الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة - السيد الخوئي

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي


[ 1 ]

مصباح الفقاهة

[ 2 ]

خوئي، أبو القاسم 1278 - 1371 مصباح الفقاهة: تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى (قدس سره) بقلم محمد على التوحيدي التبريزي - قم داوري، 1377. 5 ج 15000 ريال (هر جلد) (دوره) 0 1 - 9090 - 964 ISBN فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا (فهرست نويسي پيش از انتشار). اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين مختلف منتشر گرديده است. كتابنامه 1 - معاملات (فقه) الف - توحيدي، محمد على، 1303 - 1353، محرر بعنوان 6 م 9 خ / 373 190 792 / Br 11456 1377 - 77 م هوية الكتاب: اسم الكتاب: مصباح الفقاهة ج 1 المؤلف: الشيخ محمد على التوحيدي الناشر: مكتبة الداوري - قم - تليفون 732178 شابك: 5 - 2 - 90950 - 964 - () 5. vol SET المطبعة: العلمية - قم الطبعة: الاولى المحققة العدد: 1000 نسخة

[ 3 ]

مصباح الفقاهة تقرير ابحاث سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره بقلم الشيخ محمد علي التوحيدي الجزء الاول منشورات مكتبة الداوري قم / ايران

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد وآله واللعن على أعدائهم. يسرنا أن نقدم لرواد الفقه الجعفري كتاب " مصباح الفقاهة " وهو يحكي عن آراء سماحة آية الله العظمى السيد الخوئى " قدس سره " حول كتاب " المكاسب " شيخ الاعظم الانصاري " قده " وقد حررها فضيلة العلامة الحجة المرحوم المغفور له الشيخ محمد علي التوحيدي التبريزي " ره " بقلم رشيق واسلوب شيق. وبما أن الكتاب طبع قسم منه (المكاسب المحرمة وشطر من البيع) في حياة المؤلف " ره " و القسم الآخرة (بقية البيع وقسم الخيارات) لم يطبع الا بعد وفاته، ولم يقم أحد بتنسيق الكتاب بالاسلوب الفني من تخريجات وتدقيق المتن، فلذا اصبح الكتاب كثير الاغلاط بحيث يتعب القارئى بمطالعته ولا يرتاح في الاستفادة منها. إلى أن قام بهذا العمل القيم الأخ الفاضل الشيخ محمد جواد القيومي فأخرجه بهذا الاسلوب البديع، حيث قام بتخريج مصادر الاقوال ومآخذ الاحاديث والآيات، فخرج الكتاب (كما تراه) بكيفية راقية واسلوب بديع وطبع انيق من صف الحروف الظريفة وورق ممتاز وتجليد فني. عسانا أن نكون قدمنا خدمة يسيرة لفقه اهل البيت عليهم السلام ونسأل الله التوفيق الاكثر لاحياء تراث فقه آل محمد عليهم السلام وأن يتقبل منا هذه الخدمة الضئيلة، إنه ولي التوفيق؟

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى عترته الطاهرين. أما بعد، فمن أشرف العلوم قدرا، وأرفعها شأنا بعد العلم بالمعارف الالهية، هو العلم بالاحكام الشرعية، لان بالعلم بها ينال سعادة الدنيا والاخرة، ولمكان تلك الاهمية أتعب رجال العلم وحملة الدين نفوسهم في تنقيح قواعده وتهذيب مداركه، وصنفوا فيه كتبا قيمة، حتى أصبح في عصرنا الحاضر كتاب المكاسب للشيخ الاعظم مرتضى الانصاري قدس الله أسراره الزكية محطا للانظار ومحورا لابحاث العلماء. وممن عنى بهذا الكتاب وجعله محورا لمحاضراته الفقهية هو استاذ الفقهاء والمجتهدين، العلامة الورع والمحقق البارع، آية الله العظمى سيد مشائخنا السيد أبو القاسم الخوئي قدس الله سره، وهذا الكتاب تقرير أبحاثه الفقهية على هذا الكتاب. قد وفقه الله لتربية جم غفير من أفاضل الطلاب في النجف الاشرف، وألقى محاضرات كثيرة في الفقه والاصول والتفسير، قال نفسه في معجمه الكبير:

[ 8 ]

فألقيت محاضراتي في الفقيه (بحث الخارج) دورتين كاملتين لمكاسب الشيخ الاعظم الانصاري قدست نفسه، كما درست جملة من كتب اخرى، ودورتين كاملتين لكتاب الصلاة، وشرعت في 27 ربيع الاول سنة 1377 ه‍ في تدريس فروع العروة الوثقى لفقيه الطائفة السيد محمد الكاظم الطباطبائي، مبتدءا بكتاب الطهارة، حيث كنت قد درست الاجتهاد والتقليد سابقا، وقطعت شوطا بعيدا فيها، والحمد لله حيث وصلت الى كتاب الاجارة فشرعت فيه في يوم 26 ربيع الاول سنة 1400 ه‍، وقد أشرفت على انجازه الان في شهر صفر سنة 1401 ه‍، وألقيت محاضراتي في الاصول (بحث الخارج) ست دورات كاملات، أما السابعة فقد تراكم اشغال المرجعية دون اتمامها، فتخليت عنها في مبحث الضد... وقد قرر مجموعة كبيرة من أفاضل تلامذتي ما ألقيته عليهم من دروس في الفقه والاصول والتفسير، وقد طبع جملة منه - الخ. في طليعة هؤلاء الافاضل - كما قال قدس الله سره في تقريظه على هذا الكتاب - العلامة المحقق الشيخ محمد علي التوحيدي التبريزي قدس سره، وكفى في فضله ما قال استاذه في حقه، ذكر بعض خواص تلاميذه في بيان حالاته: كان رحمه الله في التوكل والاعتماد على الله في جميع شئون حياته ممتاز في أقرانه، ومحبته بأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) ايضا وافر، وفي مدة اقامته في مدينة قم لا يترك زيارة كريمة اهل البيت (عليها السلام) وقراءة زيارة الجامعة بعد صلاة العشاء، وفي التصرف في سهم الامام (عليه السلام) يحتاط غاية الاحتياط، وكان رحمه الله منيع الطبع ويحافظ شئون الروحانية بغاية الامكان.

[ 9 ]

وفي النجف الاشرف استفاد من محضر آية الله العظمى الميلاني وآية الله العظمى الخوئي قدس الله أسرارهم، وان السيد الخوئي أكثر من تتلمذ عليه فقها واصولا، وحضر محاضرات السيد الخوئي في بحوث خارج الاصول ثلاثة دورات كاملات، كل دورة ست سنين، ويكتب محاضرات استاذه وأضاف في كل دورة ما ألقاها زيادة على ما في الدورة السابقة. وفي النجف الاشرف تتلمذ عليه عدة من الفضلاء الرسائل والمكاسب والكفاية، وبعد تشرفه بمدينة قم له بحوث في خارج الاصول والفقه والتفسير والفلسفة، واشتغل بكتابة حواشيه على العروة الوثقى وبحوثه في خارج المكاسب، لكن عاجله المنون وهو في نضارة أيامه. بذل رحمه الله في تنظيم مصادر روايات مصباح الفقاهة وأقوال العلماء غاية جهده، حتى انه كتب في بعض المسودات على مصباح الفقاهة بأنه فحص عشرة أيام للظفر ببعض الروايات، وفي بيان المطالب يلاحظ الايجاز واحترز من التكرار، رحمة الله عليه رحمة واسعة وجزاه عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين. أما هذا الكتاب، فهو كما قلنا تقرير أبحاث السيد الخوئي على المكاسب، فقد ألف تقرير أبحاثه على هذا الكتاب في الدورة الاولى العلامة الحجة السيد علي الحسيني الشاهرودي قدس سره، المسمى بمحاضرات في الفقه الجعفري، لكنه لا يشمل كل المباحث ونهايته البيع الفضولي، وتقرير الدورة الثانية فهو ما ألفه الشيخ العلامة محمد علي التوحيدي المسمى بالمصباح الفقاهة وهو شامل لجميع المباحث، ولاجل تتميم الفائدة جمعنا بين الكتابين، وذكرنا ما قاله

[ 10 ]

السيد الخوئي في الدورة الاولى ولم يذكره في الدورة الثانية في هامش الكتاب، مقتصرا في ذلك على أهم الموارد. وذكر السيد الخوئي (قدس سره) في كلامه أقوالا في تضعيف الروات وتوثيقهم وغيرها من المباحث الرجالية، وحيث ان بعضها مبتن على أقواله (قدس سره) في الزمن السابق، وبعد تأليف معجمه الكبير عدل عن بعض مبانيه، فقد أشرنا في الهامش الى أقواله الجديدة، كعدوله عن توثيق رجال كامل الزيارات، وعدوله عن تضعيف الحسين بن يزيد النوفلي وموسى بن بكر الواسطي و... ذكرنا في الهامش مصادر الروايات ومآخذ الاقوال المنقولة وسائر ما يحتاج إليه من راجع الكتاب الحاضر، وأضفنا الى ما ألفه المؤلف (رحمه الله) بعض العناوين تسهيلا للمراجعة. نسأل الله أن يتقبل منا بمنه وكرمه، انه خير مجيب، والحمد لله رب العالمين. جواد القيومي الاصفهاني 9 / 9 / 1376

[ 11 ]

المكاسب المحرمة

[ 13 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا الى حقائق الايمان، وأنار قلوبنا بأنوار العلم والعرفان، والصلوات الزاكيات على سيدنا ونبينا محمد، الصادع بالدين الحنيف والشرع المنيف، وعلى آله الاطهار، الدعاة الى الله والناشرين لاحكام الله. وبعد، فلما كان كتاب المكاسب الذي هو من مصنفات الشيخ الاعظم الصناع الفذ والعلم الفرد، المحقق المؤسس، شيخ مشائخنا الانصاري قدس الله روحه، من اعظم الكتب الفقهية شأنا، وأكثرها مادة، وأمتنها استدلالا، وأجزلها عبارة، كان هو المعول عليه في الدراسة الخارجية عند البحث عن المعاملات، وقد جمع قدس الله روحه وأكرم مثواه بين دفتي كتابه زبدة افكار العلماء المتقدمين، وخلاصة أنظارهم الدقيقة، وأضاف إليها من فكرته الوقادة وقريحته النقادة تحقيقات أنيقة وتأملات رشيقة. وبذلك كان الكتاب صحيفة ناصعة تمثل سداد الرأي ونتاج المجهود الفكري في مراتبه الراقية، وعلماؤنا الاعلام قدس الله أسرارهم قد أبدوا اهتماما خاصا بهذا الكتاب، وعنوا به عناية فائقة، وتعرضوا إليه،

[ 14 ]

وأوسعوه دراسة وشرحا وتعليقا حسب اختلاف أذواقهم في الشرح والتعليق، وبذلك تكونت مجموعة نفيسة من الشروح لا يستغني عنها الباحث ولا يتجاوزها المراجع المتأمل. الى أن ألقت العلوم الدينية زعامتها، وأسندت رئاستها الى سيدنا واستاذنا، علم الاعلام آية الله الملك العلام، فقيه العصر وفريد الدهر، البحر اللجي، واسطة قلادة الفضل والتحقيق، محور دائرة الفهم والتدقيق، امام أئمة الاصول، وزعيم أساتذة المعقول والمنقول، المبين لاحكام الدين والمناضل عن شريعة جده سيد المرسلين، قدوة العلماء الراسخين، اسوة الفقهاء العاملين، المولى الاعظم والحبر المعظم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي أدام الله أيام افاضاته ومتع الله المسلمين بطول بقائه. وهو أدامه الله قد تعرض الى الكتاب اثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدسة العلوية، وأوسعه تهذيبا وتنقيحا، وكشف النقاب عن غوامضه، وأبان الموارد المعضلة منه، وأخذ بتلك المسائل والاراء التي قيلت أو يمكن ان يقال، فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع، وأفرغها في قوالب رصينة، وشيدها على اسس متينة، وكان النتاج درة لماعة على مفرق التشريع الاسلامي والفقه الجعفري. وكنت ممن وفقه الله للاستفادة من محضره الشريف، والارتواء من منهله العذب، فجمعت في هذا المختصر ما استفدته من تلك الابحاث، ثم عرضت ذلك على السيد الاستاذ دام ظله، فراجعه مراجعة كاملة، وكرر النظر في ابحاثه وفصوله. وها انا ذا اقدم كتابي هذا: مصباح الفقاهة الى ارباب العلم والفضيلة، آملا ان يقع ذلك منهم موقع القبول، وجعلت عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، سائلا منه ان يجعل ذلك ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون.

[ 15 ]

وقد كان المؤلفون القدماء كثيرا يقولون: ان أسواق العلوم كاسدة وتجارتها غير مربحة، وان الناس قد رغبت عنها الى ملاذ الدنيا وشهواتها، وقصرت بانظارها الى الحطام العاجل والعرض الزائل، وانهم قد استأثروا الكسل على الجد والنوم على السهر والراحة على العمل، وان الدنيا قد أدبرت عن ورثة الرسالة وأصحاب الامانة، وأمثال هذه الكلمات صارت عنوانا لفواتح الكتب ومستهلات الخطب والرسائل. وأما نحن، فلنا ان نفتخر بحمد الله وافضاله على هذا العهد الزاهي، الذي ازدهرت فيه انوار العلوم، وأشرقت فيه شموس المعارف، وأصبحت الامم من كل حدب وصوب يتجهون الى هذه المدينة المقدسة، مدينة سيد العلماء على الاطلاق بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وازدحمت المدارس بطلابها، وضاقت بهم ارجاؤها، نحمده تعالى على هذه الموهبة الجليلة والنعمة الجسيمة، ونسأله ان يوفقنا لخدمات الدين واحياء شريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، وأن يجعلنا من المشمولين لقوله عز من قائل: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. محمد علي التوحيدي

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فيما يرجع الى الروايات 1 - رواية تحف العقول: قوله (رحمه الله): وروي في الوسائل (1). أقول: المذكور في تحف العقول والبحار (2) يشتمل على زيادات، وقد أسقطها المصنف، وربما يخل بالمقصود، وما في حاشية العلامة الطباطبائي (3)، من أنه لا يتغير بها المعنى المراد، فيظهر لك ما فيه مما سيأتي. بحث وتحقيق: اعلم أن هذه الرواية وان كانت حاوية للضوابط الكلية والقواعد الكبروية، الراجعة الى اعاشة عالم البشرية، من حيث تدينهم بالاحكام الشرعية، الا أنه لا يمكن تصدير الكتاب بها لاجل أخذها مدركا للابحاث الاتية، ودليلا لاحكام التجارة، جزئيها وكليها، بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها بالخصوص، فان كان فيها ما يدل على المنع اخذ به، والا فالعمومات الدالة على صحة المعاملات محكمة.


1 - الوسائل 17: 83. 2 - تحف العقول: 331، عنه البحار 103: 45. 3 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 2.

[ 18 ]

الوجوه الدالة على عدم جواز التمسك بها: وانما لم يجز التمسك بهذه الرواية لوجوه: 1 - قصورها من ناحية السند وعدم استيفائها لشروط حجية أخبار الاحاد، فان راويها أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي، وان كان رجلا وجيها فاضلا جليل القدر رفيع الشأن، وكان كتابه مشتملا على الدرر اليواقيت من مواعظ أهل البيت (عليهم السلام)، وقد اعتمد عليه جملة من الاصحاب (1)، الا أنه لم يذكرها مسندة بل أرسلها


1 - قال المجلسي في البحار: كتاب تحف العقول، عثرنا منه على كتاب عتيق، ان نظمه يدل على رفعة شأن مؤلفه، وأكثره في المواعظ، ومن الاصول المعلومة التي لا نحتاج فيها الى سند (البحار 1: 29). قال المحدث الحر العاملي في امل الامل في حقه: فاضل محدث جليل، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول (عليهم السلام)، حسن، كثير الفوائد، مشهور - الخ (امل الامل 2: 74، الرقم: 198. قال المحدث القمي في الفوائد الرضوية (109): أبو محمد شيخ فاضل محدث عالم عامل فقيه جليل، ثم نقل عن صاحب التكملة عن الحسين بن علي بن الصادق البحراني انه من قدماء الاصحاب حتى ان شيخنا المفيد ينقل عنه، وهو كتاب لم يسمح الدهر بمثله (الفوائد الرضوية: 109)، وهكذا المحدث الطهراني في الذريعة 3: 400. وقال السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة: شيخنا الاقدم وامامنا الاعظم، له كتاب تحف العقول في الحكم والمواعظ عن آل الرسول (عليهم السلام)، كتاب جليل لم يصنف مثله، وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة، وفي حقه يقول الشيخ العالم الرباني الشيخ حسين بن علي ابن الصادق البحراني في رسالته في الاخلاق: 6 كتاب تحف العقول للفاضل النبيل - الخ (تأسيس الشيعة: 413). في رجال المامقاني: الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي، قال في روضات الجنات: انه فاضل فقيه ومتبحر نبيه ومترفع وجيه، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول معتمد عليه عند الاصحاب (رجال المامقاني 1: 293). الى غير ذلك من كلمات الاعلام في اعتبار تحف العقول ووثاقة مؤلفه.

[ 19 ]

عن الصادق (عليه السلام)، فلا تكون مشمولة لادلة حجية خبر الواحد، لاختصاصها بالخبر الموثوق بصدوره. ودعوى قيام القرينة على اعتبار رواتها المحذوفين جزافية، لان القرينة على اعتبارهم ان كانت هي نقله عنهم، فذلك ممنوع، لكون النقل أعم من الاعتبار، فالالتزام بالاعم لا يدل على الالتزام بالاخص، وان كانت شيئا آخر غير النقل فلم يصل الينا ما يدل على اعتبارهم. ولو سلمنا ذلك فانه لا يفيدنا بوجه، بل حتى مع تصريحه باعتبارهم عنده، لان ثبوت الاعتبار له لا يدل على ثبوته لنا ما لم يذكر سببه من التوثيق لنلاحظه حتى يوجب ثبوته عندنا، فلعله يعتمد على غير خبر الثقة ايضا. وهم ودفع: وربما يتوهم انجبار ضعفها بعمل المشهور، الا أنه مدفوع لكونه فاسدا كبرى وصغرى: أما الوجه في منع الكبرى، فلعدم كون الشهرة في نفسها حجة، فكيف تكون موجبة لحجية الخبر وجابرة لضعف سنده، وانما الشهرة بالنسبة الى الخبر كوضع الحجر في جنب الانسان، فلا بد من ملاحظة نفس الخبر، فان كان جامعا لشرائط الحجية عمل به، والا فان ضم غير حجة الى مثله لا ينتتج الحجية. لا يقال: إذا عمل المشهور بخبر كشف ذلك عن احتفافه بقرائن توجب الوثوق قد اطلعوا عليها ولم تصل الينا، فيكون الخبر موثوقا به، كما ان اعراضهم عن الخبر الصحيح يوجب وهنه وسقوطه عن الاعتبار، ومن هنا اشتهر في الالسن: ان الخبر كلما ازداد صحة ازداد باعراض المشهور عنه وهنا.

[ 20 ]

فانه يقال: مضافا الى كون ذلك دعوى بلا برهان، ورجما بالغيب، وعملا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا، ان المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة الراوي، ويدل على ذلك الموثقة التي ارجع الامام (عليه السلام) السائل فيها الى العمري وابنه، حيث علل هذا الحكم فيها: بأنهما ثقتان (1). ويدل عليه ايضا الروايات المتواترة التي ارجع فيها الى اشخاص موثقين (2)، فان من المعلوم انه لا خصوصية لهؤلاء الروات الا من حيث


1 - عن الحميري عن احمد بن اسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت: من اعامل وعمن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدي اليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له فانه الثقة المأمون، وقال: سألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان المأمونان موثقتان (الغيبة للشيخ الطوسي: 215). 2 - عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما احتجنا أن نسأل عن الشئ فمن نسأل؟ قال: عليك بالاسدي يعني ابا بصير (رجال الكشي: 171، الرقم: 291). عن يونس بن يعقوب قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أما لكم من مفزع، أما لكم من مستراح تستريحون إليه، ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري (رجال الكشي: 337، الرقم: 620). عن علي بن المسيب الهمداني قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل اليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا (رجال الكشي: 594، الرقم: 1112). عن عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين جميعا عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت: لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم (رجال الكشي: 490، الرقم: 935). عن عبد العزيز بن المهتدي قال: قلت للرضا (عليه السلام): ان شقتي بعيد فلست أصل اليك في كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولي آل يقطين؟ قال: نعم (رجال الكشي: 491، الرقم: 938).

[ 21 ]

كونهم موثقين، اذن فالمناط هي الوثاقة في الراوي. وعلى هذا، فان كان عمل المشهور راجعا الى توثيق روات الخبر وشهادتهم بذلك فبها، والا فلا يوجب انجبار ضعفه، ومن هنا يعلم انه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضره اعراض المشهور عنه، الا أن يرجع الى تضعيف رواته. وبالجملة ان الملاك في حجية اخبار الاحاد هو وثاقة رواتها، والمناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم، ولاجل ذلك نهي عن الرجوع الى من لا وثاقة له (1)، وتفصيل الكلام في الاصول. وأما الوجه في منع الصغرى، فهو عدم ثبوت عمل المتقدمين بها، وأما عمل المتأخرين فهو على تقدير ثبوته غير جابر لضعفها. مضافا الى أن استنادهم إليها في فتياهم ممنوع جدا، كما سيأتي، فان المظنون بل الموثوق به هو اعتمادهم في الفتيا على غيرها، وانما ذكروها في بعض الموارد تأييدا للمرام لا ناسبا للكلام. لا يقال: ان شرائط الحجية وان كانت غير موجودة فيها الا أن موافقتها في المضمون مع الروايات الاخرى الصحيحة أو الموثقة توجب حجيتها، على ان آثار الصدق منها ظاهرة. فانه يقال: إذا لم تستوف الرواية شرائط الحجية فمجرد موافقتها مع الحجة في المضمون لا تجعلها حجة.


1 - عن علي بن سويد السائي قال: كتب الى أبو الحسن (عليه السلام) وهو في السجن: وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فانك ان تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، انهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام، ولعنتي ولعنة شيعتي الى يوم القيامة (رجال الكشي: 3، الرقم: 4).

[ 22 ]

وأما قوله: ان آثار الصدق منها ظاهرة، فلا ندري ماذا يريد هذا القائل من هذه الاثار: أهي غموض الرواية واضطرابها، أم تكرار جملها وألفاظها، أم كثرة ضمائرها وتعقيدها، أم اشتمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الاصحاب ومن أهل السنة، كحرمة بيع جلود السباع والانتفاع بها وامساكها وجميع التقلب والتصرف فيها، مع ان الروايات المعتبرة انما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها، كموثقة سماعة (1) وغيرها، وكحرمة الانتفاع بالميتة ولو كانت طاهرة، وسيأتي خلاف ذلك في بيع الميتة، وكحرمة التصرف والامساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد، وسيظهر لك خلاف ذلك من المباحث الاتية. ومما ذكرنا ظهر عدم انجبارها بالاجماع المنقول على تقدير حجيته. 2 - ان فتاوى اكثر الفقهاء ان لم يكن كلهم لا تطابق بعض جمل الرواية فكيف ينجبر ضعفها بالشهرة الفتوائية بينهم. فان مقتضي بعض فقراتها حرمة بيع النجس مطلقا، مع أنه لم يلتزم به الا النادر من الفقهاء، بل في بعض فقراتها حرمة امساكه والتقلب فيه، ولم يفت بهذا أحد فيما نعلم. مضافا الى ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور المذكورة تحريما تكليفيا، ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام): فهو حرام بيعه وشراؤه، وامساكه وملكه، وهبته وعاريته، والتقلب فيه. فان الامساك والتقلب يشمل جميع انواع التصرف حتى الخارجي منه، ولا معنى لحرمته وضعا، والفقهاء (قدس سرهم) لم يلتزموا في أكثر


1 - عن سماعة، قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال (عليه السلام): وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (الكافي 6: 541، الفقيه 1: 169، التهذيب 2: 205، المحاسن: 629، عنهم الوسائل 4: 353)، موثقة.

[ 23 ]

المذكورات بذلك، وانما ذهبوا الى الحرمة الوضعية، واستفادوا ذلك من النهي في ابواب المعاملات، نظير النهي عن البيع الغرري، فان معناه الارشاد الى بطلان ذلك البيع، كما يأتي في محله ان شاء الله. نعم لو توجه النهي بذات المعاملة مع ارادة ما يظهر منه من المولوية لتوجه الالتزام بالحرمة التكليفية، كالنهي عن بيع الخمر، وسيأتي. 3 - ان التقسيم المذكور فيها لا يرجع الى امر محصل، وذلك يكشف عن اضطرابها، فان تربيع أقسام المعاملة المعاشية بجعل كل واحد من الولايات والصناعات قسما مستقلا من تلك الاقسام في قبال التجارات والاجارات لا يسلم عن التكرار. أما الولاية فهي على قسمين، لانها اما عامة ثبتت من الله كالنبوة والامامة، أو خاصة ثبتت من قبل الولات العامة. أما الولاية العامة فهي خارجة عن حدود الرواية، فان التقسيم فيها باعتبار المعاملة المعاشية، فالولاية العامة خارجة عنها تخصصا، وانما هي من المناصب الالهية التي جعلت للعصمة الطاهرة. وأما الولاية الخاصة فمن حيث جواز ارتزاق الولاة من بيت المال تدخل تحت الاجارة المذكورة في الرواية، فلا تكون الولاية في مقابل الاجارة قسما آخر، فان المراد من الاجارة فيها ليس هي الاجارة المصطلحة بين الفقهاء، ويدل على ذلك ادخال الجعالة تحتها وعدم ذكرها في الرواية استقلالا. وأما الصناعات، فان كان المقصود منها الصناعات المصطلحة من البناية والخياطة والنجارة ونحوها، فمن الواضح انها ليست قسما من المعاملات المشرعة للاعاشة، وانما هي موضوع من الموضوعات، وان كان النظر فيها الى الطواري والعوارض، من حيث ان من يتصف بها اما أن

[ 24 ]

يؤجر نفسه للغير لاجل ما عنده من الصناعة، واما أن يجعل ما يحصله منها ثمنا أو مثمنا في البيع، فعلى الاول تدخل تحت الاجارة وعلى الثاني تحت التجارة، فلا تكون وجها آخر في قبالهما. الا أن يراد منها نفس الحرفة والصنعة مع تعميم المقسم الى كل ما يكون وسيلة الى المعاش، فحينئذ يشملها المقسم لكونها من أعظم الوسائل الى التعيش. وفيه: انه بناء عليه لا يكون التقسيم المذكور في الرواية حاصرا، لخروج كثير من وسائل الاعاشة عن المقسم، كالحيازات والنتاجات والاصطياد، واحياء الموات واجراء القنوات والضيافات، وأخذ الخمس والزكاة والصدقات. وقد رد هذا الاشكال (1) بأن الحصر في الرواية اضافي، ولكن هذا الرد فاسد فانه ناشئ من الاغترار بما اشتهر في السنة الادباء من حسبان الحصر الاضافي قسما آخر يقابل الحصر الحقيقي، مع ان الحصر لا يكون الا حقيقيا، بل الالتزام بالحصر في مورد مع الالتزام بكونه اضافيا لاحقيقيا التزام بالمتناقضين، كما هو واضح للناقد البصير. نعم قد يكون الحصر في حصة خاصة، كما يقال: زيد اعلم من في النجف، وقد يكون غير مقيد بحصة خاصة، فيسمي الاول اضافيا والثاني حقيقيا، وهذا غير ما توهم. وتوهم بعضهم (2) ان التقسيم فيها باعتبار المعاملات، وحينئذ فلا يوجب حصرها في الاربع حصر كل طرق المعاش إليه.


1 - راجع حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 2. 2 - راجع حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 2.

[ 25 ]

ولكن هذا التوهم مما لا يصغي إليه بعد القطع بأن المعاملات المنقسمة الى الاقسام المذكورة ليست هي المعاملات المصطلحة كما عرفت. نعم لا يبعد أن يقال: ان التقسيم في الرواية بحسب المعاملات المعاشية المعروفة، كما يدل على ذلك صدرها (1)، وقد أسقطه المصنف تبعا لصاحب الوسائل. وقد تحصل من مطاوي بعض ما ذكرنا عدم جواز الاستناد الى شئ من روايات تحف العقول في شئ من الاحكام الشرعية. ومع ذلك لا ينقضي تعجبي من الشيخ حسين البحراني (رحمه الله) كيف رضي القول بأنه كتاب لم يسمح الدهر بمثله (2)، مع ان الكتب المعتمدة للشيعة نصب عينيه. تذييل: لا يخفى عليك ان المناسب تقسيم معائش العباد الى قسمين: التجارة بالمعنى الاعم والعمل، فان الاعاشة العقلائية لا تخلو منهما، واما مثل التساؤل ونحوه فليس من الطرق العقلائية للاعاشة. الاضافات الحاصلة بين المال والمالك: لا يخفى عليك ان الاضافات الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالاضافات المالكية تكون على انحاء، لانها في دار تقررها اما اضافة ذاتية تكوينية، واما اضافة عرضية، اي متكونة بواسطة الامور الخارجية.


1 - فقال (عليه السلام): قد يكون في هؤلاء الاجناس الاربعة حلال من جهة، حرام من جهة، وهذه الاجناس مسميات معروفات الجهات، فأول هذه الجهات الاربعة - الخبر. 2 - الشيخ حسين بن علي بن الصادق البحراني في رسالته في الاخلاق: 6.

[ 26 ]

أما الاولى، فكالاضافات الموجودة بين الاشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم، فان اعمال كل شخص ونفسه وذمته مملوكة له ملكية ذاتية، وله واجدية لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية، التي لمكون الموجودات. ثم انه ليس المراد من الذاتي هنا الذاتي في باب البرهان، وهو المنتزع من مقام الذات المسمي بخارج المحمول، ولا الذاتي في باب الكليات الخمس، بل المقصود منه هنا ما لا يحتاج في تقرره وظهوره في صفحة الوجود الى شئ آخر وراء نفسه من الاعتبارات الملكية، ولا الى اعدام موجود، ولا الى ايجاد معدوم، ولا الى ضم ضميمة، وانما شأنها شأن الذاتيات التي لا تحتاج الا الى علة في الوجود. ثم ان معنى الملكية هنا ليس الا القدرة والسلطنة، بمعنى ان كل أحد مسلط على عمله ونفسه وما في ذمته، بأن يؤجر نفسه للغير أو يبيع ما في ذمته، ويأتي لذلك زيادة توضيح في اول البيع ان شاء الله. ومن هنا يندفع ما ربما يتوهم من ان عمل الانسان لا يعد من الاموال، ووجه الاندفاع انه ليس من الاموال بالاضافة الاعتبارية لا بالاضافة التكوينية. وأما الاضافة العرضية، فهي اما ان تكون اضافة اولية، واما ان تكون اضافة ثانوية، والاولية اما اصلية استقلالية، أو تبعية غيرية. فالاولية الاصلية كالاضافة المالية الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معا، فالاول كالاعمال التي يعملها الانسان فيحصل منها المال، والثاني كحيازة المباحات، والثالث كمن يجوز اشجارا فيجعلها سريرا، فان الصورة السريرية توجب تحقق اضافة مالية اخرى في المادة الخشبية

[ 27 ]

وراء المالية المتقومة بالخشبة، فتلك المالية القائمة في السرير حاصلة من العمل والحيازة معا. فاطلاق الاولية عليها باعتبار عدم سبق اضافة ذلك المال الى الغير، والاصلية باعتبار عدم تبعها للغير. وأما الاضافة الاولية التبعية، فهي ما تكون بين المالك وبين نتاج أمواله، كالنتاج التي تنتج الحيوانات المملوكة، والبيوض التي تبيضها الطيور المملوكة، والثمار التي تثمرها الاشجار المملوكة، الى غير ذلك، فانها تضاف الى مالك الاصول اضافة اولية تبعية. أما اطلاق التبعية فلكونها تابعة لما تحصل منه، وأما اطلاق الاولية فلعدم سبق اضافة إليها. وأما الاضافة الثانوية، فالمراد بها ما قابل الاضافة الاولية، وان كانت طارئة على الاموال مرارا عديدة، فهي نظير المعقولات الثانوية في مقابلتها للمعقولات الاولية، وهي على قسمين: لانها تارة تكون قهرية واخرى اختيارية. أما الاولى فكالاضافة التي تحصل بسبب الارث أو الوقف، بناء على كونه من الايقاعات كما اخترناه في محله، ووجه كونها قهرية هو حصول المالكية في هذه الموارد للوارث والموقوف عليه والموصي له بالقهر لا بالفعل الاختياري. وأما الثانية فكالاضافة الحاصلة من المعاملات، ومنها ما يحصل من المكاسب التي نحن بصدد بحثها وتأسيس اصولها ومبانيها، بعون الله وحسن توفيقه. وغير خفي على الناقد ان ما ذكرناه من تلك الاضافات على أقسامها من البديهيات التي لا تحتاج الى المقدمات النظرية الخفية.

[ 28 ]

قوله (عليه السلام): كذلك المشتري. أقول: هو اسم فاعل مقابل البايع، وليس باسم مفعول ليكون المراد منه المبيع كما توهم (1). قوله (عليه السلام): فيجعل ذلك الشئ. أقول: يمكن أن يراد منه الحمل اي يحمل، أو الاخذ اي يأخذ، أو الوصف اي يوصف في مقام الايجار، وليس بمعناه المعروف ليكون الشئ مفعولا أولا. قوله (عليه السلام): حلالا. أقول: ليس منصوبا على الحالية، ولا مجرورا لكونه وصفا لقوله (عليه السلام): في عمل كما تخيل (2)، بل انما هو مرفوع للخبرية، فان اصل النسخة هكذا: فهذه وجوه من وجوه الاجارات حلال. قوله (عليه السلام): أو سوقة. أقول: في المجمع السوقة - بالضم - الرعية ومن دون الملك، ومنه الحديث: ما من ملك ولا سوقة يصل الى الحج الا بمشقة (3). قوله (عليه السلام): أو عمل التصاوير. أقول: في تحف العقول: أو حمل التصاوير. وعلى هذا فعطف الخنازير والميتة والدم في الرواية على التصاوير لا يحتاج الى عناية.


1 - قائله العلامة الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: 2، والفاضل المامقاني في حاشيته حيث قال: ان الفرق بين العنوانين بالاعتبار. 2 - قائله العلامة الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: 2. 3 - مجمع البحرين 5: 188.

[ 29 ]

قوله (عليه السلام): اجارة نفسه فيه أو له. أقول: المراد من الاول هو الايجار لنفس الشئ، بأن يؤجر نفسه لصنع الخمر، كايجار نفسه في هدم المساجد، ومن الثاني الايجار للمقدمات. وليس المراد من الاول ايجار نفسه في المصنوع كحمل الخمر ومن الثاني ايجار نفسه لصنعه، ولا ان المراد من الاول المباشرية ومن الثاني التسبيبية، ولا ان المراد من الاول الايجار للمقدمات ومن الثاني الايجار لنفس المحرم (1). فان كل ذلك خلاف الظاهر من الرواية. ومن هنا ظهر المقصود من قوله (عليه السلام): أو شئ منه أو له، غاية الامر ان المراد منهما جزء العمل وجزء المقدمات، والضمائر الاربعة كلها ترجع الى الامر المنهي عنه. قوله (عليه السلام): وينحيها. أقول: في المجمع: نحي الشئ أزاله، ونح هذا عني اي أزله وأبعده عني (2). قوله (رحمه الله): وحكاه غير واحد (3). أقول: ليس في كتاب السيد من رواية تحف العقول عين ولا اثر، ولم تذكر حتى بمضمونها فيه.


1 - قائله العلامة الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: 4. 2 - مجمع البحرين 1: 410. 3 - كصاحب الحدائق فيه 18: 70.

[ 30 ]

نعم ذكرت فيه (1) معائش الخلق على خمسة أوجه: وجه الامارة، ووجه العمارة، ووجه الاجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات، الا أن ذلك غير مربوط بما في تحف العقول سنخا وحكما.


1 - عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني عن علي (عليه السلام) انه قال: فأما ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه وجه الاشارة (الامارة)، ووجه العمارة، ووجه الاجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات. وأما وجه الاشارة، فقوله تعالى: واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسة وللرسول ولذي القربي واليتامي والمساكين (الانفال: 41)، الى ان قال (عليه السلام): وأما وجه العمارة فقوله: هو الذي انشأكم من الارض واستعمركم فيها (هود: 61)، فأعلمنا سبحانه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا لمعايشهم بما يخرج من الارض، من الحب والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله تعالى معايش للخلق. وأما وجه التجارة فقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى اجل مسمي فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل - الاية (البقرة: 282)، فعرفهم سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر وكيف يتجرون إذ كان ذلك من اسباب المعايش. وأما وجه الاجارة فقوله عزوجل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون (الزخرف: 32)، فأخبر سبحانه ان الاجارة احد معايش الخلق، وجعل ذلك قواما لعايش الخلق، وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته واملاكه - الى ان قال (عليه السلام): وأما وجه الصدقات انما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب، ولا في العمارة حظ، ولافي التجارة أمان، ولا في الاجارة معرفة وقدرة، ففرض الله تعالى في اموال الاغنياء - الخبر (رسالة المحكم والمتشابه: 46 - 48). والظاهر من قوله (عليه السلام): انما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب، ان لفظ الاشارة في مطلع التقسيم غلط من النساخ، وان الامارة هي النسخة الصحيحة، كما في الوسائل.

[ 31 ]

ولعل هذه الجملة صدرت من المصنف اما من سهو القلم أو من جهة الاعتماد على ما في الوسائل، فانه قال بعد نقل رواية تحف العقول: ورواه المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه (1). ولا يخفى ان كتاب المحكم والمتشابه هذا هو بعينه تفسير النعماني المعروف (2). 2 - رواية فقه الرضوي: قوله (رحمه الله): وفي الفقه المنسوب الى مولانا الرضا (عليه السلام) (3). أقول: تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين: الاولى في صحة نسبة هذا الكتاب الى الرضا (عليه السلام) وعدم صحتها، والثانية في دلالة هذه الرواية على مقصد المصنف وعدم دلالتها. أما الجهة الاولى، فقد تمسك القائلون باعتباره بوجوه كثيرة، ولكنها تؤول الى وجهين: 1 - وهو عمدة ما تمسك به المثبتون: ان ظهوره وان كان في زمن المجلسي الاول ولكن الذي اخبر بالكتاب


1 - الوسائل 17: 86. 2 - محمد بن ابراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني صاحب كتاب الغيبة المعروف بابن زينب شيخ من اصحابنا عظيم القدر شريف المنزلة صحيح العقيدة كثير الحديث - كما في كتب التراجم - ومع ذلك كله لا يمكن الاعتماد على ما اشتمل عليه تفسير النعماني، لان احمد ابن يوسف والحسن بن علي بن أبي حمزة واباه، الذين من جملة رواته من الضعفاء. 3 - فقه الرضا (عليه السلام): 250.

[ 32 ]

ورواه المجلسي (1) هو الثقة الفاضل والمحدث الكامل القاضي السيد امير حسين طاب ثراه (2)، فانه اول من اطلع عليه واستنسخه، وقد استنسخه المجلسي من نسخته، وهو ثقة، فيصدق في قوله، لشمول ادلة الخبر الواحد لخبره هذا. وفيه: ان اخباره هذا اما أن يكون مستندا الى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له، من الخطوط الموجودة فيه للامام (عليه السلام)، والاجازات المدونة فيه للاعلام، على ما نقله المحدث المتبحر النوري في المستدرك عن المجلسي الاول (3). واما أن يكون مستندا الى اخبار ثقتين عدلين من أهل قم للسيد المذكور بكون الكتاب للرضا (عليه السلام)، كما في المستدرك (4) ايضا حيث قال: ان السيد الثقة الفاضل القاضي امير حسين اخبر بأن هذا الكتاب له (عليه السلام)، وأخبره بذلك ايضا ثقتان عدلان من أهل قم، وهذا خبر صحيح داخل في عموم ما دل على حجية خبر العدل. أما الطريق الاول فضعفه بين، لان حصول العلم للسيد الامجد والسند الاوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا باعتباره، وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه. ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا بعموم أدلة اخبار الاحاد،


1 - البحار 1: 11. 2 - وهو غير السيد حسين ابن بنت المحقق الكركي، كما اشار إليه في المستدرك 19: 298 ناقلا عن الرياض 2: 30 الذي استاذ هذه الصناعة، وما ذهب إليه صاحب الفصول والعلامة الطباطبائي في فوائده من اتحادهما خطأ فاحش. 3 - المستدرك 19: 231. 4 - المستدرك 19: 239.

[ 33 ]

فان هذه العمومات لا تشمل الاخبار الحدسية ولو كان المخبر بها من الثقات. وأغرب منه أن يقال: ان المتيقن من الاخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا تعتمد على مبادي محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر، وأما لو اعتمد على مبادي محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر، كما في الشجاعة والسخاوة والعدالة، بناء على تفسيرها بمعنى الملكة، فلا يظن بأحد ان يتوقف في عموم ادلة خبر العدل لها، واخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الاول. ووجه الغرابة في هذا القول ان الاخبار بالامور الحدسية بواسطة أسبابها الحسية انما يكون مشمولا لادلة الحجية إذا كان بين الاسباب ومسبباتها ملازمة عادية، بحيث يلزم من العلم بها العلم بالمسببات كما في الامثلة المذكورة، وأما إذا انتفت الملازمة العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقق ذلك في علم الاصول. وهذا الشرط مفقود في موضوع البحث فان الامور التي استند إليها السيد في اخباره قابلة للمنع، فانه كيف يعلم احد ان الخطوط في النسخة للامام (عليه السلام) وان الاجازات للاعلام الا من طريق الحدس الشخصي، اذن فان الامور المذكورة حدسية لا حسية، وايضا فلا ملازمة بينها وبين العلم بالنتيجة. فان قلت: كيف يصح انكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للامام (عليه السلام)، مع ان فيه عبارات تنطق بكونه له (عليه السلام)، مثلما قال في اول الكتاب: يقول عبد الله علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) (1)، وفي بعض كلماته: نحن


1 - فقه الرضا (عليه السلام): 402.

[ 34 ]

معاشر أهل البيت (1)، وأمرني أبي (عليهما السلام) (2)، وجدنا امير المؤمنين (عليه السلام) (3)، وأروي عن أبي العالم (عليه السلام) (4). الى غير ذلك من العبائر التي لا ينبغي صدورها الا عن الحجج (عليهم السلام)، وقد ذكر المحدث النوري جملة منها في المستدرك (5)، هذا مضافا الى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور. قلت: أولا: ان احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلفه، وانفتاح باب الجعل والفرية من المشمرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة، أفنسيت الاخبار المجعولة في امر الولاية كيف قامت، وان لكل واحد من الائمة (عليهم السلام) من يدس عليه من الكذابين. ومن هذا ظهر فساد توهم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا (عليه السلام). وثانيا: لنفرض ان الكتاب ليس من مجعولات الوضاعين، فهل يصح ان نتمسك بقوله: نحن معاشر أهل البيت، أو جدنا امير المؤمنين لتصحيح كون الكتاب للامام (عليه السلام)، أليس احتمال كون مؤلفه رجلا علويا بمكان من الامكان. وأما الطريق الثاني: أعني استناد اخبار السيد بصدق الكتاب الى اخبار ثقتين بذلك من أهل قم، ففيه: أولا: انه محض اشتباه من المحدث المتبحر النوري، فانه مع نقله


1 - فقه الرضا (عليه السلام): 402. 2 - فقه الرضا (عليه السلام): 258. 3 - فقه الرضا (عليه السلام): 83. 4 - فقه الرضا (عليه السلام): 197. 5 - مستدرك الوسائل 19: 255 - 257.

[ 35 ]

كلام المجلسي الاول بطوله، الذي هو الاصل في السماع عن السيد، غفل عنه وسلك مسلكا آخر، فقد قال المجلسي الاول - كما في المستدرك -: ثم حكى - اي السيد - عن شيخين فاضلين صالحين ثقتين انهما قالا: ان هذه النسخة قد أتي بها من قم الى مكة المشرفة، وعليها خطوط العلماء واجازاتهم وخط الامام (عليه السلام) في عدة مواضع، قال: والقاضي امير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها الى بلدنا، واني استنسخت نسخة من كتابه (1). وهذا الكلام كما تري يعلن بمخالفته لما أفاده النوري. وثانيا: فننقل الكلام الى اخبار هذين العدلين، فان غاية ما يحصل لنا من اخبارهما كون الفقه الرضوي من جملة الاخبار المرسلة، فيتوجه عليه ما قدمناه في رواية تحف العقول. ومما يوهن حجية خبر امير حسين بصدق الكتاب مع كونه ثقة، قول المجلسي الاول بعد كلامه المتقدم: والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع، ومن هذا الكتاب تبين عذر قدماء الاصحاب فيما افتوا به (2). ووجه الوهن انه لو كان اخبار السيد بذلك جامعا لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الاول: ان العمدة في اثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين. وبالجملة لم يتحصل لنا من الوجه المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب.


1 - مستدرك الوسائل 19: 231. 2 - مستدرك الوسائل 19: 231.

[ 36 ]

2 - موافقته لرسالة علي بن بابويه الى ولده الصدوق، وهي الكتاب المعروف بشرايع الصدوق، وقد استند الى هذا الوجه بعض الاصحاب، وعرفت ان المجلسي الاول من هؤلاء، فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين، فلا بد من أن يكون الكتاب موجودا في زمان الصدوق ومعتمدا عليه عنده ولذا نقل عنه وان لم يسم به. وفيه: ان هذا لا يوجب اعتبار الكتاب، لاحتمال أخذ مؤلفه ذلك من الرسالة المذكورة، بل هذا هو الظاهر، إذ من المستبعد جدا بل من المستحيل عادة أن يسند علي بن بابويه كتاب الرضا (عليه السلام) الى نفسه من دون أن يشير هو أو ابنه الصدوق، الذي كتب لاجله هذه الرسالة، الى ان هذا الكتاب من تأليف الرضا (عليه السلام). وهل يرضى أحد أن ينسب مثل هذه السرقة الى الصدوقين، فلا بد وأن يكون الامر بالعكس، بأن يكون هذا الكتاب مأخوذا من رسالة علي ابن بابويه. وربما قيل: ان فقه الرضا (عليه السلام) هذا هو الذي كتبه الرضا (عليه السلام) لاحمد ابن السكين الذي كان مقربا عنده، وهو بخطه (عليه السلام) موجود في الطائف بمكة المعظمة في جملة كتب السيد علي خان، وعليه اجازات العلماء وخطوطهم، وهذه النسخة بالخط الكوفي وتاريخها عام مائتين من الهجرة. وبعد ان نقل المحدث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله: ومن هنا يتضح ان من عدم الاطلاع ومن قلة الخبرة أن يقال: ظهور الكتاب انما كان في زمن امير حسين أما قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا اثر (1).


1 - رياض العلماء 3: 363، عنه المستدرك 19: 241.

[ 37 ]

أقول: نحن لا ندعي انه لم يكن للرضا (عليه السلام) كتاب وآثار حتى ينقض علينا بما كتبه لاحمد بن سكين، بل نقول: انه لا مدرك لنا لاثبات ان هذا الكتاب الذي عندنا كان له (عليه السلام)، وانه هو الذي كان موجودا في مكتبة السيد علي خان، خصوصا مع ملاحظة ان ظهوره كان من قم كما عرفت، ومن هنا يعلم ان نقد النوري للقول بظهوره في زمن امير حسين ناشئ من عدم التأمل. ثم انه مع الغض عن جميع ما ذكرناه، فان في الكتاب قرائن قطعية تدل على عدم كونه لمثل مولانا الرضا (عليه السلام)، بل هو رسالة عملية ذكرت فيها الفتاوي والروايات بعنوان الافتاء، كما يظهر لمن يلاحظه، كيف وأكثر رواياته اما بعنوان روي وراوي ونحوهما، واما نقل عن الروات، خصوصا في آخر الكتاب، فانه ينقل فيه كثيرا عن ابن أبي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور وغيرهم (1). على أن فيه عبارات يقبح صدورها عن الامام (عليه السلام)، نظير قوله: جعلني الله من السوء فداك، وقوله في باب القدر: صف لي منزلتين، فان هذا القول ظاهر في جهل القائل، وهو مستحيل في حق الامام (عليه السلام)، الى غير ذلك، وقد نقل جملة منها في المستدرك (2). مع أنه ذكر فيه من الاحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة بكثير (3)، وحملها على التقية بديهي الفساد، لما ورد في هذا الكتاب ايضا


1 - راجع المستدرك 19: 294. 2 - راجع المستدرك 19: 293. 3 - قال في باب اللباس وما لا يجوز فيه الصلاة: يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك (فقه الرضا (عليه السلام): 17). وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة قال: جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الارض ولم يحل اكله مثل السنجاب والفنك والسنور (فقه الرضا (عليه السلام): 42). وفي باب المواقيت قال: وان غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فان ذلك يجزيك لانك قد اتيت باكثر ما عليك وقد ذكر الله الجميع في القرآن (فقه الرضا (عليه السلام): 4).

[ 38 ]

مما يخالفها بل تكذيبهم والازراء عليهم، كما في المتعة (1). والالتزام بالتفصيل بأن بعض الكتاب املاء منه (عليه السلام) وبعضه الاخر لاحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، وان موارد التقية في الكتاب انما هي فيما سمع منه (عليه السلام)، تكلف في تكلف وقول بلا علم. هذا كله ما يرجع الى نفس الكتاب وقد أجاد صاحب الفصول في بعض ما أفاده هنا، فليراجع (2). اذن فحق القول انه لو انيطت الاحكام الشرعية بمثل هذه المدارك، فبين أيدينا البخاري ومسند احمد وصحيح مسلم، وعلى هذا فعلي الفقه السلام. وأما توهم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها، فقد عرفت ما فيه في رواية تحف العقول.


1 - قال في باب المتعة: محمد بن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: جاء عبد الله ابن عمير الى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ما تقول في متعة النساء، فقال: أحلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه، فهي حلال الى يوم القيامة فقال: يا ابا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها امير المؤمنين عمر، فقال: وان كان فعل، فقال: اني اعيدك ان تحل شيئا قد حرمه عمر، فقال: فانت على قول صاحبك وانا على قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهلم الاعنك ان القول ما قال رسول الله، فان الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عليه عبد الله بن عمير فقال: يسرك ان نساءك وبناتك واخوانك وبنات عمك يفعلن، فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) وعن مقالته حين ذكر نسائه وبنات عمه (فقه الرضا (عليه السلام)). 2 - الفصول الغروية: 312.

[ 39 ]

وربما يتخيل اعتبار الكتاب لاجل عمل جملة من الاكابر عليه كالمجلسيين وغيرهما، ولكنه فاسد، لانهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما لا مزيد عليه. وأما الجهة الثانية: فمع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه والالتزام باعتبار الكتاب لا يمكن الاستناد بهذه الرواية التي نقلها العلامة الانصاري (رحمه الله) في شئ من المباحث (1)، وذلك لوجوه: 1 - عدم وجدان فتوى من فتاوى أعاظم الاصحاب على طبقها، فان الرواية صريحة بحرمة استعمال ما نهي عنه مما فيه الفساد بجميع الاستعمالات حتى الامساك، مع أنه لم يفت به احد فيما نعلم، وكيف يتفوه فقيه أو متفقه بحرمة امساك الدم والميتة ولحوم السباع، كما ان ذلك مقتضي الرواية، اذن فلا يمكن الفتوى على طبقها. 2 - ان مقتضى قوله: فحرام ضار للجسم وفساد للنفس، ان الضابطة في تحريم هذه الامور المذكورة في الرواية هو اضرارها للجسم، كما ان المناط في جوازها عدم اضرارها له، مع ان جلها ليس بضار للجسم كالملابس والمناكح وأكثر المشارب والمآكل ان لم يكن كلها كذلك، وعلى فرض تسليم ذلك فلا نسلم انضباط القاعدة.


1 - اعلم يرحمك الله ان كل مأمور به مما هو من على العباد وقوام لهم في امورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته، وكل امر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه لوجه الفساد، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك، فحرام ضار للجسم وفساد للنفس (فقه الرضا (عليه السلام)، باب التجارة: 34 و 41، عنه البحار 103: 52، المستدرك 13: 65).

[ 40 ]

فانه لا شبهة أن كثيرا من هذه الاستعمالات للاشياء المحرمة لا تكون مضرة قطعا، كوضع اليد عليها مثلا، أو الاكل منها قليلا، أو شد اليد بجلد الميتة وشعر الخنزير، وانما المضر هي مرتبة خاصة من الاستعمال بحسب الاشخاص والازمان والامكنة والكمية، فلو كان ذلك موجبا لحرمة جميع الاستعمالات بجميع مراتبها، فتكون نظير قول النبي (صلى الله عليه وآله): فما اسكر كثيره فقليله حرام (1)، للزم من ذلك القول بحرمة جميع ما خلق الله في الارض من المباحات، فان كل واحد من هذه المباحات لابد وأن يكون مضرا في الجملة، ولو باستعمال الشئ الكثير منه. على ان الاحكام الشرعية بناء على مسلك العدلية تدور مدار ملاكاتها الواقعية من المصالح والمفاسد، وأما المنافع والمضار فهي خارجة عن حدودها، نعم ربما يكون الضرر أو النفع موضوعا للاحكام الا أن ذلك غير مربوط بباب ملاكات الاحكام. 3 - ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور المذكورة تحريما تكليفيا، كما تقدم نظير ذلك في رواية تحف العقول، وكلامنا في الحرمة الوضعية. 3 - رواية دعائم الاسلام: قوله: وعن دعائم الاسلام. أقول: أقصى ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبار هذا الكتاب، ان صاحبه أبا حنيفة النعمان حيث كان رجلا اماميا اثنى عشريا جليلا فاضلا فقيها، ومن جملة النوابغ في عصره، بل كان فريدا في دهره، كما


1 - الكافي 6: 408، تهذيب الاحكام 9: 111، عنهما الوسائل 25:. 337.

[ 41 ]

يظهر من كتابه، كانت رواياته مشمولة لادلة حجية خبر العدل الامامي. والذي ينبغي أن يقال: انه لا شبهة في علو مكانة أبي حنيفة النعمان، صاحب كتاب دعائم الاسلام وغيره من الكتب الكثيرة، ونبوغه في العلم والفضل والفقه والحديث، على ما نطقت به التواريخ وكتب الرجال وكتابه هذا، كما لا شبهة في كونه اماميا في الجملة، فانه كان مالكي الاصل فتبصر وصار شيعيا اماميا. كما اتفقت عليه كلمات أكثر المترجمين الذين تعرضوا لترجمته وتاريخه، كالبحار (1) وتنقيح المقال للمامقاني (2) وسفينة البحار (3) والمستدرك (4)، وتأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر (5) وغيرها (6)، وقد


1 - قد كان اكثر أهل عصرنا يتوهمون انه تأليف الصدوق، وقد ظهر لنا انه تأليف ابي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في ايام الدولة الاسماعيلية (البحار 1: 38). 2 - تنقيح المقال 3: 273. 3 - مادة حنف: أبو حنيفة الشيعة هو القاضى نعمان بن محمد بن منصور، قاضى مصر، كان مالكيا اولا ثم اهتدى وصار اماميا وصنف على طريق الشيعة كتبا، منها كتاب دعائم الاسلام. وفي كتاب دائرة المعارف: أبو حنيفة المغربي هو النعمان بن ابى عبد الله محمد بن منصور ابن احمد بن حيوان احد الائمة الفضلاء المشار إليهم، ذكره الامام المسيحي في تاريخه فقال: كان من اهل العلم والفقه والدين والنبل على ما لا مزيد عليه، وله عدة مصنفات، منها كتاب اختلاف اصول المذهب وغيره، وكان مالكى المذهب ثم انتقل الى مذهب الامامية. 4 - المستدرك 19: 129. 5 - تأسيس الشيعة: 303. 6 - في وفيات الاعيان: وقال ابن زولاق: كان النعمان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانية، عالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس مع عقل وانصاف، وألف لاهل البيت من الكتب آلاف اوراق بأحسن تأليف وأفصح سجع وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا، وله رد على المخالفين له رد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وعلي بن سريج، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لاهل البيت (عليهم السلام). له القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة، وكان ملازما صحبة المعز العلوي، توفي سنة 363، وكان اولاده من الافاضل منهم: أبو الحسن علي بن النعمان وابو عبد الله محمد بن النعمان. راجع رجال السيد بحر العلوم 4: 5 - 14، مقابس الانوار: 65، امل الامل 2: 335، مجالس المؤمنين 1: 538، وايضا وفيات الاعيان 5: 415، كشف الظنون للحاج الخليفة 2: 755، لسان الميزان 6: 167، مرآة الجنان لليافعي 2: 379.

[ 42 ]

نقلوا عن ائمة التاريخ والرجال كونه اماميا. وعلى هذا فلا يصغى الى قول ابن شهر آشوب في المعالم انه لم يكن اماميا - على ما في تنقيح المقال (1). الا أن الذي يقتضيه الانصاف انا لم نجد بعد الفحص والبحث من يصرح بكونه ثقة ولا اثني عشريا، وان كان المحدث النوري قد أتعب نفسه في اثباتهما وبالغ في اعتبار الكتاب، ومع هذا الجهد والمبالغة لم يأتي بشئ تركن إليه النفس ويطمئن به القلب. ولعل كلام السيد في الروضات ينظر الى ما ذكرناه، حيث قال: ولكن الظاهر عندي انه لم يكن من الامامية الحقة (2)، وحينئذ فكيف يمكن اثبات حجية رواياته بادلة حجية خبر العدل. وعلى تقدير تسليم وثاقته وكونه اماميا اثني عشريا، فلا يخرج بذلك ما احتواه كتابه عن سلك الاخبار المرسلة، فتسقط حجيته للارسال. وأما توهم انجباره بالشهرة أو بموافقة أكثر رواياته لروايات الكتب المعتبرة، فقد تقدم جوابهما في ذيل رواية تحف العقول. فان قلت: إذا سلمنا وثاقة أبي حنيفة النعمان، فلا مناص عن الالتزام


1 - قال في معالم العلماء: ابن فياض القاضي النعمان بن محمد، ليس بامامي وكتبه حسان - معالم العلماء: 137. 2 - روضات الجنات 8: 71.

[ 43 ]

بحجية كتابه، لانه قال في أوله: نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن الائمة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيكون كلامه هذا توثيقا اجماليا لما اسقطه من الروات. قلت: نعم، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن. والحق فيه ما ذكره المجلسي في البحار: ان رواياته انما تصلح للتأكيد والتأييد فقط (1). ازاحة شبهة: وقد التجأ المحدث النوري (2) في تنزيه أبي حنيفة النعمان عن اتهامه بمذهب الاسماعيلية واثبات كونه ثقة اثني عشريا الى بيان نبذة من عقائد الاسماعيلية الفاسدة، كقولهم بأن محمد بن اسماعيل حى لم يمت ويبعث برسالة وشرع جديد ينسخ به شريعة محمد، وانه من اولي العزم، واولوا العزم عندهم سبع، لان السماوات سبع والارضين سبع وبدن الانسان سبع والائمة سبع، وقلبهم محمد بن اسماعيل، الى غير ذلك من الخرافات التي تنزه عنها النعمان وكتابه. ثم انه صرح في كتابه بكفر الباطنية وأثبت امامة الائمة الطاهرة وكونهم مفترضي الطاعة، ولم يصرح باسماعيل ولا بابنه محمد، ومع ذلك كله فكيف يرضى المنصف بعده من الاسماعيلية - انتهى ملخص كلامه. وفيه: ان تنزه النعمان من تلك الاقاويل الكاذبة والعقائد الفاسدة


1 - البحار 1: 38. 2 - راجع المستدرك 19: 133 - 135.

[ 44 ]

وتصريحه بكفر الباطنية لا يستلزم عدم كونه من الاسماعيلية، لان الباطنية قسم منهم، وليس كل اسماعيلي من الباطنية، وان عدم ذكره اسماعيل وابنه في عداد الائمة لا يكشف عن عدم عقيدته بامامتهما، مع ان عقائد الاسماعيليين لم تصل الينا بحقيقتها حتى نلاحظها مع ما ذكره النعمان ليتضح لنا انه منهم أو ليس منهم. ولقد صادفت زعيما من زعمائهم في الحضرة الشريفة فسألته عن ولي الامر والحجة المنتظر (عليه السلام)، هل هو حي أو ميت، فقال: هو لا حي ولاميت بل يولد من امرأة قرشية لا تحيض، فيعلم من ذلك انهم لا يرون ما تذهب إليه الباطنية في محمد بن اسماعيل. كشف حقيقة: لا ينقضي تعجبي من المحدث المتبحر النوري حيث قال في المستدرك ما ملخصه: ان الكتاب المذكور لم يخالف في فرع غالبا الا ومعه موافق معروف من الشيعة الا في انكار المتعة فليس له موافق عليه، ثم حمل انكاره هذا على التقية. وجعل القرينة على ذلك ما ذكره في باب الطلاق من عدم وقوع التحليل بالمتعة للمطلقة ثلاثا، وما ذكره في باب الحد في الزنا من ان الاحصان لا يتحقق بالمتعة، فان المتعة لو لم تكن جائزة عنده لكان ذكره في البابين بلا وجه وتكون من قبيل ذكر الزنا فيهما، ولا معنى لان يقول احد ان الزنا لا يتحقق به التحليل والاحصان (1). ووجه العجب اولا: ان الكتاب يشتمل على فروع كثيرة تخالف


1 - المستدرك 19: 145.

[ 45 ]

مذهب الشيعة الاثني عشرية ولم يوافقه عليها أحد من علماء الشيعة، وقد ذكرنا في الحاشية انموذجا من هذه المخالفات لتكون حجة على منكرها (1).


1 - منها ما ذكره في المتعة وانها ليست بمشروعة. منها ما ذكره في ضمن ما يسجد عليه المصلي قال: وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه رخص في الصلاة على ثياب الصوف، وكلما يجوز لباسه والصلاة فيه يجوز السجود عليه، فإذا جاز لباس الثوب الصوف والصلاة فيه فلذلك مما يسجد عليه. ومنها: ما قال في الوضوء، انه من بدأ بالمياسير من اعضاء الوضوء جهلا أو نسيانا وصلي لم تفسد صلاته. ومنها: ما في نواقض الوضوء، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ان الذي ينقض الوضوء - الى ان قال: - المذي، وقال بعد اسطر: ورأوا ان كلما خرج من مخرج الغائط ومن مخرج البول عما قدمنا ذكره، أو من دود أو حبات أو حب القرع، ذلك كله حدث يجب منه الوضوء وينقض الوضوء. ومنها: ما قال في المسح، من بدأ بما أخره الله من الاعضاء نسيانا أو جهلا وصلي لم تفسد صلاته. ومنها: ما قال في صفات الوضوء، ثم أمروا بمسح الرأس مقبلا ومدبرا، يبدأ من وسط رأسه فيمر يديه جميعا على ما أقبل من الشعر الى منطقة من الجبهة، ثم يمار يديه من وسط الرأس الى آخر الشعر من القفا ويمسح مع ذلك الاذنين ظاهرهما وباطنهما. ومنها: ما قال في هذا الباب، ومن غسل رجليه تنظفا ومبالغة في الوضوء ولابتغاء الفضل وخلل أصابعه فقد أحسن. ومنها: ما قال في الوضوء التجديدي، ما غسل من اعضاء الوضوء أو ترك لا شئ عليه، و قد روينا عن علي بن الحسين (عليهما السلام) انه سئل عن المسح على الخفين فسكت حتى مر بموضع فيه ماء والسائل معه، فنزل وتوضأ ومسح على الخفين وعلى عمامته، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. الى غير ذلك مما يخالف مذهب الشيعة، وليس المقام مناسبا لذكره أجمع، ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع الى دعائم الاسلام، المستدرك 19: 139 - 155.

[ 46 ]

وثانيا: ان نقل روايتين في الكتاب يظهر منها جواز المتعة لا يدل على التزامه بالجواز، ونسبة ذلك إليه محتاجة الى علم الغيب بانه كان حين ما نقلهما ملتفتا الى ما يستفاد منهما من مشروعية المتعة، فان من المحتمل القريب أن يكون نظره في الروايتين مقصورا على نفي التحليل والاحصان بالمتعة كنفيهما بالشبهة، مع عدم التفاته الى جهة اخرى، لانه ليس بمعصوم لا يمكن في حقه مثل هذا الاحتمال. أما ان المتعة بناء على عدم جوازها كالزنا فيكون ذكرها في البابين من قبيل ذكر الزنا ولا معنى له، فيدفعه ان ذكر المتعة يكون من قبيل ذكر الشبهة في البابين ولا خفاء فيه ولا معنى للتهويل به. تذييل: لا يخفى عليك انا لو قطعنا النظر عن جميع ما ذكرناه في عدم اعتبار الكتاب، فالرواية التي ذكرها المصنف هنا (1) لا يمكن الاستناد إليها بالخصوص، لان قوله فيها: وما كان محرما اصله منهى عنه لم يجز بيعه، يقتضي حرمة بيع الاشياء التي تعلق بها التحريم من جهة ما، مع أنه ليس بحرام قطعا. على ان الظاهر منه هي الحرمة التكليفية مع انها منتفية جزما في كثير من الموارد التي نهي عن بيعها وشرائها، وانما المراد من الحرمة في تلك الموارد هي الحرمة الوضعية ليس الا، فلا تكون الرواية معمولة بها.


1 - عن دعائم الاسلام عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: الحلال من البيوع كلما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح، ومباح لهم الانتفاع به، وما كان محرما اصله منهي عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه (دعائم الاسلام 2: 18، الرقم: 23، عنه المستدرك 13: 65).

[ 47 ]

4 - رواية النبوي: قوله: وفي النبوي المشهور. أقول: توضيح الكلام في صحة الحديث وسقمه يقع في مقامين: الاول في سنده، والثاني في دلالته. أما الاول، فالكلام فيه من جهتين: الاولى في حجيته عند العامة، والثانية في حجيته عند الخاصة. أما الكلام في الجهة الاولى: فان هذا النبوي لم يذكر في اصول حديثهم الا في قضية الشحوم المحرمة على اليهود التي نقلت بطرق متعددة كلها عن ابن عباس، الا في روايتين: احداهما عن جابر، والثانية عن عمر، وقد ذكر في ذيل بعض الروايات (1) التي عن ابن عباس قوله (صلى الله عليه وآله): ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه، مع اضافة لفظ: اكل، وعلى هذا فيكون غير النبوي المشهور. نعم ورد في مسند احمد باسناده عن ابن عباس في بعض روايات تلك القضية: ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، باسقاط لفظ:


1 - عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا عند الركن، فرفع بصره الى السماء فضحك وقال: لعن الله اليهود - ثلاثا - اان الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، ان الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه. راجع عوالي اللئالي 1: 181، الرقم: 240، دعائم الاسلام 1: 122، عنهما مستدرك الوسائل 13: 73، وايضا السنن الكبرى لابي بكر احمد بن الحسين بن علي الشافعي البيهقي 6: 13، ومسند احمد 1: 247 و 293، وسنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني، باب في ثمن الخمر والميتة 2: 103، السنن لدارالقطني 3: 7، الرقم: 20.

[ 48 ]

أكل (1)، الا أن اصول حديثهم كلها مطبقة على ذكره حتى ابن حنبل نفسه نقل ذلك في موضع آخر من كتابه عن ابن عباس كما اشرنا الى مصدره في الحاشية. نعم قد أورده الفقهاء من العامة (2) والخاصة (3) في كتبهم الاستدلالية كثيرا مع اسقاط كلمة: أكل، تأييدا لمرامهم. وحاصل ما ذكرناه ان اتحاد القضية في جميع رواياتها واطباق اصول حديثهم على ذكر لفظ الاكل، واتصال السند فيما يشتمل عليه وفيما لا يشتمل عليه الى ابن عباس، وموافقة احمد على ذكر لفظ: اكل في مورد آخر، كلها شواهد صدق على اشتباه احمد، وان النبوي مشتمل على كلمة اكل.


1 - عن ابن عباس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لعن الله اليهود، حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها، وان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، (مسند احمد 1: 322). 2 - راجع حياة الحيوان للدميري 1: 321 مادة الحمام ذيل الحكم قال: وأما بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها فباطل وثمنه حرام هذا مذهبنا - الى ان قال: - واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس: ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، وهو حديث صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح، وهو عام الا ما خرج بدليل كالحمار. أقول: المذكور سنن أبي داود السجستاني 2: 103 مشتمل على كلمة: اكل، فلاحظ. وفي شرح فتح القدير 5: 187 استدل به على حرمة بيع الخمر، وغيرهما من كتبهم الاستدلالية. 3 - ذكره في البحار 55: 103، ونسبه الى خط الشيخ محمد بن علي الجبعي، وفي الخلاف للشيخ الطوسي استدل به على حرمة بيع السرجين النجس، وفي باب الاطعمة استدل به على حرمة بيع الدهن المتنجس، وفي المستند للنراقي (1: 331) استدل به على حرمة بيع الخمر، وفي الغنية اول البيع، وغيرها من الكتب من غير اصول الحديث، ثم ان هذه الروايات كلها ضعيفة السند أما ما في كتب العامة فواضح، وأما ما في كتب الخاصة فللارسال.

[ 49 ]

وأما الجهة الثانية: فالنبوي وان اشتهرت روايته في السنة اصحابنا في كتبهم قديما وحديثا، متضمنة لكلمة: اكل تارة وبدونها اخرى، الا أن كلهم مشتركون في نقله مرسلا، والعذر فيه انهم أخذوه من كتب العامة لعدم وجوده في اصولهم، وحيث أثبتنا في الجهة الاولى أن الصحيح عندهم هو ما اشتمل على كلمة: اكل، كان اللازم علينا ملاحظة ما ثبت عندهم. واذن فلم يبق لنا وثوق بكون النبوي المشهور رواية فكيف بانجبار ضعفه بعمل المشهور. وأما المقام الثاني، فبعد ما عرفت ان الثابت عند العامة والخاصة اشتمال الرواية على كلمة: اكل، كان عمومه متروكا عند الفريقين، فان كثيرا من الامور يحرم اكله ولا يحرم بيعه. ومن هنا قال في جوهر النقي حاشية البيهقي في ذيل الحديث المشتمل على كلمة اكل: قلت: عموم هذا الحديث متروك اتفاقا بجواز بيع الادمي والحمار والسنور ونحوها. تبيين: لو فرضنا ثبوت النبوي على النحو المعروف لم يجز العمل به ايضا للارسال وعدم انجباره بالشهرة وغيرها، وذلك لان تحريم الشئ الذي يستلزم تحريم ثمنه، اما أن يراد به تحريم جميع منافع ذلك الشئ، واما تحريم منافعه الظاهرة، واما تحريم منافعه النادرة ولو من بعض الجهات. فعلي الاحتمالين الاولين فالمعنى وان كان وجيها وموافقا لمذهب الشيعة، لقولهم بأن ما يحرم جميع منافعه أو منافعه الظاهرة يحرم بيعه، الا أن اثبات اعتمادهم في فتياهم بذلك على النبوي مشكل.

[ 50 ]

وذلك للوثوق بأن مستندهم في تلك الفتيا ليس هو النبوي، بل هو ما سيأتي في البيع من اعتبار المالية في العوضين، لان مالية الاشياء انما هي باعتبار المنافع الموجودة فيها الموجبة لرغبة العقلاء وتنافسهم فيها، فما يكون عديما لجميع المنافع أو للمنافع الظاهرة لا تكون له مالية. واذن فليس هنا شهرة فتوائية مستندة الى النبوي لتوجب انجباره، لانه بناء على انجبار ضعف الخبر بعمل الاصحاب انما يكون فيما انحصر الدليل لفتياهم بذلك الخبر الضعيف، ولم يكن في البين ما يصلح لاستنادهم إليه. وأما على الثالث، فالحرمة لا توجب فساد البيع عند المشهور ليحتمل انجبار النبوي بفتياهم. فتحصل انه لا يكون شئ من الروايات العامة التي ذكرها المصنف دليلا في المسائل الاتية، بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها، فان كان فيها ما يدل على المنع اخذ به والا فالعمومات الدالة على صحة العقود، كقوله تعالى: أحل الله البيع (1) واوفوا بالعقود (2) وتجارة عن تراض (3)، محكمة كما تقدمت الاشارة الى ذلك في اول الكتاب. بطلان المعاملة على الاعمال المحرمة تمهيد: لا يخفى عليك أن محل كلامنا في المسائل الاتية انما هو في الاعيان المحرمة من الخمر والخنزير والميتة ونحوها. وأما الاعمال المحرمة كالزنا والنميمة والكذب والغيبة فيكفي في


1 - البقرة: 275. 2 - المائدة: 1. 3 - النساء: 29.

[ 51 ]

فساد المعاملة عليها الادلة الدالة على تحريمها، لان مقتضى وجوب الوفاء بالعقود هو وجوب الوفاء بالعقد الواقع على الاعمال المحرمة، ومقتضى أدلة تحريم تلك الاعمال هو وجوب صرف النفس عنها وايقاف الحركة نحوها، فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من المستحيلات العقلية. وعلى أقل التقادير فان أدلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغا في نفسه، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة العمل في نفسه. وبما ذكرنا يظهر أن الوجه في فساد المعاملة على الاعمال المحرمة هو استحالة الجمع بين وجوب الوفاء بهذه المعاملة وبين حرمة هذه الاعمال أو الحكومة العرفية المذكورة. وربما يظهر من كلام شيخنا الاستاذ في حكم الاجرة على الواجبات أن الوجه في ذلك هو عدم كون الاعمال المحرمة من الاموال أو عدم امكان تسليمها شرعا، حيث قال: الاول أن يكون العمل الذي يأخذ الاجير أو العامل بازائه الاجرة والجعل ملكا له، بان لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي عليه (1). وبملاحظة ما تقدم يظهر لك ما فيه، فانك قد عرفت ان صحة المعاملة عليها ووجوب الوفاء بها لا يجتمعان مع الحرمة النفسية، سواء اعتبرنا المالية أو القدرة على التسليم في صحة العقد ام لم نعتبر شيئا من ذلك.


1 - منية الطالب 1: 15.

[ 52 ]

تقسيم المكاسب الى الثلاثة أو الخمسة قوله: قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب. أقول: المكاسب جمع مكسب، وهو مفعل من الكسب، اما مصدر ميمي بمعنى الكسب أو التكسب، أو اسم مكان من الكسب. قوله: مما ندب إليه الشرع. أقول: أي أمر به بالامر الاستحبابي، وقد أشار بذلك الى الاخبار الواردة في استحباب الرعي (1) والزرع (2).


1 - عن محمد بن عطية قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله عزوجل أحب لانبيائه من الاعمال الحرث والرعي لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (علل الشرايع: 32، عنه البحار 103: 65). عن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس. وفي الحديث انه (صلى الله عليه وآله) قال: ما من نبي الا وقد رعي الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله، قال: وأنا. 2 - عن محمد بن عطية قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله عزوجل اختار لانبيائه الحرث والزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (الكافي 5: 260، عنه الوسائل 19: 33)، مرسلة. عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الله جعل ارزاق انبيائه في الزرع والضرع، لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء (الكافي 5: 260، عنه الوسائل 19: 33)، ضعيفة لسهل ومرفوعة. عن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل فقال له: جعلت فداك اسمع قوما يقولون: ان الزراعة مكروهة، فقال له: ازرعوا واغرسوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحب ولا أطيب منه، والله ليزرعن الزرع وليغرسن النخل بعد خروج الدجال (الكافي 5: 260، الفقيه 3: 158، التهذيب 6: 384، عنهم الوسائل 19: 32، الغايات: 88، عنه المستدرك 13: 26، وفيه: ليغرسن الغرس)، مجهولة لسيابة. عن يزيد بن هارون الواسطي قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: الزارعون كنوز الانام، يزرعون طيبا اخرجه الله عزوجل، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما، وأقربهم منزلة، يدعون المباركين (الكافي 5: 261، عنه الوسائل 18: 34)، مجهولة ليزيد بن هارون. عن يزيد بن هارون الواسطي، قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الفلاحين، فقال: هم الزارعون، كنوز الله في ارضه، وما في الاعمال شئ احب الى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيا الا زارعا الا ادريس (عليه السلام) فانه كان خياطا (التهذيب 6: 384، عنه الوسائل 17: 41، الغايات: 70، عنه المستدرك 13: 26)، مجهولة ليزيد بن هارون. ثم ان الاخبار في فضل الزرع والغرس كثيرة من الخاصة كالروايات المذكورة وغيرها في الابواب المزبورة وغيرها، ومن العامة وقد اخرجها البيهقي في السنن الكبرى 6: 137، و البخاري في صحيحه باب فضل الزرع 3: 135.

[ 53 ]

قوله: فتأمل. أقول: لعله اشارة الى ان وجوب الصناعات ليس بعنوان التكسب، بل لكون تركها يؤدي الى اختلال النظام كما سنبينه. أقول: ملخص كلامه ان الفقهاء (رحمهم الله) كالمحقق في الشرايع (1) وغيره في كتبهم قسموا المكاسب الى محرم كبيع الخمر، ومكروه كبيع الاكفان، ومباح كبيع الاشياء المباحة، وأهملوا ذكر الواجب والمستحب، بناء على عدم وجودهما في المعاملات، مع أنه يمكن التمثيل للمستحب بمثل الزرع والرعي، وللواجب بالصناعات الواجبة كفاية إذا وجد اكثر من واحد ممن يقوم بها، أو عينا إذا لم يوجد غير واحد. وفيه: ان الامثلة المذكورة لا تدل على شئ من مراده: أما الزراعة فاستحبابها انما هو من جهة ايكال الامر الى الله وانتظار


1 - شرايع الاسلام 2: 9.

[ 54 ]

الفرج منه، كما في رواية العياشي (1). وأما الرعاية فاستحبابها لما فيها من استكمال النفس وتحصيل الاخلاق الحسنة وتمرين الطبع على ادارة شؤون الرعية وازالة الاوصاف الرذيلة من السبعية والبهيمية، فان من صرف برهة من الزمان في تربية الحيوان صار قابلا لادارة الانسان. ومن هنا كان الانبياء قبل بعثتهم رعاة للاغنام، كما في رواية عقبة المتقدمة: ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس، وفي النبوي المتقدم: ما من نبي الا وقد رعي الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله، قال: وأنا. وعلى كل حال فالزراعة والرعي مستحبان في أنفسهما بما انها فعلان صادران من المكلف لا بعنوان التكسب بهما كما هو محل الكلام، فلا يصلحان مثلا لما نحن فيه. وأما الصناعات بجميع اقسامها فهي من الامور المباحة ولا تتصف بحسب أنفسها بالاستحباب فضلا عن الوجوب، فلا يكون التكسب بها الا مباحا، نعم انما يطرء عليها الوجوب إذا كان تركها يوجب اخلالا بالنظام، وحينئذ يكون التصدي لها واجبا كفائيا أو عينيا، وهذا غير كونها واجبة بعنوان التكسب. ازالة شبهة: قد يقال: ان وجوب الصناعات من جهة اداء تركها ان اختلال النظام يقتضي أن يكون التكسب بها مجانيا، ولكن هذا يفضي الى الاخلال


1 - عن الحسين بن ظريف، عن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: وعلى الله فليتوكل المتوكلون، قال: الزارعون (تفسير العياشي 2: 222، عنه الوسائل 17: 42، المستدرك 13: 461، والاية في ابراهيم: 12)، مهملة لحسين بن ظريف

[ 55 ]

بالنظام ايضا، ومقتضى الجمع بين الامرين أن يلتزم بوجوبها مع الاجرة، وعلى ذلك فتكون مثالا لما نحن فيه. ولكن يرد عليه: اولا: ان هذا ليس الا التزاما بوجوبها لاجل حفظ النظام، وعليه فلا يكون التكسب بعنوانه واجبا. وثانيا: ان الواجب من الصناعات انما هو الطبيعة المطلقة العارية عن لحاظ المجانية وغيرها، وما يخل بالنظام انما هو ايجاب العمل مجانا لاما هو الجامع بينه وبين غيره، ولا ملازمة بين عدم وجوب الصناعات مجانا وبين وجوب الجامع غير المقيد بحصة خاصة من الطبيعة، ومن هنا نقول يجب الاقدام عليها عينا أو كفاية من حيث هي صناعة يختل بتركها النظام، سواء كانت عليها اجرة ام لا. والتحقيق: ان التقسيم ان كان باعتبار نفس التكسب فلا محيص عن تثليث الاقسام كما تقدم، وان كان بلحاظ فعل المكلف والعناوين الثانوية الطارئة عليه فلا مانع من التخميس. ولا يخفى عليك انه إذا كان التقسيم بحسب فعل المكلف لا يختص المثال بالصناعات بل يصح التمثيل بما وجب بالنذر أو اليمين أو العهد وبالكسب لقضاء الدين أو الانفاق على العيال ونحو ذلك. لا يقال: إذا ملك الكافر عبدا مسلما وجب بيعه عليه، ويكون بيعه هذا من قبيل الاكتساب بالواجب. فانه يقال: الواجب هنا في الحقيقة هو ازالة ملكية الكافر للمسلم، وبيع العبد المسلم انما وجب لذلك، ويدلنا على ذلك انه لو زال ملكه بغير البيع كالعتق والهبة أو بالقهر كموت الكافر لا يجب البيع.

[ 56 ]

معنى حرمة الاكتساب تكليفا: قوله: ومعنى حرمة الاكتساب. أقول: الحرمة المتعلقة بالمعاملة اما ان تكون وضعية واما ان تكون تكليفية وبينهما عموم من وجه، فالبيع وقت الندي لصلاة الجمعة حرام تكليفا، والبيع الغرري حرام وضعا، وبيع الخمر حرام وضعا وتكليفا، وكلام المصنف هنا مسوق لبيان خصوص الحرمة التكليفية في البيع. إذا عرفت هذا فاعلم ان حرمة البيع تكليفا تتصور على وجوه: الاول: ما أفاده المحقق الايرواني في حاشيته، وهو: ان معنى حرمة الاكتساب هو انشاء النقل والانتقال بقصد ترتب اثر المعاملة، أعني التسليم والتسلم للمبيع والثمن، فلو خلا عن هذا القصد لم يتصف الانشاء الساذج بالحرمة (1). وفيه: ان تقييد موضوع الحرمة بالتسليم والتسلم انما يتم في الجملة لا في جميع البيوع المحرمة، وتحقيقه ان النواهي المتعلقة بالمعاملات على ثلاثة اقسام: 1 - أن يكون النهى عنها بلحاظ انطباق عنوان محرم عليها، كالنهي عن بيع السلاح لاعداء الدين عند حربهم مع المسلمين، فان النهي عنه انما هو لانطباق عنوان تقوية الكفر عليه، ويدل على ذلك جواز بيع السلاح عليهم إذا لم يفض ذلك الى تقويتهم على المسلمين، ولهذا حرم نقل السلاح إليهم بغير البيع ايضا، كاجارته عليهم وهبته لهم واعارته اياهم إذا لزم منه المحذور المذكور. ومن هنا يتضح ان بين عنوان بيع السلاح منهم وبين عنوان تقوية الكفر


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3.

[ 57 ]

واعانته عموما من وجه، إذ قد يباع السلاح عليهم ولا يلزم منه تقويتهم كبيعه منهم حال الصلح مثلا أو حال حربهم مع الكفار الاخرين، أو مع المسلمين ولكن بشرط تأخير التسليم الى ما بعد الحرب، أو بدون الشرط المذكور ولكن يؤخر التسليم قهرا عليهم، فان هذه الموارد لا يلزم من البيع فيها اعانة كفر على اسلام. وقد تحصل تقوية الكفر على الاسلام بغير البيع كاجارة السلاح عليهم أو هبته منهم وقد يجتمعان، واذن فتعلق للنهي بتقوية الكفر على الاسلام لا يستلزم حرمة بيع السلاح لاعداء الدين الا في مادة الاجتماع. نعم لو كان بين العنوانين تلازم خارجا لتوجه الالتزام بحرمة بيع السلاح منهم مطلقا، ولكنك عرفت ان الامر على خلافه. 2 - أن يتوجه النهى الى المعاملة من جهة تعلقها بشئ مبغوض، كالنهي عن بيع الخمر والخنزير والصليب والصنم وآلات القمار وغيرها من آلالات المحرمة، فان النهي عن بيع تلك الامور انما هو لمبغوضيتها لا بلحاظ عنوان طارئ على المعاملة كما في القسم الاول. 3 - أن يكون النهى عن المعاملة باعتبار ذاتها، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، والنهي عن بيع المصحف والمسلم من الكافر، بناء على حرمة بيعهما منه، فان النهي عن البيع في هذا القسم ليس بلحاظ العناوين الطارية عليه ولا بلحاظ مبغوضية متعلقة، بل لاجل مبغوضية نفسه. إذا عرفت ما تلونا عليك ظهر لك ان تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلم المستلزم لتقيد ادلة تحريمه انما يتم في القسم الاول فقط دون الثاني والثالث، فلا بد فيهما من الاخذ باطلاق أدلة التحريم لعدم ثبوت

[ 58 ]

ما يصلح لتقييدها. نعم لو كان دليلنا على التحريم هو عموم ما دل على حرمة الاعانة على الاثم أو الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدمته، لجاز تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلم، فان الاعانة على الاثم والمقدمية الى الحرام لا يتحققان الا بالتسليم والتسلم. الوجه الثاني: أن يراد من حرمة البيع حرمة ايجاده بقصد ترتب امضاء العرف والشرع عليه، بحيث لا يكفي مجرد صدوره من البايع خاليا عن ذلك القصد. وفيه: انه لا وجه لتقييد موضوع حرمة البيع بذلك ايضا، لما مر من اطلاق أدلة تحريم البيع مع عدم وجود ما يصلح لتقييدها، ومن هنا لو باع احد شيئا من الاعيان المحرمة كالخمر مثلا مع علمه بكونه منهيا عنه فقد ارتكب فعلا محرما وان كان غافلا عن قصد ترتب امضاء الشرع والعرف عليه، فانه لا دليل على دخالة قصد امضائهما في حرمة بيع الخمر. الوجه الثالث: ما أفاده العلامة الانصاري، وحاصل كلامه ان المراد من حرمة البيع حرمة النقل والانتقال مقيدة بقصد ترتب الاثر المحرم عليه، كبيع الخمر للشرب، وآلات القمار للعب، والصليب والصنم للتعبد بهما. وفيه: ان تقييد ما دل على تحريم البيع بالقصد المذكور تقييد بلا موجب له، إذ البيع كغيره من الافعال إذا حكم الشارع بحرمته وجب التمسك باطلاق دليله حتى يثبت له المقيد. نعم لو كان الدليل على حرمة البيع هو ما تقدمت الاشارة إليه، من الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدمته أو عموم ما دل على تحريم

[ 59 ]

الاعانة على الاثم، لتم ما ذكره في الجملة لكن الكلام اعم من ذلك. وأما ما في المتن، من دعوى انصراف الادلة الى صورة قصد ترتب الاثار المحرمة، فهي دعوى جزافية، ونظيرها أن يدعي انصراف ادلة تحريم الزنا مثلا الى ذات البعل، والالتزام بمثل هذه الانصرافات يستدعي تأسيس فقه جديد. نعم دخالة قصد ترتب الاثر المحرم أو المحلل في حرمة البيع وحليته في مثل بيع الصليب والصنم وجه كما سيأتي في النوع الثاني مما يحرم التكسب به. لا يقال: انه لا مناص عن تقييد حرمة البيع بقصد ترتب الاثر المحرم عليه، فان من الجائز قطعا اعطاء الدرهم للخمار وأخذ خمره للاهراق مثلا. فانه يقال: ان ذلك وان كان جائزا الا أنه لا يرتبط باصل المعاملة بل هو من انحاء النهي عن المنكر وقطع مادة الفساد، والذي يقتضيه النظر الدقيق ان ما يكون موضوعا لحلية البيع بعينه يكون موضوعا لحرمته، بيان ذلك: ان البيع ليس عبارة عن الانشاء الساذج، سواء كان الانشاء بمعنى ايجاد المعنى باللفظ كما هو المعروف بين الاصوليين، ام كان بمعنى اظهار ما في النفس من الاعتبار كما هو المختار عندنا، والا لزم تحقق البيع بلفظ بعت خاليا عن القصد، ولا ان البيع عبارة عن مجرد الاعتبار النفساني من دون أن يكون له مظهر، والا لزم صدق البايع على من اعتبر ملكية ماله لشخص آخر في مقابل الثمن وان لم يظهرها بمظهر، كما يلزم حصول ملكية ذلك المال للمشتري بذاك الاعتبار الساذج الخالي من المبرز.

[ 60 ]

بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركب من ذلك الاعتبار النفساني مع اظهاره بمبرز خارجي، سواء تعلق به الامضاء من الشرع والعرف ام لم يتعلق، بل سواء كان في العالم شرع وعرف ام لم يكن. واذن فذلك المعنى هو الذي يكون موضوعا لحرمة البيع، وهو الذي يكون موضوعا لحليته، وهكذا الكلام في سائر المعاملات كما حققناه في الاصول، وسيأتي التعرض له في اول البيع ان شاء الله. قوله: فهو متفرع على فساد البيع. أقول: بعد ان أثبتنا أن موضوع الحلية والحرمة في المعاملات شئ واحد، وان ترتب الاثر على المعاملة من النقل والانتقال أو غير ذلك خارج عن حقيقتها، وبعد ان أوضحنا عند التكلم في الروايات العامة المتقدمة ان الحرمة التكليفية لا تستلزم الحرمة الوضعية، ظهر لك بطلان ما ذهب إليه المشهور، من ان حرمة المعاملة تستلزم فسادها. كما ظهر بطلان ما نسب الى أبي حنيفة، من ان حرمة المعاملة تستلزم صحتها، وانه لا بد في اثبات صحتها وفسادها من التماس دليل آخر غير ما دل على الحرمة التكليفية، وقد اوضحناه في الاصول، وتترتب على ذلك ثمرات مهمة في المباحث الاتية. قوله: أما لو قصد الاثر المحلل. أقول: قد بينا أن البيع المحرم لا يخرج بقصد الاثر المحلل عن الحرمة المتعلقة به بعنوان البيع، وان قصد الاثر المحرم لا يكون مأخوذا في موضوع تحريم البيع، فلا مجال لدعوى انه لو قصد الاثر المحلل فلادليل على تحريم العاملة. نعم لو قصد حليته شرعا مع كونه محرما لتوجه عليه التحريم من جهة

[ 61 ]

التشريع ايضا، كما ان الامر كذلك في سائر المحرمات المعلومة إذا اتى بها بعنوان الاباحة. معنى حرمة الاكتساب وضعا: لا يخفى عليك ان معنى الحرمة الوضعية في العقود عبارة عن فساد المعاملة وبطلانها بحيث لا يترتب عليها اثر من الاثار، وان الفاسد والباطل عندنا وعند غير الحنفية بمعنى واحد، وهو ما اختل في تلك المعاملة شئ من الشروط التي اعتبرها الشارع ركنا لها، بحيث يلزم من انتفائها انتفاء المشروط في نظر الشارع. وأما عند الحنفية فان الباطل والفاسد في البيع مختلفان فلكل واحد منهما معنى يغاير معنى الاخر، فالباطل هو ما اختل ركنه أو محله، وركن العقد هو الايجاب والقبول كما تقدم، فإذا اختل ذلك الركن كأن صدر من مجنون أو صبي لا يعقل كان البيع باطلا غير منعقد، وكذلك إذا اختل المحل وهو المبيع كأن كان ميتة أو دما أو خنزيرا فان البيع يكون باطلا. وأما الفاسد فهو ما اختل فيه غير الركن والمحل، كما إذا وقع خلل في الثمن بأن كان خمرا، فإذا اشتري سلعة يصح بيعها وجعل ثمنها خمرا انعقد البيع فاسدا ينفذ بقبض المبيع، ولكن على المشتري أن يدفع قيمته غير الخمر، وكذلك إذا وقع الخلل فيه من جهة كونه غير مقدور التسليم، كما إذا باع شيئا مغصوبا منه لا يقدر على تسليمه أو وقع الخلل فيه من جهة اشتراط شرط لا يقتضيه العقد كما سيأتي. فان البيع في كل هذه الاحوال يكون فاسدا لا باطلا، ويعبرون عن

[ 62 ]

الباطل بما لم يكن مشروعا باصله ووصفه، ويريدون باصله ركنه ومحله كما عرفت، ويريدون بوصفه ما كان خارجا عن الركن والمحل، وحكم البيع الفاسد انه يفيد الملك بالقبض بخلاف البيع الباطل فانه لا يفيد الملك اصلا (1). وقال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير: وايضا فانه مأخوذ في مفهومه - الفاسد - أو لازم له انه مشروع بأصله لا وصفه، وفي الباطل غير مشروع بأصله، فبينهما تباين، فان المشروع بأصله وغير المشروع بأصله متباينان فكيف يتصادقان (2). الا أن أمثال تلك الاقاويل لا تبتني على أساس صحيح من العقل والشرع والعرف واللغة.


1 - راجع الفقه على المذاهب الاربعة 2: 224. 2 - شرح فتح القدير 5: 185.

[ 63 ]

النوع الاول الاكتساب بالاعيان النجسة المسألة (1) جواز المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه قوله: ويحرم المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه. أقول: في كلام العلامة الانصاري هنا وفي المسائل الاتية خلط بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية، فقد جعل هنا كلا من النجاسة والحرمة وعدم جواز الانتفاع بها دليلا عليهما، مع ان الاولين دليلان على الحرمة التكليفية، والثالث دليل على الحرمة الوضعية. قوله: فيما عدا بعض افراده كبول الابل الجلالة. أقول: قال المحقق الايرواني: لعل هذا استثناء من صدر الكلام أعني قوله: يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم، بتوهم شمول الاجماع المنقول على جواز بيع بول الابل له (1). وفيه: اولا: ان المصنف لم يستثن بول الابل الجلالة فيما يأتي من أبوال ما لا يؤكل لحمه، لا في حرمة شربه ولا في نجاسته. وثانيا: ان الفارق بين بول الابل الجلالة وبين أبوال ما لا يؤكل لحمه ليس الا كون الاول نجسا بالعرض وكون الثانية نجسة بالذات، ومجرد


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3.

[ 64 ]

هذا لا يكون فارقا بينهما حتى يصح الاستثناء. والظاهر انه استثناء من قوله: وعدم الانتفاع به، اي ليس لابوال ما لا يؤكل لحمه نفع ظاهر الا بول الابل الجلالة، فانه كبول الابل غير الجلالة لها منفعة ظاهرة. تنقيح وتهذيب: قد اتفقت كلمات الاصحاب على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه، بل في بعضها دعوى الاجماع بقسميه على ذلك. وفي المراسم حكم بحرمة بيع الابوال مطلقا الا بول الابل (1)، وفي الغنية منع عن بيع كل نجس لا يمكن تطهيره (2)، وفي نهاية الشيخ: وجميع النجاسات محرم التصرف فيها والتكسب بها على اختلاف اجناسها من سائر انواع العذرة والابوال وغيرهما (3)، وفي المبسوط: فأما نجس العين فلا يجوز بيعه كالبول (4)، وفي التذكرة الاجماع على عدم صحة بيع نجس العين مطلقا (5)، وفي المستند: تحريم بيع الابوال مما لا يؤكل لحمه شرعا موضع وفاق (6). وفي الجواهر ادعي قيام الاجماع المحصل على الحرمة، وان نقل الاجماع بين الاصحاب مستفيض عليها (7).


1 - المراسم: 170. 2 - الغنية (الجوامع الفقهية): 524.. 3 - نهاية الاحكام 2: 463. 4 - المبسوط 2: 166. 5 - التذكرة 1: 464. 6 - المستند 2: 334. 7 - جواهر الكلام 22: 21.

[ 65 ]

وعلى هذا الضوء المذاهب الاربعة، وفي الفقه على المذاهب الاربعة: ومن البيوع الباطلة بيع النجس (1)، وفي شرح فتح القدير: إذا كان احد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد (2). ثم انه قد استدل المصنف على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعا وتكليفا بالاجماع والحرمة والنجاسة، وعدم جواز الانتفاع بها، وجميعها لا يصلح لاثبات الحرمة التكليفية ولا الوضعية. أما الاجماع، وان نقله غير واحد من أعاظم الاصحاب الا أن اثبات الاجماع التعبدي هنا مشكل جدا، للاطمينان بل العلم بأن مستند المجمعين انما هو الروايات العامة المتقدمة والروايات الخاصة المذكورة في بيع الاعيان النجسة والحكم بحرمة الانتفاع بها، مضافا الى ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه غير حجة. أما الحرمة، فان أراد منها حرمة الاكل والشرب، فالكبري ممنوعة، لعدم الدليل على أن كلما يحرم أكله أو شربه يحرم بيعه، ولو فرضنا وجود دليل على ذلك فلا بد من تخصيص أكثر أفراده، فان كثيرا من الاشياء يحرم أكلها ويجوز بيعها، وذلك مستهجن يوجب سقوط الدليل على الحجية. وان اراد منها حرمة الانتفاع بها بجميع منافعها أو بالمنافع الظاهرة، فهو وان استلزم حرمة البيع كما تقدم في النبوي المشهور، ولكن الصغرى ممنوعة لعدم الدليل على تحريم جميع المنافع أو المنافع الظاهرة لتلك الابوال، وسيأتي تفصيلها.


1 - الفقه على المذاهب الاربعة 2: 231. 2 - شرح فتح القدير 5: 186.

[ 66 ]

وأما النجاسة، فان رواية تحف العقول وان دلت على حرمة بيع النجس، لقوله (عليه السلام) فيها: أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام، الا أن ذلك فيما تكون منافعه كلها محرمة، كما هو مقتضي التعليل المذكور فيها، وأما إذا كان للنجس منفعة محللة فلا دليل على حرمة بيعه، وأبوال ما لا يؤكل لحمه مما له منفعة محللة، ومتقضي ذلك جواز بيعها. أللهم الا أن يقال: ان كل نجس يحرم الانتفاع به بجميع منافعه، فإذا كان كذلك حرم بيعه وشراؤه، ولكنه دعوى بلا دليل، هذا، مضافا الى ضعف سندها وعدم انجبارها بعمل الاصحاب كما عرفت. على أنه لو سلمنا دلالة الحرمة والنجاسة على حرمة البيع لدلتا على الحرمة التكليفية دون الوضعية كما تقدم في اول المسألة. ومما ذكرنا ظهر أن المشهور لم يستندوا في فتياهم بحرمة بيع النجس الى رواية تحف العقول، ولا الى غيرها من الروايات العامة المتقدمة كرواية فقه الرضا (عليه السلام) الدالة على أن كلما يكون محرما من جهة يحرم بيعه، ولو كان مستندهم ذلك لم يكن الحكم بحرمة البيع مختصا بالنجس بل كان يعم سائر المحرمات، ولو كانت من الاعيان الطاهرة، كأبوال ما لا يؤكل لحمه بناء على حرمة شربها. وأما عدم جواز الانتفاع بها، فربما قيل بأنه يستلزم فساد البيع وان لم يقم دليل على حرمة ذلك البيع تكليفا، لان حرمة الانتفاع بها يستلزم نفي ماليتها التي لا بد منها في تحقق البيع، وفيه: أولا: انه لا دليل على اعتبار المالية في البيع، وانما المناط صدق

[ 67 ]

عنوان المعاوضة عليه، وأما ما عن المصباح من انه مبادلة مال بمال (1) فلا يكون دليلا على ذلك لعدم حجية قوله. وثانيا: إذا سلمنا اعتبار المالية في البيع فلا نسلم ان أبوال ما لا يؤكل لحمه ليست بمال في جميع الازمنة والامكنة، كيف وان الانتفاع بها باستخراج الادوية أو الغازات أو استعمالها في العمارة عند قلة الماء ممكن جدا، فتكون مالا باعتبار تلك المنافع الظاهرة، ومثلها أكثر المباحات التي تختلف ماليتها بحسب الازمنة والامكنة، كالماء والحطب ونحوهما. ومن هنا يعلم ان الشرب ليس من منافعها حتى يلزم من حرمته سقوط ماليتها، أللهم الا أن يقال ان الشارع قد الغي ماليتها بتحريم جميع منافعها، ولكنه اول الكلام. وثالثا: إذا سلمنا اعتبار المالية في البيع فيكفي أن يكون المبيع مالا بنظر المبايعين إذا كان عقلائيا، ولا يجب كونه مالا في نظر العقلاء أجمع. ورابعا: لو سلمنا عدم كون الابوال المذكورة مالا حتى في نظر المتبايعين، فان غاية ما يلزم كون المعاملة عليها سفهية، ولا دليل على بطلانها بعد شمول أدلة صحة البيع لها، والفاسد شرعا انما هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهائية، والدليل على الفساد فيها ان السفيه محجور شرعا عن المعاملات. هذا كله مضافا الى صحة المعاملة عليها بمقتضي آية التجارة، وان لم يصدق عليها البيع.


1 - المصباح المنير: 69.

[ 68 ]

وقد اتضح مما قدمناه جواز بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعا وتكليفا كما اتضح جواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه مطلقا، بل الجواز هنا بالاولوية، ابلا كان أو غيرها، جلالا كان أو غيره، قلنا بجواز شربه اختيارا أو لم نقل، لان جواز الشرب لا يعد من منافع البول ليكون مالا باعتباره ويدور الحكم بجواز البيع مداره. وهم ودفع: قد استدل المحقق الايرواني (رحمه الله) على فساد المعاملة عليها بقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم (1)، على أن يراد من الباطل ما يعم الباطل العرفي والشرعي، ومراد المستدل ان اخذ المال عوضا عن أبوال ما لا يؤكل لحمه اكل للمال بالباطل (2). وفيه: ان دخول باء السببية على الباطل ومقابلته في الاية للتجارة عن تراض - ولا ريب أن المراد بالتجارة هي الاسباب - قرينتان على كون الاية ناظرة الى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الباطلة، كما نبه عليه المستدل في اول البيع وغيره (3). وعلى ذلك فيكون الغرض من الباطل الاسباب الباطلة، فلا يكون لها تعلق بما لا مالية له من العوضين كما يرومه المستدل. كما ان المراد من الاكل فيها ليس هو الازدراد على ما هو معناه الحقيقي بل هو كناية عن تملك مال الغير من غير استحقاق، وان كان ذلك


1 - النساء: 33. 2 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3. 3 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 3.

[ 69 ]

المال من غير المأكولات كالدار ونحوها، وقد تعارف استعماله بذلك في القرآن وفي كلمات الفصحاء بل وفي غير العربية ايضا. وعلى هذا، فان كان الاستثناء متصلا كما هو الظاهر والموافق للقواعد العربية فيكون مفاد الاية نفي تملك اموال الغير بالاسباب الباطلة من القمار والغصب والغزو، وبيع المنابذة والحصاة، والتقسيم بالازلام والاقداح، الا بسبب يكون تجارة عن تراض، فتفيد حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض. وان كان الاستثناء منقطعا، فظهور الاية البدوي وان كان هو بيان القاعدة الكلية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراض ولاتعرض لها للحصر. وتظهر ثمرة ذلك فيما لا يعد في العرف من الاسباب الباطلة، ولا من التجارة عن تراض، فيكون مهملا، الا أنه تعالى حيث كان بصدد بيان الاسباب المشروعة للمعاملات وتميز صحيحها عن فاسدها وكان الاهمال مما يخل بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من الاية بالقرينة المقامية. وتكون النتيجة ان الاية مسوقة لبيان حصر الاسباب الصحيحة بالتجارة تراض، سواء كان الاستثناء متصلا ام منقطعا. ومما يدل على كون الاية راجعة الى اسباب المعاملات تطبيقها في بعض الروايات على القمار (1).


1 - احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن ابيه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، قال: ذلك القمار (نوادر احمد بن محمد بن عيسى: 167، عنه الوسائل 17: 167)، موثقة. العياشي في تفسيره عن اسباط بن سالم، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فجاء رجل فقال: أخبرني عن قول الله عزوجل: يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، قال: يعني بذلك القمار - الحديث (تفسير العياشي 1: 235، عنه الوسائل 17: 166). وعن محمد بن علي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأل عن الاية، قال: نهي عن القمار، وكانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك (تفسير العياشي 1: 236، عنه الوسائل 17: 166). فائدة: اعلم ان صاحب التفسير أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي، وان كان ثقة صدوقا عينا من عيون هذه الطائفة وكبيرها، ولكن لم يثبت لنا اعتبار التفسير للارسال. قال المحدث الحر في خاتمة الوسائل في الفائدة الرابعة: كتاب تفسير القرآن لمحمد بن مسعود العياشي، وقد وصل الينا النصف الاول منه، غير ان بعض النساخ حذف الاسانيد واقتصر على راو واحد. وفي البحار 1: 28: كتاب تفسير العياشي، روي عنه الطبرسي وغيره، ورأينا منه نسختين قديمتين، وعد في كتب الرجال من كتبه لكن بعض الناسخين حذف اسانيده للاختصار، وذكر في اوله عذرا هو اشنع من جرمه. وقال الشيخ (رحمه الله) في رجاله ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام) (الرجال: 440، الرقم: 6282): محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السمرقندي يكني ابا النضر، اكثر أهل المشرق علما وأدبا وفضلا وفهما ونبلا في زمانه، صنف اكثر من مائتي مصنف ذكرناها في الفهرست، وكان له مجلس للخاص ومجلس للعام (عليهم السلام). وقال النجاشي (الرجال: 350، الرقم: 944) أبو النضر المعروف بالعياشي، ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة، وكان يروي عن الضعفاء كثيرا، وكان في اول امره عامي المذهب، وسمع حديث العامة فاكثر، ثم تبصر وعاد الينا، وانفق على العلم والحديث تركة ابيه سائرها و كانت ثلاثمائة الف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلق، مملوة من الناس.

[ 70 ]

قوله: كبول الابل الجلالة.

[ 71 ]

أقول: بعد ما عرفت جواز الانتفاع بالابوال مطلقا وجواز بيعها كذلك فلا وجه لهذا الاستثناء. قوله: ان قلنا بجواز شربها اختيارا كما عليه جماعة. أقول: قد ظهر مما تقدم ان جواز الشرب أو حرمته ليسا مناطين في جواز بيعها وحرمته، لعدم كون الشرب من المنافع الظاهرة ليدور الحكم عليه وجودا وعدما، اذن فلا فرق بين أبوال ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. حكم شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار: قد وقع الخلاف بين أعاظم الاصحاب في جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار وعدم جوازه، وذهب جمع كثير الى الجواز (1) وجماعة اخرى الى الحرمة (2)، وهو الحق، لمفهوم موثقة عمار (3)، فانه يدل على حرمة شربها لغير التداوي.


1 - من القدماء: ابن الجنيد - على ما في الدروس 3: 17 -، والسيد المرتضى في الانتصار: 201، ومن المتأخرين: ابن ادريس في السرائر 3: 125، والمحقق في النافع: 254 حيث قال: والتحليل أشبه، والفاضل الابي في كشف الرموز 1: 436، والمحقق السبزواري في كفاية الاحكام: 252. 2 - كالمحقق في الشرايع 3: 227، والعلامة في المختلف: 686، والشهيد في الدروس 3: 17. 3 - عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن بول البقر يشربه الرجل، قال: ان كان محتاجا إليه يتداوي به يشربه، وكذلك أبوال الابل والغنم (التهذيب 1: 284، عنه الوسائل 25: 113)، موثقة.

[ 72 ]

كما تدل على ذلك ايضا عدة روايات اخرى من الخاصة (1) والعامة (2).


1 - عن بعض اصحابنا عن موسى بن عبد الله قال: سمعت أشياخنا يقولون: ألبان اللقاح شفاء من كل داء وعاهة، ولصاحب الربو أبوالها (الكافي 6: 338، المحاسن: 493، عنهما الوسائل 25: 114)، مرسلة. وفي القاموس مادة لقح: اللقاح ككتاب الابل، واللقوح كصبور واحدته. الربو: التهيج وتوارد النفس الذي يعرض للمسرع في مشيه. المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه شكى إليه الربو الشديد، فقال: اشرب له أبوال اللقاح، فشربت ذلك، فمسح الله دائي (طب الائمة (عليهم السلام): 62، عنه الوسائل 25: 115)، موثقة. سماعة قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الابل والبقر والغنم ينعت له من الوجع، هل يجوز له أن يشرب، قال: نعم لا بأس به (طب الائمة (عليهم السلام): 62، عنه الوسائل 25: 115)، ضعيفة لاحمد بن فضل. دعائم الاسلام: روينا عن أبي عبد الله، عن ابيه، عن آبائه، عن امير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوم من بني ضبة مرضى - الى ان قال: - فأخرجهم الى ابل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها يتداوون بذلك - الخبر (دعائم الاسلام 2: 476، عنه المستدرك 17: 27)، ضعيفة للارسال. 2 - عن انس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر العرنيين أن يشربوا ألبان الابل وأبوالها (السنن الكبرى للبيهقي 10: 4). وعن انس: ان رهطا من عرينة أتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: انا اجتوينا المدينة وعظمت بطوننا وارتهست اعضادنا، فأمرهم النبي (صلى الله عليه وآله) أن يلحقوا براع الابل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الابل، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ثم قتلوا الراعي وساقوا الابل - الحديث (السنن الكبرى للبيهقي 10: 4، ورواه البخاري في الصحيح 1، باب الابوال: 67 بأدني تفاوت). وفي القاموس مادة جوي اجتواه: كرهه، وارض جوية غير موافقة، وفيه: ارتهس الوادي امتلا. عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان في أبوال الابل وألبانها شفاء لذربة بطونهم (مسند احمد 1: 293). وفي القاموس: الذربة - محركة - فساد المعدة.

[ 73 ]

نعم هناك روايتان: احداهما رواية قرب الاسناد (1) تدل على جواز شرب أبوال مأكول اللحم على وجه الاطلاق، والثانية رواية الجعفري (2) تدل على جواز شرب بول الابل مطلقا وانه خير من لبنه. وفيه: مضافا الى ضعف سنديهما انه لا بد من تقييدهما بمفهوم موثقة عمار المتقدمة، وحينئذ فيختص جواز شربها بالتداوي فقط، على ان رواية الجعفري ليست بصدد بيان الجواز التكليفي بل هي مسوقة الى بيان الوجهة الطبية وان أبوال الابل مما يتداوي بها الناس. ويدل على ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: ويجعل الله الشفاء في البانها. دفع توهم: قد استدل بعض الاعاظم (3) على حرمة شربها بقوله تعالى: ويحرم عليهم الخبائث (4)، حيث قال: وعندي ان هذا القول هو الاقوي وفي آية تحريم الخبائث غني وكفاية بعد القطع بكون البول مطلقا من الخبائث. وفيه: ان المقصود من الخبائث كل ما فيه مفسدة وردائة، ولو كان من الافعال المذمومة المعبر عنه في الفارسية بلفظ: پليد.


1 - ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا بأس ببول ما اكل لحمه (قرب الاسناد: 72، عنه الوسائل 25: 114)، ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. 2 - عن الجعفري قال: سمعت ابا الحسن موسي (عليه السلام) يقول: أبوال الابل خير من ألبانها، ويجعل الله الشفاء في ألبانها (الكافي 6: 338، التهذيب 9: 100، عنهما الوسائل 25: 114)، مجهولة لبكر بن صالح. 3 - ذكره المامقاني في حاشيته. 4 - الاعراف: 156.

[ 74 ]

ويدل على ذلك اطلاق الخبيث على العمل القبيح في قوله تعالى: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث (1)، ويساعده العرف واللغة (2).


1 - الانبياء: 72. 2 - في المجمع: الخبيث ضد الطيب، وقيل: الخبيث خلاف طيب الفعل من فجور ونحوه، والخبائث الافعال المذمومة والخصال الردية، وفي الحديث: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم فانه معتاد لما عود، وفي حديث أهل البيت (عليهم السلام): لا يبغضنا الا من خبثت ولادته اي لم تطب، وخبث الرجل بالمرأة من باب قتل، زني بها (مجمع البحرين 2: 251). وفي تفسير التبيان: الخبائث يعني القبائح، وفي موضع آخر: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، يعني انهم كانوا يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم - مجالسهم - وهي قرية سدوم على ما روي (تفسير التبيان 1: 758، 2: 291). وفي مفردات الراغب مادة خبث: المخبث والخبيث ما يكره رداءة وخساسة، محسوسا كان أو معقولا، واصله الردي، وذلك يتناول في الاعتقاد والكذب في المقال، والقبيح في الفعال، ويطلق على ما لا يوافق النفس من المحظورات، واتيان الرجال، والاعمال الفاسدة والنفوس الخبيثة والحرام، والافعال الردية، والكفر والكذب والنميمة (المفردات: 141). وفي تاج العروس مادة خبث: الخبيث ضد الطيب، الخابث وهو الردي من كل شئ، ومن المجاز الخبث - بالضم - الزنا، وقد خبث بها - ككرم - اي فجر، وفي الحديث: إذا كثر الخبث كان كذا وكذا، أراد الفسق والفجور، ومنه حديث سعد بن عبادة: انه اتى النبي (صلى الله عليه وآله) برجل مخدج سقيم وجد مع امرأة يخبث بها، اي يزني، وفي حديث انس: ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا اراد الخلا قال: اعوذ بالله من الخبث والخابث، اراد بالخبث الشر والخبائث الشياطين (تاج العروس 1: 617). وقال ابن الاثير في تفسير الحديث: الخبث - بضم الباء - جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، اي ذكور الاشياطين واناثها، وقيل هو الخبث بسكون الباء، وهو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره، والخبائث يريد بها الافعال المذمومة والخصال الردية، والخبيث نعت كل شئ فاسد، يقال: هو خبيث الطعم، خبيث اللون، خبيث الفعل، والحرام السحت يسمي خبيثا مثل الزنا، والمال الحرام والدم وما أشبهها مما حرم الله تعالى (النهاية 2: 5).

[ 75 ]

واذن فالاية ناظرة الى تحريم كل ما فيه مفسدة ولو من الاعمال القبيحة، فلا تعم شرب الابوال الطاهرة ونحوها مما تتنفر عنها الطبايع. قوله: لا يوجب قياسه على الادوية. أقول: هذا الكلام بظاهره مما لا يترقب صدوره من المصنف، وذلك لان التداوي بها لبعض الاوجاع يجعلها مصداقا لعنوان الادوية، فكما يجوز بيعها حتى إذا كانت نجسة فكذلك يجوز بيع الابوال مطلقا لكونها مصداقا للادوية، وانطباق الكلي على افراده غير مربوط بالقياس. وتوضيح ذلك: ان مالية الاشياء تدور على رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها على حسب الحالات والازمنة والامكنة، ولا شبهة ان المرض من الحالات التي لاجلها يحتاج الانسان الى الادوية والعقاقير طاهرة كانت ام نجسة، ولاجل ذلك يجلبها الناس من أقاصي البلاد، فإذا كانت الابوال عند العرف من الادوية ويعد من الاموال في غير حال المرض كانت كسائر الادوية التي يحتاج إليها الناس في حال المرض ولا مجال لتفريقها عنها. أللهم الا أن يكون مراد المصنف سقوط مالية الابوال لكثرتها. وفيه مضافا الى كونه خلاف الظاهر من كلامه والى منع كثرتها في جميع البلاد، ان الكثرة لا توجب سقوط ماليتها بعد امكان الانتفاع بها في بعض الامكنة والا لزم سلب المالية عن اكثر المباحات، نعم لا يبعد الالتزام بسقوط ماليتها إذا لم ينتفع بها في محلها ولم يمكن نقلها الى محل ينتفع بها فيه. ومما ذكرنا علم ان التداوي بالابوال من المنافع الظاهرة لها، فلا وجه لعدها فيما لا نفع فيه، كما لا وجه للنقض على ذلك بانه لو كان التداوي

[ 76 ]

بها موجبا لصحة بيعها لجاز بيع كل شئ من المحرمات، لقوله (عليه السلام): ليس شئ مما حرمه الله الا وقد أحله لمن اضطر إليه (1)، وذلك لما بينا من ان المرض من الاحوال المتعارفة للانسان، فلا يقاس بالاضطرار الذي لا يتفق في العمر الا نادرا. ومن هنا يتضح الفرق بين الابوال وبين الميتة ولحوم السباع وغيرهما من المحرمات التي يحتاج إليها الانسان عند الاضطرار، ولذلك فلا يتجر احد بلحوم السباع ونحوها لاحتمال الحاجة إليها، وهذا بخلاف الادوية فان بيعها وشراءها من التجارات المهمة. قوله: ولو عند الضرورة المسوغة للشرب. أقول: لا تعرض في شئ من الروايات العامة وغيرها لتعليق جواز بيع الابوال الطاهرة غير بول الابل على جواز شربها. قوله: ولا ينتقض ايضا بالادوية المحرمة. أقول: قوله: لاجل الاضرار، تعليل للحرمة، وحاصل النقض ان الابوال الطاهرة تكون بحكم الادوية، فكما ان الادوية محرمة الاستعمال في غير حال المرض لاضرارها بالنفس، ومع ذلك يجوز بيعها واستعمالها عند المرض في حال المرض لاجل تبدل عنوان الاضرار بعنوان النفع، وهذا بخلاف الابوال فان حليتها ليست الا لاجل الضرورة فالنقض في غير محله. ولكن الانصاف ان ما أفاده المصنف نقضا وجوابا غير تام: أما الجواب فلانا لا نجد فرقا بين الابوال وسائر الادوية، وإذا كان


1 - عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس - الخ (نوادر احمد بن محمد بن عيسى: 75، عنه الوسائل 23: 228)، مرسلة.

[ 77 ]

الاحتياج الى الادوية موجبا لتبدل عنوان الضرر الى النفع فليكن الاحتياج الى الابوال في حال المرض كذلك، مع ان الامر ليس كذلك، فان من الواضح جدا ان الاحتياج الى الادوية والعقاقير حال المرض ليس من قبيل تبدل موضوع الضرر بموضوع النفع، كانتقال موضوع التمام الى موضوع القصر، وانما هو كالاحتياج الى سائر الاشياء بحسب الطبع. وأما النقض ففيه اولا: انه لا يجوز ان تعلل حرمة الادوية في غير حال المرض بالاضرار، لانه من العناوين الثانوية، فلا يمكن أن يكون علة لثبوت الحرمة للشئ بعنوانه الاولى، ولو صح ذلك لم يوجد شئ يكون حلالا بعنوانه الاولى الا نادرا، وذلك لانه لا بد من عروض عنوان الضرر عليه في مرتبة من مراتب استعماله فيكون حراما. وثانيا: ان عنوان الاضرار ليس مما تكون الحرمة ثابتة عليه بالذات أو بعنوان غير منفك، لانه ليس امرا مضبوطا بل يختلف بالاضافة الى الاشخاص والازمنة والامكنة والمقدار، وربما يكون الشئ مضرا بالاضافة الى شخص حار المزاج دون غيره، وبالنسبة الى منطقة دون منطقة، أو بمقدار خاص دون الاقل منه. بل لو كان عنوان الاضرار موجبا لحرمة البيع لما جاز بيع شئ من المشروبات والمأكولات، إذ ما من شئ الا وهو مضر للمزاج أزيد من حده. نعم لو دل دليل على ان ما اضر كثيره فقليله حرام، كما ورد في الخمر: فما اسكر كثيره فقليله حرام (1)، لتوجه ما ذكره من النقض.


1 - مر ذكر مصادره قبيل هذا، فراجع.

[ 78 ]

وقد تمسك بعض العامة بذلك عند بحثنا معه في حرمة شرب التتن وأجبنا عنه بانه لو صح ما أضر كثيره فقليله حرام للزم الالتزام بحرمة جميع المباحات، فان من الواضح انه ما من شئ في العالم الا وتكون مرتبة خاصة منه مضرة للمزاج. حرمة بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه: قوله: ولا ينافيه النبوي: لعن الله اليهود (1). أقول: وجه التنافي هو توهم الملازمة بين حرمة الاكل وحرمة البيع، وأجاب عنه المصنف بان الظاهر ان الشحوم كانت محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا. وفيه: انه لا منشأ لهذا الظهور لا من الرواية ولا من غيرها، بل الظاهر منها حرمة أكلها فقط، كما هو المستفاد من الاية (2) ايضا، فان الظاهر من تحريم الشحوم فيها تحريم أكلها لكونه منفعة ظاهرة لها، الا أنك عرفت في البحث عن النبوي المشهور ان حرمة الاكل لا يستلزم حرمة البيع وضعا وتكليفا باتفاق من الشيعة ومن العامة.


1 - عن جابر بن عبد الله انه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عام الفتح وهو بمكة: ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فانها تطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتل الله اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوه - أي اذابوه - ثم باعوه وأكلوا ثمنه (راجع سنن البيهقي 6: 12، وسبل السلام 2: 316، وصحيح البخاري باب لا يذاب شحم الميتة 2: 107، وباب بيع الميتة 2: 110)، وتقدم ايضا بعض روايات الشحوم. 2 - قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما (الانعام: 147).

[ 79 ]

قوله: والجواب عنه مع ضعفه. أقول: قال المحقق الايرواني: ظاهر النبوي ما حرم أكله من المأكولات أعني ما يقصد للاكل دون ما حرم أكله مطلقا ليخالف غرض المصنف ويلزم تخصيص الاكثر حتى يضطر الى تضعيفه سندا ودلالة (1). وفيه: مضافا الى كونه حملا تبرعيا انه يلزم تخصيص الاكثر ايضا، لجواز بيع المأكولات والمشروبات المحرمة إذا كانت لها منافع محللة. ثم ان الظاهر من ذيل كلامه استظهار ضعف الرواية من عبارة المصنف من غير جهة تخصيص الاكثر، الا أنه ناشئ من غلط النسخة ومن زيادة كلمة: مع قبل كلمة: ضعفه. لا يقال: ان الملاك في حرمة بيع الشحوم هو حرمة اكلها فيحرم بيعها لكونه اعانة على الاثم. فانه يقال: لو سلمنا حرمة الاعانة على الاثم لكان الظاهر من الرواية هو بيع اليهود شحومهم من غيرهم، ولم يعلم حرمته على غير اليهود، بل الظاهر من الاية المباركة اختصاص التحريم بهم، مع أنه لو قطع النظر عن هذا الظهور لكان تقييد الرواية بما إذا كان البيع للاكل بلا موجب. المسألة (2) جواز بيع العذرة قوله: يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور. أقول: المعروف بين الفقهاء (رحمهم الله) حرمة بيع العذرة النجسة من كل حيوان.


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 4.

[ 80 ]

بل في التذكرة: لا يجوز بيع سرجين النجس اجماعا منا (1)، وفي الجواهر ادعي الاجماع بقسميه على حرمة بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه (2)، وفي النهاية جعل بيع العذرة من المكاسب المحظورة (3)، وفي الغنية منع عن بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه (4)، وفي المراسم حكم بحرمة بيع العذرة (5)، وفي المستند انه موضع وفاق (6)، وعلى هذا اتفاق المذاهب الاربعة (7). ثم ان تحقيق هذه المسألة في ضمن مقامين: الاول من حيث القواعد والاجماعات والروايات العامة، والثاني من حيث الروايات الخاصة الواردة في خصوص هذه المسألة. أما المقام الاول، فقد ظهر من المسألة السابقة وما قبلها انه لا يجوز الاستدلال بشئ من تلك الامور على حرمة البيع وفساده.


1 - التذكرة 1: 464. 2 - جواهر الكلام 22: 17. 3 - نهاية الاحكام 2: 463. 4 - الغنية (الجوامع الفقهية): 524. 5 - المراسم: 170. 6 - المستند 2: 334. 7 - في فقه المذاهب الاربعة عن المالكية: لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه، سواء كان أكله محرما كالخيل والبغال والحمير، أو مكروها كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر، فان فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها. وعن الحنابلة: لا يصح بيع النجس، كالزبل النجس، وكذلك عند الشافعية. وعن الحنفية: لا ينعقد بيع العذرة، فإذا باعها كان البيع باطلا، الا إذا خلطها بالتراب، فانه يجوز بيعها إذا كانت لها مالية، ويصح بيع الزبل يسمي سرجين، وكذا بيع البعر (فقه المذاهب الاربعة 2: 231 - 232).

[ 81 ]

وأما المقام الثاني، فالروايات الواردة هنا على ثلاث طوائف: الاولى ما يدل على حرمة بيع العذرة وكون ثمنها سحتا (1)، الثانية ما يدل على جواز بيعها، وهي رواية ابن مضارب (2)، الثالثة ما يدل على جواز بيعها وحرمته معا، وهي رواية سماعة (3). وللجمع بينها وجوه للاعلام: 1 - ما ذكره شيخ الطائفة (رحمه الله) من حمل رواية المنع على عذرة الانسان ورواية الجواز على عذرة البهائم مما يؤكل لحمه، واستشهد على ذلك رواية سماعة. قال في التهذيب بعد ما نقل رواية الجواز: انه ولا ينافي ذلك ما رواه يعقوب بن شعيب، لان هذا الخبر محمول على عذرة الانسان والاول محمول على عذرة البهائم، من الابل والبقر والغنم، ولا تنافي بين الخبرين، والذي يكشف عما ذكرناه رواية سماعة (4).


1 - يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثمن العذرة من السحت (التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17: 175)، مجهولة لعلي بن مسكين أو سكن. دعائم الاسلام: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع العذرة، وقال: هي ميتة (دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 71)، مرسلة. 2 - محمد بن مضارب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس ببيع العذرة (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهم الوسائل 17: 175)، حسنة لابن مضارب ان قلنا بتوثيق روات كامل الزيارة والا فهو ضعيف. 3 - عن سماعة قال: سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، قال: اني رجل أبيع العذرة فما تقول، قال: حرام بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة (التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17: 175)، موثقة. 4 - التهذيب 6: 372.

[ 82 ]

وفي المبسوط: فلا يجوز بيع العذرة والسرجين مما لا يؤكل لحمه (1)، وفي الخلاف: فالسرجين النجس محرم بالاجماع، فوجب أن يكون بيعه محرما (2). إذا عرفت مسلكه من كتبه الثلاثة فلا تغتر باطلاق كلامه في الاستبصار، (3) حيث حمل رواية الجواز على عذرة غير الادميين ورواية المنع على عذرة الناس، ثم استشهد عليه برواية سماعة، فان مراده من غير الادميين انما هو ما يؤكل لحمه فقط فلا يعم غير المأكول. وفيه اولا: انه ثبت في محله ان كون الدليل نصا في مدلوله غير كون بعض أفراده متيقنا في الارادة من الخارج على تقدير صدور الحكم، فما هو الموجب لرفع اليد عن الحكم هو الاول دون الثاني. ففي مثل الامر (4) بغسل الثوب من بول الخفاش الصريح في المحبوبية


1 - المبسوط 2: 167. 2 - الخلاف 2: 185، المسألة: 310. 3 - الاستبصار 3: 56. 4 - عن داود الرقى قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه فلا أجده، فقال: اغسل ثوبك (التهذيب 1: 265، الاستبصار 1: 188، مستطرفات السرائر: 107، عنهم الوسائل 3: 412)، مجهولة ليحيى بن عمر. تاج العروس: الخفاش - كرمان - الوطواط الذى يطير بالليل، سمى به لصغر عينيه خلقة وضعف بصره بالنهار، ومن الخواص ان دماغه ان مسح بالاخمصين هيج الباه أي شبق النكاح، وان احرق واكتحل به قلع البياض من العين وأحد البصر، ودمه ان طلى به على عانات المراهقين منع نبات الشعر، ومرارته ان مسح بها فرج المنهكه، وهى التى عسر ولادها ولدت في ساعتها، ج خفافيش، والاخفش الذى يغمض إذا نظر (تاج العروس 4: 308). وفي حياة الحيوان للدميري: الخفاش له اربعة اسماء: خفاش وخشاف وخطاف ووطواط، وليس من الطير في شئ، فانه ذو اذنين واسنان وخصيتين ومنقار، ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الانسان، ويبول كما تبول ذوات الاربع، ويرضع ولده، ومن الخواص ان طبخ رأسه في اناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورم في الجسد والربو فانه ينفعه ذلك ويبرؤه، وهو عجيب مجرب، وان ذبح في بيت واخذ قلبه واحرق فيه لم يدخله حيات و لا عقارب، ومن نتف ابطه وطلاه بدمه مع لبن اجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر وان صب من مرق الخفاش وقعد فيه صاحب الفالج انحل ما به.

[ 83 ]

والظاهر في الوجوب، وما ورد من ان بول الخفاش لا بأس به (1)، الصريح في جواز الترك والظاهر الاباحة الخاصة، برفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الاخر فيثبت الاستحباب. وأما في امثال المقام حيث لا صراحة للدليل في شئ فلا موجب للجمع المذكور، فانه تبرعي محض وخارج عن صناعة الجمع الدلالي العرفي فلا يوجب رفع التعارض بوجه، اذن فلا بد اما من طرحهما واما الرجوع الى المرجحات السندية أو الخارجية من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة. وبعبارة اخرى ان الجمع العرفي بين الدليلين بطرح ظهور كل منهما بنص الاخر انما يجري فيما كانت لكل منهما قرينة لرفع اليد عن ظهور الاخر، كالجمع بين الامر والترخيص بحمل الاول على الاستحباب والثاني على الكراهة. وهذا بخلاف ما إذا ورد النفي والاثبات على مورد واحد كما فيما نحن فيه، فانه من اوضح موارد المتعارضين.


1 - عن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف (التهذيب 1: 266، الاستبصار 1: 188، عنهما الوسائل 3: 413)، موثقة.

[ 84 ]

وثانيا: سلمنا ذلك الا أن اطلاق العذرة على مدفوعات ما يؤكل لحمه ممنوع جدا، وانما يطلق عليها لفظ الارواث أو السرقين، وهذا واضح لمن كان له انس بالعرف واللغة (1). وثالثا: سلمنا جواز الاطلاق وصحته، الا أن اخذ المتيقن من الدليلين المتنافيين لا يعد من الجموع العرفية، لعدم ابتنائه على اساس صحيح، بل لو جاز احذ المتيقن من الدليل لانسد باب حجية الظواهر ولم يجز التمسك بها، إذ ما من دليل الا وله متيقن في ارادة المتكلم، الا أن يقال بتخصيص ذلك بصورة التعارض وهو كما ترى. ورابعا: سلمنا ذلك ايضا الا أن اخذ المتيقن من دليلي الجواز والمنع لا ينحصر بما ذكر بل يجوز اخذه منهما بوجه آخر اوجه منه، بان تحمل رواية الجواز على فرض كون العذرة المبيعة يسيرة ورواية المنع على فرض كونها كثيرة، أو تحمل رواية الجواز على بلاد تعارف فيها بيع العذرة لاجل التسميد ونحوه ورواية المنع على بلاد لم يتعارف فيها بيعها أو غير ذلك. 2 - ان تحمل رواية الجواز على بلاد ينتفع بها ورواية المنع على بلاد لا ينتفع بها، وقد حكى المصنف هذا الوجه من المجلسي، ثم استبعده.


1 - في المنجد (493): العذرة الغائط، وفي المجمع (3: 398): العذرة وزان كلمة الخرو ولم يسمع التخفيف، وقد تكرر ذكرها في الحديث، وسمي فناء الدار عذرة لمكان القاء العذرة هناك. وكذلك في نهاية ابن الاثير (3: 199). وفي تاج العروس (3: 388): والعاذر هو الغائط الذي هو السلح والرجيع، والعذرة بكسر الذال المعجمة، ومنه حديث ابن عمر انه كره السلت الذي يزرع بالعذرة يريد غائط الانسان الذي يلقيه وفناء الدار.

[ 85 ]

وفيه: مضافا الى كونه جمعا تبرعيا ان امكان الانتفاع بها في مكان يكفي في صحة بيعها على وجه الاطلاق. على أنك عرفت في بيع الابوال أن غاية ما يلزم هو كون المعاملة على أمثال تلك الخبائث سفهية، ولم يقم دليل على بطلانها وصرف العمومات عنها. مع ان الظاهر من قول السائل في رواية سماعة: اني رجل أبيع العذرة، هو كونه بياع العذرة وأخذه ذلك شغلا لنفسه، وانما سئل عن حكمه الشرعي، وهذا كالصريح في كون بيع العذرة متعارفا في ذلك الزمان. ثم ان هذا الوجه وان نسبه المصنف الى المجلسي ولكن لم نجده في كتبه (1)، بل الموجود في مرآة العقول نفي البعد عن حمل رواية الجواز على الكراهة. 3 - ما احتمله السبزواري من حمل رواية المنع على الكراهة ورواية الجواز على الترخيص المطلق (2)، وقد استبعده المصنف ايضا، ولعل الوجه فيه هو ان استعمال لفظ السحت في الكراهة غير جار على المنهج الصحيح، فان السحت في اللغة عبارة عن الحرام (3)، اذن فرواية المنع آبية


1 - حكاه العلامة المجلسي في ملاذ الاخيار 10: 379 ذيل الحديث: 202 عن والده العلامة المجلسي الاول. 2 - كفاية الاحكام: 84. 3 - في المجمع (2: 204): السحت كل مال لا يحل كسبه، وفي القاموس: السحت الحرام وما خبث من المكاسب، وفي المصباح (: 267): السحت مال حرام لا يحل أكله ولاكسبه. وفي لسان العرب (2: 41): السحت كل حرام قبيح الذكر، وقيل: هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار، وقبيح الذكر كثمن الكلب والخمر والخنزير، والجمع اسحات، و السحت الحرام الذي لا يحل كسبه، لانه يسحت البركة اي يذهبها، وأسحتت تجارته خبثت و حرمت،، وأسحت: اكتسب السحت.

[ 86 ]

عن الحمل عليها. وفيه اولا: ان لفظ السحت قد استعمل في الكراهة في عدة من الروايات، فانه اطلق فيها على ثمن جلود السباع (1)، وكسب الحجام (2)، واجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن (3)، وقبول الهدية مع قضاء الحاجة (4).


1 - عن علي (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. عنه (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (دعائم الاسلام 1: 126، عنه المستدرك 13: 120)، مرسلة. 2 - عن سماعة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): السحت انواع كثيرة، منها كسب الحجام إذا شارط (الكافي 5: 127، عنه الوسائل 17: 92)، ضعيفة لمحمد بن احمد الجاموراني. ومثلها رواية اخرى لسماعة الا أنه ليست فيها جملة شرطيه ولكنها موثقة (التهذيب 6: 352، عنه الوسائل 17: 92). عن علي (عليه السلام): من السحت كسب الحجام (الجعفريات: 108، عنه المستدرك 13: 74)، ضعيفة لجهالة الكتاب. 3 - عن ابن عباس في قوله تعالى: أكالون للسحت، قال: اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن (فقه الرضا (عليه السلام): 34، عنه المستدرك 13: 116)، والاية في المائدة : 42. 4 - عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: أكالون للسحت، قال: هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته (عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2: 28، عنه الوسائل 17: 95)، قد تعرض صاحب الوسائل لاسانيد الرواية في باب اسباغ الوضوء، ولكن أكثرها من المجاهيل.

[ 87 ]

ومن الواضح جدا انه ليس شئ منها بحرام قطعا، وانما هي مكروهة فقط، وقد نص بصحة ذلك الاستعمال غير واحد من أهل اللغة (1). بل الروايات الكثيرة تصرح بجواز بيع جلود السباع (2)، واخذ الاجرة للحجام (3)، وتعليم القرآن حتى مع الاشتراط (4).


1 - في نهاية ابن الاثير (2: 345): السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه، وفي لسان العرب (2: 42): السحت يرد في الكلام على المكروه مرة وعلى الحرام اخرى، ويستدل عليه بالقرائن. 2 - منها الروايات المجوزة لبيع جلود النمر والسباع، كما سيأتي التعرض لها في بيع المسوخ. 3 - منها موثقة زرارة، قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن كسب الحجام، فقال: مكروه له أن يشارط، ولا بأس عليك ان تشارطه وتماسكه، وانما يكره له، ولا بأس عليك (الكافي 5: 116، التهذيب 6: 355، الاستبصار 3: 59، عنهم الوسائل 17: 106). لا يخفى ان ظهور الرواية في الكراهة الاصطلاحية مما لا ينكر، وان كانت هي في الاخبار اعم منها ومن الحرمة. ومنها رواية حنان بن سدير، وفيها: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد احتجم وأعطي الاجر، ولو كان حراما ما أعطاه (الكافي 5: 115، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 58، عنهم الوسائل 17: 105)، ضعيفة لسهل. وقريب منها رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (الكافي 5: 116، الفقيه 3: 97، التهذيب 6: 355، الاستبصار 3: 59، عنهم الوسائل 17: 106)، وهي ايضا ضعيفة لعمرو بن شمر. ومنها رواية قرب الاسناد: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجم وسط رأسه، حجمه أبو طيبة، وأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاعا من تمر (قرب الاسناد: 53، عنه الوسائل 17: 106)، ضعيفة لحسين بن علوان. وفي صحيح البخاري باب خراج الحجام من الاجارات 2: 122، وفي سنن البيهقي 9: 338 عن ابن عباس قال: احتجم النبي (صلى الله عليه وآله) وأعطي الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه. 4 - منها رواية الفضل بن أبي قرة، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ان هولاء يقولون: ان كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا اعداء الله، انما أرادوا ان لا يعلموا القرآن، ولو ان المعلم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلم مباحا (الكافي 5: 121، الفقيه 3: 99، التهذيب 6: 364، الاستبصار 3: 65، عنهم الوسائل 17: 154)، ضعيفة للفضل. ثم انه اخرج البيهقي في السنن الكبرى 6: 124 احاديث تدل على جواز اخذ المعلم الاجرة للتعليم، واحاديث اخرى تدل على كراهة اخذها لتعليم القرآن.

[ 88 ]

والجمع العرفي يقتضي حمل المانعة على الكراهة، وعليها فتاوى الاصحاب واجماعهم بل فتاوى اكثر العامة (1)، اذن فلا وجه للتهويل على السبزواري بان كلمة السحت غير مستعملة في الكراهة الاصطلاحية. وثانيا: لو سلمنا حجية قول اللغوي فغاية ما يترتب عليه ان حمل لفظ السحت على المكروه خلاف الظاهر ولا بأس به إذا اقتضاه الجمع بين الدليلين. لا يقال: وان صح اطلاق كلمه السحت على الكراهة كصحة اطلاقها على الحرام الا ان نسبته الى الثمن صريحة في الحرمة، فانه لا معنى لكراهة الثمن.


1 - عند الحنابلة: يصح بيع سباع البهائم، وعند الحنفية يصح بيع الاسد والفيل وسائر الحيوانات سوي الخنزير (فقه المذاهب 2: 232). كره اجر الحجام إذا اشترط (فقه المذاهب 3: 173)، وعن الحنابلة كراهة اجرة الحجام (فقه المذاهب 3: 195)، والمتأخرين من الحنفية اجازوا اخذ الاجرة على تعليم القرآن (فقه المذاهب 3: 171)، عن المالكية يجوز اخذ الاجرة على تعليم القرآن إذا عرف المعلم المتعلم (فقه المذاهب 3: 182)، وعن الشافعية تصح الاجارة على تعليم القرآن (فقه المذاهب 3: 188). ذكر النووي في شرح صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 6: 446: اختلف العلماء في اجرة الحجام، فقيل بتحريمه مطلقا، وقيل يحرم على الحر دون العبد، والاكثر على عدم الحرمة وحملوا النهي على التنزيه والارتفاع عن دنئ الكسب.

[ 89 ]

فانه يقال: ان عناية تعلق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلق الحرمة به، فارادة الثاني من كلمة السحت دون الاول مع صحة استعمالها فيهما تحتاج الى قرينة معينة. ومن هنا ذكر في لسان العرب: السحت يرد في الكلام على المكروه مرة وعلى الحرام اخرى، ويستدل عليه بالقرائن (1). غاية الامر انه إذا تعلقت الحرمة بالثمن فيستفاد من ذلك الحرمة الوضعية أعني بها فساد البيع زائدا على حرمة التصرف في الثمن بخلاف تعلق الكراهة به فانه متمحض في الدلالة على الحكم التكليفي كما في ثمن جلود السباع ونحوه. 4 - ان تحمل رواية الجواز على الجواز التكليفي، لظهور كلمة: لا بأس في ذلك، ورواية المنع على الحرمة الوضعية، فتصير النتيجة ان بيع العذرة فاسد وغير حرام. وفيه مضافا الى كونه جمعا تبرعيا ان استعمال لا بأس في الجواز التكليفي ومقابله في البأس الوضعي من الغرابة بمكان كاد أن يلحق بالاغلاط، ولم نسمع الى الان نظير ذلك الاستعمال، بل هما متمحضان لبيان الحكم الوضعي، وان كان يستفاد منهما الحكم التكليفي احيانا بالالتزام. ومن هنا ترون ان الفقهاء (رحمهم الله) يتمسكون بالامر بشئ وبالنهي عن شئ في الصلاة لاثبات الجزئية والمانعية فيها، على ان قوله (عليه السلام) في رواية سماعة: حرام بيعها وثمنها (2)، ظاهر في الحرمة التكليفية


1 - لسان العرب 2: 42. 2 - التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 56، عنهما الوسائل 17: 175.

[ 90 ]

لو لم يكن نصا فيها، فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الحرمة الوضعية. 5 - ما اختاره العلامة المامقاني (رحمه الله) وقال: الاقرب عندي حمل قوله (عليه السلام): لا بأس ببيع العذرة، على الاستفهام الانكاري، ولعل هذا مراد المحدث الكاشاني حيث قال: ولا يبعد أن يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفظ والمعنى وان كانتا واحدة في الصورة (1). وفيه: مضافا الى كونه محتاجا الى علم الغيب انه خلاف الظاهر من الرواية، فلا يجوز المصير إليه بمجرد الاحتمال. والتحقيق انه لا يجوز العمل بروايات المنع لوجهين: 1 - عدم استيفائها شرائط الحجية بنفسها: أما رواية ابن شعيب فلضعف سندها، لا للارسال كما زعمه صاحب الجواهر (2) اغترارا بارسال العلامة في المنتهى (3)، بل لجهالة علي بن مسكين أو سكن، وكذا رواية دعائم الاسلام، وتوهم انجبارهما بعمل المشهور توهم فاسد، فانه مضافا الى فساد الكبرى ان الحكم غير مختص بالعذرة بل شامل لغيرها من النجاسات. وأما رواية سماعة فهي وان كانت موثقة الا أنه لا يجوز الاعتماد عليها، اما لاجمالها لمعارضة صدرها مع ذيلها ان كانت رواية واحدة، واما للتعارض والتساقط لو كانت روايتين. ولكن يدل على التعدد من الرواية امور: الاول: اقتران كلمة قال فيها بالواو.


1 - الوافي: 10، الباب 43 من المكاسب،: 42. 2 - جواهر الكلام 22: 17. 3 - المنتهي 2: 1008.

[ 91 ]

الثاني: وضع المظهر فيها موضع المضمر، فانها لو كانت رواية واحدة لكان للامام (عليه السلام) أن يقول: ولا بأس ببيعها، بدل قوله (عليه السلام): لا بأس ببيع العذرة. الثالث: انها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة كما عرفت، اذن فلزم للسائل أن يسأل عن بيع العذرة ثانيا. فينكشف من تلك القرائن تعددها، وان سماعة لما نقل رواية المنع ألحقها برواية الجواز تفهيما للمعارضة، وعلى هذا فيحكم بالتساقط. ان قلت: ان السائل لما فهم مقصوده من القرائن الحالية أو المقالية وان لم تصل الينا ترك التعرض للسؤال، فلا يلزم من ذلك تعدد الرواية. قلت: احتمال انه فهم المراد من القرائن وان كان موجودا الا أن اصالة عدم القرينة التي من الاصول المسلمة عند العقلاء تدفع ذلك الاحتمال. ثم لو صحت رواية ابن مضارب (1)، كما هي كذلك وان رماها المجلسي بضعف السند (2)، لوجب الاخذ بها، والا فالمرجع في الجواز التكليفي هي أصالة الاباحة، وفي الجواز الوضعي هي العمومات من: اوفوا بالعقود (3)، وأحل الله البيع (4)، وتجارة عن تراض (5). 2 - انك بعد ما عرفت تعدد رواية سماعة وكونها روايتين فتنحصر الروايات هنا في طائفتين: المانعة عن بيع العذرة والمجوزة لبيعها.


1 - صحتها مبني على توثيق ابن مضارب، وهو ثقة ان قلنا بتوثيق مشايخ كامل الزيارة، و ان قلنا بعدمه - كما هو الحق وبنى عليه العلامة الخوئي (قدس سره) اخيرا - والرواية ضعيفة. 2 - مرآة العقول 3، الباب 103 جامع فيما يحل الشراء من المكاسب: 411. 3 - المائدة: 1. 4 - البقرة: 275. 5 - النساء: 29.

[ 92 ]

وعلى هذا فان أمكن الجمع بينهما باحدى الوجوه المتقدمة فنأخذ بهما، والا فلا بد من الرجوع الى المرجحات الخارجية، لتساوي روايتي سماعة من حيث المرجحات السندية، ولما كان القول بحرمة بيع العذرة مذهب العامة بأجمعهم فنأخذ بالطائفة المجوزة لبيعها. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف، حيث استبعد حمل الطائفة المانعة عن بيعها على التقية. والعجب من الفاضل المامقاني (رحمه الله) فانه وجه كلام المصنف وقال: ان مجرد كونه مذهب أكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الامام الذي صدر منه الحكم هو الجواز كما فيما نحن فيه، حيث ان الجواز فتوى ابي حنيفة المعاصر لمن صدر منه اخبار المنع، وهو الصادق (عليه السلام)، فخبر الجواز اولى بالحمل على التقية، ووجه العجب ان ابا حنيفة قد أفتى بحرمة بيع العذرة كما عرفت. وأعجب من ذلك ما نسبه إليه العلامة في التذكرة من تجويز بيع السرجين النجس، لان أهل الامصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير (1)، فانه (رحمه الله) مع اطلاعه على مذهب العامة وآرائهم كيف خفي عليه مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة. نعم لا ينكر تجويز أبي حنيفة بيع العذرة إذا اختلطت بالتراب، وبيع الزبل الذي يسمى بالسرجين، وبيع البعر للانتفاع به وجعله وقودا (2). قوله: فرواية الجواز لا يجوز الاخذ بها من وجوه لا تخفى. أقول: الوجوه المشار إليها في كلامه هي الاجماعات المنقولة


1 - التذكرة 1: 464. 2 - فقه المذاهب الاربعة 3: 232.

[ 93 ]

والشهرة الفتوائية والروايات العامة المتقدمة، وضعف سند ما يدل على الجواز، الا أنها مخدوشة بأجمعها ولا يصلح شئ منها لترجيح ما يدل على المنع: أما الاجماعات المنقولة، فليست بتعبدية، بل مدركها هي الوجوه المتقدمة، ولو كانت تعبدية لكانت حجة مستقلة، وضمها الى رواية المنع لا يزيد اعتبارها بل هي بنفسها لو كانت حجة لوجب الاخذ بها والا فضم الاجماعات إليها لا يوجب حجيتها. وأما الشهرة الفتوائية، فهي وان كانت مسلمة الا أن ابتنائها على رواية المنع ممنوع جدا، فان تلك الشهرة غير مختصة ببيع العذرة بل هي جارية في مطلق النجاسات، ولو سلمنا ابتنائها عليها لا توجب انجبار ضعف سند الرواية، على ان ما يوجب ترجيح احدي الروايتين على الاخرى عند المعارضة هي الشهرة في الرواية دون الشهرة الفتوائية. وأما الروايات العامة، فقد تقدم الكلام فيها، على ان النجاسة لم تذكر في شئ منها الا في رواية تحف العقول، والذي يستفاد منها ليس الا حرمة الانتفاع بالنجس مطلقا، وهي وان كانت مانعة عن البيع الا أنه لم يقل بها احد. وأما مانعية النجاسة من حيث هي نجاسة، فلا يستفاد من تلك الروايات ولا من غيرها، نعم لا شبهة في حرمة الانتفاعات المتوقفة على الطهارة. ومن هنا يظهر الجواب عمن ذهب الى حرمة الانتفاع بالعذرة في التسميد ونحوه، وتمسك في ذلك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، بدعوى ان التسميد ونحوه

[ 94 ]

من التصرفات فيها من وجوه الفساد، بل قد ورد في بعض الروايات جواز طرح العذرة في المزارع (1). وأما تخيل ضعف رواية الجواز من ناحية السند، ففيه اولا: انه محض اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف، وتوهم ان الاول غير موجود في كتب الرجال فاسد، فانه مضافا الى كونه مذكورا فيها ومنصوصا بحسنه انه قد اتفقت اصول الحديث على نقل رواية الجواز عنه ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف. وثانيا: ان اختصار الكليني بنقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير الى اعتبارها كما هي كذلك، لكون رواتها بين ثقات وحسان. جواز بيع الارواث الطاهرة: قوله: الاقوي جواز بيع الارواث الطاهرة. أقول: المشهور بين اصحابنا جواز بيع الارواث الطاهرة، وفي المستند يجوز الاكتساب بها مطلقا وفاقا للاكثر (2)، بل عن السيد الاجماع عليه لطهارتها وعظم الانتفاع بها فيشملها الاصل والعمومات (3). وفي الخلاف سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا ومن منع منه فانما منع لنجاسته، ويدل على ذلك بيع أهل الامصار في جميع الاعصار لزروعهم وثمارهم، ولم نجد أحدا أكره


1 - عن علي (عليه السلام) انه كان لا يري بأسا أن يطرح في المزارع العذرة (قرب الاسناد: 68، عنه الوسائل 24: 169)، ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. 2 - المستند 2: 334. 3 - لم نقف عليه في كتب السيد، لكن حكاه عنه العلامة في المنتهي 2: 1008.

[ 95 ]

ذلك ولا خلاف فيه، فوجب أن يكون جائزا (1). نعم حكم في النهاية بحرمة بيع العذرة والابوال الا بول الابل خاصة فانه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة (2)، وفي المراسم حكم بحرمة التكسب بالعذرة والبول الا بول الابل خاصة (3). وكذلك ذهبت الشافعية الى نجاسة فضلة مأكول اللحم بلا تفصيل بين الطيور وغيرها، مع ذهابهم الى عدم صحة بيع كل نجس الا إذا كان مخلوطا بشئ طاهر لا يمكن فصله منه (4). والظاهر انه لا فرق بين العذرة والارواث في جواز البيع وعدمه من جهة مدرك الحكم الا نجاسة الاولى وطهارة الثانية، فان الاخبار الخاصة الواردة في حرمة بيع العذرة لم تتم كما عرفت والاخبار العامة المتقدمة انما تدل على حرمة بيع ما يكون منهيا عن اكله، فتكون شاملة للارواث والعذرة كلتيهما، وحيث عرفت انه لا يصلح شئ من ذلك لاثبات حرمة بيع العذرة فتعرف عدم جريانه في الارواث ايضا. وأما ما في رواية تحف العقول من قوله (عليه السلام): أو شئ من وجوه النجس، فلا تدل على مانعية النجاسة عن البيع، لما عرفت في بيع الابوال ان مقتضي التعليل المذكور فيها هو كون منافع النجس بأجمعها محرمة، وأما إذا كانت له منفعة محللة فلا تدل الرواية على حرمة بيعه، اذن فلا وجه لما التزم به شيخنا الانصاري (رحمه الله) من التفريق بين العذرة والارواث.


1 - الخلاف 3: 185، المسألة: 310. 2 - نهاية الاحكام 2: 463. 3 - المراسم: 170. 4 - فقه المذاهب الاربعة 2: 232.

[ 96 ]

وأما دعوى الاجماع على التفريق بينهما، فهي دعوى جزافية للاطمينان بان مدرك المجمعين تلك الوجوه المذكورة لمنع بيع العذرة دون الارواث، والا فالاجماع التعبدي الكاشف عن رأي الحجة معلوم العدم، وقيام السيرة على جواز الانتفاع والمعاوضة لا يختص بالارواث بل يعم العذرة ايضا كشمول العمومات لهما. وما في الجواهر (1) من الاستدلال على جواز بيع الارواث فقط بخبر ابن مضارب وبذيل رواية سماعة بعد ما حملهما عليها فاسد، لما عرفت من انه لا يصح اطلاق العذرة على الارواث بوجه، وان الارواث في اللغة (2) لا تطلق الا على رجيع ذي الحافر. وقد يتوهم تحريم بيعها لاية تحريم الخبائث، بدعوى ان عموم التحريم المستفاد من الجمع المحلى باللام يشمل البيع ايضا. وفيه اولا: ما أجاب به المصنف، من ان المراد من تحريم الخبائث هو تحريم أكلها لا مطلق الانتفاعات بها. وثانيا: انه قد تقدم في بيع الابوال ان الخبيث عبارة عن مطلق ما فيه نقص ودناءة، ولو كان من قبيل الافعال ويرادف في الفارسية بلفظ: پليد، فمثل الزنا والافتراء والغيبة والنميمة وغيرها من الافعال المحرمة التي عبر عنها في قوله تعالى بالفواحش من الخبائث ايضا (3).


1 - جواهر الكلام 22: 17. 2 - في تاج العروس (1: 626) مادة راث: الروثة واحدة الروث والارواث، وقد راث الفرس وغيره، وفي المثل أحشك وتروثنى، قال ابن سيده: الروث رجيع ذى الحافر، وفي التهذيب يقال لكل ذى حافر قد راث يروث روثا، وفي المجمع (2: 255): راث الفرس يروث روثا من باب قال، والخارج روث، ومنه الحديث: نهى عن الروث، يعنى رجيع ذات الحافر. 3 - قوله تعالى: قل انما حرم ربي الفواحش (الاعراف: 31).

[ 97 ]

اذن فليس المراد من تحريم الخبائث في الاية الا بيان الكبرى الكلية من تحريم ما فيه مفسدة، وأما تشخيص الصغرى وبيان ان في هذا مفسدة أو في ذاك فخارج عن حدود الاية، والا فيلزم التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، وهو لا يجوز كما نقح في الاصول. وان ابيت الا عن اختصاصها بما يكون الطبع متنفرا عنه، فندفعه بعدم الملازمة بين تحريم الاكل وحرمة البيع، كما سبق في بيع الابوال وغيره، الا إذا كان الاكل من المنافع الظاهرة. المسألة (3) جواز بيع الدم نجسا كان أم طاهرا قوله: يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف. أقول: المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس، كما في النهاية (1) والمراسم (2) والمبسوط (3)، وفي التذكرة يشترط في المعقود عليه الطهارة الاصلية ولو باع نجس العين لم يصح اجماعا (4). وعلى هذا المنهج ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير (5)، وعن المالكية لا يصح بيع النجس، وعن الحنابلة لا يصح بيع النجس كالدم، وعن الشافعية لا يصح بيع كل نجس، وعن الحنفية لا يصح بيع الدم (6)،


1 - نهاية الاحكام 2: 463. 2 - المراسم: 170. 3 - المبسوط 2: 167. 4 - التذكرة 1: 464. 5 - شرح فتح القدير 5: 186. 6 - فقه المذاهب الاربعة 2: 231 - 232.

[ 98 ]

وفي أخبارهم ايضا شهادة على ذلك (1). إذا عرفت ذلك فاعلم ان المصنف قد فصل بين الدم النجس فحكم بحرمة المعاوضة عليه للاجماع والاخبار السابقة - اي الروايات العامة - وبين الدم الطاهر، فقد قوي جواز المعاوضة عليه إذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ ونحوه، لكونه من الاعيان التي يجوز الانتفاع بها منفعة محللة. وفيه: انه بعد اشتراكهما في حرمة الاكل وجواز الانتفاع بهما منفعة محللة كالصبغ والتسميد ونحوهما، فلا وجه للتفكيك بينهما. وأما النجاسة فقد عرفت مرارا انه لا موضوعية لها، فلا تكون فارقة بين الدم الطاهر والنجس. وأما الاخبار السابقة فمضافا الى ضعف سندها انها شاملة لهما، فلو تمت لدلت على حرمة بيعهما معا والا فلا، على ان المستفاد من رواية تحف العقول هو تحريم مطلق منافع النجس، وحينئذ فان وقفنا على ظاهرها فلازمه الافتاء بما لم يفت به احد، وان اقتصرنا على خصوص تحريم البيع فلا دليل عليه. وأما الاجماع فهو لا يختص بالمقام، وانما هو الذي ادعى قيامه على حرمة مطلق بيع النجس، ومدركه هي الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامة وغيرها، والا فليس هنا اجماع تعبدي ليكشف عن رأي المعصوم. اذن فلا دليل على حرمة بيع الدم، سواء كان نجسا ام طاهرا، لا وضعا ولا تكليفا.


1 - عن عون بن أبي جحيفة قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الدم (سنن البيهقي 6: 6، صحيح البخاري باب موكل الربا 3: 78).

[ 99 ]

وهم وازالة: وقد استدل على حرمة بيع الدم مطلقا بمرفوعة أبي يحيى الواسطي، فان فيها: نهى علي (عليه السلام) عن بيع سبعة منها الدم (1)، فتدل على ذلك وضعا وتكليفا، بعد ملاحظة انجبارها بالشهرة، بل بعدم الخلاف بين الاصحاب. وفيه اولا: انها ضعيفة السند وغير منجبرة بعمل المشهور صغرى وكبرى، والوجه في ذلك هو ما تقدم (2)، ولا انها منجبرة بعدم الخلاف، وان ذكره المامقاني (رحمه الله)، فانه على تقدير عدم كونه حجة فضمها لغير الحجة لا يفيد اعتبارها، فلا يجوز الاستدلال بها على حرمة بيع الامور المذكورة فيها، نعم إذا قلنا بشمول ادلة التسامح في السنن للمكروهات لا بأس من الالتزام بكراهة بيعها.


1 - الواسطي رفعه قال: مر امير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين، فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم والغدد، وآذان الفواد والطحال، والنخاع والخصى والقضيب، فقال له بعض القصابين: يا امير المؤمنين ما الكبد والطحال الا سواء، فقال له: كذبت يا لكع، ايتوني بتورين من ماء انبئك بخلاف ما بينهما، فاتي بكبد وطحال وتورين من ماء، شقوا الطحال من وسطه، وشقوا الكبد من وسطه، ثم امر (عليه السلام) فمر سافي الماء جميعا، فابيضت الكبد ولم ينقص شئ منه، ولم يبيض الطحال وخرج ما فيه كله وصار دما كله، حتى بقي جلد الطحال وعرقه، فقال له: هذا خلاف ما بينهما، هذا لحم وهذا دم (الكافي 6: 253، التهذيب 9: 74، الخصال : 341، عنهم الوسائل 24: 172)، مرفوعة. أقول: النخاع - مثلثة - الخيط الابيض في جوف الفقار ينحدر من الدماغ، ويتشعب منه شعب في الجسم كما في القاموس، والخصي كمدي جمع خصية، كمدية الغدد، كغرف جمع غدة، كغرفة لحم اسود يستصحب الشحم، اللكع - بضم اللام وفتح الكاف - اللئيم والاحمق، والتور اناء يشرب فيه، ومرس الشئ في الماء انقاعه وتليينه باليد. 2 - مر في البحث عن كتاب تحف العقول.

[ 100 ]

وثانيا: ان الظاهر من الدم المذكور في المرفوعة هو الدم النجس الذي تقذفه الذبيحة المسمي بالمسفوح لكثرته ومرسومية أكله في زمن الجاهلية، دون الطاهر المتخلف فيها الذي يباع بتبع اللحوم كثيرا، فانه من القلة بمكان لم يكن مورد الرغبة لاهل الجاهلية، لينجر ذلك الى أن يمر علي (عليه السلام) بالقصابين وينهاهم عن بيعه، ولعله لذلك لم يذكر الله تعالى في القرآن الا الدم المسفوح (1). اذن فالرواية لا تشمل الدم الطاهر، فلا تدل على حرمة بيعه مطلقا لكونها اخص من المدعي. ولكن يمكن أن يقال: ان تعارف أكل الدم النجس وغلبته في الخارج لا يوجب اختصاص المنع المذكور في الرواية بل يعم الدم الطاهر ايضا، ويدل على ذلك من الرواية ذكر الطحال فيها، فان الامام (عليه السلام) بين كونه من الدم، وفي رواية اخرى: لانه دم (2). الا أنه مع ذلك لا نسلم دلالة المرفوعة على أزيد من حرمة بيعه للاكل فقط تكليفا أو وضعا ايضا، كما نبه على ذلك العلامة الانصاري (رحمه الله) وقال: فالظاهر ارادة حرمة البيع للاكل، ولا شك في تحريمه لما سيجئ من ان قصد المنفعة المحرمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه وأما حرمة بيعه لغير الاكل فلا دلالة عليه من الرواية لا وضعا ولا تكليفا، والشاهد لذلك انه لا ريب في جواز بيع الامور المذكورة فيها لغير الاكل كاطعام الحيوان ونحوه.


1 - قوله تعالى: أو دما مسفوحا، الانعام 146. 2 - اسماعيل بن مرار عنهم (عليهم السلام) قال: لا يؤكل مما يكون في الابل - الى ان قال: - الطحال، لانه دم (الكافي 6: 254، التهذيب 9: 74، عنهما الوسائل 24: 172)، مجهولة لاسماعيل بن مرار.

[ 101 ]

تذكرة: ربما يتوهم أن بيع الدم لما كان اعانة على الاثم فيكون محرما لذلك (1). وفيه مضافا الى ما سيأتي من عدم الدليل على حرمتها، ان النسبة بينها وبين بيع الدم هو العموم من وجه، فانه قد يشتريه الانسان لغير الاكل كالصبغ والتسميد ونحوهما، فلا يلزم منه اعانة على الاثم بوجه، وعلى تقدير كونه اعانة على الاثم فالنهي انما تعلق بعنوان خارج عن البيع فلا يدل على الفساد. تذكرة اخرى: قد استدل العلامة المامقاني (رحمه الله) على حرمة بيعه بما دل من الكتاب (2) والسنة على تحريم الدم (3)، بضميمة قوله (عليه السلام): ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. وفيه مضافا الى ما تقدم في النبوي، ان المراد من تحريم الدم في الكتاب والسنة انما هو تحريم أكله، وقد عرفت مرارا انه لا ملازمة بينه وبين حرمة الثمن. المسألة (4) حرمة بيع المني قوله: الرابعة: لا اشكال في حرمة بيع المني. أقول: قبل التعرض لبيان جهات المسألة واحكامها لا بد وأن يعلم ان


1 - قائله المحقق الايرواني في حاشيته على المكاسب: 5. 2 - قوله تعالى: انما حرم عليكم الميتة والدم (البقرة: 169)، وقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم (المائدة: 5). 3 - الكافي 6: 253، التهذيب 9: 74، المحاسن: 471، عنهم الوسائل 24: 171.

[ 102 ]

المني انما يطلق على ما خرج من المخرج واريق، كما ذكره بعض اهل اللغة في وجه تسميته (1)، وهذا بخلاف عسيب الفحل، فان له معان عديدة. والذي يناسب منها المقام اربعة: الطروقة وماء الفحل في الاصلاب واجرة الضراب واعطاه الكراء على الضراب. فان اريد منه المعنيين الاخيرين فيكون ذلك بنفسه موردا للنهي في الروايات الناهية عنه. وان اريد المعنيين الاولين فيكون الذي في الحديث بتقدير المضاف، فالتقدير في نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عسيب الفحل انه نهى عن بيعه أو عن كرائه، وقد نص على ذلك كثير من اللغويين (2).


1 - في المصباح (: 582): المني معروف، وأمني الرجل امناء اراق منيه، وفي المجمع (1: 399): قوله تعالي: من نطفة إذا تمني، قيل: أي تدفق في الرحم، يقال: أمني الرجل يمني إذا انزل المني، ومني - كالي - موضع بمكة، فقيل: سمي به لما يمني من الدماء، أي يراق، وفي تاج العروس (10: 348): استمني طلب خروجه واستدعاه. 2 - في تاج العروس (1: 380): العسب ضراب الفحل وطرقه، أو العسب ماؤه، أي الفحل فرسا كان أو بعيرا أو نسله، يقال: قطع الله عسبه، أي ماءه ونسله، والعسب: الولد، والعسب: اعطاء الكراء على الضراب، وهو ايضا اسم للكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل، والفعل - كضرب - يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا إذا طرقها، وعسب الفحل يعسبه إذا اكراه، وهو منهي عنه في الحديث، أو ان الذي في الحديث بحذف المضاف، تقديره نهى عن كراء عسب الفحل، وانما نهى عنه للجهالة. وفي المجمع (2: 121): عسيب الفحل اجرة ضرابه، ومنه: نهى عن عسيب الفحل، وعسيب الفحل ماؤه فرسا كان أو بعيرا أو غيرهما، ولم ينه عنه، وانما اراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه للجهالة، وعن الجمهرة نهى عن عسب الفحل، أي لا يؤخذ لضرابه كراء. وعن نهاية ابن الاثير (3: 234): نهى عن عسب الفحل، عسب الفحل ماؤه، وعسبه ايضا ضرابه، وانما اراد النهي عن الكراء، وعن فائق الزمخشري: النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن عسب الفحل، أي عن كراء قرعه، والعسب القرع، والفرق بينه وبين الملاقيح ان المراد بها النطفة بعد استقرارها في الرحم، والعسب الماء قبل استقرارها. وعن المصباح (: 408): عسب الفحل الناقة عسبا من باب ضرب طرقها، وعسبت الرجل عسبا اعطيته الكراء على الضراب، ونهى عن عسب الفحل، وهو على حذف مضاف، والاصل عن كراء عسب الفحل.

[ 103 ]

ولكن الغرض فيما نحن فيه هو الكسب، كما اشير إليه في النبوي الاتي، ولعل الوجه في افراد المصنف وبعض آخر عسيب الفحل عن المني هو الفرق المذكور بينهما. ثم ان تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في ثلاث جهات: الاولى في بيع المني إذا وقع في خارج الرحم، والثانية في بيعه بعد وقوعه فيه ويسمى بالملاقيح، والثالثة في بيع ماء الفحول في اصلابها، ويسمى بعسيب الفحل. أما الجهة الاولى، فحكم المصنف بحرمة بيعه لنجاسته وعدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، وكذلك يحرم بيعه عند كل من يرى النجاسة مانعة عن البيع، ومنهم المالكية والحنابلة غير الشافعية (1)، فانهم وان ذهبوا الى مانعية النجاسة عن البيع الا أنهم يرون طهارة المني في بعض الصور (2). أما النجاسة فظهر ما في مانعيتها عن البيع من المسائل المتقدمة.


1 - فقه المذاهب الاربعة 3: 232 - 331. 2 - الشافعية قالوا بطهارة مني الادمي حيا وميتا ان خرج بعد استكمال السن تسع سنين، ولو خرج على صورة الدم إذا كان خروجه على هذه الحالة من طريقه المعتاد، والا فنجس، و قيس عليه مني خرج من حي غير آدمي، لانه اصل للحيوان الطاهر الا مني الكلب (راجع فقه المذاهب 1: 13).

[ 104 ]

وأما عدم الانتفاع به فمانعيته عنه تتوقف على امرين: الاول اثبات حرمة الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، والثاني اعتبار المالية في البيع، فبانتفاء احدهما يثبت جواز بيعه، وحيث عرفت وستعرف عدم اعتبار المالية فيه، فيحكم بجواز بيعه في هذه الصورة، على أنه لو تم ذلك لمنع عن بيعه وضعا فقط كما هو واضح. وأما الجهة الثانية، ففي التذكرة لا نعرف خلافا بين العلماء في فساد بيع الملاقيح للجهالة وعدم القدرة على التسليم (1). ولكن التحقيق أن يقال: انه ان قلنا بتبعية النماء للحيوان، كما هو الحق، فبمجرد وقوع المني في الرحم يصير ملكا لمالك الحيوان بالتبعية، لكونه جزءا منه، كما كان قبل ذلك جزءا من الفحل وملكا لمالكه بالتبع، وعلى هذا فلا يجوز بيعه لا من صاحب الانثي ولا من غيره. وان قلنا بعدم الجزئية والتبعية بل بكونه كالبذر المغروس في ارض الغير، فالظاهر جواز بيعه مطلقا، سواء كان من صاحب الانثي أو من غيره، حتى بناء على اعتبار المالية في العوضين، لكونه مالا في هذه الصورة، فتجوز المعاوضة عليه. وأما منع جواز بيعه حينئذ لنجاسته كما في المتن، فمن العجائب، كيف فانها منتفية قطعا إذا خرج من الباطن الى الباطن، على أنها لو كانت مانعة لمنعت عن بيعه لاجل المنافع التي تتوقف على عدمها لا مطلقا، على انك عرفت عدم مانعيتها عن البيع، وستعرف اعتراف المصنف بذلك في بيع الميتة، فانه قال: فمجرد النجاسة لا تصلح علة لمنع البيع لولا الاجماع على حرمة بيع الميتة.


1 - التذكرة 1: 480.

[ 105 ]

وأما الجهالة وعدم القدرة على التسليم فلا تكونان مانعتين عن بيع الملاقيح، لانها لا تختلف قيمتها باختلاف الكم والكيف، وان تسليم كل شئ بحسب حاله، وهو في المني وقوعه في الرحم، فهو حاصل على الفرض. وبعبارة اخرى: ان الجهالة وعدم القدرة على التسليم انما تمنعان عن البيع لاجل الغرر المنهي عنه في البيع، كما يأتي في البيع الغرري، ففي بيع الملاقيح ليس غرر، لا من ناحية الجهالة ولا من ناحية عدم القدرة على التسليم. ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية من العقلاء والمتشرعة قائمة على تبعية النتاج للامهات في الحيوانات، وقد أمضاها الشارع، فلا يمكن التخطي عنها، كما ان الولد للفراش في الانسان بالنص والاجماع القطعيين. ومن هنا يعاملون مع نتاج الحيوانات معاملة الملك حتى مع العلم بان اللقاح حصل من فحل شخص آخر، والا فكان اللازم عليهم اما رد النتاج الى صاحب الفحل ان كان معلوما أو المعاملة معه معاملة مجهول المالك ان كان المالك مجهولا، وهذا شئ لا يتفوه به ذومسكة. وأما دعوى الاجماع التعبدي على البطلان، فدعوى جزافية بعد العلم ولا اقل من الاحتمال بكونه مستندا الى الوجوه المذكورة، لبطلان بيع الملاقيح، وقياس ذلك بالبذر المغروس في ارض الغير باطل بعد قيام الدليل على الفرق. وأما الجهة الثالثة، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في حرمة بيع عسيب الفحل. قال في التذكرة بعد كلامه المتقدم في الجهة الثانية: يحرم بيع عسيب

[ 106 ]

الفحل، وهو نطفته، لانه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور عليه، ولا نعلم فيه خلافا (1). وقال في الخلاف: اجارة الفحل للضراب مكروه وليس بمحظور وعقد الاجارة عليه غير فاسد، ثم ادعي الاجماع على الكراهة (2). وفي المستند حكم بكراهة اجرة الضراب وحمل عليها الاخبار الناهية عنها للاجماع (3)، وهكذا وقع الخلاف في ذلك بين العامة (4).


1 - التذكرة 1: 480. 2 - الخلاف 3: 180. 3 - المستند 2: 330. 4 - في الخلاف (3: 180): قال مالك: يجوز ولم يكرهه، وقال أبو حنيفة والشافعي: ان الاجارة فاسدة والاجرة محظورة. وفي فقه المذاهب (3: 169) عن الحنفية: وأما الاعيان التي لا يصح استئجارها باتفاق، فمنها نزو الذكور من الحيوانات على أناثها، فلا يحل لاحد أن يؤجر ثوره ليحبل بقرة غيره، ولا يؤجر حماره ليحبل حمارة الغير، وهكذا، لان احبال الحيوان غير مقدور عليه فلا يصح تأجيره. وفي فقه المذاهب (3: 194) عن الحنابلة: ومن الاشياء التي لا تصح اجارتها ذكور الحيوانات التي تستأجر لاحبال انثاها، فلا يحل استئجار ثور ليحبل بقرة، ولا جملا ليحبل ناقة، وهكذا، لان المقصود من ذلك انما هو منيه، وهو محرم لا قيمة له، فلا يصح الاستئجار عليه. وفي سبل السلام للصنعاني (2: 329) عن ابن عمر قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عسب الفحل، وفيه وفيما قبله دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب، والاجرة حرام، وذهبت جماعة من السلف الى انه يجوز ذلك الا أنه يستأجره للضراب مدة معلومة أو تكون الضرابات معلومة، وحملوا النهي على التنزيه، وهو خلاف اصله. وفي المبسوط لمحمد الشيباني (15: 83): المراد بعسب التيس اخذ المال على الضراب، وهو انزاء الفحول على الاناث، وذلك حرام. وفي المبسوط لمحمد الشيباني (16: 41): إذا استأجر فحلا لينزيه لم يجز.

[ 107 ]

ثم ان تحقيق هذه الجهة يقع في مقامين: الاول من حيث القواعد، والثاني بحسب الروايات: أما الاول، فقد استدل على بطلان المعاملة على عسيب الفحل بالبيع أو بالاجارة بوجوه: 1 - بجهالته، وفيه: انه لم يرد نص ولا انعقد اجماع على اعتبار العلم بعوضي المعاملة ليلزم من جهالتهما بطلانها، بل انما نعتبر ذلك فيها من جهة الغرر المرتفع بالعلم بالطروقة والاجتماع، فان الغرض من المعاملة على عسيب الفحل هو ذلك. 2 - بعدم القدرة على التسليم بدعوى ان احبال الحيوان غير مقدور عليه، فلا تصح الاجارة عليه، لان ذلك ليس في وسعه والموجود في اصلاب الفحول ايضا غير مقدور على تسليمه فلا يصح بيعه. وفيه: ان اعتبار ذلك في المعاملة ايضا من جهة الغرر، فحيث كان النظر في ذلك الى الطروقة والاجتماع فيرتفع الغرر عنها، فان تسليم كل شئ بحسبه كما عرفت في الجهة الثانية. 3 - بعدم كون ما في اصلاب الفحول مالا لكونه ماء مهينا لا قيمة له فيكون العقد عليه باطلا. وفيه مضافا الى عدم اعتبار المالية في عوضي المعاملة، ان قوامها انما هو باعتبار العقلاء ورغبتهم، فلا شبهة في ترتب الغرض المهم على ما في اصلاب الفحول، على أنه لو تم شئ من تلك الوجوه لدل على الحرمة الوضعية دون التكليفية. وأما توهم مانعية النجاسة عنها هنا لتكون دليلا على الحرمة التكليفية فمما لا يصغي إليه، فانه مع تسليم مانعيتها عن المعاملة فلا دليل على نجاسة ما في الاصلاب.

[ 108 ]

وأما المقام الثاني: فالروايات الواردة هنا على طائفتين: الاولى (1): تدل على حرمة بيع عسيب الدابة واكرائها على الضراب، وان ثمن ذلك سحت، ويدل عليه بعض الروايات من طرق العامة ايضا (2)، الثانية (3): تدل على جواز اكراء التيوس ونفي البأس عن أخذ اجورها.


1 - في حديث: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن خصال تسعة: عن عسيب الدابة، يعني كسب الفحل، وعن خاتم الذهب، وعن لبوس ثياب القسي، وهي ثياب ينسج بالشام (الخصال: 417، عنه الوسائل 17: 96)، ضعيفة لابي الخطاب راشد المنقري وأبي عروبة. روي انه: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عسيب الفحل، وهو أجر الضراب (الفقيه 3: 105، عنه الوسائل 7: 11)، مرسلة. عن علي 7 انه قال: من السحت ثمن اللقاح، وعسب الفحل، وجلود السباع (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. روي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن عسب الفحل (دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 76)، مرسلة. 2 - عن ابن عمر انه قال: نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن عسب الفحل (صحيح البخاري، باب عسب الفحل من الاجارات 3: 123). عن جابر قال: نهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع ضراب الجمل (سبل السلام 2: 328). عن أبي نعيم، عن بعض اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): ان رسول الله نهى عن عسب التيس (المبسوط للشيباني 15: 83). عن أبي هريرة: نهى عن عسب الفحل (السنن الكبرى للبيهقي 6: 6). 3 - حنان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد الله 7 ومعنا فرقد الحجام، فقال له: ان لي تيسا أكريه فما تقول في كسبه، قال: كل من كسبه فانه لك حلال (الكافي 5: 115، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 58، عنهم الوسائل 17: 111)، ضعيفة لسهل بن زياد. معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: أجر التيوس، قال: ان كانت العرب لتعاير به ولا بأس (الكافي 5: 115، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 58، عنهم الوسائل 17: 111)، موثقة.

[ 109 ]

فمقتضى الجمع بينهما هو حمل الطائفة الاولى المانعة على الكراهة، ولا يمنع عن ذلك اطلاق السحت على ثمن عسيب الفحل في رواية الجعفريات، فانك قد عرفت في بيع العذرة اطلاقه على الكراهة الاصطلاحية في مواضع شتى. لا يقال: ان النبوي ورواية الجعفريات بنفسهما ظاهرتان في الكراهة المصطلحة، لاشتمالهما على ما ليس بمحرم قطعا، فانه ذكر المنع في الجعفريات عن بيع جلود السباع وأجر القاري، مع انهما ليسا بمحرمين جزما، وفي النبوي نهى عن لبس ثياب ينسج بالشام مع عدم ثبوت حرمته، على أن النبوي كمرسلة الصدوق ودعائم الاسلام والمنقول من طرق العامة ضعيفة السند. فانه يقال: ان ثبوت الترخيص في بعض الامور المذكورة فيهما بدليل خارجي لا يوجب ثبوته في غيره، كيف وقد ثبت في الشريعة المقدسة استحباب بعض الاغسال كغسل الجمعة والعيدين وغيرهما، مع انها ذكرت في جملة من الروايات في عداد الاغسال الواجبة، كغسل الجنابة والميت ومس الميت (1). نعم لم تثبت من تلك الروايات المانعة الا وثاقة رواية الجعفريات (2)، على أن النهي عن بيع عسيب الفحل في النبوي لا يوجب حرمة المعاملة وضعا بل التكسب به حرام تكليفا، والشاهد على ذلك ان في الرواية نهى عما هو حرام بذاته مثل ثمن الكلب، وما هو حرام بالعرض مثل خاتم الذهب، فانه ليس بذاته من المحرمات بل لبسه والتختم به حرام.


1 - عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله 7 قال: ان الغسل في أربعة عشر موطنا: غسل الميت، وغسل الجنب، وغسل مس الميت، وغسل الجمعة والعيدين - الخبر (الخصال 2: 498، عنه الوسائل 3: 306). 2 - يأتي في البحث عن جواز المعاوضة على الدهن المتنجس جهالة الكتاب.

[ 110 ]

ثم لا وجه لحمل الطائفة المانعة على التقية، لما عرفت من كون المسألة محل الخلاف بين العامة ايضا. المسألة (5) جواز الانتفاع بالميتة وحرمة بيعها قوله: يحرم المعاوضة على الميتة. أقول: تحرير هذه المسألة في مقامين، وقد خلط المصنف بينهما، الاول في جواز الانتفاع بالميتة، والثاني في حرمة بيعها، وتقديم الاول للبحث عنه اولى من تقديم الثاني، وان عكسه المصنف. أما المقام الاول: فان مقتضى الاصل الاولى هو جواز الانتفاع بالميتة، الا أن المشهور انما هي حرمة الانتفاع بها. ففي النهاية: بيع الميتة والتصرف فيها والتكسب بها حرام (1)، وفي المراسم: التصرف في الميتة ببيع وغيره حرام (2)، وفي الجواهر: لا يجوز الانتفاع بشئ من الميتة مما تحله الحياة فضلا عن التكسب (3)، وعليه فتاوى اكثر العامة (4).


1 - نهاية الاحكام 2: 464. 2 - المراسم: 171. 3 - جواهر الكلام 22: 16. 4 - في شرح فتح القدير (5: 203) منع عن بيع جلود اللميتة قبل ان تدبغ، لانها غير منتفع بها، وتمسك في ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله): لا تنتفعوا من الميتة باهاب. وفي سبل السلام (2: 317) نسب الى الاكثر انه لا ينتفع من الميتة بشئ الا بجلدها إذا دبغ، ثم حكم بحرمة بيعها لتحريمها.

[ 111 ]

ثم ان المهم هنا صرف عنان الكلام الى الروايات الخاصة الواردة في ذلك، وهي على طائفتين: الاولى تدل على حرمة الانتفاع بالميتة، والثانية على جواز الانتفاع بها. أما الطائفة الاولى، فهي متظافرة: منها: مكاتبة قاسم الصيقل، فانه سأل الامام (عليه السلام) عن جواز جعل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فكتب (عليه السلام): فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس (1)، فان مفهومها يدل على حرمة الانتفاع بجلود غير الذكي. وفيه مضافا الى ضعف سندها، ان مناط المنع فيها عن عمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة ليس الا من جهة اصابتها الثوب الذي يصلي فيه السائل، ومن هنا أمره الرضا (عليه السلام) بأن يتخذ ثوبا لصلاته، وأما اصل الانتفاع بها بعمل الاغماد منها فهو مسكوت عنه، فيبقى تحت اصالة الاباحة. بل يمكن أن يقال: ان الرواية تدل على جواز الانتفاع بالميتة، وذلك لان السؤال فيها انما وقع عن أمرين: أحدهما عمل الاغماد من جلود الحمر الميتة، والثاني اصابتها الثوب، فجوابه (عليه السلام) عن الثاني دون الاول ليس الا تقريرا لجواز الانتفاع بالميتة، والا فكان سكوته عنه مع كونه في مقام البيان مخلا بالمقصود. ومن هنا يعلم الوجه في قول أبي جعفر الثاني (عليه السلام): فان كان ما تعمل


1 - قال: كتبت الى الرضا (عليه السلام) اني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي، فاصلي فيها، فكتب 7 الى: اتخذ ثوبا لصلاتك، فكتبت الى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) - الخ، فكتب (عليه السلام): فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس (الكافي 3: 407، التهذيب 2: 358، عنهما الوسائل 3: 462)، ضعيفة لقاسم ومعلي البصري.

[ 112 ]

وحشيا ذكيا فلا بأس، اذن فلا بد من جعلها من جملة ما يدل على جواز الانتفاع بها دون العكس. ومنها: رواية الوشاء، فانه (عليه السلام) قد منع فيها عن استصباح الاليات المبانة من الغنم الحي (1)، فانه يستلزم اصابتها اليد والثوب، وهو حرام. وفيه: انه لما لم يكن اصابة اليد والثوب للميتة وسائر النجاسات بل تلويث تمام البدن بهما حراما قطعا، فلا بد اما من أخذ التحريم في قوله (عليه السلام): وهو حرام، ارشادا الى النجاسة، كما في الحدائق (2)، أو الى المانعية عن الصلاة، أو الى صورة المعاملة معها معاملة المذكى، بل عدم تعرضه (عليه السلام) لحكم الانتفاع بها بالاستصباح المسئول عنه وتصديه لبيان نجاستها أو مانعيتها عن الصلاة أدل دليل على جواز الانتفاع بها دون العكس. سلمنا ذلك، ولكن لا بد من الاقتصار فيها على موردها، أعني صورة اصابتها اليد والثوب، الا أن يتمسك في غير موردها بعدم القول بالفصل. نعم وفي دلالة الروايات المروية عن الكاهلي (3) وعلي بن المغيرة (4)


1 - الحسن الوشاء قال: سألت أبا الحسن 7 فقلت: جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها، فقال: حرام هي - في الوافي: هي ميت - فقلت: جعلت فداك فيستصبح بها، فقال: أما علمت انه يصيب اليد والثوب، وهو حرام (الكافي 6: 255، التهذيب 9: 77، عنهما الوسائل 24: 72 - 178)، ضعيفة لمعلي البصري. المراد بالحرام الاول هو الحرام الاصطلاحي. 2 - الحدائق 18: 73. 3 - سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وكنت عنده يوما عن قطع اليات الغنم - الى ان قال (عليه السلام): - ان في كتاب علي (عليه السلام): ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به (الكافي 6: 254، الفقيه 3: 209، التهذيب 9: 78، عنهم الوسائل 24: 71)، ضعيفة لسهل بن زياد. 4 - قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ، فقال: لا - الخبر (الكافي 6: 259، التهذيب 25: 204، 3: 39، عنهم الوسائل 3: 502)، موثقة.

[ 113 ]

والجرجاني (1) وسماعة (2) وغيرها (3) على حرمة الانتفاع بالميتة غني وكفاية، وقد ذكر ذلك في احاديث اهل السنة ايضا (4). وأما الطائفة الثانية، فهي ايضا كثيرة مستفيضة: منها: روايتي الصيقل والوشاء المتقدمتين. ومنها: رواية أبي القاسم الصيقل وولده (5).


1 - عن أبي الحسن 7 قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا، فكتب (عليه السلام): لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب - الخبر (الكافي 6: 258، التهذيب 9: 76، الاستبصار 4: 89، عنهم الوسائل 24: 181)، ضعيفة لمختار بن محمد بن المختار. وفي القاموس: الاهاب - ككتاب - الجلد أو ما لم يدبغ، ج آهبة، وفيه ايضا: العصب - محركة - اطناب المفاصل، وعصب اللحم - كفرح - كثر عصبه. 2 - قال: سألته عن جلود السباع أينتفع بها، فقال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا (التهذيب 9: 79، عنه الوسائل 3: 489)، موثقة. 3 - في عوالي اللئالي: صح عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال: لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب (عوالي اللئالي 1: 42، عنه المستدرك 16: 191)، مرسلة. عن علي 7 قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عظم ولاعصب (دعائم الاسلام 1: 126، عنه المستدرك 16: 192)، مرسلة. 4 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب، وفي رواية اخرى ان لا تستمتعوا (السنن الكبرى للبيهقي 1: 14 - 15. واخرج ايضا احاديث اخر تدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدبغ، وذلك لذهابهم الى طهارتها به. 5 - قال: كتبوا الى الرجل (عليه السلام): جعلنا الله فداك، انا قوم نعمل السيوف، وليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، وانما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير الاهلية، لا يجوز في اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها، ومسها بأيدينا وثيابنا، ونحن نصلي في ثيابنا، ونحن محتاجون الى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها، فكتب (عليه السلام): اجعلوا ثوبا للصلاة (التهذيب 6: 376، عنه الوسائل 17: 173)، مجهولة لابي القاسم الصيقل.

[ 114 ]

وقد ظهر وجه الاستدلال بها من رواية الصيقل المتقدمة، على أن اصرار السائل في هذه الرواية على الجواب بقوله: ونحن محتاجون الى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها، أدل دليل على جواز الانتفاع بالميتة، فان سكوته (عليه السلام) عن حكم المسألة مع اصرار السائل على الجواب تقرير على ذلك بلا ارتياب. ومنها: رواية البزنطي (1) التي تدل على جواز الاستصباح بما قطع من اليات الغنم. ومنها: ما عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (2)، فانه كان يلبس الفرو المجلوب من العراق وينزعه وقت الصلاة، ففعله هذا يدل على جواز الانتفاع بالميتة الا فيما يكون مشروطا بالطهارة، والوجه في كون ذلك الفرو العراقي من جلود الميتة هو نزعه في الصلاة.


1 - عن البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من الياتها، وهي احياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع، قال: نعم يذيبها ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها (مستطرفات آخر السرائر: 55 نقلا عن جامع البزنطي، قرب الاسناد: 115، عنهما الوسائل 17: 98)، موثقة. 2 - عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء، فقال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز، لان دباغتها بالقرظ، فكان يبعث الى العراق فيؤتي مما قبلهم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقي القميص الذي تحته الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك فقال: ان اهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته (الكافي 3: 397، التهذيب 2: 203، عنهما الوسائل 3: 502)، ضعيفة لمحمد بن سليمان الديلمي. في القاموس: صرد - كفرح - وجد البرد سريعا، وفيه ايضا: الدفو - بالكسر ويحرك - نقيض حدة البرد، وأدفاه ألبسه الدفاء، وفيه ايضا: القرظ - محركة - ورق السلم، وأديم مقروظ دبغ به.

[ 115 ]

الا أن يقال: ان لبسه سلام الله عليه انما كان في مورد الاخذ من يد المسلم، ومعه يحكم بالتذكية وعدم كون الجلد من الميتة، اذن فلا مانع من الصلاة فيه فضلا عن لبسه في غيرها، فلا مناص من حمل فعله (عليه السلام) على الاحتياط من جهة عدم اقتران صلاته التي هي معراج المؤمن بلبس الميتة الواقعية، وعليه فلا تبقي للرواية دلالة على جواز الانتفاع بالميتة في نفسها. الا أن يقال: ان الاحتياط انما يجري في حق من كان جاهلا بالاحكام الواقعية والموضوعات الخارجية، وأما العالمين بالواقعيات بل بحقايق الاشياء والامور الكائنة والعوالم الكونية فلا يجري الاحتياط في حقهم كالائمة المعصومين (عليهم السلام). على أن العمل بالاحتياط يقتضي ان لا يلبسه في غير حال الصلاة ايضا، فان الانتفاع بالميتة لو كان حراما فانما هو حرام واقعي تكليفي فلا يختص بحال الصلاة فقط، نعم ان ما يختص بالصلاة هي الحرمة الوضعية وانها تبطل إذا وقعت في الميتة. الا أن يتوهم ان عمدة غرضه (عليه السلام) من ذلك الاحتياط هو انحفاظ صلاته عن احتمال البطلان، وأما الاحتياط في غير حال الصلاة فليس بمحط لنظره (عليه السلام). ولكنه مما لا يمكن التفوه به في حق الملتزم بالشرع من غير المعصومين (عليهم السلام)، فكيف ممن كان معدن العصمة. الا أن الذي يسهل الخطب ان الرواية ضعيفة السند، فلا تكون قابلة للبحث عن دلالتها على المطلوب وعدمها.

[ 116 ]

ومنها: رواية سماعة (1)، فانها تدل على جواز الانتفاع بالكيمخت، وهو جلد الميتة إذا كان مملوحا. إذا عرفت هاتين الطائفتين، المانعة عن جواز الانتفاع بالميتة والمجوزة له، فتعرف وقوع المعارضة بينهما، وبما ان هذه الروايات المجوزة لذلك صريحة في جواز الانتفاع بها في غير ما اشترطت فيه التذكية، فنرفع اليد بها عن ظهور تلك الروايات المانعة، فتقيد بغير ذلك وبصورة الانتفاع بها مثل المذكي، أو تحمل الطائفة المانعة على الكراهة كما هو مقتضي الجمع العرفي بين الدليلين المتنافيين. ويدل على الوجه الاول من الطائفة المرخصة خبر أبي القاسم الصيقل، فان فيه قرر الامام (عليه السلام) جواز الانتفاع بجلود الميتة في غير الصلاة، حيث أمر السائل باتخاذ الثوب لصلاته. وأما دعوى اختصاص موارد الطائفة المجوزة بالجلود والاليات، فهي دعوى جزافية، لعدم القول بالفصل في أجزاء الميتة قطعا. تلويح: قد توهم بعضهم حملها على التقية، لتخيل ذهاب العامة الى جواز الانتفاع بها. وفيه: انك عرفت في اول المسألة تصريح بعضهم بذهاب اكثرهم الى حرمة الانتفاع بالميتة حتى بجلودها قبل الدبغ، وقد ورد ذلك في اخبارهم ايضا، كما عرفت عند التعرض للطائفة المانعة، ومن هنا منعوا عن بيع الميتة وجلودها قبل الدبغ.


1 - عن سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح، وهو الكيمخت، فرخص فيه - الخبر (التهذيب 9: 78، الاستبصار 4: 190، عنهما الوسائل 24: 186)، موثقة.

[ 117 ]

وايضا عللوا (1) حرمة بيع الميتة بانعدام ركن البيع فيه الذي هو مبادلة مال بمال، بدعوى انها لا تعد مالا عند من له دين سماوي، فلو كان الانتفاع بها جائزا عندهم لما تفوهوا بذلك التعليل العليل، لدوران مالية الاشياء وجودا وعدما مدار جواز الانتفاع بها وحرمته. تلويح آخر: قال المحقق الايرواني (رحمه الله): وأحسن جمع بينها وبين الطائفة المانعة عن الانتفاع حمل المانعة على صورة التلويث (2). وفيه: انك قد عرفت عند التكلم في رواية الوشاء ان تلويث اليد بل تلويث جميع البدن بالنجاسات ليس من المحرمات، اذن فلا وجه لحمل الطائفة المانعة على صورة التلويث. وأما ما تخيله بعضهم من تخصيص المجوزة بالاجزاء التي لا تحلها الحياة كالصوف والقرن والانفحة والناب والحافر وغيرها من كل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكى، وحمل المانعة على غيرها، فهو تخيل فاسد، وذلك لان صدق الميتة ممنوع جدا، على أن هذا الجمع مناف لصراحة ما يدل على جواز الانتفاع بها كما عرفت. المقام الثاني: المشهور بل المجمع عليه بين الخاصة والعامة هي حرمة بيع الميتة وضعا وتكليفا. قال في المستند: حرمة بيعها وشرائها والتكسب بها اجماعي (3)،


1 - راجع شرح فتح القدير 5: 186. 2 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 5. 3 - المستند 2: 333.

[ 118 ]

وكذلك في التذكرة (1)، بل في رهن الخلاف انها لا تملك (2)، وقد تقدم في المقام الاول تحريم بيعها من النهاية والمراسم والجواهر، وشرح فتح القدير وسبل السلام. وفي الفقه على المذاهب المالكية قالوا: لا يصح بيع النجس كعظم الميتة وجلدها ولو دبغ لانه لا يطهر بالدبغ، والحنابلة قالوا: لا يصح بيع الميتة ولا بيع شئ منها، وكذلك عند الشافعية والحنفية (3). والذي استدل أو يمكن الاستدلال به على هذا الرأي وجوه: 1 - قيام الاجماع على ذلك كما سمعته عن بعضهم. وفيه: لو سلمنا قيام الاجماع المحصل في المقام أو حجية المنقول منه فلا نسلم كونه تعبديا محضا وكاشفا عن رأي الحجة (عليه السلام)، أو عن دليل معتبر، للاحتمال بل الاطمينان بأن مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة لعدم جواز بيعها وبيع كل نجس، كما عرفت في المسائل المتقدمة. 2 - دعوى حرمة الانتفاع بها، فانها تستلزم سلب المالية عنها المعتبرة في العوضين بالاجماع، اذن فتدخل المعاملة عليها تحت عموم النهي عن أكل المال بالباطل. وفيه: انه بعد ما أثبتنا في المقام الاول جواز الانتفاع بها، وعرفت في بيع الابوال، وستعرف في اول البيع عدم اعتبار المالية في العوضين وكفاية الاغراض الشخصية العقلائية في صدق المالية على تقدير اعتبارها، لكون تلك الاغراض موجبة لخروج المعاملة من السفهائية، مع


1 - التذكرة 1: 464. 2 - الخلاف 3: 240، المسألة: 34. 3 - الفقه على المذاهب الاربعة 2: 231.

[ 119 ]

عدم الدليل على بطلانها، فلا وجه لهذا التوهم، وأما عموم آية النهي عن اكل المال بالباطل، فغير شامل لشرائط العوضين، لكونها ناظرة الى بيان اسباب التجارة، كما تقدم في بيع الابوال. 3 - انه قامت الضرورة من المسلمين على نجاسة ميتة ما له نفس سائلة وبيع النجس محظور. وفيه: انها وان ذكرت في رواية تحف العقول، ولكن مضافا الى ما تقدم فيها من الوهن، انها لا تدل الا على حرمة بيع الميتة النجسة، والمدعي اعم من ذلك، وقد اعترف المصنف هنا بعدم مانعية النجاسة عن البيع على خلاف ما تكرر منه سابقا من جعلها مانعة عنه، وقال: فمجرد النجاسة لا تصلح علة لمنع البيع لولا الاجماع على حرمة بيع الميتة. 4 - الروايات العامة المتقدمة. وفيه: انها وان كانت تدل على حرمة بيعها، ولكنها لمكان ضعف أسانيدها لا تفي بالمقصود كما عرفت. 5 - الروايات الخاصة الواردة في المسألة: منها: رواية البزنطي المذكورة في المقام الاول، فان الامام (عليه السلام) وان رخص فيها الانتفاع بالميتة ولكنه (عليه السلام) منع فيها ايضا عن بيعها بقوله: ولا يبيعها (1).


1 - عن البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من الياتها، وهي احياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع، قال: نعم يذيبها ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها (مستطرفات آخر السرائر: 55 نقلا عن جامع البزنطي، قرب الاسناد: 115، عنهما الوسائل 17: 98)، موثقة.

[ 120 ]

ومنها: روايات السكوني (1) والصدوق (2) والجعفريات (3)، فان جميعها تدل على أن ثمن الميتة من السحت فيكون بيعها فاسدا. ومنها: رواية علي بن جعفر، حيث سأل أخاه (عليه السلام) عن بيع جلود ميتة الماشية ولبسها، وقال (عليه السلام): لا ولو لبسها فلا يصل فيها (4)، فان الظاهر ان المنع فيها راجع الى البيع واللبس، ولكنه (عليه السلام) بين المانعية عن الصلاة زائدا على المنع في نفسه. وقد ورد النهي عن بيع الميتة في بعض روايات العامة ايضا (5). وفيه: ان هذه الروايات وان كانت ظاهرة في المنع عن بيعها، ولكنها معارضة مع ما هو صريح في الجواز، كمكاتبة الصيقل المتقدمة، فان فيها


1 - علي بن ابراهيم عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: السحت ثمن الميتة - الخبر (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، الخصال: 329، تفسير القمي 1: 170، عنهما الوسائل 17: 93)، موثقة للسكوني. 2 - عنه (عليه السلام) انه قال: ثمن الميتة سحت (الفقيه 3: 105)، مرسلة. وباسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: يا علي من السحت ثمن الميتة (الفقيه 4: 262، تفسير العياشس 1: 322، عنهما الوسائل 17: 94). قال المحدث النوري في خاتمة المستدرك: رجال سند هذه الوصية مجاهيل لا طريق الى الحكم بصحتها واعتبارها من جهته. 3 - عن علي (عليه السلام) قال: من السحت ثمن الميتة - الحديث (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. ثم الظاهر ان هذه الروايات الاربع كلها روايات واحدة مروية عن علي (عليه السلام) بطرق متعددة. 4 - قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها، قال: لا، ولو لبسها فلا يصل فيها (قرب الاسناد: 115، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 139، عنهما الوسائل 17: 96)، مجهولة لعبد الله بن الحسن. 5 - عن جابر: سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عام الفتح وهو بمكة: ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة - الحديث (سنن البيهقي 6: 12، صحيح البخاري باب بيع الميتة).

[ 121 ]

قرر الامام (عليه السلام) اسئلتهم عن جواز بيع الميتة من جلود الحمير والبغال وشرائها ومسها، فلولا جوازها لكان تقريره (عليه السلام) لتلك الاسئلة وسكوته عن بيان حكمها اغراء بالجهل وتأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وبضميمة عدم القول بالفصل بين مورد المكاتبة وغيره يتم المطلوب. ويؤيد ذلك فعل علي بن الحسين (عليهما السلام)، حيث كان يبعث الى العراق ويجلب الفرو منهم، فان الظاهر انه (عليه السلام) كان يأخذ ذلك منهم بالشراء، الا أن يقال: ان مقتضي السوق ويد المسلم هي التذكية. وكيف كان فلا بد في رفع المعارضة بينهما، اما من طرح المانعة لموافقتها مع العامة، لاتفاقهم على بطلان بيع الميتة، كما عرفت في اول المسألة، واما من حملها على الكراهة برفع اليد عن ظهورها بما هو صريح في الجواز، أو على صورة البيع ليعامل معها المذكي إذا بيعت بغير اعلام. وان ابيت عن هذه المحامل كلها، فلا بد من الحكم اما بالتخيير فنختار ما يدل على الجواز، واما بالتساقط فيرجع الى العمومات والاطلاقات ويحكم بصحة بيعها. لا يقال: ان تقرير الامام (عليه السلام) اسئلتهم عن الامور المذكورة وان كان لا ينكر الا أنه لاجل اضطرارهم الى جعل أغماد السيوف من جلود الميتة من الحمير والبغال مع عدم وجود معيشة لهم من غير ذلك العمل كما يصرح بذلك ما في سؤالهم: لا يجوز في أعمالنا غيرها، ولا ريب ان الضرورات تبيح المحظورات، اذن فلا دلالة في المكاتبة على جواز بيعها في غير حال الاضطرار. فانه يقال: لا منشأ لهذا الكلام الا توهم ارجاع ضمير غيرها في قول السائل: لا يجوز في أعمالنا غيرها، الى جلود الميتة، ولكنه فاسد،

[ 122 ]

اذلا خصوصية لها حتى لا يمكن جعل الاغماد من غيرها، بل مرجع الضمير انما هي جلود الحمير والبغال، سواء كانت من الميتة ام من الذكي. ويدل على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية القاسم الصيقل: فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس، إذ لو كانت لجلود الحمر الميتة خصوصية في جعل الاغماد منها لكان هذا الجواب لغوا. نقد ودفع: قد اشكل المصنف على الرواية بوجهين: 1 - ان الجواب لا ظهور فيه في الجواز الا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية. وفيه اولا: ان التقية في المكاتبات وان كانت كثيرة، لكونها معرضا لها من جهة البقاء، ولكنها في خصوص هذه الرواية غير محتملة لورودها على غير جهة التقية، لذهاب أهل السنة بأجمعهم الى بطلان بيع الميتة كما عرفت. وأعجب من ذلك تشكيكه في كاشفية التقرير عن الرضا، وفي كونه من الحجج الشرعية، مع انه كسائر الامارات مشمول لادلة الحجية. وثانيا: ان فعلية التقية انما هي بفعلية موضوعها، وأما مجرد الاحتمال فغير قابل لان يكون موضوعا لها وسببا لرفع اليد عن الادلة الشرعية، نعم إذا صارت فعلية وجب رفع اليد عما يخالفها مكاتبة كان ام غيرها. 2 - ان مورد السؤال فيها عمل السيوف وبيعها وشراؤها لا خصوص الغلاف مستقلا ولا في ضمن السيف، على أن يكون جزءا من الثمن في مقابل عين الجلد، فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمدا للسيف، وهو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال، وقد تبعه

[ 123 ]

بعض وقال لكن مع احتمال كون المبيع هو السيف والغلاف تابع له بنحو الشرط. وفيه: ان هذا من الغرائب، فان منشأ ذلك حسبان أن الضمائر في قول السائل: فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا، الى السيوف، ولكنه فاسد، فانه لا وجه لان يشتري السياف سيوفا من غيره، كما لا وجه لسؤاله عن مسها، واصراره بالجواب عن كلما سأله، بل هذه الضمائر انما ترجع الى جلود الحمر والبغال ميتة كانت ام غيرها، كما يظهر ذلك لمن يلاحظ الرواية. مع ان من المستبعد جدا، بل من المستحيل عادة أن يجدوا جلود الميتة من الحمير والبغال بمقدار يكون وافيا بشغلهم بلا شرائها من الغير، على أن مقتضي ذلك هي حرمة بيع الغلاف مستقلا، مع انه فاسد، إذ ربما تكون قيمة الغلاف أكثر من السيف، فكيف يحكم بالتبعية دائما، نعم تبعية مثل الجل والمسامير للفرس، والجدران في بيع الفرس والدار من الوضوح بمكان. وربما ترمي الرواية بالتقية لذهاب العامة الى جواز بيع جلود الميتة بعد الدبغ لطهارتها به (1)، وأما قبل الدبغ فلا تصلح للاغماد. وفيه اولا: ان أمره (عليه السلام) بأن يجعلوا ثوبا لصلاتهم على خلاف التقية. وثانيا: لو كانت الرواية موردا للتقية لكان الاليق أن يجاب بحرمة البيع والشراء، ويدفع محذور التقية عند الابتلاء بها بارادة حرمة بيعها قبل الدبغ، فان فيه بيان الحكم الواقعي مع ملاحظة التقية.


1 - ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) في جلد الميتة، قال: ان دباغه قد ذهب بخبثه أو رجسه أو نجسه (سنن البيهقي 1: 17)، وفي رواية اخرى: دباغها طهورها (سنن البيهقي 1: 16). في احاديث كثيرة: فدبغوه فانتفعوا به، أي بجلد الميتة.

[ 124 ]

وثالثا: ان الرواية خالية عن كون البيع أو الشراء بعد الدبغ لتحمل عليها ومجرد عدم صلاحية الجلود للغلاف قبل الدبغ لا يوجب تقييدها لامكان دبغها عند جعلها غمدا، اذن فالرواية ايضا على خلاف التقية. وأما توهم ان الاخبار المانعة تشتمل على كلمة السحت التي تأبى عن حملها على الكراهة، فهو توهم فاسد، لما مر في بيع العذرة، من ان اطلاق السحت على المكروه في الروايات واللغة كثير جدا. هذا كله مع قصر النظر على المكاتبة، ولكنها ضعيفة السند، فلا تقاوم الروايات المانعة، لان فيها رواية الجعفريات، وهي موثقة (1). اذن فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة واجزائها التي تحلها الحياة، الا أن يتمسك في تجويز بيعها بحسنة الحلبي وصحيحته الواردتين في بيع الميتة المختلطة بالمذكي ممن يستحلها، فانهما بعد الغاء خصوصيتي الاختلاط والمستحل تدلان على جواز بيعها مطلقا، الا أن الجزم بذلك مشكل جدا، فلا مناص من اختصاص جواز البيع بالمستحل كما سيأتي. حكم بيع المذكى المختلط بالميتة: قوله: انه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمة الى المذكى. أقول: تارة تمتاز الميتة من المذكى واخرى لا تمتاز: أما الصورة الاولى فلا اشكال في جواز البيع وصحته بالنسبة الى غير الميتة، سواء كانت ممتازة عند المتبايعين ام عند المشتري فقط، لعدم ترتب الاثر على علم البايع وجهله، وأما بالنسبة الى الميتة، فيجري فيها جميع ما تقدم في بيعها منفردة، لان انضمام الميتة الى المذكي لا يغير حكمها.


1 - يأتي في البحث عن جواز بيع الدهن المتنجس جهالة الكتاب وضعفه.

[ 125 ]

نعم بناء على حرمة بيعها يكون المقام من مصاديق بيع ما يجوز وما لا يجوز، فيقسط الثمن بالنسبة اليهما، ويحكم بالصحة فيما يجوز وبالفساد فيما لا يجوز، ولا خيار للمشتري بالنسبة الى ما يجوز لاجل تبعض الصفقة لعلمه بالحال كما هو المفروض. وأما الصورة الثانية، فهي محل الكلام ومورد النقض والابرام، وتحقيقها في مقامين: الاول من حيث القواعد العامة، والثاني من حيث الروايات الخاصة الواردة في خصوص ذلك. المقام الاول: ان كان المدرك في حرمة بيع الميتة منفردة هي النصوص والاجماعات، فلا شبهة في انهما لا تشملان صورة الاختلاط، لانه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكي حتى مع تسليمها الى المشتري لكونه مقدمة لاقباض المبيع، وعلى هذا فلا وجه لما ذهب إليه المصنف من المنع على الاطلاق، بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، نعم لا يجوز أن ينتفع بهما فيما كان مشروطا بالطهارة والتذكية. وان كان المدرك في المنع هي حرمة الانتفاع بالميتة، لكونها في نظر الشارع مسلوب المالية نظير الخمر والخنزير، وقلنا بتنجيز العلم الاجمالي، فغاية ما يترتب عليه هو عدم جواز بيعهما من شخص واحد للعلم الاجمالي بوجود ما لا يجوز الانتفاع به فيهما، فان العلم الاجمالي يوجب وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، اذن فيجري هنا ما جرى في الميتة المعلومة تفصيلا من الاحكام التكليفية والوضعية. وأما بيعهما من شخصين فلا بأس فيه، لان حرمة الانتفاع لم تثبت الا على الميتة المعلومة اما اجمالا أو تفصيلا على سبيل منع الخلو، وإذا

[ 126 ]

انتفى أحد العلمين انتفت حرمة الانتفاع ايضا، فلم يبق في البين الا الاحتمال فيندفع بالاصل، فان هذا نظير انعدام احد المشتبهين أو خروجه عن محل الابتلاء الموجب لسقوط العلم الاجمالي عن التأثير. قوله: فأكل المال بازائه أكل المال بالباطل. أقول: قد عرفت ما فيه في بيع الابوال. قوله: وجوز بعضهم البيع بقصد بيع المذكي. أقول: قد عرفت ان هذا هو الصحيح، بناء على أن المانع عن بيع الميتة هو الاجماع أو النص، فيبيعهما بقصد المذكي ثم يسلمهما الى المشتري فينتفع بهما في غير ما يشترط فيه التذكية، نعم لو كان المانع هي حرمة الانتفاع فيجري فيه ما ذكرناه. قوله: وجواز ارتكاب أحدهما. أقول: لا دخل للقول بجواز ارتكاب أحدهما في جواز البيع بقصد المذكي، فانه بناء على هذا المنهج يجوز بيع أحدهما معينا ايضا، لو كان المانع عن البيع عدم جواز انتفاع المشتري، إذ المفروض حينئذ جواز انتفاع كل شخص بما يشتريه، نعم بناء على كون المانع من بيع الميتة هو النص أو الاجماع لا يصح البيع الا بقصد المذكي كما عرفت. قوله: لكن لا ينبغي القول به في المقام. أقول: قد منع المصنف عن جواز بيع أحد المختلطين حتى مع القول بأنه يجوز ارتكاب أحد المشتبهين وعدم تنجيز العلم الاجمالي، وذلك لاصالة عدم التذكية الجارية في اللحوم، فانها أصل موضوعي حاكم في سائر الاصول من اصالتي الحل والطهارة. وفيه: ان اصالة عدم التذكية لا تثبت الميتة التي هي أمر وجودي الاعلى القول بالاصول المثبتة.

[ 127 ]

لا يقال: ان الميتة عبارة عما لم تلحقه الذكاة، كما في القاموس، اذن فلا شبهة في ثبوتها بالاصل بلا أن يلزم منه المحذور المذكور. فانه يقال: ان الاصل المذكور وان كان متكفلا لاثبات ذلك العنوان الا أنه أمر يغاير الميتة ويلازمها وليس متحدا معها، لانها في عرف الشرع واللغة (1) اما عبارة عما مات حتف انفه. واما عبارة عما فارقته الروح بغير ذكاء شرعية وعلى هيئة غير مشروعة، اما في الفاعل أو في المفعول، فلا يثبت شئ منهما بأصالة عدم التذكية الا على القول بحجية الاصل المثبت، فالمحذور في محله، وأما ما في القاموس فأمر لم تثبت صحته، وكذلك ما عن أبي عمرو، من انها ما لم تدرك تذكيته. المقام الثاني: الروايات الواردة هنا على طائفتين: أما الطائفة الاولى فتدل على حرمة بيع المذكى المختلط بالميتة وحرمة الانتفاع بهما، بل يرمى بهما الى الكلاب (2). وفيه أولا: ان الرمي بهما الى الكلاب كناية عن حرمة الانتفاع بهما


1 - في تاج العروس (1: 587): عن أبي عمرو: الميتة ما لم تدرك تذكيته، وقال النووي في تهذيب الاسماء واللغات: قال اهل اللغة والفقهاء: الميتة ما فارقته الروح بغير ذكاة، وفي المصباح (584): المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف انفه أو قتل على هيئة غير مشروعة، اما في الفاعل أو في المفعول، وفي مفردات الراغب (476): والميتة من الحيوان ما زال روحه بغير تذكية. 2 - عن علي (عليه السلام) انه سئل عن شاة مسلوخة واخرى مذبوحة عن عمي على الراعي أو على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة، قال: يرمى بهما جميعا الى الكلاب (الجعفريات: 27، عنه المستدرك 13: 73)، ضعيفة لجهالة الكتاب.

[ 128 ]

على نحو الانتفاع بالمذكي، كما حملنا على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية الوشاء المتقدمة: أما علمت انه يصيب اليد والثوب وهو حرام، والا فلا مناص من الالتزام بالوجوب النفسي للرمي، وهو بديهي البطلان، إذ عمدة ما يكون النظر ومورد الرغبة من الميتة هو جلدها، وليس هذا مما تأكله الكلاب. وهذا نظير في بيع الدراهم المغشوشة، من أمره (عليه السلام) بكسر درهم من طبقتين طبقة من نحاس ومن فضة، فان المراد بذلك ليس الا اعدام الهيئة الدرهمية لئلا يعامل عليها معاملة الدراهم، والا فكسر الدرهم المغشوش ليس من الواجبات النفسية كالصوم والصلاة. ومن هذا القبيل ايضا أمره (عليه السلام) باراقة الانائين المشتبهين، وباراقة المرق المتنجس، كما سيأتي في الانتفاع بالمتنجس. وثانيا: ان حرمة الانتفاع بهما بحسب أنفسهما لا ينافي جواز بيعهما ممن هو في حكم الكلب أو اضل سبيلا. ويؤيده ما ورد في بعض الروايات من اطعام المرق المتنجس اهل الذمة أو الكلاب (1)، فانه (عليه السلام) قد جعل سبيلهما واحدا، وأما غير الذمي فهو مثله بل اولى. وثالثا: لو أغمضنا عن جميع ما ذكرناه فغاية ما يستفاد من الرواية ليس الا حرمة الانتفاع بكلا المختلطين لوجود الميتة فيهما، فتكون مما تدل على حرمة الانتفاع بهما، وقد تقدم الكلام في ذلك.


1 - زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلاب - الحديث (التهذيب 1: 279، عنه الوسائل 3: 470)، مهملة للحسن المبارك.

[ 129 ]

وأما الطائفة الثانية، فهي تدل على جواز بيع المذكي المختلط بالميتة ممن يستحلها (1)، وبهما نرفع اليد عن ظاهر رواية الجعفريات، لو سلم لها ظهور في حرمة البيع على الاطلاق. بل يمكن أن يقال: ان تخصيص الحكم بالمستحل ليس الا لعدم رغبة غيره اليهما فيكونان مسلوبي المالية، خصوصا إذا لم يكن المراد بالمستحل الا مستحل الاكل فقط كما هو الظاهر دون مستحل البيع وان كان يحرم اكله. وأما إذا وجد من يرغب اليهما وينتفع بهما في غير ما اعتبرت فيه التذكية والطهارة كمن يشتريهما لينتفع بهما في مثل التسميد أو سد الساقية أو يصرفهما في أكل السباع والطيور، أو كان المشتري ممن لا يبالي بأكل الميتة كفساق المسلمين، فيجوز بيعهما من غير المستحل ايضا، الا أن الجزم بذلك مشكل جدا، فلا مناص من تخصيص جواز البيع بالمستحل. نعم لا يبعد القول بجواز بيع الميتة منفردة ومع التميز من المستحل ايضا، ضرورة ان الاختلاط والاشتباه لا دخل له في الجواز، وعليه فيخصص بهاتين الروايتين ما دل على حرمة بيع الميتة على الاطلاق.


1 - الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه (الكافي 6: 260، عنه الوسائل 17: 99)، موثقة. عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة، ثم ان الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع، قال: يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه، فانه لا بأس به (الكافي 6: 260، مسائل علي بن جعفر: 109، عنهما الوسائل 17: 100)، حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 130 ]

قوله: وعن العلامة (1) حمل الخبرين على جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه. أقول: يرد عليه اولا: ان النسبة بين الكافر المستحل وبين ما يجوز استنقاذ ماله عموم من وجه، فانه قد يكون المستحل ممن لا يجوز استنقاذ ماله الا بالاسباب الشرعية كالذمي، وقد يكون غير المستحل ممن يجوز استنقاذ ماله. وثانيا: انه لم يكن في مكان صدور تلك الاخبار وزمانه كافر حربي يجوز استنقاذ ماله، فانها انما صدرت من الصادق (عليه السلام) في الكوفة، فكانت هي ونواحيها في ذلك الوقت خالية عن الحربيين، لدخول غير المسلمين فيها بأجمعهم تحت الذمة والامان. قوله: ويمكن حملهما على صورة قصد البايع المسلم اجزائها التي لا تحلها الحياة. أقول: الظاهر ان هذا الرأي انما نشأ من عدم ملاحظة الروايتين، فانه مضافا الى اطلاقهما وعدم وجود ما يصلح لتقييدهما ان الحسنة انما اشتملت على اختلاط المذكي بالميتة من الغنم والبقر، فبديهي انه ليس في البقر من الاجزاء التي لا تحلها الحياة شئ ليمكن الانتفاع به حتى يتوهم حمل الروايتين على ذلك. قوله: والرواية شاذة. أقول: لا يضر شذوذها بحجيتها بعد فرض صحتها، والاجماع المحصل على حرمة التصرف في الميتة غير ثابت، والمنقول منه مع تصريح جماعة من الفقهاء بالجواز غير حجة، وأما دعوى معارضتها بما دل على المنع، فقد عرفت الحال فيها.


1 - المختلف: 683.

[ 131 ]

قوله: يرجع الى عموم ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة. أقول: قد تقدم حمل الروايات المانعة على صورة الانتفاع بها كالمذكي بقرينة الروايات المجوزة أو على الكراهة. ازاحة وهم: ربما يتخيل الغافل انه بناء على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالاصول، كما هو الحق والمشهور، يكون بيع المذكي المختلط بالميتة اعانة على الاثم، فهي محرمة (1). وفيه مضافا الى منع كون المقام من صغريات الاعانة على الاثم ومنع قيام الدليل على حرمتها لو كان منها، وانما هو كبيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يعلم انه يجعلها خمرا الذي لا شبهة في جوازه كما سيأتي، انه لا ريب في جواز مثل هذا النحو من الاعانة على الاثم، والا فلم يجز سقي الكافر ايضا لتنجس الماء بمجرد مباشرته اياه ببشرته فيحرم عليه شربه فيكون سقيه اعانة عليه، مع انه لم يقل احد بحرمته من جهة الاعانة على الاثم. كيف وقد ورد جواز ابراد الكبد الحرى (2) وجواز تصدق غير النسك


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 5. 2 - ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان الله يحب ابراد الكبد الحرى، ومن سقي كبدا حرى من بهيمة أو غيرها أظله الله يوم لا ظل الا ظله (الكافي 4: 58، الفقيه 2: 36، عنهما الوسائل 9: 473)، موثقة، مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام): أفضل الصدقة ابراد كبد حرى (الكافي 4: 57، التهذيب 4: 110، عنهما الوسائل 9: 472)، ضعيفة لعبد الله. في القاموس مادة حر: الحران العطشان، والانثي الحرى مثل عطشي.

[ 132 ]

والزكاة على اهل الذمة (1)، وجواز سقي النصراني (2). وايضا مقتضي ذلك التوهم تحريم بيع المأكولات والمشروبات من الكفار، ولا يلزم من تكليف الكفار بالاجتناب عن المأكولات والمشروبات لتنجسها بالمباشرة تكليف بما لا يطاق، فان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. خلاف بداهة: عن اول الشهيدين في الدروس احتمال الرجوع في المقام الى ما ورد في اللحم الغير المعلوم كونه ذكيا أو ميتا، من انه يطرح على النار، فكلما انقبض فهو ذكى وكلما انبسط فهو ميت (3). وفيه مضافا الى ضعف السند فيه، ان ذلك على خلاف البداهة من الوجدان، فان من المقطوع انه لا تأثير لانقباض اللحم ولا لانبساطه إذا طرح على النار في وقوع الذكاة عليه وعدم وقوعها،، اذن فرد علمه الى اهله طريق الاحتياط وسبيل النجاة، وان ادعى الشهيد (رحمه الله) قيام الشهرة القريبة من الاجماع على العمل به في مورده.


1 - اسحاق بن عمار عن جعفر، عن ابيه (عليهما السلام): ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ولا تصدقوا بشئ من نسككم الا على المسلمين، وتصدقوا بما سواه غير الزكاة على اهل الذمة (التهذيب 9: 67، عنه الوسائل 9: 410)، موثقة. 2 - وفي رواية اخرى أمر (عليه السلام) بسقي نصراني من قبيلة الفراسين عند ضعفه من العطش (الكافي 4: 57، عنه الوسائل 9: 409). 3 - اسماعيل بن عمر عن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل دخل قرية فأصاب بها لحما لم يدر أذكي هو ام ميت، قال: يطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، وكلما انبسط فهو ميت، (الكافي 6: 261، التهذيب 9: 48، عنهما الوسائل 24: 188)، ضعيفة لاسماعيل. محمد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): وإذا وجدت لحما ولم تعلم أذكي هو ام ميتة فألق قطعة منه على النار، فان انقبض فهو ذكي، وان استرخى على النار فهو ميتة (الفقيه 3: 207، عنه الوسائل 24: 189)، مرسلة.

[ 133 ]

جواز بيع ميتة ما ليس له دم سائل: قوله: الثاني: ان الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها. أقول: المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة (1) بل الاجماع على جواز المعاوضة على ميتة غير ذي النفس السائلة وقد ذهب الى ذلك اكثر العامة، وان كان قد يظهر من بعضهم الاخر خلافه (2). وما ذهب إليه المشهور هو الوجيه، فان المقتضي لجواز بيعها اعني الانتفاع بها بالمنافع المحللة موجود، خصوصا في بعضه اقسامها كالسمك، فان دهنه من المنافع المهمة المقصودة للعقلاء والمانع عنه مفقود، لعدم ما يصلح للمانعية عن المعاوضة على الميتة الظاهرة وضعا وتكليفا. اذن فلا مانع من التمسك بالعمومات لاثبات صحتها، بل يمكن التمسك بها حتى مع الشك في وجود المنافع فيها، لما عرفته مرارا وستعرفه من عدم اعتبار المالية في المعاوضات. وتوهم ان بيعها ممن يعلم البايع انه يأكلها اعانة على الاثم فيكون حراما توهم فاسد، فانها كبيع التمر والعنب والعصير ممن يجعلها خمرا وسيأتي جوازه وورود الاخبار عليه، وان صدق عليه عنوان الاعانة على الاثم.


1 - مفتاح الكرامة 4: 19، الحدائق الناضرة 18: 77، جواهر الكلام 22: 17. 2 - الشافعية قالوا بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة الا ميتة الجراد (فقه المذاهب 1: 10)، ان كل نجس لا يصح بيعه فلا يصح بيعها عندهم (2: 232)، وأما غير الشافعية ذهبوا الى طهارة ميتة الحيوان الذي ليس له دم سائل يسيل عند جرحه (1: 10)، وقيدوا الميتة التي لا يصح بيعها بالنجاسة فيصح بيعها عندهم (2: 231).

[ 134 ]

وأما الروايات الخاصة التي تدل على حرمة بيع الميتة، فلا ريب في ظهورها بل صراحة بعضها في الميتة النجسة، وأما الروايات العامة المتقدمة فمضافا الى ما تقدم فيها ان الشهرة بل الاجماع على خلافها هنا، فلا يكون ضعفها منجبرا بعمل الاصحاب. المسألة (6) حرمة التكسب بالكلب الهراش والخنزير قوله: يحرم التكسب بالكلب الهراش والخنزير البريين اجماعا. أقول: وجه التقييد بالبريين هو ان المشهور والمختار عنده طهارة البحريين منهما، واستدل على ذلك في كتاب الطهارة في مسألة نجاسة الكلب بصحيحة ابن الحجاج (1)، بل الظاهر انهما من اقسام السمك الغير المأكول، فيكونان خارجين عما نحن فيه تخصصا. ثم ان تحرير البحث هنا يقع في جهتين: الجهة الاولى: في بيع الكلب الهراش (2): الظاهر بل المجمع عليه بين اصحابنا حرمة بيعه وكون ثمنه سحتا. قال في التذكرة (3): الكلب ان كان عقورا حرم بيعه عند علمائنا بل عند


1 - قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل وأنا عنده عن جلود الخز، فقال: ليس لها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك انها في بلادي وانما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء، فقال الرجل: لا، قال: لا بأس (الكافي 6: 451، علل الشرايع: 357، عنهما الوسائل 4: 362)، موثقة. 2 - في القاموس: هرش - كفرح - ساء خلقه، والتهريش التحريش بين الكلاب والافساد بين الناس. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 464.

[ 135 ]

اكثر العامة (1) لا يصح بيع الكلب مطلقا ولو كان كلب صيد. وتدل على حرمة بيعه الروايات المتظافرة (2)، الا أن اكثرها ضعيفة السند، وجملة منها وان كانت مطلقة تشمل جميع اقسام الكلاب، ولكنها مقيدة بالاخبار الاتية في جواز بيع كلب الصيد التي هي صريحة في جواز بيع الصيود منها، وعلى هذا المنوال روايات العامة على كثرتها (3).


1 - عن المالكية: لا يصح بيع الكلب مع كونه طاهرا، سواء كان كلب صيد أو حراسة أو غيرهما، وعن الحنابلة: لا يصح بيعه مطلقا، وكذلك عن الشافعية، واما عن الحنفية: ويصح بيع كلب الصيد والحراسة (الفقه على المذاهب الاربعة 2: 231)، وعن بعض المالكية يكره اكل الكلب (المصدر 2: 4). 2 - السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، الخصال: 329، تفسير القمي 1: 170، عنهم الوسائل 17: 93)، موثقة للسكوني. الحسن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: وثمن الكلب سحت (الكافي 5: 127، عنه الوسائل 17: 92)، ضعيفة لسهل بن زياد. جراح المدايني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ونهى عن ثمن الكلب (التهذيب 7: 136، عنه الوسائل 17: 119)، ضعيفة لقاسم بن سليمان. في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): من السحت ثمن الكلب (الفقيه 4: 262، تفسير العياشي 1: 322، عنهما الوسائل 17: 94)، مجهولة. عن علي (عليه السلام): من السحت ثمن الكلب (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه نهى عن ثمن الكلب العقور (دعائم الاسلام 2: 19، عنه المستدرك 13: 89)، مرسلة. الى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المتفرقة من الكتب العديدة. 3 - روي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الكلب (صحيح البخاري آخر البيوع 3: 110. عن أبي هريرة: نهى عن ثمن الكلب الا كلب صيد (سنن البيهقي 6: 6).

[ 136 ]

وعليه فدعوى الاجماع التعبدي على حرمة بيعه في غير محله، لانه ان كان المراد بالحرمة هي الحرمة الوضعية فهي وان كانت مسلمة ولكن المدرك لها ليس الا تلك الاخبار المتكثرة، فيحكم بفساد بيعها لاجلها لا للاجماع التعبدي. وان كان المراد بها هي الحرمة التكليفية، ففيه ان الظاهر هو انحصار معقد الاجماع بالحرمة الوضعية، بل يكفينا الشك في ذلك لكونه دليلا لبيا لا يؤخذ منه الا المقدار المتيقن. الجهة الثانية: في بيع الخنزير: المشهور بل المجمع عليه بين الخاصة والعامة (1) هو عدم جواز بيعه، قال في التذكرة: ولو باع نجس العين كالخنزير لم يصح اجماعا (2). ثم ان الروايات الواردة في هذه المسألة على طائفتين: الاولى: ما دل على حرمة بيعه وضعا وتكليفا: منها: قوله (عليه السلام) في رواية قرب الاسناد في نصرانيين باع أحدهما الخنزير الى اجل ثم أسلما: انما له الثمن فلا بأس أن يأخذه (3)، فان مفهومه ان غير اخذ الثمن لا يجوز له بعد الاسلام.


1 - في فقه المذاهب الاربعة (2: 231) حكي عن المذاهب الاربعة اجماعهم على بطلان بيع الخنزير، وفي شرح فتح القدير (5: 186): بيع الخنزير فاسد. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 466. 3 - علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين نصرانيين، باع أحدهما خمرا أو خنزيرا الى أجل، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحل له ثمنه بعد الاسلام، قال: انما له الثمن فلا بأس أن يأخذه (قرب الاسناد: 115، عنه الوسائل 17: 234)، مجهولة لعبد الله بن الحسن. ورواه علي بن جعفر في كتابه (مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 134، عنه الوسائل 17: 234)، اذن فهي موثقة.

[ 137 ]

وعليه فيستفاد من الرواية امران: الاول حرمة بيع الخنزير بعد الاسلام والا لكان الحصر فيها لغوا، والثاني صحة المعاملة عليه قبل الاسلام والا لكان اخذ ثمنه بعد الاسلام حراما واكلا للمال بالباطل. ومنها: روايتي الجعفريات ودعائم الاسلام (1)، حيث جعل الامام (عليه السلام) ثمن الخنزير فيهما من السحت. ومنها: جملة من الروايات الدالة على حرمة بيعه (2)، بل في بعضها نهى عن امساكه (3)، وقد ذكر ذلك في احاديث اهل السنة ايضا (4). والثانية: ما دل على صحة بيع الخنزير وضعا (5)، بدعوى انها صريحة


1 - الجعفريات: 180، دعائم الاسلام 2: 18، عنهما المستدرك 13: 71. 2 - معاوية بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين، هل يبيع خمره وخنازيره فيقضي دينه، فقال: لا (الكافي 5: 231، عنه الوسائل 17: 227)، ضعيفة لمعاوية. ومثلها رواية ابن أبي عمير عن الرضا (عليه السلام) (الكافي 5: 232، عنه الوسائل 17: 227)، الا أنها مرسلة. 3 - اسماعيل بن مرار عن يونس في مجوسي باع خمرا أو خنازير الى أجل مسمي ثم أسلم قبل أن يحل المال، قال: له دراهمه، وقال: ان اسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكه وعليه دين، قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره وخنازيره، ويقضي دينه، وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه (الكافي 5: 232، التهذيب 7: 138، عنهما الوسائل 17: 227)، مجهولة لاسماعيل. 4 - جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله حرم بيع الخنزير. أبو هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله حرم الخنزير وثمنه (سنن البيهقي 6: 12، وصحيح البخاري باب بيع الميتة 3: 110.) 5 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل كانت له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنازير وهو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به، أما للمقتضي فحلال، وأما للبائع فحرام (الكافي 5: 231، عنه الوسائل 17: 232)، حسنة لابراهيم بن هاشم. عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله بطرق صحيحة (التهذيب 7: 137، عنه الوسائل 17: 232). زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمرا وخنزيرا ثم يقضي عنها، قال: لا بأس - أو قال خذها (الكافي 5: 232، عنه الوسائل 17: 232)، حسنة لابراهيم. عن الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر والخنازير فيقضينا، فقال: لا بأس به ليس عليك من ذلك شئ (التهذيب 7: 137، عنه الوسائل 17: 233)، مجهولة لقاسم بن محمد. عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا وخنازير يأخذ ثمنه؟ قال: لا بأس به (التهذيب 7: 137، عنه الوسائل 17: 233)، ضعيفة لعبد الله بن بحر.

[ 138 ]

في جواز استيفاء الدين من ثمن الخنزير، فلازم ذلك هو نفوذ بيعه وضعا وان كان للبايع حراما تكليفا، والا فيلزم استيفاء الدين من مال الغير، فهو حرام لكونه اكلا للمال بالباطل. ومن هنا يظهر الوجه في دلالة قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم: اما للمقتضي فحلال واما للبايع فحرام، على صحة بيع الخنزير وضعا وحرمته تكليفا. وجمع بينهما في الوسائل (1) بحمل المجوزة على فرض كون البايع ذميا، واستشهد عليه بموثقة منصور (2)، لدلالتها على جواز خصوص بيع الذمي الخنزير، فتكون مقيدة لما يدل على جواز بيعه مطلقا.


1 - الوسائل 17: 233. 2 - عن منصور قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر فيحل لي اخذها، فقال: انما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك (الكافي 5: 232، عنه الوسائل 17: 232)، موثقة.

[ 139 ]

وفيه: ان حمل المطلق على المقيد وان كان من المسلمات الا أنه فيما كان بينهما تناف وتعاند، نظير اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة، ولو لم يكن بينهما تناف كما في المقام فلا وجه لذلك الحمل. والصحيح أن يقال: ان الظاهر من خبر منصور، ومن قوله (عليه السلام) في رواية قرب الاسناد: انما له الثمن فلا بأس ان ليأخذه (1)، ومن رواية عمار بن موسى (2) هو جواز بيع الذمي الخنزير قبل الاسلام، فيقيد بها ما يدل على حرمة بيعه مطلقا، اذن فتنقلب النسبة وتصير المانعة اخص من المجوزة ومقيدة لها، وعليه فلا يجوز لغير الذمي بيع الخنزير. وقد اتضح مما ذكرناه حكم بيع الخمر ايضا، لانها مذكورة في الاخبار المتقدمة مع الخنزير. ثم انه استدل غير واحد من الاعاظم على حرمة بيعه بالاخبار العامة المذكورة في اول الكتاب، وقد عرفت ما فيها من ضعف السند والدلالة. ثم لا ينقضي العجب من المصنف حيث اقتصر في الاستدلال على حرمة بيع الخنزير بالاجماع فقط، ولم يتعرض للروايات، وهو اعرف بالحال.


1 - علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين نصرانيين، باع أحدهما خمرا أو خنزيرا الى أجل، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحل له ثمنه بعد الاسلام، قال: انما له الثمن فلا بأس أن يأخذه (قرب الاسناد: 115، عنه الوسائل 17: 234)، مجهولة لعبد الله بن الحسن. ورواه علي بن جعفر في كتابه (مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 134، عنه الوسائل 17: 234)، اذن فهي موثقة. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن رجلين نصرانيين باع احدهما من صاحبه خمرا أو خنازير ثم اسلما قبل أن يقبض الدراهم هل تحل له الدراهم، قال: لا بأس (التهذيب 9: 116)، موثقة.

[ 140 ]

قوله: وكذلك أجزائهما. أقول: ظاهر النصوص والاجماعات انما تمنعان عن بيع الكلب والخنزير بوصفهما العنواني وبصورتهما النوعية التي بها شيئية الاشياء في دار تحققها وصقع تكونها، وبما ان الاحكام الشرعية انما تترتب على الموضوعات العرفية فلا مانع من شمول المنع للميتة منهما، لصدق عنوان الكلب والخنزير عليها ولو بالمسامحة العرفية، اذن فتكون المعاملة عليها ايضا حراما. وأما اجزائهما فلا شبهة في انه لا يصدق عليها عنوان الكلب والخنزير، لا بالدقة العقليه ولا بالمسامحة العرفية، وعليه فان كانت مما تحله الحياة شملتها أدلة حرمة بيع الميتة لصدقها عليها وان جاز الانتفاع بها في غير ما هو مشروط بالطهارة والتذكية. وان كانت مما لا تحله الحياة كالشعر ونحوه فحرمة البيع والانتفاع هنا متوقفة على مانعية النجاسة عنهما، إذ من الواضح جدا ان نجاسة الكلب والخنزير لا تختض بما تحله الحياة فقط، وحيث علمت انها لا تصلح للمانعية عن البيع ولا عن الانتفاع فلا مانع عن بيعها للعمومات، ولا عن الانتفاع بها بالمنافع المحللة لاصالة الاباحة. ومن هنا أفتى بعضهم بجواز بيع شعر الخنزير والانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة، وان منع عن بيعه بعض فقهاء العامة (1) لانه نجس العين، فلا يجوز بيعه اهانة له، نعم بناء على طهارة الخنزير كما ذهب إليه المالك (2) يجوز بيع شعره لعدم نجاسته المانعة عنه.


1 - شرح فتح القدير 5: 202. 2 - فقه المذاهب الاربعة (1: 11): المالكية قالوا: كل حي طاهر العين ولو كلبا أو خنزيرا، ومعه نقل في فقه المذاهب (2: 231) عن المالكية حرمة بيع النجس ومثله بالخمر والخنزير.

[ 141 ]

على أنه ورد في جملة من الاحاديث (1) جواز الانتفاع بشعر الخنزير في غير ما هو مشروط بالطهارة، وعلى هذا فهو من الاموال عند الشارع ايضا. المسألة (7) حرمة التكسب بالخمر وكل مسكر مايع قوله: يحرم التكسب بالخمر وكل مسكر مايع والفقاع اجماعا نصا وفتوي. أقول: قد قامت الضرورة من المسلمين (2)، وأطبقت الروايات من


1 - زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير، قال: إذا فرغ فليغسل يده (التهذيب 6: 382)، موثقة. برد الاسكاف قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل به، فقال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقي ثلثاه، ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة، فان جمد فلا تعمل به وان لم يجمد فليس له دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة (التهذيب 6: 386)، ضعيفة لبرد. في القاموس: الفخارة - كجبانة - الجرة ج الفخار. برد الاسكاف قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اني رجل خزاز ولا يستقيم عملنا الا بشعر الخنزير نخزز به، قال: خذ منه وبره فاجعلها في فخارة ثم اوقد تحتها حتى يذهب دسمها ثم اعمل به (الفقيه 3: 220)، ضعيفة لبرد. 2 - أما عند الخاصة فواضح، وأما عند العامة ففي فقه المذاهب الاربعة (2: 6 - 7): الخمر ما خامر العقل أي خالطه فأسكره وغيبه، فكل ما غيب العقل من الخمر والنبيذ وغيرهما من أقسام المسكرات فهو حرام، سواء كان مأخوذا من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير، بل ولو من اللبن والطعام أو غير ذلك. وفيه (1: 15): ومن الاعيان النجسة المسكر المايع، سواء كان مأخوذا من عصير العنب أو كان نقيع زبيب أو نقيع تمر أو غير ذلك، لان الله تعالي قد سمي الخمر رجسا والرجس في العرف النجس، أما كون كل مسكر مايع خمرا، فلما رواه مسلم من قوله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر خمر وكل مسكر حرام. وفي (2: 231) نقل اتفاق المذاهب الاربعة على حرمة بيع الخمر، وان كل نجس لا يصح بيعه. اذن فكل مسكر مايع وان اخذ من اللبن لا يصح بيعه عند العامة، كما لا يجوز شربه. نعم في تاج العروس (3: 187): والخمر ما اسكر من عصير العنب خاصة، وهو مذهب أبي حنيفة. وفي التذكرة (1: 466): الفقاع عندنا نجس اجماعا، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، لانه كالخمر على ما تقدم خلافا للجمور كافة. وقد علمت ان ظاهر كلماتهم على خلاف ما نسبه العلامة (رحمه الله) إليهم.

[ 142 ]

الفريقين على حرمة بيع الخمر وكل مسكر مايع مما يصدق عليه عنوان الخمر من النبيذ والفقاع وغيرهما (1).


1 - أما روايات الخاصة: محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه، قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: ان رجلا من ثقيف أهدي الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) راويتين من خمر، فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاهريقتا، وقال: ان الذي حرم شربها حرم ثمنها (الكافي 5: 230، التهذيب 7: 136، عنهما الوسائل 17: 223)، حسنة لابراهيم بن هاشم. زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر وعاصرها - الحديث (الكافي 6: 398)، ضعيفة لحسين بن علوان. الجراح المدائني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أكل السحت ثمن الخمر (التهذيب 7: 136، عنه الوسائل 17: 225)، ضعيفة لقاسم بن سليمان. الى غير ذلك من الروايات الكثيرة. أما روايات العامة: عن عائشة قال النبي (صلى الله عليه وآله): حرمت التجارة في الخمر (صحيح البخاري باب تحريم التجارة في الخمر آخر البيوع 3: 108). عن أبي هريرة: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ان الله حرم الخمر وثمنها، وفي رواية اخرى: السحت ثمن الخمر (سنن البيهقي 6: 12). عن ابن عباس قال: بلغ عمر ان رجلا باع خمرا، قال: قاتل الله فلانا باع الخمر - الحديث (سنن البيهقي 8: 286). عن ثابت بن يزيد قال: لقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر، فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ان الله لعن الخمر وعاصرها - الحديث (سنن البيهقي 8: 287). الى غير ذلك من رواياتهم المتظافرة.

[ 143 ]

أما الخمر، فشربها من أعظم الكبائر وأشد الجرائم في نظر الشارع المقدس، لما فيه من المضار الدينية والخلقية والبدنية والاجتماعية، ويدل على حرمة جميع شؤونها الخبر المشهور بين الخاصة والعامة من: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبايعها ومشتريها، وساقيها، وآكل ثمنها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه (1). وأما النبيذ المسكر، فيدل على حرمة بيعه كلما دل على حرمة بيع الخمر وضعا وتكليفا، لكونه خمرا واقعا، لقوله (عليه السلام): فما فعل فعل الخمر فهو خمر (2)، ولقوله (عليه السلام): فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (3)، فمن البديهي ان النبيذ يفعل ما تفعله الخمر ويسكر كاسكار الخمر، اذن فيكون ذلك مثلها في جميع الاحكام.


1 - الكافي 6: 398، عنه الوسائل 17: 224. 2 - علي بن يقطين عن أبي ابراهيم (عليه السلام) قال: ان الله لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما فعل فعل الخمر فهو خمر (الكافي 6: 412، عنه الوسائل 25: 343)، ضعيفه لسهل بن زياد. 3 - عنه عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: ان الله لم يحرم الخمر لاسمها ولكنه حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (الكافي 6: 412، التهذيب 9: 112، عنهما الوسائل 25: 342)، موثقة.

[ 144 ]

ومن هنا ورد في بعض الروايات: شه شه تلك الخمرة المنتنة (1)، أي النبيذ المسكر، على أنه جعل الامام (عليه السلام) من أقسام السحت ثمن النبيذ المسكر في رواية عمار الاتية. وهذه الرواية وان لم يكن فيها دلالة على حرمة البيع تكليفا لظهورها في الحكم الوضعي فقط، الا أن في غيرها كفاية، فانه بعد ما صدقت الخمر عليه حقيقة فيترتب عليه جميع احكامها التي منها حرمة البيع. وهكذا الفقاع لكونه خمرا مجهولا استصغرها الناس، وقد نزل ذلك منزلة الخمر في عدة من الروايات (2)، بل في بعضها ما يدل على مبغوضية بيعه، كقوله (عليه السلام): لو ان الدار داري لقتلت بايعه (3). تذكرة: هل تختص حرمة البيع بالمايعات المسكرة، كما يظهر من المصنف ام


1 - الكلبي النسابة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ، فقال: حلال، قلت: انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوي ذلك، فقال (عليه السلام): شه شه - كلمة تقبيح - تلك الخمرة المنتنة - الحديث (الكافي 6: 416، التهذيب 1: 220، الاستبصار 1: 16، عنهم الوسائل 1: 203)، ضعيفة لمعلي بن محمد البصري وسهل بن زياد 2 - الحسين القلانسي قال: كتبت الى أبي الحسن الماضي (عليه السلام) أسأله عن الفقاع، فقال: لاتقربه، فانه من الخمر (الكافي 6: 423، التهذيب 9: 125، عنهما الوسائل 25: 361)، ضعيفة لمحمد بن سنان والقلانسي. 3 - الجعفري قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الفقاع، فقال: هو خمر مجهول، فلا تشربه يا سليمان، لو كان الدار لي أو الحكم لقتلت بايعه، ولجلدت شاربه (الكافي 6: 423، التهذيب 9: 125، الاستبصار 4: 95)، ضعيفة لسهل ومحمد بن اسماعيل الرازي. الوشاء قال: كتبت إليه - يعني الرضا (عليه السلام) - أسأله عن الفقاع، قال: فكتب حرام، وهو خمر، ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر، قال: وقال أبو الحسن الاخير (عليه السلام): لو ان الدار داري لقتلت بايعه ولجلدت شاربه، وحده حد شارب الخمر، وهي خمرة استصغرها الناس (الكافي 6: 424، التهذيب 9: 124، عنهما الوسائل 25: 360)، موثقة.

[ 145 ]

تعم جميع المسكرات ولو كانت من الجوامد، خلاف، ربما يقال بالثاني لوجوه: 1 - ان المستفاد من كلام بعض اللغويين (1) هو ان الخمر ما يخامر العقل ويخالطه، فتشمل المسكرات الجامدة ايضا. وفيه: انه لا نسلم اعتبار قول اللغوي خصوصا في مثل المقام، من جهة العلم بعدم صحة صدق الخمر على الجامد، على أن الظاهر من كلام تاج العروس (2) هو ذلك ايضا، فانه ذكر الخلاف في اختصاص الخمر بما اسكر من عصير العنب خاصة وفي عمومه: المسكر من عصير كل شئ وأما المسكر الجامد فخارج عن محل الخلاف. 2 - ان الظاهر من التنزيل في قوله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر خمر (3)، ترتب جميع آثار الخمر أو آثارها الظاهرة عليه التي منها حرمة البيع. وفيه: ان الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بعمل المشهور، وان قلنا بالانجبار في موارد عمل المشهور، فان مقتضي العمل بعموم التنزيل الحكم بنجاسة المسكر الجامد، مع انه لم يقل به احد، وأما التزام الفقهاء (رحمهم الله) باجراء جميع احكام الخمر على كل مسكر مايع، فهو ليس لاجل الاخذ بعموم التنزيل، بل للروايات الخاصة كما عرفت.


1 - تاج العروس (3: 187): واختلف في وجه تسمية الخمر، فقيل لانها تخمر العقل وتستره، أو لانها تخامر العقل، أي تخالطه، كما في الحديث، وفي المصباح (182): الخمر اسم لكل مسكر خامر العقل، وفي مفردات الراغب (159): والخمر سميت لكونها خامرة لمقر العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر. 2 - تاج العروس (3: 187): والخمر ما اسكر من عصير العنب خاصة أو عام، أي ما اسكر من عصير كل شي، والعموم أصح. 3 - ضعيفة لعبد الرحمان بن زيد وأبيه وأحمد بن الحسن الميثمي وعطاء بن يسار، راجع الكافي 6: 408، التهذيب 9: 111.

[ 146 ]

3 - رواية عمار بن مروان (1)، فانها تدل على أن ثمن المسكر من السحت، الا أنها ظاهرة في الحكم الوضعي. وفيه: ان الاستدلال بها متوقف على أن تكون الرواية كما نقله التهذيب المطبوع وبعض نسخ الوسائل، بأن يكون لفظ المسكر معطوفا على النبيذ، وأما إذا كان وصفا له باسقاط الواو بينهما كما في غير نسخة التهذيب وبعض نسخ الوسائل، فهي لا محالة تسقط عن الدلالة. إذا عرفت ذلك فاعلم انه وان كان لفظ المسكر معطوفا على النبيذ في رواية التهذيب الا أنها مذكورة في الوافي والكافي بدون العطف بل بالتوصيف، فترجيحهما على نسخة التهذيب من الوضوح بمكان، ولو مع دوران الامر بين الزيادة والنقيصة. ويؤيد ذلك ما في رواية الخصال (2)، على ما في الوسائل، من جعل لفظ المسكر وصفا للنبيذ. تبصرة: لا يخفى عليك انه لا يبعد اختصاص الروايات بما كان المطلوب منه الشرب والاسكار، وأما لو كان الغرض منه شئ آخر ولم يكن معدا للاسكار عند العرف، ولو كان من أعلى مراتب المسكرات، كالمايع المتخذ من الخشب أو غيره، المسمى بلفظ: الكل، لاجل المصالح النوعية والاغراض العقلائية، فلا يحرم بيعه، لانصراف أدلة حرمة بيع


1 - عن عمار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول، قال: كل شئ غل من الامام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة، منها ثمن النبيذ المسكر (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، عنهما الوسائل 17: 92)، ضعيفة لسهل بن زياد. 2 - عنه (عليه السلام): والسحت انواع كثيرة، منها ثمن الخمر والنبيذ المسكر (معاني الاخبار: 211، الخصال: 329، تفسير العياشي 1: 321، عنهم الوسائل 17: 95)، حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 147 ]

الخمر عنه وضعا وتكليفا، كانصراف أدلة عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه عن الانسان. قوله: وفي بعض الاخبار يكون لي على الرجل دراهم. أقول: قد ورد في جملة من الروايات جواز تخليل الخمر بمعالجتها بالملح ونحوه، وعليه تحمل رواية ابن أبي عمير الظاهرة في جواز أخذ الخمر من الغريم لاستيفاء الدين منه وافسادها بعد الاخذ، ويؤيد ذلك الحمل تفسير علي بن حديد الافساد فيها بالتخليل (1). قوله: والمراد به اما اخذ الخمر مجانا. أقول: حمل الرواية بنحو المانعة الخلو، اما على أخذ مجانا ثم تخليلها، أو اخذها وتخليلها لصاحبها ثم اخذ الخل وفاء عن الدراهم لا يستقيم. أما الوجه الاول، فلان اخذها مجانا ثم تخليلها لا يوجب سقوط الدين عن الغريم، وهي صريحة في حصول الوفاء بمجرد الاخذ. وأما الوجه الثاني، فهو خلاف ظاهر الرواية، فان الموجود فيها ليس الا كون استيفاء الدين بالخمر نفسها، على أن المالك لم يعط الخل وفاء عن الدراهم وانما أعطي الخمر لذلك فقط، اذن فيحتاج اخذ الخل كذلك الى اذن جديد من المالك، والرواية صريحة في خلافه.


1 - ابن أبي عمير وعلي بن حديد، عن جميل قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): يكون لي على الرجل الدراهم فيعطني بها خمرا، فقال: خذها ثم افسدها، قال علي (ابن حديد): واجعلها خلا (التهذيب 9: 118، الاستبصار 4: 93، عنهما الوسائل 25: 371)، موثقة. في الوافي بعد ما نقل الرواية قال: زاد علي بن حديد في حديثه قوله: واجعلها خلا، وربما يوجد في بعض النسخ من التهذيب لفظة (عليه السلام)، وكأنه من غلط الناسخ وذهاب وهمه الى امير المؤمنين (عليه السلام). ثم لا يخفى ان نسبة التفسير الى ابن أبي عمير كما في المتن ناشي من سهو القلم.

[ 148 ]

لا يتوهم ان الرواية ظاهرة في جواز اشتراء الخمر بقصد التخليل فنرفع اليد بها عن ظهور ما يدل على حرمة بيعها مطلقا وضعا وتكليفا، وعليه فتختص حرمة بيع الخمر بغير هذه الصورة. فان هذا التوهم فاسد، لكونها اجنبية عن قضية البيع والشراء، وانما هي راجعة الى جواز اخذ الخمر من المديون، مسلما كان أو كافرا، وفاء عن الدين إذا كان الاخذ بقصد التخليل والافساد. نعم لو التزمنا بما التزم به المصنف فيما تقدم من ان معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتب الاثر، وان ظاهر ادلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف الى ما لو أراد ترتيب الاثار المحرمة، أما لو قصد الاثر المحلل فلا دليل على تحريم المعاملة، لتوجه القول بجواز بيع الخمر وشرائها بقصد التخليل، ولكنك عرفت ما فيه من الوهن. تنبيه: قد تقدم في بيع الخنزير ظهور رواية منصور وغيرها في صحة بيع الذمي خمره وخنازيره من ذمي آخر، فيقيد بها ما يدل على حرمة بيع الخمر وكون ثمنها سحتا، وعليه فتنقلب النسبة ويكون ما يدل على المنع أخص مما يدل على الجواز مطلقا، كروايتي محمد بن مسلم وزرارة المتقدمتين في ذلك البحث، اذن فنحمل المطلق على المقيد فتصير النتيجة انه يجوز للذمي أن يبيع خمره من ذمي آخر. المسألة (8) جواز بيع المتنجس قوله: يحرم المعاوضة على الاعيان المتنجسة الغير القابلة للطهارة

[ 149 ]

أقول: المشهور بين الخاصة والعامة (1) حرمة المعاوضة على الاعيان المتنجسة الغير القابلة للتطهير. قال في التذكرة: ما عرضت له النجاسة ان قبل التطهير صح بيعه ويجب اعلام المشتري بحاله وان لم يقبله كان كنجس العين (2). وقال في المبسوط ما حاصله: ان كان المتنجس جامدا وكانت النجاسة العارضة رقيقة وغير مانعة عن النظر إليه جاز بيعه والا فلا يجوز وان كان مايعا فان قبل التطهير صح بيعه والا فلا يصح (3). بل في بعض الحواشي: ان هذا الحكم مما لا خلاف فيه بل هو مما قام عليه الاجماع ولا اشكال في كونه مجمعا عليه. ثم ان محصل كلام المصنف: ان المتنجس إذا توقف الانتفاع به بالمنافع المحللة على الطهارة نظير المايعات المتنجسة المعدة للشرب والمأكولات المتنجسة المعدة للاكل، فان بيعه لا يجوز للاخبار العامة المتقدمة، لظهورها في أن حرمة الشئ تستلزم حرمة بيعه وثمنه، ومن هذا القبيل المتنجس وان لم يتوقف الانتفاع به على الطهارة أو كان قابلا للتطهير مع توقف الانتفاع به عليها، فان بيعه يجوز. نعم لا يجوز الاستدلال بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: أو شئ يكون فيه وجه من وجوه النجس، على حرمة بيعه، لان الظاهر من وجوه


1 - فقه المذاهب الاربعة (2: 231) عن المالكية: لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره على المشهور، أما الذي يمكن تطهيره فانه يجوز بيعه مع الاعلام بالنجاسة، والا فللمشتري حق الخيار، وعن الحنابلة: لا يصح بيع الدهن المتنجس، أما النجس الذي يمكن تطهيره فان بيعه يصح، وعن الحنفية: يصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الاكل. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 466. 3 - المبسوط 2: 167.

[ 150 ]

النجس العنوانات النجسة، فان وجه الشئ انما هو عنوانه فلا يشمل الاعيان المتنجسة، فان النجاسة فيها ليست الا امرا عرضيا فلا تكون وجها وعنوانا لها. وفيه مضافا الى ما تقدم في تلك الروايات من ضعف السند والدلالة وعدم انجبارهما بشئ، انه ان كان المراد بالحرمة فيها هي الحرمة الذاتية فلا تشمل المتنجس، بداهه انها مختصة بالاعيان النجسة، اذن فيكون المتنجس خارجا عنها بالتخصص. وان كان بالمراد بها ما يعم الحرمة الذاتية والحرمة العرضية فيلزم على المصنف ان لا يفرق حينئذ بينما يقبل التطهير وما لا يقبله، فان موضوع حرمة البيع على هذا التقدير ما يتصف بالنجاسة، سواء كانت ذاتية ام عرضية، فامكان التطهير لا يؤثر في زوال الحرمة الفعلية عن موضوعها الفعلي. ومع الاغضاء عما ذكرناه لا دلالة فيها على حرمة بيع المتنجس، لانه ان كان المراد بالحرمة فيها حرمة جميع منافع الشئ أو منافعه الظاهرة فلا تشمل المتنجس، ضرورة جواز الانتفاع به في غير ما يتوقف على الطهارة، كاطعامه الصبي لو قلنا بجوازه أو البهائم أو ينتفع به في غير ذلك من الانتفاعات المحللة. وان كان المراد بها حرمة الاكل والشرب فقط فانها لا تستلزم حرمة البيع، لما عرفت مرارا من انه لا ملازمة بين حرمة الاكل والشرب وبين حرمة البيع، فان كثيرا من الاشياء يحرم أكلها وشربها ومع ذلك يجوز بيعها. وأما دعوى الاجماع التعبدي على ذلك فجزافية، فان مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة على حرمة بيع المتنجس.

[ 151 ]

جواز بيع السباع والمسوخ الا القرد: قوله: قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها أقول: أما المسوخ فالمشهور بين أصحابنا وبين العامة (1) حرمة بيعها، بل في المبسوط (2) ادعي الاجماع عليها وعلى حرمة الانتفاع بها، وفي الخلاف: دليلنا على حرمة بيعها اجماع الفرقة، وقوله (صلى الله عليه وآله): ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (3)، وهي محرمة الاكل فيحرم ثمنها، وعن بعض فقهائنا انه لا يجوز بيعها لنجاستها. فالمتحصل من كلماتهم انه لا يجوز بيع المسوخ لحرمة لحمها وعدم وجود النفع فيها ونجاستها، وقيام الاجماع على حرمة التكسب بها، والكل ضعيف: أما الحرمة، فلا ملازمة بينها وبين حرمة البيع كما تقدم. وأما النجاسة فايضا كذلك، لو سلمنا نجاسة جميع افراد المسوخ. وأما عدم النفع فيها، ففيه مضافا الى عدم اعتبار المالية في العوضين وكفاية الاغراض الشخصية في خروجها عن السفهية، انه لا شبهة في جواز الانتفاع بها منفعة محللة. أما الاجماع، فنمنع كونه تعبديا وكاشفا عن رأي الحجة (عليه السلام)، بل هو كسائر الاجماعات المنقولة في المسائل المتقدمة في استناده الى المدارك المعلومة.


1 - فقه المذاهب الاربعة (2: 232) عن الحنابلة: يجوز بيع سباع البهائم كالفيل والسبع ونحوهما، وكذلك عن الحنفية، وفي الخلاف للشيخ (1: 225) عن الشافعية: كلما ينتفع به يجوز بيعه مثل القرد والفيل وغير ذلك. 2 - المبسوط 2: 167. 3 - عوالي اللئالي 2: 110، السنن لدار القطني 3: 7، الرقم: 20.

[ 152 ]

ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات من جواز بيع عظام الفيل (1). نعم ورد النهى عن بيع القرد وكون ثمنه سحتا (2)، فان ثبت عدم الفصل فهو والا فلا بد من الحكم بعدم الجواز في خصوص القرد. وأما السباع، فلا شبهة في جواز بيعها لجواز الانتفاع بها بالاصطياد ونحوه، وكذلك الانتفاع بجلودها، على ما ورد في جملة من الروايات (3)، بل في حديث جواز بيع الفهود (4)، وفي آخر جواز بيع الهر (5)، وفي ثالث جواز بيع جلود النمر (6)، وفي رواية علي بن جعفر (عليه السلام) جواز بيع جلود السباع والانتفاع بها مطلقا (7).


1 - عبد الحميد بن سعيد قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل يحل بيعه أو شراؤه الذي يجعل منه الامشاط، فقال: لا بأس، قد كان لابي منه مشط أو امشاط (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 373، 7: 133)، مجهولة لعبد الحميد. 2 - مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن القرد ان تشتري أو تباع (الكافي 6: 489، عنه الوسائل 17: 171)، ضعيفة لسهل ومحمد بن الحسن بن شمون. عن علي (عليه السلام): من السحت ثمن القرد (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، ضعيفة لجهالة الكتاب. 3 - كما في رواية سماعة، قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال: وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منا شيئا تصلون فيه (الكافي 6: 541، الفقيه 1: 169، التهذيب 2: 205، المحاسن: 629، عنهم الوسائل 4: 353)، موثقة. 4 - عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفهود وسباع الطير، هل يلتمس التجارة فيها، قال: نعم (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 373، 7: 133)، موثقة. 5 - في موثقة عبد الرحمان: لا بأس بثمن الهر، وسنذكرها في بيع كلاب الصيد (التهذيب 6: 356، عنه الوسائل 17: 119). 6 - أبو مخلد السراج قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) (فدخله رجلان) فقال أحدهما: اني رجل سراج أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي، قال: نعم، قال: ليس به بأس (الكافي 5: 227، التهذيب 7: 135، عنهما الوسائل 17: 172)، ضعيفة لابي مخلد. 7 - علي بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن جلود السباع وبيعها وركوبها أيصلح ذلك، قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 189، عنه الوسائل 17: 172)، موثقة.

[ 153 ]

وبهذا نحمل ما يدل على حرمة بيع جلود السباع على الكراهة (1)، نعم ذكر في بعض روايات العامة انه لا يجوز بيع السنور (2)، ومن هنا وقع الخلاف بينهم في ذلك. المسألة (9) جواز بيع العبد الكافر قوله: يجوز بيع المملوك الكافر، أصليا كان أم مرتدا مليا. أقول: ان المماليك من الكفار على اقسام ثلاث: فان كفرهم اما اصلي أو عرضي، وعلى الثاني فاما أن يعرضهم الكفر بارتدادهم عن الملة، واما أن يعرضهم ذلك بارتدادهم عن الفطرة. أما الكافر الاصلي والمرتد الملي، فيجوز بيعهما بلا اشكال، بل في المتن: بلا خلاف ظاهر بل ادعي عليه الاجماع وليس ببعيد. ولا يتوجه الاشكال على هذا الرأي من ناحية الاخبار العامة المتقدمة، لما عرفت من وهنها، ولا من ناحية النجاسة، فان الكافر وان كان من الاعيان النجسة، ويشمله قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: أو شئ


1 - عن علي (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 120)، ضعيفة لجهالة الكتاب. عنه (عليه السلام): من السحت ثمن جلود السباع (دعائم الاسلام 1: 126، عنه المستدرك 13: 120)، مرسلة. 2 - راجع سنن البيهقي 6: 10، وفي فقه المذاهب الاربعة (2: 232) عن الحنابلة: وهل يصح بيع الهر خلاف، والمختار انه لا يجوز.

[ 154 ]

من وجوه النجس، الا أن جميع منافعه غير متوقفة على الطهارة، بل يجوز الانتفاع به في غير ما اعتبرت فيه الطهارة، والرواية لضعف سندها لا تصلح للمانعية. وتوهم قيام الاجماع على عدم الجواز انما هو توهم فاسد، إذ مع كثرة المخالف ودعوى انعقاد الاجماع على الجواز لا يبقي مجال لهذا التخيل، بل من القريب جدا أن يكون مدرك توهم الاجماع تلك الاخبار العامة. اذن فتكون المعاوضة على المملوك الكافر الاصلي والمرتد الملي مشمولة للعمومات، وهذا مضافا الى ما يظهر من جملة من الروايات جواز بيع المملوك الكافر (1).


1 - ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) في شراء الروميات، قال: اشترهن وبعن (الكافي 5: 210، عنه الوسائل 18: 245)، موثقة. اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء مملوكي اهل الذمة إذا أقروا لهم بذلك، فقال: إذا أقروا لهم بذلك فاشتر وانكح (الكافي 5: 210، الفقيه 3: 139، التهذيب 7: 70)، مرسلة. رفاعة النحاس قال: قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): ان الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان، فيعمدون الى الغلمان فيخصونهم، ثم يبعثون بهم الى بغداد الى التجار، فما تري في شرائهم ونحن نعلم انهم قد سرقوا، وانما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم، فقال: لا بأس انما أخرجوهم من الشرك الى الاسلام (الكافي 5: 210، التهذيب 6: 162، عنهما الوسائل 18: 245)، ضعيفة لسهل بن زياد. الصقالبة - بالسين والصاد - جيل من الناس حمر الالوان، كانوا بين بلغر وقسطنطنية. زكريا بن آدم قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو - الى ان قال: - وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض ويغيرون المسلمون عليهم بلا امام أيحل شراؤهم؟ قال: إذا اقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم (الكافي 5: 210، التهذيب 7: 76، عنهما الوسائل 18: 245)، مجهولة لمحمد بن سهل.

[ 155 ]

وأما المرتد الفطري، ففي التذكرة: المرتد ان كان عن فطرة ففي صحة بيعه نظر، ينشأ من تضاد الحكمين ومن بقاء الملك فان كسبه لمولاه، ومراده ان الحكم بالقتل والحكم بوجوب الوفاء بالعقد متضادان (1). والتحقيق ان ما يظهر من مطاوي كلمات الاصحاب تصريحا أو تلويحا في منشأ الاشكال هنا وجهان: الاول من جهة نجاسته، والثاني من جهة عدم صدق المال عليه. أما الوجه الاول، فهو يظهر من بعض الاساطين في شرحه على القواعد (2)، حيث بني جواز بيع المرتد على قبول توبته، بل بني جواز بيع مطلق الكافر على قبوله للطهر بالاسلام. وفيه مضافا الى منع مانعية النجاسة عن البيع، انه لو كان جواز بيعه مبنيا على زوال نجاسته بالتوبة لما كان فرق بين أقسام الكفار في ذلك، سواء كان كفرهم اصليا أم عرضيا، وسواء كان عروضه بالارتداد عن الملة أم عن الفطرة، وسواء تقبل توبتهم أم لم تقبل. وذلك لما عرفت في بيع المتنجس أن فعلية الحكم انما هي بفعلية موضوعه، فإذا قلنا بمانعية النجاسة عن البيع كانت مانعة عنه بوجودها الفعلي، سواء كانت قابلة للزوال أم لا، كيف فانه بعد صيرورة الموضوع فعليا من جميع الجهات فتلك القابلية لا تؤثر في انفكاك الحكم عنه. على أن امكان طهره بالتوبة لا يستلزم تحقق الطهارة، لاحتمال ان لا يتوب ولا يخرج الامكان الاستقبالي من القابلية الى الفعلية، اذن فلا تمنع النجاسة عن بيع العبد إذا ارتد عن الفطرة.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 466. 2 - شرح القواعد للكاشف الغطاء (مخطوط): 4.

[ 156 ]

وأما الوجه الثاني، فربما يقال بان النجاسة وان لم تكن مانعة عن البيع الا أن العبد بارتداده عن الفطرة يخرج عن المالية لوجوب قتله وان تاب، اذن فيكون في معرض التلف، وكذلك المرتد الملي إذا لم يتب، ومن هنا استشكل غير واحد من أعاظم الاصحاب في رهن الفطري (1)، بدعوى أن الغرض من الرهانة هي الوثاقة فهي منتفية فيه. وفيه: ان عدم سقوط القتل عنه لا يخرجه عن حدود المالية، فان الانتفاع به بالعتق بمكان من الامكان، ولذا لو قتله غير الحاكم بدون اذنه لضمنه، كيف فانه من هذه الجهة ليس الا كالمملوك المريض المشرف على الموت، فهل يتوهم أحد سقوطه بذلك عن المالية بحيث لا يوجب اتلافه الضمان. ومع الغمض عن جميع المذكورات ان هذا الوجه انما يصلح للمانعية إذا حصل الجزم بالقتل، لبسط يد الحاكم الشرعي عليه وعلى اجراء الحدود لا مطلقا، اذن فيكون الدليل اخص من المدعى. المسألة (10) جواز بيع كلب الصيد قوله: يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة بلا خلاف ظاهر. أقول: حيث لم يكن غير كلب الهراش من أقسام الكلاب على اطلاقه مما قام الاجماع على جواز بيعه، فجعل المصنف الجواز المقيد بالاجمال موردا لعدم الخلاف، فانك ستعرف وقوع الخلاف في بيع كلب الماشية والحائط والزرع.


1 - كالعلامة في قواعده 1: 159، والشهيد الثاني في مسالكه 4: 25.

[ 157 ]

ثم ان تحقيق هذه المسألة في ضمن جهات: الجهة الاولى: الظاهر انه لا خلاف بين الامامية في جواز بيع كلب الصيد الذي اتصف بملكة الاصطياد، ويطلق عليه الصيود بالحمل الشايع، ففي الخلاف (1): دليلنا اجماع الفرقة، بل دعوى الاجماع المحصل عليه فضلا عن الاجماع المنقول غير جزافية، الا ما نسب الى ابن أبي عقيل من المنع عن بيع الكلب على اطلاقه استنادا الى العمومات (2)، وما يظهر من النهاية (3) من قصر جواز التكسب به على السلوقي والماشية والزرع. الا أنك قد عرفت في بيع الكلب الهراش ان المطلقات وان كانت متظافرة ولكنها قيدت بالروايات الخاصة التي تدل على جواز بيع الصيود من الكلاب سلوقيا كان ام غير سلوقي، وسنذكرها في الجهة الثانية. نعم عن أكثر العامة انه لا يجوز بيع الكلب ولو كان كلب صيد، كما تقدم، وقد ورد النص من طرقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) على خلافه (4). وربما يتوهم تخصيص روايات الجواز بالسلوقي، بدعوى انه هو المنساق منها، لانصراف كلب الصيد إليه لكثرة وقوع الاصطياد به في الخارج، أو انه لا يتبادر ولا ينساق غيره من تلك الروايات، فيبقي غير السلوقي تحت مطلقات المنع عن التكسب بالكلاب. وفيه مضافا الى كون الروايات خالية عن ذكر السلوقي وكثرة


1 - الخلاف 3: 182. 2 - قاله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 28، ولا مخالف سواه على ما حكي. 3 - نهاية الاحكام 1: 364. 4 - عن جابر: نهى عن ثمن الكلب والسنور الا كلب الصيد (سنن البيهقي 6: 6).

[ 158 ]

الاصطياد بغيره وان كان اقل بالنسبة إليه، وان المراد بالسلوقي هو مطلق كلب الصيد وان كان من غير جنسه كما صرح به غير واحد من الاعاظم، انه يرد عليه ما في المتن من عدم الغلبة المعتد بها على فرض تسليم كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف، وعليه فلا مجال لتخصيص جواز البيع بالسلوقي فقط. ثم أجاب عنه المصنف ثانيا وقال: مع انه لا يصح في مثل قوله: ثمن الكلب الذي لا يصيد، أو ليس بكلب الصيد، لان مرجع التقييد الى ارادة ما يصح عنه سلب صفة الاصطياد. وحاصل كلامه: ان الكلب وان كان طبيعة واحدة تعم جميع افراد الكلاب وتصدق عليها صدق الكلي على جزئياته والطبيعي على افراده، الا أن لحاظ تلك الطبيعة عند جعلها موردا للحكم مع وصف الاصطياد تارة وبدونه اخرى يستلزم انقسامها الى قسمين متضادين. وعلى هذا فيتقابل كلب الصيد وكلب الهراش تقابل التضاد، كما هو الشأن في كل ماهية ملحوظة مع الاوصاف الخارجية المشخصة تارة وبدونها اخرى. اذن فلا يصغى الى دعوى الانصراف بوجه، لاستلزامه اتحاد المتضادين ووحدة المتقابلين فهو محال. وفيه: ان كلامه هذا انما يصح في امثال قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، فان ظاهر التوصيف ان وصف الاصطياد قد اخذ قيدا للموضوع، الا أنه لا يتم في قوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه: ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، فان من القريب جدا ان لا يصدق كلب الصيد ولو بحسب نوعه على غير السلوقي، ولكن المرسلة ضعيفة السند.

[ 159 ]

ثم ان السلوق قرية في ناحية اليمن نسبت إليها كلاب الصيد، اما لاجل اخذ اصلها منها أو لكون كلابها صيودا. الجهة الثانية: انك قد عرفت ان مورد الروايات ومعقد الاجماعات انما هو الكلب المتصف بملكة الاصطياد وصار صيودا بالفعل، وحيث ان تلك الملكة التي هي مناط صحة بيع الكلاب وملاكها لم تصر فعلية في الجرو القابل للتعليم من السلوقي والكبير الغير المعلم منه، فيشكل الحكم بجواز بيعها. وربما يقال في وجه الصحة فيهما بان الاخبار الواردة في بيع على ثلاث طوائف: أما الطائفة الاولى فتدل على حرمة بيع الكلاب على وجه الاطلاق كالمطلقات، وقد تقدمت جملة منها في بيع الكلب الهراش وسمعت أن أكثرها ضعيفة السند. وأما الطائفة الثانية (1) فتدل على جواز بيع ما كان صيودا بالفعل ومتصفا بملكة الاصطياد، سواء كان سلوقيا ام غير سلوقي.


1 - أبو عبد الله العامري قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال: سحت، فأما الصيود فلا بأس (الكافي 5: 127، عنه الوسائل 17: 118)، مجهولة لقاسم بن وليد. محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، ثم قال: ولا بأس بثمن الهر (التهذيب 6: 356، عنه الوسائل 17: 119)، موثقة. ليث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب الصيود يباع، فقال: نعم ويؤكل ثمنه (التهذيب 9: 80)، موثقة. عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت (التهذيب 7: 135، عنه الوسائل 17: 119)، ضعيفة لقاسم بن محمد.

[ 160 ]

وأما الطائفة الثالثة (1) فتدل على جواز بيع كلب الصيد، كمرسلة الصدوق وغيرها، والمحتمل في الطائفة الاخيرة منها ثلاثة: 1 - أن يكون المراد بكلب الصيد ما كان صيودا بالفعل، وكلب صيد بشخصه وواجدا لملكة الاصطياد بنفسه، فيكون الغرض من المركب هي اضافة الشخص الى وصفه. وحينئذ فترجع هذه الطائفة الى الطائفة الثانية ويجري فيها الاشكال المتقدم ايضا، من دعوى انصرافها الى السلوقي مع جوابها، وعليه فنقيد بها وبالطائفة الثانية الطائفة الاولى، فتصير النتيجة ان غير الصيود من الكلاب لا يجوز بيعه. 2 - أن يراد به نوع كلب الصيد وان لم يتصف بعض افراده بملكة الاصطياد، وعليه فتختص هذه الطائفة الاخيرة بالسلوقي فقط، فتكون النسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم من وجه. إذ قد يكون الكلب صيودا ولا يكون من افراد الكلاب السلوقية، وقد يكون من افرادها ولايكون صيودا بالفعل كالغير المعلم من السلوقي، وقد يجتمعان، وحينئذ فيجوز تخصيص العمومات بكل من الطائفة


1 - أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد، قال: لا بأس بثمنه، والاخر لا يحل ثمنه (التهذيب 6: 356، الفقيه 3: 105، عنهما الوسائل 17: 119)، ضعيفة لقاسم ابن محمد. الصدوق قال: قال (عليه السلام): وثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت (الفقيه 3: 105)، مرسلة. عن علي (عليه السلام) انه قال: لا بأس بثمن كلب الصيد (دعائم الاسلام 2: 20، عنه المستدرك 13: 90)، مرسلة. عنه (عليه السلام): ثمن الكلب سحت الا كلب الصيد (فقه الرضا (عليه السلام): 34، عنه المستدرك 13: 90)، مرسلة.

[ 161 ]

الثانية والثالثة، بناء على ما نقحناه في الاصول من جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم من وجه. كما إذا ورد: أكرم العلماء، ثم ورد: لا تكرم الفساق منهم ولا تكرم النحويين منهم، فانه جاز تخصيص أكرم العلماء بكلا الخاصين، وان كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه، وعليه فيجوز بيع الصيود من غير السلوقي وبيع غير الصيود من السلوقي. 3 - أن يراد به ما يكون بينه وبين الصيد نسبة وعلاقة، بدعوى كفاية أدني الملابسة في صحة الاضافة، كما هو الظاهر والموافق للاستعمالات الدائرة بين المحاورين، ضرورة ان جملة كلب الصيد في اللغة العربية لم توضع لمعنى خاص، بل اطلقت على حصة من الكلاب بوجه من المناسبة وبعلاقة الملابسة، كيف فانها ترادف في اللغة الفارسية بلفط: سك شكاري، ولا يعتبرون في صحة ذلك الاطلاق أزيد من تلك المناسبة الاجمالية. وعليه فالنسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم المطلق، فانه على هذا يصح اطلاق كلب الصيد على الصيود مطلقا، سلوقيا كان ام غيره، وعلى السلوقي كذلك صيودا كان ام غيره، وعلى ذلك ايضا فيجوز تخصيص العمومات بهما بناء على جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم مطلق كما هو الظاهر على ما حققناه في محله. وأظهر المحتملات الثلاث هو الاحتمال الاخير، لما عرفت من كفاية أدني الملابسة في صحة الاضافة، ثم الثاني لكثرة اضافة الموصوف الى وصف نوعه، وبهذا صح جعله موضوعا للاحكام الشرعية، وأما الاحتمال الاول فغير سديد جزما، فان من المستبعد جدا اعتبار الاتصاف الفعلي في صحة اضافة الموصوف الى الصفة، وان لا يكتفي فيها بأدني المناسبة.

[ 162 ]

هذا غاية ما يمكن أن يقال في جواز بيع السلوقي على الاطلاق، ولكنه فاسد، إذ العمل بما ذكرناه على كلا الاحتمالين انما يجوز فيما إذا لم يكن كل من الخاصين مقيدا بقيد به يوافق العام ويسانخه، والا فينفي ذلك القيد بمفهومه أو منطوقه ما اختص به الخاص الاخر من مادة الافتراق، فيكونان من افراد الدليلين المتعارضين فيسقطان للتعارض. وفي المقام ان الظاهر من قوله (عليه السلام) في الطائفة الثانية: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، وأما الصيود فلا بأس، هو ان غير الصيود من الكلاب يحرم بيعه وان كان سلوقيا، فيشارك العام بمقتضي اشتماله القيد العدمي. كما أن الظاهر من قولهم (عليه السلام) في الطائفة الثالثة: ولا بأس بثمن كلب الصيد والاخر لا يحل ثمنه، هو انه كلما كان كلب صيد بنوعه جاز بيعه صيودا كان ام لم يكن، وأما غير كلب الصيد فلا يجوز بيعه وان كان صيودا، فيتعارضان في الصغير والكبير غير المعلمين من السلوقي على الاحتمال الثالث من دعوى العموم المطلق بين الخاصين، وفي الصيود من غير السلوقي ايضا على الاحتمال الثاني من دعوى العموم من وجه بينهما. فصارت النتيجة على الاحتمال الثالث أن غير الصيود من الكلاب لا يجوز بيعه وان كان سلوقيا، وعلى الثاني فالصيود من غير السلوقي ايضا لا يجوز بيعه. هذا كله مع الاغضاء عن سند الطائفة الثالثة، والا فهي لا تقاوم الطائفة الثانية لضعف سندها وعدم انجبارها بعمل المشهور، وحينئذ فينحصر المخصص تلك العمومات في الطائفة الثانية، فترتفع الغائلة من اصلها.

[ 163 ]

حرمة بيع الكلب الحراسة: قوله: الثالث: كلب الماشية. أقول: هذه هي الجهة الثالثة من الكلام، الظاهر انه لا شبهة في حرمة بيع الكلاب الثلاثة، أي كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع، ويسمى كل واحد منها بالكلب الحارس، وهذا هو المشهور بين القدماء (1) وقد دلت عليه العمومات المتقدمة، كما ان المشهور بين الشيخ (رحمه الله) ومن تأخر عنه الجواز. وقد استدل عليه بوجوه: 1 - دعوى الاجماع عليه، كما يظهر من العلامة في التذكرة على ما حكاه المصنف (رحمه الله) قال: يجوز بيع هذه الكلاب عندنا، ولكنا لم نجد ذلك في التذكرة (2)، نعم ذكر الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: ان بيع هذه الكلاب يجوز عندنا وما يصح بيعه يصح اجارته بلا خلاف (3)، والمحكي عن حواشي الشهيد: ان احدا لم يفرق بين الكلاب الاربعة (4)، وظاهر هذه العبارة عدم وجود القول بالفرق بين الكلاب الاربعة في جواز البيع وعدمه. وفيه: ان ذلك معارض بدعوى الاجماع على حرمة بيعها، على أن دعواه في مثل هذه المسألة المختلف فيها من الصعب المستصعب، خصوصا مع عدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي الحجة (عليه السلام)،


1 - انظر المستند 2: 334، المناهل: 276. 2 - تذكرة الفقهاء 2: 295 (كتاب الاجارة). 3 - الخلاف 3: 181. 4 - حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 29.

[ 164 ]

لاحتمال ان المجمعين قد استندوا الى المدارك المعلومة المذكورة في المقام. ولا ينقضي العجب من الشهيد (رحمه الله) كيف يدعي أن احدا لم يفرق بين الكلاب الاربعة في حرمة البيع وجوازه، مع كثرة الاختلاف في المسألة، الا أن يكون نظره الشريف في ذلك الى العامة، فقد عرفت في بيع كلب الهراش ان طائفة منهم كالحنابلة و الشافعية وبعض فرق المالكية ذهبوا الى ان بيع الكلاب مطلقا لا يصح حتى كلب الصيد، وطائفة اخرى منهم كالحنفية وبعض آخر من المالكية ذهبوا الى صحة بيعها مطلقا حتى كلب الحراسة. أو يكون نظره الى جواز الانتفاع بها مطلقا وعدم جوازه كذلك، فان الفقهاء (رحمهم الله) لم يفرقوا في ذلك بين الكلاب الاربعة. 2 - ان ثبوت الدية على قاتلها في الشريعة المقدسة يدل على جواز المعاوضة عليها، والى هذا اشار العلامة في المختلف (1) وقال: ولان لها ديات منصوصة فتجوز المعاوضة عليها، وقدرت هذه الدية في كلب الماشية بكبش أو بعشرين درهما، وفي كلب الحائط بعشرين درهما، وفي كلب الزرع بقفيز من طعام. وفيه: ان ثبوت الدية لها في الشريعة لا يدل على ملكيتها فضلا عن جواز المعاوضة عليها، فقد ثبتت الدية في الحر مع انه غير مملوك قطعا، بل لا يبعد أن يكون ثبوت الدية كاشفا عن عدم الملك مع فرض كون الشئ محترما، والا لكان الثابت نقص القيمة أو تخيير المالك بينه وبين الدية، كما في العبد والامة.


1 - المختلف: 340.

[ 165 ]

3 - انه لا شبهة في جواز اجارتها لحفظ الماشية والحائط والزرع اتفاقا كما في المتن فيجوز بيعها لوجود الملازمة بينهما، والى هذا الدليل أشار العلامة ايضا في المختلف وقال: ولانه يجوز اجارتها فيجوز بيعها. وفيه: انه لا ملازمة شرعية بين صحة الاجارة وصحة البيع، فان اجارة الحر وام الولد جائزة بالاتفاق ولا يجوز بيعهما، كما لا ملازمة بين صحة البيع وصحة الاجارة، فان بيع الشعير والحنطة وعصير الفواكه وسائر المأكولات والمشروبات جائز اتفاقا ولا تصح اجارتها، فان من شرائط الاجارة ان العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها والامور المذكورة ليست كذلك. وبعبارة اخرى ان جواز بيع الكلاب وعدمه من الاحكام الشرعية وهي امور توقيفية، فلا محيص عن اتباع ادلتها، فان كان فيها ما يدل على جواز بيعها اخذ به والا فالعمومات الدالة على المنع متبعة. 4 - ما ذكره العلامة ايضا في المختلف (1)، من انه إذا جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقي الكلاب الاربعة، والاول ثابت اجماعا فكذا الثاني، بيان الشرطية ان المقتضي للجواز هناك كون المبيع مما ينتفع به وثبوت الحاجة الى المعاوضة، وهذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي السالم عن المعارض، إذ الاصل انتفاؤه. وزاد عليه بعض اصحابنا: ان ما يترتب على الكلاب الثلاثة من المنافع أكثر مما يترتب على كلب الصيد، فإذا جاز بيعه كان بيع تلك الكلاب الثلاثة أولى بالجواز.


1 - الموضع المتقدم.

[ 166 ]

وفيه: انه قياس واضح فقد نهينا عن العمل به في الشريعة المقدسة بالادلة القاطعة، وعليه فلا وجه لرفع اليد عن العمومات الا في الكلب الصيود. 5 - ان الحكم بجواز بيعها هو مقتضي الجمع بين الروايات، لانا إذا لاحظنا للعمومات الدالة على المنع مع قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وامساكه واستعماله وهبته وعاريته، وجدنا ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، فان العمومات تقتضي حرمه بيع الكلاب كلها وانما خرج منها بيع كلب الصيود فقط للروايات الخاصة، وهذه الفقرة من رواية تحف العقول تقتضي صحة بيع كلما كان فيه جهة صلاح، فتشمل بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع ايضا لجواز الانتفاع بها في الحراسة، وبعد سقوطهما للمعارضة يرجع في اثبات الجواز التكليفي الى اصالة الاباحة، وفي اثبات الجواز الوضعي الى عمومات صحة البيع والتجارة عن تراض. وفيه اولا: انا لو أغمضنا عما تقدم في رواية تحف العقول، فانها لا تقاوم العمومات المذكورة في خصوص المقام، لان كثرة الخلاف هنا مانعة عن انجبار ضعفها بعمل المشهور. وثانيا: انه لا مناص من ترجيح العمومات عليها، إذ قد بينا في علم الاصول أن من جملة المرجحات عند معارضة الدليلين بالعموم من وجه أن يلزم من العمل بأحدهما الغاء الاخر من اصله واسقاط ما ذكر فيه من العنوان عن الموضوعية، وحينئذ فلا بد من العمل بالاخر الذي لا يلزم منه المحذور المذكور. وفي المقام لو عملنا برواية تحف العقول للزم من ذلك الغاء

[ 167 ]

العمومات على كثرتها، ولسقط عنوان الكلب المذكور فيها عن الموضوعية، لخروج الكلب الصيود منها بالروايات الخاصة كما عرفت، ولو خرجت الكلاب الثلاثة منها بالرواية المذكورة لما بقي تحتها الا الكلب الهراش فقط، ويكفي في المنع عن بيعه عدم وجود النفع فيه، فلا يحتاج الى تلك العمومات المتظافرة ويلزم المحذور المذكور. وأما إذا عملنا بالعمومات ورفعنا اليد عن الرواية فان المحذور لا يتوجه اصلا، لان ما فيه جهة صلاح من الاشياء لا ينحصر في الكلاب الثلاثة. ونظير ذلك المعارضة بين ما ورد من الامر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه (1)، وما ورد من نفي البأس عن بول الطير وخرئه (2)، فانا لو قدمنا الخبر الاول وحكمنا بسببه بنجاسة خرء الطيور التي لا يؤكل لحمها لكان ذكر الطير في الخبر الثاني لغوا محضا، إذ لا يبقي تحته الا ما يؤكل لحمه من الطيور، ويكفي في طهارة ذرقها ما يدل على طهارة بول مأكول اللحم (3). وهذا بخلاف العكس، فانا إذا عملنا بالخبر الثاني لم يلزم المحذور لكثرة افراد غير المأكول من غير جنس الطيور. ومن هذا القبيل ايضا معارضة ما يدل على انفعال الماء القليل بملاقاته


1 - عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (الكافي 3: 57، التهذيب 1: 264، عنهما الوسائل 3: 405)، حسنة لابراهيم بن هاشم. 2 - أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه (الكافي 3: 58، التهذيب 1: 266، عنهما الوسائل 3: 412)، حسنة لابراهيم بن هاشم. 3 - حريز وزرارة انهما قالا: لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه (الكافي 3: 57، التهذيب 1: 264، عنهما الوسائل 3: 407)، حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 168 ]

النجاسة (1)، لما يدل على عدم انفعال الجاري بذلك (2)، فان العمل بالطائفة الاولى والحكم بانفعال الجاري بملاقاته النجاسة إذا كان قليلا يوجب كون ذكر الجاري في الطائفة الثانية لغوا، إذ لا يبقي فيها الا الكر، ويكفي في عدم انفعاله بملاقاته النجاسة ما يدل على عدم انفعال الكر بذلك على الاطلاق (3)، ولو انعكس الامر لم يلزم المحذور لكثرة افراد القليل من غير الجاري. 6 - ما في المتن من حكاية رواية ذلك عن الشيخ في المبسوط (4)، قال: انه روي ذلك - يعني جواز البيع في كلب الماشية والحائط - المنجبر قصور سنده ودلالته، لكون المنقول مضمون الرواية لا معناها ولا ترجمتها باشتهاره بين المتأخرين. وفيه: ان الشهرة بين المتأخرين لا تجبر ضعف الرواية، بل ولم يعلم استنادهم إليها في فتياهم بالجواز، فلعلهم استندوا في ذلك الى الوجوه المذكورة، كما يظهر ذلك ممن يلاحظ كلماتهم، على أنه لم يثبت لنا كون المحكي عن الشيخ رواية فضلا عن انجباره هنا بالاشتهار. وتوضيح ذلك: ان ناقل الرواية تارة ينقلها بألفاظها الصادرة عن


1 - راجع الوسائل 1: 50، الباب الثامن: نجاسة ما نقص عن الكر، من أبواب ماء المطلق. 2 - راجع الوسائل 1: 143، الباب الخامس: عدم نجاسة الماء الجاري، من أبواب ماء المطلق. 3 - محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (الكافي 3: 2، التهذيب 1: 39 و 226، الاستبصار 1: 6 و 20، الفقيه 1: 8، عنهم الوسائل 1: 158)، مجهولة لمحمد بن اسماعيل النيسابوري. 4 - المبسوط 2: 166.

[ 169 ]

المنقول عنه، واخرى بترجمتها بلغة اخرى غير لغة المروي عنه، وثالثة بمعناها كما هو المتعارف بين الروات، خصوصا في الاحاديث الطوال التي يعسر حفظ الفاظها عادة، ورابعة بمضمونها كما هو المرسوم بين الفقهاء في مرحلة الافتاء. أما غير القسم الاخير فلا شبهة في شمول ادلة اعتبار الخبر له كما هو واضح، وأما القسم الاخير فلا تشمله تلك الادلة قطعا لانحصارها في الاخبار الحسية، ورأي الفقيه من الامور الحدسية، فلا يكون حجة لغيره ولغير مقلديه كما حقق في علم الاصول. وإذا عرفت ذلك اتضح لك ان المحكي عن الشيخ (رحمه الله) لا يكون مشمولا لادلة اعتبار الخبر، لان ظاهره انه (رحمه الله) فهم باجتهاده جواز البيع من الروايات وأشار إليه بلفظ الاشارة، بداهة ان الامام (عليه السلام) لم يبين الحكم على النحو المذكور في العبارة وبلفظ الاشارة، ابتداء من دون أن يكون مسبوقا أو ملحوقا بكلام آخر يدل عليه. وعليه فلم يثبت كون المحكي رواية حتى ينجبر ضعفها بعمل المشهور وتكون حجة لنا في مقام الفتوي، نعم لو كانت الرواية بأصلها واصلة الينا وقلنا بانجبار ضعف الخبر بشئ لكان لهذه الدعوى مجال واسع. هذا كله على تقدير أن يكون المنقول في المتن هو عين عبارة الشيخ (رحمه الله)، ولكنها ليست كذلك، فانه قال في تجارة المبسوط: وروي ان كلب الماشية والحائط كذلك (1)، وعلى هذا فهي رواية مرسلة وقابلة للانجبار. ومع ذلك لا يجوز الاستناد إليها ايضا، لما عرفت في البحث عن رواية


1 - المبسوط 2: 166، عنه الوسائل 17: 120.

[ 170 ]

تحف العقول من منع انجبار ضعف الرواية بشئ صغرى وكبرى. على أن من البعيد جدا بل من المستحيل عادة ان تكون هناك رواية ولم يظفر عليها غير الشيخ من علماء الحديث، أو وصلوا إليها ولكنهم لم يوردوها في اصولهم المعدة للرواية، حتى هو (رحمه الله) في تهذيبيه، والمظنون ان الشيخ (رحمه الله) اطلع عليها في كتب العامة وأوردها في كتابه للمناسبة، الا أن أحاديثهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) في النهي عن بيع الكلاب خالية ايضا عن استثناء كلب الماشية وكلب الحائط. لا يقال: ان عدم اشتهار المرسلة بين القدماء لا يمنع انجبار ضعفها بعمل المشهور من المتأخرين، فان ظهورها انما كان من زمان الشيخ (رحمه الله) فيكون هذا عذرا لعدم عمل القدماء بها، وانما يضر ذلك فيما إذا كانت الرواية بمرأي منهم ومسمع ثم لم يعملوا بها لاعراضهم عنها. فانه يقال: ان ضعف الرواية انما ينجبر بالشهرة إذا عمل بها المشهور مع نقلهم اياها في كتبهم من دون أن يستندوا في ذلك الى نقل شخص واحد، وأما إذا انتهى سند الناقلين الى شخص واحد فنسبتها الى النقلة وغيرهم سيان، فمثل هذه الشهرة لا توجب الانجبار، ضرورة عدم اختصاص النقلة بقرينة زائدة ليمتازوا بها على غيرهم، واذن فنسبة المرسلة الى العاملين والناقلين كنسبتها الينا، لان مستندهم أجمع هو نقل الشيخ (رحمه الله) فقط، فلا يكون عملهم هذا جابرا لوهنها. ويضاف الى ذلك ما قد عرفته مرارا من فساد البناء والمبني، وان الشهرة لا تجبر ضعف الرواية صغرى وكبرى. تذييل: المستفاد من أخبار الباب انما هو حرمة بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع، وأما المعاملات الاخرى غير البيع فلا بأس في

[ 171 ]

ايقاعها عليها، كاجارتها وهبتها والصلح عليها، بناء على عدم جريان احكام البيع عليه إذا كانت نتيجته المبادلة بين المالين، فان المذكور في تلك الاخبار هي حرمة ثمن غير الصيود من الكلاب، ولا يطلق الثمن على ما يؤخذ بدلا بغير عنوان البيع من المعاملات. ثم لا يخفى ان اقتناء تلك الكلاب ولو في غير أوان الاصطياد والحراسة مما لا اشكال فيه، لانها من الاموال ولو باعتبار الانتفاع بها في وقت الاصطياد والحراسة، وحرمة بيع هذه الكلاب لا يضر بجواز اقتنائها، إذ لا ملازمة بين حرمة بيع شئ وحرمة اقتنائه والانتفاع به، كيف وان الانتفاع بها أكثر من الانتفاع بالكلب الصيود، خصوصا لاهل البادية واصحاب الماشية والبساطين والزروع ونحوها، ولم يستشكل احد في جواز ذلك فيما نعلم بل ورد في اخبار الفريقين جواز اقتناء الكلاب الاربعة الا أن تلحق بالكلب الهراش (1).


1 - عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: من اقتنى كلبا الا كلب ماشية أو صيد أو زرع، فقد انتقص من أجره كل يوم قيراط (عوالي اللئالي 1: 143، عنه المستدرك 8: 293)، مرسلة. أبو الفتوح في تفسير قوله تعالي: وما علمتم من الجوارح - الاية رخص النبي (صلى الله عليه وآله) في اقتناء كلب الصيد، وكل كلب فيه منفعة مثل كلب الماشية وكلب الحائط والزرع، رخصهم في اقتنائه ونهى عن اقتناء ما ليس فيه نفع - الخبر (تفسير أبي الفتوح الرازي 2: 103، عنه المستدرك 8: 293)، مرسلة. عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من اقتنى كلبا الا كلب ضارئ لصيد أو ماشية، نقص من اجره كل يوم قيراطان. وفي رواية اخرى: قيل لابن عمر: ان أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال: ان لابي هريرة زرعا (سنن البيهقي 6: 9). أقول: في هذا الحديث اشارة اجمالية الى مكانة أبي هريرة في وضع الاحاديث الكاذبة حسب اقتضاء أغراضه الفاسدة وآرائه الكاسدة.

[ 172 ]

وقد يقال بجواز بيع كلب الماشية، لقول علي (عليه السلام) في رواية قيس: لا خير في الكلاب الا كلب صيد أو كلب ماشية (1)، فان جواز البيع من الخير الثابت فيه. وفيه: ان غاية ما يستفاد من الرواية هو جواز اقتنائه للانتفاع به في حراسة الماشية واتصافه بالمالية بهذا الاعتبار، وأما جواز بيعه فلا يستفاد منها، لانك قد عرفت عدم الملازمة بين كون الشئ مالا وبين جواز بيعه، واذن فالرواية من جملة ما يدل على جواز اقتناء كلب الماشية. ومن هنا اتضح: انه لا وجه لقياس ما يحرم بيعه من الكلاب الثلاثة بالخمر لاثبات عدم المالية فيها، لا وجه لذلك، لان الشارع قد الغي مالية الخمر بخلاف الكلاب الثلاثة، فان ماليتها محفوظة في نظر الشارع وان حرم بيعها. المسألة (11) جواز بيع العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه قوله: الاقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه. أقول: الغليان عبارة عن القلب كما في رواية الحماد، قال: قلت: أي شئ الغليان، قال: القلب (2)، والمراد به حصول النشيش فيه بحيث يصير أعلاه أسفله.


1 - محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): لا خير في الكلاب الا كلب صيد أو كلب ماشية (الكافي 2: 552، عنه الوسائل 11: 530)، صحيحة. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت عن شرب العصير، قال: تشرب ما لم خل فإذا غلى فلا تشربه، قلت: أي شئ الغليان، قال: القلب. (الكافي 6: 419، التهذيب 9: 120، عنهما الوسائل 25: 287).

[ 173 ]

ثم ان العصير إذا غلى بنفسه حكم بنجاسته بمجرد ظهور النشيش فيه عند بعض القدماء، وقد شيد أركان هذا القول البطل البحاثة شيخ الشريعة (رحمه الله) في رسالته العصيرية، وتبعه جملة ممن تأخر عنه، وعلى هذا فلا تحصل الطهارة والحلية فيه الا بصيرورته خلا. ويمكن تأييد هذا القول برواية الكلبي النسابة المتقدمة في بيع النبيذ، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ، فقال: حلال، قلت: أنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوي ذلك، فقال (عليه السلام): شه شه تلك الخمرة المنتنة (1). وقد كنا نجزم بذلك القول في سالف الايام ثم عدلنا عنه، وتحقيق الحق في محله. وان كان غليانه بالنار فهو محل الكلام في المقام ومورد النقض والابرام، من جهة طهارته وعدمها، وجواز شربه وبيعه وعدمهما، وفصل بعضهم بين العصير العنبي والتمري وحكم بنجاسة الاول وطهارة الثاني، وتحقيق ذلك وتفصيله في كتاب الطهارة. ووجهة الكلام هنا في خصوص البيع فقط، والظاهر جوازه، ولنمهد لبيان ذلك مقدمة، وهي انه: لا اشكال في أن العصير العنبي سواء غلى ام لم يغل من الاموال المهمة في نظر الشارع والعرف. وعليه فلو أتلفه احد ضمن قيمته لمالكه، كما لو أغلاه الغاصب فانه يضمنه بنقصان قيمته، إذا كان الغليان موجبا للنقص، كأن اخذ للتداوي


1 - الكافي 6: 416، التهذيب 1: 220، الاستبصار 1: 16، عنهم الوسائل 1: 203، ضعيفة لمعلي بن محمد البصري وسهل بن زياد

[ 174 ]

في غير أوان العنب، فانه لا قصور في شمول دليل اليد لذلك مع قيام السيرة القطعية عليه. وان كان غليانه لا يوجب نقصان قيمته أو كان سببا لزيادتها فلا وجه للضمان، كأن اخذ للدبس ونحوه فغصبه الغاصب فأغلاه، والوجه في ذلك هو أن الغاصب وان أحدث في العصير المغصوب وصفا جديدا الا أن تصرفه هذا لم يحدث عيبا في العصير ليكون موجبا للضمان بل صار وسيلة لازدياد القيمة. ومن هنا ظهر لك ضعف قول الماتن: لو غصب عصيرا فأغلاه حتى حرم ونجس لم يكن في حكم التالف بل وجب عليه رده ووجب عليه غرامة الثلثين واجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان، فقد عرفت عدم صحة ذلك على اطلاقه. إذا علمت ذلك وقع الكلام في ناحيتين: الناحية الاولى في جواز بيع العصير العنبي وعدمه بحسب القواعد، والناحية الثانية في جواز بيعه وعدم جوازه بحسب الروايات. أما الناحية الاولى، فقد يقال بحرمة بيعه إذا غلى من جهة النجاسة والحرمة وانتفاء المالية، ولا يرجع شئ من هذه التعليلات الى معنى محصل. أما النجاسة، فانها لم تذكر الا في رواية تحف العقول، والمراد بها النجاسات الذاتية فلا تشمل المتنجسات، لان نجاستها عرضية، ولو سلمنا شمولها للمتنجسات فالنهى عن بيعها ليس الا من جهة عرائها عن المنفعة المحللة، ولا شبهة في ان العصير العنبي المغلي ليس كذلك لوجود المنافع المحللة فيه بعد ذهاب ثلثيه، على أن مانعية النجاسة عن البيع ممنوعة كما تقدم.

[ 175 ]

وأما الحرمة، فقد يقال: ان الروايات العامة المتقدمة دلت على وجود الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة بيعه الا أنه فاسد، فقد تقدم انها ضعيفة السند، وأشرنا ايضا الى عدم الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة بيعه. على أن المراد بالحرمة فيها ما يعرض على الشئ بعنوانه الذاتي الاولى فلا تشمل الاشياء المحرمة بواسطة عروض امر خارجي، والا للزم القول بحرمة بيع الاشياء المباحة إذا عرضتها النجاسة أو غيرها مما يوجب حرمتها العرضية. وأما انتفاء المالية، ففيه ان العصير العنبي المغلي من الاموال الخطيرة في نظر الشارع والعرف، ولذا لو أتلفه احد لضمنه كما عرفته، على أن الظاهر ان المالية لا تعتبر في صحة المعاوضة على الشئ. وأما الناحية الثانية، فقد استدل على حرمة بيعه بروايات: منها: قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الهيثم انه: إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه (1)، فان البيع من جملة الخير المنفي فلا يجوز. وفيه اولا: انها رواية مرسلة فلا تصلح للاستناد إليها في الاحكام الشرعية، وثانيا: انها بعيدة عن حرمة البيع لظهور السؤال في حرمة الشرب فقط فلا تشمل البيع. ومنها: قوله (عليه السلام) في رواية أبي كهمس: وان غلى فلا يحل بيعه (2)،


1 - عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه، فقال: إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقي ثلثه (الكافي 6: 419، التهذيب 9: 120، عنهما الوسائل 25: 285)، مرسلة. 2 - عن أبي كهمس قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن العصير فقال: لي كرم أنا أعصره كل سنة واجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي، قال: لا بأس به، وان غلى فلا يحل بيعه، ثم قال: هو ذا نحن نبيع ثمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا (التهذيب 7: 138، الاستبصار 3: 106، عنهما الوسائل 17: 231)، مجهولة لابي كهمس. في رجال المامقاني في فصل الكني (3: 32): كهمس - بالكاف المفتوحة والهاء الساكنة والميم المفتوحة والسين المهملة - من اسماء الاسد، قاله الليث، والرجل القبيح الوجه، عن ابن خاويه، والناقة الكوماء، وهي العظيمة السنام، عن ابن عباد، نص على ذلك كله في التاج، وفي الصحاح: ان الكهمس القصير، وأبو حى من العرب، وأبو كهمس كنية الهيثم بن عبد الله، وظاهر النقد كونهما رجلين، والظاهر الاتحاد، وهو كنية قاسم بن عبيد ايضا - انتهى. أقول: في التهذيب في كتاب الطلاق: أبو كهمس اسمه هيثم بن عبيد.

[ 176 ]

فان ظاهرها نفي الحلية المطلقة، تكليفية كانت ام وضعية، فتدل على حرمة بيع العصير إذا غلى ولم يذهب ثلثاه. وفيه اولا: انها ضعيفة السند، وثانيا: ان ظهورها في غليان العصير بنفسه لا بالنار فتكون غريبة عما نحن فيه وراجعة الى القسم الاول من العصير، وقد عرفت من بعض القدماء ومن شيخ الشريعة ان الطهارة والحلية فيه لا تحصلان الا بصيرورته خلا، على أن الظاهر من الحلية فيها بقرينة الصدر والذيل هي التكليفية فقط دون الوضعية وحدها أو ما هو اعم منها ومن التكليفية. اذن فالرواية ناظرة الى حرمة بيع العصير للشرب، فان اشراب النجس أو المتنجس للمسلم حرام، واما حرمة بيعه للدبس ونحوه فلا يستفاد منها. ثم لا يخفى ان قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا، انما هو لدفع وسوسة السائل من تجويز الامام (عليه السلام) بيع العصير قبل الغليان وان كان المشتري ممن يصنعه خمرا، وسيأتي في مبحث بيع العنب ممن يجعله خمرا تعليل الامام (عليه السلام) جواز

[ 177 ]

البيع بقوله: بعته حلالا فجعله حراما فأبعده الله، وقد تكرر ذلك في جملة من الروايات. ومنها: ما في رواية أبي بصير، من قوله (عليه السلام): إذا بعته قبل أن يكون خمرا، وهو حلال فلا بأس (1)، فان منطوقها يدل على جواز بيع العصير قبل صيرورته خمرا، ومفهومها يدل على عدم جواز البيع بعد حرمة العصير بالغليان. وفيه اولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان راويها أبا بصير مشترك بين اثنين وكلاهما كوفي ومن اهل الثقة، ومن المقطوع به ان بيع العصير العنبي لم يتعارف في الكوفة في زماننا هذا مع نقل العنب إليها من الخارج فضلا عن زمان الراوي الذي كان العنب فيه قليلا جدا. وعليه فالمسؤول عنه هو حكم العصير التمري الذي ذهب المشهور الى حليته حتى بعد الغليان ما لم يصر خمرا، فلا يستفاد من الرواية الا حرمة بيع الخمر وجواز بيع العصير التمري قبل كونه خمرا، فتكون غريبة عن محل الكلام. وان أبيت عن ذلك فلا اشكال في انها غير مختصة بالعصير العنبي، فغاية الامر ان تكون الرواية شاملة لكلا العصيرين، الا أنه لا بد من التخصيص بالتمري، لان ظاهر قوله (عليه السلام): وهو حلال، هو ان العصير قبل كونه خمرا حلال ولو كان مغليا، ومن الواضح ان هذا يختص بالتمري دون العنبي.


1 - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا، قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا وهو حلال فلا بأس (الكافي 5: 231، التهذيب 7: 136، الاستبصار 3: 105، عنهم الوسائل 17: 230)، ضعيفة لقاسم بن محمد.

[ 178 ]

قوله: والظاهر انه اراد بيع العصير للشرب من غير التثليث. أقول: قد حكي المصنف عن المحقق الثاني في حاشية الارشاد (1) انه: لو تنجس العصير ونحوه فهل يجوز بيعه على من يستحله فيه اشكال، ثم ذكر المحقق الثاني: ان الاقوى العدم لعموم: ولا تعاونوا على الاثم و العدوان (2). وقد استظهر المصنف من كلامه هذا انه اراد بيع العصير للشرب من غير التثليث، الا ان الذي يظهر لنا منه انه اراد من العصير مطلق المعتصرات كعصير الفواكه وغيره، ويدل على أن هذا هو المراد من كلامه وجهان: 1 - عطف كلمة: نحوه على العصير، فان الظاهر ان المراد منها مطلق المايعات المضافة، فلا بد وأن يكون المراد من العصير مطلق المعتصرات، إذ لا خصوصية للعصير العنبي في المقام. 2 - تقييده جواز البيع بمن يستحل، إذ لو كان مراده خصوص العصير العنبي فقط لكان ذلك التقييد لغوا لجواز بيعه من غير المستحل ايضا، فقد عرفت حليته وطهارته وجواز الانتفاع به على وجه الاطلاق بعد ذهاب ثلثيه. ويؤيد ذلك ما استدل به المحقق الثاني على حرمة البيع من حرمة الاعانة على الاثم، فان العصير العنبي وان كان يتنجس ويحرم بمجرد الغليان الا أنه يطهر ويحل بذهاب ثلثيه، فلا يكون بيعه من غير المستحل اعانة على الاثم، ويستكشف من ذلك ان غرضه من العصير هو ما ذكرناه.


1 - حاشية الارشاد: 204 (مخطوط). 2 - المائدة: 2.

[ 179 ]

المسألة (12) جواز المعاوضة على الدهن المتنجس قوله: يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس. أقول: المعروف بين الاصحاب هو جواز المعاوضة على الدهن المتنجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة. بل في الخلاف دعوى الاجماع على ذلك، قال: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه مطلقا (1)، وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم (2). وعن الحنابلة ايضا لا يجوز، الا أن الظاهر من اخبار العامة جواز ذلك (3) لاطباقها على جواز الانتفاع به، بل في بعضها ذكر جواز البيع صريحا (4).


1 - فقه المذاهب (2: 232) عن الحنفية: يجوز أن يبيع دهنا متنجسا ليستعمله في الدبغ والاستضاءة به في غير المسجد، وفي (2: 231) عن المالكية: لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور وذهب بعضهم الى الجواز، وعن الحنابلة: الدهن الذي سقطت فيه نجاسة فانه لا يحل بيعه. وفي هامش سنن البيهقي (6: 13) في قواعد ابن الرشد اختلفوا في الزيت النجس ونحوه بعد اتفاقهم على تحريم أكله، فمنعه مالك والشافعي، وجوزه أبو حنيفة وابن وهب إذا بين، وفي نوادر الفقهاء: أجمع الصحابة على جواز بيع زيت ونحوه تنجس بموت شئ فيه إذا بين ذلك. 2 - الخلاف 3: 187. 3 - راجع سنن البيهقى 9: 354. 4 - في هامش سنن البيهقي (6: 13) عن ابن عمران قال: سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفأرة أفنبيعه، قال نعم.

[ 180 ]

قوله: وجعل هذا من المستثنى عن بيع الاعيان النجسة. أقول: حاصل كلامه ان مسألة المعاوضة على الدهن للاستصباح انما يمكن جعلها من المستثنى من حرمة بيع الاعيان النجسة، إذا قلنا بحرمة الانتفاع بالمتنجس الا ما خرج بالدليل، أو قلنا بحرمة بيع المتنجس وان جاز الانتفاع به منفعة محللة مقصودة، والا فيكون الاستثناء منقطعا لعدم دخول بيع الدهن المتنجس ولا غيره من المتنجسات القابلة للانتفاع بها في المستثنى منه، وقد تقدم ان المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس الا من حيث حرمة المنفعة المقصودة، فإذا فرض حلها فلا مانع من البيع. وفيه اولا: انه قد تقدم مرارا عديدة ان النجاسة بما هي نجاسة لا تمنع عن البيع الا إذا استلزمت حرمة الانتفاع بالنجس من جميع الجهات، وقد اعترف المصنف هنا وفي مسألة بيع الميتة الحكم الاول، وقد تقدم ايضا ان النجاسة لا تمنع عن الانتفاع بالنجس لو كان له نفع محلل. بل وستعرف ان مقتضى الاصل انما هو جواز الانتفاع بالاعيان النجسة فضلا عن المتنجسات، واذن فلا مناص عن كون الاستثناء منقطعا لامتصلا. وثانيا: انا لا نعرف وجها لابتناء كون الاستثناء متصلا على حرمة الانتفاع بالمتنجس، إذ العنوان في المستثنى والمستثنى منه انما هو حرمة بيع النجس أو المتنجس من حيث هما كذلك، ولم يقيد بحرمة الانتفاع بهما. نعم يجوز تعليل جواز البيع أو حرمته بجواز الانتفاع بهما أو حرمته، وعليه فتكون حرمة الانتفاع بهما من علل التشريع لحرمة بيعهما ومن قبيل الواسطة في الثبوت لذلك.

[ 181 ]

وقد ظهر مما ذكرناه ان القاعدة الاولية تقتضي جواز بيع الدهن المتنجس بلا احتياج الى الروايات، كما انها تقتضي حرمة بيعه وعدم جواز الانتفاع به لو قلنا بمانعية النجاسة عن البيع وعدم جواز الانتفاع بالمتنجس. وثالثا: ان جعل المصنف المعاوضة على الاعيان المتنجسة من جملة المسائل الثمانية، وان كان يقتضي اتصال الاستثناء وشمول المستثنى منه للنجس والمتنجس كليهما، الا أن تخصيصه الكلام في عنوان هذه المسائل الثمانية بالاكتساب بالاعيان النجسة عدا ما استثنى يقتضي انقطاع الاستثناء، سواء قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجس ام لم نقل، وعليه فذكر مسألة المعاوضة على الاعيان المتنجسة في عداد المعاوضة على الاعيان النجسة من باب الاستطراد. تأسيس: لا يخفى ان الروايات الواردة في بيع الدهن المتنجس على طوائف: الاولى ما دل على جواز بيعه مقيدا باعلام المشتري (1)، الثانية ما دل على


1 - ابن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به (الكافي 6: 261، التهذيب 9: 85، عنهما الوسائل 17: 97)، موثقة للحسن بن محمد بن سماعة. أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: ان كان جامدا فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقي، وان كان ذائبا فاسرج به واعلمهم إذا بعته (التهذيب 7: 129، عنه الوسائل 17: 95)، مجهولة للحسن بن رباط. عن اسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله سعيد الاعرج السمان وانا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفارة فتموت كيف يصنع به، قال: أما الزيت فلاتبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج - الخبر (قرب الاسناد: 60، عنه الوسائل 17: 98)، ضعيفة لمحمد بن خالد.

[ 182 ]

جواز البيع من غير تقييد بالاعلام، كرواية الجعفريات الدالة على جواز بيع الدهن المتنجس لجعله صابونا (1)، الثالثة ما دل على عدم جواز بيعه مطلقا (2). ومقتضى القاعدة تخصيص الطائفة الثالثة الدالة على عدم الجواز بما دل على جواز البيع مع الاعلام، وبعد التخصيص تنقلب نسبتها الى الطائفة الثانية الدالة على جواز البيع مطلقا، فتكون مقيدة لها لا محالة، فيحكم بجواز بيعه مع الاعلام دون عدمه، وعلى هذا فيجب الاعلام بالنجاسة مقدمة لذلك. ولا يخفى ان وجوب الاعلام على ما يظهر من ديله انما هو لاجل ان لا يقع المشتري في محذور النجاسة، إذ قد يستعمل الدهن المتنجس


1 - عن علي (عليه السلام) انه سئل عن الزيت يقع فيه شئ له دم فيموت، قال: الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا (الجعفريات: 26، عنه المستدرك 13: 72)، وعن الراوندي مثله. أقول: قد اشرنا مرارا عديدة الى وثاقة كتاب الاشعثيات المسمى بالجعفريات، ولكن تبين اخيرا لسيدنا الاستاذ ادام الله ايام افاضاته ان الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة، فان من جملة رواته موسى بن اسماعيل، وهو مجهول الحال في كتب الرجال، ومهما بالغ المحدث النوري في اعتباره وتوثيق رواته الا أن ما افاده لا يرجع الى معنى محصل تركن إليه النفس ويطمئن به القلب. 2 - عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فأرة، قال: لا تدهن به ولا تبعه من مسلم. (قرب الاسناد: 112، عنه الوسائل 17: 100)، مجهولة لعبد الله ابن الحسن. عن علي (عليه السلام) قال: وان كان شيئا مات في الادام وفيه الدم في العسل أو في زيت أو في السمن ان كان ذائبا فلا يؤكل يسرج به ولا يباع (الجعفريات: 26، عنه المستدرك 13: 71)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. عنهم (عليهم السلام): إذا وقعت (الدابة) فيه (الادام) فماتت لم يؤكل ولم يبع ولم يشتر (دعائم الاسلام 1: 122، عنه المستدرك 13: 72)،

[ 183 ]

فيما هو مشروط بالطهارة لجهله بالحال، وعليه فلو باع المتنجس الذي ليس من شأنه أن يستعمل فيما يشترط بالطهارة كاللحاف والفرش، فلا يجب الاعلام فيه. قوله: منها الصحيح عن معاوية بن وهب. أقول: لا دلالة في الرواية على جواز البيع ولا على عدمه، بل هي دالة على جواز اسراج الزيت المتنجس. قوله: ومنها الصحيح عن سعيد الاعرج. أقول: الرواية للحلبي، وهي ايضا دالة على الاسراج، فلا اشعار فيها بحكم البيع بوجه. قوله: وزاد في المحكي عن التهذيب. أقول: بعد ما نقل الشيخ (رحمه الله) رواية ابن وهب المشار إليها الدالة على جواز اسراج الزيت المتنجس قال: وقال في بيع ذلك الزيت (1): تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به، فأشار به الى رواية اخرى لابن وهب، وهي الرواية المتقدمة الدالة على جواز بيع ذلك الزيت مع الاعلام، اذن فلا وجه لجعل هذه العبارة رواية كما صنعه المصنف، وانما هي من كلام الشيخ (رحمه الله). عدم اشتراط الاستصباح في صحة بيع الدهن المتنجس: قوله: إذا عرفت هذا فالاشكال يقع في مواضع: الاول: أقول: ما قيل أو يمكن أن يقال في حكم بيع الدهن المتنجس وجوه بل اقوال:


1 - التهذيب 9: 85.

[ 184 ]

1 - جواز بيعه على أن يشترط على المشتري الاستصباح، كما استظهره المصنف من عبارة السرائر (1). 2 - جوازه مع قصد المتبايعين الاستصباح وان لم يستصبح به بالفعل، كما استظهره المصفف من الخلاف (2). 3 - جواز بيعه بشرط ان لا يقصد المتبايعان في جواز بيعه المنافع المحرمة وان كانت نادرة، سواء قصدا مع ذلك المنافع المحللة ام لا. 4 - صحة بيعه مع قصد المنفعة المحللة الا إذا كانت شايعة، فلا يعتبر في صحة البيع ذلك القصد. 5 - جواز بيعه على وجه الاطلاق من غير اعتبار شئ من القيود المذكورة. 6 - اشتراط تحقق الاستصباح به خارجا في جواز بيعه، كما استظهره المحقق الايرواني من عبارتي الخلاف والسرائر، وجعلهما اجنبيتان عما ذكره المصنف (رحمه الله) (3). وقد اختار في المتن الوجه الرابع في مطلع كلامه، وقال: يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح، واختار الوجه الثالث في آخر كلامه وقال: نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة. والذي تقتضيه القواعد مع الاغماض عن الروايات هو الوجه الخامس، ولنبدأ بذكر ما اختاره المصنف، وذكر ما يرد عليه من الاشكال، وسيظهر من ذلك وجه القول المختار، فنقول: ملخص كلامه ان مالية الاشياء عند العرف والشرع انما هي باعتبار


1 - السرائر 2: 222. 2 - الخلاف 3: 187، المسألة: 312. 3 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 7.

[ 185 ]

منافعها المحللة الظاهرة المقصودة منها، لا باعتبار مطلق الفوائد ولو كانت غير ملحوظة في ماليتها أو كانت نادرة الحصول، ولا باعتبار المنافع الملحوظة إذا كانت محرمة. وعليه فإذا فرض ان الشئ لم تكن له فائدة محللة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه، لا مطلقا لانصراف الاطلاق الى كون الثمن بازاء المنافع المقصودة منه والمفروض حرمتها فيكون اكلا للمال بالباطل، ولا مع قصد الفائدة المحللة النادرة، فان قصدها لا يوجب المالية مع حرمة منفعته الظاهرة. نعم لو دل نص خارجي على جواز بيعه كما فيما نحن فيه لوجب حمله على ما إذا قصد المتبايعان المنفعة النادرة، فانها وان لم توجب المالية بحسب نفسها ولكن توجبها بحكم الشارع فلا يكون اكلا للمال بالباطل كما أن حكمه قد يوجب سلب المالية في بعض الاحيان، كما في الخمر والخنزير فيكون أكل المال في مقابلهما أكلا له بالباطل، وهكذا لو لم تقصد المنفعة النادرة في الصورة المتقدمة، فان المال في هذه الصورة يقع في مقابل المنفعة الظاهرة المحرمة. وفيه: ان جميع الادهان ولو كانت من العطور مشتركة في أن الاطلاء والاستصباح بها أو جعلها صابونا من منافعها المحللة الظاهرة، وانها دخيلة في مالية الدهن، غاية الامر ان تفوق بعض منافعها كالاكل فيما قصد منه اكله والشم فيما قصد منه شمه أوجب لها زيادة في المالية، وأوجب الحاق المنافع الاخر المغفول عنها بالمنافع النادرة، وان كانت في نفسها من المنافع الظاهرة، لان اختلاف المرتبة في المنفعة بمجرده لا يجعل المرتبة النازلة من المنافع نادرة في حد ذاتها، وان خفيت في نظر أهل العرف.

[ 186 ]

وعليه فالمرتفع من منافع الدهن إذا تنجس انما هو خصوص اباحة اكله وأما ما سواها من المنافع فهو باق على حاله. وعلى الجملة انتفاء بعض المنافع الظاهرة المعروفة عن الاشياء كذهاب رائحة الادهان العطرية وعروض حرمة الاكل لما قصد منه اكله من الادهان لا يوجب انتفاء ماليتها بالكلية، بل هي موجودة فيها باعتبار منافعها الاخر الظاهرة وان كانت غير معروفة، ومن هنا يتوجه الحكم بالضمان إذا غصبها غاصب أو أتلفها متلف للسيرة القطعية العقلائية ولدليل اليد. واذن فلا وجه لجعل الاستصباح من المنافع النادرة للدهن بل هو كغيره من المنافع الظاهرة، فان اعتبر قصدها في صحة البيع اعتبر مطلقا وان لم يعتبر ذلك لم يعتبر مطلقا. وأما المنافع النادرة للشئ فانها لا توجب ماليته، فكيف يقال باعتبار قصدها في صحة بيعه ولا نظن ان احدا يلتزم بمالية الكوز المصنوع من الطين المتنجس بلحاظ الانتفاع بخزفه في البناء، على أنه لا دليل على اعتبار اصل القصد وجودا وعدما في صحة البيع. قوله: نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة. أقول: أشار به الى الوجه الثالث، ويرد عليه: ان مالية الاشياء قائمة بها بما لها من المنافع حسب رغبات العقلاء، إذ الرغبة فيها لا تكون الا لاجل منافعها، فالمنافع المترتبة عليها من قبيل الجهات التعليلية، بمعنى ان رغبة العقلاء فيها ليس الا لاجل منافعها الموجودة فيها، وحينئذ فبذل المال انما هو بازاء نفس العين فقط، وعلة ذلك البذل هي المنافع. وعليه فلو قصد البايع المنفعة المحرمة لم يلزم منه بطلان البيع فقد

[ 187 ]

عرفت ان مالية الاشياء قائمة بذواتها وان المنافع المترتبة عليها من قبيل العلل والدواعي، فحرمة بعض المنافع لا توجب حرمة المعاملة على الاشياء إذا كانت حلالا بلحاظ المنافع الاخر، ومثال ذلك صحة بيع العنب ممن يجعله خمرا، وسيأتي البحث فيه. وبعبارة واضحة الثمن انما يقع بازاء العين دون المنافع، غاية الامر ان ترتب المنفعة عليها غاية للشراء وداع إليه، فحرمة المنفعة المشروطة عليه لا توجب بطلان البيع ما لم يكن الثمن بازائها. ومما يدلنا على ذلك انه إذا استوفى المشتري منافع المال الاخرى غير هذه التي اشترطت عليه في البيع أو التي انصرف إليها الاطلاق لم يبطل البيع، ولا يكون هذا التصرف منه بغير استحقاق. ومما ذكرناه تجلى ان أكل الثمن في مقابله ليس اكلا للمال بالباطل كما في المتن، فانه مضافا الى ما تقدم من كون الاية اجنبية عن شرائط العوضين، وانما هي ناظرة الى حصر المعاملات الصحيحة بالتجارة عن تراض وناهية عن الاسباب الباطلة لها، ان اشتراط المنفعة المحرمة لا يوجب كون الثمن بازائها لكي يكون اكل المال في مقابلها اكلا له بالباطل، إذ الشروط لا تقابل بالثمن، وسيأتي ذلك في مبحث الشروط ان شاء الله. قوله: والا فسد العقد بفساد الشرط. أقول: يرد عليه ان العقد لا يفسد باشتراط الشرط الفاسد فيه، وقد اختاره المصنف في باب الشروط، والوجه فيه ان الالتزام الشرطي امر آخر وراء الالتزام العقدي فلا يستلزم فساده فساد العقد، وعليه فلا وجه للالتزام ببطلان العقد في المقام باشتراط المنفعة المحرمة فيه، لانه من صغريات الكبرى المذكورة.

[ 188 ]

قوله: بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد وان لم يشترط في متن العقد. أقول: يرد عليه ما ذكرناه سابقا، من أن بذل المال انما هو بازاء نفس العين، والمنافع المترتبة عليها من قبيل الجهات التعليلية، ثم لنسلم انا قد التزمنا ببطلان العقد باشتراط المنفعة المحرمة فلا مجال للالتزام بالبطلان بمجرد القصد بعد ما لم يكن مذكورا في العقد، إذ لا عبرة بالقصد الساذج إذا لم يكن شرطا في ضمن العقد. وقد انجلى مما حققناه بطلان سائر الوجوه والاقوال بأجمعها، هذا كله بحسب ما تقتضيه القواعد. وأما بحسب الروايات، فقد يقال بلزوم قصد الاستصباح في بيع ذلك الدهن، لقول الصادق (عليه السلام) في رواية ابن وهب: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به، ولقوله (عليه السلام) في رواية اسماعيل بن عبد الخالق: أما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج، فانهما ظاهرتان في تقييد جواز البيع بقصد الاستصباح، بل بالغ بعضهم وقال: ان الرواية الثانية صريحة في ذلك، بدعوى حصر جواز البيع فيها بصورة الشراء للاسراج فقط. وفيه اولا: ان الرواية الثانية ضعيفة السند كما تقدم. وثانيا: ان الظهور البدوي في الروايتين وان كان ذلك، ولكن الذي يظهر بعد التأمل في مدلولهما هو ان الاستصباح والاسراج من فوائد التبيين ومتفرعاته، وقد اخذ غاية لذلك لكي لا يقع المشتري في محذور النجاسة باستعماله الدهن المتنجس فيما هو مشروط بالطهارة كالاكل ونحوه، اذن فلا دلالة في الروايتين على أن اعتبار قصد الاستصباح من شرائط البيع. وثالثا: ان التوهم المذكور مبني على جعل الامر بالبيان في الروايتين

[ 189 ]

للارشاد الى الاستصباح بالدهن وليس كذلك، لان الاوامر والنواهي انما تحمل على الارشاد إذا اكتنفت بالقرائن الصارفة عن ظهور الامر في الوجوب وعن ظهور النهي في التحريم، سواء أكانت القرائن حالية ام مقالية، وسواء أكانت عامة ام خاصة كالاوامر والنواهي المتعلقة بأجزاء الصلاة وشرائطها، وكالاوامر والنواهي الواردة في أبواب المعاملات كقوله تعالى: اوفوا بالعقود (1)، وكالنهي عن بيع ما ليس عندك، والنهي عن بيع الغرر، وسيأتي البحث عنها في مواضعها. وأما فيما نحن فيه، فلا قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الامر بالبيان في الوجوب النفسي وحمله على الارشاد. قوله: كما يؤمي الى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية وبيعها. أقول: وجه الايماء دلالتها على بطلان بيع الجارية المغنية إذا كان لاجل الغناء، فتكون مؤيدة لما ذكره، من كون قصد المنفعة المحرمة موجبا لبطلان البيع وان لم يشترط في ضمن العقد، وسيأتي الكلام في تلك الروايات (2). وقوله: في رواية الاعرج المتقدمة. أقول: ليست الرواية للاعرج وليس متنها هو الذي ذكره المصنف (رحمه الله)، وقد عرفت ذلك في اول المسألة (3).


1 - المائدة: 1. 2 - عن الصدوق قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل، التي ليست بغناء، فاما الغناء فمحظور (الفقيه 4: 42، عنه الوسائل 17: 122)، مرسلة. 3 - الرواية لاسماعيل بن عبد الخالق، ومتنها هكذا: عن اسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله سعيد الاعرج السمان وانا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفارة فتموت كيف يصنع به، قال: أما الزيت فلاتبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج - الخبر (قرب الاسناد: 60، عنه الوسائل 17: 98)، ضعيفة لمحمد بن خالد.

[ 190 ]

وجوب الاعلام بنجاسة الدهن عند البيع: قوله: الثاني: ان ظاهر بعض الاخبار وجوب الاعلام. أقول: قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجوب اعلام المشتري بنجاسة الدهن وعدم وجوبه، وعلى الاول فهل يجب مطلقا أو فيما إذا كان المشتري بصدد الاستعمال للدهن فيما هو مشروط بالطهارة، وعلى التقديرين فهل الوجوب المذكور نفسي ام شرطي، بمعنى اعتبار اشتراطه في صحة البيع وجوه. المصرح به في كلامهم هو الوجوب مطلقا، وقد تقدم في عنوان المسألة نقل صاحب الحاشية على سنن البيهقي عن بعض العامة دعوى الاجماع على ذلك، واستشهد على ذلك ايضا بما نقله من الرواية (1). ثم لا يخفى ان موضوع البحث في الاشكال السابق يرجع الى اشتراط البيع بالاستصباح أو بقصده، وأما هنا فموضوع البحث متمحض في بيان وجوب الاعلام وعدم وجوبه مطلقا أو في الجملة نفسيا أو شرطيا. اذن فالنسبة بينهما هي العموم من وجه، لانه قد يكون البيع للاستصباح مع جهل المشتري بالنجاسة وقد يبيعه لغرض آخر غير الاستصباح مع الاعلام بها، وقد يجتمعان بأن يبيعه للاستصباح مع الاعلام بها، وعليه فدعوى اتحاد الشرطين مجازفة.


1 - عن أبي عمران قال: سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفأرة أفنبيعه؟ قالا: نعم، ثم كلوا ثمنه وبينوا لمن يشتريه (هامش سنن البيهقي).

[ 191 ]

قوله: والذي ينبغي أن يقال انه لا اشكال في وجوب الاعلام. أقول: ظاهر كلامه انا إذا اعتبرنا الشرط السابق في بيع الدهن المتنجس فلا مناص لنا عن القول بوجوب الاعلام بنجاسته لتوقف قصد الاستصباح أو اشتراطه على العلم بها وعدم انفكاك احدهما عن الاخر. وفيه: ان كلا من الامرين مستقل بنفسه لا يرتبط بالاخر، نعم قد يجتمعان لما عرفته من النسبة المذكورة. إذا عرفت ذلك فاعلم انه ربما يقال بأن الاعلام بنجاسة الدهن واجب شرطي للبيع، لقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير: وأعلمهم إذا بعته، وفيه: ان ظهور الرواية في ذلك وان كان لا ينكر ولكن يجب رفع اليد عنه لقوله (عليه السلام) في رواية اسماعيل: أما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له، وقوله (عليه السلام) في رواية ابن وهب: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به، إذ الامر بالبيان فيهما ظاهر في الوجوب النفسي، ولا يجوز المصير الى ارادة الوجوب الشرطي منه الا بالقرينة، وهي هنا منتفية، وهكذا الحال في مطلق الاوامر. على أنا وان قلنا بظهور الامر بالبيان في الوجوب الشرطي ابتداء، فان رواية ابن وهب ظاهرة في الوجوب النفسي لوجهين: 1 - ان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها: بعه وبينه لمن اشتراه، ان الاعلام بالنجاسة انما هو بعد وقوع البيع وتحققه، كما يقتضيه التعبير بالماضي بقوله (عليه السلام): لمن اشتراه، ومن الواضح جدا ان البيان بعد البيع لا يكون من شرائطه الا بنحو الشرط المتأخر، وهو في نفسه وان كان جائزا كما حقق في علم الاصول ولكن لم يقل به احد في المقام، وعليه فلا محيص عن ارادة الوجوب النفسي من الامر بالبيان في الرواية، إذ ليس فيها احتمال ثالث.

[ 192 ]

2 - ان الاستصباح قد جعل فيها غاية للبيان وفائدة له، وليس هذا الا لبيان منفعة ذلك الدهن ومورد صرفه لئلا يستعمل فيما هو مشروط بالطهارة، والا فلا ملازمة بينهما بوجه من الوجوه الشرعية والعقلية والعادية، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب الا الوجوب النفسي، ويختص وجوب الاعلام بصورة التسليم فلا يجب مع عدمه أو مع العلم بأن المشتري لا ينتفع به في غير الاستصباح ونحوه مما هو غير مشروط بالطهارة. فتحصل ان بيع الدهن المتنجس مشروط بالاعلام فيكون من صغريات ما ورد في الحديث: ان شرط الله قبل شرطكم (1)، فلا يجوز البيع بدون الاعلام. حرمة تغرير الجاهل والقائه في الحرام الواقعي: قوله: ويشير الى هذه القاعدة كثير من الاخبار. أقول: لما كان بيع الدهن المتنجس من المسلم قد يوجب القاءا له في الحرام الواقعي حكم بحرمته في الشريعة المقدسة، فانه يستفاد من مذاق الشارع حرمة القاء الغير في الحرام الواقعي. ويدل على صدق هذه الكبرى الكلية، مضافا الى ما ذكرناه من وجوب الاعلام ما ورد في الاخبار الكثيرة في مواضع شتى الدالة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات:


1 - محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة وشرط لها ان هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك ان شرط الله قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بالشرط وان شاء أمسكها، واتخذ عليها ونكح عليها (التهذيب 8: 51)، موثقة لعلي بن الحسن الفضال.

[ 193 ]

منها: ما دل (1) على حرمة الافتاء بغير علم ولحوق وزر العامل به للمفتي، فان ثبوت ذلك عليه واستحقاق العقوبة الالهية والمهلكة الابدية انما هو لوجهين: أحدهما: افتراؤه على الله، فهو بالضرورة من المحرمات الذاتية والمبغوضات الالهية، وقد توافق العقل والنقل على حرمته. وثانيهما: التغرير والتسبيب والقاء المسلم في الحرام الواقعي، وهو ايضا حرام في الشريعة المقدسة. ومنها: ما دل (2) على ثبوت أوزار المأمومين واثمهم على الامام في


1 - أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه (الكافي 1: 42، التهذيب 6: 223)، صحيحة. عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم، ومن أفتى بغير علم كان اثمه على من أفتاه (سنن البيهقي 10: 116). أقول: قد تواترت الروايات من الفريقين على ذلك، ولكن خالفها أهل السنة في اصولهم وفروعهم. 2 - كتاب الغارات باسناده عن كتاب علي (عليه السلام): كتب امير المؤمنين (عليه السلام) الى محمد بن أبي بكر: انظر يا محمد صلاتك تصليها لوقتها، فانه ليس من امام يصلي بقوم فيكون في صلاته نقص الا كانت عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم. قال المجلسي (رحمه الله): في رواية ابن أبي الحديد: وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها فانما انت امام ينبغي لك أن تتمها، وأن تخففها، وأن تصليها لوقتها، فانه ليس من امام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص الا كان اثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا. وزاد في تحف العقول هكذا: ثم انظر صلاتك كيف هي، فانك امام وليس من امام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير الا كان عليه أوزارهم، ولا ينقص من صلاتهم شئ، ولا يتمها الا كان له مثل اجورهم، ولا ينقص من اجورهم شئ (الغارات 1: 233، تحف العقول: 179، الامالي للشيخ المفيد: 260، الامالي للشيخ الطوسي 1: 24، شرح النهج لابن أبي الحديد 15: 165)، مجهولة لابراهيم بن حسن وعباية وغيرهما. ويظهر ذلك من جملة من روايات العامة: منها ما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم، ومن نقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم (سنن البيهقي 3: 127).

[ 194 ]

تقصير نشأ من تقصير الامام، فيدل على حرمة تغرير الجاهل بالحكم والقائه في الحرام الواقعي. ومنها: الروايات (1) المتضمنة لكراهة اطعام الاطعمة والاشربة المحرمة للبهيمة، فقد استشعر منها المصنف حرمة ذلك بالنسبة الى المكلف فتكون مؤيدة للمدعي. وفيه: انا إذا قلنا بالتعدي عن مورد الروايات لثبتت الكراهة أو الكراهة المغلظة في ذلك بالنسبة الى المكلف بالاولوية القطعية، وأما الحرمة فلا. ومنها: ما دل (2) على ضمان الامام صلاة المأمومين إذا صلى بهم جنبا أو على غير طهر، ومعنى الضمان هنا هو الحكم بوجوب الاعادة على


1 - عن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان امير المؤمنين (عليه السلام) كره ان تسقي الدواب الخمر (الكافي 6: 430، التهذيب 9: 114، عنهما الوسائل 25: 308)، موثقة لغياث بن ابراهيم. أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن البهيمة البقرة وغيرها تسقي أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك، قال: نعم يكره ذلك (التهذيب 9: 114، عنه الوسائل 25: 308)، ضعيفة للحسن بن علي بن أبي حمزة. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه نهى ان تسقي الاطفال والبهائم، وقال (صلى الله عليه وآله): الاثم على من سقاها (دعائم الاسلام 2: 133، عنه المستدرك 17: 51)، ضعيفة. 2 - معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون أنه يضمن، فقال: لا يضمن أي شئ ضمن الا أن يصلي بهم جنبا أو على غير طهر (التهذيب 3: 277، عنه الوسائل 8: 373)، صحيحة.

[ 195 ]

الامام دون المأمومين وتحمله كل وزر يحدث على المأمومين من جهة النقص إذا كان عالما. ومنها: ما دل (1) على حرمة سقى الخمر للصبي والكفار، وان على الساقي كوزر من شربها، وإذا كان التسبيب والتغرير بالاضافة الى الصبي والكفار حراما فهو اولى بالحرمة في غير الصبي والكفار. ومنها: الاخبار الامرة باهراق المايعات المتنجسة، وسيأتي التعرض لها في حكم الانتفاع بالمتنجس. ومنها: الاخبار الدالة على حرمة ارتكاب المحرمات، فانه لا فرق في ايجاد المحرم بين الايجاد بالمباشرة أو بالتسبيب. ويؤيد ما ذكرناه ما ورد في جواز بيع العجين المتنجس (2) من مستحل


1 - في عقاب الاعمال باسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث: ومن سقاها - اي الخمر - يهوديا أو نصرانيا أو صابيا، أو من كان من الناس، فعليه كوزر من شربها (عقاب الاعمال: 336، عنه الوسائل 25: 309)، مجهولة لجهالة كثير من رواتها كموسى بن عمران ويزيد بن عمر و غيرهما. وفي الخصال باسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الاربعمائة قال: من سقى صبيا مسكرا وهو لا يعقل حبسه الله عزوجل في طينة خبال (الخصال 2: 635، عنه الوسائل 25: 309)، ضعيفة لقاسم بن يحيى. ومثله في سنن البيهقي، وفيه: قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله، قال: صديد أهل النار (سنن البيهقي 8: 288). جامع الاخبار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال في حديث في الخمر: ألا ومن سقاها غيره يهوديا أو نصرانيا أو امرأة أو صبيا أو من كان من الناس، فعليه كوزر من شربها (جامع الاخبار: 177، عنه المستدرك 17: 51). 2 - ابن محبوب عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن بعض اصحابنا قال: وما أحسبه الا حفص بن البختري، قال: قيل لابي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل الميتة (التهذيب 1: 414، الاستبصار 1: 29، عنهما الوسائل 17: 100)، صحيحة لو كان المراد ببعض اصحابنا هو حفص بن البختري كما هو الظاهر، والا فهي مرسلة.

[ 196 ]

الميتة دون غيره، وما ورد من الاخبار الدالة على حرمة بيع المذكى المختلط بالميتة وانه يرمى بهما الى الكلاب، وقد تقدم ذكرها في مبحث بيع الميتة، وما يدل على جواز اطعام المرق المتنجس لاهل الذمة أو الكلاب، وقد تقدم ذلك ايضا في المبحث المذكور. قوله: ويؤيده ان اكل الحرام وشربه من القبيح ولو في حق الجاهل. أقول: توضيح كلامه: ان الاحكام الواقعية كما حقق في محله ليست مقيدة بعلم المكلفين والا لزم التصويب المستحيل أو الباطل، فالاحكام الواقعية وملاكاتها شاملة لحالتي العلم والجهل، ثم ان غرض الشارع من بعث المكلفين نحوها وتكليفهم بها ليس الا امتثالها بالاتيان بالواجبات وترك المحرمات، حتى لا يوجد ما هو مبغوض للشارع ولا يترك ما هو مطلوب. ونتيجة المقدمتين ان المكلف الملتفت كما يحرم عليه مخالفة التكاليف الالزامية من ارتكاب المحرمات وترك الواجبات فكذلك يحرم عليه التسبيب الى مخالفتها بالقاء الجاهل في الحرام الواقعي، لان مناط الحرمة في ذلك انما هو تفويت غرض المولى بايجاد المفسدة وترك المصلحة الملزمتين، وهذا المناط موجود في كلتا الصورتين فالادلة الاولية كما تقتضي حرمة مخالفة التكاليف الالزامية بالمباشرة فكذلك تقتضي حرمة مخالفتها بالتسبيب. وبعبارة اخرى قد ذكرنا في علم الاصول في الكلام على حديث الرفع

[ 197 ]

ان المرفوع عن المكلفين عند جهلهم بالتكاليف الواقعية ليس الا خصوص الالزام الظاهري والعقاب الذي تستلزمه مخالفة الواقع، وأما الاحكام الواقعية وملاكاتها فهي باقية على حالها، وعليه فتغرير الجاهل بالاحكام الواقعية وان لم يوجب مخالفة المغرور التكاليف الالزامية الا أنه يوجب تفويت غرض الشارع فهو حرام. ومثال ذلك في العرف ان المولى إذا نهى عبيده عن الدخول عليه في وقت خاص عينه لفراغه، فان نهيه هذا يشمل المباشرة والتسبيب، ولذلك لو سبب احد العبيد لدخول احد على مولاه في ذلك الوقت لصح عقابه كما يصح عقابه لو دخل هو بنفسه، لاتحاد الملاك في كلتا الصورتين بحكم الضرورة والبديهة. ومما ذكرناه ظهر لك ان في تعبير المصنف تسامحا واضحا، فانه اتى بلفظ القبيح بدل لفظ الحرمة، ومن الضروري ان القبح يرتفع عند الجهل بالتكليف ولا يلزمه ارتفاع الحرمة، اللهم الا إذا اراد بالقبيح الحرمة ولكنه لا يرفع التسامح. ثم ان الوجوه المتقدمة انما تقتضي حرمة تغرير الجاهل بالاحكام الواقعية فيما إذا كان المغرور في معرض الارتكاب للحرام، والا فلا موضوع للاغراء، ويترتب على ذلك تقييد وجوب الاعلام في بيع الدهن المتنجس بذلك ايضا، فانه انما يجب فيما إذا كان المشتري في معرض الانتفاع به فيما هو مشروط بالطهارة والا فلا دليل على وجوبه. قوله: بل قد يقال بوجوب الاعلام وان لم يكن منه تسبيب. أقول: قد عرفت بما لا مزيد عليه حرمة القاء الجاهل في الحرام الواقعي، وأما لو ارتكبه الجاهل بنفسه من دون تغرير ولا تسبيب من الغير فهل يجب على العالم بالواقع اعلامه بالحال فيه وجهان، فعن

[ 198 ]

العلامة (رحمه الله) في اجوبة المسائل المهنائية التصريح بوجوب الاعلام، حيث سأله السيد المهنا عمن رأى في ثوب المصلي نجاسة، فأجاب بأنه يجب الاعلام لوجوب النهي عن المنكر (1). ولكن يرد عليه: ان ادلة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا كان صدور الفعل من الفاعل منكرا، وفي المقام ليس كذلك، لانا قد فرضنا جهل الفاعل بالواقع. وقد يقال بعدم الوجوب في غير موارد التسبيب لرواية ابن بكير (2)، فانها صريحة في عدم وجوب الاعلام بنجاسة ثوب المصلي. وفيه: ان الرواية اجنبية عما نحن فيه، لان عدم وجوب الاعلام بالنجاسة انما هو لان الطهارة الخبيثة ليست من الشرائط الواقعية للصلاة وانما هي من الشرائط العلمية، لان تنبيه الجاهل واعلامه ليس بواجب على العالم، ويرشدك الى ذلك ان الرواية مختصة بصورة الجهل ولا تشمل صورة النسيان. نعم يمكن الاستدلال عليه على وجه الاطلاق بخبرين آخرين: 1 - خبر محمد بن مسلم، فان الامام (عليه السلام) نهى فيه عن الاعلام بالدم في ثوب المصلي وقال (عليه السلام): لا يؤذنه حتى ينصرف من صلاته (3).


1 - اجوبة المسائل المهنائية: 48، المسألة: 53. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه، فقال: لا يعلمه، قلت: فان أعلمه، قال: يعيد (قرب الاسناد: 79، عنه الوسائل 3: 488)، موثقة لعبد الله بن بكير الفطحي. ولا يخفى ان ذيل الرواية محمول على الاعلام قبل الصلاة، جمعا بينها وبين ما دل على عدم وجوب الاعادة فيما إذا كان بعد الصلاة. 3 - عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألت عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي، قال: لا يؤذنه حتى ينصرف (الكافي 3: 406، التهذيب 2: 361، عنهما الوسائل 3: 474 - 487)، صحيحة.

[ 199 ]

ولا يرد عليه الاشكال المتقدم في رواية ابن بكير، فقد عرفت ان مورد السؤال فيها مختص بصورة الجهل بالواقع فقط، وهذا بخلاف مورد السؤال في هذه الرواية، فانه مطلق يشمل صورتي الجهل والنسيان، ومن الواضح ان الطهارة الخبثية في صورة النسيان من الشرائط الواقعية للصلاة. 2 - خبر عبد الله بن سنان (1)، فانه صريح في عدم وجوب الاعلام في صورة الجهل في غير الصلاة ايضا، وفي هذا الخبر كفاية، وان لم يسلم الخبر السابق من الاشكال المذكور. ومع الاغضاء عما ذكرناه فالمرجع في المقام هو اصالة البراءة، إذ ليس هنا ما يدل على وجوب الاعلام لنخرج به عن حكم الاصل. ثم ان هذا كله إذا لم يكن ما يرتكبه الجاهل من الامور التي اهتم الشارع بحفظها من كل احد، كالدماء والفروج والاحكام الكلية الالهية، كما إذا اعتقد الجاهل ان زيدا مهدور الدم شرعا فتصدى لقتله وهو محترم الدم في الواقع، أو اعتقد ان امرأة يجوز له نكاحها فأراد التزويج بها وكانت في الواقع محرمة عليه، أو غير ذلك من الموارد، فانه يجب على الملتفت اعلام الجاهل في امثال ذلك لكي لا يقع في المحذور، بل تجب مدافعته لو شرع في العمل وان كان فعله من غير شعور والتفات، وأما في غير تلك الموارد فلا دليل عليه بل ربما لا يحسن لكونه ايذاء للمؤمن.


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكت، ثم مسح اللمعة بيده (الكافي 3: 45، عنه الوسائل 3: 487)، صحيحة.

[ 200 ]

قوله: والحاصل ان هنا امورا أربعة. أقول: ملخص كلامه: ان القاء الغير في الحرام الواقعي على أربعة أقسام: 1 - أن يكون فعل أحد الشخصين علة تامة لصدور الحرام من الاخر، كاكراه الغير على الحرام، وهذا مما لا اشكال في حرمته على المكره - بالكسر - وثبوت وزر الحرام عليه. 2 - أن يكون فعل أحدهما سببا لصدور الحرام من الاخر، كاطعام الشئ المحرم للجاهل بحرمته، وهذا ايضا مما لا اشكال في حرمته، فان استناد الفعل الى السبب اولى من استناده الى المباشر، فتكون نسبة الحرام الى السبب اولى، كما يستقر الضمان ايضا على السبب دون المباشر في موارد الاتلاف. ومن هذا القبيل ما نحن فيه أعني بيع الدهن المتنجس ممن لا يعلم بنجاسته من دون بيان. 3 - أن يكون فعل أحدهما شرطا لصدور الحرام من الاخر، وهذا على وجهين: لان عمل الشخص الاول تارة يكون من قبيل ايجاد الداعي للثاني على المعصية، سواء كان باثارة الرغبة الى الحرام في نفس الفاعل بالتحريض والتوصيف ونحوهما، أو بايجاد العناد في قلبه كسب آلهة الكفار الموجب لالقائهم في سب الحق عنادا، واخرى يكون من قبيل ايجاد مقدمة من مقدمات الحرام غير ايجاد الداعي، كبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا. 4 - أن يكون من قبيل رفع المانع، وهو ايضا على وجهين: لان حرمة العمل الصادر من الفاعل اما ان تكون فعلية على اي تقدير، كسكوت الشخص عن المنع من المنكر، ولا اشكال في حرمة السكوت إذا

[ 201 ]

اجتمعت شرائط النهي عن المنكر، واما ان تكون غير فعلية على تقدير وجود المانع، كسكوت الملتفت الى الحرام عن منع الجاهل الذي يريد أن يرتكبه، فان الجاهل ما لم يلتفت الى الحرام لا يكون ارتكابه محرما ليجتمع سكوت الملتفت عن المنع مع الحرمة الفعلية، كما فيما نحن فيه، وهذا الاخير ان كان من الامور المهمة في نظر الشارع حرم السكوت ووجب رفع الحرام والا ففيه اشكال. أقول: هذا التقسيم الذي افاده المصنف (رحمه الله) لا يرجع الى محصل، مضافا الى جريه في اطلاق العلة والمعلول على غير ما هو المصطلح فيهما. والمناسب في المقام تقسيم القاء الغير في الحرام الواقعي على نحو يمكن تطبيقه على القواعد واستفادة حكمه من الروايات، فنقول: ان الكلام قد يقع في بيان الاحكام الواقعية، وقد يقع في اضافة فعل أحد الشخصين الى الشخص الاخر من حيث العلية أو السببية أو الداعوية. أما الاول، فقد يكون الكلام في الاحكام الكلية الالهية، وقد يكون في الاحكام الجزئية المترتبة على الموضوعات الشخصية. أما الاحكام الكلية الالهية فلا ريب في وجوب اعلام الجاهل بها لوجوب تبليغ الاحكام الشرعية على الناس جيلا بعد جيل الى يوم القيامة، وقد دلت عليه آية النفر (1) والروايات الواردة في بذل العلم وتعليمه وتعلمه (2).


1 - قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون - التوبة: 123. 2 - راجع الكافي 1: 32 - 37.

[ 202 ]

وأما الاحكام الجزئية المترتبة على الموضوعات الشخصية فان لم نقل بوجود الدليل على نفي وجوب الاعلام، كالرواية المتقدمة الدالة على صحة الصلاة في الثوب النجس جهلا، وانه لا يجب على المعير اعلام المستعير بالنجاسة، فلا ريب في عدم الدليل على وجوبه، وعلى هذا فلو رأى احد نجاسة في طعام الغير فانه لا يجب عليه اعلامه، كما انه لا يجب تنبيه المصلي إذا صلى بالطهارة الترابية مع الغفلة عن وجود الماء عنده، الا إذا كان ما ارتكبه الجاهل من الامور المهمة فانه يجب اعلام الجاهل بها كما عرفت. وأما الثاني - أعني اضافة فعل احد الشخصين الى الشخص الاخر - فقد يكون فعل احد الشخصين سببا لوقوع الاخر في الحرام، واخرى لا يكون كذلك. أما الاول، فلا شبهة في حرمته، كاكراه الغير على الحرام، وقد جعله المصنف من قبيل العلة والمعلول، والدليل على حرمته هي الادلة الاولية الدالة على حرمة المحرمات، فان العرف لا يفرق في ايجاد مبغوض المولى بين المباشرة والتسبيب. وأما الثاني، فان كان الفعل داعيا الى ايجاد الحرام كان حراما، فانه نحو من ايقاع الغير في الحرام، ومثاله تقديم الطعام المتنجس أو النجس أو المحرم من غير جهة النجاسة الى الجاهل ليأكله، أو توصيف الخمر بأوصاف مشوقة ليشربها، ومن هذا القبيل بيع الدهن المتنجس من دون اعلام بالنجاسة وسب آلهة المشركين الموجب للجرأة على سب الاله الحق، وسب آباء الناس الموجب لسب ابيه. وقد جعل المصنف بعض هذه الامثلة من قبيل السبب، وبعضها من قبيل الشرط، وبعضها من قبيل الداعي، ولكنه لم يجر في جعله هذا

[ 203 ]

على المنهج الصحيح، وقد اشير الى حرمة التسبيب الى الحرام في بعض الايات (1) والروايات (2). وان لم يكن الفعل داعيا الى الحرام، فاما أن يكون مقدمة له واما أن لا يكون كذلك. أما الاول فكاعطاء العصا لمن اراد ضرب اليتيم، فان اعطاءه وان كان مقدمة للحرام الا أنه ليس بداع إليه، والحكم بحرمته يتوقف على امرين: الاول كونه اعانة على الاثم، والثاني ثبوت حرمة الاعانة على الاثم في الشريعة المقدسة، وسيأتي الكلام على ذلك في مبحث بيع العنب ممن يجعله خمرا. وأما الثاني، فكمن ارتكب المحرمات وهو بمرأى من الناس، فان رؤيتهم له عند الارتكاب ليست مقدمة لفعل الحرام، نعم لا بأس بادخاله تحت عنوان النهي عن المنكر فيجب النهي عنه إذا اجتمعت شرائطه.


1 - قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم - الانعام: 108. وفي مجمع البيان طبع صيدا (2: 347): قال قتادة: كان المسلمون يسبون اصنام الكفار فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله، فانهم قوم جهلة. 2 - ابن الحجاج البجلي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابان، فقال: البادي منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر الى المظلوم (الكافي 2: 368، عنه الوسائل 12: 297)، صحيحة. وفي حسنة اخرى باختلاف في صدر السند، قال (عليه السلام): ما لم يتعد المظلوم (الكافي 2: 243، عنه الوسائل 16: 29). أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان رجلا من بني تميم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أوصني، فكان مما أوصاه ان قال: لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة لهم (الكافي 2: 268، عنه الوسائل 12: 297)، صحيحة.

[ 204 ]

لا يخفى ان في كلام المصنف تهافتا واضحا، حيث جعل ما نحن فيه تارة من القسم الثاني واخرى من القسم الرابع، ويمكن توجيهه بوجهين: 1 - أن يراد بالفرض الذي أدخله في القسم الثاني هو فرض الدهن المتنجس، فان اعطائه للغير لا يخلو عن التسبيب الى الحرام الذي سيق هذا القسم لبيان حكمه. وأن يراد بالفرض الذي جعله من القسم الرابع هو فرض الثوب المتنجس كما تقدم في مسألة السيد المهنأ عن العلامة عمن رأى في ثوب المصلي نجاسة، فان القسم الرابع لم يفرض فيه كون فعل شخص سببا لصدور الحرام من الشخص الاخر، بل المفروض فيه كونه من قبيل عدم المانع كسكوت العالم عن اعلام الجاهل، ولا شبهة في مناسبة الثوب المتنجس لذلك. 2 - أن يراد من كلامه الدهن المتنجس في كلا الموردين، مع الالتزام فيهما باختلاف الجهتين، بأن يكون الملحوظ في القسم الثاني كونه تسبيبا لايقاع الجاهل في الحرام والملحوظ في الحاقه بالقسم الرابع هو الحرمة النفسية مع قطع النظر عن التسبيب. قوله: ثم ان بعضهم (1) استدل على وجوب الاعلام بأن النجاسة عيب خفي فيجب اظهارها. أقول: اشكل عليه المصنف (رحمه الله) بوجهين: 1 - أن وجوب الاعلام على القول به ليس مختصا بالمعاوضات بل يشمل مثل الاباحة والهبة من المجانيات. 2 - أن كون النجاسة عيبا ليس الا لكونه منكرا واقعيا وقبيحا، فان


1 - هو المحقق الاردبيلي (رحمه الله) في مجمع الفائدة 8: 36.

[ 205 ]

ثبت ذلك حرم الالقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب اظهار العيب والا لم يكن عيبا، فتأمل. أقول: ان ما أفاده اولا وان كان وجيها الا أن الثاني غير وجيه، فان النجاسة لا ينكر كونها عيبا في الاعيان النجسة والمتنجسة، سواء كانت من القبائح الواقعية ام لم تكن، بل ربما يوجب جهل المشتري بها تضرره، كما إذا اشترى الدهن المتنجس مع جهله بنجاسته ومزجه بدهنه الطاهر ثم اطلع عليها، ولعله لذلك امر بالتأمل. والذي يسهل الخطب انه لا دليل على وجوب اظهار العيب الخفى في المعاملات، وانما الحرام هو غش المؤمن فيها، كما سيأتي في البحث عن حرمة الغش، وعليه فالعيب الخفى ان استلزم الغش في المعاملات وجب رفع الغش والا فلا دليل على وجوبه، ومن المعلوم ان رفع الغش هنا لا ينحصر باظهار العيب الخفي بل يحصل بالتبري عن العيوب أو باشتراط صرفه فيما هو مشروط بالطهارة. ومن هنا يعلم انه لا وجه لتوهم ان النجاسة عيب خفي وجب اظهارها حتى لا يكون غشا للمسلم. ثم ان وجوب الاعلام بالنجاسة فيما إذا كان المشتري مسلما مباليا في أمر الطهارة والنجاسة، وأما إذا كان كافرا أو مسلما غير مبال في الدين فلا يجب الاعلام لكونه لغوا، وان كان الجميع مكلفين بالفروع كتكليفهم بالاصول. جواز استصباح الدهن المتنجس تحت الظلال: قوله: الثالث: المشهور بين الاصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء. أقول: المشهور بين الاصحاب هو جواز الاستضاءة بالدهن المتنجس

[ 206 ]

على وجه الاطلاق، وذهب بعضهم الى جواز الاسراج به تحت السماء، وذهب المشهور من العامة (1) الى جواز الاستصباح به في غير المسجد. ففي أطعمة السرائر: وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2) في كتاب الاطعمة: روى أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدل على أن دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه - الى أن قال: - وأما ما يقطع بنجاسته فقال قوم: دخانه نجس، وهو الذي دل عليه الخبر الذي قدمناه من رواية اصحابنا، وقال آخرون - وهو الاقوى -: انه ليس بنجس. وقال ابن ادريس بعده: ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال لاجل التعبد، ثم قال: ولا يجوز الادهان به ولا استعماله في شئ من الاشياء سوى الاستصباح به تحت السماء، ثم قال: ما ذهب احد من اصحابنا الى أن الاستصباح به تحت الظلال مكروه بل محظور بغير خلاف بينهم، وقول شيخنا أبي جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه الا ما ذكره هنا، فالاخذ بقوله وقول أصحابنا أولى من الاخذ بقوله المتفرد من أقوال أصحابنا (3). أقول: ان الروايات وان استفاضت من الفريقين على جواز اسراج الدهن المتنجس الا انها خالية عن ذكر الاستصباح به تحت السماء فقط، وستأتي الاشارة الى هذه الروايات المستفيضة في البحث عن جواز الانتفاع بالمتنجس. نعم استدل على ذلك بوجوه:


1 - فقه المذاهب الاربعة 2: 231 - 232. 2 - المبسوط 6: 283. 3 - السرائر 3: 122.

[ 207 ]

1 - دعوى غير واحد من أعاظم الاصحاب الاجماع عليه، وفيه: ان دعواه في المقام مجازفة، لمخالفة جملة من الاعاظم كالشيخ والعلامة وغيرهما، على أن الاجماع التعبدي هنا ممنوع، لاحتمال استناد المجمعين الى الوجوه المذكورة في المسألة. 2 - الشهرة الفتوائية، وفيه: انها وان كانت مسلمة الا أنها ليست بحجة. 3 - مرسلة الشيخ المتقدمة المنجبر ضعفها بعمل المشهور، وهي صريحة في كون الاسراج به تحت السماء. وفيه: ان من المظنون أنها صدرت من سهو القلم، فان اصحاب الحديث لم ينقلوها في اصولهم حتى الشيخ بنفسه في تهذيبيه، وظاهر قوله (رحمه الله): روى أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء، يقتضي كون الرواية مشهورة في المقام، فلاوثوق بوجود الرواية المذكورة، نعم لو كانت العبارة انه: روي انه يستصبح به تحت السماء، كانت حينئذ رواية مرسلة. وإذا سلمنا كون العبارة المذكورة رواية مرسلة فان العمل بها لا يجوز للارسال، وتوهم انجبارها بعمل المشهور بها ممنوع صغرى وكبرى كما هو واضح، خصوصا مع مخالفة الشيخ (رحمه الله) فانه حملها على الكراهة، ومخالفة العلامة (رحمه الله) فانه اعرض عنها وجعل العلة في تحريم الاسراج به تحت الظلال هي حرمة تنجيس السقف. قال في المختلف: نعم لو كان صعود بعض الاجزاء الدهنية بواسطة الحرارة موجبا لتنجس السقف فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال والا فيجوز مطلقا (1).


1 - المختلف: 686.

[ 208 ]

4 - ما نقلناه عن العلامة، من أن الاستصباح به تحت الظلال يوجب تنجيس السقف لتصاعد بعض الاجزاء الدهنية قبل احالة النار اياه الى أن تلاقى السقف فهو حرام، ولكن ليرد عليه: أولا: ان دخان النجس كرماده ليس بنجس للاستحالة، ومجرد احتمال صعود الاجزاء الدهنية الى السقف قبل الاستحالة لا يمنع عن الاسراج به تحت الظلال لكونه مشكوكا. و ثانيا: ان الدليل أخص من المدعى، لان الدخان قد لا يؤثر في السقف اما لعلوه أو لقلة الزمان، أو لخروجه من الاطراف، أو لعدم وجود دخان فيه. وثالثا: إذا سلمنا جميع ذلك فلا دليل على حرمة تنجيس السقف، نعم لا يجوز تنجيسه في المساجد والمشاهد. وعليه فلا وجه للمنع عن الاستصباح به تحت السقف من جهة حرمة تنجيسه. قوله: لكن الاخبار المتقدمة على كثرتها. أقول: محصل كلامه ان المطلقات حيث كانت متظافرة وواردة في مقام البيان فهي آبية عن التقييد، ولو سلمنا جواز تقييدها الا أنه ليس في المقام ما يوجب التقييد عدا مرسلة الشيخ وهي غير صالحة لذلك، لان تقييد المطلقات بها يتوقف على ورودها للتعبد أو لحرمة تنجيس السقف كما فهمها الشيخ، وكلا الوجهين بعيد، فلا بد من حمل المرسلة على الارشاد الى عدم تنجس السقف بالدخان. وفيه: ان غاية ما يترتب على كون المطلقات متظافرة ان تكون مقطوعة الصدور لا مقطوعة الدلالة، واذن فلا مانع عن التقييد، إذ هي لا تزيد على مطلقات الكتاب القابلة للتقييد حتى بالاخبار الاحاد.

[ 209 ]

وأوهن من ذلك دعوى ابائها عن التقييد من جهة ورودها في مقام البيان، فان ورودها في مقام البيان مقوم لحجيتها، ومن الواضح ان مرتبة التقييد متأخرة عن مرتبة الحجية في المطلق، ونسبة حجيته الى التقييد كنسبة الموضوع الى الحكم ولا يكون الموضوع مانعا عن ترتب الحكم عليه. وأما ما ذكره من أن المرسلة غير صالحة لتقييد المطلقات، ففيه انه بناء على جواز العمل بها وانجبار ضعفها بعمل المشهور لا مانع من حملها على التعبد المحض فتصلح حينئذ لتقييد المطلقات، ومجرد الاستبعاد لا يكون مانعا عن ذلك، وانما الاشكال في اصل وجود المرسلة كما تقدم. وأما تقييد المطلقات بها من جهة ان المرسلة تدل على حرمة تنجيس السقف فبعيد غايته. قوله: لكن لو سلم الانجبار. أقول: قد أشار به الى أنها غير منجبرة بشئ كما اشرنا إليه، لان الشهرة انما تجبر الخبر الضعيف إذا علم استنادها إليه. ومن المحتمل ان تكون فتوى المشهور بعدم جواز الاسراج به تحت السقف مستندة الى ما ذهب إليه العلامة من حرمة تنجيس السقف لا الى المرسلة المذكورة. قوله: ولو رجع الى اصالة البراءة حينئذ لم يكن الا بعيدا عن الاحتياط وجرأة على مخالفة المشهور. أقول: لا يكون البعد عن الاحتياط مانعا عن الرجوع الى البراءة في شئ من الموارد، وأما الجرأة على خلاف المشهور فلا محذور فيها لان الشهرة ليست بحجة.

[ 210 ]

جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح: قوله: هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح؟ أقول: حاصل كلامه انه حيث ان جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح لم ترد فيه الا رواية ضعيفة في جعله صابونا (1)، فلا بد من الرجوع فيه الى القواعد، ثم قرب الجواز، وعن الحنفية التصريح بذلك (2). وقد يتوهم عدم جواز استعماله في غير الاستصباح مطلقا، استنادا الى رواية قرب الاسناد الدالة على عدم جواز التدهن به، ولكن الرواية ضعيفة السند (3). لا يقال: ان هذه الرواية لا يجوز العمل بها وان كانت صحيحة، لانها غير معمول بها بين الاصحاب، لفتواهم بجواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح ايضا. فانه يقال: قد ذكرنا في علم الاصول أن اعراض المشهور عن الرواية الصحيحة لا يوجب الوهن فيها، وقد أشرنا إليه في الكلام على رواية تحف العقول. لا يقال: ان هذه الرواية مجملة لا تفي باثبات المقصود، فانه يحتمل أن يكون قوله (عليه السلام): لا تدهن به، من باب الافتعال بالتشديد، فيكون


1 - يأتي ذكره بعيد هذا. 2 - في فقه المذاهب الاربعة عن الحنفية: فيجوز أن يبيع دهنا متنجسا ليستعمله في الدبغ ودهن عدد الالات (الماكينات) ونحوها (فقه المذاهب الاربعة 2: 232). 3 - علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فارة، قال: لا تدهن به ولا تبعه من مسلم (قرب الاسناد: 112، عنه الوسائل 17: 100)، مجهولة لعبدالله بن الحسن.

[ 211 ]

دالا على عدم جواز تنجيس البدن، أو من باب الافعال فلا يمكن الاستناد إليها في عدم جواز الاستعمال مطلقا. فانه يقال: ان ظاهر الرواية هو النهي عن طلي البدن بالدهن المتنجس، ومن الواضح ان الادهان من الافعال بمعنى الخدعة، وان الذي بمعنى الطلي هو من باب الافتعال. والذي ينبغي أن يقال: ان جواز الانتفاع بهذا الدهن في غير الموارد المنصوصة وعدم جوازه مبني على تحقيق الاصل في الانتفاع بالمتنجس، فهل الاصل يقتضي جواز ذلك أو حرمته حتى يخرج الخارج بالدليل، فذهب جمع من الاصحاب الى الثاني، وقال جمع من المتأخرين بالاول، وهو الاقوى، وهو مقتضى أصالة البراءة الثابتة بالادلة المستفيضة. ويدل هذا الاصل على اباحة ما لم يرد فيه نهي وحليته، ومن البين ان الانتفاع بالمتنجس في غير ما هو مشروط بالطهارة من صغريات ذلك. قوله: وقاعدة حل الانتفاع بما في الارض. أقول: لا وجه لهذه القاعدة الا قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا (1)، ولكن الاية ليست بدالة على جواز الانتفاع بجميع ما في الارض ليكون الانتفاع بالمتنجس من صغرياته، بل هي: اما ناظرة الى بيان أن الغاية القصوى من خلق الاجرام الارضية وما فيها ليس الا خلق البشر وتربيته وتكريمه، وأما غير البشر فقد خلقه الله تعالى تبعا لخلق الانسان ومقدمة له، ومن البديهي ان هذا المعنى


1 - البقرة: 19. وفي مجمع البيان: المعنى ان الارض وجميع ما فيها نعم من الله تعالى مخلوقة لكم، اما دينية فتستدلون بها على معرفته، واما دنياوية فتنتفون بها بضروب النفع عاجلا.

[ 212 ]

لا ينافي تحليل بعض المنافع عليه دون بعض. واما ناظرة الى أن خلق تلك الاجرام وتكوينها على الهيئات الخاصة والاشكال المختلفة والانواع المتشتتة، من الجبال والادوية والاشجار والحيوانات على أنواعها، وانحاء المخلوقات من النامي وغيره، لبيان طرق الاستدلال على وجود الصانع وتوحيد ذاته وصفاته وفعاله، وعلى اتقان فعله وعلو صنعه وكمال قدرته وسعة علمه. اذن فتكون اللام للانتفاع، فانه أي منفعة أعظم من تكميل البشر، ولعل هذا هو المقصود من قوله (عليه السلام) في دعاء الصباح: يا من دل على ذاته بذاته. الاصل جواز الانتفاع بالمتنجس: قوله: ولا حاكم عليها سوى ما يتخيل. أقول: قد استدل على حرمة الانتفاع بمطلق المتنجس بجملة من الايات والروايات، أما الايات: فمنها: قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (1)، فان المتنجس رجس فيجب الاجتناب عنه. وفيه: ان الرجس وان اطلق على الاعيان النجسة كثيرا كما اطلق على الكلب في صحيحة البقباق (2)، الا أن الاية لا ترتبط بالمدعى لوجوه:


1 - المائدة: 92. 2 - الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة - الى أن قال: - فلم أترك شيئا الا سألت عنه، فقال: لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء - الخبر (التهذيب 1: 225، الاستبصار 1: 19، عنهما الوسائل 1: 226)، صحيحة.

[ 213 ]

1 - ان الظاهر من الرجس هي الاشياء التي يحكم عليها بالنجاسة بعناوينها الاولية، فيختص بالاعيان النجسة ولا يشمل الاعيان المتنجسة، لان النجاسة فيها من الامور العرضية. 2 - ان الرجس في الاية لا يراد منه القذارة الظاهرية لكي ينازع في اختصاصه بالاعيان النجسة أو شموله الاعيان المتنجسة ايضا، بل المراد منه القذارة المعنوية، اي الخمسة الموجودة في الامور المذكورة في الاية، سواء كانت قذرة بالقذارة الحسية ايضا ام لم تكن. والذي يدل على ذلك من الاية اطلاق الرجس على الميسر والانصاب والازلام، فان من البديهي ان قذارة هذه الاشياء ليست ظاهرية، ولا شبهة في صحة اطلاق الرجس في اللغة على ما يشمل القذارة الباطنية ايضا (1). وعليه فالاية انما تدل على وجوب الاجتناب عن كل قذر بالقذارة الباطنية التي يعبر عنها في لغة الفرس بلفظ: پليد، فتكون المتنجسات خارجة عنها جزما. 3 - ان جعل المذكورات في الاية من عمل الشيطان اما من جهة كون الافعال المتعلقة بالخمر والانصاب والازلام رجسا من عمل الشيطان، كما يشير إليه قوله تعالى: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله (2).


1 - في مجمع البيان (2: 239): رجس اي خبيث، وفي مفردات الراغب (188): الرجس الشئ القذر، يقال: رجل رجس ورجال ارجاس، والرجس على أربعة أوجه اما من حيث الطبع، واما من جهة العقل، واما من جهة الشرع، واما من كل ذلك، وفي القاموس: الرجس - بالكسر - القذر والمأثم، وكل ما استقذر من العمل والعمل المؤدي الى العذاب، وفي المنجد (250): رجس رجاسة عمل عملا قبيحا. 2 - المائدة: 93. وفي مجمع البيان: والمعنى يريد الشيطان ايقاع العداوة بينكم بالاغواء المزين لكم ذلك، حتى إذا سكرتم زالت عقولكم وأقدمتم على القبائح على ما يمنعه منه عقولكم، قال قتادة: ان الرجل كان يقامر في ماله وأهله فيقمر ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء (مجمع البيان 2: 240).

[ 214 ]

فان الرجس قد يطلق على مطلق القبائح والمعاصي، وقد عرفت ذلك في الهامش من القاموس وغيره، واما من جهة كون تلك الامور نفسها من عمل الشيطان، فعلى الاول تكون الاية دالة على وجوب الاجتناب عن كل عمل قبيح يصدق عليه انه رجس، وأما ما لم يحرز قبحه فلا تشمله الاية، وعلى الثاني يكون موضوع الحكم فيها كل عين من الاعيان صدق عليها انها من عمل الشيطان. وعليه فكل عين محرمة صدق هذا العنوان عليها تكون مشمولة للاية، ومن الواضح ان الخمر من عمل الشيطان باعتبار صنعها، أو بلحاظ ان اصل تعليمها كان من الشيطان، وكذلك النصب بلحاظ جعلها صليبا، والازلام بلحاظ التقسيم كالحظ والنصيب في الزمن الحاضر، المعبر عنه في لغة الفارس بكلمة: بليط بخت آزمايى، واما ما لا يصدق عليه ذلك وان كان من الاعيان النجسة، كالكلب والخنزير، فضلا عن المتنجسات فلا تشمله الاية. 4 - إذا سلمنا شمول الاية للنجاسات والمتنجسات، فلا دلالة فيها على حرمة الانتفاع بالمتنجس، فان الاجتناب عن الشئ انما يكون باجتناب ما يناسب ذلك الشئ، فالاجتناب عن الخمر عبارة عن ترك شربها إذا لم يدل دليل آخر على حرمة الانتفاع بها مطلقا، والاجتناب عن النجاسات والمتنجسات عبارة عن ترك استعمالها فيما يناسبها، ومن القمار عن ترك اللعب، ومن الامهات والبنات والاخوات والخالات

[ 215 ]

وبقية المحارم عبارة عن ترك تزويجهن. كما ان الاجتناب عن المسجد هو ترك العبادة فيه، والاجتناب عن العالم ترك السؤال عنه، والاجتناب عن التاجر ترك المعاملة معه، والاجتناب عن أهل الفسوق ترك معاشرتهم، وهكذا، وعلى الجملة نسبة الاجتناب الى ما يجب الاجتناب عنه تختلف باختلاف الموارد وليست في جميعها على نسق واحد. وعليه فلا دلالة في الاية على حرمة الانتفاع بالمتنجس مطلقا، بل الامر في ذلك موقوف على ورود دليل خاص يدل على وجوب الاجتناب مطلقا. قوله: مع انه لو عم التنجس لزم أن يخرج عنه اكثر الافراد. أقول: لا يلزم من خروج المتنجسات كلها من الاية تخصيص الاكثر فضلا عما إذا كان الخارج بعضها، فان الخارج منها عنوان واحد ينطبق على جميع افراد المتنجس انطباق الكلي على افراده. نعم لو كان الخارج من عموم الاية كل فرد فرد من افراده للزم المحذور المذكور. ومنها: قوله تعالى: والرجز فاهجر (1)، بناء على شمول الرجز للاعيان النجسة والمتنجسة. وقد ظهر الجواب عنها من كلامنا على الاية السابقة. ثم ان نسبة الهجر الى الاعيان الخارجية لا تصح الا بالعناية والمجاز بخلاف نسبته الى الاعمال فانها على نحو الحقيقة، وعليه فالمراد من الاية خصوص الهجر عن الاعمال القبيحة والافعال المحرمة، ولا تشمل الاعيان المحرمة.


1 - المدثر: 5.

[ 216 ]

ويحتمل أن يراد من الرجز العذاب، كما في قوله تعالى: وانزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء (1)، وقد صرح بذلك بعض أهل اللغة كصاحب القاموس وغيره. وعلى هذا فالمراد من هجر العذاب هجر موجباته كما اريد من المسارعة الى المغفرة (2) ومن الاستباق الى الخيرات (3) المسارعة والاستباق الى اسبابهما في آيتهما. ومنها: قوله تعالى: ويحرم عليهم الخبائث (4)، بناء على صدق الخبائث على المتنجسات، وحيث ان التحريم في الاية لم يقيد بجهة خاصة فهي تدل على عموم تحريم الانتفاع بالمتنجسات. وأجاب عنها المصنف بأن المراد من التحريم خصوص حرمة الاكل بقرينة مقابلته بحلية الطيبات، وفيه: ان مقتضى الاطلاق هو حرمة الانتفاع بالخبائث مطلقا فتدل على حرمة الانتفاع بالمتنجس كذلك. والحق أن يقال: ان متعلق التحريم في الاية انما هو العمل الخبيث والفعل القبيح، فالمتنجس خارج عن مدلولها لانه من الاعيان. لا يقال: إذا اريد من الخبيث العمل القبيح وجب الالتزام بالتقدير، وهو خلاف الظاهر من الاية. فانه يقال: انما يلزم ذلك إذا لم يكن الخبيث بنفسه بمعنى العمل القبيح، وقد أثبتنا في مبحث بيع الابوال صحة اطلاقه عليه بدون عناية، وخصوصا بقرينة قوله تعالى: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل


1 - البقرة: 56. 2 - قوله تعالى: وسارعوا الى مغفرة من ربكم - المائدة: 93. 3 - قوله تعالى: فاستبقوا الخيرات - البقرة: 143. 4 - الاعراف: 156.

[ 217 ]

الخبائث (1)، فان المراد من الخبائث فيها اللواط. وأما الاخبار فهي كثيرة، منها ما تقدم من رواية تحف العقول، حيث علل النهي فيها عن بيع وجوه النجس بان: ذلك كله محرم اكله وشربه وامساكه وجميع التقلب في ذلك حرام ومحرم، فان الظاهر منها ان جميع الانتفاعات من المتنجس حرام لكونه من وجوه النجس. وفيه اولا: ما تقدم في اول الكتاب من ضعف سند الرواية وعدم انجباره بشئ. وثانيا: ان الظاهر من وجوه النجس هي الاعيان النجسة، فان وجه الشئ هو عنوانه الاولى، فلا تشمل المتنجسات لانها ليست نجسة بعناوينها الاولية. ومنها: رواية السكوني (2) الامرة باهراق المرق المتنجس بموت الفأرة فيه، فتدل على حرمة الانتفاع به، إذ لولا ذلك لجاز الانتفاع به باطعامه الصبي ونحوه، وبضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب، وأجاب عنها المصنف بان الامر بالاهراق كناية عن خصوص حرمة الاكل. وفيه: ان الظاهر من الامر بالاهراق هو عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقا، الا أنها لا تدل على المدعى لخصوصية المورد، فان المرق غير قابل للانتفاع به الا في اطعام الصبي ونحوه، بناء على ما هو الظاهر من جواز ذلك، ومن الواضح ان ذلك انما يكون عادة إذا كان المرق قليلا لا بمقدار القدر ونحوه.


1 - الانبياء: 74. 2 - عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام): ان عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة، قال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل (الكافي 6: 261، التهذيب 9: 86، الاستبصار 1: 25، عنهم الوسائل 1: 206)، موثقة للسكوني.

[ 218 ]

ومنها: الاخبار (1) الدالة على أن الفأرة إذا ماتت في السمن الجامد ونحوه وجب أن تطرح الفأرة وما يليها من السمن، لانه لو جاز الانتفاع بالمتنجس لما امر الامام (عليه السلام) بطرحه لامكان الانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة، كتدهين السفن (2) والاجرب (3) ونحوهما، فتدل على المدعى بضميمة عدم القول بالفصل بين افراد المتنجسات. وقد أجاب عنها المصنف بأن الطرح كناية عن حرمة الاكل فقط، فان الانتفاع بالاستصباح به جائز اجماعا. ولكن يرد عليه ما تقدم، من ظهور الامر بالطرح في حرمة الانتفاع به مطلقا، وأما الاستصباح به فانما خرج بالنصوص الخاصة كما عرفت. والصحيح في الجواب ما اشرنا إليه، من أن الامر بطرح ما تلي الفأرة من السمن للارشاد الى عدم امكان الانتفاع به بالاستصباح ونحوه لقلته، فتكون الرواية غريبة عن المقام.


1 - زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي - الخبر (الكافي 6: 261، التهذيب 9: 85، عنهما الوسائل 1: 206، 17: 97)، حسنة لابراهيم بن هاشم. علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الفأرة والكلب إذا أكلا من الجبن وشبهه أيحل أكله؟ قال: يطرح منه ما أكل ويحل الباقي (قرب الاسناد: 116، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 213، عنهما الوسائل 24: 198)، مجهولة لعبد الله بن الحسن. الى غير ذلك من الاخبار المزبورة في المواضع المتقدمة، راجع الوسائل 17: 97، 24: 198، السنن للبيهقي 9: 354. 2 - السفن - محركة - جلد خشن يجعل على قوائم السيوف. 3 - في المنجد: الجرب، وهو داء يحدث في الجلد بثورا صغارا لها حكة شديدة.

[ 219 ]

ومن هنا ظهر ما في رواية زكريا بن آدم (1)، التي تدل على اهراق المرق المتنجس، فان الامر بالهراقة فيها ارشاد الى ما ذكرناه، من قلة نفعه مضافا الى انها ضعيفة السند. ومنها: قوله (عليه السلام) في روايتي سماعة وعمار الواردتين في الانائين المشتبهين: يهريقما جميعا ويتيمم (2)، فان امره (عليه السلام) بهراقة الانائين مع امكان الانتفاع بهما في غير ما هو مشروط بالطهارة ظاهر في حرمة الانتفاع بالماء المتنجس، وبضميمة عدم القول بالفصل بين افراد المتنجسات يتم المطلوب. وفيه ان خصوصية المورد تقتضي كون الامر بالاهراق ارشادا الى مانعية النجاسة عن الوضوء، ثم إذا سلمنا كون الامر فيهما للمولوية التكليفية فمن المحتمل القريب أن يكون الغرض من الامر هو تتميم موضوع جواز التيمم، لان جوازه في الشريعة المقدسة مقيد بفقدان الماء، وقبل اراقة الانائين لا يتحقق عنوان الفقدان لوجود الماء الطاهر عنده وان لم يعرفه بعينه، ولذلك أفتى بعض الفقهاء بعدم جواز التيمم قبل اهراق الانائين.


1 - عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب (التهذيب 1: 279، عنه الوسائل 3: 470)، مهملة للحسن المبارك، وضعيفة لمحمد بن موسى. 2 - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر ولا يدري أيهما، وليس يقدر على ماء غيرهما، قال: يهريقهما جميعا ويتيمم (الكافي 3: 10، التهذيب 1: 229 و 249، الاستبصار 1: 21، عنهم الوسائل 1: 151)، ضعيفة لعثمان بن عيسى. ومثلها رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (التهذيب 1: 248 و 407، عنهما الوسائل 1: 155)، ولكنها موثقة لاجله ولمصدق بن صدقة.

[ 220 ]

ومنها: الاخبار الواردة (1) في اهراق الماء المتنجس، فانه لولا حرمة الانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة لم يؤمر بذلك. وفيه اولا: ما عرفت من أن خصوصية المورد تقتضي ذلك لقلة نفعه في العادة، وثانيا: ان الامر بالهراقة في تلك الاخبار ارشاد الى عدم جواز التوضئ من ذلك الماء للنجاسة المشتبهة، ولا يجوز التعدي من موردها الى غيره من الاستعمالات، الا إذا كان مشروطا بالطهارة، واذن فلا دلالة فيها على المطلوب ايضا. ومنها: الاخبار المستفيضة عند الخاصة (2) والعامة (3)، الواردة في استصباح الدهن المتنجس، فانها ظاهرة في ان الانتفاع به منحصر في


1 - أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه، قال: ان كانت يده قذرة فأهرقه - الحديث (التهذيب 1: 308، الاستبصار 1: 20، السرائر: 473، عنهم الوسائل 1: 154)، صحيحة. في القاموس: التور اناء يشرب فيه. وفي موثقة سماعة: فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الماء (الكافي 3: 11، عنه الوسائل 1: 152). وفي موثقة اخرى له: وان كان أصاب المني يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله (التهذيب 1: 38، عنه الوسائل 1: 154). الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة - الى أن قال: - فلم أترك شيئا الا سألت عنه، فقال: لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء - الخبر (التهذيب 1: 225، الاستبصار 1: 19، عنهما الوسائل 1: 226)، صحيحة. 2 - راجع الوسائل: 24، الباب: 32 ان ما قطع من اليات الغنم و 43 ان الفارة إذا ماتت في السمن من الاطعمة المحرمة، والوسائل: 17، الباب 6 جواز بيع الزيت مما يكتسب به. 3 - في سنن البيهقي: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الفأرة تقع في السمن أو الزيت، قال: استصبحوا به ولا تأكلوه (سنن البيهقي 9: 354)، وغير ذلك من الاحاديث.

[ 221 ]

الاسراج، فانه لو جاز الانتفاع به في غيره ايضا لتعرض له الامام (عليه السلام) فيها أو في غيرها. وفيه: ان وجه التخصيص ان النفع الظاهر للدهن هو الاكل والاسراج فقط، فإذا حرم اكله للتنجس اختص الانتفاع به بالاسراج، فلذا لم يتعرض الامام (عليه السلام) لغير الاستصباح، واذن فلا دلالة فيها ايضا على المدعى. على أنه قد ورد في بعض الروايات جواز الانتفاع به بغير الاستصباح، كقوله (عليه السلام) في رواية قرب الاسناد: ولكن ينتفع به كسراج ونحوه (1)، وكقول علي (عليه السلام) المروي عنه بطرق شتى: الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا (2).


1 - باسناده عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) - الى أن قال: - وسألت عن فأرة أو كلب شربا في زيت أو سمن، قال: ان كان جرة أو نحوها فلا تأكله، ولكن ينتفع به كسراج ونحوه (قرب الاسنا: 116، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 33، عنهما الوسائل 24: 198)، مجهولة لعبدالله بن الحسن. 2 - عن علي (عليه السلام) سئل عن الزيت يقع فيه شئ له دم فيموت، قال: الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا (الجعفريات: 26، عنه المستدرك 13: 73)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. ومثلها في دعائم الاسلام ونوادر الراوندي (دعائم الاسلام 1: 122، النوادر للراوندي: 50، عنهما المستدرك 13: 73). قال المحدث النوري نور الله مرقده في المستدرك في الفائدة الثانية من الخاتمة: كتاب النوادر هو تأليف السيد الامام الكبير ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الراوندي الكاشاني، حفيد الحسن المثنى بن الحسن المجتبي (عليه السلام)، ووصفه العلامة في اجازة بني زهرة بالسيد الامام، وفي فهرست الشيخ منتجب الدين: علامة زمانه جمع مع علو النسب كمال الفضل والحسب، وكان استاذ ائمة عصره، قال أبو سعد السمعاني في كتاب الانساب: انه من المشائخ واليه تنتهي كثيرا من أسانيد الاجازات، وهو تلميذ الشيخ أبي علي بن شيخ الطائفة، وله تصانيف تشهد بفضله وأدبه وجمعه بين مورث المجد ومكتسبه، ومنه انتشرت الادعية الجليلة المعروفة بأدعية السر - انتهى ملخص كلامه (المستدرك 19: 173). أقول: لا شبهة في علو شأنه ورفعة منزلته، ومكانة علمه، وثبوت وثاقته، وقد صرح بذلك غير واحد من المترجمين، ولكن لم يظهر لنا اعتبار كتابه هذا، لان في سنده من لم تثبت وثاقته كعبد الواحد بن اسماعيل، ومن هو مجهول الحال كمحمد بن الحسن التميمي البكري.

[ 222 ]

فان الظاهر انه لا خصوصية للمورد فيهما، ونتيجة التعدي عنه هو جواز الانتفاع بكل متنجس بجميع الانتفاعات المحللة، بل ورد في احاديث العامة (1) جواز الانتفاع به مطلقا من غير تقييد بنوع خاص من المنافع. وقد يخطر بالبال ان الامر في الروايات بخصوص الاستصباح دون غيره انما هو فيما لا يتمكن الانسان من الانتفاع به بغير الاستصباح، ولوفي الوجوه النادرة من المنافع، والا فلا خصوصية للتقييد بالاستصباح كما لا خصوصية للتقييد بجعله صابونا، ولذا جوز الامام (عليه السلام) أن ينتفع به بغيرهما ايضا في رواية قرب الاسناد كما عرفت، ولكنها ضعيفة السند. وقد يقال بانعقاد الاجماع على حرمة الانتفاع بالمتنجس مطلقا، فيكون مقتضى الاصل هو حرمة الانتفاع به في المقام، الا أن ذلك ممنوع، فان الاجماع المنقول ممنوع الحجية، وقد حققناه في علم الاصول، على أن دعوى الاجماع في المسألة موهونة بكثرة المخالفة فيها، وأما الاجماع المحصل على ذلك فهو ممنوع التحقق ايضا. ويضاف الى ما ذكرناه كله انه لا ظهور لعبارات الفقهاء المحتوية لنقله


1 - في سنن البيهقي في جملة من الاحاديث: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الفأرة تقع في السمن، فقال: اطرحوها وما حولها ان كان جامدا، فقالوا: يا رسول الله فان كان مائعا، قال: فانتفعوا به ولا تأكلوه (سنن البيهقي 9: 354).

[ 223 ]

في ذلك المدعى، قال في الغنية بعد ان اشترط في البيع أن يكون مما ينتفع به منفعة محللة: وقيدنا بكونها المنفعة مباحة تحفظا من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره الا ما أخرجه الدليل، من بيع الكلب المعلم للصيد والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو اجماع الطائفة (1). وهذه العبارة، وان كانت صريحة في نقل الاجماع الا أن الظاهر رجوعه الى مطلع كلامه، اعني حرمة بيع النجس، فلا دلالة فيها على حرمة الانتفاع بالمتنجس، ويحتمل قريبا أن يرجع الى آخر كلامه، اعني استثناء الكلب المعلم للصيد والزيت المتنجس للاستصباح من حرمة البيع. وقال الشيخ في الخلاف: إذا ماتت الفأرة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزر نجس كله، وجاز الاستصباح به، ولا يجوز اكله، ولا الانتفاع به لغير الاستصباح - ثم ذكر المخالفين في المسألة من العامة وغيرهم، الى أن قال: - دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم (2). وفيه: ان محط كلامه انما هو الدهن المتنجس فقط، فلو صح ما ادعاه من الاجماع لدل على حرمة الانتفاع به خاصة، لكونه هو المتيقن من مورد الاجماع فلا يشمل سائر المتنجسات. وقد أجاب المصنف عما ادعاه الشيخ من الاجماع بأن معقده ما وقع الخلاف فيه بينه وبين من ذكر من المخالفين، إذ فرق بين دعوى الاجماع على محل النزاع بعد تحريره وبين دعواه ابتداء على الاحكام


1 - الغنية (الجوامع الفقهية): 524. 2 - الخلاف، كتاب الاطعمة، المسألة: 19.

[ 224 ]

المذكورات في عنوان المسألة، فان الثاني يشمل الاحكام كلها، والاول لا يشمل الا الحكم الواقع مورد الخلاف، لانه الظاهر من قوله: دليلنا اجماع الفرقة. وفيه: ان ما افاده وان كان صحيحا بحسب الكبرى الا أنه خلاف ما يظهر من كلام الشيخ (رحمه الله)، فان ظاهره دعوى الاجماع على جميع الاحكام المذكورة، فالصحيح في الجواب هو ما ذكرناه. على أنا لو سلمنا قيام الاجماع على ذلك فلا نسلم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام)، إذ من المحتمل القريب جدا بل المظنون عادة ان مدركه هو الوجوه المذكورة في المقام لحرمة الانتفاع بمطلق المتنجس. قوله: ان بل الصبغ والحناء. أقول: الصبغ والحناء ليسا من محل النزاع هنا في شئ، ولم يتقدم لهما ذكر سابق، فلا نرى وجها صحيحا لذكرهما. قوله: ومراده بالنص ما ورد من المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السقف. أقول: قد عرفت عدم ورود النص بذلك. قوله: والذي اظن وان كان الظن لا يغني لغيري شيئا. أقول: بل لا يغنيه ايضا، لعدم كونه من الظنون المعتبرة، اللهم الا أن يكون مراده من ذلك هو الظن الاطميناني، فيكون حجة له لا لغيره. قوله: والرواية اشارة الى ما عن الراوندي في كتاب النوادر. أقول: قد عرفت انها رواية واحدة نقلت بطرق ثلاثة، ولم يقع السؤال عن الشحم في شئ منها، فما نقل في المتن ناشئ عن سهو القلم. قوله: ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن.

[ 225 ]

أقول: كما يصح الانتفاع بالمتنجس على وجه الاطلاق، فكذلك يصح بيعه للعمومات المقتضية لذلك، من قوله تعالى: اوفوا بالعقود، واحل الله البيع، وتجارة عن تراض، وعليه فلا نحتاج في ذلك الى التمسك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وامساكه واستعماله، كما تمسك به المصنف هنا. قوله: وهذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجيس. أقول: إذا سلمنا جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية وأغمضنا عن معارضته دائما بأصالة عدم الجعل، كما نقحناه في الاصول، فلا نسلم جريانه في المقام، لان محل الكلام هو الجواز الوضعي بمعنى نفوذ البيع على تقدير وجوده، وعليه فاستصحاب الجواز بعد التنجس يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به. قوله: واما قوله تعالى: فاجتنبوه، وقوله تعالى: والرجز فاهجر. أقول: قد يتوهم ان ايراد المصنف (رحمه الله) الايات المذكورة هنا لا يخلو من الاشتباه وسهو القلم، لانه قد استدل بها فيما مضى على حرمة الانتفاع بالمتنجس، وكلامنا هنا مختص بجواز البيع فقط. ولكنه توهم فاسد، فان ذكر الايات هنا ليس الا لدفع توهم الاستدلال بها على بطلان بيع المتنجس، والقرينة على ذلك قوله (رحمه الله) في مقام الجواب عنه: فقد عرفت انها لا تدل على حرمة الانتفاع بالمتنجس فضلا عن حرمة البيع. قوله: واما مثل بيع الصابون المتنجس فلا يندفع الاشكال عنه. أقول: وجه عدم الاندفاع هو ان الثوب المغسول بالصابون المتنجس وان كان يقبل الطهارة بالغسل الا انه ليس معنى ذلك ان الصابون رجع الى

[ 226 ]

حالة يقبل معها الطهارة، فان الاجزاء الصابونية تنفصل عن الثوب بالغسل وان كانت في غاية النجاسة والخباثة. الاصل جواز الانتفاع بالاعيان النجسة: قوله: بقي الكلام في حكم نجس العين. أقول: الظاهر ان الاصل جواز الانتفاع بالاعيان النجسة ايضا الا ما خرج بالدليل كما اختاره بعض الاعاظم (1)، وان ذهب المشهور الى حرمة الانتفاع بها بل ادعى عليه الاجماع. قال في اول المكاسب من المراسم: التصرف في الميتة ولحم الخنزير وشحمه والدم والعذرة والابوال ببيع وغيره حرام (2). وفي المكاسب المحظورة من النهاية: جميع النجاسات محرم التصرف فيها (3). وفي فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من المبسوط: نجس العين لا يجوز بيعه ولا اجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال اجماعا الا الكلب فان فيه خلافا (4). وعلى هذا النهج مذاهب فقهاء العامة (5).


1 - هو الشيخ الكبير كاشف الغطاء في شرحه على القواعد: 4 (مخطوط). 2 - المراسم: 170. 3 - نهاية الاحكام 2: 462. 4 - المبسوط 2: 167. 5 - في فقه المذاهب الاربعة (2: 231) عن الحنابلة: لا يصح الانتفاع بالدهن النجس في أي شئ من الاشياء، وفي (2: 232) عن الحنفية: لا يحل الانتفاع بدهن الميتة لانه جزء منها، وقد حرمها الشرع فلا تكون مالا. وفي شرح فتح القدير (5: 203) حكم بحرمة الانتفاع بالميتة، ثم جعل بطلان البيع دائرا مدار حرمة الانتفاع، وهي عدم المالية. وفي فقه المذاهب الاربعة في الموضع المتقدم نقل اتفاق المذاهب على حرمة بيع النجس، فقد عرفت من شرح فتح القدير الملازمة بين بطلان البيع وحرمة الانتفاع. وفي شرح فتح القدير نقل انه لو وقع شعر الخنزير في ماء قليل لا يفسده، لان حل الانتفاع به دليل طهارته. وفي فقه المذاهب الاربعة (2: 167) عن الحنفية: لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعا. وفي شرح فتح القدير (8: 157) نقل عن بعضهم حرمة الانتفاع بالنجس ونقضه بجواز الانتفاع بالسرقين، فانه مع القول بنجاسته يجوز بيعه والانتفاع به بخلاف العذرة.

[ 227 ]

وكيف كان فقد استدل على عدم الجواز بوجوه: منها: الايات المتقدمة، من قوله تعالى: فاجتنبوه، وقوله تعالى: والرجز فاهجر، وقد عرفت الجواب عن ذلك آنفا. ومنها: قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (1)، فان عموم التحريم فيها يقتضي حرمة الانتفاع بما ذكر فيها، وبعدم القول بالفصل بين افراد النجس يتم المطلوب. وفيه: ان تحريم أي شئ انما هو بحسب ما يناسبه من التصرفات، فما يناسب الميتة والدم ولحم الخنزير انما هو تحريم الاكل لا جميع التصرفات، كما ان المناسب لتحريم الام والبنت في قوله تعالى: حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم (2)، انما هو تحريم النكاح فقط دون النظر والتكلم.


1 - المائدة: 3. 2 - النساء: 23.

[ 228 ]

ومنها: ما اشار إليه المصنف بقوله: ويدل عليه ايضا كلما دل من الاخبار والاجماع على عدم جواز بيع نجس العين، بناء على أن المنع من بيعه لا يكون الا مع حرمة الانتفاع به. ولكنا لم نجد فيما تقدم ولا فيما يأتي ما دل من الاخبار على عدم جواز بيع النجس بعنوانه، فضلا عن كون المنع عن البيع من جهة عدم جواز الانتفاع به. نعم تقدم في مبحث بيع الميتة ما دل على حرمة الانتفاع بالميتة، الا أنك عرفت هناك معارضتها بما دل على جواز الانتفاع بها، وان الترجيح للروايات المجوزة، على أنا إذا أخذنا بالروايات المانعة فهي اخص من المدعى، لانها مختصة بالميتة وموضوع كلامنا اعم منها ومن سائر النجاسات. نعم رواية تحف العقول صريحة في المدعى، فان دلالة قوله (عليه السلام) فيها: أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهي عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام، صريحة لا تكاد تنكر، ولا وجه لحملها على الامساك والتقلب لاجل الاكل والشرب كما في المتن، الا أن الرواية لا يجوز الاعتماد عليها لضعف سندها وعدم انجباره بعمل المشهور بها. منها: قوله (عليه السلام) في دعائم الاسلام: وما كان محرما اصله منهيا عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه (1)، بدعوى ان حرمة البيع في الرواية قد علقت على حرمة الشئ من أصله، فلا بد وأن يكون الانتفاع به محرما مطلقا، إذ لو جاز الانتفاع به لجاز بيعه للملازمة بينهما.


1 - مر عنه في اول الكتاب، راجع دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 65.

[ 229 ]

وفيه مضافا الى ضعف السند فيها، ان المراد بالحرمة في الرواية حرمة التصرفات المناسبة لذلك الشئ المحرم لا حرمة جميع التصرفات، وعليه فلا يستفاد منها حرمة جميع الانتفاعات. على أنا لو سلمنا دلالتها على حرمة جميع التصرفات، فغاية ما يستفاد منها ان كلما لا يجوز الانتفاع به بوجه فلا يجوز بيعه، لا ان كل ما لا يجوز بيعه فلا يجوز الانتفاع به كما هو المدعى. ومما ذكرناه تجلى ما في النبوي المشهور المجعول: ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، وبالجملة انا لم نجد آية ولا رواية تدل على حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقا الا في موارد خاصة كالخمر. ومنها: الاجماع المدعى على حرمة الانتفاع بها، وتقريره بوجهين: 1 - دعوى الاجماع على حرمة بيعها، وبما ان حرمة البيع تستلزم حرمة الانتفاع للملازمة بينهما - وقد عرفت ذلك في الحاشية عن بعض العامة - فيكون الثاني ايضا موردا للاجماع. وفيه منع الملازمة بين الحرمتين، لجواز كون النهي عن بيعه تعبدا محضا، وعليه فإذا قام الاجماع على حرمة البيع فلا يمكن أن يستدل به على حرمة الانتفاع الا بالحدس الظني، ومن الواضح ان الظن لا يغني من الحق شيئا، بل اللازم أن يقتصر من الاجماع على مورده المتيقن من دون أن يتعدى الى غيره. 2 - دعوى الاجماع على حرمة الانتفاع بها ابتداء، كما هو الظاهر من فخر الدين والفاضل المقداد (1).


1 - التنقيح الرائع 2: 5، ولم نجد شرح الارشاد.

[ 230 ]

وفيه: ان دعواه في مثل هذه المسألة مع ذهاب الاكثر الى جواز الانتفاع بها من الامور الصعبة، ولو سلمت هذه الدعوى فلا يمكن اثبات كونه اجماعا تعبديا، لامكان استناد المجمعين في ذلك الى الوجوه المذكورة. قوله: الجابر لرواية تحف العقول. أقول: قد تقدم في اول الكتاب عدم انجبار ضعف الرواية بشئ من الشهرة والاجماع وغيرهما. قوله: مع احتمال أن يراد من جميع التقلب جميع انواع التعاطي لا الاستعمالات. أقول: إذا فرضنا اعتبار الرواية فلا مناص من القول بحرمة التصرف في الاعيان النجسة على وجه الاطلاق ولو بالامساك، ولا وجه لتقييدها بخصوص التعاطي، كما لا وجه لقييد النهي عن الامساك بالامساك على وجه محرم. قوله: نعم يمكن أن يقال: ان مثل هذه الاستعمالات. أقول: توضيحه: ان النهي عن الانتفاع بشئ ينصرف الى النهي عن الانتفاع به في منافعه الظاهرة، لان المنفعة النادرة لا تعد من المنافع عرفا، فهي خارجة عن حدود النهي، وان كان الاطلاق في نفسه شاملا لها. لا يقال: ان النهي عن الانتفاع بشئ يدل على تحريم جميع منافعه، لان النهي عن الطبيعة يقتضي الانزجار عن جميع افرادها، ولذلك كان دالا على العموم. فانه يقال: ان الدلالة على العموم انما تسلم بمقدار ما ينصرف إليه اللفظ فقط، ونظير ذلك العمومات الناهية عن الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه، فانه ينصرف الى غير الانسان، فلا ينعقد للعموم ظهور الا به.

[ 231 ]

ولا يخفى ان القول بحرمة الانتفاع بالنجس مطلقا لا يقتضي حرمة اقتنائه، وان كان الاقتناء لغير الغرض العقلائي، ومن هنا ورد في جملة من الاحاديث (1) جواز اقتناء الخمر بل اخذها للتخليل، مع أنها من الخبائث الشديدة، وورد ايضا جواز اقتناء بعض الكلاب، وقد تقدم ذلك في البحث عن بيعها. قوله: والعذرة للتسميد. أقول: التسميد في اللغة (2) ما يصلح به الزرع. قوله: كما يدل عليه وقوع السؤال في بعض الروايات (3) عن الجص. أقول: قال المحدث القاساني في كتاب الوافي: لعل المراد بالماء الماء الممزوج بالجص، أو بالماء ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد المجصص بذلك الجص، وكأنه كان بلا سقف، فان السنة فيه ذلك، والمراد بالنار ما يحصل من الوقود التي يستحيل بها أجزاء العذرة والعظام المختلطة بالجص رمادا، فانها تطهر بالاستحالة، والغرض انه قد ورد على ذلك الجص أمران مطهران هما النار والماء، فلم يبق ريب في طهارته، فلا يرد السؤال بان النار إذا طهرته أولا فكيف


1 - راجع الكافي 6: 428، التهذيب 9: 117، الاستبصار 4: 93، قرب الاسناد: 116، مستطرفات السرائر: 60، عنهم الوسائل 25: 370 - 372. 2 - عن المصباح (288): السماد وزان السلام ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين، سمدت الارض تسميدا أصلحها بالسماد، وفي القاموس: وسمد الارض تسميدا جعل فيها السماد اي السرجين برماد، وفي مجمع البحرين (3: 70): والسماد - كسلام - ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين، وتسميد الارض هو أن يجعل فيها السماد. 3 - الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب الى بخطه: ان الماء والنار قد طهراه (التهذيب 2: 35، الفقيه 1: 175، عنهما الوسائل 3: 527)، صحيحة.

[ 232 ]

يحكم بتطهير الماء له ثانيا، إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في التطهير (1). وقال في الوسائل: تطهير النار للنجاسة باحالتها رمادا أو دخانا وتطهير الماء أعني ما يجبل به الجص، يراد به حصول النظافة وزوال النفرة (2). أقول: يمكن أن يراد من الماء ماء المطر الذي يصيب الموضع المجصص بذلك الجص المتنجس، لكون المسجد مكشوفا وبلا سقف كما احتمله القاساني، وأن يراد من النار الشمس، فان الشمس إذا جففت شيئا طهرته. ويمكن أن يراد من التطهير التنظيف مجازا، كما احتمله في المستند مطلقا (3)، وصاحب الوسائل في خصوص الماء. ومع الاغماض عما ذكرناه فالرواية مجملة يرد علمها الى أهلها، فان الثابت في الشريعة ان النار انما تطهر من النجاسات ما احالته رمادا، وهذا الشرط غير حاصل في الجص، وان الماء القليل انما يطهر الموضع المغسول إذا ورد عليه ثم انفصلت غسالته عنه، وكلا الامرين منتف هنا. الا أن يقال: بعدم انفعال الماء القليل بامتزاجه الجص، وعدم اشتراط انفصال الغسالة في التطهير به، كما أشار إليه المحدث القاساني في كلامه المتقدم، قال: لعل المراد بالماء الماء الممزوج بالجص، وكلا الامرين مخدوش، وتفصيل الكلام في محله.


1 - الوافي 4: 36، الباب: 12 ما يطهر بغير الماء وما لا يحتاج الى التطهير من أبواب الطهارة عن الخبث. 2 - الوسائل 3: 527. 3 - المستند 1: 57.

[ 233 ]

وكيف كان، فالمستفاد من الرواية امران: أحدهما اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه، وثانيهما جواز السجود على الجص ولو كان مطبوخا. قوله: ثم ان منفعة النجس المحللة للاصل أو للنص قد يجعلها مالا عرفا الا أنه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة. أقول: قد ظهر مما ذكرناه انه لا ملازمة بين حرمة بيع الاعيان النجسة وبين حرمة الانتفاع بها وسقوطها عن المالية، بل لا بد من ملاحظة دليل الحرمة هل يوجد فيه ما يدل على الغاء المالية من قبل الشارع كما في الخمر والخنزير، فان كان فيه ما يدل على ذلك اخذ به وحكم بعدم ترتب آثار المالية عليها من الارث والضمان وغيرهما، والا فلا يصح أن يحكم بحرمة الانتفاع بها لمجرد حرمة بيعها، كيف وقد علمت جواز الانتفاع بالميتة والعذرة وشعر الخنزير، وكلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع، وغيرها من أنواع النجاسات مع ذهاب الاكثر الى حرمة بيعها. وعلى ذلك يجب ان تترتب عليها جميع آثار المالية، فإذا أتلفها أحد ضمنها لمالكها، وإذا مات مالكها انتقلت الى وارثه، ولا يجوز للغير أن يزاحم الورثة في تصرفاتهم، وكذلك تجوز اعارتها واجارتها وهبتها ولو هبة معوضة، لان حقيقة الهبة متقومة بالمجانية واشتراط العوض فيها امر زائد على حقيقتها وفائدته جواز فسخ الواهب اياها إذا لم يف له المتهب بالشرط. لا يقال: ان الشئ إذا حرم بيعه حرمت سائر المعاملات عليه بطريق الاولوية القطعية. فانه يقال: ان الاحكام الشرعية توقيفية محضة، فلا يجوز التعدي عن مورد ثبت فيه التعبد الى غيره الا بدليل، والموجود في أدلة النهي عن بيع

[ 234 ]

الاعيان النجسة في غير ما ألغى الشارع ماليته انما هو حرمة ثمنها، فلا تشمل العوض في سائر المعاملات لعدم اطلاق الثمن عليه الا في الصلح، بناء على كونه بيعا ومن قبيل المبادلة بين المالين. قال المحقق الايرواني: ان المالية لا تدور مدار المنفعة، فان الجواهر النفيسة ومنها النقود اموال ولا فائدة فيها، وفي الماء على الشط اهم المنافع ولا يعد مالا، والتراب ينتفع به اهم الانتفاع من اصطناع آجر أو خزف أو اناء وليس بمال (1). وفيه: انه لا شبهة في دوران المالية الشرعية مدار المنفعة المحللة، ودوران المالية العرفية مدار مطلق المنافع وان كانت محرمة، ولكن الانتفاع بالاشياء ليس على نسق واحد بل يختلف باختلاف ذي النفع، فنفع الجواهر والنقود بيعها وشرائها وجعلها أثمانا للامتعة والعروض، وأما عدم كون الماء على الشط والتراب في البر من الاموال مع الانتفاع بها أهم الانتفاع، فلكون الناس في الانتفاع بهما شرعا سواء، ولذا لو اختصا بشخص واحد كبعض اقسام التراب فان الناس يبذلون بازائهما المال المهم. وعلى الاجمال مالية الاشياء انما هي باعتبار منافعها، فعديم المنفعة ليس من الاموال. حقيقة حق الاختصاص ومنشأ ثبوته: قوله: والظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الامور. أقول: قد قامت السيرة القطعية الشرعية والعقلائية على ثبوت حق


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 12.

[ 235 ]

الاختصاص والاولوية للملاك في أموالهم التي سقطت عن المالية للعوارض والطواري، كالماء على الشط، والحيوان المملوك إذا مات، والاراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعا سواء، كالطرق والشوارع المغصوبة، بديهة عدم جواز مزاحمة الاجانب عن تصرف الملاك في امثال تلك الموارد ما لم يثبت الاعراض. وهذا مما لا ريب فيه، وانما الكلام في منشأ ذلك الحق، وقد استدل عليه بوجوه: 1 - ان حق الاختصاص سلطنة ثابتة في الاموال وهي غير الملكية، فإذا زالت الملكية بقي الحق على حاله، لان كل واحد منهما ناشئ عن سبب خاص به. وفيه: ان ذلك وان كان ممكنا في مقام الثبوت الا أنه ممنوع في مقام الاثبات لعدم الدليل عليه. 2 - ان حق الاختصاص مرتبة ضعيفة من الملكية، فإذا زالت الملكية بحدها الاقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة التي نسميها بحق الاختصاص، لعدم الملازمة بينهما في الارتفاع، ويتضح ذلك بملاحظة الالوان والكيفيات الخارجية. وفيه: ان الملكية الحقيقية من أية مقولة كانت جدة أو اضافة ليست قابلة للشدة والضعف حتى تعتبر بحدها الضعيف تارة وبحدها القوي تارة اخرى، بل هي امر بسيط، فإذا زالت زالت بأصلها، ولو سلمنا كون الملكية الحقيقية ذات مراتب لم يجر ذلك في الاعتبارية، فان اعتبار كل مرتبة منها مغاير لاعتبار المرتبة الاخرى، وإذا زال اعتبار المرتبة القوية لم يبق بعده اعتبار آخر للمرتبة الضعيفة، وعليه فلا يبقى هناك شئ آخر لكي يسمى بالحق.

[ 236 ]

وهذا لا ينافي ما هو المعروف من أن الحق في نفسه مرتبة ضعيفة من الملك، فان معنى هذا الكلام ان الملك والحق كليهما من مقولة السلطنة وان الملك سلطنة قوية والحق سلطنة ضعيفة، وهو امر آخر غير اختلاف حقيقة الملك بالشدة والضعف والكمال والنقص، نظير الالوان كما توهم. ونظير ما نحن فيه تسمية الرجحان الضعيف في باب بالاوامر بالاستحباب والرجحان الشديد بالوجوب، وهو امر وراء كون الاستحباب مرتبة ضعيفة من الوجوب. 3 - قد ثبت في الشريعة المقدسة انه لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره الا بطيب نفسه، وقد دلت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الاخبار (1)، فإذا زالت الملكية وشككنا في زوال ذلك الحكم كان مقتضى


1 - في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي، قال: كان فيما ورد على من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل الى صاحب الزمان (عليه السلام)، الى أن قال (عليه السلام): وأما ما سألت عنه عن امر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها واداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها الى الناحية احتسابا للاجر وتقربا اليكم، فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من اموالنا شيئا فانما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا (الاحتجاج: 480). عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه (الكافي 7: 273، الفقيه 4: 66، عنهما الوسائل 5: 120)، موثقة لزرعة وسماعة الواقفيين. وعن تحف العقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس انما المؤمنون اخوة، ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفس منه (تحف العقول: 34، عنه الوسائل 5: 120)، مرسلة. عن عوالي اللئالي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المسلم أخو المسلم، لا يحل ماله الا عن طيب نفسه (عوالي اللئالي 3: 473، عنه المستدرك 3: 331)، مرسلة. وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: لا يحلبن احدكم ماشية أخيه الا باذنه (عوالي اللئالي 1: 146، عنه المستدرك 3: 331)، مرسلة.

[ 237 ]

الاستصحاب الحكم ببقائه. وفيه مضافا الى عدم جريان الاستصحاب في الاحكام لمعارضته دائما بأصالة عدم الجعل كما نقحناه في علم الاصول، ان موضوع الحكم محرمة التصرف هو مال الغير، فإذا سقط الشئ عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف حتى إذا كان باقيا على صفة المملوكية، إذ لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير فكيف إذا زالت عنه الملكية ايضا. 4 - دعوى الاجماع على ذلك. وفيه: ان دعوى الاجماع التعبدي في المسألة بعيدة جدا، فان من الممكن استناد المجمعين الى الوجوه المذكورة. 5 - دلالة المرسلة المعروفة بين الفقهاء: من حاز ملك، وقوله (صلى الله عليه وآله): من سبق الى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به (1)، على وجود ذلك الحق في الاشياء التي سقطت عنها المالية. وفيه: ان حديث الحيازة وان اشتهر في السنة الفقهاء وكتبهم الاستدلالية، ولكنا لم نجده في اصول الحديث من الخاصة والعامة،


1 - عن أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فبايعته فقال: من سبق الى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادون يتخاطون (سنن البيهقي 6: 142). عن سمرة بن جندب عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال: من سبق الى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به (المبسوط 3: 268 كتاب احياء الموات، عوالي اللئالي 3: 480، عنه المستدرك 17: 112)، مرسلة.

[ 238 ]

الظاهر أنه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الابواب المختلفة، كاحياء الموات والتحجير وغيرهما، كسائر القواعد الفقهية المضروبة لبيان الاحكام الجزئية. ولو سلمنا كون ذلك رواية أو كان بناء الفقهاء على الاستدلال بالقاعدة، فلا دلالة فيها على ثبوت حق الاختصاص بعد زوال الملكية، فان الظاهر منها ليس الا ثبوت مالكية المحيز للمحاز، وأما الزائد عن ذلك فلا دلالة لها عليه، على أنها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، فان الشهرة انما تكون جابرة لضعف سند الرواية إذا علم استناد المشهور الى الرواية الضعيفة، ولا ريب أن استناد اكثرهم هنا أو كلهم الى غيرها، وانما ذكروها للتأييد والتأكيد. ويضاف الى ذلك أن جبر الرواية الضعيفة بالشهرة ضعيف المبنى، وقد اشرنا إليه في اول الكتاب. وأما حديث السبق ففيه اولا: انه ضعيف السند وغير منجبر بشئ صغرى وكبرى، وثانيا: ان ما نحن فيه خارج عن حدود هذا الحديث، فان مورده الموارد المشتركة بين المسلمين، بان يكون لكل واحد منهم حق الانتفاع بها، كالاوقاف العامة من المساجد والمشاهد والمدارس والرباط وغيرها، فإذا سبق إليها احد من الموقوف عليهم وأشغلها بالجهة التي انعقد عليها الوقف حرمت على غيره مزاحمته وممانعته في ذلك، ولو عممناه الى موارد الحيازة فانما يدل على ثبوت الحق الجديد للمحيز في المحاز، ولا يدل على بقاء العلقة بين المالك وملكه بعد زوال الملكية. ومن جميع ما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق الايرواني من الوهن، حيث قال: والظاهر ثبوت حق الاختصاص، اما في الحيازة فلعموم دليل

[ 239 ]

من سبق الى ما لم يسبقه احد مسلم فهو اولى به، واما فيما إذا كان اصله ملكا للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة (1). فقد علمت ان المورد ليس مما يجري فيه الاستصحاب، وان الحديث لا يدل على المدعى. قوله: ثم انه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع. أقول: محصل كلامه انه يشترط في الاختصاص قصد الحائز الانتفاع بالمحاز، فلو خلت حيازته عن ذلك القصد لم يثبت له حق الاختصاص في المحاز وجاز لغيره مع العلم بذلك أن يزاحمه في التصرفات، ولافرق في ذلك بين الاوقاف العامة والمباحات الاصلية. وعليه فيشكل الامر فيما يتعارف في اكثر البلاد من جمع العذرة وبيعها لتسميد البساطين والزروع، فان الظاهر بل المقطوع به انه ليس للشخص قصد الانتفاع بفضلاته ولم يحرزها للانتفاع بها، فيكون اخذ المال بازائها اخذا محرما. ولكن التحقيق أن يقال: ان المحاز قد يكون من الامكنة المشتركة كالاوقاف العامة، وقد يكون من المباحات الاصلية. أما الاول، فلا ريب في أن اختصاص الحائز به مشروط بقصد الانتفاع على حسب ما اوقفه اهله، والا فلا يثبت له الاختصاص لكونه على خلاف مقصود الواقف، ومن هنا لم يجز بيعه ولا هبته ولا اجارته ولا استملاكه. على أنا لو قلنا بعدم الاشتراط بذلك لجاز اشغال المساجد ومعابد المسلمين بنحو من الحيازة، ولو بالقاء السجادة ووضع التربة ثم بيعها من


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 12.

[ 240 ]

المصلين، ومن البديهي ان هذا على خلاف وجهة الوقف. نعم لو اكتفينا في ثبوت الاختصاص بمجرد قصد الحيازة ولم تشترط فيه قصد الانتفاع وقلنا بان حق الاختصاص بما تجوز المعاوضة عليه، لارتفع الاشكال. وأما الثاني، كالاحتطاب والاصطياد، فالظاهر ان الاختصاص به غير مشروط بشئ بل يكفي فيه مجرد الحيازة الخارجية لعدم الدليل على التقييد، ومن هنا ذهب جمع من الاصحاب ومن العامة الى عدم الاشتراط، ويظهر ذلك لمن يلاحظ الموارد المناسبة لما نحن فيه. قال الشيخ في الخلاف: الارضون الموات للامام خاصة لا يملكها احد بالاحياء الا أن يأذن له الامام، وقال الشافعي: من أحياها ملكها اذن له الامام أو لم يأذن، وقال أبو حنيفة: لا يملك الا باذن، وهو قول مالك، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم (1). ولو كان لتقييد الاختصاص بقصد الانتفاع وجه لكان ذلك موردا للخلاف، كالتقييد باذن الامام. ويؤيده عموم عموم رواية: من سبق الى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به، وقاعدة الحيازة المتقدمتين. بل يمكن استفادة الاطلاق من الاخبار المتظافرة الواردة في احياء الموات من الاراضي. كصحيحة محمد بن مسلم: أيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم (2).


1 - الخلاف 2: 2. 2 - التهذيب 7: 148، الاستبصار 3: 110، عنهما الوسائل 25: 411.

[ 241 ]

وكحسنة زرارة لابراهيم بن هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحيا مواتا فهو له (1). وغير ذلك من الروايات من طرق الشيعة (2) ومن طرق العامة (3). - 1 - الكافي 5: 279، عنه الوسائل 25: 412. 2 - راجع الباب: 1 من كتاب احياء الموات من الوسائل 25: 411 - 413، المستدرك 17: 111. 3 - عن عائشة انه قال: من عمر ارضا ليست لاحد فهو أحق بها (سنن البيهقي 6: 141، وصحيح البخاري باب من أحيا أرضا مواتا 3: 140)، وغيرها من احاديثهم. النوع الثاني ما يحرم لتحريم ما يقصد به

[ 242 ]

القسم الاول ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص الا الحرام المسألة (1) حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة قوله: منها: هياكل العبادة المبتدعة. أقول: المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنة (1) هو تحريم بيع هياكل (2) العبادة المبتدعة، وفي المتن: بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر


1 - في سبل السلام: وأما علة تحريم بيع الاصنام، فقيل: لانها لا منفعة فيها مباحة، وقيل: ان كانت بحيث إذا كسرت انتفع باكسارها جاز بيعها، والاولى ان يقال: لا يجوز بيعها وهي أصنام للنهي ويجوز بيع كسرها إذ هي ليست باصنام، ولا وجه لمنع بيع الاكسار اصلا (سبل السلام 2: 317). أقول: قد اشار بالنهي الى رواية جابر بن عبد الله حيث ذكر النهي فيها عن بيع الاصنام، راجع سنن البيهقي 6: 12، وصحيح البخاري 3: 110. 2 - في المسالك: الاصل في الهيكل انه بيت للصنم، كما نص عليه الجوهري وغيره، واما اطلاقه على نفس الصنم فلعله من باب المجاز اطلاقا لاسم المحل على الحال (المسالك 3: 122). وفي تاج العروس: الهيكل الضخم من كل شئ، والهيكل بيت للنصاري فيه صنم على صورة مريم (عليها السلام) فيما يزعمون - مشى النصاري حول بيت الهيكل - زاد في المحكم فيه صورة مريم وعيسى (عليهما السلام)، وربما يسمى ديرهم هيكلا، والهيكل البناء المشرف، قيل: هذا هو الاصل ثم سمي به بيوت الاصنام مجازا (تاج العروس 8: 170).

[ 243 ]

الاجماع عليه، وقد استدل على ذلك بامور: 1 - بما في رواية تحف العقول، من قوله (عليه السلام): فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه، وقوله (عليه السلام) فيها: انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجي منها الفساد محضا، نظير البرابط والمزامير والشطرنج، وكل ملهو به والصلبان والاصنام، وقوله (عليه السلام) ايضا فيها: أو عمل التصاوير والاصنام. وفيه اولا: ان رواية تحف العقول ضعيفة السند فلا يمكن الاستناد إليها في الاحكام الشرعية، وقد تقدم ذلك في اول الكتاب، وثانيا: ان النهي فيها ظاهر في الحرمة التكليفية، فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية، وهذا ايضا تقدم في اول الكتاب. 2 - بأن أكل المال بازائها اكل له بالباطل، لاية التجارة عن تراض. وفيه: انك عرفت مرارا عديدة ان الاية ليست عن شرائط العوضين في شئ، وانما هي راجعة الى بيان اسباب المعاملات، وستعرف ذلك ايضا فيما يأتي. 3 - بقوله تعالى: واجتنبوا الرجس من الاوثان (1)، وبقوله تعالى: انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (2)، وبقوله تعالى: والرجز فاهجر (3).


1 - الحج: 32. 2 - المائدة: 90. 3 - المدثر: 5.

[ 244 ]

بناء على أن بيع هياكل العبادة والاكتساب بها مناف للاجتناب المطلق، كما أن المراد من الانصاب هي الاوثان والاصنام (1)، والمراد من الرجز الرجس، ومن الهجر الاجتناب. 4 - بالنبوي المشهور المجعول: ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، وبقوله (عليه السلام) في دعائم الاسلام: نهى عن بيع الاصنام (2). وفيه مضافا الى ضعف السند فيهما، وعدم ثبوت النبوي على النحو المعروف، ان الظاهر من النهي في رواية الدعائم هي الحرمة التكليفية، والمراد اثبات ما هو اعم منها ومن الحرمة الوضعية. 5 - بأنه قد ورد المنع عن بيع الخشب ممن يجعله صليبا أو صنما (3)،


1 - في تاج العروس (1: 486): الانصاب، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها، ويذبح لغير الله تعالى، قاله ابن سيده، واحدها نصب كعنق واعناق، أو نصب بالضم كقفل واقفال، قال تعالى: والانصاب، وقوله: وما ذبح على النصب، الانصاب الاوثان، وقال القتيبي: النصب صنم أو حجر، وكانت الجاهلية تنصبه تذبح عنده فيحمر بالدم. وفي مفردات الراغب (494): والنصيب الحجارة تنصب على الشئ، وجمعه نصائب ونصب، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها. وفي حديث أبي الجارود في تفسير الاية: وأما الانصاب الاوثان التي يعبدها المشركون، وسيأتي التعرض لهذا الحديث في البحث عن بيع آلات القمار. 2 - دعائم الاسلام 2: 18، عنه المستدرك 13: 71. 3 - ابن اذينة قال: كتبت الى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 373، 7: 134، عنهما الوسائل 17: 176)، حسنة لابراهيم بن هاشم. وعن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع به الصليب والصنم، قال: لا (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 373، 7: 134، عنهما الوسائل 17: 176)، صحيحة. وفي بعض النسخ: عمرو بن حريز، وعليه فالرواية ضعيفة، ولكن المشهور هو الاول. لا يخفى انه ذكر في بعض نسخ الوسائل: أبان بن عيسى، في سند الرواية، بدل أبان عن عيسى، فهو من سهو القلم.

[ 245 ]

فإذا حرم بيع الخشب لذلك، فان بيع الصليب والصنم أولى بالتحريم، وهذا هو الوجه الوجيه، ويؤيده قيام السيرة القطعية المتصلة الى زمان المعصوم (عليه السلام) على حرمة بيع هياكل العبادة. ويؤيده ايضا وجوب اتلافها حسما لمادة الفساد، كما أتلف النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) اصنام مكة (1)، فانه لو جاز بيعها لما جاز اتلافها.


1 - عن ابن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله) مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود يده ويقول: جاء الحق وما يبدئ الباطل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا (سنن البيهقي 6: 101، ورواه البخاري ومسلم). عن أبي هريرة قال: قال لي جابر بن عبد الله: دخلنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) مكة وفي البيت وحوله ثلاثمائة وستون صنما، فأمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالقيت كلها لوجوهها، وكان على البيت صنم طويل يقال له: هبل، فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) الى علي (عليه السلام) وقال له: يا علي تركب على أو أركب عليك لالقى هبل عن ظهر الكعبة، قلت: يا رسول الله بل تركبني، فلما جلس على ظهري لم استطع حمله لثقل الرسالة، قلت: يا رسول الله بل أركبك، فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أردت ان أمسك السماء لمسكتها بيدي، فالقيت هبل عن ظهر الكعبة، فأنزل الله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل (البحار 38: 76، والاية في الاسرل ء: 18). وعن احمد بن حنبل وأبي بكر الخطيب في كتابيهما ما يقرب من ذلك. وعن احمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي في مسنديهما، وأبي بكر الخطيب في تاريخه، ومحمد بن الصباح الزعفراني في الفضائل، والخطيب الخوارزمي في أربعينه في تفسير قوله تعالى: ورفعناه مكانا عليا، انه في صعود علي (عليه السلام) على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) لقلع الصنم (البحار 38: 75 - 85). راجع مسند احمد بن حنبل 1: 84 و 151، كنز العمال عن مسند أبي يعلى 6: 407، تاريخ بغداد للخطيب 13: 302، السنن للبيهقي 3: 247، المناقب للخوارزمي: 71، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 350، الخصائص للنسائي: 31، ينابيع المودة للقندوزي: 139، وذخائر العقبى للطبري: 85، والمستدرك للحاكم 2: 367.

[ 246 ]

بحث وتتميم: ان كيفيات الاشياء واوصافها محسوسة كانت ام غير محسوسة، وان كانت بحسب الدقة الفلسفية من مقولة الاعراض الا أنها في نظر العرف المبني على المسامحة والمساهلة منقسمة الى قسمين: 1 - أن يكون النظر الى الاشياء انفسها بالاصالة، والى اوصافها بالتبع لفنائها في المعروض واندكاكها فيه، ومثال ذلك الاعراض التي هي من لوازم الوجود كالالوان، ومن هذا القبيل ايضا الليرات العثمانية التي الغيت عن الرواج والذهب والفضة غير المسكوكين. 2 - أن يكون النظر فيها الى الهيئة والصورة بالاصالة والى المادة والهيولى بالتبع، لكون الاوصاف معدودة من الصور النوعية في نظر العرف، وذلك كالاشكال التي يكون عليها مدار التسمية والعنوان في الخارج، كما في الكأس والكوز ونحوهما، من أن موادها من جنس واحد ومن هذا القبيل الفرش والثوب ونحوهما. أما القسم الاول، فالمالية فيها من ناحية المواد، لان اوصافها خارجة عن حدود الرغبات التي هي من علل ثبوت المالية في المرغوب فيه. وأما القسم الثاني، فالمالية فيها لخصوص الهيئات لخروج موادها عن حريم المالية وحدودها، لكونها اما مرغوبا عنها كالنقود الرائجة المضروبة من القراطيس، أو مغفولا عنها في قبال الهيئة للتبعية والاندكاك. ومن هنا اتضح ان المالية انما تقوم بمواد الاشياء، اما للرغبة فيها

[ 247 ]

انفسها واما للميل الى هيئاتها، واما للاشتياق اليهما معا، ولا تضر بذلك استحالة عراء المادة عن هيئة ما كما لا يخفى. وقد اتضح ان المراد بالصورة النوعية هنا هي العرفية دون العقلية المبحوث عنها في طبيعيات الفلسفة، وان بينهما عموما من وجه. إذ قد يكون الوصف من الصور النوعية العرفية مع كونه في نظر العقل من الاعراض كالرجولة والانوثة، فانهما وان كانا عرضين للانسان الا أنهما في نظر العرف من الصور النوعية، فالعبد والامة نوعان في نظر العرف وان كانا بالنظر الدقيق صنفين من طبيعة واحدة. وقد ينعكس الامر فيكون ما هو من الصور النوعية في نظر العقل من الاعراض في نظر العرف، وذلك كالثوبين المنسوج احدهما من الحرير والاخر من الفنتاز، فانهما عند العقل ماهيتان متبائنتان وفي نظر العرف حقيقة واحدة لا تعدد فيها. وقد يجتمعان كالفراشين المنسوجين بنسج واحد ومن جنس واحد، والكأسين المصوغين بصياغة واحدة ومن فلز واحد. وإذا عرفت ما تلوناه عليك نقول: الملحوظ استقلالا في بيع الصليب والصنم ان كانت هي الهيئات العارية عن المواد، اما لعدم مالية المواد المصنوع من الخزف أو لكونها مغفولا عنها، فلا شبهة في حرمة بيعها وضعا وتكليفا، لوقوع البيع في معرض الاضلال، ولتمحض المبيع في جهة الفساد، وانحطاطه عن المالية لحرمة الانتفاع بهما بالهيئة الوثنية ولذا وجب اتلافها. وان كان الملحوظ في بيعهما هي المواد مجردة عن الصورة الوثنية الا باللحاظ التبعي غير المقصود، فلا اشكال في صحة بيعهما لاية التجارة وسائر العمومات، لان البيع والمبيع لم يتصفا بجهة من الجهات المبغوضية المنهي عنها.

[ 248 ]

وان كان المقصود من البيع هي المواد والهيئة معا، كما إذا كانا مصنوعين من الجواهر النفيسة أو الاشياء الثمينة فلا اشكال في حرمة البيع وضعا وتكليفا، كالصورة الاولى، لعموم ادلة المنع عن البيع لهذا الغرض ايضا. لا يقال: إذا كان كل من الهيئة والمادة ملحوظا في البيع كان المورد من صغريات بيع ما يملك وما لا يملك، كبيع الخل مع الخمر، وبيع الشاة مع الخنزير في صفقة واحدة، وحكم ذلك أن يقسط الثمن عليهما، وسيأتي، ويثبت للمشتري خيار تخلف الشرط لفوات الانضمام، وعلى ذلك فلا وجه للحكم بالبطلان. فانه يقال: ان الانحلال والتقسيط وان كانا بحسب الكبرى موافقين للتحقيق الا ان الاشكال في صحة الصغرى، لان الهيئة الوثنية في الصليب والصنم كالصورة النوعية للمادة في نظر العرف، فلا تكونان في الخارج الا شيئا واحدا، فلا موضع هنا للانحلال والتقسيط، كما لا موضع لهما في المادة والصورة العقليتين عند التخلف، بأن يحكم بالصحة في المادة السيالة المسماة بالهيولى الاولى لانها محفوظة في جميع الاشياء، وان تبادلت عليها الصور وبالبطلان في الهيئة، لان المقصود منها غير واقع والواقع منها غير مقصود، ويتبع ذلك تقسيط الثمن عليها بالنسبة. ووجه الفساد ان المادة والهيئة ليستا من الاجزاء الخارجية لكي تنحل المعاملة الواحدة الى معاملات متكثرة حسب تكثر اجزاء المبيع، فالمعاملة عليهما واحدة لاتحاد متعلقها خارجا والكثرة انما هي تحليلية عقلية، ولازم ذلك ان المعاملة إذا بطلت في جزء بطلت في الجميع، فلا منشأ للانحلال والتقسيط، ولا فرق في ذلك بين ان تكون الصورة عقلية أو عرفية.

[ 249 ]

لا يقال: ان بيع المادة مع قصد الصورة الوثنية وان كان موجبا للبطلان، الا أن اشتراط اعدام الهيئة وفنائها يوجب صحة البيع وترتب الاثر عليه، لجواز الانتفاع باجزائها بعد الكسر لانها ليست باصنام. فانه يقال: إذا تحقق موضوع الحرمة وترتب عليه الحكم لم يؤثر هذا الاشتراط في الجواز، لان الشئ لا ينقلب عما هو عليه. ثم لا يخفى انه لو اتصف شئ من آلات الصنايع كالمكائن ونحوها بصورة الوثنية لكان داخلا في الاعيان ذات المنافع المحللة والمحرمة، وسيأتي الكلام عليها، ولو قلنا بجواز بيعها باعتبار منافعها المحللة فانما هو فيما إذا أوجبت هذه المنافع ماليتها مع قطع النظر عن المنافع الاخرى المحرمة وعن لحاظ الجهة الوثنية، والا فلا وجه لتوهم جواز البيع. قوله: لو اتلف الغاصب لهذه الامور ضمن موادها. أقول: قد عرفت انه يجب اعدام الصورة الوثنية، وعليه فان كانت لابعاضها المكسورة قيمة، كما إذا كانت مصوغة من الذهب أو الفضة فلا يجوز اتلافها بموادها، بل يجب اتلافها بهيئتها فقط، ولو اتلفت بموادها ضمنها المتلف لمالكها الا أن يتوقف اتلاف الهيئة على اتلاف المادة، وان لم تكن لرضاضها قيمة فلا مانع من اتلاف المادة ايضا مع الهيئة. لا يقال: ان توقف اتلاف الهيئة على اتلاف المادة لا ينافي ضمان المادة إذا كانت لها قيمة، كما ان جواز اكل طعام الغير بدون اذنه في المجاعة والمخمصة لا ينافي ضمان ذلك الطعام. فانه يقال: الفرق واضح بين المقامين، إذ الباعث الى اكل طعام الغير في المخمصة انما هو الاضطرار الموجب لاذن الشارع في ذلك، وأما هياكل العبادة فان الباعث الى اتلافها ليس الا خصوص امر الشارع بالاتلاف فلايستتبع ضمانا.

[ 250 ]

المسألة (2) حرمة بيع آلات القمار قوله: ومنها القمار. أقول: قد اتفقت كلمات الاصحاب على حرمة بيع آلات القمار، بل في المستند (1) دعوى الاجماع عليها محققا بعد ان نفى عنها الخلاف اولا. ثم ان مورد البحث هنا سواء كان من حيث حرمة البيع ام من حيث وجوب الاتلاف ما يكون معدا للمقامرة والمراهنة، كالنرد والشطرنج ونحوهما، مما يعد آلة قمار بالحمل الشايع، والا فلا وجه لحرمة بيعه وان انفقت المقامرة به في بعض الاحيان كالجوز والبيض ونحوهما، كما لا يجوز اتلافه لكونه تصرفا في مال الغير بغير اذن منه ولا من الشارع، نعم يجب نهى المقامرين بذلك عن المقامرة إذا اجتمعت فيه شرائط النهي عن المنكر. ويظهر حكم هذه المسألة مما أسسناه في المسألة السابقة، من الضابطة الكلية في حرمة بيع ما قصدت منه الجهة المحرمة، فلا يحتاج الى التكرار، على أن حرمة البيع هنا قد دلت عليها جملة من الاخبار. منها: رواية أبي الجارود الدالة على حرمة بيع آلات القمار وحرمة الانتفاع بها (2).


1 - المستند 2: 335. 2 - عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: انما الخمر والميسر، وأما الخمر فكل مسكر من الشراب - الى أن قال: - وأما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر، وأما الانصاب فالاوثان التي كانت تعبدها المشركون، وأما الازلام فالاقداح التي كانت تستقسم بها المشركون من العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، وهو رجس من عمل الشيطان، وقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان (تفسير القمي 1: 180، عنه الوسائل 17: 321)، ضعيفة لابي الجارود، وهو زياد بن منذر، نعم ان قلنا بوثاقة رجال كامل الزيارات فهو ثقة.

[ 251 ]

ومنها: قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير: بيع الشطرنج حرام، واكل ثمنه سحت (1). ومنها: ما في حديث المناهي: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع النرد (2). ومورد الخبرين الاخيرين وان كان خصوص بعض الالات، ولكن يتم المقصود بعدم القول بالفصل بين آلات القمار المعدة لذلك. ثم انه قد ورد في جملة من أحاديث العامة الامر بكسر النرد واحراقها (3)، فتدل على حرمة بيعها، لان ما لا يجوز الانتفاع به لا يجوز بيعه عندهم، وقد تقدم ذلك في البحث عن جواز الانتفاع بالنجس، وسيأتي التعرض له في المسألة الاتية.


1 - محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بيع الشطرنج حرام، وأكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسلام على اللاهي بها معصية، وكبيرة موبقة (مستطرفات السرائر: 59، عنه الوسائل 17: 323)، صحيحة. 2 - وعن الصدوق باسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في المناهي قال: ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع النرد (الفقيه 4: 4، عنه الوسائل 17: 325). قال المحدث النوري في خاتمة المستدرك في الفائدة الخامسة من الخاتمة في شرح مشيخة الفقيه: فالخبر ضعيف على المشهور لجهالة بعض رواته، ولكن تلوح من متنه آثار الصدق، و ليس فيه من آثار الوضع علامة، والله العالم. 3 - راجع سنن البيهقي 10: 216.

[ 252 ]

قوله: وفي المسالك (1) انه لو كان لمكسورها قيمة. أقول: قال في التذكرة: ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه، كآلات الملاهي وهياكل العبادة المبتدعة، كالصليب والصنم، وآلات القمار كالنرد والشطرنج، ان كان رضاضها لا يعد مالا، وبه قال الشافعي، وان عد مالا فالاقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرمة (2). وذكر المصنف: ان اراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الاشكال في الجواز، ولا ينبغي جعله محلا للخلاف بين العلامة والاكثر. وفي حاشية السيد: لعله أراد بزوال الصفة عدم مقامرة الناس به وتركهم له، بحيث خرج عن كونه آلة القمار وان كانت الهيئة باقية (3). ويرد على التوجيهين ان ظاهر عبارة العلامة ان الحرمة الفعلية لبيع الامور المذكورة تدور مدار عدم صدق المالية على اكسارها، وتوجيهها بما ذكره المصنف أو بما ذكره السيد (قدس سرهما) بعيد عن مساق كلامه جدا. نعم يحتمل وقوع التحريف في كلامه بالتقديم والتأخير، بأن تكون العبارة: وان عد مالا مع زوال الصفة المحرمة، فالاقوى عندي الجواز، فيكون ملخص كلامه جواز البيع إذا كانت المادة من الاموال. أو يوجه بتقدير المضاف بين كلمة مع وكلمة زوال، بأن يكون التقدير: فالاقوى عندي الجواز مع اشتراط زوال الصفة المحرمة. وكيف كان فهو أعرف بمرامه، ولا ندري ما الذي فهم منه المسالك حتى استحسنه.


1 - المسالك 3: 122. 2 - التذكرة 1: 465. 3 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 5.

[ 253 ]

قوله: ثم ان المراد بالقمار مطلق المراهنة بعوض. أقول: في مجمع البحرين (1): اصل القمار الرهن على اللعب بشئ، وربما اطلق على اللعب بالخاتم والجوز، وسيأتي التعرض لحقيقة القمار والميسر والازلام، والتعرض لبيان ان المحرم هو مطلق المراهنة والمغالبة أو المغالبة مع العوض في مسألة حرمة القمار. المسألة (3) حرمة بيع آلات الملاهي قوله: ومنها آلات اللهو على اختلاف اصنافها. أقول: اتفق فقهائنا بل الفقهاء كافة (2) ظاهرا على حرمة بيع آلات الملاهي وضعا وتكليفا، بل في المستند (3) دعوى الاجماع على ذلك محققا.


1 - مجمع البحرين 3: 463. 2 - في شرح فتح القدير: إذا كان احد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد. وفي فقه المذاهب الاربعة (2: 166) عن الشافعية: ان من شرائط المعقود عليه أن يكون منتفعا به شرعا. وفي فقه المذاهب (2: 167) عن الحنفية: لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعا. وفي فقه المذاهب (2: 168) عن المالكية: من شرائط المعقود عليه أن يكون منتفعا به شرعا، فلا يصح بيع آلة اللهو. وفقه المذاهب (3: 175): تحرم اجارة آلات الطرب وثمنها. أقول: لا شبهة في ظهور كلمات هولاء بل صراحة بعضها في حرمة بيع آلات الملاهي، فان الانتفاع بها حرام في الشريعة المقدسة بالاتفاق، ولا ينافي ذلك لما سيأتي في البحث عن حرمة الغناء من ذهاب العامة الى جواز الغناء في نفسه. 3 - المستند 2: 335.

[ 254 ]

وقد يستدل على ذلك بالروايات العامة المتقدمة في اول الكتاب، ولكنه فاسد لما فيها من ضعف السند والدلالة، وظهورها في الحرمة التكليفية كما عرفت. والذي ينبغي أن يقال: ان الروايات قد تواترت من طرقنا ومن طرق العامة على حرمة الانتفاع بآلة اللهو في الملاهي والمعازف (1)، وان الاشتغال بها والاستماع إليها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة، وان ضربها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة، ويتسلط عليه شيطان ينزع منه الحياء، وانه من عمل قوم لوط، وفي سنن البيهقي: يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير. بل من الوظائف اللازمة كسرها واتلافها حسما لمادة الفساد، وليس في ذلك ضمان بالضرورة، وفي بعض احاديث العامة: ان رجلا كسر طنبورا لرجل فرفعه الى شريح فلم يضمنه (2). اذن فالمسألة من صغريات الضابطة الكلية التي ذكرناها في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة، وعليه فالحق هو حرمة بيع آلات اللهو وضعا وتكليفا، على أنه ورد في الحديث ما يدل على حرمة بيع آلات الملاهي وشرائها وحرمة ثمنها والتجارة فيها، ولكنه ضعيف السند (3).


1 - سنتعرض لهذه الاخبار المنقولة من الفريقين في البحث عن حرمة الغناء. 2 - راجع سنن البيهقي 6: 101. 3 - ذكر الشيخ أبو الفتوح في تفسيره عن أبي امامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: ان الله بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني ان أمحو المزامير والمعازف، والاوتار والاوثان، وامور الجاهلية - الى أن قال: - ان آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام (تفسير أبو الفتوح الرازي 4: 269، عنه المستدرك 13: 219)، مرسلة.

[ 255 ]

لا يخفى ان موضوع الحرمة هنا هي آلة اللهو، وقد حقق في محله ان المضاف إليه خارج عن حدود المضاف، فلا يعد جزء له الا أنه داخل فيه بنحو الاشتراط والتقييد، وحيث ان معرفة الحكم فرع معرفة الموضوع بقيوده وشؤونه فلا بد هنا من العلم بحقيقة اللهو، وسيأتي التعرض له في محله (1). ومن أوضح مصاديقه ما هو مرسوم اليوم من تغني اهل الفسوق ولهوهم بالراديوات وغيرها من آلات الملاهي. المسألة (4) حكم بيع آنية الذهب والفضة قوله: ومنها اواني الذهب والفضة. أقول: مفهوم الاناء امر معلوم لكونه من المفاهيم العرفية، وهو ما يكون معدا للاكل والشرب، جمعه آنية واوان، والظرف اعم منه، ومجمل القول هنا: ان النهي عن آنية الذهب والفضة ان كان مختصا بالاكل أو الشرب فيها، وكانت محرمة الاستعمال في خصوصهما، كما اتفق عليه الفقهاء كافة (2)،


1 - يأتي في المسألة العشرين. 2 - قال صاحب الجواهر في اواخر كتاب الطهارة: لا يجوز الاكل والشرب في آنية من ذهب أو فضة اجماعا منا (الجواهر 6: 328)، وعلى هذا النهج كثير من الاصحاب. وفي فقه المذاهب: فيحرم اتخاذ الانية من الذهب والفضة، فلا يحل لرجل أو امرأة أن يأكل أو يشرب فيها، وكذلك لا يحل الطيب منها أو الادهان أو غير ذلك، وكما يحرم استعمالها يحرم اقتناؤها بدون استعمال (فقه المذاهب الاربعة 2: 16)، وغير ذلك من كلمات العامة.

[ 256 ]

واستفاضت الروايات بينهم من الفريقين (1)، فلا شبهة في جواز بيعها لسائر الجهات المحللة، ومنها اقتناؤها لانحاء الاستعمالات واقسام التزينات غير الاكل والشرب فيها. وهكذا الحكم لو كان المستفاد من الروايات هو حرمة استعمالها على وجه الاطلاق كما ادعى عليه الاجماع ايضا وذكر النهي عنه في بعض الاحاديث (2)، إذ لا يعم ذلك مثل التزين، لعدم صدق الاستعمال عليه فيجوز بيعها لذلك. وان كان المستفاد حرمة جميع منافعها وجميع انحاء التقلب والتصرف فيها حتى التزين بها، فلا ريب في حرمة المعاوضة عليها مطلقا، لكونها مما يجئ منها الفساد محضا، وتكون من صغريات الكبرى المتقدمة في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة. وقد استدل على هذا الاحتمال الاخير بقوله (عليه السلام): آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون (3). وفيه مضافا الى ضعف السند في الرواية انها ناظرة الى الجهة الاخلاقية، فلا تكون مدركا في الاحكام الفرعية، وتفصيل الكلام في كتاب الطهارة.


1 - راجع الكافي 6: 267، التهذيب 9: 91، المحاسن: 581، الوسائل 3: 505 - 508، سنن البيهقي 1: 27. 2 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): نهى عن استعمال اواني الذهب والفضة (درر اللئالي 1: 115، عنه المستدرك 2: 598)، مرسلة. 3 - عن موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: آنية الذهب والفضة - الخ (الكافي 2: 268، المحاسن: 582، عنهما الوسائل 3: 507)، ولكن ما في الكافي ضعيف لسهل، وما في المحاسن ضعيف لعبد الله بن المغيرة.

[ 257 ]

المسألة (5) حكم بيع الدراهم المغشوشة قوله: ومنها الدراهم الخارجة المعمولة لاجل غش الناس. أقول: لا شبهة في حرمة غش المؤمن في البيع والشراء وضعا وتكليفا، وسنذكر ذلك عند التعرض لحرمة الغش، وانما الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى جواز الانتفاع بها في التزين وفي دفعه الى العشار في المكوس والكمارك والى الظالم وعدم جوازه، الثاني جواز المعاوضة عليها وعدم جوازها. أما الناحية الاولى، فقد استدل على الحرمة بروايات: منها: ما في رواية الجعفي (1) من الامر بكسر الدرهم المغشوش، فانه لا يحل بيعه ولا انفاقه. وفيه: ان الامر فيها ليس تكليفيا ليجب كسره ويحرم تركه، بل هو ارشاد الى عدم صحة المعاوضة عليها وعدم جواز اداء الحقوق الواجبة منها، ويدل على ذلك من الرواية تعليل الامام (عليه السلام) الامر بالكسر بانه


1 - عن المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فالقى بين يديه دراهم، فألقى الى درهما منها، فقال: ايش هذا، فقلت: ستوق، فقال: وما الستوق، فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال: اكسرها، فانه لا يحل بيع هذا ولا انفاقه (التهذيب 7: 109، الاستبصار 3: 97)، ضعيفة لعلي بن الحسن الصيرفي. قال في الوافي: الستوق - بالضم والفتح معا وتشديد التاء - وتستوق - بضم التاء - الزيف البهرج الملبس بالفضة طبقتين فضة، الصواب طبقة من فضة، وكأنه مما صحفه النساخ، وحمل منع انفاقه في التهذيبين على ما إذا لم يبين انه كذلك فيظن الاخذ انه جيد (الوافي، الباب: 101 انفاق الدراهم 10: 88).

[ 258 ]

لا يحل بيعه ولا انفاقه، إذ من البديهي ان الصد عن بيعه وانفاقه في الخارج لا ينحصر في الكسر بل يحصل بغيره ايضا. ومنها: ما في رواية موسى بن بكر (1)، من أن الامام (عليه السلام) قطع الدينار المغشوش بنصفين وأمره بالقائه في البالوعة حتى لا يباع ما فيه غش، اذلو جاز الانتفاع به في وجه لما قطعه بنصفين. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ. وثانيا: ان فعله (عليه السلام) وان كان حجة كسائر الامارات الشرعية كما حقق في محله، الا أن ذلك فيما تكون وجهة الفعل معلومة، وعليه فلا يستفاد من الرواية اكثر من الجواز الشرعي، ويكون مؤداها الارشاد الى عدم نفوذ المعاملة عليه لوجود الغش فيه. والشاهد على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام): حتى لا يباع شئ فيه غش، بل الظاهر انه كان غشا محضا والا لما امر الامام (عليه السلام) بالقائه في البالوعة، لكون هذا الفعل من أعلى مراتب الاسراف والتبذير، ومن هنا ظهر ما في رواية دعائم الاسلام (2)، من حكمه (عليه السلام) بقطع الدرهم المغشوش. وأما الناحية الثانية، فتوضيح الكلام فيها: ان للدراهم المغشوشة حالتين: الاولى ان تكون رائجة بين الناس حتى مع العلم بالغش كالدراهم الرائجة في زماننا، والثانية ان لا تكون رائجة بينهم.


1 - عن موسى بن بكر قال: كنا عند أبي الحسن (عليه السلام) فإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر الى دينار فأخذه بيده، ثم قطعه بنصفين، ثم قال لي: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شئ فيه غش (الكافي 5: 160، التهذيب 7: 12، عنهما الوسائل 17: 280)، ضعيفة للارسال وللحسن بن علي بن أبي عثمان. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في الستوق وهو المطبق عليه الفضة وداخل نحاس: يقطع و لا يحل أن ينفق (دعائم الاسلام 2: 29، عنه المستدرك 13: 351)، مرسلة.

[ 259 ]

أما الحالة الاولى، فلا شبهة في جواز المعاوضة على الدراهم المذكورة، لان الغرض الاصيل منها أعني الرواج غير تابع لخلوص المواد ونقائها من الغش، بل هو تابع لاعتبار سلطان الوقت لها وجريان القانون الحكومي عليه، من غير فرق بين اغتشاش المادة وخلوصها، نعم إذا سقطت عن الاعتبار فلا تجوز المعاوضة عليها من دون اعلام. أما الحالة الثانية، فان المعاوضة قد تقع على الدرهم الكلي ثم يدفع البايع الدرهم المغشوش عند الاقباض، وقد تقع على شخص الدرهم الخارجي المغشوش، فعلى الاول لا وجه للبطلان ايضا، ولا خيار للمشتري، بل يجبر البايع على التبديل، فان حصل التبديل فيها والا كان للمشتري الخيار، وعلى الثاني فقد يكون المتعاملان كلاهما عالمين بالغش، وقد يكونان جاهلين به، وقد يكونان مختلفين. أما الصورة الاولى، فلا ريب في اباحة البيع تكليفا ونفوذه وضعا للعمومات، ودعوى أن الغش مانع عن صحة البيع للاخبار المتظافرة الاتية في البحث عن حرمة الغش دعوى جزافية، ضرورة خروج هذه الصورة عن موردها خروجا تخصصيا، إذ الغش انما يتقوم بعلم الغار وجهل المغرور، وقد فرضنا علم المتبايعين بالحال. والتمسك لذلك بروايتي الجعفي وموسى بن بكر المتقدمتين، بدعوى ظهورهما في حرمة بيع الدراهم والدنانير المغشوشة توهم فاسد، فان الروايتين وان كانتا ظاهرتين في ذلك ولكن يجب حملهما على الكراهة لصراحة ما دل من الروايات (1) على جواز البيع مع علم المتبايعين بالحال.


1 - عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها، قال: إذا بين ذلك فلا بأس (الكافي 5: 253، التهذيب 7: 109، الاستبصار 3: 97، عنهم الوسائل 18: 185)، صحيحة. عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمان الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اشترى الشئ بالدراهم فاعطى الناقص الحبة والحبتين، قال: لا، حتى تبينه - الحديث (الفقيه 3: 141، التهذيب 7: 110، عنهما الوسائل 18: 187). قال المحدث النوري في خاتمة المستدرك عند التعرض لمشيخة التهذيب: والى محمد بن أبي عمير ثلاث طرق حسنات فهي المشيخة والفهرست، وعليه فالرواية المذكورة حسنة.

[ 260 ]

وأما الصورة الثانية، فالتحقيق فيها: ان الكلام تارة يقع في الحرمة التكليفية، واخرى في الحرمة الوضعية، أما الحرمه التكليفية، فمنفية جزما لفقد موضوعها - وهو الغش - مع جهل المتبايعين، وأما الحرمة الوضعية بمعنى عدم نفوذ البيع. فتوضيح الحال فيها يتوقف على مقدمة قد أوضحناها في البحث عن بيع هياكل العبادة، وتعرض المصنف لها في خيار تخلف الشرط، ولا بأس هنا بالاشارة إليها اجمالا، وملخصها: ان القيود في المبيع سواء كانت من قبيل الاوصاف أو الشروط اما صور نوعية عرفية أو جهات كمالية. فان كانت من القبيل الاول فلا ريب في بطلان البيع مع التخلف، كما إذا اشترى جارية على أنها شابة جميلة فظهرت عبدا شائبا كريه الوجه، أو اشترى صندوقا فظهر انه طبل. ووجه البطلان ان ما جرى عليه العقد غير واقع وما هو واقع لم يجر عليه العقد، فان ما تعلقت به المعاملة وان اتحد في الحقيقة مع ما تسلمه المشتري الا أنهما في نظر العرف متبائنان ولا يقسط الثمن على المادة والهيئة، لتبطل المعاملة فيما قابل الهيئة وتنفذ فيما قابل المادة، كما يتجزا فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة، كالشاة مع

[ 261 ]

الخنزير، وذلك لما عرفت من فساد الانحلال والتقسيط فيما إذا كانت الكثرة تحليلية عقلية. وان كانت من القبيل الثاني فلا وجه للبطلان بل يثبت خيار تخلف الشرط، كما إذا باع عبدا على أنه كاتب فبان انه غير كاتب، أو باع كبشا فظهر انه نعجة، والوجه في ذلك هو ان الفائت ليس الا من الاوصاف الكمالية فلا يوجب تخلفه الا الخيار. ففي المقام، إذا باع درهما على أنه مسكوك بسكة السلطان، فبان انه مسكوك بسكة التاجر بطل البيع لكون الاختلاف بينهما من الاختلاف في الصور النوعية، وأما لو باع درهما على أنه طازج فبان انه عتيق، فان البيع صحيح وانما يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف من الوهن، حيث أثبت خيار التدليس مع تفاوت السكة، ووجه الوهن هو ان الملحوظ ان كان هي المادة المجردة فلا بطلان ولا خيار، وان كان هي مع الهيئة أو الهيئة المحضة فلا مناص عن البطلان. نعم لو كان الملحوظ هي المادة المجردة وكان التفاوت بكثرة الخليط وقلته لثبت خيار العيب، الا أنه غير مفروض المصنف. وأما الصورة الثالثة، فتارة يفرض علم البايع بالغش دون المشتري واخرى بالعكس، أما الاولى فهو من أوضح مصاديق الغش في المعاملة ويجري فيه جميع ما ذكرناه في الصورة الثانية، وأما الثاني فلا مانع من نفوذ البيع فيه وضعا واباحته تكليفا للعمومات. وتوهم ان الغش مانع عن النفوذ مندفع بما ذكرناه من تقومه بعلم البايع وجهل المشتري والمفروض عكسه. قوله: وهذا بخلاف ما تقدم من الالات.

[ 262 ]

أقول: اراد بذلك ابداء الفرق بين بيع آلات اللهو والقمار وبيع الدراهم المغشوشة، بدعوى استحالة صحته في الالات، لان المادة والهيئة اجزاء تحليلية عقلية فلا تقابل المادة بجزء من الثمن والهيئة بجزء آخر منه ليحكم بصحة البيع في المادة وبفساده في الهيئة، بل إذا بطل في جزء بطل في الجميع وإذا صح في جزء صح في الجميع، والتقسيط انما يكون في الاجزاء الخارجية، كتقسيط الثمن على الخل والخمر إذا بيعا صفقة واحدة، وهذا بخلاف الدراهم المغشوشة، لنفوذ المعاملة فيها مع الخيار الا إذا وقع عنوان المعاوضة على الدراهم المنصرف اطلاقه الى المسكوك بسكة السلطان، فان البيع حينئذ يبطل إذا بان الخلاف. وفيه: ان التزامه بالانحلال والتقسيط في الاجزاء الخارجية إذا ظهر الخلاف وعدم التزامه بهما في آلات اللهو والقمار وسائر ما كان التعدد فيه بالتحليل العقلي متين ومن الوضوح بمكان، الا أن الحال في الدراهم ايضا كذلك، فإذا كان الاختلاف من جهة السكة لا يمكن التصحيح من جهة المادة والابطال من جهة الهيئة، وأما الصورة الاخرى التي يصح البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه فلا جامع بينها وبين آلات القمار ليحتاج الى ابداء الفارق بينهما. ومن المحتمل ان هذه العبارة قد حررها النساخ في غير موضعها اشتباها، والله العالم. قوله: وهذا الكلام مطرد في كل قيد فاسد. أقول: الشروط سواء كانت صحيحة ام فاسدة لا تقابل بجزء من الثمن، كما سيأتي بيان ذلك في بابها، وعليه فتخلفها لا يوجب الا الخيار حتى على مسلك المصنف، ودعوى الخصوصية في المورد جزافية.

[ 263 ]

القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة المسألة (1) حكم بيع العنب على أن يعمل خمرا قوله: القسم الثاني: ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة. أقول: اراد به تقسيم ما يقصد من بيعه الحرام الى ثلاثة اقسام وبيان حكم كل منها على حدة، ومنشأ القسمة هو: ان المنفعة المحرمة التي يقصدها المتعاملان اما ان تكون تمام الموضوع في المعاوضة، بحيث يرجع مفادها الى بذل المال بازاء تلك المنفعة المحرمة لا غير، كالمعاوضة على العنب بشرط التخمير فقط، وعلى الخشب بشرط صنعه صنما فحسب، واما ان تكون بنحو الداعي الى المعاوضة من دون اشتراط فيها، كالمعاملة على العنب ليجعله خمرا من غير اشتراط لذلك في المعاوضة، واما ان تكون جزء الموضوع، بحيث يرجع مفاد المعاوضة الى ضم الغاية المحرمة للغاية المحللة وبذل المال بازائهما، كبيع الجارية المغنية إذا لوحظ بعض الثمن بازاء صفة الغناء، فهنا مسائل ثلاث. ثم ان الوجوه المذكورة جارية في الاجارة ايضا، بل هي تزيد على البيع بوجه رابع، وهو أن يؤجر نفسه لفعل الحرام كالزنا والنميمية والغيبة والقتل والافتراء، ومن هذا القبيل اجارة الجارية المغنية للتغني.

[ 264 ]

قوله: الاولى: بيع العنب على أن يعمل خمرا والخشب على أن يعمل صنما. أقول: ادعى في المستند (1) وفي متاجر الجواهر (2) وغيرهما عدم الخلاف بل الاجماع على حرمة الاجارة والبيع بل كل معاملة وتكسب للمحرم، سواء اشترطاه في العقد ام حصل اتفاق المتبايعين عليه، كاجارة المساكن والحمولات للخمر، وركوب الظلمة واسكانهم للظلم، وبيع العنب والتمر وغيرهما مما يتخذ منه المسكر ليعمل خمرا، أو الخشب ليعمل صنما أو بربطا. والى هذا القول ذهب بعض اهل الخلاف (3)، بل هو ظاهر جميعهم، لنصهم على حرمة الاجارة للامور المحرمة، وسيأتي، ولا فرق في ذلك بين الاجارة وسائر المعاملات. وكيف كان، فالكلام يقع في ناحيتين: الاولى في جواز بيع المباح على أن يجعل حراما وعدم جوازه، والثانيه في بيان اقسام ما يقصد من اجارته الحرام وذكر احكامه. أما الناحية الاولى، فالذي يمكن الاستدلال به على حرمة البيع وجوه: 1 - ان بيع الاشياء المباحة على أن تصرف في الحرام، كبيع العنب للتخمير، وبيع الخشب لجعله صنما أو آلة لهو، اعانة على الاثم، بل في المستند (4) انه معاونة على الاثم المحرم كتابا وسنة واجماعا.


1 - المستند 2: 336. 2 - جواهر الكلام 22: 31. 3 - في فقه المذاهب الاربعة: المالكية قالوا بحرمة بيع الدكان ليباع فيه الخمر ونحوها مما يفسد العقل، أو يتخذ بيوتا للدعارة، أو محلا للفسق أو نحو ذلك (فقه المذاهب الاربعة 3: 176). 4 - المستند 2: 336.

[ 265 ]

وفيه أولا: ان الكبرى ممنوعة الا في موارد خاصة كما سيأتي. وثانيا: انك علمت في بعض المباحث ان بين عنوان البيع وعنوان الاعانة على الاثم عموما من وجه، لتقوم مفهوم الاعانة بالاقباض والتسليط الخارجي على العين ولو بغير عنوان البيع، مع العلم بصرفها في الحرام، وان كان ينطبق عنوان الاعانة على البيع في بعض الاحيان، وعليه فلا تستلزم حرمة الاعانة على الاثم حرمة البيع في جميع الموارد. وثالثا: ان حرمة المعاوضة لو سلمت لا تدل على فساد المعاملة وضعا، لانها حرمة تكليفية محضة. ورابعا: لو قلنا بدلالة النهي التكليفي على فساد المعاملة فان ذلك فيما إذا كانت المعاملة بعنوانها الاولى موردا للنهي كبيع الخمر لا بعنوانها العرضي كما في المقام، وهذا لا ينافي ما سلكناه في بعض المباحث واشرنا إليه فيما سبق، من كون النواهي في باب المعاملات ارشادا الى الفساد كالنهي عن البيع الغرري كما انها في أبواب الصلاة ارشاد الى المانعية، فان ذلك فيما لم تقصد المولوية التكليفية من النهي كالنهي عن بيع الخمر. وخامسا: ان تخلف الشروط الصحيحة انما يوجب الخيار للمشترط لان الشروط لا تقابل بجزء من الثمن، وقد حققناه في محله، والتزم به المصنف في باب الشروط، ومن الواضح ان الشروط الفاسدة لا تزيد على الصحيحة في ذلك فلا يسري فساد الشرط الى العقد، ودعوى امتياز المورد عن بقية الشروط الفاسدة موهونة جدا. ولو سلمنا ان للشروط حصة من الثمن فيقسط عليها وعلى المشروط فانما هو في الشروط التي تجعل على البائع، كأن يشترط المشتري عليه في ضمن العقد خياطة ثوبه أو بناية داره أو نجارة بابه ونحوها،

[ 266 ]

مما يوجب زيادة الثمن، وأما الشروط التي تجعل على المشتري، كأن يشترط البائع عليه صرف المبيع في جهة خاصة سواء أكانت محرمة ام محللة فلا تقابل بشئ من الثمن. واذن فاشتراط البائع على المشتري صرف المبيع في الحرام لا يوجب فساد البيع حتى على القول بالتقسيط. 2 - ان ذلك اكل للمال بالباطل فهو حرام لاية التجارة. وفيه أولا: ما عرفته مرارا وستعرفه، من أن الاية الشريفة مسوقة لبيان الضابطة الكلية في الاسباب الصحيحة والاسباب الفاسدة للمعاملات وان شرائط العوضين خارجة عن حدودها. وثانيا: ما عرفته مرارا ايضا، من أن الشروط لا تقابل بجزء من الثمن ليلزم من فسادها اكل المال بالباطل، وانما هي مجرد التزامات لا يترتب على مخالفتها الا الخيار. 3 - دعوى الاجماع على الحرمة. وفيه مضافا الى عدم حجية الاجماع المنقول، ان دعوى الاجماع التعبدي في المقام موهونة جدا، لامكان استناد المجمعين الى الوجوه المذكورة في المسألة. 4 - ما ذكره في المستند (1)، من كونه بنفسه فعلا محرما، لما بينا في موضعه ان فعل المباح بقصد التوصل به الى الحرام محرم. وفيه: انا لو قلنا بحرمة مقدمة الحرام فانما ذلك في المقدمات التي لا يمكن التفكيك بينها وبين ذي المقدمة، بحيث لا يتمكن المكلف بعد ايجاد المقدمة عن ترك ذي المقدمة فيعاقب على ذلك.


1 - المستند 2: 336.

[ 267 ]

ومن الضروري ان بيع المباح بقصد التوصل به الى الحرام أو بشرط صرفه فيه ليس علة لايجاده، وانما هو من الدواعي والتخلف فيها ليس بعزيز. 5 - ما توهم من شمول ادلة النهي على المنكر للمقام، بدعوى انه إذا وجب النهي عن المنكر لرفعه فان النهى عنه لدفعه أولى بالوجوب. وفيه: انا لو استفدنا من الادلة وجوب النهي عن المنكر لدفعه لامكن الالتزام بوجوب النهي عنه لرفعه بالفحوى، واما العكس فلا، ولو أغمضنا عن ذلك فهو انما يتم إذا علم البائع بان المشتري يصرف المبيع في الحرام على حسب الاشتراط والا فلا مقتضى للوجوب، على ان مقتضاه انما هو مجرد التكليف والنهى التكليفي في المعاملات لا يقتضي الفساد. قوله: خبر جابر (1). أقول: لا وجه لذكره في المقام الا من جهة اتحاد حكم البيع والاجارة فيما نحن فيه، والا فهو اجنبي عن البيع وصريح في حرمة الاجارة للغاية المحرمة كما سيأتي. وأما الناحية الثانية، فقد علمت ان ما يقصد من اجارته الحرام يكون على اربعة اقسام: 1 - أن يكون متعلق الاجارة من الامور المحرمة، كأن يؤجر نفسه للعمل الحرام، وهذا لا شبهة في حرمته من حيث الوضع والتكليف،


1 - عن جابر - وفي التهذيب: صابر - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام اجره (الكافي 5: 227، التهذيب 6: 371، 7: 134، الاستبصار 3: 55، عنهم الوسائل 17: 174)، مجهولة لجابر، وعلى نسخة التهذيب حسنة، فان صابر من الحسان.

[ 268 ]

بللا نعرف فيه خلافا من الشيعة والسنة (1) الا ما يظهر مما نسب الى أبي حنيفة في بعض الفروع (2)، وقد عرفت في معنى حرمة البيع ان نفس ادلة المحرمات كافية في حرمة هذا القسم من الاجارة، إذ هي تقتضي الانزجار عنها، ومقتضى العمومات هو وجوب الوفاء بالعقد، وهما لا يجتمعان، ولعل المقصود من خبر جابر الاتي هو هذا القسم ايضا. 2 - أن يشترط المؤجر على المستأجر أن ينتفع بالعين المستأجرة بالمنافع المحرمة من دون أن يكون اصل الايجار للحرام، كاستئجار الثياب والحلى والامتعة والخيام والسيارات وسائر الحمولة بشرط الانتفاع بها بالجهات المحرمة.


1 - في المبسوط للسرخسي: ولا تجوز الاجارة على شئ من الغناء والنوح والمزامير والطبل وشئ من اللهو، لانه معصية، والاستئجار على المعاصي باطل، فان بعقد الاجارة يستحق تسليم المعقود عليه شرعا، ولا يجوز أن يستحق على المرء فعل به يكون عاصيا شرعا (المبسوط 16: 38). وفي فقه المذاهب: المالكية قالوا من جملة الاجارات الممتنعة الاجارة على تعليم الغناء، فانها لا تصح، وكلما لا يباح لا يصح تأجيره، ومن ذلك اجرة آلات الطرب (فقه المذاهب الاربعة 3: 175). وفيه: لا يصح الاستئجار على المعاصي مثل الغناء والنوح والملاهي، كاستئجار بعض الفارغين من الشبان ليقوموا بأناشيد سخيفة، ويتبادلون في مجلسهم الخمور والمحرمات، فان استئجارها كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها (فقه المذاهب الاربعة 3: 169). وفي الهداية: ولا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي، لانه استئجار على المعصية، والمعصية لا تستحق بالعقد (الهداية 7: 180). 2 - في احكام القرآن للجصاص: في تسمية الله المهر أجرا دليل على صحة قول أبي حنيفة فيمن استأجر امرأة فزنا بها، انه لا حد عليه، لان الله تعالى قد سمى المهر اجرا، فهو كمن قال: أمهرك كذا، وقد روى نحوه عن عمر بن الخطاب، ومثل هذا يكون نكاحا فاسدا، لانه بغير شهود (احكام القرآن للجصاص 2: 178).

[ 269 ]

المشهور بيننا وبين العامة (1) عدم جواز ذلك، الا أن الظاهر ان المسألة من صغريات الشرط الفاسد، وبما انك علمت اجمالا وستعلم تفصيلا ان فساد الشرط لا يستلزم فساد العقد ولا يسري إليه فلا موجب لفساد الاجارة من ناحية الشرط المذكور. وقد يستدل على الفساد برواية جابر (2)، حيث حكم الامام (عليه السلام) فيها بحرمة الاجرة في رجل آجر بيته فيباع فيه الخمر. وفيه مضافا الى ضعف السند فيها، أولا: انها أجنبية عن اشتراط الانتفاع بالعين المستأجرة في الحرام، إذ لا داعي للمسلم أن يؤاجر بيته ويشترط على المستأجر أن ينتفع منها بالمنافع المحرمة، بل موردها فرض العلم بالانتفاع المحرم من غير شرط.


1 - في المبسوط للسرخسي: إذا استأجر الذمي من المسلم بيتا ليبيع فيه الخمر لم يجز، لانه معصية فلا ينعقد العقد عليه، ولا اجر له، وعند أبي حنيفة والشافعي يجوز هذا العقد لعدم ورود العقد على بيع الخمر بل على منفعة البيت، فله أن يبيع فيه شيئا آخر (المبسوط للسرخسي 16: 38). وفي فقه المذاهب: اجارة الدكان ليباع فيه الخمر ونحوها مما يفسد العقل أو يضر بالبدن، فانها لا تصح، وكذلك اجارة المنازل للدعارة والفسق (فقه المذاهب 3: 176). وفي شرح فتح القدير: وقد صرح محمد في الجامع الصغير بأنه لا بأس عند أبي حنيفة ان تؤاجر بيتك ليتخذ فيه بيت نار أو كنيسة أو بيعه، أو يباع الخمر فيه بالسواد (شرح فتح القدير 8: 129). 2 - عن جابر - وفي التهذيب: صابر - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام اجره (الكافي 5: 227، التهذيب 6: 371، 7: 134، الاستبصار 3: 55، عنهم الوسائل 17: 174)، مجهولة لجابر، وعلى نسخة التهذيب حسنة، فان صابر من الحسان.

[ 270 ]

وثانيا: انها محمولة على الكراهة، لمعارضتها بحسنة ابن اذينة (1) الدالة على جواز ايجار الحمولة لحمل الخمر والخنازير. وجمع المصنف بينهما بأن رواية ابن اذينة محمولة على ما إذا اتفق الحمل من غير أن يؤخذ ركنا أو شرطا في العقد، بتقريب ان خبر جابر نص فيما نحن فيه وظاهر في هذا، وان حسنة ابن اذينة بالعكس، فيطرح ظاهر كل منهما بنص الاخر. وفيه: انه قد تقدم في البحث عن بيع العذرة أن المتيقن الخارج عن مقام التخاطب من الدليلين لا يصحح الجمع الدلالي بينهما ما لم يساعده شاهد من النقل والاعتبار، وانما هو تبرعي محض. ومن هنا اندفع ما في التهذيب (2)، من أنه انما حرم اجارة البيت لمن يبيع الخمر لان بيع الخمر حرام واجاز اجارة السفينة يحمل فيها الخمر، لان حملها ليس بحرام، لانه يجوز أن يحمل ليجعل خلا، وعلى هذا لا تنافي بين الخبرين، على أنه ذكر في الحسنة جواز حمل الخمر والخنازير، وما ذكره من التوجيه في حمل الخمر لا يجري في حمل الخنازير. وقد يتوهم عدم نفوذ الاجارة وضعا وحرمتها تكليفا لرواية دعائم الاسلام (3) الظاهر فيهما.


1 - ابن اذينة قال: كتبت الى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممن يحمل عليها أو فيها الخمر والخنازير، قال: لا بأس (الكافي 5: 227، التهذيب 6: 372، الاستبصار 3: 55، عنهم الوسائل 17: 174)، حسنة لابراهيم بن هاشم. 2 - التهذيب 6: 372. 3 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: من اكترى دابته أو سفينته، فحمل عليها المكتري خمرااو خنازير أو ما يحرم، لم يكن على صاحب الدابة شئ، وان تعاقدا على حمل ذلك فالعقد فاسد، والكري على ذلك حرام (دعائم الاسلام 2: 78، عنه المستدرك 13: 121)، مرسلة.

[ 271 ]

ولكنه توهم فاسد، لان هذه الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، فلا تفي لاثبات المقصود، على أنها معارضة بالحسنة المذكورة، فتحمل على الكراهة. ثم انه بفحوى ما ذكرناه ظهر حكم القسم الثالث والرابع، أعني صورة العلم بترتب الحرام على الاجارة من غير أن يجعل شرطا في العقد أو داعيا إليها، وصورة أن يكون ترتب الحرام داعيا لانشاء المعاملة، ويتضح ذلك وضوحا من المسألة الثانية والرابعة. قوله: بل الاظهر فساده وان لم نقل بافساد الشرط الفاسد. أقول: قد سمعت كون المسألة من صغريات الشرط الفاسد، ودعوى الخصوصية فيها وامتيازها عن سائر الشروط الفاسدة مجازفة. قوله: مع أن الجزء أقبل للتفكيك بينه وبين الجزء الاخر من الشرط والمشروط. أقول: جواز الانحلال والتقسيط في الاجزاء الخارجية وان كان صحيحا كما اشرنا إليه، وسيأتي تفصيله في بيع ما يملك وما لا يملك، الا أنه غير صحيح في الاجزاء التحليلية العقلية، فان الانحلال في ذلك باطل جزما. ومن ذلك يظهر ان بطلان بيع الالات اللهوية لا يستلزم بطلان البيع فيما إذا كان الشرط حراما، فان الثمن في باب الشرط انما جعل بازاء نفس المال فقط وليس للشرط حصة من الثمن ليقاس ببيع الالات المحرمة.

[ 272 ]

المسألة (2) حكم بيع الجارية المغنية قوله: المسألة الثانية: يحرم المعاوضة على الجارية المغنية. أقول: محصل كلامه ان الصفات سواء كانت محللة ام محرمة قد تكون داعية الى المعاوضة ولا دخل لها في المعاوضة باكثر من ذلك، وقد تكون دخيلة في ازدياد الثمن فيها، وقد تكون أجنبية عنها اصلا. أما الاول والثالث فلا ريب في صحة المعاوضة فيهما، لان المفروض ان الصفة المحرمة لم توجب زيادة في الثمن، وكذا الثاني لو كانت الصفة الموجبة لازدياد الثمن هي الصفة المحللة، واما لو كان الموجب للزيادة هي الصفة المحرمة فلا شبهة في فساد المعاوضة حينئذ، كملاحظة صفة التغني في بيع الجارية المغنية، والمهارة في القمار، والسرقة واللهو في بيع العبد، ووجه الفساد ان بذل شئ من الثمن بملاحظة الصفة المحرمة اكل للمال بالباطل. وأما التفكيك بين القيد والمقيد فيحكم بصحة العقد في المقيد وبطلانه في القيد بما قابله من الثمن فتوهم فاسد، لان القيد امر معنوي لا يوزع عليه شئ من المال. أقول: تحقيق المسألة في جهتين: الاولى من حيث القواعد، والثانية من حيث الروايات. أما الجهة الاولى، فالقاعدة تقتضي صحة المعاوضة في جميع الوجوه المذكورة لوجهين: 1 - ان بعض الاعمال كالخياطة ونحوها وان صح ان تقع عليه المعاوضة وأن يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال، الا أنه إذا

[ 273 ]

لوحظ وصفا في ضمن المعاوضة فانه لا يقابل بشئ من الثمن، وان كان بذل المال بملاحظة وجودها، وعليه فحرمة الصفة لا تستلزم حرمة المعاوضة في الموصوف، وانما هي كالشروط الفاسدة لا توجب الا الخيار. 2 - لو سلمنا ان الاوصاف تقابل بجزء من الثمن فان ذلك لا يستلزم بطلان المعاملة، إذ الحرام انما هي الافعال الخارجية من التغني والقمار والزنا دون القدرة عليها التي هي خارجة عن اختيار البشر، على أنه قد ورد في الايات والاحاديث ان قدرة الانسان على المحرمات قد توجب كونه أعلى منزلة من الملائكة. فان الانسان يحتوي على القوة القدسية التي تبعث الى الطاعة والقوة الشهوية التي تبعث الى المعصية، فإذا ترك مقتضى الثانية وانبعث بمقتضى الاولى فقد حصل على ارقى مراتب العبودية، وهذا بخلاف الملك فانه لاختصاصه بالقوة الروحية والملكة القدسية الباعثة الى الطاعة والرادعة عن المعصية ولعرائه عن القوة الاخرى الشهوية لا يعصى الله، فيكون الانسان الكامل افضل من الملك، وتفصيل الكلام في محله. وأما الجهة الثانية، فقد استفاضت الروايات من الشيعة (1) والسنة (2) على


1 - عن الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية، فقال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها الا ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 61، عنهم الوسائل 17: 124)، ضعيفة لسهل بن زياد وغيره. محمد الطاهري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعلمهن كفر، واستماعهن نفاق (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 356، الاستبصار 3: 61، عنهم الوسائل 17: 124)، ضعيفة للطاهري وسهل وغيرهما. أبو البلاد قال: أوصى اسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات ان نبيعهن ونحمل ثمنهن الى أبي الحسن (عليه السلام)، قال ابراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة الف درهم وحملت الثمن إليه، فقلت: ان مولى لك يقال له اسحاق بن عمر، قد أوصى عند موته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن اليك، وقد بعتهن، وهذا الثمن ثلاثمائة الف درهم، فقال: لا حاجة لي فيه، ان هذا سحت، وتعليمهن كفر، والاستماع منهن نفاق، وثمنهن سحت (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 61، عنهم الوسائل 17: 123)، مرسلة. عن أبي البلاد قال: قلت لابي الحسن الاول (عليه السلام): جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر الف دينار وقد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لي فيها، ان ثمن الكلب والمغنية سحت (قرب الاسناد: 125، عنه الوسائل 17: 123)، صحيحة. عن اسحاق بن يعقوب في التوقيعات - الى أن قال (عليه السلام): - وثمن المغنية حرام (اكمال الدين: 483، عنه الوسائل 17: 123)، مجهولة لمحمد بن عصام الكليني. عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: لا يحل بيع المغنيات، وشراؤهن وثمنهن حرام (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 13: 92)، مرسلة. عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه نهى عن بيع المغنيات، وشرائهن، والتجارة فيهن، وأكل ثمنهن (عوالي اللئالي 2: 244، عنه المستدرك 13: 92)، مرسلة. 2 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تبتاعوا المغنيات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولاخير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا الحديث نزلت: ومن الناس من يشتري لهو الحديث - الاية (سنن البيهقي 6: 14). عن مجاهد في تفسير الاية: هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه والى مثله من الباطل (سنن البيهقي 6: 14).

[ 274 ]

حرمة بيع الجواري المغنيات وكون ثمنهن سحتا كثمن الكلب، واكثر هذه الروايات وان كان ضعيف السند ولكن في المعتبر منها غني وكفاية. وقد يتوهم وقوع المعارضة بينها وبين ما دل على جواز البيع والشراء

[ 275 ]

للتذكير بالجنة وطلب الرزق كروايتي الدينوري (1) والصدوق (2). وفيه أولا: انهما ضعيفتا السند وغير منجبرتين بشئ، وثانيا: ان رواية الصدوق خارجة عن محل الكلام اصلا، فان المفروض فيها شراء الجارية التي لها صوت، ومورد البحث هنا بيع الجارية المغنية وبينهما بون بعيد، وأما رواية الدينوري فهي راجعة الى البيع والشراء لطلب الرزق وتحصيله فقط لا سوى ذلك فلا يكون حراما، على أن المحرم انما هو التغني الخارجي، وأما مجرد القدرة عليه فليس بحرام جزما. ثم الظاهر من الاخبار المانعة هو ان الحرام انما هو بيع الجواري المغنية المعدة للتلهي والتغني، كالمطربات اللاتي يتخذن الرقص حرفة لهن ويدخلن على الرجال، إذ من الواضح جدا ان القدرة على التغني كالقدرة على بقية المحرمات ليست بمبغوضة ما لم يصدر الحرام في الخارج كما عرفت، على أن نفعها لا ينحصر بالتغني لجواز الانتفاع بها بالخدمة وغيرها. ومع الاغضاء عن جميع ذلك ان بيعها بقصد الجهة المحرمة لا يكون سببا لوقوع الحرام، لبقاء المشتري بعد على اختياره في أن ينتفع بها بالمنافع المحرمة ان شاء أو بالمنافع المحللة، وعليه فلا موجب لحرمة


1 - عن عبد الله بن الحسن الدينوري قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك فاشترى المغنية أو الجارية تحسن ان تغني اريد بها الرزق لا سوى ذلك، قال: اشتر وبع (التهذيب 6: 387، عنه الوسائل 17: 122)، مجهولة للدينوري. 2 - عن الصدوق قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعنى بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور (الفقيه 4: 42، عنه الوسائل 17: 122)، مرسلة.

[ 276 ]

البيع الا من جهة الاعانة على الاثم، وهي بنفسها لا تصلح للمانعية. قال السيد (رحمه الله) في حاشيته على المتن: ويمكن الاستدلال بقوله (عليه السلام) في حديث تحف العقول: أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، خصوصا بقرينة تمثيله بالبيع بالرباء، وذلك لان المبيع في بيع الرباء ليس مما لا يجوز بيعه بل الوجه في المنع هو خصوصية قصد الرباء، ففي المقام ايضا الجارية من حيث هي ليست مما لا يجوز بيعها لكن لو قصد بها الغناء يصدق ان في بيعها وجه الفساد (1). وفيه مضافا الى وهن الحديث من حيث السند، انه لا مورد للقياس لان البيع الربوي حرام لذاته وبيع الجارية لو كان حراما فانما هو حرام لاجل قصد التغني، فالحرمة عرضية والقياس مع الفارق. حرمة كسب المغنية: لا بأس بالاشارة الى حكم كسب المغنية وان لم يتعرض له المصنف، فنقول: انه ورد في جملة من الروايات عدم جواز كسب المغنية وانها ملعونة وملعون من اكل من كسبها (2)، فيدل ذلك على حرمة كسبها وضعا وتكليفا،


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 7. 2 - أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعي الى الاعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزوجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (الكافي 5: 119، التهذيب 6: 358، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 120، والاية في لقمان: 6)، ضعيفة لعلي بن أبي حمزة بن سالم البطائني. وعنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 121)، مجهولة لحكم الحناط. وعنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال (الكافي 5: 120، الفقيه 3: 98، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 124)، صحيحة. النصر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المغنية ملعونة، ملعون من اكل كسبها (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 61، عنهم الوسائل 17: 124)، حسنة لاسحاق بن ابراهيم. في فقه الرضا (عليه السلام): كسب المغنية حرام (فقه الرضا (عليه السلام): 33، عنه المستدرك 13: 91)، ضعيفة. وكذلك في المقنع مرسلا (المقنع: 122، الهداية: 80، عنهما المستدرك 13: 91).

[ 277 ]

على أنه يكفي في الحرمة جعلهن الافعال المحرمة موردا للتكسب كالتغني والدخول على الرجال وغيرهما، لما علمت سابقا من أن ادلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بما إذا كان العمل سائغا في نفسه، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة في نفسه. نعم لو دعين لزف العرائس ولم يفعلن شيئا من الافعال المحرمة فلا بأس بكسبهن، وقد ورد ذلك في رواية أبي بصير وذكرناها في الهامش، ومن جميع ما ذكرناه ظهر حكم الرجل المغني ايضا. المسألة (3) حكم بيع العنب ممن يجعله خمرا قوله: المسألة الثالثة: يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله - الخ. أقول: قد وقع الخلاف بين الفقهاء في جواز بيع الاشياء المباحة ممن يعلم البائع انه يصرفه في الحرام وعدم جوازه.

[ 278 ]

ففي المختلف (1): إذا كان البائع يعلم ان المشتري يعمل الخشب صنما أو شيئا من الملاهي حرم بيعه، وان لم يشترط في العقد ذلك، لنا انه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرما لانه اعانة على المنكر. ونقل عن ابن ادريس جواز ذلك لان الوزر على من يجعله كذلك لاعلى البائع. وفصل المصنف (رحمه الله) بين ما لم يقصد منه الحرام فحكم بجواز بيعه وبينما يقصد منه الحرام فحكم بحرمته لكونه اعانة على الاثم فتكون محرمة بلا خلاف، وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامة ايضا (2). أما ما ذكره المصنف (رحمه الله) من التفصيل فيرد عليه أولا: ان مفهوم الاعانة على الاثم والعدوان كمفهوم الاعانة على البر والتقوى امر واقعي، لا يتبدل بالقصد ولا يختلف بالوجوه والاعتبار. وثانيا: لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم ما لم يكن التسبيب والتسبب في البين كما سيأتي.


1 - المختلف: 676. 2 - في سنن البيهقي أفتى بكراهة بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصى الله عزوجل (سنن البيهقي 5: 327). وفي المبسوط للسرخسي: ولا بأس ببيع العصير ممن يجعله خمرا، لان العصير مشروب طاهر حلال، فيجوز بيعه وأكل ثمنه، ولا فساد في قصد البائع، انما الفساد في قصد المشتري، ولا تزر وازرة وزر اخرى، وكره ذلك أبو يوسف ومحمد استحسانا، لكونه اعانة على المعصية، وذلك حرام (المبسوط للسرخسي 24: 26). وفي شرح فتح القدير: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم انه يتخذه خمرا، لان المعصية لاتقام بعينه بل بعد تغييره (شرح فتح القدير 8: 127). وفي فقه المذاهب الاربعة عن الحنابلة: كلما افضي الى محرم فهو حرام (فقه المذاهب الاربعة 2: 52).

[ 279 ]

وثالثا: انا إذا سلمنا حرمة البيع مع قصد الغاية المحرمة لصدق الاعانة على الاثم عليه فلا بد من الالتزام بحرمة البيع مع العلم بترتب الحرام ايضا، لصدق الاعانة على الاثم عليه ايضا، وان قلنا بالجواز في الثاني من جهة الاخبار المجوزة فلا بد من القول بالجواز في الاول ايضا، لعدم اختصاص الجواز الذي دلت عليه الاخبار بفرض عدم القصد. ورابعا: انا لم نستوضح الفرق بين القسمين، فان القصد بمعنى الارادة والاختيار يستحيل أن يتعلق بالغاية المحرمة في محل الكلام، لانها من فعل المشتري، إذ هو الذي يجعل العنب خمرا والخشب صنما، فلا معنى لفرض تعلق القصد بالغاية المحرمة، وأما القصد بمعنى العلم والالتفات فهو مفروض الوجود في القسمين، فلا وجه للتفصيل بينهما. نعم يمكن أن يكون الداعي الى بيع البائع هو ترتب الغاية المحرمة تارة وغير ذلك تارة اخرى مع العلم بترتبها في الخارج، ولكن هذا لا يكون سببا في اختلاف صدق الاعانة عليهما، لان دعوة الحرام الى الفعل ليست شرطا في صدق الاعانة على الاثم، وهو واضح، اذن فلا وجه للتفصيل المذكور في كلام المصنف. ثم ان تحقيق هذه المسألة يقع تارة من حيث الروايات، واخرى من حيث القواعد. أما الصورة الاولى، فالكلام فيها من جهتين: الاولى في الحرمة الوضعية، والثانية في الحرمة التكليفية. 1 - ربما يقال بفساد المعاوضة مع العلم بصرف المبيع أو الانتفاع بالعين المستأجرة في الجهة المحرمة، لخبر جابر المتقدم: عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام اجرته، فانه لا وجه لحرمة الاجرة إذا كانت المعاملة صحيحة، وبعدم القول بالفصل بين الاجارة والبيع يتم المقصود.

[ 280 ]

وفيه مضافا الى ضعف السند فيه واختصاصه بالاجارة، انه لا بد من حمله على الكراهة لمعارضته بحسنة ابن اذينة المتقدمة التي دلت على جواز اجارة الحمولة لحمل الخمر والخنازير. 2 - قد يقال بحرمة البيع تكليفا لما دل من الاخبار على حرمة بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا، وقد تقدم ذكرها في البحث عن بيع آلة اللهو، وبعدم القول بالفصل بين موردها وغيره يتم المطلوب. ولكن يعارضها ما ورد من الاخبار المتظافرة (1) الدالة على جواز بيع


1 - أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلى لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا، قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا فهو حلال فلا بأس (الكافي 5: 231، التهذيب 7: 136، الاستبصار 3: 105، عنهم الوسائل 17: 229)، ضعيفة لقاسم بن محمد الجوهري. محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما، فقال: لا بأس به، تبيعه حلالا فيجعله حراما، أبعده الله وأسحقه (الكافي 5: 231، التهذيب 7: 136، الاستبصار 3: 105، عنهم الوسائل 17: 229)، صحيحة. ابن اذينة قال: كتبت الى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا؟ فقال: انما باعه حلالا في الا بان الذي يحل شربه أو اكله فلا بأس ببيعه (الكافي 5: 231، عنه الوسائل 17: 230)، حسنة لابراهيم بن هاشم. في القاموس: السكر - محركة - الخمر ونبيذ يتخذ من التمر، وفيه ايضا: أبان الشئ - بالكسر والتشديد - حينه أو أوله. يزيد بن خليفة الحارثي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل وأنا حاضر قال: ان لي الكرم، قال: تبيعه عنبا، قال: فانه يشتريه من يجعله خمرا، قال: بعه اذن عصيرا، قال: انه يشتريه مني عصيرا فيجعله خمرا في قربتي - وفي الوافي: قريتي - قال: بعته حلالا فجعله حراما فأبعده الله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تذرن ثمنه عليه حتى يصيره خمرا فتكون تأخذ ثمن الخمر (التهذيب 7: 138، الاستبصار 3: 106، عنهم الوسائل 17: 231)، ضعيفة ليزيد المذكور. عن أبي بصير قال: سالت أبا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل أن يقبض الثمن، قال: فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس، فاما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد (الكافي 5: 230، التهذيب 7: 138، الاستبصار 3: 106، عنهم الوسائل 17: 229)، سند الكافي ضعيف لسهل وسند التهذيب صحيح. أبو المعزى قال: سأل يعقوب الاحمر أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال: أصلحك الله انه كان لي اخ وهلك وترك في حجري يتيما ولي اخ يلي ضيعة لنا وهو يبيع العصير ممن يصنعه خمرا - الى أن قال (عليه السلام): - وأما بيع العصير ممن يصنعه خمرا فليس به بأس، خذ نصيب اليتيم منه (التهذيب 7: 196 عنه الوسائل 17: 231)، صحيحة. أقول: أبو المعزى هو حميد بن المثنى العجلي الكوفي الثقة، والمعزى - بكسر الميم وسكون العين وفتح الزاء المعجمة - بمعنى المعز، وهو خلاف الضأن، وقد وقع الخلاف في كتابته انه بالمد كحمراء أو بالقصر كحبلى، فذهب الى كل فريق، ولكن الظاهر من كتب اللغة هو الثاني. والى غير ذلك من الروايات. عن أبي عبد الله (عليه السلام): جوز بيع العصير ونحوه ممن يصنعه خمرا (دعائم الاسلام 2: 19، عنه المستدرك 13: 185).

[ 281 ]

العنب والتمر وعصيرهما ممن يجعلها خمرا بدعوى عدم الخصوصية في مواردها، لعدم القول بالفصل بين هذه الموارد وبين غيرها، إذ لو قيل بالجواز قيل به مطلقا والا فلا. وقد يوجه ما ذكر في روايتي رفاعة وأبي كهمس (1) من بيعهم (عليهم السلام) تمرهم ممن يجعله خمرا، بأن يراد من لفظ الخمر فيهما العصير المغلى


1 - وفي رواية أبي كهمس المتقدمة في البحث عن بيع العصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا (الكافي 5: 232، عنه الوسائل 17: 231)، مجهولة لابي كهمس. رفاعة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره، فقال: حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا (التهذيب 7: 136، الاستبصار 3: 105، عنهما الوسائل 17: 231)، صحيحة.

[ 282 ]

ولم يذهب ثلثاه، فان ظاهر غير واحدة من الروايات ان شربه كان متعارفا في زمان الصادق (عليه السلام)، إذ من المستبعد جدا انهم (عليهم السلام) يبيعون تمرهم في كل سنة ممن يصنعه خمرا. وفيه: ان استعمال الخمر في العصير المغلى مجازا وان صح الا أنه لا يمكن الالتزام به مع عراء الكلام عن القرينة المجوزة، على أن هذا الحمل انما يصح على القول بنجاسة عصير التمر أو بحرمته بعد غليانه، ولم يثبت شئ منهما، بل الظاهر طهارته واباحته ما لم يكن مسكرا، وعليه فلا مجوز لاطلاق لفظ الخمر أو الشراب الخبيث عليه. قال المصنف: فالاولى حمل الاخبار المانعة على الكراهة لشهادة غير واحد من الاخبار على الكراهة، كما افتى به جماعة (1) ويشهد له رواية رفاعة عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، قال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الي، ولا أرى به - بالاول - بأسا (2). وفيه أولا: انه معارض بما في بعض الروايات، من بيعهم (عليهم السلام) تمرهم ممن يجعله شرابا خبيثا على ما اشرنا إليه، لبعد صدور الفعل المكروه منهم (عليهم السلام) دفعة واحدة فضلا عن الدفعات، وبما في بعض روايات الباب من تعليل جواز البيع بأنه قد وقع على العنب الحلال وانما المشتري جعله حراما أبعده الله وأسحقه فلا تزر وازرة وزر اخرى، وقد ذكرنا الروايات في الحاشية.


1 - منهم المحقق في الشرايع 2: 10، والعلامة في الارشاد 1: 357، والشهيد في اللمعة: 108، ونسبه في الجواهر 22: 31 الى المشهور. 2 - نسبة الرواية الى رفاعة من سهو القلم، بل هي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، فقال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الي، ولا أرى به بالاول بأسا (التهذيب 7: 137، الاستبصار 3: 106، عنهما الوسائل 17: 231).

[ 283 ]

وثانيا: ان كون بيع العصير ممن يجعله خلا احب الى الامام (عليه السلام) لا يدل على كراهة بيعه ممن يجعله خمرا، خصوصا مع تصريحه (عليه السلام) فيها بالجواز بقوله: ولا أرى بالاول بأسا، نعم لو كان لفظ الرواية: اني لااحب بيعه ممن يجعله خمرا، لكان دالا على كراهة البيع. ثم انه لم نجد رواية تدل على الكراهة غير رواية الحلبي التي نسبها المصنف الى رفاعة، وقد عرفت عدم دلالتها على ذلك، واذن فلا وجه لقول المصنف: لشهادة غير واحد من الاخبار على الكراهة. قال السيد في حاشيته ما ملخصه: انه يمكن الجمع بحمل الاخبار المجوزة على صورة العلم، بأن ذلك عمل المشتري وان لم يعلم بصرف هذا المبيع الخاص في المحرم، وحمل الاخبار المانعة على صورة العلم بصرفه في الحرام، ويمكن الجمع ايضا بحمل المانعة على العلم بقصد المشتري صرفه في الحرام، وحمل المجوزة على العلم بالتخمير مع عدم العلم بأن قصده ذلك (1). ويرد على الوجهين انهما من الجموع التبرعية فلا شاهد لهما. وفي المتن: وقد يجمع بينها وبين الاخبار المجوزة بحمل المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليبا أو صنما أو تواطئهما عليه. وفيه مضافا الى اطلاق الروايات المانعة وعدم تقيدها بصورة الاشتراط واطلاق الروايات المجوزة وعدم تقيدها بصورة عدم الاشتراط، انه يرد عليه أولا ما في المتن من أنه لا داعي للمسلم الى هذا النحو من البيع ثم سؤاله عن حكمه. وثانيا: ان ذكر جواز بيع الخشب ممن يجعله برابط وعدم جواز بيعه


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 7.

[ 284 ]

ممن يجعله صلبانا في روايتي ابن اذينة والمقنع (1) لا يلائم هذا الجمع، ضرورة ان حمل رواية واحدة على جهتين متنافيتين من غير تقييد شبيه بالجمع بينهما. فان السؤال ان كان عن جواز البيع مع اشتراط الصرف في جهة الحرام فلا يلائمه الجواب بجواز البيع فيما جعله برابط، وان كان السؤال عن الجواز مع عدم الاشتراط فلا يلائمه الجواب بعدم الجواز فيما جعله اصناما أو صلبانا. والذي ينبغي أن يقال: انه إذا تم عدم الفصل بين موارد الروايات المجوزة والمانعة، كان من قبيل تعارض الدليلين، فيؤخذ بالطائفة المجوزة لموافقتها لعمومات الكتاب، كقوله تعالى: اوفوا بالعقود (2)، واحل الله البيع (3)، وتجارة عن تراض (4)، وان لم يثبت عدم الفصل بين مواردها كما احتمله المصنف وجب أن يقتصر بكل طائفة على موردها، ولا تصل النوبة الى التعارض بينهما والعمل بقواعده. وهذا هو الظاهر من الروايات، وتشهد له ايضا رواية ابن اذينة المفصلة بين الاصنام والبرابط، ويقربه ان شرب الخمر وصنعها أو صنع


1 - ابن اذينة قال: كتبت الى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا (الكافي 5: 226، التهذيب 6: 373، 7: 134، عنهما الوسائل 17: 176)، حسنة لابراهيم بن هاشم. في المقنع: ولا بأس ببيع الخشب ممن يتخذه برابط، ولا يجوز بيعه لمن يتخذه صلبانا (المقنع: 130، عنه المستدرك 13: 122)، مرسلة. البربط: من الملاهي وآلات الغناء يشبه العود (لسان العرب 7: 258). 2 - المائدة: 1. 3 - البقرة: 275. 4 - النساء: 29.

[ 285 ]

البرابط وضربها، وان كانت من المعاصي الكبيرة والجرائم الموبقة، الا انها ليست كالشرك بالله العظيم، لان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك. وعليه فيمكن اختلاف مقدمة الحرام من حيث الجواز وعدمه باختلاف ذي المقدمة من حيث الشدة والضعف، ودعوى الاجماع على عدم الفصل دعوى جزافية، لذهاب صاحبي الوسائل والمستدرك في عناوين الابواب من كتابيهما الى التفصيل، مضافا الى عدم حجية الاجماع المنقول في نفسه. هذا كله بحسب الروايات، وحاصل جميع ما ذكرناه انه ليس في الروايات ما يدل على حرمة بيع المباح ممن يجعله حراما. وأما الصورة الثانية - أعني التكلم في حكم المسألة من حيث القواعد - فالكلام فيها من نواحي شتى: الاولى في تحقيق مفهوم الاعانة وبيان ما يعتبر فيه، الثانية في حكم الاعانة على الاثم، الثالثة انه على القول بحرمة الاعانة على الاثم فهل هي كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار ولا تقبل التخصيص والتقييد، أو هي كحرمة الكذب التي تختلف بذلك، وعليه فتتصف بالاحكام الخمسة. حقيقة الاعانة ومفهومها: ما حقيقة الاعانة ومفهومها، الظاهر ان مفهوم الاعانة كسائر المفاهيم التي لا يمكن تحديدها الا بنحو التقريب، فمفهوم الماء مثلا مع كونه من اوضح المفاهيم ربما يشك في صدقه على بعض المصاديق، على ما اعترف به المصنف في اول كتاب الطهارة، وقد وقع الخلاف في بيان حقيقة الاعانة على وجوه:

[ 286 ]

1 - ما استظهره المصنف من الاكثر، وهو انه يكفي في تحققها مجرد ايجاد مقدمة من مقدمات فعل الغير وان لم يكن عن قصد. 2 - ما اشار إليه في مطلع كلامه، من أن الاعانة هي فعل بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقا، ثم نسبه الى المحقق الثاني وصاحب الكفاية (1). 3 - ما نسبه الى بعض معاصريه (2)، من أنه يعتبر في تحقق مفهومها وراء القصد المذكور وقوع الفعل المعان عليه في الخارج. 4 - ما نسبه الى المحقق الاردبيلي، من تعليقه صدق الاعانة على القصد أو الصدق العرفي، بداهة ان الاعانة قد تصدق عرفا في موارد عدم وجود القصد، مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه اياها أو يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه اياه، ونحو ذلك مما يعد معونة عرفا. 5 - الفرق بين الاعانة في المقدمات القريبة فتحرم وبين المقدمات البعيدة فلا تحرم. 6 - عدم اعتبار شئ في صدق الاعانة الا وقوع المعان عليه في الخارج. وأوجهها هو الوجه الاخير، وتحقيق ذلك ببيان أمرين: الاول: في بيان عدم اعتبار العلم والقصد في مفهوم الاعانة. والثاني: في بيان اعتبار وقوع المعان عليه في صدقها. 1 - ان صحة استعمال كلمة الاعانة وما اقتطع منها في فعل غير القاصد


1 - حاشية الارشاد: 205 (مخطوط)، كفاية الاحكام: 85. 2 - هو المحقق النراقي، انظر عوائد الايام: 26.

[ 287 ]

بل وغير الشاعر بلا عناية وعلاقة تقتضي عدم اعتبار القصد والارادة في صدقها لغة، كقوله (عليه السلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي: وأعانني عليها شقوتي، وقوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلوة (1)، وفي بعض الروايات ان المراد بالصبر هو الصوم (2). وفي احاديث الفريقين: من اكل الطين فمات فقد اعان على نفسه (3)، ومن البديهي ان آكل الطين لم يقصد موته بذلك بل يرى ان حياته فيه، وفي رواية أبي بصير: فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد (4)، ومن


1 - البقرة: 42. 2 - عن سليمان عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: واستعينوا بالصبر، قال: الصبر الصيام (الفقيه 2: 45، عنه الوسائل 10: 408). وفي رواية اخرى يعني الصيام (الكافي 4: 63، تفسير العياشي 1: 43). 3 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه (الكافي 6: 366، التهذيب 9: 89، المحاسن: 565، عنهم الوسائل 24: 222)، موثقة للسكوني. وفي رواية اخرى: فان اكلته ومت كنت قد أعنت على نفسك (الكافي 6: 226، التهذيب 9: 90، المحاسن: 565، عنهم الوسائل 24: 222)، ضعيفة لسهل. عن ابن عباس: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من انهمك في اكل الطين فقد أعان على نفسه، و في حديث آخر: من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه (سنن البيهقي 10: 11). 4 - عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان أباه قال لجماعة من الشيعة: والله اني لاحب ريحكم وأرواحكم، فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد (الكافي 8: 212، الامالي للصدوق: 500، عنهما الوسائل 1: 88). وفي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام): فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد (الكافي 2: 183، عنه الوسائل 1: 87). في رواية ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام): فأعينوا بورع واجتهاد (الوافي 3، باب تذاكر الاخوان: 116).

[ 288 ]

المعلوم ان المعين على ذلك بالورع والاجتهاد لا بقصد الاعانة عليه في جميع الاحيان. وكذلك ما في بعض الاحاديث من قوله (عليه السلام): من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة (1)، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): من تبسم على وجه مبدع فقد أعان على هدم الاسلام (2)، وفي رواية أبي هاشم الجعفري: ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة (3). وفي الصحيفة الكاملة السجادية في دعائه (عليه السلام) في طلب الحوائج: واجعل ذلك عونا لي (4). وايضا يقال: الصوم عون للفقير والثوب عون للانسان، وسرت في الماء وأعانني الماء والريح على السير، وأعانني العصا على المشي، وكتبت باستعانة القلم، الى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة الصحيحة، ودعوى كونها مجازات جزافية لعدم القرينة عليها. ونتيجة جميع ذلك انه لا يعتبر في تحقق مفهوم الاعانة علم المعين بها، ولا اعتبار الداعي الى تحققها، لبديهة صدق الاعانة على الاثم على اعطاء العصا لمن يريد ضرب اليتيم، وان لم يعلم بذلك أو علم ولم يكن اعطاؤه بداعي وقوع الحرام كما لا يخفى. ويدل على ما ذكرناه ما تقدمت الاشارة إليه، من أن القصد سواء كان


1 - الكافي 2: 274، عنه الوسائل 12: 305. من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله (سنن البيهقي 8: 22). 2 - لب اللباب (مخطوط)، عنه المستدرك 12: 322. 3 - راجع الوافي: 3، باب تذاكرة الاخوان: 116. 4 - الصحيفة السجادية الكاملة، الدعاء 13.

[ 289 ]

بمعنى الارادة والاختيار ام بمعنى الالتفات لا يعتبر في مفهوم الاعانة، وعلى الجملة لا نعرف وجها صحيحا لاعتبار القصد بأي معنى كان في صدق الاعانة. ومن هنا لا نظن أن احدا ينكر تحقق الاعانة باعطاء السيف أو العصا لمن يريد الظلم أو القتل، ولو كان المعطي غير ملتفت الى ضمير مريد الظلم أو القتل أو كان غافلا عنه، نعم لو نسب ذلك الى الفاعل المختار انصرف الى صورة العلم والالتفات. 2 - الذي يوافقه الاعتبار ويساعد عليه الاستعمال هو تقييد مفهوم الاعانة بحسب الوضع بوقوع المعان عليه في الخارج ومنع صدقها بدونه. ومن هنا لو أراد شخص قتل غيره بزعم انه مصون الدم، وهيأ له ثالث جميع مقدمات القتل ثم اعرض عنه مريد القتل أو قتله، ثم بان انه مهدور الدم، فانه لا يقال ان الثالث أعان على الاثم بتهيئة مقدمات القتل، كما لاتصدق الاعانة على التقوى إذا لم يتحقق المعان عليه في الخارج، كما إذا رأى شبحا يغرق فتوهم انه شخص مؤمن فأنقذه اعانة منه له على التقوى فبان انه خشبة. وقد يمنع من اعتبار وقوع المعان عليه في الخارج في مفهوم الاعانة وصدقها، بدعوى انه لو اراد رجلان التهجم على بيضة الاسلام أو على قتل النفوس المحترمة فهيأ لهما آخران جميع مقدمات القتال فمضى أحدهما وندم الاخر، فانه لا شبهة في استحقاق كل من المهيئين الذم واللوم من جهة الاعانة على الاثم، وان تحقق الفعل المعان عليه في أحدهما ولم يتحقق في الاخر، فلو كان ذلك شرطا في صدق الاعانة لم يتوجه الذم الا على الاول. وفيه: ان الصادر من النادم ليس الا التجري، وهو على تقدير الالتزام

[ 290 ]

بقبحه واستحقاق العقاب عليه لا يصدق عليه الاثم لتكون الاعانة عليه اعانة على الاثم، وأما إذا قلنا بعدم استحقاق العقاب عليه فان الامر أوضح. مع أنه لا مضائقة في صحة ذم معينه بل في صحة عقابه ايضا، بناء على حرمة الاعانة على الاثم وصحة العقاب على التجري، فان المعين حينئذ يرى نفسه عاصيا لتخيله انه معين على الاثم فهو متجر في فعله، والمفروض ان التجري يوجب استحقاق العقاب. وقد تجلى من جميع ما ذكرناه ما في بقية الوجوه والاقوال المتقدمة من الوهن والخلل، كما اتضح ضعف ما اورده المصنف على بعض معاصريه، من أن حقيقة الاعانة على الشئ هو الفعل بقصد حصول ذلك الشئ، سواء حصل في الخارج ام لا، ومن اشتغل ببعض مقدمات الحرام الصادر من الغير بقصد التوصل إليه فهو داخل في الاعانة على الاثم. ثم لا يخفى ان عنوان الاعانة كما يتوقف على تحقق الفعل المعان عليه في الخارج فكذلك يتوقف على تحقق المعين والمعان، بأن يكونا مفروض الوجود مع قطع النظر عن تحقق الاعانة في الخارج ليقع فعل المعين في سلسلة مقدمات فعل المعان فيكون عنوان الاعانة بهذا الاعتبار من الامور الاضافيه. وعليه فايجاد موضوع الاعانة كتوليد المعين مثلا خارج عن حدودها والا لحرم التناكح والتناسل، للعلم العادي بأن في نسل الانسان في نظام الوجود من يرتكب المعاصي وتصدر منه القبائح. وأما مسير الحاج ومتاجرة التاجر مع العلم بأخذ المكوس والكمارك وهكذا عدم التحفظ على المال مع العلم بحصول السرقة

[ 291 ]

فكلها داخل في عنوان الاعانة، فانه لا وجه لجعل امثالها من قبيل الموضوع للاعانة وخروجها عن عنوانها، كما زعمه شيخنا الاستاذ والمحقق الايرواني (1). كما لا وجه لما ذهب إليه المصنف (رحمه الله) من اخراجها عن عنوان الاعانة، من حيث ان التاجر والحاج غير قاصدين لتحقق المعان عليه، لما عرفت من عدم اعتبار القصد في صدقها. وقد ظهر من مطاوي جميع ما ذكرناه ان المدار في عنوان الاعانة هو الصدق العرفي، وعليه فلا يفرق في ذلك بين المقدمات القريبة والمقدمات البعيدة، ولذلك صح اطلاق المعين على من تسبب في قضاء حوائج الغير ولو بوسائط بعيدة. حكم الاعانة على الاثم: ما حكم الاعانة على الاثم، الظاهر جواز ذلك، لانه مقتضى الاصل الاولى ولا دليل يثبت حرمة الاعانة على الاثم، وان ذهب المشهور وبعض العامة الى الحرمة (2).


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 16. 2 - في المبسوط للسرخسي عن أبي يوسف ومحمد: ان بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمرا اعانة على المعصية، وتمكين منها، وذلك حرام، وإذا امتنع البائع من البيع يتعذر على المشتري اتخاذ الخمر فكان في البيع منه تهييج الفتنة، وفي الامتناع تسكينها (المبسوط للسرخسي 24: 26). وفي فقه المذاهب عن الحنابلة: كلما افضى الى محرم فهو حرام (فقه المذاهب الاربعة 2: 52). وفي الهداية: ويكره بيع السلاح في ايام الفتنة، لانه تسبيب الى المعصية (الهداية 8: 127).

[ 292 ]

وعليه فالحكم هو جواز الاعانة عليه الا ما خرج بالدليل، كاعانة الظالمين واعانة اعوانهم وتهيئة مقدمات ظلمهم، لاستفاضة الروايات على حرمة اعانتهم وتقويتهم وتعظيم شوكتهم، ولو بمدة قلم أو بكتابة رقعة أو بجباية خراج ونحوها، وستأتي هذه الروايات في البحث عن معونة الظالمين. بل الحرمة في هذا النحو من الاعانة مما استقل به العقل وقامت عليه ضرورة العقلاء، بل قال في العروة في مسألة من صلاة المسافر: انه لو كانت تبعية التابع اعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام، وان كان سفر الجائر طاعة فان التابع حينئذ يتم، مع أن المتبوع يقصر. قوله: بعموم النهي عن التعاون على الاثم والعدوان. أقول: استدلوا على حرمة الاعانة على الاثم بوجوه: 1 - قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (1)، فان ظاهرها حرمة المعاونة على الاثم والعدوان مطلقا. وفيه: ان التعاون عبارة عن اجتماع عدة من الاشخاص لايجاد امر من الخير أو الشر ليكون صادرا من جميعهم، كنهب الاموال وقتل النفوس، وبناء المساجد والقناطر، وهذا بخلاف الاعانة، فانها من الافعال وهي عبارة عن تهيئة مقدمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في فعله. وعليه فالنهي عن المعاونة على الاثم لا يستلزم النهي عن الاعانة على الاثم، فلو عصى أحد فاعانه الاخر فانه لا يصدق عليه التعاون بوجه، فان باب التفاعل يقتضي صدور المادة من كلا الشخصين، ومن الظاهر عدم تحقق ذلك في محل الكلام.


1 - المائدة: 3.

[ 293 ]

نعم قد عرفت فيما سبق حرمة التسبيب الى الحرام وجعل الداعي إليه، لكن حرمة ذلك لا تستلزم الحرمة في المقام. 2 - ادعاء الاجماع على ذلك. وفيه: انها دعوى جزافية لاحتمال كون مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة في المسألة فلا يكون اجماعا تعبديا، مضافا الى عدم حجية الاجماع المنقول في نفسه. 3 - ان ترك الاعانة على الاثم دفع للمنكر ودفع المنكر واجب كرفعه، واليه اشار المحقق الاردبيلي في محكي كلامه (1)، حيث استدل على حرمة بيع العنب في المسألة بأدلة النهي عن المنكر، واستشهد له المصنف برواية أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، من أنه: لولا ان بني امية وجدوا لهم من يكتب ويجبى لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبوا حقنا (2). وفيه أولا: ان الاستدلال بدفع المنكر هنا انما يتجه إذا علم المعين بانحصار دفع الاثم بتركه الاعانة عليه، وأما مع الجهل بالحال أو العلم بوقوع الاثم باعانة الغير عليه فلا يتحقق مفهوم الدفع. وثانيا: ان دفع المنكر انما يجب إذا كان المنكر مما اهتم الشارع بعدم وقوعه كقتل النفوس المحترمة، وهتك الاعراض المحترمة، ونهب الاموال المحترمة، وهدم اساس الدين وكسر شوكة المسلمين، وترويج بدع المضلين ونحو ذلك، فان دفع المنكر في هذه الامثلة ونحوها واجب بضرورة العقل واتفاق المسلمين، وقد ورد الاهتمام به في بعض


1 - مجمع الفائدة 8: 49. 2 - الكافي 5: 106، التهذيب 6: 331، عنهما الوسائل 17: 199، والرواية ضعيفة لابراهيم ابن اسحاق الاحمري.

[ 294 ]

الاحاديث (1)، وأما في غير ما يهتم الشارع بعدمه من الامور فلا دليل على وجوب دفع المنكر، وعلى كلا الوجهين فالدليل اخص من المدعى. وأما النهي عن المنكر فانه وان كان سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء، وفريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتحل المكاسب وترد المظالم، الا أنه لا يدل على وجوب دفع المنكر، فان معنى دفع المنكر هو تعجيز فاعله عن الاتيان به وايجاده في الخارج، سواء ارتدع عنه باختياره ام لم يرتد، والنهي عن المنكر ليس الا ردع الفاعل وزجره عنه على مراتبه المقررة في الشريعة المقدسة، وعلى الاجمال انه لا وجه لقياس دفع المنكر على رفعه. وأما رواية أبي حمزة، فمضافا الى ضعف السند فيها انها اجنبية عن رفع المنكر فضلا عن دفعه، لاختصاصها بحرمة اعانة الظلمة. قال المحقق الايرواني: الرفع هنا ليس الا الدفع، فمن شرع بشرب الخمر فبالنسبة الى جرعه شرب لا معنى للنهي عنه، وبالنسبة الى ما لم يشرب كان النهي دفعا عنه (2). وفيه: ان مرجع الرفع وان كان الى الدفع بالتحليل والتدقيق، الا أن الاحكام الشرعية وموضوعاتها لا تبتني على التدقيقات العقلية، ولا شبهة في صدق رفع المنكر في العرف والشرع على منع العاصي عن اتمام المعصية التي ارتكبها بخلاف الدفع.


1 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): ان ثلاثة نفر رفعوا الى امير المؤمنين (عليه السلام)، واحد منهم أمسك رجلا وأقبل الاخر فقتله، والاخر يراهم، فقضى في الربيئة ان تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل (التهذيب 10: 219)، موثقة للسكوني. 2 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 16.

[ 295 ]

قوله: وتوهم ان البيع حرام على كل احد فلا يسوغ لهذا الشخص فعله، معتذرا بانه لو تركه لفعله غيره. أقول: محصل الاشكال ما ذكره المحقق الايرواني، من أن النهي عن الطبيعة ينحل الى نواهي متعددة حسب تعدد افراد تلك الطبيعة على سبيل العموم الاستغراقي، فكان كل فرد تحت نهى مستقل، وعلى هذا فترك بيع فرد من العنب دفع لتخمير هذا الفرد، وان علم ان عنبا آخر يباع ويخمر لو لم يبع هو هذا، فإذا تراكمت التروك بترك هذا للبيع وترك ذاك له وهكذا حصل ترك التخمير راسا، وكان كل ترك مقدمة لترك فرد من الحرام لا ان مجموع التروك يكون مقدمة لترك حرام واحد (1). وفيه: ان النهي انما ينحل الى افراد الطبيعة لان معنى النهي عن الشئ عبارة عن الزجر عنه لما فيه من المفسدة الالزامية، فإذا توجه النهي الى طبيعة ما وكان كل واحد من افرادها مشتملا على المفسدة الالزامية فلا محالة ينحل ذلك النهي الى نواهي عديدة حسب تعدد الافراد، وأما في مثل المقام فان منشأ النهي فيه هو ان لا يتحقق الاثم في الخارج، فالغرض منه انما هو الوصول الى ذلك، فإذا علم صدور الاثم في الخارج ولو مع ترك الاعانة من شخص خاص فلا موجب لحرمتها. وهذا كما إذا نهى المولى عبيده عن الدخول عليه في ساعة عينها لفراغه، فان غرضه يفوت إذا دخل عليه واحد منهم فترتفع المبغوضية عن دخول غيره. ويدلنا على ذلك ما في الروايات المتقدمة، من تجويزهم (عليهم السلام) بيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يصنعها خمرا، إذ لو لم تدل تلك


1 - حاشية المحقق الايرواني: 16.

[ 296 ]

الروايات على عدم حرمة الاعانة على الاثم مطلقا فلا اقل من دلالتها على عدم الحرمة فيما إذا علم المعين تحقق الحرام في الخارج على كل حال. اذن فما نحن فيه من قبيل رفع الحجر الثقيل الذي لا يرفعه الا جماعة من الناس، فان الوجوب يرتفع عن الجماعة بمخالفة شخص واحد منهم، وهكذا ما نحن فيه، لان عدم تحقق المعصية من مشتري العنب يتوقف على ترك كل ارباب العنب للبيع، لان ترك المجموع سبب واحد لترك المعصية، كما ان بيع أي واحد منهم على البدل شرط لتحقق المعصية من المشتري. تتميم وفيه تأسيس: قد عرفت فيما تقدم ان جواز الاعانة على الاثم هو مقتضى الاصل لعدم الدليل على التحريم، ويمكن الاستدلال عليه مضافا الى ذلك بامور: 1 - انه لو لم تجز الاعانة على الاثم لما جاز سقى الكافر لكونه اعانة على الاثم لتنجس الماء بمباشرته اياه فيحرم عليه شربه، لكن السقى جائز، لقوله (عليه السلام): ان الله يحب ابراد الكبد الحري، على ما تقدم تفصيله في البحث عن بيع الميتة المختلطة مع المذكى، فتجوز الاعانة على الاثم، والاعتذار عن ذلك بعدم قدرتهم على شرب الماء الطاهر في حال الكفر اعتذار غير موجه، إذ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. 2 - انك علمت سابقا استفاضة الروايات على جواز بيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يجعلها خمرا، وجواز بيع الخشب ممن يجعله برابط، و من الواضح جدا كون هذا البيع اعانة على الاثم، ومن أنكره بلسانه فانما أنكره بلسانه أو هو مكابر لوجدانه، وبعدم القول بالفصل يثبت الجواز في غير موارد الروايات.

[ 297 ]

على أن في بعضها اشعارا الى كلية الحكم وعدم اختصاصه بالامور المذكورة فيها، كقول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي بصير: إذا بعته قبل أن يكون خمرا فهو حلال فلا بأس به، وفي رواية الحلبي عن بيع العصير ممن يجعله حراما، فقال: لا بأس به تبيعه حلالا فيجعله حراما أبعده الله وأسحقه، وفي رواية ابن اذينة عن بيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا، فقال: انما باعه حلالا في الا بان الذي يحل شربه أو اكله فلا بأس ببيعه. فان الظاهر من هذه الروايات ان المناط في صحة البيع هي حلية المبيع للبائع حين البيع وان كان بيعه هذا اعانة على المحرم، ومثل هذه الروايات غيرها ايضا. 3 - قيام السيرة القطعية على الجواز، ضرورة جواز المعاملة مع الكفار وغير المبالين في امر الدين من المسلمين ببيع الطعام منهم ولو كان متنجسا، واعارة الاواني اياهم للطبخ وغيره، مع أنه اعانة على اكل الطعام المتنجس بمباشرتهم اياه، ووجوب تمكين الزوجة للزوج وان علمت بعدم اغتساله عن الجنابة، فيكون التمكين اعانة على الاثم. وايضا قامت السيرة القطعية على جواز تجارة التاجر ومسير الحاج والزوار واعطائهم الضريبة المعينة للظلمة، مع أنه من أظهر مصاديق الاعانة على الاثم، وايضا قضت الضرورة بجواز اجارة الدواب والسفن والسيارات والطيارات من المسافرين مع العلم اجمالا بأن فيهم من يقصد في ركوبه معصية. وايضا قامت السيرة القطعية على جواز عقد الاندية والمجالس لتبليغ الاحكام واقامة شعائر الافراح والاحزان، بل على وجوبها في بعض الاحيان إذا توقف عليها احياء الدين وتعظيم الشعائر، مع العلم بوقوع

[ 298 ]

بعض المعاصي فيها، من الغيبة والاستهزاء والكذب والافتراء ونظر كل من الرجال والنساء الى من لا يجوز النظر إليه، وغيرها من المعاصي. قوله: ثم انه يمكن التفصيل في شروط الحرام المعان عليها بين ما ينحصر فائدته ومنفعته عرفا في المشروط المحرم. أقول: قد ظهر مما ذكرناه ان الميزان في حرمة المقدمة هو كونها سببا لوقوع ذي المقدمة والا فلا وجه للتحريم، وان انحصرت فائدته في الحرام. قوله: وانما الثابت من العقلاء والعقل القاضي بوجوب اللطف وجوب رد من هم بها. أقول: ان كان المنكر مثل قتل النفس ونحوه مما يهتم الشارع بعدم تحققه، فلا ريب في وجوب رفعه بل دفعه شرعا وعقلا كما تقدم، واما في غير الموارد التي يهتم الشارع بعدم تحققها فلا وجه لدعوى الوجوب العقلي فيها، وان ادعاه المشهور مطلقا، لمنع استقلال العقل بذلك في جميع الموارد، ولذا ذهب جمع من المحققين الى الوجوب الشرعي (1). حرمة الاعانة على الاثم كحرمة الكذب تقبل التخصيص: ان حرمة الاعانة على الاثم على فرض ثبوتها هل تقبل التخصيص والتقييد ام لا، قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان حرمة ذلك على فرض ثبوتها انما هي كحرمة الكذب تقبل التخصيص والتقييد، وتختلف بالوجوه والاعتبار، وليست هي كحرمة الظلم التي لا تختلف بذلك.


1 - قال الحكيم الطوسي (رحمه الله) في آخر التجريد: الامر بالمعروف واجب، وكذا النهي عن المنكر، وبالمندوب مندوب سمعا، والا لزم ما هو خلاف الواقع، والاخلال بحكمته تعالى، وتبعه في هذا الرأي شراح التجريد كالعلامة والقوشجي وغيرهما.

[ 299 ]

قال شيخنا الاستاذ: لا اشكال في عدم امكان تخصيصها بعد تحقق موضوعها، لان هذه من العناوين الغير القابلة للتخصيص، فانها كنفس المعصية وكالظلم، فانه كما لا يمكن أن يكون معصية خاصة مباحة فكذلك لا يمكن ان تكون الاعانة على المعصية مباحة، فما عن الحدائق بعد ما حكي عن الاردبيلي (رحمه الله) (1)، من القول بالحرمة في مسألتنا من جهة كونها اعانة على الاثم، من أنه جيد في حد ذاته لو سلم من المعارضة باخبار الجواز، لا وجه له، لانه لو كان بيع العنب ممن يعلم بأنه يعمله خمرا داخلا في عنوان الاعانة فلا يمكن أن يدل دليل على جوازه، فمع ورود الدليل على الجواز نستكشف بانه ليس داخلا في هذا العنوان. ولكن الوجوه المتقدمة الدالة على الجواز حجة عليه، ومن هنا لو اكره الجائر احدا على الاعانة على الاثم أو اضطر إليها فانه لا شبهة حينئذ في جوازها، ولو كانت حرمتها كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار ولا تقبل التخصيص والتقييد، لما كانت جائزة في صورتي الاكراه والاضطرار ايضا. قوله: وقد تلخص مما ذكرنا ان فعل ما هو من قبيل الشرط لتحقق المعصية من الغير من دون قصد توصل الغير به الى المعصية غير محرم. أقول: بعد ما علمت انه لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم، ولا على اعتبار القصد في مفهوم الاعانة ولا في حكمها، فلا وجه لما ذهب إليه المصنف وأتعب به نفسه من التطويل والتقسيم. ثم على القول بحرمة الاعانة على الاثم، فلا وجه للحكم بحرمة البيع في شئ من الشقوق التي ذكرها المصنف، إذ الاعانة على الاثم انما


1 - حدائق الناضرة 18: 205، عن مجمع الفائدة 8: 51.

[ 300 ]

تتحقق بالتسليم والتسلم في الخارج، ومن الواضح ان بينهما وبين البيع عموما من وجه. قوله: وان علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك. أقول: إذا كان البيع على تقدير ترك الاخرين محرما فلا اشكال في ارتفاع الحرمة عند العلم ببيع غيره، وأما مع الشك فيه فلا مانع من استصحاب تركه والحكم بحرمة البيع، وأما الظن ببيع الغير فما لم تثبت حجيته لا يغني من الحق شيئا. قوله: ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة، فالظاهر عدم فساد البيع. أقول: توضيح كلامه انه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية في المعاملات، فالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة مثلا صحيح وان كان محرما بالاتفاق، ولو سلمنا الملازمة بينهما فلا نسلمها فيما إذا تعلق النهي بعنوان عرضي ينطبق على البيع، كتعلقه بعنوان الاعانة في بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا، إذ بين عنوان الاعانة على الاثم وبين البيع عموم من وجه. وعلى القول بالفساد مطلقا أو في الجملة فلا يفرق في ذلك بين علم المتبايعين بالحال وبين علم أحدهما مع جهل الاخر، فان حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين العوض والمعوض في جهة الاضافة فإذا بطل من احد الطرفين بطل من الطرف الاخر ايضا، إذ لا يعقل التبعيض من حيث الصحة والفساد في بيع واحد كما هو واضح.

[ 301 ]

القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا بمعنى ان من شأنه أن يقصد منه الحرام المسألة (1) حرمة بيع السلاح من اعداء الدين قوله: القسم الثالث: ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا، بمعنى ان من شأنه أن يقصد منه الحرام. أقول: هذا العنوأن يعم جميع الاشياء ولو كانت مباحة، إذ ما من شئ الا وله شأنية الانتفاع به بالمنافع المحرمة، فلا يصح أن يجعل عنوانا للبحث ولا بد من تخصيصه بالموارد المنصوصة، ولذا خصه الفقهاء ببيع السلاح من اعداء الدين. ثم ان تحقيق هذه المسألة يقع في ناحيتين: الناحية الاولى: في حرمة بيعه وجوازه في الجملة أو مطلقا. والاقوال في ذلك وان كانت كثيرة قد أنهاها السيد في حاشيته الى ثمان (1)، الا أن الاظهر منها هي حرمة بيعه من الكفار مطلقا ومن المخالفين عند محاربتهم مع الشيعة الناجية. وذهب بعض العامة الى حرمة بيعه في حال الفتنة (2).


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 10. 2 - في الهداية: ويكره بيع السلاح في ايام الفتنة ممن يعرف انه من اهل الفتنة، لانه تسبيب الى المعصية (الهداية 8: 127). وفي شرح فتح القدير: ولا ينبغي أن يباع السلاح من اهل الحرب، ولا يجهز إليهم، لان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع السلاح من اهل الحرب وحمله إليهم، ولان فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك، وكذا الكراع لما بينا، وكذلك الحديد، لانه اصل السلاح، وكذا بعد الموادعة (شرح فتح القدير 8: 297). وفي سنن البيهقي عن عمران بن حصين قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع السلاح في الفتنة (سنن البيهقي 5: 327).

[ 302 ]

وفصل المصنف (رحمه الله) بين حالتي الحرب والصلح، فذهب الى الحرمة في الاولى والى الجواز في الثانية وملخص كلامه: ان الروايات الواردة في المقام على طوائف: الاولى: ما دل (1) على جواز بيعه من اعداء الدين في حال الهدنة.


1 - عن الحضرمي قال: دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له حكم السراج: ما ترى فيما يحمل الى الشام من السروج وأداتها؟ فقال: لا بأس انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله انكم في هدنة، فإذا كانت المبائنة حرم عليكم ان تحملوا إليهم السروج والسلاح (الكافي 5: 112، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 57، عنهم الوسائل 17: 101)، ضعيفة للحضرمي. وعن هند السراج قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): أصلحك الله اني كنت أحمل السلاح الى اهل الشام فأبيعه منهم، فلما ان عرفني الله هذا الامر ضقت بذلك وقلت: لا احمل الى اعداء الله، فقال لي: احمل إليهم فان الله عزوجل يدفع بهم عدونا وعدوكم، يعني الروم، وبعهم فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (الكافي 5: 112، الفقيه 3: 107، التهذيب 6: 353، الاستبصار 3: 58، عنهم الوسائل 17: 101)، مجهولة لابي سارة. أقول: قد كثر من الرواة خطاب الائمة (عليهم السلام) بكلمة أصلحك الله، والمراد بذلك هو مطالبة اصلاح الشؤون الدنيوية لا الامور الاخروية، وتغيير حال الجور والظلم الى حال العدل والانصاف، لكي يلزم منه جهل القائل بمقامهم، والا لم يقدر احد على خطاب سلاطين الجور بذلك، مع أنه كان مرسوما في الزمن السابق. وعن السراد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: اني أبيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة (الكافي 5: 113، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3: 57، عنهم الوسائل 17: 101). أقول: ان كان المراد بالسراد هو ابن محبوب المعروف، فهو لا يروي عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، وان كان المراد منه غيره فلا بد وأن يبحث في حاله، هذا على نسخة الكافي والتهذيب، وفي الاستبصار: عن السراد عن رجل، وعليه فلا شبهة في ضعف الرواية، وفي الوسائل عن السراج، وهو غلط جزما لاتفاق جميع النسخ على خلافه.

[ 303 ]

الثانية: ما دل (1) على جواز بيعه منهم مطلقا. الثالثة: ما دل (2) على حرمة بيعه منهم كذلك. ويمكن الجمع بينهما بحمل الطائفة المانعة على صورة قيام الحرب بينهم وبين المسلمين وحمل الطائفة المجوزة على صورة الهدنة في مقابل المبائنة والمنازعة، وشاهد الجمع الطائفة الاولى المفصلة بين الحالتين الهدنة والمنازعة. وعن الشهيد في حواشيه (3) انه لا يجوز مطلقا، لان فيه تقوية الكافر


1 - عن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه اني رجل صيقل اشترى السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها؟ فكتب (عليه السلام): لا بأس به (التهذيب 6: 382، عنه الوسائل 17: 103)، مجهولة لابي القاسم. 2 - عن علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حمل المسلمين الى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس (قرب الاسناد: 113، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 176، عنهما الوسائل 17: 103)، صحيحة. وعن الصدوق: فيما أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة: القتال، والساحر، والديوث، وناكح المرأة حراما في دبرها، وناكح البهيمة، ومن نكح ذات محرم منه، والساعي في الفتنة، وبايع السلاح من اهل الحرب، ومانع الزكاة، ومن وجد سعة فمات ولم يحج (الفقيه 4: 257، عنه الوسائل 17: 103)، مجهولة لحماد بن عمرو وانس بن محمد وأبيه. 3 - حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 35 عن حواشي الشهيد على القواعد.

[ 304 ]

على المسلم فلا يجوز على كل حال. ويرد عليه أولا: انه لا يمكن المساعدة على دليله، لان بيع السلاح عليهم قد لا يوجب تقويتهم على المسلمين، لامكان كونه في حال الصلح أو عند حربهم مع الكفار الاخرين، أو كان مشروطا بأن لا يسلمه اياهم الا بعد الحرب، وثانيا: ان رأيه هذا شبه اجتهاد في مقابل النص، فانه اخذ بظهور المطلقات الدالة على المنع وترك العمل بالمقيد الذي هو نص في مفهومه، وهو وان لم يكن اجتهادا في مقابل النص ولكنه شبيه بذلك - انتهى حاصل كلام المصنف. ولكن الظاهر ان ما ذهب إليه الشهيد (رحمه الله) وجيه جدا، ولا يرد عليه شئ مما ذكره المصنف لوجوه: 1 - ان ما جعله وجها للجمع بين المطلقات لا يصلح لذلك، فان مورده هم الجائرون من سلاطين الاسلام، كما دل عليه السؤال في روايتي الحضرمي وهند السراج عن حمل السلاح الى اهل الشام، وقد ذكرناهما في الهامش، إذ لا شبهة في اسلامهم في ذلك الزمان، وان كانوا مخالفين، فتكون الطائفة الاولى المفصلة بين الهدنة وقيام الحرب مختصة بغير الكفار من المخالفين، فلا يجوز بيعه منهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة، وأما في غير تلك الحالة فلا شبهة في جوازه خصوصا عند حربهم مع الكفار، لان الله يدفع بهم اعداءه، واما المطلقات فأجنبية عن الطائفة المفصلة لاختصاصها بالمحاربين من الكفار والمشركين. 2 - انه لا وجه لرد كلامهم الشهيد تارة برمية الى شبه الاجتهاد في مقابل النص واخرى بتضعيف دليله، أما الاول فلانه لا مناص هنا من العمل بالمطلقات، لما عرفت من عدم صلاحية الطائفة المفصلة للتقييد، فلا يكون ترك العمل بها والاخذ بالمطلقات شبه اجتهاد في مقابل النص، وأما الثاني فلان تقوية شخص الكافر بالسقي ونحوه وان كان جائزا الا أن

[ 305 ]

تقويته لجهة كفره غير جائزة قطعا، ومن الواضح ان تمكين المشركين والمحاربين من السلاح يوجب تقويتهم على المسلمين، بل ربما يستقل العقل بقبح ذلك، لان تقويتهم تؤدي الى قتل النفوس المحترمة. ثم ان هذا كله لو تقارن البيع مع التسليم والتسلم الخارجي، والا فلا شبهة في جوازه، لما عرفت من أن بين البيع وعنوان الاعانة عموما من وجه، فلا يلزم من البيع المجرد تقوية الكافر على الاسلام. 3 - انه قد امر في الاية الشريفة (1) بجمع الاسلحة وغيرها للاستعداد والتهيئة الى ارهاب الكفار وقتالهم، فبيعها منهم ولو في حال الهدنة نقض للغرض فلا يجوز، وأما ما دل على الجواز فانه لضعف سنده لا يقاوم الروايات المانعة، ويضاف إليه انه ظاهر في سلاطين الجور من اهل الخلاف. ثم ان السيد (رحمه الله) في حاشيته احتمل دخول هذا القسم الذي هو مورد بحثنا تحت الاعانة على الاثم (2)، بناء على عدم اعتبار القصد فيها وكون المدار فيها هو الصدق العرفي لحصول الصدق في المقام، وحينئذ فيتعدى الى كل ما كان كذلك، ويؤيده قوله (عليه السلام): يستعينون به علينا. وفيه: ان الاعانة على الاثم وان لم يعتبر في مفهومها القصد الا أنك قد عرفت انها ليست محرمة في نفسها، وعلى القول بحرمتها فبينها وبين ما نحن فيه عموم من وجه كما هو واضح، وأما قوله (عليه السلام) في رواية هند السراج المتقدمة في الهامش: فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك، فخارج عن حدود الاعانة على الاثم، وانما يدل


1 - قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم (الانفال: 62). 2 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 11.

[ 306 ]

على حرمة اعانة الظلمة ولا سيما إذا كانت على المعصومين (عليهم السلام) الموجبة لزوال حقوقهم. قوله: بل يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب. أقول: قد علمت ان الروايات المانعة تقتضي حرمة بيع السلاح من اعداء الدين ولو مع العلم بعدم صرفه في محاربة المسلمين أو عدم حصول التقوي لهم بالبيع، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف من تقييد حرمة البيع بوجود المظنة بصرف السلاح في الحرب لغلبة ذلك عند قيامها بحيث يصدق حصول التقوي لهم بالبيع. الناحية الثانية: الظاهر شمول التحريم لمطلق آلة الحرب وحديدتها، سواء كانت مما يدافع به في الحرب ام مما يقاتل، وذلك لوجوه: 1 - ان السلاح في اللغة (1) اسم لمطلق ما يكن، فيشمل مثل المجن (2) والدرع والمغفر (3) وسائر ما يكن (4) به في الحرب.


1 - في تاج العروس: السلاح - بالكسر - والسلح كعنب والسلحان - بالضم - آلة الحرب (تاج العروس 2: 165). وفي المصباح: ما يقاتل به في الحرب ويدافع أو حديدتها، اي ما كان من الحديد كذا خصه بعضهم، يذكر ويؤنث والتذكير اعلى، لانه يجمع على اسلحة، وهو جمع المذكر مثل حمار و احمرة، ورداء وأردية، والسلاح القوس بلا وتر، والعصا تسمي سلاحا (المصباح 284). وفي مجمع البحرين: قوله تعالى: خذوا اسلحتكم، هي جمع سلاح - بالكسر - وهو ما يقاتل به في الحرب ويدافع، والتذكير فيه اغلب من التأنيث، ويجمع في التذكير على اسلحة، وعلى التأنيث سلاحات (مجمع البحرين 2: 374). 2 - في القاموس: المجن والمجنة - بكسرهما - الترس، والجنة - بالضم - كل ما وقى. 3 - في القاموس: المغفر - كمنبر - زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المتسلح. 4 - في تاج العروس: الكن - بالكسر - وقاء كل شئ وستره، وكن أمره عنه أخفاه، وقال بعضهم: أكن الشئ ستره، وفي التنزيل العزيز: أو أكننتم في أنفسكم اي اخفيتم (تاج العروس 9: 323.

[ 307 ]

2 - انه تعالى امر في الاية المتقدمة بالتهيئة والاستعداد الى قتال الكفار وارهابهم، فبيع السلاح منهم ولو بمثل المغفر والدرع نقض لغرضه تعالى. 3 - ان تمكين الكفار من مطلق ما يكن به في الحرب تقوية لهم فهو محرمة عقلا وشرعا كما علمت. 4 - انه يحرم حمل السروج وأداتها الى اهل الشام وبيعها منهم والاعانة لهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة، لروايتي الحضرمي وهند السراج، فبيعها من الكفار أولى بالتحريم، ولكن هذا الوجه يختص بحال الحرب، على أن كلتا الروايتين ضعيفة السند. وهم ودفع: قد يتوهم ان المراد بالسروج المذكورة في رواية الحضرمي هي السيوف السريجية، فلا تكون لها دلالة ولو بالفحوى على حرمة بيع ما يكن من اعداء الدين. ولكن هذا التوهم فاسد، فانه مضافا الى أن الظاهر من كون السائل سراجا ان سؤاله متصل بصنعته، وهي عمل السروج ونقلها، فلا ربط له بالسيوف وبيعها، ان حمل السروج بالواو على السيوف السريجية لا تساعده القواعد اللغوية، لان السريجي يجمع على سريجيات لا على سروج، وانما السروج جمع سرج. على أنه لا يساعده صدر الرواية لاشتماله على كلمة الاداة، وليست للسيف ادوات بخلاف السرج، وحملها على ادوات السيف من الغمد ونحوه بعيد جدا.

[ 308 ]

قوله: بمقتضى ان التفصيل قاطع للشركة. أقول: قد يقال بجواز بيع ما يكن من الكفار، لصحيحة محمد بن قيس عن بيع السلاح من فئتين تلتقيان من اهل الباطل، فقال (عليه السلام): بعهما ما يكنهما (1). وفيه ما ذكره المصنف من عدم دلالتها على المطلوب، وتوضيح ذلك: ان الامام (عليه السلام) فصل بين السلاح وبين ما يكن، فلا بد وأن يكون بيع السلاح حراما بعد ما جوز الامام بيع الثاني، لان التفصيل قاطع للشركة في الحكم والا لكان التفصيل لغوا. وعليه فترفع اليد عن ظهور الصحيحة وتحمل على فريقين محقوني الدماء من اهل الخلاف، إذ لو كان كلاهما أو أحدهما مهدور الدم لم يكن وجه لمنع بيع السلاح منهم، وحينئذ فيجب أن يباع منهما ما يكن ليتحفظ كل منهما عن صاحبه، ويترأس به عنه، بل لو لم يشتروا وجب اعطاؤهم اياه مجانا، فان اضمحلالهم يوجب اضمحلال وجهة الاسلام في الجملة. ولذا سكت على (عليه السلام) عن مطالبة حقه من الطغاة خوفا من انهدام حوزة الاسلام، ومن هنا أفتى بعض الاعاظم في سالف الايام بوجوب الجهاد مع الكفار حفظا للدولة العثمانية. قوله: ثم ان مقتضى الاقتصار على مورد النص عدم التعدي الى غير اعداء الدين كقطاع الطريق.


1 - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من اهل الباطل أبيعهما السلاح، فقال: بعهما ما يكنهما الدرع والخفين ونحو هذا (الكافي 5: 113، التهذيب 6: 354، الاستبصار 3:، عنهم الوسائل 17: 102)، صحيحة. في القاموس: الفئة كجعة الطائفة، أصلها فئ كقيع، ج فئون وفئان.

[ 309 ]

أقول: بيع السلاح من السرقة وقطاع الطريق ونحوهم خارج عن حريم بحثنا، وانما هي من صغريات المسألة المتقدمة، فان قلنا بحرمة الاعانة على الاثم فلا يجوز بيعه منهم والا جاز كما هو الظاهر. قوله: الا أن المستفاد من رواية تحف العقول اناطة الحكم بتقوي الباطل ووهن الحق. أقول: لم يذكر ذلك في رواية تحف العقول، بل المذكور فيها هي حرمة وهن الحق وتقوية الكفر، وعليه فلا يمكن التمسك بها على حرمة بيع السلاح من قطاع الطريق ونحوهم، نعم يجوز الاستدلال على ذلك بقوله (عليه السلام) فيها: أو شئ فيه وجه من وجوه الفساد، الا أنك علمت في اول الكتاب ان الرواية ضعيفة السند. قوله: ثم النهي في هذه الاخبار لا يدل على الفساد. أقول: لا شبهة في ان الحرمة الوضعية متقومة بكون النهي ارشاديا الى الفساد، ولا نظر له الى مبغوضية المتعلق، كما ان قوام الحرمة التكليفية بكون النهي مولويا تكليفيا ناظرا الى مبغوضية متعلقه، ولا نظر له الى فساده وعدم تأثيره، فهما لا يجتمعان في استعمال واحد، وايضا النهي من حيث هو تحريم بحت لا يقتضي الفساد، لا شرعا ولا عرفا ولا عقلا، سواء تعلق بذات المعاملة أو بوصفها أو بأمر خارج منطبق عليها، اذن فلا ملازمة بين الحرمة الوضعية والحرمة التكليفية، على ما عرفت مرارا عديدة. وعليه فان كان المراد بالنهي المتوجه الى المعاملة هو النهي التكليفي المولوي، كما هو الظاهر منه بحسب الوضع واللغة، لدل على خصوص الحرمة التكليفية، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، إذ ليس الغرض منه الا بيان مبغوضية البيع، وان لم ترد منه المولوية التكليفية كان

[ 310 ]

ارشادا الى الفساد، كالنهي المتوجه الى سائر المعاملات، أو الى المانعية كالنهي المتوجه الى اجزاء الصلاة. إذا عرفت ذلك فنقول: ان النهي عن بيع السلاح من اعداء الدين ليس الا لاجل مبغوضية ذات البيع في نظر الشارع فيحرم تكليفا فقط، ولا يكون دالا على الفساد، ويتضح ذلك جليا لو كان النهى عنه لاجل حرمة تقوية الكفر، لعدم تعلق النهي به، بل بامر خارج يتحد معه.

[ 311 ]

النوع الثالث ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء جواز بيع ما لا نفع فيه قوله: النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به: ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء. أقول: البحث في هذا النوع ليس على نسق البحث في الانواع السابقة لنمحضه هنا لبيان الحرمة الوضعية، بخلافه في المسألة السابقة فان البحث فيها كان ناظرا الى الحرمة التكليفية. ومن ذلك يعلم انه لا وجه لهذا البحث هنا الا استطرادا، فان المناسب لهذا ذكره في شرائط العوضين، والعجب من المصنف (رحمه الله) حيث حيث ذكر عدم جواز بيع المصحف من الكافر في شروط الصحة، مع أنه أولى بالذكر هنا، لامكان دعوى كونه حراما تكليفا. ثم ان ما لا نفع فيه تارة يكون لقلته، كحبة من الشعير والحنطة وغيرهما، فان هذه الامور وان كانت تعد عند العرف والشرع من الاموال بل من مهماتها الا أن قلتها اخرجتها عن حدودها وحدود امكان الانتفاع بها. واخرى يكون لخسته وردائته كحشرات الارض من العقارب والحيات والخنافس والجعلان والضفادع والديدان، وكبعض اقسام

[ 312 ]

الطيور من بغاثها (1) والنسر والغربان والرخم (2) ونحوها. تحقيق وتكميل: قد تطابقت كلمات الاصحاب على فساد المعاملة على ما لا نفع فيه نفعا يعتد به، قال الشيخ في المبسوط: وان كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف، مثل الاسد والذئب وسائر الحشرات (3). وفي التذكرة منع عن بيع تلك الامور لخستها وعدم التفات نظر الشرع الى مثلها في التقويم، ولا يثبت لاحد الملكية عليها ولا اعتبار بما يورد في الخواص من منافعها، فانها مع ذلك لا نعد مالا، وكذا عند الشافعي (4). وفي الجواهر (5) ادعى الاجماع محصلا ومنقولا على حرمة بيع ما لا ينتفع به نفعا مجوزا للتكسب به على وجه يرفع السفه عن ذلك، وعلى هذا المنهج فقهاء العامة ايضا (6)، وان جوز بعضهم بيع الحشرات والهوام إذا كانت مما ينتفع بها. إذا عرفت ذلك فنقول: المتحصل من كلمات الفقهاء لفساد بيع ما لا نفع فيه وجوه:


1 - في القاموس: البغاث - مثلثة - طائر أغبر، ج كغزلان وشرار الطيور. 2 - في القاموس: الرخم طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع، الواحدة رخمة، ج رخم. 3 - المبسوط 2: 166. 4 - التذكرة 1: 465. 5 - جواهر الكلام 22: 34. 6 - في فقه المذاهب (2: 232): يصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب، إذا كان ينتفع بها، وعن الحنابلة لا يصح بيع الحشرات، وفي (2: 237): فإذا لم يكن من شأنه الانتفاع به كحبة من الحنطة، فلا يجوز بيعه.

[ 313 ]

1 - ان حقيقة البيع كما عن المصباح (1) عبارة عن مبادلة مال بمال، فلا يصح بيع ما ليس بمال. وفيه أولا: انه لا يعتبر في مفهوم البيع وصدقه لغة وعرفا عنوان المبادلة بين المالين، ومن هنا ذكر في القاموس ان كل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، ومن الواضح جدا عدم تحقق الاشتراء بدون البيع للملازمة بينهما، ولذا قال الراغب الاصفهاني: الشراء والبيع يتلازمان (2)، بل كثر في الكتاب العزيز استعمال البيع والشراء في غير المبادلة المالية. وأما ما عن المصباح فمضافا الى عدم حجية قوله انه كسائر التعاريف ليس تعريفا حقيقيا بل لمجرد شرح الاسم، فلا يبحث فيه طردا وعكسا، نقضا وإبراما. وثانيا: انه لو ثبت ذلك فغاية ما يلزم منه انه لا يمكن تصحيح البيع بالعمومات الدالة على صحة البيع، وهو لا يمنع عن التمسك بالعمومات الدالة على صحة العقد والتجارة عن تراض، بداهة صدقها على تبديل ما لا نفع فيه بمثله أو بمال هو مال. 2 - ما عن الايضاح، من أن المعاملة على ما ليس له نفع محلل اكل للمال بالباطل فتكون فاسدة.


1 - المصباح المنير: 69. 2 - في مفردات الراغب: شريت بمعنى بعت اكثر، واتبعت بمعنى اشتريت اكثر، قال الله تعالى: وشروه بثمن بخس اي باعوه، وكذلك قوله: يشرون الحياة الدنيا بالاخرة، ويجوز الشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شئ، نحو: ان الذين يشترون بعهد الله، لا يشترون بآية الله، اشتروا الحياة الدنيا، اشتروا الضلالة، ان الله اشترى من المومنين، ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فمعنى يشري يبيع (مفردات الراغب: 260).

[ 314 ]

وفيه: ما سمعته مرارا من أن الاية أجنبية عن بيان شرائط العوضين، بل هي ناظرة الى تمييز الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الفاسدة لها، وعليه فلا يكون الاكل في محل الكلام من اكل المال بالباطل بعد كون سببه تجارة عن تراض. 3 - ان بيع ما لا نفع فيه من المعاملات السفهية فهي فاسدة. وفيه: انه ممنوع صغرى وكبرى، أما الوجه في منع الصغرى فهو ان المعاملة انما تكون سفهية إذا انتفت عنها الاغراض النوعية والشخصية كلتيهما وليس المقام كذلك، إذ ربما تتعلق الاغراض الشخصية باشتراء ما لا نفع فيه من الحشرات وغيرها، وهي كافية في خروج المعاملة عن السفهية. وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على فساد المعاملة السفهية بعد ان شملتها العمومات كما اشرنا الى ذلك مرارا، نعم قام الدليل على فساد معاملة السفيه لكونه محجورا عن التصرف، والمعاملة السفهية غير معاملة السفيه. 4 - ما استدل به المصنف (رحمه الله) من قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فذلك كله حلال بيعه وشراؤه، إذ لا يراد منه مجرد المنفعة والا لعم الاشياء كلها، وقوله (عليه السلام) في آخرها: انما حرم الله الصناعة التي يجئ منها الفساد محضا نظير كذا وكذا، الى آخر ما ذكره، فان كثيرا من الامثلة المذكورة هناك لها منافع محللة، فالاشربة المحرمة مثلا كثيرا ما ينتفع بها في معالجة الدواب بل الامراض، فجعلها مما يجئ منه الفساد محضا باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح لندرتها. وفيه: ان هاتين القطعتين من الرواية انما سيقتا لبيان حكم الاشياء التي

[ 315 ]

تمحضت للصلاح أو الفساد، أو تساوت فيها الجهتان، أو غلبت احداهما على الاخرى، فيحكم بصحة بيعها أو فساده حسب ما اقتضته تلك الجهة التعليلية المكنونة فيها. وأما الاشياء التي لها نفع محلل نادر فخارجة عن حدود الرواية، إذ ليس فيها تعرض لذلك بوجه، لا من حيث صحة البيع ولا من حيث فساده، وعليه فلا مانع من صحة المعاملة عليها للعمومات. على أنها لو تمت فانما تدل على فساد بيع ما لا نفع فيه لخسته لكونه مما يجئ منه الفساد محضا، ولا تشمل ما لا نفع فيه لقلته كحبة من الحنطة، إذ ليست فيه جهة فساد اصلا. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي مختصة بالحرمة التكليفية على ما تقدم في اول الكتاب، فلا تشمل الحرمة الوضعية، ويضاف الى ما ذكرناه كله انها ضعيفة السند فلا يصح الاستدلال بها. 5 - دعوى غير واحد من الاعاظم الاجماع على ذلك. وفيه: ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة، على أنا لا نطمئن بوجود الاجماع التعبدي الكاشف عن الحجة المعتبرة، لاحتمال استناد المجمعين الى الوجوه المذكورة في المسألة. وربما يؤيد القول بالجواز بصحيحة محمد بن مسلم (1) الصريحة في جواز بيع الهر، مع أنه مما لا نفع فيه، بل كثيرا ما يضر الناس.


1 - محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثمن الكلب الى لا يصيد سحت، ثم قال: ولا بأس يثمن الهر (التهذيب 6: 356، عنه الوسائل 17: 119) موثقة. عن علي (عليه السلام) انه رأى رجلا يحمل هرة، فقال: ما تصنع، قال: أبيعها فلا حاجة لي بها، قال: تصدق بثمنها (دعائم الاسلام 2: 20، عنه المستدرك 13: 90)، مرسلة.

[ 316 ]

وفي التذكرة (1): لا بأس ببيع الهر عند علمائنا، وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي (2) واسحاق واصحاب الرأي. والعجب من المصنف حيث منع عن بيع القرد لكون المصلحة المقصودة منه اعني حفظ المتاع نادرة بخلاف الهرة، لورود غير واحد من الروايات على جواز بيعها، ووجه العجب ان منافع القرد المحللة ليست بنادرة، بل هي من مهمات المنافع، وانما الوجه في المنع عن بيع القرد هو الروايات التي تقدمت في بيع المسوخ. قوله: ولو فرض الشك في صدق المال على مثل هذه الاشياء المستلزم للشك في صدق البيع. أقول: العلم بعدم صدق المال على شئ لا يمنع عن وقوع البيع عليه فضلا عن الشك في صدقه عليه، واذن فلا وجه لرفع اليد عن عموم ما دل على صحة البيع والتمسك بعمومات التجارة والصلح والعقود والهبة المعوضة وغيرها كما صنعه المصنف. قوله: لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم اكلها أو سائر منافعها المتعارفة.


1 - التذكرة 1: 464. 2 - في فقه المذاهب عن الحنفية: يصح بيع الحيوانات بأجمعها سوي الخنزير، وعن الحنابلة انه هل يصح بيع الهر خلاف، والمختار انه لا يجوز (فقه المذاهب 2: 232). أقول: الظاهر ان القائلين بحرمة بيع الهر قد استندوا الى جملة من الاحاديث المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد أخرجها البيهقي في سننه: منها ما عن جابر قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثمن الكلب والسنور. ومنها ما عن عبد الرزاق باسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله): نهى عن ثمن الهر. ومنها ما عن جابر ايضا: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أكل الهر وأكل ثمنه (راجع سنن البيهقي 6: 11).

[ 317 ]

أقول: هذا ينافي ما تقدم منه في بيع الابوال، من حمل النبوي على كون الشحوم محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات. قوله: ومنه يظهر ان الاقوى جواز بيع السباع، بناء على وقوع التذكية عليها، أقول: يجوز بيع جلود السباع والانتفاع بها على وجه الاطلاق لجملة من الاخبار التي ذكرناها في بيع المسوخ والسباع، وعليه فلا وجه لدعوى ان النص انما ورد ببعضها فقط فيجب تقييد جواز البيع به كما في المتن. ثم ان السباع مما يقبل التذكية كما هو المشهور، بل عن السرائر الاجماع عليه، وتدل عليه موثقة سماعة التي تقدمت في مبحث جواز الانتفاع بالميتة عن جلود السباع ينتفع بها، قال (عليه السلام): إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، الا أنه لا وجه لتعليق جواز بيعها على قبول التذكية الا على القول بحرمة الانتفاع بالميتة، والا فلا مانع من بيعها في حال الحياة للانتفاع بجلودها بعد الموت. قوله: ولو غصبه غاصب كان عليه مثله ان كان مثليا. أقول: الدليل على الضمان انما هو السيرة القطعية من العقلاء والمتشرعة، وعليه فلا بد وأن يخرج من عهدة الضمان، اما برد عينه أو مثله، ومع فقدهما لا يمكن الخروج منها باداء القيمة، بل اصبح الغاصب مشغول الذمة لصاحب العين الى يوم القيامة مثل المفلس، إذ الانتقال الى القيمة انما هو فيما إذا كان التالف من الاموال فلا ينتقل إليها إذا لم يكن التالف مالا. وربما يتمسك للقول بالضمان بقاعدة ضمان اليد لشمولها لمطلق المأخوذ بالغصب، سواء كان من الاموال أو من غيرها.

[ 318 ]

وفيه: ان القاعدة وان ذكرت في بعض الاحاديث (1) واستند إليها المشهور في موارد الضمان، ولكنها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، كما سيأتي التعرض لها في المقبوض بالعقد الفاسد. وقد يتمسك للضمان بقاعدة الاتلاف: من أتلف مال الغير فهو له ضامن، ولكنه واضح الفساد، لاختصاص موردها بالاموال فلا تشمل غيرها. نعم لو انفصلت كلمة: ما عن: اللام واريد من الاول الموصول ومن الثاني حرف الجر بحيث تكون العبارة هكذا: من اتلف ما للغير - الخ، لشملت هذه القاعدة صورة الاتلاف وغيره الا أنه بعيد جدا، على أن القاعدة المذكورة متصيدة وليست بمتن رواية. وكيف كان فموردها خصوص الاتلاف فلا تدل على الضمان عند عدمه، فلا دليل على الضمان الا السيرة كما عرفت. قوله: خلافا للتذكرة (2)، فلم يوجب شيئا كغير المثلي. أقول: ضعفه بعضهم (3) بأن اللازم حينئذ عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة تدريجا.


1 - عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): على اليد ما اخذت حتى تؤدي - الحديث (كنز العمال للمتقي الهندي 5: 252، ومسند احمد 5: 8، وسنن أبي داود السجستاني 3: 296، وسنن البيهقي 6: 90، ونيل الاوتار للشوكاني 5: 252). وفي شرح النهج لابن أبي الحديد: ان سمرة هو الذي كان يحرض الناس لحرب الحسين (عليه السلام)، وكان نائبا عن ابن زياد في البصرة عند مجيئه الى الكوفة، وهو صاحب النخلة في بستان الانصاري، ومن المنحرفين عن امير المؤمنين (عليه السلام) (شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 363). 2 - التذكرة 1: 465. 3 - قاله المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 90.

[ 319 ]

ويرد عليه ان نظر العلامة (رحمه الله) ليس الا عدم الضمان مطلقا، بل فيما إذا لم يكن المغصوب مقدارا يصدق عليه عنوان المال، ومن البديهي ان كل حبة من الصبرة وان لم تكن مالا بشرط لا ومجردة عن الانضمام الى حبة اخرى، الا أنها إذا انضمت الى غيرها من الحبات صارت مالا فتشملها ادلة الضمان. فرع: لو حاز ما لا نفع له كالحشرات لثبت له الاختصاص به، فيكون أولى به من غيره، فليس لاحد أن يزاحمه في تصرفاته فيه للسيرة القطعية، على أن اخذ المحاز من المحيز قهرا عليه ظلم فهو حرام عقلا وشرعا، وأما حديث: من سبق الى ما لم يسبق إليه احد من المسلمين فهو أحق به (1)، فقد تقدم انه ضعيف السند وغير منجبر بشئ. - 1 - عوالي اللئالي 3: 480.

[ 320 ]

النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه قوله: النوع الرابع: ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه. أقول: قد جرت عادة الاصحاب بالبحث عن جملة من الاعمال المحرمة في مقدمة ابحاث التجارة، وتبعهم المصنف بذكر أكثرها في مسائل شتى بترتيب حروف أوائل عنواناتها، ونحن ايضا نقتفي اثرهم. ثم ان قد علمت في البحث عن معنى حرمة البيع تكليفا انه يكفي في عدم جواز المعاملة على الاعمال المحرمة ما دل على حرمتها من الادلة الاولية، إذ مقتضى ادلة صحة العقود لزوم الوفاء بها ومقتضى أدلة المحرمات حرمة الاتيان بها وهما لا يجتمعان، وعليه فلا موجب للبحث في كل مسألة من المسائل الاتية عن صحة المعاملة عليها وفسادها، بل في جهات اخرى. وأما ما في حاشية السيد (1)، من عدم جواز أخذ الاجرة على العمل المحرم، لقوله (عليه السلام): ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، فان المراد من الثمن مطلق العوض فهو فاسد، فانه مضافا الى ضعف سند هذا الحديث انا نمنع صدق الثمن على مطلق العوض.


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 15.

[ 321 ]

المسألة (1) حكم تدليس الماشطة قوله: المسألة الاولى: تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها، أو الامة التي يراد بيعها حرام. أقول: الماشطة والمشاطة التي تحسن المشط وتتخذ ذلك حرفة لنفسها، والظاهر انه لا خلاف في حرمة تدليسها إذا اظهرت في المرأة التي يراد تزويجها أو الامة التي يراد بيعها ما ليس فيهما من المحاسن، بل ادعى عليه الاجماع كما في الرياض (1) وغيره (2). قال في تجارة المقنع: ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطي، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها (3). وفي المكاسب المحظورة من النهاية: كسب المواشط حلال إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن فيصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس، ويوشمن الخدود، ويستعملن ما لا يجوز في شريعة الاسلام (4). وفي فتاوى العامة (5) انه لا يجوز وصل شعر الانسان بشعر المرأة،


1 - رياض المسائل 1: 504. 2 - مجمع الفائدة 8: 84. 3 - المقنع (الجوامع الفقهية): 300. 4 - نهاية الاحكام: 366. 5 - في شرح فتح القدير: منع عن وصل شعر الانسان بشعر المرأة، لحديث لعن الله الواصلة والمستوصلة (شرح فتح القدير 5: 204). وفي فقه المذاهب عن الحنفية: ومن البيوع الباطلة بيع شعر الانسان، لانه لا يجوز لحديث لعن الله - الخ، وقد رخص في الشعر المأخوذ من الوبر ليزيد في ضفائر النساء (فقه المذاهب 2: 240). وسنن البيهقي في عدة من الاحاديث: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الواصلة والمستوصلة (سنن البيهقي 2: 426).

[ 322 ]

وتحقيق هذه المسألة في ثلاث جهات: الجهة الاولى في تدليس الماشطة: الظاهر انه لا دليل على حرمة التدليس والغش من حيث هما تدليس وغش الا في بيع أو شراء أو تزويج، للروايات الخاصة التي سنتعرض لها في البحث عن حرمة الغش، بل ربما يكونان مطلوبين للعقلاء، كتزيين الدور والالبسة والامتعة، لاظهار العظمة والشوكة وحفظ الكيان وارائة انها جديدة. نعم لو قلنا بحرمة الاعانة على الاثم لكان تزيين المرأة التي في معرض التزويج أو الامتعة التي في معرض البيع حراما، لكونه مقدمة للغش المحرم. وقد أجاد المحقق الايرواني حيث قال: ان الماشطة لا ينطبق على فعلها غش ولا تدليس، و انما الغش يكون بفعل من يعرض المغشوش والمدلس فيه على البيع، نعم الماشطة اعدت المرأة لان يغش بها، وحالها كحال الحائك الذي بفعله تعد العامة لان يدلس بلبسها، وكفعل صانع السبحة لان يدلس بالتسبيح بها رياء، وأما نفس التمشيط فلا دليل يدل على المنع عنه بقول مطلق، بل الاخبار رخصت فيه (1). الجهة الثانية في تمشيط الماشطة: الظاهر انه لا دليل على المنع عنه بقول مطلق، وان ورد النهي عن


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 19.

[ 323 ]

خصوص وصل الشعر بالشعر، بل يتجلي من الاخبار الكثيرة (1) جوازه


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث ام حبيب الخافضة قال: وكانت لام حبيب اخت يقال لها: ام عطية، وكانت مقنية، يعني ماشطة، فلما انصرفت ام حبيب الى اختها فأخبرتها بما قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبلت ام عطية الى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته بما قالت لها اختها، فقال لها: ادني مني يا ام عطية، إذا انت قنيت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فان الخرقة تذهب بماء الوجه (الكافي 5: 118، التهذيب 6: 360، عنهما الوسائل 17: 131)، صحيحة. أقول: تقيين الجواري تزيينها، وعن الصحاح: اقتان الرجل إذا حسن، واقتان الروضة اخذت زخرفها، ومنه قيل للماشطة مقنية، وقد قينت العروس تقيينا زينها. وعن ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخلت ماشطة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه، فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا أعمله الا أن تنهاني عنه فانتهي عنه، فقال: افعلي، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة، فانه يذهب بماء الوجه، ولا تصلي الشعر بالشعر (الكافي 5: 119، التهذيب 6: 359، عنهما الوسائل 17: 132)، ضعيفة لابن اشيم ومرسلة. وزاد في المتن: وأما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة، وهو من سهو القلم. وعن سعد الاسكاف قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهن، فقال: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: فقلت: بلغنا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن الواصلة والموصولة، فقال: ليس هنالك، انما لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الواصلة التي تزني في شبابها، فلما كبرت قادت النساء الى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة (الكافي 5: 119، التهذيب 6: 360، عنهما الوسائل 17: 131)، ضعيفة لسعد المذكور. أقول: القرمل - كزبرج - ما تشد المرأة في شعرها من شعر أو صوف أو ابريسم، ويقال له في لغة الفرس: گيسوبند، وفي لغة الترك: صاج باغي. عن عمار الساباطي قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ان الناس يروون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن الواصلة والموصولة، قال: فقال: نعم، قلت: التي تتمشط وتجعل في الشعر القرامل، قال: فقال لي: ليس بهذا بأس، قلت: فما الواصلة والموصولة، قال: الفاجرة والقوادة (الكافي 5: 119 و 520، التهذيب 6: 360، المحاسن: 114، عنهم الوسائل 2: 187)، مرسلة.

[ 324 ]

مطلقا، سواء اشترت فيه الاجرة ام لم تشترط، بل في رواية قاسم بن محمد (1) صرح بجواز تعيش الماشطة بالتمشيط إذا لم تصل الشعر بالشعر. وقد يقال بتقييدها بمفهوم مرسلة الفقيه وفقه الرضا (عليه السلام) (2)، فانهما تدلان على جواز كسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطي، إذ مفهومهما يدل على حرمة كسبها مع انتفاء القيدين أو أحدهما، فتقيد به المطلقات، وعليه فالنتيجة انه لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الاجرة وقبلت ما تعطي والا فيحرم كسبها. وفيه أولا: انهما ضعيفتا السند، فلا يجوز الاستدلال بهما على الحرمة، نعم لا بأس بالاستدلال بهما على الكراهة، بناء على شمول اخبار من بلغ للمكروهات. وما ذكره المصنف من أن المراد بقوله (عليه السلام): إذا قبلت ما تعطي، البناء على ذلك حين العمل، والا فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته، بين الخلل، فانه لا موجب لهذا التوجيه بعد امكان الشرط المتأخر ووقوعه، فلا غرو في تأثير عدم القبول بعد العمل في كراهة ذلك العمل كتأثير الاغسال الليلية في صحة الصوم على القول به.


1 - وعن القاسم بن محمد، عن علي (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق، قال: لا بأس، ولكن لا تصل الشعر بالشعر (التهذيب 6: 359، عنه الوسائل 17: 131)، ضعيفة لقاسم المذكور. 2 - عن الصدوق قال: قال (عليه السلام): لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط، وقبلت ما تعطي، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، وأما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة (الفقيه 3: 98، عنه الوسائل 17: 133)، مرسلة. في فقه الرضا (عليه السلام): ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط، وقبلت ما تعطي، ولا تصل شعر المرأة بغير شعرها، وأما شعر المعز فلا بأس (فقه الرضا (عليه السلام): 33، عنه المستدرك 13: 94)، ضعيفة.

[ 325 ]

وثانيا: ما ذكره المصنف (رحمه الله) وملخص كلامه: ان الوجه في اولوية قبول ما تعطي وعدم مطالبتها بالزيادة انما هو احد امرين على سبيل منع الخلو: 1 - ان ما يعطي للماشطة والحجام والختان والحلاق وامثالهم لا ينقص غالبا عن اجرة مثل عملهم، الا أنهم لكثرة حرصهم ودناءة طباعهم يتوقعون الزيادة خصوصا من اولي المروة والثروة، بل لو منعوا عما يطلبونه بادروا الى السب وهتك العرض، ولذا امروا في الشريعة المقدسة بالقناعة بما يعطون وترك المطالبة بالزائد عنه. 2 - ان المشارطة والمماكسة في مثل تلك الامور لا تناسب المحترمين من ذوي المجد والفخامة، كما ان المسامحة فيها ربما توجب المطالبة بأضعاف اجرة المثل، فلذلك امر الشارع اصحاب هذه الاعمال بترك المشارطة والرضا بما يعطي لهم. وهذا كله لا ينافي جواز المطالبة بالزائد والامتناع عن قبول ما يعطي إذا اتفق كونه اقل من اجرة المثل، إذ لا يجوز الاعطاء اقل من ذلك لاحترام عملهم. قوله: أو لان الاولى في حق العامل قصد التبرع. أقول: المرسلة انما دلت على عدم المشارطة المستلزمة لعدم تحقق الاجارة المعتبر فيها تعيين الاجرة، وهذا لا يستلزم قصد التبرع، لجواز أن يكون ايجاد العمل بامر الامر، فيكون امره هذا موجبا للضمان باجرة المثل كما هو متعارف في السوق كثيرا. قوله: فلا ينافي ذلك ما ورد. أقول: ان تم ما ذكره المصنف من حمل المرسلة على أن الاولى بالعامل أن يقصد التبرع، كانت المرسلة خارجة عن حدود الاجارة

[ 326 ]

موضوعا، وان لم يتم ذلك فلا بد وأن يلتزم بتخصيص ما دل (1) على اعتبار تعيين الاجرة قبل العمل بواسطة المرسلة إذا كانت حجة، والا فيرد علمها الى اهلها. الجهة الثالثة: قد ورد في بعض الاخبار لعن الماشطة على خصال اربع: الوصل والنمص والوشم والوشر (2). أما الوصل، فان كان المراد به ما هو المذكور في روايتي سعد


1 - عن سليمان بن جعفر الجعفري: ان الرضا (عليه السلام) أقبل على غلمانه يضربهم بالسوط لعدم مقاطعتهم على اجرة الاجير قبل العمل (الكافي 5: 288، التهذيب 7: 212، عنهما الوسائل 19: 105)، صحيحة. مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يستعملن أجيرا حتى يعلمه ما اجره (الكافي 5: 289، التهذيب 7: 211، عنهما الوسائل 19: 105)، ضعيفة لمسعدة. 2 - عن معاني الاخبار باسناده عن علي بن غراب، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النامصة والمنتمصة، والواشرة والمستوشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة (معاني الاخبار: 249، عنه الوسائل 17: 133)، ضعيفة لعلي بن غراب وغيره من رجال الحديث. قال الصدوق: قال علي بن غراب: النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، والمنتمصة التي يفعل ذلك بها، والواشرة التي تشر أسنان المرأة وتفلجها وتحددها، والمستوشرة التي يفعل ذلك بها، والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، والمستوصلة التي يفعل ذلك بها، والواشمة التي تشم وشما في يد المرأة، أو في شئ من بدنها، وهو ان تغرز يديها أو ظهر كفيها أو شيئا من بدنها بابرة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة فتخضر، والمستوشمة التي يفعل ذلك بها. وقد ورد اللعن ايضا من طرق العامة على الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة، والنامصة و المنتمصة، راجع سنن البيهقي 2: 426 و 7: 312.

[ 327 ]

الاسكاف والاحتجاج المتقدمتين في الحاشية، من تفسير الواصلة بالفاجرة والقوادة، فحرمته من ضروريات الاسلام، وسيأتي التعرض لذلك في البحث عن حرمة القيادة، وان كان المراد به ما في تفسير على بن غراب، من أن الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، فقد يقال بحرمته ايضا لظهور اللعن فيها. ولكن يرد عليه أولا: انه لا حجية في تفسير ابن غراب لعدم كونه من المعصوم، مع ورود الرد عليه في روايتي سعد الاسكاف والاحتجاج، وتفسير الواصلة والموصولة فيها بمعنى آخر، ويحتمل قريبا انه اخذ هذا التفسير من العامة، فان مضمونه مذكور في سنن البيهقي (1). وثانيا: لو سلمنا اعتباره فانه لا بد وأن يحمل على الكراهة، كما هو مقتضى الجمع بين الروايات، وتوضيح ذلك: ان الروايات الواردة في وصل الشعر بشعر امرأة على ثلاث طوائف: الاولى: ما دل على الجواز مطلقا، كرواية سعد الاسكاف المتقدمة: عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلته بشعورهن، فقال (عليه السلام): لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، وكرواية الاحتجاج (2). الثانية: ما دل على التفصيل بين شعر المرأة وشعر غيرها وجوز الوصل في الثاني دون الاول، كقوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه المتقدمة: لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطي، ولا تصل شعر


1 - سنن البيهقي 7: 312. 2 - عن أبي بصير قال: سألته عن قصة النواصي تريد المرأة الزينة لزوجها، وعن الخف والقرامل والصوف وما أشبه ذلك، قال: لا بأس بذلك كله (مكارم الاخلاق 1: 194، الرقم: 576، عنه الوسائل 20: 189). مرسلة.

[ 328 ]

المرأة بشعر امرأة غيرها، وأما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة. الثالثة: ما تظهر منه الخزمة في مطلق وصل الشعر بالشعر، كجملة من الروايات المتقدمة من الفريقين، وكروايتي عبد الله بن الحسن (1) وثابت بن أبي سعيد (2)، وهاتان الروايتان تدلان ايضا على جواز وصل الصوف بالشعر. ومقتضى الجمع بينهما أن يلتزم بجواز وصل شعر بشعر المرأة بلا كراهة، وبجواز وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى مع الكراهة، فان ما دل على المنع مطلقا يقيد بما دل على جواز الوصل بشعر المعز، وما دل على حرمة وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى يحمل على الكراهة، لما دل على جواز تزين المرأة لزوجها مطلقا، فان رواية سعد الاسكاف وان كانت بصراحتها تدفع توهم السائل من حيث الموضوع، وهو ارادة وصل الشعر بالشعر من الواصلة والموصولة، ولكنها ظاهرة ايضا في جواز وصل الشعر بالشعر مطلقا، إذ لو لم يكن جائزا لكان على الامام (عليه السلام) أن يدفع توهم السائل من حيث الحكم، فيقول له مثلا: ان وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى حرام، على أن روايتي عبد الله بن الحسن وثابت غير ظاهرتين في الحرمة، كما هو واضح لمن يلاحظهما.


1 - قال: سألته عن القرامل، قال: وما القرامل، قلت: صوف تجعله النساء في رؤوسهن، فقال: ان كان صوفا فلا بأس به، وان كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة والموصولة (التهذيب 6: 361، عنه الوسائل 17: 132)، مجهولة ليحيى بن مهران وعبد الله بن الحسن. 2 - قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن النساء يجعلن في رؤوسهن القرامل، قال: يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة لنفسها، وكره للمرأة ان تجعل القرامل من شعر غيرها، فان وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضر (الكافي 5: 520، عنه الوسائل 20: 18)، مجهولة لثابت.

[ 329 ]

بقي هنا امران: 1 - ان رواية سعد مختصة بزينة المرأة لزوجها، فلا تدل على جواز الوصل مطلقا. وفيه: انها وان كانت واردة في ذلك الا أن من المقطوع به ان جواز تزين المرأة لزوجها لا يسوغ التزيين بالمحرم كما تقدم، فيعلم من ذلك ان وصل الشعر بالشعر ولو بشعر امرأة كان من الامور السائغة في نفسها. 2 - ان رواية سعد مطلقة تدل على جواز وصل الشعر بالشعر مطلقا ولو كان شعر امرأة اخرى، فتقيد بما اشتمل على النهي عن وصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها. وفيه: ان رواية سعد وان كانت مطلقة ولكن السؤال فيها كان عن خصوص وصل الشعر بالشعر، فلو كان في بعض افراده فرد محرم لوجب على الامام (عليه السلام) أن يتعرض لبيان حرمته في مقام الجواب، فيعلم من ذلك انه ليس بحرام. هذا كله مع صحة الروايات، ولكنها جميعا ضعيفة السند، واذن فمقتضى الاصل هو الجواز مطلقا. وربما يقال: ان لعن الواصلة في النبوي صريح في الحرمة فلا يجوز حمله على الكراهة. وفيه مضافا الى ضعف سنده واستعمال اللعن في الامور المكروهة في بعض الاحاديث (1)، ان اللعن ليس بصريح في الحرمة حتى لا يجوز


1 - عن الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: يا علي لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده، وراكب الفلاة وحده، والنائم في بيت وحده (الفقيه 4: 259، عنه الوسائل 24: 416). عن الكليني رفعه عن الزهري في التوقيع: ملعون ملعون من أخر العشاء الى ان تشتبك النجوم، ملعون معلون من أخر الغداة الى ان تنقضي النجوم (الاحتجاج: 479، عنه الوسائل 4: 201). عن كنز الفوائد: ملعون ملعون من وهب الله له مالا فلم يتصدق منه شئ، أما سمعت ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صدقة درهم أفضل من صلاة عشر ليال (كنز الفوائد: 63، عنه الوسائل 16: 280).

[ 330 ]

حمله على الكراهة، وانما هو دعاء بالابعاد المطلق الشامل للكراهة ايضا، نظير الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب كليهما، غاية الامر أن يدعي كونه ظاهرا في التحريم، لكنه لا بد من رفع اليد عن ظهوره وحمله على الكراهة إذا تعارض بما يدل على الجواز كما عرفت. ومن هنا ظهر جواز بقية الامور المذكورة في النبوي، كالنمص والوشم والوشر وان كانت مكروهة، بل ربما يشكل الحكم بالكراهة ايضا لضعف الرواية، الا أن يتمسك في ذلك بقاعدة التسامح في ادلة السنن، بناء على شمولها للمكروهات ايضا، بل ورد جواز النمص اعني حف الشعر من الوجه في الخبر (1). ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب ايضا عن رواية عبد الله بن سنان (2)


1 - قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر (عليه السلام) انه سأل اخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها، قال: لا بأس (قرب الاسناد: 101، عنه الوسائل 17: 133)، مجهولة لعبدالله بن الحسن. عن علي بن جعفر مثلها (مسائل علي بن جعفر (عليه السلام)، عنه الوسائل 20: 189)، ولكنه صحيح. 2 - عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الواشمة والمستوشمة، والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) (الكافي 5: 559، عنه الوسائل 2: 239)، ضعيفة لمحمد بن سنان.

[ 331 ]

المشتملة على اللعن على الواشمة والموتشمة. وقد يتوهم انه ثبت بالاخبار المستفيضة المذكورة في أبواب النكاح وبالسيرة القطعية جواز تزين المرأة لزوجها بل كونه من الامور المستحبة، ومقتضى ما دل على حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر هو عدم جواز التزين بها، سواء كان ذلك للزوج أو لغيره، فيتعارضان فيما كان التزين بالامور المذكورة للزوج ويتساقطان، فيرجع الى الاصول العملية. وفيه: انه لو تم ما دل على حرمة الامور المزبورة فالنسبة بينه وبين ما دل على جواز التزين هو العموم المطلق، فيحكم بجواز التزين مطلقا الا بالاشياء المذكورة. بيان ذلك: ان المذكور في الروايات وان كان هو جواز تزين الزوجة لزوجها فقط ولكنا نقطع بعدم مدخلية الزوجية في الحكم، بحيث لولاها لكان التزين للنساء حراما، بل هو امر مشروع للنساء كلها كما عليه السيرة القطعية، اذن فلا بد من تخصيص الحكم بما دل على حرمة الامور المذكورة في النبوي. قوله: خصوصا مع صرف الامام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهره. أقول: صرف النبوي عن ظاهره بالتصرف في معنى الواصلة والمستوصلة بارادة القيادة من الواصلة يقتضي حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر المذكورة في النبوي لاتحاد السياق دون الكراهة، نعم لو كان معنى اللعن في الرواية هو مطلق الابعاد الذي يجتمع مع الكراهة لصار مؤيدا لحمل ما عدا الوصل على الكراهة. قوله: نعم، يشكل الامر في وشم الاطفال من حيث انه ايذاء لهم بغير مصلحة. أقول: لا شبهة ان الوشم لا يلازم الايذاء دائما، بل بينهما عموم من وجه، فانه قد يتحقق الايذاء حيث يتحقق الوشم كما هو الكثير، وقد

[ 332 ]

يتحقق الوشم حيث لا يتحقق الايذاء لاجل استعمال بعض المخدرات المعروفة في اليوم، وقد يجتمعان، وعلى تقدير الملازمة بينهما فالسيرة القطعية قائمة على جواز الايذاء إذا كان لمصلحة التزين، كما في ثقب الاذان والاناف. قوله: ثم ان التدليس بما ذكرنا انما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري. أقول: التدليس في اللغة (1) عبارة عن تلبيس الامر على الغير أو كتمان عيب السلعة عن المشتري واخفائه عليه باظهار كمال ليس فيها، وأما ما يوجب رغبة المشتري والخاطب فليس بتدليس ما لم يستلزم كتمان عيب أو اظهار ما ليس فيه من الكمال، والا لحرم تزيين السلعة لكون ذلك سببا لرغبة المشتري، ولحرم ايضا لبس المرأة الثياب الحمر والخضر الموجبة لظهور بياض البدن وصفائه، بداهة كونه سببا لرغبة الخاطبين، ولا نظن أن يلتزم بذلك فقيه أو متفقة. المسألة (2) تزيين الرجل بما يحرم عليه قوله: المسألة الثانية: تزيين الرجل بما يحرم عليه، من لبس الحرير والذهب حرام. أقول: اتفق فقهاؤنا وفقهاء العامة (2) واستفاضت الاخبار من طرقنا (3)


1 - في القاموس: التدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري، وفي المنجد: دلس البائع كتم عيب ما يبيعه عن المشتري. 2 - في فقه المذاهب: الشافعية قالوا: يحرم على الرجال لباس الحرير، فلا يجوز للرجال أن يجلسوا على الحرير، ولا أن يستندوا إليه من غير حائل، ويحرم ستر الجدران به في ايام الفرح والزينة الا لعذر، والحنابلة قالوا بحرمة استعمال الحرير مطلقا، ولو كان بطانة لغيره، ومثل الرجل الخنثى، وكذلك الصبي والمجنون فيحرم الباسهما الحرير (فقه المذاهب الاربعة 2: 10). وفيه: الحنفية قالوا: يحرم على الرجال لبس الحرير الا لضرورة (فقه المذاهب الاربعة 2: 12). وفيه: المالكية قالوا: يحرم على الذكور البالغين لبس الحرير، وفي الصغار خلاف (فقه المذاهب الاربعة 2: 13). وفيه: يحرم على الرجل والمرأة استعمال الذهب والفضة (فقه المذاهب الاربعة 2: 14). 3 - الكافي 3: 399 - 400، التهذيب 2: 205 - 207، الوسائل 4: 367 - 369، الوسائل 4: 412 - 416.

[ 333 ]

ومن طرق السنة (1) على حرمة لبس الرجل الحرير والذهب الا في موارد خاصة، ولكن الاخبار خالية عن حرمة تزين الرجل بهما، فعقد المسألة بهذا العنوان كما صنعه المصنف (رحمه الله) فيه مسامحة واضحة. نعم ورد في بعض الاحاديث: لا تختم بالذهب فانه زينتك في الاخرة (2)، وفي بعضها الاخر: جعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء، فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه (3). ولكن مضافا الى ضعف السند فيهما انهما لا تدلان على حرمة تزين الرجل بالذهب حتى يشمل النهي غير صورة اللبس ايضا، بل تفريعه (عليه السلام) في الرواية الثانية حرمة لبس الذهب على كونه زينة النساء في الدنيا لا يخلو عن الاشعار بجواز تزين الرجل بالذهب ما لم يصدق عليه عنوان اللبس. وقد يقال: ان عنوان التزين بالذهب والفضة وان لم يذكر في الاخبار


1 - راجع سنن البيهقي 2: 422 و 424. 2 - الكافي 6: 468، عنه الوسائل 4: 412، ضعيفة لغالب بن عثمان. 3 - التهذيب 2: 227، عنه الوسائل 4: 414، مرسلة.

[ 334 ]

الا أن لبس الحرير والذهب يلازم التزين بهما، فالنهي عن لبسهما يلازم النهي عن التزين بهما. وفيه انها دعوى جزافية لمنع الملازمة، بل بين العنوانين عموم من وجه، فان ما تزين قد يصدق حيث لا يصدق اللبس، كما إذا جعلت ازرار الثوب من الذهب أو من الحرير، وكما إذا خيط بهما الثوب كما تتعارف خياطة الفرو بالحرير والديباج، وكما إذا صاغ الانسان اسنانه من الذهب، وقد يصدق اللبس ولا يصدق التزين كلبس الحرير والذهب تحت سائر الالبسة، وتختم الرجل بالذهب للتجربة والامتحان، وقد يجتمع العنوانان، وتفصيل الكلام في البحث عن لباس المصلي في كتاب الصلاة. ومن هنا ظهر انه لا وجه لما ذهب إليه في العروة في المسألة من مسائل لباس المصلي قال: نعم إذا كان زنجير الساعة من الذهب وعلقه على رقبته أو وضعه في جيبه لكن علق رأس الزنجير يحرم، لانه تزين بالذهب، ولا تصلح الصلاة فيه ايضا. تشبه الرجل بالمرأة وتشبه المرأة بالرجل: هل يجوز تشبه الرجل بالمرأة وبالعكس أو لا، بأن يلبس الرجل ما يختص بالنساء من الالبسة وتلبس المرأة ما يختص بالرجل منها كالمنطقة والعمامة ونحوهما، ولا ريب ان ذلك يختلف باختلاف العادات، فنقول: انه ورد النهى عن التشبه في الاخبار المتظافرة، ولعن الله ورسوله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال (1)، ولكن


1 - عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال - الحديث (علل الشرايع: 602، عنه الوسائل 17: 284)، ضعيفة لعمرو بن شمر. عن الطبرسي في مجمع البيان، عن أبي امامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أربع لعنهم الله من فوق عرشه وامنت عليه الملائكة: الرجل يتشبه بالنساء وقد خلقه الله ذكرا، والمرأة تتشبه بالرجال وقد خلقها الله انثى (مجمع البيان 4: 140، عنه المستدرك 13: 203)، مرسلة. عن الصدوق عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) يقول: لا يجوز للمرأة ان تتشبه بالرجال (الخصال: 585، عنه المستدرك 3: 246)، ضعيفة لجعفر بن محمد بن عمارة ولابيه. وعن المفيد عن عروة بن عبد الله بن بشير الجعفي قال: دخلت على فاطمة بنت علي بن أبي طالب، وهي عجوزة كبيرة، وفي عنقها خرز، وفي يدها مسكتان، فقالت: يكره للنساء أن يتشبهن بالرجال - الخبر (الامالي للمفيد: 94، عنه المستدرك 3: 246)، مجهول لعروة و لغيره. الخرز - بفتحتين -: ما ينظم في السلك من الجدع والودع، والواحدة: خرزة، والمسكة - بالتحريك -: السوار والخلخال. عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى النساء أن يكن متعطلات من الحلي أن يتشبهن بالرجال، ولعن من فعل ذلك منهن (دعائم الاسلام 2: 163، عنه المستدرك 3: 247)، مرسلة. وعن فقه الرضا (عليه السلام): قد لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة: المتشبه من النساء بالرجل، والرجال بالنساء (فقه الرضا (عليه السلام): 33، عنه المستدرك 3: 246)، ضعيفة.

[ 335 ]

هذه الاخبار كلها ضعيفة السند فلا تصلح دليلا للقول بالحرمة. ومع الاغضاء عن ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبه في اللباس، لان التشبه فيها اما أن يراد به مطلق التشبه أو التشبه في الطبيعة، كتأنث الرجل وتذكر المرأة، أو التشبه الجامع بين التشبه في الطبيعة والتشبه في اللباس. أما الاول، فبديهي البطلان، فان لازمه حرمة اشتغال الرجل باعمال

[ 336 ]

المرأة كالغزل وغسل الثوب وتنظيف البيت والكنس ونحوها من الامور التي تعملها المرأة في العادة، وحرمة اشتغال المرأة بشغل الرجل كالاحتطاب والاصطياد والسقي والزرع والحصد ونحوها، مع أنه لم يلتزم به احد، بل ولا يمكن الالتزام به. وأما الثالث فلا يمكن أخذه كذلك، إذ لا جامع بين التشبه في اللباس والتشبه في الطبيعة، فلا يكون أمرا مضبوطا فيتعين الثاني، ويكون المراد من تشبه كل منهما بالاخر هو تأنث الرجل باللواط وتذكر المرأة بالسحق، وهو الظاهر من لفظ التشبه في المقام. ويؤيد ما ذكرناه تطبيق الامام (عليه السلام) النبوي على المخنثين والمساحقات في جملة روايات من الخاصة (1) وطرق العامة (2)، ولكنها ضعيفة السند.


1 - عن الصدوق في العلل عن زيد بن على، عن آبائه، عن علي (عليه السلام): انه رأى رجلا به تأنث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: اخرج من مسجد رسول الله يا لعنة رسول الله، ثم قال علي (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (علل الشرايع: 602، عنه الوسائل 17: 284)، ضعيفة لحسين ابن علوان. وفي حديث آخر: أخرجوهم من بيوتكم فانهم أقذر شئ (علل الشرايع: 602، عنه الوسائل 17: 284)، مرسلة. وفي سنن البيهقي عن ابن عباس: أخرجوهم من بيوتكم (سنن البيهقي 8: 224). وبهذا الاسناد عن علي (عليه السلام) قال: كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا في المسجد حتى أتاه رجل به تأنيث، فسلم عليه فرد عليه، ثم أكب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الارض يسترجع، ثم قال: مثل هؤلاء في امتي، انه لم يكن مثل هؤلاء في امة الا عذبت قبل الساعة (علل الشرايع: 602، عنه الوسائل 17: 284)، ضعيفة للحسين بن علوان. عن الجعفريات عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخنثين الرجال المتشبهين بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال - الحديث (الجعفريات: 147، عنه المستدرك 13: 202)، ضعيف لابي هريرة وغيره. عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، قال: وهم المخنثون، واللاتي ينكحن بعضهن بعضا (الكافي 5: 550، عنه الوسائل 20: 346)، مجهولة لابي خديجة وغيره. وقال في الوسائل بعد نقل الرواية: ورواه البرقي في المحاسن، وعليه فلا بأس بالعمل بها. عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الراكبة والمركوبة قال: وفيهن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء، والمتشبهين من الرجال بالنساء (الكافي 5: 552، عنه الوسائل 20: 345)، مجهولة للحسين بن زياد ويعقوب بن جعفر. 2 - في سنن البيهقي عن أبي هريرة: اتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما بال هذا، فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء، فامر به فنفي الى النقيع (سنن البيهقي 8: 224).

[ 337 ]

وقد اتضح مما تلوناه بطلان ما ادعاه المحقق الايرواني، من أن اطلاق التشبه يشمل التشبه في كل شئ، ودعوى انصرافه الى التشبه فيما هو من مقتضيات طبع صاحبه لا ما هو مختص به بالجعل كاللباس في حيز المنع، بل كون المساحقة من تشبه الانثى بالذكر ممنوع، بل التخنث ايضا ليس تشبها بالانثى. وكذلك ما في حاشية السيد، من عدم اختصاص النبوي بالتشبه في التأنث والتذكر، لامكان شموله للتشبه في اللباس ايضا. والعجب من المحقق الايرواني حيث قال في توجيه رواية العلل: لعل الرجل الذي اخرجه على (عليه السلام) من المسجد كان متزينا بزينة النساء، كما هو الشايع في شبان عصرنا، وكان هو المراد من التأنث لا التخنث، وهو اعرف بمقاله. ثم انه قد ورد في بعض الاحاديث النهي عن التشبه في اللباس، كرواية

[ 338 ]

سماعة في الرجل يجر ثيابه، قال (عليه السلام): اني لاكره أن يتشبه بالنساء (1)، وفي رواية اخرى: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينهى المرأة ان تتشبه بالرجال في لباسها (2)، فانه يستفاد منهما تحريم التشبه في اللباس. وفيه: انه ليس المراد من التشبه في الروايتين مجرد لبس كل من الرجل والمرأة لباس الاخر، والا لحرم لبس احد الزوجين لباس الاخر لبعض الدواعي كبرد ونحوه، بل الظاهر من التشبه في اللباس المذكور في الروايتين هو أن يتزيا كل من الرجل والمرأة بزى الاخر، كالمطربات اللاتي اخذن زى الرجال، والمطربين الذين أخذوا زى النساء، ومن البديهي انه من المحرمات في الشريعة، بل من اخبث الخبائث واشد الجرائم واكبر الكبائر. على أن المراد في الرواية الاولى هي الكراهة، إذ من المقطوع به ان جر الثوب ليس من المحرمات في الشريعة المقدسة. وقد تجلى مما ذكرناه انه لا شك في جواز لبس الرجل لباس المرأة لاظهار الحزن وتجسم قضية الطف واقامة التعزية لسيد شباب اهل الجنة (عليه السلام)، وتوهم حرمته لاخبار النهي عن التشبه ناشئ من الوساوس الشيطانية، فانك قد عرفت عدم دلالتها على حرمة التشبه. وقد علم مما تقدم ايضا انه لا وجه لاعتبار القصد في مفهوم التشبه


1 - عن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن سماعة، عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) في الرجل يجر ثيابه، قال: اني لاكره أن يتشبه بالنساء (مكارم الاخلاق 1: 256، الرقم: 767، عنه الوسائل 5: 25)، مرسلة. 2 - وعن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء، وينهى المرأة ان تتشبه بالرجال في لباسها (مكارم الاخلاق 1: 256، الرقم: 768، عنه الوسائل 5: 25)، مرسلة.

[ 339 ]

وصدقه، بل المناط في صدقه وقوع وجه الشبه في الخارج مع العلم والالتفات، كاعتبار وقوع المعان عليه في صدق الاعانة، على أنه قد اطلق التشبه في الاخبار على جر الثوب والتخنث والمساحقة، مع أنه لا يصدر شئ منها بقصد التشبه. ودعوى ان التشبه من التفعل الذي لا يتحقق الا بالقصد دعوى جزافية لصدقه بدون القصد كثيرا. قوله: وفيها خصوصا الاولى بقرينة المورد ظهور في الكراهة. أقول: قد علم مما ذكرناه انه لا وجه لحمل ما ورد في التشبه في اللباس على الكراهة، بدعوى ظهوره فيها، إذ لا نعرف منشأ لهذه الدعوى الا قوله (عليه السلام) في رواية سماعة في رجل يجر ثيابه: اني لاكره أن يتشبه بالنساء، ومن الواضح جدا ان الكراهة المذكورة في الروايات أعم من الكراهة الاصطلاحية. على أن رواية الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): انه كان يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء وينهى المرأة ان تتشبه بالرجال في لباسها، كالصريحة في الحرمة، لعدم اطلاق الزجر في موارد الكراهة الاصطلاحية. قوله: ثم الخنثى يجب عليها ترك الزينتين - الخ. أقول: اختلفوا في الخنثى هل هو من صنف الرجال، أو من صنف الاناث، أو هو طبيعة ثالثة تقابل كلا من الصنفين على اقوال، قد ذكرت في محلها، وما ذكره المصنف (رحمه الله) من أنه يجب عليها ترك الزينتين المختصتين بكل من الرجل والمرأة، مبني على كونه داخلا تحت احد العنوانين: الذكر والاثنى، والا فأصالة البراءة بالنسبة الى التكاليف المختصة بهما محكمة. قوله: ويشكل بناء على كون مدرك الحكم حرمة التشبه، بان الظاهر عن التشبه

[ 340 ]

صورة علم المتشبه. أقول: لا اشكال في اعتبار العلم بصدور الفعل في تحقق عنوان التشبه الا أنه لا يختص بالعلم التفصيلي بل يكفي في ذلك العلم الاجمالي ايضا فهو موجود في الخنثى. المسألة (3) التشبيب بالمرأة الاجنبية قوله: المسألة الثالثة: التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة، وهي كما في جامع المقاصد ذكر محاسنها واظهار حبها بالشعر، حرام. أقول: لا شبهة في حرمة ذكر الاجنبيات والتشبيب بها كحرمة ذكر الغلمان والتشبيب بهم بالشعر وغيره، إذا كان التشبيب لتمنى الحرام وترجى الوصول الى المعاصي والفواحش كالزنا واللواط ونحوهما، فان ذلك هتك لاحكام الشارع وجرأة على معصيته. ومن هنا حرم طلب الحرام من الله بالدعاء، ولا يفرق في ذلك بين كون المذكورة مؤمنة أو كافرة، وعلى كل حال فحرمة ذلك ليس من جهة التشبيب. وأما التشبيب بالمعنى الذي ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد (1) مع القيود التي اعتبرها المصنف ففي حرمته خلاف، فذهب جمع من الاكابر الى الحرمة (2) وذهب بعض آخر الى الجواز وذهب جمع من العامة


1 - جامع المقاصد 4: 28. 2 - كالشيخ في المبسوط 8: 228، والمحقق في الشرايع 4: 128، والعلامة في التذكرة 1: 582، والتحرير 1: 161.

[ 341 ]

الى حرمة مطلق التشبيب (1). وقد استدل القائلون بالحرمة بوجوه: 1 - ان التشبيب هتك للمشبب بها واهانة لها فيكون حراما. وفيه أولا: لو سلمنا كون التشبيب هتكا لها فان ذلك لا يختص بالشعر، كما لا يختص بالمؤمنة المعروفة المحترمة، فانه لا فرق في حرمة الهتك بين افراد الناس من المحرم وغير المحرم، والزوجة وغير الزوجة، والمخطوبة وغير المخطوبة، فان هتك جميعها حرام عقلا وشرعا، وايضا لا فرق في الشعر بين الانشاء والانشاد. وثانيا: ان النسبة بين عنواني الاهانة والتشبيب هي العموم من وجه، فان الشاعر أو غيره قد يذكر محاسن امرأة اجنبية في حال الخلوة بحيث لا يطلع عليه احد ليلزم منه الهتك، أو يكون التوصيف واظهار محاسنها وذكر جمالها مطلوبا، سواء كان ذلك بالنظم ام بغيره، كما إذا سأل سائل عن بنات احد الاعاظم والملوك ليخطب منهن واحدة، فهل يتوهم احد أن توصيفها بالجمال والكمال والادب والاخلاق حرام، وكثيرا ما يتحقق عنوان الهتك من دون تحقق التشبيب، وقد يجتمعان، وعليه فلا ملازمة بينهما دائما.


1 - في فقه المذاهب الاربعة بعد ان حكم باباحة الغناء قال: فلا يحل التغني بالالفاظ التي تشمل على وصف امرأة معينة باقية على قيد الحياة، لان ذلك يهيج الشهوة إليها، ويبعث على الافتتان بها، ومثلها في ذلك الغلام الامرد (فقه المذاهب الاربعة 2: 42). وفيه عن الغزالي لا اعلم احدا من علماء الحجاز كره السماع الا ما كان في الاوصاف، وعن الحنفية: التغني المحرم ما كان مشتملا على الفاظ لا تحل، كوصف الغلمان، والمرأة المعينة التي على قيد الحياة (فقه المذاهب الاربعة 2: 43).

[ 342 ]

وثالثا: ان كلامنا في المقام في حرمة التشبيب بعنوانه الاولى، فاثبات حرمته لعنوان آخر عرضي كعنوان الهتك أو الاهانة أو غيرهما خروج عن محل الكلام. 2 - انه ايذاء للمشبب بها وهو حرام. وفيه: انه لا دليل على حرمة فعل يترتب عليه اذى الغير قهرا، إذا كان الفعل سائغا في نفسه ولم يقصد العامل اذية الغير من فعله، والا لزم القول بحرمة كل فعل يترتب عليه اذى الغير وان كان الفعل في نفسه مباحا أو مستحبا أو واجبا، كتأذي بعض الناس من اشتغال بعض آخر بالتجارة والتعليم والتعلم والعبادة ونحوها، وكثيرا ما يتأذي بعض التجار باستيراد البعض الاخر مال التجارة، ويتأذي الجار بعلو جدار جاره أو من كثرة امواله، مع أن احدا لا يتفوه بحرمة ذلك. على أن النسبة بين التشبيب والايذاء ايضا عموم من وجه، إذ قد يتحقق التشبيب ولا يتحقق الايذاء، كالتشبيب بالمتبرجات، وقد يتحقق الايذاء حيث لا يتحقق التشبيب، وهو واضح وقد يجتمعان. ما استدل به على حرمة التشبيب والجواب عنه: قوله: ويمكن أن يستدل عليه بما سيجئ. أقول: بعد أن أشكل المصنف على الوجوه المتقدمة واعترف بعدم نهوضها لاثبات حرمة التشبيب، اخذ بالاستدلال عليه بوجوه أضعف من الوجوه الماضية: 1 - ان التشبيب من اللهو والباطل فيكون حراما، لما سيأتي من دلالة جملة من الايات والروايات على حرمتهما. وفيه: ان هذه الدعوى ممنوعة صغرى وكبرى.

[ 343 ]

أما الوجه في منع الصغرى، فلانه لا دليل على كون التشبيب من اللهو والباطل، إذ قد يشتمل الكلام الذي يشبب به على المطالب الراقية والمدائح العالية المطلوبة للعقلاء، خصوصا إذا كان شعرا كما هو مورد البحث. وأما الوجه في منع الكبرى، فلعدم العمل بها مطلقا، لان اللهو والباطل لو كان على اطلاقهما من المحرمات لزم القول بحرمة كل ما في العالم، فان كل ما اشغل عن ذكر الله وذكر الرسول، وذكر القيامة، وذكر النار والجنة، والحور والقصور لهو وباطل، وقد نطق بذلك القرآن الكريم ايضا في آيات عديدة (1)، وسيأتي من المصنف الاعتراف بعدم حرمة اللهو الا على نحو الموجبة الجزئية. 2 - انه ورد النهى في الكتاب العزيز عن الفحشاء والمنكر (2)، ومنهما التشبيب فيكون حراما. وفيه: انا نمنع كون التشبيب من الفحشاء والمنكر، على أن هذا الوجه مع الوجه السابق وسائر الوجوه الاتية لو دلت على الحرمة لدلت عليها مطلقا، سواء أ كان بالشعر ام بغيره، وسواء أكان التشبيب بانثى ام بذكر، وسواء أكانت الانثى مؤمنة ام غير مؤمنة، فلا وجه لتخصيص الحرمة بالشعر.


1 - كقوله تعالى في سورة الانعام: 32: وما الحيوة الدنيا الا لعب ولهو، وقوله تعالى في سورة العنكبوت: 64: وما هذه الحيوة الدنيا الا لهو ولعب، وقوله تعالى في سورة محمد (صلى الله عليه وآله): 38: انما الحيوة الدنيا لعب ولهو، وقوله تعالى في سورة الحديد: 19: اعلموا انما الحيوة الدنيا لعب ولهو). 2 - في سورة النحل: 92، قوله تعالى: وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وغيرها من الايات.

[ 344 ]

ويضاف الى ذلك ان النسبة بين التشبيب وبين تلك العناوين المحرمة هي العموم من وجه، فلا تدل حرمتها على حرمة التشبيب دائما، مع أن الكلام في التشبيب بعنوانه الاولى، فحرمته بعنوان اللهو أو الفحشاء أو غيرهما من العناوين المحرمة خارج عن حدود البحث ومحل النزاع. 3 - انه مناف للعفاف الذي اعتبر في العدالة بمقتضى بعض الروايات (1)، وحيث ان العفاف واجب فيحرم الاخلال به. وفيه: انا نمنع اعتبار أي عفاف في العدالة، وانما المعتبر فيها العفاف عن المحرمات، وكون التشبيب منها اول الكلام. 4 - الاخبار الدالة على حرمة ما يثير الشهوة الى غير الحليلة حتى بالاسباب البعيدة، وهي كثيرة قد ذكرت في مواضع شتى: منها: ما دل (2) على النهي عن النظر الى الاجنبية لانه سهم مسموم من


1 - عن ابن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم، فقال: ان تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد و اللسان - الخبر (الوسائل، الباب 41 ما يعتبر في الشاهد من العدالة من الشهادات)، صحيح. 2 - عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: النظر سهم من سهام ابليس مسموم، وكم من نظرة اورثت حسرة طويلة (الكافي 5: 559، عقاب الاعمال: 314، المحاسن: 109، عنهم الوسائل 20: 191)، ضعيفة لعقبة. وعن ابن أبي نجران عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ويزيد بن حماد وغيره عن أبي جميلة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: ما من أحد الا وهو يصيب حظا من الزنا، فزنا العين النظر - الخبر (الكافي 5: 559، عنه الوسائل 20: 191)، السند الاول مرسل، والثاني ضعيف لابي جميلة. عن الفقيه عن عقبة بن خالد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): النظر سهم من سهام ابليس مسموم، من تركها لله لا لغيره أعقبه الله ايمانا يجد طعمه (الفقيه 4: 11، عنه الوسائل 20: 192)، ضعيفة لعقبة. وعن الكاهلي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة (الفقيه 4: 11، عنه الوسائل 20: 193). عن بعض اصحابنا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اياكم والنظر، فانه سهم من سهام ابليس (الوافي، الباب 135 العفة من النكاح)، مرسلة. عن مصباح الشريعة قال الصادق (عليه السلام): اياكم والنظر الى المحذورات، فانه بذر الشهوات (مصباح الشريعة: 241، عنه المستدرك 14: 249)، مرسلة. وعن القطب الراوندي عن النبي (صلى الله عليه وآله): النظر الى محاسن النساء سهم من سهام ابليس (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 14: 270)، مرسلة. الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على حرمة النظر الى الاجنبية، وعلى هذا المنهج احاديث العامة، راجع سنن البيهقي 7: 89.

[ 345 ]

سهام ابليس، والنكتة في اطلاق لفظ السهم على النظر هي تأثيره في قلب الناظر وايمانه كتأثير السهم الخارجي في الغرض، ومن هنا اطلق عليه زنا العين كما في رواية أبي جميلة، ووجه دلالة هذه الاخبار على حرمة التشبيب هو ان النظر الى الاجنبيات إذا كان سهما مسموما مؤثرا في هدم الايمان وقلعه عن قلوب الناظرين فالتشبيب أولى بالتحريم، فان تأثير الكلام اشد من تأثير النظر. وفيه: انك قد عرفت عدم الملازمة بين التشبيب وبين سائر العناوين المحرمة وكذلك في المقام، إذ قد يكون التشبيب مهيجا للقوة الشهوية فلا يكون حراما كالتشبيب بالزوجة، وقد يكون التشبيب غير مهيج للشهوة كما إذا شبب باحدى محارمه، وقد يجتمعان، فلا ملازمة بينهما. ومنها: الاخبار الدالة على المنع عن الخلوة بالاجنبية، وهي كثيرة، منها قوله (عليه السلام) في رواية مسمع في قضية اخذ الرسول (صلى الله عليه وآله) البيعة على

[ 346 ]

النساء: ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء (1)، وهكذا في رواية مكارم الاخلاق (2). ومنها ما في رواية موسى بن ابراهيم، من قوله (عليه السلام): من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم (3). ومنها قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الطيار: فان الرجل والمرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان (4).


1 - عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فيما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من البيعة على النساء، ان لا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء (الكافي 5: 519، عنه الوسائل 20: 185)، ضعيفة لسهل ومحمد بن الحسن بن شمون. قال في الوافي: الاحباء الجمع بين الظهر والساقين بعمامة ونحوها. 2 - وعن الحسن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن الصادق (عليه السلام) قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على النساء ان لا ينحن ولا يخمشن، ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء (مكارم الاخلاق 1: 497، الرقم: 1726، عنه المستدرك 20: 185)، مرسلة. خمش الوجه: خدشه ولطمه وضربه وقطع عضوا منه. وعن علي (عليه السلام) انه قال: اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة على النساء ان لا ينحن، ولا يخمشن، ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء (دعائم الاسلام 2: 226، عنه المستدرك 14: 265)، مرسلة. 3 - عن موسى بن ابراهيم، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، عن آبائه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم (الامالي للطوسي 2: 300، عنه الوسائل 20: 185)، ضعيفة لموسى بن ابراهيم. 4 - عن محمد بن الطيار حيث استأجر دارا وفيها باب الى بيت امرأة اجنبية، فسأل ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: تحول منه، فان الرجل والمرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان (الفقيه 3: 159، عنه الوسائل 19: 154)، مرسلة.

[ 347 ]

الى غير ذلك من الروايات التي دلت على حرمة الخلوة مع الاجنبية (1)، ففي بعضها: لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان (2). وفي بعضها: ان الشيطان لا يغيب عن الانسان في موضع خلو الرجل مع امرأة اجنبية (3).


1 - عن الجعفريات عن علي (عليه السلام) قال: ثلاثة من حفظهن كان معصوما من الشيطان الرجيم ومن كل بلية: من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئا - الخ (الجعفريات: 96، عنه المستدرك 14: 264)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. وعن الصدوق في الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما دعا نوح ربه على قومه أتاه ابليس فقال: يا نوح ان لك عندي يدا اريد ان اكافيك عليها - الى ان قال: - اذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا وليس معكما احد (الخصال 1: 132، عنه المستدرك 14: 265)، ضعيفة لعمرو بن شمر. وعنه مرسلا، قال ابليس لموسى: لا تخلون بامرأة غير محرم (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 14: 265). وعن المفيد في اماليه باسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال ابليس لموسى بن عمران: اوصيك بثلاث خصال يا موسى: لا تخل بامرأة، ولا تخل بك، فانه لا يخلو رجل بامرأة، ولا تخلو به الا كنت صاحبه من دون اصحابي (الامالي للمفيد: 156، عنه المستدرك 14: 266)، مجهولة لسعدان بن مسلم. وعن الشيخ أبي الفتوح في تفسيره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: لا يخلون رجل بامرأة، فان ثالثهما الشيطان (تفسير أبي الفتوح الرازي 1: 520، عنه المستدرك 14: 266)، مرسلة. عن الشيخ المفيد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أربعة مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء، والاستماع منهن، والاخذ برأيهن (الامالي للمفيد: 315، عنه المستدرك 12: 311)، مجهولة لجهالة اكثر رواتها. 2 - وعن دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) انه قال: لا يخلو بامرأة رجل، فما من رجل خلا بامرأة الا كان الشيطان ثالثها (دعائم الاسلام 2: 214، عنه المستدرك 14: 265)، مرسلة. 3 - وعن القطب الراوندي: روي ان ابليس قال: لا اغيب عن العبد في ثلاث مواضع: إذا هم بصدقة، وإذا خلا بامرأة، وعند الموت (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 14: 265)، مرسلة.

[ 348 ]

وعلى هذا النهج احاديث العامة (1). فيستفاد من جميعها حرمة خلو الرجل مع امرأة اجنبية، لان الشيطان لا يغيب عنه في هذه الحالة فيهيج قوته الشهوية ليلقيه الى المهلكة والمضلة، وبما ان التشبيب بالمرأة الاجنبية يهيج الشهوة ازيد مما تهيجه الخلوة بها فيكون أولى بالتحريم. وفيه: انه لا دلالة في شئ من تلك الاخبار على حرمة الخلوة مع الاجنبية فضلا عن دلالتها على حرمة التشبيب. أما روايتا مسمع ومكارم الاخلاق فالمستفاد منهما حرمة قعود الرجل مع المرأة في بيت الخلاء، فقد كان من المتعارف في زمان الجاهلية انهم يهيئون مكانا لقضاء الحاجة ويسمونه بيت الخلاء ويقعد فيه الرجال والنساء والصبيان يستتر بعضهم عن بعض كبعض اهل البادية في الزمن الحاضر، ولما بعث نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك واخذ البيعة على النساء ان لا يقعدن مع الرجال في الخلاء، على أن الخلوة مع الاجنبية إذا كانت محرمة فلا تختص بحالة القعود بل هي محرمة مطلقا وان كانت بغير قعود. ويؤيد ما ذكرناه، من المعنى ان النهي في الروايتين قد تعلق بقعود الرجال مع النساء في الخلاء مطلقا وان كن من المحارم، ومن الواضح انه لا مانع من خلوة الرجل مع محارمه وان لم يكن للروايتين ظهور فيما ادعيناه فلا ظهور لهما في حرمة الخلوة ايضا، ولا اقل من الشك فتسقطان عن الحجية. على أن من جملة ما اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة به على النساء أن


1 - راجع سنن البيهقي 7: 90.

[ 349 ]

لا يزنين، ولعل اخذ البيعة عليهن ان لا يقعدن مع الرجال في الخلاء من جهة عدم تحقق الزنا، فان حالة الخلوة مظنة الوقوع على الزنا. وعليه فلا موضوعية لعنوان الخلوة بوجه، والغرض المهم هو النهى عن الزنا، وانما تعلق بالخلوة لكونها من المقدمات القريبة له. ويدل على ما ذكرناه ايضا ما ورد في جملة من الروايات من تعليل النهي عن الخلوة، بان الثالث هو الشيطان، فان الظاهر منها هو انه لو خلا الرجل مع المرأة الاجنبية، فان الشيطان يكاد أو يوقعهما في البغي والزنا. ومن هنا ظهر انه لا يجوز الاستدلال ايضا بهذه الروايات المشتملة على التعليل المذكور، وقد ذكرنا جميع هذه الروايات في الحاشية. وأما رواية موسى بن ابراهيم فهي خارجة عما نحن فيه، فانها دلت على حرمة نوم الرجل في موضع يسمع نفس الامرأة الاجنبية، ولا ملازمة بين سماع النفس والخلوة دائما بل بينهما عموم من وجه، كما ان النهي عن نوم الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد كما في بعض الاحاديث (1) لا يدل على حرمة عنوان الخلوة. ويمكن أن يكون نهى الرجل عن النوم في مكان يسمع نفس الامرأة الاجنبية من جهة كون سماع نفس المرأة من المقدمات القريبة للزنا، كما ان النهى عن النوم تحت لحاف واحد كذلك، فان سماع النفس في الاشخاص العادية لا يكون الا مع نومهم في محل واحد، ومن القريب جدا ان هذا يوجب الزنا كثيرا. بل يمكن أن يقال: انه لو ورد نص صريح في النهي عن الخلوة مع


1 - الكافي 7: 181، الفقيه 4: 15، عنهما الوسائل 20: 324.

[ 350 ]

الاجنبية فلا موضوعية لها ايضا، وانما نهى عنها لكونها من المقدمات القريبة للزنا، فان اهمية حفظ الاعراض في نظر الشارع المقدس تقتضي النهي عن الزنا وعن كل ما يؤدي إليه عرفا. وأما الروايات المشتملة على أن ابليس لا يغيب عن الانسان في مواضع منها موضع خلوة الرجل مع امرأة اجنبية، فان المستفاد منها ان الشيطان يقظان في تلك المواضع يجر الناس الى الحرام، فلا دلالة فيها على المدعى. وعلى الجملة فلا دليل على حرمة الخلوة بما هي خلوة، وانما النهى عنها للمقدمية فقط. ويضاف الى جميع ما ذكرناه ان الروايات الواردة في النهي عن الخلوة بالاجنبية كلها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، ولو سلمنا وجود الدليل على ذلك فانه لا ملازمة بين حرمة الخلوة وحرمة التشبيب ولو بالفحوى، إذ لا طريق لنا الى العلم بأن ملاك الحرمة في الخلوة هو اثارة القوة الشهوية حتى يقاس عليها كل ما يوجب تهيجها. ومن هنا علم انه لا وجه لقياس التشبيب على شئ يوجب تهيج القوة الشهوية. قوله: وكراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان. أقول: استدل المصنف على حرمة التشبيب بفحوى امور مكروهة: منها (1) ما ورد في كراهة الجلوس في مجلس المرأة حتى يبرد المكان.


1 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا جلست المرأة مجلسا فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد (الكافي 5: 564، الفقيه 3: 361، عنهما الوسائل 20: 248)، موثقة للسكوني.

[ 351 ]

ومنها (1) ما ورد في رجحان تستر المرأة عن نساء اهل الذمة. ومنها (2) ما ورد في التستر عن الصبي المميز، الى غير ذلك من الموارد التي نهى الشارع عنها تنزيها، لكونها موجبة لتهيج الشهوة، فتدل بالفحوى على حرمة التشبيب لكونه أقوى في اثارة الشهوة. ولكنا لا نعرف وجها صحيحا لهذا الاستدلال، إذ لا معنى لاثبات الحرمة لموضوع لثبوت الكراهة لموضوع آخر، حتى بناء على العمل بالقياس، على أنا لا نعلم ان مناط الكراهة في تلك الامور هو تهيج الشهوة حتى يلتزم بالحرمة فيما إذا كان التهيج اشد وأقوى، وقد تقدم نظير ذلك من المصنف في البحث عن حرمة القاء الغير في الحرام الواقعي، حيث استدل على الحرمة بكراهة اطعام النجس للبهيمة. على أن رجحان التستر عن نساء اهل الذمة انما هو لئلا يطلعن رجالهن على محاسن نساء المسلمين، ورجحان التستر عن الصبي المميز انما هو لكونه مميزا في نفسه، كما يظهر من الرواية الدالة على ذلك. قوله: والنهي في الكتاب العزيز. أقول: قد ورد النهى في الكتاب الشريف عن خضوع النساء بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض (3)، وعن أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما


1 - عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ينبغي للمرأة ان تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية، فانهن يصفن ذلك لازواجهن (الكافي 5: 519، الفقيه 3: 366، عنهما الوسائل 20: 184)، صحيحة. 2 - عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل امير المؤمنين (عليه السلام) عن الصبي يحجم المرأة، قال: إذا كان يحسن يصف فلا (الكافي 5: 534، عنه الوسائل 20: 233)، موثقة للسكوني. 3 - الاحزاب: 32.

[ 352 ]

يخفين من زينتهن (1)، الا أنه لا دلالة في شئ من ذلك على حرمة التشبيب، كما لادلالة عليها في حرمة التعريض بالخطبة لذات البعل ولذات العدة الرجعية. والتعريض هو الاتيان بلفظ يحتمل الرغبة في النكاح مع كونه ظاهرا في النكاح، كأن يقول: رب راغب فيك وحريص عليك، أو اني راغب فيك، أو انت على كريمة أو عزيزة، أو ان الله لسائق اليك خيرا أو رزقا، أو نحو ذلك. قوله: سواء علم السامع اجمالا بقصد معينة ام لا، ففيه اشكال. أقول: إذا ثبتت حرمة التشبيب وحرمة سماعه فلا يحرم سماعه إذا كان المشبب بها امرأة غير معينة، لعدم علم السامع بها حتى يترتب عليه ما تقدم من الامور. قوله: وفيه اشكال، من جهة اختلاف الوجوه المتقدمة للتحريم. أقول: قد عرفت عدم دلالة شئ من الوجوه المتقدمة على حرمة التشبيب، ولو سلم ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبيب بامرأة مبهمه أو خيالية، الا إذا كان مرجعه الى تمني الحرام، وقد عرفت انه خارج عما نحن فيه. قوله: أما التشبيب بالغلام، فهو محرم على كل حال. أقول: التشبيب بالغلام ان كان داخلا في عنوان تمني الحرام، فلا ريب في حرمته، لكونه جرأة على حرمات المولى كما تقدم، والا فلا وجه لحرمته فضلا عن كونه حراما على كل حال، بل ربما يكون التشبيب به مطلوبا، ولذا يجوز مدح الابطال والشجعان ومدح الشبان بتشبيههم


1 - النور: 31.

[ 353 ]

بالقمر والنجوم، ولا شبهة في صدق التشبيب عليه لغة (1) وعرفا. قوله: لانه فحش محض. أقول: لا شبهة في حرمة الفحش والسب كما سيأتي، الا أنه لا يرتبط ذلك بالتشبيب بعنوانه الاولى الذي هو محل الكلام في المقام. المسألة (4) حرمة التصوير قوله: المسألة الرابعة: تصوير صور ذوات الارواح حرام إذا كانت الصورة مجسمة بلا خلاف. أقول: لا خلاف بين الشيعة والسنة (2) في حرمة التصوير في الجملة،


1 - في اقرب الموارد: تشبيب الشاعر بفلانة قال فيها النسيب ووصف محاسنها. 2 - في فقه المذاهب عن المالكية: انما يحرم التصوير بشروط اربعة: أحدها ان تكون الصورة لحيوان، ثانيها: ان تكون مجسدة، وقيدها بعضهم بكونها من مادة تبقي، والا فلا تحرم، وفي غير المجسدة خلاف، فذهب بعضهم الى الاباحة مطلقا، وبعضهم يرى اباحتها إذا كانت على الثياب والبسط، ثالثها ان تكون كاملة الاعضاء، رابعها أن يكون لها ظل. وعن الشافعية: يجوز تصوير غير الحيوان، وأما الحيوان فانه لا يحل تصويره، وبعد التصوير ان كانت الصورة مجسدة فلا يحل التفرج عليها الا إذا كانت ناقصة، وغير المجسدة لا يحل التفرج عليها إذا كان مرفوعا على الجدار، ويجوز التفرج على خيال الظل السينما، ويستثنى من المذكورات لعب البنات. وعن الحنابلة يجوز تصوير غير الحيوان، وأما تصوير الحيوان فانه لا يحل الا إذا كان موضوعا على ثوب يفرش. وعن الحنفية تصوير غير الحيوان جائز، أما تصوير الحيوان فانه لا يحل الا إذا كان على بساط مفروش أو كانت الصورة ناقصة (فقه المذاهب الاربعة 2: 40).

[ 354 ]

ففي المستند (1) ادعى الاجماع على حرمة عمل الصور لذوات الارواح إذا كانت الصورة مجسمة، وذكر الخلاف في غير هذا القسم. وفي المختلف (2): مسألة: قال ابن البراج (3): يحرم التماثيل المجسمة وغير المجسمة، وقال ابن ادريس (4): وسائر التماثيل والصور ذوات الارواح مجسمة كانت أو غيرها، وأبو الصلاح (5) قال: يحرم التماثيل واطلق. وعن المحقق الثاني (6) انه قسم التصوير الى اربعة اقسام، وقال: أحدها محرم اجماعا، وهو عمل الصور المجسمة لذوات الارواح، وباقي الاقسام مختلف فيها. فالمتحصل من كلمات الاصحاب ان الاقوال في حرمة التصوير اربعة: 1 - ان التصوير حرام إذا كانت الصورة مجسمة لذي روح، وهذا مما لا خلاف في حرمته بين الاصحاب بل ادعي عليه الاجماع. 2 - ان تصوير ذوات الارواح حرام، سواء كانت الصورة مجسمة ام غير مجسمة، وقد اختاره المصنف وفاقا لما ذهب إليه الحلي والقاضي وغيرهما من الاصحاب. 3 - حرمة التصاوير مطلقا إذا كانت مجسمة. 4 - القول بحرمتها على وجه الاطلاق، سواء كانت مجسمة ام غيرها،


1 - المستند 1: 337. 2 - المختلف 2: 163. 3 - المهذب 1: 344. 4 - السرائر 2: 215. 5 - الكافي: 281. 6 - جامع المقاصد 4: 16.

[ 355 ]

وسواء كانت لذوات الارواح ام غيرها. والقولان الاخيران وان كانا ايضا مورد الخلاف بين الفقهاء، كما اشار إليه النراقي والمحقق الثاني، الا أنا لم نجد قائلا بهما عدا ما يستفاد من ظاهر بعض العبائر، وكيف كان فالمهم في المقام هو التكلم في مدرك الاقوال، فنقول: الظاهر من بعض المطلقات المنقولة من طرق الشيعة (1)، ومن طرق


1 - وعن الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه جعل من أكل السحت تصوير التماثيل (كتاب جعفر بن شريح الحضرمي: 76، عنه المستدرك 13: 210)، ضعيفة لعبدالله بن طلحة، ولان كتاب الحضرمي لم يثبت اعتباره. وعن القطب الراوندي: من صور التماثيل فقد ضاد الله (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 13: 210)، مرسلة. عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل وقال: يا محمد ان ربك يقرؤك السلام وينهى عن تزويق البيوت، قال أبو بصير: فقلت: وما تزويق البيوت، فقال: تصاوير التماثيل (الكافي 6: 526، المحاسن: 614، عنهما الوسائل 5: 303)، ضعيفة لقاسم بن محمد الجوهري وعلي بن أبي حمزة. التزويق: التزيين والتحسين. عن الاصبغ بن نباتة قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام (التهذيب 1: 459، المحاسن: 612، عنه الوسائل 5: 306)، ضعيفة لابي جارود، الى غير ذلك من المطلقات. قال في التهذيب، وحاصله: انه اختلف اصحابنا في رواية هذا الخبر وتأويله على وجوه، فقال محمد بن الحسن الصفار: من جدد - بالجيم لا غير - فمعناه انه لا يجوز تجديد القبر بعد الاندراس وان جاز تعميره اولا، وقال سعد بن عبد الله: من حدد قبرا - بالحاء غير المعجمة - يعني به من سنم قبرا، وقال احمد البرقي: انما هو من جدث قبرا - بالجيم والثاء - ولم يفسر ما معناه، الا أنه يمكن أن يراد منه جعل القبر - الذي دفن فيه الميت - قبرا لانسان آخر، لان الجدث هو القبر. وقال محمد بن علي بن الحسين: ان معنى التجديد هو ما اختاره سعد بن عبد الله في معنى التحديد، الا أن جميع المعاني المذكورة داخل في معنى الحديث (الفقيه 1: 120). وقال شيخنا محمد بن محمد بن النعمان (رحمه الله) يقول: ان الخبر - بالخاء والدالين - وذلك مأخوذ من الخد بمعنى الشق، يقال: خدت الارض خدا اي شققتها (التهذيب 1: 459). وفي الوافي عن الفقيه: والذي اقوله في قوله (عليه السلام): من مثل مثالا، انه يعني من ابدع بدعة ودعا إليها، أو وضع دينا فقد خرج عن الاسلام (الوافي، الباب 95 وظائف القبر).

[ 356 ]

العامة (1) حرمة التصاوير مطلقا ولو كانت لغير ذوات الارواح، ولم تكن مجسمة، كقول على (عليه السلام): اياكم وعمل الصور، فانكم تسألون عنها يوم القيامة (2)، وكالنبوي المذكور في سنن البيهقي: ان اشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون (3). ولكن لا بد من تقييد هذه المطلقات بما دل على جواز التصوير لغير ذوات الارواح (4).


1 - راجع سنن البيهقي 7: 268. 2 - عن محمد بن مسلم عن علي (عليه السلام) قال: اياكم وعمل الصور - الخ (الخصال: 635، عنه المستدرك 13: 210)، ضعيفة لقاسم بن يحيى. 3 - وعن الشهيد في المنية عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: أشد الناس عذابا يوم القيامة مصور يصور التماثيل (منية المريد: 137، عنه المستدرك 13: 210)، مرسلة. 4 - عن أبي العباس البقباق عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه (الكافي 6: 527، المحاسن: 618، عنهما الوسائل 5: 304)، موثقة لابان بن عثمان. وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر، فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (المحاسن: 619، عنه الوسائل 5: 308)، صحيحة. أقول: يحتمل قريبا أن يكون السؤال في هذه الرواية عن اقتناء الصور وابقائها، وسيأتي التعرض لذلك. وفي احاديث العامة ايضا ما يدل على جواز التصوير لغير ذوات الارواح، راجع سنن البيهقي 7: 270.

[ 357 ]

وعليه فتحمل المطلقات على تصوير ذوات الارواح، ويحكم بجواز التصوير لغيرها، سواء كانت الصورة مجسمة ام غير مجسمة، وهو الموافق للاصل والاطلاقات والعمومات، من الايات والروايات الواردة في طلب الرزق وجواز الاكتساب بأي كيفية كان الا ما خرج بالدليل. ويضاف الى ما ذكرناه ان المطلقات المذكورة بأجمعها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، على أن مقتضى السيرة القطعية المستمرة الى زمان المعصوم (عليه السلام) جواز التصوير لغير ذوات الارواح، ولم نر ولم نسمع من أنكر جواز تصوير الاشجار والفواكه والجبال والبحار والشطوط والحدائق، بل السيرة المذكورة ثابتة في تعلم بعض الاشياء خصوصا في بعض العلوم الرياضية، حيث يعملون الصور لتسهيل التفهيم. ويؤيد ما ذكرناه ما ورد في بعض الاحاديث، من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث عليا (عليه السلام) في هدم القبور وكسر الصور (1)، وايضا قال له: لا تدع صورة الا محوتها (2). فانه ليس من المعهود ان عليا (عليه السلام) كسر الصور التي لغير ذوات الارواح، وان رسول الله (صلى الله عليه وآله) امره ايضا على ذلك.


1 - عن عبد الله بن ميمون الاسود القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هدم القبور وكسر الصور (الكافي 6: 528، المحاسن: 614، عنهما الوسائل 5: 306)، ضعيفة لسهل. 2 - وعن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى المدينة فقال: لا تدع صورة الا محوتها، ولا قبرا الا سويته، ولا كلبا الا قتلته (الكافي 6: 528، المحاسن: 613، عنهما الوسائل 5: 306)، موثقة للسكوني.

[ 358 ]

ويضاف الى ما ذكرناه ان الصورة في اللغة (1) وان كانت مساوقة للشكل وشاملة لصور ذوات الارواح وغيرها، الا أن المراد بها في المقام صور ذوات الارواح فقط، لما ورد في جملة من الروايات التي سنذكرها ان: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ (2). ومن الواضح ان الامر بالنفخ ولو كان تعجيزا انما يمكن إذا كان المورد قابلا لذلك، ولا شبهة ان نفس الاشجار والاحجار والبحار والشطوط ونحوها غير قابلة للنفخ، فضلا عن صورها، فان عدم القدرة على النفخ


1 - في اقرب الموارد: شكل الشي صوره، وفيه ايضا: صوره تصويرا جعل له صورة وشكلا، وهكذا في المنجد وغيره. 2 - عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من مثل تمثالا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح (الكافي 6: 527، المحاسن: 615، عنهما الوسائل 5: 304)، مرسلة. وعن الحسين بن المنذر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاثة معذبون يوم القيامة - الى ان قال: - ورجل صور تماثيل يكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ (الكافي 6: 528، المحاسن: 616، عنهما الوسائل 5: 305)، ضعيفة للحسين. عن سعد عن أبي جعفر (عليه السلام): ان الذين يؤذون الله ورسوله هم المصورون، ويكلفون يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح (المحاسن: 616، عنه الوسائل 5: 307)، ضعيفة لسعد وأبي جميلة المفضل بن صالح الاسدي. في حديث المناهي قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن التصاوير، وقال: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ - الى ان قال: - ونهى أن ينقش شئ من الحيوان على الخاتم (الفقيه 4: 3، عنه الوسائل 17: 297)، ضعيفة لشعيب بن واقد. وعن الخصال عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بفاعل (الخصال: 109، عنه الوسائل 17: 297)، مجهولة لعكرمة وغيره. وفي رواية اخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها (الخصال: 108، عنه الوسائل 17: 297)، مجهولة لمحمد بن مروان الكلبي. وعلى هذا النهج احاديث العامة، راجع سنن البيهقي 7: 269.

[ 359 ]

فيها ليس من جهة عجز الفاعل فقط بل لعدم قابلية المورد. وأما القول الثاني، أعني حرمة تصوير الصور لذي الروح، سواء كانت الصورة مجسمة ام غير مجسمة، فتدل عليه الاخبار المستفيضة من الفريقين التي تقدمت الاشارة إليها، فانه قد ذكر فيها: ان من صور صورة يعذب يوم القيامة ويكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ، وفي بعضها: احيوا ما خلقتم (1)، ولكنها مع كثرتها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، فلا تكون صالحة للاستناد إليها في الحكم الشرعي. ويضاف الى ما ذكرناه ما تقدم في الحاشية من الروايات الدالة على حرمة خصوص التصوير لذوات الارواح، كصحيحة البقباق عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل (2)، فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه، فان ذكر الرجال والنساء فيها من باب المثال. ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام): ولكنها الشجر وشبهه، وغيرها من الروايات المعتبرة. ما استدل به على اختصاص الحرمة بالصور المجسمة: وقد يقال: ان التحريم مختص بالصور المجسمة، لوجوه قد اشار الى جملة منها في متاجر الجواهر: 1 - ان الاخبار المشتملة على نفخ الروح ظاهرة في ذلك، فان الظاهر منها ان الصورة التي صنعها المصور جامعة لجميع ما يحتاج إليه الحيوان


1 - عن النبي (صلى الله عليه وآله): ان اهل هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال: احيوا ما خلقتم (عوالي اللئالي 1: 148، عنه المستدرك 13: 211، وفي سنن البيهقي 7: 268). 2 - سبأ: 12.

[ 360 ]

سوى الروح، وهذا انما يكون في الصورة إذا كانت مجسمة وواجدة للجثة والهيكل، ومشتملة على الابعاد الثلاثة، إذ يستحيل الامر بنفخ الروح في النقوش الخالية عن الجسم، فان الامر بالنفخ لا يكون الا في محل قابل له والصور المنقوشة على الالواح والاوراق ونحوهما غير قابلة لذلك، لاستحالة انقلاب العرض الى الجواهر. ودعوى ارادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ ثم النفخ فيه، خلاف الظاهر من الروايات. وأجاب عنه المصنف بوجهين: الف: ان النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة محله بل بدونها، كما في امر الامام (عليه السلام) الاسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة (1). وفيه: ان هذا خلاف ظواهر الاخبار، فان الظاهر منها ان التكليف انما هو باحياء نفس الصور دون محلها، وأما امر الامام (عليه السلام) الاسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر، فسياتي الجواب عنه. ب: ان النفخ انما هو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة اجزاء


1 - عن علي بن يقطين قال: استدعى الرشيد رجلا يبطل به امر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، ويقطعه ويخجله في المجلس، فانتدب له رجل معزم، فلما احضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز، فكان كلما رام خادم أبي الحسن (عليه السلام) تناول رغيفا من الخبز طار من بين يديه، واستقر هارون الفرح والضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن (عليه السلام) أن رفع رأسه الى أسد مصور على بعض الستور، فقال: يا اسد الله خذ عدو الله، فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع، فافترست ذلك المعزم، فخر هارون وندماؤه على وجوههم مغشيا عليهم، وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوه - الخبر (عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 1: 95، الامالي للصدوق: 148، المناقب لابن شهر آشوب 3: 417، عنهم البحار 48: 42).

[ 361 ]

لطيفة من الصبغ، والحاصل ان مثل هذا لا يعد قرينة عرفا على تخصيص الصورة بالمجسمة. وهذا الجواب متين، وبيان ذلك: انه إذا كان المقصود من النفخ هو النفخ في النقوش الخالية عن الجسم التي هي ليست الا اعراضا صرفة، فانه لا مناص عن الاشكال المذكور، وهو واضح، وإذا كان المقصود من النفخ فيها بملاحظة لون النقش واجزاء الصبغ اللطيفة فهو متين، إذ النفخ حينئذ انما هو في الاجزاء الصغار، ولا ريب في قابليتها للنفخ لتكون حيوانا، ولا يلزم منه انقلاب العرض الى الجوهر، بل هو من قبيل تبدل جوهر بجوهر آخر. وعليه فلا يتوجه الاشكال المذكور على شمول الروايات المتقدمة - أعني الاخبار المشتملة على نفخ الروح - لصور ذي الروح مطلقا وان كانت غير مجسمة، ولكن قد عرفت انها ضعيفة السند. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه، ففيما دل على حرمة تصوير الصور لذوات الارواح مطلقا غنى وكفاية كما عرفت. ويضاف الى ذلك كله ما تقدم من المطلقات التي دلت على حرمة التصوير، فان الخارج عنها ليس الا تصوير الصور لغير ذي الروح، فيبقى الباقي تحتها، ولكن قد عرفت ان تلك المطلقات ضعيفة السند. ومن هنا يعلم انه لا استحالة في صيرورة الصورة الاسدية المنقوشة على البساط اسدا حقيقيا وحيوانا مفترسا بامر الامام (عليه السلام)، غاية الامر انه من الامور الخارقة للعادة لكونه اعجازا منه (عليه السلام)، وقد حققنا في مبحث الاعجاز من مقدمة التفسير ان الاعجاز لا بد وأن يكون خارجا عن النواميس الطبيعية وخارقا للعادة. وتوضيح ذلك ان الخلق والايجاد على قسمين:

[ 362 ]

الاول: أن يكون بحسب المقدمات الاعدادية والنواميس الطبيعية، فانه تعالى وان كان قادر على خلق العوالم بمجرد الارادة التكوينية الا أن حكمته قد جرت على أن يخلقها بالسير الطبيعي وطى المراتب المختلفة، بلبس الصور وخلعها حتى تصل الى المقصد الاقصى والغاية القصوى، مثلا إذا تعلقت المشية الالهية بخلق الانسان بحسب المقدمات الاعدادية والسير الطبيعي، جعل الله مواده الاصلية في كمون الاغذية فيأكلها البشر فتحللها القوى المكنونة فيه الى ان تصل الى حد المنوية ثم يستقر المني في الرحم، فيكون دما ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم انسانا، وهذا هو الخلق بالنواميس الطبيعية، وكذلك الحال في سائر المخلوقات. الثاني: أن يكون الخلق غير جار على النواميس الطبيعية، بل امرا دفعيا وخارقا للعادة، وتكون المقدمات الطبيعية كلها مطوية فيه، كجعل الحبوب اشجارا وزروعا، والاحجار لؤلؤا ويواقيتا دفعة واحدة، ويسمى ذلك بالاعجاز، وهذا من المواهب الالهية التي خص الله بها انبياءه ورسله والائمة الطاهرين (عليهم السلام)، وصيرورة الصورة الاسدية حيوانا مفترسا بامر الامام (عليه السلام) من القبيل الثاني. 2 - ما ذكره في متاجر الجواهر (1)، وهو ان في بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الصلاة، من أنه لا بأس إذا غير رؤوسها (2)، وفي آخر


1 - جواهر الكلام 22: 42. 2 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها، وترك ما سوى ذلك (الكافي 6: 527، المحاسن: 619، عنهما الوسائل 5: 308)، حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 363 ]

قطعت (1)، وفي ثالث كسرت (2)، نوع اشعار بالتجسم. وفيه أولا: انه لا اشعار في شئ من هذه الروايات بكون الصور المنهي عنها مجسمة الا في رواية قرب الاسناد: تكسر رؤوس التماثيل وتلطخ رؤوس التصاوير، وهي ضعيفة السند، والوجه في عدم اشعار غيرها بذلك هو ان قطع الرأس أو تغييره كما يصدق في الصور المجسمة فكذلك يصدق في غيرها. وثانيا: ان الكلام في المقام في عمل الصورة، وهو لا يرتبط بالصلاة في بيت فيه تماثيل، بل الصلاة فيه كالصلاة في الموارد المكروهة. 3 - ما في الجواهر ايضا (3)، من أنه يظهر من مقابلة النقش للصورة في خبر المناهي ذلك ايضا، اي كون الصور المحرمة مجسمة. وفيه أولا: ان خبر المناهي ضعيف السند ومجهول الراوي، كما عرفت مرارا. وثانيا: ما ذكره السيد في حاشيته (4)، وهو ان ما اشتمل على كلمة النقش خبر آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله) نقله الامام (عليه السلام)، فلا مقابلة في كلام النبي والامام، والامام أراد أن ينقل اللفظ الصادر عنه (صلى الله عليه وآله).


1 - عن علي بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألت عن الدار والحجرة فيها التماثيل أيصلي فيها؟ فقال: لا تصل وفيها شئ يستقبلك، الا أن لا تجد بدا، فتقطع رؤوسها والا فلاتصل فيها (الكافي 6: 527، المحاسن: 620، عنهما الوسائل 5: 171)، صحيحة. 2 - عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير وتماثيل يصلي فيه؟ فقال: تكسر رؤوس التماثيل وتلطخ رؤوس التصاوير، ويصلي فيه ولا بأس (قرب الاسناد: 94، عنه الوسائل 5: 172)، مجهولة لعبدالله بن الحسن. 3 - جواهر الكلام 22: 42. 4 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 20.

[ 364 ]

فروع مهمة: 1 - تصوير الملك والجن: هل يلحق الجن والملك بالحيوان فيحرم تصويرهما أو لا، ففيه قولان، وقد يقال بالثاني كما في الجواهر وحكاه عن بعض الاساطين في شرحه على القواعد. والوجه فيه: ان المطلقات المتقدمة وان اقتضت حرمة التصوير مطلقا الا أنك قد عرفت انها مقيدة بالروايات المعتبرة كصحيحة محمد بن مسلم: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان، وغيرها، وقد عرفت ذلك آنفا، وعليه فنفى البأس عن تصوير غير الحيوان يقتضي اندراج الملك والجن تحت الحكم بالجواز، فان من الواضح انهما ليسا من جنس الحيوان. وفيه: ان المراد من الحيوان هنا ما هو المعروف في مصطلح اهل المعقول، من كونه جسما حساسا متحركا بالارادة، ومن البديهي ان هذا المفهوم يصدق على كل مادة ذات روح، سواء كانت من عالم العناصر ام من عالم آخر هو فوقه، وعليه فلا قصور في شمول صحيحة محمد بن مسلم للملك والجن والشيطان، فيحكم بحرمة تصويرهم. ودعوى ان الملك من عالم المجردات فليس له مادة، كما اشتهر في السنة الفلاسفة دعوى جزافية، فانه مع الخدشة في ادلة القول بعالم المجردات ما سوى الله، كما حقق في محله، انه مخالف لظاهر الشرع، ومن هنا حكم المجلسي (رحمه الله) في اعتقاداته بكفر من أنكر جسمية الملك، وتفصيل الكلام في محله. وان أبيت الا ارادة المفهوم العرفي من الحيوان، فاللازم هو القول

[ 365 ]

بانصرافه عن الانسان ايضا كانصرافه عن الملك والجن، ولذا قلنا ان العمومات الدالة على حرمة الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه منصرفة عن الانسان قطعا، مع أنه لم يقل احد هنا بالانصراف، فتحصل انه لا يجوز تصوير الملك والجن. وفي حاشية السيد (رحمه الله) ما ملخصه: ان كلا من صحيحة ابن مسلم وما في خبر تحف العقول: وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني، مشتمل على عقدين: عقد ترخيصي وعقد تحريمي، فلا يكونان من الاعم والاخص المطلقين، لوجود التعارض بين منطوق الصحيحة وبين مفهوم الخبر بالعموم من وجه في الملك والجن، فان مقتضى الصحيحة هو جواز تصويرهما ومقتضى مفهوم رواية تحف العقول هو حرمة تصويرهما، وحيث ان الترجيح بحسب الدلالة غير موجود، والمرجح السندي مع الصحيحة، فلا بد من ترجيح ما هو أقوى من حيث السند (1). وفيه أولا: ان خبر تحف العقول ضعيف السند ومضطرب الدلالة، فلا يجوز العمل به في نفسه فضلا عما إذا كان معارضا لخبر صحيح، وقد تقدم ذلك. وثانيا: انا سلمنا جواز العمل به ولكنا قد حققنا في باب التعادل والترجيح من الاصول ان اقوائية السند لا تكون مرجحة في التعارض بالعموم من وجه، بل لا بد من الرجوع الى المرجحات الاخر، وحيث لا ترجيح لكل منهما على الاخر فيحكم بالتساقط ويرجع الى المطلقات الدالة على حرمة التصوير مطلقا، وعليه فيحرم تصوير الملك والجن


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 19.

[ 366 ]

لهذه المطلقات، الا أنك قد عرفت آنفا ان المطلقات بأجمعها ضعيفة السند فلا تكون مرجعا في المقام، فلا بد وأن يرجع الى البراءة، وسيأتي ان صحيحة محمد بن مسلم غريبة عن حرمة التصوير. أللهم الا أن يقال: ان المتعارف من تصوير الملك والجن ما يكون بشكل احد الحيوانات فيحرم من هذه الجهة، ولكن يرد عليه ان من يصور صورة الملك والجن انما يقصد صورتهما لا صورة الحيوان، ولا بما هو اعم منهما ومن الحيوان، الا أن يكونا معدودين من افراد الحيوان كما عرفت. نعم ما يمكن استفادة الحرمة من صحيحة البقباق المتقدمة بدعوى ان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه، هو المقابلة بين ذي الروح وغيره، من حيث جواز التصوير وعدمه، وذكر الامور المذكورة فيها انما هو من باب المثال، والله العالم. 2 - ان حرمة التصوير غير مقيده بكون الصورة معجبة: ما ذكره المصنف وحاصله: انا إذا عممنا الحكم لغير الحيوان مطلقا أو مع التجسيم، فالظاهر ان المراد به ما كان مخلوقا لله سبحانه على هيئة خاصة معجبة للناظر، والا فلا وجه للحرمة، وعلى هذا فلا يحرم تصوير الصور لما هو من صنع البشر وان كان على هيئة معجبة، كالسيوف والابنية والقصور والسيارات والطيارات والدبابات وغيرها، وكذلك لا يحرم تصوير الصور لما هو مخلوق لله، ولكن لا بهيئة معجبة كالخشب والقصب والشطوط والبحار والادوية والعرصات ونحوها.

[ 367 ]

ومن هنا ظهر الاشكال فيما حكاه المصنف عن كاشف اللثام (1) في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل على التماثيل، من أنه لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيرها كرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الاعلام بالاخشاب والقصبات ونحوها، ولا ثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها، بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها الاخشاب ونحوها. وفيه أولا: ان ما دل على حرمة التصوير لم يقيد بكون الصورة أو ذي الصورة معجبة، فلا وجه لجعل الاعجاب شرطا في حرمة التصوير. وثانيا: ما ذكره المحقق الايرواني (2)، من أن الاعجاب الحاصل عند مشاهدة الصورة انما هو من نفس الصورة لكشفها عن كمال مهارة النقاش، ولو كانت صورة نمل أو دود، ولذا لا يحصل ذلك الاعجاب من مشاهدة ذي الصورة. وأما ما حكاه عن كاشف اللثام، فيرد عليه أولا: ان مورد البحث هنا انما هو الشبه الخاص، بحيث يقال في العرف: ان هذا صورة ذاك، ومن البديهي ان مجرد كون الاعلام والطرائق والخيوط في الثياب على هيئة الاخشاب والقصب لا يحقق الشبه المذكور، والا فلا محيص عن الاشكال حتى بناء على اختصاص الحكم بذوات الارواح لشبه اعلام الثياب وطرائقها المخيط بالحيات والديدان ونحوهما. وثانيا: انه يعتبر في حرمة التصوير قصد الحكاية، كما سيأتي في الفرع الاتي، فصانع الثوب لم يقصد شباهته بشئ من ذوات الارواح وغيرها، بل غرضه نسج الثوب فقط.


1 - كشف اللثام 1: 194. 2 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 21.

[ 368 ]

وعليه فلا بأس بشباهته بشئ من الحيوانات وغيرها شباهة اتفاقية، نعم إذا قلنا بتعميم الحكم لغير الحيوان مطلقا أو في الجملة فلا مناص من الالتزام بانصراف الادلة عما هو مصنوع للعباد، بديهة ان ايجاد نفس ذي الصورة جائز فايجاد صورته أولى بالجواز. 3 - اعتبار قصد الحكاية في حرمة التصوير: ما ذكره المصنف بقوله: هذا كله مع قصد الحكاية والتمثيل، فلو دعت الحاجة الى عمل شئ يكون شبيها بشئ من خلق الله ولو كان حيوانا من غير قصد الحكاية، فلا بأس قطعا. وتوضيح كلامه، انه لا شبهة في اعتبار قصد حكاية ذي الصورة في حرمة التصوير، لان المذكور في الروايات النهي عن التصوير والتمثيل، ولا يصدق ذلك إذا حصل التشابه بالمصادفة والاتفاق من غير قصد للحكاية، وهذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحة استعمال الالفاظ في معانيها، وبدون ذلك ليس هناك استعمال. وعليه فإذا احتاج احد الى عمل شئ من المكائن أو آلاتها أو غيرهما من الاشياء اللازمة على صورة حيوان، فلا يكون ذلك حراما لعدم صدق التصوير عليه بوجه. والمثال الواضح لذلك الطائرات المصنوعة في زماننا، فانها شبيهة بالطيور ومع ذلك لم يفعل صانعها فعلا محرما، ولا يتوهم احد حتى الصبيان ان صانع الطائرة يصور صورة الطير بل انما غرضه صنع شئ آخر للمصلحة العامة، وكونه على هيئة الطير انما هو اتفاقي. ومن هنا لا وجه لما توهمه كاشف اللثام على ما عرفت، من أنه لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيره كرهت الثياب ذوات الاعلام

[ 369 ]

لشبه الاعلام بالاخشاب، فان النساج لم يقصد الحكاية في فعله. وتوهم بعضهم ان مراد المصنف من كلامه في هذا الفرع هو أن يكون الداعي الى التصوير هو الاكتساب دون التمثيل، بأن يكون غرض المصور نظر الناس الى الصور والتماثيل واعطاء شئ بازاء ذلك. وفيه: انه من العجائب لكونه غريبا عن كلام المصنف، على أنه من أوضح أفراد التصوير المحرم، فكيف يحمل كلام المصنف عليه. 4 - اعتبار الصدق العرفي في حرمة التصوير: ما ذكره المصنف ايضا، وهو ان المرجع في الصورة الى العرف فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الاعضاء. وتوضيح ذلك انه يعتبر في تحقق الصورة في الخارج الصدق العرفي، فان الادلة المتقدمة التي دلت على حرمة التصوير انما تقتضي حرمة الصورة العرفية التامة الاعضاء والجوارح، بحيث يصدق عليها انها مثال بالحمل الشايع. وعليه فإذا صور احد نصف حيوان من رأسه الى وسطه أو بعض اجزائه، فان قدر الباقي موجودا فهو حرام، كما إذا صور انسانا جالسا لا يتبين نصف بدنه، أو كان بعض اجزائه ظاهرا وبعضه مقدرا، بأن صور انسانا وراء جدار أو فرس، أو يسبح في الماء ورأسه ظاهر، وان قصد النصف فقط فلا يكون حراما، فان الحيوان لا يصدق على بعض اجزائه كرجله ويده ورأسه، نعم إذا صدق الحيوان على هذا النصف كان تصويره حراما. وعلى هذا فإذا صور صورة حيوان متفرق الاجزاء فلا يكون ذلك حراما، فإذا ركبها كان حراما، لصدق التصوير على التركيب، وإذا كان

[ 370 ]

الغرض تصوير بعض الاجزاء فقط ثم بدى له الاكمال حرم الاتمام فقط، فانه مع قطع النظر عن الاتمام ليس تصويرا لذي روح. ومما ذكرناه ظهر بطلان قول المحقق الايرواني (1): ان من المحتمل قريبا حرمة كل جزء جزء أو حرمة ما يعم الجزء والكل، فنقش كل جزء حرام مستقل إذا لم ينضم إليه نقش بقية الاجزاء، والا كان الكل مصداقا واحدا للحرام - الى ان قال: - ويحتمل أن يكون كل فاعلا للحرام، كما إذا اجتمع جمع على قتل واحد، فان الهيئة تحصل بفعل الجميع، فلولا نقش السابق للاجزاء السابقة لم تتحصل الهيئة بفعل اللاحق. على أن المقام لا يقاس باجتماع جمع على قتل واحد، فان الاعانة على القتل حرام بالروايات المستفيضة بل المتواترة، بخلاف ما نحن فيه، فان التصوير المحرم انما يتحقق بفعل اللاحق وتحصل الهيئة المحرمة بذلك. غاية الامر ان نقش السابق للاجزاء السابقة يكون اعانة على الاثم، وهي ليست بحرام كما عرفت فيما سبق. 5 - جواز اخذ العكس المتعارف: الظاهر من الادلة المتقدمة الناهية عن التصوير والتمثيل هو النهي عن ايجاد الصورة، كما ان النهي عن سائر الافعال المحرمة نهى عن ايجادها في الخارج، وعليه فلا يفرق في حرمة التصوير بين أن يكون باليد أو بالطبع أو بالصياغة أو بالنسج، سواء أكان ذلك امرا دفعيا كما إذا كان بالالة الطابعة ام تدريجيا.


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 21.

[ 371 ]

وعلى هذا المنهج فلا يحرم اخذ العكس المتعارف في زماننا لعدم كونه ايجادا للصورة المحرمة، وانما هو اخذ للظل وابقاء له بواسطة الدواء، فان الانسان إذا وقف في مقابل المكينة العكاسة كان حائلا بينها وبين النور فيقع ظله على المكينة ويثبت فيها لاجل الدواء، فيكون صورة لذي ظل، واين هذا من التصوير المحرم. وهذا من قبيل وضع شئ من الادوية على الجدران أو الاجسام الصيقلية لتثبت فيها الاظلال والصور المرتسمة، فهل يتوهم احد حرمته من جهة حرمة التصوير، والا لزمه القول بحرمة النظر الى المرأة، إذ لا يفرق في حرمة التصوير بين بقاء الصورة مدة قليلة أو مدة مديدة، وقد اشتهر انطباع صور الاشياء في شجرة الجوز في بعض الاحيان، ولا نحتمل أن يتفوه احد بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت، بدعوى كونه تصويرا محرم. وعلى الاجمال لا نتصور حرمة اخذ العكس المتعارف، لا من جهة الوقوف في مقابل المكينة العكاسة، ولا من جهة (عليه السلام) ابقاء الظل فيها كما هو واضح. 6 - تصوير الحيوانات: قد عرفت آنفا ان المناط في حرمة التصوير قصد الحكاية والصدق العرفي، وعليه فيحرم تصوير الصورة للحيوانات مطلقا، سواء ما كان منها فردا لنوع من الحيوانات الموجودة وما لم يكن كذلك، كالعنقاء ونحوه من الحيوانات الخيالية، وذلك لاطلاق الادلة.

[ 372 ]

7 - تصوير صورة مشتركة بين الحيوان وغيره: إذا صور صورة مشتركة بين الحيوان وغيره لم يكن ذلك حراما الا إذا قصد الحكاية عن الحيوان، ثم إذا اشترك اشخاص عديدة في صنعة صورة محرمة، فان قصد كل واحد منهم التصوير المحرم فهو حرام، والا فلا يحرم غير تركيب الاجزاء المتشتتة. 8 - عدم الفرق في حرمة التصوير بين المباشرة والتسبيب: قد عرفت في البحث عن حرمة تغرير الجاهل ان القاء الغير في الحرام الواقعي حرام، وعليه فلا فرق في حرمة التصوير بين المباشرة والتسبيب، بل قد عرفت في المبحث المذكور ان نفس الادلة الاولية تقتضي عدم الفرق بين المباشرة والتسبيب في ايجاد المحرمات، وعلى هذا فلا نحتاج في استفادة التعميم الى القرينة وملاحظة المناط كما في حاشية السيد (رحمه الله) (1). ما استدل به على حرمة اقتناء الصور المحرمة والجواب عنه: قوله: بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور. أقول: هل يجوز اقتناء الصورة المحرمة أو لا، ففيه قولان، فالمحكي عن شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي (2) وعن جامع المقاصد للمحقق الثاني (3) هو الجواز.


1 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 24. 2 - حكاه في مفتاح الكرامة 4: 49 عن مجمع الفائدة 2: 93، شرح الارشاد: 206. 3 - الجامع المقاصد 4: 16.

[ 373 ]

الا أن المعروف بين القدماء حرمة بيع التماثيل وابتياعها والتكسب بها، بل حرمة اقتنائها. وقد استدل على حرمة اقتنائها بوجوه: 1 - ان الوجود والايجاد في الحقيقة شئ واحد، وانما يختلفان بالاعتبار، فان الصادر من الفاعل بالنسبة إليه ايجاد وبالنسبة الى القابل وجود فإذا حرم الايجاد حرم الوجود. وفيه: ان حرمة الايجاد وان كان ملازما لحرمة الوجود الا أن الكلام هنا ليس في الوجود الاولى الذي هو عين الايجاد أو لازمه بل في الوجود في الان الثاني الذي هو عبارة عن البقاء، ومن البديهي انه لا ملازمة بين الحدوث والبقاء لا حكما ولا موضوعا. وعليه فما يدل على حرمة الايجاد لا يدل على حرمة الوجود بقاء، سواء كان صدوره من الفاعل عصيانا ام نسيانا ام غفلة، الا إذا قامت قرينة على ذلك، كدلالة حرمة تنجيس المسجد على وجوب ازالة النجاسة عنه. بل ربما يجب ابقاء النتيجة وان كان الفعل حراما، كما إذا كتب القرآن على ورق مغصوب أو بحبر مغصوب، أو كتبه العبد بدون اذن مولاه، أو بنى مسجدا بدون اذنه، أو تولد احد من الزنا، فان في ذلك كله يجب حفظ النتيجة، وان كانت المقدمة محرمة. وعلى الجملة ما هو متحد مع الايجاد ليس موردا للبحث، وما هو مورد للبحث لا دليل على اتحاده مع الايجاد. لا يقال: ان النهي عن الايجاد كاشف عن مبغوضية الوجود المستمر في عمود الزمان، كما ان النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر حدوثا يكشف عن حرمة ملكيته له بقاء.

[ 374 ]

فانه يقال: ان النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر ان تم فهو يدل على وجوب ازالة علاقة الكافر عنه، كما سيأتي بيان ذلك في محله، ولا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء بخلاف ما نحن فيه، إذ قد عرفت ان مجرد وجود الدليل على حرمة الايجاد لا يدل على حرمة الابقاء، الا إذا كان محفوفا بالقرائن المذكورة. على أنا إذا سلمنا الملازمة بين مبغوضية الايجاد وبين مبغوضية الوجود فانما يتم بالنسبة الى الفاعل فقط، فيجب عليه اتلافه دون غيره، مع أن المدعى وجوب اتلافه على كل احد، فالدليل اخص منه. 2 - ان صنعة التصاوير لذوات الارواح من المحرمات الشرعية، وقد دل عليه قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني، وكل صنعة يجئ منها الفساد محضا من دون أن يكون فيها وجه من وجوه الصلاح فهي محرمة. وقد دل على ذلك ما في رواية تحف العقول من الحصر: انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجئ منها الفساد محضا، ولايكون منه وفيه شئ من وجوه الصلاح، وكل ما يجئ منه الفساد محضا يحرم جميع التقلب فيه، ومنه الاقتناء والبيع، وقد دل عليه قوله (عليه السلام) فيها: وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها، وقوله (عليه السلام) فيها ايضا: فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه - الى ان قال: - فهو حرام، محرم بيعه وشراؤه وامساكه وملكه وهبته وعاريته، وجميع التقلب فيه. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند فلا يجوز الاستناد إليها في شئ من المسائل الشرعية، كما عرفته في اول الكتاب. وثانيا: قد عرفت انه لا ملازمة بين حرمة عمل شئ وبين حرمة بيعه

[ 375 ]

واقتنائه، والتصرف فيه والتكسب به، ومن هنا نقول بحرمة الزنا، ولا نقول بحرمة تربية اولاد الزنا، بل يجب حفظهم لكونهم محقوني الدماء. وثالثا: لا نسلم ان عمل التصاوير مما يجئ منه الفساد محضا، فانه كثيرا ما نترتب عليه المنافع المحللة، من التعليم والتعلم وحفظ صور بعض الاعاظم ونحو ذلك من المنافع المباحة. 3 - قوله (صلى الله عليه وآله) في الخبر المتقدم: لا تدع صورة الا محوتها. وفيه أولا: انه ضعيفة السند. ثانيا: ما ذكره المحقق الايرواني (1)، من أنه وارد في موضوع شخصي، فلعل تصاوير المدينة كانت اصناما، وكلابها مؤذيات، وقبورها مسنمات. 4 - ما دل (2) على عدم صلاحية اللعب بالتماثيل. وفيه أولا: انه ضعيف السند. وثانيا: ان عدم الصلاحية اعم من الحرمة فلا يدل عليها. وثالثا: لو سلمنا دلالته على حرمة اللعب بها فلا ملازمة بين حرمته وحرمة اقتنائها، فان حرمة اللعب اعم من حرمة الاقتناء. ورابعا: انه غريب عما نحن فيه، إذ من المحتمل القريب أن يراد من التماثيل في هذه الطائفة من الرواية الشطرنج.


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 22. 2 - عن مثنى رفعه، قال: التماثيل لا يصلح أن يلعب بها (المحاسن: 618، عنه الوسائل 5: 307)، مرسلة، ومرفوعة، ومجهولة للمثنى. علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها، قال: لا (قرب الاسناد: 122، عنه الوسائل 17: 298)، مجهولة لعبد الله بن الحسن.

[ 376 ]

والوجه في صحة اطلاق التماثيل عليه هو ان القطع التي يلعب بها في الشطرنج على ستة اصناف، وكل صنف على صورة: كالشاة والفرزان (1) والفيل والفرس والرخ (2) والبيذق (3)، وقد صور هذه القطع في كتاب المنجد، فراجع. ويؤيد ما ذكرناه من ارادة الشطرنج من التماثيل، انا لا نتصور معنى لحرمة اللعب بالتصاوير المتعارفة، كما هو واضح، وعليه فما دل على حرمة اللعب بها انما هو من أدلة حرمة اللعب بالشطرنج، ولا اقل من الاحتمال، فلا يبقى له ظهور في ارادة الصور المتعارفة. 5 - صحيحة البقباق المتقدمة عند الاستدلال على حرمة التصوير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل (4)، فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها الشجر وشبهه (5)، بدعوى ان ظاهر الرواية ان الامام (عليه السلام) انكر ان شاء سليمان (عليه السلام) هذا الصنف من التماثيل، فتكون دالة على مبغوضية وجود التماثيل وحرمة اقتنائها. وفيه: ان الظاهر من الرواية رجوع الانكار الى كون التصاوير المعمولة


1 - الفرزان - بضم الفاء وسكون الراء المهملة - الملكة في لعب الشطرنج، ج فرازين - بفتح الفاء - والكلمة من الدخيل. 2 - الرخ - بضم الراء المهملة والخاء المعجمة - طائر وهمي كبير، الواحدة رخة، قطعة من قطع الشطرنج، ج رخاخ ورخخة بكسر الراء. 3 - البيذق - بفتح الباء وسكون الياء - الماشي راجلا، ومنه بيذق الشطرنج، ج بياذق. 4 - سبأ: 12. 5 - عن أبي العباس البقباق عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه (الكافي 6: 527، المحاسن: 618، عنهما الوسائل 5: 304)، موثقة لابان بن عثمان.

[ 377 ]

لسليمان (عليه السلام) تصاوير الرجال والنساء، فلا تدل الرواية على مبغوضية العمل فضلا عن مبغوضية المعمول. والوجه فيه هو ان عمل تصاوير الرجال والنساء من الامور اللاهية غير اللائقة بمنصب الاعاظم والمراجع من العلماء والروحانيين فضلا عن مقام النبوة، فان النبي (عليه السلام) لا بد وأن يكون راغبا عن الدنيا وزخرفها، واما عمل الصور وجمعها فمن لعب الصبيان وشغل المجانين والسفهاء فلا يليق بمنصب النبوة، بخلاف تصاوير الشجر وشبهه فانها غير منافية لذلك. وقد يقال: ان الصانعين للتماثيل هم الجن، وانما يتم الاستدلال بالرواية على حرمة اقتناء الصور إذا قلنا بحرمة التصوير على الجن كحرمته على الانس، وهو اول الكلام. وفيه: ان الكلام ليس في عمل الصور بل في اقتنائها، ومن الواضح انه يعود الى سليمان. 6 - حسنة زرارة المتقدمة في الحاشية: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك (1)، فانها بمفهومها دالة على ثبوت البأس إذا لم يغير الرأس. وفيه ما ذكره المصنف، من حمل البأس فيها على الكراهة للصلاة، وعليه فتدل الرواية على جواز اقتناء الصور مع قطع النظر عن الصلاة، ويؤيده ما في رواية قرب الاسناد من أنه: ليس فيما لا يعلم شئ فإذا


1 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها، وترك ما سوى ذلك (الكافي 6: 527، المحاسن: 619، عنهما الوسائل 5: 308)، حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 378 ]

علم فلينزع الستر وليكسر رؤوس التماثيل (1)، فان الظاهر ان الامر بكسر رؤوس التصاوير لاجل كون البيت معدا للصلاة. ومع الاغضاء عما ذكرناه وتسليم ان البأس ظاهر في المنع، فالرواية معارضة بما دل على جواز الاقتناء كما سيأتي، ويضاف الى جميع ذلك انها ضعيفة السند ومجهولة الراوي. 7 - ما دل على كراهة على (عليه السلام) وجود الصور في البيوت (2)، فانه بضميمة ما دل على أن عليا (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال (3) يدل على حرمة اقتناء الصور في البيوت. وفيه: ان المراد من الحلال الذي كان على (عليه السلام) لا يكرهه المباح المتساوي طرفاه، لا ما يقابل الحرمة لان عليا (عليه السلام) كان يكره المكروه ايضا، ومن هنا يظهر ان الكراهة المذكورة في الرواية الاولى اعم من الحرمة والكراهة المصطلحة، واذن فلا دلالة فيها ايضا على حرمة اقتناء الصور. 8 - رواية الحلبي (4)، فقد امر الامام (عليه السلام) فيها بتغيير رأس الصورة


1 - قرب الاسناد: 87، عنه الوسائل 4: 441، مجهولة لعبد الله بن الحسن. 2 - عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام): ان عليا كان يكره الصورة في البيوت (المحاسن: 617، عنه الوسائل 5: 307)، مجهولة لحاتم. 3 - في صحيحة أبي بصير: ولم يكن علي (عليه السلام) يكره الحلال (الكافي 5: 188، التهذيب 7: 96، عنهما الوسائل 18: 151). 4 - عن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وقد اهديت الى طنفسة من الشام عليها تماثيل طائر، فأمرت به فغير رأسه، فجعل كهيئة الشجر (مكارم الاخلاق 1: 286، الرقم: 887، عنه الوسائل 5: 309)، مرسلة. الطنفسة - بالمثلثة في الطاء والفاء - البساط والحصير والثوب، ج طنافس، والكلمة من الدخيل.

[ 379 ]

وجعلها كهيئة الشجر، فتدل على حرمة ابقاء الصورة من غير تغيير فيها. وفيه: ان امر الامام (عليه السلام) بتغيير الصورة في الطنفسة التي اهديت إليه ليس الا كفعله بنفسه، ومن الواضح ان فعل الامام (عليه السلام) لا يدل على الوجوب، ولا يقاس ذلك بسائر الاوامر الصادرة منه (عليه السلام) الدالة على الوجوب، وقد تقدم نظير ذلك في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة من امره (عليه السلام) بكسر الدرهم المغشوش والقائه في البالوعة، على أن الرواية مرسلة، فلا يجوز الاستناد إليها. 9 - صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: عن تماثيل الشجر والشمس والقمر، فقال (عليه السلام): لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان، فانها ظاهرة في حرمة اقتناء الصور المحرمة، فان التماثيل جمع تمثال - بالفتح - ويجمع على تمثالات، وعليه فالسؤال عن التماثيل انما هو سؤال عن الصور الموجودة في الخارج، فلا بد وأن يحمل على الامور المناسبة لها من البيع والشراء والاقتناء والتزين ونحوها، لا على نفس عمل الصور، كما ان السؤال عن بقية الاشياء الخارجية، من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمنكوحات ونحوها سؤال عن الافعال المناسبة لها والطارئة عليها بعد كونها موجودة في الخارج. واذن فالصحيحة دالة على حرمة اقتناء الصور المحرمة وبيعها وشرائها والتزين بها كما هو واضح. قال المحقق الايرواني: والجواب أما عن الصحيحة فبعد تسليم السؤال فيها عن حكم الاقتناء وكون اقتنائها من منافعها، ان غاية ما يستفاد منها ثبوت البأس وهو اعم من التحريم (1).


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 22.

[ 380 ]

وفيه: ان كلمة البأس ظاهرة في المنع ما لم يثبت الترخيص من القرائن الحالية أو المقالية، كما ان مقابلها، أعني كلمة لا بأس ظاهر في الجواز المطلق. فالانصاف انها ظاهرة في التحريم الا أنها معارضة بما دل على جواز اقتناء الصور (1)، فلا بد من حملها على الكراهة كغيرها من الاخبار


1 - عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ربما قمت فاصلي وبين يدي الوسادة، وفيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا (التهذيب 2: 226، عنه الوسائل 5: 170)، صحيحة. وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس ان تصلي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك (التهذيب 2: 363، عنه الوسائل 4: 439)، صحيحة. وعنه قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل، فقال: لا بأس بذلك (التهذيب 2: 363، عنه الوسائل 4: 439)، صحيحة. وعن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلي الرجل وهي معه؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت مواراة (التهذيب 2: 364، عنه الوسائل 4: 439)، صحيحة. وأخرجها في الكافي ولكن لم يذكر كلمة بذلك (الكافي 3: 402، عنه الوسائل 4: 439). وتدل على ذلك رواية ليث المرادي ولكنها ضعيفة السند لمحمد بن سنان (التهذيب 2: 363، عنه الوسائل 4: 439). عن ابن أبي عمير عن بعض اصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): سألته عن التمثال تكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلي، قال: ان كان بعين واحدة فلا بأس، وان كان له عينان فلا (الكافي 2: 392، التهذيب 2: 363، عنهما الوسائل 4: 438)، مرسلة. أقول: قد اشتهر بين الاصحاب قديما وحديثا ان مرسلات ابن أبي عمير من الامارات المعتبرة التي يجب العمل بها كسائر الامارات المعتبرة، ولكن يرد عليه اولا: انا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان ان في مسندات ابن أبي عمير رجال ضعفاء، كما يتضح ذلك جليا لمن يلاحظ اصول الحديث وكتب الرجال فنستكشف من ذلك ان مرسلاته ايضا على هذا النهج، ودعوى انه لم يرسل الا عن الثقة دعوى جزافية، إذ لم يثبت لنا ذلك من العقل والنقل. وثانيا: لو سلمنا انه لم يرسل الا عن الثقة، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن، ولعلنا نعتبر شيئا في روات الحديث لم يعتبره ابن أبي عمير في هؤلاء، ولا يقاس ذلك بتوثيق النجاشي وامثاله وهو واضح. عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال له رجل: رحمك الله ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم، فقال: هذا للنساء أو بيوت النساء (المحاسن: 621، عنه الوسائل 5: 309)، صحيحة. وفي رواية جعفر بن بشير: كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وسائد وانماط فيها تماثيل يجلس عليها (الكافي 6: 577، عنه الوسائل 5: 309)، مرسلة. الى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المزبورة وغيرها.

[ 381 ]

المتقدمة لو سلمت دلالتها على الحرمة، بل الظاهر من بعضها ان النهي عن اقتناء الصور في البيوت انما هو من جهة كراهة الصلاة إليها (1). وعليه فلا يكره الاقتناء في غير بيوت الصلاة، وقد ذكر المصنف هنا جملة من الروايات ولكنها ضعيفة السند (2).


1 - وعن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): اصلي والتماثيل قدامي وانا انظر إليها، قال: لا اطرح عليها ثوبا لا بأس بها، إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، وان كانت في القبلة، فالق عليها ثوبا وصل (التهذيب 2: 226، الاستبصار 1: 394)، صحيحة. 2 - أما رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوسادة - الخ، فهي ضعيفة لعثمان ابن عيسى (الكافي 6: 527، ععع 5: 308). أما رواية اخرى لابي بصير، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نبسط عند الوسائد - الخ، فهي ضعيفة لعلي بن أبي حمزة البطائني (التهذيب 6: 381، عنه الوسائل 17: 296). أما رواية علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) عن الخاتم - الخ (قرب الاسناد: 94، عنه الوسائل 5: 172). أما روايته عنه عن اخيه (عليه السلام) عن البيت - الخ (المحاسن: 620، عنه الوسائل 5: 173). أما روايته عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر (عليه السلام) - الخ (قرب الاسناد: 87، عنه الوسائل 4: 441). أقول: كلها مجهولة لعبدالله بن الحسن.

[ 382 ]

ثم ان مقتضى العمومات الدالة على حلية البيع ونفوذه هو جواز بيع الصور وان كان عملها حراما، لعدم الدليل على حرمة بيعها وضعا وتكليفا، بل الظاهر من بعض الاحاديث الدالة على جواز ابقاء الصور هو جواز بيعها، فان المذكور فيها جواز اقتناء الثياب والبسط والوسائد التي فيها الصور، ومن الواضح جدا انها تبتاع من السوق غالبا، وقد ذكرنا جملة منها في الحاشية. والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان المحرم هو خصوص تصوير الصور لذوات الارواح فقط، وأما اقتناؤها وتزيين البيوت بها وبيعها وشراؤها فلا اشكال في جوازها. قوله: ويؤيد الكراهة الجمع بين اقتناء الصورة والتماثيل في البيت. أقول: قد عرفت انه لا دليل على حرمة اقتناء الصور المحرمة، وان مقتضى الجمع بين ما دل على جواز الاقتناء وبين ما دل على الحرمة هو حمل الثاني على الكراهة. ويؤيد ذلك ايضا الاخبار المستفيضة المصرحة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب أو اناء يبال فيه (1)، وفي بعض احاديث


1 - عن ابن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان جبرئيل أتاني فقال: انا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا تمثال جسد، ولا اناء يبال فيه (الكافي 3: 393، التهذيب 2: 377، المحاسن: 615، الخصال: 138، عنهم الوسائل 5: 174)، مجهولة لابن مروان. وفي رواية عمرو بن خالد: انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان (الكافي 3: 393، التهذيب 2: 377، عنهما الوسائل 5: 174)، مرسلة. رواها في الكافي بطريق آخر (الكافي 6: 528، عنه الوسائل 5: 175)، ضعيفة لمعلى بن محمد. ورواها في المحاسن بطريق معتبر (المحاسن: 615، عنه الوسائل 5: 174). عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال جبرئيل: انا لا ندخل بيتا فيه تمثال لا يوطأ - الحديث مختصر (الكافي 6: 528، عنه الوسائل 5: 309)، ضعيف لعمرو بن شمر وعبد الله بن يحيى وأبيه. وغير ذلك من الروايات الكثيرة.

[ 383 ]

العامة: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل (1)، وفي بعض احاديثنا اضافة الجنب الى الامور المذكورة (2). ووجه التأييد ان وجود الجنب والكلب والاناء الذي يبال فيه في البيوت ليس من الامور المحرمة في الشريعة المقدسة بل هو مكروه، واتحاد السياق يقتضي كون اقتناء الصور فيها ايضا مكروها. ثم انه لا فرق فيما ذكرناه من جواز اقتناء الصورة وبيعها وشرائها بين كونها مجسمة وغير مجسمة لاتحاد الادلة نفيا واثباتا كما عرفت. المسألة (5) حرمة التطفيف والبخس قوله: الخامسة: التطفيف حرام. أقول: التطفيف (3) مثل التقليل وزنا ومعنى، والمراد به هنا أن يجعل


1 - راجع سنن البيهقي 7: 268. 2 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث: ان جبرئيل (عليه السلام) قال: انا لا ندخل بيتا فيه كلب ولاجنب، ولا تمثال يوطأ (المحاسن: 615، عنه الوسائل 5: 176)، ضعيفة لعمرو بن شمر وعبد الله بن يحيى وأبيه، الظاهر ان النسخة الصحيحة: ولا تمثال لا يوطأ. 3 - في تفسير التبيان للشيخ الطوسي: المطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن (التبيان 2: 760). وفي مفردات الراغب: طفف الكيل قلل نصيب المكيل له في ايفائه واستيفائه (المفردات: 305). وعن المصباح: طففه فهو مطفف إذا كال أو وزن ولم يوف (المصباح: 374).

[ 384 ]

الانسان نفسه كيالا أو وزانا، فيقلل نصيب المكيل له في ايفائه واستيفائه على وجه الخيانة، والبخس (1) نقص الشئ عن الحد الذي يوجبه الحق على سبيل الظلم. وكيف كان فلا اشكال في حرمتها عند المسلمين قاطبة، وتدل على ذلك الادلة الاربعة: أما الكتاب، فقوله تعالى: ويل للمطففين (2)، وقوله تعالى: ولا تبخسوا الناس اشياءهم (3)، وقوله تعالى: ولا تنقصوا المكيال والميزان (4). وأما السنة، فقد ورد النهى عن البخس والتطفيف في جملة من الروايات (5).


1 - في مفردات الراغب: البخس نقص الشئ على سبيل الظلم (المفردات: 38)، وفي المنجد بخسه بخسا نقصه وظلمه (المنجد: 27). 2 - المطففين: 2. في تفسير التبيان (2: 760) وسنن البيهقي (6: 32) عن ابن عباس: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فانزل الله: ويل للمطففين، فاحسنوا الكيل بعد ذلك. 3 - راجع الاعراف: 83، وهود: 86، والشعراء: 180. 4 - هود: 85. 5 - عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت امير المؤمنين (عليه السلام) يقول على المنبر: يا معشر التجار الفقه ثم المتجر ثلاثا - الى ان قال: - التاجر فاجر والفاجر في النار، الا من اخذ الحق وأعطى الحق (الكافي 5: 150، الفقيه 3: 121، التهذيب 7: 6، عنهم الوسائل 17: 381)، ضعيفة لابي جارود وعثمان بن عيسى. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المزبورة. عن عيون الاخبار عن الرضا (عليه السلام)، فانه (عليه السلام) جعل البخس في المكيال والميزان من الكبائر (عيون الاخبار 1: 285، علل الشرايع: 391، عنهما الوسائل 15: 321). أقول: قال في خاتمة الوسائل: ومن ذلك طريقه الى الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه الى المأمون، وقد رواه في عيون الاخبار بالسند الاول والثاني جميعا، ورواه ايضا عن حمزة بن محمد العلوي. أقول: أما الطريق الاول فهو مجهول لعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري وعلي ابن قتيبة النيسابوري، وأما الثاني فهو مجهول للحاكم أبي محمد جعفر بن نعيم، وأما الثالث فهو مجهول لحمزة بن محمد العلوي. عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الاخلاق عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: إذا ظهر الزناء في امتي كثر موت الفجأة فيهم، وإذا طففت المكيال اخذهم بالسنين والنقص (كتاب الاخلاق، مخطوط، عنه المستدرك 12: 334)، مرسلة. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا ظهر الزناء من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفف الميزان والمكيال أخذهم الله بالسنين والنقص (الكافي 2: 277، الامالي للصدوق: 253، عقاب الاعمال: 300، المحاسن: 116، عنهم الوسائل 16: 273)، حسنة لابراهيم بن هاشم. وفي رواية حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل عد جملة من الاوصاف المحرمة، الى ان قال: ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان (الكافي 8: 36، عنه الوسائل 16: 275)، حسنة لابراهيم بن هاشم وحمران.

[ 385 ]

وأما الاجماع فانه وان كان قائما على حرمة التطفيف والبخس الا أنه ليس اجماعا تعبديا، بل من المحتمل القريب أن يكون مدركه الكتاب والسنة. وأما العقل فلان تنقيص حق الناس وعدم الوفاء به ظلم، وقد استقل العقل بحرمته. ومما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق الايرواني من الوهن، حيث قال:

[ 386 ]

الظاهر بل المقطوع به ان التطفيف بنفسه ليس عنوانا من العناوين المحرمة، اعني الكيل بالمكيال الناقص، وكذا البخس في الميزان، مع وفاء الحق كاملا (1). ووجه الوهن ان التطفيف قد اخذ فيه عدم الوفاء بالحق، والبخس هو نقص الشئ على سبيل الظلم، وهما بنفسهما من المحرمات الشرعية والعقلية، على أنه قد ثبت الذم في الاية الشريفة على نفس عنوان التطفيف، فان الويل كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال لمن وقع في هلاك وعقاب، وكذلك نهى في الايات المتعددة عن البخس كما عرفت آنفا، وظاهر ذلك كون التطفيف والبخس بنفسهما من المحرمات الالهية. قوله: ثم ان البخس في العدد والذرع يلحق به حكما وان خرج عن موضوعه. أقول: قد عرفت ان التطفيف والبخس مطلق التقليل والنقص على سبيل الخيانة والظلم في ايفاء الحق واستيفائه، وعليه فذكر الكيل والوزن في الاية وغيرها انما هو من جهة الغلبة، فلا وجه لاخراج النقص في العدد والذرع عن البخس والتطفيف موضوعا والحاقهما بهما حكما. صحة المعاملة المطفف فيها وفسادها: قوله: ولو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما، فان جرت المعاوضة - الخ. أقول: قد عرفت انه لا اشكال في حرمة التطفيف تكليفا، فاجارة نفسه عليه كاجارة نفسه على سائر الافعال المحرمة محرمة وضعا وتكليفا، كما عرفت مرارا.


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 22.

[ 387 ]

وأما الكلام في صحة المعاملة المطفف فيها وفسادها فنقول: ان المعاملة قد تقع على الكلي في الذمة، وقد تقع على الكلي في المعين الخارجي، وقد تقع على الشخص المعين الموجود في الخارج المشار إليه بالاشارة الحسية. أما على الصورتين الاولتين فلا اشكال في صحة المعاملة وعدم فسادها بالتطفيف الخارجي، فان المعاملة قد انعقدت صحيحة ولكن البائع أو من يباشر الاقباض والتسليم طفف في الكيل والوزن أو في الذرع والعدد، وهو لا يوجب فسادها، بل يكون الدافع مشغول الذمة بما نقص عن الحق، ولا يفرق في ذلك بين كون المعاملة ربوية أو غير ربوية كما هو واضح، وعلى الجملة ان هاتين الصورتين خارجتان عما نحن فيه. وأما على الصورة الثالثة، فربما يقال ببطلان المعاملة إذا وقعت على المتاع الخارجي بما انه مقدار بمقدار كذا، فظهر عدم انطباق العنوان الملحوظ في البيع على المشار إليه الخارجي، ووجه البطلان ان ما هو معنون بعنوان كذا غير موجود في الخارج، وما هو موجود في الخارج غير معنون بذلك العنوان، وتوهم الغاء الاشارة أو الوصف فاسد، فان اللازم هو الاخذ بكليهما لتعلق قصد المتبايعين بهما. وفيه: انه لا وجه للبطلان إذا تخلف العنوان، فانه ليس من العناوين المقومة بل هو اما أن يكون مأخوذا على نحو الشرطية أو على نحو الجزئية كما سيجئ. ولا يقاس ذلك بتخلف العناوين التي تعد من الصور النوعية عند العرف، كما إذا باع صندوقا فظهر انه طبل أو باع ذهبا فظهر انه مذهب، أو باع بغلا فظهر انه حمار، فان البطلان في أمثالها ليس من انفكاك العنوان عن الاشارة بل من جهة عدم وجود المبيع اصلا، وقد تقدم ذلك في

[ 388 ]

البحث عن بيع هياكل العبادة وعن بيع الدراهم المغشوشة. وربما يقال: ان المورد من صغريات تعارض الاشارة والعنوان، وتقديم أحدهما على الاخر يختلف بحسب اختلاف الموارد. وفيه: ان الكبرى وان كانت مذكورة في كتب الشيعة والسنة (1)، الا أنها لا تنطبق على ما نحن فيه، فان البيع من الامور القصدية فلا معنى لتردد المتبايعين فيما قصداه، نعم قد يقع التردد منهما في مقام الاثبات من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات. والذي ينبغي أن يقال: ان الصور المتصورة في المقام ثلاث: 1 - أن يكون انشاء البيع معلقا على كون المبيع متصفا بصفة خاصة، بأن يقول: بعتك هذا المتاع الخارجي على أن يكون منا، فظهر الخلاف، وهذا لا اشكال في بطلانه، لا من جهة التطفيف ولا من جهة تخلف الوصف، بل لقيام الاجماع على بطلان التعليق في الانشاء. 2 - أن ينشأ البيع منجزا على المتاع الخارجي بشرط كونه كذا مقدار ثم ظهر الخلاف، وهذا لا اشكال في صحته، فان تخلف الاوصاف غير المقومة للصورة النوعية لا يوجب بطلان المعاملة، غاية الامر انه يوجب الخيار للمشتري. 3 - أن يكون مقصود البائع من قوله: بعتك هذا المتاع الخارجي بدينارين على أن يكون كذا، مقدار بيع الموجود الخارجي فقط، وكان


1 - شرح فتح القدير في المهر: ان الاشارة والتسمية إذا اجتمعا والمشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعبرة للتسمية، لانها تعرف الماهية والاشارة تعرف الصورة، فكان اعتبار التسمية أولى، لان المعاني أحق بالاعتبار، وان كان المشار إليه من جنس المسمى الا أنهما اختلفا وصفا فالعتبرة للاشارة، لان المسمى موجود في المشار إليه ذاتا، والوصف يتبعه - الى ان قال: - والشأن في التخريج على هذا الاصل (شرح فتح القدير 2: 464).

[ 389 ]

غرضه من الاشتراط الاشارة الى تعيين مقدار العوضين ووقوع كل منهما في مقابل الاخر بحيث يقسط الثمن على اجزاء المثمن، وعليه فإذا ظهر الخلاف صح البيع في المقدار الموجود وبطل في غيره، نظير بيع ما يملك وما لا يملك، كالخنزير مع الشاة والخمر مع الخل. والظاهر هي الصورة الاخيرة، فان مقصود البايع من الاشتراط المذكور ليس الا بيان مقدار المبيع فقط من غير تعليق في الانشاء، ولا اعتبار شرط في المعاملة كما هو واضح. هذا كله إذا لم يكن البيع ربويا، وأما إذا كان ربويا فان كان من قبيل الصورة الاولى بطل البيع للتعليق مع قطع النظر عن التخلف وكون المعاملة ربوية، وان كان من قبيل الصورة الثانية بطل البيع لكونه ربويا مع قطع النظر عن تخلف الشرط، وان كان من قبيل الصورة الثالثة قسط الثمن على الاجزاء وصح البيع في المقدار الموجود وبطل في غيره. المسألة (6) التنجيم قوله: السادسة: التنجيم (1) حرام، وهو كما في جامع المقاصد (2) الاخبار عن احكام النجوم. أقول: تحقيق المرام يبتني على مقدمتين: المقدمة الاولى في بيان أمرين: الامر الاول: ان اصول الاسلام أربعة: 1 - الايمان بالله والاقرار بوجوده وكونه صانعا للعالم، وبجميع ما


1 - نجم من التفعيل رعى النجوم وراقبها ليعلم منها أحوال العالم. 2 - جامع المقاصد 4: 31.

[ 390 ]

يحدث فيه من غرائب الصنع وآثار الرحمة وعجائب الخلق، واختلاف الموجودات من الشمس والقمر والنجوم، والرياح والسحاب، والجبال والبحار، والاشجار والاثمار، واختلاف الليل والنهار، فمن انكر ذلك كان كافرا، كالدهرية القائلين بكون الامور كلها تحت سلطان الدهر بلا احتياج الى الصانع، وكفره ثابت بالضرورة من المسلمين، بل ومن جميع المليين، وقد دلت الايات الكثيرة على أن من لم يؤمن بالله وأنكره فهو كافر. 2 - الاقرار بتوحيده تعالى ويقابله الشرك، والقول بأن للعالم اكثر من صانع واحد، كما يقوله الثنوية وغيرهم، وكفر منكر التوحيد ثابت بكثير من الايات، كقوله تعالى: انما المشركون نجس (1)، والروايات. 3 - الايمان بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) والاعتراف بكونه نبيا مرسلا: وما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحى يوحى (2)، ومن أنكر ذلك كاليهود والنصارى وأشباههم كان كافرا بحكم الضرورة من المسلمين، وقد دلت عليه جملة من الايات والروايات. واما الاقرار بالانبياء السابقين فهو داخل في الاقرار بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، فانكاره يوجب الكفر من جهة تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله). 4 - الايمان بالمعاد الجسماني والاقرار بيوم القيامة والحشر والنشر وجمع العظام البالية وارجاع الارواح فيها، فمن انكر المعاد أو انكر كونه جسمانيا فهو كافر بالضرورة. ولا بد وأن يعلم ان الاقرار بهذه الامور الاربعة له موضوعية في التلبس بحلية الاسلام، وانكار أي واحد منها في حد نفسه موجب


1 - التوبة: 28. 2 - النجم: 3 - 4.

[ 391 ]

للكفر، سواء أكان مستندا الى العناد واللجاج، ام كان مستندا الى الغفلة وعدم الالتفات الناشئ عن التقصير أو القصور، وقد دلت الايات الكثيرة ايضا على كفر منكر المعاد. الامر الثاني: انه يجب على العباد الاعتراف بفرائض الله وسنن رسوله (صلى الله عليه وآله) وبما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، فمن تركها جاحدا وهو عالم بأن انكاره هذا يستلزم تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) فهو كافر، والا فلا ملازمة بين الانكار وبين الكفر، ومن هنا لا يحكم بكفر المخالفين في الظاهر مع انكارهم الولاية. وقد دلت الايات وروايات الفريقين على اعتبار الامور المذكورة في الاسلام وحقن الدماء وحفظ الاموال، ففي موثقة سماعة: الاسلام شهادة ان لا اله الا الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس (1)، وفي رواية داود بن كثير الرقي: ان الله تعالى فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات وجحدها كان كافرا (2). ومن طرق العامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم (3). المقدمة الثانية: انه لا اشكال في اختلاف الاجرام العلوية والكيفيات الخاصة الحاصلة بين الفلكيات بعضها مع بعض وتأثيرها في الاوضاع الارضية والاجسام العنصرية، كتأثير قرب الشمس من خط الاستواء


1 - الكافي 2: 25. 2 - الكافي 2: 283، عنه الوسائل 1: 30. 3 - سنن البيهقي 8: 202.

[ 392 ]

وبعدها عنه في اختلاف الفصول، وكزيادة الرطوبة في الابدان بزيادة نور القمر ونقصانها بنقصانه، وزيادة أدمغة الحيوانات وألبانها بزيادة نوره ونقصانها بنقصانه، وزيادة البقول والثمار نموا ونضجا، احمرارا واخضرارا عند زيادة نور القمر، بل ذكر المحقق البهائي في الحديقة الهلالية (1): ان المزاولين لها يسمعون صوتا من القناء والقرع والبطيخ عند تمدده وقت زيادة النور. وكزيادة المياه في البحار والشطوط والينابيع في كل يوم من النصف الاول من الشهر ونقصانها يوما فيوما في النصف الاخير منه، الى غير ذلك من الاثار الواضحة التي يجوز الاعتقاد بها والاخبار عنها، من دون أن يترتب عليه محذور شرعا. وايضا لا اشكال في جواز النظر الى اوضاع الكواكب وسيرها، وملاحظة اقتران بعضها مع بعض، والاذعان بها، والاخبار عنها كالاخبار عن سير الكواكب حركة سريعة من المشرق الى المغرب في يوم وليلة التي بها يتحقق طلوعها وغروبها ويتحقق الليل والنهار، كما حقق في الهيئة القديمة، وكالاخبار عن الخسوف والكسوف وعن ممازجات الكواكب ومقارناتها، واختفائها واحتراقها، ونحوها من الامور الواضحة المقررة في علم معرفة التقويم وعلم الهيئة. فان الاخبار عنها نظير الاخبار عن طلوع الشمس في اول اليوم وعن غروبها في آخره، مبني على التجربة والامتحان والحساب الصحيح الذي لا يتخلف غالبا. ومن الواضح جدا انه لا يرتبط شئ منها بما نحن فيه، بل هي خارجة عن علم النجوم، نعم إذا استند المخبر عن تلك الامور الى الظنون غير


1 - الحديقة الهلالية: 139.

[ 393 ]

المعتبرة عقلا وكان كلامه ظاهرا في الاخبار الجزمي كان الاخبار حراما من جهة الكذب، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف من تجويز الاخبار عن سير الكواكب مع الاستناد الى الامارات الظنية. إذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول: قد اختلفت الاقوال في جواز تعلم النجوم وتعليمها، والنظر فيها مع عدم اعتقاد تأثيرها اصلا وعدم جوازه، وتنقيح المسألة وتهذيبها يقع في امور: 1 - قال جمع من الفلاسفة: ان للافلاك نفوسا ترتسم فيها صورة المقدرات، ويقال لها: لوح المحو والاثبات، وان الافلاك متحركة على الاستدارة والدوام حرمة ارادية اختيارية للشبه بعالم العقول والوصول الى المقصد الاقصى، وانها مؤثرة فيما يحدث في عالم العناصر، من الموت والمرض والصحة والفقر والغنى، وان نظام الكل بشخصيته هو الانسان الكبير، والعقول والنفوس بمنزلة القوى العاقلة والعاملة التي هي مبادي الادراكات والتحريكات، والنفوس المنطبعة بمنزلة الروح الحيواني. وعلى الجملة التزموا بأن الموجودات الممكنة برمتها مفوضة الى النفوس الفلكية والعقول الطولية، وان الله تعالى بعد خلقه العقل الاول منعزل عن التصرف في مخلوقه. وفيه: انه على خلاف ضرورة الدين واجماع المسلمين، والاعتقاد به كفر وزندقة لكونه انكارا للصانع، فان الادلة العقلية والسمعية من الايات والروايات مطبقة على اثبات الصانع واثبات القدرة المطلقة له تعالى، وان أزمة المخلوقات كلها في قبضة قدرته، يفعل فيها ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

[ 394 ]

الا أن يكون مراد الفلاسفة ان الفياض على الاطلاق في جميع الحالات هو الباري تعالى، ولكن افاضة الوجود بواسطة النفوس الفلكية، وهي طرق لوصول الفيض وليست مؤثرة في عالم العناصر ليلزم منه انكار الصانع، ويظهر هذا من كلام جماعة منهم. على أن الظاهر من الايات والروايات ان حركة الافلاك انما هي حركة قسرية وبمباشرة الملائكة، فالاعتقاد على خلافه مخالف للشرع وتكذيب للنبي الصادق (صلى الله عليه وآله) في اخباره، فيكون كفرا، وارادة النفوس الفلكية من الملائكة من تأويلات الملاحدة، كما صرح به المجلسي (رحمه الله) في اعتقاداته (1). ثم ان الاعتقاد بالامور المذكورة انما يوجب الكفر إذا علم المعتقد بالملازمة بينها وبين انكار الصانع أو تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله)، والا فلا محذور فيه كما عرفت في المقدمة الثانية. 2 - أن يلتزم بتأثير الاوضاع الفلكية والكيفيات الكوكبية بنفسها في حوادث العوالم السفلية، كتوسعة الرزق وانوثة الولد ورجولته، وصحة المزاج وسقمه، وازدياد الاموال ونقصانها، وغيرها من الخيرات والشرور، سواء قلنا بالنفوس الفلكية ام لم نقل، وهو على وجهين: الاول: أن يكون ذلك علة تامة لحدوث الحوادث، والثاني أن يكون شريكا للعلة في الامور المذكورة. وكلا الوجهين باطل، لانه انكار للصانع أو لتوحيده جل وعلا، والظاهر انه لا خلاف في ذلك بين الشيعة والسنة (2)، بل قامت الضرورة بين


1 - راجع البحار 58: 308، 59: 299. 2 - عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ان المعلوم ضرورة من الدين ابطال حكم النجوم وتحريم الاعتقاد بها والزجر عن تصديق المنجمين (شرح النهج 6: 212). وفي سنن البيهقي في حديث زيد الجهني: قال الشافعي: وأما من قال مطرنا بنوء كذا، على ما كان بعض اهل الشرك يعنون من اضافة المطر الى ان امطره نوء كذا، فذلك كفر، وفي الموضع المزبور عن الجهني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الله: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (سنن البيهقي 3: 358). ورواه العلامة (رحمه الله) مرسلا في التذكرة في صلاة الاستسقاء (التذكرة 1: 169). ورواه صاحب الوسائل ايضا مرسلا (الذكرى للشهيد الاول: 251، عنه الوسائل 11: 374). في لسان العرب مادة نوأ: قال أبو عبيد: الانواء ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد من أن يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينسبون كل غيث عند ذلك الى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا - الخ، وانما سمي نوءا لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، اي نهض وطلع (لسان العرب 1: 176).

[ 395 ]

المسلمين على كفر من اعتقد بذلك. قال العلامة المجلسي في مرآة العقول: ان القول باستقلال النجوم في تأثيرها كفر وخلاف لضرورة الدين، وان القول بالتأثير الناقص اما كفر أو فسق (1). وقال المحقق البهائي في الحديقة الهلالية: ان الالتزام بأن تلك الاجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو انها شريكة في التأثير، فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده، وعلم النجوم المبتني على هذا كفر (2)، الى غير ذلك من كلمات الاعاظم الصريحة فيما ذكرناه. 3 - أن يلتزم بكون اوضاع الكواكب من التقارن والتباعد والاتصال والتربيع والاختفاء وغيرها من الحالات علامة على حوادث عالم


1 - البحار 58: 308، مرآة العقول 4: 410. 2 - الحديقة الهلالية: 139.

[ 396 ]

العناصر التي تحدث بقدرة الله وارادته، بأن يجعل الوضع الفلاني علامة رجولة الولد والوضع الفلاني علامة انوثته وهكذا، كما ان سرعة حركة النبض علامة على الحمى، واختلاج بعض الاعضاء علامة على بعض الحوادث المستقبلة، ونصب العلم علامة على التعزية والرثاء. وهذا الوجه قد اختاره السيد ابن طاووس في محكي كلامه في رسالته النجومية (1) ووافقه عليه جمع من الاعاظم، كالمحقق البهائي في الحديقة الهلالية (2)، والسيد الجزائري في شرح الصحيفة السجادية (3)، والمحدث النوري في المستدرك (4) وغيرهم، وحملوا عليه ما روي من صحة علم النجوم وجواز تعلمه. 4 - أن يلتزم بأن الله تعالى قد أودع في طبائع اوضاع الكواكب خصوصيات تقتضي حدوث بعض الحوادث، من غير أن يكون لها استقلال في التأثير ولو بنحو الشركة، وتلك الخصوصيات كالحرارة والبرودة المقتضيتين للاحراق والتبريد. وهذان الوجهان وان لم يكن الاعتقاد بهما موجبا للكفر بأنفسهما الا أنهما باطلان لوجوه: الاول: انه لا طريق لنا الى كشف هذا المعنى في مقام الاثبات، وان كان ممكنا في مقام الثبوت. الثاني: ان ذلك مناف لاطلاق الروايات الدالة على حرمة العمل بعلم


1 - فرج المهموم: 86. 2 - الحديقة الهلالية: 139. 3 - شرح الصحيفة السجادية: 181. 4 - المستدرك 8: 125.

[ 397 ]

النجوم وجعلها علامة على الحوادث (1).


1 - عن عبد الله بن عوف بن الاحمر قال: لما أراد امير المؤمنين (عليه السلام) المسير الى النهروان أتاه منجم فقال له: يا امير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال (عليه السلام): ولم ذاك، قال: لانك ان سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وان سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وظهرت وأصبت كلما طلبت، فقال له امير المؤمنين (عليه السلام): تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر ام انثى؟ قال: ان حسبت علمت، قال له امير المؤمنين (عليه السلام): من صدقك على هذا القول كذب بالقرآن، ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري بأي أرض تموت ان الله عليم خبير، ما كان محمد (صلى الله عليه وآله) يدعي ما ادعيت، أتزعم انك تهتدي الى الساعة التي من سار فيها حاق به الضر، من صدق بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه، واحوج الى الرغبة اليك في دفع المكروه عنه، وينبغي له أن يوليك الحمد دون ربه، فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله ندا وضدا. ثم قال (عليه السلام): اللهم لا طير الا طيرك، ولا ضير الا ضيرك، ولا خير الا خيرك، ولا اله غيرك، بل نكذبك ونخالفك، ونسير في الساعة التي نهيت عنها (الامالي للصدوق: 338، عنه الوسائل 11: 371، والاية في لقمان: 34)، ضعيفة لعبدالله بن عوف وعمر بن سعد ومحمد بن علي القرشي وغيرهم، ولكن آثار الصدق منها ظاهرة. وقريب منه ما نقله السيد في نهج البلاغة مرسلا، اعني الخطبة 76 من خطبه (عليه السلام). قوله: حاق به الضر اي احاط به. عن الكابلي قال: سمعت زين العابدين (عليه السلام) - الى ان قال: - والذنوب التي تظلم الهواء: السحر والكهانة والايمان بالنجوم (معاني الاخبار: 270، عنه الوسائل 11: 373)، ضعيفة لاحمد بن يحيى بن زكريا وبكر بن عبد الله بن حبيب وغيرهما. عن عبد الملك بن اعين قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اني قد ابتليت بهذا العلم فاريد الحاجة، فإذا نظرت الى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم اذهب فيها، وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضي؟ قلت: نعم، قال: احرق كتبك (الفقيه 2: 175، عنه الوسائل 11: 370)، حسنة لعبد الملك. في حديث احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق قال: فما تقول في علم النجوم، قال (عليه السلام): هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته، لانه لا يدفع به المقدور ولا يتقي به المحذور، ان اخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وان اخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وان حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه (الاحتجاج: 347، عنه الوسائل 17: 143، المستدرك 8: 123)، مرسلة. عن المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة والشهيدان قالوا: من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما انزل على محمد (صلى الله عليه وآله) (المعتبر: 311، التذكرة: 271، عنهما الوسائل 17: 144)، مرسلة.

[ 398 ]

وظاهر جملة من الروايات ان لعلم النجوم حقيقة واقعية (1)، ولكن


1 - عن قيس بن سعد قال: كنت كثيرا اسائر امير المؤمنين (عليه السلام) إذا سار الى وجه من الوجوه، فلما قصد النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسائرا له، إذ خرج إليه قوم من أهل المدائن - الى ان قال: - وكان فيمن تلقاه دهقان، وكانت الفرس تحكم برأيه في النجوم، فجرى بينه وبين علي (عليه السلام) بعض الاسؤلة، فقال الدهقان: لا أدري، ثم قال علي (عليه السلام): لو علمت ذلك لعلمت أنك تحصي عقود القصب في هذه الاجمة، ومضى امير المؤمنين فهزم اهل النهروان فقتلهم وعاد بالغنيمة والظفر، فقال الدهقان: ليس هذا العلم بما في أيدي اهل زماننا، هذا علم مادته من السماء (البحار 58: 229)، ضعيفة لابي جارود زياد بن المنذر. عن أبان بن تغلب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من اهل اليمن - الى ان قال (عليه السلام): - ما صناعتك يا سعد؟ فقال: جعلت فداك انا من اهل بيت ننظر بالنجوم لا يقال ان باليمن احدا اعلم بالنجوم منا، الى ان ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) امورا، فقال له اليماني: ما ظننت ان أحدا يعلم هذا وما يدري ما كنهه (البحار 58: 219 و 227)، مرسلة. عن هشام الخفاف قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف بصرك بالنجوم، قال: قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني - الى ان قال (عليه السلام): - ان اصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك الا من علم مواليد الخلق كلهم (الكافي 8: 351، عنه الوسائل 17: 142)، مجهولة لحماد الازدي. عن عبد الرحمان بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه السلام) بعد ان جوز النظر الى النجوم قال: انكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به (الكافي 8: 195، عنه الوسائل 17: 14)، ضعيفة لعبد الرحمان بن سيابة، ومجهولة للحسن بن اسباط. عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحر والبرد مما يكونان، فأجاب الامام (عليه السلام) بما حاصله: ان المريخ كوكب حار، وزحل كوكب بارد، فكلما ارتفع المريخ درجة انحط زحل درجة، فلذلك يشتد الحر في الصيف، وإذا انعكس الامر اشتد البرد كما في الشتاء، وشدة البرد في الصيف احيانا مستندة الى القمر، وشدة الحر في الشتاء احيانا مستندة الى الشمس (الكافي 8: 306، عنه البحار 58: 246)، حسنة لابراهيم بن هاشم. الى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المتقدمة وغيرها واكثرها مذكورة في البحار 58: 200 - 300.

[ 399 ]

لا يحيط بها غير علام الغيوب ومن ارتضاه لغيبه، فلا يجوز لغيره أن يجعلها علامة على الحوادث. ومن هنا قال الشهيد في محكي قواعده: وأما ما يقال من أن استناد الافعال إليها كاستناد الاحراق الى النار وغيرها من العاديات - الى ان قال: - فهذا لا يكفر معتقده ولكنه مخطي ايضا (1). الثالث: ان ذلك مناف للاخبار المتواترة والواردة في الحث على الدعاء والصدقات وسائر وجوه البر، والدالة على أنها ترد القضاء الذي نزل من السماء وابرم ابراما، وانها ترد البلاء المبرم. ومن الواضح جدا ان الالتزام بالوجهين المذكورين انكار لذلك، وهو مستلزم للكفر من حيث انه تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يفرق في ذلك بين كون الالتزام بأن اوضاع الكواكب مجرد علامة على الحوادث أو مؤثرة فيها، ولو بغير شعور واختيار نظير الحرارة والبرودة. لا يقال: قد ورد في بعض الاحاديث انه يكره التزويج في بعض الايام والساعات لنحوستها كمحاق الشهر (2)، وعند كون القمر في برج


1 - القواعد والفوائد 2: 35. 2 - وعن الصدوق: روي انه يكره التزويج في محاق الشهر (الفقيه 3: 250).

[ 400 ]

العقرب (1)، فيستفاد من ذلك ان سير الكواكب واوضاعها علامة على بعض الحوادث. فان ذلك لا ينافي ما قدمناه بعد ان كان المبين له هو الشارع على السنة امنائه، وقد عرفت دلالة بعض الاخبار على أن لعلم النجوم حقيقة ولكن لا يعلم بها غير علام الغيوب ومن ارتضاه لغيبه، على أن ذلك اجنبي عما نحن فيه، فان كراهة التزويج في تلك الاوقات ككراهة الصلاة في المواضع المكروهة، وكراهة الجماع في الاوقات المخصوصة، فلا دلالة في ذلك على المطلوب. 5 - هل يجوز تعلم علم النجوم في حد ذاته من غير اذعان بتأثير الكواكب ام لا، نسب الشهيد في محكي الدروس القول بالحرمة الى بعض الاصحاب (2). ولكن الظاهر من بعض الاحاديث (3) هو الجواز إذا كان ذلك لمجرد


1 - عن محمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام): من تزوج امرأة والقمر في العقرب لم ير الحسنى (التهذيب 7: 461، المقنعة: 79، عنهما الوسائل 20: 115). عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى (الكافي 8: 275، الفقيه 2: 174، المحاسن: 347، عنهم الوسائل 11: 367). 2 - الدروس 3: 165. 3 - عن ابن أبي عمير انه قال: كنت انظر في النجوم واعرفها واعرف الطالع، فيدخلني من ذلك شئ، فشكوت ذلك الى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على اول مسكين ثم امض فان الله يدفع عنك (المحاسن: 349، عنه البحار 58: 228)، حسنة لابراهيم بن هاشم. عن عبد الملك بن اعين قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اني قد ابتليت بهذا العلم فاريد الحاجة، فإذا نظرت الى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم اذهب فيها، وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضي؟ قلت: نعم، قال: احرق كتبك (الفقيه 2: 175، عنه الوسائل 11: 370)، حسنة لعبد الملك. عن عبد الرحمان بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه السلام) بعد ان جوز النظر الى النجوم قال: انكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به (الكافي 8: 195، عنه الوسائل 17: 14)، ضعيفة لعبد الرحمان بن سيابة، ومجهولة للحسن بن اسباط.

[ 401 ]

معرفة سير الكواكب واوضاعها الخاصة، وفاقا لجمع من الاعاظم (قدس سرهم)، وأما ما يوهم حرمة تعلم النجوم من احاديث الشيعة (1) والسنة (2)، فمحمول على غير هذه الصورة، والله العالم. المسألة (7) حفظ كتب الضلال قوله: السابعة: حفظ كتب الضلال حرام في الجملة بلا خلاف. أقول: قال الشيخ في غنائم المبسوط: إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها - الى ان قال: - وان كانت كتبا لا يحل امساكه كالكفر والزندقة وما اشبه ذلك لا يجوز بيعه، ثم حكم بوجوب تمزيقها واتلافها، وحكم بكون التوراة والانجيل من هذا القبيل لوقوع التحريف فيهما (3)، ونحوه العلامة في غنائم التذكرة (4). ثم ان المراد بكتب الضلال كل ما وضع لغرض الاضلال واغواء الناس، وأوجب الضلالة والغواية في الاعتقادات أو الفروع، فيشمل


1 - راجع المصادر المذكورة والبحار 58: 210 - 240. 2 - راجع سنن البيهقي 8: 138. 3 - المبسوط 2: 30. 4 - التذكرة 1: 582، كذا الفاضل المقداد في التنقيح 2: 12، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 26.

[ 402 ]

كتب الفحش والهجو والسخرية، وكتب القصص والحكايات، والجرائد المشتملة على الضلالة، وبعض كتب الحكمة والعرفان، والسحر والكهانة، ونحوها مما يوجب الاضلال. وقد استدل على حرمة الحفظ بوجوه: 1 - حكم العقل بوجوب قلع مادة الفساد. وفيه: ان مدرك حكمه ان كان هو حسن العدل وقبح الظلم، بدعوى ان قلع مادة الفساد حسن وحفظها ظلم وهتك للشارع، فيرد عليه انه لادليل على وجوب دفع الظلم في جميع الموارد، والا لوجب على الله وعلى الانبياء والاوصياء الممانعة عن الظلم تكوينا، مع أنه تعالى هو الذي أقدر الانسان على فعل الخير والشر، وهداه السبيل اما شاكرا واما كفورا. وان كان مدرك حكمه وجوب الاطاعة وحرمة المعصية لامره تعالى بقلع مادة الفساد، فلا دليل على ذلك الا في موارد خاصة، كما في كسر الاصنام والصلبان وسائر هياكل العبادة. وأما التمسك برواية تحف العقول في استفادة كلية الحكم، فسيأتي الكلام فيه. نعم إذا كان الفساد موجبا لوهن الحق وسد بابه، واحياء الباطل وتشييد كلمته، وجب دفعه لاهمية حفظ الشريعة المقدسة، ولكنه ايضا وجوب شرعي في مورد خاص، فلا يرتبط بحكم العقل بقلع مادة الفساد. 2 - قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (1)، فقد قيل في تفسير الاية: أن يشتري كتابا فيه لهو الحديث،


1 - لقمان: 5.

[ 403 ]

فتشمل حفظ كتب الضلال ايضا (1). وفيه أولا: ان المذموم في ظاهر الاية هو اشتراء لهو الحديث للاضلال، ومن الواضح ان هذا المعنى اجنبي عن حفظ كتب الضلال لعدم العلم بترتب الغاية المحرمة عليه، غاية الامر احتمال ترتب الاضلال على الحفظ. وثانيا: انا إذا سلمنا ذلك، فالمستفاد من الاية حرمة اشتراء كتب الضلال ولا دلالة فيها على حرمة ابقائها وحفظها بعد الشراء، كما أن التصوير حرام وأما اقتناؤه فليس بحرام، والزناء حرام وتربية أولاد الزناء ليس بحرام، وقد تقدم ذلك في البحث عن جواز اقتناء الصور المحرمة. وثالثا: انه قيل ان الاية قد نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة (2)، فانه كان يشتري كتبا فيها احاديث الفرس من حديث رستم واسفنديار، وكان يلهى الناس بذلك ويظرف به ليصدهم عن سماع القرآن وتدبر ما فيه، نظير الجرائد المعروفة في هذا الزمان، فانها مشتملة على الامور اللاهية التي تصد الناس عن الحق. ورابعا: ما ذكره المحقق الايرواني (3)، من أن المراد من الاشتراء هو التعاطي، وهو كناية عن التحدث به، وهذا داخل في الاضلال عن سبيل الله بسبب التحدث بلهو الحديث، ولا اشكال في حرمة الاضلال،


1 - في تفسير التبيان: ومن الناس من يشتري لهو الحديث اي يستبدل لهو الحديث، قيل في معناه قولان: احدهما أن يشتري كتابا فيه لهو الحديث، الثاني انه يشتري لهو الحديث عن الحديث (التبيان 2: 429). 2 - راجع الموضع المزبور من التبيان. 3 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 25.

[ 404 ]

وذلك غير ما نحن فيه من اعدام ما يوجب الاضلال. 3 - قوله تعالى: واجتنبوا قول الزور (1). وفيه: ان قول الزور قد فسر بالكذب (2)، وسيأتي في مبحث حرمة الغناء تفسير قول الزور بالغناء في جملة من الروايات، ولا منافاة بين التفسيرين، فان كلا منهما لبيان المصداق، وقد ذكرنا في مبحث التفسير ان القرآن لا يختص بطائفة ولا بمصداق، والا لنفد بنفاد تلك الطائفة وانعدم ذلك المصداق، بل القرآن يجري مجرى الشمس والقمر، كما في عدة من الروايات. وقد ذكرنا جملة منها في مقدمات التفسير، وجمعها في مشكاة الانوار المعروف بمقدمة تفسير البرهان، وكيف كان، فالاية غريبة عما نحن فيه. لا يقال: ان الاية تدل على اعدام كتب الضلال لكونها من اظهر مصاديق الكذب بل هي كذب على الله ورسوله. فانه يقال: غاية ما يستفاد من الاية وجوب الاجتناب عن التكلم بالكذب، وأما اعدامه فلا، والا لوجب اعدام جميع ما فيه كذب كاكثر التواريخ ونحوها، ولم يلتزم به احد من المحصلين فضلا عن الفقهاء. 4 - ان جملة من فقرات رواية تحف العقول تدل على حرمة حفظ كتب الضلال، منها قوله (عليه السلام): انما حرم الله الصناعة التي يجئ منها الفساد محضا، بدعوى ان مفهوم الحصر يقتضي حرمة الصناعة المحرمة بجميع منافعها، ومنها الحفظ.


1 - الحج: 30. 2 - في تفسير التبيان: واجتنبوا قول الزور يعنى الكذب، وروي اصحابنا انه يدخل فيه الغناء وسائر الاقوال الملهية (التبيان 2: 304).

[ 405 ]

وفيه: ان حرمة الصناعة لا تلازم حرمة ابقاء المصنوع، كما تقدم في مبحث ابقاء الصور المحرمة، فغاية ما تدل عليه الرواية ان تأليف كتب الضلال أو استنساخها من المحرمات لصدق الصناعة عليهما، ولا تدل على حرمة الابقاء. ومنها: قوله (عليه السلام): وما يكون منه وفيه الفساد محضا - الى قوله (عليه السلام): - وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها. وفيه: ان صدق التقلب على الحفظ ممنوع، خصوصا إذا كان غرض الحافظ عدم وقوع كتب الضلال في أيدي الناس لتوجب اضلالهم. ومنها: قوله (عليه السلام): أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق، فهو حرام محرم بيعه وشراؤه وامساكه. وفيه: ان الكبرى وان كانت مسلمة ولكن للمناقشة في الصغرى مجالا واسعا، لمنع كون الحفظ تقوية للكفر واهانة للحق، كما هو واضح، الا أن يكون بهذا الداعي. ويضاف الى جميع ما ذكرناه من الاجوبة انها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ كما تقدم، فلا تصلح ان تكون مستندا لشئ من الاحكام الشرعية. 5 - حسنة عبد الملك بن اعين التي تقدمت في مبحث التنجيم، حيث سأل عن ابتلائه بالنجوم: فقال لي: تقضي، قلت: نعم، قال: احرق كتبك. وفيه: ان مقتضى التفصيل فيها القاطع للشركة هو جواز الحفظ مع عدم الحكم. 6 - الاجماع. وفيه أولا: انا لا نسلم تحققه على المطلوب، ولذا قال في الحدائق ما

[ 406 ]

حاصله: انه لا دليل على حفظ كتب الضلال، وأما الوجوه التي اقاموها على حرمته فهي تخمينية اعتبارية لا يجوز الاعتماد عليها في الاحكام الشرعية. وثانيا: لو سلمنا تحققه على المطلوب فليس اجماعا تعبديا لاحتمال استناده الى الوجوه المذكورة في المسألة، ولو سلمنا جميع ذلك فالمتيقن من الاجماع ما يترتب عليه الاضلال خارجا، ولا ريب ان حرمة اضلال الناس عن الحق من الضروريات بين المسلمين فلا يحتاج في اثباتها الى الاجماع. ثم لو سلمنا حرمة حفظ كتب الضلال فانه لا بأس بحفظها لردها أو اظهار ما فيها من العقائد الخرافية والقصص المضحكة والاحكام الواهية. ومما ذكرناه ظهر حكم المعاملة عليها وضعا وتكليفا، وكذلك ظهر حكم كتب المخالفين المدونة في الفقه والعقائد والاخبار وغيرها. المسألة حرمة حلق اللحية ولا بأس بالتعرض لحرمة حلق اللحية اجابة لالتماس بعض الافاضل، فنقول: المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنة (1) هو حرمة حلق اللحية.


1 - في فقه المذاهب: الحنفية قالوا: يحرم حلق لحية الرجل، المالكية قالوا: يحرم حلق اللحية، والحنابلة قالوا: يحرم حلق اللحية، والشافعية قالوا: أما اللحية فانه يكره حلقها والمبالغة في قصها (فقه المذاهب الاربعة 2: 44 - 46. وفي سنن البيهقي باب سنة المضمضة عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عشر من الفطرة: قص الشوارب واعفاء اللحية - الحديث (سنن البيهقي 1: 52). وفيه عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: اعفوا اللحى واحفوا الشوارب (سنن البيهقي 1: 149). وفيه عنه (صلى الله عليه وآله): جزوا الشوارب، وارخوا اللحى، وخالفوا المجوس (سنن البيهقي 1: 150). وفيه عن النبي (صلى الله عليه وآله): نهى عن نتف الشيب، وقال: انه من نور الاسلام، وعنه (صلى الله عليه وآله): لاننزعوا الشيب - الحديث (سنن البيهقي 7: 311).

[ 407 ]

وقد استدل عليها بوجوه: 1 - قوله تعالى في التحدث عن قول الشيطان: ولامرنهم فليغيرن خلق الله (1)، بدعوى ان حلق اللحية من تغيير الخلقة، وكل ما يكون تغييرا لها فهو حرام. وفيه: انه ان كان المراد بالتغيير في الاية المباركة تغييرا خاصا فلا شبهة في حرمته على اجماله، ولكن لا دليل على كون المراد به ما يعم حلق اللحية. وان كان المراد به مطلق التغيير فالكبرى ممنوعة، ضرورة عدم الدليل على حرمة تغيير الخلقة على وجه الاطلاق والا لزم القول بحرمة التصرف في مصنوعاته تعالى، حتى بمثل جرى الانهار وغرس الاشجار وحفر الابار وقطع الاخشاب وقلم الاظفار وغيرها من التغييرات في مخلوقاته سبحانه. والظاهر ان المراد به تغيير دين الله الذي فطر الناس عليها، وفاقا للشيخ الطوسي (رحمه الله) في تفسيره (2)، ويدل عليه قوله تعالى: فطرة الله


1 - النساء: 118. 2 - في تفسير التبيان: وقوله تعالى: ولامرنهم فليغيرن خلق الله، اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس: فليغيرن دين الله، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وقال مجاهد: كذب عكرمة في قوله انه الاخصاء، وانما هو تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه في قوله: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، وقال قوم: هو الوشم، وقال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات المتغيرات خلق الله، واقوى الاقوال قول من قال فليغيرن خلق الله بمعنى دين الله، بدلالة قوله: فطرة الله - الاية، ويدخل في ذلك جميع ما قاله المفسرون، لانه إذا كان ذلك خلاف الدين فالاية تتناوله - انتهى كلامه بأدنى تفاوت (التبيان 1: 471).

[ 408 ]

التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (1). وقد نقل الشيخ (رحمه الله) في تفسير الاية اقوالا شتى وليس منها ما يعم حلق اللحية. 2 - ما في جملة من الروايات (2)، من الامر باعفاء اللحى وحف الشوارب والنهي عن التشبه باليهود والمجوس. وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: انها لا تدل على الوجوب، فان من الواضح جدا ان اعفاء اللحى ليس واجبا بل الزائد عن القبضة الواحدة مذموم، نعم غاية الامر انه يستفاد منها الاستحباب.


1 - الروم: 29. 2 - عن الصدوق قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حفوا الشوارب واعفوا اللحى، ولا تتشبهوا باليهود (الفقيه 1: 76، عنه الوسائل 2: 116)، مرسلة. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وأما نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى، وهي الفطرة (الفقيه 1: 76، عنه الوسائل 2: 116)، مرسلة. عن معاني الاخبار باسناده عن علي بن غراب، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حفوا الشوارب، واعفوا اللحى، ولا تشبهوا بالمجوس (معاني الاخبار: 291، عنه الوسائل 2: 116)، ضعيفة للحسين بن ابراهيم وموسى بن عمران النخعي والحسين بن يزيد وعلي بن غراب.

[ 409 ]

أقول: الظاهر ان الامر بالاعفاء عقيب الاحفاء ثم النهى عن التشبه باليهود ما ذكره المحدث القاساني (رحمه الله) بعد نقل الحديث (1)، من أن اليهود لا يأخذون من لحاهم بل يطيلونها، فذكر الاعفاء عقيب الاحفاء، ثم النهى عن التشبه باليهود دليل على أن المراد بالاعفاء ان لا يستأصل ويؤخذ منها من دون استقصاء، بل مع توفير وابقاء بحيث لا يتجاوز القبضة فتستحق النار. وعلى هذا فلا دلالة في ذلك على حرمة حلق اللحية، لان المأمور به حينئذ هو الاعفاء وابقاء اللحية بما لا يزيد على القبضة، وهو ليس بواجب قطعا. وأما النهى عن التشبه بالمجوس عقيب الاعفاء والاحفاء، فالمراد به ان لا تحلق اللحية وتترك الشوارب كما يصنعون، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وأما نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى، وهي الفطرة، وعليه فلا يدل هذا النهى على حرمة حلق اللحية وترك الشوارب معا، فان نفي التشبه يحصل بفعل أي منهما. وأما ما يقال من أن الروايات لا تدل على وجوب الاعفاء لاشتمالها على قص الشوارب وهو مستحب اتفاقا. ففيه: ان ظهور الامر في الوجوب انما ترفع اليد عنه بمقدار ما ثبت فيه الترخيص، وقد حققنا ذلك في موضعه. 3 - رواية الجعفريات (2) الدالة على أن حلق اللحية من المثلة ومن مثل فعليه لعنة الله.


1 - الوافي، باب جز اللحية 4: 99. 2 - عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حلق اللحية من المثلة، ومن مثل فعليه لعنة الله (الجعفريات: 157، عنه المستدرك 1: 406)، مجهولة لموسى بن اسماعيل.

[ 410 ]

وفيه أولا: انها مجهولة السند. وثانيا: ان المثلة هو التنكيل بالغير بقصد هتكه واهانته، بحيث تظهر آثار فعل الفاعل بالمنكل به، وعليه فتكون الرواية دالة على حرمة هتك الغير بازالة لحيته لكون ذلك مثلة والمثلة محرمة، فلا ترتبط بحلق اللحية بالاختيار، سواء أكان ذلك بمباشرة نفسه ام بمباشرة غيره. وثالثا: ان اللعن كما يجتمع مع الحرمة فكذلك يجتمع مع الكراهة ايضا فترجيح أحدهما على الاخر يحتاج الى القرينة المعينة، ويدل على هذا ورود اللعن على فعل المكروه في موارد عديدة، وقد تقدمت في مسألة الوصل والنمص، ومن تلك الموارد ما في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: يا على لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده، وراكب الفلاة وحده، والنائم في بيت وحده. ومن ذلك يظهر بطلان الفرق بين اللعن المطلق وبين كون اللعن من الله أو من رسوله، بتوهم ان الاول يجتمع مع الكراهة لكونه ظاهرا في البعد المطلق، بخلاف الثاني فانه يختص بالحرمة لكونه ظاهرا في انشاء الحرمة. أللهم الا أن يقال: ان الرواية المذكورة ضعيفة السند ولم نجد في غيرها ورود اللعن من الله على فعل المكروه، وعليه فلا بأس في ظهور ذلك في الحرمة. 4 - ما دل على عدم جواز السلوك مسلك اعداء الدين، ومن شعارهم حلق اللحية (1).


1 - عن الفقيه باسناده عن الصادق (عليه السلام) انه قال: أوحى الله الى نبي من أنبيائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا لباس اعدائي، ولا تطعموا مطاعم اعدائي، ولا تسلكوا مسالك اعدائي، فتكونوا اعدائي كما هم أعدائي (الفقيه 1: 163، علل الشرايع: 348، عيون الاخبار 2: 23، عنهم الوسائل 4: 385)، موثقة للسكوني.

[ 411 ]

وفيه أولا: انه ضعيف السند، وثانيا: ان السلوك مسلك اعداء الدين عبارة عن اتخاذ سيرتهم شعارا وزيا، وهذا لا يتحقق بمجرد الاتصاف بوصف من اوصافهم. 5 - قوله (صلى الله عليه وآله) لرسولي كسرى: ويلكما من امركما بهذا، قالا: أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لكن ربي أمرني باعفاء لحيتي وقص شواربي (1). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ما تقدم من أن المأمور به انما هو الاعفاء وهو ليس بواجب قطعا. 6 - قوله (عليه السلام): اقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا (2).


1 - راجع المستدرك 1: 407، عن الكازروني في المنتقي. 2 - عن حبابة الوالبية قالت: رأيت امير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمار، ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني اسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن احنف فقال: يا امير المؤمنين وما جند بني مروان؟ قال: فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا - الخ (الكافي 1: 280، اكمال الدين: 536، عنهما الوسائل 2: 117)، مجهولة لمحمد بن اسماعيل وعبد الله بن ايوب وعبد الله بن هاشم وغيرهم. قال في مرآة العقول: الوالبية نسبة الى والبة، موضع بالبادية من اليمن، وفي النهاية: الشرطة اول طائفة من الجيش تشهد الوقعة، والخميس ومنهم من يشدد ولعله تصحيف: الجيش، سمي به لانه مقسوم بخمسة اقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لانه تخمس فيه الغنائم. والدرة - بكسر الدال وتشديد الراء - السوط، والسبابة - بالتخفيف - رأس السوط، والجري - بكسر الجيم وتشديد الراء والياء - نوع من السمك لافلوس له، وكذا المارماهي - بفتح الراء -، وكذا الزمار - بكسر الزاء وتشديد الميم -، والمسوخ - بضم الميم والسين - جمع المسخ - بالفتح - وانما سموا بالمسوخ لكونها على خلقتها وليست من اولادها، لانهم ماتوا بعد ثلاثة ايام، كما ورد في الخبر، وجند بني مروان قوم كانوا في الامم السالفة - انتهى كلام المجلسي.

[ 412 ]

وفيه: ان الرواية وان كانت ظاهرة في الحرمة الا أنها ضعيفة السند. 7 - وهو العمدة صحيحة البزنطي (1) الدالة على حرمة حلق اللحية وأخذها ولو بالنتف ونحوه، وتدل على ذلك ايضا السيرة القطعية بين المتدينين المتصلة الى زمان النبي (صلى الله عليه وآله)، فانهم ملتزمون بحفظ اللحية ويذمون حالقها، بل يعاملونه معاملة الفساق في الامور التي تعتبر فيها العدالة. ويؤيد ما ذكرناه دعوى الاجماع عليه كما في كلمات جملة من الاعلام، وعدم نقلهم الخلاف في المقام من الشيعة والسنة كما هو كذلك والله العالم. - 1 - عن محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال: أما من عارضيه فلا بأس، وأما من مقدمها فلا (مستطرفات السرائر: 56، عنه الوسائل 2: 111)، صحيحة. ورواها علي بن جعفر (عليه السلام) في كتابه، الا أنه قال في آخرها: فلا يأخذ (قرب الاسناد: 122، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 139، عنهما الوسائل 2: 111). وموضوع حرمة حلق اللحية هو اعدامها، وعليه فلا يفرق في ذلك بين الحلق والنتف وغيرهما مما يوجب ازالة الشعر عن اللحية، أما مقدار اللحية في جانب القلة فلم يرد في تحديده نص خاص، فالمدار في ذلك هو الصدق العرفي. وعلى هذا فإذا اخذت بمثل المكينة والمقراض أو غيرهما بحيث لم تصدق اللحية على الباقي كان حراما.

[ 413 ]

المسألة (8) موضوع الرشوة وحقيقتها قوله: الثامنة: الرشوة حرام. أقول: لم نجد نصا من طرق الخاصة ومن طرق العامة يحقق موضوع الرشوة ويبين حقيقتها، غير انه ورد في بعض الروايات انها تكون في الاحكام، ولكنها لم توضح ان الرشوة هل هي بذل المال على مطلق الحكم أو على الحكم بالباطل، بل لا يفهم منها الاختصاص بالاحكام والا لما صح اطلاقها في غيرها. وكيف كان فلا بد في تحقيق مفهومها من الرجوع الى العرف واللغة (1)


1 - في مجمع البحرين: رشا، في الحديث: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الراشى والمرتشي والرايش، يعنى المعطى للرشوة والاخذ لها والساعى بينهما، يزيد لهذا وينقص لهذا، وهو الرايش، والرشوة - بالكسر - ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد، وقل ما تستعمل الا فيما يتوصل به الى ابطال حق أو تمشية باطل (مجمع البحرين 1: 184)، وكذلك ما عن المصباح: 228. وفي القاموس: الرشوة - مثلثة - الجعل، ج رشى بالفتح، ورشى بالكسر (قاموس المحيط 4: 334). وفي المنجد: الرشوة - مثلثة - ما يعطى لابطال حق أو احقاق باطل (المنجد: 262). وفي اقرب الموارد: رشاه مراشاة صانعه، والرشوة - مثلثة - ما يعطى لابطال حق أو احقاق باطل، وما يعطى للتملق. وعن النهاية: الرشوة الوصلة الى الحاجة بالمصانعة، فالراشي الذى يعطى ما يعينه، فاما ما يعطى توصلا الى اخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه (النهاية 2: 226).

[ 414 ]

وكلمات الاصحاب. ففي المستند (1): ان مقتضى كلام الاكثر والمتفاهم في العرف ان الرشوة عامة لكل ما يدفع من المال للحاكم، سواء أكان لحق ام كان لباطل، وحكي ذلك عن تصريح والده، ثم قال: وهو الظاهر من القاموس والكنز ومجمع البحرين، ويدل عليه استعمالها فيما اعطي للحق في الصحيح عن رجل: يرشو الرجل على أن يتحول عن منزله فيسكنه غيره، قال: لا بأس، فان الاصل في الاستعمال إذا لم يعلم الاستعمال في غيره الحقيقة كما حقق في موضعه - انتهى ملخص كلامه. وسنذكر الرواية في البحث عن حكم الرشوة في غير الاحكام، وعن حاشية الارشاد (2): ان الرشوة ما يبذله المتحاكمان، وفي كلمات جماعة ان الرشوة ما يبذله المحق ليحكم له بحق، بحيث لو لم يبذله لابطل حقه ولحكم عليه بالباطل، الى غير ذلك من كلمات الاصحاب بمضامين مختلفة. والمتحصل من كلمات الفقهاء (قدس سرهم) ومن اهل العرف واللغة مع ضم بعضها الى بعض، ان الرشوة ما يعطيه احد الشخصين للاخر لاحقاق حق أو تمشية باطل، أو للتملق أو الوصلة الى الحاجة بالمصانعة، أو في عمل


1 - المستند 2: 526. 2 - حاشية الارشاد: 206 (مخطوط).

[ 415 ]

لا يقابل بالاجرة، والجعل عند العرف والعقلاء وان كان محطا لغرضهم وموردا لنظرهم، بل يفعلون ذلك العمل للتعاون والتعاضد فيما بينهم، كاحقاق الحق وابطال الباطل، وترك الظلم والايذاء أو دفعهما، وتسليم الاوقاف من المدراس والمساجد والمعابد ونحوها الى غيره، كأن يرشو الرجل على أن يتحوله عن منزله فيسكنه غيره، أو يتحوله عن مكان في المساجد فيجلس فيه غيره، الى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف اخذ الاجرة عليها. نعم ما ذكره في القاموس من تفسير الرشوة بمطلق الجعل محمول على التفسير بالاعم، كما هو شأن اللغوي احيانا، والا لشمل الجعل في مثل قول القائل: من رد عبدي فله الف درهم، مع أنه لا يقول به احد. حرمة الرشوة: ما حكم الرشوة، الظاهر بل الواقع لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في الجملة للاخذ والمعطي، بل عن جامع المقاصد (2): أجمع اهل الاسلام على تحريم الرشا في الحكم، سواء أكان الحكم لحق ام لباطل، وسواء أكان للباذل ام عليه، وفي تجارة المسالك (3): على تحريمه اجماع المسلمين.


1 - في سنن البيهقي عن عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الراشي والمرتشي، وفي حديث آخر عن السحت فقال: الرشا (سنن البيهقي 10: 139). وفي شرح فتح القدير: يحرم قبول الهدية عند الخصوصة (شرح فتح القدير 5: 467). 2 - جامع المقاصد 4: 35. 3 - المسالك 3: 136.

[ 416 ]

وتدل على حرمتها في الجملة الروايات المتظافرة، وسنذكرها في الحاشية، وقوله تعالى: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم (1). ووجه الدلالة انه تعالى نهى عن الادلاء بالمال الى الحكام لابطال الحق واقامة الباطل حتى يأكلوا بذلك فريقا من اموال الناس بالاثم والعدوان، وهذا هو معنى الرشوة، وإذا حرم الاعطاء حرم الاخذ ايضا للملازمة بينهما. لا يقال: ان الاية انما نزلت في خصوص اموال اليتامي والوديعة والمال المتنازع فيه، وقد نهى الله تعالى فيها عن اعطاء مقدار من تلك الاموال للقضاة والحكام لاكل البقية بالاثم والعدوان، وعلى هذا فهي اجنبية عن الرشوة. فانه يقال: نعم قد فسرت الاية الشريفة بكل واحدة من الامور المذكورة (2)، الا أن هذه التفاسير من قبيل بيان المصداق والقرآن لا يختص بطائفة ولا بمصداق بل يجري كجري الشمس والقمر، كما دلت عليه جملة من الروايات، وقد ذكرناها في مقدمة التفسير، على أن في مجمع البحرين عن الصحاح: ان قوله تعالى: وتدلوا بها الى الحكام، يعني الرشوة (3).


1 - البقرة: 184. 2 - في تفسير التبيان: قوله تعالى: وتدلوا بها الى الحكام، وقيل في معناه قولان: أحدهما قال ابن عباس والحسن وقتادة انه الوديعة وما تقوم به بينة، الثاني قال الجبائي: في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء (التبيان 1: 208). 3 - وفي مجمع البحرين عن الصحاح: وتدلوا بها الى الحكام، يعني الرشوة (مجمع البحرين 1: 145).

[ 417 ]

وقد يتوهم ان الاية ليست لها تعرض لحكم الرشوة، فان قوله تعالى: وتدلوا بها الى الحكام، ظاهر في ان المحرم هو الادلاء باموال الناس الى الحكام ليستعين بهؤلاء على اكل فريق آخر من اموال الناس بالاثم، ومن المعلوم ان الرشوة هي ما يعطيها الراشي من مال نفسه لابطال حق أو احقاق باطل. وفيه اولا: ان الرشوة في العرف واللغة اعم من ذلك كما تقدم، فلاوجه للتخصيص بقسم خاص. وثانيا: انه لا ظهور في الاية المباركة في كون المدفوع الى الحكام مال الغير بل هي اعم من ذلك، أو ظاهرة في كون المدفوع مال المعطي. ومجمل القول: ان حرمة الرشوة في الجملة من ضروريات الدين ومما قام عليه اجماع المسلمين فلا حاجة الى الاستدلال عليها. ثم ان تفصيل الكلام في احكام الرشوة، ان القاضي قد يأخذ الرشوة من شخص ليحكم له بالباطل مع العلم ببطلان الحكم، وقد يأخذها ليحكم للباذل مع جهله سواء طابق حكمه الواقع ام لم يطابق، وقد يأخذها ليحكم له بالحق مع العلم والهدى من الله تعالى. أما الصورتان الاوليان، فلا شبهة في حرمتهما، فان الحكم بالباطل والافتاء والقضاء مع الجهل بالمطابقة للواقع محرمان بضرورة الدين واجماع المسلمين، بل هما من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة، ويدل على حرمتهما ايضا العقل والكتاب (1) والسنة (2).


1 - في سورة المائدة: 48، قوله تعالى: ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون، وفي سورة الانعام: 116، قوله تعالى: أن يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون، وفي سورة يونس: 37 وسورة النجم: 29، قوله تعالى: ان الظن لا يغني من الحق شيئا، وفي سورة يونس: 60، قوله تعالى: قل الله اذن لكم ام على الله تفترون، وفي سورة بني اسرائيل: 39، قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم. 2 - راجع الوسائل باب: 6، عدم جواز القضاء بالرأي من أبواب صفات القاضي من كتاب القضاء، والمستدرك باب 6 عدم جواز القضاء بالرأي من أبواب صفات القاضي 17: 252 - 258، وسنن البيهقي 10: 116.

[ 418 ]

وعلى هذا فمقتضى القاعدة حرمة الرشوة في كلتا الصورتين، لما عرفت في اوائل الكتاب من حرمة المعاملة على الاعمال المحرمة وضعا وتكليفا، على أن الروايات من الشيعه (1) والسنة (2) قد أطبقت على حرمة الرشاء في الحكم.


1 - عن الصدوق في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي من السحت ثمن الميتة، والرشوة في الحكم (الفقيه 4: 262، تفسير العياشي 1: 322، عنهما الوسائل 17: 94). أقول: رجال سند هذه الوصية مجاهيل، لا طريق الى الحكم بصحتها واعتبارها من جهته. وعن الخصال باسناده عن عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): وأما الرشا يا عمار في الاحكام، فان ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله (صلى الله عليه وآله) (معاني الاخبار: 211، الخصال: 329، تفسير العياشي 1: 321، عنهم الوسائل 17: 95)، صحيحة. وعن الطبرسي في مجمع البيان عن النبي (صلى الله عليه وآله): ان السحت هو الرشوة في الحكم، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) - الى أن قال: - فأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله (مجمع البيان 2: 196، عنه الوسائل 17: 96)، مرسلة. عن أبي عبد الله (عليه السلام): فأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم جل اسمه وبرسوله (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، عنهما الوسائل 17: 92)، ضعيفة لسهل. عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الرشا في الحكم هو الكفر بالله (التهذيب 6: 352، عنه الوسائل 17: 92)، موثقة لزرعة وسماعة. الى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدمة. 2 - في سنن البيهقي في جملة من الاحاديث: ان الرشا في الحكم هو الكفر (سنن البيهقي 10: 139).

[ 419 ]

وأما الصورة الثالثة، فمقتضى القاعدة فيها جواز اخذ المال على القضاء والافتاء، فان عمل المسلم محترم فلا يذهب هدرا، وأما الاية المتقدمة فلا تشمل المقام لاختصاصها بالحكم بالباطل كما عرفت. نعم الحرمة فيها هي مقتضى اطلاق الروايات المتقدمة الدالة على ذلك، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، فان القضاء من المناصب الالهية التي جعلها الله للرسول فلا ينبغي لمن يتفضل عليه الله بهذا المنصب الرفيع أن يأخذ عليه الاجرة. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه، ففي الروايات الدالة على حرمة اخذ الاجرة على القضاء غنى وكفاية، وسنتعرض لهذه الروايات في البحث عن حكم اخذ الاجرة على القضاء، إذ الظاهر من الاجرة فيها الجعل المأخوذ للقضاء دون الاجر المقرر من قبل السلطان، ولو كان جائزا فانه لا شبهة في جواز أخذه إذا كان الدخول فيه بوجه محلل، كعلي بن يقطين والنجاشي وامثالهما. لا يقال: ان الرشوة في اللغة ما يؤخذ لابطال حق أو احقاق باطل، فلاتصدق على ما يؤخذ للقضاء بما يحق. فانه يقال: ان مفهوم الرشوة اعم من ذلك كما عرفت، فلا وجه للحصر وتقييد المطلقات، على أن الامور التي يكون وضعها على المجانية فان أخذ الاجرة عليها يعد رشوة في نظر العرف، ومن هذا القبيل القضاوة والافتاء. نعم لو فرضنا قصور الادلة المتقدمة عن اثبات الحرمة كان مقتضى اصالة الحل هو الاباحة، بل وهو مقتضي عمومات صحة المعاملات، كاوفوا بالعقود، واحل الله البيع، وتجارة عن تراض، وغيرها.

[ 420 ]

قوله: وظاهر رواية حمزة بن حمران. أقول: ربما يقول بجواز اخذ الاجرة على القضاوة الحقة، لقوله (عليه السلام) في رواية حمزة بن حمران عن المستأكلين بعلمهم: انما ذلك الذي يفتي الناس بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا (1). فان الظاهر منها حصر الاستيكال المذموم فيما كان لاجل الحكم بالباطل أو مع عدم معرفة الحق، فيجوز الاستيكال مع العلم بالحق. وقد يدعى كون الحصر اضافيا بالنسبة الى الفرد الذي ذكره السائل، فلا يدل الا على عدم الذم على هذا الفرد المخصوص دون سائر الافراد التي لا تدخل في الحصر، الا أن هذه الدعوى خلاف الظاهر. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: انها مسوقة لدفع توهم السائل، ان من تحمل علوم الائمة (عليهم السلام) وبثها في شيعتهم ووصل إليه منهم البر والاحسان بغير مطالبة كان من المستأكلين بعلمه، فأجاب الامام (عليه السلام) بأن هذا ليس من الاستيكال المذموم، وانما المستأكلون الذين يفتون بغير علم لابطال الحقوق. وعلى هذا فمفهوم الحصر هو العقد السلبي المذكور في الرواية صريحا، وليس فيها تعرض لاخذ الاجرة على الحكم بالحق لا مفهوما ولا منطوقا.


1 - عن ابن حمران قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من استأكل بعلمه افتقر، قلت: ان في شيعتك قوما يتحملون علومكم ويبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر والصلة والاكرام، فقال: ليس اولئك بمستأكلين، انما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا (معاني الاخبار: 181)، ضعيفة لمحمد بن سنان وتميم ابن بهلول وأبيه.

[ 421 ]

وأما ما ذكره اخيرا من كون الحصر ليس اضافيا فهو متين، ولكن لا من جهة كونه خلاف الظاهر بل من جهة انه لا معنى للحصر الاضافي في قبال الحصر الحقيقي، غاية الامر ان دائرة الحصر تختلف سعة وضيقا، وقد تقدم ذلك في اول الكتاب (1). وقال العلامة في المختلف (2): ان تعين القضاء عليه اما بتعيين الامام (عليه السلام) أو بعقد غيره أو بكونه الافضل وكان متمكنا لم يجز الاجر عليه، وان لم يتعين أو كان محتاجا فالاقرب الكراهة، لنا الاصل الاباحة على التقدير الثاني، ولانه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الاجر عليه، اما مع التعيين فلانه يؤدي واجبا فلا يجوز اخذ الاجرة عليه كغيره من العبادات الواجبة. وفيه: انه لا وجه لذكر هذا التفصيل في المقام، فان حرمة الاجرة على القضاء لكونه واجبا عينيا أو كفائيا من صغريات البحث عن اخذ الاجرة على الواجب الذي سيأتي الكلام فيه، وكلامنا هنا في حكم اخذ الرشوة على القضاء من حيث هي رشوة لا من جهات اخر. وعليه، فمقتضى الاطلاقات الدالة على حرمة اخذ الاجرة على الحكم هو عدم الفرق بين صورتي الاحتياج الى اخذ الاجرة والانحصار وبين عدمهما كما هو واضح. ومن هنا ظهر انه لا وجه لقول المصنف: وأما اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص ادلة المنع بصورة الاستغناء. ثم الظاهر انه لا يجوز اخذ الاجرة والرشوة على تبليغ الاحكام


1 - مر في البحث عن رواية تحف العقول في أول الكتاب. 2 - المختلف 2: 164.

[ 422 ]

الشرعية وتعليم المسائل الدينية، فقد عرفت فيما تقدم ان منصب القضاوة والافتاء والتبليغ يقتضي المجانية. ويدل على الحرمة ايضا ما في رواية يوسف بن جابر، من أنه لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة (1). ولكن الرواية ضعيفة السند. والعمدة في المقام التمسك بالاطلاقات المتقدمة الناهية عن اخذ الرشوة على الحكم. جواز ارتزاق القاضي من بيت المال: قوله: وأما الارتزاق من بيت المال فلا اشكال في جوازه للقاضي. أقول: الفرق بين الاجرة والارتزاق، ان الاجرة تفتقر الى تقدير العمل والعوض وضبط المدة، وأما الارتزاق من بيت المال فمنوط بنظر الحاكم من غير أن يقدر بقدر خاص. ولا اشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في الجملة كما هو المشهور، لان بيت المال معد لمصالح المسلمين والقضاء من مهماتها، ولما كتبه على امير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الاشتر في عهد طويل، فقد ذكر (عليه السلام) فيه صفات القاضي ثم قال: وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته الى الناس (2)، والعهد وان نقل مرسلا الا أن آثار الصدق منه لائحة، كما لا يخفى للناظر إليه (3).


1 - عن يوسف بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة (التهذيب 6: 224)، مجهولة لعبد الرحمان ويوسف بن جابر. 2 - راجع نهج البلاغة في العهد الذي كتبه للاشتر النخعي. 3 - العهد المذكور مروي في النهج مرسلا، أما للشيخ الطوسي إليه طريقا صحيحا، ذكره في الفهرست، الرقم: 119، حيث قال: اخبرنا بالعهد ابن ابي جيد، عن محمد بن الحسن، عن الحميري، عن هارون بن مسلم والحسن بن طريف جميعا، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن امير المؤمنين (عليه السلام)، راجع معجم رجال الحديث 3: 222.

[ 423 ]

ويدل على ذلك ايضا بعض الفقرات من مرسلة الحماد الطويلة (1). ثم ان القاضي قد يكون جامعا لشرائط القضاوة على النحو المقرر في الشريعة ومنصوبا من قبل الامام (عليه السلام) خاصا أو عاما، وقد يكون جامعا لشرائط القضاء ولكنه كان منصوبا من قبل سلطان الجور، ولم يكن له غرض في قبولها الا التوادد والتحبب الى فقراء الشيعة وقضاء حوائجهم وانفاذ امورهم وانقاذهم من المهلكة والشدة، وقد لا يكون جامعا للشرائط، سواء كان منصوبا من قبل الجائر ام لا. أما الاولان، فلا شبهة في جواز ارتزاقهم من بيت المال، لما عرفت من أنه معد لمصالح المسلمين والقضاء من مهماتها، ولا مجال في هاتين الصورتين للبحث عن خصوصيات المسألة، من أنه يجوز مطلقا أو مع الاحتياج وعدم التعيين، لان الفرض ان القاضي أعرف بموارد مصرف بيت المال وعدالته المفروضة تمنعه عن الحيف. وأما الثالث، فيحرم ارتزاقه من بيت المال لعدم قابليته لمنصب القضاوة كخلفاء الجور، فلا يكون من موارد المصرف لبيت المال. وقد يستدل على حرمة ارتزاق القاضي بحسنة عبد الله بن سنان، عن


1 - عن حماد عن بعض اصحابنا عن العبد الصالح (عليه السلام) - الى أن قال: - فيكون بعد ذلك ارزاق اعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينوبه، من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير (الكافي 1: 540)، مرسلة.

[ 424 ]

قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال (عليه السلام): ذلك السحت (1). وفيه: ان الرواية محمولة على الصورة الثالثة، من عدم كونه قابلا للقضاوة، لانه إذا كان جامعا للشرائط لا يحرم ارتزاقه من بيت المال أو من جوائز السلطان، وهو واضح، ويمكن حملها على كون الرزق اجرة على القضاء، فقد عرفت ان اخذ الاجرة على القضاء حرام. جواز اخذ القاضي للهدية: قوله: وأما الهدية، فهي ما يبذله على وجه الهبة. أقول: قد عرفت حكم الرشوة والاجرة على الحكم والقضاء، واما الهدية ففي حرمتها خلاف، وهي كما عن المصباح (2) العطية على سبيل الملاطفة. ثم انها قد تكون للملاطفة والتودد فقط، بحيث لا مساس لها للدواعي الاخرى. وقد تكون على وجه الهبة لتورث المودة التي توجب الحكم له حقا كان ام باطلا، إذا علم المبذول له ان ذلك من قصد الباذل وان لم يقصد هو الا الحكم بالحق. وقد تكون لاجل الحكم للباذل ولو باطلا ولكن المبذول له لم يكن ملتفتا الى ذلك والا لكان رشوة محرمة. وقد تكون متأخرة عن الفعل المحرم ولكنها بداعي المجازاة واداء الشكر.


1 - الكافي 7: 409، حسنة. 2 - المصباح: 636.

[ 425 ]

ومقتضى القاعدة جواز اخذها للقاضي في جميع الصور، وان حرم الدفع على المعطي إذا كان غرضه الحكم له. وقد استدل على حرمة الاخذ بوجوه: 1 - قوله (عليه السلام) في رواية الاصبغ: وان اخذ هدية كان غلولا (1). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: انها واردة في هدايا الولاة دون القضاة، فتكون اجنبية عن المقام، وبما ان الهدية الى الولاة جائزة فلا بد من حمل الرواية على غير ذلك من الوجوه الممكنة: الاول: أن تحمل على الكراهة، لان اهداء الهدية الى الوالي قد يحبب إليه اخذ الرشوة المحرمة. الثاني: ان تحمل على ظاهرها ولكن يقيد الاعطاء بكونه لدفع الظلم أو انقاذ الحق أو لاجل أن يظلم غيره، فانها في هذه الصور كلها محرمة على الوالي، وفي الصورة الاخيرة محرمة على المعطي ايضا. الثالث: ان تحمل على كون ولايتهم من قبل السلطان مشروطة بعدم اخذ شئ من الرعية لانهم يرتزقون منه، وعلى الجملة لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب. 2 - ما ورد من أن هدايا العمال أو الامراء غلول أو سحت (2).


1 - عن امير المؤمنين (عليه السلام): أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه، وان اخذ هدية كان غلولا، وان اخذ الاجرة فهو مشرك (عقاب الاعمال: 310، عنه الوسائل 17: 94)، ضعيفة لابي الجارود وسعد الاسكاف. 2 - في سنن البيهقي عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هدايا الامراء غلول (سنن البيهقي 10: 138). وفي آداب القاضي من المبسوط للطوسي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: هدية العمال غلول، وفي بعضها: هدية العمال سحت (المبسوط 8: 151)، مرسلة.

[ 426 ]

وفيه أولا: انه ضعيف السند. وثانيا: انه اجنبي عما نحن فيه، لوروده في هدايا العمال وهم غير القضاة، ووجه كونها محرمة قد علم من الوجوه المتقدمة. وثالثا: انه يمكن أن يراد من اضافة الهدايا الى العمال اضافة المصدر الى الفاعل دون المفعول، بمعنى ان الهدايا التي تصل الى الرعية من عمال سلاطين الجور غلول، فتكون الرواية راجعة الى جوائز السلطان وعماله وسنتكلم عليها. وهذا الوجه الاخير وان كان في نفسه جيدا الا أنه انما يتم فيما إذا علم كون الهدية من الاموال المحرمة والا فلا وجه لكونها غلولا، على أنه بعيد عن ظاهر الرواية. 3 - ما استدل به في المستند (1) على حرمة اخذ القاضي للهدية، من أن النبي (صلى الله عليه وآله) زجر عمال الصدقة عن أخذهم الهدايا (2). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند لكونها منقولة من طرق العامة. وثانيا: انها وردت في عمال الصدقة فلا ترتبط بما نحن فيه، ولعل حرمتها عليهم من جهة الوجوه التي ذكرناها في حرمتها على الولاة.


1 - المستند 2: 526. 2 - عن أبي حميد الانصاري ثم الساعدي انه اخبره ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) استعمل عاملا على الصدقة، فجاء به العامل حين فرغ من عمله فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الذي لكم وهذا الذي اهدي الى - الى أن قام (صلى الله عليه وآله) فصعد المنبر ثم قال: - أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا: من عملكم وهذا الذي اهدي لي، فهلا قعد في بيت ابيه وامه فنظر هل يهدي له ام لا، والذي نفسي بيده لا يقبل احد منكم منها شيئا الا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه (المبسوط 8: 151، سنن البيهقي لابي بكر الشافعي 10: 138)، نبوي ضعيف.

[ 427 ]

4 - ما تقدم فيما سبق عن الرضا، عن آبائه، عن على (عليهم السلام) في قوله تعالى: أكالون للسحت (1)، قال: هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته (2). وفيه أولا: ان الرواية مجهولة. وثانيا: انها وردت في خصوص الهدية بعد قضاء حاجة المؤمن ولم يقل احد بحرمتها هناك لما دل على جواز قبول الهدية من المؤمن بل من الكافر ولما دل على استحباب الاهداء الى المسلم، واذن فلا بد من حمل الرواية على الكراهة ورجحان التجنب عن قبول الهدايا من اهل الحاجة إليه لئلا يقع يوما في الرشوة. 5 - ان المناط في حرمة الرشوة للقاضي هو صرفه عن الحكم بالحق الى الحكم بالباطل، وهو موجود في الهدية ايضا فتكون محرمة. وفيه: ان غاية ما يحصل من تنقيح المناط هو الظن بذلك، والظن لا يغني من الحق شيئا. الرشوة في غير الاحكام: قوله: وهل يحرم الرشوة في غير الحكم؟ أقول: الرشوة في غير الاحكام قد تكون لاتمام امر محرم، وقد تكون لاصلاح امر مباح، وقد تكون لانهاء امر مشترك الجهة بين المحلل والمحرم. أما الاول فلا شبهة في حرمته من غير احتياج الى ادلة حرمة الرشوة،


1 - المائدة: 46. 2 - عيون الاخبار 2: 28، عنه الوسائل 17: 95، وقد مر في البحث عن بيع العذرة.

[ 428 ]

لما عرفت من حرمة اخذ المال على عمل محرم. وأما الثاني فلا شبهة في جوازه لعدم الدليل على الحرمة، مع كون العمل سائغا في نفسه وصالحا لان يقابل بالمال، وان كان كثيرون يفعلونه للتعاضد والتعاون ولا يأخذون عليه مالا. وأما الثالث فان قصدت به الجهة المحرمة فهو حرام، وان قصدت به الجهة المحللة فهو حلال. وان بذل المال على اصلاح امره حلالا ام حراما فقد استظهر المصنف حرمته لوجهين: 1 - انه اكل للمال بالباطل، فيكون حراما. وفيه: ان اخذ المال على الجهة المشتركة بين المحلل والمحرم ليس من اكل المال بالباطل، فان اكل المال انما يكون باطلا إذا كان بالاسباب التي علم بطلانها في الشريعة، كالقمار والغزو ونحوهما، ولم يعلم بطلان اخذ المال على العمل المشترك بين الحلال والحرام، فلا يكون من مصاديق اكل المال بالباطل. 2 - اطلاق فحوى ما تقدم في هدية الولاة والعمال. وفيه أولا: ان الروايات المتقدمة في هدية الولاة والعمال ضعيفة السيد، وقد عرفت ذلك آنفا. وثانيا: ان حرمة الهدية لهما انما تقتضي حرمة اعطاء الرشوة لهما، ولا دلالة لهما على حرمة الرشوة على غيرهما من الناس. وقد يقال بحرمة الرشوة مطلقا حتى في غير الاحكام، لاطلاق بعض الروايات المتقدمة في الحاشية من طرق الخاصة ومن طرق العامة. وفيه أولا: انها ضعيفة السند وقد عرفت ذلك آنفا. وثانيا: انها منصرفة الى الرشا في الحكم كما في المتن.

[ 429 ]

وثالثا: انها مقيدة بما دل على جواز الرشوة لامر مباح (1) وللتحويل عن المنزل المشترك كالاوقاف العامة (2). وقد يتوهم ان موضوع الرشوة مختص بالاحكام، لما ورد في جملة من الروايات الماضية، من أن الرشا في الحكم حرام أو كفر أو سحت. وفيه أولا: ان المستفاد منها ليس الا حرمة الرشوة في الحكم لاختصاص موضوعها به وهو واضح، بل قد يدعى انها مشعرة بعموم مفهوم الرشوة لغير الاحكام والا للزم الغاء التقييد في قوله (عليه السلام): واما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم. وثانيا: ان مفهوم الرشوة في اللغة غير مختص بما يؤخذ في الحكم بل هو اعم من ذلك. من الرشوة في الحكم، المعاملة المحاباتية مع القاضي: قوله: ومما يعد من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة.


1 - عن حكم بن حكيم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وسأله حفص الاعور فقال: ان السلطان يشترون منا القرب والاداوي، فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه ونرشوه حتى لا يظلمنا، فقال: لا بأس ما تصلح به مالك، ثم سكت ساعة ثم قال: أرأيت إذا انت رشوته يأخذ اقل من الشرط، قال: نعم، قال: فسدت رشوتك (التهذيب 7: 235، عنه الوسائل 18: 96)، ضعيفة لاسماعيل بن أبي سماك. أقول: القرب - بكسر القاف - جمع القربة، وهي ما يستقي فيه الماء، الاداوي جمع الاداوة، وهي اناء صغير من جلد وتسمي المطهرة. ثم انه نقل المصنف الرواية عن أبي الحسن (عليه السلام) وذكر الاداوة بدل الاداوي، وكلاهما من سهو القلم، ولعله تبع في ذلك لصاحب الوسائل. 2 - عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحوله عن منزله فيسكنه، قال: لا بأس (التهذيب 6: 375، عنه الوسائل 17: 278)، صحيحة.

[ 430 ]

أقول: الكلام في المعاملة المشتملة على المحاباة بعينه هو الكلام فيما تقدم من الرشوة، فإذا باع من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم كان الناقص من الرشا المحرم، وان كان غرضه من ذلك تعظيم القاضي أو التودد المحض أو التقرب الى الله فلا وجه للحرمة. ثم ان في حكم بذل العين له بذل المنافع، كسكنى الدار وركوب المراكب ونحوهما من المنافع كما لا يخفى. وأما ما يرجع الى الاقوال كمدح القاضي والثناء عليه فلا يعد رشوة فضلا عن كونه محرما لذلك، نعم لو كان ذلك اعانة على الظلم كان حراما من هذه الجهة. قوله: وفي فساد المعاملة المحابي فيها وجه قوي. أقول: لا وجه لفساد المعاملة المشتملة على المحاباة المحرمة، الا إذا كان الحكم للمحابي شرطا فيها وقلنا بان الشرط الفاسد مفسد للعقد فيحكم بالبطلان. فائدة: الظاهر من الاخبار المتقدمة ان منزلة الرشوة منزلة الرباء، فكما ان الرباء حرام على كل من المعطي والاخذ والساعي بينهما، فكذلك الرشوة فانها محرمة على الراشي والمرتشي والرائش، اي الساعي بينهما، يستزيد لهذا ويستنقص لذك. نعم لا بأس باعطائها إذا كان الراشي محقا في دعواه ولا يمكن له الوصول الى حقه الا بالرشوة، كما استحسنه في المستند (1) لمعارضة الاطلاقات تحريمها مع ادلة نفي الضرر، فيرجع الى الاصل لو لم يرجح


1 - المستند 2: 526.

[ 431 ]

الثاني، بل يتعين ترجيحه لحكومة ادلة نفي الضرر على ادلة الاحكام بعناوينها الاولية كما هو واضح. حكم الرشوة وضعا: قوله: ثم ان كلما حكم بحرمة أخذه وجب على الاخذ رده ورد بدله مع التلف. أقول: قد ذكرنا ان الباذل قد يعطي الرشوة للقاضي أو غيره ليحكم له على خصمه، وقد يحابيه في معاملة ليحكم له في الخصومات والدعاوي، وقد يرسل إليه هدية بداع الحكم له. أما الاول فلا شبهة في ضمان القابض المال الذي اخذه من الدافع بعنوان الرشوة، كما لا شبهة في الحرمة عليهما تكليفا، فيجب على الاخذ رد المال أو رد بدله من المثل أو القيمة مع التلف. قال في الجواهر: لا خلاف ولا اشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك، كما هو مقتضى قوله (عليه السلام): انها سحت، وغيره من النصوص الدالة على ذلك - الى أن قال: - فإذا اخذ ما لم ينتقل إليه من مال غيره كان ضامنا (1). ووجه الضمان ان الرشوة في هذه الصورة انما وقعت في مقابل الحكم فتكون في الحقيقة اجارة فاسدة أو شبيهة بها، فيحكم بالضمان لكونها من صغريات كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وهذه القاعدة وان لم يرد عليها نص بالخصوص ولكنها متصيدة من الاخبار الواردة في موارد الضمان، فتكون حجة، وسيأتي ذكرها في محلها، ومن هنا ظهر بطلان القول بعدم الضمان إذا علم الدافع بالحرمة، لكون التسليط حينئذ


1 - جواهر الكلام 22: 150.

[ 432 ]

مجانيا. وأما الثاني فهو كالاول من حيث الحرمة التكليفية، ولكن لا وجه للضمان لما نقص من القيمة، فان غاية الامر ان المعاملة كانت مشروطة بالشرط الفاسد، وقد عرفت اجمالا وستعرف تفصيلا ان الشروط مطلقا لا تقابل بجزء من الثمن، وان الفاسد منها لا يوجب فساد المعاملة، وانما يثبت الخيار فقط للمشروط له. وأما الثالث فالظاهر انه لا ضمان فيه ايضا، لان الدافع لم يقصد المقابلة بين الحكم والمال المبذول للقاضي وانما اعطاه مجانا ليحكم له، فيكون مرجعه الى هبة مجانية فاسدة، لان الداعي ليس قابلا للعوضية ولا مؤثرا في الحكم الشرعي وضعا ولا تكليفا، وعليه فيكون المورد من صغريات الضابطة الكلية: كل عقد لا يضمن بصحيحة لا يضمن بفاسده. وقد يقال بالضمان لقاعدة الضمان باليد. وفيه: ان عموم على اليد مختص بغير اليد المتفرعة على التسليط المجاني، ولذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام. قوله: وفي كلام بعض المعاصرين (1) ان احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا غير بعيد. أقول: علله القائل في محكي كلامه بوجهين: 1 - ان المالك قد سلطه عليها تسليطا مجانيا فلا موجب للضمان. 2 - انها تشبه المعاوضة، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. أما الاول فيرد عليه ان التسليط في المقام ليس بمجاني بل هو في


1 - لعله صاحب الجواهر حيث استشكل في الرجوع بها مع تلفها وعلم الدافع بالحرمة باعتبار تسليطه، راجع الجواهر 22: 149.

[ 433 ]

مقابل الحكم للباذل كما عرفت. وأما الثاني فيرد عليه ان عملهم هذا اما اجارة فاسدة أو شبيهة بها، وعلى أي حال يكون موجبا للضمان لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. اختلاف الدافع والقابض: قوله: فروع في اختلاف الدافع والقابض. أقول: ذكر المصنف هنا فروعا ثلاثة وتعرض لحكمها، وتحقيق الكلام في مسألة المترافعين في الدفع والقبض، وبيان الضابطة الكلية فيها: ان الفروض المتصورة فيها اربع كلها تنطبق على المقام غير الصورة الرابعة، ولعل المصنف لذلك أهملها: 1 - أن يتوافق المترافعان على فساد الاخذ والاعطاء ولكن الدافع يدعي كون المدفوع رشوة على سبيل الاجارة والجعالة فتكون موجبة للضمان، لان الاجارة الصحيحة توجب الضمان فكذلك الاجارة الفاسدة، والقابض يدعي انه على سبيل الهدية الا أنها فاسدة فلا تكون موجبة للضمان، لان الهبة الصحيحة لا ضمان فيها فكذا الهبة الفاسدة. وقد رجح المصنف القول الاول، لان عموم خبر على اليد (1) يقضي بالضمان الا مع تسليط المالك مجانا، والاصل عدم تحققه، وهذا حاكم على اصالة عدم سبب الضمان، فافهم. وفيه: ان موضوع قاعدة الضمان باليد انما هو التسليط غير المجاني


1 - عوالي اللئالي 2: 344، عنه المستدرك 14: 7.

[ 434 ]

والتسليط هنا محرز بالوجدان، وعدم كونه مجانيا محرز بالاصل فيلتئم الموضوع بضم الوجدان الى الاصل ويترتب عليه الحكم، ولا يلزم المحذور المذكور. نعم يرد عليه ان خبر على اليد ضعيف السند وغير منجبر بشئ فلا يجوز الاستناد إليه، وقد عرفته فيما سبق (1) ويأتي التعرض له في احكام الضمان. والتحقيق انه ثبت في الشريعة المقدسة عدم جواز التصرف في مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه، وقد تقدمت الاشارة إليه فيما سبق (2)، وثبت فيها ايضا ان وضع اليد على مال الغير بدون رضى مالكه موجب للضمان للسيرة القطعية، ومن الواضح جدا ان وضع اليد على مال الغير في المقام محرز بالوجدان، فإذا ضممنا إليه اصالة عدم رضى المالك بالتصرف المجاني تألف الموضوع من الوجدان والاصل وحكم بالضمان، ولا يلزم شئ من المحاذير. وليس المراد من الاصل المذكور استصحاب العدم الازلي ليرد عليه ما اوردوه في علم الاصول، بل المراد به استصحاب العدم المحمولي، وهو واضح، وان قلنا بحجية الاول ايضا. 2 - أن يتسالم المترافعان على شئ واحد ولكن القابض يدعي صحته على وجه لا يمكن معه الرجوع ويدعي الباذل فساده، كما إذا ادعى الباذل كون المبذول هدية على سبيل الرشوة وادعى القابض كونها هبة صحيحة لازمة.


1 - مر في البحث عن جواز بيع ما لا نفع فيه. 2 - مر في البحث عن حقيقة حق الاختصاص ومنشأ ثبوته.

[ 435 ]

وهذا النزاع انما يكون له اثر فيما إذا كانت الدعوى قبل تلف العين مع عدم كون الهبة لذي رحم أو على وجه قربي، فانه يترتب على النزاع حينئذ استرجاع العين من الموهوب له، وأما إذا كان النزاع بعد التلف فلا اثر له بوجه، فانه لا ضمان للهبة بعد التلف، سواء أكانت فاسدة ام صحيحة. وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف (رحمه الله) من قوله: ولاصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف. وقد يقال هنا بالضمان لعموم قاعدة على اليد، لان وضع القابض يده على مال الدافع محرز بالوجدان وعدم كونه بالهبة الصحيحة الناقلة محرز بالاصل، فيلتئم الموضوع منهما ويترتب عليه الحكم بالضمان، ولا يعارض ذلك الاصل باصالة عدم الهبة الفاسدة، لانها لا اثر لها. والتحقيق هو القول بعدم الضمان، لان اصالة الصحة في العقود تتقدم على جميع الاصول الموضوعية، وعليه اتفاق كافة العلماء وبناء العقلاء. لا يقال: الدافع انما يدعي ما لا يعلم الا من قبله فيقدم قوله في دعواه لانه اعرف بضميره. فانه يقال: لا دليل على ثبوت هذه القاعدة في غير الموارد الخاصة، كاخبار المرأة عن الحمل أو الحيض أو الطهر، فلا يجوز التعدي الى غيرها. 3 - أن يكون مصب الدعوى امرا مختلفا، كما إذا ادعى الباذل انها رشوة محرمة أو اجرة على الحرام وادعى القابض كونها هبة صحيحة. والظاهر هنا تقديم قول الدافع لاصالة عدم تحقق الهبة الصحيحة الناقلة، فانها امر وجودي وموضوع للاثر فالاصل عدمها، ولا تعارضها

[ 436 ]

اصالة عدم تحقق الرشوة المحرمة أو الاجارة الفاسدة لانهما لا اثر لهما، وانما الاثر مترتب على عدم تحقق السبب الناقل سواء تحقق معه شئ من الاسباب الفاسدة ام لم يتحقق. وربما يقال بتقديم اصالة الصحة على الاصول الموضوعية لحكومتها عليها في باب المعاملات على حذو ما تقدم. وفيه: ان مدرك اصالة الصحة هو الاجماع وبناء العقلاء كما عرفت، وهما من الادلة اللبية فلا بد من الاخذ بالقدر المتيقن، وهو ما كان مصب الدعوى امرا واحدا معلوما للمترافعين وكان الاختلاف في الخصوصيات، وقد فرضنا ان المقام ليس كذلك. 4 - أن يدعي كل منهما عنوانا صحيحا غير ما يدعيه الاخر، كأن يدعي الباذل كونه بيعا ليتحقق فيه الضمان ويدعي القابض كونه هبة مجانية لكي لا يتحقق فيه الضمان، فان اقام أحدهما بينة أو حلف مع نكول الاخر حكم له والا وجب التحالف وينفسخ العقد، وعليه فيجب على القابض رد العين مع البقاء أو بدلها مع التلف، وهذه الصورة لا تنطبق على ما نحن فيه. المسألة (9) حرمة سب المؤمن قوله: التاسعة: سب المؤمن حرام في الجملة بالادلة الاربعة. أقول: قد استقل العقل بحرمة سب المؤمن في الجملة، لكونه ظلما وايذاء، وعلى ذلك اجماع المسلمين من غير نكير، وقد تعرض الغزالي لذلك في احياء العلوم (1).


1 - احياء العلوم 3: 110، ولا ينقضي العجب من الغزالي حيث جوز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والمجوس والخوارج ومنع عن لعن يزيد!؟

[ 437 ]

وقد استفاضت الروايات من طرقنا (1) ومن طرق العامة (2) على حرمته.


1 - أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان رجلا من بني تميم اتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أوصني، فكان مما أوصاه ان قال: لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة لهم (الكافي 2: 268، عنه الوسائل 12: 297)، صحيحة. وفي رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): فاياكم والطعن على المؤمنين (الكافي 2: 268، عقاب الاعمال: 320، عنهما الوسائل 12: 298)، ضعيفة لعمرو بن شمر. عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة (الكافي 2: 268، عنه الوسائل 12: 298)، موثقة للسكوني. أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، واكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه (الكافي 2: 268، الفقيه 4: 300، المحاسن: 102، عنهم الوسائل 12: 298)، موثقة لعبد الله بن بكير. أبو حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ان اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت بينهما، فان وجدت مساغا والا رجعت على صاحبها (الكافي 2: 268، عقاب الاعمال: 320، عنهما الوسائل 12: 301)، موثقة للحسن بن علي بن فضال. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة. في الوسائل باب 159 تحريم الطعن على المؤمن، وباب 160 تحريم لعن المؤمن من احكام العشرة، وباب 70 تحريم الفحش، وباب 71 تحريم البذاء من كتاب جهاد النفس، والمستدرك باب الفحش، وباب 71 تحريم البذاء من جهاد النفس، وباب 138 تحريم سب المؤمن من كتاب العشرة، وباب 71 تحريم الفحش من جهاد النفس، والوافي باب البذاء، والكافي باب البذاء، وغير ذلك من الموارد. 2 - في سنن البيهقي باب شهادة اهل العصبية عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): المستبان ما قالا، فعلى البادي ما لم يتعد المظلوم (سنن البيهقي 10: 235). وفي رواية عياض بن حمار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان - الخ (سنن البيهقي 10: 235). وفي رواية اخرى جعل الشتم من الكبائر (سنن البيهقي 10: 235). وفيه: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (سنن البيهقي 10: 209). وغير ذلك من احاديث العامة.

[ 438 ]

نعم المراد هنا من المؤمن في رواياتنا غير ما هو المراد في روايات العامة، ومن هنا منعوا عن سب أبي حنيفة (1) واشباهه. ويدل على الحرمة ايضا قوله تعالى: واجتنبوا قول الزور (2)، فان سب المؤمن من أوضح مصاديق قول الزور، ولا ينافي ذلك ما ورد من تطبيق الاية على الكذب كما سيأتي. قوله: ورواية ابن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجلين يتسابان، قال: البادي منهما أظلم ووزره على صاحبه ما لم يعتذر الى المظلوم (3)، وفي مرجع الضمائر اغتشاش ويمكن الخطأ من الراوي. أقول: محصول كلامه ان الظاهر وقوع الاغتشاش في مرجع الضمائر في الرواية بحسب المعنى، فانه إذا رجع الضميران المجرور في قوله (عليه السلام): ووزره على صاحبه، الى الراد لزم كون الوزرين كليهما على البادي وليس على الراد شئ. ويمكن أن يكون لفظ الرواية: مثل وزره على صاحبه، فتكون دالة على أن البادي يستحق وزرين: أحدهما للمباشرة، والثاني للتسبيب،


1 - في شرح فتح القدير في عداد من لا تقبل شهادته قال: ولا من يظهر سب السلف كالصحابة والتابعين ومنهم أبو حنيفة وكذا العلماء (شرح فتح القدير 6: 40). 2 - الحج: 31. 3 - ابن الحجاج البجلي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابان، فقال: البادي منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر الى المظلوم (الكافي 2: 368، عنه الوسائل 12: 297)، صحيحة. وفي حسنة اخرى باختلاف في صدر السند، قال (عليه السلام): ما لم يتعد المظلوم (الكافي 2: 243، عنه الوسائل 16: 29) حسنة لابراهيم بن هاشم.

[ 439 ]

من غير أن يخفف عن الراد شئ، ولكن الراوي أخطا فحذف كلمة مثل. وعليه فشأن الرواية شأن ما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له مثل اجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من اجورهم شئ، وأيما عبد من عباد الله سن سنة ضلال كان عليه مثل وزر من فعل ذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شئ (1)، وغير ذلك من الروايات المستفيضة (2) الواردة بهذا المضمون. ولكن ما أفاده المصنف على خلاف الظاهر من الرواية، فان الظاهر منها الضمير المضاف إليه في كلمة: وزره يرجع الى السب المستفاد من قوله (عليه السلام): يتسابان، نظير قوله تعالى: اعدلوا هو اقرب للتقوى (3)، فالمعنى ان وزر كل سب على فاعله ولا يرتفع عنه الا بالاعتذار من المسبوب، لهتك كل من المتسابين صاحبه وظلمه اياه، وعلى هذا فلا اغتشاش في الضمائر. ولكن الذي يسهل الخطب انا لم نجد الرواية على النحو الذي نقله المصنف، بل هي مروية هكذا: ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر الى المظلوم، وفي رواية اخرى: ما لم يتعد المظلوم، اي ما لم يتجاوز عن الاعتداء بالمثل، وقد ذكرناهما في الحاشية آنفا. أما الاولى فتدل على أن البادي منهما يستحق وزرين: أحدهما بالاصالة والاخر بالتسبيب والقاء غيره في الحرام الواقعي، وقد عرفت في البحث عن حرمة تغرير الجاهل ان التسبيب الى الحرام حرام بالادلة


1 - ثواب الاعمال: 160، عنه الوسائل 16: 174. 2 - راجع الوسائل باب 16 اقامة السنن الحسنة من الامر بالمعروف. 3 - المائدة: 11.

[ 440 ]

الاولية مع قطع النظر عن الروايات الخاصة. وأما الثانية فتدل على جواز الاعتداء بالمثل وكون وزر الاعتداء على البادي من دون أن يكون للمظلوم شئ من الوزر ما لم يتجاوز، وإذا تجاوز كان هو البادي في القدر الزائد، وقد ذهب الى ذلك جمع من الاكابر. قال العلامة المجلسي (1): ان اثم سباب المتسابين على البادي، أما اثم ابتدائه فلان السب حرام وفسق، لحديث: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، وأما اثم سب الراد فلان البادي هو الحامل له على الرد - الى أن قال: - لكن الصادر عنه هو سب يترتب عليه الاثم الا أن الشرع اسقط عنه المؤاخذة وجعلها على البادي للعلة المتقدمة، وانما اسقطها عنه ما لم يتعد فان تعدي كان هو البادي في القدر الزائد. وعن المحقق الاردبيلي في آيات الاحكام بعد ذكر جملة من الايات الظاهرة في الاعتداء بالمثل قال: فيها دلالة على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح بل جواز التعويض مطلقا، حتى ضرب المضروب وشتم المشتوم بمثل فعلهما - الى أن قال: - وتدل على عدم التجاوز عما فعل به وتحريم الظلم والتعدي. ومن هنا ظهر ان هذا الرأي لا بعد فيه خلافا لما استظهرناه في الدورة السابقة، وقد وقع التصريح بذلك في جملة من احاديث العامة، وتقدم بعضها في الهامش. قوله: ثم ان المرجع في السب الى العرف.


1 - راجع مرآة العقول 2: 311.

[ 441 ]

أقول: الظاهر من العرف واللغة (1) اعتبار الاهانة والتعبير في مفهوم السب وكونه تنقيصا وازرءا على المسبوب وانه متحد مع الشتم، وعلى هذا فيدخل فيه كلما يوجب اهانة المسبوب وهتكه، كالقذف و التوصيف بالوضيع واللا شئ، والحمار والكلب والخنزير، والكافر والمرتد، والابرص والاجذم والاعور، وغير ذلك من الالفاظ الموجبة للنقص والاهانة، وعليه فلا يتحقق مفهومه الا بقصد الهتك، وأما مواجهة المسبوب فلا تعتبر فيه. قوله: فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه. أقول: ذكر المصنف في البحث عن مستثنيات الغيبة ما هذا نص عبارته: نعم لو تأذى من ذمه بذلك دون ظهوره لم يقدح في الجواز، ولذا جاز سبه بما لا يكون كذبا، وهذا هو الفارق بين السب والغيبة، حيث ان مناط الاول المذمة والتنقيص فيجوز، ومناط الثاني اظهار عيوبه فلا يجوز الا بمقدار الرخصة. والتحقيق ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، فانه قد يتحقق السب ولا يتصف بعنوان الغيبة، كأن يخاطب المسبوب بصفة مشهورة مع قصد الاهانة والاذلال، فان ذلك ليس اظهارا لما ستره الله. وقد تتحقق الغيبة حيث لا يتحقق السب، كأن يتكلم بكلام يظهر به ما ستره الله من غير قصد للتنقيص والاهانة.


1 - في لسان العرب: سب اي عير بالبخل، والسب الشتم، والسبة العار، ويقال: صار هذا الامر سبة عليهم - بالضم - اي عارا يسب به (لسان العرب 1: 456). وعن المصباح السبة العار (المصباح: 283)، وفي مفردات الراغب: السب الشتم الوجيع، و السبابة سميت للاشارة بها عند السب، وتسميتها بذلك كتسميتها بالمسبحة لتحريكها بالتسبيح (المفردات: 220).

[ 442 ]

وقد يجتمعان ويتعدد العقاب في مورد الاجتماع لكون كل من العنوانين موضوعا للعقاب، فلا وجه للتداخل ولعل هذا مراد المصنف هنا وفي مبحث الغيبة. وقال المحقق الايرواني: ان النسبة بين السب والغيبة هو التبائن، فان السب هو ما كان بقصد الانشاء، وأما الغيبة فجملة خبرية (1). وفيه: انه لا دليل على هذه التفرقة، فان كلا منهما يتحقق بكل من الانشاء والاخبار. قوله: ثم انه يستثنى من المؤمن المتظاهر بالفسق. أقول: يجوز سب المتجاهر بالفسق بالمعصية التي تجاهر فيها لزوال احترامه بالتظاهر بالمنكرات كما في بعض الاحاديث، وسيأتي ذكره في البحث عن مستثنيات الغيبة، وأما المعاصي التي ارتكبها العاصي ولكن لم يتجاهر فيها فلا يجوز السب بها، وأما السب بما ليس في المسبوب فافتراء عليه فيحرم من جهتين. قوله: ويستثنى منه المبدع ايضا. أقول: قد دلت الروايات المتظافرة على جواز سب المبدع في الدين ووجوب البراءة منه واتهامه (2).


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 280. 2 - عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم اهل الريب والبدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لهم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الاخرة (الكافي 2: 278، عنه الوسائل 16: 267)، صحيحة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المزبورة.

[ 443 ]

ولكن الظاهر انه لا وجه لجعله من المستثنيات باستقلاله، فانه ان كان المراد به المبدع في الاحكام الشرعية فهو متجاهر بالفسق، وان كان المراد به المبدع في العقائد والاصول الدينية فهو كافر بالله العظيم، فيكون خارجا عن المقام موضوعا لعدم كونه متصفا بالايمان. قوله: ويمكن أن يستثنى من ذلك ما إذا لم تأثر المسبوب عرفا. أقول: مقتضى الاطلاقات المتقدمة ان سب المؤمن حرام مطلقا، سواء تأثر ام لم يتأثر، نعم إذا لم يوجب اهانة المسبوب في نظر العرف كان خارجا عن عنوان السب موضوعا، لما عرفت من اعتبار الاهانة والاستنقاص في مفهوم السب. وعليه فلا وجه لاستثناء بعض الامثلة عن مورد البحث، كسب الوالد ولده، وسب المعلم متعلمه، وسب المولى عبده، لانه ان كان موجبا لاهانتهم فلا مجوز للاستثناء، وان لم يكن موجبا لذلك فهو خارج عن السب موضوعا. وقد ظهر ايضا فساد ما يقال من أن السب في الامثلة المذكورة فخر للمسبوب وتأديب له فلا يحرم. ووجه الفساد ان مفهوم السب ينافي مفهوم الفخر والتأديب فلا يجتمعان في مورد واحد. وأضعف من جميع ذلك دعوى السيرة على الجواز في الموارد المزبورة، فانا لو سلمنا تحقق السيرة من المتدينين فانما هي في غير موارد الهتك والظلم، فلا تكون الا على جواز التأديب دون السب. قوله: وأما الوالد، فيمكن استفادة الجواز في حقه مما ورد من مثل قولهم (عليهم السلام): انت وما لك لابيك. أقول: قد وردت هذه الجملة المباركة في الروايات المتظافرة

[ 444 ]

الصحيحة وغيرها (1)، ولكنها راجعة الى الجهات الاخلاقية الناشئة من الجهات التكوينية، فان الولد بحسب التكوين من المواهب الالهية للوالد فلا يناسبه أن يعارض أباه في تصرفاته. ويؤيد ذلك المعنى ما في رواية محمد بن سنان (2) الضعيف من تعليل حلية مال الولد لابيه، بأن الولد موهب للوالد، في قوله تعالى: يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور (3)، وعليه فليس لفظ اللام في قوله (عليه السلام): انت وما لك لابيك، الا للاختصاص فقط الناشئ من المحبة الجبلية والعطوفة الغريزية المنافية للايذاء والاذلال ولو بالسب والشتم. نعم لو دلت هذه الروايات على الملكية، حقيقة كانت ام تنزيلية، أو على الولاية المطلقة والسلطنة التامة، كان لكلام المصنف وجه، ولكن كلا الاحتمالين بديهي البطلان. أما الاول فلانه لو تم لجاز للاب أن يتصرف فيما يرجع الى اولاده ويتصرف في شؤونهم تصرف الموالي في عبيدهم وامورهم، مع أنه لم يلتزم به احد، على أنه مخالف للروايات المعتبرة الصريحة في ان للاب أن يستقرض من مال ابنه (4) ويقوم جاريته بقيمة عادلة ويتصرف فيها بالملك (5)، فان من الواضح انه لو كان الابن وماله للاب لما احتاج في


1 - راجع الكافي 5: 136، الفقيه 3: 109، عنهما الوسائل 17: 265. 2 - عيون الاخبار 2: 96، علل الشرايع: 524، عنهما الوسائل 17:. 266. 3 - الشورى: 49. 4 - عن علي بن جعفر عن أبي ابراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده، قال: لا الا باذنه أو يضطر فيأكل بالمعروف أو يستقرض منه حتى يعطيه إذا أيسر (قرب الاسناد: 119، عنه الوسائل 17: 265. 5 - عن اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه، قال: نعم، وان كان له جارية فأراد أن ينكحها قومها على نفسه ويعلن ذلك (الكافي 5: 471، التهذيب 6: 345، عنهما الوسائل 17: 268).

[ 445 ]

جواز التصرف في ماله وجاريته الى الاستقراض والتقويم. وأما الثاني فايضا فاسد، لان مورد بعضها الولد الكبير ومن المقطوع به انه لا ولاية للاب عليه، ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه، فهي معارضة بما دل على حرمة سب المؤمن بالعموم من وجه، ففي مورد التعارض يرجع الى عمومات ما دل على حرمة الظلم، وهو واضح. المسألة (10) حرمة السحر قوله: العاشرة: السحر حرام في الجملة بلا خلاف. أقول: لا خلاف في حرمة السحر في الجملة، بل هي من ضروريات الدين ومما قام عليه اجماع المسلمين، وقد استفاضت بها الروايات من طرقنا (1) ومن طرق العامة (2).


1 - في نهج البلاغة: المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار (النهج 1: 124)، مرسلة. عن الصدوق في رواية نضر: والساحر ملعون (الخصال: 297، عنه الوسائل 17: 143)، ضعيفة للحسن بن علي الكوفي واسحاق بن ابراهيم. وقال: قال (عليه السلام): المنجم كالكاهن - الى آخر ما تقدم من النهج (الخصال: 297، عنه الوسائل 17: 143)، مرسلة. عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكافر لا يقتل، قيل: يا رسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار؟ فقال: لان الكفر اعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان (الكافي 7: 260، الفقيه 3: 371، التهذيب 10: 147، علل الشرايع: 546، عنهم الوسائل 28: 365) موثقة للسكوني. رواه في الجعفريات مثله بتفاوت يسير (الجعفريات: 128، عنه المستدرك 18: 191)، مجهول لموسى بن اسماعيل. وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه (الكافي 7: 260، التهذيب 10: 147، عنهما الوسائل 28: 366)، مجهولة لحبيب بن الحسن وبشار. وفي رواية اخرى قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الساحر، فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حل دمه (التهذيب 10: 147، عنه الوسائل 28: 367)، ضعيفة للحسين بن علوان العامي. وعن اسحاق بن عمار: ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه، وحده القتل الا أن يتوب (التهذيب 10: 147، عنه الوسائل 28: 367)، حسنة لابراهيم بن هاشم. رواه في قرب الاسناد مثله (قرب الاسناد: 71، عنه الوسائل 17: 148)، ضعيفة لابي البختري. وعن الخصال: ثلاثة لا يدخلون الجنة، وعد منهم مدمن السحر (الخصال: 179، عنه الوسائل 17: 148)، مجهولة لجهالة اكثر رواتها. وفي قصة هارون وماروت ما يدل على حرمة السحر وكفر الساحر (عيون الاخبار 1: 266، عنه الوسائل 17: 147)، ولكنها ضعيفة السند. في صحيحة عبد العظيم الحسيني عد السحر من الكبائر (الكافي 2: 217، عيون الاخبار 1: 85، علل الشرايع: 391، عنهم الوسائل 15: 320). عن الجعفريات عن علي (عليه السلام) انه قال: من السحت ثمن الميتة - الى أن قال: - وأجر الساحر (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. عن الجعفريات: ان ابن اعصم سحر النبي (صلى الله عليه وآله) فقتله (الجعفريات: 128، عنه المستدرك 18: 191)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. وغير ذلك من الروايات الكثيرة الصريحة في حرمة السحر، وقد ذكرت هذه الاخبار الكثيرة في المصادر المزبورة وغيرها. 2 - في سنن البيهقي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من اتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما انزل على محمد (سنن البيهقي 8: 135). وفي رواية اخرى: كتب عمر ان اقتلوا كل ساحر وساحرة، و في ثالثة: حد الساحر ضربة بالسيف (سنن البيهقي 8: 135)، وغيرها من الاحاديث من طرق العامة.

[ 447 ]

وهذا لا شبهة فيه، وانما الكلام في تحقيق موضوع السحر وبيان حقيقته. وقد اختلفت كلمات اهل اللغة في ذلك (1)، فذكر بعضهم: انه الخدعة والتمويه، وقال بعضهم: انه اظهار الباطل بصورة الحق، وقيل: هو الاخذة في العين، وفي القاموس: انه ما لطف مأخذه ودق، وقال بعضهم: انه صرف الشئ عن وجهه الى غير حقيقته بالاسباب الخفية على سبيل الخدعة والتمويه، الى غير ذلك من التعاريف. وقد وقع الخلاف بين الاصحاب في ذلك ايضا، فعن العلامة في


1 - في لسان العرب: ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى يظن ان الامر كما يرى وليس الاصل على ما يرى، والسحر الاخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، قال الازهري: وأصل السحر صرف الشئ عن حقيقته الى غيرها، فكان الساحر لما ارى الباطل في صورة الحق خيل الشئ على غير حقيقته، فقد سحر الشئ عن وجهه اي صرفه، وقال الفراء في قوله تعالى: فأنى تسحرون، معناه: فانى تصرفون، وقال يونس: تقول العرب للرجل: ما سحرك عن وجه كذا وكذا، اي صرفك (لسان العرب 4: 348). وفي اقرب الموارد: سحره سحرا عمل له السحر وخدعه، وسحر فلانا عن الامور صرفه، ويقال: سحرت الفضة إذا طليتها بالذهب، وقيل: السحر والتمويه يجريان مجري واحدا. وفي مجمع البحرين: قوله تعالى: فانى تسحرون اي فكيف تخدعون عن توحيده ويموه لكم، ويسمى السحر سحرا لانه صرف جهته (مجمع البحرين 3: 324). وفي مفردات الراغب: نحن قوم مسحورون اي مصروفون عن معرفتنا بالسحر (المفردات: 225). وفي المنجد: سحره خدعه، وسحره عن كذا صرفه وأبعده، وسحر الفضة طلاها بالذهب (المنجد: 322).

[ 448 ]

القواعد: انه كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة (1)، وعن المنتهى انه زاد: أو عقد (2)، وفي المسالك انه زاد: أو اقسام وعزائم يحدث بسببها ضرر على الغير (3)، وعن الدروس انه زاد: الدخنة والتصوير والنفث وتصفية النفس (4)، الى غير ذلك من كلماتهم. والتحقيق ان المتبادر عند اهل العرف من كلمة السحر والظاهر من استقراء موارد استعمالها وما اشتق منها عند اهل اللسان والمتصيد من مجموع كلمات اللغويين في تحديد معناها: ان السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه، بحيث ان الساحر يلبس الباطل لباس الحق ويظهره بصورة الواقع، فيرى الناس الهياكل الغريبة والاشكال المعجبة المخوفة. والوجه في ذلك ان السحر عمل خفي يحصل بالاسباب الخفية، ويصور الشئ على خلاف صورته الواقعية، ويصرفه عن وجهه بالخدعة والتمويه، ويقلبه من جنسه في الظاهر لا في الحقيقة، بحيث ان الساحر يسحر الناظرين حتى يتخيلوا انه يتصرف في الامور التكوينية ويغيرها عن حقيقتها الى حقيقة اخرى، فيريهم البر بحرا عجاجا تجري فيه السفن وتتلاطم فيه الامواج، من غير أن يلتفتوا الى كونه خدعة وتمويها واظهارا للباطل بصورة الحق، وقصة السحرة مع موسى (عليه السلام) مذكورة في القرآن حين القوا: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من


1 - القواعد 1: 121، التحرير 1: 161. 2 - المنتهى 2: 1014. 3 - المسالك 3: 128. 4 - الدروس 3: 163.

[ 449 ]

سحرهم انها تسعى (1). لا يقال: قد تكون للسحر حقيقة واقعية، كالتصرف في عقل المسحور أو بدنه أو ما يرجع إليه، وعليه فلا يتم تعريفه المذكور. فانه يقال: ليست للسحر حقيقة واقعية، ولكن قد يترتب عليه امر واقعي، فقد يظهر الساحر للمسحور شيئا مهولا فيخاف هذا ويصبح مجنونا، أو يريه بحرا وفيه سفينة جارية فيحاول المسحور أن يركبها فيقع من شاهق ويموت، فان الجنون والموت وان كانا من الامور الواقعية الا أنهما ترتبا على الامر التخيلي الذي هو السحر. ويقرب ما ذكرناه ما عن صاحب العين، من أنه يقلب الشئ من جنسه في الظاهر ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة (2). وقد اشير الى ما ذكرناه في خبر الاحتجاج، حيث سئل الامام (عليه السلام) عن الساحر أيقلب الواقع الى واقع آخر، فقال (عليه السلام): هو اضعف من ذلك (3). وعلى ما ذكرناه من المعنى قد استعملت كلمة السحر في مواضع شتى


1 - طه: 69. 2 - وعن الطبرسي عن صاحب العين: السحر عمل يقرب الى الشياطين، ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى تظن ان الامر كما ترى وليس الامر كما ترى، فالسحر عمل خفي لخفاء سببه، يصور الشئ بخلاف صورته ويقلبه عن جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة، الا ترى الى قول الله تعالى: يخيل إليه من سحرهم انها تسعى. 3 - في الاحتجاج في احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك، قال (عليه السلام): هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله، ان من أبطل ما ركبه الله وصوره وغيره فهو شريك الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والافة - الحديث (الاحتجاج: 340)، مرسل.

[ 450 ]

من الكتاب العزيز (1)، واطلق المشركون صفة الساحر على النبي الصادق المصدق، فقد زعموا ان محمدا (صلى الله عليه وآله) يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة حتى يسحر بها اعين الناظرين وقلوبهم. ومن هنا ايضا اطلق السحر على البيان الجيد بلحاظ المدح والذم (2)، فانه يصرف حواس الحاضرين وآذان السامعين الى المتكلم، وبهذا الاعتبار ايضا اطلق السحر على تمويه الفضة بالذهب. وعلى الجملة ان الناظر الى كلمات اهل اللغة وموارد الاستعمال يقطع بأن السحر ليست له حقيقة واقعية وانما هو ما ذكرناه، ومن جميع ما تقدم ظهر ما هو المراد من الاخبار المتظافرة الدالة على حرمة السحر، وقد ذكرنا بعضها في الهامش. وأما ما ذكره في القاموس من أن السحر ما لطف مأخذه ودق، فانه وان انطبق على ما ذكرناه، لان صرف الشئ عن وجهه على سبيل التمويه له مأخذ دقيق جدا، الا أنه تعريف بالاعم، فان الامور التي يلطف


1 - في مفردات الراغب: نحن قوم مسحورون اي مصروفون، وفي لسان العرب فاني تسحرون اي تصرفون، وفي مجمع البحرين ان تتبعون الا رجلا مسحورا اي مصروفا عن الحق، وغير ذلك من الموارد (مر ذكر المصادر قبيل هذا). 2 - في لسان العرب: السحر البيان في فطنة، كما جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان قال: ان من البيان لسحرا، قال أبو عبيدة: كان المعنى انه يبلغ من ثنائه انه يمدح الانسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب الى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب الى قوله الاخر، فكأنه قد سحر السامعين بذلك (لسان العرب 4: 349). ذكر في البحار الحديث ثم قال ما حاصله: وسمى النبي (صلى الله عليه وآله) بعض البيان سحرا لوجهين: الاول: انه لدقته ولطفه يستميل القلوب الى المتكلم. والثاني: ان المقتدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا، وتقبيح ما يكون حسنا، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه (البحار 59: 277).

[ 451 ]

مأخذها وهي ليست من السحر في شئ كثيرة جدا، كالقوى الكهربائية والراديوات والطائرات وبعض اقسام ادوات الحرب وغير ذلك مما لا يعرفه اكثر الناس خصوصا الصناعات المستحدثة. وقد ظهر مما ذكرناه الفرق بين السحر وبين المعجزة والشعوذة، فانك قد عرفت في البحث عن حرمة التصوير اجمالا ان الاعجاز امر حقيقي له واقعية الا أنه غير جار على السير الطبيعي، بل هو امر دفعي خارق للعادة، وأما المقدمات الطبيعية فكلها مطوية فيه كجعل الحبوب اشجارا وزروعا والاحجار لؤلؤا ويواقيت دفعة واحدة، ومنه صيرورة عصا موسى (عليه السلام) ثعبانا وصيرورة الاسد المنقوش على البساط حيوانا مفترسا بامر الامام (عليه السلام) في مجلس الخليفة، وقد تقدم ذلك في المبحث المذكور. وأما السحر، فقد عرفت انه ليست لها حقيقة واقعية اصلا. وأما الشعوذة، فسيأتي انها عبارة عن الخفة في اليد والسرعة في الحركة، المعبر عنها في لغة الفارس بكلمة: تردستي وتند كاري، فان المشعوذ الحاذق يفعل الامور العادية والافعال المتعارفة بتمام السرعة بحيث يشغل اذهان الناظرين باشياء ويأخذ حواسهم إليها ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ويتعجبون منه، ولكن الصادر منه امر واقعي كأخذ الاشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها، فالنقل والانتقال امر حقيقي ولكن الناظر لا يلتفت الى الناقل. وهذا بخلاف السحر فانه امر خيالي محض كما عرفت التنبيه عليه، ومن هنا اتضح الفرق بين الشعوذة والمعجزة ايضا. وأما ما ذكره الاصحاب من بيان حقيقه السحر واسبابه واقسامه،

[ 452 ]

فكلها تقريبية، فان انطبق على ما ذكرناه فهو والا فيرد الى قائله، وهو أعرف بمقاله. أقسام السحر: ولا بأس بالتعرض لما ذكره الاصحاب من اقسام السحر، ليعلم هل انها مشمولة لما دل على حرمة السحر ام لا، وقد تكلم عليها العلامة المجلسي في البحار (1) واطال الكلام فيها موضوعا وحكما نقضا وإبراما، وحاصل كلامه في تحقيق اقسام السحر انه على أنواع شتى: 1 - سحر الكدانيين الذين كانوا من قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون كونها مدبرة للعالم السفلى ومبادي لصدور الخيرات والشرور، وقد بعث الله ابراهيم (عليه السلام) مبطلا لمقالتهم وهدم اساس مذهبهم. وهم على فرق ثلاث، فان منهم من يزعم ان الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم، ومنهم من يزعم انها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها، ومنهم من يزعم انها حادثة مخلوقة ولكنها فعالة مختارة فوض خالقها امر العالم إليها. والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعالة بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بالعالم السفلى وحوادثه، ويعرف معدات هذه الحوادث ليعدها، وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية، فيكون متمكنا من استحداث ما يخرق العادة - انتهى ملخص كلام المجلسي (رحمه الله) في النوع الاول.


1 - البحار 59: 277 - 297.

[ 453 ]

أقول: قد عرفت ان السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه من دون أن يكون له واقعية، فاستحداث الامور الخارقة للعادة ليس من السحر، ولو تمكن احد من احداث الامور الغريبة بواسطة القوة النفسانية الحاصلة بالرياضة أو بصرف المقدمات، فلا يقال له انه ساحر، بل لا دليل على حرمته، فان هذا شعار اهل الكرامة. نعم لاشبهة في كفر الفرق المذكورة، كما اعترف به المجلسي (رحمه الله) حتى الفرقة الثالثة القائلة بتفويض امر العالم الى الكواكب، فان قولهم هذا مخالف لضرورة الدين، فان الله هو الذي يحيي ويميت، ويهب لمن يشاء ذكورا ويهب لمن يشاء اناثا، ويصور في الارحام كيف يشاء. 2 - سحر اصحاب الاوهام والنفوس القوية، فقد ثبت بالوجوه العديدة امكان تسلط النفوس على جوارح الغير واعضائه، فتسخره للقيام بحرمات وتأدية اعمال على غير ارادة منه ومن دون وساطة شئ آخر، وهذه النفوس قد تكون لرياضتها قوية صافية عن الكدورات البدنية، فتستغني في تأثيرها عن الاستعانة بأدوات من خارجها وتصدر عنها الامور الغريبة الخارقة للعادة، وقد تكون ضعيفة وممزوجة باوساخ المواد فتحتاج في اتمام تأثيرها الى الاستعانة بأدوات سحرية اخرى - انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني. أقول: لا شبهة ان بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثر في الامور التكوينية وتصرفها عن وجهها صرفا حقيقيا، كايقاف الماشي عن المشي، والمياه الجارية عن الجريان، بل قيل ان هذا المعنى مكنون في الاسد بحسب الغريزة والطبيعة. فانه إذا نظر الى حيوان أوقفه عن المشي والحركة، الا أنه لا دليل على حرمته بعنوان الاولى ما لم يترتب عليه شئ من العناوين المحرمة، بل

[ 454 ]

نمنع عن صدق السحر عليه، وانما هو نحو من الكرامة ان كان بطريق حق، ومن الكفر أو الفسق ان كان بطريق الباطل. ولا نظن أن يتوهم احد ان تصفية النفس بالرياضات الحقة حتى تصير مؤثرة في الامور التكوينية من المحرمات بل هو مطلوب في الشريعة المقدسة إذا كان بالاطاعة والتقوى، ومن المعروف المشهور ان سلمان (رضي الله عنه) قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه الى حد ان انقادت الامور التكوينية لارادته والتزمت فرض طاعته. 3 - الاستعانة بالارواح الارضية، واعلم ان القول بوجود الجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة، وأما أكابر الفلاسفة فانهم لم ينكروا القول بوجود الجن ولكنهم سموها بالارواح الارضية، وهي بأنفسها مختلفة الاصناف، فان منها خيرة ومنها شريرة، وقد شاهد اهل الصنعة والتجربة ان الاتصال بها يحصل بامور خفيفة وبأفعال سهلة لا مشقة في ايجادها، كالبرق والدخن والتجريد، وقد سموا هذا النوع بالعزائم وعمل تسخير الجن - انتهى حاصل كلام المجلسي في النوع الثالث. أقول: لا ريب في خروج هذا النوع ايضا من السحر موضوعا وحكما، تعليما وتعلما، بل لا دليل على حرمته في نفسه الا إذا ترتب عليه عنوان محرم من ايذاء انسان والاضرار به، أو كانت مقدماتها محرمة فيحرم الاشتغال بها، والا فلا يحرم استخدام الجن وكشف الغائبات بواسطتهم، بل لا دليل على حرمة ايذاهم. 4 - التخيلات والاخذ بالعيون، وهذا النوع يتضح بامور: الاول: وقوع الاغلاط في البصر كثيرا، فان الساكن قد يرى متحركا وبالعكس.

[ 455 ]

كما ان راكب السفينة إذا نظر الى البحر يرى السفينة ساكنة ويرى الماء متحركا، والقطرة النازلة من السماء ترى خطا مستقيما، والشعلة الجوالة ترى دائرة من النار، والاشياء الصغيرة ترى في الماء كبيرة، وغير ذلك من اغلاط البصر. الثاني: ان المحسوسات قد يختلط بعضها ببعض إذا كانت مدركة بسرعة النظر، لان القوة الباصرة إذا وقفت على محسوس وقوفا تاما في زمان معتد به ادركته على نحو لا يشتبه بغيره كثيرا، واما إذا ادركته في زمان قليل ثم ادركت محسوسا آخر وهكذا فانه يختلط بعضه ببعض. الثالث: انه قد تشغل النفس بشئ فلا تشعر حينئذ بشئ، وان كان حاضرا عند الانسان كالوارد على السلطان فانه قد يلقاه شخص فيتكلم معه ولكن لا يلتفت إليه، والناظر في المرآة يرى القذارة في عينيه ولايرى اكبر منها. إذا عرفت هذه الامور اتضح لك تصوير هذا النوع من السحر، فان المشعبذ الحاذق يشغل اذهان الناظرين بامور ويأخذ بأبصارهم ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة، فيظهر لهم غير ما انتظروه فيتعجبون منه. أقول: هذا النوع هو المعروف بالشعوذة فلا يرتبط بالسحر، وسيأتي انه لا دليل على حرمتها، فانها ليست الا الحركة السريعة في الاعضاء فلا معنى لحرمتها في نفسها الا إذا اقترنت بعناوين محرمة، نعم اطلق عليها السحر في خبر الاحتجاج المتقدم في الحاشية، فانه قد ذكر الامام (عليه السلام) فيه: ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفة، الا أنه على سبيل المجازية، فقد عرفت الفرق بين السحر والشعوذة وعدم صدق كل منهما على الاخر.

[ 456 ]

5 - الاعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الالات على النسب الهندسية، كراقص يرقص، وكفارسين يقتتلان، وكراكب على فرسه وفي يده بوق كلما مضى ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه احد، ومن هذا القبيل الصور المصنوعة لاهل الروم والهند، بحيث يراها الناظر إليها انسانا على كيفيات مختلفة ضاحكة وباكية حتى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت. فهذه الوجوه كلها من لطائف التخابيل، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب، ومن ذلك ايضا تركيب صندوق الساعات، وعلم جر الاثقال والاجسام العظيمة بآلات خفيفة، وهذا النوع في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من السحر فان لها اسبابا معلومة معينة، ومن اطلع عليها قدر على ايجادها وحيث لم يصل إليها الا الفرد النادر لصعوبتها عدها اهل الظاهر من السحر - انتهى ملخص كلامه. أقول: ان ايجاد الصنايع المعجبة وتركيب الامور الغريبة كما هو المعروف كثيرا في العصر الحاضر، كالطائرات والقطارات والسيارات وسائر أدوات النقل والالات العجيبة المعدة للحرب ليس من المحرمات بعناوينها الاولية الا إذا انطبقت عليه عناوين محرمة اخرى، وليس من مقولة السحر كما اعترف به المجلسي، ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل. 6 - الاستعانة بخواص الادوية، مثل ان تجعل في الطعام بعض الادوية المبلدة أو المزيلة للعقل، أو الدخن المسكر البخور، أو عصارة البنج المجعول في الملبس، وهذا مما لا سبيل الى انكاره، فان اثر المغناطيس شاهد - انتهى ملخص كلام المجلسي. أقول: هذا النوع ايضا خارج عن السحر موضوعا وحكما، وانما هي

[ 457 ]

اسرار يكتشفها علم الكيمياء وقد يستعان بها في علم الطب، ولو كانت الاستعانة بالادوية محرمة للزم القول بحرمة علم الطب ولم يلتزم به احد، بل وجوبه من الضروريات عند الملل وعقلاء العالم. 7 - تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر علم الكيمياء (1) وعلم الليمياء (2) والاسم الاعظم، ويدعي ان الجن يطيعونه، فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التميز اعتقد بذلك وتعلق قلبه به، ويلزم ذلك أن يحصل فيه الرعب والخوف ويفعل فيه الساحر ما يشاء، مع أن تلك الدعاوي ليس لها اصل، ومن جرب هذا المعنى واهله علم ان لتعليق القلب اثرا عظيما من حيث الخوف والرجاء كليهما. وفيه: انه لا وجه لجعله من اقسام السحر، وانما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع، على أن تعليق القلب لو كان سحرا لكانت الاستمالة بمطلقها سحرا محرما، سواء كانت بالامور الواقعية ام بغيرها. 8 - النميمة. وفيه: انها وان كانت محرمة بالضرورة عند الفريقين بل عند العقلاء الا أنها اجنبية عن السحر وعن مورد الاخبار الدالة على كفر الساحر ووجوب قتله، فان من البديهي ان النمام ليس بكافر ولا يجوز قتله. وعلى الجملة لم يتحصل لنا من الاقسام المذكورة ما يكون سحرا ومحرما بعنوانه، فانحصر السحر المحرم بما ذكرناه، اعني صرف الشئ


1 - الكيمياء: علم يراد به تحويل بعض المعادن الى بعض، وعلى الخصوص تحويلها الى الذهب (محيط المحيط: 801). 2 - الليمياء أو السيمياء: علم يطلق على غير الحقيقي من السحر، وحاصله احداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحس، وقد يطلق على ايجاد تلك المثالات بصورها في الحس، وتكون صورا في جوهر الهواء (محيط المحيط: 443).

[ 458 ]

عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه، وقد تقدم ان هذا هو المورد للاخبار الدالة على حرمة السحر. ثم انه ورد في جملة من الروايات المتقدمة ما دل على كفر الساحر، وفي الروايات الاخرى المتقدمة في الحاشية انه يقتل. أما الحكم بالكفر فلا يمكن أن يراد به الكفر المصطلح في الشريعة المقدسة، ضرورة عدم جريان احكام الكفر عليه من قسمة الاموال وبينونة زوجته والحكم بنجاسته، فيشمله ما دل على اسلام من أقر بالشهادتين والمعاد، على أنا لم نر ولم نسمع من يعامل الساحر معاملة الكافر حتى في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام). ويؤيد ما ذكرناه ما سيأتي في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر من قوله (عليه السلام) للساحر الذي اخذ السحر صناعة لنفسه: حل ولا تعقد (1)، فلو كان السحر موجبا للكفر لحكم أبو عبد الله (عليه السلام) بكفره، ولكن الرواية مجهولة. وكيف كان فما دل على كفر الساحر لا بد من حمله اما على مستحل السحر، واما على من يعارض به القرآن والنبوة، ويدعي به الرسالة أو الامامة، أو يدعي ما لا يقدر عليه الا الله. ويدل على الاخير ما في رواية العسكري (عليه السلام) في قصة هاروت وماروت، من قوله (عليه السلام): فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار ودعاء الناس الى أن يعتقدوا انك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه الا الله، فان ذلك كفر (2)، ولكن الرواية ضعيفة السند،


1 - الكافي 5: 115، الفقيه 3: 110، التهذيب 6: 364، قرب الاسناد: 25، عنهم الوسائل 17: 146. 2 - عيون الاخبار 1: 266، عنه الوسائل 17: 147.

[ 459 ]

وسنتعرض لها في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر. وأما الحكم بقتله، فهو المشهور بين الاصحاب بل في كلمات غير واحد منهم دعوى الاجماع عليه، من دون فرق بين المستحل وغيره. وفي حدود الرياض: يقتل الساحر إذا كان مسلما ويعزر إذا كان كافرا بلا خلاف فتوى ونصا، ثم قال: ان مقتضى اطلاق النص والفتوى بقتله عدم الفرق فيه بين كونه مستحلا ام لا، وبه صرح بعض الاصحاب، وحكي آخر من متأخر المتأخرين قولا بتقييده بالاول، ووجهه غير واضح (1). أقول: قد ورد في الروايات العديدة المتقدمة في اول المسألة ان حد الساحر هو القتل، الا أنها روايات ضعيفة وغير منجبرة بالشهرة الفتوائية، فقد عرفت مرارا انها لا تجبر ضعف الرواية، وعليه فان تم الاجماع والتسالم على ذلك اخذ به والا فعمومات ما دل على حرمة قتل النفس محكمة. نعم إذا كان الساحر مستحلا للسحر أو كان يعارض به بعض المناصب الالهية وجب قتله، الا أن القتل لم يجب عليه بما انه ساحر بل بما انه منكر لما هو من ضروريات الاسلام. قوله: وبعضها قد ذكر فيما ذكره في الاحتجاج. أقول: قد ظهر مما تقدم ان اطلاق السحر على بعض الامور المذكورة في خبر الاحتجاج، كالسرعة والخفة والنميمة انما هو بنحو من العناية والمجاز، على أن الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ. قوله: واما الاقسام الاربعة المتقدمة من الايضاح - الخ.


1 - رياض المسائل 2: 482.

[ 460 ]

أقول: قال في محكي الايضاح: ان استحداث الخوارق اما بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب، أو بتمزيج القوى السماوية بالقوى الارضية وهي الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالارواح الساذجة وهي العزائم، ويدخل فيه النيرنجات، والكل حرام في شريعة الاسلام، ومستحله كافر (1). وتبعه المصنف في ذلك لوجهين: 1 - شهادة المجلسي (رحمه الله) في البحار بدخولها في السحر عند اهل الشرع، فتشملها الاطلاقات. 2 - دعوى فخر الدين في الايضاح كون حرمتها من ضروريات الدين، وهذا الوجه يوجب الاطمينان بالحكم وباتفاق العلماء عليه في جميع الاعصار. أما الوجه الاول فيرد عليه أولا: انه لا حجية في شهادة المجلسي لاستناده الى اجتهاده، وقد اعترف به المصنف ايضا فيما سيأتي، فقد قال: لكن الظاهر استناد شهادتهم الى الاجتهاد. وثانيا: انا لم نجد في كلام المجلسي شهادة على كون الاقسام المذكورة من السحر عند عرف الشارع، فانه قال: ان لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل مخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ثم ذكر الانواع المتقدمة، وأي شهادة في ذلك على مقصود المصنف. وثالثا: انك قد عرفت خروج كثير من الاقسام المزبورة، بل كلها عن


1 - ايضاح الفوائد 1: 405.

[ 461 ]

حقيقة السحر، بل يكفي الشك في منع شمول الاطلاقات لها، لعدم جواز التمسك بها عند الشك في الصدق. ورابعا: ما ذكره المصنف فيما سيأتي من معارضة شهادة المجلسي بما ذكره الفخر، من اخراج علمي الخواص والحيل من السحر، وبما ذكره صاحب المسالك (1) وغيره من تخصيصهم السحر بما يحدث ضررا، وبما ذكره العلامة من تخصيصه السحر بما يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، وهذه الشهادات من هؤلاء الاعيان تكشف عن عدم العموم في لفظ السحر لجميع ما تقدم، وعن كون الاطلاق في جملة منها مجازا. ومن هنا ظهر الجواب عن الوجه الثاني ايضا، على أن الدعوى المذكورة لا توجب الاطمينان بالحكم الا في المورد المتيقن، كالاضرار بالمسحور في عقله أو بدنه أو ماله، أو ما يرجع إليه من شؤونه، وأما في غير الموارد المتيقنة فانه لا دليل على حرمة الاستعانة بالامور المتقدمة، بل ربما تكون مطلوبة لابطال سحر مدعي النبوة والامامة، ومع الشك فيه فأصالة البراءة محكمة. عدم اختصاص حرمة السحر بالمضر منه: هل تختص حرمة السحر بالمضر منه أو تعم غير المضر ايضا؟ فيه خلاف، فالمحكي عن الشهيدين في الدروس (2) والمسالك (3) ان المعتبر في السحر الاضرار، وعن شارح النخبة: ان ما كان من الطلسمات مشتملا على اضرار أو تمويه على المسلمين أو الاستهانة بشئ من حرمات الله


1 - المسالك 3: 128. 2 - الدروس 3: 163. 3 - المسالك 3: 128.

[ 462 ]

فهو حرام، سواء عد من السحر ام لا، وعن جملة من الاكابر: انه حرام مطلقا سواء أكان مضرا ام لا، تمسكا بظاهر الاطلاقات المتقدمة. ومن هنا ظهر انه لا وجه لتقييد السحر بما كان مؤثرا في بدن المسحور أو عقله أو قلبه من غير مباشرة، كما عرفته عن العلامة في القواعد. وقد يستدل على اختصاص حرمة السحر بالمضر منه ببعض الروايات الواردة في قصة هاروت وماروت، وسيأتي ذكرها. وفيه أولا: ان هذه الروايات ضعيفة السند. وثانيا: انه لا تنافي بينها وبين المطلقات الدالة على حرمة السحر مطلقا. قوله: فمثل احداث حب مفرط في الشخص يعد سحرا. أقول: الوجه فيه ما ورد في بعض الاحاديث من تشديد النبي (صلى الله عليه وآله) المرأة التي صنعت ذلك لزوجها واستقباله اياها باللعن والتوبيخ وحكمه عليها بعدم قبول التوبة (1). وفيه أولا: انه ليس في الرواية ما يدل على كون المصنوع سحرا.


1 - عن اسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامرأة سألته أن لي زوجا وبه على غلظة وانى صنعت شيئا لاعطفه على، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): اف لك، كدرت البحار، وكدرت الطين، ولعنتك الملائكة الاخيار، وملائكة السماوات والارض، قال: فصامت المرأة نهارها، وقامت ليلها، وحلقت رأسها، ولبست المسوح، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ان ذلك لا يقبل منها (الفقيه 3: 282، عنه الوسائل 20: 247)، موثقة للسكوني. وقريب منها ما في الجعفريات (الجعفريات: 99، عنه المستدرك 14: 297)، مجهولة لموسى بن اسماعيل. أقول: المسح - بكسر الميم - البلاس يقعد عليه والكساء من شعر، وما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا، ج امساح ومسوح.

[ 463 ]

وثانيا: ان العمل بها يقتضي حرمة ادخال الزوجة حبها في قلب الزوج، وان كان ذلك بالاخلاق الحسنة والافعال المرضية، مع أنه مطلوب في الشريعة المقدسة، وقد امر به في الاخبار المتظافرة بل المتواترة المذكورة في أبواب مقدمات النكاح، وعليه فلا بد من حمل الرواية على كون المصنوع امرا غير مشروع يوجب تكدر البحار والطين واستحقاق المرأة باللعن. وثالثا: ان الرواية مخالفة للقواعد، فانها مشتملة على عدم قبول التوبة من المرأة التي صنعت لزوجها شيئا يوجب المحبة والعطف، مع أن الثابت في الاسلام جواز توبة المرأة المرتدة، سواء أكانت فطرية ام ملية، ومن المقطوع به ان سحرها لا يزيد على الارتداد. ويضاف الى جميع ما ذكرناه ان الرواية ضعيفة السند. جواز دفع ضرر السحر بالسحر: قوله: بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر. أقول: وقد يستدل على الجواز بالروايات الواردة في قصة هاروت وماروت (1) وغيرها، فانها تدل على جواز دفع ضرر السحر بالسحر.


1 - علي عن ابيه قال: حدثني شيخ من اصحابنا، قال: دخل عيسى بن سيفي - وفي نسخة الكافي: شفقي - على أبي عبد الله (عليه السلام) وكان ساحرا يأتيه الناس، ويأخذ على ذلك الاجر وسأله عن ذلك، قال (عليه السلام): حل ولا تعقد (الكافي 5: 115، الفقيه 3: 110، التهذيب 6: 364، قرب الاسناد: 25، عنهم الوسائل 17: 146)، مرسلة. أقول: ظاهر الرواية ان الحل والعقد كليهما بالسحر، فحمل الحل على ما كان بغير السحر من الادعية ونحوها بعيد عنها. وفي قصه الملكين ما يدل على جواز دفع ضرر السحر بالسحر (عيون الاخبار 1: 266، عنه الوسائل 17: 147)، ولكن الرواية مرسلة. عن العيون في رواية العسكري (عليه السلام) ما يدل على ذلك (عيون الاخبار 1: 266، عنه الوسائل 17: 147)، ولكنها مجهولة. وفي رواية جهم عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم - الحديث (عيون الاخبار 1: 271، عنه الوسائل 17: 147)، مجهول.

[ 464 ]

وفيه: انها وان كانت ظاهرة الدلالة على ذلك، ولكنها ضعيفة السند فلا يمكن الاستناد إليها. نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالاية الواردة في قصة هاروت وماروت (1)، بتقريب ان السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه اصلا، فجواز التعليم يدل على جواز العمل به في الجملة، والقدر المتيقن منه هو صورة دفع ضرر الساحر. وكيف كان فلا ريب في انه قد يجب إذا توقفت عليه مصلحة ملزمة، كما إذا ادعى الساحر منصبا من المناصب الالهية كالنبوة والامامة. التسخير ليس من السحر: وقد يقال بان من السحر التسخيرات باقسامها، حتى تسخير الحيوانات، بدعوى ان تعاريف السحر صادقة عليها، حتى ان الشهيدين (2) مع اخذهما الاضرار في تحريم السحر ذكروا ان استخدام


1 - البقرة: 96، قوله تعالى: وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر. 2 - الدروس 3: 163، المسالك 3: 128.

[ 465 ]

الملائكة والجن من السحر، وعليه فتشملها الاطلاقات المتقدمة الدالة على حرمة السحر بجميع شؤونه. وفيه: انك قد عرفت خروج الاستعانة بالارواح الارضية واستخدام الجن من السحر موضوعا وحكما، وحينئذ فان انطبق على ذلك شئ من العناوين المحرمة حكم عليه بالحرمة لتلك الجهة المحرمة لا لكونه سحرا. كما إذا اشتملت التسخيرات على المقدمات المحرمة، أو كان المسخر - بالكسر - لعمله ذلك عرضا للتضرر أو التلف أو الجنون، أو لارتكاب شئ آخر من الامور غير المشروعة، أو كان المسخر - بالفتح - مؤمنا من الانس أو ملكا، وكان التسخير ظلما عليهم، ومع انتفاء العناوين المحرمة فلا وجه للحرمة، كتسخير الكفار من الانس والجن، وان اشتمل ذلك على ايذائهم، والا لما جاز قتل الكفار واخذ الجزية منهم وهم صاغرون. وكذلك يجوز تسخير الحيوانات مطلقا، خصوصا المؤذيات منها، كالعقارب والحيات والسباع، والا لما جاز استخدام الحمولة وقتل المؤذيات منها. وقد أجاد المحقق الايرواني حيث قال: فالامر في تسخير الحيوانات أوضح، فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر والغلبة والضرب، ومع ذلك لا يجوز تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعا (1).


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 28.

[ 466 ]

المسألة (11) الشعوذة قوله: الحادية عشرة: الشعبذة حرام بلا خلاف. أقول: الشعوذة (1)، هي اللعبة المعروفة، اعني الخفة في الحركة المعبر عنها في لغة الفرس بكلمة: تردستي، وأما الذي يترتب على الشعوذة فهو امر واقعي، فان المشعوذ يفعل ما يفعله سائر الناس من الامور العادية، الا أنه يشغل اذهان الناظرين بسرعة حركته وخفة يده، بحيث يتعجبون من افعاله، من غير ان تكون تلك الافعال الصادرة منه خيالية محضة كما في السحر، أو غير جارية على السير الطبيعي كما في المعجزات، على ما عرفت من التفرقة بينها وبين السحر والمعجزة في المسألة السابقة. ويمكن أن تكون الشعوذة أعم من السحر، ويظهر ذلك من ملاحظة ما ذكره بعض اللغويين مع ملاحظة ما ذكرناه في معنى الشعوذة بحسب


1 - في لسان العرب: الشعوذة خفة في اليد واخذ كالسحر يرى الشئ بغير ما هو عليه اصله في رأي العين، والشعوذة السرعة، وقيل: هي الخفة في كل امر (لسان العرب 3: 495). .

[ 466 ]

المسألة (11) الشعوذة قوله: الحادية عشرة: الشعبذة حرام بلا خلاف. أقول: الشعوذة (1)، هي اللعبة المعروفة، اعني الخفة في الحركة المعبر عنها في لغة الفرس بكلمة: تردستي، وأما الذي يترتب على الشعوذة فهو امر واقعي، فان المشعوذ يفعل ما يفعله سائر الناس من الامور العادية، الا أنه يشغل اذهان الناظرين بسرعة حركته وخفة يده، بحيث يتعجبون من افعاله، من غير ان تكون تلك الافعال الصادرة منه خيالية محضة كما في السحر، أو غير جارية على السير الطبيعي كما في المعجزات، على ما عرفت من التفرقة بينها وبين السحر والمعجزة في المسألة السابقة. ويمكن أن تكون الشعوذة أعم من السحر، ويظهر ذلك من ملاحظة ما ذكره بعض اللغويين مع ملاحظة ما ذكرناه في معنى الشعوذة بحسب


1 - في لسان العرب: الشعوذة خفة في اليد واخذ كالسحر يرى الشئ بغير ما هو عليه اصله في رأي العين، والشعوذة السرعة، وقيل: هي الخفة في كل امر (لسان العرب 3: 495). وعن المصباح: شعوذ الرجل شعوذة، ومنهم من يقول: شعبذه شعبذة، وهو بالذال المعجمة، وليس من كلام اهل الباديه، وهي لعب يرى الانسان ما ليس له حقيقة كالسحر (المصباح: 314). وفي اقرب الموارد: الشعبذة كشعوذة زنة ومعنى، وفيه ايضا الشعوذة، وهي خفة في اليد واخذ كالسحر، يرى الشئ في رأي العين بغير ما عليه اصله. وفي المنجد: الشعبذة كشعوذة زنة ومعنى، وفيه ايضا الشعوذة وهي خفة في اليد واعمال كالسحر ترى الشئ في العين بغير ما هو عليه (المنجد: 388). وفي مجمع البحرين: الشعبذة هي الحركة الخفيفة (مجمع البحرين 2: 90).

[ 467 ]

المتفاهم العرفي، ولكن الظاهر هو ما ذكرناه من المبائنة بينهما. وقد استدل المصنف (رحمه الله) على حرمة الشعوذة بامور: 1 - الاجماع. وفيه: انه ليس هنا اجماع تعبدي، لاحتمال استناده الى سائر الوجوه المذكورة في المسألة. 2 - انه من اللهو والباطل. وفيه: انه ممنوع صغرى وكبرى، أما الوجه في منع الصغرى فلانا لا نسلم كونها من اللهو والباطل إذا ترتب عليها غرض عقلائي، وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على حرمتهما على الاطلاق، بل الحرام منهما هو القسم الخاص. 3 - قوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج: ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفة. وفيه أولا: انه ضعيف السند وغير منجبر بشئ، وقد تقدم ذلك آنفا، وأما جبره بالاجماع المحكي، فان الاجماع ان كان حجة في نفسه لزم اتباعه لذلك والا فان ضم غير الحجة الى مثله لا يفيد الاعتبار. 4 - صدق بعض تعاريف السحر على الشعوذة، فتكون مشمولة لما دل على حرمة السحر. وفيه: انك قد عرفت خروجها عن حدود السحر موضوعا وعدم صدقه عليها. المسألة (12) الغش حرام قوله: الثانية عشرة: الغش حرام بلا خلاف.

[ 468 ]

أقول: لا شبهة في حرمة غش المسلم في الجملة بلا خلاف بين الشيعة واهل السنة (1)، لتواتر الروايات من طرقنا، ومن طرق العامة (2)،


1 - في فقه المذاهب: نهي عن الغش والتدليس ومدح السلعة بما ليس فيها، وكتم ما بها من عيب ونحو ذلك (فقه المذاهب الاربعة 2: 284). 2 - عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس منا من غشنا (الكافي 5: 160، التهذيب 7: 12، عنهما الوسائل 17: 279)، صحيحة. وبهذا الاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل يبيع التمر: يا فلان أما علمت انه ليس من المسلمين من غشهم (الكافي 5: 160، التهذيب 7: 12، عنهما الوسائل 17: 279)، صحيحة. وعن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل عليه رجل يبيع الدقيق فقال: اياك والغش، فان من غش غش في ماله، فان لم يكن له مال غش في اهله (الكافي 5: 160، التهذيب 7: 12، عنهما الوسائل 17: 281)، مرسلة. وعن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أن يشاب اللبن بالماء للبيع (الكافي 5: 160، الفقيه 3: 173، التهذيب 7: 12، عنهم الوسائل 17: 280)، موثقة للسكوني. وعن هشام بن الحكم قال: كنت أبيع السابري في الظلال، فمر بي أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي: يا هشام ان البيع في الظلال غش، والغش لا يحل (الكافي 5: 160، الفقيه 3: 172، التهذيب 7: 13، عنهما الوسائل 17: 280)، حسنة لابراهيم بن هاشم. أقول: السابري ثوب رقيق جيد. عن زينب العطارة الحولاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا بعت فأحسني ولا تغشي، فانه أنقى لله وأبقى للمال (الكافي 8: 153، الفقيه 3: 173، عنهما الوسائل 17: 281)، حسنة للحسين بن زيد. في حديث المناهي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: ومن غش مسلما في شراء أو بيع فليس منا، ويحشر يوم القيامة مع اليهود، لانهم أغش الخلق للمسلمين (الفقيه 4: 8، عنه الوسائل 17: 282)، مجهولة لشعيب بن واقد. عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد وسعرهما شتى، وأحدهما خير من الاخر، فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد، فقال: لا يصلح له أن يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه (الكافي 5: 183، الفقيه 3: 129، التهذيب 7: 34، عنهم الوسائل 18: 112)، حسنة لابراهيم بن هاشم. الى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدمة. أما في روايات العامة، فراجع سنن البيهقي 5: 320.

[ 469 ]

بل هي من ضروريات مذهب المسلمين. والعجب من المحقق الايرواني حيث الغى عنوان الغش عن الموضوعية والتزم بحرمته للعناوين الثانوية، من الكذب واكل اموال الناس بلا رضى منهم (1). ولا ريب ان الروايات حجة عليه، لظهورها في حرمة الغش في نفسه، فإذا تحقق موضوعه في مورد ترتب عليه حكمه، كسائر القضايا الحقيقية، وسيأتي ان موضوع الغش امر عرفي. فقد ظهر انه لا وجه لما ارتكبه المحقق المذكور من السبر والتقسيم في نفي موضوعية الغش، بدعوى انه لا دليل على حرمة شوب اللبن بالماء، ولا على حرمة عرض المشوب على البيع، ولا على حرمة مجرد الانشاء، فتعين أن يكون الغش المحرم اخذ قيمة غير المغشوش بازاء المغشوش. موضوع الغش: لا شك في ان الغش ليست له حقيقة شرعية ولا متشرعية، بل المراد به


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 29.

[ 470 ]

ما جرى عليه العرف واللغة (1)، من كونه بمعنى الكدر والخديعة والخيانة، ويعبر عنه في لغة الفرس بكلمة: گول زدن، ولا يتحقق ذلك الا بعلم الغاش وجهل المغشوش، فإذا كان كلاهما عالمين بالواقع أو جاهلين به، أو كان الغاش جاهلا والمغشوش عالما انتفى مفهوم الغش. ثم انه لا يعتبر في مفهوم الغش انحصار معرفته بالغاش، فان اكثر افراد الغش يعرفه نوع الناس بامعان النظر، خصوصا من كان من اهل الفطانة والتجربة، ومن كان شغله الغش، فانه لا شبهة ان من الغش جعل الجيد من الحبوب على ظاهر الصبرة ورديه في باطنها، وبيع الامتعة في الظلال، و من الواضح ان نوع الناس يلتفتون الى الغش في امثال ذلك بتدقيق النظر، ولو اختص مفهوم الغش بما انحصر طريق معرفته بالغاش لم يبق له الا مورد نادر. نعم قد تنحصر معرفته بالغاش كمزج اللبن بالماء، وخلط الدهن الجيد بالدهن الردي، ووضع الحرير ونحوه في مكان بارد ليكتسب ثقلا، وبيع الحيوان مسموما لا يبقى ازيد من يوم ويومين، وغير ذلك من الموارد التي لا يطلع على الغش الا خصوص الغاش فقط، ولكن هذا لا يوجب اختصاص الغش بتلك الموارد وعدم تحقق مفهومه في غيرها. وقد ظهر مما ذكرناه ان الغش لا يصدق لغة ولا عرفا على الخلط


1 - في لسان العرب: الغش نقيض النصح، وهو مأخوذ من الغشش المشرب الكدر، انشد ابن الاعرابي: ومنهل تروي به غير غشش، اي غير كدر ولا قليل، قال: ومن هذا الغش في البياعات (لسان العرب 6: 323). وفي مجمع البحرين: المغشوش الغير الخالص (مجمع البحرين 4: 145). وفي المنجد: غشه أظهر له خلاف ما اضمره، وخدعه، الغش بالكسر اسم من الغش، بالفتح الخيانة، المغشوش غير الخالص (المنجد: 550).

[ 471 ]

الظاهر الذي لا تحتاج معرفته الى امعان النظر، فإذا مزج الردي بالجيد مزجا يعرفه اي ناظر إليه من الناس بغير تدقيق النظر، وجعل الردي في ظاهر الصبرة والجيد في باطنها فان ذلك لا يكون غشا، ويدل على ذلك بعض الاحاديث (1). تذييل: ان ظاهر المطلقات المتقدمة هو حرمة الغش على وجه الاطلاق، سواء أكان في المعاملة ام في غيرها، الا أنه لا بد من صرفها الى خصوص المعاملات في الجملة، بداهة انه لا بأس بتزيين الدور والالبسة والامتعة لاراءة انها جديدة مع أنها عتيقة، وكذلك لا بأس باطعام الطعام المغشوش، وسقي اللبن الممزوج للضيف وغيره، وبذل الاموال المغشوشة للفقراء، بل يمكن دعوى عدم صدق الغش في هذه الموارد أو في بعضها. نعم لو اخبر بموافقة الظاهر في ذلك للواقع كان حراما من جهة الكذب، سواء كان اخباره قوليا ام فعليا، وهو اجنبي عما نحن فيه. لا يعتبر في صدق الغش قصد مفهومه: قوله: ويمكن أن يمنع صدق الاخبار المذكورة الا على ما قصد التلبيس. أقول: ظاهر المصنف انه يعتبر في حقيقة الغش قصد مفهومه من التلبيس والخديعة، وأما ما يكون ملتبسا في نفسه فلا يجب عليه


1 - عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) انه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض وبعضه أجود من بعض قال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردي (الكافي 5: 183، التهذيب 7: 33، عنهما الوسائل 18: 112)، صحيحة. ويظهر ذلك من بعض الروايات المتقدمة الدالة على حرمة الغش.

[ 472 ]

الاعلام به. وفيه: انه لا دليل على اعتبار القصد بمعنى الداعي في مفهوم الغش، بداهة كونه من الامور الواقعية، وهي لا تختلف باختلاف الدواعي كالامور القصديه، وانما المعتبر فيه علم البائع بالخلط مع جهل المشتري اياه. وعليه فإذا اختلط الجيد بالردي أو امتزج اللبن بالماء بغير اختيار من المالك ولا رضى وباعهما بدون التنبيه، كان ذلك ايضا غشا محرما لاطلاق الروايات، وعدم دلالة شئ منها على اعتبار القصد في تحقق الغش. ومما ذكرناه ظهر بطلان ما في الرياض، من قوله: ثم لو غش لا بقصده بل بقصد اصلاح المال لم يحرم للاصل، واختصاص ما مر من النص بحكم التبادر بصورة القصد. حكم المعاملة المشتملة على الغش من حيث الصحة أو الفساد: قوله: ثم ان في جامع المقاصد (1) ذكر في الغش بما يخفى بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء وجهين في صحه المعاملة وفسادها. أقول: ضابط الصحة والفساد في المقام هو ما حققناه في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة وغيره، واجماله: ان المبيع اما أن يكون كليا ويكون الغش في الفرد المقبوض، كما إذا باع منا من الحنطة الجيدة ودفع عنها حنطة مغشوشة، فانه لا شبهة في صحة البيع في هذه الصورة، لعدم كون الغش في البيع، وانما هو في


1 - جامع المقاصد 4: 25.

[ 473 ]

تطبيق المبيع الكلي على الفرد الخارجي، فللمشتري تبديله بغيره. واما أن يكون المبيع شخصيا، وهو على اقسام، لان الاوصاف المأخوذة في المبيع قد تكون من قبيل الصورة النوعية في نظر العرف، ولا شبهة في بطلان البيع في هذه الصورة إذا ظهر المبيع مغشوشا، كما إذا باع فلزا على أنه ذهب فبان مذهبا، ووجه البطلان ان ما وقع عليه العقد ليس بموجود وما هو موجود لم يقع عليه العقد. وقد تكون الاوصاف المأخوذة فيه من قبيل وصف الكمال أو الصحة، كما إذا باع عبدا على أنه كاتب أو نجار أو بصير، فبان انه لا يحسن الكتابة والنجارة أو انه اعمى. وحينئذ فان كان العقد معلقا على الوصف بحيث ينتفي البيع مع انتفاء الوصف فهو باطل للتعليق المجمع على كونه مبطلا للعقد، وان كان مشروطا بالوصف حكم بالصحة، وعليه فإذا كان التخلف في الاوصاف الكمالية ثبت خيار تخلف الشرط للمشتري، وإذا كان التخلف في وصف الصحة كان المشتري مخيرا بين الامور الثلاثة الفسخ أو الامضاء بدون الارش أو الامضاء معه. وقد يكون المبيع المجموع المركب من جزئين أو من اجزاء، وهو على قسمين: أحدهما: أن يكون للهيئة الاجتماعية دخل في ازدياد الثمن، بأن كانت واسطة في زيادة مالية المبيع وان لم يقابلها بنفسها جزء من الثمن، كما هو الشأن في عامة الاوصاف حتى ما كان من قبيل الصور النوعية، وعليه فلا شبهة في بطلان البيع في الجزء الفائت وكون المشتري مخيرا في الباقي بين الفسخ والامضاء. ومثاله أن يبيع دورة البحار فيظهر ان احد الاجزاء التي وقع عليها البيع

[ 474 ]

كتاب لغة، أو يبيع مصراعي الباب فيبين انه مصراع واحد، أو يبيع زوجي الخف فيبين انه فرد واحد، أو يبيع عدلي الغرارة - اي الجوالق - فيبين انه عدل واحد، وغير ذلك من الامثلة، فانه لا شبهة في دخل الهيئة الاجتماعية في زيادة المالية في الامور المذكورة، فيترتب عليها الحكم المزبور. وثانيهما: ان لا يكون للهيئة الاجتماعية مساس في زيادة مالية المبيع اصلا بل كان الانضمام كوضع الحجر في جنب الانسان وعليه فلا شبهة في صحة البيع ولزومه بالنسبة الى الجزء الموجود من دون أن يثبت للمشتري خيار تخلف الوصف، كما إذا باع صبرة حنطة بدينارين على أنها وزنتان، فوجد نصفها ترابا فيصح البيع في الوزنة الموجودة ويبطل في الاخرى، فان مرجع ذلك الى بيع كل وزنة من هذه الحنطة بدينار. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف، من أن الغش ان كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة كان له حكم تبعض الصفقة ونقص الثمن بمقدار التراب الزائد. ومن جميع ما ذكرناه يظهر ضعف كلام الشهيد، حيث قال في شرائط الاقتداء من الذكرى: الثالث: يشترط القصد الى امام معين - الى أن قال: - ولو نوى الاقتداء بالحاضر على أنه زيد فبان عمروا ففي ترجيح الاشارة على الاسم فيصح أو بالعكس فيبطل نظر، نظير أن يقول المطلق لزوجة اسمها عمرة: هذه - هنا - زينب طالق، ويشير البايع الى حمار فيقول: بعتك هذا الفرس (1). ومنشأ التردد في ذلك تغليب الاشارة أو الوصف، ويضاف الى ما


1 - الذكرى: 271.

[ 475 ]

ذكرناه انك قد عرفت في مبحث التطفيف ان البيع من الامور القصدية فلا معنى لتردد المتبايعين فيما قصداه. وكذلك ظهر بطلان ما استدل به القائلون بالفساد مطلقا، من أن العقد لم يتعلق بذات المبيع بأي عنوان اتفق بل تعلق بالمبيع بعنوان انه غير مغشوش، فإذا ظهر الغش فقد ظهر ان ما هو المبيع غير موجود وما هو موجود غير المبيع. ووجه البطلان انه انما يتم فيما إذا كانت الاوصاف المختلفة من قبيل الصور النوعية لا مطلقا، وقد اوضحنا ذلك فيما تقدم. وقد يستدل على الفساد بوجوه اخر، قد اشار إليها المصنف: 1 - النهى الوارد عن بيع المغشوش، فانه يدل على فساده. وفيه: انا لم نجد ما يدل على النهي عن بيع المغشوش في نفسه غير خبر موسى بن بكر وخبر الجعفي، وسيجئ الكلام عليهما. 2 - النهى عن الغش الوارد في الروايات الكثيرة، وقد تقدم ذكرها في الحاشية، ومن الواضح ان الغش متحد مع البيع كما تدل عليه رواية هشام المتقدمة: أما علمت ان البيع في الظلال غش، فيدل على الفساد. وفيه: ان النهي انما تعلق بالغش وهو امر خارج عن البيع، والنهي إذا تعلق بأمر خارج عن الشئ لا يدل على فساد ذلك الشئ، وقد حقق ذلك في محله، وأما رواية هشام فهي لا تدل على أزيد من ذلك خصوصا بعد ملاحظة قوله (عليه السلام) في ذيلها: والغش لا يحل، فانه ظاهر في الحكم التكليفي فقط. 3 - خبر موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) فانه: اخذ دينارا من الدنانير المصبوبة بين يديه فقطعها بنصفين، ثم قال: القه في البالوعة حتى

[ 476 ]

لا يباع شئ فيه غش (1)، فان تعليله (عليه السلام) ذلك بأن لا يقع بيع على شئ فيه غش يدل على فساد هذه المعاملة، ونظير ذلك خبر الجعفي (2). قد تقدم الكلام عليهما في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة، مع أنهما ضعيفتا السند كما تقدم في المبحث المذكور. المسألة (13) حرمة الغناء قوله: الثالثة عشرة: الغناء، لا خلاف في حرمته في الجملة. أقول: لا خلاف في حرمة العناء في الجملة بين الشيعة، واما العامة فقد التزموا بحرمته لجهات خارجية (3) والا فهو بنفسه امر مباح عندهم. قال في المستند (4) بعد ان ذكر موضوع الغناء: فلا خلاف في حرمة ما


1 - الكافي 5: 160، التهذيب 7: 12، عنهما الوسائل 17: 280. 2 - التهذيب 7: 109، الاستبصار 3: 97. 3 - في فقه المذاهب: فالتغني من حيث كونه ترديد الصوت بالالحان مباح لا شئ فيه، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراما أو مكروها، وعلى هذا المنهج تفصيل المذاهب الاربعة، ثم قال: فما عن أبي حنيفة من أنه يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب، فهو محمول على النوع المحرم منه (فقه المذاهب الاربعة 2: 42). نقل الغزالي في الاحياء عن الشافعي: لا اعلم احدا من علماء الحجاز كره السماع، وقد استدل الغزالي على الجواز برقص الحبشة والزنوج في المسجد النبوي يوم عيد وأقرهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثم ذكر ان حرمة الغناء من جهة المحرمات الخارجية، راجع فقه المذاهب الاربعة 2: 43) أقول: قد تظافرت الاحاديث من طرقهم في حول الغناء اثباتا ونفيا، راجع سنن البيهقي 10: 221 - 230 4 - المستند 2: 340.

[ 477 ]

ذكرناه انه غناء قطعا، ولعل عدم الخلاف بل الاجماع عليه مستفيض بل هو اجماع محقق قطعا، بل ضرورة دينية، وفي متاجر الرياض: بل عليه اجماع العلماء كما حكاه بعض الاجلاء، وهو الحجة (1). وغير ذلك من كلمات الاصحاب المشتملة على دعوى الاجماع والضرورة على حرمة الغناء. ويدل على حرمته وجوه: 1 - قيام الاجماع عليها محصلا ومنقولا، وفيه: ان دعوى الاجماع على الحرمة في الجملة وان لم تكن جزافية، بل في كلمات غير واحد من الاعلام دعوى الضرورة عليها، الا أنه ليس اجماعا تعبديا، فان من المحتمل القريب استناد المجمعين الى الايات والروايات الدالة على حرمة الغناء. 2 - جملة من الايات الكريمة ولو بضميمة الروايات: منها: قوله تعالى: واجتنبوا قول الزور (2)، ومنه الغناء للروايات الواردة في تطبيقه عليه (3).


1 - رياض المسائل 1: 499. 2 - الحج: 31. 3 - عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: واجتنبوا قول الزور، قال: هو الغناء (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 305)، ضعيفة لسهل. عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قول الزور الغناء (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 305)، ضعيف لدرست بن منصور. وعن ابن أبي عمير مثله مرسلا (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 305). وعن معاني الاخبار: قول الزور الغناء (معاني الاخبار: 349، عنه الوسائل 17: 308)، ضعيف لمظفر العلوي. وعن تفسير علي بن ابراهيم مثله (تفسير علي بن ابراهيم 2: 84)، حسنة لابراهيم بن هاشم. وعن الصدوق مثله مرسلا (المقنع: 54، عنه المستدرك 13: 214).

[ 478 ]

ولا فرق في هذه النتيجة بين كون الغناء نفسه من مقولة الكلام أو هو كيفية مسموعة تقوم به، لاتحادهما في الخارج على كل حال، فلا وجه للخدشة في الروايات الواردة في تفسير الاية بأن مقتضاها ان الغناء من مقولة الكلام مع أنه كيفية تقوم به. ومنها: قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (1)، فقد ذكرت عدة من الروايات ان الغناء من مصاديق لهو الحديث الذي حرمته الاية الكريمة (2)، بل نسبه الطبرسي الى اكثر المفسرين (3)، ولفظ الاشتراء في الاية يجري على ضرب من المجاز، أو على بعض التعاريف التي يذكرها فريق من اللغويين، وقد تقدم ذلك فيما سبق.


1 - لقمان: 5. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الاية (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 304)، حسنة لابراهيم وعلي بن اسماعيل. وعن مهران بن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الغناء مما قال الله: ومن الناس - الاية (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 304)، مجهولة لمهران. وعن الوشاء قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الغناء فقال: هو قول الله: ومن الناس - الاية، ضعيفة لسهل (الكافي 6: 432، عنه الوسائل 17: 306). وفي سنن البيهقي عن ابن مسعود قال: ومن الناس من يشتري - الاية، قال: هو والله الغناء (سنن البيهقي 10: 223). وفي المستدرك 13: 212 - 215 اخرج جملة من الروايات في تطبيق الاية على الغناء، ولكنها ضعيفة السند. 3 - مجمع البيان ط صيدا 4: 312.

[ 479 ]

فلا ضير في أن يتعلق بلهو الحديث وبالغناء، كما ذكرته الروايات، وان لم يكونا من الاعيان. ومنها: قوله تعالى: والذينهم عن اللغو معرضون (1)، بضميمة ما في تفسير القمي، من تطبيق الاية على الغناء (2). ومنها: قوله تعالى: والذين لا يشهدون الزور (3)، فانه قد ورد في بعض الاحاديث تفسير الزور في الاية بالغناء (4)، ويؤيده ما تقدم من الروايات في قوله تعالى: واجتنبوا قول الزور. والروايات المذكورة في تفسير الايات المزبورة وان كان اكثرها ضعيف السند الا أن في المعتبر منها غنى وكفاية. وقد اورد في المستند على دلالة الايات على حرمة الغناء بأن الروايات الواردة في تفسيرها بالغناء معارضة بما ورد في تفسيرها بغيره. وفيه: ان الاحاديث المذكورة في تفسير القرآن كلها مسوقة لتنقيح الصغرى وبيان المصداق، فلا تدل على الانحصار بوجه حتى تقع المعارضة بينهما، وقد اشرنا الى هذا فيما سبق مرارا، وتكلمنا عليه في البحث عن مقدمات التفسير مفصلا.


1 - المؤمنون: 3. 2 - فيه: والذين هم عن اللغو معرضون عن الغناء والملاهي (تفسير القمي 2: 88). 3 - الفرقان: 72. 4 - عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: والذين لا يشهدون الزور، قال: الغناء (الكافي 6: 431، عنه الوسائل 17: 304)، صحيحة. وفي رواية اخرى عنه مثلها (الكافي 6: 433، عنه الوسائل 17: 304)، ولكنها حسنة لابراهيم. في تفسير القمي (2: 117) طبق الاية على الغناء.

[ 480 ]

3 - الروايات (1) الدالة على حرمة الغناء، وحرمة تعليمه وتعلمه وحرمة التكسب به واستماعه، وانه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة، وانه يورث الفقر والقساوة، وينزع الحياء، وانه رقية الزناء، ويرفع البركة، وينزل البلاء كما نزل البلاء على المغنين من بني اسرائيل، وانه مما وعد الله عليه النار وبئس المصير، وانه غش النفاق، وان الغناء مجلس لا ينظر الله الى اهله، وان استماع الغناء نفاق وتعلمه كفر. وان صاحب الغناء يحشر من قبره أعمى وأخرس وأبكم، وان من ضرب في بيته شيئا من الملاهي أربعين يوما فقد باء بغضب من الله، فان مات في اربعين مات فاجرا فاسقا مأواه النار وبئس المصير، وان من اصغي الى ناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان، وان الغناء اخبث ما خلق الله وشر ما خلق الله، وانه يورث الفقر والنفاق، وان من استمع الى الغناء يذاب في اذنه الافك. وغير ذلك من المضامين المدهشة التي اشتملت عليها الاخبار المتواترة والروايات الواردة في حرمة الغناء، وان كان اكثرها ضعيف السند ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية. والعجب من المحقق الاردبيلي حيث قال في محكي شرح الارشاد: ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم، وهو أعرف بمقاله.


1 - راجع الوسائل 17: باب 99 تحريم الغناء، وباب 100 تحريم استعمال الملاهي، وباب 101 تحريم سماع الغناء مما يكتسب به: 303 - 312، والمستدرك 13: 212 - 215 هذه الابواب.

[ 481 ]

رأى المحدث القاساني في حرمة الغناء، والجواب عنه: قال في الوافي (1) ما حاصله: الذي يظهر من مجموع الاخبار الواردة في الغناء هو اختصاص حرمته وحرمة التكسب به، وحرمة تعليمه وتعلمه واستماعه بما كان متعارفا زمن بني امية وبني العباس، من دخول الرجال على النساء وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن بالملاهي على اقسامها، وأما غير ذلك فلا محذور فيه، وعليه فلا بأس بسماع الغناء بما يتضمن ذكر الجنة والنار، والتشويق الى دار القرار، والترغيب الى الله والى عبادته وطاعته، ثم حمل على هذا كلام الشيخ في الاستبصار، وقد استشهد على رأيه هذا بوجوه: 1 - مرسلة الفقيه، سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة (2). 2 - رواية أبي بصير قال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال (3).


1 - الوافي 17: 218 - 223. 2 - عن الصدوق قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور (الفقيه 4: 42، عنه الوسائل 17: 122)، مرسلة. 3 - أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى الى الاعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزوجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (الكافي 5: 119، التهذيب 6: 358، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 120، والاية في لقمان: 6)، ضعيفة لعلي بن أبي حمزة بن سالم البطائني. وعنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها (الكافي 5: 120، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 121)، مجهولة لحكم الحناط.

[ 482 ]

3 - الروايات (1) المشتملة على مدح الصوت الحسن، وعلى استحباب قراءة القرآن به وبالحان العرب، وان لكل شئ حلية وحلية القرآن الصوت الحسن، وان الامام علي بن الحسين (عليهما السلام) كان احسن الناس صوتا بالقرآن، فان المستفاد من جميعها جواز الغناء في نفسه، بل استحبابه في خصوص القرآن وان حرمته انما تكون للامور الخارجية التي قد تقارنه في الوجود. أقول: يرد عليه امور: 1 - ان الظاهر من الروايات المتظافرة بل المتواترة - من حيث المعنى - الناهية عن الغناء وعن جميع ما يتعلق به، هو تحريمه بنفسه مع قطع النظر عن اقترانه بسائر العناوين المحرمة، وقد عرفت جملة منها في الهامش، وعرفت مصادرها فراجع. 2 - انه إذا كان تحريم الغناء انما هو للعوارض المحرمة كان الاهتمام بالمنع عنه في هذه الروايات لغوا محضا، لورود النهي عن سائر المحرمات بأنفسها. 3 - ان ما استشهد به على مقصده لا يفي بمراده: أما مرسلة الفقيه فمضافا الى ضعف السند فيها انها اجنبية عن الغناء نفيا واثباتا كما تقدم في بيع الجارية المغنية. وأما رواية أبي بصير فانها وان كانت صحيحة الا أنها لا دلالة فيها على مقصد المحدث المذكور، فان غاية ما يستفاد منها ومن رواية اخرى لابي بصير انه لا بأس بأجر المغنية التي تدعى الى العرائس ولا يدخل


1 - سنشير الى مصادرها في البحث عن مستثنيات الغناء.

[ 483 ]

عليها الرجال، أما الغناء في غير زف العرائس فلا تعرض في الروايتين لحكمه. وأما الروايات الواردة في قراءة القرآن بصوت حسن فلا صلة لها بالمقام، إذ لا ملازمة بين حسن الصوت وبين الغناء بل بينهما عموم من وجه، فيقع التعارض في مورد الاجتماع، وتحمل الطائفة المجوزة على التقية، لما عرفت من ذهاب العامة الى جواز الغناء في نفسه، على أن هذه الروايات ضعيفة السند وستأتي الاشارة الى ذلك. ويضاف الى ذلك كله ان ما ذهب إليه المحدث المذكور مخالف للاجماع بل الضرورة من مذهب الشيعة، وقد عرفت ذلك في اول المسألة. ثم ان هذا القول نسب الى صاحب الكفاية، ولكنه بعيد، فان المتأخرين عنه نسبوا إليه استثناء الغناء في القرآن (1)، ومن الواضح ان ذلك فرع الالتزام بحرمة الغناء. وقد يستدل على ما ذهب إليه القاساني برواية قرب الاسناد، عن علي بن جعفر، عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح، قال: لا بأس به ما لم يعص به (2)، وهي وان كانت مجهولة لعبدالله بن الحسن، ولكن رواها علي بن جعفر في كتابه، الا أنه قال: ما لم يزمر به (3)، وعليه فهي صحيحة، فتدل على جواز الغناء في نفسه وحرمته إذا اقترن بالمعاصي الخارجية. وفيه: ان الظاهر من قوله (عليه السلام): ما لم يزمر به، ان الصوت بنفسه


1 - كفاية الاحكام: 85. 2 - قرب الاسناد: 121، عنه الوسائل 17: 122. 3 - مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 156، عنه الوسائل 17: 122.

[ 484 ]

صوت مزماري ولحن رقصي كالحان اهل الفسوق، ويعبر عنها في الفارسية بكلمة: پسته وسرود ودوبيت وآواز خواندن، لا انه صوت يكون في المزمار، والا لقال: ما لم يكن في المزمار، أو بالنفخ في المزمار. وعليه فتدل الرواية على تحقق الغناء بالصوت المزماري واللحن الرقصي لا مطلقا، وسيأتي، وعلى هذا يحمل قوله (عليه السلام): ما لم يعص به، وفي رواية قرب الاسناد على تقدير صدورها من المعصوم. وأما اطلاق الغناء على غير هذا القسم في هاتين الروايتين في قول السائل: سألته عن الغناء، وتقرير الامام (عليه السلام) صحة الاطلاق بالجواب عن حكمه بقوله: لا بأس به، فهو كاطلاق نوع اهل اللغة لفظ الغناء على المعنى الاعم. تحقيق موضوع الغناء: قوله: وان اختلف فيه عبارات الفقهاء واللغويين. أقول: عرفوا الغناء بتعاريف مختلفة (1)، الا أنها ليست تعاريف حقيقية


1 - في لسان العرب مادة غنا: كل من رفع صوته وولاه فصوته عند العرب غناء، وقال بعد ثلاث صفحات: الغناء من الصوت ما طرب به (لسان العرب 15: 136 - 139). وفي مجمع البحرين: الغناء ككساء الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمي في العرف غناء وان لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما (مجمع البحرين 1: 322). وفي المنجد: الغناء من الصوت ما طرب به (المنجد: 560)، وعن الصحاح الغناء من السماع (الصحاح 6: 2449)، وعن المصباح انه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، وعن الشافعي انه تحسين الصوت وترقيقه (المصباح: 455). وفي فقه المذاهب انه ترديد الصوت بالالحان، عن الحنابلة انه تحسين الصوت والترنم (فقه المذاهب الاربعة 2: 42 - 44). وفي المستند أشار الى جميع ما قيل في معنى الغناء، وقال: ان كلمات العلماء من اللغويين والادباء والفقهاء مختلفة في تفسير الغناء، فسره بعضهم بالصوت المطرب، وآخر بالصوت المشتمل على الترجيع، وبالصوت المشتمل على الترجيع والاطراب معا، وبالترجيع، وبالتطريب، وبالترجيع مع التطريب، وبرفع الصوت مع الترجيع، وبمد الصوت، وبمده مع احد الوصفين أو كليهما، وبتحسين الصوت، وبمد الصوت ومولاته، وهو الغزالي بالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب (المستند 2: 340).

[ 485 ]

لعدم الاطراد والانعكاس، بل هي بين افراط وتفريط. فقد عرفه في المصباح بانه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، وعلى قوله هذا يخرج اكثر افراد الغناء مما لم يحتوي على القيدين المذكورين، فان من أظهر افراده الالحان التي يستعملها اهل الفسوق، وهي لا توجب الطرب الا احيانا، ولذا التجأ الطريحي في المجمع (1) وبعض آخر في غيره الى توسعة التعريف المذكور بقولهم: أو ما يسمى في العرف غناء، نعم قد يحصل الطرب لحسن الصوت وان لم يشتمل على ترجيع. وعرفه آخرون بانه مجرد مد الصوت أو رفعه مع الترجيع أو بدونه، وبانه تحسين الصوت فقط أو ترجيعه كذلك. ويلزم من هذه التعاريف أن يدخل في الغناء ما ليس من افراده قطعا، كرفع الصوت لنداء احد من البعيد، ورفع الصوت أو تحسينه لقراءة القرآن والمراثي والمدائح والخطب، بل التكلم العنيف، مع أن الشارع قد ندب الى قراءة القرآن بصوت حسن وبألحان العرب. بل في بعضها: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن


1 - مجمع البحرين 1: 321.

[ 486 ]

(1)، وفي بعضها انه: كان يقرء القرآن فربما مر به المار فصعق من حسن صوته (2)، وفي بعضها: ورجع بالقرآن صوتك، فان الله تعالى يحب الصوت الحسن يرجع به ترجيعا (3)، وستأتي الاشارة الى هذه الروايات. فان جميع هذه الافراد مما يصدق عليه الغناء على التفاسير المذكورة، وهي ليست منه قطعا. وايضا ثبت في الشريعة المقدسة استحباب رفع الصوت بالاذان، ولم يتوهم احد انه غناء، وقد ورد انه: ما بعث الله نبيا الا حسن الصوت (4)، ومن الواضح جدا ان حسن الصوت لا يعلم الا بالمد والرفع والترجيع، وقد دلت السيرة القطعية المتصلة الى زمان المعصوم (عليه السلام) على جواز رفع الصوت بقراءة المراثي، بل ورد الحث على قراءة الرثا للائمة (عليهم السلام) واولادهم، ودلت الروايات على مدح بعض الراثين كدعبل وغيره، فلو كان مجرد رفع الصوت غناء لما جاز ذلك كله، وتوهم خروج جميع المذكورات بالتخصيص تكلف. والتحقيق ان المستفاد من مجموع الروايات بعد ضم بعضها الى بعض هو ما ذكره المصنف من حيث الكبرى، وتوضيح ذلك: ان الغناء المحرم عبارة عن الصوت المرجع فيه على سبيل اللهو والباطل والاضلال عن الحق، سواء تحقق في كلام باطل ام في كلام حق، وسماه في الصحاح بالسماع، ويعبر عنه في لغة الفرس بكلمة: دو بيت وسرود وپسته وآواز خواندن، ويصدق عليه في العرف أنه قول زور و


1 - الكافي 2: 451، عنه الوسائل 6: 211. 2 - الكافي 2: 450، عنه الوسائل 6: 211. 3 - الكافي 2: 451، عنه الوسائل 6: 211. 4 - الكافي 2: 616، مرسلة، وضعيفة لسهل وموسى بن عمر الصيقل.

[ 487 ]

صوت لهوي. فان اللهو المحرم قد يكون بآلة اللهو من غير صوت كضرب الاوتار، وقد يكون بالصوت المجرد، وقد يكون بالصوت في آلة اللهو كالنفخ في المزمار والقصب، وقد يكون بالحركات المجردة كالرقص، وقد يكون بغيرها من موجبات اللهو. وعلى هذا فكل صوت كان صوتا لهويا ومعدودا في الخارج من ألحان اهل الفسوق والمعاصي، فهو غناء محرم، ومن أظهر مصاديقه الاغاني الشائعة بين الناس في الراديوات ونحوها، وما لم يدخل في المعيار المذكور فلا دليل على كونه غناء فضلا عن حرمته وان صدق عليه بعض التعاريف المتقدمة. ثم ان الضابطة المذكورة انما تتحقق بأحد امرين على سبيل مانعة الخلو: 1 - ان تكون الاصوات المتصفة بصفة الغناء مقترنة بكلام لا يعد عند العقلاء الا باطلا، لعدم اشتماله على المعاني الصحيحة، بحيث يكون لكل واحد من اللحن وبطلان المادة مدخل في تحقق معنى السماع والغناء. ومثاله الالفاظ المصوغة على هيئة خاصة المشتملة على الاوزان والسجع والقافية، والمعاني المهيجة للشهوة الباطلة والعشق الحيواني من دون ان تشتمل على غرض عقلائي، بل قد لا تكون كلماتها متناسبة كما تداول ذلك كثيرا بين شبان العصر وشاباته، وقد يقترن بالتصفيق وضرب الاوتار وشرب الخمور وهتك الناس، وغيرها من الامور المحرمة. وعليه فلو وجد اللحن المذكور في كلام له معنى صحيح عند العقلاء

[ 488 ]

لما كان غناء، ومثاله قراءة القرآن والادعية والخطب، والاشعار المشتملة على الحكم والمواعظ ومدائح الانبياء والاوصياء وأعاظم الدين ومصائبهم ورثائهم. نعم قد يتوهم صدق الغناء على رفع الصوت وترجيعه بالامور المذكورة لجملة من التعاريف المتقدمة، فيكون مشمولا لاطلاقات حرمة الغناء، ولكنك قد عرفت أنها تعاريف لفظية وانما سيقت لمجرد شرح الاسم فقط، وان كان بلفظ أعم فلا تكون مطردة ولا منعكسة. وعليه فلا وجه لما ذكره بعضهم من عد المراثي من المستثنيات من حرمة الغناء، فانها خارجة عنه موضوعا كما عرفت. وإذا ثبت كونها غناء فلا دليل على الاستثناء الذي يدعيه هؤلاء القائلون، وسيأتي بيانه ان شاء الله. 2 - أن يكون الصوت بنفسه مصداقا للغناء وقول الزور واللهو المحرم، كالحان اهل الفسوق والكبائر التي لا تصلح الا للرقص والطرب، سواء تحققت بكلمات باطلة ام تحققت بكلمات مشتملة على المعاني الراقية كالقرآن ونهج البلاغة والادعية. نعم وهي في هذه الامور المعظمة وما اشبهها أبغض لكونها هتكا للدين، بل قد ينجر الى الكفر والزندقة، ومن هنا نهي في بعض الاحاديث عن قراءة القرآن بألحان اهل الفسوق والكبائر (1)، أو بألحان


1 - عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقراؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، واياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فانه سيجئ بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية (الكافي 2: 614)، ضعيفة لابراهيم الاحمر.

[ 489 ]

اهل الكتابين كما في بعض الاحاديث، ويريدون بأهل الكتابين اليهود والنصارى (1). ومن هذا القبيل ما ذكر في غناء جواري الانصار (2): جئناكم جئناكم، حيونا حيونا نحييكم، ومنه ايضا الرجز (3) الذي يشبه ما جاء في غناء جواري الانصار، فان التكلم العادي بذلك ليس من المحرمات في الشريعة المقدسة بل هو مطلوب لكونه مصداقا للتحيئة والاكرام، وانما يكون حراما إذا تكيف في الخارج بكيفية لهوية وظهر في صورة السماع والغناء. وعلى الجملة لا ريب ان للصوت تأثيرا في النفوس، فان كان ايجاده للحزن والبكاء وذكر الجنة والنار بقراءة القرآن ونحوه لم يكن غناء ليحكم بحرمته، بل يكون القاري مأجورا عند الله، وان كان ذلك للرقص والتلهي كان غناء وسماعا ومشمولا للروايات المتواترة الدالة على حرمة الغناء، والله العالم.


1 - الدعوات للراوندي: 4، عنه البحار 92: 190، المستدرك 4: 272. 2 - عن عبد الاعلى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغناء وقلت: انهم يزعمون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخص في أن يقال: جئناكم - الى أن قال (عليه السلام): - كذبوا - الحديث (الكافي 6: 433، عنه الوسائل 17: 307)، مجهول لعبد الاعلى. والانكار في هذه الرواية اشارة الى ما في مصابيح السنة للبغوي باب اعلان النكاح والخطبة عن عائشة: ان جارية من الانصار زوجت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ألا ارسلتم معها من يقول: اتيناكم اتيناكم فحيانا وحياكم. 3 - في فقه المذاهب 2: 44: اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم، ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم (فقه المذاهب 2: 44).

[ 490 ]

مستثنيات حرمة الغناء: 1 - رثاء الحسين وسائر المعصومين (عليهم السلام): قال المحقق الاردبيلي (رحمه الله) في محكي شرح الارشاد: وقد استثنى مراثي الحسين (عليه السلام) ايضا، ودليله ايضا غير واضح، ثم قرب الجواز لعدم الدليل على حرمة الغناء مطلقا، ثم قال: ويؤيده ان البكاء والتفجع عليه (عليه السلام) مطلوب ومرغوب وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك وانه متعارف دائما في بلاد المسلمين في زمن المشائخ الى زماننا هذا من غير نكير، وهو يدل على الجواز غالبا، ثم أيد رأيه هذا بما دل على جواز النياحة في الشريعة المقدسة، وبأن التحريم انما هو للطرب وليس في المراثي طرب بل ليس فيها الا الحزن. واستدل بعض متأخر المتأخرين على ذلك بعمومات ادلة البكاء والرثاء. أقول: قد عرفت آنفا ان المراثي خارجة عن الغناء موضوعا فلا وجه لذكرها من مستثنيات حرمة الغناء، ولو سلمنا اطلاق الغناء عليها لشملتها اطلاقات حرمة الغناء المتقدمة، ولا دليل على الاستثناء، ووجود السيرة على الرثاء واقامة التعزية على المعصومين (عليهم السلام) في بلاد المسلمين وان كان مسلما، ولكنها لا تدل على جواز الغناء فيها، الذي ثبت تحريمه بالايات والروايات. وأما ما دل على ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام)، أو ما دل على جواز النوح على الميت فلا يعارض بما دل على حرمة الغناء، وسيأتي. وأما ما ذكره الاردبيلي، من أنه معين على البكاء فهو ممنوع، فان الغناء على ما حققنا من مفهومه لا يجتمع مع البكاء والتفجع. وأما ما ذكره من أن التحريم انما هو للطرب وليس في المراثي طرب،

[ 491 ]

فهو يدل على خروج الغناء عن المراثي موضوعا لا حكما. 2 - الحداء لسوق الابل: وقد اشتهر فيه استثناء الغناء، ولكنه ممنوع، لعدم الدليل عليه، نعم ذكر في جملة من النبويات المنقولة من طرق العامة جواز ذلك (1)، ولكنها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ، ولو سلمنا انجبارها فلا دلالة فيها على كون الحداء الذي جوزه النبي (صلى الله عليه وآله) غناء، فان القضية التي ذكرت فيها لم يعلم وقوعها بأي كيفية. نعم الظاهر خروجه من مفهوم الغناء موضوعا، وقد مال إليه صاحب الجواهر (2)، قال: بل ربما ادعى ان الحداء قسيم للغناء بشهادة العرف، وحينئذ يكون خارجا عن الموضوع لا عن الحكم، فلا بأس به. 3 - غناء المغنية في زف العرائس: وقد استثناه جمع كثير من اعاظم الاصحاب، وهو كذلك للروايات الدالة على الجواز، كصحيحة أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال (3)، وغيرها من الروايات المتقدمة في البحث عن بيع الجارية


1 - راجع سنن البيهقي 10: 227، وفيه: انه (صلى الله عليه وآله) قال لعبدالله بن رواحة: حرك النوق، فاندفع يرتجز، وكان عبد الله جيد الحداء. ودليل الجواز تقرير النبي (صلى الله عليه وآله) لعبدالله بن رواحه حيث حدا الابل، كما في المسالك 2: 323. 2 - جواهر الكلام 22: 46. 3 - عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال (الكافي 5: 120، الفقيه 3: 98، التهذيب 6: 357، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 124)، صحيحة.

[ 492 ]

المغنية. ثم ان هذا فيما لم يطرأ عليه عنوان آخر محرم، والا كان حراما، كالتكلم بالاباطيل والكذب وضرب الاوتار ودخول الرجال عليهن وغيرها من الامور المحرمة، وقد صرح بذلك المحقق الاردبيلي في محكي شرح الارشاد. لا يقال: ان الظاهر من قوله (عليه السلام): وليست بالتي يدخل عليها الرجال، ان الغناء انما يكون حراما للمحرمات الخارجية كما ذهب إليه المحدث القاساني (رحمه الله)، ولذا جوزه الامام (عليه السلام) في زفاف العرائس مع عدم اقترانه بها. فانه يقال: الظاهر من هذه الرواية، ومن قوله (عليه السلام) في رواية اخرى: لا بأس بمن تدعى الى العرائس (1)، ان الغناء على قسمين: أحدهما ما يختلط فيه الرجال والنساء، والثاني ما يختص بالنساء، أما الاول فهو حرام مطلقا، وأما الثاني فهو ايضا حرام الا في زف العرائس. 4 - الغناء في قراءة القرآن:


1 - أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى الى الاعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزوجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (الكافي 5: 119، التهذيب 6: 358، الاستبصار 3: 62، عنهم الوسائل 17: 120، والاية في لقمان: 6)، ضعيفة لعلي بن أبي حمزة بن سالم البطائني.

[ 493 ]

وقد اشتهر بين المتأخرين نسبة استثناء الغناء في قراءة القرآن الى صاحب الكفاية، قال في تجارة الكفاية: ان غير واحد من الاخبار (1) يدل على جواز الغناء في القرآن بل استحبابه، بناء على دلالة الروايات على استحباب حسن الصوت والتحزين والترجيع به، والظاهر ان شيئا منها لا يوجد بدون الغناء، على ما استفيد من كلام اهل اللغة وغيرهم، على ما فصلنا في بعض رسائلنا (2). وفيه: ان مفاد هذه الروايات خارج عن الغناء موضوعا كما عرفت، فلا دلالة في شئ منها على جواز الغناء في القرآن، بل بعضها صريح في النهي عن قراءة القرآن بالحان اهل الفسوق والكبائر الذين يرجعون القرآن ترجيع الغناء، وقد ذكرنا هذه الرواية في البحث عن موضوع الغناء. وعلى الجملة ان قراءة القرآن بالصوت الحسن وان كان مطلوبا للشارع ولكنها محدودة بما إذا لم ننجر الى الغناء والا كانت محرمة، نعم لاشبهة في صدق الغناء عليه على تعاريف بعض اهل اللغة ولكنك قد عرفت انها ليست بجامعة ولا مانعة.


1 - عن أبي بصير قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جائني الشيطان، فقال: انما ترائي بهذا أهلك والناس، قال: يا أبا محمد اقرء قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، ورجع بالقرآن صوتك، فان الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا (الكافي 2: 451، عنه الوسائل 6: 211)، ضعيفة لابي حمزة. الى غير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة، وفي الوسائل 6: 210 - 212، والمستدرك 4: 272 - 275، ولكن كلها ضعيفة السند، نعم كثرتها توجب الاطمينان بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام). 2 - كفاية الاحكام: 86.

[ 494 ]

ولقد أجاد صاحب الكفاية في الوجه الاول من الوجهين الذين جمع بهما بين الاخبار قال: أحدهما تخصيص تلك الاخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن وحمل ما يدل على ذم التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق، ثم أيده برواية عبد الله بن سنان الناهية عن قراءة القرآن بألحان اهل الفسوق (1). وقد يقال بجواز الغناء في القرآن بدعوى ان اخبار الغناء معارضة بالاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على فضل قراءة القرآن والادعية والاذكار بالعموم من وجه، وبعد التساقط في مورد الاجتماع يرجع الى اصالة الاباحة، وقد ذكر المصنف هذا الوجه في خلال كلام صاحب الكفاية ولكن ليس في تجارة الكفاية من ذلك عين ولا اثر، ولا لما نسبه إليه المصنف من جملة من العبارات ولا تأييد مذهبه برواية علي بن جعفر (عليه السلام). وقد أشكل عليه المصنف بما حاصله: ان ادلة الاحكام غير الالزامية لا تقاوم ادلة الاحكام الالزامية، والوجه في ذلك: ان الفعل انما يتصف بالحكم بغير الالزامي إذا خلا في طبعه عما يقتضي الوجوب أو الحرمة، ومثاله ان اجابة دعوة المؤمن وقضاء حاجته وادخال السرور في قلبه وكشف كربته من الامور المستحبة في نفسها، ولكن إذا استلزم امتثالها ترك واجب كالصوم والصلاة أو ايجاد حرام كالزناء واللواط تخرج عن الاستحباب وتكون محرمة. وفيه: ان ما ذكره لا يرتبط بكلام المستدل، وتحقيق ذلك: ان ملاحظة اجتماع الاحكام الالزامية مع الاحكام غير الالزامية يتصور على وجوه:


1 - كفاية الاحكام: 85.

[ 495 ]

1 - أن تقع المزاحمة بين الطائفتين في مرحلة الامتثال من دون ان ترتبط احداهما بالاخرى في مقام الجعل والانشاء، كالمزاحمة الواقعة بين الاتيان بالواجب وبين الاتيان بالامور المستحبة، فانه لا شبهة حينئذ في تقديم ادلة الاحكام الالزامية على غيرها وكونها معجزة عنه، كما ذكره المصنف. 2 - أن يكون الموضوع فيهما واحدا من دون أن يكون بينهما تماس في مرحلتي الثبوت والاثبات، ولا يقع بينهما تزاحم وتعارض اصلا، كما إذا حكم الشارع بجواز شئ في نفسه وطبعه وبحرمته، بلحاظ ما يطرأ عليه من العناوين الثانوية. ومثال ذلك: اباحة الشارع اكل لحم الضأن مثلا في حد نفسه، وحكمه بحرمته إذا كان الحيوان جلالا أو موطوءا، فانه لا تنافي بين الحكمين ثبوتا واثباتا، إذ لا اطلاق لدليل الحكم غير الالزامي حتى بالنسبة الى العناوين الثانوية لتقع المعارضة بينهما. 3 - أن يتحد موضوع الحكمين ايضا ولكن يقيد الحكم غير الالزامي بعدم المخالفة للحكم الالزامي. مثاله: ان قضاء حاجة المؤمن واجابة دعوته وادخال السرور في قلبه وتفريج غمه من الامور المرغوبة في الشريعة المقدسة، الا أنها مقيدة بعدم ترك الواجب وفعل الحرام، لما ورد من أنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق (1)، فتقديم دليل الوجوب أو الحرمة في هذه الصورة على ادلة الامور المذكورة وان كان مسلما الا أنه لدليل خارجي، لا لما ذكره


1 - الكافي 2: 276، التهذيب 6: 179، الفقيه 4: 288، الخصال: 3، راجع الوسائل 16: 152 - 156، المستدرك 12: 207.

[ 496 ]

المصنف. فهذه الصور الثلاثة كلها غريبة عن كلام المستدل، نعم لو صحت رواية عبد الله بن سنان المتقدمة التي دلت على استحباب قراءة القرآن بالحان العرب وحرمة قراءته بالحان اهل الفسوق والكبائر لوجب تقييد ما دل على استحباب قراءة القرآن بصوت حسن بغير الغناء، ولكن الرواية ضعيفة السند. 4 - أن يكون الحكم متحدا في مقام الثبوت، ولكن الادلة متعارضة في اثبات كونه الزاميا أو غير الزامي. 5 - أن يكون الحكمان الالزامي وغير الالزامي في مرحلة جعلهما مطلقين بحيث لا يرتبط أحدهما بالاخر، ولكنهما قد يتصادقان على مورد في الخارج ويتعارضان بالعموم من وجه لا بنحو التبائن، وفي هاتين الصورتين لا وجه لدعوى ان ادلة الاحكام غير الالزامية لا تقاوم ادلة الاحكام الالزامية، بل لا بد من ملاحظة المرجحات في تقديم احداهما على الاخرى، وقد حقق ذلك في محله. وما ذكره المستدل انما هو من قبيل الصورة الرابعة، وعليه فلا وجه للحكم بالتساقط والرجوع الى اصالة الاباحة، بل يقدم ما دل على حرمة الغناء لكونه مخالفا للعامة ويترك ما دل على الجواز لموافقته لهم، ونتيجة ذلك انه لا دليل على استثناء الغناء في القرآن والادعية والاذكار.

[ 497 ]

تنبيه: هل يجوز تعلم الغناء وتعليمه أو لا، قد يكون ذلك بالتغني واستماعه، وقد يكون بالتوصيف والسؤال عن قواعده، أما الاول فلا شبهة في حرمته فان التغني والاستماع إليه كلاهما حرام، وأما الثاني فقد ذكر تحريمه في بعض الروايات (1) ولكنها ضعيفة السند، فمقتضى الاصل هو الجواز الا أن يطرأ عليه عنوان محرم. المسألة (14) حرمة الغيبة قوله: الرابعة عشرة: الغيبة حرام بالادلة الاربعة. أقول: لا اشكال في حرمة الغيبة في الجملة للاية والروايات المتظافرة المتواترة من طرق الشيعة (2) ومن طرق العامة (3)، واكثر هذه الروايات وان كان ضعيف السند ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية، على انها متواترة معنى، بل حرمتها من ضروريات الدين ومما قام عليه اجماع المسلمين، وقد حكم العقل بحرمتها ايضا لكونها ظلما للمغتاب - بالفتح - وهتكا له. ويكفي في اثبات الحرمة قوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا


1 - عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: لا يحل بيع الغناء، ولا شراؤه، واستماعه نفاق، وتعلمه كفر (دعائم الاسلام 2: 209، عنه المستدرك 13: 221)، مرسلة. 2 - راجع الكافي 2: 134، 187، 266، الوسائل 12: 278 - 288، المستدرك 9: 113 - 129. 3 - راجع سنن البيهقي 10: 245 - 247، واحياء العلوم للغزالي 3: 124.

[ 498 ]

ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه (1)، فانه تعالى بعد نهيه عن الغيبة صريحا اراد بيان كونها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة. فشبه المغتاب - بالكسر - بآكل الميتة، اما لانه يأكل الجيف في الاخرة كما في بعض الروايات (2)، أو لتشبيه بالسباع والكلاب، أو لكون حرمة الغيبة كحرمة أكل الميتة، بل اعظم كما في رواية العسكري (عليه السلام) (3). وقد شبه عرض المؤمن باللحم، فانه ينتقص بالهتك كما ينتقص اللحم بالاكل، وشبه الاغتياب بالاكل لحصول الالتذاذ بهما، ووصف المؤمن بانه اخ، فان المؤمنين اخوة ومن طبيعة الاخوة ان يكون بينهم تحابب وتوادد، وشبه المغتاب (بالفتح) بالميت لعدم حضوره في اكثر حالات الاغتياب. وصدر سبحانه وتعالى الجملة بالاستفهام الانكاري اشعارا للفاعل بأن هذا العمل يقبح ان يصدر من احد، إذ كما لا يحب احد ان يأكل لحم اخيه الميت، لاشمئزاز طبعه عنه وشدة رأفته به، وكذلك لا بد وان يشمئز عقله عن الغيبة لكونها هتكا لعرض اخيه المؤمن. وقد استدل على حرمة الغيبة بآيات اخر، ولكن لا دلالة في شئ منها على ذلك الا بالقرائن الخارجية، فلا يكون الاستدلال بها بالايات بل بتلك الامور الخارجية.


1 - الحجرات: 12. 2 - عن القطب الراوندي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه نظر في النار ليلة الاسراء، فإذا قوم يأكلون الجيف، فقال: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 9: 125، مجموعه الورام: 115)، مرسلة. 3 - عن الامام أبي محمد العسكري (عليه السلام) في تفسيره: اعلموا ان غيبتكم لاخيكم المؤمن من شيعة آل محمد (عليهم السلام) أعظم في التحريم من الميتة، قال الله: ولا يغتب - الاية (تفسير الامام (عليه السلام): 245، عنه المستدرك 9: 113)، أقول: لم يثبت لنا اعتبار هذا التفسير.

[ 499 ]

منها: قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول (1). وفيه أولا: انه ليس في الاية ما يدل على أن الغيبة من الجهر بالسوء الا بالقرائن الخارجية. وثانيا: لا يستفاد منها التحريم، فان عدم المحبوبية اعم منه ومن الكراهة المصطلحة. ومنها: قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة (2). وفيه: ان الهمزة واللمزة بمعنى كثير الطعن على غيره بغير حق، سواء كان في الغياب ام في الحضور، وسواء كان باللسان ام بغيره، وسيأتي ان الغيبة عبارة عن اظهار ما ستره الله، وبين العنوانين عموم من وجه. ومنها: قوله تعالى: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم (3). وفيه: ان الاية تدل على أن حب شيوع الفاحشة من المحرمات، وقد أوعد الله عليه النار، والغيبة اخبار عن الفاحشة والعيب المستور، وهما متبائنان، الا أن يكون الاخبار عن العيوب المستورة بنفسه من الفواحش، كما هو مقتضى الروايات الدالة على حرمة الغيبة، بل في بعض الروايات عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: ان الذين يحبون - الاية (4). ويرد عليه أولا: انه خروج عن الاستدلال بالاية الى الرواية.


1 - النساء: 147. 2 - الهمزة: 1. 3 - النور: 18. 4 - الكافي 2: 266، عنه الوسائل 12: 280، مرسلة. رواها الصدوق بطريق آخر (الامالي: 276)، ولكنها مجهولة لمحمد بن حمران.

[ 500 ]

وثانيا: انه اخص من المدعى، فان الاية لا يندرج فيها الا نشر الغيبة لا مطلقا، ويضاف الى ذلك ان الرواية ضعيفة السند. الغيبة من الذنوب الكبيرة: قوله: ثم ظاهر هذه الاخبار كون الغيبة من الكبائر. أقول: وجه الظهور ما ذكره في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة، وان عد المعصية كبيرة يثبت بامور، قال: الثاني: النص المعتبر على أنها مما اوجب الله عليها النار، سواء اوعد في الكتاب أو اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام بأنه مما يوجب النار، لدلالة الصحاح المروية في الكافي وغيرها على أنها مما اوجب الله عليه النار، ومن الواضح ان الغيبة كذلك. وتوضيح المسألة على نحو الاجمال، انه اشتهر بين الفقهاء التفصيل بين الكبيرة والصغيرة حكما وموضوعا، واختلفت كلماتهم في تفسيرهما على نحو لا يمكن الجمع بينها. فقيل: ان الكبيرة كل ذنب توعد الله عليه بالعذاب في كتابه العزيز، بل ربما نسب هذا القول الى المشهور، وقيل: انها كل ذنب رتب الشارع المقدس عليه حدا أو صرح فيه بالوعيد، وقيل: انها كل معصية تؤذن بقلة اعتناء فاعلها بالدين، وقيل: كلما علمت حرمته بدليل قاطع فهو من الكبائر، وقيل: كلما توعد عليه توعدا شديدا في الكتاب أو السنة فهو من الكبائر، الى غير ذلك من التفاسير، ثم قالوا: ان الكبائر تنافي العدالة دون الصغائر. والتحقيق ما ذكرناه في مبحث العدالة من كتاب الصلاة، من أن المعاصي كلها كبيرة وان كان بعضها اكبر من بعضها الاخر، كالشرك بالله العظيم، فانه من اعظم المعاصي، وقتل النفوس المحترمة، فانه اعظم من

[ 501 ]

بقية الذنوب، وهكذا، وانما اطلقت الكبيرة عليها بالتشكيك على اختلاف مراتبها شدة وضعفا. وعليه فلا وجه للنزاع في ان الغيبة من الكبائر ام من الصغائر، وقد اختار هذا الرأي جمع من الاصحاب، بل ظاهر ابن ادريس في كتاب الشهادة من السرائر (1) دعوى الاجماع عليه، فانه بعد ما نقل كلام الشيخ في المبسوط (2) الظاهر في ان الذنوب على قسمين صغائر وكبائر قال: وهذا القول لم يذهب إليه (رحمه الله) الا في هذا الكتاب - اعني المبسوط - ولاذهب إليه احد من الاصحاب، لانه لا صغائر عندنا في المعاصي الا بالاضافة الى غيرها. ومن هنا يتضح ان الاخبار الواردة في عد الكبائر انما هي مسوقة لبيان عظمها بين سائر الذنوب، لحصر المعاصي الكبيرة بالامور المذكورة، وعليه يحمل قوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم (3). ومع الاغضاء عما ذكرناه فلا ثمرة للنزاع في الفرق بين الكبائر والصغائر، فان الذنوب كلها تضر بالعدالة وتنافيها، فان العدالة هي الاعتدال في الدين والاستقامة على طريقة سيد المرسلين، وارتكاب أية معصية وان كانت صغيرة يوجب الانحراف في الدين والخروج عن الصراط المستقيم لكون ذلك هتكا للمولى وجرأة عليه، كما ان الخروج عن الطرق التكوينية انحراف عنها. ولو سلمنا ان الصغائر لا تنافي العدالة الا أن الغيبة من الكبائر، فان


1 - السرائر 2: 69. 2 - المبسوط 8: 177. 3 - النساء: 35.

[ 502 ]

الكبيرة ليست لها حقيقة شرعية لنبحث فيها، بل المراد بها هو معناها اللغوي، وهو الذنب العظيم عند الشارع، ويعرف عظمه تارة بالنص على كونه من الكبائر كالشرك والزناء وقتل النفس المحترمة وغيرها من الكبائر المنصوصة، واخرى بالتوعد عليه في الكتاب أو السنة المعتبرة، وثالثة بترتيب آثار الكبيرة عليه، ورابعة بالقياس الى ما ثبت كونه من الكبائر الموبقة، كقوله تعالى: والفتنة اشد من القتل (1)، وقد ثبت في السنة المعتبرة التوعيد على الغيبة فتكون من الكبائر. وتدل على ذلك ايضا الروايات الدالة على أن الخيانة من الكبائر، وبديهي ان الغيبة من اعظم الخيانات، ويدل على كون الغيبة من الخيانة قول النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته لابي ذر: يا أبا ذر المجالس بالامانة وافشاء سر أخيك خيانة فاجتنب ذلك، واجتنب مجلس العشرة (2)، ولكنها ضعيفة السند. وقد يستدل ايضا على كون الغيبة كبيرة بالروايات الدالة على أن الغيبة اشد من الزناء، وهو من الكبائر، فالغيبة اولى منه بأن تكون كبيرة (3).


1 - البقرة: 187. 2 - ضعيفة لابي المفضل ورجاء بن يحيى ومحمد بن الحسن بن ميمون وغيرهم، راجع مكارم الاخلاق 2: 363، الرقم: 2661. 3 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته لابي ذر قال: يا أبا ذر اياك والغيبة، فان الغيبة أشد من الزناء، قلت: يا رسول الله ولم ذاك بأبي انت وامي؟ قال: لان الرجل يزني فيتوب الى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها (الامالي للشيخ الطوسي 2: 150، عنه الوسائل 12: 281، الاختصاص: 226، عنه المستدرك 9: 114، مكارم الاخلاق 2: 363، الرقم: 2661)، ضعيفة لابي المفضل ورجاء وابن ميمون. وهذه الرواية وان نقلها غير واحد من حملة الحديث مسندا ومرسلا، ولكن الظاهر انها رواية واحدة مأخوذة من وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (رحمه الله)، وذكر الرواية الغزالي في الاحياء 3: 124.

[ 503 ]

ولكن يرد عليه أولا: ان ما ورد بهذا المضمون كله ضعيف السند. وثانيا: ان هذه الروايات عللت ذلك بان الغيبة لا نغفر حتى يغفرها صاحبها بخلاف بعض اقسام الزناء. ويؤيد ما ذكرناه ان كل واحد من الذنوب فيه جهة من المبغوضية لا نوجد في غيره من المعاصي، فلا عجب في كونه اشد من غيره في هذه الخصوصية وان كان غيره اشد منه من جهات شتى، واختلافها في ذلك كاختلاف المعاصي في الاثار، نعم هذه الاخبار صالحة لتأييد ذلك. ويصلح لتأييده ايضا ما روي مرسلا: ان أربى الرباء عرض المؤمن (1) فيكون تناول عرضه بالغيبة كبيرة، فانه ثبت في الشريعة المقدسة ان الرباء من الذنوب الكبيرة، بل في جملة من الروايات انه اشد من ثلاثين أو سبعين زنية كلها بذات محرم (2). حرمة الغيبة مشروطة بالايمان: قوله: ثم ان ظاهر الاخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن. أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالائمة


1 - عن الشيخ الورام عن انس قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكر الرباء وعظم شأنه - الى ان قال: - وأربى الرباء عرض الرجل المسلم (مجموعة الورام: 115، عنه المستدرك 9: 119)، مرسلة. ذكره الغزالي في احياء العلوم 3: 125. وفي سنن البيهقى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: من أربى الرباء الاستطالة في عرض المسلم بغير حق (سنن البيهقى 10: 241). 2 - راجع الكافي 5: 144، الفقيه 3: 174، التهذيب 7: 14، عنهم الوسائل 18: 117.

[ 504 ]

الاثنى عشر (عليهم السلام)، اولهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه وجعلنا من أعوانه وأنصاره، ومن أنكر واحدا منهم جازت غيبته لوجوه: 1 - انه ثبت في الروايات (1) والادعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، واكثار السب عليهم واتهامهم، والوقيعة فيهم اي غيبتهم، لانهم من اهل البدع والريب (2). بل لا شبهة في كفرهم، لان انكار الولاية والائمة (عليهم السلام) حتى الواحد منهم والاعتقاد بخلافة غيرهم، وبالعقائد الخرافية كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة، وتدل عليه الاخبار المتواترة (3) الظاهرة في كفر منكر الولاية وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة وما يشبهها من الضلالات. ويدل عليه ايضا قوله (عليه السلام) في الزيارة الجامعة: ومن جحدكم كافر، وقوله (عليه السلام) فيها ايضا: ومن وحده قبل عنكم، فانه ينتج بعكس النقيض ان من لم يقبل عنكم لم يوحده بل هو مشرك بالله العظيم. وفي بعض الاحاديث الواردة في عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر: ان الحال التي كنت عليها اعظم من ترك ما تركت من الصلاة (4).


1 - راجع الكافي 2: 278، المحاسن: 208، عنهما الوسائل 16: 267 - 269. 2 - مورد البحث هنا عنوان المخالفين، ومن الواضح ان ترتب الاحكام المذكورة عليه لا يرتبط بالاشخاص على ما ذكره الغزالي في احياء العلوم 3: 111، فانه جوز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والنصارى والخوارج والقدرية بزعم انه على الوصف الاعم. 3 - راجع الوسائل: 28، باب 6 جملة ما يثبت به الكفر والارتداد من أبواب المرتد: 339 - 356. 4 - راجع الوسائل: 1، باب 31 عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر من مقدمات العبادة: 125 - 127.

[ 505 ]

وفي جملة من الروايات: الناصب لنا اهل البيت شر من اليهود والنصارى وأهون من الكلب، وانه تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا اهل البيت لانجس منه (1). ومن البديهي ان جواز غيبتهم أهون من الامور المذكورة، بل قد عرفت جواز الوقيعة في اهل البدع والضلال، والوقيعة هي الغيبة. نعم قد ثبت حكم الاسلام على بعضهم في بعض الاحكام فقط تسهيلا للامر وحقنا للدماء. 2 - ان المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق، لبطلان عملهم رأسا كما في الروايات المتظافرة (2)، بل التزموا بما هو اعظم من الفسق كما عرفت، وسيجئ ان المتجاهر بالفسق تجوز غيبته. 3 - ان المستفاد من الاية والروايات هو تحريم غيبة الاخ المؤمن، ومن البديهي انه لا اخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين، وهذا هو المراد ايضا من مطلقات اخبار الغيبة، لا من جهة حمل المطلق على المقيد لعدم التنافي بينهما، بل لاجل مناسبة الحكم والموضوع. على أن الظاهر من الاخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط، وسيأتي، فتكون هذه الروايات مقيدة للمطلقات، فافهم. وقد حكي عن المحقق الاردبيلي تحريم غيبة المخالفين، ولكنه لم يأت بشئ تركن إليه النفس.


1 - الكافي 6: 503، عنه الوسائل 1: 219. 2 - راجع الوسائل: 1، باب 29 بطلان العبادة بدون ولاية الائمة (عليهم السلام) من مقدمات العبادة: 118 - 125.

[ 506 ]

4 - قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم ولعنهم في جميع الاعصار والامصار، بل في الجواهر: ان جواز ذلك من الضروريات (1). حرمة غيبة الصبي المميز: قوله: ثم الظاهر دخول الصبي المميز المتأثر بالغيبة لو سمعها. أقول: لم يشترط في حرمة الغيبة كون المغتاب - بالفتح - مكلفا بل المستفاد من الروايات المتقدمة وغيرها ان المناط في حرمة الغيبة صدق المؤمن على المغتاب - بالفتح - كما ان الظاهر من معنى الغيبة هي كشف أمر قد ستره الله، وسيأتي. ومن الضروري ان الصبي المميز ممن يصدق عليه عنوان المؤمن إذا أقر بما يعتبر في الايمان، بل قد يكون أكمل ايمانا من اكثر البالغين، وايضا لا شبهة ان الله قد ستر عيوب الناس حتى الصبيان المميزين، فذكرهم بالمساوي الموجودة فيهم كشف لما ستره الله عليهم. نعم لا بأس بذكر الامور التي هي من مقتضيات الصباوة، بحيث لا تعد من العيوب والمساوي، كاللعب بالجوز والكعاب والكرة ونحوها. أما الصبيان أو المجانين غير المميزين فلا شبهة في جواز اغتيابهم، لان الامور الصادرة منهم لا تعد عيبا حتى يكون ذكرها كشفا لما ستره الله عليهم.


1 - جواهر الكلام 22: 62.

[ 507 ]

موضوع الغيبة: قوله: بقي الكلام في امور، الاول: الغيبة اسم مصدر لاغتاب. أقول: وقع الخلاف في تحديد مفهوم الغيبة وبيان حقيقتها، فالمروي من الخاصة (1) والعامة (2) والمعروف بيننا وبين السنة (3)، وبعض اهل اللغة (4) ان الغيبة ذكر الانسان بما يكرهه وهو حق، بل حكى المصنف عن بعض من قارب عصره ان الاجماع والاخبار متطابقان على أن حقيقة الغيبة ذكر غيره بما يكرهه لو سمعه، ولكن هذا التعريف لا يرجع الى معنى محصل. فان المراد من الموصول فيه ان كان هو الذكر، بحيث يكون حاصله ان الغيبة ذكر غيره بذكر لا يرضى به لو سمعه، دخل في التعريف ما ليس بغيبة قطعا إذا كره المقول فيه، كذكره بفعل بعض المباحات، بل وبعض المستحبات، من المواظبة على الادعية والاذكار، والقيام على النوافل والعبادات، والالتزام بالزيارات واعطاء الصدقات، وعليه فالتعريف المذكور تعريف بالاعم. كما ان تعريف المصباح بقوله: اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب


1 - عن أبي ذر في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) له، قال: قلت: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذكرك اخاك بما يكره، قلت: يا رسول الله فان كان فيه ذاك الذي يذكر به؟ قال: اعلم انك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته (الامالي للشيخ الطوسي 2: 150، عنه الوسائل 12: 281، الاختصاص: 226، عنه المستدرك 9: 114، مكارم الاخلاق 2: 363، الرقم: 2661)، ضعيفة لابي المفضل ورجاء وابن ميمون، وغيرهم. 2 - في سنن البيهقي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله اعلم، قال: ذكرك اخاك بما يكره - الحديث (سنن البيهقي 10: 247). 3 - راجع احياء العلوم للغزالي 3: 126. 4 - قاموس المحيط 1: 112، النهاية 3: 399، المصباح المنير: 458.

[ 508 ]

وهو حق، والاسم الغيبة، يكون تعريفا بالاخص. وان كان المراد من الموصول في التعريف الاوصاف المذمومة والافعال القبيحة الصادرة من المقول فيه، ويقربه التعريف المتقدم من المصباح خرج عن الغيبة ما لا يشك احد كونه منها، كذكر الغير بالامور المحرمة التي ارتكبها عن رغبة وشهوة، من غير ان يشمئز منها ومن ذكرها، وعليه فلا يكون التعريف المذكور جامعا للافراد. والتحقيق ان يقال: انه لم يرد نص صحيح في تحديد مفهوم الغيبة ولا تعريف من اهل اللغة كي يكون جامعا للافراد ومانعا للاغيار، وعلى هذا فلا بد من اخذ المتيقن من مفهوم الغيبة وترتيب الحكم عليه، وهو ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، واما في المقدار الزائد فيرجع الى الاصول العملية. وقد ذكر هذا في جملة من الروايات (1) وهي وان كانت ضعيفة السند، ولكن مفهومها موافق للذوق السليم والفهم العرفي، ويؤيده ما في لسان العرب (2) وغيره، من أن الغيبة ان تتكلم خلف انسان مستور بسوء أو بما يغمه لو سمعه. بل ينطبق عليه جميع تعاريف الفقهاء واهل اللغة لكونه المقدار


1 - عن عبد الرحمان بن سيابة عن الصادق (عليه السلام): الغيبة ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، وأما الامر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا، والبهتان ان تقول فيه ما ليس فيه (الامالي للصدوق: 276، معاني الاخبار: 184، عنهما الوسائل 12: 282)، ضعيفة لعبد الرحمان. وعن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغيبة قال: هو ان تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل، وتثبت عليه أمرا قد ستره الله عليه، لم يقم عليه فيه حد (الكافي 2: 266، عنه الوسائل 12: 288)، ضعيفة لمعلي بن محمد. 2 - لسان العرب 1: 656.

[ 509 ]

المتيقن من مفهوم الغيبة كما عرفت، وقد اشير إليه في بعض احاديث العامة (1). وتوضيح ما ذكرناه من المعنى ان ذكر الناس والتعرض لاوصافهم لا يخلو عن صور ثلاث: 1 - ذكر الانسان بما يوجب تعظيمه وترفيعه بين الناس، كأن يقول: ان فلانا عالم زاهد مجتهد، يصلي النوافل ويعطي الفقراء ويهتم بامور المسلمين وحوائجهم ونحو ذلك من المدائح، ولا نظن ان يعد احد هذه الصورة من الغيبة، نعم في لسان العرب (2) وتاج العروس عن ابن الاعرابي: غاب إذا ذكر انسانا بخير أو شر، الا أنه اجنبي عن المقام، فانه غير الاغتياب. والوجه في خروج هذه الصورة عن مفهوم الغيبة، ان هذه المذكورات ليست من السوء، سواء كره ذكرها المقول فيه املا. 2 - ان يذكر انسانا بشئ من صفاته العادية المتعارفة التي لا توصف بالمدح أو الذم. ولا ريب في عدم اندراج هذه الصورة ايضا تحت الغيبة، فان الامور العادية ليست مما سترها الله على المقول فيه، وذكرها لا يوجب نقصه وافتضاحه، سواء أكان كارها لها ام لا. 3 - ان يذكر انسانا بالاوصاف الذميمة والافعال القبيحة الموجودة فيه التي قد سترها الله عليه. وموضوع الغيبة هو هذه الصورة، وما ذكرناه من الصور المذكورة


1 - في سنن البيهقي: ومن ستره الله فأمره الى الله، ان شاء عذبه وان شاء غفر له (سنن البيهقي 10: 246). 2 - لسان العرب 1: 656.

[ 510 ]

يشمل ما لو نفي عن المقول فيه بعض الاوصاف. تنبيهات موضوع الغيبة: ولا بد من التنبيه على امور: 1 - انه لا يفرق في صدق الغيبة بين ان يكون المقول نقصا في دين المقول فيه أو بدنه أو نسبه أو اخلاقه، أو فعله أو قوله أو عشيرته، أو ثوبه أو داره أو دابته، أو خادمه أو تعيشه، أو في أي شأن من شؤونه (1)، الا أن الظاهر من رواية داود بن سرحان المتقدمة في الحاشية ان الغيبة ذكر الانسان بما يكون نقصا في دينه فقط. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند وقد عرفت. وثانيا: ان رواية ابن سيابة المتقدمة في البحث عن معنى الغيبة صرحت بان الغيبة قولك في اخيك ما ستره الله عليه، وهذا الاطلاق يشمل ما إذا كان المقول نقصا دينيا وغير ديني. وتوهم حمل المطلق على المقيد هنا فاسد، لعدم التنافي بينهما، على أن رواية ابن سيابة فصلت بين ذكر الامور المستورة والامور الظاهرة، وصرحت بخروج الثانية عن حدود الغيبة. ومن الواضح ان مقتضى التفصيل القاطع للشركة هو عموم مفهوم الغيبة بذكر مطلق العيوب غير الامور الظاهرة، ولكنك عرفت ان هذه الرواية ايضا ضعيفة السند. وقد يتوهم (2) اعتبار قصد الانتقاص في موضوع الغيبة، ولكنه توهم فاسد إذ لا دليل عليه، فان صدق عنوان العيب على المقول امر عرفي


1 - راجع كشف الريبة: 61. 2 - قائله الشهيد الثاني في كشف الريبة: 51.

[ 511 ]

لا يرتبط بالقصد، ولا يقاس هذا بالتعظيم والهتك المتقومين بالقصد. 2 - ان ذكر أحد بالاوصاف العادية أو نفيها عنه انما لا يكون غيبة إذا لم يستلزم نقصا في الجهات المزبورة في التنبيه السابق، والا فلا شبهة في كونه غيبة كنفي العدالة عنه، فانه يدل بالملازمة على ارتكابه المعاصي، وكقوله: ان فلانا يقرء علم النحو منذ ثلاثين سنة، فانه يدل بالملازمة على بلادة المقول فيه وبلاهته أو مماطلته وبطالته. 3 - ان مقتضى ما ذكرناه من التعريف، بل المتيقن من مفهوم الغيبة ومورد الروايات الدالة على حرمة الغيبة، ان يكون المقول امرا قد ستره الله على المقول فيه، وأما ذكر الامور الظاهرة فليس من الغيبة، وقد ذكره الاصحاب في مستثنياتها، وسيأتي ذكره، وتدل على ذلك رواية ابن سيابة المتقدمة ورواية الازرق (1)، الا أنهما ضعيفتا السند. نعم في احياء العلوم عن عائشة انها: دخلت علينا امرأة فلما ولت أو مات بيدي انها قصيرة، فقال (صلى الله عليه وآله): اغتبتها (2)، فان الظاهر منها تحقق الغيبة بحكاية الامور الظاهرة، ولكنه ضعيف السند. نعم قد يكون ذكر الامور الظاهرة حراما لانطباق شئ من العناوين المحرمة عليه، كالتعبير والهجاء والسب والهتك والظلم ونحوها، وعليه فيكون حراما من غير جهة الغيبة. 4 - قد تتحقق الغيبة بالتعريض والاشارة قولا، كأن يقول: الحمد لله الذي لم يبتليني بالسلطان وبالميل الى الحكام، أو فعلا، كأن يحكي


1 - عن الازرق قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته (الكافي 2: 266، عنه الوسائل 12: 289)، مجهولة ليحيى الازرق. 2 - راجع احياء العلوم باب الغيبة 3: 127.

[ 512 ]

مشية الغائب، بل هو اشد من الذكر باللسان لكونه اعظم في الانتقاص، أو كتابة، فقد قيل: ان القلم احد اللسانين، فان المناط في تحقق الغيبة كشف ما ستره الله ولا خصوصية للكاشف. 5 - لا بد في صدق الغيبة من وجود احد يقصد بالتفهيم، فقد عرفت انها اظهار ما ستره الله، وهو لا يتحقق بمجرد حديث النفس، فانه لا يزيد على الصور العلمية والملكات النفسانية، ومن هنا علم عدم تحقق الغيبة ايضا بذكر الانسان بعيوب يعلمها المخاطب، نعم قد يحرم ذلك من جهة اخرى. 6 - لا تتحقق الغيبة الا بكون المغتاب - بالفتح - معلوما بالتفصيل عند المخاطبين، فلو كان مرددا عندهم بين اشخاص، سواء كانوا محصورين ام غير محصورين، فذكره بالنقائص والمعائب المستورة لا يكون غيبة، فانه ليس كشفا لما ستره الله. ومثاله ان تقول: رأيت اليوم رجلا بخيلا، أو جاءني اليوم شارب الخمر، أو تارك الحج، أو عاق الوالدين، أو من يعيش معيشة ضنكا، فكل ذلك لا يكون من الغيبة في شئ، ولا يكون حراما الا إذا انطبق عليه عنوان محرم آخر، ولا يفرق في ذلك بين ان يكون كل واحد من المحصورين كارها لذلك الذكر ام لا، لما عرفت من أن كراهة المقول فيه ليست شرطا في تحقق الغيبة. نعم لو عرفنا الغيبة بانها ذكر الغير بما يكرهه كما عليه المشهور، كان ذلك من الغيبة وشملته ادلة تحريمها، ولكنك قد عرفت ضعفه فيما سبق. ولا يخفى ان ما ذكرناه من اشتراط العلم التفصيلي بالمغتاب في مفهوم الغيبة انما هو بالاضافة الى الافراد، أما إذا كان المذكور نقصا للعنوان

[ 513 ]

الكلي وكشفا لما ستره الله على النوع، بحيث يكون المصداق المردد انما ذكر من باب تطبيق الكلي على الفرد كان ذلك غيبة لجميع افراد الكلي الموجودة في الخارج لانحلاله إليها كسائر القضايا الحقيقية، بل بالنسبة الى الافراد الماضية ايضا، بل ربما يكون ذلك بالنسبة الى بعض الافراد بهتانا. ومثاله أن يذكر انسانا بالسوء المستور لكونه عجميا أو عربيا، أو بقالا، أو لكونه من اهل البلد الفلاني، أو من الصنف الفلاني وهكذا. 7 - قد عرفت انه ليس في المسألة ما يعتمد عليه في تعريف الغيبة وتفسيرها الا بعض الروايات الضعيفة، وعليه فكلما شككنا في تحقق موضوع الغيبة للشك في اعتبار قيد في المفهوم أو شرط في تحققه يرجع الى اصالة العدم. 8 - أن مقتضى ما ذكره المشهور، من أن الغيبة ذكرك اخاك بما يكرهه لو سمعه، عدم صدق الغيبة مع حضور المغتاب - بالفتح - بل هذا هو الظاهر من الاية، فان تشبيه المغتاب بالميتة انما هو لعدم شعوره بما قيل فيه، واما على ما ذكرناه في تعريف الغيبة فلا فرق في انطباقها بين حضور المغتاب وعدمه ما دام يصدق على القول انه اظهار لما ستره الله. قوله: نظير ما إذا نفي عنه الاجتهاد. أقول: نفى الاجتهاد ليس نقصا في حق احد كما ذكره المصنف، ولكنه فيما إذا لم يستلزم تعريضا بغباوة المنفي عنه لطول اشتغاله بالتحصيل، والا فلا شبهة في كونه غيبة. قوله: لعموم ما دل على حرمة ايذاء المؤمن.

[ 514 ]

أقول: قد دلت الروايات المتواترة (1) على حرمة ايذاء المؤمن واهانته وسبه، وعلى حرمة التنابز بالالقاب، وعلى حرمة تعيير المؤمن بصدور معصية منه فضلا عن غير المعصية، الا أنها خارجة عن المقام كما ذكره المصنف، فان النسبة بين ما نحن فيه وبين المذكورات هي العموم من وجه، وقد اشرنا الى ذلك في البحث عن حرمة سب المؤمن. دواعي الغيبة: قوله: ثم ان دواعي الغيبة كثيرة. أقول: الاسباب التي ذكروها باعثة للغيبة عشرة، وقد اشير إليها فيما روي عن الصادق (عليه السلام) في مصباح الشريعة (2)، ولكن الرواية ضعيفة السند، وتكلم عليها الشهيد الثاني (قدس سره) في كشف الربية بما لا مزيد عليه، ونذكر منها اثنين، فان لهما مأخذا دقيقا لا يلتفت إليه نوع الناس فيقعون في الغيبة من حيث لا يشعرون: 1 - ان يرفع نفسه بتنقيص غيره، بأن يقول: فلان ضعيف الرأي وركيك الفهم، وما ذكره بديهي البطلان، ونحوها من الكلمات المشعرة بالذم، واكثر من يبتلي به هم المزاولون للبحث والتدريس والتأليف فيما إذا أخذهم الغرور والعجب. 2 - ان يغتم لاجل ما يبتلي به احد، فيظهر غمه للناس ويذكر سبب


1 - راجع الكافي 2: 261 - 263، والوسائل 12: 264 - 269. 2 - وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق، والخلق، والعقل، والفعل، والمعاملة، والمذهب، والجهل واشباهه، واصل الغيبة يتنوع بعشرة أنواع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتهمة، وتصديق خبر بلا كشفه، وسوء ظن، وحسد، وسخرية، وتعجب، وتبرم، وتزين، فان اردت السلامة فاذكر الخالق لا المخلوق - الخ (مصباح الشريعة: 274، عنه المستدرك 9: 118).

[ 515 ]

غمه، وهو شئ ستره الله على اخيه، فيقع في الغيبة من حيث انه يقصد الاهتمام بشأنه، فان اغتمامه له رحمة، ولكن ذكره سبب ذلك عليه شر. وقد يتصنع ذلك بعض المنافقين ويأخذه وسيلة لهتك اعراض الناس وكشف عوراتهم، بأن يظهر الاغتمام والتحسر لابتلاء شخص محترم ثم يذكر فيه ما يوجب افتضاحه في الانظار وانحطاطه عن درجة الاعتبار، فيلقى نفسه في جهنم وبئس المصير، وبذلك يكون اداما لكلاب النار، كما في بعض الاحاديث (1)، استعيذ بالله من الحقد والحسد وغيظ القلوب. كفارة الغيبة: قوله: الثاني: في كفارة الغيبة الماحية لها. أقول: الذي قيل أو يمكن ان يقال في بيان كفارة الغيبة وجوه: 1 - الاستحلال من المغتاب - بالفتح -. 2 - الاستغفار له فقط. 3 - كلا الامرين معا. 4 - أحدهما على سبيل التخيير. 5 - التفصيل بين وصول الغيبة الى المغتاب فكفارتها الاستحلال منه، وبين عدم وصولها إليه فكفارتها الاستغفار له فقط. 6 - التفصيل بين امكان الاستحلال منه وبين عدمه لموت، أو بعد مكان، أو كون الاعتذار موجبا لاثارة الفتنة والاهانة، فعلى الاول يجب


1 - عن جامع الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله): كذب من زعم انه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، اجتنبوا الغيبة فانها ادام كلاب النار (جامع الاخبار: 171، عنه المستدرك 9: 121)، مرسلة.

[ 516 ]

الاستحلال منه، وعلى الثاني يجب الاستغفار له. 7 - عدم وجوب شئ منهما في جميع الصور بل الواجب على المغتاب - بالكسر - الاستغفار لنفسه والتوبة من ذنبه. أقول: قبل التكلم في الوجوه المذكورة لا بد وان يعلم انه إذا شك في وجوب شئ منها، فان اصالة البراءة محكمة للشك في ثبوت التكليف المقتضى للامتثال. وقال المصنف (رحمه الله): ان اصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب - بالفتح - على المغتاب - بالكسر - يقتضي عدم الخروج منه الا بالاستحلال خاصة. وفيه: انه لم يثبت هنا للمقول فيه حق حتى يستصحب بقاؤه ويجب الخروج عن عهدته، فان من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه، وإذا اغتابه لم يحفظ حقه فلم يبق موضوع للاستصحاب، ولم يثبت بذلك حق آخر للمغتاب حتى يستصحب. وعليه فلا وجه لما افاده المحقق الايرواني، من أن الاصل في المسألة هو الاحتياط والاتيان بكل ما احتمل دخله في رفع العقاب من الاستحلال والتوبة والاستغفار للمغتاب - بالفتح - وغير ذلك (1). إذا عرفت ذلك فنقول: اما الاستحلال من المغتاب مطلقا فذهب الى وجوبه جمع من الاصحاب. قال الشهيد في كشف الريبة: اعلم ان الواجب على المغتاب ان يندم ويتوب على ما فعله ليخرج من حق الله سبحانه وتعالى، ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج عن مظلمته (2).


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 34. 2 - كشف الريبة: 111.

[ 517 ]

ويمكن الاستدلال على ذلك بأن الغيبة من حقوق الناس وحقوق الناس لا ترتفع الا باسقاط ذي الحق منهم. أما الوجه في الصغرى فلانها ظلم للمغتاب، ولما ورد في الاخبار الكثيرة من أن حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه. وأما الوجه في الكبرى فهو جملة من الروايات: منها: ما دل على أن الغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها، وقد تقدمت هذه الرواية في البحث انها صغيرة أو كبيرة. وفيه: انها وان كانت واضحة الدلالة على المقصود، ولكنها ضعيفة السند. ومنها: ما عن الكراجكي عن على (عليه السلام) في رواية قال فيها: ان للمؤمن على المؤمن ثلاثين حقا - وذكرها على التفصيل، ثم قال (عليه السلام): - سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ان احدكم ليدع من حقوق اخيه شيئا فيطالبه يوم القيامة فيقضي لها وعليه (1). وفيه أولا: انها ضعيفة السند، وثانيا: انها لا تدل على وجوب الاستحلال، لاشتمالها على حقوق لا قائل بوجوب أدائها، كعيادة المريض وحضور الميت وقضاء الحاجة وغيرها. ولم يتوهم احد ولا يتوهم ان من لم يعمل بالحقوق المذكورة في هذه الرواية وغيرها من الروايات المتواترة الواردة في حقوق الاخوان وجب عليه ان يستحل من ذي الحق مع التمكن ومن وليه مع عدمه نظير الحقوق المالية، وانما هي حقوق اخلاقية ينبغي للانسان ان يراعيها ويواظب


1 - كنز الكراجكي: 141، عنه الوسائل 12: 212، ضعيفة للحسين بن محمد بن علي السيرافي البغدادي.

[ 518 ]

عليها، لكونها مقومة لاجتماعهم، بل هي في الجملة من مقتضيات طبع البشر والعقلاء مع قطع النظر عن الشريعة. وعليه فالمراد من القضاء بموجبها يوم القيامة هو ما ذكره المصنف، من المعاملة معه معاملة من لم يراع حقوق المؤمن لا العقاب عليها. ومنها: النبوي: من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلها (1). وفيه: انه ضعيف السند، ولا بأس بحمله على الاستحباب للتسامح في ادلة السنن، نعم قد ثبت بالادلة القطعية الضمان في الحقوق المالية فقط. ومنها: ما عن عائشة انها قالت لامرأة قالت لاخرى: انها طويلة الذيل: قد اغتبتها فاستحلها (2). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند، وثانيا: ان ما ذكر فيها ليس من الغيبة لانه من الامور الظاهرة، وثالثا: انه لا حجية في قول عائشة. ومنها: ما دل على أن من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه اربعين يوما وليلة الا أن يغفر له صاحبه (3). وفيه أولا: انه ضعيف السند، وثانيا: انه لا بد من حمل نظائر هذه الاخبار على الاحكام الاخلاقية، فانه لم يتفوه احد ببطلان عبادة المغتاب - بالكسر - ووجوب القضاء عليهم بعد التوبة. ومنها: ما دل على انتقال الاعمال الصالحة باغتياب الناس المغتاب -


1 - راجع سنن البيهقي 2: 83، وكشف الريبة: 87، واحياء العلوم 3: 134. 2 - راجع احياء العلوم 3: 134. 3 - كرواية جامع الاخبار: 171، عنه المستدرك 9: 122، مرسلة.

[ 519 ]

بالفتح - فإذا استحل منه رجعت الى صاحبها (1). وفيه مضافا الى كونه ضعيف السند، انه لا دلالة له على وجوب الاستحلال. وقد ذكر المصنف ان في الدعاء التاسع والثلاثين من ادعية الصحيفة السجادية (2)، ودعاء يوم الاثنين من ملحقاتها (3) ما يدل على هذا المعنى ايضا. وفيه: ان ما فيهما اجنبي عما نحن فيه، أما الاول فهو مسوق لطلب العفو والرحمة لذي الحق والمظلة في حال عدم التمكن من استحلاله ولا تعرض فيه لوجوب الاستحلال منه اصلا، وأما الثاني فيدل على طلب المغفرة له مع عدم التمكن من التحلل والرد من غير تعرض لوجوب الاستحلال كما سيأتي. وأما الاستغفار للمغتاب - بالفتح - فذهب الى وجوبه غير واحد من الاصحاب، ويمكن الاستدلال عليه بامور: 1 - ما تقدم من دعاء السجاد (عليه السلام) في طلب العفو والرحمة لذوي الحقوق والمظلمة.


1 - كرواية جامع الاخبار: 171، عنه المستدرك 9: 122. 2 - حيث قال (عليه السلام) في الفقرة الرابعة من الدعاء: اللهم وأيما عبد من عبيدك أدركه مني درك، أو مسه من ناحيتي أذى، أو لحقه بي، أو بسببي ظلم، ففته بحقه، أو سبقته بمظلمته، فصل على محمد وآله، وارضه عني من وجدك، وأوفه حقه من عندك. 3 - قال (عليه السلام): فأيما عبد من عبيدك أو أمة من امائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها اياه، في نفسه، أو في عرضه، أو في ماله، أو في اهله وولده، أو غيبة اغتبته بها - الى ان قال: - فقصرت يدي وضاق وسعي عن ردها إليه والتحلل منه، فأسألك - الى ان قال: - ان ترضيه عني بما شئت.

[ 520 ]

وفيه: ان الفعل الصادر من المعصوم (عليه السلام) لا يدل على الوجوب لكونه اعم منه ومن المستحب، 2 - رواية حفص بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل النبي (صلى الله عليه وآله) ما كفارة الاغتياب، قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته (1). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند، وثانيا: ان مقتضى العمل بها هو وجوب الاستفغار للمغتاب - بالفتح - كلما ذكره أو كل وقت ذكر الاغتياب، ومن الواضح ان هذا خلاف الضرورة ولم يلتزم به فقيه فيما نعلم، وان ذكره بعض اهل الاخلاق، وعليه فتحمل الرواية على الجهات الاخلاقية. نعم بناء على كون النسخة: كما ذكرته، بدل: كلما ذكرته، على ما ذكره المجلسي في مرآة العقول لا يتوجه عليها الاشكال الثاني. 3 - ما في رواية السكوني، من قول الامام (عليه السلام): من ظلم احدا ففاته فليستغفر الله له، فانه كفارة له (2)، بدعوى ان الضمير المنصوب في كلمة فاته يرجع الى الظلم، المفهوم من كلمة ظلم، نظير قوله تعالى: اعدلوا هو اقرب للتقوى (3)، ومن الواضح ان الغيبة من الظلم فيجب على من اغتاب احدا ان يستغفر له. وفيه اولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان الظاهر منها رجوع الضمير الى المظلوم، كما جزم به المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، فالمعنى: ان من لم يدرك المظلوم


1 - الكافي 2: 266، عنه الوسائل 12: 290، مجهولة لحفص بن عمر. أقول: قد نسب المصنف هذه الرواية الى السكوني، وهو من سهو القلم. 2 - الكافي 2: 334، موثقة للسكوني. 3 - المائدة: 8.

[ 521 ]

ليطلب منه براءة الذمة ويسترضيه عن المظلمة فليستغفر الله له وعليه، فتدل الرواية على وجوب طلب المغفرة للمظلوم مع عدم التمكن من الوصول إليه لا مطلقا. ومما ذكرناه في الرواية الثانية والثالثة ظهر الجواب عن روايتي الجعفريات (1) ايضا. ومن جميع ما حققناه في عدم وجوب الاستحلال والاستغفار تكليفا ظهر الجواب عن القول بوجوب كلا الامرين تعيينا أو تخييرا، وعلم ايضا انه لا وجه لما نقله المامقاني عن بعض مشائخه من العمل بطائفتي الاخبار الدالة: احداهما على الاستغفار والاخرى منهما على الاستحلال، فيلزم المغتاب - بالكسر - الجمع بينهما، بأن يستغفر للمقول فيه ويستحل منه. وأما التفصيل بين وصول الغيبة للمقول فيه وبين عدم وصولها إليه، فيجب الاستحلال منه في الصورة الاولى ويجب الاستغفار له في الصورة الثانية، فقد ذهب إليه جمع من أعاظم الاصحاب، كالشهيد الثاني والمجلسي وغيرهما، قال المحقق الطوسي في مبحث التوبة من التجريد: ويجب الاعتذار عن المغتاب مع بلوغه، وتبعه العلامة والقوشجي في شرحهما على التجريد. ويدل على هذا التفصيل ما عن مصباح الشريعة، وهو قوله (عليه السلام): لن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه، فان لم تبلغه ولم تلحقه فاستغفر الله له (2).


1 - عن النبي (صلى الله عليه وآله): من ظلم أحدا فغابه فليستغفر الله له كما ذكره فانه كفارة له (الجعفريات: 228، عنه المستدرك 9: 130)، مجهولة لموسى بن اسماعيل 2 - مصباح الشريعة: 274، عنه المستدرك 9: 117، مرسلة.

[ 522 ]

وفيه اولا: انه ضعيف السند. وثانيا: ان الغيبة ان كانت من حقوق الناس وجب الاستحلال من المقول فيه، سواء علم بذلك ام لا، والا بقي المغتاب - بالكسر - مشغول الذمة الى الابد، ويكون شأن الغيبة في ذلك شأن الحقوق المالية وان لم تكن من حقوق الناس، فلا وجه لوجوب الاستحلال من المقول فيه وان بلغته الغيبة. وعلى كل حال فلا وجه للتفصيل المذكور، ولا بد اما من حمل الرواية على الجهات الاخلاقية أو رد علمها الى قائلها. ومما ذكرناه ظهر ما في كلامي الشهيد في كشف الريبة (1) والمجلسي في مرآة العقول من الضعف، حيث جعلا التفصيل المذكور وجه الجمع بين الروايات. وأما التفصيل بين امكان الاستحلال وعدمه، فألحقه الشهيد في كشف الريبة بالتفصيل المتقدم حكما، وقال: وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة. ويمكن الاستدلال عليه بما في دعاء السجاد (عليه السلام) يوم الاثنين من طلب العفو والمغفرة لذوي الحقوق والمظلمة مع عدم امكان الخروج عنها. وفيه اولا: ان الادعية الواردة في ايام الاسبوع لم يثبت كونها من زين العابدين (عليه السلام)، ولذا عدوها من الملحقات للصحيفة المعروفة. وثانيا: ان فعل المعصوم وان كان حجة كسائر الامارات المعتبرة الا أنه مجمل لا يدل الوجوب، كما عرفته آنفا.


1 - كشف الريبة: 111.

[ 523 ]

وأما الاكتفاء بالتوبة في محو تبعات الغيبة كما يكتفي بها في محو تبعات سائر المعاصي فهو المتعين، لقيام الضرورة ودلالة الايات المتظافرة والروايات المتواترة من الفريقين على أن التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له، وفي احياء العلوم عن مجاهد: ان كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير (1). وفيه: انه وان كان حكما اخلاقيا ولكن قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه انه لا دليل عليه. وكذلك لا وجه لما حكاه عن عطاء، من أنه سئل عن التوبة من الغيبة قال: ان تمشي الى صاحبك فتقول له: كذبت فيما قلت وظلمتك واسأت، وان شئت اخذت بحقك وان شئت عفوت، وهذا هو الاصح (2). على أن ما ذكره في طريق الاعتذار، من أن يقول المغتاب - بالكسر - لصاحبه: كذبت فيما قلت، كذب محرم، لما عرفت ان الغيبة كشف العيوب المستورة الموجودة في المقول فيه، فلا يكون الاغتياب من الاكاذيب. قوله: والانصاف ان الاخبار الواردة في هذا الباب كلها غير نقية السند. أقول: ربما قيل: انه لا وجه لمناقشة المصنف في اعتبار الروايات، فانه قد اعترف بكونها مستفيضة، على أنه (رحمه الله) جعل من ادلة وجوب الاستحلال الدعاء التاسع والثلاثين من الصحيفة، ومن البديهي ان الصحيفة وصلت الينا بسند معتبر عن الامام الرابع عليه وعلى آبائه الف تحية وسلام.


1 - احياء العلوم 3: 134. 2 - احياء العلوم 3: 134.

[ 524 ]

وفيه: ان مراد المصنف من الاخبار التي ناقش في اعتبارها غير الدعاء المزبور كما هو الظاهر، وانما لم يلتزم بوجوب الاستحلال، لان الدعاء غير تام الدلالة عليه، وأما الاستفاضة فهي لا تنافي عدم الاعتبار، فان الخبر المستفيض قسم من الاخبار الاحاد كما حقق في محله، ولذا يجعلونه في مقابل المتواتر. مستثنيات الغيبة: قوله: الثالث: فيما استثنى من الغيبة وحكم بجوازها بالمعنى الاعم. أقول: ذكر المصنف تبعا لجامع المقاصد (1) ان المستفاد من الاخبار ان الغيبة المحرمة هي ما كان الغرض منها انتقاص المؤمن وهتك عرضه، أو التفكه به أو اضحاك الناس منه، وأما إذا كان الاغتياب لغرض صحيح راجع الى المغتاب - بالكسر أو الفتح - أو الى ثالث، بحيث يكون هذا الغرض الصحيح اعظم مصلحة من احترام المؤمن وجب العمل على طبق أقوى المصلحتين، وهذا كنصح المستشير والتظلم ونحوهما، وعليه فموارد الاستثناء لا تنحصر بعدد معين بل المدار فيها وجود مصلحة اهم من مصلحة احترام المؤمن. وعلى هذا المنهج جميع موارد التزاحم في الواجبات والمحرمات، سواء كانت من حقوق الله ام من حقوق الناس. أقول: مقتضى الادلة المتقدمة هو تحريم الغيبة بعنوانها الاولى، سواء انطبقت عليها سائر العناوين المحرمة ام لا، وعليه فلا وجه لجعل حرمة الغيبة تابعة لقصد هتك المؤمن أو التفكه به أو انطباق غيرهما من العناوين المحرمة.


1 - جامع المقاصد 4: 27.

[ 525 ]

نعم ما ذكره المصنف تبعا لجامع المقاصد في ضابطة ترجيح الاهم على المهم فهو في غاية المتانة والجودة، على ما نقحناه في علم الاصول، ولا تحصى ثمراته في علم الفقه، الا أنه لا وجه لذكر هذه الضابطة في المقام، فان الكلام هنا متمحض لبيان مستثنيات الغيبة بحسب التعبد بالادلة الخاصة، فلا مساس له بلحاظ المناط والعمل بطبق أقوى الملاكين. وكيف كان فقد عدوا من مستثنيات الغيبة امورا: 1 - المتجاهر بالفسق: فانه يجوز اغتيابه بلا خلاف بين الشيعة والسنة (1)، وتدل على جواز غيبته جملة من الروايات: منها: رواية هارون بن الجهم عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة (2). وفيه: ان الرواية وان كانت ظاهرة الدلالة على المدعى، ولكنها ضعيفة السند. ومنها: النبوي: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (3). أقول: ليس المراد في الحديث من القى جلباب الحياء بينه وبين ربه حتى قام في صف المتمردين عليه، والا لدل الخبر على جواز اغتياب كل مذنب لهتكهم الستر المرخى بينهم وبين ربهم، وليس المراد به ايضا


1 - راجع احياء العلوم 3: 134. 2 - الامالي للصدوق: 42، عنه الوسائل 12: 289، ضعيفة لاحمد بن هارون. 3 - الاختصاص: 242، عنه المستدرك 9: 129. سنن البيهقي 10: 210، واحياء العلوم 3: 134.

[ 526 ]

من لا يبالي بارتكاب الامور العادية غير المناسبة لنوع الناس، كالاكل في السوق والجلوس في المقاهي، والاعتياد على الاكل في الضيافة زائدا على المتعارف، بل المراد منه هو الفاسق المعلن بفسقه غير المبالي بالتمرد على الشارع والجرأة على مخالفته بالاقدام على القبائح والمعاصي علنا، فيدل على المقصود الا أنه ضعيف السند. ومنها: الروايات الدالة على أن الفاسق المعلن بفسقه لا غيبة له ولا حرمة (1)، الا أنها ضعيفة السند. ومنها: ما روي عنه (عليه السلام) بطرق عديدة: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته، وكملت مروته، وظهر عدله، ووجبت اخوته (2).


1 - عن قرب الاسناد قال (عليه السلام): ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، والامام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق (قرب الاسناد: 82، عنه الوسائل 12: 289)، ضعيفة لابي البختري. رواها الغزالي في احياء العلوم 3: 134 عن الحسن. عن القطب الراوندي عن النبي (صلى الله عليه وآله): لا غيبة لثلاث: سلطان جائر، وفاسق معلن، وصاحب بدعة (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 9: 128)، مرسلة. وعن السيد فضل الله الراوندي: أربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه (النوادر للراوندي: 18، عنه البحار 75: 261، المستدرك 9: 129)، مرسلة. عن عوالي اللئالي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا غيبة لفاسق أو في فاسق (عوالي اللئالي 1: 438، عنه المستدرك 9: 129)، مرسلة. 2 - الكافي 2: 239، ضعيفة لعثمان بن عيسى، نقله في الخصال 1: 208، صحيفة الرضا (عليه السلام): 97، العيون 2: 30، عنهما البحار 70: 1، 75: 93 و 236 و 252، الوسائل 12: 279، ولكن ما عن الخصال ضعيف لزيد بن محمد وعبد الله بن احمد الطائي وأبيه، وأما ما عن العيون فرواه الصدوق عن الرضا (عليه السلام) بطرق ثلاثة وكلها مجهولة.

[ 527 ]

فهذه الرواية دلت بمفهومها على أن من ارتكب الامور المذكورة فهو جائز الغيبة، ومن الواضح ان من ظلم الناس في معاملاتهم وكذبهم في حديثهم كان متجاهرا بالفسق. ولكن الرواية بجميع طرقها ضعيفة السند، على أن الظاهر من هذه الرواية ومن صحيحة ابن أبي يعفور ورواية علقمة الاتيتين اعتبار العدالة في حرمة الغيبة ولم يلتزم به احد. ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور (1)، فقد دلت على أن حرمة التفتيش عن احوال الناس مترتبة على الستر والعفاف منهم، ومقتضى ذلك ان حرمة التفتيش تنتفي إذا انتفت الامور المذكورة. وفيه: ان التفتيش غير الغيبة وحرمة احدهما لا تستلزم حرمة الاخر، نعم قد يجتمعان، ثم لو سلمنا اتحادهما فان مقتضى ذلك اعتبار العدالة في حرمة الغيبة. ومنها: ما في رواية علقمة عن الصادق (عليه السلام)، وهو قوله: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة، وان كان في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله وداخل في ولاية الشيطان (2). قال المصنف: دل على ترتب حرمة الاغتياب وقبول الشهادة على كونه من اهل الستر وكونه من اهل العدالة، على طريق اللف والنشر، أو على اشتراط الكل بكون الرجل غير مرئي منه المعصية ولا مشهودا عليه بها ومقتضى المفهوم جواز الاغتياب مع عدم الشرط خرج منه غير المتجاهر.


1 - راجع الوسائل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من أبواب الشهادات. 2 - امالي الصدوق: 91، عنه الوسائل 12: 285، ضعيفة لصالح بن عقبة وعلقمة.

[ 528 ]

وفيه اولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان ظاهرها اعتبار العدالة في حرمة الغيبة، وهو بديهي البطلان كما عرفت آنفا. وثالثا: ان ظاهر مفهومها هو ان غيبة الرجل جائزة لمن يشاهد صدور المعصية منه أو إذا شهد عليه بها شاهدان، وعليه فتنحصر موارد الادلة الدالة على حرمة الغيبة بالعيوب البدنية والاخلاقية، فان المغتاب - بالكسر - لا بد له من العلم حين يغتاب، والا كان من البهتان لا من الغيبة، وهذا خلاف صراحة غير واحد من الروايات الدالة على حرمتها، على أنه لم يلتزم به احد. نعم لو اريد من الخطاب في قوله (عليه السلام): فمن لم تره بعينك، العنوان الكلي والقضية الحقيقية، وكان معناه ان صدور المعصية منه بمرأى من الناس ومسمع منهم، بحيث ير الناس ويرونه وهو يوقع المعصية، لسلم عن هذا الاشكال. ومنها: ما في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة، من قوله (عليه السلام): وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا غيبة الا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجبت على المسلمين غيبته (1)، فانه يدل على جواز غيبة من رغب عن الجماعة بل على وجوبها. وفيه: اولا: ان اصل الرواية وان كانت صحيحة كما عرفت الا أن هذه القطعة قد زيدت عليها في رواية الشيخ، وهي مشتملة على ضعف في السند.


1 - رواه في الوسائل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من أبواب الشهادات، وهو ضعيف لمحمد بن موسى، اورده الشهيد مرسلا في الذكري: 265، عنه الوسائل 8: 317.

[ 529 ]

وثانيا: انها مختصة بمن رغب عن الجماعة فلا تعم غيره. وثالثا: ان ظاهر الرواية هو دوران الغيبة والعدالة اثباتا ونفيا مدار حضور الجماعة والرغبة عنها، ويدل على هذا من الرواية ايضا قوله (عليه السلام) بعد القطعة المذكورة: وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه، وإذا رفع الى امام المسلمين أنذره وحذره، فان حضر جماعة المسلمين والا احرق عليه بيته، ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم. وحاصل ما تقدم انه لم يدل دليل معتبر على جواز غيبة المتجاهر بالفسق ليكون مقيدا للاطلاقات الدالة على حرمة الغيبة مطلقا. نعم قد ذكرنا في معنى الغيبة انها عبارة عن كشف ما ستره الله على العباد، وأيدناه ببعض الروايات، فيكون المتجاهر بالفسق خارجا عن حدود الغيبة تخصصا وموضوعا، لانه قد كشف ستره بنفسه قبل ان يكشفه المغتاب - بالكسر. فروع: 1 - هل يعتبر في جواز غيبة المتجاهر بالفسق قصد الغرض الصحيح من النهي عن المنكر وردعه عن المعاصي أو لا؟ مقتضى العمل بالاطلاقات المتقدمة الدالة على نفي الغيبة عن المتجاهر بالفسق هو الثاني، إذ لم تقيد بالقصد المذكور، كما ان ذلك ايضا مقتضى ما ذكرنا، من خروج ذكر المتجاهر بالفسق عن تعريف الغيبة موضوعا، إذ لم يتقيد عنوان الغيبة بأكثر من كونها كشفا لما ستره الله. 2 - هل تجوز غيبة المتجاهر في جميع ما ارتكبه من المعاصي وان

[ 530 ]

لم يتجاهر الا في بعضها كما عن الحدائق (1)، أو لا تجوز الا فيما تجاهر فيه كما عن الشهيد الثاني (رحمه الله)؟ (2) وفصل المصنف بين المعاصي التي هي دون ما تجاهر فيه في القبح وبين غيرها، فيجوز اغتيابه في الاول ولا يجوز اغتيابه في الثاني، ومثاله من تجاهر باللواط جاز اغتيابه بالتعرض للاجنبيات، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة، ومن تجاهر بكونه جلاد سلطان الجور يقتل الناس ويمثل بهم وينكل جاز اغتيابه بشرب الخمر والزناء واللواط، ومن تجاهر بنفس المعصية جاز اغتيابه في مقدماتها، ومن تجاهر بالمعاصي الكبيرة جاز اغتيابه بالتعرض لجميع القبائح، ولعل هذا هو المراد من قوله (صلى الله عليه وآله): من القى جلباب الحياء فلا غيبة له، لا من تجاهر بمعصية خاصة وعد مستورا في غيرها كبعض عمال الظلمة - انتهى ملخص كلامه. أقول: أما القول بالتفصيل المذكور فلا دليل عليه بوجه، فان بعض الناس قد يتجاهر بالذنوب الكبيرة، كقتل النفوس المحترمة وشرب الخمور وأكل اموال الناس، ومع ذلك يتستر فيما هو دونها، كايذاء الجار والنظر الى الاجنبيات وترك العبادات الواجبة. نعم إذا تجاهر في معصية جاز اغتيابه بها وبلوازمها، فإذا تجاهر بشرب الخمر جاز اغتيابه بتهيئة مقدمات الشرب من الشراء والحمل أو الصنع، فان الالتزام بالشئ التزام بلوازمه، ومن القى جلباب الحياء في


1 - الحدائق 18: 166. 2 - كشف الريبة: 79، صرح به قبل الشهيد المحقق الثاني في رسالته في العدالة (مجموعة رسائله): 42.

[ 531 ]

معصية القى جلبابه في لوازمه ايضا، وعليه فيدور الامر بين القول بالجواز مطلقا وبين القول بعدم الجواز كذلك. وقد يقال: ان الظاهر هو جواز اغتياب المتجاهر مطلقا كما عن الحدائق، بل استظهره من كلام جملة من الاعلام، بل ذكر المصنف تصريح بعض الاساطين بذلك (1). والوجه فيه هو اطلاق الروايات المتقدمة، فانه دال على جواز غيبة المتجاهر بالفسق حتى بذكر المعاصي التي لم يتجاهر فيها، فكان تجاهره بمعصية واحدة اسقط احترامه في نظر الشارع بحيث صار مهدور الحرمة، كما ان المرتد بارتداده يصبح مهدور الدم. ولكنك قد عرفت ضعف الروايات المذكورة، فلا يمكن التمسك باطلاقها، وعليه فالاقتصار على المقدار المتيقن يقتضي عدم جواز غيبة المتجاهر بغير ما تجاهر فيه وفي لوازمه. 3 - ظهر من مطاوي ما ذكرناه انه يعتبر في صدق التجاهر بالفسق ان يكون المتجاهر به مما يوجب الفسق والخروج عن العدالة، فلو ارتكب احد الحرام الواقعي لشبهة حكمية أو موضوعية فانه ليس بمذنب فضلا عن كونه متجاهرا بالفسق. أما الشبهة الحكمية، فكما إذا شرب العصير التمري المغلي قبل ذهاب ثلثيه أو اكل لحم الارنب، لانه يعتقد اباحتهما بحسب اجتهاده أو اجتهاد من يقلده، فانه يكون معذورا في هذا الارتكاب إذا تمت له أو لمقلده مقدمات الاجتهاد. وأما الشبهة الموضوعية، فكشرب الخمر باعتقاد انها ماء، وكوطئ


1 - صرح به كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط): 35.

[ 532 ]

امرأة اجنبية باعتقاد انها زوجته، وكقتل المؤمن باعتقاد انه مهدور الدم، فانه ايضا معذور في هذه الاعمال الا إذا كان مقصرا فيها. 4 - قد عرفت ان مقتضى العمل بالمطلقات هو جواز غيبة المتجاهر مطلقا بمجرد تجاهره بمعصية من المعاصي، فيكون التجاهر ولو في معصية واحدة علة تامة لجواز الغيبة، وعليه فلا يفرق في ذلك بين ان يكون معروفا بالتجاهر في الفسق بين جميع الناس وفي جميع الامكنة والاصقاع أو بين بعضهم وفي بعض البلاد والقرى. وعلى هذا فلا وجه لما استشكله المصنف، من دعوى ظهور روايات الرخصة فيمن لا يستنكف عن الاطلاع على عمله مطلقا، فرب متجاهر في بلد متستر في بلاد الغربة أو في طريق الحج والزيارة لئلا يقع عن عيون الناس، نعم لو تجاهر بذلك بين جماعة هم اصحاب سره ورفقائه في العمل فانه لا يعد متجاهرا بالفسق. ولكن قد عرفت ضعف المطلقات المذكورة فلا يمكن الاستناد إليها في تجويز هتك عرض المؤمن وافتضاحه بين الناس، ولا تصلح لتقييد المطلقات الدالة على حرمة الغيبة. واذن فلا تجوز غيبة المتجاهر الا لمن تجاهر بالمعصية عنده لا من جهة الروايات بل لعدم تحقق مفهوم الغيبة مع التجاهر على ما ذكرناه في تفسيرها، والله العالم. ولقد أجاد المصنف حيث قال: وبالجملة فحيث كان الاصل في المؤمن الاحترام على الاطلاق وجب الاقتصار على ما تيقن خروجه. قوله: وهذا هو الفارق بين السب والغيبة. أقول: قد تقدم توضيح ذلك في البحث عن حرمة سباب المؤمن، وقلنا ان النسبة بين الغيبة وسب المؤمن هي العموم من وجه.

[ 533 ]

2 - جواز تظلم المظلوم: قوله: الثاني: تظلم المظلوم واظهار ما فعل به الظالم وان كان متسترا به. أقول: ذكر الشيعة والسنة (1) من مستثنيات حرمة الغيبة تظلم المظلوم، واظهار ما اصابه من الظالم وان كان متسترا في ظلمه اياه، كما إذا ضربه أو شتمه أو اخذ ماله أو هجم على داره في مكان لا يراهما احد أو لا يراهما من يتظلم إليه، فانه يجوز للمظلوم ان يتظلم بها الى الناس. ويدل عليه قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم (2)، فقد ثبت من الخارج ان الغيبة من الجهر بالسوء، فانها اظهار ما ستره الله من العيوب الموجبة لهتك المقول فيه واهانته كما عرفت، وعليه فتنطنبق الاية على ما نحن فيه، وتكون النتيجة: ان الله لا يحب الاغتياب الا للمظلوم، فان له ان يتظلم الى الناس بذكر مساوي الظالم، وان لم يرج ارتداعه عن ظلمه اياه. وأما الرواية المفسرة للجهر بالسوء بأن المراد به الشتم (3)، فمضافا الى ضعف السند فيها ان انطباقه على ذلك لا ينافي انطباقه على الغيبة ايضا، لما عرفت مرارا من أن الروايات الواردة في تفسير القرآن كلها لبيان المصداق وتنقيح الصغرى. وقيد الشهيد في كشف الريبة (4) وجمع ممن تأخر عنه (5) جواز الغيبة


1 - راجع احياء العلوم 3: 133. 2 - النساء: 148. 3 - مجمع البيان 2: 131. 4 - كشف الريبة: 77. 5 - كالمحقق السبزواري في كفاية الاحكام: 86، والمحقق النراقي في المستند 2: 347، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 66.

[ 534 ]

هنا بكونها عند من يرجو منه ازالة الظلم عنه، اقتصارا في مخالفة الاصل الثابت بالعقل والنقل على المتيقن، إذ لا عموم في الاية ليتمسك به في اثبات الاباحة مطلقا، وما ورد في تفسير الاية من الاخبار لا ينهض للحجية، مع أن المروي عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها المحكي عن مجمع البيان انه لا يحب الشتم في الانتصار الا من ظلم (1). وفيه: ان الاية وان لم تشتمل على شئ من الفاظ العموم وادواته الا أن قوله: الا من ظلم مطلق، فبمقتضى مقدمات الحكمة فيه يفيد العموم، وعليه فيجوز للمظلوم اغتياب الظالم، سواء احتمل ارتداعه أملا. ويدل على الحكم المذكور ما في تفسير القمي، من الرخصة للمظلوم في معارضة الظالم (2)، وكذلك يدل عليه ما ورد في تطبيق الاية على ذكر الضيف اساءة المضيف اياه (3)، ولكن جميع ذلك ضعيف السند. ثم ان المراد من اساءة الضيافة هو هتك الضيف وعدم القيام بما يليق بشأنه، وبما تقتضيه وظائف الضيافة والمعاشرة المقررة في الشريعة المقدسة، ويسمى ذلك في لغة الفرس بكلمة: پذيرائي، وليس المراد بها ترك ما يشتهيه الضيف ويتمناه زائدا على المقدار المتعارف. وبعبارة اخرى حق الضيف على المضيف ان يكرمه ويحترمه بالحد الاوسط، فلا تجوز له مطالبته بالحد الاعلى، ولا يجوز للمضيف ان


1 - مجمع البيان 2: 131. 2 - تفسير القمي 1: 157. 3 - روي في قوله تعالى: لا يحب الله - الخ عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه في ان يذكره بسوء ما فعله (تفسير العياشي 1: 283، عنه الوسائل 12: 290، مجمع البيان 2: 131)، مرسلة.

[ 535 ]

يعامل ضيفه بالحد الادنى، والا لجاز لاي منهما ان يذكر ما فعله الاخر معه من المساءة، لانه نوع من التظلم فيكون مشمولا للاية من دون احتياج الى الرواية، وحينئذ فيكون تطبيق الاية على اساءة الضيافة مؤيدة لما ذكرناه. وقد يستدل على الجواز هنا بامور غير ناهضة للدلالة على المقصود: 1 - قوله تعالى: والذين إذا اصابهم البغي هم ينتصرون (1)، وقوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل (2)، بدعوى ان ذكر المظلوم ما فعله الظالم معه من السوء نحو من الانتصار فيكون مشمولا للايتين. وفيه: ان الايتين اجنبيتان عما نحن فيه، بل هما راجعتان الى جواز الاعتداء والانتقام بالمثل، نظير قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (3)، وقد ذهب الى هذا جمع من الاكابر، حتى صرح الاردبيلي في محكي كلامه بجواز اعتداء المضروب بالضرب والمشتوم بالشتم، كما عرفته اجمالا في البحث عن حرمة السب. ويدل على ما ذكرناه، من حمل الايتين على الانتقام بالمثل، قوله تعالى بينهما: وجزاء سيئة سيئة مثلها (4). ودعوى ان الغيبة نحو من الاعتداء دعوى جزافية، فانه لا اطلاق للايتين بالنسبة الى المجازات بالمحرمات والا لجاز الاعتداء بالزناء ونحوه ولم يلتزم به احد بل هو ضروري البطلان.


1 - الشورى: 39. 2 - الشورى: 41. 3 - البقرة: 190. 4 - الشورى: 40.

[ 536 ]

2 - ان في منع المظلوم من التظلم حرجا عظيما، بل ربما لا يتحمله الا الاوحدي من الناس. وفيه: ان هذا لا يتم في جميع الموارد، فان رب شخص يتحمل ما لا يحصى من المصائب الشديدة والنوائب العسرة حتى من الاشخاص الدنية بغير حرج ومشقة، على أن في شمول دليل الحرج للمقام اشكالا بل منعا، لانه مناف للامتنان في حق المغتاب - بالفتح - وقد حققنا في معنى ادلة الحرج والضرر انها ادلة امتنانية، وانما تجري إذا لم يلزم من جريانها خلاف الامتنان في حق الاخرين. 3 - ان في تشريع الجواز مظنة ردع الظالم وهي مصلحة خالية عن المفسدة فتوجب الجواز، فان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد على مسلك العدلية. وفيه: ان الاحكام الشرعية وان كانت تابعة للملاكات الواقعية الا أن المصلحة المظنونة لا تقاوم المفسدة المقطوعة، لان الظن لا يغني من الحق شيئا، على أنه ربما لا يرتدع الظالم باغتيابه بل قد لا يرتدع بما هو اعظم من الاغتياب، على أن لازم هذا الوجه هو جواز اغتيابه حتى من غير المظلوم، فان الظن بالارتداع موجود فيهما، بل قد يكون ذكر غير المظلوم آكد في ردع الظالم. 4 - ما في رواية قرب الاسناد المتقدمة في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق، وهو قوله (عليه السلام): ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، والامام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق، بدعوى ان عدم احترام الامام الجائر انما هو لجوره لا لتجاهره بالفسق، والا لم يكن قسيما للفاسق المعلن بفسقه. وفيه اولا: انها ضعيفة السند كما عرفته في المبحث المذكور.

[ 537 ]

وثانيا: يمكن ان يراد من الامام الجائر من يتقمص بقميص الخلافة على غير استحقاق، وينتصب منصب الامامة بغير رضى من الله ورسوله، ويمكن ان يراد به مطلق القاعد الذي يجور على الناس بظلمهم، سواء ادعى الخلافة مع ذلك ام لا، ويعبر عنه في لغة الفرس بلفظ: زمامدار، وعليه فيدخل فيه من يقضي بين الناس أو يفتيهم على غير هدى من الله ورسوله. وعلى كل حال فلا دلالة في توصيف الامام بالجور على عليته لجواز الغيبة، فان عطف الفاسق عليه من قبيل عطف العام على الخاص، على أن الرواية المذكورة مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) بسند آخر، وهي تشتمل على توصيف الامام بالكذاب (1)، على أن هذا الوجه لو دل على الجواز لم يختص بخصوص المظلوم، فان الامام الجائر يجوز اغتيابه لكل احد، فعموم العلة اعني الجور يقتضي عموم الحكم. 5 - قوله (صلى الله عليه وآله): ولصاحب الحق مقال (2). وفيه اولا: انه ضعيف السند وغير منجبر بشئ. وثانيا: انه لا دليل الا على ثبوت المقال لصاحب الحق من حيث


1 - النوادر للراوندي: 18، عنه البحار 75: 261، المستدرك 9: 129، مجهولة لموسى بن اسماعيل. 2 - عن أبي هريرة: ان اعرابيا تقاضى النبي (صلى الله عليه وآله) دينا كان له عليه فأغلظ له، فهم به أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دعوه، فان لصاحب الحق مقالا، ثم قال: اقضوه، فقالوا: لا نجد الا سنا افضل من سنه، قال: اشتروه وأعطوه، فان خيركم احسنكم قضاء (سنن البيهقي، باب ما جاء في التقاضي 6: 52، وصحيح البخاري باب الوكالة في قضاء الدين 2: 37). وفي احياء العلوم 3: 132 ذكر هذه الجملة: ان لصاحب الحق مقالا، في مسوغات الغيبة ولم يذكر المصدر.

[ 538 ]

الكبرى، اي في موارد ثبوت الحق له بالفعل، وأما احراز الصغرى فلا بد وان يكون بأدلة اخرى، ومعنى الحديث: ان كل من ثبت له حق فعلي على احد من الحقوق المالية والعرضية والبدنية وغيرها، فله مقال في المطالبة به والمرافعة عليه، وعلى هذا فلا تشمل المظلوم الذي اضيع حقه وفات بالظلم عليه، إذ ليس له حق فعلي حتى يكون له مقال في المطالبة به والمرافعة عليه. ويحتمل اختصاصه بالدين فقط، فيكون مساوقا لقوله (صلى الله عليه وآله): لي الواجد بالدين يحل عرضه وعقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره الله عز وجل (1). عدم جواز الغيبة في ترك الاولى: لا يجوز للمظلوم ان يغتاب الظالم بترك الاولى لعدم الدليل عليه، وقد يستدل على الجواز بروايتين: 1 - رواية حماد بن عثمان (2) الواردة في استقضاء الدين، فانها ظاهرة في


1 - امالي الطوسي 2: 134، عنه الوسائل 18: 333، ضعيفة لهارون. وفي سنن البيهقي 6: 51 روي هذه الجملة: لى الواجد يحل عرضه وعقوبته في احاديث شتى. رواه في عوالي اللئالي 4: 72 مرسلا، عنه المستدرك 13: 397. أقول: اللي: مطل الدين.. 2 - عن حماد قال: دخل رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) فشكى إليه رجلا من اصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني اني استقصيت منه حقي، قال: فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقصيت حقك لم تسئ، أرايت ما حكى الله عزوجل فقال: ويخافون سوء الحساب، أترى انهم خافوا الله ان يجور عليهم، لا والله ما خافوا الا الاستقصاء، فسماه الله سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء (الكافي 5: 100، عنه الوسائل 18: 348)، ضعيفة لمعلي بن محمد. رواها في التهذيب 6: 194، عنه الوسائل 18: 348 بسند فيه جهالة لمحمد بن يحيى الصيرفي. رواه في المستدرك 13: 406 عن العياشي في تفسيره 2: 210 مرسلا. رواه الطبرسي في مشكاة الانوار: 187 مرسلا.

[ 539 ]

جواز الشكوى من الدائن لتركه الاولى، لان الامهال في قضاء الدين من الامور المستحبة. وفيه اولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان ظاهر الفرض في الرواية ان الدائن قد تعدى على المديون فطلب منه اداء الدين مع عدم وجوب الاداء عليه لعسر أو لغيره، ولا شبهة ان ذلك ظلم تباح معه الغيبة. ويؤيد ذلك ان الامام (عليه السلام) لم يوجب على المديون اداء الدين، ولو كان واجدا ولم يكن له عذر لكان اداء الدين واجبا عليه بلا ريب، لما ورد: ان لي الواجد يحل عرضه وعقوبته، وقد عرفت ذلك آنفا. هذا كله على النسخة المعروفة التي تبعها صاحب الوسائل والمصنف في النقل، وأما على نسختي الوافي والمستدرك، وما ذكره المجلسي (1) عن بعض النسخ القديمة، من تبديل الضاد المعجمة في استقضيت في الموضعين بالصاد المهملة، فالرواية تكاد تكون نصا فيما ذكرناه، فان معنى الاستقصاء في الحق البلوغ الى الغاية في المطالبة، ومن الواضح ان ذلك قد يؤدي الى الهتك والظلم فيكون حراما. وعليه فتكون الرواية من جملة ما دل على جواز اغتياب الظالم من قبل المظلوم بذكر اوصافه المحرمة كما تقدم.


1 - راجع مرآة العقول باب 25 آداب قضاء الدين 3: 389.

[ 540 ]

ومن تأمل الرواية وتشديد الامام (عليه السلام) فيها على المشكو عليه واستشهاده بالاية يطمئن بصحة نسخة الوافي، على أن المحدث القاساني دقيق في نقله، ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه، وتسليم عدم ظهور الرواية فيما نقول، فليس لها ظهور فيما ذكره المصنف ايضا، فتكون مجملة. 2 - مرسلة ثعلبة بن ميمون، قال: كان عنده قوم يحدثهم، إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): وانى لك باخيك كله وأي الرجال المهذب (1)، فان الظاهر من الجواب ان الشكوى انما كانت من ترك الاولى الذي لا يليق بالاخ الكامل المهذب. وفيه: اولا انها ضعيفة السند. وثانيا: ان جواب الامام (عليه السلام) ظاهر في ان الصنع الذي شكى منه الرجل امر يصيب به جميع الناس، وليس يوجد من لا يصيب به الا الاوحدي، وعليه فيخرج هذا عن موضوع الغيبة، فقد عرفت انها كشف ما ستره الله. وقد يستدل على جواز الغيبة بترك الاولى بما ورد في ذكر الضيف: مساوي ضيافة المضيف، فان ذلك ليس الا من ترك الاولى. وفيه مضافا الى ضعف السند فيه، انك قد عرفت ان المراد من اساءة


1 - عن ثعلبة بن ميمون عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): واني لك بأخيك كله، وأي الرجال المهذب (الكافي 2: 476، عنه الوسائل 12: 85)، مرسلة. فسر العلامة المجلسي (رحمه الله) في المرآة 12: 550 عبارة: بأخيك كله بقوله: اي كل الاخ التام في الاخوة، اي لا يحصل مثل ذلك الا نادرا، فتوقع ذلك كتوقع امر محال، فارض من الناس بالقليل.

[ 541 ]

الضيافة في الرواية هو الهتك والظلم والاهانة، والا لما صح تطبيق الاية على الموارد. وأما ما في حاشية الايرواني (1)، من دعوى ان ترك الاولى نوع من الظلم فلا وجه له. قوله: ويبقى من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الاهم صور تعرضوا لها، منها نصح المستشير. أقول: مستثنيات الغيبة التي ذكروها تندرج في واحد من ثلاثة عناوين: 1 - ما كان خارجا عنها موضوعا، كذكر المتجاهر بالفسق إذا خصصنا الجواز بذكر ما تجاهر فيه من المعاصي، وقد تكلمنا عليه مفصلا، ومن هذا القبيل ذكر الاشخاص بالاوصاف الظاهرة، كالاعمش والاحول والاعرج ونحوها، بل من المتعارف في كل زمان ذكر الناس بالاوصاف الواضحة، كما هو كذلك في كثير من الرواة. والوجه في ذلك هو ما تقدم في معنى الغيبة، من كونها اظهارا لما ستره الله على المقول فيه، فذكر الامور الظاهرة ليس منها شئ. 2 - ان تكون في الغيبة مصلحة تزاحم المفسدة في تركها، كما إذا توقف حفظ النفس المحترمة أو الاموال الخطيرة أو صيانة العرض عن الخيانة على الغيبة، ولا بد حينئذ من ملاحظة قواعد التزاحم والعمل على طبق أقوى الملاكين، وعليه فتتصف الغيبة بالاحكام الخمسة كما هو واضح. 3 - ما كان خارجا عن الغيبة بالتخصص، وهو على قسمين:


1 - حاشية المحقق الايرواني على المكاسب: 36.

[ 542 ]

الاول: ان يكون الخروج بدليل مختص بالغيبة كتظلم المظلوم، وقد تقدم الكلام فيه. الثاني: ان يكون الخروج بدليل عام جار في أبواب الفقه ولا يختص بالغيبة فقط، كادلة نفي الحرج والضرر، هذا كله بحسب الكبرى، واما بحسب الصغرى فقد ذكروا لها موارد عديدة: 3 - نصح المستشير: قال المصنف: فان النصيحة واجبة للمستشير، فان خيانته قد تكون أقوى مفسدة من الوقوع في المغتاب، وكذلك النصح من غير استشارة. وعليه فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه، لان الغيبة قد تتحقق باظهار العيوب المستورة حيث لا يتحقق النصح كما هو الكثير، وقد يتحقق النصح حيث لا تتحقق الغيبة كما إذا لم يتوقف على ذكر احد بالسوء، وقد يجتمعان كما إذا استشاره احد في التزويج بامرأة معلومة وهو يعلم انها فاجرة ومتبرجة، أو استشاره في مصاحبة رجل في السفر أو التجارة أو المجالسة وهو يعلم انه خائن وسئ الخلق وشارب الخمر ومرتكب الفجور، وآكل اموال الناس بالظلم والعدوان، أو استشاره في التلمذة عند شخص وهو يعلم انه سئ العقيدة أو سئ العمل، فان النصح في الموارد المذكورة يتوقف على الغيبة. وعلى هذا فان كان دليل وجوب النصح ودليل حرمة الغيبة من قبيل المتعارضين تساقطا معا في مادة الاجتماع، وكان المرجع الى اصالة الاباحة، وان كانا من قبيل تزاحم المقتضيين فلا بد في ترجيح احدهما على الاخر من ملاحظة أقوى الملاكين. ولكن الظاهر ان ما نحن فيه من صغريات باب التزاحم لا التعارض، فان

[ 543 ]

الغيبة في موارد الاجتماع مأخوذة في مقدمات النصح، وانه يتولد منها ويتوقف عليها، نظير توقف انقاذ الغريق والاتيان بالصلاة على التصرف في ملك غيره. وعليه فيتصف كل من النصح والغيبة بالاحكام الخمسة حسب اختلاف الموارد بقوة الملاك وضعفه، على ما تقدمت الاشارة إليه، فان تساوي الملاكان كان النصح والغيبة مباحين، وان زاد احدهما على الاخر كان الزائد متصفا بالوجوب أو الاستحباب بقدر ما فيه من زيادة الملاك، وكان الناقص محرما أو مكروها بمقدار ما فيه من نقصه. هذا كله مع تسليم وجوب النصح، ولكن بعد التأمل في الاخبار الموهمة لوجوب النصح لم نجد فيها ما يدل على الوجوب، فانها على اربع طوائف: 1 - ما دل على حرمة خيانة المؤمن لاخيه (1)، ومن المعلوم انها اجنبية عما نحن فيه، لعدم الملازمة بين الخيانة وترك النصيحة حتى مع الاستشارة لامكان رده الى غيره، سواء كان ذلك الغير اعرف منه بحال المستشير ام لا، ومن الواضح انه لو كان النصح واجبا لما جاز رده.


1 - في رواية أبي المأمون الحارثي عن أبي عبد الله (عليه السلام): من حق المؤمن على المؤمن أن لا يخونه (الكافي 2: 137، عنه الوسائل 12: 207)، مجهولة للحارثي. عن أبي المعزاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المسلم اخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يخونه (الكافي 2: 139، عنه الوسائل 12: 203)، صحيحة. عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان المؤمن اخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه (الكافي 2: 133، عنه الوسائل 12: 205)، صحيحة. وفي رواية الحارث عن أبي عبد الله (عليه السلام): المسلم اخو المسلم، لا يخونه (الكافي 2: 133، عنه الوسائل 12: 204)، ضعيفة لسهل ومجهولة للمثنى الحناط. الى غير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة.

[ 544 ]

2 - الاخبار الدالة على وجوب نصح المؤمن ابتداء بدون سبق استشارة واستهداء (1)، وهي وان كانت كثيرة ومعتبرة ولكنها راجعة الى الجهات الاخلاقية فتحمل على الاستحباب. والوجه في ذلك هو لزوم العسر الاكيد والحرج الشديد من القول بوجوب النصح على وجه الاطلاق، وتقييده بمورد الابتلاء أو بمن يفي بحقوق الاخوة من غير ان يضيع منها شيئا، وان كان يرفع العسر والحرج ولكن قامت الضرورة على عدم وجوبه هنا ايضا. 3 - الاخبار الواردة في خصوص نصح المستشير، وقد ادعى غير واحد من المحدثين وغيرهم ظهورها في الوجوب. منها: قوله (عليه السلام) في رواية ابن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من استشار اخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عزوجل رأيه (2). ومنها: قوله (عليه السلام) في رواية النوفلي: من استشاره اخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبه (3). وفيه: ان التوعيد في هاتين الروايتين بالعقوبة الدنيوية، من سلب اللب


1 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنسك الناس نسكا أنصحهم حبا (الكافي 2: 131، عنه الوسائل 16: 340)، موثقة للسكوني. عن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه (الكافي 2: 166، عنه الوسائل 16: 381)، صحيحة. وعن ابن وهب عنه (عليه السلام) قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب (الكافي 2: 166، عنه الوسائل 16: 381)، صحيحة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدمة، راجع الوسائل 16: 381 - 383. 2 - المحاسن: 602، عنه الوسائل 12: 44، مجهولة للحسين بن حازم والحسين بن عمر. 3 - الاربعين لمحيي الدين حلبي بن زهرة: 5، عنه البحار 75: 104، المستدرك 8: 346، مجهولة لعبد الله بن سليمان النوفلي.

[ 545 ]

والرأي لا يدل على ازيد من الاستحباب ورجحان العمل، فان العقل من أعظم النعم الالهية وقد من به سبحانه على عباده لهدايتهم، فصرفه الى غير ما خلق لاجله يوجب الزوال وهو من النقمات الشديدة، كما ان صرفه الى ما خلق لاجله يوجب المزية والاستكمال، ولا شبهة في رجحانه. ومن هنا ظهر ان قوله (عليه السلام) في رواية عباية: وانصح لمن استشارك (1)، ارشاد الى ما ذكرناه، فيكون محمولا على الاستحباب، على أن الروايات المذكورة كلها مجهولة الرواة. ويدل على عدم الوجوب ايضا ما اشرنا إليه سابقا من جواز ارجاع المستشير الى غيره فانه ينافي وجوب النصح. 4 - الروايات الامرة باعانة المؤمن وكشف كربته وقضاء حاجته (2)، ومن الواضح ان نصح المؤمن نوع منها فيكون واجبا. وفيه: ان جميع ما ورد في حقوق الاخوان محمول على الجهات الاخلاقية، فيحمل على الاستحباب الا ما ثبت وجوبه في الشريعة، كرد السلام ونحوه، ضرورة انه لم يلتزم احد فيها بالوجوب بل قامت الضرورة على عدم الوجوب، فتكون الضرورة قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب. وحاصل جميع ما قدمناه انه لا دليل على وجوب النصح بعنوانه الاولى مطلقا، الا إذا كان تركه موجبا لتلف النفس وهتك العرض وذهاب المال الخطير، فانه يجب حينئذ لاهمية الامور المذكورة.


1 - الغارات 1: 249، عنه المستدرك 8: 346، مجهولة ليحيى ومالك وعباية. 2 - راجع مصادقة الاخوان للصدوق، والوافي الفصل الخامس أبواب ما يجب على المؤمن من الحقوق في المعاشرة، والوسائل: 12 أبواب العشرة في السفر، والمستدرك: 9 أبواب العشرة في السفر من كتاب الحج.

[ 546 ]

4 - جواز الاغتياب في مواضع الاستفتاء: الاستفتاء إذا توقف على ذكر الظالم بالخصوص، بان يقول للمفتي: ظلمني فلان في حقي فكيف طريقي في الخلاص. والذي تقتضيه القاعدة هو الجواز إذا كان السؤال موردا للابتلاء مع عدم تمكن السائل منه بغير تسمية المغتاب، والوجه في ذلك هو قيام الادلة النقلية والعقلية وضرورة المذهب على وجوب تعلم الاحكام الشرعية التي تكون في معرض الابتلاء بها، وعليه فإذا توقف ذلك على ترك واجب أو ارتكاب حرام فان العمل حينئذ يكون على طبق أقوى الملاكين، ومن الواضح ان التعلم اهم من ترك الغيبة، فان ترك التعلم ينجر الى اضمحلال الدين. وأما بحسب الروايات، فقد استدل على الجواز بروايتين: 1 - شكاية هند زوجة أبي سفيان الى الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث قالت: ان أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، ولم يزجرها النبي (صلى الله عليه وآله) عن قولها (1). وفيه اولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان القضية شخصية، فيحتمل ان يكون عدم الردع لفسق أبي سفيان ونفاقه، أو لمعروفيته بالبخل، حتى قيل انه كان مضرب المثل في البخل، على أن مورد الرواية من صغريات تظلم المظلوم، فقد عرفت جواز ذكر الظالم فيه فلا تدل على جواز الغيبة في مورد الاستفتاء مطلقا.


1 - عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين قالت: ان أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني، فقال لها: خذي لك ولولدك بالمعروف (عوالي اللئالي 1: 402، عنه المستدرك 9: 129، احياء العلوم 3: 133)، مرسلة.

[ 547 ]

ومن هنا ظهر الجواب عما ورد في قصة بيعة النساء، من أن هند رمت زوجها أبا سفيان الى انه رجل ممسك ولم يردعها الرسول (صلى الله عليه وآله) (1). 2 - صحيحة ابن سنان المشتملة على ذكر الرجل امه بانها لا تدفع يد لامس (2)، ولم يردعه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتدل على جواز الغيبة عند الاستفتاء. وفيه اولا: انه لم يظهر لنا من الرواية كون المرأة معروفة عند النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد عرفت فيما سبق اعتبار العلم بالمغتاب - بالفتح - في تحقق الغيبة وذكرها بعنوان الامومة لا يستلزم التعيين ويتفق نظير ذلك كثيرا للمراجع والمجتهدين. وثانيا: ان المذكور في الرواية قضية شخصية وخصوصياتها مجهولة لنا، فيحتمل ان تكون الام متجاهرة بالزناء، كما هو الظاهر من قول ابنها: ان امي لا تدفع يد لامس - الخ، وعلى هذا فلا مجال لاستصحاب عدم التجاهر كما صنعه المصنف، على أنه لا يترتب عليه اثر الا على القول بالاصل المثبت. 5 - جواز الاغتياب لردع المقول فيه عن المنكر: قصد ردع المغتاب - بالفتح - عن المنكر الذي يفعله، وقد استدل المصنف على الجواز هنا بوجهين:


1 - راجع مجمع البيان ط صيدا 5: 276. 2 - عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ان امي لا تدفع يد لامس، قال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: فقيدها فانك لا تبرها بشئ أفضل من أن تمنعها من محارم الله عزوجل (الفقيه 4: 51، عنه الوسائل 28: 150)، صحيحة.

[ 548 ]

1 - ان الغيبة هنا احسان في حقه، فانها وان اشتملت على هتكه واهانته الا أنه توجب انقاذه من المهلكة الابدية والعقوبة الاخروية. 2 - ان عمومات النهي عن المنكر شاملة لذلك. أما الوجه الاول، ففيه اولا: ان الدليل اخص من المدعي، إذ ربما لا يرتدع المقول فيه عن فعل المنكر، وثانيا: ان الغيبة محرمة على المغتاب - بالكسر - ولا يجوز الاحسان بالامر المحرم، فانه انما يتقبل الله من المتقين، وهل يتوهم احد جواز الاحسان بالمال المغصوب والمسروق الا إذا كان اعمى البصيرة، كبعض المنحرفين عن الصراط المستقيم. ودعوى رضي المقول فيه حينئذ بالغيبة جزافية، فانها مضافا الى بعدها ان رضاه لا يرفع الحرمة التكليفية. وأما الوجه الثاني، ففيه انه لا يجوز ردع المنكر بالمنكر لانصراف ادلته عن ذلك، والا لجاز ردع الزناة بالزناء باعراضهم، وردع السراق بسرقة اموالهم، نعم قد ثبت جواز دفع المنكر بالمنكر في موارد خاصة، كما يتضح ذلك لمن يلاحظ أبواب النهي عن المنكر وأبواب الحدود، وقد تقدم في البحث عن حرمة السب جواز شتم المبدع والوقيعة فيه والبهت عليه بل وجوبها، كما يظهر من بعض الروايات المتقدمة في المبحث المذكور. هذا كله فيما إذا لم يكن ردع ذلك المنكر مطلوبا من كل احد والا وجب ردعه على كل من اطلع عليه بأي نحو اتفق، كمن تصدى لقتل النفوس المصونة وهتك الاعراض المحترمة واخذ الاموال الخطيرة، فان منعه واجب بما هو اعظم من الغيبة فضلا عنها، لان حفظ الامور المذكورة اهم في نظر الشارع من ترك الغيبة ونحوها، وقد تقدمت الاشارة الى حكم مزاحمة ترك الغيبة بما هو اهم منه.

[ 549 ]

6 - جواز الاغتياب لحسم مادة الفساد: قصد حسم مادة الفساد عن الناس، كاغتياب المبدع في الدين الذي يخاف اضلاله للناس وقوده اياهم الى الطريقة الباطلة، ويدل على جواز الغيبة هنا امور: 1 - ان مصلحة دفع فتنته عن الناس اولى من الستر عليه، بل ربما يجب هتكه وحطه عن الانظار إذا لم يرتدع بالغيبة وحدها، فان حرمة الدين في نظر الشارع اهم من حرمة هذا المبدع في الدين. 2 - قوله (عليه السلام) في صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في البحث عن حرمة سب المؤمن: إذا رأيتم اهل الريب والبدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم، واكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة الغيبة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام (1). 3 - ما تقدم في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق: ثلاثة ليس لهم حرمة، صاحب هوى مبتدع، ولكنه ضعيف السند. 7 - جواز جرح الشهود: وقد اتفق الاصحاب على جواز جرحهم واظهار فسقهم، بل اقامة البينة على ذلك، صونا لاموال الناس واعراضهم وانفسهم، إذ لولا ذلك لبغي الفساق في الارض وأظهروا فيها الفساد فيدعي الواحد منهم على غيره حقا ماليا أو عرضيا أو بدنيا، أو يدعي زوجية امرأة اجنبية لنفسه أو يدعي نسبا كاذبا ليرث من ميت ثم يقيم الشهود على دعواه من اشباه الهمج الرعاع، فيصيب من اموال الناس واعراضهم ودمائهم ما يشاء.


1 - الكافي 2: 278، عنه الوسائل 16: 267.

[ 550 ]

واولى بالجواز من ذلك جرح الرواة الضعفاء، إذ يتوقف عليه حفظ الدين وصيانة شريعة سيد المرسلين، وقد جرى عليه ديدن الاصحاب في جميع الامصار والاعصار، ودونوا في ذلك كتبا مفصلة لتمييز الموثق منهم عن غيره، بل على هذا سيرة الائمة (عليهم السلام). ويؤمي الى هذا قوله تعالى: ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا (1)، فان التبين عن حال الفاسق الحامل للخبر لا يخلو عن الجرح غالبا. ومن هنا يظهر حكم الشهادة على الناس بالقتل والزناء، والسرقة والقذف وشرب الخمر ونحوها لاقامة الحد عليهم، وقد ثبت جواز الشهادة بل وجوبها بالكتاب والسنة المعتبرة، كما يظهر ذلك لمن يراجع أبواب الشهادات. 8 - جواز الاغتياب لدفع الضرر عن المقول فيه: جواز الاغتياب لدفع الضرر عن المغتاب - بالفتح - كما إذا أراد أحد أن يقتله، أو يهتك عرضه، أو يأخذ أمواله، أو يضره بما يرجع إليه، فان غيبته جائزة لدفع الامور المذكورة عنه، فان حفظها أهم في الشريعة المقدسة من ستر ما فيه من العيوب، بل لو اطلع عليها المقول فيه لرضي بالاغتياب طوعا. وقد حمل المصنف على هذا ما ورد في ذم زرارة بن اعين (رحمه الله) من الاحاديث المذكورة في كتب الرجال (2)، واستوضح ذلك من صحيحة الكشي الصريحة في تنزيه زرارة وتقديسه عن المطاعن والمعائب (3)،


1 - الحجرات: 6. 2 - راجع رجال الكشي: 133 - 160، الارقام: 208 - 269. 3 - رجال الكشي: 138، الرقم: 221.

[ 551 ]

وان ذم الامام (عليه السلام) اياه في بعض الاحيان انما هو كتعيب الخضر (عليه السلام) سفينة المساكين لئلا يأخذ الغاصب من ورائهم، بل تبقى صالحة لاهلها، وقد اورد الكشي (رحمه الله) في رجاله روايات عديدة مشتملة على اعتذار الامام (عليه السلام) عن قدح زرارة وذمه والتبري منه لكي يصان زرارة عن كيد الخائنين ولا تصيبنه فتنة المعاندين. ولكن الظاهر انه لا دلالة في شئ من الروايات المذكورة على مقصود المصنف، من جواز الغيبة لدفع الضرر عن المقول فيه، فانك قد عرفت ان الغيبة اظهار ما ستره الله عليه، ومن الواضح انه لم يكن في زرارة عيب ديني ليكون ذكره غيبة، وانما ذمه الامام (عليه السلام) وتبرأ منه لحفظ دمه وشؤونه عن الاخطار، كما عرفت التصريح بذلك فيما اشرنا إليه من الاخبار المتقدمة، بل الظاهر منها ان قدح الامام (عليه السلام) فيه يدل على رفعة شأنه وعظم مقامه وجلالة مرتبته بحيث لا يرضى الامام (عليه السلام) ان تمسه ايدي الظالمين. 9 - جواز الاغتياب بذكر الاوصاف الظاهرة: ان يكون الانسان معروفا بوصف يدل على عيب، كالاعمش والاعرج والاشتر والاحول والاصم، فانه لا محذور في ذكر المقول فيه بالاوصاف المذكورة وما يجري مجراها، فقد كثر بين الفقهاء وعلماء الرجال ذكر الرواة وحملة الاحاديث بالاوصاف الظاهرة المعربة عن العيوب. بل وعليه السيرة القطعية من حديث الايام وقديمها، بل وكان هذا مرسوما بين الائمة (عليهم السلام) ايضا كما يؤمي إليه بعض الاحاديث الواردة في

[ 552 ]

توثيق بعض الروات (1)، وفي بعض الاحاديث: جاءت زينب العطارة الحولاء الى نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد تقدم ذلك في البحث عن حرمة الغش. والوجه في جواز ذلك ان ذكر الاوصاف الظاهرة خارج عن تعريف الغيبة كما تقدم، لانها ليست مما ستره الله، الا إذا كان ذكرها بقصد التنقيص والتعيير فانه حرام من غير جهة الاغتياب. 10 - إذا علم السامع بها: قال الشهيد في كشف الريبة (2): قيل: إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فاجرى احدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز لانه لا يؤثر عند السامع شيئا، ثم قال: الاولى تنزيه النفس عن ذلك بغير غرض صحيح خصوصا مع احتمال النسيان، ولكن الظاهر خروج هذا القسم عن الغيبة موضوعا، وهو واضح. 11 - رد من ادعى نسبا ليس له: وقد استدل عليه المصنف بان مصلحة حفظ الانساب اولى من مراعات حرمة المغتاب. أقول: اهمية حفظ الانساب ثابتة فيما إذا ترتب على النسب اثر شرعي من التوارث والنظر الى النساء ونحوهما، واما إذا لم يترتب عليه اثر شرعي أو ترتب الاثر على دعوى النسب كأن ادعاه لصيانة نفسه أو عرضه


1 - عن الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: احب الناس الى أحياء وأمواتا اربعة، وذكر منهم الاحول، وهو محمد بن علي (رجال الكشي: 135، الرقم: 215. 2 - كشف الريبة: 80.

[ 553 ]

أو ماله من اصابة الظالم اياها، فلا تجوز الغيبة برد هذه الدعوى، ومع الشك في مورد يرجع الى المطلقات الدالة على حرمة الغيبة على وجه الاطلاق، لان الشبهة وان كانت مصداقية الا أن التخصيص من جهة المزاحمة فلا بد من الاقتصار على المتيقن. 12 - القدح في مقالة باطلة: فان وجوب حفظ الحق واضاعة الباطل اهم من احترام المقول فيه. وأما ما وقع من بعض المتجاهرين بالنسبة الى الاعاظم احياء كانوا ام امواتا من الجهر بالسوء كاطلاق الغبي والبله ونحوهما من الالفاظ القبيحة فلا شبهة في حرمته لكونه من الفحش والشتم كما تقدمت الاشارة إليه في البحث عن حرمة السب. قوله: ثم انهم ذكروا موارد للاستثناء لا حاجة الى ذكرها. أقول: منها تفضيل بعض العلماء على بعضهم وان استلزم انتقاص الاخر، ولا ريب في جوازه لتوقف الغرض الاهم عليه، وقد جرى على هذا ديدن الاصحاب في جميع الازمان والاقطار، خصوصا في تعيين مراجع التقليد، ولكن هذه مرحلة كم زلت فيها الاقدام، عصمنا الله من الزلل. حرمة استماع الغيبة: قال المصنف (رحمه الله): يحرم استماع الغيبة بلا خلاف، فقد ورد ان السامع للغيبة احد المغتابين، والاخبار في حرمته كثيرة، الا أن ما يدل على كونه من الكبائر كالرواية المذكورة ونحوها ضعيفة السند.

[ 554 ]

أقول: الظاهر انه لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في حرمة استماع الغيبة، ولكنا لم نجد دليلا صحيحا يدل عليها، بحيث يكون استماع الغيبة من المحرمات فضلا عن كونه من الكبائر، إذ ما ورد في حرمته من طرق الخاصة (2) ومن طرق العامة (3) كله لا يخلو عن الارسال وضعف السند، فلا يكون قابلا للاستناد إليه. نعم قال في كتاب الاختصاص: نظر امير المؤمنين (عليه السلام) الى رجل يغتاب رجلا عند الحسن ابنه (عليه السلام)، فقال: يا بني نزه سمعك عن مثل هذا فانه نظر الى اخبث ما في وعائه فافرغه في وعائك (4). فانه ربما يدعى كونه رواية مسندة قد ارسلها صاحب الاختصاص للاختصار، فيدل ذلك على وثاقة رواتها المحذوفين عنده، إذ فرق بين كلمة: روي عنه كذا، وبين كلمة: قال فلان كذا، فان القول الاول ظاهر في كون المنقول مرسلا دون الثاني، وعليه فهي رواية معتبرة تدل على حرمة استماع الغيبة، ولكن يرد عليه ان ثبوت الاعتبار عنده لا يستلزم ثبوته عندنا، إذ لعله يعتمد على ما لا نعتمده.


1 - راجع احياء العلوم 3: 126. 2 - عن كتاب الروضة عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: الغيبة كفر، والمستمع لها، والراضي بها مشرك (المستدرك 9: 133)، مرسلة. وعن الشيخ أبي الفتوح الرازي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: السامع للغيبة احد المغتابين (تفسير أبي الفتوح 5: 125، عنه المستدرك 9: 133)، مرسلة. وعن القطب الراوندي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: من سمع الغيبة ولم يغير كان كمن اغتاب (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 9: 133)، مرسلة. 3 - في احياء العلوم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المستمع احد المغتابين (احياء العلوم 3: 128)، وغير ذلك من الاحاديث. 4 - الاختصاص: 225، عنه المستدرك 9: 132.

[ 555 ]

وقد يستدل على الحرمة مطلقا بحديث المناهي، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله): نهى عن الغيبة والاستماع إليها، ونهى عن النميمة والاستماع إليها (1). وفيه اولا: انه ضعيف السند كما عرفته مرارا. وثانيا: ان صدره وان كان ظاهرا في الحرمة مطلقا الا أن ذيله قرينة على حرمة الاستماع مع عدم الرد فقط، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): ومن تطوع على اخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد الله عنه الف باب من الشر في الدنيا والاخرة، فان هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة (2)، وحملها على السماع القهري خلاف الظاهر منها، على أنه امر نادر. وقد يجاب عن حديث المناهي بعدم ظهوره في الحرمة التكليفية، فان النهي فيه عن استماع الغيبة نهي تنزيهي وارشاد الى الجهات الاخلاقية، ويدل عليه من الحديث ذكر الامور الاخلاقية فيه من آثار الغيبة، ككونها موجبة لبطلان الوضوء والصوم. وفيه: ان ما ثبت كونه راجعا الى الاخلاقيات ترفع اليد فيه عن ظهور النهي في الحرمة، وأما غيره فيؤخذ بظهوره لا محالة كما حقق في محله. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه وتسليم صحة الروايات المتقدمة الظاهرة في حرمة استماع الغيبة مطلقا فلا بد من تقييدها بالروايات المتكثرة (3) الظاهرة في جواز استماعها لردها عن المقول فيه،


1 - الفقيه 4: 4، عنه الوسائل 12: 282، مكارم الاخلاق 2: 306، مجهولة لشعيب بن واقد. 2 - الفقيه 4: 4، عنه الوسائل 12: 282، مكارم الاخلاق 2: 306، مجهولة لشعيب بن واقد. 3 - في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي من اغتيب عنده اخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والاخرة (الفقيه 4: 269، عنه الوسائل 12: 291)، رجال سند هذه الوصية مجاهيل لا طريق الى الحكم بصحتها. وعن أبي الورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والاخرة، ومن لم ينصره ولم يعنه ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه الا خفضه الله في الدنيا والاخرة (ثواب الاعمال: 299، ثواب الاعمال: 177، المحاسن: 103، عنهم الوسائل 12: 291)، حسنة لابي الورد. وعن عقاب الاعمال عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال في خطبة له: ومن رد عن اخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه الف باب من الشر في الدنيا والاخرة، فان لم يرد عنه وأعجبه كان كوزر من اغتاب (عقاب الاعمال: 335، عنه الوسائل 12: 291)، ضعيفة لموسى بن عمران وأبي هريرة وغيرهم. عن النبي (صلى الله عليه وآله) في وصية له قال: يا أبا ذر من ذب عن اخيه المؤمن الغيبة كان حقا على الله ان يعتقه من النار، يا أبا ذر من اغتيب عنده اخوه المؤمن وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله في الدنيا والاخرة، فان خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والاخرة (امالي الطوسي 2: 150، عنه الوسائل 12: 293، مكارم الاخلاق 2: 362، الرقم: 2661، عنه المستدرك 9: 131)، ضعيفة لابي المفضل ورجاء وابن ميمون أو شمون. وغير ذلك من الروايات الدالة على وجوب رد الاغتياب المذكورة في الباب المزبورة من الوسائل والمستدرك وغيرها من المصادر.

[ 556 ]

وتخصيصها بصورة السماع القهري، قد تقدم الجواب عنه آنفا، وعليه فانما يحرم استماع الغيبة مع عدم الرد. وقد يقال: ان النسبة بين الاخبار الواردة في سماع الغيبة للرد وبين المطلقات المتقدمة الدالة على حرمة سماع الغيبة هي العموم من وجه، فان الطائفة الاولى اعم من الثانية من حيث شمولها للسماع القهري الاتفاقي، واخص منها من حيث اختصاصها بصورة الاستماع للرد فقط، والطائفة الثانية اعم من حيث شمولها للاستماع بغير داعي الرد، واخص من حيث اختصاصها بالاستماع الاختياري.

[ 557 ]

فيقع التعارض بينهما في مورد الاجتماع، ويؤخذ بالطائفة الاولى لكونها صحيحة السند دون الطائفة الثانية، بناء على أن صحة السند من المرجحات كما هو المشهور بين المتأخرين. ولكن يرد عليه: ان مجرد صحة السند لا يكون من المرجحات في معارضة الدليلين، وقد حققناه في علم الاصول، وعليه فتسقطان للمعارضة ويرجع الى عمومات ما دل على رجحان اعانة المؤمن، والا فيرجع الى البراءة، على أنك قد عرفت ان الطائفة الثانية ضعيفة السند، فلا تعارض الطائفة الاولى فضلا عن وصول النوبة الى الترجيح. وعلى ما ذكرناه من عدم الدليل الصحيح على حرمة استماع الغيبة فانما يلتزم بالجواز إذا لم يرض السامع بالغيبة، أو لم يكن سكوته امضاء لها، أو تشجيعا للمتكلم عليها، أو تسبيبا للاغتياب من آخر، والا كان حراما من هذه الجهات، وقد ورد في احاديث عديدة ان الراضي بفعل قوم كالداخل معهم (1). وتقدم في البحث عن بيع المتنجس حرمة التسبيب لوقوع الجاهل في الحرام الواقعي، بل تحرم مجالسته للاخبار المتظافرة الدالة على حرمة المجالسة مع اهل المعاصي - وسنشير الى مصادرها - كما تحرم مجالسة من يكفر بآيات الله للاية (2).


1 - راجع الوافي باب حد الامر بالمعروف، والوسائل 16: باب 5 وجوب انكار المنكر بالقلب من الامر بالمعروف: 137 - 143، والمستدرك 12: 195 - 197. وفي شرح النهج لمحمد عبده 3: 191 قال علي (عليه السلام): الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل اثمان: اثم العمل به واثم الرضا به. 2 - قوله تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزؤ بها فلا تقعدوا معهم - الاية، النساء: 140.

[ 558 ]

وقد يستدل على حرمة الاستماع بأدلة حرمة الغيبة، بدعوى عدم تحققها الا بالمستمع، وفيه: ان حرمة الغيبة لا تلازم حرمة الاستماع وان كان بينهما تلازم خارجا، فان التلازم في الخارج لا يستدعي التلازم في الحكم، وقد جاز سماع الغيبة للرد جزما. قوله: والظاهر ان الرد غير النهي عن الغيبة. أقول: الغرض من رد الغيبة هو نصرة المغتاب وتنزيهه عن تلك الوقيعة وان افاد النهي عن المنكر ايضا، واما النهي عن الغيبة فهو من صغريات النهي عن المنكر فيجري عليه حكمه، سواء قلنا بوجوب رد الغيبة ام لا. ثم ان نصرة الغائب برد الغيبة عنه تختلف باختلاف المعائب، فان كان العيب راجعا الى الامور الدنيوية فنصرته بان يقول مثلا: العيب ليس الا ما عابه الله من المعاصي، وان كان راجعا الى الامور الدينية وجهه بما يخرجه عن كونه معصية، وإذا لم يقبل التوجيه رده بأن المؤمن قد يبتلي بالذنوب فانه ليس بمعصوم، وهكذا ينصره في ذكر سائر العيوب. حرمة الغيبة لا تلازم حرمة استماعها: قوله: ثم ان المحرم سماع الغيبة المحرمة دون ما علم حليتها. أقول: إذا سلمنا حرمة سماع الغيبة بالارادة والاختيار فهل هو حرام مطلقا حتى مع جواز الاغتياب كما في الموارد المتقدمة، أو انه يحرم مع حرمة الاغتياب فقط، أو يفصل بين علم السامع بالحلية فيلتزم بالجواز، وبين جهله بها فيلتزم بالحرمة. وظاهر المصنف جواز الاستماع ما لم يعلم السامع حرمة الغيبة، لانه قول غير منكر فلا يحرم الاصغاء إليه للاصل، وأما حديث: السامع احد

[ 559 ]

المغتابين، فمع تسليم صحته يدل على ان السامع لغيبة كالمتكلم بتلك الغيبة في الحرمة والحلية، فيكون دليلا على الجواز هنا. الا أن يقال: ان الحديث ينزل السامع للغيبة منزلة المتكلم بها، فإذا جاز للسامع التكلم بالغيبة جاز له سماعها والا فلا، ولكنه خلاف الظاهر من الحديث. والتحقيق ان جواز الغيبة قد يكون حكما واقعيا وقد يكون حكما ظاهريا، أما الجواز الواقعي فلا ملازمة فيه بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها، لانه يتصور على انحاء ثلاثة: 1 - ان يكون المقول فيه جائز الغيبة عند الناس من غير اختصاص بشخص دون شخص، بان كان متجاهرا في الفسق ومتظاهرا في مخالفة المولى، فان مثل هذا تجوز غيبته واقعا لكل احد، اما مطلقا أو في خصوص ما تجاهر فيه من الذنوب على الخلاف المتقدم، بل قد عرفت خروجه عن موضوع الغيبة رأسا، وعليه فالاستماع إليها اولى بالجواز، وكذلك الكلام في غيبة المبدع في الدين والامام الجائر. 2 - ان يكون جواز الغيبة الواقعي مختصا بالمغتاب - بالكسر - كالصبي المميز والمكره على اغتياب الناس، وعليه فلا يجوز استماعها مطلقا لمن يحرم عليه الاغتياب لعدم الملازمة بينهما، فان ارتفاع الحكم عن احدهما لا يستلزم ارتفاعه عن الاخر. وعلى الجملة جواز السماع يدور مدار الرد عن المغتاب - بالفتح - ومع عدمه كان حراما وان لم يكن المغتاب - بالكسر - مكلفا، فتحصل أن الاغتياب جائز والاستماع حرام، كما انه قد يكون السماع جائزا والاستماع حراما، نظير ما إذا كان المغتاب - بالكسر - ممن لا يمكن رده ولا الفرار عنه كالسلطان الجائر ونحوه، ولذا سكت الامام المجتبى (عليه السلام) عند سب أبيه.

[ 560 ]

ونظير ذلك ما إذا تصدى احد لقتل شخص محقون الدم بزعم انه كافر حربي، ونحن نعلم انه محقون الدم فانه يحرم علينا السكوت وان جاز له القتل، ونظائره كثيرة في باب الرشوة وغيره. 3 - ان تكون هنا ملازمة عرفية بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها كتظلم المظلوم، فان مناط جواز الغيبة هنا هو ظهور ظلامته واشتهارها بين الناس، وهذا المعنى لا يتحقق في نظر العرف الا بسماع التظلم منه، وكذلك الشأن في سماع الغيبة في موارد الاستفتاء. وعلى الجملة فجواز الغيبة واقعا لا يلازم جواز السماع ملازمة دائمية بل النسبة بينهما عموم من وجه، فقد تحرم الغيبة دون الاستماع كالمكره على السماع، وقد يحرم الاستماع دون الغيبة كما إذا كان القائل معذورا في ذلك دون السامع، وقد يجتمعان. وأما الجواز الظاهري للغيبة، فهل يلازم جواز استماعها ام لا، كما إذا احتمل السامع أو صرح القائل بان المقول فيه مستحق للغيبة؟ ففي كشف الريبة (1) عند ذكر مستثنيات الغيبة انه: إذا سمع احد مغتابا لاخر وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه، قيل: لا يجب نهى القائل لامكان استحقاق المقول عنه، فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده لان ردعه يستلزم انتهاك حرمته، وهو احد المحرمين. وأجاب الشهيد (رحمه الله) عن ذلك في الكتاب المذكور بأن الاولى التنبيه على ذلك الى ان يتحقق المخرج منه، لعموم الادلة وترك الاستفصال فيها، وهو دليل ارادة العموم حذرا من الاغراء بالجهل، ولان ذلك لو تم


1 - كشف الريبة: 81.

[ 561 ]

لتمشي فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة الى السامع، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله، وهو هدم قاعدة النهي عن الغيبة. ورده المصنف بأن في ذلك خلطا بين رد الغيبة والنهي عنها، والذي نفاه القائل بعدم وجوب النهي هو الثاني الذي هو من صغريات النهي عن المنكر دون الاول. وتحقيق مراد المصنف ان النسبة بين وجوب رد الغيبة ووجوب النهي عنها عموم من وجه، فانه قد يجب النهي عن الغيبة لوجوب النهي عن المنكر حيث لا يجب ردها ولو من جهة كون المقول فيه جائز الغيبة عند السامع مع كونه مستورا عند القائل، ومع ذلك يجب نهى القائل عنها من باب وجوب النهي عن المنكر. وقد يجب رد الغيبة حيث لا مورد للنهي عن المنكر، كما إذا كان المغتاب - بالكسر - صبيا فان فعله ليس بمنكر لكي يجب النهي عنه، الا أنه يجب على السامع حينئذ رد الغيبة حفظا لاحترام اخيه المؤمن، وقد يجتمعان كما إذا علم السامع بكون الاغتياب حراما، فانه من حيث كونه من المنكرات في الشريعة يجب النهي عنه، ومن حيث كونه هتكا للمؤمن وكشفا لعورته يجب رده. وإذا شك في استحقاق المقول فيه الغيبة وعدم استحقاقه حرم سماعها على القول بحرمته ووجب ردها على النحو الذي تقدم من توجيه فعل المقول فيه على نحو يخرجه عن المعصية، ومع هذا لا يجب نهى القائل بل لا يجوز، لامكان استحقاق المقول فيه، فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده، فان ردعه يستلزم انتهاك حرمته وهو حرام، على أن اثبات وجوب الردع بادلة النهي عن المنكر تمسك بالعام في الشبهات المصداقية وهو لا يجوز.

[ 562 ]

لا يقال: كما لا يجب نهى القائل عن الغيبة فكذلك لا يجب ردها لاحتمال كون المقول فيه مستحقا للغيبة عند القائل ومسلوب الاحترام في عقيدته، وعليه فاثبات وجوب الرد في الفرد المشكوك بالادلة الدالة على وجوب احترام المؤمن ووجوب رد غيبته تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فانه يقال: اولا انه لا شبهة في كون المقول فيه مؤمنا وجدانا، وعدم وجود المجوز لاغتيابه محرز باصالة العدم، فان المقول فيه كان في زمان ولم يكن فيه ما يجوز غيبته والاصل بقاؤه في تلك الحالة، وقد ذكرنا في محله ان عنوان المخصص إذا كان امرا وجوديا فانه ينفى بالاصل الموضوعي في مورد الشك وينقح به موضوع التمسك بالعام، ولا يلزم منه التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وكذلك في المقام، إذا شككنا ان المقول فيه جائز الغيبة عند القائل ام لا نستصحب عدمه، وينقح به موضوع التمسك بعموم ما دل على حرمة استماع الغيبة على تقدير ثبوته، وبعموم ما دل على وجوب رد الغيبة. وثانيا: ان المتعارف من افراد الغيبة هو ان السامع لا يعلم نوعا بحال المقول فيه، والظاهر من الروايات الدالة على وجوب رد الغيبة ان ذلك هو المراد، إذ لو حملناها على خصوص ما إذا علم السامع بكون المقول فيه غير جائز الغيبة كان ذلك حملا لها على المورد النادر. حرمة كون الانسان ذا لسانين: قوله: ثم انه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممن يمدح المغتاب في حضوره. أقول: توضيح كلامه انه إذا كان للانسان لسان مدح في الحضور ولسان ذم في الغياب استحق بذلك عقابين: احدهما للاغتياب، والثاني لكونه ذا

[ 563 ]

لسانين، ويسمى هذا منافقا ايضا، وإذا مدح المقول فيه في حضوره بما ليس فيه عوقب بثلاثة عقاب: للاغتياب والكذب والنفاق. ثم ان الحمد في الحضور بالاوصاف المباحة وان كان جائزا في نفسه بل ربما يكون مطلوبا للعقلاء، ولكنه إذا كان مسبوقا بالذم أو ملحوقا به كان من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة، وقد ورد في الاخبار المستفيضة (1) ان ذا لسانين يجئ يوم القيامة وله لسانان من النار، فان لسانه المدح في الحضور وان لم يكن لسانا من النار الا أنه إذا تعقبه أو تقدمه لسان الذم في الغياب صار كذلك. ثم ان النسبة بين المغتاب - بالكسر - وبين ذي اللسانين هي العموم من وجه، فانه قد توجد الغيبة ولا يوجد النفاق، وقد يوجد النفاق حيث لا توجد الغيبة، كأن يمدح المقول فيه حضورا ويذمه بالسب والبهتان غيابا، وقد يجتمعان كما عرفت. قوله: وقد يطلق الاغتياب على البهتان. أقول: قد عرفت ان الغيبة هي ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، وأما البهتان فهو على ما تقدم في بعض اخبار الغيبة: ذكرك اخاك بما ليس فيه، فهما متبائنان مفهوما ومصداقا، نعم بناء على مقالة المشهور، من أن الغيبة ذكرك اخاك بما يكرهه، فيمكن اجتماعهما في بعض الموارد. وأما اطلاق الغيبة على البهتان في رواية علقمة (2) فبنحو من المسامحة


1 - الكافي 2: 257، الخصال: 38، الزهد: 5، عنهم الوسائل 12: 256 - 260، المستدرك 9: 96 - 97. 2 - عن الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير - الحديث (امالي الصدوق: 91، عنه الوسائل 12: 285)، ضعيف لعلقمة بن محمد وصالح بن عقبة وغيرهما.

[ 564 ]

والتجوز، على أنها ضعيفة السند، وأما كون عقاب التهمة اشد من الغيبة فلاشتمالها على الفرية والهتك معا. حقوق الاخوان: قوله: خاتمة: في بعض ما ورد من حقوق المسلم على اخيه. أقول: قد ورد في الروايات المتظافرة بل المتواترة (1) ان للمسلم على اخيه حقوقا كثيرة. وفي رواية الكراجكي: ان للمؤمن على اخيه ثلاثين حقا - وعدها واحدا بعد واحد، ثم قال (عليه السلام): - سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: وان احدكم ليدع من حقوق اخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضي له وعليه (2)، وقد عرفت في البحث عن كفارة الغيبة انها ضعيفة السند. وفي صحيحة مرازم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ما عبد الله بشئ افضل من اداء حق المؤمن (3). وقد خص المصنف هذه الاخبار بالاخ العارف بهذه الحقوق المؤدي لها بحسب اليسر، أما المؤمن المضيع لها فالظاهر عدم تأكد مراعات هذه الحقوق بالنسبة إليه، ولا يوجب اهمالها مطالبته يوم القيامة لتحقق المقاصة، فان التهاتر يقع في الحقوق كما يقع في الاموال، واستشهد المصنف (رحمه الله) على رأيه هذا بعدة روايات قاصرة الدلالة عليه:


1 - راجع مصادقة الاخوان للصدوق، والكافي باب حق المؤمن على اخيه، والوافي باب حقوق الاخوة وباب صفة الاخ، والوسائل والمستدرك باب وجوب اداء حق المؤمن من كتاب العشرة، والبحار كتاب العشرة، وغير ذلك من الابواب من الكتب المذكورة وغيرها. 2 - كنز الكراجكي: 141، عنه الوسائل 12: 212. 3 - الكافي 2: 136، عنه الوسائل 12: 203.

[ 565 ]

منها: ما رواه الصدوق والكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقد ذكر فيها: اخوان الثقة واخوان المكاشرة، وقال في اخوان المكاشرة: وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان (1). وفيه: ان هذه الرواية غريبة عما ذكره المصنف، فانها مسوقة لبيان وظيفة العمل بحقوق الاخوان على حسب مراتب الاخوة، فان منهم من هو في ارقى مراتب الاخوة في اداء حقوقها حتى يطمئن به الانسان على عرضه وماله وسائر شؤونه، وهذا الاخ كالكف والجناح، فيبذل له المال واليد، ويعادي من عاداه ويصافي من صافاه، ومنهم اخوان الانس والفرح والمجالسة والمفاكهة، فلا يبذل لهم الا ما يبذلون من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان، ولا يطمأن إليهم في الامور المذكورة. ومنها: رواية عبيدالله الحلبي (2)، فانها تدل على أن للصداقة حدودا،


1 - عن أبي مريم الانصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قام رجل بالبصرة الى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا امير المؤمنين أخبرنا عن الاخوان، فقال: الاخوان صنفان: اخوان الثقة واخوان المكاشرة، فأما اخوان الثقة فهم الكف والجناح والاهل والمال، فإذا كنت من اخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه، وأظهر منه الحسن، واعلم ايها السائل انهم اقل من الكبريت الاحمر، وأما اخوان المكاشرة فانك تصيب لذتك منهم فلا تقطعن ذلك منهم، ولا تطلبن ما وراء ذلك عن ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان (الكافي 2: 193، عنه الوسائل 12: 146)، صحيحة. ورواها الصدوق في مصادقة الاخوان: 30 مرسلا، وفي الخصال: 49 بسند فيه ضعف لعبدالله بن احمد الرازي وبكر بن صالح ومحمد بن حفص وغيرهم. الكشر: التبسم، كاشره: كشف له انيابه. 2 - عن أبي عبداالله (عليه السلام) قال: لا تكون الصداقة الا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شئ منها فانسبه الى الصداقة، ومن لم يكن فيه شئ منها فلا تنسبه الى شئ من الصداقة، فأولها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة، والثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه، و الثالثة: أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال، و الرابعة: أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال: أن لا يسلمك عند النكبات (الكافي 2: 467، مصادقة الاخوان: 30، عنهما الوسائل 12: 25)، ضعيفة لعبيدالله الدهقان. الاسلام: الخذلان.

[ 566 ]

ولا يليق بها الا من كانت فيه هذه الحدود. ووجه الاستدلال هو ما ذكره المصنف، من أنه إذا لم تكن الصداقة لم تكن الاخوة، فلا بأس بترك الحقوق المذكورة بالنسبة إليه. وفيه: ان الصداقة المنفية عمن لا يفي بحدودها غير الاخوة الثابته بين المؤمنين بنص الاية (1) والروايات، ومن الواضح ان الحقوق المذكورة انما ثبتت للاخوة المحضة، سواء أكانت معها صداقة ام لا. وعليه فنفي الصداقة في مورد لا يدل على نفي الاخوة لان الصداقة فوق الاخوة، ونفي المرتبة الشديدة لا يدل على نفي المرتبة الضعيفة، على أن الرواية ضعيفة السند. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بما في نهج البلاغة (2) من نفي الصداقة عمن لا يحفظ اخاه في ثلاث، مع أنه ضعيف للارسال. ومنها: ما دل على سلب الاخوة عمن لا يلبس المؤمن العاري، كروايتي الوصافي (3) وابن أبي عمير (4).


1 - قوله تعالى: انما المؤمنون اخوة، الحجرات: 10. 2 - في النهج، قال (عليه السلام): لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته و غيبته ووفاته (النهج، قسم قصار الحكم، الرقم: 134)، مرسلة. 3 - عن علي بن عقبة عن الوصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا اسماعيل أرأيت من قبلكم إذا كان الرجل ليس له رداء وعند بعض اخوانه فضل رداء يطرح عليه حتى يصيب رداءا، قال: قلت: لا، قال: فإذا كان ليس عنده ازار يوصل إليه بعض اخوانه فضل ازار حتى يصيب ازارا، قلت: لا، فضرب بيده على فخذه ثم قال: ما هؤلاء باخوة (مصادقة الاخوان: 36، عنه الوسائل 12: 26)، مرسلة. 4 - عن محمد بن أبي عمير عن خلاد السندي رفعه قال: أبطا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: ما أبطا بك؟ فقال: العرى يا رسول الله، فقال: أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما؟ قال: بلى يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما هذا لك بأخ (مصادقة الاخوان: 36، عنه الوسائل 12: 27)، مرفوعة ومجهولة لخلاد.

[ 567 ]

وفيه: ان المراد من سلب الاخوة في الروايتين كناية عن سلب الاخوة الكاملة، فقد تعارف بين المتحاورين نفي المحمول بلسان نفي الموضوع لاجل المبالغة في التعبير، كما يقال: يا اشباه الرجال ولا رجال، ولا صلاة لجار المسجد الا فيه، ولا شك لكثير الشك، ويقال لمن لا يعمل بعلمه انه ليس بعالم، الى غير ذلك من الاطلاقات الفصيحة. وعليه فلا دلالة في الروايتين على نفي الاخوة حقيقة الذي هو مفاد ليست التامة. ويدل على ما ذكرناه انه لو اريد من السلب نفي الاخوة حقيقة لزم القول بعدم وجوب مراعات سائر الحقوق الثابتة، من رد الاغتياب ونحوه وهو بديهي البطلان، ويضاف الى جميع ما ذكرناه ان الروايتين ضعيفتا السند. ومنها: رواية يونس بن ظبيان (1) الدالة على اختبار الاخوان باتيانهم


1 - عن المفضل بن عمر ويونس بن ظبيان قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اختبروا اخوانكم بخصلتين، فان كانتا فيهم والا فاعزب ثم اعزب: المحافظة على الصلاة في مواقيتها، والبر بالاخوان في العسر واليسر (الكافي 2: 493، عنه الوسائل 12: 148)، مجهولة لعمر بن عبد العزيز. أقول: العزوب - بالعين المهملة والزاء - البعد والغيبة.

[ 568 ]

بالصلاة في وقتها وبرهم في الاخوان، وإذا لم يحفظوهما فاعزبوا عنهم. وفيه: ان ظاهر الرواية كونها راجعة الى ترك العشرة والمجالسة مع من لا يهتم بالاتيان بالصلاة في اوقاتها والاحسان للاخوان في اليسر والعسر، فان المجالسة مؤثرة كتأثير النار في الحطب، ولذا نهى عن المجالسة مع العصاة والفساق (1)، وامر بمجالسة العلماء والصلحاء (2)، وعليه فلا دلالة فيها على نفي الاخوة عمن لا يقوم بحقوق الاخوان، على أن الرواية مجهولة، وعلى الجملة فلا وجه لتقييد المطلقات الواردة في حقوق الاخوان بصورة قيامهم بذلك. ولا يخفى ان الميزان في تأدية حقوق الاخوة هو الميزان في الامتثال في بقية الاعمال المستحبة، من أن الاتيان بجميعها تكليف بما لا يطاق، فتقع المزاحمة بينها في مرحلة الامتثال فيؤتى الاهم فالاهم. المسألة (15) حرمة القمار قوله: الخامسة عشرة: القمار حرام اجماعا. أقول: تحقيق الكلام في حرمة القمار يقع في جهتين: الاولى في حرمة بيع الالات المعدة للقمار وضعا وتكليفا، وقد تقدم الكلام فيه تفصيلا في النوع الثاني، الثانية في حرمة اللعب بها، وتنقيح الكلام هنا في ضمن مسائل اربع:


1 - راجع الوسائل: 16 باب 37 تحريم مجاورة اهل المعاصي ومخالطتهم، وباب 38 تحريم المجالسة لاهل المعاصي من الامر بالمعروف، والوسائل: 12 باب 17 تحريم مصاحبة الكذاب والفاسق من العشرة. 2 - راجع الوسائل: 12 باب 11 استحباب صحبة خيار الناس من كتاب العشرة.

[ 569 ]

1 - حرمة اللعب بالالات المعدة للقمار مع المراهنة: انه لا خلاف بين الفقهاء من الشيعة والسنة (1) في حرمة اللعب بالالات المعدة للقمار مع المراهنة، ومن هذا القبيل الحظ والنصيب المعروف في هذا الزمان المعبر عنه في الفارسية بلفظ: بليط آزمايش بخت، نظير اللعب بالاقداح في زمن الجاهلية، وسنتعرض لتفسير اللعب بالاقداح في الهامش. بل على حرمة القمار ضرورة مذهب الاسلام، وتدل عليها الايات المتظافرة (2) والروايات المتواترة من طرقنا (3) ومن طرق السنة (4)، وقد اشير الى حكمة التحريم في قوله تعالى: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون (5). فان أخذ مال الناس بغير تجارة ومشقة موجب لالقاء العداوة والبغضاء، والاشتغال بلعب القمار يصد عن ذكر الله وعن امتثال الاحكام الالهية.


1 - في فقه المذاهب: وكذلك نهت الشريعة نهيا شديدا عن الميسر - القمار - فحرمته بجميع انواعه، وسدت في وجه المسلمين سبله ونوافذه، وحذرتهم من الدنو من أي ناحية من نواحيه (فقه المذاهب الاربعة 2: 47). 2 - منها قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، المائدة: 92. 3 - راجع الكافي 5: 122 - 124، التهذيب 6: 370 - 371، التهذيب 9: 83، الفقيه 3: 97، قرب الاسناد: 11، الوسائل 17: 164 - 167، 24: 217 - 220. 4 - راجع سنن البيهقي 10: 213. 5 - المائدة: 93.

[ 570 ]

2 - حرمة اللعب بالات المعدة للقمار بدون الرهن: بأن كان الغرض منه مجرد الانس والفرح، كما هو المرسوم كثيرا بين الامراء والسلاطين، وهذا ايضا لا اشكال في حرمته، بل في المستند (1) بلا خلاف فيها، وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامة (2). وكيف كان فقد استدل المصنف على حرمته بوجهين: 1 - قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: ان ما يجئ منه الفساد محضا لا يجوز التقلب فيه من جميع وجوه الحركات. وفيه اولا: انها ضعيفة السند، وقد تقدم. وثانيا: انها لا تدل الا على صدق الكبرى من حرمة التقلب والتصرف في كل ما يجئ منه الفساد محضا، وأما احراز الصغرى فلا بد وان يثبت من الخارج، ومن الواضح ان كون الالات المعدة للقمار كذلك اول الكلام، إذ لو كان اللعب بها بدون مراهنة جائزا لم تكن كذلك، فلا يمكن اثبات الحرمة به فانه دور ظاهر. 2 - ما في رواية أبي الجارود (3)، من تفسير الميسر بالنرد والشطرنج


1 - المستند 2: 327. 2 - في فقه المذاهب عن المالكية: يحرم اللعب بالنرد والشطرنج ولو بغير عوض، وعن الشافعية: يحل اللعب بالشطرنج والكرة وحمل الاثقال والمشابكة بالاصابع، وعن الحنفية: تحل المسابقة بدون عوض في كل ما ذكر عند الشافعية الا الشطرنج، وعن الحنابلة: يكره اللعب بالشطرنج وكلما افضى الى محرم فهو حرام (فقه المذاهب 2: 51 - 52). وفي شرح فتح القدير حكم بحرمة اللعب بالشطرنج، ثم حكي عن بعض الناس اباحة ذلك لما فيه من تشحيذ الخواطر، وهو محكي عن الشافعي (شرح فتح القدير 8: 132). 3 - تفسير القمي 1: 180، عنه الوسائل 17: 321، مرسلة، وضعيفة لابي الجارود.

[ 571 ]

وبكل قمار، الى ان قال (عليه السلام): وكل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، فانها تشمل باطلاقها اللعب بالالات المعدة للقمار بدون الرهن. وقد يقال: ان المراد بالقمار المذكور في الرواية هو المعنى المصدري أعني العمل الخارجي، وعليه فتكون الرواية منصرفة الى اللعب بالالات المذكورة مع الرهن، كما ان المطلقات منصرفة إليه ايضا، ولكنها دعوى جزافية، فان المراد من القمار فيها هو نفس الالات، ويدل عليه من الرواية قوله (عليه السلام): بيعه وشراؤه، وقوله (عليه السلام): وأما الميسر فالنرد والشطرنج. وفيه: ان الرواية وان كانت صريحة الدلالة على المقصود ولكنها ضعيفة السند. ثم ان المصنف (رحمه الله) ذكر جملة من الروايات للتأييد وادعى عدم انصرافها الى اللعب الخارجي. منها: ما عن مجالس المفيد الثاني ولد الشيخ الطوسي (رحمه الله)، وهو قوله (عليه السلام): كلما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر (1). وفيه اولا: ان هذه الرواية ضعيفة السند. وثانيا: انها محمولة على الكراهة، فان كثيرا من الامور يلهى عن ذكر الله وليس بميسر ولا بحرام، والا لزم الالتزام بحرمة كثير من الامور الدنيوية، لقوله تعالى: انما الحيوة الدنيا لعب ولهو (2). بل قد اطلق اللهو على بعض الامور المستحبة في جملة من


1 - الامالي للشيخ الطوسي 1: 345، عنه البحار 73: 157، الوسائل 17: 315، ضعيفة لابن الصلت وغيره. 2 - محمد (صلى الله عليه وآله): 38.

[ 572 ]

الروايات (1)، كسباق الخيل ومفاكهة الاخوان وملاعبة الرجل اهله ومتعة النساء، فانها من الاشياء المندوبة في الشريعة، ومع ذلك اطلق عليها اللهو، وتوهم ان الملاهي غير المحرمة خارجة عن الحديث توهم فاسد، فانه مستلزم لتخصيص الاكثر وهو مستهجن. ومنها: رواية الفضيل عن النرد والشطرنج وغيرهما من آلات القمار التي يلعب بها، فقال (عليه السلام): إذا ميز الله بين الحق والباطل في أيهما يكون، قلت: مع الباطل، قال (عليه السلام): فمالك والباطل (2). وفيه اولا: انها ضعيفة السند، وثانيا: انه لا ملازمة بين البطلان والحرمة. ومنها: رواية زرارة عن لعبة بعض اقسام القمار، فقال (عليه السلام): أرايتك إذا ميز الله الحق والباطل مع أيهما يكون، قال: قلت: مع الباطل، قال (عليه السلام): فلا خير فيه (3). وفيه: ان نفي الخير اعم من الحرمة والكراهة. ومنها: رواية عبد الواحد بن المختار، انه سأل الامام (عليه السلام) عن اللعب بالشطرنج، قال (عليه السلام): ان المؤمن لمشغول عن اللعب (4)، فان اناطة


1 - في حديث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل اللهو باطل الا في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته، فانهن حق (الكافي 5: 50، عنه الوسائل 19: 250، 20: 118، 15: 140)، مرفوعة. ورواها الشيخ بسند فيه ضعف لعبد الله بن عبد الرحمان (التهذيب 6: 175، عنه الوسائل 15: 141). ورواها البيهقي الشافعي في سننه الكبرى 10: 14. 2 - الكافي 6: 436، عنه الوسائل 17: 324، ضعيفة لسهل بن زياد. 3 - الكافي 6: 436، عنه الوسائل 17: 319، موثقة لابن فضال وابن بكير. 4 - الخصال 1: 26، عنه الوسائل 17: 320، ضعيفة لسهل، ومجهولة لابن المختار وغيره.

[ 573 ]

الحكم باللعب تقتضي عدم اعتبار الرهن في حرمة اللعب بالالات المزبورة. وفيه: ان الرواية غريبة عما نحن فيه، فان الظاهر منها اخذ عنوان المؤمن موضوعا للاجتناب عن اللعب المطلق، وبما انه لا دليل على حرمته على وجه الاطلاق حتى اللعب باليد والاصابع واللحية والسبحة ونحوها، فتكون الرواية ارشادا الى بيان شأن المؤمن من أنه لا يناسبه الاشتغال بالامور اللاغية، فانها غير مفيدة له في دينه ودنياه. وقد استدل على حرمة القمار بدون الرهن بالمطلقات الناهية عن الميسر والقمار من الايات والروايات، وقد اشرنا الى مصادرها في هامش ما تقدم، وأجاب عنه المصنف بوجهين: 1 - ان المطلقات منصرفة الى الفرد الغالب، وهو اللعب بالالات المذكورة مع الرهن. وفيه اولا: ان اللعب بآلات القمار من غير رهن كثير في نفسه لو لم يكن اكثر من اللعب بها مع المراهنة أو مساويا له في الكثرة. وثانيا: ان مجرد غلبة الوجود في الخارج لا توجب الانصراف، نعم ان دعوى الانصراف انما تصح إذا كان لها منشأ صحيح، كأن يكون الفرد النادر أو غير الغالب على نحو لا يراه العرف فردا للعمومات والمطلقات، كانصراف الحيوان عن الانسان في نظر العرف مع أنه من اكمل افراده، ولذا قلنا بانصراف الروايات المانعة عن الصلاة في غير المأكول عن الانسان. والوجه في ذلك ان العرف يرى الانسان مبائنا للحيوان، حتى انه لوخوطب احد بالحيوان فان العرف يعد ذلك من السباب.

[ 574 ]

2 - ما اشار إليه بقوله: وفي صدق القمار عليه نظر لما عرفت، وتوضيح ذلك: ان المستفاد من كلمات اهل العرف واللغة (1) ان القمار وكذلك الميسر موضوع للعب بأي شئ مع الرهان، ويعبر عنه في لغة الفارس بكلمة: برد وباخت، وعليه فاللعب بالالات بدون الرهن خارج عن المطلقات موضوعا وتخصصا. نعم في الجواهر (2) عن ظاهر الصحاح والمصباح (3) والتكملة والذيل انه


1 - في القاموس ولسان العرب: تقمره: راهنه فغلبه، وفي مجمع البحرين: القمار - بالكسر - اللعب بالالات المعدة له على اختلاف انواعها، وربما اطلق على اللعب بالخاتم والجوز، واصل القمار الرهن على اللعب بشئ، وفي اقرب الموارد: قمر الرجل قمرا راهنه ولعب القمار، وفي المنجد: قمر قمرا راهن ولعب في القمار. وفي القاموس وتاج العروس ولسان العرب واقرب الموارد وغيرها في مادة يسر: الميسر كمنزل ومجلس اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، وكانوا إذا أرادوا ان ييسروا اشتروا جزورا نسئة، ونحروه قبل ان ييسروا وقسموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة اقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من لهم ذوات الانصباء، وغرم من خرج له الغفل، أو هو النرد، أو كل قمار. وفي مجمع البحرين مادة زلم: والمراد بها في المشهور ودلالة الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) هو ان الازلام القداح العشرة المعروفة فيما بينهم في الجاهلية، والقصة في ذلك انه كان يجتمع العشرة من الرجال فيشترون بعيرا وينحرونه ويقسمونه عشرة اجزاء، وكان لهم عشرة قداح لها اسماء، وهي: الفذ، له سهم، والتوام، وله سهمان، والرقيب، وله ثلاثة، والحلس - بكسر الحاء وسكون اللام - وله اربعة، والنافس، وله خمسة، والمسبل - كمحسن - وله ستة، والمعلي - بضم الميم وسكون العين وفتح اللام - وله سبعة، وثلاثة لا انصباء لها، وهي المنيح، والسفيح والوغد (مجمع البحرين 6: 80). أقول: ان ما ذكره في المجمع من تقسيم البعير الى العشرة لا يمكن تصديقه، ضرورة استحالة كونها مخرجا لتلك السهام، فان المخرج لها لا يكون اقل من ثمانية وعشرين، كما عرفته من القاموس وغيره، نعم تنقسم العشرة بغير القسمة المذكورة. 2 - جواهر الكلام 22: 109. 3 - حكاه في مفتاح الكرامة 4: 56، لكن راجعنا الصحاح والمصباح فلم نقف فيهما على كلام ظاهر في ذلك.

[ 575 ]

قد يطلق على اللعب بها مطلقا مع الرهن ودونه. والظاهر انه من باب المجاز لعلاقة المشابهة والمشاكلة، ولا اقل من الشك في صدق مفهوم القمار عليه، ومن المعلوم انه مع الشك في الصدق لا يجوز التمسك بالمطلقات، وكذلك لا يجوز التمسك بقوله تعالى: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر و الميسر (1)، فان العداوة انما تتحقق مع الرهان لا بدونه. والتحقيق ان يستدل على الحرمة بالمطلقات الكثيرة (2) الناهية عن اللعب بالنرد والشطرنج وبكل ما يكون معدا للتقامر، فانه لا شبهة ان اللعب بالامور المذكورة يعم بما كان مع المراهنة أو بدونها. وقد ناقش المصنف في ذلك بانصراف المطلقات المذكورة الى صورة اللعب بآلات القمار مع الرهن، وقد عرفت جوابه. والعجب منه (رحمه الله) انه استبعد الانصراف في رواية أبي الربيع الشامي الناهية عن الاقتراب من النرد والشطرنج (3)، ثم التزم به في المطلقات المذكورة، مع أنهما من باب واحد، فان النهي عن الاقتراب من النرد والشطرنج كناية عن حرمة اللعب بهما، فشأن رواية أبي الربيع شأن


1 - المائدة: 93. 2 - راجع الوسائل: 17 باب 35 تحريم كسب القمار، وباب 102 تحريم اللعب بالشطرنج ونحوه، وباب 104 تحريم اللعب بالنرد، وباب: 103 تحريم الحضور عند اللاعب بالشطرنج، والمستدرك: 13 هذه الابواب. 3 - عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الشطرنج والنرد، فقال: لا تقربوهما (معاني الاخبار: 224، عنه الوسائل 17: 320)، مجهولة لابي الربيع.

[ 576 ]

المطلقات في الانصراف وعدمه، ولكن الرواية ضعيفة السند. 3 - حرمة المراهنة على اللعب بغير الالات المعدة للقمار: المراهنة على اللعب بغير الالات المعدة للقمار كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل وعلى المصارعة، ونطاح الكباش وصراع البقر، ومهارشة الديكة ومضاربتها، والمراهنة على الطيور وعلى الطفرة، ونحو ذلك مما عدوها في باب السبق والرماية، من غير الافراد التي نص على جوازها. والظاهر انه لا خلاف في الجملة بين الشيعة واكثر العامة (1) في حرمة المراهنة على اللعب مطلقا، وان كان بغير الالات المعدة للقمار، نعم يظهر من الجواهر (2) اختصاص الحرمة بما إذا كان اللعب بالالات المعدة له، وأما مطلق الرهان والمغالبة بغيرها فلا حرمة فيه، نعم تفسد المعاملة عليه ولا يملك الراهن الجعل فيحرم عليه التصرف فيه. وذكر المصنف (رحمه الله) ان الظاهر الحاقه بالقمار في الحرمة والفساد، بل صرح العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في مصابيحه بعدم الخلاف في ذلك (3)، ثم قال المصنف: وهو ظاهر كل من نفي الخلاف في تحريم المسابقة فيما


1 - في فقه المذاهب: لا تصح المسابقة بجعل (رهان) في غير الخيل والجمال والرمي الا عن الشافعية، فانهم قالوا: تصح المسابقة بالرهان ايضا على البغال والحمير والفيلة ايضا (فقه المذاهب 3: 51). 2 - جواهر الكلام 22: 109. 3 - المصابيح، مخطوط، ولم نقف عليه، نعم صرح بذلك السيد الطباطبائي في كتاب السبق والرماية من الرياض 2: 41.

[ 577 ]

عدا المنصوص مع العوض وجعل محل الخلاف فيها بدون العوض (1). وتوضيح كلامه: ان الخلاف في حكم المسابقة بدون الرهن في غير الموارد المنصوصة لا معنى له الا في الحرمة التكليفية، فان الحرمة الوضعية عبارة عن فساد المعاملة وعدم انتقال المال الى غير مالكه، والمفروض انه ليس هنا رهن ليقع الاختلاف في انتقاله الى غير مالكه وعدم انتقاله، فتعين ان يكون الخلاف في هذه الصورة في الحرمة التكليفية فقط دون الحرمة الوضعية. وعليه فمقابلة مورد الوفاق اعني حرمة المسابقة مع الرهن في غير الموارد المنصوصة بمورد الخلاف تقتضي ان يكون مورد الوفاق هو خصوص الحرمة التكليفية، أو الاعم منها ومن الحرمة الوضعية، واما تخصيص مورد الوفاق بخصوص الحرمة الوضعية كما عرفته من ظاهر الجواهر فلا يلائم كلماتهم. وكيف كان فقد استدل القائلون بالحرمة والفساد بوجوه: 1 - الاجماع. وفيه: ان دعواه في المقام على الحرمة وان لم تكن جزافية كما عرفت ولكنا لا نطمئن بكونه اجماعا تعبديا، بل من المحتمل القريب استناده الى سائر الوجوه المذكورة في المسألة. 2 - صدق مفهوم القمار عليه بغير عناية وعلاقة، فقد عرفت ان الظاهر من اهل العرف واللغة ان القمار هو الرهن على اللعب بأي شئ كان، وتفسيره باللعب بالالات المعدة للقمار دور ظاهر.


1 - كما عن الشهيد الثاني في المسالك 1: 301 (الطبعة الحجرية)، وصاحب الجواهر في الجواهر 28: 218، وان قال في كتاب التجارة اختصاص الحرمة بما كان بالالات المعدة للقمار.

[ 578 ]

ويدل على ما ذكرناه ترادف كلمة القمار في لغة الفرس لكلمة: برد وباخت، باي نحو تحقق، ومن اوضح افراده في هذا الزمان الحظ والنصيب المعبر عن ذلك في الفارسية بلفظ: بليط آزمايش بخت. وإذا صدق عليه مفهوم القمار شملته المطلقات الدالة على حرمة القمار والميسر والازلام وحرمة ما اصيب به من الاموال، غاية الامر ان الموارد المنصوصة في باب السبق والرماية قد خرجت عن هذه المطلقات. 3 - الروايات الكثيرة الظاهرة في حرمة الرهان على المسابقة في غير الموارد المنصوصة: منها: ما دل (1) على نفار الملائكة عند الرهان ولعنها صاحبه، ما خلا الحافر والخف والريش والنصل، ولكن جميعه ضعيف السند. ومنها: ما عن تفسير العياشي (2)، من أن الميسر هو الثقل الخارج بين


1 - عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس شئ تحضره الملائكة الا الرهان وملاعبة الرجل اهله (الكافي 5: 554، عنه الوسائل 19: 251)، مجهولة لسعدان بن مسلم. عن الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): ان الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل (الكافي 5: 49، عنه الوسائل 19: 250)، مرسلة. في رواية العلاء بن سيابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش، وما سوى ذلك فهو قمار (التهذيب 6: 384، عنه الوسائل 19: 253)، ضعيفة لابن سيابة. في رواية زيد النرسي: تنفر - الملائكة - عند الرهان، واياكم والرهان الا رهان الخف والحافر والريش - الخ (اصل زيد: 57، عنه المستدرك 14: 79)، مجهولة للنرسي، بل ربما يناقش في انتساب الاصل المعروف إليه. 2 - عن تفسير العياشي عن ياسر الخادم عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الميسر، قال: الثقل من كل شئ، قال: والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم (تفسير العياشي 1: 341، عنه الوسائل 17: 325)، مجهولة لياسر، على أن التفسير المزبور لم يثبت اعتباره عندنا.

[ 579 ]

المتراهنين، فيدل على الحرمة وضعا وتكليفا، وعليه فلا وجه لحمله على الحرمة الوضعية فقط كما صنعه المحقق الايرواني، ولكنه ضعيف السند. ومنها: ما دل (1) على أن كل ما قومر به فهو من الميسر حتى اللعب بالجوز واللوز والكعاب، ومعنى المقامرة هو المراهنة على اللعب كما عرفته في الهامش آنفا. ومنها: رواية اسحاق بن عمار (2) الصريحة في حرمة المقامرة بالجوز والبيض وحرمة اكلهما، فانها دلت على تحقق القمار باللعب بغير الالات المعدة له، وتدل على هذا ايضا الرواية المشتملة على قي الامام (عليه السلام) البيض الذي قامر به الغارم، وسيأتي الكلام في هذه الرواية وبيان انها ضعيفة السند.


1 - عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر (الكافي 6: 435، عنه الوسائل 17: 323)، صحيحة. عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما انزل الله على رسوله: انما الخمر والميسر - الخ، قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ قال: كلما تقومر به حتى الكعاب والجوز (الكافي 5: 122، التهذيب 6: 371، الفقيه 3: 97، عنهم الوسائل 17: 165)، ضعيفة لعمرو بن شمر. وفي فقه الرضا (عليه السلام): 38، عنه المستدرك 13: 224 ما يدل على ذلك ولكنه ضعيف. 2 - عن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون، فقال: لا تأكل منه فانه حرام (الكافي 5: 124، التهذيب 6: 370، عنهما الوسائل 17: 166). أقول: من جملة رجال السند في هذه الرواية محمد بن احمد النهدي، وقد رماه النجاشي بالاضطراب، وضعفه ابن الغضائري، ووثقه الكشي، وعليه فلا بد من التوقف كما عليه العلامة.

[ 580 ]

والحاصل ان الرهن على اللعب بغير الالات المعدة للقمار حرام وضعا وتكليفا، فلا وجه لانكار الحرمة التكليفية والالتزام بخصوص الفساد كما صنعه صاحب الجواهر (1). وقد يستدل على ما ذهب إليه صاحب الجواهر بما في صحيحة محمد بن قيس الواردة في مؤاكلة الشاة، من أنه قال (عليه السلام): لا شئ في المؤاكلة من الطعام ما قل منه أو كثر ومنع غرامة فيه (2)، بدعوى ان الامام (عليه السلام) لم يتعرض فيها لغير فساد المراهنة في الطعام، وانه ليس لها اثر يترتب عليها، ولو كانت المراهنة المزبورة محرمة تكليفا لردع عنها ايضا. وأجاب المصنف عن ذلك، بان هذا وارد على تقدير القول بالبطلان وعدم التحريم، لان التصرف في هذا المال مع فساد المعاملة حرام ايضا، فتأمل. وتوضيح كلامه: ان سكوت الامام (عليه السلام) عن بيان الحرمة في جهة لا يستلزم ثبوت الجواز فيها، والا لكانت الرواية دالة على جواز التصرف في مال الغير، بناء على فساد هذه المعاملة، لان الامام (عليه السلام) قد سكت عن بيان حرمته ايضا. أقول: الظاهر ان الرواية اجنبية عن المقام، وانما هي مسوقة لبيان حكم عقد المؤاكلة في الطعام، فان مالك الشاة قد اباحها لاشخاص


1 - الجواهر 22: 110. 2 - عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى امير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أكل وأصحاب له شاة، فقال: ان اكلتموها فهي لكم، وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فقضى فيه أن ذلك باطل لا شئ في المؤاكلة من الطعام، ما قل منه وما كثر، ومنع غرامة فيه (الكافي 7: 428، التهذيب 6: 290)، صحيحة.

[ 581 ]

معينين بشرط متاخر، وهو قوله: ان اكلتموها فهي لكم، واشترط عليهم الضمان إذا تخلف الشرط المذكور، وقال: وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، وقد حكم الامام (عليه السلام) بفساد هذه المعاملة وعدم ترتب الاثر عليها بقوله: لا شئ في المؤاكلة، وانها ليست من المعاملات التي أمضاها الشارع، كما امضى المزارعة والمضاربة والمساقات وغيرها. وعلى هذا فمفاد الرواية ينحل الى قضيتين: احداهما موجبة وهي اباحة الشاة بشرط متأخر اباحة مالكية، والثانية سالبة وهي عدم تحقق الاباحة المالكية مع تخلف الشرط المذكور، وحكم القضية الاولى هو الجواز وضعا وتكليفا من غير غرامة على الاكلين، وحكم القضية الثانية هو عدم الجواز وضعا لا تكليفا، فتثبت عليه غرامة الاكل لكونه مشمولا لعمومات أدلة الضمان، لا لانها معاملة خاصة توجب الضمان بنفسها. ويدل على ذلك من الرواية امران: احدهما قوله (عليه السلام): لا شئ في المؤاكلة، فان ظاهره ان الصادر بين مالك الشاة واصحابه انما هو عقد المؤاكلة في الشاة، وثانيهما قول المالك: ان اكلتموها فهي لكم وان لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فان ظاهره ان هذا القول من المالك صيغة لعقد المؤاكلة، وان المتعاملين بها يحاولون ايجاد معاملة خاصة كسائر المعاملات المقررة في الشريعة المقدسة. وقد علم من الوجهين المذكورين ان كلمة: آكل في قول السائل: في رجل آكل واصحاب له شاة، انما هو فعل ماض من باب المفاعلة وليس باسم فاعل من الثلاثي المجرد، ولا فعل ماض منه كما هو واضح. ونظير هذه المعاملة كثير الوقوع بين اهل العرف، فيقول احدهم لصاحبه: ان اكلت كذا مقدارا من الثمرة، أو ان سكنت في هذه الدار سنة واحدة فليس عليك شئ والا فعليك كذا وكذا.

[ 582 ]

قوله: ثم ان حكم العوض من حيث الفساد حكم سائر المأخوذ بالمعاملات الفاسدة. أقول: حكم المأخوذ بالقمار وكذلك حكم المأخوذ بسائر المعاملات الفاسدة هو وجوب رد عينه مع البقاء ورد بدله من المثل أو القيمة مع التلف، ويأتي الكلام ان شاء الله على هذا في البحث عن المقبوض بالعقد الفاسد. قوله: وما ورد من قي الامام (عليه السلام) البيض الذي قامر به الغلام (1). أقول: لم يتوهم احد ولا موقع للتوهم ايضا ان القى من جهة رد البيض الى المالك، فان آكل الحرام لا يجب عليه رد عينه ولو كان عالما عامدا فضلا عما إذا تناوله جاهلا، لان الطعام بعد المضغ يعد في العرف تالفا خصوصا بعد وصوله الى المعدة، اما بعد القى فانه يعد من القذارات العرفية، وانما الوجه في ذلك هو تنزه الامام (عليه السلام) ان لا يصير الحرام الواقعي جزءا من بدنه، بل الظاهر من الرواية ان البيض قد اشتراه الغلام للامام (عليه السلام) ولكنه قامر به في الطريق، فلا موضوع هنا للضمان. ولو سلمنا ان الامام (عليه السلام) لم يكن مالكا للبيض، فيمكن ان يقال: ان الاموال كلها للامام (عليه السلام) لانه اولى بالناس من أنفسهم، ويؤيده ما دل على أن الارض وما يخرج منها له (عليه السلام). وعلى هذين الوجهين فقي الامام (عليه السلام) البيض انما هو لئلا يكون ما اصيب به القمار جزءا من بدنه. وكيف كان فقد اورد المصنف على الرواية، بأن ما كان تأثيره كذلك يشكل اكل المعصوم له جهلا، بناء على عدم اقدامه على المحرمات


1 - عن عبد الحميد بن سعيد قال: بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاما يشتري له بيضا أو بيضتين، فقامر بها، فلما أتى به أكله، فقال مولى له: ان فيه من القمار، قال: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه (الكافي 5: 123، عنه الوسائل 17: 165)، مجهولة لعبد الحميد، وضعيفة لسهل.

[ 583 ]

الواقعية الغير المتبدلة بالعلم لا جهلا ولا غفلة، لان ما دل على عدم جواز الغفلة عليه في ترك الواجب وفعل الحرام دل على عدم جواز الجهل عليه في ذلك. ويمكن ان يقال: ان الاعتراض على الرواية مبني على كون علم الائمة (عليهم السلام) بالموضوعات حاضرا عندهم من غير توقف على الارادة، وقد دلت عليه جملة من الروايات، كما ان علمهم بالاحكام كذلك، واما بناء على أن علمهم بالموضوعات تابع لارادتهم واختيارهم، كما دلت عليه جملة اخرى من الروايات فلا يتوجه الاشكال على الرواية، لامكان صدور الفعل عنهم (عليهم السلام) جهلا قبل الارادة. ولكن الذي يسهل الخطب ان البحث في علم الامام (عليه السلام) من المباحث الغامضة، والاولى رد علم ذلك الى اهله كما ذكره المصنف (رحمه الله)، على أن الرواية المذكورة ضعيفة السند. 4 - حكم المسابقة بغير رهان فيما عدا الموارد المنصوصة: قوله: الرابعة: المغالبة بغير عوض في غير ما نص على جواز المسابقة فيه. أقول: المشهور بين الاصحاب (1) هو عدم جواز المسابقة بغير رهان فيما عدا الموارد المنصوصة، كالمصارعة وحمل الاثقال والجري على الاقدام، وكالمسابقة على السفن والبقر والكلاب والطيور، والمكث في الماء وحفظ الاخبار والاشعار، ورمي البنادق والوقوف على رجل واحدة وغيرها.


1 - كما عن صاحب الرياض 2: 41، والقاضي في المهذب 1: 331، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 8: 326، والعلامة في التذكرة 2: 354.

[ 584 ]

وقد ذهب بعض الاصحاب (1) وجمع من العامة (2) الى الجواز، ويمكن الاستدلال على الحرمة بوجوه: 1 - دعوى الاجماع عليها، وقد ادعاه غير واحد من الاصحاب. وفيه: ان من المحتمل القريب استناده الى الوجوه الاتية، فليس هنا اجماع تعبدي، ومن هنا علله بعض الاعاظم من الاصحاب بعموم النهي عن المسابقة الا في ثلاثة (3). 2 - ما ورد في جملة من الاحاديث (4)، من نفي السبق الا في خف أو حافر أو نصل، بدعوى ان السبق بالسكون مصدر لكلمة سبقه الى كذا، اي تقدمه وخلفه وغلبه على كذا، فيراد من نفيه نفي مشروعية المسابقة والمغالبة وان لم يكن فيها رهان، فيكون مفاده كمفاد: لا رهبانية ولانجش في الاسلام. وفيه: ان ذلك انما يتم لو كان المذكور هو السبق بسكون الباء ولم يثبت ذلك، بل في المسالك (5) ان قراءة الفتح هي المشهور، والسبق بالفتح هو العوض الذي يتراهن عليه المتسابقون، وعليه فلا تدل الرواية الا على تحريم المراهنة فقط.


1 - كما في المسالك 1: 301، كفاية الاحكام: 137. 2 - في فقه المذاهب نقل عن المذاهب الاربعة جواز المسابقة بدون رهن (فقه المذاهب 2: 51). 3 - التذكرة 2: 354. 4 - عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا سبق الا في خف أو حافر أو نصل، يعني النضال (الكافي 5: 48، عنه الوسائل 19: 253)، ضعيفة لمعلي بن محمد. وقد ذكرت هذه الرواية في جملة من احاديث العامة، راجع سنن البيهقي 10: 16. عن دعائم الاسلام: لا سبق الا في ثلاث في خف أو حافر أو نصل (دعائم الاسلام 1: 345، عنه الوسائل 14: 80)، مرسلة، وعن الشهيد الثاني اضافة الجناح. 5 - المسالك 1: 301.

[ 585 ]

بل قال المصنف انها غير ظاهرة في التحريم ايضا، لاحتمال ارادة فسادها، بل هو الاظهر، لان نفي العوض ظاهر في نفي استحقاقه وارادة نفي جواز العقد عليه في غاية البعد. ومع الاغضاء عن ثبوت قراءة الفتح فالرواية مجملة، فلا يجوز التمسك بها الا في الموارد المتيقنة، على أنها ضعيفة السند. ثم انه اورد المصنف على قراءة السكون بأنه على تقدير السكون فكما يحتمل نفي الجواز التكليفي فيحتمل نفي الصحة، لوروده مورد الغالب من اشتمال المسابقة على العوض. وفيه اولا: ان المسابقة بدون المراهنة كثيرة في نفسها. وثانيا: ان غلبة الوجود بمجردها لا توجب الانصراف. 3 - ان مفهوم القمار صادق على مطلق المغالبة ولو بدون العوض، كما يدل عليه ما تقدم في بعض الروايات من تسمية اللعب بالشطرنج بدون المراهنة قمارا، وعليه فتشمله الاطلاقات الدالة على حرمة القمار. وفيه: انك قد عرفت فيما سبق آنفا ان الرهان مأخوذ في مفهوم القمار سواء كان اللعب بالالات المعدة له ام لا، فالمسابقة بغير المراهنة خارجة عن القمار موضوعا، واطلاق القمار عليها احيانا لا يدل على الحقيقة، فانه اعم من الحقيقة والمجاز، وحرمة اللعب بالنرد والشطرنج من جهة الادلة الخاصة لا من جهة صدق مفهوم القمار عليه. ولو سلمنا ان اطلاق القمار على المسابقة الخالية عن العوض على سبيل الحقيقة، فان السيرة القطعية قائمة على جوازها، كالسباحة والمصارعة والمكاتبة والمشاعرة وغيرها، خصوصا إذا كان الفعل امرا قربيا، كبناء المساجد والقناطر والمدارس، فان في ذلك فليتنافس المتنافسون.

[ 586 ]

4 - انه قد علل تحريم اللعب بالنرد والشطرنج في بعض الاخبار المتقدمة في الهامش آنفا بأنه من اللهو والباطل، وهو جار فيما نحن فيه ايضا، بل ورد من طرق الخاصة والعامة ان كل لهو المؤمن باطل الا في ثلاث، وقد تقدم في الحاشية، وهو باطلاقه شامل للمقام، وقد تقدم ايضا ان: كلما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر، ومن الواضح ان المسابقة وان كانت بغير عوض تلهى عن ذكر الله. وفيه: انه لا دليل على حرمة مطلق اللهو كما عرفت وستعرفه في البحث عن حرمة اللهو، فان كثيرا من الامور لهو وهو ليس بحرام، كاللعب بالاحجار والاشجار والسبحة واللحية وازرار الثوب ونحوها، على أنه لا ملازمة بين ما نحن فيه وبين اللهو، فان النسبة بينهما هي العموم من وجه، إذ كثيرا ما تكون المسابقة للاغراض العقلائية، من تربية البدن ومعالجته والتنزه والتفريح كما هو واضح. المسألة (16) حرمة القيادة قوله: السادسة عشرة: القيادة حرام. أقول: وهي في اللغة السعي بين الشخصين لجمعهما على الوطي المحرم، وقد يعبر عنها بكلمة الدياثة، ولا شبهة في حرمتها وضعا وتكليفا، بل ذلك من ضروريات الاسلام، وهي من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة. وفي مرسلة الشيخ الورام عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل قال: اطلعت على النار فرأيت في جهنم واديا يغلي، فقلت: يا مالك لمن هذا، فقال:

[ 587 ]

لثلاثة: المحتكرين والمدمنين للخمر والقوادين (1). وقد تقدم في رواية سعد الاسكاف وغيرها تفسير الواصلة والمستوصلة بذلك (2). وفي رواية ابن سنان عن حد القواد قال (عليه السلام): يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطا، وينفى من المصر الذي هو فيه (3). وفي بعض الاحاديث: لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا ديوث (4)، وفي عيون الاخبار: واما التي كانت تحرق وجهها وبدنها، وهي تجر امعاؤها فانها كانت قوادة (5)، وقد ورد اللعن والتوعيد على القواد في بعض الاحاديث (6). المسألة (16) حرمة اتيان القائف وترتيب الاثر على قوله قوله: السابعة عشرة: القيافة حرام في الجملة.


1 - عنه الوسائل 17: 426، ولم نجده في مجموعة الورام المطبوع. 2 - مر في البحث عن حكم تدليس الماشطة. 3 - راجع الكافي 7: 261، التهذيب 10: 64، عنهما الوسائل 28: 171. 4 - جعفر بن احمد القمي في المانعات: 2، عنه المستدرك 13: 112. 5 - عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2: 10، عنه الوسائل 20: 213. 6 - عن ابراهيم بن زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لعن الله الواصلة والمستوصلة، يعني الزانية والقوادة (معاني الاخبار: 250، عنه الوسائل 20: 351). وعن عقاب الاعمال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث قال: ومن قاد بين امرأة ورجل حرم الله عليه الجنة، ومأواه جهنم وساءت مصيرا، ولم يزل في سخط الله حتى يموت (عقاب الاعمال: 337، عنه الوسائل 20: 351).

[ 588 ]

أقول: القيافة في اللغة (1) معرفة الاثار وشبه الرجل بأخيه وأبيه، والظاهر انه لا شبهة في جواز تحصيل العلم أو الظن بانساب الاشخاص بعلم القيافة وبقول القافة، ولم يرد في الشريعة المقدسة ما يدل على حرمة ذلك. وما ورد في حرمة اتيان العراف والقائف لا مساس له بهذه الصورة، وانما المراد منه حرمة العمل بقول القافة وترتيب الاثر عليه كما سيأتي، ومع الشك في الحرمة والجواز في هذه الصورة يرجع الى الاصول العملية. ثم انه لا شبهة في حرمة الرجوع الى القائف وترتيب الاثار على قوله، وفي الكفاية لا اعرف فيها الخلاف (2)، وفي المنتهى الاجماع على ذلك (3)، خلافا لاكثر العامة (4)، فانهم جوزوا العمل بقول القافة استنادا الى جملة


1 - في تاج العروس: والقائق من يعرف الاثار، ج قافة (تاج العروس 6: 228)، وقال ابن الاثير: القائف الذي يتبع الاثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، ومنه ان مجززا كان قائفا (النهاية 4: 121). 2 - كفاية الاحكام: 87. 3 - المنتهى 2: 1014، وفيه نفى الخلاف، وحكى الاجماع عنه المحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة 8: 80. 4 - في شرح صحيح مسلم: أثبت العمل بالقافة الشافعي، ونفاه أبو حنيفة، والمشهور عن مالك في الاماء دون الحرائر، وروى عنه ابن وهب اثباته في الحرائر، ولا خلاف عند القائلين بالقافة انها انما تكون فيما اشكل من الفراشين ثابتين كأمة يطؤها البائع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطئ البائع، فتأتي بولد أكثر من ستة أشهر من وطئ المشتري وأقل من أقصى الحمل من وطئ البائع، وان ألحقه القائف بأحدهما لحق والا ترك الولد حتى يبلغ فينتسب الى من يميل إليه منهما، وان الحقه القائف بهما، فان مذهب عمر بن الخطاب ومالك والشافعي يترك حتى يبلغ فينتسب الى من يميل إليه، وقال أبو ثور: يكون ابنا لهما، وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما شبها (شرح صحيح مسلم 4: 80). وفي هامش سنن البيهقي عن الثوري قال: إذا قال القافة الولد منهما، لحق بهما وورثهما وورثاه (هامش سنن البيهقي 10: 264).

[ 589 ]

من الروايات الواردة من طرقهم وسنشير إليها. وتدل على حرمة العمل بقول القافة الايات الدالة على حرمة العمل بغير علم، وعلى حرمة اتباع الظنون وانها لا تغني من الحق شيئا، وقد تقدمت هذه الايات (1). فان نفى النسب عن شخص أو الحاقه به بالاستحسانات الحاصلة من ملاحظة اعضاء البدن على النحو الذي تقرر في علم القيافة لا يتفق والقواعد الشرعية، فانه هدم لاحكام الارث المترتبة على التوالد الشرعي. وايضا قد ثبت في الشريعة ان الولد للفراش، بل هو من القواعد المسلمة بين الفريقين، والعمل بالقيافة ينافيها في كثير من الموارد. ويضاف الى ما ذكرناه ان النسب إذا لم تقم على ثبوته امارة شرعية فان الاستصحاب يقتضي نفيه، ولا يجوز رفع اليد عنه الا بالامارات المعتبرة شرعا وليست القيافة منها. وأما ما ورد في احاديث العامة (2) من العمل بقول القافة فلا يصلح


1 - في البحث عن حرمة الرشوة. 2 - منها ما عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) دخل عليها وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تسمعي ما قال مجزز المدلجي ورأى اسامة وزيدا نائمين وقد خرجت أقدامهما، فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض. راجع سنن البيهقي كتاب الدعوى والبينات 10: 262، وصحيح البخاري آخر كتاب الفرائض، وصحيح مسلم آخر الرضاع 1: 565، وسنن أبي داود كتاب الطلاق 2: 280، وسنن النسائي كتاب اللعان 2: 108، وجامع الترمذي مع شرح ابن العربي آخر باب الولاء والهبة والوصايا 8: 290. أسارير: الخطوط التي تكون بالجبهة. وفي ارشاد الساري في شرح البخاري: 446: مجزز - بضم الميم وكسر الجيم والزاء الاولى المشددة وآخره زاء معجمة - سمي بذلك لانه كان يجز ناصية الاسير في الجاهلية ويطلقه، وقال العسقلاني في فتح الباري 12: 44 لم أر من ذكر اسمه.

[ 590 ]

أن يكون رافعا للاستصحاب، فانه مضافا الى ضعف السند فيها انه مناف لما ورد في المنع عن العمل بعلم القيافة في بعض احاديث الشيعة (1)، وفي رواية الجعفريات (2) جعل من السحت اجر القافي. وقد استشهد المصنف (رحمه الله) على حرمة العمل بقول القافة برواية زكريا ابن يحيى الواردة في قصة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) واثبات بنوة ابنه الجواد (عليه السلام) وامامته بالرجوع الى القافة، حيث زعموا ما كان فينا امام قط حائل اللون (3).


1 - عن الخصال عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: فالقيافة؟ قال: ما احب ان تأتيهم - الى أن قال (عليه السلام): - القيافة فضلة من النبوة ذهبت في الناس حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله) (الخصال: 19، عنه الوسائل 17: 150). 2 - الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 110. 3 - جاء اخوة الرضا (عليه السلام) إليه فقالوا له: ما كان فينا امام قط حائل اللون، فقال لهم الرضا (عليه السلام): هو ابني، قالوا: فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا انتم إليهم وأما أنا فلا ولا تعلموهم لما دعوتموهم - الى أن قال: - ثم جاؤوا بأبي جعفر (عليه السلام) فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس هاهنا أب ولكن هذا عم أبيه وهذا عمه وهذا عمه وهذه عمته وان يكن له هاهنا أب فهو صاحب البستان، فان قدميه وقدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن (عليه السلام) قالوا: هذا أبوه (الكافي 1: 322)، مجهولة لزكريا بن يحيى. حال لونه: تغير واسود.

[ 591 ]

ولكن لم نجد في الرواية ما يستشهد به لذلك، بل الظاهر منها ان الشيعة ايضا كانوا يعتقدون بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول القافة، وان الرضا (عليه السلام) لم ينكر عليهم ذلك. نعم يرد على الرواية وجوه: 1 - انها ضعيفة السند. 2 - انها مخالفة لضرورة المذهب، فانها اشتملت على عرض اخوات الامام وعماته على القافة وهو حرام لا يصدر من الامام (عليه السلام)، وتوهم ان ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهم فاسد، إذ لم تتوقف معرفة بنوة الجواد للرضا (عليهما السلام) على احضار النساء. 3 - ان الجماعة الذين بغوا على الرضا (عليه السلام) لينفوا بنوة الجواد (عليه السلام) عنه لو كانوا معتقدين بامامة الرضا (عليه السلام) لما احتاجوا الى القافة بعد اخباره بالبنوة. المسألة (18) حرمة الكذب قوله: الثامنة عشرة: الكذب حرام، بضرورة العقول والاديان، ويدل عليه الادلة الاربعة. أقول: لا شبهة في حرمة الكذب، فانه من قبائح الذنوب وفواحش العيوب بل هو مفتاح الشرور ورأس الفجور، ومن أشد الجرائم وأكبر الكبائر، وحرمته من ضروريات مذهب الاسلام بل جميع الاديان. وقد استدل عليها المصنف بالادلة الاربعة:

[ 592 ]

أما الكتاب والسنة الواردة لدى الخاصة (1) والعامة (2) في ذلك، فذكرهما مما لا يحصى. وأما الاجماع فمن المحتمل القريب بل المقطوع به انه مستند الى الكتاب والسنة، فلا يكون هنا اجماع تعبدي كما هو واضح. وأما العقل فانه لا يحكم بحرمة الكذب بعنوانه الاولي مع قطع النظر عن ترتب المفسدة والمضرة عليه، وكيف يحكم العقل بقبح الاخبار بالاخبار الكاذبة التي لا تترتب عليها مفسدة دنيوية أو اخروية. نعم إذا ترتب عليه شئ من تلك المفاسد كقتل النفوس المحترمة وهتك الاعراض المحترمة، ونهب الاموال أو ايذاء الناس وظلمهم ونحوها من العناوين المحرمة، فان ذلك محرم بضرورة العقل، ولكنه لا يختص بالكذب، بل يجري في كل ما استلزم شيئا من الامور المذكورة، ولو كان صدقا. الكذب من الكبائر: قوله: احدهما في انه من الكبائر. أقول: قد عرفت في مبحث الغيبة تحقيق الحال في كون معصية كبيرة، وقد استدل المصنف على كون الكذب من الكبائر في الجملة بعدة من الروايات: منها: روايتا الاعمش (3) وعيون الاخبار (4)، حيث جعل الامام (عليه السلام) الكذب من الكبائر في هاتين الروايتين.


1 - راجع الكافي 2: 254 - 256، الوسائل 12: 243 - 250، المستدرك 9: 83 - 90. 2 - راجع سنن البيهقي 10: 195، واحياء العلوم 3: 93. 3 - كنز الكراجكي: 184، عنه الوسائل 15: 331. 4 - راجع عيون الاخبار 2: 125، عنه الوسائل 15: 329.

[ 593 ]

وفيه: انهما وان كانتا ظاهرتين في المقصود، ولكنهما ضعيفة السند (1). ومنها: قوله (عليه السلام) في رواية عثمان بن عيسى: ان الله جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، والكذب شر من الشراب (2). وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: انها مخالفة للضرورة، إذ لا يلتزم فقيه بل ولا متفقه بان جميع افراد الكذب شر من شرب الخمر، فإذا دار الامر في مقام الاضطرار بين ارتكاب طبيعي الكذب، ولو بان يقول المكره - بالفتح - ان عمر فلان مائة سنة مع أنه ابن خمسين، وبين شرب الخمر، فلا يحتمل احد ترجيح شرب الخمر على الكذب. ومما ذكرناه ظهر الجواب عما دل (3) على أن المؤمن إذا كذب بغير عذر كتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع امه، ومن الواضح ان الزناء بالام من اكبر الكبائر فكذلك الكذب، على أن هذه الرواية ايضا ضعيفه السند. ويضاف الى ذلك ما ذكرناه في مبحث الغيبة، وهو ان كل واحد من الذنوب مشتمل غالبا على خصوصية لا توجد في غيره، وكونه اشد من


1 - أما رواية العيون فالطريق الاول فهو مجهول لعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري وعلي بن قتيبة النيسابوري، وأما الثاني فهو مجهول للحاكم أبي محمد جعفر بن نعيم، وأما الثالث فهو مجهول لحمزة بن محمد العلوي. وأما رواية الاعمش فلاحمد بن يحيى بن زكريا وغيره. 2 - الكافي 2: 254، عقاب الاعمال: 291، عنهما الوسائل 15: 244، ضعيفة لعثمان بن عيسى. 3 - جامع الاخبار: 173، عنه البحار 72: 263، المستدرك 9: 86، مرسلة.

[ 594 ]

غيره في هذه الخصوصية لا يستلزم كونه اشد منه في جميع الجهات. نعم قد يكون بعض افراد الكذب اشد من شرب الخمر والزناء، كالكذب على الله وعلى رسوله، وكالكذب لقتل النفس المحترمة ولاثارة الفتنة ونحوها، ولا مضايقة في جعله حينئذ من الكبائر. ومنها: ما عن العسكري (عليه السلام) فانه قال: جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب (1)، بدعوى ان ما يكون مفتاحا للخبائث كلها لابد وأن يكون كبيرة. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: لا ملازمة بين كون الشئ مفتاحا للخبائث وبين كونه معصية فضلا عن كونه من الكبائر، فانه قد يكون الشئ غير محرم ومع ذلك يكون مفتاحا للحرام، كالشبهات ومقدمات الحرام، وعليه فشأن هذه الرواية شأن الروايات الامرة بالاجتناب عن الشبهات، فهي غير دالة على حرمة الكذب فضلا عن كونه من الكبائر. قوله: ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بقوله تعالى: انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله (2). أقول: وجه الدلالة انه تعالى جعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله كافرا بها. وفيه: ان الاية وان كانت ظاهرة الدلالة على كون الكذب المذكور فيها من الكبائر، ولكن الظاهر من ملاحظة الاية وما قبلها ان المراد بالكاذبين في الاية الشريفة هم الذين يفترون على الله وعلى رسوله في آيات الله،


1 - الدرة الباهرة: 43، عنه المستدرك 9: 85. 2 - النمل: 107.

[ 595 ]

كاليهود والمشركين، لزعمهم ان ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) كله من تلقاء نفسه ومفتريات شخصه، وقد رد الله كلامهم عليهم بقوله عز من قائل: انما يفتري الكذب. وعلى هذا فالكذابون المذكورون في الاية لم يؤمنوا بالله وبرسوله وبالمعاد من الاول، لا ان الكذب اوجب خروجهم عن الايمان لكي تدل الاية على مقصد المصنف. قوله: كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتب على الخبر الكذاب مفسدة وان لا يترتب عليه شئ اصلا. أقول: ذهب المصنف تبعا لظاهر الفاضلين (1) والشهيد الثاني (2) الى ان الكذب مطلقا من الكبائر، سواء ترتبت عليه مفسدة ام لا، واستند في رأيه هذا الى الاطلاقات المتقدمة التي استدل بها على كون الكذب من الكبائر. ثم أيده بقول النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته لابي ذر (رضي الله عنه): ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له، ويل له (3)، بدعوى ان الاكاذيب المضحكة لا يترتب عليها الابقاء في المفسدة الا نادرا. والوجه في جعلها من المؤيدات ما ذكره المصنف في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة، وهو ان من الموازين التي تعد به الخطيئة كبيرة


1 - لم نقف عليه في كتب المحقق والعلامة، نعم في القواعد 2: 236: ان الكبيرة ما توعد الله فيها بالنار، ومثله في التحرير 2: 208. 2 - الروضة البهية 3: 129. 3 - الامالي للشيخ الطوسي 2: 150، عنه الوسائل 12: 281، الاختصاص: 226، عنه المستدرك 9: 114، مكارم الاخلاق 2: 363، الرقم: 2661، ضعيفة لابي المفضل ورجاء وابن ميمون.

[ 596 ]

ورود النص المعتبرة على أنها مما اوجب الله عليها النار، ومن الواضح ان الوصية المذكورة ضعيفة السند. أقول: قد عرفت ان الاطلاقات المتقدمة لا تنهض لاثبات المطلوب اما لضعف السند فيها أو لضعف الدلالة، وكذلك الشأن في رواية أبي ذر، فهي وان كانت ظاهرة في المقصود ولكن قد عرفت انها ضعيفة السند. والتحقيق انه لا دليل على جعل الكذب مطلقا من الكبائر، بل المذكور في رواية أبي خديجة: الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الاوصياء (عليهم السلام) من الكبائر (1)، فان الظاهر منها انها مسوقة للتحديد وبيان ان الكذب الذي يعد كبيرة انما هو الكذب الخاص، وعليه فتقيد بها المطلقات المتقدمة الظاهرة في كون الكذب بمطلقه من الكبائر، بناء على صحتها من حيث السند والدلالة، ولكن رواية أبي خديجة المذكورة ضعيفة السند. وفي مرسلة الفقيه: من قال على ما لم اقله فليتبوأ مقعده من النار (2)، فان الظاهر منها ان الكذب على الرسول من الكبائر، بناء على تفسير الكبيرة بما اوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز أو في السنة المعتبرة، وعليه فيدخل فيه الكذب على الله وعلى اوصيائه (عليهم السلام) لملازمتهما للكذب على النبي (صلى الله عليه وآله)، ولكن الرواية ضعيفة السند. وفي بعض الاحاديث (3) ان شهادة الزور واليمين الغموس الكاذبة التي يتعمدها صاحبها من الكبائر.


1 - الكافي 2: 254، المحاسن: 118، عنهما الوسائل 12: 248، ضعيفة بمحمد بن علي. 2 - الفقيه 3: 372، عنه الوسائل 15: 327، مرسل، رواها في عقاب الاعمال: 318، المحاسن: 118، عنهما الوسائل 12: 249 مسندا. 3 - كنز الكراجكي: 184، عنه الوسائل 15: 331.

[ 597 ]

ومما يؤيد ان الكذب ليس مطلقا من الكبائر ما ورد في مرسلة سيف بن عميرة (1) من التحذير عن الكذب الصغير والكبير، فان انقسام الكذب الى الصغير والكبير يدل على عدم كونه مطلقا من الكبائر، الا أن الرواية مرسلة. وفي رواية ابن الحجاج (2) ما يشعر بعدم كون الكذب مطلقا من الكبائر. ولكن الذي يعظم الخطب ما تقدمت الاشارة إليه في مبحث الغيبة، من أنه لا اثر لهذه المباحث، فان الذنوب كلها كبيرة وان كان بعضها اكبر من بعض، ولذا اختلفت الاخبار في تعدادها، ولو سلمنا انقسامها الى الصغيرة والكبيرة فان جميعها مضرة بالعدالة، فان العدالة هي الاستقامة والاعتدال، فاي ذنب ارتكبه المكلف فانه يوجب الخروج عنها. حرمة الكذب في الهزل والجد: هل يحرم الكذب مطلقا وان كان صادرا بعنوان الهزل، أو تختص حرمته بالكذب الجدي؟ فنقول: ان الكذب المسوق للهزل على قسمين، فانه قد يكون الهازل بكذبه مخبرا عن الواقع ولكن بداع المزاح والهزل، من دون ان يكون اخباره مطابقا للواقع، كأن يخبر احدا بقدوم مسافر له أو حدوث حادث أو


1 - الكافي 2: 253، عنه الوسائل 12: 250. 2 - عن ابن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الكذاب هو الذي يكذب في الشئ، قال: لا من احد الا يكون ذلك منه، ولكن المطبوع على الكذب (الكافي 2: 255، عنه الوسائل 12: 245)، حسنة لابراهيم بن هاشم. أقول: المطبوع على الكذب المجبول عليه، بحيث صار عادة له، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذاب الذي من الصيغ المبالغة، وهو واضح.

[ 598 ]

وصول حاجة، ليغتر المخاطب بقوله فيرتب عليه الاثر فيضحك منه الناس. وهذا لا شبهة في كونه من الكذب، فانه عبارة عن الخبر غير الموافق للواقع، واختلاف الدواعي لا يخرجه عن واقعه وحقيقته، واذن فيكون مشمولا لما دل على حرمة الكذب. وقد يكون الكلام بنفسه مصادقا للهزل، بحيث يقصد المتكلم انشاء بعض المعاني بداعي الهزل المحض، من غير أن يقصد الحكاية عن واقع ليكون اخبارا ولا يستند الى داع آخر من دواعي الانشاء، ومثاله أن ينشئ المتكلم وصفا لاحد من حضار مجلسه بداعي الهزل، كاطلاق البطل على الجبان، والزكى على الابله، والعالم على الجاهل. وهذا لا دليل على حرمته مع نصب القرينة عليه، كما استقربه المصنف، والوجه في ذلك هو ان الصدق والكذب انما يتصف بهما الخبر الذي يحكي عن المخبر به، وقد عرفت ان الصادر عن الهازل في المقام ليس الا الانشاء المحض فيخرج عن حدود الخبر موضوعا. وقد يقال بالحرمة هنا ايضا لاطلاق جملة من الروايات: منها مرسلة سيف المتقدمة فانها ظاهرة في وجوب الاتقاء عن صغير الكذب وكبيره في الجد والهزل على وجه الاطلاق. وفيه مضافا الى كونها ضعيفة السند، ان انشاء الهزل خارج عن الكذب موضوعا كما عرفت، فلا يشمله ما دل على حرمة الكذب. ومن هنا ظهر الجواب عن التمسك برواية أبي ذر المتقدمة من اثبات الويل لمطلق الكاذب، كما ظهر الجواب عن رواية الحارث الاعور (1)،


1 - عن علي (عليه السلام) قال: لا يصلح الكذب جد وهزل (امالي الصدوق: 342، عنه الوسائل 12: 250 (ضعيفة بابي وكيع).

[ 599 ]

على أن كلمة: لا يصلح فيها ظاهرة في الكراهة المصطلحة دون الحرمة. كما ان قوله (عليه السلام) في رواية الاصبغ: لا يجد العبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده (1)، لا يستفاد منه ازيد من الكراهة، فان المكروهات مانعة ايضا عن وجدان المؤمن طعم ايمانه، وكذلك ظهر الجواب عن رواية الخصال (2). بيان حقيقة الوعد واقسامه: قوله: وكيف كان فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب. أقول: لا بأس بتوضيح حقيقة الوعد وبيان حكم الخلف فيه، أما حقيقة الوعد فانه يتحقق باحد امور ثلاثة: 1 - أن يخبر المتكلم عن عزمه على الوفاء بشئ، كان يقول لواحد: اني عازم على أن اعطيك درهما، أو اني ملتزم بالمجئ الى ضيافتك، أو على اعظامك واكرامك، ولا شبهة في كون هذا من افراد الخبر، غاية الامر ان المخبر به من الافعال النفسانية، اعني العزم على الفعل الخارجي، نظير الاخبار عن سائر الامور النفسانية، من العلم والظن والشك والوهم. وعليه فان كان حين الاخبار عازما فهو صادق والا فهو كاذب، فتشمله ادلة حرمة الكذب ويكون خارجا عن المقام.


1 - الكافي 2: 255، المحاسن: 118، عنهما الوسائل 12: 250، مجهولة لقاسم بن عروة. 2 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وان كان محقا، ولمن ترك الكذب وان كان هازلا، ولمن حسن خلقه (الخصال 1: 144)، مجهولة.

[ 600 ]

2 - أن ينشئ المتكلم ما التزمه بنفس اصله التي تكلم بها، بأن يقول: لك على كذا درهما أو دينارا أو ثوبا، ونظيره صيغ النذر والعهد، كقولك: لله على ان افعل كذا. ولا ريب ان مثل هذه الجمل انشائية محضة، فلا تتصف بالصدق ولا بالكذب بالمعنى المتعارف، بل الصدق والكذب في ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام وعدم الوفاء به. 3 - أن يخبر المتكلم عن الوفاء بامر مستقبل، كقوله: اجيئك غدا، أو اعطيك درهما بعد ساعة، أو ادعوك الى ضيافتي بعد شهر، وهذه جمل خبرية بالحمل الشايع ولكنها مخبرة عن امور مستقبلة، كسائر الجمل الخبرية الحاكية عن الحوادث الاتية، كالاخبار عن قدوم المسافر غدا، وعن نزول الضيف يوم الجمعة، وعن وقوع الحرب بين السلاطين بعد شهر. ولا شبهة في اتصاف هذا القسم من الوعد بالصدق والكذب، فانها عبارة عن موافقة الخبر للواقع وعدم موافقته له، من غير فرق بين انواع الخبر، وهو واضح. وأما حرمة الكذب هنا فان تنجزها يتوقف على عدم احراز تحقق المخبر به في ظرفه، فيكون النهي عنه منجزا حينئذ، واما لو احرز حين الاخبار تحقق الوفاء بوعده في ظرفه ولكن بدا له أو حصل له المانع من باب الاتفاق وأصبح مسلوب الاختيار عن الاتمام والانهاء لم تكن الحرمة منجزة وان كان اخباره هذا في الواقع كذبا. وأما حكم المقام من حيث خلف الوعد، فسيأتي التكلم عليه. ومن هنا اتضح ان النسبة بين حرمة الكذب وبين خلف الوعد هي العموم من وجه، فانه قد يتحقق الكذب المحرم حيث لا مورد لخلف

[ 601 ]

الوعد، وقد يوجد خلف الوعد حيث لا يوجد الكذب المحرم، وقد يجتمعان. وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان الاخبار إذا كان عن الامور المستقبلة كان صدق الخبر وكذبه منوطين بتحقق المخبر به في ظرفه على نحو الشرط المتأخر وعدم تحققه فيه. وعليه فإذا كان عازما على الوفاء بوعده حين الاخبار فهل يجب عليه البقاء على عزمه هذا ما لم يطرأ عليه العجز صونا لكلامه عن الاتصاف بالكذب أو لا يجب عليه ذلك، الظاهر هو الثاني، فانه لا دليل على وجوب اتمام العزم وعلى حرمة العدول عنه لكي لا يتصف كلامه السابق بالكذب. ونظير ذلك الاخبار عن عزمه على ايجاد فعل في الخارج كارادة السفر ونحوه، ولم يتوهم احد وجوب البقاء على عزمه السابق لئلا يتصف كلامه بالكذب على نحو الشرط المتأخر. وأما الادلة الناهية عن الكذب فهي مختصة بالكذب الفعلي، فلا تشمل غيره كما سيأتي. خلف الوعد: قد عرفت ان حقيقة الوعد انما تتحقق باحد امور ثلاثة، واما المراد من خلفه فهو نقض ما التزم به وترك ما وعده، وعدم انهائه واتمامه، فهل هذا حرام ام لا؟ قد يقال بالحرمة، بدعوى انه من افراد الكذب، فيكون مشمولا لعموم ما دل على حرمته، ولكنها دعوى جزافية، فان ما دل على حرمة الكذبة يختص بالكذب الفعلي الابتدائي فلا يشمل الكذب في مرحلة البقاء،

[ 602 ]

وان شئت قلت: المحرم انما هو ايجاد الكلام الكاذب لا ايجاد صفة الكذب في كلام سابق. ونظير ذلك ما حققناه في كتاب الصلاة في البحث عن معنى الزيادة في المكتوبة، وقلنا: ان المراد بها هو الزيادة الابتدائية، اي الشئ الذي لا يطابق المأمور به حين صدوره من الفاعل، بحيث إذا وجد لم يوجد الا بعنوان الزيادة، وعليه فإذا اوجد المصلي شيئا في صلاته بعنوان الجزئية أو الشرطية ثم بدا له ما اخرجه عن عنوانه الاولي وألحقه بالزيادة لم يكن محكوما بحكم الزيادة في الفريضة، فلا تشمله قوله (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1). وكذلك في المقام، فان ما دل على حرمة الكذب مختص بالكذب الابتدائي الفعلي المعنون بعنوان الكذب حين صدوره من المتكلم، اما إذا وجد كلام في الخارج وهو غير متصف بالكذب ولكن عرض له ما الحقه بالكذب بعد ذلك فلا يكون حراما، لانصراف ما دل على حرمة الكذب عنه وان صدق عليه مفهوم الكذب حقيقة من حيث مخالفة المتكلم لوعده وعدم جريه على وفق عهده، ولذا يطلق عليه وعد كاذب ووعد مكذوب، كما يطلق على الوفاء به وعد صادق ووعد غير مكذوب. وقد استدل على حرمة مخالفة الوعد على وجه الاطلاق بالاخبار الكثيرة (2) الدالة على وجوب الوفاء به.


1 - التهذيب 2: 194، الاستبصار 1: 376، عنهما الوسائل 8: 231. 2 - عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدا، ولمقته تعرض، وذلك قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون - الخ، (الكافي 2: 270، عنه الوسائل 12: 165)، حسنة لابراهيم بن هاشم، المقت: الغضب. وعن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليف إذا وعد (الكافي 2: 270، عنه الوسائل 12: 165)، حسنة لابراهيم. وغير ذلك من الروايات المذكورة في الكافي 2: 270 - 286، الوسائل 12: 164 - 166، 12: 203 - 213، المستدرك 9: 54 - 56.

[ 603 ]

أقول: الروايات الواردة في هذا المقام كثيرة جدا، وكلها ظاهرة في وجوب الوفاء بالوعد وحرمة مخالفته، ولم نجد منها ما يكون ظاهرا في الاستحباب، ولكن خلف الوعد حيث كان يعم به البلوى لجميع الطبقات في جميع الازمان فلو كان حراما لاشتهر بين الفقهاء كاشتهار سائر المحرمات بينهم. مع ما عرفت من كثرة الروايات في ذلك وكونها بمرأى منهم ومسمع، ومع ذلك كله فقد افتوا باستحباب الوفاء به وكراهة مخالفته حتى المحدثين منهم، كصاحبي الوسائل والمستدرك وغيرهما مع جمودهم على ظهور الروايات (1)، وذلك يدلنا على أنهم اطلعوا في هذه الروايات على قرينة الاستحباب فاعرضوا عن ظاهرها. ولكنا قد حققنا في علم الاصول ان اعراض المشهور عن العمل بالرواية الصحيحة لا يوجب وهنها، كما ان عملهم بالرواية الضعيفة لا يوجب اعتبارها الا إذا رجع اعراضهم الى تضعيف الرواية ورجوع عملهم الى توثيقها. واذن فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الروايات المذكورة على كثرتها وحملها على الاستحباب.


1 - الوسائل: 12، باب 109: 165، والمستدرك: 8 باب 92: 461 استحباب الصدق في الوعد.

[ 604 ]

ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية بين المتشرعة قائمة على جواز خلف الوعد وعلى عدم معاملة من اخلف بوعده معاملة الفساق، ولم نعهد من اعاظم الاصحاب أن ينكروا على مخالفة الوعد كانكارهم على مخالفة الواجب وارتكاب الحرام، فهذه السيرة القطعية تكون قرينة على حمل الاخبار المذكورة على استحباب الوفاء بالوعد وكراهة مخالفته. نعم الوفاء به والجري على طبقه من مهمات الجهات الاخلاقية، بل ربما توجب مخالفته سقوط الشخص عن الاعتبار في الانظار، لحكم العقل على مرجوحيته. ومع ذلك كله فرفع اليد عن ظهور الروايات وحملها على الاستحباب يحتاج الى الجرأة، والاوفق بالاحتياط هو الوفاء بالوعد. وقد يستدل على الحرمة ايضا بقوله تعالى: لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون (1)، حيث قيل: كبر ان تعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله (2)، وقد استشهد الامام (عليه السلام) بهذه الاية ايضا على ذلك في بعض الروايات المتقدمة في الحاشية. وفيه: ان الاية اجنبية عن حرمة مخالفة الوعد، فانها راجعة الى ذم القول بغير العمل، وعليه فموردها احد الامرين على سبيل مانعة الخلو: 1 - أن يتكلم الانسان بالاقاويل الكاذبة، بأن يخبر عن اشياء مع علمه بكذبها وعدم موافقتها للواقع ونفس الامر، فان هذا حرام بضرورة الاسلام كما تقدم.


1 - الصف: 2. 2 - مجمع البيان ط صيدا 5: 278.

[ 605 ]

2 - موارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأن يأمر الناس بالمعروف ويتركه هو، وينهاهم عن المنكر ويرتكبه، وهذا هو الظاهر من الاية ومن الطبرسي في تفسيرها (1). وعليه فشأن الاية شأن قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم (2)، وهذا ايضا حرام بالضرورة، بل هو أقوى من الامر بالمنكر والنهي عن المعروف بالقول لكونه ترويجا للباطل بالعمل، ومن البديهي ان تأثيره في الترويج أقوى من تأثير القول فيه. وأما الوعيد فمن حيث القاعدة يجري فيها ما جرى في الوعد انشاء واخبارا، واما من حيث الروايات فلا تشمله الاحاديث المتقدمة في الحاشية الظاهرة في الوجوب، بداهة انه لا يجب الوفاء بالوعيد قطعا، بل قد يحرم ذلك في بعض الموارد جزما. خروج المبالغة عن الكذب موضوعا: قوله: ثم انه لا ينبغي الاشكال في ان المبالغة في الادعاء وان بلغت ما بلغت ليست من الكذب. أقول: إذا كانت المبالغة بالزيادة على الواقع كانت كذبا حقيقة، كما إذا اعطى زيدا درهما فيقول اعطيته عشرة دراهم، أو إذا زار الحسين (عليه السلام) أو بقية المشاهد المشرفة أو الكعبة المكرمة مرة واحدة فيقول: زرت عشرين مرة. ومن هذا القبيل تأدية المعين بلفظ واحد موضوع للكثرة والمبالغة،


1 - مجمع البيان ط صيدا 5: 278. 2 - البقرة: 41.

[ 606 ]

كاطلاق الضراب على الضارب، فانه اخبار عن الكثرة بالهيئة، نعم لو قامت قرينة خارجية على ارادة الواقع وكون استعمال اللفظ فيه لاجل المبالغة فقط لما كان كذبا. ومثله ما هو متعارف بين المتحاورين من استعمال بعض الفصول من الاعداد في مقام التكثير والاهتمام، كلفظ سبع أو سبعين أو الف، فيقول المولى لعبده مثلا: لو اعتذرت مني الف مرة لما قبلت عذرك، ومن ذلك قوله تعالى: ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (1)، كما ذكره الطبرسي (2)، فان الغرض من الاية هو نفي الغفران رأسا. وتجوز المبالغة ايضا بالتشبيه والاستعارة، كتشبيه الرجل العالم بالبحر المواج، وتشبيه الوجه الحسن بفلقة القمر، وكالكناية عن الجود بكثرة الرماد وهزال الفصيل وجبن الكلب، واستعارة الاسد والسيف البتار للرجل الشجاع، ولا يعد شئ منها كذبا، وكيف والقرآن الكريم وخطب الائمة (عليهم السلام) وكلمات الفصحاء مشحونة بذلك، بل ربما تكون هذه الخصوصيات وامثالها موجبة لقوة الكلام ووصوله الى حد الاعجاز أو ما يقرب منه. والوجه في خروج المبالغة باقسامها عن الكذب هو ان المتكلم انما قصد الاخبار عن لب الواقع فقط، الا أنه بالغ في كيفية الاداء فتخرج عن الكذب موضوعا، نعم إذا انتفى ما هو ملاك المبالغة من وجه الشبه ونحوه كان الكلام كاذبا.


1 - التوبة: 81. 2 - في مجمع البيان ط صيدا: الوجه في تعليق الاستغفار بسبعين مرة المبالغة لا العدد المخصوص، والمراد بذلك نفي الغفران جملة، وقيل: ان العرب تبالغ بالسبعة والسبعين ولهذا قيل للاسد السبع، لانهم تأولوا فيه لقوته انها ضوعفت له سبع مرات (مجمع البيان 3: 55).

[ 607 ]

خروج التورية عن الكذب: قوله: وأما التورية، وهو أن يريد بلفظ معنى مطابقا للواقع. أقول: المعروف بين اهل اللغة وغيرهم ان الكذب نقيض الصدق، فصدق الكلام بالمطابقة وكذبه بعدم المطابقة، وانما الكلام في بيان معنى المطابق - بالكسر - وانه عبارة عما يظهر من كلام المتكلم أو عبارة عن مراده منه وبيان المطابق - بالفتح - وانه عبارة عن الواقع والنسبة الخارجية أو عن اعتقاد المخبر أو عن كليهما. فذهب المشهور الى أن صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع وكذبه عدم مطابقته للواقع، بدعوى ان هيئة الجملة الخبرية انما وضعت لتحقق النسبة في الخارج، سواء كانت النسبة ثبوتية أو سلبية، كما ان الفاظ اجزائها موضوعة للمعان التصورية من الموضوع والمحمول ومتعلقاتها، فمطابقة الخبر لتلك النسبة الخارجية الواقعية صدق وعدمها كذب، فإذا قيل: زيد قائم، فان هذا القول يدل على تحقق النسبة الخبرية في الخارج، اعني اتصاف زيد بالقيام، فان طابقها كان صادقا وان خالفها كان كاذبا. وفيه اولا: انه قد لا تكون للنسبة خارجية اصلا، كقولنا شريك الباري ممتنع، واجتماع النقيضين محال، والدور أو التسلسل باطل، وما سوى الله ممكن، إذ لا وجود للامتناع والامكان والبطلان في الخارج. الا أن يقال: ان المراد بالخارج ما هو اعم منه ومن نفس الامر، ومن البين ان الامثلة المذكورة مطابقة للنسبة في نفس الامر، وتفسير الخارج بذلك ظاهر المحقق التفتازاني، حيث قال في المطول بعد تفسيره الصدق بمطابقة الخبر للواقع والكذب بعدم مطابقته للواقع: وهذا معنى مطابقة

[ 608 ]

الكلام للواقع والخارج وما في نفس الامر (1). وثانيا: ان الالتزام المذكور لا يتفق مع تعريف القضية بانها تحتمل الصدق والكذب، فان دلالة الجملة على وقوع النسبة في الخارج تقتضي الجزم بالوقوع، ومقتضى التعريف المذكور هو الشك في ذلك، وهما لا يجتمعان. وثالثا: لو كانت الجمل الخبرية بهيئاتها موضوعة للنسبة الخارجية لكانت دلالتها عليها قطعية، كما ان دلالة الالفاظ المفردة على معانيها التصورية قطعية، فان الشك لا يتطرق الى الدلالة بعد العلم بالموضوع له وارادة اللافظ، مع أنه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الخبرية غير احتمال وقوع النسبة في الخارج، وقد كان هذا الاحتمال حاصلا قبل سماعها. لا يقال: قد يحصل العلم بوقوع النسبة في الخارج من اخبار المتكلم لقوة الوثوق به. فانه يقال: ليس موضع بحثنا إذا اشتملت الجملة الخبرية على قرائن خارجية تدل على صدقها، بل مورد الكلام هو نفس الخبر العاري عن القرائن، على أنه لا يتم الا مع الوثوق بالمتكلم، ومورد البحث اعم من ذلك. لا يقال: ان المخاطب يحصل له من سماع الخبر ما لم يحصل قبله من العلوم، فكيف يسوغ القول بأن استماع الخبر لم يفده غير ما كان يعرفه اولا. فانه يقال: ان ما يحصل للمخاطب من المعاني التصورية وغيرها فيما


1 - المطول: 38.

[ 609 ]

سنذكره غير مقصود للقائل بوضع الجمل الخبرية للنسب الخارجية، وما هو مقصوده لا يحصل من ذلك، وعن النظام ومن تابعه: ان صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر وكذبه عدمها وان كان الاعتقاد خطا (1). واستدل عليه بآية المنافقين (2)، بدعوى ان الله سجل عليهم بأنهم لكاذبون في قولهم انك لرسول الله، لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمدية، وان كان قولهم مطابقا للواقع، وأجابوا عنه بأن المنافقين لكاذبون في شهادتهم للرسالة لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد. وتوضيح ذلك يحتاج الى مقدمتين: 1 - ان الشهادة في العرف واللغة بمعنى الحضور (3)، سواء كان حضورا خارجيا، كقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه (4)، وكقول المسافر: شاهدت البلد الفلانية وأقمت فيها، ام حضورا ذهنيا كحضور الواقعة في ذهن الشاهد. 2 - ان المخبر به قد يكون أمرا خارجيا، وقد يكون أمرا اعتباريا، و قد يكون أمرا ذهنيا كالاخبار عن الصور النفسانية. فيتجلي من هاتين المقدمتين ان الاخبار عن الشهادة بالرسالة مبني على حضور المخبر به والمشهود به في صقع الذهن، لان الشهادة ليست من الاعيان الخارجية، وحيث ان المنافقين غير معتقدين بالرسالة ولم يكن المخبر به وهو الاعتقاد بالنبوة موجودا في أذهانهم فرماهم الله الى الكذب والفرية، فلا دلالة في الاية على مقصود النظام.


1 - المطول: 41. 2 - المنافقون: 1. 3 - في المنجد: شهد المجلس: حضره (المنجد: 406). 4 - البقرة: 181.

[ 610 ]

ويضاف الى ذلك انه لو اخبر احد عن قضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه، فانه على مسلك النظام خبر كاذب مع أنه صادق بالضرورة. وعن الجاحظ (1) ان صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معا، وكذبه عدم مطابقته لهما معا، وغير ذلك لا صدق ولا كذب. واستدل على رأيه هذا بقوله تعالى: افترى على الله كذبا ام به جنة (2)، فان الاخبار حال الجنة غير الكذب، لانهم جعلوه قسيما للافتراء وغير الصدق، لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم. وفيه: انا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب وعدم الواسطة بينهما، وأما الاية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ، لان الظاهر منها ان المشركين نسبوا اخبار النبي (صلى الله عليه وآله) الى الافتراء الذي هو كذب خاص أو الى الاخبار حال الجنة الذي لا اثر له عند العقلاء. والتحقيق ان الجمل بأجمعها خبرية كانت ام انشائية قد وضعت بهيئاتها النوعية لابراز الصور الذهنية واظهار الدعاوي النفسانية - ما شئت فعبر - فان الواضع - أي شخص كان - انما تعهد، وتابعه بقية الناس، بان متى اراد أن يبرز شيئا من دعاويه ومقاصده أن يتكلم بجملة مشتملة على هيئة خاصة تفي بمراده واداء دعواه في مقام المحادثة والمحاورة. وهذه الجهة اعني ابراز المقاصد النفسانية بمظهر انما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له، فيشترك فيها جميع الجمل خبرية


1 - المطول: 40. 2 - سبأ: 8.

[ 611 ]

كانت ام انشائية، بل يشترك فيها جميع الالفاظ الموضوعة، مفردة كانت ام مركبة. والوجه فيه ان دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعية امر ضروري فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال الا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن الخارجية، وهذه الدعاوي النفسانية على قسمين: 1 - ان تكون أمرا اعتباريا محضا وقائما بنفس المعتبر، بأن يعتبر في نفسه شيئا ثم يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره من دون قصد للحكاية عن شئ، وهذا يسمى انشاء ولا يتصف بالصدق والكذب بوجه، لانه شئ يقوم بالاعتبار الساذج كما عرفت. 2 - ان تكون حاكية عن شئ آخر، سواء كان هذا المحكي من القضايا الخارجية كقيام زيد في الخارج، ام من الاوصاف النفسانية كالعلم والشجاعة والسخاوة ونحوها، وهذه الحكاية ان طابقت للواقع المحكي اتصفت الدعاوي المذكورة بالصدق والا فهي كاذبة، وأما اتصاف الجمل الخبرية بهما فمن قبيل اتصاف الشئ بحال متعلقه، كرجل منيع جاره، ومؤدب خدامه، ورحب فناؤه. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان المراد من المطابق - بالكسر - هو مراد المتكلم اي الدعاوي النفسانية لا ظهور كلامه كما توهم، وان المراد من المطابق - بالفتح - هو الواقع ونفس الامر المحكي بالدعاوي النفسانية. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فنقول: لا شبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعا، فانها في اللغة بمعنى الستر (1)، فكأن المتكلم وارى


1 - في مجمع البحرين: وريت الخبر - بالتشديد - تورية إذا سترته وأظهرت غيره، حيث يكون للفظ معنيان: أحدهما اشيع من الاخر وتنطق به وتريد الخفي (مجمع البجرين 1: 436).

[ 612 ]

مراده عن المخاطب باظهار غيره وخيل إليه انه اراد ظاهر كلامه، وقد عرفت آنفا ان الكذب هو مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع لا مخالفة ظاهر الكلام له. و يتفرع على هذا ان جواز التورية لا يختص بمورد الاضطرار ونحوه، لانها ليست من مستثنيات الكذب بل هي خارجة عنه موضوعا، ومن هنا ذهب الاصحاب فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة الى وجوب التورية مع التمكن منها، وعللوا ذلك بتمكن المتكلم مما يخرج به كلامه عن الكذب. ثم ان الكلام الذي يوري به قد يكون ظاهرا في بيان مراد المتكلم ولكن المخاطب لغباوته وقصور فهمه لا يلتفت إليه، وهذا خارج عن التورية، بل هو كسائر الخطابات الصادرة من المتكلم في مقام المحادثة والمحاورة، ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض الاجلة ان شخصا اقترح عليه أن يعطيه شيئا من الدراهم وكان يراه غير مستحق لذلك، فالقى السبحة من يده وقال: والله ان يدي خالية، وتخيل السائل من كلامه انه غير متمكن من ذلك. وقد يكون الكلام ظاهرا في غير ما اراده المتكلم، وهو مورد التورية، كما إذا اراد احد أن ينكر مقالته الصادرة منه، فيقول: علم الله ما قلته، ويظهر كلمة الموصول على صورة أداة النفي، ويخيل الى السامع أنه ينكر كلامه. ومن هذا القبيل ما ذكره سلطان المحققين في حاشية المعالم في

[ 613 ]

البحث عن المجمل، من أنه سئل احد العلماء عن على (عليه السلام) وأبي بكر أيهما خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: من بنته في بيته (1)، ومنه قول عقيل: أمرني معاوية ان العن عليا الا فالعنوه. ومن هذا القبيل ايضا ما سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء فقال: أربعة أربعة أربعة، وانما قصد منها الائمة الاثنى عشر، وزعم السائل انه أراد الخلفاء الاربع. ومما يدل على جواز التورية وخروجها عن الكذب امور: 1 - نقل ابن ادريس في آخر السرائر من كتاب عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يستأذن عليه، فيقول للجارية: قولي: ليس هو هاهنا، قال: لا بأس ليس بكذب (2). 2 - روى سويد بن حنظلة، قال: خرجنا ومعنا وابل بن حجر يريد النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخذه اعداء له، فخرج القوم أن يحلفوا وحلفت بالله انه اخي، فخلى عنه العدو، فذكرت ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: صدقت، المسلم اخو المسلم (3)، وهي وان كانت ظاهرة الدلالة على جواز التورية وعدم كونها من الكذب ولكنها ضعيفة السند. 3 - ما ورد (4) من نفي الكذب عن قول ابراهيم (عليه السلام): بل فعله كبيرهم


1 - معالم الاصول: 157. 2 - مستطرفات السرائر: 137، عنه الوسائل 12: 254. 3 - المبسوط 5: 95، مرسلة، وضعيفة لسويد. 4 - عن الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام): أيتها العير انكم لسارقون، قال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال ابراهيم (عليه السلام): بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون، فقال: والله ما فعلوا وما كذب - الى أن قال أبو عبد الله (عليه السلام): - ان ابراهيم (عليه السلام) انما قال: بل فعله كبيرهم هذا، ارادة الاصلاح، و قال يوسف (عليه السلام) ارادة الاصلاح (الكافي 2: 255، عنه الوسائل 12: 253، والايات في يوسف: 70، الانبياء: 63)، مجهولة للحسن الصيقل. وعن عطاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا كذب على مصلح، ثم تلا: أيتها العير - الخ، ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب، ثم تلا: بل فعله - الخ، ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب (السرائر: 137، عنه الوسائل 12: 254)، مجهولة بمعمر بن عمرو وعطاء. وفي رواية أبي بصير عن أبي جعفر: ولقد قال ابراهيم (عليه السلام): اني سقيم، وما كان سقيما وما كذب، ولقد قال ابراهيم (عليه السلام): بل فعله كبيرهم هذا، وما فعله وما كذب، ولقد قال يوسف (عليه السلام): أيتها العير انكم لسارقون، والله ما كانوا سارقين وما كذب (تفسير العياشي 2: 184، عنه المستدرك 9: 95)، ضعيفة لمعلى بن محمد. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المستدرك 9: 94 - 96، وسيأتي في رواية الاحتجاج ما يدل على ذلك.

[ 614 ]

هذا (1)، مع أن كبيرهم لم يفعله، وعن قوله (عليه السلام): اني سقيم (2)، وما كان سقيما، وعن قول يوسف: ايتها العير انكم لسارقون (3)، وما كانوا سراقا، فيدل ذلك كله على كون الاقوال المذكورة من التورية وان التورية خارجة عن الكذب موضوعا. نعم يمكن أن يقال: ان نفي الكذب عن قول ابراهيم ويوسف (عليهما السلام) انما هو بلحاظ نفي الحكم وانهما قد ارتكبا الكذب لارادة الاصلاح. ويدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية الصيقل: ان ابراهيم انما قال: بل فعله كبيرهم هذا، ارادة الاصلاح، وقال يوسف ارادة الاصلاح، وقوله (عليه السلام) في رواية عطاء: لا كذب على مصلح، ثم تلا: ايتها العير - الخ، وقد تقدمت الروايتان في الحاشية.


1 - الانبياء: 63. 2 - الصافات: 89. 3 - يوسف: 70.

[ 615 ]

ويؤيده ما في بعض احاديث العامة: ان ابراهيم (عليه السلام) كذب ثلاث كذبات، قوله: اني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله في سارة: انها اختي (1). ولكن الروايات المذكورة كلها ضعيفة السند، كما ان بقية الاحاديث التي اطلعت عليها في القصص المزبورة مشتملة على ضعف في السند ايضا وجهالة في الراوي، فلا يمكن الاستناد إليها بوجه. رفع غشاوة: قد يتوهم انه لا محيص ان تكون اقوال ابراهيم ويوسف المذكورة كاذبة، غاية الامر انها من الاكاذيب الجائزة، أما قول ابراهيم (عليه السلام): اني سقيم، وقول يوسف (عليه السلام): ايتها العير انكم لسارقون، فصدق الكذب عليهما واضح. وأما قول ابراهيم (عليه السلام): بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون، فلان الشرط فيه اما أن يرجع الى السؤال المذكور فيه، واما أن يرجع الى الفعل، فان كان راجعا الى السؤال انحلت الاية الكريمة الى قضيتين: احداهما حملية، وهي قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا، والثانية انشائية مشروطة، وهي قوله تعالى: فاسألوهم ان كانوا ينطقون. أما القضية الاولى فهي كاذبة لكونها غير مطابقة للواقع، واما القضية الثانية فهي انشائية لا تتصف بالصدق والكذب، وان كان راجعا الى الفعل الذي نسبه الى كبيرهم كانت الاية مسوقة لبيان قضية شرطية، مقدمها قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا، وتاليها قوله تعالى: كانوا


1 - راجع سنن البيهقي 10: 198، ومجمع البيان ط صيدا 4: 450.

[ 616 ]

ينطقون، فقد دخلت عليها اداة الشرط وجعلتهما قضية واحدة شرطية، ومن البديهي انها ايضا كاذبة. فان الصدق والكذب في القضايا الشرطية يدوران مدار صحة الملازمة وفسادها، ولا شبهة انها منتفية في المقام، بداهة انه لا ملازمة بين نطق كبير الاصنام وبين صدور الفعل منه، بل الفعل قد صدر من ابراهيم على كل تقدير، سواء نطق كبيرهم ام لم ينطق. أقول: اما رمي قول ابراهيم: بل فعله كبيرهم هذا بالكذب، فجوابه: انا قد حققنا في مبحث الواجب المشروط من علم الاصول ان الشروط في الواجبات المشروطة اما ان ترجع الى الانشاء، اعني به ابراز الاعتبار النفساني، واما ان ترجع الى متعلق الوجوب، اي المادة المحضة، كما في الواجب المعلق، على ما نسب الى المصنف في التقريرات، واما ان ترجع الى المنشأ، وهو ما اعتبره في النفس ثم ابرزه بالانشاء، فيكون مرجع القيد في قولنا: ان جاءك زيد فأكرمه هو وجوب الاكرام، فيصير مقيدا بمجئ زيد. أما الاول فهو محال، لان الانشاء من الامور التكوينية التي يدور امرها بين الوجود والعدم، فإذا اوجده المتكلم استحال أن يتوقف وجوده على شئ آخر، لاستحالة انقلاب الشئ عما هو عليه. وأما الثاني فهو وان كان ممكنا في مرحلة الثبوت ولكنه خلاف ظاهر الادلة في مقام الاثبات، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة، واذن فيتعين الاحتمال الثالث. وهذا الكلام بعينه جار في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية ايضا، فان ارجاع القيد فيها الى نفس الاخبار، اي الالفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية غير معقول، لتحققه بمجرد التكلم بالقضية الشرطية،

[ 617 ]

ولا يعقل بعد ذلك ان تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط، واما ارجاعه الى متعلق الخبر، وهو وان كان سائغا في نفسه ولكنه خلاف ظاهر القضايا الشرطية، وحينئذ فيتعين ارجاعه الى المخبر به، وهو الدعاوي النفسانية، مثلا إذا قال احد: ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، فان معناه: ان دعوى تحقق النهار مقيدة بطلوع الشمس ومع عدم طلوعها فالدعوى منتفية. وعليه فتقدير الاية: بل فعله كبيرهم ان نطقوا فاسألوهم، فقد علقت الدعوى على نطق كبيرهم، ولما استحال نطقه انتفت الدعوى، فلا تكون كاذبة، ونظير ذلك قولك: فلان صادق فيما يقول ان لم يكن فوقنا سماء، وكقولك ايضا: لا اعتقد الها ان كان له شريك، ولا اعتقد خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) ان لم يكن منصوبا من الله، هذا فاغتنم. ويؤيد ما ذكرناه خبر الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) انه قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب ابراهيم، قيل: وكيف ذلك، فقال: انما قال ابراهيم: ان كانوا ينطقون، فان نطقوا فكبيرهم فعل وان لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب ابراهيم (1). وقد ذكر المفسرون وجوها لتفسير الاية فراجع. وأما رمي قول ابراهيم: اني سقيم بالكذب، فجوابه: ان المراد به كونه سقيما في دينه اي مرتادا وطالبا في دينه، ويؤيده ما في خبر الاحتجاج المتقدم عن الصادق (عليه السلام)، من قوله: ما كان ابراهيم سقيما، وما كذب، وانما عنى سقيما في دينه اي مرتادا (2).


1 - الاحتجاج 2: 354، مرسلة. 2 - الاحتجاج 2: 354، مرسلة.

[ 618 ]

ومعنى المرتاد في اللغة هو الطلب والميل، اي اني طالب في ديني ومجد لتحصيل الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، فقد خيل بذلك الى عبدة الاصنام والنجوم انه مريض لا يقدر على التكلم، فتولوا عنه مدبرين وأخروا المحاكمة الى وقت آخر، وللعلماء فيه وجوه اخرى قد ذكرها المفسرون في تفاسيرهم. وأما رمي قول يوسف (عليه السلام): ايتها العير انكم لسارقون بالكذب، فقد ذكروا في الجواب عنه وجوها، أظهرها ان المؤذن لم يقل: ايتها العير انكم لسرقتم صواع الملك، بل قال: انكم لسارقون، ولعل مراده: انكم سرقتم يوسف من ابيه، الا ترى انهم لما سألوا ماذا تفقدون، قالوا لهم: نفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم ذلك. ويؤيده ما في خبر الاحتجاج المتقدم عن الصادق (عليه السلام)، من قوله: انهم سرقوا يوسف من ابيه، الا ترى - الخ (1). مسوغات الكذب: 1 - جواز الكذب لدفع الضرورة: قوله: فاعلم انه يسوغ لوجهين: احدهما الضرورة إليه فيسوغ معها بالادلة الاربعة. أقول: لا شبهة في كون الكذب حراما في نفسه ومبغوضا بعينة، لظاهر الادلة المتقدمة المطبقة على حرمته، وعلى هذا فلا وجه لما زعمه الغزالي (2)، من أن الكذب ليس حراما بعينه، بل فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فان اقل درجاته ان يعتقد المخبر الشئ على


1 - الاحتجاج 2: 355، مرسلة. 2 - احياء العلوم، بيان ما رخص فيه من الكذب 3: 121.

[ 619 ]

خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره. نعم الظاهر ان حرمة الكذب ليست ذاتية كحرمة الظلم، ولذا يختلف حكمه بالوجوه والاعتبارات، وعليه فإذا توقف الواجب على الكذب وانحصرت به المقدمة وقعت المزاحمة بين حرمة الكذب وبين ذلك الواجب في مقام الامتثال وجرت عليهما احكام المتزاحمين، مثلا إذا توقف انجاء المؤمن ودفع الهلكة عنه على الكذب كان واجبا. وقد استدل المصنف على جواز الكذب في مورد الاضطرار بالادلة الاربعة: أما الاجماع، فهو وان كان محققا ولكنه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام)، فان الظاهر ان المجمعين قد استندوا في فتياهم بالجواز الى الكتاب والسنة، فلا وجه لجعلة دليلا مستقلا في المسألة، وقد مر نظير ذلك مرارا. وأما العقل، فهو وان كان حاكما بجواز الكذب لدفع الضرورات في الجملة، كحفظ النفس المحترمة ونحوه، الا أنه لا يحكم بذلك في جميع الموارد، فلو توقف على الكذب حفظ مال يسير لا يضر ذهابه بالمالك، فان العقل لا يحكم بجواز الكذب حينئذ. وأما الكتاب فقد ذكر المصنف منه آيتين: 1 - قوله تعالى: من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (1).


1 - النحل: 108.

[ 620 ]

وتقرير الاستدلال: ان الاية الشريفة تدل بالمطابقة على جواز التكلم بكلمة الكفر والارتداد عن الاسلام عند الاكراه والاضطرار بشرط أن يكون المتكلم معتقدا بالله ومطمئنا بالايمان، فتدل على جواز الكذب في غير ذلك للمكره بطريق اولى. 2 - قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة (1)، اي لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين اولياء لانفسهم يستعينون بهم و يلتجؤون إليهم، ويظهرون المحبة والمودة لهم الا أن يتقوا منهم تقاة، فانه حينئذ يجوز اظهار مودتهم تقية منهم، فتدل هذه الاية ايضا على جواز الكذب في سائر موارد التقية بالاولى. ولكن لا دلالة في الايتين على جواز الكذب في جميع موارد الاضطرار غير مورد الخوف والتقية. وأما الاخبار المجوزة للكذب في موارد الخوف والتقية فهي اكثر من أن تحصى، وقد استفاضت بل تواترت على جواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن اخيه، وستأتي الاشارة الى جملة منها. قوله: انما الاشكال والخلاف في انه هل يجب حينئذ التورية لمن يقدر عليها ام لا. أقول: قد وقع الخلاف بين الاعلام في ان جواز الكذب هل هو مقيد بعدم التمكن من التورية ام لا؟ فنسب المصنف القول الاول الى ظاهر المشهور، ولكن العبارات التي نقلها عنهم اما غير ظاهرة في مقصوده واما ظاهرة في خلافه.


1 - آل عمران: 27.

[ 621 ]

أما الاول، فكالمحكي عن الغنية والسرائر، والشرايع والقواعد، واللمعة وشرحها، وجامع المقاصد وغيرها من الكتب (1)، فان مفروض الكلام فيها انما هو اشتراط جواز الحلف الكاذب بعدم التمكن من التورية، وأما جواز مطلق الكذب فهو خارج عن مورد كلامهم، فانهم قالوا في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة: انه يجوز الحلف كاذبا إذا لم يحسن التورية والا فيوري بما يخرجه عن الكذب. وأما الثاني، فكالمحكي عن المقنعة (2) حيث قال: من كانت عنده امانة فطالبها ظالم فليجحد، وان استحلفه ظالم على ذلك فليحلف ويوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب - الى أن قال: - فان لم يحسن التورية وكانت نيته حفظ الامانة اجزأته النية، وكان مأجورا. أما ان هذه العبارة ظاهرة في خلاف مقصود المصنف، فلان المذكور فيها امران: الاول: إذا طلب الظالم الوديعة من الودعي جاز له انكارها مطلقا، سواء تمكن من التورية ام لا، الثاني: إذا استحبف الظالم الودعي على انكار الوديعة جاز له الحلف مع عدم التمكن من التورية، ولو كان نظر صاحب المقنعة الى اعتبار التمكن من التورية في جواز مطلق الكذب لم يفصل بين الحلف وغيره. وعلى الاجمال فلا دلالة في شئ من هذه العبارات المنقولة عن الاصحاب على مقصود المصنف. ثم ان المصنف وجه ما نسبه الى المشهور بوجهين، وسنتعرض لهما فيما بعد، ان شاء الله.


1 - الغنية (الجوامع الفقهية): 538، السرائر 3: 43، شرايع الاسلام 2: 163، 3: 32، القواعد 1: 190، اللمعة وشرحها 4: 235، التحرير 1: 266، جامع المقاصد 4: 27، رياض المسائل 1: 622، مجمع الفائدة 10: 300، المختصر النافع 1: 150. 2 - المقنعة: 556.

[ 622 ]

قوله: الا أن مقتضى اطلاقات ادلة الترخيص في الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو اخيه عدم اعتبار ذلك. أقول: بعد ما نسب المصنف القول المذكور الى ظاهر المشهور ووجهه بوجهين آتيين، حاول استفادة حكم المسألة من الاخبار، وجعل اعتبار عدم التمكن من التورية في جواز الحلف كاذبا موافقا للاخبار، وذكر جملة منها وترك جملة اخرى، وأحال بعضها الى ما يأتي من جواز الكذب في الاصلاح، وهي بأجمعها (1) ظاهرة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن اخيه على وجه الاطلاق، و ليست مقيدة بعدم التمكن من التورية، وهي تدل بطريق الاولوية على جواز الكذب بغير حلف لدفع الضرر.


1 - عن اسماعيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف، قال: لا جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلفه لينجو به منه، قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله، قال: نعم (الكافي 7: 440، التهذيب 8: 285، عنهما الوسائل 23: 224). وعن السكوني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): احلف بالله كاذبا ونج أخاك من القتل (الفقيه 3: 235، التهذيب 8: 300، عنهما الوسائل 23: 225)، موثقة للسكوني. وعن الصدوق قال: وقال الصادق (عليه السلام): اليمين على وجهين - الى أن قال: - فأما الذي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم تلزمه الكفارة، فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره (الفقيه 3: 231، عنه الوسائل 23: 226). وعن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: انا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقد أدينا زكاتها، فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤوا (نوادر احمد بن محمد ابن عيسى: 73، عنه الوسائل 23: 227)، موثقة لابن بكير. في كتاب الاخوان عن الرضا (عليه السلام): وان الرجل يكذب على اخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقا (مصادقة الاخوان: 76، عنه الوسائل 12: 255).

[ 623 ]

وقد استحسن المصنف عدم اعتبار القيد المزبور، لان ايجاب التورية على القادر لا يخلو عن الالزام بالعسر والخرج، فلو قيل بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الاثار على الكذب فيما نحن فيه وان قدر على التورية كان حسنا. ثم انه (رحمه الله) احتاط في المسألة ورجع الى ما نسبه الى ظاهر المشهور وجعله مطابقا للقاعدة، وقال: الا أن الاحتياط في خلافه، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات، لان النسبة بين هذه المطلقات وبين ما دل، كالرواية الاخيرة وغيرها على اختصاص بالجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقا، عموم من وجه، فيرجع الى عمومات حرمة الكذب، فتأمل. فمراده من التقييد ما ذكره قبيل هذا بقوله: يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية، ومراده من المطلقات ما ذكره من الاخبار الواردة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن اخيه، وما يأتي من الاخبار الواردة في جواز الكذب للاصلاح. وتوضيح مرامه انه إذا قطعنا النظر عن استبعاد التقييد في هذه المطلقات فان ما ذهب إليه المشهور هو الموافق للاحتياط والمطابق للقواعد، لان النسبة بين المطلقات المزبورة وبين رواية سماعة (1) وما في معناها (2) هي العموم من وجه، فان بعض المطلقات ظاهرة في جواز


1 - عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو اكره واضطر إليه، وقال: ليس شئ مما حرم الله الا وقد أحله لمن اضطر إليه (نوادر احمد بن محمد بن عيسى: 75، عنه الوسائل 23: 228)، مرسلة. 2 - عن ابن بكير فقال (عليه السلام): يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤوا (نوادر احمد بن محمد بن عيسى: 73، عنه الوسائل 23: 227)، موثقة لابن بكير، وغير ذلك من الروايات.

[ 624 ]

الكذب لمجرد ارادة الاصلاح، وبعضها ظاهر في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن اخيه، سواه بلغ ذلك حد الاضطرار ام لا، ورواية سماعة وما يساويها في المضمون ظاهرة في اختصاص جواز الحلف كاذبا بصورة الخوف والاضطرار والاكراه، فتدل بمفهومها على حرمته في غير الموارد المذكورة. وحينئذ فتقع المعارضة بين مفهوم رواية سماعة وبين مطلقات الحلف الكاذب في غير الموارد المذكورة، كما تقع المعارضة بينها وبين مطلقات الكذب لارادة الاصلاح في غير الموارد المذكورة ايضا، فيتساقطان في مورد الاجتماع ويرجع الى عمومات حرمة الكذب. ولا بعد في تقييد المطلقات فانها واردة بلحاظ حال عامة الناس الذين لا يلتفتون الى التورية ليقصدوها ويلتجئوا إليها عند الخوف والتقية، وعليه فلا بأس بتقييدها بمن يتمكن من التورية. وقد اورد المحقق الايرواني (1) على المصنف بوجهين: 1 - انه لا مفهوم لرواية سماعة، فانها ناظرة الى جواز الكذب لاجل الاكراه والاضطرار، واما جوازه في غير مورد الضرورة أو حرمته فيه فخارج عن الرواية. وفيه: ان الظاهر من المحقق المذكور انه انما نفي المفهوم عن الرواية لانه لم ينظر الا الى ذيلها، وهو مسوق لضرب قاعدة كلية ليس لها مفهوم، ومن المعلوم أن المصنف انما أثبت المفهوم للرواية نظرا الى صدرها، ولا شبهة انه قضية شرطية مشتملة على عقد شرطي ايجابي، وهو المنطوق، وعلى عقد شرطي سلبي، وهو المفهوم.


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 39.

[ 625 ]

2 - انا لو سلمنا المعارضة المذكورة التي ابداها المصنف بين مفهوم رواية سماعة وبين المطلقات المزبورة، فانه لا وجه للرجوع الى مطلقات حرمة الكذب، إذ النسبة بين الاطلاقين هي العموم من وجه، وبعد تعارضهما في مادة الاجتماع وتساقطهما فيها يرجع الى اصالة الحل. وفيه: انه لم يظهر لنا مراده من هذا الاشكال، فان النسبة بين الاطلاقين هي العموم المطلق، لان ما دل على جواز الكذب اخص مما دل على حرمته، واذن فلا مناص عن تقييد مطلقات حرمة الكذب بما دل على جوازه في موارد خاصة. والتحقيق انه لا وجه لرفع اليد عن المطلقات الدالة على جواز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة من الهلكة، ولحفظ مال نفسه أو مال اخيه عن التلف، فقد ذكرنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاصول ان من المرجحات في الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه أن يلزم من تقديم احدهما الغاء العنوان المأخوذ في الدليل الاخر على سبيل الموضوعية بخلاف العكس، وقد مثلنا له في بعض المباحث السابقة بأمثلة متعددة (1)، وواضح ان ما نحن فيه من هذا القبيل. فان المطلقات المذكورة دلت على جواز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة ولحفظ مال نفسه أو مال اخيه، وهي مشتركة مع رواية سماعة وما في معناها في تجويز الحلف كاذبا للاكراه والاضطرار، وانما تمتاز المطلقات عن رواية سماعة وما يساويها في المضمون باشتمالها على جواز الحلف الكاذب في غير موارد الخوف والاضطرار ايضا. وعليه فلو قدمنا رواية سماعة وما في مضمونها على المطلقات


1 - مر في البحث عن حرمة بيع كلب الحراسة.

[ 626 ]

المزبورة وحكمنا لذلك بحرمة الحلف كاذبا في غير موارد الاكراه والاضطرار لكانت العناوين المأخوذة في تلك المطلقات، اعني حفظ النفس والمال لنفسه أو لاخيه كلها لاغية، واما لو قدمنا المطلقات وحفظنا العناوين المذكورة فيها فانه لا يلزم منه الا الغاء المفهوم فقط عن رواية سماعة وما في معناها، ونتيجة ذلك انه يجوز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة ولحفظ مال نفسه أو مال اخيه على وجه الاطلاق، فيقيد بها ما دل على حرمة الكذب على وجه الاطلاق. لا يقال: ان حرمة الكذب ذاتية لاستقلال العقل بقبحه فليست قابلة للتخصيص، واما ارتكابه في موارد الضرورة فلان العقل يستقل بوجوب ارتكاب اقل القبيحين. فانه يقال: قد عرفت آنفا ان العقل لا يستقل بقبح الكذب في نفسه الا إذا ترتبت عليه المفسدة، فلا تكون حرمته ذاتية لا تقبل التخصيص، فيكشف من تجويز الشارع الكذب في بعض الموارد انه ليس بقبيح، لا انه من باب حكم العقل بارتكاب اقل القبيحين. وقد وجه المصنف كلام المشهور بوجهين: 1 - ان الكذب حرام ومع التمكن من التورية لا يحصل الاضطرار إليه فيدخل تحت العمومات. 2 - ان قبح الكذب عقلي فلا يسوغ الا مع عروض عنوان حسن عليه يغلب على قبحه، وهذا لا يتحقق الا مع العجز عن التورية. ولكن قد ظهر لك مما قدمناه آنفا ضعف الوجهين المذكورين. واما المطلقات الدالة على جواز الكذب للاصلاح فلا معارضة بينها وبين رواية سماعة وما في معناها، ووجه ذلك ان تلك المطلقات انما دلت على جواز الكذب للاصلاح، ورواية سماعة وما في مضمونها انما

[ 627 ]

دلت على حرمة الحلف كاذبا في غير موارد الاكراه والاضطرار والخوف، فلا وجه لوقوع المعارضة بينهما كما يرومه المصنف. لا يقال: ان ما دل على جواز الحلف كاذبا لحفظ النفس والمال دل على جواز الكذب لهما بطريق الاولوية كما اشرنا إليه سابقا، وعليه فتقع المعارضة بينهما وبين رواية سماعة وما في مضمونها في مطلق الكذب ايضا. فانه يقال: لا منافاة بين جواز الكذب لحفظ النفس والمال وبين مفهوم رواية سماعة، من تخصيص حرمة الحلف كاذبا بغير موارد الاكراه والاضطرار. قوله: ثم ان اكثر الاصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة على التورية - الخ. أقول: حاصل كلامه ان اكثر الاصحاب قيدوا جواز الكذب بعدم التمكن من التورية، ومع ذلك فقد اطلقوا القول بفساد ما اكره عليه من العقود والايقاعات ولم يقيدوا ذلك بعدم القدرة على التورية، وصرح الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة (1) والمسالك (2) في باب الطلاق بعدم اعتبار العجز عنها (3)، بل في كلام بعضهم دعوى الاتفاق عليه (4). وقد اورد المصنف على ذلك بأن المكره على البيع انما اكره على التلفظ بصيغة البيع ولم يكره على حقيقته، فالاكراه على البيع الحقيقي


1 - الروضة البهية 6: 21. 2 - المسالك 2: 3 (الطبعة الحجرية). 3 - انظر النهاية: 510، السرائر 2: 665، شرايع الاسلام 2: 14، المختصر النافع 1: 197، التنقيح 3: 294، الكفاية: 198، رياض المسائل 2: 169. 4 - الجواهر 32: 15.

[ 628 ]

يختص بغير القادر على التورية، كما ان الاضطرار على الكذب مختص بالعاجز عنها، وعليه فإذا اكره على البيع فلم يور مع قدرته على التورية فقد اوجد البيع بارادته واختياره فيكون صحيحا. وأجاب عن هذا الايراد بوجود الفارق بين المقامين، وحاصله: ان ما اكره عليه في باب المعاملات انما هو نفس المعاملة وواقعها، والاخبار الدالة على رفع ما استكره عليه كحديث الرفع ونحوه لم تقيد ذلك بعدم القدرة على التورية، فإذا اوجد المكره المعاملة فقد اوجد نفس ما اكره عليه ويرتفع اثره بالاكراه، وهذا بخلاف الكذب، فانه لا يجوز الا في مورد الاضطرار، ومن المعلوم ان الاضطرار لا يتحقق مع التمكن من التورية. وفيه اولا: انه لا فارق بين الاكراه والاضطرار، لان الاكراه في اللغة حمل المكره على امر واجباره عليه من غير رضى منه، ولا شبهة في ان هذا المعنى لا يتحقق إذا امكن التفصي كما هو الحال في الاضطرار. وثانيا: انا لو لم نعتبر في مفهوم الاكراه ان لا يتمكن المكره من التفصي فان لازم ذلك جواز ارتكاب المحرمات إذا اكره عليها وان كان قادرا على التخلص، كما إذا اكرهه احد على شرب الخمر وكان متمكنا من هراقتها على جيبه، وكما إذا اكرهه جائر على اخذ اموال الناس بالظلم والعدوان وكان متمكنا من أن يدفع مال الظالم إليه ويوهمه انه انما يعطيه من مال غيره، ولا شبهة في حرمة الارتكاب في امثال هذه الصورة. هذا كله بناء على المشهور كما نسبه المصنف الى ظاهرهم، من تقييد جواز الكذب بعدم القدرة على التورية، والتحقيق أن يفصل بين الاحكام التكليفية وبين الاحكام الوضعية في باب المعاملات، العقود منها والايقاعات. أما الاحكام التكليفية وجوبية كانت ام تحريمية، فان تنجزها على

[ 629 ]

المكلفين و وصولها الى مرتبة الفعلية لتبعثهم على الاطاعة والامتثال مشروطة بالقدرة العقلية والشرعية، واختلاف الدواعي في ترك الواجبات وارتكاب المحرمات لا يؤثر في تبديلها أو في رفعها بوجه، ومثال ذلك ان شرب الخمر مع التمكن من تركه حرام، وان كان شربه بداعي رفع العطش أو غيره من الدواعي عدا الاسكار. كما ان المناط في رفع الاحكام التكليفية هو عدم القدرة على الامتثال ولو بالتورية ونحوها، مثلا إذا اكره الجائر احدا على شرب الخمر ولم يتمكن المجبور من تركه بالتورية أو بطريق آخر، فان الحرمة ترتفع بحديث الرفع ونحوه، واما إذا تمكن من موافقة التكليف بالتورية أو بجهة اخرى فلا موجب لسقوط الحرمة. نعم ظاهر جملة من الروايات الماضية وجملة اخرى من الروايات الاتية هو جواز الكذب والحلف الكاذب في موارد خاصة على وجه الاطلاق حتى مع التمكن من التورية، وعليه فيمتاز حكم الكذب بذلك عن بقية الاحكام التكليفية. ومن هنا ظهر ضعف قول المصنف: ان الضرر المسوغ للكذب هو المسوغ لسائر المحرمات. وأما الاحكام الوضعية في المعاملات كصحة العقود والايقاعات أو فسادهما، فهي تدور من حيث الوجود والعدم مدار امرين: 1 - كون المتعاملين قادرين على المعاملة بالقدرة التي هي من الشرائط العامة المعتبرة في جميع الاحكام. 2 - صدور انشاء المعاملة عن الرضي وطيب النفس، لاية التجارة عن تراض والروايات الدالة على حرمة التصرف في مال غيره الا بطيب النفس والرضى. فإذا انتفى احد الامرين فسدت المعاملة ولم تترتب عليها الاثار،

[ 630 ]

وعليه فلو اكره الظالم احدا على بيع امواله فباعها بغير رضى وطيب نفس كان البيع فاسدا، سواء تمكن المكره في دفع الاكراه من التورية ام لم يتمكن، وإذا باعها عن طيب نفس كان البيع صحيحا. وعلى الاجمال فالمناط في صحة المعاملات صدورها عن طيب النفس والرضى. تذييل: لا شبهة في عدم ثبوت احكام المكره على المضطر في باب المعاملات، ووجه ذلك ان حديث الرفع انما ورد في مقام الامتنان على الامة، وعلى هذا فلو اضطر احد الى بيع امواله لاداء دينه أو لمعالجة مريضه أو لغيرهما من حاجاته، فان الحكم بفساد البيع حينئذ مناف للامتنان، واما الاكراه فليس كذلك، كما عرفت. قوله: نعم يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف. أقول: حاصل كلامه انه يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف والتجنب عن الكذب في موارد جوازه لحفظ المال، وحمل عليه قول امير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: علامة الايمان ان تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك (1). وفيه: انه لا دليل على ثبوت هذا الاستحباب، فان الضرر المالي ان بلغ الى مرتبة يعد في العرف ضررا جاز الكذب لدفعه والا فهو حرام، لانصراف الادلة المجوزة عن ذلك، فلا دليل على وجوب الواسطة بينهما لكي تكون مستحبة، واما قوله (عليه السلام) في نهج البلاغة فأجنبي عن الكذب الجائز الذي هو مورد كلامنا، بل هو راجع الى الكذب المحرم، وأن


1 - نهج البلاغة 3: 261، الرقم: 458، عنه الوسائل 12: 255.

[ 631 ]

يتخذه الانسان وسيلة لانتفاعه، ومن الواضح جدا ان ترك ذلك من علائم الايمان. ويؤيد ما ذكرناه تقابل الصدق المضر مع الكذب النافع فيه، لان الظاهر من الكذب النافع هو ما يكون وسيلة لتحصيل المنافع ويكون المراد من الصدق المضر حينئذ عدم النفع لكثرة اطلاق الضرر عليه في العرف، وعليه فشأن الحديث شأن ما ورد من أنه: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن (1). نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بناء على التسامح في ادلة السنن بقوله (عليه السلام): اجتنبوا الكذب وان رأيتم فيه النجاة، فان فيه الهلكة (2)، ولكن مفاد الحديث اعم مما ذكره المصنف. الاقوال الصادرة عن الائمة (عليهم السلام) تقية: لا خلاف بين المسلمين بل بين عقلاء العالم في جواز الكذب لانجاء النفس المحترمة، قال الغزالي: فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم فالكذب فيه واجب (3). وقد تقدمت (4) دلالة جملة من الايات والروايات على هذا، بل هو من المستقلات العقلية ومن الضروريات الدينية التي لا خلاف فيها بين المسلمين.


1 - الكافي 2: 116، عنه الوسائل 15: 325. 2 - لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 9: 88، مرسلة. 3 - راجع احياء العلوم بيان ما رخص فيه من الكذب 3: 121. 4 - في البحث عن جواز الكذب لدفع الضرورة.

[ 632 ]

وعلى ذلك فمن انكره كان منكرا لاحدى ضروريات الدين ولحقه حكم منكر الضروري من الكفر، ووجوب القتل وبينونة الزوجة وقسمة الاموال. وإذا عرفت ذلك فقد اتضح لك الحال في الاقوال الصادرة عن الائمة (عليهم السلام) في مقام التقية، فانا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ انفسهم واصحابهم لم يكن بذلك بأس، مع انه يمكن حملها على التورية ايضا كما سيأتي. وبذلك يتجلى لك افتضاح الناصبي المتعصب امام المشككين حيث لهج بما لم يلهج به البشر، وقال في خاتمة محصل الافكار حاكيا عن الزنديق سليمان بن جرير: ان ائمة الرافضة وضعوا القول بالتقية لئلا يظفر معها احد عليهم، فانهم كلما ارادوا شيئا تكلموا به، فإذا قيل لهم: هذا خطا أو ظهر لهم بطلانه قالوا: انما قلناه تقية. على أن التفوه بذلك افتراء على الائمة الطاهرين الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قال الله تعالى: انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بايات الله واولئك هم الكاذبون (1). قوله: الاقوال الصادرة عن ائمتنا في مقام التقية. أقول: حاصل مراده ان ما صدر عن الائمة (عليهم السلام) تقية في بيان الاحكام وان جاز حمله على الكذب الجائز حفظا لانفسهم واصحابهم عن الهلاك، ولكن المناسب لكلامهم والاليق بشأنهم حمله على ارادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة على المراد الجدي، كأن يراد من


1 - النحل: 107.

[ 633 ]

قولهم: لا بأس بالصلاة في ثوب اصابه خمر (1)، جواز الصلاة في الثوب المذكور مع تعذر غسله والاضطرار الى لبسه. ويؤيده تصريحهم (عليهم السلام) بارادة المحامل البعيدة في بعض المقامات، ففي رواية عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال له رجل: ما تقول في النوافل، قال: فريضة، قال: ففزعنا وفزع الرجل، فقال أبو عبد الله: انما اعني صلاة الليل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). وفيه: انك قد عرفت آنفا عدم استقلال العقل بقبح الكذب في جميع الموارد وانما هو تابع للدليل الشرعي، وعليه فمهما حرمه الشارع يكشف منه انه قبيح ومهما ورد الدليل على جوازه يكشف منه انه ليس بقبيح، وحينئذ فالكذب الجائز والتورية سواء في الاباحة، ولا ترجيح لحمل الاخبار الموافقة للتقية على الثاني. قوله: ومن هنا يعلم انه إذا دار الامر في بعض المواضع - الخ. أقول: ملخص كلامه انه إذا ورد عن الائمة (عليهم السلام) امر وترددنا بين ان نحمله على الوجوب بداعي التقية أو على الاستحباب بداعي بيان الواقع تعين الحمل على الثاني، بان يراد من الامر معناه المجازي اعني الاستحباب من دون نصب قرينة ظاهرة. ومثاله أن يرد امر بالوضوء عقيب ما يعده العامة (3) حدثا وناقضا للوضوء، كالمذي والودي ومس الفرج الانثيين، وغيرها من الامور التي


1 - التهذيب 1: 280، عنه الوسائل 3: 471. 2 - التهذيب 2: 242، عنه الوسائل 4: 68. 3 - راجع سنن البيهقي، جماع أبواب الحدث، نقل العلامة في التذكرة 1: 10، المنتهى 1: 35، مضمون هذه الاحاديث عن العامة.

[ 634 ]

يراها العامة احداثا ناقضة للوضوء (1)، فانه يدور الامر حينئذ بين حمله على الوجوب بداعي التقية، وبين حمله على الاستحباب بداعي بيان الواقع، ومن المعلوم ان الحمل على الثاني اولى، إذ لم يثبت من مذهب الشيعة عدم استحباب الوضوء عقيب الامور المذكورة، ولكن ثبت عندهم انها لا تنقض الوضوء جزما، وعليه فتتأدى التقية بارادة المجاز واخفاء القرينة. أقول: لله در المصنف حيث أشار بكلامه هذا الى قاعدة كلية وضابطة شريفة تتفرع عنها فروع كثيرة، ومن شأنها أن يبحث عنها في علم الاصول في فصل من فصول ابحاث الاوامر. وتحقيق الكلام فيها: ان ما يدور امره بين الحمل على التقية وبين الحمل على الاستحباب على ثلاثة اقسام: 1 - أن يكون ظهوره في بيان الحكم الوضعي المحض، كما إذا ورد عنهم (عليهم السلام): ان الرعاف أو الحجامة مثلا من النواقض للوضوء (2)، فانه لاريب في حمل هذا القسم على التقية، بان يكون المراد انها ناقضة حقيقة للوضوء، ولكن صدور هذا الحكم بداعي التقية لا بداعي الارادة الجدية. 2 - أن يدل بظهوره على الحكم التكليفي المولوي المحض، كما إذا


1 - عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء (التهذيب 1: 22، الاستبصار 1: 88، عنهما الوائل 1: 272). عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره، قال: نقض وضوؤه، وان مس باطن احليله فعليه أن يعيد الوضوء (التهذيب 1: 348، الاستبصار 1: 88، عنهما الوسائل 1: 272). 2 - عن الوشاء قال: سمعته يقول: رأيت أبي وقد رغف بعد ما توضأ دما سائلا، فتوضأ (التهذيب 1: 13، الاستبصار 1: 85).

[ 635 ]

فرضنا ان قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة عند العامة ومستحبة عندنا، ووردت رواية من ائمتنا (عليهم السلام) ظاهرة في الوجوب، فان الامر حينئذ يدور بين حمل هذه الرواية على الوجوب بداعي التقية، وبين حملها على الاستحباب بداعي الجد، غاية الامر ان الامام (عليه السلام) لم ينصب قرينة على مراده الجدي. وعلى هذا فبناء على مسلك المصنف من كون الامر حقيقة في الوجوب ومجازا في غيره يدور الامر بين حمله على التقية في بيان الحكم ورفع اليد عن المراد الجدي اعني الاستحباب، أو حمله على الوجوب الخاص اعني الوجوب حال التقية، ورفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب المطلق، بأن يكون المراد ان قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة حال التقية، أو حمله على الاستحباب ورفع اليد عن ظهور الكلام في الوجوب من دون نصب قرينة على ذلك، وحيث لا مرجح لاحد الامور الثلاثة بعينه فيكون الكلام مجملا. واما بناء على ما حققناه في محله، من أن الامر موضوع لواقع الطلب، اعني اظهار الاعتبار النفساني على ذمة المكلف، فما لم يثبت الترخيص من الخارج فان العقل يحكم بالوجوب، وإذا ثبت الترخيص فيه من القرائن الخارجية حمل على الاستحباب، وعليه فلا مانع من حمل الامر بقراءة الدعاء عند رؤية الهلال على الاستحباب للقطع الخارجي بعدم وجوبها عند رؤية الهلال فيتعين الاستحباب، إذ ليس هنا احتمال آخر غيره لكي يلزم الاجمال. 3 - أن يكون الكلام الصادر عن الامام (عليه السلام) ظاهرا في بيان الحكم التكليفي الا أنه في الواقع بيان للحكم الوضعي الصرف، كما إذا ورد الامر بالوضوء عقيب المذي والودي ومس الفرج والانثيين، أو غيرها من

[ 636 ]

الامور التي يراها العامة احداثا ناقضة للوضوء، فان الامر في هذه الموارد ارشاد الى ناقضية الامور المذكورة للوضوء، كما ان الامر بالوضوء عقيب البول والنوم ارشاد الى ذلك ايضا. وحينئذ فيدور الامر بين حمله على ظاهره من الناقضية بداعي التقية لا الجد، وبين حمله على الاستحباب، فالظاهر هو الاول، فان حمله على الثاني يستلزم مخالفة الظاهر من جهتين: الاولى: حمل ما هو ظاهر في الارشاد الى الناقضية على خلاف ظاهره من ارادة الحكم التكليفي، الثانية: حمل ما هو ظاهر في الوجوب على الاستحباب. وأما لو حملناه على التقية فلا يلزم منه الا مخالفة الظاهر في جهة واحدة، وهي حمل الكلام على غير ظاهره من المراد الجدي. 2 - جواز الكذب لارادة الاصلاح: قوله: الثاني من مسوغات الكذب ارادة الاصلاح. أقول: لا شبهة في جواز الكذب للاصلاح بين المتخاصمين في الجملة عند الفريقين نصا (1) وفتوى، وتفصيل ذلك:


1 - عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكلام ثلاثة: صدق وكذب واصلاح بين الناس - الحديث (الكافي 2: 255، عنه الوسائل 12: 254)، مرسل. وعن عيسى بن حسان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما الا كذبا في ثلاثة: رجل كايد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقي به هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم (الكافي 2: 256، عنه الوسائل 12: 253)، مجهولة بعيسى بن حسان. وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المصلح ليس بكذاب (الكافي 2: 256، عنه الوسائل 12: 253)، صحيحة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة. وفي سنن البيهقي: ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا (سنن البيهقي 10: 197)، وغير ذلك من أحاديث العامة.

[ 637 ]

ان النزاع والبغضاء بين المتخاصمين تارة يكون من كلا الطرفين، بأن يكون كل منهما حربا للاخر وقاصدا لايقاع الضرر به، واخرى يكون الحقد والنفاق من طرف واحد كأن وشى إليه نمام على اخيه كاذبا فحقد عليه، وكلا القسمين مشمولان لاطلاق ما دل على جواز الكذب في مورد الاصلاح. ويمكن الاستدلال على جواز الكذب للاصلاح بقوله تعالى: انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم، اي اصلحوا بين المؤمنين إذا تخاصموا وتقاتلوا، واتقوا الله في ترك العدل والاصلاح لعلكم ترحمون (1)، فان اطلاق الاية يشمل الاصلاح بالكذب ايضا. وحينئذ فتكون الاية معارضة لعموم ما دل على حرمة الكذب بالعموم من وجه، وبعد تساقطهما في مادة الاجتماع، اعني الكذب للاصلاح، يرجع الى البراءة أو الى عموم: المصلح ليس بكذاب، فانه ينفى الكذب عن المصالح على سبيل الحكومة. ولا فرق في جواز الكذب للاصلاح بين أن يكون المصلح احد المتخاصمين أو غيرهما. ويدل على تأكد الحكم في الاول بعض الاحاديث الواردة في حرمة هجران المؤمن فوق ثلاثة ايام، كقوله (عليه السلام) في رواية حمران: ما من مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث الا برأت منهما في الثالثة، قيل: هذا حال الظالم فما بال المظلوم، فقال: ما بال المظلوم لا يصير الى الظالم فيقول:


1 - الحجرات: 10.

[ 638 ]

أنا الظالم حتى يصلحا (1). ومن الواضح جدا ان قول المظلوم: انا الظالم، كذب وقد ذمه الامام (عليه السلام) على تركه، فيكون مستحبا مؤكدا. قوله: ورد في اخبار كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة بل مطلق الاهل. أقول: ان كان الوعد على سبيل الانشاء فهو خارج عن الكذب موضوعا على ما عرفته سابقا، وان كان على سبيل الاخبار ولم يحرز المتكلم تحقق المخبر به في ظرفه فهو كذب محرم على صورة الوعد كما عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد. ولكن ظاهر جملة من الروايات التي تقدم بعضها في البحث عن جواز الكذب للاصلاح هو جواز الوعد الكاذب للزوجة بل لمطلق الاهل، وعليه فيقيد بها ما دل على حرمة الكذب، كما يقيد بها ايضا ما دل على وجوب الوفاء بالوعد لو قلنا به، والله العالم، الا أن يقال بعدم صلاحية ذلك للتقييد لضعف السند. المسألة (19) حرمة الكهانة قوله: التاسعة عشرة: الكهانة. أقول: ما هي الكهانة، وما حكم الرجوع الى الكاهن، وما حكم الاخبار عن الامور المستقبلة؟ أما الكهانة فهي في اللغة (2) الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان،


1 - الخصال: 183، الرقم: 251، عنه الوسائل 12: 263، مجهولة بمحمد بن حمران. 2 - قال ابن الاثير: الكاهن الذي يتعاطي الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الاسرار، فمنهم من يزعم ان له تابعا من الجن ورئيا يلقى إليه الاخبار، ومنهم من كان يزعم انه يعرف الامور بمقدمات واسباب يستدل بها على مواقعها، وهذا يخصونه باسم العراف الذي يدعي معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة ونحوها (النهاية 4: 214). وفي مجمع البحرين: ان الكهانة كانت في العرب قبل البعث، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) حرست السماء وبطلت الكهانة، وعمل الكهانة قريب من السحر أو اخص منه (مجمع البحرين 4: 306).

[ 639 ]

وقيل هي عمل يوجب طاعة الجان للكاهن، ومن هنا قيل (1): ان الكاهن من كان له رئى (2) من الجن يأتيه الاخبار، وهى قريبة من السحر أو اخص منه، والعراف (3) هو المنجم والكاهن، وقيل: العراف كالكاهن الا أن العراف يختص بمن يخبر عن الاحوال المستقبلة والكاهن بمن يخبر عن الاحوال الماضية. وكيف كان فالكهانة على قسمين: 1 - أن يخبر الكاهن عن الحوادث المستقبلة، لاتصاله بالشياطين القاعدين مقاعد استراق السمع من السماء فيطلعون على اسرارها ثم يرجعون الى اوليائهم لكي يؤدوها إليهم. 2 - أن يخبر الكاهن عن الكائنات الارضية والحوادث السفلية، لاتصاله بطائفة من الجن والشياطين التي تلقى إليه الاخبار الراجعة الى


1 - حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 74، عن القواعد 1: 121، التحرير 1: 161، التنقيح 2: 13. 2 - في النهاية: رئى - على فعيل - من رأي، يقال: فلان رئى القوم اي صاحي رأيهم (النهاية 2: 178). 3 - قال ابن الاثير: العراف المنجم أو الذي يدعي علم الغيب (النهاية 3: 216). وفي مفردات الراغب: العراف كالكاهن، الا أن العراف يختص بمن يخبر بالاحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر عن الاحوال الماضية (المفردات: 331).

[ 640 ]

الحوادث الارضية فقط، لان الشياطين قد منعت عن الاطلاع الى السماء واخبارها بعد بعثة النبي (صلى الله عليه وآله). وفي خبر الاحتجاج (1) اطلق لفظ الكاهن على كلا القسمين، أما اطلاقه على القسم الاول فهو صريح جملة من فقراته، وأما اطلاقه على القسم الثاني فقد وقع منه في فقرتين: الاولى: قوله (عليه السلام): لان ما يحدث في الارض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشياطين ويؤديه الى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والاطراف. الثانية: قوله (عليه السلام) بعد ما ذكر ان الشياطين كانوا يسترقون اخبار السماء ويقذفونها الى الكاهن: فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، واليوم انما يؤدي الشيطان الى كهانها اخبارا للناس مما يتحدثون به - الى أن قال: - ما يحدث في البعد من الحوادث. فقد اطلق الكاهن في هاتين الفقرتين على المخبر عن الكائنات السفلية بواسطة الشياطن. ولا ينافيه قوله (عليه السلام): انقطعت الكهانة، فان المراد منها هو الكهانة الكاملة اعني القسم الاول. وتدل على حرمة كلا القسمين، مضافا الى خبر الاحتجاج المتقدم، جملة من الروايات من طرق الخاصة (2) ومن طرق العامة (3)، وقد تقدم


1 - الاحتجاج: 339 فيما احتج الصادق (عليه السلام) على الزنديق، مرسلة. 2 - في حديث المناهي: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن اتيان العراف وقال: من أتاه وصدقه فقد برئ مما انزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله) (الفقيه 4: 3، عنه الوسائل 17: 149)، ضعيفة لشعيب ابن واقد. وعن الخصال عن الصادق (عليه السلام): من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله) (الخصال: 19، عنه الوسائل 17: 149)، ضعيفة لابي حمزة. عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) جعل من السحت اجر الكاهن (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، تفسير القمي 1: 170، الخصال: 329، عنهم الوسائل 17: 93)، موثقة للسكوني. في الامالي عن الصادق (عليه السلام): أربعة لا يدخلون الجنة: الكاهن - الخ (الامالي للصدوق: 330، عنه الوسائل 12: 309)، ضعيفة بابي سعيد هاشم. 3 - راجع سنن البيهقي باب ما جاء في النهي عن الكهانة 8: 138.

[ 641 ]

بعضها في البحث عن حرمة التنجيم والسحر. حرمة الرجوع الى الكاهن: وأما الرجوع الى الكاهن والعمل بقوله، وترتيب الاثر عليه في الامور الدينية، والاستناد إليه في اثبات امر أو نفيه، فلا شبهة في حرمته، بل لا خلاف فيها بين المسلمين، لكونه افتراء على الله وعملا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا. وتدل على الحرمة ايضا جملة من روايات الفريقين الناهية عن اتيان الكاهن والعراف، فان الاتيان إليهم كناية عن تصديقهم والعمل بقولهم، كما في تاج العروس قال: من أتى كاهنا أو عرافا - الخ، أي صدقهم، وقد عرفت ان العراف يصدق عليه الكاهن. وفي رواية الخصال ان: من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، أي من جاء الى الكاهن واخذ منه الرأى فليس بمسلم، وقد تقدمت الاشارة الى هذه الروايات في الحاشية.

[ 642 ]

حكم الاخبار عن الامور المستقبلة: واما الاخبار عن الامور المستقبلة جزما، فيقع البحث عن حكمه تارة من حيث القاعدة واخرى من حيث الرواية. أما بحسب القاعدة، فقد يكون المخبر عن الحوادث الاتية شاكا في وقوعها في مستقبل الزمان، وقد يكون جازما بذلك. أما الاول فلا شبهة في حرمته لكونه من الكذب المحرم ومن القول بغير علم، وقد عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد ان المخبر ما لم يكن جازما بوقوع المخبر به في الخارج فهو كاذب في اخباره، نعم لو صادف الواقع في هذه الحال كان حراما من جهة التجري. وأما الثاني فلا وجه لحرمته، فانه خارج عن الكذب وعن القول بغير علم موضوعا وحكما. أما بحسب الرواية، فقد التزم المصنف بحرمته لروايات: 1 - خبر الهيثم، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ان عندنا بالجزيرة رجلا ربما اخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق أو شبه ذلك فنسأله، فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مشى الى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفر بما انزل الله من كتاب (1). بدعوى ان الاخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم مطلقا، سواء أكان بالكهانة ام بغيرها، لانه (عليه السلام) حصر المخبر بالشئ الغائب بالساحر والكاهن والكذاب وجعل الكل حراما. وفيه أولا: ان الرواية بقرينة السؤال ظاهرة في الاخبار عن الامور الماضية من السرقة والضالة ونحوها، و لا اشكال في جواز الاخبار عن الامور الماضية إذا كان المخبر جازما بوقوعها، وانما الكلام في الاخبار


1 - مستطرفات السرائر: 83، عنه الوسائل 17: 150.

[ 643 ]

على سبيل الجزم عن الحوادث الاتية، فمورد الرواية اجنبي عن محل الكلام. وثانيا: لا دلالة في الرواية على انحصار المخبر عن الامور المغيبة بالكاهن والساحر والكذاب، بل الظاهر منها ان الاخبار المحرم منحصر باخبار هذه الطوائف الثلاث، فالامام (عليه السلام) بين ضابطة حرمة الاخبار عن الغائبات. ونظيره ما إذا سئل احد عن حرمة شرب العصير التمري فأجاب بأن الحرام من المشروبات انما هو الخمر والنبيذ والعصير العنبي إذا غلى، فان هذا الجواب لا يدل على حصر جميع المشروبات بالمحرم وانما يدل على حصر المشروبات المحرمة بالامور المذكورة. واذن فلا دلالة في الرواية على حرمة مطلق الاخبار عن الامور المستقبلة ولو من غير الكاهن والساحر والكذاب. وثالثا: ان غاية ما تدل عليه الرواية ان تصديق المخبر في اخباره حرام لانه غير حجة، واما حرمة اخبار المخبر فلا تدل الرواية على حرمته، كما هو الحال في اخبار الفاسق وغيره فيما لا يكون قوله حجة. 2 - قوله (عليه السلام) في حديث المناهي المتقدم في الهامش: انه نهى عن اتيان العراف وقال: من اتاه وصدقه فقد برئ مما انزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله) (1)، بدعوى ان المخبر عن الغائبات في المستقبل كاهن ويختص باسم العراف. وفيه اولا: انه ضعيف السند. وثانيا: ان اتيان العراف كناية عن العمل بقوله وترتيب الاثر عليه، كما عرفته آنفا، فلا دلالة فيه على حرمة الاخبار عن الامور المستقبلة بأي


1 - الفقيه 4: 3، عنه الوسائل 17: 149، ضعيفة لشعيب بن واقد.

[ 644 ]

نحو كان. 3 - قوله (عليه السلام) في بعض الاحاديث: لئلا يقع في الارض سبب يشاكل الوحي - الخ (1)، فان الاخبار عن الغائبات و الكائنات في مستقبل الزمان من الامور تشاكل الوحي، ومن المقطوع به انه مبغوض للشارع (2). وفيه: ان الممنوع في الرواية هو الاخبار عن السماء بوساطة الشياطين، فانهم كانوا يقعدون مقاعد استراق السمع من السماء ويطلعون على مستقبل الامور ويحملونها الى الكهنة ويبثونها فيهم، وقد منعوا عن ذلك بالشهاب الثاقب، لئلا يقع في الارض ما يشاكل الوحي، واما مجرد الاخبار عن الامور الاتية بأي سبب كان فلا يرتبط بالكهانة. قوله: فتبين من ذلك - الخ. أقول: حاصل كلامه ان المتحصل مما ذكرناه هو حرمة الاخبار عن الغائبات من غير نظر في بعض ما صح اعتباره، كنبذ من الرمل والجفر. وفيه: ان المناط في جواز الاخبار عن الغائبات في مستقبل الزمان انما هو حصول الاطمئنان بوقوع المخبر به كما عرفت، وعليه فلا فرق بين الرمل والجفر وغيرهما من موجبات الاطمئنان. ثم ان ظاهر عبارة المصنف هو اعتبار بعض اقسام الرمل والجفر، ولكنه عجيب منه (رحمه الله) إذ لم يقم دليل على اعتبارهما في الشريعة المقدسة، غاية الامر انهما يفيدان الظن، وهو لا يغني من الحق شيئا. المسألة (20) حرمة اللهو في الجملة


1 - الاحتجاج: 339، فيما احتج به الصادق (عليه السلام) على الزنديق، مرسل. 2 - كما في مفاتيح الشرايع 2: 23.

[ 645 ]

قوله: العشرون: اللهو حرام. أقول: لا خلاف بين المسلمين قاطبة في حرمة اللهو في الجملة، بل هي من ضروريات الاسلام، وانما الكلام في حرمته على وجه الاطلاق. فظاهر جملة من الاصحاب بل صريح بعضهم وظاهر بعض العامة ان اللهو حرام مطلقا، فعن المحقق في المعتبر (1): قال علمائنا: اللاهي بسفره كالمتنزه بصيده بطرا لا يترخص، لنا ان اللهو حرام فالسفر له معصية (2). وقال العلامة (3): حرم الحلبي (4) الرمي عن قوس الجلاهق، والاطلاق ليس بجيد، بل ينبغي التقييد بطلب اللهو والبطر. وفي كلمات غير واحد من الاصحاب: ان من سفر المعصية طلب الصيد للهو والبطر، وفي الرياض (5): قد استدل (6) على حرمة المسابقة في غير الموارد المنصوصة بما دل على حرمة مطلب اللهو. وعن المالكية (7): ان كان الغرض من المسابقة المغالبة والتلهي فيكون حراما. وقد استظهر المصنف من الاخبار الكثيرة حرمة اللهو على وجه الاطلاق، ثم قال: ولكن الاشكال في معنى اللهو، فان اريد به مطلق اللهو كما يظهر من الصحاح والقاموس، فالظاهر ان القول بحرمته شاذ مخالف


1 - المعتبر 2: 471. 2 - انظر المبسوط 1: 327، السرائر 1: 327، القواعد 1: 325، الذكرى: 258، رياض المسائل 2: 430، الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 123. 3 - المختلف 5: 18. 4 - الكافي في الفقه: 282. 5 - الرياض 2: 41. 6 - كما في المهذب البارع 3: 82، التذكرة 2: 354. 7 - راجع فقه المذاهب الاربعة 2: 51.

[ 646 ]

للمشهور والسيرة، فان اللعب هي الحركة لا لغرض عقلائي، ولا خلاف ظاهرا في عدم حرمته على الاطلاق، نعم لو خص اللهو بما يكون من بطر، وفسر بشدة الفرح كان الاقوى تحريمه. ولكن الاخبار لا دلالة لها على حرمة اللهو على وجه الاطلاق، فانها على أربع طوائف: 1 - هي الروايات الدالة (1) على وجوب الاتمام على المسافر إذا كان سفره للصيد اللهوي. فقد يقال: ان هذه الطائفة تدل بالالتزام على حرمة اللهو ايضا، إذ لا نعرف وجها لاتمام الصلاة هنا الا كون السفر معصية للصيد اللهوي، ولكنه ضعيف، إذ غاية ما يستفاد من هذه الاخبار ان السفر للصيد اللهوي لا يوجب القصر، فلا دلالة فيها على كون السفر معصية، إذ لا ملازمة بين وجوب الاتمام في السفر وبين كونه معصية، بل هو اعم من ذلك، والى هذا ذهب المحقق البغدادي (رحمه الله). 2 - ما دل على أن اللهو من الكبائر، كما في حديث شرائع الدين عن الاعمش (2)، قال المصنف: حيث عد في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر الله، كالغناء وضرب الاوتار، فان الملاهي جمع الملهي مصدرا أو الملهي وصفا، لا الملهاة آلة، لانه لا يناسب التمثيل بالغناء. ولكن يرد عليه أولا: ان هذه الرواية ضعيفة السند. وثانيا: لا دلالة فيها على حرمة اللهو المطلق، بل الظاهر منها ان الحرام هو اللهو الذي يصد عن ذكر الله، كالغناء وضرب الاوتار


1 - التهذيب 3: 217 - 218، الاستبصار 1: 235 - 237، عنه الوسائل 8: 478 - 481. 2 - الخصال: 610، عنه الوسائل 15: 331، ضعيفة لبكر بن عبد الله بن حبيب، ومجهولة لاحمد بن يحيى بن زكريا القطان، وغيره من رجال السند.

[ 647 ]

ونحوهما. وثالثا: ان الظاهر من اللغة ان الملاهي اسم الالات، فالامر يدور بين رفع اليد عن ظهوره وحملها على الفعل وبين رفع اليد عن ظهور الغناء وحمله على الغناء في آلة اللهو، ولا وجه لترجيح احدهما على الاخر فتكون الرواية مجملة، بل ربما يرجح رفع اليد عن ظهور الغناء، كما يدل عليه عطف ضرب الاوتار على الغناء. ثم ان رواية الاعمش لم يذكر فيها الا عد الملاهي التي تصد عن ذكر الله من الكبائر، واما زيادة كلمة الاشتغال قبل كلمة الملاهي فهي من سهو قلم المصنف (رحمه الله)، ولو كانت النسخة كما ذكره لما كان له حمل الملاهي على نفس الفعل، فان الاشتغال بالملاهي من اظهر مصاديق الغناء. 3 - الاخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة على حرمة استعمال الملاهي والمعازف، وفي رواية العيون: الاشتغال بها من الكبائر (1)، وفي رواية عنبسة: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع (2)، وقد تقدمت الاشارة الى جملة منها والى مصادرها في مبحث حرمة الغناء. وفيه: ان هذه الروايات انما تدل على حرمة قسم خاص من اللهو، اعني الاشتغال بالملاهي والمعازف واستعمالها، ولا نزاع في ذلك، بل حرمة هذا القسم من ضروريات الدين بحيث يعد منكرها خارجا عن زمرة


1 - راجع عيون الاخبار 2: 125، عنه الوسائل 15: 329، فالطريق الاول فهو مجهول لعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري وعلي بن قتيبة النيسابوري، وأما الثاني فهو مجهول للحاكم أبي محمد جعفر بن نعيم، وأما الثالث فهو مجهول لحمزة بن محمد العلوي.. 2 - الكافي 6: 434، عنه الوسائل 17: 316.

[ 648 ]

المسلمين، وانما الكلام في حرمة اللهو على وجه الاطلاق وواضح ان هذه الاخبار لا تدل على ذلك. 4 - الاخبار الظاهرة ظهورا بدويا في حرمة اللهو مطلقا، كقوله (عليه السلام) في خبر العياشي: كلما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر (1). وفي بعض روايات المسابقة: كل لهو المؤمن باطل الا في ثلاث (2). وفي رواية أبي عباد: ان السماع في حيز الباطل واللهو، وسنذكرها. وفي رواية عبد الاعلى في رد من زعم ان النبي (صلى الله عليه وآله) رخص في أن يقال: جئناكم جئناكم - الخ: كذبوا ان الله يقول: لو اردنا ان نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا - الخ (3). وفي جملة من روايات الغناء ايضا ما يدل على أن اللهو من الباطل.


1 - الامالي للشيخ الطوسي 1: 345، عنه البحار 73: 157، الوسائل 17: 315، ضعيفة لابن الصلت وغيره. 2 - في حديث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل اللهو باطل الا في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته، فانهن حق (الكافي 5: 50، عنه الوسائل 19: 250، 20: 118، 15: 140)، مرفوعة. ورواها الشيخ بسند فيه ضعف لعبد الله بن عبد الرحمان (التهذيب 6: 175، عنه الوسائل 15: 141). ورواها البيهقي الشافعي في سننه الكبرى 10: 14. 3 - عن عبد الاعلى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغناء وقلت: انهم يزعمون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخص في أن يقال: جئناكم - الى أن قال (عليه السلام): - كذبوا - الحديث (الكافي 6: 433، عنه الوسائل 17: 307)، مجهول لعبد الاعلى. والانكار في هذه الرواية اشارة الى ما في مصابيح السنة للبغوي باب اعلان النكاح والخطبة عن عائشة: ان جارية من الانصار زوجت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ألا ارسلتم معها من يقول: اتيناكم اتيناكم فحيانا وحياكم.

[ 649 ]

فإذا ضممنا ذلك الى ما يظهر من الادلة من حرمة الباطل، كجملة من الروايات الدالة على حرمة الغناء (1) كانت النتيجة حرمة اللهو مطلقا. ويرد عليه ان الضرورة دلت على جواز اللهو في الجملة، وكونه من الامور المباحة، كاللعب بالسبحة أو اللحية أو الحبل أو الاحجار ونحوها، فلا يمكن العمل باطلاق هذه الروايات على تقدير صحتها، وقد أشرنا إليه في مبحث حرمة القمار، وعليه فلا بد من حملها على قسم خاص من اللهو أعني الغناء ونحوه كما هو الظاهر، أو حملها على وصول الاشتغال بالامور اللاغية الى مرتبة يصد فاعله عن ذكر الله، فانه حينئذ يكون من المحرمات الالهية. والحاصل انه لا دليل على حرمة اللهو على وجه الاطلاق، ومما ذكرناه ظهر ايضا انا لا نعرف وجها صحيحا لما ذكره المصنف (رحمه الله) من تقوية حرمة الفرح الشديد. اللعب واللغو: قوله: واعلم ان هنا عنوانين. أقول: قد فرق جمع من اهل الفروق بين اللهو واللعب، ولا يهمنا التعرض لذلك، وانما المهم هو التعرض لحكمها، وقد عرفت انه لادليل على حرمة مطلق اللهو. وأما اللعب فان كان متحدا في المفهوم مع اللهو فحكمه هو ذلك، وان


1 - راجع الوسائل 17: باب 99 تحريم الغناء، وباب 100 تحريم استعمال الملاهي، وباب 101 تحريم سماع الغناء مما يكتسب به: 303 - 312، والمستدرك 13: 212 - 215 هذه الابواب.

[ 650 ]

كانا مختلفين مفهوما فلا بد من ملاحظة الادلة الشرعية، فان كان فيها ما يدل على حرمة اللعب اخذ به، والا فيرجع الى الاصول العملية. وأما اللغو، فذكر المصنف (رحمه الله) انه ان اريد به ما يرادف اللهو كما يظهر من بعض الاخبار (1) كان في حكمه، وان اريد به مطلق الحركات اللاغية فالاقوى فيها الكراهة. أقول: لا دليل على حرمة مطلق اللغو، سواء قلنا بكونه مرادفا للهو والباطل كما هو الظاهر من اهل اللغة ام لا، لما عرفت من عدم الدليل على حرمة اللهو على وجه الاطلاق. واما ما ذكره من ظهور الروايات في مرادفة اللغو مع اللهو، ففيه ان الروايات المذكورة ناظرة الى اتحاد قسم خاص من اللغو مع قسم خاص من اللهو، وهو القسم المحرم، فلا دلالة فيها على اتحاد مفهومهما مطلقا، على أنها ضعيفة السند. وقد يقال بحرمة اللغو على وجه الاطلاق لرواية الكابلي (2)، فان الامام (عليه السلام) جعل فيها اللغو المضحك من جملة الذنوب التي تهتك العصم.


1 - في رواية محمد بن أبي عباد وكان مشتهرا بالسماع وبشرب النبيذ، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن السماع، فقال: لاهل الحجاز فيه رأى وهو في حيز الباطل واللهو، أما سمعت الله يقول: وإذا مروا باللغو مروا كراما (عيون الاخبار 2: 128، عنه الوسائل 17: 308)، ضعيفة بابي عباد وغيره. ويقرب من ذلك ما عن أبي ايوب الخزاز (الكافي 6: 432، عنه الوسائل 17: 316)، ضعيف لسهل. 2 - عن زين العابدين (عليه السلام): الذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر واللعب بالقمار وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح (معاني الاخبار: 270، عنه الوسائل 16: 281)، مجهولة باحمد بن الحسن القطان واحمد بن يحيى، وضعيفة ببكر بن عبد الله بن حبيب.

[ 651 ]

وفيه أولا: انها ضعيفة السند ومجهولة الرواة. وثانيا: ان موضوع التحريم فيها هو اللغو الذي يكون موجبا لهتك عصم الناس واعراضهم، من الاستهزاء والسخرية والتعيير والهجاء ونحوها من العناوين المحرمة، على أنه لا دليل على حرمة اضحاك الناس وادخال السرور في قلوبهم بالامور المباحة والجهات السائغة، بل هو من المستحبات الشرعية والاخلاق المرضية فضلا عن كونه موجبا لهتك العصم واثارة للعداوة والبغضاء. وقد ذكر ابن أبي الحديد في مقدمة شرح النهج في علي بن أبي طالب (عليه السلام): واما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم، فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك اعداؤه (1). وكان الاصل في هذا التعييب عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص. وقد ظهر مما ذكرناه انه لا يمكن الاستدلال على حرمة اللغو مطلقا بوصية النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (2). ثم ان رواية الكابلي عدت شرب الخمر واللعب بالقمار من جملة الذنوب التي تهتك العصم، أما الاول فلانه يجر الى التعرض لاعراض الناس بل نفوسهم، فان شارب الخمر في حال سكره كالمجنون الذي لا يبالي في افعاله وحركاته، وأما اللعب بالقمار فلانه يورث العداوة بين الناس حيث تؤخذ به اموالهم بغير عوض واستحقاق، وقد اشير الى


1 - شرح النهج 1: 25. 2 - يا أبا ذر وان الرجل يتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها، فيهوي في جهنم ما بين السماء والارض (الامالي للشيخ الطوسي 2: 150، عنه الوسائل 12: 281، الاختصاص: 226، عنه المستدرك 9: 114، مكارم الاخلاق 2: 363، الرقم: 2661)، ضعيفة لابي المفضل ورجاء وابن ميمون.

[ 652 ]

كلا الامرين في الاية (1). المسألة (21) مدح من لا يستحق المدح قوله: الحادية والعشرون: مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم. أقول: حكى المصنف ان العلامة (2) عد مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم في عداد المكاسب المحرمة، ثم وجه كلامه بوجوه: 1 - حكم العقل بقبح ذلك. 2 - قوله تعالى: ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار (3). 3 - ما رواه الصدوق عن النبي (صلى الله عليه وآله): من عظم صاحب دنيا واحبه لطمع في دنياه سخط الله عليه، وكان في درجة مع قارون في التابوت الاسفل من النار (4). 4 - ما في حديث المناهي، من قوله (صلى الله عليه وآله): من مدح سلطانا جائرا أو تحفف أو تضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار (5). ولكن الظاهر ان الوجوه المذكورة لا تدل على مقصود المصنف: أما العقل، فانه لا يحكم بقبح مدح من لا يستحق المدح بعنوانه الاولي


1 - انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة - الخ، المائدة: 93. 2 - التذكرة 1: 582، القواعد 1: 121، التحرير 1: 161. 3 - هود: 115. 4 - راجع عقاب الاعمال: 331 و 335 و 337، عنهم الوسائل 17: 181، مجهولة بموسى ابن عمران النخعي النوفلي وومبشر وأبي عائشة ويزيد بن عمر وغيرهم. 5 - الفقيه 4: 5، عنه الوسائل 17: 183، مجهولة لشعيب بن واقد. أقول: الحفف - بالحاء المهملة - الضيق وقلة المعيشة، والحفوف الاعتناء بالشئ ومدحه التضعضع الخضوع.

[ 653 ]

ما لم ينطبق عليه عنوان آخر مما يستقل العقل بقبحها، كتقوية الظالم واهانة المظلوم ونحوهما. وأما الاية فهي تدل على حرمة الركون الى الظالم والميل إليه، فلاربط لها بالمقام، وسيأتي الاستدلال بها على حرمة معونة الظالمين. وأما النبوي الذي رواه الصدوق، فانه يدل على حرمة تعظيم صاحب المال واجلاله طمعا في ماله، فهو بعيد عما نحن فيه. وأما حديث المناهي، ففيه أولا: انه ضعيف السند، وثانيا: انه دال على حرمة مدح السلطان الجائر وحرمة تعظيمه طمعا في ماله أو تحصيلا لرضاه. وعلى الجملة ان الوجوه التي ذكرها المصنف لا تدل على حرمة مدح من لا يستحق المدح في نفسه، فان النسبة بينه وبين العناوين المحرمة المذكورة هي العموم من وجه، وعليه فلا وجه لجعل العنوان المذكور من المكاسب المحرمة كما صنعه العلامة وتبعه غيره. ثم ان مدح من لا يستحق المدح قد يكون بالجملة الخبرية، وقد يكون بالجملة الانشائية، اما الاول فهو كذب محرم الا إذا قامت قرينة على ارادة المبالغة، واما الثاني فلا محذور فيه ما لم ينطبق عليه شئ من العناوين المحرمة المذكورة، أو كان المدح لمن وجبت البراءة منه كالمبدع في الدين، وقد تقدم ذلك في مبحث الغيبة ومبحث حرمة سب المؤمن. لا يخفى ان حرمة مدح من لا يستحق المدح على وجه الاطلاق أو فيما انطبق عليه عنوان محرم، انما هي فيما إذا لم يلتجئ الى المدح لدفع خوف أو ضرر بدني أو مالي أو عرضي، والا فلا شبهة في الجواز، ويدل عليه قولهم (عليهم السلام) في عدة روايات: ان شر الناس عند الله يوم

[ 654 ]

القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم (1)، وكذلك تدل عليه اخبار التقية فانها تدل على جوازها في كل ضرورة وخوف. المسألة (22) حرمة معونة الظالمين قوله: الثانية والعشرون: معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالادلة الاربعة، وهو من الكبائر. أقول: ما هو حكم معونة الظالمين، وما هو حكم اعوان الظلمة، وما هو حكم اعانتهم في غير جهة الظلم من الامور السائغة كالبناية والنجارة والخياطة ونحوها؟ أما معونة الظالمين في ظلمهم، فالظاهر انها غير جائزة بلا خلاف بين المسلمين قاطبة بل بين عقلاء العالم، بل التزم جمع كثير من الخاصة والعامة (2) بحرمة الاعانة على مطلق الحرام وحرمة مقدماته. ويدل على حرمته العقل، والاجماع المستند الى الوجوه المذكورة في المسألة، وقوله تعالى: ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار (3)، فان الركون المحرم هو الميل إليهم، فيدل على حرمة اعانتهم بطريق الاولوية، ان المراد من الركون المحرم هو الدخول معهم في


1 - راجع اصول الكافي 2: 327 باب من يتقى شره في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام). وفي سنن البيهقي: ان شر الناس منزلة يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه (سنن البيهقي 10: 245). 2 - قد تقدم ذلك في البحث عن حكم الاعانة على الاثم، وفي سنن البيهقي: نهى عن الاعانة على ظلم (سنن البيهقي 10: 234). 3 - هود: 115.

[ 655 ]

ظلمهم. وأما الاستدلال على حرمتها بقوله تعالى: ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (1)، كما في المستند وغيره فقد تقدم جوابه في البحث عن حكم الاعانة على الاثم، وقلنا ان التعاون غير الاعانة، فان الاول من باب الافعال والثاني من باب التفاعل، فحرمة احدهما لا تسري الى الاخر. وتدل على حرمة معونة الظالمين ايضا الروايات المستفيضة بل المتواترة (2). وأما دخول الانسان في اعوان الظلمة فلا شبهة ايضا في حرمته، ويدل عليها جميع ما دل على حرمة معونة الظالمين في ظلمهم، وغير ذلك من الاخبار الناهية عن الدخول في حزبهم وتسويد الاسم في ديوانهم، وقد اشرنا الى مصادرها في الهامش.


1 - المائدة: 2. 2 - عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمالهم فقال لي: يا أبا محمد لا، ولا مدة بقلم، ان احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا الا اصابوا من دينه مثله (الكافي 5: 106، التهذيب 6: 331، عنهما الوسائل 17: 179)، حسنة لابراهيم بن هاشم. عن ابن بنت الوليد: من سود اسمه في ديوان ولد سابع - مقلوب عباس - حشره الله يوم القيامة خنزيرا (التهذيب 6: 32، عنه الوسائل 17: 183)، مجهولة بابن بنت الوليد. عن الكافي عن أبي حمزة عن السجاد (عليه السلام) قال: اياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا عن ساحتهم (الكافي 8: 14، الرقم: 2، عنه الوسائل 17: 177)، صحيحة. وغير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المتقدمة. عن طلحة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العالم بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء ثلاثتهم (الكافي 2: 250، عنه الوسائل 17: 178)، ضعيفة بطلحة ومحمد بن سنان.

[ 656 ]

حرمة اعانة الظالمين في غير جهة ظلمهم: وأما اعانة الظالمين في غير جهة ظلمهم، بالامور السائغة كالبناية والخبازة ونحوهما فلا بأس بها، سواء أكان ذلك مع الاجرة ام بدونها، بشرط ان لا يعد بذلك من اعوان الظلمة عرفا، والا كانت محرمة كما عرفت. وقد يستدل على حرمتها بروايات: منها: رواية محمد بن عذافر، عن ابيه (1) الظاهرة في حرمة المعاملة مع الظلمة. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان قوله (عليه السلام): يا عذافر نبئت انك تعامل أبا ايوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في اعوان الظلمة، ظاهر في ان عذافر كان يدأب على المعاملة مع الظلمة بحيث الحقه باعوانهم، وعليه فمورد الرواية اجنبي عن المقام. ومنها: رواية ابن أبي يعفور (2) الظاهرة في ردع السائل عن اعانة الظالمين في الجهات السائغة. وفيه: ان الظاهر من قول السائل: ربما اصاب الرجل منا الضيق والشدة فيدعي الى البناء - الخ، ان الرجل منهم تصيبه الشدة فيلتجئ الى الظالمين ويتدرج به الامر حتى يكون من اعوان الظلمة، بحيث يكون ارتزاقه من قبلهم، ولذلك طبق الامام (عليه السلام) عليهم، قوله: ان أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد.


1 - الكافي 5: 105، عنه الوسائل 17: 178)، ضعيفة بسهل. 2 - الكافي 5: 107، التهذيب 6: 331، عنهما الوسائل 17: 179)، مجهولة ببشير.

[ 657 ]

فهذه الرواية ايضا خارجة عن مورد الكلام، على أنها ضعيفة السند، ومع الاغضاء عن ذلك فقوله (عليه السلام): ما احب اني عقدت لهم عقدة - الخ، لو لم يكن ظاهرا في الكراهة فلا ظهور له في الحرمة، فتكون الرواية مجملة. ومنها: رواية العياشي (1) الدالة على أن السعي في حوائج الظالمين عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار. وفيه: أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان الظاهر من اضافة الحوائج الى الظالمين ولو بمناسبة الحكم والموضوع كون السعي في حوائجهم المتعلقة بالظلم. ومن هنا ظهر الجواب عن رواية السكوني، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين اعوان الظلمة ومن لاق لهم دوات، أو ربط كيسا، أو مد لهم مدة فاحشروهم معهم (2). وكذلك ظهر الجواب عن رواية أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: اياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين (3)، وقد تقدمت هذه الرواية في الحاشية. ومنها: رواية الشيخ عن ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تعنهم على بناء مسجد (4). وفيه: ان المنع عن اعانتهم على بناء المسجد لهم نحو من تعظيم


1 - تفسير العياشي 1: 238، عنه الوسائل 17: 191، مرسلة. 2 - عقاب الاعمال: 309، عنه الوسائل 17: 180)، موثقة بالسكوني. 3 - الكافي 8: 14، عنه الوسائل 17: 177. 4 - التهذيب 6: 338، عنه الوسائل 17: 180، طريقه الى ابن أبي عمير ثلاث طرق حسنات في المشيخة والفهرست.

[ 658 ]

شوكتهم، فيكون كمسجد الضرار الذي ذكره الله في الكتاب (1)، وتبعد الرواية عما نحن بصدده. ومنها: رواية صفوان الظاهرة في ردعه عن اكراء الجمال من هارون الرشيد (2). وفيه: أولا انها ضعيفة السند. وثانيا: ان الرواية ادل على الجواز، فان الامام (عليه السلام) انما ردعه عن محبة بقائهم، ويدل على هذا من الرواية قوله (عليه السلام): أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك، قلت: نعم، قال: من احب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده الى النار. ومع الاغضاء عن جميع ذلك وتسليم دلالة الروايات المذكورة على الحرمة، فالسيرة القطعية قائمة على جواز اعانة الظالمين بالامور المباحة في غير جهة ظلمهم، فتكون هذه السيرة قرينة لحمل الروايات على غير هذه الصورة. والحاصل ان المحرم من العمل للظلمة على قسمين: الاول: اعانتهم على الظلم، والثاني: صيرورة الانسان من اعوانهم بحيث يعد في العرف من المنسوبين إليهم، بان يقال: هذا كاتب الظالم، وهذا معماره، وذاك خزانه، وقد عرفت حرمة كلا القسمين بالادلة المتقدمة، واما غير ذلك فلا دليل على حرمته. ثم ان المراد من الظالم المبحوث عن حكم اعانته ليس هو مطلق العاصي الظالم لنفسه، بل المراد به هو الظالم للغير، كما هو ظاهر جملة


1 - قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا، التوبة: 108. 2 - رجال الكشي 2: 740، الرقم: 828، عنه الوسائل 17: 182، مجهولة بمحمد بن اسماعيل الرازي.

[ 659 ]

من الروايات التي تقدم بعضها، بل هو صريح جملة اخرى منها، وعليه فمورد الحرمة يختص بالثاني، على أنه قد تقدم في البحث عن حكم الاعانة على الاثم انه لا دليل على حرمتها على وجه الاطلاق ما لم يكن في البين تسبيب، وقلنا في المبحث المذكور ان الاعانة على الظلم حرام للادلة الخاصة، فلا ربط لها بمطلق الاعانة على الاثم. المسألة (23) حرمة النجش قوله: الثالثة والعشرون: النجش - بالنون المفتوحة والجيم الساكنة أو المفتوحة - حرام. أقول: الظاهر انه لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في حرمة النجش في الجملة، وقد فسروه بوجهين، كما يظهر من اهل اللغة (2):


1 - في فقه المذاهب: من البيوع المنهي عنها نهيا لا يستلزم بطلانها بيع النجش، وهو حرام، نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (فقه المذاهب 2: 273). وفي شرح فتح القدير: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن النجش (شرح فتح القدير 5: 239). وفي سنن البيهقي في جملة من الاحاديث: نهى عن النجش و التناجش (سنن البيهقي 5: 343 و 344). 2 - في تاج العروس: النجش ان تواطئ رجلا إذا اراد بيعا ان تمدحه، أو هو أن يريد الانسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير لينظر اليك ناظر فيقع فيها، وقال أبو عبيد: النجش في البيع أن يزيد الرجل ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته، وقال ابن شميل: النجش ان تمدح سلعة غيرك ليبيعا، أو تذمها لئلا تنفق عنه، وقال الجوهري: النجش ان تزايد في المبيع ليقع غيرك وليس من حاجتك، وقال ابراهيم الحربي: النجش ان تزيد في ثمن مبيع أو تمدحه فيرى ذلك غيرك فيغتر لك، والاصل فيه اثارة الصيد من مكان الى مكان أو البحث عن الشئ.

[ 660 ]

1 - أن يزيد الرجل في البيع ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته، وهذا هو المروي عن الاكثر (1). 2 - ان تمدح سلعة غيرك وتروجها ليبيعها أو تذمها لئلا تنفق عنه (2). وظاهر الوجهين هو تحقق النجش بهما، سواء أكان ذلك عن مواطاة مع البائع ام لا. أما الوجه الاول فان كان غرض الناجش غش المشتري وتغريره في المعاملة، فان مقتضى القاعدة حينئذ هو حرمة الغش مع تحقق المعاملة في الخارج، فقد عرفت في البحث عن حرمة الغش ان غش المؤمن في المعاملة حرام لاستفاضة الروايات عليه، وان لم تقع المعاملة في الخارج أو وقعت فيه بغير غش وتغرير فلا دليل على حرمته، الا من حيث التجري. وقد يقال بحرمة النجش بهذا المعنى لكونه اضرارا للمشتري، وهو حرام. وفيه اولا: ان المشتري انما اقدم على الضرر بارادته واختياره، وان كان الدافع له على الاقدام هو الناجش. وثانيا: ان الدليل اخص من المدعي، فان الناجش انما يوقع المشتري في الضرر إذا كان الشراء بأزيد من القيمة السوقية، واما إذا وقعت المعاملة على السلعة بأقل من القيمة السوقية أو بما يساويها، فان النجش لا يوجب اضرارا للمشتري، الا أن يمنع من صدق مفهوم النجش على ذلك، كما يظهر من غير واحد من اهل اللغة، كالمصباح وتاج العروس


1 - انظر جامع المقاصد 4: 39، مجمع الفائدة 8: 139، جواهر الكلام 22: 476. 2 - حكاه كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط): 31.

[ 661 ]

وغيرهما، وقد تقدمت كلماتهم في الهامش. وقد يستدل (1) على حرمة النجش في هذه الصورة بقول النبي (صلى الله عليه وآله): لعن الناجش والمنجوش له (2)، وبقوله (صلى الله عليه وآله): ولا تناجشوا (3). وفيه أولا: ان هذين النبويين ضعيفا السند، ودعوى انجبارهما بالاجماع المنقول كما في المتن دعوى غير صحيحة، فانه ان كان حجة وجب الاخذ به في نفسه والا فان ضم غير الحجة الى مثله لا يفيد الحجية. وثانيا: انهما مختصان بصورة مواطاة الناجش مع البائع على النجش، كما هو الظاهر من لعن المنجوش له في النبوي الاول، والنهي عن التناجش في النبوي الثاني، وكلامنا اعم من ذلك. وأما الوجه الثاني، أعني مدح السلعة لترغيب الناس فيها، فان كان المدح بما ليس فيها من الاوصاف كان حراما من جهة الكذب، وان كان مدحه للسلعة بما فيها من الاوصاف ولكن بالغ في مدحها مع قيام القرينة على ارادة المبالغة فلا بأس به، فقد ذكرنا في مبحث حرمة الكذب ان المبالغة جائزة في مقام المحاورة والمحادثة ما لم تجر الى الكذب. وأما الروايتان المتقدمتان، فمضافا الى ضعف السند فيهما كما عرفت، انهما راجعتان الى الصورة الاول، إذ لا وجه لحرمة مدح السلعة الا إذا انطبق عليه عنوان محرم من الكذب أو الغش أو غيرهما من العناوين


1 - كما في جامع المقاصد 4: 39، منتهى المطلب 2: 1004. 2 - الكافي 17: 458، عنه الوسائل 17: 458، وقد تقدم في البحث عن وصل شعر المرأة بشعر غيرها. 3 - معاني الاخبار: 284، عنه الوسائل 17: 459، مجهولة لعلي بن عبد العزيز وغيره. دعائم الاسلام 2: 30، عنه المستدرك 13: 286، مرسل.

[ 662 ]

المحرمة، فيكون محرما من تلك الجهة لا من جهة كونه مدحا للسلعة (1). والحاصل انه لا دليل على حرمة النجش في نفسه الا إذا انطبق عليه عنوان آخر محرم، فانه يكون حراما من هذه الجهة. المسألة (24) حرمة النميمة قوله: الرابعة والعشرون: النميمة (2) محرمة بالادلة الاربعة. أقول: لا خلاف بين المسلمين في حرمتها، بل هي من ضروريات الاسلام، وهي من الكبائر المهلكة، وقد تواترت الروايات من طرق الشيعة (3) ومن طرق العامة (4) على حرمتها، وعلى كونها من الكبائر، بل يدل على حرمتها جميع ما دل على حرمة الغيبة، وقد استقل العقل بحرمتها لكونها قبيحة في نظره. وأما الاجماع فهو بقسميه وان كان منعقدا على حرمتها، ولكن الظاهر ان مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة في المسألة، وليس اجماعا تعبديا، وقد تقدم نظيره مرارا.


1 - حكي الكراهة عن بعض، حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 106، عن الشرايع 2: 21، المختصر النافع 1: 120، الارشاد 1: 359، التنقيح 2: 40. 2 - فسروا النميمة في اللغة بأنها نقل الحديث من قوم الى قوم على وجهة الافساد والشر، بأن يقول: تكلم فلان فيك بكذا، وهي مأخوذة من نم الحديث بمعنى السعي لايقاع الفتنة واثارة الفساد. 3 - في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا انبئكم بشراركم، قالوا: بلي يا رسول الله، قال: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الاحبة (الكافي 2: 274، الزهد: 6، الفقيه 4: 271، عنهم الوسائل 12: 2 306. 4 - راجع سنن البيهقي 10: 246.

[ 663 ]

وقد يستدل على حرمتها بجملة من الايات: منها: قوله تعالى: ويقطعون ما امر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (1)، بدعوى ان النمام قاطع لما امر الله بصلته ويفسد في الارض فسادا كبيرا فتلحق له اللعنة وسوء الدار. وفيه: ان الظاهر من الاية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو توجه الذم الى الذين امروا بالصلة والتوادد، فاعرضوا عن ذلك. ومن هنا قيل (2): ان معنى الاية انهم امروا بصلة النبي والمؤمنين فقطعوهم، وقيل: امروا بصلة الرحم والقرابة فقطعوها، وقيل: امروا بالايمان بجميع الانبياء والكتب ففرقوا وقطعوا ذلك، وقيل: امروا أن يصلوا القول بالعمل ففرقوا بينهما، وقيل: معنى الاية انهم امروا بوصل كل من امر الله بصلته من اوليائه والقطع والبراءة من اعدائه، وهو الاقوى لانه اعم، ويدخل فيه جميع المعاني. وعلى كل حال فالنمام لم يؤمر بالقاء الصلة والتوادد بين الناس لكي يحرم له قطع ذلك فالاية غربية عنه. وأما الاستدلال على الحرمة (3) بقوله تعالى: ويفسدون في الارض - الخ، فانه وان كان صحيحا في الجملة، كما إذا كانت النميمة بين العشائر والسلاطين، فانها كثيرا ما تترتب عليها مفسدة مهمة، ولكن الاستدلال بها اخص من المدعي، إذ لا تكون النميمة فسادا في الارض في جميع الموارد وان اوجبت العداوة والبغضاء غالبا.


1 - الرعد: 25. 2 - راجع مجمع البيان ط صيدا 1: 70، سورة البقرة: 187. 3 - كما عن كاشف الغطاء في شرح القواعد: 20 (مخطوط)، انظر الجواهر 22: 73.

[ 664 ]

ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: والفتنة اشد من القتل (1)، فان النميمة قد تجر الى قتل النفوس المحترمة وهتك الاعراض ونهب الاموال، ولكنها ليست كذلك في جميع الاحوال، بل المراد من الفتنة هو الشرك كما ذكره الطبرسي (2)، وانما سمي الشرك فتنة لانه يؤدي الى الهلاك، كما ان الفتنة تؤدي الى الهلاك. ثم ان النسبة بين النميمة والغيبة هي العموم من وجه، ويشتد العقاب في مورد الاجتماع. وقد تزاحم حرمة النميمة عنوان آخر مهم في نظر الشارع فتجري فيها قواعد التزاحم المعروفة، فقد تصبح جائزة إذا كان المزاحم أهم منها (3)، وقد يكون واجبة إذا كانت أهميته شديدة (4)، ويتضح ذلك بملاحظة ما تقدم (5). المسألة (25) النياحة قوله: الخامسة والعشرون: النوح بالباطل. أقول: اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسألة على ثلاثة اقوال:


1 - البقرة: 187. 2 - راجع مجمع البيان 1: 286. 3 - راجع المحجة البيضاء 5: 277. 4 - كما في ايقاع الفتنة بين المشركين، كما عن صاحب الجواهر في الجواهر 22: 73، والسيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 68. 5 - تقدم في نصح المستشير من مستثنيات الغيبة.

[ 665 ]

1 - القول بحرمة النوح مطلقا، وقد ذهب إليه جمع من الاصحاب (1). 2 - القول بالكراهة مطلقا وهو المحكي عن مفتاح الكرامة. 3 - القول بالتفصيل بين النوح بالباطل فيحرم والنوح بالحق فيجوز (2)، وقد اختاره المصنف. ثم انه اختلف اصحاب القول بالتفصيل، فذهب بعضهم الى جواز النوح بالحق من غير كراهة، وذهب بعضهم الى جواز ذلك على كراهة، وذهب بعضهم الى أن النوح بالحق إذا اشترطت فيه الاجرة كان مكروها والا فلا بأس به. والتحقيق ان الاخبار الواردة في مسألة النياحة على طوائف شتى: 1 - ما دل (3) على المنع من النياحة مطلقا، سواء كانت بالباطل ام بالحق. 2 - ما دل (4) على جوازها وجواز اخذ الاجرة عليها كذلك مطلقا.


1 - المبسوط 1: 189، الوسيلة: 69. 2 - المقنعة: 588، النهاية: 365، المراسم: 170، السرائر 2: 222، شرايع الاسلام 2: 10، الارشاد 1: 357، قواعد الاحكام: 121، الدروس 3: 162. 3 - عن الزعفراني عن أبي عبد الله (عليه السلام): ومن اصيب بمصيبته فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها (الكافي 6: 432، عنه الوسائل 17: 127)، ضعيفة بسلمة بن الخطاب. وفي رواية الخصال: ان النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران (الخصال: 226، عنه الوسائل 17: 128)، مجهولة لسليمان بن جعفر البصري. وفي حديث المناهي: نهى عن النياحة (الفقيه 4: 3، عنه الوسائل 1: 128)، مجهولة لشعيب ابن واقد. وفي المستدرك: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النائحة (لب اللباب، مخطوط، عنه المستدرك 13: 94)، مرسلة. وفي سنن البيهقي 10: 246 ما يدل على كفر النياحة على الميت. 4 - كصحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا للنوادب تندبنى عشر سنين بمنى ايام منى (الكافي 5: 117، التهذيب 6: 358، عنهما الوسائل 17: 125). وكصحيحة الثمالي (الكافي 5: 117، عنه الوسائل 17: 125). وفي جملة من الروايات: لا بأس بأجر النائحة (الفقيه 3: 98، التهذيب 6: 359، الاستبصار 3: 60، عنهم الوسائل 17: 127).

[ 666 ]

3 - ما دل (1) على جواز كسب النائحة إذا قالت صدقا وعدم جوازه إذا قالت كذبا. 4 - ما يدل (2) بظاهره على الكراهة، وهي روايتان تضمنت احداهما ان السائل سأل عن النياحة، والاخرى عن كسب النائحة، فكرههما الامام (عليه السلام)، على أنهما غير ظاهرتين في الكراهة المصطلحة، فكثيرا ما يراد بالكراهة في الاخبار التحريم، وحينئذ فتكون هاتان الروايتان من الطائفة الاولى الدالة على المنع مطلقا. ومقتضى الجمع بينها حمل الاخبار المانعة على النوح بالباطل، وحمل الاخبار المجوزة وما هو ظاهر في الكراهة على النوح بالصدق وعليه، فالنتيجة هي جواز النياحة بالصدق على كراهة محتملة. وبتقريب آخر: ان قوله (عليه السلام): لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا، وما في معناه يدل بالالتزام على جواز نفس النوح بالحق، فيقيد به اطلاق الروايات المانعة، وبعد تقييدها تنقلب نسبتها الى الروايات


1 - عن الفقيه قال: قال (عليه السلام): لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (الفقيه 3: 98، عنه الوسائل 17: 128)، مرسل. 2 - عن سماعة قال: سألته عن كسب المغنية والنائحة فكرهه (التهذيب 6: 359، الاستبصار 3: 60، عنهما الوسائل 17: 128)، ضعيفة بعثمان بن عيسى. عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن النوح على الميت أيصلح؟ قال: يكره (مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 156، قرب الاسناد: 221، عنهما الوسائل 17: 129) صحيحة.

[ 667 ]

الدالة باطلاقها على الجواز، فتكون مخصصة لها، فيكون النوح بالباطل حراما والنوح بالحق جائزا على الكراهة المحتملة، هذا ما يرجع الى حكم النياحة. وقد يقال بانها حينئذ معارضة بما دل على حرمة الكذب، وحرمة الغناء، وحرمة اسماع المرأة صوتها للاجانب، وحرمة النوح في آلات اللهو، والمعارضة بينها بنحو العموم من وجه. ولكنها دعوى جزافية، فان هذه الروايات تدل على جواز النوح بعنوانه الاولي مع قطع النظر عن انطباق العناوين المحرمة عليه، فلا تكون معارضة لها بوجه. وأما كسب النائحة، فما دل على جوازه مطلقا مقيد بمفهوم ما دل على جوازه إذا كان النياح بالحق، ولكن هذه الرواية الظاهرة في تقييد ما دل على جواز كسب النائحة مطلقا ضعيفة السند، نعم يكفي في التقييد ما تقدم مرارا من أن حرمة العمل بنفسه يكفي في حرمة الكسب مع قطع النظر عن الادلة الخارجية. وقد يقال بتقييد المطلقات بقوله (عليه السلام) في رواية حنان بن سدير: لا تشارط وتقبل ما اعطيت (1)، وعليه فالنتيجة ان كسب النائحة جائز إذا قالت حقا ولم تشارط. - 1 - الكافي 5: 117، التهذيب 6: 358، الاستبصار 3: 60، قرب الاسناد: 58، عنهم الوسائل 17: 126، موثقة بحنان بن سدير.

[ 668 ]

وفيه: انه قد تقدم في البحث عن كسب الماشطة ان النهي عن الاشتراط في امثال هذه الصنائع والامر بقبول ما يعطي صاحبها انما هو ارشاد الى أن الاشتراط فيها لا يناسب شؤون نوع الناس، وان المبذول لهؤلاء لا يقل عن اجرة المثل، وهذا لا ينافي جواز رد المبذول إذا كان اقل من اجرة المثل، وعلى هذا فلا دلالة فيها على التقييد. هذا كله مع الاغضاء عن اسانيد الروايات وصونها عن الطرح، والا فان جميعها ضعيف السند، غير ما هو ظاهر في جواز النياح على وجه الاطلاق، وما هو ظاهر في الكراهة، وما هو ظاهر في جواز كسب النائحة إذا لم تشارط كرواية حنان المتقدمة، واذن فتبقى هذه الروايات سليمة عن المعارض. المسألة (26) حرمة الولاية من قبل الجائر قوله: السادسة والعشرون: الولاية من قبل الجائر، وهي صيرورته واليا على قوم منصوبا من قبله محرمة. أقول: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في حرمة الولاية من قبل الجائر في الجملة، وتدل عليه الاخبار المستفيضة بل المتواترة (1)، وقد تقدم بعضها في البحث عن حرمة معونة الظالمين، كقوله (عليه السلام): من سود اسمه في ديوان ولد سابع - مقلوب عباس - حشره الله يوم القيامة خنزيرا، وغير ذلك من الروايات. ويدل على الحرمة ايضا ما في رواية تحف العقول، من قوله (عليه السلام):


1 - راجع الكافي 5: 105 - 109، التهذيب 6: 330 - 332، الوسائل 17: 187 - 192.

[ 669 ]

ان في ولاية الوالي الجائر دروس الحق كله، واحياء الباطل كله، واظهار الظلم والجور والفساد، وابطال الكتب وقتل الانبياء، وهدم المساجد وتبديل سنة الله وشرايعه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم الا بجهة الضرورة، نظير الضرورة الى الدم والميتة. وهذه الرواية وان كانت ضعيفة السند، كما تقدم الكلام عليها في اول الكتاب، الا ان تلك التعليلات المذكورة فيها تعليلات صحيحة، فلا بأس بالتمسك بها. ثم ان ظاهر جملة من الروايات كون الولاية من قبل الجائر بنفسها محرمة، وهي أخذ المنصب منه وتسويد الاسم في ديوانه وان لم ينضم إليها القيام بمعصية عملية اخرى، من الظلم وقتل النفوس المحترمة، واصابة اموال الناس واعراضهم، وغيرها من شؤون الولاية المحرمة. فأي وال من ولاة الجور ارتكب شيئا من تلك العناوين المحرمة يعاقب بعقابين: احدهما من جهة الولاية المحرمة، وثانيهما من جهة ما ارتكبه من المعاصي الخارجية. وعليه فالنسبة بين عنوان الولاية من قبل الجائر وبين تحقق هذه الاعمال المحرمة هي العموم من وجه، فقد يكون احد واليا من قبل الجائر ولكنه لا يعمل شيئا من الاعمال المحرمة، وان كانت الولاية من الجائر لا تنفك عن المعصية غالبا، وقد يرتكب غير الوالي شيئا من هذه المظالم الراجعة الى شؤون الولاة تزلفا إليهم وطلبا للمنزلة عندهم، وقد يجتمعان، بأن يتصدى الوالي نفسه لاخذ الاموال وقتل النفوس وارتكاب المظالم.

[ 670 ]

ما استثني من حرمة الولاية: 1 - أخذها للقيام بمصالح العباد: قوله: ثم انه يسوغ الولاية المذكورة امران: احدهما القيام بمصالح العباد بلا خلاف - الخ. أقول: قد استثني من الولاية المحرمة امران: الاول أن يتولاها للقيام بمصالح العباد، الثاني أن يتولاها مكرها على قبولها والعمل باعمالها. أما الامر الاول، فقد استدل المصنف عليه بوجوه: 1 - ان الولاية ان كانت محرمة لذاتها كان ارتكابها لاجل المصالح ودفع المفاسد التي هي اهم من مفسدة انسلاك الشخص في اعوان الظلمة بحسب الظاهر وان كانت لاستلزامها الظلم على الغير، فالمفروض عدم تحققه هنا. وفيه: ان كان المراد من المصالح حفظ النفوس والاعراض ونحوهما، فالمدعى اعم من ذلك، وان كان المراد منها ان القيام بامور المسلمين والاقدام على قضاء حوائجهم وبذل الجهد في كشف كرباتهم من الامور المستحبة والجهات المرغوب بها في نظر الشارع المقدس، فلا شبهة ان مجرد ذلك لا يقاوم الجهة المحرمة، فان المفروض ان الولاية من قبل الجائر حرام في نفسها، وكيف ترتفع حرمتها لعروض بعض العناوين المستحبة عليها. على أنه (رحمه الله) قد اعترف آنفا بان الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية، وعليه فلا يجوز الاقدام على المعصية لرعاية الامور المستحبة، وقد اعترف ايضا في البحث عن جواز الغناء في قراءة القرآن بأن ادلة الاحكام الالزامية لا تزاحم بادلة الاحكام الترخيصية، وقد أوضحنا المراد في المبحث المذكور.

[ 671 ]

2 - الاجماع. وفيه: انه وان كان موجودا في المقام ولكنه ليس بتعبدي. 3 - وهو العمدة، الاخبار المتظافرة (1) الظاهرة في جواز الولاية من الجائر للوصول الى قضاء حوائج المؤمنين، وبعضها وان كان ضعيف السند ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية. وبهذه الاخبار نقيد المطلقات الظاهرة في حرمة الولاية من قبل الجائر على وجه الاطلاق. لا يقال: ان الولاية عن الجائر محرمة لذاتها كالظلم ونحوه، فلا تقبل التخصيص بوجه ولا ترفع اليد عنها الا في موارد الضرورة. فانه يقال: ان غاية ما يستفاد من الادلة هي كون الولاية بنفسها محرمة، وأما الحرمة الذاتية فلم يدل عليها دليل من العقل أو النقل، وان ذهب إليه العلامة الطباطبائي في محكي الجواهر (2). وقد يستدل (3) على جواز الولاية عن الجائر في الجملة بقوله تعالى حاكيا عن يوسف (عليه السلام): اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم (4).


1 - عن الفقيه عن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): ان لله مع السلطان اولياء يدفع بهم عن أوليائه (الفقيه 3: 108، الكافي 5: 112، عنهما الوسائل 17: 192)، صحيحة. وفي خبر آخر: اولئك عتقاء الله من النار (الفقيه 3: 108، عنه الوسائل 17: 192)، وغير ذلك من الروايات الكثيرة. راجع الكافي 5: 109 - 111، التهذيب 3: 333 - 335، الفقيه 3: 108، الوسائل 17: 192 - 199. 2 - الجواهر 22: 159. 3 - كما عن الراوندي في فقه القرآن 2: 24. 4 - يوسف: 55.

[ 672 ]

وفيه اولا: انه لم يظهر لنا وجه الاستدلال بهذه الاية على المطلوب. وثانيا: أن يوسف (عليه السلام) كان مستحقا للسلطنة وانما طلب منه حقه فلا يكون واليا من قبل الجائر. أقسام الولاية من قبل الجائر: إذا جازت الولاية عن الجائر فهل تتصف بالكراهة والرجحان ام هي مباحة؟ فنقول: قد عرفت انه لا اشكال في جواز الولاية عن الجائر إذا كان الغرض منه الوصول الى قضاء حوائج المؤمنين، فشأنها حينئذ شأن الكذب للاصلاح على ما تقدم الكلام عليه، وانما الكلام في اتصافها بالرجحان تارة وبالمرجوحية اخرى، الذي ظهر لنا من الاخبار ان الولاية الجائزة قد تكون مباحة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة. أما المباح فهو ما يظهر من بعض الروايات (1) المسوغة للولاية عن الجائر في بعض الاحوال كما ذكره المصنف. وأما المكروه فيستفاد من رواية أبي نصر (2) الدالة على أن الوالي عن


1 - عن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء وهو يحب آل محمد (عليهم السلام) ويخرج مع هؤلاء فيقتل تحت رايتهم، قال: يبعث الله على نيته (التهذيب 6: 338، عنه الوسائل 17: 201)، صحيحة. وفي غير واحد من الروايات ما يدل على اباحة الولاية عن الجائر مع المواساة والاحسان الى الاخوان. 2 - عن أبي نصر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما من جبار الا ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين، وهو أقلهم حظا في الاخرة، يعني أقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار (الكافي 5: 111، التهذيب 6: 336، عنهما الوسائل 17: 186)، مجهولة بمهران بن محمد بن أبي نصر.

[ 673 ]

الجائر الذي يدفع الله به عن المؤمنين اقل حظا منهم يوم القيامة، فان الظاهر منها ان الولاية الجائزة عن الجائر مكروهة مطلقا. وأما المستحبة، فتدل عليه جملة من الروايات، إذ الظاهر من رواية محمد بن اسماعيل (1) وغيرها ان الولاية الجائزة عن الجائر مستحبة على وجه الاطلاق، فيقع التنافي بينها وبين ما تقدم من دليل الكراهة. وجمعهما المصنف (رحمه الله) بحمل رواية أبي نصر على من تولى لهم لنظام معاشه قاصدا للاحسان في خلال ذلك الى المؤمنين ودفع الضرر عنهم، وحمل ما هو ظاهر في الاستحباب على من لم يقصد بدخوله الا الاحسان الى المؤمنين، الا انه لم يذكر وجهه. والتحقيق ان رواية أبي نصر ظاهرة في مرجوحية الولاية الجائزة مطلقا، سواء كانت لنظام المعاش مع قصد الاحسان الى المؤمنين ام كانت لخصوص اصلاح شؤونهم، ورواية محمد بن اسماعيل ظاهرة في محبوبية الولاية عن الجائر إذا كانت لاجل ادخال السرور على المؤمنين من الشيعة.


1 - في رجال النجاشي حكي بعض اصحابنا عن ابن الوليد قال: وفي رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): ان لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله له البرهان ومكن له في البلاد ليدفع بهم عن اوليائه، ويصلح الله به امور المسلمين إليهم يلجأ المؤمن من الضرر واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، اولئك المؤمنون حقا، اولئك امناء الله في ارضه، اولئك نور الله في رعيتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لاهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لاهل الارض، اولئك من نورهم يوم القيامة تضئ منهم القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم - الحديث (رجال النجاشي: 331، ذيل ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع، الرقم: 893، مرسل.

[ 674 ]

ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام): فهنيئا لهم ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك، قال: تكون معهم فتسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن معهم يا محمد. وعليه فتقيد هذه الرواية رواية أبي نصر، وحينئذ فتختص الكراهة بما إذا قصد بالولاية عن الجائر حفظ معاشه وكان قصد الاحسان الى الشيعة ضمنا في خلال ذلك، وإذا فتنقلب النسبة وتصبح رواية أبي نصر مقيدة لما هو ظاهر في رجحان الولاية الجائزة، سواء كانت لحفظ المعاش ام لدفع الضرر عن المؤمنين من الشيعة، كروايتي المفضل (1) وهشام بن سالم (2). وتكون النتيجة ان الولاية من قبل الجائر ان كانت لحفظ المعاش مع قصد الاحسان الى المؤمنين فهي مكروهة، وان كانت للاحسان إليهم فقط فهي مستحبة هذا. ولكن رواية أبي نصر لضعف سندها قاصرة عن اثبات الكراهة الا على القول بشمول قاعدة التسامح لادلة الكراهة، وأما روايتا المفضل وهشام فانهما وان كانتا ضعيفتي السند الا انهما لا تقصران عن اثبات الاستحباب على وجه الاطلاق، بناء على قاعدة التسامح في ادلة السنن المعروفة.


1 - وعن المفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من سلطان الا ومعه من يدفع الله به عن المؤمنين، اولئك أوفر حظا في الاخرة (المجموع الرائق: 176، عنه المستدرك 13: 136)، مرسل. 2 - في المستدرك عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان لله مع ولاة الجور اولياء يدفع بهم عن اوليائه اولئك هم المؤمنون حقا (المجموع الرائق: 176، عنه المستدرك 13: 136)، مرسل.

[ 675 ]

وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ما في كلام المحقق الايرواني (1)، حيث حمل الروايات الدالة على أن في أبواب السلاطين والجائرين من يدفع الله بهم عن المؤمنين على غير الولاية، من وجوه البلد واعيانه الذين يختلفون إليه لاجل قضاء حوائج الناس. وأعجب من ذلك دعواه ان العمال في الغالب لا يستطيعون التخطي عما نصبوا لاجله وفوض إليهم من شؤون الولاية. ووجه العجب انه لا شبهة في تمكنهم من الشفاعات واقتدارهم على المسامحة في المجازات واطلاعهم على طريق الاغماض عن الخطيئات، ولا سيما من كان من ذوي المناصب العالية. وأما الواجب من الولاية فهو على ما ذكره المصنف ما يتوقف عليه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان، فان ما لا يتم الواجب الا به واجب مع القدرة، ثم استظهر من كلمات جماعة عدم الوجوب في هذه الصورة ايضا (2)، بل في الجواهر (3) انه لم يحك عن احد التعبير بالوجوب الا عن الحلي في سرائره (4). والذي يهمنا في المقام هو بيان مدرك الحكم بالوجوب، والكلام يقع فيه تارة من حيث القواعد واخرى من حيث الروايات. أما الناحية الاولى، ففي الجواهر: يمكن أن يقال ولو بمعونة كلام الاصحاب بناء على حرمة الولاية في نفسها، انه تعارض ما دل على الامر


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 46. 2 - النهاية: 356، الشرايع 2: 12، المسالك 3: 138، المناهل: 316. 3 - جواهر الكلام 22: 164. 4 - السرائر 2: 202.

[ 676 ]

بالمعروف وما دل على حرمة الولاية من الجائر، ولو من وجه، فيجمع بينهما بالتخيير المقتضي للجواز، رفعا لقيد المنع من الترك مما دل على الوجوب والمنع من الفعل مما دل على الحرمة (1). وفيه: ان ملاك التعارض بين الدليلين هو ورود النفي والاثبات على مورد واحد بحيث يقتضي كل منهما نفي الاخر عن موضوعه، ومثاله أن يرد دليلان على موضوع واحد فيحكم احدهما بوجوبه والاخر بحرمته، وحيث انه لا يقع اجتماع الحكمين المتضادين في محل واحد فيقع بينهما التعارض ويرجع الى قواعده، ومن المقطوع به ان الملاك المذكور ليس بموجود في المقام. والوجه فيه ان موضوع الوجوب هو الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وموضوع الحرمة هو الولاية من قبل الجائر، وكل من الموضوعين لا مساس له بالاخر بحسب طبعه الاولي، فلا شئ من أفراد احد الموضوعين فردا للاخر. نعم المقام من قبيل توقف الواجب على مقدمة محرمة، وعليه فيقع التزاحم بين الحرمة المتعلقة بالمقدمة وبين الوجوب المتعلق بذي المقدمة، نظير الدخول الى الارض المغصوبة لانقاذ الغريق أو انجاء الحريق، ويرجع الى قواعد باب التزاحم المقررة في محله. وعلى هذا فقد تكون ناحية الوجوب اهم فيؤخذ بها، وقد تكون ناحية الحرمة اهم فيؤخذ بها، وقد تكون احدى الناحيتين بخصوصها محتمل الاهمية فيتعين الاخذ بها كذلك، وقد يتساويان في الملاك فيتخير المكلف في اختيار أي منهما شاء، هذا ما تقتضيه القاعدة، الا ان كشف


1 - جواهر الكلام 22: 164.

[ 677 ]

اهمية الملاك والعلم بوصوله الى حد الالزام في غاية الصعوبة. وأما الكلام في الناحية الثانية، فقد دلت الايات المتظافرة والروايات المتواترة من الفريقين على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك دلت الروايات المستفيضة بل المتواترة على أنه لا بأس بالولاية من قبل الجائر إذا كانت لاصلاح امور المؤمنين من الشيعة، وقد تقدم بعضها، وبها قيدنا ما دل على حرمة الولاية عن الجائر مطلقا. ومن الواضح ان الامور الجائزة إذا وقعت مقدمة للواجب كانت واجبة شرعا كما هو معروف بين الاصوليين أو عقلا كما هو المختار، وعليه فلا مانع من اتصاف الولاية الجائزة بالوجوب المقدمي إذا توقف عليها الواجب كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. على أنه إذا جازت الولاية عن الجائر لاصلاح امور المؤمنين جازت ايضا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، اما بالفحوى أو لان ذلك من جملة اصلاح امورهم، وقد اشار المحقق الايرواني الى هذا (1). وقد اتضح ان المقام من صغريات باب التزاحم دون التعارض، كما يظهر من صاحب الجواهر بعد كلامه المتقدم (2). ثم ان الظاهر من بعض الروايات ان الدخول في الولاية غير جائز ابتداءا الا ان الاحسان الى المؤمنين يكون كفارة له. ومما يدل على ذلك قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السلام) قال: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان (3).


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 46. 2 - الجواهر 22: 165. 3 - راجع الفقيه 3: 108، عنه الوسائل 17: 193.

[ 678 ]

وقوله (عليه السلام) في رواية زياد بن أبي سلمة: فان وليت شيئا من اعمالهم فأحسن الى اخوانك تكون واحدة بواحدة (1). ولكن هذا الرأي على اطلاقه ممنوع، فان الظاهر من هاتين الروايتين ومن غيرهما من الاخبار هو اختصاص ذلك بما إذا كان الدخول في الولاية حراما ابتداءا ثم اصبح جائزا بعد ذلك، ثم تبدل قصده الى اصلاح امور المؤمنين والاحسان الى اخوانه في الدين، كيف وقد عرفت اطباق الروايات على استحباب الولاية عن الجائر لقضاء حوائج المؤمنين واصلاح شؤونهم، على أن الروايتين ضعيفتا السند. ولا يخفى ان كلمات الاصحاب هنا في غاية الاختلاف، حيث ذهب بعضهم الى الوجوب، وبعضهم الى الاستحباب، وبعضهم الى مطلق الجواز. وقد جمع المصنف (رحمه الله) بين شتات آرائهم، بأن من عبر بالجواز (2) مع التمكن من الامر بالمعروف انما اراد به الجواز بالمعنى الاعم، فلا ينافي الوجوب، ومن عبر بالاستحباب (3) انما اراد به الاستحباب التعييني، وهو لا ينافي الوجوب الكفائي، نظير قولهم: يستحب تولى القضاء لمن يثق بنفسه (4) مع أنه واجب كفائي، أو كان مرادهم ما إذا لم يكن هنا معروف


1 - الكافي 5: 109، التهذيب 6: 333، عنهما الوسائل 17: 194، ضعيفة بزياد بن أبي سلمة وصالح بن أبي حماد، ومجهولة بالحسين بن الحسن الهاشمي. 2 - كالعلامة في القواعد 1: 122. 3 - كالمحقق في الشرايع 2: 12. 4 - قاله المحقق في الشرايع 4: 68، والعلامة في التحرير 2: 179، القواعد 2: 201، والمحقق السبزواري في الكفاية: 262، وغيرهم.

[ 679 ]

متروك أو منكر مفعول لتجب الولاية مقدمة للامر بالمعروف أو النهي عن المنكر. وعلى الجملة لا شبهة في وجوب الولاية عن الجائر إذا توقف عليها الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر الواجبين. 2 - قبول الولاية من قبل الجائر مكرها: وأما الامر الثاني، وهو قبول الولاية من قبل الجائر مكرها، فلا خلاف فيه ولا شبهة في ان هذه المسألة من المسائل المهمة التي يبتلي بها اكثر الناس، ويتفرع عنها فروع كثيرة، وهي من صغريات جواز مخالفة التكليف بالاكراه أو الاضطرار، بحيث يشق على المكره أو المضطر أن يتحمل الضرر المتوعد به، سواء كان ماليا ام عرضيا، ام نفسيا ام اعتباريا، وسواء تعلق بنفسه ام بعشيرته الاقربين. وهذه الكبرى مما لا خلاف فيها بين الفريقين نصا وفتوى، ويدل على صدقها في الجملة قوله تعالى: الا ان تتقوا منهم تقاة (1)، وقوله تعالى: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (2)، وقد تقدم الكلام عليهما في البحث عن جواز الكذب لدفع الضرورة. أما الصغرى فتدل عليها جملة من الروايات الخاصة (3) الواردة في قبول الولاية عن الجائر مكرها.


1 - آل عمران: 28. 2 - النحل: 106. 3 - راجع الكافي 5: 111، التهذيب 6: 335، عيون الاخبار 2: 140، عنهم الوسائل 17: 201 - 207.

[ 680 ]

التنبيهات: 1 - حكم الاضرار بالناس مع الاكراه: قوله: وينبغي التنبيه على امور، الاول. أقول: قد عرفت انه لا شبهة في ان الاكراه يسوغ الدخول في الولاية من قبل الجائر، وكذلك لا شبهة في جواز العمل للمكره بما يأمره الجائر من المحرمات ما عدا هراقة الدم، فان التقية انما شرعت لتحقن بها الدماء فإذا بلغت الدم فلا تقية فيه. وانما الاشكال في انه هل يجوز الاضرار بالناس إذا اكره على الاضرار بهم، كنهب اموالهم وهتك اعراضهم، وايقاع النقص في شؤونهم وعظائم امورهم، سواء كان الضرر الذي توعد به المكره اقل من الضرر الذي يوجهه الى الغير ام اكثر، أو لابد من الاقدام على اقل الضررين وترجيحه على الاخر. ذكر المصنف (رحمه الله) انه قد يقال بالاول، استنادا الى ادلة الاكراه ولان الضروريات تبيح المحظورات، وقد يقال بالثاني، إذ المستفاد من ادلة الاكراه ان تشريع ذلك انما هو لدفع الضرر، وواضح انه لا يجوز لاحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره حتى فيما إذا كان ضرر الغير اقل فضلا عما إذا كان اعظم. والوجه في ذلك ان حديث رفع الاكراه والاضطرار مسوق للامتنان على الامة، ومن المعلوم ان دفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره على خلاف الامتنان، فلا يكون مشمولا للحديث، ثم انه (رحمه الله) اختار الوجه الاول، واستدل عليه بوجوه سنذكرها. وتحقيق المقام يقع في ثلاث نواحي:

[ 681 ]

الناحية الاولى: أن يتوجه الضرر ابتداءا الى احد من غير أن يكون لفعل الاخر مدخل فيه، كتوجه السيل الى داره أو بستانه، وكتوجه الظلمة أو السراق الى نهب امواله أو هتك اعراضه، ولا شبهة في ان هذا القسم من الضرر لا يجوز دفعه بالاضرار بغيره، تمسكا بادلة نفي الاكراه والضرر والحرج، بداهة انها مسوقة للامتنان على جنس الامة، وبديهي ان دفع الضرر المتوجه الى احد بالاضرار بغيره خلاف الامتنان على الامة، فلا يكون مشمولا للادلة المذكورة. على أنه لو جاز لاحد أن يدفع الضرر عن نفسه ولو بالاضرار بالغير لجاز للاخر ذلك ايضا، لشمول الادلة لهما معا، فيقع التعارض في مضمونها، وحينئذ فالتمسك بها لدفع الضرر عن احد الطرفين بالاضرار بالاخر ترجيح بلا مرجح، وعليه فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها في مورد الاجتماع ويرجع فيه الى ادلة حرمة التصرف في اموال الناس. نعم إذا كان الضرر المتوجه الى الشخص مما يجب دفعه على كل احد كقتل النفس المحترمة وما يشبهه، وامكن دفعه بالاضرار بالغير كان المقام حينئذ من صغريات باب التزاحم فيرجع الى قواعده. الناحية الثانية: أن يتوجه الضرر ابتداءا الى الغير على عكس الصورة السابقة، وقد ظهر حكم ذلك من الناحية الاولى كما هو واضح. الناحية الثالثة: أن يتوجه الضرر الى الغير ابتداءا والى المكره على تقدير مخالفته لما امر به الجائر، وكان الضرر الذي توعده المكره - بالكسر - امرا مباحا في نفسه، كما إذا اكرهه الظالم على نهب مال غيره وجلبه إليه، والا فيحمل اموال نفسه إليه. وفي هذه الصورة لا بد للمكره من تحمل الضرر بترك النهب، ومن الواضح ان دفع المكره امواله للجائر مباح في نفسه حتى في غير حال

[ 682 ]

الاكراه، ونهب اموال الناس وجلبه الى الجائر حرام في نفسه ولا يجوز رفع اليد عن المباح بالاقدام على الحرام. وقد استدل المصنف (رحمه الله) على عدم وجوب تحمل الضرر بوجوه: 1 - ان دليل نفي الاكراه يعم جميع المحرمات حتى الاضرار بالغير ما لم يجر الى اراقة الدم. 2 - ان تحمل الضرر حرج عظيم، وهو مرفوع في الشريعة المقدسة. وجواب الوجهين يتضح مما قدمناه في الجهة الاولى. 3 - الاخبار (1) الدالة على أن التقية انما جعلت لتحقن بها الدماء، فإذا بلغت الدم فلا تقية، فالظاهرها جواز التقية في غير الدماء بلغت ما بلغت. وفيه: ان الظاهر من هذه الاخبار ان التقية انما شرعت لحفظ بعض الجهات المهمة كالنفوس وما اشبهها، فإذا ادت الى اتلاف ما شرعت لاجله فلا تقية، لان ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال، وليس مفاد الروايات المذكورة هو جواز التقية في غير تلف النفس لكي يترتب عليه جواز اضرار الغير لدفع الضرر عن نفسه. والغرض من تشريع التقية قد يكون حفظ النفس، وقد يكون حفظ العرض، وقد يكون حفظ المال ونحوه، وحينئذ فلا يشرع بها هتك الاعراض ونهب الاموال، لانتهاء آمادها بالوصول الى هذه المراتب.


1 - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية (الكافي 2: 174، المحاسن: 259، عنهما الوسائل 16: 234)، صحيحة. وعن الثمالي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (التهذيب 6: 172، عنه الوسائل 16: 235)، موثقة لابن فضال. عن الصدوق في الهداية مرسلا: والتقية في كل شئ حتى يبلغ الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقية (الهداية: 9، عنه المستدرك 12: 274).

[ 683 ]

وبعبارة اخرى المستفاد من الروايات المذكورة ان الغرض من التقية هو حفظ الدماء وان توقف ذلك على ارتكاب بعض المعاصي، ما لم يصل الى مرتبة قتل النفس. على أنه لو جازت التقية بنهب مال الغير وجلبه الى الظالم لدفع الضرر عن نفسه لجاز للاخر ذلك ايضا، لشمول ادلة التقية لها معا، فيقع التعارض في مضمونها، وحينئذ فلا يجوز الاستناد إليها في دفع الضرر عن أحد الطرفين بايقاع النقص بالطرف الاخر لانه ترجيح بلا مرجح، وعليه فنرفع اليد عن اطلاقها في مورد الاجتماع ويرجع فيه الى عموم حرمة التصرف في مال الغير وشؤونه. 4 - ما ذكره من الفرق بين الاكراه والاضطرار، حيث التزم بحرمة دفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره في مورد الاضطرار دون الاكراه. وحاصل كلامه ان الضرر في موارد الاضطرار قد توجه ابتداءا الى الشخص نفسه، كما إذا توجه السيل الى داره فلا يجوز له دفعه بالاضرار بغيره، لان دفع الضرر عن النفس بالاضرار بالغير قبيح، ولا يصح التمسك بعموم رفع ما اضطروا إليه، فان حديث الرفع قد ورد في مورد الامتنان، ولا شبهة ان صرف الضرر عن نفسه الى غيره مناف له، فيختص الحديث بغير الاضرار بالغير من المحرمات. وأما في موارد الاكراه، فان الضرر قد توجه الى الغير ابتداءا بحسب الزام الظالم واكراهه، ومن المعلوم ان مباشرة المكره - بالفتح - لايقاع الضرر بالغير ليست مباشرة استقلالية ليترتب عليها الضمان، كما يترتب على بقية الافعال التوليدية، بل هي مباشرة تبعية وفاعلها بمنزلة الالة فلا ينسب إليه الضرر، نعم لو تحمل الضرر ولم يضر بالغير فقد صرف الضرر عن الغير الى نفسه عرفا، ولكن الشارع لم يوجب هذا.

[ 684 ]

ولكن ما افاده المصنف غير تام صغرى وكبرى، أما عدم صحة الصغرى فلان الضرر في كلام الموردين انما توجه الى الشخص نفسه ابتداءا، فان الاكراه لا يسلب الاختيار عن المكره ليكون بمنزلة الالة المحضة، بل الفعل يصدر منه بارادته واختياره، ويكون فعله كالجزء الاخير من العلة التامة لنهب مال الغير مثلا حتى انه لو لم يأخذه ولم يجلبة الى الظالم لكان المال مصونا وان توجه الضرر حينئذ الى نفسه فمباشرته للاضرار بالغير لدفع الضرر المتوعد به عن نفسه مباشرة اختيارية، فتترتب عليها الاحكام الوضعية والتكليفية. وبعبارة اخرى ان مرجع الاكراه الى تخيير المكره بين نهب مال الغير وبين تحمل الضرر في نفسه على فرض المخالفة، وحيث كان الاول حراما وضعا وتكليفا فتعين عليه الثاني، نعم لو كان الضرر متوجها الى الغير ابتداءا ولم يكن له مساس بالواسطة اصلا فلا يجب عليه دفعه عن الغير باضرار نفسه. ومن هنا ظهر الجواب عما ذكره المصنف اخيرا، من أن الفارق بين المقامين هو ادلة الحرج، وأما عدم صحة الكبرى فلانه لا وجه للمنع عن وجوب دفع الضرر عن الغير بايقاعه بنفسه، بل قد يجب ذلك فيما إذا اوعده الظالم بامر مباح في نفسه، وكان ما اكرهه عليه من اضرار الغير حراما، فانه حينئذ يجب دفع الضرر عن غيره بالاضرار بنفسه كما عرفته آنفا لانه بعد سقوط ادلة نفي الضرر والاكراه والحرج فادلة حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه محكمة. 5 - ما افاده المصنف ايضا، من أن ادلة نفي الحرج كافية في الفرق بين المقامين، فان الضرر إذا توجه الى المكلف ابتداءا ولم يرخص الشارع في دفعه عن نفسه بتوجيهه الى غيره، فان هذا الحكم لا يكون حرجيا،

[ 685 ]

أما إذا توجه الضرر الى الغير ابتداءا فان الزام الشارع بتحمل الضرر لدفعه عن الغير حرجي قطعا، فيرتفع بادلة نفي الحرج. وفيه: انه ظهر جوابه مما ذكرناه من المناقشة في الصغرى، ووجه الظهور هو عدم الفارق بين توجه الضرر الى الغير ابتداءا وعدمه. الناحية الرابعة: أن يتوجه الضرر ابتداءا الى الغير والى المكره على تقدير مخالفته حكم الظالم، كما إذا اكرهه على أن يلجئ شخصا آخر الى فعل محرم كالزناء، والا اجبره على ارتكابه بنفسه، وحينئذ فلا موضع لادلة نفي الاكراه والاضطرار والحرج والضرر، بداهة ان الاضرار باحد الطرفين مما لا بد منه جزما، فدفعه عن احدهما بالاضرار بالاخر ترجيح بلا مرجح، واذن فتقع المزاحمة ويرجع الى قواعد باب التزاحم. الناحية الخامسة: أن يتوجه الضرر الى احد شخصين ابتداءا والى المكره على فرض مخالفته الظالم، ولكن فيما إذا كان الضرر المتوعد به اعظم مما يترتب على غيره، كما إذا اكرهه على أن يأخذ له الف دينار اما من زيد واما من عمرو، والا اجبره على اراقة دم محترم مثلا، وفي هذه الصورة يجب على المكره أن يدفع الضرر عن نفسه بالاضرار باحد الشخصين، فان حفظ النفس المحترمة واجب على كل احد، ويدور الامر بين الاضرار باحد الشخصين، ويرجع في ذلك الى قواعد باب التزاحم. 2 - جواز قبول الولاية من الجائر لدفع الضرر عن الغير: قوله: الثاني: ان الاكراه يتحقق بالتوعد بالضرر. أقول: الكراهة في اللغة هي ضد الحب، والاكراه هو حمل الرجل

[ 686 ]

على ما يكرهه، وهذا المعنى يتحقق بحمل الشخص على كل ما يكرهه بحيث يترتب على تركه ضرر عليه، أو على عشيرته، أو على الاجانب من المؤمنين وإذا انتفى التوعد بما يكرهه انتفى الاكراه. وعليه فلا نعرف وجها صححيا لما ذكره المصنف من تخصيص الاكراه ببعض ما ذكرناه، قال: ان الاكراه يتحقق بالتوعد بالضرر على ترك المكره عليه ضررا متعلقا بنفسه، أو ماله أو عرضه أو باهله، ممن يكون ضررا راجعا الى تضرره وتألمه، وأما إذا لم يترتب على ترك المكره عليه الا الضرر على بعض المؤمنين ممن يعد اجنبيا من المكره - بالفتح - فالظاهر انه لا يعد ذلك اكراها عرفا، إذ لا خوف له يحمله على فعل ما امر به (1). نعم يختلف موضوع الكراهة باختلاف الاشخاص والحالات، فان بعض الاشخاص يكره مخالفة أي حكم من الاحكام الالهية في جميع الحالات، وبعضهم يكره ذلك في الجهر دون الخفاء، وبعضهم يكره مخالفة التكاليف المحرمة دون الواجبات، وبعضهم بالعكس، وبعضهم لا يكره شيئا من مخالفة التكاليف حتى قتل النفوس فضلا عن غيره. ثم ان الفارق بين الامرين ان الضرر المتوعد به متوجه الى المكره - بالفتح - في الاول، والى غيره من الاجانب في الثاني، الذي انكر المصنف (رحمه الله) تحقق مفهوم الاكراه فيه. وتحقيق الكلام هنا في جهات ثلاث، كلها مشتركة في عدم ترتب الضرر على المكره، لو ترك ما اكره عليه، ولاية كانت ام غيرها.


1 - صرح باختصاص الاكراه بصورة وجود الخوف في الشرايع 3: 13، التحرير 2: 51، الروضة البهية 2: 19، نهاية المرام 2: 11، الحدائق 25: 159، رياض المسائل 2: 169.

[ 687 ]

1 - أن يخشى من توجه الضرر الى بعض المؤمنين، ويتوقف دفعه على قبول الولاية من الجائرين، والدخول في اعمالهم، والحشر في زمرتهم للتقية فقط، من دون ان يكون هناك اكراه على قبول الولاية، ولاضرر يتوجه عليه لو لم يقبلها، ومن دون أن يتوقف دفع الضرر عن المؤمنين على ارتكاب امر محرم. والظاهر انه لا شبهة في جواز الولاية عن الجائر حينئذ تقية، فان التقية شرعت لحفظ المؤمنين عن المهالك والمضرات، بل تعد التقية في مواردها من جملة العبادات التي يترتب عليها الثواب، ولا ريب ان تلك الغاية حاصلة في المقام. ومما يدل على جواز الولاية هنا لاجل التقية الروايات الكثيرة (1) الامرة بالتقية، صونا لنفوس المؤمنين واعراضهم واموالهم عن التلف، بل ورد في عدة من الروايات (2) جواز التقية بالتبري عن الائمة (عليهم السلام) لسانا، إذا كان القلب مطمئنا بالايمان. ومما يدل على ذلك ايضا تجويز الائمة (عليهم السلام) في جملة من الاحاديث لعلي بن يقطين (3) وغيره ان تقبلوا الولاية عن الجائر تقية لاصلاح امور المؤمنين ودفع الضرر عنهم. ويضاف الى ذلك كله ان ظاهر غير واحدة من الروايات مشروعية التقية لمطلق التوادد والتحبب، وان لم يترتب عليها دفع الضرر عن نفسه أو عن غيره، فيدل بطريق الاولوية على جواز الولاية عن الجائر تقية لدفع الضرر عن المؤمنين.


1 - قد تقدمت الاشارة الى مصادرها قبيل هذا. 2 - راجع الوسائل: 16، باب 29 جواز التقية في اظهار كلمة الكفر من الامر بالمعروف: 225. 3 - قد تقدمت الاشارة إليها والى مصادرها في اول هذا المبحث.

[ 688 ]

قوله: لكن لا يخفى انه لا يباح بهذا النحو من التقية الاضرار بالغير. أقول: الوجه فيه هو ما تقدم آنفا من كون الادلة الواردة في نفي الاكراه وشبهه واردة في مقام الامتنان على الامة بعمومها، فلا يصح التمسك بها لدفع الضرر عن احد بتوجيه الضرر الى غيره، لان ذلك على خلاف الامتنان في حق ذلك الغير، وليس الوجه فيه هو ما ذكره المصنف من عدم تحقق الاكراه إذا لم يتوجه الضرر على المكره، فقد عرفت ان مفهوم الاكراه اوسع من ذلك. 2 - أن يكون قبول الولاية من الجائر عاصما عن توجه الضرر الى المؤمنين، وسببا لنجاح المكروبين منهم، من دون أن يلحق المكره ضرر لو لم يقبلها. ومثاله ما لو اكره الجائر على قبول الولاية من قبله واوعده على تركها باضرار المؤمنين وهتكهم والتنكيل بهم وما أشبه ذلك، ولا شبهة هنا ايضا في جواز الولاية عن الجائر لدفع الضرر عن المؤمنين. وتدل على ذلك الروايات المتقدمة الدالة على جواز الولاية عن الجائر لاصلاح امور المؤمنين، بل دلالتها على الجواز هنا اولى من وجهين: الاول وجود الاكراه، والثاني القطع بتوجه الضرر على المؤمنين مع رد الولاية. 3 - أن يكره الظالم احدا على ارتكاب شئ من المحرمات الالهية، سواء كانت هي الولاية ام غيرها، من غير أن يترتب عليها في تركها ضرر اصلا، ولكن الظالم اوعده على ترك ذلك العمل باجبار غيره على معصية من حرمات الله، ومرجع ذلك في الحقيقة الى دوران الامر بين اقدام المكره - بالفتح - على معصية لا يتضرر بتركها وبين اقدام شخص آخر عليها.

[ 689 ]

ومثاله ما إذا اكرهه الجائر على شرب الخمر والا اكره غيره عليه، والظاهر انه لا ريب في حرمة ارتكاب المعصية في هذه الصورة، فانه لا مجوز للاقدام عليها من الادلة العقلية والنقلية الا أن يترتب على ارتكاب المعصية حفظ ما هو اهم منها كصيانة النفس عن التلف وما اشبه ذلك، وحينئذ يكون المقام من صغريات باب التزاحم فتجري فيه قواعده. قوله: وكيف كان فهنا عنوانان الاكراه ودفع الضرر المخوف - الخ. أقول: توضيح كلامه: ان الشارع المقدس قد جعل الاكراه موضوعا لرفع كل محرم عدا اتلاف النفوس المحترمة كما تقدم، بخلاف دفع الضرر المخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين، فانه من صغريات باب التزاحم، ولكنك قد عرفت ان دليل الاكراه لا يسوغ دفع الضرر عن النفس بالاضرار بغيره، وعليه فكلا العنوانين من صغريات باب التزاحم. وعلى كل حال فتجوز الولاية عن الجائر في كلا المقامين لدفع الضرر عن نفسه وعن سائر المؤمنين، وأما احراز ملاكات الاحكام وكشف اهمية بعضها من بعض فيحتاج الى الاطلاع على أبواب الفقه والاحاطة بفروعه وادلته، وقد تعرض الفقهاء (قدس سرهم) لعدة من فروع المزاحمة في الموارد المناسبة، ولا يناسب المقام ذكره. 3 - حكم اعتبار العجز عن التفصي في الاكراه: قوله: الثالث: انه قد ذكر بعض مشائخنا المعاصرين (1) - الخ.


1 - لعل المراد به السيد المجاهد، لكنه لم يسند الاقوال الثلاثة الى ظاهر الاصحاب، بل قال - بعد طرح المسألة -: فيه أقوال - الى أن قال: الثاني ما استظهره في المصابيح من كلام بعض الاصحاب من التفرقة بين التولية وفعل المحرم...، انظر المناهل: 318، والمصابيح: 53 (مخطوط).

[ 690 ]

أقول: حاصل كلامه ان بعض المعاصرين استظهر من كلمات الاصحاب في اعتبار العجز عن التخلص ان لهم في ذلك اقوالا ثلاثة، ثالثها التفصيل بين الاكراه على الولاية فلا يعتبر فيه العجز عن التخلص وبين غيرها من المحرمات فيعتبر فيه ذلك. ولعل منشأ الخلاف ما ذكره في المسالك (1) في شرح قول المحقق: إذا اكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول والعمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصي (2). وحاصل ما ذكره في المسالك انه يمكن أن يكون غرض المحقق هو تعدد الشرط والمشروط، بأن تكون الولاية عن الجائر بنفسها مشروطة بالاكراه فقط، ويكون العمل بما يأمره الجائر بانفراده مشروطا بعدم قدرة المأمور على التفصي. ويرد عليه انه لا وجه لاشتراط الولاية مطلقا بالاكراه، فان جواز قبولها لا يتوقف على الاكراه إذا انفردت عن العمل بما يأمره الجائر، ولذا قد تكون مباحة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون واجبة، وأما العمل بما يأمر به الجائر فقد صرح الاصحاب في كتبهم انه مشروط بالاكراه خاصة ولا يشترط فيه الالجاء إليه، بحيث لا يقدر على خلافه. ويمكن أن يكون المشروط في كلام المحقق امرا وحدانيا مركبا من أمرين: الولاية والعمل بما يامره الجائر، ويكون مشروطا بشرطين: الاكراه وعدم القدرة على التفصي.


1 - المسالك 3: 139. 2 - شرايع الاسلام 2: 12.

[ 691 ]

ويرد عليه انه يكفي الاكراه بانفراده في امتثال امر الجائر مع خوف الضرر حتى في فرض التمكن من التخلص، فلا وجه للشرط الثاني. وقد تجلى من ذلك ان مرجع ما ذكره في المسالك الى ثلاثة محتملات: 1 - ان الولاية عن الجائر غير مشروطة بالاكراه، وانما المشروط به هو العمل بما يأمره الجائر. 2 - ان المجموع المركب من الامرين مشروط بالاكراه فقط دون العجز عن التخلص بحيث لا يقدر على خلافه. 3 - التفصيل بين الولاية وبين العمل بما يأمره الجائر، فيقيد الاول بالاكراه والثاني بالالجاء إليه والعجز عن التخلص، وكان المتوهم جعل كل محتمل قولا براسه. أقول: يرد على هذا المتوهم اولا: ان مجرد الاحتمال لا يستلزم وجود القائل به. وثانيا: انا لا نعرف وجها صحيحا للقول بالتفصيل، فان الظاهر من كلمات الفقهاء (قدس سرهم) في باب الاكراه انه لا خلاف بينهم في اعتبار العجز عن التفصي في ترتب احكام الاكراه، أما إذا امكن التفصي فلا تترتب تلك الاحكام الا إذا كان التفصي حرجيا، ولم يفرقوا في ذلك بين الولاية المحرمة وبين العمل بما يأمره الجائر من الاعمال المحرمة المترتبة على الولاية وبين بقية المحرمات، فان ادلة المحرمات محكمة، ولا نحتمل أن يجوز احد شرب الخمر بمجرد الاكراه حتى مع القدرة على التخلص. وكذلك لا خلاف بين الفقهاء ايضا في انه لا يعتبر في باب الاكراه العجز عن التفصي إذا كان في التفصي ضرر كثير على المكره، كما انهم لم يشترطوا في ترتب الاحكام أن يلجأ الى المكره عليه، بحيث لا يقدر

[ 692 ]

على خلافه، كما صرح به في المسالك (1)، فان مرجع ذلك الى العجز العقلي ولم يعتبره احد في الاكراه جزما. نعم قد تترتب على المعصية التي اكره عليها مصلحة هي اهم منها، ولا يعتبر في هذه الصورة العجز عن التفصي، ومثاله ما إذا اكره الجائر احدا على معصية، وكان المجبور متمكنا من التخلص منها بخروجه عن المكان الذي يعصى الله فيه، الا أن ارتكابه لتلك المعصية مع الظالم يتيح له الدخول في امر يترتب عليه حفظ الاسلام أو النفس المحترمة أو ما أشبه ذلك. 4 - ان جواز الولاية عن الجائر مع الضرر المالي رخصة لا عزيمة: قوله: الرابع: ان قبول الولاية مع الضرر المالي الذي لا يضر بالحال رخصة لا عزيمة. أقول: إذا اجبر الجائر احدا على الولاية من قبله أو على عمل محرم، وكان المجبور متمكنا من التخلص ولو بتحمل الضرر المالي، وان بلغ ما بلغ، جاز له ذلك، فان ادلة نفي الاكراه انما هي مسوقة لرفع الالزام فقط عن مورد الاكراه، وليست ناظرة الى بيان حكم المورد. وعليه فلا بد من تعيين حكمه من الرجوع الى القواعد الاخر، فقد يكون المكره عليه من قبيل قتل النفس وما يشبهه، فيحرم الاقدام عليه، وقد يكون من قبيل الضرر المالي على نفسه فيجوز تحمله، لان الناس مسلطون على اموالهم، ومن هنا يعلم ان تقييد الضرر المالي بعدم اضراره بالحال كما في المتن لا يخلو عن مسامحة. وبعبارة اخرى ان ادلة الاكراه لا تشمل المقام، وعليه فان كان المورد


1 - المسالك 3: 139.

[ 693 ]

كقتل النفوس ونحوه مما اهتم الشارع بحفظه فيحرم الاقدام عليه، بل يجب دفعه، وان كان من قبيل الضرر المالي فيجوز التحمل به لدليل السلطنة. لا يقال: ان بذل المال للجائر دفعا للولاية المحرمة اعانة على الاثم. فانه يقال: لا وجه له صغرى وكبرى، أما الاولى، فلان ذلك من قبيل مسير الحاج والزوار وتجارة التجار مع اعطاء المكوس والكمارك والضرائب، ولا يصدق على شئ منها عنوان الاعانة على الاثم، وأما الثانية فقد تقدم في البحث عن بيع العنب ممن يجعله خمرا انه لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم. 5 - حرمة قتل المؤمن بالاكراه أو بالتقية: قوله: الخامس: لا يباح بالاكراه قتل المؤمن ولو توعد على تركه بالقتل اجماعا. أقول: هل يشرع بالتقية أو بالاكراه قتل النفوس المحترمة أو لا؟ أما التقية، فهي في اللغة اسم لاتقى يتقي، بمعنى الخوف والتحذير والتجنب، والمراد بها هنا التحفظ عن ضرر الظالم بموافقته في فعل أو قول مخالف للحق. والظاهر انه لا خلاف في جوازها لحفظ الجهات المهمة الشرعية، بل قد عرفت في مبحث الكذب عند البحث عن اقوال الائمة (عليهم السلام) الصادرة تقية اجماع الفريقين وضرورة العقلاء، وتظافر الايات والروايات على جواز الكذب لانجاء النفس المحترمة. على أنه ورد في بعض الاحاديث: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم،

[ 694 ]

فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (1)، فان الظاهر من ذلك انه إذا توقف حفظ النفس على ارتكاب أي محرم فانه يصبح مباحا، مقدمة لصيانة النفس المحترمة عن التلف، الا ان التقية إذا اقتضت اراقة دم محترم لحفظ دم آخر فانها لا تشرع حينئذ، لما عرفت آنفا ان كلا من الشخصين مشمول للحديث، فترجيح احدهما على الاخر ترجيح بلا مرجح (2). بل قد عرفت سابقا ان الغرض الاقصى من جعل التقية في الشريعة المقدسة انما هو حفظ اموال المؤمنين واعراضهم ونفوسهم، وما اشبه ذلك من شؤونهم، فإذا توقف حفظ شئ منها على اتلاف عديله من شخص آخر ارتفعت التقية حينئذ لارتفاع الغاية منها. ومثاله ما إذا اقتضت التقية اتلاف مال شخص لحفظ مال شخص آخر، فانه لا يجوز اتلافه تقية. والوجه فيه: ان شمول اخبار التقية لهما على حد سواء، واذن فترجيح احدهما على الاخر ترجيح بلا مرجح كما عرفت، فيرجع في ذلك الى الادلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه، وهكذا الحال في جميع موارد التقية. غاية الامر ان ما دل على أن التقية انما شرعت ليحقن به الدم ناظر الى بيان المرتبة العليا من التقية، وليس فيه ظهور في اختصاص الحكم بهذه المرتبة فقط. ومن هنا ظهر ما في كلام المحقق الايرواني حيث قال: ويقرب عندي ان المراد من هذه الاحاديث امر وجداني يدركه العقل، وهو ان التقية لما


1 - قد تقدمت هذه الرواية في البحث عن الاضرار بالناس مع الاكراه عليه. 2 - كما صرح به في الرياض 1: 510، الجواهر 22: 169.

[ 695 ]

شرعت لغاية حفظ النفس، فإذا لم تكن هذه الغاية موجودة، بل كان الشخص مقتولا لا محالة، اتقي أو لم يتق، فلا تقية، لانتفاء ما هو الغرض من تشريع التقية (1). ومع الاغضاء عما ذكرناه، فان ما افاده انما يلائم قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية، فانه يمكن أن يتوهم منها ان الغاية من التقية هي حفظ الدم، وإذا كان لا بد للظالم من اراقة الدم فلا موضوع للتقية. ولكن يبائنه قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة الثمالي: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، فان هذه الرواية ظاهرة بل صريحة في ان التقية إذا توقفت على اراقة الدم فلا تقية، فتكون هذه الرواية قرينة لبيان المراد من الرواية الاولى ايضا. ثم انه لا فرق بين افراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر، ولا من حيث الرجولة والانوثة، ولا من حيث العلم والجهل، ولا من حيث الحرية والعبودية، لاطلاق قوله (عليه السلام): انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية. وأما الاكراه، وقد تقدم معناه في الامر الثاني، فهو لا يسوغ قتل النفس المحترمة بلا خلاف بين الفريقين، والوجه فيه هو ما تقدم، من أن الادلة الدالة على نفي الاكراه والضرر والحرج واردة في مقام الامتنان، ومن الواضح ان الاضرار بالغير مناف للامتنان فلا يكون مشمولا لها، فتبقى الادلة الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة سليمة عن المزاحم.


1 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 47.

[ 696 ]

نعم إذا اجبر الظالم احدا على قتل احد شخصين محقوني الدم أو اضطر إليه نفسه، كما إذا وقع من شاهق وكان لا بد له من الوقوع على رأس احدهما، فلا بد حينئذ من الرجوع الى قواعد التزاحم. ويتضح ذلك بلحاظ ما حققناه في دوران الامر بين انقاذ احد الغريقين، فانه لم يستشكل احد في وجوب المبادرة لانقاذ الاهم منهما وترك الاخر، وهذا نظير الاكراه على ايقاع الضرر المالي على احد الشخصين، وقد تقدم الكلام فيه. لا يقال: قد نطق القرآن الكريم في آية محكمة (1) بالتكافؤ بين الدماء المحترمة، ومعه فأي معنى لملاحظة الاهم والمهم في ذلك، وقد ورد ذلك في الاخبار المستفيضة المذكورة في أبواب القصاص. فانه يقال: نعم ولكن مورد التكافؤ الذي دلت عليه الاية والروايات انما هو القصاص فقط، فلا مساس له بما نحن فيه، ومن هنا اتضح حكم ما لو اكره الجائر احدا اما على قتل نفسه واما على قتل غيره. وقد انجلى الصبح وانكشف الظلام وظهر الفارق بين التقية والاكراه موضوعا وحكما، والله العالم بالحقائق والاسرا. ان المستحق للقتل قصاصا محقون الدم بالنسبة الى غير ولي الدم: قوله: وأما المستحق للقتل قصاصا، فهو محقون الدم بالنسبة الى غير ولي الدم. أقول: مستحق القتل قد يكون مهدور الدم لكل احد لكونه مسلوب الاحترام، كالنواصب الذين يظهرون العداوة والبغضاء لال محمد


1 - قوله تعالى: وكتبنا عليهم ان النفس بالنفس، المائدة: 49.

[ 697 ]

(عليهم السلام)، وقد يكون مهدور الدم بالنسبة الى جميع الناس ولكن باجازة حاكم الشرع، كمن ثبت عليه الحد الشرعي الموجب للقتل، وقد يكون مهدور الدم لفريق معين، كمن قتل مؤمنا عن عمد واختيار. أما الاول فلا شبهة في خروجه عن حد النفوس المحترمة قطعا، لان الشارع المقدس سلب احترام دمه عند كل من اطلع على خبثه ورذالته، فيكون مهدور الدم لجميع الناس، ولا يكون مشمولا لقوله (عليه السلام): فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية. وعليه فلو اقتضت التقية أو الاكراه قتل ناصبي فلا محذور في الاقدام عليه لثبوت جوازه قبل التقية والاكراه فمعهما يكون اولى بالجواز، الا ان تترتب الفتنة على قتله فانه لا يجوز حينئذ الاقدام على قتله لوجوب سد أبواب الفتن. وأما الثاني فحكمه حكم بقية النفوس المحترمة، فلا يجوز قتله بدون اذن الحاكم الشرعي حتى مع التقية والاكراه لكونه محقون الدم بالنسبة الى غير الحاكم الشرعي. ومن هنا يعلم حكم الثالث ايضا، فان الكتاب العزيز (1) انما اثبت السلطنة على دم القاتل لولي المقتول فلا يسوغ لغيره الاقدام عليه في حال من الحالات الا مع الاذن الشرعي. وقد انجلى مما ذكرناه ما في كلام المحقق الايرواني (2)، فانه (رحمه الله) استظهر من الروايات ان المراد من محقون الدم ما يكون محقونا بقول مطلق، ويرجع في غيره الى عموم رفع ما استكرهوا عليه (3).


1 - قوله تعالى: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، بني اسرائيل: 35. 2 - حاشية المكاسب للمحقق الايرواني: 47. 3 - راجع الكافي 2: 335، التوحيد: 353، عنهما الوسائل 15: 369.

[ 698 ]

حكم التقية والاكراه في قتل المخالفين: قوله: ومما ذكرنا ظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء اهل الخلاف. أقول: قد اشرنا آنفا الى أن الغرض الاقصى من التقية هو حفظ دماء الشيعة وان حدها بلوغ التقية الى الدم، وحينئذ فما دل على عدم جريان التقية في الدماء المحترمة ساكت عن حكم التقية فيما إذا ادت الى قتل غير الشيعة من أي فرق المسلمين. وعليه فحكم قتل المخالفين بالتقية أو بالاكراه حكم سائر المحرمات التي ترتفع حرمتها بهما. قوله: بقي الكلام في ان الدم يشمل الجرح وقطع الاعضاء أو يختص بالقتل، وجهان (1). أقول: ان الظاهر من قوله (عليه السلام): انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، وان كان هو الدم الذي كان علة لبقاء الحياة الا انه مع ذلك لا يمكن الحكم بجواز جرح الغير أو قطع اعضائه للتقية، فان دليل جواز التقية كدليل رفع المستكره عليه انما ورد في مقام الامتنان، فلا يشمل ما إذا كان شموله منافيا له. وعليه فيجري في موردها ما ذكرناه في مورد الاكراه، فراجع. قوله: فيما ينبغي للوالي العمل به في نفسه وفي رعيته. أقول: قد ورد في الروايات الكثيرة (2) حكم الوالي في نفسه، وحكمه


1 - من اطلاق الدم، وهو المحكي عن الشيخ في كتاب الاقتصاد: 240، عنه المسالك 3: 141، ومن عمومات التقية ونفي الحرج والاكراه، وهو المحكي عن المناهل: 317، والروضة البهية 2: 420، والمصابيح: 52، والرياض 1: 510. 2 - راجع الوسائل: 17، باب ما ينبغي للوالي العمل به في نفسه مما يكتسب به: 207 - 211.

[ 699 ]

مع رعيته، فلا بد وأن يلاحظها المتقمص بمنصب الولاية لكي لا يكون في عداد الظالمين، بل يتصدى لاعمال الولاية بالقسط والعدل. المسألة (27) حرمة هجاء المؤمن قوله: السابعة والعشرون: هجاء المؤمن، حرام بالادلة الاربعة. أقول: الهجو في اللغة عد معائب الشخص والوقيعة فيه وشتمه (1)، ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن، وان اختلفت الشيعة مع غيرهم فيما يراد بكلمة المؤمن، بل في كلام بعض العامة (2) تعميم الحرمة الى هجاء اهل الذمة ايضا. وقد استدل المصنف على حرمته بالادلة الاربعة، بدعوى انه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز واكل اللحم والتعيير واذاعة الستر، وكل ذلك كبيرة موبقة وجريمة مهلكة، بالكتاب والسنة والعقل والاجماع. وتحقيق المقام ان الهجو قد يكون بالجملة الانشائية، وقد يكون بالجملة الخبرية. أما الاول فلا شبهة في حرمته لكونه من اللمز والهمز والاهانة والهتك، وقد دلت الروايات المتواترة (3) على حرمة هتك المؤمن واهانته، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز (4).


1 - ظاهر المحقق في الجامع المقاصد 4: 26 باختصاصه بالشعر. 2 - في فقه المذاهب: ولا يحل التغني بالالفاظ الدالة على هجاء الناس مسلمين كانوا أو ذميين (فقه المذاهب الاربعة 2: 42). 3 - راجع الوسائل: 12، باب 146 تحريم اهانة المؤمن وخذلانه: 265. 4 - قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة، الهمزة: 1.

[ 700 ]

وأما الثاني فان كان الخبر مطابقا للواقع، كهجو المؤمن بما فيه من المعائب كان حراما، من جهة الغيبة والهتك والاهانة والتعيير والهمز، وان كان الخبر مخالفا للواقع كان حراما ايضا من نواحي شتى، لكونه كذبا وبهتانا واهانة وظلما وهمزا ولمزا. ولا فارق في افراد المؤمن بين العادل والفاسق غير المعلن، وقد تقدم الكلام عليه في مبحث الغيبة (1). بل يمكن أن يقال بحرمة هجو الفاسق المعلن بفسقه، فقد تقدم في البحث عن مستثنيات الغيبة ان عمدة الدليل على جواز غيبة المتجاهر في الفسق خروج ذلك عن دائرة الغيبة موضوعا، فانها ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، وما ارتكبه الفاسق المتجاهر من المعائب والمعاصي ليس مما ستره الله عليه، ولكن لا قصور في شمول ما دل على حرمة الهجو لانتقاص المتجاهر وذكره بما فيه من العيوب، عدا ما دل على حرمته من حيث كونه غيبة. نعم يجوز هجو الفاسق المتجاهر في الفسق إذا ترتبت على هجوه مصلحة اهم من مصلحة احترامه، أو كان ممن لا يبالي بما قيل فيه، وبذلك يحمل ما ذكره المصنف من الخبر: محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين. وأما هجو المخالفين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه، لانه قد تقدم في مبحث الغيبة ان المراد بالمؤمن هو القائل بامرة الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام)، وكونهم مفترضي الطاعة، ومن الواضح ان ما دل على حرمة الهجو مختص بالمؤمن من الشيعة، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعا.


1 - قد تقدم في البحث عن اشتراط الايمان في حرمة الغيبة.

[ 701 ]

وقد تقدم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام ويقنعك، بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه. وهل يجوز هجو المبدع في الدين أو المخالفين بما ليس فيهم من المعائب، أو لا بد من الاقتصار فيه على ذكر العيوب الموجودة فيهم. أما هجوهم بذكر المعائب غير الموجودة فيهم من الاقاويل الكاذبة، فهي محرمة بالكتاب والسنة، وقد تقدم ذلك في مبحث حرمة الكذب، الا انه قد تقتضي المصلحة الملزمة جواز بهتهم والازراء عليهم، وذكرهم بما ليس فيهم افتضاحا لهم، والمصلحة في ذلك هي استبانة شؤونهم لضعفاء المؤمنين، حتى لا يغتروا بآرائهم الخبيثة واغراضهم المرجفة، وبذلك يحمل قوله (عليه السلام): وباهتوهم كي لا يطمعوا في الاسلام (1). وكل ذلك فيما إذا لم تترتب على هجوهم مفسدة وفتنة، والا فيحرم هجوهم حتى بالمعائب الموجودة فيهم. وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان هجو المخالفين قد يكون مباحا، وقد يكون مستحبا، وقد يكون واجبا، وقد يكون مكروها، وقد يكون حراما، وبهذا الاخير يحمل قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة عن قذف المخالفين: الكف عنهم اجمل (2).


1 - قد تقدمت هذه الرواية في البحث عن حرمة سب المؤمن، وفي البحث عن جواز الاغتياب لحسم مادة الفساد. 2 - عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ان بعض اصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال لي: الكف عنهم أجمل - الحديث (الكافي 8: 285، الرقم 431)، مجهولة للحسن بن عبد الرحمان، وضعيفة لعلي بن العباس.

[ 702 ]

المسألة (28) حرمة الهجر قوله: الثامنة والعشرون: الهجر. أقول: الهجر - بالضم - هو الفحش والقبيح من القول، ولا خلاف بين المسلمين بل بين العقلاء في مبغوضيته وحرمته. وقد ورد في الروايات المتواترة (1) ان البذاء والفحش على المؤمن حرام، وفي رواية سليم بن قيس: ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذى، قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل له (2). وفي صحيحة عبد الله بن سنان: ومن خاف الناس لسانه فهو في النار (3). وفي صحيحة أبي عبيدة: البذاء من الجفاء، والجفاء في النار (4). وفي موثقة ابن فضال: من علامات شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون فحاشا لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه (5). وفي بعض الاحاديث: من فحش على اخيه المسلم نزع الله منه بركة رزقه، ووكله الى نفسه، وافسد عليه معيشته (6). وفي اصول الكافي بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: كان


1 - راجع الوسائل: 16، باب 72 تحريم البذاء من جهاد النفس: 34. 2 - الكافي 2: 244، عنه الوسائل 16: 35. 3 - الفقيه 4: 254، عنه الوسائل 16: 34. 4 - الكافي 2: 245، عنه الوسائل 16: 35. 5 - الكافي 2: 243، عنه الوسائل 16: 31. 6 - الكافي 2: 245، عنه الوسائل 16: 32.

[ 703 ]

في بني اسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاما ثلاث سنين، فلما رأى ان الله لا يجيبه، فقال: يا رب أبعيد انا منك فلا تسمعني ام قريب انت مني فلا تجيبني، قال: فاتاه آت في منامه فقال: انك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسان بذى وقلب عات غير تقي، ونية غير صادقة، فاقلع عن بذائك، وليتق الله قلبك، ولتحسن نيتك، قال: ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله، فولد له غلام (1). وفي وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: يا على افضل الجهاد من اصبح لا يهم بظلم احد، يا على من خاف الناس لسانه فهو من اهل النار، يا على شر الناس من اكرمه الناس اتقاء شره واذى فحشه، يا على شر الناس من باع آخرته بدنياه وشر منه من باع آخرته بدنيا غيره (2).


1 - الكافي 2: 324. رواه في قصص الانبياء: 181، عنه البحار 14: 490، 93: 370، المستدرك 5: 188. 2 - الكافي 2: 327.

[ 704 ]

النوع الخامس ما يجب على الانسان فعله عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا على المشهور أخذ الاجرة على الواجبات قوله: الخامس مما يحرم التكسب به: ما يجب على الانسان فعله عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا على المشهور. أقول: اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسألة على اقوال: 1 - ما ذكره المصنف من المنع مطلقا (1). 2 - ما حكاه المصنف عن المصابيح عن فخر المحققين، من التفصيل بين التعبدي فلا يجوز، وبين التوصلي فيجوز (2). 3 - ما نقله المصنف عن فخر المحققين في الايضاح، من التفصيل بين الكفائي التوصلي فيجوز، وبين غيره فلا يجوز (3). 4 - ما ذكره في متاجر الرياض، من التفصيل بين الواجبات التي تجب على الاجير عينا أو كفاية وجوبا ذاتيا فلا يجوز، وبين الواجبات الكفائية التوصلية فيجوز، كالصناعات الواجبة كفاية لانتظام المعاش (4).


1 - انظر المسالك 3: 130، مجمع الفائدة 8: 89، جامع المقاصد 4: 37، الرياض 1: 505. 2 - المصابيح: 59 (مخطوط). 3 - الايضاح 2: 264. 4 - الرياض 1: 505.

[ 705 ]

5 - ما نسب الى السيد المرتضى من القول بالجواز في الكفائي كتجهيز الميت (1). وهذه النسبة موهونة بما ذكره المصنف، من أن السيد مخالف في وجوب تجهيز الميت على غير الولي لا في حرمة أخذ الاجرة على تقدير الوجوب عليه، فهو مخالف في الموضوع لا في الحكم. 6 - التفصيل بين ما كان الغرض الاهم منه الاخرة فلا يجوز، وبين ما كان الغرض الاهم منه الدنيا فيجوز، وقد ذهب إليه مفتاح الكرامة (2). 7 - ما حكاه في البلغة عن جده في المصابيح، من التفصيل بين التعبدي منه والتوصلي، فمنع في الاول مطلقا وفصل في الثاني بين الكفائي منه والعيني، فجوز في الاول مطلقا وفصل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو لحفظ النظام، فجوز في الاول ومنع في الثاني مطلقا، سواء كان الواجب ذاتيا ام غيريا. 8 - ما يظهر من المصنف من التفصيل بين العيني التعييني والكفائي التعبدي فلا يجوز، وبين الكفائي التوصلي والتخييري فيجوز، ويظهر منه التردد في التخييري التعبدي. 9 - ما هو المختار عندنا، من جواز أخذ الاجرة على الواجب مطلقا. وقد وقع الخلاف ايضا في هذه المسألة بين فقهاء العامة (3).


1 - لم نقف عليه فيما بايدينا من كتب السيد ورسائله، نعم حكاه عنه الشهيد في الدروس 3: 172. 2 - مفتاح الكرامة 4: 93. 3 - في فقه المذاهب عن الحنفية: لا يصح الاستئجار على كل طاعة يختص بها المسلم، ولكن المتأخرين منهم جوزوا أخذ الاجرة على الاذان وتعليم القرآن والامامة والوعظ، وعن المالكية: لا يصح الاستئجار على طاعة مطلوبة من الاجير طلب عين إذا لم تقبل النيابة، كالصلاة والا فيصح، وأما الاعمال المطلوبة كفاية فتجوز الاجارة عليها بلا خلاف، والتزموا بجواز أخذ الاجرة على الامامة مع الاذان، وعن الشافعية لا تصح الاجارة على الطاعات، وقد استثني منها الاجارة على بعض الامور المستحبة، كالامامة والتدريس والاذان وتعليم القرآن والفقه والحديث، وعن الحنابلة: لا تصح الاجارة على فعل قربي كالصلاة والاذان وغيرهما، نعم يصح أخذ الجعل عليها بعنوان الجعالة (فقه المذاهب 3: 169 - 188).

[ 706 ]

ولا يخفى ان غير واحد من ارباب الاقوال المذكورة قد ادعى الاجماع على رأيه، ولكنه ليس من الاجماع التعبدي، فان من المحتمل القريب ان المجمعين قد استندوا في فتياهم بالحرمة الى غير الاجماع من الوجوه المقررة في المسألة، على أنه يصعب على الفقيه دعوى الاجماع على نحو الموجبة الكلية مع ما اطلعت عليه من الاختلافات والتفاصيل. نعم قد نقل الاجماع تلويحا أو تصريحا في بعض الموارد الجزئية، كالقضاء والشهادة، وتعليم صيغة النكاح أو القائها على المتعاقدين. مقدمة نافعة في بيان موضوع أخذ الاجرة على الواجب: قبل التعرض لحكم المسألة وبيان الحقيقة فيها نقدم امرا لبيان موضوعها، واجماله ان موضوع البحث في المقام انما هو جهة العبادة وجهة الوجوب فقط ومانعيتهما عن صحة الاجارة وعدمها، بعد الفراغ عن سائر الجهات والحيثيات التي اعتبرها الشارع المقدس في عقد الاجارة، كأن لا يكون العمل المستأجر عليه مما اعتبرت المجانية فيه عند الشارع. وهذا لا يختص بالواجب بل يجري في المستحبات ايضا، كاستئجار المؤذن للاذان، واستئجار المعلم للتدريس، واستئجار الفقيه للافتاء،

[ 707 ]

واستئجار القاري لقراءة القرآن، وقد يجري في المكروهات ايضا، كاستئجار فحل الضراب للطروقة. وهذه الامثلة مبنية على تعلق غرض الشارع بمجانية الامور المذكورة وحرمة أخذ الاجرة عليها أو كراهته. ثم ان بعضهم ذكر ان من شرائط الاجارة ان تكون منفعة العين المستأجرة عائدة الى المستأجر، ورتب عليه بطلان اجارة المكلف لامتثال فرائضه من الصلاة والصوم والحج وغيرها، وبطلان الاجارة للاتيان بالمستحبات لنفسه، كالنوافل اليومية والليلية، وغير ذلك من الموارد التي يكون النفع فيها راجعا الى الاجير أو الى شخص آخر غير المستأجر. والوجه في ذلك، ان حقيقة الاجارة هي تبديل منفعة معلومة بعوض معلوم، فلا بد من وصول المنفعة الى المستأجر، لانه الدافع للعوض المعلوم والا انتفت حقيقة الاجارة، إذ يعتبر في التبديل أن يقوم كل من العوض والمعوض مكان الاخر، بحيث يدخل كل منهما في المكان الذي خرج منه الاخر، وسيأتي اعتبار ذلك ايضا في حقيقة البيع. وفي البلغة: ان الاجارة بدون هذا الشرط سفهية واكل للمال بالباطل، ولذا لا تصح الاجارة على الافعال العبثية وابداء الحركات اللاغية، كالذهاب الى الامكنة الموحشة ورفع الاحجار الثقيلة - انتهى ملخص كلامه. والتحقيق أن يقال: ان حقيقة الاجارة لا تقتضي الا دخول العمل في ملك المستأجر قضاء لقانون المبادلة، وأما كون المنفعة راجعة إليه فلا موجب له.

[ 708 ]

وأما حديث سفهية المعاملة فيرد عليه اولا: انك قد عرفت مرارا وستعرف في مبحث البيع ان شاء الله انه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، وانما الدليل على بطلان معاملة السفيه، والدليل هو كونه محجور التصرف في امواله. وثانيا: قد تقدم في البحث عن بيع الابوال وغيره، وسنعود عليه في مبحث البيع ان آية التجارة غريبة عن شرائط العوضين، بل هي راجعة الى حصر اسباب المعاملة في الصحيح والباطل. هذا، مع أن الدليل اخص من المدعى، فان المستأجر قد ينتفع بعود النفع الى غيره، كما إذا استأجر شخصا على امتثال فرائض نفسه لكي يتعلم المستأجر منه احكام فرائضه، أو كان المستأجر من الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأراد باستئجار المكلفين على امتثال فرائضهم اظهار عظمة الاسلام واخضاع المتمردين والعاصين. وعلى الجملة ان البحث هنا يتمحض لبيان ان صفة الوجوب أو صفة العبادية مانعة عن انعقاد الاجارة ام لا، بعد الانتهاء عن سائر النواحي التي اعتبرت في عقد الاجارة. ان صفة العبادية لا تنافي الاجارة: مقتضى القاعدة جواز أخذ الاجرة على مطلق العبادات، سواء أكان الاخذ بعنوان الاجارة ام بعنوان الجعالة، إذا تم سائر الشروط المعتبرة فيهما، ولا شبهة ان صفة العبادية لا تنافي الاجارة والجعالة، واذن فعمومات صحة المعاملات محكمة. وقد اورد على هذا الرأي بوجوه:

[ 709 ]

1 - ان العبادات لا بد وان تؤتي بقصد القربة، وأخذ الاجرة عليها ينافي القربة والاخلاص، والوجه فيه ان عقد الاجارة يوجب انقلاب داعي الاخلاص في العمل المستأجر عليه الى داعي أخذ الاجرة، ومن الواضح ان قيد الاخلاص مأخوذ في العمل المستأجر عليه، فيلزم من صحة الاجارة فسادها. وفيه: ان هذا الوجه لا يرجع عند التحقيق الى محصل، وتوضيح ذلك انه يدعى تارة ان العمل الخارجي انما يؤتى به بداعي تملك الاجرة وهو ينافي قصد الاخلاص، واخرى يدعى انه يؤتى به بداعي تسلم الاجرة خارجا، وثالثة يدعى انه يؤتى به بداعي استحقاق مطالبتها. أما الدعوى الاولى فهي واضحة البطلان، ضرورة ان تملك الاجرة انما يكون بنفس الايجار لا بالعمل الخارجي، فالعمل اجنبي عنه بالمرة. وأما الدعوى الثانية فهي ايضا كذلك، ضرورة انه يتمكن الاجير من التسلم بغير العمل في بعض الموارد، وبالعمل الخالي من قصد القربة في جميعها، فلا يكون الداعي الى العمل بما هو عبادي غير قصد القربة، ولو من جهة خوفه من العذاب، لاجل عدم تسليمه العمل الى مالكه. وأما الدعوى الثالثة فهي وان كانت صحيحة في بعض الموارد، وهو ما إذا امتنع المستأجر من التسليم قبل العمل، الا ان الاتيان به لاجل ذلك، أي لاجل أن يستحق المطالبة شرعا، لا ينفك عن قصد القربة في العمل، وذلك من جهة تمكن المكلف من الاتيان به بغير قصد القربة والزامه المستأجر تسليم الاجرة، فاتيانه بالعمل لاجل الاستحقاق شرعا لا ينفك عن قصد القربة. وعلى الجملة بعد ما كان الاجير متمكنا من المطالبة وتسليم الاجرة بغير العمل الصحيح فلا يكون داعيه الى الاتيان بالعمل الصحيح غير

[ 710 ]

قصد القربة، ولعله الى ذلك نظر من اجاب عن الاشكال المزبور بأن دعوة أخذ الاجرة في طول دعوة الامر لغو من باب الداعي الى الداعي. 2 - انه يعتبر في دواعي امتثال العبادات كونها جهات قريبة، بحيث تنتهي سلسلة العلل والدواعي فيها بجميع حلقاتها الى الله تعالى، ومتى كان فيها داعي غير قربي خرج العمل عن العبادية وعن تمحضه لله، وان لم يكن الداعي غير القربي في عرض الداعي الالهي. وفيه: انا قد حققنا في مبحث النية من كتاب الصلاة انه يشذ في العباد من يأتي بالعبادة بجميع مقدماتها ومقارناتها ومؤخراتها ودواعيها خالصة لوجه الله الكريم، وطلبا لرضاه، وكونه اهلا للعبادة والاطاعة، بل يقصد غالب الناس في عباداتهم الجهات الراجعة إليهم من المنافع الدنيوية والاخروية. ولا تنافي هذه الدواعي الراجعة إليهم عبادية العبادة، الا إذا دل دليل على ابطال بعضها للعبادة كما في الرياء، فقد ورد في الاخبار المتظافرة (1) ان الرياء لا يدخل عملا الا وافسده. و توضيح الجواب اجمالا: ان الغاية القصوى من العبادة قد تكون هي الله فقط، من دون أن يشوبها غرض آخر من الاغراض الدنيوية أو الجهات الاخروية، وضروري ان هذا النمط من الامتثال منحصر في الائمة الطاهرين (عليهم السلام) والانبياء المرسلين (عليهم السلام)، فقد قال امير المؤمنين (عليه السلام): ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك، لكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك (2).


1 - راجع الوسائل: 1، باب 12 بطلان العبادة بالرياء من مقدمة العبادة: 70، والمستدرك 1: 109. 2 - مرآة العقول 2: 101.

[ 711 ]

وقد تكون الغاية من العبادة هي الله، ولكن بداعي التملق والخضوع لحفظ الجهات الدنيوية، بان يجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة والعزة وسببا لارتفاع الشأن والمنزلة، وترسا لدفع النقمة والهلكة، وقد اشير الى هذا في الكتاب بقوله تعالى: لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد (1). وقد تكون الغاية من العبادة هي الله بداعي الخشية من غضبه والخوف من ناره التي اعدت للعاصين، وبداعي التعرض لرحمته الواسعة، والوصول الى الحور والقصور والجنة، التي عرضها كعرض السماوات والارض، وهذه المرتبة ارقى من المرتبة الثانية، وقد اشار الى هذا بقوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا (2)، وبقوله تعالى: ويدعوننا رغبا ورهبا (3)، وقد ورد في كثير من الادعية، كدعاء أبي حمزة الثمالي وغيره، تعليل الايمان بالله والعبادة له بالخوف والخشية والطمع، وهذا واضح لا غبار عليه. وقد تكون الغاية من العبادة هي التقرب الى الله وتحصيل رضاه، من غير أن يقترن بها غرض آخر من الاغراض الدنيوية أو الاخروية، وهذه المرتبة ارقى من المرتبة الثانية والثالثة، وهي مختصة بالعارفين بالله والسالكين إليه، ولا يناله الا القليل من الموحدين، كسلمان والمقداد وأبي ذر وفريق من الاكابر. وقد اتضح مما ذكرنا ان الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الاخيرة هو انتفاع العبد حتى في الدرجة الاخيرة، اعني المرتبة الرابعة،


1 - ابراهيم: 7. 2 - الاعراف: 54. 3 - الانبياء: 90.

[ 712 ]

فان مآل تحصيل رضى الله والتقرب إليه هو صيرورة العبد محبوبا لدى الله، لكي يجيب دعوته ويدفع شدته ويقضي حوائجه. وعلى هذه المناهج المذكورة في السير الى الله والتوجه الى رحمته وغفرانه، والفوز بنعمه ورضوانه لا تخلو عبادة الا وقد قصد العبد فيها أن يصل إليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الاغراض، وقد عرفتها، نعم الدرجة الاولى، وهي عبادة الائمة (عليهم السلام) خالية عن هذا القصد، ولكنها مختصة بهم (عليهم السلام). وقد انجلى ان رجوع شئ من دواعي العبادة لغير الله لا ينافي الاخلاص فيها والتقرب الى الله بها. ويشير الى ما ذكرناه ما رواه الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله حبا له فتلك عبادة الاحرار، وهي افضل العبادة (1). ومن هنا اتضح بطلان ما ذهب إليه بعضهم من فساد العبادة المأتي بها لاجل الثواب ودفع العقاب (2). 3 - ان دليل صحة الاجارة هو عموم: اوفوا بالعقود (3)، ويستحيل


1 - الكافي 2: 68، عنه الوسائل 1: 62، حسنة لابراهيم بن هاشم. 2 - نقل في البحار عن الفخر الرازي في تفسيره الكبير انه نقل اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لاجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، وأورده عند تفسير قوله تعالى: ادعو ربكم تضرعا وخفية. وعن المحقق البهائي: انه ذهب كثير من العلماء الخاصة والعامة الى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، وقالوا ان هذا مناف للاخلاص. 3 - المائدة: 1.

[ 713 ]

شموله للمقام، لان الوفاء بالشئ عبارة عن اتمامه وانهائه، فالوفاء بعقد الاجارة هو الاتيان بالعمل المستأجر عليه اداء لحق المستأجر، وواضح ان هذا لا يجتمع مع الاتيان به اداء لحق الله وامتثالا لامره، واذن فلا بد من قصد احد الامرين: اما الوفاء بالعقد، أو الامتثال لامر المولى، وحيث لا يعقل اجتماعهما في محل واحد، فلا بد من رفع اليد من الامر بالوفاء فتصبح الاجارة بلا دليل على الصحة. وفيه اولا: ان الوفاء بالعقد وان كان عبارة عن اتمامه وانهائه الا ان هذا المعنى لا يتوقف على عنوان خاص، بل يكفي فيه ايجاد متعلق العقد فقط في الخارج باي نحو اتفق، وعليه فلا مانع في كون العمل الواحد الذي تعلقت به الاجارة مصداقا لعنواني العبادة والعمل المستأجر عليه معا. نعم لو كان الظاهر من دليل وجوب الوفاء بالعقد هو ايجاد العمل المستأجر عليه في الخارج بداعي اختصاصه بالمستأجر من جميع الجهات لاستحال اجتماع قصد الوفاء بالعقد مع قصد التقرب الى الله، ولكنه دعوى جزافية. وثانيا: ان دليل صحة الاجارة لا ينحصر بآية الوفاء بالعقد، لكي يلزم من عدم شمولها للمقام بقاؤه خاليا عن دليل الصحة، بل في آية التجارة عن تراض غنى وكفاية. فان قيل: ان الامر الاجاري المتعلق بالفعل المستأجر عليه توصلي والامر العبادي المتعلق به عبادي، وعليه فيلزم أن يكون فعل واحد مامورا به بامرين متخالفين، وهو محال. قلنا: ان الامر الجاري المتعلق بالعبادة ايضا امر عبادي، فان وجوب تسليم العمل المستأجر عليه الى مالكه حكم كلي انحلالي من غير أن

[ 714 ]

يكون له شأن من التعبدية أو التوصلية، بل يتصف بهما بلحاظ وصف متعلقه، وعليه فان كان متعلق الامر الاجاري توصليا فهو توصلي، وان كان تعبديا فهو تعبدي. وعلى هذا فإذا تعلقت الاجارة بعبادة كان الامر الناشئ منها عباديا ايضا، فأصبح مؤكدا للامر العبادي المتعلق بها في نفسها مع قطع النظر عن الايجار، كما ذهب إليه كاشف الغطاء وتلميذه صاحب الجواهر. وتوضيح ذلك: انا قد ذكرنا في البحث عن التعبدي والتوصلي من علم الاصول ان قصد القربة مأخوذ في متعلق الامر الاول على ما قويناه، وفي متعلق الامر الثاني على ما اختاره شيخنا الاستاذ. وعلى كل حال فالامر قد تعلق بامتثال العمل بقصد القرية، ومن الواضح ان الامر الاجاري قد تعلق بهذا ايضا، إذ المفروض كون العمل المذكور موردا للاجارة، فمتعلق الامرين شئ واحد، فلا محالة يندك احدهما في الاخر، ويكون الوجوب مؤكدا كما في غير المقام. وقد اتضح مما ذكرناه انه لا وجه لما ذكره بعض مشائخنا المحققين من استحالة التأكد حتى في النذر ونحوه، وحاصل ما ذكره: ان الامر الصلاتي متعلق بذات العمل والامر الاجاري أو النذري أو نحوهما متعلق بالعمل الواجب المقيد بقصد القرية والامتثال، ومن الواضح انه لا يعقل التأكد في ذلك - الذي معناه خروج الطلب في موضوعه عن مرتبة الضعف الى مرتبة الشدة - لان الالتزام به يستلزم تعلق الامر بالوفاء بما هو غير وفاء، بداهة انه لا يعقل أن يكون الامر الاجاري بمنزلة: صل، بل هو بمنزلة: صل عن قصد القربة، فيكون توصليا دائما. ويدل على ما اخترناه من صحة تعلق الاجارة بالعبادة امور:

[ 715 ]

1 - ان المؤجر كما عرفت انما يملك الاجرة بعقد الاجارة من غير أن يتوقف ذلك على ايجاد العمل المستأجر عليه في الخارج، وانما اشتغلت ذمة الاجير بايجاد متعلق الاجارة، ولو كان الغرض في الاتيان بالعمل المستأجر عليه هو تملك الاجرة فقط لكان ايجاد العمل لاجل ذلك تحصيلا للحاصل، وعليه فالداعي الى الاتيان بما اشتغلت به ذمة الاجير من العبادة ليس الا امر المولى والخوف الالهي دون تملك الاجرة. ولا يفرق في ذلك بين مراقبة المستأجر على الاجير للاتيان بالعمل وعدم مراقبته عليه، فان شأن العبادات ليس شأن الافعال الخارجية المحضة، كالخبازة والبناية والنجارة ونحوها لكي يكون حضور المستأجر دخيلا في تحقق العمل واتقانه، بل العبادات مشروطة بالنية وهي امر قلبي لا يطلع عليها في افق النفس الا علام الغيوب، أو من ارتضاه لغيبه. 2 - انه لا شبهة في صحة تعلق النذر أو العهد أو اليمين بالنوافل وصيرورتها لازمة بذلك، كما لا شبهة في صحة اشتراطها في العقود اللازمة وكونها واجبة بذلك، ولم يستشكل احد في كون هذه الاوامر الطارئة عليها منافية للاخلاص المعتبر فيها، وواضح انه لا فارق بين ذلك وبين ما نحن فيه. 3 - قد ورد في الاخبار المستفيضة بل المتواترة الترغيب الى العبادات، بذكر فوائدها ومثوباتها، والترهيب عن تركها بذكر مستتبعاتها من الهلكة والعقوبة، ويتجلي لك من هذه الاخبار انه لا بأس بامتثال العبادات لجلب المنافع المترتبة على فعلها ودفع المضرات المترتبة على تركها، ولا فرق في هذه الجهة بين المقام وبينها.

[ 716 ]

ومن هذا القبيل ما وردت في الشريعة المقدسة عبادات من الادعية والنوافل لشتى الاغراض الدنيوية، كسعة الرزق وقضاء الحوائج، واداء الدين وارتزاق الولد، ودفع الشرور وعلاج المصاب، وغيرها من الجهات الدنيوية، ولم يتوهم احد منافاتها للاخلاص، مع أنها من المنافع الدنيوية، والظاهر انه لا فارق بينها وبين المقام. وقد اشكل عليه المصنف (رحمه الله) بانه فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب إليه بالعمل، وبين الغرض الحاصل من غيره، وهو استحقاق الاجرة، فان طلب الحاجة من الله سبحانه ولو كانت دنيوية محبوب عند الله، فلا يقدح في العبادة، بل ربما يؤكدها. وقد سجل هذا الاشكال غير واحد من الاعاظم، كصاحب البلغة وغيره. وفيه: ان غرض المكلف من الاتيان بالصلاة مثلا قد يكون سعة الرزق وغيرها، بحيث لا يتوسط التقرب في البين اصلا، فلا شبهة في بطلان هذا النحو من العبادة، من غير فرق بين ما نحن فيه وبين العبادات ذات النتائج الدنيوية كصلاة جعفر (عليه السلام) وغيرها، وقد تكون غاية المكلف غاية من العبادة والتقرب من الله، بحيث يكون طالبا لها بعبادته وتقربه من المولى، فهذا لا ينافي العبادية، وما نحن فيه من هذا القبيل، وعليه فلا فارق بين المقامين. وقد يتوهم ان قصد التقرب انما يتمشى في خصوص الاجارة، لانك قد عرفت ان الاجرة فيها تملك بمجرد العقد وان امتثال العبادات المستأجر عليها يستند الى امر المولى، الا ان ذلك لا يجري في الجعالة، إذ العامل فيها لا يستحق الجعل ولا يملكه الا باتمام العمل، فيستند امتثال العبادة الى داعي تحصيل الجعل، وهو مناف للاخلاص فيها.

[ 717 ]

وجوابه يظهر مما تقدم، فان تحصيل الجعل وان كان داعيا الى الامتثال، ولكن الداعي الى الاتيان بالعبادة على وجهها الصحيح هو امر الشارع والخوف الالهي، إذ لولا ذلك فان العامل يمكنه أن يأتي بالعمل خاليا عن بعض الشرائط التي لا يطلع عليها غير علام الغيوب، ويخيل الى الجاعل انه امتثله على وجه صحيح. وعلى الجملة لا نعرف وجها صحيحا لبطلان العبادات التي تنتهي بالاخرة الى استحقاق الاجرة، ولا نرى فيها جهة مخالفة للاخلاص والتقرب. ان صفة الوجوب لا تنافي الاجارة: قد انقسم الواجب الى تخييري وكفائي وعيني، فان وقع احد القسمين الاولين موضوعا للاجارة أو الجعالة، وكان مصب الاجارة أو الجعالة هو مصب الوجوب، كان المقام من صغريات أخذ الاجرة على الواجب، وسيتضح لك حكمه. وان كان مصب الاجارة أو الجعالة هو خصوص الفرد بحيث يعين فرد من افراد التخييري أو شخص من اشخاص المكلفين للامتثال، فانه لاشبهة في جواز أخذ الاجرة والجعل عليه، بل هو خارج عن موضوع أخذ الاجرة على الواجب. والوجه في ذلك ان ما تعلق به الوجوب في الواجبين التخييري والكفائي انما هو الجامع، اعني عنوان احد الافراد في الاول، وعنوان احد المكلفين في الثاني. ومن الواضح ان ايقاع الاجارة أو الجعالة على الاتيان بفرد خاص أو على مباشرة شخص معين وأخذ الاجرة أو الجعل على تلك الخصوصية

[ 718 ]

ليس من قبيل أخذ الاجرة على الواجب، فان ما اخذت عليه الاجرة ليس بواجب وما هو واجب لم تؤخذ عليه الاجرة. وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا انحصر الواجب الكفائي في شخص أو الواجب التخييري في نوع، فانهما وان تعينا في ذلك النوع أو على ذلك الشخص حينئذ، ولكن الواجب على المكلف هو طبيعي الدفن مثلا في الكفائي وطبيعي العتق مثلا في التخييري، بحيث له أن يدفن الميت في أي مكان يريد، وله أن يعتق أي فرد من افراد الرقاب، فإذا وقعت الاجارة أو الجعالة على تعيين فرد خاص منهما صح ذلك ولم يكن أخذ الاجرة عليه من قبيل أخذ الاجرة على الواجب. ثم انه لا فارق فيما ذكرناه بين كونهما تعبديين وكونهما توصليين. وقد اتضح من ذلك كله انه لا جدوى لتطويل الكلام في تحقيق الواجبين التخييري والكفائي، كما فعله بعض مشائخنا المحققين وغيره. وقد يقال: ان الخصوصيات الفردية وان لم تكن واجبة بالاصالة على الفرض الا انها واجبة بوجوب تبعي مقدمي، فيكون أخذ الاجرة عليها من قبيل أخذ الاجرة على الواجب. وفيه: انا قد حققنا في علم الاصول ان وجوب المقدمة انما هو وجوب عقلي فلا يقاس بالوجوب الشرعي، ويضاف الى ذلك ان مقدمية الفرد للكلي ليست من المقدمية المصطلحة كما هو واضح. وأما الواجب العيني، فان كان مصب الاجارة أو الجعالة فيه الخصوصية الفردية صح ذلك بلا شبهة، وقد تقدم نظيره في الواجبين التخييري والكفائي، وان كان مصبهما مصب الوجوب فقد علمت اختلاف فقهائنا وفقهاء العامة في حكم أخذ الاجرة على الواجب،

[ 719 ]

فمقتضى القاعدة هو الجواز مطلقا، للعمومات الدالة على صحة العقود والمعاملات. ولكن اشكل عليه بوجوه: 1 - ان علم الحر في حد ذاته ليس بمال، وانما يقابل بالمال لاحترام عمل المسلم، ومع الوجوب يسقط عن الاحترام. ولكنك قد عرفت في اول الكتاب ان اعمال كل شخص مملوكة له ملكية ذاتية تكوينية، وله واجدية له فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية لمكون الموجودات، وعليه فدعوى ان عمل الحر ليس بملك دعوى جزافية، ولا شبهة ان هذه الاعمال المضافة الى الحر موضع لرغبات العقلاء ومنافساتهم، فتكون اموالا في نفسها، وتجوز مقابلتها بالمال. ومع الاغضاء عن ذلك، فانها تكون اموالا بمجرد وقوع المعاملة عليها، وشأنها حينئذ شأن الكلي، إذ الكلي قبل اضافته الى شخص خاص لا يتصف بالمملوكية والمالية كلتيهما، وإذا اضيف إليه ولو حين قوله: بعتك منا من الحنطة مثلا اتصف الكلي بالمالية والملكية، ومن هنا يجوز بيع الكلي في الذمة ويحكم بضمان عمل الحر إذا فوته احد بعد ان ملكه الغير بالاجارة وغيرها. 2 - ما ذكره المصنف، من أن عمل الحر وان كان مالا ولكن الانسان إذا تكلف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه، لان عامله مقهور على ايجاده، فيكون أخذ الاجرة عليه اكلا للمال بالباطل. وفيه أولا: ان آية النهي عن اكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين، وقد تقدم بيان ذلك مرارا عديدة. وثانيا: ان المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجبا بأمره

[ 720 ]

لا تنافي المقهورية عليه من قبل الاجارة ايضا، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين، وهذا نظير شرط امتثال الواجب في ضمن العقد. وتظهر الثمرة فيما إذا خالف الاجير عن امر ربه ولم يمتثل الواجب، ولم يمكن اجباره على الامتثال من ناحية الامر بالمعروف، فانه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال ولو بمراجعة المحاكم المختصة. 3 - ما افاده شيخنا الاستاذ، من أن الاجارة والجعالة قد اعتبر فيهما ان لا يكون العامل أو الاجير مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي، بل لا بد من أن يكون الفعل أو الترك تحت سلطنته واختياره، والا فلا يكون مالا في نظر العرف. ولكنك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع انه لا تجوز المعاملة على الافعال المحرمة، كالكذب والغيبة والزناء وغيرها، فان الادلة الدالة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالة على صحة المعاملات ولزومها، فان مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الافعال المحرمة ولزومها، وادلة المحرمات تقتضي المنع عن ايجادها في الخارج، فهما متناقضان. ومع الاغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف، وهذا المحذور لا يجري في الواجبات، فانه لا تنافي بينها وبين العمومات المذكورة، كما لا منافاة بينها وبين الاوامر العبادية، وقد اوضحنا ذلك آنفا. وعليه فالتكاليف التحريمية وان كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلف ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها بل تساعدها وتضاعفها. وقد يتوهم انه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلق الاجارة بالمحرمات والواجبات، فان المكلف في كليهما يكون عاجزا شرعا عن

[ 721 ]

ايجاد متعلق التكليف، إذ القدرة لا بد وان تكون متساوية النسبة الى الطرفين الفعل أو الترك. وفيه: ان اعتبار القدرة على التسليم ان كان مدركه الاجماع، فانه على فرض تحققه فان المتيقن منه امكان وصول العمل المستأجر عليه الى المستأجر، فلا يدل على اشتراط كونه تحت اختيار الاجير فعلا وتركا، وان كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل، فقد عرفت ان الوجوب لا ينافيه، بل يتأكد كل منهما بالاخر، وان كان مدركه النبوي المشهور: نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر. ففيه اولا: ان الاستدلال به غير تام من حيث السند والدلالة، وسيأتي بيان ذلك في البحث عن بيع الغرر. وثانيا: انه لا غرر في المقام، لان العمل ممكن الوصول الى المستأجر ولا دليل على اعتبار القدرة على التسليم ازيد من ذلك. 4 - ما نسب الى شيخ المشائخ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (1)، من أن التنافي بين صفة الوجوب وأخذ العوض على الواجب ذاتي، لان العمل الواجب مملوك لله كالعمل المملوك للغير، فلا يصح أن يكون موردا للاجارة، لان تمليك المملوك ثانيا غير معقول، ولذا لا يجوز أخذ الاجرة على عمل خاص قد وقعت عليه الاجارة قبل ذلك. وفيه: انا لو سلمنا استحالة توارد الملكين على مملوك واحد، فانما هي في الملكيتين العرضيتين، بأن يكون شئ واحد مملوكا لاثنين في زمان واحد على نحو الاستقلال، ولا تجري هذه الاستحالة في الملكيتين الطوليتين، بأن تكون سلطنة احد الشخصين في طول سلطنة الاخر.


1 - شرح القواعد: 27 (مخطوط).

[ 722 ]

فان هذا لا محذور فيه، بل هو واقع في الشريعة المقدسة، كسلطنة الاولياء والاوصياء والوكلاء على التصرف في مال المولى عليهم والصغار والموكلين، فان ملكية هؤلاء في طول ملكية الملاك. ومن هذا القبيل مالكية العبيد على اموالهم، بناء على جواز تملك العبد، فان مالكيتهم في طول مالكية مواليهم. وكذلك في المقام، فان مالكية المستأجر للعمل المستأجر عليه في طول مالكيته تعالى لها، بل مالكية الملاك لاموالهم في طول مالكيته تعالى لها، فانه تعالى مالك لجميع الموجودات ملكية تكوينية ايجادية، وهي المعبر عنها في اصطلاح الفلاسفة بالاضافة الاشراقية، وقد سلط الانسان على سائر الموجودات وجعله مالكا لها، اما مالكية ذاتية كملك الشخص لاعماله وذمته، واما مالكية اعتبارية كمالكيته لامواله. ولعل الى ما ذكرناه يرجع ما افاده المصنف (رحمه الله)، من أنه: ليس استحقاق الشارع للفعل وتملكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الادمي وتملكه، الذي ينافي تملك الغير واستحقاقه. 5 - ما نسب الى الشيخ الكبير ايضا (1)، وهو ان من لوازم الاجارة أن يملك المستأجر العمل المستأجر عليه بحيث يكون له الابراء والاقالة والتأجيل لدليل السلطنة، وكل ذلك مناف لوجوب العمل المستأجر عليه. وفيه: انك قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه ان للواجب المستأجر عليه ناحيتين: احداهما حيثية وجوبه من قبل الله بأمر مولوي تكليفي، وثانيتهما حيثية تعلق الامر الاجاري به، ومن المقطوع به ان عدم صحة


1 - شرح القواعد: 27 (مخطوط).

[ 723 ]

الاقالة والابراء والتأجيل في الواجب انما هو من ناحيته الاولى، ولا ينافي ذلك ان تجري فيه تلك الامور من ناحيته الثانية. 6 - ما ذكره شيخنا الاستاذ ثانيا، من أن الاجارة أو الجعالة الواقعة على الواجب العيني من المعاملات السفهية، فتكون باطلة من هذه الجهة، فان من شرائط الاجارة أو الجعالة أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر وفي الواجب العيني ليس كذلك. ولكنك قد عرفت مرارا انه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، فتكون العمومات محكمة، على أنه لا شبهة في امكان الانتفاع بالواجب المستأجر عليه، واذن فتخرج المعاملة عن السفهية، وقد تقدم بيان ذلك في المقدمة التي مهدناها للبحث عن أخذ الاجرة على الواجب. 7 - ما احتمله بعض مشائخنا المحققين ونسبه الى استاذه في مبحث القضاء، وهو ان بذل العوض بازاء ما تعين فعله على الاجير لغو محض، فلا يكون مشمولا للعمومات. 8 - ما نسبه الى بعض الاعلام، من أن الايجاب ينبعث عن مصلحة تعود الى المكلف، وأخذ الاجرة على ما يعود نفعه إليه اكل للمال بالباطل. وقد ظهر جواب هذين الوجهين من الاجوبة المتقدمة. وقد تجلى مما حققناه ان الاشكالات المذكورة لا ترجع الى معنى محصل تركن إليه النفس، والعجب من هؤلاء الاعلام فانهم ناقشوا في جواز أخذ الاجرة على الواجب، واضافوا إليه شبهة بعد شبهة ونقدا بعد نقد، حتى تكونت منها امواج متراكمة، يندهش منها الناقد البصير في نظرته الاولى: فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض (1).


1 - الرعد: 17.

[ 724 ]

وقد ظهر من جميع ما ذكرناه سقوط جميع الاقوال المتقدمة غير ما بنينا عليه من القول بالجواز على وجه الاطلاق، والله العالم. قوله: ثم ان صلح ذلك الفعل المقابل بالاجرة لامتثال الايجاب المذكور أو اسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاجرة، وان لم يصلح استحق الاجرة، وبقي الواجب في ذمته لو بقي وقته، والا عوقب على تركه. أقول: لا يخفى ما في هذه العبارة من القلق والاضطراب، وحاصل مرامه ان الاتيان بالواجب المستأجر عليه قد يترتب عليه امتثال امر المولى واستحقاق الاجرة كلاهما، كما إذا استأجر احدا لتطهير المسجد فطهره بقصد امتثال امر المولى، فانه حينئذ يستحق الاجرة ويعد ممتثلا، وكذلك الحال في الواجبات التعبدية على مسلكنا، إذ قد عرفت ان أخذ الاجرة عليها لا ينافي جهة عبادتها. وقد يكون الاتيان بالواجب المستأجر عليه موجبا لاستحقاق الاجرة وسقوط الوجوب بغير امتثال، كتطهير المسجد وانقاذ الغريق والجهاد وغيرها من الواجبات التوصلية، فان الاجير حين ما يأتي بها بغير داعي الامر يستحق الاجرة، ولا يكون عمله هذا امتثالا للواجب على الفرض، نعم يسقط عنه الواجب لفرض كونه توصليا، كما انه يسقط عن بقية المكلفين إذا كان الواجب كفائيا. وقد يكون الاتيان بذلك العمل موجبا لاستحقاق الاجرة وسقوط الوجوب، لا من جهة الاتيان بالواجب بل لارتفاع موضوع الوجوب، كما إذا اوجب الشارع عملا بعنوان المجانية فاتى به العبد مع الاجرة، وهذا كدفن الميت بناء على أنه واجب على المكلفين مجانا، فلو أتى به لا مجانا لم يتحقق الواجب، فلا يكون مصداقا لواجب في الخارج، لان المفروض انه مقيد بالمجانية وقد أتى به مع الاجرة، الا ان الوجوب

[ 725 ]

يسقط عند ذلك لارتفاع موضوعه، ففي جميع هذه الصورة يتحقق سقوط الوجوب واستحقاق الاجرة. وهناك صورة رابعة لا يسقط الوجوب بالاتيان بالعمل المستأجر عليه فيها، وان كان الاتي بالعمل مستحقا لاخذ الاجرة على عمله، لكونه محترما، وهذا كالعبادات الواجبة على المكلفين عينا، فانه إذا أتى بها المكلف بازاء الاجرة وقلنا بمنافاتها لقصد القرية والاخلاص كما عليه المصنف وجمع آخر لم يمتثل الواجب، وان كان يستحق الاجرة لاحترام عمله، وعليه فان بقي وقت الواجب وجبت عليه الاعادة والا عوقب على تركه، إذا لم يدل دليل على تداركه بالقضاء. حقيقة النيابة على العبادات: قد ذكرنا في مبحث التعبدي والتوصلي من علم الاصول ان الاصول اللفظية والعملية تقتضي عدم سقوط التكاليف العبادية عن كل مكلف باتيان غيره بها، فلا بد لكل مكلف أن يمتثل تكاليفه العبادية بالمباشرة، وعليه فنيابة الشخص عن غيره في امتثال عباداته مع التقرب والاخلاص تحتاج الى الدليل، وان ثبت امكانها في مقام الثبوت. ولا شبهة في وقوع النيابة في العبادات الواجبة والمستحبة، بضرورة الفقه نصا وفتوى (1). ولا بأس بالتعرض للبحث عن تصوير امكانها في ذلك دفعا لما توهمه بعض الاجلة من استحالة التقرب من النائب وحصول القرب للمنوب عنه، نظرا الى أن التقرب المعنوي كالتقرب الحسي المكاني لا يقبل النيابة.


1 - القواعد 1: 228، الذكرى: 75، جامع المقاصد 7: 152، مفتاح الكرامة 7: 164.

[ 726 ]

وقد ذكر غير واحد من الاعلام وجوها في تصوير النيابة عن الغير في امتثال وظائفة بقصد التقرب والاخلاص: 1 - ما ذكره المصنف وحاصله: ان الاجير يجعل نفسه بدلا عن الميت في الاتيان بتكاليفه متقربا بها الى الله تعالى، فالمنوب عنه يتقرب إليه تعالى بفعل نائبة وتقربه. ولا شبهة ان هذا التنزيل في نفسه مستحب وانما يصير واجبا بالاجارة وجوبا توصليا، من غير أن يعتبر فيه قصد القربة في ذاته، بل اعتباره فيه من جهة اعتباره في وظيفة المنوب عنه، لان الاجير لا يخرج عن عهدة التكليف الا بالاتيان بالعمل المستأجر عليه بقصد الاخلاص، فالاجير يجعل نفسه نائبا عن الغير في امتثال وظائفه متقربا بها الى الله، وانما يأخذ الاجرة للنيابة فقط دون الاتيان بالعبادات. فان للنائب حين ما يأتي بالعمل فعلين: احدهما قلبي من افعال الجوانح، وهو النيابة، وثانيهما خارجي من افعال الجوارح، وهو العمل المنوب فيه كالصلاة مثلا، وإذا تعدد الفعل ذاتا ووجودا فانه لا بأس بتعدد الغاية المترتبة عليهما، ولا تنافي بين أخذ الاجرة على النيابة وبين الاتيان بالعبادات متقربا بها الى الله تعالى. وفيه: ان أخذ الاجرة اما لتنزيل نفسه منزلة الميت ونيابته عنه في الاتيان بوظائفه، واما للاتيان بالعمل في الخارج، فعلى الاول يلزم استحقاق الاجرة بمجرد النيابة القلبي، سواء أتى بالعمل في الخارج املا، وهو بديهي البطلان، وعلى الثاني فيعود المحذور، وهو أخذ الاجرة على الامر العبادي، فان الموجود في الخارج ليس الا نفس العبادة. 2 - ما ذكره المصنف في رسالة القضاء، من أن النية مشتملة على قيود،

[ 727 ]

منها كون الفعل خالصا لله سبحانه، ومنها كونه اداء وقضاء عن نفسه أو عن الغير باجرة أو بغيرها، وكل من هذه القيود غير مناف لقصد الاخلاص، والاجرة فيما نحن فيه انما وقعت اولا وبالذات بازاء القيد الثاني، اعني النيابة عن زيد، بمعنى انه مستأجر على النيابة عن زيد بالاتيان بهذه الفريضة المتقرب بها، وقيد القربة في محله على حاله لاتعلق للاجارة الا من حيث كونه قيدا للفعل المستأجر عليه، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرب زيادة على التقرب المشروط في صحة العبادة اتجه منافاة الاجرة لذلك الا انه ليس بشرط اجماعا. وفيه اولا: ان أخذ الاجرة في مقابل العمل المقيد بقصد القربة يستلزم وقوع الاجرة بازاء نفس العمل ايضا، وعليه فيعود المحذور المذكور. وثانيا: ما ذكره بعض مشائخنا المحققين، من أن الفعل القلبي والفعل الخارجي وان كانا متغايرين ماهية ووجودا، ولكل منهما غاية خاصة، الا انه لا شك في انه لولا الفعل القلبي بما له من الغاية، وهي استحقاق الاجرة، لم يصدر الفعل الخارجي بما له من الغاية، وهي القربة، فالاخلاص الطولي غير محفوظ بمجرد تعدد الفعل مع ترتب الفعل الخارجي بغايته على الفعل القلبي بغايته. 3 - ما ذكره شيخنا الاستاذ توجيها لكلام المصنف في المكاسب، وملخصه: انه لا شبهة في عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه، بل جاز للغير الاتيان بالفعل عنه نيابة، ويجوز التبرع عنه في ذلك، من دون أن يعتبر قصد القربة في الامر التبرعي، بل اعتباره في فعل النائب لاجل اعتباره في المنوب فيه. ثم انه لا ريب في ان هذا الامر التبرعي يصبح واجبا إذا وقعت عليه الاجارة، وحينئذ لا يخرج النائب عن عهدته بامتثاله بقصد القربة

[ 728 ]

والاخلاص، وواضح انه لا تنافي بين اعتبار التقرب فيه وبين جواز أخذ الاجرة للنيابة، فان الاجرة انما هي بازاء قصد النائب النيابة في عمله عن المنوب عنه لا على نفس العمل، بحيث إذا قصد النائب الاتيان بذات العمل المستأجر عليه للاجرة أو قصد الاتيان به بداعي امره سبحانه بازاء الاجرة كان عمله باطلا. ولكن يرد عليه اولا: ما ذكرناه في جواب المصنف. وثانيا: ان الاوامر المتوجهة الى شخص غريبة عن شخص آخر، وعليه فلا معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب، كما انه لا معنى لاعتبار قصد التقرب في الامر المتوجه الى النائب بلحاظ اعتباره في الامر المتوجه الى المنوب عنه، والتوجيه المذكور اشبه شئ بدعوى سقوط الامر بالصوم بامتثال الامر المتعلق بالصلاة، واشبه شئ ايضا بدعوى اعتبار قصد التقرب في الامر بغسل الثوب بلحاظ الامر العبادي المتعلق بالحج. وثالثا: انا لو سلمنا صحة ذلك ولكنه انما يجري في النيابة عن الاحياء، فان الاوامر المتوجهة الى الاموات في حياتهم قد انقطعت بالموت فلا يبقى هنا امر لكي يقصد النائب في امتثال العمل المنوب فيه ويأتي به بقصد التقرب والاخلاص، وهذا لا ينافي اشتغال ذمة الميت بالعبادات الفائتة كما هو واضح. ورابعا: انا لو اغمضنا عن ذلك ايضا ولكنه انما يتم مع توجه الامر الى المنوب عنه، مع أنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان صحة النيابة عنه حتى فيما لم يتوجه إليه امر اصلا، كنيابة اشخاص غير محصورين عن الميت أو عن غيره في جهات مستحبة كالطواف ونحوه، بداهة انتفاء الامر حينئذ عن المنوب عنه، فان توجهه عليه مشروط بالقدرة، وواضح ان

[ 729 ]

المنوب عنه لا يقدر على الاتيان بامور غير مصورة، وكذلك تجوز النيابة في الحج عمن لا يقدر عليه، مع أنه لا امر حينئذ للمنوب عنه اصلا. والتحقيق ان الامر الاستحبابي (1) متوجه الى جميع الناس للنيابة في العبادة عن الميت بل الحي في بعض الموارد، ولا شبهة ان هذا الامر الاستحبابي المتوجه الى كل احد امر عبادي، فيعتبر فيه قصد التقرب والاخلاص، وقد يكون واجبا إذا تعلقت به الاجارة، وقد تقدم بيان ذلك آنفا. وعليه فالنائب عن الغير في امتثال عباداته انما يتقرب الى الله تعالى بالامر المتوجه الى نفسه، من دون أن يكون له مساس بالامر العبادي المتوجه الى المنوب عنه، بل لا يعقل أن يقصد النائب تقرب المنوب عنه ويمتثل امره، أو يتقرب الى الله بامر المنوب عنه ويمتثله. وعلى ما ذكرناه، فمورد الاجارة هو الواجبات أو العبادات المنوب فيها، وقد تقدم ان صفة الوجوب أو صفة العبادة لا تنافي الاجارة. جواز أخذ الاجرة على المستحبات: قوله: وأما المستحب. أقول: العمل المستأجر عليه قد يكون حراما، وقد يكون واجبا، وقد يكون مكروها، وقد يكون مباحا، وقد يكون مستحبا، أما الحرام والواجب فقد تقدم الكلام عليهما، وأما المكروه والمباح فلم يستشكل احد في صحة الاجارة لهما.


1 - راجع الوسائل: 8، باب 12 استحباب التطوع بجميع العبادات عن الميت من أبواب القضاء من كتاب الصلاة: 277.

[ 730 ]

وأما المستحب فالمعروف بين الشيعة والسنة (1) هو جواز أخذ الاجرة عليه، بل هو مقتضى القاعدة الاولية، إذ لا نرى مانعا عن شمول العمومات الدالة على صحة المعاملات لذلك، فقد عرفت آنفا ان صفة العبادية وكذا صفة الوجوب لا تنافي الاجارة أو الجعالة، وكذلك صفة الاستحباب، فانها لا تنافيهما بطريق الاولوية. وعلى هذا فلا وجه لتطويل الكلام في تصوير النيابة في المستحبات، كما لا وجه للفرق فيها بين ما يتوقف ترتب الثواب على قصد التقرب والاخلاص، كالاتيان بالنوافل والزيارات، وبين ما لا يتوقف ترتب الثواب على ذلك، كبناء المساجد والقناطر ونحوهما. من كان أجيرا لغيره في الطواف لم يجز له أن يقصده لنفسه: قوله: فلو استؤجر لاطافة صبي أو مغمى عليه فلا يجوز الاحتساب في طواف نفسه. أقول: قد ذكر الاصحاب هنا وجوها بل اقوالا: 1 - جواز الاحتساب مطلقا، وقد استظهره المصنف من الشرائع والقواعد على اشكال في الثاني (2). 2 - عدم جواز الاحتساب مطلقا حتى في صورة التبرع، وقد حكاه بعض الاعاظم عن بعض الشافعية.


1 - في فقه المذاهب عن المالكية: جوزوا أخذ الاجرة على بعض الامور المستحبة، وعن الشافعية: تصح الاجارة على كل مسنون كالاذان والاقامة وعلى ذكر الله كالتهاليل، وعن الحنابلة: لا تصح الاجارة على كل فعل قربي (فقه المذاهب 3: 181 - 195). وقد تقدم رأى الحنفية في الاجارة على الطاعة. 2 - الشرايع 1: 232، القواعد: 411، الدروس 1: 322.

[ 731 ]

3 - عدم جواز الاحتساب عن نفسه فيما إذا استؤجر للاطافة بغيره أو لحمله في الطواف، وقد نسبه المصنف الى جماعة منهم الاسكافي. 4 - ما ذكره العلامة في المختلف (1)، من الفرق بين الاستئجار للطواف به وبين الاستئجار لحمله في الطواف، فانه منع عن احتساب ذلك لنفسه في الاول دون الثاني. 5 - ما ذكره في المسالك (2)، من أنه إذا كان الحامل متبرعا أو حاملا بجعالة أو كان مستأجرا للحمل في طوافه امكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه، وأما لو كان مستأجرا للحمل مطلقا لم يحتسب، لان الحركة المخصوصة قد صارت مستحقة عليه لغيره فلا يجوز صرفها الى نفسه. والتحقيق ان المؤجر قد يكون اجيرا عن الغير في الطواف ونائبا عنه في ايجاد العمل المعين في الخارج، وقد يكون اجيرا للاطافة به، وقد يكون اجيرا لحمله في الطواف. أما الصورة الاولى فانه لا يجوز للاجير أن يقصد الطواف لنفسه حين ما يأتي بالعمل المستأجر عليه، لان الاجارة تقتضي اختصاص العمل المستأجر عليه بالمستأجر، ولذا لو فوته احد يضمنه له، والامر بالطواف المتوجه الى الاجير يقتضي الاتيان به عن نفسه وعدم اجزائه عن غيره، كما هو مقتضى القاعدة في جميع الاوامر المسوقة لبيان الاحكام التكليفية. وبعبارة اخرى ان المستأجر انما يستحق الحركات المخصوصة على


1 - المختلف 4: 186. 2 - المسالك 2: 177.

[ 732 ]

الاجير لكونها مملوكة له، فلا يجوز للاجير أن يحتسبها عن نفسه، ولعله الى هذا اشار في المسالك في عبارته المتقدمة. وأما إذا كان اجيرا لحمل غيره في الطواف أو للاطافة به، فهل يجوز له أن يقصد الطواف لنفسه حين ما يحمل المستأجر للطواف ام لا، فقد يقال بالثاني، لان الحركات المخصوصة الصادرة من الاجير مملوكة للمستأجر، فلا تقع عن الاجير نظير الصورة السابقة، ولكن الظاهر هو الجواز تبعا لجم غفير من الاصحاب، وقد تقدم رأيهم. والوجه في ذلك ان ما يستحق به المستأجر على الاجير انما هو الحمل فقط، ومن الواضح انه حاصل على كل حال، لان شأن الاجير في هذه الصورة شأن الدابة التي يركبها العاجز عن المشي للطواف، وعليه فلا تنافي بين كون شخص اجيرا لحمل غيره في الطواف، وبين أن يقصد الطواف لنفسه في هذه الحالة. والذي يدلنا على ذلك امران: 1 - انه إذا لم يتصف الحامل في هذه الصورة بما اعتبر في الطائف من الشرائط كالمشي على القهقرى مثلا، لم يضر بطواف المحمول إذا كان واجدا لشرائط الطواف، ومن المقطوع به انه لو كان مصب الاجارة هو الطواف عن الغير بعنوان النيابة لما حصل العمل المستأجر عليه في الخارج. 2 - انه ورد في جملة من الاخبار (1) جواز حمل الغير في الطواف مع


1 - عن الهيثم التميمي قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل كانت معه صاحبته لا تستطيع القيام على رجلها، فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت وبالصفا والمروة، أيجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها؟ قال: ايها الله إذا (التهذيب 5: 398، عنه الوسائل 13: 395)، حسنة لابراهيم بن هاشم. قوله: ايها - الخ، معناه: أي والله يكون ذا، فالهاء عوض عن واو القسم، كما ذكره جمع من النحاة. وعن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي؟ قال: نعم (الكافي 4: 429، التهذيب 5: 125، عنهما الوسائل 13: 396)، حسنة لابراهيم.

[ 733 ]

العجز عنه، فهي باطلاقها تدل على ما ذكرناه، على أنه لو كان مورد هذه الاخبار غير الاجارة فانها تدل ايضا على صحة ذلك، لانها ظاهرة في ان حمل غيره في الطواف لا ينافي قصد الحامل الطواف لنفسه لكون كل منهما بعيدا عن الاخر. حرمة أخذ الاجرة على الاذان: قوله: لا يجوز أخذ الاجرة على اذان المكلف لصلاة نفسه. أقول: المعروف بين الاصحاب (1) حرمة أخذ الاجرة على الاذان، بل في المستند حكى الاجماع عليها، وعلى هذا النهج بعض فقهاء العامة (2). والتحقيق ان مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاجرة على الواجبات وعلى المستحبات، تعبدية كانت ام توصلية، لكونها من الاعمال المحترمة التي تقابل بالمال، فتكون المعاملة عليها مشمولة للعمومات، وان صفة الوجوب أو صفة العبادية، أو اقتران العمل العبادي بالدواعي غير القربية لا تنافي التقرب والاخلاص الا مع الدليل الخارجي، كامتثال العبادات بداعي الرياء، وقد عرفت ذلك كله آنفا. ومن هنا يتجلى لك جواز أخذ الاجرة على الاذان وعلى الامامة، إذا كانا مما يرجع نفع من ذلك الى الغير، بحيث يصح لاجله الاستئجار،


1 - الخلاف 1: 291، المختلف 2: 134، الذكرى: 173، مفتاح الكرامة 1: 291. 2 - قد تقدمت الاشارة الى آرائهم في أخذ الاجرة على الواجبات.

[ 734 ]

كالاعلام بدخول الوقت أو الاجتزاء به في الصلاة، والاقتداء بالامام. ولكن قد سمعت في مقدمة البحث عن أخذ الاجرة على الواجب ان مورد الكلام فيما إذا كان العمل المستأجر عليه حاويا لشرائط الاستئجار، مع قطع النظر عن كونه واجبا أو مستحبا، وعن كونه تعبديا أو توصليا، وعليه فلو منع الشارع عن أخذ الاجرة على عمل خاص وتعلق غرضه بكونه مجانيا فانه خارج عن حريم البحث، ولا يختص ذلك بالعبادات، ولا بالواجبات والمستحبات. ومن الواضح جدا انه ثبت في الشريعة المقدسة عن اهل بيت العصمة (عليهم السلام) حرمة أخذ الاجرة على الاذان وعلى الامامة (1).


1 - في رواية السكوني قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على اذانه اجرا (الفقيه 1: 184، التهذيب 2: 283، عنهما الوسائل 5: 447)، موثقة للسكوني. في حسنة حمران بابن هاشم الواردة في فساد الدنيا واضمحلال الدين: ورأيت الاذان بالاجر والصلاة بالاجر (الكافي 8: 36، عنه الوسائل 16: 275). عن زيد بن علي عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) انه اتاه رجل فقال: يا امير المؤمنين والله اني احبك لله، فقال له: لكني ابغضك لله! قال: ولم؟ قال: لانك تبغي في الاذان وتأخذ على تعليم القرآن اجرا (التهذيب 6: 376، الاستبصار 3: 65، عنهما الوسائل 17: 157)، ضعيفة بعبد الله بن منبة والحسين بن علوان. ورواها الصدوق مرسلا الا انه قال تبتغي في الاذان كسبا (الفقيه 3: 109، عنه الوسائل 17: 157). عن محمد مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تصلي خلف من يبغي على الاذان والصلاة بالناس اجرا ولا تقبل شهادته (الوسائل: 27، باب 32 من لا تقبل شهادته من أبواب الشهادات)، صحيحة. وفي المستدرك: 4، باب 30 عدم جواز أخذ الاجرة على الاذان من أبواب الاذان: 51، ما يدل على ذلك.

[ 735 ]

قوله: وعلى الاشبه كما في الروضة (1). أقول: هذا سهو من قلمه الشريف، فانه ذكر الشهيد (رحمه الله) في الروضة: والاجرة على الاذان والاقامة على اشهر القولين. أخذ الاجرة على الشهادة: قوله: ثم ان من الواجبات التي يحرم أخذ الاجرة عليه عند المشهور تحمل الشهادة، بناء على وجوبه. أقول: ذهب المشهور من فقهائنا وفقهاء العامة الى وجوب الشهادة تحملا واداء، كما يظهر لمن يراجع الى كلماتهم في مواردها، وهذا هو الظاهر من الكتاب الكريم (2) ومن الروايات المذكورة في أبواب الشهادات، وعليه فاخذ الاجرة على الشهادة من صغريات أخذ الاجرة على الواجب، وقد عرفت سابقا ذهاب المشهور الى حرمة أخذها عليه، ولكن قد علمت فيما تقدم ان مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاجرة على الواجبات مطلقا ما لم يثبت منع من الخارج. ومن المعلوم انا لم نجد في ادلة وجوب الشهادة ما يمنع عن ذلك، بل الظاهر من بعض الروايات (3) الواردة في قوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا (4)، ان المنفي في الاية هو أن يقول المدعو الى الشهادة: لا اشهد على الواقعة، وواضح ان هذا لا ينافي جواز أخذ الاجرة على الشهادة،


1 - الروضة البهية 3: 217. 2 - قوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، البقرة: 282. قوله تعالى: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه، البقرة: 283. 3 - راجع الوسائل: 27، باب 1 وجوب تحمل الشهادة من أبواب الشهادات. 4 - البقرة: 282.

[ 736 ]

نعم لو امتنع المشهود له عن اعطاء الاجرة وجب على الشاهد أن يشهد بالواقعة مجانا. هذا كله إذا كان تحمل الشهادة أو ادائها واجبا عينيا، وأما إذا كان كل منهما واجبا كفائيا فقد تقدم ان أخذ الاجرة على الواجب الكفائي مع عدم الانحصار خارج عن محل الكلام، فانه واجب على جميع المكلفين لا على شخص واحد معين. ثم انه لا يستفاد من ادلة وجوب الشهادة الا كونها واجبة على نهج بقية الاحكام التكليفية الكفائية أو العينية، من غير أن يستفاد منها كون التحمل أو الاداء حقا للمشهود له. ثم انه قد يقال بحرمة أخذ الاجرة على مطلق التعليم أو على تعليم القرآن، ولكنه فاسد، فقد ثبت جواز ذلك في جملة من الاخبار (1)، وفي بعضها وقع الازراء على القائلين بالحرمة ورميهم الى الكذب وعداوة الحق.


1 - في رواية حسان المعلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): لا تأخذ على التعليم اجرا (الكافي 5: 121، التهذيب 6: 364، الاستبصار 3: 65، عنهم الوسائل 17: 154)، ضعيفة بحسان وفضل ابن كثير. وفي رواية الفضل عنه (عليه السلام): ان هؤلاء يقولون ان كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا اعداء الله - الحديث (الكافي 5: 121، الفقيه 3: 93، التهذيب 6: 364، الاستبصار 3: 65، عنهم الوسائل 17: 154)، ضعيف بفضل. عن الصدوق قال (عليه السلام): من أخذ على تعليم القرآن اجرا كان حظه يوم القيامة (الفقيه 3: 109، عنه الوسائل 17: 156)، مرسل. وفي المستدرك 13: 116، ما يدل على حرمة تعليم القرآن (فقه الرضا (عليه السلام): 34)، ولكنه ضعيف السند. وقد اخرج البيهقي في سننه احاديث تدل على جواز أخذ المعلم الاجرة للتعليم، وأحاديث اخرى تدل على كراهة أخذها لتعليم القرآن (السنن للبيهقي 6: 124).

[ 737 ]

نعم لا نضائق من القول بالكراهة لورود النهي عن ذلك في بعض الاخبار المحمول على الكراهة، وعلى هذا المنهج المشهور من العامة (1)، على ان الروايات الواردة في حرمة كسب المعلم وجوازه ضعيفة السند، فيرجع الى عمومات ما دل على جواز الكسب. ثم انه لا يجوز أخذ الاجرة على القضاء للروايات الخاصة (2)، وان الظاهر من آية النفر (3) الامرة بالتفقه في الدين وانذار القوم عند الرجوع إليهم ان الافتاء امر مجاني في الشريعة المقدسة، فيحرم أخذ الاجرة عليه. ويؤيده قوله تعالى: قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى (4). الارتزاق من بيت المال: قوله: بقي الكلام في شئ - الخ.


1 - قد تقدمت الاشارة الى آرائهم فيما سبق. 2 - في صحيحة عمار بن مروان جعل الامام (عليه السلام) من السحت اجور القضاة (الكافي 5: 126، التهذيب 6: 368، عنهما الوسائل 17: 92). وفي المستدرك عن الجعفريات عن علي (عليه السلام) انه جعل من السحت اجر القاضي (الجعفريات: 180، عنه المستدرك 13: 69). وفي حسنة ابن سنان بابن هاشم: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت، وقد تقدمت الاشارة الى مصادرها في البحث عن جواز ارتزاق القاضي من بيت المال. 3 - التوبة: 123. 4 - الشورى: 22.

[ 738 ]

أقول: حاصل كلامه ان معظم الاصحاب (1) قد صرحوا بجواز الارتزاق من بيت المال لكل من يحرم عليه أخذ الاجرة على الاتيان بالواجبات، كالقضاء والافتاء وتجهيز الميت، أو الاتيان بالمستحبات كالاذان ونحوه. والوجه في ذلك ان بيت المال معد لمصالح المسلمين، وهذه الموارد من جملتها، لعود النفع إليهم، فان أي شخص إذا أتى بأي شئ يرجع الى الجهات الراجعة الى مصالح المسلمين، كالامور المذكورة وغيرها جاز لولي الامر أن يدر عليه من بيت المال ما يرفع به حاجته. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المقدار المقرر لهم أقل من اجرة المثل أو مساويا لها أو اكثر منها، ولا بين أن يكون تعيين ذلك قبل قيام هؤلاء بالوظائف المقررة عليهم أو بعده، بل يجوز لولي المسلمين أن يقول لاحد منهم: اقض في البلد أو اذن وانا اكفيك مؤونتك من بيت المال، ولايكون ذلك اجارة ولا جعالة. نعم يشترط في جواز الارتزاق من بيت المال أن يكون المتصدي للمناصب المذكورة والوظائف المقررة من ناحية الشرع محتاجا إليه، بحيث لا يقدر على قوت نفسه وعياله ولو بالتكسب، والا فلا يجوز له الارتزاق من بيت المال فانه تضييع لحقوق المسلمين. أقول: لو قلنا بحرمة اخذ الاجرة على الواجبات أو المستحبات، فان الادلة الدالة على الحرمة مختصة بعنوان الاجرة والجعل فقط، فلا تشمل بقية العناوين المنطبقة على المتصدين لتلك الوظائف،


1 - كالشيخ في المبسوط 8: 160، والحلي في السرائر 1: 215، 2: 217، والمحقق في الشرايع 2: 11، 4: 69، والعلامة في القواعد 1: 121، 2: 202، والشهيد في الدروس 3: 172، راجع مفتاح الكرامة 4: 95 - 99.

[ 739 ]

كالارتزاق من بيت المال، فانه معد لمصالح المسلمين، فيجوز صرفه في أي جهة ترجع إليهم وتمس بهم. بل يجوز لهؤلاء المتصدين للجهات المزبورة أن يمتنعوا عن القيام بها بدون الارتزاق من بيت المال، إذا كان العمل من الامور المستحبة، وعليه فلا وجه لاعتبار الفقر والاحتياج في المرتزقة، كما ذهب إليه جمع كثير من اعاظم الاصحاب. لا يقال: إذا صار القضاء وامثاله من الواجبات العينية، كان شأن ذلك شأن الواجبات العينية الثابتة على ذمم اشخاص المكلفين، كالصلاة والصوم والحج ونحوها، ومن الواضح جدا انه لا يجوز الاتزاق من بيت المال بازائها. فانه يقال: ان القضاوة ونحوها وان كانت من الواجبات العينية فيما إذا انحصر القاضي بشخص واحد، ولكنها مما يقوم به نظام الدين، فتكون من الجهات الراجعة الى مصالح المسلمين، فقد عرفت ان مصرف بيت المال انما هو تلك المصالح، فلا يقاس القضاء وامثاله بالواجبات العينية ابتداء، خصوصا إذا اراد القاضي أن ينتقل من بلده الى بلد آخر، بل الامر كذلك في جميع الواجبات العينية إذا توقف على الاتيان بها ترويج الدين ومصلحة المسلمين.

[ 740 ]

الخاتمة المسألة (1) بيع المصحف قوله: خاتمة: تشتمل على مسائل: الاولى صرح جماعة. أقول: ذهب المشهور من أكابر اصحابنا (1) الى حرمة بيع المصحف، وذهب جمع آخر كصاحب الجواهر (2) وغيره الى الجواز. والمراد بالمصحف الاوراق المشتملة على الخطوط كبقية الكتب، دون الخط فقط كما اختاره المصنف (رحمه الله) تبعا للدروس (3)، فان الخط بما هو خط غير قابل للبيع لكونه عرضا محضا تابعا لمعروضه، فلا يمكن انفكاكه عنه حتى يبحث فيه بانه يقابل بالثمن ام لا، وعلى تقدير كونه من قبيل الجواهر كالخطوط المخطوطة بالحبر ونحوه، فانه لا يقبل النقل والانتقال. وكيف كان فلا وجه للبحث عن جواز بيع الخط الخالي عن الاوراق وعدم جوازه، نعم شأن الخطوط بالنسبة الى الاوراق شأن الصور النوعية العرفية التي يلزم من انتفائها انتفاء المبيع رأسا كما سيأتي.


1 - انظر النهاية: 368، السرائر 2: 218، التذكرة 1: 582، الدروس 3: 165، جامع المقاصد 4: 33، نهاية الحكام 2: 472، مفتاح الكرامة 4: 82. 2 - الجواهر 22: 125. 3 - الدروس 3: 165.

[ 741 ]

وأما حسن الخط وجودته فذلك من قبيل الاوصاف الكمالية فتوجب زيادة في الثمن ولا يلزم من انتفائها انتفاء المبيع لكي يترتب عليه بطلان البيع، بل يثبت الخيار للمشروط له، الا إذا كان الخط بمرتبة من الجودة صار مبائنا لسائر الخطوط في نظر العرف، كخط المير المعروف، وحينئذ فتكون صفة الحسن ايضا من الصور النوعية العرفية، ويلزم من انتفائها انتفاء المبيع فيحكم ببطلان البيع. ونظير ذلك ما إذا باع فراشا على أنه منسوج بنسج قاسان، فبان انه منسوج بنسج آخر، فان الاول لجودة نساجته يعد في نظر العرف مبائنا للثاني، فيبطل البيع، لان ما جرى عليه العقد غير واقع وما هو واقع غير ما جرى عليه العقد. وعلى الجملة متعلق البحث في بيع المصحف، اما الاوراق المجردة عن الخطوط أو العكس، أو هما معا، وحيث لا سبيل الى الاول والثاني فيتعين الثالث. ثم ان الروايات الواردة في بيع المصحف على طائفتين: 1 - ما دل (1) على حرمة بيعه، اي الاوراق المقيدة بالخطوط، وتدل


1 - عن عبد الرحمان بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ان المصاحف لن تشتري، فإذا اشتريت فقل انما اشترى منك الورق وما فيه من الادم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا (الكافي 5: 121، عنه الوسائل 17: 157)، مجهولة لعبد الرحمان. عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن بيع المصاحف وشرائها، قال: لا تشتر كتاب الله عزوجل، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين، وقل: اشتريت منك هذا بكذا وكذا (الكافي 5: 121، عنه الوسائل 17: 157)، ضعيفة لعثمان بن عيسى. ورواها الشيخ في التهذيب بأدنى تفاوت (التهذيب 6: 366). عن جراح المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في بيع المصاحف قال: لا تبع الكتاب ولا تشتره، وبع الاديم والورق والحديد (التهذيب 6: 366، عنه الوسائل 17: 159)، ضعيفة لقاسم بن سليمان وجراح. عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تبيعوا المصاحف فان بيعها حرام، قلت: فما تقول في شرائها، قال: اشتر منه الدفتين والحديد والغلاف واياك ان تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما وعلى من باعه حراما (التهذيب 7: 231، عنه الوسائل 17: 160)، ضعيفة لعبدالله الرازي وابن أبي حمزة البطائني.

[ 742 ]

هذه الطائفة على جواز بيع غلافه وحديدته وحليته. 2 - ما دل (1) على جواز بيعه، فتقع المعارضة بينهما. وقد جمع المصنف بينهما، بأن الطائفة المجوزة وان كانت ظاهرة في جواز البيع ولكنها لم تتعرض لبيان كيفيته، فلا تعارض ما دل على حرمة بيعه المتضمن للبيان. واحتمل في الجواهر حمل الاخبار المجوزة على ارادة شراء الورق قبل أن يكتب بها على أن يكتبها فيكون العقد في الحقيقة متضمنا لمورد


1 - عن عنبسة الوراق قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: أنا رجل أبيع المصاحف فان نهيتني لم أبعها، فقال: ألست تشتري ورقا وتكتب فيه، قلت: بلى واعالجها، قال: لا بأس به (الكافي 5: 122، عنه الوسائل 17: 159)، مجهولة بعنبسة. عن روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها، قال: انما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف، قال: فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك ثم انهم اشتروا بعد ذلك، قلت: فما ترى في ذلك، قال: اشترى احب الى من أن أبيعه، قلت: فما ترى ان اعطي على كتابه اجرا، قال: لا بأس ولكن كذلك كانوا يصنعون (الكافي 5: 121، التهذيب 6: 366، عنهما الوسائل 17: 158)، ضعيفة بغالب بن عثمان. عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع المصاحف وشرائها، فقال (عليه السلام): انما كان يوضع عند القامة والمنبر - الى أن قال (عليه السلام): - اشتريه احب الى من أن أبيعه (التهذيب 6: 366، عنه الوسائل 17: 160)، صحيحة.

[ 743 ]

البيع ومورد الاجارة، بقرينة قوله (عليه السلام): وما عملته يدك بكذا، ضرورة عدم صلاحية العمل موردا للبيع، فلا بد من تنزيله على الاجارة (1). ويرد على الوجهين ان كلا من النفي والاثبات في الروايات الواردة في بيع المصاحف انما ورد على مورد واحد، وعليه فلا ترتفع المعارضة بين الطائفتين بشئ من الوجهين، لانهما من الجمع التبرعي المحض ولا شاهد لهما من العقل والنقل. ويرد على خصوص ما في الجواهر انه لا وجه لجعل العقد الواحد متضمنا لموردي الاجارة والبيع معا، تمسكا برواية عبد الرحمان بن سليمان المذكورة في الحاشية، فانه مضافا الى كونها ضعيفة السند، انه لادلالة فيها على مقصود صاحب الجواهر، إذ الظاهر من عمل اليد في قوله (عليه السلام): فقل: انما اشترى منك الورق وما فيه من الادم، وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا، هو الاثر الحاصل من العمل لا نفس الفعل، فانه لا وجه لكون العمل بعد وقوعه متعلقا للاجارة. والتحقيق ان تحمل الطائفة المانعة من الروايات على الكراهة، بدعوى ان الغاية القصوى من النهي عن بيع المصحف انما هو التأدب والاحترام لكلام الله عزوجل، فانه اجل من أن يجعل موردا للبيع كسائر الكتب والامتعة، وارفع من أن يقابل بثمن بخس دراهم معدودة، إذ الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فكيف يمكن أن يقع جزء من ذلك ثمنا للقرآن الذي اشتمل على جميع ما في العالم، ويدور عليه مدار الاسلام. ومن هنا تعارف من قديم الايام ان المسلمين يعاملون على المصاحف


1 - الجواهر 22: 128، كذا في المصابيح: 62.

[ 744 ]

معاملة الهدايا ويسمون ثمن القرآن هدية، وعليه فيحمل النهي الوارد عن بيعه على الكراهة، لارشاده الى ما ذكرناه. ويدلنا على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية روح بن عبد الرحيم: اشترى أحب الى من أن أبيعه، وقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير: اشتريه أحب الى من أن أبيعه، وقد ذكرناهما في الهامش. فان كون الشراء احب عند الامام (عليه السلام) من البيع يدل على كراهة البيع، وكونه منافيا لعظمة القرآن، ولو كان النهي تكليفيا لم يفرق فيه بين البيع والشراء. ولو سلمنا دلالة الروايات المانعة على الحرمة، ولكنها ظاهرة في الحرمة التكليفية فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية، أعني فساد البيع وعدم نفوذه، لعدم الملازمة بينهما وقد تقدم ذلك مرارا. ويضاف الى جميع ما ذكرناه ان الطائفة المانعة كلها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ فلا يجوز الاستناد إليها. لا يقال: ان ما دل على جواز بيع الورق ايضا معارض بما دل على عدم جواز بيعه، كرواية سماعة المتقدمة في الحاشية المصرحة بحرمة بيع الورق الذي فيه القرآن، فانه يرد عليه مضافا الى ضعف السند في رواية سماعة انها صريحة في المنع عن بيع الورق الذي فيه القرآن، لا الورق المجرد، فلا معارضة بينهما. ثم إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته للروايات المتقدمة، فانه لااشعار فيها بأن القرآن لا يملك، وانه لا يقبل النقل والانتقال مطلقا، وعليه فمقتضى القاعدة انه كسائر الاموال يجري عليه حكمها من انحاء النقل والانتقال، حتى الهبة المعوضة، لوقوع العوض في مقابل الهبة دون المصحف الا البيع فقط.

[ 745 ]

ويدل على ما ذكرناه جريان السيرة القطعية على معاملة المصاحف معاملة بقية الاموال. وتدل على ذلك ايضا الروايات (1) الدالة على أن المصحف من الحبوة ينتقل الى الولد الاكبر بموت الوالد، وإذا لم يكن للميت ولد اكبر ينتقل الى سائر الورثة، فلو لم يكن المصحف مملوكا أو لم يكن قابلا للانتقال لم تصح الاحكام المذكورة. ويدل على ما ذكرناه ايضا انه لو اتلف احد مصحف غيره أو احدث فيه نقصا ضمن ذلك لصاحبه، ومن الواضح انه لو لم يكن مملوكا فانه لاوجه للحكم بالضمان. ومما تقدم يظهر ضعف ما قاله المحقق الايرواني، من أن مورد الاخبار المانعة هو البيع، ويمكن جعلها كناية عن مطلق النواقل الاختيارية، بل اشارة الى عدم قبوله للنقل ولو بالاسباب الغير الاختيارية كالارث. ثم انه على القول بحرمة بيع المصحف أو بكراهته فلا يجري ذلك في مبادلة مصحف بمصحف آخر، لانصراف ادلة المنع عن هذه الصورة كما ذكره السيد (رحمه الله)، لامكان منعه باطلاق الادلة على أنه لا منشأ للانصراف المذكور، بل لما عرفت سابقا، من أن المنع عن بيع القرآن انما هو لعظمته وانه يفوت عن الانسان متاع ثمين بازاء ثمن بخس، فإذا كانت المبادلة بين المصحفين لم يجر ذلك المحذور موضوعا. ثم انه لا ملازمة بين بيع المصحف وبين أخذ الاجرة على كتابته،


1 - راجع الوسائل: 27، باب 3 ما يحبى به الولد الذكر الاكبر من تركة أبيه دون غيره، من أبواب ميراث الابوين والاولاد.

[ 746 ]

فلا يلزم من حرمة الاول أو كراهته حرمة الثاني أو كراهته، بل مقتضى القاعدة هو الاباحة، وتدل عليه جملة من الروايات (1). معنى حرمة بيع المصحف وشرائه: قوله: بقي الكلام في المراد من حرمة البيع والشراء. أقول: حاصل كلامه انه لا شبهة في ان القرآن يملك ولو بكتابته في الاوراق المملوكة، وعليه فاما ان تكون النقوش من الاعيان المملوكة اولا. وعلى الثاني فلا حاجة الى النهي عن بيع الخط، إذ لم يقع بازائه جزء من الثمن ليكون ذلك بيعا. وعلى الاول فاما أن يبقى الخط في ملك البايع أو ينتقل الى المشتري، وعلى الاول فيلزم أن يكون المصحف مشتركا بين البايع والمشتري، وهو بديهي البطلان ومخالف للاتفاق، وعلى الثاني فان انتقلت هذه النقوش الى المشتري في مقابل جزء من الثمن فهو البيع المنهي عنه، وان انتقلت إليه تبعا لغيره كسائر ما يدخل في المبيع قهرا من الاوصاف التي تتفاوت قيمته بوجودها وعدمها، فهو خلاف مفروض المتبايعين. والتحقيق ان نقوش القرآن وخطوطه من قبيل الصور النوعية العرفية،


1 - عن علي بن جعفر (عليه السلام) قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يكتب المصحف بالاجر، قال: لا بأس (قرب الاسناد: 121، عنه البحار 92: 34، الوسائل 17: 161)، صحيح. ورواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) (مستطرفات السرائر: 55). وقريب منه خبر قرب الاسناد (قرب الاسناد: 115، عنه الوسائل 17: 161). وتقدم في رواية روح بن عبد الرحيم ما يدل على ذلك.

[ 747 ]

وهي مملوكة لمالك الاوراق ملكية تبعية، ودخيلة في مالية الورق كبقية الاوصاف التي هي من الصور النوعية في نظر العرف، وعليه فمورد الحرمة أو الكراهة هو بيع الورق الذي كتب فيه كلام الله. وتوضيح ذلك انك قد عرفت في بعض المباحث السابقة وستعرف ان شاء الله تعالى في مبحث الشروط، ان كيفيات الاشياء وان كانت بحسب الدقة الفلسفية من مقولة الاعراض، ولكنها تختلف في نظر اهل العرف، فقد يكون نظرهم الى الاشياء انفسها بالاصالة والى اوصافها بالتبع، كالاوصاف التي هي من لوازم الوجود. وقد يكون نظرهم فيها الى الهيئة بالاصالة والى المادة بالتبع، لكون الهيئة من الصور النوعية في نظرهم كما في الكأس والكوز المصنوعين من الخزف، فانهما في نظر العرف نوعان متبائنان، وان كانا من مادة واحدة. وقد يكون نظرهم الى كلتيهما، كالفراش المنسوج من الصوف، فان الاعتبار في نظر اهل العرف بمادته وهيئته، فهو مبائن في نظرهم مع العباءة المنسوجة من الصوف، ومع الفراش المنسوج من القطن. أما القسم الاول، فالمالية فيه من ناحية المواد، لخروج اوصافها عن الرغبات، وأما القسم الثاني فالمالية فيه لخصوص الهيئات، لكون المادة ملحوظة بالتبع، واما القسم الثالث فالمالية فيه للهيئة والمادة معا، فان النظر فيه الى كل منهما. وعليه فإذا تخلفت اوصاف المبيع، فان كانت من الصور النوعية بطل البيع، كما إذا باع كوزا فبان كأسا، أو باع فراشا فظهر عباءة، ووجه البطلان هو ان الواقع غير مقصود والمقصود غير واقع. وان كانت من الاوصاف الكمالية، فان كان لوجودها دخل في زيادة

[ 748 ]

الثمن ثبت عند تخلفها الخيار، والا فلا يترتب عليه شئ، نعم لا يجوز للبايع تغير الهيئة لكونه تصرفا في مال الغير بدون اذنه، وهو حرام، الا إذا كانت الهيئة مبغوضة كهياكل العبادة الباطلة. وإذا عرفت ذلك فنقول: ان النقوش في المصاحف، سواء كانت من الاعراض الصرفة ام من الجواهر، وان لم تكن مالا ولا مملوكة بنفسها، ولكنها دخيلة في مالية الاوراق، فان هذه النقوش في نظر اهل العرف من الصورة النوعية التي يدور عليها مدار التسمية، بحيث لو باع احد مجموع ما بين الدفتين على أنه مصحف، فبان اوراقا خالية عن الخطوط، أو كتابا آخر، بطل البيع، لعدم وجود المبيع في نظر العرف، فالمصحف وكتاب المفاتيح مثلا نوعان، والجواهر والبحار متبائنان. وقد ظهر من جميع ما ذكرناه ان مورد الحرمة أو الكراهة في بيع المصحف هو الورق المنقوش الذي يسمى مصحفا. ويؤيد ذلك ما في رواية سماعة من قوله (عليه السلام): واياك ان تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب. ثم إذا قلنا بحرمة بيع المصحف فيمكن توجيه المعاملات الواقعة عليه في الخارج بأحد وجهين، وهما اللذان يمكن استفادتهما من الروايات المانعة: 1 - أن يكون المبيع هو الجلد والغلاف والحديد والحلية، ولكن يشترط المشتري على البايع في ضمن العقد أن يملكه الاوراق التي كتب فيه القرآن مجانا، ولا يلزم التصريح بذلك الشرط، فانه بعد البناء على حرمة بيعه فالقرينة القطعية قائمة على اعتبار ذلك الشرط في العقد، بداهة ان غرض المشتري ليس هو شراء الاديم والحديد والغلاف فقط، والا لاشتري غيرها، بل غرضه تملك المصحف.

[ 749 ]

2 - أن يكون المبيع بالاصالة هو الامور المذكورة ولكن تنتقل الخطوط الى المشتري تبعا وقهرا، فتكون مملوكة له ملكية تبعية، إذ لا يعقل انفكاك الصورة عن المادة، لكي تبقى الهيئة في ملك البايع وتنتقل المادة الى المشتري. لا يقال: إذا كان المبيع هو الامور المذكورة لزم القول بصحة بيع المصحف ولزومه على وجه الاطلاق، حتى إذا ظهر عيب في النقوش الموجودة في الاوراق. فانه يقال: لا بأس بالالتزام بذلك الا إذا اشترط المشتري على البائع صحة الخطوط، فيثبت للمشتري حينئذ خيار تخلف الشرط. حكم بيع أبعاض المصحف: إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته، فهل يختص الحكم بمجموع ما بين الدفتين أو يسري الى الابعاض ايضا؟ ربما قيل بالثاني لقوله (عليه السلام) في رواية سماعة المتقدمة: واياك ان تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما وعلى من باعه حراما، فان هذه الرواية ظاهرة في شمول الحكم لاي ورق كتب فيه القرآن، وعليه فيشمل الحكم لكتب التفسير، ولكل كتاب رقم فيه بعض الايات للاستشهاد والاستدلال، ككتب الفقه واللغة والنحو وغيرها، أو ذكرت فيه لمناسبة الابواب كبعض كتب الحديث. ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية قائمة على جواز بيع الكتب المزبورة وشرائها من غير نكير، حتى من المتورعين في افعالهم ومعاملاتهم، بل لم نر ولم نسمع من متفقه انه افتى فيها بكراهة البيع فضلا عن الفقيه.

[ 750 ]

واذن فلا بأس بالالتزام بجواز بيع كل كتاب مشتمل على الايات القرآنية، كالكتب المزبورة وغيرها. بل قد يقال: انه إذا جاز بيع كتاب مشتمل على ابعاض القرآن جاز بيع ابعاض القرآن بنفسها، لاتحاد الملاك فيهما، بل يجوز بيع مجموع القرآن حينئذ، فان دليل المنع اعني به رواية سماعة لم يفرق فيه بين مجموع القرآن وابعاضه، وحيث قامت السيرة القطعية على جواز البيع في الابعاض كان ذلك كاشفا عن جواز بيع المجموع، ويكون ذلك وجها آخر لحمل الاخبار المانعة على الكراهة. ولكن الذي يعظم الخطب ان السيرة دليل لبي فيؤخذ منها بالمقدار المتيقن، فلو تمت الادلة المانعة عن بيع المصحف لم يجز الخروج عنها الا بمقدار ما قامت عليه السيرة، اعني به الكتب المشتملة على الايات القرآنية، ولا يمكن التعدي منها الى الابعاض المأخوذة من المصحف، فضلا عن التعدي الى مجموع ما بين الدفتين والحكم بجواز بيعه. بيع المصحف من الكافر: قوله: ثم ان المشهور بين العلامة (رحمه الله) ومن تأخر عنه (1) عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم. أقول: تحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى جواز تملك الكافر للمصحف وعدم جوازه، الثانية انه بناء على جواز بيعه من المسلم فهل يجوز بيعه من الكافر أو لا؟ وأما على القول بحرمة بيعه منه فيحرم بيعه من الكافر بالاولوية القطعية.


1 - قواعد الاحكام 1: 121، الايضاح 1: 407، الدروس 3: 175، جامع المقاصد 4: 33، المسالك 3: 88.

[ 751 ]

أما الناحية الاولى، فالظاهر هو الجواز للاصل، فان مقتضاه جواز تملك كل شخص لاي شئ الا ما خرج بالدليل، ومن الواضح جدا انا لم نجد ما يدل على حرمة تملك الكافر للمصحف، بل الظاهر مما ذكرناه آنفا هو جواز ذلك لاي احد من الناس. ويلوح ذلك ايضا من كلام الشيخ (رحمه الله) في فصل ما يغنم وما لا يغنم من المبسوط (1) ان ما يوجد في دار الحرب من المصاحف والكتب التي ليست بكتب الزندقة والكفر داخل في الغنيمة ويجوز بيعها، إذ مع عدم تملك الكافر للمصاحف فلا وجه لدخولها في الغنيمة، بل تكون من قبيل مجهول المالك. وأما الوجوه المذكورة لحرمة بيع المصحف من الكافر فلا دلالة فيها على عدم تملكه اياه كما سيأتي. وأما الناحية الثانية، فقد استدل المصنف على حرمة بيع المصحف من الكافر بوجوه: 1 - فحوى ما دل على عدم تملك الكافر للمسلم. وفيه اولا: انه لا دليل على ذلك بل ما دل على وجوب بيعه يدل بالالتزام على تملكه اياه، إذ لا بيع الا في ملك، وايضا ذكر الفقهاء انه لو اشترى الكافر احد عموديه المسلم فانه ينعتق عليه، مع أنه لا عتق الا في ملك، وسيأتي تفصيل ذلك في البحث عن شرائط العوضين. وثانيا: لو سلمنا ثبوت الحكم في العبد المسلم فلا نسلم قياس المصحف عليه، فانه مضافا الى بطلان القياس في نفسه ان في تملك الكافر للمسلم ذلا عليه بخلاف تملكه للمصحف، فانه ربما يزيد في


1 - المبسوط 2: 30.

[ 752 ]

احترامه، كما إذا جعله في مكتبة نظيفة للاطلاع على آياته وبراهينه، بل قد تترتب على ذلك هدايته الى الاسلام. 2 - النبوي المعروف: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (1)، بدعوى ان تملك الكافر للمصحف يوجب الاستعلاء على الاسلام، فلا يجوز. وفيه اولا: ان النبوي المذكور ضعيف السند. وثانيا: انه مجمل فلا يجوز الاستدلال به على المطلوب، إذ يمكن أن يراد به ان الاسلام يغلب على بقية الاديان في العالم، ويمكن أن يراد به ان الاسلام اشرف من سائر المذاهب، ويمكن أن يراد به علو حجته وسمو برهانه، لان حقيقة الاسلام مستندة الى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة بحيث يفهمها كل عاقل مميز حتى الصبيان. ويتضح ذلك جليا لمن يلاحظ الايات القرآنية وكيفية استدلاله تعالى على المبدء والمعاد وغيرهما ببيان واضح يفهمه اي احد بلا احتياج الى مقدمات بعيدة، بخلاف سائر الاديان فانها تبتني على خيالات واهية وتوهمات باردة تشبه باضغاث الاحلام. 3 - ان بيع المصحف من الكافر يوجب هتكه لعدم مبالاته بهتك حرمات الله. وفيه: ان بين هتك القرآن وبين بيعه من الكافر عموما من وجه، فقد لا يوجب بيعه من الكافر هتكا له، كما إذا اشتراه وجعله في مكتبة نظيفة واحترمه فوق ما يحترمه نوع المسلمين، وقد يتحقق الهتك حيث لا يتحقق بيعه من الكافر، كما إذا كان تحت يد مسلم لا يبالي بهتك


1 - راجع الوسائل: 27 باب 1 ان الكافر لا يرث المسلم من كتاب الارث. ذكره في المبسوط 2: 167. رواه في كنز العمال 1: 17 عن الدار قطني والبيهقي والضياء عن عائذ بن عمر.

[ 753 ]

حرمات الله، فيجعله في مكان لا يناسبه ويعامله معاملة المجلات والقراطيس الباطلة، وقد يجتمعان، كما إذا اشتراه الكافر ونبذه وراء ظهره. على أن الهتك انما يترتب على تسليط الكافر على المصحف خارجا لاعلى مجرد بيعه منه، وعليه فإذا وكل مسلما في بيعه وشرائه والتصرف فيه والانتفاع به، فانه لا يترتب عليه الهتك من ناحية تملك الكافر اياه. 4 - ان بيع المصحف من الكافر يستلزم تنجسه، للعلم العادي بمس الكافر اياه بالرطوبة، فيكون حراما من هذه الجهة. وفيه اولا: ان بيعه منه لا يلازم تنجسه، فان بينهما عموما من وجه، كما هو واضح. وثانيا: ان ذلك من صغريات الاعانة على الاثم، وقد علمت في البحث عن بيع العنب ممن يجعله خمرا انه لا دليل على حرمتها الا في موارد خاصة. ويضاف الى جميع ما ذكرناه ان المستفاد من الوجوه المذكورة هو حرمة البيع تكليفا، وقد تقدم مرارا انه لا ملازمة بينها وبين الحرمة الوضعية. ثم ان الوجوه المذكورة لو تمت دلالتها على حرمة بيع المصحف من الكافر، فانها تقتضي حرمة بيع الادعية والروايات منه ايضا، خصوصا إذا كانت مشتملة على اسماء الله واسماء الانبياء والائمة (عليهم السلام). ثم ان المصنف (رحمه الله) ذكر ان ابعاض المصحف في حكم الكل إذا كان مستقلا، واما المتفرقة في تضاعيف غير التفاسير من الكتب للاستشهاد بلفظه أو معناه فلا يبعد عدم اللحوق، لعدم تحقق الاهانة والعلو.

[ 754 ]

ويرد عليه ان لازم ذلك جواز بيع المصحف منه تماما، إذا كان جزء من كتاب آخر والمفروض حرمته. المسألة (2) جوائز السلطان قوله: الثانية: جوائز السلطان وعماله، بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو عوضا. أقول: ان مورد البحث هنا كل مال أخذ من اي شخص يأكل فريقا من أموال الناس بالظلم والعدوان، وتخصيص الكلام بجوائز السلطان وعماله انما هو من جهة الغلبة، وعليه فيعم البحث المال المأخوذ منهم بعنوان المعاملة، والمال المأخوذ ممن يأخذ أموال الناس بالسرقة أو الغصب. ثم ان المال المأخوذ من الجائر لا يخلو من اربعة اقسام: لان الاخذ اما ان لا يعلم ولو اجمالا بوجود مال محرم في أموال الجائر، أو هو يعلم بذلك، وعلى الثاني فاما ان لا يعلم بوجود الحرام في خصوص المال المأخوذ، أو هو يعلم بذلك، وعلى الثاني فاما أن يعلم بوجود الحرام فيه تفصيلا أو اجمالا، فهنا اربع صور: الاول: جواز أخذ المال منه مع الشك في وجود الحرام في أمواله: الصورة الاولى: أن يأخذ المال من الظالم مع الشك في وجود الحرام في أمواله. ولا شبهة في جواز ذلك لعموم قاعدة اليد المتصيدة من الاخبار

[ 755 ]

الكثيرة الواردة في موارد عديدة، وللروايات الخاصة الواردة في خصوص المقام (1). وقد استدل المصنف (رحمه الله) على ذلك، مضافا الى الروايات الخاصة بالاصل والاجماع. أما الاجماع فيحتمل قريبا أن يكون مستنده قاعدة اليد، والاخبار الخاصة الواردة في المقام، فلا يكون اجماعا تعبديا. وأما الاصل فان كان المراد به قاعدة اليد، وانما عبر عنها بالاصل للمساهلة والمسامحة، فهو متين، لانها من القواعد المسلمة بين الفقهاء، فحال الجائر في هذه الصورة حال بقية الناس، فان الاحتمال المذكور موجود حتى في أموال العدول من المسلمين، بل يمكن شمول قاعدة اليد للكفار ايضا، وان اراد بالاصل غير قاعدة اليد فلا نعلم له وجها صحيحا. وقد يقال: ان المراد به اصالة الصحة، فان القاعدة تقتضي حمل فعل


1 - عن أبي ولاد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في رجل يلي اعمال السلطان ليس له مكسب الا من اعمالهم وانا امر به فانزل عليه فيضيفني ويحسن الى، وربما امر لي بالدراهم والكسوة وقد ضاق صدري من ذلك، فقال لي: كل وخذ منه، فلك المهنا وعليه الوزر (الفقيه 3: 108، التهذيب 6: 338، عنهما الوسائل 17: 213)، صحيحة. عن أبي المعزا قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده فقال: أصلحك الله امر بالعامل فيجيزني بالدراهم أخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم (الفقيه 3: 108، التهذيب 6: 338، عنهما الوسائل 17: 213)، صحيحة. عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن ابيه (عليه السلام): ان الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يقبلان جوائز معاوية (التهذيب 6: 337، عنه الوسائل 17: 214)، مجهولة ليحيى. عن محمد بن مسلم وزرارة قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس (التهذيب 6: 336، عنه الوسائل 17: 214)، مضمرة، ومجهولة بعلي بن السندي، وغير ذلك من الروايات.

[ 756 ]

المسلم على الصحة، والمفروض ان الجائر من المسلمين فيعامل معاملة بقية المسلمين. ولكن يرد عليه انه لم يقم دليل لفظي على اعتبار اصالة الصحة، لكي يتمسك باطلاقه في كل مورد يشك فيه، ودليلها انما هو السيرة، وهي من الادلة اللبية، فيؤخذ بالمقدار المتيقن منها، وهو نفس العقود والايقاعات مع احراز اهلية المتصرف للتصرف. وعليه فإذا شك في ان العقد الفلاني تحقق صحيحا أو فاسدا لخلل في ايجابه أو قبوله فانه يحمل على الصحة، واما إذا شك فيه من جهة اخرى فلا دليل على حمل فعل المسلم على الصحة. ومن هنا لو اشار احد الى دار معينة وقال: بعتك هذه الدار بكذا، فانه لا يمكن الحكم بصحة هذه المعاملة اعتمادا على اصالة الصحة إذا انتفت قاعدة اليد، أو إذا قطعنا النظر عنها. ومن هنا ايضا لو شك في ان البائع اصيل أو فضولي، فانه لا وجه لحمله على الاول بمقتضى اصالة الصحة. وقد يقال: ان المراد بالاصل هو اصالة الاباحة الثابتة بالادلة العقلية والنقلية. وفيه: ان اصالة الاباحة انما تجري في الاموال إذا لم تكن مسبوقة بيد اخرى، كالمباحات الاصلية التي ملكها الجائر بالحيازة، واما إذا كانت مسبوقة بيد اخرى فان اصالة الاباحة محكومة باصل آخر، وهو عدم انتقال الاموال المذكورة الى الجائر من مالكها السابق، فيحرم تناول تلك الاموال من الجائر، إذ ليس هنا اصل موضوعي يثبت مالكيته لما في يده الا قاعدة اليد، والمفروض انها لا تجري في المقام.

[ 757 ]

وقد احتمل المصنف (رحمه الله) انه لا يجوز أخذ الجوائز من الجائر الا مع العلم باشتمال أمواله على مال حلال، لكي يحتمل أن يكون المال المأخوذ من المال الحلال، وقد استند في ذلك الى رواية الحميري (1). ويرد عليه اولا: ان الرواية مرسلة فلا يجوز الاستناد إليها. وثانيا: انها غريبة عن محل البحث، فان مورد كلامنا هي الصورة الاولى، وهي ما إذا لم يعلم باشتمال أموال الجائر على مال محرم، ومفروض الرواية عكس ذلك، فتكون راجعة الى الصورة الاتية. ولعل ذلك اشتباه من الناسخ، فكتبها في غير موضعها، وقد وقع نظيره في كتب الشيخ، والله العالم. الثاني: جواز أخذ المال من الجائر مع العلم الاجمالي بوجود الحرام في أمواله: الصورة الثانية: أن يعلم الاخذ اجمالا باشتمال أموال السلطان على الحرام، ولكن لا يعلم باشتمال الجائزة عليه، فيقع الكلام هنا في ناحيتين: الاولى ان لا تكون الاصول والامارات معارضة في اطراف العلم الاجمالي، والثانية ان تقع المعارضة بينهما في ذلك. أما الناحية الاولى فذكر المصنف ان التصرف في المال المأخوذ من السلطان الجائر في هذه الصورة جائز بأحد شرطين على سبيل مانعة الخلو:


1 - عن الحميري انه كتب الى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله، ربما نزلت في قرية وهو فيها أو ادخل منزله وقد حضر طعامه - الخ، الجواب: ان كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره والا فلا (الاحتجاج: 458، الغيبة للشيخ الطوسي: 235، عنهما الوسائل 17: 217)، مرسلة.

[ 758 ]

1 - ان تكون الشبهة في اطراف العلم الاجمالي غير محصورة. 2 - أن يكون احد الاطراف خارجا عن محل الابتلاء وان كانت الشبهة محصورة، كما إذا دفع الجائر الى احد جارية وعلم المدفوع إليه بان احدى الجاريتين مغصوبة، اما هذه الجارية واما الجارية الاخرى التي اختص بها الجائر، بحيث اصبحت ام ولد له ومن خواص نسائه، ومن الواضح ان ام ولد الجائر خارجة عن محل ابتلاء غيره، فلا يكون العلم الاجمالي منجزا في امثال ذلك. وقد استدل على هذا الرأي في فرائده بوجوه شتى، واشار هنا الى واحد منها، وحاصله: ان العلم الاجمالي انما يوجب التنجيز إذا كان التكليف المتعلق بالواقع فعليا على كل تقدير، من غير أن يكون مشروطا بالابتلاء في بعض الاطراف، والا فتكون الشبهة بدوية بالنسبة الى ما هو في معرض الابتلاء. ويرد عليه ما ذكرناه مفصلا في علم الاصول، وحاصله: ان كون الشبهة محصورة أو غير محصورة، أو خروج بعض اطرافها عن محل الابتلاء، ليس مناطا في تنجيز العلم الاجمالي، لعدم الدليل عليه من العقل أو النقل، بل الحجر الاساسي في تنجيزه أن يكون ارتكاب كل فرد من اطراف الشبهة مقدورا للمكلف بالقدرة العقلية، والا فهو لا يوجب التنجيز لقبح التكليف بامر غير مقدور للمكلف. وعليه فان كان جميع اطراف الشبهة هنا مقدورا للمكلف كان العلم الاجمالي منجزا للتكليف والا فلا، سواء أكانت الشبهة محصورة ام غير محصورة، وسواء أكان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء ام لا، وعلى هذا فلا وجه لتفصيل المصنف في المقام. والتحقيق انه لا مانع من التصرف في هذه الصورة ايضا، سواء كان أخذ

[ 759 ]

المال من الجائر مجانا ام مع العوض، وذلك من جهة الاعتماد على قاعدة اليد، فان من المحتمل أن يكون الحرام منطبقا على ما بيد الجائر دون ما اعطاه للغير. ولا فرق فيما ذكرناه بين ما كان المناط في تنجيز العلم الاجمالي نفس العلم أو تعارض الاصول، والوجه في ذلك ان جريان قاعدة اليد في المال المأخوذ لا مانع عنه، واما المال الاخر الباقي تحت يد الجائر فهو غير مشمول للقاعدة، للعلم بحرمة التصرف فيه على كل من تقديري كونه غصبا وعدمه، وسيجئ بيان ذلك قريبا. ومن هنا ظهر انه لو كان للجائر مركوبان وان احدهما غصبا فاباح احدهما لشخص وأبقى الاخر في يده، فانه جاز للمباح له أن يتصرف في ذلك، واما لو اباح احدهما وملكه الاخر ببيع ونحوه، فانه يحرم عليه التصرف في كليهما. ما استدل به على كراهة أخذ المال من الجائر مع العلم بوجود الحرام في أمواله والجواب عنه: قوله: ثم انه صرح جماعة بكراهة الاخذ (1). أقول: كره جماعة أخذ الجائزة من الجائر مع قيام الحجة على الجواز، واستدلوا عليه بوجوه: 1 - انه يحتمل أن يكون المأخوذ منه حراما واقعا، لكن قام الدليل على جواز تناوله ظاهرا فيكون مكروها.


1 - كالعلامة في المنتهى 2: 1026، والشهيد الثاني في المسالك 3: 141، والمحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة 8: 86، والمحدث البحراني في الحدائق 18: 261، والسيد الطباطبائي في الرياض 1: 509، والسيد المجاهد في المناهل: 303.

[ 760 ]

وفيه: انه لو كان الاحتمال موجبا لكراهة التصرف في المأخوذ من الجائر لوجب الالتزام بكراهة التصرف فيما أخذ من اي احد من الناس حتى المتورعين في امورهم، لوجود الاحتمال المذكور في أموالهم، مع أنه لم يلتزم بها احد في غير جوائز السلطان. 2 - الاخبار الكثيرة (1) الدالة على حسن الاحتياط، كقوله (عليه السلام): دع ما يريبك الى ما لا يريبك، وقولهم (عليهم السلام): فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، وكقوله (عليه السلام): الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وكقول على (عليه السلام) لكميل بن زياد: اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت، وفي الحديث: ان لكل ملك حمى وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى اوشك أن يقع فيه، وغير ذلك من الروايات. وفيه: انه ان كان المراد بالريب أو الشبهة التي جعلت موضوعا للحكم في هذه الاخبار الريب في الحكم الظاهري، بأن كانت واقعة خاصة مشتبهة في حكمها الظاهري، فهو ممنوع في المقام، لارتفاعه بقاعدة اليد التي ثبت اعتبارها في الشريعة المقدسة. وان كان المراد به الريب في الحكم الواقعي، فالاموال كلها الا ما شذ وندر مشتبهة من حيث الحكم الواقعي، حتى الاموال الموجودة في ايدي عدول المؤمنين، لوجود احتمال الحرمة الواقعية في جميع ذلك، ولازم ذلك أن يحكم بكراهة التصرف في جميع الاموال غير ما أخذ من المباحات الاصلية. وعلى هذا فطريق التخلص من الكراهة أن يعامل بها معاملة مجهول المالك، كما كان ذلك دأب بعض الاعلام من السادة.


1 - راجع الوسائل: 26، باب 12 وجوب التوقف والاحتياط من أبواب صفات القاضي.

[ 761 ]

نعم يختلف الاحتياط من حيث الشدة والضعف بحسب الموارد، فالاحتياط في أموال الجائرين اشد من الاحتياط في أموال بقية الناس. وعلى الجملة لا طريق لنا الى اثبات الكراهة في جوائز السلطان، لانه ان كان المراد بالكراهة الكراهة الشرعية، فالاخبار المذكورة غريبة عنها، وان كان المراد بها الكراهة الارشادية الناشئة من حسن الاحتياط، فلا اختصاص لها بالمقام. 3 - ان أخذ المال منهم يوجب محبتهم، فان القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وقد نهي في الاخبار المتواترة عن موادتهم ومعاشرتهم، وقد اشرنا إليها في البحث عن حرمة معونة الظالمين. وفيه: انه لا شبهة في ورود النهي، اما تحريميا كما في جملة من الاخبار، أو تنزيهيا كما في جملة اخرى منها عن صحبة الظالمين وموادتهم ومجالستهم، ولكن بين ذلك وبين أخذ جوائزهم عموما من وجه، إذ قد يكون احد محبا للظلمة واعوانهم من دون أن يأخذ شيئا منهم، كالذين استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله، حتى صاروا من أولياء الظلمة ومحبيهم. وقد يأخذ احد جوائزهم وأموالهم وهو لا يحبهم، بل ربما اوجب ذلك بغضهم وعداءهم، كما إذا كان اجيرا للظالم وأعطاه اقل من اجرة المثل، ودعوى كون الاجارة خارجة عن مورد البحث دعوى جزافية، فقد عرفت ان مورد البحث اعم من أن يكون الاخذ مجانا أو مع العوض. 4 - قوله (عليه السلام) في رواية الفضل: والله لولا انني أرى من ازوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها ابدا (1).


1 - عيون الاخبار 1: 91، عنه الوسائل 17: 216، مجهولة بمحمد بن الحسن المدني وعبد الله بن الفضل.

[ 762 ]

فان هذه الرواية صريحة في ان الامام (عليه السلام) انما قبل هدية الرشيد ليزوج بها العزاب من آل أبي طالب لئلا ينقطع نسله، ولولا هذه الناحية المهمة لكان الرد أولى، فتدل على الكراهة ما لم تكن في الاخذ مصلحة راجحة. ولكن يرد عليه ان اشمئزاز الامام (عليه السلام) عن قبول هدية الرشيد ليس من جهة كونها من أموال الظلمة بل لاستلزامها المنة، فان من اشق الاحوال أن يغصب احد حق غيره ثم يهدي إليه هدية بعنوان التفضل واظهار العظمة. والوجه فيما ذكرناه أن ما اعطاه الرشيد للامام (عليه السلام) لا يخلو اما أن يكون من أمواله الشخصية، أو من بيت المال، أو من مجهول المالك، أو من معروف المالك، فان كان من الاول فلا شبهة في جواز أخذه، وهو واضح، وكذلك ان كان من الثاني أو الثالث، فان ولاية بيت المال ومجهول المالك للامام (عليه السلام)، وان كان من الرابع فللامام (عليه السلام) أن يأخذه ويوصله الى مالكه، وله ان لا يأخذه اصلا، اما أن يأخذه ويزوج به عزاب بني أبي طالب فذلك غير جائز. أللهم الا أن يقال: انه من جهة كون الامام (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولكن هذا بعيد عن مراد الامام (عليه السلام) في الرواية. ما استدل به على رفع الكراهة عن جوائز السلطان والجواب عنه: قوله: ثم انهم ذكروا ارتفاع الكراهة بامور، منها اخبار المجيز. أقول: ذكر الفقهاء (قدس سرهم) موارد لارتفاع الكراهة، بناء على ثبوتها في جوائز الظالمين: منها: اخبار الظالم بحلية الجائزة وكونها من أمواله الشخصية، كأن

[ 763 ]

يقول: هذه الجائزة من تجارتي أو من زراعتي أو نحو ذلك، مما يحل للاخذ التصرف فيه. ويرد عليه ان ارتفاع الكراهة بذلك بناء على ثبوتها، وان كان مشهورا بين الاصحاب بل مما لا خلاف فيه على ما حكاه المصنف عن ظاهر الرياض تبعا لظاهر الحدائق (1)، الا أنا لم نجد له مستندا صحيحا، وقد اعترف بذلك صاحب المناهل. وقد يتوهم ان المستند في رفع الكراهة هنا ما دل على حجية قول ذي اليد، فيكون اخباره بذلك كسائر الامارات المعتبرة شرعا. وفيه: ان اخباره بحلية ماله لا يزيد على يده، فكما ان اخباره يدل على الملكية الظاهرية فكذلك يده، واحتمال مخالفة الواقع متحقق في كليهما. وعليه فحسن الاحتياط يقتضي الاجتناب في كلا الموردين، ولكنه لا تثبت به الكراهة المصطلحة الناشئة من الحزازة في الفعل. منها: اخراج الخمس، نقل المصنف حكايته عن المنتهى والمحقق الاردبيلي (2)، بل عن ظاهر الرياض (3) عدم الخلاف فيه، وقد استدل على كونه رافعا للكراهة عن الجوائز بوجوه: 1 - فتوى النهاية والسرائر (4) باستحباب الخمس في الجوائز، بدعوى أن اخبار من بلغ تشمل ما كان بلوغه بفتوى الفقيه، بل ذكر المصنف أن


1 - انظر الرياض 1: 509، مفتاح الكرامة 4: 117، الحدائق 18: 261، المناهل: 303، مجمع الفائدة 8: 86. 2 - المنتهى 2: 1025، مجمع الفائدة 8: 87. 3 - رياض المسائل 1: 509. 4 - النهاية: 357، السرائر 2: 203.

[ 764 ]

فتوى النهاية والسرائر كالرواية، وعليه فلا نحتاج الى ذلك التعميم. وفيه: ان استحباب الخمس فيها لا يلازم رفع الكراهة عن التصرف في البقية. 2 - ما حكاه المصنف عن المنتهى (1)، من أن المال الذي اختلط بالحرام قطعا يطهر بالتخميس، فما احتمل وجود الحرام فيه يطهر به بالاولوية القطعية. ويرد عليه اولا: ما ذكره المصنف، من أن اخراج الخمس من المال المختلط بالحرام بمنزلة البدل عن الحرام الواقعي، فيكون ذلك نظير المصالحة في نظر الشارع، فيرتفع به اثر الحرام، اعني به وجوب الاجتناب، واما المال الذي يحتمل أن يكون حراما كله وقذرا في ذاته فلا معنى لتطهره باخراج خمسه، فانه لو كان المال بمجموعه حراما في الواقع لم يصح أن يكون الخمس بدلا عنه، لكي يكون ذلك بمنزلة المصالحة في نظر الشارع. وثانيا: ان مقتضى القياس هو وجوب الخمس فيما يشك في حرمته وحليته من الاموال لا استحبابه، فان اتحاد الملاك في الموردين يقتضي اتحاد الحكم فيهما، وعليه فتوهم وجوب الخمس في مورد واستحبابه في مورد آخر مع فرض وحدة الملاك فيهما شبيه بالمتناقضين. وثالثا: ان هذا الوجه قياس لا يفيد الا الظن بالواقع، وهو لا يغني من الحق شيئا. ورابعا: لو سلمنا جميع ذلك فانما يدل على طهارة المال باخراج الخمس، ولا منافاة بين ذلك وبين كراهة التصرف في الباقي.


1 - المنتهى 2: 1025.

[ 765 ]

3 - الاخبار الدالة على وجوب الخمس في مطلق الجوائز، وحيث ان المشهور لم يلتزموا بوجوب الخمس فيها، فتحمل تلك الاخبار على الاستحباب. وفيه اولا: ان اعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب رفع اليد عنها، وعليه فمقتضى العمل بتلك الروايات انما هو وجوب الخمس في الجائزة لا استحبابه. وثانيا: ان الظاهر من هذه الاخبار انما هو وجوب الخمس في الهدايا لكونها من الغنائم والفوائد والارباح التي تصل للانسان يوما فيوما، فشأنها شأن ارباح المكاسب التي يجب فيها الخمس بعد اخراج المؤونة ومضى السنة، ولازم ذلك ان نقول بوجوب الخمس أو باستحبابه في الجائزة بعنوانها لا من حيث اندراجها في الارباح، فلا بد من الالتزام بثبوته فيها مرتين ولم يلتزم بذلك فقيه. على أن اخراج الخمس عن الجوائز لا يرفع احتمال الحرمة عن الباقي الا مع الالتزام بكون التخميس بمنزلة المصالحة في نظر الشارع، وقد عرفت جوابه آنفا. ويضاف الى ما ذكرناه انا لم نجد في الروايات ما يدل على وجوب الخمس في الجائزة بعنوانها حتى نحمله على الاستحباب. نعم ذكرت الجائزة والهدية في بعض الاحاديث (1) ولكن لا على نحو


1 - في صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) وقرأت انا كتابه إليه في طريق مكة - الى أن قال (عليه السلام): - قال الله تعالى: واعلموا انما غنمتم - الاية، الى أن قال (عليه السلام): والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر (التهذيب 4: 141، الاستبصار 2: 60، عنهما الوسائل 9: 501). عن يزيد قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها رأيك ابقاك الله ان تمن على بيان ذلك لكي لا اكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: الفائدة مما يفيد اليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام أو جائزة (الكافي 1: 457، عنه الوسائل 9: 503)، ضعيفة بيزيد.

[ 766 ]

الموضوعية، بل لكونهما من افراد الغنائم والفوائد ومن الارباح الحاصلة يوما فيوما. ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب عن الموثقة (1) الدالة على وجوب الخمس فيما حصل للانسان من خصوص عمل السلطان. 4 - ما ذكره المصنف، من أن المستفاد مما تقدم - من اعتذار الكاظم (عليه السلام) من قبول الجائزة بتزويج عزاب الطالبيين لئلا ينقطع نسلهم، ومن غيره - ان الكراهة ترتفع بكل مصلحة هي اهم في نظر الشارع من الاجتناب عن الشبهة. وقد تقدم ان الوجه في ابائه (عليه السلام) عن قبول هدية الرشيد لزوم المنة، والا فلا شبهة في جواز أخذ الامام (عليه السلام) اياها. ثم انا لو سلمنا كراهة أخذ الجائزة من الجائر فلا رافع لها الا معاملتها معاملة مجهول المالك، كما هو كذلك في جميع الاموال التي لم تثبت حليتها بالعلم الوجداني، وقد كان ذلك دأب بعض الاعاظم من السادة (رحمه الله). وأما الناحية الثانية، وهي ما كانت الاصول معارضة في اطراف


1 - عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا الا أن لا يقدر على شئ ولا يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه الى اهل البيت (التهذيب 6: 330، عنه الوسائل 9: 506)، موثقة لعمار ومصدق وغيرهما.

[ 767 ]

الشبهة، فتفصيل الكلام فيها يقع تارة من حيث القواعد، واخرى من حيث الروايات. أما من حيث القواعد، ان الجائر قد يحيز التصرف في شئ معين من أمواله أو يعطيه لاحد مجانا أو مع العوض، وقد يجيز التصرف في جميع أمواله على نحو العموم الاستيعابي، وقد يجيز التصرف في شئ منها على نحو العموم البدلي. أما القسم الاول فلا شبهة في انحلال العلم الاجمالي فيه الى شك بدوي وعلم تفصيلي، لان الاخذ يعلم تفصيلا بحرمة التصرف في بقية أموال الجائر، اما لكونها مغصوبة أو لانه لم يجز التصرف فيها، واما خصوص ما أخذه من الجائر فيجوز له التصرف فيه استنادا الى يد الجائر التي هي امارة الملكية، ولا تكون معارضة بيده في الطرف الاخر لما عرفت من حرمة التصرف فيه على كل تقدير. ومع الاغضاء عن الاستناد الى قاعدة اليد فلا بد من التفصيل بين الاموال التي كانت مسبوقة بيد اخرى، وبين الاموال التي اخذت من المباحات الاصلية، فان اصالة عدم الانتقال في الاول حاكمة على اصالة الحل. وأما القسم الثاني فلا ريب في تنجيز العلم الاجمالي فيه لتعارض الاصول وتساقطها في اطرافه، وكون التكليف منجزا على كل تقدير، كما إذا كان للجائر عشرون دينارا، فاجاز لاحد أن يتصرف في جميعها وكان المجاز يعلم ان احد هذه الدنانير حرام، فانه يحرم عليه التصرف في جميعها. وأما القسم الثالث فقد يتوهم فيه انحلال العلم الاجمالي الى شك بدوي وعلم تفصيلي على التقريب المتقدم في القسم الاول، ومثاله إذا

[ 768 ]

أعطى الجائر كيسه لشخص وقال له: خذ منه دينارا، وكان الاخذ يعلم اجمالا باشتمال الكيس على دينار محرم، فان اختياره دينارا خاصا انما يعين متعلق اذن الجائر، فكأنه من الاول انما اذن في التصرف في ذلك الدينار المعين، فيجري في هذا القسم جميع ما ذكرناه في القسم الاول. ولكن التحقيق انه لا فرق في تنجيز العلم الاجمالي بين القسم الثاني والثالث، والوجه في ذلك ما فصلناه في علم الاصول، ومجمله ان العلم الاجمالي بالتكليف الثابت بين الاطراف المعينة التي هي باجمعها في معرض الابتلاء يقتضي الاجتناب عن الجميع. وعليه فالترخيص في ارتكاب ما يختاره المكلف ترخيص في مخالفة الحكم المنجز من غير وجود مؤمن في البين، واصالة عدم كون ما يختاره المجاز حراما معارضة باصالة عدم كون الباقي حراما، واذن فيجب الاجتناب عن الجميع. وبعبارة اخرى ان المناط في تنجيز العلم الاجمالي انما هو تعارض الاصول في اطرافه، سواء أكان المكلف مع ذلك متمكنا من ارتكابها على نحو العموم الشمولي أو على نحو العموم البدلي، بان لا يتمكن من ارتكاب المجموع، كما إذا قال المولى لعبده يحرم عليك السكنى في الدرا المعينة عند طلوع الفجر فاشتبه عليه متعلق التكليف بين دارين فانه يجب عليه الاجتناب من كلتا الدارين مع أنه غير متمكن من السكنى فيهما معا عند طلوع الفجر، فان عدم تمكن المكلف من ارتكاب مجموع الاطراف لا يمنع عن تنجيز العلم الاجمالي إذا تمكن من ارتكابها على البدل.

[ 769 ]

وقد يقال بانحلال العلم الاجمالي ايضا في هذا القسم لوجوه (1): 1 - قاعدة اليد. وفيه: ان قاعدة اليد انما توجب الانحلال إذا اجاز الجائر التصرف في مال معين كما تقدم في القسم الاول، وأما إذا اذن في التصرف في مال غير معين على نحو العموم البدلي، فان قاعدة اليد في اي فرد اختاره المجاز معارضة لها في الطرف الاخر، فلا توجب انحلال العلم الاجمالي. 2 - قاعدة من ادعى شيئا ولم يعارضه احد في دعواه يحكم بكون الشئ ملكا له. وفيه: ان القاعدة المذكورة وان وردت في بعض الاحاديث (2) ولكنها غريبة عن المقام، للعلم بوجود الحرام فيما بيد الجائر، على أن الرواية واردة في قضية شخصية فلا يمكن التعدي منها الى غيرها للجهل بخصوصياتها. 3 - ان حمل فعل المسلم على الصحة يقتضي معاملة ما بيد الجائر معاملة الملكية. وفيه: مضافا الى ما اوردناه على الوجه الاول، انه قد يراد من اصالة الصحة حمل فعل المسلم على الصحيح فيما إذا كان ذا وجهين: الحلال والحرام، ولا شبهة ان حمله على الوجه الحلال لا يوجب ترتب آثاره عليه، كما إذا تكلم المسلم بكلام احتملنا انه سلام أو سباب فحمل فعله


1 - انظر الشرايع 2: 12، نهاية الاحكام 2: 525، الدروس 3: 170، الكفاية: 88، الرياض 1: 509. 2 - عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه (الوسائل 26، باب 16 انه إذا كان جماعة جلوسا من أبواب كيفية الحكم)، مرسلة.

[ 770 ]

على الصحة يقتضي ان لا يكون سبابا، ولكن ذلك لا يثبت كونه سلاما فيجب رد جوابه، فإذا حملنا فعل الجائر على الصحة بهذا المعنى لم يفد ذلك شيئا ولم تترتب عليه آثار الصحة من الحكم بملكية المأخوذ وجواز التصرف فيه. وقد يراد بها اصالة الصحة في العقود، ولا ريب انها لا تثبت كون العوضين ملكا للمتبايعين، وانما تثبت بها صحة العقود إذا شك فيها لامر يرجع الى الصيغة، لعدم الدليل ازيد من ذلك، فاصالة الصحة اما ان لا تكون جارية أو لا تثبت بها لوازمها. وأما من حيث الروايات، فقد استدل على جواز التصرف في المأخوذ إذا علم اجمالا باشتمال مال الجائر على الحرام بطوائف من الروايات: 1 - الاخبار الواردة في باب الرباء (1)، الدالة على وجوب رد الزائد عن رأس المال الى مالكه إذا كان معلوما، واما إذا كان المالك مجهولا فهو حلال للاخذ، وقد استدل بها السيد في حاشيته (2) على جواز التصرف في الجائزة ولو مع العلم اجمالا باشتمالها على الحرام. وفيه: ان هذه الاخبار غريبة عما نحن فيه، لانها راجعة الى حلية الرباء بعد التوبة ودالة على عفو الله عن ذلك، تسهيلا لمكلفين وترغيبا في التوبة، وعليه فالتوبة شرط متأخر لحلية الرباء مع الجهل بصاحبه. وقد ورد (3) في تفسير قوله تعالى: فله ما سلف (4) ما يدل على العفو عن الرباء وضعا وتكليفا بعد التوبة.


1 - راجع الوسائل: 18، باب 5 حكم من اكل الرباء بجهالة ثم تاب من أبواب الرباء: 128. 2 - حاشية العلامة الطباطبائي على المكاسب: 32. 3 - التهذيب 7: 15، عنه الوسائل 18: 131. 4 - البقرة: 276.

[ 771 ]

وحينئذ فشأن الرباء شأن الموارد التي اذن الشارع في التصرف في أموال الناس بدون اذنهم، كاكل طعام الغير في المجاعة، والتصرف في اللقطة بعد التعريف، وفي الاراضي المتسعة والانهار الكبار، وكالتصرف في الاراضي المغصوبة لانقاذ الغريق الى غير ذلك من الموارد. 2 - الاخبار الدالة على حلية الاشياء ما لم تثبت حرمتها (1)، فانها تدل باطلاقها على جواز التصرف فيما أخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلا. ولكن يرد عليها ان العمل باطلاقها يقتضي الحكم بجواز ارتكاب جميع الشبهات، سواء كانت مقرونة بالعلم الاجمالي ام لا، وسواء كانت الشبهة محصورة ام لا، ومن الضروري ان هذا مما لا يمكن الالتزام به، وعليه فلا بد من حمل تلك الاخبار على فرض كون الشبهة بدوية. وبعبارة اخرى ان تلك الاخبار منصرفة عن موارد العلم الاجمالي إذا كانت في معرض الابتلاء، فان شمولها لجميع الاطراف يستلزم المخالفة القطعية، ولاحدهما المعين ترجيح بلا مرجح، وعنوان احدهما من غير تعيين ليس له مصداق غير الافراد الخارجية، والفرد المردد لا وجود له حتى في علم الله. على أن القائلين بجواز أخذ الجائزة من الجائر كالشهيدين والمحقق وغيرهم لم يقولوا بجواز المخالفة القطعية في اطراف العلم الاجمالي. قوله: وقد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك.


1 - راجع التهذيب 9: 79، الفقيه 3: 216، قرب الاسناد: 117، مستطرفات السرائر: 84، الوسائل: 24، باب 64 حكم السمن والجبن وغيرهما من أبواب الاطعمة المحرمة: 235، والوسائل: 17، باب 34 عدم جواز الانفاق من الحرام مما يكتسب به: 87.

[ 772 ]

أقول: العجب من المصنف فانه قد أسس المباني الاصولية وشيد أساس تقديم ادلة البراءة على ادلة الاحتياط، ومع ذلك التزم هنا بحكومة قاعدة الاحتياط على البراءة. قوله: على أن اليد لا نؤثر فيه. أقول: الوجه في ذلك ما تقدم، من أن جريان قاعدة اليد في بعض الاطراف معارض بجريانها في الطرف الاخر، للعلم بمخالفتها للواقع في احد الطرفين. قوله: فهو على طرف النقيض مما تقدم عن المسالك (1). أقول: الوجه فيه ان القول بعدم وجوب الاحتياط يناقض القول بوجوبه، كما ان القول بخروج جوائز الظالم عن مورد الشبهة المحصورة تخصصا يناقض القول بخروجها عن ذلك تخصيصا. 3 - الاخبار الدالة على جواز أخذ الجوائز من الجائر، سواء كان الاخذ مع العوض ام بدونه، وقد تقدمت جملة من هذه الروايات (2). وفيه: ان المستدل بهذه الاخبار اما أن يدعي ظهورها في الحلية الواقعية، أو يدعي ظهورها في الحلية الظاهرية. أما الدعوى الاولى فحاصلها ان الشارع قد حكم بان أخذ المال من الجائر يوجب حليته واقعا، نظير تخميس المال المختلط بالحرام بناء على كونه مطهرا للمال المذكور واقعا. وهذه الدعوى وان كانت لا غرابة فيها في نفسها، لان الشارع قد أباح التصرف في مال الغير بدون اذنه اباحة واقعية في موارد كثيرة، كأكل


1 - المسالك 3: 141. 2 - قد تقدمت ذكرها في البحث عن أخذ المال من الجائر مع الشك في وجود الحرام في أمواله.

[ 773 ]

طعام الغير في المجاعة، والتصرف في أرضه لانجاء الغريق، وأكل المارة من ثمرته، وأكل اللقطة بعد التعريف المقرر في الشريعة، والتصرف في الاراضي المتسعة والانهار الكبار، وكالتصرف فيما يؤخذ ممن لا يعتقد الخمس، فان الائمة (عليهم السلام) قد جعلوا شيعتهم في حل من ذلك واقعا ليطيب نسلهم، ولكن لا يمكن الذهاب الى ذلك في مقام الاثبات الا فيما دل الدليل عليه كما في الموارد المذكورة. نعم يظهر ذلك من اطلاق جملة من الروايات، كقوله (عليه السلام) في رواية أبي ولاد المتقدمة: فلك المهنا وعليه الوزر (1)، وغير ذلك من الاخبار، ولكن العمل باطلاقها يقتضي اباحة أخذ الجائزة من الجائر حتى مع العلم التفصيلي باشتمالها على الحرام ولم يتفوه به احد، وعليه فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها وحمله على الشبهات البدوية أو المقرونة بالعلم الاجمالي الذي لا يوجب التنجيز. ولنا ان نمنع دلالة تلك الروايات على جواز أخذ الجائزة من الجائر مطلقا، فان السؤال فيها من جهة ما هو مرتكز في اذهان الناس، من أن الجائر لا يبالي بالحرام، وحينئذ فتكون أمواله مشتبهة بالحرام، إذ ليست أموال الجائرين مقطوعة الحرمة ليكون ذلك احتمالا موهونا في حقهم. ويلوح هذا المعنى من بعض تلك الروايات، كصحيحة أبي ولاد التي تقدمت، بل الظاهر من بعضها تقييد الحكم بصورة الشك فقط، كرواية اسحاق بن عمار (2).


1 - التهذيب 6: 338، الفقيه 3: 108، عنهما الوسائل 17: 213، وقد مر قبيل هذا. 2 - عن اسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم، قال: يشتري منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا (التهذيب 7: 132، عنه الوسائل 17: 221)، موثقة باسحاق بن عمار.

[ 774 ]

وأما الدعوى الثانية، فحاصلها ان المال المأخوذ من الجائر على تقدير كونه حراما فهو باق على حرمته الواقعية، ولكنه حلال في الظاهر بترخيص الشارع كبقية الاحكام الظاهرية. ويرد على ذلك ان تلك الاخبار لا يمكن شمولها لجميع الاطراف، فانه ترخيص في مخالفة حكم الشارع فهو حرام، ولبعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح، واذن فتخرج موارد العلم الاجمالي الذي يوجب التنجيز عن حدود تلك الاخبار تخصصا. الثالث: ما علم تفصيلا بكون الجائزة محرمة: قد ظهر حكمها من الصورة السابقة فلا نحتاج الى الاعادة، وانما المهم هو التعرض للامور التي ذكرها المصنف في ذيل هذه الصورة: الف - ما هو حكم الجائزة إذا علم الاخذ تفصيلا بانها مغصوبة؟ أقول: ان علم الاخذ بحرمة الجائزة تارة يكون قبل استقرارها في يده واخرى بعده. أما الجهة الاولى فيحرم عليه أخذها اختيارا بقصد التملك، للعلم بكونها مال الغير وانه يحرم التصرف في مال الغير بدون اذن صاحبه، بل يحرم التصرف حتى مع قصد ارضاء مالكه بعده، فان التصرف في مال الغير انما يجوز إذا كان المالك راضيا به حال التصرف، وأما الرضاء المتأخر فلا يؤثر في مشروعية التصرف المتقدم، فيكون الاخذ ضامنا للمالك مع التلف، لان يده يد عدوان.

[ 775 ]

نعم يجوز أخذه لايصاله الى مالكه إذا كان معلوما، أو ليطبق عليه حكم مجهول المالك إذا كان المالك مجهولا، هذا كله إذا لم يخش ضررا من الجائر لعدم أخذه، والا فلا شبهة في جوازه للاخبار (1) الدالة على مشروعية التقية عند كل ضرورة. ثم انه هل يجوز أخذ الجائزة عند التقية مطلقا، ام لا يجوز أخذها الا بنية الرد الى مالكها، ذهب المصنف الى الثاني بدعوى ان أخذه بغير نية الرد تصرف في مال الغير بدون اذنه، واما التقية فلا ريب انها تتأدي بقصد الرد. وتوضيح مرامه: ان عدم المندوحة وان لم يعتبر في التقية بالنسبة الى اصل العمل، ولكن لا شبهة في اعتباره حال العمل، مثلا إذا اقتضت التقية أن يكفر في صلاته مع سعة الوقت وتمكن المكلف من الاتيان بها بغير تكفير في بيت مظلم لا يراه احد، لصحت صلاته لاطلاق الروايات الدالة على مشروعية التقية، فان موضوعها متحقق حين الاتيان بالعمل على وجه التقية. واما إذا كانت له مندوحة حال العمل فتمكن من ايقاعه على غير وجه التقية، فلا شبهة في فساد عمله إذا اوقعه على وجه التقية، فإذا تمكن المصلي مثلا من السجود على الارض وعلى الفراش كليهما، فلا ريب في وجوب السجود على الارض وعدم كفاية السجود على الفراش، وكذلك إذا تمكن المتوضئ من المسح على الرجل وعلى الخف كليهما، بان كانت عنده فرقتان من العامة فرقة تجوز المسح على الخف وفرقة لا تجوزه عليه، فانه لا ريب في وجوب المسح على الرجل لوجود المندوحة.


1 - قد تقدمت الاشارة الى مصادرها في البحث عن حكم الاضرار بالناس مع الاكراه.

[ 776 ]

والوجه في ذلك انه لا يكون مشمولا لاخبار التقية، لعدم تحقق موضوعها إذا وجدت المندوحة حال العمل. واما الاكراه على أخذ الجائزة من الجائر، فقد تقدم في البحث عن الاكراه على الولاية من الجائر ان الاكراه لا يتحقق مع وجود المندوحة، فإذا اكره الجائر شخصا على شرب احد انائين: احدهما خل والاخر خمر، فانه لا يجوز للمكره - بالفتح - أن يشرب الخمر بتوهم انه مكره عليه، إذ الاكراه انما هو على الجامع لا على الفرد الخاص، ومن هنا ظهر حكم الاضطرار ايضا. وعلى هذا فإذا اقتضت التقية أو الاكراه والاضطرار أخذ الجائزة من الجائر مع العلم التفصيلي بكونها مغصوبة، جاز أخذها بل وجب في بعض الاحيان، ولكن التقية وامثالها تتأدي بأخذها بنية الرد الى مالكها، فلا يسوغ أخذها بغير هذه النية. ثم إذا اخذت لا بنية الرد ضمن الاخذ ما أخذه ووجب عليه عند التلف اداء مثلها أو قيمتها لمالكها، لان يده مشمولة لقاعدة اليد الحاكمة بضمان ما اخذت. واما إذا كان الاخذ بنية الرد الى المالك فهو لا يخلو عن احدى ثلاث صور: لان الاخذ قد يكون عالما بعدم رضاء المالك باخذ ماله من الجائر، وقد يكون عالما برضاه بذلك، وقد يكون شاكا فيه. فعلى الاول لا يجوز أخذ المال من الجائر، فان دليل سلطنة الناس على أموالهم يقتضي كون زمام المال بيد مالكه وليس لغيره أن يعارضه في سلطنته على ماله، مثلا إذا اطلق احد عنان فرسه ليذهب الى البيداء لغرض عقلائي ولم يرض برده، فانه لا يجوز لاحد أن يأخذه ويحفظه لمالكه، بزعم انه احسان إليه، لانه تصرف في مال الغير بدون اذنه فهو

[ 777 ]

حرام، وعلى هذا فلو أخذه احد وجب عليه أن يرده الى صاحبه لقاعدة ضمان اليد. وعلى الثاني لا شبهة في جواز الاخذ بنية الرد الى المالك، ولا يكون الاخذ حينئذ منافيا لسلطنته، ويكون المال المأخوذ امانة مالكية لا شرعية كما يظهر من المصنف، والوجه في ذلك ان أخذ المال من الجائر مع العلم برضاء المالك يكون شأنه شأن الوديعة المأخوذة من نفس المالك. ثم لا يخفى انه ليس لقصد الرد الى المالك وعدمه موضوعية لعنواني الاحسان والظلم، كسائر الموارد التي يكون القصد موضوعا للحكم، وليس مأخوذا على نحو الطريقية كما هو واضح. وعلى الثالث لا ريب في جواز الاخذ بنية الرد الى صاحبه، لكونه عدلا واحسانا، ويكون المأخوذ حينئذ امانة شرعية عند الاخذ، فلا يضمنه مع التلف بغير تفريط لانه محسن، وما على المحسنين من سبيل، ولا يكون المورد مشمولا لقاعدة ضمان اليد، لا من جهة اعتبار التعدي في مفهوم الاخذ كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ، لكون مفهوم الاخذ اوسع من ذلك، بل من جهة تخصيص القاعدة بالروايات الدالة على عدم الضمان في الامانة. نعم لو أخذه بغير قصد الرد الى المالك فتلف عند الاخذ ضمن للمالك، لان الاخذ حينئذ تعد على مال الغير ومعارضة لسلطانه، فهو حرام وضعا وتكليفا. وقد يقال بحرمة التصرف فيما أخذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوبا، سواء كان الاخذ بنية الرد الى المالك ام لا، لقوله: لا يحل دم امرئ

[ 778 ]

مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه (1)، وقوله: فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه (2)، فان الاخذ تصرف في مال الغير مع عدم احراز اذنه فيه، فهو حرام وظلم لا عدل واحسان. ونظير ذلك ما إذا اراد المالك بيع متاعه من شخص بخمسة دنانير، وأراد غيره بيع ذلك المتاع من شخص آخر بثمانية دنانير مع عدم رضى المالك، فان ذلك لا يجوز بزعم انه احسان إليه. وهو ضعيف، أما الرواية الاولى فان الحلية والحرمة فيها حكمان لموضوع واحد، وسبب الاختلاف انما هو اذن المالك وعدمه، ومن الواضح ان الموضوع المذكور انما هو منافع المال التي تعود الى


1 - عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه (الكافي 7: 273، الفقيه 4: 66، عنهما الوسائل 5: 120)، موثقة لزرعة وسماعة الواقفيين. 2 - في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي، قال: كان فيما ورد على من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل الى صاحب الزمان (عليه السلام)، الى أن قال (عليه السلام): وأما ما سألت عنه عن امر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها واداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها الى الناحية احتسابا للاجر وتقربا اليكم، فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئا فانما يأكل في بطنه نارا و سيصلى سعيرا (الاحتجاج: 480). وعن تحف العقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس انما المؤمنون اخوة، ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفس منه (تحف العقول: 34، عنه الوسائل 5: 120)، مرسلة. عن عوالي اللئالي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المسلم أخو المسلم، لا يحل ماله الا عن طيب نفسه (عوالي اللئالي 3: 473، عنه المستدرك 3: 331)، مرسلة.

[ 779 ]

المتصرف، من الاكل والشرب والبيع والهبة ونحوها، فوضع اليد على مال الغير بنية الرد الى المالك خارج عن حدود الرواية، فانه ليس من المنافع العائدة الى الاخذ بل هو من المنافع التي تعود الى المالك، وليس للاخذ منها الا العناء والكلفة. وأما الرواية الثانية، فانا نمنع صدق التصرف على مجرد الاخذ بنية الرد الى المالك، إذ التصرف عبارة عن التقليب والتقلب، ولا نسلم صدقه على ذلك، وإذا سلمنا صدقه عليه لغة فانه منصرف عنه عرفا، فيكون المأخوذ امانة شرعية عند الاخذ فتترتب عليه احكامها الوضعية والتكليفية. وعلى الجملة ان وضع اليد على مال الغير لحفظه وايصاله الى مالكه خارج عن الروايتين موضوعا وحكما، وهذا معنى يحكم به الوجدان وأهل العرف، ويؤيده ما في موثقة أبي بصير من أن: حرمة مال المؤمن كحرمة دمه (1). نعم إذا منع المالك عن وضع اليد على ماله حتى بقصد الرد إليه كان ذلك حراما ايضا، كما ان دق أبواب الناس جائز للسيرة القطعية، فإذا منع المالك عنه كان حراما. وأما قياس المقام ببيع مال الغير بدون اذنه فواضح البطلان. وأما الجهة الثانية، وهي ما إذا أخذ المال من الجائر ثم علم بعد ذلك بكونه مغصوبا، فظاهر المصنف وصريح السيد في حاشيته (2) ان هنا مسألتين:


1 - قد تقدم هذه الرواية في البحث عن حرمة سب المؤمن. 2 - حاشية العلامة الباطبائي: 39.

[ 780 ]

1 - هل الاخذ من الجائر بنية التملك مع الجهل بكون المأخوذ من أموال الغير موجبا للضمان ام لا؟ 2 - إذا حكمنا بالضمان بذلك فهل يبقى هذا الحكم، حتى إذا نوى الاخذ حفظ المال وايصاله الى مالكه بعد العلم بالحال ام لا يبقى ذلك الحكم بل يتغير بتغير العنوان؟ أما المسألة الاولى، فالظاهر ان القول بالضمان هو المشهور بين الاصحاب وظاهر المسالك (1) عدم الضمان مع القبض جاهلا، قال: لانه يد امانة فيستصحب. الا أنه لا يفهم وجها صحيحا لهذا الاستصحاب، إذ ليس ذلك مسبوقا بيد الامانة حتى نستصحبها، و يمكن توجيه كلامه باحد وجهين: 1 - ان معنى الضمان عندنا عبارة عن انتقال القيمة أو المثل الى ذمة الضامن، ومن الضروري ان هذا المعنى لا يتحقق الا بالتلف، وحيث أن يد الاخذ كانت يد امانة لا توجب الضمان لكونه جاهلا بالحال، فإذا شك في تغير الحكم بعد حصول العلم كان مقتضى القاعدة هو الاستصحاب. وهذا التوجيه بديهي البطلان ولا يناسب مقام الشهيد، بداهة ان الضمان يتحقق بالاستيلاء على مال الغير بدون سبب شرعي، من غير فرق بين العلم والجهل، وبين كون المستولي كبيرا أو صغيرا، عاقلا أو مجنونا، نعم تنتقل العين الى المثل أو القيمة حين التلف، ولكن هذا الانتقال اجنبي عن اصل الضمان، ولم يثبت في المقام كون اليد يد امانة حتى تستصحب. 2 - ان الشارع قد رخص في أخذ الجائزة عند الجهل بكونها مغصوبة،


1 - المسالك 3: 142، انظر الجواهر 22: 179، المصابيح: 55 (مخطوط).

[ 781 ]

فتكون يد الاخذ يد امانة شرعية، فإذا شك في ضمان العين بعد تلفها كان المرجع هو استصحاب يد الامانة. ولكن يرد عليه ان ترخيص الشارع في ذلك ترخيص ظاهري في ظرف الجهل لا ترخيص واقعي، أما حكم الشارع بالضمان فهو حكم واقعي ثابت في حالتي العلم والجهل، ولا منافاة بين الحكمين على ما حققناه في علم الاصول، وعليه فوضع اليد على مال الغير بنية التملك يوجب الضمان، فإذا انكشف الواقع فان كانت العين باقية فلا بد من ردها الى مالكها والا فلا بد من رد مثلها أو قيمتها إليه. ويدل على ما ذكرناه حكمهم بالضمان في مسألة تعاقب الايدي على المال المغصوب مع الجهل بالحال، ولم يقل احد فيها بعدم الضمان حتى صاحب المسالك (رحمه الله). وأما المسألة الثانية، وهي انه إذا كان وضع اليد على المال موجبا للضمان فهل يرتفع هذا الحكم بنية الرد الى المالك بعد العلم بالحال ام لا؟ فيه وجهان: الضمان، كما ذهب إليه المصنف (رحمه الله)، وعدمه، كما ذهب إليه السيد في حاشيته (1). وقد استدل المصنف (رحمه الله) على الضمان بما حاصله: ان أخذ الجائزة من الجائر بنية التملك وان كان جائزا بمقتضى الحكم الظاهري، الا أنه يوجب الضمان واقعا لقاعدة ضمان اليد، فإذا انكشف الخلاف وتبدل قصد الاخذ وبنى على حفظ المال للمالك ورده إليه شككنا في ارتفاع الضمان الثابت بقاعدة ضمان اليد وعدمه، فنستصحب بقاءه. واشكل عليه السيد بأن علة الضمان وان كانت هي الاخذ العدواني


1 - حاشية العلامة الباطبائي: 40.

[ 782 ]

الا أنها قد زالت بنية الرد الى المالك في مسألتنا وامثالها، لان اليد قد انقلبت من العدوان والخيانة الى الاحسان والامانة، فيكون المال امانة شرعية عند الاخذ، فلا يترتب عليه الضمان عند التلف، لان قاعدة ضمان اليد مخصصة بما دل على عدم الضمان في الامانة، و بان الودعي محسن وما على المحسنين من سبيل، وعليه فلا مجال لاستصحاب الضمان لعدم بقاء موضوعه. والتحقيق هو ما ذكره المصنف (رحمه الله) من الضمان، وليس الوجه فيه هو الاستصحاب، لما بنينا عليه من عدم جريانه في الشبهات الحكمية، بل الوجه في ذلك ان وضع اليد على مال الغير بقصد التملك علة لحدوث الضمان وبقائه، سواء تبدلت بعد ذلك بيد الامانة ام لا، لان ضمان اليد لا يرتفع الا بحصول غايته، وهي الاداء، فما لم تتحقق الغاية لم يسقط الضمان. وعليه فكون اليد الفعلية الحادثة يد امانة لا تزاحم اليد السابقة المقتضية للضمان بقاء، فان يد الامين لا تقتضي الضمان لا انها تقتضي عدم الضمان، ومن البديهي ان ما لا اقتضاء له لا يزاحم ماله الاقتضاء، ومجرد نية الرد الى المالك لا يرفع الضمان الثابت باليد ابتداء، كما ان الاحكام الثابتة على الاشياء بعناوينها الاولية لا تنافي الاحكام الثابتة عليها بعناوينها الثانوية. ب - رد المأخوذ من الجائر الى اهله: الامر الثاني: في رد ما أخذ من الجائر الى اهله، وتحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى أن يكون المأخوذ من الجائر معلوم المالك، والثانية أن يكون مجهول المالك.

[ 783 ]

أما الناحية الاولى فلا شبهة في وجوب رد المأخوذ منه الى مالكه المعلوم لكونه امانة في يد الاخذ، وقد دلت الاية (1) على وجوب رد الامانات الى اهلها، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون علم الاخذ بالحال قبل وقوع المال في يده أو بعده، وانما الكلام في معنى الاداء، فهل هو مجرد اعلام المالك بذلك والتخلية بينه وبين ماله، ام حمله إليه واقباضه منه؟ قد يستظهر الثاني من الاية، فان الظاهر من رد الامانات الى اهلها هو الرد الحقيقي، اي حملها إليهم واقباضها منهم، ولكن المرتكز في اذهان عامة اهل العرف والظاهر من ملاحظة موارد الامانات ان المراد باداء الامانة انما هو التخلية بينها وبين صاحبها، كما عليه أكثر الفقهاء (2). ويؤيد ما ذكرناه بل يدل عليه ان المودع إذا طلب من الودعي حمل الوديعة إليه ذمه العقلاء، خصوصا إذا بعد موضع احدهما عن الاخر واحتاج النقل الى المؤونة، بل ربما يستلزم الحمل الحرج والضرر، وهما منفيان في الشريعة المقدسة، فافهم. نعم لو نقلها الودعي من بلد الايداع الى بلد آخر بغير داعي الحفظ وبدون اذن المالك وجب عليه ردها الى بلد الوديعة. وأما الناحية الثانية، أعني ما إذا كان المالك مجهولا، فيقع الكلام فيها من جهات شتى: 1 - وجوب الفحص عن المالك: الجهة الاولى: هل يجب الفحص عن المالك ام لا؟


1 - قوله تعالى: ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها، النساء: 61. 2 - التذكرة 2: 205، المسالك 5: 97، جامع المقاصد 6: 43، الحدائق 21: 426، الرياض 1: 622، الكفاية: 133.

[ 784 ]

قد يقال بعدم الوجوب، كما احتمله المصنف، فيجوز التصدق بمجهول المالك بغير فحص عن مالكه استنادا الى اطلاق جملة من الروايات (1).


1 - عن ابن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني امية، فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله (عليه السلام)، فاستأذنت له عليه، فأذن له، فلما ان دخل سلم وجلس ثم قال: جعلت فداك اني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا وأغمضت في مطالبه - ثم قال: - الفتى جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: ان قلت لك تفعل، قال: افعل، قال له: فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ومن لم تعرف تصدقت له، وانا اضمن لك على الله الجنة - الخبر (الكافي 5: 106، التهذيب 6: 331، عنهما الوسائل 17: 200)، ضعيف بابراهيم بن اسحاق وعلي بن أبي حمزة البطائني. عن علي بن ميمون الصايغ قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يكنس من التراب فابيعه فما أصنع به، قال: تصدق به فاما لك واما لاهله - الحديث (الكافي 5: 250، التهذيب 7: 111، عنهما الوسائل 18: 202)، ضعيف لعلي الصايغ. عنه قال: سألته عن تراب الصواغين وانا نبيعه، قال: أما تستطيع ان تستحله من صاحبه؟ قال: قلت: لا إذا اخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: فبأي شئ نبيعه، قال: بطعام، قلت: فأي شئ أصنع به، قال: تصدق به اما لك واما لاهله - الخبر (التهذيب 6: 383، عنه الوسائل 18: 202)، ضعيف للصايغ المذكور ومضمر. عن أبي علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا الى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفيت المال خبرت ان الارض وقف، فقال (عليه السلام): لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في مالك وادفعها الى من وقفت عليه، قلت: لا اعرف لها ربا؟ قال: تصدق بغلتها (الكافي 7: 37، عنه الوسائل 17: 364)، مهملة بمحمد بن جعفر الرزاز. عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه، قال: لا يصلح ثمنه - الى أن قال (عليه السلام): - ان افضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمن