الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة - السيد الخوئي ج 6

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي ج 6


[ 1 ]

محمد علي التوحيدي مصباح الفقاهة في المعاملات من تقرير بحث الاستاذ الاكبر آية.. العظمى السيد أبو القاسم الخوئى دامت إفاضاته الجزء السادس حقوق الطبع محفوظة للمؤلف المطبعة الحيدرية - النجف 1378 هج‍ - 1959 م

[ 2 ]

نوبت چاپ: اول تاريخ نشر: زمستان 1366

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم أجمعين. وبعد فيقع الكلام في الخيارات واحكامها. قوله الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار. أقول: الاختيار مصدر والاسم منه الخيار ومعنى الاختيار لغة هو طلب الخير من أي شئ فيصح تعلقه بالامور التكوينية والاعتبارية نظير الكسب والاكتساب وح يكون وصفا لنفس الافعال الخارجية و الامور الاعتبارية حسب اختلاف متعلقه من الافعال والاعيان والاعتباريات ويقال اختار احدهما لمصاحبته أي طلبه خيرا لنفسه واختار بيع امواله أي جعله خيرا لشخصه فالاختيار صفة لنفس ما أخذه خيرا وعنوان له من دون أن يكون من الاوصاف النفسانية المعبر عنه بالارادة تارة وبالاختيار أخرى ولا من الافعال الخارجية والاختيار كالانتفاع و الاصطفاء والانتفاء ومنه ايضا استخارة المنزل. والظاهر أنه بهذا المعنى اللغوى استعمل في الخيارات المختصة بالمعاملات من خياري المجلس والحيوان وغيرهما فان من

[ 4 ]

له الخيار يتخذ ما يختاره من الامضاء أو الفسخ خيرا لنفسه وطلب كونه خيرا له واتصف كل منهما بالاختيار واصبح خيرا على سبيل البدلية و معنى البيعان بالخيار أي لكل منهما أن يأخذ ما يختاره خيرا لنفسه وليس المراد من الخيار هنا هو القدرة على الفسخ التى من الاوصاف النفسانية ولا السلطنة والمالكية على الفسخ ولا غيرهما من المعاني التى ذكروها في المقام. نعم تستفاد السلطنة والمالكية من موارد أخذ الخير لنفسه و اتخاذه لشخصه مثلا إذا قيل له الخيار فتدل اللام على الاختصاص و الملكية، وكك أن القدرة ليست من معنى الخيار في شئ وانما هي من مقدمات اتخاذ الخير فان من ليست له هذه القدرة لا يتمكن من جعل شئ خيرا لنفسه. وعلى هذا فلا نحتاج في استعمال كلمة الخيار في الخيارات المصطلحة في ابواب المعاملات إلى عناية زائدة غير ملاحظة المعنى اللغوى الا أن يكون هنا اصطلاح خاص فلا مشاحة فيه وبهذا اللحاظ أيضا استعمل في مقابل الالتجاء والاضطرار فان المضطر لا يتمكن من الاستخارة لنفسه واتخاذ الخير لشخصه كالاعرج والاشل والاصم فانهم لا يقدرون أن يتخذوا المشئ أو الحركات الصادرة من اليد أو الكلام خيرا لانفسهم، فجعل الاختيار بمعنى القدرة في مقابل الاختيار انما هو بحسب الاصطلاح فقط والا فهو خارج عن القدرة كما عرفت و الا فنفس الاختيار يقع في مقابل الاضطرار ويعد قسيما له. ثم ان موارد استعملات كلمة الخيار وما اشتق منها وان كانت كلها بحسب لحاظ المعنى اللغوى ولكن الذى في ابواب المعاملات

[ 5 ]

تمتاز بخصوصية ليست في غيرها من موارد الاستمعلات بداهة أنه فرق واضح بين الاختيار المتعلق بالاكل والشرب والنوم وبين تعلقه بالفسخ والامضاء فان المراد بالاول هو جعل الفعل الخارجي أو العين الخارجية خيرا لنفسه من غير أن يكون في البين ما يتصل بالمختار بصيغة الفاعل بخلاف ما إذا تعلق بالعقود باعتبار الفسخ و عدمه فان معناه أن هنا شئ ثابت قابل لان يتعلق به الفسخ أو الابقاء في حاله والاستمرار عليه، ونظير ذلك ما قلناه في ادلة الاستصحاب من أن مفهوم النقض انما يتحقق إذا كان هناك أمر مبرم والا فلا يقال للحجر أنه نقض الحجر فبهذه الخصوصية ينهاض الخيار المتعلقة بالعقود عن غيره من موارد استعمالاته، وأيضا خرج بهذه الخصوصية الخيار الثابت للعمة والخالة في العقد على بنت الاخت وبنت الاخ فانه لم يثبت فيها شئ للعمة والخالة حتى ترفعه العمة أو الخالة بالفسخ بل هي تدفع ما يتصل إليها بالرضا وكك الحال في العقود الفضولية في البيع وغيره ولكن بقيت العقود الجائزة بحسب الطبع واردة عليه أيضا فان فيها أيضا شئ ثابت لذى الخيار له الفسخ وله الابقاء. الا أن في الخيارات المصطلحة خصوصية ليست موجودة في العقود الجائزة بحسب الطبع فهى أن ذى الخيار في موارد الخيارات المصطلحة انما ملك الفسح والامضاء أي له اتخاذ الفسخ خيرا لنفسه وله ابقاء العقد على حاله أو امضائه وايضا فله مالكية على اصل الاختيار والخيار بحيث له السلطنة على اعدام اختياره ورفع موضوعه بحيث لا يبقى هنا موضوع للفسخ والامضاء ولاعمال الخيار بان يسقط سلطنته على اتخاذ كل من طرفي الاختيار خيرا لنفسه.

[ 6 ]

وبعبارة اخرى أن لذى الخيار في موارد الخيارات المصطلحة سلطنتان احديهما السلطنة المتعلقة باعمال الخيار أي اتخاذ الفسخ أو الابقاء خيرا لنفسه وثانيتهما السلطنة على اعدام السلطنة على اعمال الخيار واتخاذ شئ منهما خيرا لنفسه فانها من الحقوق فهى قابلة للاسقاط. وهذا بخلاف العقود الجائزة فان فيها لكل من المتعاملين فسخ العقد أو ابقائه على حاله ولكن ليس لهما السلطنة على اعدام سلطنتهما على الفسخ أو الابقاء فان الجواز فيها من الاحكام فهى غير قابلة للاسقاط ولو أسقطه المتعاملان ألف مرة وقد عرفت أن الجواز والتزلزل في موارد الخيارات المصطلحة من الحقوق فهى قابلة للاسقاط، وبهذه الخصوصية لا يدخل شئ من غير الخيارات المصطلحة في حدودها كما لا يخفى وأيضا صح القول بأن الخيارات المصطلحة هو اتخاذ الفسخ أو الامضاء خيرا لنفسه في العقود اللازمة بالطبع كالبيع والاجارة والنكاح وغيرها. والحاصل أن المراد من الخيار هو المعنى اللغوى في جميع موارد الاستعمالات حتى في باب العقود وهو اتخاذ الخير لنفسه والانتقاء والاصطفاء كما صرح بذلك في اللغة وليس بمعنى الملك في المقام بل انما يستفاد الملكية من موارد الاستعمال بحسب اقتران مادة الخيار بكلمة اللام أو ذو أو صاحب أو الباء أو بالهيئة المفيدة لهذا المعنى كهيئة المختار كما سنشير إليه.. وعليه فيكون الاختيار والخيار في مقابل الاضطرار والالتجاء بحسب الحقيقة في جميع الموارد فان المضطر لا يقدر على اتخاذ الخير

[ 7 ]

لنفسه فيما اضطر إليه. ثم لا يبعد أن يكون المراد من كون المكلف مختارا في الفعل أو الترك في مقابل التكاليف الالزامية الملجأ إلى الفعل شرعا هو هذا المعنى أيضا غاية الامر أن الاختيار والالجاء هنا شرعى وما ذكرناه فيما سبق تكويني ومن هنا يتضح ان اطلاق المختار على الفاعل المختار على هذا المنهج أيضا ومن هنا ظهر أن استعمال المتكلمين الخيار في مقابل الاضطرار ليس اصطلاحا آخر كما ذهب إليه شيخنا المحقق بل باعتبار المعنى اللغوى كما عرفت.. ثم ان المشتقات قد أستعمل في الاتصالات الفعلى كما هو الغالب وقد تستعمل في الشأنية والاقتضاء وهذا ايضا كثير في نفسه كما يتضح ذلك لمن سير واستقرأ موارد استعمالها ومنه يقال سم قاتل وسيف سبار وأدوية مسهلة وأشربة مبردة وأغذية مسخنة أو قابضة فان اتصاف الذات بالمبدء في أشباه هذه الموارد ليس فعليا وانما هو بحسب الشأنية والاقتضاء.. ومن هنا يمكن توجيه كلمات القائلين بان الخيار بمعنى القدرة على الفسخ بدعوى المختار بصيغة الفاعل له فسخ العقد مع ثبوت الخيار له وله ابقائه على حاله وله اسقاط أصل سلطنته أيضا فتكون القدرة والسلطنة على الفسخ والابقاء مستفادة من هيئة المختار. إذا كان اتصاف الذات فيه بالمبدء بحسب الشأن والاقتضاء فان في موارد ثبوت الخيار فصاحب الخيار مختار في امر العقد من حيث الفسخ والابقاء شأنا بان يأخذ الفسخ خيرا لنفسه أو الابقاء فان له الانتقاء والاصطفاء في ذلك والهيئة المستفادة من الهيئة عبارة

[ 8 ]

أخرى عن القدرة بل الامر كك في جميع الموارد التى يتمكن الانسان من ايجاد فعل بحسب طول الزمان فانه يقال أنه مختار في ذلك أي له القدرة على أن يأخذ هذا الفعل خيرا لنفسه أو يتركه ويأخذ تركه خيرا لنفسه فلا يكون تعريف الخيار بأنه القدرة على فسخ العقد و ابقائه منافيا لما ذكرناه. ثم انك قد عرفت أن الخيار في اللغة هو اتخاذ الخير والاصطفاء والانتقاء وبهذا اللحاظ قد استعمل في جميع الموارد غاية الامر أنه تختلف متعلقاته فانه قد يتعلق بالاكل وقد يتعلق بالشرب وقد يتعلق بالاعيان الخارجية كاختيار الدار والرفيق والمركوب وقد يتعلق بالامور الاعتبارية وقد يتعلق بفسخ العقد وابقائه وقد يتعلق برفع سلطنة على الفسخ ويسقط خياره، وعليه فلا خصوصية لمادة الخيار في شئ من موارد الاستعمال. ولكن المراد من الخيار المصطلحة هو اختيار فسخ العقد أو ابقائه أو اختيار اقرار العقد فخرج بتعلقه بالفسخ جميع ما يتعلق بغير العقود من الافعال والاعيان الخارجية وكك خرج به عقد بنت الاخ وبنت الاخت على العمة والخالة وكك جميع العقود الفضولية فان في جميع تلك الموارد لم ينتسب إلى المختار شئ حتى يتعلق به الفسخ و يكون الفسخ فيه متعلقا للخيار اما في غير العقود المذكورة فواضح فان الخيار فيه ليس الا اختيار احد الامرين الذين هما طرفا الخيار من الاكل وتركه والشرب وتركه وهكذا وأما في العقود المذكورة فلانه و ان ثبت هنا شئ ولكنه لم ينتسب إلى العمة والخالة والى المالك بل مع الاجازة والامضاء ينتسب العقد إليهم ولكن وإذا اختاروا الرد

[ 9 ]

يرفعون ما ثبت بانشاء الغير لا أنهم يفسخونه فانه ليس هنا عقد حتى يتعلق به الفسخ بل ثبت لهم بعد الانتساب إليهم والفرض انه لم ينتسب إليهم بعد فبالرد يرتفع ولا يبقى شئ حتى يفسخ. وخرج بكون ذى الخيار مختارا في اقرار العقد وتثبيته العقود الجائزة بحسب الطبع وتوضيح ذلك أن ذ الخيار في موارد الخيارات المصطلحة كما له اختيار فسخ العقد وابقائه على حاله وكك له ازالة مالكيته على اختيار الفسخ والابقاء وعلى الانتقاء والاصطفاء بان يقر العقد باسقاط الخيار وبجعله لازما وغير قابل الفسخ ففى الحقيقة له خياران أحدهما يتعلق بالفسخ والابقاء والاخر يتعلق بالسلطنة على الفسخ والابقاء بخلاف العقود الجائزة فان فيها خيار واحد لكل من له الخيار وليس له خيار آخر يتعلق باصل السلطنة على اختيار الفسخ أو الابقاء ولو اسقطه الف مرة لم يسقط كما تقدم فانه من الاحكام فهى غير قابلة للاسقاط. ومن هنا ظهر أن ما ذهب إليه بعضهم من أن الخيار المصطلحة ملك اقرار العقد وازالته هو الصحيح فان المراد من اقرار العقد هو اسقاط الخيار وجعل العقد لازما وغير قابل للانفساخ من ناحية الخيار وهو ما ذكرناه من تعلق الخيار بازالة السلطنة على الفسخ و الابقاء، والمراد من ازالته هو ازالة العقد بالفسخ واعدامه نعم التعبير بملك فسخ العقد مسامحة فان الخيار كما عرفت ليس ملك فسخ العقد وانما الملكية مستفادة من اللام وكلمة الصاحب والذو أو من الهيئة كما عرفت فان هيئة كلمة المختار تدل على ذلك لما عرفت أن المشتق انما هو باعتبار الشأنية ولاقتضاء وأن ذى الخيار بما أن له مقتضى

[ 10 ]

للفسخ وقادر عليه بان يأخذه خيرا لنفسه وله شأنية الاختيار و الانتقاء فينتزع من ذلك عنوان المالكية كما لا يخفى. وقد اشكل المصنف على هذا التعريف بوجهين الاول أنه ان أريد من اقرار العقد ابقائه على حالته الاولية بترك الفسخ فذكره مستدرك لان القدرة على الفسخ عين القدرة على الترك فانها لا تتعلق باحد الطرفين فقط والا فلا تكون قدرة. وفيه أنه ظهر جوابه مما تقدم فان المراد من ملك اقرار العقد ليس هو تركه على حاله وعدم فسخه مع جواز ان يفسخه كيف ما يشاء بل المراد منه هو اقرار العقد واثباته وجعله لازما بحيث لا يقبل - الفسخ بالخيار فهو اشارة إلى احد الاختيارين الذين تقدمت الاشارة اليهما وقوله وازالته فالمراد منه ازالة العقد بالفسخ فهو اشارة إلى الاختيار الثاني. وعلى الاجمال أن الخيارات المصطلحة منحلة إلى خيارين و مركب منهما أحدهما ما يكون متعلقا بالفسخ والآخر ما يتعلق باصل اعدام الخيار أي اتخاذ اعدامه الذى عبارة اخرى عن اقرار العقد خيرا لنفسه (ما شئت فعبر) فكل واحد من خيار الحيوان والمجلس و العيب والشرط وغيرها مركب من خيارين المذكورين فقد أشير اليهما في التعريف المذكور فذى الخيار مختار فيهما نعم أخذ الملكية في التعريف ليس من جهة اعتباره في مفهوم الخيار وتعريفه بل هي مستفادة من الهيئة أو من كلمة اخرى كما عرفت. الثاني ان أريد منه الزام العقد وجعله غير قابل لان يفسخ ففيه أن مرجعه إلى اسقاط حق الخيار فلا يؤخذ في تعريف نفس

[ 11 ]

الخيار لكونه مستلزما للدور فانه ح يكون مفاد التعريف أن الخيار هو ملك الزام العقد باسقاط الخيار فهذا أخذ بالخيار في تعريف نفسه فهو دورى. وفيه قد ظهر جوابه مما مر وتوضيح الاندفاع أن الخيار وأن أخذ في التعريف ولكن المأخوذ فيه ليس نفس المعرف بل هو غيره اعني الخيار الثاني لما عرفت من كون الخيار المصطلح مركبا من خيارين فقول القائل الخيار ملك اقرار العقد أي الخيار المتعلق باعدام السلطنة على الفسخ هو اقرار العقد اسقاط فالمراد من الخيار الساقط هو المتعلق بالفسخ فالمعرف غير المعرف فلا يلزم الدور وبقوله وازالته اشار إلى الخيار الثاني. ثم اورد المصنف نقضا على التعريف المذكور بأنه ينتقض بالخيار المشترك فان لكل منهما الزامه من طرفه لا مطلقا فلا يكون العقد لازما باسقاط أحد الشركاء خيارهم. وفيه أنه أيضا ظهر جوابه مما تقدم فان المراد من الاقرار هو اقرار العقد من قبله لا من قبل غيره ولا يقاس ذلك بالفسخ فان فيه خصوصية لا يعقل بها أن يفسخ احد المتعاملين دون الاخر فانه بالفسخ ينتقل مال كل شخص إلى ملكه ولا معنى لان يفسخ العقد من طرف واحد فقط دون الاخر ولكن الاقرار والاثبات ليس كذلك فانه قابل لان يكون العقد لازما من طرف وجائزا من طرف آخر و إذا كان ممكنا ثبوتا فلا نحتاج في مقام الاثبات إلى شئ آخر غير ما يصدر من الشركاء في الخيار حيث أن احدهم يسقط خياره والآخر لا يسقطه.

[ 12 ]

وما نحن فيه نظير رفع الحجر الثقيل بعشرة رجال حيث ان ترك الرفع يستند إلى ترك واحد منهم ولكن رفعه مستند إلى جميعهم ففى المقام أيضا رفع العقد يحصل بفسخ واحد ولكن الاقرار التام يحصل بالمجموع ومع ذلك فكل واحد يجعله من قبله لازما وان شئت فمثل بترك كل واحد من عشرة رجال قتل شخص فانه يصدق ح ان كل واحد منهم ترك قتله من قبله وقد مثل الاستاذ بهذا المثال دون الاول. وعلى الاجمال فالاحسن أن يقال في تعريف مطلق الخيار هو ما يرجح به أحد طرفي الممكن على الآخر سواء كان هناك مرجح آخر أم لم يكن ويكون في مقابل الاضطرار فان الفاعل المضطر مجبور إلى اختبار أحد طرفي الممكن الذى اضطر إليه ولا يبقى معه اختيار في الترك والانتقاء والاصطفاء وبهذا المعنى الواحد يستعمل في جميع الموارد وان كان هنا اختلاف فانما هو من ناحية المتعلق و بيان ذلك أن الخيار قد يتعلق بالافعال الخارجية كالاكل والشرب وغيرهما فيختار الفاعل اما الترك أو الفعل فيرجح باختياره احد الطرفين على الطرف الآخر. وقد يتعلق بالاعيان الخارجية فيرجح المختار أحد الشئيين أو الاشياء على الاخر فيأخذه خيرا لنفسه. وقد يتعلق بدفع العقود عن الانتساب إلى نفسه ورده عن الاتصال إليه من غير ان ينضم إليه قبل ذلك شئ وهذا كاختيار المالك رد عقد الفضولي واختيار العمة والخالة عقد بنت الاخ وبنت الاخت.

[ 13 ]

وقد يتعلق بفسخ العقد وابقائه وهو على قسمين فانه تارة يجتمع مع الخيار الآخر المتعلق باقرار العقد وعدمه وأخرى لا يجتمع معه بل لا يمكن ان يقترنه لحكم الشارع بعدم لزوم العقد إلى الابد. والثانى هو الخيار في العقود الجائزة التى كانت جائزة بحسب الطبع والاول هو المراد من الخيارات المصطلحة فان في مواردها قد ثبت لذى الخيار خياران أحدهما ملك فسخ العقد وابقائه على حاله والثانى ملك اقرار العقد باسقاط الخيار وعدم اقراره فيسمى مجمع هذين الخيارين خيارا اصطلاحيا ولهذا لا تسمى العقود الجائزة عقودا خيارية مع تحقق الخيار فيه أيضا ولكنه ليس مركبا من خيارين نعم التعبير بالملك ليس من جهة أخذ الملك في مفهوم الخيار ولعل النكات في تعبير ملك فسخ العقد في تعريف الخيار هو ان معنى الخيار هنا هو ترجح أحد الطرفين من الفسخ أو عدمه وترجيح احد طرفين ازالة العقد وابقائه لما عرفت أن الخيار المصطلح مجمع الخيارين. ومن الواضح أن الترجيح انما يكون مع القدرة على الترجيح فالخيار عبارة عن القدرة على الترجيح والقدرة ليست الا عبارة عن السلطنة فيصح أن يقال أن الخيار ملك ازالة العقد ولكن هذا المعنى منتف في غير خيار المصطلح فان في الهبة مثلا وان كان الواهب قادرا على الفسخ أو الابقاء ولكن كون الجواز فيه ضروري فليس له ازالته عنها وكك إذا كان متعلق الخيار الامور الخارجية كالاكل والشرب فان أحد طرفي الفعل وان كان في اختياره ولكن اصل كونه مختارا في ذلك ضروري ولا يقدر ان يسلب اختياره عن نفسه بل هو مستفاد

[ 14 ]

من شئ آخر ومنه الهيئة فان هيئة المختار أيضا تدل على الملكية فانه قد أخذ فيها الهيئة وهذه الهيئة وان كانت ظاهرة في الهيئة الفعلية ومنه ما في قضية الصديقة الطاهرة وهو المختار لها لسرعة الالحاق. ولكن قد يكون المراد منهما الهيئة الشأنية ولكن بواسطة القرائن فيكون المشتق ح مستعملة في الشأنية كسيف قاطع وسم قاتل ومسهل نافع وأشربه مبردة أو مسخنة فان القرينة قائمة في امثالها على أن الاستعمال بلحاظ التلبس الشأنى دون الفعلية كما لا يخفى. ومن هنا ظهر ما في كلام شيخنا الاستاذ حيث قال أن الخيار المتعلق باقرار العقد والزامه انما هو ايضا اعمال الخيار فانه احد طرفي ما تعلق به الخيار وليس مرجعه إلى اسقاط الحق الذى فوق اعمال الخيار ووجه الاندفاع هو ما تقدم من أن ما تعلق باقرار العقد خيار آخر غير ما تعلق بالفسخ والابقاء. وتحصل من جميع ما ذكرناه أن ما ذكره بعض الاصحاب من أن الخيار ملك اقرار العقد وازالته هو المتعين واحسن منه ما تقدمت الاشارة إليه من أن الخيار المصطلح اختيار فسخ العقد وابقائه و اختيار اقرار العقد وعدمه (ما شئت فعبر) وقد عرفت أنه لا يرد عليه ما أورده المصنف من الايراد الاول والثانى وكك نقضه بالخيارات المشتركه كما عرفت. لا يتوهم أن المراد من الخيار المشترك هو الخيار الثابت للمجموع كما في توارث الخيار عن المورث بناء على عدم ثبوته لكل واحد من الورثة وعلى عدم ثبوته على الطبيعي من حيث هو على ما هو اقوال المسألة.

[ 15 ]

والوجه في ذلك هو ان أحد الشركاء لو اعمل خياره بان يفسخ العقد أو ألزم العقد بأن أسقط خياره لا يضر بخيار الشريك الآخر بوجه مع أن المصنف فرض أن الفسخ يوجب انهدام العقد من طرف الشريك الآخر ويؤثر تأثيره بخلاف الاقرار فانه من احد الشركاء لا يوجب اقرار العقد من الشريك الآخر فيعلم من ذلك أن المراد من الخيار المشترك في كلام المصنف هو الخيار الثابت لكل من البايع والمشترى حين الثبوت كخيار المجلس مثلا كما هو الحق فان الظاهر من قوله (ع) البيعان بالخيار ما لم يفترقا هو ذلك وان لكل منهما خيار وإذا أراد أحدهما أن يفسخ العقد فينفسخ من الطرف الآخر أيضا لخصوصية في الفسخ و هي أنه لا يعقل انفساخ العقد من طرف واحد وهذا بخلاف الاقرار فانه يعقل الزام العقد من طرف واحد كما عرفت هذه هي المقدمة الاولى المقدمة الثانية وقع الكلام في تاسير الاصل في المقام ليرجع إليه عند الشك، في الجواز أو الزوم وقد وقع الكلام في أن الاصل في العقود هو اللزوم الا ما خرج بالدليل أو الاصل فيها هو الجواز الا ما خرج بالدليل فإذا علم من الخارج أن العقد الفلاني لازم أو جائز فلا كلام لنا فيه فان كل واحد منهما يترتب عليه حكمه وانما الكلام في الموارد المشكوكة بالشبهة الحكمية كما إذا شككنا في ان العقد الفلاني (كالسبق والرماية جائز أو لازم أو بالشبهة الموضوعية كما إذا وقع عقد في الخارج وشككنا في كونه من القسم الجائز أو من القسم اللازم فان في جميع ذلك يرجع إلى ما اسس من الاصل. فنقول ذكر غير واحد تبعا للعلامة في كتبه الاصل في البيع اللزوم وقد وقع الكلام في بيان المراد من هذا الاصل فذكر المصنف وجوها

[ 16 ]

أربعة في بيان ذلك. الاول أخذه بمعنى الغلبة فان أغلب افراد العقد هو اللزوم والجايز منه قليل فإذا شككنا في عقد أنه جائز أو لازم فالظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب. وفيه أنه مخدوش صغره وكبرى والمصنف لم يتعرض لفساد الكبرى لوضوحه أما الوجه في فساد الكبرى فلان قاعدة الحاق المشكوك بالاعم الاغلب أدون من الاستقراء الناقص فحيث أن الاستقراء الناقص ليس بحجة فالقاعدة المذكورة أولى بان لا تكون حجة بيان ذلك أن الاستقراء الناقص عبارة عن تتبع أفراد الطبيعة بقدر الطاقة والتمكن بحيث يحصل الظن من ذلك أن بقية الافراد ايضا على هذا النسق ثم يتشكل من ذلك القياس فيوصل بالنتيجة ويقال أن ما صادفنا من افراد هذه الطبيعة كالحيوان مثلا يتحرك فكه الاسفل عند المضغ وكل حيوان كك فالحيوانات المشكوكة أيضا كك ظنا وهذا القياس بما أنه يفيد الظن فقط لا يكون حجة فان الظن لا يغنى من الحق شيئا. والقاعدة المذكورة ادون من ذلك فان جميع ما صودف به من افراد الطبيعة ليس على نسق واحد لان الفرض أنها على قسمين غاية الامر أن قسم منهما أقل من القسم الآخر فلا يمكن هنا تشكيل القياس بان كل افراد الطبيعة كك حتى وهما فضلا عن الظن به للعلم بان قسم منها على غير النسق الذى عليه القسم الاخر، كما لا يخفى. وبالجملة أن كبرى هذه القاعدة باطلة لعدم الدليل على صدقها وأما الوجه في بطلان الصغرى ما ذكره المصنف ان اريد غلبة

[ 17 ]

الافراد فغالبها ينعقد جائزا لاجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط وان اراد غلبة الازمان فهى لا تنفع في الافراد المشكوكة وذلك فان مدة اللزوم وان كانت طويلة وزائدة ولكن لا يوجب الحاق المشكوك إليه الذى لا ندرى أنه تحقق لازما أو جائزا فان الاغلبية من حيث الازمان لا يرتبط بالاغلب من حيث الافراد. وبعبارة اخرى أن بناء على تسليم الكبرى أن الظن انما يلحق الشئ بالاعم الاغلب من صنف نفس هذه الطبيعة لا من الاعم الاغلب من طبيعة أخرى مثلا أن الغلبة في سادات الكاظمية هي الطوال فلو شككنا في فرد منهم أنه طويل أو قصير فالظن يلحقه بالاغلب من هذه الطائفة لا بالاغلب من جميع البشر وكك أن الاغلب في المسلم أو في اهل العلم التقى وإذا شك في فرد منهم فالظن يلحقه بالاغلب من المسلمين أو من اهل العلم لا بالاغلب من جماهير العالم ولو من غير المسلمين وفى المقام إذا شك في عقد أنه جائز أو لازم فالظن يلحقه بالاعم الاغلب من صنفه وهو غلبة الاخرا بحيث يتصف حين الوجود بوصف من اللزوم أو الجواز لا بالاغلب من صنف آخر اعني غلبة الازمان ومن الواضح أن الغلبة في الافراد هو الجواز فان اغلب افراد العقد يوجد جائزا لخيار المجلس أو الحيوان أو الشرط الا ان يشترط اللزوم في ضمن العقد ومن هنا ظهر أن ما ذكره غير واحد من الاعلام من عدم الفرق في الحاق المشكوك بالاعم الاغلى بين غلبة الافراد و غلبة الزمان لا يرجع إلى محصل وانما هو ناشئ من عدم الوصول إلى مراد المصنف. وأما الاصل بمعنى القاعدة فسيأتي التكلم فيه من أوفوا بالعقود

[ 18 ]

واحل الله البيع وتجارة عن تراض وكك سيأتي التكلم في الاصل بمعنى الاستصحاب وان تكلمنا فيهما في المعاطات ولكن إذا تم الاستصحاب وقلنا بجريانه في الشبهات الحكمية والاحكام الكلية يجرى في موارد الشبهات الحكمية والموضوعية واما العمومات فلا تجرى في الشبهات الموضوعية كما إذا شك في أن هذا العقد وجد لازما أو - جائزا لكونه تمسكا بالعمومات في الشبهات المصداقية كما لا يخفى. وأما الاصل بالمعنى اللغوى بان يكون وضع البيع وبنائه عرفا وشرعا على اللزوم فهو الظاهر من كلام العلامة (ره) حيث قال والفرض تمكن كل من المتعاقدين الخ فان هذا وجه آخر غير الاستصحاب وانه هو الوجه الرابع ظاهرا بل هذا هو الصحيح لقيام بناء العقلاء من المتدينين وغيرهم على ذلك، وعليه فالشرط الضمنى في كل عقد البيع موجود على بقاء المعاقدة على حالها ولا ينفسخ العقد بفسخ كل منهما كيف شاء وفى أي وقت أراد وليس لاحد من المتبايعين أن يرجع إلى الاخر بعد مدة ويسترجع العوض منه بفسخ العقد والا لما استقر نظام المعاملات ولا اظن أحد ببقاء أمواله تحت يده وان مضى على بيعه وشرائه سنين متمادية وقرون متوالية فان العقد الجائز قابل الانهدام ولو بعد سنين وح لا يستقر تملك الملاك في مستملكاتهم المبتاعة من الغير واختلت تجارة التجار ونظام الاكتساب كما هو واضح نعم هذا يتم في البيع فقط وأما في غيره كعقد السبق والرماية مثلا فلا يتم فيه ذلك مع الشك في جوازه ولزومه إذ لم نحرز كونه بناء العقلاء في غير البيع ونحوه كالنكاح مثلا على اللزوم حتى يعتبر اللزام بالشرط الضمنى كما لا يخفى.

[ 19 ]

ولذا ذكر المصنف أن الاصل بهذا المعنى انما ينفع مع الشك في ثبوت خيار في خصوص البيع لان الخيار حق خارجي يحتاج ثبوته إلى الدليل أما لو شك في عقد آخر من حيث اللزوم والجواز فلا يقتضى ذلك الاصل لزومه. ثم ذكر المصنف (ره) ومن هنا ظهر أن ثبوت خيار المجلس في اول ازمنة انعقاد البيع لا ينافى كونه في حد ذاته مبينا على اللزوم لان الخيار حق خارجي قابل للانفكاك نعم لو كان في أول انعقاده محكوما شرعا بجواز الرجوع بحيث يكون حكما فيه لا حقا مجعولا قابلا للسقوط كان منافيا لبنائه على اللزوم. وفيه أنه بعد ما تم بناء العقلاء على عدم جواز رجوع كل من المتبايعين على الآخر وصار بنائهم على صيرورة كل منهما اجنبيا عن ما له بعد تمامية العقد فكما لا ينافى ذلك ثبوت خيار المجلس أو الحيوان في أول البيع لكونه تخصيصا للقاعدة الثانية ببناء العقلاء فكك لا ينافيه ثبوت الجواز الحكمى لعقد الهبة فانه أيضا يكون تخصيصا للقاعدة ولا يفرق في ذلك بين كون الجواز من الحقوق أو من الاحكام وانما يظهر الفرق بينهما من حيث امكان الاسقاط وعدمه فان الجواز في الهبة لا ينفك عنها ولو اسقطه الواهب ألف مرة فانه بعد ذلك ايضا بالخيار وهذا بخلاف الجواز الحقى فانه يسقط بالاسقاط كما عرفته في أول البيع وأما الاصل بمعنى الاستصحاب فهو انما يتم إذا شك في لزوم عقد وجوازه بعد احراز أنه تحقق لازما وثبت اللزوم له ولو في ان قبل الشك فانه حينئذ لا بأس بالتمسك للاستصحاب لاثبات اللزوم و أما إذا كان العقد حين التحقق جائزا ولم يطرء عليه اللزوم بعده

[ 20 ]

ثم شككنا في جوازه ولزومه فحينئذ نستصحب الجواز فيثبت عكس المقصود. على أن الاستصحاب انما يتم في الشبهات الموضوعية واما الشبهات الحكمية فقد حققنا في محله أنه لا يجرى فيها الاستصحاب لكونه مبتلا بالمعارضة دائما، وعليه فإذا شككنا في أن عقد السبق و الرماية جائز أو لازم فلا يمكن احراز اللزوم فيه بالاستصحاب كما هو واضح قوله بقى الكلام في معنى قول العلامة في القواعد والتذكره اقول: اختلف الكلمات في بيان مراد العلامة (ره) حيث قال انه لا يخرج من هذا الاصل الا بامرين ثبوت خيار أو ظهور عيب مع ان العيب من اسباب الخيار فعن جامع المقاصد أنه من قبيل عطف الخاص على العام وهو كثير في كلمات الفصحاء وفى الكتاب العزيز (وفيها فاكهة ونخل ورمان مع ان الفاكهة شاملة لما ذكر بعدها. وفيه أنه انما يتم إذا ذكر في المعطوف عليه اسباب الخيار فان العيب منها دون نفس الخيار وهما متبائنان لا أن المعطوف عليه أخص من المعطوف. ووجهه المصنف بتوجيه آخر وحاصله: أن العيب سبب مستقل لتزلزل العقد في مقابل الخيار، لان الخيار انما يتعلق بتمام العقد بحيث إذا اختار ذو الخيار الفسخ فينعدم العقد من أصله فيصير كأن لم يكن، وأما إذا ظهر نقص في أحد العوضين فان نفس ظهوره موجب لثبوت الارش وثبوت الخيار لمالك العوض الناقص في استرداد جزء من الثمن أو المثمن فالعقد بالنسبة إلى الجزء الناقص متزلزل قابل لابقائه في ملك المالك الاول وابقائه فيه فهذا خيار متعلق

[ 21 ]

بالمجموع من حيث المجموع لا بالجميع. وفيه أولا ما ذكره المصنف (ره) من أنه مبنى على كون الارش جزء حقيقيا من الثمن كما عن بعض العامة ليتحقق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده وقد صرح العلامة في كتبه بأنه لا يعتبر في الارش كونه جزء من الثمن بل له ابداله لان الارش غرامة وح فثبوت الارش لا يوجب تزلزلا في العقد. وثانيا ما ذكره السيد (ره) في حاشيته من أنه لا يعقل الفسخ بالنسبة إلى الجزء الا برد ما يقابله من العوض إذ مقتضى مقابلة المجموع بالمجموع كون بعض البيع في مقابلة هذا الجزء من الثمن فإذا رجع إلى المشترى يرجع ما يقابله إلى البايع فلابد من التزام أن هذا الفسخ و الاسترداد ابطال وازالة للعقد بتمامه وجعله واقعا على مجموع المبيع وما بقى من الثمن وعلى هذا فالتزلزل انما هو بالنسبة إلى الكل لا خصوص جزء الثمن. ووجهه شيخنا الاستاد بوجه ثالث وحاصله أن ما ثبت ببناء العقلاء أو غيره من اللزوم انما ينحل إلى أمرين الاول انه ثبت بناء العقلاء مثلا على لزوم العقد بحيث ليس لكل واحد من المتعاملين أن يرجع إلى الآخر بعد العقد بان يفسخ المعاملة ويرجع إلى ماله. الثاني أنه ثبت بناء العقلاء على عدم جواز مطالبة كل من المتعاملين من الاخر زائدا عن حقه الذى جرى عليه العقد ولكن يخرج من الاصل الاول بالخيار ومن الاصل الثاني بظهور العيب فانه يوجب مطالبة الارش فقول العلامة انما يخرج من هذا الاصل بالخيار ناظر إلى الاصل الاول وقوله أو بظهور العيب ناظر إلى الاصل الثاني وهذا الذى ذكره شيخنا الاستاد توجيه وجية لا باس به.

[ 22 ]

قوله فمنها قوله تعالى أوفوا بالعقود أقول قد استدل المصنف على اللزوم بوجوه منها قوله تعالى أوفوا بالعقود فذكر أن الآية دلت على وجوب الوفاء بكل عقد وادعى أن المراد بالعقد مطلق العهد كما فسر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير على بن ابراهيم أو المراد منه ما يسمى عقدا لغة والمراد بالوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه والجرى العملي على طبقه نظير الوفاء بالنذر فإذا باع احد ماله من شخص فبمقتضى الآية وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار الملكية عليه وعدم جواز التصرف فيه ويحرم العمل بجميع ما يكون نقضا للعقد ومنها التصرفات بعد الفسخ فحرمة التصرف لازم مساو للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ احد المتعاملين فيستدل بالحكم التكليفى أعنى حرمة التصرف في المبيع على الحكم الوضعي اعني عدم نفوذ الفسخ وتاثره في العقد فيكون العقد باقيا بعد الفسخ أيضا في كل زمان ولا ينعدم باى زماني وقد تحقق في الاصول ان الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفى على مذهبه. وأشكل عليه بأن وجوب الوفاء فرع وجود العقد وبعد الفسخ نشك في بقائه فلا يتم الا بالاستصحاب إلى أن قال نعم لو كان الموضوع صدور العقد ولو لم يكن باقيا كان كما ذكر لكنه مقطوع العدم إذ مع فرض زوال العقد لا يجب الوفاء قطعا. وفيه أن موضوع وجوب الوفاء إلى الابد انما هو العقد حدوثا فانه بمجرد حدوثه يثبت له وجوب الوفاء إلى الابد فيكون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء المستمر بقاء فلا يكون مشكوكا في نفسه لكونه مقطوعا في ظرفه فيتمسك بالاطلاق بعد الفسخ أيضا فان مقتضى ما ذكره المصنف

[ 23 ]

من جرى العمل على طبق ذلك العقد الحادث لا يؤثر الفسخ في شئ ولا يوجب كون العقد مشكوكا حتى تصل النوبة إلى الاستصحاب من جهة الشك في بقاء الموضوع وعدمه. نعم الملكية تكون مشكوكة بعد الفسخ ولكنها أجنبية عما ذكرناه ودعوا أن العقد بعد الفسخ يكون مشكوكا في نفسه فلا يكون العقد محرزا حتى نتمسك بالاطلاق واضح الدفع بما ذكرناه ويدفع ما ذكرناه بملاحظة الوقف ونحوه من كون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء بقاء وعلى الاجمال أن العقد حدوثا يكون موضوعا لوجوب الوفاء بقاء و هو ليس بمشكوك اصلا حتى لا يفيد التمسك بالاطلاق ويلتجأ إلى الاستصحاب بل هو مقطوع بعد الفسخ وقبله نعم بعد تحقق الفسخ تكون الملكية مشكوكة ولكنها لا ترتبط لما نحن فيه وعلى هذا فكلما نشك في ارتفاع ذلك أي وجوب الجرى على طبق العقد السابق فيتمسك بالاطلاق فكلام المصنف سليم عن هذا الاشكال. نعم يرد على ما ذكره المصنف وجهان: الاول أن حرمة التصرف انما هي من الاحكام الشرعية المترتبة على الملكية فلا ربط لها بالعقد الذى هو عبارة عن الالتزام النفساني فلا دلالة في الآية بناء على ما ذكره المصنف على لزوم العقد. وتوضيح ذلك أن الالتزام على شئ قد يكون متعلقا بالامور الخارجية كالنذر والعهد بأن يتعهد بالالتزام النذرى أو العهدى على فعل شئ في الخارج أو على تركه فيه وقد يكون متعلقا بامر اعتباري نفساني أما الاول فيكون نقضه بالفعل الخارجي لكونه التزاما خارجيا بأن يترك ما التزم بفعله أو يفعل ما التزم بتركه وعلى هذا

[ 24 ]

فيكون التصرف الخارجي نقضا للالتزام والعقد فتدل حرمة التصرف على حرمة الفسخ كما ذكره المصنف. وأما الثاني فرفعه بنقضه في عالم الاعتبار وو رفع المعاقدة النفسانية فلا ربط له بالتصرف الخارجي حتى لو التزم بشى وتعاهد عليه في عالم الاعتبار وأوجد المعاقدة الاعتبارية في ذهنه ومع ذلك التزم وبنا على التصرف الخارجي وعدم ترتب الحكم عليه فلا يكون ذلك مخلا بالتزامه العقدى اصلا، مثلا لو باع داره من زيد وبنى أن يأخذها منه بعد الاقباض أو تزوج امرأة وبنى أن لا يعطى لها نفقتها فان بنائه هذا لا يضر بالالتزام العقدى بوجه وعليه فالآية الشريفة ناظرة إلى الوفاء بالمعاقدة الاعتبارية التى نقضها برفع تلك الاعتبار النفساني لا بالتصرف الخارجي فلا تدل الآية على حرمة التصرف اصلا حتى لو لم يكن دليل على حرمة التصرف في مال غيره لم يظهر ذلك من الآية ولجاز أن يبيع أحد أمواله ثم يتصرف فيها تصرفا خارجيا وهذا واضح جدا. وثانيا لو سلمنا كون التصرف نقضا للعقد فلماذا يحرم التصرف بعد ذلك التصرف الاولى فان لازمه جواز التصرف الثاني والوجه فيه هو الموجود في مقام البيع والنكاح والاجارة وغيرها من العقود هو الامر الوجداني المستمر فإذا انقطع ذلك في آن فيرتفع العقد بارتفاع الاستمرار وبعده لا يبقى موضوع لوجوب الوفاء اصلا. نعم لو كان هنا أمور متعددة والتزامات وعقود متكثرة حسب تعدد الانات والساعات والايام كان هنا أيضا وجوب متعدد منحل إلى الازمنة المتعددة فلا يكون عدم الوفاء بواحد موجبا لرفع الحكم

[ 25 ]

عن الآخر ولكنه بديهى البطلان فان ما نحن فيه نظير النذر أو العهد أو اليمين على القعود في مكان من أول الصبح إلى المغرب فإذا تخلف أنا واحدا ولم يجلس فيه فيرتفع وجوب النذر ولا يجب بعده - الجلوس في ذلك المكان ويترتب عليه حكم مخالفة النذر والعهد و اليمين. ذ وليس المقام من قبيل النذر على ايجاد أمور عديدة بحيث لا يستلزم الخلف في واحد الخلف في الآخر كأن ينذر أن يزور الحسين عليه السلام في كل ليلة الجمعة ولكن تخلف ولم يزر ليلة واحدة فانه لا يوجب الحنث في الليالى الاخر أيضا بل النذر في مثل هذا ينحل إلى نذور متعددة ويترتب على كل واحد منها حكمه. والتحقيق هو ما ذكرناه في بحث المعاطاة من أن الوفاء عبارة عن انتها الشئ واتمامه ومنه الدرهم الوافى أي التمام فالمراد من الامر بالوفاء عبارة عن الامر بالتمام العقد الذى عبارة عن المعاقدة والمعاهدة فتدل الآية على وجوب اتمام العقد وعدم جواز فسخه ولكن حيث أنه ليس الفسخ من المحرمات قطعا فان رفع الالتزام النفساني والاعتبار النفسي وعدم الوقوف على الالتزام الاولى ليس من المحرمات قطعا الا بعنوان التشريع والنسبة إلى الشارع فيكون الامر للارشاد إلى عدم تأثير الفسخ في رفع الالتزام نظير عدم صحة الصلوة عن الحائض وكون الامر بتركها ارشادا إلى ذلك فتدل الآية بالمطابقة على اللزوم. وبعبارة اخرى الظهور الاولى للامر هو الوجوب المولوي كما حقق في محله ولكن نرفع اليد عنه بالقرائن الخارجية ويحمل على

[ 26 ]

الارشاد وفى المقام أن الامر بالوفاء على العقد وأن كان ظاهرا في المولوية في نفسه ولكن بما أن الفسخ المتعلق به ليس من المحرمات بحيث يحرم لاحد المتعاملين ان يفسخ التزامه وينقضه ولا ينهيه إلى الآخر فيكشف من ذلك عدم كونه ظاهرا في الوجوب المولوي ويحمل على الارشاد فتكون الآية ابتداء دالة على اللزوم بالمطابقة وان العقد لا ينقض وينفسخ بالنقض والفسخ فلا نحتاج في استفادة اللزوم إلى الالتجاء بكون الحكم الوضعي منتزعا من الحكم التكليفى كما صنعه المصنف على أنه لا يمكن المساعدة عليه في نفسه كما حققناه في علم الاصول وقلنا أن الاحكام الوضعية بنفسها مجعولة للشارع. وقد اشكل على الاستدلال بآية أوفوا بالعقود على اللزوم بناء على ما ذكرناه من دلالتها على اللزوم بالمطابقة بان مبنى الاستدلال بهذه الآية على اللزوم هو أن الامر في الآية انما هو ارشاد إلى اللزوم لان رفع العقد وفسخه وهدم كل من المتبايعين التزامه بدون رضا الآخر ليس حراما في الشريعة غاية الامر أنه لا يؤثر في رفع العقد ولا يوجب نقضه ورفعه الا مع رضا الآخر ليكون اقالة فيكون الامر بهذه القرينة ارشادا إلى أن العقد لا ينحل ولا ينفسخ بالفسخ ولا ينقض بالنقض فتدل الآية بالمطابقة على اللزوم. واشكل عليه بأن الامر في المقام يدور بين رفع اليد عن ظهور الامر في المولوية وحمله على الارشاد كما ذكرتم وبين رفع اليد عن ظهور أوفوا بالعقود في جميع العقود حتى الالتزامات الخارجية من النذر والعهد وغيرهما والالتزامات النفسية كالعقود من البيع ونحوه فتخصيصها بالالتزامية الخارجية فقط حتى لا يقال أن الفسخ ليس

[ 27 ]

من المحرمات بل تختص الحكم بالوفاء في الآية بالنذر والعهد ونحو هما من الالتزامات الخارجية فلا مرجح لرفع اليد عن ظهور الامر في المولوية وحمله على الارشاد دون الثاني فتكون الآية مجملة فلا يمكن الاستدلال بها على اللزوم وفيه أن هذا الدوران ممنوع جدا فان معنى رفع اليد عن ظهور الامر وحمله على الارشاد ليس هو ذلك بل معناه انا نرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب التكليفى ونحمله على الارشاد وهذا لا ينافى المولوية فالامر على كل حال باق على مولويته سواء حملناه على الارشاد به ام لا ولكن بمقتضى القرينة المتقدمة نحمله على - الارشادي المولوي والوجه في ذلك هو أن هذا المعنى الارشادي غير ما ذكروه من حمل الامر على الارشاد مقابل المولوي فانه ارشاد إلى حكم العقل كما في اطيعو الله واطيعوا الرسول فانه في موارد حكم العقل لا مجال للمولوية فلابد من حمل الاوامر الواردة في تلك المقامات على الارشادية وكونها ارشادا إلى حكم العقل فقط وهذا بخلاف حمل الامر على الارشاد مقابل الوجوب والتكليف فانه مع كون الامر ارشاديا فهو باق على مولويته أيضا فان امضاء العقد وجعله لازما بحيث لم ينفسخ بالفسخ هذا ايضا حكم مولوى وثابت بجعل الشارع كما أن الامر بالوضوء عقيب الاحداث الناقضة للوضوء ارشاد إلى بطلان الوضوء بها والاوامر والنواهي المتعلقة بأجزاء الصلوة ارشادة إلى المانعية أو الجزئية ومع ذلك كلها احكام مولوية فان اجزاء الصلوة وموانعها كلها مجعولة للشارع فالامر بها مولوى محض غاية الامر ليس تكليفيا وعلى هذا فإذا حملنا الامر بالوفاء بالعقود على الارشاد فلا يكون رفعا لليد عن ظهور الامر في المولوية بل رفع اليد عن ظهوره

[ 28 ]

في الوجوب. وعلى هذا فتدل الآية على لزوم الوفاء بكل عقد حتى العقود والالتزامات الخارجية وليس دائرا بين رفع اليد عن ظهور الامر في المولوية أو عن ظهور العقود في الاعم من الالتزامات النفسية والالتزامات الخارجية بل أريد من الامر المولوية وهو عبارة عن اظهار ما في النفس من اعتبار الفعل على ذمة المكلف سواء كان على سبيل التكليف أو لا فهذا المعنى يختلف بحسب الموارد ففى مورد يكون امضاء محضا فقط كما في البيع ونحوه فانه امضاء لما عقده المتعاملان بعنوان المولوية وفى العهد والنذر على نحو التكليف وعلى هذا فمعنى أوفوا بالعقود أي أوفوا بجميع عهودكم وعقودكم والتزاماتكم النفسية والخارجية فيشمل ذلك عهد الله على العباد الذى عهد عليهم في عالم الذر بقوله جل وعلى ألم اعهد اليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين. وأيضا يشمل عهد العباد على الله تعالى كالنذر والعهد و اليمين ويشمل عهد العباد بعضهم بعضا كما في موارد العقود. وعلى الاجمال فالاية وافية الدلالة على اللزوم دلالة مطابقية كما عرفت. قوله ومن ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى احل الله البيع على اللزوم. اقول حاصل كلامه أن المراد من حلية البيع هو حلية جميع التصرفات التى تترتب على البيع ويجوز لكل من المتبايعين أن يتصرف فيما انتقل إليه جوازا تكليفيا مطلقا فهو يشمل ما بعد الفسخ أيضا

[ 29 ]

فيدل على عدم تأثير الفسخ في العقد وكون لغوا والا لكان التصرف بعد الفسخ تصرفا محرما لكونه في مال الغير فهذا المعنى يستلزم اللزوم فتدل الآية على أن الاصل في العقود هو اللزوم بالالتزام و قد حقق في محله أن الدلالات الالتزامية حجة في باب الالفاظ ومنه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم باطلاق حلية اكل المال بالتجارة عن تراض فانه يدل على أن التجارة سبب لحيلة التصرف بقول مطلق حتى بعد الفسخ فتدل هذه الآية أيضا على أصالة اللزوم بالالتزام فان لازم جواز التصرف حتى بعد فسخ أحد المتعاملين هو لزوم العقد وعدم انحلاله بالفسخ والا لكان التصرف بعد الفسخ حراما كما لا يخفى. وقد اشكل المصنف (ره) على الاستدلال بالآيتين على اصالة اللزوم وأوضحه شيخنا الاستاذ وحاصله أن التمسك بالاطلاق انما يفيد إذا كان الشك في قيود الموضوع وحالته وانحائه مثلا إذا قال المولى جئني بالماء فتمسك باطلاق كلامه بالنسبة إلى حالات الماء ونحكم بجواز اتيان أي ماء بحيث صدق عليه الماء كما يمكن أن يكون الحكم بالنسبة إلى حالات المضوع مقيدا أيضا فالمقصود أن الاطلاق و التقييد في الحكم انما هو بالنسبة إلى حالات الموضوع فقط. وأما بالنسبة إلى حالات الحكم أو رافعه فلا يمكن أن يكون الحكم مطلقا أو مقيدا كما أن الاحكام الثابتة على الاشياء بعناوينها الاولية لا اطلاق لها بالنسبة إلى العناوين الثانوية. والسر في ذلك أن المحكوم عليه ليس ناظرا إلى نفسه فضلا عن أن يكون مطلقا بالنسبة إلى حاكمه.

[ 30 ]

وفى المقام إذا كان الفسخ مؤثرا فانما هو يؤثر في رفع نفس الحلية وعليه فلا اطلاق في الحلية إلى رافعها فان الحكم ليس له اطلاق إلى حالات نفسه فضلا عن أن يكون له اطلاق إلى رافعه وح فلا يمكن التمسك بالآيتين لاثبات أصالة اللزوم وعدم تأثير الفسخ في رفعه نعم لا باس بجريان الاستصحاب في صورة الشك ثم وجه شيخنا الاستاذ جهة تخصيص المصنف هذا الاشكال بالآيتين وعدم جريانه في الآية السابقة عليهما أي آية أوفوا. وحاصله أن موضوع وجوب الوفاء كما ذكرناه هو المعنى المصدرى من العقد الذى يعبر عنه في لغة الفرس بلفظ (گره زدن) دون الاسم المصدرى أعنى العقدة الحاصلة من المعنى المصدرى الذى يعبر عنه في لغة الفارس بلفظ (گره) فإذا تحقق الفسخ فلا يكون مانعا عن التمسك بالاطلاق فنتمسك باطلاق أوفوا ونحكم بعدم تأثيره في رفع العقد فانه لا يكون ما هو موضوع وجوب الوفاء أعنى العقد بمعنى المصدرى مشكوكا بالفسخ كما تقدم وانما يكون المشكوك هو العقده أي العقد بمعنى الاسم المصدرى فيجوز التمسك بالاطلاق كما لا يخفى. اقول الظاهر أنه لا يتم الاستدلال بالآيتين على أصالة اللزوم وعلى تقدير تماميته لا يرد عليه الاشكال المذكور وعلى تقدير وروده فلا فارق بين الآيتين وبين آية أوفوا بالعقود. قلنا في المقام ثلاث دعاوى الدعوى الاولى أنه لا يتم الاستدلال بالايتين على أصالة اللزوم والوجه في ذلك هو أن المراد من الحلية اما الحلية الوضعية أو الحلية التكليفية أو الاعم منهما وعلى كل حال لا دلالة في الآيه على أصالة اللزوم بوجه.

[ 31 ]

أما إذا كان المراد من الحلية هي الوضعية فلان معنى ذلك ليس الا نفوذ البيع في مقابل استناد الحرمة وعدم النفوذ إلى الربا فلا تعرض فيها لارتفاعه أو عدم ارتفاعه بالفسخ أصلا كما أن قوله تعالى وحرم الربا لا يدل على أزيد من حرمة المعاملة الربوية فبقرينة المقابلة تكون الحلية واردة على اصل البيع من حيث الحدوث أي أن البيع جائز ونافذ في الشريعة المقدسة وليس مثل الربا كما زعمه اهل الجاهلية فلا دلالة فيها إلى حلية التصرفات المرتبة على البيع. وعلى الاجمال ليست الآية متعرضة لبقاء البيع وعدم بقائه بعد التحقق وأن الفسخ يؤثر فيه أم لا وانما هي ناظرة إلى أصل ثبوت البيع ونفوذه في الشريعة المقدسة. وأما إذا كان المراد من الحلية هي الحلية التكليفية فلان الآية أيضا ناظرة إلى استناد الجواز والاباحة إلى البيع وكونه غير محرم في الشريعة بقرينة مقابلة بحرمة الربا فان غرضه تعالى استناد الحرمة فقط إلى الربا وبيان كونه حراما في الشريعة كشرب الخمر بل بعاقب كاتبه وشاهده والبايع والمشترى فليست الآية ناظرة إلى جواز التصرف أصلا أي التصرفات المترتبة على البيع بل ناظرة إلى حلية نفس البيع كما أن قوله تعالى وحرم الربا ناظر إلى حرمة نفسي فانه من المحرمات الشرعية حتى يقتل منكر حرمته وتبان زوجته وتقسم أمواله وليس البيع الربوي مثل بيع الغررى أو بيع ما ليس عندك أو بيع ما لا يقدر على تسليمه وغير ذلك من البيوع الفاسدة فانها فاسدة فقط وليس بحرام تكليفا الا بالتشريع فلو باع احد بالبيع الفاسد لا يكون فاسقا بخلاف البيع الربوي ومقابل هذا أي البيع

[ 32 ]

الربوي الحرام تكليفا هو البيع الحلال الذى رخص فيه الشارع تكليفا وأما التصرفات المترتبة عليه فاجنبية عند فلا دلالة في آية حلية البيع على اللزوم. ومن هنا ظهر الحال لو أريد من الحلية الحلية الوضعية و التكليفية معا كما لا يبعد ان يكون هو المراد من الآية فان معنى الحل في اللغة هو الاطلاق ويعبر عنه في الفارسية بكلمة (گره زدن وباز نمودن) وهو اعم من الحلية الوضعية والتكليفية لانه لم يكن استعمال الحلية تارة في الوضعية وأخرى في التكليفية مرسوما في اللغة وزمان النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام وانما هو اصطلاح جديد في السنة الفقهاء رضوان الله عليهم فلا يلزم من استعمال كلمة الحل فيهما استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحده. وعلى الجملة فالحلية عبارة عن الاطلاق فهو يختلف بحسب المصداق لانه تارة تكون وضعية بمعنى نفوذ المعاملة وأخرى تكليفية بمعنى الجواز وعدم المنع عنه شرعا. وعلى كل حال فالآية ناظرة والى ثبوتها للبيع وكونه حلالا في الشريعة المقدسة وضعا وتكليفا وأما انه لا يرفع بالفسخ أو يرفع به فالآية اجنبية عن ذلك بالمرة فتحصل أن الاية لا تعرض فيها عن حلية التصرفات المترتبة على البيع فضلا عن استفادة اللزوم من ذلك بالالتزام. ومن هنا ظهر الحال في قوله تعالى الا أن تكون تجارة عن تراض بل الامر فيه أوضح فان المراد من قوله تعالى في المستثنى منه لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ليس هو الاكل بمعنى الازدراد لانه

[ 33 ]

انما أضيف إلى الاموال ومن الواضح أن المأكولات بالنسبة إلى غيرها كقطرة من البحر فبمناسبة الحكم والموضوع فلابد وأن يراد منه التملك بأخذ الاكل كناية عنه كما هو المستعمل في ذلك كثيرا حتى في العرف الحاضر وقد استعمل الاكل بمعنى التملك في الكتاب الكريم في غير هذا المورد أيضا كقوله تعالى وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم. وعلى هذا فمعنى الآية أن تملك أموال الناس بأى سبب من الاسباب حرام وغير جائز شرعا الا ان يكون التملك بسبب وهو التجارة عن تراض فانه جائز وحلال في الآية ناظرة إلى أصل جواز التملك وأما التصرفات المترتبة على التملك فخارجة عن حدود الآية بالكلية فضلا عن دلالتها على أصالة اللزوم. والحاصل أنه استدل المصنف بأية حل البيع على لزوم العقد بدعوى أنها تدل بالمطابقة على حلية مطلق التصرفات حتى التصرفات الواقعة بعد الفسخ ومن الواضح أنه لو كان الفسخ مؤثرا في حل العقد واعدامه لكانت التصرفات الواقعة بعد الفسخ محرمة فتدل الآية بالملازمة على لزوم البيع وعدم انفساخه بالفسخ وبهذا يظهر دلالة آية التجارة عن تراض اعني قطعة المستثنى فانها تدل بالمطابقة على حلية الاكل بالتجارة عن تراض مطلقا. وبعبارة اخرى أنها ظاهرة في أن التجارة عن تراض سبب لحلية التصرف بقول مطلق حتى بعد الفسخ من أحدهما من دون رضى الآخر. ثم اشكل على الايتين بان الفسخ رافع للحلية فلا يكون الحكم شاملا باطلاقه لرفع نفسه وأوضحه شيخنا الاستاذ بأن

[ 34 ]

الحكم انما له اطلاق بالنسبة إلى حالات الموضوع وقيوداته واما حالات نفس الحكم فضلا عن رافعه فلا اطلاق له بالنسبة إليها فانه لا يعقل أن يؤخذ الحكم مطلقا بالنسبة إلى حالة نفسه وروافعه ثم فرق بين هاتين الآيتين وبين آية أوفوا بدعوى أن موضوع الوفاء في آية أوفوا هو العقد بمعنى المصدرى فهو قطعي الوقوع فلا يكون مشكوكا بالفسخ وانما المشكوك بعد تحقق الفسخ هو العقد بمعنى الاسم المصدرى فتدل الآية على حلية التصرفات المترتبة على العقد بمعنى المصدرى مطلقا حتى بعد الفسخ كما هو مبنى استدلال المصنف فشك في رافعية الفسخ العقدة لئلا يجوز التصرفات بعد الفسخ فنتمسك باطلاق الآية ونحكم بعدم تأثير الفسخ بوجه فليس الفسخ رافعا لنفس الحلية حتى لا يمكن التمسك باطلاق فتدل الآية على اللزوم بالالتزام كما هو واضح وهذا بخلاف الآيتين كما عرفت الحال فيهما. ولكن قلنا أنه لا يمكن التمسك بالآيتين على اثبات اللزوم في العقود وعلى تقدير تمامية الاستدلال بهما على اللزوم فلا يرد عليه ما أورده المصنف ولو تم الاشكال فهو مشترك الورود للآيتين وآية أوفوا بالعقود كما ذكره السيد ولكن ببيان آخر ولنا في المقام ثلث دعاوى الاولى في عدم صحة الاستدلال بالآيتين على اصالة اللزوم فنقول ان المراد من الحلية اما وضعية أو تلكيفية أو الاعم منهما وعلى كل حال لا دلالة في الآيتين على المقصود أما إذا كان المراد منها الحلية الوضعية فلان معناه نفوذ البيع وصحته في الشريعة الاسلامية وقد تدل آية حل البيع على كونها مستندة إلى البيع فلا دلالة فيها على ازيد من استناد الحلية الوضعية إلى البيع وتدل على ذلك مقابلته

[ 35 ]

باستناد الحرمة إلى الربا فان معنى حرمة الربا بناء على اخذ الحرمة أيضا وضعية بقرينة المقابلة هو عدم نفوذ الربا وأنه فاسد في الشريعة من غير تعرض إلى حرمة التصرفات وعلى الاجمال فالآية ناظرة إلى استناد الحلية إلى البيع واستناد الحرمة إلى الربا فقط فلا دلالة فيها على حلية التصرفات المترتبة على العقد حتى بعد الفسخ ليستفاد منه اللزوم فان مقابلة حلية البيع مع حرمة الربا تقتضي استنادهما إليها فقط فان الغرض من قوله تعالى وحرم الربا هو ذلك فيكون هذا قرينة لان يراد من حلية البيع أيضا هذا المعنى. وأما إذا كان المراد من الحلية هي التكليفية فالآية ناظره ايضا إلى استناد الحلية التكليفية فقط إلى البيع بقرينة مقابلته مع حرمة الربا فانها ناظرة إلى استناد الحرمة التكليفية فقط إلى الربا واما جواز التصرفات المترتبة على العقد حتى بعد التصرف فلا يستفاد من الآية لخروجها عن مفادها بالكلية فيكون الغرض اثبات اباحة البيع في الشريعة المقدسة حتى البيع الفاسد لعدم كونه حراما كما ان حرمة الربا ناظرة إلى اثبات حرمته في الشريعة وهكذا الكلام إذا كان المراد من الحلية أعم من الوضعية والتكليفية كما هو الظاهر بحسب لحاظ المعنى اللغوى كما عرفت. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال باية التجارة عن تراض أيضا فانها جملة استثنيت عن حرمة أكل المال بالباطل ومن الواضح أن المراد من حرمة الاكل بالباطل انما هو حرمة التملك كما هو المستعمل بهذا المعنى في القرآن وفى محاورة اليوم فيقال ان فلانا أكل دار فلان مثلا.

[ 36 ]

فتكون الآية ناظرة إلى عدم جواز تملك مال الغير بعير التجارة عن تراض أو عدم نفوذه وأما حرمة التصرفات أو جوازها المترتبة على الاكل بالباطل أو التجارة عن تراض فخارجة عن الآية. وبعبارة اخرى أن الآيتين ناظرتان إلى حكم البيع والتملك من حيث الوضع أو التكليف حدوثا فقط لابقاء حتى يتمسك بالاطلاق حتى لو لم يكن عندنا ما دل على حرمة التصرف في مال الغير لقلنا بحرمة التملك بهذه الآية وبجواز التصرف بالاصل وكان لاحد أن يبيع حاله ثم لا يسلمه بل يتصرف فيه كيف يشاء فان الآية لا تدل على ذلك كما ذكره السيد (ره) أيضا فراجع. وأما الاشكال الذى ذكره المصنف وقربه أوضحه شيخنا الاستاذ فلا يرد عليها بوجه وذلك فلانه وان لم يكن للحكم اطلاق بالنسبة إلى حالات نفسه ورافعه فانه حكم مسلم وقاعدة مبرمة فان ملاحظة الاطلاق فرع ورود الحكم على الشئ فلا يعقل أن يلحظ الاطلاق أو التقييد الا بالنسبة إلى موضوع الحكم أو متعلقه كما هو واضح. ولكن المقام ليس كك فان رافع الحلية ليس من حالات الحكم وتوضيح ذلك أنا ذكرنا في محله مرارا أن الاطلاق ليس الا ما يمكن للمتكلم أن يصرح به كما أنه التقييد كك مثلا إذا قال المولى اعتق رقبة فمعناه اعتق رقبة سواء كانت مؤمنة أم غير مؤمنة كما أن معنى اعتق رقبة مؤمنة معناه اعتق رقبة ان كانت مؤمنة فما للمولى أن يصرح به من الاطلاق والتقييد يطويه في كلامه على سبيل الاطلاق أو التقييد ففى المقام له أن يأخذ الحلية مطلقة بالنسبة إلى رافعها ويقول أحل الله البيع سواء فسخ أحد المتبايعين أم لا وله أن يصرح بالتقييد

[ 37 ]

ويقول أحل الله البيع ان لم يفسخ احدهما ولكن لم يصرح بالاطلاق وانما سكت عنه ولكن اكتفى منه بعدم التقييد فبمقدمات الحكمة نستفيد الاطلاق ونحكم بحلية البيع والتصرفات المترتبة عليه حتى بعد الفسخ. والسر في ذلك أن للجاعل أن يأخذ حكمه مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى رفع شخص آخر لذلك الحكم فيقول امضيت البيع أن لم يرفعه فلان أو امضيته سواء رفعه فلان أم لا أو يقول اكرم العلماء ان رضى فلان أو يقول اكرمهم سواء رضى فلان أم لا فرفع شخص آخر الحكم ليس من قبيل حالات الحكم حتى لا يمكن تكفل الحكم باطلاقه شموله لما بعد تحقق الرفع كما هو واضح. وعلى تقدير ورود الاشكال على الآيتين فلا تختص الاشكال بهما بل يجرى في آية أوفوا بالعقود أيضا فانه بناء على مسلك المصنف انها تدل على حلية التصرفات المترتبة على العقد على وجه الاطلاق حتى بعد التصرف ومن الواضح أن الفسخ رافع لها فكيف يوخذ الحكم مطلقا بالنسبة إلى رافعه فالمقصود أن ميزان الاستدلال بالايات الثلثة واحدة عند المصنف فما ذكره من الاشكال أيضا مشترك الورود بالنسبة إليها. وقد عرفت دلالة آية الوفاء على اللزوم بالمطابقة وعرفت ايضا عدم دلالة آية أحل الله البيع عليه وقلنا أن الآية ناظرة إلى استناد الحلية إلى البيع وانها مستندة إليه في الشريعة سواء كانت وضعية أو تكليفية أو كليهما بقرينة قوله تعالى وحرم الربا فانه ناظر إلى استناد الحرمة إلى الربا وأما حلية التصرفات فضلا عن كونها مطلقة

[ 38 ]

حتى بعد الفسخ فليست الآية متعرضة لها بوجه كما لا يخفى. وكذلك قوله تعالى تجارة عن تراض فانه ناظر إلى جواز التملك بالتجارة عن تراض لكونه استثناء عن حرمة أكل المال بالباطل وهو التملك بالباطل فليس فيه أيضا التعرض بحلية التصرف بوجه وان كان التملك يترتب عليه جواز التصرفات ولكنه بدليل آخر وليس مستفادا من الآية كما لا يخفى فافهم. نعم قد الاستدلال بالآيتين بوجه آخر وحاصله أن معنى الخيار في البيع ونحوه هو كون التمليك مقيدا بجهة خاصة لا من حيث الامد والمدة بأن يكون إلى زمان خاص بل من حيث خاص وهو أن ذى الخيار مالك لارجاع العين بحل العقد وفسخه فإذا باع شيئا مع الخيار فمعناه انه مالك لارجاعه إلى ملكه ثانيا وهذا بخلاف ما لم يكن له الخيار فانه يملك ماله من المشترى على نحو الاطلاق وغير مقيد بجهة خاصة وهذا القيد الذى نسميه خيارا لا يجعل الملك مقيدا كما عرفت بأن يكون التمليك إلى وقت ولا أنه يقوم بالملكية فانه باق على حاله مع التلف أيضا فلو كان قائما بالملكية لما بقى بعد تلف العين مع انه غير باق كما قلنا فان لذى الخيار ايضا اعمال خياره بعد تلف العين ويترتب عليه حكمه بل متعلقه هو العقد فقط ليس الا. ولا ينافى هذا الخيار بالملكية الابدية أصلا فان شأنه شأن رافع العقود والايقاعات فكما أن الطلاق رافع للنكاح والاقالة رافع للعقد فكك الخيار فمالكية ذى الخيار على رفع العقد وارجاع المبيع على ملكه ليس تناقضا بوجه وليس معنى بعت مع الخيار أن الملكية

[ 39 ]

باقية بعد اعمال الخيار فلو كان معنى جعل الخيار والقدرة والمالكية على ارجاع المال إلى الحالة الاولية هو أن الملكية باقية بعد اعمال الخيار أيضا لكان هذا تناقضا فتحصل ان مرجع جعل الخيار هو ابقاء المالكية على ذى الخيار فيما انتقل عنه في جهة خاصة وهى ارجاع العين إلى ملكه ثانيا وثبوت القدرة له على رفع العقد وهدمه كما أن الطلاق أو الاقالة يرفع العقد. وعلى هذا فقوله تعالى أحل الله البيع هو جعل البيع ثابتا في محله فان معنى أحل هو اقرار الشئ في محله أحله أي أمره في محله وكونه ممضا في نظر الشارع وأن المتبايعين في حل في ذلك ومرخصون في فعله وايجاده وليس لهم منع عن ذلك وليس البيع ممنوعا عنه في نظره وخارجا عن مقره في نظر الشارع بل واقع في محله ومقره فان الشارع احله وأقره في مقره. ولا شبهة أن هذا الكلام من الشارع المقدس امضاء لما انشأه المتبايعين ومن الواضح أن المنشأ في البيوع المطلقة أي فيما باع المالك ماله مطلقا ويبقى لنفسه جهة خاصة هو مطلق التمليك الغير المقيد بشئ خاص وهو ابقاء المالكية لنفسه في جهة خاصة فامضاء هذا يكون امضاء مطلقا فلو كان الامضاء مقيدا لحصل التناقض ح فقوله تعالى أحل الله البيع هو اقراره في مقره ومحله والموضوع في مقره هو هذا العقد المطلق بحيث ليس للمالك السابق فيه مالكية على جهة خاصة كما لا يخفى وهكذا تجارة عن تراض فتدل الآيتين على اللزوم بهذا البيان. قوله ومنها قوله تعالى ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل اقول

[ 40 ]

حاصل كلامه أن الآية دلت على حرمة الاكل والتملك بكل وجه باطل عرفا الا موارد ترخيص الشارع فانه ليس باطلا عرفا ومن الواضح جدا أن اخذ مال الغير وتملكه بالفسخ من دون اذن صاحبه باطل عرفا وفيه منع الكبرى فانه من أين علم أن المراد من الباطل هو الباطل العرفي ومن أخبر بذلك بل الباطل هو مقابل الحق فما سوى الله باطل في مقابل الحق جل وعلا ومن هنا قيل أن أصدق شعر صدر في الجاهلية هو قول الشاعر (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) والبيع حق ومقابله الربا باطل وهكذا فالمقصود أن الالفاظ موضوعة للمعانى الواقعية والمفاهيم العامة فلا وجه لتخصيصه بجهة خاصة بل ينطبق ذلك الكلى على المصاديق وكذلك الباطل فانه موضوع لمقابل الحق وهذا يختلف باختلاف الموارد فلا وجه لتخصيصه بالباطل العرفي وعليه فالتمسك به لكون الفسخ من الباطل من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وأيضا نمنع الصغرى فانه من أين علم أن الفسخ باطل عرفى بل نشك في ذلك فلا يمكن التمسك بالمطلق في الفرد المشكوك واثبات كونه فردا للمطلق. نعم يمكن التمسك بالآية لاثبات اللزوم بمجموع المستثنى و المستثنى منه فان الآية الشريفة في مقام حصر التملك الشرعي بالتجارة عن تراض ومن الواضح جدا أن التملك بالفسخ مع عدم رض الآخر ليس منها فتدل على اللزوم. استدل المصنف (ره) أيضا بهذه الآية على اللزوم بدعوى أن المراد من الباطل هو الباطل العرفي وأن الفسخ من ذلك. اقول أن المراد من الباطل ما هو مقابل الحق فان الالفاظ

[ 41 ]

موضوعة للمفاهيم العامة فينطبق ذلك على موارده فلا وجه لتخصيص الموضوع له بالباطل العرفي ومن هنا اطلق الباطل على مقابل الحق في تعداد جنود العقل والجهل في رواية الكافي، وعليه فالتمسك بالآية من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لانا نشك في أن الفسخ مصداق للباطل أم لا. ولو سلمنا أن المراد من الباطل الباطل العرفي ولكن يصح الاستدلال بالآية إذا كان خروج الموارد التى رخص الشارع في التصرف فيها كالشفعة وحق المارة ونحوهما بالتخصيص فانه ح يمكن أن يقال أن الفسخ ليس من الموارد التى خرجت عن الآية بالتخصيص فيكون التملك به أكلا للمال بالباطل لكونه باقيا تحت الآية. وان قلنا ان خروجها بالتخصص كما ذكره المصنف فحينئذ لا ندرى أن الفسخ من افراد الخارج أو من افراد الباقي فيكون التمسك بالآية من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية فهو لا يجوز، نعم يجوز التمسك بالاستصحاب ولكنه خروج عن الفرض نعم يجوز التمسك بمجموع المستثنى والمستثنى منه لاثبات اللزوم كما تقدم. قوله (ره) ومما ذكر يظهر وجه الاستدلال بقوله عليه السلام لا - يحل مال أمرء الخ. اقول: ان كان المراد من الحلية هي الحلية التكليفية فلا تدل الرواية على اللزوم لان التقدير أنه لا يحل التصرفات في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه ونشك في أن التصرف بعد الفسخ من التصرف في مال المرء مسلم بدون اذنه أم لا لانا نحتمل أن يكون ذلك تصرفا في مال نفسه فيكون حلالا فلا يمكن التمسك باطلاق الرواية في اثبات

[ 42 ]

أن هذا الفرد المشكوك مصداق للتصرف المحرم. وان كان المراد من الحلية هي الوضعية فيكون المعنى أنه لا ينفذ التصرف في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فتدل الرواية على اللزوم بدعوى أن نفوذ التصرف في مال الغير منحصر بكونه عن طيب نفسه ومن الواضح أن التصرفات الواقعة بعد الفسخ ليس عن طيب نفس من المالك فلا تكون نافذة. وأما الجامع من الحلية التكليفية والحلية الوضعية وان ذكرنا امكان ارادة الجامع في قوله تعالى أحل الله البيع بل قلنا أنه الظاهر فان الحل بمعنى الترخيص وفى لغة الفارس (باز كردن و رها كردن) ومن الواضح أنه أعم من الوضع والتكليف ولم يكن التفكيك بينهما مرسوما في السابق بل جرى عليه الاصطلاح بين الفقهاء كما ذكرناه في أوفوا بالعقود. ولكن لا يمكن ارادة الجامع في الرواية فانه لو اريد من الحلية التكليفية فمعنى الرواية كما عرفت أن التصرفات الواقعة على مال امرء مسلم حرام بدون اذنه فهذا يتوقف على أن يكون التصرف التصرف في حال كون المال لامرء مسلم والا فلا وجه للحرمة لان كون المال لشخص آخر في زمان سابق لا يدل على حرمة التصرف في زمان متأخر ولو مع كونه ملكا لشخص آخر أي منتقلا إليه. وبعبارة اخرى لو أريد من الحلية التكليفية فظهور الرواية أن التصرف حين كون المال لامرء مسلم حرام بدون اذنه وأما التصرف في ماله كان لامرء مسلم سابقا فلا دلالة في الرواية على حرمته فح لا دلالة فيها على حرمة التصرف بعد الفسخ لاحتمال كونه تصرفا في مال نفسه

[ 43 ]

لا في مال امرء مسلم نعم كان مالا لامرء مسلم قبل الفسخ والتمسك بالاستصحاب خروج عن الفرض فان كلامنا في التمسك بالدليل الفقاهى وأما إذا أريد من الحلية الوضعية فمعناه كما عرفت أنه لا ينفذ التصرف في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فارادة هذا المعنى لا يتوقف ارادته على احراز كون المال لامرء مسلم ولذا يشمل بعد الفسخ ايضا فهذا ان المعينان لا يجتمعان في الرواية أي لا يمكن ارادتهما من الرواية معا. وبعبارة اخرى أن ارادة الحلية التكليفية في الرواية متوقفة على احراز كون المال للغير لكى يحرم التصرف فيه وهذا لا يشمل بعد الفسخ لاحتمال خروج المال عن كونه مال امرء مسلم بالفسخ و ارادة الحلية الوضعية لا تتوقف عليه بل هي نعم بعد الفسخ ايضا كما عرفت ومن الواضح أن شموله بعد الفسخ يعدم موضوع حلية التكليفية فكيف يمكن ارادتها كما لا يخفى. قوله ومنها قوله الناس مسلطون على اموالهم اقول ذكر المصنف أن مقتض السلطنة التى امضاها الشارع أن لا يجوز أخذه من يده و تملكه عليه من دون رضاه ومن هنا استدل المحقق في الشرايع و العلامة في بعض كتبه على عدم جواز رجوع المقرض فيما اقرضه بأن فائدة الملك التسلط. وبالجملة رجوع الفاسخ إلى ما انتقل عنه إلى غيره بالعقد تملك لمال غيره ومناف لسلطنته فتدل الرواية على اللزوم. وفيه أولا أنها ضعيفة السند كما تقدم وثانيا أنها ناظرة إلى ثبوت السلطنة للمالك في جميع تصرفاته في ماله من الاكل والبيع

[ 44 ]

والبذل وغيرها وأنه ليس لاحد أن يمنع من هذه التصرفات وهذا لا ينافى ثبوت جواز التصرف لغيره ايضا بالفسخ كما وقع نظيره في الشريعة المقدسة فان لكل من الاب والجد سلطنة على التصرف في مال الصغير سلطنة مطلقة وليس لكل منهما أن يمنع الآخر من التصرفات وكك في المقام فلا دلالة في النبوى على اللزوم بوجه كما هو واضح على أن الرواية ناظرة إلى اثبات السلطنة لكل أحد على ماله كما هو مقتض اضافة المال إلى الملاك فتفيد الرواية ثبوت السلطنة لكل أحد على ماله وهذا لا يعارض ما يرفع موضوع تلك السلطنة أي ما يكون رافعا لها كالفسخ وبعبارة اخرى أن دليل السلطنة يثبتها في فرض تحقق المالية وكون الشئ مالا للشخص وهذا لا ينافى بما يكون رافعا لموضوعها فان الحكم لا يثبت موضوعا لنفسه نعم لو كان النظر في الحديث إلى مفهوم اللقب بان يكون المفهوم من قوله الناس مسلطون على اموالهم يعنى غير المالك ليس مسلطا على أموال غيره لصح به الاستدلال ولكن مفهوم اللقب ليس بحجة كما حقق في محله. ومنها قوله عليه السلام لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه وفيه أولا أن كان المراد من الحلية هي التكليفية فلا تشمل الرواية التصرفات بعد الفسخ للشك في أنها محرمة أم لا لاحتمال كون الفسخ مملكا فلا يجوز التمسك به في الفرد المشكوك وان كان المراد بها الحلية الوضعية كما هو الظاهر من كلام المصنف حيث جعل سبيل الرواية سبيل الآية ومن الواضح أنه اراد من الآية الحلية الوضعية حيث اخذ الاكل بمعنى التملك لجاز التمسك بها لاثبات اللزوم فانها تفيد حصر نفوذ التصرف بما إذا كان بطيب النفس من المالك ومن الواضح

[ 45 ]

أن الفسخ ليس منه وأما الجامع فلا يمكن ارادته كما تقدم وبالجملة لو أريد من الحلية الحلية التكليفية لا يمكن الاستدلال بالآية على اللزوم. وثانيا: أن المراد من عدم حل مال امرء مسلم الا باذنه و بطيب نفسه هو عدم حلية التصرفات المتعلقة به وجميع التقلبات الخارجية فان الحل أو الحرمة إذا تعلقا بالعين الخارجية فحيث لا معنى لحرمتها وحليتها فلابد وان يقدر في أمثال ذلك ما يناسب الحلية أو الحرمة والمناسب لهما بمناسبة الحكم والموضوع أما جميع الآثار أو الآثار المناسبة فالمناسب للحرمة المتعلقة على الخمر وعلى المسكر هو تقدير الشرب فلا يتوهم أحد من قوله عليه السلام ما اسكر كثيره فقليله حرام أو غيره من الادلة الدالة على حرمة الخمر هو البيع حتى لو لم يكن هنا دليل على حرمة بيع الخمر لما أمكن استفادتها منها، والمناسب لحرمة الامهات في قوله تعالى تقدير التزويج فانه لا يحتمل أن نظره أو خدمته أو شئ آخر يتعلق بها حرام وعلى هذا فلا بد هنا أيضا من تقدير ما يصح تعلق عدم الحل به والمناسب للمقام هو تقدير جميع التصرفات الخارجية والتقلبات في الخارج وح فمعنى الآية لا يحل جميع التصرفات والتقلبات الخارجية في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه وعليه فلا تشمل التصرفات الاعتبارية كاعتبار ملكية مال الغير لنفسه وهكذا بالفسخ ونحوه فلا تدل الرواية على عدم تأثير الفسخ في حل العقد كما هو واضح. وتوهم أن الرواية شاملة على التصرفات بعد الفسخ وتدل على حرمتها أيضا باطلاقها فتفيد اللزوم بالدلالة الالتزامية توهم فاسد لما عرفت من عدم شمولها التصرفات بعد الفسخ لاحتمال كون

[ 46 ]

الفسخ مملكا كما تقدم فيكون التمسك بها في التصرفات بعد الفسخ من قبيل التصرف بالمطلق في الفرد المشكوك والحال ان كان نظر المصنف في الاستدلال بالرواية بانه لا يحل تملك مال الغير الا باذنه بان يقدر التملك فقط بعد الحل أي لا يحل تملك مال غيره بالبيع ونحوه الا باذنه فالرواية وان كانت تدل على اللزوم ولكنه خلاف الظاهر من الرواية فلا يمكن ان يراد من الحلية الحلية الوضعية لمكان خلاف الظهور وان كان النظر بتقدير جميع التصرفات كما هو الظاهر والمناسب بان يراد من الحلية الحلية التكليفية أي يحرم جميع التصرفات في مال غيره الا باذنه. قوله ومنها قوله المؤمنون عند شروطهم أقول قد استدل به على اللزوم غير واحد من المحققين بدعوى أن المراد من الشرط مطلق الالتزام فيشمل الشروط الابتدائية أيضا كالبيع ونحوه. وفيه أن الاستدلال به على اللزوم ممنوع صغرى وكبرى أما الوجه في منع الصغرى فلانا لو سلمنا اطلاق الشرط على الشروط الابتدائية في كلمات البلغاء والفصحاء كما اطلق في قوله عليه السلام ما الشرط في الحيوان قال (ع) ثلثة ايام مع أنه يمكن ارجاعه إلى الشرط في ضمن الالتزام الآخر بان يقال أن امضاء البيع مشروط بكون صاحب الحيوان ذى الخيار إلى ثلثة أيام ولكن اطلاق الشرط على البيع ونحوه من الالتزامات يعد في العرف من الاغلاط فانه لا يقال لمن باع داره أنه شرط داره وكك لا يقال لمن باع ماله أنه شرط ماله وهكذا بل لو اطلقه أحد على امثال ذلك فيضحك منه وان كان الاطلاق صحيحا في الواقع وعليه فالرواية منصرفة عن البيع ونحوه

[ 47 ]

من الالتزامات الابتدائية وقد ناقش المصنف أيضا في صدق الصغرى وأما الوجه في منع الكبرى فلانا لو سلمنا أن الشرط يطلق على الالتزامات الابتدائية أيضا ولكن نمنع وجوب الوفاء بكل شرط فان الرواية لا دلالة فيها على ذلك لان الظاهر من قوله عليه السلام المؤمنون عند شروطهم هو الدلالة على الحكم التكليفى بدعوى أنه وان كان في مقام الانشاء وجعل الحكم ولكن النكتة في اتيان الجملة الخبرية لبيان ذلك هي بيان أن مقتضى الايمان هو كون المؤمن عند شرطه وعدم تخلفه عنه نظير قوله (ع) المؤمن عند عدته أي أن مقتضى الايمان هو أن يفى المؤمن بوعده كما أن مقتضى الايمان أن لا يكذب وقد ورد في باب الكذب أن المؤمن قد يزنى و قد يسرق ولكنه لا يكذب وانما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بالله وعلى الاجمال فالرواية الشريفة اخبار عن كون المؤمن عند شرطه و انه لا يتخلف منه وعن وعده لان ايمانه مانع عن التخلف وعليه فتكون راجعة إلى الحكم التكليفى أي يجب لكل مؤمن أن يفى بشرطه و يحرم التخلف عنه فتكون غريبة عن الدلالة على اللزوم كما هو واضح. وتوهم أن الحال كك في أوفوا بالعقود أيضا لانه خطاب إلى المؤمنين بقوله عز من قائل يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود فيكون دالا على الحكم التكليفى توهم فاسد فانه انشاء من الاول فليس انشاء بالجملة الخبرية لتكون النكتة هي الاشارة إلى علة الحكم نعم مقتض الخطاب إلى المؤمن يقتضى خروج غير المؤمن عن الآية كما هو كك في بقية الخطابات ولكن مقتض الاشتراك في التكليف يقتضى التعميم فلا وجه للاختصاص هنا وفى بقية الخطابات كما لا يخفى.

[ 48 ]

ومنها الاخبار المستفيضة في أن البيعان بالخيار ما لم يفترقا وأنه إذا افترقا وجب البيع أقول استدل بها المصنف على اللزوم في البيع وقد اشكل عليه المحقق الخراساني وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه بان المستفيضة ناظرة إلى لزوم البيع في نفسه وليست ناظرة إلى لزومه من جميع الجهات كالغبن والعيب فلا تفيد اللزوم ومن هنا أن أدلة سائر الخيارات لا تكون مخصصة لها. وقد أجاب شيخنا الاستاذ عن ذلك ونعم ما أجاب وحاصله بتوضيح منا أن الروايات المذكورة انما تدل باطلاقها على اللزوم بلا شبهة وان البيعان انما لهما الخيار في المجلس فقط وإذا افترقا وجب البيع بل نفس تعرض الامام عليه السلام لثبوت خيار الحيوان مع تعرضه لثبوت خيار المجلس كالصريح في دلالة المستفيضة على اللزوم فانه (ع) بعدما بين حكم خيار الحيوان قال في جواب السائل عن الشرط في غير الحيوان بان البيعان بالخيار ما لم يفترقا وأنه إذا افترقا وجب البيع وأنها لا خيار لهما بعد الرضا فهو كالصريح في دلالة المستفيضة باطلاقها على اللزوم في خصوص البيع. وعلى هذا فتكون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها ومن الغرائب ما افاده المحقق الخراساني من عدم كون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها. فتحصل من جميع ما تلوناه عليك أن الاصل في جميع العقود معاوضة كانت أم لا وسواء كانت الملكية حاصلة من الاول أم لا أما إذا كانت الملكية حاصلة من حين العقد وكان فيه تمليك وتملك من الاول بان حصل شئ لاحد المتعاملين من الاول أم غير معاوضية

[ 49 ]

مثل الهبة ونحوها هو اللزوم فتدل على لزومها آية حرمة أكل المال بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض فانه لو ملك أحد ما له لغيره ولو بعنوان الهبة المجانية بحيث حصل التمليك والتملك فلا يجوز الرجوع إليه فانه تملك لمال لغير بدون التجارة عن تراض فهو حرام فلو لم يثبت من الخارج ما يدل على جواز الرجوع في الهبة المجانية لقلنا بعدم جواز الرجوع فيها أيضا بمقتضى الآية وكك يدل على اللزوم هنا آية أوفوا بالعقود كما هو واضح. وأما العقود التى لم تحصل الملكية فيها من الاول كعقد السبق والرماية والمضاربة والمساقات فانه لم يحصل النقل والانتقال فيها من الاول ولا يحصل لاحد المتعاملين فيها من الاول مال فلا تدل آية التجارة فيها على اللزوم من الاول لعدم حصول المعاوضة والنقل والانتقال والتمليك والتملك من الاول حتى يكون ارجاعه تملكا لمال الغير بدون الرضا ولا يكون تجارة عن تراض وانما يحصل النقل والانتقال بعد تحقق الشرائط كما هو واضح نعم يدل على اللزوم هنا أيضا آية أوفوا بالعقود لتحقق العقد كما هو واضح. قوله وقد عرفت أن ذلك مقتض الاستصحاب أيضا اقول قد عرفت أن الاستصحاب لا تجرى في المقام لكونه من الشبهات الحكميه وقد منعنا جريانه فيها في علم الاصول. قوله وربما يقال ان مقتض الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين أقول حاصل كلامه أن الظاهر من كلمات بعضهم أنا نشك في ان المالك هل انقطع علاقته من ملكه أم لا فنستصحب بقاء علاقته فيكون هذا الاستصحاب حاكما على استصحاب اللزوم ورد بانه ان

[ 50 ]

أريد من تلك العلاقة علاقة الملكية أو ما يتفرع على الملكية فهى انقطعت جزما وان أريد منها سلطنة أعادة العين فما دام لم ينتقل المال من ملكه إلى غيره فتلك السلطنة مقطوعة العدم فانه لا معنى لسلطنة الانسان على اعادة ماله إلى ملكه وانما تحصل تلك السلطنة بعد خروجه عن ملكه ومن الواضح جدا أنها مشكوكة بعد ذلك فالاصل عدمه. قوله وان أريد بها العلاقة التى كانت في مجلس البيع فانها تستصحب عند الشك اقول غرضه ان اريد بها العلاقة التى كانت تحدث في مجلس البيع فانها تستصحب عند الشك فيصير الاصل في البيع بقاء الخيار كما يقول الاصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرف في مقابل من جعلها لازمة بالتصرف. ثم أجاب عنه أولا بأن الدليل أخص من المدعى فانه انما يتم في موارد ثبوت خيار المجلس وكلامنا أعم من ذلك وثانيا يرجع إلى عموم أوفوا بالعقود في ظرف الشك لا إلى الاستصحاب. وثالثا أن الاخبار قد تواتر بانقطاع السلطنة والخيار بعد الافتراق فلا مجال مع ذلك للرجوع إلى الاستصحاب ثم أمر بالتأمل. اقول قد عرفت الكلام في دلالة الاخبار المستفيضة البيعان بالخيار ما لم يفترقا على اللزوم بناء على تمامية اطلاقها كما هو كك كما اختاره المصنف وعليه فلا وجه للتمسك بها لبيان ارتفاع خيار المجلس فانه مع تمامية دلالتها على اللزوم كما لا مجال للتمسك باستصحاب الخيار وكك لا وجه للتمسك باستصحاب اللزوم فانه مع وجود الاصل اللفظى لا تصل النوبة إلى الاصل العملي الا أن يكون غرضه من

[ 51 ]

التمسك بالخبار مع الاغماض عن دلالتها على اللزوم من جميع الجهات كما عليه صاحب الكفاية فانه حينئذ يتم نفى خيار المجلس بها وثبوت اللزوم في البيع من جهة خيار المجلس ويبقى العقد مشكوكا من الجهات الاخر فح نتمسك في اثبات اللزوم للعقد من سائر الجهات باستصحاب اللزوم كما لا يخفى. ومن هنا ظهرت المناقشة في تمسكه بآية أوفوا بالعقود فانه مع وجود العموم لا مجال للاستصحاب لا استصحاب اللزوم ولا استصحاب الخيار، ولعله إلى ما ذكرناه أشار المصنف بالامر بالتأمل. قوله ثم انه يظهر من المختلف في مسألة ان المسابقة لازمة أو جائزة اقول ذكر المصنف أن العلامه ذكر في المختلف أن المسابقة لازمة أو جائزة بأن الاصل عدم اللزوم ولم يرده من تأخر عنه الا بعموم قوله تعالى أوفوا بالعقود ولم يكن وجه صحيح لتقرير هذا الاصل نعم هو حسن في خصوص المسابقة وشبهة مما لا يتضمن تمليكا أو تسليطا ليكون الاصل بقاء ذلك الاثر وعدم زواله بدون رضا الطرفين ومحصل مراده أن استصحاب الملكية انما تجرى فيما إذا كانت الملكية فعلية أي ثابتة حين العقد أي تثبت الملكية فيما ينشأ العقد وح كلما شككنا في جواز العقد ولزومه نستصحب الملكية ونحكم باللزوم بواسطة الاستصحاب الحكمى فلا مجال ح لدعوى أن الاصل عدم اللزوم بل لابد وأن يقال أن الاصل هو اللزوم لمكان استصحاب الملكية. نعم لا بأس بهذا الاصل في مثل عقد المسابقة حيث لم تثبت فيها الملكية الفعلية وانما الملكية فيها تقديرية أي تحصل الملكية لاحد

[ 52 ]

المسابقتين على تقدير سبقه في المسابقة فحينئذ يقال أن الاصل عدم اللزوم هنا وذلك لعدم حصول الملكية الفعلية حتى نستصحبه في مورد الشك في أن العقد جائز أو لازم ونحكم باللزوم بل نتمسك بأصالة عدم اللزوم ونحكم بكون العقد جائزا هذا كله مع قطع النظر عن أوفوا بالعقود والا فمقتضاه هو اللزوم. اقول كأن المصنف لم يبن المسألة على ما حررة في الاصول من جريان الاستصحاب التعليقي مع أن المقام ليس منه بل من قبيل الاستصحاب التنجيزي وذلك لان ما نحن فيه يشبه القضية الحقيقية فان الحكم فيها ثبت على الموضوعات المقدرة فعلا ولكن يتنجز الحكم فيها بفعلية الموضوع أي كلما وجد الموضوع ثبت عليه الحكم بحيث أن الحكم فيها فعلى ولكن الموضوع تقديري وكك في المقام أن الالتزام فعلى والملتزم به تقديري فان المتعاملين التزما فعلا على أن كل من سبق فله كذا وليس الحكم هنا تعليقا كما في العصير العنبى فان الحكم بالنجاسة أو الحرمة فيه تعليقي أي إذا غلى ينجسى لا مطلقا فلو كان ينعكس المطلب لكان أحسن بأن يقول بجريان الاستصحاب هنا ولم يقل بجريانه في التعليقيات فان الحكم هنا كما عرفت فعلى والملتزم به تقديري. نعم لا نقول بجريان الاستصحاب هنا من جهة عدم جريانه في الشبهات الحكمية لكونه دائما معارضا بأصالة عدم الجعل أو باستصحاب المجعول ولكن مع قطع النظر عن هذا الاشكل فلا محذور فيه كما لا يخفى. فتحصل أن استصحاب الملكية جارية في عقد المسابقة أيضا

[ 53 ]

كالبيع فيكون الاصل فيه أيضا هو اللزوم كما أن الامر كك في البيع فلا وجه للمصنف لاستثنائه خصوصا على مسلكه نعم على مسلكنا من منع الاستصحاب في الشبهات الحكمية فهو لا يجرى فافهم. قوله ثم ان ما ذكرنا من العمومات المثبتة لاصالة اللزوم انما هو في الشك في حكم الشارع باللزوم أقول حاصل كلامه أن ما تقدم من التمسك بالعمومات انما هو في الشبهات الحكمية وأما الشبهات الموضوعية بأن يقع العقد في الخارج ولا ندرى أنه من القسم اللازم أو من القسم الجائز فانه قلنا بجواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية فايضا لا بأس بالتمسك بالعمومات في الفرد المردد والا فلابد من الرجوع إلى الاصل العملي وهو استصحاب الاثر أي الملكية و يسمى باستصحاب الحكمى. أقول تارة يكون في موارد الشبهات الموضوعية أصل موضوعي يقتض الجواز فلا كلام لنا فيه كما إذا وقعت هبة في الخارج فلا ندرى أنها من القسم اللازم أو من القسم الجائز بان نشك في كونها على وجه قربى ليدخل تحت قولهم عليهم السلام ما كان لله لا يرجع أو ليس على وجه قربى ليكون فيه حق الرجوع فان الاصل هنا عدم كونه على وجه قربى فيثبت الجواز وكذا إذا شككنا في كونها لذى رحم أو لغيره فنقول ان الاصل عدم كونها لذى رحم فتكون الهبة جائزة وهكذا إذا شككنا في اللزوم والجواز مع كونه مسبوقا بالخيار فانه نستصحب الخيار فنحكم بالجواز وفى جميع ذلك مقتضى الاصل الموضوعي هو الجواز. واخرى يكون في تلك الموارد أصل موضوعي يقتض اللزوم كما

[ 54 ]

إذا علم بأن العقد الصادر بيع وشك في جعل الخيار فيه فالاصل أنه لم يجعل الخيار فيه فيكون لازما وهكذا لو شك بعد سقوط خيار المجلس بتفرق هل هنا خيار آخر أم لا فنستصحب عدمه فيحكم باللزوم. وانما الكلام فيما إذا لم يكن فيه أصل موضوعي يقتضى اللزوم أو يقتض الجواز فهل هنا ما يقتض اللزوم أو يقتض الجواز أو لا. فالتزم المصنف (ره) باللزوم تمسكا باستصحاب الملكية ولكن جريان هنا موقوف على جريان الاستصحاب في الاحكام الالهية وقد قلنا بعدم جريانه فيها حتى في الشبهات الموضوعية لابتلائه باصالة عدم الجعل دائما ولم يحتمل في حقه البداء حتى يتوهم أنه جعل في زمان وبدا له الخطأ العياذ بالله ونسخه في زمان آخر بل لو كان مجعولا فهو مجعول مطلق والا فلا وعلى هذا فلا يجرى استصحاب الملكية في المقام لانا نشك في أن الملكية هل جعلت بعد الفسخ أم لا فنلتزم بعدم كونها مجعولة بعد الفسخ كما هو واضح لا سترة فيه وكلما نتامل في عدم جريان الاستصحاب في الاحكام يزداد لنا وضوحا. وعلى مسلكنا هذا فينحصر الجواب عن هذا الاشكال بما حققناه في محله من أصالة العدم الازلي وتوضيح ذلك انا إذا شككنا في العقد الذى وقع في الخارج أنه من القسم الجائز أو من القسم اللازم فنقول ان الاصل عدم كونه هبة مثلا ليكون للواهب حق الرجوع و لا يعارض هذا الاصل باصالة عدم كونه من البيع أو الصلح ايضا وذلك لان الاثر أي اللزوم انما ترتب على عدم وكون العقد هبة لا على احراز

[ 55 ]

العناوين الوجودية من الصلح والبيع فباصالة عدم كونه هبة ينقح موضوع وجوب الوفاء بالعقد فيكون شاملا عليه أيضا. وبعبارة اخرى أن مقتض أوفوا بالعقود هو لزوم جميع العقود والخارج عنه ليس الا عناوين وجودية وإذا نفينا العنوان الوجودى القائم بالعقد الجائز عن الفرد المردد بين كونه من الجائز أو من اللازم باصل العدم الازلي وقلنا انه ليس بهبة مثلا يثبت موضوع وجوب الوفاء بالعقد فنحكم له باللزوم كما لا يخفى. وعلى الاجمال فعنوان العقدية تحقق بالوجدان وعدم كونه هبة يتحقق بالاصل فيحصل موضوع وجوب الوفاء بالعقود في الخارج فيحكم بكون الفرد المشكوك من العقد بين الجواز واللزوم لازما هذا من جملة ثمرات القول بالعدم الازلي. وإذا لم نقل بهذا الاصل فلا أصل يتمسك به لاثبات اللزوم أو الجواز في الفرد المشكوك وعليه فتكون العين بعد رجوع المالك الاول مرددا بين كونها للمالك الاول على تقدير الهبة وبين كونها للمشترى على تقدير البيع ولابد في بيان حكم تلك العين في مرحلة الترافع أو في غير مقام الترافع كما إذا مات المالك للعين بعد نقله إلى شخص آخر وشك في أن ما أوجده بيع أو هبة وفسخت الورثة فان كان بيعا فيطالب الورثة العين ممن انتقل إليه الثمن والا فنطالب نفس العين وهكذا لو نسيا المتبايعان عنوان العقد من الرجوع إلى الصلح أو القرعة والا فلا أصل هنا حتى يبين حالها. قوله بل يرجع في أثر كل عقد إلى ما يقتضيه الاصل بالنسبة إليه أقول جميع ما ذكرناه انما يفيد في اثبات صفة اللزوم وأما تعيين

[ 56 ]

العقد بأنه جائز أو لازم حتى يترتب عليه جميع آثار العقد اللازم فلا وعليه فلابد وان يرجع في أثر كل عقد إلى ما تقيضيه الاصل بالنسبة إليه الا انه فيما لم تلزم مخالفة عملية من اجراء الاصلين مع اجراء أصالة اللزوم وان كان كلام المصنف مطلقا من هذه الجهة حيث حكم بالبرائة تارة وبالضمان اخرى ولم يتعرض لصورة لزوم المخالفة القطعية. ولكن لابد في فرض لزوم المخالفة القطعية من اجراء قواعد العلم الاجمالي مثلا إذا شككنا في كون العقد هبة أو بيعا ولم يتصرف من انتقل إليه العين فيها وترجع مالك العين وفسخ العقد فانه ان كان العقد هبة تنفسخ بالفسخ وترجع العين إلى مالكها الاول وان كان بيعا لا يؤثر الفسخ وحينئذ لا يمكن الرجوع في ضمان المشترى لو كان المحقق بيعا وضمان الموهوب له على تقدير كون المحقق هبة أن يرجع إلى البرائة كما هو ظاهر كلام المصنف بل بحصل العلم الاجمالي بانه أما أن المالك الاول مستحق للعين على تقدير كون العقد هبة أو مستحق للثمن على تقدير كونه عقدا فلابد حينئذ من اجراء قواعد العلم الاجمالي والا فيلزم من اجراء الاصل مخالفة قطعية (في خيار المجلس) قوله قدس سره الاول في خيار المجلس اقول ذكر المصنف أن الخيارات كثيرة وقد أنهاها بعضهم إلى السبعة وبعضهم إلى ازيد من ذلك بل المذكور في اللمعة أربعة عشرة مع عدم ذكر بعضها و لكن المناسب جعلها سبعة لان البقية تندرج في خيار الشرط ويقع الكلام فعلا في خيار المجلس واضافته إلى المجلس من جهة الغلبة

[ 57 ]

كما ذكره المصنف لعدم اختصاص ثبوته بالمجلس بل يثبت في حال قيام المتعاملين أيضا بل لا يختص بالمكان الذى وقع فيه البيع كما ذكره المصنف بل يثبت هذا الخيار في حال مشيهم أيضا كما إذا تعاملا في مكان ثم مشيا ولكن لم يفترقا حال المشى فانه ح ايضا يثبت الخيار. وبعبارة اخرى أن غاية هذا الخيار هو الافتراق فما لم يتحقق في الخارج فلا وجه لسقوطه ولو سمى هذا الخيار بخيار الاجتماع كان حسنا موافقا للاخبار، ولا شبهة ولا خلاف في ثبوت هذا الخيار للمتبايعين بين الامامية والنصوص به مستفيضة ففى بعضها البيعان بالخيار ما لم يفترقا وفى بعضها التاجر بالخيار وأما الموثق الحاكى لقول امام عليه السلام إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب فذكر المصنف أنه اما مطروح وان كان موثقا لكونه منافيا للضرورة والاخبار المستفيضة أو يحمل على التقية أو يؤل ولكن الظاهر أنه لا يحتاج على التأويل ولا على الطرح أو الحمل على التقية بل هو وارد على طبق القاعدة وذلك لان التصفيق هو ضرب احدى اليدين على الآخر وهو كناية عن اللزوم وبهذا فسر في اللغة وعلى هذا فقوله (ع) إذا صفق الرجل على البيع كناية عن الزام البيع باسقاط الخيار ومن الواضح أن لزوم البيع باسقاط خيار المجلس موافق القاعدة فلا نحتاج إلى طرح الموثقة أو تأويلها. قوله مسألة لا اشكال في ثبوته للمتبايعين إذا كانا اصيلين أقول لا شبهة في ثبوته للمتبايعين وللموكلين في الجملة وانما الكلام في ثبوته لهم على وجه الاطلاق ويقع الكلام أولا في ثبوته للوكيل

[ 58 ]

وتفصيل الكلام فيه أن الوكيل على ثلثة اقسام الاول ان يكون وكيلا في اجراء الصيغة فقط من غير أن يكون له حق التصرف في جهة من جهات العوضين كما هو المرسوم في اجراء عقد النكاح واجراء صيغة البيوع الخطيرة كثيرا حيث يوكلون أحدا في اجراء الصيغة بحيث ليس له شأن من ذلك المعاملة الا ان يكون كلسان الوكيل فقط ولا يكون وكيلا في أزيد من مجرد كونه آلة لاجراء العقد فقط كما هو واضح. الثاني أن يكون وكيلا مفوضا في امر البيع إلى أن يتم وتتحقق المعاملة في الخارج ولا يكون وكيلا بعد ذلك بل ينتهى أمد وكالته بعد تمامية البيع ووجوده في صحفة الوجود كأكثر الدلالين. الثالث أن يكون وكيلا مفوضا حتى بعد تمامية البيع بان كان له التصرف في العوضين وكان مسلطا على قلبه وانقلابه بانحاء التصرفات والتقلبات من البيع ثانيا أو الايجار أو غيرهما من التصرفات الخارجية والاعتبارية وهذا كعامل المضاربة فانه وكيل مفوض على وجه الاطلاق بعد البيع وقبله وبعبارة اخرى أن يكون وكيلا في التجاره باى نحو كان. أما القسم الاول فظاهر الحدائق ثبوته للوكيلين في اجراء الصيغة بل يظهر منه تعميم الحكم لصورة منع الموكل بزعم أن الخيار حق ثبت للعاقد بمجرد اجرائه العقد فلا يبطل بمنع المالك ولكن المشهور عدم ثبوت الخيار له فما ختاره المصنف واستدل عليه بوجوه الاول: أن أدلة الخيار منصرفة عن الوكيل في اجراء الصيغة لان المتبادر من النص غيره. وفيه نمنع الانصراف إذ لا نجد منشأ لذلك فان منشائه ان كان هو المادة فلا شبهة أنها صادقة عليه أيضا لما عرفت في أول البيع

[ 59 ]

أن البيع هو مبادلة مال بمال فلا شبهة في صدق هذا المفهوم عليه إذ لم يقيد هذا بكون المال للبايع بحيث يكون التبديل بين ماله و مال شخص أخر ضرورة عدم اعتباره في مفهوم البيع بوجه أصلا ولذا لم يستشكل أحد في صحة بيع الولى مال المولى عليه مع أن المال ليس للبايع وكك في صحة بيع الوقف وبيع ثمرته وكك في صحة بيع الوكيل المفوض مع أن المال في تلك الموارد ليس للبايع ومن الضرورى أنه لا يشك أحد في صدق البايع على الاشخاص المتصدين للبيوع المذكورة وعلى الاجمال لا وجه لدعوى انصراف مادة البيع إلى غير الوكيل في اجراء الصيغة. وان كان منشأ الانصراف دعوى انصراف هيئة البيع الذى هو الفعل عن الوكيل في اجراء الصيغة ففيه أن الهيئة لا تدل على ازيد من انتساب المادة إلى ذاتها وأما دلالتها على خصوصية اخرى فلا كما لا يخفى. الثاني أن حكمة ثبوت خيار المجلس هو ارفاق المالك لكى يتروى ويلاحظ صلاحه حتى يختار ما هو الاصلح لحاله أهو الفسخ أم الامضأ ومن البديهى أن هذه الحكمة غير جارية في الوكيل المذكور والحكمة وان لم تكن مطرده ولكن نعلم بأن جعل هذا الخيار شرعا ليس لمن له اختيار البيع بلا موجب. وفيه انها لا تزيد عن العلة المستنبطة وقد حقق في محله أنها ليست بحجة وانما هي من القيام الذى يحرم العمل به نعم لو كانت علة منصوصة لزم العمل بها قطعا فلا تكون مانعه عن شمول الاطلاقات للوكيل في اجراء الصيغة أيضا، على أنها غير دارية في جميع الموارد

[ 60 ]

كما إذا كان ابقاء البيع أصلح لهم بأن باع ما يحازى بدينار بخمسين دينارا مع علم المشترى بالغبن فانه لا شبهة أن ابقاء البيع على حاله وعدم فسخه أصلح لحال البايع من الفسخ ومع ذلك فله خيار المجلس وعلى الجملة فلا وجه لرفع اليد عن المطلقات وعن شمولها للوكيل المذكور بمثل هذه الحكمة العلية نعم لهذه الحكمة وجه فيما كان دليل الخيار هو قاعدة نفى الضرر ونحوها كما إذا فرضنا أن دليل خيار الغبن هو دليل نفى الضرر فانها تقتضي ثبوته للمالك فقط لا لمجرى الصيغة. الثالث أن بعض أدلة خيار المجلس قد تقارن بخيار الحيوان وكونه مجعولا للبايع ومن الواضح أن خيار الحيوان مجعول للمالك فاتحاد السياق يقتض أن يكون خيار المجلس أيضا كذلك. وليس هذا من باب حمل المطلقات الواردة في جعل خيار المجلس بلا تفارن بجعل خيار الحيوان على المقيد حتى يقال أنه لا يجرى في الاحكام الانحلالية كقوله اكرم العلماء وأكرم زيد العالم لعدم التنافى بل من جهة عدم الاطلاق للاخبار المطلقة لان الموضوع فيها من كان له خيار الحيوان أعنى المالك وبعبارة اخرى نستكشف من تقارن خيار المجلس بخيار الحيوان أن موضوع خيار المجلس من كان له خيار الحيوان فاى ربط لذلك بحمل المطلق على المقيد. وفيه أن هذا من العجائب فانه لا ربط لخيار الحيوان بخيار المجلس أصلا فان الموضوع في خيار الحيوان هو عنوان المالك لقوله (ع) وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلثه أيام وموضوع خيار المجلس هو عنوان البيع وأى ربط لاحدهما بالآخر ومجرد ذكرهما في روايه واحده لا يقتض

[ 61 ]

اتحاد الموضوع فهل يتوهم أحد أنه لو ذكر في روايه أن خيار الحيوان ثابت لابن البايع أو اخيه وقد ذكر فيها أيضا البيعان بالخيار فهل يتوهم أن موضوع خيار المجلس أيضا هو ابن البايع باتحاد السياق. ومن هنا ظهر الجواب من قوله مضافا إلى أدله سائر الخيارات فان القول بثبوتها لموقع الصيغة لا ينبغى من الفقيه فتحصل أنه لا يمكن رفع اليد عن الاطلاقات بمثل هذه الوجوه. الرابع ما هو العمدة وحاصله أن المستفاد من أدله هذا الخيار أنه حق وسلطنة انما ثبت لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر بأن يرجعه إلى ملكه ويتملكه جديدا بالفسخ بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه بان يتصرف فيه كيف يشاء ومن الواضح أن الوكيل في اجراء العقد ليس له التسلط على التصرف فيما انتقل إلى البايع أو المشترى فليس له التسلط على ما انتقل من احدهما إلى الآخر بأن يرجعه بالفسخ. ومن هنا لا يثبت بأدلة خيار المجلس هذا التسلط لو لم يكن مفروغا عنه في الخارج فانه لا يمكن التمسك باطلاق قولهم عليهم السلام البيعان بالخيار ما لم يفترقا لاثبات التسلط على ارجاع العين من الشخص الآخر بالفسخ الا ترى أنه أو شك المشترى في كون المبيع ممن ينعتق عليه لقرابة فلا يجوز أن يتمسك بأدله خيار المجلس لاثبات السلطنة وكك لو نذر أن يعتقه أو يصرف المبيع في محل خاص فليس له أن يتمسك لرفع الوجوب وجواز الرجوع بأدلة الخيار. وفيه أن هذا الوجه بظاهره لا يترقب صدوره من المصنف لكونه منافيا لمبناه فانه التزم بكون مورد الخيار هو العقد دون العين

[ 62 ]

بمعنى أن معنى الخيار هو فسخ العقد لا استرداد العين ابتداء نعم لازم فسخ العقد هو استرجاع العين كما هو واضح. وأما ما ذكره من الامثلة فاجنبي عن المقام أما ما ذكره من النذر فان مقتضى الاطلاقات هو ثبوت الخيار حتى فيما كان المبيع منذروا لان يصرف في مورد خاص غاية الامر ان اعمال الخيار وارجاع العين الموجب لانهدام العمل بالنذر فعل محرم فيكون مخالفه لحكم تكليفي وأما عدم ثبوت الخيار هنا وعدم جواز التمسك بالمطلقات فيه فخال عن الوجه. وأما ما ذكره من مسألة كون المبيع ممن ينعتق عليه فايضا لا محذور في ثبوت الخيار هنا غاية الامر لا يرد العبد إلى البايع لعدم جواز صيرورة الحر عبدا بل يرد بدله إليه وعلى الجملة فمثل هذه الامثلة لا تكون مانعة عن التمسك باطلاق أدلة خيار المجلس كما هو واضح. وحاصل الكلام أنه استدل المصنف على عدم ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغه بوجوه قد عرفتها مع جوابها وعمدتها وجهان الاول ما اشار إليه بقوله مضافا إلى ملاحظة بعض أخبار هذا الخيار المقرون فيه بينه وبين خيار الحيوان الذى لا يرضى الفقيه بالتزام ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة، اقول حاصل كلامه أن بعض اخبار خيار المجلس قد تقارن بخيار الحيوان كقوله (ع) في الصحيحة في جواب السائل ما الشرط في الحيوان قال: ثلثة أيام وقال: ما الشرط في غير الحيوان قال (ع): البيعان بالخيار ما لم يفترقا وهذه الرواية وان كانت مطلقة وغير مقيدة بكون من له الخيار في بيع الحيوان هو

[ 63 ]

صاحب الحيوان فقط كما أن ثبوت خيار المجلس للبيع أيضا مطلق من غير أن يكون مقيدا بثبوته للمالك أو الموكل أو لهما ولكن ورد في رواية أخرى أيضا معتبرة أن صاحب الحيوان بالخيار إلى ثلثة ايام حيث ثبت الحكم لخصوص صاحب الحيوان فقط وبحسب القواعد وان لم يكن بينهما تناف وتعاند ليلزم منه حمل المطلق على المقيد لكون كل منهما مثبتين ولكن نعلم من الخارج علما جزميا أن موضوع الحكم في كلتا الروايتين هو شئ واحد وأن قوله عليه السلام صاحب الحيوان بالخيار إلى ثلثة ايام في مقام التحديد فبمقتضى هذه المقدمة الخارجية نحمل المطلق على المقيد ونلتزم بثبوته لخصوص المالك وان كانت الرواية المطلقة مع قطع النظر عن الرواية المقيدة تقتض ثبوت خيار الحيوان لمطلق البايع وان كان غير المالك وعلى هذا فاتحاد السياق يقتضى أن لا يثبت خيار المجلس أيضا لغير المالك. وفيه أن اختصاص خيار الحيوان لصاحب الحيوان لا يقتض اختصاص خيار المجلس به والوجه فيه أن البيعان أو المتبايعان وان استعملا في خياري المجلس والحيوان في معنى واحد ولم يختلف المستعمل فيه فيهما ولم يرد منهما المالك بل عنوان المتبايعان بحيث لو كنا وهاتان العبارتان لقلنا بثبوت كلا الخيارين لعنوان البيع والمتبايع ولكن اختلفت الارادة الجدية بالنسبة إلى خيار المجلس وخيار الحيوان حيث أريد من البيعان والمتبايعان المذكورين في أدلة خيار المجلس عنوان البيع والمتبايع الشامل للوكيل والموكل معا وأريد منهما في خيار الحيوان المالك وصاحب الحيوان من غير تخلف في الارادة الاستعمالية، والدليل على هذا التقييد هو القرينة

[ 64 ]

الخارجية حيث علم من الخارج أن قوله (ع) صاحب الحيوان بالخيار وارد مورد التحديد وأن الموضوع في قوله ان البيعان بالخيار في الحيوان إلى ثلثة أيام والشرط فيه هذا هو الموضوع في قوله صاحب الحيوان بالخيار فقهرا يقيد الحكم بتقيد الموضوع ومن الواضح أنه لا بعد في اختلاف الارادة الجدية بالنسبة إلى حكمين الثابتين بعبارة واحدة وباستعمال واحدة أي بان يكون الاستعمال في أحدهما على نسق الاستعمال في الآخر ونظير ذلك ما إذا قال الخمر حرام ونجس ويحرم بيعها وامساكها وجميع التقلب فيها ثم ثبت التقييد في احدهما وقال يجوز بيعها من الكافر فهل فيه محذور عقلا أو شرعا أو عرفا وكذلك في جميع المقامات والسر في ذلك ما قلنا من جواز اختلاف الارادة الجدية في الحكمين الثابتين على موضوع واحد بحيث يكون في احدهما مطلقا وفى الآخر مقيدا ويكون الموضوع أيضا مطلقا ومقيدا ويتعدد الموضوع بذلك الاختلاف وان كانت الارادة الاستعمالية متحدة في كليهما وذلك لان التقييد انما يثبت من الخارج وعلى الاجمال ثبوت خيار الحيوان لصاحبه لا يدل على ثبوت خيار المجلس للمالك فان قرينة الاختصاص موجودة في الاول دون الثاني ومن هنا ظهر أن خيار الحيوان مختص بالصاحب الحيوان ولم يثبت للمتابعين مع أن خيار المجلس ثابت لهما وان قلنا بعدم ثبوته للوكيلين في اجراء الصيغة مع اتحاد السياق يقتضى اختصاص خيار المجلس أيضا بواحد منهما. على أنه لو كان مقتضى السياق اختصاص خيار المجلس بمن له خيار الحيوان لزم له الالتزام بعدم ثبوت خيار المجلس للوكيل

[ 65 ]

المفوض أيضا مع أنه لم يستشكل احد حتى هو قدس سره كما سيأتي. وأما الوجه الثاني فحاصله أن خيار المجلس انما ثبت للمتبايعين بعد الفراغ عن جواز تصرف كل منهما فيما انتقل إلى نفسه وقد اثبتت أدلة الخيار المجلس لمن له هذا الشأن ومن الواضح أن الوكيل في اجراء الصيغة ليس له ذلك ولا يجوز له التصرف في شئ من العوضين من قبل الموكل. ومن هنا لو شك البايع أن المبيع هل هو ممن بنعتق عليه أو يجب صرفه في نفقة من يجب انفاقه أو يجب عتقه لنذر ونحوه لا يجوز أن يتمسك بأدلة الخيار فيحكم بعدم الوجوب لان الحكم لا يثبت الموضوع لنفسه وقد عرفت أنها تثبت الخيار في فرض تمكن ذى الخيار من التصرف في المال الذى انتقل إلى ذى الخيار وهذا المعنى موضوع للخيار ومشكوك فيه فلا يمكن اثبات الموضوع بذلك. ويرد على ما ذكره أصلا وفرعا. أما الاصل مضافا إلى أن ما ذكره خلاف ظواهر الادلة أنه مخالف لمسلكه فانه ذكر في مواضع متعددة من كتابه أن الخيار انما يتعلق بالعقد دون العين الخارجي ولذا لا يدور الخيار وجودا و عدما مدار بقاء العين وعدمه بل يجوز اعماله لذى الخيار حتى مع تلف العين وقد تقدم منه قدس سره في بعض تنبيهات المعاطات أن الجواز الثابت فيها غير الجواز الثابت في غيرها بالخيار فان متعلق الجواز في المعاطات هو العين فلكل من المتبايعين رد العين ولذا سقط مع التصرف كما قيل ولكن جواز الفسخ في العقد الخيارى متعلق بالعقد ولذا يبقى مع التلف أيضا. وأيضا ذكر في تعريف الخيار أنه

[ 66 ]

ملك فسخ العقد وقد كرر ذكر ذلك في خلال كلماته كثيرا فلا وجه لجعل متعلق الخيار هو العوضين. وأما الفرع الذى رتبه على الاصل المذكور فقد ظهر جوابه فما ذكرناه فان متعلق الخيار هو العقد فهو لا يرتبط بحكم آخر ثابت للعين المبيعة ولا مساس لاحدهما بالآخر أصلا فله أي لذى الخيار أن يفسخ العقد في الموارد المذكورة وبعده يتبع في كل مورد حكمه على ما تقتضه القواعد الشرعية فان كان فيه ما يرفع التلكيف المشكوك فبها والا فلابد من الامتثال. مثلا لو اشترى عبدا وشك في قرابته وأنه هل ممن ينعتق على البايع أم لا فيجوز أن يتمسك بأصالة عدم النسبة بينه وبين العبد ويرده إلى مالكه الاول بعد فسخ العقد وان علم بكونه ممن ينعتق عليه فحينئذ ينعتق بمجرد البيع وبما عرفت أن الفسخ لا يتوقف على بقاء العين ولما عرفت ان الخيار متعلق بالعين فيجوز له الفسخ ويعطى بدل العبد على مالكه وأما إذا كان المبيع ممن يجب عتقه لنذر فإذا لم يعتقه فعل حراما فهو لا يزاحم ولا يعارض بأدلة الخيار لعدم تعلقه بالعين حتى يصح التمانع بينهما وهكذا إذا كان المبيع مما يجب صرفه في نفقة من يجب انفاقه عليه فان في شئ من المذكورات لا يلزم ما ذكره المصنف فجواز التصرف في المبيع ليس موضوعا لادلة الخيار أصلا ولا له مساس بأصل الخيار بوجه نعم لو كان الخيار منعلقا بالعين لكان لهذا البحث مجال واسع. وقد ذكر شيخنا الاستاد هنا وجها آخر وجعله محتمل كلام المصنف وحاصله أن موضوع خيار المجلس هو الذى يكون مالكا لالتزام

[ 67 ]

نفسه بحيث له أن يبقيه وله أن يرفعه بالاقالة إذا رضى الطرف الآخر بذلك وبعد الفراغ عن سلطنة كل من المتبايعين على ذلك يثبت له الخيار وجواز الفسخ فجواز الفسخ لهما متوقف على امكان الاقالة لهما وحيث ان الوكيل في اجراء الصيغة ليس له ذلك فانه لا يقدر على حل العقد بالاقالة فلا يثبت جواز الفسخ بخيار المجلس أيضا. وفيه أولا النقض بالنكاح حيث أن الخيار لاجل العيوب المعلومة ثابت فيه ولكن لا تجوز الاقالة للزوجين فلا وجه لجعل ثبوت الخيار متوفقا على جواز الاقالة. وثانيا بالحل بان يقال ان كان نظره إلى توقف الفسخ بالاقاله حقيقة وأنه لا يؤثر الفسخ في مورد لا اقالة فيه ففيه أن العقد شئ واحد وانما حصل بالالتزمين من الطرفين نظير الحبلين المشدود احدهما بالاخر فانه صار حبلا واحدا وهذا الشئ الواحد وان كان في حصوله متوقفا على التزامين من شخصين ولكن في مقام الانحلال ينحل بانحلال من الطرفين كما في الاقالة ومن طرف واحد كما في الفسخ وقد عرفت سابقا ان امضاء احدهما العقد لا يستلزم الامضاء و الالتزام من الطرف الآخر ولكن الفسخ من طرف يستلزم الفسخ من الطرفين لانه لا يبقى مجالا للوفاء والوجه فيه أن الفسخ هو الحل و يعبر في لغة الفارس بكلمه (واكردن وباز نمودن) وهذا المعنى شئ واحد ومعنى بسيط لا يعقل أن يحصل من طرف ولم يحصل من طرف آخر بل إذا تحقق الحل تحقق من الطرفين. وبالجملة العقد هو الالتزام من الطرفين نظير البيعة وضم احدى اليدين بالاخرى وهذا لا يتحقق حصولا الا من الطرفين و

[ 68 ]

لكن انحلاله لا يتوقف عليهما بل يحصل بحل واحد وقد يكون ذلك هو الاقالة أي المراضات بالحل من الطرفين وقد يكون الفسخ و لا يعقل تحقق من طرف وتوقفه على أن يتحقق من الآخر وليس الفسخ في طول الاقالة ولا متوقفا عليها ولا أن بينهما تلازم بل قد يتحقق أحدها بدون الآخر وقد يجتمعان ففى النكاح يتحقق الفسخ دون الاقالة وبعد سقوط جميع الخيارات في العقود اللازمة يتحقق الاقالة دون الفسخ وفى البيوع الخيارية يمكن الفسخ بكل من الاقالة والفسخ. فلا معنى لهذا الوجه أيضا وان كان نظره الانصراف وان ادلة الخيار منصرفه إلى هذا القسم فلا تثبت الخيار لغير ذلك فله وجه ولكن عرفت جوابه من أنه لا منشأ للانصراف أيضا. وذكر بعض مشايخنا المحققين من أن الوكيل في اجراء الصيغة فقط نادر في باب المعاملات جدا لانه لا يكون الا في غير العربي مع لحاظ صدور البيع عن صيغة لا عن التعاطى لترتيب أثار البيع بالصيغة وعلى هذا ينصرف دليل الخيار إلى غير الوكيل في اجراء الصيغة لكون ذلك للغير غالبا من حيث الوجود. وفيه أولا أن غلبه الوجود لا توجب الانصراف وقد اعترف هو بذلك مرارا عديدة في كلماته السابقة وثانيا أن الوكيل في اجراء الصيغة وان كان قليلا بالنسبة إلى غيره ولكنه كثير في نفسه كما هو المتعارف في النكاح فان المتعارف فيه كون العاقد غير الزوجين وفى البيع أن التوكيل في اجراء الصيغة خصوصا في البيوع الخطيرة كثير جدا.

[ 69 ]

فتحصل أن عمدة الوجه لعدم ثبوت الخيار للوكيل في اجراء الصيغة هو ما ذكره المصنف قدس سره من كونه موقوفا على جواز تصرف كل من المتبايعين فيما انتقل إليه وما ذكره شيخنا الاستاذ من توقف الفسخ على الاقالة وقد عرفت أن ما افاده المصنف لا دليل عليه في نفسه وأنه مخالف لمذهبه وما أفاده الاستاذ مضافا إلى عدم الدليل عليه وبطلانه في نفسه والجواب الحلى عنه انه منقوض بباب النكاح فانه ثبت الخيار فيه ولم يتوقف على الاقالة لعدم جريانها في النكاح. ثم ان لشيخنا الاستاذ وجه آخر في المقام وحاصله أن ادلة الخيار انما اثبتت سلطنة على الفسخ لمن هو مأمور بالوفاء بالعقد ومن الواضح أن الوكيل في اجراء الصيغة لم يشمله دليل الوفاء بالعقد وبعبارة أخرى أن أدلة الخيار انما هي مخصصة لقوله تعالى أوفوا بالعقود وحيث أن الآية لم تشمل الوكيل في اجراء الصيغة ولم يكن هو مأمورا بالوفاء بالعقد فيكون دليل التخصص أيضا غير شامل له. وفيه أن هذا الوجه لا بأس به بناء على ما ذكره المصنف قدس سره في معنى الوفاء حيث جعل الامر ظاهرا في الوجوب التكليفى الذى يدل على اللزوم بالدلالة الالتزامية فان لقائل أن يقول أن وجوب الوفاء انما هو حكم ثابت على ذمة الملاك أو من يقوم مقامهم و أما الوكيل في مجرد اجراء الصيغة فليس مأمورا بذلك فانه من الاول لم يجز له التصرف في المبيع ولا في الثمن وكك في حال العقد وبعده فلا معنى لان يقال يحرم عليك التصرف في العوضين ليكون هذا الحكم شاملا لما بعد الفسخ أيضا حتى يتمسك به لاثبات اللزوم.

[ 70 ]

وأما بناء على ما ذكرناه من دلاله الآية على اللزوم بالمطابقة وكونها ارشادا إلى لزوم العقود من غير أن تدل على حكم التكليفى فلا مانع من شمولها على الوكيل في اجراء الصيغة أيضا فانه ليس له فسخ العقد بعد ايجاده كما لا يخفى لما عرفت أن الآية ناظرة إلى أن كل من اوجد عقدا يجب عليه الوفاء به ومن جملة الموجدين للعقد هو الوكيل في اجراء الصيغة كما هو واضح فهذا الوجه أيضا لا يتم والتحقيق أن يقال ان الوكيل في مجرد اجراء الصيغة وان صدق عليه البايع ولكن ما دل على ثبوت خيار المجلس انما هو ناظر إلى ثبوته للبيع الذى كان أو البيع بيده وهو المالك أو من يقوم مقامه وذلك لان أحل الله البيع انما هو ناظر إلى امضاء البيع فيكون دالا على حلية البيع الصحيح وهو بيع المالك الموكل ومن الواضح ان البيع من غير المالك أو من يقوم مقامه غير صحيح من حيث انتسابه إلى المالك لا من حيث صدوره من العاقد والوكيل في اجراء الصيغة ليس مالكا ولا قائما مقامه فيكون خارجا عن تحت الآية لانه لم تمض البيع من حيث جهة الصدور أيضا وهذا لا ينافى صدق البايع على الوكيل في اجراء الصيغة، وعليه فادلة خيار المجلس انما تثبت الخيار للبيع في البيع الصحيح فلا تكون شاملة للوكيل في اجراء الصيغة. وثانيا أن الوجوه المذكورة حتى الوجه الذى ذكرناه وان لم تتم في نفسها ولا تكون دالة على عدم ثبوت الخيار للوكيل في اجراء الصيغة ولكنها توجب عدم تمامية مقدمات التمسك باطلاق قولهم عليهم السلام البيعان بالخيار. وتوضيح ذلك أن دليل خيار المجلس من قوله (ع) المتبايعان

[ 71 ]

بالخيار وقوله البيعان بالخيار انما يدل على ثبوت الخيار لمطلق البيع بالاطلاق دون العموم فان ما يدل على السريان هنا هو المحلى باللام ومن الواضح أن دلالته على السريان ليس بالوضع بل بمقدمات الحكمة فالوجوه المذكورة توجب الشك في التمسك بالوضع بل وتمامية مقدماته وعلى الاجمال لا نطمن؟ بشمول أدلة خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة فلا أقل من الشك على أنه لو كان مجرد اجراء الصيغة موجبة لثبوت الخيار للمجرى لها فكان ثابتا للفضولي أيضا بل أولى مع أنه لم يقل به احد فتحصل أنه لا يكون للوكيل في اجراء الصيغة خيار المجلس. وأما الوكيل المفوض فلا شبهة في ثبوت الخيار له لكونه بيعا حقيقة وان امر البيع بيده نظير الاولياء للاطفال والمجانين وغيرهما كما لا يخفى وهذا كعامل القراض ونحوه. وأما الوكيل المفوض في الشراء فقط أو في البيع فقط من غير أن يكون وكيلا مفوضا في مطلق التصرف ولا أن تكون وكالته منحصرة في اجراء العقد فقط بل واسطة بين الشقين فذكر المصنف (ره) أن خيار المجلس لا يثبت لهذا القسم من الوكيل أيضا لانا ذكرنا أن الميزان في ثبوت الخيار هو كون ذى الخيار متمكنا من التصرف فيما انتقل إليه قبل ثبوت حق الفسخ له ومن الواضح أن الوكيل في أمر البيع فقط أو أمر الشراء فقط ليس متمكنا من التصرف فيما انتقل إلى البايع المالك أو المشترى المالك لتمامية أمد وكالته بعد البيع والشراء فيكون خارجا عن موضوع خيار المجلس وتبعه شيخنا الاستاذ على الوجه الذى تقدم

[ 72 ]

بيانه في القسم الاول من الوكالة ولكن عرفت عدم تماميتها بوجه. وأما بقية الوجوه لا تجرى هنا حتى ما ذكرناه من الوجهين لكونه أي هذا القسم من الوكيل بيعا حقيقة فلا وجه لدعوى الانصراف أو غيره من الوجوه. والظاهر هو ثبوت الخيار لمثل هذا الوكيل لان أمد وكالته و أن كان يتم بتمامية البيع أو الشراء ولكن ثبوت الخيار للمتبايعين لا يدور مدار عنوان الوكالة بقاء بل المناط في تحقق الخيار هو صدق البيع ومن الواضح أن الوكيل المفوض في البيع أو الشراء بيع وان خلص أمد وكالته بعد البيع أو الشراء فنتمسك باطلاق البيعان بالخيار فنحكم بثبوت الخيار له وان منعه المالك عن الفسخ فكونه وكيلا مفوضا عند البيع أو الشراء وصدق عنوان البيع عليه في تلك الحالة واسطة لثبوت الخيار له حتى بعد تمامية وكالته. وأما الفضوليين فلا شبهة في ثبوت خيار المجلس لهما لما عرفت أنه انما ثبت لمن كان البيع مستندا إليه وكان أمر البيع بيده وأنه من لوازم البيع الصحيح وقلنا أن بيع غير المالك ليس بصحيح فان الممضى بقوله تعالى أحل الله البيع هو جهة انتساب البيع إلى المالك لا من حيث صدوره من العاقد ومن البديهى أن الفضولي أجنبي عن هذه المزايا وان صدق عليه عنوان البيع بل هو مجرد ألة في انشاء البيع كالوكيل في اجراء الصيغة وأنه كلسان الموكل والاصيل فلا وجه لثبوت الخيار للفضوليين أيضا. كان الكلام في ثبوت خيار المجلس للوكيل وعدم ثبوته له وقلنا أنه لا يثبت للوكيل في اجراء العقد فقط لاحد الامرين المتقدمين.

[ 73 ]

وأما الوكيل المفوض فلا شبهة في ثبوت الخيار له فانه لا شبهة في صدق البيع عليه وأن أمر البيع بيده ولا يجرى فيه شئ من الوجوه المانعة عن ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة غير ما ذكره المصنف (ره) من أن مقتض اقتران خيار المجلس في بعض الروايات بخيار الحيوان يقتضى عدم ثبوت خيار المجلس لغير المالك كما هو الشأن في خيار الحيوان فاتحاد السياق يقتض أن يثبت خيار المجلس لمن ثبت له خيار الحيوان دون غيره وان كان وكيلا مفوضا ولا يكون له خيار المجلس بما أنه بايع وأما ثبوته له بما انه وكيل مفوض من قبل المالك وأن جميع أموره في يده حتى أمر المعاملات من الفسخ و الامضاء فان ذلك من جهة كونه وكيلا مفوضا لا من جهة كونه بايعا. وعلى الجملة فلازم كلام المصنف من تخصيص موضوع خيار المجلس بمن له خيار الحيوان هو عدم ثبوته للوكيل المفوض أيضا بما من المتبايعين ومن البيع لا بما هو وكيل من قبل البايع ويفسخ البيع أو يمضه بامر الموكل وتوكيله كما هو واضح. بعبارة اخرى هذا نقض على المصنف حيث التزم بعدم ثبوت خيار المجلس للوكيل في اجراء الصيغة من جهة اختصاصه بمن له خيار الحيوان ومع ذلك التزم بثبوته للوكيل المفوض مع أنه لم يثبت له خيار الحيوان. ولكن قد عرفت أن مجرد ذكر خيار الحيوان فيما ذكر فيه خيار المجلس لا يقتضى الاتحاد من جميع الجهات وعلى الاجمال فلا شبهة في ثبوت هذا الخيار للوكيل المفوض بل هو كالولي فان معنى الوكالة كما ذكروا تفويض الامر إلى الوكيل وجعله مسلطا على ما وكل لاجله

[ 74 ]

نظير السلطنة المجعولة للاولياء غايته أن سلطنة الاولياء من قبل الله تعالى وسلطنة الوكلاء من قبل الموكلين وليس الامر كذلك في الوكيل في اجراء الصيغة. وأما الوكيل في أمر البيع أو الشراء فقط بحيث يكون وكيلا مفوضا في جهة خاصة فقط وينتهى أمد وكالته بعد البيع فهو واسطة بين الوكيلين المتقدمين وهو من جهة يشبهه الوكيل في اجراء الصيغة ومن جهة يشبهه الوكيل المفوض أما من حيث انه شبيه بالوكيل المفوض من جهة كونه مستقلا في أمر البيع أو الشراء ومن حيث أنه شبيه بالوكيل في اجراء الصيغة هو تمامية أمد الخيار بتمامية العقد كما أن الوكيل في اجراء العقد كك وأما الوجوه التى ذكروها في عدم جريان الخيار للوكيل في اجراء الصيغة فبعضها لا يجرى في المقام كدعوى انصراف البيع أو المتبايع عن هذا القسم من الوكيل فانه بيع حقيقة وأما ما ذكروا من أن جعل الخيار أي خيار المجلس ارفاق للمالك فلا يجرى في حق الوكيل فهو جار في المقام ولكن قد عرفت عدم تماميته وهذا لا يجرى في المفوض بالمعنى الاول فانه لابد وان يلاحظ مصلحة المالك وكك يجرى في المقام ما ذكره المصنف من أن هذا الخيار انما جعل لمن يكون قادرا على الرد والوكيل المجرى للصيغة وكك الوكيل في البيع والشراء ليس قادرا على رد العين و كك ما ذكره شيخنا الاستاذ من خيار المجلس مجعول لمن يكون قادرا على الاقالة فان من الواضح أن هذا الوكيل أيضا كالقسم الاول من الوكيل لا يقدر على الاقالة إذا رضى بها الطرف الاخر. ولكن قد عرفت أن هذا الوجه أيضا لم يتم في القسم الاول

[ 75 ]

فكيف في المقام وقد عرفت أن الوجه في عدم ثبوت هذا الخيار للوكيل في اجراء الصيغة فقط هو أحد الامرين المذكورين وهما ايضا لا يجريان في المقام واذن فلا مانع من ثبوت خيار المجلس هنا لاطلاق قوله عليه السلام المتبايعان أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا لانه لا شبهة في صدق البيع عليه حدوثا فيكون ذلك موضوعا لثبوت الخيار له حدوثا وبقاء وان منعه المالك عن اعمال الخيار كما ذكره صاحب الحدائق إذ لم يقيد اطلاق الرواية بكون البيع هو المالك أو باقيا على وكالته لو كان هو غير المالك. وعلى الجملة فكونه وكيلا عند البيع أو الشراء في أمرهما يوجب صدق البيع عليهما وإذا صدق عليهما البيع في أن حدوث البيع يثبت الخيار مطلقا سواء زالت الوكالة بعد ذلك التى كانت واسطة لثبوت الخيار له أم بقيت على حالها. وعلى هذا فليس للمصنف نفى الخيار عن مثل هذا الوكيل أيضا. وأما ثبوته للموكا فذكر المصنف وعلى المختار فهل يثبت للموكلين فيه اشكال والظاهر أن القول بثبوت خيار المجلس للموكل وعدمه لا يتوقف على القول بثبوته للوكيل أصلا فلا نعرف وجها صحيحا لتعليق المصنف وقوع النزاع في ثبوت خيار المجلس للموكل أو عدمه بثبوته للوكيل وعدمه بل كل منهما أمر مستقل وبحث خاص لا يرتبط بالآخر وقد يتوهم أن لادلة الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعان أو للبيع منصرفة إلى المالك العاقد فإذا انتفى أحد الجزئين ينتفى موضوع الخيار، وأيضا قيل ان الموكل لو حلف على أن لا يبيع داره مثلا فباعها وكيلها لم يحنث فلو كان يصدق عليه عنوان البايع لحصل الحنث.

[ 76 ]

وفيه أما دعوى الانصراف فلا وجه له لما ذكرنا أن البايع يصدق على الوكيل في اجراء العقد فكيف لا يصدق بالموكل فلو كان الموكل حاضرا في مجلس العقد ووكل أحدا في اجراء العقد لبيع داره كما هو المتعارف في النكاح وفى المعاملات الخطيرة حقيقة يصدق أن الموكل باع داره فلا عناية فيه أصلا ومن هنا ظهر ما عن بعض مشائخنا المحققين من استناد الانصراف إلى غلبة الوجود. وأما مسألة عدم الحنث إذا حلف الموكل أن لا يبيع داره فباع وكيله فان كان قصد الموكل حين الحلف أن لا يبيع مباشرة فلا شبهة في عدم حصول الحنث ببيع الوكيل قطعا وان كان غرضه من ذلك أن لا يبيع على وجه الاطلاق أعم من بيع نفسه وبيع وكيله بان لا يستند إليه البيع أصلا فلا شبهة حينئذ في حصول الحنث بكل واحد من بيع وكيله وبيع نفسه لاستناد البيع إلى الموكل حقيقة و ان كان المباشر له هو الوكيل نعم لو حلف مطلقا على أن لا يبيع داره مثلا وكان غافلا عن توكيل شخص آخر في بيع داره أو ناسيا فلا يحنث ببيع الوكيل في تلك الحالة وان كان صدور البيع في حضوره أيضا لان ظهور الحلف على عدم البيع في العمل الاختياري ففى هنا غير اختياري لعدم التفاته بكون الوكيل في البيع وكيلا عنه لغفلته عن ذلك فعدم الحنث من هذه الجهة والا فصدق عليه البايع حقيقة وان كان غافلا عن وقوع البيع. ثم انه لا بد وأن يتكلم في ثبوت هذا الخيار وعدمه لاصناف الموكل في مقابل أصناف الوكلاء على الترتيب الذى ذكرناه في ثبوته وعدمه لكل واحد من الوكلاء فنقول ان كان الموكل وكل احدا في

[ 77 ]

اجراء الصيغة فهل يثبت له الخيار أم لا فنقول تارة يكون الموكلان حاضرين في مجلس العقد وأخرى لا يكونان حاضرين في مجلس العقد وعلى الثاني قد يكونان حاضرين في مجلس واحد حين تحقق العقد بين الوكيلين في مجلس آخر وقد يكونان متفرقين. أما الاول فلا شبهة في ثبوت الخيار للموكلين لاستناد البيع اليهما حقيقة وان الوكيلان المجريان للعقد ليسا الا كالآلة المحضة و كونهما كاللسانين للموكلين ودعوى انصراف أدلة الخيار عن المالك غير العاقد ولذا لا ينحث لو حلف على عدم البيع ببيع الوكيل قد تقدم جوابهما. وأما إذا كان الموكلان مجتمعين في محل آخر غير مجلس العقد بان جمعتهما هيئة اجتماعية في محل واحد وكان بين الوكيلين و بينهما واصل الصوت بحيث علما بوقوع العقد فيصدق عليهما عنوان البيع ولا يعتبر حضورهما في مجلس العقد كما يظهر من شيخنا الاستاذ وأما الثالث بان لا تجمعهما هيئة اجتماعية أصلا بل كانا متفرقين حال العقد فلا شبهة حينئذ في عدم ثبوت الخيار لا للوكيل ولا للموكل أما عدم ثبوته للوكيل فقد تقدم لكونه وكيلا في اجراء الصيغة فقط و ليس أمر البيع بيده وقد قلنا ان الخيار انما يثبت لمن كان أمر البيع في يده والوكيل في اجراء الصيغة ليس كك. وأما عدم ثبوته للموكل فلان الخيار انما يثبت للبيعان في حالة اجتماعهما إلى أن يتفرقا ومن الواضح انهما متفرقان من الاول فلا يكون ثابتا لهما.

[ 78 ]

كان الكلام في ثبوت الخيار للموكل وقد عرفت أن الوكيل على ثلثة أقسام الاول أن يكون وكيلا في اجراء الصيغة فقط وحينئذ يكون أمر البيع بتمام المعنى في يد الموكل وحينئذ قد يكون الموكلين أو أحدهما حاضرا في مجلس العقد وأخرى لا يكونان حاضرين في مجلس العقد وعلى الثاني فتارة تجمعان هيئة اجتماعية في مجلس آخر غير مجلس العقد وأخرى لا يجتمعان في محل واحد بل كانا متفرقين في الخارج. أما الاول فلا شبهة في ثبوت الخيار للموكلين الحاضرين في مجلس العقد لاستناد البيع اليهما حقيقة وتوهم انصراف البيع عنهما إلى المالك العاقد فاسد كما عرفت، كما أن توهم استناد الانصراف إلى ندرة الوجود فاسد هنا أيضا وان قلنا بصحته في الوكيل في اجراء الصيغة لان هذا القسم من الموكل كثير جدا ولا فرق في ذلك بين كونها ملتفتين بصدور العقد وعدم التفاتهما إليه. وأما الثاني فهو أن يكون الوكيلان مجتمعين في مجلس آخر غير مجلس العقد ووصل اليهما أن الوكيلين من قبلكما على اجراء العقد قد أوجدا العقد فانه ح يثبت لهما الخيار بلا شبهة فانهما حقيقة متبايعان ويصدق عليهما عنوان البيع أو المتبايع والتاجر الواردة في الاخبار التى جعلت بهذه العناوين موضوعة لخيار المجلس ودعوى أن ثبوت الخيار لهما مشروط بحضورهما في مجلس العقد كما عن ظاهر شيخنا الاستاذ لا وجه له فان الاطلاقات محكمة عليه. وأما الثالث فهو أن يكونا خارجين عن مجلس العقد وكانا متفرقين في الخارج فالظاهر أنه لا خيار لهما ح وذلك فان خيار

[ 79 ]

المجلس انما هو مغيا بغاية وهى الافتراق ومن الواضح أن تلك الغاية حاصلة هنا من الاول فكيف يثبت لهما الخيار ح وهذا لا ينافي صدق البايع عليهما واستناد البيع اليهما فان مجرد صدق البايع لا يصحح ثبوت الخيار عليه بل لابد مع ذلك من اجتماعهما في مجلس واحد وبعبارة اخرى الافتراق رافع لخيار المجلس حين التحقق فلا يعقل ثبوت الحكم مع وجود الرافع من الاول والا يلزم التنافى ولا يثبت الوكيل أيضا كما عرفت لكونه وكيلا في اجراء العقد فقط وعلى هذا فهل لهما أن يوكلا الوكيلين في اجراء العقد على هذا الخيار بان فوضا أمره إلى الوكيلين ليثبت لهما الخيار عن قبل الموكلين أم لا الظاهر لا فانه لم يثبت لهما فكيف يوكلان الغير على ذلك وان فاقد الشئ لا يكون معطيا له. وأما الوكيل المفوض من جميع الجهات فهل يثبت معه الخيار للموكل أم لا فهو أيضا على ثلثة أقسام: الاول أن يكون الموكلان حاضرين في مجلس العقد فهذا لا شبهة أيضا في ثبوت الخيار لهما كما ثبت للوكيلين حينئذ فانه يصدق عليهما البيع حقيقة كما تقدم في القسم الاول وتوهم الانصراف هنا قد تقدم جوابه كما تقدم الجواب أيضا عن انه لو حلف على عدم البيع فباع الوكيل لم ينحث. وأما القسم الثاني فهو أن يكون الموكلان في خارج مجلس العقد ولكن تجمعهما الهيئة الاجتماعية في محل واحد ومعامل الوكيلان المفوضان في محل واخبر الموكلين بصدور العقد فانه ح حقيقة يصدق عليهما عنوان البيع والمتبايع والتاجر التى هي موضوع

[ 80 ]

خيار المجلس ولا وجه لاعتبار حضورهما في مجلس العقد كما عرفت في القسم الاول أما القسم الثالث فهو أن يكون الموكلان خارجين عن مجلس العقد ولم يجتمعا في محل واحد ولم تجمعهما هيئة اجتماعية في مكان واحد وحينئذ لا يثبت لهما الخيار كما تقدم لتحقق البيع حال التفرق وهذا نظير ما كتب كتابا إلى أحد وأنشأ فيه بيع داره مثلا ووصل الكتاب إلى المشترى بعد مدة وقلنا بعدم اعتبار المولات بين الايجاب والقبول فقبل المشترى البيع فانه لا يثبت الخيار في أمثال ذلك فان البيع قد تحقق في حال التفرق فلا يكون لهما الخيار. قوله: ثم على المختار من ثبوته للموكيلين فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد. أقول: بناءا على ثبوت الخيار للموكل أيضا فإذا كانا الموكلين موجودين في مجلس العقد مع الوكيلين المفوضين فهل المناط في سقوط خيارهما تفرقهما عن مجلس العقد بان يكون ثبوت خيار المجلس دائرا مدار اجتماعهما في مجلس العقد وتفرقهما عنه وإذا تفرقا عنه يسقط الخيار عنهما وعن وكيلهما والوجه في جعل الميزان في الثبوت الخيار وعدمه هو تفرق الموكلين وعدمه من جهه انهما اصيلين في المعاملة وحقيقه هما بايعان فيكون المناط هو الاصلان. ويحتمل أن يكون المناط هو تفرق الوكيلين لانهما أو جدا المعاملة وهما المناطان في ثبوت خيار المجلس وعدمه لانهما أو جدا البيع ولو عن وكالة. ويحتمل أن يكون المناط هو تفرق الكل فيكفى في بقاء الخيار

[ 81 ]

بقاء احد الاصيلين مع أحد الوكيلين في مجلس العقد في بقاء خيار المجلس وهذا الوجه الاخير قد قواه المصنف. وأشكل عليه شيخنا الاستاد بأن كفاية بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد مع اعتباره قدس سره حضور الموكلين في المجلس حيث قال آنفا فالاقوى ثبوته لهما ولكن مع حضورهما في مجلس العقد متنافيان لانه لو لم يعتبر استدامة الحضور ممن له الخيار لم يعتبر في الابتداء أيضا لان استفادة الاجتماع في المجلس انما هو من قوله عليه السلام ما لم يفترقا فلو صدق عدم تفرق الموكل ببقاء وكيله في المجلس صدق اجتماعه أيضا ابتداء وان لم يكن نفس الموكل حاضرا في المجلس رأسا. وفيه أن هذا من غرائب الكلام شيخنا الاستاذ فان اعتبار المصنف حضور الموكلين في مجلس العقد في ثبوت الخيار لهما من جهه عدم تحقق موضوع الخيار بدونه فانه انما ثبت على الهيئة الاجتماعية ومع انتفائها ينتفى الخيار وليس غرضه نفى الخيار عن الاصيل مع الوكيل بل من هذا جهة اعم. وأما الالتزام بثبوت الخيار لكل واحد من الوكيل والموكل مع بقائهما في مجلس العقد وان ذهب أحد الوكيلين مع الموكل الآخر بل يكفى وجود الاصيل مع الوكيل الآخر في ثبوت الخيار حدوثا أيضا فلا ينافى هذا بالكلام السابق أصلا فان ما هو موضوع الخيار متحقق هنا أيضا أعنى الهيئة الاجتماعية غاية الامر هو الاجتماع بين الوكيل والموكل الآخر. وبعبارة أخرى أن المصنف اعتبر الاجتماع في ثبوت خيار

[ 82 ]

المجلس ابتداء واستدامة غاية الامر أن الاجتماع اعم من اجتماع الوكيلين والموكلين واحد الوكيلين مع أحد الموكلين حدوثا وبقاء. وما ذكره المصنف من جعل المناط في سقوط الخيار هو تفرق الكل بحيث يكفى في ثبوت الخيار وبقائه بقاء الاصيل مع وكيل آخر فهو الاقوى وذلك لان ظاهر قوله عليه السلام المتبايعان أو البيعان أو التاجر بالخيار ما لم يفترقا هو ثبوت الخيار لطبيعي البيع والمتبايع وجنسهما من غير اعتبار التقييد في ذلك بان يكون المراد اجتماع الوكيلين معا أو الموكلين كك وعليه فيكفى في ثبوت الخيار وجود الاصيل مع الوكيل الآخر حدوثا وبقاء لصدق الطبيعة عليهما بلا شبهة. كان الكلام في ثبوت خيار المجلس للوكيل وقلنا بعدم ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة وبثبوته للوكيل المفوض في البيع فقط خلافا للمصنف ولشيخنا الاستاذ لاعتبارهما في ثبوت الخيار قدرة ذى الخيار مشروط بالتصرف فيما انتقل إليه على مسلك المصنف وبقدرته على حل العقد بالاقالة على مسلك شيخنا الاستاذ والوكيل المفوض في امر البيع ليس له ذلك وقد تقدم جوابهما وقلنا ان المناط في ثبوت الخيار صدق البيع وهو حاصل وان تم أمد الوكالة كما تقدم خلافا لصورة السابقة وأما الوكيل المفوض فثبوت الخيار له اوضح من أن يخفى وان كان فيه شئ بناء على ما ذكره المصنف من تقييد ثبوت خيار المجلس بمن يثبت له خيار الحيوان. ثم انتقلنا من ذلك إلى ثبوت الخيار للموكل وقلنا لا شبهة في ثبوته للموكل الحاضر في مجلس العقد مع كون الوكيل وكيلا في

[ 83 ]

اجراء العقد وكذا لا شبهة في ثبوته للموكلين إذا اجتمعا في مجلس غير مجلس العقد فانه لم يعتبر في ثبوته حضورهما في مجلس العقد كما اعتبره شيخنا الاستاذ نعم إذا كانا متفرقين في الخارج فلا يثبت لهما الخيار لان البيع استند اليهما في حال التفرق ولا يثبت للوكيل أيضا لان المفروض أنه وكيل في اجراء الصيغة فقط. وأما ثبوت الخيار للموكلين مع كون الوكيل مفوضا سواء كان وكيلا مفوضا في البيع والشراء أو وكيلا مفوضا على وجه الاطلاق، و نفرض الكلام في الوكيل المفوض على وجه الاطلاق ويظهر حكم الوكيل المفوض في خصوص البيع والشراء من ذلك أيضا. فنقول لا شبهة في ثبوته للموكلين حينئذ مع حضورهما في مجلس العقد فانه لا شبهة في صدق التاجر أو المتبايعين أو البيعين على كل منهما ومن الواضح أن خيار المجلس ثابت لهما بالادلة الخاصة. وتوهم انصرافها عن ذلك إلى المالك المجرى للعقد فاسد كما تقدم وكك تقدم جواب الاشكال بانه لو حلف أن لا يبيع داره فباع وكيله لم يحنث فيعلم من ذلك أنه لا يثبت له الخيار لعدم صدق البايع عليه. وكذلك لا شبهة في ثبوته لهما إذا اجتمعا في مجلس آخر غير مجلس العقد بأن جمعتهما الهيئة الاجتماعية فانهما أيضا من المتبايعين فيثبت لهما الخيار فلو اخبرهما أحد أن الوكيلين من قبلكما قد اجريا العقد على السلعه الفلانية وعلما بثبوت الخيار لهما فلهما الامضاء والفسخ. ولا وجه أيضا لاعتبار الحضور في مجلس العقد كما يظهر من

[ 84 ]

شيخنا الاستاذ وأما لو كانا متفرقين فلا يثبت لهما الخيار كما تقدم تفصيله في القسم الاول ولا يفرق في ذلك كله بين كون الوكيلان من قبلهما مفوضين في البيع والشراء فقط أو على وجه الاطلاق أو مختلفين. وقد بقى الكلام في امرين الاول أنه إذا اجتمع الموكلان و الوكيلان في مجلس العقد فانه لا شبهة في ثبوت الخيار لهما كما عرفت وانما الكلام في انه إذا أعمل كل منهما الخيار من الفسخ أو الامضاء فهل يوجب ذلك لزوم البيع أو انفساخه من قبل الجميع سواء في ذلك الموكلان والوكيلان أم لا. أما الفسخ فانه إذا تحقق من أي من الوكيلان أو الموكلين من طرف البايع أو من طرف المشترى فانه يوجب هدم البيع و انفساخه بلا شبهة والوجه فيه هو ما ذكرناه في تعريف الخيار من أنه ملك فسخ العقد أو اقراره وقلنا هناك انه فرق بين الفسخ و الاقرار فان الامضاء والالتزام إذا تحقق من طرف واحد سواء كان من طرف المشترى أو من طرف البايع لا يستلزم الامضاء من طرف الآخر فانه معنى قائم بالطرفين فيمكن الاقرار والاثبات من احد الطرفين بان يلزم أن يفسخ العقد ولا يرفع اليد من التزامه ولكن يكون جائزا من الطرف الآخر بأن يكون مختارا في الفسخ أو الامضاء. وهذا بخلاف الفسخ فانه لا يعقل أن يتحقق فسخ العقد من طرف وبقائه من طرف آخر بل بمجرد تحققه من أحد الطرفين ينفسخ العقد من أصله وهذا لخصوصية في الفسخ فانه ليس الا عبارة عن حل العقد وهدمه فلا معنى لان ينحل العقد من أحد الطرفين و يبقى من الطرف الآخر كما هو واضح.

[ 85 ]

وعليه فإذا فسخ أحدهم من الوكيلين أو الموكلين من طرف البايع أو من طرف المشترى فينحل البيع من الطرفين وينفسخ من أصله فلا يبقى موقوفا من الطرف الآخر على الفسخ أيضا كما كان لزوم العقد من الطرفين موقوفا على امضاء كلا الطرفين كما هو واضح. وأما الامضاء واسقاط الخيار فهل يوجب الالزام من احد الطرفين الالزام من الطرف الآخر أيضا كما ذكره المصنف والتزم به أم لا بل يبقى الطرف الآخر باقيا على خياره. وتنقيح ذلك يحتاج إلى تحقيق معنى قوله عليه السلام البيعان بالخيار ما لم يفترقا من أن المراد من البيع هو الطبيعة أو أريد منها القضية الحقيقية. وقد يقال ان المراد من قوله المتبايعان أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا هو جنس المتبايع والبيع أي الطبيعة الكلية بحيث اثبت الامام عليه السلام الخيار لهذه الطبيعة انما سرت وقد تكون قائمة بفرد واحد وقد تكون قائمة بافراد عديدة ولكن الثابت هو الخيار الواحد فقط القائم بالطبيعة ولا يتعدد بتعدد الافراد فكلمن سبق من افراد هذه الطبيعة إلى اعماله نفذ وسقط خيار الباقين بلزوم العقد كما كان الامر كك في الانفساخ أيضا غاية الامر اتيان البيع أو المتبايع بكلمة التثنية في قوله (ع) المتبايعان بالخيار أو البيعان بالخيار ما لم يفترقا قرينة على أن الثابت للمتبايعين هو خياران أحدهما لطرف البايع والثانى لطرف المشترى واطلاق البيعين على البايع والمشترى أو من جهة التغليب كاطلاق الشمسين على القمر والشمس من باب المشاكلة والمشابهة أو من جهة صحة اطلاق البايع

[ 86 ]

على المشترى حقيقة فانه بمعنى ترك شئ وأخذ شئ آخر بدله كما في القاموس والراغب وأما أن الثابت لكل طرف أيضا متعدد حسب تعدد اشخاص هذا الطرف وذلك الطرف فلا بل ثبت الخيار لصرف الوجود. وعلى الاجمال فظهور الروايات الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين هو أن هنا خياران قد ثبتا على طبيعين أحدهما قد ثبت على طبيعي البايع والثانى قد ثبت على طبيعي المشترى و الاتيان بكلمة التثنية أما من جهة المشاكلة أو من جهة الحقيقة كما تقدم وهاتان الطبيعتان سواء تعددت افرادهما أو اتحدت لكل منها خيار واحد فاى من افراد هذه الطبيعة سبق على اعمال الخيار بأن امضى العقد فسقط الخيار عن الباقين لان المفروض أنه كان هنا خيار واحد قائم بهذه الطبيعة فبمجرد اعمال فرد من هذه الطبيعة ذلك الخيار سقط عن الباقين فان الطبيعي يحصل بصرف الوجود فقط وكك الكلام في الطرف الآخر من الطبيعي. وعلى هذا فلكلام المصنف مجال واسع حيث قال وح فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لاشخاص كثيرة من طرف واحد أو من الطرفين فكل من سبق من أهل الطرف الواحد إلى اعماله نفذ و سقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه فان ذلك المسألة فيما إذا ثبت للجانبين وهذا فرض من جانب واحد وليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز. فانه على هذا قد اتضح الفرق بين هذه المسألة ومسألة تقديم الفاسخ على المجيز فان مورد المسألة الثانية هو أن يكون

[ 87 ]

الفسخ أو الامضاء من أحد طرفي العقد لا من طرف واحد فقط فانه لا شبهة ح انه إذا فسخ أحد الطرفين انفسخ العقد من الطرفين و أما إذا أمضى أحدهما دون الآخر لا يكون العقد لازما من الطرفين و هذا هو الفارق بين المسألتين كما لا يخفى. ولكن الظاهر ليس كك فالظاهر من الروايات الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين على سبيل القضية الحقيقية كما هو كك في جعل سائر الاحكام التكليفية والوضعية فانها جعلت على الموضوعات المقدرة المفروضة وجودها وهكذا في المقام وعلى هذا فظهور الروايات ان خيار المجلس انما ثبت على كل من صدق عليه المتبايع والبيع والتاجر فكل من صدق عليه شئ من هذه العناوين فله خيار المجلس وعليه فان سبق الوكيل المفوض من جميع الجهات إلى اعمال الخيار بأن أمضى العقد فيكون امضاء من قبل الموكل أيضا وان كان لكل منهما خيار مستقل ولكن حيث كان الوكيل وكيلا مفوضا فله أن يفسخ المعاملة من قبل المالك حتى فيما له خيار المجلس كما إذا حضر مجلس العقد بعد تحقق المعاملة بين موكله وشخص آخر فان له الفسخ من قبل الموكل فإذا كان الوكيل المفوض الوارد بعد العقد له ذلك فالمفوض الحاضر في مجلس والموجد للعقد أو بان يفسخ من قبل الموكل أيضا فيكون امضاؤه استقلالا من قبل نفسه ووكالة من قبل الموكل فيسقط خيارهما معا حتى لو كان غافلا عن ثبوت الخيار للموكل فان الوكالة ليست من الامور التى اعتبر فيها قصد الوجه ولذا لو وكل احد شخصا في معاملة وعامل الوكيل تلك المعاملة بقصد الفضولية لعدم علمه بالوكالة فانه ليس للموكل أن يرد تلك المعاملة والمعاملة معها

[ 88 ]

معاملة الفضولية كما لا يخفى. نعم لو قصد الموكل في امضائه العقد واسقاطه الخيار الحصة الخاصة من الخيار المختص لنفسه أو لموكله فلا يسقط من كليهما وأما في غير هذه الصورة فيسقط خيار الجميع بامضاء الوكيل العقد وبهذا يمتاز الوكيل المفوض من جميع الجهات عن الوكيل المفوض في خصوص البيع والشراء فقط فانه ليس له اسقاط الخيار الا من قبله لانه ليس له التصرف في الامور الراجعة إلى الموكل في غير البيع أو الشراء الذان قد حصلا وخلصت وكالته. نعم لو كان الخيار ثابتا لطبيعة البيع والمتبايع لكان هذا القسم من الوكيل المفوض كالمفوض المطلق ونفس الموكل فيما ثبت له الخيار لكونه فردا من طبيعة المتبايع والبيع أيضا. قوله: ثم على المختار من ثبوته للموكلين فهل العبرة فيه الخ، أقول: هذا هو الامر الثاني وحاصله ان الغاية في خيار المجلس الثابت للموكلين والوكيلين معا في مجلس العقد أي شئ هل هي تفرق الموكلين لكونهما أصلا في المعاملة أو هي تفرق الوكيلين لانهما اسبب في ثبوت الخيار للموكلين لانهما أو جدا المعاملة أو بتفرق الكل فيكفى بقاء وكيل مع أصيل آخر في مجلس العقد وجوه كما ذكره المصنف أو المناط في حصول الغاية هو تفرق واحد منهم أي منهم كان كما احتمله السيد (ره) في حاشيته وجوه. وتحقيق الكلام أنه تارية نقول بثبوت الخيار للطبيعة أي طبيعة المتبايعين والبيعين وأخرى نقول أنه حكم انحلالي إلى كل ما يصدق عليه عنوان المتبايع والبيع على سبيل القضية الحقيقية.

[ 89 ]

أما على الاول فلا يرتفع الخيار بتفرق بعضهم ما لم يتفرق مجموعهم بان كان في المجلس من يصدق عليه عنوان المتبايع وطبيعة البيع ويصدق ذلك ببقاء أحد الوكيلين مع الاصيل الآخر بان يبقى في المجلس أحد الوكيلين من طرف وأحد الاصيلين من طرف آخر وببقاء الاصيلين وببقاء الوكيلين وعلى هذا فكلام المصنف متين ولكن قد عرفت أن ارادة الطبيعة من البيع والمتبايع وجعلها موضع الحكم في المقام خلاف ظواهر الادلة فان الظاهر منها أن الخيار ثابت لبيع على نحو القضية الحقيقية والمتبايع الذى يكون مفروض الوجود على أنه لو كان المراد من الادلة هو ذلك فلازمه القول بثبوت الخيار للموكل وان لم يكونا مجتمعين في مجلس واحد بل متفرقين في الخارج فان طبيعي البيع والمتبايع لم يحصل التفرق فيه ومقتضى الاطلاق أن طبيعي البيع بالخيار ما لم يحصل التفرق بينهما ومن الواضح أن الموكلين أيضا يصدق عليهم طبيعي البيع فيكون لهما الخيار ما لم يحصل التفرق من الوكيلين الحاضرين في مجلس العقد وهذا مما لم يلتزم به المصنف ولا أنه ينبغى أن يلزم به احد فيعلم من ذلك أي من عدم التزام المصنف بهذا النقض أنه لم يقل بثبوت الخيار للطبيعة ودعوى أن صدر الرواية وهو ثبوت الخيار للطبيعي البيع معارض مع ذيله وهو ما لم يفترقا فانه يصدق على المتفرقين انهم بيع تفرقوا فلازم الصدر ثبوت الخيار لمن صدق عليه البيع حتى المتفرقون ولازم الذيل عدم ثبوته للمتفرقين فيعارض الصدر الذيل دعوى جزا فيه فان انتفاء الطبيعة بانتفاء جميع افراده ولكن ثبوتها بثبوت فرد واحد منها.

[ 90 ]

وعلى الجملة أن ما التزم به المصنف من كون المناط في التفرق هو تفرق الكل صحيح بناء على ثبوت الخيار للطبيعة ولكنه يلازم بما لم يلتزم به أحد. وأما على الثاني أعنى ثبوت الخيار على الموضوع المفروض الوجود الذى عبارة عن القضية الحقيقية فان كان الموكلان مجتمعين في مجلس غير مجلس العقد بان جمعتهما الهيئة الاجتماعية في مجلس واحد فلا شبهة في أن المناط في التفرق الذى هو غاية للخيار هو تفرق الموكلين عن مجلسهما كما أن المناط في سقوط الخيار عن الوكيلين تفرقهما عن مجلس العقد فلا ربط لتفرق الموكلين بالوكيلين وبالعكس. وان كان المجموع من الموكلين والوكيلين حاضرون في مجلس العقد فالمناط في بقاء الخيار وسقوطه هو تفرق أي منهم وبقاء الآخرين فكل من خرج عن مجلس العقد سقط خياره وكل من بقى في المجلس فهو مختار بشرط أن يكون الباقين بعضهم من طرف البايع وبعضهم من طرف المشترى. وبعبارة أخرى أن الخيار ثابت لكل ما يصدق عليه المتبايع أو التاجر أو البيع على نحو الانحلال والغاية في سقوط ذلك هو التفرق فإذا بقى الوكيلين وخرج الموكلين فالخيار باق بالنسبة إلى الوكيلين وساقط عن الموكلين وان كان العكس فالامر بالعكس وان اختلف الامر بأن بقى أحد الوكيلين من طرف مع الاصيل الاخر من طرف آخر وخرج أحد الوكيلين مع أحد الاصيلين فيبقى الخيار في الباقين ويسقط عن الخارجين.

[ 91 ]

والحاصل أنه بناء على الانحلال فكل من صدق عليه البيع من أحد الطرفين مع ما يصدق عليه البيع من الطرف الآخر اجتمعا في مجلس العقد أي بقيا وان تفرق غيرهما فهما بالخيار ويسقط الخيار عن المتفرقين لان الغاية قد حصلت بالنسبة إلى المتفرقين ولكنها بعد لم تحصل بالنسبة إلى الباقين كما هو واضح. ومن هنا ظهر بطلان سائر الوجوه المذكورة في المقام. قوله: ومما ذكرناه اتضح عدم ثبوت الخيار للفضوليين وان جعلنا الاجازة كاشفة أقول: قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه عدم ثبوت الخيار للفضوليين وان صدق عليهما عنوان البايع والمشترى فانك قد عرفت ان المناط في ثبوت خيار المجلس للبايع هو كون أمر البيع في يده ومن الواضح أن الفضوليين ليسا كك ومن هنا ذكر المصنف أنه إذا لم يثبت الخيار للوكيلين الغير المستقلين في التصرف فعدم ثبوته للفضوليين أولى كما لا يخفى وأما دعوى أنه لا يصدق عليهما المتبايع فقد اتضح جوابه مما تقدم ومما ذكره المصنف (ره) من ان البيع هو النقل العرفي وهو موجود هنا فيصدق عليهما المتبايع وأما ثبوته للمالكين فذكر المصنف أن له وجه بعد الاجازة مع حضورهما في مجلس العقد واعتبار مجلس الاجازة على القول بالنقل له وجه خصوصا على القول بأن الاجازة عقد مستأنف جديد على ما تقدم توضيحه في مسألة عقد الفضولي. وقد أمر شيخنا الاستاذ على عدم ثبوته للمالكين في المعاملة الفضولية إذا لم يحضرا في مجلس العقد وحضورهما في مجلس الاجازة لا يكفى في ثبوت الخيار لهما لان الانتقال وان حصل حال الاجازة

[ 92 ]

الا أنه لو احتمل خصوصية الاجتماع حال العقد فلا مانع لهذا الاحتمال واطلاق البيعان بالخيار ليس بصدد البيان من هذه الجهة. أقول قد عرفت أن قوله عليه السلام البيعان بالخيار حكم انحلالي ثابت لكل من صدق عليه المتبايع مع حضورهما في مجلس واحد عند العقد حتى صدق البيع والمتبايع عليهما ومن الواضح فإذا اجاز المالكين البيع فيستند البيع اليهما ويصدق عليهما عنوان البيع ح فيثبت لهما الخيار لتحقق موضوعه ولا يفرق في ذلك بين الكشف والنقل في ذلك فانه على كل حال فزمان الاجازه زمان استناد البيع إلى المالكين وزمان الاستناد هو زمان صدق البيع عليهما وهو موضوع الخيار فيثبت لهما الخيار حين الاجازة والعجب من شيخنا الاستاد كيف استشكل في اطلاق البيعان بالخيار مع صدق البيع على المالكين هنا لا يقصر عن صدقه على سائر البياعين فلا نعرف الفرق بين المقام وبين سائر الموارد لا من حيث مادة البيع ولا من حيث هيئته. (في حكم ثبوت الخيار لشخص واحد من حيث كونه بايعا ومشتريا). قوله مسألة لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره اقول قد عرفت حكم ثبوت الخيار للبايع والمشترى في صورة التعدد سواء كانا وكليين أو موكلين أو مختلفين، وكك لا شبهة في ثبوت الخيار فيما إذا كان المنشئ واحدا وكان الموكلين من البايع والمشترى متعددا وحاضرا في مجلس العقد فانه يثبت الخيار لكل منهم ما لم يتفرقوا وانما الاشكل فيما إذا كان شخص واحد وكيلا من قبل كل من البايع والمشترى فانه لا تعدد في هذه الصورة من الطرفين ومفروض المسألة على ثلثة أقسام لان الوكيل المذكور قد يبيع من الموكل لنفسه وقد يبيع

[ 93 ]

من نفسه لموكله وقد يبيع من احد الموكلين للاخر. وهل يثبت له الخيار ح من كل من الطرفين أو لا يثبت الخيار له أصلا وقد وقع الخلاف في ذلك والظاهر أن المعروف هو عدم ثبوت الخيار له من الطرفين وذهب بعضهم إلى ثبوته ومنهم السيد (ره) في حاشيته واستدلوا على ثبوته بالاطلاقات الدالة على ثبوت الخيار للمتبايعين ما لم يفترقا أو حتى يفترقا. ومن الواضح أن الشخص الواحد يصدق عليه البايع والمشترى باعتبارين. ولكن الكلام في ثبوت المانع عن ذلك في المقام وذكروا وجوها للمانعية الاول أن المذكور في الروايات هو المتبايعان أو البيعان ومن الواضح ان الشخص الواحد لا يصدق عليه الاثنينية فان التثنية في حكم تكرار المفرد ومجرد صدق العناوين المتعددة على شئ واحد لا يصح اطلاق التثنية عليه الا باعتبار هذا العنوان الانتزاعي مثلا فيقال ان له عنوانين أو عناوين. ويمكن الجواب عنه بأن المراد من الروايات المشتملة على ذكر التثنية هو ثبوت الخيار للبايع بعنوانه وللمشترى بعنوانه فكأنه (ع) قال البايع بالخيار والمشترى بالخيار ما لم يفترق أحدهما عن الآخر وهذا لا ينافى ثبوته لشخص واحد يكون مجمعا للعنوانين فالنكتة في الاتيان بلفظ التثنية هي كون الغالب في البيوع تعدد المتعاملين وكون البايع غير المشترى بداهة عدم موضوعية التثنية والاثنينية في ثبوت الخيار وعليه فلا مانع من التمسك بالاطلاقات الدالة على ثبوت الخيار للمتبايعين في المقام أيضا. الوجه الثاني أن الحكم أعنى الخيار مغيا بالافتراق أو الموضوع

[ 94 ]

وهو المتعاملين مغيا بالافتراق كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ وقلنا في بعض المباحث الاصولية أن جميع الشروط في القضايا الشرطية ترجع إلى الموضوع وعلى كل حال فهذه الغاية مستحيلة في شخص واحد فانه لا يعقل الافتراق هنا ومن الواضح أنه لا معنى لكون الحكم مغيا بغاية مستحيلة كما إذا قال أحد أن هذا الحكم ثابت حتى يلزم الدور أو التسلسل أو اجتماع النقيضين أو الضدين، وهذا الوجه هو الظاهر من المصنف. وفيه أولا ما اجابه السيد نقضا من أن الغاية المذكورة قد تكون مستحيلة في شخصين كما إذا كانا متلاصقين فانه لا شبهة في ثبوت الخيار لهما مع أن الافتراق فيه مستحيل أيضا. وهذا النقض لا بأس به وكك يصح النقض بما إذا كانا متعددين غير متلاصقين ولكن كان الافتراق مستحيلا عادة كما إذا كانا في السجن المخلد فانه لم يتوهم أحد عدم ثبوت الخيار في أمثال ذلك وعليه فيثبت له الخيار ولا يسقط الا بمسقط غير الافتراق. وثانيا بالحل بان يقال ان الحكم وان كان مستحيل ان يكون مغيا بغاية مستحيلة كان يجعل على موضوع معلقا باجتماع النقيضين ولكن المقام ليس كك فانه لا باس بأن يكون مغيا بغاية هي الجامع بين الممكن والمستحيل كما إذا قال المولى لا تجوز الصلوة في الثبوت النجس حتى يغسل أو إلى أن يغسل وكقوله مثلا لا تجوز أكل المتنجس إلى أن يغسل أو حتى يغسل فان الغسل قد يكون مستحيل في بعض أفراد المتنجس لكونه موجبا لانتفاء العين المغسولة ومن الواضح أن الاستحالة في خصوص فرد لا يوجب بطلان الحكم المجعول إلى

[ 95 ]

غاية جامعة بين الفرد الممكن والمستحيل وكك في المقام فان الخيار وان كان مغيى بغاية وهى الافتراق ولكن هذه الغاية ليست مستحيلة دائما بل هي مستحيلة في بعض الافراد كما عرفت في الفروض المتقدمة فمثل هذا لا يمنع عن جعل الحكم مغيى بغاية فكما لا يمنع استحالة الغسل في مثل السكر والقند والصبغ عن كون الغسل غاية لجواز أكل المتنجس أو لبسه وكك الافتراق المستحيل في فرد خاص لا يمنع عن جعل ثبوت الخيار للمتبايعين مغيى بغاية وهى الافتراق وهل يتوهم أحد أنه يجوز أكل السكر المتنجس والحليب المتنجس من جهة ان استحالة الغسل فيها أوجبت سقوط الحكم بوجوب الغسل نعم فيما كانت الغاية مستحلية من جميع الجهات فلا معنى لكون الحكم مغيى بتلك الغاية. كان الكلام في ثبوت خيار المجلس لشخص واحد الذى كان وكيلا من قبل البايع والمشترى وهو قد يبيع مال نفسه من احد الموكلين أو مشترى من أحدهما لنفسه أو يبيع من أحد الموكلين للآخر وبناء على ثبوت الخيار له لا يسقط الا بمسقط آخر وقد تقدم أن المانعين عن ثبوت خيار المجلس له من الطرفين تمسكوا بوجوه الاول: عدم شمول الاطلاقات الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين لما نحن فيه فانها تدل على ثبوته للمتبايعين والبيعين بحيث يكونان متعددا والشخص الواحد لا يكن متعددا. وبعبارة أخرى أن الاطلاقات تدل على ثبوت خيار المجلس للتثنية بحيث يكون أحدهما بايعا والاخر مشتريا والشخص الواحد و ان كان يصدق عليه عنوان البايع وعنواى المشترى ولكنه لا يصدق

[ 96 ]

عليه عنوان التثنية فانها في حكم تكرار المفرد والمفرد لا يصدق عليه التكرار نعم يصدق عليه العناوين المتعددة. وفيه أن الاتيان بالتثنية من جهة الغلبة فان الغالب أن المتصدي للبيع والشراء هو شخصان وهذا لا ينافى ثبوت الخيار للشخص الواحد أيضا إذا تصدى للبيع والشراء بوحدته كما يثبت له بقية احكام البايع والمشترى والاتيان بالتثنية في حكم أن أن البايع له خيار ما لم يفترق عن المشترى والمشترى له الخيار ما لم يفترق عن البايع والقرينة على هذا هو ثبوت الخيار لكل من البايع والمشترى مستقلا من غير أن يتوقف اعماله على اعمال الطرف الآخر فالاتيان بكلمة التثنية ليس له موضوعية أصلا كما هو واضح. الثاني ما ذكره بعضهم من أن ما يكون غاية للحكم الشرعي لا يمكن أن يكون مستحيلا بل لابد وأن يكون أمرا ممكنا ومن الواضح أن التفرق الذى غاية لثبوت الخيار للمتبايعين مستحيل في شخص واحد فلا يكون غاية لثبوت خيار المجلس له فيرتفع الخيار في حقه نعم قد يكون الغاية المستحيلة غاية لحكم مستحيل كقوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكقولك لا تقدر على الحركة وسكون معا حتى يجتمع النقيضان وهذا هو الظاهر من كلام المصنف. وفيه حلا ونقضا اما النقض فبما ذكره السيد قدس سره من فرض المتبايعين متلاصقين فانه مع كونهما شخصين يستحيل انفكاك احدهما عن الآخر فلازم الاشكال المذكور أن لا يثبت الخيار لهما أيضا مع انه بديهى البطلان بل لازم ذلك عدم ثبوت الخيار لشخصين مع استحاله الافتراق بينهما عادة كما إذا كانا في السجن الذى لا يخرجان منه عادة.

[ 97 ]

وثانيا بالحل وهو أن الحكم الشرعي وان لم يكن مغيى بغاية مستحيلة ولكن لا شبهة في جواز كونه مغيى بغاية ممكنة ولكن بعض أفرادها ممتنعة كما مثلناه كما إذا فرضنا أن الشارع حكم بحرمة اكل المتنجس أو لبسه حتى يغسل فان تلك الغاية ممكنة في نفسها و لكن قد تكون مستحيلة لاستحالة الغسل في بعض المواد لزوالها بالغسل وهذا لا يوجب ارتفاع حرمة الاكل أو اللبس عن تلك المورد مثلا. وهكذا إذا كان ثبوت الحكم للحيوان مغيى بغاية وهى الطيران فان استحالته في الانسان لعدم وجود الجناح له لا يوجب رفع الحكم، وما نحن فيه من هذا القبيل فان الافتراق الجامع بين المستحيل والممكن ممكن ولكن قد استحال ذلك في بعض أفراد البايع والمشترى وهو ما إذا كانا المتصدي للبيع والشراء شخص واحد الا انه لا يوجب رفع الحكم الشرعي أعنى الخيار المجلس الثابت للمتبايعين والبيعين. الوجه الثالث أن الغاية التى عبارة عن الافتراق غير متحقق في الشخص الواحد لا من جهة ما تقدم من عدم جواز كون الحكم الشرعي مغيى بغاية مستحيلة بل من جهة اباء مادة الافتراق عن ذلك وتوضيح ذلك أن الروايات الواردة في اثبات خيار المجلس على طائفتين الاولى ما كان مقيدا بقيد عدمي كقوله (ع) البيعان بالخيار ما لم يفترقا والثانية ما كان مغيى بغاية وهو قوله (ع) البيعان بالخيار حتى يفترقا كما اشرنا إلى هاتين الطائفتين في مطاوى ما ذكرناه ولا فرق بين هاتين الطائفتين فان قوله (ع) حتى يفترقا أيضا راجع

[ 98 ]

إلى القيد العدمي من حيث المفهوم فان مفهوم حتى يفترقا ان عدم الافتراق شرط في ثبوت الخيار فتكون كلتا الطائفتين ناظرتين إلى اشتراط الموضوع بعدم الافتراق وقهرا يكون الحكم أيضا مقيدا بذلك ثم ان التقابل بين الافتراق وعدم الافتراق وان كان هو الايجاب والسلب كما هو الشأن في كل عدم مضاف إلى شئ وبدله وليسا هما كتقابل الافتراق والاجتماع فانهما انما يكونان في موضوع قابل فيكون التقابل بينهما هو العدم والملكة فالتقابل المستفاد من الاخبار الواقع بين الافتراق وعدمه فيكون من تقابل السلب والايجاب، و لكن المتفاهم من القضية السالبة بحسب العرف هو أن الانتفاء انما هو بحسب المحمول وان كانت صادقة في نظر العقل بانتفاء الموضوع أيضا فانه إذا قيل ان فلانا ليس بوسيع الدار أو ليست زوجته جميله أو ليس له ابن يفهم أهل العرف أن له دار غير وسيعة وأن له زوجة غير جميلة وأن له زوجة وليس له ابن لا انه ليس له هذا الامور اصلا وان كان ذلك أيضا صادقا وعليه فيكن التقابل بين الافتراق ومقابله من العدم والملكة. وعلى هذا فكلمة عدم الافتراق انما تحقق وتصدق في مورد يكون قابلا للافتراق ولكن لم يتحقق الافتراق لكى يكون السلب بانتفاء المحمول كما هو مقتض الفهم العرفي حينئذ فيكون السلب مساوقا لثبوت الخيار للمتبايعين مع عدم التفرق في موضوع قابل للتفرق ولو عممنا السلب إلى السلب بانتفاء الموضوع لثبت الخيار بمقتضى الاخبار في صورة السلب بانتفاء الموضوع أيضا بحيث يكون التقابل ح بين الافتراق وعدمه هو التقابل في السلب والايجاب ولكن قلنا

[ 99 ]

هو خلاف المتفاهم العرفي من القضية السالبة. واذن فمحط الروايات وموضعها هو ما كان الافتراق فيه ممكنا مع حفظ الموضوع بحيث يكون الموضوع قابلا له حتى يكون الخيار مع عدم الافتراق ثابتا للمتبايعين فتكون النتيجة ح أن الخيار غير ثابت في صورة اتحاد البايع والمشترى إذ ليس المورد قابلا لتفرق فيكون المورد من باب السلب بانتفاء الموضوع وقد عرفت أنه بعيد عن المتعارف فلا يكون مشمولا للاخبار نعم لو عممنا مورد الاخبار للسلب بانتفاء الموضوع أيضا لكانت شاملة لما نحن فيه ايضا. والحاصل أن مورد الاخبار ما يكون التقابل بين الافتراق و عدمه تقابل العدم والملكة بحيث يكون المتبايعين قابلين لذلك و ما نحن فيه من قبيل السلب والايجاب وإذا عممنا الاخبار إلى السلب بانتفاء الموضوع ايضا فيكون المقام مشمولا لها ولكنه خلاف متفاهم العرف ومن هنا ظهر الجواب عن نقض السيد ره فان الشخصين المتلاصقين وان كانا غير متفرقين ومستحيل افتراقهما ولكن عدم افتراقهما من قبيل العدم والملكة لكونها بحسب نوعهما قابلين للافتراق وان كانا لا يقبلان ذلك بحسب التصادف فيكون الخيار ثابتا لهما لكون الاخبار شاملة لهما كما عرفت. نعم لو كان الغرض من ثبوت الخيار للمتبايعين هو التروي حتى يلاحظ كل منهما صلاح نفسه بحيث يكون ذلك هو الحكمة في جعل خيار المجلس لكان لثبوته لشخص واحد إذا كان وكيلا من الجانبين وجه وجيه ولكن لا دليل على هذا الحكمة وقد تقدم الكلام فيه ولا يمكن رفع اليد بها عن عموم الادلة واطلاقاتها الدالة

[ 100 ]

على صحة العقود والايقاعات فان مثل ذلك من الوجوه الاستحسانية التى لا يمكن الاعتماد عليها. (مسألة في استثناء بعض اشخاص المبيع عن ثبوت خيار المجلس). قوله مسألة قد يستثنى بعض اشخاص المبيع عن عموم ثبوت هذا الخيار اقول منها من ينعتق على أحد المتبايعين فان المشهور ذهبوا إلى سقوط خيار المجلس في ذلك بل الظاهر من كلام بعضهم انه موضع وفاق وقد استدل عليه بوجوه الاول أن البيع والشراء المتعلقين بالعمودين ليسا من البيع والشراء الحقيقيين بل هما في الحقيقة عتق فيكون البيع من البايع ايجادا للعتق بصيغة البيع مع الضمان من المشترى وعليه فلا يترتب عليه احكام البيع أصلا وهذا الوجه هو محتمل كلام المصنف حيث عبر عنه بالملك التقديرى والملك الفرضى فان الظاهر من ذلك أن ما يوجب حصول الملكية أعنى البيع منتف. وفيه أنه لا وجه للالتزام به وانه خلاف البداهة فانه لما ذا يترتب العتق على قصد المتبايعين الملكية خصوصا إذا كانا جاهلين بالحكم أو بالموضوع فبأى دليل يحكم بترتب العتق على البيع فانه وان كان ممكنا ولكنه لا دليل عليه فانه لو ترتب العتق على البيع يلزم أن يقع ما لم يقصد ولم يقع ما قصد نعم لو قام الدليل عليه لما كان به بأس كما هو كك في المعاطات كما تقدم فانك قد عرفت أن مقتضى الجمع بين الادلة هو الحكم بالاباحة الشرعية على ما ذهب إليه بعضهم. الوجه الثاني ما ذكره المصنف في آخر كلامه وحاصله أن

[ 101 ]

سقوط الخيار بالتصرف الشامل للاتلاف معللا في أخباره بأنه رضا منه يقتضى بالفحوى والاولوية على عدم ثبوته في المقام لان بيع من ينعتق على المشترى اتلاف له من البايع والمشترى له ف إذا كان الاتلاف رافعا للخيار بعد ثبوته فبالاخرى أن يكون دافعا له. ويرد عليه أولا ما اعترف به المصنف قبل كلامه هذا من اختصاص ذلك بصورة العلم منهما ولا يجرى ذلك في فرض الجهل منهما على الحكم والكبرى أو الجهل بالصغرى والموضوع. وثانيا أن لازم ذلك هو سقوط الخيار من المشترى فانه اتلف المبيع وأما البايع فلا وجه لسقوط خياره واقدامه على البيع في صوره العلم ليس اقداما على التلف عنه بل اقادم على التلف عن المشترى. وثالثا أن ما سيأتي الكلام فيه من كون التلف بل أدنى التصرف مسقط للخيار انما هو بعد تمامية البيع والنقل والانتقال لا التلف الذى يلزم من قبل القبول فانه لا دليل على كونه مسقطا للخيار بل هو مقوم للبيع الذى موضوع الخيار فانه لا يتقوم بدون القبول. وبعبارة اخرى ان التلف بل التصرف ولو كان قليلا وان كان يوجب سقوط الخيار ولكنه واقع بعد تحقق البيع وحصوله النقل و الانتقال واما التصرف الحاصل بايجاد أحد ركني البى ع كما يتحقق هنا بالقبول فلا يوجب سقوط الخيار وعليه فإذا فسخ كل من البايع أو المشترى العقد فيرد بدل العين التى في حكم التالف كما هو واضح. الوجه الثالث أن في شراء العمودين وان كان يحصل النقل ولا انتقال حقيقة الا أنه آنى فلا يقبل الا العتق فلا يقبل المورد تعلق

[ 102 ]

الفسخ والرد به فان الحر لا يصير عبدا وعلى هذا فادلة الخيار تكون منصرفة عن المقام. وبعبارة أخرى أن منصرف أدلة الخيار صورة بقاء العوضين فإذا تلف احدهما أو كلاهما تلفا حقيقيا أو تلفا حكميا وشرعيا كالانتقال إلى الغير بالبيع ونحوه أو كالعتق كما في المقام خرج المورد عن منصرف الادلة. والحاصل أن المستفاد من دليل الخيار تقوم حق الخيار بقيام العوضين أما بتعلق الحق بهما ابتداء أو كان الحق قائما بالعقد و لكن ذلك لغرض استرجاع العوضين فلا يكون حيث لا يكونا العوضان قائمين. وفيه أن متعلق الفسخ هو العقد كما تقدم بيانه سابقا دون العين كما هو كك في المعاطات حيث ان معنى تزلزل العقد هو جواز تراد العينين وعلى هذا فيجوز اعمال الخيار حتى بعد تلف أحد العوضين أو كليهما بحيث لا يكون مستندا إلى تصرف أحدهما و عليه فان كانت العين باقية فتسترجع العين والا فبدلها ودعوى انصراف الادلة الدالة على ثبوت الخيار إلى صوره بقاء العين دعوى جزافية فانه لا منشأ له بوجه وان كانت نتيجة فسخ العقد أيضا هو استرجاع العين. الرابع أن معنى الفسخ هو فرض كون العين تالفة في ملك البايع في فرض التلف بأن يفرض أن المبيع لم يكن منتقلا إلى المشترى أصلا لان الفسخ يجعل العقد كأن لم يكن وكان التصرف وقع في ملك البايع وفرض العقد كأن لم يكن مثلا إذا اشترى أحد من البايع

[ 103 ]

خبزا فاكله ثم فسخ العقد فمعناه أن الاكل قد وقع في ملك البايع و عليه فلا يجرى ذلك في شراء الشخص عموديه فانه بمجرد الاشتراء ينعتق عليه بعد حصول الملكية له آنا ما وإذا نعتق فلا يمكن أن يفرض بالفسخ كون العتق واقعا في ملك البايع فان العبد ليس من عمودي البايع حتى ينعتق عليه بل هو من عمودي المشترى فلا يعقل جريان الفسخ هنا أصلا فلا يجرى خيار المجلس في شراء الشخص عموديه كما هو واضح. وبالجملة حيث لا يمكن فرض كون العتق في ملك البايع لعدم كون العبد ابا له مثلا فلا يمكن فرض الفسخ هنا لعدم تحقق معناه الذى كان عبارة عن فرض كون التلف في ملك البايع وإذا لم يجر معنى الفسخ هنا فلا يجرى فيه الخيار أيضا. وفيه أولا أن لا داعى لهذا الفرض فانه التزام به بلا ملزم و شعر بلا ضرورة فلماذا نفرض كون الفسخ هو فرض تلف المبيع في ملك البايع كما لا يخفى. وثانيا لازم ذلك عدم الخيار في صورة التلف الحكمى بأن يبيع المشترى ما اشتراه من البايع إلى الثالث فانه لا يمكن هنا أيضا فرض كون البيع في ملك البايع فانه مضافا إلى أنه لا بيع الا في ملك لانه وقع في ملك المشترى أن لازم ذلك رجوع الثمن إلى البايع و ليس كك قطعا فانه مال للمشترى فلا مساس له بالبايع كما هو واضح و أما في صورة التلف الحقيقي فلا يجرى النقض لامكان فرض كون التلف في ملك البايع فلا يقاس بالتلف الحكمى مثل البيع ونحوه. الوجه الخامس ما ذكره صاحب المقابيس وحاصله أن ثبوت

[ 104 ]

الخيار لمن انتقل عنه مبنى على أن الخيار والانعتاق هل يحصلان بمجرد البيع أو بعد ثبوت الملك أنا ما أو أن الخيار مبنى على البيع والانعتاق مبنى على ثبوت الملك أو العكس فعلى القول بحصول الخيار والانعتاق بمجرد البيع أو القول بحصول الملك أو القول بكون الخيار مبنيا على الملك والانعتاق على البيع فيقوى القول بعدم الخيار والوجه فيه أن أخبار العتق النص في مفاده والقول بالرجوع إلى القيمة بعد اعمال الخيار فاسد فان القيمة بدل للعين فيمتنع استحقاقها من دون المبدل ولان حق العتق سابق لتعلقه قبل تعلق الخيار فيكون مقدما. ثم قرب ثبوت الخيار على الوجه الاخير جمعا بين الحقين و دفعا للمنافات من البين وعملا بكلا النصين والاجماع على عدم امكان زوال يد البايع عن العوضين وتنزيلا للفسخ منزلة الارش مع ظهور عيب في أحدهما والعتق بمنزلة تلف العين فكما أنه مع ظهور العيب في أحدهما يؤخذ الارش وفى هنا يؤخذ البدل إذ لا يمكن عود الحر عبدا ثم وجه ثبوت الخيار بأنه يثبت بمجرد العقد وأن العقد علة له كما أن الملك علة للعتق فلمكان عدم الانفكاك بين العلة و - المعلول فيتعين القول بثبوت الخيار بمجرد البيع كما هو واضح. وفيه أنه لا يترتب ثمر على هذا التشقيق بوجه ولا طائل تحته أصلا فانه ان كان المراد من تقدم الخيار على العتق هو التقدم الطبعى فلا فائدة فيه. وان كان المراد به هو التقدم الزمانى فهو خارج عن المقام أما الاول فتوضيح ذلك ان كان البيع متقدما رتبة على الملك وكان

[ 105 ]

الخيار أيضا مترتبا على البيع فيكون مقدما على الانعتاق رتبه لان الفرض أن الانعتاق انما ترتب على الملك وان كان الملك متقدما على البيع رتبة وترتب الخيار على الملك والانعتاق على البيع كان الخيار أيضا متقدما على الانعتاق وان كان العكس فالانعتاق مقدم على الخيار رتبة. وبعبارة اخرى قد يكون الخيار مقدما على الانعتاق رتبة وقد يكون الانعتاق مقدما على الخيار رتبة وعلى كل حال سواء كان الخيار مقدما على الانعتاق أو الانعتاق مقدما على الخيار فلا يترتب عليه ثمر أصلا لانا ذكرنا مرارا في كثير من الابحاث أن المدار في اجتماع الحكمين وعدمه وتقدم أحدهما على الآخر وبالعكس هو ملاحظة الاتحاد في الزمان فبمجرد الاختلاف بحسب الرتبة لا يفيدنا بوجه و من الواضح سواء قلنا بتقدم الخيار على الانعتاق رتبة أو بالعكس و على كل حال فموضوع كليهما اعني البيع والانعتاق انما تحققا في زمان واحد فيترتب عليهما الخيار والانعتاق أيضا في زمان واحد وان كان ترتب أحد الحكمين مقدما على الآخر من حيث الرتبة لتقدم موضوع أحدهما على الآخر كك. وأما على الثاني بان يكون موضوع أحد الحكمين مقدما على الآخر من حيث الزمان فيكون أحد الحكمين أيضا مقدما على الآخر من حيث الزمان كما إذا فرضنا في مورد قد حصل البيع ولم يحصل الملك بعد كما في بيع السلم فان البيع قد حصل عند اجراء الصيغة ولكن الملكية مشروطة بالقبض وعليه فان قلنا بكون الانعتاق مترتبا على البيع والخيار مترتبا على الملك فبمجرد تحقق البيع يترتب الانعتاق

[ 106 ]

على البيع كما إذا كان الثمن عبدا فانه ينعتق على البايع الذى هو ابنه وعليه فلا يبقى موضوع للخيار أصلا فانه كان مترتبا على الملكية وهى لم تحصل بعد ولكن هذا مجرد فرض فانه لا دليل على الانعتاق بمجرد البيع كما هو واضح وان كان الخيار مترتبا على البيع وكان العتق مترتبا على الملك كما هو كك فح لو فسخ ذى الخيار العقد فانه لا يبقى موضوع للانعتاق وهذا الفرض صحيح ولكن كلام صاحب المقابس في البيع المتعارف لا في البيع السلم وقد ذكرناه من ان الفرض خارج عن مورد كلامه على ان مفروض الكلام هو اجتماع الخيار والانعتاق في محل واحد وملاحظة دليلهما وتقديم احدهما على الآخر لا نصية وفى المقام لم يجتمعا في آن واحد بل كان الخيار مقدما على العتق موضوعا وكان ثبوته أيضا مقدما عليه فاعماله لا يبقى مجالا للعتق فضلا عن الاجتماع وعلى كل حال لم نتحصل من كلامه وتشقيقه ما يفيدنا بوجه أصلا وعلى الجملة لم نعرف وجها صحيحا وفائده لما تشققه وقسمه إلى شقوق واقسام والحق أنه لا وجه لسقوط الخيار هنا لما ذكرناه من تعلق الفسخ بالعقد دون العقد كما اعترف به صاحب المقابيس أخيرا فيكون ذلك مثل الارش. قوله ومنها العبد المسلم المشترى من الكافر بناء على عدم تملك الكافر المسلم اختيارا اقول من جملة الموارد التى ذكر عدم ثبوت الخيار فيها هو بيع العبد المسلم من الكافر جبرا فانه لا خيار للبايع ح والا يلزم أن يكون مثل الاول، وقد يقال في وجه ذلك أن هذا ليس ببيع أصلا بل هو صورة بيع نظير الوجه الاول الذى تقدم في بيع العبد ممن ينعتق عليه فكأن هذا شئ لا ستخلاص

[ 107 ]

العبد المسلم من الكافر واعطاء ثمنه اياه من أي شئ كان من بيت المال ونحوه. والحاصل أن خيار المجلس انما ثبت في البيع للمتبايعين فبيع العبد المسلم من الكافر ليس بيعا لكى يثبت فيه الخيار بل هو استنقاذ له من الكافر واعطاء بدله اياه بأى نحو كان فلا يثبت ح خيار المجلس كما هو واضح كما أن في المسألة الاولى كان بيع العبد ممن ينعتق عليه صوره بيع لكونه في الواقع انشاء لصيغه العتق كما لا يخفى. هذا وان كان ممكنا ولكنه خلافه ظواهر الادلة فان قوله (ع) في عبد المسلم عند مولاه الكافر قال بيع ممن ينعتق عليه أن الظاهر منه أنه يباع عليه حقيقة لا أنه يستنقذ منه ويعطى عليه قيمته كما توهم. وقد يقال بأن ثبوت الخيار للبايع الكافر اثبات سبيل له على المؤمن وهو منفى بنص الآية الشريفة هنا فلا يثبت خيار المجلس في مثل هذا البيع. ولكنك قد عرفت في شرائط العوضين من الآية لا دلالة فيها على عدم جواز تملك الكافر العبد المسلم فان مجرد التملك ليس سبيلا وانما السبيل هو بقاء العبد تحت سلطنة الكافر وأما إذا ملكه ثم اجبر بالبيع فلا سبيل فيه وعلى تقدير دلالتها على عدم جواز تملك الكافر العبد المسلم انما هو في الملك الابتدائي بأن يشترى عبدا مسلما من شخص وأما الملك الاستمراري فلا يكون مشمولا للآية بأن يبيع ما عنده من العبد ثم يرجعه إلى ملكه بالفسخ وهذا وان كان نحوا

[ 108 ]

من التملك ولكنه ليس مشمولا للآية وذلك فقد عرفت مرارا أن الفسخ انما يتعلق بالعقد ويرفع الالتزام الحاصل من المتبايعين ويترتب عليه استرداد العين ان كانت باقية ورد البدل ان كانت العين تالفة وعليه فرد العين إلى ملكه ليس تملكا جديدا كالتملك الابتدائي بل هي مملوكة للمولى بعين الملكية السابقة غاية الامر قد كانت منقطعة بالبيع وممنوعا عنه به وقد ارتفع المانع بالفسخ ورجع إلى حاله الاولى وصار أيضا مملوكا لمولاه بالملكية الاولية كما هو واضح ومن هنا قال الشافعي أن الزائل العائد كأنه لم يزل وما ذكروه موافق للاعتبار وان لم يكن عليه دليل وعلى هذا فلا مانع من ثبوت الخيار هنا فإذا أعمل الكافر خياره وفسخ العقد وأرجع العبد إلى ملكه ثم يجبر على البيع أيضا وعلى الجملة لا نعرف وجها لسقوط الخيار هنا فلا يكون هذا المورد من المستثنيات كما لا يخفى لاطلاق أدلة الخيارات. وقد يقال أن رجوع العين بالفسخ إلى ملك الكافر ثانيا أيضا مثل التملك الابتدائي فيكون سبيلا للكافر على المؤمن فلا يجوز فلا يرجع العبد المسلم الذى بيع على الكافر إليه ثانيا بالفسخ أيضا. وقد ظهر جوابه مما تقدم فان الفسخ ليس من المملكات ليكون ارجاع العين به تملكا جديدا بل هو يرفع المانع عن استمرار الملك الاول. وعلى تقدير صحة هذا الوجه مع القول بثبوت الخيار للكافر أيضا كما هو مقتضى الوجه الاول لاطلاق أدلة خيار المجلس فلا بد من الالتزام بثبوت الخيار وعدم رجوع العبد إلى ملك الكافر ثانيا بل يرجع إليه بدله والحاصل أن ضم الوجه الثاني بالوجه الاول ينتج ان الكافر البايع له الخيار ولكن لا يرتب على فسخه ارجاع العين

[ 109 ]

أعنى العبد بل ارجاع بدله. والحق أن هذا ايضا ليس من المستثنيات كالمورد السابق بل أدلة خيار المجلس في كلا الموردين محكمة. وعلى الجملة فانا نقول بعدم ثبوت الخيار أصلا فهو مناف لادلة الخيار أو نقول بثبوته ولكن لا يترتب على اعماله الا رد البدل فقط حفظا لكلا الوجهين وجمعا بينهما فان الفسخ لم يتعلق برد العين حتى لا يمكن الجمع بين الوجهين بل تعلق بالعقد وهو في الحقيقة يرفع الالتزام العقدى كما لا يخفى. قوله ومنها شراء العبد نفسه بناء على جوازه فان الظاهر عدم الخيار فيه أقول قد ذكروا من جملة موارد سقوط خيار المجلس شراء العبد نفسه من سيده فانه بناء على جوازه كما هو الظاهر لا يثبت له الخيار لعدم شمول أدلة الخيار له. والوجه في ذلك الفارق بين هذا وبين بيع العبد على من ينعتق عليه هو أن المانع هناك انما هو الشرع فان الانسان لا يملك عموديه شرعا ولذا يملك آن ما لتصحيح موضوع العتق ثم ينعتق عليه بحيث لو لم يكن هنا مانع شرعى لملكه دائما ولكن لمانع شرعى ينعتق على المشترى الا أنه ينعقد البيع ولا يمنع ذلك عن انعقاده وبقانون حكم المعاوضات إذا اعمل البايع الخيار فيرجع إلى البدل كما أنه لو كان فيه عيب فيرجع المشترى إلى الارش وهذا بخلاف ما نحن فيه فان المانع هنا عقلي بداهة أن المولى انما هو مالك للعبد بالاضافة الاعتبارية كملكه لبقية أمواله ملكية اعتبارية وإذا ارتفع هذا الاعتبار فيكون العبد مالكا لنفسه وكذا لجميع افعاله وأعماله ملكية ذاتية

[ 110 ]

بحيث لا يكون لاحد التسلط عليه وهذا عين الحرية وليس شيئا آخر ورائه ومع هذا لا معنى لاعتبار ملكيته على نفسه لكونه لغوا محضا كما أن اعتبار الملكية لكل أحد على نفسه أو على أعماله وذممه لغو لوجود اضافة الملكية في جميع ذلك ملكية ذاتية والسلطنة الحقيقية من غير أن تقارنها سلطنة اعتبارية أصلا وهذه السلطنة هي التى أشار إليها عز من قائل قل لا املك الا نفسي وأخى وعليه فلا معنى في هذه الصورة شراء العبد نفسه بل هو صورة بيع وانما حقيقته العتق فيكون ذلك نظير العبد المكاتب فانه ليس الا عتقا واطلاق البيع انما هو بالمشابهة والمشاكلة كما لا يخفى. بل نظير ذلك موجود في هذا الزمان أيضا فانه إذا كان شخص محكوما بالاعدام في المحكمة الاختصاصية وأعطى مالا ونجيى عن القتل فانه يقال انه اشترى نفسه ممن كان حاكما على قتله و كك المقام وعليه فلا معنى لحصول البيع من الاول ابدا حتى آناما فانه لا يقاس بالمانع الشرعي فانه قلنا هناك بحصول الملكية آناما بمقتضى الجمع بين الادلة الشرعية وهذا بخلاف المقام فان المانع عقلي فهو مانع من الاول. والا فلو كانت الملكية حاصلة آناما لم يكن وجه للسقوط بل كان باقيا إلى الابد لعدم الدليل عليه وعلى هذا فليس المقام من المستثنيات حتى موضوعا لعدم كونه بيعا اصلا كما لا يخفى. أقول الظاهر أنه لا مانع من الالتزام بصحة البيع هنا فان الشأن هنا هو الشأن في أعمال الانسان والكلى في الذمة فانه يصح أن يشترى ويبيع ما في ذمته للغير ومن الغير غاية الامر تبدل

[ 111 ]

الملكية الاعتبارية بالملكية الحقيقية لكونه لغوا واما عدم جواز بيع نفسه فمن جهة مادل على حرمة بيع الحر فيصح بيع المولى عبده من نفسه بالملكية الاعتبارية وبعد الشراء يكون العبد مالكا بالملكيه الذاتية كما انه مالك لعمله وفعله وذمته كك. قوله وفيها أيضا أنه لو اشترى جمدا في شدة الحر ففى الخيار اشكال أقول قد وجه المصنف بان هذا لعله من جهة احتمال اعتبار قابلية العين للبقاء بعد العقد ليتعلق بها الخيار الا انه لا يوجب رفع اليد عن اطلاق أدلة الخيار فانه لم يؤخذ فيها كون المبيع قابلا للبقاء وعليه فلا بأس بالحكم لثبوت الخيار بعد التلف أيضا غاية الامر أنه إذا تحقق الفسخ فينتقل المبيع إلى البدل كما هو قانون المعاوضة ولذا ذكر المحقق الثاني في جامع المقاصدان الخيار لا يسقط بالتلف لانه لا يسقط به إذا ثبت قبله على أنه لو كان عدم كون العين قابلة للبقاء لزم منه ما لم يتلزم به أحد من المتفقه فضلا عن الفقيه وهو إذا كانت العادة جارية بعدم بقاء المبيع أزيد من ساعة أو نصف ساعة كالمأكولات والمشروبات بل في غير ذلك أيضا إذا علم المتبايعان بعدم بقاء المبيع الا زمانا قليلا فان المشترى بمجرد الشراء يبيعه من غيره كما هو واضح مع أنه لم يلتزم به أحد بل ولا يمكن الالتزام به فلا مناص من القول بثبوت الخيار لاطلاق الادلة ولكن تنتقل العين بعد الفسخ إلى البدل. وقد اشار شيخنا الاستاذ على ثبوت الخيار هنا وحاصله أن خيار المجلس انما يثبت فيما لم يكن بناء المتعاقدين على الاعراض عن العوضين ومع علمهما بخروج المال عن المالية بمجرد البيع اما حقيقة

[ 112 ]

أو شرعا فقد أقدما على ذهاب مالهما ومن الواضح أن في بيع العبد ممن ينعتق عليه أو في شراء العبد نفسه أو في بيع الجمد في شدة الحر قد علما المتبايعان بأن المبيع تتلف غاية الامر أن التلف في الاولين شرعى وفى الاخير مستند إلى الحر فالتلف عادى وعلى كل حال فلا يثبت الخيار في امثال ذلك. وفيه أولا أن أدلة الخيار غير مقيدة بما ذكر بل هي تدل على ثبوت الخيار على وجه الاطلاق. وثانيا أن متعلق الخيار والفسخ هو العقد فهذا لا يتوقف على البناء على اعراض المتبايعين عن العوضين وعدم اعراضهما عنهما. وثالثا فلازم كلامه عدم ثبوت الخيار فيما جرت العادة بتلف المبيع أو علما بذلك بعد ساعة أو ساعتين كما إذا كان المبيع طعاما كالخبر ونحوه فان من يشترى الخبز فيأكله بعد زمان قليل فالبايع يعلم ذلك وكك أمثاله ولم يتوهم أحد سقوط الخيار هنا كما لا يخفى. وعلى كل فلا نعرف وجها صحيحا لما ذكره العلامه (ره) من عدم ثبوت الخيار في بيع الجمد ونحوه. قوله مسألة لا يثبت خيار المجلس في شئ من العقود سوى البيع عند علمائنا أقول لا شبهة أن مورد خيار المجلس انما هو البيع لاختصاص الادلة به فلا يجرى في غيره ولكن ذكر الشيخ (ره) في المبسوط بعد ذكر جملة من العقود التى يدخلها الخيار والتى لا يدخلها قال وأما الوكالة والوديعة والعارية والقراض والجعالة فلا يمنع من دخول الخيار فيها مانع انتهى ومراده من الخيارين

[ 113 ]

هو خيار المجلس والشرط وحكى نحوه عن القاضى ولكن لا نعرف وجها لثبوت الخيار هنا ومن هنا ذكر العلامة في التذكرة أن الخيار في أمثال هذه العقود أبدى، واحتمل في الدروس من أن يراد من الخيار هنا عدم جواز التصرف قبل انقضاء الخيار ولعل مراده التصرف المرخص فيه شرعا للقابل في هذا العقود كما ذكره المصنف لا الموجب إذ لا معن لتوقف جواز تصرف المالك في هذه العقود على انقضاء الخيار لان أثر هذه العقود تمكن غير المالك عن التصرف فهو الذى يمكن توقفه على انقضاء الخيار. والذى ينبغى أن يقال ان غير البيع من العقود لا يخلو اما لازمة أو جائزة أما الاولى ان كان لثبوت الخيار فيها معنى وجيه فانها عقود لازمة فليس لاحد المتعاملين فسخها فإذا ثبت الخيار لهما يتمكن كل منهما من الفسخ ولكنه الدليل في مقام الاثبات قاصر فان دليل ثبوت خيار المجلس هي المطلقات الدالة على أن البيعين أو المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا أو حتى يفترقا ومن الواضح أن هذه الادلة مختصة بالبيع فلا تشمل غيره. وأما العقود الجائزة فهى جائزة بطبعها كما ذكره العلامه فلا وجه لثبوت الجواز فيها ثانيا فجعل الخيار فيها لغو محض فانه مضافا إلى أنها في مقام الاثبات لا دليل عليه لما عرفت من اختصاص الادلة بالبيع ففى مقام الثبوت أيضا غير معقول فانه بعد كون الشئ جائزا بطبعه وذاته لا معن لثبوت الخيار له ثانيا فانه لغو محض ودعوى أن الثابت بالعرض هو الحق والثابت بالذات دعوى جزافية فانه سواء كان هنا أمر عرضى يكون من قبيل الحق أم لا فان الواهب له

[ 114 ]

أن يفسخ العقد وله الابقاء ففى هذه الجهة لا ثمرة واما من جهة اسقاط الخيار وحق الفسخ فهو لا يسقط ولو اسقطه الف مرة ومعه أي فائدة في ثبوت الخيار وبالجملة انا لا نعقل معنى لثبوت الخيار في العقود الجائزة لانه لا دليل عليه في مقام الاثبات. وأما ما ذكره في المبسوط فاما نحمله على ما ذكره المصنف (ره) من اشتراطها في ضمن معاملة فانها ح تكون لازمة ولكن إذا فسخ أصل المعاملة بخيار المجلس مثلا كالبيع أو بخيار الشرط كمطلق العقود اللازمة التى اشترط فيها لزوم عقد جائز فتكون تلك العقود الجائزة التى الشرط لزومها فيها أيضا جائزة أي ترجع إلى الحال الاولية. وأما نقول لا نفهم معن كلامه واما يحمل على سهو القلم. (مبدء هذا الخيار من حين العقد). قوله مسألة مبدء هذا الخيار من حين العقد أقول وقع الكلام في أن خيار المجلس مختص ببعض افراد البيع أو يجرى في جميعها فعلى القول بوجوب التقابض في الصرف فلجريان الخيار فائدة واضحة وعلى القول بالعدم فالظاهر أنه لا ثمرة للخيار ومن هنا فلابد من التكلم في المقامين الاول في وجوب التقابض في الصرف والثانى في ثبوت الخيار وعدمه. أما المقام الاول فقذ استدل عليه بوجوه الاول بقوله تعالى أوفوا بالعقود بدعوى أن الوفاء بالعقد واجب فعدم الاقباض مخالف للوفاء بالعقد فيجب الاقباض لذلك وهذا هو العمدة في المقام. وفيه أولا قد ذكرنا سابقا أن معنى الوفاء هو الانهاء والاتمام

[ 115 ]

فالامر بذلك ارشاد إلى أن هذا الالتزام الحاصل بين المتبايعين لا ينحد ولا ينعدم فيدل على اللزوم بالمطابقة كما تقدم فلا دلالة فيه على الوجوب التكليفى حتى يدل على وجوب التقابض تكليفا. وبعبارة اخرى أن وجوب التقابض على القول به وجوب تكليفي فالاية الشريفة ارشاد إلى لزوم العقد فلا تدل على ذلك. وثانيا: على القول بكون وجوب الوفاء تكليفا ولكنه انما يفيد إذا ترتب عليه أثر فأى أثر يترتب على بيع الصرف والسلم قبل التقابض فان أثر البيع هو الملكية وهى بعد لم تحصل وعلى هذا فبيع الصرف والسلم خارجان عن حدود وجوب الوفاء تكليفا وعليه فلا يدل على وجوب التقابض كما لا يخفى. وثالثا: على القول بترتب الاثر أيضا فالعقد هنا لم يتم فانه انما يتم إذا كان موجبا لحصول الملكية ومن الواضح أنه موقوف على التقابض وهو بعد لم يحصل فلا يكون العقد حاصلا. وبعبارة أخرى العقد هو الالتزام الحاصل من الطرفين بان التزم كل منهما بأن يكون ماله للآخر في مقابل مال الآخر وهذا المعنى بعد لم يحصل فكيف يكون هذا واجب الوفاء كما لا يخفى. واما وجوب التقابض في بقية فليس من جهة أوفوا بالعقود بل من جهة حرمة التصرف في مال غيره بدون اذنه فان كل من العوضين صار مالا للآخر فلابد من دفعه إلى صاحبه وأما في بيع الصرف والسلم فليس كك. الوجه الثاني ما ذكره العلامة من أن وجوب التقابض في الصرف والسلم من جهة شباهة ذلك بالرباء فانه مع التأخير يكون

[ 116 ]

الاجل أيضا قسطا من الثمن فيكون زائذا على الثمن تقريبا فيشبه الربا. وفيه أن هذا الوجه عجيب من العلامة بل هو شبيه بالوجوه التى تذكر في كتب العامة فانه يرد عليه أولا: أن الدليل اخص من المدعى حيث ان ذلك لو تم انما يتم فيما إذا كان العوضين كلاهما من جنس واحد وأما لو كان أحدهما ذهبا والاخر فضة فلا يلزم ذلك. وثانيا أيضا ذلك أي كون الدليل اخص من المدعى أن هذا انما يتم في الطرف الذى لم يقبض بعد لا من الطرفين حتى من طرف من أقبضه كما لا يخفى. وثالثا: أن الشبيه بالربا ليس بحرام ما لم يكن بنفسه ربا و الا يلزم أن يكون كل ما يكون شبيها بالحرام حراما فالخمر حرام و لكن للشبيه بالخمر ليس بحرام والزنا حرام والشبيه بالزنا ليس بحرام وهكذا فان دليل الحرمة لا يدل الا على حرمة الشئ بنفسه لا على حرمة مشابهاته. الوجه الثالث الاخبار الوارد في بيع الصرف والسلم الظاهرة في وجوب التقابض في المجلس كقوله عليه السلام (1) وان نزى حائطا فانز معه وكذلك غيره من الاخبار كقوله (ع) يدا بيد، فيعلم من ذلك أن التقابض في المجلس واجب والا لم يقل عليه السلام فان نزى حائطا فانز معه فكأن وجوب تعقيب أحدهما الاخر من جهة التقابض


(1) وسائل ج 12 ص 459.

[ 117 ]

لا من جهة وجوب النزو في نفسه. وفبه أن الامر بالنزو ارشاد إلى اعتبار الاجتماع في المجلس وأنه يبطل العقد بدونه قبل القبض والا لكان النزو على الحائط واجبا مع أنه لم يتوهم أحد ذلك فيعلم أن ذلك ارشاد إلى انحلال العقد بالتفرق قبل التقابض وأن من يريد بقاء العقد وعدم بطلانه فلابد وأن يصاحب رفيقه حتى لو نزى هو على الحائط فبنزو صاحبه عليه أيضا فيدل الحديث على مبطلية التفرق قبل القبض. وأما المقام الثاني أعنى ثبوت الخيار في بيع الصرف والسلم فيقع الكلام هنا أيضا في مقامين الاول في مقام الثبوت والثانى في مقام الاثبات أما المقام الاول فقد ذكر المصنف أنه بناء على القول بوجوب التقابض في المجلس تكليفا فأثر الخيار واضح فانه بعد اعمال الخيار لا يبقى مجال لوجوب التقابض فانه لا يبقى مجال لذلك. وأما على القول بعدم وجوب التقابض في المجلس فأثر الخيار وان كان خفيا لان سلطنة كل من المتعاقدين باقية على حالها وأنه لا حق لاحدهما في مال الآخر ولكن مع ذلك يمكن تصوير الفائدة والاثر للخيار بان يكون أثره خروج العقد بفسخ ذى الخيار عن قابلية لحوق القبض المملك فلو فرض اشتراط سقوط الخيار في العقد أو اسقطه بنفسه لم يخرج العقد بفسخ المشروط عليه عن ذلك. وعلى الجملة فأثر الخيار بناء على وجوب التقابض هو فسخ العقد وعدم بقاء الموضوع لوجوب التقابض وعلى القول بعدم وجوب التقابض هو اخراج العقد عن قابلية لحوق التقابض المملك كما هو واضح وعلى القول بوجوب التقابض فهو واضح وأما في مفام الاثبات فقد

[ 118 ]

يتوهم شمول الادلة الواردة في باب خيار المجلس وخيار الحيوان الدالة على ثبوت خيار المجلس للبيع والمتبايع لما نحن فيه ومن الواضح أنه يصدق البيع والمتبايع على المتبايعين في الصرف والسلم فلا وجه لاخراجهما عنها. وفيه أن الموضوع في تلك الادلة هو المتبايعان أو البيعان ومن الواضح انهما لا يصدقان على المتعاوضين والمتبايعين في باب الصرف والسلم قبل التقابض لعدم حصول البيع والشراء وعدم حصول التمليك والتملك فكيف يصدق عليهما عنوان البيعان أو عنوان المتبايعين كما لا يخفى. على أن خيار المجلس انما يثبت في مورد يكون التفرق موجبا للزوم العقد كما هو مذكور في الروايات الدالة على ثبوت خيار مجلس ومن المقطوع به أن التفرق هنا يبطل البيع لكونه قبل القبض كما لا يخفى. ومن هنا اتضح أنه لا يثبت خيار المجلس وكك خيار الحيوان قبل الاجازة للمالكين الحاضرين في مجلس العقد على الاول ومطلقا على الثاني فانه ما لم يستند العقد اليهما فلا يصدق عليهما عنوان البايع ولا عنوان المشترى ومن الواضح أن استناد العقد انما يكون بالاجازة لا قبلها ولا يفرق في ذلك بين القول بالكشف والنقل فانه على كل حال فاستناد البيع والشراء اليهما من حين الاجازة فصدق البيع والمتبايع عليهما من زمان الاجازة وان حصلت الملكية من حين العقد على الكشف فلا يمكن المساعدة على ما ذكره المصنف من الفرق بين الكشف والنقل.

[ 119 ]

قوله: القول في مسقطات الخيار وهى أربعة على ما ذكرها في التذكرة أقول من جملة المسقطات الخيار المجلس اشتراط سقوطه في ضمن العقد ذكر المصنف قدس سره أنه لا خلاف ظاهرا في سقوط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد وعن الغنية الاجماع عليه، وقد استدل عليه بوجوه الاول دعوى الاجماع على ذلك وفيه قد مر مرارا أن دعوى الاجماع في مثل هذه المسائل التى نعلم فلا اقل نحتمل أن مدركها جهة كشفه عن قول المعصوم دعوى جزافية فان الاجماع ليس بنفسه حجة وانما حجة لكشفه عن قول المعصوم فلا يكشف عنه الا مع القطع به. الثاني المستفيضة وهى المؤمنون عند شروطهم وقد يقال: انها معارضة بعموم ادلة الخيار ويرجح على ادلة الخيار بمرجع ولكنه بديهى البطلان فانه على تقدير تمامية دلالة المستفيضة فهى تكون حاكمة على أدلة الخيار لكونها مأخوذة في موضوعها كحكومة ادلة الحرج والضرر على سائر الاحكام الالهية كما ذكره المصنف (ره) فجهة المعارضة واجاب عنه بان هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد فيكون فاسدا فان مقتضاه على ما هو ظاهر قوله (ع) البيعان بالخيار هو ثبوت الخيار وهذا الاشتراط مخالف له وفيه أن هذا شرط ليس مخالفا لمقتضى العقد فان مقتضاه هو حصول الملكية وليس هذا مخالفا له بل هو مخالف لثبوت الخيار ومن الواضح أن ثبوته من أحكام العقد لا من مقتضياته بل الوجه ليست هي هذه كما لا يخفى. ولكن الظاهر أن الرواية لا تدل على المقصود لا من جهة ما ذكره المصنف وذلك هو ما ذكرنا سابقا من أن الظاهر من هذه الجملة

[ 120 ]

المباركة هو الحكم التكليفى فان قوله عليه السلام المؤمنون عند شروطهم كقوله (ع) المؤمن عند عدته يعنى أن مقتضى الايمان هو أن يجب للمؤمن أن يفى بما التزمه وبما وعده وهذا الاستعمال من الاستعمالات المتعارفة أيضا فيقال المرء عند كلامه وعند رأيه وهكذا. وعليه فلا دلالة في ذلك على المقصود هنا فان اشتراط سقوط الخيار عند المعاملة غير قابل لتعلق الحكم التكليفى به فان اشتراط سقوط الخيار بمعنى أن لا يكون له الخيار في هذا العقد غير مقدور له بل هو من فعل الله تعالى فان الله تعالى جعله ذا خيار و اشتراط عدمه أيضا راجع إليه وليس من أفعال المتعاملين حتى يقدر على اسقاطه. ومع الاغماض عن ذلك فهى مخالفة للسنة المعتبرة الدالة على ثبوت الخيار للمتبايعين فانه ورد في ذيل بعض هذه الروايات الا شرطا مخالفا للكتاب والسنة وبيان ذلك أن الشارع قد حكم بثبوت هذا الخيار للمتبايعين واشتراط عدمه مخالف للسنة وهذا غير اشتراط اسقاط الخيار فانه من قبيل شرط الفعل وليس من قبيل شرط النتيجة وفرق بين اشتراط اسقاط الخيار وبين ان لا يكون له خيار أصلا فان الثاني مخالف للسنة دون الاول. نعم الظاهر من بعض الروايات أن الامام عليه السلام طبق هذه الجملة المباركة على بعض الشروط التى من قبيل ما ذكر أي أن الاشتراط فيه راجع إلى شرط السقوط وعدم الخيار ولو كان ما ذكرناه من الاشكال واردا عليه أي على جملة المؤمنون عند شروطهم لما طبقها الامام على ما ذكره.

[ 121 ]

وذلك كما في صحيحة مالك بن عطية (1) قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل كان له اب مملوك وكان تحت ابيه جارية مكاتبة قد أدت بعض ما عليها فقال لها ابن العبد هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدى ما يملك بشرط أن لا يكون لك الخيار بعد ذلك على أبى إذا أنت ملكت نفسك قالت نعم فاعطاها في مكاتبتها على ان لا يكون لها الخيار بعد ذلك قال عليه السلام لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم. فان الظاهر من هذه الرواية هو اشتراط عدم الخيار مع انه كان ثابتا للامة بعدما صارت حرة فيعلم من ذلك أن هذا الشرط ليس مخالفا للسنة والا لما طبقها عليه الامام عليه السلام. وفيه اولا أن مورد الرواية اجنبي عما نحن فيه فان موردها هو من قبيل اشتراط سقوط الخيار مما يقتض الخيار في عقد ليس مقتضيا له فان عقد المكاتبة ليست مقتضية للخيار بحيث انه بمجرد ذلك يحكم بكون الامة ذا خيار وانما المقتضى له هو الحرية الحاصلة بعد أداء مال الكتابة ومن الواضح أنه لم يلتزم بذلك أحد فلابد من الاقتصار بمورد الرواية ومن هنا لا وجه لتوهم الاولوية أيضا بدعوى ان اشتراط سقوط الخيار في عقد هو مقتضى لذلك بطريق أولى فانه لم يثبت في الاول الخيار في جميع الموارد بل في مورد الرواية فقط فكيف يمكن اثباته في المقتضى للخيار بطريق الاولوية كما هو واضح. وثانيا قد ذكرنا في اول الخيارات أن اشتهار استعمال كلمة


(1) وسائل ج 16 ص 95 باب 11.

[ 122 ]

الخيار في الخيار المصطلح انما هو من جهة ما جرى عليه اصطلاح الفقهاء والا فليس ذلك من معناه اللغوى ولا من مقتضيات الدليل وقلنا أن معنى الخيار لغة هو اختيار الخير لنفسه وأما القدرة على الفسخ انما هو مستفاد من اللام الظاهر في الملكية والاختصاص فيقال له الخيار أي له القدرة على الفسخ والابقاء بل قلنا أن كلمة الخيار وما شتق منها يستعمل في هذا المعنى حتى في هذا اليوم. وعليه فقوله عليه السلام لا يكون له الخيار المسلمون عند شروطهم هو بمعنى اللغوى أي ليس له اختيار الفسخ في الخارج بمعنى أنها ملزمة في شرطها ولا توجد الفسخ الخارجي ولا يكون هذا ح مخالفا للسنة فانها تدل على ثبوت القدرة للمتبايعين على فسخ العقد وامضائه وهذه القدرة باقية للمتبايعين وللمتعاملين وفى المكاتبة أنه إذا صارت حرة فله القدرة على فسخ عقد الزوجية الواقعة بينها وبين العبد وهذه القدرة باقية على حالها ولكن الامام (ع) طبق جملة المسلمون عند شروطهم على اشتراط عدم الخيار للامة على الشرط الذى وقع بينها وبين ابن زوجها من جهة أن تكون الامة ملزمة بابقاء العقد ولا تفسخ في الخارج ولا نختار فيه لنفسها الفسخ بل يبقى عقد النكاح على حاله لا أنه بمعنى أن لا يكون لها خيار وقدرة على الفسخ ليكون على خلاف السنة فان هذا موافق للظواهر والاستعمالات فليس فيه ما يوجب خلاف ظهور كلمات المتحاورين كما لا يخفى. والشرط انما يكون مخالفا للكتاب والسنة إذا كان مفاده على خلاف الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة ونظير ذلك ما سيأتي

[ 123 ]

في الشروط من أن الرجل يتزوج على امرأة وتشترط الامرة عليه أن لا يأخذ سرية أو امرأة اخرى فان هذا الشرط مخالف للكتاب والسنة فانه ثبت بهما جواز اخذ السرية والمرأة على الزوجة وشرط خلافه مخالف للكتاب والسنة فلا يكون متبعا. اذن فلم يبقى في الرواية ما يوجب الاشكال عليها الا توهم أن هذا الاسقاط اسقاط لما لم يجب فان مقتض الخيار ليس هو عقد المكاتبة ليكون حاصلا عند الاشتراط بل هو الحرية ومن الواضح انها لم تحصل حتى تكون الامة الحرة ذا خيار في فسخ عقد النكاح وعدمه فيكون الاسقاط عند الاشتراط في ضمن الاعانة اسقاطا لما لم يجب وقد ذكر ذلك بعض الشافعية. وفيه أن هذا صحيح فانه يلزم أن يكون الاسقاط في ضمن الاعانة أن لا يكون لها خيار في فسخ عقد الزوجية ولكنه لا دليل على عدم جواز اسقاط ما لم يجب فانه بلا دليل فأى مانع أن يسقط الانسان ما لم يجب عليه بعد كما هو واضح فيكفى في صحة ذلك تحقق ما يترتب فيه حصول ذلك الامر الساقط فعلا. غاية الامر فللمدعى أن يدعى الاجماع على بطلان اسقط ما لم يجب بدعوى كونه تعليقا وفيه مضافا إلى أنه دليل لبيى يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو صورة التعليق في العقود أن الاجماع هنا على خلافه كما تقدم فلا وجه للمناقشة من هذه الجهة. وبالجملة فلا دليل على بطلان اسقاط ما لم يجب بوجه. والذى ينبغى أن يقال أن الخيار الثابت للمتبايعين في المجلس ما لم يفترقا من قبيل الحقوق التى تقبل السقوط وقد قلنا

[ 124 ]

في أول البيع أنه وان كان لا فارق بين الحق والحكم فان جميع ذلك حكم اليهى مجعول لله تعالى ولكن بعض أقسام الحكم اختياره تحت يد المكلف فله اسقاطه أو ابقائه ونسمى ذلك القسم من الحكم حقا ولا يسقط حكما كالجواز في الهبة. ومن الواضح أن خيار المجلس مما يقبل الاسقاط وأوضح شئ يدل على أنه يسقط بالاسقاط ما في ذيل الاخيار الدالة على خيار المجلس والحيوان فان في ذلك قال عليه السلام فذلك رضا بالبيع فان الظاهر من ذلك أن أمره بيده وليس ذلك مثل الهبة فان الجواز في ذلك حكمي لا يسقط بالاسقاط بل ولو اسقطه الف مره فايضا يبقى الجواز على حاله وإذا خالف ولم يسقط قد فعل فعلا محرما ومع ذلك لو فسخ كان فسخه مؤثرا لعموم أدلة الخيار. وعلى هذا فشرط السقوط في العقد بان يشترط احد المتبايعين على الآخر عند البيع سقوط خياره فمرجعه إلى أن المشروط عليه يسقط خيار الذى يثبت له بعد البيع عند العقد وقد عرفت أنه من قبيل الحق يقبل الاسقاط فليس لهذا البيان اشكال الا ما ذكره بعض الشافعية من أنه اسقاط لما لم يجب وهو وان كان صحيحا ولكنه لا دليل عليه بوجه غير دعوى أنه من التعليق والاجماع قائم على بطلانه وهو أيضا فاسد لقيام الاجماع هنا على السقوط كما عرفت فانه أدعى بعضهم الاجماع في المقام. وقد ظهر من مطاوى ما ذكرناه أن اشتراط سقوط الخيار موافق للقواعد ولا يحتاج إلى عموم المؤمنون عند شروطهم. قوله (ره) ثم ان هذا الشرط يتصور على وجوه: أحدها أن

[ 125 ]

يشترط عدم الخيار أقول شرط سقوط الخيار في ضمن العقد يتصور على وجوه الاول شرط عدم الخيار وهذا الشرط هو المراد من اشتراط الخيار وقد تقدم في ذلك وأن توهم كونه مخالفا لمقتض العقد تاره ولمقتضى الكتاب أخرى توهم فاسد كما عرفت. وقد عرفت أن الخيار من قبيل الحقوق فيسقط بالاسقاط بعد التحقق وكك قبله فليس فيه عيب الا سقوطه قبل الثبوت الذى هو من قبيل اسقاط ما لم يجب ولو خالف المشروط عليه فلم يسقط فيكون للمشروط له الخيار ولو فسخ المشروط عليه كان فسخه مؤثرا لعموم البيعان بالخيار ما لم يفترقا. الثاني: أن يشترط عدم الفسخ فيقول بعت بشرط أن لا - افسخ في المجلس وهل يجب الوفاء بهذا الشرط أم لا وقد يقال بالثاني فانه من قبيل اشتراط في العقد الجائز فلا يزيد الشرط على أصل العقد فان معنى أن لا يفسخ أن له خيار في العقد ولكن لا يفسخ فاشتراط عدم الفسخ انما هو في عقد خياري فلا يجب الوفاء به كما إذا شرط في الهبة أو في الوكالة أو غيرهما من العقود الجائزة شرطا فان هذا الشرط لا يكون واجب الوفاء. وفيه أن جواز العقد في ذاته لا ينافى وجوب الوفاء بالشرط الواقع في ضمنه فان مقتضى وجوب الوفاء بالشرط هو لزوم العمل بمقتضاه ما دام العقد باقيا وبعد زوال موضوعه يرتفع وجوب الوفاء بالعقد أيضا لارتفاع موضوعه فالجواز انما هو ثابت لموضوع وجوب الوفاء بالشرط فيكون وجوب الوفاء بالشرط قضية مادامية وقضية حقيقية يعنى أن كلما وجد موضوع وجوب الوفاء بالشرط وجب الوفاء به.

[ 126 ]

وبعبارة اخرى أن عقد الهبة وعقد الوكالة ونحوهما من العقود وان كان بذاتها جائزة بحيث لكل من الموجب والقابل أن يفسخ العقد في أي وقت شاء الا ان اشتراط الشرط في ضمن هذه العقود الجائزة لا يكون جائزا تبعا لها فان معنى الاشتراط فيها أن المشروط له يشترط على المشروط عليه في ضمنها الشرط المعين فهذا الشرط الواقع في ضمن العقود الجائزة انما يكون مصداقا لقوله (ع) المؤمنون عند شروطهم فيكون واجب الوفاء ولكن مقيدا ببقاء ذلك العقد الجائز فإذا فسخ العقد الجائز يرتفع موضوع وجوب الوفاء فكون الانسان مخيرا في رفع موضوع الوجوب لا يدل على استحالة ثبوت الوجوب على ذلك الموضوع. وعليه فيمكن أن يشترط احد الطرفين في العقد الجائز على الطرف الاخر شرطا ويكون الشرط واجب الوفاء بدليل الشرط دون العقد. فاشتراط عدم الفسخ بخيار المجلس من هذا القبيل فيكون الشرط واجب الوفاء بدليل وجوب الوفاء بالشرط نعم فرق بين ما نحن فيه وبين سائر العقود الجائزة التى يشترط فيها شئ وهو أنك قد عرفت أن في سائر العقود الجائزة يجوز لاحد الطرفين فسخ العقد الجائز و اعدام وجوب الوفاء بالشرط ولكنه لا يجرى في المقام فان الشرط اعني عدم الفسخ انما تعلق بنفس العقد فوجوب الوفاء بالشرط لا يمكن الا بعدم الفسخ وحفظ العقد فلو فسخ العقد يلزم من ذلك عدم الوفاء بالشرط وبعبارة اخرى أن مفاد الشرط هو لزوم حفظ موضوعه وأيضا فيحرم الفسخ أبدا. لا يقال انه لا معنى للاشتراط أصلا في ضمن العقود الجائزة فان

[ 127 ]

معنى الشرط هو كون الالتزام الشرطي منوطا بالالتزام بابقاء الالتزام العقدى ومن الواضح أنه ليس هنا التزام بالبقاء لفرض كون العقد جائزا فيكون شرطا ابتدائية فانه يقال أن الجواز وعدمه من الاحكام الشرعية فهو لا ينافى بالتزام المشروط عليه بابقاء العقد مع بقاء الشرط كما هو واضح. قوله فلو خالف الشرط وفسخ فيحتمل قويا عدم نفوذ الفسخ اقول لا شبهة أن وجوب الوفاء بالشرط وجوب تكليفي فمخالفته توجب العصيان فهل يوجب الفسخ التأثير وضعا أيضا أم لا قد احتمل المصنف عدم تأثير الفسخ ح تارة وتأثيره أخرى وقرب الثاني لعموم دليل الخيار وقرب الاول لان وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب اجباره عليه وعدم سلطنته على تركه. ثم اختباره وقال انه أوفق بعموم وجوب الوفاء بالشرط الدال على وجوب ترتب أثار الشرط وهو عدم الفسخ في جميع الاحوال حتى بعد الفسخ فيستلزم ذلك كون الفسخ الواقع لغوا كما تقدم نظيره في الاستدلال بعموم وجوب الوفاء بالعقد على كون فسخ أحدهما منفردا لغوا لا يرفع وجوب الوفاء. وقد اختار شيخنا الاستاذ أيضا عدم الفسخ وان الحكم التكليفى والوضعى لا يجتمعان هنا ولكن قربه بوجه آخر وقد ذكر ذلك الوجه في كثير من الموارد واجبنا عنه في غير واحد من المباحث وحاصل هذا الوجه أن النهى تارة يتعلق بالسبب وأخرى بالمسبب أما الاول فلا يوجب حرمة المعاملة المسببة عن ذلك السبب فان حرمة السبب لا تستلزم حرمة المسبب كما لا يخفى. وعلى الثاني فيستلزم الفساد لان الشرط يوجب سلب قدرة

[ 128 ]

المالك على البيع من زيد وفى المقام حيث أن المشروط له قد اشترط على المشروط عليه عدم فسخ فيكون الوفاء به واجبا تكليفا وإذا خالف ذلك وفسخ وقد فعل فعلا محرما ولكن لا يترتب عليه الحكم الوضعي فان التكليف كما هو مشروط بالقدرة العقلية فكذلك مشروط بالقدرة الشرعية فنهى الشارع عن شئ يوجب عجز المكلف عن اقدامه ففى هنا أن نهى الشارع عن الفسخ بمقتضى وجوب الوفاء بالشرط يوجب عجز المكلف عن الفسخ شرعا بمعنى أنه لا يكون مؤثرا في الفسخ على تقدير وقوعه. وفيه قد ذكرنا مرارا أن الحرمة التكليفية عن الشئ لا يستلزم الحرمة الوضعية وكون ذلك الشئ فاسدا وضعا فانه يحرم التصرف في مال الغير بدون اذنه مع أنه لو غصب أحد ماء الغير وطهر به ثوبه فانه يكون مؤثرا في الطهارة وفى هنا وان كان النهى متعلقا بالسبب ولكن الامر كذلك لو كان متعلقا بالمسبب ايضا فلو كانت الطهاره الخبثيه بالماء المغصوب مبغوضا للشارع مع عدم كون الفعل عباديا وكان يغصب أحد ماء من الغير وطهر به ثوبه فانه لا يتوهم احد عدم حصول الطهارة هنا إذا لم يكن الفعل مما يعتبر فيه قصد التقرب. ومعنى أن النهى التكليفى يسلب القدرة عن المكلف شرعا يعنى أنه قبل تعلق النهى بالفعل كان مرخصا في الفعل والترك وبعده ليس له هذه السلطنة ولا يكون مرخصا في ذلك بل لا بد من الترك وأما أن هذه الحرمة مستلزمة للحرمة التكليفية أم لا فهو اول الكلام وتظهر الثمرة فيما إذا صدر منه الفعل في حال الغفلة

[ 129 ]

والنسيان فانه لا يكون حراما أيضا. نعم انما يدل النهى على الفساد إذا كان ارشادا إليه كما في النهى عن بيع الخمر وعن بيع ما ليس عنده ونحوهما نعم انما يدل النهى التكليفى على الفساد أيضا مع قيام القرينة عليه كما في بيع الخمر فان النهى انما عن جميع شؤنه وأنه يعلم من لسان الشرع أن جميع جهاتها مبغوضة للشارع حتى التمليك والتملك فلا تحصل فيها ذلك. وأما الجواب عما ذكره المصنف أنا لو سلمنا أن معنى الوفاء بالعقد هو ترتيب أثار العقد عليه من حرمة التصرف في المثمن و الثمن ولو بعد الفسخ بحيث تدل الآية بالملازمة إلى لزوم العقد ولكنه لا يجرى في وجوب الوفاء بالشرط كما في المقام فان معنى الوفاء بالشرط هنا هو عدم الفسخ ومن الواضح انه لا اطلاق له لما بعد الفسخ أيضا بيان ذلك أن المشروط عليه إذا خالف الشرط و فسخ العقد فاما أن يكون فسخه مؤثرا أولا فعلى الثاني فلا وجه للتمسك باطلاق وجوب الوفاء بالشرط بما بعد الفسخ أيضا وعلى الاول فلا يبقى متعلق وجوب الوفاء حتى يجب الوفاء به فانه بعد الفسخ ينحل العقد ولا يبقى شئ حتى يجب الوفاء بالشرط ولا يفسخ العقد وعلى الجملة فإذا خالف المشروط عليه بالشرط وفسخ فينعدم موضوع الشرط ولا يبقى شئ حتى لا يفسخ ويبقى على حاله. وعلى هذا فادلة الخيار محكمة فكل من المتبايعين فسخ العقد وان كان فسخ من شرط عليه أن لا يفسخ محرما. ثم ان المعروف بين الفقهاء أن هذا الشرط صحيح وان وقع

[ 130 ]

الكلام بينهم أن الفسخ يؤثر وضعا أولا يؤثر ولكن لنا مناقشة في صحة هذا الشرط قد ذكرناه في باب المزارعة في حاشية العروة وحاصله أنا ذكرنا مرارا أن معنى الشرط في العقد لا يخلوا عن معاني ثلثة بالسير والتقسيم الاول أن يكون التزاما أخر في ضمن العقد مستقلا وغير مربوط بالالتزام العقدى بان يلتزم كل من المتبايعين بمبادلة مال بمال ويلتزم أحدهما أيضا مقارنا لهذا الالتزام بان يخيط ثوبا لصاحبه فليس بينهما ربط الا صرف المقارنة الزمانية ولا شبهة أن هذا النحو من الشرط لا يجب الوفاء به بالاتفاق لكونه من الشروط الابتدائية فليس المراد من الشرط التى حكموا بوجوب الوفاء بها هو ذلك. الثاني أن يكون الشرط مربوطا بالعقد وهو على قسمين الاول أن يكون الالتزام العقدى مربوطا بالالتزام الشرطي بحيث أن الالتزام العقدى منتف مع انتفاء الالتزام العقدى مثلا معنى اشتراط الخياطة في ضمن بيع الدار هو أن الالتزام ببيع الدار انما هو في فرض الالتزام بالخياطة والعمل به وانهائه والا فلا بيع هنا أصلا. وفيه أنه قام الاجماع على بطلان التعليق في العقود فيكون هذا باطلا حتى إذا كان المشروط عليه يفى بالشرط كما لا يخفى. الثالث أن يكون الالتزام العقدى غير مربوط بالالتزام الشرطي ليكون تعليقا ولكن كان الالتزام ببقاء العقد وابقائه منوطا بالتزام المشروط عليه بانهاء الشرط وابقائه فيكون الالتزام بابقاء العقد وعدم قدرته على الفسخ والحل منوطا بكون المشروط عليه وافيا بالشرط والا فللمشروط له خيار الفسخ كما لا يخفى. إذا عرفت ذلك فنقول ان معنى الشرط في العقود بحيث

[ 131 ]

يجب الوفاء به بالسير والتقسيم ليس الا هو الثالث وعليه فلا يعقل ولا نتصور اشتراط عدم الفسخ في العقود بحيث لا يكون للمشروط عليه حق الفسخ وذلك فانك لما عرفت أن معنى الاشتراط هو ثبوت الخيار للمشروط له مع تخلف المشروط عليه الشرط ومن الواضح أنه بعد ما فسخ المشروط عليه لفرض تأثير فسخه لعموم ادلة الخيار لا يبقى موضوع ليكون للمشروط له الخيار بان كان مختارا في فسخ العقد وابقائه ومع عدم الفسخ فالعقد أيضا باق على حاله سواء كان هنا شرط أم لا فلا نعقل معنى محصلا لهذا الشرط فيكون لغوا ويدخل في الشروط الفاسدة ويأتى الكلام فيه من أن الشرط الفاسد مفسد للعقد أم لا. نعم لو اشترط في ضمن عقد عدم فسخ عقد آخر فيكون صحيحا كسائر الشروط الصحيحة كاشتراط الخياطة أو البناية أو النجارة أو نحوها كما لا يخفى. الثالث أن يكون المراد من شرط سقوط الخيار في العقد أن يشترط اسقاط الخيار بأن يكون هذا الفعل صادرا من المشروط عليه ولا شبهة في صحة هذا الشرط لعدم ترتب المحذور عليه الا اسقاط ما لم يجب وقد عرفت ان الاجماع على تقدير تحققه بعدم جواز ذلك لكونه تعليقا فلا يجرى في المقام لقيام الاجماع على الصحة كما ادعاه بعضهم فيكون مشمولا لعموم وجوب الوفاء بالشرط وعليه فلو أخل المشروط عليه الشرط كله ولم يسقط الخيار ولم يف بالشرط فيكون للمشروط له خيار تخلف الشرط كما هو واضح. ثم إذا فسخ المشروط عليه العقد فهل يكون فسخه مؤثرا أم لا الظاهر هو الاول لعموم الادلة الدالة على ثبوت خيار المجلس

[ 132 ]

للمتبايعين كما تقدم وقد اختار المصنف أنه لا يؤثر الفسخ كما ذكره في الوجه الثاني وقد عرفت جوابه. ثم انه إذا تخلف المشروط عليه ولم يفسخ العقد قد عرفت أنه يثبت الخيار للمشروط له ولا يفرق في ذلك بين كون الفسخ مؤثرا أم لا فان نفس بقاء العقد متزلزلا مخالف لغرض المشروط له فيكون له الخيار لاجل التخلف بالشرط وان لم يكن فسخ المشروط عليه مؤثرا على تقدير الفسخ إذ يكون البيع لازما وعدم كونه متزلزلا مما هو محط غرض للعقلاء فلا أقل لنفس المشروط له. ولا ينافى ذلك لزوم العقد شرعا فانه من الاحكام الشرعية والتزلزل انما هو مع قطع النظر عنه وفى نظر المتبايعين الحكومة العرفية مع قطع النظر عن الشرع والشريعة كما إذا كان المتبايعين غير ملتزمين بالشرع والشريعة. قوله قدس سره بقى الكلام في أن المشهور أن تأثير الشرط انما هو مع ذكره في متن العقد أقول ما ذكره المصنف وان كان له مناسبة لما نحن فيه ولكنه من مسائل مبحث الشرط التى سنتكلم فيها وتفصيل الكلام هنا على نحو الاجمال أن اعتبار الشرط في المعاملة على انحاء الاول أن لا يكون مذكورا لا في ضمن المعاملة ولا قبلها ولا بعدها ولم ينشائه المعاملة بانيا عليها أيضا وهذا على قسمين لان الوصف ان كان مما يعتبر بحسب الارتكاز العقلائي سواء ذكر أم لا كاعتبار التسليم والتسلم وأوصاف الصحة كظهور المبيع على ما وقعت المعاملة عليه فلا شبهة في صحة ذلك الشرط ووجوب الوفاء به فان مثل ذلك الشروط كالمذكور والارتكاز العقلائي والارتكاز من المتبايعين قائم

[ 133 ]

مقام الذكر فيكون واجب الوفاء لعموم المؤمنون عند شروطهم بل في تخلف أوصاف الصحة تفسده المعاملة. وان كان من قبيل الاوصاف الكمالية كوصف الخياطة والبناية والنجارة ونحوها فلا يكون واجب الوفاء إذ ليس هنا شرط حتى يجب الوفاء به كما سنذكر معنى الشرط ولم يبرز هنا شئ يجب الوفاء به. و قد يكون الشرط مذكورا في ضمن العقد اما تفصيلا كقوله بعتك العبد الكاتب أو على أن يكون كاتبا واما اجمالا كما إذا ذكرت الشروط كلها قبل العقد وعند اجراء صيغة العقد يقول بعتك الشئ الفلاني على ما ذكر من الشروط فيشير بهذه الكلمة المبهمة إلى الشروط المذكورة قبل العقد فانه أيضا مذكور في ضمن العقد فيكون مشمولا لعموم وجوب الوفاء بالشرط فان الغرض ارتباط الشرط بالعقد وهو حاصل بمثل هذه الكلمات المبهمة. وعلى الجملة الاشارة في ضمن العقد إلى الشرائط المذكورة قبل العقد والمعاملة بانيا عليها مع اظهار تلك الشروط بمثل ما ذكر كقوله بعتك العبد على ما ذكر لا يقصر عن الشرط المذكور في ضمن العقد صريحا في وجوب الوفاء بها فانه ح يبرز البايع بقوله بعت كذا تبديل ما له على هذا الشرط فيكون ما بنى عليه من الشرط مبرزا مع حقيقة المعاملة كما لا يخفى فكما يكون الالتزام العقدى المظهر بكلمة بعت واجب الوفاء وكذلك الالتزام الشرطي المبرز بهذه الاشاره. وقد يكون الشرط مذكورا قبل العقد ولكن لا يشار إليها في ضمن العقد لا تصريحا ولا اجمالا فهو على قسمين الاول أن يكون ذلك مغفولا عنه عند البيع وغير ملتفت إليه في مقام المعاملة أو

[ 134 ]

نسيه أو كان ملتفت إليه ولكن لم يظهروا عند البيع ولم ينشائه منيا على الشرط المذكور قبل العقد فان هذا كله لا حق بالقسم الاول ولا يجب الوفاء به والثانى أن يكون ملتفتا إليه عند المعاملة وكان بنائها على ذلك حتى في مرحلة انشاء واظهار المعاملة ولكن لم يظهروا الشرط عند الانشاء وبعبارة أخرى الشرط موجود في مقام الثبوت ولكن ليس له دال في مقام الاثبات والظاهر أنه شرط حقيقة ويجب الوفاء به ولكن المشهور ذهبوا إلى بطلان الشرط المذكور قبل العقد وان كان العقد بانيا عليه ولكن الظاهر من بعضهم هو كون مثل هذا الشرط أيضا واجب الوفاء كالشيخ وغيره قال الشيخ في محكى الخلاف أنه لو شرطا قبل العقد أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد صح الشرط ولزم العقد بنفس الايجاب والقبول ثم نقل الخلاف عن بعض اصحاب الشافعي الخ وقد منع المصنف عن كون مثل هذا الشرط واجب الوفاء كما ذكره في المتن بل منع نسبة ذلك إلى الشيخ أيضا ولذا حاول أن يوجه كلامه بأنه اراد من قوله قبل العقد أي قبل تمام العقد و استشهد عليه بملاحظة عنوان المسألة في الخلاف والتذكره وباستدلال الشيخ على الجواز وبعض الشافعية على المنع وقال أن ذاك كله يكاد يورث القطع بأن مراد الشيخ ليس هو ظاهر كلامه بل مراده ما ذكرناه ولكن الظاهر أن ما يستفاد من ظاهر كلامه هو مراد الشيخ و لذا اشكل عليه العلامة بأنه لا يكون الشرط المذكور قبل العقد واجب الوفاء الا إذا كان ايقاء العقد بانيا عليه فانه يكون العقد مشروطا به وكيف كان فلا يهمنا كشف مراد الشيخ أنه أي شئ أراد وانما المهم انما هو بيان أن هذا الشرط واجب الوفاء أم لا والظاهر أنه لا قصور

[ 135 ]

في صدق مفهم الشرط عليه وكونه واجب الوفاء أيضا بمقتضى دليل وجوب الوفاء بالشرط. والوجه في أن الثاني يجب الوفاء به دون الاول هو ان معنى الشرط هو الربط بين الشيئين كما في القاموس حيث ذكر ان الشرط هو الالتزام والالتزام في البيع ونحوه فانما يكون الالتزام بالشرط مربوطا بالالتزام العقدى إذا كان الالتزام العقدى وابرازه باقيا على الشرط ومربوطا إليه بحيث يكون بين الالتزامين ربط وعقدة ليتحقق معنى الشرط الذى ذكره أهل اللغة وهذا المعنى هو المتفاهم عرفا وكذلك هو المستفاد من قوله (ع) كل شرط سائغ ولازم الا شرط خالف الكتاب والسنة وعلى الجملة المستفاد من كلمة الشرط الذى يجب الوفاء به الا شرطا خالف الكتاب والسنة هو المربوط بالعقد لا ما يكون خارجا عنه فانه مجرد وعد فيجرى عليه حكمه من وجوب الوفاء وعدمه. ومن الواضح أن المذكور قبل العقد إذا كان مغفولا عنه حين انشأ البيع أو منسيا أو متروكا عمدا بحيث أنشأ البيع غير مبنى على الشرط فلا يجب الوفاء به لا من جهة القصور في أدلة وجوب الوفاء بالشرط ولا من جهة التمسك بالاجماع على عدم وجوب الوفاء به حتى يقال ان المسألة مختلف فيها فليس في المقام اجماع بل من جهة منع صدق الشرط عليه إذ هو بالنسبة إلى العقد المنشأ خاليا عن ذكره وخاليا عن البناء عليه أي انشاء المعاملة بانيا على هذا الشرط كسائر الامور الاجنبية عن العقد فلا يكون واجب الوفاء وانما هو كسائر المواعيد التى اجنبية عن هذا العقد فيكون عدم وجوب الوفاء

[ 136 ]

به من جهة عدم الموضوع وعدم صدق الشرط عليه كما هو واضح فلا يكون هذا كالمحذوف النحوي ليكون في حكم المذكور. وأما إذا كان الشرط مذكورا قبل العقد وكان العقد المنشأ مبنيا عليه من غير أن يكون مغفولا عنه عند البيع فيصدق عليه الشرط حقيقة في مقام الثبوت غاية الامر أن الدلاله عليه في مقام الاثبات منفية بحيث لو سمع أحد الكلام الذى انشأ به البيع خاليا عن ذلك الشرط حسب أنه مطلق والمعاملة المنشأة بهذا الانشاء خالية عن الشرط والوجه في ذلك هو ما عرفت من أن المستفاد من معنى الشرط بحسب المتبادر من كلمته في الاخبار ومن العرف ومن تصريح اهل اللغة هو ما يكون مربوطا بشئ وليس اظهاره بمظهر في مقام الانشأ من مقومات ذلك فإذا كان ابراز المعاملة بانيا عليه فيكون مربوطا بها فيكون الالتزامين أي العقدى والشرطي مرتبطين أي احدهما بالاخر ولا يقاس ذلك بحقيقة المعاملات التى لا يترتب عليه الاثر الا بعد الاظهار والابراز لا بمجرد الاعتبار وذلك لانا ذكرنا في أول البيع أن حقيقته عبارة عن اعتبار الكلية لكل من العوضين من كل من المالكين للآخر واظهاره بمبرز في الخارج وكك سائر المعاملات فانها ليست مجرد اعتبار نفساني والا للزم أن يكون بمجرد الاعتبار النفساني أن يملك الآخر وليس لك حتى مع العلم بالاعتبار كما إذا علم كل من المتبايعين بعلم الاشراق أن الاخر اعتبر ملكية ماله له وكذا العكس فانه لا يكون هذا بيعا مادام لم يقترن بالاظهار فحقيقة البيع وكذلك ان حقيقة سائر المعاملات متقومة بالاعتبار النفساني وبالاظهار الخارجي كما لا يخفى.

[ 137 ]

وهذا بخلاف حقيقة الشرط فانه ليس متقوما بالاعتبار وبالاظهار الخارجي معا بل معناه كما ذكرناه هو الربط بين الشيئين وهو حاصل بمجرد البناء والقصد واظهار المعاملة وابرازها وانشائها بانيا عليه فانه بمجرد ذلك يحصل الربط كما لا يخفى فلا يحتاج إلى اللفظ بوجه وقد ذكر ذلك المحقق الايروانى أيضا فيجب الوفاء به للعموم على أن التزامهما مقيد في نفس الامر فلا يعقل التفكيك بينهما لكى يكون أحدهما واجب الوفاء دون الاخر. وأما ما ذكره المصنف من ان الشرط المذكور قبل العقد إذا لم يذكر في العقد ولو بالاشارة كان لغوا وان وقع العقد بانيا عليه وأما ما ذكره فقد ظهر جوابه مما حققناه فكأن المصنف حسب أن قوام الربط والشرط كقوام المعاملات بالاظهار والابراز وقد عرفت أنه ليس كك والحاصل أن الشرط المذكور قبل العقد الذى يقع العقد في الخارج بانيا عليه كالمحذوف المقدر فانه في حكم المذكور. ومن هنا ظهر بطلان ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ أيضا من أن القصود والدواعي غير معتبرة في العقود ما لم ينشأ لفظ على طبقها فمجرد وقوع العقد مبنيا على شرط مع عدم ذكره في متن العقد لا يؤثر في سقوط الخيار وذلك لان الشرط الزام مستقل لا يرتبط بالعقد فارتباطه به يتوقف على الالتزام به في العقد ومجرد البناء ليس التزاما به ولا يقاس ذلك على اوصاف المبيع المعتبرة فيه بالارتكاز ووجه الظهور أن الغرض من الشرط هو ارتباط الالتزام العقدى بالالتزام الشرطي في نظر المتعاملين بحيث يكون أحدهما مربوط بالاخر ولا يلزم أن يكون على نحو معرفة غيرهما أيضا فان تحقق

[ 138 ]

حقيقة الشرط لا يتوقف على الاظهار كما يتوقف البيع عليه فلو كان تحققه محتاجا إلى فهم الغير أيضا لزم ان لا تحقق المعاملات الواقعة في الخفاء التى لا يطلع عليها غير المتعاملين. قوله فرع ذكر العلامة في التذكرة موردا لعدم جواز اشتراط نفى الخيار أقول كان كلامنا في سقوط الخيار بالشرط وقد ذكر العلامه في التذكره أنه قد لا يجوز اشتراط اسقاط الخيار لا من جهة اسقاط ما لم يجب فانه لو كان صحيحا لكان جاريا في جميع موارد اشتراط اسقاط الخيار بل من جهه أخرى كما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه بأن قال لله على ان اعتقك إذا بعتك وقال لو باعه بشرط نفى الخيار لم يصح البيع لصحة النذر ويجب الوفاء به ولا يتم ذلك برفع الخيار لرفع موضوع النذر وقد ذكر المصنف أن ما ذكره العلامة مبنى على أن النذر المعلق بالعين يوجب عدم تسلط الناذر على التصرفات المنافية له ثم قال وقد مر أن الاقوى في الشرط أيضا كونه كك. أقول لا يتم ما ذكره العلامة وارتضاه المصنف واضاف إليه الشرط صغرى وكبرى وأما الوجه في عدم تمامية الصغرى فلان عتق العبد لا ينحصر بفسخ العقد بخيار المجلس ثم عتقه بل يمكن بوجه آخر كالشراء ثانيا أو تملكه بغير الشراء كالاتهاب أو التوارث فانه مع الاطمينان برجوعه إلى ملكه ثانيا لا مانع من عدم الفسخ فعتقه لا ينحصر بصورة الفسخ فقط بل يمكن بغيره أيضا كما هو واضح. وأما الوجه في عدم تمامية الكبرى أن وجوب الوفاء بالنذر و كذا وجوب الوفاء بالشرط وجوب تكليفي كما تقدم قريبا وقد عرفت أنه لا ملازمة بين الحكم التكليفى والحكم الوضعي بأن تكون المخالفة

[ 139 ]

بالحكم التكليفى موجبة لبطلان المعاملة المنهية عنها أيضا فلادلة للنهى عن شئ تكليفا على فساده وضعا الا بالقرائن كما في الخمر نعم لو كان النهى ارشاديا فيدل على الفساد كما في نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر ونحوه وعلى هذا فمخالفة الناذر نذره أو مخالفة الشارط شرطه حرام تكليفا فإذا نذر أن يعتق عبده إذا باعه أو شرط ذلك على نفسه في ضمن معاملة ثم باعه بيعا لازما وخالف نذره فلم يعتق فلا تدل مخالفته هذه على بطلان البيع وقد تقدم في المكاسب المحرمة كثيرا أن الحرمة التكليفية لا يلازم الحرمة الوضعية بل هي تدل على مبغوضية الفعل فقط لا على عدم نفوذه. وتظهر الثمرة فيما إذا باعه في حال الغفلة والنسيان عن نذره فانه لا يكون حراما ايضا تكليفا لكونه مرفوعا عند الغفلة والنسيان كما هو واضح وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ من أن الحكم الشرعي يجعل الانسان مسلوب القدرة فقد تقدم جوابه وتقريب كلامه. قوله: مسألة ومن المسقطات اسقاط هذا الخيار بعد العقد بل هذا هو المسقط الحقيقي أقول لا شبهة في جواز اسقاط خيار المجلس بعد العقد بل هو المسقط الحقيقي كما ذكره المصنف وانما الكلام في دليل ذلك. وقد استدل عليه المصنف بوجوه الاول: دعوى الاجماع عليه ولكنه تقدم غير مرة أن الاجماع في مثل هذه المسألة ليس تعبديا بل هو مبنى على الوجوه المذكورة في المسألة. الثاني القاعدة المسلمة بين الفقهاء أن لكل ذى حق اسقاط حقه ولعل الوجه في ذلك قوله (ع) الناس مسلطون على أموالهم

[ 140 ]

فان مقتضى ذلك هو تسلط ذى الحق بحقه فيفعل فيه ما يشاء بالفحوى وبالطريق الاولوية فان الانسان إذا كان مسلطا لما له الذى من قبيل الاعيان فهو مسلط على حقه أيضا. وفيه اما لمن له الخيار حق لاسقاطه أولا أي أن هذا الخيار الثابت له اما من قبيل الحقوق أو من قبيل الحكم فان كان من قبيل الحقوق فلا يحتاج إلى التمسك بفحوى دليل السلطنة أو بمنطوقه فان معنى الحق هو كون ذى الحق مسلطا على حقه بحيث يفعل فيه ما يشاء. وان لم يكن من قبيل الحقوق بل من قبيل الحكم فلا يقبل الاسقاط سواء كان هنا دليل السلطنة أم لا. وبعبارة واضحة قد ذكرنا في أول البيع أنه لا فرق بين الحق والحكم من حيث كونهما مجعولين للشارع بل كلاهما من الاحكام الشرعية التى جعلها الشارع ولكن بعض هذه الاحكام قد فوضه إلى المكلف وجعل اختياره بيده فله أن يتصرف فيه كيف يشاء ونسمى ذلك حقا في الاصطلاح وان كان حكما في الحقيقة أيضا وهذا لا يكون الا إذا ثبت بالدليل فبدونه لا يمكن أن يقال ان هذا الحكم اختياره بيد المكلف. ولذا كلما شككنا في مورد أنه يسقط باسقاط من له ذلك أولا فالاصل بقائه وعدم سقوطه بالاسقاط تمسكا بدليله. وعلى هذا فلا يمكن اثبات الحقية بدليل السلطنة فانه ناظر إلى الكبرى وأن كل من له السلطنة على شئ فله التصرف في متعلق سلطنته كيف يشاء وبالفحوى يثبت جواز التصرف في الحق و متعلقه ولكن لا يثبت بذلك أن الحكم الفلاني حق والحكم الفلاني

[ 141 ]

ليس بحق. الثالث قوله (ع) المؤمنون عند شروطهم بدعوى أنه إذا شمل الشروط الابتدائية لكان شاملا لذلك أيضا فان اسقاط الخيار بعد العقد التزام بأن لا يكون له خيار فيكون من الشروط الابتدائية. وفيه أولا أنه لا تشمل الشروط الابتدائية للاتفاق بعدم كونها واجب الوفاء بل ليست من الشروط وقد تقدم من القاموس أن الشرط هو الالزام والالتزام في بيع ونحوه. وثانيا على تقدير كونه شاملا للشروط الابتدائية فلا شبهه لعدم شموله لاسقاط الخيار بعد العقد الذى هو محل كلامنا وذلك فان معنى اسقاط الخيار هو الالتزام بأن لا يكون له خيار ولا شبهه ان ثبوت الخيار له وعدم ثبوته له من الاحكام الشرعية فلا يكون تحت اختيار المكلف كما لا يخفى. فلا يعقل شمول المؤمنون عند شروطهم لذلك. الرابع فهو العمدة وحاصله أنا استفدنا من النص الدال على سقوط الخيار بالتصرف معللا بانه رضا بالبيع فيدل ذلك على أن الرضى بالبيع وبسقوط الخيار يوجب السقوط باى كاشف كان ذلك الدال فكلما دل على رضا ذى الخيار بسقوط الخيار فيكون ذلك موجبا للسقوط كما لا يخفى فان المناط هو الرضا لا أن للفظ خاص موضوعية بحيث يكون سببا للسقوط تعبدا كما لا يخفى. ويترتب على ذلك المسألتان اللتان ذكرهما المصنف بعد ذلك الاولى أنه لا يعتبر في اسقاط الخيار لفظ خاص كما يعتبر ذلك في العقود والايقاعات على المشهور من العربية والماضوية وغيرهما بل يسقط الخيار بكل ما يكون كاشفا عن الرضا من ذى الخيار على ذلك

[ 142 ]

لما عرفت أن المناط هو الرضا بالبيع وكونه لازما وهو يحصل ولو بالاشارة بالحواس ونحوه وعلى هذا فيجرى في الاسقاط ما يكون شبيها بالبيع الفضولي كما إذا قال أحد غير ذى الخيار اسقط خيار الفلاني ثم يقول صاحب الخيار أمضيت فانه يكون ذلك اسقاطا فان الامضاء مصداق لسقوط الخيار ومصداق للرضا به كما لا يخفى فلا يعتبر هنا لفظ خاص لتحقق المناط المذكور بأى كاشف. المسألة الثانية ما ورد في بعض الروايات وان كانت غير جامعة لشرائط الحجية أنه لو قال أحدهما لصاحبه اختر فهل يكون هذا اسقاطا للخيار أم لا وقد وقع ذلك محل الكلام بين الاعلام. لا شبهة أن كلمة اختر ليس من مسقطات الخيار تعبدا فيقع الكلام في دلالته على ذلك وقد يقال أن كلمة اختر معناه اسقاط خياره عن نفسه وارجاع أمر العقد إلى الطرف الآخر واما إذا لم يكن له خيار فمعناه تمليك خياره إليه والحاصل أن قول القائل لصاحبه اختر هذا العقد معناه ارجاع امر العقد وتفويضه إليه بحيث لا يكون للقائل اختيار في العقد أصلا وعليه فان كان للطرف الآخر خيار أيضا فيسقط خيار القائل والا فيكون تمليكا لخيار نفسه إلى الطرف الآخر. وقد يقال: ان معنى كلمة اختر تفويض الخيار إلى الطرف الاخر بحيث يكون هو المفوض إليه في ذلك اما يعمل أو لا يعمل دون الاسقاط وقد يقال ان معنى كلمة اختر هو استكشاف حال الطرف بالنسبة إلى العقد أنه أي شئ يختار في العقد الفسخ أو الامضاء. وعلى الثالث لا يكون التكلم به موجبا لسقوط الخيار لكونه مسوقا للتجربة والامتحان بل قيل على الثاني أيضا لا يدل على سقوط الخيار

[ 143 ]

فان تفويض الامر إلى صاحبه في امر خيار المجلس لا يدل على سقوط خيار نفسه غاية الامر أنه يكون مثل الموكل الذى فوض أمر شئ إلى الوكيل المفوض فانه مع كونه وكيلا مفوضا فللموكل أيضا أن يتصرف في ذلك الشيئ الذى وكل غيره فيه. وقال شيخنا الانصاري وهو الحق أن كلمة اختر لا يدل الا على كشف حال الطرف وامتحانه وأما أزيد من ذلك فلا شيئ من الدلالات المطابقية وغيرها الا أن تكون هناك قرينة حالية أو مقالية تدل على كون مراد المتكلم هو اسقاط الخيار وهو كذلك فان مادة كلمة اختر هي لا تدل على ازيد من الاختيار وهيئتها هي صيغة الامر فلا دلالة في شيئ من المادة والهيئة على ذلك أي سقوط الخيار بل لا يستفاد منها الا امتحان الطرف وكشف حاله أنه يمضى العقد ويسقط خياره أم لابد يريد الفسخ. قوله ثم انه لا اشكال في ان اسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الاخر أقول قد تقدم في أوائل الخيار أن امضاء احدهما العقد لا يوجب سقوط خيار الاخر وكون العقد لازما من قبله بل هو باق على خياره نعم أن فسخ أحدهما يوجب فسخ الاخر كما ذكره المصنف ثم تصدى المصنف لبيان صورة معارضة الفسخ والامضاء وقال: لو اقتضت الاجازة لزوم العقد من الطرفين كما لو فرض ثبوت الخيار من طرف أحد المتعاقدين أو من طرفهما لمتعدد كالاصيل والوكيل فاجاز أحدهما وفسخ الاخر دفعة واحدة أو تصرف ذو الخيار في العوضين دفعة واحدة كما لو باع عبدا بجارية ثم اعتقهما جميعا حيث ان اعتاق العبد فسخ واعتاق الجارية اجازة أو اختلف الورثة في الفسخ

[ 144 ]

والاجازة تحقق التعارض وظاهر العلامة في جميع هذا الصور تقديم الفسخ ولم يظهر وجه تام وسيجئ الاشارة إلى ذلك في موضعه انشاء الله تعالى. والتحقيق في بيان الكبرى في المقام أنه قد يقال بثبوت الخيار للطبيعي بحيث كلمن سبق إلى اعمال الخيار من الفسخ أو الامضاء لا يبقى مجال للاخر أصلا كما أن الشخص الواحد ليس له الا خيار واحد من الفسخ أو الامضاء فالطبيعي أيضا في حكمه فكأنه فرد واحد وقد احتمل هذا الوجه في ثبوت الخيار للورثة بموت المورث وقالوا بان هنا ح خيار واحد فأى من الورثة سبق إلى اعماله فيسقط عن الباقين. وقد يقال بكونه ثابتا لكل واحد ولكن يكون الخيار الثابت للثاني في طول الخيار الثابت للاول أي من فروعه وشؤونه سواء كان خياره في طول خيار الاول متعددا أو واحدا وهذا كخيار الوكيل الواحد أو المتعدد من الموكل في اعمال الخيار. وقد يقال بثبوته لكل واحد واحد من الاشخاص على نحو الاستقلال من غير أن يرتبط بالآخر أصلا. أما على الاول فلا شبهة في سقوط الخيار عن البقية بسبق احد أفراد الطبيعة إلى اعماله اما بالفسخ أو بالامضاء كما عرفت فانه حينئذ ليس هنا الا خيار واحد فلا يعقل بقائه بعد سقوطه بالاعمال اسقاطا أو اعمالا فلا يبقى لخيار الثاني موضوع أصلا لارتفاعه بفسخ السابق أو امضائه. وعلى هذا فلو تقارن فسخ أحد أفراد الطبيعة مع امضاء الفرد

[ 145 ]

الآخر فلا مناص عن التساقط حينئذ ولا يكون شئ من الفسخ أو الامضاء مؤثرا في العقد فيكون الخيار باقيا على حاله فان سقوطه وعدمه معا مستحيل للتناقض لما عرفت أن ثبوت الخيار للطبيعة كثبوته لفرد واحد فكما لا يعقل تأثير صدور الفسخ والامضاء من شخص واحد بأن يكتب باحدى يده الفسخ وبالآخر الامضاء ويبرزهما معا أو يفسخ بلسانه ويمضى بكتابته أو باشارته فان شئ من ذلك لا يعقل لانه مستلزم لتناقض وترجيح أحدهما على الاخر ترجيح بلا مرجح فيلغو كلاهما وكك في هذه الصورة فانه حينئذ ليس هنا الا خيار واحد فهذا الخيار الواحد لا يعقل أن يؤثر في العقد الفسخ والامضاء معا. وعلى هذا الفرض لا وجه لكلام العلامة أصلا لا انه لم يظهر له وجه تام كما ذكره المصنف لما عرفت أنه غير معقول وانه مستحيل كما لا يخفى. وأما على الثاني بأن يكون خيار أحدهما في طول خيار الاخر فقد عرفت أنه على قسمين الاول أن يكون الثاني الذى خياره في طول خيار الاول واحدا كما إذا وكل أحد شخصا أخر في امر الخيار فان خيار الوكيل في طول خيار الموكل أي من فروعه وشؤونه. الثاني أن يكون الوكيل في اعمال خيار الموكل متعددا كأن وكل نفرين في اعمال خيار المجلس الثابت فان هذا الخيار الثابت للوكيل في طول خيار الموكل. وعلى كل حال فكل من سبق من الوكيل أو من الموكل إلى اعمال الخيار فيرتفع الخيار ولا يبقى للآخر مجال أصلا فان سبق الموكل فلا يبق مجال لخيار الوكيل وان سبق الوكيل فلا يبقى مجال لخيار الموكل وكك الحال في سبق أحد الوكيلين على الوكيل الاخر والموكل

[ 146 ]

والوجه في ذلك أن هنا خيار واحد ثابت للموكل وللوكيل في طوله فبعد اعمال كل منهم ذلك لا يبقى مجال لخيار الاخر اصلا. وان تقارنا بان فسخ الوكيل وأمضى الموكل أو فسخ أحد الوكيلين وأمضى الآخر فانه حينئذ لا مناص من التساقط أيضا ومن عدم تأثير شئ من الفسخ والامضاء لما عرفت من انه ليس هنا الا خيار واحد فلا يعقل أن يعمل هذا الخيار الواحد بالفسخ تارة وبالامضاء أخرى معا فقهرا يحكم بالتساقط كما عرفت في ثبوته على الطبيعي فهذان - الاحتمالان أي احتمال ثبوته للطبيعة واحتمال ثبوته للمتعدد طولا متحدان من حيث النتيجة فلا مجال لكلام العلامة في هاتين الصورتين وأما على الثالث: فلكل منهما خيار مستقل فله اعماله من غير أن يرتبط بالاخر كما تقدم نظيره في ثبوت خيار المجلس للوكيل والموكل معا على نحو الاستقلال مع اجتماعهم في مجلس واحد أو مع كون الوكيلين في مجلس والموكلين في مجلس آخر مجتمعين كما تقدم و حينئذ فكل يترتب حكم خيار نفسه على حده من دون ربط بالاخر. وعلى هذا فلو فسخ أحدهما سواء كان قبل امضاء الآخر أو مقارنا بامضائه أو بعده فيبطل العقد وينحل فلا يبقى شئ اصلا فان الفسخ يقدم على الامضاء حتى بعد امضاء الآخر وقد تقدم وجهه سابقا من أن في الفسخ خصوصية يوجب انحلال المعاملة لانه عبارة عن الحل والحل انما يكون من الطرفين بخلاف الامضاء فانه اقرار العقد فهو تحصل من قبله أيضا وحده. وعلى هذا الفرض فمع التقارن يقدم الفاسخ ومع التأخر عن الامضاء يقدم على الامضاء فمع التقارن يقدم أيضا بطريق الاولوية

[ 147 ]

ولو كان مراد العلامة من تقديم الفاسخ على المجيز هذا فله وجه وجيه وعلى الجملة فكلما كان الفسخ مقدما على الامضاء في فرض تأخره عنه فيقدم في فرض التقارن بالاولوية أيضا وكلما وقع التعارض بينهما في صورة المقارنة فلا يكون الفسخ مقدما في صورة التأخر أيضا بالاولوية لعدم بقاء الموضوع له ح. قوله من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعين، أقول: يقع الكلام في جهتين الاولى في أن المدار في الافتراق الموجب لسقوط الخيار أي شيئ هل هو طبيعي الافتراق ولو بمقدار اصبع أو بمقدار شعره أو المناط هو الافتراق بمقدار خطوه أو المناط هو الافتراق العرفي وجوه ثلثه التى ذكرها المصنف. الجهة الثانية في أن ما يوجب لسقوط الخيار من الافتراق وأن موضوع الحكم هو الافتراق بما هو افتراق أو ان الموضوع هو الافتراق الكاشف عن الرضا وأما ما كان عن اكراه لا يوجب سقوط الخيار. أما الكلام في الجهة الاولى فذكر المصنف أن الافتراق بما هو افترق موجب لسقوط الخيار قليلا كان أم كثيرا فان الظاهر من الادلة هو حصول الخيار بمجرد الافتراق وانفصال الهيئة الاجتماعية الحاصله لهما حين العقد، فإذا حصل مسمى الافتراق وصدق الطبيعي سقط الخيار، والذى يصرح أن مراد المصنف هو ذلك ما ذكره في ذيل كلامه من قوله فلو تبايعا في سفينتين متلاصقتين كفى مجرد افتراقهما. الوجه الثاني اعتبار الخطوة في الافتراق المسقط للخيار فقد

[ 148 ]

ذكره جماعة اغترارا بالتمثيل بالخطوة الواقعة في كلمات جماعة و لكنه لا دليل عليه بوجه وانما ذكره جماعة من باب المثال وعلى تقدير أنهم ذكروا ذلك من باب التحديد فلا دليل عليه لانه لم يرد من الشرع ما يوجب التحديد كما ورد ذلك في تعيين الكر والنصاب في الزكوة ونحوهما. الثالث أن يقال بأن المناط في ذلك هو الافتراق العرفي وأما الوجهان الاولان فلا دليل عليهما وبيان ذلك أن المراد من الافتراق ليس هو مجرد الانفصال بأى نحو كان ولو كان طبيعي الانفصال بين المتبايعين لحصوله من الاول بالبديهة فانه قلما يتفق أن يكون امضاء أحد المتبايعين متلاصقا بالاخر باليد أو بشيئ آخر من اعضاء بدنهما وعليه فالمراد من الافتراق ليس هو افتراق بدن كل منهما عن الآخر فلابد وأن يراد من ذلك هو الافتراق عن مجلس العقد سواء كانا - جالسين أم قاعدين أو مضطجعين أي عن مجلس العقد للمعاملة و لو كان في حالة المشى فلو كانا في قبة واجتمعا في تلك القبة للمعاملة الخاصة فالاجتماع فيها اجتماع للمعاملة فيكون هذا المجلس مجلس المعاملة فلا يحصل التفرق حينئذ الا بالتفرق من هذا القبة وانقضاء مجلس البيع عرفا فانه ما دام هذا الاجتماع في هذه القبة باق لا يصدق التفرق عن مجلس المعاملة كما لا يخفى. فلو قام أحدهما لشرب الماء في الزاوية أخرى من القبة أو للتوضى لا يحصل الافتراق عرفا وان حصل التفرق بالدقة العقلية وهكذا ان التفرق في كل مجلس اجتمعا للمعاملة بحسب حال ذلك المجلس عرفا وعلى هذا لا يضر التفرق بمقدار عشرة خطأ فضلا عن الخطوه الواحدة

[ 149 ]

كما ذكره جماعة بل فضلا عن التفرق بالمسمى كما ذكره المصنف بل المناط هو الصدق العرفي وانهدام الهيئة الاجتماعية لاجل المعاملة عرفا هذا بحسب ما يستفاد من الروايات. ولكن ورد في رواية صحيحة أنه عليه السلام قال فلما أوجب البيع قمت فمشيت خطأ ليجب البيع فان الظاهر من هذه الرواية الشريفه أن المشى خطأ يوجب سقوط الخيار وان المشى لاجل اسقاط الخيار لا لغرض آخر وعليه فالمناط في سقوط الخيار هو ذلك وأقله بثلثة خطوات فانه لو لم يكن المشى خطأ موجبا لسقوط الخيار لكان ذكره في الحديث لغوا فانه ليس من باب الصدقة فان الحالات الموجودة حال البيع وبعده كثيرة فلو لم يكن لذكر ذلك موضوعية لم يذكره الامام عليه السلام ولذكر غيره فيعلم من ذلك ان المناط في سقوط الخيار بالتفرق هو ذلك وان الامام (ع) طبق الكبرى الكلية على المورد الخاص لا أن القضية شخصية في مورد خاص كما لا يخفى فتحصل أن ما يظهر من هذه الرواية الشريفة هو الميزان في سقوط الخيار بالتفرق. ثم أنه هل يحصل التفرق بحصوله بالاختيار من أحد الطرفين وبالاضطرار عن الآخر أو بالاضطرار من الطرفين أو لابد وأن يكون اختياريا من كلا الطرفين وبعبارة اخرى هل يعتبر في التفرق أن يكون اختياريا من كلا الطرفين أو يكفى من احد الطرفين أو لا يعتبر الاختيار في شئ من الطرفين أصلا. الظاهر أنه لا يعتبر الاختيار في حصول مفهوم التفرق أصلا فانه أمر تكوينيى يحصل بمجرد انفصال أحد الجسمين عن الآخر وبعبارة

[ 150 ]

أخرى أن التفرق والانفصال من الامور النسبية وهو يتحقق من الطرفين بمجرد تباعد أحد الجسمين عن الآخر وإذا انفصل أحدهما عن الآخر بأى نحو كان يحصل التفرق من الطرفين حقيقة وأما سقوط الخيار بمطلق التفرق وعدم سقوطه فهو مطلب آخر غير مربوط بالمقام. وأما ما ذكره المصنف من قوله فذات الافتراق من المتحرك و اتصافها بكونها افتراقا من الساكن فلا معنى له فان الافتراق حقيقة يحصل من الطرفين بمجرد تفرق أحدهما عن الآخر كما لا يخفى فلا نعقل معنى لكون ذات الافتراق من المتحرك واتصافها بكونها افتراقا من الساكن كما هو واضح لا يخفى ويدل على تحقق الافتراق بمجرد تفرق أحدهما قوله (ع) قمت فمشيت خطأ ليجب البيع حين افترقنا حيث اثبت افتراقهما بمجرد انفصاله عليه السلام عن الآخر من غير أن يكون الآخر متحركا بل كان جالسا. (فيما لو اكره احدهما على التفرق) قوله مسألة المعروف أنه لا اعتبار بالافتراق عن اكراه إذا منع من التخاير، أقول: لا شبهة أن موضوع عدم الفسخ هنا مركب من امرين أحدهما التفرق والثانى عدم الفسخ وعليه قد يكون كل منهما اختياريا بأن يكون متمكنا من الفسخ ولا يكون مكرها عليه ويكون مختارا في التفرق وعدمه وهذا هو القدر المتيقن من مورد سقوط خيار المجلس بالتفرق أي إذا كان متمكنا من الفسخ وكان مختارا في التفرق ومع ذلك تفرق باختياره ولم يفسخ كك باختياره يسقط خياره. وقد يكون مختارا في الفسخ وعدمه ومتمكنا عنه ومع ذلك كان

[ 151 ]

مكرها على التفرق وقد يكون عكس ذلك بأن يكون مكرها على عدم الفسخ ولكن كان مختارا في التفرق فالمعروف المشهور في هذين الفرضين أيضا سقوط الخيار والوجه فيه ما سيأتي من أنه مع كون أحد جزئي الموضوع المركب اكراهيا والجزء الاخر غير اكراهي لا يوجب رفع الحكم المتعلق به أو المترتب عليه لكونه اختياريا كما لا يخفى فافهم قد يكون مكرها على كليهما بأن يكون مكرها على التفرق و غير متمكن من الفسخ أي مكرها على عدم الفسخ فالمشهور هنا هو عدم سقوط الخيار وقد استدل على هذا بوجوه كما يظهر من كلام المصنف الاول الاجماع المنقول المنجبر بفتوى المشهور. وفيه أن كلا من الاجماع المنقول والشهرة ليس بحجة فلا يكون ضم غير الحجة بمثله مفيدا للحجية أما عدم حجية الشهرة الفتوائية فواضح وأما عدم حجية الاجماع المنقول فمن جهة أن المظنون أن مدركه هو الوجوه المذكورة في المقام فلا يكون هنا اجماع تعبدي كاشف عن رأى المعصوم (ع). الثاني أن المتبادر من الفعل هو الاختياري فالحكم المترتب على فعل يكون مترتبا على فعل اختياري لا على فعل غير اختياري فالمناط في التفرق الموجب لسقوط الخيار هو التفرق الصادر عن المتفرق باختياره لا الصادر بالاكراه فانه حينئذ لا يسقط الخيار بل يتمسك باصالة بقاء الخيار ويحكم بعدم سقوطه. وقد اشكل عليه المصنف بأنه يمكن منع التبادر فان المتبادر هو الاختياري في مقابل الاضطراري الذى لا يعد فعلا حقيقيا قائما بنفس الفاعل بل يكون صورة فعل قائمة بجسم المضطر لا في مقابل

[ 152 ]

المكره الفاعل بالاختيار لدفع الضرر المتوعد على تركه فان التبادر ممنوع. ثم ذكر ثانيا أنه لو تم هذا انما يتم في صوره الاكراه والاضطرار على التفرق مع التمكن من الفسخ مع أن المشهور ذهب في هذه الصورة إلى سقوط الخيار. اقول أما جوابه الثاني أي النقض بصورة الاكراه على التفرق مع تمكنه من الفسخ فهو متين وأما جوابه الاول فلا يمكن المساعدة عليه فانه لا فرق بين الاضطرار والاكراه بل الظاهر أن المتبادر من الفعل هو الاعم من الاختياري وغير الاختياري الشامل لصوره الاضطرار أيضا فان الاختيار لم يؤخذ في الافعال لا بموادها ولا لهيئاتها أما موادها فواضح فلان مثل التفرق والقعود والقيام والجلوس والنوم و نحوها من مواد الافعال أعم من الاختيارية وغيرها فتخصيصها بحصة خاصة وهى كونها اختيارية مجازفة. وأما الهيئات فهى مختلفة بحسب المشتقات فانها قد تدل على صدور الفعل وقد تدل على حلوله ووقوعه على المواد وهكذا فليس فيها اختيار أصلا نعم قد يكون الاختيار مأخوذا في مفهوم المواد لعنوان التعظيم والاهانة والصوم والصلوة ونحوها من الامور التى من العناوين القصدية فان الاختيارية مأخوذة فيها بحسب المفهوم كما هو واضح. وعلى الجملة لا وجه للقول بأن المتبادر من الافعال هو كونها اختيارية سواء كان الاختيار في مقابل الاكراه أو في مقابل الاضطرار فان الافعال غير ما يكون الاختيار مأخوذا في مفهومه أعم من الاختيارية

[ 153 ]

وغيرها ومن هنا ترى أنها تنقسم إلى الاختياري وغير الاختياري فيقال قيام اختياري وقيام غير اختياري وموت اختياري وموت غير اختياري وقعود واضطجاع اختياريين وغير اختياريين وهكذا. الوجه الثالث: الاستدلال بحديث الرفع فان ما اكره عليه أو - اضطر عليه الانسان مرفوع في الشريعة المقدسة بمقتضى حديث الرفع. وقد أجاب عنه المصنف بانه لا يمكن أن يجعل التفرق كلا تفرق بمقتضى حديث الرفع لان المفروض أن التفرق الاضطراري أيضا مسقط مع وقوعه في حال التمكن من التخاير فلو كان حديث رفع الاكراه رافعا لحكم التفرق مع عدم التمكن من التخاير لكان حديث رفع الاضطرار رافعا لحكم التفرق أيضا مع التمكن من التخاير. ولكن يرد عليه أنه لا مجال لهذا النقض لما عرفت أن موضوع عدم الخيار هو التفرق وعدم الفسخ وهو انما يكون حكما اكراهيا إذا كان كلا الجزئين من موضوعه المركب اكراهيا وأما إذا كان أحد الجزئين اختياريا والآخر اكراهيا فيكون الحكم أيضا حكما غير اكراهي وحينئذ لا يترتب عليه حكم الاكراه مثلا إذا كان شخص مكرها على التكلم بكلمة بع وتكلم المكره بكلمة بعت منشاء بها بيع داره مثلا، فانه لا يتوهم أحد أن هذا الانشاء غير مؤثر باعتبار كون بعض أجزاء ما انشأ به البيع صادرا عن اكراه. وهكذا في جميع الموضوعات المركبة ففى المقام كك فان الاكراه باحد الجزئين لا يجعل الحكم اكراهيا مع كون الجزء الآخر من الموضوع باقيا على اختياريته بحيث يكون الحكم غير اكراهيى به فإذا كان البايع مثلا مكرها على التفرق ولكن كان مختارا في الفسخ وعدمه فله أن يفسخ ذلك فلا يكون مجبورا ومكرا على عدم الفسخ فلا

[ 154 ]

وجه لهذا النقض. وقد اجاب شيخنا الاستاذ عن حديث الرفع أولا أن النسيان مرفوع فيه أيضا مع ان القائل باعتبار الاختيار مقابل الاكراه يلتزم بسقوط الخيار مع النسيان والغفلة فيستكشف من السقوط في مورد النسيان ان ذات الافتراق بما أنه فعل لا بما هو صادر عن اختيار جعل من المسقطات. وثانيا أن حديث الرفع وان لم يختص بالحكم التكليفى ولكن لا يمكن التعدي منه إلى غير الحكم التكليفى الا إلى متعلقاته أي يكون المرفوع به وراء الحكم التكليفى متعلقات التكاليف لا موضوعاته لان مورد بعض المرفوعات منحصر في متعلق التكليف كالحسد والوسوسة و الطيرة فتعميم الرفع لموضوعات التكاليف كالسفر والحضر والتفرق مع عدم الجامع بين المتعلق وموضوع التكليف لا وجه له فيجب أن يراد منه أنه لو شرب المكلف نسيانا أو كرها أو افطر كك فشربه كالعدم لا انه لو تحقق السفر أو الاقامة أو التفرق عن كره فوجوده كالعدم ولذا لا يلتزم أحد بانه لو أقام مثلا عن كره يجب عليه القصر. أما نقضه بالنسيان فهو متين ولكن لا وجه لجوابه الثاني بل لم يلتزم به في الاصول وانه التزم فبه بعدم الفرق في شمول حديث الرفع بين الموضوع والمتعلق لان المرفوع بحديث الرفع هو الحكم المتعلق بفعل المكلف وهو قد يكون متعلقا للتكليف والمراد به ما يكون مطلوبا أو منهيا عنه وقد يكون موضوعا له ويكون الحكم مترتب عليه والمراد به ما كان شرطا للتكليف لا مطلوبا بنفسه فالاول مثل الشرب الذى هو متعلق النهى في شرب الخمر ونحو ذلك والثانى كالتفرق

[ 155 ]

الذى موضوع لسقوط الخيار فانه على كل تقدير يرتفع بحديث الرفع كما هو واضح وقد عرفت أنه لم يلتزم بذلك في الاصول. والحاصل أن المرفوع انما هو فعل المكلف الذى يقع عليه الاكراه وهذه قضية حقيقية فايما تحققت يتحقق الحكم بمعنى أنه انما وجد الفعل وتعلق به الاكراه يكون هذا الفعل كعدمه بارتفاع الحكم بل لا يمكن الالتزام به أصلا فان لازم ذلك أن يلتزم بثبوت الكفارة للافطار في شهر رمضان إذا كان عن اكراه بان يقال أن المرفوع انما هو الحرمة لان افطاره كالعدم وأما الكفارات فهى تترتب عليه فان حديث الرفع لا يجعل الافطار المتحقق الذى هو موضوع الكفارة كعدم الافطار مع انه لم يلتزم به وكك لازم الفرق بين المتعلقات والموضوعات في مفاد حديث الرفع أن يلتزم بثبوت الكفارات للمحرمات في باب الحج التى حكم الشارع بثبوت الكفارات على ارتكابها عن العمد إذا صدرت عن اكراه ونسيان وغفلة أيضا بأن يقال أنه لو اكره أحد على الصيد في حال الاحرام أو نسى فاصطاد فتثبت له الكفارة لان حديث الرفع لا يرفع موضوع الحكم فالصيد الذى موضوع لثبوت الكفارة غير مرفوع بل المرفوع انما هو الحكم التكليفى ومتعلقاته أي جعل الصيد كعدمه بالنسبة إلى الحكم التكليفى ولم يلتزم المشهور بذلك. وأما ما ذكره من الاستشهاد على عدم شمول حديث الرفع لموضوعات الاحكام بعدم كون الاقامة والسفر عن اكراه كغير الاقامة وكغير السفر حيث ان وظيفة المكلف في الاول هو الاتمام وفى الثاني هو القصر مع أن لازم القول شمول حديث الرفع لموضوعات الاحكام هو الالتزام بكون الاقامة والسفر هنا كعدمهما.

[ 156 ]

فهو محض اشتباه حيث ان المستفاد من الاخبار أن موضوع القصر والاتمام انما هو علم المكلف بالاقامة وعدم علمه بذلك لا الاقامه الخارجيه وعدمها وأن العلم هنا تمام الموضوع لا جزئه ولذا لو علم بأنه يقيم في مكان عشرة أيام فصلى تماما ثم تبين انه لا يبقى الا أربعة ايام صحت صلوته فلا معنى للنقض بانه لو كان حديث الرفع شاملا لموضوعات الاحكام ورافعا لها أيضا للزم القول بوجوب القصر مع الاكراه على الاقامة أو السفر ولذلك لا يرتفع النجاسة بالملاقات عن نسيان أو عن اكراه لان موضوع الحكم فيها هو الاصابة كما يظهر من الروايات ومن هنا ذكرنا في محله أن شرائط التكاليف قد تكون أمورا غير اختيارية كالوقت نعم التقيد بها أمر اختياري أي تحت اختيار المكلف. والحاصل أنه لا يمكن التمسك هنا بحديث الرفع لوجهين: الاول أن الظاهر من حديث الرفع هو الاكراه يوجب رفع الحكم الثابت على ما اكره عليه من موضوع الحكم الذى ترتب عليه الحكم ومن متعلقه الذى ترتب تعلق به الحكم وأما ترتب الحكم على الاكراه بعدم شئ فلا يستفاد من حديث الرفع وتوضيح ذلك انه إذا كان احد مضطرا إلى شئ أو مكرها عليه أو ناسيا فكان الحكم المتعلق به أو المترتب عليه حراما في الواقع مثلا فان حديث الرفع يرفع هذا الحكم كما هو الظاهر. وأما لو كان الشئ متروكا عن اكراه أو نسيان فلا يوجب حديث الرفع ترتب الحكم على العمد أي ليس الاكراه على عدم شئ موردا لحديث الرفع وموجبا لثبوت الحكم الذى كان ثابتا مع عدم الاكراه مثلا إذا كان أحد يختار صلوة الجماعه لان يستريح من الشكوك الطارئة

[ 157 ]

عليه أو يستريح من قرائة الفاتحة فإذا اكرهه أحد على ترك الجماعة فلا يوجب الاكراه ترتب احكام الجماعة عليه من عدم الاعتنا بشكه لانه حين ما كان يصلى الجماعة لا يعتنى بشكه لحفظ الامام وكك لو كان أحد متجهزا إلى الجهاد ومتلبسا بلباس الحرير لانه يجوز لبسه في الحرب ولكن منعه شخص عن ذلك اكراها فان الاكراه حينئذ لا يجوز لبس الحرير والحاصل أن دليل الاكراه يرفع الحكم المترتب على الموضوع الذى اكره عليه أو المتعلق الذى تعلق به الحكم ولا يكون ناظرا أبدا إلى اثبات الحكم مع الاكراه على ترك موضوع ترتب عليه الحكم أو متعلق تعلق به الحكم أي لا يكون حديث الرفع متكفلا لاثبات الحكم الذى ترتب على الموضوع أو تعلق بالمتعلق حين الاكراه بترك المتعلق والموضوع. نعم لو كان حديث الرفع شاملا للمباحات لكان الاكراه على البقاء موجبا لرفع جواز الفسخ ولكنه فرض غير واقع فان حديث الرفع يرفع الالزام لا الجواز وعلى هذا فلا يمكن الحكم ببقاء الخيار مع الاكراه على التفرق بدعوى أنه قد اكره على التفرق فيكون الاكراه موجبا لاثبات حكم عدم التفرق والاجتماع. واما توهم أن حديث الرفع يرفع لزوم العقد مع الاكراه على التفرق فهو توهم فاسد فان التفرق ليس موضوعا لوجوب العقد ولزومه ولا أنه مما تعلق به لزوم العقد بل هو غاية للجواز والخيار الثابت في المجلس تخصيصا لعموم وجوب الوفاء بالعقد بمقتضى أوفوا بالعقود فمع التفرق ينتهى أمد الجواز. وبعبارة أخرى أن العقد كان لازما من الاول بدليل وجوب الوفاء

[ 158 ]

بالعقد وقد خرجنا عن ذلك في زمن خيار المجلس أي بالجواز الثابت في المجلس وقد كان هذا الجواز مغيا بالافتراق وإذا افتراقا حصلت الغاية لا أنه وجب البيع فان وجوب البيع كان من الاول كما لا يخفى فالجواز انما هو ثابت مع انحفاظ امرين أحدهما عدم الفسخ والثانى عدم حصول الافتراق فافهم واغتنم. فليس اللزوم مترتبا بالافتراق أو متعلقا به ليرتفع مع الاكراه على التفرق ويبقى الجواز على حاله. الثاني أنه على تقدير شمول حديث الرفع لما ذكر وكونه موجبا لاثبات الحكم ولكنه وارد في مقام الامتنان ومن الواضح أن شموله للمقام على خلاف الامتنان فانه يوجب أن ينتزع مال الغير منه بالفسخ وهو على خلاف الامتنان. والحاصل أنه ذكرت وجوه ستة على عدم سقوط الخيار بالتفرق عن اكراه مع عدم التمكن من الفسخ وقد عرفت أن شيئا منها لا يرجع إلى محصل وقد عرفت أن من جملة ما استدل به على عدم سقوط الخيار و قد عرفت ما اجاب عنه المصنف وشيخنا الاستاذ وعرفت أيضا أن شيئا من المذكورات لا تصلح للجواب عن ذلك. وقد عرفت أنا اجبنا عنه بجوابين الاول أن حديث الرفع لا يثبت الحكم على نقيض ما اكره عليه الشخص كالامثلة المتقدمة فلو اكره على التفرق فلا يوجب حديث الرفع اثبات الحكم اعني عدم سقوط الخيار على عدم التفرق الذى هو نقيض التفرق. الثاني أن حديث الرفع انما ورد في مقام الامتنان ومن الواضح أن الحكم بعدم سقوط الخيار لحديث الرفع على خلاف الامتنان لانه يوجب انتزاع مال الغير من ملكه فانه بعد الحكم بعدم سقوط

[ 159 ]

الخيار فإذا اعمل الشخص خياره فيكون ذلك سببا لرد ما كان تملك المشترى مال البايع بالبيع والشراء إلى ملك البايع بالفسخ ورد الثمن إلى ملك المشترى كك وهو على خلاف الامتنان. ثم اجبنا عن أن حديث الرفع يرفع اللزوم المترتب على التفرق بأن التفرق غاية لسقوط الخيار وليس موضوعا للزوم العقد وانما الموضوع له هو العقد والموجب للزومه هو دليل الوفاء بالعقد وأما التفرق فليس سببا للزومه وانما هو غاية جواز الفسخ اعني الخيار في المجلس ولكن الظاهر أن هذا الجواب لا يفيد بيان ذلك قد تقدم في جواب شيخنا الاستاذ أن في الموضوعات المركبة لا يكون حديث الرفع رافعا للحكم المترتب عليها الا بالاكراه على كلا جزئي الموضوع كما إذا كان التكلم في حال القيام حراما فانه إذا اكره أحد على التكلم في حال القيام فيرتفع الحكم بالحرمة عند الاكراه بحديث الرفع وهكذا واما إذا كان أحد الاجزاء مقدورا والآخر غير مقدور فلا موجب لرفع الحكم بحديث الرفع لعدم كون المترتب على الموضوع هما يترتب على موضوع اكراه أو متعلقا بما لمتعلق الاكراهي كما لا يخفى فافهم. ولذا قلنا في محله انه لا مانع من كون التكليف مشروطا بشروط غير مقدورة إذا كان متعلق التكليف أو المشروط بهذا الشرط الغير المقدور أمرا مقدورا وكان ذلك الامر المقدور مقيدا بهذا الشرط الغير المقدور بحيث يكون التقيد مقدورا أي اتيان العمل مقيدا بهذا الشرط وهذه الكبرى وان كانت مسلمة ولذا عرفت كون التكليف مشروطا بشرط غير مقدور ولكنه لا يصح في المقام وليس ما نحن فيه من صغريات هذه الكبرى وذلك من جهة أن أحد جزئي الحكم باللزوم هو العقد

[ 160 ]

وقد تحقق على الفرض والجزء الآخر التفرق وهو انما تحقق بالاكراه فلا يكون الموضوع الذى ترتب عليه الحكم اختياريا فعليا بل اكراهيا فيرتفع الحكم باللزوم بحديث الرفع نظير ما إذا كان موضوع الحرمة التكلم في حال القيام كما تقدم وقد تحقق القيام باختياره وبعد تحققه بالاختيار فاكره القائم على التكلم فانه ترتفع الحرمة حينئذ وما ذكرناه من الكبرى فمورده قبل تحقق أحد جزئي الموضوع المركب فانه ح الاكراه بأحد الاجزاء لا يوجب كون الموضوع اكراهيا ليوجب رفع الحكم بل المكلف بعد على اختياره بالنسبة إلى ايجاد الجزء الآخر فلا يكون الموضوع اكراهيا حتى يوجب رفع الحكم كما لا يخفى. ففى المقام أن موضوع اللزوم هو العقد والتفرق على الفرض كما عرفت فان دليل الوفاء بالعقد وان كان تمام الموضوع للزوم حين تحقق العقد ولكن بعد التخصيص بأدلة الخيار صار مقيدا بالافتراق عن مجلس العقد لان الخاص يوجب تعنون العام به فيكون الموضوع هما معا أي العقد والتفرق وقد تحقق العقد على الفرض وهو لا ينقلب عما هو عليه فهو أمر لا مناص عنه ومما لابد منه ولكن التفرق أمر اختياري فيدور سقوط الخيار وعدمه على الفسخ وعدمه وعلى التفرق وعدمه و لكن إذا اكره أحد المتبايعين أو كلاهيما على التفرق فيكون موضوع اللزوم متحققا في الخارج بالاكراه فيكون ذلك مشمولا لحديث الرفع فيرتفع الحكم المترتب على الموضوع بحديث الرفع كما لا يخفى فافهم فلا يتوهم أن الجزء الآخر وهو العقد قد تحقق بالاختيار فانه بعد تحققه لا ينقلب عما هو عليه نعم قبل العقد فموضوع اللزوم هو العقد و التفرق فإذا اكره على احدهما أوجد الآخر بالاختيار لا يكون مترتبا

[ 161 ]

على موضوع اكراهي كما لا يخفى. والتحقيق في الجواب أن يقال أن الافعال قد يكون ظاهرا في الاختيارية وقد يكون اعم من الاختيارية وغيرها أما الاول فلا شبهة في كون الحكم المترتب عليها أو المتعلق بها مرتفعا عند الاكراه وأما الثاني فلا يرتفع بذلك لكونه أعم وبعبارة اخرى قد يراد من الفعل هو الفعل النحوي من الماضي والمضارع والامر ونحوها فان ذلك إذا نسب إلى الفاعل يكون أعم من الاختيارية وغيرها كقولنا مات زيد أو قعد وتفرق ونحو ذلك وقد يكون المراد من الفعل ما يصدر من الفاعل - بالارادة والاختيار فهذا ظاهر في الاختيارية. وعليه فان كان الفعل الاختياري الصادر من المكلف بالارادة و الاختيار متعلقا للتكليف كقوله لا تشرب الخمر أو من موضوعا له كقوله من افطر في شهر رمضان فله كذ كفارة فلا شبهة أن الحكم المتعلق به أو المترتب عليه يرتفع عند الاكراه بلا شبهة وأما الفعل الجامع بين الاختياري وغيره فلا يرتفع عند الاكراه كالتفرق فيما نحن فيه حيث ان قوله (ع) ما لم يفترقا فعل أعم من الاختياري وغيره فيكون مع هذا العموم موضوعا للحكم فلا يكون الحكم المترتب عليه مرفوعا عند الاكراه وعليه فكما يسقط الخيار بالتفرق بالارادة والاختيار فكذلك يسقط الخيار بمطلق التفرق وان كان بالاكراه والاضطرار هذا كله فالنقض المذكور أي النقض بالنسيان كاف في الجوابية عن عدم شمول حديث الرفع لما نحن فيه والفرق بين الاكراه والنسيان كما صنعه شيخنا الاستاذ لا يرجع إلى محصل لعدم النص في المقام فافهم. والوجه الرابع ما أشار إليه شيخنا الانصاري (ره) أن الظاهر من

[ 162 ]

المطلقات الواردة في جعل الخيار ما لم يفترقا هو ما كان التفرق عن رضا بالعقد سواء وقع اختيارا أو اضطرارا فإذا كان عن غير اختيار لا يكشف عن الرضا فلا يوجب سقوط الخيار. وفيه أولا أنه لا موجب لذلك ولا منشأ لهذا التبادر وبأى وجه نستكشف عن كاشفية التفرق الذى يوجب سقوط الخيار عن الرضا كما لا يخفى. وثانيا أنه يلزم الالتزام بذلك في صورة النسيان أيضا فانه ليس التفرق نسيانا أو غفلة كاشفا عن الرضا بالعقد مع ان المشهور التزموا بسقوط الخيار بالتفرق مع النسيان والغفلة كما لا يخفى فافهم. الوجه الخامس ما ذكره المصنف أيضا من صحيحة (1) الفضيل فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما دل على أن الشرط في السقوط الخيار الافتراق والرضا منهما ولا ريب أن الرضا المعتبر ليس الا المتصل بالتفرق بحيث يكون التفرق عنه إذا لا يعتبر الرضا في زمان آخر اجماعا والحاصل أن النص انما يدل باعتبار التفرق مع الرضا في سقوط خيار المجلس ومن الواضح أنه منتف في صورة التفرق مع الاكراه فلا يكون الخيار ساقطا مع عدم التمكن من الفسخ. وفيه أن الرواية وان كانت صحيحة ولكن لازم ما ذكره المصنف ان يكون الحال كك في صورة النسيان أيضا وليس كك على ما ذكره المشهور وأما معنى الرواية والله العالم أن المراد من قوله (ع) فلا خيار بعد الرضا منهما هو الرضا الجديد بالعقد ليكون الحديث دالا على اعتبار كون التفرق كاشفا عن الرضا بالعقد بكون التفرق وعدم الفسخ عن الرضا


(1) وسائل ج 12 ص 346.

[ 163 ]

بل المراد من هذا الرضا هو الرضا الاولى المتعلق بالعقد حين البيع غاية الامر أنا خرجنا من ذلك في زمن الخيار ومع التفرق يكون الرضا الاولى باقيا على حاله أيضا لا أن هنا رضا جديدا متصلا بالتفرق و بعبارة اخرى أن المراد من الرضا في الرواية الرضا الذى ثبت عليه لزوم العقد لا الرضا بالعقد وبعدم الفسخ عند التفرق لكونه هو الذى وقعت المعاملة عليه كما هو المفروض فان البيع لم يقع عن اكراه. الوجه السادس ما ذكره المصنف أيضا في ذيل الصحيحة فكأنه ره طبق الصحيحة عليه وقال أو يقال ان قوله بعد الرضا اشارة إلى اناطة السقوط بالرضا بالعقد المستكشف عن افتراقهما فيكون الافتراق مسقطا لكونه كاشفا نوعا عن رضاهما بالعقد واعراضهما عن الفسخ. وفيه أيضا انه ظهر جوابه مما ذكرناه بدعوى أنه من اين علم كون التفرق مسقطا للخيار لكونه كاشفا نوعا عن الرضا بالعقد. وفيه انه ظهر جوابه مما تقدم من أنه على تقدير تماميته يجرى في صورة النسيان أيضا فانه ليس التفرق هنا كاشفا عن الرضا نوعا مع أن المشهور التزموا بسقوط الخيار عنده كما عرفته. ومن هنا ظهر انه لا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من أن الفارق بين الاكراه والنسيان هو النص حيث قال ان النص دل على سقط الخيار مع الافتراق نسيانا ووجه الاندفاع أنه لم نجد نصا يدل على ذلك وأما صحيحة الفضيل فهى اجنبية عن المقام فتحصل ان الخيار يسقط بجميع أقسام التفرق كما لا يخفى. قوله مسألة لو اكره أحد على التفرق ومنع عن التخاير وبقى الآخر في المجلس أقول بناء على أن التفرق يوجب سقوط الخيار مطلقا سواء

[ 164 ]

كان بالاكراه أو بغيره وسواء كان عن التفات أو بغيره فلا مجال للبحث على هذه المسألة فانه بجميع اقسامه يوجب سقوط الخيار وأما بناء على أن التفرق الحاصل عن اكراه لا يوجب سقوط الخيار فنقول: قد يكون تفرق كل من المتبايعين عن الاختيار وقد يكون احدهما عن اختيار و الآخر بغير اختيار وعلى الاول فقد يكون كل منها أيضا متمكنا عن الفسخ أيضا وقد لا يكون كلاهما أو احدهما كك وعلى الثاني فقد يكون احدهما مكرها على التفرق وترك التخاير أيضا وبقاء الآخر في مجلس مختارا في المصاحبة أو التخاير وأخرى بالعكس بابقاء احدهما في المجلس كرها مع المنع من التخاير وذهاب الآخر اختيارا فذكر المصنف أن محل الكلام هو الاول وسيتضح حكم الثاني هذا فنقول انه بناء على اعتبار الاختيار في التفرق فهل لابد من كون كل من المتبايعين مختارا في التفرق بحيث أن الغاية لسقوط الخيار هو التفرق منهما اختيارا أو يكون في سقوط خيار المجلس كون أحدهما مختارا في التفرق فقط و ان لم يكن الاخر كك وعلى الاول فهل التفرق الموجب لسقوط الخيار بعنوان الاستغراق بمعنى أن تفرق كل منهما يوجب سقوط خيار نفسه أو بعنوان المجموع بمعنى أن تفرقهما مجموعا عن اختيار يوجب سقوط خيارهما وعلى الثاني فهل يكون مجرد كون أحدهما متفرقا بالاختيار موجبا لسقوط الخيار عن الآخر الذى كان باقيا في المجلس أو يفصل بين بقاء المختار في المجلس فالثبوت لهما وبين مفارقته فالسقوط عنهما وقد اختار القول بهذا التفصيل العلاه (ره) في التحرير اذن فالاقوال في المسألة اربعة. والتحقيق أنه لابد من ملاحظة مدرك الحكم باعتبار الاختيار في

[ 165 ]

التفرق وترك التخاير في المسألة السابقة فان كان مدركه هو الاجماع فبناء على حجيته وانجباره بالشهرة الفتوائية كما في المتن فلا يشمل المقام فان المتيقن منه ما إذا كان كل من التفرق وترك التخاير اكراهيا من الطرفين فلا يشمل ما إذا كان أحدهما مختارا في ذلك فانه دليل لبى فلابد من أخذ المتيقن منه. وأما إذا كان مدرك اعتبار الاختيار في التفرق الموجب لسقوط الخيار هو غير الاجماع فالظاهر أنه لا يسقط الخيار الا بحصول التفرق بالرضا والاختيار من الطرفين وانه لا يمكن الاكتفاء بتفرق واحد منهما عن اختياره مع كون التفرق من الاخر عن غير اختياره والوجه في ذلك أن التفرق من الامور الاضافية ومن المقولات النسبية كعنوان الابوة و والبنوة والاخوة والعمومة والسببية والمسببية والعلية والمعلولية و غيرها من المقولات الاضافية ومن الواضح أن شيئا من المقولات الاضافية لا توجد في الخارج ولا تحقق الا بالطرفين فلا يعقل الابوة بدون الابن ولا البنوة بدون الاب وهكذا سائر المقولات الاضافية. ومفهوم التفرق أيضا كك فانه لا يتحقق الا بالطرفين فانه عباره عن انفصال شئ عن شئ وافتراق جسم عن جسم فلا يعقل أن يصدق هذا العنوان على شئ واحد فقهرا يعتبر افتراقه عن شئ آخر ويلاحظ باعتباره وعليه فلا يسقط الخيار المجلس الذى كان مغيا بالافتراق الا بافتراقهما ثم نقول أن هذا المفهوم وان لم يعتبر في تحققه الاختيار كما تقدم لا من حيث المادة ولا من حيث الهيئة لصدقه على الجمادات أيضا فضلا عن اعتبار الاختيار فيه فانه يصح أن يقال أن الجدار افترق بعضه عن بعض وكك يصح نسبته إلى كل جماد وغيره باعتبار انفصال

[ 166 ]

بعض أجزائه عن بعض فانه بمعنى الانفصال فكما لا يعتبر فيه ذلك فلا يعتبر في الافتراق أيضا ذلك. ولكن مع لحاظ تلك الدالة على اعتبار الاختيار في التفرق فيكون التفرق الحاصل من الاكراه وبعدم الرضا من أحدهما كعدم التفرق فلا يكون موجبا لسقوط الخيار فتكون النتيجة هو سقوط الخيار بمجموع التفرق منهما باختيار كليهما مع عدم المنع من التخاير. أما إذا كان دليل اعتبار الاختيار هو تبادر اختيارية التفرق بدعوى أن المتبادر من الفعل المسند إلى الفاعل المختار هو اختياريته فلان ما يكون صادرا عن غير اختيار لا يكون تفرقا أصلا كما هو المفروض وعليه فلا يكون خروج أحدهما ولو باختياره عن المجلس تفرقا. وأما إذا كان دليل اعتبار الاختيار هو صحيحة الفضيل من كون التفرق الحاصل برضاهما موجبا لسقوط الخيار فلانه مع كون أحدهما مكرها على التفرق لا يكون التفرق منهما كاشفا عن رضاهما فلا يكون موجبا لسقوط الخيار ومن هنا ظهر أنه بناء على كون التفرق كاشفا عن الرضا النوعى كما ذكره المصنف في ذيل الصحيحة فلا يكون التفرق الحاصل باختيار من أحدهما دون الآخر موجبا لسقوط الخيار لعدم كشفه عن الرضا نوعا. وأما لو كان دليل اعتبار الاختيار في التفرق هو حديث الرفع كما هو العمدة فلان التفرق الحاصل بالاكراه من أحدهما كعدم التفرق وحينئذ فيكون ما يتحرك ويخرج باختياره في حكم العدم بحديث الرفع فقد عرفت أن التفرق من المقولات الاضافية فلا يتحقق من شخص واحد أو في شئ واحد بل لابد وأن يتحقق بين شيئين فحيث كان

[ 167 ]

تفرق المكره في حكم العدم بحديث الرفع فلا يصدق عنوان التفرق على خروج الاخر أيضا وان كان خروجه بالاختيار كما هو واضح. وبالجملة فلا نعرف وجها صحيحا بناء على اعتبار الاختيار في التفرق المسقط للخيار لسقوط الخيار إذا كان أحدهما مختارا في التفرق والآخر مكرها في ذلك. ولكن هنا شئ وهو أنه ورد في الصحيحة على ما تقدم أنه قال (ع) فلما استوجبت البيع قمت فمشيت خطأ ليجب البيع فان الظاهر منه أن التفرق من طرف واحد يوجب سقوط الخيار ووجوب البيع فانه (ع) لم يتعرض بكون تفرقه كان مع التفات الآخر واختياره فيكون اطلاق كلامه شاملا لكون الطرف الآخر مكرها في البقاء أو غافلا عن تفرقه (ع) فيكون دالا على كفاية التفرق من طرف واحد عن رضا و اختيار ولكن ذلك لا يزيد عن حكاية فعل المعصوم (ع) فلا اطلاق فيه فلعله مشى مع التفات الآخر وعدم متابعة الآخر مع التفاته واختياره فلا يكون دليلا لكفاية التفرق الاختياري من طرف واحد مع كون الطرف الآخر مكرها في ذلك. قوله مسألة لو زال الاكراه فالمحكى عن الشيخ وجماعه امتداد الخيار بامتداد مجلس، أقول: إذا ارتفع الاكراه بعد التفرق عن كره فهل يكون خياره فوريا كما زعمه بعض أو يكون ممتدا إلى أن يطرئه المزيل الآخر غير التفرق لحصول التفرق أو المناط في التفرق هو التفرق بعد زوال الاكراه عن الهيئة التى كان المتعاملان عليها فكأنهما بعد مجتمعان في مجلس العقد. أما الوجه الاخير فذكر المصنف أن الهيئة الاجتماعية الحاصلة

[ 168 ]

حين العقد قد ارتفعت حسا غاية الامر عدم ارتفاع حكمها وهو الخيار بسبب الاكره ولم يجعل مجلس زوال الاكراه بمنزلة مجلس زوال العقد والحاصل أن الباقي بحكم الشرع هو الخيار لا مجلس العقد فالنص ساكت عن غاية هذا الخيار فلا بد أما من القول بالفور كما عن التذكرة و لعله لان المقدار الثابت يقينا لاستدراك حق المتبايعين واما من القول بالتراخى إلى ان يحصل المسقطات لاستصحاب الخيار والجهان جاريان في كل خيار لم يظهر حاله من الادلة. وبالجملة فالقول بامتداد الخيار بامتداد مجلس الزوال لا وجه له لعدم كونه خارجا عن ظهور الادلة فيدور الامر بين القول بفورية الخيار وبين القول باستمراره ما لم يطرئه مزيل غير التفرق لان المورد من موارد دوران الامر بين التمسك بالعام وهو هنا ما دل على اللزوم وبين استصحاب حكم المخصص لانه لم يدل دليل على ثبوته بالخصوص بعد زوال الاكراه. أقول قد تعرض المصنف فيما يأتي لحكم الخيار فيما لم يدل عليه دليل بالخصوص ودار الامر فيه بين التمسك بالعام فيكون الخيار فوريا وبين استصحاب حكم المخصص ويكون الخيار مستمرا وتعرضه في خيار الغبن. ولكن المورد ليس من هذا القبيل والوجه فيه هو أن التفرق قد حصل بين المتبايعين ولو كان بالاكراه وبعدم الرضا ولا ينقلب الشئ عما هو عليه فان التفرق هو افتراق جسم عن جسم وانفصال كل منهما عن الآخر فهو حاصل لا محالة بل قد عرفت فيما سبق أنه لا يعتبر الاختيار لا في مادة التفرق ولا في هيئته الا أنه مع ذلك فهذا التفرق كعدمه

[ 169 ]

من حيث عدم ترتب الاثر عليه في نظر الشارع وذلك لانه قد دلت الادله السابقة على عدم كون التفرق بنفسه غاية لسقوط الخيار بل هو مع القيد الآخر الوجودى كما هو مقتض بعض الوجوه السابقة والعدمي كما هو مقتضى بعض الوجوه الآخر فانه على تقدير انصراف الفعل إلى الفعل الصادر عن الفاعل المختار كما هو مقتضى بعض الوجوه السابقة أو على فرض اعتبار الرضا في التفرق لصحيحة فضيل أو لكشف التفرق عن الرضا نوعا فيكون التفرق المقيد بالرضا موجبا لسقوط الخيار فحيث كان التفرق عن كره عادما للرضا وحاصلا بدونه فيكون لغوا ولا يترتب عليه تمر أصلا فيكون أدلة الخيار محكمة لعدم حصول الغاية وبعد ذلك لا تحصل تلك الغاية أيضا فان التفرق قد حصل بالاكراه قطعا و قد عرفت أن الشئ لا ينقلب عما هو عليه وبعده لا يعقل حصول التفرق عن الرضا فانه ذكر المصنف أن المراد من الرضا هو الرضا المقارن بالتفرق وبعد حصول التفرق بلا رضا كيف يمكن حصول التفرق ثانيا مع الرضا كما لا يخفى. وعلى تقدير أن يكون دليل عدم تأثير التفرق عن اكراه وثبوت الخيار معه هو دليل رفع الاكراه فتكون الغاية لارتفاع الخيار هو التفرق عن غير كره فيكون القيد عدميا فلا يرتفع الخيار بالتفرق الخالى عن عدم الاكراه فبعده لا يمكن حصول التفرق عن غير كره لحصول التفرق مستقلا فلا ينقلب الشئ عما هو عليه وعلى هذا فيكون الخيار باقيا وممتدا ما لم يطرئه المسقط الآخر بمقتض أدله الخيار لكونها مغياه بغاية اما الوجودى أو العدمي فإذا حصل التفرق بغير تلك الغاية فيكون الخيار باقيا على حاله إلى الابد فلا يمكن أن يكون التفرق بعد

[ 170 ]

ذلك مسقطا له واعتبار التفرق عن المجلس زوال الاكراه كما توهمه بعضهم خارج عن مفاد أدله الخيار كما ذكره المصنف فان الاعتبار في تلك الادلة على التفرق عن مجلس العقد عن كل مجلس وعن كل حاله فالحق أنه بناء على اعتبار الاختيار في التفرق فالخيار باق مع التفرق الاكراهي حتى بعد ارتفاع الاكراه إلى أن يطرئه المسقط الآخر غير التفرق كما لا يخفى فافهم. والحاصل أنه إذا قلنا بعدم سقوط الخيار بالتفرق الاكراهي فإذا زال الاكراه فهل الخيار فورى أو مستمر كما هو مورد النزاع في كل مورد ثبت الخيار بغير دليل اجتهادى من الامارات فانه يدور الامر بين التمسك بعموم أدلة اللزوم فيكون الخيار فوريا وبين التمسك باستصحاب حكم المخصص فيكون الخيار مستمرا ذكر المصنف (ره) أنه ذكر بعضهم أن المناط على التفرق بعد زوال الاكراه فالمناط هو مجلس زوال الاكراه وذكر أنه لا وجه لذلك لانه ليس لنا ما يدل على جعل مجلس زوال الاكراه مجلس العقد بحيث يكون التفرق عن ذلك المجلس مسقطا للخيار وانما الادلة دلت على أن الخيار باق ولم يرتفع بالتفرق وأما التفرق فهو حسى لا شك فيه وأدلة الخيار ساكت عن غاية هذا الخيار أي الادلة الدالة على ثبوت الخيار مع التفرق عن اكراه ساكتة عن بيان أمد الخيار بل هي ناظرة إلى أصل ثبوت الخيار وعدم سقوطه بالاكراه كما لا يخفى وأما بيان الامد فخارج عنها فافهم فيكون هذا الخيار من مصاديق ما سيأتي في خيار الغبن من ثبوته بغير نص فيدور الامر فيه بين القول بفورية الخيار وبين استصحاب حكم المخصص والقول بثبوته مستمرا.

[ 171 ]

اقول: أما ما افاده من عدم دلالة الدليل على جعل التفرق كعدم التفرق فهو متين جدا فان التفرق حاصل تكوينا فلا يمكن أن بعد ذلك غاية للخيار فان الشئ لا ينقلب عما هو عليه والحاصل أنه لا يمكن القول بأن المناط هو التفرق عن مجلس زوال الاكراه في سقوط خيار المجلس فانه كما ذكر المصنف لم يدل دليل على تنزيل مجلس الزوال منزلة مجلس العقد ولا على بقاء التفرق وأن الحاصل منه كعدم بحيث يلاحظ ذلك جديدا بعد زوال الاكراه فانه كما عرفت قد حصل التفرق حسا فلا يمكن أن يكون ذلك غاية للخيار بعد ولكن ما ذكره من جعل الامر دائرا مدار فورية الخيار للتمسك بعموم أدلة اللزوم فانه يقتصر فيما لم يدل دليل خاص على ثبوت الخيار على المتيقن وهو الفور واما من الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص والحكم بثبوت الخيار على الدوام ووجه الضعف هو أنا نحكم بثبوت الخيار هنا تمسكا بعموم أدلة الخيار ولا يسقط ذلك الا بمسقط آخر غير التفرق فان التفرق الحاصل بالاكراه لا يكون غاية لسقوطه فانه لم يكن بما هو تفرق غاية لسقوط الخيار بل الغاية انما هو التفرق المقيد بعدم الكره بناء على أن دليل الدال على اعتبار الاختيار هو دليل رفع الاكراه والمقيد بقيد وجودي وهو الرضا بناء على أن دليل اعتبار الاكراه هو صحيحة الفضيل أو انصراف الفعل إلى الفعل الصادر من الفاعل المختار فالحاصل على كل تقدير هو التفرق وهو بنفسه ليس غاية وما هو غاية أعنى التفرق المقيد فلم تحصل فيكون المورد مشمولا لادلة الخيار فتكون أدلة الخيار دالا على ثبوته من غير أن يكون مغيا بغاية إذ الغاية كما عرفت هو التفرق المقيد باحد القيدين المذكورين ومن الواضح أنه حصل بغير ذلك

[ 172 ]

القيد فلا يمكن أن يحصل بعد ذلك فتكون دالة على بقاء الخيار إلى الابد ما لم يطرء عليه مسقط آخر غير التفرق. وعلى الجملة فالخيار ثابت هنا باطلاق أدلة الخيار فلا يقاس ذلك بما يأتي في خيار الغبن من أنه مع عدم ثبوت الخيار بالنص مع ثبوته قطعا فلابد اما من القول بالفورية تمسكا بعموم أدلة اللزوم أو القول باستصحاب حكم المخصص تمسكا بالاستصحاب. قوله ومن مسقطات هذا الخيار التصرف أقول لم يرد في نص و لا في رواية ان التصرف يوجب سقوط خيار المجلس أو خيار الشرط الا أن يدعى بقيام الاجماع عليه وهو كما ترى نعم ذلك في خيار الحيوان وقد تمسك المصنف وجعل التصرف مسقطا للخيار بالتعليل المذكور في بعض أدلة خيار الحيوان حيث قال فان أحدث المشترى فيما اشترى حدثا قبل ثلثة ايام فذلك رضا منه فلا شرط فان المنفى يشمل شرط المجلس والحيوان ثم عفب قوله هذا بالتأمل وهو في محله بيان ذلك أنه لا يمكن التعدي عن مورد الرواية وهو خيار الحيوان إلى غيره فان سقوط الخيار فيه انما هو بالتعبد والتعليل وارد في مورد التعبد فلا يمكن تسريته إلى غيره لانه لا شبهة أن التصرف مسقط لخيار الحيوان سواء كان مقارنا بالرضا أم لا حتى لو صدر مع الغفلة عن حكمه فيكون أيضا مسقطا كما إذا اشترى الجارية فقبلها بتخيل انها مملوكت له مع عدم كونه راضيا بالبيع أي رضاء جديدا غير الرضا بأصل العقد بل يريد التروي ومع ذلك ليكون مسقطا كما في رواية اخرى ارئيت ان لامس أو قبل فذلك رضى فيه بالبيع وعلى هذا فكيف يمكن التعدي إلى غير مورده مع ما نرى بالعيان ونشاهد -

[ 173 ]

بالوجدان أن التصرف لا يكشف عن الرضا بالبيع. نعم لا نضائق باستفادة الكبرى الكلية من هذه الرواية وهى أنه يسقط الخيار باسقاط ذى الخيار لكونه راضيا بالبيع كما اشرنا إلى ذلك في التكلم على أن اسقاط الخيار يوجب سقوطه أم لا. وأما الزائد عن ذلك فلا اذن فالحق أن تصرف المتبايعين أحدهما أو كلاهما فيما انتقل اليهما لا يوجب سقوط الخيار كما لا يخفى الا أن يدعى في المقام اجماع على مسقطية التصرف فهو كما ترى. (في خيار الحيوان) قوله الثاني خيار الحيوان، أقول: لا خلاف بين الفرقين في ثبوته في الجملة في بيع الحيوان وانما الكلام في خصوصية ذلك ويقع الكلام في ذلك في جهات عديدة. الاولى أن المراد بالحيوان هل هو مطلق الحيوان أو ما لم يقصد منه الا لحمه فظاهر النص والفتوى هو العموم فيشمل كل حيوان حتى الزنبور والجراد والسمك ونحوها. ولكن ذكر المصنف أنه لا يبعد اختصاصه بما كان المقصود منه حياته في الجملة فبمثل السمك المخرج من الماء والجراد المحرز في الاناء خارج عن مورد هذه الادلة لانها لا تباع من حيث انها حيوان بل من حيث انه لحم ثم اشكل على نفسه بالصيد المشرف على الموت باصابة السهم أو بجرح الكلب. وان كان مراده من ذلك الكلام أن ما يقصد لحمه بشخصه فلا خيار فيه فلابد وأن يلتزم بما لم يلتزم به أحد بأن يقول بسقوط الخيار

[ 174 ]

فيما كان الشراء للحمه أو لاجل الهدى ونحوه ثم بدى فلم يذبح فانه لم يقل أحد ولم يتوهم متفقه بسقوط الخيار هنا وان كان غرضه أن ما كان بنوعه مقصودا منه اللحم فلا خيار فيه. وفيه أولا أنه من اين استفيد هذا الحكم مع كون الادلة مطلقا وثانيا أنه امر لا ينضبط إذ يمكن أن يكون غرضه المشترى فيما كان الغرض النوعى منه اللحم أن يكون هو الابقاء كالسمك مثلا نعم في مثل الجراد لا يكون غرض للابقاء وثالثا قد لا يمكن ان يكون الغرض في بعض الحيوانات الحياة من النوع الذى قصد منه الحياة كما إذا أصابه جرج من السهم أو من الكلب كالغزال مثلا بحيث لا يعيشى مع أن الغرض تعلق بحياته وبالجملة أن هذا الحكم لا يمكن تصديقه نعم قد يتعلق الغرض بكون المراد من الحيوان هو اللحم فقط حتى لو ذبحه البايع ثم أعطاه لا يضمن بشئ أصلا وقد ذكرنا في البحث عن بيع هياكل العبادة المتبدعة أنه قد يكون الغرض الاصيل من المبيع هو المادة فقط كبيع الصيلب للحطب وعليه فلا تلاحظ الهيئة أصلا ولو كان فيها عيب وكك في المقام فإذا كان المقصوذ بالذات هو اللحم فلا يلاحظ الهيئة أصلا. ثم انه فيما ثبت الخيار فظاهر الاطلاقات أن الخيار يمتدد إلى ثلثة أيام فلا يكون فوريا. ثم ذكر المصنف أنه هل يختص هذا الخيار بالمبيع الشخصي أو يعم الكلى أيضا ثم قرب اختصاصه بالشخصي ولكن لا ندرى من اين جاء هذا الاحتمال ودعوى أن الحكمه من جعل الخيار وهو التروي مختصة بالمبيع الشخصي لعدم جريانه في الكلى مجازفة لعدم لزوم الاطراد

[ 175 ]

في الحكمة أولا ولان المراد من التروي في أصل البيع لا في المبيع وهو جار فيما إذا كان المبيع كليا وهذا ثانيا فلا مجال لهذا الاحتمال أصلا قوله ثم أنه هل يختص هذا الخيار بالمبيع كما هو المنساق في النظر من الاطلاقات مع الاستدلال به في بعض معاقد الاجماع أقول قد يكون الكلى في المعين وقد يكون في الذمة وعلى الثاني قد يكون حالا وقد يكون موجلا كالسلم وقد تقدم أقسامه في بيع صاع من صبره أما الاول فلا شبهة في ثبوت خيار الحيوان فيه والشيخ أيضا لم يستشكل فيه بل كلامه ناظر إلى القسمين الاخيرين فان القسم الاول نظير البيع الشخصي كما إذا كان عنده حيوانان متماثلان فيبيع أحدهما أو انسانان متماثلان فيبيع أحدهما فانه يكون الخيار ح ثابتا للمشترى أوله وللبايع معا. وأما القسم الثالث من الكلى فذكر شيخنا الاستاذ أنه يختص بالبيع الشخصي بدعوى أن المشترى لا يملك مطالبة الكلى في باب السلم قبل موسم قبضه فلا يمكن جعل مبدء الخيار قبل حلول الاجل و أما بعد القبض فلا دليل على أن مبدء الثلاثه من حين القبض فهذا القسم لو لم يمكن الالتزام بثبوت الخيار فيه لا يمكن الالتزام بثبوته في الكلى الحالى لعدم الفرق بينهما. ثم ذكروا أن أدلة الخيار منصرفة عن بيع الكلى وأن حكمة ثبوته هي النظرة والتروى في مدة ثلثة أيام حتى يبين أن الحيوان الذى اشتراه هل فيه نقص أم لا وأنه صلاح له أم لا ومن الواضح أن هذه الحكمة غير جارية في الكلى في الذمة إذ لم يسلم المبيع فيه بعد حتى يتروى المشترى فيه ويرى أنه صلاح له أولا.

[ 176 ]

أقول: الظاهر ثبوت الخيار في بيع الحيوان في البيع الشخصي والكلى أيضا باقسامها الثلثة أما ما ذكروه من الانصراف فلا وجه له بوجه بعدما كانت الادله مطلقه ولا نعرف منشأ للانصراف خصوصا بعد ملاحظة أن خيار الحيوان قد ذكر في بعض الاحاديث مع خيار المجلس ومن الواضح أنه لو يستشكل أحد في ثبوت خيار المجلس في البيع الكلى و ليس بينهما فرق ولا في أحدهما خصوصيته الا أن أمد خيار الحيوان إلى ثلثة أيام وأمد خيار المجلس إلى حين الافتراق فلا وجه لتخصيص خيار الحيوان بخصوصيته دون خيار المجلس. وأما ما ذكروه من أن حكمة خيار الحيوان هو التروي وملاحظه ان الحيوان صلاح للمشترى أم لا وفيه أولا أن الحكمة غير سارية إلى جميع الافراد بل قد توجد في بعض الافراد وقد لا توجد كما هو شأن الحكمة في كل مورد. وثانيا أن ثبوت خيار الحيوان وان كان هو التروي الا أنه لابد من التروي في البيع وملاحظة أنه صلاح للمشترى أو لا دون التروي في المبيع ومن الواضح أنه بناء على هذا فللمشترى أن يتروى في البيع لكى يرى أنه صلاح له أم لا وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ فيرد عليه أن بيع السلم ليس ببيع قبل القبض بل هو قبله نظير الايجاب الخالى عن القبول فكما أن الايجاب الخالى عن القبول ليس ببيع فكك بيع السلم فانه قبل القبض ليس ببيع وانما يتم ويكون بيعا بعد القبض كما أن الايجاب يكون بيعا مع القبول وعليه فلا بأس من القول بثبوت الخيار في بيع السلم ويكون مبدئه حين تحقق القبض كما لا يخفى فيكون مشمولا لادلة خيار الحيوان وعلى الجملة لا نرى مانعا عن شمول ادلة

[ 177 ]

خيار الحيوان لكل بيع حيوان سواء كان البيع شخصيا أم كليا وسواء كان الكلى في المعين أم في الذمة مؤجلا أم حالا فدعوى انصرافها عن القسمين الاخيرين من الكلى دعوى جزافية كما لا يخفى. قوله المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشترى، أقول في المسألة ثلثة أقوال الاول اختصاص الخيار بالمشترى وهو المشهور بين الاصحاب حديثا وقديما الثاني بثبوته للبايع والمشترى معا وهو المنسوب إلى السيد المرتضى وهو اول من ذهب إلى هذا القول ولعل مراده فيما كان المبيع حيوانا دون ما كان الثمن حيوان. الثالث ثبوته لصاحب الحيوان سواء كان هو البايع أم المشترى وأما مدارك الاقوال فمدرك القول الاول هو جملة من الروايات (1) الدالة على اختصاص خيار الحيوان بالمشترى وفى بعضها تصريح بذلك وفى بعضها نظرة ثلثة أيام أي مهلة ثلثة أيام ولا شبهة أن جملة منها صحيحة وبعضها موثقة. ومدرك القول الثاني صحيحه (2) محمد بن مسلم المتبايعان بالخيار ثلثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا: فانها قريب من الصراحة في كون الخيار ثابتا لكل من البايع والمشترى. ومدرك القول الثالث صحيحة محمد بن مسلم أيضا المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلثة أيام وفى بعضها قيد صاحب الحيوان بالمشترى كما في مؤثقة بن فضال (3).


(1) وسائل ج 12 ص 350 باب 4 حد 1 وحد 9 من باب 3 و 5 (2) وسائل ج 12 باب 3 و 34 حد 3. (3) وسائل ج 12 ص 349 حد 2.

[ 178 ]

أما الطائفة الاولى من الروايات فلا شبهة في دلالتها على اختصاص الحكم بالمشترى بل قد عرفت أن بعضها صريح في ذلك فتدل بمفهومها على نفى الخيار عن غير المشترى لا من جهة القول بمفهوم الوصف بل هي مسوقة لبيان التحديد وأن خيار الحيوان لا يثبت في غير المشترى وهذا هو صريح الاسؤلة في بعضها وصريح الجواب في بعضها الآخر وأصرح من الكل رواية (1) قرب الاسناد حيث فصل فيها ثبوت الخيار للمشترى أو البايع أو لهما وهذا واضح. ونظير ذلك التحديد ما ورد في بعض روايات عدم تنجس الماء الكر حيث سئل (ع) أي مقدار لا ينجس ولا ينفعل من الماء قال (ع) كر من الماء فان الجواب حيث كان في مقام التحديد فيدل على المفهوم وكذلك ما ورد في قصر الصلوة حيث سئل في كم يقصر المسافر قال في اربعة فراسخ ذهابا وايابا أو ثمانية فراسخ ذهابا على ما هو مضمون الرواية. وعلى هذا فتقع المعارضة بين هذه الطائفة وصحيحة محمد بن مسلم وعليه فان كان مجرد تعدد الرواية موجبا للترجيح فناخذ الروايات الدالة على اختصاص الخيار بالمشترى ولكن قد ذكرنا في مبحث التعادل والترجيح أن الشهرة على تقدير كونها مرجحة ليس معناها أن يكون أحد المتعارضين اكثر من حيث العدد من الاخر بل كون الرواية ظاهرا في نفسها لكونها منقولة في الاصول ولم يكن نادرا ولذا جعلها في الرواية من الامر البين رشده ومن الواضح أن كل من الطائفة الدالة على


(1) وسائل ج 12 ص 250 حد 9.

[ 179 ]

اختصاص الخيار بالمشترى وصحيحة محمد بن مسلم من الامور البينة رشدها كما لا يخفى. وعليه فلابد من أخذ مرجح آخر ومن الواضح أن مادل على اختصاص الخيار بالمشترى موافق لعموم الكتاب والسنة دون الصحيحة فان العمومات كقوله تعالى أوفوا بالعقود وأحل الله البيع وتجارة عن تراض وقوله صلى الله عليه وآله المؤمنون عند شروطهم وقوله (ع) البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقاء وجب البيع وغير ذلك من العمومات الدالة على اللزوم فلو لا المعارضة بين الروايات لاخذنا بصحيحة محمد بن مسلم ونخصص بها العمومات ولقلنا بعدم لزوم البيع بالنسبه إلى المتبايعين في بيع الحيوان لثبوت الخيار للمتبايعين كما أنها خصصت بثبوت خيار المجلس لهما كما لا يخفى. ولكن لاجل المعارضة لا يمكن الاخذ بها فلابد من الاخذ بما هو موافق للكتاب كما لا يخفى واذن فلابد من رفع اليد عن صحيحة محمد بن مسلم مع جلالته وعظمته لقانون المعارضة ويؤيد ذلك اعتضاد مادل على اختصاص الحكم بالمشترى بالشهرة بل قيل ان رواية محمد بن مسلم قد اعرض عنها الاصحاب ولم يعمل بها الا السيد المرتضى. وقد يقال بتأويل رواية محمد بن مسلم بأن المراد منها هو ثبوت الخيار للمشترى وحيث أن البايع طرف له ويقع الخيار بينهما ولذا قيل المتبايعان بالخيار. ولكنه تأويل بارد وعلى خلاف الظاهر بل خلاف الصراحة منها فلا يمكن حمل الصحيحة عليه فانه حمل بلا وجه. وقد يقال بأن المراد من الصحيحة هو صورة كون العوضين حيوانا

[ 180 ]

بأن يكون كل من الثمن والمثمن حيوانا فانه حيئنذ يكون كل منهما ذى خيار. ولكن يرد عليه أولا أنه خلاف ظاهرها بل خلاف صراحتها. وثانيا أن حملنا الصحيحه عليه هذا الاحتمال لزم أن يهمد الامام (ع) حكم ما هو الغالب فان الصحيحة على هذا يتعرض حكم بيع غير الحيوان بقوله وفى غير الحيوان حتى يفترقا وأيضا تعرض حكم البيع الذى اشتمل على كون كل من العوض والمعوض حيوانا ولكن أهمل ما هو الغالب اعني ما يكون المبيع حيوان فهو بعيد غايته وقد يتوهم أن التعليل في بعض الروايات من الطائفة الاولى يدل على اختصاص الحكم بالمشترى فيما كان المبيع حيوانا لان قوله (ع) نظرة ثلثة أيام هو منطبق على المشترى فله أن ينظر ثلثة أيام و فيه أن النظرة بمعنى المهلة فليس هنا تعليل اصلا فهو اشتباه محض وأما الطائفة الثالثة الدالة على أن صاحب الحيوان بالخيار سواء كان هو البايع أو المشترى فقد يقال باختصاص هذه الطائفة بالمشترى دعوى أنه ذكر في بعضها صاحب الحيوان المشترى بالخيار فيكون مطلق مقيدا بذلك وفيه أنه لا معنى لحمل المطلق على المقيد في الاحكام الانحلالية الغير المتنافية فلا تنافى بين كون الخيار لمطلق صاحب الحيوان وبين كونه للمشترى أيضا. وعليه فيدور الامر بين رفع اليد عن اطلاق هذه الطائفة من الروايات وحملها على صاحب الحيوان المشترى اعني من انتقل إليه المبيع وبين رفع يد عن ظهور الطائفة الاولى من الرواية في التقييد واختصاص الحكم بالمشترى ونفيه عن البايع بل يحمل على الفرد

[ 181 ]

الغالب لان الاغلب أن الحيوان يكون مبيعا في بيع الحيوان فحيث أن الطائفة الاولى ظهورها في التقييد أقوى من ظهور الطائفة الثالثة في الاطلاق فترفع اليد عن ظهور الطائفة الثالثة ومع الاغماض عن ذلك فانه لابد من رفع اليد عن الطائفة الثالثة والعمل بالطائفة الاولى لان الطائفة الاولى موافقة للكتاب والسنة بخلاف الطائفة الثالثة فانه قد ثبت بالعمومات من السنة والكتاب لزوم العقد والقدر المتيقن من رفع اليد عن هذا اللزوم هو ثبوت الخيار للمشترى وأما ما دل على ثبوته للبايع فمع قطع النظر عن ابتلائه بالمعارضه كان مخصصا للعمومات وحيث ابتليت بالمعارضة فانه لابد من رفع اليد عن ذلك لكونها مخالفة للعمومات الكتاب والسنة. قوله: مسألة لا فرق بين الامة وغيرها في مدة الخيار أقول: قد ذكر في الغنية أن مدة خيار الامة مدة استبرائها وحكم غير واحد من القدماء بضمان البايع لها مدة الاستبراء وتوهم بعضهم ملازمة ذلك مع ثبوت الخيار للمشترى ولكن لا نعرف وجها صحيحا لكلا الحكمين أي الحكم بثبوت الخيار مدة الاستبراء والحكم بضمان البايع أما الاول فلانه لا ملازمة بين القول بثبوت الخيار للمشترى وبين كون ضمان الامة على البايع في مدة الاستبراء إذ لم تثبت الملازمة بين ضمان شخص و بين ثبوت الخيار لطرفه بل الملازمة بالعكس فانه ثبت أن من له الخيار ضمان ماله على من لا خيار له وأما في كل مورد ثبت الضمان نحكم بثبوت الخيار لطرفه فهو بلا وجه أصلا فان كثيرا ما يثبت الضمان ولا يكون خيار لطرفه كما إذا كان المنشأ للتلف شيئا آخر. وعلى الجملة فلا يمكن كشف الخيار للمشترى من ثبوت الضمان على البايع.

[ 182 ]

وأما الحكم بثبوت ضمان الامة في مدة الاستبراء على البايع فايضا لا دليل عليه فانه لم يثبت لنا ضمان البايع على الامة في مدة الاستبراء وكيف كان فالحكم في الامة هو الحكم في بقية الحيوانات من غير فرق بينهما فأدلة خيار الحيوان محكمة في جميعها. قوله: مسألة مبدء هذا الخيار من حين العقد أقول: الظاهر من الروايات الداله على ثبوت خيار الحيوان ظاهره في أن ثبوت خيار الحيوان كثبوت خيار المجلس فان قوله (ع) الشرط في الحيوان ثلثة ايام وفى غيره حتى يتفرقا أن خيار الحيوان انما يثبت من حين خيار المجلس وان خيار المجلس انما يثبت من حين العقد كما هو واضح. وعليه فلو انقض ثلثة أيام انقض به خيار الحيوان سواء حصل التفرق أم لا. ولكن قد استدل على أن مبدئه بعد حصول التفرق بوجوه: الاول الاصل العملي بأن يقال أن الاصل بقاء الخيار إلى ثلثة ايام مثلا إذا فرضنا أنه حصل التفرق بعد مضى ساعة من حين العقد ومضى ثلثة أيام من حين التفرق وثلثة ايام وساعة من حين العقد فنشك ح في أنه هل الخيار ثابت في هذه الساعة الاخيرة أم لا فنستصحب بقائه. وبتقريب آخر فنشك في ثبوت خيار الحيوان من حين العقد و عدم ثبوته فالاصل عدم ثبوته من حين العقد إلى زمان التفرق. وكلا الاصلين لا وجه له اما الاول فيرد عليه أولا أن الاستصحاب لا يجرى في الاحكام الكلية كما حققناه في محله. وثانيا ان هذا المورد من قبيل الشك في المقتضى بمعنى أنا نشك في ثبوت الحكم في عمود الزمان من جهة حصول الغاية وامتداد المقتضى وعدمهما وقد ذهب

[ 183 ]

المصنف إلى جريانه في ذلك ومنع شيخنا الاستاذ عنه وخص جريان الاستصحاب بموارد الشك في الرافع مثلا إذا شككنا في تحقق الطلاق وعدمه في العقد الدائم فنجرى الاستصحاب ونقول: ان الاصل عدم تحقق الطلاق وبقاء الزوجية كما كانت وأما إذا شككنا في ارتفاع العقد المنقطع فلا يمكن اجراء الاستصحاب فيه بل نشك في أن المقتضى موجود أم لا فنشك في امتداد المقضتى حسب عمود الزمان فحيث لا يقين لنا بأن المقتضى لبقاء العقد المنقطع أي مقدار من الزمان فنحكم بعدم جريانه كما ذهب إليه الاستاذ وعلى الجملة أن الشك في المقتضى بهذا المعنى أي بمعنى أن المقتضى أهو أمر ممتد أم لا لا يجرى فيه الاستصحاب وان ذهب المصنف إلى جريانه فمقامنا من هذا القبيل لانا نشك أن أمد خيار الحيوان والمقتضى لثبوته هل هو ثلثة ايام من حين العقد أو من حين التفرق فإذا شككنا في ساعة أن الخيار باق أم لا من جهة الشك في مبدء الخيار فلا يجرى فيه الاستصحاب من جهة الشك في المقتضى لعدم جريانه فيه. وأما الاصل الثاني فجوابه واضح فان عدم حدوث خيار الحيوان قبل انقضاء المجلس لا يثبت الخيار بعد انقضاء ثلثة أيام من حين العقد في الساعة المشكوكة كما في المثال المذكور الا على القول بالاصل المثبت فان ثبوت الخيار في ذلك الساعة بأصالة عدم حدوثه إلى انقضاء المجلس من اللوازم العقليه كما هو واضح. ومع الاغماض عن جميع ذلك فالاصل لا مجال له لان الادلة الدالة على ثبوت خيار الحيوان ظاهرة في ثبوته للمشترى من حين العقد وأنه على نسق خيار المجلس الثالث للمتبايعين من حين

[ 184 ]

العقد. الوجه الثاني: الاخبار الدالة على أن تلف الحيوان في الثلاثة ممن انتقل عنه أي ممن ليس له الخيار وبضميمة ما دل على أن التلف في الخيار المشترك ممن انتقل إليه يستكشف أن مبدء خيار الحيوان بعد التفرق لانه لو كان مبدئه اول زمان العقد الذى يشترك فيه البايع و المشترى في الخيار لما كان التلف على البايع. أقول تنقيح المقام أن مقتضى القاعدة الاولية هو أن تلف كل مال من مالكه ولا يكون محسوبا من كيس شخص آخر بل من كيسه الا إذا ثبت بالدليل الخارجي وعليه فكلما حوسب التلف على المالك فهو موافق للقاعدة. وعليه فإذا دل الدليل على أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له يكون ذلك تخصيصا للقاعده المذكورة كما أن التلف قبل القبض كك أي تخصيص للقاعدة المذكورة فكك أن كون التلف في زمن خيار المشترك أي عند اجتماع خيار الحيوان مع خيار المجلس من مال البايع تخصيص بهذه القاعدة في المورد المذكور فان كون التلف على مالك في زمن خيار المشترك لم يرد عليه دليل خاص بل هو مما تقتضيه القاعدة الاولية. وبعبارة اخرى فلا تنافى بين كون خيار الحيوان مبدئه من حين العقد ومع ذلك يكون التلف محسوبا من البايع فان ادلة خيار الحيوان كما يكون تخصيصا للقاعدة الاولية القائمة على أن تلف كل مال على صاحبه فكك يكون تخصيصا لها في زمن خيار المشترك فيحكم بكون التلف من البايع فان زمان خيار المشترك من مصاديق القاعدة

[ 185 ]

المذكورة لا أنه ورد نص خاص على كون التلف على المالك كما لا يخفى وقد ذكر المصنف أن أدلة التلف من البايع يمكن أن يكون محمولة على الغالب حيث يكون التلف غالبا بعد التفرق وان كان قد يكون قبله أيضا ولكنه نادر. وفيه مضافا إلى أن التلف قبل التفرق ليس بقليل في نفسه وان كان قليلا بالنسبة إلى التلف بعد التفرق وأن غلبه الافراد لا يكون موجبة لصرف المطلق إلى الفرد الغالب وقد ذكرناه مرارا كثيرة. الوجه الثالث أنه لو كان مبدء خيار الحيوان من حين العقد لزم أن يجتمع سببان على مسبب واحد فهو كما لا يمكن في الاسباب التكوينية فكذلك لا يمكن في الاسباب الشرعية. وفيه أن هذا الوجه لا يحتاج إلى الجواب فان اجتماع خيارين في عقد واحد كثير كاجتماع خيار الغبن مع خيار العيب واجتماع خيار العيب مع خيار الشرط وهكذا فلا يكون هذا اشكالا في المسألة. والحاصل أنه قد استدل على أن مبدء خيار الحيوان هو زمان العقد بوجوه: الاول بالاصل العملي. ويرد عليه أن مقتضى الادلة الدالة على ثبوت خيار الحيوان للمشترى هو ثبوته له من حين العقد ومع ذلك فلا مجال للاصل كما لا يخفى. الوجه الثاني: الاخبار الدالة على أن التلف في ثلثة أيام ممن لا خيار له مع ضميمة أن التلف في زمن خيار المشترك من مال المالك فانه لو كان خيار الحيوان ثابتا من حين العقد لكان التلف على البايع دون المشترى.

[ 186 ]

وفيه أنه لم يرد في آية ولا رواية أن التلف في زمان خيار المشترى من مال البايع ليؤخذ باطلاقه ويحصل التنافى بل هو حكم على طبق القاعدة الاولين لان القاعدة الاولية أن تلف مال كل أحد على مالكه فكما ثبت التخصيص لهذه القاعدة الاولية في موارد خيار الحيوان وكون التلف على البايع وكذلك ثبت التخصيص لذلك في مورد خيار المشترك أي مع اجتماع خيار الحيوان مع خيار المجلس الذى هو مشترك بين البايع والمشترى وحمل ما دل على كون التف بعد التفرق لكونه هو الغالب كما صنعه المصنف لا يمكن الالتزام به فانه مضافا إلى أن غلبة الافراد لا يوجب الانصراف أن اخراج الساعة الاولى أعنى ساعة عدم التفرق وملاحظته نادرة بالنسبة إلى البقية من ثلثة أيام لا وجه له فان كل ساعة من ثلثة أيام نادرة بالنسبة إلى مجموع ثلثة أيام وعليه فلما ذا لا نخرج الساعة الاخيرة من ثلثة أيام ونقول بعدم كون التلف فيها من البايع بل من المالك فان الغالب أن التلف يكون في غيرها فتكون الاطلاقات منصرفة إلى غيرها وهكذا فترجيح احدى الساعات على غيرها بلا مرجح. الوجه الثالث: أن الخيار مسبب واحد فلا يعقل أن يكون له أسباب عديدة والا لزم تأثير علتين في معلول واحد وهو محال فلابد وأن يكون مبدء خيار الحيوان من حين التفرق وانقضاء خيار المجلس و قد عبر بعضهم عن ذلك باجتماع المثلين. اقول لا شبهة في أن الخيار حكم شرعى كسائر الاحكام الشرعية و الامور الخارجية اجنبية عن ذلك بالكلية لا انها من قبيل الاسباب و لا أنها من قبيل المعرفات بل هي أجنبيات في ذلك بل الحكم الشرعي

[ 187 ]

من حيث أنه فعل للشارع وهو حكيم فلابد وأن يكون تابعا للمصلحة و المفسدة وأنها ناشئة عن ذلك فليس للامور الخارجية تماس بالاحكام الشرعية أصلا. وعلى الجملة فلو كان غرضهم من كون الامر الخارجي سببا اصطلاحيا أو معرضا فهو باطل من أصله. وان كان غرضهم من كون الامور الخارجية سببا للحكم الشرعي هو أن يكون موضوعا له تمام الموضوع كالنجاسة والطهارة بان يكون نسبة الحكم إلى الموضوع كنسبة العلة إلى المعلول بان لا ينفك الحكم عن ذلك الامر الخارجي كما لا ينفك المعلول عن علته وان كان مرادهم ذلك فلا شبهة أن الامور الخارجية حينئذ حقيقة اسباب للاحكام الشرعية لا أنها معرفات. وعليه فان كان موضوع كل واحد من خيار الحيوان وخيار المجلس امرا مستقلا فيثبت له الحكم أي الخيار مستقلا من غير أن يرتبط احدهما بالاخر كما هو كذلك في باب الكفارات حيث ان كل سبب خاص من موجبات الكفارة موضوع لوجوب الكفارة فلا يرتبط احدهما بالاخر وان لم يكن كذلك بأن لا يكون المورد قابلا لتعدد الحكم فيحكم بالتداخل ان لم يمكن التأكد كما في باب النجاسة وفى المقام نحكم بالتداخل لما عرفت سابقا أن الخيار ملك فسخ العقد فهو حكم وضعي اعتباري ومن الواضح أنه لا معنى لتعدد ملك فسخ العقد وكذلك في بقية المملوكات فان الشئ الواحد لا يملك مرتين كما هو واضح فلا يعقل أن يملك الانسان بفسخ العقد مرتين كما لا معنى لذلك في غير هذا المورد لان الامور الاعتبارية لا تعدد فيها بل يمكن أن يقال ان هذا الاشكال مدفوع

[ 188 ]

من اصله حيث انه ليس هنا خياران حتى يقال بكونهما مسببين عن سببين ولا يمكن اجتماعهما في محل واحد، بل هنا خيار واحد وتقسيمه إلى خيار المجلس تارة والى خيار الحيوان أخرى اصطلاح من الفقهاء والا فالظاهر من الاخيار هو أن هنا خيار واحد ثابت للمتبايعين ما لم يتفرقا وللمشترى إلى ثلثه أيام وبيان ذلك أنه ثبت في طائفه من الروايات أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع. ودلت صحيحة محمد بن مسلم على أن المتبايعين بالخيار في الحيوان ثلثة ايام وفى غير الحيوان ما لم يفترقا ولكن رفعنا اليد عن ذلك لمعارضتها بالروايات الداله على اختصاص خيار الحيوان بالمشترى ودلت صحيحة اخرى لمحمد بن مسلم على أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلثة أيام مع حمل صاحب الحيوان على المشترى ويكون المستفاد أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا سواء كان في الحيوان أم في غيره وأن صاحب الحيوان الذى هو المشترى بالخيار إلى ثلثة أيام فملاحظة هذه الرواية مع الروايات الدالة على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ما لم يفترقا ومع ما دل على ثبوت خيار الحيوان للمشترى إلى ثلثة أيام تنتج أن هنا خيار واحد ثابت للمتبايعين إلى حين التفرق وللمشترى إلى ثلثة أيا فعلم أن هنا خيار واحد وليس هنا خياران حتى يقال انه لا يمكن أن يجتمع سببان على مسبب واحد لا ستحالة صدور الواحد عن الكثير. قوله ثم ان المراد بزمان العقد هل زمان مجرد الصيغة كعقد الفضولي على القول بكون الاجازة ناقلة أو زمان الملك أقول إذا كان زمان العقد غير زمان الملك كما في العقد الفضولي بناء على النقل

[ 189 ]

وكعقد الصرف والسلم قبل القبض فهل خيار الحيوان ثابت في مثل ذلك من حين العقد أو من حين حصول الملك واختار المصنف الثاني تبعا لما استظهره بعض معاصريه وهو صاحب الجواهر. أقول الظاهر أن الخيار انما يثبت في زمان حصول الملك سواء في العقد الفضولي أم في عقد الصرف والسلم وفى الفضولي أيضا سواء قلنا بالنقل أو بالكشف والوجه في ذلك أما العقد الفضولي فقد تقدم الكلام أن البيع انما ينسب إلى المالك ويكون بيعا له ومستندا إليه بعد الاجازة وقبلها ليس بيعا للعاقد وهو واضح ولا بيعا للمالك إذا المفروض أن البيع لا يستند إليه الا بعد الاجازة. وقد عرفت أن الامر كذلك على القول بالكشف أيضا حيث انه يحكم من زمان الاجازة أن البيع بيع للمالك من الاول أي يحكم بحصول الملكية للمالك في زمان الاجازة من الاول وهذا أمر موافق للعرف أيضا فان العرف يبعد أن يحكم بحصول الملكية من الاول عند الاجازة وترتيب آثار الملك على العقد من الاول وقد تقدم ذلك. وقد عرفت في هذا البحث أي بحث الخيار أن الظاهر من الادلة أن خيار المجلس وخيار الحيوان انما يثبتان للبيع وما يصدق عليه البايع وقد عرفت في صحيحه محمد بن مسلم قال (ع) المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلثة أيام. وحيث ان زمان الاجازة زمان صدق البيع على البايع والمشترى فيحكم في زمان الاجازة بترتب آثار العقد عليه من الاول حتى على الكشف لا بمعنى أن كل أثر يترتب عليه ويحكم بكون النماءات الحاصلة له بل من الآن يحكم بحصول الملكية من زمان العقد وترتب الاثر عليه.

[ 190 ]

وهذا الذى يساعده العرف اذن فتشمل عليه أدلة خيار الحيوان من زمان الاجازة كما هو واضح سواء قلنا بالكشف أو النقل. وأما بيع الصرف والسلم فقد ظهر الحال فيها من بيع الفضولي حيث ان الخيار انما يترتب على العقد الصحيح وبيع الصرف والسلم قبل القبض ليسا بعقدين صحيحين فانهما مع فقدهما القبض كالايجاب الخالى عن القبول فكما ان الايجاب ليس موضوعا للخيار وكذلك الايجاب والقبول فيهما بدون القبض فان القبض بمنزلة الايجاب و بعبارة اخرى أن ادلة الخيار انما هي تخصيص لادلة لزوم الوفاء بالعقد واللزوم انما هو ثابت للعقد الصحيح دون الفاسد فعقد الصرف و السلم بدون القبض ليسا بصحيحين فكيف تشملهما ادلة اللزوم حتى تخصصها بأدلة الخيار. فمبدء ثبوت الخيار الحيوان في الصرف والسلم انما هو زمان القبض. ثم انك قد عرفت أن خيار الحيوان يثبت في المبيع الشخصي و في المبيع الكلى أيضا وعليه فلا وجه لتخصيص المثال في بيع السلم بما إذا كان الثمن حيوانا بعنوان السلم كما صنعه صاحب الجواهر حيث قال فعلى هذا لو اسلم حيوانا في طعام وقلنا بثبوت الخيار لصاحب الحيوان وان كان بايعا كان مبدئه بعد القبض تخصيص و تمثيله بما ذكر مبنى على اختصاص الخيار المعين بالحيوان. قوله مسألة لا اشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلثة ايام لا لدخول الليل في مفهوم اليوم بل للاستمرار المستفاد من الخارج أقول وقع الكلام بين الاصحاب في ان المراد من ثلثة أيام هل هو النهار

[ 191 ]

فقط والليل خارج عنه أو المراد من اليوم هو مجموع أربع وعشرين ساعة وهذا البحث جار في المقام وفى أيام الحيض وفى اقامة عشرة ايام وربما يقال أن اليوم اسم لمجموع اليوم والليل وان مجموع اربع و عشرين ساعة يسمى يوما ولكنه بديهى البطلان لعدم اطلاق اليوم على ذلك المجموع وانما اليوم اسم لما هو بين طلوع الشمس وبين غروبها فالقوس النهارى يوم والقوس الليلى يسمى ليلا ودائرة نصف النهار منصفة للقوس النهارى إلى نصفين ونصف الليل منصف الليل إلى نصفين وليس أحدهما داخلا في الآخر الا بالدليل الخارجي كما في الصوم حيث ان الشارع اعتبر كونه من أول الفجر إلى زوال الحمرة عن قمة الرأس وأما في غير ما اعتبر الشارع دخول أحد القوسين في الآخر فلا يطلق أحدهما على الآخر. وعليه فلا تكون الليالى داخلة في الايام فيما كانت الايام موضوعة للحكم بحسب المفهوم الا من جهة عناية أخرى من اعتبار الاستمرار في الحكم مثلا. وعليه فلو عامل أحد مع غيره وباعه حيوانا في أول طلوع الشمس فيمتدد خياره إلى غروب الشمس من يوم الثالث ولا تكون الليلة الاخيرة داخلة ولا يثبت له الخيار فيها بخلاف ما لو قلنا بدخول الليل في مفهوم اليوم فانه يمتدد الخيار إلى صبيحته يوم الثالث ويكون له - الخيار في الليل أيضا وأما الليلتان المتوسطتان فهما داخلتان بلا شبهة لا من جهة أن الليل داخل في مفهوم اليوم بل من جهه ان الخيار حكم ثابت لذى الخيار إلى ثلثه أيام مستمرا فلو لم تكن الليلتان المتوسطتان داخلتين في الموضوع لا نقطع الخيار فهو خلاف الظاهر

[ 192 ]

من الادلة وهكذا الحال في اقامة عشرة ايام وايام حيض المرأة و نحوهما واما الليلة الاخيرة فهى خارجة عن حريم الخيار فانها غير داخلة لا من حيث صدق اليوم عليها ولا من حيث الاستمرار. وأما لليلة الاولى فيما إذا وقعت المعاملة في أول الليلة أو نصفها فهى أيضا داخلة بلا شبهة لما عرفت من أن الادلة ظاهرة في اتصال مبدء الخيار بالعقد فإذا تحقق العقد تحقق الخيار فيستمر إلى ثلثة أيام فدخول الليلة الاولى من جهة اتصال مبدء خيار الحيوان بالعقد واستمراره إلى ثلثة ايام. وقد يتوهم أن الليلة الاخيرة أيضا داخلة لدخول الليلتين اصالة فتدخل الثالثة والا لا ختلفت مفردات الجمع في استعمال واحد ولكن قد ظهر جوابه فيما ذكرناه حيث ان دخول الليلتين المتوسطتين أيضا ليس من جهة الاصالة بل من جهة استمرار الخيار إلى ثلثة ايام واتصال الخيار بالعقد فلا مجال لهذا الاشكال. وأما مسألة التلفيق فيما إذا وقع العقد في نصف اليوم أو ورد المسافر في بلد في نصف اليوم أو حاض المرأه في وسط النهار فهل يجوز أن يحسب نصف هذا اليوم والنصف من اليوم الثالث وجعلهما يوما واحدا أم لا الظاهر هو التلفيق كما هو الموافق للعرف ويؤيد ذلك انه قل ما يتفق أن المرأة تحيض في اول طلوع الشمس والمسافر لا يرد البلد الذى يقيم فيه في اول طلوع الشمس وهكذا فلو لم يعتبر التلفيق في اليوم ولم يكن موضوعا للحكم لتعرض له الامام عليه السلام وهذا المعنى موافق للعرف فلو قال أحد بقيت في محل كذا يوما مع أنه بقى في نصفين من يومين صح ذلك ولو بقى نصف يوم لا يصدق عليه أنه بقى يوما

[ 193 ]

وكل ذلك لا شبهة فيه وما افاده المصنف هنا متين جدا. (في مسقطات خيار الحيوان) قوله مسألة يسقط هذا الخيار بأمور أحدها اشتراط سقوطه في العقد أقول قد تقدم في خيار المجلس اشتراط عدم الخيار أو اشتراط اسقاطه في ضمن العقد ولا نحتاج إلى الاعادة ولكن ذكر المصنف هنا شيئا يجرى في خيار المجلس أيضا فلا بأس بالتعرض له وحاصله أنه لا شبهة في جواز اسقاط الخيار من مجموع المبيع بان يقول اسقط خياري من مجموع هذا الحيوان وهل يجوز اسقاط الخيار من نصفه ام لا فالظاهر هو عدم الجواز لان نصف الحيوان ليس بحيوان فلا يثبت خيار الحيوان الا فيما إذا كان المبيع حيوانا. وأما اسقاط بعضه من حيث الزمان بان أسقط خياره يوما أو يومين أو اقل أو اكثر فالظاهر هو الجواز الا نه ملك فسخ العقد فذى الخيار مالك لذلك فله أن يسقط حقه باجمعه أو ببعضه ولا يلزم المحذور المذكور هنا لان اطلاق الادلة تشمله حتى في الان القليل من الزمان وبعبارة اخرى فادلة الخيار تشمل المبيع إذا كان حيوانا في كل آن وزمان. والثانى اسقاطه بعد العقد. قوله الثالث التصرف ولا خلاف في اسقاطه في الجملة، أقول: قد اضطربت كلمات الفقهاء في مسقطية التصرف غاية الاضطراب ولعل مثل هذه المسألة قليلة في الفقه ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات و القواعد.

[ 194 ]

والتحقيق أنك قد عرفت في مبحث المعاطات أن مقتضى القاعدة كفاية كل ما يكون مصداقا للانشاء في مقام انشاء العقد ونحوه فان المناط في ذلك صلاحية ما يتحقق به الانشاء لاظهار ما في النفس وابرازه سواء كان من قبيل الفعل أو من قبيل القول واللفظ من أفراد ما يظهر به ما في الضمير وينشأ به المعاملة والا فلا خصوصية له الا إذا قام الدليل على عدم كفاية غير اللفظ في مقام الانشاء كما في الطلاق. وعليه فكما أنه يكتفى في انشاء العقد بكل ما يصلح أن ينشاء به العقد وكذلك يكتفى بكل ما يبرز ما في الضمير في اسقاط الخيار هذا مما لا شبهة فيه وأنه أمر تقتضيه القواعد ولكن الكلام في الصغرى وانه أي شئ يكون صالحا لان يتحقق به اسقاط الخيار من الافعال فهل هو مطلق الفعل والتصرف أو التصرف الخاص فليس هنا قاعدة تتكفل لبيان ذلك المقدار المتيقن كون التصرف مصداقا للاسقاط والا فلا دليل على كونه مسقطا للخيار حتى التصرفات الجليلة فضلا عن التصرفات الحقيرة فانه ربما لا يكون المتصرف عالما بالموضوع أو الحكم أو يكون غافلا عن ثبوت الخيار له ويتصرف فيه وحينئذ كيف يمكن الحكم بأن التصرف مصداق للاسقاط فلو وطأ الجارية التى اشتراها لا يكون ذلك مسقطا للخيار وأن أصر عليه شيخنا الاستاذ وقال بكون مثل الوطى مصداقا للاسقاط حتى مع الجهل بالحكم أو الموضوع هذا ما تقتضيه القاعدة. وأما الاخبار فقد ذكر فيها أن احداث الحدث في الحيوان يوجب سقوط الخيار فكل تصرف أوجب حدوث الحدث فيوجب سقوط الخيار بلا شبهة للتعبد الشرعي وأما ما لا يوجب الاحداث فقد ذكرت أمور

[ 195 ]

في الرواية التى سئل فيها عن تفسير الحدث: انها احداث حدث مع انه ليس بحدث في العرف وذلك كالنظر إلى الجارية واللمس و التقبيل ونحوها مع أنها ليس بحدث فيكون مثل ذلك داخلا في الحدث بدليل الحاكم وبالتعبد الشرعي فنحكم بسقوط الخيار بمثل هذه التصرفات أيضا هذا ما يتحصل من الاخبار. وتحصل أن لنا ضابطتان لسقوط الخيار بالتصرف أحدهما ما تقتضيه القاعدة من كون التصرف مصداقا لسقوط الخيار والثانى التصرف الذى يوجب احداث الحدث في الحيوان المبيع أو ما جعله الشارع مصداقا للحدث تعبدا وحكومة فان هذا أيضا يوجب سقوط الخيار و أما في هذه الموارد فلا دليل على كون التصرف مسقطا للخيار ولو كان التصرف من التصرفات الجليلة كما تقدم فضلا عن التصرفات الخفيفة كيف فانك عرفت أن أي تصرف كان لا يوجب لسقوط الخيار ما لم يكن مصداقا للتصرف فاى معنى لسقوط الخيار بالتصرفات الصادرة حال الغفلة أو النسيان أو الجهل بالحكم أو الموضوع فيكون الخيار باقيا على حاله ولو كان التصرف مثل وطى الامة كما عرفت بل الظاهر من صحيحة الصفار أن مطلق التصرف لا يكون مسقطا للخيار حيث سأل فيها عن أمرين أحدهما الحدث والثانى ركوب الدابة وسئل بكلمة أو أنهما يسقطان الخيار أم لا فوقع الامام (ع) إذا احدث فيها حدثا فقد وجب الشراء انشاء الله فلو كان مثل الركوب أيضا مسقطا للخيار لاجابه أيضا بانه يسقط الخيار بل يمكن أن يقال أن بعض التصرفات في الحيوان المشترى مما لابد منه فلو كان كل تصرف موجبا لسقوط الخيار لكان جعل الخيار وتشريعه لغوا محضا كقود الحيوان إلى

[ 196 ]

القبة وركوبه من مكان المعاملة إلى منزله للتجربة والامتحان والامر بمش الامة أو العبد للتجربة والامتحان وأمرهما بسقي الماء ونحوه بل النظر إلى شعر الامة ليرى أنها شابة أو كبيرة قد بيض شعره إلى غير ذلك من التصرفات التى مما لابد منه عادة في مدة ثلثة ايام وعلى الجملة مقتضى أدلة اللزوم من الايات والروايات هو لزوم العقد وقد خصصت بأدلة خيار الحيوان كما خصصت بغيرها فلابد من رفع اليد عن اطلاق أدلة الخيار وعمومه بما يدل على التخصيص والتقييد و ليس لنا تخصيص الا ما ذكرناه من الضابطتين ففى أي مورد تحقق واحدة من هذه الضابطة نحكم بسقوط الخيار والا فلا فافهم. والحاصل أن كلمات الفقهاء في أن التصرف مسقط أم لا مضطربة غاية الاضطراب فذكر بعضهم أن التصرف لكونه كاشفا عن الرضا الشخصي مسقط للخيار وذكر بعضهم كشيخنا الانصاري وغيره أن التصرف كاشف عن الرضا النوعى فيكون مسقطا للخيار لذلك وذكر بعضهم أن مطلق التصرف حتى مثل ناولنى الماء ونحوه مسقط للخيار ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الاخبار وتفصيل الكلام فيه أن الروايات في المقام متعددة منها صحيحة (1) ابن رئاب فان احدث المشترى فيما اشترى حدثا قبل ثلثة أيام فذلك رضا منه ولا شرط له قيل له: وما الحدث قال ان لا مس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان محرما عليه قبل الشراء. فان الظاهر من هذه الرواية أن الحدث مسقط للخيار فإذا أحدث المشترى حدثا فذلك رضا بالبيع فيكون الخيار ساقطا ثم سأل ابن رئاب عن الحدث وأنه أي شئ فقال (ع) أن لامس أو قبل أو


(1) وسائل ج 12 - ص 351.

[ 197 ]

نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزم البيع فهذا الكلام الصادر من الامام (ع) من جعل اللمس أو التقبيل أو النظر إلى ما يحرم النظر إليه ليس احداث حدث قطعا واذن فيدور الامر بين أن يكون ذلك حاكما بتوسعة دائرة الحدث وجعل كل واحد من الامور المذكورة من اقسام الحدث أو بجعلها مثالا لمطلق التصرف بحيث يكون مطلق التصرف مسقطا للخيار فإذا لم تكن الرواية ظاهرة فيما ذكرناه من جعل الامور المذكورة مصداقا للحدث تعبدا فليس لها ظهور في جعلها أمثلة لمسقطية التصرف ليكون مطلق التصرف موجبا لسقوط الخيار وكيف كان فلا دلاله فيها على كون التصرف على اطلاقها موجبا للسقوط. ومنها صحيحة (1) الصفار قال: كتبت إلى أبى محمد (ع) في الرجل اشترى من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ أله أن يردها في الثلاثة الايام التى له فيها الخيار بعد الحدث الذى يحدث فيها أو الركوب الذى يركبها في فراسخ فوقع عليه السلام إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء انشاء الله. فهذه الرواية صريحة في أن احداث الحدث يوجب سقوط الخيار وأما دلالتها على أن التصرف موجب لسقوط الخيار أم لا فاما ممنوعة لعدم تعرض الامام (ع) لذلك أو هي تدل على أن التصرف لا يسقط الخيار ما لم يكن بعنوان أنه مصداق للمسقط أو مصداق للحدث فان السائل انما سأل عن أمرين أحدهما احداث الحدث


(1) وسائل ج 12 - ص 351 - حد 2.

[ 198 ]

في المبيع والثانى الركوب فقد أجاب الامام (ع) عن الحدث وأنه مسقط للخيار وسكت عن الركوب الذى هو من أظهر أفراد التصرف فهذا السكوت لو لم يدل على عدم كون التصرف مسقطا للخيار فلا دلالة فيها على كون التصرف مسقطا. وعلى الجملة فاما لا دلالة في الرواية على كون التصرف مسقطا أو فيها دلالة على عدم كونه مسقطا. ومنها صحيحة (1) قرب الاسناد قال: قلت له أرايت ان قبلها المشترى أو لامس فقال إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقض الشرط ولزم البيع فقد جعل الامام (ع) في هذه الرواية نفس الامور المذكورة موجبا لسقوط الخيار من غير تعرض للتصرف و الحدث اصلا. والمتحصل أن ما يكون مسقطا للخيار من التصرف أمور ثلثة من غير أن يكون لعنوان التصرف موضوعية أصلا الاول: ما يكون مصداقا للاسقاط ومبرزا لما في ضمير المتكلم من كونه موجبا لسقوط الخيار وهو ما تقتضيه القاعدة الاولية ولا شبهة فيه. الثاني ان يكون التصرف احداث حدث في الحيوان فانه ايضا يكون موجبا لسقوط الخيار فقد ثبت ذلك بصحيحة على بن رئاب و صحيحة الصفار واطلاق الحدث شامل لكل حدث ولو كان بمثل جز الشعر ونحوه. الثالث أن يكون المشترى لامس أو قبل أو نظر منها ما يحرم النظر إليه فانه ايضا موجب لسقوط الخيار وأما غير هذه الامور الثلثة


(1) وسائل ج 12 - ص 351 - حد 3.

[ 199 ]

فلا يكون التصرف موجبا لسقوط الخيار بوجه فانه لا دليل عليه من الروايات كما عرفت. ثم انه بقى الكلام في أن المراد من قوله (ع) فذلك رضا منه بالبيع في صحيحة ابن رئاب. أي شئ فذكر المصنف احتمالات أربعة الاول أن يكون المراد من ذلك الرضا الشخصي فيكون المعنى ان التصرف - الموجب لاحداث الحدث في المبيع يكون كاشفا عن الرضا الشخص وهذا واضح الدفع فان كثيرا ما لا يلتفت المشترى إلى ثبوت الخيار له فيحدث حدثا في المبيع فكيف يكون ذلك كاشفا عن الرضا الشخص بالبيع وبسقوط الخيار مثلا لو اشترى أحد دجاجة وقص جناحها لئلا يطير إلى مكان آخر من غير ان يلتفت إلى ثبوت الخيار له في ذلك كما هو كذلك في نوع الناس حتى من أهل العلم حيث انهم لا يلتفتون بثبوت الخيار لهم في مثل الدجاجة ونحوها وفى مثل ذلك فلا وجه لدعوى كون التصرف كاشفا عن الرضا الشخص كما هو واضح. الثاني أن يكون كاشفا نوعيا عن الرضا بالبيع وسقوط الخيار كما ذكره المصنف وهذا أيضا لا يمكن المساعدة عليه فانك قد عرفت أن نوع الناس لا يلتفتون بخيار الحيوان فكيف يكون تصرفهم كاشفا عن الرضا النوعى بحيث يكون المناط في كون التصرف مسقطا للخيار هو الرضا النوعى فانه لا وجه لدعوى أن في أغلب الناس يكون التصرف كاشفا عن الرضا النوعى فان أغلب الناس لا يلتفتون إلى ذلك كيف فان خيار الحيوان لا يختص بطائفة خاصة من الشيعه ليكون الغالب فيهم الالتفات إلى الخيار عند التصرف بل يثبت لكل شخص حتى اليهود و النصارى والمخالفين وغيرهم ومن الواضح أنه مع ذلك فالغلبة في غير

[ 200 ]

الملتفتين بالخيار عند التصرف فكيف يكون التصرف كاشفا عن الرضا النوعى من جهة التفات اغلب الناس بالخيار عند التصرف. وكيف كان فلا وجه لجعل التصرف كاشفا نوعيا عن الرضا بالبيع. الثالث أن يكون ذلك بنفسه جوابا للشرط وحكما ثابتا للموضوع فيكون ذلك اشارة إلى نفس ذلك التصرف الذى هو الحدث. الرابع أن يكون توطئة للجواب وهو قوله ولا شرط له لكنه توطئه لحكمة الحكم وتمهيد لها لا علة حقيقة فيكون اشارة إلى ان الحكمة في سقوط الخيار بالتصرف دلالته غالبا على الرضا نظير كون الرضا حكمة في سقوط خيار المجلس بالتصرف ومرجع هذين الاحتمالين إلى شئ واحد وان كان البيان فيهما مختلفا. وقد ذكر المصنف أن لازم أخذ هذين الاحتمالين هو الالتزام بكون مطلق التصرف مسقطا للخيار ولكن الامر ليس كذلك فان قوله (ع) فذلك رضا منه بالبيع هو أن نفس هذا التصرف الذى يوجب احداث الحدث رضا بالبيع لا كل تصرف كما هو واضح فان الموضوع هو الحدث حيث قال: ان أحداث حدثا فذلك رضا منه بالبيع. (الثالث من الخيارات خيار الشرط) قوله الثالث خيار الشرط اعني الثابت بسبب اشتراطه في العقد أقول لا شبهة في جواز جعل الشرط في العقود ولا خلاف فيه بين الاصحاب سواء كان متصلا بالعقد أو منفصلا عنه ويمكن الاستدلال على جواز ذلك بطائفتين من الرواية الاولى صحيحة (1) ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: وان كان بينهما شرط


(1) وسائل ج 12 - ص 355 - باب 8 - حد 2.

[ 201 ]

اياما معدودة فهلك في يد المشترى قبل ان يمضى الشرط فهو من مال البايع وفى رواية السكوني ان أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل اشترى ثوبا بالشرط إلى نصف النهار فانها تدل على جواز جعل الخيار في هذين الموردين الخاصين. والطائفة الثانية الاخبار المستفيضة الواردة في اشتراط الفسخ برد الثمن كما سيأتي نقلها فانها أيضا تدل على جواز جعل الخيار في موردها فان جاز التعدي عن مواردها فبها لدعوى الضرورة انه لا خصوصية لموردها والا فلابد من التماس دليل آخر وح نأتى إلى العمومات. وقد استدل على مشروعية هذا الخيار وجواز جعله واشتراطه بالادلة المستفيضة بل المتواترة بين الفريقين المؤالمنون عند شروطهم الا شرطا خالف كتاب الله وسنة نبيه فانها تدل باطلاقها على لزوم الوفاء بكل شرط غاية الامر خرج عنها الشروط الابتدائية وبقى الباقي ومن جملته اشتراط الخيار في العقود. وقد أشكل عليه في المستند بأن الادلة العامة لا تكفى لاثبات صحة اشتراط الخيار لا ستثناء الشرط المخالف للكتاب والسنة لان السنة تدل على أن بالافتراق يجب البيع فاشتراط عدم وجوبه بعد الافتراق مخالف لها وعلى الجملة فلا يمكن الاستدلال بهذه الادلة على جواز جعل الخيار. وقد أجيب عنه بجوابين الاول ما ذكره شيخنا الاستاذ من أن الجواز وكذلك اللزوم على قسمين الاول الجواز واللزوم الحكمى و الثاني اللزوم والجواز الحقى. أما الاول فلا يتبدل بفسخ المتبايعين

[ 202 ]

أصلا أما الجواز فكالهبة حيث ان جوازها حكمي فلا يتغير اصلا ولو قال الواهب اسقط حق الرجوع ألف مرة. وأما اللزوم فكعقد النكاح حيث لا يتغير عما هو عليه باقاله ونحوه فيعلم من ذلك أن اللزوم هنا حكمي لا حفى. وأما الثاني فالجواز الحقى مثل الوكالة ونحوها واللزوم الحقى كجميع العقود التى تجرى فيها الاقالة حيث انه يستكشف من ذلك أن اللزوم فيها حقى والا لم يرتفع بالاقالة فما يكون مخالفا للكتاب و السنة هو الخيار في العقود التى أن اللزوم فيها حكمي كالنكاح لا في مطلق العقود حتى فيما يكون اللزوم فيها حقيا. وفيه أنه قد عرفت في أول البيع أنه لا فرق بين الحق والحكم أصلا فان كلاهما بحكم الشارع وجعله غاية الامر قد سمو الفقهاء الحكم الذى اختياره بيد المتبايعين حقا وهذا لا يوجب اختلافهما في الحقيقة وعليه فكما ان الجواز حقيقة واحدة مجعولة بجعل الشارع وكذلك اللزوم فهو حقيقة واحدة والاختلاف بحسب الحكم الطارء عليه لا أن هنا حقيقتان احديهما حقى والاخر حكمي كما لا يخفى وعليه فيبقى اشكال صاحب المستند على حاله فان جعل الخيار في العقد مخالف لحكم الشارع بلزومه. وبعبارة اخرى أن اللزوم في جميع العقود انما هو حكم الشارع وثابت بدليل واحد غاية الامر أنه مطلق في بعض الموارد كما في النكاح ومشروط بعدم الاقالة في بعض الموارد الاخر كما في البيع ونحوه على ان النكاح أيضا قد يطرئه حق الفسخ لبعض الامور كما هو واضح.. والجواب الثاني ما يظهر من السيد ره من أن جعل الخيار

[ 203 ]

مخالف لاطلاق العقد لا لمقتضاه فان اطلاق العقد يقتضى الملكية على وجه الاطلاق فاشتراط الخيار مخالف لاطلاقه لا لمقتضى أصل العقد. وهذا الجواب من العجائب فان كلامنا في الشروط المخالف للكتاب والسنة لا في الشروط المخالفة لمقتضى العقد أو لا طلاقه. وتوضيح الكلام أن الشرط قد يكون مخالفا لمقتضى العقد بأن يشترط البايع على المشترى أن لا يتملك أو يقول الواهب وهبتك هذه على أن تبقى العين الموهوبة في ملكى وهكذا فان هذه الشروط كلها مخالفة لمقتضى العقد ولكن لا دليل على بطلانه الا لزوم المناقضة والتناقض فان معنى البيع هو تمليك العين المبيعة وكونها ملكا للمشترى ومعنى اشتراط عدم كونه ملكا للمشترى هو أن لا يكون المبيع ملكا للمشترى وهما متناقضان وكذلك في الهبة. وأما إذا كان الشرط مخالفا لاطلاق العقد فلا محذور فيه اصلا لعدم لزوم التناقض ومحذور آخر فيه كما ذكره السيد فانه أي محذور في أن يقول البايع بعتك هذا الثوب وشرط عليك أن تخيط لى ثوبا آخر فان اطلاق العقد لا يقتضى كون المبيع ملكا للمشترى على وجه الاطلاق والشرط مخالف له. وأما الشروط المخالفة للكتاب والسنة فهى أمر آخر غير مربوط بالشروط المخالفة للعقد أو لاطلاقه فانه لا يفرق في الشروط المخالفة للكتاب والسنة بين أن تكون مخالفة لاصل الكتاب والسنة أو لاطلاقهما مثلا لو باع حيوانا واشترط احدهما على الآخر في ضمن العقد أن يشرب الخمر في حال المرض تنزها لا دواء فانه هل يتوهم أحد جواز ذلك

[ 204 ]

لكونه مخالفا لاطلاق الكتاب لا أصله. والحق في الجواب أن يقال: أن هذه الروايات انما وردت لجعل خيار الشرط في مورد لزوم العقد فتكون مخصصة للادلة الدالة على اللزوم لا منافية لها لتكون مطروحة أو مأولة وتوضيح ذلك أن معنى اشتراط شئ في العقد هو توقف لزوم العقد على وفاء المشروط عليه بالشرط والا فلا يلزم عليه أن يتوقف على اللزوم ومعنى عدم وجوب التوقف على اللزوم هو ثبوت الخيار له بحيث ان شأ يفسخ وان يشاء يمضى وان شاء يبقى العقد على حاله غاية الامر أن اشتراط شئ على البايع أو المشترى في العقد جعل خيار بالدلالة الالتزامية وجعل الخيار لاحدهما أو كلاهما في العقد جعل خيار بالدلالة المطابقية وقد تقدم ذلك فيما سبق وقلنا بان مرجع الاشتراط إلى جعل الخيار والحاصل أن الادلة الدالة على أن المؤمنين عند شروطهم واردة في مورد جعل الخيار بناء على أن كل شرط يرجع إلى جعل الخيار بالبيان المتقدم فلا يكون الشرط مخالفا للكتاب والسنة و بعبارة أخرى أن هذه الروايات الدالة على لزوم الوفاء بالشرط وارد في مورد جعل الخيار بناء على أن مرجع جعل الشرط إلى ثبوت الخيار بالالتزام فان بقاء الالتزام على العقد منوط على بقاء الالتزام على الشرط ومع التخلف يثبت الخيار وعليه فلا يكون جعل الشرط مخالفا للكتاب والسنة الا أن الشرط مخالفا لهما والحاصل أن في العالم شروط صحيحة غير منافية للكتاب والسنة فهذه الروايات واردة في هذه الموارد التى مرجعها إلى جعل خيار. ويمكن الجواب عن صاحب المستند بناء على المشهور أيضا من

[ 205 ]

عدم رجوع الشرط إلى جعل الخيار. بدعوى عدم مخالفة الشرط الخيار للكتاب والسنة. أما عدم مخالفته للكتاب من جهة أن أوفوا بالعقود ناظر إلى افادة اللزوم للعقد المنشأ على النحو الذى أنشأه المنشى وهذا المنشأ اما هو مطلق في الواقع أو مقيد لما ذكرناه مرارا أن الاهمال في الواقعيات من الامور المستحيلة وعليه فهذا العقد الذى اشترط فيه الخيار لا يعقل أن يكون منشأ على وجه الاطلاق فلابد وأن يكون منشأ على وجه التقييد فيكون الملكية المنشأة بقيد خاص موردا للامر بالوفاء بالعقد فلا يكون الشرط مخالفا للكتاب بل دليل اللزوم من الاول لا يشمل الا هذه الملكية الخاصة المقيدة بحد خاص. وبعبارة أخرى أن دائرة الملكية من الاول محدودة ومقيدة بعدم الفسخ فان الحاصل من البيع قد يكون ملكية مطلقة ويكون المنشأ هو ذلك وقد يكون المنشأ ملكية مقيدة بحصة خاصة وبحد خاص أي المقيدة بعدم الفسخ وحينئذ أي منافات لهذا الشرط للكتاب بل الكتاب لا يشمل من الاول الملكية المطلقة بل يشمل الملكية المقيدة وهو واضح. لا يقال أن الملكية المنشائة مطلقة حتى بعد الفسخ فانه لا معنى للبيع إلى وقت خاص كسنة أو سنتين لكونه باطلا اجماعا فانه يقال لا شبهة في أن المنشأ مطلق من حيث الزمان وأن البايع انشأ ملكية مطلقة للمشترى وأبدية ولكن كلامنا ليس في الاطلاق والتقييد من حيث الزمان بل من حيث الحالات ولا شبهة أن المنشأ بالنسبة إلى الفسخ وعدمه الذان من الحالات الطارئة لعقد اما مطلق أو مقيد وذكرنا أنه مقيد فالملكية المنشأة محدودة بالنسبة إلى الفسخ

[ 206 ]

وعدمه إلى الزمان فتشملها أدلة اللزوم مع هذه الحيثية المقيدة فيكون لازما إلى أن لا يفسخ والا فلا لزوم لعدم شمول أدلته له. ودعوى أن المنشأ مطلق بالنسبة إلى الفسخ وعدمه أي أنه أنشأ الملكية سواء فسخ أم لا مع اشتراط الخيار في العقد دعوى متناقضة كما هو واضح فان هذه الدعوى تشبه دعوى أن يقصد أحد الاقامة في بلد وكان عالما بمسافرته أو شاكا فيه فان هذا ليس الا التناقض الواضح. ولا يقاس كون المنشأ ملكية محدودة بالفسخ بالبيع إلى سنة فان الثاني باطل بالضرورة بخلاف الاول فانه كان متعارفا في جميع الازمنة فيكون مشمولا لوجوب الوفاء بالعقد. وكيف كان بناء على المشهور أيضا لا يكون شرط الخيار مخالفا للكتاب بوجه لقصور دليل اللزوم عن ذلك فلا يكون الامر بالوفاء بالعقود شاملا الا ما أنشأ بأى كيفية أنشأ. فاللازم بدليل وجوب الوفاء بالعقد هو الملكية المحدودة بعدم الفسخ. وأما السنة فقد ظهر جواب توهم مخالفة الشرط للسنة من ذلك أيضا فان قولهم البيعان بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع ليس المراد من الوجوب الوجوب على كل حال بحيث يكون المنشأ ملكية لازمة على وجه الاطلاق بعد انقضاء المجلس بل الملكية المحدودة بعدم الفسخ فلا تكون هذه الاخبار شاملة من الاول إلى ما بعد الفسخ حتى يتوهم كون الاشتراط مخالفا لمقتضى الكتاب. ثم انه لا شبهة في جواز جعل الخيار مدة خاصة معينة أما متصلا بالعقد أو منفصلا عنه لاطلاق الادلة نعم ذكر بعض الشافعية أنه لا يجوز جعل الخيار بعد لزوم العقد فانه لا ينقلب إلى الجواز بعد

[ 207 ]

اللزوم ولكنه بديهى البطلان فان كثيرا ما يطرء الجواز على العقد بعد اللزوم كما في موارد خيار تأخير الثمن وموارد خيار الرؤية وموارد تخلف الشرط فان جميع ذلك وأشباهه يطرء الجواز على العقد بعد اللزوم فلا يمكن الالتزام بكلام هذا القائل أيضا. وهل يجوز جعل الخيار إلى الابد ومدة العمر نظير الوقف بحسب العمر أم لا فلم يستشكل أحد في جوازه الا شيخنا الاستاذ حيث منع عن جواز مثل هذا الشرط لوجهين الاول أنه يوجب كون العقد غرريا وذلك لانه لا يعلم المتبايعان أن عمر المشروط له أي مقدار فيوجب البيع غرريا فيبطل لذلك. وفيه أن الغرر هو الخطر ولا نرى في ذلك خطرا اصلا غاية الامر أنه يكون مثل العقود الجائزة فهل يتوهم أحد أن الهبة أو الوكالة أو نحوهما من العقود الجائزة غررية. وسيأتى الكلام في نفس الغرر مع الجهل بالشرط. الوجه الثاني ما ذكره (ره) من أن جعل الخيار إلى الابد مخالف لمقتضى العقد فان للعقد دلالة مطابقية اعني حصول الملكية للمشترى فالبيع يقيد بالمطابقة حصول الملكية للمشترى على وجه الاطلاق و دلالة التزامية أعنى كون المتبايعين ملتزمين بمفاد العقد وأنه لا - يختص التزامهما بزمان خاص بل هو ثابت إلى الابد فاشتراط الخيار إلى الابد وان لم يكن مخالفا لمقتضى العقد بحسب الدلالة المطابقية اعني حصول الملكية المطلقة ولكنه مناف لمقتضى العقد بحسب الدلالة الالتزامية اعني لزوم العقد إلى الابد وأما جعل الخيار في زمان خاص فلا بأس به لعدم كونه مخالفا لمقتضى العقد من الجهتين غاية الامر

[ 208 ]

أنه شرط الخيار في زمان خاص. وفيه قد عرفت أنه لا دليل على بطلان الشروط المخالفة لمقتضى العقد الا من جهة المناقضة ومن الواضح أن اشتراط عدم حصول الملكية للمشترى مثلا مناقض لمقتضى العقد بأن يبيع بشرط أن لا يملك المشترى أو يهب بشرط أن يبقى العين الموهوبة في ملك الواهب وأما جعل الخيار في البيع إلى الابد فلا يستلزم التناقض لمقتضى العقد كما هو واضح فانه أي مناقضة لبيع متاع أو دار بشرط أن يكون للبايع أو للمشترى خيار مدة العمر فيكون نظير العقد الجائز نعم لو كان هنا دليل تعبدي يدل على أن الشروط لابد وأن لا يكون مخالفة لمقتضى العقد لاخذنا باطلاقه وبالنسبة إلى الدلالة المطابقية والالتزامية. والحاصل قد علم أن المنشأ في موارد جعل الخيار بالشرط ملكية محدودة فادلة اللزوم من الاول قاصرة عن الشمول لذلك فضلا عن أن يلزم من جعل الخيار مخالفة الكتاب أو السنة. ومع الاغماض عن ذلك فنقول: ان الظاهر من السنة الدالة على لزوم العقد هو الحصة الخاصة من العقد الذى لم يجعل فيه الخيار وأما ما جعل فيه الخيار فلا يكون مشمولا لها. وتوضيح ذلك أن الادلة الدالة على ثبوت خيار المجلس وان دلت على لزوم البيع بمجرد الافتراق وكونه واجبا على وجه الاطلاق ولكن لابد من تقييدها بما ذكرناه من أنه ورد في بعضها أن اللزوم و الوجوب انما هو بعد الرضا بالعقد كقوله (ع) فلا خيار لهما بعد الرضا وقد ذكر أن المراد من هذه العبارة الشريفة أنه لا خيار مجلس لهما بعد ما أقدما على المعاملة ورضيا بها وعليه فهى صريحة في عدم شمول السنة

[ 209 ]

لعقد جعل فيه الخيار فان المتبايعين لم يقدما ولم يرضيا على المعاملة الا على النحو الذى انشأها ومن الواضح أنهما أنشأ ذلك بحيث يكون لهما أو لاحدهما حق الفسخ بعد شهر مثلا أو إلى شهر من زمان العقد فلا يشمله قوله (ع) فإذا افترقا وجب البيع بعد الرضا إذ لم يحصل الرضا بدون الشرط المعلوم. ثم انه قد عرفت أنه لا شبهة في جواز اشتراط الشرط في العقد من دون أن يلزم فيه محذور أصلا وقد عرفت أنه يجوز أن يشترط فيه الخيار مدة معينة بل ما دام العمر وقد عرفت مناقشة شيخنا الاستاذ في ذلك وعرفت الجواب عنه. وهل يجوز اشتراط الخيار في مدة مجهولة في الظاهر ومعينة في الواقع (كأن يجعل البايع المشترى لنفسه الخيار إلى قدوم الحاج أو نزول المطر ونحوهما) أو لا يجوز والظاهر هو الجواز لعموم الادلة المتقدمة الدالة على أن المؤمنين عند شروطهم. والذى يمكن أن يكون مانعا عن ذلك أحد الامور الثلثة الاول ما أرسله العلامة من أنه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر فان هذا الشرط غررى فيكون منهيا عنه ويكون المشروط به أيضا منهيا عنه. وفيه مضافا إلى عدم ثبوته إذ الثابت المنقول هو نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر أنه لا دلالة فيها على فساد المعاملة المشروط بهذا الشرط الفاسد الا بناء على سرايته إلى المشروط وهو فاسد وسيأتى الكلام منه. الثاني: أن هذا الشرط أي شرط الخيار في مدة مجهولة مخالف للسنة فيكون فاسدا وذلك فانه ورد النهى عن بيع الغرر

[ 210 ]

في الشريعة المقدسة فاشتراط الشرط الغررى مخالف له فيكون فاسدا وهذا هو الذى ذكره المصنف وذكر أنه أكل من القفاء فان له أن يستدل من الاول بفساد هذا الشرط بدليل النهى عن البيع الغررى. وكيف كان هذا الوجه أيضا لا يتم فانه ان كان المراد من الشرط المخالف للكتاب هو نفس الالتزام بحيث يكون نفس الالتزام بما يكون مخالفا للكتاب والسنة أيضا مخالفا لهما فيرد عليه أنه مبنيى على سراية فساد الشرط الفاسد إلى المشروط وبعبارة أخرى فالصغرى مسلم و لكن الاشكال في الكبرى من أن الشرط الفاسد يوجب بطلان العقد أم لا. وان كان المراد به نفس الملتزم به ليكون هو بنفسه مخالفا للكتاب والسنة فلا شبهة أن الملتزم به ليس مخالفا للكتاب والسنة فان جعل الخيار ليس فيه مخالفة لهما والا لكان كل خيار في كل عقد مخالفا للكتاب والسنة وعلى الجملة فان كان المراد من الشرط نفس الملتزم به فليس فيه مخالفة للكتاب والسنة وان كان المراد به نفس الالتزام وهو وان كان مخالفا للكتاب والسنة لكونه حراما على الفرض ولكن لا يرى كونه موجبا لبطلان العقد لانه متوقف على كون الشرط الفاسد موجبا لبطلان العقد ام لا. الثالث: النبوى المعروف من أنه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر بدعوى أن اشتراط الخيار في البيع مدة مجهولة غررى فيسرى إلى البيع فيكون البيع أيضا غرريا. وعلى هذا فلا يتوقف الاستدلال على جعل الشرط مخالفا للكتاب والسنة يحتاج إلى ارجاع الشرط إلى نفس الملتزم به ولا إلى النهى عن مطلق الغرر لنحتاج إلى البحث عن ثبوته وعدمه.

[ 211 ]

ولكن يرد عليه أنه ان كان المراد من الغرر هو الجهالة فلا جهالة في المبيع وان كان الشرط مجهولا فانه أي جهالة في المبيع المعلوم من جميع الجهات الذى وقع عليه البيع إذ لا تسرى الجهالة من ناحية الشرط إلى المبيع أصلا. وبعبارة أخرى بناء على تمامية ما دل على النهى عن الغرر من حيث السند وكون الغرر بمعنى الجهالة فما يكون موجبا للبطلان هو جهالة ما يرجع إلى الثمن والمثمن لا جهات الخارجية ومن الواضح أن العوضين هنا معلوم فلا تسرى الجهالة اليهما من ناحية الشرط المجهول كما هو واضح على أن الرواية ضعيفة السند والغرر ليس بمعنى الجهالة. وان كان المراد من الغرر هو الخطر كما هو الظاهر على ما قربناه سابقا فلا خطر هنا أيضا فان الخطر انما يكون فيما لم يعلم أن ما بذله البايع أو المشترى أي مقدار وقع في مقابله من المال بحيث تكون المالية التى تحصله في مقابل ما يعطيه مجهولة فان هذا خطر. وأما إذا كان ما يساوى ماله معلوما فان فسخ يملك ما بذله نفسه والا يملك ما بيده الذى أخذه من طرفه فاى خطر في ذلك ولو لم يعلم أن العقد يفسخ أولا وأنه في أي وقت يفسخ فان هذا لا يضر بمالية المبيع أو الثمن فلا يجعلهما خطرية والا فهذا يجرى في جميع موارد الخيارات إذ لا يعلم أن ذى الخيار يفسخ أولا فهذا بنفسه لا يوجب الغرر. نعم فالمالية في الثمن أو المثمن تكون خطرية باعتبار ترق القيمة السوقية أو تنزلها إلى زمان الخيار والفسخ إذ لا يعلم أنه متى يجئى

[ 212 ]

الحاج أو ينزل المطر حتى يثبت الخيار لذى الخيار فيمكن أن تكون قيمة المبيع نازلة بحيث لا يسوى شيئا فيكون البيع حينئذ خطريا من ناحية هذا الشرط على أن دليل نفى الغرر ضعيف وغير منجبر بشئ وقد عرفته في البحث عن القدرة على التسليم ولكن هذا يجرى في جميع موارد الخيارات فلا يختص بالمقام فانه يمكن أن يطرأ هذه الحالة للمبيع في بقية الخيارات أيضا ففيما ليس فيه خطر لا وجه لفساد الشرط وفيما فيه خطر فهو مشترك بين المقام وبين بقية موارد الخيارات. هذا كله إذا كانت المدة مجهولة في الظاهر ومعلومة في الواقع كأن قال بعتك هذا الشئ على أن يكون لى الخيار مدة خاصة ولم يبين المدة أو قال لى الخيار وأطلق فهذا باطل ثبوتا أيضا لاستحالة امضاء امر المجهول الا أن يقال أنه يحمل على ثلثة أيام. كما افتى به جمع من الاكابر وذكر الشيخ الطوسى أن عليه أخبار الفرقة وقد عامل بعضهم معاملة الرواية ولكن الظاهر أنه لا يكون دليلا في المقام إذ لم نجد رواية تدل على هذا الرأى ولم ينقله احد حتى الشيخ في كتابيه فلو كان هنا خبر يدل على ذلك لنقله هو أو غيره والظاهر أنه استنبط ذلك من الروايات وذكر أن عليه أخبار الفرقة وقد ذكر نظير ذلك في قصر الصلوة عند الخروج إلى الصيد ووجدنا الموارد التى استنبط ذلك منها وعليه فان كان هنا اجماع أو تسالم على حمل مثل هذا الشرط على ثلثة أيام نأخذ به والا فيحكم بالبطلان كما هو الظاهر. (في مبدء خيار الشرط) قوله مبدء هذا الخيار من حين العقد أقول ان كان وقت خيار

[ 213 ]

الشرط معلوما بالنص كأن يجعل لنفسه الخيار في اليوم الفلاني فهو و الا بأن اطلق وقال بعتك على أن يكون لى الخيار إلى خمسة أيام فان ظاهر الاطلاق هو كون الخيار من حين العقد والا كان الاطلاق لغوا ولو جعل لاحدهما الخيار في اليوم المعين فالاطلاق يقتضى أن يكون مبدء الخيار من اول ذلك اليوم وقال المصنف انه لو شرط خيار الغد كان مبدئه من طلوع الفجر ولكنه مبنى على أن يكون أول النهار من طلوع الفجر ولكنه فاسد بل النهار المقابل لليل أوله من طلوع الشمس وآخره غروبها وبعبارة أخرى قد ذكرنا في مباحث الصلوة أن قوس النهار من طلوع الشمس فما دام أنها تحت الارض لا يتحقق النهار و مقابل ذلك الليل. وقد ذهب الشيخ والحلى إلى أن مبدئه من حين التفرق ووجهه الشيخ فيما سبق بأنه لا معنى لتعدد السبب لخيار واحد وقد تقدم جوابه بانه لا مانع من استناد الخيار الواحد إلى أسباب عديده ويترتب عليه الثمر فيما إذا سقط واحد فانه يفسخ بالآخر وقد تقدم ايضا النقض بأنه قد يجتمع خيارات عديدة في محل واحد وكيف كان فلا محذور فيه على أنه يرد عليه بأن لازم كلامه هذا أن يكون خيار الشرط بعد خيار الحيوان أيضا. ثم ان المصنف قد ادعى التبادر هنا أن المتعاقدين انما يجعلان الخيار في زمان ليس لهما الخيار والا لم يجعلاه لنفسهما وقد أشار إلى ذلك في السرائر. وفيه أولا أن التبادر في نفسه ممنوع وثانيا ما ذكر المصنف انه لو تم هذا لاقتضى كونه في الحيوان من حين انقضاء الثلثة ولم يلتزموا

[ 214 ]

بذلك على أنه انما يتم مع العلم بثبوت خيار المجلس ومع الجهل به لا يقصد من يجعله لنفسه الخيار الا الجعل من حين العقد لعدم التفاته بخيار المجلس بل هذا هو الاغلب إذ لا يلتفت نوع الناس بخيار المجلس ثم أورد المصنف على دعوى أنه بعد انقضاء المجلس الحكم على المتعاقدين بخلاف قصدهما وأورد عليه شيخنا الاستاذ بأن تبعية العقود للقصود ووجوب عدم تخلفها عنها انما هو لو قصد عنوانا خاصا وترتب عليه عنوان آخر مضاد له كما إذا قصد المتابيعين البيع وترتب عليه الهبة أو الاجارة أو قصد المتعة وترتب عليه الدوام بناء على كونهما حقيقتين وأما بيع ما يملك وما لا يملك فحيث ان القصد فيه في الحقيقة ينحل إلى قصدين فهو ليس من تخلف القصد عن العقد وفى المقام وان قصدا كون مبدء الخيار من حين العقد الا أنهما قصدا من حينه إلى سنة مثلا فلو حكم الشارع بأنهما ماداما في المجلس ليس لهما خيار الشرط فهو ليس من تخلف العقد عن القصد. أقول: ان كان مراد المصنف أنه يلزم التخلف إذا كان قصد المتبايعين ثبوت الخيار لهما من حين العقد إلى خمسة أيام فامضى الشارع بعد التفرق إلى خمسة أيام ومقدار زمان قبل التفرق كخمسة أيام ونصف أو ساعة بحيث يضيف الناقص من الاول إلى الآخر فلا شبهة في كون ذلك من تخلف العقد عن القصد فلا يرد عليه ما أورده شيخنا الاستاذ. وان كان مراده أن المتبايعين قصدا لنفسهما الخيار من حين العقد إلى خسمة أيام ولكن الشارع ضيق دائرة خيارهما ونقص من خمسة أيام بمقدار بقائهما في الملجس فح لا يلزم التخلف فان المورد

[ 215 ]

ح من قبيل بيع ما يملك مع ما لا يملك وامضاء البيع في ما يملك وعدمه فيما لا يملك. وعليه فاشكال شيخنا الاستاذ متين ونظير ذلك كثير في الشريعة كبيع الصرف والسلم فان الشارع امضاهما بعد القبض و كبيع الفضولي ونحو ذلك. ثم انه ذكر المصنف أنه لو جعل مبدء الخيار من حين التفرق بطل لادائه إلى جهالة مدة الخيار وقد تقدم أن شرط إذا كان غرريا يفسد ويستلزم كون البيع فاسدا بناء على كون الشرط الفاسد مفسدا للعقد والا فيكون الفاسد هو الشرط فقط ولا يسرى الغرر إلى المبيع وقد تقدم ولكن يمكن عدم الغرر والجهالة هنا في هذا المثال كما إذا جعلا الخيار من حين التفرق فان الشرط هنا لا يكون مجهولا لان آخره معلوم فهذه المدة مدة الخيار سواء كان بالمجلس أو بغيره فما داما في المجلس فيه وبعده بخيار الشرط غاية الامر سبب الخيار مجهول. (في جعل الخيار للاجنبي) قوله مسألة يصح جعل الخيار لاجنبي أقول يقع الكلام في جهات الاولى هل يشرع الخيار لاجنبي بعنوان أنه وكيل لان جعل الخيار له في قوة جعل الخيار لنفسه ولا شبهة أيضا في احتياجه إلى القبول و كيف كان فهذا خارج عن محل الكلام. وانما الكلام في جعله للاجنبي بغير عنوان الوكالة فقد يقال: بعدم جوازه فان جعل الخيار في العقد انما يشرع في حق من كان طرفا للالتزام ويكون له الخيار في حل التزامه وابقائه على حاله ومن الواضح أن الأجنبي خارج عن ذلك.

[ 216 ]

ويضاف إلى ذلك أنه لا دليل على مشروعية هذه الشرط فيكون مخالفا للمشروع فان الثابت في الشرع صحة الفسخ بالتفاسخ أو بدخول الخيار بالاصل كخياري المجلس والشرط أو بالعارض كخيار الفسخ برد الثمن لنفس المتعاقدين. أقول: لا وجه للتمسك في ذلك بالروايات المستفيضة المتقدمة الدالة على أن المؤمنين عند شروطهم وذلك لما عرفت سابقا أن هذه الروايات ناظرة إلى الحكم التكليفى وأنه لابد وأن يكون المؤمن عند شرطه كقوله (ع) المؤمن عند عهده بل في بعضها وكيف بشرطه فتكون خارجة عن الاحكام الوضعية وعن نفوذ الشرط وضعا على أن هذه الروايات ناظرة إلى الشروط التى سائغة شرعا فيجوز جعلها في العقود في الشريعة المقدسة فلا تكون دالة على تشريع الشروط وجعلها. وبعبارة أخرى أنها مسوقة لتجويز جعل الشروط التى سائغة في الشريعة فلا تكون مشرعة في نفسها وموجبة لجعل شرط لا نعلم مشروعيته قبل ذلك وعدمها ولذا قلنا أن هذه الروايات واردة في مقام جعل الخيار لرجوع الشروط بالاخرة إلى جعل الخيار بالالتزام ومن الواضح أن مشروعية الخيار ثابت في الشريعة المقدسة وأما في غير ذلك فالشروط مخالفة للكتاب والسنة فلا يجب الوفاء بها. والظاهر أنه لا دافع لهذا الاشكال الا ما ذكرناه سابقا من أن المنشأ هو الملكية المحدودة بعدم الفسخ فان التزام المتعاقدين انما هو على هذا النحو الخاص وليس على وجه الاطلاق فانك قد عرفت أن الملكية المنشأ قد يكون مطلقة وقد تكون مقيدة لاستحالة الاهمال في الواقعيات فالملكية المنشأة هنا مقيدة بعدم فسخ الأجنبي فيكون

[ 217 ]

ما هو يكون مشمولا للعقد الملكية المقيدة كما هو وبالجملة فكون الملكية محدودة بجعل الخيار للاجنبي كتحديد الملكية بجعل الخيار لنفسه. فتكون أدلة اللزوم من الاول دالة على لزوم هذه الحصة فقط فيكون غير هذه الحصة خارجة بالتخصص وقلنا أن تمليك المبيع و بيعه بالملكية المحدودة من حيث الكيف لتقيده بعدم الفسخ لا بحسب الزمان متعارف في الخارج فيكون مشمولا لادلة اللزوم فنفس أدلة اللزوم تدل على نفوذ هذا النحو من الشروط فلا تكون هذا الشروط مخالفة للكتاب والسنة. ولا دافع لهذا الاشكال الا هذا والا فلا مقتضى لمشروعية هذا النحو من الشرط. الجهة الثانية في أنه هل يحتاج هذا الشرط إلى القبول بحيث ما لم يقبل الأجنبي هذا الشرط لا يثبت له الخيار وللمتبايعين الشرط كما أن توكيل الغير يحتاج إلى قبول أو لا يشترط فيه ذلك وربما يقال أن مقتضى كون كل شخص مسلطا على نفسه هو أن يكون تملكه شيئا باختياره وسلطنته فان هذا المضمون وان لم يكن واردا في الاخبار و انما الوارد الناس مسلطون على أموالهم ولكن هذا أمر وجدانى بل ثابت بالاولوية فان كون الانسان مسلطا على ماله يقتضى كونه مسلطا على نفسه بالاولوية القطعية - وقد قال موسى (ع) انى لا أملك الا نفسي وأخى وحكاه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وعلى هذا فمقتضى القاعدة عدم ثبوت الخيار للاجنبي الا بقبوله. أقول: لا شبهة في أن تملك أي شئ انما هو بالاسباب الاختيارية التى جعلت في الشريعة المقدسة من الاسباب المملكة غاية الامر ثبت على خلاف هذه القاعدة تملك الورثة أموال المورث

[ 218 ]

بالاسباب القهرية وكذلك في بعض الموارد من غير مسألة الارث كالمصالحات القهرية ونحو ذلك فليس لاحد جبر غيره تملك شئ الا باختياره ولذا افتوا بعدم وجوب قبول البذل في الحج ليكون مستطيعا ويجب عليه الحج. ولكن الظاهر أن الخيار خارج عن حدود الملك وان فسرناه بملك فسخ العقد وتحقيق ذلك أنه قد تقدم في أول البيع في بيان الفرق بين الحق والحكم أن الجواز الثابت في العقود الجائزة أو اللازمة بواسطة جعل الشارع أو جعل المتعاقدين حكم شرعى من ناحية الشارع غاية الامر أن ما ثبت في العقود اللازمة يفترق عما ثبت في العقود الجائزة بوجهين الاول أن الثابت في العقود اللازمة اما بالجعل أو بواسطة جعل الشارع كخياري المجلس والحيوان يقبل السقوط بالاسقاط بخلاف العقود الجائزة فان الجواز فيها أمر ثابت بجعل الشارع ولا يقبل السقوط حتى باسقاط المتعاقدين ولو قالوا اسقطنا ألف مرة. وقد تقدم في ما سبق في أدلة خيار المجلس والحيوان قوله (ع) فذلك رضا بالبيع فعلم أنه سقط بالاسقاط وبعبارة اخرى أن في ذيل تلك الادلة ما دل على سقوط الخيار بالرضا. الثاني أن الخيار الثابت في العقود اللازمة ينتقل إلى الوارث بموت المورث ونحوه والخيار الثابت في العقود الجائزة بحسب الطبع بحكم الشارع لا يقبل ذلك بوجه ولكن هذان الوجهان يرجعان إلى الفرق من حيث الحكم الشرعي ولا يوجب بينونتهما بحسب الحقيقة و الا فالجواز شئ واحد بحسب الحقيقة ولا ميز بينهما ولا بينونة بينهما

[ 219 ]

بحسب الحقيقة فالنتيجة أن الخيار والجواز في العقود الجائزة والعقود اللازمه شئ واحد وحكم شرعى جعله الشارع للمتعاقدين وكذلك ما جعله المتعاقدان فانه أيضا من قبيل الحكم فقد اعطى الشارع اختيار جعله بيد المتعاقدين وعلى هذا المنهج فباب الخيارات بالكلية أجنبية عن حدود الاملاك المصتلحة وعليه فلا مانع من جعل الخيار للاجنبي من غير أن يكون ثبوته له محتاجا إلى القبول فان هذا حكم شرعى يثبت للاجنبي وكونه من قبيل الحقوق والاملاك الحقيقة سالبة بانتفاء الموضوع كما هو واضح فيكون الالتزام بالعقد مقيدا بعدم فسخ الأجنبي فإذا فسخ بطل العقد والا فيبقى على حاله ولا يكون لقبوله وعدمه أصلا مدخل في ذلك فمعنى جعل الخيار له هو كون العقد مقيدا بعدم فسخه ما هو واضح. غايته بجعل المتعاقدين ومن هنا يظهر أنه لا يسقط باسقاط الأجنبي فان الدليل على سقوط الخيار باسقاط ذى الخيار انما هو في المتعاقدين فان الظاهر من أدلة ثبوت أنواع الخيار لهما هو ذلك وأما الأجنبي بعد قيام الدليل على جوازه فلا يكون قابلا للسقوط باسقاطه. فلا يكون ساقطا كما لا يخفى. الجهة الثالثة: أنه هل يجوز للمتعاقدين اسقاط هذه الخيار عن الأجنبي أم لا فقد اختار السيد (ره) في حاشيته الوجه الاول قال (أن شرطه كون الأجنبي ذا خيار فخيار الأجنبي حق للمشروط له فكما يجوز اسقاط خيار نفسه لو جعله لنفسه فكذلك في الأجنبي وليس الشرط حدوث الخيار للاجنبي بل دوامه فيكون كخيار نفسه في جواز اسقاطه ولا يضر سقوط حق الأجنبي أيضا من غير اختياره كما أنه يجوز

[ 220 ]

للاجنبي اسقاطه فيسقط المشروط له ايضا قهرا عليه). أقول أن ثبوت الخيار للاجنبي وان كان حق للمتعاقدين ولكن ذلك في ناحية الحدوث دون البقاء فثبوت الخيار للاجنبي حدوثا انما هو بجعل المتعاقدين وحق لهما في أن يجعلا الخيار في العقد لنفسهما أو لغيرهما وأما من حيث البقاء فلا دليل على قبوله السقوط باسقاط المتعاقدين بل قلنا انه لا يسقط باسقاط نفس الأجنبي ايضا فكون ثبوت الخيار للاجنبي حدوثا حقا للمشروط له لا يلازم كونه بيده أيضا بقاء بل لابد بعد ثبوته للاجنبي ملاحظة ما دل على سقوط الخيار بالاسقاط ومن الواضح أنه ليس لنا ما يدل على سقوطه باسقاط المتعاقدين بل باسقاط نفس الأجنبي فيكون نظير الجواز الثابت في الهبة وغيرها من العقود الجائزة فلا يعقل انفكاكه عن العقد ما دام العقد باقيا ولا شبهة أن سقوط الخيار بالاسقاط يحتاج إلى دليل و قد دل الدليل على سقوطه بالاسقاط في الخيارات المجعولة لنفس المتعاقدين فان في ذيل أدلة خياري المجلس والحيوان ما يدل على سقوطه بالرضا وأما ما جعلاه للاجنبي فلا دليل على سقوطه بالاسقاط. وبعبارة أخرى تارة يشترط المشروط له في العقد أن يخيط المشروط عليه له الثوب ولا شبهة أن مرجع ذلك إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير ان لا يخيط له الثوب وله حينئذ أن يسقط خياره على تقدير تخلف الشرط فان ذلك حق للمشروط له. وأخرى يجعل الخيار للاجنبي فلا شبهة حينئذ أن المشروط له له حق الجعل حدوثا وأما بعده فليس له فسخ ذلك لكونه حقا

[ 221 ]

ثابتا للاجنبي فلا دليل لسقوطه باسقاط غيره. وقد انتهى الكلام إلى جعل الخيار للاجنبي وقد قلنا أن مرجعه إلى تحديد الملكية المنشأة وكون المنشأ من الاول مقيدا فتكون أدلة اللزوم من الاول قاصرة الشمول لما بعد الفسخ فضلا عن أن يكون الشرط مخالفا للكتاب والسنة. وبقى الكلام في الجهتين الاخريتين الاولى في أن خيار الأجنبي هل هو مشروط بملاحظة الغبطة والمصلحة أم لا فنقول قد يكون جعل الخيار للاجنبي مشروطا بمراعات مصلحة من جعل الخيار له وحينئذ فلا شبهة في كون خياره مقيدا بذلك فلا يكون فسخه نافذا بغير ملاحظة المصلحة وقد يجعل له الخيار على وجه الاطلاق سواء كان في الفسخ مصلحة أم لا وحينئذ فيكون له الخيار على وجه الاطلاق هذا لا شبهة فيه مع التصريح بذلك في مقام الاثبات وأما لو جعل الخيار للاجنبي مع عدم التصريح بكونه ذى خيار على وجه الاطلاق بل أطلق فهل يثبت له الخيار أيضا على وجه الاطلاق أم ينصرف إلى صورة كون الفسخ مصلحة للمشروط له. أقول ان كان جعل الخيار للاجنبي من كلا المتبايعين فلا وجه لملاحظة المصلحة لهما ح فان الغالب أن البيع يكون مصلحة لاحدهما وغير مصلحة للآخر فان الغالب أما أن يكون فيه ربح المشترى أو ربح البايع وقلما يتفق أن يكون البيع مصلحة للبايع والمشترى معا وعليه فلا وجه لملاحظة المصلحة فهما ولو كان جعل الخيار للاجنبي عن احدهما فقط دون الآخر ومع ذلك اطلق في جعله فهل ينصرف ح إلى صورة وجود المصلحة في الفسخ أم لا فنقول أن ثبوت الخيار للاجنبي

[ 222 ]

على وجه الاطلاق وان كان ممكنا ثبوتا ولكنه ينصرف إلى صورة كون فسخ الأجنبي مصلحة للمشروط له فان الظاهر أن جعل الخيار له ليس على وجه يكون في نفس الجعل غرض بل هو من جهة أن المشروط له ليس له بصيرة على حال البيع وانه جاهل بخصوصيات البيع والمبيع وأن هذه المعاملة مصلحة له أم لا لكونه غريبا مثلا فجعل الخيار له من جهة أن يلاحظ مصلحة هذا الشخص والا فيكون نقضا للغرض كما لا يخفى. وعليه فدعوى الانصراف إلى صورة وجود المصلحة ليست بدعوى جزافية الا أن يصرح على كون الخيار للاجنبي على وجه الاطلاق. الجهة الثانية: أنه لو جعل الخيار لشخصين أو لنفسه مع الأجنبي أو لعدة أشخاص فهل يكون الخيار لكل منهما أو على المجموع أو غير ذلك وقد عرفت في خيار المجلس نظير ذلك فنقول اجمالا أن الخيار تارة يكون ثابتا للطبيعة على نحو الكلى الطبيعي بحيث كل من سبق إلى اعمال الخيار من الفسخ أو الامضاء يتحقق الطبيعي في ضمنه فلا يبقى خيار لفرد آخر من هذه الطبيعة أصلا وهذا لا شبهة فيه وقد يكون ثابتا لكل فرد فرد بعنوان الفردية لا بما أنهم من مصاديق الطبيعة وعلى هذا فيكون كل واحد منهم ذى خيار وعليه فان سبق أحدهما إلى الفسخ فلا يبقى موضوع لخيار الثاني فانه يوجب انهدام العقد وانحلاله من أصله فلا يبقى شئ حتى يكون الثاني يعمل خياره. وان كان أمضى العقد فيكون العقد مضى من قبله فقط فلا يكون ذلك امضاء من قبل الآخرين وقد عرفت النكتة بين الفسخ والامضاء في خيار المجلس وقلنا أن الفسخ هو انحلال العقد فلا يعقل الا من الطرفين

[ 223 ]

وهذا بخلاف الامضاء فان الامضاء من أحد الطرفين لا يستلزم الامضاء من الطرف الآخر. وقد يكون الخيار ثابتا للمجموع من حيث المجموع فقد قربنا في خيار الورثة وعليه فامضاء كل من الطرفين أو فسخه لا يؤثر الا من قبله فقط فيكون خيار الاخرين باقيا على حاله فلهم الفسخ أو الامضاء فان اتفق جميع هؤلاء على الفسخ انفسخ العقد والا يبقى العقد على حاله وكيف كان فالخيار تابع لجعل الجاعل كما هو واضح. قوله مسألة يجوز لهما اشتراط الاستيمار بان يستأمر المشروط عليه الأجنبي في امر العقد أقول حيث كان الكلام في جعل الخيار للاجنبي فلمناسبة ذلك ذكر مسألة الاستيمار في أمر العقد وان لم يكن من جعل الخيار في شئ. فنقول انه يمكن تصوير ذلك بوجوه ولكن المناسب للمقام اعني مسألة جعل الخيار للاجنبي. وجهان الذان ذكرهما السيد (ره). الاول أن يكون مرجع ذلك إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير أمر الأجنبي بالفسخ والا فلا وعليه فهل يجوز له أن يفسخ قبل الامر والاستيمار أم لا الظاهر بل المقطوع به هو العدم لانه انما جعل لنفسه الخيار على تقدير خاص فليس له أن يفسخ بغير هذا التقدير إذ لا خيار له بدونه وأما لو أمر الأجنبي الذى جعل لنفسه الاستيمار منه قبل الاستيمار فهل يجوز له الفسخ بذلك أم لا والظاهر هو جواز الفسخ بهذا الامر وذلك لان الاستيمار ليس له موضوعية في ثبوت الخيار للمشروط له وانما هو طريق إلى تحصيل الامر من الغير فانه لا داعى لهذا الغير أن يأمر بالفسخ أو الامضاء بدون

[ 224 ]

الاستيمار ولذا يستأمر منه والا فالغرض هو تحصيل الامر فقط وعليه فيجوز الفسخ ان أمر به الأجنبي بدون الاستيمار فانه يثبت له الخيار بذلك الامر. ثم انه إذا استأمر من الشخص المعلوم فلم يأمر بالفسخ بل بارك له في معاملته فليس للمستأمر حق الفسخ أصلا إذا كان له الخيار على تقدير أمره بالفسخ وان أمر بالفسخ فيجوز له ان يفسخ ويجوز له أن لا يفسخ لان الحق له نعم لو كان عند أمره بالفسخ حق للطرف الاخر أيضا بأن كان الطرف اشترط عليه أن يفسخ بأمر المستأمر بالفسخ وجب عليه الفسخ كما لا يخفى. وأما وجوب الفسخ فلا يثبت له حكم تكليفي وجوبي لما عرفت أن الخيار حق لذى الخيار فيثبت به له حق في الفسخ العقد أو امضائه وأما الحكم التكليفى فلا يثبت هنا بوجه. ثم انه بناء على ما تقدم من ذهاب المشهور إلى بطلان الشرط بكونه مجهولا كجعل الخيار لاحدهما على تقدير نزول المطر أو قدوم المسافر فلا شبهة في بطلان البيع لمجهولية الخيار الناشئ من جعل الاستيمار من شخص لنفسه بناء على هذا الوجه الذى هو الظاهر و المناسب لمسألة جعل الخيار للاجنبي فان الشرط ح يكون مجهولا إذ لا فرق بين هذا وبين جعل الخيار على تقدير قدوم الحاج ومن الواضح أن جعل الخيار على تقدير أمر الفلان بالفسخ إذا استأمره أمر مجهول فلا مناص لهم من القول بالبطلان لجهالة المعاملة على مذاق المشهور وأما بناء على ما ذكرناه من عدم كون البيع غرريا بذلك مع كون ما يأخذ كل منهما أو يراجعه من الآخر بعد الفسخ معلوما أعنى العوضين. وقد

[ 225 ]

عرفت ذلك وهذا هو الوجه الاول وهذا هو المرتكز في الاذهان و ينصرف إليه الاطلاق. الوجه الثاني: أن يشترط أحد الطرفين على الآخر عدم الفسخ ما لم يأمر الأجنبي بذلك بحيث يكون في ذلك حق لكليهما معا بخلاف السابق فانه كان الشرط لاحدهما فقط وهذا الوجه لا محصل له اصلا فانه ان كان المراد به اشتراط عدم الفسخ ما لم يأمر به المستأمر بالفتح فلو فسخ قبل الامر ينفسخ العقد ولكن يثبت للطرف الآخر خيار تخلف الشرط كما هو الظاهر من الاشتراط وح فلا يبقى مجال لثبوت الخيار للطرف الآخر مع التخلف إذ لا يبقى موضوع للخيار أصلا بعد انهدام العقد وتوضيح ذلك أنه على المختار من رجوع الشرط إلى جعل الخيار على تقدير التخلف فلا يبقى موضوع لذلك فانه يكون فسخه مؤثرا في العقد فلا يبقى هنا عقد حتى يفسخ الطرف الآخر بخيار تخلف الشرط من جهة عدم وفاء الطرف الآخر بالشرط أعنى به عدم الفسخ قبل الامر وبالجملة فاشتراط عدم الفسخ ح لا أثر له أصلا. وعلى مسلك المشهور من كون الاشتراط موجبا لمجرد اثبات حكم تكليفي أعنى وجوب الوفاء بالشرط فلو خالف من له خيار الفسخ بالامر بعد الاستيمار ففسخ قبل الامر قد فعل فعلا محرما وأما عدم نفوذ فسخه فلا مانع منه فان ثبوت الحكم التكليفى لا يمنع عن تأثير الحكم الوضعي فيمكن أن يكون الفسخ حراما ومع ذلك يكون نافذا وأما على مسلك شيخنا الاستاذ من كون الشرط موجبا لعجز المكلف تكليفا عجزا شرعيا لكون المنع الشرعي كالمنع العقلي فلا يكون الفسخ مؤثرا و لكن قد عرفت عدم تماميته ويأتى الترض بذلك في باب الشروط انشاء الله.

[ 226 ]

وان كان المراد من اشتراط عدم الفعل اعني عدم الفسخ ان لا يكون له حق الفسخ قبل الامر فيكون ذلك عين الوجه الاول فلا يكون وجها آخر غيره فيكون معنا جعل الخيار على تقدير امر الأجنبي به. الثالث أن يكون المراد من الاستيمار اشتراط أحدهما الفسخ بعد أمر المستأمر بالفتح بذلك بحيث يشترط الفعل الوجودى دون العدمي وهذا صحيح غير الوجه الاول ولكنه خلاف المرتكز وخلاف الانصراف وعليه فإذا أمر المستأمر بالفتح ففسخ المستأمر بالكسر فبها و الا فيثبت للطرف الآخر خيار تخلف الشرط فيفسخ هو بنفسه كما هو واضح. قوله مسألة من افراد خيار الشرط ما يضاف البيع إليه ويقال له بيع الخيار وهو جايز عندنا أقول قد عرفت. أصل خيار الشرط ووجه ثبوته للمشروط له ويقع الكلام في بعض أقسام الخيار ومن أفراده ما هو المعروف الذى سيمى ببيع الخيار في العرف أي بيع فيه الخيار و معناه أن يبيع متاعا على أن يكون له الخيار بعد رد الثمن وقد تعارف ذلك في الخارج لعلاقة الناس بأموالهم واحتياجهم إلى البيع ويريد أن يجمع بين الحقين وهذا لا خلاف في جوازه بين الاصحاب ولكن العامة بنوا على خلافه وجرى عليه القانون الحكومي في الخارج ولذا لا يمضون مثل هذه المعاملة بل بنوا على معاملة الرهون. وكيف كان فلا شبهة في مشروعية هذه المعاملة ويكفى في مشروعيته مضافا إلى التسالم بنى الفقهاء الادلة المستفيضة المتقدمة الدالة على أن المؤمنين عند شروطهم وأن القاعدة تقتضي صحة ذلك لكون انشائهم على هذا النحو الخاص ويدل على صحة ذلك مضافا

[ 227 ]

إلى ما ذكر من الروايات الكثيرة بين صحيحة وموثقة وغيرهما فانه صريحة في صحة هذا النحو من البيع وانما الكلام في تصوير ذلك فقد ذكر المصنف هنا وجوها خمسة. الاول أن يكون الخيار معلقا برد الثمن بحيث متى رد الثمن ان يكون له الخيار في رد المبيع. الثاني: أن يكون الثمن قيدا للفسخ بأن يشترط على الطرف أن يكون الرد قيدا للفسخ بمعنى أن له الخيار في كل جزء في المدة من زمان العقد إلى زمان رد الثمن ولكن ليس له أن يفسخ الا بعد رد والظاهر أن هذا الوجه ليس وجها آخر في مقابل الوجه الاول فانه إذا كان الفسخ مقيدا برد الثمن فمعناه أنه لا يقدر على الفسخ قبل رد الثمن ومعنى عدم قدرته على الفسخ قبله أنه لاخيار له قبل رد الثمن فيكون الفرق بين الوجهين بحسب الصورة فقط والا ففى الثاني أيضا نفس الخيار مقيد برد الثمن وقبله لا خيار له أصلا. الوجه الثالث: أن يكون رد الثمن فسخا فعليا بأن يراد منه تمليك الثمن ليتملك منه المبيع. أقول الظاهر أن هذا الوجه أيضا عند التحقيق ليس وجها آخر في مقابل الوجه الاول فان معنى كون رد الثمن فسخا فعليا أنه لا خيار له قبل رد الثمن غاية الامر أن فسخه مقيد بكونه برد الثمن وعدم تحققه بالقول فتكون دائرة الفسخ مضيقة وهذا لا يوجب جعله قسما آخر في مقابل الاول والا فيمكن أن يكون هنا تقسيمات كثيرة باعتبار القيام والقعود ولبس البياض ولبس السواد و غير ذلك من الاعتبارات ولا شبهة أن المراد بكون رد الثمن فسخا ليس

[ 228 ]

رده على وجه الاطلاق ولو كان الرد بعنوان الوديعة أو العارية أو غير ذلك من العناوين بل بعنوان أن يكون فسخا ويتحقق به الفسخ واذن فيكون معناه أن له الخيار بعد رد الثمن بشرط أن يكون الفسخ برد الثمن دون غيره وليس هذا الا كون أصل ثبوت الخيار مقيدا بقيد خاص. الرابع أن يؤخذ رد الثمن قيدا لا نفساخ العقد. والظاهر أن هذا أيضا ليس في مقابل الوجه الاول وجها آخر في المقام وذلك لان مرجع هذا إلى ان العقد ينفسخ بحصول سبب الفسخ وايجاد ما يتحقق به الفسخ وهو عين الوجه الاول فانه عليه ايضا ينفسخ العقد بايجاد ما يتحقق به الفسخ من الفسخ القولى أو الفعلى كما هو واضح. الخامس: أن يكون رد الثمن شرطا لوجوب الاقاله على المشترى بأن يلتزم المشترى على نفسه أن يقبله إذا جاء الثمن واستقالة وهذا الوجه مغائر للوجه الاول فان المشترى يشترط على البايع أن يقبله إذا جاء بالثمن فليس هذا اشتراط خيار على تقدير بل معناه أنه يشترط الاقالة وح فإذ جاء بالثمن فاستقاله البايع فأقاله فبها والا كان للمشترى خيار تخلف الشرط كما هو واضح فيفسخ هو بنفسه. وعلى الجملة فمرجع الوجوه الخسمة إلى الوجه الاول الا هذا الوجه الاخير. قوله (ره) الامر الثاني الثمن المشروط رده أقول قد عرفت أنه لا شبهة في جواز جعل الخيار برد الثمن ثم ان الثمن الذى كان الخيار مشروطا برده قد يكون كليا في ذمة البايع قبل البيع وقد يكون عند المشترى أما الاول فكما إذا كان البيع مقروضا لزيد عشرة دنانير فباع

[ 229 ]

منه كتابا بعشرة أيضا فانه لا شبهة ح في سقوطه عن البايع فلا يعقل هنا اشتراط الخيار برد الثمن وهذا خارج عما نحن فيه نعم لو تفاسخا ورد المشترى المبيع إلى البايع يكون ذمة البايع أيضا مشغولة بما كان مشغولة به أولا كما هو واضح. وأما إذا كان الثمن عند المشترى كليا أو شخصيا أو في ذمة شخص آخر على نحو الكلى في الذمة أو في المعين فنقول ح أن الكلام تارة يقع قبل القبض وأخرى بعده أما إذا كان قبل القبض فقد يكون كليا وقد يكون شخصيا أما الاول فالظاهر ثبوت الخيار للبايع فانه و ان كان الخيار مشروطا برد الثمن إلى المشترى وكان المتفاهم العرفي من الرد كونه بعد القبض فان معنى الرد هو رد المأخوذ ولكن الرد بنفسه ليس له موضوعية بل الغرض وصول الثمن إلى المشترى وكونه عنده ومن الواضح أن هذا النتيجة حاصلة قبل القبض والاقباض فما لم يقبض المشترى الثمن من البايع فله الخيار إلى الوقت الذى جعل فيه الخيار مشروطا برد الثمن ولا شبهة أن هذا مما عليه الارتكاز العرفي وهل له الخيار بعد انقضاء المدة وقبل الاقباض بأن اشتراط البايع على المشترى ثبوت الخيار له إذا رد الثمن إلى ثلثة اشهر وتم ثلثة أشهر فلم يقبض المشترى الثمن حتى انقضت المدة فقد احتمل المصنف هنا وجهان الاول لزوم البيع لانقضاء المدة التى اشترط فيها الخيار برد الثمن. والثانى عدم اللزوم بناء على أن اشتراط الرد بمنزلة اشتراط القبض قبله فان الرد بدون القبض لا معنى له فحيث لم يحصل الشرط فلم يكن البيع لازما بل يكون متزلزلا كما هو واضح.

[ 230 ]

وفيه أن الرد بحسب المتعارف والمتفاهم وان كان منوطا بالقبض ولكن ارتفاع الخيار المشروط بالرد ليس متوقفا على تحقق القبض فليس له موضوعية فما لم يخرج أمد الزمان الذى فيه الخيار مشروطا بالرد الثمن فللمشروط له الخيار قبل القبض وبعد انقضاء المدة يتم أمد زمان الخيار المجعول لعدم الاشتراط وراء هذا الزمان فليس هنا شرط آخر أيضا يدور مداره الخيار ولا يفرق في ذلك حصول القبض وعدمه نعم قبل انتهاء زمان الخيار فعدم القبض يفيد فائدة الرد كما عرفت و الحاصل أن رد الثمن وان كان موجبا لثبوت الخيار وأن عدم القبض يفيد فائدته ولكن في زمان خاص والمفروض أنه تم هذا الزمان كما لا يخفى فافهم. نعم يثبت للبايع الخيار لكن لا بهذا الشرط بل لتخلف الشرط الضمنى حيث أن من المرتكزات الضرورية أن كل من يعامل فيششترط في ضمن العقد وصول بدل ماله إليه في أي وقت يطالبه الا مع اشتراط التأخر فإذا تخلف الشرط وتأخر الثمن ثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط الضمنى. وأما إذا كان الثمن شخصيا. فتارة يشترط البايع على المشترى ثبوت الخيار برد عين الثمن. وأخرى برد بدله مع التلف والا فيرد عينه. وثالثة يشترط لنفسه ثبوت الخيار برد بدل الثمن سواء كانت عين الثمن موجودة أو تالفة. ورابعا يشترط لنفسه الخيار بشرط رد الثمن ويطلق ولم يصرح برد بدله وعدمه أما الاول فلا شبهة في ثبوت الخيار له برد نفس الثمن

[ 231 ]

ومع التلف يسقط الشرط ويكون البيع لازما لاستحالة رد عين الثمن بعد التلف وأما الثاني فهو واضح أيضا فان ثبوت الخيار تابع للشرط فإذا سقط الشرط ثبت الخيار برد عينه مع البقاء ورد بدله مع التلف ثبت له الخيار بحسب هذا الاشتراط إذا كان الرد في زمن الشرط. وأما الثالث فهو اشتراط الخيار برد مثل الثمن ولو مع بقاء العين فقد أشكل المصنف في ذلك فان قانون الفسخ يقتضى رجوع كل من العوض والمعوض إلى صاحبه فرد بدله مخالف لذلك. أقول تارة يشترط البايع على المشترى ثبوت الخيار لنفسه برد مثل الثمن لا من جهة أن يكون الثمن باقيا في ملك البايع ويعطى بدله للمشترى بل غرضه أن يكون بدل الثمن نظير الوثيقة عند المشترى ليطئمن من رد أصل الثمن ويرد بدله إلى نفس البايع وهذا لا شبهة فيه بوجه فلا يكون البدل ملكا للبايع الا إذا حصلت مراضات جديدة و مبادلة جديدة. وان كان غرضه كون المثل عوضا عن الثمن فح يرد عليه ما ذكره المصنف من أن قانون الفسخ يقتضى رجوع كل من العوضين إلى صاحبه ولكن الظاهر أنه لا مانع من ذلك فان معنى ثبوت الخيار برد مثل الثمن ليس هو ما ذكره المصنف ليرد عليه الاشكال المذكور بل معناه أن البايع عند اشتراط هذا الشرط يفعل امرين أحدهما أنه يجعل لنفسه الخيار بحيث يقدر على الفسخ والثانى يشترط على المشترى المبادلة بين الثمن وبدله على تقدير الفسخ ولو كان الشرط الثاني بحسب الارتكاز وعليه فإذا فسخ المعاملة برد بدل العين يفعل أمرين أحدهما فسخ المعاملة والثانى تبديل بدل الثمن

[ 232 ]

بأصله بمراضات جديدة ولا شبهة في صحة مبادلة مال بمال وان لم يكن أحدهما ثمنا والآخر مثمنا فان نفس عنوان المبادلة عن تراض من المعاملات المشروعة في الشريعة المقدسة. وبعبارة أخرى أن تبديل الثمن بغيره ولو كان ذلك الغير مثله من جميع الجهات وان كان يحتاج إلى مراضات جديدة ولكن البايع قد اشترط ذلك في ضمن العقد وقد اشترط فسخ المعاملة بالرد واشترط أيضا تبديل بدل الثمن بالمثمن فافهم. وأما إذا كان البايع اشترط ثبوت الخيار له برد الثمن مطلقا فقد استظهر المصنف من ظاهر اللفظ كون الخيار مشروطا برد نفس الثمن دون مثله فان المرتكز من الثمن هو نفسه لا بدله وهذا الذى أفاده وان كان متينا في غير هذا المورد ولكنه لا يمكن المساعدة عليه في خصوص المقام فان من الواضح بحسب مرتكزات العرفية ومتفاهمهم أن من يبيع داره بهذا الشرط معناه أن له احتياج إلى الثمن ليصرفه في محاوجه ولكن حيث كان له رغبة إلى ماله فلا يريد أن يخرج من تحت تصرفه فيبيعه بهذا الشرط ليكون جمعا بين الحقين فإذا لاحظ العرف هذا المعنى يقطع أن اشتراط ثبوت الخيار برد الثمن هو رد بدله مع التلف وان أطلق البايع في مقام الاشتراط وهذا واضح جدا. وبعبارة أخرى قد ذكر المصنف أنه إذ اشترط البايع على المشترى الخيار على تقدير رد الثمن فيحمل على رد الثمن فقط دون بدله فان الظاهر من الثمن بحسب الارتكاز هو ذلك فلا يطلق على بدله فاشتراط رد الثمن يكون منصرفا إلى ما هو الظاهر والغالب

[ 233 ]

أعنى نفس الثمن دون بدله. وذكرنا أن هذا الذى ذكره المصنف انما هو متين في غير هذا المورد فان الظاهر من اطلاق الثمن هو نفسه وأما في المقام فلا لخصوصية تقتضي أن يراد من اشتراط رد الثمن رد الاعم منه ومن بدله وهذه الخصوصية أعنى قيام القرينة الخارجية على ذلك فان كون المشترى في مقام صرف الثمن واحتياجه إلى ذلك مع اشتراط الخيار على تقدير رد الثمن يقتضى ارادة الاعم من رد نفس الثمن ورد بدله وهذه القرينة تقتضي رفع اليد عما ذكره المصنف في خصوص المقام. ولكن لابد من تخصيص ذلك بما إذا كان الثمن الذى احتاج إلى صرفه من النقود أو ما يشبه النقود كالحنطة ونحوها بحيث إذا صرف في المحاوج لا يبقى له موضوع أصلا وأما إذا كان مما لا يكون كذلك بحيث يبقى مع رفع الاحتياج كأن أخذ كتاب الجواهر للمطالعة بعنوان جعله ثمنا لمتاع فاشترط ثبوت الخيار على تقدير رد الثمن فانه لا يمكن رفع اليد عما ذكره المصنف وحمل كلامه على الاعم من رد الثمن ورد بدله. هذا كله إذا كان الثمن شخصيا وأما إذا كان كليا فان كان كليا في ذمة البايع فقد عرفت خروجه عن مورد الكلام فانه بمجرد تحقق البيع يسقط ولا يبقى شئ فلا يعقل رد الثمن حينئذ غاية الامر إذا تفاسخا تكون ذمة البايع أيضا مشغولة بالثمن ثانيا. وان كان كليا في ذمة المشترى أو شخص آخر بحيث يكون ما يعطيه المشترى للبايع مصداقا من ذلك الكلى لا عين الثمن فان المفروض أن الثمن هو الكلى وحينئذ ان اشتراط المشترى أن يكون

[ 234 ]

المردود عند الرد هو نفس ما يعطيه للبايع والا فلا خيار له فهذا لا اشكال فيه فان رد البايع نفس ما اخذه ثبت له الخيار نظير ما تقدم في الثمن الشخصي وان اشتراط البايع ثبوت الخيار له برد الثمن أعم من رد عينه أو بدله وهذا أيضا لا شبهة فيه فيكون الشرط متبعا كما تقدم في الثمن الشخصي وأما إذا اشترط البايع على المشترى ذلك واطلق فهذا هو محل الكلام بين الاعلام فذكر المصنف أن المتبادر بحكم الغلبة في هذا القسم من البيع المشتهر ببيع الخيار وهو رد ما يعم البدل اما مطلقا أو مع فقد العين ويدل عليه صريحا بعض الاخبار المتقدمة الا أن المتيقن منها صورة فقد العين. أقول لا شبهة في انه إذا كان الثمن كليا فلا يكون المدفوع بعينه ثمنا بل مما ينطبق عليه الثمن الكلى وعلى هذا فلو اشترط البايع ثبوت الخيار له مع رد الثمن مطلقا فلا يعقل رد نفس الثمن على كليته لانه غير قابل لذلك مع أنه لم يؤخذ حتى يرد وعليه فيكون مقتضى الاطلاق هو رد ما يكون مصداقا للكلى ومما ينطبق عليه الثمن ومن الواضح أن صدق هذا المعنى بالنسبة إلى المأخوذ والى بدله سيان فان كليهما ليس بثمن حقيقة وان كليهما مما ينطبق عليه الثمن الكلى فدعوى انصرافه إلى المأخوذ وبدله يحتاج إلى عناية زائدة وهى منتفية كما هو واضح الا إذا اشترطا رد خصوص المأخوذ الشخصي وهو خارج عن الفرض. وعليه فالاطلاق هنا متعاكسى مع الاطلاق في صورة كون الثمن شخصيا فان الاطلاق هنا كما عرفت منصرفة إلى رد خصوص نفس الثمن ولكنه في المقام يعم المأخوذ وبدله على حسب القاعدة من غير

[ 235 ]

احتياج إلى دعوى الغلبة أصلا كما كان كذلك في السابق. قوله الامر الثالث قيل ظاهر الاصحاب الخ أقول: قد ذكر أن ظاهر الاصحاب على ما تقدم من أن رد الثمن في هذا البيع عندهم مقدمة لفسخ البايع أنه لا يكفى مجرد الرد في الفسخ وعللوا ذلك ايضا بان الرد من حيث هو لا يدل على الفسخ أصلا وذكر المصنف ان هذا حسن مع عدم الدلاله أما مع فرض الدلاله عرفا بكون رد الثمن تمليكا للمشترى واخذا للمبيع على وجه المعاطات فلا وجه لعدم الكفاية مع تصريحهم بتحقق الفسخ فيما هو أخفى من ذلك دلالة. أقول قد يقال أن الوجه في قولهم هذا هو اشتراط كون الفسخ بلفظ كما اشترطوا ذلك في العقود وايقاعات ومن الواضح أنهم لم يشترطوا في الفسخ ذلك بل اكتفوا بمطلق ما يكفى فيه اظهار الفسخ ولو كان برد الثمن بل بما هو اخفى منه كما ذكره المصنف. وذكر شيخنا الاستاذ أن رد الثمن مقدمة للخيار أو للفسخ أو للاقالة فيجب بعده انشاء الفسخ أو اعمال الخيار أو الاقالة بغير هذا الرد الذى به يتحقق ملك الخيار أو الفسخ أو الاقالة. وفيه أن رد الثمن ان كان بعنوان التمليك أي تمليكه للمشترى ليأخذ المبيع لا تمليكا مجانيا فلا شبهة في تحقق الفسخ بذلك وكونه مبرزا للفسخ فلا يكون الرد مقدة للخيار أو الفسخ بل يكون الفسخ بنفس الرد بل بما هو أخفى منه كما ذكره المصنف وغيره. وان كان بعنوان أن يبقى في ملكه ولكن يكون عند المشترى وديعة أو عارية على نحو الوثيقة العرفية ليطئمن بأنه يرد الثمن بعدما فسخ العقد فلا شبهة حينئذ أن كون ما عند المشترى بدلا عما بذله

[ 236 ]

للبايع يحتاج إلى مراضاة ومعاملة جديده كما عرفت وهو خلاف الظاهر وخلاف المرتكز العرفي وبدون ذلك فلكل منهما مطالبة حقه من الاخر وبعبارة أخرى أن ما رده البايع إلى المشترى اما بعنوان التمليك أو بعنوان العارية يبقى في ملك البايع أو مجهول المالك فلا سبيل إلى غير الشق الاول وقد عرفت أنه عين الفسخ كما هو واضح. قوله الامر الرابع يسقط هذا الخيار باسقاط أقول ذكروا أن من جملة مسقطات هذا الخيار هو الاسقاط ولا شبهة في سقوطه بالاسقاط ولكن مقتضى ما ذكره العلامة في التذكرة من أنه لا يجوز اسقاط خياري الحيوان والشرط بعد العقد بناء على أن مبدء خياري الحيوان والشرط بعد انقضاء المجلس لا بعد العقد فان ذلك اسقاط لما لم يجب فانه عليه لا يجوز اسقاط هذا الخيار أيضا بناء على أنه انما يثبت بعد رد الثمن أو برده كما هو واضح. وقد أجاب عنه المصنف بأنه بناء على عدم جواز اسقاط ما لم يجب بأنه فرق بين المقام وبين ما في التذكرة من أن المشروط له هنا متمكن من الفسخ ولو بايجاد سببه حيث ان له أن يعطى الثمن ويفسخ ولكن الامر ليس كذلك في خياري الحيوان والشرط بناء على كون مبدئهما بعد انقضاء المجلس. ولكن يرد عليه وجهان: الاول: أن الدليل أخص من المدعى فانه قد لا يكون المشروط له متمكنا من الرد فلا يكون ما ذكره المصنف جاريا هنا وثانيا: أن المتمكن من ايجاد الخيار برد ثمنه لا يثبت الحق الفعلى له ليسقطه حتى يخرج عن اسقاط ما لم يجب بل هو باق بعد على تقديريته.

[ 237 ]

والتحقيق أنه لا دليل لفظي على عدم جواز اسقاط ما لم يجب غير أنه ذكره جمع من الفقهاء بل في بعض الموارد لا يساعده العرف أيضا كما إذا اسقط خياره المجلس قبل البيع مثلا. وعليه ففى كل مورد قامت السيرة على عدم الجواز نأخذ به وفى غيره لا بأس من الالتزام بجواز اسقاط ما لم يجب كما هو واضح إذ لا يلزم منه محذور عقلي ولا شرعى أصلا. ثم انه يسقط هذا الخيار بانقضاء المدة مع عدم رد الثمن أو بدله مع الشرط فانه لا شبهة في سقوط هذا الخيار حينئذ لانه بعد خروج المدة لا مورد للخيار بل هو رضا بالبيع كما في خياري المجلس والحيوان ثم انه إذا رد البايع الثمن فتبين بعد انقضاء المدة أن المردود من غير جنس الثمن الذى أخذه فلا شبهة في عدم تأثير الفسخ حينئذ حتى لو كان رد غير الجنس غفلة فان ما رده غير ما اشترط الخيار برده وما اشترط الخيار برده لم يرد إلى المشترى فلا يكون فسخه برد غير الجنس مؤثرا في الفسخ وليس له حق الفسخ بعد ذلك ولو رد عين الثمن أيضا لانقضاء المدة كما هو المفروض. ثم انه إذا ظهر الثمن المردود معيبا فهل يكون الفسخ مؤثرا حينئذ أم لا والظاهر أن تأثير الفسخ حينئذ وعدم تأثيره منبى على ما ذكر في بيع الكلى من انصراف الثمن أو المثمن إلى العوضين الصحيحين أي فيما إذا كان كل من الثمن أو المثمن كليا فانه لو أعطى كل منهما الآخر عينا شخصية معيبة بعنوان الثمن أو المثمن فهل يحسب هذا ثمنا أو مثمنا بحيث ليس للبايع مطالبة ذلك لو رضى به المشترى أو لا يكون ذلك من الثمن أو المثمن في شئ بل لكل منهما مطالبة ماله من

[ 238 ]

الاخر غاية الامر لو رضيا يكون المعيب بدلا عن الثمن أو المثمن فانما هو بمعاملة جديدة. والظاهر أنه لا شبهة في انصراف العوضين في البيع الكلى إلى الصحيح ومع ذلك لو رضى كل منهما بالمعيب يكفى عن العوض الصحيح من غير احتياج إلى المبادلة الجديدة وتوضيح ذلك أنه إذا باع أحد داره بالثمن الكلى فانه يكون ذلك منصرفا بحسب الشرط الضمنى إلى الثمن الصحيح فإذا طبقه المشترى في مقام الاعطاء والاقباض بثمن معيب فللبايع استبداله بثمن آخر صحيح وله اسقاط وصف الصحه أيضا والرضا بالمعيب وليس للبايع مطالبة هذا المعيب بدعوى أنه ليس بثمن كما كان له ذلك إذا ظهر من غير جنسه والوجه فيه ان المعيب حقيقة مصداق لكلى الثمن غاية الامر قد فقد وصفا من الاوصاف المعتبرة فيه. وبعبارة أخرى أن هنا معاملتان احدهما بيع المتاع المعين أو الكلى بثمن كلى وهذا قد تم بالايجاب والقبول ولا شبهة في انصراف الثمن في هذه المعاملة إلى الثمن الصحيح بحسب الشرط الضمنى الارتكازي. ثم ان الثمن بعد ما كان كليا فيحتاج تطبيقه على أي فرد من أفراد ذلك إلى معاملة ومراضات جديدة حيث ان ما انطبق عليه الكلى ليس بثمن واقعا بل الثمن هو الكلى فتطبيقه على أي فرد يحتاج إلى المراضاة فإذا طبقوه بفرد فظهر معيبا فللبايع فقط هنا استبدال لانه انما رضى بتطبيقه على هذا الفرد بشرط كونه صحيحا فإذا تخلف فله هدم هذه المعاملة الثانية ومطالبة الثمن الصحيح وتطبيق الكلى

[ 239 ]

على غيره ثانيا وهكذا وله أيضا اسقاط هذا الشرط والقيد الذى اعتبره في الثمن من الصحة وليس للبايع دعوى مطالبته كما كان له ذلك عند ظهوره بغير جنسه وللمشترى مطالبة ثمنه وكان جعل غير الجنس عوضا عنه محتاجا إلى معاملة جديدة بخلاه إذا ظهر معيبا كما لا يخفى. ولكن هذا الكلام لا يجرى في المقام أعنى ما إذا كان الخيار مشروطا برد الثمن أو الفسخ كان مشروطا برده وان قلنا أن مرجعهما عند التحقيق إلى شئ واحد وان كان الثمن منصرفا إلى الفرد الصحيح وتوضيح ذلك أنه بعد البناء على انصراف الثمن إلى الثمن الكلى لا يجرى هنا ما ذكرناه في البيع الكلى فانك قد عرفت أن الثمن قابل الانطباق على الصحيح والمعيب في بيع الكلى غاية الامر قد اعتبر بحسب الارتكاز والشرط الضمنى في الثمن الكلى قيد وهو وصف الصحة فإذا تخلف فللبايع استبداله والرضا به بأن يرفع اليد عن القيد المعتبر في الثمن. ولكنه لا يجرى في المقام فان هنا قد ترتب شرط الخيار على رد الثمن واشترط البايع على المشترى أنى متى رددت الثمن أو بدله مثلا فلى الخيار أو ينفسخ العقد فإذا انصرف الثمن أو بدله إلى الصحيح فمعناه أنه متى رددت الثمن الصحيح أو بدله الصحيح فلى الخيار فكأنه قد صرح بذلك فانه حينئذ يكون رد غير الصحيح خارجا عن حدود الشرط فكأنه قد رد غير الجنس من الثمن فهل يتوهم أحد أنه مع التصريح برد الثمن الصحيح لو رد الثمن المعيب يفسخ فكك إذا لم يصرح بذلك فينصرف الثمن الكلى إلى الثمن الصحيح كما لا يخفى. وبالجملة أن انصراف الثمن إلى الصحيح وان كان صحيحا في

[ 240 ]

بيع الكلى وفى المقام ولكن المقام من حيث ظهور الثمن المردود إلى المشترى معيبا كظهوره من غير جنسه فيكون باطلا فلا يقاس بالكلى كما عرفت. نعم إذا رضى المشترى بهذا المعيب بمعاملة جديدة عن عوض ثمنه الصحيح ورد المبيع إلى البايع فيكون ذلك اقالة للبيع وفسخا له بغير عنوان رد الثمن وهذا واضح جدا. قوله ويسقط أيضا بالتصرف في الثمن المعين مع اشتراط رد العين أقول المعروف بين الاصحاب سقوط الخيار بالتصرف في الثمن هنا وفى المثمن في خيار الحيوان وفى العوضين في خيار المجلس سواء كان الثمن شخصيا أو كليا ولكن اشترط رد عين هذا المأخوذ وذلك لاطلاق ما دل على أن تصرف ذى الخيار فيما انتقل إليه رضى بالعقد ولا خيار وقد عمل الاصحاب بذلك في غير مورد النص كخياري المجلس والشرط والمحكى عن المحقق الاردبيلى وصاحب الكفاية أي سبزوارى أن الظاهر عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف في الثمن، لان المدار في هذا الخيار عليه لانه شرع لانتفاع البايع بالثمن فلو سقط الخيار سقط الفائدة وللموثق المتقدم المفروض في مورده تصرف البايع في الثمن وبيع الدار لاجل ذلك. وأشكل عليه السيد بحر العلوم صاحب المصابيح بأن ذهاب المشهور إلى مسقطيه التصرف انما هو في التصرفات التى في زمن الخيار دون غيره ومن الواضح أن التصرف قبل الرد ليس تصرفا في زمان الخيار لان الخيار انما هو بعد الرد كما هو واضح فلا تكون التصرفات قبل الرد تصرفا مسقطا وبعبارة اخرى أن صاحب المصابيح تسلم كلام

[ 241 ]

الاردبيلى من حيث النتيجة أعنى عدم سقوط الخيار بالتصرف قبل الرد ولكن الاردبيلى التزم بالعدم تخصيصا والسيد التزم بعدم ثبوته تخصصا. وقد أشكل صاحب الجواهر على السيد بوجوه: الاول: أن لازم كون الخيار بعد الرد يقتضى أن يكون مبدء الخيار مجهوله إذ لا يعلم تحقق الرد في أي زمان. الثاني: أن المتفاهم من العرف كون الخيار من الاول فانهم يفهومون في مثل ذلك ثبوت الخيار من زمان العقد. الثالث: أن الظاهر من تضعيف كثير من الاصحاب قول الشيخ الطوسى بتوقف الملك على انقضاء الخيار بأن الظاهر من بعض الاخبار المتقدمه أن غله المبيع للمشترى كون مجموع المده زمان الخيار. وقد ناقش المصنف في جميع ذلك أما ما ذهب إليه الاردبيلى من عدم كون التصرف قبل الرد مسقطا بأنه لا مخصص لدليل سقوط الخيار بالتصرف المستحب في غير مورد النص عليه باتفاق - الاصحاب. وأما ما ذكره من كون بناء هذا العقد على التصرف فلان الغالب المتعارف هو البيع بالثمن الكلى بحيث يكون ما دفع المشترى إلى البايع مما انطبق عليه الكلى لا ثمنا واقعيا وقامت القرينه الحاليه أيضا أن رد مثل الثمن يكفى في تحقق الشرط أعنى رد الثمن ولذا قوينا حمل الاطلاق في هذه الصورة على ما يعم البدل

[ 242 ]

وعليه فلا يكون التصرف في عين الثمن المدفوع موجبا لسقوط الخيار ودليلا على الرضا بالعقد نعم لو كان الثمن شخصيا أو كان كليا و لكن اشترط المشترى على البايع رد عين المأخوذ لكان لهذا الكلام مجالا واسعا: وكيف كان فلا منافات بين فسخ العقد وصحة هذا التصرف واستمراره وهو مورد الموثق المتقدم أو منصرف اطلاقه أو من جهة تواطى المتعاقدين على ثبوت الخيار مع التصرف أيضا أو للعلم بعدم الالتزام بالعقد بمجرد التصرف لانه ليس مسقطا تعبديا بل لكونه كاشفا عن الرضا بالعقد. وأما ما ذكره صاحب المصابيح من كون التصرفات قبل الرد خارجا عن عنوان التصرف المسقط تخصصا يرد عليه أنه لا شبهة أن الاسقاط القولى قبل الرد مسقط لهذا الخيار وكذلك لا شبهة أن التصرف يسقط الخيار كالقول وعليه فنكشف من ذلك أن الخيار ثابت قبل الرد ولا شبهة أن الظاهر من كون القول مسقطا هو المسقط الفعلى فيكون التصرف مثله. وبالجملة أن الظاهر كون التصرف مسقطا فعليا في كل زمان يكون القول مسقطا بحيث أن القول مسقط فعلى قيل الرد فيكون التصرف أيضا كذلك وان ذكر المصنف أنه يصح اسقاط الخيار الثابت بعد الرد إذا كان ذى الخيار متمكنا من اثباته برد الثمن وعدمه ولكنه خلاف الظاهر فان الظاهر من الاسقاط هو الاسقاط الفعلى. وأما ما ذكره صاحب الجواهر من المناقشة في كون الخيار مجهولا لو كان مبدئه بعد الرد وفيه أنها لا تقدح مع تجديد زمان

[ 243 ]

التسلط على الرد والفسخ بعد انشائه وفرق واضح بين المقام الذى اختياره من حيث الرد وعدمه ليكون له الخيار وبين ما ذكره في التذكره من أنه لا يجوز اشتراط الخيار من حين التفرق إذا جعلنا مبدئه عند الاطلاق من حين العقد ووجه الفرق أن التصرف هناك ليس في اختيار أحدهما فانه إذا اراد التفرق يتبعه الآخر بخلافه في المقام فلا تكون هنا جهاله تضر بالعقد. وقد تقدم منا أنه ليس هنا جهالة أصلا غاية الامر لا يعلم سبب الخيار وقلنا أيضا أن جهالة الشرط لا تضر بالعقد بعد عدم وجود الخطر هنا إذ يرجع مع الفسخ أيضا مال كل من المتعاملين إلى صاحبه. وأما ما ذكره من فهم العرف وحكمهم بكون الخيار من الاول و قبل الرد ففيه أن زمان الخيار اما بجعل الشارع أو بجعل المتعاقدين ففى المقام هو الثاني ومن الواضح أن المتعاقدين شاكان في ثبوته قبل الرد فكيف يفهم العرف من ذلك ثبوته من الاول. وأما ما ذكره بعض الاصحاب في رد الشيخ من بعض أخبار المسألة فلعلهم فهموا من مذهبه توقف الملك على انقضاء زمان الخيار مطلقا حتى المنفصل كما لا يبعد عن اطلاق كلامه واطلاق ما استدل به من الاخبار. وما أفاده المصنف متين جدا ولكن لنا كلام في أصل مسقطية التصرف كما تقدم في خيار المجلس وأى اطلاق دل على ذلك حتى يقول المصنف واطلاقات أدلة مسقطية التصرف يقتضى سقوطه بالتصرف مطلقا غير أن التصرف انما يكون مسقطا إذا كان مصداقا للاسقاط أو

[ 244 ]

موجبا للحدث وقد ثبت في غير هذين الموردين سقوطه بالتقبيل و اللمس بدليل الحاكم وفى غير ذلك فلا دليل عليه فيتمسك بعموم أدلة الشروط كما لا يخفى. وبعبارة اخرى أن هنا تصرفات ثلث الاول ما يكون نفسه مصداقا للاسقاط وهذا لا شبهة فيه الثاني: أن يكون موجبا لاحداث الحدث حقيقة أو نازلا بمنزلته بدليل الحاكم كالتقبيل ونحوه الثالث ما لا يكون كذلك أما القسم الاول فلا اشكال في كونه مسقطا للخيار في جميع الموارد وأما الثاني فهو وان كان يوجب سقوطه ولكنه امر تعبدي يقتصر به في خيار الحيوان فقط وأما في المقام فلو اشترى جارية وشرط أن يردها متى شاء (فان بيع الخيار ليس مخصوصا بالبايع فقط) فتصرف فيها بما شاء من غير أن يكون التصرف مصداقا للتصرف بل مع العلم بأنه يردها حتى قبلها ولمسها فانه لا دليل على كون التصرف مسقطا هنا وأما القسم الثالث فلا دليل على كونه مسقطا للخيار لا في المقام ولا في غير هذا المقام اعني بيع الحيوان وكيف كان فلا دليل على مسقطية التصرف بوجه كما هو واضح. قوله الامر الخامس لو تلف المبيع كان من المشترى سواء كان قبل الرد أو بعده أقول مقتضى القاعدة الاولية أن تلف مال كل احد عليه ولا يحسب على غيره وهذا مما عليه السيرة القطعية وقد ذكر ذلك في بعض الروايات المذكورة في احكام الخيار وسيأتى من أنه سئل (ع) من أنه إذا تلف المبيع ممن يكون قال (ع) ان نفعه على من قال من المالك فقال (ع) فهو على مالكه وكيف كان فهذه القاعدة لا شبهة فيها.

[ 245 ]

وقد ورد عليها مخصصان: الاول أن التلف قبل القبض من مال البايع مع انه من ملك المشترى ويحمل أن يكون هذا مورد السيرة أيضا. والثانى أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له وهذا لم تقم عليه السيرة بل هو صرف التعبد فانه مع قطع النظر عن التعبد لم يكن معنى لان يحسب تلف مال زيد مع كونه عنده من زيد ولا يساعده فهم العرفي أصلا فضلا عن قيام السيرة عليه ولكن التعبد يقتضى ذلك. ثم انه لا معنى لكون التلف محسوبا على البايع قبل القبض أو على من لا خيار له الا أن يفرض كما له فكما أن ماله إذا تلف عنده يذهب هدرا وكذلك تلف المبيع قبل القبض أو في زمين الخيار ولا يعقل ذلك الا بانفساخ العقد بأن يحكم قبل التلف بدخوله في ملكه أناما ويتلف ويرجع الثمن إلى المشترى أيضا كما هو قانون الانفساخ لا أن معنى كون التلف على البايع أو من لا خيار له ان يضمن مثل العين فيجب عليه رد مثله فانه لو لم نحكم بالانفساخ لكان ضامنا بالمثل مع انه لم يقل به احد كما هو واضح. والوجه في ذلك أنه فرض في الرواية أن التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له فانه لا يعقل أن يكون التالف من ماله الا بالالتزام بانفساخ العقد والا نحكم بالضمان بالمثل كما عرفت. إذا عرفت ذلك فنقول في المقام أنه إذا باع شخص داره بشرط أن يكون له الخيار متى رد الثمن فتلف الثمن أو المبيع فهل يحسب ممن لا خيار له أم لا فيقع الكلام في مقامين الاول فيما إذا تلف المبيع

[ 246 ]

فهل هو من المشترى إذ لا خيار له أو من البايع فنقول انه لا شبهة في كون التلف من المشترى ولكن لا من جهة القاعدة المذكورة من أن كل تلف في زمن الخيار ممن لا خيار له التى تثبت على خلاف القاعدة وكونها مخصصة للقاعدة الاولية من أن تلف مال كل أحد على مالكه وذلك لان كون تلف مال شخص على شخص آخر مخالف لهذه القاعدة الاولية كما قلنا بأن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له كما إذا تلف الحيوان عند المشترى في ضمن ثلثة أيام فان مقتضى التعبد حكم بكونه على البايع مع أن الحيوان ملك للمشترى وكانت القاعدة الاولية تقتضي كون التلف من المشترى وكذلك التلف قبل القبض. وأما في المقام وان كان التلف في زمن الخيار ولكن قد تلف مال المشترى عند نفسه فكونه على نفسه موافق للقاعده الاولية لا مخالف لها وعليه فلا وجه للانفساخ هنا كما قلنا بالانفساخ في الموردين الاولين وعلى الجملة فكون تلف مال كل شخص على نفسه ليس أمرا مخالفا للقاعدة بل موافق لها كما عرفت فتلف المبيع عند المشترى تلف من ماله فيكون من ماله على ما تقتضيه القاعدة. وعليه فلا يمكن الحكم بانفساخ العقد من هذه الجهة ليكون ضمان المبيع على المشترى. وهل في هذه الصورة يبقى خيار البايع على حاله بحيث له أن يفسخ العقد ويسترد مثل المبيع أم لا وقد يقال انه لا خيار له من جهة أن غرضه قد تعلق باسترداد العين وإذا تلف ينتفى هذا الغرض فلا وجه لثبوت الخيار له حينئذ. وفيه أن هذا الكلام وان كان صحيحا حيث تعلق غرض البايع

[ 247 ]

بحفظ العين ولكن لا يلزم من ذلك سقوط خياره أيضا إذ قد عرفت في اول الخيارات أن الخيار ليس متعلقه رد العين بل انما متعلقه العقد نعم انما جعل له الخيار مشروطا ببقاء العين بحيث أن العين متعلق أمد الخيار وقد اشترط البايع عدم اتلافه ووجوب بقائه ومع هذا الشرط فقد اشترط لنفسه الخيار بعد رد الثمن وقد تعلق الغرض بحفظ العين على هذا النحو وبلحاظ أن الخيار مقيد ببقائها والحاصل قد اشترط بقاء العين لشرط الخيار وهذا لا ينافى بمالية العين بل كما تعلق غرضه بحفظ العين وكذلك تعلق غرضه بحفظ المالية ايضا وانما باعه بأقل من ثمن المثل لاجل جعل الخيار إذ لا يرغب المشترى اشتراءه بثمن المثل مع جعل الخيار للبايع ولو كان البايع قد اغمض نظره عن مالية العين لكان باعه في السوق بثمن المثل وانما اقدامه على البيع باقل من ثمن المثل من جهة أن تبقى العين له مع هذه المالية والا ليست الخصوصيات العينية الغير الدخيلة في المالية موردة للرغبة غالبا وعليه فيبقى خيار البايع على حاله. ومن جميع ذلك ظهر حكم الجهة الثانية أيضا من أنه ليس للمشترى أن يتلف العين بل لا بد له من ابقائه فان البايع اشترط له ذلك ولو بالشرط الضمنى وعليه فإذا تخلف واتلف فهل فعل فعلا محرما فقط لمخالفية الحكم التكليفى كما هو المختار عندنا أو خالف الحكم الوضعي كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ وسيأتى الكلام في ذلك في احكام الخيار انشاء الله تعالى. وأما إذا كان التالف هو الثمن فهل يكون ذلك على البايع أو

[ 248 ]

على المشترى وقد يفرض الكلام بعد رد الثمن إلى المشترى وأخرى قبل رده. ولابد وان يعلم قبل ذلك أن الثمن أو المثمن إذا كان كليا فتلف هو خارج عن موضوع بحثنا فان كلامنا فيما يكون التالف هو المبيع أو الثمن ونتكلم في أنه من البايع أو المشترى أي ممن لا خيار له أم لا ومن الواضح أن هذا انما يجرى فيما كان التالف هو المبيع أو الثمن لا غير والا يلزم أن يكون تلف مال آخر لاحد المتبايعين الذى له خيار من صاحبه الذى لا خيار له وبديهى أن المدفوع إلى المشترى إذا كان المبيع كليا أو المدفوع إلى البايع إذا كان الثمن كليا ليس مبيعا و ثمنا فان المبيع والثمن ما جرى عليه العقد وأن تلف ما جرى عليه العقد ممن لا خيار له وهذان الفردان لم يجر عليهما العقد بل العقد انما جرى على الكلى والمدفوع مصداق له فمع تلفه يبقى الثمن أو المثمن على حالهما أيضا إذا فالكلي خارج عن المقام. (واما إذا كان شخصيا وكان التلف بعد الرد) انتهى الكلام إلى أن التلف في زمن هذا الخيار من البايع أو المشترى وقد عرفت أن كون تلف المبيع من مال المشترى حكم على طبق القاعدة ولا يحتاج إلى التمسك بأن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له وأما ثبوت الخيار للبايع حينئذ فقد عرفت كما تقدم. وأما لو كان التالف هو الثمن فتارة نفرضه كليا وأخرى شخصيا أما إذا كان كليا فلا شبهة في خروجه عن مورد الكلام فان ما يدفع إلى البايع من العين عوضا عن الثمن ليس هو نفس الثمن بل هو ما ينطبق عليه الثمن الكلى ولا فرق بين هذا وبين ما يرده البايع بدلا عن ذلك

[ 249 ]

فان كلا منهما مما ينطبق عليه الكلى كما لا يخفى. وأما إذا كان الثمن شخصيا فتارة يكون التلف قبل رده إلى المشترى وأخرى بعد رده وأما إذا كان التلف بعد رده فان كان الرد بعنوان الفسخ فلا شبهة في انفساخ العقد وعليه فلا يبقى مجال للبحث عن أنه من مال البايع أو من مال المشترى إذ لا موضوع حينئذ للخيار أصلا فهذا خارج أيضا عن موضوع البحث واما إذا كان الرد لا بعنوان الفسخ بل بعنوان الوديعة أو نحوها ليفسخ بعد ذلك وتلف الثمن عند المشترى فيقع الكلام حينئذ في أن تلفه من البايع أو المشترى فمقتضى القاعدة الاولية تقتضي كونه من البايع لكونه مالكا له وتلف مال كل مالك عليه ومقتضى العمل بقاعدة أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له أن يكون من المشترى فانه لا خيار له في هذا الزمان بل الخيار للبايع وتنقيح المقام أن يقال أنه لم يرد نص بالخصوص بلفظ أن التلف أو كل مبيع تلف في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له ولا انه ورد نص بهذا المضمون بل ورد هنا روايتان تدلان على كون تلف المبيع من مال من لا خيار له في الموردين الخاصين. الاولى ما في الصحيحة المتقدمة في خيار الحيوان من أنه إذا تلف الحيوان في ضمن ثلثة أيام فهو من مال البايع الذى لا خيار له و الثانية في خيار الشرط وهى صحيحة ابن سنان من أن التلف في زمن خيار الشرط من مال من لا خيار له والحقوا بذلك خيار المجلس أيضا لاستفادة العموم من اخبار الخيار فان ذيل بعضها حتى ينقضى الشرط وقد استفاد ذلك العموم المصنف من تلك الاخبار ويأتى في احكام الخيار.

[ 250 ]

وأما إذا كان التالف هو الثمن فلا دليل يدل على كون التلف ممن لا خيار له بحيث ينفسخ العقد بذلك كما عرفت سابقا من أن كون تلف مال أحد من الآخر بقانون أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له يوجب انفساخ العقد إذ لا يعقل أن يكون تلف مال أحد من شخص آخر بدون انفساخ العقد فيكون حكم الشارع بكون التلف ممن لا خيار له حكما بانفساخ العقد كما لا يخفى. وعلى الجملة لا دليل على كون تلف الثمن في زمن الخيار من مال من لا خيار له ليكون ذلك تخصيصا للقاعدة الاولية وحكما بانفساخ العقد كما لا يخفى. ثم انه استظهر صاحب الجواهر من رواية (1) معاويه ابن ميسره أن التلف من المالك ولا يكون ذلك لمن لا خيار له فيكون تلف الثمن من البايع المالك بالثمن عند التلف فتدل الرواية على أن تلف الثمن حينئذ من البايع وان كان له خيار وقد منع المصنف عن ذلك الاستظهار وحكم بعدم ظهور رواية معاوية ابن ميسرة في ما ذكر صاحب الجواهر وهو كذلك لانا بعد التأمل لم نفهم وجه الاستظهار وذلك لان رواية معاوية بن ميسرة كما تقدم اشتمل على حكمين أحدهما أن رجلا باع دارا من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذى اشترى منه الدار حاصر فشرط انك ان اتيتني بمالى ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله، قال (ع): له شرطه، قال أبو الجاورد: فان ذلك الرجل قد اصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: هو ماله وقال أبو عبد الله عليه السلام أرايت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار


(1) وسائل ج 12 ص 355 باب 8 حد 3.

[ 251 ]

دار المشترى. ولا شبهة انه لا اشعار فيها على كون التلف من المالك في زمان الخيار أما لزوم الوفاء بالشرط الذى كان في العقد فهو على طبق القواعد المتصيدة من لزوم الوفاء بالشرط وأما كون منفعة الثمن للبايع فهو ايضا موافق للقاعدة فان منفعة مال كل أحد له ومن الواضح أن الثمن ملك للبايع كما هو واضح وكذلك كون تلف الدار من المشترى أيضا موافق للقاعدة فانك قد عرفت أن تلف مال كل أحد على نفسه الا إذا ثبت نص خاص على خلافه كما في تلف المبيع في زمن الخيار فانك قد عرفت كونه ممن لا خيار له بدليل خاص ويكون العقد منفسخا كما لا يخفى. وعلى الجملة فلا اشعار في شئ من الاحكام المزبورة بكون التلف في زمن الخيار من المالك كما استظهره صاحب الجواهر، ولذا ذكر المصنف أنه ليس في الرواية الا أن نماء الثمن للبايع وتلف المبيع من المشترى وهما اجماعيان حتى في مورد كون التلف معين لا خيار له فلا حاجة لهما إلى تلك الرواية أي الرواية اشتملت على هذين الحكمين كما ذكرناه فشئ منهما لا مساس بما ذكره صاحب الجواهر. فان ما اشتمل عليه الرواية حكم موافق للقاعدة الاولية كما ذكره المصنف فلا يحتاج إلى الرواية. فلا تكون الرواية مخالفة للقاعدة نعم يمكن ان يكون نظر صاحب الجواهر على ما ذكره المصنف إلى قاعدة الخراج بالضمان بدعوى أن منافع الثمن ملك للبايع فيكون ضمانه عليه اقول ان هذه القاعدة ليس له اساس صحيح بل هي مذكورة في النبوى الضعيف المنقول من طرق العامة وقد عملوا بها حتى أن أبا حنيفه

[ 252 ]

عممتها إلى موارد الغصب وقال ان منفعته للغاصب لكون الضمان عليه وقد وقع النكير عليه في صحيحة آبى ولاد في كراء البغل إلى قصر بنى هبيرة ومخالفته ذلك وركوبه إلى بغداد فلا يمكن العمل بهذه القاعدة. نعم لو كان معنى القاعدة هو أن منفعة مال كل مالك كما هو مقتض القاعدة وكذلك تلفه أيضا عليه إذ لا معنى لكون تلف مال شخص على شخص آخر وقد عرفت أن هذا حكم موافق للقاعدة فلا يحتاج إلى هذه القاعدة وفى المقام نحكم بكون تلف الثمن من البايع لكونه مالكا له ومنفعته له فيكون غرامته أيضا عليه. وعلى هذا لو كانت تلك القاعدة أي قاعدة كل التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له ثاتبا في جميع موارد تلف المبيع والثمن لكان تخصيصا لقاعدة الخراج بالضمان على المعنى الذى ذكرناه لورودها في مورد قاعدة الخراج بالضمان ولكن قد عرفت أنه لا دليل على كلية تلك القاعدة في جميع موارد تلف المبيع فضلا عن الثمن بل هي مختصه بموردين بحسب النص اعني مورد خيار الحيوان ومورد خيار الشرط وتفصيل الكلام في احكام الخيار فتحصل أنه لا يكون تلف الثمن من المشترى بل من البايع ولو قلنا بكون تلف المبيع في زمن الخيار من المشترى إذ لا دليل على التعدي والحكم بكون تلف مال الغير على شخص آخر كما لا يخفى. وان كان التلف قبل الرد فيجرى فيه جميع ما ذكرناه في صورة كون التلف بعد الرد ولكن في المورد خصوصية وهو أن التلف قبل الرد لا يحسب الا من البايع بناء على عدم ثبوت الخيار قبل الرد و

[ 253 ]

اشكل عليه المصنف أولا بمنع المبنى فانه لا نسلم كون الخيار بعد الرد بل يكون قبل الرد كما تقدم في جواب صاحب المصابيح ثم اشكل بمنع البناء بدعوى أن دليل ضمان من لا خيار له مال صاحبه هو تزلزل البيع سواء كان بخيار متصل أو منفصل كما يقتضيه اخبار تلك المسألة فان في ذيل بعضها حتى ينقضى وهو يجرى في خيار المنفصل فلا وجه لبناء المسألة على كون الخيار بعد الرد وسيأتى الكلام في جميع ذلك. ثم ان المصنف اشار إلى ثمرة البحث وحاصله انه بناء على كون تلف الثمن من المشترى انفسخ العقد وان قلنا بكونه من البايع وان كان الشرط اعم من رد عين المأخوذ أو بدله فيرد البايع مثل الثمن ويرتجع العين المبيعة والا فلا خيار فلزم البيع كما هو واضح. قوله الامر السادس لا اشكال في القدرة على الفسخ أقول لا اشكال في انه إذا باع عمر ومتاعا من زيد واشترط عليه أن يكون له الخيار متى رد الثمن إلى شخص المشترى فلابد من رده إلى شخصه والا فلا يثبت له الخيار برده إلى غيره وإذا اشترط رده إلى اعم منه ومن وكيله أو الحاكم أو شخص آخر فيتبع شرطه وعلى كل حال فهذا الخيار خيار جعلى فيتبع الشرط فإذا حصل فيكون له الخيار والا فلا خيار له كما لا يخفى. وانما الكلام في صورة اطلاق الشرط بأن جعل لنفسه الخيار مع رد الثمن فهل تختص رده إلى شخص المشترى أو يكفى رده إلى وكيله أيضا أو إلى الحاكم كما إذا كان المشترى غائبا أو مريضا أو مجنونا وذكر المصنف في حصول الشرط برده إلى الحاكم كما اختاره المحقق

[ 254 ]

القمى في بعض أجوبة مسائله وعدمه كما اختاره سيد مشائخنا في مناهله قولان. وظهر من صاحب الحدائق على ما ذكره المصنف الاتفاق على عدم لزوم رد الثمن إلى المشترى مع غيبته حيث انه وقع الخلاف في أنه له يعتبر في فسخ العقد حضور المفسوخ عليه أو الاشهاد عليه أم لا فذهب العامة وبعض الشيعة إلى اعتبار حضور المفسوخ عليه أو الاشهاد على الفسخ والمشهور من علمائنا إلى عدمه وبعد ما ذكر صاحب الحدائق ذلك قال: ان ظاهر الرواية اعتبار حضور المشترى ليفسخ البايع بعد دفع الثمن إليه فما ذكروه من جواز الفسخ مع عدم حضور المشترى وجعل الثمن أمانة إلى أن يجئ المشترى وان كان ظاهرهم الاتفاق عليه الا انه بعيد عن مساق الاخبار المذكورة. وهذا الكلام عجيب من صاحب الحدائق كما يظهر الاستصحاب منه من المصنف أيضا وذلك لان هنا مسألتان احديهما مسألة حضور المفسوخ عليه عند الفسخ أو الاشهاد عليه بل بعض من اعتبر هنا حضور المفسوخ عليه أو الاشهاد على الفسخ حكم بعدم نفوذ الفسخ بغير ذلك نظير الطلاق الذى لا ينفذ بدون حضور العدلين ومع عدم الاعتبار يفسخ في عالم نفسه وفى مرحلة الاثبات يحتاج إلى الترافع وعلى كل حال ليس هنا من مسألة رد الثمن عين ولا اثر حتى لو كان الفسخ بنفس الرد فان اعتبار حضور المشترى ورده إليه ليس من جهة اعتبار حضور المشترى في الفسخ بل من جهة اعتبار رده إليه. والثانية مسألة رد الثمن إلى المشترى وأنه مع شرط الخيار برد الثمن هل يكفى الرد إلى الوكيل أو الحاكم أو لابد من الرد إلى

[ 255 ]

نفس المشترى ومن الواضح أن احدى المسألتين غير الاخرى فلا ترتبط احديهما بالاخرى فما ذكره صاحب الحدائق من الخلاف في حضور المفسوخ عليه أو الاشهاد على الفسخ انما هو في المسألة الاولى دون الثانية فان المسألة الثانية كما ذكره المصنف غير مفروض في كلمات القوم ولم نجد من يتعرض لها الا ما اشار إليها المحقق القمى في أجوبة المسائل وكيف يمكن دعوى الاتفاق على اعتبار حضور المشترى وكيف قد خلط صاحب الحدائق احدى المسألتين على الاخرى وأما اصل مسألتنا هذه غير مذكور في كلمات الاصحاب فنقول انه ليس هذا الخيار من الامور المجعولة شرعا حتى نتمسك بظهوره ونحكم بثبوت الخيار له بل هذا خيار جعلى انما جعل بجعل المتعاقدين فبأى نحو جعلاه فيتبع رأيهم في ذلك وأذا شك في مورد فلابد في كشف المراد إلى الارتكازات العرفية والذى نفهم من الرجوع إلى الارتكازات العرفية أن العرف لا يرى فرقا بين رد الثمن إلى نفس المشترى وبين رده إلى وكيله فانه بعد العلم بأن غرض البايع هو انحفاظ المبيع له وعدم جواز أن يتلفه المشترى وأنه لا موضوعية لرد الثمن إلى نفس المشترى الا وصول ماله إليه وعليه فان المشترى حيا وكان الوصول إليه ممكنا فيرد الثمن إليه ويفسخ المعاملة والا فيرده إلى وكيله أو الحاكم أو من يرده إليه بحيث يصل الثمن إلى المشترى وينفسخ ذلك بملاحظة أنه لو كان المشترى محبوسا أو مريضا أو غائبا وكان له وكيل فالظاهر انه لا يشك أحد في جواز رده إلى الوكيل ونحوه فان معنى رد الثمن إلى المشترى ليس هو رده إلى نفسه بل معناه وصول الثمن إليه بأن يكون من جملة أمواله اللهم الا أن يشترطا الرد إلى شخصه فهو امر آخر.

[ 256 ]

وكذلك الكلام في طرف البايع فانه لو لم يتمكن أن يرد الثمن إلى المشترى لمرض أو موت فيرد وكيله أو ورثته إلى المشترى أو إلى وكيله أو ورثته مع عدمه أو موته وليس رد الثمن من ورثة البايع إلى المشترى أو إلى وكيله من باب ارث الخيار بل من جهة عدم الفرق في نظر العرف في الرد بين كونه من نفس البايع أو من ورثته فان الغرض كون المال عند المشترى أو عند من يقوم مقامه كما لا يخفى. وعلى الجملة فالارتكاز العرفي يقتضى أن المناط في جعل الخيار برد الثمن انما هو رجوع كل من العوض والمعوض إلى حالتهما الاولية وهو يحصل ولو برده إلى من يقوم مقام المشترى كما يحصل برد من يقوم مقام البايع وهو واضح كما ذكره المصنف. ثم انه لو اشترى الاب أو الجد شيئا للطفل واشترط البايع عليه أن يكون له الخيار متى رد الثمن فهل يكفى الرد هنا إلى الجد مع كون المشترى هو الاب أو إلى الاب مع كون المشترى هو الجد أم لا و الظاهر هو الاول لان لكل من الاب والجد ولاية مطلقة على الطفل الثابتة بالادلة اللفظية فيكفى الرد إلى أي منهما يشاء وهو واضح. ثم إذا اقتضت المصلحة حتى اشترى الحاكم بولايته على الطفل مالا له ببيع الخيار فهل يجوز رده إلى حاكم آخر أم لا فذكر المصنف انه يجوز للحاكم الثاني أخذه إذ ليس في أخذ الحاكم الثاني ذلك مزاحمة للحاكم الاول فبناء على عدم جواز مزاحمة الحاكم لابد له أن يرده إلى الحاكم الاول مع احتمال عدم الوجوب فانه مال آخر للصغير يتملكه بالفسخ الذى هو معاملة جديدة وليس له ربط بالمعاملة الاولى التى وضع الحاكم عليها اليد حتى تحصل المزاحمة.

[ 257 ]

ولكن قد ذكرنا في باب الولاية أنه لا دليل على ولاية الحاكم للصغير الا من باب الحسبة ومعنى الحسبة اتيان الامر من باب كونه أمرا قربيا بحيث ان الشارع يرضى بذلك ولا يرض بحيفه فيؤتى ذلك حسبة إلى قربة إلى الله ومن باب كونه مطلوبا للشارع ويكون حفظه محبوبا. وعليه فولاية الحاكم من باب القدر المتيقن فانه لا نحتمل أن علمه مانعا عن التصرف في مال الصغير مع الاحتياج وكذلك لا نحتمل أن عدالته مانعة وإذا كان مال الصغير ونفسه محتاجا إلى الحفظ و إلى النقل والانتقال والى التصرف فيه وكان الامر دائرا بين أن يباشره الحاكم أو غيره فالمتيقن هو الحاكم كما هو واضح وعليه فلا يجوز أن يتصرف فيه الحاكم الثاني بعين هذا الملاك فانه نشك في أنه بعد وضع الحاكم الاول يده عليه أن لا يجوز للثاني أن يتصرف فيه فحيث أن المورد مما لابد من أخذ القدر المتيقن لعدم وجود الدليل اللفظى على ولاية الحاكم كما عرفت إذا فلا يجوز للثاني أن يتصرف فيما وضع الحاكم الاول يده عليه نعم لو شككنا في جواز تصرف الحاكم الاول بعد التصرف فمقتضى أخذ القدر المتيقن هو المنع عن تصرفه ولكنه بديهى البطلان فانه غير محتمل قطعا. وكيف كان فليس المورد من موارد مزاحمة الحاكم حتى يقال لا تجوز مزاحمته. قوله: الامر السابع إذا اطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له ذلك الا برد الجميع فلو رد بعضه لم يكن له الفسخ أقول الظاهر من اشتراط الخيار برد الثمن إلى المشترى أنه رد جميع الثمن وعليه فلو رد بعض الثمن فهو كمن لم يرد شيئا اصلا فلا يثبت له الخيار

[ 258 ]

فان هذا خيار جعلى تابع لما جعله المشروط له وعلى هذا ليس للمشترى التصرف في ذلك فانه باق على ملك مالكه وهو البايع و تصرف المشترى تصرف في مال الغير بدون اذنه فهو حرام بل يكون ذلك وديعة عنده. وتوهم أن هذا يكون اقالة فان المشترى إذا أخذ بعض الثمن المردود إليه كشف ذلك عن رضاه بالفسخ فيكون اقالة وفيه أنه مضافا إلى منع كشفه عن رضاه بالانفساخ فان الاخذ أعم من ذلك ومن كونه اقالة ثم ان الاقالة غريبة عن ذلك فان كلامنا في تحقق الفسخ بالرد أو ثبوت الخيار للبايع بذلك على النحو الذى تقدم سواء رضى المشترى بالفسخ أم لم يرض وأى ربط له برضاهما بالاقالة والفسخ كما هو أوضح. قوله والظاهر أنه ضامن له لو تلف إذا دفعه إليه على وجه الثمنية أقول حاصل كلامه إذا دفع البايع بعض الثمن إلى المشترى على وجه الثمنية كان ضامنا له إذا تلف الا أن يصرح البايع بكونه أمانة عنده فانه حينئذ لو تلف لا يكون ضامنا. أقول لا وجه لهذا الكلام فانه إذا كان الخيار مشروطا برد تمام الثمن فلا معنى لرد بعضه بعنوان الثمنية بحيث يكون ثمنا بالفعل فان كونه ثمنا بالفعل ملازم لانفساخ العقد كونه داخلا في ملك المشترى والمفروض أن العقد لا ينفسخ الا برد الجميع ولا يثبت له الخيار برد البعض وعليه فلا معنى لكون رد البعض بعنوان الثمنية بل يكون ذلك أمانة مالكية عند المشترى ليكون ثمنا عند الفسخ بعد رد تمام الثمن فيكون ثمنا بالقوة كما لا يخفى.

[ 259 ]

نعم إذا اشترط في مقام الرد أن يكون المشترى ضامنا عند التلف وقبل المشترى فيكون شرط لازم الوفا. وقد يتوهم الضمان بدعوى أنه نظير المقبوض بالسوم الذى ذهب المشهور إلى الضمان في تلفه في يد من أخذه أي المشترى. وفيه أنه فرق واضح بين المقامين فان المقبوض بالسوم على تقدير الضمان في تلفه انما اخذه المشترى لصلاح نفسه وملاحظة انه مصلحة له ام لا فيكون ضامنا إذا تلف المقبوض بالسوم في يده. وهذا بخلاف المقام فان البايع انما اقبض بعض الثمن لصلاح نفسه لا لصلاح المشترى بل كثيرا أن المشترى لا يرض بالفسخ اصلا فان الغالب بل الدائم في مثل هذا البيع أي البيع بالخيار أن المبيع يكون ثمنه أقل من البيع بدون الخيار فان غرض البايع كان هو رد عينه فلذا باعه كذلك لرفع احتياجه فلو كانت قيمته مساوية لقيمة المبيع الذى يشترى بالقيمة السوقية بلا خيار لم يقدم المشترى بذلك وكيف كان لا نعرف وجها للقول بضمان المشترى إذا تلف بعض الثمن عنده كما لا يخفى فافهم. قوله ولو شرط البايع الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن جاز الفسخ فيما قابل المدفوع وللمشترى خيار التبعيض إذا لم يفسخ البايع بقية المبيع أقول قد عرفت أن هذا الخيار خيار جعلى من المتعاقدين فيتبع الشرط على النحو الذى شرطاه فلو شرط البايع على المشترى ثبوت الخيار له برد بعض الثمن يثبت له ذلك إذا رد ما يصدق عليه بعض الثمن المقصود في العرف لا بمقدار يكون خارجا عن الصدق العرفي أو عن كونه مقصودا لهما ولا يقاس ذلك بخياري

[ 260 ]

المجلس والحيوان فانه لا يجوز الفسخ فيهما في بعض المبيع دون - بعض فانهما انما ثبتا بجعل الشارع بالنسبة إلى مجموع الثمن و المثمن فإذا فسخ من له الخيار البيع لابد له أن يفسخ في المجموع دون البعض وأما في المقام فالخيار بجعل المتعاقدين فيتبع جعلهما على النحو الذى جعلاه كما لا يخفى فافهم. وقد ذكر المصنف ره ولو شرط البايع الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن جاز الفسخ فيما قابل المدفوع وللمشترى خيار التبعيض إذا لم يفسخ البايع بقية المبيع وخرجت المدة وهل له ذلك قبل خروجها الوجه ذلك. اقول الظاهر انه لا وجه لهذا الكلام وانه لا نتعقل مورد في هذا المقام يثبت فيه للمشترى خيار تبعض الصفقة وبيان ذلك أنه قد عرفت أن هذا الخيار انما بجعل المتعاقدين فبأى كيفية جعلاه كان متبعا وعليه فشرط الخيار وفسخ العقد برد بعض الثمن لا يخلو عن وجوه: الاول: أن يشترط على المشترى فسخ مجموع العقد برد جزء معين من الثمن أو جزء غير معين ولكن فسخا متدرجا بانه يفسخ المجموع برد الثمن تدريجا بانه كلما أدى من الثمن جزء يفسخ في مقابله إلى أن يفسخ المجموع ففى الحقيقة يكون ذلك توسعة للبايع في رد الثمن كما لا يخفى إذ رد مجموعه دفعة واحدة كلفة عظيمة عليه. وعليه فلو فسخ في بعض وبقى بعض الآخر حتى خرجت المدة كشف ذلك عن بطلان الفسخ من الاول فان كل جزء جزء من الفسخ كان مشروطا بفسخ الجزء الآخر حتى يتم فسخ مجموع العقد فإذا فسخ ولكن بقى جزء واحد كان الفسخ باطلا من الاول لعدم حصول شرطه

[ 261 ]

وهذا نظير مشروطية عتق المكاتب برد مجموع مال الكتابة ونظير اشتراط صحة الصلوة بالتشهد والسلام ونظير اشتراط الصوم بالجزء الاخير من الوقت فيكون العمل صحيحا بشرط حصول هذا الشرط و الا فيبطل كما هو واضح. الثاني انه أن يشترط البايع على المشترى فسخ كل جزء برد جزء من الثمن من غير أن يكون الفسخ أو ثبوت الخيار بالرد (أي سواء قلنا بحصول الفسخ بالرد أو كان الرد من مقدمات الفسخ) مشروطا بالفسخ في الجزء الاخير وهذا على قسمين فانه تارة يشترط ان يكون رد كل جزء من الثمن فسخا للعقد أو مقدمة للفسخ على التقريب المتقدم من غير أن يكون منوطا برد جزء آخر وفسخ العقد في ذلك الجزء الآخر وأخرى يكون هذه الصورة ولكن يشترط المشترى أيضا على البايع أنه إذا فسخ فلا بد له أن يفسخ في الكل والا فلم يفسخ أصلا اما الاول فمقتضى وجوب الوفاء بالشرط هو العمل بطبق الشرط على النحو المقرر عند العقد لما عرفت: أن هذا خيار جعلى فيتبع فيه جعل المتعاقدين على النحو الذى جعلاه ولا يقاس ذلك بخياري المجلس والحيوان كما عرفت. وعليه فلو فسخ البعض ولم يفسخ البقية حتى خرجت المدة فليس على البايع شئ أصلا فان المؤمنون عند شروطهم فلازم الوفاء به هو ذلك ولا يثبت هنا شئ للمشترى ويكون ذلك نظير المعاملتين التين ثبت فيهما الخيار فهل يتوهم أحد أنه إذا فسخ البايع هذه المعاملة وذلك يستلزم الفسخ في معاملته الاخرى أيضا وكذلك المقام كما لا يخفى.

[ 262 ]

وأما الثاني فان كان مقتض الوفاء بالشرط هو نفوذ فسخ البايع العقد في كل جزء جزء من المبيع برد كل جزء جزء من الثمن سواء فسخ في البقية أيضا أم لا كما عرفت في سابقه ولكنه حيث اشترط المشترى أيضا عليه أنه إذا فسخ في جزء فلا بد له أن يفسخ في البقية أيضا فإذا لم يفسخ البايع في البقية الزمه المشترى بذلك على حسب اشتراطه والا فيثبت له خيار تخلف الشرط وكذلك لو لم يفسخ حتى خرجت المدة كما هو واضح. وفى جميع هذه الاقسام لا نرى موردا لتبعض الصفقة أصلا كما هو واضح واعجب من ذلك أن المصنف ره ذكر بعد ما حكم بثبوت خيار تخلف الشرط بانه لا يبعد ثبوت خيار تخلف الشرط قبل خروج المدة ووجه العجب مضافا إلى ما ذكرناه من عدم الوجه والتعقل الخيار تبعض الصفقة أصلا أنه كيف يثبت ذلك للمشترى قبل خروج المدة فانه في ضمن هذه المدة لعمل البايع برد الثمن ويفسخ البيع فثبوت الخيار تبعض الصفقة ينافى ذلك. وبعبارة اخرى أنه لم يتم أمد خيار البايع ومع ذلك كيف يثبت للمشترى خيار تبعض الصفقة وقد كان جعلهما هذا الشرط للمشترى على هذا النحو بأن يرد الثمن ويفسخ البيع إلى وقت معين والفرض أنه لم يخرج الوقت والمدة بعد كما لا يخفى ولعل هذه العبارة من غلط النسخة ولم نر من الحواشى من يتعرض لذلك. قوله الثامن كما يجوز للبايع اشتراط الفسخ برد الثمن كذلك يجوز للمشترى اشتراط الفسخ برد المثمن اقول قد عرفت: أنه لا شبهة في جواز البيع واشتراط الخيار فيه برد الثمن وأنه مقتضى القاعدة

[ 263 ]

مضافا إلى ورود الروايات عليه. وكذلك يجوز للمشترى أن يشترط لنفسه الخيار متى رد المبيع فان الروايات وان وردت في اشتراط الخيار برد الثمن ولكن قد عرفت أن مشروعية هذا الشرط لا تحتاج إلى الروايات لكونه موافقا للقواعدة فان القاعدة الاولية تقتضي مشروعية هذا الشرط في الثمن والمثمن اما على النحو الذى ذكرناه من كون انشاء الملكية من الاول مضيقة أو بمقتضى المؤمنون عند شروطهم كما هو واضح وكيف كان لا شبهه في جواز الشتراط الخيار للمشترى برد المبيع. نعم فرق بين المقام وبين اشتراط الخيار برد الثمن وهو انك عرفت قيام القرينة العرفية والارتكاز العرفي على أن اشتراط رد الثمن أعم من رد شخصه أو بدله فان ما اوجب البايع أو يبيع داره مثلا من زيد على هذا النحو هو احتياجه إلى ثمنه واشتراط الخيار برد نفس الثمن لا يفيد ولا يرفع حوائجه كما هو واضح. ولكن تلك القرينة العامة في المقام على العكس حيث انه قد تعلق غرض البايع بحفظ المبيع كما عرفت والا لباع متاعه بأكثر من ذلك فان اشتراط الخيار يوجب نقص القيمة كما عرفت وعليه فاشتراط المشترى الخيار لنفسه متى رد المبيع انما هو ظاهر بحسب الارتكاز العرفي في رد عين المبيع كما هو واضح. وعليه فلو تلف المبيع سقط خيار المشترى وأما البايع فسقوط خياره وعدمه تابع لشرطه كما لا يخفى نعم لو اشترط المشترى على البايع ثبوت الخيار لنفسه متى رد المبيع أو بدله فلا يسقط خياره بتلف المبيع بل له الخيار برد بدله كما هو واضح.

[ 264 ]

ثم انه هل يجوز اشتراط الخيار بالرد أعم من أن يكون برد المبيع أو بدله حتى مع عدم تلف العين أو لا وقد استشكل المصنف في ذلك هنا كاستشكاله في اشتراط الخيار برد الثمن أعم من رد العين أو البدل حتى مع بقاء الثمن والوجه فيه ما ذكره هناك من أنه مخالف لقانون الفسخ فيكون غير مشروع وذلك لان مقتضى قانون الفسخ أن يرد كل مال إلى صاحبه بالفسخ ويكون الثمن راجعا إلى المشترى و يرجع المبيع إلى البايع فان معنى الفسخ هو كون المبيع كعدمه و اشتراط رد بدله مع الانفساخ مخالف لذلك كما هو واضح. وقد ذكرنا سابقا أن ما ذكره المصنف وان كان متينا ولكن يمكن أن يكون ذلك بشرط آخر ولو كان ضمنيا بأن يشترط في نفس هذا البيع بأن يشترط الفسخ برد المبيع ويشترط أيضا أن يبادل المبيع بعين آخر بحيث ان المشترى يفعل فعلين بحسب الاشتراط أحدهما فسخ العقد والثانى تبديل المبيع بعين آخر ولو كان هذا التبديل بالوكالة من قبل البايع كما عرفت ذلك في السابقة. وعلى الجملة فاشتراط الخيار برد المبيع أو بدله حتى مع البقاء ينحل إلى شرطين أحدهما ثبوت الخيار للمشترى أو فسخ العقد بالرد والثانى تبديل كونه وكيلا في تبديل المبيع بعين آخر فرد البدل من جهة المبادلة المستقلة الجديدة الحاصلة بعد الفسخ فلا يكون الشرط مخالفا لقانون الفسخ ودعوى أنه لو كان التبديل بعنوان المبادلة الخاصة لكون المشترى وكيلا في ذلك لكان باطلا بعزل الموكل الوكيل قلنا هذا مبنى على جواز عزل الوكيل الذى اشترطت وكالته في ضمن العقد اللازم وعدمه فانه بناء على الجواز فلا مانع منه هذا فيما إذا كان

[ 265 ]

الشرط شرط الفعل وأما إذا كان الشرط شرط النتيجة بان يشترط المبادلة بعد الفسخ فالامر أوضح فانه بمجرد انفساخ العقد يتبدل المبيع ببدل آخر كما هو واضح. والامر أوضح إذا اشترط رد التالف بالمثل في القيمى وبالقيمة في المثلى فانه حينئذ تكون المبادلة في الذمة بين القيمى والمثلى وتكون الذمة مشغولة بالقيمة بعد ما كانت مشغولة بالمثل وحيث ان الامر هنا اوضح ولذا لم يستشكل المصنف هنا بعد منع الجواز في العين الخارجية بدعوى أن اشتراط التبديل هنا بمنزلة اشتراط ابقاء ما في الذمة بغير جنسه لا اشتراط ضمان التالف المثلى بالقيمة وبالعكس وهذا بخلافه في السابق فان اشتراط البدل هناك اشتراط للفسخ على وجه غير مشروع لكونه مخالفا لقانون الفسخ فيكون مخالفا للكتاب والسنة ثم أمر بالتأمل. ولكن على ما ذكرناه لا فارق بين المسئلتين الا ان التبديل في الاولى في العين الخارجية وفى الثانية في الذمة وهو واضح. ثم انه يجوز اشتراط الفسخ لكل منهما برد ما انتقل إليه أو بدله ويجرى في كل من الطرفين كل واحدة على حدة الذى ذكرناه مفصلا. قوله مسألة لا اشكال ولا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع وجريانه في كل معاوضة لازمة أقول هل يجرى خيار الشرط في غير البيع من العقود أم لا الظاهر أنه لا خلاف في عدم اختصاصه بالبيع وجريانه في غيره ايضا لا من جهة الروايات الخاصة الواردة في هذه المسألة فانها مختصة بموارد خاصة كما عرفت بل لان خيار الشرط موافق لمقتضى القاعدة فيجرى في غيره أيضا ولذا تعدوا من موارد

[ 266 ]

الروايات فان موردها صورة رد تمام الثمن وتعدوا والتزموا بجوازه أي بجواز اشتراط الخيار برد بعض الثمن كما عرفت وهذه القاعدة أما لعموم المؤمنون عند شروطهم أو لما ذكرناه في كون الشرط مرجعه إلى انشاء الملكية المحدودة أو غير ذلك وهذا في الجملة مما لا شبهة ولا خلاف فيه وانما الكلام في جريان هذا الخيار في جميع افراد المعاملات حتى الايقاعات أم لا. وقد يقال: بمنع جريانه في الايقاعات بدعوى أن المفهوم من الشرط ما كان بين اثنين كما ينبه عليه جملة من الاخبار والايقاع انما تقوم بواحد. وفيه ما ذكره المصنف من أن المستفاد من الاخبار كون الشرط قائفا بشخصين المشروط له والمشروط عليه لا كونه متوقفا على الايجاب والقبول الا ترى أنهم جوازوا أن يشترط في اعتاق العبد اشتراط خدمة مدة متمسكا بعموم المؤمنون عند شروطهم وهذا لا شبهة فيه وعليه فلا مانع من اشتراط شئ في الطلاق والعتاق تمسكا بعموم القاعدة الدالة على جواز الشرط كما هو واضح. وقد يظهر من المصنف وجه آخر في المنع عن جريانه في الايقاعات وقد أصر عليه شيخنا الاستاذ في عدة موارد وحاصله أن الخيار انما يجرى في مورد يكون العقد قابلا للاقالة والانفساخ بها فانه يستكشف من ذلك أن اللزوم لزوم حقى فكل ما يكون اللزوم فيه حقيا يدخل فيه الشرط أيضا وأما ما لا تدخل فيه الاقالة فيستكشف من ذلك كون اللزوم حكميا فلا يمكن رفع اللزوم بجعل الخيار في العقد وحيث ان الايقاعات مما لا تدخل فيه الاقالة فيستكشف من ذلك كون اللزم حكميا

[ 267 ]

فلا يدخل فيه خيار الشرط وهذا هو الكبرى الكلى في كل عقد يدخل فيه خيار الشرط وما لا يدخل فيه خيار الشرط. اقول: قد عرفت في اول البيع أنه لا فارق بين الحكم والحق من حيث الحقيقة بل كلاهما من حقيقة واحدة ومن مجعولات الشارع غاية الامر أن الشارع قد اعطى الاختيار بيد المتعاملين فيقبل الحل والفسخ وكذلك في الجواز وسمى ذلك بحسب الاصطلاح حقا وفى الآخر لم يجعل فيه لاحد سلطنة أصلا ولا يقبل الفسخ أصلا كما أن الجواز الحكمى كذلك فانه لا يقبل النقل والاسقاط وسمى ذلك بحسب الاصطلاح حكما كما هو واضح. وعليه فلابد في تمييز اللزوم الذى لا يقبل الفسخ عما يقبل الفسخ وكذلك في الجواز من الرجوع إلى الادلة كما هو واضح ومن هنا نرى أن النكاح لا تدخل فيه الاقالة ولكن يدخل فيه الخيار من بعض الجهات كما في موارد العيوب الخاصة ولا يدخل فيه الخيار من غير هذه الجهة على والجملة فدخول الاقالة في العقد وعدم دخوله ليس ميزانا في المقام وعليه فكما دل الدليل بعد الرجوع إليه من عدم دخول الشرط والخيار بعقد أو ايقاع وكونه لازما من جميع الجهات أخذ به والا فعمومات وجوب الوفاء بالشرط متبع وعليه فيجرى الخيار في كل عقد وايقاع حتى الطلاق ما لم يدل دليل على خلافه. وقد يستدل في ذلك بدليل لزوم الوفاء بالشرط وقد منع - بعضهم جريانه في الايقاعات بدعوى أن مفهوم الشرط ما كان بين اثنين والايقاعات لا تقوم الا بواحد وفيه أن المستفاد من الشروط ما كان بين شخصين لا كونها متوقفة على الايجاب والقبول كما هو واضح.

[ 268 ]

ثم منع المصنف عن جريان شرط الخيار في الايقاعات بدعوى منع صدق الشرط في الايقاعات وانصرافه إلى العقود خصوصا على ما في القاموس من تفسير الشرط بما كان في العقود ثم ذكر وجها آخر لمنع جريانه في الايقاعات وأسر عليه شيخنا الاستاذ في موارد عديده و حاصله ما اشارنا إليه من أن الخيار انما يجرى في عقد كان اللزوم فيه حقيا بحيث يتمكن المتعاقدان عن فسخ العقد بالاقالة وأما فيما كان اللزوم فيه حكميا فلا يجرى فيه ذلك ومن الواضح أن الايقاعات لا تدخل فيها الاقالة فنكشف من ذلك عدم جريانه في الايقاعات كما هو واضح. وقد عرفت الجواب عنه وقلنا أن اللزوم حكم الهى قد جعل في العقود وفى أي مورد دل دليل على جواز دخول الخيار فيه ناخذ به والا فلا فدخول الاقالة في بعض العقود وعدم دخولها في بعض ليس ميزانا لجريان الخيار فيها وعدم جريانه فيها فلا يوجب ذلك كون حقيقة اللزوم متعددا حقيا تارة وحكميا أخرى بل الحقيقة في جميعها على نسق واحد ومن هنا ترى جريان الخيار في عقد النكاح من بعض الجهات دون بعض مع عدم جريان الاقالة فيه وعلى الجملة جواز جعل الخيار في العقود وعدم جواز جعله فيه تابع للدليل ففى كل مورد دل الدليل على جواز نأخذ به والا فنحكم باللزوم للعمومات الداله على اللزوم. والتحقيق أن يقال انه بناء على كون دليل الشرط الخيار في العقود هو دليل الوفاء بالشرط اعني المؤمنون عند شروطهم الذى ورد في الروايات المستفيضة لا يمكن التمسك بها لوجه اخر بل دليل الشرط هو شئ آخر قد أشرنا إليه فيما سبق وحاصله أن المنشى الذى يشترط

[ 269 ]

الخيار في العقود انما ينشئ من الاول ملكية محدودة بعدم الفسخ فيكون ما التزمه كل منهما في مقام الانشاء مشمولا لادلة الوفاء بالعقد ولا تكون تلك الادلة شاملة لها من الاول حتى يتنازع في خروجها عنها وعليه فيجوز لكل من المتعاقدين في العقود ولخصوص المنشئ في الايقاعات أن ينشئ من الاول حصة خاصة وملكية محدودة و زوجية محدودة وطلاقا محدودا من الاول فلا يكون المشمول لادلة اللزوم الا خصوص هذه الحصة الخاصة فقط فان أدلة اللزوم تدل على لزوم ما التزمه العاقد لا غيره والا لتخلف العقد عن القصد. وأما ان كان المدرك لجعل الخيار في العقود والايقاعات هو دليل الوفاء بالشرط وهو لا يشمل الايقاعات أصلا لوجهين الاول انك قد عرفت فيما سبق أن معنى المؤمنون عند شروطهم هو الحكم التكليفى أي أن المؤمن لابد وان يقف عند شرطه ولا يتجاوز عنه بالتخلف نظير المؤمن عند عهده ووعده وفى بعض الروايات وليفى بشرطه و نظير ذلك وليس للمؤمن أن يتخلف من شرطه وعهده بعد ما عهد و اشترط على نفسه فعلا فان من لوازم الايمان هو ذلك كما ان من لوازم الايمان هو اتيان الواجبات وترك المحرمات وكذلك من لوازم الايمان أن يفى المؤمن بشرطه. الوجه الثاني أن مقتضى الظاهر من قولهم (ع) المؤمنون عند شروطهم هو أن من التزم بشرط واعتبر على نفسه في عقد فلابد من الوفاء عليه ومن الواضح أن هذا لا يتم في الايقاعات فان المطلق مثلا هو الذى يشترط على الزوجة شرطا من غير اطلاق منها فلا يكون شرطا عليها ليشملها المؤمنون عند شروطهم إذ ليس عندها شرط أصلا حتى

[ 270 ]

يفيها ومع الغض عن الاشكال الاول فايضا لا يشمل الحديث الايقاعات. وعليه فيختص بمورد كان متعلق الشرط هو الفعل ليكون العمل به ممكنا وعليه فشرط الخيار خارج عن مفاده لعدم كونه فعلا وهذا هو الظاهر من قضيه المؤمنون عند شروطهم وان قلنا أن مرجع الشرط - بالآخرة إلى جعل الخيار ولكن بالالتزام لا بالمطابقه، وأما إذا كان المدرك لجعل الخيار في العقود ما ذكرناه فهل يمكن جعله في جميع العقود والايقاعات بأن يكون المنشئ قد انشأ الطلاق المضيق ومقيدا بعدم الفسخ مثلا أم لا والظاهر هو الثاني فان المتفاهم من جعل الشروط أن يكون للمشروط له خيار تخلف الشرط ويكون له خيار في اعدام الامر الثابت بالانشاء وفى الايقاعات مثل الطلاق والعتاق و الابراء ليس الامر كذلك فانها أمور عدميه وتوضيح ذلك أنه لو أغمضنا عن عدم شمول دليل الوفاء بالشرط لجعل الخيار وقلنا بشمول الرواية لشرط الخيار أيضا ولكن الظاهر من الشرط ما يكون المشروط فيه اثباتا لشئ وايجادا له في مقام الاعتبار بحيث لو تخلف المشروط عليه لثبت للمشروط له الخيار والايقاعات المسلمه مثل الطلاق والعتق والابراء خارجه عن ذلك بحسب الارتكاز العرفي فانها عباره عن رفع شيئ و ازالته فان الطلاق رفع الزوجية والعتاق رفعه العبودية والابراء اعدام اشتغال الذمه وهكذا فليس هنا اثبات شيئ وايجاده للطرف الآخر بحيث إذا تخلف بالشرط فيفسخ المشروط له ذلك ويعدم ما أثبته للمشروط عليه ويحله فان الطلاق يعدم الزوجية ولذا ورد في بعض الروايات يلقى حبلها عليها. أي يقطع العلاقه بينهما ومن الواضح لو ثبت فيه الخيار فلازم ذلك أن يرجع إليها من التخلف ولو بعد سنين

[ 271 ]

واختياره زوجا آخر فبناء على عدم اختصاص دليل الوفاء بالشرط بالافعال فالارتكاز العرفي مانع عن جريانه في الايقاعات أيضا حتى على ما ذكرنا أيضا من المبنى فان المتفاهم من الامور المذكورة اعدام الموضوع على وجه الاطلاق فالتوقيت ينافى ذلك كما هو واضح. وأما ما ورد من جواز عتق العبد والامه مع الشرط عليها فليس ذلك في الحقيقة اشتراطا للخيار أو الشرط في الايقاع بل العبد و جميع شؤونه من الاول ملك لمالكه والمالك انما رفع اليد عن مقدار من ملكه وأبقى مقدارا آخر لا أنه يعتق العبد على وجه الاطلاق ثم يشترط عليه شرطا كما هو واضح. والحاصل أنه بناء على ما ذكرناه من أن مرجع الاشتراط هو انشاء المنشأ مقيدا ومضيقا بحد خاص ليكون المشمول لادله اللزوم هو هذه الحصه الخاصه فايضا لا يمكن جعل الخيار في الطلاق والعتق والابراء لانها أمور عدميه فالطلاق اعدام الزوجية والعتاق اعدام الرقيه والابراء اعدام اشتغال الذمه والظاهر من مفهوم هذه الامور بحسب الارتكاز اعتبار الشرط والخيار فيها منافيا لمفهومها فان معنى الطلاق هو الاطلاق والارسال المعبر عنه في الفارسية (رها كردن) ومن الواضح أن شرط الخيار بحيث أن يكون له الفسخ ولو كانت المرأه المتزوجة ليضرها مناف لهذا المفهوم كما هو واضح وكذا مفهوم العتق ومفهوم الابراء. وأما الوقف والايصاء فبناء على كونهما من الايقاعات كما هو الظاهر فليسا من الامور العدميه فيكونا مثل العقود فلابد أيضا من التكلم فيها بأنه هل يجرى فيهما وفى جميع أقسام العقود أم لا. فنقول أما النكاح فقد أدعوا الاجماع على عدم جريان الخيار وشرطه

[ 272 ]

فيه وذكر السيد ره أن عدم جريانه فيه وكونه مفسدا للنكاح على تقدير الاشتراط من جهه الاجماع والا فمقتض القاعدة هو جواز الاشتراط فيه وعدم كون الشرط مفسدا له. ولكن الظاهر أنه لا يجرى فيه الشرط وعلى تقديره يكون مفسدا وليس ذلك مثل بقيه الشروط التى لا تكون مفسده للعقد. والوجه في ذلك هو ما ذكرناه من أن مرجع الاشتراط في العقود هو تضييق دائره المنشأ وجعله على قسم خاص وكونه مقيدا بعدم الفسخ وعليه فإذا اشترط الخيار في عقد النكاح فمعناه أن للمشروط له الفسخ متى أرادو عليه فلا يعلم انه يفسخ النكاح أو لا يفسخ وعلى تقدير انه يفسخ فلا يعلم أنه متى يفسخ وعليه فيكون وقت الفسخ مجهولا وحيث أنه لم يرد النكاح في الشريعه الا على قسمين دائمي وموقت وهذا العقد خارج عن كلاهيما فانه ليس بدائمي لكون الزواج مقيدا بعد الفسخ كما عرفت إذ لا معنى لاعتبار الزواج بعد الفسخ أيضا ليكون دائميا لكونه تناقضا واضحا ولغوا محضا وأما الموقت فلانه مشروط بكون الوقت معلوما ومسما كما ورد في الروايات الكثيره بل في قراءه بن عباس إلى أجل مسمى حيث اضاف لفظ المسمى وحيث ليس الاجل هنا معلوما فيكون باطلا فلا يقاس ذلك ببقيه الشروط الفاسدة الغير المبطله للعقد واذن فاشتراط الخيار في النكاح فاسد ومفسد للعقد. نعم لو كان التوقيت بما وقت به الشارع كالطلاق والعيوب الخمسه فلا مانع منه فانه أمر تعبدي حتى لو صرحا الزوج والزوجه من الاول بذلك لكان صحيحا أيضا بأن قال زوجت إلى أن أطلق أو إلى أن يظهر شيئ من العيوب. وأما الوقف سواء كان من العقود أو الايقاعات فقد ذكرنا في بيع

[ 273 ]

الوقف أنه على قسمين الاول أن يكون تحريرا وفكا للملك كالمساجد و نحوها فهو مثل العتق فيكون من الامور العدميه فبالوقف بعدم الملكية و يفكها ويجعلها محرره ويجرى فيه جميع ما ذكرناه في الطلاق والعتق والابراء فلا يمكن فيه جعل الخيار لكونه منافيا لمفهوم التحرير بحسب الارتكاز العرفي. فانه لا معنى للتحرير مع كونه مختارا في ارجاعه إلى ملكه، نعم لو كان كذلك لم يكن وقفا بل يكون من قبيل السكنى والعمراء والرقبى. والقسم الثاني وهو ما كان من قبيل التمليك كالاوقاف الخاصه و كالوقف على المسجد بناء على كونه ملكا للمسجد لا أنه يكون مثل المسجد محررا فالظاهر أنه مبنى على أن التأييد مأخوذ في حقيقه الوقف أم لا فانه بناء على أخذه فيه لا يجوز هذا الاشتراط لانه يكون الاشتراط بالنسبه إلى الوقف متناقضا لان اعتبار الوقف مقتضى التأييد والاشتراط يقتضى التوقيت بناء على ما ذكرناه من رجوع الشرط إلى تضييق دائره المنشاء وهما لا يجتمعان واعتبار التأييد حتى ما بعد الفسخ لغو ظاهر كما هو واضح وأما بناء على عدم أخذ التأييد في الوقف والقول بجوازه سنه نظير السكنى والرقبى فلابد من تنقيح هذه الكبرى وأن التأييد مأخوذ في الوقف أم لا. وأما ما في الموثقه من قوله (ع) من أوقف أرضا ثم قال ان احتجت إليها فأنا أحق بها ثم مات الرجل فانها ترجع في الميراث فلا دلاله فيها على المدعى حيث ان محل كلامنا في شرط الخيار والروايه ارجعه إلى شرط النتيجه ورجوع الوقف إلى ملك الواقف مع الاحتياج فاحدهما أجنبي عن الآخر.

[ 274 ]

وربما علل على عدم جريان الخيار في الوقف باشتراط القربة في الوقف وهو ممنوع صغرى وكبرى أما الكبرى فلعدم الدليل على اعتبار القربة في الوقف وأما الصغرى فكذلك فانه لا دليل على أن القربة مانعه عن الاشتراط مع وجود الدليل على الاشتراط اما دليل الوفاء بالشرط أو ما ذكرناه في الوقف كما هو واضح فالظاهر أن شرط الخيار وعدمه متوقف على ما ذكرناه من اعتبار من التأييد في الوقف وعدمه. والحاصل أنه قسم المصنف العقود على ثلثه أقسام الاول مالا يدخل فيه الخيار اتفاقا كالنكاح ونحوه الثاني ما يدخل فيه الخيار كالبيع و نحوه من أقسام المعاملات الثالث ما يكون مختلف فيه كالوقف ونحوه. أقول التحقيق أن يقال: أن في كل مورد نعلم بجواز شرط الخيار في عقد نحكم بصحه أخذه فيه وفى كل مورد نعلم بعدم جواز أخذ الخيار في عقد نحكم بعدم صحه أخذه فيه وفى مورد الشك نرجع إلى الاصل ومن الواضح أن مقتضاه هو جواز أخذه فيه وعدم ترتب الاثر على غير ما أخذه المتبايعان في العقد. بيان ذلك أنك قد عرفت آنفا أن معنى جعل الخيار في العقد هو تحديد المنشأ بحد خاص بحيث ينشئ البايع مثلا بيع داره مقيدا بعدم فسخه وقلنا أن التمليك الموقت وان كان لا معنى له فان معنى بيع الدار هو تمليكها موبدا من حيث الزمان وغير مقيد بزمان ولكن ينافى ذلك تحديده من حيث الزمانيات فيبيع داره مقيدا بعدم فسخه أي ينشئ ملكيه داره لزيد مقيدا بالقيد المذكور لا على وجه الاطلاق وعليه فيكون أدله اللزوم والصحه شامله لذلك فإذا شككنا في جواز ذلك فبمقتضى القاعدة نحكم بجوازه وبعدم كون غير ذلك منشئا وعدم كون التمليك على وجه

[ 275 ]

الاطلاق فان القدر المتيقن هو التمليك الخاص فالزائد عنه مشكوك فالاصل عدمه. وبعبارة اخرى أن الحكم بكون مال شخص لشخص آخر يحتاج إلى سبب والفرض أن المالك لم ينشئ الا ملكيه محدوده فان أمضى الشارع ذلك فهو والا أي وان أمضى ملكيه مطلقة يلزم أن يمضى الشارع ما لم ينشئ فيكون المنشأ غير ممضى والممضى غير منشئ وعليه فكلما شككنا في نفوذ شرط وخيار فالاصل يقتضى نفوذه فان مقتضى عدم النفوذ هو الحكم بما نشك في انشائه فالاصل عدمه كما لا يخفى. هذا ما يقتضيه الاصل الذى لابد من الرجوع إليه عند الشك ثم ان الشرط قد يرجع إلى الخيار وقد لا يرجع ويتضح ذلك بما سنذكره و إذا عرفت ذلك فنقول لابد من تحقيق معنى الشرط وما يجوز جعله في العقود وما لا يجوز ليتضح ما هو الضابط في المقام أعنى ما يدخل فيه الخيار وما لا يدخل فيه الخيار حتى نرجع في غيره إلى الاصل. أما الشرط الذى اشترط في العقود قد يكون راجعا إلى اشتراط أمر غير اختياري واخرى يرجع إلى اشتراط امر غير اختياري وعلى كل حال قد يرجع الاشتراط إلى جعل الخيار وقد لا يرجع. أما إذا كان الاشتراط اشتراط أمر غير اختيارية كما إذا اشترى عبدا فشرط كونه كاتبا أو اشترى متاعا آخر فشرط كونه على وصف خاص فانه لا شبهه في أن كون العبد كاتبا أو كون المبيع على وصف خاص من - الاوصاف التى ليس في اختيار البايع غير اختياري للبايع وعليه فلا معنى للاشتراط الا توقف الالتزام البيعى على الالتزام الشرطي فانه لا يتصور لهذا الاشتراط معنى الا أن يكون العقد معلقا عليه أي أبيع على هذا

[ 276 ]

الشرط والا فلا أبيع مثلا معنى بيع العبد بشرط كونه كاتبا أنه أبيع ذلك على أن يكون كاتبا والا فلا أبيع فيكون باطلا للتعليق. وأما أن يكون المراد من الالتزام الشرطي التزام آخر في ضمن الالتزام البيعى من غير أن يرتبت أحدهما بالآخر واما أن يراد ما ذكرناه من توقف الالتزام البيعى على الالتزام الشرطي من غير أن يكون البيع متوقفا على ظهور المبيع بوصف خاص بل الالتزام على البيع والوقوف عليه موقوف على الشرط كما هو واضح. وعلى هذا فلو تخلف الوصف فيكون المشروط له مخيرا في بقائه على التزامه وعدم بقائه فيكون له الخيار. وأما إذا كان الشرط في العقود من الامور الاختيارية فهو على قسمين: الاول: أن لا يكون العقد مما يجرى فيه الخيار كثمل النكاح مثلا فان معنى الشرط حينئذ هو مجرد توقف الالتزام العقدى على الالتزام الشرطي من خير أن يكون مرجعه إلى جعل الخيار أصلا بل فائدته ليس الا الزام المشروط عليه تكليفا على الوفاء والوقوف على التزامه فان المشروط له انما أنشأ العقد على هذا الالتزام بحيث لو كان المشروط عليه لقبل الايجاب المنشأ على هذا النحو لقبل مقيدا لكان باطلا لعدم المطابقة بينهما وقد ذكرنا في أوائل البيع أنه لو أنشأ الموجب عقدا مشروطا بشرط فقبل القابل بلا شرط لبطل فان ما انشأه البايع لم يقبله المشترى وما قبله القابل لم ينشأه الموجب وعلى كل حال فهذا الاشتراط ليس له فائده الا الزام المشروط عليه ولا باس بذلك أيضا ويترتب عليه الاثر من حكم النشوز ونحوه في النكاح ولا يضر تعليق العقد بذلك فان بطلان التعليق في العقود ليس الا من جهه الاجماع ومن الواضح أن المتيقن

[ 277 ]

منه صوره كون المعلق عليه مشكوكا لا فيما يكون منجزا ولذا قالوا يعتبر التنجز في العقود وهذا المعنى متعارف في العرف أيضا فانه يقول بعضهم لبعض بعتك هذا المتاع لك بشرط أن تلتزم بذلك الشرط أو يقول أحد الزوجين للآخر زوجتك نفسي بشرط أن تلتزم بالشرط الفلاني من تعيين المكان ونحو ذلك ومن هذا القبيل اشتراط الشرط الفاسد في العقد من شرب الخمر ونحوه فان الشرط أعنى الالتزام حاصل بالنسبه إلى المشروط عليه ولكن لم يمضه الشارع فمورد الشروط الفاسدة هو ذلك فيصح العقد لان شرطه وهو التزام الطرف حاصل وان لم يمضه الشارع. الثاني أن يكون الشرط مرجعا لكلا الامرين بأن يكون الشرط أمرا اختياريا ويكون معناه التزام الموجب بالبيع ونحوه مثلا مقيدا بالتزام الطرف الآخر بالشرط فيكون منحلا إلى أمرين أحدهما الزام الطرف أي المشروط عليه أولا بالوفاء بالشرط ومع عدم الوفاء يثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط وسيأتى تفصيل ذلك في باب الشروط. وبعبارة أخرى أن الشروط على ثلثه أقسام: الاول: ان يكون مرجعه إلى جعل الخيار للمشروط له كاشتراط الاوصاف في المبيع مثلا الخارجه عن القدره كما إذا باع عبدا فشرط المشترى على البايع كونه كاتبا فان كونه كاتبا ليس في قدره البايع فإذا ظهر غير كاتب فليس - للمشترى الزامه بكونه كاتبا وهكذا في جميع الاوصاف الغير الاختيارية غايه الامر فيثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط فله أن يرضى بالمبيع الفاقد للوصف وله أن يفسخ العقد ويرجع الثمن. الثاني: أن يكون متعلق الشرط أمرا اختياريا كما إذا اشترى

[ 278 ]

أحد شيئا وشرط في ضمنه أمرا مقدورا للبايع كخياطة ثوبه وبنايه داره أو نجارته بابه ونحو ذلك من الامور المقدوره للبايع وفى مثل ذلك فالشروط مجمع للامرين الزام المشروط عليه بالوفاء بالشرط ومع عدم الوفاء ثبت له خيار تخلف الشرط فله أن يرضى بالعقد بدون الشرط و له أن يفسخ العقد. الثالث: أن يشرط أحد المتعاقدين على الآخر شرطا في العقد الذى لا يجرى فيه الخيار الا فيما عينه الشارع بدليل خاص كعقد النكاح فانه لا يجرى فيه الخيار الا بالاسباب التى عينها الشارع بدليل خاص فمقتضى الشرط هنا ليس الا تعليق الالتزام العقدى على الالتزام الشرطي فلا شبهه في جواز التعليق حينئذ فان المعلق عليه وهو التزام المشروط عليه حاصل والتعليق انما يضر إذا كان متعلقه مشكوكا وليس كذلك فما هو باطل هو الثاني دون الاول فان مورد المتيقن من الاجماع هو الثاني وأما الاول فالتعليق على نفس وجود المبيع مثلا. وعليه فلو تخلف المشروط عليه عن شرطه فلا يثبت للمشروط له الخيار فان فائده هذا الشرط ليس الا الزام المشروط عليه على الوفاء ومع عدمه لا يثبت الخيار نعم يمكن ترتب بعض الاثار عليه في مثل عقد النكاح من عدم تحقق النشوز ونحوه مثلا كما اشترط الزوجه مكانا خاصا لزوج فلم يف فذهاب الزوجه إلى ذلك المكان لا يوبج النشوز ولا يضر ذلك بصحه العقد فان المعلق عليه حاصل جزما أعنى التزام المشروط عليه وكذلك إذا كان الشرط فاسدا فان تعليق العقد بالوفاء بالشرط الفاسد من هذا القبيل أي الشرط حاصل وهو الالتزام بالوفاء بالحرام غايه الامر لم يمضه الشارع ومن هنا نقول ان الشرط الفاسد لا يفسد

[ 279 ]

العقد كما سيأتي في باب الشروط. نعم مع عدم الالتزام في جميع الصور المتقدمة من الاول لم يبطل العقد من الاول لان ما انشأه البايع لم يقبله المشترى وما قبله المشترى لم ينشئه البايع كما لا يخفى. ثم انك عرفت من جميع ما تقدم في معنى الخيار أن معناه ليس الا تحديد الملكية المنشأه بزماين ومعنى التحديد أن البايع مثلا يعتبر ملكيه داره لزيد إلى الابد من حيث الزمان ويلزم بذلك على وجه الاطلاق ولم يقيد أصل التزامه بشئ فان الاطلاق والتقييد في أصل الالتزام غير معقول ولكن يقيد ذلك بحسب الطوارى والكيفيات من حيث الزمانيات ونتيجه ذلك أن المشترى له التصرف في المبيع بأى كيفيه يريد حتى بالاعدام ونحوه فان له ذلك على وجه الاطلاق ولكنه ملكيته وسلطنته أعنى الواجديه هي محدوده بحد خاص وهو عدم الفسخ فإذا فسخ ترتفع هذه السلطنه وما يجوز له من التصرفات وتنقطع سلطنته عن العين و نظير ذلك كثير في العرف فانه يكون شخص سلطانا إلى سنه كما هو كذلك في الرياسة الجمهورية ولكن تصرفاته في الاملاك مطلقه فله أن يتصرف في زمان سلطنته تصرفا مطلقه وتصرف خمسين سنه بأن يوجر أرضا إلى خمسين سنه وهكذا وكذلك المتصرفين المنصوبين في البلاد من قبل الملك فان سلطنتهم وان كانت مقيده بأمد خاص ولكن تصرفاتهم مطلقة ولذا تنفذ أمورهم بعد انعزالهم أيضا كالطرق والشوارع وكذلك رئيس الوزراء و نحوهم وكك الامر في كل معامله خياريه فان معناه تحديد المنشأ فيكون نفس السلطنه خاصه ولكن نفوذ التصرف بجميع انحائه مطلقا. والحاصل أن أصل الالتزام وان كان غير قابل للاطلاق والتقييد

[ 280 ]

فانه كالانشاء اما يوجد أولا وانما الاطلاق والتقييد باعتبار المتعلق و لكن تقييد استمراره باعتبار متعلقه شيئ ممكن بأن يقيد الوقوف عليه و استمراره بشرط وعليه فلا مانع من تحديد الالتزام البيعى بحسب - الاستمرار بالالتزام الشرطي فتكون النتيجه من المجموع كون الملكية مقيده بحد خاص كما هو واضح. ثم انه كما يوجب الفسخ انقطاع سلطنه المشترى عن العين بالكليه وكذلك التلف فانه إذا تلف مال أحد تنقطع سلطنته عن العين وعن ماليته بالكليه الا إذا كان التلف مستندا إلى شخص يكون اتلافه موجبا للضمان فانه ح تكون سلطنته باقيه في الماليه فان ذمه المتلف تكون مشغوله بذلك وأما إذا لم يكن مستند إلى شخص فتكون سلطنه المالك منقطعه عن العين وعن ماليته بالمره كما كان تنقطع بالفسخ فإذا تلف المبيع عند المشترى في غير زمان الخيار فتكون سلطنته منقطعه عنه. ولكن مع ذلك هنا فرق بين التلف وبين الفسخ وان كانا مشتركين في اصل انقطاع سلطنه المالك عن العين فانه في صوره التلف فالمعاقده باقيه على حالها بحيث أن المتبايعين وكذلك العرف والعقلاء يعتبرون ملكيه العين التالفه للمشترى في هذا الزمان أيضا قبل التلف فيعتبرون أن المشترى كان مالكا قبل التلف بخلافه في الفسخ فانه بالفسخ تنفسخ المعاملة من الاول ولذا لو ادعى البايع ملكيه المبيع وضمان المشترى عليه بالمثل بحيث أن يرد ثمنه ويأخذ مثل ماله فيقول المشترى كان التلف في ملكى وأنا كنت مالكا بالعين قبل التلف بالمعاقده التى تبقى والمقام شبيه بالحجه حيث أن الفاعل إذا اتى بعمل مستندا إلى حجه شرعيه ففى أي وقت سئل عن وجه اتيانه فيقول كانت الحجه عندي فلو قيل: أعد

[ 281 ]

فيقول الحجة تقتضي عدم الاعادة وكذلك بعد الوقت ففى كل وقت يدعى بقاء الحجة واستناد عمله إليه وكذلك في المقام فان المشترى في كل وقت يدعى كون التلف في ملكه وعدم الضمان لبدل المبيع لبقاء المعاقدة معه فيقول أنا لست ضامنا بمثله أو قيمته فانى عاملت عليه ويدعى في كل وقت بقاء المعاقدة واستناد عدم الضمان على مثله أو قيمته إلى المعاقدة ومن هنا تجوز الاقالة بعد التلف فح يرجع البايع إلى مثل العين أو قيمته ويرد الثمن إلى المشترى ان كانت عينه باقيه والا فمثله أو قيمته. فحال الفسخ ورفع الملكية وقطعها عن العين حال الاقالة بعد تلف العين فمع الفسخ أيضا ان كانت العين باقيه فترد إلى البايع و الا فيرد المثل ان كان له الخيار حتى بعد تلف العين ومن هنا ظهر أنه لا وجه لقياس الفسخ وانقطاع السلطنة به بالتلف وانقطاع السلطنة به من جميع الجهات بل القياس في انقطاع السلطنة بهما فقط ليس الا فافهم. إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن الميزان الكلى والضابطة الكلية في جعل الخيار في العقود والايقاعات هو أن لا يلزم من جعله ما ينافى مفهوم العقد بان ينافى التحديد مفهوم نفس العقد أو الايقاع كما إذا طلق مع جعل الخيار لنفسه أو ابراء ذمة المديون موقتا أو أعتقه كذلك فان المتبادر من مفهومها هو الابدية والتوقيت ينافيها فمعنى الابراء افراغ الذمة إلى الابد والتوقيت امهال لا ابراء ومعنى الطلاق الارسال والاطلاق والتوقيت ينافيه وكذلك العتق. أو كان هنا اطلاق أو عموم يقتضى صحة العقد الذى يجعل فيه

[ 282 ]

الخيار ففى البيع ونحوه من المعاملات مقتضى أوفوا بالعقود وسائر الادله هو صحة المعاملة التى جعل فيه الخيار فيكون شمولها عليها بهذا المقدار وأما بعد الفسخ فلا فتكون المعاملة المنشأة بقيد أي المنشئ المحدود بحد مشمولا لادلة لزوم المعاملة فالزائد عن ذلك يكون خارجا عن حدود الادلة الدالة على اللزوم من الاول. وأما في مثل النكاح فليس هنا اطلاق أو عموم تقتضي صحة عقد النكاح المقيد بوقت والمحدود بحد بعد ما كان ممكنا ثبوتا مع العلم من الخارج بان عقد النكاح لابد اما وأن يكون دائميا أو موقتا ولكن إلى أجل معلوم أي مسمى كما في بعض الروايات وفى قرائة ابن عباس. وعليه فجعل الخيار في عقد النكاح لا يدل دليل على صحه هذا القسم من النكاح أي المحدود بحد خاص لو لم يكن من الخارج يدل على كونه منحصرا بقسمين لكانت العمومات الدالة على لزوم مطلق العقد محكمة ولكن قد عرفت جوابه. ثم انك عرفت عدم جواز جعل الخيار في النكاح بل الخيار فيه منحصرا بالاسباب الخاصه وقد عرفت عدم جريانه في الايقاعات المذكورة من الطلاق والعقد والابراء وعرفت أيضا أن جريانه في الوقف مبنى على اعتبار التأبيد في الوقف وعدمه فان بناء على الاول لا يجرى فيه الخيار لكونه منافيا لمفهوم الوقف كما عرفت في الطلاق والعتق والابراء و هذا هو المشهور بين الفقهاء وهذا هو الظاهر من الرواية التى ذكرها المصنف هنا من أنه وقف الواقف شيئا واشترط عوده إلى ملكه مع الاحتياج فحكم الامام (ع) بعوده ميراثا وبطلان الوقف بل هو الظاهر من غير واحد من الروايات المذكورة في باب الوقف بل في بعضها ذكر

[ 283 ]

الامام (ع) أنه وقف إلى أن يرث الله الارض ومن عليها. وأما الصدقة فالظاهر عدم جريان الخيار فيه فانها لله فما كان لله لا يرجع بل هو كك في اعتبار العرف أيضا فانه لا يجوز العرف جواز رجوع المصدق إلى الصدقة بعد مدة فهى نظير الوقف بناء على اعتبار التأبيد فيه بل قسم من الوقف وعلى الجملة فالصدقة حيث كانت امرا قربيا فلا ترد وأما الوصية سواء كانت ايقاعا أو عقدا فان كان قبل الموت فهو جائز بطبعه فلا يدخل فيه الخيار بل كلما أراد الفسخ يفسخ وان كان بعد الموت فهو لازم فيجوز فيه جعل الخيار إذ لا نرى فيه ما ينافى مفهوم الايصاء وأنه موافق لما دل باطلاقه على صحة الوصية ولكن في جعل الخيار فيها استبعادا محضا وذلك فان مقتضى جعل الخيار فيه انه بالفسخ من المورث أو من له الخيار أن المال يرجع إلى ملك الميت فانه الذى انشأ العقد وجعل فيه الخيار وكان المال في ملكه ثم بتوسط الميت ينتقل إلى الورثة فان في هذا استبعادا محضا بانه كيف يملك الميت بعد موته ولكنه مجرد استبعاد فلا محذور فيه. وأما الهبة المعوضة التى لا تكون لذى رحم أو على وجه قريبى أو من الزوج للزوجه فلا شبهه في جعل الخيار فيه فانه من العقود التى لا محذور فيها لجعل الخيار بوجه كما لا يخفى فافهم. والحاصل أنك قد عرفت أن معنى جعل الخيار في العقد هو جعل المنشأ مقيدا بقيد خاص وبحد خاص فيكون مفاد العقد هي الملكية المحدودة بعدم الفسخ ثم انك قد عرفت أيضا أن معنى جعل الشرط في العقد هو كون البيع أي الملتزم به معلقا بذلك الالتزام الشرطي بحيث أنه لو لا ذلك الالتزام الشرطي المعلق عليه لما باع البايع ما له

[ 284 ]

أصلا وقلنا ان التعليق في أمثال ذلك لا يضر فانه انما يضر ان كان لامر مشكوك الحصول لا لامر منجز كما لا يخفى ولا يفرق في ذلك أي صحة العقد المعلق على الالتزام الشرطي بين كون الشرط فاسدا كشرب الخمر ونحوه وبين كونه سائغا فان ما علق عليه العقد وهو الالتزام قد حصل تكوينا وان لم يمضه الشارع كما لا يخفى فافهم. ثم انك قد عرفت ان العقد إذا توقف على شئ بحيث قد حصل مقيدا بذلك الشرط والالتزام كان المنشأ محدودا بحد خاص وبقيد خاص بحيث ان المنشأ قد أنشأ هكذا فيكون المشمول لعموم أوفوا بالعقود وسائر أدلة اللزوم هذه الحصة الخاصة من المنشأ المحدود ولا شبهة أنه مع تخلف هذا الشرط فللمشروط له خيار تخلف الشرط فيكون هنا التزام آخر من المشترى على أنه إذا خالف الشرط فيكون للمشروط له خيار تخلف الشرط فيما إذا كان مرجع الشرط إلى الخيار كما ذكرناه سابقا ويكون ذلك في العقود التى يجرى فيه الخيار فافهم فيكون دليل الوفاء شاملا للعقد المقيد والمحدود بالتزامين والعقد بجميع هذه الشؤون يكون مشمولا له. والحاصل إذا كان البيع مثلا معلقا على شرط كالخياطة ونحوها والتزم المشترى بالوفاء بها فيكون البيع مقيدا بهذا الشرط بحيث يكون المنشأ محدودا بذلك فيكون مشمولا لما دل على اللزوم على هذا النحو الخاص ثم ان معنى جعل الشرط في العقد هو كون المشروط له مخيرا في حل ذلك العقد على تقدير مخالفة المشروط عليه بالشرط وعليه فالعقد معلق على التزامين أحدهما التزام المشترى بالشرط والثانى التزامه بأن للمشترى حل العقد على تقدير مخالفته وحينئذ فيكون المنشأ

[ 285 ]

مقيدا ومحدودا بكلا الالتزامين ومعلقا عليهما ويكون العقد المقيد و المحدود بهما مشمولا لاوفوا بالعقود وسائر أدله اللزوم وعليه فلا مجال لتوهم أن حل العقد على تقدير تخلف الشرط مناف لاوفوا بالعقود بل هو مأخوذ فيه فان أوفوا يشمل العقود بجميع شؤونها كما هو واضح ومع تخلف الشرط ينتفى المشروط أعنى اللزوم فثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط وهذا معنى ما ذكر من أنه ينتفى المشروط مع تخلف الشرط كما هو واضح فان من التزم بالبيع التزمه على تقدير ولا شبهه في عدم جواز قبوله بدون ذلك التقدير بداهه تفاوت قيمه المبيع مع الخيار وبدونه فإذا كانت قيمه المبيع خمسين بلا شرط وباعه عشرين مع الشرط فلو لم يكن للشرط دخل في نقصان الثمن لم يقدم بهذه المعاملة الا السفيه كما هو واضح هذا فاغتنم. ثم انه وقع الخلاف في جريان الخيار وعدمه في بعض العقود وقد عرفت عدم جريانه في النكاح وما عن السيد في العروه أنه لا يجرى في النكاح للاجماع في غير محله بل لا يجرى لما ذكرناه وقد عرفت ايضا عدم جريانه في الوقف أيضا بناء على اعتبار التأبيد فيه كما هو الظاهر من الرواية التى ذكرها المصنف في المقام ومن بقيه الروايات الداله على كون الموقوف وقفا إلى أن يرث الله الارض ومن عليها وعليه فيكون جعل الخيار في الوقف منافيا لمفهومه. وأما الصدقة فلا يجرى الخيار فيها أيضا لانه كالوقف في اعتبار التأبيد فيها وانها وقعت الله وما كان لله لا يرجع كما ذكر المصنف بل في بعض الروايات أن آخذ الصدقة هو الله تعالى فإذا كان الطرف هو الله فكيف ترجع الصدقة وربما يتوهم كما توهم بعض المحشين من أن ما

[ 286 ]

ذكره المصنف هنا من كون الصدقة لله تعالى وما كان لله لا يرجع مناف لما ذكره في الوقف من الاشكال في الكبرى في عدم اعتبار القربة أي عدم الدليل على ذلك ولكن قد ظهر جوابه مما ذكرناه وبيانه أن الروايات الكثيره قد دلت على اعتبار القربة في الصدقة وكونها على وجه قربى و معنى اعتبار القربة هنا أن طرف لصدقه هو الله والآخذ هو كما في بعض الروايات فكأن المصدق يعطى الصدقة لله تعالى وما أخذه الله تبارك وتعالى لا يرجع. وهذا غير كون الفعل قريبا أي مأتيا به على وجه قربى لاجل ابتغاء الثواب وهذا لا ينافى جواز حل ذلك العقد وارجاع ما أعطى على وجه قريبى ولو قلنا بكون المعاملة مستحبه بذاتها وان انكرنا ذلك في المكاسب المحرمة وقلنا ان الاستحباب من جهه الفعل فلا يكون ذلك موجبا للزوم البيع كما هو واضح هنا لو باع أحد داره من عالم أو سيد قربه إلى الله تعالى وقصد في معاملته التقرب بها إلى الله تعالى فهل يتوهم أحد أن ذلك مانع عن جريان خيار المجلس في ذلك فالكبرى الذى تسلمها المصنف هنا غير الكبرى الذى منعها في الوقف فان الآخذ هنا هو الله فلا معنى لارجاع ما اخذه بل هذا كك في العرف أيضا فان من اعطى شيئا للسلطان ليس له أن يدق بابه بعد مده ويطلب ذلك بل يعد العقلاء من المجانين لو فعل ذلك وعلى تقدير تسليم اعتبار القربة في الوقف فهو من القبيل الثاني دون الاول وعليه فلا مانع من جعل الخيار في الوقف مع قطع النظر عن كون التأبيد فيه مانعا عن جريان الخيار فيه على أنا قد استشكلنا في اعتبار القربة في الوقف تبعا للمصنف وقلنا انه لا دليل عليه كما عرفت.

[ 287 ]

وأما الصلح فان كان لقطع الخصومة فلا بأس لجعل الخيار فيه فان مرجع جعل الخيار فيه هو تقييد المنشأ وتحديده بعدم الفسخ ومن الواضح أنه لا بأس لقطع الخصومه إلى زمان خاص ولو صرح أحد المتخاصمين أو كليهما بذلك فهل فيه محذور. وان كان الصلح لاسقاط الدعوى فيكون ذلك مثل الابراء فلان لكل شخص أن يدعى على أخيه المسلم وغيره من حقه ويحضره عند الحاكم للمحاكمه وله حق الاحضار عنده وليس للمدعى عليه الاباء عن ذلك بوجه فإذا اسقط حقه هذا بالمصالحه فيكون ذلك مثل الابراء وعليه فيكون جعل الخيار فيه منافيا لمقتضى الصلح كما هو واضح فان معنى الاسقاط هو عدم بقاء حق للمدعى على المدعى عليه فيما ادعاه وأنه سقط الا إذا ادعى حقا آخر غير الساقط والشئ بعد سقوطه لا يرجع إلى حالته الاوليه والحاصل معنى السقوط والابراء هو فراغ ذمه من عليه الحق من الحق إلى الابد فاشتراط التوقيت في ذلك مناف لذلك فلا يكون ح اسقاطا وابراء كما لا يخفى. وأما الضمان وهو عند الخاصه عباره عن انتقال الدين من ذمه المديون إلى ذمه الضامن فيكون ذمه المديون بريئا ويكون ذلك ايضا مثل الابراء كما هو واضح. وأما الرهن فقد يقال بكون جعل الخيار فيه منافيا لمقتضى الرهنيه فان الرهن وثيقه وكون المرتهن على اطمينان من دينه فجعل الخيار فيه ينافى الاطمينان. وفيه أن الرهن وان كان وثيقه الا انه وثيقه للدين ومعنى كونه وثيقه للدين هو وصله به أي أن الرهن متصل به ولذا يقال وثيقه للدين

[ 288 ]

أي مشدود به فيحل عند أداء الدين وأخذ الوثيقة بمعنى الاطمينان لسهو بل الاطمينان من لوازم الوثيقة والا فمعنى الوثاقه في اللغه هو الشد ومنه قوله تعالى فشدوا الوثاق اما منا بعد واما فداء أي شدوا وصالكم وعهدكم ومن هنا يقال للشخص الذى أمين انه موثق أي أنه لا - تجر في اخبار ولا ترد بل خبره متصل باعتقاده وليس كاذبا فيه ولذا يطلق الاعتقاد على وثاقه القلب بشئ ويقال اعتقد عليه وليس له تردد ليقدم رجلا ويوخر أخرى كما هو واضح وعليه فلا مانع في جعل الخيار في الرهن فيه أيضا إذ لا تنافى فيه بمقتضى الرهن اصلا فانه مع جعل الخيار فيه أيضا فالرهن متصل بالدين وبعد الفسخ يبقى الدين كحال لا رهن فيه فلا مانع في ذلك مع اقدام المرتهن عليه بنفسه. وكيف كان فالضابط الكلى في جعل الخيار في عقد أو ايقاع هو عدم منافات الخيار بمفهوم العقد وعدم كونه مخالفا لعموم دليل ذلك العقد أو اطلاقه كما عرفت في النكاح بل وكونه موافقا للعموم أو الاطلاق الدال على صحه هذا العقد كما عرفت. ثم انه ذكر المصنف عدم جريان الخيار في االمعاطاه بدعوى أن المعاطاه انما هي بالتراضى الفعلى ومن الواضح أن الشرط الذكرى لا يرتبط بالتراضى الفعلى وهو واضح. ولكن يرد عليه أن التراضي أمر قلبى وانما يحصل في أفق النفس ويحصل ارتباط كل من الشرط والمشروط في ذلك الصقع وانما المبرز مختلف ومع اختلافه يبرز شيئا واحدا فعدم ارتباط اجزاء المبرز بعضها ببعض لا يستلزم عدم ارتباط بعض أجزاء المبرز بعضه ببعض وعلى الجمله فالبيع مثلا عباره عن اظهار ما في النفس من الاعتبار بأى مبرز كان فكما

[ 289 ]

لا يفرق في كون أصل مبرزا المعتبر النفساني بين أي مبرز وكذلك لا يفرق بين ما كان مبرز أصل الاعتبار النفساني فعلا وبين ما كان مبرز ما يعتبر في أصل المعتبر النفساني من الشروط قولا كما هو واضح. فما ذكره المصنف من عدم ربط الشرط القولى بالمراضاه الفعليه لا يمكن المساعده عليه فانك قد عرفت ان المناط في ارتباط الشرط بالمشروط هو في عالم الاعتبار وأما في عالم الابراز فلا يلزم ربط جميع أجزاء المبرز بعضه ببعض وهذا واضح جدا كما لا يخفى فافهم. (في خيار الغبن) قوله الرابع خيار الغبن: أقول: من جمله الخيارات الثابته في المعاملات خيار الغبن وهو بمعنى الخديعه، ولكن تحقق خيار الغبن في البيع ونحوه لا يتوقف على صدق الخديعه بل يجرى ذلك في بعض الموارد مع عدم تحقق الخديعه كما إذا كان البايع والمشترى كلاهما جاهلين بالغبن أي التفاوت. ثم انه انما يلاحظ الغبن بالنسبة إلى جميع القيود والشرائط التى اعتبرت في العقد فانه لا شبهه أن قيمه المبيع تختلف باعتبار الطوارى و العوارض والقيود والشروط وقد يكون ثمن شئ خمسين دينارا ويكون مع الشرط ثلثين دينارا فهذا التفاوت لا يكون غبنا وخديعه بداهه تفاوت القيمه بالخيار وعدمه نعم يلاحظ النقصان والزياده بالنسبه إلى مجموع المبيع والشروط والقيود وهو واضح. ثم انه قد اعتبر الفقهاء رضوان الله عليهم شرطين في تحقق الغبن الاول: أن يكون المشترى جاهلا بالقيمه السوقيه واشترى المبيع باكثر ما يسوى في السوق وأما علم البايع فانها هو شرط في تحقق الخديعه

[ 290 ]

والا فالغبن يتحقق بجهل المتبايعين أيضا ثم انه قد يكون الغبن في الثمن فيشترط فيه جهل البايع بقيمة الثمن إذا كان من غير النقد وهذا نادر والغالب هو الاول. الشرط الثاني: أن يكون ما أخذه الغابن من زيادة القيمة بما يتسامح كأن كانت قيمة العين خمسين دينارا فباعها من المشترى بمائة دينار فانه لا شبهة في تحقق الغبن هنا فان الزيادة ح ليس بما يتسامح وأما إذا كان الاقدام بالزيادة بعلم من المتبايعين معا أو كانت الزيادة بما يتسامح بأن باع ما يسوى بخمسين دينارا بأحد وخمسين دينار فانه لا خيار للمشترى إذ لا يتحقق الغبن بزيادة الدينار فيما يسوى بخمسين في السوق ولعل هذا المقدار من التفاوت كان من جهة التفاوت في الاسواق فان قل متاع يكون قيمته في جميع الاسواق وفى جميع الدكاكين واحدة بل المتاع واحد تختلف قيمته بحسب الدكاكين والاسواق مع كون المتاع واحد في جميع الخصوصيات من حيث الجودة ونحوها كما لا يخفى، ونتعرض لوجه هذين الشرطين قريبا. ثم انه لا شبهة في ثبوت هذا الخيار في الجملة بل ادعى بعضهم الاجماع عليه، ولكن انكر المحقق هذا الخيار لعدم كونه منصوصا وقد استدل العلامة في التذكرة على ثبوت هذا الخيار بقوله تعالى الا ان تكون تجارة عن تراض بدعوى أن المعاملة الغبنية ليست تجارة عن تراض إذا علم المغبون بالحال لم يرض بها اصلا وحيث ان ما كان مفقودا اعني التساوى في المالية انما هو وصف من أوصاف المبيع الذى هو قيد له وليس من الاركان ففقد انه لا يوجب البطلان بل يوجب الخيار كما هو واضح.

[ 291 ]

وقد ناقش المصنف في ذلك صغرى وكبرى أما الصغرى فلان كون العوضين متساويين في الماليه ليس الا من قبيل الداعي ولا شبهه ان تخلف الداعي لا يوجب الخيار. ثم ناقش في الكبرى بأنه لو سلمنا أن أخذ ذلك في المبيع على وجه التقييد ولكن تخلفه لا يوجب الخيار فانه ليس من الاوصاف المذكورة في ضمن العقد فلا يوجب تخلفه الخيار بوجه أصلا. أما الاول فيرد عليه أن تخلف الداعي وان كان لا يوجب الخيار اصلا كما إذا اشترى متاعا بداعي الضيافة فلم يفعل الضيافة فان تخلفه لا يوجب الخيار أصلا لكون الدواعى كلها غريبه عن العقد فتخلفها لا يستتبع شيئا، ولكن المقام ليس كك إذ الدواعى هي تصور الغايات ليبعث إلى ايجاد العمل في الخارج ولا يعقل أن يكون ذلك قيدا في العمل الموجود في الخيار وهذا بخلاف المقام فان البناء على تساوى العوضين في الماليه مأخوذ في العقد أخذ وصفا ضمنيا في العقد فيكون على وجه التقييد فان تعين بنى آدم موقوف على تبديل الاموال وبناء المتعاقدين على تساوى العوضين في الماليه فيناط التبديل بالتساوى وحيث كان هذا البناء نوعيا بحسب العرف والعاده جرى نفس اجراء العقد بين العوضين مجرى اشتراط تساويهما في الماليه فلا يكون ذلك الا كالشرط المذكور صريحا وكيف يكون من قبيل الدواعى. وأما ما ذكره من المناقشة في الكبرى من أن الشرط إذا لم يذكر في متن العقد فلا يكون تخلفه موجبا للخيار ففيه أن عدم الذكر انما يوجب عدم الخيار مع التخلف إذا لم يكن في حكم الذكر وأما إذا كان مأخوذا فيه ضمنا وبالدلاله الالتزاميه فلا شبهه في انه بمنزله أخذه في العقد

[ 292 ]

صريحا. وبعبارة اخرى أن الشروط ابتدائيه وان لم تكن واجبه الوفاء ولا يكون تخلفها موجبا للخيار ولكن إذا قامت قرينه على اعتبار وصف في المبيع وان لم يكن مذكورا في متن العقد فيكون ذلك مثل المذكور ومن الواضح أن بناء العرف والعقلا وارتكازاتهم على اعتبار تساوى الماليه في تبديل العوضين وهذا بمنزله الصغرى وحيث ان ذلك من المقومات للعقد ومن أركانه كما إذا باع عبدا فطهر حرا أو باع ذهبا فظهر مذهبا فيكون تخلفه موجبا للخيار وهذا بمنزله الكبرى فقد ثبت أن تخلف الشروط الضمنيه موجب للخيار ومن ذلك تساوى العوضين في الماليه. وقد ثبت في بعض الموارد أن تخلف الشرط الضمنى الذى اعتبر في العقد بحسب الارتكاز وبالقرائن الحاليه يوجب الخيار منها اعتبار نقد البلد فلو باع واعطى المشترى غير نقد البلد ثبت للبايع خيار تخلف الشرط الضمنى. ومنها اعتبار التسليم فلو لم يسلم المشترى الا في وقت يشاء نفسه فلم يشك أحد ثبوت الخيار للبايع وليس للمشترى ان يقول ان العقد لازم لدليل الوفاء به ونعطى الثمن في أي وقت نريد ونظائر ذلك كثيره في الفقه وقد اعترف المصنف به ايضا وعلى هذا فما ذكره العلامه في غايه الجوده والمتانه مع قطع النظر عن الايه ايضا. والحاصل أن مقتضى بناء العقلاء وارتكازاتهم هو تساوى الماليه في العوضين بحسب العاده ولو كان التفاوت في ذلك لابد وأن يكون مما يتسامح ويكون اعتبار التساوى في الماليه مشروطا في ضمن العقد و منوطا به وهذا مما لا شبهه فيه بحسب الصغرى وأما الكبرى فهو ثبوت الخيار مع تخلف الشرط الضمنى والذى يكون دليلا على ثبوت خيار

[ 293 ]

الغبن هذا ليس الا كما لا يخفى. وقد استدل على مشروعيه خيار الغبن وثبوته بأيه النهى عن اكل المال بالباطل بوجهين الاول: ما ذكره المصنف وحاصله أن المعاملة التى وقع فيها غبن قد لا يلحق بها العلم بالتبين ولم يظهر الغبن فيها بعد وقد تبين الغبن فيها وهو على قسمين لانه قد يكون التبين قبل الرضا بالعقد وقد يكون التبين فيها بعد الرضا بالعقد: أما إذا كان راضيا بالمعاملة بعد تبين الغبن فلا شبهه في صحه المعاملة ح فانه لا يكون فيها ما يمنع عن صحته ولا يكون اكلا للمال بالباطل لانه تجاره عن تراض وأما إذا كان التبين قبل الرضا بالعقد فتكون المعاملة اكلا للمال بالباطل إذا المشترى لم يرض بذلك فيكون اكلا للمال بالباطل وأما إذا كان قبل تبين الخدع في المعاملة فذكر ره أن مقتضى الآيه وان كان حرمه الاكل حتى قبل التبين الا أنه خرج بالاجماع وبقى ما بعد اطلاق المغبون ورده للمعامله. اقول يرد عليه أولا أن مقتضى التمسك بالآيه في المقام هو بطلان العقد وانفساخه بمجرد ظهور الغبن فيه من غير أن يثبت للمغبون خيار الفسخ فانه بمجرد ظهور الغبن فيها قبل الرضا بذلك يشمل عليه قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فيحكم ببطلانه لان اكل المال بالباطل حرام وضعا وتكليفا ولا يحتاج بطلانه إلى الفسخ مع أن الفقهاء رضوا الله عليهم ذكروا ان المغبون بعد ظهور الغبن في المعاملة مخير بين الفسخ والامضاء. وثانيا: أنه لا وجه لاخراج ما قبل تبين الخدع عن الآيه بالاجماع بحيث انه لو لا الاجماع كانت الآيه شامله له ولكن الاجماع اوجب -

[ 294 ]

التخصيص وذلك إذ بعد شمول الآيه بالمعاملة وحكمها بكونها اكلا للمال بالباطل وحراما وضعا وتكليفا لا معنى للتخصيص فهل يتوهم أحد أن أكل المال بالباطل حرام الا في المورد الفلاني فانه مع كونه اكلا للمال بالباطل جائز وهذا لم يلتزم به فقيه. وثالثا: أنه لا يفرق في شمول الآيه وحكمها بالبطلان بين ظهور الغبن وعدمه مع عدم الرضا بالمعاملة الغبنية أي على كل تقدير فان الآيه انما فصلت بين الاسباب الصحيحه والاسباب الباطلة ونهى عن المعاملة بالاسباب الباطله وفصل بينهما كما مر مرارا وتكون الآيه ناظرة إلى اسباب المعاملات، وعليه فلا يفرق فيه بين تبين الغبن قبل الرضا أو بعده ففى جميع الصور الثلثه يحكم بصحه المعاملة لكون سببها تجارة عن تراض كما هو واضح. ومن هنا ظهر انه لا معارضة بين حرمة الاكل بالباطل وبين تجارة عن تراض. الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الاستاذ بان الرضا الحاصل من المتعاملين بالمعاملة حين ايجادها انما هو الرضا بمعنى الاسم المصدرى الذى له بقاء فيكون رضى موجودا حدوثا وبقاء فما لم تبين الغبن تكون المعاملة تجارة عن تراض ومشموله للمستثنى اعني قوله تعالى الا ان تكون تجارة، من غير ان نحتاج في تصحيح ذلك إلى الاجماع ليكون ذلك تخصيصا وبعد ظهور الغبن مع عدم رضى المغبون بالعقد يكون مشمولا للمستثنى منه فيحكم بالبطلان وهذا معنى ثبوت الخيار للمغبون. وفيه انه يرد عليه ما أوردناه اولا على المصنف من أن لازم ذلك بطلان العقد بنفسه من غير أن يحتاج إلى الفسخ اصلا كما لا يخفى مع أن الفقهاء لم يلتزموا بذلك.

[ 295 ]

وثانيا: أن المراد من التجارة هو المعنى المصدر الذى وجود حدوثا دون المعنى الاسم المصدرى الذى له بقاء والا فلازم ذلك أن يكون له الفسخ فيما إذا ترقت القيمة السوقية فان البايع ليس براض يكون العين للمشترى بعد ما ترقت القيمة كما إذا باعها بدينار ثم صارت بدينارين. وقد استدل على ثبوت هذا الخيار ايضا بالنبوي الدال على ثبوت خيار الغبن للبايع فيما اشترى في تلقى الركبان وليس ذلك الا من جهة الغبن ولا يفرق في ذلك بين الموارد اصلا فورود الرواية هنا لا يدل على الاختصاص بعد القطع بان الخيار للغبن وأن المكارى صار ومغبونين لعلم المتلقين بالسعر وعدم علم المكارين به. ولكن يرد عليه أنه لم يثبت هذا الحديث ولم يذكر في الكتب المودعة للرواية وانما هو مذكور من طرف العامة فلا يعلم كونه رواية اصلا وعليه فلا يجبر ضعفه بالشهرة لو قلنا بانجبار ضعف الخبر بالشهرة كما لا يخفى. وقد استدل ايضا بقوله صلى الله عليه وآله لا ضرر ولا ضرار في الاسلام بل ذكر المصنف أن اقوى ما يستدل به على ثبوت هذا الخيار حديث لا ضرر و لا ضرار في الاسلام بدعوى أن لزوم هذه المعاملة وعدم تسلط المغبون على الفسخ ضرر عليه واضرار به فيكون منفيا لان الشارع لم يحكم بحكم ضررى اصلا ولم يسوغ اضرار بعض المسلمين ببعض. ولكن اشكل عليه بوجهين الاول: عن صاحب الكفاية بان غاية ما استدل عليه الرواية هو رفع اللزوم وأما ثبوت الخيار بحيث يكون للمغبون حق ثابت في العقد فلا فلماذا لا يكون الجواز هنا جواز حكميا نظير الجواز

[ 296 ]

في الهبة وأما ثبوت الحق له بحيث يكون له حق الاسقاط أو انتقاله إلى الورثة بعد الموت ونحو ذلك فلا يستفاد من الرواية والحاصل أن دليل نفى الضرر ناظر إلى رفع اللزم الذى نشأ منه الضرر وأما اثبات حق يترتب عليه حكمه فلا يتكلفه دليل نفى الضرر كما هو واضح ويكون الثابت خصوص الجواز الحكمى فقط نظير الجواز في الهبة فلا يكون للمغبون حق الاسقاط وحق المصالحة عليه ولا ينتقل إلى الوارث. وفيه انك قد عرفت مرارا انه لا فرق بين الجواز الحكمى والجواز الحقى بل هما من جنس واحد وحقيقة واحدة وقد جعلها الشارع لاحد المتعاقدين أو كليهما في موارد خاصة غاية الامر قد اعطى السلطنه في بعض الاحيان لاحدهما بحيث ترتب عليه جميع آثار الحق الادمى من الانتقال والنقل بأى نحو كان ولم يرتب عليه ذلك في بعض الموارد كما في الهبة، حيث أنه ليس للواهب غير حق الرجوع إلى المتهب. وعليه فان دليل نفى الضرر انما رفع اللزوم الذى يلزم الضرر من قبله فيكون المرفوع من اللزوم مقدارا يرتفع به الضرر وح فيكون الخيار فوريا عرفيا بحيث لو لم يعمل خياره من الفسخ والامضاء لسقط خياره فيعلم من ذلك انه من الحقوق فيسقط باسقاط ذى الخيار أيضا ودعوى ثبوت الجواز الذى يكون ثابتا إلى الابد نظير الجواز في الهبة يحتاج إلى العناية الزايدة فلا دلاله في دليل نفى الضرر عليه. وإذا ثبت كون الجواز الثابت هنا مما يكون اختياره بيد المغبون فله ان يصالح عليه بالمال، واما انتقاله إلى الورثة فلا يتكفله دليل نفى الضرر بل لابد من مقدمه خارجيه لان عدم انتقال مقدار من مال الوارث إلى الورثة ليس ضررا عليهم بل يقل نفعهم بذلك فلا يشمله دليل نفى

[ 297 ]

الضرر فنقول انه ورد في بعض روايات الوصيه انه لا يجوز للمورث الايصاء على المال بأزيد من الثلث لانه اضرار للورثه فيعلم من ذلك أنه الورثة وجود تنزيلي للمورث وقائم مقامه فيكون الغبن على المورث غبنا على الورثة فيكون الخيار الثابت له بدليل نفى الضرر ثابتا للورثه ايضا كما هو واضح. وايضا يرد على صاحب الكفايه ثانيا: انه لا شبهه في جواز المعاملة اسقاط جميع الخيارات بأنه اقدام على المعاملة على متاع على أي نحو كان في الواقع بحيث لو كان المبيع يسوى في الوقع بدينار واقدم المشترى على شرائه بخمسين دينار على أي نحو كان في الواقع بحيث غرضه نفس هذا الشيئ لا شبهه في صحه هذه المعاملة وعدم ثبوت الخيار له بوجه وأوضح من ذلك لو أقدم على ذلك مع العلم بأنه لا يسوى في الواقع الا بدينار فإذا صح اسقاط الخيار في الحدوث صح اسقاطه بقاء بالأولوية كما هو واضح لا يخفى. وقد أجاب عن ذلك شيخنا الاستاذ بجواب آخر وهو أنه لو كان اعتبار التساوى بين الاموال من الشروط الضمنيه فالاستدلال بلا ضرر في محله لان مفاده أن الحكم الذى ينشأ منه الضرر مرفوع والحكم بلزوم العقد مع عدم التزام المغبون بالغبن ضررى عليه لانه وان جهل بالغبن واقدم بما فيه الضرر الال انه حيث شرط التساوى فهو بالشرط يملك على المشروط عليه حقا فإذا تخلف الشرط يكون كسائر الشروط المتخلفة التى يوجب تخلفها أو تعذرها الخيار. وأما لو كان اعتبار التساوى من الامور البنائيه أو الدواعى التى لا اشاره في العقد إليها بنحو من الانحاء لا مطابقه والا التزاما فلا وجه

[ 298 ]

للاستدلال بلا ضرر لا ثبات الخيار فان الضرر لم ينشأ من حكم الشارع باللزوم بل انما نشأ من اقدام المشترى أو البايع بذلك ولو كان اقدامه عن جهل فانه حيث تخيل التساوى بين المالين فاقدم عليه فلا يكون ما أقدمه عليه مشمولا لدليل نفى الضرر فلو كان مجرد الجهل يكون اقدامه ضرريا لحكم بعدم الضمان بدليل نفى الضرر فيما لو اقدم أحد على اتلاف مال غيره جهلا مع أنه لا شبهه في الضمان ح لانه اقدم على اتلاف مال غيره فيكون ضامنا والحاصل أن مجرد الجهل لا يكون مانعا عن كون الاقدام على الضرر عن ثبوت الضمان وسببا لشمول دليل نفى الضرر عليه فهو واضح. والجواب عن ذلك أما عن نقضه بباب الضمانات فهو اجنبي عن المقام فان دليل نفى الضرر لا يشمل ذلك فانه على خلاف الامتنان فان شموله له يوجب الضرر على المالك وقد ذكرنا في محله أن حديث لا ضرر لا يشمل الموارد التى على خلاف الامتنان كما أن بقيه أدله الرفع لا تشمل الموارد التى على خلاف الامتنان وهو واضح. وعلى الجمله نفى الضرر عن المتلف المال الغير غفله بحديث لا ضرر يوجب الضرر على المالك فيكون على خلاف الامتنان وقد حقق في محله أنه لا يشمل موارد خلاف الامتنان. وأما المقام ولو قلنا بعدم الشرط الضمنى بكون القيمتين متساويتين ومع ذلك لا يوجب الاقدام على هذه المعاملة التى معامله غبنيه اقدامه على الضرر حتى لا يثبت له خيار الغبن وذلك لان المشترى مثلا انما أقدم عليها باعتقاد أن قيمه العين متساويه مع الثمن وان لم يكن التساوى في القيمه ماخوذا في ضمن العقد وعليه فلو لم يكن العقد لازما لم يتضرر

[ 299 ]

المغبون فيفسخ العقد ولكن حيث حكم الشارع بلزوم العقد فيأتى الضرر من قبل حكم الشارع باللزوم ويكون مرتفعا بدليل نفى الضرر كما هو واضح وعلى الجمله فحيث ان المغبون انما أقدم على المعاملة باعتقاد التساوى مع عدم تساوى القيمتين في الواقع فالتزامه على ذلك ضررى عليه فيكون مرفوعا بحديث لا ضرر. ثم انه ناقش المصنف في الحديث بانه يمكن رفع الضرر من غير ثبوت الخيار بوجهين الاول: أن انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الرد والامضاء بكل الثمن إذ يحتمل ان يتخير بين امضاء العقد بكل الثمن ورده في المقدار الزائد غايه الامر ثبوت الخيار للغابن لتبعض المال عليه ويكون ذلك مثل ما اختاره العلامه في التذكره واحتمله في القواعد من أنه إذا ظهر كذب البايع مرابحه في اخباره برأس المال فبذل المقدار الزائد مع ربحه فلا خيار للمشترى فان مرجع هذا إلى تخيير البايع بين رد التفاوت وبين الالتزام بفسخ المشترى. ويرد عليه أنه لا وجه لكون المغبون مخيرا بين امضاء العقد بكل الثمن ورده في المقدار الزائد فان الالتزام بالتقسيط انما يصح إذا أمكن الالتزام بالانحلال ويقال بكون البيع الواحد منحلا إلى بيوع عديده كبيع مالا يملك مع ما يملك كالشاه مع الخنزير وكبيع مال نفسه مع مال غيره فان في أمثال ذلك يلتزم بصحه البيع فيما يملك أو في المملوك وببطلانه في ما لا يملك وغير المملوك غايه الامر يثبت للمشترى خيار تبعض الصفقه لو كانت الهيئة الاجتماعية دخيله في الماليه والا فلا يلزم محذور اصلا والوجه فيه هو أن البيع وان كان واحدا ولكنه بحسب الحقيقة بيوع

[ 300 ]

متعدده حسب تعدد المبيع وهذا واضح. وأما في المقام لا يمكن ذلك لعدم الانحلال هنا حتى يلتزم برد بعضه وامضاء بعضه الآخر لان المبيع هنا واحد والبيع واحد وقد وقع اللبيع على المثمن بثمن خاص وهو دينارين مثلا وقد كان ثمنه في الواقع دينارا واحدا فلو التزمنا بما ذكره المصنف وقلنا بجواز رد التفاوت للزم القول بامضاء الشارع غير ما انشأه المتعاقدان فان البايعه أنشأ بيع ماله بدينارين فامضاء الشارع ذلك بدينار واحد كما هو معنى رد التفاوت و امضاء لما لم ينشأه البايع فلا يكون ما امضاء منشئا وما يكون منشئا ليس بممضى وكم فرق بين المقامين. وأما ما ذكره من تنظير المقام ببيع المرابحه من أنه مع كذب البايع في اخباره برأس المال بأن أخبر أنه دينار اخبار بربح نصف دينار فظهر أنه كان نصف دينار فربح دينارا فايضا لا يرتبط بالمقام وذلك فان في المقام قد انشأ البيع على مبيع جعل ثمنه دينارين فالالتزام بكونه دينارا التزام يكون ما انشأه الشارع غير منشأ كما عرفت وليس كذلك في بيع المرابحه فان المعاملة قد جرى على التاع بثمن اشتراه البايع واقعا مع ربع معلوم فظهور كذب البايع في اخباره برأس المال وجواز رجوع المشترى إلى التفاوت لا يوجب الالتزام بكون الممضى غير المنشأ بل هو في الحقيقة رجوع إلى الزائد من الثمن الذى أخذه البايع من المشترى. وبعبارة اخرى أن البيع في بيع المرابحه انما وقع على الثمن الذى اشترا به البايع من شخص آخر مع ربح معلوم وهما ثمن في الواقع وتطبيقه على الزائد عن ذلك من جهه كذب البايع في اخباره فيكون نظير خطائه في الاخبار فيكون ذلك من باب الخطاء في التطبيق فلا يجوز

[ 301 ]

رجوعه بالتفاوت هنا بالبيع أصلا نعم يكون المقام نظير بيع المرابحه لو قال البايع للمشترى انما ابيعك هذا المتاع بالقيمه السوقيه وهى دينارين مع كونها دينارا واحدا. ثم انه ذكر المصنف احتمالا آخر لعدم ثبوت الخيار بدليل نفى الضرر بدعوى أنه يمكن أن يكون نفى اللزوم بتسلط المغبون على الزام الغابن بأحد الامرين من الفسخ في الكل ومن تدارك ما فات على المغبون برد القدر الزائد أو بدله ومرجعه إلى أن للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت فالمبذول غرامه لما فات على المغبون على تقدير امضاء البيع لا هبه مستقله كما في الايضاح وجامع المقاصد. ويرد عليه أنه لا ملزم لذلك فانه بعد صحه البيع كما هو المشهور بل المجمع عليه حيث لم يستشكل أحد في هذا البيع فبأى ملزم يغرم البايع فهل هنا موجب للضمان والغرامة من اليد والاتلاف غايه الامر أن للمشترى مطالبه التفاوت من القيمه المتعارفه وأما قبل المطالبة فلا شئ للبايع أن الغابن أصلا، افرض أن المغبون لم يلتفت بالغبن حتى مات فهل يتوهم أحد أن يكون البايع مشغول الذمه للمشترى المغبون أو يكون البيع باطلا وكيف كان فلا نعرف وجها للغرامه اصلا. ومن هنا التزم الفخر والمحقق الثاني وشيخنا الاستاذ بكون المأخوذ هبه مستقله لعدم ارتباطه بالمعاملة أصلا وعلى الجمله لا نعرف وجها لمنع التمسك بدليل نفى الضرر بشئ من هذين الوجهين الذين ذكرهما المصنف. والذى ينبغى أن يقال أنه لو جاز التمسك بحديث نفى الضرر فلازمه بطلان العقد لا ثبوت خيار الغبن وذلك لان الضرر انما يلزم من جهه الحكم بصحه العقد واللزوم انما هو لزوم الضرر لا أن الضرر يلزم من

[ 302 ]

ناحيه اللزوم ومن الواضح أن دليل نفى الضرر انما هو ناظر إلى رفع الحكم الضررى فقط ولا يكون ناظرا إلى اثبات الخيار بدعوى أن الضرر يرتفع برفع اللزوم وثبوت الخيار، فان حديث لا ضرر لا يتكفل باثبات الحكم وانما هو يرفع الحكم الضررى وهو صحه العقد كما عرفت فيكون العقد باطلا. ولكن ذلك مخالف للاجماع والضرورة فانه لو كانت المعاملة الغبنيه باطله لبان وظهر كظهور حرمه الربا فان وجود الغبن في المعاملات بين المسلمين من الكثره بمكان مع أنه لم يسمع من فقيه أن يلتزم بذلك فيكون خروج المعاملة الغبنيه عن مورد الاجماع بالتخصيص. على أن حديث نفى الضرر انما ورد في مقام الامتنان ومن الواضح أن شموله في المقام بحيث يحكم ببطلان المعاملة الغبنيه خلاف الامتنان لانه ورد في مقام الامتنان لجميع الامه ومن الواضح أنه على خلاف الامتنان على البايع فان الحكم بكون هذه المعاملة باطله يوجب ضرره ولو من جهه فوت المنفعة من كيسه فتكون هذه المعاملة خارجه عن حديث لا ضرر تخصصا وهو واضح. ثم انه استدل على بطلان المعاملة الغبنيه بجمله من الروايات الناهية عن حرمه الغبن وفى بعضها الغبن من السحت وقد ذكرها المصنف في المتن. وفيه أن الظاهر من غير روايه عمار المتضمنة لكون غبن المسترسل سحتا هو التحريم التكليفى فلا دلاله فيها على الحرمه الوضعية ويمكن أن يراد منها حرمه الغبن بفتح الباء فيكون من الخيانه في الرأى والمشاوره فانه من المحرمات فتكون مثل الروايات الداله على حرمه خيانه المؤمن.

[ 303 ]

وأما روايه عمار فذكر المصنف أنها وان كانت ظاهره فيما يتعلق بالاموال لكن يحتمل حينئذ أن يراد كون الغابن بمزله أكل السحت في استحقاق العقاب على اصل العمل وهى الخديعه في أخذه المال و يحتمل أن يراد المقدار الذى بأخذه زائد على ما يستحقه بمنزله السحت في الحرمه والضمان ويحتمل اراده كون مجموع العوض المشتمل على الزيادة بمنزله السحت في تحريم الاكل في صوره خاصه وهى اطلاق المغبون ورده للمعامله المغبون فيها ثم ذكر أن الحمل على أحد الاولين أولى ولا أقل من المساوات للثالث ولكن ما ذكره المصنف من الحملين الاولين بعيد. أقول: لا شبهه أن السحت يطلق على المال الحرم وعلى نفس الحرام أيضا في اللغه ومن الاول ما ورد في الروايات الكثيره التى تقدمت في المكاسب المحرمة كقولهم (ع) ثمن الخمر سحت وثمن العذره سحت واجور الفواجر سحت والسحت اقسام كثيره منها الرشوه وهكذا. ومن الواضح أن كون الغبن من السحت انما يلائم المعنى الثاني اعني نفس الحرام فانه هو الفعل أعنى أخذه الزيادة في المعاملة ويمكن أن يراد منه الغبن بفتح الباء فيكون المراد منه الخيانه أي الخيانه سحت وقد ورد النهى عن خيانه المؤمن في روايات كثيره وكيف كان فتكون هذه الروايات كالروايات الاخرى فلا تكون لها خصوصيه. قوله مسألة يشترط في هذا الخيار أمران أقول: قد اشرنا فيما سبق إلى أنه يشترط في خيار الغبن أمران الاول جهل المغبون بالتفاوت والثانى عدم كون التفاوت مما يتسامح أما الاول فلا شبهه في أنه لا يثبت الخيار مع علم المغبون بتفاوت القيمه وكذا ما يقوم مقام العلم من الاطمينان

[ 304 ]

فانه مع ذلك قد اقدم على الضرر ولا يثبت الخيار له مع اقدامه عليه من دون فرق في ذلك بين ما إذا كان مدرك هذا الخيار هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى فانهما ينتفيان مع الاقدام على المعاملة مع العلم بالتفاوت. وكذلك لا شبهه في عدم ثبوت الخيار له إذا لم يعلم بالتفاوت و لم يكن مطمئنا بعدمه بل كان شاكا فيه ومحتملا لذلك ولكن يقدم على المعاملة على أي تقدير بمعنى أنه يشترى المتاع سواء كانت قيمته متساويه للقيمه السوقيه أم لا بحيث لا يتسامح فانه ح لا يثبت الخيار له إذ هو قد اقدم على الضرر على تقدير تفاوت القيمه وليس المراد من اقدامه على الضرر اقدامه على المعاملة بان يقال: حيث ان المشترى قد اقدم على البيع فقد أقدم على الضرر المتحقق فيه ايضا وذلك لان الاقدام بالبيع لا يستلزم الاقدام على الضرر لانه يمكن أن يقدم على البيع الخيارى فإذا شاهد الضرر والغبن فيه يفسخ المعاملة بل المراد اقدامه على نفى الضرر أي يقدم على المعاملة على تقدير الضرر فيه كما إذا صرح بانى اقدم على هذه المعاملة بأى قيمه كان المبيع في السوق ولو كان التفاوت بمقدار لا يتسامح فانه لا يكون هنا أيضا خيار للمغبون من الاول مع ظهور الغبن أنه كان له الخيار فيسقط ولا يفرق في ذلك أيضا بين كون المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى. وقد ذكرنا سابقا أن ثبوت الخيار في موارد تخلف الشرط انما هو من جهه انتفاء الملتزم به حيث قلنا ان الوقوف على الالتزام من قبل المشروط له متوقف على وقوف المشروط عليه على التزامه بحيث لا يتخلف الملتزم به عن واقعه وإذا تخلف ثبت له الخيار وأما إذا لم يكن هنا

[ 305 ]

التزام وملتزم بحيث يتوقف عليه التزام المشترى فلا موضوع لتخلف الشرط أصلا فضلا عن ثبوت الخيار مع التخلف كما لا يخفى. وفى المقام بعد ما فرضنا أن المشترى انما اقدم على المعاملة على أي نحو اتفق وبأى قيمه كان المبيع في السوق فقد أقدم عليها مطلقا بلا توقف وقوفه عليها على تحقق الملتزم به من البايع فلا يكون هنا خيار من ناحيه التخلف إذ ليس هنا شرط ضمنى حتى يقع التخلف فيه وهو واضح هذا كله لا شبهه فيه وانما الكلام في ثبوت الخيار وعدمه مع الشك في عدم تساوى قيمه المبيع مع الثمن مع الظن الغير المعتبر بالتساوى مع عدم اقدامه على المعاملة على أي تقدير بالمعنى الذى ذكرناه فهل يثبت الخيار ح للمشترى أم لا الظاهر أنه لا شبهه في ثبوت الخيار في جميع صور الشك من غير فرق بين كون المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى وفاقا للمصنف ولشيخنا الاستاذ. والوجه في ذلك أن المشترى لم يقدم على الضرر حتى مع الظن بالتساوى بل معتمدا على الشرط الضمنى وهو تساوى العوضين في القيمه ولذا ربما يبنى على الفسخ مع ظهور عدم التساوى فالاقدام على المعاملة مع ظن التساوى والشك أو الاحتمال في عدم التساوى يثبت له خيار الغبن مع الغبن سواء كان المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى. بل الامر كذلك مع الظن بالتفاوت إذا لم يكن الظن معتبرا فان ذلك كله لا يوجب أنه قد أقدم على الضرر فانه مع ذلك يحتمل عدم الضرر ويقدم عليه وعليه فالشرط الضمنى أعنى اشتراط تساوى العوضين في الماليه موجود فيثبت الخيار مع التخلف وكذلك يجرى دليل لا ضرر

[ 306 ]

بناء على كونه دليل ذلك الخيار. ولا شبهه أن بناء العقلاء وارتكازهم على هذا حتى من غير المتشرعة ولذا يثبت هذا الخيار فيما إذا عامل يهودى مع نصراني فغبن احدهما الآخر فانه يثبت خيار الغبن في ذلك فان بناء العقلاء كان موجودا على تساوى العوضين وان لم يذكر صريحا فمع التخلف يثبت الخيار ما لم يقم دليل معتبر على خلاف بناء العقلاء ومن الواضح أن الظن بالتفاوت أو احتماله أو الشك فيه لا يقاوم بناء العقلاء ولا يكون قرينه لرفع الشرط الضمنى ولا يصح اقدام هذا الشخص على الضرر بمجرد ظنه وشكه ووهمه وهو واضح لا شبهه فيه. نعم قد يكون الاقدام على الفعل مع الشك والاحتمال مصححا للوم والذم بل الضمان ويحكم عليه بالمؤاخذه في المحاكمات العرفية فيما إذا كان الفعل مما اهتم الشارع بعدم وقوعه بحيث يكون المورد مورد الاحتياط لكثره اهتمام الشارع بالحفظ كما إذا رئى احد شبحا من بعيد وشك في كونه انسانا أو غير انسان أو احتمل كونه انسانا فارسل إليه بندقه فقتله فبان أنه انسان محقون الدم فانه يذم في المحاكم العرفية بلا شبهه بل يعزر لو لم يحد ويقتل قصاصا ويؤخذ منه الديه وكذا لو أوقع أحد بالماء مزاحا بزعم أنه ليس بعميق مع احتمال كونه عميقا يغرق الواقع فيه إذا لم يحسن السباحه وعلم الموقع أن من أوقعه عليه لا يحسن السباحه فانه لا شبهه في كونه مؤاخذا ح في المحاكم العرفية وان لم يؤخذ في المحكمه الشرعية نعم يترتب عليه حكم القتل الخطئى والوجه في ترتب الضرر على الاقدام مع الشك والاحتمال في أمثال ذلك كون الموارد مما اهتم الشارع بحفظه وكونه مما يجب فيه الاحتياط ولذا يترتب عليها الحكم مع الاقدام في حال الشك ايضا وهذا بخلاف ما نحن فيه كما عرفت.

[ 307 ]

والحاصل أنه فرق بين المقام وبين الموارد المذكورة فان في الموارد المذكورة قد تنجز الواقع فلا يجوز الاقدام عليها الا مع وجود المعذر والحجه الشرعية من الامارات والاصول والا فمجرد احتمال ترتب قتل النفس المحترمه على الفعل يتنجز التكليف ويحكم بعدم الجواز و هذا بخلاف المقام فان الواقع لم يتنجز فالشرط الضمنى موجود ما لم يقم دليل على رفع اليد فمقامنا عكس الموارد المذكورة حيث ان الاقدام على الضرر لا يتحقق الا مع قيام دليل شرعى عليه فإذا أقدم على معامله ولو مع ظن عدم التساوى لا يوجب ذلك رفع اليد عن الشرط الضمنى لعدم كون الظن حجه شرعيه. ثم انه لو اعتقد المشترى عدم كون قيمه هذا المتاع مساويا مع - القيمه السوقيه ومع ذلك قد اقدم عليه وظهر التفاوت بازيد مما اعتقده فهل يتحقق خيار الغبن في ذلك أم لا فصور المسألة أربعه الاولى أن يكون ما اعتقده من زياده بما يتسامح ومع ذلك أقدم عليه ولم يعرض عنه لزعم عدم اتحاد قيمه الامتعه في الاسواق فانه فلما يوجد شئ تتحد قيمته في الاسواق بل الدكاكين في الاسواق مختلفه فان بعض الناس يأخذ الربح الكثير وبعضهم يقنع بالقليل لقله مخارجه أو قله طمعه أو كثره منافعه وبعضهم لا يقنع بالقليل لعكس الامور المذكورة فإذا عامل مع هذا الاعتقاد لعلمه هذا باختلاف قيم الاشياء فظهر التفاوت بازيد مما اعتقده بما لا يتسامح بأن اشترى شيئا بدينار مع اعتقاده بكون قيمته أقل من الدينار بدرهم ومع ذلك ظهر التفاوت باربع مائه فلس ومن الواضح أن الدرهم في الدينار مما يتسامح ولكن الثلث مائه وخمسين مما لا يتسامح. الصورة الثانيه: أن يعتقد التفاوت بما لا يتسامح فظهر التفاوت

[ 308 ]

أزيد منه بما لا يتسامح أيضا كما إذا اعتقد أن قيمه المبيع عشره دنانير في السوق واقدم على شرائه بأربعه عشر دينار فظهر أن قيمته لا يسوى الا سته دنانير فانه لا شبهه في ثبوت خيار الغبن في هذين الصورتين بلا شبهه لان ما اقدم عليه من الضرر غير الضرر الذى لم يقدمه ومن الواضح أن ما لم يقدمه ضرر غير متسامح فيوجب خيار الغبن ولا يفرق في ذلك أيضا بين القول بأن مدرك خيار الغبن هو الشرط الضمنى أو دليل نفى الضرر كما هو واضح. الثالثه أن يقدم على ما يتسامح به فبان أزيد مما لا يتسامح بالمجموع منه ومن المعلوم وقد ذكر المصنف وشيخنا الاستاذ أنه يثبت الخيار في هذه الصورة أيضا فان ما اقدمه المغبون وان كان مما يتسامح كالدرهم في الدينار والوجه فيه أن ما اقدمه وان كان مما يتسامح به ولكن المجموع ليس مما يتسامح به ولم يقدم عليه المشترى فيكون التفاوت بذلك موجبا للخيار وبعبارة أخرى أن ما اقدمه من الضرر الذى يتسامح به لم يلاحظ بشرط لا بحيث يلاحظ ما يظهر من التفاوت الذى لم يقدم عليه مما يتسامح أيضا بشرط لا وهكذا حتى يجرى عليه حكم ما يتسامح بل المراد مما أقدم عليه مما يتسامح يلاحظ لا بشرط فإذا انضم إلى تفاوت آخر الذى لم يقدم عليه مع كونه مما يتسامح يكون المجموع مما لا يتسامح وهو ضرر لم يقدم عليه المغبون فيثبت له الخيار من غير فرق بين كون المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى كما هو واضح ولو لا ذلك للزم عدم ثبوت الخيار على هذا النحو. الرابعة: الاقدام على ما لا يتسامح فبان أزيد بما يتسامح به منفردا فذكر المصنف ثبوت الخيار هنا أيضا ولكن شيخنا الاستاذ قوى

[ 309 ]

عدم ثبوت في هذه الصورة وذكر أنه لا يقاس على الصورة الاولى لان في الصورة الاولى موجب الخيار وهو المجموع لم يقدم عليه وما اقدم عليه لم يكن موجبا للخيار وفى المقام أقدم على ما يوجبه وما لم يقدمه لا يكون موجبا للخيار. ولكن الظاهر ثبوت الخيار في هذه الصورة أيضا وذلك لان ما اقدمه مما لا يتسامح لا يوجب على اقدامه على كل مرتبه من الضرر ومن الواضح أن المرتبة التى ظهرت بعد الاقدام مما لا يتسامح وان كان التفاوت بين ما اقدمه وما لم يقدمه مما يتسامح. وبعبارة أخرى بحيث يظهر وجه ثبوت الخيار هنا أن ظهور التفاوت بين ما أقدمه المتعامل وبين القيمه السوقيه لا يوجب الخيار بلا شبهه وهو واضح فالمراد من التفاوت مما يتسامح هو هذا أي ما يكون تفاوت قيمه المبيع مما اقدم عليها المشترى من القيمه السوقيه وأما في غير المتسامح فالشرط الضمنى موجود بثبوت الخيار للمغبون وحيث انه اقدم على مرتبه من الضرر وهو لا يوجب الخيار ولكن لا يلزم منه الاقدام على مرتبه اخرى منه أيضا وان كان التفاوت بين الضررين مما يتسامح فان التفاوت بما يتسامح انما يكون معفوا في أصل ظهور التفاوت بين اصل قيمه المبيع وبين ما اقدمه المشترى لا بين ما اقدمه من الضرر وما لم يقدمه فالشرط الضمنى باق على حاله فيثبت للمغبون الخيار. ثم ان المراد من متساوي القيمه حال العقد أو بعده ذكر المصنف أن المعتبر القيمه حال العقد فلو زادت بعده ولو قبل اطلاع المغبون على النقصان حين العقد لم ينفع لان الزيادة انما حصلت في ملكه و المعاملة وقعت على الغبن.

[ 310 ]

ثم احتمل عدم الخيار بدعوى أن التدارك حصل قبل الرد فلا يثبت المراد المشروع لتدارك الضرر كما لو برء المعيوب قبل الاطلاع على عيبه بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الرد سقط حق الرد ثم ذكر وأشكل منه ما لو توقف الملك على القبض فارتفع الغبن قبله لان الملك قد انتقل إليه ح من دون نقص في قيمته نعم لو قلنا بوجوب التقابض بمجرد العقد كما صرح به العلامه في الصرف يثبت الخيار لثبوت الضرر بوجوب اقباض الزائد في مقابله الناقص. أقول ان ما احتمله المصنف ثانيا من عدم ثبوت الخيار فهو متين بناء على كون مدرك خيار الغبن هو دليل نفى الضرر في الاسلام فانه قد ارتفع بزياده القيمه أو بنقصانها وبعده لا خيار لاحدهما كما هو واضح لارتفاع الضرر الذى يدور الحكم بثبوت الخيار مداره. وبعبارة أخرى أن الحكم انما هو تابع لثبوت موضوعه فكلما ثبت الموضوع ثبت الحكم والا فلا فاستمرار الحكم تابع لاستمرار الموضوع و حيث أن مدرك ثبوت خيار الغبن هو دليل نفى الضرر يقتضى دوران الحكم مدار الضرر وجودا وعدما فما دام هو موجود فيكون الخيار ثابتا والا فيرتفع بارتفاعه سواء كان الارتفاع قبل العلم به أو بعده ما لم يرد العقد ولم يعمل خياره وهو واضح فيما ذكره المصنف في بيع الصرف والسلم مما اعتبر القبض في حصول الملكية إذ لم يحصل الملك حتى يتحقق الضرر ويوجب ذلك شمول دليل الضرر عليه كما هو واضح الا على ما ذكره العلامه من وجوب الاقباض وهو كما ترى. وأما إذا كان المدرك لخيار الغبن هو الشرط الضمنى كما هو الموافق للتحقيق فلابد حينئذ وأن يلاحظ أن الشرط الذى أشترط في

[ 311 ]

ضمن العقد أعنى تساوى القيمتين أي مقدار من التساوى من حيث الزمان فهل المراد منه التفاوت الموجب للخيار هو التفاوت المستمر أي يكون العوضين متفاوتين في عمود الزمان وطوله بحيث لو حصل التساوى في آن من الانات لسقط الخيار أو المراد منه هو التفاوت حال القبض بحيث لا اعتبار بالتفاوت قبله أو بعده أو المراد من التفاوت الموجب لسقوط الخيار هو التفاوت حال العقد كما هو الظاهر. ان كان المراد من التفاوت الموجب لسقوط الخيار هو الشق الاول فلا شبهه في سقوط الخيار في أي زمان حصل التساوى بين العوضين من حيث القيمه لحصول الشرط الذى هو تساوى القيمتين في أي وقت من الاوقات في عمود الزمان وطوله وهو واضح وبعبارة اخرى ان المتعاقدين انما اشترطا التساوى بين العوضين في الماليه في أي وقت من الاوقات بحيث لو حصل ذلك وتحقق حال البيع أو بعده من أي وقت كان حصل الشرط وكفى ذلك في صحه المعاملة وأما لو لم يحصل ذلك بل كان التفاوت بين العوضين مستمرا إلى الابد فهو يوجب الخيار كما هو واضح ولكن هذا مخالف للاجماع والضرورة والارتكاز العقلائي وقد ادعى المصنف قيام الاجماع على عدم الاعتناء بالزيادة والنقصان بعد العقد و هذا الاجماع وان كان يبعد كونه تعبديا ولكنه موافق للارتكاز وخلاف بناء العقلاء فان هذا الشرط الذى ذكرناه انما هو بحسب العقلاء فلا يثبت البناء في مثل ذلك كما هو واضح. وأما التفاوت حال التقابض بأن كان ما يوجب الخيار هو التفاوت حال القبض دون غيره فلا خيار لو كان التفاوت بعد ذلك أو قبله وهذا مناف لما ذكره المصنف في الفرع الآتى من أنه لو ثبتت الزيادة أو التقيصه

[ 312 ]

بعد العقد فانه لا عبره بهما اجماعا كما في التذكره فان الظاهر أن الفرعين من واد واحد كما ذكره المصنف وبيان ذلك أنه إذا كان التفاوت الذى يوجب الخيار هو التفاوت حال العقد بحيث يكون الشرط الضمنى هو التساوى حال العقد فيكون التفاوت عنده موجبا لتخلف الشرط وثبوت الخيار بالتخلف فلازم ذلك أن لا يفيد حصول التساوى بعد العقد ولو كان ذلك عند القبض فلا يكون ذلك موجبا لسقوط خيار المغبون الثابت بتخلف شرط حين العقد وعليه فلا مجال لما ذكره المصنف من عدم ثبوت الخيار أي سقوط الخيار بالتدارك الحاصل بعد العقد سواء كان ذلك قبل العلم بالتفاوت أو بعده وهو واضح وان كان المناط في ثبوت الخيار هو التفاوت والتساوي حال القبض بحيث لو كان العوضان متفاوتين حال العقد ولكن حصل التساوى حال العقد أو كانا عند العقد متساويين ولكن حصل التفاوت حال القبض ثبت الخيار في الثاني وارتفع الخيار في الاول كان لما ذكره المصنف في الفرع الاول وهو ما كان العوضان عند العقد متفاوتين وحصل التساوى بعد ذلك وجه ولكنه مخالف لما ذكره بعد ذلك في الفرع الثاني وهو حصول الزيادة والنقصان بعد العقد بان كان التساوى حين العقد حاصلا وحصلت الزيادة أو النقيصة بعد ذلك حيث قال لا عبره بهما اجماعا وكيف فلا يمكن التفريق بين الفرعين بل هما من واد واحد وعليه فلا وجه لما أسر به شيخنا الاستاذ من الفرق بين المقامين فراجع كلامه. والظاهر أن المناط في الشرط الضمنى هو حال العقد ويتضح ذلك بضم أحد الفرعين بالآخر والاجماع الذى ذكره المصنف في الفرع الثاني وان لم يكن اجماعا تعبديا لبعده كما هو واضح ولكنه موافق للارتكاز

[ 313 ]

كما ذكرناه آنفا فان بناء العقلاء وارتكازهم انما قام على كون العوضين متساويين حال العقد ويتضح ذلك بملاحظه حال التجار حيث يربحون في المعاملات أو يخسرون فيها بعد العقد ويغبن احد المتبايعين و يربح الآخر من غير أن يدعى أحدهما الغبن ويدعى ثبوت الخيار لنفسه وليس ذلك الا من جهه عدم ثبوت الخيار له وعدم بناء العقلاء و ارتكازهم على ذلك بعد العقد بل هو كذلك عند العقد. والحاصل أنه ان كان المراد مما هو شرط في ضمن العقد من اشتراط تساوى القيمتين هو التساوى المستمر أو التساوى حال العقد و هو مخالف للاجماع فانه قائم على عدم الاعتناء بالزيادة والنقصان بعد العقد فان الظاهر أن الفرعين من واد واحد فانه لو كان التساوى المستمر شرطا أو التساوى حال القبض شرطا فحصلت الزيادة والنقصان بعد العقد يكون هذا داخلا تحت الاجماع بأنه لا اعتناء بالزيادة والنقصان بعد العقد أي ما يحصل بعده فيكون داخلا تحت هذا الاجماع مع أن المصنف تسلم عدم الاعتناء بالثاني مدعيا الاجماع عليه والتزم بجوازه حتى تدارك الضرر في الاول وقد عرفت عدم الفرق بينهما ولا يفرق في ذلك بين كون المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى العقدى والظاهر ان المراد من التساوى وهو التساوى حال العقد وما يوجب الخيار من التفاوت هو التفاوت حاله ويدل على ذلك ما هو المرتكزبين العقلاء ويتضح ذلك من ضم الفرع الثاني إلى الاول وملاحظه عدم الفرق بينهما وأن ما ادعى عليه الاجماع في الفرع الثاني هو الارتكاز إذ من البعيد أن يكون المراد من ذلك الاجماع التعبدى وهو واضح. وأما الوكيل فان كان وكيلا في مجرد اجراء الصيغه فهو خارج عن

[ 314 ]

المقام فانه ليس الا آله محضه وليس له شأن مما يرجع إلى البيع حتى يتكلم في ثبوت الخيار له وعدمه وانما البايع هو الموكل بلسان الوكيل الذى يجرى الصيغه كما هو واضح وقد تقدم تفصيل ذلك في خيار المجلس وان كان وكيلا في أمر البيع أيضا بأن يكون وكيلا مفوضا في البيع بحيث له أن يبيع المتاع من أي شخص شاء وكيف يشاء ولكن ينتهى أمد وكالته إلى تماميه البيع وبعد ذلك ليس له وكاله والظاهر أنه لا يثبت له الخيار في هذا الصورة أيضا لو ظهر غبن في المعاملة فان الوكيل و ان كان بايعا حقيقه ولكن الخيار انما ثبت بدليل الشرط الضمنى لمن كان مغبونا في المعاملة ومن الواضح أن المغبون انما هو الموكل وليس للوكيل بشئ من أمر البيع بعد تماميه البيع فضلا عن أن يكون مغبونا أو غير مغبون وأما ثبوت خيار المجلس لمثل هذا الوكيل في خيار المجلس فانما هو من جهه النص الدال على أن البيع بالخيار ما لم يفترق ومن الواضح أن هذا القسم من الوكيل يصدق عليه البايع فلا يقاس بالمقام كما هو واضح. نعم لو كا وكيلا مفوضا حتى بعد البيع أيضا بحيث يكون أمر البيع راجعا إليه حتى بعد البيع ويكون أمر المال راجعا إليه كالعامل في القراض مثلا فلا شبهه في ثبوت خيار الغبن له ح بالشرط الضمنى كما هو واضح وأما الوكيل في خصوص أمر الخيار بأن يكون وكيلا في اعمال الخيار الثابت للمغبون فهو أمر آخر غير ما نحن فيه وكلامنا في ثبوت الخيار له ابتداء بالشرط الضمنى كما هو واضح. ثم انه لو اطلع الموكل على معامله الوكيل ويرى أنه يعامل بأقل من قيمه المثل فهل يكون اطلاعه تقريرا للبيع ولا يثبت الخيار له ح أم لا

[ 315 ]

فربما يظهر من المصنف وغيره عدمه ولكن الظاهر أنه ليس كذلك وذلك لانه ان الوكيل وكيلا عن الموكل بالبيع على التساوى فقط دون غيره فلا شبهه أنه كان البيع ح فضوليا لان الوكيل انما هو وكيل في مجرد البيع مع تساوى العوضين دون غيره فان أجاز الموكل صح البيع والا فلا وان كان وكيلا على نحو الاطلاق فلا شبهه في ثبوت الخيار للموكل حيث ان اطلاعه على المعاملة لا يوجب سقوط الخيار فان اطلاعه عليه كاطلاعه على أن الوكيل يعامل معامله وشرط فيه الخيار للموكل غايه الامر أن الاشتراط في المقام ضمنى فهل اطلاع الموكل على ايجاد الوكيل معامله خياريه له يوجب سقوط خياره وهذا واضح جدا. قوله ثم ان الجهل انما يثبت باعتراف الغابن اقول ان اعترف الغابن بالغبن أو أن المغبون أقام بينه عليه فلا شبهه في ثبوت خيار الغبن ح وأما إذا لم يعترف الغابن ذلك أو لم يتمكن المغبون من اقامه البينه فهل لنا طريق إلى اثبات الخيار أم لا فشقوق المسألة ثلثه. الاول أن يكون الاختلاف في اصل زياده الثمن ونقصانها سواء المنشأ في ذلك هو زياده الثمن ونقصانه أو الاختلاف في التغير أو في المكان أو في زمان العقد بان يدعى المغبون أن العقد قد وقع على المتاع في مكان فلاني الذى كانت القيمه فيه أقل من القيمه السوقيه ويقول الغابن بل وقع العقد عليه في مكان فلاني فالقيمه فيه مساويه مع القيمه السوقيه فلا غبن فيه. الثاني أن يكون الاختلاف فيه من جهه العلم والجهل بان يدعى الغابن علم المغبون بالقيمه وينكره المغبون مع الاتفاق بالتفاوت وهنا صوره ثالثه قد تعرض لها المصنف في الامر الثاني وسنتعرض لها هناك

[ 316 ]

أما الاختلاف في العلم والجهل فقد ذكر المصنف وجهين في ثبوت الخيار للمغبون. الوجه الاول أنه مع الجهل بأن المشترى عالم بذلك أو غير عالم فالاصل عدم العلم فحيث أن الغبن ثابت بالوجدان فيكون عدم العلم أيضا ثابتا بالاصل فيتم موضوع الخيار للمغبون فيحكم بثبوت الخيار له و هو واضح. الوجه الثاني ما ذكره في أثناء كلامه من أن كون المشترى عالما بقيمه المبيع أو غير عالم بها لا يعلم الا من قبله فعليه ويعسر له اقامه البينه على ذلك أي على جهله مع أنه لا يمكن للغابن أيضا الحلف على علم المغبون بالحال لجهل الغابن بالحال ثم أمر بالتأمل. ويمكن المناقشة في كلا الوجهين أما الثاني فباب المناقشة فيه واسع وذلك اذلا وجه لمنع انه لا يمكن اقامه البينه للمغبون على جهله فانه كسائر الاوصاف النفسانية التى يمكن له اقامه البينه عليها ولو باعتبار آثارها وكذلك لا وجه لمنعه من حلف الغابن على علم المغبون بداهه انه كثيرا ما يطلع عليه بالمجالسه والممارسة كما هو واضح على أنه لا وجه لهذه الكبرى أي أن كل ما يعسر اقامه البينه عليه فيقبل من المدعى اذلا دليل عليه بوجه أصلا كما سيأتي. وأما الوجه الاول فاصاله عدم العلم لا فائده لها إذ العلم أو الجهل ليسا موضوعين للخيار وعدمه فلو بدل أصاله عدم العلم بأصاله عدم الاقدام على الضرر لكان حسنا فان الضرر انما هو موضوع الخيار فالاقدام مزيل له فاصاله عدم الاقدام على الضرر يثبت موضوع الخيار إذ الجزء الآخر وهو الغبن محرز بالوجدان وأما العلم والجهل فلا

[ 317 ]

يترتب عليهما الاثر بوجه الا من جهه أن العلم من مقدمات عدم الاقدام على الضرر والجهل من مقدمات الاقدام على الضرر ولا يكون اصاله عدم الاقدام على الضرر مثبتا وتوضيح ذلك أن الشرط الضمنى موجود في كل معامله بتساوي القيمتين سواء كانا ملتفتين بذلك أم لا وقد جرت المعاملة على الاشياء بهذا الشرط وإذا شككنا في أن المغبون هل اقدم على المعاملة مع العلم بعدم التساوى بحيث يكون اقدامه على الضرر مزيلا لهذا الشرط فالاصل عدمه أي عدم اقدامه على ذلك فيكون الشرط باقيا على حاله مع كون الضرر وجدانيا فلا يترتب ثبوت الشرط على الاصل بل الشرط ثابت ببناء العقلاء (على أنا نشك في اعتبار الملكية بعد الفسخ للغابن فلاصل عدمه الا أن يعارض بمثله وتحقيق الكلام في الاستصحاب). وعلى الجمله هذا الذى أفاده المصنف قدس سره متين لو بدل أصاله عدم العلم بأصاله عدم الاقدام فان عدم العلم ليس موضوعا للخيار بل الموضوع هو الضرر مع عدم اقدامه عليه أي مقيدا بذلك فلا شبهه ان الضرر محرز بالوجدان والقيد محرز بالاصل فيثبت الحكم وهو الخيار للمغبون بالاصل الموضوعي الحاكم على أصاله اللزوم. هذا كله إذا لم يكن المغبون من أهل الخبره والا فالظاهر عدم الاعتناء بقوله فانه لا معنى لكونه أهل الخبره ومع ذلك يدعى الجهل بالقيمه فانه يرجع إلى التناقض أو يكون دعواه غير عقلائي أصلا فان مقتض الظاهر من كونه من اهل الخبره هو صدور المعاملة منه عن علم فان دعوى كونه جاهلا بالقيمه نظير أن يدعى أحد ليس له مال ولا صنعه بل يتعيش التسؤل أن لى على ذمه فلان خمسين ألف دينار فانه لا يسمع منه أصلا

[ 318 ]

ولا يترتب عليه أثر التداعي والمحاكمة الا أن يدعى الغفلة على ذلك و كان دعواه الغفلة عقلائيا فانه حينئذ يسمع دعواه ولكن يكون قوله مخالفا للظاهر ويكون مدعيا لذلك فان الظاهر أن المعاملة قد صدرت منه في غير حال الغفلة وأنه أقدم على الغبن عن علم لكونه من أهل الخبره كما هو واضح وعلى هذا فلابد له من اقامه البينه على ذلك أو يحلف الآخر بأنه لا يعلم بكونه غافلا بالقيمه حال العقد أو أنه كان غير غافل عن ذلك ان كان يعلم أنه لم يكن غافلا عن القيمه حال العقد. وقد يتوهم أنه إذا ادعى الغفلة يسمع دعواه فان ما لا يعلم الا من قبله فيسمع دعواه فيه. وقد أجاب عنه المصنف بما فيه من الخلط بين الكبريين احداهما دعوى قبول قول المدعى فيما يتعسر عليه اقامه البينه والثانيه دعوى قبول قول المدعى فيما لا يعلم الا من قبله ونقض عليه بأن هذا يستلزم قبول دعوى مدعى الفساد مع تعسر أقامه البينه عليه. أما الكبرى الاولى فلا دليل عليه أصلا والا فيلزم أن يقبل قول كل من يدعى شيئا ولكن على نحو يتعسر عليه اقامه البينه وحينئذ فيلزم تأسيس فقه جديد على أن اليمين للمنكر دون المدعى واما الكبرى الثانيه فلم يثبت الا في موارد خاصه أعنى دعوى المرأه كونها حاملا أو حائضا أو طاهره وأنها خرجت عن العده وأما في غير هذه الموارد فلا دليل عليه بوجه على أنا لو سلمنا صدق الكبريين فلا نسلم كون المقام منهما أو من احداهما فانه لا يتعسر اقامه المدعى البينه على غفلته حيث انه يقم البينه على أنه كان مشغولا بأمور أخر أو كان مصابا من جهات قد وقع من اختلال الافكار ولم يدر أنه أي شئ فعل وكذلك لا نسلم كون المقام مما لا يعلم الا

[ 319 ]

من قبله. وبالجملة فاصل الغفلة وان كان أمرا نفسيا لا يعلم الا من قبل الشخص ولكنها معلومه للغير أيضا بحسب الآثار كسائر الملكات والافعال والصفات النفسانية كالعداله والعلم ونحوهما. وهذا لا شبهه فيه واين هذا مما يتعسر عليه اقامه البينه أو لا يعلم الا من قبله. وأما إذا كان الاختلاف في زياده القيمه ونقصانها وكان منشئه أي أمر من الامور المذكورة من الزمان أو المكان أو التغير فنقول قد يكون الاختلاف في زياده الثمن ونقصانه من حيث الاختلاف في أصل قيمه الشئ مع اتفاقهما على ما وقع عليه العقد كما إذا اتفقا على أن العقد وقع على خمسين ولكن يدعى المشترى أن قيمته ثلثين فحصل فيه الغبن و يدعى البايع أن قيمته خمسين فلا غبن فيه مع اتفاقهما على أن العقد قد وقع على خمسين. وهذا يكثر وقوعه في الاشياء التى يقل وجودها في السوق بحيث تخفى قيمته على المتبايعين كالجواهر ونحوها والا فيعرضون المتاع للسوق ويكشفون عن قيمتها. الصورة الثانيه: أن يكون الاختلاف فيما وقع عليه العقد بأن يدعى المغبون أن العقد قد وقع على خمسه وعشرين والعين تساوى عشره فله حق الفسخ فيفسخ العقد في خمسه وعشرين وأما العشرة فلم يقع عليه العقد ويدعى البايع أن العقد قد وقع على عشره فلا غبن حتى يثبت للمشترى خيار الغبن. الصورة الثالثه أن يكون النزاع في التغير وعدمه بأن يدعى أحدهما

[ 320 ]

من الغابن أو المغبون التغير ويدعى الاخر عدمه وهذه الصورة الثالثه تنحل إلى ثلثه اقسام: الاول أن يتفقا على أن قيمه العين كانت عشره قبل وقوع العقد عليه وقد اشتراه المشترى بثلين أو كانت القيمه قبل العقد ثلثين وقد باعه من شخص بعشرين فالغابن في الشق الاول يدعى التغير وكون القيمة حال وقوع العقد على العين بثلثين دينارا وفى الثاني يدعى التغير وهو المشترى ويقول أن القيمه تغيرت وكانت عند وقوع العقد على العين بعشرين ولو كانت قبله ثلثين. الثاني أن يقع الاختلاف في حال وقوع العقد على المبيع مع اتفاقهما على القيمه الفعليه بأن يدعى البايع أن المبيع حال العقد يسوى عشره وانما تنزلت قيمته فعلا وصارت ثمانيه فلا غبن لكون التغير في ملك المشترى والحاصل أن البايع يدعى التغير والمشترى يدعى عدم التغير وكون المبيع في حال وقوع العقد عليه يسوى بثمانيه فالمعامله غبنيه فله الخيار. الثالث: أن تكون قيمه العين قبل وقوع العقد عليها عشرين و بعده أيضا كذلك ولكن يدعى البايع أنها لم تتغير وانما وقع العقد على العين حال كون قيمتها عشرين كما أنها تساوى عشرين بالفعل فيكون مغبونا ويدعى المشترى أن قيمتها وان كانت قبل وقوع العقد عليها تساوى عشرين وكذلك بعده ولكن تغيرت عند وقوع العقد عليها وكانت تساوى بعشره فليس هنا غبن وقد ادعى المصنف في جميع هذه الصور كما هو مقتضى اطلاق كلامه لزوم العقد لوجهين الاول أصاله عدم التغير وأنه موافق للزوم ومرادف له. وفيه أولا أنه لا يثبت الخيار الا على القول بالاصل المثبت فان

[ 321 ]

عدم التغير ليس موضوعا للخيار كما هو واضح على أنه لا يعم أصل عدم التغير جميع صور الاختلاف فان في الصورة الاولى اعني ما كان الاختلاف في اصل القيمه وفى الصورة الثانيه أعنى ما كان الاختلاف فيما وقع عليه العقد ليس الاختلاف والنزاع في التغير وعدمه حتى نجرى فيه أصاله عدم التغير بل فيما وقع عليه العقد كما هو واضح. وثانيا أن أصاله عدم التغير ليس موافقا للزوم العقد دائما بل قد يكون مفاده ثبوت الخيار مع قطع النظر عن المثبتيه كما عرفت في الشق الاول والثانى وهو واضح. الوجه الثاني مما استدل المصنف على اللزوم هو أصاله اللزوم وفيه ان كان المراد من ذلك اللزوم والمستفاد من أدله اللزوم من أوفوا بالعقود وأحل الله البيع وتجاره عن تراض وغير ذلك من أدله اللزوم فلا شبهه في عدم صحه ذلك فانه قد خصصت تلك العمومات ونشك في أن الفرد المشكوك من الخارج أو من الباقي تحت العام ومن الواضح أن اثبات اللزوم فيه من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقيه فلا يجوز وان كان المراد منه الاصل الحكمى أعنى استصحاب بقاء الملكية بعد الفسخ بحيث تكون النتيجه هي اللزوم وهو وان كان له وجه بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه ولكن يمكن المناقشة فيه ايضا من جهه أن الشك في ان الملكية المجعولة انما هي محدوده بما بعد الفسخ أو مطلق لا يرفعه الفسخ فلا يكون الاستصحاب جاريا للشك في اصل الجعل فيكون معارضا بأصاله عدم الجعل وعلى الجمله فلا وجه لجريان الاستصحاب أي أصاله اللزوم هنا. والتحقيق أن يقال: أن المراد من الشرط الضمنى في المعاملة

[ 322 ]

الذى عليه يدور خيار الغبن وجودا وعدما ان كان هو تساوى القيمه أي تساوى الثمن والمثمن فحينئذ يكون الشرط عنوانا وجودا فلا شبهه في أنه كلما شككنا في هذا العنوان الوجودى فالاصل عدمه فتكون النتيجه هو الخيار لعدم حصول الشرط في جميع تلك الصور المتقدمه كما هو واضح. وان كان المراد من الشرط هو عدم الخديعه وأن لا يخدع كل منهما الآخر وأن لا تكون القيمه زائده عن القيمه السوقيه وأن لا يشترى المشترى باقل من القيمه السوقيه بحيث يكون الشرط عنوانا عدميا فح لا شبهه في كون الاصل الجارى هنا موافقا للزوم العقد فان أصاله عدم الزيادة عن القيمه السوقيه وأصاله عدم النقيصة هي أصل العدم الازلي يوافق لزوم العقد فيكون الاصل الجارى ح موافق للزوم العقد كما هو واضح ويؤيد اطلاق القوم خيار الغبن على ذلك فانه يلائم كون الشرط هو عدم الخديعه وبعبارة أخرى كلما شككنا في الزيادة أو النقيصة فأصاله عدم الازلي تحكم بعدمه فلا يترتب عليه محذور أصلا فيكون مفاد هذا الاصل موافقا للزوم العقد كما هو واضح وهذا من جمله الثمرات بين كون دليل خيار الغبن هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى وهذه نعمت الثمره. الامر الثاني: أن يكون التفاوت فاحشا وهذا الشرط مما لا ريب فيه فانه لا شبهه في تفاوت قيمه الاشياء بحسب الاسواق بل بحسب الدكاكين حتى الشئ الواحد ولو كان مطلق التفاوت موجبا للغبن لم تبق معامله الا ويكون فيه الغبن ولذا قيدوا التفاوت بكونه مما لا يتسامح. وانما الكلام في تعيين حد ما يتسامح فيه وما لا يتسامح فعن بعض العامه أن التفاوت بالثلث مما يتسامح فيه واشكل عليه المصنف

[ 323 ]

بان التفاوت بهذا المقدار مما لا يتسامح فيه قطعا بل التفاوت بالربع بل بالخمس أيضا مما لا يتسامح فيه وسكت عن التفاوت بما فوق الخمس أقول الظاهر أن ذلك يختلف باختلاف المعاملات فانه قد يكون التفاوت بالخمس مما يتسامح فيه بل يكون التفاوت باقل منه أيضا مما يتسامح فيه كما إذا كانت المعاملة في المحقرات كأن اشترى خضره من الخضر اوات بخمش أفلس مع أنه يساوى بأربعه افلس أو ثلثه ونصف فانه لا يعتنى على ذلك في العرف ولا يقال انه معامله غبنيه وقد يكون التفاوت بالخمس بل العشر بل المائه غبنا كما إذا باع ما يساوى أربعه آلاف بخمسه آلاف أو باع ما يساوى مائه مليون بمائه وواحد مليون فانه لا شبهه في كون المعاملة حينئذ غبنيه. نعم الواحد في ألف لا يكون غبنا قطعا وعلى الجمله قد يكون التفاوت غبنا بلا شبهه وقد لا يكون غبنا بلا شبهه لكونه مما يتسامح فيه وقد يشك في كونه غبنا وعدم كونه غبنا ولابد وأن يلاحظ في أن مقتضى القاعدة حينئذ أي شئ يقتضى. وقد يقال كما عن شيخنا الاستاذ إذا كان الشك في المصداق فلا يمكن التمسك بقاعده نفى الضرر لان التخصيص وان كان لبيا اعني بناء العقلاء على عدم الاعتناء بضرر يتسامح فيه ووقع الاقدام عليه الا أن الخارج إذا كان عنوانا كليا كخروج يد المحسن عن قاعده على اليد يكون لللبى كالفظى في عدم جواز التمسك بعموم العلم في الشبهه المصداقيه. ولكن يرد عليه أن هذا الكلام انما يجرى فيما إذا كان هنا خارج معلوم ولكن يشك في أن المشكوك من الخارج أو من الافراد الباقيه تحت

[ 324 ]

العام وأما المقام فاجنبي عن ذلك فان الضرر له مراتب فيصدق عليها على نحو التشكيل فمرتبه منها خارج قطعا وهى ما اقدم عليها المتبايعان والباقى مشكوك فيتمسك باطلاق الدليل كما هو واضح فالمقام لا ربط له بالشبهة المصداقيه أصلا وذكر المصنف أولا أن المرجع في ذلك أولا هو أصاله ثبوت الخيار لانه ضرر لم يعلم تسامح الناس فيه فان الخارج من دليل لا ضرر هو الضرر الذى يتسامح وأما ما يشك في كونه مما يتسامح أولا فيبقى تحت الاطلاق. ثم عدل عن ذلك ووجه اللزوم وذكر أنه يحتمل الرجوع إلى أصاله اللزوم لان الخارج هو الضرر الذى يناقشون فيه ولا يكون موردا للتسامح بل يعد ضررا عند العقلاء وأما في غيره فيشك في خروجه عن تحت الادله الداله على لزوم العقد وعدمه فيرجع إلى العمومات لعدم ثبوت مخصص هنا ليرفع اليد عن العمومات كما لا يخفى. أقول ان كان دليل خيار الغبن هو دليل نفى الضرر فلابد من اختيار الوجه الاول فلا مسوغ له لرفع اليد عن الاول والميل إلى الثاني وذلك فان المخصص للعمومات الداله على لزوم العقد حينئذ هو دليل نفى الضرر وهو دليل لفظي يتمسك باطلاقه في كل مورد يصدق فيه الضرر الا إذا ثبت التخصيص ومن الواضح أن التخصيص انما هو اقدام المغبون بالضرر فيرفع اليد عنه بالمقدار الذى ثبت فيه الاقدام وفى البقيه يرجع إلى دليل نفى الضرر حتى لو لم يكن دليل على خروج الضرر الذى يتسامح فيه أو أقدم عليه المغبون لشمله اطلاق دليل نفى الضرر ولكن خرج ذلك ببناء العقلاء ففى غيره نرجع إلى الاطلاق. وتوهم أن التمسك في المورد المشكوك بدليل نفى الضرر تمسك بالعام في الشبهه المصداقيه قد تقدم جوابه كما هو واضح ولكن قد عرفت أن دليل نفى الضرر لا يكون دليلا لخيار الغبن كما لا يخفى.

[ 325 ]

وأما إذا كان الدليل لخيار الغبن هو الشرط الضمنى وبناء العقلاء على أن المعاملة مشروط بتساوي القيمتين فلو زاد الثمن على قيمه المثمن أو زادت قيمه المثمن على الثمن ثبت الخيار للآخر كما هو واضح. وعليه فما ذكره من اصاله اللزوم هو المتبع والوجه في ذلك أن المعاملة انما وقعت على المبيع مطلقا من غير تقييد بقيد بحسب اللفظ فمقتضى الاطلاق في مقام الثبوت هو عدم تقيدها بقيد وبحسب تبعيه مقام الثبوت ونفس الامر لمقام الاثبات نكشف الاطلاق في مقام الثبوت أيضا فنحكم بكون العقد مطلقا فيكون مشمولا لادله اللزوم وليس في المقام شئ يصلح للقرينيه الا ما نذكره وليس أزيد من ذلك شئ يصلح للقرينيه نعم قد ثبت التقييد بحسب الارتكاز وبناء العقلاء لبا في صوره عدم تساوى القيمتين على نحو لا يتسامح فانه قامت السيره القطعيه على اعتبار التساوى بين القيمتين ومع التخلف على نحو لا يتسامح الذى مورد الشرط قطعا يثبت الخيار للمغبون وأما في غير هذه الصور ليس هنا دليل لفظي نتمسك به ونحكم بثبوت الخيار بل لابد من أخذ اطلاق الكلام في المعاملة والتمسك بأدله اللزوم كما هو واضح وهذا هو الصحيح في المقام كما لا يخفى. قوله بقى هنا شئ وهو أن ظاهر الاصحاب وغيرهم أقول قد ذكر المصنف بما حاصل كلامه أن دليل رفع الضرر في الاسلام انما هو دليل واحد يشمل على أفراده على نسق واحد سواء كان المورد من المعاملات أو من العبادات وعلى هذا فما الفارق بين المعاملات حيث ان الفقهاء رضوان الله عليهم ذكروا في باب المعاملات ان الضرر نوعي

[ 326 ]

فيلاحظ فيه نوع الناس مع قطع النظر عن ملاحظة حال الناس ولكن في باب العبادات ذكروا أنه شخصي فيلاحظ فيه حال الاشخاص. و بعبارة أخرى ذكروا أن المناط في باب المعاملات هو ملاحظة الضرر بالنسبه إلى المال بحيث يصدق عليه أنه ضرر مالى ولذا إذا تحقق في مورد ثبت عليه حكمه سواء تضرر به صاحب المال أو لم يتضرر بأضعاف مقابله من المضرات ولكن المناط في باب العبادات حال الاشخاص و لذا ذكروا أنه كان شراء ماء الوضوء لا يضر على حال شخص لا يرتفع وان كان هنا ضرر مالى وبلغ ما بلغ وأما إذا كان مضرا لشخص فانه يرتفع بدليل نفى الضرر وما الفارق بين المقامين وكذلك الحال في دليل نفى الحرج. أقول والذى ينبغى أن يقال أن نفى الضرر ونفى الحرج كسائر الاحكام تابع لموضوعهما ففى كل مورد تحقق ضرر أو حرج ثبت نفى الحرج والضرر كما هو الحال في سائر الاحكام الثابته على الموضوعات على عنوان القضيه الحقيقيه كما أن بقيه الاحكام تدور مدار ثبوت الموضوع وعدمه نفيا واثباتا ويلاحظ بحسب حال كل شخص شخص وهكذا الضرر والحرج ونفيهما فادله نفى الضرر ونفى الحرج ناظره إلى نفى الحرج والضرر عن الموضوعات المحققه مثلا قد ورد في الشريعه أنه إذا زالت الشمس وجب الظهران ومن الواضح أن هذا حكم كلى ثابت بعنوان القضيه الحقيقيه و يلاحظ بالنسبه إلى كل شخص لكونه موضوعا لهذا الحكم فزوال كل شخص يلاحظ بالنسبه فاى شخص أدرك الزوال صار موضوعا لوجوب الصلاه مع دركه بقيه الشرائط فيلاحظ زواله بالنسبه إليه ولا يقال زال أي نقطه من النقاط بالنسبه إليه بحيث إذا تحقق في نقطه وجب الظهران على

[ 327 ]

شخص وان لم يكن في هذه النقطة بل في نقطه كانت ليلا حين الزوال في تلك النقطة كما هو واضح. وعلى هذا فدليل نفى الحرج والضرر حكمان واردان على موضوع مقدار الوجود أي بعنوان القضيه الحقيقيه ففى أي مورد تحقق الضرر في أي نحو كان سواء كان ماليا أو عرضيا أو نفسيا أو غير ذلك لشمله حكمه سواء كان المورد عباده أم معامله فان الضرر المالى أيضا ضرر فلا وجه أصلا لملاحظه الضرر والحرج نوعيا بل لا اساس له و انما هما كبقيه القضايا الحقيقيه كما هو واضح وعليه فلا يفرق بين المعاملات والعبادات أصلا نعم قد يكون نفس الضرر والحرج موضوعا للحكم أو حكمه للتشريع كما ان اختلاط المياه حكمه لتشريع العده وهو مطلب آخر غير مربوط بنفس لا ضرر ولا حرج الذين كبقيه الاحكام الشرعية كما هو واضح و هذا كما في قوله صلى الله عليه وآله لو لا أشق على أمتى لا مرتهم بالسواك ولو لم يكن حرج على الامه لحكم بنجاسة الحديد، وأما ملاحظة الضرر بحسب الاحوال في باب الوضوء فهو بنص خاص في باب الوضوء وأنه لابد وأن يشترى الماء للوضوء وان بلغ ما بلغ الا أن يكون مضرا بحاله بحيث له عيال يموتون جباعا لو اعطى ماله وأخذ ماء للوضوء ويكون الضرر مجحفا عليه أي لا يبقى له مال يمون به عياله فباب الوضوء انما خصص لهذا النص الخاص ومن هنا يلتزم الفقهاء رضوان الله عليهم بذلك في غير باب الوضوء من العبادات كما إذا صلى في مكان فلاني لسرق السارق ماله فافهم وهذا. ثم انه ذكر المصنف في آخر كلامه أنه يمكن الالتزام بعدم الضرر اصلا في باب العبادات لان ما يصل إليه من الاجر أعظم مما يفوت عنه من المال وقد وقع في مقابل ماله أجر كما أنه لا يقال أن فلانا تضرر إذا

[ 328 ]

باع ماله وأخذ الدينار فان في مقابل ماله وصل إليه الدينار فلماذا يكون ضرر عليه. وفيه أولا النقض بسائر أبواب العبادات فانهم لم يلتزموا بذلك في غير باب الوضوء كما اشرنا إليه وثانيا أن وصول الاجر إليه غير معلوم فانه مع نفى الحكم بادله نفى الضرر وحكومه أدلته على الاحكام الاوليه لا يبقى هنا أمر بالوضوء حتى يوجر ويصل إليه الثواب فان الثواب انما يترتب على امتثال الامر لا على مجرد الحركات الخارجيه. والحاصل أنه ذكر المصنف أن الضرر المالى في باب الوضوء لا يتحقق فانه يحصل في مقابله أجر له فلا يكون ضررا عليه وقد ذكر وجه ذلك في قاعده لا ضرر حيث قال أن المنفى بدليل نفى الضرر انما هو الضرر الغير المتدارك والضرر هنا متدارك بالثواب أو أن هنا ليس ضرر أصلا حتى يكون متداركا فان ذلك نظير اعطاء الفلس وأخذ المتاع كما لا يخفى فافهم وعليه فلا يكون الضرر المالى في باب الوضوء ضررا. أقول: أما تفصيل نفى الضرر بالضرر الغير المتدارك مما لا وجه له أصلا لعدم الدليل عليه وأما أن القول بأنه ليس هنا ضرر لوصول الاجر عليه فهو يشبه العرفان بداهه أن هذا ضرر بلا شبهه على أنه لو كان وصول الاجر في مقابل المال في باب الوضوء موجبا لتدارك الضرر أو أن لا يكون هنا ضررا أصلا فلازم ذلك أن نقول بذلك في جميع أبواب العبادات مثلا لو توقف تحصيل الماء على بذل مال كثير لابد من بذله لعدم الضرر فيه مع أنه لم يقل به فقيه على أنك قد عرفت أن وصول الاجر إليه غير معلوم كما لا يخفى. قوله فيقع الاشكال في تصور غبن كل من المتبايعين معا أقول:

[ 329 ]

قد وقع الكلام في تصوير الغبن من الطرفين البايع والمشترى في المعاملة وذكروا في تصوير ذلك وجوها: الاول ما ذكره صاحب القوانين عند السؤال عن عباره اللمعه في تصوير الغبن من الطرفين وحاصله أنه لو باع متاعه باربعه توامين على أن ييعطيه ثمانيه دنانير بزعم أن ثمانيه دنانير يسوى أربع توامين والحال أن المتاع يسوى بخمسه توامين وأن ثمانيه دنانير تسوى بخمسه توامين فانه حينئذ يكون البايع مغبونا لانه باع ما يسوى بخمسه توامين بأربعه توامين والمشترى مغبون لان اعطى ثمانيه دنانير بزعم أنه يسوى باربعه دنانير مع أنه يسوى في الواقع بخمسه وقد اشكل عليه المصنف بأنه انما يلاحظ الغبن في المعاملة بالنسبه إلى مجموع ما يرجع إليها من الشرائط والعوض والمعوض ومن الواضح أنها ليست بمعامله غبنيه من حيث المجموع فلا يكون هذا وجها لتصوير الغبن من الطرفين لان هذه المعاملة مع ملاحظة الشرائط مجموعا من حيث المجموع ليست بمعامله غبنيه وبعبارة أخرى ان كان الشرط و المشروط ملحوظا معا ولو حظ معامله وأخذه مستقله فلا شبهه أنها ليست بغبنيه وان كان الشرط اجنبيا عن المشروط ولم يكن له تماس بالمعاملة بل لو حظه مستقلا فيكون هنا معاملتان فيكون المغبون في احدهما المشترى وفى الآخر البايع كما لا يخفى ومن هنا ظهر الجواب عما نقله المصنف عن بعض معاصيره من فرض المسألة فيما إذا باع شيئين في عقد واحد بثمنين مثلا بأن باع كتاب المكاسب وكتاب الرسائل صفقه واحده ولو حظ كتاب الرسائل نصف دينار مع أنه يسوى بدينار وكتاب المكاسب بدينارين ونصف مع أنه يسوى بدينارين ففى هذه المعاملة يكون كل من البايع والمشترى مغبونا كما هو واضح.

[ 330 ]

ووجه الظهور أنه ان لو حظ مجموع الكتابين مبيعا واحدا فيلاحظ المجموع من حيث المجموع ومن الواضح أن المجموع من حيث المجموع ليس بمعامله غبنيه وان لو حظ كل من الكتابين مبيعا واحدا مستقلا فيكون البايع مغبونا في أحدهما والمشترى مغبونا في الآخر فلم تكن هنا معامله يتصور فيها الغبن من الطرفين كما هو واضح. ومنها ما ذكره بعض من فرض المتعاملين وقت العقد في مكانين مع كون قيمه المثمن مختلفا بحسب المكانين كما إذا فرضنا أن المبيع هو الحنطه وكان ثمن كل من منها في خارج البلد دينارا لنزول العسكر فيه مثلا ولكن في داخل البلد نصف دينار فاشترى البلدى من اهل الخارج بكل من بثلثه أرباع دينار فانه يكون البايع مغبونا في هذه المعاملة فان الفرض أن كل من من الحنطه كان دينارا فقد باعها بثلثه أرباع دينار و المشترى أيضا مغبون فان المفروض أن قيمه الحنطه في البلد كانت كل من بنصف دينار وقد صار مغبونا بربع دينار. وفيه أن المراد من الغبن في المعاملة هو ملاحظة مكان تحققها فان كان بيع الحنطه في خارج البلد مع كون التسليم فيه ومن الواضح ان البايع مغبون فان قيمه كل من من الحنطه في ذلك المكان دينار فقد باعه بثلثه أرباع دينار وان كان البيع في البلد أو بشرط أن يسلم المبيع في البلد فيكون المشترى مغبونا كما لا يخفى فلا يلاحظ المكانين في معامله واحده كما هو واضح لا يخفى فافهم. وقد نقل المصنف عن مفتاح الكرامة تصوير كون الغبن من الطرفين بحسب الحكم الظاهرى دون الواقعي كما إذا ادعى كل من المتبايعين الغبن كما إذا باع ثوبا بفرس بظن المساوات ثم ادعى كل منهما نقص

[ 331 ]

ما في يده عما في يد الاخر ولم يوجد المقوم ليرجع إليه فتخالفا فيثبت الغبن لكل منهما فيما وصل إليه، مع أن في الواقع المغبون أحدهما لا كلاهما. أقول هذا انما يبتنى على أن كل من يدعى شيئا ويتعسر عليه اقامه البينه فانه يقبل قوله مع يمينه كما تقدم وعليه فكل من البايع و المشترى انما يتعسر عليه اقامه البينه فيقبل قوله مع يمينه فيثبت ما يدعيه من الغبن ولكن قد عرفت أنه لا دليل عليه خصوصا إذا كانت الدعوى مما يطلع عليه كل أحد وانما لم يطلع عليه من جهه العوارض كعدم وجود من يطلع عليهما في مقام البيع ليكون بينه للواقعه وقلنا في السابق أن الحلف انما هو للمنكر وليس من وظيفه المدعى الحلف. وأما بناء على فساد هذا المبنى كما هو كذلك فيكون من يدعى الغبن مدعيا والآخر منكرا فللمدعى البينه وللمنكر اليمين ومع كون كل منهما مدعيا للغبن ومنكرا لكون الآخر مغبونا فيتحالفان فيحكم بعدم غبن كل منهما لا بغبن كليهما فلا يكون لاى منهما خيارا أصلا كما عرفت على أن مقتضى التحالف أن يحلف كل منهما على أنه لم يغبن الآخر فيكون مقتضى ذلك أن لا يكون أي منهما مغبونا لا أن يكون كلاهما مغبونا وهو واضح. فتحصل أنه لا يمكن تصوير الغبن من الطرفين في معامله واحده كما ذكره بعض المحشين للروضه وقال (فلا يعقل كونهما معا مغبونين و الا لزم كون الثمن اقل من القيمه السوقيه واكثر وهو محال فتم) نعم يمكن تصوير ذلك إذا كان الغبن بمعنى مطلق الخديعه كما إذا باع فرشا بأربعه دنانير على أنه من شغل كاشان فبان أنه من شغل همدان ومع

[ 332 ]

ذلك أنه يسوى بثمانيه دنانير وحينئذ فقد خدع كل منهما في هذه المعاملة وهو واضح. والذى ينبغى أن يقال انه كان مدرك خيار الغبن هو دليل نفى الضرر يمكن فرض الغبن من الطرفين بخلافه إذا كان مدركه الشرط الضمنى الذى ذكرناه أما الاول كما إذا باع حطبا من زيد كل حقه بمائه فلس مع كون الحطب كل حقه بدرهم واشترط المشترى عليه أن ذلك من خشبه أبنيته وواضح أن هذه المعاملة ضرريه لكل من البايع والمشترى أما كونها ضرريه للبايع فلان تسليم المبيع يتوقف على تخريب الدار وهو ضرر على البايع، وأما كونه ضررا على المشترى فلان قيمه الحطب انما هي كل حقه بدرهم وقد باع منه البايع كل حقه بمائه فلس فيكون الدرهم زائدا عن القيمه السوقيه ولا يجرى هنا ما ذكره المصنف من الجواب عن المحقق القمى فان هذا الشرط ليس له دخل في زياده الثمن أصلا فانه لا يفرق في الحطب بين كونه من أخشاب البناء وبين كونه من أخشاب الحديقه بل ربما يوجب كونه من اخشاب البناء نقصا في الحطب لكونه باليه كثيرا بخلاف ما إذا كان من اخشاب الحديقه فهذا الشرط ليس مثل اشتراط كون أربعه توامين ثمانيه دنانير (الا أن يقال ان هذا الشرط أيضا ليس له دخل في المزية وانما المزية من جهه الخطاء في التطبيق، من المقرر) وعلى هذا فيكون العقد جائزا من الطرفين كما هو واضح. وأما إذا كان دليل خيار الغبن هو الشرط الضمنى فلا يعقل الغبن من الطرفين بحيث يثبت الخيار للمتبايعين ويكون العقد جائزا من الطرفين. فان الشرط الضمنى اعني اشتراط تساوى القيمتين أو عدم زياده القيمه وعدم نقصه لا يعقل الا من طرف واحد فيكون الغبن من

[ 333 ]

طرف واحد كما هو واضح فافهم. قوله مسألة ظهور الغبن شرط شرعى لحدوث الخيار أو كاشف عقلي عن ثبوته حين العقد أقول: قد عرفت أنه لا شبهه في ثبوت خيار الغبن في المعاملات وانما الكلام في أن ثبوت هذا الخيار من حين تبين الغبن أو من حين العقد وجهان وقد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك اختلافا شديدا وصار ذلك منشأ للوجهين وقد جمع المصنف بين شتات أرائهم بالفرق بين ثبوت الخيار فعلا بحيث يكون لذى الخيار سلطنه فعليه على الفسخ وبين ظهور الخيار له واقعا فالاول لا يثبت الا بعد ظهور الغبن بخلاف الثاني ثم تكلم في آثار ذلك الخيار ولكن الظاهر أنه لا وجه لذلك التفصيل فان معنى الخيار هو السلطنه الفعليه أعنى السلطنه على فسخ العقد كما تقدم في أول الخيارات وإذا ثبت ثبت له ذلك والا فلا يعنى معنى ثبوت الخيار هو ثبوت السلطنه لذى الخيار على فسخ العقد كما هو واضح فليس لهذا التفصيل مجال أصلا. وانما المهم هو التكلم في جهتين: الاولى في أن هذا الخيار ثابت من الاول أو من حين تبين الغبن والذى ينبغى أن يقال: أنه لابد من ملاحظة دليل هذا الخيار فلو قلنا بكون دليله هو دليل نفى الضرر كما ذهب إليه المشهور من المتأخرين واختاره المصنف أو قلنا بأن دليله هو الشرط الضمنى فعلى كل حال فلا شبهه في كونه ثابتا من الاول فان دليل نفى الضرر ينفى الضرر الواقعي وكك أن شرط الضمنى هو اشتراط التساوى الواقعي بين العوضين أي كون هذا لازم الشرط الضمنى كما تقدم فان الشرط الضمنى هو عدم الزيادة أو عدم النقيصة أي يشرط كل من المتبايعين على الآخر أن لا يكون ماله زائدا عن مال

[ 334 ]

طرفه بما لا يتسامحه وهذا واضح ونعبر عن ذلك بلازمه أعنى تساوى القيمتين. وعلى الجمله فبناء على كون دليل خيار الغبن أي من هذين الوجهين يثبت الخيار للمغبون من الاول كما هو واضح. نعم لو كان دليل خيار الغبن هو الاجماع أو ما تقدمت الاشاره إليه من النبوى حيث نهى عن تلقى الركابان وقال إذا جائوا بالسوق فلهم الخيار بناء على انصراف ذلك النبوى إلى صوره ظهور الغبن لا اثبات الخيار على وجه الاطلاق بمجرد المجئ إلى السوق سواء ظهر غبن في المعاملة أم لا كما ذهب إليه ابن ادريس الذى هو خلاف منصرف النبوى فانه بناء على ما هو الظاهر من النبوى من كونهم ذى خيار بعد مجيئهم إلى السوق إذا تبين لهم الغبن لا مطلقا فان لا معنى لثبوت الخيار لهم بعد المجئ إلى السوق تعبدا والا لكان ثابتا من الاول وكيف كان فبناء على ظاهر النبوى فيكون دليلا على ثبوت الخيار من حين تبين الغبن لا من حين العقد وكذلك لو كان المدرك هو الاجماع فان - المتيقن منه هو ثبوت الخيار مع ظهور الغبن ولكن يرد على الاجماع أنه ليس بحجه وعلى النبوى أنه ضعيف السند إذ لم نجده في كتب الاصحاب المعدة للحديث وانما ذكروه في كتب الاستدلال واخذوهم من العامه، ولم ينجبر ضعفه بشئ إذ لم يثبت كون عملهم على طبقه و انما استندوا بغيره من الوجوه المذكورة في المسألة بل ثبت عدم استنادهم إليه الا قليل كما يظهر من ملاحظة كلماتهم. على أنه يمكن المناقشة في دلالته أيضا بدعوى أن المراد من ثبوت الخيار بعد المجى بالسوق هو تبين الغبن كما عرفت وأن هذا التبين طريق إلى الواقع لا انه موضوع بنفسه لثبوت الخيار فحيث ان الغبن من الاول وان كان تبينه من الان

[ 335 ]

فيثبت له الخيار من الاول وبعبارة اخرى أنا لا نحتمل أن العلم جزء الموضوع لثبوت خيار الغبن بل تمام الموضوع له انما هو الغبن لا الغبن المعلوم فإذا يثبت الخيار للمغبون من الاول ونظير كون التبين هنا طريقا إلى الواقع كتبين الفجر في شهر رمضان في قوله تعالى كلوا واشربوا حيت يتبين لكم الخيط الابيص من الخيط الاسود من الفجر فان التبين هنا ليس له موضوعيه لحرمه الاكل بحيث لو لم يتبين الفجر لغيم ونحوه إلى أن مضى ساعه من طلوع الشمس فايضا يجوز الاكل فهذا غير محتمل قطعا اذن فيكون التبين طريقا إلى الفجر كما هو واضح وكك في المقام. فتحصل أن ثبوت الخيار الغبن من حين العقد هذا ما يرجع إلى الجهه الاولى وعليه فلا وجه لتفصيل المصنف بين ثبوت الخيار له واقعا وكونه ذى حق في الواقع وبين ثبوت السلطنه الفعليه له فعلا على فسخ العقد. الجهه الثانيه أعنى التكلم في ترتب آثار الخيار على خيار الغبن وأنه هل يترتب على هذا الخيار من الآثار ما يترتب على بقيه الخيارات من الآثار بعنوان الخيار من خصوصيه لاحدى الخيارات أو لا يترتب عليه آثار بقيه الخيارات أقول ومن جمله آثار الخيار انتقاله إلى الورثة بعد موت المورث وعليه فان قلنا بثبوت خيار الغبن من حين العقد كما هو كذلك ومات المورث قبل أن يتبين الغبن فانه يثبت الخيار لوارثه فان الخيار من الحقوق لذى يورث فلا فارق في ذلك بين خيار الغبن و سائر الخيارات ومن جمله الآثار أنه يجوز اسقاطه قبل ظهور الغبن كما إذا قال ان كان لى خيار في هذا العقد فاسقطه أو يقول بنحو العموم ان كل خيار لى فقد اسقطه فانه ح يسقط خياره هذا وان لم يعلم به كما

[ 336 ]

هو واضح والجهه الاخرى من الثمرات أنه وقع الخلاف بين العلماء في انه يجوز التصرف في الثمن أو المثمن في زمان الخيار اولا فذهب بعضهم إلى عدم الجواز مطلقا وبعضهم إلى الجواز مطلقا وقد فصل بعضهم بين بيع الخيار فالتزم بعدم الجواز وبين غيره والتزم بالجواز ولكن ادعوا عدم الخلاف وثبوت الاتفاق على عدم جواز التصرف في العوضين في زمان خيار الغبن فان التصرف يوجب كون العين في معرض التلف ومن المحتمل أن ذى الخيار يفسخ العقد ويرجع بالعين وأن اتفاقهم على هذا انما هو بعد ظهور الغبن لا قبله وقد ذكروا أنه يكشف من هذا الاتفاق أن خيار الغبن انما يثبت للمغبون من حين ظهور الغبن. ولكن الظاهر أن جميع الخيارات في ذلك على حد سواء ان جاز التصرف في زمان الخيار جاز في كلها والا فلا يجوز في شئ منها وأنه لا يكون هذا الاتفاق مائزا بين المقامين وذلك لعدم ثبوت هذا الاتفاق فانه لانطمئن باتفاقهم على عدم جواز التصرف قبل ظهور الغبن من جهه أنهم يرون عدم جواز التصرف في زمان الخيار وجوازه في غير زمان الخيار وحيث انهم اتفقوا على جواز التصرف قبل ظهور الغبن فيكشف من ذلك أنه ليس لهم خيار قبل ظهور الغبن كما هو واضح وليس لنا علم بذلك من جهه أنه يحتمل قريبا أن جمله من القائلين بجواز التصرف في العوضين قبل ظهور الغبن أنهم التزموا بذلك لذهابهم إلى جواز التصرف في العوضين في زمان الخيار كما هو كذلك وعليه فلا يكون اتفاقهم على جواز التصرف قبل ظهور الغبن كاشفا عن اتفاقهم على عدم ثبوت الخيار قبل ظهور الغبن. نعم لو كان لنا علم بأن اتفاقهم على جواز التصرف قبل ظهور الغبن من جهه كونه غير زمان الخيار لكان ذلك كاشفا

[ 337 ]

عن ثبوت الخيار بعد ظهور الغبن ولكن أنى لهم باثباته. على أنه لا دليل على عدم جواز التصرف في العوضين في زمان الخيار وتوهم أن التصرف يوجب كون العين في معرض التلف لا يكون مانعا عن ذلك لما عرفت سابقا أن متعلق الخيار هو العقد وهو باق حتى بعد تلف العين فانه إذا اعمل صاحب الخيار خياره يرجع إلى بدل العين لا إلى نفسه نعم مع بقاء العين يرجع إلى نفسها مع الفسخ وأما أنه لا يجوز التصرف في العين في زمان الخيار فهو باطل فانه بعد كونه مالا لمالكه فباى وجه نمنع عن تصرفاته مع كون الناس مسلطا على أموالهم. ومن جمله الثمرات أنه هل التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له أو أنه من مالكه وقد تقدم سابقا في خياري المجلس والحيوان أن مقتضى القاعدة الاوليه هو كون تلف مال كل شخص على صاحبه وأن لا يحسب على شخص آخر ولكن قد ورد النص على أن تلف الحيوان في زمان الخيار ممن لا خيار له فان تعدينا إلى غير خيار الحيوان وقلنا بكون تلف المبيع مطلقا في زمان الخيار ممن لا خيار له وكذلك تعدينا إلى تلف الثمن أيضا لقلنا في جميع الخيارات وفى تلف الثمن والمثمن في زمان الخيار في جميع المعاملات حتى خيار المجعول الذى من مصاديقها خيار الغبن الثابت بخيار تخلف الشرط وان اقتصرنا بمورد النص فقط فلا يحسب تلف المبيع أو الثمن على من لا خيار له في زمن الخيار سواء كان خيار الغبن أو غيره وهو واضح جدا. ولكن قد تقدم أن هذا الحكم قد ثبت في مورد خاص بالنص فلا يجوز التعدي إلى غير مورده فتكون القاعدة الاوليه المذكورة محكمة فافهم

[ 338 ]

وعلى كل حال فلو عمم ذلك أي كون التلف المبيع في زمن الخيار ممن لا خيار له إلى غير مورده لكن في مورد خيار الغبن أيضا ممن لا خيار له قبل ظهور الغبن وبعده بناء على ما ذكرناه من ثبوته من الاول وأن لم يعلم به المغبون ومن جمله الآثار أنه إذا قلنا بثبوت الخيار من الاول وقلنا بكون التصرف مسقطا للخيار مطلقا فيكون هنا ايضا مسقطا كما هو واضح. وقد تقدم فيما سبق أنه لم يثبت كون التصرف مسقطا تعبديا الا في مورد خاص أعنى بيع الحيوان فانه ثبت فيه أن التصرف الخاص موجب لسقوط الخيار كقوله (ع) أرايت ان لامس أو قبل الخ وكذلك ثبت كون التصرف مسقطا في خيار المجلس وكذلك التصرف المغير وأما كون مطلق التصرف مسقطا للخيار فلم يثبت بدليل وانما كونه مسقطا من جهه الظهور العرفي وكونه ظاهرا في اسقاط الخيار عرفا فكلما كان له ظهور في الاسقاط الفعلى يحكم بمسقطيته والا فلا. والحاصل أن الافعال كالاقوال في ابراز ما في الضمير واظهاره فكما أن الاسقاط القولى موجب لسقوط الخيار ويكون كاشفا عن ابراز ما في الضمير وكذلك الاسقاط الفعلى فانه أيضا يكون من مصاديق الاسقاط وإذا لم يكن التصرف بحيث يكون من الاسقاط فلا يكون له قابليه لاسقاط الخيار وظهوره في ذلك فيكون مثله (وجوده) كعدمه والمفروض أنه لم يرد التعبد بكونه مسقطا على أي وجه اتفق كما هو واضح فافهم. قوله مسألة يسقط هذا الخيار بأمور احدها اسقاطه بعد العقد أقول يقع الكلام هنا في أربع مسائل: الاولى: أن يسقط خياره قبل العلم بالغبن مجانا.

[ 339 ]

الثانيه: الاسقاط به قبل العلم بظهور الغبن من العوض. الثالثه: الاسقاط به مع العلم به مع العوض. والرابعه: الاسقاط به مع العلم به مع عدم العوض. أما المسألة الاولى فلا شبهه في سقوط الخيار قبل العلم بالغبن بأن يقول أسقط خيار الغبن في هذه المعاملة ولا شبهه في ذلك بناء على ثبوت الخيار من الاول غايه الامر أنه لا علم بالخيار فمجرد عدم العلم به لا يمنع عن تأثير الاسقاط فانه لو قال أحد كلما لى من الخيار فقد اسقطه فانه لا شبهه في شموله لكل خياره وان كان لم يعلم به وهو واضح جدا. وأما لو قلنا يكون حدوث الخيار بعد تبين الغبن فاسقط المغبون خياره بعد الغبن وقبل ظهوره والعلم فهل يجوز ذلك أم لا فذكر المصنف أنه يكفى في ذلك تحقق السبب المقتض للخيار وهو الغبن الواقعي وان لم يعلم به وهذا كان في جواز اسقاط المسبب قبل حصول شرطه ولا يكون من قبيل اسقاط ما لم يجب. ولكن يرد عليه أن المقتضى ان كان تام التأثير بحيث يؤثر في المعلول بالفعل فيكون الخيار ثابتا بالفعل ولا يكون معلقا على حدوثه بعد العلم بالغبن وهو خلف الفرض. وان لم يكن المقتضى تام التأثير فلا يكون الاسقاط بمثل هذا المقتضى من تحت الاسقاط لما لم يجب فيبقى المحذور في حاله. ولكن الظاهر أنه لم يدل دليل على عدم جواز الاسقاط بما لم يجب الا ما يتوهم من كونه تعليقا ومن الواضح أن المتيقن من ذلك هو العقود بالنسبه إلى التعليق بامر مجهول فلا يجرى في غيره وعلى الجمله لا نعرف أساسا صحيحا لعدم جواز اسقاط ما لم يجب فلا نرى في أن

[ 340 ]

يسقط الانسان بما يتعلق له من الحق بذمه غيره قبل تعلقه بها ولم يرد في آيه ولا في روايه ما يمنع عن ذلك كما هو واضح لا يخفى بل هو من جهه الاجماع ولعله ليس اجماعا تعبديا بل من جهه عدم اعتبار العقلاء بمثل ذلك ويمن أن يكون مدرك الاجماع ما ورد من النهى عن بيع ما لم يملك بعد وعن بيع ما ليس عندك والعقلاء لا يعتبرون الملكية في أمثال ذلك أيضا وعليه فإذا اعتبر العقلاء اثرا عليه في مورد فلا مانع من اسقاط ما بم يجب. ثم انه مع العلم بالغبن تاره يكون ما اسقطه من الغبن موافقا للواقع وهذا لا شبهه فيه وقد يكون أقل مما اعتقده وهذا ايضا لا شبهه فيه و قد يكون مخالفا بان يكون الغبن أزيد مما اعتقده فحينئذ يقع الكلام في صحه الاسقاط وعدمه وأنه اسقاط للغبن من أصله أو بمقدار ما اعتقده وتوضيح ذلك أنه إذا اسقط خياره قبل العلم بالغبن باعتقاد أنه إذا كان هنا غبن يكون خمسا في الخمسين ولكن لما تبين الحال فظهر أنه مغبون في الخمسين بثلثين فهل يسقط خياره مطلقا أو يسقط بالنسبه إلى مرتبه خاصه أعنى ما اعتقده في مقدار الغبن وقد عنون المصنف ذلك في صوره كون الغبن معلوما ولكن المسألتان من واد واحد فيجرى هذا البحث في كلتا المسألتين كما هو واضح. وعلى كل حال فلا يمكن أن يكون المقام من باب التقييد بأن يكون ما اسقطه من الخيار مقيدا بكون الغبن خمسه في الخمسين ويكون خياره باقيا في المرتبة أخرى التى لم يسقطها وبعبارة أخرى اسقاط ما احتمله أو اعتقده من مرتبه الغبن لو كان موجبا لتقييد الاسقاط بتلك نظير تقييد المبيع بالصورة النوعية لكان لعدم سقوط الخيار عند تبين زياده الغبن

[ 341 ]

عما احتمله أو اعتقده وجه الا أنه لا يمكن التقييد في المقام لان الخيار امر واحد بسيط ليس ذا مراتب ولا يقبل التأكد وفى المقام لا يقبل التخصص بسبب دون سبب كما في اجتماع خياري الحيوان والمجلس في عقد واحد فان مأه دينار مثلا مرتبه واحده من الغبن فلا يعقل اسقاط مقدار منه و بقاء مقدار آخر واذن فيكون من قبيل الداعي يعنى أن اعتقاده بكون الغبن خمسه في الخمسين داعى إلى اسقاط خيار الغبن على ما هو عليه في الوابع بأى نحو كان كما هو واضح وبأى مرتبه وصل فيكون اسقاطه خيار الغبن باعتقاد كونه بمقدار خاص اسقاطا لخيار غبنه من أصله و اساسه ولا يقاس ذلك بباب الدين فانه إذا اعتقد عمرو كون زيد مديونا له عشره دنانير واسقطه فبان أنه مأه دينار أو اعتقد كذلك وقال أسقط جميع ما في ذمه زيد من الدين لى فانه لا باس هنا من الالتزام بان الساقط عن ذمته انما هو بمقدار عشره دنانير ولكن لا يمكن الالتزام بذلك هنا والوجه فيه أن خيار الغبن كما عرفت أمر واحد بسيط ليس ذا مراتب ان سقط، سقط من أصله وان لم يسقط فلا يسقط من أصله وقد قلنا أن اعتقاد كونه بمقدار خاص ثم اسقاطه من باب الداعي فيكون الاسقاط اسقاطا له من أصله وهذا بخلاف باب الدين فانه منحل إلى ديون متعدده نظير بيع أمور عديده في صفقه واحده فانه كما ينحل البيع هنا إلى بيوع متعدده فكك الدين فمأه دينار من الدين منحل إلى ديون عديده بحساب الدينار بل بحساب الدراهم بل أقل من الدرهم إلى أن ينتهى إلى ما لا يقبل الماليه ولا ينصف بها وعليه فاسقاط مرتبه من الدين لا يضر ببقاء مرتبه أخرى في ذمه المديون كما هو واضح وعليه فلابد اما من الالتزام بسقوط الخيار من أصله أو من الالتزام ببطلان الاسقاط

[ 342 ]

لبطلان التقييد كما عرفت وحيث عرفت أن الظاهر في مثل المقام هو الداعي فيكون اسقاطه بداعي كون الغبن بمقدار خمسه في الخمسين فبان أنه بمقدار عشرين في الخمسين اسقاطا لاصل خيار الغبن فلا يضر به تخلف الداعي. نعم يكون أن يقال بكون سقوط الخيار مشروطا بظهور الغبن بالمقدار الذى اعتقده بأن يكون اسقاط المغبون خياره معلقا بكون الغبن خمسه في خمسين والا فلا يسقط خياره وهذا لا محذور فيه الا اشكال التعليق فان هذا الاسقاط ليس منجزا فيكون باطلا ولكن يرد عليه أن بطلان التعليق في العقود والايقاعات لم يثبت بدليل لفظي بل بالاجماع وهو دليل لبى فلابد من أخذ المتيقن من ذلك وهو مالا يتوقف أصل تحقق العقد عليه ولعل الاجماع أيضا ليس بتعبدى بل من جهه أن العقلاء لا يعتبرون في مثل موارد التعليق الملكية كما لا يعتبرون في بيع ما لم يملك فالمقام نظير طلاق مشكوك الزوجية وعتق مشكوك الرقيه فان مشكوكيه المعلق عليه لا يضر بصحه الطلاق وبصحه العتق فان الطلاق و العتق مما يتوقف أصل تحققه على الزوجية والرقيه فلا يضر التعليق في مثل ذلك بصحه العتق والطلاق فقد ظهر من جميع ما تقدم حكم صوره الاسقاط مع العلم بالغبن. وعلى الجمله أن المسقط الاول هو الاسقاط وقد ذكرنا أن في المقام اربع مسائل الاولى الاسقاط قبل العلم بالغبن والثانيه الاسقاط بعد العلم بالغبن والثالثه والرابعه الفرضين مع كون الاسقاط في مقابل العوض. أما المسألتان الاولتان فقد ظهر حكمهما مما ذكرناه وحاصله أن

[ 343 ]

المحذور من الاسقاط هنا ليس الا أمران أحدهما في صوره كون الخيار مشروطا شرعا بظهور الغبن وذكروا أن ذلك من قبيل اسقطا ما لم يجب والثانى في صوره العلم بالغبن مع الاعتقاد بانه خمسه في الخمسين فبان أنه أكثر وقد قلنا أن سقوط الخيار هنا إذا كان الغبن بالخمسة فقط انما يصح إذا كان الاسقاط على نحو التعليق وعليه فيتوجه المحذور بأنه من قبيل التعليق فهو باطل وجوابه ما تقدم من أن التعليق إذا كان بما يتوقف عليه وجود العقد أو الايقاع لا يضر لكونه خارجا عن الاجماع كما هو واضح. ثم انه يقع الكلام في حكم المسألة الثالثه والرابعه أعنى اسقاط الخيار في الصورتين بالعوض كالمصالحه مثلا أما المسألة الاولى بأن يسقط خيار الغبن قبل ظهوره بالعوض ويصالح سقوطه بعوض فالظاهر أنه لا يجوز ذلك فان أخذ العوض على ذلك باطل وأكل للمال بالباطل إذ لابد وأن يكون ما يأخذه المسقط لخياره من العوض واقعا في مقابل شئ كما هو شأن المصالحة والمبادلة وقد عرفت أنه لا تجوز المصالحة على سقوط الخيار قبل ظهور الغبن والعلم بوجوده بل يحتمل أنه موجود أو ليس بموجود ومعه لا تحصل المبادلة بين سقوط الحق الموهوم وبين ما يأخذه في مقابله من العوض فلا يكون شئ في مقابل العوض فتخرج عن المبادلة بين الشيئين وقلنا لا مدفع لهذا الاشكال الا أن يكون ما يعطيه الغابن من العوض بعنوان المحابات. ولكن يمكن تصحيح المصالحة هنا أيضا بتقريب آخر بأن يقال أن المصالحة واقعه على اسقاط الخيار بعد العقد على تقدير ثبوته والعوض الذى يأخذه من يحتمل أن يكون مغبونا انما يأخذه في مقابل الفعل

[ 344 ]

الذى هو اسقاط الخيار على تقدير ثبوته ومن الواضح أن هذا الفعل و ان كان متعلقا بالخيار على تقدير ثبوته لا أنه اسقاط على كل تقدير و لكن فائدته للطرف الآخر على كل تقدير فان يحصل منه الاطمينان له فلا يحصل تزلزل في العقد بعد ذلك بحيث ينجر إلى المحاكم العرفية ومن الواضح أن حصول الاطمينان له غرض عقلائي يوجب ماليه للاسقاط الذى هو فعل المغبون وهذه وان كانت مصالحه ولكن نتيجه الاجاره فتكون كاجاره شخص لايجاد فعل في الخارج فكما أن المستأجر يملك فعل الاجير بالاجاره وكذلك أن من يحتمل أن يكون غابنا إذا أعطى درهما لمن يحتمل أن يكون مغبونا في مقابل اسقاطه الخيار المحتمل فيكون مالكا لفعله أعنى الاسقاط كما هو واضح. ومن الواضح أنه ليس هنا شئ حتى يقع العوض في مقابله فانه لا يعلم أنه مغبون في الواقع حتى يكون له حق الخيار ويكون سقوطه في مقابل هذا العوض بل ليس هنا الا احتمال الخيار الناشئ من احتمال الغبن فمجرد احتمال الحق لا يصح أن يكون عوضا في المصالحة عليه و سببا لاكل أموال الناس في مقابل سقوط وعليه فلا يصح المصالحة على سقوط خيار الغبن قبل ظهور الغبن كما هو واضح الا إذا كان ذلك في ضمن عقد آخر كأن تكون المصالحة بين شيئين أو أوقعا معامله مستقله واشترطا في ضمنه سقوط خيار الغبن على تقدير وجوده فلو أراد المغبون اسقاط خياره على تقدير وجوده بازاء العوض تعين عليه ذلك وان ذكر المصنف الاولى هو ذلك نعم لو كانت المصالحة محاباتيه بأن يهب من يتوهم كونه غابنا مالا للآخر والآخر يسقط خياره المحتمل فان هذا امر أخر والا فلا مدفع للاشكال المذكور.

[ 345 ]

وأما لو علم المغبون بوجود الغبن فاراد أن يصالح ذلك بشئ فان صالح ما اعتقده من الغبن بشئ فظهر مطابقا للواقع فلا كلام لنا فيه وان ظهر الواقع أزيد من ذلك فذكر المصنف هنا ثلث محتملات بطلن الصلح من أصله وصحته مع كونه لازما وصحته متزلزلا والحق هو الاخير ويظهر بطلان الوجهين الاولين من بيان وجه الصحه في الثالث فنقول أنه كما أن الشرط الضمنى موجود في المعاملات بكون العوضين متساويين أي لا يكون كل منهما زائدا وناقضا وقد قلنا أن ذلك مقتضى بناء العقلاء والا يثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط وهذا المعنى بعينه جار في المصالحة أيضا فان كل من المتصالحين يشترط على الآخر أن يكون ما اعطاه للآخر من المال أو ما أسقطه من الحق زائدا عن المقدار الذى تسالما عليه وكذلك أن يكون بدلا عما يعطيه ناقصا عن المقدار الذى تسالما عليه فهذا الشرط الضمنى موجود في المصالحة فإذا تخلف في مورد يثبت للمشروط له خيار تخلف الشرط نظير تخلف الشروط المجعولة في المعاملات والمصالحة في المقام كذلك فان المغبون بعد ما علم بالغبن بمقدار معين يصالح حق خيار غبنه بمبلغ معين وهذه المصالحة وان كانت مطلقه ولكن يشترط فيها بالضمن العقدى أن لا يكون الغبن أزيد من المقدار الذى جرى عليه التسالم والا فيثبت له خيار تخلف الشرط وهذا واضح جدا. ومن هنا ظهر بطلان توهم لزوم المصالحة وصحتها بدعوى أن الحق أي خيار الغبن حق واحد بسيط فلا يعقلا جريان المصالحة على بعضه وسقوطه بالمصالحه وبقاء بعضه الآخر فانا لا ندعى سقوط الحق بمقداره وبقائه بمقداره الآخر ليلتزم فيه هذا المحذور وكك بطل قول من

[ 346 ]

توهم أن المصالحة باطله بدعوى أن تحقق المصالحة لم يقع على الحق الموجود وما هو موجود من الحق لم تجر عليه المصالحة فلا وجه لسقوطه فيحكم ببطلان المصالحة ووجه البطلان أن المصالحة قد جرت على الحق الموجود ولكن متزلزلا فقد ظهر أن هذين القولين بين افراط وتفريط. ثم ان ما ذكرناه جار في خيار الرؤية وخيار العيب أيضا على النحو الذى تقدم فان الخيار فيهما ثابت بالشرط الضمنى وخيار العيب وان كان منصوصا ولكنه ليس على خلاف القاعدة بل النص ورد على طبق القاعدة نعم ثبوت الارش في خيار العيب بالنص على خلاف القاعدة. قوله الثاني من المسقطات اشتراط سقوط الخيار في متن العقد أقول قد تقدم ذلك في خياري الحيوان والمجلس وقد ذكر المصنف ذلك هناك وما أشكل عليه بوجوه عمدتها أنه اسقاط لما لم يجب فان الخيار لم يثبت حين العقد فاشتراط اسقاطه فيه اسقاط لما لم يجب و قد أجاب عنه المصنف واجبنا عنه أيضا بما عندنا ولا نعيده ولكن مما يجب التنبيه عليه هنا أن هذا الاشكال انما يتوجه لنحتاج إلى الجواب إذا كان مدرك الخيار هو دليل نفى الضرر أو الخبر الوارد في تلقى الركبان فانه عليها لم يثبت حق حين العقد حتى يشترط سقوطه في ضمن العقد ولكن بناء على ما ذكرناه من كون دليل خيار الغبن هو الشرط الضمنى فلا مجال لهذا الاشكال أصلا فان مرجع سقوط الخيار هو عدم الاشتراط من الاول إذ خيار الغبن كان ثابتا بالشرط الذى يجعلانه المتعاملان بالشرط الضمنى فإذا لم يجعلا ذلك لم يثبت خيار الغبن بتخلف الشرط فيكون نظير التصريح بعدم هذا الشرط كما هو واضح فلا يرد اشكال ح أصلا.

[ 347 ]

نعم يبقى هنا ما ذكره الشهيد ره من اشكال الغرر بأن هذه المعاملة غررية وسيأتى تفصيل ذلك. وأما الكلام في المسألة الثانيه أعنى اسقاط الخيار في ضمن العقد فقد تقدم تفصيل ذلك في خياري المجلس والحيوان وعمدة الاشكال في ذلك هو لزوم اسقاط ما لم يجب كما عرفت من جهه أن في ظرف الاسقاط ليس حق وفى ظرف الحق ليس اسقاط وقد تقدم الجواب عن ذلك وقلنا أنه لم يرد في دليل أنه لا يجوز اسقاط ما لم يجب وانما هو من جهه اللغويه وعدم اعتبار العقلاء أثرا عليه ولو كان هنا اجماع فمنشئه هو ذلك وإذا فرض في مورد ترتب الاثر عليه وتعلق غرض عقلائي باسقاط الحق الموجود في ظرفه من الآن فلا محذور فيه فانه يخرج عن اللغويه كما هو واضح وهذا لا شبهه فيه ولكن الذى يسهل الخطب أنه يجرى هذا الاشكال في المقام الابناء على كون دليل الخيار دليل نفى الضرر أو الخبر الوارد في تلقى الركبان وأما بناء على ما ذكرناه من كون دليل خيار الغبن هو الشرط في ضمن العقد فمعنى اشتراط عدم الخيار في متن العقد هو عدم اشتراط الشرط الضمنى من الاول فلا يلزم هنا اشكال اسقاط ما لم يجب أصلا فلا يتوجه أن الاسقاط بالفعل ليس له متعلق لعدم وجود الحق وحين وجود الحق ليس اسقاط ولكن يتولد من ذلك اشكال آخر وهو أن المعاملة حينئذ تكون غرريه فانهما أقدما على شئ لا يعلم أن مقدار اليته في أي مرتبه وبأى مقدار وقد ذكر ذلك الشهيد في المقام وفى خيار الرؤيه وبيان ذلك أما لزوم الغرر في اسقاط خيار الرؤيه من جهه أن بيع العين الغائبة لا يصح الا بذكر الاوصاف التى بها تختلف ماليه المال ومرجع اسقاط الخيار إلى اشتراء المال بأى

[ 348 ]

وصف كان وهذا غررى لان الاوصاف لها دخل في الماليه فمقدار الماليه من هذا المبيع غير معلوم وأما في خيار الغبن فكذلك فان اعتبار ذكر أوصاف المبيع ليس الا لاجل االعلم بمقدار ماليته فإذا كان الجهل بالمبيع أو بالصفة راجعا أي الجهل بالماليه فاسقاط خيار الغبن أيضا يرجع إلى الجهل بمقدار ماليه المال فيلزم الغرر، وعلى الجمله فاسقاط الخيار أي عدم جعل الخيار في العقد مع احتمال الغبن يوجب غرريه المعاملة إذ لا يعلم أن ما تملكه وأخذه أي مقدار من المال وأى مقدار له ماليه وهو واضح. وقد أشكل عليه المصنف بما حاصله أن الخيار من الاحكام الشرعية فلا يكون ثبوته في البيع موجبا لارتفاع الغرر والا لصح كل بيع غررى على وجه التزلزل فثبوت الخيار وعدمه بالنسبه إلى ثبوت موضوع الغرر في المعاملة وعدمه سيان. ويرد عليه أن هذا المطلب متين فيما كان الخيار ثابتا بجعل الشارع فانه من الاحكام الشرعية التى لا ترتبط بالغرر نفيا واثباتا فلا يكون ثبوته رافعا للغرر ولا أن سقوطه يوجب الغرر ولكن لا شبهه في أن الخيار الثابت بجعل المتعاقدين يوجب رفع الغرر فان المعاملة مع اشتراط أن يكون له الخيار مع ظهور الغبن فيها لا تكون غرريه أي يكون هذا الاشتراط رافعا للغرر وموجبا لسقوطه فان الغرر هو الخطر فمع هذا الشرط فاى خطر في المعاملة فانه مختار مع ظهور الغبن فيها أن يرض أو يفسخها وهو واضح فتحصل أن جعل الخيار في المعاملة يوجب رفع الغرر فيها. ولكن الذى ينبغى أن يقال أن المعاملة بدون جعل هذا الخيار

[ 349 ]

أيضا ليست بغرريه وذلك لان الغرر بمعنى الخطر فهو انما يكون إذا لم يعلم أن تصاحبه بالمبادلة أي شئ أو أنه متصف بأى وصف ولذا اشترطوا في البيع كون المبيع معلوم الوجود ومعلوم الوصف وإذا انتفى احدهما أو كلاهما كان البيع غرريا فلو باع أحد داره بما في الكيس فلا يعلم أنه أي مقدار في الكيس وأنه أي شئ فيكون البيع غرريا وأما إذا علم كل من البايع والمشترى ما يأخذه من الآخر وتملكه أي شئ بل يراه وهو في نصب عينيه ولكن لا يعلم أن قيمته السوقيه أي مقدار والجهل بالماليه من جهه الجهل بالقيمه السوقيه فانه لا يكون ذلك غرريا فنفرض أنه ليس في العالم سوق ولا عقلاء الا البايع والمشترى فهل يتوهم أحد أن معاملتهما غرريه وهذا بخلاف الجهل باصل الشئ أو بوصفه فانهما يوجبان الخطر حتى لو لم يكن في العالم سوق ولا عقلاء غير المتبايعين فان الرغبات تختلف بينا باختلاف الاشياء وأوصافها وهو واضح. ولو سلمنا أن اعتبار العلم بالقيمه السوقيه أيضا من شرائط البيع و اصفنا ذلك إلى شرائط البيع وقلنا لابد من العلم بأصل وجود المبيع و بأوصافه وبماليته مع أنه لم يعتبر ذلك أحد من الفقهاء أنه ليس هنا غرر أيضا فانه يرتفع بالاطمينان الحاصل اما من اخبار الثقه أو بأصاله الصحه بناء على اعتبارها أو الرؤيه السابقة أو غير ذلك وان لم يكن اطمينانه بمرتبة القطع فإذا اطمئن البايع بعدم كون المبيع أقل من القيمه السوقيه أو اطمئن المشترى بعدم كونه أزيد من القيمه السوقيه فلا يكون البيع خطريا حينئذ وان لم يكن في الواقع كذلك لما عرفت في البحث عن بيع الغررى أن الخطر انما هو قائم بحاله ترد النص وعدم اطمينانها وإذا اطمئن وان يكن قاطعا بعدم كون قيمه المبيع أقل من القيمه

[ 350 ]

السوقيه فباع على هذا الاطمينان فلا يكون غرريا وبهذا قلنا أن اسقاط خيار العيب والاقدام بمعامله مع الاطمينان يكون المبيع صحيحا وان كان معيبا واقعا لا يكون غرريا بل يصح المعاملة كشراء الجارية مع الاطمينان يكونها صحيحه مع أنها مسلوله ومن هنا ظهر حكم الشراء بانيا على الرؤيه السابقة على البيع يوما أو يومين بحيث يطمئن عاده أن المبيع لا يتغتر في هذه المده فانه يكون البيع حينئذ صحيحا مع اسقاط الخيار وان لم يكن المبيع كذلك في الواقع إذ لا تردد للمشترى في ذلك ليكون خطرا فتحصل أن الاقدام على المعاملة مع الاطمينان بالصحة أما اعتمادا على قول الثقه أو على الرؤيه السابقة أو على اصاله الصحه بناء على اعتبارها مع اسقاط خياري الغبن والرؤيه وحينئذ لا يوجب كون المعاملة غرريه. الثالث تصرف المغبون بأحد التصرفات المسقطه للخيارات المتقدمه بعد علمه بالغبن أقول ذكر المصنف أن المشهور بين الفقهاء هو الفرق بين التصرف الواقع بعد العلم بالغبن وبين التصرف الواقع قبل العلم بالغبن فانهم التزموا بكونه مسقطا لخيار الغبن والعيب والتدليس في الاول دون الثاني. فان كان المراد بذلك هو الطريقيه فهو متين بأن كان التصرف - كاشفا عن الرضاء بالعقد وطريقا إليه إذ لا فرق في المسقط بين المسقط القولى وبين المسقط الفعلى إذ الميزان انما هو كونه مبرزا لما في النفس من الرضاء بالعقد وكاشفا عن سقوط الخيار ومن الواضح أن التصرف حين العلم بالغبن له طريقيه إلى سقوط الخيار الا إذا قامت قرينه على عدم كونه طريقا إلى السقوط في هذه الحاله وان كان المراد من هذا الفرق الموضوعية بأن كان التصرف مع العلم بالغبن له موضوعيه في سقوط

[ 351 ]

الخيار فهو باطل إذ كثيرا يوجد التصرف مع العلم بالغبن ولا يكون مسقطا للخيار كما إذا علم بالغبن وبنى على الفسخ ولكن لم يفسخ ليتصرف في المبيع ولا يكون التصرف في ملك الغير كأن اشترى لحافا والتفت الليل إلى الغبن وبنى على الفسخ بناء على عدم فوريه هذا الخيار و لكن لم يفسخ الليله من جهه بروده الهوى ليتصرف في اللحاف مع كونه في ملكه وأصبح وفسخ فان القرينه قائمه على عدم كون التصرف كاشفا عن سقوط الخيار فلو كان له موضوعيه لكان مثل هذه التصرفات ايضا مسقطا للخيار وهكذا لو كان التصرف واقعا في مقدمه الاسقاط كما إذا اشترى حيوانا فالتفت إلى كون المعاملة غبنيه وركبه ليرده إلى البايع ويفسخ العقد عنده فان مثل هذا التصرف لا يكون مسقطا للخيار بل قد يكون موجبا لسقوط الخيار مع الجهل بالغبن كما إذا تصرف المغبون تصرفا كاشفا عن الرضا بالعقد حتى لو ظهر فيه غبن كما هو المفروض فلو كان التصرف مع العلم بالغبن له موضوعيه في سقوط الخيار لما كان ذلك موجبا لسقوط الخيار نعم مع العلم بالغبن يكون التصرف كاشفا عن سقوط الخيار غالبا الا إذا قامت قرينه على الخلاف وعكس ذلك وقوع التصرف مع الجهل بالغبن. وعلى الجمله ما ذكره المشهور من الفرق في مسقطيه التصرف بين ما بعد العلم بالغبن وبين ما قبل العلم بالغبن لا يرجع إلى محصل إذا كان غرضهم الموضوعية بل له وجه إذا كان غرضهم الطريقيه وقد ذكرنا سابقا أنه لا يفرق في ابراز الاسقاط بين المبرز الفعلى والمبرز القولى كما هو واضح ثم انه لا وجه لقياس خيار الغبن بخيار العيب والتدليس فان سقوط الخيار بالتصرف في خيار العيب بالنص فاما يفسخ أو يأخذ الارش

[ 352 ]

واما في خيار التدليس فلا دليل فيرجع إلى دليل الخيار هذا كله فيما إذا كان المدرك لهذا الخيار هو دليل لا ضرر وصدق على هذا التصرف الاقدام على الضرر فانه مع هذا الصدق يسقط الخيار في صور العلم بالغبن وعدمه وأما إذا لم يصدق على التصرف الاقدام على الضرر فلا يسقط الخيار على كل تقدير أي مع العلم بالغبن وعدمه و هكذا إذا كان الدليل هو الشرط الضمنى فانه ان كان التصرف مصداقا للاسقاط يسقط به الخيار والا فلا، فلا يفرق في ذلك أيضا بين صورتي العلم بالغبن وعدمه غايه الامر أنه بناء على الاول فالخيار مجعول شرعا وبناء على الثاني فهو مجعول بجعل المتعاقدين. وأما إذا كان المدرك هو الاجماع فهل هو غير ثابت مع الرضاء أو يقال أن الشك في الرفع لا الدفع فيستصحب كما ذكره المصنف فيه بحث ثم أمر بالتأمل وقد يقال ان الاستصحاب لا يجرى هنا من جهه أن المدرك للخيار هنا هو الاجماع وقد حقق في محله أنه إذا كان المدرك هو الدليل اللبى فلا مطرح للاستصحاب فيكون دفعا لا رفعا و لكن يرد عليه أنه لا فرق عند التحقيق وعند المصنف في جريان الاستصحاب بين كون دليل الحكم هو الاجماع أو غيره كما حقق في محله وقد يقال ان وجه الاشكال في الاستصحاب هو كون الشك في المقتضى أي لا يعلم وجود المقتضى للخيار مع التصرف للشك في أن المستصحب له اقتضاء البقاء أم لا. وفيه أن مورد الشك في المقتضى ما إذا كان الشك في نفس الزمان بأن لا يعلم مقدار بقاء المستصحب من حيث الزمان لا بقائه من حيث الزمانى وبالنسبه إلى كل طار وعارض والا لرجع كل ما يشك في

[ 353 ]

الرافع إلى الشك في المقتضى. وقد يقال بان الوجه في عدم جريان الاستصحاب هو عدم بقاء الموضوع كما ذكره شيخنا الاستاذ فان الموضوع في المقام ليس ذات المغبون بل هو مع الرضاء كما ان عنوان السفر والحضر لهما دخل في القصر والاتمام وعنوان العداله له دخل في جواز تقليد المجتهد بحيث يعد الفاسق موضوعا آخر غير العادل وهكذا هنا فالوصف العنوانى يوجب تعنون الموضوع بعنوان خاص وان كان الموضوع حقيقه شيئا واحدا ولكن طرو الاوصاف المتغايرة يوجب التعدد. ولكن هذا أيضا ليس بصحيح وان كان صحيحا في المسافر و الحاضر والعادل والفاسق في مسألة التقليد إذ ليس لعنوان الرضاء دخل في ثبوت الخيار بل هو ثابت لذات المغبون غايه الامر أن التصرف الصادر عن الرضا مصداق للاسقاط نظير الاسقاط القولى. بل الوجه في عدم جريان الاستصحاب ما ذكرناه في علم الاصول من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه فلو لا هذه الجهه لم يكن مانع في جريان الاستصحاب هنا وكان الشك في الرفع لا الدفع ولحكمنا معه بجريان الاستصحاب فافهم وإذا لم يتم الاستصحاب فترجع إلى دليل لزوم العقد. قوله الرابع من المسقطات تصرف المشترى المغبون قبل العلم بالغبن تصرفا مخرجا عن الملك على وجه اللزوم كالبيع والعتق، أقول نسب المصنف ره إلى المحقق ومن تأخر عنه سقوط خيار الغبن بالتصرف المخرج عن الملك بل هو المشهور بين المتأخرين بل يظهر ذلك من كلام الشيخ في خيار المشترى مرابحه عند كذب البايع أنه لو هلك السلعه

[ 354 ]

أو تصرف فيها سقط الرد واستظهره المصنف اتحاد هذا الخيار مع خيار الغبن على حد ما استظهره من جامع المقاصد في شرح قول الماتن ولا يسقط الخيار بتلف العين. وكيف كان انما الكلام في دليل ذلك فنقول ان كان المدرك لخيار الغبن هو الاجماع فيمكن أن يقال ان الاجماع دليل لبى فالمتيقن منه انما هو فرض بقاء العين وأما في فرض تلف العين فلا اجماع في البين على أن هذا الفرع ليس معنونا في كلمات القدماء فكيف يمكن دعوى الاجماع التعبدى على ذلك وان كان يمكن استظهاره من بعض كلماتهم كما استظهره المصنف من الشيخ ره. وان كان المدرك هو دليل لا ضرر وهو ثابت في هذه الصورة أيضا لان لزوم هذا العقد ضرر على المغبون فيرتفع بدليل نفى الضرر و من الواضح أن متعلق الفسخ هو العقد فيفسخ العقد ويرد مثل العين إلى الغابن وهكذا الحال فيما إذا كان دليل الخيار هو الشرط الضمنى فانه موجود في صورتي بقاء العين وتلفها ولكن الكلام في أنه على القولى بكون مدرك الخيار هو دليل لا ضرر اشكل عليه بوجهين الاول أنه يسقط الخيار مع التصرف في العين تصرفا مخرجا عن الملك فانه اقدام على الضرر فمعه يسقط الخيار. وفيه ما ذكره شيخنا الانصاري ناقلا عن شيخنا الشهيد ره بأن الضرر الموجب للخيار قبل التصرف ثابت مع التصرف والتصرف مع الجهل بالضرر ليس اقداما على الضرر فان الخارج عن عموم نفى الضرر ليس الا صوره الاقدام عليه عالما به فيجب تدارك الضرر باسترداد ما دفعه من الثمن الزائد برد نفس العين مع بقائها على ملكه وبدلها مع عدمه

[ 355 ]

وعلى الجمله فمثل هذا التصرف الواقع في حال الجهل ليس اقداما على الضرر الا إذا قامت قرينه على ذلك فانه يوجب سقوط الخيار على النحو الذى تقدم في المسقط الثالث وعدم بقاء العين لا يضر ببقاء الخيار لان متعلقه العقد كما عرفت مفصلا دون العين. الوجه الثاني أن عدم سقوط الخيار بمثل هذا التصرف المخرج عن الملك ضرر على الغابن أيضا فيكون مشمولا لدليل نفى الضرر وح - فيتعارض دليل لا ضرر بالنسبه اليهما ويتساقط وهو واضح فالوجه الاول ناظر إلى منع المقتضى والوجه الثاني ناظر إلى ابداع المانع وفيه ايضا ما ذكره شيخنا الشهيد من أنه لا ضرر في ذلك على الغابن لان العين المبيعة ان كانت مثليه فلا ضرر عليه لانه يأخذ المثل وان كانت قيميه فيأخذ القيمه وعلى كل حال لا ضرر على الغابن غايه الامر تفوت الاوصاف الشخصيه الغير الدخيله في زياده القيمه وليس فيه ضرر على الغابن و ان كان مثل تلك الاوصاف أيضا موردا لغرض الغابن بشخصه كما إذا كان كتابا مختوطا بخط أبيه فانه خصوصيه شخصيه وله دخل في الغرض الشخص ولكنها لا توجب التفاوت في القيمه السوقيه كما هو واضح. وتحصل أنه لو تصرف المغبون في العين جهلا تصرفا مخرجا عن الملك لا يوجب هذا التصرف سقوط الخيار بناء على كون مدرك الخيار هو دليل نفى الضرر أو الشرط الضمنى الا إذا قامت قرينه على كونه اقداما على الضرر أو مصداقا لسقوط الخيار فانه ح يسقط الخيار بذلك. قوله ثم ان مقتضى دليل المشهور عدم الفرق في المغبون المتصرف بين البايع والمشترى أقول الظاهر هو عدم الفرق بين كون المغبون هو البايع أو المشترى بناء على كون المدرك هو دليل نفى الضرر أو الشرط

[ 356 ]

الضمنى فانه على كلا التقديرين لعموم الدليل بهما نعم بناء على كون مدرك الخيار هو الاجماع لا يشمل ذلك البايع لان المذكور في كلماتهم هو المشترى فيكون هذا حكما تعبديا مختصا بالمشترى كما هو واضح و لكن قد عرفت عدم وجود الاجماع التعبدى في المقام. قوله ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين الناقل اللازم وبين فك المالك كالعتق والوقف وبين المانع عن الرد مع البقاء كالاستيلاد أقول بناء على عدم ثبوت الخيار بالتصرف المخرج عن الملك لا فرق فيه بينما يكون التصرف موجبا لاعدام العين كأن اشترى الخبز المساوى بسته فلوس بخمسين فلسا فأكله أو كانت العين باقيه ولكن زالت الملكية عنها كما إذا اشترى عبدا فاعتقه ثم علم بالغبن أو كانت العين باقيه مع وصف الملكية ولكن كانت ملكا للغير كما إذا باعها المغبون من غيره بالبيع اللازم أو كانت العين باقيه في ملك المغبون أيضا ولكن تصرف فيها تصرفا أوجب ذلك التصرف المنع عن الرجوع كما إذا اشترى أمه فاستولدها فان العين لم تتلف ولم تزل عنها الملكية أيضا ولكن وجد فيها وصف أوجب المنع عن ردها إلى الغابن فانه على القول بعدم سقوط الخيار بالتصرف المخرج عن المالك جهلا لا يفرق بين هذه الصور بل يبقى الخيار على حاله كما أنه على القول بعدم بقائه أيضا لا يفرق بين هذه الصور. وهل يلحق بما ذكر نقل العين إلى غيره بالعقد الجائز أو التدبير والوصيه أم لا ذكر المصنف ما صرح به جماعه أن الناقل الجايز لا يمنع الرد بالخيار إذا فسخه فضلا عن مثل التدبير والوصيه من التصرفات الغير الموجبه للخروج عن الملك فعلا. وذكر شيخنا الاستاذ أن في مورد النقل يمتنع الفسخ مادام العين

[ 357 ]

المغبون فيها خارجه عن ملك المغبون ولو كان النقل جائزا لان الفسخ يقتضى رد العين من ملك الفاسخ إلى ملك المفسوخ عليه ورد بدلها من ملك المفسوخ عليه إلى ملك الفاسخ والعين إذا لم تكن ملكا للفاسخ يمتنع الرد ولكنه تسلم امكان الرد في التدبير والوصيه لان نفس الفسخ ابطال لهما. أقول يمكن أن يقال ان النزاع بأنه يمكن الفسخ في مورد النقل بالعقود الجائزه كما ذهب إليه شيخنا الانصاري أو يستحيل كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ خارج عن المقام أصلا ولا موضوع لهذا البحث وذلك لان من يفسخ العقد يقصد مع ذلك رد العين إلى البايع فما يفسخ به العقد من الفعل أو القول يكون ذلك انشاء لفسخ العقد الذى غبن فيه المغبون وأيضا انشاء للعقد الجائز الناقل للعين إلى غيره فيكون فعله هذا أو قوله الذى يقع به الفسخ مبرزا لفسخ عقدين العقد اللازم الذى وقع فيه الغبن والعقد الجائز الناقل للعين إلى غيره وبعبارة أخرى أن المغبون إذا فسخ العقد يقصد بذلك رد العين إلى الغابن ومعنى رد العين إلى الغابن ليس الا فسخا للعقد الجائز فيكون فسخ المغبون العقد الذى وقع فيه الغبن بالالتزام فسخا للعقد الجائز أيضا وعليه فلا موضوع لما ذكره المصنف من امكان الرد ولا لما ذكره شيخنا الاستاذ من عدم امكان الفسخ هذا كله الاشكال فيه. وأما إذا نقل المغبون العين إلى غيره بالاجاره فهل يبقى الخيار مع ذلك أم لا أما بناء على بقاء الخيار مع ما ذكرناه من النواقل اللازم و الجائزه فواضح لا شبهه فيه وأما على القول بعدم بقاء الخيار مع الامور المذكورة فهل يبقى الخيار هنا أم لا فالظاهر هو بقاء الخيار وذلك لان

[ 358 ]

العين باقيه في ملك المغبون وليس عن ردها إلى الغابن مانع أصلا وليس المقام مثل الامور السابقة الناقلة للعين إلى ملك الغير نقلا لازما أو نقلا جائزا ولا أن هنا مانعا عن الرد كالاستيلاد غايه الامر أن العين مسلوبه المنفعة إلى مده معلومه فيفسخ المغبون العقد ويملك الغابن العين ولكن مسلوبه المنفعة إلى مده معلومه على انك عرفت أنه مع عدم امكان رد العين أيضا يمكن لان متعلقه هو العقد دون العين الخارجيه كما لا يخفى. وعلى الجمله أن التصرف المخرج عن الملك حقيقه أو حكما لا يمنع عن بقاء الخيار وهكذا التصرف في المنفعة كما في الاجاره بل عدم سقوط الخيار هنا أولى. ثم انه لو امتزجت العين بشئ آخر ثم علم الغبن فهل يوجب ذلك سقوط الخيار أم لا وعلى تقدير ان لا يكون موجبا لسقوطه فهل يكون ذلك مانعا عن الرد أم لا وهنا مسألتان الاولى في أن الخيار هل يبقى مع الامتزاج أم لا والثانيه أنه مع القول بالبقاء هل يكون ذلك مانعا عن الرد أم لا أما المسألة الاولى فقد ظهر حكمها من السابق حيث عرفت أن التصرف الموجب للتلف موضوعا أو حكما لا يكون سببا لسقوط الخيار و كذلك في المقام سواء كان الامتزاج بالاعلا أو بالادنى أو بالمساوى و سواء اختلط بمال المشترى المغبون أو بمال غيره وذلك لما عرفت أن متعلق الفسخ هو العقد دون العين حتى يلزم من تلفه أو انتقاله إلى شخص أخر انتفاء موضوع الفسخ وأما أن الامتزاج مثل التصرف المخرج عن الملك فمن جهه أن الامتزاج يوجب خروج العين عن الملك لا تمامها بل ببعضها وبهذا الخروج تحصل الشركة الا شاعه فينتقل بعض من كل

[ 359 ]

من الممتزجين بعضا مشاعا إلى ملك مالك الآخر فتصبح العين بينهما مشتركه على وجه الا شاعه. وأما المسألة الثانيه فهى أنه هل يمكن الرد هنا أم لا فنقول أما إذا لم يرض الغابن لما امتزجه سواء كان الامتزاج بالاعلى أم لا فلا شبهه في انتقال حقه إلى المثل أو القيمه فان ما أخذه المغبون من الغابن لم يكن ممتزجا بغيره ولم يكن مشتركا بينه وبين غيره فالشركه عيب في ماله فله أن لا يقبله ويطلب من المغبون مثله أو قيمته فانه حين ما سلمه إلى المغبون لم يكن معيوبا بهذا العيب كما هو واضح. وعلى الجمله فللغابن أن لا يرض بالممتزج وطلب منه غيره وان رضى بذلك فليس للمغبون أن يمنع من أدائه لان الشركة وان كانت عيبا في المال وموجبه لانتقال بعض مال الغابن إلى المغبون لحصول الا شاعه بذلك الا أنه مع ذلك متعلق حقه وماله غايه الامر ماله المعيوب بعيب حصل بفعل المغبون وله مطالبه نفس ذلك وليس للمغبون أن يمنع من رده لان الغابن له أن يسقط ما كان في ماله من القيمه عن العيب الذى هو الشركة وليس ذلك اعتبار وصف زايد فيه حتى يكون ذلك عنايه زايده ولا يكون للغابن حق المطالبة. والامر كذلك في جميع المقامات التى يشترط المشترى كون المبيع واجدا لوصف الكمال ولكن في مقام التسليم والتسلم يغمض النظر عن حقه ولا يطلب الواجد للوصف كما لا يخفى مثلا لو فرضنا أن زيدا اشترى عبدا كاتبا من عمرو وهو عند المطالبة يطالب عبدا فاقدا للكتابه ويغمض عن جهه الكتابة لانه اغماض عن حقه وليس للبايع اجباره بالعبد الكتاب مثلا الا إذا كان الواجد للوصف مبائنا مع الفاقد كفرش كاشان مع فرش همدان

[ 360 ]

فانه لو وقعت المعاملة على فرش كاشان ورضى البايع بفرش همدان و لكن لا يرض المشترى بفرش همدان اما لعدم وجوده عنده أو من جهه أخرى فانه ليس له أن يجبر البايع بذلك وان كان اغماضا عن الحق بل ينفى البيع الاول في تسليم فرش همدان بل يحتاج إلى معامله أخرى لانها بجوده الاول وردائة الثاني من المتباينين وهذا بخلاف ما كان الوصف وصف الكمال فقط كما إذا كان المبيع الحنطه الفلانيه التى جيده ورضى البايع بالحنطة الفلانيه التى ردية ورضى المشتر بالردى فانه ليس للبايع اجباره بالجيد لان المبيع شئ واحد غايه الامر قد اعتبر فيه وصف الكمال فيسقط المشترى هذا الشرط فلا محذور فيه كما لا يخفى فافهم وتامل ومن هنا ظهر حكم لو تعيب المبيع بفعل المغبون ولم يخرج عن ملكه فانه لو لم يرض به الغابن لابد له من اعطاء المثل أو القيمه وأما لو رضى به فليس للمغبون اجباره بالمثل أو القيمه بدعوى أنه صار معيبا وذلك لان العيب ليس مانعا عن مطالبه الغابن ماله كالامتزاج غايه الامر أن حصول العيب يجوز له مطالبه المثل أو القيمه مع عدم الرضاء بالمعيب وأما مع الرضاء به فليس لاحد أن يمنعه من ذلك لكونه ماله كما هو واضح. وأما لو زادت العين فقد تكون الزيادة عينيه وقد يكون حكميه و أما إذا كانت الزيادة عينيه كما إذا اشترى حيوانا صغيرا فصار شابا كبيرا أو اشترى حيوانا هزا لا فصار سمينا أو اشترى شجرا صغيرا فصار كبيرا فهل تكون مثل هذه الزيادة مانعه عن ثبوت الخيار للمغبون وعن الرد على تقدير ثبوت الخيار أم لا الظاهر أنه لا يمنع ذلك عن ثبوت الخيار لو كان مغبونا حين العقد لما عرفت أن الفسخ قد تعلق على

[ 361 ]

العقد دون العين فيمكن فسخ العقد مع ذلك وأما رد العين فالظاهر أنه ليس للغابن رد العين على هذه الحاله بل لابد اما من الرضاء بالمثل أو القيمه أو الرضا بالعين على هزالتها وصغرها مثلا وتكون الزيادة للمغبون لحصولها في ملكه فتحصل الشركة ويكونان شريكين للعين بحسب حصتهما كما هو واضح فافهم وتأمل. وقد عرفت أن الامتزاج ليس مانعا عن رجوع الغابن إلى ملكه و لكن نقول انه يكون مانعا عن ذلك وتفصيل الكلام أن الشركة قد تكون بمعنى كون كل من الشريكين مالكا لنصف العين المشتركه بجميع أجزائها بحيث يكون حق كل منهما معلوما عند الله ولعل هذا هو المعروف بين الاصحاب الثاني: أن يكون كل من الشريكين مالكا لمجموع العين المشتركه ملكيه ناقصه والفرق بين الاول والثانى أن ملكيه المالك في الوجه الاول مستلقه لما عرفت أنه مالك لمجموع النصف مستقلا ولكن المملوك ناقص فانه هو النصف وأما في الوجه الثاني فالمملوك مستقل وهو مجموع العين المشتركه ولكن مالكيه المالك ناقصه فان كل منهما نصف المالك والمجموع مجموع المالك منهما مالك واحد مستقلا كما هو واضح. إذا عرفت ذلك فنقول ان الامتزاج أيضا مانع عن الرد كبقيه النواقل اللازمه وذلك لانه يوجب الشركة بحسب السيره العقلائيه ليكون كل جزء مشتركا بين الشريكين إلى ان ينتهى الامر إلى الاجزاء الصغار التى لا تفيد القسمه بالآله التى لا يعتبر لها العقلاء الماليه فيكون الامتزاج من اسباب الشركة وفاقدا عن الرد فأما على الاحتمال الاول من وجهين الشركة فمن جهه أنه ينتقل بالامتزاج نصف مال كل من الشريكين إلى الاخر وبالعكس فيكون كل جزء مشتركا بين الشريكين واقعا وما قيل أنهما يكونان مشتريكين

[ 362 ]

في الظاهر فلا وجه له إذ ليس الواقع مجهولا لنا حتى نقول بالملكيه الظاهرية وعليه فيكون الامتزاج مثل سائر النواقل اللازمه مانعه عن الرد فينتقل الضمان إلى البدل من المثل أو القيمه. وعلى الوجه الثاني من وجهين الشركة فربما يتوهم أن المملوك هنا شئ واحد ولكن المالكيه ناقصه فلا مانع من الرد ولكنه واضح الفساد أيضا بداهه أن مالكيه كل من الشريكين ناقصه بالنسبه إلى المملوك وأن كل واحد منهما نصف المالك على مجموع العين فمالكيه كل من الشريكين المستقلة انتقلت إلى الشريك الآخر فبالعرض يكون المملوك أيضا منتقلا إلى الآخر بمعنى أن العين تكون مملوكه للشريك الآخر مجموعا بنصف المالكيه ولم تكن العين قبل الشركة كذلك ومنتقله إلى الآخر فالنقل متحقق على كل تقدير كما هو واضح وعليه فلا يمكن رد العين أيضا لكون المقام كسائر النواقل اللازمه. ثم انه لو انتقل المبيع بناقل لازم أو جائز إلى غيره ثم رجع إلى ملكه فهل للغابن مطالبه ذلك وليس للمغبون منعه عن رده أو ليس له مطالبته وأن ذلك أيضا مانع عن الرد أأو يفصل بين ما كان الارجاع بسبب جديد كالشرى والتوارث والهبه فلا يرجع إلى الغبن أو بسبب هو من شؤون السبب الاول كالفسخ والاقالة ونحوهما فله حق الرجوع إلى المغبون وجوه وقد ذكر شيخنا الاستاذ تفصيلا في المقام وتفصيل المقام في جهتين الاولى في ثبوت الخيار والثانى في رد العين أما الاول فلا شبهه في ثبوت الخيار ح لعين ما تقدم فانك قد عرفت أن متعلق الفسخ هو العقد دون العين فالعين سواء كانت باقيه أو تالفه فالخيار على حاله ومع الفسخ يرجع إلى العين مع البقاء والا فالى المثل أو

[ 363 ]

القيمة ففى المقام على فرض أن نقول أن رجوع العين إلى ملك المغبون بعد انتقالها إلى غيره مانعة عن الرد فلا مانع أيضا من ثبوت الخيار كما لا يخفى فافهم. وأما الجهة الثانية فسيأتي الكلام فيه في تصرف الغابن هذا كله في تصرف المغبون. وأما لو تصرف الغابن في العين التى انتقلت إليه بالنواقل اللازمة كالبيع والهبة لذى رحم والهبة المعوضة ونحوها من النواقل اللازمة فهل يوجب ذلك سقوط الخيار وعدم جواز رد العين أم لا أما سقوط الخيار فلا وجه له أصلا فانا لم نقل بسقوطه بتصرف المغبون الذى هو ذى الخيار مع أن للسقوط فيه وجه فكيف بسقوطه بتصرف الغابن الذى عليه الخيار فالخيار باق على حاله كما هو واضح لا يخفى وأما بالنسبة إلى رد العين أي فهل للمغبون رد العين التى نقلها الغابن إلى غيره بالنواقل اللازمة أم لا ففيه وجوه الاول تسلط المغبون على ابطال ما اوجده الغابن من أصله الثاني تسلطه على ابطاله من حين الفسخ الثالث لا هذا ولا ذك بل إذا فسخ المغبون وكانت العين منتقلة إلى شخص آخر بناقل لازم كالوقف والعتق ونحوهما فيرجع إلى البدل من المثل أو القيمة. أما مدرك القول الاول أعنى البطلان من رأسه فمن جهة أن العقد الذى أوقعه الغابن فانما أوقعه في متعلق حق الغير كما في بيع الرهن فيكون ذلك موجبا لتزلزل العقد من الاول وعليه فمقتضى قانون الفسخ هو تلقى الملك من الغابن الذى وقع البيع معه لا من المشترى الثاني و ح فيكون الفسخ ابطالا لعقد الغابن ليمكن رد العين من الغابن بمقتضى العمل بقانون الفسخ كما هو واضح فان معاملته لا يزيد على المعاملة

[ 364 ]

الفضولية وعلى بيع الراهن العين المرهونة فيكون الفسخ ردا لذلك. وأما مدرك القول الثاني أن العقد انما وقع على العين التى هي متعلق حق الغير لثبوت حق المغبون بأصل المعاملة الغبنية وانما يظهر له بظهور السبب فللمغبون استرداد العين إذا ظهر السبب وحيث وقع العقد في ملك الغابن فلا وجه لبطلانه من أصله بل يبطل من حين الفسخ وبعبارة أخرى أن الجمع بين دليل سلطنة الناس ودليل الخيار يقتضى نفوذ تصرفات الغابن ما لم تبلغ حد المزاحمة لحق المغبون فإذا بلغ هذا الحد اقتضى دليل الخيار السلطنة على فسخ المعاملة وأخذ العين عمن كانت بيده. وأما مدرك القول الثالث فهو أنه لا وجه لتزلزل عقد الغابن حتى يكون فسخ العقد الاول فسخا له اما من أصله أو من حين الفسخ بل نقول بلزوم عقد الغابن ورجوع المغبون بعد فسخ عقده إلى البدل من للمثل أو القيمة وذلك اما من جهة أن التصرف في زمان خيار الغير المتصرف صحيح لازم كما هو الحق وسيأتى في احكام الخيار فيسترد الفاسخ البدل واما من جهه عدم تحقق الخيار قبل ظهور العيب كما تقدمت الاشارة إليه وسيأتى التعرض له في احكام الخيار. أما الوجه الاول فيمكن المناقشة فيه أن هذا انما يصح إذا قلنا ان متعلق الفسخ هو العين فانه ح يكون الفسخ المغبون ابطالا لعقد الغابن من الاول لكون العين متعلقة بحقه فيكون الفسخ ردا لها من الاول فيحكم ببطلان عقده من رأسه كما هو واضح ولكن الامر ليس كذلك بل متعلق الفسخ انما هو العقد كما عرفت وعليه فلا مجال لبطلان عقد الغابن بناء على الاول يكون عقد الغابن كعقد الفضولي لكون العين متعلقه لحق الغير كالعين المرهونة إذا باعها الراهن فان الفضولي

[ 365 ]

ليس منحصرا ببيع مال الغير بل يعم بيع متعلق حق الغير أيضا وعليه فيكون فسخ المغبون ردا لبيع الغابن من الاول ولكن قد عرفت أن الامر ليس كك على أن كون المقام بمنزلة الفضولي يقتضى أن لا يكون عقد الغابن صحيحا مع عدم الامضاء ان لا يكون بطلانه متوقفا على الرد فقط فانا لو فرضنا أن المالك لم يلتفت إلى العقد الفضولي حتى مات فهل يتوهم أحد أن ذلك العقد يكون صحيحا، نعم لو التفت إلى العقد الفضولي ومع ذلك سكت فيمكن أن يكون سكوته اجازة فافهم. وأما الوجه الثاني فيرد عليه أن متعلق حق الخيار ان كان هو العين فتكون تصرفات الغابن مراعا باجازة المغبون لعقد الفضولي فان اجاز صحت تصرفاته والا فتكون باطلة من الاول وعلى الثاني فتكون تصرفات الغابن نافذة سواء فسخ المغبون العقد أم لا فلا وجه لابطال عقد الغابن من حين الفسخ أصلا لانه اما أن يكون باطلا من الاول أو أنه صحيح لا يبطل أصلا كما هو واضح وإذا بطل الوجهان ثبت الوجه الثالث وقد عرفت وسيأتى في أحكام الخيار أن تصرفات من عليه الخيار نافذة من دون توقف على اجازة المغبون وعليه فإذا فسخ المغبون العقد وكانت العين منتقلة إلى الغير بتصرف الغابن فيرجع المغبون إلى المثل أو القيمة نعم لا يجوز لمن عليه الخيار في العين في البيع الخيارى كما عرفت فانك قد عرفت أن بناء المتعاقدين في مثل ذلك على بقاء العين كما هو واضح. وأما الاستيلاد فهو لا يمنع عن ثبوت الخيار ولا يوجب سقوطه لما عرفت أن متعلق الفسخ هو العقد فيفسخ المغبون العقد ويرجع اما إلى العين أو البدل وأما بالنسبة إلى رد العين بان يقال هل يكون الاستيلاد

[ 366 ]

مانعا عن رد الامه نفسها أو لا فقد احتمل المصنف جواز الرد وعدم كون الاستيلاد مانعا عن الرد من جهة أن سبب حق الخيار سابق على الاستيلاد فلذى الخيار رد العين بعد الفسخ ولكن الظاهر عدمه فان حق الاستيلاد يرفع موضوع حق الخيار وان كان متقدما فلا يوجب تقديمه جواز الرد إذ ليساهما أي حق الخيار وحق الاستيلاد من المتزوجين حتى يتقدم حق الخيار لتقدم سببه بل حق الاستيلاد يرفع موضوعه حتى مع تقدم حق الخيار فانه ورد في الشريعه المقدسة أن أم الولد لشرافتها لا تخرج عن ملك مولاها الا في قيمه رقبتها ومن الواضح أن النفى يعم جميع أنحاء الخروج عن الملك ولو بفسخ العقد كما هو واضح لا يخفى و عليه فالاستيلاد مانع عن الرد. وأما العقد الجائز فهل هو مانع عن ثبوت خيار المغبون أو رد العين أم لا كما إذا تصرف الغابن في العين المنتقلة إليه بعقد جائز بأن وهبها لشخص بهبه جائزه فهل يوجب ذلك سقوط خيار المغبون أو يمنع ذلك عن جواز رد المغبون العين بالفسخ أم لا أما سقوط الخيار فقد اتضح مما تقدم أنه باطل فان التصرف بالعقد الناقل اللازم لا يوجب السقوط فالعقد الجائز كيف يكون موجبا لذلك والسر فيه ما تقدم أن تصرف نفس ذى الخيار لا يوجب السقوط لكون الفسخ متعلقا بالعقد و كيف تصرف الغابن. وأما رد العين فحكم عقد الجائز هنا بالنسبه إلى رد العين غير حكم عقد الجائز في تصرف المغبون وذلك لانك قد عرفت أن فسخ المغبون مع قصد رد العين إلى الغابن والالتفات بان الفسخ يستلزم رد العين إليه يكون فسخا لكلا العقدين أي أصل العقد وعقد المغبون

[ 367 ]

اعني العقد الجائز الذى هو محل الكلام هنا وبعبارة أخرى الفسخ الواحد يكون مبرزا لفسخ كلا العقدين ولكن لا يجرى ذلك في المقام حيث ان العقد الجائز هنا انما صدر بفعل الغابن وفى ملكه وفسخ المغبون أصل العقد ولو مع قصد رد العين لا يكون فسخا لعقد الغابن لو صرح المغبون بأنى فسخت عقد الغابن أيضا لا يفيد الا أن يفسخ الغابن بنفسه فانه ينفسخ بفسخه فهذا الوجه لا يفيد. وقد ذكر صاحب المسالك لو كان الناقل مما يمكن ابطاله كالبيع بخيار ألزم بالفسخ فان امتنع فسخه الحاكم وان امتنع فسخه المغبون و تنظر فيه المصنف بأن فسخ المغبون أصل العقد اما بدخول العين في ملكه واما بدخول بدلها فعلى الاول لا حاجه إلى الفسخ حتى يتكلم في الفاسخ وعلى الثاني فلا وجه للعدول مما استحقه بالفسخ إلى غيره ثم قال اللهم الا أن يقال انه لا منافات لان البدل المستحق بالفسخ انما هو للحيلوله فإذا أمكن رد العين وجب على الغابن تحصيلها ثم قال لكن ذلك انما يتم مع كون العين باق على ملك المغبون وأما مع عدمه و تملك المغبون للبدل فلا دليل على وجوب تحصيل البدل. على انا لم نقل ببدل الحيلوله لعدم الدليل عليه كما عرفت في محله سابقا والتحقيق أنه لا دليل على تسلط المغبون على ارجاع العين إذا فسخ العقد إذا كانت العين منتقله إلى غيره من الغابن سواء كان الانتقال بعقد لازم أو جائز فان المغبون ليس له أزيد من التسلط على فسخ العقد ورد العين إذا كانت غير منتقله إلى شخص آخر والا فلا دليل على اجبار الغابن على فسخه عقده الجائز ومع امتناعه يفسخ الحاكم ومع عدمه يفسخ المغبون كما هو واضح فانه ليس للمغبون شئ من ذلك لعدم الدليل

[ 368 ]

عليه وحق فسخه انما تعلق بالعقد دون العين حتى يقال ان العين مورد لحق المغبون. والحاصل أنك قد عرفت أنه يقع الكلام في مقامين الاول في فسخ المغبون العقد قبل رجوع العين إلى ملك الغابن والثانى في فسخه بعد رجوعه إليه أما الاول فقد عرفت أنه لا وجه لا نفساخ عقد الغابن أو فسخه لانه انما وقع في ملكه بل يرجع المغبون إلى البدل نعم بناء على بدل الحيلوله يمكن أن يكون أخذ البدل من جهه الحيلوله بين المالك وانتفاعه عن العين ولكنه مضافا إلى بطلان القول بالبدل الحيلوله أنه فرق بين المقام وبين موارد بدل الحيلوله كما عرفت. وأما إذا كان الفسخ بعد رجوع العين إلى ملك الغابن بأن كانت العين منتقله إلى الغير ثم رجعت إلى ملك الغابن فهل للمغبون أن يأخذ العين من الغابن أو ليس له ذلك فالظاهر من المصنف وصريح شيخنا الاستاذ هو التفصيل بين ما إذا رجعت العين إلى الغابن بسبب جديد وبين ما رجعت إليه بزوال السبب الذى به انتقلت العين إلى الغير كفسخ العقد واقالته فانه على الاول التزما بعدم جواز رجوع المغبون إلى العين بل لابد وأن يرجع إلى البدل من المثل أن القيمه وعلى الثاني فله الرجوع إلى العين وذكر شيخنا الاستاذ أن كلام الشافعي من العائد الزائل كأنه لم يزل أو كأنه لم يعدله وجه هنا وليس نقله لمجرد حسنه كما أورده بعض على المصنف فانه على الاول فالزائل العائد كأنه لم يعد فانه إذا كان العود بسبب جديد فيفرض الزائل العائد كأنه لم يعد إلى الغابن وأما على الثاني فكأن الزائل العائد لم يزل أي كأن العين لم ينتقل من ملك الغابن إلى شخص آخر ولم يزل

[ 369 ]

من ملكه بل هي باقيه على ملكه على السبب الذى انتقل إليه بهذا السبب. ولكن الظاهر أنه لا فرق بين الصورتين فانه على كلا التقديرين يرجع المغبون إلى العين لكونها متعلقه لحق المغبون فإذا وجدت في ملك المغبون فله الرجوع إليها وليست الملكية قابله للرد حتى يقال أن الملكية الزائله كالذى لم تزل أو كالذى لم تعد أو يقال بأن قانون الفسخ هو تلقى الملك من الغابن على النحو الذى تلفاه من المغبون بل هي إذا زالت، زالت بالكيه ولم تعد بعد وانما الكلام في كون العين متعلقه لحق المغبون فإذا وجدت في ملك الغابن يرجع إليها كيف ما كان و قد ذكر ذلك السيد ره هذا كله فيما إذا كان التصرف موجب للخروج من الملك وأما إذا لم يكن التصرف موجبا للخروج عن الملك فقد قسمه المصنف إلى أقسام الاول أن لا يكون موجبا للتغير بوجه لا من حيث الزيادة ولا من حيث النقيصة وهذا خارج عما نحن فيه فانه لا شبهه في عدم منعه عن الرد واما أنه يوجب النقيصة أو يوجب الزيادة وقد يكون موجبا للامتزاج وأما على تقدير كونه موجبا للنقيصه فذلك قد يكون بنقصان جزء من المبيع وأخرى بنقصان وصف الصحه وثالثه بنقصان وصف الكمال بحيث لها دخل في زياده الماليه ورابعه بنقصان وصف ليس دخيلا في زياده القيمه أصل أما الاخير فهو أيضا خارج عن المقام فانه لا يوجب شيئا أصلا كما أن المبيع كان واجدا لوصف غير دخيل في زياده الماليه وقد فقد بالفعل كأن يكون عبدا كان يحب المحل البارد وفعلا لا يحبه وأما الوجه الاول أعنى النقصان بنقصان جزء المبيع فلا شبهه أيضا في أنه يرجع المغبون إلى البقيه ويأخذ البدل للجزء الفائت لكونه تالفا وأما المتوسطان

[ 370 ]

أعنى ما كان الفائت هو وصف الصحه أو وصف الكمال فقد فصل المصنف فيهما بين فوات وصف الصحه والتزم بلحوقه بالجزء الفائت وبين فوات وصف الكمال والتزم برجوع المغبون إلى العين بدون شئ فيه أصلا. ثم ترقى المصنف والحق بوصف الكمال مالو وجدت العين مستأجره فان على الفاسخ الصبر إلى أن ينقضى مده الاجاره ولا يجب على الغابن بدل عوض المنفعة المستوفاه بالنسبه إلى بقيه المده بعد الفسخ لان المنفعة من الزوائد المنفصلة المتخلله بين العقد والفسخ فهى ملك للمفسوخ بالمنفعه الدائمية تابعه للملك المطلق فإذا تحقق في زمان ملك منفعه العين بأسرها ثم ذكر أنه يحتمل انفساخ الاجاره في بقيه المده لان ملك منفعه الملك المتزلزل متزلزل وهو الذى جزم به المحقق القمى إذا فسخ البايع بخياره المشروط له في البيع ثم اشكل على ذلك بمنع تزلزل ملك المنفعة نعم ذكر العلامه في القواعد فيما إذا وقع التفاسخ لاجل اختلاف المتبايعين أنه إذا وجد البايع العين مستاجره كانت الاجره للمشترى المؤجر ووجب عليه للبايع أجره المثل للمده الباقيه بعد الفسخ وقرره على ذلك شراح الكتاب. أقول أما ما ذكره من الفرق بين وصف الصحه والتزم بالارش وبين وصف الكمال والتزم بالرجوع إلى العين بدون شئ لا يرجع إلى محصل وذلك لان الاوصاف مطلقا سواء كانت أوصاف الصحه أو اوصاف الكمال ان كانت تقابل بالمال فلابد من الرجوع إلى الارش في كليهما والا فلا واذن فلا وجه للفرق بين وصف الصحه وبين وصف الكمال وحيث ذكرنا مرارا وستعرف في أحكام الشروط أن الاوصاف مطلقا لا تقابل بالمال فاذن فلا وجه للرجوع إلى الارش بل إذا رجع المغبون إلى العين و

[ 371 ]

واجده لها ويرجع إلى التفاوت بينهما لا أن الاوصاف لها قيمه فيرجع إليها. على أنه لو كانت الاوصاف تقابل بالمال فمقتضى القاعدة أن تنقص من الثمن سواء طالب المغبون أم لا لا أن يرجع إلى الغابن و يؤخذ منه الارش وأما ثبوت الارش في خيار العيب مع المطالبة فمن جهه النص. وبعبارة أخرى أن التفرقه بين وصف الكمال ووصف الصحه انما يكون بأحد الوجهين الاول كون وصف الصحه بمنزله الجزء الفائت بأن يقع مقدار من الثمن بازائه بحيث لازمه أن ينقص من الثمن مع فوته عند الغابن دون وصفل الكمال ولهذا مما لم يلتزم به المصنف بل ولا يمكن الالتزام به لان الاوصاف وان كانت موجبه لزيادة ماليه المال الا أنها لا تقع في مقابلها شئ من العوض في عقد المعاوضه وثبوت الارش في خيار العيب في مقابل وصف الصحه انما هو بالتعبد لا من جهه وقوع الثمن بازائه والا كان اللازم رد بعض من خصوص الثمن. والوجه الثاني أن يكون زوال وصف الصحه تحت اليد موجبا للضمان دون وصف الكمال فيقال بان الضمان المعاوضى وان تبديل بضمان اليد بعد القبض الا أن تبدله انما هو في خصوص العين ووصف الصحه دون وصف الكمال وهذا أيضا مما لا يمكن الالتزام به لانه لا فرق بين الاوصاف في أنها باجمعها مضمونة على المفسوخ عليه كما تكون مضمونه على الغاصب لان وجه الضمان في البابين انما هو قاهده ضمان اليد وأنه لابد من رد العين على الوجه الذى وضع الغاصب عليه اليد ففى كل مورد كانت اليد يد ضمان فلا وأن ترد العين على النحو الذى أخذت وحيث كانت فاقده لجهه دخيله في ماليه العين فلابد وأن تقوم العين واجده لها و

[ 372 ]

فاقده لها ويؤخذ التفاوت وعلى الجمله لو تمت هذه القاعدة لا يكون ضمان لوصف الصحه أيضا بل العين لان كلا منهما ملك الغابن وتلف تحت يده مع أنه ضامن بلا شبهه وكيف كان فمقتضى قاعده ضمان اليد هو الرجوع إلى الغابن على العين على النحو الذى وضع الغابن يده عليها فان كانت موجوده صحيحه اخذت العين والا فالبدل بالمقدار الذى فاتت عنها كلا أو جزء كما لا يخفى فافهم. لا يقال أن يوم الفسخ هو يوم الضمان ومن الواضح أن العين في هذا اليوم فاقده للوصف فلا يكون وصف الصحه تحت الضمان فانه يقال أن الضمان المعاملى الذى هو المعنى في كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده موجود من الاول فلابد وأن يخرج من عهدته كما إذا تلفت العين قبل الفسخ بلا عيب ونقصان فان المغبون يرجع بعد الفسخ على العين الصحيح عينا أو بدلا فافهم. وأما ما اورد على المحقق القمى من عدم كون الملكية متزلزله من الاولى في عقد الاجاره صحيحه ولكن ليس لازمه أن لا يكون للمغبون الا العين الخاليه عن المنفعة والا فربما يكون الغبن في ارجاع العين بلا منفعه إلى نهايه مده الاجاره اكثر من الغبن في أصل العقد ولا أنه لنا دليل على الرجوع إلى أجره بقيه المده كما ذكره في القواعد بل مقتضى قانون الفسخ وقاعده ضمان اليد أن يرجع إلى العين على النحو الذى اسلمها إلى الغابن بجميع خصوصيات تلك العين وحيث كانت الخصوصيات فائته فتقوم العين صحيحه وواجده لجميع المنافع بالفعل وفاقده للمنفعه إلى مده فيؤخذ التفاوت ولكن هنا نكته تنبه بها شيخنا الاستاذ وليس أن نقصان العين عن القيمه المتعارفه انما كان فاقده

[ 373 ]

لمنفعه مده خاصه وإذا فيكون التفاوت بمقدار اجره مثل بقيه المده ولذا عبر في القواعد بأجره المثل فافهم. والحاصل أن التصرف قد لا يكون موجبا للتغير لا عينا ولا حكما و هذا لا شبهه في أنه يرجع الفاسخ إلى المفسوخ عليه بلا ضمان على شئ أخر وقد يكون موجبا للتغير اما بالنقيصة أو بالزيادة أو بالامتزاج أما النقيصة فقد عرفت أنها قد تكون بنقصان الجزء وقد يكون بنقصان وصف الصحه وقد يكون بنقصان وصف الكمال وقد يكون بنقصان وصف لا دخل له في زياده الماليه أصلا أما الاخير فلا شبهه في خروجه عن محل الكلام بداهه عدم دخله في الماليه أصلا فلا يكون نقصانه موجبا للضمان أصلا وأما بقيه الاقسام فلا شبهه في كون النقصان فيها موجبا للضمان فتقوم العين واجده للخصوصيه الفائتة وفاقده لها فتوخذ التفاوت والوجه في ذلك أن قاعده ضمان اليد تقتضي ضمان العين على النحو الذى أخذها من المالك ووجب عليه ردها إلى صاحبها بجميع الخصوصيات الدخيله في الماليه وما ذكره المصنف من الفرق بين وصف الصحه ووصفه الكمال لا يمكن المساعده عليه فانهما مشتركان من حيث عدم مقابلتها بالمال بنفسهما ومن حيث دخلهما في زيادة الماليه كما لا يخفى. وكذا إذا كانت العين مستأجره فان مقتضى اليد هو ارجاع العين على النحو الذى اخذها الغابن من المغبون ومن الواضح أن العين لم تكن مسلوبه المنفعة حين ما أخذها الغابن من المغبون فلابد من ردها واجده للمنفعه وحيث أنها مستأجره ومسلوبه المنفعة إلى مدة معينه فتقوم واجده للمنفعه وفاقده لها ويؤخذ التفاوت ولا وجه لما ذكره المصنف من عدم الشئ على الغابن كما هو واضح.

[ 374 ]

ثم ان هنا قسما آخر من النقيصة الذى لم يتعرض له المصنف ولعله كان من جهه الوضوح وهو أن النقصان قد يكون حكميا بمعنى يكون نقصان في القيمه السوقيه وهذا لا يدخل تحت الضمان بوجه فان مقتضى ضمان اليد هو ارجاع العين على النحو الذى أخذت من المالك ومن الواضح أن العين إذا ردت كك يسقط الضمان عن ذى اليد وأما تفاوت القيمه فلا يدخل تحت الضمان كما هو واضح فافهم. وأما إذا كان التصرف موجبا للزيادة فقد تكون الزيادة حكميه بان يكون التفاوت في زياده القيمه السوقيه وهذا لا يوجب الضمان أيضا كما كان لا يوجب في طرف النقيصة فليس للغابن أن يرجع إلى المغبون بزياده القيمه فان مقتضى قاعده اليد هو ضمان العين بجميع خصوصياتها الدخيله في ماليتها والمفروض أنها رجعت كك وأما زياده القيمه السوقيه كنقصانها فلا تدخل تحت الضمان فلا مقتض للضمان هنا أصلا لا زياده ولا نقيصه كما لا يخفى وإذا فسخ المغبون ورجع إلى العين فليس للغابن أن يدعى أن العين قد زادت قيمتها. وان ترد الزيادة لعدم كون المغبون ضامنا لهذه الزيادة وأنه أخذ العين على النحو الذى كان دفعها إلى الغابن مع الخصوصيات الدخيله في الماليه فزياده القيمه أو نقصانها بحسب السوق ليست من تلك الخصوصيات فافهم. وان كانت الزيادة في الاوصاف التى لا تكون دخيله في الماليه أصلا كما تقدم نظيره في طرف النقيصة أيضا كقصاره الثوب (أو غسله) و صفاء الذهب بأن نظفه فصار نظيفا وهكذا فمثل هذه الزيادة أيضا لا شئ عليها كما لا شئ على مثلها في طرف النقيصة. وأما إذا كانت الزيادة في الاوصاف التى لها دخل في زياده الماليه

[ 375 ]

كتعليم العبد صفة العلم والكتابة والخياطه أو صنعه من الصنايع و كصروره العين سمينا وغيرها من الاوصاف التى أحدثها المشترى في العين وأوجبت زياده الماليه فإذا فسخ المغبون العقد وقد صارت العين متغيره بمثل هذه الزيادة في ملك الغابن مثلا فهل للغابن أن يرجع إلى هذه الزيادة أم لا فقد ذكر المصنف أنه يصير شريكا للعين مع المغبون. أقول ان أراد من الشركة الشركة في العين فلا وجه له وذلك لان الاوصاف وان كانت واسطه لثبوت الماليه أو زيادتها في العين ولكنها باجمعها لا تقابل بالمال كما عرفت وعليه فلا وجه لحصول الشركة في العين بزياده تلك الاوصاف لعدم المقتضى لذلك وان أراد أن حصول الشركة في الماليه فهو متين بمعنى أن تلك الاوصاف قد أوجبت زياده الماليه في العين فتلك الاوصاف بنفسها وان لم بقابل بالمال ولا تدخل تحت الضمان ولكنها تقابل المال بتبع العين فهى واسطه لثبوت الماليه أو زيادتها في العين والعين واسطه لعروض الماليه على تلك الاوصاف و عليه فيكون الغابن بعد فسخ المغبون شريكا في ماليه العين مع زياده الوصف الموجب لزيادة قيمه العين ومن هنا تكون هذه الاوصاف داخله تحت الضمان في طرف النقيصة أيضا كما هو واضح والشاهد على حصول الشركة في الماليه هي السيره العقلائيه فان سيرتهم قائمه على أن زياده الاوصاف توجب زياده الماليه بحيث يكون المحدث شريكا مع أصل المالك كما إذا اشترى صفرا من شخص فجعله قدرا أو اشترى صوفا وجعله عباء أو فراشا وهكذا ثم ظهر أن المعاملة مشتمله على الغبن فان السيره قائمه على أن الغابن شريك في ماليه العين في مقابل تلك الاوصاف التى

[ 376 ]

أوجدها في العين وليس للمغبون أخذ العين بلا رد شئ إلى الغابن مع أن الصفر الخالص أو الصوف الخالص يساوى عشر ما يساوى القدر و العباء. والفرق بين الشركة في العين والشركة في المالية أنه لو أخذ المغبون العين وزالت صفة الزيادة الموجبة لزيادة المالية بلا تفريط من المغبون وقبل رد حصة الغابن كما إذا زالت صفة السمن أو صفة الكتابة أو صفة العلم ونحوها فانه يزول حق الغابن لقوامه بالصفة الزائدة و المفروض أنها زالت وهذا بخلاف ما إذا قلنا الشركة في العين فانها قائمة بنفس العين فما دامت العين موجودة فالشركة موجودة سواء زالت الاوصاف أم لا. ثم ان الظاهر أنه لا فارق بين حدوث هذه الاوصاف بفعل الغابن أو بفعل الله تعالى فانه على كل تقدير فالشركة في المالية حاصلة فان ما يقابل الاوصاف الزائدة من المالية ليست أجره لعمل الغابن حتى يتوهم أن الزيادة إذا كانت بفعل الله تعالى فلا عمل للمشترى حتى يقابل بالاجرة بل المقابل بالمال انما هي نتيجة العمل الصادر من الغابن وعليه فسواء كانت الزيادة بفعل الله تعالى أو بفعل الغابن فهما مشتركتان في النتيجة فتكونان موجبتين للشركة في المالية فلا وجه لما فرق به شيخنا الاستاذ بين ما كانت الزيادة بفعل الغابن فللشركة وجه وبين ما كانت الزيادة بفعل الله تعالى فلا وجه للشركة، ولو كان للعمل دخل فلابد من القول بثبوت الاجرة فيما إذا عمل عملا كثيرا ولم ينتج كما إذا علم العبد الكتابة ولم يتعلم لبلادته فافهم. وقد عرفت أن الكلام قد يقع في صورة الاتلاف وقد تقدم الكلام فيه

[ 377 ]

وقد يقع في صورة النقيصة على أقسامها وقد يقع في صورة الزيادة وقد عرفت أن الزيادة إذا كانت في القيمة السوقية فلا حق للغابن أن يطالبها من المغبون لعدم المقتضى فان له رد العين على النحو الذى أخذها و المفروض أنه لم يحدث في العين حدثا حتى يوجب زيادة المالية بل هي من جهة زيادة القيمة السوقية. وكك الكلام في النقيصة وأما الزيادة الاوصاف الكمالية أو الصحة فقد عرفت انها تدخل تحت الضمان وتوجب الشركة في المالية كما لا يخفى وأما الزيادة في الاوصاف الغير الدخيلة في المالية فلا توجب شيئا بوجه. ثم ان الزيادة قد تكون عينا ممتازا عن المبيع أو الثمن الذى غبن فيه وهذه الزيادة قد تكون أجنبية عن العين بالكلية وغير مربوطه بها و هذا كما إذا اشترى الغابن دكانا في الجادة ووضع فيه المتاع والتفت المغبون بالغبن ففسخ العقد فانه يأخذ دكانه وليس للغابن أن يقول أن ثمن متاع في هذا المكان أغلى من المكان الآخر والنقل إليه يكون ضررا عليه فلو انتقله لحديث نفى الضرر فان ذلك الزيادة من جهة خصوصية المكان لا من جهة أن الغابن عمل هنا عملا فذلك العمل قد أوجب الزيادة وهذا خارج عن المقام. وقد تكون الزيادة مع كونها ممتازة عن العين التى وقعت عليها المعاوضة مربوطة بالعين كما إذا اشترى الغابن أرضا فغرس فيها الاشجار أو بنى فيها البناء أو اشترى قميصا وخاط فيه النقوش التى هي موجودة بعينها. وتفصيل الكلام هنا أنه قد يكون الارض ملكا مطلقا لشخص ولكن أشغلها شخص آخر غصبا بأن غصبها وبنى فيها البنى أو غرس فيها

[ 378 ]

الاشجار وكذلك لو انتقلت الارض إليه بعقد فاسد وغرس فيها الاشجار ومثل ذلك ما لو أجرها من شخص وانتهى أمد الاجاره وقد أشغلها المستأجر بالبناء نحو ذلك من الموارد فانه لا شبهة في امثال ذلك أن لمالك الارض أن يطالب من مالك البناء تفريغ أرضه فانه لا عرق لظالم وإذا منع فرغه بنفسه كما حقق في محله وليس عليه شئ أصلا فانه مالك على الارض وليس للغاصب أن يمنعه من التصرف في ملكه حتى لو كنانت قيمة البناء عشره آلاف دينار وقيمة الارض عشرة دينارا فايضا لمالك الارض مطالبة أرضه ولو مع رضاء مالك البناء بالبقاء على الشركة كما هو واضح لان مالك الارض له السلطنه على ملكه بمقتضى دليل السلطنة وليس لاحد أن يمنعه من ذلك وليس المقام مشمولا لدليل نفى الضرر لكونه في مقام الامتنان والمقام ليس كك على أن مالك البناء قد أقدم على الضرر باختياره. وقد يكون ملك المالك على الارض ملكيه محدوده من الاول كما إذا كان لاحد حديقه فوهب أرضها لاحد أولاده وأشجارها لاولاده الاخر فانه ليس لمالك الارض أن يجبر مالك الاشجار على اجبار تفريغ الارض فانه مالك على الارض من الاول ملكيه محدوده لا ملكيه مطلقه وعليه إذا باع مالك الاشجار أشجاره من شخص فيبيعها بهذه الخصوصية بأن تبقى الاشجار فيها لا أنها تقلع ومن هذا القبيل ارث الزوجه من البناء دون العقار فانه إذا باعته من شخص ليس للورثه أن يجبروا المشترى بقلع البناء وليس لهم أن يجبروها بقلع البناء فانها تستحق البناء لا الاحجار والاخشاب كما لا يخفى. وهنا قسم ثالث لا يعلم حاله فيشك كونه من القسم الاول أو من

[ 379 ]

القسم الثاني وهو ما نحن فيه أعنى تملك الارض بفسخ العقد بخيار الغبن فهل يتملك المغبون الارض ملكية مطلقة حتى يكون له مطالبة الغابن بتفريع أرضه بلا أرش أصلا أو لا يملكه الا ملكية محدودة فليس له ذلك و مثل ذلك تملك الارض بحق الشفعة ففى المقام أقوال ثلثه قول بأنه مثل القسم الاول فلمالك الارض الذى هو المغبون أن يطالب الغابن تفريغ أرضه من دون أن يكون عليه شئ كما اختاره في المختلف في الشفعة أو عدم تسلطه عليه كما عليه المشهور فيما إذا رجع بايع الارض المغروسة بعد تفليس المشترى أو تسلطه عليه مع الارش كما اختاره في المسالك هنا. ومنشأ الخلاف أن الغابن الذي يستوفى منفعة الارض إلى مدة هل يكون بذلك مالك لمنفعة الارض إلى انتهاء المدة التى استوفى منفعتها إلى تلك المده بحيث لو عادت الارض إلى ملك المغبون تبقى المنفعة في ملك الغابن أيضا بغير أن يكون عليه شئ من الاجرة كما هو كذلك في الاجارة بأن آجر العين إلى مدة معينة حيث الاجارة لم تفسخ لوقوعها في ملك الغابن وكذلك الامر هنا فان التصرف قد وقع في ملك نفس الغابن فلا يتوجه عليه غرامه أصلا. وبعبارة أخرى شأن الغرس والزرع والبناء على الارض شأن اجارتها من شخص آخر إلى مدة فكما أنها تكون مسلوبة المنفعة في الاجارة ومع ذلك ليس للمغبون فسخ عقد الاجارة وكذلك في المقام فان الاستيفاء يكون سببا لتملك المنفعة فتكون الارض مسلوبة المنفعة وليس للمغبون أن يطالب تفريغ الارض غاية الامر له حق مطالبة الاجرة على الارض. وبعبارة أخرى أن الغارس قد استوفى منفعة الارض ما دام غرسه

[ 380 ]

باقيا كما في الاجارة فيجب عليه بعد الفسخ أو الانفساخ تدارك ما استوفاه بأجرة المثل أو قيمه النقص والتفاوت ولا يبعد أن يكون هذا القول هو المشهور بين العلماء. أو يقال ان مالك الارض قد دفع العين إلى الغابن فارغه عن البناء والاشجار وواجدة للمنفعة فله مطالبة أرضها بعد فسخ العين أو انفساخه على النحو الذى دفعها إليه ولم تكن ذلك مسلوبة المنفعة أو تطلبها من الغابن كذلك بمقتضى قانون الفسخ ودليل ضمان اليد كما هو واضح والحق هو الثاني فان مقتضى ضمان اليد هو رد العين على النحو الذى دفعها إلى الغابن ومن الواضح أن الارض التى دفعها إليه لم تكن مسلوبة المنفعة فلابد له من ردها كذلك وأما قياس المقام بالاجارة فبلا وجه لكونه مع الفارق فان في عقد الاجارة قد يعتبر ملكية المنافع إلى مدة للمستأجر وهذا لا بأس به فان الاعتبار خفيف المؤنة و لا بأس من تعلقه على الامر المعدوم وأما تصرف الغابن بنفسه في الارض على نحو يستلزم كون الارض مسلوبة المنفعة إلى مدة ويستوفى منفعتها لنفسه فهذا لا يعتبره العقلاء الملكية له بوجه وإذا فإذا فسخ المغبون العقد فله مطالبة أرضه فارغة عن البناء والغرس وله قلع ذلك كله و تفريغ أرضه فان مقتضى اليد هو ذلك. وهل يثبت للغابن تفاوت قيمة الاشجار المغروسة أو البناء فانها بعد القلع تكون أحجارا وأخشابا فيكون متضررا وهو منفى في الشريعة المقدسة أو ليس له ذلك وقد يقال بثبوت تفاوت القيمة بين البناء و الاحجار وبين الشجر والخشب على صاحب الارض فلابد له أن يعطى ذلك للغابن لوجهين الاول قاعدة نفى الضرر فان قلع بناء الغابن أو

[ 381 ]

اشجاره عن الارض ضرر عليه فيكون منفيا بحديث نفى الضرر فيجب على صاحب الارض أن يعطى الارش لصاحب البناء أو الاشجار. وفيه أولا ما ذكره المحقق الايروانى من أنه ليس هنا ضرر على الغابن بل هو من قبيل عدم النفع فانه قد بنى في هذه الارض البناء و غرس فيها الاشجار أو علم العبد الصناعة مثلا لينتفع بها ولم يتمكن من الانتفاع لا أنه تضرر إذ ليس له ملكية مطلقة على الارض مع البناء والاشجار الموجودة فيها بل كانت ملكيته محدودة بحد خاص وبوقت معين واجبار مالك الارض الغابن بقلع شجره أو بنائه ليس ضررا عليه بل منع عن الانتفاع به كما هو واضح. وثانيا أن دليل لا ضرر لا يشمل موردا يلزم من شموله له ضرر على شخص آخر فانه بالنسبة إلى كل منهما على حد سواء فيكون شموله لاحدهما معارضا بشموله للاخر فان اجبار صاحب البناء على قلع بنائه بدون الاجرة ضرر عليه واعطاء صاحب الارض قيمة البناء باستثناء احجاره ضرر على صاحب الارض فانه بأى وجه يلزم بذلك مع أنه لا يطلب الا أرضه فمقتضى قاعدة اليد هو وجوب رد أرضه عليه على النحو الذى اعطاها للغابن ولا وجه لتضرره من جهة فعل الغابن كما هو واضح. وبعبارة أخرى أن حديث لا ضرر وارد في مقام الامتنان فلا يشمل موردا يكون شموله ضررا على الغير لانه خلاف الامتنان (وهنا وجه ثالث نذكره في الوجه الثاني) الوجه الثاني أن قاعدة احترام مال المسلم تقتضي أن لا يذهب ماله هدرا فان اجباره على قلع شجره أو اشجار عن ارض المغبون بلا اعطاء تفاوته خلاف احترام مال المسلم فلابد له من اعطاء تفاوت القيمة بين البناء والاحجار وبين الاخشاب والاشجار وقد ذكر

[ 382 ]

ذلك شيخنا الاستاذ. وفيه أولا أن حفظ احترام مال المسلم يقتضى حرمة اتلافه والا يكون المتلف ضامنا وأما ثبوت ضمانه على شخص آخر فلا تقتضيه تلك القاعدة ففى المقام أن صاحب الارض لا يطلب من الغابن الا أرضه على الذى اعطاه اياها فلابد للغابن أن يردها إلى المغبون وحيث كانت تلك الارض فارغة وغير مسلوبة المنفعة فلابد للغابن أن يردها كذلك ومن الواضح أن ذلك لا يمكن الا أن يفرغ الغابن الارض ويقلع بنائه واشجاره وأى ربط لذلك على ثبوت الضمان للمغبون. وبعبارة أخر أن احترام مال المسلم يقتضى أن لا يذهب هدرا باتلاف أحد لا أنه يقتضى أن يكون ضمانه في مورد التلف على شخص لا يتلفه أصلا فالمغبون لا يطلب الا أرضه وليس له شغل باتلاف مال الغابن وانما الغابن يتصدى باتلاف ماله لعدم حق له في ابقائه في أرض الغير و بعبارة أخرى أن ابقاء الغابن ماله في أرض المغبون بعد الفسخ حرام و ليس لبقائه في أرض الغير احترام أصلا فانه بعد الفسخ يكون ابقائه ذلك في أرض الغير غصبا وليس لعرق الظالم حق. ويرد على كلا الوجهين النقض بما إذا غرس أحد اشجارا في أرض الغير جهلا بأنها للغير فلم يستشكل أحد في أنه تقلع الاشجار وليس على الغارس شئ مع أنه ليس غاصبا حتى يقال انه يؤخذ بأشق الاحوال مع أن لازم القول بثبوت التفاوت على المغبون لقاعدة الضرر أو لقاعدة احترام مال المسلم لكان لازم ذلك أن يثبت التفاوت على صاحب الارض في هذه المسألة أيضا وقد عرفت أنه لم يقل أحد بضمان التفاوت هنا كما هو واضح فتحصل أنه لا يثبت تفاوت القيمة على المغبون كما هو واضح.

[ 383 ]

وقد عرفت أنه كان الكلام في تصرف الغابن مع ثبوت الخيار للمغبون وكان الكلام في صوره الزيادة بما لا يكون متصلا بالعين وانتهى إلى ما إذا غرس الغابن أشجارا في أرض المغبون فهل له حق لا بقائها فيها أو لا وقد عرفت أن هنا أقوال ثلثه الاول عدم ثبوت حق للمغبون على قلع الاشجار لكون تصرف الغابن واقعا في ملكه فيكون نظير استيفاء المنفعة بالاجاره الثاني تسلطه على اجباره على القلع من غير ثبوت حق للغابن أصلا وقد اختاره العلامه في شفعه المختلف الثالث للمغبون أن يبقى أشجاره في أرضه مع الاجرة وهذا القول قد اختاره المسالك وتبعه جمع من المتأخرين وقد ذكرنا مدرك جواز القلع بلا أجرة الذى هو قول العلامه واخترناه لان المغبون له حق مطالبه أرضه من الغابن على النحو الذى سلمها إليه لدليل اليد وان كان لازم ذلك صيروره أشجار الغابن حطبا وقد عرفت أيضا مدرك ثبوت الاجره من قاعده لا ضرر وقاعده احترام مال المسلم وقد عرفت جوابهما أيضا. وقد ذكر شيخنا الاستاذ أن الغابن وان كان لم يملك الارض ملكيه مطلقه ولكنه مالك للاشجار فإذا أجبره المغبون على القلع تكون الصورة الشجريه متبدله بصوره الحطبيه فتزول الماليه الشجريه ومن الواضح أن هذا ضرر عليه ولكن قد عرفت جوابه مما ذكرناه سابقا فان المغبون لا شغل له بازاله الماليه عن الاشجار وازاله الصور الشجريه وانما له مطالبه أرضه فارغه كانت أو لا بمقتضى دليل اليد ولا يستند انتفاء الماليه عن الشجره إلى المغبون بوجه وانما لازم مطالبته الارض هو ذلك وهو بمجرده لا يستلزم الضمان وهل يتوهم أحد أنه إذا نسى أحد أو غفل أن الارض الفلانيه ملك شخص آخر فغرس فيها أشجار أن تفاوت القيمه

[ 384 ]

بين الشجريه الخشبيه بعد القلع على صاحب الارض وليس كذلك وعلى الجمله فنقطه الكلام هو أن مقتضى دليل اليد هو وجوب رد أرض المغبون على النحو الذى أخذها الغابن منه وما يترتب على الرد من اللوازم فهو مطلب آخر لا يكون مستندا إلى المغبون كما هو واضح ولا يقاس المقام باستيفاء المنفعة بالاجاره لكون ذلك بالملك كما عرفت. ثم انه فرق صاحب المسالك بين الغرس والزرع فالتزم في الاول بعدم لزوم الصبر على المالك لعدم وجود مده ينتظر فيها وفى الثاني بلزوم الصبر مع الاجره لوجود مده ينتظر فيها ولكن لا نعرف وجها صحيحا لهذه التفرقه الا طول المده وبعدها فان المده كما كانت محدوده في الزرع كذلك كانت محدوده في الغرس أيضا فأى معنى للقول بأن في الزرع مده فيتفرغيها دون الغرس فاطول ما يعيش من الشجر هو النخله فانها على ما يقولون تعيش مأه سنه ومع ذلك فهذه المده محدوده فتنحل بعدها نعم فرق بينهما من حيث طول المده وقصرها ولكنه لا يكون فرقا في المقام فان المغبون له مطالبه أرضه من الغابن مطلقا ولا يجوز له الامتناع عن ذلك ولو كانت مدته قليله ودعوى عدم ثبوت حق اجبار قلع الزرع مع قصر المده دعوى بلا وجه لكونه تخصيصا في دليل اليد ومن البديهى أنه لا دليل عليه كما هو واضح فانه فأى مخصص لها بالنسبه إلى ما إذا كانت مده التصرف في العين قليلة وقد وجه شيخنا الاستاذ كلام المسالك بأنه إذا كانت الارض مشغوله بالزراعة فليس فيها ضرر على المالك إذ الارض قابله للزرع ومعده له وإذا اعطى الغابن أجره الارض فلا يكون هنا ضرر على المالك حتى يتعارض الضرران هذا بخلاف كون الارض مشغوله بالغرس فانه ضرر على المالك.

[ 385 ]

وفيه أنه ليس لهذا الكلام الا الصورة فانه يمكن أن يقال ان الارض المغروسة معده للشجر فإذا غرس الغابن فيها شجرا واعطى أجرتها لمالكها لا يكون في ذلك ضرر على المالك حتى يتعارضان وهو واضح فلا دليل على هذه التفرقه أيضا وعلى الجمله أن مقتضى دليل اليد هو تسلط صاحب الارض على مطالبه أرضه من الغابن وان استلزم ذلك ضررا على الغابن فان ذلك لا يستند إليه فافهم. ثم انه هل يفرق بين المقام وبين مسألة التفليس أم لا وقد ذهب المشهور إلى أنه ليس للبايع الفاسخ قلع الغرس ولو مع الارش في التفليس وذكر المصنف أنه يمكن الفرق بكون حدوث ملك الغرس في ملك متزلزل فيما نحن فيه فحق المغبون انما تعلق بالارض قبل الغرس بخلاف مسألة التفليس لان سبب التزلزل هناك بعد الغرس فيشبه بيع الارض المغروسة وليس للمشترى قلعه ولو مع الارش بلا خلاف أقول لا شبهه على تقدير ثبوت خيار التفليس فليس بين المقام وبينه فرق أصلا بل في كلا الموردين للمالك بعد الفسخ أن يطالب ماله بمقتضى دليل ضمان اليد وليس لاحد أن يمنع من ذلك كما هو واضح فلا وجه لما ذكره المصنف من ملاحظة الا سبقيه واللاحقيه فان على القول بالثبوت يتزاحمان ولو كان أحدهما سابقا والآخر لاحقا إذ الا سبقيه يوجب عدم التزاحم في المده الخاليه عن المزاحم ولكن في مده وجود المزاحم يتزاحمان بقاء كما لا يخفى ولكن الذى يسهل الخطب ما ذكرناه في عدم ثبوت حق للمشترى في مسألة التفليس أيضا حتى يتكلم في التزاحم بل من له الخيار يفسخ و يأخذ أرضه من المشترى وان استلزم ذلك ضررا على المشترى كما لا يخفى الا أن الكلام في أصل ثبوت الخيار في مسألة التفليس مع انتقال العين

[ 386 ]

إلى غيره بالهبه أو بالبيع فانه مع ذلك لا يصدق بقاء العين كما هو واضح وقد حقق ذلك في كتاب التفليس نعم مع ثبوت الخيار فلصاحب الخيار أرجاع العين كما في المقام. ثم انه على القول بثبوت حق المطالبة لمالك الارض أرضه من الغابن الغرس فهل له قلع أشجاره مباشره أو يطالب قلعه من الغابن فإذا امتنع باشره بنفسه وجوه الظاهر أنه ليس له مباشره قلعها فان الثابت على ما ذكره المصنف لكل من المتبايعين مطالبه حقه عن الآخر فلمالك الارض مطالبه أرضه من الغابن فلمالك الشجر مطالبه اشجاره من المغبون فإذا امتنع أحدهما عن ذلك رجع إلى الحاكم وهو يجبره على ذلك و الا باشر كل منهما على تفريغ حقه بنفسه ولو باشر مالك الارض مثلا قلع أشجار الغابن بدون مطالبته من الغابن فمضمن نقصان القيمه لكونه اتلافا لمال الغير بدون اذنه فيكون ضامنا ومن هنا ظهر حكم الاعضان الداخله على الجار فان الجار له اجبار مالك الاعضان على القلع وتفريع أرضه من ذلك وهكذا الحيوان الداخل على ملك الغير فالمالك يجبر صاحب الحيوان على الاخذ والا فيخرجه بنفسه فلو أخرجه بنفسه وتلف يكون ضامنا وما ذكره المصنف بين الاعضان الداخله على الجار فلا يجوز للجار اجبار المالك لكونه بلا اختيار وبين غرس الاشجار في ارض الغير فله اجبار المالك على الغرس لكونه مع الاختيار لا وجه له فان دخول الاعضان على الجار وان كان بلا اختيار حدوثا ولكنها باقيه في مللك الغير باختيار المالك بقاء فله مطالبه تفريغ داره عن ملك الغير كما لا يخفى فافهم. وأما لو كان التغير بالامتزاج ذكر المصنف ره صورا في المقام لانه

[ 387 ]

اما أن يكون بغير جنسه واما أن يكون بجنسه فان كان بغير الجنس فان كان على وجه الاستهلاك عرفا لا يحكم في مثله بالشركه كامتزاج ماء الورد بالزيت فانه يعد تالفا غايه الامر يوجب مزيه الماليه في الخليط الآخر في بعض الاحيان وهذا يكون من صور زياده ماليه العين بفعل الغابن و قد تقدم الكلام في ذلك وان كان الامتزاج على وجه لا يعد تالفا كالخل الممتزج بالانجبين ففى كونه شريكا أو كونه كالمعدومه وجهان وان كان الامتزاج بالجنس فان كان بالمساوى تثبت الشركة وكذلك بالاردى ولو كان بالاجود احتمل الشركة في الثمن وان كان الاجود يساوى قيمت الردى كان المجموع بينهما أثلاثا الخ. والظاهر أن ما ذكره المصنف من الاول إلى أخره من التقسيمات مناقض لما ذكره سابقا من حكم الامتزاج في تصرفات المغبون والظاهر أنه لا فرق بينهما موضوعا وحكما وقد ذكر سابقا ان الامتزاج في حكم التالفا لحصول الشركة المانعة عن الرد وعليه فلا وجه لما ذكره هنا من حصول الشركة بين البايع والمشترى وقد ذكرنا سابقا في تقريب كلام المصنف أن قانون الفسخ يقتضى رد كل من العوضين إلى الآخر على النحو الذى أخذ ومن الواضح أن الامتزاج يوجب الشركة التى عباره عن انتقال مقدار من مال كل من الشريكين إلى الآخر لتحصل الشركة في تمام الاجزاء التى لا تقبل القسمه عرفا وعليه فإذا فسخ المغبون وأراد رد عينه فلا يرجع إليه جميع ما اعطاه الآخر من العوض بل مقدارا منه ومقدارا من مال الغير لان المفروض هو حصول الشركة كما لا يخفى وعلى هذا فلابد من الرجوع إلى البدل بعد الفسخ. وبعبارة أخرى تاره نتكلم في بقاء الخيار وعدمه مع حصول الامتزاج

[ 388 ]

وهذا لا شبهه فيه لانا قلنا بثبوته مع التلف وكيف بالامتزاج والشركه و أخرى نتكلم في امكان رد العين مع الامتزاج وهو لا يمكن فان قانون الفسخ يقتضى رد العين على النحو المأخوذ والمفروض أنها امتزجت بغيرها و حصلت الشركة بينهما فلو رجعت رجع نصف من العوض ونصف عن المال الآخر كما هو واضح فلابد ح من الرجوع إلى البدل من المثل أو القيمه هذا الذى ذكرناه سابقا ويجرى مثله في المقام أيضا فانه لا فرق بين الامتزاج الحاصل بفعل الغلبن أو بفعل المغبون وهذا واضح جدا. ثم ان التكلم في أقسام الامتزاج وحصول الشركة في بعضها دون بعض وان كان خارجا عن المقام ولكن لا باس بالتعرض لذلك لمناسبه تعرض المصنف له والا فليس مربوطا بخيار الغبن لما عرفت أن المزج يلحق بالخروج عن الملك ومعه يمتنع الرد كما لا يخفى فنقول أن ما يمتزج من المال بمال آخر اما أن يكون بحيث يعد معدوما عرفا إذا امتزج الآخر ويكون مستهلكا فيه عرفا من غير أن يكون ذلك موجبا للشركه قطعا وهذا كما إذا اشترى الغابن زيتا من المغبون ومزج فيه مقدارا من العطر فانه يعد ذلك العطر تالفا في نظر العرف فلا يوجب المزج الشركة هنا نعم قد يوجب ذلك زياده الماليه وح يكون ذلك من صغريات الزيادة بتصرف الغابن وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا وهذا نظير أن يقع الجره من الحائط وحسب مائه الحلو بحوض أحد فيه ماء المر فانهما وان كانا من جنسين وقد امتزج أحدهما بالاخر ولكن ماء الجره لقلته يعد تالفا في ماء الحوض كما هو واضح فهذا القسم من الامتزاج لا يوجب الشركة قطعا ثم ان كان ذلك بغير اختيار فيذهب العطر وماء الجره هدرا لعدم ما يوجب الضمان على صاحب الزيت والحوض من اليد والاتلاف فلا يرجع عليه

[ 389 ]

لعدم استناده إليه ولا أن هنا ما يوجب الاشتراك كما عرفت وان كان باختيار شخص وان كانت يده يد ضمان فلابد عليه من أداء بدل العطر والماء وان كانت يده يد أمانه فلا شئ عليه هذا حكم ما لو كان أحد (الممتزجين) تالفا في الآخر مع التفصيل في الضمان. وان كان الامتزاج بحيث يستهلك كل من الخليطين في الآخر ولا تبقى لكل منهما الصورة النوعية بل تحصل هنا صوره نوعيه أخرى وان كان الماده منهما باقيه وهذا كمزج الترياق مع الزعفران مع بعض الاجز الاخر فان ذلك يوجب تشكيل صوره نوعيه التى تسمى بمعجون البزرج الذى كان مرسوما سابقا وكان ياكله الشيوخ ولا تبقى الصورة النوعية لكل من الاجزاء في نظر العرف ولا يبعد أن يكون السكنجبين من هذا القبيل حيث ان كل من الخل والعسل قد زالت صورتهما النوعية في نظر العرف وان كانت باقيه بالدقه العقليه وانما تحققت هنا حقيقه أخرى. وعليه فيكون كل من مالك الخل ومالك العسل شريكا في العين بحسب الماليه لا بحسب مقدار الممزوجين يعنى يقوم العسل ويقوم الخل وينسب أحدهما إلى الاخر فيكون كل منهما مالكا للماهيه المركبة الحاصله من الخليطين بحساب الماليه لا بحساب مقدار العوضين والا فلازم ذلك أن يكون السكنجبين الحاصل من العسل والخل الذان كل منهما كيلو واحد أن يكونا شريكين في السكنجبين على نسق واحد مع أن قيمه العسل عشر مقابل قيمه الخل بل أزيد ويختلف ذلك زياده ونقيصه باختلاف الموارد أي باختلاف ماليه الممزوجين وكيف كان فتحصل الشركة هنا في العين باعتبار نسبه ماليه الممزوجين لا قدرهما وليست الشركة هنا في الماليه فقط ولا في المقدار فقط.

[ 390 ]

الثالث أن يكون الممتزجان من جنس واحد ولم يكن الامتزاج موجبا لاتلاف أحدهما أو كليهما كما في القسمين المتقدمين بل تكون عين كل منهما موجوده حتى في نظر العرف وان كانا مع ذلك متساويين من حيث الجوده والرداءه فلا شبهه في حصول الشركة في العين كما هو واضح. وإذا كان المزج بالجنس ولكن بالاردى لا بالمساوى فذكر المصنف أنه تحصل الشركة أيضا وهل يستحق المغبون أرش النقص أو تفاوت الرداءه من الجنس الممتزج أو من ثمنه وجوه ولو امتزج بالاجود احتمل الشركة في الثمن أو في الماليه ثم ان هذه الوجوه تجرى فيما إذا مزج المغبون ففى صوره مزج الردى بالمتوسط وجوه ثلثه وبالاجود وجهان كما ذكره المصنف وذكر شيخنا الاستاذ أن الشركة في المزج بالاردى أو الاجود انما تكون في العين بحسب المقدار لا بحسب الماليه وذلك لان الفائت ليس الا الخصوصية الشخصيه دون أصل المال ووصفه وماليته فيأخذ كل منهما بمقدار ماله ولا وجه للشركه في الماليه لانه إذا أمكن الشركة في المقدار لا تصل النوبه إلى الشركة في القيمه نعم لو كان المزج بفعل الغاصب أو الغابن بالاردء فعليه أرش النقص. أقول: لا شبهه في أن المزج يوجب الاشتراك سواء كان بفعل الغابن أو بفعل المغبون اختياريا كان أم قهريا فانه على كل تقدير يوجب الشركة وذلك لبناء العقلاء على ذلك وعلى هذا فلو خصلت الشركة القهريه بين مالى شخصين بأن مزج حيوان حنطه أحد بحنطه غيره مع كون أحدهما أجود بحيث يساوى منا منها بدرهمين والآخر اردى منه والظاهر أنه لا يتوهم أحد أن الشركة الحاصله هنا بالمزج ليست باعتبار

[ 391 ]

الماليه بل باعتبار المقدار بأن يقسم بينهما على حسب مقدار المالين مثلا إذا كان لصاحب الردى منان ولصاحب الجيد منا يأخذ صاحب الردى منان وصاحب الجيد منا ويكون التفاوت بينهما بين الجيد و الردى تالفا يعنى تذهب صفه الجوده هدرا إذ ليس المزج مستندا إلى أحد حتى يكون أرش النقص عليه والظاهر أنه هذا لا يلتزم به أحد ولا يشك ذو مسكة أن الشركة هنا في الماليه فان بناء العقلاء كما أنه على حصول الشركة بالمزج وكك بنائهم على كونها في العين بحسب الماليه في مثل المزج بالردى أو بالجيد وعليه فلا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من القول بكون الشركة في القيمه وأما الرجوع إلى الارش فليس له دليل أيضا بعد ما يمكن الرجوع إلى نفس المال وكذلك لا دليل أيضا على بيع العين الممتزجة والاشتراك في الثمن بل لابد من الشركة في العين باعتبار ملاحظة الماليه كما هو واضح. وعليه فلا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من القول بكون الشركة في القيمه نعم بقى هنا شئ وهو ما ذكره شيخ الطائفة من أنه إذا كانت الشركة في الماليه يلزم الربا فانه إذا مزج من من الحنطه الجيده بمن من الحنطه الرديه وقلنا بالشركه بحسب الماليه فانه يكون لصاحب الحنطه الجيده اكثر من صاحب الحنطه الرديه كما إذا كانت قيمه الردى درهما وقيمه الجيد درهمين فان العين الممزوجة تقسم بينهما اثلاثا فيأخذ صاحب الجيد ثلثين وصاحب الردى ثلثا ويلزم الربا. ولكن يرد عليه ان الربا لا يجرى لا في المعاملات المشتملة على المعاوضات وحصول الشركة القهريه بسبب المزج ليس كك فلا يجرى فيها الربا.

[ 392 ]

ثم انه ربما يقال ان المزج إذا ان بفعل الغاصب بأن مزج الحنطه الرديه المغصوبة بحنطته الجيدة فتكون الشركة هنا في المقدار لان الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال ولكن يرد عليه أنه لا دليل على أنه يؤخذ الغاصب بأشق الاحوال وما ذكرناه من الشركة في المقدار جار هنا أيضا فيكون ذلك نظير مزج الخل بالانجبين سواء كان المزج بفعل الغاصب أو بفعل غيره اختياريا أم غير اختياري ثم هذا كله إذا لم يكن المزج موجيا لنقصان القيمه بأن تكون قيمه كل من الردى والجيد محفوظا كما إذا اشترى الغابن منا من الحنطه الجيدة من المغبون التى قيمتها درهمان ومزجه بمن من حنطته الرديه التى قيمته درهم واحد وكانت المجموع المركب قيمته ثلاث دراهم فانه ح لم ينقص من قيمتهما شئ وقد ينقص من قيمة الجيد بواسطة المزج كما إذا اشترى كيلوا من الارز الرشتى بمائه فلس ومزج ذلك بارز كانت قيمته عشرين فلسا ومزجهما الغابن فانه ح تكون قيمه الاجود نازلا فان زياده القيمه من جهه جودته وصفائه ولعل قيمة الممتزجة لا تسوى اكثر من درهم واحد وعلى هذا فان كان المزج بفعل الغابن أو الغاصب أو شخص آخر كان أرش النقص عليه لكونه سببا في هذا النقص وان كان المزج قهريا أو بفعل صاحب الجيد سواء كان هو الغابن أو المغبون فلا شئ على صاحب الردى لانه يطالب ماله بجميع الخصوصيات فحيث لا يمكن رده كك فيأخذه بحسب الماليه يعنى يأخذ من العين بنسبة مالية ماله لا بحسب مقداره كما عرفت من غير أن يعطى تفاوت القيمة لعدم استناده إليه وهذا واضح جدا. ثم بقى هنا شئ وهو أنه لو امتزج غير الجنس بغير جنسه من غير أن يكون أحدهما مستهلكا في الآخر بحيث يكون تلفا كما تقدم من مزج

[ 393 ]

العطر بالزيت ولا أن يكون كلاهما مستهلكا بحيث يكون المزج موجبا لتشكيل هيئة خاصة وماهية مركبة وتكون صورتها النوعية العرفية غير الصورة النوعية في اجراء المركب بحيث تكون الشركة في المالية كما تقدم في مثل مزج الخل بالانجبين ولا أن يكون من قبيل مزج الجنس بالجنس بحيث تكون الشركة في العين في فرض تساوى القيمتين وفى المالية في فرض عدم تساويهما بل يكون مزج غير جنس بغير جنسه بحيث يكون كل منهما ممتازا عن الآخر كمزج الحمصة مع الارز وكمزج دقيق الارز مع دقيق الشعير وهكذا فان هذا القسم لا يجرى فيه شئ من الاقسام المذكورة فلابد فيه من الحكم بالشركة في العين بحسب المالية أيضا كما هو واضح. ثم انك قد عرفت أن التكلم في أقسام الشركة بالمزج لا يرتبت بخيار الغبن اصلا فان المزج الذى يوجب الشركة كسائر النواقل اللازمة وانما التكلم هنا بمناسبة تكلم المصنف فيه فتحصل أن المزج يوجب الشركة في العين اما باعتبار المالية أو باعتبار المقدار فلا يلزم منه الربا أيضا ولا يرجع إلى الارش أو البيع والاشتراك في الثمن. قوله بقى الكلام في حكم تلف العوضين مع الغبن أقول التكلم في التلف من جهة دفع توهم أن تصرف المغبون يكون مسقطا للخيار فالتلف أولى بأن يكون مسقطا للخيار والا كان الاولى التعرض لذلك في احكام الخيار وانما ذكروه هنا لدفع هذا التوهم ثم ان المصنف قسم التلف إلى أقسام فانه اما ان يكون فيما وصل إلى الغابن أو فيما وصل إلى المغبون وعلى كل تقدير أن التلف اما بآفة سماوي أو باتلاف أحدهما أو باتلاف الأجنبي والظاهر أنه لا فائدة لهذا التقسيم كما ذكره المصنف فانه لا يفرق الحكم بين أن يكون التلف فيما وصل إلى الغابن أو فيما وصل إلى المغبون

[ 394 ]

وبين ما ان يكون التلف بنفسه أو بتسبيب غيره من أحدهما أو من الأجنبي بل اللازم أن نتكلم هنا في مسائل ثلث الاول في حكم التلف والاتلاف فانهما واحد الثانية في حكم اتلاف كل من الغابن والمغبون ماله الآخر الذى انتقل من أحدهما إلى الآخر الثالث في حكم اتلاف الأجنبي أما المسألة الاولى فقد يكون التلف بعد الفسخ وقد يكون قبل الفسخ أما الاول فلا شبهه في كونه موجبا للضمان فانه بعد الفسخ يكون المال مال غير فيكون حكمه حكم الغصب فيكون ضمانه على الفاسخ فان يده بعد الفسخ يد ضمان فلابد من الخروج عن عهدته لانه على اليد ما اخذت حتى تودي ولو كان ذلك بالسيرة سواء كان التلف غير مستند إلى شخص أي شخص كان أو مستند إليه وأما إذا كان التلف قبل الفسخ فتارة يكون الكلام بالنسبه إلى الخيار وأخرى بالنسبة إلى الضمان أما الاول فقد عرفت فيما سبق أن الفسخ متعلقه العقد لا العين وعليه فيبقى الخيار على حاله سواء كان التلف بفعل المغبون أو الغابن أو الأجنبي أو بنفسه فإذا فسخ ذو الخيار العقد فيرجع كل منهما إلى البدل مع تلف العينين لان الرجوع إلى العين مستحيل نعم بناء على كون متعلق الفسخ هو العين كما أن متعلق جواز الرجوع في المعاطات هو العين لكان لسقوط الخيار بالتلف وجه ولكن ليس الامر كك. وأما الكلام في الضمان فلا شبهه أنه إذا فسخ ذو الخيار العقد فيكون ضامنا للعوض فلابد من الخروج عن عهدته بمقتضى دليل اليد أو السيره العقلائيه ولكن حيث يستحيل الرجوع إلى العين فلابد من الرجوع إلى البدل من المثل أو القيمه وهذا لا شبهه فيه وانما اللام في أنه مع الرجوع إلى القيمه هل إلى اعلى القيم من زمان الضمان إلى زمان

[ 395 ]

الاداء أو قيمة يوم الفسخ أو قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الاداء وجوه وقد تقدم تفصيل المسألة في المقبوض بالعقد الفاسد وقد تعرضنا هنا لحكم الغصب وما في حكمه من المقبوض بالعقد الفاسد ونحوه واجمال الكلام هنا أنه قد يقال بضمان أعلى القيم فان مقتضى اليد أن لا يخرج من عهدة الضمان الا بأداء ما وضع يده عليه ومن المعلوم أن العين مع قيمته الاعلى تحت يد الغاصب فتكون مضمونة على الغاصب ومن في حكمه ممن يأخذ بالعقد الفاسد أو بالفسخ ولكن الظاهر أنه لا دليل على الضمان بأعلى القيم بوجه كما تقدم في مسألة الغصب وقد أشرنا إلى ذلك آنفا والوجه فيه أن ما يدخل تحت اليد بواسطة الغصب ونحوه انما هو العين مع الاوصاف الدخيلة في زيادة المالية فان دليل على اليد أو السيرة العقلائية يقتضى أداء العين مع جميع تلك الخصوصيات وحيث استحال ذلك فلابد من الرجوع إلى البدل من المثل أو القيمة واما ترقى القيمة السوقية أو تنزلها فلا يدخل تحت الضمان أصلا فان القيمة السوقية قائمة بالاعتبار فتزيد تارة وتنقص أخرى فلا تدخل تحت قاعدة ضمان اليد كما هو واضح فانها لم تؤخذ حتى تكون معنى بالاداء. وأما ضمان العين بقيمة يوم التلف فقد يقال به من جهة أن وقت الانتقال إلى القيمة هو ذلك اليوم فيضمن الغاصب ومن في حكمه بذلك القيمة وقد اجبنا عن هذا الوجه فيما سبق بأنه وان كان يوم التلف هو يوم الانتقال إلى القيمة ولكن أي القيمة هل هي قيمة يوم التلف كما زعمه المستدل أو قيمة يوم الغصب أو قيمة يوم الاداء أو أعلى القيم فمجرد كون يوم التلف يوم الانتقال إلى القيمة لا يدل على أن تلك القيمة هي قيمة يوم التلف كما هو واضح وعلى القول بتماميته في مسألة الغصب لا يجرى

[ 396 ]

هنا فانه فيما يكون المال مغصوبا ومضمونا بعينه لكى ينتقل إلى البدل يوم التلف وفى المقام ليس كذلك فان التلف انما وقع في ملك الغابن أو المغبون على الفرض فان المفروض أن التلف انما هو قبل الفسخ فلا ضمان هنا حتى يوجب ذلك انتقال العين إلى القيمة يوم التلف كما هو واضح نعم يمكن أن يقال باعتبار ضمان قيمة يوم التلف من حين الفسخ أو يوم الاداء ولكنه لا دليل عليه. بقى الكلام في أن المناط في وقت الضمان هل هو يوم الفسخ أو يوم الاداء فذهب شيخنا الاستاذ في خصوص هذه المسألة أن المناط هو قيمة يوم الاداء كما هو مقتضى القاعدة وتقريب ذلك أن الغاصب إذا غصب عينا فتبقى تلك العين حتى مع تلفها في ذمة الغاصب ومن في حكمه إلى وقت الاداء وح حيث لا يقعل رد العين التالفة مع التلف فقهرا تنتقل إلى القيمة أو المثل فيكون المناط حينئذ قيمة يوم الاداء و هذا الذى تقتضيه القواعد وقد اعتمدنا عليه في تلك المسألة أي مسألة الغصب ولكن قلنا في تلك المسألة ان صحيحة أبى ولاد واردة على خلافها فانها اعتبرت في الضمان وفى وجوب أداء القيمة قيمة يوم الغصب وعليه فرفعنا اليد عن القاعدة في مسألة الغصب وما في حكمه وحكمنا بوجوب قيمة يوم الغصب وهل يجوز التعدي من مورد الصحيحة الذى هو الغصب إلى غيره أم لا فالظاهر أنه لا مانع من التعدي وتقريب ذلك أن النسبة بين قيمة يوم الغصب ويوم الاداء هي العموم من وجه فانه قد تكون قيمة يوم الغصب اكثر وقد تكون قيمة يوم الاداء اكثر وقد يتساويا فإذا كانت قيمة يوم الغصب أقل من قيمة يوم الاداء فيحتمل أن يكون الشارع قد لاحظ حال الغاصب وراعاه ولم يلاحظ حال غيرهم من الضمانات

[ 397 ]

واعتبر عليهم قيمة يوم الاداء وهو مقطوع العدم فان القاعدة عكس ذلك وقد ذكر الفقهاء أن الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال ويحتمل أن يكون ذكر يوم الغصب في الصحيحة من جهة كونه هو المناط في الضمان بالقيمة فحيث كان الاول مقطوع العدم فيتعين الثاني كما هو واضح فيحكم بكون المناط في الضمان هو يوم الغصب حتى مع القول بأن الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال فان المراد من أخذه بأشق الاحوال هو عدم المسامحة في المطالبة سواء كان واجدا أم فاقدا كما يجب المسامحة في مطالبة الدين مع العسر بل الغاصب حكمه حكم الواجد يحل عرضه وعقوبته. والعجب من شيخنا الاستاذ مع أنه بنى في المقبوض في العقد الفاسد على أن المناط في الضمان انما هو يوم الغصب لصحيحة ابى ولاد ومع ذلك بنى في المقام بأن المناط هو قيمة يوم الاداء عملا بالقاعدة. المسألة الثانية فيما كان تلف كل من العوضين بفعل الطرف بأن اتلف الغابن ما انتقل منه إلى المغبون وبالعكس ثم فسخ المغبون العقد والغرض هنا بيان أن الغابن بأى شئ يضمن باتلافه وأن المغبون بأى شئ يضمن بفسخه وهكذا إذ أتلف المغبون ما انتقل منه إلى الغابن و يتكلم في أن المغبون أي شئ يضمن باتلافه مال الغابن وأن الغابن بأى شئ يضمن بفسخ المغبون العقد وتحقيق الكلام إذا اتلف الغابن مثلا مال المغبون الذى انتقل منه إليه فان أدى الغرامة فلا كلام لنا فيه وان بقيت الغرامة حتى فسخ المغبون العقد فانه يرجع إلى الغابن بماله و حيث ليست العين موجودة فيأخذ قيمتها ان قلنا أن المناط في الضمان بقيمة العين انما هو يوم التلف فلا كلام لنا فيه وكذا إذا قلنا بكون المناط قيمه يوم الاداء إذ لا يختلف الحال حينئذ بين ضمان المتلف والضمان

[ 398 ]

الحاصل بالفسخ فان المناط في الضمان انما هو قيمة يوم التلف وان كان الفسخ متاخرا فانه ح يسقط الضمانين بالتهاتر فان المغبون يطلب ماله من الغابن الذى أتلفه بقيمة يوم التلف والغابن يطلب عين هذا المال من المغبون الفاسخ أيضا بقيمة يوم التلف فيقع بينهما التهاتر وهكذا لو كان المناط هو قيمة يوم الاداء كما هو واضح وانما الكلام فيما إذا قلنا بأن المناط في ضمان القيمة انما هو قيمة يوم الغصب فانه حينئذ يختلف ضمان الغابن بقيمه العين وضمان المغبون بها وكثيرا ما يكون أحدهما أكثر من الآخر كما إذا أتلف الغابن العين التى انتقلت منه إلى المغبون وكانت قيمته في ذلك اليوم الذى هو يوم الغصب والضمان عشرة ثم مضت مدة ففسخ المغبون العقد وكانت قيمة العين في يوم الفسخ عشرين وكان هذا اليوم اليوم الذى ضمن المغبون القيمة لكونه بمنزله يوم الغصب وعليه فتكون ما ضمنه المغبون في صورة كون الغابن متلفا لما انتقل منه إلى المغبون أقل مما ضمنه المغبون بالفسخ وضمان اليد وعليه فلا يمكن أن يقع التهاتر بينهما بالنسبة إلى تمام ما اشتغلت ذمة المتلف وذمة الفاسخ بل بالنسبة إلى مقدار خاص وأما المقدار الزائد فلابد للمغبون أن يخرج من عهدته ويطلب من الغابن ثمنه. وبعبارة أخرى أن المغبون في الفرض المذكور يطلب من الغابن شيئين أحدهما عين ماله التى اتلفها الغابن والثانى الثمن الذى اعطاه للغابن فانه يطلب منه ذلك بعد الفسخ أما الثمن فلا شبهة في أنه يطلبه من الغابن على كل تقدير وأما العين التى أتلفها الغابن فان كان اشتغال ذمتهما بقيمة يوم واحد اما يوم التلف أو يوم الاداء بحيث تكون ذمة الفاسخ أيضا مشغولة بقيمة يوم التلف من حين الفسخ أو كان اشتغال

[ 399 ]

ذمتهما بقيمة يوم الاداء فلا شبهة في سقوط حق كل منهما عن ذمة الآخر بالتهاتر سواء طلب كل منهما حقه عن الآخر أو احدهما وهذا لا شبهة فيه وان قلنا بضمان قيمة يوم الغصب فح تختلف الحال في ضمان كل منهما للآخر فانه ربما يكون ذلك في أحدهما أزيد من الآخر كما عرفت فح لا يحصل التهاتر الا في الجزء فقط. ولكن يمكن أن يقال بحصول التهاتر هنا وان قلنا في المقبوض بالعقد الفاسد ومثله بكون المناط في الضمان بالقيمة هو قيمة يوم الغصب لصحيحة ابى ولاد لانها لا تشمل ما نحن فيه وبيان ذلك أن مقتضى القاعدة كما عرفت انما هو ضمان نفس العين ابتداء وانما ينتقل إلى مثل أو القيمة مع عدم امكان رد العين وعرفت أيضا أن العين تبقى في الذمة إلى وقت الاداء ففى ذلك الوقت تنتقل إلى القيمة كما هو واضح لعدم امكان أدائها حتى لو عادت العين إلى ملك الضامن بقدرة الهية كان الواجب على الضامن أن يؤديها إلى المضمون له كما هو واضح وعليه فإذا كان ذمه كل من الغابن والمغبون مشغولة بعين واحدة أحدهما بالاتلاف والآخر بالفسخ فان مقتضى الفهم العرفي هو وقوع التهاتر في ذلك وعدم ثبوت حق مطالبة كل منهما على الآخر كما إذا أخذ أحد خبزا من الخباز بعشرين فلسا مع كون الخبز خمس أفلس ثم غصب الخباز ذلك الخبز فاكله ثم التفت المغبون إلى الغبن ففسخ العقد فانه يرجع إليه ويأخذ منه عشرين فلسا ولسى للغابن في نظر العرف أن يطالب منه خبزه ويقول وجب عليك أن تعطى خبزى ووجب على أن أعطى خبزك فان أهل العرف يقولون أن ما اعطيته هو الذى أخذته وأكلته.

[ 400 ]

وبعبارة اخرى أن الضمان بالقيمة انما هو مع عدم التمكن من العين وقد عرفت أن العين انما هو باقية في ذمة الضامن إلى وقت الاداء و عليه فإذا اتلف الغابن العين التى انتقل إلى المغبون فتكون ضامنا لنفس ذلك العين وحيث طلبها المغبون فلا يمكن أداء نفسها فلابد من أداء مثلها أو قيمتها وإذا فسخ المغبون العقد فتكون ذمته أيضا مشغولة بنفس تلك العين فإذا لم يخرج عن عهدة الغرامة قبل الفسخ ليكون المغبون ح متمكنا من أداء العين فان ذمة كل منهما مشغولة بالعين كما عرفت فيقع التهاتر فيحصل الاداء كما هو واضح وح تنقلب القيمة أو المثل إلى نفس العين كما إذا عادت العين بمعجزة ومن الواضح أن مورد الصحيحة انما هو صوره عدم التمكن من أداء العين وكون الضمان في طرف واحد فلا تشمل المقام وتوهم أنها مطلقة بالنسبة إلى عود العين أيضا لاستحالة الاهمال في الواقع فاسد بل الحكم مقيد في الواقع وفى مقام الثبوت بعدم العود وفى مقام الاثبات لم يقيد المولى وانما أهمل لعدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة وقد فرضنا الكلام في اتلاف الغابن مال المغبون ويجرى جميع ذلك في عكس ذلك كما يظهر بالتأمل فلا يحتاج إلى التكرار ثم لا يخفى أنه في حكم الاداء لو أبرء احد ذمة المتلف فهو بمنزلة القبض. المسألة الثالثة أن يكون المتلف هو الأجنبي فلو أخذ منه صاحب المال قبل الفسخ قيمة يتعين رجوع الفاسخ إلى المفسوخ عليه وكذا العكس وأما لو لم يأخذها ففسخ ذو الخيار فلا يتعين على كل منهما الرجوع إلى طرفه بل يتخير بين الرجوع إلى الطرف والرجوع إلى المتلف كما هو مقتضى ضمان شخصين لمال واحد على التعاقب ولكن لا يجرى

[ 401 ]

ذلك بناء على اعتبار قيمه يوم الفسخ بل يتعين ح الرجوع إلى الطرف سواء سواء كان هو الغابن أو المغبون لان المال وان كان في ذمة المتلف أيضا الا أنه قد اتلف هو ما ليس للفاسخ قبل الفسخ بل لطرفه فيكون الأجنبي ضامنا للمالك الفعلى دون المالك الاصلى والمالك الاصلى يطلب مصداق مالية يوم الفسخ فلا يشتغل بقيمه يوم الفسخ الا الطرف لا المتلف لكونه مكلفا باداء قيمه يوم التلف أو يوم الاداء. وما ذكرناه أوضح بناء على كون الطرف ضامنا لنفس العين بمقتضى دليل اليد والله العالم بالاحكام ورسوله وخلفائه الكرام صلوات الله عليه وعليهم إلى يوم القيامة قوله مسألة الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاوضة مالية بناء على الاستناد في ثبوته في البيع إلى نفى الضرر أقول لم يقع التعرض لثبوت هذا الخيار في غير البيع في كلمات الاصحاب كما وقع التعرض بجريان خيار الشرط في غيره ولكن عدم تعرضهم لذلك لا يكشف عن اعتقادهم بعدم جريانه في غير البيع أو جريانه فيه وأما تعرضهم لعدم جريان خيار المجلس في غير البيع من جهه ذهاب بعض العامة إلى جريانه في ما عدا البيع أيضا. ثم انه لا دليل بالخصوص على جريانه في غير البيع أو عدم جريانه فيه وانما المهم هو التعرض لمدرك هذا الخيار حتى يعلم أنه على نحو يجرى في غير البيع أيضا أو لا فنقول ان كان مدرك خيار الغبن هو الاجماع فلا شبهة في عدم جريانه في غير البيع لانه دليل لبيى ولا بد من أخذ المتيقن منه وهو البيع وان كان مدركه هو نفى الضرر فيشمل ذلك غير البيع أيضا الا إذا كان هنا اقدام على الضرر فانه مع الاقدام لا يكون هنا خيار ولا يبعد صدق الاقدام على الضرر مع العلم والجهل كما تقدمت الاشارة إلى ذلك سابقا ولا يختص ذلك

[ 402 ]

بصوره العلم بالغبن كما ذكره المصنف وبنى عليه وكيف لا يهمنا التكلم في ذلك بعد ما عرفت من عدم تمامية دلالة حديث لا ضرر على المقصود وانما المدرك هو الشرط الضمنى كما تقدم تفصيله وعليه فلابد من التكلم على هذا المبنى فنقول قد يكون البناء في المعاملة على الدقه وعدم المغانبة وقد يكون على السمحة والمسامحة وقد لا يكون العقد مبنيا على شئ أما الاول فلا شبهة في تحقق الشرط الضمنى فيه فان بناء العقلاء على تساوى القيمتين فيه فتكون قرينة نوعية على تساوى القيمتين ومع انتفاء القرينة النوعية فتلاحظ القرينة الشخصية على ذلك ومن ذلك الاجارة و الصلح في مقام البيع والاجارة ولا يفرق فيه أيضا بين افراده الا إذا قامت قرينة خارجية على عدم تحقق ذلك الشرط كالبيع بين االوالد والولد فانه إذا وقع الغبن في ذلك فالارتكاز قائم على عدم الشرط فيه نوعا. وأما الثاني فلا يجرى فيه الشرط الضمنى كالصلح في مقام المرافعة حيث ان بنائه على قطع النزاع والتشاح فجريان الخيار فيه ينافى ذلك وكذلك الصلح في غير موارد البيع والاجارة بان كان على ابراء جميع ما في الذمة كائنا ما كان الا إذا ظهر الحال وعلم أن ما في ذمة المديون من الديون اضعاف ما اعتقده المتصالح فانه حينئذ لا قرينة نوعية ولا شخصية على عدم الشرط هنا بل القرينة الشخصية قائمة على تحقق الشرط الضمنى كما هو واضح. وأما الثالث فلابد فيه من ملاحظة حال الاشخاص في شخص المعاملة كالجعالة فعلم أن جريان الغبن في أي معاملة يحتاج إلى جريان الشرط الضمنى فيه على تساوى القيمتين وجريان الشرط الضمنى على تساوى القيمتين يحتاج إلى القرينة النوعية أو الشخصية والحاصل أن

[ 403 ]

مقتضى أصالة اللزوم انما هو الحكم بلزوم كل معاملة وعليه فمقتضى الاصل الاولى هو اللزوم في جميع المعاملات وح فلابد من رفع اليد عنها من ملاحظة القرائن الخارجية القائمة على عدم اللزوم فيها فان قامت قرينة عامة كبناء العقلاء أو خاصة على عدم التسامح والتساهل في المعاملة أزيد مما لابد منه فلا شبهة في تحقق الشرط الضمنى فيها على التساوى وعدم التغابن لان هذه القرينة قرينة على الاشتراط فيلزم الخيار من تخلفه ويجرى ذلك في كل عقد ومعاملة حتى الصلح الذى كان البناء فيه على التسامح والتساهل الا إذا ظهر التفاوت أزيد مما اعتقد المتصالح فانه بالنسبة إلى الزائد يجرى الاشتراط المذكور ويلزم من تخلفه الخيار وقد تقدم ذلك في السابق أي جريان الخيار في التفاوت الزائد عن المقدار الذى وقع فيه التسامح وفى كل مورد قامت قرينة عامة أو خاصة على أن بناء المتعاقدين على المسامحة والمساهلة بحيث تكون هذه القرينة دالة على عدم الاشتراط فلا يجرى فيه الخيار سواء كان ذلك صلحا أو بيعا فانه ربما تقوم القرينة على عدم الاشتراط وان لم يلتفت المتعاملان إلى الغبن كما إذا باع الوالد مالا من ولده بخمسين دينارا مع الغفلة عن كونه يساوى بالماءة فانه وان تحقق غبن لا يتسامح هنا و لكن الارتكاز العرفي بل القرينة الخاصة اعني رأفة الوالد على ابنه قائمة على عدم الاشتراط الا إذا لم تكن بينهما رأفة تقتضي ذلك فان القرينة العامة أو الخاصة قائمة على اشتراط تساوى القيمتين هنا أيضا ومن هنا ظهر أن المناط في الاشتراط وعدم الاشتراط انما هو البناء الشخصي على الاشتراط وان كانت القرينة على الاشتراط ربما تكون نوعية أعنى بناء العقلاء على الاشتراط ولكن مع ذلك قد تكون القرينة الحاصلة ايضا

[ 404 ]

موجودة على ذلك أعنى بناء الشخصي من المتعاملين على التساوى أو على عدمه وقد نقل المصنف عن بعض وقواه شيخنا الاستاذ بل قد تنحصر القرينة بالثاني مع انتفاء الاولى وقد تكون القرينة الخاصة اعني البناء الشخصي مقدما على القرينة العامة كما أن بناء العقلاء على التساوى في البيع ومع ذلك قد يكون بناء المتعاقدين على التسامح كما تقدم و من هنا ظهر أنه لا نحتاج إلى تحقيق مفهوم الغبن وكون الحكم دائرا مدار صدق الغبن وعدمه كما ذكره بعضهم لا من جهة عدم وروده في الاخبار كما ذكره المصنف بل من جهة أن مبنى المسألة لا يحتاج إلى ذلك كما هو واضح. قوله مسألة اختلف أصحابنا في كون هذا الخيار على الفور أو على التراخيى على قولين أقول ذهب المشهور إلى كون الخيار على خلاف الاصل فيقتصر فيه على المتيقن وذهب بعض آخر إلى ثبوته ما لم يطرءه رافع للاستصحاب وذكر في الرياض أن المستند في الخيار ان كان الاجماع المنقول اتجه التمسك بالاستصحاب وان كان في الضرر وجب الاقتصار على الزمان الاول إذ به يندفع الضرر هذا فنقول أن ثبوت الخيار بعد الآن الاول يحتاج إلى انتفاء احد أمرين الاول عدم وجود المقتضى للزوم في الآن الثاني والثانى عدم المانع عنه فإذا ثبت أحدهما لا يثبت الخيار مستمرا بل لابد من الاخذ بالقدر المتيقن فلابد في المقام من تنقيح هذا المطلب أي المقتضى والمانع ولذا ذكر جامع المقاصد أن العموم الثابت للعقد مستمر بحسب الزمان والمانع عنه مفقود فلابد من الاقتصار بالقدر المتيقن وقد اشكل المصنف عليه وعلى بقية الوجوه المذكورة في المقام بما ذكر أشار إليه في المقام وذكر تفصيله في كتاب الرسائل وحاصل: ان

[ 405 ]

الحكم الثابت على العام تارة يكون ثابتا على أفراده بحسب التعدد و التكثر بأن يكون لما تحت العام حكم في كل آن بحيث يتكثر الحكم في طول الزمان ويكون للعام أفراد طوليه كما تكون له أفراد عرضية كما إذا قال اكرم العلماء فيكون غرضه تعدد الحكم بحسب قطع الزمان فيكون الزمان مكثرا للحكم ويكون هنا اكرام متعدد حسب تعدد الآنات والساعات وقد يكون الحكم الثابت لافراد العام حكما واحدا مستمرا إلى الابد بحيث لا يكون الزمان مفردا ومكثرا وقيدا للحكم وموضوعا له بل يكون ظرفا كما إذا فرضنا في المثال المتقدم أن وجوب الاكرام شئ واحد ثابت لافراد العلماء من غير أن يكون التعدد بحسب الآنات بل لكل واحد من أفراد العام حكم واحد مستمر من غير ان يتعد حسب تعدد الآنات فعلى الاول فإذا ورد مخصص على العام بأن خرج اكرام زيد العالم عن تحت العموم في يوم الجمعة فلابد من الاقتصار في التخصيص بخصوص ذلك فقط فلا يمكن التعدي إلى اليوم الثاني أيضا بالاستصحاب لانه من قبيل اسراء الحكم عن موضوع إلى موضوع آخر فهو لا يجوز لان الحكم في حكم آن مستقل وهذا بخلاف الثاني فانه إذا ورد التخصيص على العام و أخرج الفرد عن تحت حكمه كان ذلك موجب لخروجه عن تحته مستمرا و إلى الابد وفى هنا إذا شك في ثبوت حكم العام بعد المخصص نستصحب حكم المخصص فلا مورد هنا للاقتصار بالقدر المتيقن لكونه خروجا واحدا عن تحت العام فلا يفرق فيه بين خروج عن حكم العام دائما أو في زمان ما إذ ليس في خروجه دائما زيادة تخصيص في العام حتى يقتصر عند الشك فيه على المتيقن. وأما كشف أن الحكم الثابت على العام استمراري أو لا فلابد وان

[ 406 ]

يثبت من الخارج أو بدليل اللغويه كما أن قوله (ع) حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة يدل على استمرار الاحكام إلى يوم القيامة فلو ثبت من الخارج انقطاع الحلية أو الحرمة و عدم استمرارهما الا إلى وقت خاص لا يكون ذلك مشمولا للرواية فيكون خارجا عنها فانها تدل على استمرار الاحكام إلى يوم القيامة مع عدم الانقطاع وبعده لا حلال ولا حرام حتى يستمر إلى يوم القيامة وليس فيها تعرض لايجاد الحلال حتى يكون مستمرا والا يلزم ايجاد الحكم موضوع نفسه وعليه فإذا ورد عام ووردت رواية مثلا على استمرار حكم العام أو قامت قرينة على ذلك من لغويه عدم الاستمرار نحكم بذلك فإذا ارتفع الحكم في زمان يخرج عن تحت العام ونستصحب مع الشك حكم الخاص ولا يكون ذلك الدليل مقتضيا لاستمراره مثلا ان أفوا بالعقود يدل على وجوب الوفاء بكل عقد ولا شبهة أنه لا معنى لحصول الملكية في آن دون الآن الثاني بحيث يكون في كل آن حكم مستقل فمن جهه لزوم لغوية حكم الوفاء بالعقد استفدتا استمرار الحكم في جميع الازمنة و إذا رفع الحكم في زمان أعنى الوفاء لارتفاع الملكية كما في المعاطات بناء على عدم افادتها الملكية وكعقد ازدواج بعد رفعه بالطلاق فان ما يقتضى لغوية الزوجية في آن دون غيره لا تشمل بعد الرفع ولم يبقى هنا شئ حتى يجب الوفاء به ولا يكون الدليل الدال على الاستمرار جاريا في المقام فان الدليل انما كان هو لزوم لغوية الملكية في آن واحد دون غيرها والمفروض أنه ليس هنا ملكيه حتى يلزم اللغوية من اعتبارها في زمان دون زمان آخر كما هو واضح وأن اللغوية لا توجد الملكية والا يلزم تعرض الحكم لموضوعه.

[ 407 ]

والحاصل أن روح كلام المصنف أنه إذا ورد الحكم على الاستمرار و الزمان فيكون حينئذ للعام أفراد طوليه نظير الافراد العرضية فيكون الزمان قيدا للحكم ومكثرا له فإذا ورد التخصيص في زمان لا يكون مخصصا الا في ذلك الزمان الخاص كما هو واضح وأما إذا ورد الاستمرار على الحكم بحيث يكون الحكم موضوعا للاستمرار فيكون الحكم ثابتا للفرد مستمرا فإذا خرج عن تحت العام خرج أبديا كما هو واضح وأن ورود الاستمرار على الحكم انما هو اما بدليل اللغوية أو بدليل خاص كما إذا فرضنا ورود الرواية عليه مثلا. وأما الوجه في ملاحظة الاستمرار هو ما ذكره المصنف من لزوم اللغوية من عدم ملاحظة الاستمرار أو قيام الدليل الخارجي على ذلك والا فالظاهر من تعلق الحكم بالفعل هو الآن الاول لا الاستمرار ومن هنا ظهر ما ذكره من تغاير مورد التمسك بالعام ومورد التمسك بالاستصحاب فان مورد التمسك بالعام انما هو صورة كون الزمان مكثرا فلا يجوز ح التمسك بالاستصحاب حتى مع وجود المانع عن التمسك بالعام بل لابد من التمسك بأصل أخر ومورد التمسك بالاستصحاب هو فرض كون الزمان ظرفا فانه ح لا يجوز التمسك بالعام حتى مع المنع عن التمسك بالاستصحاب. أقول هذا الذى أفاده المصنف انما يتم في الجملة لانه لا يجرى بالنسبة إلى الاحكام التكليفية بل يجرى في الاحكام الوضعية أما الاول: فلانه لا معنى لتوهم الاستمرار في الاحكام التكليفية أصلا فان الحكم الوارد على الافعال سواء كان بعنوان الاستقلال والعام الاستغراقي أو بعنوان العام المجموعى يلاحظ بالنسبة إلى كل فرد وعلى كلا التقديرين لا يلاحظ

[ 408 ]

الاستمرار فيه مثلا لو قال المولى اكرم هؤلاء العشرة ثم أخرج منها واحدا لا يرتفع الحكم عن الباقي بل لابد له في اكرام العشرة أو قال الكذب حرام فان الظاهر منه ان كل فرد من الكذب فيكون لكل فرد حكم أي حرمة خاصة ويسرى الحكم إلى جميع الافراد بعنوان الاستغراق وعلى الجملة أن ملاحظة الاستمرار في الاحكام التكليفية مما لا معنى له فانما تتعلق بالافعال اما بعنوان الاستغراق أو بعنوان العام المجموعى وعلى الاول تكون الحكم بالنسبة إلى كل فرد مستقلا واضح فإذا ورد التخصيص باخراج فرد من العام يبقى الباقي تحت كالحكم بحرمة الكذب مع اخراج فرد منها وكذ في ناحية الوجوب وعلى الثاني أن الظاهر أيضا من تعلق الحكم بالفعل هو ثبوته له على نحو الاستقلال كما إذا قال اكرم هؤلاء العشرة فإذا اخرج منها واحدا تبقى التسعه تحت العام ويجب اكرامهم وليس هنا استمرار أيضا فان اعتبار وجوب الاكرام في ساعة دون غيرها لا يستلزم اللغوية. وأما في الحكم الوضعي فيجرى ما ذكره المصنف مثلا إذا ورد من استولى على شئ فهو له أو من حاز ملك واستفدنا من دليل خارجي أو من لزوم لغوية أن تكون الملكية حاصلة في آن دون آن آخر فتحكم ح بحصول الملكية المستمرة فإذا ورد في دليل خاص أن اللقطة العمران لا يملكها الواحد فيكون ذلك خارجا عن عموم من حاز ملك على تقدير كونه رواية وعن عموم من استولى على شئ فهو له ولا يكون الدليل الخارجي أو لزوم اللغوية المقتضية للملكية المستمرة شاملة للاستيلاء على اللقطة و حيازتها لعدم حصول الملكية هنا حتى تكون مستمرة فما ذكره المصنف صحيح في مثل ذلك.

[ 409 ]

وقد انتهى كلامنا إلى التمسك بالعموم بعد ورود التخصيص عليه وان المصنف قد ذكر أن مورد التمسك بالعام يغاير مورد التمسك - بالاستصحاب ففى مورد نتمسك بالعام لا يجوز التمسك بالاستصحاب حتى مع عدم التمسك بالعام وفى مورد التمسك بالاستصحاب لا يجوز التمسك بالعام حتى مع ثبوت المنع عن التمسك بالاستصحاب وفيما ورد الزمان على الحكم وثبت الاستمرار عليه فلا يجوز التمسك بالعام بعد ثبوت التخصيص لان الحكم لا يتعرض على موضوعه اعني الاستمرار وانما هو من دليل خارجي فحيث ورد التخصيص في الافراد الطولية على هذا الدليل الخارجي المثبت للاستمرار لا يجوز بعده التمسك بالعام في المشكوك فالمورد هنا مورد الاستصحاب وإذا كان الحكم في العام ثابتا على الزمان فيكون ثابتا لكل فرد طولى أيضا كما هو واضح ثم طبق ذلك على المقام فقال ان مقتضى أوفوا بالعقود هو ثبوت الحكم لكل عقد من الافراد الطولية فإذا خصص هذا العام وخرج منه عقد واحد في زمان فلا يجوز التمسك بالعموم بالنسبة إليه في زمان آخر لعدم امكان تعرض الحكم لا ستمراره الثابت بدليل خارجي اعني لزوم اللغوية من اعتبار الملكية مثلا في زمان دون زمان آخر فلابد من التمسك بالاستصحاب. أقول لا بأس بما ذكره على نحوه الاجمال لا في جميع الاحكام التكليفية والوضعية بل في الثانيه في الجمله وتوضيح ذلك أن الاحكام التكليفية لا معنى فيها لورود الاستمرار أي الزمان على الحكم بحيث تلاحظ على نحوين وذلك لانها تحريمية كانت أو وجوبية استغراقية كانت أو مجموعية انما تتعلق بالافعال أي بأفعال المكلفين ولا شبهه أن الفعل يتقدر ويتقطع بالزمان وإذا كان ذلك الفعل متعلق للعام أو المطلق

[ 410 ]

توجد له أفراد طوليه كما له أفراد عرضيه سواء كان الحكم تحريميا أو وجوبيا غايه الامر، الامر في الاول أوضح وعلى هذا فقد ذكرنا في علم الاصول أن الاهمال في الواقع ومقام الثبوت محال فلا يعقل أن يكون الحكم في الواقع لا مطلقا ولا مقيدا بل كان مهملا لانه لا يعقل أن يجعل المولى حكما ولكن لا يلتفت إلى أنه بأى نحو مطلق أم مقيد وان كان ذلك ممكنا في مقام الاثبات وعلى هذا فإذا ورد حكم من المولى وكان في مقام البيان ولم يقيده بشئ نستكشف من ذلك سريان الحكم إلى جميع أفراد العام أو المطلق الافراد العرضيه أو الافراد الطوليه وعليه فإذا ورد تخصيص أو تقييد فاخرج فرد من افراد العام أو المطلق نتمسك في الباقي بالاطلاق أو العموم فنثبت الحكم للفرد المشكوك فلا مورد هنا للاستصحاب أصلا مثلا إذا ورد عام أو مطلق على أن الكذب حرام أو كل كذب حرام فلا شبهه أن متعلق الحرمه هنا هو الفعل الخاص الصادر من المكلف و أنه يتقدر بالزمان بحيث أن الكذب الصادر منه في هذا الزمان غير الكذب الصادر منه في زمان قبله كما أنه غير الكذب الصادر منه في زمان بعده فيكون كل كذب بحسب طول الزمان وعرضه فردا مغايرا للافراد الاخر فحيث أن الاهمال في الواقع محال فلابد وأن يكون الحكم فيه اما مطلقا أو مقيدا فحيث لم يقيد الخطاب في مقام الاثبات مع كونه في مقام البيان فحسب تبعيه مقام الثبوت لمقام الاثبات من حيث الاطلاق و التقييد فنكشف الاطلاق في مقام الثبوت أيضا كما هو واضح وعلى هذا فإذا خرج فرد من افراد الكذب عن تحت الاطلاق أو العموم فانه لا شبهه في جواز التمسك بالعموم أو الاطلاق في الافراد الاخر فلا مجال بوجه لتوهم جريان الاستصحاب فيه وكذلك إذا ورد النهى عن شرب الخمر

[ 411 ]

فان مقتضى الاطلاق حرمه أي شرب كان من أفراد العرضيه والطولية فإذا خرج فرد من تحته نتمسك في الباقي بالاطلاق كما هو واضح الا لوحظ الحكم بعنوان العام المجموعى أي يكون الحكم الواحد ثابتا للافراد بين المبدء والمنتهى من غير ان يكون لكل فرد حكم واحد وكذلك الكلام في الاحكام الوجوبيه سواء كانت استغراقيه أم مجموعيه ثم ورد مخصص فانه يرجع في الافراد الباقيه العام والمطلق أما في الاستغراقي فواضح وأما في المجموعى فايضا كك كما إذا قال اكرم هؤلاء العشرة ثم أخرج واحدا فانه لا محاله يمنع عن التمسك بالعام في التسعه الباقيه. والعجب من شيخنا الاستاذ حيث أصر في المقام وفى الاصول على ورود الاستمرار على الحكم في الاحكام التحريمية بدعوى أنه لا معنى لكون الشئ حراما في آن واحد لانه حاصل بالضرورة إذ ما من محرم الا ويكون متروا آنا ما فيكون االحكم التحريمي لغوا فنكشف من ذلك أن الحكم التحريمي مستمر دائما فيكون الاستمرار واردا على الحكم وعليه فإذا ورد عام مشتمل على حكم تحريمي ثم ورد عليه تخصيص فلا وجه للتمسك بالعام بل يتمسك باستصحاب حكم الخاص كما هو واضح. ولكنه واضح الدفع فان مقتضى اطلاق الخطاب هو كون كل فرد من أفراده الطوليه بحسب قطع الزمان محرما وأن المولى قد لا حظ في مقام الثبوت اطلاق الحكم وشموله بجميع الافراد مع ما عرفت أن الفعل الذى هو متعلق الحكم يتقدر بالزمان فلا يكون الحكم ثابتا على جميع الافراد بحسب الاطلاق ففى المقام وان كان الاستمرار موجودا ولكنه ليس بمعنى أن الحكم الواحد مستمر كالملكيه مثلا بل معناه هنا أنه يستمر الحم باستمرار موضوعه يعنى أن حرمه شرب الخمر مستمره حسب تعدد الشرب

[ 412 ]

واستمراره ويكفى في ذلك كون الحكم ثابتا على الطبيعة الصرفه غير مقيدا بقيد بل ترفع عنها جميع القيود كما هو معنى الاطلاق لا أن هنا استمرار ثابت من الخارج ببرهان اللغويه. وعلى الجمله استمرار الحكم في التكاليف المحرمة من جهه اطلاق الحكم وتعدد متعلقه اعني فعل المكلف المتقدر بالزمان لا من جهه دليل خارجي كما لا يخفى وأعجب من ذلك ما استشهد على مراده بان الفقهاء لم يجوز واشرب الخمر في حال المرض لاستصحاب الحرمه فلو كان الاستمرار ثابتا من ناحيه الحكم دون الخارج لم يكن لهم وجه للتمسك بالاستصحاب بل لابد لهم من التمسك بالعام فحيث أن الاستمرار في الاحكام التحريميه ثبت من الخارج لا من ناحيه الحكم ولم يكن تعرض الحكم لاستمرار موضوعه مستمرا فلذا تمسكوا بالاستصحاب في اثبات الحرمه في حال المرض ووجه العجب أن ذلك خارج عما نحن فيه فان كلامنا فيما ورد عام ثم مخصص في زمان وشك في أن الفرد الخارج خارج دائم أو في الزمان الاول وأما إذا لم يرد تخصيص أصلا فلا مجال لذلك ففى المثال المذكور لم يجد تخصيص لحرمه شرب الخمر بالنسبه إلى حال المرض حتى نتمسك بالنسبه إلى المريض في غير حال مرضه بالاستصحاب أو بالعام بل انما هو شك في ثبوت الحكم في جميع الحالات أو في بعضها فنتمسك بالاطلاق لما عرفت من اطلاق الحكم ثبوتا واثباتا على أنه لا نعرف ذهاب الفقهاء إلى الحرمه للاستصحاب مع ان الكتب الاستدلالية قليل ومع ذلك فليس كلهم ذاهبين إلى الحرمه للاستصحاب نعم لا بأس بالواحد والاثنين فتحصل أن الاحكام التكليفيه باجمعها تحريميه أو وجوبيه استغراقيه أو مجموعيه وأما الاحكام الوضعية فحيث ان

[ 413 ]

متعلقها ليس فعل المكلف حتى يتقدر بالزمان بل هو أمر آخر كالملكيه والزوجيه ونحوهما له قابليه الاستمرار فيمن تصديق كلام المصنف هنا في الجمله. وتوضيح ذلك أن اعتبار الاستمرار قد يكون بدليل خارجي بحيث يكون واردا على الحكم من جهه اقتضاء الدليل الخارجي ذلك وقد يعتبر في الحكم من جهه دلاله نفس الدليل المتكفل لبيان الحكم على ذلك أما الاول كما إذا لم يكن نفس الدليل متضمنا لذلك باطلاقه أو بعمومه بل لو اعتبر الاستمرار فيه انما يعتبر من جهه برهان اللغويه أو الدليل الآخر من الرواية ونحوها كما إذا ورد أن من استولى على شئ فهو له أو من حاز ملك فانه لا معنى لحصول الملكية بالحيازة أو بالاستيلاء آنا لكون ذلك لغوا بل حصول الملكية في زمان مقيد به كالشهر أو شهرين أو سنه فهو ترجيح بلا مرجح فلابد من القول بحصول الملكية الدائمية ففى مثل المقام فالعموم أو الاطلاق انما يتضمن بيان أصل الحكم أي حصول الملكية بالاستيلاء والحيازه وأما الاستمرار فهو يعلم من الدليل الخارجي فإذا ورد تخصيص على ذلك ودل دليل على عدم حصول الملكية بالحيازة والاستيلاء كاللقطه ومجهول المالك وشككنا في أن ذلك خارج عن تحت العام أو المطلق في زمان خاص أو دائما فلا يمكن التمسك بالاطلاق أو العام إذ المفروض عدم الاطلاق أو العموم وأما الدليل الخارجي الدال على الاستمرار فهو لا يمكن أن يتعرض موضوعه بل هو ثابت متى ثبت موضوعه وفى المثال المذكور متى ثبتت ملكيه فهى تستمر وأما مع عدم ثبوت الملكية فأى شئ تستمر ولا شبهه أن دليل الاستمرار يستحيل أن يتعرض لايجاد موضوعه فانه في فرض وجود موضوعه يدل على

[ 414 ]

الاستمرار ولا يمكن أن يتعرض الحكم لموضوعه. فما ذكر المصنف صحيح في مثل ذلك وأما إذا كان الدليل الدال على الحكم بنفسه دالا على العموم أو الاطلاق اما بقيد أضيف إلى الخطاب أو بمقدمات الحكمه فح لا شبهه في جواز التمسك بالاطلاق سواء كان الحكم ثابتا لمتعلقه على نحو العموم الاستغراقي أو العموم المجموعى وتوضيح ذلك أن الاستمرار تاره يفرض في الجعل من أنه مستمر أو لا وأخرى في المجموع أما الاول بان الجعل يدل على الاستمرار ما لم يطرء النسخ أم لا فهو خارج عن المقام وأما الثاني فلا شبهه في جواز التمسك باطلاق المجعول أو بعمومه واثبات الحكم للافراد العرضيه والطولية للعام لان الاهمال مستحيل في مقام الثبوت والمولى في مقام البيان وفى مقام الاثبات ولم يقيد كلامه بقيد فنكشف منه الاطلاق مثلا أن أوفوا بالعقود يدل على وجوب الوفاء بكل عقد فإذا فرضنا أن الملكية المنشأه لم تقيد بشئ في مقام الانشاء وهكذا الزوجية فنكشف من ذلك كونهما دائمية فان اطلاق المنشئه يدل على ثبوتهما وتحققهما في الافراد العرضيه والطولية و لا يفرق في ذلك كون الحكم على نحو العام المجموعى كما إذا انشأ الملكية الواحدة بين المبدء والمنتهى وهذا هو المعروف أو على نحو الاستغراق كما إذا كانت هنا في كل آن ملكيه مستقله منضمه بعضها مع بعض بحيث تستمر أفراد الملكية بحسب الانضمام لا أن هنا ملكيه مستمره بين المبدء والمنتهى وعليه فإذا اورد تقييد أو تخصيص بالنسبه إلى فرد في زمان وشككنا في كونه دائما أو لا فالمورد مورد التمسك بعموم العام دون استصحاب حكم المخصص وهكذا الكلام إذا لم يكن هنا اطلاق بمقدمات الحكمه أو عموم ولكن يكون في الدليل دال آخر على الاستمرار كما إذا

[ 415 ]

قال المولى مثلا امضيت الزوجية المستمره أو الملكية المستمره فان الاستمرار يستفاد من القيد ومن دال آخر فانه أيضا إذا شككنا في مورد في ارتفاع الحكم عن فرد بعد التخصيص إلى الابد أو موقتا فنتمسك بعموم العام أو باطلاق المطلق لان الحكم والاستمرار كلاهما يستفاد من دليل واحد وان كان الدال متعددا وتعدد الدال غير استفاده الاستمرار بدليل آخر المانع من التمسك بالعموم والا فلا طلاق دائما يستفاد من مقدمات الحكمه فلو كان مجرد تعدد الدال ولو في دليل واحد مانعا عن التمسك بالاطلاق أو العموم لكان لازم ذلك عدم جواز التمسك بالاطلاق في مورد أصلا في الفرد المشكوك بعد التخصيص كما هو واضح. وعلى الجمله حيث أن متعلق الاحكام الوضعية ليس هو الفعل ليتقدر بالزمان بل هو أمر موجود مستقل اجنبي عن الفعل فيلاحظ فيه الاستمرار وعدمه وعليه فان كان الاستمرار مستفادا من دليل خارجي بحيث يكون الاستمرار واردا على الحكم فلا يجوز التمسك بالعام فالمورد مورد الاستصحاب كما ذكره المصنف وان كان مستفادا من اطلاق الدليل أو عمومه بحيث يكون المنشأ مطلقا بالنسبه إلى الافراد كما عرفت فلا باس بالتمسك إلى الاطلاق أو العموم الدال على اطلاق المنشأ وعمومه بالنسبه إلى كل فرد عرضيا كان أو طوليا وان كان ذلك الاطلاق مستفادا من مقدمات الحكمه. وحاصل الكلام من الاول أن الحكم قد يكون متعلقا بفعل المكلف و قد لا يتعلق بفعل المكلف بل يلاحظ منحاضا عنه ومستقلا في نفسه، أما الاول فكالاحكام التكليفيه فانها متعلقه بافعال المكلفين فيكون متقدرا بالزمان فيلاحظ العموم أو الاطلاق في نفس الحكم باعتبار متعلقه ولا يفرق

[ 416 ]

في ذلك بين أن يكون العموم استغراقيا كأن يكون الحكم ثابتا لكل فرد فرد من الفعل المتقدر بالزمان بحيث يكون لكل منها حكم مستقل أو يكون العموم مجموعيا بحيث يلاحظ مجموع الافراد مجموعا ويجعل لها حكم واحد بحيث يكون كل فرد جزء للموضوع كقول المولى اكرم هؤلاء العشرة فان الحكم هنا ثابت للمجموع من حيث المجموع فإذا شككنا في أن الخارج عن تحت هذا الحكم هو دائمي أو مقيد بيوم الجمعه فنتمسك بعموم العام وأيضا لا يفرق بين كون الحكم ايجابيا أو تحريميا وعليه فإذا ورد على الحكم تقييد أو تخصيص بالنسبه إلى جزء في العام المجموعى و بالنسبه إلى فرد في العام الاستغراقي وشككنا في خروج فرد آخر أو خروج الجزء دائما أو في ساعه فيتمسك بعموم العام أو باطلاقه فرد المشكوك فليس المورد من مورد التمسك بالاستصحاب والوجه في ذلك أن الحكم في جميع هذه الصور وارد على الزمان سواء كان الزمان قيدا للحكم أو ظرفا فعلى كل لا يجرى الاستصحاب أما إذا كان قيدا فلان الاستصحاب فيه من قبيل اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر وأما إذا كان ظرفا فلان الاصول اللفظيه لا يجرى مع الاصل اللفظى الحأكم عليها. وأما إذا لم يكن الحكم متعلقا بالفعل كالاحكام الوضعية وان كان ذلك حاصلا من فعل المكلف فيلاحظ العموم أو الاطلاق بالنسبه إلى نفس الحكم المجعول فيتمسك بالاطلاق أو العموم لورود الحكم في ذلك أيضا على الزمان لان الظاهر أن الحكم المجعول انما جعل مطلقا فالملكيه المجعولة أو الزوجية المجعولة انما جعلتا مطلقتين سواء كان ملحوظا بعنوان الاستغراق كما إذا لو حظت هنا أحكام متعدده بحسب قطع الزمان بحيث يلاحظ هنا ملكيه متعدده منضمه بعضها إلى بعض أو

[ 417 ]

بعنوان المجموعى كما إذا لو حظت هنا ملكيه واحده مستمره بين المبدء و المنتهى فعلى كل حال جاز التمسك بالاطلاق أو العموم المحوظان - بالنسبه إلى نفس الحكم الوضعي وعليه فإذا خرج عن العام فرد واحد أو انقطعت الملكية في زمان خاص وشككنا في خروج فرد آخر طولى عنه بحيث أن يكون الملكية في الآن الثاني أيضا خارجه عن العموم أو الاطلاق أو شككنا في انقطاع الملكية في المجموعى إلى الابد أو في جزء واحد من الزمان فنتمسك باطلاق الحكم المجعول أو بعمومه والوجه في ذلك ايضا هو ما ذكرناه من ورود الحكم على الزمان دون العكس لما عرفت أن المجعول مطلق أو عام أما ما ذكره شيخنا الاستاذ من عدم تعرض الحكم الاستمراره وهو يجرى في الجعل فقط لا في المجعول لعدم تعرض الجعل لاستمراره وأنه ينسخ أو لا وان كان الجعل والمجعول من قبيل الايجاد والوجود ولكن بينهما فرق من جهه وهى أن الجاعل يمكن أن يجعل الحكم عاما أو مطلقا ومع ذلك لا يكون جعله مطلقا فلا أقل أنه بالنسبه إلى النسخ فان الجعل لا يتعرض ببقائه ولو من حيث نسخه. هذا كله فيما إذا كان الاستمرار مفهما من نفس الحكم بحيث يكون الحكم واردا على الاستمرار كما عرفت وأما إذا كان الاستمرار واردا على الحكم ويكون مفهوما من دليل خارجي كما إذا كان دليل الحكم بالنسبه إلى الاستمرار مهملا وغير مقيد بالاستمرار وعدمه ولكن استفدنا من الخارج كونه مستمرا فانه حينئذ يجوز التمسك بالاستصحاب بعد الخصيص في بعض الصور مثلا إذا ورد أن من اسئولى على شئ فهو له أو من حاز ملك ورد تخصيص على ذلك من الاول بان قال الا الصبيى مثلا بأن اعتبر في التملك بالاستيلاء أو الحيازه البلوغ وأن غير البالغ لا يملك بالحيازة و

[ 418 ]

حينئذ إذا شككنا في أنه يملك بعد بلوغه ما حازه في الصباوه أو لا فلابد من التمسك باستصحاب حكم المخصص فان نفس الدليل الدال على الحكم ليس له عموم أو اطلاق كما هو المفروض وأما الدليل الآخر الدال على الاستمرار انما يدل على استمرار الحكم الثابت ولكن لا يمكن أن يتكفل الدليل الخارجي الدال على اعتبار الاستمرار باثبات الحكم لان الحكم مأخوذ في موضوع ما يدل على الاستمرار فالحكم أعنى الاستمرار لا يعقل أن يتكفل بموضوعه كما هو واضح. وعلى الجمله فإذا كان الاستمرار مستفادا من دليل خارجي وكان التخصيص واردا من الاول ثم شككنا في كون الخارج دائما أو موقتا لا يمكن التمسك بالعام أو المطلق ولا يفرق في ذلك أيضا بين كون الحكم اشتغراقيا أو مجموعا واما إذا كان التخصيص واردا من الوسط بان تحقق الحكم من الاول ثم ورد تخصيص فانه أيضا يكون المورد مورد التمسك بالعام فان العام قد شمل جميع الافراد الطوليه والعرضية قبل التخصيص وبعده فإذا خرج فرد واحد نتمسك في الباقي بالعام ثم ان ما ذكرناه من الاول إلى هنا فيما إذا كان ثبوت الحكم في كل زمان وبقائه مدلولا للدليل سواء كان مدلولا بما دل على الحكم أو مدلولا لدليل خارجي وأما إذا كان ثبوته في كل زمان مفهوما من الدليل التزاما لا مطابقه بان دل الدليل على الاستمرار مطابقه ولازم الاستمرار هو ثبوت الحكم في كل زمان فانه ح إذا انقطع الاستمرار بورود التخصيص عليه ينقطع الدلاله الالتزاميه أيضا فلا يمكن ح التمسك بالعام فان مدلول العام كان هو الاستمرار فقد انقطع بالتخصيص فلا يجوز بعد ذلك التمسك بالعام والظاهر أنه قد استوفينا جميع صور التمسك بالعام وعدمه وأما تطبيق ذلك على المقام أعنى أوفوا بالعقود فنقول ان كان

[ 419 ]

المراد من أوفوا بالعقود ما ذكره المصنف من وجوب ترتيب الاثر على العقد فيكون مفاد العموم هو الحكم التكليفى اعني وجوب ترتيب الاثر على العقد وعليه فيتمسك بعموم أوفوا حتى بعد الفسخ أيضا فان الحكم التكليفى أعنى وجوب ترتيب الاثر على العقد حكم تكليفي استغراقي بحسب الافراد العرضيه أي بالنسبه إلى كل عقد وبالنسبه إلى الافراد الطوليه الملحوظة بحسب الآنات والازمنه فإذا خرج فرد واحد فيتمسك في الباقي بعموم العام وهو واضح وأما بناء على ما ذكرناه في معنى أوفوا بالعقود من كونه ارشادا إلى الحكم الوضعي أعنى لزوم العقد وأنه لا ينفسخ بالفسخ فالامر أوضح فان الآيه تدل على أن كل عقد في كل زمان لازم لا ينفسخ بالفسخ فإذا خرج فرد من الافراد الطوليه يتمسك بالعموم كما يتمسك به في الافراد الطوليه. ومع التنزل عن ذلك فيكفينا التمسك بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فان النهى عن الاكل باعتبار الافراد المتعدد اعني هذا الاكل وذلك الاكل الذى عباره عن التمسك فإذا خرج فرد وشككنا في خروج فرد آخر أيضا فنتمسك بالعموم وهكذا قوله (ع) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فان ذلك يدل على تعدد الحكم حسب تعدد الزمان وأنه في كل زمان وأن اخراج فرد واحد لا يمنع ذلك عن التمسك بالعموم. وإذا شككنا في أن المغبون هل له الخيار إلى الابد أو لا فلابد من الاقتصار بالقدر المتيقن لانه بالنسبه إلى غيره نتمسك بالعموم فان ما يرفع لزوم العقد بالنسبه إلى زمان خاص يتمكن المغبون فيه من الفسخ قطعي وفى غيره مشكوك فنتمسك بالعموم وعلى هذا فيصح توجيه كلام جامع المقاصد من الاقتصار في الخيار للمغبون بالمتيقن والرجوع في

[ 420 ]

الزائد إلى أصاله الزوم وليس في كلامه غبار أصلا. وقد تحصل موارد استمرار حكم العام عن غير الاستمرار كما هو واضح ثم انه هل يتمسك بعموم العام في مورد الشك بثبوت الخيار أو يستصحب حكم الخاص فذهب المحقق الثاني إلى التمسك بعموم العام وخالفه شيخنا الاستاذ والمصنف فذهبا إلى استصحاب حكم المخصص فيقع الكلام في أنه هل يمكن الحكم بجريان الاستصحاب هنا مطلقا اولا سواء أمكن التمسك بعموم العام أم لا أو يفصل بين إذا كان مدركه الاجماع أو غيره كما ذهب إليه صاحب الرياض فنقول أما بناء على عدم جبريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه فواضح فلا مورد للاستصحاب لابتلائه دائما بالمعارضه واما بناء على جريانه فيها فهل هنا خصوصيته نمنع عن جريان الاستصحاب هنا أم لا الظاهر أن في المقام خصوصيه تقتضي عدم جريان الاستصحاب فيه وتفصيل ذلك أن مدرك خيار الغبن اما الشرط الضمنى أو قاعده نفى الضرر أو الاجماع أما إذا كان مدركه الشرط الضمنى فلا شبهه في عدم جريان الاستصحاب عند الشك في ثبوته في الآن الثاني وعدمه و ذلك لان هذا الخيار انما جعل في فرض التخلف على حسب الارتكاز وهذا الارتكاز انما هو موجود في الآن الاول دون الآن الثاني المشكوك فاثبات الحكم في الآن الثاني من باب القياس ومن قبيل اسرا الحكم من موضوع إلى موضوع آخر إذ لم يحرز موضوع الخيار في الآن الثاني و بعبارة اخرى أن شرط الخيار على تقدير تخلف الشرط الضمنى ليس أمرا دائميا وانما هو في وقت ثبت التخلف فيه وأما الفرد الآخر الذى لم يثبت التخلف فيه فاستصحاب الحكم فيه من باب القياس كما لا يخفى وهكذا الكلام إذا كان مدرك الخيار هو قاعده نفى الضرر فان الخيار

[ 421 ]

انما يثبت بها من مقدار يرتفع به الضرر لا أنه أمر دائمي فاثبات الحكم اعني الخيار في ان آخر قياس وبعبارة أخرى أن الضرر انما توجه من دوام اللزوم فإذا ارتفع اللزوم في آن ارتفع الضرر أيضا فاثبات الحكم لغير المتضرر قياس فان اللزوم في الآن الثاني مثلا ليس بضرري أصلا والحاصل أنه على تقدير كون دليل الخيار الشرط الضمنى أو قاعده نفى الضرر فالخيار ليس بدائمي كما هو واضح ومن هنا ظهر الحال إذا كان مدرك الحكم هو الاجماع وذلك من جهه أن الاجماع دليل لبيى فلابد من الاخذ بالمتيقن وهو المتضرر نعم لو كان الاجماع على ثبوت الخيار للمغبون كان الاستصحاب جاريا في الآة الثاني أيضا ولكن لا نحتمل ثبوت الاجماع التعبدى على ذلك بل مدركه أما قاعده نفى الضرر أو الشرط الضمنى فعلى كل تقدير فلا يمكن اثبات الحكم في الآن المشكوك بالاستصحاب وبعبارة اخرى أن الامر دائر بين أن يكون معقد الاجماع هو المتضرر أو المغبون فحيث انه أمر لبيى فلابد من اخذ المتيقن وهو المتضرر على أنه لا نحتمل وجود الاجماع التعبدى على ثبوت الخيار للمغبون فاذن لا يمكن اثبات الخيار للمشكوك أيضا. والحاصل أنه مع القول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه فلا يجرى الاستصحاب في المقام لعدم بقاء موضوعه بل تغيره كما عرفت فتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لا يمكن التمسك باستصحاب حكم الخاص وهو الخيار فلابد من الرجوع إلى عموم العام ومع عدم جريانه فيرجع إلى أصاله الفساد كما هو واضح فتحصل أن الخيار فورى خلافا لشيخنا الاستاذ وللمصنف من حيث المدرك لا المدعى كما لا يخفى. ثم ان المراد بالفورية هل هي الفورية الحقيقيه والآن الدقى العقلي

[ 422 ]

أي الزمان الذى يمكن فيه الفسخ ولو كان مقدارا يمكن فيه الاخذ بالخيار أو المراد من ذلك مالا ينافى بعض الافعال عاده مثل الصلوه والاكل والشرب والنوم ونحو ذلك أو هي أمر عرفى لا أمر دقى ولا أمر عادى الظاهر هو كذلك فان هذا الشرط كما ذكرنا ثابت بالارتكاز وهو قائم وموجود ما لم يتحقق التوانى عرفا وهذا لا ينافى بالاشتغال ببعض الافعال من الصلوه والنوم التوانى عرفا وهذا لا ينافى بالاشتغال ببعض الافعال من الصلوه والنوم إذا كان وقته ولعل ذلك يختلف باختلاف الاشخاص بل الامكنه و - نحوها كما هو واضح وبعبارة اخرى أن الحكم في أصل الخيار في أمده كل ذلك بالارتكاز فبالمقدار الذى يساعده الارتكاز يحكم بثبوت الخيار و الا فلا كما لا يخفى فافهم. ثم ان هذا الخيار انما يثبت لمن التفت بالغبن فلو التفت بعد سنه أو سنتين فيحكم بثبوت الخيار له بعد ذلك على المقدار المتعارف من الفورية بحيث لا يكون ذى الخيار متوانيا ولا يقول من عليه الخيار في أي مكان كنت في طول هذا الزمان هذا تمام الكلام في خيار الغبن. يوم الاحد اول شهر ربيع الاول سنة 1376 تم الجزء السادس من هذا الكتاب و يتلوه الجزء السابع ان شاء الله تعالى والحمد لله اولا وآخرا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية