل فرد من المسلمين، من شريف ووضيع وعالم وغيره، وان كانوا عدولا بترتيب الفساد عليه، اكثر مما يترتب على تعطيل هذه الامور وببيان اوفى واوضح. انه يمكن في مقام التصور والثبوت، ان يجعل الولاية فيما ذكر من الامور، لمن لا يلزم من تصديه لها، واقدامه عليها فساد، ويكون نافذا قوله، وجائزا في الناس امره وحكمه. بحيث لو تصدى شيئا من الامور الاجتماعية من باب الولاية الشرعية يحصل منه غرض الشارع، من حفظ النظام ردع المنكر، ودفع الظلم ولا يترتب فساد عليه واما من ليس شأنه ذلك، لضعفه في المجتمع، بحيث لو تصدى ضرب الاتى بالمنكر أو تعزير شارب الخمر مثلا، يوجد مفسدة اكثر ومحذور اشد مما يلزم لو ترك بحاله، فليس له الاقدام على نظائر تلك الامور، ولا فرق فيه بين الفقيه وغيره فمن لم يكن من الفقهاء نافذا امره، وجائزا حكمه لا ينبغى ولا يجوز له التصدى ايضا كغيره، هذا بحسب التصور في مقام الثبوت، وبيان الحكمة المقتضية، لعدم جعل الولاية لهم، بل تشريعها لمن لا يترتب على ولايته فساد، ولا يلزم منه هرج ومرج وتشنج لا يقال انه قد لا يترتب فساد، على اقدام بعض المؤمنين، وتصديه لبعض الامور، وان لمن يكن مبسوطا يده ونافذا قدرته فلا وجه لعدم جعل الولاية له فانه يقال الحكمة المنصورة في المقام، المقتضية لعدم جعل الولاية لمن ذكر فيما ذكر كالحكمة المقتضية لجعل حكم كلى عام، كوجوب العدة لحكمة عدم اختلاط

[ 55 ]

المياه وحفظ النسب، إذ يحكم بوجوب العدة حتى فيما علم بعدم الاختلاط و انتفاء الحكمة حفظا للقانون، واجتنابا عما يتفق نادرا، بحسب تشخيص المكلفين ونظرهم، فلا عبرة بمورد لا يلزم فساد من تصدى غير المطاع، ومن ليس بنافذ الامر والحكم. وبالجملة المعروف الذى نقطع بمطلوبيته، إذا احتمل كونه مما يتصديه الفقيه بما انه زعيم ورئيس، لا يجوز لغيره القيام به، إذا تعذر الفقيه، ولا يكفى في الجواز، العلم بمطلوبيته عند الشارع، وانه لا يرضى تركه فيكون كسائر ما منع الناس وحرموا من بركات الله هذا مقام الثبوت واما مقام الاثبات، فالظاهر انه لا يستفاد من ارجاع تلك الامور إلى الفقيه، الا جواز التصدى لمن هو حاكم ونافذ امره، بحيث لو تصدى شيئا، واقدم على امر، لحصل غرض الشارع، ولا يلزم الهرج والمرج، فلا يجوز إذا تعذر الفقيه التصدى لغيره، الا ان يقوم دليل نقلى خاص، أو عقلي على ذلك، والا نفس الدليل الدال على معروفية شيئ، لا ينهض دليلا عليه، الا في المعروف الذى، علم ان تصدى الفقيه له، لم يكن الا من جهة كونه معروفا، من غير دخل للزعامة والرياسة وقد يستدل لولاية كل واحد من المؤمنين فيما إذا تعذر الفقيه، وكان التصرف في شيئ، والتصدي له مطلوبا في الشرع، بقوله عليه السلام والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه. وظاهره ان اعانة الغير مندوب إليه في الشرع، ومطلوب عند الله، وقد امر به في قوله تعاونوا على البر والتقوى، فاعانة اليتيم ببيع ماله لحفظه، ورد ضالته، وغير ذلك من الامور المطلوبة عقلا وعرفا جائز لكل واحد من المؤمنين. وقد روى ان كل معروف صدقة، وعون الضعيف من افضل الصدقات، فلا حرج في اعانة العاجز والقاصر، ولو كان مستلزما للتصرف في ماله إذا صدق عليه العون ودعوى الانصراف عن مثل ذلك مشكل (1)


(1) يقول المقرر الظاهر ان امثال تلك الامور احكام اخلاقي ندب إليها الشرع والعقل، ليس من باب الولاية اصلا واجاب الاستاد عنه بان هذا غير وجيه لان التصرف في اموال الصغار إذا كان حراما لم يكن من الحسبة.

[ 56 ]

ثم انه بناء على ثبوت الولاية للمؤمنين، وجواز تصديهم لكل ما يعد معروفا وحسنا عدا ما تقدم، فهل يقع التعارض بين دليلها، وبين الادلة المانعة عن التصرف في مال الغير الا باذنه، ام لا، الظاهر ان الادلة المانعة، ناظره إلى التصرف بالعدوان الذى لا يعد اعانة له، واغاثة لصاحبه، وهى منصرفة عما يعد اعانة أو يحسب عند العرف عونا، للقصرو العجزة والغائب مثل لو نفرت دابة من مال اليتيم، فاراد رجل اخذها وردها إليه لا يلومونه العرف، ولا يحسن توبيخه ولومه، ولا يتوهم احدانه خالف قول المعصوم: لا يجوز لاحد التصرف في مال اخيه المؤمن. وكذا لو رد ضالة المؤمن أو اخذ يد العاجز أو عصاه (1) فرع هل يجوز للمؤمنين اخذ الزكاة وتقسيمها بين المستحقين ام لا، يمكن الاستدلال لولايتهم فيه، بما تقدم من ان عون الضعيف من افضل الصدقات، وان كل معروف صدقة. وان الله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه، فان الظاهر من الجميع ان عون المؤمنين موجب لرضى الله تعالى وعنايته، فلو اخذ احد حق الفقراء من مانعي الزكوة، واوصله إليهم، فقد احسن إليهم واعانهم، واتى بما فيه رضاه تعالى، كمن اخذ مال الغائب، من يد السارق والغاصب وان لم يكن مأذونا. وتوهم ان اخذ الزكوة من المالك مع عدم رضاه، تصرف في مال الغير بدون اذنه وهو محرم ممنوع مدفوع بان الزكاة ليست من ماله ومختصاته، بل هو أي المانع من الزكاة كالجالس في دار غيره ويريد صاحبها طرده ورفعه، فهل لاحد ان يقول، انه لا يجوز الطرد لانه ايذاء محرم ولا اظن احدا من الاصاغر، يلتزم بذلك، فضلا عن الاكابر قال الشهيد في القواعد: يجوز للاحاد مع تعذر الفقيه والحكام تولية آحاد


(1) هذا مخالف لما تقدم من الاستاد مد ظله، من ان الادلة المانعة، حاكمة على مثل عون الضعيف صدقة، أو من افضل الصدقات، وان الاعانة المستلزمة للتصرف في مال الغير غير جائز، مضافا إلى انه مع النهى لا يكون الشيئ معروفا اللهم ان يقال ان نظره من قبل كان على فرض تمامية الدلالة وشمول الادلة المانعة للمورد وهي محل تأمل كما اختاره في المقام

[ 57 ]

التصرفات الحكمية على الاصح كدفع ضرورة اليتيم، لعموم تعاونوا على البرو التقوى، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه، وقوله عليه السلام كل معروف صدقة، وهل يجوز اخذ الزكوات والاخماس من الممتنع وتفريقها بين اربابها، وكذا بقية وظائف الحكام، غير المتعلقة بالدعاوي، فيه وجهان، وجه الجواز ما ذكرنا (يعنى الادلة المتقدمة) ثم استدل له بوجه عقلي، وهو انه لو منع من ذلك لفاتت مصالح تلك الاموال، وهى مطلوبة ونقل عن بعض المتأخرين من الجمهور: انه لا شك ان القيام بهذه المصالح اهم من ترك الاموال بايدى الظلمة يأكلونها بغير حقها ويصرفونها إلى غير مستحقيها، إلى آخر كلامه. وبالجملة اثبات الولاية لاحاد المؤمنين، في كل آحاد من المعروف يحتاج إلى دليل خاص، فان امكن الاستدلال بما ذكر من النقل والعقل، والا فنفس دليل المعروف، لا يكفى في المقام إذا احتمل ان الفقيه انما يتصديه بعنوان انه رئيس و بيده سياسة القوم، وملخص الكلام في المقام ان اثبات الولاية لاحاد المؤمنين يحتاج إلى دليل، فان كان. يؤخذ به، والا فالاصل عدم المشروعية على ما فصلناه. واما المقام الثاني وهو اشتراط العدالة في المؤمنين، فقد نسبه الشيخ قدس سره إلى ظاهرا كثير فتاوى الاصحاب، وانه مقتضى الاصل، واستدل ايضا بصحيحة محمد بن اسمعيل بن بزيع عنه عليه السلام قال سألته عن رجل مات من اصحابنا غير وصية فرفع امره إلى قاضى الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا، ومتاعا، فباع عرد الحميد المتاع، فلما اراد بيع الجوارى ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته وكان قيامه فيها بامر القاضى لانهن فروج فما ترى في ذلك، قال عليه السلام إذا كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس وقتال المراد من المماثلة، اما المماثلة في التشيع، أو في الوثاقة وملاحظة مصلحة اليتيم، وان لم يكن شيعيا أو في الفقاهة، بان يكون من نواب الامام عموما

[ 58 ]

في القضاء بين المسلمين، أو في العدالة، واحتمال الثالث مناف لاطلاق المفهوم الدال على ثبوت البأس، مع عدم الفقيه ولو مع تعذره، بخلاف الاحتمالات الاخر ويؤخذ منها بالاخص من المحتملات وهو العدل انتهى مخلصا لكنه قدس سره جمع في الاستدلال بالرواية، والايراد على احتمال الثالث بين المسئلتين، لكل واحدة منهما حكم خاص لا ينبغى خلطهما احديهما ان المعروف تارة يكون، مما لا يجوز تركه، وانما اراد الشارع وقوعه في الخارج، ولو صدر من الفاسق كتجهيز الميت عند تعذر الفقيه وغيره من عدول المؤمنين. واخرى لا يكون كذلك، وان كان معروفا في نفسه كالاتجار بمال اليتيم له وتزويج الصغيرة، ومفهوم الرواية انما يدل على ثبوت البأس في القسم الثاني ولا خطر في العمل باطلاقه، حتى فيما تعذر الفقيه، نعم لو كانت الرواية ناظرة إلى القسم الاول من التصدى المعروف، لكان الايراد في محله ولكن موردها القسم الثاني أي المعروف الذى لم يرد الشارع تحققه في الخارج حتما فلا حرج في العمل بالمفهوم والحكم بثبوت الباس عند تعذر القيد، وهو العدالة والفقاهة كما هو المستفاد من المماثلة لمحمد بن اسمعيل، ولا اشكال في الحكم بعدم جواز الاتجار بمال اليتيم للمؤمنين، إذا تعذر الفقيه عملا بالمفهوم من الرواية، لكن تعارضه صحيحة اسمعيل بن سعد الدالة على جواز قيام العدل - وتصرفه في مال الصغار بالبيع، قال سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يموت بغير وصية، وله صغار وكبار ايحل شراء شئ من خدمه ومتاعه، من غير ان يتولى القاضى بيع ذلك فا تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستخلفه الخليفة، ايطيب الشراء ام لا، قال: إذا كان الاكابر من ولده معه في البيع فلا بأس، إذا رضى الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك وهى كما ترى صريحة في جواز قيام العدل بامر الصغار مطلقا، فيقع التعارض بينة وبين المفهوم الدال على عدم الجواز لغير الفقيه، لكنه يرفع اليد عن ظهور

[ 59 ]

المفهوم لاظهرية المنطوق، والاظهر عند التعارض مقدم على غيره، فيحكم بثبوت الولاية لعدول المؤمنين ايضا، الا ان يقال بعد احراز الوحدة والاتحاد في الحكم والسب يؤخذ بالقدر المتيقن، والاخص مضمونا، وهو ولاية الفقيه العادل. نعم بناء على تعدد الحكم المستفاد من الدليلين، يلتزم بجواز التصدى للمؤمن العادل ايضا، ان كان التصدى من الفقيه اشد حبا، واكثر حسنا، ولكنها تدل على اعتبار العدالة في المتصدي لامور الصغار والانصاف ان الرواية واردة في قاضى التحكيم الذى تراضوا به، من غير تعيين لخليفة، مضمونه متحد مع رواية محمد بن اسماعيل بن الواردة في خصوص الفقيه كما يرشد إليه قول السائل فان تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستخلفه الخليفة. ويظهر من رواية سماعة عدم اشتراك العدالة في المتصدي، وكفاية كونه ثقة، وان لم يكن فيه ملكة العدالة عن سماعة في رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك، قال عليه السلام ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس ولقائل ان يقول: ان هذا الكلام من الامام عليه السلام، اذن للسائل في التقسيم. وانه يعتبر ان يكون المعدل للسهام ثقة وامينا وليست الرواية ناظرة إلى مطلق الولى والمتصدي، وكفاية كونه ثقة، وعدم اعتبار العدالة، مضافا إلى انه من المحتمل، ان يقال ان موردها تقسيم الاموال وتعديلها ثم القرعة فيه. وليس هذا تصرفها في مال الصغار، كسائر التصرفات فيحتمل في المقام خصوصية ليست في غيره فعليه تكون الرواية اجنبية عما نحن فيه (1)


(1) اقول ان الملاك في المقام هو التصرف في مال الصغار، والتقلب فيه والتصدي لامورهم، والتقسيم والتعديل، لا يخلو منه ومن التعويض والتبديل القهري واحتمال الخصوصية في هذا القسم من التصرفات بعيد جدا

[ 60 ]

وتلخص مما ذكرناه، ان الاستدلال بالرواية محمد بن اسمعيل لاشتراط العدالة في المتصدي كما صنعه الشيخ قدس سره، وكذا الاستدلال. بموثقة سماعة لكفاية كونه ثقة غير تام، بل مشكل جدا ولو سلمنا دلالتهما على ما ذكر، من اعتبار العدالة أو كفاية الوثوق والاطمينان، فموردهما المعروف الذى، لم يرد الشارع وقوعه حتما، ولا تدلان على اعتبار العدالة أو الوثاقة في التصدى للمعروف الذى نعلم ان تركه وتعطيله، مما لا يحبه الشارع ولا يرضاه، فيجوز للمؤمنين تصديه مطلقا فتأمل. (1) الا ان يقال: ان المتيقن منهم ايضا الفقيه العادل، وإذا تعذر فعدول المؤمنين ثم الموثقون وهكذا وقد يستدل بصحيحة على بن رئاب لعدم اعتبار العدالة والوثاقة اصلا، وكفاية المصلحة، في التصرف والتصدي. الصدوق باسناده عن على بن رئاب قال سألت ابا الحسن عن رجل مات وبيني وبينه قرابة، وترك اولادا صغار ومماليك له وغلمانا وجواري، ولم يوص فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية، فيتخذها ام ولد فقال عليه السلام لا بأس بذلك، إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، وليس لهم ان يرجعوا فيما صنعه القيم بامرهم الناظر فيما يصلحهم. ولكنه غير تام، لعدم ظهورها في ولاية المؤمنين، بل تدل على لزوم ايجاد البيع وانشائه ممن له الولاية، قيما كان أو ناظرا، وليست في مقام بيان شرائط المتصدي، بل المعنى ان البيع إذا صدر من الولى لا بأس في ترتب الآثار عليه واما ما يشترط ويعتبر فيه من العدالة أو الوثاقة فليست متعرضة له اصلا بل لا اشعار إليه وبالجملة الاخبار المتقدمة لا تنهض دليلا لاعتبار العدالة في الولى ولو سامحنا وسلمناه فانما هو في غير الامور الحسبية المطلوبة على كل حال واما فيما يجوز لاحاد


(1) وجهه كما اشار إليه الاستاد بخطه في حاشية الرسالة، ان القسمة عند الحاجة إليه مما لا يرضى الشارع تركه، فانه يستلزم حرمان المالك عن التصرف في ماله - المقرر -

[ 61 ]

المؤمنين تصديها خصوصا عند تعذر العادل. في التنبيه على امور الاول انه بناء على ثبوت الولاية للفاسق من المؤمنين بالدليل العام مثل قوله كل معروف صدقة ونظائره أو الخاص لا اشكال في جواز مباشرته بالنسبة إلى تكليف نفسه فيجوز له ان يصلى على جنازة من الاولى له وانما الكلام في ترتيب الغير الآثار على فعله بان يسقط عنهم الصلوة على الميت الذى صلى عليه الفاسق ويصح لهم شراء المال الذى باعه من مال اليتيم وغير ذلك من الآثار الوضعية والتكليفية. والتفصيل في المقام ان الشك في ترتب الآثار على فعليه تارة يكون بعد العلم بايقاعه الفعل على وجه الصحيح مراعيا لجميع الشرائط المعتبرة فيه حتى لحاظ مصلحة الصغير في البيع واخرى في وقوعه منه صحيحا ومراعاته لما يعتبر فيه من الاجزاء والشرائط اما الاول فيندفع الشك باطلاقات الادلة المفروض شمولها لفعله، واما الثاني وهو الشك في وقوع الفعل صحيحا من الفاسق فهل يمكن التمسك باصالة الصحة، ام لا فيه كلام، وما يقتضيه التحقيق، ان اصالة الصحة (1) انما يجدى فيما احرز عنوان الفعل المأتى به ثم شك في اشتماله على الشرائط وعدمه كما لو صلى على جنازة وشك في انه صلى صحيحا ام لا، بعد العلم بانه نوى عنوان الصلوة، يحكم بالصحة، واما لو شك في تحقيق اصل العنوان الطارى على المأتى به، فلا يمكن احرازه باصالة الصحة، كما لو شك في انه بعد الدنو والقرب إلى الجنازة، صلى صلوة الميت، أو لم ينوا الصلوة اصلا، فلا مورد لاصالة الصحة هنا، ولا يسقط التكليف عن الغير. لانها تجرى بالنسبة إلى ما يعرض على الفعل، من الاخلال، بالشرائط والاجزاء وترك الموانع، بعد احراز عنوان العمل.


(1) المراد منها حمل فعل المسلم على الصحيح كما في بعض عبارات الشيخ واصالة الصحة في البيع في آخر كلامه

[ 62 ]

ونظيره ما لو سلم احد على المصلى، وشك في انه سلم صحيحا حتى يجب رده، ام فاسدا فلا يجوز الرد، لبطلان الصلوة بالكلام الادمى، فيحكم باصالة الصحة بكونه سلاما صحيحا ويترتب عليه الاثار ايضا، من وجوب الرد وعدم بطلان صلوته به واما لو شك المصلى في ان الوارد سلم عليه، أو قرأ شعرا وتكلم بكلام غيره، فلا مورد للتمسك بالاصل والحكم بكونه سلاما، ليترتب عليه وجوب الرد وعدم البطلان به، وهكذا الامر فيما نحن فيه. فلو باع فاسق مال اليتيم، وقلنا باعتبار المصلحة فيه ايضا فلو شكل في البيع الواقع منه انه كان عن مصلحة لليتيم، ام لم يكن كذلك، وبتعبير آخر، لو دار الامر بين فعلين متباينين، له الولاية على احدهما دون غيره، لا يمكن اثبات المصلحة فيه باجراء اصالة الصحة في فعله وفى البيع، لان موردها ما يعتبر ويشترط في الفعل بعد الفراغ عن عنوان المنطبقة عليه، كما اشير إليه في المرددة، بين الصلوة على الجنازة وغيرها، وبالجملة موضوع الولاية هنا، التصدى المشتمل على المصلحة، العائدة إلى اليتيم وإذا دار الفعل بين ما للفاسق ولاية، وبين ما ليس له ذلك، لا يمكن احراز الموضوع بالاصل المذكور. لكن الانصاف ان التمسك باصالة الصحة في عمل الفاسق لاحراز الصحيح لا اشكال فيه لو احرزنا ولايته في التصرف بالدليل نعم لا يثبت بها صحة البيع الصادر عمن يشك في ولايته، نعم لو وجد ثمن من مال الصغير، في يد الفاسق، لا يلزم بالفسخ، للتردد في ان ما في يده مال اليتيم. أو غيره مما في يد المشترى. الامر الثاني ان جواز التصدى والتصرف للمؤمن حيث ما ثبت في مال الصغير وغيره، فهل هو على وجه التكليف، أو من باب الولاية وجهان، قال الشيخ قدس سره: ثم انه محيث تثبت جواز تصرف المؤمنين فالظاهر انه على وجه التكليف الوجوبى أو الندبى، لا على وجه النيابة من حاكم الشرع، فضلا عن كونه على وجه النصب

[ 63 ]

من الامام. وظاهر كلامه قدس سره ان جواز التصدى والتصرف لهم في مال الصغار وغيرهم ليس مثل التصدى والجواز الثابت، الاباء والاجداد والفقهاء في مالهم، بل هو حكم شرعى ثابت لهم، نظير الحكم المجعول للمضطر، وجواز اكله مال الغير من باب الاضطرار هذا هو الظاهر من عباراته. ولكن لا يخفى ما فيه، إذا لبحث في ولاية الاب والجد والفقيه، والمؤمنين انما نشأ من مسألة اعتبار المتعاقدين في البيع مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع في ايجاد الملكية الاعتبارية، وجواز تصرف المؤمنين في مال الصغير بمثل البيع و الشراء، مستلزم للولاية على ايجادها، وليس مجرد الجواز التكليفى. وان كان كذلك في بعض الموارد، كبعض مراتب الامر بالمعرف والنهى عن المنكر الذى يجوز للمؤمنين ايضا تصديه، الا ان في بعضها الاخر مستلزم للولاية والسلطنة كبعض مراتب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى مستلزم لاعمال القدرة، وكاداء دين الممتنع عن ماله، واخراج الزكوات والاخماس عنه بناء على جوازه والجواز في تلك الموارد، ليس التكليفى المجرد عن الولاية والسلطنة كما لا يخفى. الامر الثالث ان جواز مزاحمة بعض الاولياء لبعضهم في الولاية وكذا العزل تابع للدليل الدال على ولايتهم من دون فرق بين الاب والجد، والفقهاء والمؤمنين في جميع موارد الولاية، فان علم منه ان للفقيه ولاية على بيع مال الصغير، ما لم يقع البيع في الخارج من غيره، يجوز له التصدى، وان كان الاخر عرض ماله للبيع على المشترى، وكذا لو علم ان الامام عليه السلام جعل شخصا وليا على بيع ماله، ما لم يصدر البيع عن شخص آخر ولو منه عليه السلام، فلو سبق بيع الولى بيعه عليه السلام يصح ويجوز نظير ما لو وكل زيد عمرا في بيع داره، ثم عرضه على البيع فسبقه عمرو في ذلك، يصح بيع عمرو ويكون نافذا، كما في الاب والجد، أو كان له وكلاء فسبق واحد منهم في بيع داره مع دخول غيره في مقدمات البيع صح بيعه ويبطل بيع غيره ولو علم

[ 64 ]

انه وكيله في البيع، ما لم يوجد مقدماته من شخص آخر، أو لم يجعلها المالك في معرض البيع فلا يصح بيعه، إذا وجدت مقدماته من غيره، وهكذا الحكم في الوكلاء إذا كانوا متعددين واما جواز عزل الولى غيره من الاولياء فهو ايضا تابع لدليل ولايته، فلو علم من الادلة العامة والخاصة ان للفقيه عزل غيره من الاولياء فيجوز، والافلا، كما لو كان الامام عليه السلام حاضرا وجعل شخصا وليا ونائبا عنه حتى في عزل وكلائه وسائر نوابه، وبالجملة جواز المزاحمة وعدمه، وكذا العزل تابع لادلة الولاية سعة وضيقا. الامر الرابع هل يعتبر في تصدى المومنين وولايتهم، ملاحظة مصلحة الصغير وغبطته ويختص ولايتهم بذلك ام يكفى في ثبوت الولاية عدم المفسدة في التصدى واما الولاية إذا كان التصدى ذا مفسدة فهى مقطوع العدم كما تقدم في ولاية الاب والجد. قد يدعى الاجماع على الاشتراط، وقيل انه اتفاقى بين المسلمين، واستدل له بقوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن والمراد من القرب مطلق التقلب والتحريك والنقل، ولو من مكان إلى مكان آخر أو التصرف بالاكل والبيع والشراء، أو وضع اليد والاستيلاء عليه، أو مطلق الامر الاختياري من الفعل والترك فلو لزم من ترك بيع مال الصغير ضرر عليه يجب على الولى الاقدام عليه، والظاهر ان ارادة الاعم من الفعل والترك بعيد من الاية، والسياق آب عنه وما يتبادر وينساق إلى الفهم، ان القرب إلى مال اليتيم كناية عن التصرف فيه والاكل منه كما في قوله العزيز ولا تقربا هذه الشجرة، عبر عنه بذلك تأكيد للحرمة وافهاما لشدة المبغوضية بحيث عد القرب إليه مبغوضا ومنهيا عنه فالمعنى على هذا لا تأكلوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن بان يكون الاكل من باب الاجرة وبازاء العمل الاصلاحي له، لقوله تعالى من كان فقيرا فليأكل بالمعروف، ومن كان غنيا فليستعفف وعليه فالاية لا تدل على قصر الولاية في مورد المصلحة، و اشتراط بيع مال الصغير وشرائه، بكونه احسن ثم على فرض الدلالة وتمامية

[ 65 ]

الاستدلال، فهل المراد من لفظة احسن التفضيل والارجحية، أو الاشتمال على المبدء والحسن فقط وعلى الاول المفضل عليه هو الترك بان يكون التصدى والبيع مثلا احسن من تركه أو كل التصرفات التى يمكن وقوعها على المال، من انحاء المعاملات والنقل والمبادلات الآهر من الصيغة هو التفضيل لا مطلق الحسن كما ان المتعارف ان يكون التفضيل بالنسبة إلى غيره من انحاء التصرفات المتحدة معه جنسا لا كونه افضل واحسن من الترك كما هو واضح لمن هو عارف باساليب كلام العرب ومجارى الادب نعم لا يعتبر ان يكون التصدى احسن من جميع الافراد والمصاديق بحسب الدقة العقلية والتفحصات الكثيرة الدقيقة بحيث ان يجب على الولى التفحص في البلاد البعيدة والصقع النائية حتى لا يوجد فرد ونوع احسن مما يريد ان يفعله و يتصديه بل المعتبر ان يكون بنظر العرف ارجح واحسن من غيره فلو كان مثلا قيمة الحنطة في سوق كل من بعشرين درهما وفى سوق آخر ازيد يعتبر ان يلاحظ الاكثر والاصلح والانفع له وان احتيج إلى تحمل مشقة واجرة للحمل إليه وبالجملة المعتبر في ولاية المؤمنين حيثما يثبت ان يكون تصديهم للمعروف احسن من غيره مما يمكن ان يقع من التصرفات وفى بعض الروايات اشعار إلى عدم اعتبار النفع والمصلحة فيما يتصديه الولى وكاية عدم الضرر والمفسدة فيه، ففى رواية الكابلي قيل لابي عبد الله عليه السلام انا لندخل على اخ لنافى بيت ايتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه من عند صاحبنا وفيه من طعام فما ترى في ذلك قال: إذا كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس وان كان فيه ضرر فلا. المستفاد من الصدر ان جواز الدخول في دار اليتيم والتصرف في ماله مشروط بكون ذلك نافعا له ويستفاد من مفهوم الذيل ان مناط الحرمة وعدم الجواز الضررو المفسدة فلو لم يكن ضرر في تصدى الولى على اليتيم فلا بأس فيه رسواء كان فيه نفع أو لم يكن ابان يكون الفعل والترك مساويا عنده فالذيل صريح في كفاية عدم الضرر في الجواز

[ 66 ]

والتحقيق ان الصور في المقام ثلثة احدهما ما يكون فيه نفع وغبطة لليتيم الثاني ما فيه ضرر عليه والثالث ما لا فيه ضرر ولا نفع اما الاول والثانى فيدل على حكمها المنطوقان في قوله: إذا كان في دخولكم عليهم منفعة لهم وقوله: ان كان فيه ضرر فلا واما الثالث فيشمله مفهوم الصدر والذيل فمفهوم الاول يدل على عدم جواز تصرف فيه والثانى على الجواز فيتعارضان ويتساقطان والمرجع الاصل وهو عدم الولاية لاحد على غيره في شئ من اموره كما تقدم في اول الكتاب. ويمكن ان يقال، ان ذكر الضرر في ذيل الرواية، من جهة انه الفرد البين الشايع من مفهوم الصدر، فان مفهوم قوله: إذا كان في دخولكم عليهم منفعة، له فردان، احدهما ما فيه الضرر وهو البين، والثانى، لا نفع فيه ولا ضرر وقد صرح باحدهما في الذيل لكونه بينا، دون الاخر، والمقصودان التصريح بالضرر في الذيل من باب انه الفرد البين من مفهوم الصدر، لا لاخذ المفهوم منه، حتى يتعارض المفهومان فيما ذكر. ولقائل ان يقول، ان عدم المنفعة في مورد الرواية ملازم للضرر، فالمفهومان يتصادقان فيه، ولا يتعارضان وتقريب ذلك، ان الدخول في دار اليتيم والجلوس فيها، إذا كان باجرة المثل يحصل نفع له وإذا لم يكن كذلك يوجب الضرر عليه دائما، إذ بعد الدخول في داره، وعدم اعطاء العوض، فقد اتلف عليه منفعة داره، فعدم النفع في المورد، وهو العوض، ضرر على اليتيم، فالمفهومات متصادقان، وفى رواية ابن المغيرة قلت: لابي عبد الله عليه السلام ان لى ابنة اخ يتمية فربما اهدى إليها لا شئ فاكل منه، ثم اطعمها بعد ذلك الشئ من مالى، فاقول يا رب هذا بهذا قال عليه السلام لا بأس ربما يقال: ان ظاهرها كفاية عدم الضرر في جواز التصرف في مال الصغيرة كما هو المتبادر من قوله هذا بهذا، فصرف وصول عوض المال إلى اليتيمة كاف في الجواز وهو المناط في صحة التصرف: ولا يعتبر النفع والزيادة. وفيه انه لا يبعد ان يقال: ان الظاهر كون ما اهدى لها، من الاطعمة التى لو لم

[ 67 ]

يوكل وبقى على حاله لربما يفسد ويخرج من الانتفاع منه، فبالتصرف فيه واكله يحصل النفع لليتيمة، مضافا إلى ان المتعارف في مقابل الاحسان وتكافؤه، الزيادة والكثرة على ما اهدى، خصوصا في مثل الموارد، ومن الامثال الفارسية، كاسه جائى رود كه قدح باز آرد، فالمتيقن من عدم البأس في مورد الرواية، ما يحصل النفع إليها، فلا يستفاد منها كفاية عدم الضرر وانما التزمنا به واخترناه، في خصوص الاب والجد، استظهار من ادلة الباب، بل لهما التصرف في بعض الموارد. وان كان ضررا على المولى عليه هذا آخر ما اردنا ضبطه من بحث الاستاد الاعظم الفقيه الكبير مد ظله العالي والحمد لله والثناء له على الختام وقع الفراغ من تأليف الرسالة صبيحة يوم السبت سابع وعشرين، من شهر شعبان، المعظم سنة (13، 3 ه‍) ثلاث وسبعين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة، على هاجرها الف الثناء والتحية احمد الصابري الهمداني دائما، إذ بعد الدخول في داره، وعدم اعطاء العوض، فقد اتلف عليه منفعة داره، فعدم النفع في المورد، وهو العوض، ضرر على اليتيم، فالمفهومات متصادقان، وفى رواية ابن المغيرة قلت: لابي عبد الله عليه السلام ان لى ابنة اخ يتمية فربما اهدى إليها لا شئ فاكل منه، ثم اطعمها بعد ذلك الشئ من مالى، فاقول يا رب هذا بهذا قال عليه السلام لا بأس ربما يقال: ان ظاهرها كفاية عدم الضرر في جواز التصرف في مال الصغيرة كما هو المتبادر من قوله هذا بهذا، فصرف وصول عوض المال إلى اليتيمة كاف في الجواز وهو المناط في صحة التصرف: ولا يعتبر النفع والزيادة. وفيه انه لا يبعد ان يقال: ان الظاهر كون ما اهدى لها، من الاطعمة التى لو لم

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية