الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة -السيد الخوئي ج 5

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي ج 5


[ 1 ]

محمد علي التوحيدي مصباح الفقاهة في المعاملات من تقرير بحث الاستاذ الاكبر آية.. العظمى السيد ابو القاسم الخوئي دامت إفاضاته

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1368

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (مسألة: لو باع ما يقبل التملك وما لا يقبله كالخمر والخنزير صفقة بثمن واحد). أقول: لو باع ما يملك ومالايملك قسط الثمن اليهما فيصح فيما يملك ولا يصح فيما لا يملك على المشهور لوجود المقتضى، وعدم المانع اما وجود المقتضى فلانه وان كان بيعا واحدا ولكنه منحل إلى بيوع متعددة فيبطل بالنسبة إلى مالا يملك فيصح فيما يملك للعمومات المقتضية لذلك من اوفوا بالعقود، وتجارة عن تراض، واحل الله البيع، ويدل على الصحه مضافا إلى ما ذكرناه من كون الصحة هو مقتضي القاعدة خبر الصفار المتقدم فانه وان ورد في ما يملك ومالايملك من القرية وليس متعرضا إلى بيع ما يقبل التملك ومالايقبل التملك ولكن جواب الامام (ع) عن السائل بقوله (لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب اشتراء من البايع على ما يملك) يشمل ما نحن فيه ايضا، فان الظاهر منها ان اجتماع ما يصح بيعه مع مالا يصح بيعه لا يوجب البطلان وانما ينحل البيع إلى بيوع: عديدة فيبطل في بعضه ويصح في بعضه الاخر، فلا يسرى بطلان احدهما إلى الاخر فكأن هنا بيعان أحدهما صحيح والاخر باطل، فهل يتوهم أحد اضرار احدهما بالاخر نعم انما تخلف عن الصحيح اشتراط الانضمام فقط فهو لا يوجب الا الخيار فقط. واما المانع فذكر بوجوه فكلها غير قابلة للمانعية الاول: أن البيع الواحد والمعاملة الواحدة غير قابلة للتبعيض فلابد اما من القول بالصحة مطلقا فهو غير ممكن أو القول بالبطلان كذلك فهو المطلوب. وفيه ان بيع ما يقبل التملك مع لا يقبله كبيع ما يملك مع مالا يملك وان كان واحدا بحسب الصورة الا انه متحل إلى بيعين قد أبرزا بمبرز واحد

[ 6 ]

فهما متحدان في المبرز والمظهر فقط، والا فواقع ذلك هو التعدد فابرازهما مبرز واحد لا يوجب انقلابهما إلى الواحدة. نعم، لا ينكر اشتراط كل منهما بانضمامه إلى الاخر في ضمن العقد، فيكون التخلف موجبا للخيار دون البطلان كما سيأتي في باب تخلف الشرط وقد عرفت نظيره في بيع ما يملك ومالا يملك اعني اجتماع الفضولي مع غيره. الثاني: ان العقد انما وقع بالمجموع من حيث المجموع فالاجزاء ليست بمقصودة فيبطل البيع في الاجزاء لعدم القصد فيها. وفيه انه ظهر جوابه مما تقدم إذ بعد انحلاله إلى بيوع متعددة و شمول العمومات لكل منها فيكون كل منها مقصودا أيضا غاية الامر أنه مقصود بشرط الانضمام إلى الآخر فيثبت للمشترى خيار تخلف الشرط الضمنى فقط كمالايخفى. الثالث: أن من شرائط البيع ان لا يكون الثمن أو المثمن مجهولا والا فيبطل ففى المقام لا يعلم أن ما وقع في مقابل ما يقبل التملك أي مقدار من الثمن فيفسد لذلك. وفيه أن الجهالة من حيث هي لا تمنع عن صحة البيع لعدم الدليل عليه، وانما تكون مانعة فيما تستلزم الغرر الذى نهى عنه في البيع، وفى المقام ليس البيع غرريا لاقدام المشترى على ذلك، فينتفى عنه الغرر، بل ربما يقال بان الجهالة وان كان موجودة حال العقد ايضا مع العلم بعدم امضاء الشارع ذلك العقد، ولكنها لا تكون مانعة بعدما كانت بالتقسيط إذ المدار في الصحة ان لا يكون البيع غرريا بجهالة الثمن أو المثمن حين التسليم والتسلم وعلى تسليم كونها مانعة عن صحة البيع بنفسها، فانما تمنع خين انعقاد البيع وتحققه وان من شرائط ان لا يكون الثمن أو المثمن فيه مجهولا واما الجهالة الناشئة من عدم امضاء الشارع فلا تكون مانعة عن صحة البيع

[ 7 ]

إذ لادليل على مانعيتها الا النبوى المعروف، نهى النبي عن بيع الغرر أو الغرر كما في مرسلة العلامة، فقد عرفت ما فيه من عدم الغرر هنا. واما الاجماع فهو دليل لبى فالمتيقن منه هي الجهالة عند البيع لا الجهالة الناشئة من عدم امضاء الشارع كما هو واضح، ففى ما نحن فيه ان الخمر والخنزير من الاموال العرفية والمعاملة عليهما صحيحة في نظر العرف ولكن حيث الغى الشارع ماليتهما ولم يمض بيعهما فنشأ الجهالة من ذلك فلا تكون موردا للاجماع ومن هنا يعلم ان بطلان البيع في الخمر والخنزير يوجب جهالة ثمن الشاة والخل واضح المنع. وبالجملة فشئ من الوجوه المذكورة لا تصلح للمانعية عن صحة البيع في الجزء الذى يقبل التملك. نعم في المقام شئ آخر وهوانه بناء على فساد البيع بفساد الشرط أو اشتراط الشرط الفاسد فيه، فالبيع يكون باطلا في ما يقبل التملك ايضا بيان ذلك ان جمع الشيئين في بيع واحد وان كان بحسب الصورة واحدا و لكن بحسب الانحلال انهما بيعان كما عرفت ولكن كل منهما مشروط بانضمامه بالاخر، فبظهور بعض اجزاء المبيع خمرا أو خنزيرا ينعدم ذلك الشرط و يتخلف لكونه فاسدا فكأن في الحقيقة ان بيع الخل أو الشاة مشروط بانتقال الخمر أو الخنزير إلى المشترى نظير اشتراط شرب الخمر ونحوه من المحرمات فيكون البيع باطلا للشرط الفاسد كما هو واضح. ولكن سيأتي في باب الشرط ان فساد الشرط أو اشتراط الشرط الفاسد في البيع لا يوجب بطلانه بوجه، بل يوجب ثبوت الخيار للمشروط له على المشروط عليه. وقد خالف شيخنا الاستاذ في ذلك وقال بعدم جواز قياس فساد الجزء

[ 8 ]

بفساد الشرط وقال ولو قلنا بأن فساد الشرط يوجب فساد العقد المشروط به الا أنه لا يمكن قياس فساد الجزء عليه لان الشرط لا يقع بازاء شئ من الثمن، بل يوجب زيادة قيمة المشروط فإذا قيد به وكان فساده موجبا لعدم امكان تحققه فالعقد المقيد لم يتحقق وأما الجزء الفاسد فحيث أن الثمن يوزع عليه وعلى الجزء الآخر ففساده لا يقتضى الا رد الثمن الذى وقع بازائه أي يفسد العقد بالنسبة إليه دون الجزء الآخر الصحيح الغير المقيد بما لا يمكن تحصيله أو تحققه. ولكنه من عجائب الكلام كيف فبعد ما انحل ذلك إلى بيوع متعددة فلا يوجب الاجتماع الا في اشتراط كل منهما بالآخر فيكون من صغريات الشرط الفاسد ولكن الذى يهون الخطب ان الشرط الفاسد لا يوجب فساد المشروط كما سيأتي في محله. قوله: (نعم ربما يقيد الحكم بصورة جهل المشترى). اقول: الذى يظهر من الشهيد هو أن في صورة العلم يكون بعض اجزاء المبيع مما لا يقبل التملك ان الثمن يقع في مقابل المملوك فيكون مجموعه للبايع فليس للمشترى أن يرجع إليه بالنسبة إلى ما وقع في مقابل الخمرأ والخنزير. وفيه انك عرفت ان مجموع الثمن انما وقع بازاء مجموع المثمن فابرز بمبرز واحد ولكن بحسب الانحلال ينحل إلى بيعين فيكون ذلك نظير بيع الشاة والخنزير مستقله اذن فلا وجه لبطلان البيع في صورة الجهل وصحته في صورة العلم لوقوع الثمن كله بازاء المملوك بل يقسط الثمن اليهما. نعم بناء على ما تقدم في بيع الغاصب من ان المشترى مع علمه بالغصب يسلط البايع الغاصب على ماله مجانا فليس له الرجوع إليه في صورة التلف، بل قيل بعدم الرجوع حتى في صورة عدم التلف فله وجه ولكن عرفت

[ 9 ]

بطلانه وعدم صحة ذلك المبنى ايضا وان المشترى يرجع إلى الغاصب مطلقا مع انك عرفت ان مقدر من الثمن انما وقع بازاء ما لا يقبل التملك لما قلنا من صحة التقسيط. نعم، بناء على ما ذكر في بيع الغاصب فيكون المقام نظيره لو باع الخنزير فقط مع العلم به إذ ليس هذا الا تسليط الغير على ماله مجانا و اما كيفية التقسيط فقد عرفت طريقه من ان كلا من المملوك وغير المملوك يقوم منضما إلى الاخر فيسترد من الثمن بنسبة قيمة غير المملوك إلى المجموع من اصل الثمن فيرجع في تقويم الخمر والخنزير هنا إلى المستحل فهذا واضح، وانما الكلام في انه لو كان المبيع هي الشاة مع الخنزير أو الخل مع الخمر فالامر كما ذكر ولكن لو باع الشاة والخنزير ببيع واحد أو الخل والخمر كك باعتقاد الخلية والشاتية فهل يقوم الخنزير بتلك الهيئة شاة والخمر خلا أو يقومان بصورتهما النوعية، فقال شيخنا الانصاري بالاول وهو كك لانه انما باع الخل والشاة فظهورهما على خلاف ما قصده البايع وباع على ذلك القصد لا يكون مناطا في التقسيط. وقد اشكل عليه شيخنا الاستاذ بان العناوين من قبيل الدواعى فلا يوجب تخلفها تبدل الموضوع بل يتقدم الاشارة الواقعة إلى الخارج على العنوان، فلابد وان يقدم الخنزير بعنوان الخنزيرية وهكذا الخمر بما انها خمر لا بعنوان الشاتية والخلية. وهذا من عجائب الكلام، فانه بعد ماكان المبيع هي الشاة أو الخل ولو كان الواقع على خلافه فلاوجه لتقويمهما على خلاف المقصود، بل يقوم كل من الخنزير والخمر بعنوان الشاتية والخلية بما انهما شاة وخل كذلك. بل ربما يوجب ذلك تضرر المشترى كما إذا كان قيمة الخنزير اقل من

[ 10 ]

قيمة الشاة وربما يوجب تضرر البايع كما إذا كان اكثر، بل ربما يوجب الجمع بين الثمن والمثمن كما إذا كان قيمة الخنزير عند مستحله ضعفى قيمة الشاة فكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به. وبالجملة لو باع ما يقبل التملك وما لا يقبل، فا لوجه هنا هو الصحة بالنسبة إلى ما يقبل التملك والفساد في غيره فيقسط الثمن اليهما. نعم، لو كان ما يقبل التملك خارجا عن حدود المالية العرفية ولم يصدق عليه المال في نظر العرف ايضا كما لا يصدق عليه ذلك في نظر الشرع كبيع الشاة مع الخنفساء أو مع سائر الحشرات الارضية توجه القول بالبطلان لغرر المذكور فيكون الثمن الواقع في مقابل المملوك مجهولا من الاول لعدم من الاول فانه حتى بناء على النظر العرفي مبادلة مال بمال بناء على اعتبار المالية فالخنفساء ونحوها ليس من الاموال حتى يتحقق عنوان المبادلة اذن فالوجه هو التفصيل في المسألة، فالقول بالصحة في ما يقبل التملك و البطلان فيما لا يقبله بالتقسيط لو كان مالا يقبله ايضامن الاموال في نظر العرف ويكون التبادل عليه من مصاديق مبادلة مال بمال كالخمر والخنزير اذاهما من الاموال العرفية واما لو لم يكن ذلك من الاموال العرفية، فالوجه هو البطلان للجهالة والغرر إذ لا يعلم من الاول ان ما وقع في مقابل المملوك أي مقدار من الثمن فتكون المعاملة غرريا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه. قوله (ره): يجوز للاب والجدان يتصرفا في مال الطفل بالبيع و الشراء. أقول: قد عرفت ان من جملة شرائط المتعاقدين ان يكون مالكين

[ 11 ]

للعوضين أو من ينوب منابه وقد عرفت حكم بيع غير المالك فضولة وتحقيق الحق فيه، وان بيع المالك ماله عن نفسه مما لا اشكال فيه، واما الوكيل فكك لاستناد فعله إليه وكك المأذون. وبعبارة اخرى ان البيع اما تقع من المالك اومن غيره، اما الاول فلا شبهة في صحته، واما الثاني فتارة يكون ذلك برضاء المالك اولا، فعلى الاول فذلك الغير اما يكون وكيلا فيه من المالك، أو مأذونا فيه من قبله أو لا، اما الاولان فلا اشكال ايضا في صحة البيع لاستناده إلى المالك خصوصا إذا صدر من الوكيل لكونه نائبا عنه ونازلا منزلته في فعله فإذا صح في المأذون ففى الوكيل يصح بالاولوية، اما غير الوكيل والمأذون فان لحق به الاذن من المالك بالاجازة ورضى بفعله فهو الذى تقدم الكلام فيه مفصلا في البيع الفضولي، وقلنا بالصحة، والا فيحكم بالبطلان، واما لا يكون فيه رضا المالك أو رضى ولكن لم يكن لرضائه تأثير في نظر الشارع فهو مورد الولاية فهى على انحاء منها ولاية الاب والجد وثبوتها لهما في الجملة على الصغير من ضروري الفقه ومورد الاجماع والسيرة المستهرة القطعية كما يطلع عليه من تتبع الابواب المتفرقة في الفقه كتاب النكاح لصراحة الاخبار فيه في ثبوت ولايتهما على تزوج اولاد هما الصغير وكتاب المضاربة فان فيه ما ورد على ولايتهما في جعل المضاربة في مال الولد وفي باب الحجر قدورد ما دل على حجر الطفل الصغير عن ماله دون الولى إلى غير ذلك من ابواب الفقه ويؤيد ذلك ما ورد في باب الزكاة مما دل على ثبوتها في مال اليتيم إذ التجربة الولى وربح إذ لو لم يكن له ولاية على ذلك لما جاز له التصرف في ماله بالتجارة بل هذا مما قامت به السيرة العقلائية إذ ليس ذلك مخصوصا بالشريعة الاسلامية بل جارية في غيره من الشرايع ايضا واستدل المصنف

[ 12 ]

على ذلك بفحوى سلطنتهما على بضع البنت في باب النكاح والظاهر انه لا باس بهذه الاولوية وان ناقشنا فيها في البيع الفضولي وقلنا ان اهتمام الشارع المقدس بعدم وقوع الزناء والصفاح يقتضى عكس ذلك الاولوية. والوجه في جهة الفرق بين المقامين هو ان الكلام في السابق من حيث نفس الفعل الخارجي الموجود فيه وقيل هنا ان اهمية الفروج تقتضي بطلان الفضولي في النكاح وان كان صحيحا في البيع وسائر العقود لاحتمال ان لا يقع واقعا فيكون زنا، فالاحتياط يقتضى عدمه لعلا يقع الزنا وقلنا ان الاحتياط كان يقتضى عكس المطلب وان كان فيه خلاف الاحتياط ايضا في نفسه، ولكن محذوره اقل من الاول فانه يحتمل مع الحكم بالبطلان ان يقع النكاح واقعا فيكون الزنا بذات البعل بخلاف العكس فانه مع عدم الوقوع فلا يكون زنا الا بغير ذات البعل، وبالجملة وجهة الكلام هناك كان مختصا في بيان عنوان الفعل الواقع وجهته، وهذا بخلاف المقام، فان الكلام هنا ليس في بيان وجهة الفعل الواقع، بل في كون الغير الأجنبي سببا في تحقق الفعل وايجاده من الاول ففى مثل ذلك إذا صح ولاية الاب والجد على الاولاد الصغار في النكاح وكونهم سببا في ايجاد التزويج بينهم مع كونه من اهم الامور فلا شبهة في جواز ولايتهم ونفوذ امرهم في سائر العقود ايضا بالاولى. ثم انه يقع الكلام في جهات: الاولى: هل يعتبر العدالة في الولى الاب والجد، فلو كانا فاسقين لا ينفذ تصرفهما في حق الصغار كما ذهب إليه صاحب الوسيلة والايضاح أو لا تعتبر كما ذهب إليه المشهور، بل يظهر من التذكرة الاجماع على ذلك. واستدل عليه المصنف بالاصل والاطلاقات، فان ظاهر عطف الثاني

[ 13 ]

على الاول، هو ذلك لا ان المراد من الاصل هي الاطلاقات كما لا يخفى ولكن لا نعرف معنى لذلك الاصل إذ ليس المراد منه هي اصالة البرائة قطعا لانه ليس هنا تكليف حتى ينفى بذلك، بل لو كان فالمراد به هو الاستصحاب فان كان المراد به هو الاستصحاب النعتى بان يقال ان الولاية كانت في زمان ولم تكن مشروطة بالعدالة فكك الحال الاستصحاب فال شبهة انه لم يكن لذلك حالة سابقه إذ ليس زمان تكون الولاية ثابتة ولم تكن مشروطة بالعدالة حتى نستصحبها فان كان المراد منه هو أصل عدم الازلي المحمولي لسلم من اشكال عدم وجود الحالة السابقة الا ان المصنف لا يقول به ليمكن تطبيق كلامه به، بل لا يمكن الالتزام بجريانه هنا ايضا إذ لاشبهة ان الولاية بالنسبة إلى عدم التقيد بالعدالة أو التقيد بها ضروري لا ستحالة الاهمال في الواقعيات فهما متضادان فجريان الاستصحاب في نفى التقيد المسمى بالعدم المحمولي ليس اولى من جريانه في الطرف الاخر بعد فرض تضاديتهما وبالجملة فاصالة عدم النعتى غير جارية لعدم الحاله السابقة فعدم المحمولي وان كان ليس عنه مانع بحسب نفسه على المذهب المختار ولكنه لا يجرى للمعارضة. اذن فلا يمكن الالتزام بثبوت الولاية المطلقة الغير المقيدة بالعدالة بواسطة الاصل، بل مقتضى الاصل هو عدم ذلك أي عدم نفوذ تصرفاته فانه ثبت بالادلة القاطعة حرمة التصرف في مال الغير، الا باذنه فالخارج منه يقينا صورة كون الغير وليا عادلا فيبقى الباقي تحت الاصل. نعم، ما ذكره من الاطلاقات في محله إذ هي غير مقيدة بعد الة الولى بل الولاية الثابتة بها للاب والجد مطلقة وليس في المقام ما يصلح تقيده الا ما ذكره صاحب الوسيلة والايضاح حيث استدلا على عدم ثبوتها للاب و

[ 14 ]

الجد الفاسقين بالاية واستظهر المصنف ان المراد منها قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) وضعفه. ووجه الضعف هو ان المراد من الركون فيها ليس الركون في الامور الدنيوية، بل المراد به فيها هو الركون في الامور الدينية ويدل على ذلك من الآية ذيلها من قوله تعالى: (فتمسكم النار) حيث ان ذلك نتيجة الركون إلى الظالم في الامور الدينية لا في الامور الدنيوية والا فلا زمه عدم جواز توكيل الفاسق في الاموال الشخصية للبالغين الراشدين وكونه من المحرمات الشخصية فهو بديهى البطلان ولا انه يجوز تأمين الفاسق وجعل الوديعة عنده. ويحتمل بعيدا أن تكون المراد من الاية قوله تعالى: (ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا) كما يظهر ذلك من قوله واخباراته عن غيره. وفيه انه يظهر الجواب عنه من الاية السابقة وان المراد من ذلك ليس ما يرجع إلى الجهات الشخصية، بل ما يرجع إلى الجهات النوعية الدينية كما يدل على ذلك ايضا ذيل الاية من قوله تعالى: (لئلا تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وان لازمه عدم قبول اخبارات الشخص في حق نفسه من الاقرار ونحوه كما تقدم من عدم جواز ان يجعل الفاسق امينا من امواله مع انه لم يدل دليل على حرمته. ومن هنا يظهر انه لاوجه لتوهم استحالة اخذ قول الفاسق وجعله امينا في اموره، وانما يحرم ارجاع الامور الدينية إليه اذن فلاوجه لرفع اليد عن تلك المطلقات الكثيرة بمثل هذا الامور الظنية وتوهم الايضاح ان ذلك خلاف حكمة الصانع، بل يجوز الارجاع إلى الفاسق بديهى الفساد كما عرفت فان ذلك له وجه في الامور الدينية لا الامور الدنيوية على انه ولو كان

[ 15 ]

الاب والجد فاسقين الا ان رافتهما على الاولاد اكثر بمراتب من رأفة جميع العدول عليه إذ في الاب والجد من الشفقة الذاتية الرأفة الطبيعية بالنسبة إلى اولاد هم ما ينكر ولو كان فاسقا. نعم، لو كان الاب والجد من الفاسقين الظالمين على الطفل بحيث يقامرون باموال الصغار ويشترون به الخمر ويشربون وغير ذلك من الاتلافات البينة لخرج بذلك عن جواز التصرف فيها ونصب الحاكم الشرعي وليا آخر أو ناظرا لهم حفظا لهم لئلا يكون ظلما عليه، ولكن هذا أمر آخر غير ما نحن فيه. على ان الظاهر من الاية ان الفاسق لا يقبل قوله من دون التبين و التفحص وهذا لا ينافي قبول قوله من جهة الولاية ما لم يعلم صدور الخيانة منه، فالولى وان كان فاسقا يقبل قوله في حق الصغار لو لايته. وأما الجهة الثانية وهى اعتبار المصلحة في تصرفات الولى فهل يعتبر ذلك كما ذهب إليه ابن ادريس وشيخ وبعض آخر اولهما الولاية مع اعتبار عدم المفسدة في التصرف وان لم يكن فيه صلاح اصلا كتبديل ماله بمال آخر بلا صلاح، أو لا يعتبر شئ من ذلك، بل لهما الولاية عليه على وجه الاطلاق كما ذهب إليه المصنف في اول كلامه أو يفصل بين الاب والجد بالالتزام بنفوذ امر الجد مطلقا دون الاب كما يظهر من آخر كلام المصنف وجوه. واستدل المصنف على عدم الاعتبار وثبوت الولاية على الاطلاق بالاخبار الواردة في اثبات الولاية على الطفل للاب والجد فانها مطلقة وغير مقيدة بشئ مما ذكر. وفيه اولا ان اطلاقاتها غير تمام عمدتها ما دل على ان الابن ماله للاب وقد ذكر ذلك في جملة من الروايات وعلل نفوذ امر الاب على الولد بذلك في بعضها ولكن لا دلالة فيها بوجه على المدعى فان من البديهى

[ 16 ]

ان المراد بها ليس ما هو الظاهر منها من كون الابن وما بيده من متملكات ابيه، وبكون الفرض من اللام هو الملك ليكون الابن كعبد الاب والبنت كالجارية، بحيث يجوز له بيعها ولو حجر يكون حق الغرما متعلقا بمال الولد ايضا، وهذا المعنى مقطوع البطلان كيف مضافا إلى ما ذكرنا انه ورد في بعض الروايات ان الاب لو احتاجت إلى جارية الابن يقوم على نفسه بقيمة عادلة ثم تصرف فيها بما يشاء وانه يجوز له الاستقراض من مال الولد فلو كان الابن وماله من الاموال ملكا للاب والجد لما كان تقويم الجارية على نفسه بقيمة عادلة والاستقراض من ماله وجه بوجه فانه لا معنى لاستقراض المالك من ملكه أو تقويم ماله على نفسه. ومن هنا ظهرانه ليس المراد بتلك المطلقات كون اموال الولد للوالد حقيقة أو تنزيلا بحيث يفعل فيها ما يشاء ثم ليس المراد من تلك المطلقات ثبوت الولاية لهما على الولد كما توهم إذ مورد بعضها هو الولد الكبير، كالرواية المتضمنة لشكاية الولد إلى النبي صلى الله عليه وآله من ابيه وما تضمن تقديم تزويج الجد على الاب في البنت معللا بان الجد أب للاب والبنت وغيرهما فلا شبهة في عدم ثبوت ولاية الاب والجد على الولد الكبير، بل هو مستقل في التصرف في امواله كيف يشاء وايضا لا وجه لتوهم ان المراد منها ثبوت جواز الانتفاع للاب والجد فانه مضافا إلى مخالفته بثبوت جواز الاستقراض من مال الولد وتقويم الجارية للابن على نفسه ان جواز الانتفاع من اموال الاولاد لا يدل على ثبوت الولاية عليهم. والحق انها اجنبية عن المقام وانما هي راجعة إلى بيان امر اخلاقي ناشئ من امر تكويني فان الولد بحسب التكوين موهبة من الله تعالى للاب ومقتضى ذلك ان لا يعارض في تصرفاته ويكون منقاد ابا مره ونهيه ويؤيد ذلك

[ 17 ]

ما في علل عن محمد بن سنان في تفسير قوله تعالى: (يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء ذكورا) ان الولد موهوب من الله وهبة للاب وعلى هذا ليس من الانصاف ان يعارض ما هو هبة للانسان للموهوب له، بل منقضى الاخلاق هو التحرك بتحريك الاب لكونه له أي هبة له وتحفة من الله تعالى إليه واذن فلا دلالة في اطلاقها على ما ذهب إليه المصنف من عدم اعتبار المصلحة في تصرفات الولى وما ترى من جواز تصرف الجد والاب في مال الولد والخذ هما منه من جهة كون انفاقهما عليه مع الاحتياج فلا ربط لذلك إلى جهة الولاية بوجه، نعم لا ينكر الاطلاق لبعض ما ورد في باب النكاح من جواز عقد الجد والاب للابن بدون اذنه وللبنت بدون اذنه إذ ليس فيه نقيد بصورة وجود المصلحة في التصرف ولكن سيأتي جوابه. وثانيا على تقدير وجود المطلق كما هو كك لبعض ما ورد في باب النكاح من جواز تزويج الاب الابن بدون اذنه أو تمامية اطلاق الروايات المتقدمة كما زعمه المصنف (ره) فلابد من تقييدها بصورة وجود المصلحة بصحيحة ابى حمزة الثمالى فانها دلت على عدم جواز تصرفات الولى في مال الطفل بدون المصلحة لقوله (ع) لا نحب ان يأخذ من مال ابنه الا ما يحتاج إليه مما لابد منه ثم استدل (ع) بقوله تعالى: (ان الله لا يحب الفساد) فلا شبهة ان قوله (ع) لا نحب وان كان لا يدل على الحرمة ولكن بضميمة استشهاده (ع) قوله تعالى (ان الله لا يحب الفساد) يدل على الحرمة إذ لاشبهة ان الفساد ليس قسما منه مكروها وقسما منه حراما بل هو متمحض بالحرمة. ونظير ذلك رواية الحسين بن ابى العلا في الدلالة على عدم جواز اخذ الزائد مما يحتاج إليه فبها تقيد تلك المطلقات، ولا شبهة أن مورد

[ 18 ]

الروايتين الخاصتين واذن هو الاموال ولكن ثبوت التقييد فيها يدل على ثبوته في باب النكاح ايضا بالاولوية إذ كما ان ثبوت الولاية في باب النكاح للاب والجد دل على ثبوتها في غير باب النكاح بالاولوية لكون النكاح اهم و هكذا ثبوت التقييد في غير باب النكاح يدل على ثبوته في باب النكاح ايضا إذ مع عدم نفوذ تصرفات الولى فيما لا يكون فيه صلاح في الاموال ففى الاعراض بالاولى لكونها اهم ويؤيد ثبوت التقييد ما ورد في تقويم الجارية على الولى بقيمة عادلة وجواز اقتراض الولى من مال الولد إذ لو كان تصرفات الولى نافذا في حق الطفل مطلقا لم يكن وجه للتقويم بقيمة عادلة، بل كانت القيمة النازلة ايضا وافيا وكذلك لم يكن وجه للقرض، بل كان يكفى اخذه بأى نحو شاء هذا مع انه يمكن منع تحقق الاطلاق في باب النكاح بحسب نفسه ايضا إذ الولاية للاب والجد على الاولاد لاجل حفظهم عن وقوعهم بالمضرات و توجههما إليهم، واما لواوجبت الولاية توجه الضرر إليهم فمن الاول يمكن القول بعدم جعل الولاية فيه وخروجه عن مورد الروايات تخصصا بل هذا هو المتعين إذ لا يمكن القول بولاية الاب والجد على تزويج اولاد هم كيف شائوا وان كان فيه ضرر عظيم موجب لتضرره اذن فليس هنا اطلاق اصلا من الاول فضلا عن احتياجه إلى المقيد. وبالجملة انها ناظرة إلى اصل جعل الولاية لهما مع ما فيهما من الرأفة للاولاد وليس فيها اطلاق إلى سائر الجهات واما اعتبار المصلحة في تصرفاتهم بان يلتزم بعدم كفاية مجرد عدم المفسدة في ذلك، بل لابد من وجود المصلحة في تصرفاتهم وقبل بيان ذلك لابد وأن يعلم انه يجوز تصرف الولى لانفسهم في مال الطفل وان لم يكن فيه المصلحة ومن هنا يجوز قرض الولى من مال الطفل وتقويم جاريته على نفسه مع عدم وجود المصلحة في ذلك

[ 19 ]

للطفل بوجه وهذا بالنسبة إلى نفس الاولياء مما لاشبهة في جوازه واما اعتبار المصلحة في غير ما يرجع إلى شؤونهم فاستدل عليه بقوله تعالى (و لا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن) حيث ان التقرب إلى ماله بلا مصلحة فيه ليس باحسن فلا يجوز. وبالجملة كان كلامنا في ولاية الاب والجد وقد اختيار المصنف عدم اعتبار شئ في ولايتهما للاولاد وقربه شيخنا الاستاذ في الدورة الاخيرة وتمسك المصنف في ذلك بالاطلاقات الواردة في خصوص الولاية وجعلها لهما فان الظاهر فيها ان امر الاولاد وامر اموالهم راجع إلى الجد والاب وقد رئت انها اجنبية عن المقام لان المذكور في اكثرها ان الابن ماله للاب فلا شبهة في عدم امكان ارادة المالكية الحقيقية منها ليكون اللام للملك بحيث يبيع للابن أو يوجرها من الغير فيوخذ اجرته وثمنه أو يأخذ امواله ويفعل فيها ما يشاء خصوصا مع ملاحظة ما في بعضها من كون موردها الابن الكبير الذى لا ولاية لهما عليه اجماعا وكيف وقد ورد في بعض الروايات تقويم الجارية للابن على نفسه والتصرف فيها وفى بعضها الاخر اخذ القرض من مال الولد فلا شبهة في عدم جريان ذلك في اموال شخص المالك بالنسبة إلى نفسه ولايجوز ان يراد من تلك الاخبار المالكية التنزيلية لما عرفت من عدم مالكية الاب والجد على الاولاد واموالهم بوجه، بل لا يجوز ولايتهم على بعض مافى تلك الروايات كالولد الكبير فلا معنى للتنزيل هنا ايضا كما لا يخفى بان ينزل اموال الاولاد بمنزلة ماله في جواز التصرف فيها وفى انفسهم بالاجارة والبيع والشراء واكل اموالهم واجراء ما يجرى على ماله بحيث يكون مال الطفل ونفسه من جملة امواله حقيقة أو حكما بلا وجه، ولم يفتوه به أحد فيما نعلم، بل هي ناظرة إلى جهة الاخلاقي كما عرفت لما ذكر في

[ 20 ]

بعض الروايات ان الولد هبة موهوبة للاب فلا ينبغى ان يعارضه في التصرفات وما ورد من جواز اخذ الاب والجد من اموال الولد مع الحتياج ليس من جهة الولاية، بل من جهة وجوب انفاق الاب على الولد مع الاحتياج كعكسه كك. فليس في تلك الروايات بحسب نفسها اطلاق وعلى تقدير ثبوت الاطلاق فيهاكما ثبت في جملة من اخبار النكاح في تزويج الاب والجد الابن والبنت لكونها مطلقة من حيث ثبوت المصلحة وعدم ثبوتها في النكاح فلا بد من تقييدها برواية الثمالى لانها صريحة في عدم الاية مع الفساد كما هو مقتضى استدلاله (ع) بالاية وان تصرفات الجد والاب في هذه الصورة محرمة وبرواية الحسين بن ابى العلا فانها لا تدل على اخذ الاب من مال الطفل الا بمقدار قوته وعدم جواز التصرفات المسرفة فيه فلو كان لهما ولاية على الطفل حتى مع المفسدة في التصرف لما كان لهذا النهى وجه وعليه فنقيد بهما الرويات المطلقة حتى الواردة في باب النكاح ولا يضر اختصاص مورد هما بالاموال لانه إذا ثبت التقييد في ذلك فيثبت في النكاح بالأولوية لكونه اهم في نظر الشارع، بل يمكن منع تحقق الاطلاقات في باب النكاح ايضا من جهة انها ناظرة إلى جعل الولاية للاب والجد وكون ولاية الثاني مقدمة على الاول بما لهما من الرأفة الطبيعي ولا ولادهم بان يعاملوا معاملة مال نفسهم في حفظه وعدم التصرفات المتلفه فيه فاصل جعل الولاية لهذا الموضوع مشعر لهذه الحكمة والعلة وعلى هذا فتصرفاتهم الموجبة لتلف اموالهم وتضررهم بما لا ينبغى ينافى لذلك الحكمة والملاك فتنقلب على العكس. وبالجملة ظاهر جعل الولاية للاب والجد على الاولاد لرأفتهما على

[ 21 ]

الطفل لكونه هبة له وموهوبا عليهم من قبل الله تعالى كما اشير إلى ذلك في جملة من الروايات فلا تعرض فيها لصورة المفسدة لكونها على خلاف الرأفة فلا اطلاق فيها ايضا وقال بعض مشائخنا المحققين بوجود المقيد في باب النكاح ايضا حيث ورد في بعض روايات جعل الولاية لهما في باب النكاح ان تزويج الجد يتقدم إذا لم يكن ضرر فان مفهومه يدل على عدم الولاية له مع الضرر فيكون مقيدا للمطلقات فيها. وفيه ان المفهوم وان كان موجودا ولكنه عدم الولاية مع الضرر، بل المراد به نفى اولوية الجد وتقديمه على الاب عند الضرر وهذا غير مربوط بالرواية فلا يكون ذلك مقيدا للاطلاقات في باب النكاح. الجهة الثانية: في انه إذ اعتبرنا عدم جعل الولاية لهما في صورة وجود المفسدة في تصرفات الاب والجد فهل يعتبر زائدا على ذلك اعتبار المصلحة في تصرفات بحيث لا يجوز تصرفهم إذا خلاعنها ولو لم تكن فيه مفسدة ام لا يعتبر، وقد تقدم ان التصرفات الراجعة إلى نفس الولى ولو لم تكن فيها مصلحة جائزة بلا اشكال وانما الكلام في غيرها وقد استدل على الاعتبار بوجوه: - الاول: ان طبع المطلب وجعل الولاية لهما يقتض ذلك فان ذلك لاجل ان يتصرف في اموالهم بما من المصلحة من التجارة والتبديل والا فمجرد التصرفات اللغوة بلا وجود ثمرة فيه فلا يجوز وبالجملة ان حكمة جعل الولاية للاب والجد بحسب الطبع هي جلب المنافع له ودفع المضارعنه لكون الاب والجد بحسب الطبع هكذا بنسبة إلى اولادهم والا فمجرد كون شئ ذى صلاح لغير الطفل وان لم يكن فيه صلاح له لا يجوز التصرفات في فعله وبالجملة ان جعل الولاية لهما عليه ليس الا لحفظ الولد وماله و

[ 22 ]

دفع المضارعنه وجلب المنفعة إليه والا فلا يجوز التصرف في ماله ولو لم يكن فيه مفسدة. وفيه ان هذا وان كان بحسب نفسه تماما ولكن لايتم في جميع الموارد لامكان ان يكون الصلاح في ذلك الجعل راجعا إلى الولى. وبعبارة اخرى تارة يلاحظ في جعل الولاية لهما صلاح المولى عليه فيجرى فيه ذلك الحكمة. واخرى يلاحظ حال الولى فلا شبهة انا نحتمل الثاني ايضا اذن فلا دافع للاطلاقات الدالة على جعل الولاية لهما عليه حتى في صورة عدم المصلحة في تصرفهم، بل يكفى مجرد الشك في ذلك ايضا ولا يلزم العلم بعدم اعتبار المصلحة في ثبوت الولاية لهما عليه عند عدم المصلحة في التصرف. الثاني: دعوى الاجماع على الاعتبار وفيه ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة لمخالفة جملة من الاعاظم في ذلك، بل نحتمل استناده إلى الوجوه المذكورة هنا لعدم الجعل في صورة عدم المصلحة فلا يكون هنا اجماع تعبدي كاشف عن رأى الحجة. الثالثة: قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن) وهذه هي العمدة في المقام بدعوى ان التصرف الخالى عن المصلحة في مال اليتيم ليس تصرفا حسنا فيحرم للنهى عن التقرب إليه، فان اطلق اليتيم على من مات امه كما ليس ببعيه فتشمل الآية لكل من الاب والجد، والا فتختص بالجد ويتم في الاب بعدم القول بالفصل اذن فنرفع اليد عن الاطلاقات الدالة على ثبوت الولاية لهما مطلقا حتى مع المصلحة. وفيه أن الآية عام لكل احد سواء كان ابا أو جدا ام غيرهما فانها

[ 23 ]

تنهي عن التقرب بمال اليتيم لكل احد فنخصصها بالروايات الدالة على جعل الولاية للاب والجد ولو مع عدم المصلحة فيه وليس بينها عموما من وجه حتى يعمل بقواعده لانحصار الموضوع في الروايات بالاب والجد فقط وعمومه في الاية وان كان الامر كك مع ملاحظة الحكم ولكن الحكم وارد على الموضوع الواحد فقط في الرواية وعلى المتعدد في الاية فافهم. ومن هنا يظهر الجواب عما ذهب إليه المصنف اخيرا من التفصيل بين الاب والجد والقول بثبوتها للجد دون الاب لعدم اطلاق اليتيم على من مات امه لتشمل الاية لهما فانه مضافا إلى اطلاق اليتيم على من مات امه انك علمت سابقا ان ولايتهما ثابتة في النكاح على الابن والبنت، وفى الاموال بالاولى فلا نحتاج إلى الاستدلال بالاية على ثبوت الولاية حتى يمنع عن شمولها للاب فتختص بالجد فقط وسيأتى الكلام في هذه الجهة. الجهة الثالثة: بعد الفراغ عن اعتبار عدم المفسدة في تصرفات الاب والجد في مال الولد، فهل هذا شرط في عالم الاحراز فلو احرز في مورد عدم المفسدة فباع مال الولد فبان وجود المفسدة في ذلك فلا يبطل البيع وينفذ التصرف اوهو شرط في الواقع فلو كان مورد مفسدة واقعيه فلم يحرز أو احرز عدمها فاقد مه فيكون باطلا اوانهما من الشرائط معا فلو احرز المفسدة ومع ذلك اقدم على التصرف فبان كونه صلاحا إذ لو لم يباع لكان تلفا أو أحرز الصلاح فاقدم فظهر عدم الصلاحية فيكون تصرفه هذا صحيحا. نعم لو احرز المفسدة في مورد فاقدم وعلى التصرف فظهر كما احرزه فيكون فاسدا. والظاهر هو الوجه الاخير وقبل بيان وجهه فلابد وان يعلم ان هذه الجهة لم يحرز في كلامهم، بل لم يذكر الا بنحو الرمز والاشارة فنقول قد

[ 24 ]

علمت ان المقيد للاطلاقات كان خبر الثمالى، فانه اعتبر عدم الفساد في تصرفات الاب والجد في مال الطفل، وهو كالمعصية قائم بامرين احدهما الوجود الواقعي وثانيهما احرازه أي تنجزه لا يقال ان فلانا افسد أو فعل فعلا فاسدا، كما ان الامر كك في عنوان المعصية حيث ذكرنا في سفر معصية في تحققها امران احدهما ان يكون ما سافر لاجل الغرض المعلوم معصية والثانى علم المسافر بذلك وتنجز التكليف في حقه بحيث يكون المنجز هو الحكم الواقعي في حقه، فلو سافرت المرأة بدون رضاية الزوج فبان انها مطلقة فلا يكون سفرها معصية أو سافرت بزعم انها مطلقة فبان خلافها فليس سفرها سفر معصية ايضا وانما يكون سفر معصية مع اجتماع الامرين. وبالجملة فما لم يتحقق كلا الامرين لا يتحقق المعصية كما انه مع عدم تحقق الفساد الواقعي واحرازه في التصرف لا يقال ان تصرف الولى كان مفسدا. وعلى هذا فيكون المقيد لتلك الاطلاقات المثبتة للولاية للاب والجد في خصوص كون تصرفهم مفسدا لمال اليتيم مع العلم به وما لم يتنجز، فلا مانع من التمسك بالاطلاقات والحكم بثبوت الولاية لهما. وكان الكلام في الجهة الثانية فهى اعتبار المصلحة زائدا عن اعتبار عدم المفسدة في ولاية الاب والجد. وقد استدل على ذلك بوجوه: - الاول: دعوى الاجماع على ذلك وفيه انه بعد ذهاب المتأخرين إلى عدم اعتبار شئ فيها الاعدم المفسدة، بل ذهاب بعض آخر إلى عدم اعتبار شئ فيها لا يبقى مجال لدعوى الاجمال ليكون اجماعا اصطلاحيا تعبديا وكاشفا عن قول المعصوم (ع)، الثاني دعوى ان الحكمة في جعل

[ 25 ]

الولاية للاب والجد ليس الا جلب المنفعة للطفل ودفع الضرر عنه، والا فتكون لغوا. وفيه ان هذا وان كان تماما في غير الاب والجد ولكنه لايتم فيهما لامكان ان تكون الحكمة في جعل الولاية لهما ملاحظة حالهما من الشفقة الذاتية والرأفة الطبيعية الموجودة فيهما بالنسبة إلى الاولاد، وانهما لا يقدمان على ضرره وان كان في بعض الاحيان يفعلون في اموال الطفل ما يرجع إلى نفعهم كما ثبت ذلك في النص ايضا كالاقتراض من مال الطفل وتقويم جاريته على نفسه فانه أي نفع في ذلك للولد، بل قد ورد جواز الاكل من مال الولد مع الاحتياج وان كان هذا من جهة الاتفاق ولذا قيدنا هذه الجهة في اول المطلب بان المراد في اعتبار المصلحة في تصرفهما التصرفات الراجعة إلى غير الاب والجد والا فيجوز لهما ان يتصرفا في اموال الطفل تصرفا لاصلاح ولافساد فيه للطفل، بل للولى فقط، كالاقتراض وتقويم جاريته على نفسه والتصرف فيها وكيف كان لا يستفاد من حكمة الجعل الاكون اعتبار المصلحة في التصرفات الراجعة إلى غير الولى لا في التصرفات الراجعة إليهم، بل ثبت جواز اخذهما من مال الطفل بقدر الاحتياج. الثالث: الاية المباركة (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي احسن) التى هي العمدة في المقام وقلنا في الامس تبعا للشيخ ان الروايات الدالة على ثبوت الولاية للاب والجد مقيدة للاية ومخصصة لها لكونها مطلقة من حيث اعتبار المصلحة فيها وعدم اعتبارها وانما الثابت اعتبار عدم المفسدة في ذلك كما تقدم فلا تدل الاية على المدعى. وفيه ان لهذا الكلام مناقشة واضحة إذ الروايات المثبتة للولاية عليهما

[ 26 ]

على طائفتين: - الاولى: مادل على كون الاب مالكا للابن وماله. والثانية: مادل على ثبوت الولاية لهما في النكاح وجواز تزويجهما الولد. اما لطائفة الاولى فبناء على دلالتها على مالكية الاب والجد للولد و ماله اما حقيقة أو تنزيلا بان يعامل معه وماله معاملة مال نفسه، وان لم يكن مالكا حقيقة وان كان تماما ولكن نمنع دلالتها على هذا كما عرفت، إذ مورد بعضها الولد الكبير فلا شبهة في عدم ولايتهما عليهم وعلى مالهم و ايضا ثبت جواز اقتراض الولى من مال الولد وتقويم جاريته على نفسه مع انه لا معنى لان يقترض الانسان من مال نفسه وان يقوم مال نفسه على نفسه. وبالجملة ان السيرة العقلائية والشرعية وان اقتضت ثبوت الولاية للاب والجد على الاولاد ولكن السيرة القطعية ايضا قامت على عدم جواز المعاملة مع مال الطفل معاملة مال نفسه خصوصا الكبار منهم. واما الطائفة الثانية فالا طلاق فيها تمام في باب النكاح بالمنطوق خصوصا في رواية الكافي يجوز أمر الاب والجد في النكاح من غير تقييد، بكونه صلاحا له فنتعدى إلى غير باب النكاح بالاولوية كما عرفت بل تلك الاولوية منصوصة فانه عليه السلام بعد ما سئل عن تصرف الولى في مال الطفل فقال فهل يجوز نكاح الولى؟ قال السائل نعم، فقال عليه السلام: فكيف لا يجوز تصرفه في الاموال، ولكن مع ذلك لا يمكن تخصيص الاية بها لامن جهة الاشكال في الاطلاقات ومنع تحققها، بل من جهة ان الكلام في مقدار ثبوت الولاية بها وجواز تصرفاتهم أي الاولياء في مال المولى عليه فان الظاهر من الآية أن التصرفات الغير الحسن ليست بجائزة واطلاقات الروايات جوازها

[ 27 ]

مع عدم المفسدة فيها فيقع التعارض في مورد ليس فيه صلاح للولد ولا فيه مفسدة وليس راجعا إلى الولى ايضا كالاقتراض ونحوه لما عرفت جوازه بالنسبة إلى الولى. اذن فلا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه المصنف من القول بالتخصيص ولكن للمناقشة في ذلك ايضا مجال واسع لمنع دلالة الاية على ثبوت الولاية وكونها اجنبية عن المقام نعم لو كانت دالة فالامر كما ذكرناه من العموم من وجه. وتوضيح منع الدلالة بعد ما لم نجد رواية في تفسير الاية ولا تعرضا لها في آيات الاحكام ان ظاهر الاية هو النهى تكليفا في التسلط على مال اليتيم وتملكه واكله بالباطل وذلك لما ذكرنا في بحث التفسيران النهى عن التقرب يختلف باختلاف الموارد فإذا تعلق بالافعال نظير " لا تقربوا الزنا ولا تقربوا الفواحش " ونحوهما يقيد حرمة الفعل وكونه بنفسه محرما وإذا تعلق بالاعيان يدل على عدم التسلط عليها وحرمة اكلها ومبغوضية تملكها اذن فالنهى عن التقرب بمال اليتيم نهى تكليف لانهى وضعي يقيد عدم نفوذ التصرف كالبيع والشراء والمراد بالباء هوباء السبية نظير الباء الذى قلنا بالسببية فيه في آية " التجارة عن تراض " والمراد بالتى ليس هو التقرب والا لما كان وجه للتأنيث، بل هي اشارة إلى الطريقة الوسطى الاسلامية أو إلى الشريعة الواضحة المحمدية كما عبر عن ذلك في آية أخرى بالمعروف ونهى عن اكل مال اليتيم الا بالمعروف وعليه فتكون الاية نظير آية التجارة نهيا عن أكل للمال بالباطل الا بالطريقة الوسطى وبالاسباب الشريعية فلا تكون مربوطا بالبيع والشرى وبجهة الولاية وانما ذكر اليتيم هنا لكون أكل المال بالباطل من مال اليتيم كثرا لعدم الدافع عنه كما ذكر ذلك

[ 28 ]

في بعض التفاسير ايضا، بل لابد من احراز من يجوز له التصرف ليكون تصرفه بوجه حسن وبالطريقة الوسطى من الخارج فلا شبهة في دلالة المطلقات على ثبوت الصغرى ومن له التصرف للاب والجد فتكون تصرفاتهم من الطريقة الوسطى وبالشريعة الحسنة. ولو تنزلنا عن تخصيص الاية بالنهي عن التقرب التكليفى واردنا من ذلك مطلق النهى اعم من التكليفى والوضعى، بان يكون المراد بها النهى عن التقرب باموال اليتيم تكليفا ووضعا ويكون ذلك التقرب حراما تكليفا و غير نافذ وضعا فايضا تكون الاية خارجة عن صحة البيع من الولى مع المصلحة أو بدونه وتصرفات الولى لما ذكرناه من الوجه من كون المراد بالباء السببية ومن التى الطريقة الوسطى والشريعة دون التصرف الحسن في مال اليتيم فأى شخص يجوز له التصرف وأى شخص لا يجوز له ذلك، فلابد وان يحرز من الخارج اذن فالروايات محرزة لذلك كما عرفت. وبالجملة فالاستدلال بالاية انما يتوقف على مقدمتين على سبيل منع الخلو كلتاهما ممنوعة: - الاولى: ارادة النهى التكليفى من النهى عن التقرب بمال اليتيم و قد عرفت ضعفه. والثانية: ان يراد بالتى هي احسن التصرف الحسن ليدل على جواز التصرف للمولى في مال الطفل عند وجود المصلحة له، وقد عرفت منعه أيضا اذن فلا يبقى للآية دلالة على المدعى فضلا عن القول بالتخصيص بالروايات أو ايقاع المعارضة بالعموم من وجه، بل هي اجنبية عن جهة الولاية بالمره فضلا عن تلك القيل والقال فافهم. الجهة الرابعة: هل الحكم مختص بالجد الدانى أو يعم العالي

[ 29 ]

أيضا؟ فاظاهر الاطلاقات هو الثاني، اذلم يفصل فيها بين العالي والدانى بل مقتضى قوله (ع) في رواية الكافي يجوز امر الاب والجد وكذا غيره عدم الفرق بين الاجداد وان الجد وان علا يشارك الاب في الولاية عرضا على ان مقتضى الاخبار المتقدمة الدالة على ثبوت الولاية للاب معللا بانك ومالك لابيك فان الظاهر منها بحسب الاستغراق ان كل أب مالك لابنه و ماله انما سرى الحكم فكل أب عال ملك للاب النازل وما في يده، لكن الاب النازل مالك لابنه وماله بالقياس استثنائي فيكون الاب العالي ايضا كك وبالجملة فالعمدة في المقام هو الاطلاقات والزائد عن ذلك مؤيدات. الجهة الخامسة: في انه إذا فقد الاب فهل الحكم بولاية الاجداد عرضى فلكل واحد منهم ولاية في عرض الاخر أو طولى بمعنى ان الاقرب منهم يمنع الابعد ربما يتوهم الثاني لاية الارث " فاولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " فكما ان الجد الاقرب إلى الميت يمنع عن الابعد في الارث فكك هنا ايضا ولكن الظاهر ان الاية واردة لحكم الارث ولا تشمل الولاية فكل منهما مقام غير مربوط بالاخر، بل مقتضى الاطلاقات في باب النكاح ايضا عدم الفرق في ذلك وكون كلهم مشتركين في ثبوت الولاية لهم في عرض الاخر مع وجود الاب وفقده خصوصا رواية الكافي يجوز امر الجد والاب في النكاح ولم يوقف ولاية الجد على عدم الاخر مع عدم الاب أو مع وجوده وكك في الاطلاقات الاخر وهذا مما لا اشكال فيه وانما الكلام في نفوذ ولاية الجد مع عدم الاب حيث انه ذكر ثبوت الولاية في المطلقات للجد مع الاب فيمكن الحدس منهما انه مع فقد الاب ليس للجد ولاية على الطفل اصلا. وبالجملة ان الكلام في الجد يقع في جهات ثلاثة: الاولى: في انه هل ثبت الولاية لغير الجد الادنى من الاجداد أو يختص الحكم بالجد الادنى

[ 30 ]

أو يعم الاجداد الاعلون ايضا مورد بعض الروايات الدالة على ثبوت الولاية للجد وان كان هو الجد الادنى كالرواية الدالة على تقديم تزويج الجد على الاب وبعضها الاخر ولكن اطلاق جملة منها على مطلق الاجداد لا ينكر كرواية الكافي يجوز امر الجد والاب الشامل لمطلق الاجداد وغيرها وذكر الجد مع الاب لا يكون قرينة لارادة الجد الادنى فقط، ففى هذه الطائفة المطلقة غنى وكفاية، بل مقتضى التعليل لثبوت الولاية على الاب، بأن انت ومالك لابيك إذ هو شامل بنحو القضية الحقيقية وبعنوان الاستغراق على كل الاجداد، بل يتأكد الحكم كلما تتصاعد الاجداد. وبالجملة مقتضى طائفة عن المطلقات هو ثبوت الولاية للاجداد الاعلون كما تثبت للجد الادنى ايضا، وان كان مورد بعضها خصوص الجد الادنى الا ان في غيره غنى وكفاية. الجهة الثانية: هل يختص ولاية الجد بحال حيات الاب أو ثبت له مطلقا كما هو المشهور بين المتأخرين ولوفى حال الممات ايضا مقتضى الاطلاقات هو عدم الفرق بين حال الحيات وحال الممات، كرواية الكافي و غيرها، بل مقتضى التعليل بقوله انت ومالك لابيك هو ذلك ايضا فلاوجه لتخصيصها بصورة الحيات، نعم يظهر من رواية فضل بن عبد الملك تقيدها بصورة الحيات فقط، فان فيها سئل عن تزويج الجد ابنة ابنه فقال عليه السلام إذا كان الاب حيا والجد مرضيا فلا باس، فان الظاهر منها انه اعتبر في ولاية الجد امران الاول ان يكون الاب حيا والثانى ان يكون مرضيا وظاهر المرضى كونه مرضيا في دينه ودنياه فتكون دالة على اعتبار العدالة في ولاية الجد وقد ورد هذا اللفظ في امام الجماعة ايضا واريد منه العدالة فبالاولوية تثبت اعتبارها في ولاية الاب ايضا وعليه فما تقدم منا من عدم اعتبار العدالة

[ 31 ]

في ولاية الاب والجد على الطفل بلا وجه لو صحت الرواية حيث ورد اعتبار هاهنا وان عللوا الحكم هناك بوجه عقلي كماعن الايضاح وغيره وانه ظاهر في عدم وجود الرواية هنا وقد نقل المجلسي في شرح الكافي عن بعضهم اعتبار العدالة في ولاية الاب والجد اعتمادا على هذه الرواية: والكلام في هذه الرواية يقع من جهتين: - الاولى: في سندها والثانية: في دلالتها. اما الاولى فسند الرواية من غير جهة جعفر بن سماعة بن موسى وان كان تماما لكونهم ثقات وان كان بعضهم واقفيا رمى الرواية المجلسي إلى الضعف من جهة الوقف واما جعفر بن سماعة فهو ضعيف فتكون ضعيفا من جهته وفى الرجال الكبير اتحاده مع جعفر بن محمد بن سماعة المسلم الوثاقة وانما حذف لاجل الاختصار وعليه فتكون الرواية موثقة وقيد بها جميع المطلقات مع ثبوت دلالتها وتختص ولاية الجد بصورة حيات الاب. ولكن هذا فاسد فيكفى في نفى الاتحاد وضعف الرواية مجرد احتمال التعدد وبعبارة اخرى انما يجوز العمل بالرواية مع ثبوت وثاقته فبدون الاحراز لا يجوز العمل بها، فمجرد كون جعفر بن محمد بن سماعة ثقة لا يوجب كون جعفر بن سماعة ايضا ثقة للاتحاد لاحتمال ان يكون هنا جعفران أحدهما ابن السماعة والاخر ابن ابنه. فهو ليس ببعيد اذن. فالرواية ضعية السند كما في المرات شرح الكافي. الجهة الثانية: في دلالتها وقد وقع الخلاف في ان المفهوم في قوله عليه السلام إذا كان الاب حيا جاز، هل هو مفهوم الشرط أو هو مفهوم الوصف

[ 32 ]

فحكى الاول عن صاحب الجواهر والثانيعن غيره. وان كان الثاني بان يكون ثبوت الولاية للجد بوصف التزويج لابنه، فإذا انتفى الوصف انتفى الولاية إذ القيد جاء لبيان تحقق الموضوع فليس من قبيل مفهوم الشرط فانه مثل ان رزقت ولدا فاخته فلا مفهوم في الرواية لتدل به على عدم الثبوت عند موت الاب وان كان من قبيل مفهوم الشرط فتدل على ذلك وقد اختار شيخنا المحقق الاول واشكل في المفهوم الشرط من جهة القيد جئ به لبيان تحقق الموضوع وان نفوذ العقد وجوازه فيما إذا كان الجد يزوج ومع عدم الزواج فليس هنا عقد حتى ينفذ اولاينفذ فيكون سالبة بانتفاء الموضوع نظيران رزقت ولدا فاخته وان ركب الامير فخذ ركابه وامثال ذلك والظاهر ان المقام من قبيل مفهوم الشرط ومع ذلك لا يدل على المقصود وتوضيح ذلك ان القيد في القضية الشرطية تارة يجيئ لبيان تحقق الموضوع فقط كقولك ان ركب الامير فخذ ركابه ان رزقت ولدا فاخته فمع عدم الركوب و الاتزاق لا موضوع للحكم اصلا فضلا عن ثبوت المفهوم. واخرى يكون القيد موليا وجئ به بعنوان المولوية كقولك ان جاء زيد فأكرمه إذ المجيئ قيد للاكرام ولكنه ليس بالتكوين، بل بالمولوية فهذا لا شبهة في ثبوت المفهوم فيه ودلالة انتفاء القيد على انتفاء الحكم. وثالثة يكون القضية الشرطية مركبة من امرين أي يكون فيها قيدين أحدهما مولوى والاخر تكويني كما إذا قال ان رزقت ولدا وكان متصفا بوصف كذا فتصدق بدرهم فان قيد الارتزاق تكويني ولكن قيداتصافه بوصف كذا مولوى فبالنسبة إلى القيد الذى لبيان الموضوع فلا مفهوم لها، واما بالنسبة إلى القيد المولوي فللقضية مفهوم وهذه كبرى كليه قد نقحناها في الاصول والمقام من هذا القبيل فان قوله عليه السلام ان زوج الجدابنة ابنه

[ 33 ]

وكان ابوه حيا بالنسبة إلى قيد التزويج، فالقضية سيقت لبيان الموضوع فلا مفهوم لها مع انتفاء القيد واما بالنسبة إلى القيد الاخر وهو كون الاب حيا والجد وصيا فالقيد مولوى فتدل على المفهوم فينتفى الحكم عند انتفاء القيد اذن فلا وجه للاشكال على الرواية من ناحية مجبئ القيد لبيان تحقق الموضوع. بل الوه في عدم دلالتها على المفهوم وعلى اعتبار حيات الاب في ثبوت الولاية للجد هوان القيد أعنى كون ابوه حيا لم يذكر مولويا ولتقييد الولاية وتخصيصها بخصوص حياة الاب بل ذكر للتنبية على خلاف العامة من تخصيصهم ولاية الجد بصورة موت الاب وانه مع وجود الاب لا تصل النوبة إلى الجد، فهذا الذى ذكرناه وان كان في نفسه خلاف الظاهر من الرواية ولكن مع ملاحظة ما التزم به العامة وملاحظة الروايات الاخر حيث صرح فيها بولاية الجد مع حيات الاب تكون الرواية واضحة الدالة على المدعى. الجهة الثالثة: هل تختص الولاية بعد موت الاب بالجد الادنى أو يعم الجد الاعلى أيضا، الظاهر عدم الفرق في ذلك بين حياه الاب و مماته فان ثبت الحكم لجميع الاجداد ثبت مطلقا، والافلا، الظاهر هو الاول لوجود المقتضى وعدم المانع، اما الاول فلان اطلاقات باب النكاح مع التعليل المذكور في الروايات من قوله عليه السلام انت ومالك لابيك عدم الفرق بين الاجداد في ذلك واما عدم المانع فلان ما توهم من المانع ليس الا قوله تعالى " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " فعموم الاية يشمل الولاية ايضا فتثبت الولاية على الاجداد عند موت الاب بالطول وان كانت ثابتة حال الحياة بالعرض للاطلاقات المقيدة لعموم الاية ولكن بعد الموت فلامقيد فتخصص الحكم بالجد الادنى الدالة على ثبوتها لمطلق الاجداد مطلقا سواء كان الاب حيا أو ميتا، وفيه أن الاية وردت في الارث

[ 34 ]

فلا يجوز التمسك بها في المقام مع ما عرفت. الكلام في ولاية الفقيه قوله (ره) من جملة اولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف، أقول وقبل الخوض في المسألة لا يخفى ان الافتاء من مناصب الفقيه، بل يجب له الافتاء مع الرجوع إليه واجتماع شرائط الافتاء فيه كما يجب له القضاء بل هو من شئون الافتاء وهذا مما لاشبهة فيه، وانما الكلام في التكلم في مقامين على ما تكلم فيهما المصنف. وبعبارة أخرى ان للفقيه ثلاثة مناصب، أحدها الافتاء فيما يحتاج إليه الناس في عملهم ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية وهذا مما لا شبهة في وجوبه على الفقيه إذ للمكلف اما يجب ان يكون مجتهدا أو مقلدا أو عاملا بالاحتياط، فإذا رجع المقلد إلى الفقيه يجب عليه الافتاء نعم بناء على عدم وجوب التقليد لا يجب الافتاء وتفصيل الكلام موكول إلى باب الاجتهاد والتقليد. الثاني: الحكومة والقضاوة فلا شبهة في ثبوت هذا المنصب له أيضا بلا خلاف كما بين في بحث القضاوة. الثالث: ولاية التصرف في الاموال والانفس ويقع الكلام هنا في جهتين: الاولى: استقلال الولى بالتصرف في مال المولى عليه اوفى نفسه مع قطع النظر عن كون غيره ايضا مستقلا في التصرف في ذلك وعدمه وتوقف تصرفات ذلك الغير على اذن الولى وعدمه. الثانية: في عدم استقلال الغير في التصرف في اموال المولى عليه و انفسهم وانما هو متوقف على اذن الولى من الحاكم أو غيره سواء كان الموقوف

[ 35 ]

عليه أيضا مستقلا في التصرف أولم يكن، والمرجع في ذلك إلى كون نظره شرطا في تصرفات الغير وان لم يكن هو أيضا في نفسه مستقلا في التصرف في أمواله ونفسه وبين الجهتين عموم من وجه ثم لا باس بصرف عنان الكلام إلى ولاية النبي وأوصيائه تبعا للعلامة الانصاري (ره) ويقع الكلام فيه في جهتين كما تقدم. أما الكلام في الجهة الاولى وكونهم مستقلين في التصرف فالكلام فيها من جهات أربعة: - الاولى: في ولايتهم التكوينية. الثانية: في ولايتهم التشريعية. الثالثة: في نفوذ اوامرهم في الاحكام الشرعية الراجعة إلى التبليغ ووجوب تبعيتهم. الرابعة: في وجوب اطاعة أوامرهم الشخصية. أما الجهة الاولى فالظاهر أنه لاشبهة في ولايتهم على المخلوق باجمعهم كما يظهر من الاخبار لكونهم واسطة في الايجاد وبهم الوجود، و هم السبب في الخلق، إذ لولاهم لما خلق الناس كلهم وانما خلقوا لاجلهم وبهم وجودهم وهم الواسطة في افاضة، بل لهم الولاية التكوينية لمادون الخالق، فهذه الولاية نحو ولاية الله تعالى على الخلق ولاية ايجادية و ان كانت هي ضعيفة بالنسبة إلى ولاية الله تعالى على الخلق وهذه الجهة من الولاية خارجة عن حدود بحثنا وموكولة إلى محله. واما الجهة الثالثة اعني وجوب اطاعتهم في الاحكام الراجعة إلى التبليغ فهى قضية قياستها معها إذ بعد العلم بان الاحكام الالهية لا تصل إلى كل احد بلا واسطة وان النبي صادق انما نبئ عن الله تعالى فلا مناص من وجوب اطاعته وحرمة معصيته وجوبا شرعيا مولويا فهذه الجهة

[ 36 ]

أيضا غنية عن البيان، أما الجهة الرابعة فالظاهر أيضا عدم الخلاف في وجوب اطاعة اوامرهم الشخصية التى ترجع إلى جهات شخصهم كوجوب اطاعة الولد للواد مضافا إلى الاجماع وان لم يكن تعبديا لاستناده إلى الاخبار والايات التى تدل عليه، اما الاية فقوله تعالى " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولوا الامر منكم ". إذ الظاهر منها كون كل منهم بعنوانه واجب الاطاعة ومفترض الطاعة وكون اطاعة كل منهم اطاعة لله لامره تعالى على ذلك لا من جهة كون اطاعتهم متفرعة على اطاعة الله ليكون الامر للارشاد ويخرج عن المولوية. والاستشكال هنا من جهة الاية وغيرها من الادلة ناظرة إلى وجوب الاطاعة في الجهات الراجعة إلى الامامة دون شخصهم وشئونهم. وفيه ان الادلة مطلقة من هذه الجهة فالتقييد بلا وجه نعم جهة الامامة من الجهات التعليلية لا من الجهات التقييدية وان كونهم اماما و نبيا أو جبت وجوب اطاعتهم في جميع الجهات. وبالجملة لاشبهة في دلالة الادلة على ذلك وعدم تقيدهم بجهة الامامة هذا ولا بأس بالاستدلال بقوله تعالى ايضا " إذا قضى الله و رسوله امرا فليس لهم الخيرة " إذ حكمهم (ع) ولو بما يرجع إلى شخصهم من الجهات من جملة القضا خصوصا بضميمة قوله تعالى " فليس لهم الخيرة ". واما الروايات فوق حد الاحصاء كما ورد في وجوب اطاعتهم وفى عدة موارد من زيارة الجامعة ذكر ذلك وقد استدل عليه بدليل العقل بدعوى انهم من جملة المنعمين وشكر المنعم واجب فاطاعتهم واجبة لكونها من جملة الشكر الواجب. أقول: لاشبهة في كونهم منعما لكونهم واسطة في الايجاد والافاضة

[ 37 ]

بل من اقوى المنعمين وان شكرهم واجب وان انعامهم من جملة انعام الله وان كان ضعيفة بالنسبة لى (النعام الله تعالى) انعامهم ولكن هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيا، بل وجوب عقلي بمعنى ان العقل يدرك حسن ذلك وقبح تركه واما ان تركه أي شئ يستتبع اهو يستتبع العقاب فلا، بل غايته ان يستتبع منع النعمة واخذها من المنعمين بصيغة المفعول. وقد قلنا في وجوب معرفة الله ان وجوب المعرفة شرعا لا يستفاد من الدليل إذ ليس للعقل الا الادراك وان تعظيمه لانعامه حسن ولكن لا يدل على كونه معاقبا إذا لم يشكر بل على حرمان النعمة فقط وما يوجب العقاب ويستبعه انما هو ترك الوجوب الشرعي ومخالفته. وبالجملة لا يستفاد من الدليل وجوب المعرفة فكيف بوجوب اطاعة الائمة في اوامرهم الشخصية. وانما قلنا بوجوب المعرفة لاجل الضرر المحتمل والعقاب المحتمل و ليس هنا ذلك لقبح العقاب بلا بيان ولا يجرى ذلك في وجوب المعرفة لعدم امكان البيان قبل المعرفة واحتمال انه يعاقب بلا بيان ضعيفة و بالجملة العمدة في المقام هي الآيات والاخبار وربما يقرر الدليل العقلي بوجه آخر غير مستقل ويتم بضم مقدمة اخرى إليه وحاصله ان الابوة والبنوة تقتضي وجوب الطاعة على الابن في الجملة والامامة تقتضي ذلك بالاولوية على الرعية لكون الحق هنا اعظم بمراتب وهذا نظير ان يقال ان الشئ الفلاني مقدمة للشئ الفلاني فمجرد ذلك لا يكفي في الوجوب ويتم ذلك بضم مقدمة اخرى من ان المقدمة واجبة. وفيه انه على تقدير تمامية ذلك كما لا يبعد ان يكون كذلك بل ورد في الرواية ان الرسول صلى الله عليه وآله سئل عن شخصي تحبنى أكثر من ابيك أو تحب

[ 38 ]

ابيك اكثر منى، فقال احبك اكثر من ابى إلى ان قال تحبى اكثر من الله فقال انما احبك لله فاستحسنه الرسول صلى الله عليه وآله الا ان اطاعة الاب ليست بواجبة في جميع الامور فلا يثبت بذلك الا وجوب الاطاعة في الجملة، بل يمكن منع ذلك ايضا لاحتمال الخصوصية هنا لاجل قرب الخصوصية ومن هنا لو اوجب احد اسلام شخص فلا يلزم من ذلك كونه واجب الاطاعة على المسلم مع انه اوجب حياته الابدية والاب اوجب الحياة الجسدية فقط ليس الا. وبالجملة لا يدل هذا ايضا على كونهم (ع) واجب الاطاعة في اوامرهم الشخصية فالعمدة هي ما عرفته من الايات والروايات كما لا يخفى فراجع إلى مظانها، بل عقد لذلك بابا في الوافى وفيها انه صلى الله عليه وآله قال ان الناس عبيد لنا بمعنى انهم عبيد في الطاعة لا كعبيد آخر ليباع أو يشترى فراجع، و فيها ان الائمة مفترض الطاعة وظاهر الفرض الوجوب المولوي لا الوجوب الارشادي. الجهة الثانية في ولايتهم التشريعة بمعنى كونهم وليا في التصرف على اموال الناس وانفسهم مستقلا، فالظاهر ايضا لا خلاف في ولايتهم على هذا النحو وكونهم اولى بالتصرف في أموال الناس ورقابهم بتطليق زوجتهم وبيع اموالهم وغير ذلك من التصرفات ويدل على ذلك قوله تعالى (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) فان الظاهر من الاولوية الاولوية في التصرف وكونهم وليا لهم في ذلك لا بمعنى آخر، وقوله تعالى (انما وليكم الله و رسوله) ومعنى الاولى بالتصرف ليس هو جواز تصرفهم بغير الاسباب المعدة لذلك ومباشرتهم على غير النسق الذى يباشر المالك على هذا النسق، بل معناه كونهم اولى في التصرف بالاسباب المعينة ومباشرتهم

[ 39 ]

بالاسباب التى يباشر بها الملاك بان يطلق الامام زوجة شخص ثم يزوجها بعقد النكاح اما لنفسه أو لغيره أو يتصرف في دار الغير ببيعها لشخص آخر، أو تصرفه فيها بنفسه، بل هذا ثابت بالروايات المتواترة وفى خطبة حجة الوداع من كنت مولاه فهذا على مولاه الست أولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى، بل في صحيح الترمذي وروى عنه الجامع الصغير وفسره الذى للسيوطي في فضائل على عليه السلام انه (ع) كان في بعض الحروب اخذوا اسارى وكانت فيهن جارية حسناء فاختص بها على عليه السلام فوقع جماعة في الوسوسة وإذا رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله قبل ان ينزع الاول لامة حربه مشى إلى النبي صلى الله عليه وآله وكان رسمهم على المشى إليه صلى الله عليه وآله قبل الذهاب إلى بيوتهم إذا رجعوا عن الحرب فشكى عن على (ع) ان الجارية كانت فيئا للمسلمين فاختص بها على (ع) فسكت النبي صلى الله عليه وآله ثم جاء الثاني كالاول فسكت النبي صلى الله عليه وآله ثم جاء الثالث فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال ماذا تريدون من على، فانه ولى بعدى أي بعدية رتبية فانى اولى بالناس من انفسهم يدل على ولاية على (ع) لجميع الناس نفسا ومالا ومن هنا قال في جامع الصغير ان هذا افضل منقبة لعلى عليه السلام. وبالجملة لاشبهة في ولايتهم واستقلالهم في التصرف على أموال الناس وانفسهم وتوهم كون السيرة على خلاف ذلك وان الائمة لم يأخذ وامال الناس بغير المعاملات المتعارفة بينهم فلا يجوز ذلك للسيرة فاسد وذلك من جهة ان غير الامير المؤمنين عليه السلام لم يكن متمكنا من العمل بقوانين الامامة بل كانوا تحت استار التقية. بل الامير ايضا في كثير من الموارد وكان في غير موارد التقية لم يفعل ذلك لاجل المصلحة وعدم الاحتياج إلى مال الناس والا فلا يكشف عدم الفعل على عدم الولاية كما لا يخفى، هذا كله

[ 40 ]

ما يرجع إلى المقام الاول اعني الولاية بمعنى الاستقلال في التصرف. واما الجهة الثانية اعني الولاية بمعنى توقف تصرف الغير على اذن الامام عليه السلام فنقول تارة دل الدليل على توقف جواز التصرف للغير على اذن الامام (ع) وعدم جوازه بدونه كباب الحدود ونحوها. واخرى يكون هنا اطلاق يدل على اشتراطه باذنه كالقصاص والتقاص وقتل النفس للحد واجراء الحدود والتعزيرات إلى غير ذلك من التصرفات فان اطلاق ادلة تلك الامور يدل على حرمة ايذاء الغير وعدم جواز التصرف في مال الغير ونفسه وهكذا وهكذا فنتيجة ذلك هو الاشتراط باذن الامام عليه السلام وعدم جواز التصرف في امثال ذلك الا باذنه. وثالثة: يقتضى الاطلاق عدم الاشتراط كما إذا شككنا في اشتراط صلاة الميت باذن الامام (ع) فان مقتضى الاطلاق هو وجوبها لكل أحد كفاية بلا اشتراط باذنه (ع) وينفى الاشتراط بالاطلاق ولو مع التمكن منه ولا يدل على الاشتراط قوله السلطان احق بذلك، فانه فيما كان السلطان حاضرا وراء ان يصلى فليس لاحد ان يمنع من ذلك حتى الوارث لكونه احق بذلك فلا دلالة فيه ان اقامة صلاة الميت مشروطة باذن الامام حتى مع التمكن من ذلك. وبالجملة لو كان هنا دليل دل بصراحته على الاشتراط أو دل باطلاقه على ذلك أو على عدمه فيكون متبعا والاجل ذلك فالتزم المصف (ره) باجراء اصالة عدم الاشتراط وكون ذلك مخالفا للاصل وانه يقتضى عدم الاشتراط. والذى ينبغى ان يقال ان كان هنا يمكن الوصول إلى الامام (ع) وسؤال حكم القضية عنه (ع) أو عن نائبه الخاص لكون ذلك مما يسئل عنه لكونه من الاحكام الشرعية فيها والا فيكون الاصل بحسب الموارد مختلفا فانه ان كان

[ 41 ]

هنا تكليف مجمل مردد بين ان يكون واجبا منجزا أو واجبا مشروطا باذن الامام (ع) فمقتضى الاصل هنا عدم الوجوب لانه لا يعلم وجوبه فيدفع بالبرائة. وان كان الوجوب منجزا ولكن نشك في اعتبار اذنه (ع) في صحته كصلاة الميت مثلا للعلم بوجوبه على كل احد ولكن نشك في صحته بدون اذن الامام (عليه السلام) أو نائبه الخاص، فالاصل عدم الاشتراط فيكون واجبا مطلقا. وبالجملة ليس مفاد الاصل العملي في جميع الموارد على نسق واحد، بل نتيجته في بعض الموارد هو الاشتراط وفى بعض الموارد عدم الاشتراط كما لا يخفى، فما ذكر المصنف من كونه على نسق واحد ليس على واقعه. قوله انما المهم التعرض لحكم ولاية الفقيه بأحد الوجهين المتقدمين أقوله والغرض الاقصى انما هو بيان ولاية الفقيه بأحد الوجهين المتقدمين وقد عرفت ان الكلام في ولاية النبي صلى الله عليه وآله واوصيائه من جهات ثلاث من حيث وجوب طاعته في الاحكام الشرعية وتبليغها ومن حيث وجوب طاعته في أوامره الشخصية ومن حيث كونه وليا في انفس الناس واموالهم، والظاهر انه لم يخالف احد في انه لا يجب اطاعة الفقيه الافيما يرجع إلى تبليغ الاحكام بالنسبة إلى مقلده، ولكل الناس لو كان اعلم وقلنا بوجوب تقليد الاعلم واما في غير ذلك بان يكون مستقلا في التصرف في أموال الناس وكانت له الولاية على الناس بان يبيع دار زيد أو زوج بنت احد على أحد أو غير ذلك من التصرفات المالية والنفسية فلم يثبت له من قبل الشارع المقدس مثل ذلك نعم نسب إلى بعض معاصري صاحب الجواهر انه كان يقول بالولاية العامة للفقيه وكون مستقلا في التصرف في أموال الناس وانفسهم واجتمع معه في مجلس وقال صاحب الجواهر زوجتك طالق، فقال المعاصر ان كنت متيقنا باجتهادك لاجتنبت من زوجتى وكيف كان فلا دليل لنا يدل على ثبوت

[ 42 ]

الولاية المستقلة والاستقلال في التصرف للفقيه الاماتوهم من بعض الروايات منها ما دل على ان العلماء ورثة الانبياء وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا احاديث من احاديثهم فمن أخذ بشئ منها أخذ بحظ وافر بدعوى ان الولاية على اموال الناس وانفسهم من جمله تركه الانبياء للعلماء فكما لهم ذلك فللعلماء أيضا ذلك. وفيه اولا ان الوارثة انما تكون في امور قابلة للانتقال فما لا يقبل الانتقال لا تقبل الوارثة كالشجاعة والسخاوة والعدالة وغيرها من الاوصاف الغريزية والنفسية وثانيا لم نحرز كون الولاية من قبيل ما تقبل التوريث على ان الولاية العامة على القول بثبوتها للفقيه انما هي مجعولة له من قبل الائمة لا منتقلة إليهم بالتوريث فلا يمكن اثباتها للفقهاء بمثل هذه الروايات وثالثا: ان الولاية خارجة عن حدودها تخصصا وذلك من جهة انها ناظرة إلى ان شأن الانبياء ليس ان يجمعوا درهما ولا دينار أو ليس همهم وحرصهم إلى ذلك وجمع الاموال بل حرصهم ان يتركوا الاحاديث وصرحوا (عليهم السلام) بذلك وان المتروك أي شئ في بعض الروايات وقال لكن ورثوا الاحاديث ومن اخذ منها فانما اخذ بحظ وافر وليست هي ناظرة إلى ان الانبياء لم يتركوا شيئا اصلا من الدار والثياب، بل لا ينافي بترك درهم ودرهمين إذ ليس ذلك من قبيل الحرص بجمع المال والا فالائمه عليهم السلام كانو يتملكون الدار والثياب ويورثوها للوراث. وبالجملة ليست هذه الروايات ناظرة إلى جهة توريث الولاية. بل هي خارجة عنها تخصصا وانما هي ناظرة إلى توريث احاديث والاخبار ومن هنا ظهر ما في الاستدلال بقوله (ع) والعلماء أمناء الله في حلاله وحرامه فان الامانة والاستيداع منهم لا يقتضى كونهم وليا من قبلهم في التصرف في

[ 43 ]

اموال الناس وانفسهم. بل يمكن ان يراد من تلك الاخبار كون المراد من العلماء هم الائمة والاوصياء عليهم السلام لكونهم هم العلماء بالمعنى الحقيقي، فمع دلالة تلك الاخبار على كون العلماء ورثة الانبياء عن التصرف في اموال الناس و انفسهم فلا دلالة فيها لكونها ثابتة للفقيه أيضا، فنعم الدليل الحاكم قوله عليه السلام نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، اذن فيمكن دعوى ان كلما ورد في الروايات من ذكر العلماء فالمراد منهم الائمة عليهم السلام الا إذا كانت قرينة على الخلاف كما في الرواية التى سئل الفرق فيها بين علماء هذه الائمة وعلماء اليهود وغيرها مما قامت القرينة على المراد بان العلماء هم الشيعة والفقهاء، واظهر من جميع من ارادة الائمة من العلماء قوله (ع) مجارى الامور في يد العلماء بالله فان العلماء بالله ليس غير الائمة (ع) بل غيرهم العلماء بالحلال والحرام من الطرق الظاهرية ومع قبول شمول العلماء بالله للفقيه ايضا فلا دلالة فيها على المدعى، إذ المراد من ذلك كون جريان الامر به لا يكون الا في يد الفقيه بحيث لولاه تقف الامر فهو لا تكون الا في توقف الامر بدونها الحلال والحرام نعم قد يكون للفقيه التصرف في أموال الناس كاليتيم والمجنون ونحوهما وهذا غير ما نحن فيه. وأما الروايات الدالة على ان علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل، وفى الفقه الرضوي بمنزلة انبياء بنى اسرائيل فهى ناظر الى وجوب تبعية الفقهاء في التبليغ والتنزيل من هذه الجهة بعد القطع بأنه لم يرد التنزيل من جميع الجهات، بل في الجهات الظاهرة فهى هذه كما في زيد كالاسد إذ هو في شجاعته لا في جميع الجهات حتى في أكله الميتة مثلا والنكتة في ذلك واضحة إذ انبياء بنى اسرائيل لم يكن كلهم نبيا لجميع الناس ورسولا عاما

[ 44 ]

بل كان بعضهم نبى بلده وبعضهم نبى محلته وبعضهم نبى مملكة نظيرهم في ذلك العلماء وانه يجب لكل قوم ان يتبع عالمه كما كان الواجب لبنى اسرائيل ان يتبعوا نبيهم في التبليغ ويمكن ان يكون التنزيل في الشرافة والثواب والاجر وانهم مثلهم وهذا أمر واضح لو لا حظت التعليم والتعلمات العرفية لجزمت بذلك مثلا فتلميذ المدرسة الثانية لعلو المدرسة أعلم من معلم المدرسة الابتدائية وهكذا فالفقهاء وان كانوا فقهاء وتلامذة المدرسة المحمدية مثل معلم الامة السابقة من الانبياء لعلو هذه المدرسة، بل بعضهم افضل من بعض هؤلاء الانبياء وبالجملة والتنزيل في هذه الرواية من هذه الجهة وهذا هو الظاهر. واما قوله صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي، قيل ومن خلفائك يا رسول الله؟ قال: الذين يأتون بعدى، فان الظاهر من ذلك خليفتهم في نقل الرواية والحديث كما قال صلى الله عليه وآله ويروون حديثى وسنتى لا ان المراد من الخلافة، الخلافة في التصرف في أموال الناس وانفسهم فهى أيضا خارجة عن المقام والحاصل: ليست في شئ من هذه الروايات دلالة على كون الفقيه مستقلا في التصرف في أموال الناس وان كان له ذلك في بعض الموارد، كالطفل ونحوه، ولكنه انما ثبت له بادلة اخرى كما لا يخفى فافهم، وانه ليسوا ممن يجب اطاعتهم في أوامرهم الشخصية. وأما ما ذكره المصنف من قوله (ع) في النهج البلاغة أولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جائوا ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه، إذ الظاهر من ذلك شموله بالولاية واستقلالهم في التصرف في أموال الناس وانفسهم. فالظاهر كونها اجنبية عن المقام إذ الاولوية لا تقتضي الولاية وثبوت ما للمتبوع باجمعه للتابع.

[ 45 ]

وكذلك لا دلالة في قوله عجل الله تعالى فرجه هم حجتى عليكم وانا حجة الله، إذ الظاهر من الحجية هي الحجية في الاحكام، واما الولاية في التصرف فلا معنى للحجية في ذلك، فلا ملازمة بين الحجية والولاية بوجه. وأما المقبولة قال فسألت ابا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القاضى أيحل ذلك إلى أن قال قد جعلته عليكم حاكما وفى ذيله ينظر من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فيرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما، الح. وقد استدل بها شيخنا الاستاذ على المدعى وكون الفقيه وليا في الامور العامة بدعوى ان الظاهر من الحكومة هي الولاية العامه، فان الحاكم هو الذى يحكم بين الناس بالسيف والسوط وليس ذلك شأن القاضى وقد كان ذلك متعارف في الزمان السابق وان كان قد اتفق الاتحاد في بعض الازمنة بل الظاهر من صدرها هو كون القاضى مقابلا للسلطان وقد قرر الامام (ع) ذلك. وفيه ان ما كان متعارفا في الازمنة السابقة، بل فيما يقرب إلى زماننا هو تغاير الوالى والقاضى وان القاضى من كان يصدر منه الحكم والوالى هو المجرى لذلك الحكم، واما القاضى والحاكم فهما متحدان ومن هنا قال (ع) في بعض الروايات جعلته عليكم قاضيا، ويدل على اتحادهما بما في ذيل الرواية من قوله (ع) فانى قد جعلته حاكما، إذ لو كان القاضى غير الحاكم لم يقل انى قد جعلته حاكما، مع كون المذكور في صدر الرواية لفظ القاضى، و العجب منه (ره) حيث ايد مدعاه يكون القاضى مقابلا للسلطان في صدر

[ 46 ]

الرواية مع انه ليس كك، إذ المذكور في الصدر انه تحاكما إلى السلطان أو القاضى ومن البديهى ان السلطان غير القاضى والحاكم وان المرافعات قد ترفع إلى القاضى وقد ترفع إلى السلطان، ولاجل ذلك ذكر في صدر الرواية السلطان والقاضى. فتحصل من جميع ما ذكرناه انه ليس للفقيه ولايه على أموال الناس و انفسهم على الوجه الاول، بمعنى استقلاله في التصرف فيهما، ومن هنا اتضح انه ليس له اجبار الناس على جبابة الخمس والزكاه وسائر الحقوق الواجبة كما هو واضح. واما ولايته على الوجه الثاني بمعنى اعتبار نظره في جواز التصرفات فيما كان منوطا باذن الامام (ع) وان تصرفات الغير بدون اذنه غير جائز. وقد استدل المصنف على ذلك وولايته على هذا الوجه بالروايات المتقدمة وقد عرفت جوابها وما اريد منها. واستدل عليه أيضا بالتوقيع المروى في اكمال الدين واحتجاج الطبرسي الوارد في جواب مسائل اسحاق بن يعقوب التى ذكر انى سألت العمرى أن يوصل لى إلى الصاحب (عج) كتابا يذكر فيه تلك المسائل التى قد اشكلت على فورد الجواب بخطه عليه آلاف التحية والسلام في اجوبتها وفيها: واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم وانا حجة الله، وهذه الرواية وان كان مسبوقا وملحوقا بجملات لم تذكر، ولكن ظاهرها عدم ارتباطها بسابقها ولاحقها بوجه وكيف استدل المصنف بذلك على ولاية الفقيه على الوجه الثاني بقرائن فيها تدل على ذلك وبعد ارادة خصوص المسائل الشرعية فيها ان الرواية دالة على ارجاع نفس الحادثه إليه (ع) ليباشر امرها مباشرة أو استنابة لا الرجوع في حكمها إليه.

[ 47 ]

وفيه انه لو كان المراد بالرواية هو ذلك لقال (ع) فارجعوها إلى روات حديثنا ولم يقل فارجعوا فيها ومن الظاهر ان الظاهر من الموجود في الروياة اعني هو الثاني، ليس الا الرجوع إليهم في الحكم، فان المناسب للرجوع إليه في الشئ ليس الا الرجوع إليه في حكمه بل هذا هو المناسب للرجوع إلى الرواة فانهم لا يدرون الا حكم الواقعة واما اعتبار اذنهم في التصرف فلا. ومنها التعلييل بكنهم حجتى عليكم وانا حجة الله، فانه انما يناسب الامور التى يكون المرجع فيها هو الرأى والنظر فكان هذا منصب ولاة الامام من قبل نفسه لا انه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبه الامام عليه السلام والا كان المناسب ان يقول انهم حجج الله عليكم كما وصفهم في مقام آخر بأنهم امناء الله على الحلال والحرام. وبالجملة لو كان المراد من ذلك هو ما يكون راجعا إلى الحكم لقال (ع) انهم حجج الله لكون الحكم له ولكن لم يكنى لك، بل النصب في جهة ترجع إلى نفس الامام فهى الولاية. وفيه ما عرفت سابقا من ان الحجية تناسب تبليغ الاحكام الشرعية كما في قوله تعالى (فلله الحجة البالغة)) واما الولاية فلا ملازمه بينها وبين الحجية وعدم نسبة حجيتهم إلى الله من جهة ان الائمة واسطه في ذلك لعدم وصول الحكم من الله إلى العباد بلا واسطة وان ما يفعلون انما يفعلونه بحكم الله تعالى فيكون ما يكون حجة من قبلهم حجة من قبل الله فلا يكون في هذه ايضا قرينية على المدعى. ومنها ان وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء الذى هو من بديهيات الاسلام من السلف إلى الخلف مما لم يكن يخفى على أحد فضلا

[ 48 ]

على مثل اسحاق بن يعقوب حتى يكتبه في عداد مسائل اشكلت عليه بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة إلى رأى أحد ونظره، فانه يحتمل أن يكون الامام قد وكله في غيبته إلى شخص أو اشخاص من ثقاته في ذلك الزمان والحاصل ان لفظ الحوادث ليس مختصا بما اشتبه حكمه ولا بالمنازعات. وفيه ان الظاهر من حوادث هي الفروع المتجدده التى ارجع الامام فيها إلى رواة كما يقتضى ذلك الارجاع إلى الرواة فان بعض الفروع قد تكون متجددة ومستحدثة صرفة فهى من المهام المسائل التى لابدوان يسئل من الامام فقد سئل الراوى عن ذلك ومثل هذه الفروع ليس من شؤنها جهة نقص من كل شخص، ولذا سئل اسحاق بن يعقوب وان كان من اجلا العلماء بواسطة محمد بن عثمان العمرى الذى هو من السفراء الامام عن الحوادثة التى هي متجدد، فأجاب بار جاعه إلى السفراء والعلماء. وبالجملة ان الحوادثة المتجددة والفروع المستحدثه مما يشكل الامر فيها، فلا بداهة في لزوم السؤال عنها عن الامام عليه السلام ليكون السؤال عنه لغوا كما هو واضح، فافهم. وبعبارة أخرى انه ليس كل مسأله فرعية تقضى البداهه لزوم الرجوع فيها إلى الامام في زمانه والى الفقهاء في زمان الغيبة، بل منها الفروعات المستحدثة التى يشك في ان المرجع فيها من هو، فلذا يسأل الراوى عن حكم ذلك في زمان غيبة الكبرى، إذ في زمان غيبة الصغرى يسئل عن نفس الامام بواسطة السفراء واما في زمان غيبة الكبرى فلا، ولذا ارجع الامام في ذلك الزمان إلى الفقهاء بالنيابة العامة وانهم وان لم تصل إليهم في رواية ولكن يصلون إلى حكمها ولو من الاصول وذلك ككثير من الفروع المتجدده في زماننا منها مسألة اللقاح بواسطة التلقيح وان الولد بمن يلحق وممن يرث

[ 49 ]

وقد استدل على ذلك بان السلطان ولى ما لا ولى له، وفيه ان هذا لم يثبت من طرقنا كونه رواية أو قاعدة مسلمة كبعض القواعد الفقهية، واما من طرق العامة فعلى تقدير ثبوته فلم ينجبر ضعفها بعمل المشهور وعلى تقدير الانجبار فلا دلالة فيه على المقصود إذ المراد بذلك ان السلطان أولى بالتصرف من غيره، وانه ولى من لا ولى له في التصرف في ماله ونفسه وهذا غير مربوط بولاية الفقيه، بوجه اذن فلا دلالة في شئ من الروايات على ولاية الفقيه بوجه من الوجهين من معنى الولاية. وربما يستدل على ثبوت الولاية للفقيه بوجهين بتقربين اخرين الاول ان الولاية في الامور العامة بحسب الكبرى ثابتة عند العامة بالسيرة القطعية وان اشتبهوا في صغرى ذلك وتطبيقها على غير صغرياتها الا ان ذلك لا يضر بقطعية الكبرى الثابتة بالسيرة. واما الصغرى فهى ثابتة بالعلم الوجداني إذ بعد ثبوت الكبرى، فالامر يدور بين تصدى غير الققيه على التصرف في الامور العامة وبين تصدى الفقيه بذلك فيكون مقدما على غيره. وبالجملة نثبت الكبرى بالسيرة القطعية والصغرى بالعلم الوجداني. وفيه ان اشتباههم في الصغرى وان كان مسلما ولكن نحتمل ان يكون ذلك في الكبرى ايضا كسائر مبتدعاتهم في الدين فلم تقم سيرة قطعية متصلة إلى زمان النبي (ع) على ذلك، بل يكفى مجر الشك في ذلك فانه لابد من دليل قطعي يدل على جواز التصرف في أموال الناس واعراضهم وانفسهم. والتقريب الثاني ما عن بعض المعاصرين ان يقال ان ما هو مسلم عند العامة من القول بالولاية العامة مذكور بحسب الكبرى في التوقيع الشريف

[ 50 ]

فان المذكور فيه انه تحاكما إلى السلطان أو القاضى فهو بصراحته يدل على ذلك فنحكم بثبوت تلك الكبرى للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبه، إذ لا نحتمل ان يكون غيره وليا في ذلك في عرضه، بل لو كان فهو ولى ذلك. وفيه انه لا يمكن المساعدة إلى ما ذهب إليه هذا المعاصر فانه وان ذكر السلطان والقاضى في الرواية وذكر الامام عليه السلام بان من عرف حلالنا وحرامنا انى جعلته قاضيا في رواية ابى خديجة وجعلته حاكما في المقبولة، ولكني الذى ارجع الامام إليه ليس الا في المرافعة والمنازعة كما قال في الصدر تنازعا في دين أو ميراث إلى السلطان أو القاضى واما ازيد من ذلك فلا اذن فالمسلم من الرواية هو ثبوت الولاية له في المنازعات والمرافعات ومنصب القضاوة وثبت له منصب التقليد وكونه مرجعا في الاحكام بالادله الخارجية واما في غير هذين الموردين فلا. هذا كله بحسب الروايات. واما بحسب الاصل: فقد تقدم سابقا ان بعض الامور لا يجوز لغير الفقيه ان يتصدى إليه ويتصرف فيه الا باذنه ولعل من هذا القبيل باب الحدود و التعزيرات إذ لا يجوز لاحد ان يظلم أحدا الا فيما ثبت جوازه بدليل فلا شبهة في كون الحدود من أعظم مصاديق الظلم لو لا تجويز الشارع، نعم لو كان في باب الحدود والتعزيرات وكذلك في باب الاموال وامثال ذلك مما فيه حق للغير الطلاق ما دل على جواز امثال ذلك من كل أحد فنتمسك به فنحكم بجواز تصدى غير الفقيه ايضا بذلك ولكن ليس الامر كك. نعم يمكن دعوى الاطلاق في مثل الزنا لقوله تعالى (الزانى والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) ولكنه قيد بالروايات. وبالجملة في امثال الموارد لا يجوز لغير الامام ونائبه ان يتصدى

[ 51 ]

بالتصرف الا باذنه إذ قد ثبت بالادلة القاطعة عدم جواز التصرف في اموال الناس وانفسهم واعراضهم بلااذن ورضاية من المالك للتصرف. وإذا شككنا في اعتبار اذن الامام عليه أو الفقيه في صحه شئ لا في وجوبه كصلاة الميت إذ هو واجب لكل مكلف فلا نشك ان يكون اذن الفقيه من شرائط الوجوب فندفع ذلك بالاطلاق ان كان هنا اطلاق وباصاله البرائة لو لم يكن في البين اطلاق فتثبت نتيجة الاطلاق. وان كان وجوب شئ كصلاة الجمعة مثلا مشروطا باذن الفقيه كما ذهب بعض إلى ذلك وان صلاة الجمعة لا تكون واجبة عينية الا باذن الققيه و شككنا في ذلك فمع عدم الدليل ندفع وجوب ذلك بالاصل، بل لا يجب الاستيذان ايضا لان تحصيل شرط الواجب ليس من الواجبات وانما الواجب هواتيان الواجب بعد تحقق موضوعه وشرائطه باجمعها. وان كان الشك في جواز التصرف بدون اذن الفقيه من غير أن يكون هنا احتمال الوجوب كالتصرف في الاوقاف العامة فلا يجوز التصرف فيه ولا يشرع الا باذن الفقيه إذ من المسلم الضرورى أنه لا يجوز التصرف في مال الغير بدون اذنه ففى مثل الاوقاف دار الامر بين جواز التصرف مطلقا وبدون اذن احد في ذلك. وبين جواز باذن الفقيه فلا شبهة أن المتيقن هو صورة الاذن من الفقيه فيكفى في عدم جواز غير هذه الصورة مجرد الشك في الجواز إذ المورد مورد التصرف في الاموال ومن هذا القبيل اشتراط اذن الفقيه في صرف مال الامام عليه السلام في موارده إذ من الضرورى بطلان احتمال دفن ذلك مع وجود المستحقين والموارد المحتاجة إليه خصوصا في مثل القراطيس وكك القائه في البحر فان ذلك ليس الا مثل الاحراق والاتلاف وكك الايصاء إلى ان

[ 52 ]

يصل إلى الامام عليه السلام فانه بعد تبدل يد أو يدين يكون تالفا مثل الالقاء في البحر اذن فنقطع برضاء الامام عليه السلام في صرفه في مصالح الدين فاهمها في تحصيل العلوم. وعليه فيدور الامر بين ان يتصرف في ذلك المال كل احد بدون رضاية الفقيه وبين ان يتصرف باذن الفقيه فالمتيقن هو جواز التصرف باذن الفقيه اذن فالتتيجة ثبوت ولاية الفقيه على مال الامام (ع) على الوجه الثاني، أي بمعنى اشراط التصرف باذنه. وان اجتمع الامران بأن كان وجوب شئ وجواز التصرف فيه مشروطا باذن الفقيه كالامور الحسبية من التصرف في اموال القاصرين والمجانين ومجهول المالك واموال الصغار وغير ذلك فهنا ايضا بالنسبة إلى الوجوب نجرى الاصالة البرائية، بل ليس تحصيل الاذن ايضا من الواجبات لعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب وبالنسبة إلى جواز التصرف نحكم بعدم جوازه بدون اذن الفقيه لان المقدار المتيقن هو التصرف باذن الفقيه كما عرفت في مثل الاوقاف. فتحصل انه ليس للفقيه ولاية بكلا الوجهين على اموال الناس وانفسهم فليس له ان يروج بنتا صغيرة لابن صغير أو كبير ولا تزويج ابن صغير ولا يجوز له بيع داره وهكذا وهكذا الا ان يكون الصغير بدون ذلك في معرض التلف فيدخل تحت الامور الحسبية. نعم، له الولاية في بعض الموارد لكن لا بدليل لفظي، بل بمقتضى الاصل العملي كما عرفت. ثم ان ثمرة ثبوت الولاية بالاصل أو بالدليل هو انه إذا كان شئ واجبا وشك في كون صحته مشروطا باذن الفقيه فبناء على ثبوت ولايته

[ 53 ]

بالدليل لا يجوز لغيره ان يمتثل بدون اذنه لعمون الدليل عليه لكونه مثلا من الحوادث الواقعة فلا بد فيه وأن يرجع إلى الفقيه أو يتصدى به باذنه وذلك كصلاة الميت إذا شك في اعتبار اذن الفقيه فيه. وان كان ثابتا بمقتضى الاصل فلابد ان ينفى احتمال اعتبار اذنه باصل البرائة. وأما في الامور الاخر التى نشك في أصل وجوبها بدون اذن الفقيه أو في مشروعيتها أو في كليهما كما تقدم فلا يفرق الحال فيها بين ماكان ولاية الفقيه ثابتة بدليل أو بأصل، بل في كلا الفرعين لا يجوز التصرف في الاوقاف وسهم الامام عليه السلام وأموال الصغار حسبة الا باذن الفقيه سواء كان ولاية الفقيه ثابتة بالاصل أو بالدليل في ولاية عدول المؤمنين قوله: مسألة: في ولاية العدول المؤمنين. أقول: إذا قلنا بولاية الفقيه وامكنت الاجازة منه في الموارد التى لا يجوز لغيره التصرف فيها الا باذنه اولم يمكن الاستيذان منه لعدم الوصول إليه وان كان موجودا فحال غير الفقيه هنا حال الفقيه مع الامام في صورتي الاستيذان وعدمه أما في فرض امكان تحصيل الاذن منه فلا كلام فيه فلابد من تحصيله منه وأما في فرض عدم امكان الوصول إليه فيقع الكلام هنا في جهتين: الاولى: في جواز ولاية غير الفقيه من العدل وغيره أو اختصاصها بالعدل الامامي وبيان وظيفته في نفسه، الثاني: في بيان وظيفه من عامل مع هذا الولى فهل يكون مالكا لما اشتراه أم لا؟ أما الكلام في الجهة الاولى: فمقتضى الاصل بالنسبة إلى الامور التى

[ 54 ]

واجبة مطلقة ولكن يشك في اعتبار اذن الفقيه في صحته كصلاة الميت، فلا اشكال في صحته من أحد ولو من الفساق من المؤمنين ولا يجب تحصيل الاذن من عدول المؤمنين ولوفى فرض التمكن من التحصيل. واما في الامور التى يشك في أصل وجوبها الا باذن الفقيه كالتكاليف التى نحتمل ان يكون أصل وجوبها مشروطا به أو مطلقا فتجرى فيها البرائة فيحكم بعدم الوجوب. وأما فيما كان الشك في أصل المشروعية فلا يجوز لاحد أن يتصرف في ذلك لا وضعا ولا تكليفا الا باذن عدول المؤمنين، مثلا لو مات أحد وترك اموالا واولادا صغارا فأحتاج إلى بيع تلك الاموال من اثمار ونحوها مما تتلف ليومه أو في يومين فجواز هذا التصرف بالوضع مع امكان الفقيه يحتاج إلى اذنه فبدونه يتصرف فيه عدول المؤمنين أو غيرهم باذن منهم، واما بدون اذنهم فلا يجوز وكك التصرف التكليفى كحفظ دراهمه وأمواله المحتاجة إلى الحفظ من دون احتياج إلى التصرف الوضعي أو كان محتاجا بكلا التصرفين، بان يبيع ويحفظ لثمنه ففى جميع ذلك لا يجوز لغير العدول أن يتصد بذلك بدون اذن منهم. والوجه في ذلك هو ما تقدم في ولاية الفقيه من أنه ثبت بالادلة القاطعة عدم جواز التصرف في مال الغير الا باذنه مع احتياج ذلك المال إلى التصرف فدار الامر بين الاعم والاخص بان يتصرف فيه كل شخص أعم من الفاسق والعادل أو خصوص العادل وغيره باذنه فالمتيقن هو الثاني فيكفى مجرد الشك في عدم جواز تصرف غيره وضعا وتكليفا لاطباق الادلة على عدم جواز فالخارج منها قطعا هي صورة الاذن من العدول أو تصديهم بنفسهم

[ 55 ]

على التصرف ومن هذا القبيل الاوقاف العامة وسهم الامام عليه السلام من الخمس على التقريب الذى تقدم. وقد مثل المصنف بما كان اصل مشروعيته مشكوكا ببعض مراتب النهى عن المنكر كما إذا وصل إلى حد الجرح فانه لا يجوز ذلك بمقتضى الاصل، لكونه ظلما وايلاما فهو غير جائز بالادلة الخاصة فلا اطلاق لادلة النهى عن المنكر حتى يتمسك بها لاثبات مشروعية ذلك الا إذا كان منجر إلى حد يخاف من اضمحلال الاسلام فهو كلام آخر، والتمسك في ذلك بان كل معروف صدقة واضع الفساد إذ الكبرى وان كانت مسلمة وانما الكلام في الصغرى واثبات ان هذه المرتبة من النهى عن المنكر من المعروف الصدقة وليس كك. وهكذا الكلام إذا كان الشك في أصل المطلوبية والمشروعية الا باذن الفقيه أو بالاطلاق فبالنسبة إلى المطلوبية تجرى البرائة وبالنسبة إلى المشروعية نجرى اصالة عدم المشروعية. وبالجملة فحال غير الفقيه من عدول المؤمنين مع تعذر الوصول إليه حال الفقيه مع تعذر الوصول إلى الامام عليه السلام بلا زيادة ونقيصة، كما أن هذه النسبة محفوظة بالنسبة إلى ما دون العدول مع تعذرهم بحفظ الاحتياط بأخذ المتيقن من كل مرتبة، فافهم. وحال الكلام: إذا قلنا بثبوت الولاية للفقيه وامكن الوصول إليه فلابد من الاذن منه. وان تعذر الوصول إليه وكان موجودا في بلاد لا يمكن الاستيذان منه ولو بالمكاتبة فح فهل يجوز لكل احد أن يتصرف فيما تصرف فيه الفقيه، ولو كان عاما فاسقا أو تصل النوبة إلى عدول المؤمنين الظاهر انه لا يجوز لاحد

[ 56 ]

أن يتصرف فيما تصرف فيه الفقيه بعد تعذر الوصول إليه الا باذن من عدول المؤمنين لاوضعا ولا تكليفا إذ قد يكون الاحتياج إلى التصرف الوضعي كما إذا مات احد وترك ثمارا له فانه لو لم يبع لكان فاسدا فحفظا لمال الصغير لابد من بيعها. وأخرى يكون الاحتياج إلى التصرف التكليفى كحفظ دراهم الغير و أخرى إلى كلا الامرين. ثم قد يكون شئ مفروض المطلوبية للشارع غير مضاف إلى أحد واعتبار نظارة الفقيه فيه ساقط له بفرض التعذر وكونه شرطا مطلقا له لا شرطا اختياريا مخالف لفرض العلم بكونه مطلوب الوجود مع تعذر الشرط فيكون اذن الفقيه ساقطا بلاشبهة إذ نشك في اعتباره مطلقا أو في حال الاختيار فنتمسك باطلاق الواجب فندفع اعتبار الشرط وهذا كصلاة الميت، بل في مثل ذلك لا يجب الاستيذان من عدول المؤمنين ولو مع التمكن فيصديه كل من تصدى به ولو كان فاسقا اماميا. وأخرى يكون الامر مرددا بين أن يكون واجبا باذن الفقيه أو واجبا مطلقا، ففى هنا نجرى البرائة عن أصل الوجوب. وقد يكون الشك في أصل مشروعية شئ بدون اذن الفقيه كبعض مراتب النهى عن المنكر على مثله في المتن فان كان هنا اطلاق لادلة النهى عن المنكر يكون متبعا ويدفع به احتمال دخالة اذن الفقيه فيه وان لم يكن فيه اطلاق فمقتضى الاصل عدم الجواز لكونه تصرفا في نفس الغير وظلما وايلاما له فهو لا يجوز. وان كان الاحتياج إلى التصرف مما لا بد منه مع كون الشك في أصل مشروعية التصرف بدون اذن الفقيه كالتصرف في الاوقات العامة وسهم

[ 57 ]

الاما عليه السلام على النحو الذى تقدم وتعذر الوصول إلى الفقيه، فح يدور الامر بين التصرف المطلق وبين التصرف مع الاذن من العدول المؤمنين فحيث ان التصرف مالى فلا يجوز بغير اذن اهله فالمتيقن من ذلك هو التصرف باذن العدول وان كان الشك في أصل المشروعية مع احتمال كونه واجبا تكليفا باذن الفقيه أو مطلقا كالتصرف في أموال الصغار حسبة فبالنسبة إلى الوجوب تجرى البرائة وبالنسبة إلى أصل التصرف الوضعي يستأذن من العدول لكونه هو المتيقن وهكذا في التصرف التكليفى كحفظ ماله مثلا. وبالجملة مكان عدول المؤمنين مع تعذر الوصول إليه مكان الفقيه مع تعذر الوصول إلى الامام (ع) بمقتضى الاصل ومفاد يختلف كما عرفت بحسب الموارد. هذا كله ما تقتضيه الاصل ولكن قد ادعى ثبوت الولاية لعدول المؤمنين مع تعذر الوصول إلى الفقيه بمقتضى الروايات فلابد من قرائة الروايات حتى يلاحظ دلالتها على ذلك. منها صحيحة محمد بن اسماعيل رجل مات من اصحابنا بغير وصية، فرفع أمره إلى قاضى الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان رجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع، فلما اراد بيع الجوارى ضعف قلبه عن بيعهن اذلم يكن الميت صير إليه وصية وكان قيامه بهذا بأمر القاضى لانهن فروج، قال فذكرت ذلك لابي جعفر عليه السلام وقلت له يموت الرجل من اصحابنا ولا يوصى إلى أحدو يخلف الجوارى فيقيم القاضى رجلا منا لبيعهن، أو قال يقوم بذلك رجل فضعف قله لانهن فروج فما ترى في ذلك، قال: إذا كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس الخير. ومحل الكلام هنا جهة المماثلة وانها في أي شئ فجعل المصنف

[ 58 ]

مورد الاحتمال فيها اربعة اما المماثلة في التشيع اوفى الوثاقة في ملاحظة مصلحة اليتيم وان لم يكن شيعيا اوفى الفقاهة بأن يكون من نواب الامام عليه السلام عموما في القضاء بين المسلمين أو في العدالة. وابعد المصنف الاحتمال الثالث وتبعه شيخنا الاستاد بدعوى انه لو كان المراد بها المماثلة في الفقاهة لكان مفهوم الشرط انه لو لم يكن القيم فقيها ففيه الباس وهذا ينافى كون التصرف في مال اليتيم والقيام بأمره من الامور التى لا تسقط بتعذر اذن الفقيه فيدور الامر بين الاحتمالين الاخيرين والنسبة بين الوثاقة والعدالة وان كان عموما من وجه الا انه لاشبهة ان العدل ايضا لابد من ان يتصرف فيما هو مصلحة اليتيم، فالعدالة في هذا البا هي الاخص من الوثاقة وفى الدوران بين الخاص والعام الخاص هو المتيقن واذن فلابد وان يكون المتصدي عادلا والممثالة تحمل على هذا. ويرد عليه ان الاطلاق يكون متبعا إذا شك في تعين المراد، فيكون بمقتضى ظهور الكلام متعينا واما إذا كان المراد معلوما بالعلم الخارجي فكان الشك في كيفية المراد فلا يمكن اثبات ذلك باصالة عدم التقييد، كما في المقام. وبعبارة اخرى قد حققنا في المفاهيم وفى غيرها ان اطلاق المفهوم كسائر الاطلاقات من الحج الشرعية ومتبع بالنسبة إلى تعين المراد من المتكلم فالعلم بعدم ارادة الاطلاق من الخارج لا يضر بالاطلاق ولا يوجب عدم وجوده ففى المقام وان كان ثبوت الولاية لغير الفقيه عند تعذر الوصول إليه مسلما ولكنه بالعلم الخارجي فهو لا يضر بثبوت المفهوم على الاطلا ق و انه إذا لم يكن فقيه لا يجوز القيام بأمر الصغير كما هو واضح.

[ 59 ]

على انه ينتقض بجعل المماثلة في العدالة ايضا إذ لاشبهة في ثبوت الولاية لغير العادل وتعذر العدول وتعذر تحصيل الاذن منه، فالاشكال المذكور من هذا الجهة مشترك. والانصاف أن كل من المحملات قابل الارادة اذن فتكون الرواية مجملة فالمتيقن من الممثالة هو اجتماع جميع الجهات في الولى للصغير فلا تكون الرواية شاهدة لما نحن فيه، فافهم. وحاصل الكلام: انه استدل على ولاية عدول المؤمنين مع الوصول إلى الفقيه بروايات. منها: صحيحة محمد بن اسماعيل المذكورة وقد عرفت ان المحتملات فيها اربعة المماثلة في التشيع والمماثلة في الفقاهة والممثالة في العدالة والممثالة في الوثاقة، وقد عرفت ان الشيخ وشيخنا الاستاد قداشكلافى ارادة الفقاهة من المماثلة للعلم بولاية عدول المؤمنين مع تعذر الوصول إلى الفقيه مع ان مفهوم ذلك ينفى جواز ولاية عدول المؤمنين امكن الوصول إلى الفقيه فلا يجوز، فاطلاقة ينفى جواز ولاية عدول المؤمنين امكن الوصول إلى الفقيه أولم يمكن فاعتبر العدالة فيه صورة التعذر إذ لم يكن القاضى المذكور في الرواية فقيها ولا عادلا ولا شيعيا حتى يتوهم انه لم يكن الوصول إلى الفقيه متعذرا. فنقول: اما احتمال التماثل في التشيع فبعيد جدا إذ الظاهر من الرواية ان الشيعية مفروض الوجود ومفروغ عنه، وانما السؤال من جهة أخرى وان نصب القاضى يجوز جواز التصرف للقيم أم لا؟ مع عدم كون القاضى شيعيا ولافقيها في مذهبنا ولاعدلا، بل ولا ثقة على الظاهر ولو مع الشك. وذلك لان فرض السائل كون الرجل من اصحابنا وجعل القاضى العبد

[ 60 ]

الحميد فيما مع جريان العادة بجعل القيم من الاصدقاء ومن المقربين المطلعين على خصوصيات احوال الميت يساعد كونه شيعيا. وأما ما اورد المصنف والاستاذ بارادة المماثلة في الفقاهة، ففيه اولا النقض بارادة المماثلة في العدالة إذ المحذور المذكور وارد على هذا ايضا للعلم بوصول النوبة إلى المؤمنين الفاسقين مع تعذر العدل منهم العياذ بالله مع ان المفهوم ينتفى جواز تو ليتهم على ذلك. وثانيا: انه قد حقق في المفاهيم وغيرها ان اصالة عدم التقيد وظهور الاطلاق انما يتبع فيما إذا كان الشك في أصل المراد فمقتضى ظهور الكلام واطلاقه نستكشف مراد المتكلم وينتج به له وعليه وهذا بخلاف مالو علم المراد من الخارج وكان الشك في كيفية المراد فح لا يمكن التمسك باصالة عدم التقييد ففى المقام قد علم المراد من الخارج بانه مع تعذر الفقيه تصل النوبة إلى العدول من المؤمنين في الولاية على الصغار، وكان الشك في كيفية ذلك المراد من المفهوم فلا يجوز، ح التمسك باصالة عدم التقييد لاطلاق مفهوم في بيان كيفية المراد حتى يتوهم ان اطلاق المفهوم ينفى وصول النوبة إلى المؤمنين العادلين فليس المورد موردا للتمسك باصالة عدم التقييد اصلا، كما هو واضح، اذن فلا مجال لاشكال المصنف إذ هو مفروض التمسك باصالة عدم التقييد وقد عرفت عدم وصول النوبة إليها. والتحقيق ان الظاهر ارادة المماثلة من الرواية من جميع الجهات حتى في العربية والكوفية ولكن نرفع اليد عن ذلك في الامور التى نقطع بعدم مدخليتها في الحكم بنحو كالعربية والكوفية ونحوهما ويبقى الباقي تحت الاطلاق، بل كلما نشك في خروجه ودخوله من جهه مدخليته وعدمه

[ 61 ]

وانما الخارج ما نعلم بعدم دخالته في الحكم، اذن فلاوجه لاعتبار العدالة فقط من جهة اخذ القدر المتيقن. وعليه فلابد من اعتبار الفقاهة والوثاقة والعدالة وجميع الخصوصيات للمحسنة التى نحتمل دخالتها في الحكم في الولاية المجعولة في الرواية فافهم. نعم، ربما يقال ان عبد الحميد هذا محتمل بين اثنين أحدهما ثقة لم تثبت فقاهته، وهو ابن سالم، والآخر فقيه ولم يثبت وثاقته وهو ابن سعيد، فح تكون الرواية مجملة من حيث اعتبار الفقاهة ولكن الظاهر ان المراد منه هو عبد الحميد ابن سالم كما صرح به في الرواية حيث قال وجعل عبد الحميد بن سالم القيم بماله كما في التهذيب في باب الزيادة من الوصية وأن توثيقه لم ينحصر بهذه الرواية، بل ظاهر عبارة النجاشي في ابنه محمد بن عبد الحميد بن سالم هو ذلك مع اثبات كتاب له فيكون فقيها فلاحظ، بل يكفى في اعتبار المماثلة مجرد الاحتمال في كونه فقيها فانهم على انه لا يمكن الاستدلال بها بما نحن فيه لتوهم ورودها في خصوص عدول المؤمنين إذ محل كلامنا في ولاية عدول المؤمنين واعتبار العدالة فيهم بعد تعذر الوصول إلى الفقيه ولكن مقتضى الرواية بحسب الاطلاق ساكت عن صورة التعذر بالوصول إليه عن صورة الوصول بالامام عليه السلام لامكانه ايضا لهم وان كان بعد ايام فان الظاهر ان بيع جميع مال الصغار لم يكن ضرريا حتى لا يمكن الرجوع إليه (ع) كما ترك بيع الجوارى حتى سئل عن الامام (ع). نعم، باطلاقها تدل على اعتبار العدالة في صورة التعذر ايضا، بل بالاولوية ولكن هذا غير ورودها في خصوص صورة التعذر واعتبار العدالة في المؤمنين إذا كانوا وليا، بل مع قطع نظر عن الشبهة المذكورة فلابد من

[ 62 ]

اعتبار الفقاهة ايضا بمقتضى المماثلة كما عرفت، وبالجملة لانفهم من الرواية ما يوجب اعتبار العدالة في الولى بعد تعذر الوصول إلى الفقيه. ومنها موثقة سماعة في رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك، قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا باس، واستفاد المصنف من ذلك اعتبار الوثاقة فيه و ان لم يكن فيه ملكة العدالة وحمل على ذلك رواية محمد بن اسماعيل المتقدمة إذ كان اعتبار العدالة في الولى المؤمن اعتمادا عليها من جهة الاخذ بالقدر المتيقن فهذه الرواية يبين المراد وكون المناط هي الوثاقة وان لم يكن عدلا ولا اماميا. ولكن الظاهر ان المراد من الثقة بالرواية غير ما فهمه المصنف إذا المعنى الذى ذكره ناشى من الارتكاز بما ذكره أهل الرجال من معنى الوثاقة والا فالوثاقة في الروايات ليس هي العدالة، بل اخص منها إذ ربما يكون العادل غير ثقة في فعله لعدم التفاته بمزيا التصرف لبله ونحوه، وقد ورد في بعض الروايات الدالة على اعتبار العدالة في امام الجماعه بأنه إذا كان ثقة ترضون دينه وفى بعض الروايات ان فلانا ثقة في دينه ودنياه، و هذه الرواية ايضا ساكتة عن صورة التعذر من الفقيه بل من الامام ايضا و منها صحيحة اسماعيل بن سعد فانها تدل على اشتراط تحقق عنوان العدالة حيث قال عليه السلام إذا رضى الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك فهى أيضا اعم من صورة التعذر من الوصول إلى الفقيه، بل إلى الامام، و عدمه فيعتبر نفس العدالة في ذلك. والظاهر ان الذى يستفاد من الروايات هو جواز ولايه عدول المؤمنين في خصوص مال اليتيم توسعة ولو مع التمكن الاذن من الامام أو الفقيه،

[ 63 ]

إذ العادة جارية بعدم التمكن في جميع النقاط حتى القرى، واما في غير التصرف في مال اليتيم بالبيع فلا حتى الشرى لهم ولو كان مصلحه وهذه المدعى في غاية الوضوح خصوصا على الشبهة المذكورة في عدم اعتبار الفقاهة من جهة المماثلة فلا دلالة فيها على اعتبار العدالة في الولى عند التعذر من الفقيه الذى هو محل الكلام الاعلى الاطلاق. قوله: ثم انه حيث ثبت جواز تصرف المؤمنين، فالظاهر انه على وجه التكليف الوجوبى أو الندبى لاعلى وجه النيابة من حاكم الشرع. أقول: ربما يقال ان من ثبت الولاية له في زمان الغيبة على غيرهم كالوكلاء المتعددين في آن بناء واحد عن تصرف مغاير لما بنى عليه الاول فأجاب عن المصنف بان الوكلاء إذا فرضوا وكلاء في نفس التصرف لا في مقدماته فما لم يتحقق التصرف من أحدهم كان الاخر مأذونا في تصرف مغاير وان بنى عليه الاول ودخل فيه، اما إذا فرضوا وكلاء عن الشخص الواحد بحيث يكون الزامهم كالزامه ودخولهم في الامر كدخوله وفرضنا أيضا عدم دلالة دليل وكالتهم على الاذن في مخالفة نفس الموكل والتعدى عما بنى هو عليه مباشرة أو أستنابة كان حكمه حكم ما نحن فيه. وفيه ان المقدمات ليست من الامور التى تقبل النيابة والوكاله بل مورد الوكالة هي الامور الاعتبارية كالتزويج والبيع وسائر المعاملات واما المقدمات كسائر الافعال التكوينية مثل الاكل والشرب فغير قابلة للوكالة. والذى ينبغى ان يقال هو ان الظاهر ان ينظر إلى دليل الوكالة فان كان فيه اطلاق حتى يشمل صورة وضع الاخر يده على المال أو أكثر من ذلك فيجوز، بل مع الاطلاق والشمول يجوز للوكيل الثاني ان يتصرف فيه على خلاف تصرف نفس الموكل فضلا عن وكليه وان لم يكن لدليل الوكالة اطلاق

[ 64 ]

فلا يجوز للثاني ان يتصرف في غير ما علم دخوله تحت وكالته وان يضع الاخر يده عليه لقصور مادل على جواز التصرف فيه ومن هنا ظهر حكم الوصاية أيضا. واما الاب والجد فكل منهما ان يتصرف في مال اليتيم حتى مع تصرف الاخر بان ينقض تصرفه فضلا إذا وضع يده عليه ولم يتصرف بعد، فكل منهما ان يفسخ بيع الاخر الذى باعه خياريا وهكذا وهكذا. ثم انه فرق المصنف بين الحكام وعدول المؤمنين في ثبوت الولاية لهم حيث منع من مزاحمة الفقيه الاخر عن الفقيه الذى وضع يده على مال اليتيم وجوزها في عدول المؤمنين ومحصل كلامه في وجهما ان الولاية الثابتة لعدول المؤمنين ليست الا على وجه الجواز أو الوجوب أو الندب التكليفى، لاعلى وجه النيابة من حاكم الشرع فضلا عن كونه على وجه النصب من الامام عليه السلام فمجرد وضع أحدهم يده على مال اليتيم لايمنع الاخر عن تصرفاته نظير الاب والجد حيث يجوز لكل منهما ان يتصرف فيما وضع الاخر يده عليه. وأما حكام الشرع فان استندنا في ولايتهم إلى مثل التوقيع المتقدم و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى روات احاديثنا جازت المزاحمة لكل منهم عن تصرف الاخر قبل تصرفه إذ الخطاب فيه مختص بالعوام فلا يجوز لهم مزاحمة الفقيه في تصرفاته، واما الفقهاء فكل منهم حجة يجوز أن يتصرف في مال المولى عليه. أمالو استندنا فيها إلى عمومات النيابة وتنزيل الفقيه منزله الامام عليه السلام، فالظاهر عدم جواز مزاحمة الفقيه الذى وضع يده عليه إذ دخوله عليه كدخول الامام عليه، فلا يجوز مزاحمة الامام فيما يريد الاقدام عليه على انه يلزم من جواز المزاحمة اختلال النظام سيما في مثل هذا الزمان الذى

[ 65 ]

شاع فيه القيام بوظائف الحكام ممن يدعى الحكومة. ويرد على الثاني أولا انه لادليل على النيابة كما تقدم حتى يقال أن مقتضاه هو تنزيل الفقيه منزلة الامام عليه السلام فلا يجوز مزاحمة وانما الولاية ثبت لهم ولغيرهم من المؤمنين على تقدير فقدانهم بمقتضى الاصل والا فليس هنا دليل لفظي يوخذ بعمومه. وثانيا: انه على تقدير وجود الدليل اللفظى فعمومه يقتضى ثبوت الولاية لكل فقيه في عرض ولاية الاخر وكون كل منهم نازلا منزلة الامام (ع) فلا يلزم من تصرف الثاني مزاحمة الامام أو من هو في منزلته، اذن فيجوز لكل منهم مزاحمة الاخر، بل التصرف فيما تصرف فيه الاخر بالفسخ ونحوه إذا كان تصرف الاول بمثل بيع الخيارى واما كونه مستلزما لاختلال النظام من جهة كثرة المدعين لذلك، فقيه ان المدعى لذلك ان كان على وجه صحيح فلا يلزم فيه اختلال النظام فان احدهم يرى مصلحة فيبيع مال اليتيم والاخر يرى مصلحة فيفسخ فاى اختلال نظام يترتب عليه، فانه يكون مثل تصرفات الاب والجد حيث يتصرف احدهما في مال المولى عليه على وجه ويتصرف الاخر على خلافه، بل ينقضه بان يفسخ بيعه مثلا فهل يتوهم أحد لزوم اختلال النظام من ذلك. ويرد على الاول انه لانفهم معنى لكون ولايتهم على وجه التكليفى الوجوبى أو الندبى إذ لاشبهة في نفوذ تصرفهم من البيع والشراء وغيرهما من اقسام التصرفات عند فقد الحكام وليس معنى الولاية الا ذلك التى ثبت من قبل الامام والا فمجرد الحكم التكليفى فهو من الامور الحسبية الغير المربوطة بباب الولاية اذن فولاية العدول كولاية الفقيه فلاوجه للتفريق. على ان الدليل الدال على ثبوت الولاية لهم لوتم فانما هي كالولاية الثابتة للفقيه وانهم مع فقدهم كالفقيه مع فقد الامام عليه السلام، فالفرق

[ 66 ]

بينهما بلا وجه. وتوهم اختلال النظام في الثاني دون ولاية العدول مع كونهم أكثر فاسد، والتحقيق هنا هو ما تقدم سابقا من ان الولاية الثابتة للفقهاء و لعدول المؤمنين انما هي بحسب الاصل وأخذ القدر المتيقن من جواز التصرف في مال الغير فنتيجته عدم جواز تصرف الفقيه الاخر في مال المولى عليه بعد وضع الاول يد ه عليه أو تصرفه فيه لكونه تصرفا في مال الغير فهو حرام إذ لم نحرز جوازه الا للاول لكونه هو المتيقن وهكذا الكلام في عدول المؤمنين فما ذكره المصنف في الحكام وان كان متينا من حيث المدعى ولكنه لايتم من جهة الدليل الذى ذكره. وبالجملة فالاصل الاولى يقتضى عدم جواز التصرف لاحد في مال غيره وبعد القطع بجوازه في مال اليتيم للحكام ولعدول المؤمنين في الجملة فالمتيقن منه هو عدم جواز تصرف الثاني فيه بعد وضع الاول يده عليه أو تصرف فيه. قوله: اما ما ورد فيه العموم فالكلام فيه قد يقع في جواز مباشرة الفاسق. أقول: ذكر المصنف هنا فروعا لا باس بالاشارة إليها: - الاول: انه هل يجوز مباشرة الفاسق في مال اليتيم مثلا أم لا؟ فحكم المصنف (ره) هنا بالجواز، وعدم اعتبار العدالة في منصب المباشر بدعوى شمول عموم ادلة فعل المعروف وان كانت الادلة الخاصة قاصرة وتلك العموم كقوله (ع) عون الضعيف من أفضل الصدقة وعموم قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن " ونحو ذلك. وفيه الظاهر ان ما افاده ليس بتمام، بل لابد من العمل بمقتضى الاصل الذى كان مفاده عدم جواز تصرف غير العادل في مال الصغير عند

[ 67 ]

فقد الفقيه لكونه هو القدر المتيقن في ذلك الخارج عن أصاله عدم جواز التصرف في مال الغير. وأما عموم عون الضعيف من أفضل الصدقة فعلى تقدير صحة الحديث فهو ناظر إلى الكبرى وان كلما كان عونا للضعيف فهى صدقة وأما الصغرى فلابد وان تكون محرزة من الخارج فلا تكون الكبرى متكفله لاثبات الصغرى إذ لا نسلم ان تكون تصرف الفاسق في مال اليتيم من مصاديق الصدقة فضلا عن كونه من افضلها ومن هنا ظهر الجواب عن عموم قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن " فان الكبرى وان كان مسلما ولكن لا نسلم ان تصرف الفاسق في مال اليتيم من القرب الحسن بأى معنى أخذ القرب والحسن على ما ذكره المصنف من معانيهما حتى في صوركون التصرف صلاحا أولم يكن الترك أصلح من الفعل، بل كان الفعل أصلح من الترك إذ التصرف حرام فلا يجوز بمثل تلك الاحتمالات ما لم تثبت الولاية للمتصرف في مال اليتيم كمالايخفى، بل تدل على عدم جواز بيعه وتصرفه فيه، الاخبار المتقدمة الدالة على عدم جواز الشرى من الفاسق الذى تصدى إلى التصرف في مال اليتيم فانه اذالم يجز الشرى لم يجز البيع ايضا فانه لا معنى لصحة البيع من طرف البايع وبطلانه من طرف المشترى، بل بطلان من أحد الطرفين يستلزم البطلان من الطرف الاخر أيضا. وبالجملة لاوجه لتصرف الفاسق في مال اليتيم بوجه وانه طريق غير حسن لعدم الدليل على جواز تصرفه وعدم شمول العمومات المتقدمة عليه كما عرفت. الثاني: في حكم الشراء من الفاسق فالظاهر ايضا اشتراط العدالة فيه فلا يجوز الشراء منه وان ادعى كون الفعل مصلحة، بل يجب أخذ المال

[ 68 ]

من يده حسبة لدلالة الروايات المتقدمة على اعتبار العدالة فيمن تصدى لبيع مال اليتيم ليكون الشرى منه كقوله عليه السلام في رواية زراعة وقام عدل في ذلك وغيره فقد فرق المصنف بين هذه المسألة وبين المسألة السابقة من انه لو وجد في يد الفاسق ثمن من مال الصغير لم يلزم الفسخ مع المشترى وأخذ الثمن من الفاسق والوجه في ذلك هو ان الموضوع في المسألة السابقة هو اصلاح المال ومراعات الحال والتصرف معنون بذلك العنوان وهولا يحرز باخباره قولا أو عملا، ولا باصالة الصحة إذ مورد اصالة الصحة انما هو فيما تحقق الفعل في الخارج وشك في صحته وفساده من ناحية بعض الشروط، ففى المقام لم يتحقق الفعل ليحمل على الصحة حين الشك في الصحة والفساد، بل يريد المشترى أن يشترى من الفاسق فاصالة الصحة لا تحرز شرائط الفعل الذى في معرض الوقوع وهذا بخلافه في المسأله السابقة فان الغرض الذى هو حفظ مال اليتيم واصلاحه حاصل إذ لا يعلم ان ماله هو الثمن أو المثمن فباصالة صحة المعاملة يحكم بكونه هو الاول. ولكن الظاهران هذا الفرق فاسد فلاتجرى اصالة الصحة في كلتا المسألتين فان مقتضى الروايات المتقدمة هو لزوم احراز الشراء من العادل ولذا قال عليه السلام وقام عدل وان التصرف الصادر من غير العادل فاسد وان كان فيه غبطة الصغير لعدم كونه وليا. وعليه وان كان الثمن في يد الفاسق وتحققت المعاملة بتصرفه ولكن هذا التصرف باطل لعدم صدوره عن أهله لعدم كونه وليا ففعله هذا فاسد قطعا، فكيف يحمل على الصحة باصالة الصحة فان مورد اصاله الصحة انما هو فيما كان للفعل صحة تاهلية بعد وقوعه في الخارج فالفعل الواقع هنا فاسد قطعا لعدم صدوره عن اهله فكيف يحمل على الصحه باصاله الصحة

[ 69 ]

فما ذكره من عدم جريان اصالة الصحة في الفرع الثاني وعدم قياسه بصلاة الميت جارهنا بلا زيادة ونقيصة. وبالجملة بعد ما ثبت انه لاولاية للفاسق على مال الصغير وان تصرفاته ليست بنافذة في حقه فلا يفرق في عدم ترتيب الاثر على فعله بين الحدوث والبقاء ففى كلتا المسألتين يحمل فعله على الفساد كيف فان اصالة الصحة لا يجعل الفاسق الذى ليس له التصدى بامور الصغير جزما وليا له ولا ينقض تعجبي من المصنف كيف رضى بجريانها هنا وتصحيح عمله بها بعد العلم بعدم كونه اهلا للتصرف وهذا نظيران يحمل بيع غير المالك، كالغاصب على الصحة باصالة الصحة مع العلم بكونه غاصبا فهى توجب كونه مالكا وكك هنا ان اصالة الصحة لا تعجل غير الولى وليا ولا تجعل الفعل الذى ليس له صحة تأهليد، بل فاسد جزما كما هو واضح. وتوهم كون الثمن في يد الفاسق يدل على الصحة بمقتضى قاعدة اليد توهم فاسد فان قاعدة اليد انما تصلح المعاملة من جهة الشك في المالك ففى المقام انها لا تثبت الولاية لمن ليس بولي قطعا، نعم لو صدر الفعل ممن لا ندري انه عادل أم لا فسيأتي حمل الفعل فيه على الصحة فكم فرق بين المسألتين. نعم لو صدر البيع من شخص وشككنا في صحته وفساده من جهة الشك في كونه عادلا أو غير عادل مى اعتبار العدالة في الولى أو شككنا في كونه وليا أو غير ولى ولو كان عادلا فيحمل على الصحة فان المناط في أصالة الصحة الذى هو تحقق الفعل في الخارج والشك في صحته وفساده موجود هنا، فمقتضى اصالة الصحة يحمل بيعه على الصحة وهذا غير ما تقدم من صدور الفعل من غير أهله قطعا بحيث لا مجال لاصالة الصحة بوجه فافهم.

[ 70 ]

ثم لواردنا اشتراء مال الصغير ممن نشك في انه عادل ليكون وليا عنه وكان تصرفه نافذا أو فاسق لا ينفذ تصرفه فلا يمكن حمله على الصحة باصالة الصحة، فانها انما تجرى في مورد تحقق الفعل في الخارج وشك في صحته وفساده كما عرفت، ففى هنا لم يتحقق الفعل بعد، فكيف يحمل على الصحة فاصالة الصحة لا يتكفل على اثبات ان المتصدي بالفعل الذى يريد ايجاده في الخارج ولى للصغير كما هو واضح. ولا تجرى هنا قاعدة اليد أيضا لانها لا تجعل من لا ندرى ولايته على الصغير وليا ويتضح ما ذكرناه بملاحظة ما تقدم من لزوم احراز ان الشراء لابد وان يكون من العادل بمقتضى قوله عليه السلام وقام عدل على ذلك والا فلا يجوز الشراء وهذا غير ما ذكرناه من حمل فعله على الصحة مع الشك في الصحة والفساد إذ هو بعد تحقق الفعل وكان فيه موضوع اصالة الصحة تماما. وربما يقال بقياس ذلك بالشك في تصرف الولى من انه عادل أم لا؟ فكما يحمل فعله على الصحة فكك هنا. ولكنه من العجائب وجوابه يظهر من كلامه إذ توقفنا في حمل الشراء ممن لا نعلم انه عادل ام لا، من جهم عدم العلم بعد الته وولايته إذ الولى على مال الصغير انما هو العادل فما لم نحرز ذلك لم نحرز ان الفعل صدر من الولى وان شرائنا ممن له التصرف في ماله فلا يجوز الاقدام عليه قبل الاحراز وهذا بخلاف ما صدر الفعل عن الولى مع العلم بكونه وليا جزما وشككنا في عدالته وفسقه فان الولاية ونفوذ التصرف فيه محرز قطعا وانما الشك في أمر آخر غير مربوط بالولاية وبنفوذ التصرف فكم فرق بينهما. ثم لو أخبر الفاسق على وقوع الفعل كاخباره على وقوع الصلاه على الميت أو بوقوع التصرف من العادل مثلا، لا يسمع اخباره إذ لا دليل على

[ 71 ]

حجية خبر الفاسق ولا دليل على الاعتبار في خصوص المقام، بل يسمع قول المخبر بوقوع الفعل وان لم يكن عادلا بناء على اختصاص ادلة اعتبار الخبر بالاحكام وعدم شموله على الموضوعات وما نحن فيه ايضا كك فلابد من ترتيب الاثر عليه من قيام البينة على ذلك كما هو واضح لا يخفى فافهم. والحاصل: انه يقع الكلام في جهتين: - الاولى: في اعتبار العدالز في تصرف المتصرف وعدم اعتبارها فيه. والثانية: في مشروعية معاملة الغير مع المباشر، وانه هل يعتبر عدالة المباشر أم لا؟ وانما لم نعتبر اعتبارها في جهة الاولى. أما الجهة الاولى: فقد عرفت ان المصنف لم نعتبر العدالة في تصرف المتصرف في مال الصغير مع فقدان الولى وتمسك في ذلك بقوله عليه السلام عون الضعيف من أفضل الصدقة، وقوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هي أحسن) فيجوز ان يتصرف الفاسق في مال الصغير ولو لم يستأذن من الحاكم وفيه انك قد عرفت عدم جواز تصرف الفاسق في مال الصغير الا مع الاستيذ ان من الولى أو الحاكم، وأما عون الضعيف من أفضل الصدقة فعلى تقدير قبول الصحة فلا دلالة فيه على المقصود إذ هو ناظر إلى مطلوبيه الكبرى فلا يشمل ما يشك في كونه عونا إذ لا يتكفل الكبرى على ايجاد الصغرى، وكك قوله تعالى (ولا تقربوا ما اليتيم الا بالتى هي أحسن) إذ هولا يثبت ان تصرف الفاسق من القرب الحسن مضافا إلى دلاله الروايات المتقدمه على اعتبار العدالة كما عرفت. اذن فال يجوز لغير العادل التصرف في مال الصغير بمقتضى الاصل الذى عرفته. وأما الجهة الثانية: اعني جواز الشرى ممن ليس بعادل فقد اعتبر المصنف

[ 72 ]

العدالة هنا للرواية المتقدمة، بل حك بوجوب اخذ المال من يده، ولا يمكن تصحيحه بحمل فعل المسلم على الصحيح باصالة الصحة إذ الموضوع هنا عنوان بسيط اعني اصلاح مال الصغير فنشك في تحققه وعدمه فلا يحرر باصالة الصحة وليس ذلك مثلا اتيان صلاة الميت فانها بعد تحققها في الخارج فنحمل على الصحة إذ الواجب هنا هي الصلاة الصحيحة وقد علم صدور اصلها من الفاسق وإذا شك في صحتها احرزت باصالة الصحه بخلافه هنا إذ عرفت ان الواجب هو العنوان البسيط فلم يتحقق في الخارج وهو كاخبار الفاسق بوقوع الصلاة على الميت ثم نزله منزلة بلوغ البايع فانه لا يحرز باصالة الصحة ثم حكم بجريانها فيما إذا وجد الثمن في يد الفاسق من مال الصغير وتردد الامر بين كون الثمن ملكا للصغير أو المثمن فباصالة صحه المعاملة من الطرفين يحكم بكون الثمن من مال الصغير ثم امر بالتدبر. وير عليه أولا: انه ليس في الادلة السابقة ما يدل على ان الموضوع في في المقام هو اصلاح مال ومراعات الحال ليكون الشك فيه شكا في أصل تحققه فلا يمكن احرازه باصالة الصحة، بل الظاهر منها عدم جواز التصرف في ماله الا بوجه عينه الشارع، وذلك الوجه هو الوجه الحسن على ما ذكر في الاية، فالموضوع في المقام هو عنوان القرب المشروط بكون على وجه حسن، فاصل القرب محرز بالوجدان فشرطه فهو كونه بوجه حسن باصالة الصحة. وبالجملة انه لا وجه للمنع عن جريان اصالة الصحة بوجه ولو كانت الاية الا بالتى هي أصلح فانه ح تكون الاصلحية شرطا للقرب لا موضوعا للحكم. وثانيا: على تقدير كون الموضوع هو اصلاح المال فلا وجه لاجراء اصالة الصحة فيما إذا تردد الامر بين كون مال الصغير هو الثمن أو المثمن، إذ مجرد التردد لا يوجب اجراء اصالة الصحة فاصل عنوان اصلاح المال مشكوك الوجود فلا يحرز باصالة الصحة فلا وجه له ان يفرق بين المسألتين بل يشكل الامرح لو كان المتصدي هو العادل وشككنا في كونه اصلا حافى حق الصغير

[ 73 ]

ومراعاة له أم لا؟ فيكون اصل عنوان الاصلاح مشكوكا فلا يحرز باصالة الصحة ولعل انى ما ذكرناه اشار بالامر بالتدبر، فافهم. والذى ينبغى ان يقال انه ليس لنا دليل لفظي دل على حجية اصالة الصحة وكونها من الاصول المعتبر واما قوله (ضع فعل اخيك المسلم على أحسنه) فقد قرر في محله انه خارج عن حدود اصالة الصحة التى من الاصول المعتبرة في الفقه، فان مورد ضع فعل اخيك على أحسنه هو عدم حمل فعل الاخ على الحرام، مثلا لو علم أنه تكلم بشئ فيحمل على أحسنه من انه لم يفحش لا انه حمل على أنه سلم ليكون رده واجباوكك عامل معاملة فتحمل على انها ليست ربوية لا أنها معاملة صحيحة، فالمقصود أنه حكم اخلاقي نظير صدق اخيك ولو يجئك خمسون قسامة فكذبهم فمعناه لا ترتب الاثر على قولهم فاحمل كلامه على احسنه لا انه كذبهم واحملهم على الكذب. وانما الدليل على اعتبارها السيرة القطعية المستمرة في بعض الموارد والظاهر ان الضابطة فيها هو ما كان الفاعل الذى يحمل فعله على الصحة مسلطا على التصرف وما لكا له وبعد احراز سلطنته عليه فإذا شك في بعض الشرائط فيكون فعله محمولا على الصحة والوجه فيه هوان السيرة دليل لبى لا يؤخذ بها الا بالمقدار المتيقن وعليه فلا يجوز لان يحمل الفعل الصادر من الفاعل الذى لا ندري كونه مالكا على التصرف وعدم كونه مالكا عليه على الصحة فلا يمكن الحكم بصحة المعاملة إذا صدر الفعل من الفاسق وشك في ان الثمن هو مال الصغير أو المثمن وهكذا لا يمكن الحكم بالصحة باصالة الصحة إذا صدر الفعل من الفاسق ولكن نحتمل انه استأذن من العادل أو من الولى أم لا لعدم احراز مالكيته على التصرف فلا يكون موردا للسيرة وهكذا وهكذا ومن هنا لا يمكن اجراء اصلة الصحة وتصحيح عقد الوكالة بها إذا شك في كون البايع وكيلا من قبل المالك أو فضوليا في بيعه، هذا إذ لم يحرز انه مالك للتصرف حتى يحمل فعله على الصحة وبكونه بعنوان الوكالة ومن هذا

[ 74 ]

القبيل الشك في البلوغ وهكذا كل ماكان من هذا القبيل، والوجه هي كلمة واحدة وهو كون الدليل على اصالة الصحة هي السيرة فهى لبية فيؤخذ بالمقدار المتيقن فلا يشمل الموارد المشكوكة فالمورد المتيقن لها هو ما ذكرناه. لا يقال انه إذا اعتبر في جريان اصالة الصحة مالكية المتصرف على التصرف فبماذا تحملون على الصحة فما إذا تردد البيع الصادر من البايع بين كونه بيعا صحيحا أو بيعا ربويا مع عدم كونه مالكا على ايجاد البيع الربوي. فانه يقال انه يكفى في ذلك مالكيته على الطرف الذى تحمل فعله عليه باصالة الصحة فلا يلزم كونه مالكا على جميع اطراف المحتملات كما لا يخفى فيكفى في المثال المذكور كونه مالكا على ايجاد البيع الصحيح فيحمل عليه مع التردد بينه وبين البيع الفاساد هذا كله فيما إذا لم يكن المال في يد المتصرف، واما إذا كان ذواليد على المال وكان المال تحت يده فادعى كونه مالكا للتصرف بكونه وليا أو مستأذنا منه مع امكان ما ادعاه فهل يمكن حمل فعله على الصحة هنا أم لا؟ الظاهر أنه لا يمكن حمله على الصحة هنا ايضا لعدم السيره على ذلك بل لابد وان تؤخذ المال منه فضلا عن نفوذ تصرفه فانه مع العلم بكونه غير مالك وان ما بيده مال الصغير فمجرد احتمال كونه مالكا على التصرف بالاستيذان أو الوكالة من وليه أو كونه وليا لا يجوز حمل فعله على الصحة لعدم العلم بجريان السيرة فيه، بل يكفى الشك في عدم الجريان لما عرفت من كونها دليلا لبيا فيؤخذ القدر المتيقن منه فما لم يكن عالم بالسيرة فلا يمكن حمل فعله على الصحة. نعم، يمكن الحمل فعله على الصحة لو كان ظاهر الحال تقتضي مالكيته واعترف بعدم كونه مالكا، بل وكيلا من قبله أو مأذون منه بحيث لولا الاعترف لعومل معه معاملة المالك كما إذا اردنا ان نشترى شيئا من البقال فقلنا

[ 75 ]

اعطه بسر كذا، فقال انه مال الغير أو مال اليتيم لا اعطى الا بثمن كذا، فليس لنا ان نأخذه ونقول فقد اعترفت بكونه مال الغير فاثبت وكالتك عنه، بل يصدق قوله فيحمل معاملاته على الصحة إذ السيرة قائمة على ذلك في امثاله فلم يتوقف أحد في المعاملة عليه. وبالجملة فموارد الاطمئنانات الشخصية خارجة عما ذكرناه من عدم حمل فعل الغير على الصحة، إذ يحمل فيها فعل الغير على الصحة، واما لو علمنا انه استولى على مال الغير فلا ندري انه وكيل في التصرف أولا فيدعى الوكالة ويتصرف فيه، فلا يكون تصرفه هذا نافذا فلا يمكن ترتيب الاثر عليه. ثم من قبيل ما ذكرناه من اشتراط حمل فعل المسلم على الصحة بكونه مالكا على التصرف ترتيب الاثر بقول الحكام الشرعية، أو مدعى التولية على وقف ونحوه، فانه إذا شككنا في عدم مالكيته على التصرف من جهة الشك في اجتهاده أو عدالته أو في الجهات الاخرى فلا يجوز أن يحمل فعله على الصحة لعدم شمول السيرة عليه. نعم، لو احرزنا مالكيته على التصرف وشككنا في الشرائط الاخرى، فأصالة الصحة في فعله وقوله وحكمه جارية بلا اشكال، فافهم. قوله: ثم انه هل يشترط في ولاية غير الاب والجد ملاحظة الغبطة لليتيم أم لا؟ أقول: المشهور اعتبار المصلحة في التصرف في مال اليتيم، بل عن بعضهم الاجماع على ذلك بل عن التذكرة في باب الحجر كونه اتفاقيا بين المسلمين واستدل عليه المصنف بقوله تعالى (ولا تقربو مال اليتم الا بالتى هي أحسن) وذكر حيث ان توضيح الاية لم يذكر على ما ينبغى في كلام أحد من المتعرضين لبيان آيات الاحكام، فلا باس بتوضيح ذلك في هذا المقام

[ 76 ]

ومحصل كلامه ان القرب في الاية يحتمل معاني اربعة: - الاول: مطلق التقليب والتقلب ولو من مكان إلى مكان فلا يشمل ما ليس فيه تقليب كابقائه عند أحد أو على حاله. والثانى: وضع اليد عليه بعد كونه بعيد اعنه فيكون النهى نهيا عن ذلك، فلا يشمل حكم ما بعد الوضع. الثالث: ما يعد في العرف تصرفا كالاقتراض والبيع والاجارة وشبهها. الرابع: مطلق الامر الاختياري المتعلق بمال اليتيم اعم من الفعل و الترك فالمعنى لا تختاروا في مال اليتيم فعلا أو تركا الا ماكان أحسن من غيره. وأما لفظ الاحسن في الاية يحتمل ان يراد به ظاهره من التفصيل و يحتمل أن يراد منه الحسن نظير قوله تعالى (فاولى الارحام بعضهم أولى ببعض) وعلى الاول فيمكن أن يؤخذ التفضيل المطلق أي لا يجوز التصرف في مال اليتيم الا بوجه يكون أصلح من غيره من التصرفات، أو يكون المراد به الافضلية على الترك أي قربا يكون أحسن تركه وعلى الثاني فيمكن أن يراد بالاحسن ما يكون فيه صلاح فلا يجوز التصرف إذا لم يكن فيه صلاح ويمكن أن يراد به ما لا مفسدة فيه، وان لم يكن فيه صلاح أيضا ثم اختار من احتمالات القرب الاحتمال الثالث ومن احتمالات الاحسن الاحتمال الاول أي ما يكون بمعنى التفضيل المطلق، وعليه فإذا كان بيع مال الصغير أصلح، فبعناه بعشرة دراهم، ثم فرضنا أنه لا يتفاوت ابقاء الدارهم لليتيم أو تبديله بالدينار فاراد الولى أن يجعله دينارا، فلا يجوز بعد كونه أصلح من تركه، بل هما سيان وأن كان يجوز ذلك من الاول إذا كانت المصلحة في الابتداء في تبديل المال بالنقد من غير فرق في تبديله بالدينار أو الدرهم وأما لو

[ 77 ]

جعلنا الحسن بمعنى لا مفسدة فيه فيجوز ذلك كما يجوز لو أخذ بالاحتمال الرابع للقرب إذ كما ان الولى مخير في الاول بين جعله دينارا أو درهما فكك له التخيير بقاء إذ ليس لاحد الفردين مزية على الاخر لافى الابتداء ولا في الاستدامة فيكون القدر المشترك بينهما هو الحسن فيكون مخيرا ابتداء واستدامة. ثم قال ان الانصاف هو أن مرجوحية المعنى الرابع في نظر العرف ثم استظر من بعض الروايات ان المناط في جواز التصرف في مال اليتيم هو عدم الضرر عليه كما ان المناط في الحرمة وجود الضرر عليه. والذى ينبغى ان يقال ان شيئا من المعاني الاربعة لا يرتبط بالقرب اما الاحتمال الثالث فلان مث البيع والاقتراض والاجارة ونحوها مما يعد في العرف تصرفا ليس قربا هو الاتيان ولييس في امثال ذلك قرب و اتيان بوجه واما المعنى الرابع فهو ليس بتمام في نفسه، بل يعد جعله من معاني القرب من العجائب إذ لا يصدق القرب على الترك وعلى الاعدام فهل يقال لمن ترك شيئا انه قرب منه. وأما المعنى الثاني فلاوجه له أيضا إذ لاوجه لتخصيص القرب بالابتداء وعدم شموله للاستدامة فانه تخصيص بلامخصص وكك لا وجه للرابع وتخصيصه بالتقليب والتقلب وعدم شموله لابقائه في حاله أو عند احد مع انه يمكن أن يكون نفس الابقاء عند أحد استيلاء عليه، بل معنى القرب هو الاتيان إلى الشئ خارجا والاستيلاء فتارة ينسب إلى الافعال كقوله تعالى (ولا تقربوا الفواحش) والاخرى إلى الاعيان كقوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم) فالمعنى هنا والله العالم انه لا يجوز الاستيلاء على مال اليتيم وتملكه الا بوجه يكون حسنا ومصلحة وعليه فيكون النهى متمحضا للتكليفى لعدم ارتباط

[ 78 ]

الاية بالمعاملات بوجه ليكون النهى ارشادا إلى الفساد كما ذكرنا مرارا من كونه النهى في باب المعاملات ارشاد إلى الفساد. وبالجملة ان الاية خارجة عن المعاملات وليست لها تماس بها لكى يبحاث في فسادها وعدمها، بل هي مسوقة للنهى عن أكل ماله والاستيلاء عليه فهى نظير على اليد ما اخذت حتى تؤدى. ثم انه لا يفرق في ذلك بين كون الاستيلاء حدوثا أو بقاء فلو كان مال زيد الصغير وديعة عند عمرو فالى سنة احرزه، ثم استولى عليه وتملكه و تصرف فيه تصرفا الملاك فتشمله الاية ايضا إذ النهى منحل إلى نواهى عديدة على نحو العموم الاستغراقي. ثم اختلف في ان المراد بالتى أي شئ فقيل انها كنايه عن النية أي لا تقربوا مال اليتيم الابنية حسن، فيكون الباء صلة زائدة. وقيل ان المراد منها الكيفية أي لا تقربوا مال اليتيم الا بكيفية حسن وذكرنا سابقا ان المراد منها الطريقة ويكون البا للسببية وليس هو وصفا للقرب كما توهم والا كان الصحيح ان يقال الا بالذى هو أحسن، ثم لا شغل لنا في انه أي شئ اريد منها أو من الاحسن بعد مما علمت خروج الاية عن باب المعاملات و كونها ناهية عن أكل مال اليتيم والاستيلاء عليه بأى نحو من انحاء التصرفات كما انه لاشغل لنا للبحث في أنه أي طريق ليجوز التصرف في مال اليتيم على هذا الوجه بعد ما عرفت انه لا ولاية لاحد على الصغير والتصرف في ماله من الفقيه والحاكم الشرع فضلا عن عدول المؤمنين وكيف بفساقهم حتى التصرفات التى كانت على مصلحة الصغير فضلا عما لا مصلحة فيه أو فيه، مفسدة لماله الا في مورد خاص فه صورة موت الشخص فأريد بيع ماله فدلت الرواية على قيام العدل بذلك وبيعه من قبلهم وانما التصرف يجوز

[ 79 ]

في ماله حسبة وان نظر الشارع تعلق بحفظه وحفظ ماله من كل احد فإذا شوهد ان داره تخرب أو ماله يتلف أو هو نفسه في معرف التلف فيجب لكل أحد على مراتبهم حسبة يحفظوا ماله ونفسه واما في غير تلك الموارد فلا يجوز لاحد أن يتصرف ولو كان على مصلحة الصغير فيكف ما إذا لم يكن فيه صلاح، فافهم. قوله: نعم ربما يظهر من بعض الروايات ان مناط حرمة التصرف هو الضرر. أقول: قد عرفت عدم دلالة الاية على الولاية فضلا من اعتبار المصلحة في تصرفهم بل لابد من العمل بمقتضى الاصل حيث علمنا جواز التصرف في مال اليتيم في بعض الموارد حسبة كما إذا كان في شرف الخراب فانه يجوز بل يجب البيع وتبديله بالاحسن وام بيع ماله ابتداء ولو كان اصلح فلا يجوز للفقيه فكيف بغيره الا في موارد القسمة قد ورد النص بقيام العدل عليها وعلى هذا فلا بد من الاقتصار بالقدر المتيقن من التصرف فهو صورة اختيار الاصلح فلو كان هنا مشتريان فيشترى أحدهما بخمسين والاخر بمائة فلا يجوز بيعه بخمسين الا إذا كان في بيعه بمائة ما يوجبا لتشويش والاضطراب لكون المشترى شخصا متقلبا بجعل الخيانة في معاملاته. وربما قيل ان المناط عدم الضرر فقط وان لم يكن فيه نفع لروايتين: - أحديهما: رواية الكاهلى عن الدخول على اليتامى فقال عليه السلام ان كان في دخولهم عليهم منفعة لهم فلا باس، وان كان فيه ضرر فلا، و استظهر منها المصنف ان المراد من منفعة الدخول ما يوازى عوض ما يتصرفون من مال اليتيم عند دخولهم فيكون المراد بالضرر في الذيل ان لا يصل إلى الايتام ما يتوازى ذلك فلا تنافى بين الصدر والذيل.

[ 80 ]

وزعم بعضهم ان الرواية انما ان الرواية انما تعرضت لحكم صورتين احديها صورة وجود المنفعة لليتامى والثانية صورة الضرر منهم، واما الصورة التى يوازى النفع مع الضرر بحيث لم يبق في البين لانفع ولاضرر فسكوت عنها و قوله عليه السلام في الذيل ان فيه ضرر عليه فلا يجوز بيان لاحد شقى المفهوم لكونه اغلب فتكون الرواية اجنيبة عن اعتبار عدم الضرر فقط في تصرفات الولى و لكن الظاهر ان ما فهم المصنف من الرواية هن الوجيه وذلك من جهة ان طبع الدخول على اليتامى لا يخلو عن الضرر لكونه مستلزما لاستخدام دارمهم والاكل من طعامهم والجلوس على بساطهم إلى غير ذلك من التصرفات التى لاشبهة في كونها في نفسها ضررا عليهم فدخولهم على اليتيم بحسب الطبع ضرر عليهم وعلى هذا فنظر الامام عليه السلام من التوجيز فيما إذا كان دخولهم عليهم منفعة ملاحظة الموارات بين ما يصل إليهم من الداخلين وبين ما يقع عليهم من الضرر فيحكم بالجواز مع وجود النفع لهم وبعدمه مع كونه ضررا عليهم وعليه فلا يكون في البين شق ثالث. ولكن الظاهر ان الرواية خارجة عما نحن فيه إذ هي ليست متعرضة لجواز بيع مال الصغير والتصرف فيه وان كان اصلح لهم، بل قلنا لا يجوز التصرف الا بالمقدار المتيقن الذى تقتضه الحسبة الا في مورد القسمة، بل هي متعرضة لبيان جواز الدخول عليهم والاكل من اموالهم إذا لم يكن فيه ضرر بأن يصل منهم إليهم في مقابل ما ورد عليهم من الضرر ولو كان النفع امرا اعتباريا كدخول الشخص التشخص عليهم بحيث يوجب ذلك عدم جرئة الناس عليهم، بل هذا المقدار الذى تعرض له الرواية امر وجدانى، بل مما يحكم به العقلاء إذ لو لم يدخل عليهم أحد ولم يصل إلى امورهم لملاحظة الاصلح فالاصلح لم تحفظ كيانهم ووقعوا في معرض التلف

[ 81 ]

الثانية: رواية ابن مغيرة قلت لابي عبد الله عليه السلام ان لى ابنة أخ يتمة فربما اهدى لها الشئ فاكل منه ثم اطعمها بعد ذلك الشئ ممن مافى فاقول يا رب هذا بهذا قال لا باس فقد ظهر جوابها من الرواية الاولى ايضا، فان غرض الامام عليه السلام ملاحظة مصلحة اليتيم في الدخول عليه والاكل مما اهدى إليهم فان المهدى إليهم عادة يكون أكثر مما يكفيهم من الغذا فالزائد عنه يكون فاساد واما إذا ورد عليهم شخص آخر وأكل ذلك فاعطا اياهم مالا آخر في بدله فيكون اصلح لهم بلاشبهة فهى خارجة عن حدود المعاملات، كما لا يخفى. وبالجملة مورد الروايتين غير المعاملات من الامور التى قد حكم العقلاء على جوازه ورضى به الوجدان كما هو واضح، هذا تمام الكلام في الولاية. الكلام في بيع العبد المسلم على الكافر قوله: مسألة: يشرط فمن ينتقل إليه العبد المسلم ثمنا أو مثمنا ان يكون مسلما. أقول: من جملة شرائط المتعاقدين أن يكون المشترى مسلما إذا كان المبيع عبد مسلما فلا يجوز نقل العبد المسلم إلى الكافر وهذا الحكم لا يختص بالبيع، بل يجرى في جميع ما يوجب تملك الكافر المسلم ولو كان بغير البيع إذ الغرض عدم تملك الكافر على المسلم بناء على عدم جوازه لاحرمة البيع منهم واستدل على ذلك بوجوه: - الاول التسالم بين الفقهاء على عدم الجواز ودعوى الاجماع عليه، فعهدته على مدعيه فيكون ذلك حجة لمن يطمئن به. الثاني: الروايا الواردة في عدم استقرار ملك الكافر على المسلم و

[ 82 ]

استدامته بانه لو ملكه قهرا بارث بان كان العبد المسلم تحت يد الكافر فاجبر على البيع فمات وانتقل إلى وارثه فبيع على الوارث فيعطى ثمنه منهم لا ان العبد المسلم كان للكافر من غير أن يجبر بالبيع فمات وانتقل إلى الوارث والاخبار الواردة في اسلام العبد الكافر في ملك سيده فانه بيع عليه أو كانا مسلمين فارتد المولى وكفر فانه بيع العبد عليه وهكذا افيستفاد منها عدم استدامة ملك الكافر على المسلم وانه لا يستقر بقاء فيدل على عدم الملك حدوثا أيضا إذ لا يفرق فيه بين حدوث والبقاء فإذا لم يرض الشارع بذلك بقاء لم يرض به حدوثا أيضا ونزلوا ذلك بمنزلة استفادة حرمة تنجيس المسجد من الامر بالازالة إذ لو لم تكن التنجيس محرما لم يكن وجه لوجوب الازالة وأيضا نظير ذلك ما إذا امر باخرا أحد من الدار، فانه يستفاد منه حرمة ادخاله الدار فان غرض المولى عدم وجوده فيها وكونه مبغوضا له لا مجرد اخراجه وادخاله ثانيا. وفيه ما اجاب به المصنف ان الامر بازالة ملك الكافر عن المسلم بقاء حكم تكليفي بحيث يحرم ابقاعه في ملكه ويجب اخراجه عنه فلا يدل على عدم ملكه ابتداء الذى هو من الاحكام الوضعية نعم يدل على عدم كون ملكه مستقرا حدوثا كما دل على ذلك بقاء. وبعبارة اخرى لا دلالة فيها على ازيد مما تدل على حكم البقاء فهى تدل على وجوب ازالة ملك الكافر عن العبد المسلم بقاء وجوبا تكليفا فيدل على حرمة تملك الكافر العبد المسلم أيضا تكليفا، واما انه لا يملك بالشراء أو بالصلح أو بالهبة فلا يستفاد منها. نعم، لودلت تلك الرويات على انعتاق العبد المسلم في ملك الكافر بقاء لدلت على عدم ملكه له حدوثا ايضا وليس الامر كك وانما هي متعرضة

[ 83 ]

لجهة الحكم التكليفى فقط من جهة البقاء كما لا يخفى. ومن هنا ظهر الجواب عن النص الوارد في عبد كافرا سلم فقال أمير المؤمنين عليه السلام اذهبوا فبيعوا من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقروه عنده. ووجه الظهور ان التخصيص بالمسلمين انما هو من جهة ان الداعي على الامر بالبيع هي ازالة ملك الكافر والنهى عن ابقائه عنده فلا يحصل ذلك الغرض بنقله إلى كافر آخر فلا يدل ذلك على فساد بيعه من الكافر ابتداء وعدم صحته وان الكافر لا يملكه من الاول. ولاوجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من ان أمر الامير المؤمنين عليه السلام بالبيع من المسلم ونهيه عن الاستقرار عند الكافر يدل بالملازمة العقلية على عدم تملك الكافر العبد المسلم ملكا مستقرا فهى نظير ما لو قيل ازل النجاسة عن المسجد فكما يفهم منه حرمة ادخال النجس فيه كذلك يستفاد من عدم استقرار ملك الكافر على المسلم عدم حدوث ملكه عليه كذلك. لما عرفت من عدم الملازمة بينهما بوجه فما افاده المصنف متين جدا و بعد بيانه على الذى في المتن لا يبقى مجال لما ذكره شيخنا الاستاذ بل لانفهم معنى كلامه. والحاصل: انه استدل على عدم تملك الكافر للمسلم بوجوه: - منها: التسالم فهو راجع إلى وجدان كل أحد فمن يطمئن به فيصدقه ومنها: الاخبار الواردة في موارد عديدة الدالة على وجوب بيع العبد المسلم على الكافر. وفيه انها تدل على وجوب ازالة العلقة المالكية للكافر من العبد المسلم بقاء وجوبا تلكيفيا فلا يدل على عدم صحة التملك حدوثا وضعا.

[ 84 ]

نعم، لو كانت دالة على انعتاقه عليه بقاء في تلك الموارد لدلت على عدم حدوث الملكية حدوثا أيضا للملازمة العرفية بينهما وليس كك. ومنها: ماعن الامير عليه السلام ولا تقروه عنده فبيعوه من مسلم. وفيه اولا ما تقدم من انها تدل على حرمة ابقاء العبد المسلم في ملك الكافر تكليفا فلا يدل على عدم التملك حدوثا وضعا بل تكليفا فتقييده عليه السلام بالبيع من مسلم من جهة عدم حصول الغرض وه ازالة ملك الكافر عن المسلم بالبيع من غيره فالنهى عن التقرر عنده نهى تكليفي محض. وثانيا: ان الامر بالبيع والناهي عن ابقائه عند الكافر هو الامير عليه السلام ولا شبهة بيعه من الكافر حرام فهو عليه السلام لا يأمر بالحرام. وبالجملة الرواية اجنبية عن تملك الكافر العبد المسلم ابتداء. ومنها الاية المباركة (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) بدعوى ان تملك الكافر المسلم بالبيع أو بغيره سبيل عليه فهى منفى بالاية المباركة. قال المصنف: ان باب المناقشة فيها واسع ثم أشكل عليها بوجوه و قبل جميع المناقشات ان السبيل عبارة عن السلطة الخارجية فالملكية من الامور الاعتبارية فلا يصدق عليها السبيل. الثاني: ما اورده المصنف اولا ان الاية لا دلالة فيها بنفسها ولو بقرينة السياق على المطلوب إذ مقتضى النفى بلن التأبيدية هو نفى السبيل من الكافر إلى المسلم في آن من الانات فهذا المعنى غير قابل للتخصيص بوجه فيعلم من ذلك ان المراد منه ليس نفى السبيل تكوينا بداهة ثبوتها للكافر على المسلم في جميع الازمنة أو في أكثرها لكون المؤمن في ذل ومشقة دائما ولا ان المراد نفى التملك ثبوت ملكيته عليه كثيرا كما

[ 85 ]

إذا كان عنده عبد مسلم فلم يلتفت إليه المسلمون ليبيعوه فمات وانتقل إلى وارثه أو ارادوا بيعه فمات أو لم يقدروا على بيعه فمات وانتقل إلى وارثه فان في جميع هذه الصور تملك الكافر للمسلم، بل تسالم الفقهاء على جواز بيع المسلم من الكافر إذا كان ممن ينعتق عليه فيتجلى من ذلك كله ان الاية اجنبية عن هذه الامور والا لزم القول بالتخصيص فقد قلنا ان الاية آبية عن التخصيص. اذن فلابد وان يراد من الاية معنى لا يقبل التخصيص ولو بقرينة ما قبلها وهو قوله تعالى (والله يحكم بينهم) ومن الواضح اان الحكومة الالهية بين العباد مختص بالاخرة فتكون الاية راجعة إليها إذ فيها ليس للكافر على المسلم سبيل بوجه فان الله يحكن بينهم دون غيره، فلا ظلم في حكمه تعالى. وبالجملة مقتضى ظهور نفس الاية ومقتضى سياقها وصدرها اختصاصها بالاخرة فلا يشمل السبيل الدنيوي فضلا عن شموله على التملك. هذا حاصل ما ذكره المصنف مع التوضيح والاضافة منا فلا مناص عنها بوجه. ثم ناقش ثانيا بأنه لو اغمضنا النظر عما ذكرناه وقلنا بشمولها بالسبيل الدنيوي وتملك الكافر المسلم فلا يساعده ما ورد في تفسيرها من ارادة الحجة عن السبيل وان الاسلام لعلو شأنه ورفعة مقامه ومكانة حقانيته و وضوح حججه وبيناته يعلو على كل الاديان ولا يعلو عليه دين ومذهب، فالمراد من الاية هو نفى تفوق حجة الكافر على حجة الاسلام كما خاطب النبي الاكرم صلى الله عليه وآله اهل الجاهلية مرارا هل لكم من سلطان وبينة وحجة وقد نطق بذلك القرآن المجيد في موارد عديدة والروايات المتكثرة وان

[ 86 ]

الكافرين كلما طالبوه عن النبي صلى الله عليه وآله من البينات فاتاه ولكنهم عجزوا عن مقاومته بالحجج والبينات وقد ورد في تفسيره ان قوما زعم بذلك عدم قتل الحسين عليه السلام، بل رفعه الله فألزمهم الامام عليه السلام بانه وقد قتل من هو اشرف منه أعنى على وابنه الحسن (ع) وبانه لو كان المر كك، فلم قتل الانبياء كما حكاه الله تعالى في كتابه، بل المراد انه ليس للكفار حجة على المسلمين فانهم يغلبون عليهم في كل حجة والا فالسيرة العملية جرت على أن المسلمين من المظلومين والمقهورين من زمن آدم إلى هذا الزمان، إذ أول من تصدى إلى ذلك ابن آدم قابل حيث قتل هابل، فجرى الحسد والعداوة بين الناس، بل في بعض الاخبار: ما منا الا مسموم أو مقتول. فيعلم من جميع ذلك ومما ورد في تفسير الاية من العيون المشار إليه ان المراد من الاية نفى الحجة في الدنيا والا فمن جهة غير الحجة فالكفار لهم سبيل على المؤمنين بلا ريب ثقال المصنف وتعميم الحجة على معنى يشمل الملكية وتعميم الجعل على وجه يشمل الاحتجاج والاستيلاء لا يخلو عن تكلف. وفيه انه يمكن المناقشة في هذا الوجه من جهة ان الحجة وان لم تشمل الملكية الا ان تفسير الاية بها لا يوجب اختصاصها بهابل من الممكن ان يراد من السبيل معنى جامع ومفهوم عام يشمل الحجة وغيرها ويكون التفسير بالحجة من باب بيان المصداق وعليه فيشمل السبيل الملكية أيضا مع قطع النظر عن عدم شموله لها في نفسها. وبالجملة لو امكن شمول السبيل على الملكية فتفسير الامام عليه السلام الاية بالحجة لا يوجب عدم شمولها للملكية، بل يمكن شمولها لو اريد من السبيل معنى جامع وقد ورد في هذا المعنى وان تفسير آية بفرد ليس

[ 87 ]

تخصيصا لها به، بل من باب تطبيق الكلى على الفرد اخبار ذكرها في كتاب سمى مقدمة البرهان وفيها ان القرآن يجرى كما تجرى الشمسي والقمر فلو ان آية نزلت على قوم فلا يختص به والا نفد القرآن بزوال القوم، بل من باب التطبيق. وعليه فلو طبق الجبت والطاعوت بالشيخين فليس معناه انه لا يمكن ارادة غيرهما منها ومن هذا تنحل شبهات كثيرة في ذلك الباب وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث التفسير. ثم ناقش الشيخ في الاية ثالثا بعد الغض عن المذكورات من جهة تعارض عموم الاية مع عموم مادل على صحة البيع ووجوب الوفاء بالعقود و حل أكل المال بالتجارة وتسلط الناس على أموالهم وحكومة الاية عليها غير معلومة. وفيه انه لا يفهم ما يريد من هذه المناقشة إذ لو قلنا بتقدم عموم (أوفوا بالعقود) على الاية المذكورة كما هو الظاهر إذ عمومه بالوضع لوضع الجمع المحلى للعموم فيها فيشمل مورد النزاع فيحكم بصحة بيع عبدالمسلم من الكافر، والا فالتعارض بينهما بالعموم من وجه، ففى مورد الاجتماع يحكم بالتساقط وتكون اصالة الفساد محكمة فلا يكون وجه للصحة، ح بل تكون النتيجة نتيجة التمسك بعموم نفى السبيل كما هو واضح. ثم قال مضافا إلى ان استصحاب الصحة في بعض المقامات يقتضى الصحة إذا كان الكافر مسبوقا بالاسلام أو كان العبد مسبوقا بالكفر، فان فيها نستصحب صحة البيع الثابت قبل الكفر، وفى غير هذه الموارد نحكم بالصحة لعدم القول بالفصل ولا تعارضه اصالة الفساد في سائر الموارد لحكومة، استصحاب الصحة عليها.

[ 88 ]

وفيه ان كلامه كلامه هذا من اوله إلى آخره غير صحيح إذ الاستصحاب هنا تعليقي لا نقوله به لعدم ثبتت الحكم المنجز هنا لنستصحبه، بل الثابت قبل الكفر أنه لو باع لصح فاستصحابه تعليق بلاشبهة. وثانيا: انه من استصحاب الاحكام فلا نقول به. وثالثا: ان الكافر والمسلم في نظر العرف موضوعان متباينان، فإذا كفر المولى أو أسلم العبد فلاوجه لاستصحاب حكم ما قبل الكفر والاسلام لتبدل الموضوع في نظر العرف. ومع الغض عن جميع ذلك، فلاوجه لعدم القول بالفصل في الاحكام الظاهرية وانما هو في الاحكام الواقعية، واما الاحكام الظاهرية فالتفكيك فيها من الكثرة بمكان والايلزم اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر فهو قياس باطل مثلا لو كان هناك ماء ان كلاهما بمقدار معين، فكانت الحالة السابقة في أحديهما الكرية وفي الاخر القلة فاستصحاب كل من الحالتين يغاير استصحاب الحالة الاخرى لكون كل منهما تابعا على شك ويقين، فليس لاحدان يجرى الاستصحاب في احدهما ويحكم بثبوت الحكم في الاخر بالملازمة بينهما، لكونه اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر فهو قياس و هكذا لو توضاب بأحد، اطراف العلم الاجمالي غفلة فيحكم ببقاء الحدث و طهارة البدن إلى غير ذلك من الموارد ومن هنا قلنا بان سلمان لو استصحبت حكما من احكام الشرايع السابقة لا يثبت ذلك في حقنا بالاشراط في التكليف فان الاستصحاب تابع للشك واليقين من كل أحد فشك السلمان ويقينه غير الشك واليقين الموجود فينا. وبالجملة مورد عدم القول بالفصل في الاحكام الواقعية لوجود الملازمة بينها دون الاحكام الظاهرية لعدم وجود الملازمة بينها كما عرفت.

[ 89 ]

على انه مع الغض عن جميع ذلك وتمامية عدم القول بالفصل فلاوجه لمعارضة اصالة الفساد في مورد آخر فهو ببيع العبد المسلم ابتداء من الكافر مع اصالة الصحة في الموردين المذكورين الذين جرى فيها الاستصحاب، نعم جريانها في مورد واحد ومعارضتها فيه تقديم اصالة الصحة على اصالة الفساد للحكومة لاريب فيه، ولكنه غير تعارضها إذا جريا في موردين، بل يعمل بكل منهما في مورده من غتعارض وتمانع أصلا. والحاصل: أ ن حاصل كلام المصنف هولوكان العبد والمولى كافرين فأسلم العبد أو كان المشترى مسلما فكفرفانه في هذه الموارد يجرى استصحاب صحة البيع الثالث قبل الكفر و الاسلام وفى غير هذه الموارد يتم المطلب بعدم القول بالفصل وعلى تقدير عدم جريان عدم القول بالفصل فأصالة الصحة في هذين الموردين يعارض باصالة الفساد في ساير الموارد، كما إذا لم يعلم الحالة السابقة فان مقتضى اصالة الفساد اعني عدم انتقال مال أحد إلى شخص آخر جارية فيها فيقع المعارضة بينهما فتقدم اصالة الصحة على اصالة الفساد للحكومة. ويرد عليه أولا: ان الاستصحاب هنا تعليقي، ومع الغض عنه فلا يجرى في الشبهات الحكمية ومع الغض أيضا فالموضوع هنا متبدل حيث ان موضوع الجواز في أحد هما الكفر و الاخر الاسلام قد تبدل كل منهما إلى الاخر فهما في نظر العرف من المتباينين فيكون الاستصحاب اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر. وثانيا: ان عدم القول بالفصل بناء على اعتباره وحجيته انما يتم في الاحكام الواقعية أي الاحكام الثابتة بالامارات مع القطع بالملازمة بينهما واما الاحكام الظاهرية أي الاحكام الثابتة بالاصول سواء كانت محرزه أو غير

[ 90 ]

محرزة فلا يجرى فيها ولذا يحكم في مقدار خاص من الماء تارة بالقلة إذا كان مسبوقا بها، واخرى بالكثرة إذا كان مسبوقا بها، ويحكم في مكان خاص بوجوب القصر تارة وبوجوب الاتمام اخرى لاختلاف الحالة السابقة إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التى وقع التفكيك فيها في الاحكام الظاهرية. والوجه في ذلك: ان جريان الاستصحاب تابع لوجود اليقين والشك فاينما وجدا نحكم بجريانه والا فلا، سواء توافق مفاد هما ام تخالفا، كما لا يخفى. وثالثا: ان اصالة الصحة انما تعارض اصالة الفساد في العقود متقدم للحكومة إذا كانا واردين على مورد واحد كما إذا شك في ان عقد الفلاني صحيح أو فاسد، فمقتضى عدم انتقال مال كل من المتعاملين إلى الاخر هو الفساد ومقتضى اصالة الصحة هو الصحة فتكون مقدمة على اصاله الفساد لحكومتها عليها إذ لو لم تتقدم لكانت ملغاة إذ مامن مورد من موارد اصالة الصحة الافاصالة الفساد فيه موجودة فلو كانت حاكمة على اصالة الصحة لم تكن فائدة في جعل اصالة الصحة. وأما في الموردين، بان كان الجارى في مورد هي اصالة الصحة، كالمثالين المتقدمين، وفى مورد آخر هي اصالة الفساد فلا تكونان من المتعارضين فضلا عن تقدم اصالة الصحة على الاخر للحكومة. وبالجملة لادليل على عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر، نعم لو تم هنا اجماع اخذ به والا فنحكم باجواز، واما قوله صلى الله عليه وآله: الاسلام يعلوا ولا يعلى عليه، شئ فمضافا إلى ضعف السند فيه ان المراد منه علو نفس الاسلام لوضوح محجه وبراهينه وبيناته ليتم لله الحجة البالغة ويهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة ولا يكون للناس حجة بعد الرسل

[ 91 ]

لا علو المسلمين على الكفار بداهة مشاهدة علو الكفار على المسلمين كثيرا بل المسلمون مظلومون في كل دورة وكورة كما اشرنا إليه قبيل هذا. ثم لو بنينا على عدم الجواز فهل يختص الحكم بالبيع فقط أو يجرى في غيره كمطلق تمليك المنفعة أو تمليك عينه بالصلح أو كان العبد مورد الحق الكافر كالارتهان أو كان تمليكا للمنفعة كالاجارة أو اباحة لها كالعارية أو مجرد استيمان كالوديعة فهل يختص الحكم بالعبد أو يجرى في غيره أيضا فان كان المدرك للحكم هو الاجماع فالمتيقن منه هو البيع فلا يجرى في غيره تمليكه اياه بالصلح أو بالهبة أو تمليك منفعة بالاجارة أو العارية أو جعله عنده وديعة أو رهنا. وان قلنا بان المدرك لذلك هو الاية المتقدمة وقلنا بشمولها لمطلق السلطة ولو كانت بالاستخدام أو الاستيجار فيشمل ح جميع موارد السلطة والاستيلاء عليه. وعلى هذا فنقول اما الوديعة فلا شبهة في جواز وديعة العبد المسلم عنده أو اجارة الكافر لحفظه إذ ليس الغرض منها الا الحفظ من دون تسلط للكافر عليه بوجه ليكون استيلاء محرما وأما الاجارة فلابد وان يفصل فيها فانها كانت بحيث تقتضي استيلاء الكافر على المسلم فلا يجوز كالاجارة المطلقة المتعلقة بجميع منافع الحر والعبد ومجرد ان الحر ليس قابلا للتملك والغصبية لا يقتضى سلب سلطة الكافر إذ لو ملك الكافر عمل المسلم بحيث لم يكن له ان يملك غيره فهذا سبيل منه عليه بلا شبهة وارتياب. وأما لو كانت الاجارة متعلقة بذمة المسلم كما لو آجر نفسه لان يخيط له ثوبا أو آجر عبده كذلك فان مجرد ذلك ليس سبيل عليه، بل هي مثل الاقتراض منه فهل يتوهم أحد أنه سبيل على المسلم والا لما استقرض

[ 92 ]

الامير (عليه السلام) من اليهود، بل ربما يكون الاجير اشخص من المستأجر كالخياط الذى استأجر نفسه لخياطة ثوب أحد من الكافرين الذى ادنى منه بمراتب أو غير ذلك من الامور وهكذا العارية. واما الارتهان فهو أيضا كك إذ مجرد تعلق حق الكافر بالعبد المسلم لا يستلزم اثبات السبيل عليه، بل انما يستلزمه إذا كان تحت سلطته و مستوليا عليه كما هو واضح. وبالجملة ففى كل مورد لزم من اجارة المسلم حرا كان أو عبدا من الكافر أو اعارته منه أو رهنه عنده سبيل عليه فلا يجوز والا يجوز، وقد ذكر ذلك أوضح من ذلك في تقرير شيخنا الاستاد. قوله: ثم ان الظاهر من الكافر كل من حكم بنجاسته. أقول: يقع الكلام في بيان الكافر، قال المصنف ان الظاهر من الكافر كل من حكم بنجاسته ولو انتحل الاسلام كالنواصب والغلات والمرتد. وفيه ان ما ذكره عجيب من حيث المدعى والدليل اما الاول فان المرتد كافر حقيقة إذ المراد به من لم يؤمن بالله وبرسوله وبيوم الاخر، فلا وجه لتقريع ذلك على كون المراد من الكافر من حكم بكفره. نعم هذا يتم في النواصب والغلات لدخولها تحت الكافر حكما والا فهما من افراد المؤمن إذ المراد من المؤمن في القرآن من يؤمن بالله وبرسوله وبيوم الاخر فهم كك وان كان احدهما ناصبا لاهل البيت و الاخر غاليا فيهم. واما من حيث الدليل فمن جهة ان موضوع البحث هنا هو الكافر و عدم جواز بيع المسلم منه سواء كان طاهرا أو نجسا فبحث نجاسته الكافر اجنبي عن ذلك، بل بينهما عموم من وجه إذ قد تكون النجاسة ثابتة في

[ 93 ]

موضع فلا يشملهم عنوان الكافر كالنواصب فانهم نجس بلاشبهة فقوله عليه السلام لا شئ انجس من الكلب والناصب بنا أهل البيت، أنجس من الكلب ومع ذلك يجرى عليهم حكم الاسلام في الارث والنكاح وغيرهما من احكام الاسلام، وان كان شر من الكافر، نعم نجاسة الغلات ليست مسلمة، وقد يترتب حكم الكفر على مورد من غير ان تثبت فيه النجاسة كالكتابي بناء على طهارتهم لكون طهارتهم ونجاستهم مختلف فيه بين الاصحاب، وقد يجتمعان. وبالجملة ان البحث عن حرمة بيع المسلم من الكافر وعن نجاسة الكافر والنواصب بحثان لا تماس بينهما بوجه، اذن فلا وجه لما افاده المصنف من المدعى والدليل وما فرع عليه من الحكم. واما الاطفال والمجانين منه فقد استشكل المصنف في ثبوت الحكم لهم. فنقول: بناء على عدم جواز بيع المسلم من الكافر لا شبهة في ساريته إلى الاطفال والمجانين منهم على قسمين، لانهم اما مميزون أو غير مميزين، اما الاول: فلا اشكال في صدق الكافر عليهم حقيقة إذ المراد من الكافر كما عرفت من ينكر الصانع ورسوله ويوم الاخرة أو يكون مشركا بالله والطفل المميز إذا انكر الصانع أو اشرك به وأنكر يوم القيامة فيصدق عليه انه كافر حقيقة. واما الثاني فان لم يصدق عليهم عنوان الكفر حقيقة الا ان الحكم ثابت له جزما للقطع بعدم الفصل. واما المجنون فتارة يكون جنونه في حال الكفربان كان يهوديا أو نصرانيا أو ملحدا أو مشركا فعرض له الجنون في تلك الحالة فهو كافر أيضا

[ 94 ]

حقيقة فيقال انه يهودى أو نصراني أو ملحد مجنون ومرتكزاته أيضا مرتكزات الكفر والالحاد. واخرى يكون جنونه من البدو واول الامر فهو وان لم يصدق عليه عنوان الكافر ولكن يشمله الحكم بعدم القول بالفصل جزما بين افراد المجانين. هذا كله من طرف المشترى، واما من جهة المبيع أي بيع الطفل المؤمن والمجنون المؤمن من الكافر فيظهر حكمه مما ذكرناه إذ لا ينكر صدق المؤمن على بعض افراد الطفل لعرفانه المبدء والمعاد، بل ربما يكون ايمانه اكمل من أكثر البالغين وكك لاشبهة في صدقه على المجنون في حال الاسلام، فيتم الحكم في غيرهما بعدم القول بالفصل جزما كما هو واضح، إذ لم يقل احد بجواز بيع بعض افرادهما وبعدم جواز بعض افرادهما الاخر ثم ان مفروض الكلام في المجنون ما إذا كان البيع له بان كان المتصدي للبيع غير مستقل في التصرف والا فلو كان المتصدي له ولى له وكان كافرا ومستقلا في التصرف كيف شاء فهذا لا يجوز بلاشبهة بناء على عدم الجواز. واما المخالف فليس بكافر قطعا فلا يشمله حكمه فيجوز بيع العبد المسلم منهم لا قرارهم بالشهادتين ظاهرا وباطنا واما ما دل على كفرهم فلا يراد بظاهرها، فقد قلنا في ابحاث الطهارة ان المراد من الكفر ترتب حكمه عليه في الاخرة وعدم معاملة المسلم معهم فيها، بل يعاقبون كالكافر ولا يثاب باعمالهم الخيرية الصادرة منهم في الدنيا كالصلاة وغيرها. نعم، بناء على عدم تزويج المؤمنة من المخالف لا يجوز بيع الامة منهم. وأما بيعهم من الكفار ففى هنا مقامات: الاول: في بيع السنى منهم بحيث كان معتقدا بالله وبرسوله وبيوم القيامة ولكن لم يعتقد بالولاية، الظاهر أنه لا يجوز إذ المراد من نفى السبيل من الكافر على المؤمن هو

[ 95 ]

نفى السبيل عمن ليس بمنكر للصانع وللرسول كما هو المقصود من المؤمن في تمام القرآن فبيعه منهم اثبات سبيل لهم على المؤمن واختصاص المؤمن في اصطلاح اليوم باشيعة انما هو من زمان الصاديقين (ع) بارادة الايمان بالولاية وان من لا يمؤمن بالولاية فلا ايمان له ونحو ذلك من المؤمن الوارد في الروايات كقولهم: المؤمن لا يقل بالمخالف فان المراد منه هو المؤمن بالولاية قطعا الا انه اصطلاح من زمان الصادقين عليهما السلام كما عرفت وهذا لا يوجب ارادة ذلك من الايات القرآنية مع التصريح في القرآن بارادة غير ذلك، حيث قال (يؤمن بالله وبرسوله). وبالجملة انه لا يجوز بيع السنى المقر بالله وبرسوله وبالقيامة من الكافر قطعا، لكونه مؤمنا حقيقة فيلزم من بيعه منهم اثبات السبيل عليه وقد نفى ذلك بالاية. الثاني: انه يجوز بيع المخالف الذى نعلم بكونه كالفرا، وان اقر بالشهادتين وبالقيامة، ولكنه من الخوف وذلك كأكثر المسلمين في زمان الرسول صلى الله عليه وآله حيث اقروا بالشهادتين لخوف السيف من دون ان يصدقهم قلوبهم وقد سماهم الله تعالى في كتابه بالمنافق والوجه في ذلك هو عدم شمول الاية لهم فانهم ليسوا بمؤمنين إذ الايمان عبارة عن التصديق القلبى فليس فيهم تصديق بالله وبرسوله ولذا قال الله تعالى: (إذا جائك المنافقون قالو نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبين) لعدم تصديقهم نبوة النبي صلى الله عليه وآله بل هم اشد من الكفار ولذا قال الله تعالى (ان المنافقين في اسفل درك من النار). وبالجملة وان قلنا ان المراد من الايمان في القرآن غير ما هو المراد

[ 96 ]

به في الاخبار وفى اصطلاح وان المؤمن في القرآن معنى أعم ولكن مع ذلك لا يشمل المنافقين لعدم ايمانهم بالله اصلا. نعم، يصدق عليهم الاسلام لكونه مترتبا على الاقرار بالشهادتين فقط وان لم يقارن بالتصديق القلبى فيترتب عليهم حكم الاسلام في المعاملات، والارث، والذى يوضح ذلك ان الاسلام قابل بالكفر في القرآن في الايات الكثيرة والايمان بالاسلام في قوله تعالى و (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمن ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم) إذ لو كان المراد من الايمان هو الاسلام لما قابلا في هذه الاية الشريفة. وقد منع المصنف عن بيع المخالف ولو كان منافقا نعلم كفره بدعوى ان المراد من المؤمن في آية نفى السبيل انما هو المقر بالشهادتين ونفيه عن الاعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم انما كان لعدم اعتقادهم بما اقروا فالمراد بالاسلام هنا ان يسلم نفسه لله ورسوله في الظاهر، لا الباطن، بل قوله تعالى (ولما يدخل الايمان في قلوبهم) دل على ان ما جرى على السنتهم من الاقرار بالشهادتين كان ايمانا في خارج القلب، والحاصل ان الايمان والاسلام كانا في زمان نزول الاية بمعنى واحد وفيه: انه لا معنى لثبوت الايمان في خارج القلب وارجاع السلب في الاية إلى ارادة عدم دخوله من الظاهر في الباطن وذلك لان الايمان أمر قلبى لا معنى لثبوته في خارج، كما هو المقصود منه لغة الذى عبارة عن التصديق، فليس المراد من الاية الا معناه اللعزى من التصديق فلا معنى للتصديق في خارج القلب والتعبير بعدم الدخول ليس من جهة أن للايمان محلان. محل في خارج القلب ومحل في داخل القلب، بل من جهه أن محله ليس الا القلب وذلك نظير قولك لما يدخل الرحم في قلبه

[ 97 ]

فانه جهة ان الرحم مورد القلب ليس الا لا ان هنا رحم في ظاهر القلب ورحم في باطن القلب، وهكذا السخاوة والشجاعة والشقاوة وغيرها من الصفات والكيفيات النفسية فان التعبير بعدم دخولها في القلب من جهة عدم وجود المحل لها غير القلب كما هو واضح، لا انها ثبتت في خارچ النفس ومن هنا ظهر ما في ذيل كلامه ان الاسلام والايمان في القرآن بمعنى واحد إذ لو كان واحدا لم يبق وجه للمقابلة بينهما. ثم استشهد على مراده برواية حمران بن اعين فقد ظهر جوابه مما ذكرناه أيضا، بل هي شاهدة على ما ذكرناه كالاية إذ التعبير بعدم دخول الايمان في القلب شاهد على ان مورده هو القلب وان الايمان لا يصدق بدونه و ليس مجرد الاقرار بالشهادتين ايمان، بل هو الاسلام محض كما هو واضح وقد رأيت في بعض كلمات السيد شرف الدين ايده الله تعالى مالا باس بنقله حيث اجاب عن قول العامة بان اصحاب الرسول كلهم عدول بانه لو كان كك لزم القول بان وجود النبي صلى الله عليه وآله كان موجبا لفسق بعضهم ونفاق الاخر، فان الله تعالى اخبر في كتابه بوجود المنافقق بينهم الذى اسفل دركا من الكافر فإذا مات الرسول صلى الله عليه وآله فصار موته سببا لا تحادهم و عدالتهم مع ان الله تعالى يقول (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) فهو كلام متين في غاية المتانة. نعم لو كان الدليل على عدم جواز البيع هو الاسلام يعلوا ولا يعلى عليه، أو ما عن الامير عليه السلام اذهبوا فبيعوه (أي العبد المسلم) ولا تقروه عند لشمل المنافق أيضا. قوله: ثم انه قد استثنى من عدم جواز تملك الكافر للعبد المسلم مواضع. أقول: بناء على عدم جواز بيع المسلم من الكافر فقد استثنى منه أمور:

[ 98 ]

الاول: ان يكون البيع مستعقبا للانعتاق القهري واقعا كما إذا باع المسلم عبدا مسلما من الكافر وكان اباله أو باع امة وكانت من ارحامه فانه ينعتق هذا عليه بمجرد البيع فانه جائز بلا شبهة فانه لو قلنا بعدم الملكية التحقيقة، بل مجرد الفرض والتقدير فواضح إذ ليس هنا الملكية فضلا عن ان يلزم هنا سبيل للكافر على المؤمن وان قلنا بالملكية التحقيقية اناما أيضا كك فان تملك الكافر المسلم لا يجوز إذا كانت للملكية اثر وكان ترتبه عليها سبيلا عليه وليس للملكية انامااثر ليلزم من ترتبه عليها سبيل عليه. وقد استدل المصنف على عدم الجواز بدعوى ان ذلك منة على المسلم بان يباع من الكافر وينعتق عليه. وفيه انه لو تم انما يتم موجبة جزئية لا كليا إذ ربما لا يلتفت الكافر بالموضوع وانه ممن ينعتق عليه أو بالحكم وان الانسان لا يملك بعموديه فلا يكون هنا منة اصلا وعلى تقدير المنة ولو موجبة جزئية فاى دليل دل على عدم جواز منة الكافر على المؤمن ولم يرد انه لا منة للكافر على المؤمن، فلو كانت المنة من الكافر على المؤمن غير جائزة لزم عدم جواز الاستقراض منه مع انه جائز بلاشبهة، بل عليه جرت السيرة القطعية إلى زمان المعصومين عليهم السلام. الثاني: ان يكون العبد المسلم ممن ينعتق عليه ظاهر افهو على قسمين إذ قد يكون المقربه عبدا واقعا ولكن لا يعلم انه ممن ينعتق عليه واقعا أولا الا أنه يجعل ممن ينعتق عليه باعترافه بذلك فح يكون ذلك مثل القسم الاول فان قلنا بالملكية التحقيقية انا ما فلا يكون مثلها موجبا لا ثبات السبيل والا فالامر اوضح. واخرى يتعرف الكافر بكون العبد الفلاني حرا ثم اكذب نفسه فاقدم على

[ 99 ]

بيعه فهل يحكم بصحة البيع مع عدم تسليم الحر منه بحسب اعترافه وان كان في الواقع عبدا ويؤخذ منه الثمن لعدم نفوذ اعترافه في حقوق الغير أو يحكم بصحة البيع واختار المصنف عدم الصحة بدعوى العلم الاجمالي بكونه اما صادقا فلا يصح شراء الحر واما كاذبا فكذلك لعدم صحة شراء الكافر للمسلم فنعلم تفصيلا ببطلان الشرا ثم عقبه بالامر بالتأمل بعد قوله الا ان يمنع اعتبار مثل هذا العلم. والظاهر ان الامر به اشارة إلى كلام صاحب الحدائق حيث فصل في تنجز العلم الاجمالي بين ماكان في اطرافه جامع تحقيقي يكون موضوعا للحكم ومما جعل عليه ذلك وبين ما لم يكن كذلك، بل يكون بينهما جامع انتزاعي ففى الاول يكون العلم الاجمالي منجزا كما إذا كانت النجاسة مرددة بين هذا الكأس والكأس الاخر، وكان الغصب مرددا بين هذا الثوب والثوب الاخر. واما الثاني فلا يكون العلم الاجمالي منجزا، بل يكون كل من الطرفين موردا للاصل كما إذا تردد بين كون الكأس الشرقي متنجسا أن الغربي مغصوبا فانه لم يجعل الحكم على الجامع بينهما بخلاف الاول وقد نقل المصنف كلام صاحب الحدائق في الرسائل وجعله تفصيلا في تنجز العلم الاجمالي ثم قال هذا إذا لم يتولد منه علم تفصيلي والا فلا مناص عن التنجز وعليه فمقامنا من هذا القبيل. ولكن اشكل عليه شيخنا الاستاذ بانه لاوجه للبطلان على كل تقدير فانه على تقدير صدق الاعتراف يكون كسائر الموارد التى يجوز بيع عبد المسلم من الكافر وينعتق عليه فلا يكون العلم الاجمالي منجز كما لا يخفى. الثالث: أن يأمر الكافر بالعتق ويقول اعتق عبدك عنى فقد مر في

[ 100 ]

المعاطات انه لاداعى للالتزام بالملكية هنا انا ما للجمع بين الادلة حيث انها دلت على صحة استيفاء مال أو عمل محترم بأمر معاملي ودلت على انه لا عتق الا في ملك فمقتضاه دخول العبد في ملك الآمر وخروجه عنه وعليه يكون ذلك مثل العمودين فلا شبهة في جوازه إذ ليس هذ سبيلا على المسلم وانما لملكية بمقدار تصح العتق فقط نظير بيع ذى الخيار المبيع فانه بيعه هذا يوجب دخول المبيع في ملكة انا ما فينتقل إلى المشترى. وان قلنا بعدم احتياج العتق إلى ذلك وكفاية كون المعتق مالكا وان لم يكن المعتق عنه كك فالامر اوضح. ومنها: اشتراط العتق في البيع. وفيه: انه ان كان المراد منه التزلزل من جهة الشرط فهو لا يختص بصورة الاشتراط، بل يجرى في جميع موارد البيع الخيارى، بل الامر فيها اولى لكون الخيار والتزلزل فيها من الاول فهذا بخلافه هنا فان التزلزل انما يثبت بعد التخلف كما لا يخفى. وان كان المراد من التزلزل من جهة كون المشروط له ما لكا لاجبار المشروط عليه على البيع فهو موجود في جميع موارد مالكية الكافر للمسلم فلا يختص بصورة الاشتراط كما لا يخفى. وبالجملة: لم تتصور وجها لهذا الاستثناء بوجه. قوله: واما التملك القهري. أقول: كما لو وورثه الكافر أو من اجبر على بيع فمات فهل ينتقل العبد المسلم بذلك إلى الكافر أو استأجر على عمل فجعل اجره العبد المسلم أو غير ذلك من الانتقالات فنقول ان كان مدرك الحكم في أصل عدم تملك الكافر المسلم هو الاجماع فلا شبهة في عدم شمول الانتقال إذ المتيقن منه هو فرض

[ 101 ]

التملك فلا يشمل صورة الانتقال. وان كان المدرك في ذلك قوله عليه السلام فبيعوه ولا تقروه عنده فهو يدل على لزوم البيع بعد التملك فلا يشمل التملك الابتدائي فضلا عن الانتقال القهري. وان كان المدرك هي آية نفى السبيل فبناء على شمولها الملك وكونه سبيلا أيضا فتكون معارضة بادلة الارث بالعموم من وجه لو لم تكن مقدمة عليها بالحكومة كما تقدم في المسألة الاولى بعد التساقط فمقتضى القاعدة كونه ملكا للامام عليه السلام إذا الفرض ان العبد خرج عن ملك الميت ولم ينتقل إلى الورشة بادلة الارث ومقتضى الاصل هو عدم انتقاله إلى الورثة فيكون ملكا بلا مالك فينتقل إلى الامام عليه السلام. ولشيخنا الاستاد هنا كلام محصله ان الاية وان كانت معارضة بالعموم من وجه بادلة صحة العقود في المسألة السابقة ولكن لا تجرى ذلك في المقام لخصوصية المورد إذ الاضافة الملكية بين المالك والمملوك كالخيط الذى يصير واسطة بين الشيئين فاحد طرف هذا الخيط مشدود بالمال وطرفه الاخر مشدود بالملك ففى البيع ونحوه من معاوضات المالية تبدل المالك عن طرف الخيط ولكن يبقى طرفه الاخر على رقبة المال بلا تبدل اصلا، بحيث يزول ملكية المالك عن الملك فيحدث له ملك آخر بالمبادلة وهذا بخلافه في الارث فان الاضافة المالكية الثابتة للمالك باقية على حالها غاية الامر ينوب الوارث عن الميت بعد موته فيقوم مقامه فتقوم الاضافة معه بلا تبدل فيها اصلا، وعليه فليس هنا ملكية جديدة ليكون هنا سبيل، فيشمله الاية، بل الملكية الاولية بلا زوال اصلا. وعليه فلا تكون الاية معارضة بادلة الارث، بل تكون ادلة الارث محكمة،

[ 102 ]

وفيه ان الملكية قائمة بالاعتبار الذى لا يتحقق الا بالطرفين نظير المقولات الاضافية، بل اخص منها فلا يعقل بقاء ذلك بارتفاع احد طرفيه بل يرتفع بارتفاعه اذن فلو قام ذلك الاعتبار بشخص آخر أو بحال آخر فيكون غير ذلك الاعتبار الاولى فهذا كالاضافات الخارجية مثلا لو كان هنا سقف فتكون هنا فوقية فإذا تبدل السقف بخيمة فتبدل الفوقية الاولية بالفوقية الثانوية فلا تبقى على حالها مع ان لها كان نحو وجود فامر الاضافة الملكية أهون من ذلك فكيف يبقى بزوال احد طرفيه اذن فتكون الملكية الحاصلة للورثة ملكية جديدة ومورد للاية كما لا يخفى فتحقق المعارضة بلاشبهة. وعلى هذا فمقتضى الجمع بين الادلة كون للامام عليه السلام إذ الفرض انه مات مالكه الاصلى ولم ينتقل إلى المالك فيصدق عليه انه مال بلا مالك فتشمله لادلة الدال على ارث الامام عليه السلام مع انتقاء الوارث. ولايكون منعتقا على الميت ولا على الوارث لاصالة رقبته كما في المتن أي لاصالة عدم حريته فيكون للامام عليه السلام ثم اعتمد المصنف إلى الاجماع وقال ان العمدة في المسألة ظهور الاتفاقات على الارث وقد اشكل على ذلك بوجوه الاول ان استصحاب الرقية من القسم الثالث للاستصحاب الكلى فلا يكون جاريا وذلك من جهة ان العبدية وكونه رقا للميت زال ونشك انه صار رقا لشخص آخر اما لا فيكون مشكوك الحدوث فلا يكون الاستصحاب فيه جاريا فيكون حرا. وفيه ان ظاهر عبارة المصنف وان كان موهما لذلك الا انه ليس مراده بل غرضه ان اصل الرقية كان امرا ثابتا فنشك في صيرورته حراأم لافنستصحب ذلك الرقية. وبعبارة أخرى أن المراد من هذا الاستصحاب هو اصالة عدم الحرية

[ 103 ]

واما كونه ملكا لاى شخص فليس موردا للاصل كما إذا فرضنا فرشا مع عدم من يملكه في العالم فانه بلا مالك فلا يخرجه ذلك عن المالية وكك نفرض العبد رقا بلا مالك فنستصحب ذلك حتى لو خلق شخص فملكه جاز، بل يجرى استصحاب العبودية للميت إذ كان هو عبدا إلى الان الاخير الذي هو آن الموت فنشك في زواله فنستصحبها، فيكون من جملة ما تركه فلا يكون حرا، بل لاوجه للاستصحاب اصلا إذ لا مخرج له عن عموم ما تركه الميت فمع وجود الاطلاق اللفظى لا يجرى الاستصحاب. نعم، لو كان المشكوك والمتيقن هي العبودية للميت والعبودية للوارث لجرى الاشكال المذكور إذ نعلم بزوال العبودية للميت ونشك في حدوثه للوارث فيكون الاستصحاب فيه من القسم الثالث ولكنه ليس بمراد المصنف. الثاني: انه كما تجرى اصالة عدم كونه ملكا للوارث فكك تجرى اصالة عدم كونه ملكا للامام عليه السلام فما الوجه في جريان الاول وعدم جريان الثاني، فهل هو الا ترجيح بلا مرجح، فلا يثبت كونه ملكا للامام باصالة عدم كونه للوارث، الا بالملازمة العقلية لانحصار الوارث بينهما فقد حقق في الاصول عدم اعتبار الاصول المثبتة. وفيه ان كونه ملكا للوارث باصالة عدم كونه ملكا للامام ليس الا باللازمة العقلية كما قرر في الاشكال، فيكون الاصل مثبتا ولكن كونه للامام (عليه السلام) باصالة عدم كونه للوارث ليس من جهة الملازمة العقلية ليكون الاصل مثبتا، بل من جهة انه يحرز بذلك الاصل احد جزئ الموضوع المركب اعني عدم الوارث والجزء الاخر فهو ما تركه الميت محرز بالاصل فتشمله عموم مادل على وارثية الامام (عليه السلام) فيما تركه الميت وليس له وارث. وبعبارة اخرى ان ارث الامام عليه السلام في طول الطبقات الوارث

[ 104 ]

فبانتفاء الطبقات الاولية تنتهى النوبة إلى الطبقات الثانوية فبالاصل نحرز عدم الوارث في الطبقة الاولى، فالبوجدان تحقق ما تركه الميت، فيكون الموضوع المركب من جزئين احد جزئيه محرز بالوجدان والاخر بالاصل محققا فتشمله ادلة وارثية الامام عليه السلام لمن لا وارث له، وهذا بخلافه في الطرف الاخر فان اثبات الوارث باصالة عدم ارث الامام (عليه السلام) مثبت فلاتجرى كما لا يخفى. وهكذا الامر في جميع الموارد من الشبهات الحكمية والموضوعية. اما الشبهات الموضوعية كما إذا مات شخص فنشك في وجود وارثه في الطبقة الاولى، فباصالة عدم الوارث مع صدق ما ترك على ما بقى منه من امواله يثبت الموضوع المركب لارث الطبقة الثانية. واما الشبهة الحكمية فكما إذا تسبب احد في قتل ابيه فنشك ح في جواز ارثه وعدمه مع عدم وجود اطلاق يتمسك به، فالاصل عدمه فبضم الوجدان يتحقق التركة إليه يتم موضوع ارث طبقة الثانية. ثم لا يخفى مافى كلام الشيخ هنا من المسامحة الواضحة حيث قال ان آية نفى السبيل تنفى مالكية الكافر ووجه المسامحة ان النافي لمالكية الكافر هو الأصل دون الاية، فان الفرض انها كانت معارضة بادلة الارث وساقطة لاجلها. قوله: هل يلحق بالارث كل ملك قهرى اولا يحلق؟ أقول: قد عرفت ان المصنف اشكل في شمول ادلة الارث للمقام، بل اعتمد في المسألة إلى الاجماع فقط، وعليه فهل الحكم ثابت في جميع النواقل القهرية أو يختص بالارث فقط، فالظاهر هو العدم كما في المتن على حسب مبناه، فان الحكم الثابت بالا جماع يقتصر فيه على المقدار المتيقن فهو الارث

[ 105 ]

ومع التنزل يتعدى إلى سائر النواقل القهرية الغير الاختيارية واما النوقل القهرية الاختيارية فلا. قوله: أو يفرق بين ما كان سببه اختياريا أو غيره. أقول: غرضه من اختيارية السبب وغيرها ليس كونه اختياريا للكافر الذى يريد تملكه، بل كونه اختياريا للاخر، أي المملك والاول كالفسخ في البيع الخيارى، بان اشترى المسلم عبدا من الكافر ببيع خياري وفسخ العقد فان فسخه هذا مملك للكافر قهرا بامر اختياري فهو الفسخ. والثانى: كتلف المبيع في زمن الخيار أو قبل القبض فيما إذا كان العبد ثمنا بان باع المسلم متاعا من الكافر وجعل ثمنه العبد المسلم أو عبدا اسلم بعد البيع وان كان كافرا قبله، فان التلف في زمن الخيار أو قبل القبض مملك للعبد من الكافر بملك جديد الا ان الملكية باقية بمقدار ما و انما يستقر بالفسخ لعلا يكون ملكا جديدا كما توهم. قوله: ومنه يعلم انه لو لم يبعه باعه الحاكم ويحتمل ان يكون ولاية البيع للحاكم مطلقا. أقول: قد عرفت انه لايقر المسلم في ملك الكافر وعليه إذا باعه فبها والا فيتصدى الحاكم بالبيع ثم هل للحاكم ولاية مطلقة على ذلك بحيث ليس للكافران يتصدى على ذلك، أو ليس له ولاية مطلقة وانما يتصدى بالبيع مع اباء الكافر عنه واحتمل المصنف الاول، بل عن الايضاح انه تزول ملكيته اصلا وليس له الا استيفاء الثمن، واختار شيخنا الاستاذ ان يكون للحاكم ولاية مطلقة تمسكا بقوله عليه السلام في عبد كافرا سلم اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا إليه ثمنه ولا تقروه عنده، فانه لو كان امر البيع راجعا إلى الكافر لقال عليه السلام الزموه.

[ 106 ]

وفيه اولا: انه امر غالبى إذ لا يرض المالك ببيع ماله باختياره، فلذا امر (ع) بالبيع ويؤيد ذلك ذيل الرواية ولا تقروه عنده، إذ يعلم من ذلك ان الغرض عدم بقائه عنده لاكونه مسلوب الاختيار عن ماله. وثانيا: الآمر بالبيع هو الامير عليه السلام فله الولاية المطلقة على جميع الناس واموالهم، فأمر في مورد خاص بالبيع لا يدل على جوازه بدون اذن الكافر في سائر الموارد، ويظهر النتيجة في ذلك فيما لو اراد الكافر أن يزيل ملكية عبده عنه بنحو خاص كبيعه لشخص خاص من المسلمين أو وقفه على جهة خاص وهكذا فعلى القول بجواز تصديه بالبيع فله الاختيار في ازالة ملكيته باى نحو شاء وعلى القول بكون الولاية للحاكم فليس له ذلك بل الاختيار التام في يد الحاكم فليس له الا استيفاء الثمن ليس الا. واما كلام الايضاح من زوال الملك بنفسه وليس للمالك الا استيفاء الثمن مخالف للنص والفتوى كما لا يخفى. والحق ان سلطنة البيع للمالك لعموم دليل السلطنة وانه ليس محجورا فيها وتوهم كونه سبيلا فاسد إذ لا يصدق السبيل على ازالة الملك بالجبر والا لتزام، بل هو ذلة عليه من الشارع المقدس فكيف يكون سبيلا. قوله: وكيف كان فإذا تولاه المالك بنفسه، فالظاهر انه لا خيار له. أقول: فإذا وجب البيع للمالك سواء تصدى إليه بنفسه أو تصداه الحاكم فهل يجوز جعل الخيار فيه أو نقله ببيع غير لازم كالمعاطات بناء على عدم افادته الا الملك المتزلزل أو لا يجوز، بل لابد وان ينتقل ببيع لازم كمالا يخفى، ذهب المصنف إلى عدم ثبوت الخيار هنا لتقدم آية نفى السبيل على ادلة الخيارات كما تقدمت على ادلة البيع حكومة وخالف في ذلك مع صد فحكم بثبوت الخيار والرد بالعيب تبعا للدروس قال لان العقد لا يخرج عن

[ 107 ]

مقتضاه بكون المبيع عبدا مسلما لكافر لانتفاء المقتضى لان نفى السبيل لو اقتضى ذلك لاقتضى خروجه عن ملكه فعلى هذا لو كان البيع معاطاة فهى على حكمهاو لو أخرجه عن ملكه بالهبة جرت فيه احكامها. ويرد عليه ما في المتن من ان نفى السبيل لا يخرج منه الا الملك الابتدائي الخ. وربما قيل بابتناء الحكم على ان الزائل العائد كالذى لم يزل، أو كالذى لم يعد، فان قلنا بالاول ثبت الخيار لان فسخ العقد يجعل الملكية السابقة كأن لم تزل وقد امضاها الشارع وامر بازالتها بخلاف ما لو كان الملكية الحاصلة غير السابقة فان الشارع لم يمضها. وقد ذكرت الشافعية هذه في مواضع متعددة منها في بيع المعاطات بناء على كونها مفيدة للملك الجائز ذكروا ان ما انتقل بالمعاطات لو انتقل إلى غيره بعقد جائز كالهبة ثم ارجع ذلك بالفسخ، فهل يبقى الحكم الاولى أولا؟ فذكروا هنا هذه القاعدة ومنه ما نحن فيه. ولكن لا يبتنى ذلك على أساس صحيح، إذ بعد ثبوت الحكم له بآية نفى السبيل لاوجه للفسخ بتوهم ان الزائل العائد كالذى لم يزل وبعدمه لانه كالذى لم يعد، وبالجملة فلابد من الاقتصار في تخصيص الاية على القدر المتيقن، نعم مثل هذه العبارات لها صورة لفظية فقط ليس الا كما لا يخفى. قوله (ره): ويشكل في الخيارات الناشئة عن الضرر من جهة قوة ادلة نفى الضرر فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار للمسلم. أقول: فصل المصنف هنا بين ماكان دليله نفى الضرر وما كان دليله غير نفى الضرر، فاما الخيارات التى دليلها غير دليل نفى الضرر، فحكم

[ 108 ]

بتقدم آية نفى السبيل على ادلة الخيارات كتقدمها على ادلة البيع، فلا يثبت الخيار للمسلم أو للكافر لكونه موجبا لتملك الكافر العبد المسلم فهو سبيل منفى، نعم لا بأس بثبوت الارش في مثل خيار العيب إذ ليس في مطالبة الارش سبيل. واما الخيارات التى تثبت بادلة نفى الضرر فنقول فيها بثبوت الخيار في البيع للمسلم دون الكافر من لزوم البيع ولكن مع ذلك لا يثبت للكافر خيار فان هذا الضرر انما حصل من كفره الموجب لعدم قابلية تملك المسلم الاما خرج بالنص والا لكان مالكا، فالضرر مبين على اقدامه وبالجملة ان هنا تفضيلان يكون الثاني مترتبا على الاول وان هنا تفصيل واحد منحل إلى تفصيلين. ويرد عليه وجوه على ما ذكره شيخنا الاستاذ وان لم يرد بعضها الاول انه لو كان الدليل هو ادلة نفى الضرر فلا يفرق في ثبوت الخيار بها، بين المسلم والكافر، بل يثبت لهما، وذلك لان ايجاد المقدمات الاعدادية للضرر لا يوجب منع شمول أدلة نفى الضرر على الاحكام الضررية المتوجهة على ذلك الشخص المعد لمقدمات الضرر، بل المناط في شمولها لموضوعها كون الحكم الشرعي ضرريا على المكلف بحيث يلزم من الالزام و التكليف ضرر عليه، وعليه فالكافر وان كان بنفسه هيأ مقدمات الضرر وكفر بالختياره ولكن لايمنع ذلك عن شمول ادلة نفى الضرر لما ترتب على ذلك المقدمة الاعدادية اعني الحكم ليكون البيع العبد المسلم عليه لازما ولو كان ضرريا، بل هذا الحكم الضررى يوجب خيارية العقد فيثبت له الخيار أيضا ولو كان ايجاد المقدمات الاعدادية للضرر موجبا بمنع شمول أدلة الضرر

[ 109 ]

عليه فلزم القول بعدم شمولها لامثاله سائر الموارد أيضا، مثلا فلو لم يتحفظ المكلف نفسه من البرد فمرض فلازم ما ذكره المصنف عدم ارتفاع الاحكام الضررية عنه لعدم شمول ادلة نفى الضرر عليه وكذلك إذا لم يتسهر فعجز عن الصوم ولزم منه ضرر عليه فلازمه عدم جواز الافتطار لكون الضرر مبنيا على مقدمة اعدادية هيهأ بنفسه، وهكذا إذا سافر إلى مكان لزم الصوم فيه أو اتيان امر واجب ضرر عليه للحرارة أو للبرودة أو غيرهما فلازم ما ذكره المصنف هو عدم شمول ادلة نفى الضرر عليه وهكذا ففى المقام ان الكافر وان كفرنبفسه واستعد لتوجه الضرر عليه ولكنه لايمنع عن توجه ادلة نفى الضرر عليه وشمولها له كما هو واضح. وبالجملة لو ثبت الخيار لا دلة نفى الضرر فيثبت لهما والا فلا يثبت لهما فلا وجه للتفصيل فاختيار أحد اطراف الامر التخييري ليس بضرر مع اختياره الطرف الاخر ولكنه ليس بتمام وكلام المصنف تمام من هذه الجهة. وذلك من جهة أن الاحكام الضررية وان ارتفعت بادلة نفى الضرر سواء ترتبت على المقدمات التى أوجدها شخص المتضرر أو لا ولكن ما نحن فيه ليس كك فان جواز الفسخ الذى هو معنى الخيار الموجب لتملك الكافر وهكذا بجواز بيع العبد المسلم منه مشروط باسلام الطرف والا فلا يجوز فحيث ان الكافر فاقد لهذا الشرط مع كون تحصيله في اختياره فلا يجوز فسخ عقده وان كان الفاسخ مسلما فعدم جواز الفسخ للكافر وجوازه للمسلم ليس ضرريا على الكافر، فان في قدرته ان يسلم ويفسخ، ولكن باختياره يختار البقاء على الكفر وهذا نظير اشتراط البيع بالخروج من الدار مثلا، والا فلا بيع، فلا يقال ان من لم يخرج منها مضطر إلى البيع إذ هو باختياره لم يخرج وهكذا وهكذا.

[ 110 ]

نعم، لو كان الامر منحصرا بالفسح في حال الكفر فقط ومع ذلك منع عن الفسخ يكون ذلك ضرريا عليه فليس كك وهذا نظير ما كان التوضى بالماء البارد ضررا وكان عنده ماء ان، فلا يتوهم ان الوضوء ضرر عليه فيرتفع بادلة نفى الضرر، بل هو متخير بين الامرين فمع اختيار احدهما يكون الحكم ضرريا عليه لا مطلقا ففى المقام أيضا كك. والحاصل: ان الضرر لا يترتب على الكفر الذى توهم كونه من المقدمات الاعدادية للضرر، بل الضرر مترتب على ترك الاسلام وعدم قبوله وهو باختياره ترك الاسلام فلم يتمكن من الفسخ والا لجاز فسخه لو اختار الاسلام. الثاني: ما ذكره من أن ادلة نفى الضرر لا يمكن ان يكون دليلا لشئ من الخيارات، كما سيأتي في بابها لعدم تكفلها على اثبات الحكم، وانما مفادها رفع الحكم الضررى فقط، وانما دليل مثل خيار الغبن ونحوه الذى توهم كونه ادلة نفى الضرر دليلا له هو الشرط الضمنى الذى يثبت الخيار من جهة التخلف به كما هو واضح. الثالث: لو سلمنا كون ادلة نفى الضرر صالحا للدليلية على بعض الخيارات ولكن ليس مقتضاه ثبوت الخيار هنا وتوضيخ ذلك انه لو قلنا بعدم حكومة آية نفى السبيل على ادلة البيع والخيارات كما منع عنه المصنف فيما تقدم حيث قال وحكومة آية نفى السبيل على ادلة البيع غير معلومة، فح تقع المعارضة بينهما في مورد بيع العبد المسلم من الكافر وفسخ البيع الموجب لتملك الكافر العبد المسلم معارضة العموم من وجه، فح تصل النوبة إلى الاصل العملي فهو في المقام استصحاب لزوم العقد اذن فيتقدم عليه دليل نفى الضرر فيثبت ما ذكره المصنف الا أنه لم يقل به المصنف، فان قلنا بالحكومة كما هو ظاهر المصنف، وان كان منع عنه سابقا ولكن ظاهر كلامه

[ 111 ]

العدول عنه بعده بان تكون آية نفى سبيل حاكمة على ادلة الخيارات و البيع كحكومة ما جعل عليكم في الدين من حرج على الاحكام الرجحية فح تقع المعارضة بينها وبين ادلة نفى الضرر لكون كل منهما حاكما على الادلة الاولية فالمعارضة بين الدليلين الحاكمين إذ الاية تنفى الخيار لكونه موجبا لتملك الكافر المسلم وسبيلا عليه وادلة نفى الضرر تثبته لكون لزوم ضرريا فح لا وجه لتقديم ادلة نفى الضرر على الاية من جهة قوة ادلتها لعدم الوجه على قوتها، اما من حيث السند فالاية مقطوعة الصدور بخلاف ادلة نفى الضرر فانها غاية الامر موثقة واما بحسب الدلالة فكك أيضا لان المفروض أن الاية شاملة لموارد تملك الكافر المسلم فلو لم تكن الآية متقدمة على أدلة نفى الضرر لقوتها فلا تتقدم أدلة نفى الضرر عليها لذلك كما لا يخفى، فافهم. ثم ان هنا توهما اشار إليه العلامة في القواعد ولم يسبقه أحد من انه لو باع الكافر المسلم من المسلم فوجد في الثمن عيبا جاز له رد الثمن واما استرداد العبد ففيه نظر، بل يرد بدله والا يلزم السبيل المنفى بالآية. واجاب عنه المصنف بان في رد البدل أيضا سبيل ولذا حكموا بسقوط الخيار فيمن ينعتق على المشترى ولو لا هذا لا مكن توجيه كلامه ان مقتضى الجمع بين الادلة ونفى السبيل ثبوت الخيار والحكم بالقيمة فيكون نفى السبيل مانعا شرعيا من استرداد الثمن كنقل المبيع في زمن الخيار و كالتلف الذى هو مانع عقلي. واما ما ذكره المصنف فلا جه له بوجه فان استحقاق الكافر البدل ليس سبيلا على المسلم والا لزم كون استيفاء الثمن أيضا سبيلا وأما سقوط الخيار

[ 112 ]

في بيع من ينعتق على الكافر فمن جهة عدم قابلية المورد لذلك لصيرورته حرا بمجرد البيع فلا يبقى مجال للرجوع إلى البدل أيضا، واما مطالبة القيمة في التلف في زمن الخيار أو النقل فيه الذى لا يمكن رد العين فيه فمن جهة ان للمالك حق مطالبة عين ماله فحيث لا يتمكن منه فيطالب ببدله لا أن له الخيار بحيث يفسح العقد ويطالب ببدله أو قيمته فانه لا دليل عليه بوجه كما هو واضح. وأما ما افاده العلامة ففيه انه ان ثم دليل الخيار فيسترد العين و الا فلا، واما رد القيمة فلا مقتضيب له أصلا ثبت له الخيار ام لم يثبت و محصل الكلام من الاول وتحقيقه ونتيجته في المعاملات فهو اما انه تارة نقول باختصاص الاية ينفى الجعل تكوينا بمعنى ان الكافر ليس له سبيل تكوينا على المؤمن كما استفيد ذلك من الاية صدرا وذيلا وباتيان النفى بلن وحيث ليس في الدنيا كك فتختص بالاخرة خصوصا بقرينة قوله تعالى: (ان الله يحكم بينكم يوم القيمة) وعلى هذا فتكون آية أجنبية عن المقام بالكلية. واخرى نقول باختصاصها بالنفى التشريعي، أي لن يجعل الله في عالم التشريعي سبيلا للكافر على المؤمن، فتكون ح حاكمة على جميع الاحكام الاولية كحومة نفى العسر والحرج عليها وعلى هذا فان لم تشمل الملكية أو شككنا في شمولها عليها فكا لاول فلا تشمل المقام، وان كانت شاملة عليها لكون ملكية الكافر على السملم سبيلا عليه، وسلطنة عليه فكما تكون حاكمة على سائر الاحكام، فتكون حاكمة على العمومات الدالة على حصول الملك كأوفوا بالعقود، ونحوه، فلا يجوز بمقتضى الاية بيع العبد المسلم من الكافر وتملكه له الا فيما دل دليل الخاص على جواز التملك

[ 113 ]

كما ادعى الاجماع على ذلك في الارث واما في غير موارد الاجماع وعدم الدليل على التملك فتكون آية نفى السبيل محكمة كاذهب إليه المصنف. وان كانت الاية شاملة لكل من نفى الجعل التشرعية والتكوينية بارادة الجامع من السبيل الشاملة لهما وشملت للملكية أيضا فلا تكون الاية حاكمة على سائر الاحكام ولا على ادلة صحة المعاملات فان حكومتها عليها في فرض اختصاصها بالنفى التشريعي وعلى فرض ارادة الجامع فيكون النفى التشريعي من مصاديق الاية، وح تقع المعارضة بينها وبين أدلة صحة المعاملات (كأوفوا بالعقود) بالعموم من وجه فحيث ان عموم دليل الوفا بالعقد وضعي لكونه جمعا محلا باللام، وعموم الاية بالاطلاق لكونه من جهة وقوع النكرة في سياق النفى الذى ثبت عمومه بمقدمات الحكمة فيكون أوفوا بالعقود مقدما على آية نفى السبيل إذا فيحكم بجواز بيع العبد المسلم من الكافر. هذا كله في المعاملات التى تقدمت، واما الخيارات فأيضا أن أريد من الاية خصوص النفى التكويني فتكون اجنبية عن المقام، وان اريد منها النفى التشريعي فتكون حاكمة أيضا على جميع الاحكام ومع ذلك لو لم تشمل للملكية أو شككنا في شمولها لها فتكون أجنبية عن المقام أيضا فلا تكون حاكمة على أدلة الخيارات كما لم تكن حاكمة على أدلة البيع أي اجنبية عن ما نحن فيه. وان قلنا بشمولها للملكية أيضا فتكون حاكمة على أدلة الخيارات كما كانت حاكمة على أدلة المعاملات فيحكم بلزوم البيع ولزوم سائر المعاملات الواقعة عليها عند نقل الكافر ذلك من ملكه إلى غيره. وان قلنا بعموم الاية للنفي التكويني والتشريعي بارادة الجامع من

[ 114 ]

السبيل فلا تكون حاكمة، ح على ادلة الخيارات كما تقدم في المعاملات بل تقع المعارضة بين الاية وبين أدلة الخيارات بالعموم من وجه وبما انا ذكرنا في الاصول انه إذا تعارضة الاية مع الروايات بالعموم من وجه تتقدم الاية على الرواية لشمول الاخبار المتواترة الامرة بطرح ما خالف كتاب الله أو أنه لم نقله أو زخرف إلى غير ذلك من المضامين لصورة المعارضة بالعموم من وجه فإذا تتقدم آية نفى السبيل على أدلة الخيارات. ولكن لا تجرى هذه الكبرى في خصوص المقام ولا تنطبق عليه وذلك من جهة انا لانحتمل جواز بيع العبد المسلم من الكافر وعدم جواز فسخه العقد، بل إذا جاز البيع جاز الفسح بطريق اولى وهذا بخلاف العكس، فانه يمكن الالتزام بجواز الفسخ ولا نلتزم بجواز البيع وعلى هذا فتقديم الاية على أدلة الخيارات يستلزم عدم جواز الفسخ وقد قلنا بجواز البيع بتقديم دليل الوفاء بالعقد على آية (نفى السبيل) وعلى هذا لو قدمنا الاية على أدلة الخيارات فلازمه تقديمها على أدلة البيع أيضا، لوقوع المعارضة بين الاية (نفى سبيل) وبين آية (اوفوا) بالملازمة المذكورة فحيث عرفت أن عموم أية اوفوا بالعقود بالوضع وعموم آية نفى السبيل بالاطلاق، فتكون آية اوفوا، مقدمة على آية نفى السبيل فتكون أدلة الخيارات متقدمة عليها لتعاضدها بآية (أوفوا)). وبالجملة عند معارضة الاية مع الرواية بالعموم من وجه وان كانت الاية مقدمة على الرواية وليس ذلك لتعارض الايتين ليحكم بالتساقط لو لم يكن في أحدهما ترجيح بحسب الدلالة ولكن إذ تعاضدت الرواية بآية تكون تلك الاية في نفسها عند معارضتها بآية الاخرى المعارضة مع الرواية مقدمة عليها فقهرا تكون الرواية أيضا مقدمة على الاية لاجل تلك المعاضدة، كما

[ 115 ]

لا يخفى. اذن فلا بد من العمل بأدلة الخيارات فيثبت جواز الفسخ للكافر و للمسلم كليهما، كما كان جواز البيع ثابتا لهما بان يبيع المسلم العبد المسلم من الكافر، غاية الامر بمجرد الفسخ يجبر على البيع ثانيا كما انه يجبر على البيع مع الشرى ابتداء. هذا كله بالنسبة إلى أدلة الخيارات غير ما إذا كان المدرك هي قاعدة لا ضرر، فلا شبهة أن كل واحد من قضية لاضرر وآية نفى السبيل يكونان حاكمتين على الادلة الاولية في عرض واحد وتقع المعارضة بين الدليلين الحاكمين بالعموم من وجه فما ذكره المصنف من تقديم أدلة نفى الضرر لقوته على الاية بلا وجه، بل لابد من تقديم الاية على القاعدة بناء على ما ذكرناه من لزوم تقديم الاية على الرواية عند المعارضة بالعموم من وجه ويتساقطان فتصل النوبة إلى أدلة صحة البيع ولزومه، لان المانع عنه انما كان هو دليل نفى السبيل للحكومة فإذا ابتلى بالمعارضة فانتفى العموم الدال على الزوم. ولكن لخصوصية المورد أيضا لابد من تقديم قاعدة لاضرر على الاية ولكن لخصوصية المورد أيضا لابد من تقديم قاعدة لا ضرر على الاية لمعاضدتها بآية (أوفوا بالعقود) فان تقديم آية (نفى السبيل) بالملازمة تنفى تقديم آية (اوفوا بالعقود) فان نفى الخيار والحكم بالزوم البيع بآية نفى السبيل تقديمها على دليل الوفاء بالعقود إذ لا يحتمل الالتزام بعدم جواز الفسخ والالتزام بجواز البيع، بل لو التزمنا بعدم جواز الفسخ فعدم جواز البيع اولى كما تقدم، اذن فالمعارضة بين آية (نفى السبيل) وقاعدة (لاضرر) المعاضدة بآية (أوفوا بالعقود) بحيث ان عموم دليل الوفاء بالعقد وضعي وعموم آية نفى السبيل اطلاقي، فيتقدم على آية نفى السبيل فيحكم بجريان الخيار في بيع العبد المسلم على الكافر للمسلم والكافر بناء

[ 116 ]

على صحة كونها مدركا لثبوت الخيار. فتحصل أنه لادليل على عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر وعليه ففى كل مورد تحقق الاجماع على المنع كما في البيع ابتداء فيتبع والا فيحكم بالجواز، كالفسخ، إذ لا نطمئن بشمول الاجماع للفسخ أيضا، فإذا فسخ الكافر العقد وتملك العبد ثانيا فأجبر على البيع أيضا ثانيا كما لا يخفى. استدراك مما تقدم وهو انا ذكرنا تقديم عمومات الصحة على آية نفى السبيل عند معارضتها معها أو بأدلة الخيارات وكذلك ذكرنا تقديم أدلة نفى الضرر على آية نفى السبيل عند حكومتهاو حكومة آية نفى السبيل على سائر الادلة الا أن هذا الاخير ممنوع، إذ بعد حكومة الاية مع ادلة نفى الضرر على سائر الادلة لا وجه لمعاضدة أدلة نفى الضرر بالعمومات بالملازمة كما كان هو الميزان في تقديمنا أدلة المضار على غيرها. في حرمة بيع المصحف من الكافر قوله: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر. أقول: ان قلنا بعدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر وكان المدرك فيه هو الاجماع، فلا شبهة في عدم شموله للمصحف لا يمكن التعدي من مورده الذى هو المتيقن منه، وان كان المدرك الاية أو الروايات، فقد أدعى شمولها بالمصحف بالاولوية القطعية الا أنها ممنوعة كما هو واضح. وتوضيح ذلك ان محل الكلام هنا انما هو مطلق نقل القرآن إلى الكافر ولو بالهبة والارث، بل لو ملكه المسلم فكفر فهو أيضا داخل في محل النزاع حتى لو كتبه في قرطاس ونحوه والا قد منع بعضهم كالمصنف وغيره من

[ 117 ]

الاعاظم من بيع المصحف من المسلم أيضا. ثم ان هذا فيما لم يكن النقل مستلزما للجهات الخارجية الطارية على النقل من مثل الهتك أو مس اليد، والا فيكون داخلا في بيع المباح ممن يعلم أنه يصرفه في الحرام كبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا وبيع الخشب ممن يعلم أنه يصنعه صليبا أو صنما. وبالجملة فمحظ البحث هنا ما إذا كان النظر إلى مجرد النقل فقط كأن اشتراه الكافر مثلا ليوقفه على المسلمين أو يجعله في مكتية أو يحفظه في صندوق ونحو ذلك، وأما لو اقترن إلى الجهات الخارجية فلا اشكال في الحرمة من غير اختصاص له بالكافر أصلا، ثم لاوجه للحكم بالكراهة ها كما توهم، بل ان تم الدليل فيحكم بالحرمة والا فيحكم بالجواز بلا كراهة. ثم ان كان مدرك الحكم في حرمة بيع العبد المسلم من الكافر هو الاجماع فلا شبهة في عدم شموله للمصحف لكونه دليلا لبيا فيراد به المتيقن وان كان المدرك هو آية نفى السبيل أو الروايات فيستدل بها على المقام بالفحوى كما سلكه المصنف وهو من ان الوجه في ذلك هو لزوم مراعات احترام المؤمن احتراما يقتضى نفى سبيل الكافر عليه وهو يستدعى بالاولوية القطعية حرمة بين المصحف أيضا، إذ هو أعظم احتراما ودرجة من المؤمن، بل عليه يدور اساس الاسلام، بل لو دار الامر بين حفظه وحفظ الاف من المؤمنين يكون حفظه مقدما عليهم كما كان الامر كذلك من صدر الاسلام و بدوه. وعلى هذا فإذا نفى سبيل الكافر على المؤمن فبالاولوية ينفى سبيله على القرآن أيضا فيحرم نقله إليه بأى عنوان كان. وفيه اولا نمنع كون مناط المنع في بيع العبد المسلم من الكافر هو الاحترام

[ 118 ]

وحفظ شئون المؤمن، بل يمكن ان يكون الوجه فيه هو شئ آخر وهو مبغوضية نفس تملك الكافر أو حكمة أخرى لا سبيل لنا إليها. وعلى تقدير قبول المناط فنمنع الاولوية في ذلك إذ لا نسلم ان يكون احترام مطلق القرآن أولى من احترام المؤمن، بل انما هو نشأ من الخلط و الاشتباه إذ ما يجب احترامه وفداء النفوس له والجهاد لحفظه انما هو القرآن الكلى الجامع بين الاشخاص بحيث بزواله زال الدين وانهدم شريعة سيد المرسلين وقد استفدى بذلك الانبياء والاوصياء نفوسهم فضلا عن المؤمنين، بل ما من امام الا وقد قتل لاحياء القرآن وقوانينه وهذا أمر واضح لا شبهة فيه. وأما كونه حفظ شخص القرآن المطبوع في مطبعة فلانية أولى من المؤمن غير معلوم، بل معلوم العدم، فان حفظ المؤمن أعظم درجة من ذلك ولا نحتمل ان بشك أحد في أنه لو دار الامر بين اتلاف قرآن بالقائه بالحبل المشدود فيه لانقاذ مؤمن وبين تلف المؤمن أن انقاذ المؤمن مقدم، وكذلك لو دار الامر بين موت مؤمن جوعا وبين اتلاف القرآن لحفظه فلا شبهة في كون الاول مقدما على الثاني. وبالجملة ما يكون حفظه أولى من حفظ المؤمن فخارج عن محلا الكلام و ما ليس كذلك فلا نسلم الاولوية فيه. على أنه ربما يكون البيع موجبا للاحترام إذ كثيرا ما يطالعه ويهتدى به فلو لم يباع كيف يطلع على قوانينه الوافية يتهدى به فأحترامه يقتض البيع لعله يوجب الارشاد وتوهم استلزامه الهتك مدفوع لما عرفت ان محل الكلام انما هو مع قطع النظر عن الجهات الخارجية كما لا يخفى. وعلى تقدير ثبوت الحكم هنا، فهل يثبت في الاخبار المتواترة فيه

[ 119 ]

خلاف، ولا شبهة في عدم الشمول لو كان المدرك هو الاجماع لعدم شموله للمصحف فضلا عن شموله للاخبار المتواترة. وأما لو كان مدرك الحكم هي الاية أو الروايات فأيضا لا تشمل الاخبار المتواترة لعدم الاولوية هنا قطعا لو كانت ثابتة في المصحف بل يكفينا الشك كيف فهل يتوهم أحد أنه إذا دار الامر بين حفظ النفس وبين حفظ الخبر المتواتر أمن حفظ الخبر المتواتر مقدم. وعلى تقدير ثبوت الحكم في الخبر المتواتر فلا يشمل الخبر الواحد، فان مجرد الحجية لا يوجب ثبوت جميع الاحكام عليه كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ ثم العجب من المصنف حيث استشكل في دليل الحكم واستحسن ما ذكروه فانه لا ندري انه بعد التأمل في المدرك هل الفتوى بلا دليل حسن وهو أعرف بالحال. القول في شرائط العوضين قوله: يشرط في كل منهما كونه متمولا. أقول: محصل كلامه أن من جملة شرائط العوضين أن يكون متمولا لان البيع في اللغة مبادلة مال بمال، وبهذا يحترز عما لا نفع فيه كالخنافس والديدان لخستها، وكذلك مثل الحبة من الحنطة فما لم يتحقق في الشئ التمول والانتفاع به فاحرز كونه أكلا للمال بالباطل عرفا، فالظاهر فساد المعاملة وان لم يحرز فيه ذلك، فان ثبت بدليل أو اجماع انه لا يجوز بيعه اخذ به والا فيرجع إلى عمومات صحة البيع والتجارة والى الرواية الخاصة و هي قوله عليه السلام في رواية تحف العقول وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح

[ 120 ]

من جهة من الجهات فكل ذلك حلال بيعه وشراؤه. وفى كلامه مواقع للنظر، الاول: اعتبار المالية في العرضين في البيع لقول المصباح وذلك لعدم حجية قوله، يكفى في صحة المعاملة على ما ليس بمال مجرد الغرض الشخصي، كما إذا اشترى مكتوبة جده بقيثمه عالية للابقاء مع عدم كونها قابلة للمعاوضة أو اشترى خنفساء بقيمة أو عقربا بقيمة كذا، للجل المداوى ونحوها كما لا يخفى، وقد تقدم في أول البيع جواز كون الحقوق ثمنا في المعاملة بان باع شيئا ليرفع المشترى يده من حقه الفلاني صحيح والوجه في ذلك كله هوان البيع تبديل بين الشيئين برفع اليد عن أحدهما الاخر موردا للحق كما لا يخفى، فغاية الامر يمنع ذلك عن التمسك بعمومات مادل على صحة البيع بالخصوص، واما ما دل على صحة مطلق العقود والتجارة عن تراض فلا، إذ لاشك في صدق التجارة عن تراض، والعقد على المعاملة الجارية على ما ليس بمال لماعرفت في بعض تنبهات المعاطات ان في العرف لا يصدق عليه البيع، بل الثمن والمثمن على العوضين بل يصدق عليه مجرد المبادلة والمعاوضة كتبديل ثوب بثوب عباء بعباء، وهكذا، ولا شبهة في صحة ذلك لاوفوا بالعقود، وتجارة عن تراض، والسيرة القطعية كما هو واضح. والثانى: ما التزم به من انه مع الشك في التمول ان احرز كون المعاوضة أكلا للمال بالباطل فيكون فاسدا. ووجه الضعف انه بناء على كون المراد من الاية ما فسر به المصنف من ارادة المعاملة السفهية كالمعاملة على ما لانفع فيه، والغرض عما ذكرناه من كونهما ناظرة إلى الاسباب انه لا يجتمع احتمال المالية مع صدق الاكل مال بالباطل، إذ معنى صدق أكل المال بالباطل انه ليس بمال ليكون أكل

[ 121 ]

المال بازائه أكلا له بالباطل، ومعنى الشك في التمول احتمال كونه مالا فما يحتمل في ماليته لا يكون من أكل المال بالباطل. الثالث: ما تمسك به بعد عدم احراز كونه من أكل المال بالباطل من العمومات، وحكمه بالصحة بها، وبرواية تحف العقول، ووجه الضعف اما رواية تحف العقول فقد تقدم الكلام في ضعفها واضطرابها. وأما العمومات، فالتمسك بها مع التمول الموجب للشك في صدق البيع تمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو واضح. قوله: ثم انهم احترزوا باعتبار الملكية في العوضين. أقول: لم يعتبر المصنف الملكية في العوضين ليحترز بها عن غير الملك كما هو واضح. ودعوى اتحاد الملكية والمالية فاسد إذ بينهما عموم من وجه والشئ قد يكون ملكا ولا يكون مالا كحبة من الحنطة وقد يكون مالا ولا يكون ملكا لاحد كالمباحات الاصلية وقد يجتمعان فاعتبار المالية لا يدل على اعتبار الملكية. بل لاوجه لاعتبار الملكية في العوضين أصلا، إذ البيع ليس الا التبديل بين الشيئين قطع علاقة كل من المتبايعين عنهما واحداث علاقة اخرى فيهما وقد تقدم في أول البيع جواز كون الحق ثمنا في البيع كأن يبيع شيئا على ان يرفع المشترى يده عن حقه كالتحجير وغيره من الحقوق. ويدل على ذلك جواز بيع الكلى في الذمة مع انه ليس ملكا لاحد أصلا وانما تحصل الملكية للمشترى بالشرى ويملك على ذمة البايع ومن هنا نقض الامام عليه السلام على العامة لعدم قولهم بصحة بيع الكلى ببيع السلم لانها من واد واحد كما تقدم في الاخبار المتقدمة في البيع الفضولي. نعم، تعتبر الملكية في البيوع الشخصية للاخبار الخاصة من قولهم

[ 122 ]

عليهم السلام لاتبع ما ليس عندك كبيع مال الغير قبل الشرى وبيع الطير في الهواء والسمك في البحر، قبل الاصطياد، فانها من قبيل بيع ما ليس عنده ومن اظهر مصاديقه فلا شبهة في بطلانه. بل، يمكن ان يقال بعدم اعتبارها في الاعيان الشخصية أيضا إذ معنى قولهم لاتبع ما ليس عندك هو ان ما ليس بمقدور التسليم لا يجوز بيعه بوجه، لا انه يجب ان يكون مملوكا للبايع. واما قولهم عليهم السلام لابيع الا في ملك، فقد تقدم في بيع الفضولي ان المراد من الملكية ليس مكية العين الشخصية، بل المراد منها مالكية البايع، التصرف من البيع ونحوه ككونه وليا للمالك أو وكيلا أو مأذونا من قبله وهكذا. ثم انه على تقدير اعتبار الملكية في العوضين لاوجه للاحتراز بها عن الاراض المفتوحة عنوة، فانها ملك بلا اشكال، نعم ليس بطلق فإذا اريد الاحتراز عنها فلابد من تقييد الملك بالطلق كما هو واضح. ثم بين المصنف اقسام الملك من أنه: - تارة يكون طلقا لاحد كالا ملاك الخاصة. وأخرى لا يكون ملكية العين طلقا، وانما يكون تملك بمنافعه طلقا، كالاوقاف الخاصه، حيث انها ليسست ملكا طلقا لاحد من الموقوف عليهم ولكن منفعتها ملك طلق لهم، ولهم مالكية مطلقة لذلك. وثالثة: لا تكون ملكية العين ولا ملكية المنفعة طلقا لاحد، ولكن إذا قبضت المنفعة تكون ملكا طلقا للقابض كالاوقاف العامة إذ هي ومنافعها ليست ملكا طلقا لاحد ولكن إذا قبضوا منفعة يكون ملكا لهم بلاشبهة. ورابعا: ان لا يكون ملكا طلقا لاحد لا عينا ولا نفعا ولكن إذا قبضوا

[ 123 ]

تكون العين والمنفعة كليتهما ملكا للقابض وذلك كحق السادة والفقراء في الزكاة، وفى الخمس إذ هما ليسا ملكا طلقا لاحد منهم، بحيث إذا مات أحدهم فليقم وارثه مقامه إذ المالك هو الكلى فهو باق على حاله وانما ملك كل منهم العين ونفعها بعد القبض ملكا طلقا، واما سهم الامام عليه السلام ففيه خلاف. فالا راضى المفتوحة عنوة خارجة عن جميعها، أما عدم كونها ملكا طلقا لاحد فواضح، واما عدم كونها من سائر الاقسام فأيضا كذلك فانها لا تكون ملكا لاحد قبل القبض وبعده، وانما منافعها تصرف في مصالح المسلمين. الكلام في احكام الاراضي ثم ان المصنف نقل الكلام إلى أقسام الاراضي لمناسبة ذكر بعض أقسامها وقد ذكرنا في آخر المكاسب المحرمة وحاصل الكلام هنا ان الاراضي على أربعة اقسام: الاول: ما يكون مواتا بالاصالة بان لم تكن مسبوقة بالعمارة. الثاني: أن تكون معمورة بالاصالة لا بمعنى كونها معمورة عند الخلقة وقبل خلق الخلق، بل بمعنى كونها معمورة بلا معمر كرؤس الجبال وبطون الاودية والاشجار في البحر والبر. الثالث: ما عرض له الموت بعد الحياة كأرض الكوفة، بل ارض العراق إذ كانت اراضى معمورة ولذا كانت تسمى بأرض سواد. الرابع: ما عرض له الحياة بعد الموت. فهذه هي الاقسام الاربعة. أما القسم الاول والكلام فيه من جهات: أما الاولى: فالارض الموات كلها للامام عليه السلام للاجماع المحصل

[ 124 ]

والمنقول وعدم الخلاف بين الفقهاء، وللاخبار الكثيرة، وفى المتن انها مستفيضة بل متواترة. وفيه أن أصل الحكم وان كان مسلما ومجمعا عليه بين الفقهاء كما عرفت ولكن الاخبار الواردة فيها ليست مستفيضة فضلا عن كونها متواترة وذلك لان جملة منها واردة في الارض الخربة التى باد عنها أهلها وبقيت خربة فهى اجنبية عن المقام، فان كلامنا في الموات بالاصل لا ما يكون كك بانجلاء اهلها ولذا عنوانها في وسائل في باب الخمس بعنوان آخر فما هو موات بالاصل لا تطلق عليه الخربة، ورواية واحد واردة في خصوص الارض الموات في باب احياء الموات من وسائل فلاتحقق بها الاستفاضة والتواتر. نعم، في جملة من الروايات في ج 2 وسائل باب الانفال من الخمس الارض التى ميتة لارب لها فهى للامام عليه السلام، فلا شبهة في شمولها للموات من الارض من غير اباد اهلها ولكنها ليست بمتواترة أيضا ولا مستفيضة. نعم، لو كان المراد بالاستفاضة هو كونها ثلاثة أو أربعة فلا باس باطلاق المستفيضة عليها. وبالجملة ان الغرض بيان عدم استفاضة الروايات وتواترها والافاصل الحكم مسلم، بل يمكن الاستدلال على ذلك بآية الانفال لكونها للامام عليه السلام غاية الامر نثبت الصغرى بدليل أخر، أي كونها انفالا فلا شبهة في ذلك للاطباق الروايات على كونها موات الارض من الانفال. أما الجهة الثانية: فهل يشترط في التملك بها مجرد قوله (عليه السلام) في النبوى موتان الارض للامام عليه السلام ثم هي لكم أيها المسلمون وكك في النبوى الاخر بحيث يكون بذلك ملكا للمسلمين بالسبق إليها، وان لم

[ 125 ]

يحيوها أو لابد في ذلك من الاحياء فظاهر النبويان وان كان هو الملك بذلك ولكن مضافا إلى ضعف السند فيهما انهما مقيدان بالاحياء فلا يكون ملكا لاحد بدونه كما في جملة من الروايات وبالجملة ان التملك مشروط بالاحياء فلا يتملك تلك الاراضي بدون الاحياء فلا يعمل بالنبويان. الجهة الثالثة: ان الحلية والملكية بالاحياء مختصة بالشيعة أو يشمل غيرهم من المسلمين أو لكل من أحياها مسلما كان أو كافرا، والكافر أيضا ذميا كان أو حربيا، فظاهر بعض الاخبار وان كان هو اختصاص ذلك بالشيعة الا أن النبويان المتقدمان يدلان على شمول الحكم لمطلق المسلمين ولكنها ضعيفة السند، بل يمكن أن يراد من المؤمن في بعض الاخبار من احياها من المؤمنين مطلق المسلم الذى آمن بالله وبرسوله وبيوم الاخر، أي المؤمن في القرآن. ولكن يكفى في عموم الحكم لغير الشيعة أيضا العمومات الواردة في مورد شراء الارض من الذمي فقالوا (ع) أي قوم أحيوا ارضا فهى لهم وهم أحق بها، فان المورد وان كان هو الذمي، ولكنه لا يكون مخصصا بعد عمومية الجواب فيكون شاملا لمطلق المحيى مسلما كان أو كافرا ذميا كان أو كافرا حربيا وهذا الاخبار مذكورة في وسائل في أحياء الموات، وما دل من الاخبار على كون موات الارض للشيعة بالاحياء لا توجب التخصيص لعدم التنافى خصوصا مع الاحتمال المذكور من كون المراد من المؤمن مطلق من آمن بالله وبرسوله وبيوم القيامة في الاخبار التى ذكر فيها المؤمن ومن هنا قال صاحب وسائل في عنوان المطلب ان الذمي إذا أحيى مواتا من أرض الصلح فهى له قبل هذا الباب فعنوانه أيضا مطلق يشمل مطلق المحيى وان كان من غير المسلم.

[ 126 ]

والجهة الرابعة: في أن الخراج الثابت في تلك الاراضي على المحيى هل هو ثابت لكل من أحياها شيعة كان أو غيرها، أو ثابت لغير الشيعة و ربما يقال بثبوته لكل من أحياها ولو كان المحيى هو الشيعة لصحيحة الكابلي فمن أحيى من الارض من المسلمين فيعمرها وليؤد خراجها إلى الامام (عليه السلام) من أهل بيتى وله ما أكل منها. ولمصححة عمربن يزيد يقول: من أحيى أرضا من المؤمنين فهى له و عليه طسقها يؤديه إلى الامام (ع) في حال الهدنة فإذا ظهر القائم عليه السلام فليوطى نفسه على أن يؤخذ منه الخبر، فالظاهر منها ان الحكم أعم فلابد لكل من أحياها اعطاء الخراج إلى الامام (ع) وعليه فيشكل القول بعدم وجوبه للشيعة لذهاب المشهور، بل فقهائنا أجمع إلى عدم وجوب الخراج لهم، وحملها المصنف على وجهين، الاول: أنه يمكن حملها على بيان الاستحقاق ووجوب ايصال الطسق إذا طلب الامام (ع) لكن الائمة بعد أمير المؤمنين عليه السلام حللوا لشيعتهم واسقطوا ذلك عنهم، كما يدل عليه قوله (ع) ماكان لنا فهو لشيعتنا، ويحتمل حمل هذه الاخبار المذكورة على حال الحضور والا فالظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب مال الامام في حال الغيبة، بل الاخبار متفقة على أنها لمن أحياها. الا أنها بعيدان، بل اجنبيان عن ظهور الروايتين. أما الاول: فلان الظاهر من الروايتين ايصال الطسق إلى الامام (ع) في حال الهدنة كما هو ظاهر رواية عمربن يزيد، ووجوب اخراج الخراج إليه كما هو ظاهر رواية الكابلي فحملهما على مجرد الاستحقاق خلاف الظاهر، بل خلاف الصراحة. وأما الثاني، فلان الظاهر منها أيضا اخراج الخراج وايصاله إلى الامام

[ 127 ]

(عليه السلام) مطلقا ولوفى حال الغيبة ولذا قال (ع) في ذيل رواية عمر ابن يزيد فإذا ظهر القائم فليوطى نفسه على أن يؤخذ منه يعنى اذالم يعطى ذلك الشخص الذى الارض تحت يده فليوطن الامام نفسه لاخذه منه. وبالجملة فليس في شئ من الروايتين ما يدل على الفرق بين الحضور والغيبة والاولى حملهما على غير الشيعة للاخبار الدالة على تحليل الاراضي للشيعة وكونهم محللون فيه كما في رواية مسمع وغيرها ويؤيد ذلك التفريق بين الشيعة وغيرها في رواية مسمع قال (ع): فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجيئهم طسق ماكان في أيدى سواهم فان كسبهم في الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا ويأخذ الارض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة، وأيضا يؤيد ذلك ذيل رواية عمربن يزيد من قوله فإذا ظهر القائم فيوطن نفسه على أن يؤخذ منه مع ان قوله فيجيئهم طسق مافى أيديهم ظاهر في ان الخراج على الشيعة بعد قيام الحجة وأما قبله فلا خراج عليهم وكك الاخبار الدالة على أن الارض كلها للامام (ع) فالشيعة فيها محللون إذ لا معنى للخراج بعد ثبوت التحليل فيها الشامل للموات بالاصل أيضا. وبالجملة لاشبهة في دلالة غير واحد من الروايات على عدم ثبوت تحليل ما للامام من الاراضي لغير الشيعة بدون الخراج وكون كسبهم فيها حراما أدل دليل، وأقوى قرينة على ما ذكرناه من حمل الروايتين على غير الشيعة. كما هو واضح. وتوهم كون مورد هما هي الشيعة فلا يمكن حملهما على غيرها توهم فاسد بداهة ان رواية الكابلي ليس فيها سؤال حتى نرى أنه شيعي أم غير شيعي وأما رواية عمربن يزيد، فالراوي فيها وان كان شيعيا ولكن المورد هو الرجل

[ 128 ]

الشامل للشيعة وأهل السنة فلاوجه لحمله على الشيعة، بل نسخة الوسائل سئل رجل من أهل الجبل ومن الواضح أن أهل الجبل سنى، بل ناصبى، في زماننا هذا فضلا عن الزمان السابق الذى لم يكن من الشيعة أسم ولا رسم. ويؤيد هذا الحمل مافى ذيل رواية عمربن يزيد من قوله (عليه السلام) فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه ومن المعلوم أنه لو كان المراد منهم هي الشيعة لم يأخذ الامام (ع) الارض منهم، بل يبقى عندهم ويأخذ منهم الخراج وأوضح تأييد لذلك قوله (ع) في رواية مسمع التفصيل بين الشيعة وغيرهم و جعل الشيعة في حل في الخراج وأما غيرهم فان كسبهم في ذلك حرام فان حليته مشروطة باعطاء الخراج فلم يعطوها للامام (ع) فيجئ الامام (ع) فيخرجهم عنها صفرة أي خالية اليد أوصغرة، أي صاغرا وذليلا على حسب اختلاف النسخة فيعلم من ذلك أن الخراج لغير الشيعة وأما الشيعة فهم في حل من ذلك ومع الغض عن جميع ذلك فالروايات الدالة على حلية الاراضي للشيعة في حال الغيبة تكون مقيد لهاتين الروايتين وبالجملة لامانع من حملها على غير الشيعة بوجه. قوله، وسيأتى حكاية اجماع المسلمين على صيرورتها ملكا بالاحياء. أقول: المشهور، بل المجمع عليه أن الاراضي الموات بالاصل تكون ملكا لمن أحياها ولكن الظاهر خلافه، وتوضيح ذلك أن الاخبار الواردة في ذلك على ثلاث طوائف: - الاولى: مادل على أنها لمن أحياها وأنها له. والثانية: مادل على أن المحئ أحق بها من غيره. والثالث: ما جمع الامرين اللهية والاحقية ولا شبهة أن ما اشتمل على اللام

[ 129 ]

في كونه ظاهرا في افادة الملكية ولكن لابد من رفع اليد عن ظهوره وارادة مجرد الاختصاص من ذلك وذلك من جهة أنه ذكر في جملة من الاخبار التى تقدم بعضها في الجهة الرابعة أن غير الشيعة لابد وان يعطى الخراج، والا فيكون كسبهم في تلك الاراضي حراما ومن الواضح أنه لا معنى لحرمة الكسب في ملك نفسه، ووجوب اخراج الخراج منه فيعلم من ذلك أنه لم يحصل بالاحياء الا مجرد حق الاختصاص واللام في قولهم من أحيى أرضا فهى له، المجرد الاختصاص. وبالجملة فيدور الامر بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية وبين اللتزام بورود التخصيص على دليل السلطنة أو الالتزام بتصرف الامام (ع) في ملك الغير بولايته الشخصية بحيث حكم بثبوت الخراج والا فيكون الكسب حراما فلا شبهة أن الاول أولى وأسهل للالتزام كمالايخفى وعلى هذا فيكون الحكم بعد جواز الكسب على طبق القاعدة وكذلك اخراجهم من الارض و اخذها منهم بعد ظهور الحجة فان الملك ملك الغير فإذا لم يف المتصرف على ما شرطه عليه مالك الارض فيكون كسبه حراما على حسب القواعد لكونه غصبا. ومن هنا اندفع ما توهم من أن التملك مشروط باداء الخراج فإذا منعوا عنه فلا يكون الملك حاصلا. ووجه الاندفاع أنه لا معنى للخراج مع الملكية وأن رفع اليد عن الملكية أسهل من رفع اليد عن دليل السلطنة أو اللالتزام بتصرف الامام عليه السلام في مال الغير مع كونه للغير بالولاية وهذا بخلاف ما قلنا أن الارض ملك للامام وجواز التصرف فيها مشروط باعطاء الخراج والافيكون حراما كما هو كذلك في جميع الموارد بحسب القواعد.

[ 130 ]

ويدل على ذلك مضافا إلى ما ذكرناه امران، الاول: ما ورد في الاخبار الكثيرة من أنه ليس لمحيى الارض تعطيلها والا فلغيره احيائها واجراء انها رها فيكون أحق به من غيره وقد عقد في الوسائل بابا لذلك في احياء الموات وان لم يتعرض له الفقهاء فلو كان الاحياء موجبا للملكية فلماذ اسقط حقه بالتعطيل ازيد من ثلاث سنوات فان الناس مسلطون على أموالهم يفعلون فيها ما يشائون فهل لاحد ان يزاحمه في أموالهم الشخصية لمكان التعطيل فيعلم من أنه لم يثبت لمحيى الارض الاحق الاختصاص فيزول بالعطلة أو بعدم الوفاء بالشرط أعنى اعطاء الخراج، نعم حلل ذلك لشيعة كما هو واضح. الامر الثاني: انه لو كانت الاراضي الموات بالاصل مملوكة للمحيى لكان ملكا لهم دائما مع أنه ذكر في رواية مسمع ان الحل ثبت فيها للشيعة وليس لهم فيها خراج إلى ان يقوم صاحب الامر وبعده فيجيئهم طسق ما في أيديهم واما غيرهم فكسبهم فيما حرام لعدم اعطائهم خراجها وبعد القيام يخرجهم من الارض وينزعها من أيديهم وفى ذيل رواية الكابلي أن الشيعة في حل في تلك الاراضي وليس فيها عليهم خراج إلى أن يقوم القائم (ع) فيضرب عليهم الخراج فيها فلو كان الاحياء موجبا للملكية فتكون تلك الاراضي كسائر الاملاك الشخصية فهل يتوهم أحد أن الامام يضرب الخراج لها على الملاك أو يأخذها من يد غير الشيعة فكل ذلك دليل على عدم حصول الملكية للاراضي الميتة بالاحياء، وانما الثابت لهم في ذلك مجرد حق الاولوية والاختصاص بحيث لا يزاحمهم غيرهم في ذلك. لا يقال أنه لاشبهة في جواز بيع تلك الاراضي كما في الاخبار الدالة على اشترائها من ذمى فلولم تكن ملكا فلاوجه لجواز البيع.

[ 131 ]

فانه يقال نعم، لاشبهة في جواز البيع ولكن لا يدل ذلك على كونها ملكا للمحيى، بل يبيع منها ما ثبت له من الحق فيها فان البيع كما عرفت هو التبدل بين الشيئين بحيث يقوم كل منهما مقام الاخر في جهة الاضافة ففى المقام يقوم بالمبادلة كل من العوض والمعوض مقام الاخر فالعوض هو الثمن والمعوض هوالحق الثابت في تلك الارض كحق التحجير وحق الجلوس كما هو الموسوم في اليوم في الدكاكين المسمى في الفارسية (بسرقفلى) فجواز البيع من هذا الجهة. ومما ذكرناه انحل الفرع المبتلى به كثيرا وقد سئلنا عنه مرارا وهوثبوت الخمس في نفس الارض الموات بعد الاحياء إذا كان الاحياء للتجارة دون مؤنة نفسه وعياله فانه على ما ذكرناه لا خمس في نفس الارض لعدم كونه ملكا للمحيى ليدخل تحت المنافع الحاصلة يوما فيوما، بل يثبت الخمس في منافعها بعد مضى الحول كما هو واضح. والحاصل: أن الكلام كان في أن الاراضي الميتة هل تملك بالاحياء أم لا، وقلنا أن المشهور، بل المجمع عليه وان كان هو التملك بالاحياء. ولكن الظاهر هو عدم حصول الملكية لاحد بالاحياء ويدل على ذلك ثبوت الخراج لغير الشيعة وثبوت التحليل لهم مع انه انما يناسب التحليل والخراج مع عدم الملكية وكذلك يدل عليه حرمة كسب غير الشيعة في تلك الاراضي واخراج الارض من أيديهم بعد قيام الحجة وجعل الطسق للشيعة كما في رواية مسمع حيث قال فيجيئهم طسق ماكان في أيديهم، مع أنه لو كان ملكا للمحيى لم يكن مجال لشئ من المذكورات. وذكر أنه لاوجه للقول بالملكية الا ظهور اللام المذكور في جملة من الاخبار من أنه من أحيى أرضا مواتا فهى له في الملكية لا مجرد الاختصاص.

[ 132 ]

وفيه أنه مضافا إلى أن المذكور في عدة من الروايات هي الاحقية فلولم تكن ذلك قرينة لارادة مجرد الاختصاص من اللام فتكفينا القرائن المذكورة لرفع اليد عن ظهور اللام في الملكية لانه يدور الامر بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية وبين الالتزام بكون الخراج وحرمة الكسب واخراج الارض من أيدى غير الشيعة في زمان الظهور التصرف في ملك الغير، ولكن مع التصرف في أدلة حرمة التصرف في مال الغير وحرمة أكله الا باذنه بدعوى أن الامام أولى بذلك من نفس المالك فلاريب أن الاول أولى برفع اليد من الثاني. وأما أخبار التحليل فهى على طائفتين، الاول: ثبوت التحليل للشيعة وكونهم محللون في الارض وفى مال الامام (ع) والثانية: مادل على التحليل بلسان أنه ماكان لنا فلشيعتنا فهم فيه محالون فلاريب أنه لابد من رفع اليد من ظهور اللام في الملكية في قولهم لشيعتنا وارادة التحليل المجرد إذ مفادها هو العام من غير اختصاص المحيى وغيره، ومن البديهى ان غير المحيى لا يملك الارض اجماعا، فيعلم من ذلك أنهم محللون في ذلك لسهولة الامر وطيب الولادة كما تعارف هذا التعبير كثيرا يقال في مقام الاذن للغير في التصرف في المال أن ما كان لى فهو لك أي يباح لك التصرف فيه كيف شاء. وبالجملة لا يستفاد من شئ من أخبار التحليل التمليك أيضا. ودعوى ان اللام قد استعمل في جميع مراتب الاختصاص وانما يرفع اليد عنه بالنسبة إلى غير المحيى، واما في المحيى فنلتزم بالملكية دعوى جزافيه، فانه ان كان المراد من ذلك ارادة الملكية وغير الملكية في استعمال واحد فهو غير جائز فلا يمكن في استعمال واحد، وان كان المراد ارادة الجامع و المطلق الشامل لها ففيه أن المعاني الحرفيه غير قابلة للاطلاق والتقييد، بل انما يراد اما مطلقا أو مقيدا كما لا يخفى.

[ 133 ]

ثم ان هنا وجها ثانيا ادق لعدم ارادة الملكية من اللام في اخبار التحليل بدعوى أن الامام (ع) قد حلل ماله للشيعة مع انحفاظ ألهية له، أي حال كونها له فهى للشيعة من غير تقييد بزمان الحال والماضي و الاستقبال والمحيى وغيره ومن البديهى هذا لا يجتمع الا مع التحليل إذ بالتمليك لا يحفظ لهبة الامام (ع) ومالكيته على ان الكل امام أن يفعل ذلك ويحلل فلو اريد التمليك من تحليل احدهم (عليهم السلام) لما بقى موضوع للثاني، والقول بعود الملك ثانيا إلى الامام الثاني بعد الاول التزام بلا وجه. واما الخراج فلادليل على ثبوته للشيعة الا اطلاق روايتين أحدهما مصححة عمربن يزيد والثانية رواية الكابلي، أما الاول فالظاهر من نفسها انه لغير الشيعة ولذا قال في ذيلها فإذا ظهر الامام فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه، واما الثاني فليس دلالتها الا بالاطلاق كما في ذيل الرواية فان الاستثناء يدل على دخول الحكم في المستثنى منه بارادة استعمالية وان لم يعلم دخوله فيه بارادة جدية فهذا الظهور المبنى على الاطلاق دون الوضع لابد من رفع اليد عنها وتقييدها برواية مسمع ليحمل على غير الشيعة وان أبيت الامن ابقائها في ظاهرها فيقع المعارضة بين رواية الكابلي و بين رواية مسمع الدالة على عدم ثبوت الخراج للشيعة في حال الغيبة حيث قال فيها (فيجيئهم طسق ماكان في أيديهم) قبل ظهور الامام (ع) فيعلم من ذلك أنه لاخراج عليهم قبل المجئ وبعد التساقط يرجع إلى اخبار التحليل. القسم الثاني: أن تكون عامره بالاصالة كأطرف الشطوط وسواحل الانهار وبطون الاودية ورؤس الجبال والجزائر المعمورة بالاصالة وقلنا أن معنى

[ 134 ]

كونها عامرة بالاصالة هو كونها عامرة بلا عامر، وقد عبر المصنف في ذلك بقوله عامرة بلا معمر، والظاهر أنه لم يوجد استعمال المعمر في التعمير بل استعمل أسم الفاعل منه عامر والمعمر من العمر، يقال لمن عمره كثير. وهذا القسم أيضا لاشبهة في كونه للامام (ع) وان لم يرد نص خاص على كونه للامام (ع) كما ورد في القسم الاول ولكن يدل على ذلك طائفتين من الروايات الاولى الاخبار الدالة على ان مطلق الارض للامام (ع) وليس للغير فيها الاحق الاختصاص بالتعمير والعمل، بل في رواية سهل أن الارض لله ووقف للعباد فلا تكون ملكا لاحد ومن هنا ذكر في بعض الروايات أنه ليس لاحد تعطيلها أزيد من ثلث سنين وقد ذكر جمع إلى كون مطلق الارض ليست لاحد، بل للامام (ع) كصاحب البلغة والشيخ الطوسى على ما حكى عنه، والمحقق الايروانى وغيرهم، وانما الشيعة محللون في ذلك، فاطلاق شامل لما نحن فيه أيضا، وقد استشهدنا بها على عدم الخراج للشيعة، واما غير الشيعة فلم يثبت لهم فيها تحليل. الثانية: مادل على كون الارض التى لارب لها من الانفال والانفال للاما م (ع) كحسنة على بن ابراهبم ورواية العياشي عن أبى بصير، فان ماكان عامرا بالاصالة من الارض فهى للامام عليه السلام. نعم، في مرسلة على بن ابراهيم عن حماد، عن بعض اصحابنا، عن العبد الصالح تقييد الارض التى لارب لها بكونها ميتة ولكن لا يدل ذلك على التقييد واختصاص الحسنة أيضا بالميتة أما اذالم نقل بثبوت المفهوم للوصف كمالم نقل فواضح، فان القيد التى بها للغالب فان القول بمفهوم الوصف من جهة أن لا يكون القيد لغوا واذ اعتذر نا عن عدم لغوية القيد بجملة مورد على الغالب فلا يكون الوصف لغوا فلا ينحصر عدم اللغوية باثبات

[ 135 ]

المفهوم فقط. وأما بناء على القول بمفهوم الوصف كما مشى المصنف على هذا المبنى فأيضا لا يصلح للتقييد فانه أولا انما يوجب الاحتراز والتقييد دالا على المفهوم اذالم يرد مورد الغالب كما في المتن والا فلا مفهوم له كما في قوله تعالى: (وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن) فان كون الربائب في الحجور من جهة الغلبة وثانيا أن حمل المطلق على المقيد انما في مورد يكون بينهما التنافى كأعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة و أما فيما ليس بينهما تناف فلاوجه للحمل كقوله الخمر حرام وكل مسكر حرام، وهكذا ولكن هذا لا يجرى في المقام لان معنى كلام المصنف على فرض كون القيد للاحتراز ومعه يكون التنافى بين المطلق والمقيد من الواضح بمكان ولكن الذى يسهل الخطب هو ما ذكرناه من عدم المفهوم للوصف، بل يمكن منع الغلبة فانه من أين احرز أن الغالب في الارض التى لارب لها هي الميتة، بل في كثير النقاط ان الاراضي التى لارب لها وليست ميتة كأراضي الجبل مازندران وغيرها كثيرة جدا، وامامافى تقرير شيخنا الاستاذ من الاستدلال بذلك بقولهم (ع) وكل ارض لم يجر عليها ملك مسلم فهو للامام عليه السلام فليس برواية ولم نجده في كتب الحديث. والحاصل: أن ماكان عامرا بالاصل فهو للامام (ع) للاخبار الدالة على أن مطلق الارض للامام عليه السلام وللاخبار الدالة على أن كل ارض لارب لها فهى للامام، وما في مرسلة الحماد من أن كل ارض ميتة لا رب لها فهي للامام، لا يصلح لتقييد ذلك إذ القيد ورد مورد الغالب كقوله تعالى: (و ربائبكم اللاتى في حجوركم) فلا مفهوم له، فلا يكون للاحتراز. ولكن لاوجه لذلك فانه من اين احرز أن القيد محمول على الغالب إذ

[ 136 ]

لاوجه للقول بان أكثر الارض التى لارب لها ميتة مع أن أكثرها معمورة بلا شبهة، كأراضي الهند وجبل مازندران وغيرهما مع أنه لا تنافي بين المطلق والمقيد فلاوجه لحمل أحدهما بالاخر الا أن يقال ان القيد إذا كان للاحتراز فيكون بينهما تناف فيحمل المطلق على المقيد والذى يسهل الخطب أنه لا مفهوم للوصف وعليه فلا يكون بينهما تناف فضلا عن حمل أحد هما بالاخر نظير كل مسكر حرام والخمر حرام واعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة. على أن رواية حماد مرسلة فليست قابلة لتقيد الحسنة التى دلت على أن مطلق الارض التى لارب لها فهي للامام عليه السلام هذا كله في كونها للامام عليه السلام. ثم انه لا يختص حق الاولوية أو الملكية بالاحياء، بل يعم العمل وجرى الانهار وتكثير الاشجار اصلاح بعض الخصوصيات وعليه فكل ارض معمورة بالاصل، وضع عليه اليد وعمل فيها، فيجرى فيها، الجهات المتقدمة في القسم الاول من البحث، من أنه لافرق في ذلك بين الشيعة وغير الشيعة وبين المسلم وغير المسلم، وفى أنه هل يحصل التملك ذلك أم لا؟ وهل الخراج الثابت فيها لمطلق من وضع عليها اليد ولو كان العامل فيها هي الشيعة أو يختص بغير الشيعة، وأما لو لم يكن فيها عمل فلاوجه لهذه الابحاث، بل هي باقية على ملك الامام، فلا يجوز لاحد أن يتصرف فيها للاخبار الدالة على حرمة التصرف في مال الغير الا باذنه. نعم، فالشيعة بالخصوص محللون فيها للاخبار الدالة على أن كلما للامام فهو حلال للشيعة، وقد تقدم أن ما في بعض تلك الاخبار من التعبير بان مالنا فهو لشيعتنا فللام يفد الملكية قد تقدم جوابه. ثم الكلام يقع في أنه هل تحصل الملكية لهذا القسم من الارض بالحيازة

[ 137 ]

والسبقة ووضع اليد عليها أم لا؟ وجهان، الظاهر انها لا تكون ملكا لاحد بالحيازة، واختار المصنف كونها ملكا بالحيازة وأستدل عليه بالنبوي المعروف من سبق إلى ما لم يسبقه أحد فهو أولى به. وفيه مضافا الى انه ضعيفة السند أنه لا دلالة فيه على الملكية، فان غاية ما يستفاد منه أن المحيز يكون أحق إلى ما سبقه إليه فلاتحصل بذلك السبق ملكية للسابق إلى تلك الاراضي. وثانيا على تقدير أن المراد من الاولوية والاحقية هي الاولوية الملكية دون مجرد حق الاختصاص فما نحن فيه خارج عن ذلك فانه في مورد لا يكون ملكا لاحد، بل من المباحات الاصلية فيكون السبق إليها موجبا لحصول الملكية وكالاوقاف العامة من الخانات والرباط والمساجد، فان السبق فيها يفيد حق الاختصاص. وأما في أملاك الغير فلا يفيد السبق شيئا لاحق الاختصاص ولا الملكية والا لجاز لكل أحد أن يأخذ مال غيره ويتملكه بالسبق ويكون ذلك من جملة الاسباب والوسائل لاكل مال الناس، فلا يلتزم به متشرع ولافرق في ذلك بين مال الامام وغيره، فانه أيضا لا يجوز التصرف في مال الامام عليه السلام الا باذنه، وأما التمسك في ذلك بقوله (من حاز ملكا) فلاوجه له لعدم كونه رواية، وعلى فرض كونه رواية فانما هو في المباحات الاصلية لا في أموال الناس. وربما يقال بحول الملكية هنا بقوله عليه السلام من استولى على شئ فهو له، كالا ستدلال به في مطلق الحيازات. وفيه أن هذا وان كان صحيحا من حيث السند ولكن لا دلالة فيها على المطلوب إذ غاية ما يستفاد منها أن الكبرى مسلم وأن أسبق والاستيلاء على شئ يوجب الملكية ولكن لا يثبت الصغرى وأن مال الامام عليه السلام يكون

[ 138 ]

ملكا لاحد بالسبق، بل هو من هذه الجهة كأموال سائر الاشخاص فلا يكون الاستيلاء عليه الا غصبا لا مملكا. على أن هذه الجملة المباركة مذكورة في ذيل بعض الروايات الراجعة إلى أن مات الزوج والزوجة ولم يعلم أيهما مقدم وأيهما مؤخر وكانت لكل منهما أموال مخلوطة بالاخر فقال عليه السلام من استولى على شئ فهو له بمعنى أن كل ما يكون مختصا بالرجل فهو له، وكل ما يكون مختصا للمرأة فهو لها للاستيلاء واليد، اذن فالرواية من أدلة اليد وانه طريق إلى كشف الملكية وكاشف عنها لا أنها تدل على كون الاستيلاء مملوكا. وبعبارة أخرى أن الاستيلاء دليل الملكية وكاشف عنه لا أنه مملك كما لا يخفى، فافهم. اذن فلا يبقى دليل معتبر لاصل كون الحيازة مملكة فضلا عن دلالتها على المملكية في أموال الغير، الا في الموارد الخاصة التى ورد الدليل بالخصوص على افادة الحيازة الملكية كما في الصيد ونحوه، نعم السيرة القطعية العقلائية الممضاة للشرع قائمة على كون الحيازة مملكة، بل هذا المعنى فطرى الحيوانات فانه بعد سبق حيوان على صبد وفريصة وأخذه فلا يزاحمه الاخر، بل يرفع اليد عنه، بخلافه قبل الاخذ فانهما يتسابقون في الاخذ. نعم، يمكن الاستدلال على التملك بالحيازات لقومه عليه السلام في ج 3 الوسائل، عين الدولة عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن على عليه السلام أنه سأله عن رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه قال للعين ما رأت ولليد ما أخذت، فان قوله عليه السلام لليد ما أخذت أن ما حازه الانسان ملكه فمفاد ذلك نظير من حاز ملك يدل

[ 139 ]

على أن المحيز يملك كلما حازه، ولكنه ضعيفة السند للسكونى وأيضا لا يشمل المقام لما عرفت أنه لا يملك الانسان مال غيره بالحيازة والسبق وانما ذلك في المباحات الاصلية. وتحصل من جميع ما ذكرناه أن الارض العامرة بالاصالة فهى للامام عليه السلام، فلاحظ الاخبار الدالة على كونها للامام والاخبار الدالة على الآحقية بالاحياء والعمل فلا يملكه أحد بالحيازة الا أن يعمل فيها عملا بأن للعامل حق الاختصاص فقط، فيجب عليه الخراج أن كان غير شيعي فلا يجوز لغير الشيعة أن يتصرف فيها، بل لو حازها غير الشيعة فلها أخذها من يده لكونه غاصبا فلا يقاس ذلك بالموات بالاصل. القسم الثالث: ما عرض له الحياة بعد الموت فهل تكون ملكا للمحبى أو لا؟ وجهان، قد تقدم الكلام فيه في القسم الاول، فان البحث في القسم الاول كان في الموات بالاصل وأنه يصير ملكا للمحيى أم لا؟ وهذا القسم عين القسم الاول، غاية الامر حصل فيه الاحياء الذى سبب الملكية أو سبب لحق الاختصاص، فالبحث عن ان المحيى يملك أو لا يملك، يعنى عن البحث عن ان الحياة في الارض توجب الملكية أم لا؟ فتحصل أن الارض التى كانت عامرة بالاصل فهى للامام ولكن حللها للشيعة ومن عمل فيها، بل في بعض الروايات وقف للعباد وان كان ضعيفا لوجود سهل بن زياد في طريقه وهى ليست ملكا لاحد ولا تملك بالحيازة وكذلك اشجارها لكونها تابعة للارض ومن نماءتها فلا ينفك حكمها عنها. نعم، يمكن دعوى السيرة القطعية على أن من حاز من اشجارها فملكها ولو كان المحيز من أهل الخلاف، بل من أهل الذمة من الكفار إذ لم نسمع إلى الآن من ردع الحطابين من غير الشيعة عن شغلهم وأخذ الائمه و

[ 140 ]

غيرهم من المتشرعة الحطب من أهل الذمة إذا حازوها وجائوا بها إلى البلاد للبيع والشرى، بل يعاملون معها معاملة الملك ويشترونها منهم فلو كانت الحيازة فيها لا توجب الملكية وكانت الاخشاب والاحطاب باقية على ملك مالكها أعنى الامام (ع) لكانوا يعاملون معها معاملة مال الغير فهل يملك أحد ما أخذه من أرض الغير من الاشجار والاحطاب. وبالجملة وان كانت الارض المعمورة بالاصل للامام (ع) ولا تكون ملكا لاحد بالحيازة وكانت نماء اتها تابعة لها حسب القاعدة ولكن نفكك بين الارض ونمائها بالسيرة القطعية القائمة على ملكية المحيز بما حازه من اشجار تلك الارض واحطابها كما لا يخفى على المتأمل. أقول: يمكن منع السيرة لوجهين، الاول: أن الائمة (ع) لما اقتدروا على الردع، والثانى: انه لم يكن حوال المدينة أو العراق التان في تحت سلطنتهم في زمان سلطنتهم أرض تكون معمورة بالاصالة وجائوا منها أشجارا وأحطابا حتى يعامل معها معاملة الملك بالحيازة كمالايخفى. أما القسم الرابع: من الارض فهى ماكان خرابا بعد العمارة ومواتا بعد ماكان محياة فهى على قسمين: الاول: ماباد عنها اهلها و صارت خربة لذلك وبانجلاء أهلها عنها فقد ورد في جملة من الروايات أنها للامام (ع) وهى خارجة عن موضوع بحثنا. القسم الثاني: أن يكون خرابها مستندا إلى التعطيل والترك وجاء الثاني وعمرهاو أجرى انهارها فهل يزول بذلك حق الاول؟ فيكون حق الاختصاص أو التملك للثاني أو لا يزول حقه مطلقا أو يفصل بين ما كان تملك الشخص الاول بالاحياء فيزول حقه أو بغير الاحياء من الهبة والاشتراء ونحوها فلا يزول حقة بذلك والقول بالتفصيل منقول عن العلامة في التذكرة

[ 141 ]

بل في الجواهر نقل الاجماع عنه على ذلك الا أن كلام العامة خال عنه وليس فيه دعوى الاجماع، بل ولم ينقل من أحد قبل العلامة. وقد استدل على كون الثاني أحق من الاول بروايات الاحياء فان اطلاق الاخبار الدالة على أن من أحيى أرضا فهى له، كون المحيى الثاني أحق. وفيه أن تلك الاخبار باطلاقها دلت على احبي أرضا فهى له من غير تقييد بكونها للمحيى مادام الحياة أو مطلقا ولو بعد الخراب وعلى هذا فهى تدل على كون الاول أحق بها من الثاني إذ بعد كون الارض متعلقا لحق الغير أو كونها ملكا للغير فلا تكون مشمولة لادلة الاحياء فان أدلة عدم جواز التصرف في ملك الغير أو حقه حاكمة على أدلة الاحياء وجواز التصرف في المباحات الاصلية ولا تعارض بينها والافلزم ملاحظة التعارض بين أدلة حرمة التصرف في مال الغير وبين عمومات أدلة صحة البيع وتجارة عن تراض ونحوها. وبالجملة لاوجه للاستدلال في المقام بأدلة الاحياء كما لا يخفى، و العمدة في المقام الاستدلال على ذلك بالاخبار الدالة على أن من أتى الارض الخربة فأحياها فهى له، وقد ذكر ذلك في جملة من الروايات، و العمدة منها صحيحتان أحديهما صحيحة الكابلي فان فيها والارض كلها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الامام (ع) من أهل بيتى وله ما أحل منها (فان تركها أو أخر بها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بهامن الذى تركها). وثانيهما صحيحة ابن وهب في ج 10 وفى ص 131 فان فيها (قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وجرى انهارها وعمرها فان عليه فيها الصدقة فان كانت أرضا لرجل قبله

[ 142 ]

فغاب عنها و تركها وأخرجها ثم جاء بعد يطلبها فان الارض لله عزوجل ولمن عمرها، فان مقتضى هاتين الصحيحتين ان الحق للثاني واما الاول فسقط حقه بخراب الارض وليس له فيها حق. ولكن في المقام صحيحتان تدلان على عدم زوال حق الاول بذلك بل يحب على الثاني أن يعطى حق الاول من الارض أحديهما صحيحة سليمان بن خالد في ج 2 التهذيب ص 158 (قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ويجرى انهارها و يعمرها ويزرعها ماذا عليه قال: عليه الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليود إليه حقه) وثانيهما صحيحة الحلبي في ج 2 التهذيب ص 173 وفيها (عن الرجل يأتي الارض الخربة الميتة فيستخرجها ويجرى انهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه فيها؟ قال: الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليرداليه حقه) وهاتان الروايتان متحدتان من حيث المضون والالفاظ، وقد يقع التعارض بين الطائفتين وحيث ان روايتي سليمان بن خالد والحلبي مطلق من حيث أن الملك كان مستندا بخصوص الاحياء أو كان مستندا إلى غيره من الشرى والهبة ونحو هما بحيث يمكن ان تكون الخربة من الملك بالاحياء، أو الملك بالشراء، ورواية الكابلي دالة على ان الملك أو الاختصاص كان من جهة الاحياء فقط، وانما صارت الخربة عن الملك بالاحياء فتكون رواية الكابلي مقيدة لرواية سليمان بن خالد فتكون رواية ابن خالد مختصة بخصوص التملك بغير الاحياء وحيث ان رواية ابن وهب كانت مطلقة من حيث أن الملك بالاحياء أو بغيره فتكون رواية سليمان بعد التقيد خاصة ورواية ابن وهب عامة بعد انقلاب النسبة فتكون رواية ابن وهب مقيدة برواية سليمان بن خالد فتصير النتيجة أن الارض التي كانت مملوكة بالاحياء أو متعلقا لحق المحيى

[ 143 ]

بذلك فليس فيها حق لمن تركها اعني المحبى الاول وأما لو كان المالك الاول مالكا بغير الاحياء كالشراء نحوه وتركها أو أخربها وعمرها شخص آخر، فلا بد من أداء حقه لسبق حقه عليه وعليه فيثبت القول بالتصيل المحكى عن العلامة، فربما ترمى رواية سليمان إلى ضعيف السند تارة والى الارسال أخرى، كما في البلغة وحاشية بعض مشائخنا المحققين، إذ لا نعرف وجها لها بعد كونها صحيحة السند، فانه لا شائبة في سندها بوجه وعلى تقدير كونها كك، فرواية الحلبي بعين ذلك المضمون والالفاظ فهى صحيحة ومع الغض عن جميع ذلك فلا وجه لتوهم انجبار ضعيفها بعمل المشهور إذ لم ينقل القول بالتفصيل الا عن العلامة وذكر الاجماع في كلامه لعله سهو من قلم صاحب الجواهر على أنه لا نسلم أصل الانجبار كما لا يخفى. وهذا الجمع بحسب الكبرى، وان كان صحيحا كما ذكرناه في التعادل والتراجيح، وقلنا أن المناط في باب التعارض هو تعارض الحجتين ولو بعد ملاحظة النسبة بين بعضها مع بعض الاخر ولا يقتصر النظر فيه إلى التعارض البدوى. ولكن يرد على هذا الجمع بالخصوص هنا امران: أحدهما: انه ان كان النظر في الا راضى المملوكة بما كان مملوكا به مطلقا، ولو كان الاحياء مبدء في التملك، والا فالاسباب القريبة للتملك هو غير الاحياء فلا يبقى مورد لرواية سليمان بن خالد الا نادرا، فيلزم حملها على المورد النادر فهو بعيد إذ قلما توجد من الا راضى أن لا ينتهى مبدء التملك فيها إلى الاحياء فان أصل التملك في أكثرها هو ذلك، نعم قد يكون المبدء فيه هو قطع الارض من الائمة لشخص. وبالجملة بعد قيد رواية سليمان بن خالد برواية الكابلي فاختصت.

[ 144 ]

رواية سليمان بالا راضى المملوكة بغير الاحياء وإذا قلنا بان المراد من الاراضي المملوكة بالاحياء مطلق ما كان أصلها مملوكة بالاحياء، فلم يبق مورد لرواية سليمان الا نادرا فلا يمكن الالتزام بذلك، وان كان النظر في سببية الاحياء أو غيره التملك إلى السبب القريب دون السبب البعيد، فحينئذ و ان كان المورد لرواية سليمان كثيرا ولكن لم يبق لرواية ابن وهب الا قليل فان أكثر الاراضي لو لم يكن كلها انما هي مملوكة بغير الاحياء فعلا فإذا أخرجنا الاراضي المملوكة بغير الاحياء عن تحت رواية ابن وهب برواية سليمان، وقلنا بانه لابد في ذلك من رد حق المحبى الاول لكان الباقي تحت رواية ابن وهب الارض المملوكة بالاحياء الذى يكون سببا قريبا للتملك بحيث كان تملك المالك لها بالاحياء وصارت خربة عن التملك بالاحياء من دون تعلق البيع والشراء عليها ومثل ذلك لا يوجد الاقليل. وبالجملة ان هذا الجمع انما استلزم لحمل أحدى الطائفتين على المورد النادر فهو غير مرضى كما لا يخفى. الثاني: فهو العمدة هو أنا ذكرنا في باب التعادل والتراجيح أنه إذ ورد مطلق أو عام ثم ورد خاصان أو مقيدان وكان بين الخاصتين عموم مطلق جاز تخصيص العام أو تقييد المطلق بكلا الخاصين الذين بينهما عموم مطلق لعدم التنافى بينهما مثلا إذا ورد أكرم العلماء ثم ورد لا تكرم العاصين منهم، ثم ورد ولا تكرم المرتكى للكبائر فلا شبهة في تحصيص العام بكل من الخاصين، إذ لا تنافى بينهما بوجه ومقامنا من هذا القبيل، فان روايتي سليمان بن خالد والحلبي عام من جهة أن الارض الخربة التى جائها المحبى الثاني أعم من ان تكون مملوكة بالاحياء أو بغير الاحياء، فصارت خربة وأن كونها خربة أعم من ان تكون مستندة إلى تركها وخرابها

[ 145 ]

كما في روايتي الكابلي وابن وهب، أو كانت الخربة بالقهر والاضطرار كمنع الغاصب والجائر وجريان السيل واتيان المطر وعدم قدرته على الاشتغال و نحوها من الموانع بحيث لا يكون الخراب بالترك الاختياري واخرابا من المحبى ورواية ابن وهب وان كانت في نفسها اعم من كون الملكية بالاحياء أو بغيرها لعدم فرض الاحياء فيها ولكنها أخص من رواية سليمان بن خالد لان الخراب فيها من الترك الاختياري أو الخراب الاختياري كما هو مقتضى عطف أخربها على تركها في رواية الكابلي. ورواية الكابلي مختصة بخصوص التملك بالاحياء وان كانت من جهة الترك والخراب مساوية فتكون اخص من رواية ابن وهب، فمفاد كلا الخاصين هو ان المحبى أحق بما أحياه من الارض الخربة سواء كانت مملوكة بالاحياء أو بغيرها، وأنه لا حق للمحبى الاول فلا بعد في ذلك فهو واضح بناء على عدم كون الاراضي مملوكة لاحد كما اخترناه للروايات الداله على أن الارض كلها للامام وان كان قد ورد لها تخصيص في جملة من الموارد كالامالك الشخصية والموارد المفتوحة عنوة وغير ذلك، وان من وضع عليه اليد بالاحياء أو العمل لا يزيد الا حق الاختصاص والاولوية، بل في رواية سهل وان الارض كلها لله فهى وقف للعباد ولكنها ضعيفة ومن الواضح انه لا يجوز تعطيلها لان غرض الشار ع عمارة الاراضي وانها ليست كسائر الاملاك كالكتب ونحوها حق يفعل مالكها فيها ما يشاء ولو عطلها خمسين سنة، بل في بعض الروايات لا يجوز تعطيل الارض أزيد من ثلث سنوات فان طبع الارض تقتضي ان تعطل سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات للتقوية واما إذا صار أكثر فيبتنى ذلك بالمسامحة وبتعطيل مال الامام وما هو وقف للعباد وقد ذهب إلى عدم كون مطلق الاراضي ملكا لاحد جملة من الاعاظم كصاحب البلغة وغيره.

[ 146 ]

وبالجملة لا شبهة في أنه بناء على عدم كون الارض ملكا لاحد يكون أو لوية المحبى الثاني بمكان من الوضوح لعدم لزوم التصرف في دليل حرمة التصرف في مال الغير. وأما بناء على أن الارض تملك كما هو المشهور والمعروف، فكك أيضا فانه بمقتضى مادل على أولوية المحبى الثاني وكونه أحق بالارض المحياة من المحبى الاول نلتزم بالتصرف في أدلة حرمة التصرف في مال الغير الا باذنه فان اذن الشارع أسبق وشرط الله قبل شرطكم كما في رواية الطلاق من يب وعلى كل حال نقيد بهما معا روايتي سليمان بن خالد والحلبي فتصير النتيجة أن المحبى الثاني أحق بالارض فليس للاول مزاحمته لكونه كسائر الناس في ذلك ولاحق له في الارض الا أن يكون الخراب بنفسه أو لمنع الجائر والغاصب عن الاحياء أو لكثرة الماء وطغيان الشط عليه ونحوها فان في امثال ذلك فلا يزول حق المحبى الاول، بل هو أحق بالارض وان جائها الثاني فاحياها وعمرها، فليرد إلى الاول حقه وهذا هو القول الرابع في المسألة والظاهر لم يقل به أحد فيما نعلم. الكلام في بيع الاراضي المفتوحة عنوة ثم ان المصنف لما تكلم في احكام الارضين تكلم في الاراضي المفتوحة عنوة لتكميل الاقسام، فنقول أن الاراضي المملوكة للكفار على أقسام: الاول: أن تكون باقية على ملكهم فعلا فلا كلام لنا فيه. الثاني: ان يسلموا طوعا ويدخلوا في الاسلام برغبتهم منهم أيضا مالكون لارضهم ولا وجه لخروجها عن ملكهم فهذا أيضا خارج عن المقام.

[ 147 ]

الثالث: أن يموتوا ويتركوا أملاكهم ارثا ومنها اراضيهم فتكون أموالهم وكذلك أراضيهم ملكا للامام عليه السلام، لانه لا وارث له غير الامام (ع)، و هذا لا يختص بهم، بل الامر كذلك في المسلمين أيضا. الرابع: الارض التى انجلى عنها أهلها من غير حرب وهى من الانفال فلله ورسوله وبعده للامام (ع). الخامس: الارض التى اخذت من الكفار بالحرب والقهر والغلبة، و بالخيل والركاب، وهى تسمى بالأراضي المفتوحة عنوة، وهى محل الكلام في المقام. وهنا قسم سادس: وهى الارض التى لم تتصف بشئ من الامور المذكورة ولم يجر عليها الخيل والركاب، وانما أخذت من الكفار واعطيت لهم ليعطوا الجزية أو بقيت على ملكهم وضربت الجزية عليهم وتسمى هذه بأرض الصلح وبأرض الخراج وفيما كانت ملكا للمسلمين فهى ملك لجميعهم من الموجودين والذين يكونون موجودا بعد ذلك وقلنا ان معنى كونها ملكا لهم هو صرف منافعها في مصالحهم من تعمير القنطرة ونحوها واعطاء مقدار منها لبعض الفقهاء، بل لولى الامر أن يملك مقدارا من نفس رقبة الارض لواحد من المسلمين، بل للجائر ذلك إذا قلنا أن فعله ممضى للشارع وقد تقدم الكلام في ذلك، وفى معنى الجائر في المكاسب المحرمة وكيف كان فيقع الكلام فعلا في جهتين: الاولى: أنه هل تملك تلك الاراضي وتجرى عليها آثار الملك ولو تبعا للاثار أم لا؟ الثانية: أنه قلنا بجواز تملكها فهل يجب الخراج فيها لمن بيده تلك الاراضي مطلقا أو يفرق بين الشيعة وغيرها ويلتزم بعدمه على الشيعة

[ 148 ]

أو بين العمال وغيرهم ويلتزم بعدمه في الاول دون الثاني أو بين من يحل له اخذه وأكله من المسلمين وبين غيرهم، ويلتزم بعدمه في الاول دون الثاني وجوه: - أما الكلام في الجهة الاولى: فان كان المشهور أن الاراضي المفتوحة عنوة تملك ولو تبعا للاثار الا أنه لا نعرف لذلك وجها صحيحا فالظاهر من الاخبار انها لا تملك وانما هي ملك المسلمين، وفى صحيحة الحلبي (قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته قال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن دخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن يخلق بعد، فقلنا: أنشتريه من الدهاقين؟ قال: لا يصلح الا أن تشتريها منهم على أن تصيرها للمسلمين فان شاء ولى الامر أن يأخذها اخذها) إلى غير ذلك من الروايات الصريحة في أنها ملك للمسلمين فلا تملك بوجه، وقد نقل المصنف جملة منها وما قيل انها تملك تبعا للآثار لا مدرك له بوجه، بل في رواية أبى برده المسؤل فيها عن بيع أرض الخراج قال (ع) من يبيعها هي أرض المسلمين قلت يبيعها الذى هي في يده، قال: يصنع بخراج المسلمين ماذا. الخ فان الظاهر منها ومن غيرها أنها ليست ملكا لاحد والا لكان بيعها جائزة وما ورد في بعض الروايات كرواية ابى بردة وغيرها من جواز بيعها لاتدل على جواز بيعها، بل هي تدل على عدم جواز بيعها كيف فان قوله (ع) من يبيعها هي أرض المسلمين صريح في عدم جواز، وقوله ثم قال: لا بأس، اشتر حقه منها، ليس فيها دلالة على جواز البيع بل تدل على معنى ان بيعها قيام المشترى مقام البايع في الجهة التى كانت راجعة للبايع من استعمالها والانتفاع بها وأداء الخراج منها نظير بيع دكاكين الغير أي حق الاختصاص الثابت للجالس.

[ 149 ]

وبعبارة أخرى يسمى باصطلاح العلمي بحق الاختصاص ففى الحقيقة أن البايع يبع حقه الاختصاصي فنفس هذا دليل يدل على عدم جواز بيعها. وبالجملة لا يجوز تملك تلك الاراضي ولا بيعها، بل يبيع الحق الاختصاص كما هو صريح الروايات ولا يفرق بين ذلك بين نفس الارض وأجزائها. وعليه فلا يجوز بيع أجزاء تلك الاراضي من الحص والآجر والكوز ونحوها من أجزاء الارض واما قيام السيرة فسيأتي الكلام فيها، نعم لو انفصلت الاجزاء عن الارض جاز بيعها كما إذا أخرجوا التراب من مكان بعد الاصلاح بحيث صار زائدا فيجوز اخذه والانتفاع به، فانه للمسلمين والاخذ ايضا منهم ومن طرق الانتفاع به صرفه في الكوز والاجر وبيعها. ومن هنا يعلم أنه لا يجوز تأسيس المسجد فيها فانه يتوقف على وقف الارض وفكه عن الملك ومن الواضح انها ليست ملكا لاحد حتى يوقفها المالك ويجعلها مسجدا. تنبيه: أنه ذكر المصنف رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج فبنى بها أو لم يبنى غير ان اناسا من أهل الذمة نزلوها له أن يأخذ منهم أجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤسهم، قال: يشارطهم فما أخذ بعد الشرط فهو حلال أخذها ومن المعلوم انها لا يرتبط بالمقام بوجه، فان جواز أخذ أجرة البيوت بعد المشارطة أي ربط له إلى عدم جواز بيعها حتى تبعا للآثار المملوكة فيها، بل يمكن دعوى كونها مشعرة إلى جواز بيعها حيث قرر قول السائل اشترى أرضا من أرض الخراج ولكن يمكن منع ذلك من جهة ان المراد بارض الخراج يمكن أن تكون أرض الصلح أو أن جهة الاشتراء يكن مورد للسؤال، وأيضا ذكر في المقام مرسلة

[ 150 ]

الحماد فهى على ارسالها مشتمل على حكم لم يقل به أحد فيما نعلم وهو جواز أخذ العشر الذى هو الزكاة قبل القسمة ومن المعلوم أن وجوب اداء الزكاة مشروط بوصول حق كل من الشركاء إلى حد النصاب، وبعد أخذ كل منهم أنصبائهم بلا حظ حقه مستقلا، فان وصل إلى حد النصاب يجب فيه الزكاة والا فلا. الجهة الثانية: الظاهر انه يجب الخراج على من كانت الارض تحت يده لما تقدم من رواية ابى بردة قال عليه السلام: من يبيعها وهى أرض المسلمين يصنع يخراج المسلمين إلى ان قال: ويحول حق المسلمين عليه أي على المشترى فيعلم من ذلك ان الخراج مما لابد منه فيجب على كل من كانت الارض تحت يده على أن نفس كون الارض للمسلمين يقتضى وجوب الخراج مع قطع النظر عن الرواية فان الثابت جزما انما هو جواز التصرف في تلك الاراضي واما التصرف من غير خراج وأجرة فلم يثبت فيكون حراما وتصرفا في مال الغير بدون اذنه فهو غير جائز فلا بد من ادائه إلى الامام (ع) إذا أمكن والا فللفقهاء ولمن ولى أمور المسلمين أو للجائر بناء على امضاء فعله من الامام (ع). وبالجملة مقتضى الادلة المطبقة على عدم جواز التصرف في مال الغير هو عدم جواز التصرف شخص في الاراضي المفتوحة عنوة والانتفاع بها و باجزائها بوجه، ولكن ثبت بالقطع جواز أصل التصرف فيها واما بدون الاجره والخراج فلا، فلابد للمتصرف ومن ينتفع بها من أداء خراجها. ثم بقى هنا أمران الاول: أن السيرة القطعية وان قامت على جواز التصرف في اراضى العراق وأرض الغرى والكربلا وبيع رقبتها وأجزائها و أخشابها من زماننا إلى زمان المعصومين (ع) ولكن الكلام في الصغرى وأن

[ 151 ]

أي أرض منها فمتوحة عنوة ولم يثبت كون الاجزاء أو الرقبة التى تباع من المفتوحة عنوة حتى لا يجوز التصرف فيها وبيعها والا فلو ثبت كون أرض من الاراضي مفتوحة عنوة فلا يجوز تملكها وبيعها الا بالمعنى الذى ذكرناه. ودعوى العلم الاجمالي بوجود الارض المفتوحة عنوة في تلك الاراضي العراقية وحواليها وان كانت دعوى صحيحة الا أنه لا يوجب التنجيز، فان جميع تلك الاراضي ليس محلا للابتلاء ليوجب تنجز التكليف، بل مقتضى العمل بدليل الحاكمة على الاصول أن نعامل مع تلك الاراضي معاملة المكلية كما لا يخفى.. وتوضيح الحال في المقام وقد عرفت أن الاراض المنسوبة إلى الكفار على اقسام: - منها: ما بقيت على ملكهم من غير ان تخرج منه. ومنها: ما بقيت على ملكهم بعد اسلامهم بالطوع. ومنها: الاراضي الصلحية الخراجية وهى التى صولحوا بها لتبقى على ملكهم ويعطون الخراج عليها أو أخذت من ملكهم ولكن اعطيت لهم لاخذ الخراج. ومنها: ان تكون مفتوحة عنوة والارض المفتوحة عنوة تارة تكون معموره حين الفتح وأخرى ميتا وما كانت معمورة بالاصل فهى ملك المسلمين، وأيضا أن جملة من تلك الاراضي قد ملكت بتمليك الامام وكثير منها ملكت بتملك السلطان الجائر خصوصا في زمان العثمانيين ومع كثرة المحتملات وثبوت اليد على تلك الاراضي المقتضى للملكية فكيف يمكن اعراز أن الارض الفلانية عن المفتوحة عنوة حتى لا يجوز أخذها. نعم، لو كان جميع تلك الاراضي التى تعلم بوجود الارض المفتوحة عنوه

[ 152 ]

بين تلك الاراضي يلزم الاجتناب عنها لكون العلم منجزا في هذه الصورة و هذا العلم الاجمالي بوجود الارض المفتوحة عنوة كالعلم الاجمالي بوجود الوقف في جميع دور النجف والكربلا، بل العراق، والعلم الاجمالي بوجود مال الغصب فيها، والعلم الاجمالي بمنع الارث عن بعض الوارثين خصوصا البنات فاتهن يمنعن من الارث كثيرا وتقسم اموالهم على غير الجهة المشروعة فهل يتوهم أحد أن العلم الاجمالي في هذه الموارد يوجب تنجز العلم الاجمالي وكذلك العلم الاجمالي في المقام وما قيل من الجواب في هذه الموارد فهو الجواب هنا أيضا، والا فليس للمقام خصوصية زائدة. وبالجملة مركز الكلام هنا هو أنه لابد في وجوب الاجتناب من الارض لاجل كونها مفتوحة عنوة من احراز امرين الفتح عنوة وكونها معمورة حال الفتح والا فلا وجه للاجتناب عنها بوجه، واما بعد ثبوت الفتح فلا مناص من عدم جواز التملك فيها ولا في أجزائها وأخشابها وأن مقتضى اليد في أراضي العراق وما يحتمل كون الارض المفتوحة عنوة فيها أمارة الملكية فلا يرفع اليد عنها بالاحتمال فما يعتمد عليه هذان الامران احراز الفتح مع العمارة في عدم جواز التملك والعمل باليد في جواز البيع والشرى مع عدم الاحراز. وعلى هذا فلاوجه للاشكال في بيع أراضي العراق ولا في أجزائها. فان احتمال كونها من الاراضي المفتوحة عنوة احتمال بدوى لا يعتنى به. (قوله: أو بين ما عرض له الموت من الارض المحياة حال الفتح). أقول: ربما يقال بأن الاراضي التى كانت معمورة حال الفتح ثم ماتت وأحياها الاخر تكون ملكا للمحيى لعموم أدلة الاحياء و لخصوص رواية سليمان ابن خالد المتقدم، فهى اجنبية عن المقام، فانها وارة في الارض الخربة فهى غير المفتوحة عنوة، ولذا قال (ع) وان كان يعرف صاحبها فيؤدى إليه

[ 153 ]

حقه، والفتوحة عنوة ليست لاحد حتى يرد إليه حقه، إذا عرف ولو كانت هنا رواية آخر فلم نجدها. واما عمومات أدلة الاحياء فقد تقدم الكلام في آخر المكاسب المحرمة عند التكلم في أن الاراضي المفتوحة عنوة تملك أولا تملك عدم دلالتها على الملكية بالاحياء وكونها خارجة عن الاراضي المفتوحة عنوة لوجهين: الاول: أن الاحياء ليس من أسباب الملكية بوجه، فان غاية ما يستفاد منها على ما تقدم هو حق الاختصاص والاولوية وأما الملكية فلا. وثانيا: أنها لا تشمل الاملاك الشخصية فاحيائها لا يوجب الملكية بناء على أن الاحياء من الاسباب المملكة فالاراضي المفتوحة عنوة بمقتضى الروايات المتقدمة ملك للمسلمين فلاربط لادلة الاحياء لها فتكون أدلة حرمة التصرف في مال الغير حاكمة عليها كما لا يخفى. وبالجملة لاتدل أدلة الاحياء أن الاراضي المفتوحة عنوه تملك بالاحيا، بل مقتضى حرمة التصرف في مال الغير مانع عن ذلك. (قوله: وأعلم أنه ذكر الفاضلان وجمع ممن تأخر عنهما في شروط العوضين بعد الملكية كونه طلقا). أقول: ومن جملة شرائط العوضين ذكروا كون الملك طلقا يتفرع عليه أمور كثيرة التى تعلق بها ما خرج عن كون الملكية طلقا كالنذر والخيار و اليمين والوقف وكون البيع أم ولد وكالرهن إلى غير ذلك مما يخرج المبيع عن كونه ملكا طلقا، ولكن فرعوا على هذا الشرط أمور ثلاثة وتكلموا فيها على وجه الاستقلال وهو الرهن والوقف وأم الولد. وذكر المصنف ان المراد بالطلق تمام السطنة على الملك على الملك بحيث يكون للمالك أن يفعل بملكه ما شاء ويكون مطلق العنان في ذلك ولكن هذا

[ 154 ]

المعنى في الحقيقة راجع إلى كون الملك مما يستقل المالك بنقله ويكون نقله ماضيا فيه لعدم تعلق حق به مانع عن نقله بدون اذن ذى الحق لمرجعه إلى أن من شرط البيع أن يكون متعلقه مما يصح للمالك بيعه مستقلاو هذا لا محصل له فالظاهر أن هذا العنوان ليس في نفسه شرطا ليتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف والمرهون وأم الولد، بل الشرط في الحقيقة انتفاء كل من تلك الحقوق الخاصة وغيرها فما ثبت منعه عن تصرف كالنذر والخيار ونحوها وهذا العنوان منتزع من انتفاء تلك الحقوق فمعنى الطلق أن يكون المالك مطلق العنان في نقله غير محبوس عليه لاحد الحقوق التى ثبت منعها للمالك عن التصرف في ملكه فالتعبير بهذا المفهوم المنتزع تمهيد لذكر الحقوق المانعة عن التصرف لا تأسيس لشرط ليكون ما بعده فرعا، بل الامر في الفرعية والاصالة بالعكس. وقد اشكل عليه بأن المراد بالطلقية عبارة عن عدم قصور السلطنة و عدم كونه محجورا عن التصرف، اما لقصور في المقتضى كما إذا كان ملكه محدودا كالوقف الخاص فان الموقوف عليه في هذا الوقف وان كان مالكا للعين الموقوفة على ما هو الحق كما أختاره المشهور الا أنه لا يصح بيعه لهم لان بيع الموقت لا يصح في الشرع واما لوجود المانع كالرهانة والجناية و الاستيلاد ويتفرع على دلت عدم جواز بيع الوقف ونحوه. الظاهر أن ما ذكره المصنف متين، فان ما ثبت من الموارد الخاصة من عدم جواز البيع للحقوق المتعلقة بها المانعة عن التصرف انما هي المانعة بذواتها، فالتعبير بذلك العنوان المنتزع للاشارة إلى ذكر الحقوق المانعة فان ما يكون معتبرا في نفوذ البيع السلطنة على البيع فما ذكره شيخنا الاستاذ من المراد بالطلقية عبارة عن عدم قصور السلطنة اما لقصور في

[ 155 ]

المقتضى كالوقف، واما لوجود المانع كالرهانة. لاوجه له، اما الاول، فلان بيع الوقف وان لم يجز الا أن عدم الجواز من جهة عدم السلطنة على البيع لعدم انتفاء تلك الحقوق المانعة لا أن الطلقية بذاتها شرط للبيع. واما الثاني: فبناء على عدم جواز بيع العين المرهونة كما هو المشهور استنادا إلى النبوى من أن الراهن والمرتهن ممنوعان عن التصرف، فكك إذا المالك ليس له السلطنة على البيع من جهة تعلق حق المرتهن بالعين وعدم كون المالك مسلطا على البيع لعدم انتفاء ما هو شرط في البيع لا أن الطلقية شرط في الملكية. وبالجملة هذا العنوان ليس له موضوعية بما هو في نفسه وبذاته ليكون شرطا في الملكية، بل عنوان منتزع من الموارد الخاصة التى انتفى تلك الحقوق فيها على أنه سيأتي انه لادليل على عدم جواز بيع الرهن، واما النبوى فضعيفة السند، وغير منجزة بعمل المشهور. وبالجملة أن الشرط في البيع مادل الدليل على عدم جواز بيعه كالوقف ونحوه على ما ذكره الفقهاء، بل أنهاه بعضهم إلى عشرين فهو بذاته مما لا يجوز بيعه لمنع الدليل عنه بالخصوص وعنوان الطلقية عنوان منتزع من تلك الموارد التى ورد الدليل بالخصوص على عدم جواز بيعه ومشير إليها والا فعنوان الطلقية ليس من الشروط ليكون الموارد المذكورة بعدها متفرعا عليه وانما الشرط نفس انتفاء تلك الامور التي ذكرت في المقام وعد من شرائط العوضين فعدم وقوع التجارة عليها لاجل الادلة الخاصة وعدم جواز بيعها بذاتها فلاوجه لارجائها إلى عنوان اشتراط الطلقية والقول بانتفائها في تلك الموارد كما هو واضح.

[ 156 ]

الكلام في بيع الوقف قوله: مسألة: لا يجوز بيع الوقف اجماعا محققا في الجملة ومحكيا. أقول: لاشبهة في عدم جواز بيع الوقف فأن مقتضى كونه وقفا ايقاف الشئ وابقائه على حاله على النحو الذي أوقفه المالك وعدم جواز التصرف فيه على وجه ينافى الوقف فإذا أنشأ الواقف هذا المعنى الذى عرف في النبوى المعروف يحبس الاصل وسبيل الثمرة وعرفه الاصحاب بقولهم تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة فينافى البيع مع مقتضاه فان مقتضى أوفوا بالعقود هو نفوذ التصرف فيه ببيع ونحوه من المعاملات فهما لا يجتمعان لكونهما متناقضان الثاني: دلالة الروايات الامة والعمومات على ذلك وأن الوقف لا يجوز بيعه كقوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها اهلها، وفي بعض النسح يقفها أهلها فأن الوقف يستعمل لازما ومتعديا من دون ان يتعدى بشئ ودلالة هذه الرواية على المقصود مما لاشبهة فيه، فان الواقف يقف على أن تبقى العين وينتفع بمنافعها والرواية الشريفة يمضى ذلك وتدل على أن الوقف لابد وأن يلاحظ فيه غرض الواقف حتى لو كان مشترطا فيه عدم البيع أصلا لكان متبعا بحسب مقتضى العموم. الثالث: قوله تعالى (أوفوا بالعقود) فأن ما أنشأه الواقف من الوقف مما تشمله الاية فيجب الوفاء به، فالبيع مناف لذلك. الرابع: الروايات الخاصة في خصوص بعض الاوقاف كرواية أبى على بن راشد قال: سألت أبا الحسن (ع) (قلت: جعلت فداك انى اشتريت ارضا الى جنب ضعيفي فلما عمرتها خبرت أنها وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك ادفعها إلى ما أوقفت عليه، قلت لاأعرف لها ربا قال:

[ 157 ]

تصدق بغلتها) الظاهر أن المراد من الغلة ليست هي الحاصلة من زرع المشترى والا فهي لصاحب البذر في المغصوب وكيف في المقام الذى اشترى من غير علم بكونها وقفا، بل المراد من الغلة ما يحصل من الارض بحسب طبعها من الخضر والاشجارو المنافع الاخر. ومنها ما ورد في حكاية وقف أمير المؤمنين (ع) بعد التسمية هذا ما تصدق به على ابن أبى طالب وهو حى سوى تصدق بداره التى في بنى زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى يرثها الله الذى يرث السموات والارض إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة، بل في بعضها لعنى رسول الله صلى الله عليه وآله بايع الوقف وفى بعضها أن من أمن بالله وباليوم الآخر لابيع الوقف واستدل بها المصنف على عدم جواز بيع الوقف مطلقا بدعوى أن قوله (ع) صدقة لاتباع ولا توهب ليس وصفا لخصوص شخص العين الموقوفة، بل وصفا لنوع الصدقة التى في مقابل الانواع الاخر من الصدقات المستحبة أو الواجبة وهذا هو الظاهر من المفعول المطلق المساق للنوع، فان قوله (ع) صدقة مفعول مطلق كفولك جلست جلسة الامير، أي نوع جلوسه وهكذا في المقام أي نوع صدقة لاتباع ولا توهب ومن الواضح أن هذا الوصف وصف لنوع الوقف، وذكره هنامن جهة تطبيق الصغرى للكبرى لا أن الوصف وصف لخصوص الشخص الخاص الذى وقفه على بن أبى طالب (عليه السلام). ثم استدل المصنف على عدم كون الوصف خارجيا معتبرا في الشخص بوجوه بعد استعباده أولا أن سياق الاشتراط يقتضى تأخره عن ركن العقد أعنى الموقوف عليهم خصوصا مع كونه اشتراطا عليهم. الثاني: أنه لو جاز البيع في بعض الاحيان كان اشتراط عدمه على الاطلاق فاسدا، بل مفسد المخالفته للمشروع من جواز بيعه في بعض الموارد

[ 158 ]

كدفع الفساد بين الموقوف عليهم أو رفعه أو طرو الحاجة أو صيرورته مما لا ينتفع به أصلا. الثالث: أن هذا التقييد مما لا بد منه على تقدير كون الصفة فصلا للنوع أو شرطا خارجيا مع احتمال علم الامام (ع) بعدم طرو هذه الامور المبيحة وحينئذ يصح أن يستغنى بذلك عن التقييد على تقدير كون الصفة شرطا بخلاف مالو جعل وصفا داخلا في النوع فان العلم بعدم طرو مسوغات للبيع في الشخص لا يغنى عن تقييد اطلاق الوصف في النوع. وهذا الوجوه التى ذكرها المصنف وان كان متينا وواردا على فرض كون الوصف شرطا خارجيا ومعتبرا في الشخص ولكن الذى ينبغى ان يقال ويسهل الخطب هو أن الشرط ان رجع إلى الجواز بان شرط عدم جواز البيع في الوقف فهو أمر ممتنع لخروجه عن قدرته فان الجواز حكم شرعى ووضعه تحت يد الشارع كنزول المطر فلا معنى لشرط ما هو ليس في قدرته على أن اشتراط عدم الجواز معناه ان لم يجز لم يجز بيعه لان مفهوم الوقف هو السكون فهو بنفسه يقتضى ذلك واشتراط الجواز أنه جاز فجاز، وان كان الوصف وصفا لنفس الوقف فليس فيه مخالفة للمشروع بوجه، فان للواقف أن يشترط فيه ما يشاء لكونه مالكاو مسطا على ماله فجاز له أن يقف كيف يشاء حتى له أن يشترط عدم البيع ولو مع عروض ما يسبوغ البيع من المسوغات كمالا يخفى. ثم قال المصنف: (ومما ذكرنا ظهر أن المانع عن بيع الوقف أمور ثلاثة: حق الواقف حيث جعلها بمقتضى الوقف صدقة جارية ينتفع بها وحق البطون المتأخرة عن بطن البايع السابق والتعبد الشرعي المكشوف عنه بالروايات، فان الوقف متعلق لحق الله حيث يعتبر فيه التقرب ويكون لله تعالى عمله و عليه عوضه).

[ 159 ]

أقول: وليت شعرى أنه من أين ظهر مما ذكره ان المانع هي الامور الثلاثة، بل لاوجه لها بحسب نفسها أيضا أما حق الواقف فبمجرد وقفه تخرج العين الموقوفة عن ملكه وكون العين صدقة جارية ينتفع بها لا يقتضى أن تكون العين متعلقة لحق الواقف وأما حق البطون المتأخرة فمع عدم وجود هم كيف يتعلق حق لهم بالعين فان المعدوم قبل وجوده كما لا يكون مالكا كذلك لا، يكون إذا حق مع أنه لو كان مانعا انما يمنع إذا بيع وصرف الثمن على الموجودين واما لو اشترى به مثله فلا يلزم منه هذا المحذور واما قوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها أهلها، فلا يدل على ذلك فان معناه أن ما أنشأه الواقف من حسب المال فقد امضاه الشارع، واما حق الله فان كان المراد به ان المنع عن بيعه انما هو للتعبد الشرعي الواصل بواسطة سفرائه من الروايات المتقدمة فلا كلام لنا فيه، وان كان المراد من ذلك شئ آخر و اثبات حق له تعالى كالانفال ونحوها فلا دليل دل على ذلك كما لا يخفى. (قوله: ثم ان جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى ان يباع). أقول: وقد ذكرنا أن الوقف بحسب نفسه يقتضى السكون والوقوف فأنشاء الوقف انشاء لسكون مال الوقف مقابل الحركة فمعنى السكون عدم عروض النقل والانتقال عليه ببيع ونحوه مقابل المتحرك الذى عبارة عن طرق ما يقتضى الحركة عليه من البيع وغيره. ثم ان جواز بيع الوقف تارة يكون بحيث يكون بدله وثمنه ملكا للبايع الموقوف عليه ويتصرف فيه كيف يشاء كتصرف الملاك في أملاكهم. وأخرى لا يكون ثمنه ملكا للبايع الموقوف بمعنى أن يقوم ثمنه مقام المثمن ويكون بدلا عليه ويترتب عليه جميع احكام المبدل وكيف كان فجوازه يحتاج إلى دليل، واما جواز البيع بحيث يكون الثمن ملكا للمالك فبعيد فانه رفع اليد عن ملكه وجعله وقفا على الموقوف عليهم فلا مقتضى لرجوعه إلى المالك ثانيا،

[ 160 ]

هذا كله ممالا شبهة فيه. ولكن وقع الكلام بين الشيح وصاحب الجواهر تبعا للشيخ الكبير في أن جواز البيع يكشف عن بطلان الوقف بحيث انه بمجرد جواز البيع يطرء عليه البطلان، كما ذهب إليه الشيخ الكبير وتبعه صاحب الجواهر فذكره في هذا المقام أن الذى يقوى في النظر بعدا معانه أن الوقف مادام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفا من التضاد، نعم إذا بطل الوقف اتجه حينئذ جواز بيعه، قال بعض الاساطين في شرحه على القواعد حيث استدل على المنع عن بيع الوقف بعد النص والاجماع، بل الضرورة بأن البيع أضرابه ينافى حقيقة الوقف لاخذ الدوام فيه وأن نفى المعاوضات مأخوذ فيه ابتداء. بالجملة أن محصل كلامهما أن جواز البيع لا يجتمع مع الوقف فإذا جاز البيع بطل الوقف سواء تحقق البيع في الخارج أم لم يتحقق، وقد خالف في ذلك شيخنا الانصاري وتبعه شيخنا الاستاذ. وحاصل كلام المصنف أن الوقف يبطل بنفس البيع لا بجوازه، فمعنى جواز بيع العين الموقوفة جواز ابطال وقفها إلى بدل أولا إليه فان مدلول ضيغة الوقف وان اخذ فيه والمنع عن المعاوضة عليه الا انه قد يعرض ما يجوز مخالفة هذا الانشاء الدوام ثم أيده بتنزيله منزلة الهبة وقال كما أن مقتضى العقد الجائز كالهبة تمليك المتهب المقتضى لتسلطه المنافى لجواز انتزاعه من يده ومع ذلك يجوز مخالفته وقطع سلطتنه عنه بالبيع لا بجواز فقط وبالجملة فكما أن مقتضى الهبة هو التمليك مع جواز استرداد العين الموهوبة وأنها لا تبطل بجواز البيع، بل بالبيع الخارجي وكك الوقف فيبطل بالبيع في الموارد الخاصة التى ثبت جوواز بيعه في تلك الموارد لا بمجرد عروض جواز البيع عليه ويؤيد ذلك ما ذكره المحقق الثاني من انه لا يجوز رهن

[ 161 ]

جائزا وتعدم نظير ذلك في المعاطات وقال يجوز رهن المأخوذ بالمعاطات لكونها معاملز جائزة والرهن وثيقة فلا يتحقق الا بالملك الطلق. ثم أشكل عليهما بانه ان اريد من بطلانه انتفاء بعض آثاره وهو جواز البيع المسبب عن سقوط حق الموقوف عليهم عن شخص العين أو عنها وعن بدلها حيث قلنا بكون الثمن للبطن الذى يبيع فهذا لامحل له فضلا عن أن يحتاج إلى نظر فضلا عن امعانه وان أريد به انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل المنع من البيع من مقومات مفهوم الوقف ففيه مع كونه خلاف الاجماع إذ لم يقل أحد ممن اجاز بيع الوقف في بعض الموارد ببطلان الوقف وخروج الموقوف عن ملك الموقوف عليه إلى ملك الواقف أن المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه، بل هو في غير المساجد وشبهها قسم من التمليك ولذا يطلق عليه الصدقة وبجوز ايجابه بلفظ تصدقت الا ان المالك له بطون متلا حقة فإذا جاز بيبعه مع الابدال كان البايع وليا عن جميع الملاك في ابدال مالهم بمال آخر.. الخ. والذى ينبغى أن يقال في توجيه كلام صاحب الجواهر وشيخه وجوه: الاول: أن يكون معنى قولهم إذ جاز البيع بطل الوقف هو صيرورة الوقف ملكا للواقف ورجوعه إلى ملكه فهو بعيد، فانه بعد خروجه عن ملكه فلا مقتضى لكونه مالكا له ثانيا. الثاني: ان يخرج من الوقفية وصارت ملكا طلقا للموقوف عليهم بحيث لهم أن يفعلوا فيه ما شائوا من البيع والهبة والاعارة والاجارة كبقية أموالهم الشخصية وهذا أيضا لا يقتضى له فكلا القسمين لا يحتاج إلى نظر فضلا عن احتياجهما إلى امعان النظر. الثالث: أن يكون الوقف باطلا من جهة بمعنى بطلانه من الجهة التى عرض له ما يجوز البيع فقط لا من بقية الجهات ليصير ملكا طلقا الموقوف عليهم

[ 162 ]

أو يرجع إلى ملك الواقف ومن الواضح أن هذا يحتاج إلى امعان النظر فضلا عن النظر. وعلى هذا ظهر الوجه في عدم جواز رهن الوقف إذ لا يخرج الوقف عن الوقفية بجواز بيعه من جهة عروض مجوز من مجوزات البيع كما ظهر أنه لا وجه لقياسه بالهبة فان الهبة يجوز استرداده والوقف لا يجوز استرداده لانه عبارة عن الحبس والسكون مقابل الحركة فليس مفهومه الا متقوما بالايقاف و السكون وعدم توارد البيع والشراء والهبة والاجارة عليه بحيث يبقى طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل، وهذا بخلاف الهبة فانها ليست الا تمليكا محضا. ثم انه لا ثمرز لهذا البحث بعد التسالم على حرمة البيع الوقف قبل عروض المجوز وعلى جواز البيع بعد عروض المجوز ثم دوامه بدوام المجوز وارتفاعه بارتفاع المجوز. ثم إذ طرء على الوقف جواز البيع ولم يبع في الخارج إلى أن زال المانع فهل يزول الجواز أو يبقى على حاله فربما يقال ببقاء الجواز استصحابا لحكم المخصص كما في حاشية الايروانى فان المقام من موارد دوران الامر بين العمل بحكم المخصص والعمل بالعام بعد انقطاع عمومه فحيث انقطع عمومه في زمان فلا يبقى مجال للتمسك به، في الزمن الثاني لعدم المقتضى، بل نستصحب حكم المخصص اعني جواز البيع. ولكن الظاهر هو العمل بالعام في غير حالة التخصيص حصوصا إذا كان العموم استغراقيا لما قلنا في محله انه بعد تخصيص العام يتمسك به في مورد التخصيص وتوضيح ذلك ان للوقف هنا ثلاثة حالات حالة قبل عروض الحالة الموجبة للبيع والمسوغة له وحالة عند عروض المسوغ وحالة بعد عروض المسوغ وذكرنا في محله ايضا انه كما أن للعام عموم افرادي عرضى وكك له عموم

[ 163 ]

ازمانى سواء كان الحكم واحد أو متعدد منحلا إلى احكام عديدة. وعلى هذا فمقتضى العمومات الدالة على عدم جواز بيع الوقف انما تدل على عدم جوازه في جميع الحالات بحسب العرض والطول، فقد خرج من تحتها صورة عروض الحالة المسوغة للبيع فيبقى الباقي تحت العموم و هذا واضح بناء على أن جواز البيع لا يوجب بطلانه، بل يسوغ البيع فقط والا فالوقف باق على حاله. وأما بناء على مسلك صاحب الجواهر فكك أيضا لما عرفت أن قوله بالبطلان ليس معناه رجوع الوقف إلى الواقف أو صيرورته ملكا طلقا للموقوف عليهم لما عرفت من بعد كلا المعنيين وعدم المقتضى لهما في البين، بل معناه هو البطلان من جهة خاصة اعني الجهة التى أوجبت بيع الوقف و سوغ المعاملة عليها وأما بقية الجهات فمحفوظة على حالها وهو الذى كان محتاجا إلى النظر، بل إلى امعان النظر. وعليه فالتمسك بالعموم في غير المقدار الذى ثبت فيه التخصيص من الوضوح بمكان، بل الامر كك حتى على المعنى الاول والثانى فان جواز بيع الوقف وان أوجب بطلانه سواء كان بالعود إلى الواقف أو بصيرورته ملكا طلقا للموقوف عليهم ولكن الفرض أن الابطال ليس مستمرا إلى الابد، بل انما كان عموم العام قبل ذلك شاملا لما هذه الحالة التى بطل فيها الوقف وعليه فتمسك بالعموم في الغير المورد الذى نقطع بخروج الخاص ونعمل بالعموم فتحكم بمقتضاه على ثبوت الوقفية بعد البطلان أيضا فيكون العام مقتضيا لذلك فيحكم بالوقف إلى الابد إلى ان يرث الله الارض ومن فيها. (قوله: إذا عرفت ان مقتضى العمومات في الوقف عدم جواز البيع). أقول: بعد ما حكم المصنف أن مجرد محروض جواز البيع على الوقف لا

[ 164 ]

يوجب البطلان، بل لابد من وقوع البيع في الخارج فتعرض إلى أن الوقف بحسب نفسه والاصل الاولى لا يجوز بيعه بل لابد من البقاء وهو واضح لما عرفت أن مفهوم الوقف عبارة عن السكون فلابد وان يكون واقفا وساكتا. ثم يقع الكلام هنا في جهتين: الاولى: في الخروج عن مقتضى ذلك الاصل، بحسب الموضوع بمعنى أن أي وقف يجوز بيعه وأى وقف لا يجوز بيعه والجهة الثانية: في الخروج عنه بحسب الحكم بمعنى أن المسوغ لبيع الوقف أي شئ مع قطع النظر عن أن أي وقف يجوز بيعه وأى وقف لا يجوز بيعه وقد حصره بعضهم بواحد وهو وقوع الخلف بين الموقوف عليهم وبعضهم بثلاثة وبعضهم بخمسة إلى غير ذلك من الاختلافات. أما الجهة الاولى: فوقع الخلاف في ذلك بين الاصحاب كثيرا، فذهب بعضهم إلى عدم جواز البيع وعدم الخروج من عموم المنع اصلا، وهو الظاهر من كلام الحلى والشهيد، فان ظاهر قول الشهيد أن سد الباب وهو نادر مع قوته هو اختياره ذلك وذهب بعضهم إلى الجواز مطلقا. وفصل بعضهم بين الموبد والمنقطع وليس المراد من المنقطع ما إذا كان الوقف إلى سنة أو إلى سنتين، بل معناه أن الوقف انما هو على طائفة خاصة من غير تقيد بزمان خاص والا فيكون حبسا الذى عباره عن حبس العين مع كونها باقية على الملك وتسبيل المنفعة، ولكن حيث انه لطائفة خاصة ينقرض كثيرا بانقراضهم فيسمى ذلك بالوقف المنقطع الاخر وهذا بخلاف المؤبد فان معناه أن الوقف لطائفة خاصة كأصل العلم من الشيعة في النجف مثلا كما وقفوا قريه في كرمان شاه كك ومع عدمهم لمطلق اهل العلم ومع عدمهم العياذ بالله لفقراء الشيعة ومع عدمهم لاغنياء الشيعة وهكذا فمثل هذا الوقف لا ينقطع آخر بل يستمر ويدوم إلى الابد ويبقى طبقة بعد

[ 165 ]

طبقة وجيلا بعد جيل. وبالجملة التزموا بجواز البيع المنقطع دون المؤبد. وفصل بعضهم بقولهم بعكس ذلك، أي بجواز البيع في المؤبد وبعدمه في المنقطع ولعل نظره إلى ان المنقطع بنفسه بخلاف المؤبد. وفصل بعضهم بين أصل الوقف حيث قال بعدم الجواز وبين اجزائه وآلاته التى انحصر طريق الانتفاع بالبيع فقط، كحصر المسجد وجدوعه و بعض الاته التى سقط عن الانتفاع به في هذا المسجد بنحو من الانحاء و هو المحكى عن الاسكافي وفخر الاسلام، ويمكن التفصيل بين ما يكون الوقف تحريرا كالمساجد ونحوها وبين سائر الاوقات، ويلتزم بعدم جواز البيع في الاول دون الثاني، الا انه ليس تفصيلا في الحقيقة لان المساجد خارج عن مورد البحث، فان الظاهر ان مورد البحث ماعتبر فيه التمليك والمساجد تحرير وعليه فما سيأتي من المصنف من التفصيل بين المساجد وغيره، تنبيه على اصل المطلب لا تفصيل في الوقف بين جواز البيع في قسم وعدمه في آخر والكلام فعلا يقع في جواز بيع الوقف المؤبد. في الجملة وبعد ما نقل المصنف كلمات الاصحاب فصل في الوقف المؤبد، بينما يكون ملكا للموقوف عليهم وبينما لا يكون ملكا لاحد، بل يكون فك ملك نظير تحرير كالمساجد والمدارس والربات والخانات وان كان في الحقيقة ليس تفصيلا كما عرفت بناء على عدم دخولها في ملك المسلمين فان الموقوف عليهم انما يملكون الانتفاع دون المنفعة وقال المصنف ان محل الخلاف هو القسم الاول، أي ما يكون الوقف تمليكا وأما القسم الثاني فالظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيعه لعدم الملك وعلى هذا فلو خربت القرية و انقطعت المارة عن الطريق الذى فيه المسجد لم يجز بيعه وصرف ثمنه في

[ 166 ]

احداث مسجد آخر أو تعميره أو صرفه في مصالح المسلمين. نعم يجوز الانتفاع بها بالزرع والغرس مع ملاحظز الاداب بعدم التنجيس والهتك كما جاز الانتفاع به قبل الخرب بالجلوس والنوم وسائر الاشغال من المباحث وغيرها إذا لم تزاحم المسجدية، نعم يحتمل جواز احارتها وصرف الاجرة في مصالح المسلمين. ولكن الظاهر أنه لافرق بين البيع والاجارة فانه بعد خروجها عن الملكية لاحد وحرمة كما لا يجوز بيعه وتمليكه وكك لا يجوز ايجاره. ثم ان المراد من عدم جواز التصرف فيها تصرفا مالكيا خصوص الحرمة التلكيفية والا فلا يترتب عليه ضمان بوجه ولذا لو سكن فيها احد أو اشتغل ما لا شغال المنافية للمسجدية فليس عليه ضمان. وبالجملة ان كان الوقف تمليكا ولو كان للنوع فهو محل الكلام في المقام وان كان تحريرا وفك ملك فهو لا يجوز بيعه بوجه لعدم كونه ملكا لاحد حتى يجوز بيعه ويباشره أحد الملاك وكالة أو الحاكم ولاية، بل يبقى على حالها إلى ان يرث الله الارض ومن فيها، نعم يجوز الانتفاع بها ما لا يزاحم المسجدية وان تصرف فيها بما يزاحم المسجدية فعل فعلا محرما فلا ضمان بالاجرة لان الفرض انه ليس بملك لا للخاص ولا للعام كما لا يخفى انتهى الكلام إلى تفصيل المصنف بين ما يكون الوقف تمليكا وبين ما يكون تحريرا. وتحقيق الكلام هنا ان ما يكون تحريرا كالمساجد فان المتيقن من التحريرا هو المسجد، فالظاهر أن لا يجوز بيعه فان حقيقة البيع على ما عرفت عبارة عن المبادلة بين الشيئين في جهة الاضافة إلى المالك بحيث يكون كل واحد من الشيئين مضافا إلى شخص فيتبدل كل من الاضافتين بتبديل المالين ومن البديهى ان المساجد غير مضافة إلى أحد باضافة الحقيقة أو باضافه الملكية ومع انتفاع الاضافة كيف يسوغ البيع أو التجارة عن تراض أو بقيه

[ 167 ]

المعاملات لما عرفت مفصلا أنه لابيع الا في ملك، ولا بيع الا فيما يملك ولذا قلنا ان كل ما ليس داخلا تحت الملك كالطير في الهوى والمباحات الاصلية قبل الحيازة لا يجوز بيعه. وتوهم أن المساجد ايضا نحو من التمليك للمسلمين كما ان الزكاة ملك للفقراء والاصناف الاخر أو نقرض مسجدا يملكه المالك للمسلمين وقفا. توهم فاسد فان المساجد من قبيل التحرير كالعبد المعتق وأنها لله لا بمعنى كونها ملكا له ومضافا إليه ليتوهم جواز بيعها من جهة تلك الاضافة المصححة للبيع، بل بمعنى كونها معبدا للمسلمين ليعبد فيها لله تعالى وبتقرب به فيها ولعل إلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى (وان المساجد لله) بل هو المحتمل القريب من سائر المعاني وهذا هو المستفاد من بعض الروايات فلا يقاس ذلك بالزكاة فان الجهة فيها مالك بخلافه في المساجد فانه ليس فيها جهة اضافة حقا أو ملكا فلا يصح بيعها بوجه. وأما الوقف بمعنى التمليك للمسلمين، بان يجعل مكانا خاصا مسجدا بعنوان التمليك لا التحرير فخارج عن الفرض فانه لا يكون مسجدا ومتمحضا لله، بل يكون مثل الحسينيات ونحوها. وبالجملة أن من الضرورى أن المساجد ليس الا تحريرا وفكا للملك لا تمليكا وعليه فلا يكون بيعه جائزا لعدم وجود الاضافة فيها إلى أحد ولو إلى الجهة كالزكاة بحيث يباع المسجد ويكون بدله قائما مقامه في تلك الجهة فهذا قسم من الوقف العام. ومن هنا ظهر ما في كلام كاشف الغطاء حيث ذكر جواز اجازة المسجد الذى خربت القرية وانقطعت المارة عنه وخرب وذلك فان صحة الاجارة تتقوف على كونه مضافا إلى شخص لتكون الاجرة داخلة تحت ملكه وقد عرفت أن

[ 168 ]

باق على وسعته فانه لا يلزم في الثالث توفية المسجد ليس مضافا إلى شخص. نعم، يصح الزع والغرس فيه والانتفاع به بغيرها مع ملاحظة الآداب كما هو واضح. الثاني: أن يكون وقفا للذرية بحيث يوقف أرضا خاصا لهم لتكون منفعته لهم طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل فلا شبهة أن هذا القسم من الوقف تحبيس وتمليك أما كونه تحبيسا فلان الوقف على ما فسروا تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة وقد جعل الواقف ذلك الوقف كك كما لا يخفى. واما كونه تمليكا لهم فلمقتضاء السيرة القطعية العقلائية على ذلك فانه لا يشك أحد في انه إذا ثبت في ذلك ما يوجب الضمان على شئ يكون ذلك الشئ لهم ولو غصبه غاصب لوجب عليه رده إلى الذرية بمقتضى اليد والسيرة ومن المعلوم أنه لو لم يكن هنا تمليك لكان الحكم فيها مثل المساجد من غير ان يوجب الاشغال والغاصب الضمان على الاجرة فلازم هذه السيرة هي الملكية على أن مقتضى الوقف على الذرية يقتضى ذلك بمقتضى مفهوم الوقف فان لو كان ذلك مجرد التحبيس لكان المناسب أن يقول الواقف وقفت لهم بحيث يكون لهم لا عليهم وهذا بخلاف التمليك فان الواقف يملك العين الموقوفة لهم ولكن يضيق دائرة السلطنة على الموقوف عليهم ولا يجعلونهم مطلقا في العين الموقوفة لتكون سلطنتهم سلطنة مطلقة وسلطنة لهم، بل يضيق دائرة السلطنة عليهم بالشرط في ضمن الوقف وبنفسه نظير الشرط الخارجي بحيث يكون الموقوف عليهم مالكا للمنفعة فقط ملكية مطلقه وأما العين فليس لهم عليها مالكية الا من جهة ان تكون المنفعة لهم وأما يفعلون للعين الموقوفة بما شائوا فلا واذن فتكون السلطنة عليهم لا لهم و لذا قال الواقف عن الوقف وقفت عليهم.

[ 169 ]

وبالجملة مقتضى تلك العبارة هي التمليك فانه لو كان الغرض هو التحبيس لقال وقفت لهم لا عليهم، فان من الواضح انه إذا كان الشخص مالكا لشئ ولم تكن سلطنة مطلقة تكون السلطنة عليهم لالهم كما هو واضح. والحاصل: أنا نستفيد كون الوقف على الذرية تمليكا لاتحبيسا من نفس عبارة الواقف عند الوقف لكونها ظاهرة في التمليك باعتبار التعبير بعلى الظاهرة في تضييق دائرة السلطنة بمقتضى الشرط بمجرد الوقف نظير تضييق الدائرة للسلطنة بالشروط الخارجية. واما جواز بيعه، فالظاهر أنه ممالا اشكال فيه كما سيأتي فان المانع الذى كان في التحرير غير موجودهنا كما لا يخفى، فان الاضافة المالكية موجودة وتصرف الموقوف عليهم متعذر لفرض عروض الجهة المجوزة للبيع و ليس في البين ما يمنع عن التصرف كأدلة حرمة التصرف في مال الغير فتكون اصالة الاباحة محكمة. الثالث: ان يكون وقفا عاما كالوقف على العلماء والسادات وطلاب المدارس والزوار والفقراء ونحوها من الجهات العامة وهو على قسمين: الاول) ان يكون وقفا للكلى كالوقف على العلماء والطلاب كوقف الحمامات والد كاكين والاملاك لهم لتكون منافعها ملكا طلقا لهم بحيث يكون حبس الاصل وتسبيل الثمرة لهم بحيث تكون المنفعة لهم ويملكون منافعها وتقسم عليهم كما في القسم الثاني نظير اوقاف على العلماء وطلاب المدارس، فان غلتها تقسم عليهم ويملكون نفس المنفعة ولا يلزم توفية جميع الاقسام هنا كما يلزم في الوقف على الذرية، وغاية الامر أن الفرق بينهما من جهه أن دائره الوقف في القسم الثاني تضييق وتوسع بكثرة الموقف عليهم وقلتهم بحيث إذا كثروا فتوسع دائرة القسمة وإذا قلوا فتضيق دائرته واما في القسم الثالث فهى

[ 170 ]

القسمة على جميع السهام والموقوف عليهم، بل يجوز الاعطاء لواحد و الاختصاص به لان الوقف لجهة وهى متحقق بواحد لصدق الجهة وتحقق الاعطاء لاهل العلم، وهذا بخلافه في القسم الثاني، فانه لابد فيه من ملاحظة جميع الموقوف عليهم وتوفية القسمة لهم قلوا أو كثروا ومن ذلك يختلف القسمة سعة وضيقا باختلاف الموقوف عليهم كثرة وقلة وأنه لابد من اعطاء كلهم قسمة حقيقة حتى لو مات أحدهم بعد حصول الغلة فتنقل إلى وارثه وهذا بخلافه في القسم الثالث. ثم ان هذا القسم من الوقف ايضا تمليك لعين ما تقدم في القسم الثاني من اقتضاء نفس مفهوم الوقف، ذلك وأنه لو غصبه غاصب يحكم بضمانه بخلاف التحرير وأن السيرة العقلائية تقضى ان يعامل مع مثل تلك الاوقاف معاملة الملكية لقيامها على الضمان ووجوب الرد على النحو المأخوذ فبالملازمة تدل على الملكية غاية الامر ملكا للجهة نظير الزكاة والصدقات ونحوهما والظاهر أنه لاشبهة في جواز بيع هذا القسم أيضا مع عروض الجهة المجوزة للبيع فانه مع وجود المقتضى له وشمول عمومات صحة البيع عليه وعدم وجود المانع عنه فلا شبهة في ذلك فانا نشك في صحة المعاملة عليها مع تعذر استعماله فما اعدله ووقف عليه فنتمسك باصالة الاباحة وقوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها اهلها ناظر إلى حفظ جهة الوقف مع الامكان لامع التعذر. الثاني) ان يكون وقفا على الجهة العامة من دون ان يكون الموقوف عليهم مالكا على المنفعة، بل مالكا على الانتفاع كما ربما يعتبر تملك الانتفاع بمعنى أن الوقف على تلك الجهة كما أنه ملك لهم مضيقا فكك ملكهم بالنفعة أيضا مضيق بمعنى أنهم مالكون بمنفعة خاصة أي السكن مثلا والا فلا معنى للملك على الانتفاع إذ لا معنى لمالكية الانسان على فعله بخلافه في القسم

[ 171 ]

المتقدم فانهم مالكون بالمنفعة مطلقا وملكا طلقا بحيث لهم بيع تلك المنفعة وهبتها وإذا ماتوا تنتقل إلى وارثهم وان كان أصل الوقف ليس ملكا طلقا لهم وهذا بخلافه في هذا القسم، فان الموقوف عليهم يملكون المنفعة الخاصه ملكا مضيقا كالسكنى مثلا من غير أن يجوز لهم بيعها وإذا ماتوا تنتقل تلك المنفعة إلى الوارث، ومن هنا لو غصبه غاصب يضمن الاجرة للجهة لا لخصوص الساكن في ذلك، وهذا القسم كالمدارس والربط والخانات ونحوها و الظاهر أن هذا أيضا تمليك للجهة العامة للوجوه المتقدمة و السيرة العقلائية وهنا اوضح من السيرة في القسمين المتقدمين، فان هذا القسم من الاوقاف كان موجودا في الزمن الجاهلية ايضا وقفا على طبق مسلكهم فانها قائمة على ضمان الغاصب فبالملازمة تدل على الملكية ومما ذكرناه ظهر مافى كلام المصنف من عطف الرباط والخانات والقناط على المساجد فانه فرق واضح بينهما إذ الوقف في المساجد تحرير فلا يجوز بيعه بوجه كما عرفت ولكن الوقف للرباط والخانات والمدارس ليس تحريرا، بل تمليك للجهة العامة فيجوز بيعها فكم فرق بينهما. وأما المشاهد فهل هي مثل المساجد أو كأوقاف العامة ويقع البحث فيها في جهتين: الاول) في ارضها، والثانية) في الالات التى توقف عليها من السراج والقناديل والذهب والفضة والفرش ونحوها. اما الكلام في أرضا: فالظاهر أنها ملحقة بالمساجد وليست ملكا لاحد بل تحرير محض ومن هنا الحقوها بالمساجد في جميع الاحكام الشرعية و عليه فلا يصح بيعها بوجه، بل يعامل معها معاملة المساجد. والحاصل: أن الوقف على أنحاء منها ان يكون تحريرا كالمساجد و المشاهد المشرفة فانها لله ووقفوها لان تكون معابد للمسلمين من غير أن

[ 172 ]

تكون ملكا لاحد أو لجهة كما أن البيع والكنائس معابد لليهود والنصارى، من غير أن تكون ملكا لاحد وعليه فلا يجوز بيعها كما عرفت، واما الوقف للصلاة مثلا فليس بمسجد كما تقدم، وأما لا يكون الوقف تحريرا فيكون تمليكا سواء كان وقفا على الذرية أو وقفا على الكلى كوقف الحمامات والدكاكين ونحوهما على الكلى كالعلماء والصلحاء والفقراء والزوار ونحوهم من العناوين الكلية بحيث تكون المنفعة ملكا طلقا لهم أو وقفا على الجهة كالرباط والخانات والقناطر ونحوها فانها وقف على الجهة لينتفعوا منها فقط بحيث كما ان ملكهم على الوقف مضيق فكك ملكهم على المنفعة ايضا مضيق وربما يعبر عن ذلك بملك الانتفاع ولكنه لا معنى له، والوجه في كونه تمليكا هو قيام السيرة العقلائية على ضمان الغاصب لهذه الاوقاف بخلاف المساجد فبالملازمة نكشف كونه تمليكا وهذا لاشبهة في جواز بيعها مع عروض المسوغ لها كما سيأتي في مسوغات بيع الوقف. ثم ان هنا قسما آخر من الوقف فيكون به الاقسام خمسة وهو الوقف على الوقف نظير الاوقاف على المساجد والمشاهد والمدارس كمأجرت السيرة على وقف الدكاكين والحمامات والعقار على المدارس والمساجد والمعابد والظاهر أنها تمليك عليها وان كانت نفس المساجد غير مملوكة وذلك فان قوام الملكية انما هو بالاضافة بين المالك والمملوك فتلك الاضافة خفيفة المؤنة فكما يمكن اعتبار الملكية للاحياء والاموات من ذوى الشعور والعقول، فكك يمكن اعتبارها الغير ذوى الشعور أيضا من الجمادات كما يمكن اعتبارها للكلى واعتبار الكلى ملكا للشخص مع الاضافة إلى الذمة على ما تقدم. وبالجملة أن اعتبار الكلى لغير ذوى الشعور من الاشخاص الجمادية ليس أخف من اعتبارها للكلى واعتبار الكلى ملكا لذوى الشعور كما هو واضح،

[ 173 ]

بل هذا المعنى موجود في بناء العقلاء ايضا مع قطع النظر عن الشرع فان في بنائهم اعتبار الملكية على غير ذوى الشعور. وعليه فآلات المسجد واسبابه لا تلحق بالمسجد في الحكم بجواز البيع فان نفس المسجد ليس ملكا لاحد كما عرفت وهذا بخلاف الات فانها تمليك للمسجد فيجوز بيعها إذا عرض لها ما يسوغ البيع ولا يبعد، بل من القريب أن من هذا القبيل الموقوفات التى وقفت على المشاهد المشرفة من القناديل والسراج ونحوهما فانها تمليك لها لينتفع بها فيها بالمنافع التى أعدت لها ولو كانت هي التزين وتعظيم الشعائر فانه لا يترتب فائدة على القناديل المعلمة من المشاهد والجواهر المعلقة مع كونها باغلى القيم واعلاها الا التزيين والتعظيم فلا يجوز بيع شئ منها الا بعروض مجوز فليس حكمها حكم المشاهد، فانك عرفت أنها ليست ملكا لاحد، بل هي تحرير كالاماء والعبيد إذا اعتقوا وهذا بخلاف هذه الامور فانها تمليك للمشاهد فيجوز بيعها عند عروض المجوز ومن أخذها يكون ضامنا. ومن هذا القبيل وقف الدكاكين والحمامات وبقية الاملاك على المدارس والمساجد والمشاهد ولكن فرق بينها وبين آلات المسجد وقناديل الحرم وجواهرة التى وقفت للتزيين والتعظيم وهو ان الدكاكين ونحوها وقفت عليها لتكون منافعها لها بحيث تصرف فيها نظير صرف منافع الموقوفات على الكلى في أفرادها فتكون تلك المنافع ملكا طلقا لها ومملوكا شخصيا لهؤلاء وكك منافع تكون ملكا طلقا للمساجد والمشاهد بحيث ان لمتوليها بيع تلك المنافع. وتبديلها بشئ آخر من غير عروض مجوز لها ثم بيع ذلك أيضا وتبديلها بشئ آخر من الدار والدكان ونحوها وهذا بخلاف الاصل أعنى ذى المنفعة فانه لا يجوز بيعها الا بعروض المجوز كما أن ما يكون وقفا للعناوين

[ 174 ]

الكلية أو الذرية تكون منفعتها ملكا طلقالهم يفعلون فيها ما يشائون بخلاف أصل الوقف الذى حصل منه النفع فحقيقة الوقف الذى عبارة عن تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة موجودة هنا من غير أن يكون تحريرا وهذا بخلاف مثل آلات المسجد والمشاهد وما كان وقفا لها للتعظيم والتكريم فان نفعها عبارة عن التعظيم فقط فليس لها نفع سواه وسوى التزيين فيكون نظير الوقف على الجهة كالمدارس والقناطر والربط والخانات فليس للموقوف عليهم الا الانتفاع بالتفرج ونحوه، أي انهم مالكون بمنفعة خاصة لا بجميع منافعا فان مالكيتهم مضيق فيها كتضبق مالكيتهم على اصلها لاأنهم مالكون بالانتفاع فانه لا معنى للوقف، بان يكون الموقوف عليهم ان يملكون على فعلهم وجملة من تلك الالات نفعها يكون منحصرا باستراحة الزوار والمصلحين وجملة منها تكون ذوجنبتين أي يكون نفعها تعظيما للشعائر وعائد إلى استفادة الزوار والمصلين وعلى كل حال فليست وقفا على الجهة، بل وقف على نفس المساجد والمشاهد وتمليك لها ولكن الداعي يختلف تارة يكون انتفاع الناس فقط، وأخرى تعظيم الشعائر من حيث التزيين فقط، وثالثة يجتمعان وكيف كان فما كان نفعه عائدا إلى الواردين فمن حيث أنهم واردين لهذا المحل وزوارها والمصلين فيها. ثم انه من هذا القبيل الاجزاء المستحدثة في المساجد والمشاهد كاسقف والجدران ونحوهما فانها تمليك لها من غير أن تكون تحريرا ولذا يجوز بيعها بعد الخراب إذا لم يمكن صرفها في نفسها، بل يمكن القول بذلك فيها إذا لم تكن مستحدثة، بل صار وقفا على هذا النحو كما إذا ابني بناء ثم جعله مسجدا، بل الامركك في جميع اجزاء المشاهد والمساجد أي ماكان الوقف تحريرا فجميع اجزائها من الارض والجدار والسقف وسائر

[ 175 ]

الاجزاء كلها وقف على نحو التمليك المسجد والمشهد وان المسجد والمشهد غيرها أي المكان التى تلك الاجزاء موجودة فيها فانها بحسب التحليل و الدقة ليست بمسجد ومشهد، بل من أجرائها وان كان يحرم تنجيسها و هتكها الا أن ذلك من جهة كونها جزء للمسجد والمشهد وتحقيق هذه الدعوى. أن المسجد انما هو المكان الذى يحتاج إليه كل جسم ويفتقر إليه وليس هذا المكان عبارة عن الارض ولا الهواء الموجود في الفضاء، بل هما أيضا من الاجسام المحتاجة إلى المكان، بل المكان وان كان شيئا يحتاج فهمه إلى النظر الدقيق، بل مما يتحير فيه العقول ويختلف فيه أهل الفلسفة أيضا في بحث الاعراض وفى بحث غناء الواجب تعالى من المكان ولكن الظاهر و لو بحسب المسامحة العرفية أنه عبارة عن البعد الخالى من كل شئ حتى من الهوى ولذا لو اخرجت جميع اجزاء المسجد من الارض والسقف و الجداران إلى محل آخر واترس محلها تراب وجص غيرها ترتب حكم المسجد على الاجزاء الجديدة وانسلخت عن الاجزاء الخارجة وهكذا الحكم في غير المساجد من الاملاك الشخصية فان المكان الذى متعلق حق الناس إذا خلا عن جميع الاجزاء من التراب والاجر والجص وبفرض المحال عن الهواء ايضا، بل إلى تخوم الارض بالفرض المحال لو كان إلى تخوم الارض متعلق حق الغير وان لم يكن كك فان متعلق الحق ما يعتبره العقلاء للملاك من الفوق والتحت وكك في المساجد في غير المسجد الحرام، فانه ورد روايتين في خصوص مسجد الحرام انه مسجد من تخوم الارض إلى عنان السماء. فإذا خليت عن التراب إلى تخوم الارض بالفرض المحال هل يتوهم أحد أن حق المالك زال عن هذا المكان، بل نفس ذلك المكان متعلق حق

[ 176 ]

الغير وملك له فليس لاحد أن يزاحمه. وبالجمة أن المكان سواء كان مسجدا أو ملكا لاحد ليس عبارة عن الارض والهواء، بل جميعها موجود في المكان وذلك المكان مسجد وملك للغير من الفوق والتحت بالمقدار المتعارف لامن تخوم الارض إلى عنان السماء كما توهم أنه من تخوم الارض إلى عنان السماء مسجد فانه بلامدرك فلو خليت الاراضي من جميع الاجزاء الارضية، بل الهواء أيضا محالا فالمكان الخالى من الفوق والتحت مسجد وملك للغير بالمقدار الذى يعتبره العقلاء ملكا في الاملاك وهذا المقدار أيضا مسجد وكك الامر في المسجد الحرام أيضا فلو خربت الكعبة العياذ بالله واخرجت الاحجار والتراب عنها، فلم تزل الكعبة، بل زالت اجزائها بحيث لافرق بين البناء الموجود فيهاو الهواء الموجود في السماء الرابع فان جميعها كعبة وكك إلى تخوم الارض فالكعبية غير قائمة بذلك البناء والذى يدل على صدق هذه الدعوى مضافا إلى ما ذكرناه ما ذكره شيخنا الاستاذ من ان المساجد وكك المشاهد تحرير ملك وفك له إلى الابد حتى يرث الله الارض بحيث لا ينقلب عما هو عليه بوجه مع أن جدرانها وكك سائر أجزائها عن السقف وغيره لا تبقى إلى الابدبل تخرب ويتجدد ببناء آخر ولو بعد الف سنة فلو كان قوام المسجدية و المشهدية بتلك الاجزاء لزالت ولم تبقى إلى الابد فهو خلف ومناقضة و نكشف من ذلك أن المسجدية غير قائمة بها وانما هي اجزاء المسجد كمالا يخفى. بقى هنا شئ وهو أن ثوب الكعبة هل هي وقف للكعبة أو للزائرين أو للخدمة وانه على تقدير كونه وقفا للكعبة كيف يجوز اخذه في كل سنة وصرفه في غير مصارف الكعبة.

[ 177 ]

أقول: الظاهر أنه بذل للبيت إلى ان يكون لها سنة واحدة فلا يجوز التصرف فيه إلى سنة ثم يأخذه المتصدي للكعبة ويتصرف فيه ببذله إلى خدمته أو الى زواره كيف شاء، بل سمع أن في المصر موضع وقف على ذلك بحيث أن يصنع منه في كل سنة ثوبا للكعبة. وبالجملة أن ثوب الكعبة لا يقاس ببقية الموال المساجد والمعابد و المشاهد فانه لا يجوز التصرف في بقية أموالها بنحو وهذا بخلاف ثوب الكعبة فانه يجوز التصرف فيها بعد سنة لانه من الاول جعل هكذا خصوصا لو صح ما سمع ما ذكرناه من تهيته موضع لذلك في المصر. وبالجملة ثوب الكعبة ليس وقفا لها ليستشكل فيه بانه كيف يسوع بيعه بعد سنة مع كون الوقف مؤبدا، بل هو هدية للبيت ينتفع به إلى سنة ولا يجوز لاحد ان يتصرف فيه إلى سنة ثم يؤخذ ويتصرف فيه فمن الاول جعل هبة للبيت إلى سنة ثم إلى المسلمين أو الحذمة ونحوهم ويشهد على ذلك ما ورد من جواز بيع استار الكعبة والانتفاع به كما في رواية مروان بن عبد الملك واما ما ذكر من عدم جواز التكفين به فمن جهة الاحترام لتنجسه بما يخرج من اسفل الميت. الكلام في مسوغات بيع الوقف (قوله: إذا عرفت جميع ما ذكرنا فاعلم أن الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور). أقول: ذكرت امور يجوز بها بيع الوقف منها ان يخرب الوقف وان كان المذكور في كلامهم هو ذلك ولكن الخراب ليس موضوعا للحكم، بل موضوع

[ 178 ]

الحكم هو عدم امكان الانتفاع به والخراب مقدمة لذلك ومن هنا لا ينحصر الحكم بالخراب فقط، بل يجرى في كل مورد سقط عن الانتفاع به كما يجرى في الخراب ايضا، وذلك كالدار الموقوفة إذا خربت وكذلك اخشابها و الحيوانات الموقوفة لمسجد إذا ذبحت أو الاعيان الموقوفة إذا سقطت عن الانتفاع بها كالدور غيرها إذا كانت في قرية خربت أو غار عنها اهلها و بقيت الدار الموقوفة مسلوبة عنها المنافع وهكذا الظروف والاخشاب و الاحجار ونحوها. فتحصل انه لا موضوعية للخرابية ثم انه يقع الكلام هنا في مجهتين: الاولى: من جهة المقتضى. والثانية: من جهة المانع. اما الكلام في الجهة الاولى، فحاصل ما ذكره المصنف أن المانع من بيع الوقف أمور، فلا يجرى شئ منها في المقام الاول الاجماع.. فيه وان ادعى الاجماع على عدم جواز بيعه كما هو كك سواء كان اجماعا تعبديا أو له كك، الا انه لا يجرى في المقام إذ لا خلاف في جواز بيعه عند خرباه وسقوطه عن الانتفاع به. الثاني ما في رواية على بن راشد لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك. وفيه انها منصرفة إلى غير هذه الحالة لان النظر فيها ان كان إلى موردها فلا شبهة ان مورد كلامنا ما يكون الوقف ساقطا عن الانتفاع به وفى الرواية ليس كك ولذا فرضت فيها الغلة فلو كانت ساقطة عنا الانتفاع بها لم تكن ذات غلة وان كان النظر إلى اطلاقها فلا شبهة في انصرافه إلى غير هذه

[ 179 ]

الصورة لان الواقف وقف الارض لتبقى موقوفة وينتفع الموقوف عليهم بها لتكون المنفعة ملكا طلقالهم أو يملكون بالمنفعة الخاصة المعبر عنها بملك الا نتفاع بالمعنى الذى ذكرنا والا فلا معنى للوقف لان يملك الموقوف عليهم بفعلهم فإذا سقط الموقوفة عن هذه الحالة فتخرج عن لزوم ابقائها إلى الابد فتخرج عن الوقفية التى كانت عبارة عن حبس العين وتسبيل الثمره من حيث جواز البيع لامن جميع الجهات ليقال ان لازم ذلك سقوط الوقف عن الوقفية كما تقدم ذلك في توجيه كلام صاحب الجواهر واستاذه كاشف الغطاء فمن الاول لم يشمل اطلاق الرواية على ذلك ومنصرف إلى غير تلك الحالة كما ادعاه المصنف (ره) من انها منصرفه إلى غير تلك الحالة. واما قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها فذكر المصنف اولا أنه ناظر إلى وجوب مراعات الكيفية المرسومة في انشاء الوقف وليس منها عدم بيعه بل عدم جواز البيع من احكام الوقف وان ذكر في متن العقد وافاد ثانياو لم سلم أن المأخوذ في الوقف ابقاء العين فانما هو مأخوذ فيه من حيث كون المقصود انتفاء البطون به مع بقاء العين والمفروض تعذره هنا. أقول: لاوجه لما افاده اولا فانه يرد عليه اولا انه مناقص لما استدل به سابقا على عدم جواز بيع الوقف، وثانيا: أنه لاوجه لتخصيص الرواية بالكيفيات مع شمول اطلاقها للبيع ايضا فيحكم بعدم جواز بيع الوقف وعدم جواز التصرف فيه على غير جهة قصد الواقف أخذ بالا طلاق. وثالثا: على فرض عدم شمولها للكيفيات فالا دلة الاخرى الناظرة على امضاء الوقف على طبق المعنى اللغوى الذى عبارة عن الحبس والسكون و على طبق المعنى الشرعي الذى ذكره الفقهاء اعني حبس العين وتسبيل الثمرة كافية في الماضية فلم ترد لا دلة المانعة على نحو التعبد فعدم جواز

[ 180 ]

بيع الوقف ليس للتعبد، نعم ما افاده ثانيا من اعتبار ابقاء العين في مفهوم الوقف ولكن اعتبر ذلك مقيدا بانتفاع البطون فمع عدم امكان الانتفاع فلا يكون حقيقة الوقف متحققة هنا من حيث جواز البيع فقط لا من الجهات الاخرى بحيث يكون الوقف مطلقا باطلا فحينئذ لا تمنع عن البيع الادلة المانعة بوجه لما عرفت انها مسوقة لامضاء ما اعتبر في مفهوم الوقف فقط وليست ناظرة إلى جهة التأسيس فمع انتفاء حقيقة الوقف ومفهومه من جهة جواز البيع فلا تبقى في البين أدلة الامضاء أيضا. اما الكلام في جهة الثانية فهو ما اشار إليه بقوله، والحاصل أن الامر دائر بين تعطيله حتى يتلف، الح. أقول: انه لااشكال في وجود المقتضى لبيع الوقف إذا عرضه ما يوجب سقوطه عن الانتفاع به وتحقيق ذلك ان الامر حينئذ دائر مدار تعطيل الوقف حتى يتلف وبين انتفاع البطن الموجود به وبين تبديله لينتفع به البطن المتأخر والظاهر جواز تبديله بل لزومه لينتفع به البطن الموجود والبطون المتأخرة وذلك فان العبارة المقترنة بكلمة الواقف حتى يرث الله الارض ومن فيها مع كون العين الموقوفة ممالا بقاء لها إلى الابد قطعا مع عدم المعنى لوقف المنقطع تدل على ان الخصوصية غير دخيلة في العين الموقوفة وأن الملحوظ فيها انما هي طبيعي المالية في ضمن أي شخص كان فما دام يمكون الانتفاع بعينها فبها والا فيبدل بعين أخرى عن جنسها أو من غير جنسها فينتفع بها مثلا لو وقف عبدا أو حمارا أو شيئا آخر مما لا دوام فيه على صلاح المسجد حتى يرث الله الارض ومن عليها فلابد وأن يكون نظر الواقف إلى طبيعي المال والا فلا معنى لتعقيب كلامه بهذه العبارة لعدم كونها قابلة للبقاء فإذا سقطت عن الانتفاع بها يبدل بشئ آخر فينتفع به وهكذا لتبقى إلى

[ 181 ]

الابد الا أن يعرضه بشئ ويهلكه فحينئذ ينتفى الموضوع وهكذا الامر في العين التى تصلح للبقاء ولكن عرض لها ما يسقطها عن الانتفاع بها كالدار الموقوفة في قرية فانه إذا غار اهلها سقطت هذه الدار عن الانتفاع بها فحينئذ يجوز بيعها وتبديلها بشئ آخر فلا يصرف ثمنها إلى الموجودين لينقطع الوقف وان كانت لعرصة هذه الدار بقاء لما عرفت أن غرض الواقف انما هو البقاء إلى يرث الله الارض ومن فيها والاتلاف مناف لغرض الواقف و من هنا اندفع ما توهم من أن الاوفاف التى لابقاء لها فانما تصير ملكا طلقا للبطون اللاحقة فيجوز لهم أن يفعلوا فيها ما يشائون على أن لازم ذلك أن يجوز بيعها بمجرد موت الطبقة السابقة وان لم يعرض للوقف ما يسقطه عن الانتفاع به هو خلاف البداهة. ويؤيد ما ذكرناه أن الاوقاف ولو كانت من قبيل الربط والخانات لابقاء لها إلى الابد فمع ذلك أي معنى لاقتران صيغة الوقف فيها بانها وقف إلى ان يرث الله الارض ومن فيها أي يفنى ماسزى الله كما ذكرت هذه الجمله في وقف على (ع) في الرواية المتقدمة الحاكية عن ذلك فيعلم من ذلك ان المراد هو ما ذكرناه، نعم مع كون العين الموقوفة هي الارض فتكون العرصة الخالية من كل شئ قابلة للبقاء. ومن هنا اندفع ما في المتن من انه إذا كان الوقف مما لا يبقى بحسب استعداده العادى إلى آخر البطون فلا وجه لمراعاتهم بتبديله بما يبقى لهم فينتهى ملكه إلى من ادرك آخر ازمنة بقائه ولعله إلى ذلك اشار بالامر بالتأمل. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه العمومات الدالة على صحة المعاملات من أوفوا بالعقود، واحل الله البيع وتجارة عن تراض فانها تقضى صحة بيع

[ 182 ]

الوقف إذا سقط عن الانتفاع بها فان المانع عنها انما كانت هي الادلة الدالة على عدم جواز بيع الوقف فإذا سقطت هي عن المانعية فتكون هي محكمة ومقتضية لجواز البيع كما لا يخفى. وبالجملة أن أدلة عدم جواز بيع الوقف فيما إذا كانت العين الموقوفة باقية على حالها وامكن الانتفاع بها في الجهة التى وقفها الواقف لاجامها وإذا سقطت عن الانتفاع بها لم تكن مشمولة لها. وبعبارة أخرى أن مادل على المنع عن بيع الوقف ليس واردا على نحو التعبد، بل امضاء لما أنشأه الواقف من جعله ساكنا وغير متحرك بالبيع و الهبة وجعله مهرا للزوجة وغيرها من التصرفات كما يقتضيه مفهوم الوقف ايضا وإذا سقطت العين الموقوفة عن الانتفاع بها ارتفع المنع عن بيعها وخرجت العين عن الوقفية من هذه الجهة وجاز بيعها كما لا يخفى. ثم انه يقع الاشكال في أنه بعد ما جاز بيع الوقف مع عروض ما يخرجه عن الانتفاع بها وبدل بشئ آخر فكيف يصير ذلك وقفا كمبدله مع عدم تعلق الانشاء من الواقف عليه. وعلى تقدير تعلق الانشاء به فلا فائدة فيه فانه لا يملك بالبدل حين وقف المبدل فما لا يملكه لا يجوز وقفه لانه لاوقف الا في ملك وبعد تبديله بالثمن فليس ملكا للواقف وعلى تقدير رجوعه إلى ملكه لا يكون وقفا الا بانشاء جديد فهو منفى، بل مقتضى القاعدة حينئذ أي مع الرجوع إلى ملكه اما كونه ملكا للواقف على تقدير حياته وللورثه مع موته وهذا هو الذي يقتضى كون البدل وقفا للبطون جيلا بعد جيل لا ما ذكره المصنف من كون الملكية للموجودين فعلية وللمعدومين شاتية فان الملكية الشانية للمعدومين موجودة في اموال جميع الناس بالنسبة إلى الورثة فليس منحصرا بالمقام، بل ملكية

[ 183 ]

المعدومين انما هو بانشاء الواقف لاأن المعدومين يتلفون الملكية من الموجودين بموتهم كما يوهمه ظاهر عبارة المصنف وان لم يكن مرادا له فان مراد ه هو ما ذكرناه. والذى ينبغى ان يقال ان الانشاء وان تعلق بالعين الشخصية الموجودة في الخارج ولكن لا خصوصية للخصوصية الخارجية في العين الموقوفة وانما هي هذه العين الخارجية مع لحاظ المالية العارية عن الخصوصية الشخصية فهذه المالية في هذه العين الموقوفة الخارجية ما دامت موجودة وبعدها تكون باقية في العين الآخر مع التبديل واذن فالمالية المحفوظة مع الامكان متعلق الوقف فلافرق في كونها وقفا بانشاء الواقف وهذا والاخدشة فيه في مقام الثبوت. واما في مقام الاثبات فالقرينة على ذلك كون الوقف مؤبدا إلى ان يرث الله الارض ومن فيها وعدم امكان ابقاء العين إلى الابد فيعلم من ذلك أن الوقف انما تعالى بشئ له أمد حسب طول الزمان بقدر الامكان غاية الامر مادامت العين الموقوفة بشخصها باقية فخصوصياتها أيضا متعلق الوقف حين الانشاء ولذا لا يجوز تبديلها قبل عروض المجوز اذن فالبدل وقف بانشاء نفس الواقف لا بانشاء آخر على أنه لو كان ملكا للبطن الموجود لا تنقل حق كل منهم بمجرد موته إلى وارثه مع أنه ليس كك. ثم انه يقع الكلام في جهات: الاولى: هل البدل ملك للواقف أو للموجودين أو حكمه حكم الاصل في كونه وقفا فالظاهر أنه وقف كأصله فليس ملكا للواقف ولا للموقوف عليهم إذ لا مقتضى له. بل ملك للموقوف عليهم ملكية قاصرة لاملكية مطلقة وبدل على ذلك نفس جواز بيع الاصل مع عروض المجوز فانه لو كان ذلك ملكا للموقوف عليهم

[ 184 ]

لم يكن وجه لجواز البيع ولا للزومه، بل يكون ملكا لهم بمجرد عروض المجوز فيعلم من ذلك ان الموقوفة أمر قابل للبقاء فما دام يمكن بقائها في العين الخارجية فبها وإذا توجه إلى الزوال فيباع فيبدل بشخص آخر كما عرفت مفصلا ولو كان ذلك ملكا للموقوف عليهم الموجودين لكان حق كل منتقلا إلى وارثه بموت واحد منهم وليس كك. والذى يوضح ذلك وكون البدل وقفا أنه لو أتلفه أحد فهل يتوهم أحد أن ما ضمنه يكون للموقوف عليهم بل لاشبهة في كونه وقفا كالاصل ويجعل مقامه وتثبت لهم الملكية لها ملكية قاصرة بمعنى ليس لهم أن يفعلوا في البدل، ما شائوا من الهبة والبذل وجعله مهرا للزوجة الا جواز البيع و من هذا القبيل المثلان الذان ذكرهما المصنف. الاول: ان دية العبد المقتول مشترك بين البطون فثمنه أولى بذلك حيث انه بدل شرعى يكون الحكم به متأخرا عن تلف الوقف فجاز عقلا مع سرايه حق البطون اللاحقة إليه بخلاف الثمن فانه يملكه من يملكه بنفس خروج الوقف عن ملكهم على وجه المعاوضة الحقيقة فلا يعقل اختصاص العوض بمن لم يختص بالمعوض. الثاني: أن بدل الرهن الذى حكموا بكونه رهنا لان حق الرهنية متعلق بالعين من حيث أنه ملك لمالكه الاول فجاز أن يرتفع لا الى بدل ارتفاع ملكية المالك الاول بخلاف الاختصاص الثابت للبطن المعدوم فانه ليس قائما بالعين من حيث انه ملك البطن الموجود، بل اختصاص موقت نظير اختصاص البطن الموجود منشئ بانشائه مقارن له بحسب الجعل متأخر عنه في الوجود. وبالجملة تعلق غرض الواقف بدوام الوقف وكونه مؤبدا وجواز بيعه إذا

[ 185 ]

عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به وكون بدله وقفا في موارد الاتلاف والغصب كما أن بدل الرهن رهن جميعها يدل على كون البدل قائما مقام المبدل بعد البيع كما هو واضح. نعم، بعد ماكان حكم المبدل جاريا على البدل فهل يحتاج إلى صيغة الوقف ام لا يحتاج، فالظاهر أن هذا الاحتمال احتمال لغو وذلك لان البدل ان كان بمجرد الشراء والبيع وقفا فلا يحتاج إلى الصيغة ثانيا لانه تحصيل الحاصل وان لم يكن وقفا بان كان يرجع إلى ملك الواقف فما الذى أوجب كونه وقفا، بل يبقى في ملك الواقف مع وجوده وينتقل إلى ملك الوارث مع موته وكك إذا كان ملكا للموقوف عليهم. وبالجملة لو قلنا باحتياجه إلى الصيغة فلابد وان يكون ملكا لشخص في الزمان الفاصل بين البيع واجراء الصيغة وأى ملزم لاجراء الصيغة والوقف ثانيا: مع كونه ملكا لاحد، بل له أن لا يوقفه ثانيا. وينبغى ان يقال أن البدل وقف من دون احتياجه إلى الصيغة أما كونه وقفا فكما عرفت واما عدم احتياجه إلى الصيغة فلما عرفت ايضا من أنه مع الاحتياج إليها يلزم ان لا يكون وقفا ولو بالمقدار الفاصل بين البيع، و الوقف وبعده فما الملزم للمالك لان يوقف ذلك ثانيا إذا أراد ان لا يوقف مع انا نقول بالوقفية مطلق على ان البيع تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة فما يكون وقفا ملك للموقوف عليهم في غير موارد التحرير فإذا بدل بشئ آخر يكون البدل ايضا قائما مقام المبدل وملكا للموقوف عليهم نظير بيع الزكاة فان بدلها يقوم مقام المبدل فيكون زكاة وهكذا في جميع الموارد كما لا يخفى. (وفى حاشية الايروانى صفحة 175 ما يرجع إلى ذلك).

[ 186 ]

الجهة الثانية: فهل يترتب حكم المبدل على البدل بمعنى انه كما كانت مالكية الموقوف عليهم بالنسبة إلى الوقف قاصرة، فكك مالكيتهم على البدل، أو ليس كك الظاهر أن حكم المبدل ترتب على البدل من جميع الجهات، فلا يجوز اعدامه ولاهبته ولاجعله مهرا للزوجة ولا أكله، لو كان مثل الشاة ونحوها الافى جواز البيع مطلقا فان الاصل لا يجوز بيعه الا مع عروض المجوز وهذا بخلاف البدل فانه يجوز بيعه وان لم يعرضه المجوز. والوجه في ذلك هو أن انشاء الواقف تعلق بالمبدل مع لحاظ ماليته بحيث جعل العين الشخصية الخارجية وقفا باعتبار ماليته ليكون الوقف قابلا للبقاء فما دام شخص الخارجي موجود لا يجوز بيعه الا مع عروض المسوغ وإذا انتقل إلى البدل فلا يفرق في البدلية بين هذا وذاك ولذا لو رأى المتولي مصلحة في البيع فيجوز له بيعه أي البدل ثم تبديله بفرد آخر وأن لم يعرضه المسوغ بخلاف الاصل فان بدل لما يجوز بيعه فلولم يجز بيع البدل لزم كون الفرع زائدا على الاصل ومن هنا جاز بيعه بدنانير اليوم مع انه لا ينتفع بها الا باعدام الموضوع لكونه قرطاسا فلا معنى في كون القرطاس وقفا. نعم، لو كانت الدنانير من الذهب فجاز وقفها لزينة النساء لاحتياجهم إليها في عرسهم فمن ليس له ذلك فتتزين بها اياما ثم يردها إلى محلها وهكذا يأخذها الاخر. فلو لم يجز بيع البدل، قبل عروض المجوز لم يجز بيعه من الاول بالد نانير الفعلية. وبالجملة كما ان الموقوف عليهم مالكون على الوقف ملكية قاصرة فكك مالكيتهم على البدل قاصرة فكما أن الاصل جاز بيعه فكك الفرع والا لزاد

[ 187 ]

الفرع على الاصل الا أن في البدل خصوصية لا يحتاج إلى عروض المجوز و هي ما ذكرناه. ودعوى كون البدل ايضا وقفا مع الخصوصيات الخارجية الشخصية دعوى جزافية لاحتياجه إلى الانشاء الاخر من الواقف فهو منفى والا نشاء الواحد لا يتكفل بكون الاصل والفرع بخصوصيتهما وقفا كما لا يخفى. ودعوى أن كون البدل بالخصوصيات الشخصية وقفا لا يقتضى تعدد الانشاء والالزم تعدده في المبدل ايضا دعوى جزافية فان الواقف أنشاء كون العين الخارجي وقفا بجميع شئونها الا إذا عرضه المسوغ فيجوز بيعه فإذا بيع ينتقل الحكم إلى البدل من جهة المالية ويترتب عليه جميع أحكام المبدل في حالة جواز البيع فحيث كانت الملكية عليه قاصرة فكك الملكية على البدل بمعنى انه لا يجوز التصرفات المالكية فيها الا البيع كما عرفت. وذكرنا إلى هنا أن الوقف إذا عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به فيجوز بيعه وأن الادلة المانعة ايضا لما أنشائه الواقف من حبس العين وتسبيل الثمرة فلا تشمل صورة تعذر الانتفاع لعدم كون تلك الادلة تعبدية كما عرفت أن حكم البدل حكم الاصل من جميع الجهات فكما أن ملك الموقوف عليهم على المبدل ملكية قاصرة فكك ملكهم على البدل بمقتضى الانشاء والادلة المانعة واوفوا بالعقود، فكما يجوز بيع المبدل وكك يجوز بيع البدل فانه بدل لما يجوز بيعه فلو لم يجز بيعه فكان الفرع زائد ا عن الاصل. الجهة الثالثة: فهل يجب شراء المماثل للوقف بقدر الامكان أم لا، بل اللازم مراعات الاصلح فالاصلح على حال الموقوف عليهم وان كان غير مماثل فانه ذكر أن للعين الموقوفة ثلاثة حالات العين بخصوصياتها الشخصية والعين بخصوصياتها النوعية والعين بمالها من المالية فإذا انتفت

[ 188 ]

العين بخصوصياتها الشخصية فتبقى فيها الحالتان الاخرتان، واذن فيجب شراء المماثل للوقف الحاوى للخصوصيات النوعية والجهة المالية و ذكروا ذلك في باب الضمان ايضا فحكموا بالضمان بالمثل كما حققناه مفصلا. وفيه أنه ممنوع صغرى وكبرى كما ذكره المصنف، اما الوجه في منع الصغرى هوأن غرض الواقف يختلف في ذلك فان غرضه ليس دائما متعلقا ببقاء العين ومع انتفائها ببقاء ما هو أقرب إلى العين ليحكم بوجوب شراء المثل بقدر الامكان. إذ قد يتعلق غرضه بالانتاع من منافعه من غير ملاحظة خصوصية العين سواء كانت دارا أو دكانا أو غيرهما فحينئذ لابد من مراعات ما هو الاصلح لحال الموقوف عليهم فان الموقوفة وان كانت دارا مثلا، ولكن منافع الدكان من حيث الاجرة وعدم احتياجه إلى التعمير كثيرا كما احتاجت الدار إليه اكثر فيجوز بيع الدار وشراء الدكان بدلها وهكذا وقد يكون غرض الواقف بقاء عين الموقوفة بقدر الامكان كما إذا كان كتابا مخلوطا بخط جده أو بخط واحد من الاكابر فاراد الواقف بقائه تحت يد الذرية فوقفه عليهم فان النظر انما تعلق بحفظ هذه العين الموقوفة فإذا تعذر حفظها وجاز تبديلها ببدل فيجوز ايضا التبديل بأى شئ كان فان ما تعلق به غرض الواقف قد فايت بفوات العين ولا يفرق في غرضه تبديلها بأى شئ كان. وقد يكون غرضه متعلقا بالانتفاع بثمرته كما لو وقف بستانا لينتفعوا بثمرته فيبيع فدار الامر بين أن يشترى بثمنه بستانا في موضع لا يصل إليهم الاقيمه الثمرة وبين أن يشترى ملك آخر يصل إليهم أجرة منفعته فان الاول وان كان مماثلا الا أنه ليس اقرب إلى غرض الواقف وقد يكون غرضه متعلقا بالا نتفاع بمنفعة خاصة كالسكنى فحينئذ يلزم التبديل بما يكون قابلا لذلك.

[ 189 ]

وبوالجملة أنه لا انضباط في غرض الواقف ليكون متعلقا ببقاء العين بجهاتها الثلاثة ومع انتقاء الخصوصيات الشخصية تلاحظ فيها الجهة النوعية والمالية، بل الوقف مادام موجودا بشخصه لا يلاحظ فيه الا مدلول كلام الواقف للادلة الخاصة ولدليل وجوب الوفاء بالعقد. وتوهم ان الشرط الضمنى يقتضى شراء الممثال فاسد فانه ليس هنا شرط ضمنى أولا وعلى تقدير وجوده فلا يكون مخالفته الا غير مشروع أو موجبا للخيار وأما فساد البيع بغير المماثل فلاوجه له وإذا بيع وانتقل الثمن إلى الموقوف عليهم لم يلاحظ فيه الا مصلحتهم. وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لادليل على مراعات المماثلة أصار و انما اللازم ملاحظة مدلول كلام الواقف في انشاء الوقف ليجرى الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها فحيث عرفت أن ملاحظة كلامه من العبارة المقترنه عليه أعنى إلى أن يرث الله الارض ومن فيها تقضى ان تكون العين الموقوفة إلى الابد فإذا كانت قابلة للبقاء فلا كلام لنا فيه كالعرصة الخالية من العمارة والاشجار ونحوها والا فلابد من التبديل إلى ما يكون باقيا ولو بالتبديل على مرات ولا يستفاد من ذلك أزيد من وجوب تبديل العين إلى البدل إذا عرضها الخراب واما كونه مماثلا للعين فلا يستفاد من ذلك ولا عليه دليل آخر يدل على اعتبار التماثل كما لا يخفى. ولا يقاس ذلك بباب الضمان فان مقتضى دليل الضمان فيه هو الضمان بالعين وردها بجميع خصوصياتها الشخصية والنوعية والمالية فحيث أنه. لا يمكن ردها بخصوصياتها الشخصية لامتناع اعادة المعدوم وعلى تقدير امكان الاعادة فهو ليس بقادر على اعادة الخصوصيات الشخصية فقهر اتصل النوبة إلى الضمان بالمثل ومع عدم امكانه ايضا فالى الضمان بالقيمة ففى

[ 190 ]

باب الضمان فالعين تكون مضمونة اولا ومع الانتفاء فالمثل ومع الانعدام فالقيمة وهذا بخلاف المقام فان الدليل هنا أعنى ملاحظة انشاء الواقف لا يقتضى أزيد من ابقاء الوقف بجميع خصوصياتها الشخصية مادامت العين باقية فإذا انتفت العين يكون بدله وقفا بعد البيع والشراء فيجلس البدل مكان المبدل بما هو طبيعي البدل لا البدل المماثل كما لا يخفى. نعم لو اشترط الواقف عند انشاء الوقف مراعات الممثالة في التبديل و اخذ البدل يجب مراعاته بمقتضى اوفوا بالعقود والمؤمنون عند شروطهم و الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها أو يقفها أهلها وهذا أمر آخر لا يرتبط بالتبديل بدون الاشتراط. الجهة الرابعة: في أنه إذا احتاج إلى التبديل فهل يتصدى به الحاكم الشرعي أو الموقوف عليهم أو الناظر أو يحتاط بالجمع بين الحاكم والناظر كليهما كما صنعه شيخنا الاستاذ أو يتصدى الموقوف عليه مع نصب الحاكم القيم على البطون المتأخرة وجوه. والذى ينبغى أن يقال انه يجب مراعات نظر الواقف بانه بأى كيفيه انشأ الوقف فان كان نظره كون الوقف للموقوف عليهم ومالكيتهم عليه من دون أن يكون لهم السلطنة على الوقف، بل السلطنة من جميع الجهات بيد الناظر للوقف ومتوليه فحينئذ ليس للموقوف عليهم ولا للحاكم أن يتصدى بالبيع اصل، بل المتصدي بذلك هو الناظر فقط أما الحاكم فواضح، لانه ولى من لاولى له، والناظر ولى الوقف فيتصرف فيه على النحو الذى جعله الواقف متوليا للوقف لان الناس مسلطون على اموالهم، فنتصرف فيه كيف يشاء فله أن يقفه ويجعل تولية الوقف للغير ولايكون للموقوف عليهم الا الملكية فقط لعلا يقع بينهم النزاع والتشاجر لو كان أمر الوقف بيديهم.

[ 191 ]

ومن هنا ظهر عدم كون الموقوف عليهم متصديا بالبيع، فان الواقف مالك على العين فله ان يفعل فيها ما يشاء فإذا وقفها للموقوف عليهم و جعل سلطنتها تحت يد الناظر فيتبع فلا يكون للموقوف عليهم الا ملكية قاصرة من غير أن يقدروا على التصرف فيه غير أنهم مالكون له فلهم منافعه، واما السلطنة عليه فهى بيد الناظر. وبالجملة ان الموقوف عليهم وان كانوا مالكين للعين الموقوفة الا انهم قاصرون عن التصرف فيها لعدم سلطنتهم عليها من قبل الواقف بل سلطنته تحت يد الناظر فقط بجعل الواقف كما هو واضح. وان لم يكن هنا ناظر ولم يجعل الواقف أمر السلطنة للناظر وللحاكم بل وقف العين للموقوف عليهم غير تعرض لهذه الجهات بوجه فحينئذ يكون أمر الوقف بيد الموقوف عليهم وتكون سلطنته لهم لان الملك لهم والناس مسلطون على اموالهم، فليس للحاكم ولا لغيره التصرف فيها بوجه، بل يكون تصرفات غير الموقوف عليهم تصرفا محرما فانه لادليل على ولاية الحاكم على ذلك كما تقدم اللهم الا أن يقال ان الحاكم ولى من قبل المعدومين فانهم ايضا مالكون للوقف ولكن قاصرين عن التصرف فيه فيكونون كبقية القاصرين و من الواضح أن الحاكم الشرعي ولى القهر. وفيه اولا أنه لاكلية لذلك بأن يكون البطن الثاني قاصرا عن الوقف لكونه من المعدومين لجواز وجودهم ووجود البطن الثالث، نعم يصح هذه الدعوى في غير الموجودين، فلاوجه لدعوى كون الحاكم وليا لغير البطن الموجود لقصورهم على الوقف للعدم. وثانيا ان المعدومين ليسوا مالكين للوقف ولا أن لهم حقا فيه بالفعل ليكون الحاكم وليا لهم في حفظ حقهم غاية الامر أن الواقف جعل لهم في

[ 192 ]

انشاء الوقف حقا تعليقيا بمعنى إذا ماتت الطبقة الاولى فتنتقل الموقوفة إلى الطبقة الثانية لا الى الورثة وعليه فلا موضوع لولاية الحاكم لهم اصلا. ثم ذكر المصنف في ضمن هذا الفرع فرعا آخر وهو أنه بناء على كون نظارة الوقف للحاكم أو للناظر أو للموقوف عليهم في البيع ونحوه فهل للناظر على الاصل نظارة للبدل ايضا فيصدى هو ببيعه وشرائه أم لا؟ والظاهر أن هذا ايضا تابع لقصد الواقف وجعله كما ذكرناه في رجوع أمر الاصل إلى الحاكم أو الى الناظر أو الى الموقوف عليهم فمع الاطلاق فيكون للموقوف عليهم لان الناس مسلطون على اموالهم. قوله: ثم انه لو لم يمكن شراء بدله ولم يكن الثمن مما ينتفع به. اقول: فذكر المصنف هنا فروعا الاول أنه إذا لم يمكن شراء البدل للمبدل ولم يكن الثمن مما ينتفع به مع بقاء عينه لكونه من النقدين، فقد عرفت أن النقدين لا يجوز وقفهما لعدم امكان الانتفاع بهما الا بالاعدام الا إذا كانا من الذهب والفضة وقصد بهما التزين فانه يجوز وقفهما لذلك وأما في غير هذه الصورة خصوصا النقود الفعلية القرطاسية فلا يجوز وقفها وعليه فلا يجوز دفعها إلى البطن الموجود لما عرفت من كون البدل كالمبدل مشتركا بين جميع البطون فحينئذ توضع عند أمين حتى يتمكن من شراء ما ينتفع به ولووجد في ظرف التفحص من يبيع الدار مثلا ببيع خياري يفى ثمن الوقف بشرائه كما إذا كانت هناك دار تساوى الف دينار فيبيعها المالك بالبيع الخيارى بخمسة مائة دينار وكان ثمن الوقف ايضا خمسة مائة دينار فيجوز ذلك فان فسح البيع بعده فيرد الثمن مع انتفاع الطبقة الموجود في البين وان لم يفسخ فيكون بدل الوقف أقوى وانفع من الوقف فينتفع به الموجودين والمعدومون.

[ 193 ]

ثم قال ولو طلب ذلك البطن الموجود فلا بيعد وجوب اجابته ولا يعطل الثمن حتى يؤخذ ما يشترى به من غير خيار. اقول: وفى كلامه قدس سره جهات من البحث: الاولى: أنه هل يجوز بيع الوقف بالدرهم والدينار خصوصا إذا كانت مما لا ينتفع به الا باعدام موضوعه (قال المحقق الايروانى ان البدل لابدوان يكون عينا صالحة لان توقف من جهة اشتمالها على المنفعة فلو كان ممالا منفعة فيه كالدارهم لو فرضنا ذلك فيها لم يجز جعله بدلا). والوجه في ذلك هوان الواقف جعل ماله وقفا على الموقوف عليهم مؤبدا بحيث يحبس أصله ويسبل ثمره وما لانفع فيه الا باعدامه فلا يكون قابلا للبدلية، نعم لو قصد به التزين فلا بأس من جعله بدلا ولكنه أمر نادر الوجود. ويرد عليه أمران: الاول) أن الوقف وان كان مؤبدا ولكن يجوز تبديلها بالنقود وان لم ينتفع بها الا باعدام موضوعها وذلك من جهه ان غرض الواقف انما هو بقاء الاصل وتحبيسه وتسبيل الثمرة ومن المعلوم أن هذا لا يكون الا بالبيع، فان كثيرا من الاعيان الموقوفة ليست قابلة للبقاء فلابد من التبديل وتبديل عين الوقف بعين آخرى لا يوجد الا قليلا فانه قلما يوجد من يرغب ان يبدل الدار مثلا بالدكان فانتظار ذلك ربما ينجر إلى خراب الوقف و فنائه، فلا بد حينئذ من بيعه بالنقدين لكونه هو الكثير فإذا بيع بها فيشترى بها ما يكون صالحا للبقاء. وعليه فالنقود ليست بموقوفة بل في طريقة الوقف وصراطه بحيث يسار إلى الوقف وجعله مؤبدا بالنقود والا فلا يمكن تبديله عادة فان المعاوضة والمبايعة لا يكون عادة الا بالنقود.

[ 194 ]

الثاني: أن الوقف على قسمين: الاول) أن يكون وقفا بشخصه لتعلق انشاء الواقف به بالخصوص بحيث يكون وقفا بخصوصياته الشخصية فلا يجوز التصرف فيه بوجه، حتى الموقوف عليهم لكون مالكيتهم عليها قاصرة الا إذا عرضه ما يجوز بيعه فيجوز بيعه فليس لهم الا الانتفاع بها. والثانى) ما يكون وقفا لكونه متعلقا لا نشاء الواقف بحسب ماليته بمعنى انه حيث كان غرض الواقف دوام الوقف وأنه لم يكن حبسا ليكون مؤجلا ولم تكن العين الشخصية قابلة للدوام فهمنا من ذلك أن غرضه بقاء المالية بعد ما سقط هذه العين بالخصوص عن الدوام. وعليه فالبدل بعد التبديل وقف لاجل كونه بدلا عن الوقف ولذا قلنا بعدم احتياجه في كونه وقفا إلى الصيغة كما تقدم، ومن الواضح أنه بدل للمبدل في الحالة التى يجوز بيعه في هذه الحالة فالبدل أيضا يجوز بيعه مطلقا و عليه فلا مانع من بيعه بالثمن أي النقود وكونها وقفا بالتبديل لكونها قائما مقام الوقف فيكون وقفا ثم تبديله ببدل آخر وهكذا كما أنه لو بدل الوقف من الاول بالعين الصالحة للانتفاع يجوز تبديلها بعين أخرى ايضا لما عرفت أن البدل ليس كالاصل حتى لا يجوز بيعه، بل هو جائز البيع مطلقا من الاول بل كان قوام البدلية بالبيع والا يلزم مزية الفرع على الاصل لان الفرض أنه بدل لما يجوز بيعه فالبد لية في حالة جواز البيع. لا يقال انه وان كان يجوز بيع البدل مطلقا ولكنه لابد وان يكون في سلسلة الا بدال كل واحد من الابدال جائز الانتفاع به والا فيكون الوقف لغوا إذ لا معنى لكون شئ وقفا مع أنه عديم النفع. فانه يقال يكفى في خروج كون النقود وقفا عن اللغوية كونا بدلا عن الاصل مقدارا من الزمان يمكن تحصيل بدل آخر يكون قابلا للانتفاع به مع

[ 195 ]

بقاء عينه من ندرة تبديل العين الموقوفة بعين أخرى تكون قابلة للانتفاع بها. وبالجملة لامانع من الالتزام بكون النقود وقفا في سلسلة الابدال نعم لا تكون وقفا من الاول كما عرفت. فتحصل أنه لامانع من بيع الوقف بالنقود ثم اشتراء عين أخرى لينتفع بها الموقوف عليهم. الجهة الثانية: في شراء العين الصالحة للانتفاع بها بهذا الثمن بالبيع الخيارى ويقع الكلام هنا في أمرين: الاول: في جواز شراء البدل بالبيع الخيارى وعدمه. الثاني: في اعتبار اذنهم في ذلك وعدمه وانه هل يجب البيع مع مطالبتهم ذلك أم لا. أما الاول: فربما قيل بعدم جواز ذلك لان الوقف يجب أن يكون مؤبدا والبيع الخيارى في معرض الفسح فلا يكون وقفا. وفيه أنه قد ظهر جوابه مما تقدم من ان وقفية البدل ليس على نسق وقفية المبدل لئلا يصلح للبدلية مالا يكون قابلا للدوام، بل يجوز تبديل الوقف بكل شئ حتى الخبز الذى نفعه باعدامه وبالفواكه غاية الامر يبدل ذلك أيضا بشئ آخر وهكذا فيكون بهذه التبدلات المالية محفوظة التى تعلق غرض الواقف بكونها باقية وينتفع بثمرها. وعلى هذا فلا مانع من اشتراء دار أو دكان بهذا الثمن بالبيع الخيارى فان فسخ البايع فقد حصل النفع للموقوف عليهم الذى كان غرض الواقف هو ذلك، بل معنى الوقف كان هو ذلك لما عرفت من أنه تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة والثمن أيضا باق على حاله فيشترى به شئ آخر لينتفع به الموجودون

[ 196 ]

والمعدومون، وان لم يفسح فقد صار بدل الوقف أحسن منه لكونه يساوى بخمسة دنانير وما اشترى بثمنه يساوى عشرين دينارا. أما الامر الثاني: فالظاهر أنه يجب الشراء سواء طالب البطن الموجود الشراء أم لا، ولاوجه لتقييد وجوب الشراء بصورة المطالبة كما في المتن وذلك لان الانتفاع بالوقف وان كان حقا للبطن الموجود ولكن ليس لهم اسقاط ذلك ولو بالرضا بعدم الشراء ليقف الوقف عن الانتفاع به مدة. وذلك لان كون الوقف بحيث ينتفع به مع بقاء عينه مما جعله الواقف كك فلابد بحسب انشاء الواقف وامضاء الشارع له أن يجعل الوقف هكذا فما دام العين موجودة فهو وبعد تبديلها بالعين الاخرى فلا بد وان يجعل بدله هكذا وان لم ينتفع البطن الموجود بنفعه أو رضى ببقائه بلانفع فان رضايته بذلك وعدم رضايته أو انتفائه وعدمه بان لم يأخذ نفعه أصلا ليس ميزانا في المطلب ولا يوجب تغيير انشاء الواقف. الجهة الثالثة: في جعل الثمن عند أمين مع عدم التمكن من شراء البدل فهل يجب ذلك ام لا، بل يجوز دفعه إلى الموقوف عليهم فقد عرفت أنه ذكر المصنف أنه حيث كان الوقف حقا للبطون الموجودة والبطون المعدومة وكونهم شركاء في ذلك فان وجد ما ينتفع به البطون الموجود يجب شرائه ولو بالبيع الخيارى ينتفع به الموجودين مع بقاء مال الوقف لنفع البطن المعدوم والا فلا يجوز دفع الثمن إلى البطن الموجود، فانه كالمال المشترك فهل يجوز دفع المال المشترك إلى بعض الشركاء. اذن فيجب وضعه عند أمين إلى ان يوجد ما يمكن ان يكون بدلا للوقف فيشترى به لينتفع به البطن الموجود والبطن المعدوم. وفيه انك عرفت في بحث الامس أن المعدومين ليس لهم حق في الوقف

[ 197 ]

اصلا فضلا عن كونهم شريكا فيه وانما العين الموقوفة ملك للموقوف عليهم. نعم، فالواقف بحسب انشائه جعله للبطون المعدومة على تقدير موت البطون الموجودة وبقاء العين الموقوفة فليس لهم الاحق تقديري وتعليقي وعليه فيجب دفع الثمن إلى البطون الموجودة لكونهم مالكين له والناس مسلطون على اموالهم. نعم، لو كان الثمن في معرض الخطر مع الدفع إليهم، بل يجعل عند امين ولكنه ليس مختصا بثمن الوقف، بل الامر كك في أصل الوقف ايضا، بل في كل من كان الوقف في يده ولو كان ناظرا وخيف منه لكونه غير مبالى في الدين وأكل اموال الناس فانه حينئذ يجب استنقاذ الوقف منه ووضعه عند أمين. قوله: نعم لو رضى الموجود بالاتجار به وكانت المصلحة في التجارة جاز مع المصلحة إلى ان يوجد البدل. أقول: لاشبهة في جواز الاتجار بثمن العين الموقوفة ما لم يوجد البدل مع رضاية الموقوف عليهم واما بدونها فلا، لان الناس مسلطون على أموالهم وانما الكلام في أنه هل يكون ربحه كمنافع العين الموقوفة للبطن الموجود أو أنه كالعين في اشتراك البطون فيه وجهان، الظاهر هو الثاني فان الثمن كالمبيع وربحه بمنزلة جزء المبيع لا بمنزلة منفعته فلا يختص به البطن الموجود فهذا نظير اعطاء الوقف الذى يساوى بعشرة دنانير وأخذ شئ أخر بدله الذى يساوى بخمسين دينارا فان ما يحاذي بخمسين قائم مقام ما يحاذى بعشرة فيكون كله وقفا كالمبدل وليس ذلك مثل الايجار فان الاجره من منافع العين الموقوفة فتكون ملكا طلقا للموقوف عليهم. قوله: ولو كان صرف ثمنه في باقية بحيث يوجب زيادة منفعه جاز.

[ 198 ]

أقول: من جملة ما ذكره المصنف من الفروع انه إذا خرب مقدار من الوقف وبقى المقدار الاخر كالنصف فبيع النصف الخراب فهل يجوز صرف ثمنه في النصف الاخر ليوجب زيادة النفع أم لا؟ فاختار المصنف جواز ذلك. وحاصل كلامه: أنه إذا خرب نصف الوقف مثلا وبقى النصف الاخر بحيث يمكن الانتفاع بهذا النصف على النحو السابق، ولكن إذا صرف ثمن نصف الخراب في النصف الباقي يزيد الانتفاع بذلك النصف الباقي كنحو السرداب وازياد القبة للدار فهل يجوز صرفه فيه أم لا؟ الظاهر هو الجواز، فان الواقف بحسب انشائه جعل هذه الارض وقفا بحيث ينتفع بها مع بقاء عينها واستفد نا ايضا من القرائن المحفوفة بكلامه كونه دائميا إلى أن يرث الله الارض ومن فيها وعليه فلا يفرق في حال الواقف ولافى حال الموقوف عليهم تبديل ثمن النصف الخراب بشئ يكون له نفع في كل شهر مثلا عشرة دنانير أو صرفه في النصف الباقي لتكون اجارته بخمسين دينارا والحال أن الاجرة كانت قبل التعمير أربعين أو أقل غاية الامر مع رضاية الموقوف عليهم لما عرفت من كون الثمن ملكا لهم فلا يجوز التصرف في مال غيره الا برضايته وما قلنا بكونه دائميا بالقرائن فهو محقق هنا أيضا لانالو اشترينا بالثمن شيئا يكون عينا موجودا وإذا صرفناه في التعمير فيكون ايضا عينا موجودا غاية الامر يكون في الاول بعنوان الاستقلال وفى الثاني بعنوان الجزئية فهو لا يفرق في المطلب فانه على كلا الفرضين ايضا يجوز تبديله بشئ آخر ليكون قابلا للبقاء. نعم، لا يجوز صرف الثمن في التعميرات التى ليست لها عينية كالتزئينات ونحوها بحيث لا يمكن تبديلها مع الاندراس، واما مثل الاجر والاخشاب والحديد فلا مانع منه، فانه يمكن تبديلها بعد الاندراس ايضا.

[ 199 ]

ومن هنا يعلم انه يجوز صرفه في الوقف الاخر هكذا الذى كان وقفا لهؤلاء الموقوف عليهم لعدم الفرق في ذلك لحصول غرض الواقف بحسب انشائه وغرض الموقوف عليهم كما إذا وقف الواقف دارا ودكانا فخرب نصف الدار فبيع فيجوز صرف ثمنه في النصف الباقي للدار وفى الدكان بحيث في أي منهما صرف يزداد نفعا. قوله: ولو خرب بعض الوقف وخرج عن الانتفاع وبقى بعضه محتاجا إلى عمارة لا يمكن بدونها انتفاع البطون اللاحقة. أقول: ذكر المصنف هنا فرعا ورتب عليه فرعا آخر، فحاصل ما ذكره أنه لو خرب نصف الدار الموقوفة وبقى الاخر بحيث يمكن الانتفاع به فعلا ولكن لا يمكن الانتفاع به بعد عشرين سنة ولكن ينقرض البطن الاول إلى تلك المدة وينتقل الوقف إلى البطن الثاني فهل يجب صرف ثمن نصف الخراب في النصف الباقي وتعميره حتى يستمر إلى ان يمكن للبطن الثاني الانتفاع به أم لا؟ الظاهر انه لا يجب الا إذا شرط الواقف تعمير الموقوفة من منافع الوقف فيكون الزائد للموقوف عليهم، بل لا يجوز بدون رضاية الموقوف عليهم لما عرفت من كونه ملكا لهم فلهم تبديله بشئ آخر لينتفعوا به فعلا، وأما حفظ الوقف للبطون اللاحقة لينتفعوا به هؤ لاء ايضا فليس بواجب فان نسبة البطن الاول إلى البطن الثاني كنسبة الجوار والاجانب إلى البطن الثاني فهل يتوهم أحد أنه يجب تعمير الاوقاف التى كانت في معرض التلف فليس كك فالموقوفة فعلا ملك للبطن الاول فلهم الانتفاع به وليس للبطن الثاني حق فيها الا الحق التقديرى بحسب انشاء الواقف كما عرفت، فبأى دليل يجب أن يصرف البطن الاول أموالهم في حفظ أموال المعدومين مع أن حقيقة الواقف التى تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة موجودة فعلا، نعم لو كان

[ 200 ]

الوقف غير منتفع به بالفعل فيجب التعمير والصرف لتحقق غرض الواقف و لكن ليس الامر كك، نعم يجب صرفه في التعميرات الجزئية التى يترتب على عدمها خراب الوقف كما إذا سقط ميزاب الدار أو حصل ثقب في سقفه فانه لو لم يعتمر ذلك لانجز بنزول المطر إلى خراب الوقف وانهدامه وعدم امكان انتفاع البطن الموجود ايضا فمثل هذه الامور التى لا يحتاج إلى مؤ نة زائدة بل إلى عشرة فلس مثلا يجب، بل يمكن ان يقال أنه على هذا شرط الواقف في ضمن العقد فانه لو لم يجب تعمير مثل هذه الامور من منافع الوقف الانهدم في مدة قليلة وخرب وهذه خلاف كونه ابديا. وبعبارة أخرى تارة يكون الخراب مستندا إلى الامور الجزئية كما تقدم فلا شبهة في وجوب التعمير وصرف مقدار من المنافع فيه وأخرى يكون مستندا إلى الكون والفساد اذمن البدهى أن الموجودات الخارجية لا تبقى بحسب طبعها أزيد من المقدار المتعارف فانها بالاخرة تكون فانيه حسب طول المدة ومرور الزمان فهذا لادليل على وجوب التعمير حتى يستمر مدة البقاء حتى يصل إلى البطون اللاحقة. ثم رتب المصنف على هذا الفرع أنه لو احتاج اصلاح الوقف بحيث لا يخرج عن قابلية انتفاع البطون اللاحقة إلى صرف منفعة الحاضرة التى يستحقها البطن الموجود فهل يجب صرفها يجب صرفها فيه أم لا؟ فظهر حكمه من الفرع المتقدم وعلم أنه لا يجب حفظ المال المعدومين للموجودين بصرف مالهم في حفظه والا لوجب لجميع الناس حفظ الاوقاف للبطون اللاحقة بل حفظ المال للوارث إذ لا خصوصية للوقف بعد كون منفعته للحاضرين ملكا طلقاالا أن يشترط الواقف اخراج مؤ نة الوقف عن منفعته قبل قسمة الموقوف عليهم.

[ 201 ]

ثم ذكر المصنف أن هنا فروعا يستخرجها الماهر. فنذكر فرعين مهمين منها: الاول: أنه لو كان الوقف في موضع لا يتمكن الانتفائه للموقوف عليهم وان امكن لغيره كما إذا كان معرض الاستملاك للحكومة فدار الامر بين ذهابه بان يستملكه الغاصب جورا استملاكا مجانيا أو يباع بثمن فيشترى شئ آخر بدله لينتفع به الموقوف عليهم فلا شبهة في جواز بيع الوقف، بل وجوبه و اشتراء شئ آخر بدله إذ عرفت سابقا أنه لا خصوصية للخراب، بل يسوغ بيعه إذا عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به وايضا عرفت أن مقتضى الانشاء للواقف هو أبدية الوقف فلولم يبع لا يكون دائميا وهذا إذا وقعت الدار الموقوفة في شارع الحكومية فذهب نصفها في الشارع أو لم يذهب اصلا و لكن كان بناء الحكومة أخذها في أطراف الشارع كلها اما بالثمن لو رضى المالك أو مجانا جبرا له ان لم يرض فانه ح لو لم يبيع الوقف سيملكه الحكومة مجانا فيجب بيعه لئلا يذهب الوقف. وبالجملة فيجوز بيع الوقف في كل مورد بقيت العين الموقوفة على حالها ولكن لا يمكن لا يمكن للموقوف عليهم الانتفاع بها وان انتفع غيرهم فانه ح يجوز بيعها. الثاني: انه لو علم بزوال الوقف بعد مدة لا يمكن الانتفاع به للموقوف عليهم حتى البطن الاول كما إذا اوسع شارع فوقعت الدار الموقوفة في وسط الشارع بحيث لا تبقى منها شئ وليس لها تابوء وقبالة رسمية حتى يؤخذ ثمنه ولكن لا يلتفت إلى ذلك أحد فوجد مشترلها فهل يجوز بيعه أم لا الظاهر انه يجوز، بل يجب لما عرفت من عدم الخصوصية للخراب، بل المناط سقوط العين الموقوفة عن الانتفاع بها مع ما عرفت أن القرينة تقضى دوام الوقف فلو لم يبع لا يكون للوقف دوام فيجب البيع وتبديله بشئ آخر ليدوم

[ 202 ]

الوقف وتحفظ حقيقة الوقف على ما انشائها الواقف بحسب انشائه وهنا فروع آخر فيتضح حالها بالتأمل. قوله: الصورة الثانية ان يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتد به. أقول: قد عرفت ان المصنف ذكر هنا صورا، الاول ما تقدم الكلام فيه وهو ماكان الوقف خرابا بحيث خرج عن الانتفاع به حتى بالدقة العقلية كالشاة المذبوح والحصير البالى والجدوع العتقة فانها لا ينتفع بها ببقائها بوجه بل نفعها باعداماها والا فاللحم الباقي ينتن فلا يكون قابلا للانتفاع به و هكذا الامور الاخر وقد عرفت جواز البيع في هذه الصورة وعدم شمول الادلة المانعة عن بيع الوقف على ذلك، بل يباع ويبدل بشئ آخر ليكون قابلا للانتفاع إلى الابد فان حقيقة الوقف بذلك ويكون العين حبساو الثمرة تسبيلا كما هو واضح ثم ذكر الصورة الثانية وهى ان يخرب الوقف بحيث يسقط عن الانتفاع معتد به بحيث يصدق عرفا أنه لا منفعة فيه، وان كان له نفع بحسب الدقة العقلية ثم فصل في هذا القسم بين ما يكون الوقف بحيث لا يقال بهذا النفع لقلته فيكون هذا مما يجوز بيعه لانصراف الادلة المانعة عن بيع الوقف عن ذلك وبين لا يكون كك، بل يقال في العرف ان لهذا العين منفعة ولكن قليلة بالنسبة إلى العين قبل تلك الحالة فهذا لا يجوز بيعه لعدم الوجه عن صرف الادلة عن ذلك. ثم ذكر صورة ثالثة وهى ان يخرب الوقف بحيث يقل نفعه لاأنه ينتفى نفعه بالكلية كما في الصورة الاولى، ولا أنه قلت بمرتبة ليلحق بالمعدوم كما في الصورة الثانية، بل تقل منفعة بالنسبة إلى المنفعة قباع عروض تلك الحالة أقول: لم يتحصل لنا شئ مما ذكره المصنف في الصورة الثانية و، ذلك

[ 203 ]

لانه ان كان مراده من الصورة ماكان الوقف ساقطا عن المنفعة العرفية لاجل الخراب بحيث لم تبق للعين في نظر العرف منفعة أصلا، بل صارت عديم النفع وان كان لها نفع بحسب الدقة العقلية كما إذا وقف الواقف سريرا وسقط عن السريرية بحيث لا ينتفع به عرفا بعنوان السريرية ولكن يمكن الانتفاع به بوضعه على وراء الباب ليمنع عن السارق أو يذاب حديدة و ينتفع في مورد آخر أو يجعل شباكا على السطوح ونحوها ولكن لا يعد شئ منها من منافع السرير وكك لو وقف حمارا لينتفع به في الحمل والركوب ولكن سقط عن الانتفاع به لاجل السيارات ومع ذلك يمكن الانتفاع به بان يسد في مجراء الباب ليمنع عن السارق فلا يقال أن هذا منفعة الحمار وغرض الواقف من حبس العين وتسبيل الثمرة شامل ذلك وحينئذ فيكون الفرق بين هذه الصورة والصورة الاولى هو أن في الصورة الاولى فقد سقطت العين عن الانتفاع بها بالكلية بخلاف هذه الصورة فان للعين منفعة بحسب الدقة العقلية فان كان مراده من الصورة الثانية هو ذلك فلاوجه للاستدراك ثانيا في هذه الصورة بقوله، نعم لو كان قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم وامكن الحكم بالجواز لانصراف قوله (ع): لا يجوز شراء الوقف إلى غير هذه الحالة. فانه لاوجه للاستدراك بعد ماكان الغرض من الصورة الثانية هو ذلك وان كان مراد من هذه الصورة سقوط العين الموقوفة عن الانتفاع بها لا مطلقا بحيث تعد في نظر العرف مسلوبة المنافع، بل تقل منفعته كما إذا كانت دار موقوفة وكانت تستأجر في كل سنة بمائة دينار الا أنه عرض لها الخراب فتستأجر بخمسين دينارا ومع ذلك فلا ينكر أحد أن الدار مما لا منفعة فيها، نعم قد قلت منفعة وحينئذ فالفرق بين هذه الصورة والصورة

[ 204 ]

الاولى من الوضوح بمكان وان كان مراده ذلك من الصورة الثانية فلا وجه لذكر الصورة الثالثة فانها عين ذلك. وبعبارة أخرى لاوجه لجعل الصورة الثانية صورتين لانها اما عين الصورة الثالثة أو غيرها فيكون قسما في مقابلها، بل يراد من الصورة الثانية هو الشق الاول اعني ما ذكره المصنف بعنوان الاستدراك فيكون مقابلا للصورة الاولى والثالثة ولا شبهة في جواز بيعه ايضا فلا يعد هذه المنفعة الحقة بالمعدوم من المنافع للوقف في نظر العرف ولا تشمله الادلة المانعة عن بيع الوقف خصوصا قوله (ع) ولا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغله في ملكك فتكون عمومات صحة البيع محكمة وقد عرفت في الصورة الاولى أيضا أن أدلة المنع منصرفة عن عين الموقوفة إذا صارت عديم النفع، بل لا يشمل ذلك مفهوم الوقف ايضا فانه انما يشمل ما تكون العين ذامنفعة ليصدق عليها حبس العين و تسبيل المنفعة كما هو واضح. ثم ان المصنف قد ذكر هنا امرين احدهما ما تقدمت الاشارة إليها سابقا من قول صاحب الجواهر ببطلان الوقف مع جواز بيعه، وقال انه قد عرفت انه لاوجه لبطلان الوقف، ثم ذكر صاحب الجواهر أن وجه بطلان الوقف في الصورة الاولى بفوات شرط الوقف المراعى في الابتداء والاستدامه وهو كون العين مما ينتفع بها مع بقاء عينها ثم اشكل على هذا ايضا من انه عرفت سابقا أن بطلان الوقف بعد انعقاده صحيحا لاوجه له في الوقف المؤبد مع انه لادليل عليه مضافا إلى أنه لادليل على اشتراط الشرط المذكور في الاستدامة فان الشرط في العقود الناقلة يكفى وجودها حين النقل، فانه قد يخرج المبيع عن المالية ولا يخرج بذلك عن ملك المشترى مع أن جواز بيعه لا يوجب الحكم بالبطلان، بل يوجب خروج الوقف عن اللزوم إلى الجواز.

[ 205 ]

كان المناسب أن ينقل المصنف هذا الكلام لصاحب الجواهر في الصورة الاولى كما نقله كله في أصل بطلان الوقف بجواز البيع فيها و كذلك كان المناسب ان ينقل كلامه الاتى أعنى الا امر الثاني في الصورة الاولى وكيف كان فكلام صاحب الجواهر متين ولا وجه لما أورده المصنف عليه، أما قوله ببطلان الوقف بجواز البيع فلما تقدم من انه هو الحق غاية الامر أن المراد بالبطلان هو البطلان من جهة البيع فقط، وأما الجهات الاخر من الهبة واعدام الوقف والتصرف فيه بما ينافى الوقف فلاوجه للبطلان. نعم، لو كان مراد صاحب الجواهر هو البطلان من جميع الجهات، بحيث يعود الوقف إلى ملك الواقف وينقل إلى الورثة لو مات الواقف فلا وجه له إذ لا مقتضى ولا دليل على ذلك فان الواقف بعد ما جعل ماله وقفا وحبسا أبديا كما استفدنا ذلك من القرائن الموجودة في عبارة الواقف فبأى دليل يعود الوقف إلى ملك الواقف أو وارثه. ولكن تقدم أن هذا ليس مما يحتاج إلى النظر فضلا عن امعان النظر وانما المحتاج إلى ذلك هوما ذكرناه أي البطلان من جهة البيع فقط، بل هذا مقوم لدوام الوقف وبقائه إلى الابد والا فيكون الوقف منعد ما في مده قليلة بحسب مقتضى الكون والفساد كما هو كك في جميع الاوقاف، وان كانت العرصة باقية في وقف الدار ونحوها كثيرا. واما ما ذكره (ره) من انكار كون الوقف مشروطا ببقائه على كونه قابلا للانتفاع به ايضا ليس بصحيح فان عمدة ما ذكره من الاجوية هوما منعه من كون الشرط شرطا في الاستدامة قياسا له بالبيع إذا خرج المبيع عن المالية وأنه لاوجه لبطلان الوقف وانقلابه إلى الفاسد بعد انعقاده صحيحا. والوجه في ذلك هو أنك عرفت أن حقيقة الوقف عبارة عن حبس الاصل

[ 206 ]

تسبيل الثمرة وعليه فاللازم انتهاء أمد الحبس بانتهاء الثمرة إذا الحبس لاجل التوصل إلى غاية لا يعقل بقائه بعد عدم امكان التوصل إلى الغاية و الا لم يكن الباقي حبسا لتسبيل الثمرة فوقفية الوقف يقتضى كونه مما ينتفع به دائما فما دام شخصه موجودا ينتفع بشخصه فيكون شخصه ملكا للموقوف عليهم فإذا سقط شخصه عن النفع فيباع ويشترى شئ آخر فيكون ملكا للطبقة الاولى من الموقوف عليهم، ثم للطبقة الثانية منهم، فهذا لا يمكن الا بالبيع بعد سقوطه عن الانتفاع به ولا يعقل كونه وقفا من دون أن يكون فيه نفع كما لا يعقل كونه وقفا مالا نفع فيه حدوثا، بل لو كان الوقف تمليكا كما هو كذلك، لكان تمليكا للعين توصلا إلى ملك المنفعة ولا يعقل بقاء هذا المعنى مع عدم المنفعة رأسا ومثله لا يحتاج إلى دليل تعبدي ليقال بأنه لادليل عليه وليس من قبيل انقلاب شئ عما هو عليه، بل من انتهاء أمد الصحيح ولا أنه من الوقف المنقطع ليقال بأنه خلف، بل يلزم عليه أن يكون جميع الاوقاف منقطعا لانقطاع امدها بسقوطها عن الانتفاع بها بحسب اقتضاء الكون والفساد. وبالجملة ان الكلام في الوقف المؤبد ولا شبهة أن بطلان الوقف في مرتبة ومن جهة لا يمنع عن بقاء الوقف في العين بما هو مال ولزوم حفظ ماليته في ضمن البدل يستمر الوقف باستمراره، بل لوزال الوقف بالكلية بحسب الكون والفساد وأيضا لا يكون من الوقف المنقطع إذ لا توقيت في ذلك بوجه والا فيكون حبسا وخارجا عن حقيقة الوقف. وأما قياس المقام بالبيع من جهة أن الانتفاع بالمبيع وكونه مالا لا نعتبر في صحة البيع الا حدوثا وكك في المقام فمن عجائب المصنف إذ عرفت مما ذكرناه أن حقيقة الوقف عبارة عن حبس الاصل وتسبيل الثمرة فبانتفاء

[ 207 ]

الانتفاع تنتفى الوقفية فكما لا معنى لوقف عديم الانتفاع حدوثا ويعتبر كون الوقف ذانفع ابتداء وكك يعتبر كونه ذانفع بقاء. وبالجملة الوقفية تدور مدار كون العين الموقوفة ذانفع حدوثا وبقاء و بانتفاء نفعها تنتفى الوقفية ولا يبقى لها موضوع فانه لا يعقل بقاء الشئ بعد انتفاء حقيقية. وهذا بخلاف البيع فانه لو اعتبر المالية في صحته انما تعتبر حدوثا و أما بقاء فلا يعتبر كونه مالا، بل مادام مالا فيكون من أمواله فإذا زالت المالية عنه بانتفاء منافعه فيكون من أملاكه، ومع زوال ملكيته ايضا فيكون متعلق حقه فليس كون المبيع للبايع بقاء متقوما بالمالية فلا يقاس بالوقف الذى قوامه بامكان الانتفاع من العين الموقوفة كما هو واضح. ومن هنا ظهر بطلان ما أفاده من الوجوه الاخر ايضا وأنه لامانع من الالتزام بجواز البيع ولا تشمله أدلة المنع خصوصا قوله (ع): ولايجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك. الامر الثاني: أنه نقل المصنف عن صاحب الجواهر أنه قد يقال بالبطلان ايضا بانعدام عنوان الوقف فيما إذا وقف بستانا مثلا فلاحظ في عنوان وقفه البستانية فخربت حتى خرجت عن قابلية ذلك، فانه وان لم تبطل منفعتها أصلا لامكان الانتفاع بها دارا مثلا، لكن ليس من عنوان واحتمال بقاء العرصة على الوقف باعتبار أنها جزء من الوقف وهى باقية وخراب غيرها وان اقتضى بطلانه لا يقتضى بطلانه ايضا يدفعه أن العرصة كانت جزء من الموقوف من حيث كونه بستانا لا مطلقا فهى حينئذ جزء عنوان الوقف الذى فرض خرابه ولو فرض ارادة وقفها ليكون بستانا أو غيره لم يكن اشكال في بقائها لعدم ذهاب عنوان الوقف، وربما يؤيد ذلك في الجملة ما ذكروه في باب الوصية من

[ 208 ]

أنه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصى بطلت الوصية لانتفاء موضوعها نعم لو لم يكن الدارية والبستانية ونحو ذلك مثلا عنوانا للوقف وان قارنت وقفه، بل كان المراد به الانتفاع به في كل وقت على حسبما يقلبه لم يبطل الوقف بتغيير احواله. ثم ذكر في عود الوقف بعد البطلان إلى ملك الواقف أو وارثه على تقدير موته أو الموقوف عليه وجهين. واشكل عليه المصنف أولا بالاجماع على أن انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف، بل ولا جواز البيع، وان اختلفوا فيه عند الخراب أو خوفه لكنه غير تغيير العنوان. وثانيا: أنه لاوجه للبطلان بانعدام العنوان لانه ان أريد بالعنوان ما جعل مفعولا في قوله وقفت هذا البستان، فلا شك أنه ليس الاكفوله بعت هذا البستان أو وهبته، فان التمليك المعلق بعنوان لا يقتضى دوران ملك مدار العنوان فالبستان إذا صار ملكا فقد ملك منه كل جزء خارجي وان لم يكن في ضمن عنوان البستان وليس التمليك من قبيل الاحكام الجعلية المتعلقة بالعنوانات، وان أريد بالعنوان شئ آخر فهو خارج عن مصطلح أهل العرف والعلم ولابد من بيان المراد منه هل يراد ما اشترط لفظا أو قصدا في الموضوع زيادة على عنوانه. وأما تائيد ما ذكر بالوصية فالمناسب أن يقاس ما نحن فيه بالوصية بالبستان بعد تمامها وخروج البستان عن ملك الموصى بموته وقبول الموصى له فهل يرضى أحد بالتزام بطلان الوصية بصيرورة البستان عرصه، وانما البستان ملكه الموصى له بجميع خصوصياته من العرصة والاشجار وغيرهما من الاجزاء وكك الوقف لا يبطل بصيرورته عرصة وزوال عنوانه، نعم الوصية قبل

[ 209 ]

تمامها يقع الكلام في بقائها وبطلانها من جهات أخر غير مربوط بما نحن فيه. ثم ما ذكره من الوجهين مما لايعرف له وجه بعد اطباق كل من قال بخروج الوقف المؤبد عن ملك الواقف على عدم عوده إليه أبدا، هذا ما ذكره المصنف في جواب صاحب الجواهر وهو متين. ولشيخنا الاستاذ تفصيل في المقام وقال ثم ان ما ذكرناه من عدم جواز بيع العين الموقوفة إذا لم يلحق قلة الانتفاع بها بالعدم، انما هو إذا بقيت الصورة النوعية للعين الموقوفة وأما إذا تبدلت بصوزة أخرى فيجوز بيعها وان لم تلحق بالعدم ولا يبعد أن يكون كلام الشيخ ناظرا إلى هذا المعنى فان النخلة الموقوفة إذا قلعت تعد عرفا مبائنة للنخلة لانها عبارة عن الشجرة لا المادة المشتركة بينها و بين الجذع والخشب وبطلان الصورة النوعية عبارة أخرى عن خراب الوقف وسيجئ انشاالله تعالى في باب الخيار، أن مناط مالية الاموال، انما هو بالصورة النوعية لا المادة المشتركه ثم المدار في الصورة النوعية العرفية العقلية فإذا تبدلت الصورة النوعية التى تعلق الوقف بها يبطل الوقف ويبقى ذات الجسم فيباع، ولا يقاس انهدام الدار على زوال صورة الشجرة فان الدار مركبة من البناء والارض وانهدام البناء لا يوجب بطلان الوقف رأسا لبقاء العرصة. وبالجملة حيث ان قوام الوقف بأمرين بقاء العين الموقوفة وكونها ذات منفعة لانه عبارة عن حبس العين وتسبيل الثمرة فكما يجوز بيعها إذا لم تكن لها منفعة أصلا فكك يجوز بيعها إذا لم تبق صورتها العينيه التى هي أحد ركني الوقف. أقول: ما ذكره المصنف وارد على شيخنا الاستاد أيضا، وتوضيح ذلك

[ 210 ]

أن العناوين والصور النوعية عرفية كانت أو عقلية وان كانت موجبة لشيئية الاشياء في نظر العرف والعقل، الا أنها لا تقابل بالمال بوجه وانما هي دخيلة في زيادة المالية للمادة ولذا لا يجوز بيع الصور بدون المادة لعدم الانفاك وقد مر في بعض المباحث في المكاسب المحرمة وسيأتى في باب الخيارات انشاء الله، أن الاوصاف التى لها دخل في زيادة المالية وتعد في نظر العرف من الصورة النوعية إذا وقعت عليها المعاملة وظهرت خلافها فتكون المعاملة فسادة فان وقع عليها المعاملة يعد في نظر العرف مغائرا لما ظهر وان كانا من جنس واحد كما إذا وقعت المعاوضة على الفراس المنسوج بنسج وظهر المبيع الفراش المنسوج بنسج آخر يغائرفى نظر العرف أو باع عبدا فظهر أمة أو باع كأسا وظهر قدرا أو باع سكينا وظهر مسمارا أو باع ساعة وظهر قطعة حديد، أو باع صندوقا وظهر طبلافان في جميع ذلك يبطل البيع لان ما وقع على البيع غير مقصود وما هو مقصود لم يقع عليه البيع وأن كانا في الحقيقة من جنس واحد الا أن العرف يراهما شيئين متبائيين فان الرجولة والانوثة وان كانتا من جنس واحد الا أن العرف يراهما متبائينن كما هو واضح. وليست المعاملة فيها واقعة على نفس تلك الاوصاف إذ لا يعقل الانفكاك بين المادة والصورة، بل المعاملة واقعة على المادة والصوره موجبه لما ليتها بحيث لو ذهبت هذه الصورة عن تلك المادة أي الجسم لا المادة الهيولانى المحفوظة في جميع الاشياء وتبدلت بصورة أخرى مغائره للاولى لم تبطل البيع فان نفس المادة قد وقعت متعلقة للبيع وتعنون الاشياء بتلك الصورة لا توجب وقوع المعاملة على نفس العناوين فانها أعراض لاتقبل الانفكاك

[ 211 ]

ولايكون كونها عناوين للاشياء موجبا لكونها محطا لجميع الاحكام تكليفة أو وضيعية بحيث تكون مملوكة وقابلة للتمليك كما هو واضح، وبالجملة الصور النوعية العرفية واسطة لوقوع المعاملة على المواد لكونها سببا لماليتها لا أن نفسها من الاموال. إذا عرفت ذلك فالحكم في الواقف ايضا كك فانه إذا وقف عبدا أو كأسا أو دارا أو دكانا فالظاهر من ذلك أن نفس تلك الاشياء بموادها موقوفة وان كانت ماليتها بصورها النوعية العرفية ولا تدور الوقفية مدار نفس الصور والعناوين لعدم انفكاكها عن المواد ولا يمكن وقوع المعاملة عليها بنفسها من الهبة والصلح والبيع كما هو واضح، وعليه فازالت الصورة النوعية لم تزال الوقفية بل تكون المادة التى معنونة بعنوان ايضا وقفا وان لم ينتفع عنها نفعها كالانتفاع منها مع الصورة الزائلة. نعم، تزول الوقفية بزوال الصورة والمادة كليتهما إذ ليس المراد من المادة هي الهيولى لتكون محفوظة في ضمن شئ من الاشياء وان كان في ضمن التراب، بل المراد منها هنا هي المادة العرفية أعنى الجسم الذى كان معنونا بعنوان ولا شبهة أنه ينتفى كانتفاء صورته. وعلى هذا فإذا وقف شيئا وكان مفعول قوله عنوان ذلك الشئ بان قال وقفت البستان الفلاني أو الدار الفلانية أو النخلة الفلانية فلا شبهه أن الوقف هي ذات هذه العناوين المعنونة بها وانما تلك العناوين معرفات إليها ومقومات لماليتها وليس لنفس تلك العناوين بحسب نفسها مالية تكون وقفا منقكة عن المادة بحيث تدور الوقفية مدار نفس العنوان فإذا زالت زاله الوقف وإذا ذهب عنوان البستان وعنوان الدار وعنوان النخلة كانت عرصه البستان وعرصة الدار والنخلة المقلوعة غير وقف، بل باقيا في ملك الواقف،

[ 212 ]

بل العنوان في المركبات الاعتبارية لا ينتزع الا من أمور متعددة فينحل إلى أمور عديدة كعنوان الدار فان الدار ليست الا مركبة من العرصة والقبب و الجدران وهكذا البستان فمعنى وقف الدار ليس الا وقف الارض وتلك القبب ومعنى وقف البستان ليس الاوقف الاشجار والعرصة فلا يعقل لوقف العنوان فقط معنى محصل. وبالجملة لا نعقل معنى محصلا لوقف العنوان المجرد بل وقف العنوان عين وقف ذى العنوان فكما أن في المركبات الحقيقة لا تنفك الصورة النوعية عن المادة لكونها متحدة في الخارج حقيقة وكك في المركبات الاعتبارية كالدار والبستان فان العنوان في ذلك كله أيضا ليس موضوعا للحكم بمعنى كونه وقفا خاليا عن المواد. وبعبارة أخرى إذا وقف الواقف نخلة لاشخاص فنسئل أنه هل بقى في ملك الواقف منها شئ أم لا فان بقى ذات النخلة في ملك الواقف لتكون له بعد قلعها فلا معنى لكون النخلة للموقوف عليهم كما هو المفروض وان لم يبقى في ملك الواقف شئ فبعد زوال عنوان النخلية وصيرورتها خشبة فلماذا صار ملكا للواقف. الكلام في الصورة الثالثة قوله الصورة الثالثة أن تخريب بحيث يقل منفعته لكن لا الى حد يلحق بالمعدوم. أقول: لو خرجت العين الموقوفة عن الانتفاع بها على الوجه الاول بان قلت منفعتها كما إذا كانت الدار تستأجر بمائة وانما تستأجر فعلا بخمسين اما لخرب فيها أو لنقص نفعها فهل يجوز بيعها فذهب جمع إلى المنع

[ 213 ]

كالمصنف وغيره وفى محكى الخلاف الجواز البيع محتجا بأنه لا يمكن بها الا على هذا الوجه كما في مسألة النخلة المنقلعة. والظاهر أنه لا يجوز من جهة أنه يجوز الانتفاع من النخلة المقلوعة في التسقيف ونحوه ولا نتصور وجها لجواز بيع الوقف هنا بوجه بعد ما كانت حقيقة الوقفية محفوظة أعنى حبس العين وتسبيل الثمرة فان النفع موجود في ذلك وتشملها الادلة المانعة عن بيع الوقف فانه لامانع من شمول قوله (عليه السلام) لا يجوز شراء الوقف وقوله (ع) (1) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها على ذلك. وبالجملة أن مقتضى حقيقة الوقف ومفهومه ابقائه على حاله إذا امكن الانتفاع به وزوال بعض المانع لا يستلزم جميعها فان مثل النخلة المقلوعة يجوز الانتفاع بها بالتسقيف ونحوه، وعليه فتشمله الادلة المانعة عن بيع الوقف. الكلام في الصورة الرابعة قوله: الصورة الرابعة أن يكون بيع الوقف انفع وأعود للموقوف عليه. أقول: والمشهور، بل المجمع عليه في هذه الصورة عدم جواز البيع بل لم ينسب الخلاف الا إلى المفيد والعلامة لم يرض بهذه النسبة أيضا فأول كلامه ومعنى كون البيع انفع كون ثمن الوقف أزيد نفعا من المنفعة الحاصلة تدريجا وكيف كان فلا اشكال في المنع لوجود مقتضى للمنع وهو وجوب العمل على طبق انشاء الواقف لقوله (ع) لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغله في ملكك.

[ 214 ]

وقوله (ع) الوقف على حسب مايقفها أهلها نعم وقد استدل على الجواز بروايتين: الاول: رواية (1) جعفر بن حيان وفى المتن حنان قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل وقف غلة له على قرابته من ابيه وقرابته من أمه، وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة ثلثمائة درهم في كل سنة ويقسم الباقي على قرابته من ابيه قرابته من أمه، فقال جائز للذى أوصى له بذلك، قلت أرأيت ان لم تخرج من غلة تلك الارض التى أوقفها الا خمسمائة درهم، فقال أليس في وصيته أن يعطى الذى أوصى له من الغلة ثلثمائة درهم ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أمه، قلت نعم، قال ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفى الموصى له ثلثمائة درهم ثم لهم ما يبقى بعد ذلك، قلت أرأيت ان مات الذى اوصى له قال ان مات كانت ثلثمائة درهم لورثته يتوارثونها بينهم فأما إذا انقطع ورثة لم يبقى منهم أحد كانت ثلثمائة درهم لقرابة الميت يرد مايخرج من الوقف ثم يقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلة، قلت فللورثة قرابة الميت أن يبيعوا الارض إذا احتاجوا لم يكفهم مايخرج من الغلة، قال نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم باعوا، فان ظاهر الذيل هو جواز بيع الوقف إذا كان البيع انفع فتكون شاهدة لجواز البيع في الصورة الرابعة. وفيه أنه لا يجوز الاستدلال بهذه الرواية على جواز البيع من وجوه: الاول: أن الرواية ضعيفة السند إذ لم يثبت في الرجال مدح لجعفربن حيان ولا وثاقته، فغاية الامر امامى وأما ما في المتن من ذكر الحنان بدل الحيان فلم يذكر في الرجال أصلا فالرواية لا يمكن الاستدلال بها على الجواز.


(1) وسائل: ج 13 ص 306

[ 215 ]

الثاني: أنها مضطربة متنا لاشتمالها على الجمع بين الوقف والوصية ومن الواضح أنه مع الوقف لا تجوز الوصية على الوقف لكونه ملكا للموقوف عليهم فليس له التصرف فيه وتملكيه أو تملكه لكون ذلك كله على خلاف مقتضى انشاء الوقف من حبس العين وتسبيل الثمرة الا أن تحمل الوصية على الاشتراط في متن العقد بان وقف وأوصى في متن الوقف أن تكون ثلثمائة درهم من غلته لرجل ولعقبه ليس بينه وبينه قرابة ثلثمائة درهم فيكون الايضاء على مقتضى الشرط في الوقف الا أنه خلاف الظاهر من الرواية، بل الظاهر منها اجتماع الوقف والوصية فيكون ذلك موهنا لها. الثالث: أنها تدل على أنه ليس لقرابة الواقف أن يأخذ وا حقهم إذا خرجت من الارض خمسمائة درهم حتى يوفى الموصى له ثلثمائة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك مع أنه على خلاف القواعد أيضا، فانه لماذا ليس لهم أخذ حقهم الا بعد اخراج حق الموصى له، بل يجوز اخراج حقه وتقسيم الباقي لاقرباء الموصى، أي الموقوف عليهم، فان كون ثلثمائة درهم من الغلة للرجل الأجنبي بعنوان الاشتراط وتمليك له من ملكه فلا يتوقف على اطلاع الموقوف عليهم وحضورهم لانه ليس بعنوان المشاع حتى يتوقف على حضورهم، نعم لو كان بعنوان الوصية لكان مشاعا. الرابع: أنها لاتدل على المدعى فانها تدل على جواز بيع الوقف بشروط ثلاثة: الاول: عدم كفاية غلة الوقف على الموقوف عليهم أو احتياجهم إلى البيع. والثانى: رضاية الموقوف عليهم على البيع. والثالث: كون البيع انفع وأعود لهم وبانتفاء أحد هذه الوجوه الثلاثه ينتفى جواز البيع هذا بخلاف مفروض المقام فانه عبارة عن البيع في فرض

[ 216 ]

الاحتياج إليه اذن فالرواية أجنبية عن المقام كما لا يخفى، كما اشار إليه المصنف على أن ذلك مما لم يقل به أحد من الاصحاب فيكون هذا أيضا و هنا لرواية. الثاني: خبر (1) الاحتجاج ان الحميرى كتب إلى صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه جعلني الله فداك انه روى عن الصادق (ع) خبر مأثور ان الوقف إذا كان على قوم باعيانهم واعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح لهم أن يبيعو فهل يجوز أن يشترى من بعضهم ان لم يجتمعوا كلهم على البيع ام لا يجوز الا ان يجتمعوا كلهم على ذلك وعن الوقف الذى لا يجوز بيعه فقال (ع) إذا كان الوقف على امام المسلمين فلا يجوز بيعه وإذا كان على قوم من المسلمين فليبيع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين انشاء الله. فهذه الرواية تدل على جواز بيع الوقف اما في خصوص ما ذكره الراوى وهو كون البيع أصلح واما مطلقا بناء على عموم الجواب ولكنه مقيد بالاصلح لمفهوم رواية جعفر، فان مفهوم قوله (ع) فيها إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم باعوا أن البيع إذا لم يكن خيرا لهم لا يجوز. أقول: أما رواية جعفر فقد تقدم الكلام فيها، واما رواية الاحتجاج فقوله إذا كان على امام المسلمين فلا يجوز بيعه، فالظاهر ان المراد منه عدم جواز البيع لغير الامام، والا فإذا كان ملكا له فلماذا لا يجوز بيعه كما جازت له بيع سائر أملاكه وكيف كان فلا دلالة في الرواية على المدعى لوجوه: الاول: أن روايات الاحتجاج ضعيفة السند إذ لم يذكر السند فيها فلا تكون قابلة للاستدلال بها على المقصود. الثاني: أن الرواية تدل على الجواز البيع مطلقا إذا كان أصلح لهم


(1) وسائل: ج 13 ص 306

[ 217 ]

سواء كان للوقف خراب أم لم يكن ومن المعلوم أن بيع الوقف أصلح للموقوف عليهم في جميع الحالات فانه في صورة عدم جواز البيع الوقف فيرجع النفع إليهم متدرجا مع توقفه على الزحمات الكثيرة وهذا بخلاف البيع فانه حينئذ تملكون الثمن دفعة واحدة فيفعلون به ما يشائون واصلحية ذلك ممالا يخفى حتى في غير حال الخراب مع أن هذا لم يقل به أحد وتوهم تقييدها بمفهوم خبر جعفر الحيان فاسد لعدم اعتباره كما عرفت. الثالث: أن المستفاد من الرواية جواز البيع مطلقا سواء كان أصلح لهم أو لا يكون فان الاصلحية انما ذكرت في كلام السائل فلا يكون موجبا للتقيد والا فالجواب مطلق، فتكون معارضة لما دل على عدم جواز بيع الوقف على ما تقدم من قوله (ع) لا يجوز شراء الوقف الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. وغير ذلك، فحيث أن تلك الروايات قيدت بما دل على جواز بيع الوقف في صورة الخراب كما عرفت في الصورة الاولى فبانقلاب النسبة تكون الروايات المانعة أخص من رواية الاحتجاج بالعموم المطلق فتقيد بها هذه الرواية فيحكم بعدم جواز البيع الا في صورة الخراب بحيث سقط عن الانتفاع به فلا دلالة فيها أيضا على المدعى. على أن مادل على المنع مشهورة من حيث النقل والعمل فيجب الاخذ بها وترك العمل برواية الاحتجاج. الرابع: ما ذكره المصنف من أنه لو قلنا في هذه الصورة بالجواز كان الثمن للبطن الاول البايع يتصرف فيه على ما شاء ومنه يظهر وجه آخر لمخالفه. الروايتين للقواعد، فان مقتضى كون العين وقفا مؤبدا على ما تقدم كون بدله ايضا وقفا فيكون ملكا للبطون الموجودة مادام موجودا فيكون النفع لهم فلا يجوز لهم الهبة واعدام العين وبعد الموت يكون ملكا للبطون اللاحقه.

[ 218 ]

وبالجملة لا يجوز العمل بهاتين الروايتين بأن يفتى بهما على جواز بيع الوقف، بل لم يوجد قائل بالجواز الا ما نسب إلى المفيد وقد عرفت انكار العلامة النسبة. الكلام في الصورة الخامسة قوله: الصورة الخامسة أن يلحق الموقوف عليهم ضروره شديده. أقول: قد جوز بعضهم البيع في هذه الصورة، بل عن الانتصار والغنيه الاجماع عليه الا أنه معارض بدعوى الاجماع على عدم الجواز على أن الاجماع المنقول ليس بحجة وربما استدل على ذلك برواية جعفر المتقدمة لقوله (ع) فيها إذا احتاجوا أو لم يكفهم ما يخرج من الغلة لهم أن يبيعوا الارض. وفيه ما ذكره المصنف وحاصله أن ظاهر الرواية أنه يكفى في البيع عدم كفاية غلة الارض لمؤمنة سنة الموقوف عليهم وهذا أقل مراتب الفقر الشرعي و الذى يظهر من عبائر القوم الذى يجوزون بيع الوقف عند الضرورة والحاجة الشديدة لا ينطبق على هذه الرواية فان النسبة بين الحاجة الشديدة و بين مطلق الفقر عموم من وجه، فان الانسان قد يكون فقيرا ولا تكون له حاجة شديدة لكونه واجدا لما يكفيه في ادارة شؤونه من مال الفقراء كالزكاة و الصدقات ورد المظالم، وقد لا يكون شحص فقيرا، بل موسرا جدا وواجدا من الاموال بما لا يعلم حسابه الا الله ومع ذلك تتفق له الحاجة الشديدة في بعض الاوقات كما إذا كان في بلد لا يصل إلى ماله ولو بالاستقراض و لكن عنده وقف يمكن بيعه ورفع الحاجة أو في بلده، ولكن ليس له نقد و لا يباع متاعه واحتاجت إلى النقد احتايجا شديدا وكان عنده وقف يشترونه

[ 219 ]

بالنقد فيمكن ان يقتضى حاجته ببيع الوقف وقد يجتمعان فلا يمكن الاستدلال على جواز بيع الوقف للحاجة الشديدة برواية جعفر الحيان أنك عرفت آنها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليه فلا يكون مدركا للحكم. الكلام في الصورة السادسة قوله: الصورة الساديسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة أو إذا كان فيه مصلحة البطن الموجود أو جميع البطون. أقول: فقد اختلفت كلمات الاصحاب في أنه يجوز بيع الوقف مع شرط الواقف في ضمن الوقف ذلك أو لا يجوز فقول بالجواز مطلقا وقول بعدم الجواز كك وقول بالتفصيل بينما يشترط الواقف جواز بيع الوقف عند عروض المصلحة والمجوز من الخراب ونحوه من المسوغات فقيل بالجواز وبعينما يشترط جواز البيع في غير هذه الصورة فقيل بعدم الجواز الا أنه ليس تفصيلا في الحقيقة فضلا عن كونه موافقا للتحقيق كما اختاره الكركي فان هذا الشرط الذى في فرض جواز بيع الوقف لا يترتب عليه أثر فانه بدون هذا الشرط أيضا يجوز بيع الوقف، نعم يكون هذا الشرط تأكيدا لجواز البيع كما هو واضح، ثم على تقدير القول ببطلان الشرط ففى كونه مبطلا للعقد وعدمه وجهان، اذن فالاقوال ثلاثة قول بالجواز مطلقا، وقول بالبطلان مطلقا ومع القول بالبطلان قول يكون الشرط باطلا فقط وقول بكونه مبطلا للعقد ايضا. وكيف كان فيقع الكلام في مقامين: الاول) في أنه يجوز اشتراط بيع الوقف ليكون بدله أيضا وقفا أولا والثانى في جواز اشتراط بيعه ليكون ثمنه ملكا طلقا للموقوف عليهم وعدم جوازه وعلى كل تقدير فنتكلم في جهتين:

[ 220 ]

الاولى: في كون هذا الشرط مخالفا لمقتضى العقد وعدمه. الثاني: في كونه مخالفا لمقتضى السنة وعدمه إذا ليس في الكتاب ما يكون راجعا إلى ذلك حتى نتكلم في مخالفته للكتاب أيضا. اما المخالفة لمقتضى العقد فالمدار في ذلك على أن يكون المنشأ في العقد مضادا للشرط ومناقضا له كما لو اشترط في البيع أن يكون بلا ثمن أو اشترط في الاجازة أن تكون بلا أجرة أو اشترط عدم تصرف المستأجر في الدار المستأجرة أصلا. واما إذا لم يكن الشرط منافيا لمقتضى العقد وانما يكون منافيا لمقتضى الاطلاق فلا مانع عنه كما إذا اشترط في البيع أن يكون ثمن مؤجلا أو أن يكون من نقد خاص وعليه فان كان التأبيل من مقتضيات الوقف ومن منشئاته فاشتراط البيع عند الحاجة مناف لمقتضى عقد الوقف بلا شبهة وأما لو كان من مقتضيات اطلاق الوقف فلا مانع عن بيعه، وأما مقتضى ليكون بدله أيضا وقفا مثل اصله فربما قيل بعدم الجواز بدعوى أن مقتضى الوقف هو التأبيد و الواقف انما وقف الموقوفة ليكون الوقف ابديا كما هو مقتضى مفهوم الوقف ايضا فاشتراط بيعه يكون مناقضا لمفهومه فلا يجوز، وعليه فكما ان الشرط فاسد فكك أنه مفسد ايضا للمناقضة. وفيه أن حقيقة الوقف كما تقدم حبس العين وتسبيل الثمرة وقد استفدنا دوامه من العبارة الموجودة في صيغة الوقف من قول الواقف إلى أن يرث الله الارض ومن عليها وبهذه القرينة جعلنا متعلق الوقف هي المالية الموجودة في هذه العين، وفي بدلها على تقدير انعدام العين وعليه فكما أن بيعه عند عروض المجوز له وتبديله بوقف آخر لا ينافى مقتضى الوقف فكك اشتراط تبديله بوقف آخر ايضا لا ينافي بمقتضى العقد فأنه على كل حال

[ 221 ]

فالوقفية محفوظة في صورتي وجود العين وتبديلها بشئ آخر نعم مادامت العين موجودة فالخصوصيات العينية أيضا مورد للتوجه ومحط نظر الواقف وبالجملة لا نرى بأسا لاشتراط تبديل العين الموقوفة في ضمن صيغه الوقف فأن المؤمنون على شروطهم وأوفوا بالعقود والوقوف على ما يقفها أهلها كلها يقتض ذلك ايضا فضلا عن كونه منافيا لمقتضى الوقف، نعم الاشتراط ينافى اطلاق الوقف الذى يقتضى الذى يقتضى كون العين الموقوفة باقيه على وقفيته. وأما الجهة الثانية فربما يقال انه يبتنى صحة الوقف حينئذ على صحه الوقف المنقطع الاخر وكونه وقفا لا حبسا وحيث أن المختار صحته لا سيما إذا كان مرددا بين الانقطاع وعدمه فيصح شرط جواز البيع لبعض البطون فان مرجع شرطه إلى أن يجعله منقطعا وان يبقيه على حاله. أقول: الظاهر أن صحة الاشتراط هنا لا يبتنى على صحة الوقف المنقطع الاخر وتوضيح ذلك أنه لا دليل على بطلان وقف المنقطع الاخر الا الاجماع وحيث أنه دليل لبى لا يشمل ما نحن فيه وذلك فان اشتراط الانقطاع على اقسام: - الاول: أن يوقف ويشترط في ضمن الوقف بيعه بعد عشر سنوان وكون الثمن للموقوف عليهم وهذا من أفراد الوقف المنقطع فصحة ذلك يتوقف على صحة كلية وقف المنقطع لانه من مصاديقه ايضا. وأخرى يوقف عينا كالدار ونحوها على فلان ولعقبه إلى خمسه مراتب فيكون الوقف منقطعا بانقراض الموقوف عليهم فهذا أيضا من اقسام الوقف المنقطع فيكون ذلك كالاول موردا للاجماع على بطلان الوقف المنقطع ففى هاتين الصورتين يكون الوقف من الاول بحسب الانشاء منقطعا فيكونان

[ 222 ]

موردين للاجماع متيقنا فيحكم بالبطلان على تقدير تحقق الاجماع وحجيته. الثالث: أن يكون الوقف بحسب انشاء الواقف مؤبدا من غير أن يقيده بوقف أو بشخص بحيث يكون الوقف منقطعا بحسب انشاء الواقف ولكن يشترط في ضمن الوقف قطع ذلك الوقف المؤبد بأن يبيعه متى شاء أو يبيعه الموقوف عليهم متى شاؤا فهذا ليس وقفا منقطع الآخر بوجه، وانما هو وقف مؤبد ولكن يقطعه بحسب الاشتراط فقطع الوقف غير الوقف المنقطع فمثل هذا لا نظن بطلانه والاجماع المدعى على بطلان الوقف المنقطع الاخر لا يجرى هنا لكونه دليلا لبيا فلابد من ارادة المتيقن من ذلك ما هو المتيقن انما هو القسم الاول والقسم الثاني، بل يدل على صحة ذلك أوفوا بالعقود، والمؤمنون عند شروطهم، فان عقد الوقف تحقق على هذا الشرط وكك يقتضى صحة هذا القسم من الوقف قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، فان أهل الوقف وقف هذا القسم من الوقف كك. وأما توهم أن هذا منافى لمقتضى الوقف فيكون الشرط باطلا، فيبطل الوقف توهم فاسد وان مفهوم الوقف ليس الا حبس العين وتسبيل الثمرة والواقف انما انشاء هذا المفهوم وهو أعم من الدوام والانقطاع، نعم اطلاقه يقتضى الانقطاع فاشتراط القطع متى شاء الوقف أو الموقوف عليهم لا ينافى بمقتضى الوقف وان كان ينافى بمقتضى اطلاق الوقف. وانما استفدنا الدوام من جهة القرائن الخارجية لا من جهة كونه من مقتضيات مفهوم الوقف كما هو واضح، لا يخفى. وبالجملة لم نر بأسا من اشتراط الواقف بيع الوقف عند وقفه سواء كان ثمنه بدلا عن العين الموقوفة في الوقفية أم لا يكون بدلا بل ملكا طلقا للموقوف عليهم وعلى كل حال فليس ذلك الاشتراط منافيا لمقتضى الوقف أصلا.

[ 223 ]

وأما المقام الثاني بأن يكون الاشتراط منافيا لسنة أو لا يكون منافيا لها، فالظاهر أنه مناف للسنة فان قوله (ع) لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك يدل على عدم جواز بيع الوقف سواء اشتراط الواقف بيعه أم لم يشترط فيكون اشتراط البيع منافيا له فلا يجوز اذن فيكون الشرط فاسدا. اللهم الا أن يقال أن قوله (ع) يجوز شراء الوقف ليس دليلا تعبديا في مورد عدم جواز بيع الوقف، بل امضاء لمفهوم الوقف كما اشرنا إليه سابقا فان مفهوم الوقف يقتضى السكون والوقوف والبيع والشراء ونحوهما من التصرفات مخالف لذلك السكون وانما هي حركة العين فيكون على خلاف مفهوم الوقف، فقوله (ع) لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك امضاء لما يقتضيه ذلك المفهوم، وأن الوقف لابد وان يكون ساكنا وليس له أن يتحرك بالبيع والشراء والهبة كما لا يخفى. وعليه فلا يكون الاشتراط منافيا لمقتضى السنة أيضا سواء كان الشرط راجعا إلى تبديل الوقف ببدل آخر الذى لا اشكال فيه اصلا أم كان راجعا إلى كون الثمن ملكا للموقوف عليهم لما عرفت في ان اشترط قطع الوقف غير الوقف المنقطع فيكون صحيحا كما هو واضح. ثم بناء على كون الاشتراط منافيا للسنة فيكون الشرط فاسدا لكونه مخالفا للسنة والشروط المخالفة للكتاب أو السنة فاسدة ولكن ذلك ليس مثل الشرط المخالف لمقتضى العقد، فانه فاسد ومفسد للعقد لكونه على خلاف مقتضى العقد ومناقضا له فينقض العقد ويفسده ولكن الشرط المخالف للسنة كونه مفسدا للعقد يبتنى على ما سيأتي في باب الشروط أن الشرط الفاسد هل يكون مفسدا للعقد أم لا، فحيث أن المختار لنا هناك عدم كونه مفسدا للعقد فيكون الوقف هنا صحيحا وان اشترط فيه

[ 224 ]

قطعه كما هو واضح. ثم العجب من شيخنا الاستاذ حيث اقتصر في البحث في المقام على المقام الاول فقط اعني كون الشرط مخالفا لمقتضى العقد أم لا ولم يتكلم اصلا في أن هذا الشرط هل هو مخالف لمقتضى السنة أم لا فكان عليه (ره) ذلك ولكن تركه وأما التمسك في ذلك بخبر جعفر المتقدمة بدعوى أنه إذا جاز البيع بلا شرط فمع الشرط اولى فقد تقدم الجواب عنها ويؤكد ما ذكرناه من جواز البيع صحيحة الكافي الدالة على وقف أمير المؤمنين عليه السلام صدقة وشرط فيها جواز البيع للحسن والحسين (ع) إذا حدث فيهما حدث فتكون دالة لما نحن فيه، فانه إذا جاز اشتراط البيع للبطن الموجود فللبطن المعدوم أولى وتأويل الرواية بارادة الوصية من ذلك من خلاف الظاهر بمكان كاد أن يكون على خلاف الصراحة ومع ذلك فالعجب من المصنف حيث قال أن تأويل الرواية مشكل والعلم بها اشكل. وأما التأويل فهو مشكل كما ذكره وأما أن العمل بها يكون أشكل لا نعرف له وجها بعد كون الرواية صحيحة وعمل جملة من الاعاظم على طبقها. نعم لو كان على خلافها اجماع أو شهرة عظيمة فكان لهذه الكلام أيضا وجه بناء على أن اعراض المشهور عن الرواية يوجب الوهن كما قال نظير ذلك في المعاطات فله وجه لعدم وجود الرواية هناك، وأما في المقام فلا مجال لهذا الكلام. الكلام في الصور الاربعة الخيرة الصورة السابعة أن يؤدى بقاء الوقف إلى خرابة علما أو ظنا وهو

[ 225 ]

المعبر عنه بخوف الخراب في كلمات الفقهاء سواء كان ذلك للخلف بين أربابه أو لغير ذلك، والخراب المعلوم والمخوف قد يكون على حد سقوطه من الانتفاع نفعا معتدا به، وقد يكون على وجه نقص المنفعة. الصورة الثامنة: أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لا يؤمن معه تلف المال والنفس وان لم يعلم أن يظن بذلك وقد صرح بعض الاعلام بجواز البيع هنا أيضا. الصورة التاسعة: أن يؤدى الاختلاف بين الموقوف عليهم إلى ضرر عظيم من غير تقييد بتلف المال فضلا عن خصوص الوقف. الصورة العاشرة: أن يلزم فساد يستباح منه الانفس ومجموع تلك الصور وان لم تذكر في كلام واحد من الفقهاء ولكنها ذكرت في كلماتهم على التفريق وقد نظمها المصنف وجمعها إلى عشرة صور. ثم ان الكلام في هذه الصور الاربعة يقع في جهتين: الاولى في العقد الايجابي وهو جواز البيع مع تأدية البقاء إلى الخراب على وجه لا ينتفع به نفعا يعتد به عرفا سواء كان ذلك لاجل الاختلاف أو غيره. والثانية: العقد السلبي وهو المنع في غير ما ذكر في الجهه الاولى من جميع الصور. أما الجهة الاولى فقد استدل على الجواز بوجوه: الاول: ما ذكره المصنف ومحصل كلامه أن المقتضى لجواز بيع الوقف في هذه الصور موجود والمانع مفقود فيجوز بيعه للعمومات المقتضية لصحة البيع أو وجود المقتضى فلانه مال لمالكه فيجوز بيعه للعمومات مقتضية للبيع أما وجود المانع فهى الادلة الشرعية المانعة عن بيع الوقف وهى لا تنهض للمانعية هنا، أما

[ 226 ]

الاجماع فلا ختصاصه بغير هذه الصورة لكونه دليلا لبيا لا يؤخذ منه الا المقدار المتيقن. وأما قولهم (عليهم السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ولا يجوز شراء الوقف فلا تدخل الغلة في ملكك فلا نها منصرفة عن هذه الصورة لما عرفت من أنها ناظرة إلى صورة عدم سقوط العين الموقوفة عن حيز الانتفاع بها وأما إذا سقطت عن ذلك فلا تشمله تلك الادلة على أنه لا تتم دلالة قولهم (عليهم السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها على عدم الجواز كما تقدم. وأما الموقوف عليهم والواقف فبيع الوقف هنا موجب لحفظ حقهم إذ مع عدم البيع تتلف العين الموقوفة ولا يبقى ما يوجب حفظ حق الواقف أو الموقوف عليهم بخلاف البيع والتبديل بعين أخرى فان ذلك يوجب الجمع بين حقوقهم. وبالجملة الادلة المانعة عن بيع الوقف وما يؤيده كلها غير جارية هنا واذن فلا بأس من البيع في هذه الصورة. وذكر شيخنا الاستاذ أن هذه الصورة ملحقة بالصورة الاولى وهى خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به فان العلم بتأديته إلى الخراب أو الظن به المعبر عنه بخوف الخراب انما هو من حيث طريقيته إليه. وبعبارة أخرى إذا احتمل احتمالا عقلائيا تأديته إلى الخراب على نحو لو كان فعلا خرابا لجاز بيعه فحكم الاحتمال حكم نفس الخراب ولكن من حيث كونه طريقا لان بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء فكأنه صار خرابا فعلا ولكن الوجهان لا يتمان أما ما افاده شيخنا الاستاذ فلان الادلة المانعة عن بيع الوقف لقوله عليه السلام لا يجوز بيع الوقف ولا تدخل الغلة في

[ 227 ]

ملكك لا قصور في شمولها للمقام فان الانتفاع بالعين الموقوفة ممكن بالفعل ولايكون العلم بخرابها بعد سنة مثلا مجوز لبيعها فعلا فضلا عن الظن بذلك أو الامارات المعتبرة كما إذا قامت البية على أنها تخرب بعد ستة أشهر وفضلا عن احتمال الخراب. وبعبارة أخرى أنه لا يجوز بيع الوقف للوجوه المذكورة على ذلك، وانما الخارج عنها ما يحرز خرابه بالفعل وأما في غيره فلاوجه لجواز البيع بوجه، بل يبقى تحت أدلة المنع. وبالجملة بعد ما كان الوقف مما يمكن الانتفاع به فلا وجه لبيعه لشمول أدلة المنع عليه وان علم أو قامت البينة المعتبرة على خرابها فضلا عن احتمال الخراب فان الحكم تابع لموضوعه الفعلى كما لا يخفى. ومن هنا ظهر الجواب عما ذكره المصنف فان الادلة انما تنصرف عن المنع عن بيع العين الموقوفة إذا سقطت عن الانتفاع بها وما نحن فيه ليس كك، بل هو من مصاديق عدم الجواز لجواز الانتفاع بها على النحو الذى وقفها الواقف، نعم الاجماع على تقدير حجيته لا يشمل المقام وأما حفظ حق الواقف والموقوف عليهم فقد عرفت بطلانها وعدم كونها وجها لعدم جواز بيع الوقف. نعم، بناء على حفظ حق البطون اللاحقة فلابد من بيع العين الموقوف مع مظنة الخراب أو العلم به وتبديلها بعين أخرى لئل يزول حقهم كما اشار إليه المصنف في كلامه ولكن عرفت انه لادليل على ذلك فان البطن الموجود ما لكون على الوقف بالفعل وجاز لهم الانتفاع بها فعلا فلا دليل على وجوب رفع اليد عن ملكهم لحفظ الموضوع على ملك الاشخاص الاخر و الا لوجب حفظ مال الناس وان توقف على صرف المال وقد تقدم هذا فيما

[ 228 ]

سبق في فرع أنه إذا توقف حفظ الوقف للبطون اللاحقة على صرف مقدار من منافع الوقف عليه، فهل يجوز اجبار البطن الموجود على ذلك أم لا؟ وقلنا لا وجه عليه، فانهم مالكون على نفعها فلا ملزم لرفع اليد عن ملكهم لحفظ حق الغير، بل ينتفعون بها مادام موجودا فان يبقى للبطون اللاحقة فتنتفعوا بها، والا فلا وهذا واضح لا خفا فيه. والحاصل: ان المصنف قال بعدم شمول الاخبار الدالة على المنع عن بيع الوقف على هذه الصور الاربع، وانصرافها عنها وقال شيخنا الاستاذ بأن احتمال الخراب كالخراب الفعلى موضوع للحكم بجواز بيع الوقف. وفيه ان الحكم الفعلى تابع لموضوعه الفعلى وأنه لا وجه لانصراف الادلة عن هذه الصور باجمعها بعد ماكان الانتفاع بالوقف ممكنا كما في حاشية الايروانى. ثم نقل المصنف (ره) وجهين على جواز البيع في هذا الصور. الاول: ماعن لف وكرة والمهذب وغاية المرام من ان الغرض من الوقف استيفاء منافعة وقد تعذرت فيجوز اخراجه عن حده تحصيلا للغرض منه فيدور الامر بين انقطاع شخصه ونوعه وبين انقطاع شخصه لا نوعه، فالثاني أولى بغرض الواقف فيجوز التبديل وجعل بدله وقفا مكان المبدل. وفيه ما اجابه المصنف من أن الغرض من الوقف استيفاء المنافع من شخص الموقوف لانه الذى دل عليه صيغة الوقف والمفروض تعذره فيسقط وقيام الانتفاع بالنوع مقام الانتفاع بالشخص لكونه أقرب إلى مقصود فرع الدليل على وجوب اعتبار ما هو الاقرب إلى غرض الواقف بعد تعذر أصل الغرض. الثاني: ماعن التنقيح من أن بقاء العين على حاله والحال هذه اضاعه واتلاف للمال وهو نهى عنه شرعا فيكون البيع جائزا ولعله أراد الجواز

[ 229 ]

بالمعنى الاعم فلا يرد عليه أنه يدل على وجوب البيع. وفيه أن المحرم انما هو التصدى باضاعة المال وأما تركه على حاله بحيث يضيع بنفسه فلا دليل على حرمته كما إذا مرض الغنم ولم يقدر مالكه على الذبح إلى أن مات فلم يفعل هو فعلا محرما. ثم انه استدل على جواز البيع في كل واحدة من الصور الاربعة بمكاتبه ابن مهزيار (1) قال كتبت إلى أبى جعفر الثاني عليه السلام أن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس ويسال عن رأيك في بيع حصتك من الارض أو تقويمها على نفسه بما اشتريها أو يدعها موقوفة فكتب إلى أعلم فلانا انى آمره ببيع حصتي من الضيعة وايصال ثمن ذلك إلى ان ذلك رأى انشاء الله تعالى أو يقومها على نفسه ان كان ذلك أوفق له قال فكتبت إليه ان الرجل ذكر أن بين من وقف عليهم بقية هذه الضيعة اختلافا شديدا وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فان كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كل انسان منهم ما وقف ذلك أمرته فكتب بخطه وأعلمه ان رأى ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الوقف أمثل فليبع فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس، الخبر. وفيه أولا أنها ضعيفة السند ودعوى انجبارها بالشهرة دعوى جزافيه إذ على فرض تسليم الكبرى لا نسلم الصغرى لعدم انطباق شئ من الاقوال على الرواية فلا ينجبر ضعفها بالشهرة بيان ذلك أنها دلت على جواز بيع حصة الامام عليه السلام من دون طرو مسوغ للبيع فلابد من حملها اما على صورة اشتراء بعض الضيعة من


(1) وسائل: ج 13 ص 304 ح 5

[ 230 ]

سهم الامام (ع) أو على قضية خاصة غير معلومة الجهة. وتوهم أن الامام (ع) لو الولاية على جميع أموال الناس، بل رقبتهم فكيف بمال نفسه فجاز أن يكون أمره (ع) على البيع من جهة الولاية وفيه أن هذا التوهم فاسد، فان ظاهر قوله (ع) انى آمره ببيع حصتي من الضيعة، و ايصال نمن ذلك إلى ان ذلك رأى أو يقومها على نفسه ان كان ذلك أوفق له هو أن الامام (ع) انما بين حكم المسألة في نفسها لا بما أن له الولاية على العين الموقوفة. وأيضا أنهم استدلوا على القول السابع بقوله (ع) ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال بناء على أن يكون المراد بالاموال هي العين الموقوفة. وفيه أولا: أن ظاهر التعبير بصيغة الجمع هو تلف مطلق الاموال أعم من الوقف وغيره. وثانيا: أن القائلين بجواز بيع الوقف في هذه الصورة انما يقولون في مورد العلم بادائه إلى الخراب أو الظن المتأخم بالعلم ولفظة ربما يستعمل في المحتملات فتصير النتيجة أنه إذا احتمل طور الخراب على الوقف جاز بيعه ومن المعلوم أنه لم يلتزم به أحد فيما نعلم، فكيف ينجبر ضعف الرواية بالشهرة: - على أن قوله (ع) ان رأى ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الوقف أمثل في جواب السؤال عن بيع حصة الباقين وتقسيم ثمنه إليهم لا ينطبق على القواعد وذلك لانه لاوجه لتصدي الواقف بالبيع فانه بعدما وقف ما له فصار كسائر الاجانب. وتوهم انه اشترط كون التولية عليه خلاف الظاهر من الرواية وأن مقتضى القواعد أن يكون بدل الوقف وقفا فلا وجه لتقسيم الثمن على الموقوف عليهم

[ 231 ]

فلا يمكن العمل بظاهر الرواية، بل يرد علمها إلى أهلها أو يحمل على صورة عدم اقباض الوقف وعدم كون الموقوفة مقبوضة منهم فانه حينئذ لم يتم الوقف فاختيار المال تحت يد الواقف المالك يفعل به ما يشاء وقد حملها على هذا جملة من الاعلام على أن الاستدلال بها على الصورة السابعة ينافى الاستدلال بها على الصورة الثامنة التى عبارة عن وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم بحيث لا يؤمن معه تلف الاموال والا نفس فان الاستدلال بها على الصورة الثامنة يتوقف على أن يكون المراد بها غير الموقوفة من سائر الاموال والاستدلال بها على الصورة السابعة يتوقف على ان يكون المراد بها عين الموقوفة. ثم ان الاستدلال بها على الصورة التاسعة وهى أداء الاختلاف إلى ضرر عظيم يتوقف على استفادة العموم من التعليل وهو قوله (ع) فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس وهذا لا يمكن الالتزام به والا اقتضى جواز بيع الوقف لا صلاح كل فتنة وهذا مما لم يلتزم به أحد فيما نعلم فكيف يوجب انجبار ضعف الرواية. ثم ان الاستدلال بها على الصورة العاشرة وهى خوف تلف النفس يتوقف على الاستدلال الغاء تلف المال عن الموضوعية وجعل الموضوع خوف تلف النفس وهو خلاف الظاهر من الرواية، فان الظاهر منها موضوعيه كل منهما للحكم. وبالجملة لا يجوز الاستدلال برواية ابن مهزيار على شئ من الصورة السابعة إلى الصورة العاشر، اما من حيث السند فلا بأس به، وأما من حيث الدلالة فمن جهة أن ما ذهب إليه المشهور في الصور الاربعة لا يستفاد من الرواية وما يستفاد من الرواية لم يلتزم به أحد فيما نعلم وتوضيح ذلك أن

[ 232 ]

التعليل المذكور في الرواية بقوله (ع) فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس قد يكون حكمة ويكون مناط الحكم بجواز البيع نفس الاختلاف بمجرده من غير وجود الحكمة في جميع موارد الاختلاف كما هو الشأن من الحكمة نظير كون التنظيف حكمة في استحباب غسل الجمعة أو وجوبه وكون اختلاط المياه حكمة في مشروعية العدة وان لم يكن موجودا في بعض الموارد كما إذا كانت المطلقة يائسة أو كان المغتسل تنظف في ليلة الجمعه وهذا لم يلتزم به أحد فيما نعلم بحيث أن يقال بجواز البيع بمجرد الاختلاف و لو كان اختلافا جزئيا غير منجر إلى تلف المال والنفس. وان كان المراد من التعليل ما هو ظاهر فيه من أخذه عله للحكم، و مناطا له، بحيث يكون الموجب لجواز البيع هو تلف الاموال والانفس الناشئ من الاختلاف في هذا الوقف وكونه منشأ له وان لم يكن التالف أجنبيا عن الواقف والموقوف عليهم كما إذا كانت الضيعة موقوفة على خادم المسجد ولم يكن بينهم اختلاف، ولكن الاختلاف بين الطباخين الذى ينجر إلى تلف المال والنفس فلازم أخذ قوله (ع) فانه ربما جاء الخ علة للحكم تعديته إلى كل ما يترتب على الاختلاف الناشئ من هذا الوقف من تلف النفس والمال وهذا أيضا لم يلتزم به أحد فيما نعلم فلا يمكن الالتزام بالرواية وان كانت صحيحة. أقول: اما رواية على بن مهزيار فمن حيث السند فلا بأس به لكونها صحيحة السند، وأما من حيث الدلالة فهى خارجة عن الدلالة على بيع الوقف في شئ من الصور الاربعة بل لابد من حملها على صوره عدم تماميه الوقف أي قبل القبض والاقباض كما حملها عليه جملة من الاعلام كالمحدث الفيص وغيره وذلك لجهات عديدة فانها مؤيدة لحملها على صورة قبل

[ 233 ]

القبض. جهة الاولى: ان صدر الرواية لا ينطبق على الوقف التمام فان سؤال السائل في حصة الامام التى هي خمس الوقف وانه كيف يصنع بها وجواب الامام عليه السلام ببيعها أو تقويمها على نفسه وارسال ثمنها إليه عليه السلام لا يتم الا إذا لم يتم الوقف وكان المال تحت يد الواقف بحيث له ان يفعل به بما يشاء وذلك لانه لا يجوز لاحد أن يبيع الوقف حتى مع اذن الموقوف عليه ومن الواضح أن جواب الامام بالبيع وارسال ثمنه إليه ليس من جهة ولايته المطلقة حتى يرتفع الاستبعاد، بل بما أنه محل المصرف. الجهة الثانية: أن جواب الامام عليه السلام عن سؤال عن وقوع الخلاف بين أرباب الوقف ببيعه ايضا لا ينطبق على القواعد إذ المتصدي بالبيع على تقدير جوازه انما هو من كان امر الوقف بيده وتوليته عليه، وأما الواقف فكسائر الاشخاص أجنبي عن التصرف في الوقف، واحتمال انه كان مشترط كون أمر الوقف بيده خلاف الظاهر من الرواية فلا يجوز المصير إليه بدون القرينة الصارفة. الجهة الثالثة: أنه بعد ما بيع الوقف فلماذا يقسم بين الموقوف عليهم مع انك عرفت فيما تقدم أن بدل وقف فلا يصح ذلك الا بحملها على صوره قبل القبض لابعده خصوصا يساعد على ذلك قوله ان بيع الواقف امثل حيث ان الواقف يريد الثواب فإذا فعل هكذا فانه لا يقع بين الموقوف عليهم اختلاف فيكون أصوب وامثل. الجهة الرابعة: وهى العمدة ان قوله عليه السلام ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الواقف امثل ومع قول السائل في سؤاله وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فان من الواضح أنه أي خصوصيه

[ 234 ]

في علم الواقف بالاختلاف وكذا عدم أمنه عدم التفاقم والشده، بل لابد وأن يكون المناط علم المتصدي بالوقف فليس ذلك الا إذا كان أمر الوقف بيده وهذا لا يتم الا مع عدم تمامية الوقف وكون ذلك قبل القبض لعدم انطباقها بشئ من الفتاوى المذكورة في المقام وعلى هذا فلا يجوز الاستدلال بها على بيع الوقف بترك الاستفصال كما في كلام المصنف (ره) ومع ذلك كله فلا يجوز الاستدلال بها على المقصود أيضا مع ذلك التعليل الموجود فيه و ان كانت صريحة في جواز البيع، بل لابد من رد علمها إلى اهلها وذلك فانه لا يخلو اما أن يراد من التعليل الحكمة أو العلية فلا واسطة بينهما فان أريد منه الحكمة فلازمه القول بجواز بيع الوقف بمجرد الاختلاف وان لم يؤدى إلى تلف الاموال والنفوس فان ذلك كاختلاف المياه في باب العده فالتعميم ليس بلازم. وأن أريد منه التعليل والعلية فلازم ذلك التعدي بكل اختلاف يوجب تلف الاموال والانفس مع بقاء الوقف وان لم يكن بين أربابه اختلاف بل بين الجوار والطباخين والعمالين والمتولين ونحوهم بحيث يكون المنشأ لذلك هو الوقف وكلاهما لا يمكن الالتزام به. وربما يقال بجواز بيع الوقف في تلك الصور لاجل المزاحمة وان لم يكن في البين نص بدعوى أن الامر دائر بين حفظ الوقف على حاله والالتزام بجواز تلف الاموال والانفس وبين حفظ المال والنفس والالتزام بجواز بيع الوقف وبما أن حفظ النفس عن التلف أهم من حفظ الوقف فيجوز بيعه، بل يجب لحفظ النفس والمال. وفيه أن هذا من العجائب فان التزاحم انما هو في مقام العمل، و يحصل عدم تمكن المكلف على الامتثال لا في مقام الجعل وعليه فارتفاع

[ 235 ]

التكليف عن المكلف بالنسبة إلى المهم واضح، بأن يجوز بيع الوقف إذا دار الامر بين بيعه وبين اداء الاختلاف إلى تلف الاموال والانفس ولكنه لا يوجب ذلك جعل الشارع الحكم الوضعي في مرحلة الجعل بأن يحكم بصحة المعاملة فان التزاحم لا يوجب رفع الحكم ووضعه في مرحلة الجعل. وبعبارة أخرى أن التزاحم يستلزم رفع الحكم التكليفى في مقام الامتثال عن المهم ويوجب اتيان الاهم وهذا غير مربوط بالحكم الوضعي وحكم الشارع به في مقام الجعل ليكون صحيحا في مقام الامتثال، بل يكون البيع مع التزاحم المذكور جائزا تكليفا وفاسدا وضعا فمزاحمة الاهم مع المهم في مرحلة الامتثال لا يوجب الا جواز الاقدام على المهم تكليفا ويستلزم جوازه وضعا إذ عدم القدرة على الامتثال من المكلف انما هي بالنسبة إلى الحكم التكليفى لا بالنسبة إلى الحكم الوضعي كما لا يخفى. فتحصل أنه لا يجوز بيع الوقف في جميع تلك الصور الا إذا خرب الوقف أو كان مشرفا على الخراب بحيث ليس بين الخراب والزمان الذى معمورة الازمان قليل وكذلك في صورة اشتراط الواقف بيعه عند الاحتياج كما صنعه على عليه السلام. الكلام في الوقف المنقطع قوله: وأما الوقف المنقطع. أقول: بناء على صحة الوقف المنقطع وهو مااذا وقف على من ينقرض فأما ان يقال ببقائه على ملك الواقف واما ان يقال بانتقاله إلى الموقوف عليهم و على الثاني فأما أن يملكوه ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم إلى ورثتهم عند

[ 236 ]

انقراضهم واما ان يقال بعوده إلى ملك الواقف، واما أن يقال بصيرورته في سبيل الله، وعلى الاول وهو بقائه في ملك الواقف فلا يجوز لغيره من الموقوف عليهم وغيرهم بيعه لعدم الملك، وأما الواقف فيجوز له بيعه لوجود المقتضى وهو كونه ملكا له وتكون العمومات شاملة له وعدم المانع إذا الوقفية مع كونها منقطعة لا تكون مانعة عن البيع فيصبر المشترى إلى أن ينقضى السكنى ان كان عالما بذلك، أو يفسخ ان كان جاهلا، أو جعل لنفسه الخيار وأما قوله (عليه السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فانها ناظرة إلى عدم جواز التصرف في الوقف على النحو الذى ينافى الوقفية وكذلك لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك فان البيع والشراء لا ينافي الوقفية إذ الوقف انما جعل السكنى والمنفعة للموقوف عليهم دون الرقبة فانها باقية في ملك الواقف فهو انما يبيع ذلك الوقف مسلوبة المنفعة إلى انقراض الوقف نظير بيع موجر العين المستأجرة فانها يكون ملكا للمشترى إلى انقضاء مدة الاجارة وعلى هذا كيف ينافى البيع الوقف وكيف يكون الوقف على حسب ما يوقفها أهلها. على أنه يمكن دعوى أن مفهوم الوقف منصرف عن الوقف المنقطع فيكون خارجا عن تحت الادلة المانعة عن البيع موضوعا. نعم يكون البيع باطلا من جهة الجهالة فيكون غرريا فهو منهى عنه لان مدة انتفاع الموقوف عليهم وانقراضهم مجهولة ومن هنا منع الاصحاب كما حكى عن الايضاح بيع مسكن المطلقة المتعدة بالاقراء لجهالة مدة العدة. وبالجملة أن بيع الواقف الوقف المنقطع وان لم يكن فيه مانع من الخبار مع وجود المقتضى له ولكن جهالة مدة مانعة عنه من حيث لزوم الغرر بجهالة وقت استحقاق التسليم التام على وجه ينتفع به كما لا يخفى. نعم، ورد النص على جوازه وهو ما رواه المشائح الثلاثة في الصحيح أو

[ 237 ]

الحسن عن الحسين بن نعيم قال سألت أبا الحسن (ع) عن رجل جعل داره سكنى لرجل زمان حياته ولعقبه من بعده، قال هي له ولعقبه من بعده كما شرط قلت فان احتاج إلى بيعها، قال: نعم قلت فينقض البيع السكنى قال لا ينقض البيع السكنى كك، سمعت أبى يقول: قال أبو جعفر (ع) لا ينقض البيع الاجارة ولا السكن ولكن يبيعه على أن الذى يشتريه لا يملك ما اشتراه حتى ينقض السكنى على ما شرط الخبر، فهو كما ترى صريح في الجواز و العجب أنه مع ذلك توقف العلامة وولده والمحقق الثاني في المسألة. وأما لو قلنا بعدم بقاء الوقف المنقطع في ملك الواقف، بل انتقل إلى ملك الموقوف عليهم وقلنا بكونهم مالكين للوقف ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم إلى ورثتهم عند انقراضهم فلا يجوز البيع حينئذ للواقف لعدم الملك ولا للموقوف عليه فأن الواقف قد اعتبر بقائه إلى انقراضهم فيشمله قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ولايجوز شراء الوقف ولا يقاس ذلك بالصورة الاولى فان فيها أن الواقف مالك للوقف وفى هذه الصورة وان كان الموقوف عليه مالكا الا أن الواقف قد وقفه وحبسه بحيث لا يباع ويكون باقيا إلى انقراضهم فالبيع نقض للغرض. وأما لو قلنا بعوده إلى ملك الواقف بعد انقراض الموقوف عليهم فلا يجوز بيعه للموقوف عليهم لمنافاته لان الواقف اعتبر بقائه إلى انقراض الموقوف عليهم واما الواقف المالك فيجوز له البيع بناء على جواز بيع مالا يملك ثم ملك، فان الواقف وان لم يكنى مالكا بالفعل ولكنه يكون مالكا بعد انقراض الموقوف عليهم. وأما لو قلنا بصيرورته في سبيل الله بعد انقراض الموقوف عليهم فلا يجوز بيعه مطلقا فانه عبارة أخرى عن الوقف المؤبد وقد عرفت عدم جواز بيعه

[ 238 ]

غاية الامر أنه وقف على عدة خاصة في مدة ثم على سبيل الله كما لا يخفى. الكلام في بيع الرهن قوله: مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا فان الظاهر، بل المقطوع به الاتفاق على عدم استقلال المالك في بيع ملكه المرهون. أقول: المشهور، بل المجمع عليه على عدم استقلال المالك في بيع العين المرهونة، ولكن الظاهر جوازه هذا من الموارد الذى خالفنا المشهور في عدم انجبار الرواية الضعيفة بالشهرة فانهم استندوا في ذلك إلى النبوى الضعيف الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف وبنوا على انجبار ضعفه بالشهرة ونحن لا نعتمده وكيف كان ان التصرفات المتعلقة على العين المرهونة على ثلاثة أقسام، فان قسم منها ينافى حقيقة الرهن و كونه وثيقة لكونه موجبا لزوال العين وخروجها عن كونها وثيقة أو نقصان قيمتها كما إذا ذبح الغنم المرهونة أو آجر السيارة الجديدة المرهونة أو اخرب الدار ونحوها من التصرفات المنافية لمفهوم الرهن. وقسم منها لا ينافي مفهوم الرهن، بل ربما يتوقف عليه حفظه وبقائه كالسكنى في الدار واصلاح العين بالمقدار الذى ينعدم بدونه، فان مثل ذلك معد لبقاء العين. وقسم متوسط بين القسمين كالبيع ونحوه لعدم منافات البيع لحقيقة الرهن ولذا جاز رهن العارية. أما القسم الاول: فلا يجوز بلاشبهة، ولم يستشكل فيه أحد فيما نعلم وأما الثاني: فلا شبهة في جوازه، بل ربما يجب لبقاء العين المرهونة عليه. وأما التصرفات المتوسطة الغير الموجبة لنقص القيمة كالبيع ونحوه،

[ 239 ]

فالظاهر جوازه وتوضيح ذلك أن المانع عنه انما هو أمور: الاول: الاجماع التعبدى على عدم جواز، وفيه انه على تقدير حجية الاجماع المنقول فليس هنا اجماع تعبدي إذ من المحتمل أنه مستند إلى الوجوه المذكورة في المسألة والا فالتعبد بعدم جواز بيع الرهن بعيد جدا. الثاني: النبوى المعروف الراهن والمرتهن ممنوعات من التصرفات وفيه أنه ليس لنا وثوق، بل ظن بصدوره من المعصوم (ع) فلا يكون حجة وتوهم انجبار ضعفه بالشهرة في غاية الضعف لما حققناه في محله أشرنا إليه في كثير من المسائل المتقدمة من أن الشهرة لا توجب انجبار ضعفه الرواية. ولو سلمنا صحة سند فلا دلالة لها على بطلان بيع الرهن، بل هي ناظرة بمناسبة الحكم والموضوع إلى التصرفات المنافية للرهن كالقسم الاول من التصرفات، وبعبارة أخرى أن مناسبة الحكم والموضوع في قوله الراهن و المرتهن ممنوعات من التصرف تقتضي عدم نفوذ التصرف من كل منهما على استقلاله لامع الاتفاق والاجتماع كما هو واضح. وأما مفهوم الرهن فهو عبارة أخرى عن كون العين وثيقة ومن الواضح أن البيع لايمنع عن ذلك، ولذا جاز رهن العارية غاية الامر يشترط في العقد عدم كون المبيع طلقا، بل كونه متعلقا لحق الغير ومع عدم فكه يكون للمشترى خيار تخلف الشرط، بل يصح مع عدم الاشتراط أيضا غاية الامر يكون المبيع معيبا فيثبت للمشترى خيار العيب. نعم، لو قلنا بكون الرهن كالوقف ولم يكن للمالك علاقة الملكية كمالا يبقى له العلقة في الوقف ايضا فلعدم جواز البيع وجه ولكن أنى لهم اثبات ذلك. وبالجملة لادليل على بطلان بيع الرهن لعدم وجود الاجماع التعبدى

[ 240 ]

عليه ولا وجود الرواية وعدم صحة النبوى سندا ودلالة وعدم اقتضاء مفهوم الرهن ذلك. ثم على القول بعدم جواز بيع الرهن هل هو باطل من أصله كما اختاره جمع أو يتوقف على اجازة المرتهن كما اختاره جمع آخر واختاره المصنف، الظاهر هو الثاني للعمومات الدالة على صحة المعاملة وضعا و تكليفا وعدم وجود المعارض لها. وأما توهم الاجماع على البطلان، ففيه أنه على تقدير حجيته فالمقدار المتيقن منه هو البطلان مع استقلال الراهن في التصرف أو المرتهن لا مطلقا وأما النبوى فمضافا إلى ضعف السند فيه كسائر النبويات فلا دلالة فيه على بطلان البيع من أصله، بل انما يدل على عدم نفوذ التصرف بدون اذن المرتهن والذى يدلنا على هذا تسالم الفقهاء على صحة بيع المرتهن مع اذن الراهن أي الاجازة اللاحقة. هذا كله مضافا إلى ما يستفاد من صحة نكاح العبد بالاجازة معللا بأنه لم يعص الله وانما عصى سيده إذ المستفاد منه أن كل عقد كان النهى عنه لحق الادمى يرتفع المنع ويحصل التأثير بارتفاع المنع وحصول الرضا و ليس ذلك معصية الله أصالة في ابقاء العقد التى لا يمكن أن يلحقها رضا الله تعالى. ثم ان المصنف استدل على صحة بيع الرهن بفحوى أدلة صحة بيع الفضولي، وعن التذكرة أن كل من أبطل عقد الفضولي أبطل العقد هنا، ولكن الظاهر أن الاولوية ممنوعة من الطرفين، أما الثاني فلما افاده المصنف من أن من استند في البطلان في الفضولي إلى مثل قوله (ع): لابيع الا في ملك لا يلزمه البطلان هنا.

[ 241 ]

وأما الاول: فلا مكان الالتزام بصحة الفضولي وبطلانه هنا كما ذهب إليه الشيخ اسد الله التسترى وذلك من جهة أن العمومات تشمل للعقد الفضولي بعد الاجازة وانتسابه إلى المالك لكون العقد عقده فيكون صحيحا بخلاف المقام، فانه كالعقد على بنت الاخ والاخت صادر من المالك ابتداء من غير شمول العمومات لها فحيث أنه عقد واحد وليس له أفراد عديدة فلا تشمله العمومات بعد الاجازة ايضا، ولكن اجبنا عنه فيما سبق من العقد الفضولي أن العمومات شاملة لها بعد الاجازة للعمومات الزمانى، فانه ليس منحصرا بصورة تعدد الافراد الطولية، بل يجرى في الفرد المستمر فإذا لم تشمل العمومات لعقد مدة من الزمان لمانع فتشمله بعد ارتفاع المانع. وحاصل الكلام من الاول أنه لااشكال في بيع الرهن بان يبيعه الراهن من غير استيذان من المرتهن، بل باستقلاله غاية الامر شرط على المشترى كون المبيع ملكا غير طلق، بل بدون الاشتراط فيكون له خيار العيب. ودعوى الاجماع التعبدى على البطلان دعوى جزافية لاحتمال كونه مستندا إلى الوجوه المذكورة في المسألة والتمسك في المنع إلى النبوى الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف بلا وجه لضعف سنده أولا، وعدم انجباره بالشهرة، ولذا خالفنا المشهور في هذه المسألة، وعدم دلالته على المقصود ثانيا، فان مناسبة الحكم والموضوع يقتضى أن المراد من كونهما ممنوعان من التصرفات المنافية للرهن لا مطلق التصرف ومن الواضح أن البيع لا ينافي الرهن، ولذا يجوز رهن العارية واذن فلا مانع من البيع مع وجود المقتضى له وكونه ملكا للبايع فيجوز التمسك بالعمومات الدالة على

[ 242 ]

صحة البيع. ودعوى عدم جواز التمسك بها من جهة أن البيع من الاول بيع ما لا يملك ولم تشمله العمومات وبعد الاجازة ليس هنا عقد آخر ليكون مشمولا لها، لكونه فردا واحدا لاافرادا عديدة لتكون مشمولة لها بحسب العموم الزمانى فلا يقاس ذلك بالبيع الفضولي لكونه حين استناده إلى المالك مشمولا للعمومات وكون العقد عقده وان لم تشمله من الاول من جهة صدوره من الأجنبي وأما هنا فقد عرفت أن العقد حين صدوره من المالك لم تشمله العمومات لعدم رضاية المرتهن وبعد الاجازة ليس هنا عقد آخر، فيكون باطلا دعوى جزافية. يبان ذلك أن العمومات من أوفوا بالعقود وأحل الله البيع وغيرهما كما تدل على صحة العقود بحسب الافراد الطولية المسماه بالعموم الزمانى فكك تدل على صحة العقد الواحد في طول الزمان وفى كل آن، وهذا أيضا عموم زماني فهذا العقد الواحد المستمر يجب الوفاء بها في طول الزمان وعلى هذا فلو خرج في زمان عن تحت العموم فلا يوجب ذلك خروجه عنه في جميع الآنات بل تشمله العمومات مع وجدانه الشرائط فبيع الراهن وعقد بنت الاخ وبنت الاخت وان كان قبل اجازة المرتهن والعمة والخالة غير داخلة تحت العمومات ولكنها بعد الاجازة تكون مشمولا للعمومات. لا يقال على هذا فيلزم جواز التمسك بالعمومات في جميع العقود التى كانت واجدة للشرائط بعد ما كانت فاقدة لها كما إذا فقدت شرائط المتعاقدين كعقد الصبى والمجنون ثم بالغ الصبى والمجنون بالغ الصبى وافاق المجنون أو فقدت شرائط العقد كما إذا كانت غرريا ثم ارتفع الغررو هكذا مع أنه لا يمكن

[ 243 ]

الالتزام بذلك. فانه يقال فرق واضح بين ما نحن فيه وبين الامور المذكورة فان الظاهر من الادلة أن شرائط العقد حين تحققه أن لا يكون غرريا وان لا يكون صادرا من المجنون والصبى والا بطل العقد، فإذا كان حين تحققه غرريا أو صادرا من الصبى والمجنون ثم انتفى الغرر أو بلغ الصبى أو برح المجنون فلا يمكن الحكم بصحة هذا العقد، فان ما تحقق غرريا أو صدر من الصبى و المجنون لم يكن صحيحا عند التحقق وما يكون فعلا واجدا للشرائط ليس عقدا آخر غير ما تحقق أولا الذى كان مشروطا من الاول بهذه الشروط، فيكون باطلا. وهذا بخلاف العقد الفضولي وبيع الراهن فان صحة العقد فيهما مشروط برضى المالك والمرتهن ولكن لادليل على كونه كك من حين الحدوث فإذا رضيا به فيكون العقد عقدا برضا صاحبه من المالك والمرتهن فتشمله العمومات فيحكم بالصحة كعقد المكره بعد الرضاء. وبالجملة إذا كانت الشرائط من الامور التعليقية الخارجة عن كونها شرطا لنفس العقد أو للعاقد فلا وجه لكونه صحيحا في زمان وباطلا في زمان آخر كبيع الغررى ونحوه واما إذا كان من الامور التعليقية كالرضا فلا وجه لفساد العقد بدونه إذا كان واجدا لذلك بعد مدة لعدم القصور من شمول العمومات عليه كما لا يخفى. وما عن صاحب المقابس من أن عقد الراهن كعقد النكاح على بنت الاخ والاخت بدون رضا المرتهن والعمة والخالة صادر من المالك غير مشمول للعمومات فبعد الاجازة ليس هنا عقد آخر ليكون مشمولا لها قد ظهر فساده مما ذكرناه.

[ 244 ]

الوجه الثاني: مما يدل على صحة بيع الرهن مع الاجازة مع التنزل عن جواز بيعه استقلالا لروايات الدالة على صحة بيع العبد معللا بانه لم يعص الله وانما عصى سيده حيث أن المستفاد منها أن عصيان المخلوق في حقهم لا يوجب بطلان المعاملة واما الموجب للبطلان انما هو عصيانه تعالى. ثم نقل المصنف (ره) عن بعض معاصريه القول ببطلان عقل الراهن بدون اذن المرتهن سابقا متمسكا بالاجماعات والاخبار المحكية على المنع والنهى، قال وهو موجب للبطلان وان كان لحق الغير إذ العبرة بتعلق النهى بالعقد لا الامر خارج منه وهو كاف في اقتضاء الفساد كما اقتضاه في بيع الوقف وأم الولد وغيرهما مع التواتهما في كون سبب النهى حق الغير ثم أورد على نفسه بما حاصلة أنه على هذا يلزم بطلان العقد الفضولي وعقد المرتهن مع أن كثيرا من الاصحاب ساوا بين الراهن والمرتهن في المنع كما دلت عليه الرواية فيلزم بطلان عقد الجميع أو الصحته فالفرق تحكم. ثم أجاب بأن التصرف المنهى عنه ان كان انتفاعا بمال الغير فهو محرم ولا يحل له الاجازة المتعقبة وان كان عقدا أو ايقاعا فان وقع بطريق الاستقلال لاعلى وجه النيابة عن المالك فالظاهر أنه كك كما سبق في الفضولي والا فلا يعد تصرفا يتعلق به النهى فالعقد الصادر عن الفضولي والمرتهن إذا كان على نحو الظلم والغصب فيكون منهيا عنه وباطلا. وأما إذا كان بقصد النيابة عن المالك فلا وجه للبطلان وأما الراهن المالك فحيث أنه حجر عن ماله برهنه فيكون عقده مستندا إلى ملكه لعدم المعنى لقصد النيابة فيكون منهيا عنه وباطلا فيكون مادل على النهى عن تصرفه الكذائي مخصصا للعمومات.

[ 245 ]

ثم قال وأما التعليل المستفاد من الرواية (1) المروية في النكاح من قوله لم يعص الله وانما عصى سيده فهو جار فيمن لم يكن مالكا كما أن العبد لا يملك أمر نفسه، وأما المالك المحجور عليه فهو عاص لله تعالى بتصرفه و لا يقال انه عصى المرتهن لعدم كونه مالكا انما منع الله من تفويت حقه بالتصرف وما ذكرناه جارفى كل مالك متمول لامر نفسه إذا حجر على ماله لعارض كالفلس وغيره فيحكم بفساد الجميع. وقد أورد عليه المصنف بوجوه كلها صحيحة. منها: أنه لافرق في الحكم بين بيع ملك الغير على وجه الاستقلال و بيعه على وجه النيابة فان البيع ان كان تصرفا في مال الغير وكون نفس الانشاء مصداقا للتصرف المحرم فهو حرام مطلقا مع قصد النيابة وعدمه و الا فلا وجه للبطلان. ومنها أن مطلق النهى المتعلق بالمعاملة لا يقتضى الفساد بل انما يقتضى الفساد إذا كان نهيا ارشاد يا لا نهيا تكليفيا فان النهى التكليفى لا يستفاد منه الفساد إذ لا ملازمة بين الحرمة والفساد، نعم لو كان للارشاد دل على الفساد فدلالة النهى على حرمة بيع الرهن لا يدل على الفساد لعدم الملازمة بينهما. ومنها: أن قصد النيابة لو كان مصححا للعقد فيتصور مثل ذلك في بيع الراهن أيضا فانه قد يبيع رجاء لاجازة المرتهن ولا ينوى الاستقلال و قد يبيع جاهلا بالرهن أو بحكمه أو ناسيا ولا حرمة في شئ من ذلك. ومنها: أن المتيقن من مورد الاجماع والاخبار أعنى الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف هو استقلال كل منهما في التصرف في العين المرهونة وأما أزيد من ذلك فلا دليل عليه.


(1) وسائل: ج 14 ص 532

[ 246 ]

ومنها: أن ما ذكره من منع جريان التعليل في روايات العبد فيما نحن فيه لوجود الفرق بينهما فاسد، بل الظاهر كون النهى في كل منهما لحق الغير فان منع الله جل ذكره من تفويت حق الغير ثابت في كل ما كان النهى عنه لحق الغير من غير فرق بين بيع الفضولي ونكاح العبد وبيع الراهن. ومنها: أن ما ذكره من المساواة بين بيع الراهن وبيع الوقف وأم الولد ففيه أن الحكم فيهما تعبد محض ولذا لا يؤثر الاذن السابق من الواقف و المولى في صحة البيع، بل لو اجتمعوا أي الواقف والموقوف عليه أو المولى والولد وأم الولد ورضوا على البيع فأيضا لا يجوز كما لا يخفى وعلى هذا فقياس الرهن عليه في غير محله. وبالجملة أن المستفاد من طريقة الاصحاب، بل الاخبار أن المنع من المعاملة إذا كان لحق الغير الذى يكفى اذنه السابق لا يقتضى الابطال رأسا بل انما يقتضى الفساد بمعنى عدم تربت الاثر عليه مستقلا من دون مراجعة ذى الحق ويندرج في ذلك الفضولي وعقد الراهن والمفلس و المريض وعقد الزوج لبنت اخت زوجته أو أخيها وللامة على الحرة وغير ذلك فان النهى في جميع ذلك انما يقتضى الفساد بمعنى عدم ترتب الاثر المقصود من العقد عرفا. قوله: وقد يتخيل وجه آخر لبطلان البيع هنا. أقول: بناء على كون الاجازة هنا كاشفة كما هو الظاهر، فيلزم أن يكون الرهن ملكا للبايع أعنى الراهن والمشترى فيكون البيع والرهن متنافيين ولا يعقل تحققهما في زمان واحد فيكون نظير ما تقدم في مسألة من باع شيئا ثم ملكه من أنه على تقدير صحة البيع يلزم كون الملك لشخصين

[ 247 ]

في الواقع. وأجاب عنه المصنف بأن القائل بجواز بيع الرهن انما يلتزم بكشف الاجازة عن عدم الرهن من الاول بناء على الكشف والا لجرى ذلك في العقد الفضولي ايضا لان فرض كون المجيز مالكا للمبيع نافذ الاجازة يوجب تملك مالكين لملك واحد قبل الاجازة واما ما يلزم في مسألة من باع شيئا ثم ملكه فلا يلزم في مسألة اجازة المرتهن، نعم يلزم في مسألة انفكاك الرهن، فانه حينئذ يكون ملكا للبايع والمشترى معا وسيجئ التنبيه على ذلك انشاء الله تعالى ثم ان هذا الاشكال انما في صورة عدم اجتماع الرهن مع البيع واما بناء على مسلكنا فلا موضوع له أصلا، لجواز اجتماعهما على ما عرفت فتحصل أنه لا محظور في بيع الرهن بوجه. قولة: ثم ان الكلام في كون الاجازة من المرتهن كاشفة وناقله هو الكلام في مسألة الفضولي. اقول: قد عرفت في بيع الفضولي أن مقتضى القاعدة هو النقل وحصول الملكية للمشترى من حين الاجازة وانما يصار إلى الكشف لدليل اقتضى ذلك فان كون الاجازة شرطا في صحة البيع بعنوان التعقب مؤونة زائدة يحتاج إلى الدليل وعلى هذا فالدليل الدال على الكشف في باب الفضولي انما هو الخبر الوارد في النكاح كما تقدم وانما تعدينا إلى سائر العقود من جهة القطع بعدم الفرق بين أفراد العقود وأما في المقام فحيث أن المباشر للعقد انما هو من له العقد دون الأجنبي كما في الفضولي وما بيده الاجازة انما هو غير المالك اعني المرتهن الذى ليس العقد له فاسراء الدليل الوارد في النكاح إلى هنا يحتاج إلى علم الغيب وعليه فمقتضى القاعدة هنا هو النقل.

[ 248 ]

ولكن تقدم في الفضولي أن مقتضى القاعدة هو الكشف الحقيقي، لا بالمعنى الذى سلكه القوم، بل بمعنى آخر وهو أن يكون المبيع ملكا للمشترى من الاول ولكن حين الاجازة لامن زمان العقد كما عرفت بما لا مزيد عليه وعليه فنقول بالكشف هنا ايضا على طبق القاعدة. وأما ما أفاده المصنف (ره) هنامن أن القول بالكشف هناك يستلزمه هنا بالفحوى لان اجازة المالك أشبه بجزء المقتضى وهى هنا من قبيل رفع المانع ومن اجل ذلك جوز واعتق الراهن هنا مع تعقب اجازة المرتهن مع أن الايقاعات عند هم لا تقع مراعاة والاعتذار عن ذلك ببناء العتق على التغليب كما فعله المحقق الثاني في كتاب الرهن في مسألة عفو الراهن عن جناية الجاني على العبد المرهون مناف لتمسكهم في العتق بعمومات العتق. وفيه انه لاوجه للاولوية فان عدم جريان الفضولي في الايقاعات من جهة الاجماع والمتقين منه ماكان الايقاع من الأجنبي فلا يعم بما إذا كان من المالك مع توقفه على رضاية الغير الذى ليس بمالك كما في عتق الراهن لكونه مشمولا للعمومات، بل هو غير مربوط بباب الفضولي اصلا فضلا عن اقتضاء الاولوية الكشف. قوله: ثم انه لااشكال في أنه لا ينفع الرد بعد الاجازة وهو واضح. أقول: أما الاجازة بعد الرد فذكر المصنف فيه وجهان: الاول أن الرد في معنى عدم رفع اليد عن حقه فله اسقاطه بعد ذلك وليس ذلك كرد بيع الفضولي لان المجيز هناك في معنى أحد المتعاقدين وقد تقرر أن رد أحد العاقدين مبطل لانشاء العاقد الآخر بخلافه هنا فان المرتهن أجنبي له حق في العين. الثاني: أن الايجاب المؤثر انما يتحقق برضا المالك والمرتهن فرضاء

[ 249 ]

كل منهما جزء مقوم للايجاب المؤثر فكما أن رد المالك في الفضولي مبطل للعقد بالتقريب المتقد كك رد المرتهن وهذا هو الاظهر من قواعد هم. والظاهر أن الاجازة بعد الرد مؤثرة في صحة العقد ولايتنى، لما ذكره المصنف وذلك من جهة أنه قد تقدم أن الدليل على عدم تأثير الاجازة بعد الرد هو الاجماع، ومن الواضح أنه دليل لبى يقتصر منه على المورد المتيقن وهو صورة كون العقد من طرف المرتهن ومن لرضايته دخالة في صحة العقد هو المالك لا الاجنبي كما في المقام فان المرتهن اجنبي عمن لهما العقد فرضايته دخيل ولكن رده لا يفيد فيكون مشمولا للعمومات بل قد ذكرنا في بيع الفضولي دلالة صحيحة محمد بن قيس على تأثير الاجازة بعد الرد مطلقا حيث يفهم من رد الوليدة آثار الرد مع ذلك يحكم فيها بصحة البيع كما تقدم وان استشكلنا فيها أيضا فراجع. قوله: ثم أن الظاهر أن فك الرهن بعد البيع منزلة الاجازة لسقوط حق المرتهن بذلك. أقول: وقع الخلاف في أن فك الراهن هل يكون مثل الاجازة وكذا سقوط الرهن بأى نحو كان من اسقاط الدين أو ادائه أولا، بل لا يلزم العقد به بوجه وأنه ليس كالا جازة وقد صرح بالاول في التذكرة وكذا عن فخر الاسلام والشهيد في الحواشى، والظاهر من المحقق والشهيد الثانيين ويحمل عدم لزوم العقد بالفك كما احتمله في القواعد، بل مطلق السقوط الحاصل بالا سقاط أو الابراء أو بغير هما نظرالى أن الراهن تصرف فيما فيه حق المرتهن وسقوطه بعد ذلك لا يؤثر في تصحيحه. والفرق بين الجازة والفك أن مقتضى ثبوت الحق له هو صحة امضائه للبيع الواقع في زمان حقه وان لزم من الاجازة سقوط حقة فيسقط حقه بلزوم

[ 250 ]

البيع. وبالجملة فالاجازة تصرف من المرتهن في الرهن حال وجود حقه أعنى حال العقد بما يوجب سقوط حقه نظير اجازة المالك بخلاف الاسقاط أو السقوط بالابراء أو الاداء فانه ليس فيه دلالة على مضى العقد حال وقوعه فهو اشبه شئ ببيع الفضولي أو الغاصب لنفسها ثم تملكها وقد تقدم الاشكال فيه عن جماعة. ثم ايد ذلك، بقوله ويؤيد ما ذكرناه، بل يدل عليه ما يظهر من بعض الروايات من عدم صحة نكاح العبد بدون اذن سيده بمجرد عتقه ما لم يتحقق الاجازة ولو بالرضا المشتكشف من سكوت السيد مع علمه بالنكاح. وأورد عليه ا لمصنف وتبعه شيخنا الاستاذ هذا ولكن الانصاف ضعف الاحتمال المذكور من جهة أن عدم تأثير بيع المالك في زمان الرهن ليس الا لمزاحمة حق المرتهن المتقدم على حق المالك بتسليط المالك فعدم الاثر ليس لقصور في المقتضى، وانما هو من جهة المانع فإذا زال المانع أثر المقتضى. ثم قال وأما قياس ما نحن فيه على نكاح العبد بدون اذن سيده فهو قياس مع الفارق لان المانع عن سببية نكاح العبد بدون اذن سيده قصور تصرفاته عن الاستقلال في التأثير لا مزاحمة حق السيد لمقتضى النكاح إذ لامنافات بين كونه عبدا وكونه زوجا ولاجل ما ذكرنا لو تصرف العبد لغير السيد ببيع أو غيره ثم انعتق العبد لم ينفع في تصحيح ذلك التصرف. أقول: قد تقرر في الاصول أن جميع الاعتبارات والقيودات راجعة إلى موضاعات الاحكام لا إلى نفسها فموضوع صحة بيع الراهن انما هو بيع

[ 251 ]

الراهن مع اجازة المرتهن فإذا ارتفع موضوع اجازة المرتهن لا يبقى موضوع لصحة العقد الذى كان مقيدا باجازة المرتهن وأما مجرد وجود المقتضى وعدم المانع فلا يفيد في ثبوت الحكم لعدم ترتب الاثر عليه ما لم يتحقق موضوع الحكم حقيقة والا لجرى الكلام في بيع الغرر ونحوه ويقال أن مقتضى الصحة موجود والمانع أي الغرر مثلا مرتفع فيؤثر المقتضى أثره. وبالجملة أن باب المقتضى والمانع مما لا يترتب عليه شئ بوجه ما لم يتحقق الموضوع بجميع قيوداته في الخارج فإذا تحقق فترتب عليه الاثر. ثم انك عرفت أن وجه جواز بيع الراهن مع الغض عن جوازه استقلالا في نفسه انما هو وجهان: االوجه الاول: أن الظاهر من الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف هو التصرف الاستقلالي وكون كل منهما مستقلا في التصرف من غير أن يكون لنظر الاخر دخالة فيه، وأما التصرفات الغير الاستقلالية فلا محظور فيها لكونها خارجة عن اطلاق الحديث فيكون مشمولا للعمومات وأما إذا باع الراهن الوثيقة ففك الرهن قبل الاجازة أو سقط الدين بابراء ونحوه فلا وجه لخروج ذلك عن اطلاق الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف، بل هو شامل لما بعد الفك وما قبله لان في زمان العقد لم تكن اجازة المرتهن ولا أن الراهن كان تصرفه نافذا على الاستقلال وفى زمان كان الراهن نافذ التصرف لم يكن هنا بيع فلا وجه للتصحيح. ومن هنا ظهر أنه لا موضوع لاستصحاب عدم اللزوم الحاكم على العموم كما في كلام المستدل على الفرق بين الفك والاجازة وللجواب عنه بأن المورد من موارد التمسك بالعام لعموم أوفوا على جميع الانات سوى زمان الرهن فان البيع فيه غير لازم وأما في غيره فالعمومات محكمة، ووجه عدم الاحتياج، أنه بعد وجود الرواية لاشرح للاصل وأنه مخصص للعمومات فلا محال

[ 252 ]

للتمسك بها كما عرفت. الثاني: أنه مع الغض عن الوجه الاول أن مادل على جواز نكاح العبد وصحته معللا بأنه لم يعص الله وانما عصى سيده دل على جواز بيع مالرهن مع رضا المرتهن بدعوى ان المستفاد منه أن كل عقد كان النهى عنه لحق الادمى يرتفع المنع ويحصل التأثير بارتفاع المنع وحصول الرضا و ليس ذلك كمعصية الله اصالة في ايقاع العقد التى لا يمكن أن يلحقها الرضا الله وأما في غير ما لا يمكن فيه رضا المرتهن فلا مورد للتمسك بما ورد في نكاح العبد، بل نتمسك باطلاق الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف بناء على صحة التمسك به كما عليه المشهور والغض عما بنينا عليه من جواز بيع الراهن استقلالا كما عرفت، فان ما لا يجوز بيع الرهن انما هو البيع الذى يكون كبيع الغاصب بحيث جعل المبيع كغير الرهن ويعامل معه معاملة الملك الطلق لا البيع الذى لا ينافي في الرهنية بوجه. والحاصل: أنه ربما يفرق بين فك الرهن وبين اجازة المرتهن، و الالتزام بالصحة في الثاني وبالفساد في الاول وقد أجاب عنه المصنف و تبعه الاستاذ بان مقتضى الصحة في بيع الراهن العين المرهونة موجود و المانع عن تأثيره انما هو حق المرتهن فإذا ارتفع بالفك فيؤثر المقتضى اثره وفيه أن الاحكام الشرعية خارجة عن باب المقتضى والمانع بل القيودات والشرائط فيها معتبرة في الموضوع فيدور الحكم مدار وجود الموضوع، و واجديته تمام الشرائط فإذا لم يتم شئ من شرائطه فلا يترتب الحكم عليه فصحه بيع الرهن انما هي مترتبة على اجتماع كل من الراهن والمرتهن على البيع فان اجتمعا في ذلك فيصح وإذا استقل كل منهما في التصرف فيبطل كما هو مقتضى الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف وعلى هذا

[ 253 ]

فلو باع الراهن العين المرهونة وقبل احازة المرتهن فك الرهن باسقاط الدين أو بأدائه فلا يمكن الحكم بصحته لشمول اطلاق الخبر له ما قبل فك وما بعده فيكون باطلا. وبعبارة أخرى صحته كانت متوقفة على اجازة المرتهن فلم تحصل بل ارتفع موضوعها ومن الواضح أن الخارج عن تحت الخبر انما كان صورة اجتماع الراهن والمرتهن على البيع وأما غيرها فكان داخلا تحت الاطلاق فلا يشمله عموم أحل الله البيع وأوفوا بالعقود، وغيرهما من العمومات، فانها وجد قبل الفك لم يكن الشرط فيه موجودا وهو اجازة المرتهن، وأما بعد الفك فلم يوجد البيع ليكون مشمولا لعموم الوفاء بالعقد، فافهم. وأما ما ادعاه المصنف من أنه لا مجال لاستصحاب عدم تأثير البيع للعلم بمناط المستحصب وارتفاعه فالمقام من باب وجوب العمل بالعام من باب استصحاب حكم الخاص كما زعمه المتوهم فانه وان كان متينا بالنسبه إلى عدم جريان الاستصحاب لتبدل الموضوع مضافا إلى عدم جريانه في الحكام الكلية كما حقق في محله ولكن لا يتم من جهة التمسك بالعام أيضا لما عرفت أن اطلاق الراهن والمرتهن شامل للمورد فيكون مخصصا لعموم العام. وتحصل أنه إذا باع الراهن العين المرهونة ثم فك الرهن فيكون البيع فاسدا فلا مجوز للتصحيح. ثم بناء على الصحة فهل مقتضى القاعدة هنا ايضا الكشف كالفضولى أو النقل الظاهر هو النقل لما عرفت أن دليل الكشف هو الخبر الوارد في باب النكاح من أنه تحلف المراءة أنها كانت راضية بالنكاح لو بقى زوجها وتعدينا من ذلك إلى كل عقد من جهة القطع بعدم الفرق بينها، وأما

[ 254 ]

المقام فلا وجه للتعدى إليه حتى لوجوزنا التعدي إلى صورة اجازة المرتهن إذ ليس هنا اجازة حتى تكشف عن حصول الملكية من الاول ونتعد من خبر النكاح إليه، بل ليس هنا الا الفك فلا موجب للكشف في مقام الاثبات وانما مقتضى القا عدة هو النقل. واما بناء على ما ذكرنا من كون الكشف على القاعدة فكك أيضا فأنا قلنا به من جهة تعلق الاجازة على العقد من الاول من حين الاجازة و ليس هنا اجازة لتتعلق بالعقد ويكشف عن الملكية من الاول. ثم لو قلنا بالكشف ايضا فهل يحكم بلزوم العقد من طرف الراهن بحيث ليس له أن يفسخ العقد أم لا، فحيث أن المصنف قد قال في البيع الفضولي أن الامر بالوفاء بالعقد حكم انحلالي بالنسبة إلى كل شخص كما أنه حكم انحلالي بالنسبة إلى كل فلكل من البايع والمشترى أمر بالوفا بالعقد مستقلا وعلى هذا فيجب للراهن الوفاء بالعقد كالمشترى الاصيل فلا يجوز له فسخه ولا ابطاله بالاذن للمرتهن في البيع. وفيه أن معنى الوفاء هو الاتمام والانهاء والوفاء بالعقد هو انهاءه ولا يتم ذلك الا بعد تحقق العقد والالتزام وهو لا يحصل الا من الطرفين فالشارع المقدس انما يحكم باتمام العقد وانهائه إذا كان العقد حادثا وامضائه حدوثا ثم يحكم ببقائه بقاء وليس كك إذ الشارع لم يمضى العقد بعد فكيف يحكم بانهائه فانه لا يتم بالتزام البايع فقط وفى المقام لايتم بالتزام الراهن فقط بدون رضاية المرتهن وهذا نظير بيع الصرف والسلم قبل القبض فهل يتوهم أحد بجواز التمسك بالعمومات قبل القبض وكك مثل الوقف قبل القبض. ثم بناء على اللزوم وعدم جواز فسخه فهل يجب للراهن فك الرهن

[ 255 ]

ليبقى البيع وينهميه إلى الاخر أو لا يجب وقد تردد المصنف في المسألة وقال يمكن أن يقال بوجوب فكه من مال آخر إذ لا يتم الوفاء بالعقد الثاني الا بذلك فمن باب المقدمة يجب الفك ليحصل الوفاء به، فالوفاء بمقتضى الرهن غير مناف للوفاء بالبيع. ويمكن أن يقال انه انما يلزم الوفاء بالبيع بمعنى عدم جواز نقضه وأما دفع حقوق الغير وسلطنته فلا يجب ولذا لا يجب على من باع مال الغير لنفسه أن يشتريه من مالكه ويدفعه إليه بناء على لزوم العقد بذلك. والظاهر هو الثاني فان الامر بالوفاء بالعقد ارشاد إلى أنه لا ينقضى بالفسخ ولو أراد ان يسفخ فلا ينسفخ، وأما أنه من المحرمات بحيث يكون الوجوب تكليفيا فلا إذ لا يمكن أن يكون أمر واحد ارشاديا وتكليفيا معا بحيث يكون أمر واحد متكفلا لجهتين كما هو واضح. لا يخفى وعليه فلا يجب للراهن وان قلنا باللزوم مقدمة الاداء والوفاء. ثم انه لو قلنا بكون الامر بالوفاء تكليفيا ايضا فلو امتنع فهل يباع عليه لحق المرتهن لاقتضاء الرهن ذلك، وان لزم من ذلك ابطال بيع الراهن لتقدم حق المرتهن أو يجبر الحاكم الراهن على فكه من مال آخر جمعا بين حقى المشترى والمرتهن اللازمين على الراهن البايع وجهان، كما في المتن الظاهر هو تقديم حق المرتهن كما هو واضح. وأما مع انحصار المال في المبيع فلا اشكال في تقديم حق المرتهن كما هو واضح. الكلام في بيع الغررى قوله: مسألة الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم، فان

[ 256 ]

الظاهر الاجماع على اشتراطها في الجملة. أقول: ومن جملة شروط العوضين القدرة على التسليم تنقيح مورد البحث هو أن المراد من القدرة على التسليم هو القدرة الفعلية بمعنى التمكن على التسليم عند البيع فلو قدر المشترى على التسلم ولم يقدر البايع على التسليم فيكون البيع صحيحا ولكن كان للمشترى الخيار إذ ليس عليه التسلم، بل يجب للبايع التسليم وكذا يثبت الخيار للمشترى إذا كان البايع قادرا على التسليم حين البيع ثم طرء له العجز، بل يجوز للمشترى طلب الاجرة على الاستفادة فكل ذلك ليس موردا للكلام، وانما مورد البحث ماكان التعذر من المنتقل عنه والمنتقل إليه معا ومثلوا لذلك ببيع المسك في الماء والطير في الهواء ثم لم ينقل الخلاف من العامة والخاصة في اعتبار هذا الشرط الا أن العامة خالفوا في بيع الابق فقالوا بعدم الصحة ولم ينقل الخلاف من الشيعة في اعتبار هذا الشرط، الا من الفاضل القطيفي المعاصر للمحقق الثاني. ثم ان الدليل على اعتبار هذا الشرط وجوه: الاول: قوله (ع) نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر المشهور بين العامة والخاصة فيقع الكلام تارة في سند الحديث وأخرى في دلالته، أما الاول فلا شبهة في ضعفه لكونه نبويا الا انه اشتهر الاستدلال به في المسألة وعليه فان كانت الشهرة مستندة إلى الحديث وقلنا بكونها جابرة لضعف السند فبها والا فلا يمكن الاستدلال به واثبات كل من الصغرى والكبرى مشكل جدا. وأما دلالته على المقصود فغر تارة يوخذ متعديا فيكون بمعنى الخديعة والغفلة يقال غره أي خدعه كما في الصحاح والقاموس وغيرهما ويظهر ذلك من الرواية المروية عن أمير المؤ منين (ع) أنه عمل ما لا يؤمن

[ 257 ]

معه من الضرر كما في لسان العرب، ثم حكى المصنف: عن النهاية بعد تفسير الغرة بالكسر بالغفلة أنه نهى عن بيع الغرر وهو ماكان له ظاهر يغر المشترى وبطن مجهول وبالجملة أن الظاهر من جملة من أهل اللغة ان الغرر بمعنى الخديعة. وتارة أخرى يستعمل لازما فيكون بمعنى الخطر كما في المصباح و الاساس والمغرب والجمل وفى لسان العرب نسبه إلى بعض وان كان بمعنى الخريعة فيكون النهى تكليفيا محضا ونهيا عن خصوص التغرير فلا يكون ناظرا إلى الجهة الوضعي الا أن المشهور استدلوا به على البطلان وان كان بمعنى الخطر فيكون ناظرا إلى الجهة الوضعي فحيث أن تعين أحد المعنيين غير معلوم فلا يمكن الا ستدلال به والعلم الاجمالي بأحد هما لا يفيد لكون كل منهما مشكوكا بالشبهة البدوية وليس بينهما جامع كلى يوجب العلم التنجز. نعم بناء على كون الغرر بمعنى الخطر فيستدل به على البطلان و لا يفرق فيه بين ما كان الجهل متعلقا بحصوله بيد من انتقل إليه أم بصفاته كما أو بصفاته كيفا كما ذكره المصنف، واما إذا تعلق بأصل الوجود فيكون من باب بيع ما لا يملك فيكون خارجا عن المقام وربما يقال ان المنساق من الغرر المنهى عنه الخطر من حيث الجهل بصفات المبيع ومقداره لا مطلق الخطر الشامل لتسليمه وعدمه ضرورة حصوله في بيع الغائب خصوصا إذا كان في بحر ونحوه، بل هو أوضح في بيع الثمار والزرع ونحوهما. وفيه أولا: انه ان كان بيع الغائب مما يوثق بحصول المبيع فليس فيه خطر بوجه فان ذلك من قبيل العلم بالحصول ضرورة قيام الاطمينام مقام العلم وكونه علما، وان لم يوثق بحصوله فيكون عين المتنازع فيه فلا يكون فيه

[ 258 ]

امتياز بوجه. وثانيا: ما ذكره المصنف أن الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشترى اعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله فلا وجه لتقييد كلام أهل اللغة خصوصا بعد تمثيلهم بالمثالين المذكورين واحتمال اردتهم ذكر المثالين لجهالة صفات المبيع لا الجهل بحصوله في يده يدفعه ملاحظة اشتهار التمثيل بها في كلمات الفقهاء للعجز عن التسليم لا للجهالة بالصفات، هذا مضافا إلى استدلال الفريقين من العامة والخاصة بالنبوي المذكور على اعتبار القدرة على التسليم. وبالجملة لاوجه لهذه الدعوى من العرف واللغة والشرع وفى مقابل هذا القول ما عن الشهيد في القواعد حيث قال الغرر ماكان له ظاهر محبوب وباطن مكروه وشرعا هو جهل الحصول ومجهول الصفة فليس غررا وبينهما عموم وخصوص من وجه فانه مضافا إلى اطلاق الرواية أنه ليس للغرر حقيقة شرعية حتى يتعد بهاكما لا يخفى ولكن الذى يسهل الخطب أو كون الرواية ناظرا إلى الحكم الوضعي محل تأمل، بل منع كما عرفت ثم انه هل العلم بوجود الخطر كالجهل بالمبيع أم لا، الظهر هو الاول لامن جهة الفحوى بل من جهة خطرية المعاملة كما لا يخفى. الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الاستاذ من أنه لو لم يمكن التسليم و التسلم فهذا المال لا يعتبره العقلاء مالا ولا يترتبون عليه أثرا ولذا مثل الاساطين لفقد هذا الشرط ببيع السمك في الماء والطير في الهواء مع عدم رجوعهما إلى الحالة التى يمكن اقباضهما وقبضهما. وفيه أنه على فرض اعتبار المالية في صحة البيع فهذا الوجه انما يتم في الجملة أي فيما لا يكون المبيع في نظر العرف مالا كبيع الطير في الهواء

[ 259 ]

والسمكة في الماء فان العرف لا يراهما مالا، بل ربما يعدونهما من التلف العرفي وأما فيما لم يكن المبيع الذى لا يقدر على تسليمه من التالف كما إذا غصب الغاصب المبيع ولم يكن البايع قادرا على الانقاذ فانه لا يعد ذلك في العرف تالفا وغير مال، بل يعد مالا كما لا يخفى على أنه لادليل على اعتبار المالية في المبيع كما تقدم في أول البيع. والكلام في القدرة على التسليم وتحقق المقام أن المراد من القدرة على التسليم هي القدرة الفعلية سواء كان القادر على ذلك هو البايع أو المشترى غاية الامر اذالم يكن القدرة الامن المشترى فيكون له الخيار بل جازت له مطالبة الاجرة ومع عدم القدرة الفعلية كان داخلا في محل البحث انه صحيح أو فاسد، نعم لو كان البايع أو المشترى قادرا على التسليم أو التسلم ثم صار عاجزا فهو خارج عن محل الكلام، بل يثبت للمشترى خيار تعذر تسليم المبيع. ثم انه استدل على البطلان مع العجز عن التسليم بوجوه: الاول: قوله (ع) نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغررى فتارة يراد منه معنى الخديعة فيكون النهى متمحضا للنهى التكليفى فلا يكون موجبا للفساد و قد ذكر ذلك جملة من أهل اللغة. وأخرى يراد من الغرر معنى الخطر فيكون النهى ناظرا إلى الحكم الوضعي، وقد ذكر ذلك ايضا جملة من أهل اللغة فحيث لاقرينة على اراد المعنى الثاني فلا يمكن الاستدلال بالنبوي على بطلان البيع الغررى و اعتبار القدرة على التسليم في المعاملة وان كان صحيحا من حيث السند فان احتمال ارادة الخديعة يوجب منع ظهور النبوى في الخطر. نعم استدل المشهور من الخاصة والعامة به على الفساد ودعوى

[ 260 ]

العلم الاجمالي بكون أحد المعنيين مرادا من النبوى لا يوجب الفساد من جهة تنجيز العلم إذ لاوجه لكونه موجبا للتنجيز فان الخديعة محرمة جزما من الخارج مع قطع النظر عن ارادة الخديعة من النبوى نظير الغش و التدليس كما تقدم في المكاسب المحرمة. ثم انه بناء على ارادة الخطر من الغرر كما استدل المشهور من الفريقين فلا يفرق فيه بينما كان الجهل متعلقا بالحصول أم بالصفات من حيث الكيفية أم من حيث الكيفية فان الجهل بكل منها يوجب الخطر فيكون البيع فاسدا. وأما الجهل بأصل الوجود فهو خارج عن المقام وانما هو من صغريات بيع ما لا يملك ودعوى اختصاص الغرر بصورة الجهل بالصفات لاوجه لها فان الجهل بالحصول أعظم غررا من الجهل بالصفات، بل من هذا ما ذكره المشهور من الامثلة من بيع السمك في الماء والطير في الهواء فكأن صورة الجهل بالحصول مما تسالم عليه الكل بكونه موجبا للغرر كما لا وجه لدعوى اختصاصه بالجهل بالصفات لكونه معنى شرعيا للغرر وذلك لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في ذلك. ثم ذكر المصنف وكيف كان فلا اشكال في صحة التمسك لاعتبار القدرة على التسليم بالنبوي المذكور الا أنه أخص من المدعى لان ما يمتنع تسليمه عادة كالغريق في بحر يمتنع خروجه منه عادة ونحوه ليس بيعه خطرلان الخطر انما يطلقه في مقام يحتمل السلامة ولو ضعيفا لكن هذا الفرد يكفى من الاستدلال على بطلانه بلزوم السفاهة وكون أكل الثمن في مقابله أكلا للمال بالباطل. وفيه أنه تقدم غير مرة أنه لا دليل على بطلان البيع السفهى وانما

[ 261 ]

الدليل على بطلان بيع السفيه وأنه تقدم مرارا ايضا أن آية حرمة أكل المال بالباطل ناظرة إلى الاسباب واجنبية عن شرائط العوضين. وأما أصل المطلب أن النبوى وان لم يكن شاملا للمقام الا أن الخطر بمعنى الهلاكة فإذا كان احتمال الهلكة موجبة للفساد وفى صورة العلم بالهلاكة أولى بالفساد. ومن جملة ما يستدل به على اعتبار هذا الشرط النبوى المستفيض لا تبع ما ليس عندك وذكر المصنف أن كونه عنده لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب والسلف اجماعا فهى كناية لا عن مجرد الملك لان المناسب حينئذ لفظة اللام ولا عن مجرد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه لمنافاته لتمسك العلماء من الخاصة والعامة على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثم شرائها من مالكها خصوصا إذا كان وكيلا عنه في بيعه ولو من نفسه فان السلطنة والقدرة على التسليم حاصلة هنا مع أنه مورد السلطنة التامة الفعلية التى تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده وان كان غائبا وبالجملة فمراده أنه لابد من ارادة المعنى الجامع الاعم من الملك والحضور. أقول: أما قوله لايراد به الحضور لجواز بيع الغائب والسلف فالظاهر أن ذكر السلف من سهو القلم فانه بأى معنى يفسر النبوى فالسلف خارج عنه لعدم كونه ملكا وكونه غائبا ايضا. وأما ارادة الحضور من لفظ عندك فواضح البطلان لما ذكره المصنف من صحة بيع الغائب وأما ارادة الجامع الشامل لعدم الملك وعدم القدرة على التسليم فايضا فاسد لعدم القرنية عليه بل الظاهر من النبوى ارادة الملك ودعوى ان المناسب ذكر اللام حينئذ لا توجب عدم ارادة الملك، فان من

[ 262 ]

المتعارف حتى الآن بل في سائر الاسنة استعمال كلمة عند في الملكية و يقال أنه ليس عندي أي لا املكه فلا يمكن الاستدلال بالنبوي على اعتبار هذا الشرط. وأما ما ذكره من قوله مع أنه مورد الرواية عند الفقهاء بل هو مورد الرواية فانه (ره) ذكر في البيع الفضولي أن العلامة (ره) روى أن الحكيم ابن حزام الدلال سأل عن بيع العين الشخصية مع عدم كونها عنده فقال (عليه السلام) لاتبع ما ليس عندك. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف من قوله، وأما الايراد عليه بدعوى أن المراد به الاشارة إلى ما هو المتعارف في تلك الازمنة من بيع الشئ الغير المملوك ثم تحصليه بشرائه ونحوه ودفعه إلى المشترى فمدفوع بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد وليس في الاخبار المتضمنة لنقل هذا الخبر ما يشهد باختصاصه بهذا المورد. ووجه البطلان ما عرفت من رواية العلامة فان السائل عنها انما سئل عن خصوص البيع الشخصي الذى ليس عنده ثم يشتريه من الغير فيعطيه اياه. وبالجملة أن الظاهر من قولهم (ع) لاتبع ما ليس عندك هو نفى الملكية لانفى الحضور ولانفى القدرة على التسليم والاستدلال عليه ولا الجامع بين المجموع ثم ذكر المصنف نعم يمكن ان يقال أن غاية ما يدل عليه هذا النبوى، بل النبوى الاول ايضا فساد البيع بمعنى عدم كونه علة تامة لترتب الاثر المقصود فلا ينافى وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر وتحقق كونه عنده، ولو أبيت الا عن ظهور النبويين في الفساد بمعنى لغوية العقد رأسا، المنافية لوقوعه مراعى دار الامر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر وبين اخراج

[ 263 ]

بيع الرهن وبيع ما يملكه بعد البيع وبيع العبد الجاني عمدا وبيع المججور لرق أو سفه أو فلس فان البايع في هذه الموارد عاجز شرعا من التسليم و لا رجحان لهذه التخصيصات فحينئذ لامانع عن التزام وقوع بيع كل ما يعجز عن تسليمه مع رجاة التمكن منه مراعى بالتمكن منه في زمان لا يفوت الانتفاع المعتد به. وبالجملة فمراده أنه لو التزمنا بدلالة النبويين على فساد البيع من الاول لزم من ذلك التخصيص الاكثر لخروج جملة من الموارد عن تحتهما وكونها صحيحة بالاجازة فهما يدلان على الفساد إذا لم يرتفع الغرر ولم يكن مالكا إلى الابد لا مطلقا. وفيه أولا أن ظهور قوله نهى النبي عن بيع الغرر هو فساد البيع من الاول من غير أن يكون مرعى بانتفاء الغرر ويكون صحيحا بعده ولا يقاس ذلك ببيع الفضولي وبيع الراهن كما تقدم. وثانيا أنه لا يلزم التخصيص الاكثر بخروج ثلاثة موارد من تحت الرواية وانما يلزم ذلك إذا كان الخارج بالنسبة إلى الباقي كثيرا، مثلا لو قال المولى أكرم العلماء، ثم قال لا تكرم زيدا، ولا تكرم عمروا، ولاتكرم بكرا، فلا يلزم من ذلك تخصيص الاكثر، وانما يلزم ذلك إذا لم يبق تحت العام الا مصداق أو مصداقين. وثالثا: أن الموارد التى ذكرها المصنف ليست تخصيصا لنهى النبي عن بيع الغرر بل كلها اجنبي عن النبوى وذلك فان بناء الاستدلال على كون الغرر فيه بمعنى الخطر والمهلكة ومن الواضح أنه لاخطر في شئ من المذكورات فان المشترى اما يرضى بذلك أولا يرضى لعلمه بالحال ومع ذلك أي خطر في ذلك ومع عدم العلم بالحال يثبت له الخيار كما لا يخفى

[ 264 ]

وأما ما ذكره من لزوم خروج بيع ما يملكه بعد البيع فهو خارج عما نحن فيه بالكلية وانما هو بيع باطل لكونه بيعا لما لا يملك فيشمله قوله (ع) لاتبع ما ليس عندك على أن بيع الرهن ليس الا كسائر البيوع الفضولية غاية الامر هذا فضولي من المالك الراهن فلا وجه لاخراج خصوص بيع الراهن فقط دون بقية البيوع الفضولية. وأما النبوى الثاني ففيه أولا أن ظهوره هو أن كون المبيع عند البايع من الاول وأنه شرط لصحة البيع من الاول فلا يرتفع الفساد بطرو العندية، بل هو باق على فساد إلى الابد. وثانيا: أنه لا يلزم من خروج ثلاثة موارد منه تخصيص للاكثر أصلا. وثالثا: ليس أكثرها تخصيصا للنبوي فضلا عن أن يكون اكثرو ذلك أما بيع العبد الجاني عمدا فلان ما يتوهم من المانع عن صحة البيع هو تعلق حق الغير به بأن يسترقه أو يقتله ولكنه ليس بمانع وذلك لما تقدم في المسألة السابقة من أنه لا يشترط في استيفاء حق الجناية بقاء الجاني في ملك من كان مالكا له حين الجناية فلا مانع من بيعه ومجرد تعلق حق المجني عليه أو ورثته به لا يوجب عدم نفوذ بيع مولاه لعدم كون البيع مانعا عن من استيفاء الحق غاية الامر يثبت الخيار للمشترى مع الجهل بالحال، فان كونه جانيا عيب في العبد وبالجملة بعد ما اعترف المصنف (ره) في المسألة السابقة بصحة بيع العبد الجاني غاية الامر يثبت الخيار للمشترى مع الجهل بالحال والا فلا يشمله قوله صلى الله عليه وآله نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغررى حتى يكون خروجه تخصيصا. وأما بيع المحجور لسفه أو رق أو فلس فان رضى من له البيع على ذلك كالولي والغرماء صح البيع فليس فيه غرر وان لم يرض به فيكون باطلا

[ 265 ]

من الاول لامن جهة الغرر بل من جهة عدم نفوذ بيعهم بدون اجازة الولى والغرماء. وأما الرهن فان قلنا بأن اشتراط القدرة على التسليم لا يشمل التعذر الشرعي وانما يختص بالتعذر الخارجي فلا اشكال في صحة بيع الراهن لكون المنع هنا شرعيا وهذا هو الظاهر فان العجز الشرعي وان كان العجز الخارجي الا أن محط نظر الاساطين في هذا الشرط هو عدم القدرة خارجا ولذا يمثلون لما لا يقدر على تسلمه ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء، وان قلنا بشمول التعذر الشرعي فيكون بيع الراهن داخلا تحت النبوى لكونه من مصاديق بيع ما ليس عنده شرعا فيكون القول بالصحة فيه كما هو المشهور تخصيصا وعلى هذا فيكون الخارج عنه مصداق واحد على فرض واحد. وبالجملة فظهور النبوى في فساد البيع من الاول ومع القول بالتخصيص فليس تخصيصا للاكثر على أنه لا تخصيص الا في فرد واحد ومما استدل به على اعتبار هذا الشرط في البيع من أن لازم العقد وجوب تسليم لكل من المتباعين العوضين إلى صاحبه لكن التسليم ليس بممكن فلا يصح العقد فمقتضى القياس الاستثنائى هو فساد العقد مع تعذر التسليم وأجاب عنه المصنف بأنه ان أريد أن لازم العقد وجوب التسليم وجوبا مطلقا منعنا الملازمة وان أريد مطلقا وجوبه فلا ينافى كونه مشروطا بالتمكن كما لو تجدد العجز بعد العقد. وفى كلام المصنف مسامحة واضحة فان قوله وجوبا مطلقا لا يستقيم إذ لا معنى للوجوب المطلق سواء تمكن أم لم يتمكن بل التكاليف كلها مشروطة بالقدرة والتمكن والاولى أن يقال انه ان أريد أن لازم العقد وجوب التسليم

[ 266 ]

وجوبا فعليا منعنا الملازمة وان اريد مطلق وجوبه فلا ينافي كونه مشروطا. ثم قال المصنف وقد يعترض باصالة عدم تقيد الوجوب ثم يدفع بمعارضته باصالة عدم تقيد البيع بهذا الشرط وفى الاعتراض والمعارضة نظر واضح. أقول: لاربط لهذا الكلام أصلا إذ عرفت أنه لا معنى لاصالة عدم تقيد الوجوب بعد ما استحال اطلاقه ضرورة تقيد كل وجوب بحال التمكن ومع قبول اطلاقه فالاصل يقتضى هنا التقيد فانه مع الشك في الوجوب بدون حصول القيد يتمسك بالبرائة وايضا مع الغض عن جميع ذلك لاوجه لمعارضة ذلك باصالة عدم تقيد البيع لما عرفت في محله أن مقتضى الاصل في العقود هو الفساد وكلما يشك في اعتبار قيد فلا بد من اعتباره فتكون النتيجة هو التقيد. ومن الوجوه التى استدل بها على اعتبار هذا الشرط هو أن الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير إليه ولا يتم الا بالتسليم. وفيه ما ذكره المصنف (ره) من منع توقف مطلق الانتفاع على التسليم لجواز الانتفاع في العبد مثلا بمثل العتق على أنه يجوز الانتفاع به بعد التسليم وفى وقت حصوله. ومن الوجوه أن بذل الثمن على غير المقدور سفه فيكون ممنوعا وأكله أكلا للمال بالباطل وأجاب عنه المصنف بأن بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل الحصول لا يكون سفها. على أنا ذكرنا كرارا أنه لادليل على بطلان البيع السفهى وأنما الدليل على بطلان بيع السفيه ففى البيع السفهى نتمسك بالعمومات ونحكم بصحته.

[ 267 ]

وتحصل أن ما ذكره المصنف من الوجوه على اعتبار القدرة على التسليم لم يتم شئ منها فلا وجه للحكم بالفساد بل نحكم بالصحة غاية الامر يثبت الخيار للمشترى. وذكر شيخنا الاستاذ أن الوجه في اعتبار القدرة على التسليم أن ما تعذر تسليمه ليس بمال فيكون البيع باطلا لذلك لان العقلاء لا يرتبون عليه أثرا ولذا مثل الاساطين لفقد هذا الشرط ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء مع عدم اعتبار رجوعهما إلى الحالة التى يمكن اقباضهما ثم أورد على نفسه بأنه لا يقال لو كان في هذا النحو من المال قصور في جهة المالية لزم جريان قاعدة التلف قبل البيع فيه لو فرض كونه حال العقد مثل سائر الاموال، ثم قبل التسليم صار كذلك ثم أجاب بانه وان كان هذا المال في عالم الاعتبار قاصرا عما عليه سائر الاموال الا أنه ليس كالعدم بحيث يعد تالفا وقاعدة كون التلف قبل القبض من مال بايعه تختص بما إذا تلف حقيقة ولا تشمل بما إذا نقصت ماليته ولذا لو باع الجمد في الصيف أو الماء في المفازة ولم يسلمه الا في مكان نقصت قيمته وضعفت اعتبارية العقلائية لا يلتزمون بانفساخ المعاملة لقاعدة التلف قبل القبض. وتحقيق المقام أن المال الذى يتعذر تسليمه على أقسام: الاول: أن يكون مع تعذره مما يمكن للمشترى الانتفاع به، كالعبد الآبق والجارية الآبقة فانه وان كان تعذر تسليمهما لاجل الاباق ولكن يمكن الانتفاع بهما بالعتق، وعلى هذا فلا يوجب التعذر تسليم خروج المال المتعذر عن المالية وان كان تنقض قيمته لاجل بالتعذر تسليم فما ذكره من كون التعذر موجبا لزوال المالية لايتم هنا لامكان انتفاع المشترى بذلك و على هذا فيصح البيع هنا بمقتضى القاعدة حتى بناء على اعتبار المالية في البيع.

[ 268 ]

الثاني: أن لا يمكن الانتفاع به لاحد لا المتباعين ولا غيرهما بحيث يوجب التعذر لحوقه بالتالف وبالمعدوم فهذا مما لاشبهة في عدم جواز بيعه حتى بناء على عدم اعتبار المالية في المعاوضة فانه انما لا يعتبر على هذا المسلك كون المبيع مالا لاغير موجود فانه لم يختلف أحد في اشتراط الوجود فيه فتكون البيع فاسدا حينئذ وهذا نظير ما إذا صاد طيرا وحشيا أو غزالا وحشيا أو غيرهما من الحيوانات البرية الغير الاهلية ثم أبق فانه لا يرجع عادة فيكون في حكم التلف عرفا ولذا لا يصح أن يقال إن لفلان حيوانا في هذا المفازة وهكذا المال الذى وقع في البحر كالخاتم والدرهم والدينار ونحو ذلك فان العرف يرى ذلك تالفا ولا يرون في تلك الاموال اضافة إلى مالكه بوجه لااضافة المالية ولا اضافة الملكية ولا اضافة الحقيه و هذا القسم لاشبهة في عدها من التالف وعلى هذا فلو باع أحد ماله ثم وقع في البحر قبل القبض أو صادر غزالا أو طيرا ثم أبق قبل القبض لاشبهة في عد ذلك من التالف فتشمل عليه القاعدة المعروفة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بابيعه فان ذلك وان لم يكن معدودا من التلف الحقيقي ولكنه يعد من التلف العرفي. وبالجملة ماكان يتعذر التسليم ومع ذلك لا يمكن لاحد أن ينتفع به فيكون عرفا من التالف فلا يبقى فيه اضالة إلى المالك أي اضافة كانت فلا يصح البيع مع هذا التعذر بل يبطل البيع مع طرو مثل ذلك التعذر. الثالث: أن يكون التعذر موجبا لعدم امكان الانتفاع للمتبايعين فقط دون الاشخاص الاخر كما إذا غصب الغاصب دار زيد فجلس فيها ولكن لا يتمكن زيد عن انقاذها ولامن يريد بيعها منه ولا يمكن لهما أن ينتفعا بها بوجه الا أن ذلك لا يوجب عدم جواز الانتفاع بأصل الدار و

[ 269 ]

كونها ساقطة عن المالية بالكلية بحيث لم يرغب إليها أحد ولا ينتفع بها شخص والا لما غصبها الغاصب، بل لم تنقص قيمة هذه الدار ايضا فكيف بكونها ساقطة عن المالية. وعلى هذا فما ذكره شيخنا الاستاذ من كون التعذر موجبا عن الخروج عن المالية انما يتم في الفرض الثاني فقط لا في غيره من الفروض فلا كلية له وفى هذا الفرض الثاني يبطل البيع حتى مع عدم اعتبار المالية أيضا لعدم وجود المبيع لا من جهة عدم المالية لما عرفت من كونه لاحقا بالتالف فلاتصل النوبة بما ذكره الاستاذ وفى هذا الفرض الثاني ما ذكره المستشكل من لزوم كونه موجبا لبطلان البيع لو طرئه ذلك العارض قبل القبض والاقباض هذا ما تقتضيه القاعدة. وأما بحسب الروايات فقد ورد صحيحا في المسألة الآتية في العبد الآبق والجارية الابقة أنهما يباعان مع الضميمة معللا بأنه لو لم يرجع العبد والامة يقع الثمن في مقابل الضميمة فان المستفاد من عموم التعليل هو جواز البيع مع الضميمة مطلقا سواء كان الآبق هو العبد أو الابل أو غيرهما ويصح البيع في مطلق الشارد كما لا يخفى ولكن المشهور لم يعملوا بالروايات في غير العبد الآبق والجارية الآبقة ولم يعملوا بعموم التعليل كما هو واضح فتدل الرواية على عدم جواز بيع غير العبد الآبق من الموارد التى يتعذر فيه التسليم بطريق اولى فانه إذا لم يصح بيع العبد الآبق منفردا مع جواز الانتفاع به بالعتق وفيما لا ينتفع به لا يصح بالاولوية. قوله: ثم ان معاقد الاجماعات كما عرفت كون القدرة شرطا. أقول: قد وقع الخلاف في أن القدرة على التسليم شرط للبيع أو العجز عنه مانع بعد الفراغ عن أصل الاشتراط وقد أكد الشرطية في عبارة.

[ 270 ]

الغنية حيث حكم بعد جواز بيع مالا يمكن فيه التسليم فينتفى المشروط عند انتفاء الشرط ومع ذلك كله فقد استظهر صاحب الجواهر من عبارة الغنية أن العجز مانع لا أن القدرة شرط للبيع وتظهر الثمرة في مورد الشك حيث أنه لو اعتبرت القدرة شرطا لا يجرى الاصل ولو اعتبر العجز مانعا فنتمسك بالاصل ثم ذر مسألة اختلاف الاصحاب في الضال والضالة وجعله دليلا على أن القدر المتفق عليه مااذا تحقق العجز. وقد أشكل عليه المصنف أولا بأن صريح تسالم الفقهاء ومعاقد اجماعهم خصوصا عبارة الغنية المتأكدة بالتصريح بالانتفاء عند الانتفاء هي شرطية القدرة فلاوجه لجعل مانعا عن البيع. وفيه أنه لاحجية في تسالم الاصحاب واجماعاتهم خصوصا بعد عدم كون هذه التديقات مغروسا في أذهان السابقين من أن العجز مانع أو القدرة شرط وكذلك صاحب الغنية فان بنائهم التعبير عن اعتبار القدرة على التسليم في البيع بعبارة ومن البعيد التفاتهم على كون القدرة شرطا أو اعتبار العجز مانعا. وبالجملة بعد ما لم يكن هذا الاختلاف موجودا فيهم فلاوجه لدعوى الاجماع على احد في الاختلاف على أن الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله نهى النبي عن بيع الغرر هو كون الغرر مانعا عن البيع فان النهى ارشاد إلى المانعية أي أن البيع الغررى ممنوع وخارج عن تحت العمومات الدالة على الصحة واللزوم. وذكر المصنف ثانيا أن العجز أمر عدمي لانه عدم القدرة عمن من شأنه صنفا أو نوعا أو جنسا أن يقدر فكيف يكون مانعا من ان المانع هو الامر الوجودى الذى يلزم من وجوده العدم كان ممنوعا لاجله ويلزم منه انتفائه

[ 271 ]

فلا وجه لجعل العجز الذى هو الامر العدمي من قبيل المانع الذى يلزم من وجوده العدم فانه لا معنى لجعل عدم القدرة مانعا الا لجعل عدم القدرة الذى هو وجود القدرة شرطا كما لا يخفى. وفيه أن الامر العدمي لا يكون مانعا إذا كان يقابل الوجود تقابل السلب والايجاب لكونه عدما محضا وغير ممتاز فضلا عن أن يكون مانعا. وأما العدم الخاص الذى يقابل الوجود تقابل العدم والملكة فله حظ من الوجود فيمكن أن يعتبر مانعا مثلا للشارع أن يعتبر العجز مانعا عن صلاة الجماعة وأن يعتبر عدم الجهل الذى يقابل العلم تقابل العدم والملكة في صحة الجماعة بان يكون مانعا عن انعاقدها وهكذا وهكذا فما ذكره المصنف من عدم جعل الامور العدمي مانعا فهو خلط بين العدم الخاص والعدم المطلق فما نحن فيه من قبيل الاول كما صرح به. على أن المانع هنا غير ما جرى عليه الاصطلاح في علم المعقول من المانع ماكان يلزم من وجوده العدم فيجعلون الامور الوجودية مانعا عن الشئ ومؤثرة في عدم تحققه وهذا بخلاف الاحكام الشرعية فان المانع فيها ما يعتبر الشئ مانعا عن الحكم الشرعي سواء كان أمرا وجوديا أم أمرا عدميا من غير أن يكون مؤثرا في عدم تحقق شئ أصلا. وبالجملة ليس المانع هنا هو المانع المصطلح عليه في علم المعقول ولا الشرط والمقتضى وسائر ما اصطلحوا عليه من اجزاء العلة جاريا على مصطلحهم لان باب المعقول ليس باب التأثير والتأثر الحقيقي، بل التأثير في مجرد الاعتبار فشابه ذلك لذلك فاطلق عليه الفاظة فمعنى كون العجز مانعا خروج صورة العجز عن حكم أوفوا كما أن معنى كون القدرة شرطا خروج ما عدا صورة القدرة عن حكمه كما ذكره المحقق الايروانى.

[ 272 ]

ثم ذكر المصنف ثالثا لو سلم صحة اطلاق المانع على العجز لاثمرة في أن القدرة شرط لصحة البيع أو أن العجز مانع عنه وذلك من جهة أنه أن كانت الحالة السابقة هي القدرة وشككنا في تحقق القدرة أو العجز فعلا فنستصحبها وأن كانت الحالة السابقة هو العجز فأيضا نستصحب العجز سواء جعلنا القدرة شرطا أو العجز مانعا وإذا شككنا في أن المراد من العجز ما يعم التعسرام خصوص التعذر أو المراد من العجز العجز المستمر أو العجز في الجملة فاللازم هو التمسك بعمومات الصحة من غير فرق بين تسمية القدرد شرطا أو العجز مانعا، ثم ذكر ان التردد بين شرطية الشئ ومانعيته انما يصح ويثمر في الضدين مثل الفسق والعدالة لا فما نحن فيه وشبهه كالعلم والجهل. ثم ذكر أن الاختلاف الاصحاب في مقابل مسألة الضال والضالة فليس للشك المالك في القدرة والعجز ومبنيا على كون القدرة شرطا أو العجز مانعا كما يظهر من ادلتهم على الصحة والفساد، بل بما سيجئ عند التعرض بحكمها وذكر حكم ذلك في مسألة الابق. وفيه أنه لاثمرة للنزاع المذكور إذا كان لكل من العجز فقط أو القدرة فقط حالة سابقة وأما إذا كان لكل منهما حالة سابقة معا وكان الشك في التقدم والتأخر أو لم يكن لهما حالة سابقة أصلا وان كان هذا فرضا غير معقول أو كان ولكن نسيى فانه حينئذ ان جعلنا القدرة شرطا فيكون العقد محكوما بالفساد واقعا لاصالة عدم تحقق الشرط ومحكوما بالصحة لاصالة عدم المانع فلا وجه له لان لا يفرق بين الصورتين وبالجملة أن شيئا من المذكورات لايرد على صاحب الجواهر. نعم يرد على صاحب الجواهر أن أصالة عدم المانع لادليل عليها و

[ 273 ]

ليس حجة أصلا الا إذا قلنا بقاعدة المقتضى والمانع. فنقول ان مقتضى الصحة في العقد موجود من الملكية والعمومات والمانع مفقود فيؤثر المقتضى أثره فلا يكون النهى عن الغرر موجبا لخروج هذا العقد عن تحت العمومات لعدم احراز المانع ولكنه ذكرنا في الاصول أنه لادليل على حجية قاعدة المقتضى والمانع أصلا. وبالجملة فكما أن الشرط لابد وان يحرز في صحة العقد وكذلك لابد من أحراز عدم المانع لاعتباره في صحة العقد كالشرط فاصالة عدم المانع ليس من الاصول المسلمة حتى يحرز بها ذلك الا إذا كان لكل منهما حالة سابقة فان مقتضى الاستصحاب حينئذ هو الحكم بالقدرة أو العجز أو بعدم القدرة وعدم العجز فعلا بوجودهما الاحرازي وأن الشارع حكم بمقتضى الاستصحاب على ذلك فان هذا الاصل لا محذور في جريانه فانه يكفى في جريان الاصل كونه ذى أثر شرعى سواء كان نفس المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا ذى حكم أم لم يكن كما اختاره شيخنا الانصاري في الاصول وقواه شيخنا الاستاذ وجعلناه موافقا للتحقيق. نعم هذا مورده في الوجه الثاني على النحو الذى ذكرناه بناء على مسلك صاحب الكفاية من اشتراط كون المستصحب في الستصحاب أما حكما شرعيا أو موضوعا ذى حكم فلا مطرح للاستصحاب هنا لعدم كونه القدرة أو العجز حكما شرعيا ولا موضوعا للحكم الشرعي، بل اما أن القدرة شرط للعقد أو أن العجز مانع عن صحة العقد. على أنه لا تصل النوبة إلى أن القدرة شرط أو أن العجز مانع كما هو واضح، بل بحكم ببطلان العقد للغرر المنهى عنه بيان ذلك أنه بناء على صحة الاستدلال بالنبوي نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر فانما هو نهى عن

[ 274 ]

البيع الغررى والبيع الذى فيه خطر وهلاكة ومن الواضح جدا أنه مع الجهل بأن البايع يكون قادرا على التسليم أم لا فيكون البيع غرريا أي بيعا فيه احتمال الخطر والهلاكة فانك عرفت اعتبار الجهل في مفهوم الغرر فبمجرد الحتمال ذلك يكون البيع باطلا لشمول النهى له وخروجه عن تحت العمومات إذ ليس شرط البيع هو القدرة الواقعية أو المانع عنه هو العجز الواقعي، بل الشرط أو المانع هو احراز القدرة أو احراز العجز كما لا يخفى. وبالجملة لابد في صحة العقد من احراز أنه ليس فيه خطر وهلاكة ومن الواضح أن احتمال أن البايع لا يقدر على التسليم فيه من الخطر ما لا يخفى فيكون مشمولا للنهى عن الغرر فيكون فاسدا. نعم، إذا كانت الحالة السابقة هي القدرة على التسليم وشككنا في القدرة والعجز فعلا فنستصحب القدرة على التسليم ان كانت القدرة شرطا أو عدم العجز ان كان العجز مانعا فيه نلغي احتمال الخلاف فكأن الشارع يقول الغى احتمال الخلاف بناء على ما ذهب إليه المصنف في الاصول و تبعه الاستاذ واخترناه من أن الشرط لجريان الاستصحاب كون المستصحب ذى أثر شرعى فلا يلزم كونه أي المستصحب ذى حكم أو حكما شرعيا كما ذهب إليه صاحب الكفاية فان القدرة ليست موضوعا للحكم ولا انها بنفسها حكم وانما شرط البيع هو احراز القدرة لا لقدرة الواقعية ولذا يصح البيع مع احراز القدرة وان لم يكن في الواقع قادرا على التسليم. وبالجملة فما لم يكن هنا ما يحرز به كون العقد خطريا فيحكم بفساده لاطلاق نهى النبي عن بيع الغررى بناء على تماميته والا فلا ومع ذلك لا تصل النوبة إلى أن مقتضى القاعدة في صورة الشك في كون القدرة شرطا أو العجز مانعا مع عدم الحالة السابقة لكل منهما أي شئ كما هو واضح

[ 275 ]

ثم انه إذا شككنا في أن القدرة على التسليم شرط للبيع أو العجز عنه مانع عنه وشككنا ايضا في أنا قادرين على ذلك أو غير قادرين فتارة بكون الشك في الشبهة الحكمية والمفهومية واخرى يكون الشك في الشبهة المصداقية. أما الاول: فكما إذا شككنا أن القدرة المعتبرة في تسليم العوضين هي القدرة العقلية أو الشرعية أو العرفية أو الاعم وانه لابد من العلم بالقدرة على التسليم أو يكفى مجرد احتمال القدرة عليه من جميعها، ففى الحقيقة يرجع الشك إلى سعة مفهوم القدرة المعتبرة هنا وضيقه فيكون من صغريات الاقل، والاكثر، فنأخذ القدر المتيقن ونجرى البرائة من الزائد عنه كما قرر في محله. وأما إذا كانت الشبهة مصداقية بان كل الشك في كون كل من المتباعين قادرا على التسليم أو غير قادر عليه، فح تختلف الحال بالنسبة إلى ذلك باختلاف دليل اعتبار القدرة على التسليم بيان ذلك إذا كان دليل الشرط المذكور النبوى المعروف نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر، فح لا توجد شبهة مصداقية في المقام أصلا، فان مبنى الاستدلال به انما هو أخذ الغرر بمعنى الخطر ومن الواضح جدا أن الخطر يتحقق بمجرد الاحتمال وأن البايع أو المشترى لا يقدر على التسليم إذ الخطر هو الهلاك بمعنى خوف عدم وصول كل من العوضين إلى الاخر لا الهلاك بمعنى الانعدام و هذا لا معنى للشبهة المصداقية أصلا، فان كل من المتعاملين يرى نفسه بأنه بأى كيفية وحالة فانه ان كان جازما على كونه قادرا على التسليم فالشرط متحقق وان كان مترددا في ذلك ومحتملا أنه يقدر فلا تحقق للشرط فان الشرط ليس هو التمكن الواقعي، بل احراز القدرة.

[ 276 ]

وبعبارة أخرى قد عرفت أن ما هو شرط للبيع ليس الا احراز القدرة ولو كان العجز مانعا فانما هو احراز العجز واحتماله وأن موضوع الحكم اثباتا ونفيا هو الوصف النفساني دون الامر الواقعي التكويني وعليه فلا يعقل مورد يشك فيه أن الشرط أو المانع موجود أم لا، بل لابدو أن يلاحظ كل من المتبايعين ما في صقع نفسهما من الاوصاف النفسانية فان كان كل منهما جازما على القدرة التسليم فالشرط وعدم عجزهما عن ذلك فالشرط متحقق أو المانع مرتفع وان كانا متردين في ذلك ومحتملين عدم القدرة على التسليم، فالشرط منتف أو المانع مفقود. وعلى هذا فلا يفيد جريان الاستصحاب إذا كان الحالة السابقة هي القدرة بحيث يحرز به وجود القدرة وكان يلغى به احتمال عدم القدرة على التسليم كما يلغى به احتمال الخلاف في سائر الموارد بحيث كان الشارع يقول الغى احتمال الخلاف وذلك من جهة أن المستصحب عبارة عن القدرة السابقة والخطر انما يتحقق بمجرد احتمال عدم القدرة على التسليم، وخوف عدم وصول العوضين إلى المتبايعين ومن الواضح جدا أن استصحاب القدرة لا يثبت وصول العوضين بيد المتبايعين ولا يلغى احتمال عدم القدرة على التسليم الذى موجود بالفعل وجدانا الا على القول بالاصل المثبت وبالملازمة العقلية فهو كما ترى. نعم لو قامت البينة على ذلك وأن كل منهما قادرين على التسليم فيرتفع بها احتمال عدم القدرة على التسليم تعبدا لكونها من الامارات فهى كما تتكفل على اثبات المعنى المطابقى فكك تتكفل ايضا على اثبات اللوازم كما حقق في محله. ودعوى أن الوصف النفساني اعني احتمال عدم القدرة على التسليم

[ 277 ]

الذى به قوام الغرر موجود في المتبايعين تكوينا والامارة لا يرفعه فلا يفرق فيما ذكر بين الامارة والاستصحاب فانها دعوى جزافية فان الامارة وان لم ترفعها تكوينا ولكن ترفعها تشريعا وتعبدا فهل يتوهم أحد أنه مع قيام الامارة أن موضوع البرائة هو الشك فتجرى في مقابلها فان ما نحن فيه أيضا نظير ذلك، فان كلها ناظرة إلى الاحكام الظاهرية دون الواقعية. وبالجملة مع كون دليل الشرط هو النبوي فلا نعقل موردا للشبهة المصداقية بوجه من الوجوه كمالايخفى. وأما إذا كان المدرك قوله صلى الله عليه وآله لاتبع ما ليس عندك، فان الكلام ح في الشبهات المفهومية هو الكلام الذى تقدم من ان المقام من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر فنأخذ المقدار المتيقن فنجزى البرائة في الزائد وأما الشبهة المصداقية فتحقق على هذا فان معنى كون المال عنده أو ليس عنده وان كان واضحا على مسلكنا كما تقدم من كون ظهوره عبارة عن الملكية دون الاعم منه ومن القدرة على التسليم ولكن مع التنزيل عن ذلك وأخذ العند بمعنى السلطنة على التسليم، وعليه فيمكن أن يشك الانسان في ملكه أنه عنده أو ليس عنده، كما إذا تولد فرسه أو غنمه أغيرهما من الحيوانات المملوكة له في غير بلده، وشك في أنه هل هو قادر على تسليمه أولا، لاحتمال كون طريقة أي طريق ذلك البلد مسدودا وهكذا وهكذا، ففى هذه الموارد أما التمسك بالعمومات الدالة على صحة المعاملة فلا يجوز لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. بل، نقول انه تارة يكون لهذا الفرد المشكوك حالة سابقة معلومة بأن كان قبل زمان قادرا على التسليم أو عاجزا عنه فبناء على كون القدرة شرطا فيستصحب القدرة على التسليم، فبناء على كون العجز مانعا فيستصحب

[ 278 ]

عدم العجز، ومع كون الحالة السابقة هو العجز فاما يستصحب عدم القدرة ان كانت هي شرطا أو يستصحب عدم العجز أن كان هو مانعا فلا يرد على هذا، ما تقدم من الاشكال في جريان الاصل من كونه مثبتا فان عنوان عدم السلطنة على التسليم وايصال العوضين تحت يد كل من المتبايعين أمر مستصحب، فيمكن اثباته بالاستصحاب كما لا يخفى، فيحرز به أنه قادر على التسليم، وكذا الحال لو قامت البينة على القدرة على التسليم. وأما إذا لم تقم البينة على ذلك أو كان لكل من القدرة والعجز حالة سابقة ولكن اشتبه كل منهما على الآخر ولم يعلم السابق منهما أو لم يكن لشئ منهما حالة سابقة فهل يمكن الالتزام بصحة البيع هنا أو لا يمكن. فنقول اما إذا كان لكل منهما حالة سابقة فاشتبها فلا شبهة في تعارض الاصلين وتساقطهما فيحكم بالفساد لعدم جواز التمسك بالعموم لان الفرض أن المورد من الشبهات المصداقية فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. وأما اذالم تكن لهما حالة سابقة كما إذا تولد للبايع حيوان فلا يدرى أنه قادر على التسليم أو غير قادر عليه أو مات أبوه فأنتقل المال إليه وقد باع متاع من فلان فلا يدر الوارث أنه كان قادرا على التسليم أولم يكن أو باع نفسه شيئا ونسى أنه حين البيع كان قادرا عليه أو لم يكن ففى جميع ذلك بعد الفراغ عن تحقيق معنى القدرة على التسليم ومفهومه بحيث لا يشك في المفهوم ولا يرجع الشك إليه بانه هل تصدق القدرة على احتمال القدرة على التسليم أولا، وهكذا. فنقول انا قد ذكرنا في الاصول الضابطة الكلية في دوران الامر بين شرطية أحد الضدين ومانعية الاخر كما إذا شككنا أن العدالة شرط

[ 279 ]

للجماعة أو الفسق مانع عنها وهكذا في الموارد الاخر وكما إذا شككنا ايضا أن العدالة شرط الوجوب اكرام العلماء أو الفسق مانع عنه مع عدم الحالة السابقة فيهما فهل الضابطة هنا هو اجراء اصالة عدم العدالة ومنع تحقق الشرط أو اجراء اصالة عدم الضد الآخر وتفرع عدم المانع عليه، فثمرة نزاع كون أحد الضدين شرطا أو كون الاخر مانعا هو ذلك فبناء على كون أحد هما شرطا ففى المثال بأن تكون العدالة شرطا للاكرام والجماعة فبأصالة تحقق الشرط أو باصالة البرائة عن الواجب مع الشك في الشرط فنحكم بعدم الوجوب وبفساد المشروط. وأما لو كان الضد الاخر مانعا وان لم يكن لاصالة عدم المانع أساس صحيح الا ما ذكرناه من قاعدة المقتضى والمانع ولكن ذكرنا في محله أنه يمكن نفى الضد الآخر بالعدم الازلي بناء على جريانه كما هوالحق، ففى المثال المتقدم أن كونه عالما محرز بالوجدان فعدم كونه فاسقا زمان نحرزه بالاصل فليتم الموضوع المركب من الوجدان والاصل فيترتب عليه الحكم ولكن الاصل النافي للضد الآخر هو العدم المحمولي لعدم وجود الفسق دون العدم الازلي نعم في مثل القرشية ونحوها تجرى أصالة عدم الازلي. وبالجملة قد حققنا في محله أن الضابطة في ذلك هو نفى الضد الآخر اما باصالة العدم المحمولي أو باصالة العدم الازلي فيحكم بصحه العمل الذى قد اعتبر ذلك الضد فيه من حيث العدم. ولكن لا يجرى ذلك في المقام وذلك لانا إذا شككنا في أن البايع قادر أو عاجز يستصحب عجزه السابق مثلا وأما العدم المحمولي الذى يشك في استمراره في أول وجود المعروض كالقرشية ومخالفة الشرط للكتاب ونحو ذلك فالاستصحاب غير جار الا بمفاد ليس التامد ولا أثر له لكونه مثبتا

[ 280 ]

لاحراز النعتية. وبالجملة ففى تقابل العدم والملكة الذى من صغرياته ما نحن فيه لماعرفت من كونه التقابل بين القدرة والعجز هو تقابل العدم والملكة غاية الامران العدم هو الذي من شأنه الوجود وليس له رايحة الوجودية أزيد من ذلك لا يجرى هذا الضابطة والنزاع المذكور، بل لابد من الالتزام بشرطية القدرة فيكون البيع ح فاسدا وذلك لان العجز امر عدمى غير قابل لان يكون مانعا إذا المانع هو الامر الوجودى الذى يمنع عن تأثير المقتضى والعدم ليس له ذلك فلا يمكن اجراء أصالة عدم العجز ورفع المانع بذلك الاصل، بل العجز ليس الاعدما الذى هو مفاد الاصل فليس مفاد الاصل أزيد من ذلك. نعم لو ترتب على هذا الامر العدمي عنوان بسيط وكان العنوان البسيط المنتزع من ذلك الامر العدمي موضوعا للحكم لجرى هذا الاصل ايضا كالعمى إذ ليس هو صرف عدم البصر بل هو عنوان بسيط فيكون بذلك العنوان موضوعا للحكم فيمكن نفى ذلك العنوان الذى هو نحو من الوجود باصالة العدم الازلي. ولكن هذا ايضا لا يجرى في المقام إذ لادليل على كون العجز مانعا عن البيع الا قوله صلى الله عليه وآله لاتبع ما ليس عندك كما هو المفروض ومن الواضح أن عنوان ما ليس عندك ليس الا أمرا عدميا غاية الامر عدما من شأنه الوجود أي عدم ملكة فهو بنفسه مانع عن البيع لكونه مأخوذا في لسان الدليل لاعنوان آخر بسيط منتزع عنه فإذا ليس مفاد الاصل الانفى عنوان ما ليس عندك الذى هو عدم فلا يوجب ذلك رفع عنوان بسيط حتى يقال أن الاصل أوجب رفع الضد الاخر الذى كان مانعا كمالايخفى.

[ 281 ]

وبالجملة فلادليل يدل على كون العنوان البسيط المنتزع من العجز ومن عنوان ما ليس عندك موضوعا للحكم حتى باعتباره تجرى الضابطة المذكورة في المقام فافهم. قوله: ثم ان العبرة في الشرط المذكور انما هو زمان استحقا التسليم أقول: قد عرفت أن المدرك لاعتبار القدرة على التسليم قوله صلى الله عليه وآله نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر بناء على كونه بمعنى الخطر وقوله صلى الله عليه وآله لاتبع ما ليس عندك، بناء على تفسيره بمعنى عدم السلطة على التصرف والتسليم وأنما يتوقف الاستدلال بهما على المقصود على مقدمات ثلاث: المقدمة الاولى: أن يكون المتعاملين مالكين على المبيع والثمن و غير المالك ليس مخاطبا بهذا الخطاب كالفضولى ونحوه فلا يشملان لغيره بل لخصوص المالك. المقدمة الثانية: أن يكون الغرر فعليا فان ففعلية الحكم بفعلية الموضوع فالغرر الشأنى لا يكون مؤثرا في بطلان العقد. المقدمة الثالثة: أن يكون مخاطبا بالتسليم ومأمورا به وفيما ليس أمر بالتسليم فلا مورد للنبويين. ويتفرع على ذلك فروع مهمة: الفرع الاول: أنه لو كان المبيع تحت يد المشترى ولم يقدر البايع على أخذه منه ولا على التصرف منه ولكن يقبل الغاصب بيعه منه فيجوز أن يبيعه فلا يعتبر التسليم هنا فان اعتبار القدرة هنا ليس من باب الموضوعية بل من جهة الطريقية ووصول العوضين إلى المتعاملين ومن المعلوم أن المثمن هنا تحت سلطة المشترى فاعتبار التسليم تحصيل للحاصل لكونه موجودا عنده فلا يشمل النبويان على ذلك.

[ 282 ]

أما دليل نفى الغرر فمن جهة أنه ليس هنا خطر بوجه لوجود المبيع تحت يد المشترى فأى خطر هنا فانه لو كان انما هو من جهة الجهل بوصوله إلى المشترى فالمفروض أنه حاصل عنده واعتباره ثانيا تحصيل للحاصل. وأما النهى عن بيع ما ليس عنده فقد عرفت أن كونه دليلا لهذا الشرط من جهة كون العند بمعنى السلطنة على التصرف والتسليم ومن الواضح أنه يعتبر فيما من شأنه أن يسلم إلى المشترى. وأما فيما لا يلزم التسليم فيه فلا مثلا لو قال المولى لعبده لاتشتر من السوق ما لا تقدر على حمله فان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن ما يلزم حمله إلى البيت منهى عن شرائه فلا يعم ما لا يحمل على البيت فلا يمكن أن يقال أنه لا يجوز للعبد اشتراء العقار ومال التجارة وغيرهما مما لا يلزم حملها على البيت بمجرد النهى المذكور، بل لو كان هنا عموم نتمسك به كما إذا أمره بالمعاملة والبيع والشراء قبل النهى المذكور. ففى المقام أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضى أن النهى عن بيع ما ليس عنده من جهة عدم القدرة على التسليم وفيما لا يعتبر فيه التسليم حتى لو لم يكن هذا النهى ايضا فلا يشمله ذلك، بل يتمسك بعمومات صحة البيع. الفرع الثاني: ان بيع العبد الابق ممن ينعتق عليه خارج عما نحن فيه فلا يعتبر فيه القدرة على التسليم فانه ينعتق بمجرد البيع فلا يبقى مجال للتسليم فليس هذا البيع بغررى ليبطل ولا من قبيل بيع ما ليس عنده لما عرفت أن المراد من ذلك ما يكون التسليم معتبرا فيه ولا مجال هنا لاعتبار التسليم لانصراف النبوى عن مثل ذلك، فانه سواء كان هنا ما يدل على

[ 283 ]

اعتبار التسليم أم لم يكن فالتسليم غير معتبر هنا. وربما يقال بكون بيع العبد ممن ينعتق عليه باطلا لتحقق الغرر و عدم كون البايع قادرا على التسليم المعتبر في البيع فيكون من قبيل بيع ما ليس عنده ايضا، فان اعتبار الشارع حرية المبيع وكونه منعتقا بمجرد البيع خارج عن ما نحن فيه، بل لابد أن نلاحظ المبيع مع قطع النظر عن حكم الشارع ومن الواضح جدا أن هذا البيع أي بيع العبد الآبق ممن ينعتق عليه مع قطع النظر عن حكم الشارع بانعتقاه بيع خطري غررى ومن بيع ما ليس عنده فلا يصح ذلك ايضا. وفيه أنه ليس هنا غرر بالفعل الذى هو موضوع الحكم فعلا فان هذه القضية أي قضية نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر قضية حقيقة منحلة إلى قضايا متعددة أي كلما تحقق غرر فيكون البيع باطلا ففى المقام أن البيع غير غررى ففرضه بأنه لو لا حكم الشارع بالا نعتاق فيكون البيع غرريا أجنبي عن المقام لانه غرر شأني فالغرر الشأنى ليس موضوعا للحكم أما قوله صلى الله عليه وآله لا تبع ما ليس عندك، فقد عرفت أنه لا يحتاج ذلك إلى التسليم فعلا فلا وجه لملاحظته بأنه لو لم يكن حكم الشارع بالانعتاق لكان من قبيل بيع ما ليس عنده كما هو واضح. وبالجملة أن كلا النبويين لا يشملان بيع العبد الآبق ممن ينعتق عليه أما النهى عن بيع الغرر فلعدم الغرر فيكون النهى منتفيا لكونه تابعا لفعلية الموضوع بحسب القضية الحقيقية فلا غرر فعلى في بيع العبد نعم فالغرر شأني مع قطع النظر عن حكم الشارع ولكنه ليس موضوعا. وأما النهى عن بيع ما ليس عنده فقد عرفت عدم اعتبار التسليم هنا مع قطع النظر عن هذا النهى أيضا فان القدر على التسليم ليست لها موضوعية

[ 284 ]

في الحكم وانما هي معتبرة من باب الطريقية إلى التسليم ووصول المبيع إلى المشترى والثمن إلى البايع ومن الواضح أن هذا فيما كان للتسليم فائدة فليس له فائدة هنا بوجه حتى يجبر عليه. ومن هنا ظهر حكم الفرع الثالث أيضا وهو ما لم يستحق التسليم بمجرد العقد لاشتراط تأخيره مدة فانه أي البايع وكذا المشترى فيما إذا اشترط تأخير الثمن ليس مخاطبا بالتسليم قبل حلول الوقت وليس فيه غرر بوجه و لا أنه من قبيل بيع ما ليس عنده والا للزم بطلان البيع الغائب لوجود الجهل فيه أو بيع من كان جاهلا باحكام البيع لان مجرد وجود الجهل من دون كونه منجرا إلى الغرر لا يوجب البطلان فان الاكثر والغائب فيه تأخير التسليم ومع ذلك لم يستشكل أحد في ذلك. ثم ان المصنف قد رتب على ذلك صحة بيع الفضولي بدعوى عدم استحقاق التسليم فيه الا بعد اجازة المالك فلا يعتبر القدرة على التسليم قبلها ثم استشكل في ذلك على الكشف من حيث انه لازم من طرف الاصيل فيتحقق الغرر بالنسبة إليه إذا انتقل إليه ما لم يقدر على تحصيله. ثم قال: نعم هو حسن في الفضولي من الطرفين ومثله بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أوفكه. أقول: لاوجه لما ذكره من أصل ترتب الفضولي على ما نحن فيه ولا للاشكال فيه فيما إذا قلنا بالكشف محل. أما أصل الترتب فلخروج الفضولي عن محل الكلام بالمرة لانه فضولي محض فاجنبي عن طرف العقد، بل ليس له الا ايجاد المعاملة، وبعده جميع الخصوصيات راجعة إلى المالكين أو الوكيلين أو الوليين من حيث التسليم والتسلم والاجازة والرد فلا مجال لابطال البيع هنا من جهة النهى

[ 285 ]

عن الغرر ولا من جهة بيع ما ليس عنده والا كان من الاول أن يحكم ببطلان الفضولي من جهة كونه من قبيل بيع ما ليس عنده، والسر في ذلك هو أنه ليس بايعا حقيقيا ولا مشتريا حقيقيا حتى يخاطب بخطاب النهى عن بيع ما ليس عنده لما ذكرنا من جملة شرائط التمسك به أن يكون مالكا للمبيع فالفضولي ليس بمالك للعوضين فلا يكون داخلا لما نحن فيه بوجه. وأما الاشكال فقد عرفت خروج الفضولي عن محل الكلام وأما بالنسبة اإلى الاصيل فان اجازة الاخر الذى كان البيع فضوليا من قبله فلا شبهة في صحة البيع وعدم كونه غرريا ومن قبيل بيع ما ليس عنده وان لم يجز الآخر البيع فيكون فاسدا فلا محل أيضا للتمسك بالنبويين فان بطلانه مستند إلى عدم الاجازة لا إلى غررية البيع وكونه من بيع ما ليس عنده. وأما ما ذكره بقوله ومثله بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أو فكه. ففيه أنه قد ذكرنا سابقا أنه ان عممنا العجز إلى العجز الشرعي فيكون ذلك خارجا عن بيع الغررى عن تحت النبويين بالتخصيص بأنه أي الراهن مالك للعين ومخاطب بالتسليم والغرر فعلى ومع ذلك عاجز عن التسليم فمقتضى القاعدة هو بطلان البيع ولكن خرجنا عنها بالدليل الخاص وهو وان لم يكن موجودا بعنوان خاص ولكن استفدنا بطلانه من الاخبار الواردة في نكاح العبد معللا بأنه لم يعص الله وانما عصى سيده بدعوى عدم الخصوصية لبيع العبد، بل الغرض أن عصيان الغير في حقه اذالم يستلزم عصيان الخالق لا يوجب البطلان. وأما إذا لم نعمم العجز إلى العجز الشرعي فلا شبهة في صحة بيع الراهن لعدم كونه خطريا ليشمله قوله صلى الله عليه وآله نهى النبي عن بيع الغرر غاية الامر يكون للمشترى خيار الفسخ ولا أنه من قبيل بيع ما ليس عنده ليشمله

[ 286 ]

النبوى الاخر نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عنده لكونه في الخارج قادرا على التسليم. وبالجملة فعلى كل تقدير سواء كان بيع الراهن مشمولا للنبويين أو غير مشمول فلا مجال للاشكال به على ما نحن فيه واخراجه عن المقام كالفضولى، ثم انه ظهر مما ذكرناه حكم عقد الرهن. فانه بعد حصول التسليم لا موضوع لوجوبه وقبله لاعقد فان الاقباض و التسلم في هذا العقد من الشرائط فبتحققها لاغرر ولا بيع ما ليس عنده وبعدم تحققها تفسد المعاملة فلا موضوع للغرر. انتهى كلامنا إلى كون التسليم شرطا ومقوما للبيع فنقول ذكر المصنف أن القبض والتسليم في بيع الصرف والسلم من شروط تأثير العقد لا من أحكامه فلا يلزم الغرر ولو تعذر الشرط بعد العقد رجع ذلك إلى تعذر الشرط فلا يلزم منه البطلان حتى مع العلم بالتعذر إذ لا يلزم احراز الشروط المتأخرة والعلم بتحققها. والوجه في ذلك ما أفاده من أن القبض هنا مثل الاجازة في العقد الفضولي على النقل من حيث عدم تمام النقل الا بالاجازة فكك لايتم العقد هنا الا بالقبض أو من النقل بناء على الكشف فان الاجازة إذا كانت جزء الناقل العقد الفضولي مع حصول النقل من حين العقد فالبقض أولى بان يكون جزء للناقل إذ لم يقل أحد بكون القبض كاشفا في بيع الصرف والسلم. وبالجملة فالاعتبار على القدرة على التسليم بعد تمامية العقد لافيما لم يتم، ولهذا لم يعتبرها أحد في الموجب قبل لحوق القبول به ولا يقدح كونه عاجزا قبل القبول إذا علم بتجدد القدرة بعده وفى المقام أيضا إذا

[ 287 ]

حصل المبيع في يد المشترى صح البيع بلاشبهة ثم قال وكك الكلام في عقد الرهن فان اشتراط القدرة على التسليم فيه بنا على اشتراط القبض انما هو من حيث اشتراط القبض فلا يجب احرازه حبن الرهن ولا العلم بتحققه بعده فلو رهن فيتعذر تسليمه ثم اتفق حصوله في يد المرتهن اثر العقد اثره. واشكل عليه شيخنا الاستاذ بما حاصل كلامه بأنه لا فرق بين عقد الصرف والسلم والرهن وسائر العقود لان القبض وان كان شرطا في هذه العقود الثلاثة دون غيرها الا أنه ليس جزء للسبب الناقل وليس حكمه حكم القبول كما ذكره المصنف وانما هو شرط للملكية في باب الصرف والسلم وأما الالزام والالتزام العقدى فقد تحقق بنفس العقد ولذا اختار المشهور وجوب التقابض كما سيأتي في خيار المجلس. ثم ذكر في صدر كلامه بمحاصله من أنه لاوجه لقياس الصرف والسلم وعقد الرهن وغيرها مما يشترط فيه تأخير التسليم بالعقد الفضولي فان اشتراط تأخير الثمن مدة معينة بحيث لا يجب التسليم مدة مع تمامية أركان العقد من جهة الاشتراط فيدخل تحت ضابط الخيارات الزمانية وهذا بخلاف العقد الفضولي فان التسليم لا يجب لا للفضولي ولا لغيره، أما للفضولي لعدم ارتباط العقد به كما ذكرناه من أن شرط وجوب التسليم انما كونه مالكا فالفضولي غير مخاطب بالتسليم وأما المالك لعدم استناد العقد إليه قبل الاجازة فلاوجه لقياس الاجازة بالقبض ونحوه ومحصل كلامه يرجع إلى المطلبين. أحدهما: انكار قياس الاجازة في الفضولي بمسألة القبض إذ القبض في العقود الثلاثة من الشرائط والاجازة من الاسباب المقومة قبل تمامية أركان العقد، والثانى وجوب التقابض، ثم ذكر نعم لو كان القبض جزء للعقد

[ 288 ]

كما هو المحتمل في عقد الرهن فالعجز عن التسليم لا أثر له، لانه بعد حصول التسليم لا اثر له وقبله لاعقد. أقول: أما ما افاده من عدم صحة قياس الاجازة بالقبض فمتين جدا لما عرفت من أن القدرة على ليست التسليم معتبرة في العقد الفضولي أما بالنسبة إلى الفضولي فلكونه اجنبيا عن العقد وأما بالنسبة إلى الاصيل فلعدم تحقق العقد وتماميته الا بعد الاجازة لكونها جزء مقوما للعقد و الفرض ان الاجازة لم تتحقق بعد العقد وهذا بخلاف ما يعتبر فيه القبض فان العقد أي الالزام والالتزام قد تم من المتعاقدين، وانما القبض من شرائط الملكية في الصرف والسلم فهذا كله لاشبهة فيه. وأما ما افاده من كون القبض واجبا في بيع الصرف والسلم فلا يمكن المساعدة عليه فما أفاده المصنف بحسب المدعى صحيح ولكن ما أفاده من دليله من قياس القبض بالاجازة ليس بصحيح، كما عرفت، بل الوجه في عدم وجوب التسليم والقبض في الصرف والسلم هو أن دليل وجوب القبض أما الملكية الحاصلة بالعقد كما يقوله الاكثر أو الامر بوجوب الوفاء بالعقد. أما الاول فهى مشروطة بالقبض والاقباض فما لم يحصل التقابض لم يحصل الملكية فضلا عن أن يجب الاقباض لكونه ملكا للغير فلا يكون محكوما بوجوب الدفع ما لم يتم شرط الملكية كما لا يخفى. وأما وجوب الوفاء بالعقد ففيه أولا: أنه يجب الوفاء بالعقد في غير العقود الفاسدة، أي العقود التى حصلت شرائط الصحة وأمضاه الشارع وأما فيما كانت فاسدة فلا وجه للتمسك به فبيع الصرف والسلم مع قطع النظر عن القبض ليس بصحيح فكيف يجوز التمسك بأوفوا بالعقود. وأما ثانيا: ان دليل الوفاء انما بوجوب لزوم العقد لكونه ارشادا

[ 289 ]

إلى أنه لا ينحل وأما وجوب التسليم فهو من الاحكام المترتبة عليه، بعد تحقق العقد فلا يمكن اثباه بأوفوا بالعقود كما لا يخفى، وهذا واضح جدا والعجب من شيخنا الاستاذ حيث استدل على وجوب القبض بقوله (عليه السلام) إذا نرى الحائط فانز معه وذلك فانه ناظر إلى أن بقاء البيع مشروط بعدم التفرق وبتحقق القبض والاقباض فلا دلالة فيها على الوجوب وايجاد موضوع وجوب الوفاء بالعقد وايجاد موضوع الملكية كما لا يخفى، بحيث أنه إذا اراد البايع ان يمشى يجب للمشترى ايضا ذلك مثلا إذا كان احد الطرف في معاملة الصرف والسلم المجتهد فزى البايع الحائط فلابد أن ينز آية الله على الحائط. وبالجملة أن العقود الثلاثة الصرف والسلم والرهن، فالقبض فيها من الشرائط فان تحقق تم العقد فلا غرر بوجه لعدم كون المعاملة بعد القبض والاقباض خطرية ولا من بيع ما ليس عنده، وان لم يحصل القبض والاقباض فأيضا ليس هنا غرر وبيع ما ليس عنده لفساد المعاملة بعدم تحقق القبض. قوله: ثم ان الخلاف في أصل المسألة لم يظهر الامن الفاضل القطيفي. أقول: هو المعاصر للمحقق الثاني، وقد حكى عنه أنه قال في أيضاح النافع أن القدرة على التسليم من مصالح المشترى فقط، لا أنها شرط في أصل صحة البيع فلو قدر على التسليم صح البيع وان لم يكن البايع قادرا عليه، بل لو رضى بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البايع من التسليم جاز و ينتقل إليه ولا يرجع على، البايع لعدم القدرة، نعم إذا لم يكن المبيع من شأنه ان يقبض عرفا لم يصح المعاوضة عليه بالبيع لانه في معنى أكل المال بالباطل.

[ 290 ]

أقول: هذا الفاضل وان أجاد في أصل المسألة لما ذكرنا من عدم الدليل على اعتبار القدرة على التسليم في البيع، ولكن لا يمكن المساعدة عليه في الكبرى الكلية التى أفادها من أن المشترى لو رضى بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البايع من التسليم جاز ذلك، لان هذه الكبرى منقوضة ببيع العبد الآبق مع الضميمة جيث ورد النص بعدم صحة بيعه بدون الضميمة حتى مع رضاية المشترى، بل يحكم ببطلانه كما لا يخفى. قوله: ثم ان الظاهر كما اعترف به بعض الاساطين أن القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط الا بالتبع. أقول: قد عرفت فيما تقدم أن القدرة بما هي لست لها موضوعية، بل الغرض من اشتراطها في البيع بناء على وصول العوضين إلى المتبايعين وعلى هذا فلو قدر المشترى على التسليم دون البايع كفى في الصحة كما هو المشهور مثلا لو وقع عباء أحد في الكوفة على الشط فهو لا يقدر على السباحة وباعه من شخص يقدر عليها بانه ح صح البيع لحصول الغرض فلا يضرعدم قدرة البايع على السباحة وكك لو لم يقدر كل من المتبايعين على التسليم والتسلم ولكن يوثق بحصوله في يد المشترى للاطمينان عليه، كالطيور التى تذهب صباحا وترجع مساء فان العادة قاضية برجوعها وأن لم يقدر المتبايعين على الاخذ بدون الرجوع. وعن نهاية الاحكام احتمال العدم بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم فان عود الطائر غير موثوق به لعدم العقل له ليبعثه على الرجوع. وفيه أولا: أنه لو كان له عقل لما رجع إلى الحبس اصلا فعدم العقل باعثه إلى الرجوع.

[ 291 ]

وثانيا: أنه لاوجه لبطلان بيعه حتى مع اعتبار القدرة على التسليم فان دليل الاشتراط انما هو نهى النبي عن بيع الغرر وقوله صلى الله عليه وآله لاتبع ما ليس عندك فكلا الوجهين لا يشملان المورد أما النهى عن بيع الغرر فلانه لاخطر في المقام، فانه انما يتحقق مع عدم بذل العوض أو المعوض بحيث يذهب مال أحد هما هدرا وليس كك هنا فانه يطمئن بالرجوع فان رجع فيأخذ المثمن وان لم يرجع فيأخذ الثمن وفسد البيع فأى خطر يتوجه على المعاملة. وأما قوله صلى الله عليه وآله لاتبع ما ليس عندك، أي لا تقدر على التسلط منه بناء على كون العند بمعنى الجامع دون الملكية فلعدم صدقة هنا أيضا فانه مع الاطمينان بالرجوع لا يصدق أنه من موارد بيع ما ليس عنده والا لما صح بيع الغائب أصلا. ثم لو تعذر التسليم والتسلم الا بعد مدة فان كانت هذه المدة مما يتسامح فيها كساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين فلا اشكال في الصحة كما إذا باع جوهراو كان في صندوق مقفل وكان المفتاح عند شخص لا يحضر الا بعد ساعة أو يوم ونحوهما، فان هذه المدة مما يتسامح عرفا فلا يصدق على هذه المعاملة انها غررية لعدم الخطر هنا بوجه بحيث يذهب مال المشترى هدرا وصار معدوما، بل يحصل له بعد مدة قليلة، والفرض أنهما عالمان بخصوصيات العوضين لئلا يكون جهل من جهة أخرى. وكك ليس هذا من قبيل بيع ما لا يتسلط على تسليمه لان الفرض أنه قادر عليه كما لا يخفى والنبوى ينصرف عن مثل ذلك. ولو تعذر التسليم بناء على كونه شرط في البيع الا بعد مدة لا يتسامح فيها كسنه أو أزيد فهى على قسمين، الاول: أن يكون المدة

[ 292 ]

مضبوطة ومقدرة والثانى أن لا تكون مضبوطة. أما الاول: فتارة يكون المتبايعان عالمين بالحال وأخرى يكونان جاهلين بالحال فعلى الاول فجعل المصنف فيه وجهان ولم يبين ما هو الاقوى في نظره، ولكن الظاهر هو الصحة بناء على اعتبار القدرة على التسليم في البيع وذلك لان دليل الاعتبار اما دليل نفى الغرر في البيع فهو لا يشمل المقام فانه بمعنى الخطر والخطر بمعنى احتمال الهاكة ففى صورة العلم بالواقع والتعذر إلى مدة معينة كقدوم الحاج ونحوه فلا خطر بوجه إذ هو متقوم بالجهل والغفلة على ما ذكره المصنف والمشترى انما أقدم عليه مع العلم بالحال فأى خطر هنا وأما النهى عن بيع ما ليس عنده فلا نه مع العلم أقدم عليه فالمقام في قوة اشتراط تأخير التسليم لفرض علم المتبايعين بالحال ومع ذلك فلا يكون عدم القدرة على التسليم إلى المدة المضبوطة مضرا في البيع كما لا يضر مع اشتراط التأخير كما لا يخفى. وبالجملة أن البيع هنا صحيح بلا شبهة وأما في صورة الجهل بالمدة المذكورة فذكر المصنف صحة البيع مع الخيار للمشترى لفوات منفعة العين في المدة المذكورة. ولكن الظاهر هو عدم الصحة وذلك فان كلا الدليلين أي النبويين شاملان للمقام أما النبوى الاول فلتحقق الغرر أي الخطر فأن عدم وصول المبيع مثلا إلى المشترى في هذه المدة وانتفاء المنافع كسنة خطر على المشترى فيكون من أوضح موارد بيع الغرر فيفسد بناء على اعتبار الشرط وكون النبوى دليلا في المقام وأما النبوى الثاني فلان البايع غير مسلط على التسليم في هذه المدة فيكون هو أيضا شاملا للمورد ولا يقاس ذلك بصورة العلم فانه وان كان ايضا غير قادر على التسليم في المدة ولكنه قلنا

[ 293 ]

بخروجه عن تحته من جهة كونه في قوة الاشتراط أي اشتراط تأخير المثمن فلا يضر بالصحة وهذا بخلاف المقام. وعلى هذا فلا وجه لما زعمه المصنف من كون المعاملة في صورة الجهل صحيحة مع كون المشترى على خيار فيه. ومن هنا ظهر حكم صورة كون المدة مجهولة وغير مضبوطة وهذا كبيع العبد المنفذ إلى هند لقضاء حاجة لا يعلم وقت رجوعه فلاوجه لما ذكره المصنف هنا من الاشكال كما لا وجه لما جعله من الفرق بين هذه الصور حيث استشكل في صحة البيع وصورة الجهل بالمدة مع كونها مضبوطة حيث حكم بالصحة مع الخيار. قوله: ثم ان الشرط هي القدرة المعلومة للمتبايعين لان الغرر لا يندفع بمجرد القدرة الواقعية. أقول: الصور المتصورة في المقام اربعة علم المتبايعين بالقدرة مع وجود القدرة الواقعية، وعلمهما بالعجز مع العجز عن التسليم في الواقع وعلمهما بعدم القدرة مع وجود القدرة في الواقع وعلمهما مع عدم القدرة في الواقع. أما الصورة الاولى: فلا شبهة في الصحة لوجود القدرة على التسليم في الواقع وعلمهما فلا غرر ولا أنه من بيع ما ليس عنده. وأما الصورة الثانية فلا شبهة في عدم صحته لكونها من أوضح أفراد الغرر المنهى عن البيع ومن قبيل بيع ما ليس عنده، وانما الكلام في الصورتين الاخيرتين. أما الثالثة فهى ما كان المتبايعان عالمين بعدم القدرة ولكن كان في الواقع عاجزين عن التسليم أو احد هما عاجزا عنه وعلى ان دليل الاعتبار هو دليل نفى الغرر فلا شبهة في فساد المعاملة إذ الغرر هو الخطر و

[ 294 ]

الخطر بمعنى احتمال الخطر فهو موجود في المتبايعين أو في أحدهما بالوجدان فهو ليس تابعا بالواقع، قد عرفت أن المصنف قال باعتبار الجهل والغفلة في مفهوم الغرر فهو متحقق فيما نحن فيه، كما لا يخفى فتكون المعاملة خطرية فتبطل، وان كان الدليل هو النهى عن بيع ما ليس عنده فلا يحكم بفساد المعاملة لعدم شموله لما نحن فيه، فانه ليس من بيع ما ليس عنده، بل هو مسلط على التسليم وقادر عليه غاية الامر غير ملتفت بذلك. وأما إذ كانا في الظاهر عالمين بالقدرة وكانا في الواقع غير قادرين أو أحدهما قادر والاخر غير قادر، فالظاهر فساد المعاملة على كلا الدليلين فانه ان كان الدليل هو نفى الغرر فلا شبهة في كون المعاملة غررية وذلك فان المتبايعين وان كانا عالمين بالقدرة على التسليم وكان مقتضى ذلك الحكم بعدم الغرر لما عرفت من اعتبار الجهل في مفهوم الغرر ولكن عرفت سابقا أن احتمال الخطر والهلاكة ليس موضوعا للحكم بحيث يكون فساد المعاملة وعدمها دائرا مدارا احتمال الخطر وعدم احتماله، بل اخذه في لسان الدليل من باب كفاية الشارع بادنى مرتبة الغرر لاأنه أي الاحتمال تمام الموضوع في المقام فلا محالة فيكون الاحتمال طريقا إلى الواقع وبما انه طريقا إليه يكون موردا للحكم ومن هنا قلنا فيما تقدم أنه مع قطع بالهلاك فيثبت الغرر بالاولوية فانه إذا ثبت الغرر باحتمال الهلاك وفسدت المعاملة باحتمال الهلاك وفى صور القطع بالهلاك فاولى بالفساد مع أنه لو كان موضوع الحكم هو الاحتمال لما كان وجه لتسرية الحكم إلى القطع بالهلاك لعدم أخذه في لسان الدليل وأما النبوى الثاني أعنى النهى عن بيع ما ليس عنده فهو ايضا شامل للمقام فانه غير قادر على التسليم وان كان عالما به في الظاهر الا انه جهل مركب فلا يفيد بوجه فتكون المعاملة فاسدة. قولة: ولو باع ما يعتقد التمكن فتبين عجزه في زمان البيع.

[ 295 ]

أقول: ذكر المصنف أنه لو باع احد ما يعتقد تمكنه من تسليمه كالساعة ونحوها وتبين عجزه في زمان البيع ولكن تجددت قدرته بعد البيع صح وان لم يتجدد يبطل ولم يستدل على ذلك بشئ. والظاهر أنه لاوجه لهذا الكلام ولا يترقب صدوره من المصنف (ره) وذلك لانه ان كان النظر بدليل نفى الغرر حال العقد وبعدم القدرة على التسليم كك فلا شبهة في فساد البيع فانه حين التحقق كان غرريا لفوات مقدار من المنافع عنه في المدة التى كان عاجزا على التسليم لما عرفت من كون الاحتمال طريقا إلى الواقع وكان هو أيضا في الواقع غير قادر فلا يحديه العلم بالقدرة حال العقد لكونه جهلا وكك أنه ليس قادرا على التسليم بانه علمه بذلك في الظاهر لا يوجب قدرة على التسليم مع كونه جهلا مركبا وتجدد القدرة بعد زمان لا يوجب انقلاب العقد الفاسد إلى الصحيح لان الشئ لا ينقلب عما هو عليه. وان كان النظر إلى العلم بالقدرة في الظاهر وقلنا بكونه مجزيا في البيع من غير توجه إلى الواقع وأنه يحصل به القدرة على التسليم فلا شبهة في صحة المعاملة وكيف كان لا نرى وجها للتفصيل في المقام كما لا يخفى فافهم. وبعبارة أخرى ان كان النظر في هذا الفرع إلى الظاهر فلا شبهة في تحقق الشرط فيكون البيع صحيحا وان كان النظر إلى الواقع فلا شبهة في تحقق عدم الشرط فيكون العقد باطلا من غير فرق بين كون الدليل أي من النبويين كما لا يخفى قوله: ثم لااشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا. أقول: قد عرفت بما لا مزيد عليه أن المعتبر في البيع هو العلم

[ 296 ]

بالقدرة على التسليم وأن المانع عنه هو احتمال العجز عن التسليم وانما كان القطع بالعجز عن التسليم مانعا من باب الاولوية والفحوى لابدلالة النبوى منطوقا لعدم الغرر في صورة العلم بالعجز. وأما الكلام فيما إذا كان البيع صادرا عن غير المالك بان كان وكيلا عنه في ذلك فهو تارة يكون وكيلا في اجراء العقد فقط فلا يعتبر فيه قدرته على التسليم ولا أن عجزه مانع عن البيع، بل هو وكيل في العقد واجراء الصيغة فقط، بل لا يعتبر علمه بخصوصيات المبيع كما لا يعتبر في النكاح أن يعرف الزوجين وفى الطلاق لا يعتبر علمه بالخصوصيات بل يجرى الصيغة بدلا عن الموكل بلا احتياج إلى شئ اصلا وانما الشرائط كلها معتبرة في العوضين والناكح والمنكوح والمطلق والمطلقة والحاصل لا عبرة بقدرة العاقد وعجزه كما لا عبرة بعلمه وجهله بشرائط طلاق زوجة موكله. وبالجملة أن مجرى العقد ليس له الا التصدى والمباشرة باجراء صيغة العقد فقط وأما الزائد عن ذلك فلا يرجع إليه أصلا. وأما الوكيل المفوض فلا شبهة في كفاية قدرته لعدم الغرر مع ذلك وعدم كون بيعه من بيع ما ليس عنده وأما كفاية قدرة موكله مع عجز الوكيل فهو وجهان، والظاهر هو كفايته وذلك من جهة أن القدرة وان كانت معتبرة في العاقد وكان الوكيل عاجزا عنه ولكن الوكيل حيث كان بدلا تنزيليا للموكل وفى منزلته كفى قدرة الموكل في صحة اعتبار الشرط المذكور في العقد ومن لو عرض للوكيل شئ وصار عاجزا عن اتهاء الشرائط المعتبرة في المعاملة أو في افعاله الاخر لكان الوكيل مسؤلا في ذلك ويراجع إليه في تتميم هذا الشرط. نعم يعتبر في ذلك علم المشترى بقدرة الموكل على التسليم والا

[ 297 ]

فتكون المعاملة غررية لما عرفت من أن الغرر بمعنى الخطر وهو متحقق مع جهل المشترى بقدرة الموكل على التسليم مع كونه عالما بعجز الوكيل الا ان يكون الدليل على الاعتبار منحصرا بنهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عنده فانه حينئذ يحكم بصحة لعدم صدق بيع ما ليس عنده على ذلك مع قدرة الموكل على التسليم فان البيع بيع واحد له ولوكيله وما لوكيله له ومن هنا ظهر أن ما في كلام شيخنا الاستاذ من الحكم بالصحة من غير فرق بين علم المشترى على قدرة الموكل وجهله بها في غير محله. وربما يقال بتقييد الحكم بالكفاية بما إذا رضى المشترى بتسليم الموكل ورضى المالك برجوع المشترى عليه فبدونهما لا يمكن الالتزام بالصحة وأن الامر مفوض إلى الوكيل وبعبارة أخرى أن المعتبر في المعاملة اعتبار قدرة المتبايعين على التسليم وهما الوكيل من قبل البايع والمشترى وبما ان الوكيل بدلا تنزيلي للموكل فيكفى قدرته أيضا في صحة البيع ولكن لا مطلقا، بل إذا رضى المشترى أن يرجع إلى الموكل ورضى الموكل أن يرجع المشترى إليه والا فلا وجه للصحة إذ للمشترى أن يقول بانى ما عاملت مع المالك وانما عاملت معك، وأنت المخاطب بالتسليم وهكذا للمالك أن يتكلم بمثل ذلك. ثم رتب على ذلك رجحان الحكم بالبطلان في الفضولي لان التسليم المعتبر من العاقد غير ممكن قبل الاجازة لكونه أجنبيا عن العقد وانما هو فضولي محض واسمه مطابق مع المسمى وأما قدرة المالك فانما تؤثر لو بنى العقد عليها وكان المالك راضيا برجوع المشترى إليه وكان المشترى راضيا بالرجوع إلى المالك وحصل التراض منهما على العقد حال البيع لعدم كفاية قدرة الآذن في صحة بيع المأذون الا مع الشرط المذكور كما لا يخفى

[ 298 ]

والفرض أنه لم يتحقق في الفضولي والبناء على القدرة الوقعية غير مفيد إذ الشرط هي القدرة المعلومة. والحاصل أنه يعتبر في صحة بيع الفضولي رضاية المشترى برجوعه إلى المالك ورضاية المالك برجوع المشترى إليه، وقدرة البايع على التسليم، اما الشرط الاول فغير متحقق لعدم البناء على ذلك واما الشرط الثاني فكذلك أيضا إذ لعدم كون الفضولي قادرا على ذلك لخروجه عن حدود العقد وقدرة المالك لم تنفع لعدم كونها مؤثرة في ذلك، بل تؤثر مع البناء المذكور. وبعبارة أخرى ان القدرة قبل الاجازة لم توجد وبعدها ان وجدت لم تنفع، والحاصل أنه أنكر صحة الفضولي بهذا الاشكال المختصر. ثم أورد على نفسه بأنه يمكن الوثوق بقدرة الفضولي على التسليم بأن يحصل رضاية المالك على ذلك لعدم رد المالك كلامه لصداقة بينهما وأنه لا يخرج عن رأية فتحقق للفضولي بذلك قدرة على التسليم حال العقد. ثم أجاب عنه بوجهين، أولا: بأن هذا الفرض يخرج الفضولي عن كونه فضوليا لمصاحبة الاذن للبيع غاية الامر انما يكون حصول ذلك بالفحوى وشاهد الحال فلا يتوقف صحته على الاجازة وثانيا: بأنه لو سلمنا بقائه على الصفة وظاهر أن القائلين بصحة الفضولي لا يقصرون الحكم على هذا الفرض. وقال المصنف: وفيما ذكره من مبنى مسألة الفضولي ثم تفريع االفضولى ثم في الاعتراض الذى ذكره ثم في الجواب عنه أولا وثانيا تأمل، بل نظر فتدبر. اما ما ذكره من مبنى مسألة الفضولي من اعتبار رضاكل من الموكل

[ 299 ]

والمشترى في الرجوع إلى الاخر فاسد في نفس هذه المسألة لعدم الدليل عليه وانما المانع عن صحة البيع هو الغرر وعجز البايع عن التسليم ومن الواضح أنه يكفى قدرة المالك على التسليم مع رضا المشترى بها كما عرفت لعدم الغرر ولاكونه من بيع ما ليس عنده ومع ذلك فاعتبار آمر آخر هنا وهو رضاية كل من المالك الموكل والمشترى بالرجوع إلى الاخر تحرض إلى الغيب وقد عرفت ان قدرة الموكل يكفى في صحة بيع الوكيل لكونه نازلا منزلة الموكل وأن فعله فعل الموكل كما لا يخفى. وعلى تقدير تسليم الاشكال في بيع الوكيل فلا تسلم كونه مبنى لبطلان بيع الفضول وتفريعه عليه وذلك لما عرفت من خروج الفضولي عن حدود البيع وانما هو فضولي محض فلاوجه لاعتبار قدرته على التسليم في البيع وأن اعتبار قدرته عليه كاعتبار قدرة الجار على ذلك وأن حاله حال الوكيل في اجراء الصيغة، بل اسوء منه فهل يتوهم أحد اعتبار قدرة مجرى العقد على التسليم في صحة العقد والحاصل أن الفضولي خارج عن باب العجز عن التسليم تخصصا وهو اسوء حالامن الوكيل في اجراء الصيغة الذى لاشبهة في أن قدرته وعجزه لا أثر له فانه لا يرتبط به العقد حتى يكون عجزه موجبا لبطلان العقد كما هو واضح والحاصل بناء على صحة المبنى فلاوجه للتفريع. وأما الاعتراض فلو سلمنا المبنى وسلمنا أيضا تفريع بطلان الفضولي عليه ولكن الاعتراض الذى أورده على نفسه لاوجه له مع قطع النظر عما أجابه عن الاعتراض وذلك أولا ما عرفت من كون الفضولي خارجا عن العقد وأن البيع انما يكون أما لغوا محضا مع عدم الاجازة أو بيعا للمالك مع الاجازة فالمناط في القدرة المعتبرة في صحة العقد هو قدرة المالك المجيز لا قدرة

[ 300 ]

شخص آخر وان اعتبار قدرة الفضولي في ذلك كاعتبار قدرة الاجانب في ذلك العقد. وثانيا: أن مجرد وثوق الفضولي بارضاء المالك لا يوجب قدرة الفضولي على التسليم المعتبر حال العقد والذى اعتبرناه في المبنى، ثم رتب عليه التفريع هو رضا كل من الموكل والمشترى بالرجوع إلى الاخر، و ليس في البين رضاء من المشترى بتسليم المجيز ولا رضاء من المالك برجوع المشترى إليه فلا محل لهذا الاعتراض. وعلى تقدير ورود الاعتراض فجوابه أولا بخروجه على هذا عن الفضولي غير تمام لما عرفت سابقا من عدم كفاية الرضاء المقارن في خروج العقد عن الفضولية بل لابد في الخروج من الاذن السابق أو الاجازة اللاحقة أو الوكالة. وعلى تقدير الكفاية فليس هنا رضاء المقارن أيضا لعدم كون المالك راضيا بذلك بالفعل بل الفضولي يتثق من نفسه بالمالك يرض بذلك ولا يخرج عن رأية ومن الواضح أنه أمر متأخر لافعلى كما لا يخفى. وأما الجواب الثاني بأنه على تقدير التمامية لا يعم جميع افراد الفضولي وكونه أخص من المدعى فلا يرد عليه اعتراض فلاوجه لنظر المصنف في جميع ذلك وقوله وفى جوابه أولا وثانيا. ولعله نظرا في غير الجواب الثاني ومراد ثم في الجواب أولاو ثانيا رجوع النظر إلى الجواب أيضا وان كان بعضه تماما والله العالم.

[ 301 ]

الكلام في بيع الابق قوله: مسألة لا يجوز بيع الابق منفردا على المشهور بين علمائنا. أقول: يقع الكلام في هذه المسألة في امور ثلاثة، الاول: أنه ذكر المصنف في آخر الكلام أن الغرر المنفى في حديث نفى الغرر كما تقدم هو ماكان غررا في نفسه عرفا مع قطع النظر عن الاحكام الشرعية الثابتة للبيع و لذا قوينا فيما سلف جريان نفى الغرر في البيع المشروط تأثيره شرعا بالتسليم وحاصل كلامه ان الغرر أمر عرفى كلما تحقق فيوجب فساد المعاملة للنهى عن بيع الغررى كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقة، وان لم يتحقق فلا يترتب عليه الحكم، وأما الاحكام الشرعية فغير منوط به ولايقال أن هذا غرر مع لحاظ حكم الشارع في الموضوع الفلاني أو ليس بغرر مع لحاظ الحكم الفلاني. ورتب على ذلك بطلان البيع مراعى بالتسليم على خلاف الشهيد في اللمعة حيث استقرب الصحة وقال ان تسلم قبل مدة لا يفوت الانتفاع المعتد به صح البيع ولزم والا تخير المشترى بين الفسخ والامضاء وأفاد المصنف في وجه البطلان أن ثبوت الخيار حكم شرعى عارض للبيع الصحيح الذى فرض فيه العجز عن تسلم المبيع فلا يندفع به الغرر الثابت عرفا في البيع الذى يوجب بطلانه. وكذلك رتب عليه بطلان بيع الضال والمجحود والمغضوب ونحوهما بدعوى أنه غررى في نظر العرف فحكم الشارع بانفساخ العقد بالتلف الرافع للغرر لا يرفع الغرر العرفي لما عرفت من عدم لحاظ الغرر مع الاحكام الشرعية كما لا يخفى.

[ 302 ]

أقول أن الغرروان كان من المفاهيم العرفية وأمره تحت نظر العرف كسائر المفاهيم العرفية الا ان تطبيقه على المصاديق ليس منوطا بنظرهم وعليه فإذا حكم الشارع في مورد بعدم الغرر أو بوجوده فلا محذور فيه ولايقال أن العرف لا يراه غررا كما هو كك في كثير من الموارد كنفى الربا بين الوالد والولد ونفى الشك في كثير الشك وهكذا. وعلى هذا فلا مانع من الحكم بصحة البيع مراعى بالتسلم نظير بيع السلم فانه ان كان البايع قادرا على التسليم إلى رأس المدة فيحكم بالصحة فلا خطروان لم يقدر على تسليمه وأيضا لاغرر لكونه باطلا من أصله. وبالجملة فحكم الشارع بالانفساخ مع تعذر التسليم الذى هو في حكم التلف قبل القبض رافع للغرر فلا وجه لما أفاده المصنف من كون الغرر أمرا عرفيا غير مربوط بحكم الشارع وغير ملحوظ معه. وبعبارة أخرى عدم القدرة على التسليم هنا كتلف المبيع قبل القبض في سائر الموارد فكما أنه ليس غرر في الثاني وكذلك في الاول كما لا يخفى. وأما بيع المحجود والضال والمغصوب فان كان تسليمها مرجوعا في مدة مضبوطة فلا شبهة في صحة المعاملة لعدم الغرر فيها بناء على تمامية دليل نفى الغرر وح إذا تمت المدة فان حصل تمكن فيها والا فيحكم بالبطلان للانفساخ فأيضا لاغرر وتوهم غررية البيع في مدة عدم الوصول إلى المبيع فاسد لاقدام المشترى في ذلك الوقت على الضرر. وكك الكلام إذا كان مشكوك الحصول للمتبايعين إلى مدة معينة و لكن في المدة يكون أمره منجزا فانه اما يرجع قطعا أو لا يرجع قطعا فعلى كل حال لاغرر رفيه فانه ان حصل صح البيع فلا خطر وان لم يحصل فيبطل

[ 303 ]

البيع أيضا فلا خطر. بل الامر كك في صورة علم المتبايعين بعدم الرجوع ولكن إلى مدة معينة ثم بعد ذلك فاما يرجع قطعا أو لا يرجع قطعا، وكذلك لو علما بعدم الوصول إليه ولكن كان نظر المشترى من الاشتراء الانتفاع بعتقه فانه يصح مع العلم بعدم الرجوع لعدم الغرر ومن هنا لم يستشكل احد في صحة بيع العبد المريض من جهة كونه غرريا لعدم العلمه ببرئه وموته وذلك لانه يجوز الانتفاع به ما لم يمت بالعتق فلا غرر نعم إذا لم يعلم حصول التمكن إليه في مدة مجهولة فلا يعلم أنه يتمكن منه في مدة قليلة أو كثيرة بحيث دار الامر بين الاقل والاكثر فيحكم بالبطلان لدليل نفى الغرر بناء على تماميته فان انتفاء المنفعة في مدة لا يعلم أنها أي مقدار خطر على المشترى. ومن هنا يعلم أن ما ذهب إليه الشهيد في اللمعة من صحة البيع فيها إذا باع مراعى بالتسليم وجيه جدا. الامر الثاني أن مسألة بيع عبد الآبق لا يرتبط بمسألة الغرر، فان الدليل على عدم جواز بيع العبد الآبق هو النص والا فربما ليس فيه غرر أصلا لجواز الانتفاع به بالعتق وعلى هذا فلاوجه لتعليل عدم جواز بيعه بأنه مع اليأس عن الظفر به بمنزلة التالف ومع احتماله بيع غررى منفى اجماعا نصا وفتوى. وبالجملة لا يجوز بيع العبد الآبق منفردا مطلقا للنص، خلافا للاسكافي على ما نسب إليه من تجويزه مبيعه إذا يقدر عليه المشترى أو يضمنه البايع. وكيف كان فمسألة عدم جواز البيع مجهول للغرر ومسألة عدم جواز بيع العبد الآبق مسألتان لا يرتبط احدهما بالاخر ولاوجه لتعليل بطلان بيع الآبق

[ 304 ]

بطلان البيع الغررى كما لا يخفى. وعلى هذا لا تنافي في كلامي الشهيد في اللعمة والعلامة في التذكرة قال الشهيد في اللمعة لا يجوز جعل العبد الآبق مثمنا وجزم به ثم تردد في جعله ثمنا وان قرب اخيرا المنع مع الانفراد ثم حكم بجواز بيع الضال والمحجود وقال العلامة في التذكرة نظير ذلك حيث ادعى أولا الاجماع على اشتراط القدرة على التسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غررى ثم قال والمشهور بين علمائنا المنع من بيع الآبق منفردا، وقال بعض علمائنا بالجواز وحكاه عن بعض العامة أيضا ثم ذكر الضال ولم يحتمل فيه الا جواز البيع منفردا أو اشتراط الضميمة، وذكر المصنف (ره) فان التنافى بين هذه الفقرات الثلاث، ظاهر والتوجيه يحتاج إلى تأمل. ووجه التنافى عنده أنه لا يجتمع دعوى الاجماع على اشتراط القدرة على تسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غررى مع دعوى الشهرة على عدم جواز بيع الآبق منفردا مع أنه أيضا غررى فلا بد من دعوى الاجماع عليه وكك لا يجتمع ذلك مع دعوى جواز بيع الضال مع أنه مثل الآبق والحاصل أن الضال مثل الآبق فلابد من دعوى الشهرة على عدم جواز بيعهما وبيع الآبق غررى فلابد من دعوى الاجماع على بطلان بيعه أيضا. أقول: وقد ظهر ممل ذكرنا من الفرق بين المسألتين عدم التنافى بين جميع هذه الفروع أصلا فان حكم الشهيد ببطلان بيع الآبق وجعله مثمنا لورود النص فيه وترد ده في الثمن من جهة احتمال اختصاصه بالمثمن كما هو الظاهر من النص لا يجوز اشتراء العبد الآبق وحكمه بجواز بيع الضال جزما فلخروجه عن مورد النص قطعا لعدم وروده فيه أصلا وكك

[ 305 ]

دعوى العلامة الاجماع وانما هو في بيع الغرر الذى هو غير بيع العبد الآبق ودعوى الشهرة في بيع العبد الآبق وتجويز البيع في الضال الخارج عنهما جزما هو واضح فلا تنافى ومن هنا ظهر الاشكال ما في حكم المصنف بعدم جواز جعل العبد الآبق ثمنا كما لا يجوز جعله مثمنا لاشتراكها في الادلة. نعم يمكن استفادة عدم جواز من التعطيل بقوله (ع) ان لم يقدر المشترى عليه فكان ما أخذه مكان ما نقده فانه يشمل الثمن أيضا كما أنه يشمل الضال أيضا. الامر الثالث إذا اعتبرنا القدرة على التسليم في البيع فهل يلحق به الصلح، وجوه، الاول: عدم الاعتبار مطلقا لكونه مبنيا على المساهلة و التوسعة فلا يضر فيه الجهل بالعوضين على أن دليل الغرر مخصوص بالبيع فلا يجرى في غيره. الثاني: اعتبار الشرط المذكور في الصلح، بل في جميع العقود المعاوضة فدليل نفى الغررو ان ورد في البيع ولكنه لا خصوصية فيه حتى أن الفقهاء يستدلون به في غير المعاوضات كالوكالة فضلا عن العقود المعاوضية كالاجارة والجعالة والمزرعة وغيرها، بل أرسل العلامة في كره على ما نسب إليه المصنف في الخيارات أنه نهى عن الغرر. الثالث: التفصيل بينما يكون البناء فيه على التسامح كما في الصلح المحاباتى فيحكم بعدم اعتبار الشرط المذكور فيه لعدم الغرر فيه بعد ما كان الغرر ايصال المال إلى المصالح له وعدم كون اخذ العوض محط نظر أصلا فلو صالح جميع أمواله لزيد في مقابل درهم وكان فيه فرس شارد لا يضر بصحة الصلح لعدم الغرر فيه اصلا وبين ما لم يكن كك كما هو المرسوم

[ 306 ]

في السوق كثيرا حيث يعاملون بلسان الصلح في معاوضاتهم وهو في الحقيقة بيع بلسان الصلح وقد اعتبروا الشرط المذكور هنا لكونه بيعافان البيع هو مبادلة مال بمال وهو صادق عليه كما تقدم في أول البيع. أقول: ان كان مدرك الاشتراط الاجماع على الاشتراط وعدم جواز بيع ما لا يقدر البايع على تسليمه فلا يجرى في غير البيع، فانه دليل لبيى فلا بد من أخذ المقدار المتيقن وهو البيع وان كان دليله هو نفى الغرر أولا تبع ما ليس عندك فيجرى ذلك في القسم الثاني من الصلح، لعدم الخصوصية البيع، فان الفرض هو نفى الغرر وله خصوصية لا للبيع على ان القسم الثاني من الصلح بيع لانه تبديل بين الشيئين وهو صادق عليه، فان نتيجة التبديل بين الشيئين الذى هو حصول المال للمتعاوضين حاصل هنا أيضا. ولكن قد عرفت عدم تمامية دليل نفى الغرر لضعف السند وعدم تمامية لاتبع ما ليس عندك من جهة عدم تمامية دلالته فلا يبقى دليل على اعتبار الشرط المذكور في البيع فضلا عن الصلح وعلى هذا فلابد من التكلم في مسألة العبد الآبق الذى ورد فيه نص حتى نلاحظ أنه يمكن استفادة حكم غير العبد الآبق من ذلك أم لا، والا لما كان لخصوص هذه المسألة ثمرة عملية فعلا، واما بناء على المشهور من تمامية اعتبار الشرط بدليل نفى الغر فبيع العبد الآبق مع الضميمة تخصيص، فنقول أنه لاشبهة في عدم جواز بيع العبد الآبق منفردا لورود النص عليه، والامع الضميمة خلافا لمجموع العامة فانهم منعوا عن ذلك فبيعه مع الضميمة تخصيص لعدم جواز بيع ما لا يقدر على تسليمه على مسلك المشهور، فان مقتضى القاعدة بطلان البيع ولو جعل مجهول الحصول جزء المبيع لان جعل جزء من الثمن مقابل المجهول غررى.

[ 307 ]

وأما على مسلكنا فالحكم الثابت على جواز بيع الآبق مع الضميمة من الاول مضيق فيكون عدم جواز بيعه بدون الضميمة تخصيصا للعمومات وقد ورد روايتان تدلان على عدم جواز بيع العبد الآبق بدون الضميمة. الاولى صحيحة (1) رفاعة، قال: قلت لابي الحسن (ع) ايصلح لى أن اشترى من القوم الجارية الآبقة واعطهم الثمن واطلبها أنا، قال: لا يصلح شرائها الا ان تشترى منهم ثوبا أو متاعا فنقول اشترى منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما فان ذلك جائز. فهذه الرواية مختص بالبيع والرواية الثانية موثقة (2) سماعة، فهى أوسع منها عن أبي عبد الله (ع) في الرجل قد يشترى العبد وهو آبق عن أهله قال: لا يصلح الا أن يشترى معه شيئا فيقول أشترى منك هذا الشئ و عبدك بكذا وكذا درهما، فان لم يقدر على العبد كان الذى نقده فيما اشترى معه فان ذيل الرواية من التعليل لا يختص بالبيع، بل يجرى في غيره أيضا كما لا يخفى. فمقتضى الروايتين أن بيع العبد الآبق منفردا لا يجوز مع أن فيه نفعا وهو الانتفاع به بالعتق وأما غير العبد الآبق فلا يجوز بيعه بدون الضميمة بطريق أولى، إذا تعذر التسليم فيه لعدم النفع له فيكون الروايتان دليلا على اعتبار القدرة على التسليم في البيع وغيره من العقود، و المعاوضية كما اشرنا إلى ذلك فيما سبق من التكلم في دليل الشرط، و بالجملة فدليل اعتبار القدرة على التسليم هو النص الوارد في عدم جواز


(1) وسائل، ج 12، ص 262 (2) وسائل، ج 12، ص 263

[ 308 ]

بيع العبد الآبق منفردا فانه يدل على عدم الجواز في غيره بدون الضميمة بالاولوية وأما مع الضميمة فبمقتضى قوله عليه السلام فان لم يقدر كان مانقده فيما اشترى معه جائزا فان المستفاد من ذلك أن المال لا يذهب في كل مورد كان بيع غير المقدور مع الضميمة وأن ذلك حكم بعنوان القضية الحقيقية وان كان الثمن صالحا في مقابل الضميمة حكم كلى وعليه فنتعدى بذلك إلى الصلح وجميع العقود المعاوضية عليه، بل نتعدى بجواز بيع غير الآبق مع الضميمة فما لا يقدر على تسليمه كالفرس الشارد، والابل الشارد، كما عرفت، ومع الغض عن شمول الرواية على ذلك فقد عرفت أنه لادليل على اعتبار القدرة على التسليم الا الفحوى من روايتين بيع العبد الابق مع الضميمة ومن الواضح أن الفحوى يجرى في صورة الانفراد لامع الضميمة وأما فيه فيتمسك بالعمومات كما لا يخفى ولكن لم يلتزموا المشهور بجواز بيع غير العبد الآبق من موارد عدم القدرة على التسليم مع الضميمة حتى صرحوا بعدم جواز بيع الفرس الشارد مع الضميمة والوجه في ذلك دعوى الاجماع، بل النص كما تقدم من نفى الغرر من المشهور على بطلان بيع مالا يقدر على تسليمه ولكن مجرد عدم التزامهم بذلك لا يوجب الوهن بعد ما ساعدنا الدليل على الحكم بالجواز في غير الآبق أيضا مع الضميمة لشمول العمومات عليه. ثم يقع الكلام في خصوصيات ذلك، ففى هنا فروع: الاول: هل يجوز بيع الآبق مع الضميمة مطلقا، سواء كان رجوع العبد مرجوا أم غير مرجو؟ أو لا يجوز الا إذا كان مرجو الرجوع فقد؟ اختار المصنف الثاني وتبعه شيخنا الاستاذ وقد استدل المصنف عليه بأن ظاهر السؤال في الرواية الاولى هو ذلك حيث قال الراوى ايصلح لى أن اشترى من

[ 309 ]

القوم الجارية الآبقة اعطيهم الثمن وأطلبها فأن الظاهر من كلمة اطلبها أن الوصول إليها مرجو والا لما كان وجه للطلب. وكك ظاهر الجواب في الرواية الثانية حيث قال (ع) فان لم يقدر على العبد كان الذى نقده فيما اشتراه معه، فان الظاهر من كلمة فان لم يقدر أن الوصول إليه حين البيع كان مرجوا والا لم يكن وجه لهذا الكلام ثم قال أن ذلك هو ظاهر معاقد الاجماعات المنقولة، ثم استدل على البطلان في صورة اليأس بوجهين آخرين، الاول أن بذل جزء من الثمن في مقابله أكل للمال بالباطل، والثانى أنه بيع سفهى والا لجاز بيعه مستقلا فالمانع من استقلاله مانع عن جعله جزء من الثمن في مقابله. أما قضية لزوم كونه أكلا للمال بالباطل فقد عرفت أن آية النهى عن أكل المال بالباطل مختصة بالاسباب الفاسدة كالقمار ونحوه مقابل الاسباب الصحيحة فلا تدل على شرائط العوضين. وأما الثاني: فقد عرفت عدم الدليل على بطلان بيع السفهى، بل العمومات بالنسبة إليه محكمة وانما الدليل على بطلان بيع السفيه وهو لمهجوريته عن التصرف، على أنه قد يكون سفهيا أي فيما كان ما جعله من الثمن في مقابل العبد زائدا وبالمقدار الواقع في مقابل غير الآبق وأما إذا كان بمقدار أربعة فلس سفه فيه، بل ربما يحصل له نفع عظيم من ذلك كما لا يخفى. وأما الرواية فلا مانع من شمول قولة (ع) فان لم يقدر الخ، على صورة اليأس ايضا فان احتمال الوصول معه باق على حاله وكذلك لامانع من شمول السؤال على ذلك فانه لامانع من المطالبة مع اليأس لاحتمال الوصول إليه.

[ 310 ]

وأما القطع بعدم الرجوع فهل يصح البيع هنا مع الضميمة أم لا؟ الظاهر أنه لا مانع عنه هنا أيضا وذلك أن قوله (ع) وان لم يقدر على العبد كان مانقده فيما اشتراه معه وان لم يكن شاملا لصورة القطع بعدم الرجوع ولكن الظاهر من الرواية عدم اختصاص الجواز بذلك فان الظاهر منها أن المثمن يقع في مقابل الضميمة وكذلك كون الضميمة وكذلك كون الضميمة قابلا لان يقع في مقابل الثمن ولا يذهب هدرا فكون الثمن صالحا لان يقع في مقابل الضميمة حكم كلى نحو القضية الحقيقية وانما سأل السائل عن فرد من ذلك لا أن الرواية مسوقة لبيان حكم قضية شخصية في مورد خاص بحيث لا يمكن التعدي منه إلى غيره ولذا ذكر في السؤال أن الرجل قد يشترى العبد الآبق. وبالجملة الظاهر من الرواية أن بيع العبد الآبق مع الضميمة مطلقا صحيحة سواء كان رجوعه مرجوا أو لا، بل يصح مع القطع بعدم الرجوع كما عرفت. منها أنه يعتبر كون الضميمة مما يصح بيعها مستقلا لظهور الرواية في ذلك فان قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشتراه معه ظاهر، بل صريح في كون الضميمة عما يكون قابلا لان يقع عليه البيع فلو لم يصح بيعه اما لعدم النفع عرفا كالخنفساء والجعلان ونحوهما أو لعدم النفع فيه شرعا كالخمر والخنزير والميتة واما لكونه مال الغير فلا يصح ان يقع ضميمة فان مالا يصح بيعه مستقلا لا يصح بيعه مع الضميمة أيضا. ومنها أن يصح بيعها منفردا فما لا يصح بيعه كك كالعبد الابق، فهل يصح بيعه أو لا؟ ففيه خلاف فقد استشكل المصنف فيه من جهة عدم شمول الرواية له وساعده شيخنا الاستاذ ولكن اختار الاستاذ المنع من جهة اقتضاء مناسبة الحكم والموضوع ذلك المعنى، فان ما لا يصح بيعه

[ 311 ]

مستقلا فكيف يصح مع ضمه بمثله فلا يفيد انضمام ما لا يصح بيعه بمثله الحكم بالجواز بل يكون هو أيضا مثله كما هو واضح. ولكن ما ادرى كيف لاحظوا الرواية حتى حكموا بعدم دلالتها على ذلك فان قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه أقوى ظهور في الاشتراط فان الظاهر منه أنه لابد وان يكون هنا شئ يقع الثمن في مقابله مع عدم القدرة على الوصول أي الآبق وإذا كانت الضميمة أيضا مثله فلا شئ هنا ليقع الثمن في مقابله فلا يصدق عليه قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه فان المستفاد من الرواية ان ثمنه لا يذهب هدرا وأما مع كون الضميمة مثل الآبق فيذهب الثمن هدرا وأما إذا كانت الضميمة منفعة فان كان الغرض وصول شئ إلى المشترى بحيث لا يذهب ثمنه هدرا مع عدم التمكن من العبد وكان صالحا لان يقع في مقابل الثمن وان لم يكن ذلك بعنوان البيع فلا شبهة في صحة ذلك وان كان النظر هو التعبد بالرواية واستفادة حكمه منها فلا يجوز فان الموجود فيها فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه ومن الواضح أن الشراء لا يصدق في نقل المنافع لما عرفت في أول البيع أن البيع انما هو لنقل الاعيان فلا يطلق في نقل المنافع كما أن الاجازة انما هو لنقل المنافع فلا تطلق في نقل الاعيان فكما لا يجوز بيعها مستقلة فكك لا يجوز بيعها منضمة أيضا، وبالجملة أنه يعتبر في الضميمة أن تكون جائز البيع في نفسها على انفرادها كما عرفت. ومن جملة ما يقع الكلام فيه أنه هل ينتقل العبد إلى المشترى من حين البيع بحيث إذا تلف قبل وصوله إلى المشترى تلف في ملك المشترى أو كان البيع مراعى إلى أن يتمكن المشترى منه فإذا تمكن صح البيع في المجموع و الا تقع المعاوضة بين الضميمة والثمن ظاهر المحكى عن كاشف الرموز هو

[ 312 ]

الثاني ولكن ظاهر ذيل كلامه هو الاول كما ذهب إليه المشهور وهو الاقوى فان الظاهر من الرواية قد يشترى الرجل العبد وهو آبق قال (ع) لا يصلح الا أن يشترى معه شيئا فيقول اشترى منك هذا الشئ وعبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر كان الذى نقده فيما اشترى معه هو ان البيع والشراء قد تما وتحققا من حين البيع فإذا لم يقدر المشترى عليه فيقع الثمن في مقابل الضميمة فليس فيها اشعار بالتعليق كما هو واضح، هذا لا شبهة فيه. نعم، لو بقى على اباقة بحيث صار في حكم التالف يكون ذلك من البايع بمقتضى قاعدة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال البايع كما سيأتي في احكام القبض واما قوله (ع) كان الذى نقده فيما اشترى معه صريحا في صحة البيع وكون الآبق ملكا للمشترى فيكون ذها به منه ومن كيسه فيكون هذا المورد تخصيصا للقاعدة المذكورة. وبالجملة ظاهر الرواية أن التلف انما هو في ملك المشترى لحصول البيع من الاول ولكن كان مقتضاه أن يكون ذاهبا من كيس البايع لقاعدة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه، ولكن ذيل الرواية اثبت الحكم على خلاف القاعد تخصيصا لها ودل على كونه ذاهبا من كيس المشترى كما هو واضح. ولو تلف العبد الآبق قبل اليأس بحصوله أو كان اليأس في حكم التلف كما تقدم من المصنف وان لم نقبله أو تلف بعد اليأس فهل يكون التلف من البايع بمقتضى القاعدة المتقدمة أو من المشترى فقد استشكل فيه المصنف ومنشأ الاشكال احتمال شمول قوله (ع) فان لم يقدر عليه كان الذى نقده، الخ، شاملا للموارد المذكورة ويكون عدم الظفر على العبد سواء كان باليأس أو بالتلف قبل اليأس أو بعده موجبا لوقوع الثمن بازاء الضميمة

[ 313 ]

بحيث كان ذلك كفاية عن عدم استرجاع شئ من الثمن وعدم ضمان البايع له فيكون تخصيصا للقاعدة أيضا. ولكن الامر ليس كك فان الظاهر من قوله (ع) فان لم يقدر كان الذى نقده فيما اشترى معه أن المراد من عدم القدرة هي عدم القدرة من ناحية الاباق وأما إذا كان عدم القدرة من جهة الموت قبل اليأس فيكون ذلك داخلا تحت القاعدة، نعم التلف بعد اليأس لا يؤثر في ضمان البايع بعد ما ثبت كون الثمن مقابل الضميمة باليأس واستقر ملك البايع على مجموع الثمن بازاء الضميمة من دون خيار للمشترى في ذلك كما هو واضح. ففى الصورة التى كان التلف من البايع اعني التلف قبل اليأس فيقسط الثمن على الضميمة والعبد فيصح في الضميمة ويبطل في العبد ويرجع في حصته إلى البايع ان اعط، والا فيعطى ما يخص بالضميمة فقط ويثبت للمشترى خيار تبعض الصفقة. قوله: ولو تلف الضميمة قبل القبض وان كان بعد حصول الآبق في اليد، فالظاهر الرجوع بما قابله الضميمة لا مجموع الثمن لان الآبق لا يوزع عليه المثمن، الخ. أقول: في توضيح ذلك أنه إذا تلفت الضميمة قبل وصولها إلى المشترى وقد وصل الآبق إليه فيقسط الثمن على الضميمة والعبد فيصح في العبد ويبطل في الضميمة فيسترد المشترى ما قابلت الضميمة من الثمن ان كان قد دفعه والا فيعطى ثمن العبد فقط ولا يقسط قبل وصول العبد إلى المشترى فانه مادام آبقا لا يوزع عليه الثمن مع تلف الضميمة ومن هنا ظهر ما صدر من المشترى شيئا كان في حكم القبض كأن ارسل إليه طعاما مسموما فقتله أو اعتقه أو وهبه لشخص آخر، فان هذا كلها في حكم القبض

[ 314 ]

فيقسط الثمن عليهما فيبطل البيع في الضميمة ويصح في العبد ولكن بما أنه تصرف المشترى في العبد واتلفه بالتصرف فلا يكون له خيار تبعض الصفقة حينئذ بخلاف الفرض الاول اعني صورة حصول العبد بيد المشترى. وأما لو تلفت الضميمة قبل حصول الآبق في يد المشترى فهل يحكم بصحة البيع بالنسبة إلى العبد ويلتزم بالتقسيط ويبطل البيع في خصوص الضميمة أو يحكم بانفساخ العقد فقد تردد فيه المصنف أولا، وذكر فيه وجهان من ان العقد على الضميمة إذا كان كأن لم يكن من الاول وانعدم تبعه العقد على الآبق فصار هذا أيضا كأن لم يكن فيحكم بالبطلان في كليهما فيفسخ العقد فيهما معا فان سبب الضميمة حدوثا لم يكن الا العقد على الضميمة فإذا انعدم انعدم العقد على الآبق أيضا، ومن أن العقد على الآبق كان تابعا على العقد على الضميمة حدوثا وإذا تملك المشترى العبد فيكون العقد على الضميمة كأن لم يكن فان الغرض منه لم يكن الا امكان بيع الآبق الذى لم يكن جائزا بالانفراد وبعد ما دخل الآبق في ملك المشترى فكان كأن لم يكن محتاجا إلى الضميمة وكسائر متملكته وعلى هذا فينحل الثمن إلى كل من الضميمة والآبق كسائر موارد اجتماع الشيئين في بيع واحد فيكون كل واحد منهما اجنبيا عن الاخر وهذا الانحلال لا يوجب رفع الحكم الثابت في الابتداء من توقف صحة بيع الآبق على بيع الضميمة معه، فان مقتضى العمومات مع الشك في الصحة والفساد محكمة وهذا توضيح كلام المصنف باضافة اجمالا فتأمل، فان عبارته مغلقة. ثم استظهر من النص الوجه الاول بدعوى ان الظاهر من النص أن لا يقابل الآبق بجزء من الثمن أصلا ولا يوضع له شئ منه أبدا على تقدير عدم الظفر به، وهذا هو الظاهر فان قوله (ع) فان لم يقد ركان الذى نقده

[ 315 ]

فيما اشترى معه ظاهر في أنه لابد وأن يكون هناك شئ يقع الثمن في مقابله مع عدم القدرة على الآبق حدوثا وبقاء فانه لولا ذلك فبمجرد وقوع البيع لابد وان يجوز التقسيط مع أنه ليس كك بل لابد وان تستمر الضميمة مادام لم يحصل الآبق ولم يصل إلى العبد ومن الواضح أنه مع تلف الضميمة ليس هنا بالفعل شئ ان يكون الثمن في مقابله مع عدم القدرة على العبد ليشمل عليه قوله (ع) فان لم يقدر كان الذى نقده فيما اشترى معه فعليه فيحكم بالبطلان وان كان مقتضى القاعدة هو الصحة بعد تحققه صحيحا للعمومات الدالة على صحة البيع كما عرفت في توضيح كلام المصنف. وبالجملة الذى يتحصل لنا من الرواية هو أن الضميمة ما لم تصل إلى المشترى قبل أن يصل الآبق إليه لا طريق للحكم بصحة البيع وان استمر إلى مدة بعيدة فان في كل أن لوحظ البيع يصدق أنه ليس هنا شئ يكون الثمن في مقابله فإذا وصلت الضميمة إليه انتهى أمد ذلك الحكم فح يتبدل الحكم بأنه مع تلف الضميمة لا يحكم بالفساد كما هو واضح. ثم بقى هنا فرعان قد اشار اليهما المصنف الاول أنه لو وجد المشترى في الابق عيبا سابقا على العقد فانه لاشبهة في كونه مخيرا بين الفسخ والامضاء وانما الكلام في انه هل له أن يرجع إلى الارش أم لا؟ فنسخ المصنف القول بجواز الرجوع إلى الارش إلى قول مشعرا بكونه محل الخلاف والظاهر أنه لا شبهة فيه فانه لااشكال في كون المشترى مخيرا بين الفسخ والامضاء بدون الارش أو معه في موارد ظهور المبيع معيبا ولا خصوصية للمقام حتى توجب عدم جواز رجوعه إلى الارش الا ما ربما يتوهم من أن الارش جزء من الثمن واقع بازاء وصف الصحة ومع عدم القدرة على العبد لا يقع شئ من الثمن بازاء العبد ليسترجع بعنوان الارش ويحصل جزء من

[ 316 ]

الثمن، بل مجموع الثمن مع عدم القدرة على العبد واقع في قابل الضميمة. ولكن هذا التوهم فاسد فان وقوع مجموع الثمن مقابل الضميمة انما هو بعد اليأس من العبد بحيث يكون في حكم التالف لا مطلقا والفرض أن العيب كان سابقا على العقد فحين وقوع العقد على العبد مع الضميمة، كان المجموع في مقابل الثمن فيكون الثمن مقسطا على العبد والضميمة معا وما تقدم من عدم تقسيط الثمن على الآبق قبل وصوله إليه فيكون المقام كسائر موارد ظهور العيب في المبيع فيتمسك بعمومات ما دل على كون المشترى مخيرا بين اخذ الارش والامضاء بدونه وبين الفسخ ثم ان عدم تعرض المصنف لصورة كون المشترى مخيرا بين الفسخ والامضاء من جهة عدم كونه محلا للخلاف ومحتمل العدم وانما مورد التوهم هو عدم ثبوت الارش للتوهم المتقدم ولذا خصه بالذكر. الفرع الثاني: انه لو كانت الضميمة ملكا للغير فعقد مالك العبد عليه العقد فضولا فهل يبطل العقد في العبد مع عدم الاجازة أم لا؟ فقال المصنف بالاول، ولم يتعرض لحكم صورة الاجازة، والظاهر هو البطلان مطلقا سواء أجاز المالك أو لم يجز وذلك لما عرفت أن شأن الضميمة كون مجموع الثمن في مقابلها مع عدم قدرة المشترى على الآبق وفيما إذا كان المبيع مركبا من مال نفسه ومن مال الغير فيكون ذلك من الاول من حكم بيعين فيقع الثمن من الاول في مقابل كلا المبيعين وليس هنا احتمال وقوع مجموع الثمن في مقابل الضميمة فانه ح يلزم ان لا يكون لمالك العبد شئ أصلا و يكون مجموع الثمن لمالك الضميمة بدون الاستحقاق فانه مالك من الثمن بما قابل الضميمة دون الزائد كما لا يخفى فيذهب مال مالك العبد هدرا و الحال وقع البيع على المجموع من حيث المجموع.

[ 317 ]

وبعبارة أخرى المستفاد من الرواية أن يحصل لمالك العبد شئ سواء تمكن المشترى منه أم لا، ولكن مشروطا بكونه مع الضميمة ليقع الثمن في مقالبها مع عدم التمكن من الآبق وأن يحصل للمشترى أيضا شئ كك فإذا كانت الضميمة للغير فلا يمكن ذلك والحاصل ان الضميمة لابد وان تكون قابلا لان يقع مجموع الثمن في مقابلها لقوله (ع) فان لم يقدر كان الذى نقده فيما اشترى معه وإذا كانت الضميمة من مال الغير ولم يقدر المشترى على العبد فلازم ذلك ان يقع الثمن في مقابل الضميمة ولا يحصل لمالك العبد شئ فهذا لا يمكن الالتزام به على أن الظاهر من قوله (ع) في موثقة سماعة لا يصلح الا أن تشترى معه شيئا ويقول اشترى منك هذا الشئ وعبدك هو أن الضميمة من مال مالك العبد فان معنى اشترى منك معناه أن المال ماله ولو كان من مال الغير فليس الشراء منه، بل لمالكه فان البايع في الحقيقة في البيع الفضولي هو المالك باجازته وامضائه وأنما الفضولي مجرى للعقد فقط، فافهم. الكلام في اشتراط العلم بالثمن قوله: مسألة: (المعروف أنه يشترط العلم بالثمن قدرا فلو باع بحكم احدهما بطل اجماعا). أقول: استدل على اعتبار هذا الشرط بوجوه: الاول: الاجماع، فانه ذكر غير واحد من الاعاظم أن كل بيع لم يذكر فيه الثمن فانه باطل بلا خلاف بين المسلمين. وفيه أن الاجماع وان كان مسلما ولكن المظنون أن الاصل فيه النبوى

[ 318 ]

المشهور بين الفريقين (نهى النبي (ص) عن بيع الغرر) فليس هنا اجماع تعبدي. الثاني: النبوى المذكور فانه استدل به الفقهاء من الشيعة والسنة على بطلان البيع الغررى، وبما أن الجهالة بقدر الثمن توجب الغررو الخطر فيكون البيع باطلا. وفيه أنه قد تقدم عدم تماميته سندا ودلالة فلا يكون مدركا للحكم المذكور. الثالث: رواية حماد بن مسيرة الواردة في مورد خاص فانه روى عن أبى جعفر عليه السلام أنه كره أن يشترى الثوب بدينار غير درهم لانه لا يدرى كم الدينار من الدرهم. فيه أن غاية ما يستفاد منها أن المعاملة المذكورة مكروهة فهى أعم من الحرمة، على تقدير ارادة الحرمة منها فهى لاتدل على الفساد لعدم الملازمة بين الاحكام التلكيفية والاحكام الوضعية فتحصل أنه لادليل خاص على اعتبار العلم بقدر الثمن في البيع، وعلى هذا فلابد من التكلم في المسألة في جهتين الاولى بحسب القواعد، والثانية بحسب الرواية الواردة فيها، أما الجهة الاولى فان كان المراد من الجهالة بقدر الثمن جهالة بأصل المالية بحيث لا يعلم البايع أنه أي مقدار بل ربما لا يدرى أن ما جعل ثمنا في البيع أنه مال أو ليس بمال، فهذا لاشبهة في بطلانه فان البيع مبادلة مال بمال وأن غرض المتعاملين تملك كل منهما مالا جديدا بازاء ما يعطيه للآخر ولم يكن قبل هذه المعاملة مالكا له فإذا لم يدرأنه حصل له مال بذلك أولا، ومع الحصول أنه أي مقدار فيكون نقضا للغرض فكأنه لم يقع البيع فيكون باطلا ولعل بطلان مثل هذا البيع ارتكازى للعقلاء

[ 319 ]

فلا يعتبرونه بيعا وان كان هذا أيضا محل تأمل لعدم اعتبار المالية في البيع ولعدم بطلان البيع الصبى فلا منشأ للبطلان غير ذلك الا دليل نفى الغرر فقد عرفت الحال فيه غاية الامر يثبت الخيار للمشترى، نعم سيأتي في المسألة الثانية اعتبار العلم بالمثمن في صحيحة الحلبي لا يحتاج إلى التأمل ومن هذا القبيل بيع الثوب بدينار غير درهم كما ذكر في الرواية حماد بن مسيرة وأن كان المراد من الجهالة هو الجهل بمقدار الثمن مع العلم بالمالية وكونه بمقدار القيمة السوقية فلا شبهة في صحة البيع كما إذا باع الثوب بما يساوى القيمة السوقية فان مثل هذا الجهل لا يوجب الغرر والخطر ولا أنه يوجب الجهل باصل المالية غاية الامر أنه لا يدرى أن أي مقدار من المال للجهل بالقيمة السوقية. وأما الجهة الثانية فقد وردت رواية صحيحة (1) في خصوص بيع الجارية ويستفاد منها صحة البيع قال رفاعة النخاس سألت أبا عبد الله (ع) فقلت له ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمى فقبضتها منه ثم بعثت إليه بألف درهم فقلت له هذه ألف درهم حكمي عليك أن تقبلها فابى أن يقبلها منى وقد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه بالثمن فقال عليه السلام: أرى أن تقوم الجارية بقيمة عادلة فان كان قيمتها اكثر مما بعثت إليه كان عليك أن ترد ما نقص من القيمة وان كان قيمتها اقل مما بعثت إليه فهو له، الخبر. وفى الحدائق التزم بصحة البيع بحكم المشترى وانصراف الثمن إلى


(1) وسائل ج 12، ص 271

[ 320 ]

القيمة السوقية لهذه الرواية وأولها المصنف بما ليس الا اسقاطا لها في الحقيقة وقال لكن التأويل فيها متعين لمنافاة ظاهرها لصحة البيع، و فساده فلا يتوهم جواز التمسك بها لصحة هذا البيع إذ لو كان صحيحا لم يكن معنى لوجوب قيمة مثلها بعد تحقق البيع بثمن خاص، نعم هي محتاجة إلى أزيد من هذا التأويل بناء على القول بالفساد بان يراد من قوله (ع) باعنيها بحكمى تقويمها على نفسي بقيمة عادلة لكون رفاعة نخاسا وعالما بقيمة الجارية لانه يبيع ويشترى الرقيق ثم قومها النحاس على نفسه بألف درهم معاطاة أو وكالة في الايجاب وأصالة في القبول، وانما لم يقبله المالك اما للغبن لخطاء النحاس في التقويم أو لخيار الحيوان بناء على ثبوته في الاماء والعبيد. وقوله عليه السلام ان كان قيمتها أكثر مما بعثت إليه كان عليك أن ترد، الخ اما يراد لزوم ذلك عليه من باب ارضاء المالك إذا اراد الامساك فيسقط المشترى أي النحاس مثلا خيار المالك ببذل التفاوت بأن يقول لا تفسخ المعاملة وسقط خيارك فاعطى التفاوت. وما ذكره الايروانى من أنه لاوجه لسقوط الخيار ببذل التفاوت من جهة توهم ان فاعل يسقط هو الخيار وعرفت أنه هو المالك واما أن يحمل ذلك على صورة حصول الحمل بعد المس فصارت أم ولد وتعين عليه قيمتها إذا فسخ البايع. وهذا التأويل ليس الا عبارة اخرى من اسقاط الرواية فانه ليس فيها اشارة إلى الوكالة وكون المشترى وكيلا عنه أو كون المعاملة على سبيل المعاطات على أن ظهور عليك ليس الا الالزام على الرد وما ذكره من حمله على ارضاء المالك باسقاط الخيار أو حملها على صورة الحبل خلاف الظاهر

[ 321 ]

من الرواية جدا وعلى هذا فيدور الامر بين رفع اليد عن الرواية ورد علمها إلى اهلها وبين توجيهها على نحو لا ينافي ظاهرها، والظاهر هو الثاني والذى ينبغى أن يقال أنها راجعة إلى أمر عرفى متعارف بين الناس من المعاملة فان من المتعارف في زماننا خصوصا بين الحمالين أنهم لا يقاطعون في مقام المعاملة على الثمن والاجرة بل يوكلون الامر الى المشترى والمستأجر. ولكن من المقطوع من القرائن ان غرضهم في ذلك ليس هو حكم المشترى والمستأجر بحيث لو نقص عنها يطالبون القيمة السوقية وأذا زاد أو طابق الواقع فينطبق الثمن عليه ففى الحقيقة أن الثمن في أمثال هذه المعاملات أمر كلى وهو عنوان القيمة السوقية وما زاد الذى هو قابل الانطباق على القيمة الواقعية وما زاد دون الناقص عنها لخروجه عن دائرة الكلى. ونظير ذلك قد ذكرناه في تصوير الجامع في العبادات بين الصحيح والاعم وقلنا بامكان فرض كلى يكون قابل الانطباق على الكامل والناقص ومثلنا لذلك بلفظ الكلمة الموضوعة لما يكون مركبا من حرفين وصاعدا فانها قابل الانطباق على ما يكون مركبا من حرفين أو ثلاثة أحرف أو أزيد وأيضا مثلناه بكلمة الدار الموضوعة لعرصة المشتملة على الحائط والقبة الواحدة أو أكثر فلا مانع من ان يكون الامر في المعاملة أيضا كك، فالثمن في مثل المعاملة المذكورة هو الكلى المنطبق على القيمة السوقية والاكثر فيملك البايع لهذا الكلى فالرواية الشريفة تدل على هذه القضية المتعارفة فلا وجه لرفع اليد عنها أو تأويلها على نحو يكون اسقاطا لها فيكون ح وجها لالزام المشترى على رد الناقص لكونه أقل من القيمة التى وقع عليها البيع

[ 322 ]

فيقع قوله (ع) فعليك، الخ موقعه ومن هنا ظهر بطلان ما ذهب إليه صاحب الحدائق ايضا من حمل الرواية على القيمة السوقية لما عرفت ان الثمن هناكلى وهو القيمة السوقية وما فوقها كمالا يخفى. وبالجملة فلو قال البايع بعتك بسعر ما بعته أو علم المشترى بأن ما اشتراه من البايع فليس ثمنه أزيد من القيمة السوقية فهى مضبوطة في السوق وأن لم يعلم هو بالقيمة تفصيلا فلا دليل على فساد هذا البيع للجهالة، فانها ليست على نحو تكون موجبة لعدم العلم، بأن الثمن أو المثمن مال أو ليس بمال أقل أو أكثر، على نحو يوجب الخطر بحيث يتوقف العقلاء أيضا في اعتباره بيعا وان كان هذا أيضا محل تأمل فانه لا دليل على هذا وأنه بدون المنشأة الا أن يكون هنا اجماع على البطلان فما عن الاسكافي من صحة البيع إذا قال البايع بعتك بسعر ما بعته في غاية المتانه، ولكن قوله ويكون للمشترى الخيار لاوجه له فانه ان كان البيع غرريا فيكون باطلا فليس له خيار وان لم يكن غرريا فيصح وأيضا ليس له خيار كما هو واضح. الكلام في اشتراط العلم بالمثمن قوله: مسألة العلم بقدر المثمن كالمثمن شرط باجماع علمائنا. أقول: اعتبروا العلماء العلم بمقدار المثمن بلا خلاف فلو باع ما لا يعلم أنه أي مقدار فلا يجوز الا إذا كان الجهل على نحو لا يضر كما إذا علم البايع بالمبيع ويبيعه على القيمة السوقية ويعلم المشترى أيضا أنه ما يشتريه على النحو المتعارف في السوق فانه لاوجه هنا للبطلان الا إذا كان هنا اجماع على البطلان وتحقيق الكلام هنا في جهتين الاولى في اعتبار العلم

[ 323 ]

بالمكيل والموزون أما لاولى فالدليل عليه الوجوه المتقدمة المذكورة لاعتبار القدرة على التسليم وكون الجهالة والغرر موجبا للبطلان وقد عرفت الكلام فيها وما يرد عليها ويمكن الاستدلال عليه أيضا بتقرير الامام (ع) على عدم الجواز البيع جزافا في صحيحة (1) الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الجوز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيل ثم يعد ما فيه ثم يكال على حساب ما بقى من العدد قال لا بأس فان الظاهر من السؤال أن السائل اعتقد عدم جواز البيع جزافا وأنه كان من المرتكزات عنده وعند العرف، ولذا سأل عن جواز الكيل في المعدود وقد قرر الامام (ع) اعتقاده ولم ينبه على جواز البيع جزافا كما نبه على جواز البيع بالكيل في المعدود فيعلم من ذلك أن البيع جزافا لا يجوز، والاستدلال بها أتم واحسن من دليل نفى الغرر ونحوه واما الثمن فهو كالمثمن للقطع بعدم الفرق بينهما. وأما الجهة الثانية فالمشهور بل المجمع عليه اعتبار الوزن أو الكيل في المكيل والموزون فلو باع جزافا لا يصح حتى مع عدم الغرر كما إذا كان مقدارا من الحنطة مثلا في احد طرفي الميزان ومقدار من الارزفى الطرف الاخر الذى يساوى الحنطة فباع احدهما بالاخر ولكن لا يعلم أنه أي مقدار فان لا يجوز ذلك فتدل عليه الروايات المعتبرة. منها صحيحة (2) الحلبي في رجل اشترى من رجل طعاما عد لا بكيل معلوم وان صاحبه قال للمشترى ابتع منى من هذا العدل الاخر بغير كيل فان فيه مثل مافى الاخر الذى ابتعت قال لا يصلح الا بكيل قال وما كان


(1) وسائل: ج 12، ص 259 (2) وسائل: ج 12، ص 254

[ 324 ]

من طعاما سميت فيه كيلا، فانه لا يصلح مجازفة هذا مما يكره من بيع الطعام وفى رواية الفقيه فلا يصح بيعه مجازفة والمطلب واحد. فالظاهر من هذه الرواية المباركة أنه لا يجوز البيع في المكيل و الموزون مجازفة وجزافا، ولكن أشكل عليها بوجهين، الاول بالاجمال، بمعنى أنه ما معنى قوله (ع) وما كان من طعام سميت فيه كيلا، فان ظاهره التنويع وأن الطعام على قسمين احدهما يعتبر فيه الكيل والاخر لا يعتبر فيه الكيل، والحال أن جميع الطعام من سنخ واحد فان اعتبر الكيل فهو في جميعه والا فكك وأيضا فذيل الرواية ظاهر في كون ذلك مكروها وهولا يضر بالمعاملة. الثاني: أن الرواية مشتملة على ما لم يلتزم به واحد وهو عدم تصديق البايع وليس كك فانه يصدق في اخباره بالمبيع نصا وفتوى أما الاول فيرد عليه أن المراد من الكراهة ما ذكره المصف من أنها في الروايات أعم من الكراهة المصلحة فلا يعارض بظهور لا يصلح لا يصلح في الفساد على أن الكراهة بمعنى الحرمة أيضا لا يعارضه لعدم الملازم بين حكم الوضعي والتكليفى. وأما قوله ما سميت من الطعام فليس تنويعا بل ذكره من جهة الاشعار إلى علة الحكم ووجه اعتبار الوزن والكيل في الطعام من أنه من جهة بطلان المعاملة فيه بدون ذلك لاعتبار الكيل فيه ولكونه طريقا إلى وزنه ومقداره فانه لو ترك ذلك القيد فاحتمل أن بطلان المعاملة في المكيل من جهة آخر من التعبد ونحوه لامن جهة طريقية الكيل إلى مقدار الواقعي و اخراجه عن الغررية كما لا يخفى. وأما الاشكال الثاني أن تصديق البايع وان كان مسلما كما سيأتي في الرويات الاتية ولكن ذلك انما يكون إذا أخبر عن الكيل بان يقول

[ 325 ]

أنا كلت ذلك كما هو المتعارف في اليوم في البقالين والعطارين حيث يوزنون الاشياء لسهولة البيع عنده فيخبرون عن ذلك لا الاخبار عن المتاع بالجزاف وبالحدس من غير كيل ووزن والرواية ظاهرة، بل صريحة أن اخبار البايع عن العد الاخر انما هو بالمجازفة والحدس لا عن الوزن والكيل فان قوله اشتر منى هذا العدل الاخر بغير كيل وكذا قوله (ع) وما سميت فيه كيلا لا يصح مجازفة ظاهر أو صريح فيما نقول. ومنها موثقة (1) سماعة قال سأت عن شراء العطام وما يكال ويوزن بغير كيل ولا وزن فقال أما ان تأتى رجلا في طعام قد كيل ووزن نشترى منه مرابحة فلا بأس ان اشترتيه منه ولم تكله ولم تزنه إذا اخذه المشترى الاول بكيل أو وزن الخ، وهى أيضا تدل على اعتبار الكيل والوزن في الطعام وعلى كفاية اخبار البايع بالوزن والكيل ثم انه يقع الكلام في أن اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون في جميع الموارد أو مختص ببعضها وتنقيح هذا البحث يتوقف على البحث في أن الغرر المنفى في البيع هل هو شخصي أو نوعي فعلى الاول يختص الحكم بمورد وجود الغرر فعلا وعلى الثاني فيعم جميع الموارد فلا يجوز البيع جزافا وان لم يكن فيه غرر وأيضا يتوقف البحث في ان ما ورد التخصيص على عمومات صحة البيع باعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون هل هو يجرى في جميع الموارد أو يؤخذ منه المقدار المتيقن فيتمسك في البقية بالعمومات وكيف كان يختلف البحث في المقام باختلاف مدرك الحكم. أما إذا كان المدرك على اعتبار العلم بالمبيع هو دليل نفى الغرر


(1) وسائل: ج 12، ص 257

[ 326 ]

فلابد وان ينظر إليه فان كان المستفاد منه أن الغرر علة لبطلان البيع فيكون الحكم بالبطلان مختصا بموارد الغرر الفعلى فيكون المنفى هو شخص الغرر وعليه فيصح بيع المكيل والموزون جزافا إذا لم يكن فيه غرر كما إذا وضع مقدارا من الحنطة على احد طرفي الميزان ومقدارا من الارز في الطرف الاخر فيبدل احدهما بالاخر فانه لاغرر فيه قطعا وان كان مقدار العوضين مجهولا وكذا لو كان شئ من المكيل والموزون لا يوزون في الخارج اما لقلته كحبة من الحنطة ومقدار حمصة من الدهن وهكذا أو لثقله كزبر من الحديد فانه لاغرر في أمثال ذلك مع كون مقدار المثمن مجهولا وهذا نظير كون الحرج والضرر مأخوذ اين في الاحكام الحرجية بعنوان العلة فانه يكون الحكم بها تابعا لوجود الموضوع الشخصي فلا يرتفع في غيره المنتفى عنه الحرج والضرر. وان كان المستفاد من دليل نفى الغرر كونه حكمة للحكم بالبطلان فيكون باطلا في الموارد المذكورة وان لم يكن فيها غرر شخصي فانه لوحظ في المبيع بعنوان الحكمة للحكم فلا يلزم وجودها في جميع الموارد ككون اختلاط المياه حكمة لتشريع العدة وتأفن الابطين حكمة لتشريع وجوب غسل الجمعة وكون المشقة حكمة في عدم وجوب السواك وكون الحرج حكمة في عدم جعل النجاسة على الحديد فان هذه الامور باجمعها لوحظت حكمة للتشريع فلا يلزم وجودها في جميع الموارد وفى المقام أن نفى الغرر حكمة لحكم الشارع ببطلان المعاملة التى كان العوضين فيها مجهولا ولكن إذا لم يكن غرر في مورد أو موارد كما تقدم مع جهالة العوضين فلا وجه للحكم بصحة المعاملة بل يحكم أيضا بالبطلان لعدم لزوم التسرية في حكمة الاحكام.

[ 327 ]

ولكن الظاهر أن النزاع في أن الغرر المنفى في دليل نفى الغرر شخصي أو نوعي ليس له منشأ اصلا فان هذا النزاع انما يجرى فيما إذا كان ذلك العنوان المتنازع فيه متعلقا للحكم وموقوفا عليه في لسان الادلة من غير أن يكون لنفس العنوان المذكور فيها موضوعية للحكم وهذا كثبوت الحرمة للخمر فانه ليس لعنوان الخمر موضوعية لثبوت الحكم له بحيث يدور الحكم مدار صدق الاسم حتى لو كان الحبر مسمى بالخمر فتشمل عليه أدلة حرمة الخمر وانما التحريم ثبت لها لكونها مسكرة كما في عدة من الروايات الدالة على أن الخمر انما حرمت لعاقبتها ولاسكارها لا لاسمها وما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو حرام وعلى هذا فيصح البحث في أن الاسكار حكمة أو علة وهكذا في كل مورد علل ثبوت الحكم بشئ آخر كجعل العدة المعلل باختلاط المياه ونحوه. وأما فيما يكون العنوان المأخوذ في الادلة بنفسه موضوعا للحكم فلا مجال للنزاع المذكور ومقامنا من هذا القبيل فان عنوان الغرر كعنوان الضرر والحرج بنفسه موضوع للحكم ببطلان المعاملة الغررية فيكون نظير العلة من حيث دوران الحكم مداره وجودا وعدما على نحو القضية الحقيقية ففى كل مورد ثبت الغرر فيوجب بطلان البيع والا فلا، فان عنوان الغرر مأخوذ في النبوى بعنوان القضية الحقيقية فيكون صدقها تابعا بتحقق الغرر الشخصي في الخارج فلا مجال لتوهم بطلان البيع فيما إذا كان العوضين أو أحدهما مجهولا ولكن لم يكن فيه غرر كما في الموارد التى ذكرناها. فهل يتوهم فقيه أو متفقه بل عوام انه إذا كان التوضى حرجا على جميع الناس لبرودة الهواء الا لشخص واحد لحرارة مزاجه فيكون وجوب الوضوء مرتفعا عنه لكونه حرجا على نوع الناس وليس كك قطعا وكك المقام وهذا ميزان كلى و قد ذكرنا هذه الكبرى الكلية في غير موارد البحث عن الحكمة والعلة وعدمه في

[ 328 ]

غير واحد من المباحث. وأما إذا كان المدرك هي الاخبار الوارد في اعتبار الكيل في المثمن فليس فيها لفظ الغرر حتى نتكلم في ذلك كدليل نفى الغرر بل لسانها اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون وهل تدل على اعتبار الكيل في المكيل والموزون مطلقا، وان كان الجهل لا يوجب الغرر في بعض الموارد كما إذا كان للمتبايعين حدس قوى يعينان مقدار المكيل والموزون بالتخمين بحيث لا يتخلف الا نادرا وبالمقدار القليل أو كان مقدار واحد منهما يساوى الاخر في المقدار ولكن لا يعلمان مقدارهما الواقعي أو كان قليلا بحيث لا يعد في العرف من المكيل والموزون أصلا كحبة من الحنطة أو مقدار قليل من الدهن أو كان ثقيلا لا يمكن وزنه كزبر من الحديد. أو أنه لا يعتبر الكيل والوزن الا فيما كانت الجهالة موجبة للغرر أو يفصل بينما كان التقدير على نحو يكون معينا لمقدار المبيع فيلتزم بصحة و بينما لا يكون كذلك فيلتزم بالفساد الظاهر هو الثاني وتوضيح ذلك أنه لم يرد في تلك الروايات لفظ الغرر حتى نتكلم في أنه بأى كيفية حتى نبحث فيه كما عرفت، بل هي دالة على اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون وعلى هذا فلا يصح بيع من المكيل بمقدار آخر منه يساويه، إذ المستفاد أنه لابد من معرفة مقدار المكيل والموزون سواء كانت الجهالة موجبة للغرر أم لا، فانه لم يرد فيها لفظ الغرر لنبحث عنه. وأما إذا عينا العوضين بالحدس القوى والتخمين الذى لا يتخلف الا قليل فيصح البيع، ح فانه من مصاديق الكيل والوزن فان اعتبارهما ليس من جهة أن لهما موضوعية، بل من جهة كونهما طريقا إلى الواقع و إلى تعيين مقدار العوضين والحدس القوى أيضا مما يعين المقدار كالكيل

[ 329 ]

والوزن وعلى هذا فيلتزم بصحة البيع بالتخمين وهذا نظير اخبار البينة على ان هذا المتاع قد كيل أو وزن فهل يتوهم أحد بعدم اعتبار ذلك من جهة عدم تحقق الكيل والوزن فيتمسك بالعمومات الدالة على صحة المعاملة وأما الاشياء التى لا يعد في العرف من المكيل والموزون فالظاهر عدم اعتبار الكيل والوزن فيها لخروجها عن المكيل والموزون تخصصا في نظر العرف فان الاخبار لاتدل الا على اعتبار الكيل في المكيل والوزن في الموزون لا على اعتبارهما في جنس المكيل والموزون كما في الربا، ومن الواضح أن الامور المذكورة ليست من المكيل والموزون في نظر العرف، بل من جنسهما فلا تشملها تلك الادلة واذن يفرق بين المقام وبين جريان الربا في المكيل والموزون فان ادلة حرمة الربا تدل على جريانه في جنس المكيل والموزون سواء كان قليلا أو كثيرا وموزونا في نظر العرف أم لم يكن كذلك كما هو واضح لا يخفى. ومن هذا القبيل النقود الرائجة فعلا فانها وان كانت من جنس الموزون ويجرى فيه الربا ولكن لا يعتبر فيها الوزن في مقام المعاملة، بل هي من المعدود كما هو واضح. ويؤيده بل يدل عليه أنه لو باع أحد ماله بدرهم فظهر أنه ناقص من سائر الدراهم بحبة أو حبتين فلا يبطل البيع لاجل جهالة الثمن ولا أنه يقسط المبيع ويلتزم بالصحة بما قابل الدرهم وبالفساد بالمقدار الناقص كما أن المعاملة بالدنانير الفعلية التى من القرطاس صحيحة وان كان بعضها ممزقا ما لم يضر بالرواج فلا يشك أحد أن المزق عيب فيه فيعلم من جميع ذلك ان النظر في النقود والاتمان إلى الرواج لا إلى واقعها و أنها من أي جنس بل يكون للبايع تبديل ذلك الدرهم بدرهم آخر لو كان

[ 330 ]

الثمن كلى الدراهم ويكون له الخيار ومطالبة التفاوت إذا كان شخصيا بل السيرة القطعية قائمة على المعاملة بالنقود المسكوكة معاملة المعدودات، ولا يشك أحد في ذلك، بل لا يلتفتون إليه وكونها مكيلة أو موزونة، بل ولا يعلم الناس أجمع أو أكثرهم مقدار الدراهم المسكوكة الرائجة الا إذا كان بحسب الاصل مسكوكا على ميزان خاص ومشتهرا بين الناس كالقرانات السابقة في الايران وبالجملة لا نتحمل أن يشك أحد في كون الدراهم و الدنانير الرائجة من قبيل المعدودات ويدل على ما ذكرناه من كون النقود من المعدودات صحيحة (1) ابن عبد الرحمن قال قلت لابي عبد الله (ع) أشترى الشئ بالدراهم فاعطى الناقص الحبة والحبتين قال لا حتى تبينه ثم قال الا أن يكون هذه الدراهم الاوضاحية التى تكون عدنا عددا. فانها صريحة في كون الدراهم من المعدودات وأما النهى عن اعطاء الناقص فليس من جهة الجهالة، بل من جهة الغش وقد تقدم أنه حرام في المعاملات. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان النقود المضروبة من الفلزات ليست من الموزون، وان كانت من جنسها فلا يعتبر فيها الوزن ولا يضر الجهل بها بصحة المعاملة ولا يقاس المقام بالربا فانه يجرى في كل جنس يكون من المكيل والموزون. ثم أن الظاهر بل الواقع أنه لا يعتبر في الكيل والوزون المعتبرين في الروايات الا العلم بقدرهما اجمالا بحيث لا يكونان مجهولين بالكلية كبيع المكيل والموزون بالصخرة المجهولة فانه يبطل بحكم تلك الروايات


(1) وسائل: ج 12 ص 473، حد 7

[ 331 ]

لكونها مجهولة محضة فيكفى معرفة الوزن والكيل اجمالا في صحة المعاملة بحيث لا تكون المعاملة في العرف مجهولة العوضين والوجه في ذلك أنه لا نعلمه من ادعى حقيقة الاوزان والمكيال تفصيلا لعدم انضباتها في الخارج تحقيقا حتى الاوزان الدارجة المضبوطة بالقرام والاوزان القديمة المضبوطة بالمثاقيل فانها تنتهى بالآخرة إلى مرتبة مجهولة، بل لا يعلم بها اهل العرف على النحو المضبوطة قبل انتهائها إلى الميزان الاصلى من القرام والمثقال حتى يكون مجهولا في أصل المادة فان نوع اهل العرف لا يدرون أن الحقة أي مقدار وأن الكيلو أي مقدار، بل لا يلتفت كثيرون بالمثقال والقرام كما هو واضح، بل يستحيل معرفة الاوزان على التفصيل لعدم امكان معرفة حقائق الاشياء لغير علام الغيوب فالعلم بحقيقة الوزن على التفصيل يستلزم العلم بحقيقة الاشياء وقد قلنا أنه لا يمكن لغير علام الغيوب وهذا واضج جدا. ثم انه اعتبار الوزن والكيل في الروايات طريق إلى معرفة المكيل و الموزون، فانه لاشبهة في أنه لا موضوعية لهما قطعا وعليه فلابد وأن يكون كل من المتبايعين عالمين بالوزن الذى يوزن به المبيع ويعين حين اشتراك الاسم يكون المراد منه أي وزن فانه ربما يكون الاوزان المتعددة مسماة باسم واحد فيتخيل المشترى منه الوزن المنسوب إلى فلان وكان نظر البايع إلى غيره فيكون المبيع مجهولا فتبطل المعاملة للمجهالة ومثاله أن ألحقة اسم للاوزان المتعددة فإذا كان نظر البايع إلى حقة العطارى وهى حقة الاسلام بول وكان نظر المشترى إلى حقة النجف فتعاملا على ذلك فتكون المعاملة باطلة بلا شبهة، وكذا المن فانه مشترك بين التبريز والشاهى و النجف وغيرها فإذا باع منا من الحنطة بدرهم وتخيل المشترى أنه من

[ 332 ]

النجف الذى ستت حقق وكان نظر البايع إلى من التبريز مثلا فانه تبطل المعاملة للجهالة، بل ربما كان لبلدة واحدة أو قرية واحدة وزن خاص فلابد من التعيين حتى لا تكون المعاملة مجهولة. وبالجملة فالغرض من اعتبار الوزن والكيل ليس مجرد وزن الموزون وكيل المكيل سواء علم المتبايعان بالحال أم لا، إذ ليس لهما موضوعية أصلا، بل الغرض معرفة مقدار الثمن والمثمن إذا كانا من المكيل والموزون والوزن والكيل طريقان إلى الواقع وعلى هذا فالمناط في صحة بيع المكيل والموزون معرفة مقدارهما الواقعي، وعلى هذا فيصح بيعهما بغير الوزن والكيل إذا علما بهما بغير الوزن والكيل كالحدس القوى كما عرفت ويبطل البيع مع عدم العلم بالواقع حتى مع الوزن والكيل إذا كانا مجهولين. أما الكلام في المعدود فالحكم فيه مثل الحكم في المكيل والموزون، بلا خلاف ظاهر كما في المتن فلا بد من اعتبار العد فحيث ان الغرض به معرفة مقدار المعدود فيكفى فيه غير العد أيضا من الكيل والوزن والحدس القوى الغير المتخلف كثيرا ويدل على اعتبار العد في المعدود وقيام غيره مقامه خبر الجوز الاتى الذى ذكرناه في اعتبار العلم بالمثمن أيضا ثم أنه لا يهمنا التكلم في ان الميزان في المعدود والموزون أي شئ لعدم انضباطه ولترتب الفائدة عليه ومع ذلك سيأتي الكلام عليه، والظاهر أنه أمر عرفى يختلف باختلافهم ومثل الباذنجان من المعدود كما في بعض بلاد ايران، ومن الموزون في العراق ومثل البرتقال والليمو من الموزون في بعض البلاد ومن المعدود في بعضها الاخر وكذا الجوز وهكذا وهكذا فلا بد في ذلك من الرجوع إلى عرف المحل والبلد كمالا يخفى. واما المزروع فان قلنا بأن الروايات التى اعتبر الكيل والوزن في المكيل

[ 333 ]

والموزون من جهة الطريق إلى الواقع ولزوم تقديرين الثمن والمثمن في المعاملة من غير خصوصية في المكيل والموزون ولا في التقديره بالكيل و الوزن كما هو الظاهر فنتعدى إلى كل شئ ونحكم بلزوم تقدير في المعاملة واذن فيجب تقدير المزروع بالزرع ونحوه ويدل على ذلك التقدير في رواية الجوز (1) الاتية. وان قلنا بانه لا يستفاد من تلك الروايات التعميم بل لابد من الاقتصار بالمورد وأيضا لم يتم دليل نفى الغرر ولا الجماع المدعى على لزوم تقدير الثمن والمثمن كما لم يتم واذن جاز بيع المزروع بأى نحو كان سواء كان المقدار معلوما أم لا كما لا يخفى. قوله: مسألة لو قلنا بأن المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل والموزون. أقول: بعد ما عرفت اعتبار الكيل في المكيل واعتبار الوزن في الموزون فيقع الكلام في اجزاء كل منهما مكان الآخر وقيل بالجواز مطلقا وقيل بعدمه كذلك والثالث التفصيل وهو القول بجواز الكيل وزنا دون العكس وليعلم أنه إذا كان المدرك هو دليل نفى الغرر فالمدار في صحة المعاملة و فسادها هو الغرر وجود ا وعدما فان كان هنا غرر فيكون موجبا للبطلان والا فلا، ولا يفرق في ذلك كون المبيع معلوما أو مجهولا كما هو واضح، فلا يقع الكلام في كفاية كل من الوزن والكيل في مورد الاخر واما الكلام في المقام مع قطع النظر عن دليل الغرر وبلحاظ الاخبار الواردة في اعتبار الكيل والوزن فنقول أما القول بالجواز مطلقا نسب إلى الشهيد في سلم


(1) وسائل: ج 12، ص 259

[ 334 ]

الدروس واستدل عليه برواية (1) وهب عن الصادق (ع) قال: لا باس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ما ذكره المصنف وتبعه شيخنا الاستاذ من كون الرواية راجعة إلى جعل ثمن المكيل موزنا وثمن الموزون مكيلا لا الى جريان كل منها في الاخر فلا يكون مدركا للجواز. ثم انه لاشبهة في ان لكل من الوزن والكيل دخلا في مالية الاشياء المكيلة أو الموزونة وأن يختلف قيمة الاشياء باختلاف الوزن والكيل، وعليه فإذا كان لحجم الشئ دخل في المالية لا يكفي الوزن عن الكيل، بل لا يعلم به أن ما يكون ماليته بالكيل أي مقدار مثلا لو كان بيع الاجر بالكيل فيعلم أن المقدار الفلاني من الاجر له مالية كذا ولكن إذا وزن ولم يعلم انه أي مقدار من الوزن يساوى بذلك المقدار حتى يعلم أن له هذا المقدار من المالية وهذه الكبرى الكلية مستفادة من الاخبار الواردة في اعتبار الكيل والوزن. وربما يقال بجواز بيع كل منهما بالاخر لقوله (2) (عليه السلام): وما كان من طعام سميت فيه كيلا لا يجوز بيعه في زقة فان بيع الكيل بالوزن ليس من بيع الجزاف لكون الوزن طريقا إليه بل هو الاصل في تقدير الوزان. وفيه قد عرفت أن للكيل والوزن دخلا في مالية الاشياء فما كانت ماليته بالكيل لا يجوز بيعه بالوزن لعدم ارتفاع الجهالة به كما عرفت.


(1) وسائل: ج 13، ص 63، باب 7، حد 1 (2) وسائل: ج 12، ص 254، باب 4، حد 2

[ 335 ]

وقد يستدل عليه بموثقة (1) سماعة قال سألته عن شراء الطعام و ما يكال ويوزن بغير كيل ولا وزن، فقال: أما أن تأتى رجلا في طعام قد كيل ووزن تشترى منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته منه، ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشترى الاول قد أخذه بكيل أن وزن وقلت له عند البيع انى اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس. وفيه انه لا دلالة في الرواية على ذلك، فان الظاهر من الرواية أن اتيان الكيل والوزن على سبيل اللف والنشر وكان نظر الامام (ع) إلى اعتبار كل من الوزن والكيل في كل من الوزن والكيل وليس نظره (ع) إلى كفاية كل منهما عن الاخر ويؤيد ذلك التعبير بلفظ أو في ذيل الرواية فيكون الظاهر من الرواية أن كل من الكيل والوزن معتبر في كل من المكيل والموزون فمفهوم القضية الشرطية أنه إذا لم تشتر المكيل بكيل والموزون بالوزن فيكون باطلا فاطلاق المفهوم شامل لبيع المكيل بالوزن وبيع الموزون بالكيل فيحكم بعدم الجواز ويقرب ما ذكرناه من اللف والنشر أنه (ع) عطف الوزن على الكيل بقوله (عليه السلام) في طعام قد كيل ووزن إذ ليس من المحتمل اعتبار هما معا في المكيل والموزون. وبالجملة الظاهر من الرواية أن الوزن والكيل كل منهما دخيل في مالية المكيل والموزون فلا يكفى الكيل بالوزن وكك العكس. وأما القول بالتفصيل فاختاره المصنف (ره) وقال: بكفاية الوزن في المكيل وبعدم كفاية الكيل في الموزون بدعوى أن الوزن أصل الكيل و اضبط وانما عدل إليه في المكيلات تسهيلا فلا مانع من القول بكفاية الوزن


(1) وسائل: ج 12، ص 257، حد 7

[ 336 ]

عن الكيل بخلاف العكس لكونه فرعا على الوزن. وفيه قد عرفت أن الظاهر من الموثقة هو اعتبار كل من الوزن والكيل في المكيل والموزون على سبيل اللف والنشر وأن كل منهما على نحو الاستقلال دخيل في مالية كل من المكيل والموزون بحيث ربما تضطرب مالية المكيل بانعدام الكيل وان كان يوزن بالوزن كما مر في مثال الاجر وكذلك العكس وليس كل ما يكال يكون معلوم المالية بالوزن عند العرف، وكذا العكس. وما ذكره من أن الاصل في تعيين مقداير الاشياء هو الوزن وانما جعل الكيل طريقا إليه تسهيلا فهو كذلك، ولكن لا يعلم أنه أي وزن كان أصلا وأن كيل كان طريقا له مع اختلاف الاوزان باختلاف الممالك والبلاد بل في بلدة واحدة أوزان مختلفة فإذا فرضنا أن متاعا يباع بالكيل فقط و يعلم حجمه ومقدار ما ليته تفصيلا بحيث لا يتلفت إليه العرف الا بالكيل وإذا بيع بالوزن لكونه أصلا في تعيين المقدار فلا يعلم أن أي مقدار من المتاع وقع مقابل أي مقدار من الثمن مثلا إذا فرضنا أن أحدا باع دارا بالوزن بمعنى أنه باع الاجر والجص بوزن معين أن يجعل هذا المقدار دارا بمبلغ معين إلى أن يخلص هذا المقدار مع أنه لا يعلم المشترى أي مقدار من المثمن قد حصله فانه لا يدرى أن هذا المصاح تصير قبة أو قبتين وهكذا في كل مورد اعتبر المبيع بالكيل فباعه البايع بالوزن ويصح ما ذكرناه بملاحظة ما وقع الاختلاف الكثر في الاوزان بحيث من جرب يعلم أن وزن بقالين لا يتساويان و على هذا فالقول بعدم الجواز مطلقا أوجه الا أن يكون الكيل طريقا إلى الوزن فحينئذ يتجه كلام المصنف بان كان الوزن صعبا خصوصا في الموازين القديمة فح يوزن كيل واحد ويحاسب الباقي

[ 337 ]

على حسابه ويدل على ذلك رواية (1) عبد الملك بن عمرو قال: قلت لابي عبد الله (ع) اشترى مأة راوية من زيت، فاعترض راوية أو اثنين فانتزنهما ثم أخذ سائره على قدر ذلك، قال لا بأس فانه يجعل الوزن ح طريقا إلى الكيل مع العلم بأن الكيل أي مقدار من الوزن فلا يقاس ذلك بغير ما جعل الكيل طريقا ففى هنا يتجه ما ذكره من ان الوزن أصل في تعيين المقادير كما لا يخفى. فانه ح يحصل الاطمئنان بالمقدار نظير تعيين المبيع بالحدس القوى أو بالبينة أو تصديق البايع في اخباره عن الكيل والوزن فان في ذلك كله يحصل الاطمئنان بالواقع وبمقدار المثمن. وعلى هذا فلا يفرق فيما يظهر التفاوت بما يتسامح أو بما لا يتسامح فان في كلا الموردين قد حصل الاطمئنان بالمقدار ويجعل الكيل طريقا إلى التعيين غاية الامر فإذا ظهر التفاوت بما لا يتسامح كأن ظهر في مأة رواية التى مائة امنان مثلا التفاوت بعشرة امنان فيكون للمشترى الخيار. ومن هنا ظهر أنه لا وجه لما اشكل به شيخنا الاستاذ على المصنف حيث قال وأما إذا لم يكن طريقا مضبوطا إليه بل يتخلف بما لا يتسامح فيه فلا معنى لجواز جعله طريقا والبناء على ذلك المقدار لان البناء عليه لا يخرجه عن الجهالة والا لصح بيع الموزون مشاهدة مع البناء على أنه مقدار خاص وحاصل الكلام أن نية كون شئ طريقا أو لحاظ كونه أصلا أو البناء على كونه مقدرا خاص ونحو ذلك من الامور البنائية والقلبية لا أساس لها في باب المعاملات.


(1) وسائل: ج 12، ص 255، باب 5، حد 1

[ 338 ]

ووجه الضعف أنه ليس كون الكيل طريقا إلى الوزن مع الطمئنان بالمقدار المعين الواقعي سواء ظهر فيه تفاوت بما يتسامح أو بما لا يتسامح من قبيل مجرد البناء على ذلك المقدار فليس لهذا الاشكال وجه اصلا. قوله: ثم انه قد علم مما ذكرناه أنه لو وقعت معاملة الموزون بعنوان معلوم عند أحد المتبايعين دون الاخر كالحقة والرطل والوزنة باصطلاح أهل العراق الذى لا يعرفه غيرهم خصوصا الاعاجم غير جايز. أقول: حاصل ما ذكره أنه لو كان الوزن أن الكيل معلوما عند أحد المتعاملين دون الاخر كالحقة والرطل والمن والوزنة باصطلاح أهل العراق مع عدم معرفة غير هم بها خصوصا الاعاجم فهو غير جائز فانه لا يصدق في العيار مجرد صدق أحد هذه العناوين عليه فان ذلك ليس الا كوضع الصخرة الغير المعلومة على الميزان والوزن لها. أقول: الظاهر أنه غير تمام لما ذكرناه سابقا من كفاية العلم الاجمالي بالوزن ولو بمشاهدته أن هذا حقة أو وزنة أو غيرهما وأن كل حقة من الارز مثلا بقيمة كذا بحيث يرى المشترى ذلك ويعامل على طبق هذا الموجود الخارجي بحيث يصدق أن بيع هذا الطعام ليس بمجازفة، بل بيع بالوزن أو الكيل وان لم يعلم أحدهما مقدار الوزن تحقيقا وعلى جرت السيرة القطعية حيث يرد المسافر على بلد وشرى منهم المتاع من غير معرفة مقدار وزنهم تفصيلا بل يعلم اجمالا ان هذا الوزن المشاهد مقابلة من المتاع بقيمة كذا وهكذا بل لا يعرف الموازين تفصيلا حتى مرتبز نازلة من التفصيل الحقيقي بحيث يكون فيه تسامح قليل شخص البلدى، بل شخص من بيده الميزان فان البقال يعرف أن هذه وقعية أو حقة أو وزنة وأما أن كل منها أي مقدار من المثقال أو القرام فلا يعرفه هو أيضا، بل لو عرفة وبالاخرة

[ 339 ]

يصل إلى مرتبة لا يعلم أنه أي مقدار كالمثقال والقرام. وبالجملة لا وجه لما قاله المصنف من عدم كفاية الوزن مع علم أحد هما دون الاخر كاوزان العراق وعلى هذا فيصح معاملة الزوار الذين يجئون الاعتبات المقدسة ويعاملون مع أهلهم باوزان لا يعرفون مقدارها. نعم قد تقدم سابقا بطلان المعاملة في صورة واحدة وهو أن يبيع كليا مثلا من الحنطة ونحوه على حساب كل من بدرهم أن كل حقة بدرهم فلا يعرف من الوزن الا اسمه فقط، من غير علم به بالمشاهدة ونحوها فتكون باطلة لكونها معاملة جزافية وهذا غير ما ذكرناه. وبالجملة المدار في صحة بيع الموزون و المكيل الذى فرضناه من الرواية هو صدق البيع بالوزن أو الكيل بحيث يعرف كل منهما أنه كيل أو وزن وأما معرفتهما تفصيلا فليس لها في الروايات عين ولا أثر كما هو واضح، فافهم. وأما المعدود فالكلام فيه بعينه مثل كلام في المكيل و الموزون فبالنسبة إلى أصل اعتبار العدد في المعدود قد تقدم الكلام فيه وقلنا أن صحيحة الحلبي (1) عن ابى عبد الله (ع) يدل على ذلك حيث سئل عن جواز لا نستطيع نعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقى على حساب ذلك العدد قال لا بأس به، فان الظاهر منها أن اعتبار العدد في المعدود مفروغ عنه وانما سأل السائل عن كون الوكيل طريقا إليه أو انه لا يكال، بل للعد موضوعية في المعدود وأيضا يدل بالتقرير على جواز كيل المعدود وبيعه ووزنه وليس للعد موضوعية في ذلك وهذا لا اشكال فيه أيضا. ولكن بقى في الرواية شئ وهو ان التقرير لكفاية الكيل عن العد و


(1) وسائل: ج 12، ص 259

[ 340 ]

ان كان مسلما ولكن الظاهر من الرواية اختصاصه بصورة الاضطرار، حيث سئل السائل عن ذلك عند عدم الاستطاعة فلا يجوز في غير حال الضرورة. وفيه أن الرواية وتقريره (ع) غير متوجة إلى فرض القدرة من العدد فانه ليس مفروض السائل فانه مع التمكن لم يكن له داعى لبيع المعدود بالكيل، بل كان يبيعه بالعد ولذا سأل عن صورة عدم القدرة وهذا لا يدل ان بيع المعدود بالكيل أو الوزن لا يجوز، بل يجوز مع كونه طريقا إليه كما هو واضح للعلم بان الكيل والوزن والعد ليس لها موضوعية بحيث لو اخبر المعصوم به أو قامت البينة على التعيين أو علما بالحدس القوى لكان باطلا وعلى هذا فتمسك بالعمومات في غير ما لم يثبت فيه قيد خاص هذا فيما كان الكيل أو الوزن طريقا إلى المعدود واما كفاية كل منهما عن الاخر استقلالا فذكر المصنف أنه لا يجوز في الكيل بان يبيع المعدود بالكيل و يكفى ذلك عن العد واما الوزن فالظاهر كفايته ولم يبين وجه الفرق بينهما غير أنه نقل عن ظاهر قولهم في السلم انه لا يكفى العد في المعدودات. الظاهر انه لا وجه في ذلك الفرق فانك قد عرفت أن الظاهر من موثقة سماعة اعتبار كل ما يعتبر ماليته بالوزن أن الكيل وهكذا العد لا يجوز بيعه بغيره فانه من قبيل البيع مجازفة إذ لا يعلم أن مقدار ماليته التى اعتبر عليها البيع أي شئ، بل ربما لا يعتبرون البيع مع الجهل بالمالية فان المستفاد من الروايات الدالة على اعتبار الكيل في المكيل والوزن في الموزون والعد في المعدود هو ذلك، وانما قلنا بكفاية كل منهما عن الاخر في صورة الطريقية لكونه موجبا لتعيين المالية، وبالجملة انا قلنا أنه ليس لشئ منهما موضوعية بل كل منهما طريق إلى الواقع ولكن المناط كون المالية معلومة والا فلا يجوز ولذا لا يجوز كفاية كل منهما عن الاخر استقلالا كما

[ 341 ]

هو واضح، وعلى هذا فلا وجه لتجويز بيع المعدود بالوزن استقلالا، و الحاصل ان كان هنا طريقية فالمناط جواز بيع المعدود بكل ما يكون طريقا إليه فلا وجه للاختصاص بالوزن والا فلا يجوز أيضا مطلقا فلا وجه لاختصاص الكيل بالمنع فافهم. قوله: بقى الكلام في تعيين المناط في كون الشئ مكيلا أو موزونا. أقول: ذكر المشهور أن المدار في كون الشئ مكيلا أو موزونا ما هو المتعارف في زمان الشارع، فان ما كان مكيلا في زمانه فمكيل إلى يوم القيامة وما كان موزونا في زمانه فموزون إلى يوم القيامة وكذلك المعدود. وأما الاشياء التى لم تكن في زمانه من قبيل المكيل والموزون، أو المعدود فللمدار فيها ما هو المتعارف في العرف العام، والا فما هو المتعارف في كل بلد، وذكروا ذلك أيضا في بيان الجنس الربوي. ولكن القول بهذا الرأى وحمل الاخبار الواردة في المسألة عليه يستلزم الالتزام بامر مستحيل فانه إذا كان المدار في كون الشئ مكيلا أو موزونا أو معدودا هو زمان الشارع وزمان الائمة (ع) كانت القضية خارجية، وعليه فما يتعارف كيله أو وزنه في ذلك الزمان لايدخل تحت أحد العناوين إلى يوم القيامة. وإذا كان المدار فيها متعارف كل زمان، بل كل بلد من غير توجه إلى ما هو المتعارف في زمان الشارع كانت القضية حقيقية وعليه فما هو مكيل في زمان الشارع يمكن ان يكون موزونا في زمان آخر وبالعكس، بل قد يكون معدودا وعلى هذا فعرف كل زمان هو الميزان في تعيين المكيل والموزون والمعدود. والجمع بين الامرين في انشاء واحد مستحيل فان النظر في القضية

[ 342 ]

الخارجية إلى دخل الخصوصيات الخارجية في الانشاء وعدم كونه على نحو الاطلاق ولا بشرط والنظر في القضية الحقيقة إلى فرض الموضوع مفروض الوجود وجعل الحكم عليه من غير أن تكون الخصوصيات الخارجية دخيلة في الجعل والانشاء، فحمل الروايات على ما ذكره المشهور حمل على أمر محال كما لا يخفى. بل، الظاهر منها هو الثاني وأنها كسائر القضايا لسبت الا حقيقية و تخصيصها بالقضية الخارجية يحتاج إلى عناية زائدة فظهور الروايات يدفعها وعليه فالميزان في المكيل والموزون والمعدود هو العرف في كل زمان الا إذا قام اجماع أو ورد نص خاص على اعتبار الكيل مثلا في جنس خاص كما ورد النص بجريان الربا في الدراهم والدنانير مطلقا وان كانتا من المعدودات فلو باع احد درهما بدرهمين فتكون المعاملة ربوية مع أن الدراهم من المعدودات في زماننا بل في كل زمان كما دلت عليه رواية ابن عبد الرحمن المتقدمة (1). وبالجملة أن الظاهر من قوله (2) (ع) ماكان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح مجازفة وكذا غيره من الروايات الدالة على اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون هو كون القضية حقيقية بحيث يكون الميزان كون الشئ مكيلا أو موزونا في أي زمان كان. والحاصل من أول المسألة المشهور بين الفقهاء أن العبرة في التقدير بزمان النبي صلى الله عليه وآله فما كان مكيلا أو موزونا فيلحق بهما حكمهما إلى


(1) وسائل: ج 12، صفحة 473، حد 7 (2) وسائل: ج 12، صفحة 254، حد

[ 343 ]

يوم القيامة وما لم يتعارف وزمه أو كيله في زمانه صلى الله عليه وآله فالعبرة فيه بما اتفق عليه البلاد وان لم يتفق البلاد فالعبرة فيه بما تعارف في كل بلدة بالنسبة إلى نفسها. وقد ذكرنا أن هذا الذى ذكره المشهور مشكل، بل مستحيل فان الالتزام بأن ما تعارف في زمان النبي صلى الله عليه وآله كونه مكيلا أو موزونا كك إلى الابد سواء خرج عن كونهما مكيلا أو موزونا أم لا، يقتضى كون القضية خارجية ثم الالتزام فيما لم يتعارف وزنه أو كيله في ذلك الزمان بكون الميزان فيه العرف العام أو العرف الخاص يقتضى كون القضية حقيقية فهما لا يجتمعان في انشاء واحد فان النظر في القضية الخارجية إلى الافراد الخارجية فقط، وثبوت الحكم لها إلى الابد أي مادام موجودا وفى القضية الحقيقية إلى وجود الموضوع مطلقا وكونه مفروض الوجود بحيث أنه في أي زمان تحقق صدق عليه حكمه وفى أي زمان خرج عن كونه مكيلا أو موزونا يرتفع عنه الحكم سواء كان مكيلا في زمان الشارع أم لم يكن كما إذا ثبت وجود الاكرام على العلماء فانه يدور مدار صدق موضوع في أي زمان وجودا وعدما فلو كان شخص عالما ثم نسى علمه يرتفع عنه وجوب الاكرام. وعلى هذا فلا مناص عن حمل الروايات الواردة في المسألة أما على القضية الحقيقة أو على القضية الخارجية، ولكن الظاهر منها كون القضية الحقيقية إذ لا خصوصية للاشياء التى كانت مكيلا أو موزونا في زمان النبي صلى الله عليه وآله أو زمان الائمة (ع) وانما النظر فيها إلى بيان حكم كلما يتعارف فيه الكيل والوزن ويدل على ذلك قوله (ع) وما من طعام سميت فيه كيلا أو وزنا لا يجوز بيعه مجازفة، وعليه ما تعارف كيله أو وزنه في زمان الشارع ان بقى على حاله فلحقه حكمه والا فالمتبع فيه حكم ما صدق عليه العنوان في كل زمان

[ 344 ]

بل في كل بلد فلو كان الشئ مكيلا أو موزونا في بلد ومعدودا في بلد آخر فلحقه في كل بلد حكمه على النحو المتعارف، نعم لو كان هنا نص أو اجماع تعبدي مصطلح ليكون كاشفا عن رأى المعصوم على مقالة المشهور فليتزم به كما ورد النص بكون الدراهم والدنانير ربويا مطلقا ولكن الامر ليس كك أما النص فمعدوم وأما الاجماع فغير متحقق فان اغلب القائلين بذلك، بل كلهم عللوا كلامهم بانصراف الادلة والروايات المتقدمة إلى زمان من صدر منه الحكم ولا يشمل غير زمانه فكشف الاجماع التعبدى من مثل هذه الكلمات من الامور الصعبة. فتحصل ان الميزان في كون الشئ مكيلا أو موزونا هو ما صدق عليه المكيل والموزون في أي زمان كان فانه ح لحقه حكمه. ومن هنا ظهر أنه لو عاملا في بلد وكان المبيع في بلد آخر فالعبرة ببدك فيه وجود المبيع كما ذكره المصنف لصدق عنوان المكيل أو الموزون أو المعدود عليه فلحقه حكمه. ولو تعاقدا في الصحراء رجعا إلى حكم بلدهما، ولو تعاملا في البر بين البلدين واختلف عرفهما في كون ذلك الشئ من المكيل أو الموزون وشك في لحقوه بهما فيرجع إلى عمومات صحة العقد فان المقدار الثابت من المخصص انما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا لا يجوز بيعه مجازفة وهذا المتاع الموجود في الصحراء ليس بمكيل قطعا لعدم لحوقه باحدى البلدين كما يكفى في عدم المكيلة عدم اللحوق وعلى هذا فيتمسك بالعمومات فيحكم بصحة المعاملة عليه مجازفة فلا يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لعدم كون الشك في كونه مكيلا أو موزونا وانما الشك في اعتبار الشارع الكيل هنا والا فهو ليس بمكيل قطعا كما عرفت.

[ 345 ]

الكلام في الاعتماد باخبار البايع بقدر المثمن قوله: مسألة: لو أخبر البايع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه. أقول: تحقيق المسألة في ضمن جهات الاولى، أنه لاشبهة في جواز الاعتماد على اخبار البايع في مقدار المبيع كيلا أو وزنا، بل في بعض الكلمات دعوى الاجماع عليه وقد وردت عليه أخبار عديدة كما عرفت، ولا ينافيه ما تقدم في صحيحة (1) الحلبي (في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم وأن صاحبه قال للمشترى اتبع منع هذا العدل الاخر بغير كيل فان فيه مثل الاخر الذى اتبعت، قال لا يصلح الا بكيل، قال وما كان من طعام سميت فيه كيلا، فانه لا يصلح مجازفة) لان اخبار البايع في الرواية كان مستندا إلى الحدس دون الحس بالكيل والاخبار عنه وقد حملها المصنف على وجه آخر وقد عرفت عدم صحته، والحاصل أن أصل الحكم مما لاريب فيه. الجهة الثانية أن الظاهر من الروايات الدالة على جواز تصديق البايع في أخباره بالكيل أو الوزن هو كون الاخبار طريقا إلى الواقع بحيث يحصل الاطمئنان أو الظن المعتبر بكونه مكيلا أو موزونا ويدل على ذلك رواية (2) أبى العطارد وفيها قلت فأخرج الكر والكرين، فيقول الرجل أعطيته بكيلك فقال إذا التتمنك فلا بأس. ومرسلة (3) ابن بكير في رجل سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يشترى


(1) وسائل: ج 12، ص 254 (2) وسائل: ج 12، ص 257، حد 6 (3) وسائل: ج 12، ص 256، حد 3

[ 346 ]

الجص فيكيل بعضه ويأخذ البقية بغير كيل فقال (ع): اما أن يأخذ كله بتصديقه واما أن يكيله كله. والروايتان وان كانتا ضعيفتين من حيث السند ولكن لا بأس بهما في مقام التأييد، على أنه لو لم يكن اخبار البايع هنا من باب الطريقية فلابد وأن يكون مأخوذا اما من باب الموضوعية أو على نحو الاشتراط بأن كان اخباره بالمقدار شرطا في البيع بحيث لو لم يكن كذلك يكون المشترى مختار في الفسخ والامضاء أما الاول فهو بعيد جدا فان لازمه صحة البيع بمجرد الاخبار بقدر الثمن وان كان المخبر ممن لا وثوق في اخباره أصلا بحيث لا يرفع اخبار الجهالة عن المبيع ولا يخرج البيع عن الجزافية مع أنه لا يمكن الالتزام به. وأما الثاني فلانه لو كان الاشتراط رافعا للجهالة ومصححا للبيع و موجبا لخروجه عن الجزافية لكان صحيحا بدون الاخبار بأن اشتراط أنه لو كان المبيع أقل من المقدار المعين كان المشترى مختارا في الفسخ والامضاء وأيضا لا يمكن الالتزام به فان اطلاقات الروايات بطلان بيع الجزاف مع الاشتراط وعدمه كما لا يخفى وإذا فلابد من اخذ الاخبار طريقا إلى بيان مقدار المبيع بحيث يكون رافعا للجهالة والغرر والا فيبطل لكونه بيع جزافي وقد تقدم أن ما كان مكيلا أو موزونا فلا يصح بيعه جزافا. الجهة الثالثة: ما تبين الخلاف في المبيع اما بالنقيصة أو بالزيادة فهل يحكم بالبطلان كما احتمله في جامع المقاصد فيما باعه ثوبا على أنه كتان فبان قطنا ثم رده أو يكون البيع صحيحا ويثبت الخيار للمشروط له ففى المقام جهات من البحث: الجهة الاولى: في صحة المعاملة وبطلانها وقد اختار المصنف

[ 347 ]

الصحة مع الخيار، وتوضيح ذلك أنا قد ذكرنا مرارا عديدة أن الهيولا سواء كانت أولية أو ثانوية في مقابل الهيولى الاولى فتشمل الثالثة وما فوقها نظير المقولات الثانوية المقابلة للمقولات الاولوية ليست لها قيمة أصلا و انما هي بالنسبة إلى جميع الاشياء حتى التراب متساوية الاقدام، بل القيمة للاشياء بحسب أوصافها الموجبة للمالية وان كان فس الاوصاف لا تقابل بالمال، وانما هي واسطة لثبوت المالية على المواد والهيولى وعلى هذا فإذا تخلفت الاوصاف في المبيع فان كانت من الاوصاف المقومة المعدودة في نظر العرف من الصور النوعية سواء كانت بالدقة أيضا من الصور النوعية أم لا، فيكون البيع باطلا فان ما هو الموجود في الخارج لم يبع وما هو مبيع غير موجود في الخارج كما إذا باع انسانا فبان فرس أو باع عبدا فبان أنه أنثى فان ما هو عنوان للمبيع ومقوم له في نظر العقل في المثال الاول و في نظر العرف في المثال الثاني قد تخلف عن المبيع فيكون البيع باطلا و هكذا في جميع موارد تخلف العنوان عن المعنون ولو في نظر العرف فانهم يرون العبد مع الامة جنسا مختلفا وان كانا في الحقيقة جنسا واحدا، فان الرجولة والانوثة من العوارض والعناوين الغير المقومة في نظر العقل، و لكنها من العناوين المقومة في نظر العرف. وأما إذا كانت الاوصاف من العناوين الغير المقومة نظر العرف، كوصف الكتابة والخياطة والنجارة في العبد فلا يكون تخلفها موجبا لبطلان البيع ومن قبيل تخلف العنوان عن المعنون فيكون البيع صحيحا مع الخيار وفى المقام أن المبيع وان كان خمسة أمنان من الحنطة فظهر أنه ثلاثة امنان ولكن عنوان الخمسة ليس من العناوين المقوم بحيث يفوت المبيع بالكلية بانقضائه، بل المبيع الذى وقع عليه موجودا وانما انتفى عنه

[ 348 ]

وصف انضمامه بالمقدار الزائد، فيكون البيع في الحقيقة منحلا إلى بيوع متعددة فان معنى بعتك هذه الحنطة التى عشرة أمنان بعشرة دراهم أن كل من منها بدرهم غاية الامر أن كل بيع مشروط بانضمامه إلى البيع الاخر فإذا ظهرت الحنطة خمسة فيكون البيع بالنسبة إلى الخمسة باطلة لما تقدم، وبالنسبة إلى الخمسة الموجودة صحيحة مع خيار تخلف الوصف و الشرط أي عنوان الانضمام. وبالجملة أن احتمال البطلان هنا فاسد وقياس المقام بباب تخلف العنوان عن المعنون قياس مع الفارق. الجهة الثانية: في أن الخيار الثابت هنا للمشترى أو للبايع هل هو خيار تخلف الوصف اعني ما ذكرناه من انضمام هذا البيع ببيع الزائد عن المبيع الموجود أو خيار آخر كخيار الغبن والعيب مثلا. عبر العلامة في القواعد عن ثبوت هذا الخيار للبايع مع الزيادة، و للمشترى مع النقيصة بقوله تخير المغبون وتخيل بعض تبعا لبعض الاخر أن هذا ليس من خيار فوات الوصف أو الجزء معللا بأن خيار الوصف انما يثبت مع التصريح باشتراط الوصف في العقد. واشكل عليه المصنف باندفاعه بتصريح العلامة في هذه المسألة من التذكرة بأنه لو ظهر النقصان رجع المشترى بالناقص وفى باب الصرف من القواعد بأنه لو تبين المبيع على خلاف ما أخبر البايع تخير المشترى بين الفسخ والامضاء بحصة معينة من الثمن. وأما التعبير بلفظ المغبون ليس من جهة كون النقص أو الزيادة غبنا لهما اصطلاحا فانه عبارة عن التفاوت في القيمة السوقية، بل من جهة ارادة النقص والتضرر وان الخيار ثابت لمن نقص من مالية ماله وحصل

[ 349 ]

له الضرر في هذا البيع لاجل الزيادة أو النقيصة. وبعبارة أخرى أن غرض العلامة من هذا التعبير تعميم الخيار لكل من البايع في صورة الزيادة والمشترى في صورة النقيصة والمجوز لهذا الاطلاق هو الاعتبار بنقص مالية ماله في المعاملة وحصول الضرر لهماو الا فالخيار من جهة تخلف الوصف فقط فيكون الخيار خيار تخلف الوصف و الشرط الضمنى. وأما ما ذكره بعضهم من أن خيار الوصف انما يثبت مع التصريح بالوصف في العقد ففيه أن هذا في الاوصاف الخارجية التى لا يشترط اعتبارها في صحة البيع ككتابة العبد وخياطته وأما الملحظ في عنوان المبيع بحيث لو لم يلاحظ يصح البيع كمقدار معين من الكيل أو الوزن أو العد فهذا لا يحتاج إلى الذكر وكذا الشروط الضمنية كعدم تبعض الصفقة وعدم فوات الانضمام وعدم حصول الشركة فيه إلى غير ذلك من الشروط الضمينة التى اعتبرت في المعاملة بحسب بناء العقلاء وان لم تكن مذكورة في ضمن العقد كما هو واضح فتحصل أن الخيار هنا هو خيار تخلف الشرط دون خيار الغبن وتعبير العلامة بثبوت الخيار للمغبون لا يكون دليلا على كونه خيار غبن مع ما عرفت أن مراده تعميم الخيار للمتضرر منهما دون الغبن الاصطلاحي اعني تفاوت القيمة السوقية. الجهة الثالثة: هل هذا الخيار كسائر الخيارات الحاصلة من تخلف الوصف والشرط بحيث يكون من له الخيار مختارا بين الفسخ وأخذ الثمن أو المثمن والامضاء بدون أن يستحق باسترداد شئ من الثمن أو المثمن أو أنه على غير النسق المذكور وانما يستحق من الخيار استرداد جزء من الثمن أو المثمن والظاهر أو خيار التخلف هنا كسائر الخيارات الثابتة

[ 350 ]

لتخلف الشرط أو الوصف فلا يوجب استحقاق شئ من الثمن أو المثمن غاية الامر أن الخيار هنا منضم بأمر آخر فهو بطلان البيع في الجزء الزائد في صورة الزيادة وفى الجزء الناقص في صورة النقيصة مثلا لو باع الحنطة على أنها خمسين حقة بخمسين درهما فينحل البيع هنا إلى بيوع متعددة أي منها مشروط بالبقية فلو ظهرت الحنطة ثلاثين حقة فيكون هنا أمران أحدهما بطلان البيع في الناقص لعدم وجود المبيع أصلا، والثانى ثبوت الخيار للمشترى في الباقي لتخلف الشرط الضمنى وهو انضما كل بيع بالبقية وقد انتفى هذا الشرط بظهور المبيع ناقصا فما هو مركز الخيار غير ما هو مركز البطلان فيكون الخيار كسائر الخيارات في تخلف الشرط وتبعض الصفقة وما توهم من أن الخيار هنا ليس كبقية خيار تخلف الشرط فان ذى الخيار هنا يستحق من الثمن مقدار ما يقابل بالجزء الناقص فهو ناشئ من الخلط بين الامرين كما هو واضح. وبالجملة فكما للمشترى خيار تبعض الصفقة في سائر الموارد وكك هنا ومرجعه إلى خيار تخلف الشرط والوصف. الجهة الرابعة: هل يثبت الخيار للبايع في صورة زيادة المبيع عن المقدار الذى أخبر به البايع كما أنه ثابت للمشترى في صورة النقيصة أم لا قد عرفت من العلامة في القواعد من التعبير عن ثبوت الخيار لهما بقوله تخير المغبون ولكن الظاهر أنه لا خيار للبايع، بل هو للمشترى في كلا الصورتين أي صورتي الزيادة والنقيصة أما في صورة النقيصة فقد عرفت ثبوته للمشترى من جهة تخلف الشرط، وأما في صورة الزيادة فربما يتوهم ثبوت الخيار للبايع من جهة أنه صار شريكا مع المشترى في المتاع وفيه أنه وأن صار شريكا مع المشترى بنحو الاشاعة الا أن كل شركة لا تقتضي ثبوت الخيار

[ 351 ]

وان كان عيبا وذلك لعدم دخوله تحت الالتزام العقدى الضمنى، نعم لو باع عبدا مريضا مثلا فبان أنه صحيح فله الخيار وهكذا كل شئ دخل تحت الالتزام العقدى ولو ضمنا. وأما ثبوت الخيار للمشترى فواضح لكون الشركة عيبا في المتاع الذى اشتراه فيكون مختارا في الفسخ والامضاء وان شئت فارجعه إلى خيار تخلف الشرط فان الشرط الضمنى موجود في عدم تعلق حق الغير بالمبيع وكون المشترى مستقلا في التصرف فيه ومن الواضح أن حق القسمة للشريك البايع يمنع عن استقلال المشترى في التصرف في المبيع كما هو واضح لا يخفى. فتحصل مما ذكرناه أن بيع المكيل والموزون لا يجوز بدون الكيل و الوزن للروايات الدالة على اعتبارهما فيهما وكك المعدود للرواية الدالة على تقرير الامام (ع) فهم السائل اعتبارهما فيهما حيث اجاب عن سؤاله عن صحة بيع المعدود بالكيل كما لا يخفى على ما تقدم، وأما اعتبار الزرع في المزروع فقد عرفت صحته أيضا وعدم جواز بيعه بدونه لما استفدناه من الروايات الدالة على اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون من عدم الخصوصية لهما بل هما طريقان إلى تعيين مالية الشئ ومقداره ومن الواضح أن الزرع أيضا يعين مقدار مالية المزروع كما هو واضح جدا. وأما مالا يعتبر فيه الوزن والكيل والزرع كالالبسة والا راضى والدور ونحوها من مختلفة الاجزاء، فالظاهر كفاية المشاهدة فيه كما ذكره المحقق في الشرايع والعلامة في التذكرة فتوجب المشاهدة رفع الجهالة والغرر في المبيع بناء على اعتبار العلم بمقدار العوضين كما تقدم والا فلا وجه لاعتبارها أيضا في بيع مختلفة الاجزاء كما عرفت. والوجه في ذلك أن المناط في اعتبار العلم بالعوضين هو تعيين

[ 352 ]

مقدارهما ليسلم البيع عن الغرر والمجازفة ومن الواضح أن المشاهدة أيضا طريق إلى تعيين مالية الشئ فيما لا يمكن فيه الامور المتقدمة. وعليه فلا يثبت الخيار للمشترى إذا حصل التفاوت بمقدار يسير يتسامح فيه عادة وأما إذا ظهر فيه التفاوت بما لا يتسامح فلا يخرج البيع عن بيع الغرر والمجازفة وحينئذ ان اعتبرنا العلم بالعوضين في صحة البيع وعدم الغرر فيها فيكون باطلا والا فيكون صحيحا مع ثبوت الخيار للمشترى ومن هنا اشكل المصنف على العلامة من حيث عده بيع قطيع من الغنم من ذلك فان التفاوت في ذلك قد يكون بما لا يتسامح فيه وكذلك إذا باعها معدودا نعم بيع كل واحد من الاغنام بالمشاهدة لا بأس به لعدم الغرر فيه. الكلام في بيع صاع من الصبرة قوله: مسألة: بيع بعض من جملة متساوية الاجزاء كصاع من صبرة مجتمعة الصيعان أو متفرقها أو ذراع من كرباس أو عبد من عبدين وشبهة ذلك يتصور على وجوه. أقول: قد قسم المصنف بيع بعض من جملة متساوية الاجزاء إلى اقسام فلا يعلم أن نسبة المبيع إلى الجملة أي شئ. الاول: أن يكون المبيع كسرا مشاعا ولعله بين معنى كسر المشاع بحيث يبيع منا من الحنطة فلا يعلم أن نسبة المن إلى الحنطة أي شئ أهى بالنصف أو بالثث أو أقل أو أكثر سواء كانت الحنطة في موضع واحد أو في مواضع عديدة فلا يشترط في ذلك العلم بان الصبرة أي مقدار من الصاع و هذا لاشبهة في صحته لعدم وجود ما يوجب بطلان المعاملة أما الغرر فمنفى

[ 353 ]

لعدم الجهل بالمبيع غاية الامر أن نسبة المبيع إلى المجموع مجهولة وكك لا ابهام فيه أيضا كما عرفت وأيضا لا مجال لان يقال أن صفة الملك تحتاج إلى محل موجود لتقوم به وهو منفى هنا لما عرفت وجوده في الخارج، غاية الامر لا يعلم نسبته إلى المجموع ومن هذا قبيل بيع عبد من عبدين أو دار من دارين، بل بيع نصف العبد ونصف الامة من عبد وأمة فان في ذلك كله المبيع أمر معين، بل نسبته إلى المجموع أيضا معين فاى وجه للبطلان. وقد اشكل العلامة على صخة البيع عبد من عبدين ولم يبين جهة الاشكال وذكر المصنف وجه الفرق منع ظهور الكسر المشاع من لفظ العبد لعدم صحة اطلاق لفظ العبد على نصف هذا العبد ونصف العبد الاخر، ولا يكون فارقا في المقام فان غايته يوجب سقوط اللفظ عن الدلالة في مقام الاثبات على المراد الواقعي، فكلامنا ليس في مقام الاثبات، بل في مقام الثبوت وامكان هذا البيع فحيث أمكن ذلك فيمكن ان يكون كلامه مقرونا بالقرائن فبواسطة القرائن يفهم المراد أو يصرح على كون البيع بنحو الاشاعة وتوهم ان لفظ الغلط يضر بالانشاء فاسد لما عرفت مضافا إلى فساد أصل المبنى أنه يضر إذا كان نفس الانشاء بالالفاظ المغلوطة وأما إذا كان الغلط في الفاظ المتعلق بحيث يكون اللفظ الدال على متعلق البيع غلطا فلا يتوهم أحد أنه يضر بالانشاء ومما ذكرناه ظهر أنه لافرق في صحة البيع هنا بين كون المبيع متساوية الاجزاء أو مختلفة الاجزاء فيصح بيع نصف من العبد ونصف من الامة ونصف من هذا الدار ونصف من الدار الاخرى مع انها ليست متساوية الاجزاء، بل وكذلك بين نصف من الدار فانها ليست متساوية فان في ذلك كله لاجهالة في المبيع ولا شئ آخر مما يوجب البطلان القسم الثاني: أن يكون المبيع كليا في الخارج مقابل الكلى في الذمة

[ 354 ]

وهذا هو القسم الثالث في كلام المصنف وانما قدمناه لتوقف معرفة القسم الثاني على القسم الاول والثالث، بيان ذلك أن المبيع تارة يضاف إلى الذمة بأن يبيع منا من الحنطة في الذمة بحيث يعتبر العقلاء بمجرد اضافة الكلى إلى الذمة مالية له وان لم يكن مالا قبل ذلك وهذا يسمى كليا في الذمة. وأخرى يكون المبيع كليا في الخارج بأن يبيع صاعا من الصبر الموجودة في الخارج المعين المقدار بحيث أن المبيع يكون كليا في المعين الخارجي، ومن هذا قبيل أيضا بيع عشرة امتار من المزروع المقدر بماءة متر فان المبيع كلى الخارجي والفرق بين القسم الاول الذى يسمى بكسر المشاع وهذا القسم الذى يسمى بالكلى في الخارج أن المبيع في القسم الاول موجود في الخارج بحيث لو تلف مجموع الحنطة للبايع تلف المبيع أيضا وهذا بخلافه هنا فان المبيع هنا كلى مضيق ينطبق على الامنان الخارجية فإذا تلفت الصبرة لم يتلف المبيع ولم يبقى منها الا بمقدار المبيع فيكون المبيع منطبقا عليه وإذا تلفت الصبرة اجمع فيكون للمشترى حق الفسخ قبل القبض و يذهب من كيسه بعده وهذا القسم أيضا لاشبهة في صحته لعدم تمشى بشئ من الوجوه المذكورة للبطلان هنا، فان المبيع كلى معين غايته مضيق بما في الخارج من غير أن يكون فيه ابهام وجهالة أصلا فلو كان بيع كلى هنا باطلا كان السلم أولى بالبطلان لعدم وجود ما ينطق عليه الكلى في الخارج وبالجملة لاشبهة في صحة بيع صاع من صبرة بنحو بيع الكلى في الخارج كما لا يخفى. القسم الثالث: ان يكون المبيع فردا منتشرا في الاجزاء الخارجية و مبهما من جميع الجهات والفرق بين هذا القسم والقسم الاول هو أن المبيع في القسم الاول موجود معين شخصي من غير جهالة فيه وانما الجهالة

[ 355 ]

كانت في نسبته إلى المجموع وأما في هذا القسم ليس فيه تعين اصلا فضلا عن كونه في الخارج وأما القسم الثاني فالمبيع فيه أمر كلى بغير تشخص فيه أصلا وهذا بخلاف القسم الثالث فان المبيع ليس كليا كالقسم الثاني ولا أمرا موجودا في الخارج ومتشخصا بالخصوصيات بل هو فرد مردد مبهم و يسمى ذلك بالفرد المنتشر، وقد استدل على بطلان البيع هنا تارة بالجهالة وأخرى بان الابهام في المبيع مبطل وثالثة بانه موجب للغرر فيكون موجبا للبطلان ورابعا بأن الملك صفة وجودية محتاج إلى محل تقوم به كسائر الصفات الموجودة في الخارج واحدهما على سبيل البدل غير قابل لقيامه به لانه أمر انتزاعي من امرين معينين وذهب المشهور إلى بطلان هذا القسم من البيع، بل ادعى الاجماع على ذلك وخالف المحقق الاردبيلى في ذلك وتبعه المصنف وبعض آخر. أقول: يقع الكلام في تصوير هذا أولا بأنه هل يمكن وجود فرد مبهم في العالم أم لا، فنقول تارة يراد من الفرد المنتشر الوجود المبهم غير المتشخص بخصوصية خاصة فهذا لاشبهة في بطلان بيعه إذ لا وجود له أصلا حتى في علم الله ولم يخلق فرد يكون موصوفا بهذا الوصف فان كلما هو موجود في الخارج فمتشخص بشخصية خاصة وبجهات مميزة بل التشخص عين الوجود على قول، فكيف يعقل أن يكون هنا فردا ولايكون متشخصا لخصوصية فان اراد من الفرد المنتشر هذا المعنى المردد وقال الاردبيلى والمصنف بصحة بيع هذا الفرد فهو بديهى البطلان لما عرفت من عدم وجود مثل ذلك اصلا. وان ارادوا من ذلك الفرد المنكر أي فردا موجودا بين الافراد الخارجية متشخصا بخصوصية ومتميزا في الخارج بتميز خاص بحيث كان عند

[ 356 ]

الله معينا حتى لو كان هنا معصوم لاخبر بالمبيع ولكن مجهول عند البايع والمشترى كما إذا قال بعتك عبدا من عبدين أو صاعا من صياع هذه الصبرة أو شاة من هذه الشياة فان المبيع وان كان مجهولا عند المتعاملين ولكن ليس مثل الاول غير موجود في العالم وغير مخلوق لله بل له وجود حقيقة في علم الله بحيث لو عينا كان فردا من هذه الافراد كما إذا قال بعتك عبدا من عبيدى الذى يأتي أولا فان ايامنهم ياتي أولا فهو مبيع ومعلوم عند الله واقعا فان ارادوا هذا المعنى فالظاهر أنه لاشبهة في صحته، إذ ليس شئ من الوجوه المذكورة جارية هنا الا الوجه الاول فهو الجهالة أما الابهام فالفرض ان الفرد المبهم لا وجود له في الواقع وقلنا أن لما نحن فيه وجود واقعى غايته مجهول عند المتعاملين وأما الغرر فليست المعاملة بغررية أصلا، فان من المفروض الصبرة متساوية الاجزاء ومتساوية النسبة وأما كون الملك صفت محتاجة إلى محل موجود فكذلك أيضا أن الميع موجود فيقوم عنوان الملكية الذى أمر اعتباري بذلك المحل. وبعبارة أخرى أنه لاشبهة في توقف البيع على وجود محل يقوم به فان الملكية وان لم تكن امرا خارجيا وصفت وجودية بل من الاعتبار يأت الا أن هذا الامر الاعتباري لابد له من محل يقوم به ليمكن تبديل المال في طرف الاضافة فما لا مال فلا اضافة ليمكن التبديل فيها، نعم فالجهالة موجودة هنا فان تم اجماع ونحوه على بطلان البيع بمثل هذه الجهالة وكونها موجبة للبطلان فيها والا فيحكم بالصحة للعمومات كما هو واضح، واوضح بالصحة لو كان له عبد ان فمات أحدهما وبقى الاخر ولم يعرف أنه المبارك أو الميمون فيقول بعتك العبد الباقي من عبدين فان مثل هذه الجهالة لا تضر بالصحة ولا دليل على كونها مبطلة وتوهم شمول الاجماع عليه فاسد، فانه

[ 357 ]

دليل لبى لا يشمل لغير الجهالة في المقدار. وحاصل ما ذكرناه في هذه المسألة هو أن بيع شئ يتصور على وجوه: الاول: أن يكون كسر مشاع بمعنى أن يكون المبيع حصة من الحنطة الموجودة في الخارج ومتشخصا بخصوصية ويكون المشترى شريكا له بنسبة خاصة من النصف أو الثلث أو غيرهما وانما يشير البايع بقوله بعتك منا من الحنطة إلى الشركة بهذا النحو كما لا يخفى، وهذا لاشبهة في صحته و لافرق في ذلك بين متساوية الاجزاء أو لم يكن ولا بين صحة اطلاق اللفظ على النصف ونحوه وعدمه فيصح بيع عبد من عبدين على نحو الاشاعة وان لم يصح اطلاق العبد على النصف وذلك لماعرفت في الفاظ العقود على اعتبار الحقيقة والالفاظ الصحيحة في الفاظ العقود، انما هو منحصر بالالفاظ التى بقع به انشاء العقد وأما متعلقات العقود فلا يعتبر فيها الحقيقة، بل لا يعتبر فيها الالفاظ الصحيحة فضلا عن المجاز كما هو واضح. وبالجملة فبيع كسر المشاع بأى لفظ كان صحيح بلا اشكال وليس فيه ما يوجب البطلان من الوجوه المتقدمة كالجهالة والابهام والغرر وعدم وجود المحل ليقوم به الملك. الثاني: بيع الكلى في المعين الخارجي في مقابل البيع الكلى في الذمة وقد تقدم تفصيله واجماله أن يبيع كليا معينا مثل المن ونحوه من هذه الصبرة الخارجية من غير أن يكون المشترى شريكا له في الصبرة وانما يكون حقه قابلا لانطباق بكل من منها انطباق الكلى على الفردحتى لو تلفت الصبرة ولم يبق منها الا بقدر المبيع فيكون حقه منطبقا عليه بخلاف في الاول فان التالف من البايع والمشترى بنسبة حصتهما إلى مجموع الصبرة. ويدل على صحة هذا البيع مضافا إلى المطلقات والعمومات قيام

[ 358 ]

السيرة القطعية على صحته فان رسم الاصناف من قديم الايام وحديثها جار على بيع بعض من المتاع الموجود على النحو الكلى في المعين وكذلك المشترين يشترون هكذا فيجيئ أحد إلى البزاز فيقول له بعنى عشرة طاقات من الثوب الفلاني ويقول البايع بعتك عشرة طاقات، فانه يكون هذا على نحو الكلى في المعين ويدل على صحة هذا البيع مضافا إلى الامرين المذكورين صحيحة (1) الاطنان (ولورود الرواية في اطنان من القصب قدسمها الشيخ صحيحة الاطنان) حيث سأل رجل عن بيع أطنان من القصب الموجود في الخارج حيث احترق ولم يبق الا بقدر المبيع فقال عليه السلام العشرة الاف طن التى بقت هي للمشترى فلا يتم ذلك الا بكون المبيع كليا لا بنحو الاشاعة وتوهم أنه على نحو الاشاعة ولكن حيث كان التلف قبل القبض فلذا لم يكن التالف من المشترى فان التلف قبل القبض من مال البايع توهم فاسد فان جهة الاستدلال ليس هو ذلك بل كون الباقي مجموعا للمشترى، فانه لو كان على نحو الاشاعة لكان البايع أيضا شريكا له في الباقي ولا يفرق في ذلك قبل القبض وبعده على أن الرواية غير متعرضة بجهة القبض سؤالا وجوابا. الثالث: أن يكون المبيع فردا مبهما مرددا بين الافراد الخارجية نظير الفرد المنتشر من أن يكون متشخصا بخصوصية خارجية كما في القسم الاول ولا أمرا كليا كما في القسم الثاني فقد ذهب المشهور إلى بطلانه و الاردبيلى وبعض من تأخر عنه إلى الجواز وأختاره المصنف واستدلوا على البطلان بوجوه أربعة وقد أجاب عنه المصنف كما تقدم، ولكن الكلام في تصوير


(1) وسائل: ج 12 ص 272، صحيحة بريد بن معاوية.

[ 359 ]

ذلك فنقول فان أرادوا من الفرد المبهم الفرد المنتشر الذى لا يتشخص بخصوصية خارجية فهذا لا وجود له حتى في علم الله تعالى، ولم يخلق بل ولا يخلق أصلا، بل يستحيل أن يكون موجودا أصلا، فان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد على ما قيد، بل التشخص عين الوجود فكيف يعقل أن يكون الشئ موجودا في الخارج ويكون مبهما من جميع الجهات، وغير متشخص بخصوصية خاصة فلا يمكن أن يكون المبيع أمرا موجودا وفردا منتشر ا بين الافراد الخارجية وعليه فلا يعقل القول بامكانه فضلا عن صحة بيعه أو الاستدلا ل على بطلانه بأمور متقدمة فان ذلك من أقسام ممتنع الوجود في الخارج وان أرادوا من الفرد المبهم الفرد المنكر فلا شبهة في جوازه بحيث ان المبيع موجود بين هذه الصياع مثلا ومتشخص بخصوصية ومتميز عن سائر الموجودات في الخارج الا أنه غير معلوم للمتبايعين والا فان الله تعالى يعلم أن المبيع أي فرد من الافراد الخارجية وأى منها يختاره المشترى عند القبض والاقباض ولو كان هنا معصوم لاخبربه كما إذا قال بعتك عبدا من عبيدى الذى يجنى قبل كلهم أو شاة من الشياة أو صاعا من صياع هذه الصبرة الموجودة الذى نختاره عند الوزن أولا فان في ذلك كله ان الله تعالى يعلم أن أي فرد منها مبيع فليس مثل القسم الاول، بحيث أن لا يكون له وجود أصلا حتى في علم الله تعالى ويستحيل خلقه إلى الابد ويكون داخلا في ممتنع الوجود وان ارادوا هذا فلا شبهة في صحته، ولا يرد عليه شئ من الوجوه الاربعة الا الجهالة فان تم اجماع على كونها مبطلة فبها والا فيتمسك بالعمومات الدالة على صحة البيع و يحكم بصحته أيضا وعلى هذا فما ذهب إليه الاردبيلى ومن تبعه بعده متين جدا.

[ 360 ]

ثم انه بقى الكلام في تصوير الاشاعة وبيع الصياع من الصبرة على نحو الكلى، أما الاول فذهب جمع إلى ان الاشاعة أن يملك شخصين متاعا بنحو الكلى بحيث أن كل منهما يملك كليا منطبقا على العين الخارجية فمعنى الشركة على نحو الاشاعة وملك كل منهما كليا قابل الانطباق على الموجود الخارجي. وذهب بعضهم أن معنى الاشاعة أن يملك كل واحد من الشريكين أمرا شخصيا خارجيا من المال الخارجي المشترك بحيث يكون معينا في الواقع ومجهولا في الظاهر إلى أن تنتهى التقسيم حتى الاجزاء الصغار ولكن لا يتميز حقيقة كل منهم عن الاخر في الظاهر وان كان معلوما في الواقع. ثم انه ذهب اكثر المتكلمين وبعض الحكماء قبل الاسلام إلى وجود الجزء الذى لا يتجزى وأن الجسم مركب من تلك الاجزاء وأن المواد الاصلية للاشياء هي تلك الاجزاء وذهب جمهور الحكماء إلى بطلان هذا المذهب وعلى فرض تحققه أن مواد الاشياء ليست هي الاجزاء الغير المتجزى حتى بطلان الجزء الذى لا يتجزى ولا يقبل الانقسام من أبد البديهيات، وقد برهنوا عليه في محله ببراهين متعددة منها أن كل ما هو متجزو شاغل للمكان وقابل للاشارة الحسية الملازم للوجود والتشخص في الخارج فله جهات ست بحيث أن فوقه غير تحته وهكذا وأن الملاقى له من هذا الثوب غير ما يلاقيه من الثوب الاخر وهكذا وان وصل ذلك الشئ في الصغر إلى حد لا يكون شئ اصغر منه بحيث لا مرتبه بعد الا لعدم فعلية فلا مناص من قبوله القسمة وانما عدم الانقسام في الخارج بواسطة عدم الآلة القطاعة وعليه يترتب بطلان مذهب النظام القائل بتركب الاشياء من أجزاء غير

[ 361 ]

متناهية لاتتجزى على أنه يلزم امتناع قطع مسافة معينة في مدة متناهية الا بالطفرة فان المسافة الواقعة بين المبدء والمنتهى مركب من أجزاء لا تنتاهى فلا يعقل قطعهما في زمان متناه الا بالطفرة إلى غير ذلك من البراهين. وبالجملة فلا شبهة في بطلان القول بالجزء الذى لا يتجزى وكون الاجسام مركبا منها. ولكن تصوير الاشاعة في الشركة غير متوقفة على ذلك فانه قلنا بوجود الجزء الذى لا يتجزى أو بعدمه فالشركة موجودة في الخارج قطعا وانتهى إلى الاجزاء الغير المتناهية بناء على عدم انقسام الجوهر الفرد إذا عرفت ذلك فنقول أما تصوير الاشاعة على الوجه الاول أي مالكية كل منهما على المال بنحو الكلى في المعين فلا شبهة في بطلانه فان لازم ذلك أن لا يكون الخصوصيات الموجودة في العين الخارجي مملوكة للشركاء كخصوصية الدار والارض والحيوانات وغيرها من الاملاك الشخصية ومن البديهى انها من أملاكهم فلا يصح ذلك مع القول بكون ماليكيتهم على نحو الكلى في المعين فأنه لا يعقل أن يكون الكلى حاويا للخصوصيات وأيضا من جملة أسباب الشركة المزج فلو كان ملك كل من الشريكين على نحو الكلى فيلزم عدم ملك كل من مالكى الطعامين بالطعام الشخصي مع أن ملكهم كان شخصيا فهذا خلف ويلزم أيضا أن تخرج الخصوصية من كلهم بلا سبب وأيضا لو باع أحد نصف داره من الاخر على نحو الاشاعة فلازم القول المذكور أنه لو تلفت العين ولم يبق منها الا بمقدار حق المشترى فيكون ذلك متمحضا له وان قلنا بزوال مالكية البايع عن الحصة الاخرى لنفسه فلازمه الغاء ذلك بلا موجب فشئ من ذلك لا يمكن الالتزام به وأما كون كل من الشركاء مالكا

[ 362 ]

لشخص خاص معين في الواقع وغير معين في الظاهر بحيث أي جزء فرضته يكون نصفه الخاص لهذا ونصف الخاص لذلك فهو أيضا باطل فانه يلزم ح أن يكون ملك كل منهما على الشخص الخاص بلا مرجح ومجوز فيما إذا اشتريا متاعا على الشركة أو انتقل متاع إلى الوارث من المورث وهكذا فان في هذه الموارد كلها أي سبب أوجب ملك هذا بجزء خاص وملك ذاك أيضا بجزء خاص مع أن نسبة المال كان اليهما على حد سواء فيلزم من ذلك ملك كل منها على شخص خاص دون الاخر تخصيص بلامخصص وترجيح بلا مرجح. على أنه لو كانت الشركة بمعنى ملك كل من الشريكين حصة خاصة شخصية إلى أي مرتبة انتهت لزم في بعض الموارد أن يكون المال بدون المالك كما إذا فرضنا أن هنا مالا مشتركا بين خمسين وإذا قسمناه إلى عدد الشركاء خرج عن المالية للقلة كحبة من الحمص مثلا فالمجموع من حيث المجموع ليس مالا لشخص منهم واجزاء لا يصدق عليها المال فيلزم أن يكون هذا المال بلا مالك فهو بديهى البطلان، بل ربما يخرج الاجزاء عن الملك لكسرة الشركاء كما إذا اشترك شخاط بين مائة فان كل جزء من المائة ليس بملك أيضا فانه لا يعتبر العقلاء الملكية على ذلك كما لا يخفى وأما الابهام فمضافا إلى أنه لم يحتمله أحد أنه غير معقول. ومحصل الكلام من الاول أنه لا يعقل تصوير الاشاعة على نحو الكلى في المعين فان لازم ذلك أن لا تكون الخصوصية في الاعيان الشخصية المملوكة للشركاء مملوكة لهم كالدار والحدائق والبساطين المشتركة بين الشركاء مع أنها مملوكه لهم. وأيضا إذا حصلت الشركة بالمزج فلزم الغاء مالكية الشركاء عن العين

[ 363 ]

مع أنهم كانوا مالكين بالخصوصيات فأمي شئ أوجب الغاء ذلك وأيضا لو باع أحد نصف داره من زيد على نحو الاشاعة وصار المشترى مالكا للكلى في المعين فلازم ذلك ان ينحصر حقه بالباقي مع تلف النصف كما هو كذلك في جميع موارد بيع الكلى في المعين مع أن التلف في صورة الاشاعة محسوب منهما بلا خلف فان قلنا بزوال مالكية البايع عن الخصوصية في حصة نفسه فهو بلا موجب فأنى سبب أوجب زوال ملكه عنها وصار مالكا للكلى فكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به. وأيضا لا يعقل تصوير الاشاعة على نحو كون كل منهم مالكا للشخص الخاص المعين في الواقع إلى أي حد وصل التقسيم وان كان مجهولا في الظاهر وكل من الشريكين مالك لنصف العين المشتركة بجميع اجزائها المعينة في الواقع ولوجه في عدم كونه معقولا أن لازم ذلك أن يكون كل منهم مالكا لجزء خاص بلا موجب فيما إذا مات المورث وترك وارثا متعددة ومالا فانهم مشتركون في ذلك المال فكون كل منهم مالكا لشخص خاص وجزء معين دون الاخر ويانعكس ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص. وأيضا لا يعقل تصوير الاشاعة على نحو الابهام فانه مضافا إلى أنه لم يقل به أحد أنه غير معقول كما عرفت. وإذا بطل الوجوه المتقدمة فانحصر الوجه في تصوير الاشاعة بما نذكره والتحقيق فيه أن يقال في تصوير الاشاعة أن مجموع الشركاء مالك لمجموع المال فان العقلاء يعتبرون مالكية المجموع لشئ واحد بنحو الاستقلال و لكن مالكية كل منهم للعين مالكية ناقصة كالنصف والثلث والثلثين والرابع السدس وغيرها، فان كل منهم نصف المالك وثلثه وربعه وسدسه و هكذا بحيث أن كل منهم مالكا للمجموع بأحدى النسب المذكورة دون البعض

[ 364 ]

الخاص أو الكلى في المعين ولكن على نحو الناقصة بحيث لو أراد أن يتصرف في العين المشتركة على نحو الاستقلال فلا يجوز له ذلك لعدم كون مالكيته للمجموع على نحو الاستقلال لينافى الشركة فكان كلهم مالك واحد فالمجموع مالك للمجموع استقلالا. وبالجملة أن كل من الشركاء مالك على مجموع المال وتمامه ولكن على نحو الناقص لكونه نصف المالك أو ربعه وهكذا والتعبير عن ذلك بأن كل منهم مالك للنصف وهكذا فمن باب المسامحة في التعبير والضيق في العبارة والا فليس له مالكية على النصف مثلا بالاستقلال من العين المشتركة أصلا وانما المجموع مالك واحد مستقل وكل منهم مالك ناقص وله مالكية للتصرف فيها ناقصة من غير أن يكون بالاستقلال ففى مثل موت المورث و انتقال المال إلى الورثة ان مجموع الورثة مالك واحد قائم مقام الميت فان المالك كان هو المورث وحده وبالفعل كان المالك هو مجموع الورثة وصاروا نائبا عنه في المالكية وكان المورث تمام المالك وصار كل واحد نصف المالك وربعه على حسب حصته ولا شبهة في صحة اعتبار الملكية للمجموع ويدل عليه ما ذكرناه أنه ربما لا يكون للاجزاء بنفسها مالية أصلا وانما المالية تقوم بالمجموع من حيث المجموع كما إذا كان شخاط واحد مشتركا بين خمسين فان قلنا بما ذكرناه من كون المجموع من حيث المجموع مالكا للمال على نحو الاستقلال لصحة اعتبار الملكية لهم وكان لكل منهم مالكية ناقصة فيها والا لكان هذا المال بلا مالك فان حصة كل منهم ليس بمال والمجموع من حيث المجموع مال ولكنه ليس لاحد ولا للمجموع على الفرض، بل ربما يصل إلى مرتبة يخرج مقدار حصة كل منهم عن الملكية ولا يعتبر والعقلاء ملكية عليه كما إذا كان حق كل منهم بمقدار نصف العود من الشخاط نعم يبقى له حق

[ 365 ]

الاختصاص في العين لكونها متعلقة لحقه واما على ما ذكرناه، فالامر واضح فان المجموع من الشركاء مالك استقلالا لمجموع العين المشتركة وكل واحد منهم مالك للمجموع أيضا ولكن على نحو الناقص بحيث أن كل منهم نصف المالك وربعه وثلثه وليس له على العين السلطة المالكية الاستقلالية بل له سلطة على العين سلطة المالكية الناقصة فان لكل منهم مملوك فهو مجموع العين ولكن مالكيته وسلطنته عليه ناقصة كما لا يخفى. ويترتب على ذلك أنه إذا باع أحد الشريكين حصته فمعناه أنه باع مجموع العين بملكية ناقصة وانتقل عنه إلى المشترى مالكية ناقصة أي زالت اضافة الملكية عنه ووجدت في المشترى فان التعبير بالانتقال مسامحة في التعبير. وتوضيح ذلك أنه كما يجوز لاحد أن يبيع نصف الدار مثلا معينا أو على نحو الكلى في المعين أو على نحو الفرد المنكر فكذلك يجوز بيع مقدار منها على نحو الاشاعة بمعنى كون المبيع مجموع الدار ولكن يبيعه بالمالكية الناقصة وينتقل إليه نصف المالكية أي يعدم نصف مالكيته بالبيع وتنقطع من المالك الاضافة الناقصة وتوجد تلك الاضافة الناقصة للمشترى وتعبيرنا بالنقل مسامحة فان في البيع ليس نقل اضافة أصلا بل دائما قطع اضافة وايجاد اضافة أخرى، فان البيع تبديل مال في طرف الاضافة والتعبير بالنقل للوضوح. وبالجملة فإذا باع المالك نصف متاعه على نحو الاشاعة فقد بذل مجموع متاع في مقابل الثمن على نحو الملكية الناقصة وقطع اضافة ناقصة من اضافة المالكية إلى نفسه وأوجدها للمشترى وهذا المعنى أمر موافق للاعتبار و لاغرر فبه، وهكذا بيع أحد الشريكين حقه من الاخر فانه يبيع مجموع العين

[ 366 ]

المشتركة بملكية ناقصة وينتقل من البايع إلى المشترى اضافة ناقصة من المالكية وهكذا في جميع موارد الشركة وبيع أحد الشركاء حقه كما لا يخفى فافهم. وتوهم أن الملكية من مقولة الاعراض فهى قابلة للقسمة فكيف تكون الملكية متبعضة ويكون لاحد الشركاء النصف وللاخر الثلث وللثالث السدس وهو توهم فاسد فان الملكية وان كانت أمرا اعتباريا غير قابلة للقسمة كالاعراض أو هي من مقولة الاعراض ولكن يمكن تقسيمها باعتبار متعلقها كما هو الشأن في جميع الاعراض الغير القابلة للقسمة مثلا أن البياض في نفسه غير قابل للتقسيم، ولكنه يقبله بحسب محله والامر في المقام أيضا كك فان مالكية المورث مثلا كانت بالاستقلال فإذا مات انقطعت منه ووجدت في مجموع الورثة من حيث المجموع وفى الافراد بالتبعيض باعتبار أن مملوك كل منهم التركة مجموعا بنصف الملكية مثل فأوجب ذلك انقسام المالكية أيضا إلى النصف كما أن البياض في الجسم بياض واحد ويتعدد بالتقسيم وأن الحرارة في الماء حرارة واحدة ويتعدد بتقسيم الماء وهذا أيضا كتبعض الارادة والطلب في باب التكاليف المركبة كتعلق الامر بالصلاة وتبعضه إلى الركوع والسجود وغيرها من الاجزاء فان الطلب وان كان بسيطا لا يتبعض ولكن يتبعض بتبع تبعض متعلقه كما لا يخفى. ثم وقع الكلام بين العامة والخاصة أن التقسيم في باب الشركة افرازا وتعيين حق أو بيع فقال الامامية أنه تعيين الحصة وقال العامة أنه بيع فيترتب عليه أحكامه وقد وقع النزاع بين العامة الخاصة في باب المعاملات في هذا المسألة ومسألة الضمان، حيث انهم يقولون ان الضمان ضم ذمة إلى ذمة أخرى وقال الامامية انه انتقال المال من ذمة إلى ذمة أخرى و

[ 367 ]

ان وقع الخلاف بينهم في باب المعاملات في كثير من الفروع، ولكن المخالفة في المسائل المهم هاتان المسألتان. أقول: ان كان مراد الامامية من كون الشركة افرازا وتعينا للحق هو أن حق كل منهما امر كلى يتعين بالقسمة كما هو ظاهر كلامهم فهو لا يصح الا في موارد كون المملوك كليا كموارد البيع في الذمة أو بيع الكلى في الخارج فانه يتعين بالتعيين، وأما في موارد الشركة التى هي اشاعة حق كل من الشريكين على النحو الذى ذكرناه فلا، بل لا شبهة أن في موارد الشركة ينتقل المملوك كل من الشريكين إلى الاخر بدل انتقال حق الاخر إليه، فيقع بينهما التبادل كما سنذكره وعلى هذا فلا وجه لما ذكره الخاصة بوجه. وان كان مراد هم من ذلك رد العامة حيث انهم يقولون بكون التقسيم بيعا يترتب عليه أحكام البيع من الخيارات ونحوهما وغرضهم أنه ليس ببيع ليترتب عليه حكمه، فهو متين لعدم انطباق تعريفه عليه، وانما هو معاملة خاصة حيث ان لكل من الشركاء مالكية ناقصة للعين من حيث المجموع، فيبدل كل منهم مملوكه بالملكية الناقصة على النصف مثلا بمملوك الاخر بالملكية الناقصة كذلك، مثلا فإذا كانت الدار الواحدة مشتركة بين شخصين على النصف فمعنى قسمتها إلى نصفين أنه كل منها يأخذ مملوك الآخر الذى بالملكية الناقصة مقابل مملوك نفسه بالملكية الناقصة فيكون مالكا مستقلا بالنصف والامر اوضح بناء على تصوير الاشاعة على نحو الثاني أي يكون كل من الشركاء مالكا لجزء خاص فان كل منهم يبدل الاجزاء المملوكة له في هذا النصف بالاجزاء التى في النصف الاخر وعلى هذا فيكون التقسيم في نفسه معاملة مستقلة وقد ذكرنا نظير ذلك في المعاطات وقلنا فلا بعد في أن يكون هنا معاملة مستقلة لا يكون بيعا ولا صلحا ولا اجارة ولا غيرها من

[ 368 ]

المعاملات المعروفة فتدل على صحتها آية تجارة عن تراض فكما أنه يمكن أن تكون المعاطات معاملة مستقلة فكذلك يمكن ان يكون التقسيم أيضا معاملة مستقلة ولهذا نظائر كثيرة في العرف كتبديل كتاب الرسائل المحشى، برسائل آخر غير المحشى المخطوط بخط جيد، فان من لا يحتاج إلى الحاشية يبدل كتابه بكتاب آخر جيد الخط غير المحشى مع أنه ليس بيعا ولا غيره من المعاملات المعروفة، بل معاملة خاصة. وبالجملة فان أراد الخاصة من الافراز الوجه الاول الذى هو ظاهر كلامهم من الافراز والتعيين فلاوجه لما ذكره الخاصة والعامة فان كليهما باطل وان أرادوا الوجه الثاني الذى ليس بظاهر كلامهم كما هو الظاهر ولا يضره كونه خلاف ظواهر كلامهم لانهم كانوا بصدد الرد على العامة من غير لحاظ جميع الخصوصيات فقولهم أن التقسيم ليس ببيع فكلام متين جدا فانه كما عرفت ليس ببيع، بل معاملة خاصة فافهم. الكلام في تصوير الكلى في المعين وأما تصوير الكلى في المعين فربما يقال أنه عبارة عن الفرد المنتشر الموجود في الصبرة الخارجية مثلا وقابل الانطباق على كل فرد فرد. وفيه مضافا إلى استحالة وجود الفرد المبهم وأنه لم يخلق ولن يخلق كما تقدم أن هذا خلف الفرض فان معنى الكلى هو عدم تشخصه بخصوصية خاصة خارجية ومعنى الفرد أنه متميز بالخصوصية فهما لا يجتمعان. وقد يقال أنه عبارة عن الكلى في الذمة بعينه غاية الامر أن المشترى يشترط على البايع أن يؤديه أي المبيع من العين الموجودة في الخارج

[ 369 ]

المتخصص بخصوصية خاصة والا فلا فرق بينه وبين الكلى في الذمة، فإذا باع صاعا من الصبرة الخارجية أو منا من الحنطة الفلانية فمعناه أنه باع كلى المن وكلى الصاع في الذمة بشرط أن يطبقه على الموجود الخارجي كما هو واضح. وفيه أن الفقهاء رضوان الله عليهم ذكروا في بيع الكلى في المعين الخارجي أنه لو تلفت العين الخارجية كان البيع باطلا فان المبيع لم يقبض والتلف قبل القبض موجب للبطلان، فلو كان معنى بيع الكلى في المعين هو بيع الكلى في الذمة على النحو المزبور لما كان وجه للبطلان مع تلف العين الخارجية بل يثبت للمشترى خيار تخلف الشرط مع صحة البيع كسائر موارد تخلف الشرط. وقد يقال أن بيع الكلى في المعين هو الكلى في الذمة أيضا، ولكن يقيد بالخصوصيات التى توجب عدم انطباقه الا على الموجود الخارجي كما إذا باع عبدا من عبيده من ولد مبارك لكونهم صحيح الاصل أو باع منا من الحنطة الحاصلة من المزرعة الفلانية والفرق بين هذا وسابقة أن الخصوصيات مأخوذا في البيع على نحو الاشتراط في الاول وعلى نحو القيدية في الثاني فعلى الاول مع تلف ما في الخارج كان للمشترى خيار تخلف الشرط كما عرفت وعلى الثاني فله خيار تعذر التسليم. وفيه أولا أنك عرفت أن تلف العين الخارجي في بيع الكلى منها موجب للانفساخ لان التلف قبل القبض من مال البايع وهذا بخلافه في بيع الكلى في الذمة على النحو الثاني فان التلف فيه لا يوجب البطلان، كما عرفت، بل يبقى البيع على حاله ويكون المبيع هو الكلى غاية الامر يثبت للمشترى خيار تخلف الشرط.

[ 370 ]

وثانيا: أن لازم ذلك جواز أن يتلف البايع العين الخارجية وضعا ويبيعه لغيره مثلا بحيث لا يبقى شئ في الخارج لينطبق عليه الكلى ومع ذلك كان البيع صحيحا وهذا بخلافه في بيع الكلى في المعين فان المبيع موجود فيه فلا يجوز اتلاف البايع مجموع ذلك وضعا. وقال شيخنا المحقق أن المبيع في بيع الكلى في المعين هو الكلى من غير ان يقيد في كونه في الذمة ولا أنه مقيد بكونه في الخارج بل مطلقا من جميع ذلك فيكون منطبقا على كل فرد فرد في المعين الخارجي، فإذا باع منا من الحنطة فمعناه انه باع كليا مطلقا قابل الانطباق على الصياح الموجودة في الخارج المعين وعلى غيرها. وفيه مضافا إلى الوجهين المتقدمين أنه لا يعتبرون العقلاء مالية على كل لا يكون منسوبا إلى ذمة أو إلى الخارج (وقد اعترف بذلك في أوائل البيع، وقال ينسب إلى الذمة ببعت) فلا معنى لكونه مبيعا أصلا كما هواضح. والتحقيق في تصويره أن يقال أن الكلى في المعين ليس الا الكلى المضيق الموجود في ضمن المعين الخارجي وقابل الانطباق على افراده وتوضيح ذلك في امور الاول ان الكلية لا يتخصص ولا يتشخص الا بالتشخصات الخارجية بحيث توجب تحيزها في الخارج والا فبمجرد تقييد الكلى من غير أن يوجب التقييد والتشخص في الخارج لا يوجب خروج الكلى عن كليته كما حقق في علم الحكمة والكلام، نعم يوجب تضيق الدائر فقط والتقريب بنحو التوضيح في تصوير بيع الكلى أن الملكية الاعتباري متعلق اولا وبالذات بالكلى حتى في البيوع الشخصية وعلى الخارجيات بالعرض فيكون الكلى مملوكا بالاصالة والاعراض مملوكا بالتبع نظير العلم بفسق زيد فانه عالم بالكلى بالاصالة وبالجزئي بالعرض كما هو واضح فلا عجب في امكان تمليك

[ 371 ]

الكلى على كليته وابقاء الخصوصيات في ملك نفسه كما لا يخفى. الثاني: أن الاعيان الخارجية انما هي مملوكة لملا كها بجميع خصوصياتها الشخصية وله مالكية عليها مالكية تامة فله أن ينتقل إلى الغير الذات المبرات عن الخصوصيات وتبقى الخصوصيات في ملكه وله أن ينقل إليه الذات مع جملة من الخصوصيات وله أن ينقلها مع جميع الخصوصيات فمع نقلها بالخصوصيات تارة تكون بحد توجب كون المبيع شخصيا وأخر لا توجب بل يكون كليا مضيقا. الثالث: أنه لاشبهة في وجود الجامع بين المفاهيم بحيث أن مفهوما واحدا يصدق على مفاهيم كثيرة كما لا شبهة في وجود الجامع بين الحقائق أيضا فان حقيقة واحدة يمكن ان تصدق على الحقائق العديدة مثلا أن مفهوم الوجود جامع لجميع مفاهيم الوجود في العالم كما أن حقيقة الوجود جامع لجميع الحقائق الوجود بيع ففى مقام الاشارة والدلالة يعبر بمفهوم الوجود وفى مقام اللب والواقع يعبر بحقيقة الوجود، فإذا قيدت الطبيعة مثلا بالوجود يكون قابل الانطباق على جميع افرادها على نحو الا ستغراق والسريان، وإذا قيد بصرف الوجود يكون قابل الانطباق على جميع أفراد الطبيعة أيضا، ولكن على نحو البدلية بحيث يكون أول الفرد منها أي فرد كان موردا للحكم وهذا أيضا يختلف بالسعة والضيق. إذا عرفت ذلك فنقول أن المالك انما هو مالك للعين الخارجية مع جميع خصوصياتها فإذا باع مثلا صاعا منها أو زرعا أو غيرهما من غير أن يعين المبيع بجزء خاص أو بطرف خاص فيكون المبيع ح أمرا كليا قابل الانطباق على بقية الافراد باجمعها على البدل مفهوما وحقيقة كانطباق مفهوم الوجود وحقيقته على جميع مفاهيم الوجود وحقيقته فليس الذات من

[ 372 ]

حيث هي المعرات عن جميع الخصوصيات مبيعا ولا أن الذات المقيدة بجميع الخصوصيات مبيع والا لتوجه على الاول ما ورد على شيخنا المحقق، وعلى الثاني كان المبيع شخصيا لا كليا بل المبيع هي الذات المقيدة ببعض الخصوصيات اعني خصوصية كونها من هذه الحنطة أو هذه الطاقة أو هذه الفراش مثلا بحيث أوجبت تلك الخصوصية تضييق دائرة الكلى الوسيع المطلق من جميع الجهات، ولكن ليست تلك الخصوصية على حد تكون موجبة لصيرورة المبيع شخصيا فيكون واسطة بين الامرين فيكون المبيع هو الطبيعة المقيدة بصرف الوجود الضيق فالبايع قد نقد إلى الغير الطبيعة المضيقة المقيدة بصرف الوجود من العين الخارجية كصاع ونحوه وملكه للمشترى بحيث صار المشترى مالكا لطبيعي الصاع المقيد بصياع هذه الصبرة مثلا وأبقى المالك بقية الخصوصيات في ملكه ومنها السريان وتطبيقه على كل فرد فرد فليس للمشترى الا الكلى المقيد من هذا الموجود وهذا واضح جدا فالاعتبارات العقلائية مساعدة لها في التكليفيات والوضعيات كما إذا أمر المولى بالصلاة مطلقا أو في المسجد فان المكلف به في الاول مطلق جميع الجهات غير تقيد الطبيعة بصرف الوجود وأما القيود فكلها ملغات وهذا الذى عبرنا عنه في باب المطلق والمقيد برفض القيود وبنينا عليه معنى المطلق، وفي الثاني مقيد بقيد آخر غير تقيده بصرف الوجود وهو كونها في المسجد ومع ذلك لم يخرج المكلف به عن كليته فان المكلف مخير بين ايجاده في السطح أو في داخل المسجد وفي أي مكان منه. وكذلك إذا أجر أحدا بخياطة ثوبه مطلقا أو في شهر خاص وهكذا وهكذا فالمقصود أن ما ذكرناه من تصوير بيع الكلى في المعين ليس معنى بعيدا عن العرف، بل اعتبارات العقلاء مساعدة عليه وكذلك اعتبار الشارع

[ 373 ]

كما عرفت فاغتنم. وقد ورد في رواية (1) الاطنان ما يدل على جواز بيع الكلى كما عرفت وبالجملة لا بأس من الالتزام ببيع الكلى ثبوتا واثباتا بعد ما ساعده الاعتبار العقلائي وورد عليه الرواية. مسألة: لو باع صاعا من صبرة قوله: مسألة: لو باع صاعا من صبرة فهل ينزل على الوجه الاول من الوجوه الثلاثة المتقدمة؟ أقول: إذا باع صاعا من صبرة معينة فتارة يعلم مقصود المتبايعين من الخارج وانهما ارادوا أحدا من الاشاعة أو الكليا فيحمل عليه سواء قلنا بكون اللفظ ظاهرا في الكلى أو في الاشاعة، كما أنه لو علم عدم توافقها في القصد فيحكم بالبطلان بأن أراد البايع الاشاعة وأراد المشترى الكلى أو بالعكس، فانه لم يرد الايجاب والقبول على محل واحد ولا يفرق في ذلك كله بين كون المقصود لكل منهما ظاهر اللفظ أو لا، بل لا يفرق فيه بين الصحيح والغلط حتى لو قال المطلق واراد المقيد فلا بأس فيه مع فهم المشترى المراد كما إذا قال بعتك دارا فكان غرضه الدار المعين لما عرفت من عدم اعتبار اللفظ الصريح، بل الصحيح في متعلقات العقود. وبالجملة لو علم مراد المتبايعين من الخارج انهما ارادا الاشاعة أو الكلى سواء أتيا كلاهما بلفظ مطلق أو مقيد صريح أو غير صريح صحيح أو


(1) وسائل: ج 12 ص 272 باب 19، بريد بن معاوية.

[ 374 ]

غير صحيح فلا كلام في صحة ذلك كما لا شبهة في بطلانه إذا اراد أحدهما الكلى وأراد الاخر الاشاعة فانه لم يرد الايجاب والقبول على مورد واحد وأيضا لا يفرق فيه بين الاتيان بلفظ صريح أو غيره كما عرفت. وانما الكلام فيما إذا شك في ذلك ولم يعلم أن أيا من المعنين اراده البايع وأن أيا منها اراده المشترى، وذلك اما لعدم العلم بما قصداه من ذلك الايجاب والقبول لنسيان ونحوه أو لموت البايع أو المشترى أو كليهما ولم يعلم الوارث أن أيا من المعنين قصداه أو وقع التداعي بينهم فادعى أحدهما كون المقصود اشاعة وادعى الاخر كون المقصود كليا وسيأتى التعرض للثمرة بين المعنين. والظاهر هو حمل اللفظ على الكلى في المعين لوجهين، الاول للرواية المتقدمة في بيع الاطنان من أنبار القصب فانه سأله السائل عن حكمه إذا احترقت ولم يبق الا مقدار حق المشترى فأجاب (ع) بأنه للمشترى و لم يستفصل في ذلك بين انهما قصدا الاشاعة أو قصدا الكلى، بل حكم بكون الباقي للمشترى جزما فكشف من حكمه هذا أن لفظ صاع من صبرة ظاهر في الكلى وتوهم أن ظهور اللفظ في الاشاعة وانما حكم الامام (ع) بكونه كليا للتعبد توهم فاسد فان الشركة وعدم الشركة ليست امرا تعبد يا وبالجملة فحكم الامام (ع) بكون الباقي للمشترى يدل على أنه (ع) فهم من ظاهر اللفظ الكلية فقط فأجاب عن حكمه ولم يستفصل في السؤال أصلا. الوجه الثاني: أن الظاهر من العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام سواء كانت تكليفية أو وضعية لها موضوعية في نفسها وليست طريقة إلى الواقع والى اعتبار شئ آخر وقد اشر إلى هذا في بيع الغرر كما عرفت في حمل العنوان على الحكمة أو العلة.

[ 375 ]

فالظاهر من قول البايع بعتك صاعا من صبرة أو منا من الحنطة الموجودة هو ارادة المن بما هو من والصاع بما هو صاع من هذه الصبرة بحيث لا يكون مقيدا بخصوصية الا كونه من الصبرة الموجودة ومضافا إلى صرف الوجود وأما الخصوصية الزائدة عن ذلك فلا من غير أن يكون طريقا إلى ارادة أحد الكسور من الثلث والربع والنصف ونحوها من الكسور المتصورة المتخصصة بالخصوصيات الخاصة الخارجية فانه خلاف الظاهر من لفظ المن والصاع والملغى عنهما جميع الخصوصيات الا الاضافة إلى صرف الوجود من الصبرة المعينة فقط. وبالجملة أن مقتضى الظاهر من لفظ المن هو الكلى العارى من جميع الخصوصيات الا اضافة إلى صرف الوجود من الصبرة المعينة الخارجية فان ظاهر حفظ العنوان يقتضى كونه موضوعا للحكم ولا يكون ذلك موضوعا للحكم الا بلحاظ أنه كلى ودعوى الاشاعة يقتضى كون لفظ المن أو الصاع اشارة إلى الكسور من الربع والنصف ونحوه فان عنوان الاشاعة بأحد هذه الكسور ونسبته لا بعنوان المن والصاع ونحوها كما لا يخفى. وقد يقال أن الظاهر من لفظ صاع من صبرة هو الفرد المنتشر كما هو مقتضى الظاهر من التنوين التنكير. وفيه أولا قد عرفت أن ارادة الفرد المنتشر غير معقول في نفسه. وثانيا: أنه لا كلية لذلك إذ ربما يكون اللفظ خاليا عن التنوين كما إذا قال بالاضافة أو اللام كقولك بعتك صاع من الصبرة أو المن من الحنطة ونحو ذلك. وثالثا: أن هذا التنوين ليس بتنوين تنكير، بل هو تنوين تمكن وأما التنوين التنكير فهو يدل باسماء الافعال كص ومه.

[ 376 ]

وأما ثمرة القول بكونه ظاهرا في الكلية أو الاشاعة فذكر المصنف فارقين لا بأس بهما، الاول أن تعيين المبيع من الصبرة في يد البايع، فان المفروض أن المشترى لا يملك الا الطبيعة المعراة من جميع الخصوصيات الا الخصوصية الخاصة وهى كونها مضافز إلى صرف الوجود من صاع هذه الصبرة الموجودة في الخارج وعليه فليس له الا أن يطالب ما ملكه من صياع هذه الصبرة كما أنه كذلك إذا ملك أحد على كلى في ذمة شخص فانه لا يملك الا الكلى فقط المضاف إلى ذمة المديون أو البايع فليس له يطالبه من حصة خاصة ومن كومة معينة. وبالجملة أن كل ذى حق له ان يطالب حقه ممن عليه الحق بمقدار حقه فليس له مطالبة الزائد ومن الواضح أن المشترى يملك مطالبة كلى الصاع من هذه الصبرة وأما كونه من هذه الطرف أو من ذلك الطرف فلا. وما نحن فيه نظير طلب الطبيعة من المكلف فانه إذا أمره بايجاد الطبيعة فليس له مطالبة خصوصية زائدة غير ايجادها وإذا اقبح على العبد بانك لماذا لم تمتثل بايجاد الطبيعة بخصوصية خاصة فيتحج عليه العبد بحكم العقلاء أنك لم تكن مستحقا لمطالبة الزائد من ايجاد الطبيعة نعم لو كان هنا دليل آخر يدل على ايجاد الطبيعة بخصوصية خاصة وراء الامر بأصل الطبيعة فللمولا أن يحتج على عبده بذلك على ترك الامتثال بالخصوصيات الزائدة وليس للعبد ح أن يقول أن الامر بالطبيعة لا يقتض الا الامتثال بالطبيعة فقط وهكذا الامر في أوامر الشارع بأجمعها. هذا على تقدير الكلية وأما بناء على الاشاعة فلا اختيار لاحدهما بوجه لحصول لحصول الشركة فيحتاج القسمة إلى التراض كسائر الاموال المشتركة الثمرة الثانية أنه بناء على الكلية إذا تلفت الصبرة بأجمعها ولم يبق

[ 377 ]

منها الا مقدار حق المشترى فيكون الباقي له وليس للبايع فيه حق وهذا بخلافه على الاشاعة فان التالف والباقى بينهما سيان. والوجه في ذلك قد عرفت أن ما يملكه المشترى ليس الا الطبيعة المعراة عن الخصوصيات الا اضافته إلى صرف الوجود من الصبرة الموجودة في الخارج فما دام أنه قابل الانطباق على صياع الصبرة لم يذهب من حقه شئ كما عرفت ذلك من الرواية الا إذا تلف المجموع فانه ح ينطبق الكلى على التالف أيضا فيكون المورد من صغريات التلف قبل القبض فيفسخ البيع. وأما على الاشاعة فان الفرض أن حق كل من البايع والمشترى على نحو الاشاعة في الصبرة فيكون التالف منهما معا لثبوت حق المشترى في كل جزء فمع القبض والاقباض يذهب المبيع من كيس البايع وبدونه ينفسخ البيع و هذا واضج جدا فما ذكره المصنف في محله وتمت الثمرة. ثم انه ذكر المصنف أنه لو فرضنا أن البايع بعد ما باع صاعا من الجملة باع من شخص آخر صاعا كليا أخر فالظاهر أنه إذا بقى صاع واحد كان للاول لان الكلى المبيع، ثانيا انما هو مشاعة في مال البايع وهو ما عدا الصاع من الصبرة فإذا تلف ما عدا الصاع فقد تلف جميع ماكان الكلى فيه ساريا فقد تلف المبيع الثاني قبل القبض وهذا بخلاف ما لو قلنا بالاشاعة وقد قواه شيخنا الاستاذ وقال أن الباقي ينطبق على ملك المشترى الاول ويجرى حكم تلف المبيع قبل قبضه بالنسبة إلى صاع المشترى الثاني، لان الصاع الثاني يسرى كلية إلى ما عدى الصاع الاول وهذا بخلافه على الاشاعة. ولكن التحقيق أن الباقي لا ينطبق عليه مللك المشترى الاول، و توضيح ذلك أنا ذكرنا في مبحث علم الاجمالي من الاصول أن الصفات

[ 378 ]

الحقيقة الموجودة في أفق النفس يصح أن تتعلق بالعناوين الجامعة للافراد المتشتتة وقابلة الانطباق على كل واحد منها على سبيل البدلية من غير أن يكون لنفس العنوان الجامعي واقعية في الخارج، بل واقعيته بنفس الاعتبار بمعنى أن المعلوم ليس أمرا معينا في الخارج بحيث ينكشف بعد العلم كونه معلوما في الخارج، بل المعلوم هو الامر الاعتباري الجامع بين الافراد والمنطبق عليها على سبيل البدلية مثلا إذا علمنا بنجاسة أحد هذين الكأسين فالصفة النفسانية قد تعلقت بالعنوان الجامع بين الكأسين أعنى عنوان أحدهما بحيث انه قابل الانطباق على كل فرد منهما على سبيل البدلية من غير أن يكون لهذا العنوان واقعية أصلا في الخارج بل قوامه بانطباقه على الافراد فإذا علمنا بعد ذلك أن النجاسة انما هي موجودة في الكأس الشرقي دون الغربي فلا ينكشف من ذلك أن الكأس الشرقي من الاول متعلق لهذا العلم أو علم اجمالا بكون أحد الكأسين بولا أو خمرا فعلم بعد ذلك تفصيلا كون هذا الكأس المعين بولا فانه لا ينكشف من ذلك أن المعلوم من الاول بولية هذا الكأس، بل المعلوم في جميع موارد علم الاجمالي انما هو عنوان أحدهما وكذلك القدرة وسائر الاوصاف النفسانية مثلا لو كان أحد متمكنا من أكل أحد الرغيفين دون كلاهما معا أو على التدريج فانه إذا أكل واحدا منهما لا ينكشف من الاول أنه لم يكن قادرا الا على أكل هذا الخبز فقط دون الاخر، بل هو من الاول كان قادرا لهذا وقادرا لذلك أيضا فإذا صح تعلق الاوصاف الحقيقة على العناوين الاعتبارية فتعلق الاوصاف الاعتبارية عليها بمكان من الامكان. وتوضيح ذلك أن الملكية ليست من الامور الموجودة في الخارج كسائر الاعراض الموجودة فيه، وانما هي اعتبار اضافة المملوك إلى المالك ونسبته

[ 379 ]

إليه وانما الموجود في الخارج متعلق هذه الاضافة من الامورات التكونية أو الكليات الاعتبارية فهذا الامر الاعتباري كما يصح أن يتعلق بالاعيان الخارجية فكك يصح أن يتعلق بالامور الاعتبارية التى لا واقعية لها أصلا الا الاعتبار المحض فإذا باع صاعا من صبرة من شخص فقد ملك كليا وأمرا اعتباريا جامعا للافراد الخارجية على سبيل البدلية وقابل الانطباق عليها كذلك من غير أن يكون المشترى مالكا للخصوصيات بحيث أن للمالك تطبيق ذلك الجامع أيا من الافراد الموجودة في الخارج وهذا معنى تمليك الطبيعة وحفظ الخصوصيات في ملك نفسه وإذا طبقه على فرد منها وعينه في الخارج لا ينكشف منه أن المملوك من الاول كان هو هذا الفرد المعين والا فمعناه أن الخصوصية كانت مملوكة للمشترى وهو خلاف المفروض في بقائها في ملك البايع وانما المملوك كان هو الجامع والبايع باختياره طبقه على الفرد المعين واسقطه عن الانطباق على جميع الافراد. وعليه فإذا باع صاعين كليين من الصبرة من شخصين فانطباق كل منهما على صرف الوجود من كل واحد من صباع تلك الصبرة على حد سواء وليس لاحدهما مزية على الاخر بوجه. وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف من انه في صورة بيع صاعين من شخصين مع تلف الصبرة وبقاء صاع واحد فقط يكون الباقي للمشترى الاول فقط لان مملوك المشترى الثاني ينطبق على غير الصاع الذى انطبق عليه مملوك المشترى الاول وهذا نظير ما إذا باع صاعين من الصبرة من شخص واحد فهل يتوهم أحد أن كل واحد من صاعين يكون منطبقا على غير ما انطبقه الاخر، بل انطباق كل منهما على كل من صياع الصبرة على حد سواء، كما هو واضح.

[ 380 ]

وعلى هذا فنسبة الصاع الباقي إلى كل من المشتريين على حد سواء وح فهل الباقي بتمامه ملك للمشترى الاول أو بتمامه ملك للمشترى الثاني أو يكون لاحد هما فقط بتعيين المالك البايع أو يقسم بينهما بالنصف أما كونه ملكا لهما معا على نحو الاستقلال والتمام فغير محتمل جزما لانه لا يعقل ان يكون الشئ الواحد مملوكا لاثنين على نحو الاستقلال. وأما كون اختيار التعيين تحت يد البايع فهو أيضا واضح البطلان فانه انما يكون كذلك إذا كانت الخصوصيات باقية تحت ملكه كما إذا كانت الصياع متعددة فانك عرفت أنه ليس للمشترى حق التعيين اصلا وانما هو راجع إلى البايع فان المبيع ليس الا الطبيعة فالخصوصيات باقية تحت ملكه الاختيار في تعيين ذلك الكلى باى فرد شاء وهذا بخلافه هنا فانه مع تلف الصبرة وبقاء صاع واحد ينحصر الحق بالمشترى ويرتفع مملوك البايع أصلا فانه انما كان فيما يكون له اختيار تطبيق الكلى بهذا أو بذلك فمع التلف وبقاء الصاع الواحد ارتفع موضوع هذا الاختيار أصلا ولم يبق له ملكية في هذا الفرد بوجه وقد عرفت قريبا أنه لا يعقل أن يكون شئ واحد مملوكا لشخصين فصاعدا على نحو الاستقلال. وأما التنصيف فهو الحق فانك عرفت عدم معقولية ملكية كليهما على الباقي وتخصيص احدهما دون الاخر تخصيص بلا مخصص إذ ليس في البين مرجح الا مجرد سبق الزمانى فهو في نفسه لا يكون مرجحا فلا بمن القول بالتبعيض فيكون لكل من المشتريتين النصف لما عرفت مرارا أنه إذا كان المبيع مركبا من الاجزاء فيكون البيع منحلا إليها حسب تعداد الاجزاء فح ان كانت الهيئة الاجتماعية دخيلة في ازديدا الثمن فيكون للمشترى خيار تبعض الصفقة والا فلا خيار له أيضا.

[ 381 ]

وبالجملة فعمدة غرضنا أنه لا وجه لتخصيص الباقي بالمشترى الاول والقول ببطلان البيع الثاني وانفساخه لكونه من صغريات التلف قبل القبض بدعوى منع انطباق الكلى الثاني على جميع الصياع، بل انما يكون انطباقه على غير الصاع من هذه الصبرة كما لا يخفى. فافهم. وقد انتهى الكلام إلى أنه إذا باع صاعا من صيرة من شخص ثم باع صاعا من صبرة من شخص آخر فتلف الصبرة ولم يبقى منها الاصاع واحد فهل يكون ذلك للمشترى الاول كما اختار المصنف أو ينفسخ العقد فيهما معا ويعود الباقي إلى ملك المالك الاول أو يتخير المالك الاول بين أن يعطيه من المشترى الاول أو من المشترى الثاني أو يحكم بالتنصيف فذكر المصنف أنه يتعين للاول وقد عرفت أنه لا وجه له فان كل من المشتريين قد ملكا كليا من صياع الصبرة الذى قابل الانطباق على جميع الصياع وسار شريكا فيها فنسبة كل منهما إلى كل من الافراد على حد سواء بحيث أن للبايع الذى ملك الكلى السارى وحفظ الخصوصيات أن يطبق كل من الكليين على أي فرد من الافراد شاع فإذا تلفت الصبرة ولم يبق الاصاع واحد فبأى مرجح يتمحض ذللك بالمشترى الاول مع أنا فرضنا أن مملوك كل منهما ليس الا الكلى السارى فتخصيص الباقي بالاول بلا مخصص ومرجح فانه ليس في البين مرجح الا السبق الزمانى وكون المشترى الاول أسبق من البيع للمشترى الثاني فلا دليل على كونه مرجحا في البين. وأما كون التخيير تحت يد البايع فهو واضح البطلان فانه بعد ما خرج المبيع عن ملكه فأى اختيار له في ذلك وتوهم أن الخصوصيات كانت مملوكة له فله تمليكها باى منهما شاء توهم فاسد فانه لا يعقل تمليك العين عارية عن الخصوصيات إذ لا وجود للعين الخالى عنها في الخارج فأن الشئ

[ 382 ]

إذا تشخص ووجد في الخارج خرج عن الكلية وإذا لم يتخصص بخصوصية لا يعقل وجوده في الخارج فبالشرط في ضمن العقد يشترط المشترى على البايع أن يملك البايع الخصوصيات أيضا أي إذا تعين حقه في شئ تكون الخصوصيات أيضا للمشترى حتى مع كون المبيع كليا. نعم مادام المبيع كلى فالخصوصيات تحت ملك البايع وأما مع التعين فيكون الخصوصيات أيضا كنفس العين ملكا للمشترى فليس للبايع اختيار في اعطاء الباقي للاول أو الثاني. ويبقى القول اما بالانفساخ أو التبعيض وربما يقال بالاول، فانه لا يمكن، القول بصحة كليهما ولا بصحة احدهما دون الاخر لعدم المرجح في البين فيسقطان معا للمعارضة كما هو كذلك في سائر العقود كما إذا باع داره أو اجرها أو وهبها من شخص وباعها وكيله من شخص آخر في ذلك الزمان فانه يحكم في أمثال ذلك بالتساقط ورجوع الدار إلى صاحبها الاول فان العمومات تتعارض في شمولها لكل من العقدين. ولكن الظاهر عدم التساقط هنا ووضوح الفرق بين ما نحن فيه وبين سائر العقود والوجه في ذلك هو ان المعاملة الوحدة انما تنحل إلى معاملات عديدة حسب انحلال المبيع سواء كانت بيعا أو اجارة أو هبة، فالعقد الصادر من الموكل بتمام اجزائه معارض مع العقد الصادر من الوكيل في ذلك الوقت إذ لا ترجيح في شئ من الاجزاء لاحد الطرفين فيسقطان للمعارضة وعدم امكان شمول العمومات لاحدهما دون الاخر لكونه ترجيحا بلا مرجح. وبالجملة أن العقد الصادر من الوكيل انما يبتلى بالمانع الذى هو العقد الصادر من الموكل وبالعكس فكل منهما يمنع عن وقوع الاخر فيعارض

[ 383 ]

شمول العموم لكل منهما مع شمولها للاخر فيتساقطان لعدم الترجيح بلا مرجح. وهذا بخلافه في المقام فانك عرفت أن ما بيع لكل من المشتريين أمر كلى قابل الانطباق على جميع الافراد وكذلك اجزاء المبيع ففى هنا بيوع متعددة حسب تعدد المبيع بالانحلال وكل مبيع في كل بيع قابل الانطباق على جميع أجزاء الصبرة من غير أن يكون بينهما تزاحم وتمانع أصلا كما كان كذلك في سائر العقود في الفرض المذكور ولكن إذا تلفت الصبرة ولم يبق الا الصاع الواحد فيسقط المبيع الكلى من الطرفين عن السريان وينحصر ما ينطبق عليه الكليان بالفرد الواحد وح فكل من البيعين يتعارضان في الانطباق إلى الموجود الخارجي الذى هو فرد من الصاع من حيث المجموع للمعارضة ولكن انطباق حق كل من المشتريين بنصف الصاع فلا معارضة بينهما فيحكم بالتبعيض فالعمومات تشمل على البيعين بالنسبة إلى النصف بلا معارضة وليس للبايع أن يعطى مجموع الصاع لاحدهما دون الاخر لعدم بقاء الاختيار له بالنسبة إلى المجموع نعم بالنسبة إلى النصفين فاختياره باق على حاله فله أن يعطه لاحدهما هذا النصف وللاخر ذلك و بالعكس وهذا واضح لاشبهة فيه واما ثبوت الخيار فقد اشرنا إليه ويأتى تفصيل الكلام فيه في الخيارات. ثم ذكر المصنف فرعا أخر لبيان الثمرة وهو أنه أن المبيع انما يبقى كليا ما لم يقبض وأما إذا قبض فان قبض منفرد عما عداه كل مختصا بالمشترى وان قبض في ضمن الباقي بأن أقبضه البايع مجموع الصبرة فيكون بعضه وفاء والباقى أمانة حصلت الشركة لحصول ماله في يده وعدم توقفه على تعيين اقباض حتى يخرج التالف عن قابلية تملك المشترى له فعلا

[ 384 ]

وينحصر حقه في الباقي فح حساب التالف على البايع دون المشترى ترجيح بلا مرجح فيحسب عليهما إلى أن قال، نعم لو لم يكن اقباض البايع للمجموع على وجه الايفاء، بل على وجه التوكيل في التعيين أو على وجه الامانت حتى يعين البايع بعد ذلك كان حكمه حكم ما قبل القبض. أقول: أن هنا امران ولا نتجاسر على المصنف أنهما قد اختلطا. الاول: أن التلف بعد القبض انما يحسب على المشترى وعليه، فإذا أقبض البايع مجموع الصبرة من المشترى فأثره أنه لو تلفت الصبرة بكلها يكون المبيع أيضا تالفا ولايكون مثل التلف قبل القبض فيحكم بالانفساخ. الثاني: تعيين المبيع الكلى وتطبيقه على فرد خاص وعدم تعيين ذلك فانه على الاول فيكون تلف كل من المال المعين على صاحبه وأما مع عدم التعين فلاوجه لكون التالف عليهما مع كون المبيع كليا كما هو المفروض فان مجرد اقباض المبيع على كليته لا يوجب انقلابه إلى الشركة، بل انما قبضه المشترى على سريانه أي أنه باقى على سريانه الاولية مثلا كانت الصبرة عشرة اصوع فباع مالكها صاعا منها ثم أقبضه مجموع الصبرة فانه لا يوجب تعيين حقه أو قلبه إلى الاشاعة فانه بأى موجب زالت ملكية البايع على الخصوصيات الموجبة لكونه مختارا في تطبيق حق المشترى بأى فرد شاء. وتوهم أن المشترى وان ملك كليا ولكنه مالك له مع خصوصية، فان مقتضى الشرط الضمنى هو ذلك فانه انما يشترى صاعا من الصبرة ليستقل في التصرف فيه لا أن يكون باقيا على كليته وهذا الشرط موجود في ضمن العقد. وهو توهم فاسد فانه وان كان صحيحا في أصل الاشتراط ولكن لا يقتضى ذلك تعين حق المشترى بصاع خاص ثم انقلابه إلى الاشاعة وقد

[ 385 ]

عرفت أنه يمكن أن يقبض المشترى المبيع على كليته فانه مع أخذ الصبرة مجموعا يأخذ المبيع أيضا لكونه موجودا في ضمن الصبرة كما أنه مع التعين يكون موجود ا في ضمن الفرد الشخصي فان الكلى الطبيعي موجود بوجود الفرد. وبالجملة أن المبيع كان هو الكلى السارى فهو باق على حاله فلا يخرج عن السريان بقبض المشترى كما لا يخفى. نعم لو بدل الكلى بالاجزاء على نحو الاشاعة بمعاملة جديدة فيحكم بالاشاعة فيصح ما ذكره المصنف ولكنه لا يمكن بدون المعاملة الجديدة فان خروج الخصوصيات عن ملك البايع وخروج الكلى عن ملك المشترى وتبدل كل منهما بالاخر يحتاج إلى دليل فهو منتف في الخارج ونحن لاندعى الاسحالة بل ندعى عدم الدليل على هذا، فافهم. وكيف كان فلافرق فيما ذكرناه من التحقيق بين ما قبل القبض وما بعده بوجه. وأما ما ذكره من أنه لو اقبضه على نحو الامانة فهو متين فان البايع مالك لجميع الخصوصيات مع الصبرة فإذا باع صاعا منها فله أن يطبق هذا الكلى بأى فرد شاء فإذا أقبضها من المشترى مجموعا لتكون أمانة عنده فلا يوجب ذلك خروج الخصوصيات عن ملكه فانه بلا موجب فانه لم يقبضها بعنوان اقباض الحق، بل الامانة وح فإذا تلفت الصبرة أجمع فيكون حكمها حكم التلف قبل القبض. لو باع ثمرة شجرات واستثنى منها ارطالا معلومأ قوله: وانما الاشكال في أنهم ذكروا فيما باع ثمرة شجرات و

[ 386 ]

استثنى منها ارطالا معلومة أنه لوخاست الثمرة سقط من المستثنى بحسابه وظاهر ذلك تنزيل الارطال المستثناة على الاشاعة. أقول: قد عرفت أنه ذكر المصنف أنه لو باع صاعا من الصبرة أو منا من الحنطة فيحمل على الكلى، ويكون المبيع هناكلى المن وكلى الصاع ملغى عنه الخصوصيات السارى على جميع امنان الصبرة وأصواعه ورتب عليه أنه لو تلفت الصبرة ولم يبق الا بقدر الصاع والمن فيحسب التالف على البايع لكونه تلفا قبل القبض. ثم ذكر ان ظاهر الفقهاء في بيع ثمرة الشجرات واستثناء أرطال معلومة منها على خلاف ما ذكرناه فانهم ذكروا هنا أنه لو خاست الثمرة فيحسب التالف على البايع والمشترى وسقط من المستثنى بحسابه وقد ذكروا للتفص عن هذه العويصة وجوها: الاول: أن الفارق بين المسألتين هو النص فان الصحيحة الواردة في بيع الاطنان من القصب قد دلت على حمل بيع الصاع من الصبرة على الكلى، والا فمقتضى ظهور اللفظ هو الاشاعة في كلا المسألتين. ويرد عليه وجوه مع تسليم الحمل على الاشاعة في بيع الكلى مع انا لم نسلم ذلك، وقلنا بأن ظاهر اللفظ هو الكلى مع ورود النص عليه كما عرفت. الاول: ما ذكره المصنف (ره) من أنه ان كان النص واردا على طبق القاعدة كما هو الظاهر فان الظاهر أن الامام (ع) اجاب على طبق المتفاهم العرفي لزم التعدي منه إلى مسألة استثناء، فانه لافرق بينهما الا أن مسألة الاستثناء على عكس مسألتنا، هذا وهو بانفراده لا يوجب الفرق بينهما و ان كان واردا على خلاف القاعدة والتعبد المحض فلا يجوز التعدي من مورده أعنى بيع القصب إلى غيره، بل من غير المشتغلين فهل يتبع حينئذ

[ 387 ]

كبيع الصاع من صبرة الحنطة والشعير ونحوهما. ويمكن الجواب عنه بدعوى القطع بعدم الفرق بين بيع القصب وبيع الحنطة فانهما من واد واحد، لانا نقطع بانه لو كان السائل يسأل الامام (عليه السلام) عن بيع عشرة ألاف ارطال من الحنطة من ارطال وتلفت الا عشرة ألاف فأجاب الامام (ع) بمثل ما أجابه في بيع القصب. الجواب الثاني: ما ذكره المصنف في آخر كلامه من أنه لو قلنا بالاشاعة للزم عدم جواز تصرف المشترى في الثمرة الا باذن البايع كما هو مقتضى الشركة مع أنه لم يعلم من الاصحاب الحكم بعدم جواز تصرف المشترى الا باذن البايع، بل يجوز له التصرف في الثمرة. وثالثا: ما أشار إليه المصنف أيضا من أن لازم الحمل على الاشاعة أنه لو تلف مقدار من الثمرة بتفريط المشترى كان ضامنا للبايع في حصة من التالف ويكونان شريكين بالنسبة إلى الباقي مع انهم حكموا بوجوب اداء المستثنى تماما من الباقي فهو لا يجتمع مع الاشاعة، بل مع الكلية كما لا يخفى. ورابعا: يلزم أن يكون النص واردا على خلاف ما قصده المتبايعان فان لازم ظهور النص في الاشاعة وخروج مسألة بيع الاطنان من القصب على خلاف القاعدة للنص يلزم أن يحكم الامام (ع) على خلاف ما قصداه من العقد فهو لا يمكن فانه لو فرضنا أن السائل كان يصرح بالاشاعة كان يحكم الامام (عليه السلام) بكون المبيع كليا وقد مر مرارا عديدة أنه أمر غير معهود. الثاني: أن مقتضى ظاهر اللفظ في المسألتين هو حمل الصاع على الكلى الا أنه قام الاجماع على الحمل على الاشاعة في مسألة الاستثناء.

[ 388 ]

وفيه أولا: أن الاجماع ليس بنفسه حجة بل لكونه كاشفا عن دليل معتبر، ونحن نقطع بانتفائه في المقام وعدم استناد هم إليه. وثانيا: يرد عليه ما أوردناه على الوجه الاول من الوجوه الثلاثة الاخرة. الثالث: أن الفارق بين حمل الصاع على الكلى في المقام وبين حمله على الاشاعة في مسألة الاستثناء ونظائره كالزكاة التى يحسب التى يحسب التالف فيها على المالك والفقراء أن الفارق هو اعتبار القبض في لزوم البيع و وجوبه على البايع في بيع الكلى فما دام يمكن دفع المبيع إلى المشترى يجب الاقباض ومن الواضح أنه مع بقاء فرد يمكن انطباق الكلى عليه، يجب الاقباض كما في بيع الكلى في الذمة وهذا بخلافه في مسألة الاستثناء و الزكاة. وفيه أولا: ما ذكره المصنف من أنه مضافا إلى تحقق ايجاب القبض في مسألتي الزكاة والاستثناء أن وجوب الاقباض ولزوم العقد مسلم ولكن لادليل لوجوب الاقباض في اللزوم بوجه، ولانفهم معنى هذه العبارة كما لم يفهمه المصنف، وان ايجاب القبض على البايع فرع كون المبيع كليا ومنطبقا على الباقي فانه مع عدم البقاء كلا أو بعضا لا يبقى موضوع لوجوب الاقباض لانفساخ العقد. وبعبارة أخرى حكم حمل المبيع على الاشاعة هو انفساخ العقد في المقدار التالف وعدم بقاء الموضوع لوجوب الاقباض وحكم حمله على الكلى هو بقاء المبيع ووجوب دفعه إلى المشترى واقباضه منه هذا بحسب الكبرى وأما احراز الصغرى واثبات أنه محمول على الاشاعة أو على الكلى فلابد وان يتحقق من الخارج فاثبات الكلية بوجوب الاقباض الذى فرع على

[ 389 ]

الكلية مصادرة واضحة. وثانيا: أن دليل اخص من المدعى فانا نفرض موردا يكون المبيع تحت يد المشترى في بيع الكلى اما بالاجازة أو بالامانة أو بالعارية، أو بالغصب، فح فالمبيع تحت يد المشترى فلا موضوع لوجوب الاقباض أصلا ومن هنا يعلم أن قياس المقام ببيع الكلى في الذمة فرع احراز الكلية كما لا يخفى. وأما قياس الاستثناء بالزكاة، ففى غير محله إذ ليس الفقير شريكا مع المالك في المال الزكوى كما حقق في محله. الرابع: ما ذكره في مفتاح الكرامة من ابداء الطرق بين المسألتين بدعوى أن التلف من الصبرة في المسألة السابقة أعنى بيع الكلى انما هو قبل القبض فيكون على البايع ويلزم عليه مع ذلك أن يسلم من الباقي تمام المبيع فانه لم يذهب منه على المشترى شئ لاجل التلف وهذا بخلاف مسألة الاستثناء فان التلف فيه بعد القبض والمستثنى بيد المشترى، أما على الاشاعة بينهما فيوزع الناقص عليهما ولهذا لم يحكم بضمان المشترى هنا بخلاف البايع هناك فانه حكم بضمانه هناك. وبعبارة أخرى أن المشترى في بيع الكلى يتلقى الملك من البايع فما دام في البين مصداق للكلى المبيع لينطبق عليه ذلك الكلى فيجب اقباضه باقباض المصداق، وهذا بخلاف الاستثناء، فان المستثنى فيه من الاول باقى في ملك البايع فلا يجب التسليم والاقباض والايفاء أصلا فيكون التلف عليهما لكون كل منهما مالكا للخصوصيات. وبعبارة ثالثة: أنه يدعى أن المبيع في المقامين هو الكلى. والجواب عنه: أولا: من تبعية وجوب الاقباض بكون المبيع كليا ومتفرعا

[ 390 ]

عليه وعدم كونه نحو الاشاعة فاثبات الكلية بوجوب الاقباض مصادرة والضحة وثانيا: أن الدليل أخص من المدعى فان تفرض المبيع تحت يد المشترى في بيع الكلى اما بالغصب أو بغيره كما تقدم. وثالثا: بناء على الاشاعة في مسألة الاستثناء لا يجوز للمشترى أن يتصرف في الثمرة الا باذن البايع ومع اتلافه مقدارا منها فيكون ضامنا لحصة البايع مع اشتراكهم في البقية كما ذكره المصنف. ورابعا: ما ذكره المصنف من أنه ان كان المراد من التلف بعد القبض أي بعد قبض المشترى فلا شبهة أن البايع ح لا يضمن التلف من حق المشترى وانما الاشكال في الفرق بين المسألتين. وان أريد منه أن الكلى الذى يملكه البايع تحت يده بعد العقد، فحصل الاشتراك عنده فإذا دفعه إلى المشترى فدفع مالا مشتركا إليه، فح أيضا يبقى سؤال الفرق بين قولنا بعتك صاعا من الصبرة وبين قولنا بعتك ثمرة البستان الا ارطالا معلومة فكلاهما من واد واحد فلما ذا حصل الاشتراك في الثاني دون الاول فان كون المجموع تحت يد البايع لا يوجب الاشتراك ولا يرد على المصنف أنك قلت بحصول الاشتراك في بيع الكلى باقباض البايع مجموع الصبرة فلماذا لا يحصل الاشتراك هنتابكون مجموع الثمرة تحت يد البايع، فالبايع هنا بعينه مثل المشترى هناك. فانا نقول ان المصنف قد التزم هنا بالاشتراك لمكان الاقباض فان اقباض المالك الكلى يوجب تمليك الخصوصية وتمليك الخصوصية موجبة للاشتراك بخلافه هنا نعم لو كانت الثمرة تحت يد المشترى وهو يقبض البايع مجموع الثمرة فحصل الاشتراك فحصل الفرق بين المقامين وان لم نقبل ما ذكره المصنف وقلنا ان اعطاء الصبرة للمشترى باجمعها لا يوجب الاشتراك

[ 391 ]

كما عرفت. الجواب الخامس: ما ذكره المحقق الايروانى أن الذى ينبغى مقائسته من مسألة الارطال بمسألة بيع صاع من الصبرة هو المبيع وهو ماعد الارطال دون نفس الارطال التى لم تقع عليه المعاملة فان مكانة الارطال هنا مكانة بقية الصبرة مما عدا صاع منها من تلك المسألة ومكانة ما عدا الارطال هنا مكانة الصاع من تلك المسألة فان المعاملة وقعت على ما عدا الارطال فيكون المييع كليا فمقتضى القاعدة هنا كون التلف على البايع ولكن حيث كان التلف بعد القبض مع كون حق البايع من الارطال منتشرا في المجموع فيكون التلف منهما. وفيه أولا: أنه خلاف المتفاهم العرفي فانه لو ألقى هذا الكلام لاحد لا يفهم منه الا كون المستثنى منه ملكا للمشترى بجميع الخصوصيات بحيث قد ملكه البايع العين بجميع الخصوصية فلاوجه لكون المستثنى منه أيضا كليا. وثانيا: يرد عليه مما تقدم من عدم جواز تصرف المشترى في المجموع الا باذن البايع وحساب التالف عليهما حتى لو كان المتلف هو المشترى و كون البقية بينهما سيان غاية الامر أن المشترى يضمن للبايع في حصته في صورة الاتلاف. قوله: ويمكن أن يقال ان بناء المشهور في مسألة استثنا الارطال أن كان على عدم الاشاعة. أقول: هذا هو الوجه من الاجوبة قد أجاب به المصنف على تقديري الكلى والاشاعة أما على الاول كما هو الظاهر فلان المتبادر من الكلى المستثنى هو الكلي الشايع فيما يسلم للمشترى لا مطلقه الموجود وقت البيع وهذا الجواب بظاهره يعطى خلاف المقصود فان الاشكال كان في حمل

[ 392 ]

بيع صاع من الصبرة في المسألة السابقة فظاهره المنافات لبيع الثمرة واستثناء الارطال المعينه حيث ذكر الفقهاء أن التالف يحسب عليهما فان هذا ظاهر في الحمل على الاشاعة وظاهر ما ذكره المصنف هنا هو عدم حساب التالف عليهما، بل على المشترى فلا يكون هنا تنافى مع المسألة السابقة مع أن المشهور حكموا بكون التالف عليهما ولعله سقط في كلامه وأنه أراد ما سنذكره من الجواب. وأما على الثاني فأجاب بان المستثنى كما يكون ظاهرا في الكلى كذلك يكون عنوان المستثنى منه الذى انتقل إلى المشترى بالبيع كليا بمعنى أنه ملحوظ بعنوان كلى يقع عليه البيع فمعنى بعتك هذه الصبرة الاصاعا منها بعتك الكلى الخارجي الذى هو المجموع المخرج عنه الصاع فهو كلى كنفس الصاع فكل منهما مالك لعنوان كلى فالموجود مشترك بينهما لان نسبته كل جزء منه إلى كل منهما على نهج سواء فتخصيص أحدهما به ترجيح من غير مرجح وكذا التالف نسبته اليهما على حد السواء فيحسب عليهما، وهذا بخلاف ما إذا كان المبيع كليا فان مال البايع ليس ملحوظا بعنوان كلى في قولنا بعتك صاعا من هذه الصبرة إذ لم يقع موضوع الحكم في هذا الكلام حتى يلحظ بعنوان كلى كنفس الصاع. مثلا إذا كان عنده خمسين رطلا من الطعام فباعه الا عشرة أرطال فان هذه العشرة تكون كلية فإذا كانت كلية فتكون المستثنى منه قهرا كليا أيضا فالمال الموجود في الخارج مشترك بينهما على الاشاعة فيكون التالف عليهما. وفيه أولا: أنه لاوجه لكون المستثنى منه كليا إذ البايع كان مالكا للارطال مع الخصوصيات فإذا باعها من شخص الا أرطالا معلومة فتكون

[ 393 ]

الخصوصيات ملكا للمشترى والا يلزم أن تبقى مال بلا مالك أو تكون ملكا لشخص آخر بلا سبب ملك، فكل ذلك لا يمكن الالتزام به على أن هذا لا يرفع الاشكال وهو أنه على الاشاعة كيف يجوز للمشترى أن يتصرف في المجموع بلا اذن البايع الشريك مع انهم افتوا بجوازه وأنه مع الاتلاف من المشترى كيف يحسب عليه ويكون حق البايع في الباقي مع أن مقتضى الشركة كون التالف عليهما وضمان المشترى على حصة البايع وكونهما شريكين في الباقي أيضا ولعله التفت بعدم صحته وقال أن هذا ما خطر ببالى عاجلا ولعل غيرنا يأتي باحسن من هذا، وقد اوكلنا تحقيق هذا المقام الذى لم يبلغ إليه ذهني القاصر إلى نظر الناظر البصير الخبير الماهر عفى الله عن الزلل في المعاثر. وبالجملة لم يتحصل لنا من الاجوبة التى لاحظنا ها ما يرفع الاشكال ويوجب جواز الجمع بين حساب التالف عليهما وجواز تصرف المشترى في المجموع وكون التالف عليه في صورة اتلافة فلا بد في المقام من جواب يجمع بين هذه الامور الثلاثة. والذى ينبغى أن يقال ولعله هو محتمل الجواب الاول للمصنف و أن المستثنى هو الارطال المعلومة بعنوان الكسر الكلى كما هو الظاهر من اضافة من مجموع ما سلم للمشترى دون مجموع المال وليس المستثنى هو الكسر المشاع بل الامر كذلك حتى مع التعبير عنه بلفظ المن والصاع و الرطل ونحوها فان الظهور العرفي منها وان كان عنوان الكلى منها بنفسها ولكن الارتكاز جار على كونها على أحد النسبة الممكنة في الصبرة كواحد من المائة مثلا مما سلم بحيث يكون الباقي والتالف بينهما سيان و هذا لا ينافي الكلية كما هو واضح.

[ 394 ]

وتوضيح ذلك أن بيع الكسر الكلى يتصور في مرحلة الثبوت على أقسام ثلاثة: الاول الكسر إلى المبيع كقولك بعتك نصف الصبرة أو ربعها مثلا أو غيرهما من الكسور أن يكون على نحو القضية الخارجية كما إذا قال بعتك ربع هذه الصبرة فان المبيع هنا كسر كلى على نحو القضية الخارجية فانه موجود في هذه الصبرة بعنوان الكلية دون الاشاعة فان ربع هذه الصبرة أمر كلى لانه قابل الانطباق على هذا الطرف وذلك الطرف من اليمنى أو اليسرى أو الفوق أو التحت، إلى غير ذلك مما يكون فردا لهذا الكلى و يكون هو قابل الانطباق عليه من الافراد المتصورة. الثاني: أن يكون المبيع كسرا كليا ولكن لا بنحو القضية الخارجية، بل بعنوان القضية الحقيقية وهذا المعنى وان لم يجر في البيع لكونه موجبا للجهالة والغرر ولكن يمكن جريانه في باب الوصية وان لم يعهد فيها هذا الوجه أيضا، لان المعهود في الوصية هو الوجه الثالث ولكن لو أوصى أحد كذلك فلا محذور فيه شرعا كما إذا اوصى بان كلما يكون مالا لى فربعه على نحو الكسر الكلى لفلان، فان هذه قضية حقيقية تنطبق على ربع كل مال حصل في يد الموصى فيكون للموصى له بنحو الكلية لا بنحو الشركة. الثالث: أن يكون أيضا كليا على نحو القضية الخارجية ولكن تكون في حصة خاصة وهذا أيضا لا يمكن في البيع للجهالة والغرر ولكنه موجود في باب الوصية جدا بحيث لو اوصى أحد كك فلا محذور فيه وان كان يحتاج إلى القرائن في مقام الاثبات وان كانت هو الارتكاز كما يمكن دعواه في الوصية والبيع فان الارتكاز على ذلك بل الامر كك في باب الوصية غالبا

[ 395 ]

والشركة على نحو الاشاعة فيها نادرة جدا كما إذا اوصى لزيد ربع ما يسلم للورثة على نحو الكسر الكلى بمعنى أن كما اجتمع أموالي تحت يد الورثة فربعه لزيد على نحو الكلى دون الاشاعة وهذا المعنى كما عرفت موجود في باب الوصية فان من اوصى ربع ماله لفلان فليس معناه أنه شريك مع الورثة على الاشاعة ولو بقرينة الارتكازو لا أن ربع مجموع المال أعم مما يسلم ومما لا يسلم له والا فربما يكون ما يحصل من التركة للموصى له مجموعا بل معناه أن ربعه الكسرى الكلى الذى يسلم من التلف والظاهر أنه لا يشك أحد في صحة ذلك الكلام في هذا المعنى ولو بالارتكاز العقلائي في باب الوصية بل عليه جريان السيرة العملية ما لم تكن تصريح على خلافه من الشركة على نحو الاشاعة. وبالجملة الذى ذكرناه لا غبار فيه ثبوتا وان كان يحتاج إلى القرائن في مقام الاثبات فان غرضنا تصحيح هذا المعنى فقط في عالم الثبوت ففى مقام الاثبات فيتبع لسان الدليل كما لا يخفى أو القرائن الخارجية كما في باب الوصية وكذلك فيما نحن فيه لشهادة الارتكاز على ذلك. إذا عرفت ذلك فندعى جريان ذلك في مسألة الاستثناء فان قول القائل بعتك مجموع الثمرة الا ارطالا معلومة معناه بعتك مجموعها كسرا كليا مما يسلم وهو الواحد في المائة العشرة أو أقل أو اكثر، مثلا فيكون عنوان الرطل معرفا إلى ذلك الكسر الكلى ففى الحقيقة أن البايع يستثنى من العشر مثلا واحد امما يبقى من الثمرة للمشترى الذى يسمى كسراكليا ويجعل عنوان الرطل أو المن أو الصاع معرفا إليه وهذا وان كان في نفسه على خلاف الظاهر فان ظهور المن أو الرطل ونحوهما في الكلى في المعين وحملها على الكسر الكلى على خلاف الظاهر ولكن قامت القرينة

[ 396 ]

على ما ذكرناه والارتكاز فانه قائم على ارادة ما ذكرناه من مثل هذا الكلام (بعتك الثمرة الا ارطالا معلومة) فان الارتكاز العقلائي محقق على أن المراد منه هو الكسر الكلى مما يسلم ويتحصل للمشترى من الثمرة دون الشركة و الاشاعة ولا الكلى في مجموع الثمرة بحيث أن ما يسلم للمشترى لو كان بمقدار المستثنى يكون المجموع للبايع، بل هو الكسر الكلى أي حد معين من حد معين كالواحد من المائة مثلا. وعلى هذا فنسلم من جميع الاشكالات فانه لو تلفت الثمرة بآفة سماوية يكون التالف عليهما فان حق البايع الكسر الكلى مما سالم للمشترى والتالف خارج بحسب الارتكاز ولو اتلفه المشترى كان حق البايع من الباقي، فان التالف مما يسلم فهو باختياره اتلفه ويجوز للمشترى التصرف في مجموع الثمرة لان البايع ليس شريكا في الثمرة حتى يحتاج تصرفه إلى الاجازة و كان لفظ الكسر قبل لفظ الكلى في عبارة المصنف لكان عين ما ذكرناه وكان (أن المتبادر من الكلى المستثنى هو الكسر اكلى الشايع فيما يسلم للمشترى لا مطلق الموجود وقت البيع) ولعله كان كذلك وقد سقط من عبارته والله العالم، ولا يلزم كون المعاملة غررية أو كون المبيع مجهولا فان المبيع معلوم وهو مجموع الثمرة وما استثنى من مجموع الثمرة أيضا معلوم، فالتلف انما يرد على المستثنى والمستثنى منه المعلومين لا أن المبيع هو الباقي بعد التلف ليكون مجهولا أو غرريا كما هو واضع. ويمكن الجواب بوجه آخر بأن يقال أن قولك بعتك مجموع الثمرة هذا البستان الا عشرة أرطالا أن كل واحد من المستثنى والمستثنى منه يتحللان إلى الاجزاء فكأنه قال بعتك عشرة الا واحدا فيكون مفاد ذلك أن المستثنى من كل عشرة واحدة مثلا بنحو الكلى في العين وهكذا إلى ان ينتهى

[ 397 ]

كلما يتصور من الاجزاء التحليلية والفرق بين هذا والوجه الاول هو أن في الاول كان المشترى جائز التصرف في المجموع لان حق البايع كان كليا بخلافه هنا فانه لا يجوز له التصرف في المجموع فان المفروض أن الواحد من كل عشرة مثلا للبايع فبالتصرف في العشرة قطعا ينصرف في حق البايع أيضا، ولكن الشرط الضمنى موجود على جواز التصرف في المجموع. وعلى هذا فيرتفع الاشكال أيضاو يجتمع الامور الثلاثة أماكون التالف عليهما فلما ذكرنا كون المستثنى والمستثنى منه منحلين إلى الاجزاء وأن من كل جزء جزء كالواحد من العشرة فإذا تلفت العشرة فيتلف من كل منهما جزء كما هو واضح. وأما أنه يجوز للمشترى التصرف في المجموع فلما عرفت من كون الشرط الضمنى على ذلك. وأما أنه مع اتلاف المشترى من الثمرة شيئا فيكون حق البايع من الباقي فهو أيضا للشرط الضمنى وهذان الوجهان خصوصا الثالث على خلاف الظهور بمكان ولكن الذى يسهل الخطب أن الغرض لتصوير كلام القوم في مسألة استثناء الارطال المعلومة من المبيع على نحو لا يكون منافيا لحمل بيع صاع من الصبرة على الكلى في المعين. ثم لا يخفى عليك أنه يمكن الجواب بحمل الارطال على الاشاعة و الجواب عن عدم جواز تصرف المشترى في المجموع وكون حق البايع من الباقي مع اتلاف المشترى مقدارا منه بالشرط الضمنى كما عرفته في الوجه الثاني هذا ما عندنا ولعل غيرنا يأتي بما هو أحسن من ذلك كما ذكر المصنف بقوله هذا ما خطر عاجلا بالبال وقد اوكلنا تحقيق هذا المقام الذى لم يبلغ إليه ذهني القاصر إلى نظر الناظر البصير الخبير الماهر

[ 398 ]

عفى الله عن الزلل في المعاثر. الكلام في اقسام بيع الصبرة قوله: قال في الروضة تبعا للمحكى عن حواشى الشهيد أن أقسام بيع الصبرة عشرة. أقول: حاصل ما ذكره الشهيد أن أقسام بيع الصبرة المعلومة خمسة وباضافة خمسة أقسام للبيع الصبرة المجهولة فتكون الاقسام عشرة أما أقسام الصبرة المعلومة: فالاول: أن يبيع مجموع الصبرة فهذا لاشبهة في صحته لانه لا تطرقه شئ من الموانع الموجبة للبطلان. الثاني: أن يبيع نصفها على نحو الاشاعة. الثالث: يبيع مقدار منها كصاع تشتمل عليه الصبرة، وهذا هو بيع الكلى في المعين الذى تقدم الكلام فيه مفصلا، وقلنا انه لاشبهة في صحته أيضا. الرابع: بيع مجموع الصبرة على حساب كل صاع منها بكذا وهذا أيضا لااشكال في صحته فان المبيع أمر معلوم وكذلك الثمن فلا شئ هنا يوجب البطلان. الخامس: أن يبيع كل صاع منها بكذا ونظير كذلك ما ذكره العلامة في بعض كتبه من الاجازة كأن قال المؤجر أجرتك الدار كل شهر بكذا، و قد وقع مثل هذه الاجازة محل الكلام بين الاعلام هل هي صحيحة أم لا ومرادهم وقوع الخلاف في غير الشهر الاول، فان صحة الاجارة في الشهر

[ 399 ]

متيقن كما ذكره العلامة من صحة الاجارة في الشهر الاول لتضمن هذا القول اجارة هذا الشهر يقينا والمقام أيضا كذلك فلازم كلامهم في الاجارة كون البيع صحيحا في صاع واحد لكونه متيقنا من هذا الكلام من غير أن يقترنه ما يوجب البطلان وأما في غير صاع الواحد فيحكم بالبطان لكون المبيع مجهولا إذ لا يعلم أنه أي مقدار فان المبيع هو كل صاع من الصبرة أي مقدار منها يريد المشترى ومن الواضح أن عنوان كل صاع منها بكذا أمر مجهول، وهكذا في المعدود ولكن قد حكم شيخنا الاستاذ على البطلان في كلا المقامين لان تردد متعلق العقد بين الاقل والاكثر يقتض الجهل به فيكون باطلا ولكن ظاهر الكلام أن الاجارة في هذا الشهر وما بعده فيكون العقد في الشهر الاول أو في الصاع الواحد صحيحا كما هو واضح على ما عرفت وليس هذا مثل سابقه فان المبيع فيه مجموع الصبرة، وانما يتعين مقدار الثمن بالصاع فانه باع مجموع الصبرة على حساب كل صاع بكذا كما هو واضح، وهذا بخلاف هنا فان المبيع في المقام هو كل صاع مع الجهل بأن البايع أي مقدار يريد أن يأخذ منها. وبالجملة أن مجموع أقسام بيع الصبرة صحيحة الا القسم الخامس فان كل ما يعتبر في البيع والمبيع من عدم الغرر والجهالة ووجود الكيل و الوزن وغيرها من الشرائط كلها محققه فيه، وأما الخامس فقد عرفت بطلانه لجهالة المبيع كما هو واضح. وأما إذا كانت الصبرة مجهولة فيبطل بيع مجموعها للجهالة والغرر ولاعتبار الكيل والوزن والعد في المكيل والموزون والمعدود فكلها منتفية في ذلك وكذلك يبطل بيع جزء منها فان المجموع إذا كان مجهولا فيكون الجزء منها كالنصف والربع والتسع أيضا مجهولا وإذا بطلا في المجموع

[ 400 ]

بطل في الجزء أيضا وكذلك يبطل بيع كل قفيز أو صاع منها بكذا فانه كان في فرض معلومية الصبرة باطلا فكيف إذا كانت مجهولا. وأما بيع مجموع الصبرة على حساب كل صاع منها بكذا فحكم المصنف وشيخنا الاستاد بالبطلان هنا للجهالة والغرر ولكن الظاهر هو الصحة هنا لعدم جريان شئ من الموانع فيه أما الغرر فمنفى جزما فان المفروض أن كل من البايع والمشترى عالمان بما يأخذ ه من الاخر غاية الامر لا يعلمان كل منهما أن أي مقدار يدخل في كيسه وأى مقدار يخرج منه وأما ان الخارج والدخل على سبيل المجازفة ليكون غررا فلا، بل كل من الثمن والمثمن يدخل في ملك الاخر على ميزانه ومن الوضح انه لادليل على كون مثل هذه الجهالة موجبة للبطلان، وأما سائر الجهات المعتبرة في البيع من الكيل والوزن والعدد وغيرها فكلها موجود فيه، ومع ذلك فأى وجه للحكم بالبطلان، بل قدم تقدم سابقا أنه يصح تبديل مقدار الارز بمقدار من الحنطة مع الجهل بالمقدار لعدم الغرر ولكن النصوص الدالة على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل والموزون اوجب البطلان. وبالجملة أن المستفاد من الروايات الواردة في اعتبار الكيل والوزن أن بيع المجازفة باطل، ومقابله عدم المجازفة ومن الواضح أن بيع الصبرة المجهولة على حساب كل صاع بدرهم بحيث يكون الخارج من ملك كل منهما والداخل فيه معلوما ليس بيع جزاف بل بيع على الميزان غاية الامر لا يعلم كل منهما أن أي مقدار يخرج من كيسه وأى مقدار يدخل في كيسه وهذا مقدار من الجهالة لادليل على كونها مبطلة. وأما بيع صاع منها بكذا فهو بيع الكلى من الصبرة فأيضا لاشبهة في صحته وان لم يعلم مقدار الصبرة فان الجهل بها يوجب الجهل بنسبة

[ 401 ]

المبيع إليها باحدى الكسور وهذا المقدار من الجهالة لادليل على كونها موجبة للبطلان، كما لا يخفى. وحاصل الكلام أن أقسام بيع الصبرة المعلومة خمسة، وأقسامها المجهولة أيضا خمسة ويشترك بعضها مع بعض ويفترقان في بعض الاقسام أما بيع الصبرة مجموعا على حساب كل صاع بدرهم فلا شبهة في صحته سواء كانت الصبرة معلومة أو مجهولة وأما في صورة العلم بمقدار الصبرة فواضح وأما مع الجهل بها وان اشكل فيه المصنف وشيخنا الاستاذ ولكن الظاهر هو الصحة في صورة الجهل أيضا إذ لادليل على البطلان بوجه كما عرفت ومجرد كون المتبايعين جاهلين بمقدار ما يدخل في كيسهما ويخرج عنه لا يوجب البطلان إذ لادليل عليه كما عرفت. وأما بيع كل صاع بكذا من الصبرة فلا شبهة في فساده لجهالة المبيع ومجرد كونه معلوما عند الله لا يصحح البيع إذ لا يعلم كل منهما أن الثمن والمثمن أي مقدار ففى مثل ذلك لا يعتبر العقلاء الملكية أيضا فانه يتوقف على ما يقوم به الاضافة فالمبيع لا يعلم أنه أي مقدار حتى يعتبروا الملكية عليه نعم فللصحة في صاع واحد وجه فان الظاهر من مثل هذا الكلام كونه متيقن الارادة فيكون معلوما كما هو كذلك في الاجارة أيضا ولا يفرق في ذلك بين كون الصبرة معلومة أو مجهولة فان المبيع ليس هو مجموع الصبرة، بل كل صاع ولا يقاس هذا بصورة يبع الصبرة على حساب كل صاع بكذا فان المبيع هو مجموع الصبرة وذكر الصاع لبيان الميزان للثمن وتقديره. وأما بيع مجموع الصبرة أو نصفها أو ثلثها مثلا فلا شبهة في صحته فيما إذا كانت الصبرة معلومة إذ ليس فيه شئ مما يوجب البطلان وأما فيما إذا كانت الصبرة مجهولة فلا شبهة في البطلان للجهالة والغرر وكونه

[ 402 ]

جزاف فلا بد من تقديره بالكيل والوزن والعد ونحوها. وأما بيع صاع من الصبرة على نحو الكلى فأيضا لاشبهة في صحته سواء كانت الصبرة معلومة أو مجهولة أما في صورة العلم بها فواضح كما تقدم الكلام فيه مفصلا وكذا في صورة الجهل بها إذ ليس فيه غرر وجهالة الا من جهة نسبة المبيع إلى مجموع الصبرة أنها بالنصف أو بغيره وهذا لا يوجب البطلان. نعم وقع النزاع في أنه هل يعتبر في صحة البيع العلم باشتمال الصبرة عليه أم لا، ظاهر شيخنا الاستاذ نعم من جهة أن عدم العلم بوجود المبيع من اعظم انحاء الغرر ولكن الظاهر عدم الاعتبار وفاقا لشيخنا الانصاري و ذلك لوجهين: الاول ما افاده شيخنا الانصاري من أنه لاغرر في ذلك بوجه لا من جهة رفع الغرر بالخيار، بل لعدمه في نفسه وان قيل أن عدم العلم بوجود المبيع من أعظم انحاء الغرر وتوضيح ذلك أنه إذا باع بشرط أنه إذا لم تشتمل عليه الصبرة فيكون له الخيار فهذا لاشبهة في صحة وليس له غررا اصلا فانه مع عدم ظهوره كك يكون له الخيار، بل يجوز له البيع معلقا على وجود المبيع فانه مع عدمه يكون له الخيار ولا يضر التعليق هنا فانه انما يضر إذا كان معلقا على أمر خارجي لاعلى وجود المبيع فانه ارتكازى ذكر أم لا، فضلا عن البطلان وتوهم أن الخيارى لا يرفع الغرر فهو حق فيما كان الخيار ثابتا بالتعبد لا بجعل المتعالمين أو بالشروط الضمنية فانه يرتفع الغرر بمثل ذلك. وبالجملة أن المقام نظير ما باع ما يحاذى بمائة دينار بدينارين مع الخيار فانه ليس له ضرر في ذلك أصلا لكونه مخيرا في الابقاء والامضاء،

[ 403 ]

وانما يكون عليه ضرر إذا باع كك لزوما وبدون الخيار، بل يصح البيع على تقدير الوجود من غير علم به اصلا لعدم الغرر فيه وليس مثل بيع الطرفى الهواء والسمك في الماء فانه باطل لكونه بيعا منجزا وعلى كل حال فليس التعليق موجبا للبطلان، فان التعليق على وجود المبيع من الامور المرتكزة المقطوعة ومن الشروط الضمنية فيكون خارجا عن معقد الاجماع القائم على بطلان التعليق في العقود. الثاني: أنك عرفت مرارا أن البيع الواحد ينحل إلى بيوع عديدة باعتبار انحلال المبيع، وعليه فإذا باع وزنة من الصبرة مع الجهل باشتمالها عليها فظهر انها غير مشتملة عليها فيكون البيع صحيحا في المقادر الذى موجود في الصبرة ويبطل في الباقي فيكون من قبيل ضم الصحيح بالباطل كبيع مال نفسه مع مال غيره وبيع الخل مع الخمر وبيع الغنم مع الخنزير. واما ثبوت الخيار وعدم ثبوته للمشترى فيتوقف على أن الهيئة الاجتماعية دخلية في زيادة المالية كمصراعي الباب وجلدي اللمعة واللغة وجوزي الخف ونحوها أم لا، فعلى الاول فيثبت له خيار تبعض الصفقة، و على الثاني فلا، وذلك لما سيأتي في باب الخيارات أن ثبوت غير الخيارات التعبدية كخيار المجلس والحيوان والعيب انما هو بأحد أمرين أحدهما بالاشتراط والثانى بكون الهية الاجتماعية دخيلة في زيادة الثمن كالا مثلة المتقدمة. الكلام في بيع العين على المشاهدة السابقة قوله: مسألة إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليها فان

[ 404 ]

اقتضت العادة تغيرها عن صفاتها السابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين فلا يصح البيع الا بذكر صفات. أقول: إذا شاهد العين في زمان سابق فهل يجوز بيعها أم لا؟ فيقع الكلام في مقامين، الاول: في صحة البيع وعدمه، الثاني: في ثبوت الخيار مع التخلف وعدمه. أما المقام الاول: فنقول انه تارة نقتض العادة بعدم التغير، فلا شبهة في صحة ولا خلاف فيها كما إذا شاهدها قبل ساعة أو ساعتين فان العادة جارية على بقائها عن الحالة التى شوهد عليها كما إذا شاهد جارية قبل شهر فاشترها بعد الشهر، فان العادة جارية على بقائها في تلك الحالة الاولية. واخرى أن العادة تقتضي عدم بقائها على الحالة الاولية كما إذا شاهد الجارية قبل أربعين سنة في سن عشرين ووجدها جميلة وقوية البصر والسمع على الخياطة وسائر الصنايع وبعد مضى الاربعين يريد أن يشتريها بتلك المشاهدة فان العادة جارية على تغيرها قطعا وكونها عجوزة نهيبة بالية وضعيفة الصبر وقبيحة المنظره، وهذا لاشبهة في بطلانه أيضا وكلاهما خارجا عن محل الكلام. وانما مورد النزاع ما يشك في بقائها على تلك الحالة الاولية وعدم بقائها لعدم جريان العادة بشئ فيها فهل يجوز البيع هنا، عملا بالاستصحاب لكونه من الطرق العقلائية المتعارفة من غير ذكر شئ من الصفات أم لا؟ فقد حكم المصنف بالصحة للاعتماد على الاصل المذكور وقد اشكل عليه شيخنا الاستاذ لعدم اعتبار الاستصحاب هنا لان الاثر لم يترتب على الواقع، بل على احراز الصفات كانت في الواقع أولم تكن، فان

[ 405 ]

ارتفاع الغرر من آثار العلم بوجود هذه الصفات فاستصحاب بقاء الصفات لاأثر له. ويرد عليه أنه مخالف لما بنى عليه في الاصول من قيام الاصول مقام القطع الطريقي المحض والقطع الموضوعي كليهما فح فلا مانع من ترتب الاثار المترتبة على احراز الصفات كانت في الواقع أو لم تكن، ولكن الذى يرد على الاستصحاب أن الاثار هنا لا تترتب على الصفات الواقعية ولا على احراز الصفات الواقعية اعني العلم بكون العين على الصفات التى شوهدت عليها وانما من اللوازم العقلية لاحراز الصفات الواقعية توافقت أم لا؟ وذلك من جهة أن الاثر هنا هو عدم الغرر فهو من لوازم احراز الصفات الواقعية لا من أثارها الشرعية وعليه فاستصحاب بقاء العين على صفاتها السابقة لا يثبت عدم الغرر الا على القول بالاصل المثبت، وقد قلنا بعدم حجيته و على هذا فلا يصح البيع مع الاكتفاء على المشاهدة السابقة مع الشك في تغيرها وعدم تغيرها هذه هي الجهة الاولى. الجهة الثانية: إذا قلنا بصحة المعاملة مع الاكتفاء بالرؤية السابقة فإذا ظهر المبيع على خلاف ما شوهد سابقا فهل يحكم بالصحة بدون الخيار أو بالصحة مع الخيار للبايع، في صورة الزياد وللمشترى في صورة النقيصة أو يحكم بالبطلان وجوه، فذكر العلامة (ره) على ما نسب إليه أن البيع يكون باطلا. فان كان غرضه من ذلك أن البيع انما يقع على الصفات ويبذل الثمن بازائها كما هو ظاهر الكلام المنسوب إليه من أن ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد فيرد عليه أنه قلنا مرارا أن الثمن لا يبذل بازاء الصفات، حتى الصفات التى تعد في نظر العرف من الصفات النوعية كصفحة الرجولة و

[ 406 ]

الانوثية وان كانتا في الواقع من الاعراض وانما الاوصاف دخيلة في ازدياد الثمن وزيادة المالية في الموصوف والذى يقع في مقابل الثمن انما هو الموصوف فقط وعليه فلا وجه للحكم بأن ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. نعم، لو كانت الاوصاف في الصور النوعية ووقع البيع بانيا عليها فظهر الخلاف فيكون البيع باطلا لعدم المبيع، فان ما وقع عليه العقد لم يبع وما بيع لم يكن موجودا وهذا غير كون الثمن واقعا في مقابل الاوصاف. وان كان غرضه أن العقد مشروط بالشرط وهو الوصف الذى وقع عليه العقد لان تخلف الوصف بمنزلة تخلف الشرط ومرجع كل منهما إلى الاخر، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. وفيه أن فيه خلط واضح بين اطلاقي الشرط فانه تارة يطلق ويراد منه ما هو جزء العلة ومن اجزائها الناقصة فهو صحيح، فان العلة لا تؤثر في المعلول الا بتمامية جميع اجزائها ولكنه غير مربوط بالمقام، فان العقد غير معلق بذلك الوصف بحيث يكون الوصف المذكور من اجزاء علته، والا لبطل من غير ناحية انتفاء الشرط وهو قيام الاجماع على بطلان التعليق في العقود كما هو واضح. وتارة يطلق ويراد ما به المقصود في باب المعاملات من اشتراط شئ في العقد من غير توقف العقد عليه وجودا وعدما بل هو التزام آخر في ضمن الالتزام العقدى فقد مر مرارا وسيأتى مفصلا انشاالله تعالى أن انتفاء الشروط لا يوجب البطلان وانما يوجب ثبوت الخيار للمشروط له و كيف كان لاوجه لما احتمله العلامة (ره) من بطلان العقد مع ظهور المبيع على خلاف المشاهدة السابقة ويبقى احتمال الصحة بدون الخيار، و احتمالها مع الخيار وقد يقال بالصحة واللزوم بدون الخيار، فان الوصف

[ 407 ]

الغير المذكور في متن العقد لا أثر له وان وقع العقد مبنيا عليه كالشروط البنائية التى لا توجب تخلفها شيئا أصلا. فأجاب عنه المصنف بأنه فرق بين الشروط التى تكون مأخوذة في العقد بدون الذكر وبين الشروط الخارجية التى لا تؤخذ في العقد الا بالذكر فالاوصاف التى المرئية الدخيلة في صحة البيع من قبيل الاول فحكمها حكم الاشتراط في العقد كما لا يخفى. وقد أوضحها شيخنا الاستاذ بأن الاوصاف والشروط على أقسام أربعة: الاول: أن يكون الوصف أو الشرط مذكورا في ضمن العقد وهذا لااشكال في أن تخلفه يوجب الخيار. الثاني: أن يكون مأخوذا في العقد بالارتكاز العقلائي وبالدلالة الالتزامية من غير أن يكون مذكورا في العقد وهو ما يكون بناء العرف و العادة نوعا عليه كاشتراط كون النقد نقد البلد وتساوى المالين في المالية واشتراط عدم كونها معيبا واشتراط التسليم والتسلم واشتراط كون المعاملة نقدية واشتراط كون التسليم والتسلم في بلد العقد فبانتفاء شئ من تلك الشروط يثبت الخيار للمشروط له وتسمى تلك الشروط بالشروط الضمنية فلا اشكال في أن تخلفها يوجب الخيار سواء ذكرت في ضمن العقد أم لا، فلو قال البايع بعد بيع الحنطة أنا أسلمها في المزرعة الفلانية، فان الحنطة فيها رخصة فلا يسمع بل يثبت الخيار للمشترى لتخلف الشرط الضمنى. الثالث: ما يتوقف عليه صحة المعاملة كالوصف الذى لو لا وجوده لزم منه الغرر مثلا كموضوع البحث وهذا وان لم يكن من الاوصاف النوعية الا أنه داخل في كبرى الحكم فان بانتفائه ينتفى العقد لانه إذا فرض كونه مما

[ 408 ]

يتوقف عليه صحة المعاملة ومن الشروط الراجعة إلى العوضين وفرضنا أن المتعاقدين اوقعا العقد مبنيا عليه فلو لم يكن أولى من الالتزامات النوعية فلا أقل من كونه مساويا لها من حيث دخولها تحت الالتزامات، وبالجملة الشروط التى توقف عليها صحة العقد معتبرة في العقد وبانتفائها يبطل العقد سواء ذكر في العقد أم لا. الرابع: الوصف الخارجي الشخصي الذى لا يعتبر في العقد الا بالذكر فلا يكفى فيه مجرد البناء عليه من المتعاقدين حين البيع فلا يوجب تخلفه الخيار بوجه. فتحصل أن الاوصاف التى وقع العقد بانيا عليها ان كانت من الاوصاف النوعية أو الاوصاف الشخصية الدخلية في صحة العقد عليها فتخرج عن الشروط البنائية فتدخل في الالتزام العقدى فما نحن فيه من قبيل القسم الثالث الذى يتوقف عليه صحة العقد وما لا يوجب تخلفه الخيار الا بالشرط في العقد هو القسم الرابع أي الوصف الشخصي الخارجي الذى هو أجنبي عن العقد فلا يدخل فيه بالبناء عليه فتحصل أن العقد يصح مع الخيار فإذا تخلف عما هو عليه ثبت له الخيار. والحاصل: أنه إذا وقع العقد على المشاهدة السابقة فظهر الخلاف فهل يحكم بالصحة أو بالبطلان ومع القول بالصحة هل يكون صحيحا بدون الخيار أو معه، وجوه، فأختار العلامة البطلان، لان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، وقد اجبنا عنه بأن الواقع قد قصد فان العقد وقع على الموصوف و هو المقصود والالتزامات الشرطية غير الالتزامات العقدية، بل هي داخلة فيها فلا يوجب التخلف الا بالخيار. وأما القول بالصحة بدون الخيار فمن جهة أن الشروط الغير المذكورة

[ 409 ]

في متن العقد غير واجبة الوفاء فلا يوجب تخلفها الخيار. وقد أجاب عنه الشيخ (ره) بأنه فرق بين الشروط التى يقع العقد بانيا عليها أي تسمى بشروط الصحة وبين الشروط الخارجية الشخصية فانه على الاول يوجب التخلف الخيار دون الثاني. وقد اوضحه شيخنا الاستاذ وحاصله أن ما يكون دخيلا في صحة العقد فوقع العقد بانيا عليه فيكون تخلفه موجبا للخيار نظير تخلف الشروط الخارجية المذكورة في ضمن العقد، بل الاول أولى بكونه مستلزما للخيار من الثاني. وما ذكره الشيخ والمصنف لا يخلو عن مناقشة صغرى وكبرى. أما الصغرى فلانه يصح البيع مع الاكتفاء بالرؤية السابقة إذا حصل الاطمينان ببقاء العين على الاوصاف المرئية من غير أن يبنيان على بقائها على تلك الاوصاف ومع التخلف يثبت لهما الخيار أما للبايع في فرض الزيادة وأما للمشترى في فرض النقيصة فلو كان البناء على الاوصاف السابقة مشروطا في صحة البيع وعدم البناء موجبا للبطلان، فلازمه بطلان البيع هنا مع أنه صحيح فالصغرى ليس بتمام. وكذلك يصح البيع في هذه الصورة أي مع الاطمينان بالاوصاف السابقة مع التبرى من جميع ما يوجب الخيار مع أنه لو كان البناء على الاوصاف السابقة شرطا في صحة البيع لم يصح ذلك. وكذلك لو اخبر البايع بأوصاف المبيع وحصل الاطمينان للمشترى من قوله فاشترى اطمينانا عليه فانه يصح البيع ح مع أنهما لم يبنيان على الاوصاف الدخيلة في صحة البيع ومع التخلف يثبت الخيار كما تقدم. وكذلك يصح البيع مع الاطمينان مع التبرى من العيوب فانه أيضا يصح

[ 410 ]

البيع مع أنه ليس هنا بناء على الاوصاف السابقة بل يصح البيع مع التبرى حتى لو ظهر الخلاف لم يكن لهما الخيار أصلا فان البايع اسقط الخيار رأسا بل جواز البيع مع التبرى من العيوب منصوص فانه مع الاطمينان يصح البيع مع التبرى منه كما سيأتي في باب الخيارات. نعم هنا قسم ثالث فصحة البيع فيه من جهة البناء على الاوصاف الدخيلة، وهو أن يخبر البايع بكون العين حاوية للاوصاف المذكورة ولكن لم يحصل الاطمينان من قوله على ذلك، فانه ح إذا اشترى المشترى تلك العين فلابد وأن يشتريها مع البناء على الاوصاف المذكورة والا بطل البيع للغرر وليس للبايع ح التبرى هناو اسقاط الخيار، فانه ح كما عرفت يكون البيع غرريا فما ذكره المصنف وشيخنا الاستاذ صحيح في هذه الصورة فقط وأما الصورتين الاولتين ليستا كك كما لا يخفى. وأما من حيث الكبرى فلانه لا نعقل معنى الاشتراط شئ في العقد الاكون العقد معلقا عليه أو مشروطا به أو كان الشرط ملحوظا بنفس، فانه لا معنى للتقييد بوجه فانه انما يتصور إذا كان المبيع أمرا كليا وقابلا للتضييق والتقييد كأن يبيع الحنطة الكلية تارة على نحو الاطلاق وأخر يبيعها على نحو التقييد كأن يكون من المزرعة الفلانية وأما الامر الجزئي فلا يعقلا أن يكون مقيدا ومضيقا لان وجوده في الخارج آخر مرتبة من التضيق وعليه فاما ان يقال ان معنى الاشتراط ليس الا لحاظ الشرط، بنفسه فهو بديهى البطلان أو كان الشرط ملحوظا بنفسه فانه أي معنى لقولك بعتك هذه الدار بشرط أن تلحظ هذا الشرط فانه لا معنى لاعتبار ذات الشرط في العقد وكونه بذاته معتبرا فيه بان يلتزم بنفس الوصف لكونه أمرا غير اختياري كوصف الكتابة والخياطة ونحوها فان البايع لا يبيع

[ 411 ]

الشرط ليعتبر ذاته فيه ولا أنه يقابل بالثمن كما هو واضح. أو أكون العقد معلقا على الشرط بحيث يكون انشاء البيع على تقدير الشرط المعهود والا لم يبع اصلا فهو تعليق مجمع على بطلانه. وأما الثاني: فهو المطلوب فيكون معنى الشرط في العقد هو كونه مشروطا بشرط أي كون الالتزام العقدى منوطا بالالتزام الشرطي لا أن يكون دائرا مداره وجودا وعدما ليكون تعليقا بل بمعنى أن استمراره والبقاء عليه والوقوف عليه يكون متوقفا على الشرط ويعبر عنه في لغة الفارس (استادن) وهذا هو المعنى اللغوى للشرط كما ذكره في القاموس ومن هنا يقال للحبل الذى يشد به العدلين على الابل أو يمتد بين الجدارين أنه شريط. وبالجملة معنى الشرط في العقود ربط الالتزام العقدى بالالتزام الشرطي من غير أن يتوقف اصل الالتزام العقدى بالالتزام الشرطي ويتوقف الوقوف إلى الابد بالالتزام العقدى على وقوف المشروط عليه بالالتزام الشرطي. وهذا المعنى من الشرط جار في جميع الشروط فان غيره اما غير معقول أوغير صحيح سواء كانت الشروط مما يتوقف عليه صحة العقد أو من الشروط الخارجية الشخصية وعليه فجميع الشروط من واد واحد فلا وجه لجعل البناء على بعض الاوصاف شرطا وان كان ذكر في بعضها الاخر معتبر، بل ان كان البناء شرطا فهو شرط في جميع الشروط وان كان الذكر معتبراو لازما وشرطا فهو كك في جميعها فلا معنى للفرق بينهما بوجه أصلا فضلا عن كون البناء شرطا في بعضها أولى من ذكر بعضها الاخر في العقد فالكبرى الذى ذكره المصنف واوضحه شيخنا الاستاد ليس بتمام.

[ 412 ]

وبالجملة فما ذكره المصنف من كون البناء على الاوصاف الدخيلة في صحة البيع شرطا في صحة البيع فان البيع لا يصح الا مبنيا عليها والا فيكون باطلا دون الاوصاف الخارجية فلا وجه له كما عرفت. والذى ينبغى أن يقال أنه لم يرد نص على اعتبار البناء على الاوصاف المذكورة شرطا في صحة العقد بل ان كان هنا ارتكاز عقلائي والتزام عرفى على اعتبار بعض الاوصاف في المبيع بحيث يدل عليها العقد بالدلالة الالتزامة وكونها معتبرة فيه فلا شبهة في اعتبارها فيه وكون تخلها موجبا للخيار ككون المالين متساويين في المالية وكون التسليم والتسلم في بلد العقد وكون النقد نقد البلد وهكذا فان بناء العقلاء وارتكازاتهم في أمثالها على كون العقد مشروطا بتلك الامور وأمثالها سواء ذكرت في العقد أم لا وسواء بنى المتعاملان عليها أم لا، بل هي معتبرة في العقد حتى مع الغفلة عنها حين البيع فان الارتكاز قرينة قطعية على ذلك وقائمة مقام الذكر وهكذا في كل مورد قامت القرينة على ذلك وان كانت غير الارتكاز العقلائي والدلالات الالتزامية فيكون تخلفها موجبا للخيار. وأما في غير تلك الموارد فان اشترط في متن العقد فمع التخلف يثبت الخيار وان لم يذكر في العقد فالعقد لازم وغير مشروط بشئ بناء المتعاملان عليها أم لا، إذ لم تقم قرينة على الاعتبار مع عدم الذكر كمالا يخفى.

[ 413 ]

لو اختلفا البايع والمشترى في تغير اوصاف المبيع قوله (ره): فرعان: الاول: لو اختلفا في التغير فادعاه المشترى. أقول: لو وقع البيع على المشاهدة السابقة فوقع الخلاف بين البايع و المشترى حين القبض والاقباض فقال البايع قد عاملنا عليها على هذه الصفة وكنت انت عالما بها وادعى المشترى أنها تغيرت ولم أكن عالما بها مثلا إذا كان المبيع حيوانا فيقول المشترى أنه كان سمينا فيقول البايع أنه كان هزولا ووقع البيع عليه كك مع علم منك عليه. فهل يقدم قول البايع أو قول المشترى فقد وقع الخلاف في تقريب أن الاصل مع البايع ليكون منكرا ويكون المشترى مدعيا أو الاصل مع المشترى ليكون منكرا والبايع مدعيا وقد استدل على تقديم قول المشترى، ودعوى كون الاصل معه بوجوه كلها مخدوشة كما ذكره المصنف. الاول: ما ذكرة ابن ادريس في السرائر من أن المشترى هو الذي ينتزع منه الثمن ولا ينتزل منه الا باقراره أو ببينة تقوم عليه، انتهى وتبعه العلامة في أيضا في صورة الاختلاف في أوصاف المبيع إذا لم يسبقه برؤية، حيث تمسك باصالة براءة المشترى من الثمن فلا يلزمه ما يتقربه أو يثبت بالبينة. وأجاب عنه المصنف بأن يد المشترى على الثمن بعد اعترافه بتحقق الناقل الصحيح يد أمانة غاية الامر أنه يدعى سلطنته على الفسخ فلا ينفع تشبثه باليد، ويؤ يد ما ذكره أنه لو اسقط خياره بالفعل الذى يدعيه كان البيع لازما. ثم قال الا أن يقال أن وجود الناقل لا يكفي في سلطنة البايع على

[ 414 ]

الثمن بناء على ما ذكره العلامة في احكام الخيار من التذكرة ولم ينسب خلافه الا الى بعض الشافعية من عدم وجوب تسليم الثمن والمثمن في مدة الخيار وان تسلم الاخر وح فالشك في ثبوت الخيار يوجب الشك في سلطنة البايع على أخذ الثمن فلا مدفع لهذا الوجه الا أصالة عدم سبب الخيار لو تم كما سيجئ. وقد فرق الاستاذ بين الخيارات الزمانى المجعول لذى الخيار ارفاقا وبين غيرها فحكم بتمامية القول بتقديم قول المشترى في مقام الاختلاف في الاول دون الثاني وحمل كلام العلامة على الاول، وذكر أن المصنف وان أورد عليه بقوله انى لا أجد لهذا الحكم وجها معتمدا ولم أجد من عنونة وتعرض لوجهه الا أنه يظهر منه في خيار المجلس الحكم مفروغا عنه فقال ما حاصله أنه لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصرف والسلم فثمرة الخيار واضح، وهى عدم وجوب التقابض حيث استظهر من كلامه عدم وجوب التقابض والتسليم والتسلم في موارد خيار المجلس فكأنه مسلم في كل مورد لم يجب التقابض وانما انكر شيخنا الاستاذ عدم تمامية المطلب في المقام لعدم كونه من الخيارات الزمانية ولذا حمل كلام العلامة على غير المقام من خيار المجلس، وما يكون الخيار بالشرط في زمان. والحاصل أن شيخنا الاستاد تسلم عدم وجوب التسليم والتسلم في زمن الخيار لكن لافيما نحن فيه، بل في الخيارات زمانة، وأما في مثل المقام فحكم بعدم جواز المنع عنهما. أقول: لو سلمنا ثبوت الخيار في معاملة فلا يدل ذلك على جواز منع ذى الخيار عن تسليم الثمن أو المثمن بل له اعمال الخيار فقط في فسخ العقد وبعد ما فسخ العقد له المنع عن تسليم العوض وأما قبل اعمال

[ 415 ]

الخيار فلا يجوز له المنع عن التسليم، فانه تصرف في مال الغير بداون اذنه فهو حرام، فما ذكره العلامة (ره) من عدم نسبة الخلاف الا إلى بعض الشافعية من عدم وجوب تسليم الثمن والمثمن في مدة الخيار لا يمكن تصديقه. وكذلك لاوجه لا ادعاه الاستاذ من التفصيل فانه مجرد الدعوى و دعوى التسالم عليه محالة مضافا إلى عدم حجيته وكونه مخالفا للقواعد من حرمة التصرف في مال الغير الا باذنه. والعجب منه (ره) حيث استظهر من كلام المصنف اختياره ذلك من التعبير بلو بمعنى أنه مع القول بوجوب التقابض في عقد الصرف والسلم فاثر الخيار واضح أي لكل ذى خيار أن لا يسلم الثمن أو المثمن فيعلم من هذه العبارة أن في موارد الخيار الزمانى لا يجب التسليم والتسلم ولذا ذكر المصنف أنه لو قيل بوجوب التقابض فأثر الخيار ظاهر فانه يهدم الوجوب ويرفعه. ووجه العجب أن مورد كلام المصنف اجبني عن المقام فانه محل للتعبير بلو فانه لا تحصل الملكية قبل التقابض أصلا ولذا حكم المصنف بعدم وجوب التقابض مع الخيار لعدم حصول الملكية قبل التقابض فأن التقابض مقدم للملكية فكيف تحصل الملكية بدونه وهذا بخلاف المقام فان الملكية قد حصلت غايته فلذى الخيار فسخها، وأما الممانعة عن التلسليم فلا، لماعرفت من كونه تصرفا في مال الغير فهو حرام على أن دليل أخص من المدعى فانه انما يتم فيما إذا كان الثمن في يد المشترى وأما إذا كان دينا في ذمة البايع فسقط بالمعاملة أو عينا مستأجرة أو عارية في يده أو مغصوبة، فانه في هذه الصور ليس للمشترى يد على الثمن حتى يقال أنه لا ينتزع منه الا بالبينة

[ 416 ]

أو بالاقرار وقد تقدم أيضا عدم بطلان العقد بتخلف الوصف سواء كان العقد مشروطا به أو المبيع مقيدا به، بل غاية الامر يثبت الخيار للمشروط له فلا وجه على كل حال لبطلان العقد. الوجه الثاني: أن البايع يدعى علمه بالمبيع على هذه الوصف الموجود والرضا به والاصل عدمه وقد استدل بهذا العلامة في التذكرة وأشكل عليه المصنف أولا بامكان قلب الدعوى بأن يجعل المشترى مدعيا والبايع منكرا بدعوى أن الاصل عدم علم المشترى بالوصف الآخر كما إذا فرضنا أن البايع يقول بعتك هذا الحيوان بهذا الوصف الهزال مع علمك به والمشترى يقول اشتريت منك هذا مع وصف السمن فحيث انه يدعى وصف السمن فيكون مدعيا والا خر يكون منكرا أي البايع. وثانيا: أن علم المشترى بوصف الهزال أو وصف السمن مسبب عن وجود هذا الوصف فيه، وعدمه فيه سابقا، فإذا نفينا وجود الوصف بالاصل فلا تصل النوبة إلى اصالة عدم علم المشترى أو البايع بشئ من تلك الاوصاف و قد ناقش شيخنا الاستاذ في الجواب الثاني، ولكن تسلم الجواب الاول. والظاهر أن كل ذلك خارج عن المقام فان ما هو المقصود في المقام هو اشتراط العقد بشئ وعدم اشتراطه به، وكك تقيد المبيع وعدم تقيده فاجراء أصالة عدم علم كل من المشترى أو البايع بوصف الهزال أو السمن خارج عن حدود عن حدود المقام فلا يقيدنا بوجه الا على القول بالاصل المثبت فان لازم عدم علم المشترى بوصف الهزال هو كون العقد مقيدا بوصف السمن مثلا وكذلك لازم عدم علم البايع بوصف السمن كون وصف الهزال قيدا للمبيع و شرطا للعقد والحاصل أن العلم بالوصف وعدمه اياه خارج عن المقام أصلا.

[ 417 ]

وأما دعوى السببية والمسببية فهو أعجب من ذلك فانه لا يفيد نامجرد السببية والمسببية في جريان أصليهما ولا يمكن رفع موضوع الاصل المسببى بالاصل السببي بمجرد صدق الاسم، بل لابد من كون الاثر شرعيا، أي ارتفاع المسببى اثرا شرعيا للاصل السببي ففى المقام أن عدم العلم بالوصف ليس من آثار عدم وجود الوصف شرطا الا بالوازم العقلية كما هو واضح فلا مرتفع لمنع الاصل المسببى بالسببى، نعم إذا كان الاثر مترتبا على العلم فيصح ذلك كما هو كك في مورد خيار العيب حيث ان الخيار انما يثبت مع العلم بالعيب فمع نفى العلم بالعيب يرتفع الخيار وأما في المقام فالاثر مترتب على اشتراط العقد وتقييده فاصالة عدم علم أحدهما بالوصف لا يترتب عليه أثر الا على القول بالاصل المثبت. وبالجملة أن ما افاده من الاول إلى الاخر لا يمكن المساعدة عليه. الوجه الثالث: أن الاصل عدم وصول حق المشترى إليه كما استدل به المحقق الثاني. وقد اجاب عنه المصنف بان حق المشترى من نفس العين قد وصل إليه قطعا ولذا يجوز له امضاء العقد وثبوت حق له من حيث الوصف المفقود غير ثابت فعليه الاثبات والمرجع اصالة لزوم العقد، ثم قال ولا جل ما ذكرنا قوى بعض تقديم قول البايع. وقد أجاب المصنف عن أصل مسألة الاختلاف بما حاصله أن بناء المتعاقدين حين العقد على الاوصاف الملحوظة حين المشاهدة هل هو (أي البناء) كاشتراط تلك الاوصاف في العقد بحيث تكون كالشروط المضمرة في نفس المتعاقدين أو أن تلك الاوصاف مأخوذة في نفس المعقود عليه بأن يكون المبيع مقيدا ولذا لا يجوز الغائها في المعقود عليه كما يجوز الغاء غيرها من الشروط في العقد.

[ 418 ]

فعلى الاول: يرجع النزاع في تقيد المبيع بالوصف وعدم تقيده به إلى النزاع في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود حين التسليم والمرافعة على البايع وعدم اشتراطه عليه واذن فالاصل مع البايع لاصالة عدم الاشتراط. وعلى الثاني: فيرجع النزاع إلى وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود حتى يلزم الوفاء وعدمه والاصل عدمه، ولكن الظاهر هو الثاني فان المراد من لحاظ الوصف في المبيع هو ايقاع العقد على العين الملحوظ كونه متصفا بهذا الوصف وليس هنا عقد على العين والتزام بكونه متصفا بذلك الوصف بحيث يكون هنا التزام آخر غير الالتزام العقدى، بل هو قيد ملحوظ في المعقود عليه نظير الاجزاء المأخوذة في المبيع، واذن فالاصل مع البايع كما ذكرناه. ثم أورد على نفسه بان أصالة عدم وقوع العقد على ما يدعيه المشترى معارضة بأصالة عدم وقوع العقد على الشئ الموصوف بالصفة المفقودة فلا يكون أثر للاصل في طرف البايع. وأجاب عنه بأنه لا يلزم من عدم تعلقه بذاك تعلقه بهذا وقد تقرر في الاصول أن اثبات أحد الضدين بنفى الضد الاخر من الاصول المثبتة. وبالجملة أن مرجع النزاع إلى رجوع الوصف إلى الشتراط ليكون النزاع في مفاد ليس أو كان الناقصين أو إلى التقييد ليكون النزاع في مفاد ليس أو كان التأمين. وتحقيق الكلام يقع في جهتين الاولى: من حيث الكبرى من انه يقدم قول البايع في صورة الاختلاف فيما وقع عليه العقد أو يقدم قول المشترى، الثانية: من حيث الصغرى وهو أن المقام من قبيل التقييد أو الاشتراط. أما الجهة الاولى: فلا شبهة أن كل من يدعى الاشتراط فباصالة عدم

[ 419 ]

فباصالة عدم الاشتراط ننفيه فيكون الاصل مع الاخر لان الاصل عدم تقيد العقد بشرط وعلى هذا فلو ادعى كل منهما الاشتراط فيجرى الاصل في كلا الطرفين، فيكون المورد من قبيل التداعي ولا يفرق في ذلك بين أن يدعى كل منهما الاشتراط مع الاعتراف بجامع واحد أم لا، مثلا إذا باع أحد حيوانا من شخص ثم اختلفا، فقال البايع انه كان مهزولا وقال المشترى أنه كان سمينا فان الاصل يجرى في كل منهما فيكون المورد من قبيل التداعي. وكذلك إذا ادعى البايع المبيع ثوب وادعى المشترى أنه حيوان، أو ادعى البايع أن المبيع عبد وادعى المشترى أنه جارية فان الاصل في ذلك كله عدم وقوع البيع بكل منهم فيكون من قبيل التداعي هذا كله إذا كان يدعى كل منهما الاشتراط. وبالجملة ان كل من يدعى شرطا على الاخر من المتبايعين، فالاصل عدمه ذكره المصنف، فان كان المدعى أحدهما فقط فيكون الاصل مع الاخر وان كان كليهما مدعيا اما مع الاتفاق على المبيع أو مع الاختلاف فيه، فالمورد هو مورد التداعي كما لا يخفى. وأما إذا كان أحدهما يدعى الاطلاق والاخر يدعى التقييد بان يدعى البايع كون المبيع حنطة كلية ويدعى المشترى كونه من حنطة المزرعة الفلانية فالظاهر هنا أيضا هو تعارض الاصول حتى بناء على جريان العدم الازلي في ناحية المقيد وتحقيق ذلك أنك قد عرفت في علم الاصول في مبحث التعبدى والتوصلى وغيره أن الاهمال في الواقع مستحيل فلا بد وان يكون الملحوظ اما مطلقا أو مقيدا، وعلى كل تقدير فكل منهما أمر وجودي في مقام الثبوت ومحتاج إلى اللحاظ وان الاطلاق في مقام الاثباب أمرا عدميا وهو عدم التقييد وعلى هذا فيكون الاصل في كل من الاطلاق و

[ 420 ]

التقييد جاريا ونافيا له فيقال ان العقد حين ما وجد فالاصل عدم وجوده مطلقا وكذا أن الاصل عدم وجوده مقيدا فيكون المورد أيضا من قبيل التداعي اما الاستصحاب العدم المحمولي فواضح، فيقال الاصل عدم التصاف العقد بالاطلاق، وكذلك في الاخر أن الاصل عدم التصافه بالتقييد فيتعارضان، وأما استصحاب العدم الازلي النعتى فكك فانه يقال الاصل عدم الوجود العقد حينما وجد مطلقا وكذلك في طرف التقييد أن الاصل عدم الوجود العقد حينما وجد مقيدا فيقع التعارض بينهما كما هو واضح. وإذا فيحكم بالانفساخ. وأما الكلام من حيث الصغرى فنقول قد تقدم الكلام في ذلك أن القيود انما تجرى في مورد يكون المقيد قابلا للتقيد والتضييق وعليه فمحط القيود باجمعها هو الامور الكلية القابلة للتضييق بحيث كلما قيد زادت تضييقا وكلما برئت من القيود زادت توسعة وأما الامور الجزئية فليست قابلة للتضييق أصلا، الا باعتبار الحالات كأن يقول ان كان هذا زيدا فأكرمه فان التشخص الخارجي و الوجود فيه آخر مرتبة من الضييق والتقيد فلا مرتبة له فوقه وعليه فكلما ذكر من القيود للمبيع الشخصي فلابد من ارجاعها إلى الشروط وقد تقدم قبيل هذا أن لحاظ الاوصاف والشروط بذاتها مع قطع النظر عن أن تكون ربطا بين الشرط والمشروط لا معنى له، فلا معنى لكون الشرط هو لحاظ القيد فقط وارجاعها إلى المبيع لا معنى له لما عرفت من عدم قابلية الامور الجزئية للتقييد وارجاعه إلى نفس البيع بحيث يبيع على تقدير كونه من حنطة المزرعة الفلانية والا فلا يبيع فهو باطل اجماعا لقيامه على بطلان التعليق في العقود. فلم يبق الا الاشتراط أي كون الالتزام العقدى مشروطا بالتزام آخر و

[ 421 ]

مربوطا به كما هو معنى الشرط فتحصل أن مقتضى القاعدة هو الاشتراط، دون التقييد. وبالجملة أن فائدة التقييد في الامور الكلية ظاهرة وهى تضييق دائرة الكلى واسقاطه عن التوسعة وأما في الامور الجزئية فلا معنى للتقييد بوجه واذن فاما يرجع القيد إلى الصور النوعية فهو تعليق البيع على وجود المبيع فلا اشكال فيه لما عرفت أن التعليق بأصل وجود المبيع لا محذور فيه. وأما أن يرجع إلى المبيع على نحو التضييق الدائرة فقد عرفت أنه لا معنى له. وأما أن يرجع إلى البيع وتعليقه على الشرط وهو تعليق باطل واما أن يكون بنفسه ملحوظ فلا معنى لما عرفت أنه لا معنى لكون الاشتراط بمعنى لحاظ الشرط فلا مناص من ارجاعه إلى الاشتراط خلافا لجميع الاعلام حيث أرجعوا الوصف إلى التقييد دون الاشتراط. وكان الكلام في العين الشخصي إذا وقعت المعاملة عليها ثم اختلف البايع والمشترى في تغيرها وعدم تغيرها وقلنا أنه لا معنى لكون اعتبار الوصف في المبيع بمعنى الالتزام بذات الوصف فانه أمر غير اختياري للبايع بأن يبيع العبد ملتزما بكونه كاتبا وخياطا ونجارا أو باع الحنطة والتزم بانه من المزرعة الفلانية وهكذا وعلى هذا فيدور الامر في اعتبار الوصف في المبيع بين تعليق البيع به أو تعليق الخيار به واما تعليق البيع به فتارة يكون راجعا إلى التعليق بالصور النوعية فهذا لا محذور فيه فان مرجعه إلى التعليق بأصل وجود المبيع فهو خارج عن معقد الاجماع القائم على بطلان التعليق في العقود وأخرى يكون من قبيل التعليق

[ 422 ]

بالاوصاف الخارجية كأن باع إذا كان المييع متصفا بوصف كذا بان يكون كاتبا أو كانت الحنطة من المزرعة الفلانية ونحو ذلك فهذا لا اشكال في بطلانه لكونه من التعليق الذى كان باطلا بالاجماع. فلم يبق في البين الا تعليق الخيار على الوصف الذى اعتبر في المبيع بان باع العين والتزم بالالتزام العقدى مشروطا بكون الثمن كذا أو اشترى المشترى العبد والتزم بالالتزام العقدى مشروطا بكونه كاتبا أو من الارز الفلاني أو بكون الحنطة المزرعة الفلانية ونحو ذلك. فاتضح من ذلك أن مرجع اعتبار الوصف في المبيع إلى الاشتراط وعليه فإذا شك في اشتراط وصف أو شرط في العقد فمرجع النزاع إلى اشتراط الخيار فيه، فالاصل عدمه وعلى هذا فلو ادعى المشترى كون العين المبيعة متغيرة وغير باقية على ما شوهد عليه وانكره البابع فمرجعه إلى أنه هل جعل للمشترى خيار في هذا العقد أم لا، فالاصل عدمه واذن فالاصل مع البايع ومن هنا ظهر أنه لا اشكال للتمسك بأصاله اللزوم أي استصحاب بقاء كل من الثمن والمثمن على ملك صاحبه وعدم كون العقد خياريا لا أصالة اللزوم المستفاد من العمومات فانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لا نا نشك في دخول المورد الذى نشك في كونه خياريا أم لا، داخلا تحت العمومات الدالة على اللزوم أو أدلة خيار الشرط، فاثبات اللزوم بالعمومات تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فلا مجال بعد ما نقحناه لما أفاده المصنف (ره) من حكومة أصالة عدم وصول حق المشترى عليه على أصاله اللزوم وتطويل الكلام في ذلك وفي عدم صحة التمسك بأصالة اللزوم نقضا. قوله: ولو ادعى البايع الزيادة الموجبة لخيار البايع.

[ 423 ]

فمقتضى ما ذكرنا في طرف المشترى تقديم قول البايع لان الاصل عدم وقوع العقد على هذا الموجود حتى يجب عليه الوفاء به. أقول: هذا هو عكس ما تقدم الكلام فيه وتوضيح ذلك أنه لو ادعى البايع أن العين صارت بعد المشاهدة سمينة وانكره المشترى وقال انها كانت سمينة من الاول فقد ظهر من جميع ما تلوناه عليك أن القول قول البايع فان مرجع دعوى كون العين متغيرة من حالة الهزالة بعد المشاهدة و ضرورتها سمينة إلى دعوى ثبوت الخيار للبايع، فالاصل عدمه وأن العقد غير خياري أو أن الاصل بقاء العين على الوصف السابق فلا يفرق في ترتب ما نريده من الاثر بين استصحاب بقاء العين على الوصف الذى شوهد و بين الاستصحاب عدم السمن كما تقدم في عكسه، وعليه فالمرجع إلى أصالة اللزوم أي قاعدة اللزوم المتقدمة لا الرجوع إلى العمومات الدالة على اللزوم فانه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. ومن هنا ظهر أن ما ذكره المصنف هنا أيضا لا يتم. قوله (ره): الثاني لو اتفقا على التغير بعد المشاهدة ووقوع العقد على الوصف المشاهد واختلفا في تقدم التغير على المبيع ليثبت الخيار و تأخره عنه على وجه لا يوجب الخيار تعارض كل من اصالة عدم تقدم البيع والتغير. أقول: كان الكلام في المسألة السابقة في اختلاف البايع والمشترى في أصل التغير وفي هذه المسألة كلامنا في اختلافهما في كونه بعد البيع أو تسالمهما على أصل التغير. فنقول إذا اختلفا البايع والمشترى في ذلك فقال المشترى أن العين صارت مهزولة بعد المشاهدة وقبل البيع فلى الخيار في فسخ العقد لتخلف

[ 424 ]

الوصف لحصول التغير في ملك البايع وقال البايع ان الفرس الذى هو مبيع وان صار مهزولا الا أن الهزال قد حصل بعد البيع فليس لك للمشترى الخيار، سيأتي الكلام في باب الخيارات انشاء الله تعالى أن تخلف الاوصاف وتغيرها قبل القبض هل تحسب على البايع لعموم قاعدة التلف قبل القبض من مال البايع بحيث يقال ان الاوصاف أيضا ملك للبايع بتبع العين فإذا تلف كان على البايع أو أن تلف الاوصاف تابع للملك ومن الواضح أن العين ملك للمشترى فتلف الاوصاف يحسب عليه غاية الامر أن تلف العين يحسب على البايع قبل القبض لورود النص عليه. وبعبارة أخرى ان كان التلف قبل القبض من مال البايع حكما ثابتا على خلاف القاعدة بالنص فلابد من الاقتصار على مورده فلا يتعدى إلى تلف الاوصاف، وان كان على طبق القاعدة فيكون تلف الاوصاف أيضا على البايع فكيف كان فسيأتي تفصيل ذلك في باب الخيارات. فعلى القول بتسرية القاعدة إلى تلف الاوصاف فلا ثمرة للنزاع في أن التغير حصل قبل القبض أو بعده وعلى القول بعدم التسرية كما هو الحق لعدم المقتضى للتسرية فلابد من النزاع في ان التغير حصل قبل العقد أو بعده وكيف كان فذكر المصنف (ره) أن هنا أصلان حادثان أحد هما وقوع البيع والثانى حصول الهزال، ولكن يعلم السابق منهما ولم يعلم تاريخ الحادثان أن ايا منهما مقدم وأن ايا منهما متأخر، فحيث أن مرجع الاصلين إلى أصالة عدم وقوع البيع حال السمن مثلا وأصالة بقاء السمن وعدم وجود الهزال حال البيع، والظاهر أنه لا يترتب على شئ منهما الحكم بالجواز واللزوم لان اللزوم من أحكام وصول ما عقد عليه وانتقاله إلى المشترى وأصالة بقاء السمن لا يثبت وصول السمين كما أن أصالة عدم

[ 425 ]

وقوع البيع حال السمن لا ينفيه فالمرجع إلى أصالة عدم وصول حق المشترى إليه كما في المسألة السابقة فلا فرق بين المسألتين من حيث النتيجة. نعم الفرق بينهما هو أن الشك في وصول الحق هناك ناش عن الشك في نفس الحق وهنا ناش عن الشك في وصول الحق المعلوم. وبعبارة أخرى الشك هناك في حقه الواصل وهنا في وصول حقه، فمقتضى الاصل في المقامين اللزوم وعدم وصول حق المشترى إليه ومن هنا ظهر الحال لو كان مدعى الخيار هو البايع. أقول: لا حق للمشترى غير ذات المبيع الذى وصل إليه حتى نشك في وصوله إليه فتمسك باصالة عدم وصوله إليه فيكون حاكما على أصالة اللزوم، و عليه فدعوى المشترى كون العين مهزولة بعد المشاهدة وقبل البيع أو قبل القبض يرجع إلى دعوى الخيار لنفسه في العقد لكون العين مهزولة فالاصل عدمه وأن العقد ليس بمشروط بشئ واذن فاصالة اللزوم محكمة أي بمعنى استصحاب بقاء الثمن في ملك البايع وبقاء المثمن في ملك المشترى وكون لازما وعدم ثبوت الخيار فيه المسمى بقاعدة اللزوم لا أن المراد منها هو التمسك بالعمومات الدالة على اللزوم لكون الشبهة مصداقية. ومن هنا ظهر حكم ما لو انعكس الامر بأن ادعى البايع الخيار على نفسه بأن ادعى كون العين مهزولة حين المشاهدة وسمينة بعدها وقبل البيع فله الخيار ومن هنا ظهر أيضا أن الاصل عدم الخيار للبايع وعدم كون العقد مشروطا بشرط فتكون أصالة اللزوم محكمة كما لا يخفى. قوله: ولو وجد المبيع تالفا بعد القبض فيما يكفى في قبضه التخلية. أقول: إذا اختلف البايع والمشترى في العين المشاهدة بعد التلف فقال البايع أنها تلفت بعد القبض وقال المشترى أنها تلفت قبل القبض

[ 426 ]

فالتلف عليك لان التلف قبل القبض من مال البايع فحكم المصنف بأن الاصل بقاء ملك المشترى على الثمن لاصالة عدم تأثير البيع. أقول: ولم يتعرض المصنف بالاستصحابات الموضوعية أنها تجرى أو لا تجرى ومع الجريان أنها معارضة أم ليست بمعارضة، بل اقتصر على الاستصحاب الحكمى. ولكن شيخنا الاستاذ حكم بأن الاصول الموضوعية الجارية لكل واحد من المتبايعين مع كونها مثبتة معارضة بالمثل في مجهولي التاريخ والجارى لاحد هما فيما إذا كان أحد الحالتين بالخصوص مجهولة مثبت فيشك في تأثير البيع فتصل النوبة إلى الاصل الحكمى وهو بقاء الثمن في ملك المشترى أقول تحقيق الكلام في موردين: الاول: فيما تحقق القبض في الخارج أو ما في حكم قبضه كقبض الوكيل قبل البيع كأن يعير البايع ثوبا من المشترى وجعله أمانة عنده أو كان ثوب مستأجرا له ثم باعه منه ووجداه تالفا فاختلفا في تقدم التلف على البيع و كون البيع باطلا لانه وقع الشئ المعدوم وقال البايع أن التلف بعد البيع في غير زمن الخيار فوقع البيع حين وجوده على الشئ الموجود. الثاني: ما لم يتحقق قبض في الخارج أو في حكم قبض المشترى كقبض وكيله ولكن تحقق التخلية بين البايع وبين العين فيما يكفى في قبضه التخلية كتسليم مفتاح الدار والقاء عنان الفرس إلى المشترى بحيث لم يكن مانع من أخذ المشترى وتسلطه على المبيع ثم اختلف البايع والمشترى فقال البايع انها تلفت بعد البيع، وقال المشترى انها تلفت قبل البيع. أما الكلام في المقام الاول: فالحق فيه ما ذكره المصنف (ره) من التمسك بالاستصحاب الحكمى وبيان ذلك أنه لا مانع من جريان استصحاب بقاء

[ 427 ]

المبيع إلى زمان البيع فالحكم بوقوعه على المبيع الموجود والحكم بصحة البيع لانه كسائر الموضوعات المركبة التى ثبت أحد جزئها بالاصل، والاخر بالوجدان، فان البيع هنا في زمان الوجدان كما هو المفروض لاتفاقهما عليه والجزء الاخر اعني وقوع البيع على الشئ الموجود محرز بالاصل فيحكم بصحة البيع ويلزم المشترى باعطاء الثمن ونظير ذلك ما إذا شك في بقاء العبد وموته فانه لو عتقه يصح عتقه ويكفى عن الكفارات فان بقائه إلى زمان العتق محرز بالاصل والعتق محرز بالوجدان وهكذا وهكذا ولكنه معارض بأصل آخر وهو أصالة عدم وقوع البيع على المبيع الموجود إلى زمان التلف فهذا الاصل وان لم يثبت وقوع البيع على المبيع المعدوم الا على القول بالاصل المثبت ولكن هذا المقدار يكفى في ترتب الاثر وهو عدم تحقق البيع على الموجود. واذن تصل النوبة إلى الاصل الحكمى وهو استصحاب بقاء الثمن في ملك المشترى وعدم تحقق ما يخرجه عن ملكه كما هو واضح. ثم ان تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمى إذا قلنا بعدم جريانه في مجهولي التاريخ على الخلاف بيننا وبين صاحب الكفاية وكذلك إذا قلنا بجريانه فيهما معا فيما إذا كان التاريخ أحد هما معلوما والاخر مجهولا و لكن يسقطان بالمعارضة كما اختارناه في عليم الاصول وقلنا ان الاستصحاب يجرى في كل من معلومى التاريخ ومجهوله معا ولكن يسقطان بالمعارضة. وأما على مسلك الشيخ والاستاذ من التفصيل بين معلومى التاريخ و اختصاص جريانه بالمجهول فقط دون المعلوم فلا يقع التعارض ولا يسقطان بالمعارضة لانه فرع جريانهما معا وعلى الاجمال فلابد لهما من التفصيل في المقام كما هو مبنا هما في الاصول.

[ 428 ]

وأما المقام الثاني فهو ما تحققت التخلية في الخارج فيما يكفى في قبضه التخلية كتسلم مفتاح الدار أو البستان والقاء عنان الفرس أو الثوب إلى المشترى وتلفت العين ثم اختلفا في كون التلف قبل البيع أو بعده ففى المقام على جميع التقابر من جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ و عدم جريانه كما هو محل الخلاف بيننا وبين صاحب الكفلية ومن جريانه في ما إذا كان أحدهما معلوما والاخر مجهولا وسقوط الاصلين بالمعارضة كما عليه المبنى أو قلنا بعدم جريانه في معلوم التاريخ وجريانه في مجهول التاريخ كما هو مذهب المصنف وشيخنا الاستاذ في مبحث الاصول فلا يترتب على شئ منها أثر بحيث يحكم بصحة البيع على المشترى ويلزم المشترى على اعطاء الثمن. والوجه في ذلك كله أن غاية ما يترتب على جريان الاصل هو صحة العقد والبيع وهو لا يفيد الا مع تحقق القبض فالاصل عدمه. وبعبارة أخرى ففى هنا أمور ثلاثة التلف والبيع والقبض وإذا اثبتنا وقوع البيع على المبيع قبل التلف على التريب المتقدم من اثبات عدم التلف إلى زمان البيع بالاصل ووقوع البيع عليه بالوجدان ولكن لا يكفى ذلك بدون تحقق القبض فان اصالة عدم تحققه محكمة كما هو واضح. وحاصل الكلام أنك عرفت ان كلام يقع في مقامين: الاول: مع تحقق التخلية من البايع فيما يكفى قبضه التخلية، وقنا ان المرجع فيه اصالة عدم تحقق القبض وبقاء مال المشترى في ملكه فلا يترتب أثر على استصحاب بقاء المبيع إلى زمان البيع واثباته في الخارج بالاصل والوجدان، فان تحقق البيع لا يثبت تحقق القبض الا على القول بالاصول المثبتة على ان تحقق البيع أيضا مشكوك فان المتحقق بالوجدان هو تحقق الانشاء كما سيأتي.

[ 429 ]

وأما الجهة الثانية: فقلنا ان الاصول بناء على جريانه في مجهولي التاريخ وفيما إذا كان تاريخ أحدهما معلوما وتاريخ الاخر مجهولا، معارضة فتصل النوبة إلى أصالة بقاء مال المشترى في ملكه كما ذكره المصنف (ره) وذكرنا ايضا ان جريان الاصل في كان من معلوم التاريخ ومجهوله موقوف على النزاع في الاصل يجرى فيهما معا كما اخترناه في محله أو في مجهول التاريخ فقط كما اختاره شيخنا الانصاري فعلى ما اخترناه تصل النوبة إلى الاصل الحكمى من اصالة بقاء الثمن في ملك المشترى وعلى مسلك المصنف فلابد من التفصيل فان كان البيع معلوم التاريخ والتلف مجهول التاريخ، فنستصحب عدم التلف إلى زمان البيع فنحكم بالصحة كما تقدم وعلى تقدير كون التلف معلوم التاريخ فالبيع مجهول التاريخ فنحكم بجريان الاستصحاب في البيع فنقول الاصل عدم وقوع البيع إلى زمان التلف فينتج البطلان، فلا يمكن الحكم بكون الاصل بقاء مال المشترى في ملكه. هذا ولكن نقول اليوم خلافه وأن الاستصحاب لا يجرى مطلقا، فان جواز البيع وعدم جوازه أي امضائه وعدمه من الاحكام الشرعية فلا ربط له بوقوعها في الخراج بفعل المتبايعين. وأما أصل وقوع البيع فمهوم البيع أعنى اعتبار ملكية كل من العوضين لكل من المتبايعين واظهاره بمبرز في الخارج بحيث يرا العرف والعقلاء بيعا في اعتبارهم أمر وجودي محقق بوجوده الاعتباري والانشاء على انفراده ليس بيعا وانما هو مظهر للبيع ومبرز له ومخبر عن الاعتبار النفساني و من الواضح أن العقلاء انما يعتبرون البيع فيما إذا كان للمبيع وجود خارجي أو كليا بحيث اعتبر العقلاء ملكيته وصحة وقوع البيع عليه في اعتبارهم ومع عدمه فلا يتحقق مفهوم البيع أصلا فانه لا معنى لبيع المعدوم.

[ 430 ]

وبعبارة أخرى أن وجود المبيع دخيل قتحقق البيع في اعتبار العقلاء فمع العلم بعدم البيع لا يقع عليه البيع فانه من قبيل المعدوم فلا يعتبرون البيع الواقع على المعدوم بيعا في نظرهم وما اعتبره البيع في نفسه و اظهر بالمظهر الخارجي لغو محض فانه صورة اعتبار البيع لا أنه بيع حقيقة فأنا وان قلنا أن البيع متقوم بامرين أحدهما الاعتبار النفساني والثانى اظهاره بمظهر خارجي ولكن ذلك انما يتحقق مع وفق الاعتبار لما في الخارج ووجود المطابق له في الخارج، وعلى هذا فلو شككنا في تحقق البيع من جهة الشك في وجود المبيع حين البيع فالاصل عدمه. وتحقق الانشاء وان كان مسلما ولكنه ليس ببيع وح فالحكم هو أصالة بقاء الثمن في ملك المشترى كما أفاد المصنف (ره) ومن هنا ظهر الحكم في سائر العقود والايقاعات فإذا شك في موت العبد وبقائه واعتقه فلا يصح تصحيح العتق باستصحاب بقاء العبد إلى زمان العتق ووقوع العتق عليه فان ما تحقق قطعا هو الانشاء وأما حقيقة العتق فهو مشكوك، فانه يعتبر فيه وجود المعتق وهو مشكوك فلعل العتق وقع على المعدوم، فلا يعتبرونه العقلاء عتقا فالاصل عدم تحققه فلا يكفى من الكفارات والنذر و العهد وهكذا الحال في سائر العقود والايقاعات ولو شك بعد الطلاق في بقاء الزوجية أو بعد الاجارة في بقاء الدار فلا يمكن تصحيح ذلك باصالة الصحة لاحتمال مجرد الصدق الواقعية وقد يقال بصحة البيع تمسكا باصالة الصحة للشك في بعض شروط وهو وجود المبيع وانما مورد أصالة الصحة هو ذلك. ويرد عليه وجوه: الاول: أن أصالة الصحة ليست الا هي قاعدة الفراغ غاية الامر أن قاعدة الفراغ تجرى في فعل شخص الانسان وأصالة الصحة

[ 431 ]

تجرى في فعل الغير وذكرنا في قاعدة الفراغ أنها انما تجرى في موارد تكون صورة العمل محفوظة كما عبر بذلك شيخنا الاستاد وأما فيما لم تكن صورة العمل محفوظة فلا مورد لقاعدة الفراغ وكذلك لا مورد لقاعدة أصالة الصحة مثلا إذ شك المتوضى بعد وضوئه أن ماكان يتوضأ به كان ماء أو شيئا آخر من المايعات التى لا يجوز التوضى بها فانه لا تجرى فيها قاعدة الفراغ لعدم الحفاظ صورة العمل وانما تحمل مجرد الصدفة الواقعية فقط نعم مورد قاعدة الفراغ ما إذا كان هنا مائان وتوضأ من أحد هما كان احدهما مما يجوز التوض به والاخر لا يجوز ثم شك في أنه كان من الذى يجوز التوضى به أو من الذى لا يجوز فبقاعدة الفراغ يحكم بالصحة ويكون التوضى من الذى يجوز التوضى به وكذلك في قاعدة الصحة إذا شككنا في ما فعله المتبايعان هو حقيقة بيع أو صورة بيع فانه لا يمكن باصالة الصحة اثبات كون الواقع بيعا حقيقة بمجرد احتمال الصدفة الواقعية وكذلك فيما إذا احتملنا أنه قال انت طالق ولكن نحتمل أنه قاله لزوجته أو لاجنبية فلا يمكن حمله على الطلاق الصحيح باصالة الصحة. نعم إذا احرز أنه طلق زوجته واحرزنا صورة العمل أي الطلاق بالزوجة ولكنه نشك في صحته وفساده فنحمل على الصحة وكذلك إذا رتينا أن أحدا قام على ميت فلا ندرى أنه يصلى أو لا، فلا يمكن حمل فعله على الصحة بمجرد احتمال الصدفة الواقعية. نعم إذا حفظنا صورة العمل وعملنا أنه يصلى على الميت وشككنا في صحته وفساده من جهة أخرى فنجرى اصالة الصحة وهكذا في فجميع العقود والايقاعات والعبادات كفائية أو عينية. وثانيا: أنه مع قطع النظر عن الاشكال الاول ان اصالة الصحة مشروطة

[ 432 ]

بكون الشرط الذى نشك على كل تقدير مقدورا للمكلف فلو كان على تقدير مقدورا له وعلى تقدير غير مقدور فلا نجرى فيه اصالة الصحة مع كون الشرط شرطا على كل تقدير ولزم من انعدامه بطلان العمل مثلا ففى المقام أن وجود المبيع دخيل في صحة البيع لبطلان العقد بدونه على كل تقدير، فوقوع البيع عليه غير مقدور على المكلف وعلى تقدير وجوده فوقوع البيع عليه مقدور ومع عدمه فغير مقدور فلا نجرى قاعدة اصالة الصحة في مثل ذلك و من هذا القبيل ما لو باع لا يعلم أنه ما له أو لا مع عدم كونه تحت يده وكذا بيع من نشك في بلوغه وعدمه وهكذا الامر في قاعدة الفراغ وقد خالف شيخنا الانصاري في هذا الشرط في قاعدة الفراغ. وثالثا: ما ذكره المصنف مع الغض عن الاشكالين الاولين من وجود الجامع بين الصحيح والفاسد بحيث ينطبق عليهما، وأما إذا لم يكن هنا جامع بينهما لكون الفاسد غير معقول كما في المقام فان المعدوم محال فلا يمكن حمل فعل المسلم على الصحة بوجه. الكلام في بيع ما لا يفسده الاختبار به بقى هنا فرعان قد تعرض لهما الاصحاب، أحدهما اعتبار الاختبار فيما لا يفسده الاختبار، فهل يشترط فيه الاختبار كما ذكره بعضهم أو يعتبر فيه اشتراط الصحة كما ذكره آخر يعتبر فيه البراءة من العيوب كما ذكره ثالث أو الاخيرين معا كما ذكره رابع أو يكفى التوصيف كما ذكره بعضهم أو مع الانضباط كما ذكره آخر وجوه، بل اقوال في المسألة كما يظهر من مطاوى كلمات الاصحاب التى نقل جملة منها المصنف (ره) فلا حظها.

[ 433 ]

ولا يهمنا التعرض بكلمات الاصحاب وبيان مرادهم كما تعرضها المصنف بعد ما لم يكن اجماع في البين كما يظهر لمن يلاحظها ولم يرد في المقام نص حتى يلاحظه فلابد من التكلم هنا على مقتضى القاعدة بل التحقيق أن يقال أن الاوصاف التى تختبر على أقسام، فانها قد تكون من اوصاف الصحة الدخيلة في صحة البيع فتارة تكون الاشياء المتصفة بها مما لا يفسده الاختبار وأخرى مما يفسده الاختبار، أما الاول كالعطور وبعض أقسام الفواكه من العنب والتين ونحوهما بمقدار يسر منها غير مفسد قطعا فنقول أن المانع من صحة البيع مع الجهل بأوصاف المبيع من الاوصاف الصحة كالطعم والرائحة فيما يقصد منه طعمه أو ريحه من العطور والفواكه ليس الا الغرر الثابت بحديث نفى الغرر بناء على تماميته أو الاجماع المنعقد على اعتبار العلم بالعوضين بناء على تماميت أيضا وحجيته، فلا شبهة أن المناط في صحة البيع في جميع الموارد هو ارتفاع وصف الغرر فان البيع الغررى باطل فلابد من ملاحظة ما يوجب ارتفاع الغرر من غير تخصيص بشرط خاص من الاشتراط أو الاختبار أو البراءة من العيوب. وعليه فيرتفع الغرر بأمور، الاول: الاختبار بما لا يفسده الاختبار، فيما يستخير حال المبيع به كاستشمام العطور وذوق الفواكه التى لا تفسد بالاختبار كأكل حبة من العنب ونحوه أو استشمام بعض أقسامها فان ذلك يرفع الغرر فيكون البيع صحيحا من ناحية الغرر فهذا مما لا شبهة فيه. الثاني: اشتراط الصحة من العيوب الموجبة للغرر بحيث يكون الخيار عند ظهور المبيع أو الثمن فاقدا لذلك الوصف لكل من البايع والمشترى وهذا أيضا رافع للغرر كما هو واضح. الثالث: الاقدام على المعاملة مطلقا من غير اشتراط ولا اختبار أصلا

[ 434 ]

بل يسكت عن جميع ذلك، ولكن الشرط الضمنى موجود في المقام بظهور العوضين واجد ا لاوصاف الصحة ولم يكن عديما لها بحيث لو ظهر فاقدا كان للمشروط له الخيار، ومع هذا الشرط الضمنى لا يضره السكوت عن الاشتراط لانصراف المطلق إلى الفرد الصحيح والذى يدل على هذا بناء العقلاء في معاملاتهم فانهم يعاملون معاملة كلية أو جزئية مطلقة وإذا ظهر المبيع فاقدا لاوصاف الصحة يرجعونه إلى صاحبه ويكون لهم الخيار حينئذ. فتحصل أن ارتفاع الغرر في المقام ليس منحصرا بالاختبار بل كما يرتفع به كك يرتفع بالاشتراط وبالشرط الضمنى أيضا لعدم ورود النص على الاختبار بالخصوص وعدم وجود الاجماع عليه كما ظهر من مطاوى ما ذكرناه، بل الاجماع على عدمه فانه من باب ذكر وصف الصحة ومن الواضح أنه غير لازم اجماعا كما ذكره المصنف في جواب السرائر، وأما توصيف البايع المثمن و توصيف المشترى الثمن مع حصول الوثوق منهما فداخل في صورة الاشتراط. وأما اشتراط البراءة من العيوب فالظاهر من عبارة المصنف من عطفه على اشتراط الصحة بأو وكذلك الظاهر من عبارة النهاية والمقنعة المنقولة في المتن هو كفايته في نفسه حيث قال (خلافا لظاهر جماعة تقدم ذكرهم من اعتبار اشتراط الصحة أو البراءة من العيوب أو خصوص أحدهما) أقول ان كان المراد من البراءة من العيوب هو احراز كل من البايع والمشترى كون المبيع سليما عن العيوب وصحيحة هذا هو المراد ظاهرا للمصنف حيث ذكر في اواخر كلامه أنه ظاهر عبائرهم المتقدمة اشتراط الوصف أو السلامة من العيوب فيما يفسده الاختبار يكون البيع غير غررى وان كان المراد من البراءة من العيوب التبرى منها بحيث يبيع المتاع على ما هو عليه

[ 435 ]

من الصحيح والفساد سواء ظهر فاقدا لاوصاف الصحة أو واجدا لها لا يكون خيار للمشترى ويشرط المشترى على البايع في الثمن أيضا، هذا الاشتراط فهذا البيع غررى بلا شبهة فيكون الاشتراط مؤكدا للغرر فيبطل البيع للغرر بناء على مانعيته عن البيع فلا يرتفع الغرر بالاشتراط وعلى الاجمال فلاوجه لاشتراط هذا الشرط أصلا، فانه ان كان راجعا إلى اشتراط الصحة فذكره تكرار وان كان بمعنى التبرى فاشتراطه موكد للغرر فلا يكون رافعا له. ومن جميع ما ذكرناه ظهر بطلان ما ذهب إليه في السرائر من تقوية عدم جواز بيع العين الحاضرة المشاهدة بالتوصيف، بل لا بد من ذوقها وشمها. ومما ذكرناه ظهر جريان أصالة السلامة في المبيع فان المراد بها هو اشتراط كون المبيع سالما على العيوب بالشرط الضمنى وواجدا لاوصاف الصحة على النحو الذى تقدم وهذا مما جرى عليه بناء العقلاء في معاملاتهم وليس المراد من اصالة السلامة ما يكون طريقا إلى احراز كون المبيع واجدا لاوصاف الصحة باستصحاب الحالة السابقة التى شوهدت وكانت واجدة لاوصاف الصحة حتى يناقش فيها بما ناقشه المصنف من عدم الدليل عليه لامن بناء العقلاء الا فيما إذا كان الشك في طرو المفسد ولا من غيره فانه لو كان المراد من أصالة السلامة هو ذلك فليس عليه دليل حتى مع الشك في طرو المفسد الذى استثناه المصنف، فانا ذكرنا في علم الاصول أنه لا وجه لكون بناء العقلاء دليلا للاستصحاب وأنه غير ثابت كما هو واضح، و هذا بخلاف ما ذكرناه من أصالة السلامة فان بناء العقلاء عليه مسلم كما لا يخفى.

[ 436 ]

ثم ظهر أيضا من جميع ما ذكرناه بطلان ما ذكره المصنف من التفصيل، بين الاوصاف الدخيلة في معظم المالية وبين غيرها، وحاصله أن الاوصاف ان كانت دخيلة في معظم المالية بحيث تزول المالية المهمة بزوال الاوصاف فلا بد من احراز السلامة عنها اما بالاصل أو بالاختبار أو التوصيف ومع انتفاء الاول يبقى الاخيران وهذا ككون الجارية خنثى وكون الدابة لا تستطيع المشى أو الركوب والحمل عليه. وأما اذالم تكن الاوصاف من قبيل الاوصاف الدخليلة في معظم المالية فلا يجب احرازها ولا يلزم الغرر من الانتفاء وهذا ككون الجارية ممن لا تحيض فهى في سن من تخيض، فان انتفاء ذلك لا يوجب انتفاء معظم المالية لبقاء الاستمتاع والاستخدام على حالها غاية الامر قد انتفى الاستيلاد فقط وأما في الاول قد انتفى الاستمتاع أيضا. وقد ظهر جواب هذا التفصيل أيضا فان المناط في صحة العقد هو رفع الغرر كما تقدم، فكلما يلزم من عدم اعتباره واشتراطه في العقد غرر فلابد من اشتراط ما يوجب رفعه من الاختبار أو اشتراط الصحة أو الارجاع إلى أصالة السلامة والا فلا، سواء كانت دخيلة في معظم المالية أم لا، فان ما يكون دخيلا في ذهاب المالية وان لم تكن معظما فالسكوت عنه في مقام البيع غرر بلا شبهة. فتحصل من جميع ما ذكرناه حكم ما يفسده الاختبار أيضا فان جميع ما ذكرناه جار فيه الا الاختبار لان المفروض أن الاختبار يفسده وأما اشتراط الصحة أو بيعه مطلقا ايكالا إلى اصالة السلامة فهما جاريان فيه، كما يجريان في الاول أعنى ما لا يفسده الاختبار وهذا كبيع نوع الفواكه التى يفسدها الاختبار كالرقي والبرتقال والليموا ونحوها فان الغرر يرتفع

[ 437 ]

فيها بأحد الامرين المذكورين فلو تبرء عن العيوب يكون غرريا فيبطل. نعم قد ورد في المقام رواية (1) ربما يتوهم فيها اعتبار الاختبار فيما يختبر حيث قال (ع) فيمن سأل عن ذوق الطعام في المال الذى يريد أن يشتريه، فقال (ع) نعم فليذقه فلا يذوقن ما لا يشترى. وفيه ما ذكره المصنف (ره) من أن السؤال فيها عن جواز الذوق لا عن وجوبه فانه (ع) جوز ذلك لمن يريد الاشتراء لالكل من ولو لم يكن نظره ذلك والا فان بعض الطماعين يأخذوى ذلك وسيلة لاكل أموال الناس بأن يأكل من دكان عشرة حبات من العنب ومن الاخر كك، ومن الثالث هكذا فيكون أكثر من الحقة فنهى الامام (ع) عن ذلك فيجوز هذا النحو من الطريق أيضا. فتحصل أن ما لا يفسده الاختبار فبالنسبة إلى الاوصاف الدخيلة في صحة المبيع يجوز بيع الموصوف بها بالاختبار وبالتوصيف وبالاعتماد على أصالة الصحة والسلامة على المعنى الذى ذكرناه أي انصرافه إلى كون المبيع سالما عن العيوب وواجدا لاوصاف الصحة فانه الفرد الصحيح وقلنا هذا معتبر بالشرط الضمنى في العقود والمعاملات. وأما بالمعنى الذى ذكره المصنف من كونها محرزة لبقاء المبيع على اوصاف الصحة وعدم طرو العيب له ليوجب زوال صحة المبيع فليس له مدرك صحيح كما عرفت حتى فيما كان للمبيع حالة سابقة فانا ذكرنا في بحث الاصول أنه لا دليل على اعتبار الاستصحاب من ناحية بناء العقلاء كما هو واضح. وقد عرفت أيضا أنه لا يفرق في ذلك في الاوصاف التى لها دخل في


(1) وسائل: ج 12، ص 279

[ 438 ]

معظم مالية المبيع وما لا يكون كك، فان في جميع ذلك لابد من رفع الغرر في صحة البيع والا يحكم بالبطلان فرفعه بأحد الامور الثلاثة المتقدمة فلا دليل على الفرق المذكور بوجه، ان التزام المصنف وعلى هذا فلاوجه للالتزام بلزوم الاشتراط أو لزوم الاختبار فقط كما ذهب إليه الحلى (ره). وأما أوصاف الكمال ككون الفاكحة أو الدبس حلوا شديدا وزائدا عن الحد الاوسط أو واجد الاصل الحلو المتوسط فان الحلاوة من الاوصاف الكمالية فان كان المتاع مما يمكن توصيفه بالوصف الكمالى وبيانه على نحو يرتفع به الغرر فيجوز بيعه بالاختبار من المشترى وبالتوصيف من البايع فيكون اخباره اشتراطا مع الوثوق باختباره وبالاشتراط أيضا بان يشترط المشترى كونه واجدا لوصف الكمال، وأما الاعتماد على أصالة الصحة، و السلامة المتقدمة فلا يجرى هنا فان الاوصاف ليس من الاوصاف الصحة حتى ينصرف الاطلاق إلى الصحيح وأن كون المبيع صحيحا أخذ شرطا في ضمن العقد كما لا يخفى. وأما فيما لا يمكن التوصيف والاخبار كما إذا كان الوصف على نحو يدرك ولا يوصف كوصف الملاحة ونحوها ففى ذلك لابد في رفع الغرر، اما من الاشتراط أو الاختبار والا فيكون باطلا للغرر المنفى، فان المفروض ان الاوصاف المذكورة لها دخل في المالية فإذا لم يشترط البيع على نحو يكون رافعا للغرر فيكون البيع باطلا لذلك. وأما فيما يفسده الاختبار فبالنسبة إلى أوصاف الصحة فيأتى فيه جميع ما ذكرنا ه فيما يفسده الاختبار الا بالاختبار لان المفروض أنه يفسده فيبيع اما مع الاشتراط أو مع الاعتماد على أصالة الصحة على النحو المتقدم أو يخبر البايع عن الاوصاف فيكون هذا أيضا رافعا للغرر مع الوثوق بكلامه،

[ 439 ]

فيكون هذا أيضا داخلا في الاشتراط فانه نحو منه. وأما الاوصاف الكمالية فبالنسبة إلى الاوصاف التى يمكن الاطلاع عليها فيجوز المعاملة ح بالاشتراط وبتوصيف البايع فيرتفع الغرر بهما فيكون داخلا فيما يشترى اعتمادا على وصف البايع أو يشترط كون المبيع واجدا للاوصاف الكمالية ومع ذلك يرتفع بها الغرر. وأما الاوصاف الكمالية التى لا يمكن الاطلاع إليها اصلا الا بالاختبار ككون البطيخ حلوا وكون الرقى أحمر من الاوصاف الكمالية التى لا يعلم الا بالاختبار، فالظاهر انها غير دخيلة في المالية أصلا فلا يلزم عدم اشتراط كون المبيع واجدا لها غرر أصلا، فان المفروض ان الموارد فما يفسده الاختبار وأن التوصيف لا يمكن أيضا وان أصالة السلامة غير جارية فيبيع المالك على هذا النحو إذ لا يفرق العرف في أمثال ذلك بين ما يكون واجدا لها وبين ما يكون فاقدا لها لعدم طريقهم إلى ذلك، وان كانوا يفرقون بينهما بعد الاطلاع إليها وعلى هذا ان اشتراط المشترى كون المبيع واجدا لتلك الاوصاف فبها والا فليس له حق الرجوع أصلا فهذا هو الذى تعارف في العرف التبرى من كون المبيع واجدا لها أو فاقدا لها فيقول أبيع المتاع الفلاني على ما هو عليه سواء كان واجدا للوصف الفلاني أو فاقدا له دون ما كان الوصف من الاوصاف الصحة لماعرفت أن التبرى من فقد ان الوصف من أوصاف الصحة موجب للغرر. الكلام في حكم ظهور المبيع معيبا وأما الكلام في حكم تخلف الاوصاف المذكورة فذكر المصنف في فرض

[ 440 ]

تخلف وصف الصحة أقساما ثلاثة: الاول: أن يكون لفساد المبيع في نفسه قيمة كالجوز والبطيخ وسائر أقسام الفواكه إذا لم يكن الفساد بمرتبة يوجب خروج المبيع عن حيز الانتفاع ولاكونه معنونا بغير عنوان المبيع فان لب الجوز وان كان فاسدا بصيروته أسود ولكن مع ذلك ينتفع به بأخذ دهنه وكك البطيخ والرقى وسائر الفواكه إذا لم تصل من الفساد إلى مرتبته تخرج عن الانتفاع، بل فسد جزء منها وصار به دود ونحوه وأما الباقي فيصح الانتفاع به، وقد مثل المصنف بذلك ببيض النعامة بدعوى أن الفاسدة أيضا قيمة، ولاتعهد بخصوصيات فوائده وهو اعرف بمقاله. الثاني: أن يكون لفاسده أيضا قيمة ولكن كان خارجا عن نوع الصحيح بحيث يعد في نظر العرف شيئا آخر غيره وهذا كظهور اللوز والجوز قشرا فان للقشر قيمة ومالية في نظر العرف في الحريق ولكن من حيث انه حطب لامن حيث انه جوز. الثالث: أن لا يكون للفاسد مالية وقيمة أصلا كالبطيخ الفاسد بحيث لا ينتفع به اصلا. وبعبارة أخرى أن فاسد المبيع قد يكون فاسدا بحيث يكون خارجا عن المالية أصلا وأخرى يكون له مالية وقيمة وعلى الاول تارة يكون من جنس الصحيح وأخرى من غير جنسه، فالاقسام ثلاثة. أما القسم الاول: فتارة يكون ظهور العيب قبل الكسر والقص، بان عرف أن البطيخ فيه دور وأخر بعد الكسر فعلى الاول يتخير المشترى بين الفسخ والامضاء بدون الارش بأن يرضى بالعقد على أي نحو كان أو الامضاء مع الارش كما هو واضح، وأما بعد الكسر فليس له فسخ العقد الا مع

[ 441 ]

اشتراطه هكذا بان يقول للبايع حين البيع لو ظهر متاعك معيبا ولو بعد الكسر فلى أن أرجعه وأما مع الاعتماد على أصالة السلامة فلا يجوز له الفسخ، بل يتخير بين الرضى بالعقد بدون الارش والرضاء به مع الارش. وأما القسم الثاني: فالظاهر هو بطلان العقد لما عرفت مرارا أن تخلف الاوصاف التى من الصور النوعية في نظر العرف يوجب البطلان فان ما هو موجود ليس بمبيع وما هو مبيع ليس بموجود، فيكون البيع باطلا كما لا يخفى. والحاصل أنه إذا ظهر المبيع فاسدا وكان للفاسد أيضا قيمة ولكن يحسب في نظر العرف غير الصحيح بحسب الصورة النوعية كما إذا اشترى وزنة تمر فظهر أنه في حكم النوى لا يناسب الا بالحرق فهذا لا اشكال في فساد البيع لما عرفت أن المبيع غير موجود والموجود غير مبيع وهذا خارج عن الاقسام الذى ذكره المصنف ونتعرض لها. وحاصل الاقسام أن ما ظهر المبيع فاسدا تارة يكون مع كونه فاسدا على قيمة الصحيح وأخرى أقل منه، وثالثة يظهر أنه لاقيمة له أصلا وعلى كل تقدير فقد يكون ظهور الفساد قبل الكسر والقص وقد يكون بعده، فالاقسام ستته. أما إذا كان ظهور العيب قبل الكسر فما إذا كان الفاسد بحيث تكون قيمته مساويا لقيمة الصحيح فح ليس للمشترى أخذ الارش فان المفروض ان قيمتهما متساوية فالارش انما يكون إذا كانت قيمة المعيب أقل من الصحيح فان الارش عبارة عن تفاوت القيمة بين الصحيح والمعيب فإذا لم يكن تفاوت في البين فأى معنى للارش نعم له فسخ العقد لخيار العيب أو امضائه كك وأما إذا كانت قيمة الفاسد أقل من قيمة الصحيح فيتخير المشترى بين الامور الثلاثة فسخ العقد أو الرضى به بدون الارش أو الرضا به مع الارش

[ 442 ]

فان المعيب أقل قيمة من الصحيح فللارش هنا مجال. وأما إذا كان الفاسد بمرتبة لاقيمة له أصلا كما إذا اشترى بطيخا فظهر فاسدا على نحو لم تكن له قيمة أصلا كان يعد من الزبالة ففى هنا يحكم بالبطلان إذ المبيع من حيث عدم مالية في حكم المعدود قليس هنا أرش أيضا، بل الحكم هو الانفساخ ليس الا بل الوجه هو البطلان لعدم اعتبار العقلاء ذلك البيع بيعا أصلا حتى بناء على عدم اعتبار المالية في المبيع كما بنينا عليه في أول البيع فان ما ليس بمال يعد في نظر العرف نوعا أخر في قبال ما هو مال فإذا وقع البيع بالمال فظهر غير مال فقد تخلف صورته النوعية فيكون فاسدا، من هذه الجهة نظير مااذا اشترى أحد عصفورا فبان انه حشرة من الحشرات فان بيع الحشرات في نفسه وان كان جائزا ولكن المبيع هنا ليس هو الحشرة، بل هو العصفور فما هو مبيع ليس بموجود وما هو موجود ليس بمبيع وكذلك الحال في المقام. وأما إذا ظهر الفساد بعد الكسر فان كان الفاسد أيضا مالا وكانت قيمته مساوية لقيمة الصحيح فليس للمشترى هنا شئ أصلا من انحاء الخيارات أما الارش فلما عرفت من عدم تفاوت المعيب مع الصحيح من حيث القيمة و أما الرد والفسخ فهو وان كان جائزا قبل الكسر والتصرف ولكن يسقط ذلك بعد الكسر للنص (1) الخاص الوارد في خيار العيب من أنه إذا أحدث فيه حدثا أو لامس فلا يجوز له الرد فيكون ذلك ساقطا للنص وان كان هو جائزا في نفسه القاعدة. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون للمسكور قيمة أولا ولابين أن تكون قيمة


(1) وسائل: ج 12 باب سقوط خيار المشترى بتصرفه ح 1 و 3 ص 351

[ 443 ]

الفاسد بعد الكسر أقل من الصحيح أولا فانه على كل تقدير ليس له حق الرجوع بوجه فانك عرفت أن قيمة الصحيح والمعيب متساويتان وانما سقط الفاسد عن القيمة أو نزلت قيمته بكسر المشترى. وأما إذا كانت قيمة الفاسد أقل من قيمة الصحيح فح فلا يجوز للمشترى الفسخ لما عرفت من سقوطه بالكسر للنص فح يتخير المشترى بين الرضى بالعقد بدون الارش أو الرضا به مع أخذ الارش والمراد من الارش هنا هو تفاوت ما بين الصحيح والفاسد قبل الكسر لابعده إذ قد لا يكون للفاسد قيمة بعد الكسر أصلا كما عرفت ولكن ذلك مستند إلى فعل المشترى و احداثه فيه حدثا فيسقط للنص. وأما إذا لم يكن له قيمة أصلا فحكمه حكم قبل الكسر اعني انفساخ العقد إذ لامالية للمبيع أصلا والعقلاء لا يعتبرون مثل ذلك البيع بيعا وانما هو في صورة البيع والامر كك حتى مع القول بعدم اعتبار المالية في المبيع كما عرفت فان البطيخ إذا ظهر معيبا بحيث لا يعد من المأكول فيكون نوعا آخر في مقابل المأكول فهما في نظر العرف مختلفان بحسب الصورة النوعية كما لا يخفى فيكون البيع باطلا من الاول سواء كان ظهور العيب قبل الكسر أو بعده، فيكشف عند ظهور العيب أنه باطل من الاول كما صرح به الشيخ و الحلى والعلامة في التذكرة مستدلين بوقوعه على ما لاقيمة له كالحشرات وهو صريح جملة ممن تأخر عنهم أو ظاهر آخرين. ولكن الظاهر المحكى عن الشهيد في الدروس انفساخ البيع من حين تبين الفساد لامن أصله وجعل الثاني احتمالا ونسبه إلى ظاهر الجماعة وقد أشكل عليه المصنف بما لا يخلو عن المتانة وحاصله أنه لم يعلم لذلك وجه، ولذا نسب الشهيد الثاني في الروضة خلافه إلى الوضوح والوجه في

[ 444 ]

بطلانه أن الفاسد ان لم يكن من الاموال فيفسد البيع من أصله لان كون المبيع متمولا شرط واقعى لاعلمى، وان كان من الاموال فان لم يكن تفاوت بين الصحة والمعيب فليس للمشترى خيار فكك بعد التصرف وان كان له خيار عيب قبل التصرف كما تقدم، وان كان بينهما تفاوت فيؤخذ التفاوت بعد التصرف لاجميع الثمن وقبل التصرف يتخير بين الامور الثلاثة، كما تقدم. ثم وجه كلامه بانه الا ان يقال انه مال واقعى إلى حين تبين الفساد فإذا سقط عن المالية لامر سابق على العقد وهو فساده واقعا كان في ضمان البايع فينفسخ البيع ح، بل يمكن ان يقال بعدم الانفساخ وحيث ان خروجه عن المالية لامر سابق وسبب سابق كان في ملك البايع فكان الضمان على البايع. والحاصل أن البيع منفسخ في زمان ظهور العيب والرجوع إلى البايع من جهة كون حدوث العيب في ملكه كما لا يخفى. ثم اشكل عليه المصنف بكونه على خلاف القواعد على ما سيأتي في الخيارات، وانما تعرضه المصنف هنا لاجل خصوصية في المقام. وحاصل ما أورده المصنف عليه أنه ان كان العلم بالعيب موضوعا للخروج عن المالية فيكون حدوث العيب في ملك المشترى فلاوجه للرجوع إلى البايع وان كان طريقا إلى ذلك فيكون كاشفا عن البطلان من الاول فانه إذا انكشف الفساد حكم بعدم المالية الواقعية من الاول فلا وجه للحكم بالانفساخ حين ظهور العيب على أنه لو سلمنا أن العلم بالعيب مخرج له عن المالية لا كاشف فهو مثال ان زيد يعمى بعد مدة وكالعبد المريض يموت بعد مدة فانه في مثل ذلك فيرجع إلى البايع لافى جميع المبيع، بل

[ 445 ]

بالتفاوت بين الصحيح والمعيب قبل التلف والخروج عن المالية، لان المعيب أيضا له مالية وله قيمة كما لا يخفى على أن فوات المالية يعد تلفا لاعيبا كما هو واضح. وبالجملة لا نعرف وجها لتصحيح كلام الشهيد فانه ان كان الفاسد له قيمة فحكمه ما ذكرناه وان لم تكن له قيمة فحكمه الانفساخ من الاول لعدم كونه مالا من الاول على أن ما وقع عليه البيع غير الموجود وما هو موجود غير ما وقع عليه العقد كما تقدم. الكلام في ثمرة الخلاف وأما ثمرة الخلاف بين ماكان الانفساخ من الاول كما ذهب إليه الاكثر على ما عرفت، وبين ماكان من حين ظهور العيب في المبيع فهى تظهر في ترتب آثار ملكية المشترى الثمن إلى حين تبين الفساد فلو اشترى البايع دارا بالثمن المذكور فربح في ذلك الفا فانه للمشترى على المشهور لحصول الانفساخ من الاول وعد خروج الثمن من ملك المشترى أصلا فيكون اشتراء الدار فضوليا. وللبايع على قول الشهيد كما هو واضح. وعن الدروس واللمعة أن الثمرة تظهر في مؤنة نقله عن الموضع الذى اشتراه فيه إلى موضع اختبار فقد ذكر في ذلك أقوال ثلاثة: الاول: ما ذكره الشهيد الاول من أن مؤنة النقل على تقدير انفساخ العقد من الاول انما هي على البايع، وعلى المشترى لو قلنا بالانفساخ حين ظهور الفساد في المبيع لوقوعه في ملكه، وقد نقل المصنف هذا لوجه وارتضاه.

[ 446 ]

الثاني: ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد وتبعه الشهيد الثاني من كونها على المشترى مطلقا وليس له أن يرجع إلى البايع، والوجه فيه هو أن المشترى نقله بغير أمر البايع. الثالث: ما ذكره المصنف عن بعض الاساطين كاشف الغطاء و هو كونها على البايع مطلقا فانه قدره نفى البعد عن ذلك، والظاهر: أن شيئا من الوجوه الثلاثة لا يمكن المساعدة عليه. أما الوجه الاول: فلا دليل عليه من النص والاجماع والعقل، لان مجرد ظهور العيب في ملك المشترى لا يستلزم كون غرامة النقل عليه كما ان عدم ظهور في ملك الغير لا ينفى الغرامة عنه، بل لابد في ذلك من وجود السبب للضمان، وكك لاوجه للوجه الثاني والثالث على وجه الاطلاق، كما سيظهر وجهه. والتحقيق أن يقال: قد تقدم في بيع الفضولي أنه إذا استند الوقوع على الضرر إلى غيره بالاغترار كان ضمانه على الغار لقاعدة الغرور الثابتة بالنقل والاعتبار والا فلا، وعليه فان كانت الغرامة الحاصلة من نقل المبيع إلى مكان الاختبار مستندة إلى البايع، وكونه غارا للمشترى في ذلك لعلمه بالعيب وجهل المشترى به فمؤنة النقل على البايع. وأن لم يكن اغترار في المقام لعلمهما بالحال أو جهلهما بها فالغرامة على المشترى، لانك قد عرفت في المبحث المذكور أن الغرور انما يتقوم بأمرين أحدهما علم الغار بالعيب، وثانيهما جهل المغرور به، ومع انتفاء أحدهما ينتفى الغرور، وعلى هذا فلاوجه لما ذهب إليه جامع المقاصد و ما قربه بعض الاساطين على الاطلاق، بل لابد من التفصيل في المسألة بلحاظ الغرور وعدمه، هذا كله في مؤنة نقل المبيع من مكان البيع إلى مكان الاختبار.

[ 447 ]

وأما مؤنة النقل من مكان الاختبار إلى مكان البيع أو المكان الاخر مع مطالبة البايع أو كونه في مكان يجب تفريغه كالمسجد والمشهد أو في مكان مغصوب فذكر المصنف أنه على البايع على تقديرين لانه بعد الفسخ ملكه، وأما لو لم يكن قابلا فلا يبعد مؤاخذة المشترى به. وفيه أن هذا أيضا لايتم لعدم الدليل عليه فان مجرد كون المبيع ملكا للبايع بعد الانفساخ لا يوجب كون مؤنة النقل إليه، بل التحقيق ان يقال: إذا كان المعيب الذى خرج عن المالية ملكا للبايع كحبة من الحنطة مثلا، أو موردا للحق وان خرج عن الملكية أيضا كما إذا صار الحيوان ميتة أو ظهر البطيخ فاسدا بحيث لا يعتبر العقلاء في مثله الملكية أيضا فطلب المالك ملكه أو متعلق حقه فان كانت المعاملة خالية عن غرور البايع المشترى ولم يستند ذلك إلى تسبيب البايع لجهله بالحال فمؤنة النقل على المشترى فانه وضع يده على ملك غيره أو على مورد حقه فيجب عليه أن يرده إلى صاحبه فان مقتض دليل اليد الثابت بالنص والاجماع والسيرة كما يشمل الاموال وكك يشمل الاملاك والحقوق أيضا. أقول: لادليل على حرمة التصرف في ملك الغير ما لم يكن مالا وما لم يزاحم حق المالك ودليل اليد ناظر إلى غير ما نحن فيه على انه ضعيف السند والسيرة مشكوكة الشمول له وان استند ذلك إلى تغرير البايع المشترى فتكون مؤنة النقل على البايع. وعلى الجملة أن مجرد المعيب ملكا للبايع لا يدل على كون الغرامة ومؤنة النقل من مكان الاختبار إلى مكان البيع إلى البايع، بل بعد ما وضع المشترى يده على ملكه بغير اغترار يجب عليه رده إلى صاحبه مع المطالبة. وأما إذا لم يطالب البايع ملكه أو متعلق حقه ولكن كان ذلك في مورد

[ 448 ]

يجب تفريغه منه كما إذ كان في مسجد أو في مشهد أو كان ذلك في ملك الغير فطلب تفريغ ملكه فالظاهر في هذا الفرض كون، مؤنة الافراغ على المشترى حتى مع الاغترار في المعاملة من البايع فان قاعدة الغرور انما توجب كون غرامة المغرور على الغار فيما يكون التضرر في لوازم المبادلة و التمليك والتملك ومن الواضح أن النقل من مكان البيع إلى مكان الاختبار وبالعكس من لوازم التمليك والتملك فتجرى فيها قاعدة الغرور، وأما في ذلك فلا ومن البديهى أن وضع المتاع في المسجد، أو المشهد أو في ملك غيره ليس من لوازم التملك الذى وقع فيه الغرور وهذا واضح جدا. ثم ان المحكى في الدروس عن الشيخ (ره) وأتباعه أنه لو تبرء البايع من العيب فيما لاقيمة لمكسوره إلى ح. وفيه قد أشرنا إليه فيما تقدم وقلنا بانه اما غير محتاج إليه أو غير معقول بيان ذلك أن البرائة من العيوب ان كان من جهة الاطمينان بصحة المبيع واحراز كونه سالما عن العيوب اما باخبار البايع أو اعتماد اعلى أصالة السلامة بناء على كونها محرزة لصحته فليس هذا في نفسه شرطا آخر غير اشتراط الصحة، بل مرجعه إلى ذلك فليس لذلك وجه حتى يذكروها مقابلا لاشتراط الصحة، على أنك عرفت أنه لادليل على كون أصالة السلامة محرزة للواقع حتى فيما كان للمبيع حالة سابقة وان كان المراد من اشتراط البرائة من العيوب هوالتبرى عن عيوب المبيع بأى نحو كان من غير احراز صحته بطريق ولا اشتراط صحته في المبيع ولو بأصالة السلامة فيكون ذلك تأكيدا للغرر فيكون البيع غرريا، على أنه لانحتمل أن يقول أحد بأن البيع اذالم يكون مشروطا بالبرائة من العيوب يكون فاسدا وأما إذا كان مشروطا بها يكون

[ 449 ]

صحيحا مع أنه يؤكد الغرر ويقرره كما عرفت وعلى كل حال لا نعقل معنى صحيحا لهذا الاشتراط. وقد يوجه بأن المراد من اشتراط البرائة اشتراط المشترى برائة المبيع من العيوب وكونه صحيحا وفيه أولا أنه خلاف الظاهر من ذلك وثانيا ما ذكره المصنف من أن الكلام في برائة البايع من العيوب دون المشترى فلا يمكن حمله على هذا الوجه. نعم لودار الامر بين حمله على الغلط وبين توجيهه بذلك فلا باس به صونا لكلام الاعاظم عن الغلطية. الكلام في جواز بيع المسك في فارة قوله: مسألة: المشهور من غير خلاف يذكر جواز بيع المسك في فارة. أقول: هذا لاشبهة فيه مع الاشتراط أو الاعتماد على أصالة السلامة أو بالاختبار مع الامكان وذكر المصنف (ره) فالاحوط ما ذكروه من فتقه بادخل خيط فيها بابرة ثم اخراجه وشمه ثم لو شمه ولم يرض به فهل يضمن هذا النقص الداخل عليه من جهة الفتق فهو مبنى على ضمان النقص في المقبوض بالسوم من انه هل ضمان المأخوذ بالسوم مع التلف على المشترى أو على البايع وعلى كل تقدير فهل الحكم أعم من تلف الموصوف والوصف أو هو مختص بتلف الموصوف فقط فعلى القول بضمان المشترى للموصوف والاوصاف معا ففي المقام أيضا يضمن لاتلافه وصفا من اوصاف المسك وجعله ناقصا بحيث اخذ عنه وصف التمامية ثم ذكر أن الاولى أن يباشر البايع بذلك و يشمه المشترى.

[ 450 ]

أقول: لاوجه لقياس المقام بالمقبوض بالسوم لوجهين: الاول: أن النزاع في ضمان المشترى بالمقبوض بالسوم هو فرض التلف، ففى المقام هو الاتلاف سواء قلنا بالضمان هناك أم لا، فلابد من القول بالضمان هنا فان من أتلف مال الغير فهو له ضامن فبناء على الضمان بالنقص في مال الغير فيكون ضامنا هنا أيضا كما هو الحق والمحقق في محله. الثاني: أن الاتلاف هنا مستند إلى البايع دون المشترى فلا وجه للضمان على المشترى كما هو واضح. وقد يتوهم بطلان بيع المسك بدون الاختبار لوجهين: الاول: النجاسة فانه من الدم فهو نجس فيبطل بيعه لذلك. الثاني: للجهالة والغرر اما الاول فيرد عليه اولا أن كون المسك من الدم غير معلوم فانه لا طريق لنا إليه وثانيا على فرض كونه من الدم فهو طاهر لقيام الاجماع، بل السيرة على ذلك فإذا كان استمال المسك في جميع الازمنة متعارفا من غير نكير من أحد بأنه نجس وثالثا لا دليل على كون النجاسة مانعا عن البيع تكليفا ووضعا كما تقدم في المكاسب المحرمة وقذ اعترف بذلك المصنف في بيع الميتة وأما الوجه الثاني فمضافا إلى أن عمدة الدليل على ذلك هو الاجماع لكون دليل نفى الغرر مخدوشا سنداو دلالة وأن الاجماع هنا ليس بتمام لقيال الشهرة بل الاجماع على جواز بيع المسك في فارة على أن مانعية الجهالة انما هي للغرر فهو منفى إذا بيع مع الاشتراط أن معتمدا على أصالة السلامة بالمعنى الذى تقدم. ثم ذكر العلامة في التذكرة عدم جواز بيع اللؤلؤ في الصدف وبيع البيض في بطن الدجاج. أقول: أما بيع اللؤلؤ في الصدف فلا شبهة في بطلانه لكونه غرريا فان

[ 451 ]

بعض افراد اللؤلؤ يسوى بدرهم وبعضه الاخر يسوى بألف درهم كأختلاف أفراد الضيروزج بذلك فانه قد يكون اللؤلؤ صافيا فيسوى بألف دينار وقد يكون كدرا فلا يسوى الا بدينار مع اتحادهما في الكبر والصغر. وأما البيض فان كان من دجاج يعلم أنه بأى نحو يبيض من الصغر و الكبر بحيث جرى عادته أنه يبيض على نحوه يسوى بيضه بعشر أفلس فهذا لااشكال في صحة بيعه لعدم الغرر فيه وان لم يعلم بذلك وتجرى العادة بأنه بأى كيفية يبيض فبيعه غررى باطل فأن بعض افراد البيوض يسوى بعشرة افلس وبعضه باثنى عشر افلس وبعضه بثمانية افلس، فلا يعلم أن ما في بطنه من أي قسم من هذه الاقسام. الكلام في عدم جواز بيع المجهول مع الضميمة وعدمه قوله: مسألة: لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضم معلوم إليه و عدمه. أقول: بعد ما فرغنا من عدم جواز بيع المجهول فهل يجوز بيعه بضم معلوم إليه أم لا فمقتضى القاعدة المقررة على عدم جواز بيع المجهول هو عدم الجواز مع ضم معلوم إليه أيضا لان ضم المعلوم إليه لا يخرجه عن الجهالة بل يكون الثمن الواقع في مقابل المعلوم أيضا مجهولا فيبطل البيع لذلك وكك المبيع فان المجموع من حيث المجموع مجهول إذ ليس المراد من ذلك كون كل جزء جزء من المبيع مجهولا فهذا لاشبهة فيه وعلى هذا فلا يجوز بيع السمك في الاجام وأن ضم إليه السمك المعلوم أو القصب ولا يجوز أيضا بيع اللبن في الضرع وان ضم إليه المعلوم فان المعلوم في ذلك كله

[ 452 ]

بصير مجهولا بالضميمة وهذا على المشهور بين المتأخرين ولكن ذهب المشهور من القدماء إلى جواز بيع المجهول مع ضمه بالمعلوم عن الخلاف والغنية الاجماع على ذلك واختاره المحقق الاردبيلى من المتأخرين و صاحب الكفاية والمحدث العاملي والمحدث الكاشانى واستدل عليه بروايات (1) منها مرسلة البزنطى عن أبى عبد الله (ع) قال إذا كانت أجمة ليس فيها قصب أخرج شيئا من سمك فباع وما في الاجمة. ومنها رواية (2) ابن عمار عن أبى عبد الله (ع) لا بأس بأن يشترى الاجام إذا كان فيها قصب، والمراد شراء ما في الاجام ولو بقرينة الرواية السابقة ومنها (3) رواية أبى بصير فان فيها تصيد كفا من سمك تقول اشترى منك هذا السمك وما في الاجمة. ومنها موثقة (4) سماعة قال سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع قال لا الا أن يحلب لك منه اسكرجة فيقول اشتر منى هذا اللبن الذى في الاسكرجة وما في ضرعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شئ كان ما في الاسكرجة إلى غير ذلك من الروايات ومنها (5) ما عن ابراهيم الكرخي قال قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في رجل اشترى من رجل اصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمله كذا


(1) وسائل: ج 12 ص 263 حد 2 (2) وسائل: ج 12 ص 264 حد 5 (3) وسائل: ج 12 ص 264 حد 6 (4) وسائل: ج 12 ص 259 باب 8 حد 2 (5) وسائل: ج 12 ص 261

[ 453 ]

وكذا درهما قال لا بأس ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف، ومنها (1) ما دل على جواز بيع ما تقبل من خراج الرجال وجزية رئوسهم وخراج النخل وغيره إذا كان شئ واحد منها معلوما وبالجملة فالروايات الواردة في المقام على ثلاث طوائف منها ثقات وحسان ومنها ضعاف. الاولى: ما دل على جواز بيع السمك مع الآجام والثانية ما دل على جواز بيع الحمل بضميمة الصوف والثالثة ما دل على جواز بيع الجزية و شرائها ونقلها من المتقبل بضميمة الجزء المعلوم منها. وقد اشكل المصنف على الروايات ومحصله يرجع إلى وجوه، الاول أنه على تقدير العمل بالروايات فلابد من الاقتصار بمواردها فلا يجوز التعدي عنها لانها روايات قد وردت على خلاف القاعدة فيقتصر على مواردها المعلومة فلا يمكن أخذ ما يستفاد منها قاعدة كلية لتكون سارية في جميع الموارد حتى يكون تخصيصا للقاعدة المتقدمة من عدم جواز بيع المجهول في جميع الموارد في خصوص موارد الروايات. الثاني: أن الروايات غير معمول بها حتى في مواردها فان الكف من السمك لا يجوز بيعه لكونه من الموزون ولذا جعلوه من الربويات، وكك أن مورد رواية الكرخي جواز بيع الحمل في البطون مع ضميمة الاصواف، ومن الواضح أن الاصواف في نفسها مجهولة المقدار وكك أن ما في الاسكرجة من الحليب أيضا مجهول المقدار فلم يعمل أحد بهذا والقائلون بالجواز يقولون في ضم المعلوم إلى المجهول ولذا منع المشهور عن بيع اصواف


(1) وسائل: ج 12 ص 261

[ 454 ]

الحيوان في ظهورها والقائلن بالجواز استدلوا برواية الكرخي. الثالث: أن مورد بعض الروايات غير ما هو محل الكلام فان محل كلامنا هو بيع مجهول الاوصاف مع ضميمة المعلوم إليه ومورد رواية سماعة هو كون المبيع مجهول الحصول فانه لا يعلم وجود اللبن في الضرع وعدم وجوده حتى يضم عند البيع بما في الاسكرجة. ولكن الظاهر أن شيئا من الوجوه لا يكون وجها لطرد العمل بالروايات أما الوجه الاول فلان الظاهر من الروايات هو التعليل الشامل للموارد و غيره فلا وجه للمناقشة بعدم التعدي من مورد الرواية إلى غير موردها فان قوله (ع) فلو لم يكن في البطون حمل لكان الثمن في مقابل الاصواف وكك قوله فان يكن في الضرع لبن لكان الثمن في مقابل ما في الاسكرجة يفيد التعليل يعنى أن المناط في صحة البيع أن لا يذهب الثمن هدرا بل لابد وأن يقع في مقابله شئ وهذا يعم إلى جميع موارد بيع المجهول مع ضميمة المعلوم، وقد تقدم نظير ذلك في بيع عبد الآبق وقلنا بجواز التعليل من مورد الروايات لمكان هذه العلة التى ذكرت في تلك الروايات الواردة في بيع العبد مع الضميمة أيضا كما تقدم. وأما الاشكال الثاني أعنى عدم كون بعض هذه الروايات غير معمول بها ففيه أن جهة السؤال فيها انما هو خصوص جهة بيع المجهول مع ضميمة المعلوم وأما كون الضميمة معلومة أو غير معلومة من المكيل والموزون أم لا فخارجة عن جهة السؤال فلعل السائل كان عالما بها والحاصل لا يجوز دخل ما ليس مورد السؤال في الرواية بما هو مورد السؤال ورفع اليد لاجل ذلك عن الروايات، على أنه يحمل أن يكون ما في الاسكرجة معلوما لاحتمال كونها من المكيال وكذلك لا نقبل كون السمك من الموزون

[ 455 ]

دائما، بل كثير ما يباع بالعدد كما تعارف ذلك في اطراف الشط كثيرا نعم ربما يباع بالوزن ولكن أن الاصواف لعلها كانت معلومة بالمشاهدة بان كان أوان جزئها وبيعت مع المشاهدة أو كانت مجزاة أصلا وبالجملة لا وجه لهذه المناقشة أيضا. وأما الاشكال الثالث أعنى كون المبيع مجهول الحصول لا مجهول الوصف ففى هنا أيضا أن جهة السؤال فرض كون المبيع موجودا وليس جهة السؤال فرض كون المبيع مجهول الحصول على ان كون اللبن في الضرع ليس من مجهول الحصول بل كثيرا يطمئن الانسان، بل قد يكون اللبن موجودا في الضرع كما هو واضح فالحق أنه لا مانع من العمل بالروايات و جواز التعدي عنها فان فيها صحاح وموثقات. الكلام في بيان اقسام التابع قوله: بقى الكلام في توضيح التفصيل المتقدم. أقول: بعد البناء من المصنف على عدم جواز بيع المجهول مع الضميمة تكلم في معنى التابع فان العلامة فصل في بيع المجهول بين ماكان الانضمام مستقلا فحكم بعدم الجواز وبين ماكان تابعا فحكم بالجواز. وتوضيح المقام أن التابع قد يكون داخلا في المبيع ويكون جزء منه و هذا كأس الجدران والحيطان وأخشاب القبب وحديدتها فانها تابعة لبيع الدار وجزء منها وهذا لاشبهة في جوازه أي يجوز بيع الدار مع كون هذه الامور من التوابع مجهولة فان الغرض من كون المبيع معلوما كونه معلوما عند العرف بحيث يقال ان هذا المبيع معلوم وان كان بعض اجزائها

[ 456 ]

مجهولة بل لا يوجد مبيع في العالم يكون معلوما من جميع الجهات للمتبايعين فانه لا يعرف حقائق الاشياء وخصوصياتها من جميع الجهات الا علام الغيوب ومن ارتضاه لغيبه فان بيع الحصر مثلا مع كونه معلوما بالمشاهدة والزرع لا يعلم أنه بأى مقدار من الخيوط اشتملت وهكذا وهكذا. وهذا القسم من التبع خارج عن محل الكلام لعدم كونه تبعا بل من الاجزاء وكلامنا في التبع الذى يكون خارجا عن المبيع واطلاق التبع عليه مسامحة واضحة ومن هنا ظهر ما في كلام العلامة في التذكرة من اطلاق التابع على أس الحيطان. الثاني: أن يكون التابع أمرا مستقلا وراء المبيع وهذا لا يدخل في المبيع الا بالاشتراط أن كونه جزء من المبيع من الاول بحيث يقع البيع عليهما معا والا فيكون خارجا عنه من غير أن يرتبط به أصلا. نعم قد يكون داخلا في المبيع بحسب الارتكاز من غير أن يكون أمرا آخر مستقلا بل يكون مغفولا عنه في نظر المتبايعين كما إذا باع دجاجا فباض بعد البيع فانه يكون للمشترى بحسب الارتكاز أو اشترى اجمة فظهر فيما سمك أو سمكين أو اشترى حيوانا فظهر كونه حاملا إلى غير ذل من الامثلة فان الارتكاز في جمبع ذلك موجود على يكون الامر الخارج داخلا في المبيع ومن هذا القبيل الجل للفرس ولكنه داخل في صورة الاشتراط أيضا و على الجملة لا يدخل الامر الخارجي المستقل في المبيع الا بالاشتراط أو بوقوع البيع عليه من الاول بحيث يكون المبيع أمرا مركبا. وعليه فلا وجه للتفصيل بين التابع العرفي وغير العرفي بان يقال أن التابع قد يكون أمرا عرفيا فيكون داخلا في المبيع فلا تضر الجهالة فيه وقد يكون أمرا غير عرفى فلا يدخل في المبيع فانه لاوجه لهذا التفصيل بعد

[ 457 ]

التفصيل المتقدم من ان انضمام المعلوم بالمجهول أن كان من قبيل كون المجهول تابعا فيصح والا فلا يصح فانه لا معنى لدخول شئ خارجي عن المبيع المجزى عنه بنظر العرف وكونه من التوابع العرفية بعد ما عرفت أنه لابد من دخول الامر الخارجي اما من الاشتراط أو وقوع البيع عليه من الاول. نعم يمكن أن يقال أن التابع قد يكون في الامور العرفية أي فيما يعد في نظر العرف من شؤونات المتبوع كما هو واضح، ولكنه لا يصلح تفصيلا في المسألة. ومن هنا ظهر أنه لاوجه لما ذهب إليه شيخنا الاستاد والتظهره من الشهيد والمحقق الثاني وقواه من ان المراد من التابع هو ما يعد في العرف تابعا كمفتاح الدار وحمل نعجة والبيض الذى في جوف الدجاجة واللبن في الضرع الدابة ونحو ذلك وأيضا ظهر مما ذكرنا من عدم دخول الامر الخارجي في المبيع الا بالاشتراط أو جعله جزء من المبيع من الاول. على أنه لاوجه لما استظهره من المحقق القمى وصاحب الجواهر أن المراد من التابع هو التبعية في الجعل والتبانى بمعنى أن المبيع ولو كان في الواقع هو المجهول ولكن للتخلص عن الغرر يجعل تبعا للمعلوم كما في مورد التخلص عن الربا في البيع الخيارى في كثير من المعاملات. وذلك لانه ليس الا كون الامر الخارجي داخل في المبيع بايقاع البيع عليه وعلى شئ آخر فلا يكون أيضا تفصيلا آخر في المسألة. نعم قد يكون المعلوم متقدما في الذكر والمجهول متأخرا كقول البايع بعتك هذا الكيلو من الشكر مع هذا القند الموجود في الكس وقد يكون بالعكس أي يكون المعلوم متأخرا والمجهول متقدما ولكن هذا المقدار لا يكون وجها في التفصيل كما هو واضح.

[ 458 ]

وأما ما ذكره العلامة في التذكرة من أن التابع ما أخذ شرطا في المبيع في مقابل ما جعل جزء منه فقد اختاره أيضا شيخنا الاستاذ بدعوى أن المجهول لو كان تابعا للمبيع أو جعل شرطا لا تضر جهالته لان ما وقع في عقد المعاوضة مبيعا ليس مجهولا وما هو مجهول لم يقع عليه العقد ولا يرد على هذا الوجه أن المبيع يكون ح مجهولا لعدم كون التابع معلوما فلا يعلم أن ما يقع من الثمن في مقابل المعلوم هو أي مقدار ووجه عدم الورود أن الشروط لا تقابل بشئ من الثمن وانما هو في مقابل المبيع فقط وفائدة الشروط انما هي تسلط المشروط له على الفسخ وهذا بخلاف ما كان المجهول هو جزء المبيع فان الجهالة تسرى إلى الجزء الاخر أيضا فيكون مجموع المبيع مجهولا. الكلام في معنى التابع وحاصل الكلام من الاول أنه وقع الكلام في جواز بيع المجهول مع ضميمة المعلوم إليه وعدمه وفصل العلامة بين ماكان المجهول تابعا فيجوز بيعه وبين ما إذا كان جزء مستقلا من المبيع فلا يجوز ولهذا وقع الكلام في معنى التابع. وقد يراد منه ما يكون جزء من المبيع حقيقة وكلن يكون مغفولا عنه وغير دخيل في مالية المبيع أصلا سواء كان ذلك الجزء بنفسه له مالية أو لم يكن ومن القسم الجيد أو من القسم الردى وهذا كأساس الدار فانه دخيل في مالية المبيع فان الدار بدون الاساس لا قوام لها بل قد يصرف المال في نفس الاساس ما يحاذى ما يصرف في نفس الدار ولكنه مغفول عنه في

[ 459 ]

بيع الدار وغير ملحوظ فيه أصلا ومن هذا القبيل قطن الجبة المرسومة في السابق حيث يضعونه في الجبة للحرارة وحفظ البرودة فان هذا القطن لم يلحظ في بيع الجبة انه أي مقدار فالجهالة بمقداره لا تضر بالمبيع فان ما هو مورد للغرض منه هو وجود نفس القطن فيها بل ربما لا يكون الغرض متعلقا بوجود القطن، بل يكون الغرض قائما بوجود شئ فيه ليحفظ الانسان بضمامته عن البرودة وان كان من غير القطن وأما أنه أي مقدار فليس موردا للغرض، بل أنه أي شئ أيضا قد لا يكون موردا للغرض كما هو واضح، و من هذا القبيل القطن الموضوع في صدر الجبة أو الثوب الاخر ليمنعه الارخاء فانه قد يكون من الكرباس وقد يكون من غيره، وقد يكون زائدا وقد يكون ناقصا فشئ منها لا يكون محطا للغرض وان كان مقوما للمالية. وعلى هذا لا تكون جهالتها موجبة لبطلان البيع فانها لا تكون في مقابل الثمن من شئ أصلا فكما لا تضر جهالته بالبيع ولا تمنع عن صحته وكك هو خارج عن ما نحن فيه من أي أقسام التابع فان المذكورات وامثالها من اجزاء المبيع لا من الامور الخارجة عنه حتى يقال انها داخلة بالتبع أم لا كما هو واضح. الثاني من أقسام التابع التابع العرفي بأن لا يكون الشئ جزء من المبيع بل من الامور الخارجية ولكن العرف يحكم بحسب ارتكازهم بكون ذلك الامر الخارجي من تبعات المبيع بحيث لا يحتاج دخولها في المبيع إلى الذكر أصلا، ولا أن جهالتها توجب بطلان البيع فانها امور خارجة عن المبيع، بل غير ملحوظ في نفسها ومغفول عنها وانما الغرض تعلق بأصل المبيع ومثل هذه الامور مع كونها من الامور الخارجية لا تكون خارجة عن المبيع الا باشتراط عدمها والا فمجرد عدم التعرض لها يكفى في دخولها في

[ 460 ]

المبيع كما لا يخفى. وهذه كدخول المسامير في الجدران في بيع الدار ويمكن أن يكون الكهربا والماء في هذا الزمان من هذا القبيل بان يكون مجرد السكوت عنهما كافيا في دخولها في المبيع فالجهالة بأى شئ منها لا توجب بطلان المعاملة وغرريتها فانها مع كونها خارجة عن المبيع غير دخيلة في مالية المبيع ومع كونها دخيلة فيها غير ملحوظة بنفسها وانما دخولها بالاتركاز فيكون داخلا في التفصيل بين ما يكون التابع داخلا بالاشتراط أو بالجزائية الذى فصل به العلامة (ره) فلا معنى للتفصيل بين أن يكون التابع أمرا عرفيا أو غير عرفى فان العرف ليس له أن يحكم بكون الشئ داخلا في المبيع الا بالارتكاز المتقدم وقد عرفت أنه من أقسام الشرط وفى الحقيقة أن هذا ليس تفصيلا في كون التابع المجهول موجبا للغرر وعدمه تخصيصا لنهى النبي صلى الله عليه وآله في بيع الغرر بل هو خارج عن الغرر تخصصا كما لا يخفى، فافهم. وقد عرفت مفصلا أن الشئ لا يدخل في المبيع الا بالاشتراط، أو بالجزئية، فالعرف بما هو عرف ليس له أن يدخل شيئا في المبيع الا بالارتكاز المذكور الذى عرفت أنه من جملة الشروط. وأما التفصيل بين التابع وغير التابع والقول بان المجهول ان كان تابعا للمبيع فيصح والا فيبطل فان رجع إلى الاشتراط فله معنى معقول ولكن ليس وجها آخر وتفصيلا وراء التفصيل بين الاشتراط والجزئية الذى ذكره العلامة وان اراد المفصل شيئا آخر فلا نعقل له معنى محصلا فانه لا يدخل شئ في المبيع الا بأحد الوجهين من الاشتراط والجزئية والا فيكون كوضع الحجر في جنب الانسان وأما ما ذكره المحقق القمى و

[ 461 ]

صاحب الجواهر من أن المجهول يكون تابعا في مقام الجعل والتبانى فح لا يوجب غررية المعاملة وهذا بخلاف ما لو كان التبع في عالم الجعل و التبانى وفي مقام الانشاء هو المعلوم وكان المبيع أي المتبوع هو المجهول فانه ح تكون المعاملة غررية وباطلة. وفيه ان كان المراد من ذلك هو التقديم والتأخير في الذكر فله وجه ولكنه لا يوجب مجرد التقديم والتأخير في الذكر التفصيل بأن يكون أنه ان قال البايع بعتك هذه الدار المعلومة وما في الكيس الذى هو مجهول يصح البيع ولو انعكس بطل. وان كان المراد من ذلك هو الاشتراط والجزئية بان يكون المراد منه أنه لو كان المجهول داخلا في المبيع بعنوان الاشتراط صح البيع وان كان بعنوان الجزئية بطل فله معنى معقول ولكنه ليس تفصيلا آخر في المسألة وراء ما ذكره العلامة (ره) من التفصيل بين الجزئية والشرطية. وان كان المراد من هذا التفصيل غير ما ذكرناه فلا نعقل له معنى صحيحا ليرجع إلى محصل. وأما ما ذكره المصنف من احتمال أن يكون مرادهم التابع بحسب القصد من المتبايعين وهو ما يكون المقصود من البيع غير المجهول. فان كان المراد من القصد هو الغرض الشخصي بأن كان غرض المشترى هو الشئ المعلوم وان كان قيمة المجهول اضعاف قيمة المعلوم، ولكن غرضه لم يتعلق الا بالمعلوم فمن الواضح أن الاغراض الشخصية لا توجب رفع الغرر عن المعاملة كما تقدم في البحث عن بيع الغرر فان الغرر انما هو يتحقق في المعاملات بحسب النوع وان كان البيع في اعتقاد المشترى غير غررى مثلا لو اشترى صبرة مجهولة من الحنطة ولم يكن مورد غرضه الا حقة

[ 462 ]

واحدة فلا يوجب ذلك ارتفاع الغرر عن المعاملة بحسب الغرض النوعى و هكذا لو اشترى أجمة ولم يكن غرضة الا القصب مع كونها مشتملة على الاسماك الكثيرة فانه لاشبهة في كونه المعاملة غررية بحسب الغرض النوعى وان كان غرض المشترى حاصلا وهكذا وهكذا. وعلى الجملة فالاغراض الشخصية غير دخيلة في رفع الغرر وان كان أصل قوام الغرر وتحققه شخصيا أي قائما باحتمال الخطر الذى هو أمر شخصي. وان كان المراد من القصد والغرض هو الغرض النوعى وعليه فان كان المقصود الذى جعل تابعا من القلة بمكان لا يعتنيه العرف في مقابل المقصود بحيث لا يكون دخيلا في زيادة المالية للمبيع أصلا فلا شبهة في صحة البيع وهذا كما إذا اشترى آجاما وكان هو المقصود من البيع وكانت الاجمة مشتملة على السمكة أو سمكتين فان الجهل بهذا لا يضر بصحة البيع فلا يوجب كون المعاملة غررية فان العادة قاضية بأن الاجمة لا تخلو من سمك عادة ومن هذا القبيل بيع الدجاج ثم باضت فان الجهل بوجود البيض فيه لا يضر بصحة بيع الدجاج لعدم كون السمك في المثال الاول ووجود البيض في المثال الثاني غير مقصود وغير دخيل في مالية المبيع وان كان كل من السمك والبيض يباعان مستقلا ويتساويان بالمال ولعل من هذا القبيل ما تقدم من التابع العرفي بل هذا النحو من غير مقصود داخل في المبيع بالارتكاز كما تقدم فليس وراء الاشتراط شئ آخر وان كان غير المقصود كثيرا في نفسه بحيث يكون بنفسه موردا للغرض ومحطا للمقصود بل قد يكون قيمة غير المقصود مساويا مع قيمة المقصود أو أكثر منها، ففى هذه الصورة و ان لم تكن المعاملة غررية بالنسبة إلى المشترى لكون المقصود بمقدار يساوى

[ 463 ]

القيمة المذكورة والثمن الذى يعطى للبايع وانما يكون غير المقصود له مجانا ولكن المعاملة غررية بالنسبة إلى البايع فانه عامل معاملة لا يعلم أن ما خرج من كيسه أي مقدار وأن الثمن يساوى بأى مقدار من المثمن فتبطل للغرر كما هو واضح، فان هذه المعاملة من اوضح أفراد المعاملة الغررية على انه لا يدخل في المبيع الا باحد الوجهين المتقدمين من الجزئية أو الشرطية والا فيكون أجنبيا عن العقد، بل يكون كوضع الحجر في جنب الانسان وح فلا يكون تفصيلا آخر غير ما ذكره العلامة من التفصيل بين أن يكون التابع جزء أو شرطا إذا فانحصر الكالم بما ذكره العلامة من التفصيل بين كون التابع المجهول جزء فيبطل البيع وبين كونه شرطا فلا يبطل وأما الوجوه الاخر فليست قابلة للتكلم عليها بوجه، وقد ذكر هذا الوجه العلامة (ره) أورد عليه المحقق الثاني بأن العبارة لا أثر لها فعلى كل حال فالمعاملة ان كانت غررية فتبطل والا فلا تبطل. وقوى هذا الوجه شيخنا الاستاذ وفرق بين الجزء والشرط بان الثمن يقسط على الجزء ولكن لا يقسط على الشروط. أقول: الظاهر انه لا يمكن تصديق هذا التفصيل على وجه الاطلاق فان لازم ذلك أنه إذا قال بعتك هذا الكيلو من السكر بعشرة دنانير بشرط أن يكون ما في الكيس لك فلا يعلم أن ما في الكيس درهم أو دينار أقل أو أكثر، فهذا من أوضح أفراد المعاملة الغررية فان المعاملة في نظر العرف يلاحظ مع جميع شروطها وان لم يكن للشروط قسط من الثمن، فلو عامل أحد هكذا بان باع داره التى تسوى بألف دينار بدينار بشرط أن يكون ما في الصندوق أيضا للبايع، فلا يعلم أن فيه أي مقدار من الفلس فلا يشك أحد في كون مثل هذه المعاملة غررية جدا.

[ 464 ]

والتحقيق ان يفصل في المقام بأن مدرك ببطلان البيع الغررى ان هو دليل نفى الغرر، فلا شبهة في كون مثل هذه المعاملة غررية كما عرفت ولكن عرفت المناقشة فيه من حيث السند والدلالة وان كان المدرك في المقام هو الاجماع بان يقال انه قام الاجماع على كون الجهالة مبطلة للمعاملة فمن الواضح أنه دليل لبى فيقتصر على المورد المتيقن وهو ما إذا كانت الجهالة في المبيع لا في الشروط الا أن يكون لا حد قطع على شموله للشروط أيضا ونحن لا نقطع بذلك. وتوهم ان الشرط يوجب رفع الغرر مع خيار تخلف الشرط كما تقدم فاسد فان هذا الشرط النتيجة فلا خيار فيه فان قول البايع بعتك الشئ الفلاني بكذا بشرط ان يكون ما في الكيس لك اشتراط كون ما في الكيس له قليلا كان أو كثيرا ويتحقق ذلك بمجرد تحقق البيع فلا تخلف فيه حتى يوجب ثبوت الخيار. الكلام في الاندار قوله: مسألة يجوز أن ينظر لظرف ما يوزن مع ظرفه مقدار يحتمل الزيادة والنقيصة على المشهور. أقول: بل ادعى عليه الاجماع وعن الفخر الدين التصريح بدعوى الاجماع وقد ذكرت أقوال في تفصيل: - الاول: جواز الاندار بشرطين كون المندر متعارف الاندار عند التجارة وعدم العلم بزيادة ما يندر. الثاني: عطف النقيصة على الزيادة في اعتبار عدم العلم بها. الثالث: اعتبار العادة مطلقا ولو علم الزيادة أو النقيصة.

[ 465 ]

الرابع: التفصيل بين ما يحتمل الزيادة فيجوز مطلقا وما علم الزيادة فالجواز بشرط التراضي. الخامس: عطف العلم بالنقيصة على الزيادة. السادس: اناطة الحكم بالغرر. ولكن النفى والاثبات فيها لا يرد على مورد واحد تحقيق الكلام هنا في جهتين: - الاولى: في تحقق الاندار في مقام الاعطاء والقبض والاقباض بعد الفراغ عن صحة البيع. والثانية: في كون الاندار في مقام البيع ومرحلة انشاء المعاملة وتصح البيع بحيث يكون سالما عن الغرر. أما الجهة الاولى: فلا شبهة في صحة البيع وعدم كون المعاملة غررية فانها تحققت صحيحة فالاندار في مقام الاقباض لا يوجب قلب المعاملة عن صحتها إلى غيرها وح يجوز الاندار مع التراضي في مقام الاعطاء ولو بمقدار اكثر من الظرف فان المتاع مال للبايع فهو مسلط على ماله فله أن يبذل مقدار منه أو جميعه، فقول شيخنا الاستاذ أن الاندار يوجب جهالة المبيع ولو بعد تحقق البيع صحيحا لا يمكن المساعدة عليه وما ذكره كاشف الغطا (ره) من كون الاندار موجبا للغرر فيكون البيع الذى وقع فيه الاندار باطلا في غير هذه الصورة كما سيأتي وان لم يتراضيا بالاندار فايضا لا وجه لبطلان البيع، بل يحكم بصحته إذا كان المبيع مما تعارف الاندار فيه كما بيع الادهان والدبس والنفت والاثمار والارز وغيرها فان كثيرا من الاشياء قد جرت العادة بالاندار فيه بعد البيع فان رضى المالك به فلا كلام فيه كما تقدم، وان لم يرض به المالك فبالشرط الضمنى العقدى نجبره على

[ 466 ]

الاندار فان جريان العادة بذلك في حكم الاشتراط في ضمن العقد صريحا فح يجوز الاندار فلا يضر بصحة المعاملة أيضا. وان لم يرض البايع بالاندار ولم يكن المبيع من الاشياء التى تعارف فيه الاندار ليكون جوازه ثابتا بالشرط الضمنى فنأخذ القدر المتيقن ونجرى البرائة من المقدار الزائد عنه وباستصحاب عدم زيادة عن المقدار المتيقن كما هو واضح ونظير ذلك ما إذا مات البايع والمشترى بعد المعاملة و وقع النزاع في مقدار العوضين فانه ح يؤخذ القدر المتيقن وتمسك في الباقي باصالة عدم زيادة المبيع عن المقدار المتيقن وبرائة الذمة من القدر الزائد منه. فتحصل أن هذه الصورة خارجة عن مورد النقض ولابرام وعن محل الاقوال المذكورة كما هو واضح. الجهة الثانية: أن يكون الاندار حين البيع بحيث يقع البيع على المندر بأن يقول بعتك هذا الدهن غير ظرفه مع كون الظرف والدهن مجموعهما معلوما ولكن كل واحد منهما لم يكن معلوما وهكذا لو قال بعتك الشئ الفلاني وهو مع ظرفه عشرة حقق الظاهر أنه لا شبهة في بطلان البيع في هذه الصورة لكونه من أظهر أفراد الغرر إذ لا يعلم أن مقدار المبيع أي قدر وزونه يحتمل أن الشئ إذا كان مجهولا لا يجوز بيعه مستقلا و لكن يجوز بيعه مع ضمه إلى شئ آخر ليكون مقدار المجموع معلوما فهذا مثل اشترى الانسان عشر كيلوات من الشكر وأخذ جملة منها وباع الباقي فان معلومية المجموع لا يوجب صحة بيع البقية المجهولة كما هو واضح، ولا يفرق في ذلك بين كون المتبايعين راضيا بالاندار أم لا، فان رضاهما لا يوجب صحة البيع النهى عنه شرعا فهو نظير رضا هما ببيع الخمر والخنزير

[ 467 ]

والقمار فنهى الشارع عن معاملة غير تابع برضى المتبايعين وما ذكره الاصحاب وكاشف الغطا (ره) من عدم كون رضى المتبايعين موجبا لرفع الغرر فمورده هذه الصورة وقد اتضح النفى والاثبات في كلمات كثير من الاصحاب لو لم يكن كلهم لم يرد على مورد واحد ومن هنا اتضح أيضا مورد الروايات أيضا كما يتضح لمن يلاحظها وعلم أن الروايات انما وردت على طبق القواعد لاعلى خلافها. فتوهم أنها واردة في نفس البيع فيصح مع التراضي على خلاف القاعدة فاسدة عن حنان في الموثق (1) قال: كنت جالسا عند ابى عبد الله (ع) فقال له معمر الزيات قال لابي عبد الله (ع) انا نشترى الزيت في زقاقة فيحسب لنا النقصان لمكان الزقاق فقال له ان كان يزيد وينقص فلا باس وان كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه وقد استظهر المصنف منها كون المفروض في السؤال هو التراضي لان الحاسب هو البايع أو وكيله وهما مختاران و المحسوب له هو المشترى. أقول: معنى الرواية والله العالم ان السؤال انما وقع عن الاندار بعد تحقق البيع والشرى، فقال الامام (ع) انه ان كان مايندر يحتمل الزيادة و النقيصة فلا بأس به يعنى أنه يحتمل فهو موافق للعادة الجارية عليه في السوق والخانات حيث يشترون الامتعة من الاثمار والالبان ويندرون لظروفها مقدارا يحتمل الزيادة والنقيصة فحيث أنه موفق للعادة وللسيرة الجارية على ذلك قال الامام (ع) فلا باس به أن يكون زائدا عن مقدار الظرف ويحتمل أن يكون ناقصا عنه أو زائدا و أما إذا تعين كون الاندار زائدا


(1) وسائل: ج 12. ص 273 حد 4

[ 468 ]

عن الظرف ولم يحتمل الزيادة فهو حرام لانه تصرف في مال الغير بدون اذنه، فلذا نهى عنه الامام (ع) فقال لا تقربه فهذه الرواية راجعة إلى بيان حكم الاندار بعد المعاملة لا في بيان حال الاندار عند البيع وضمير لا تقربه يرجع إلى الاندار لا إلى البيع كما هو واضح فتدل على عدم الجواز في صورة الزيادة مطلقا رضى به البايع أم لا. ودعوى ظهور الرواية في صورة التراضي من جهة أن المحاسب أما البايع أو وكيله وعلى كل حال فهما راضى بذلك دعوى فاسدة فان العادة جارية حتى الان على كون المحاسب غير البايع ووكيله كما نشاهد في السوق والخانات أن اهل البادية يجلبون الاثمار من الرقى والبرتقال والرمان وغيرها أو الالبان وغيرها من الامتعة ويقفون في الخارج وينظرون إلى امتعتهم فيوزن شخص واحد ويحاسب شخص آخر من صاحب الخان أو الدلال فيعطون قيمة امتعته على حسب انصافهم أقل أو أكثر، ففى هذا المقام نهى الامام (ع) عن الاندار بالزيادة بحيث لا يحتمل النقيصة أو التساوى فقوله (ع) ان كان زائدا فلا تقربه ليس معناه أنه إذا احتمل الزيادة دون النقيصة مقابل احتمال الزيادة والنقيصة فانه خلاف الظاهر من الرواية نعم لو رضى البايع بالزيادة كما هو المتعارف فعلا فلا باس به على القاعدة حيث يوزنون الاثمار في الخانات من الرقى وغيره وبعد تمام العيار يأخذون الواحد أو الاثنين يعطونه للمشترى فانه لا باس به لجريان العادة عليه و رضى البايع بذلك وتدل على الجواز مع التراضي الروايتان الاخيرتان فتكونان مقيدتين لرواية معمر الزيات فعلم مما ذكرناه انهما أيضا ورد تا على طبق القاعدة فان التصرف في مال الغير مع رضى منه جائز. أحدهما رواية (1) على بن ابى حمزة والثانية رواية (2) قرب الاسناد


وسائل: ج 12 ص 272 باب 20 حد 1 (2) وسائل ج 12 ص 273 حد 3

[ 469 ]

التان نقلهما المصنف. ثم انه إذا انكشف الخلاف اما بالزيادة أو بالنقيصة فيكون داخلا تحت المسألة المتقدمة وهى إذا باع صبرة على انها عشرة ارطال فبانت زائدة أو ناقصة فقد تقدم ان مقتضى القاعدة هو الانحلال فيصح في الموجود ويبطل في الناقص. ومع الزيادة يرد إلى البايع ان لم يرض بالبيع والا فيكون من المبيع على الحساب الذى بنوا عليه من كل رطل بكذا. وقد عرفت أن الكلام فيه في مقامين: - الاول: في مقام تصحيح البيع لئلا يكون بيع مجهول. والثانى: في مقام التسليم. أما الاول: فلو اخرج مقدارا بعنوان الاندار لتصحيح البيع ثم ظهر الخلاف فيكون من مصاديق ما تقدم من انه لو باع صبرة ثم ظهر الخلاف بالزيادة أو النقيصة فهل يثبت الخيار لكل من البايع والمشترى أم لا، وقد عرفت هناك أن ثبوت الخيار متوقف على كون الهئة الاجتماعية دخيلة في ازدياد المالية والا فينحل البيع إلى الاجزاء فيصح في الموجود ويبطل في المعدوم. واما الاندار في مقام التسليم فلو أندروا للظرف مقدارا ثم ظهر الخلاف فلا خيار في شئ من الصور التى ذكرناها سابقا من التراضي أو الشرط الضمن العقدى أو الاخذ بالمتيقن ونفى الزائد بالاصل. أما في صورة التراضي فلو رضيا باندار مقدار للظرف ثم ظهر الخلاف فبالمقدار المندر فلا شبهة في صحة المعاملة ولزومها وأن خارج عن المقام لفرض رضى المالك بذلك ويكون الزائد على مقدار الظرف أو الناقص عنه

[ 470 ]

هبة من مالك المثمن أو مالك الثمن وأما مع عدم التراضي بالنسبة إلى الزائد منه أو الناقص فيرجع من له الحق إلى الاخر ومع عدم الزيادة والنقيصة فلا فاما من ليس لاحدهما حق على الاخر أصلا فله خيار ومن له حق للاخر فيرجع إلى حقه من دون خيار وهكذا الكلام في الشرط الضمنى أيضا فان العادة جارية باندار مقدار من المبيع للظرف فهو مما لابد منه ومع الزيادة من المقدار المتعارف أو النقيصة منه يرجع ذو الحق إلى الاخر وأما الزائد والناقص في نفس المقدار المتعارف فيرجع إلى الهبة كما عرفت في الصورة الاولى وأما فيما إذا أخذ المبيع القدر المتيقن ثم ظهر الخلاف فأيضا يرجع كل منهما إلى غيره ولا يجوز لمن عنده الزائد أن لا يرده إلى صاحبه، بل وجب عليه رده إلى صاحبه فتحصل أن في شئ من هذه الصور ليس لواحد من المشترى أو البايع خيار نعم لو منع البايع عن رد الناقص فثبت له حكمه بل اما يصح البيع بلاشئ أو يصح مع رد الزائد أو الناقص من المقدار المندر. الكلام في بيع الظرف مع مظروفه قوله: يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه وان لم يعلم الا بوزن المجموع أقول: حاصل ما ذكره المصنف هو ان الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا أنه يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون وان لم يعلم بوزن المجموع وقال ان الذى يقتضيه النظر أن يجوز بيعه فيما نحن فيه منفردا عن الظرف حتى مع الجهالة أيضا فهذا يجوز بيعه منضما أيضا فان الانضمام ليس بمانع و لا رافع للشرط وأما لو لم يكف في بيع أحد المنضمين معرفة وزن المجموع فالقطع بالمنع مع لزوم الغرر الشخصي ومثل عليه بانه لو باع سبيكة من ذهب

[ 471 ]

مردد بين مائة مثقال والف مع وصلة من رصاص قد بلغ وزنها الفى مثقال فان الاقدام على هذا البيع اقدام على فيه خطر يستحقه لاجله اللوم من العقلاء وأما مع انتفاء الغرر الشخصي وانحصار المانع بالنص والاجماع، الدال على اعتبار الكيل في المكيل والوزن في الموزون وبطلان بيع المجهول فيهما فالقطع بالجواز فان مفاد النص والاجماع هو معرفة مقدار المبيع من حيث المجموع وأما معرفته بكل جزء جزء فلا دليل عليهما ثم قال ولو كان أحد الموزونين يجوز بيعه منفردا مع معرفة وزن المجموع دون الاخر كما لو فرضنا بيع الفضة بالشمع عند الصياغة كالخلخال مثلا وعدم جوار بيع الشمع كك فان فرضنا الشمع تابعا يجوز البيع ولا تضر جهالة الشمع والا فلا. والتحقيق أن يقال أن المبيع تارة يكون من الموزون ظرفا ومظروفا مع الجهل بمقدارهما وأخرى يكون المظروف من الموزون والظرف من غيره فعلى الاول فلا يجوز البيع أصلا سواء كان غرريا أم لا لما عرفت سابقا من اعتبار الكيل في المكيل واعتبار الوزن في الموزون. بل قلنا أن بيع الموزون بلا وزن باطل وان لم يكن فيه غرر ومثلنا لذلك بانه لو جعل مقدار من الحنطة في احد طرفي الميزان ومقدارا من الارز في الطرف الآخر فتبادلا مع كونها على قيمة واحدة فانه يبطل هذا البيع لالكونه غرريا، بل لاعتبار الوزن فيه حتى مع عدم الغرر وأما إذا لم يكن الظرف من الموزون مع العلم بمقدار المظروف فهذا على نحوين: الاول: أن يبيع المظروف والظرف مجموعا على عشرة دنانير مثلا انه يقول البايع بعتك مجموع خمسة ارطال من الحنطة الموجودة في هذا الظرف مع ظرفه على عشرة دنانير بحيث لا يعلم أن ما يقع في مقابل الظرف أي مقدار

[ 472 ]

من الثمن وما وقع في مقابل المثمن أي مقدار منه فهذا لاشبهة في صحته فان المانع عن صحة البيع هو الغرر والمفروض انه منفى وكذا المانع الاخر وهو عدم وزن المظروف مع كونه من الموزون والظرف انه موزون أيضا غاية الامر لا يعلم أن ما في مقابل المظروف أي مقدار من الثمن وما في مقابل الظرف أي مقدار منه فهذا غير لازم بعد عدم الغرر كما لا يخفى. الثاني: أن يبيع مجموع الظرف والمظروف بخمسة عشرة ليكون على الظرف خمسة وعلى المظروف عشرة على حساب كل رطل بدينارين مع كون المظروف خمسة ارطال فانه يكون ثمن كل واحد من الظرف والمظروف معينا فهذا أيضا شبهة في صحته فان انضمام الظرف بالمظروف هنا كانظمام شئ اجنبي بالمبيع ككتاب الرسائل فلا يلزم منه محذور كما عرفته في الشق الاول وتظهر الثمرة بين الصورتين أن في الاولى مع ظهور شئ من المظروف أو الظرف مستحقا للغير فلابد من ارجاع المجموع من الظرف والمظروف إلى العرف حتى يقوم المجموع ثم يقوم كل واحدة منهما والرجوع إلى التفاوت بالنسبة وهذا بخلافه في الصورة الثانية فان قيمة كل من الظرف والمظروف معينة في نفسه. الثالث: أن يكون الظرف والمظروف من الموزون وكان مقدار كل منهما مجهولا مع كون المجموع معلوما كما إذا فرضنا أن الظرف سبيكة من الفضة والمظروف سبيكة من الذهب ونعلم أن منا مائة مثقال من الذهب والف مثقال من الفضة ونشك أن تسعة مائة مثقال أهى من الفضة أم من الذهب مع العلم بكون المجموع الفين مثقال فذهب بعضهم إلى فساد البيع لكونه غرريا وبيع جزاف إذ لا يعلم أن تسعة مائة مثقال ذهب أم فضة فاى خطر

[ 473 ]

اعظم من ذلك. ولكن الظاهر هو صحة البيع في هذا القسم وبيان ذلك أن مورد كلامنا اعني كون البيع غرريا انما هو فيما يكون الجهل بوجود المبيع ولا يدرى المتبايعان انه موجود أم لا أو فيما يكون الجهل باوصاف المبيع التى دخيلة في المالية وأما الجهل بالقيمة فغير مربوط بالغرر وانما هو من موارد خيار الغبن فلو باع مثقالا من الذهب بدينا ر أو اشتراه أحد بثلاثة دنانير فانه يثبت لهما خيار الغبن بعد معرفة القيمة ولم يتوهم أحد هنا فساد المعاملة لكونه غرريا وكذلك لو اقدم على الغبن مع العلم فانه يحكم بالصحة أيضا و في المقام أن مائة مثقال من الذهب والف مثقال من فضة معلوم والتسعة مائة مجهول أنه ذهب أو فضة فلو باع كل مثقال من الذهب بدينارين وكل مثقال من الفضة بدرهم وان لم يعلم مقدار الذهب أو مقدار الفضة منفردا منفردا فلاوجه لبطلان البيع فانه من مصاديق بيع الصبرة وقد عرفت صحة بيعها مجموعا بعنوان كل رطل بكذا فان انضمامها إلى ما يعلم بمقدار المجموع لا يوجب البطلان وعلى هذا فإذا باع مجموع الفين مثقال كل مثقال بدرهم مع العلم بالغبن والاقدام عليه فلاوجه لبطلان المعاملة وبالجملة أن الغبن في المعاملة غير الغرر فيها فلو اقدم المتعاملان على الغبن أو انجبر الغبن بالخيار فلاوجه للحكم بالبطلان للغرر كما لا يخفى. وعلى الاجمال أن كل من الظرف والمظروف وان كانا مو الموزونين و لم يعلم بمقدار كل منهما على التفصيل ولكن ذلك مثل بيع الصبرة كل رطل بكذا فيجوز للبايع ان يبيع ذلك المجموع المركب بأن كل مثقال من الذهب بدينارين وكل مثقال من الفضة بدرهم وصحة البيع في مثل ذلك لا يستلزم العلم بمقدار الصبرة أصلا وكك يصح بيع مجموع الذهب والفضة على حساب كل

[ 474 ]

مثقال بدرهم مع الاقدام على الغبن فلاوجه للحكم بالبطلان للغرر فان مورد الغبن غير موارد الغرر كما عرفت. وعلى كل حال فلو كان الظرف والمظروف كليهما من الموزون ولم يعلم مقدار كل واحد منهما على التعيين ولكن علم مقدار المجموع من حيث المجموع فيصح بيعه على حساب كل رطل بكذا وكذا يصح بيع مجموعها بقيمة الذهب أو بقيمة الفضة مع الاقدام بالغبن فان الغبن غير الغرر كما عرفت. الكلام في استحباب التفقه في الدين قوله (ره): مسألة: المعروف بين لاصحاب تبعا لظاهر تعبير الشيخ بلفظ ينبغى استحباب التفقه في مسائل الحلال والحرام المتعلقة بالتجارات ليعرف صحيح العقد من فاسده ويسلم من الربا. أقول: قد وقع الاشكال في هذا التعبير أي بالاستحباب مع أن تعلم الاحكام من الواجبات للايات والروايات الكثيرة منها آية (1) النفر وتوضيح المسألة أنه قد يجب تعلم الاحكام الشرعية صونا لها عن الاندراس وهذا لا تختص بأحد دون أحد بل هو جار في حق كل أحد ويجب عليهم كفاية كما هو مقتضى التعبير بمن في قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الخ، وهذا القسم من التعليم كما لا يختص بشخص دون شخص، بل يجب على كل شخص ولكن كفاية بحيث لو تعلم من به الكفاية لسقط عن الباقين كما عرفت من الاية وكك لا تختص بحكم دون حكم، بل يجب تعلم جميع


(1) التوبة: آية 121

[ 475 ]

الاحكام لكى تندرس بل تبقى حسب طول الزمان حتى المسائل التى لا يبتليها كمسائل الحيض والنفاس والحدود ونحوها ثم أن التعلم في هذا القسم لابد وأن يكون عن اجتهاد واستنباط فان بقائها انما كذلك فهذا قسم من وجوب التعلم على الاجتهاد بعنوان الكفاية فلو تر كوه لعوقب الجميع. وقد يجب التعلم لاجل العمل بها فان تركه موجب لتفويت الواقع وهذا انما يكون في المسائل التى يبتليها المكلف عادة ولا يجرى في غيرها فهذا انما يجب عينا لكل أحد ولا يلزم أن يكون ذلك بحسب الاجتهاد، بل يجوز ان يكون به وبالتقليد أيضا وكل من ترك التعلم في تلك المسائل حتى وقع في الحرام الواقعي يعاقب عليه فهل العقاب على ترك الحكم الواقعي، أو على نفس ترك التعلم نزاع بين الاردبيلى والمشهور حيث قال المشهور يكون العقاب لترك الواقع وذهب المحقق الاردبيلى إلى كونه لنفس ترك التعلم وتفصيل الكلام في علم الاصول، وهذا أيضا قسم من تعلم الاحكام فلا يجب الا فيما يطمئن ان يبتلى به وأما في غيره فلا. وقد يجب هذا عقلا ونقلا أما النقل فالروايات الكثيرة الدالة على وجوب تعلم الاحكام مثل أن يقال للرجل يوم القيامة لماذا عملت فيقول ما علمت و يقال لماذا علمت وأما العقل فلدفع الضرر المحتمل ففى كل واقعة يجب أن يتعلم من حكمها معاملة كانت أو غيرها لذلك ومع الترك والوقوع في الحرام الواقعي فيعاقب كما إذا ارتكب بالبيع الربوي وتزيد المعاملات على غيرها بعدم جواز التصرف في شئ من الثمن والمثمن لاحتمال فساد المعاملة أما المثمن فلا ستصحاب بقائه في ملك مالكه مع ذلك الاحتمال فلا يجوز التصرف فيه الا مع العلم بالناقل وأما الثمن فلا حتمال انتقاله إلى البايع فلا يجرى

[ 476 ]

هنا استصحاب عدم انتفاله إلى البايع لعدم جريانه قبل الفحص وهذا بخلافه في المثمن فانه لامانع من جريانه لكونه موافقا للاحتياط فيجرى قبل الفحص. وعلى الاجمال لا يجوز ترك التعلم في المسائل التى يطمئن بابتلائه بها لاحتمال الغرر الموجب لوجوب التعلم ولايجوز التصرف في الثمن و المثمن في المعاملات لما ذكرناه. وهنا قسم ثالث وهو أن يحتمل الانسان أن يبتلى بمسائل في طول عمره فهذا يستحب تعليمه لادلة الاحتياط كما إذا كان أحد يتجر بالقند و الشكر فانه لا يبتلى عادة بمعاملة الحيوان ومع ذلك يحتمل ابتلائه بذلك وهكذا مسائل الزكاة ونحوها فان التاجر في هذا الزمان لا يبتلى عادة بالزكاة ومع ذلك يحتمل ابتلائه بها فيستحب تعلمه وكذلك لا يحتمل الانسان عادة أن يبتلى بالذهاب إلى الخارجه ومع ذلك بيستحب أن يتعلم احكامه من حكم القبلة والطهارة والنجاسة والمعاملة معهم لاحتمال ابتلائه به أو لتعليم الناس وهكذا وهكذا ولكن لا يجب ذلك لانه يطمئن بعدم الابتلا كما لا يجب للرجل معرفة احكام المرئة ولا يجب للمرئة معرفة أحكام الرجل من صلاته وصومه ولبسه وغيرها وإذا ابتلى احد بما كان مطمئنا بعدم ابتلائه ووقع في الحرام الواقعي لا يعاقب على ترك التعلم فان اطمينانه بعدم الابتلاء حجة له عند الله وبه يكون معذورا في الوقوع على الحرام كما هو واضح فمراد الفقهاء من حكمهم باستصحاب تعلم مسائل الحلال، و الحرام، هو هذا القسم كمامسلنا، بمثل معرفة مسائل خيار الحيوان و مسائل الزكاة. ثم انه ربما يتوهم التعارض بين ما دل على تعلم الاحكام وبين مادل

[ 477 ]

على مطلوبية الاكتساب فان ما دل على استحباب الاكتساب أعم من أهل العلم وغيره وجمع بينهما صاحب الحدائق بالالتزام بأن أهل العلم خارج عن تحت تلك الاخبار الدالة على مطلوبية الاكتساب ولكنه واضح الدفع لعدم تماميته ثبوتا واثباتا أما ثبوتا فلانه كثيرا لا ينافي الكسب لطلب العلم كما إذا عرف كسبا يصرف وقته فيه قليلا ولكن يربح كثيرا فان مثل هذا كيف يقال في حقه انه ليس في حقه طلب الكسب وأما ابتلاء فان الناظر في تلك الاخبار الدالة على مطلوبية الاكتساب يرى أنها أعم فلاوجه لاخراج أهل العلم عن تحتها لعدم الدليل عليه على أنه قد لا يكون الكسب مزاحما لتحصيل العلم كما إذا كان له خط جيد فيكتب سطرا ويبعه بدينار فان مثل ذلك لا يزاحم تحصيله بل يستحق بذلك التفصلتين وفاض باجر تحصيل العلم تحصيل الكسب فاى شئ اعظم من ذلك كما عرفت فلا وجه لرأى الحدائق ثبوتا واثباتا فان الكاسب حبيب الله وان كان طالبا للعلم. وبعبارة أخرى قد دلت الروايات الكثيرة على استحباب طلب العلم و جملة اخرى من الروايات على استحباب طلب الكسب. وربما توهم التعارض بينهما وجمع بينهما صاحب الحدائق لا بتخصيص مادل على استحباب الكسب بما دل على استحباب تحصيل العلم وكون الاخبار الدالة على استحباب الكسب مختصا بغير أهل العلم وأيد ذلك بجملة من الاخبار الدالة على حسن التوكل وأن أهل العلم لابد وان يتوكل على الله تعالى في اموره ويطلب من الله تعالى رزقه وأيضا أيده بكلام الشهيد في المنية ولكن الظاهر أنه لا دلالة في شئ من المذكورات على مقصد الحدائق كما افاده المصنف فان حسن التوكل على الله لا يدل على الاعراض عن الكسب وليس معناه أن الانسان يتوكل على الله ويقعد

[ 478 ]

في بيته بل معناه أنه يجب لكل شخص أن يتوكل على الله في أموره بالخصوص أهل العلم فانهم قواد الذين بل كانت الائمة متوكلون على الله ومع ذلك كانوا يشتغلون بالكسب وكان الامير عليه السلام أول من آمن بالله ومتوكلا عليه ومع ذلك موجر نفسه لليهودي ويشتغل بالزراعة والتجارة و في مجموعة الورام أن الباقر (ع) كان يرجع من البستان وكان متكأ على الغلامين فاعتراضه أحد الصواف مالك قد خرجت في هذه الحرارة لطلب الدنيا فقال عليه السلام ليس هذا طلبا للدنيا بل من العبادة. وبالجملة لااشعار في شئ مما دل على لزوم التوكل وحسنه على ترك الكسب والاشتغال بطلب العلم والا لجاز الاستدلال بها على القعود عن الكسب والحركة والتوكل على الله فان الله وان أمر بالتوكل ومع ذلك أبى أن يجرى الامور الا باسبابها فلابد من الحركت نحو الحاجة والتوكل على الله في جميع الامور سواء كان في طلب العلم أو في طلب الكسب نعم هل العلم امتياز خاص في لزوم التوكل فانهم يقودون الناس إلى الله فلابد وأن يكون ايكالهم إليه محضا. على أنك قد عرفت أن ما افاده صاحب الحدائق ليس بتمام ثبوتا واثباتا أما ثبوتا فلانه قد لا يزاحم الكسب تحصيل العلم أصلا ومع ذلك كيف يلتزم بعدم شمول ادلة استحباب الكسب في حقه وقد عرفت مثاله، وأما اثباتا فلعدم الدليل عليه بوجه كما لا يخفى. الكلام في تزاحم الكسب وطلب العلم والتحقيق أن يقال أنه لا معارضة بين أدلة استحباب طلب العلم و

[ 479 ]

بين أدلة استصحباب طلب الكسب، بل هما من قبيل المتزاحمين وبيان ذلك أنه قد يكون كل من طلب العلم وطلب الكسب مستحبا في حقه كما إذا كان عارفا لمسائلة واحكام دينه بالمقدار المعتد به وبالمقدار الذى يبتليه عادة وكان أيضا من الحافظين للدين عن الاندراس موجودا من المجتهدين و كان عنده أيضا من المال ما يكفيه بمؤونته ومؤونة عياله الواجب النفقة فان مثل هذا الشخص يستحب له تحصيل العلم في المسائل التى يحتمل ابتلائه بها أو يتعلم لتعليم الناس أو يتعلم ليدخل نفسه في سلك المجتهدين الموجودين بمقدار الكفاية ففى مثل ذلك يكون المقام من باب تزاحم المستحبين فيكون كسائر المستحبات فان في كل آن يبتلى الانسان بذلك كثيرا فالان يستحب لنا زيادة الامير عليه السلام وقضاء حوائج المؤمنين و اتيان النوافل وهكذا مع أنا لا تقدر على جميعها فله أن يترك جميعهاو هكذا المقام وليس من مقام التعارض هنا شئ ولكن ليس لمن كان كل من الكسبين مستحبا الوقوع في الحرج من جهة عدم القدرة على الامتثال حتى يتعين في حقه احدهما فان هذا مختص بالحكمين الالزاميين وأما المستحبات فيجوز ترك جميعها أجمع أو اتيان أحدهما على حسب اختياره. ولكن يقع الكلام هنا في ترجيح أحدهما على الاخر فهذا يختلف فان كان ما يترتب على تحصيله من القوئد من ترويج الدين واحياء شريعة سيد المرسلين وارشاد العوام واهدائهم إلى الدين أهم من القوائد المترتبته على الكسب فيرجع طلب العلم على طلب الكسب كما إذا لم يترتب على كسبه الا اعانة فقير واحد أو توسعة عياله فقط أو زيارة أحد الائمة عليهم السلام. وان كان ما يترتب على كسبه أهم مما يترتب على طلب العلم، فالامر بالعكس كما إذا كان المترتب عليه تعمير المدارس والمساجد والمشاهد

[ 480 ]

واتمامه الجوزة العلمية وتأمين معاش أهل العلم وقواد الدين ودفع الكرب عن فقراء الاسلام، ولكن لا يترتب على طلبه العلم الا تعليم جاهل و احد مسألة واحدة بحيث لو لم يتعلمه ليتعلم من غيره ومع عدم وجود المرجح في البين يتخير في اختبار أيهما شاء بل له ذلك مع وجود المرجح لاحدهما أيضا فان الفرض أن كليهما مستحب كمالايخفى غاية الامر مع ترك الاهم واخذ المهم لزم ترك الاولى. وقد يكون أحدهما مستحبا والاخر واجبا فح يجب أخذ الواجب لكونه معجزا عن المستحب كما إذا كان عارفا بمقدار ما يبتليه عادة من الاحكام وكان من حفاظ الدين من فيه الكفاية ولكن كان عنده من الاشخاص من يجب انفاقه فح يتعين الكسب في حقه وإذا كان الامر على العكس فيجب تحصيل العلم دون التكسب كما إذا كان الامر على العكس. وقد يكون كل منهما واجبا كفائيا في حقه فله اختيار ايهما شاء مع عدم المرجح كالواجبتين التخيرية وان كان في أحدهما ترجيح، فيختار ذو الترجيح وان كان مع كونهما واجبا في حقه كفاية قد قام بأحد هما شخص فيكون الاخر في حقه واجبا عينيا مع عدم قيام شخص آخر عليه. وقد يكونان واجبين عينا فح يكون المقام من تزاحم الواجبين عينين فان كان احدهما أهم فيختاره على الاخر والا فيتخير في ذلك كسائر الواجبات التخييرية. وأما جواز صرف من يشتغل بالتحصيل من الوجوه الشرعية مع تمكنهم من الكسب أما سهم الامام (ع) فيجوز صرفه مع مراعات الجهات الشرعية بحيث لا يعد كلا للامام (ع) بل تكون له خدمة له (ع) وأما لو صرف وقته في المجالس ومضى عمره بالمماطلة والمساهلة، بل ربما يكون ضرره أشد من خدمته فلا

[ 481 ]

يجوز له أن يصرف من سهم الامام (ع) وأما إذا كان له خدمة للدين وان تمكن من تحصيل الرزق بالتكسب فيجوز له أن يصرف من سهم الامام (ع). والحاصل: أن المناط في صرف سهم الامام (ع) هو القطع برضى الامام (عليه السلام) والا فلا يجوز له ذلك بوجه. وأما سائر الوجوه البرية من النذر والوقف والصدقات وغيرها مما وضعت للجهات العامة فيجوز صرفها لاهل العلم أيضا على النحو الذى قرره الناذر والواقف فلا يشترط فيها الفقر ولاما يعتبر في صرف سهم الامام (ع) من اشتراط، بل المناط هنا هو انطباق الجهات البرية على الشخص. وأما الزكاة والخمس فلا يجوز لمن يكون قادرا على الكسب أن يصرف منهما أصلا ما لم يكن التحصيل في حقه واجبا فان مصرف الزكاة هو الفقراء ومصرف الخمس هو الفقراء من بنى هاشم وفسروا الفقير بأنه لا يقدر على تحصيل قوته فعلا أو بالقوة ومن يحسن الصناعة فليس بفقير ومجرد كون تحصيل العلم مستحبا في حقه لا يجوز له الاخذ منهما والا لجازان يشتغل بالاعمال المستحبة ويصرف من الزكاة والخمس بان يصلى النوافل دائما و يأكل من الزكاة أو من سهم سبيل الله فانه موضوع للجهات التى كانت راجعة إلى الدين. الكلام في تلقى الركبان ومرجوحيته قوله: مسألة: لا خلاف في مرجوحية تلقى الركبان. أقول: الاقوال في مسألة ثلاثة، قول بالحرمة وقول بالكراهة وقول بعدم الحرمة والكراهة أما الحرمة فاستدل عليها بالروايات الناهية عن

[ 482 ]

التلقى الركبان ولكنها ضعيفة السند ودعوى الاطمينان بصدور بعضها لكثرتها واستفاضتها دعوى جزائفية فانها لا توجب الاطمينان باصدور و مع تسليم ذلك فلا يفيد لغير من حصل له الاطمينان والظن بالصدور لا يفيد لعدم كونه حجة فلا يغنى من الحق شيئا، بل لو كان التلقى الركبان حراما لظهر بين الفقهاء على رئوس الاشهاد وليس كك. وأما القول بالكراهة فهو مبنى على أمرين أحدهما تمامية أخبار من بلغ الدالة على التسامح في أدلة السنن بدعوى أنها ظاهرة في ما بلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثواب على عمل فعمله أحد برجاء أنه صدر من رسول الله فيثاب على ذلك العمل وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله ولو أريد من تلك الاوامر الدالة على التسامح في أدلة السنن الارشاد إلى حكم العقل بحسن اتيان العمل رجاء واحتياطا لدرك الواقع فلا يدل على التسامح في أدلة السنن. الامر الثاني أن تكون شاملة للكراهة أيضا فلو اقتصر على موارد ها وهى ماكان فيه أمر ففى موارد الكراهة ليس أمر، بل نهى فلا تشمل المقام ومع تسليم المقدمتين يصح التمسك بتلك الاخبار في المقام لاثبات كراهة التلقى ومع تسليم هاتين المقدمتين فلاوجه للاشكال هنا بأنه لو سلمنا شمول أدلة التسامح للمكروهات ولكن التمسك بها في المقام بدعوى أن ذلك انما يفيد في مورد ورد خبر ضعيف يدل على الكراهة فانه يلتزمها لذلك الخبر الضعيف وأما في المقام فان تمت الاخبار المذكورة فتدل على الحرمة والا فلا حرمة ولاكراهة فان وجودها كعدمها وكذلك الحال في الاخبار الضعيفة الظاهرة في الوجوب فانها لا تشمل ذلك وقد ناقش بذلك بعض الاغلام لاثبات الاستحباب أو الكراهة بالاخبار الضعيفة الدالة على

[ 483 ]

الحرمة أو الوجوب. وفيه أنه قلنا في البحث عن أدلة التسامح أنها تشمل لما دل على الحرمة والوجوب إذا كان ضعيفا وذلك فان مادل على الوجوب يدل على جواز العقاب على الترك وعلى ثبوت الثواب على الفعل فبضعف الرواية الدالة على الوجوب يسقط العقاب على الترك لخروجه عن الحجية ويبقى الثواب على حالة لادلة التسامح لصدق البلوغ هنا أيضا. ثم ذكروا لحرمة التلقى أو كراهته شروطا الاول أن لا يكون التلقى أربعة فراسخ وأزيد والا فيدخل ذلك تحت عنوان المسافرة فان الذهاب أربعة فراسخ والاياب منها سفر شرعى فالمسافرة للتجارة ليس فيها باس بل مطلوب في الشريعة ومندوب إليه وقد ذكر ذلك الشرط في اخبار التلقى فهل الغاية أي رأس الاربعة داخلة أو خارجة فذكر بعضهم أنها داخلة ولكن الجمع بين صدر رواية النقصية وذيلها يدل على خروج الحد عن المحدود، كما ذكره المصنف (ره) على أن الوصول لى الغاية تحقق موضوع المسافرة فيخرج بذلك عن عنوان التلقى ويدخل تحت عنوان السفر للتجارة كما لا يخفى. الشرط الثاني: انه يعتبر أن يكون الذهاب بعنوان التلقى فلو كان ذلك لغرض آخر فصادف في الطريق ذلك فعامل معهم فيكون خارجا عن مورد الاخبار لعدم صدق التلقى للتجارة وأيضا يعتبر أن يكون التلقى لاجل التجارة فلو تلقى لاجل استقبال القادم فصادف التجار في الطريق فاشترى منهم متاعهم فأيضا يكون ذلك خارجا عن مورد الاخبار لعدم صدق التلقى للتجارة نعم الظاهر من قوله (ع) في رواية (1) عروة والمسلمون


(1) الكافي: ج 5 ص 168 باب التلقى حديث 2

[ 484 ]

يرزق الله بعضهم بعضا هو عموم الحكم لغير صورة قصد التلقى وقصد التجارة فكأن الغرض هو وصول مال التجارة إلى المدينة فان في روية الناس ذلك حكمه عجيب فانه يوجب امتلاء اعين الناس جدا. وفيه أن هذا ليس بعلة للحكم بل حكمه له والا فيجرى ذلك فيما إذا اشترى جميع مال التجارة شخص واحد حين الدخول بالبلد على أن المتلقى أحد المسلمين فالغرض من ذلك هو بيان أنه لايمنع أحد من توجه التجارة إلى المدينة فالمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض فانه إذا توجهت التجارة إلى البلد فيشترى نوع الناس منها على القيمة الرخيص. ثم انه ذكر في رواية عروة حكم آخر وهو قوله ولابيع حاضر لبادى و لكن الظاهر من ذلك هو أن لا يبيع الحاضر متاع الباد ولا يصد بذلك، بل يخلى بينه وبين أهل البلد فانه لو يصد بذلك أهل البلد لباع متاعه بقيمة عالية فيكون نوع الناس في مضيقة بخلافه إذا تصدى شخص البادى بذلك فانه يبيع بقيمة الرخيص فيكون في ذلك توسعة لنوع الناس مثلا إذا باع البادى للبقالين رخيصا فيبيع البقالين لاهل البلد كك فيكونون في مضيقه. وليس المراد من قوله (ع) ولا يبيع الحاضر لبادى أنه لا يبيع الحاضر متاع شخص لباد فانه غير محتمل جدا فان البادى يحتاج إلى المأكل و المشرب فكيف لا يسوغ لاهل البلد أن لا يبيع لبادى، بل يجوز ذلك بلا شبهة حتى في الطريق ثم انه لافرق في ذلك بين البيع وغيره من الصلح ونحوه فان الغرض من النهى عن التلقى سواء كان حراما أو مكروها هو ترك التلقى للتجارة والتجارة غير منحصرة بالبيع ثم ان من قبيل تلقى الركبان كراهة أو حرمة استقبال الخدمة الزوار لاجل اعطائهم

[ 485 ]

المسكن، بل لابد وان يخلوا سبيلهم فان المسلمين يرزق الله بعضهم من بعض كما لا يخفى كما لا فرق بين كون التلقى لاشتراء متاعهم كما تقدم أو للبيع منهم بان يكون غرض الركبان شراء المتاع فتلقاهم أحد الحاضرين فباع منهم ما يحتاجون إليه. ثم ان في بعض الروايات أن الركبان إذا باعوا من الحاضر فجائوا سوق فلهم الخيار. أقول: ان كانت المعاملة مشتملة الغبن، فيثبت لهم خيار الغبن من غير احتياج إلى الرواية والا فلاوجه للخيار فانه لا معنى لثبوت الخيار بمجرد الدخول في السوق على ان الظاهر بحسب الفهم العرفي هو صورة كون المعاملة مشتملة على الغبن، فان ظاهر قوله (ع) إذا جائوا بالسوق فلهم الخيار، يعنى لو كانوا مغبونين لا مطلقا على أن الرواية ضعيفة السند، واما النجش فقد تعرض له في المكاسب المحرمة فلاوجه للاعادة (ومعناه ان يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شرائها ليسمع غيره فيزيد بزيادة). الكلام فيما إذا دفع الانسان إلى غيره مالا قوله: مسألة: إذا دفع الانسان إلى غيره مالا ليصرفه في قبيل يكون المدفوع إليه منهم ولم يحصل للمدفوع إليه، الخ. أقول تارة يدفع المالك ماله لشخص ويكون المدفوع إليه مستقلا في التصرف فيه كيف مايشاة فلا يكون رأى الدافع ح متبعا بوجه وهذا كما إذا كان المدفوع إليه وكيلا للدافع بان يدفع إليه مالا ليصرفه في محله والمدفوع

[ 486 ]

إليه مخير في ذلك كيف ما يشاء ومن هذا القبيل دفع الوجوه الشرعية إلى المجتهدين ليصرفوها في مواردها. وأخرى يدفع الدافع إلى المدفوع مالا ويعين موارده فهل يجوز له الاخذ منه مع انطباق ما عينه الدافع عليه أم لا، كما إذا دفع إليه سهم الامام (ع) أو الخمس أو الزكاة أو غيرها من الوجوه الشرعية وقال اعطها للصنف الفلاني وكان المدفوع إليه منهم هذا بناء على كون ولاية تلك الوجوه تحت يد المالك أو كان البايع هو الحاكم الشرعي بناء على ثبوت الولاية له عليها أو كان المدفوع من اموال الطلقة للدافع فهو على أقسام شتى: الاولى: أن تقوم قرينة خارجية على عدم رضى الدافع باخذ المدفوع منه فانه ح لا يجوز له الاخذ منه لانه تصرف في مال غيره بدون اذنه فهو حرام ونظيره أن يعين له مقدارا خاصا وقامت القرينة على عدم جواز أخذه أزيد من ذلك المقدار الخاص. الثاني: أن يظهر الدافع قرينة حالية أو مقالية على جواز أخذ المدفوع إليه من المال المدفوع وهذا وكك الشق الاول مما لااشكال فيه وانما الاشكال في الصورة الثالثة وهو يدفع إليه مالا ويقول ادفعه في اصناف معينة وكان المدفوع إليه منهم فهل يجوز له الاخذ منه بالمقدار الذى يدفع إلى أفراد الاصناف أم لا. وكك يقع الاشكال في الشق الاخر في الصورة الثانية وانه إذا اعتقد الدافع بأن المدفوع إليه أو فرد أخر غيره من المحصلين المبتدين وقد عين لهم عشرة مع أنه من العالين وقد عين لهم عشرين وكك إذا عين على أفراد منهم خمسين باعتقاد أنهم من المتوسطين أو العالين وقد كانوا من المبتدين

[ 487 ]

اعتقاد الدافع وان كان على خلاف الواقع أو يتبع الواقع وان كان على خلاف اعتقاد الدافع والظاهر أنه ان كلامه أعطى هذا للفقراء بعنوان القضية الحقيقة فح يتبع الواقع والا فيتبع اعتقاد الدافع ومراد المصنفمن الموضوعية هو الاول، ومراده من الداعوية هو الثاني. وبعبارة أخرى أن كلامه بعنوان القضية الحقيقة فيكون الواقع متبعا، و انما ذكره بعض المصاديق على خلاف الواقع من باب الخطأ في التطبق و ان كان غرضه من كلامه هو المصرف لما في الخارج وبيان ما يعلم أنه من هذا الصنف فيتبع اعتقاده فان الداعي انما يتفرع على الاعتقاد لا الواقع وكلامه معرف لما اعتقد به وان لم يكن هنا ظهورا فيدخل في القسم الثالث واما القسم الثالث: وكك الثاني مع عدم الظهور في شئ اختلفت هنا كلمات الفقهاء فذهب جمع من الاصحاب إلى حرم الاخذ ولذا قالوا: لو قالت امرأة بشخص زوجنى من أحد فلا مجوز له ان يزوجها من نفسه، فان ظاهر الوكالة كونها التزويج لغيره وكذا لو وكله لاشتراء شئ فلا يجوز ان يبيعه مال نفسه وذهب جمع آخر إلى الجواز فيما إذا طلق من دون زيادة على غيره وفصل بعضهم بانه ان قال الدافع ضع هذا المال في الفقراء مثلا وكان المدفوع إليه منهم فيجوز له الاخذ منه بقدر ما يخصه وان قال أعطه للفقراء فلا يجوز فان الاعطاء ظاهر من كون المعطى له غير المعطى ولكن هذا التفصيل ليس تفصيلا في المسألة بل تعيين لظهور كلام الدافع. وهنا تفصيل آخر وهو انه إذا قال الدافع اعطه للفقراء مع علمه بكون المدفوع إليه من الفقراء لم يجز له الاخذ بما يخصه من المال فانه لو كان بناء الدافع الاعطاء له لخصه بالذكر أيضا، وان لم يعلم بفقره جاز له الاخذ

[ 488 ]

بما يخصه فان غرض الدافع وصول المال إلى هذا الصنف فهو منهم ولكن هذا التفصيل أيضا ليس تفصيلا في المسألة، بل هو بيان لمورد ظهور كلام الدافع فإذا فتنحصر الاقوال بالقولين الجواز مطلقا والمنع كك. وقد استدل على عدم الجواز بما هو مقتضى الاصل الاولى هو عدم جواز التصرف في مال احد الا باذنه فلا يجوز له التصرف في ذلك وكك الامر لو وكلته امرأة في تزويجها من أحد أو وكله أحد في شراء شئ له، فانه لا يجوز له تزويجها من نفسه كما لا يجوز له بيع ماله من الموكل فان الاصل عدم الجواز الا فضولة فان ظهور الوكالة أن يكون التزويج والبيع والشراء من غير نفسه لظهور الوكالة في المغائرة. وبالجملة ففى المقام مقتضى حرمة التصرف في مال غير هو عدم الجواز الا مع الاذن فيه من صاحب المال وأيضا استدل على عدم الجواز بقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن الحجاج المستندة (ع) وان اضمرت في غيره، فانه لا يضر الاضمار من أحد بعد اطلاع غيره على المنقول عنه وقد قلنا في مبحث الاستصحاب في الروايات التى استدلت بها على حجية الاستصحاب أن الروى الواحد سأل الامام و (ع) عن عدة احكام وقال في مقام النقل عاطفا بعض الجمل على البعض بقوله وسألته و سألته وحيث قطعوا الاخبار وقد حصل الاضمار من التقطيع فإذا اطلع أحد باصل الرواية فينقلها بغير اضمار كما اطلع بحر العلوم على ذلك في روايات الاستصحاب حيث نقل بعضها عن الصادق (ع) وبعضها عن الباقر (ع) وبعضها عن أحدهما (ع) وكك في المقام وقد اطلع العلامة على أن المنقول عنه هو الصادق (ع) فنقل الرواية عنه (ع). وكيف كان قال سألته عن رجل اعطاه رجل رجلا ما لا ليصرفه في محاويج

[ 489 ]

أو في مساكين وهو يحتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه؟ هو قال: لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه. وقد استدل المجوزون بكون العنوان شاملا للاخذ أيضا فيجوز له الاخذ وأما رواية ابن الحجاج فقد تعارضت بالروايات الاخرى الدالة على الجواز المذكورة في المتن بعضها من ابن الحجاج وبعضها من غيره و فيها صحاح وحسان فتكونان متعارضتين ومتكافتين لعدم ترجيح أحديهما على الاخرى. وتوهم عدم التكافؤ من جهة أن المجوزة هي ثلاثة روايات فتكون مشهورة فتتقدم على المانعة التى هو رواية واحدة فهو توهم فاسد، فان المراد من الشهرة الموجبة لترجيح احد المتعارضين على الاخر ليس هو كون أحدهما كثيرة ولاخر قليلة بل المراد من ذلك أي من الشهرة كون احدهما مجمعا عليه بين الاصحاب بحيث ينقلها رواة الحديث بخلاف الاخر بان لن ينقلها الا نادر، ومن الواضح أن الطائفتين في المقام متساوية في هذا الجهة في الاشتهار وعدمه فيتكافئان وعلى هذا فذكر المصنف أن كون الطائفتين واردتين على وجه التعبد بعيد جدا بأن يكال المراد من المانعة هو عدم جواز أخذ المدفوع من المال الذى دفع إليه حتى مع ظهور اللفظ في الجواز ويكون المراد من المجوزة هو جواز ذلك حتى مع ظهور كلام الدافع في عدم جواز الاخذ فلا يمكن حملها على التعبد المحض وعليه فلابد من حمل المانعة على صورة عدم الظهور لكلام الدافع في الاخذ من المال بما يخصه وحمل المجوزة على صورة كون كلامه ظاهرا في جواز الاخذ منه ومع عدم الظهور لشئ منها فيرجع إلى مقتضى الاصل وهو عدم جواز التصرف في مال أحد الا باذن مالكه فهذا حاصل كلام المصنف في المقام.

[ 490 ]

والحاصل: أنه حمل روايات المنع على صورة عدم الظهور لكلام المعطى في أخذ المعطى له من المال وروايات الجواز على فرض الظهور لذلك فيه ولكنه بعيدا جدا فانه لا داعى للسؤال عن الجواز بعد ظهور كلام المعطى في الجواز فان ما اعطاه انما هو ماله فجاز التصرف فيه باذنه فإذا اذن لغيره في ذلك فلا مورد للسؤال كما أنه مع عدم الاذن لا يجوز التصرف فيه فلانه حرام وبعد ظهور الكلام في أحد الامرين لا مورد للسؤال كما هو واضح. الكلام في الجمع بين الروايات المجوزة والمانعة وقد يجمع بين الطائفتين بحمل المانعة على الكراهة بقرنية ما دل على الجواز كما هو مقتضى الجمع بين النهى والترخيص فان قوله (ع) في صحيحة ابن الحجاج (1): (لا يأخذ شيئا حتى ياذن له صاحبه) ظاهر في عدم الجواز وقوله (ع) نعم، في رواية (2) سعيد بن يسار وقوله (ع) لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى لغيره صريح في الجواز فمقتضى الجمع العر في نحمل المانعة على الكراهة. وفيه أن ظاهر قوله (ع) لا يأخذ شيئا منه الا باذنه أنه ناظر إلى عدم جواز التصرف في مال أحد الا باذنه وعليه فلا يمكن حملها على الكراهة كما منعه بعض مشائخنا المحققين. وقد يجمع بينهما بحمل المانعة على فرض تعيين المالك ومواضع مسمات


(1) وسائل: ج 12 ص 206 باب 84 حديث 3 (2) وسائل: ج 12 ص 206 باب 84 حديث 1

[ 491 ]

لصرف المال فانه لا يجوز للمتصدي أن يأخذ لنفسه وحمل المجوزة على فرض أن لا يعين المالك للمال مواضع خاصة فانه يجوز له الاخذ لنفسه واستشهد عليه بصحيحة (1) ابن الحجاج عن الرجل يعطى الرجل الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها وهو ممن يحل الصدقة قال لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى غيره ولايجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعه في مواضع مسماة الا باذنه. وفيه أن هذا الجمع أيضا بعيد عن ظاهر رواية المانعة اعني صحيحة الاولى لابن الحجاج فانها آبية عن ذلك سؤالا وجوابا فان قوله (ع) في جواب السائل عن رجل اعطاه ما لا ليصرفه في محاويج أو مساكين وهو يحتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه هو قال لا يأخذ شيئا حتى ياذن له صاحبه مطلق، وكك السؤال فيبعد حملهما على فرض تعيين المالك مواضع للمال المعطى. الصحيح أن يقال في وجه الجمع هو حمل الروايات المانعة على فرض كون المال المعطى من متملكات شخص المعطى كما إذا ورد في بلد فأراد أن يقسم مالا في صنف من غير نظر إلى كونهم فقراء أو اغنياء فاعطاه شخص أن يقسم بينهم فانه لا يجوز للاخذ أن يأخذ منه لنفسه حتى مع اتصافه بما اتصف به المبذول لهم فانه مال لشخص الباذل فلا يجوز التصرف فيه الا باذنه. وربما يورد على ما ذكرناه من الجمع بين الروايات بحمل المانعة على الاموال الشخصية وحمل المجوزة على الاموال النوعية بان مقتضى صحيحة ابن الحجاج (2) في رجل اعطاه ليقسمه في المساكين وله عيال محتاجون


(1) وسائل: ج 6 ص 200 حديث 3 من باب 4 (2) وسائل: ج 12 ص 206 حديث 2

[ 492 ]

ايعطهم منه من غير أن يستأذن (يستامر خ ل) صاحبه، قال: نعم، هو جواز أخذ المعطى له لنفسه سواء كان من مال نفسه أو من الاموال النوعية وبهذا الاسناد ما يدل على عدم الجواز الا بالاذن عن صاحبه فيقع بينهما المعارضة فتسقطان لذلك فيرجع إلى العمومات الدالة على عدم الجواز فانه يقال أن مقتضى رواية (1) أخرى لابن الحجاج المذكور في باب الزكاة هو الجواز في الصدقة فانه قال سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل يعطى الدراهم ليقسمها ويضعها في مواضعها وهو ممن تحل له الصدقة، قال لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى لغيره، الخ، فبهذا نفيد الصحيحة الثانية الدالة على عدم الجواز مطلقا فتكون الصحيحة الثانية أخص من الصحيحة الاولى، كان بمقتضى انقلاب النسبة فنخصص بها الصحيحة الاولى فتكون النتيجة أن في الاموال الشخصية لا يجوز الا باذن المالك وفي الاموال النوعية يجوز وحمل الروايات المجوزة على الاموال النوعية كالوجوه الشرعية المنطبقة على الآخذ وغيره كالزكاة والخمس والصدقات ورد المظالم كما إذا اعطاها أحد لعالم أن يصرفه في محله فانه جاز له الاخذ منه بمقدار حاجية وان لم يكن لكلام المعطى ظهور في أخذه لنفسه إذا قال المعطى اعطه لصنف فلان ظهوره في الاعطاء للغير ونفس الآخذ منصرف عن ذلك، وعلى هذا فيجوز للاخذ أن يأخذ لنفسه بمقدار احتياجه خصوصا إذا كان ممن يجوز تصرف فيه كالعلماء والمجتهدين فان ولاية الوجوه الشرعية لهم في حال الغيبة. ويدل على ذلك أن المذكور في روايات الجواز هو الزكاة والصدقات


(1) وسائل: ج 6 ص 200 حديث 3

[ 493 ]

وأما المذكور في رواية المنع هو المال الشخصي بقرنية قوله (ع) (لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه) حيث فرض صاحبا للمال المبذول واعتبر اذنه في دفع المال المبذول لغير من عينهم فتكون كلتا الطائفتين من الروايات واردة على طبق القاعدة فان مقتضى القاعدة في الاموال الشخصية عدم جواز التصرف الا باذن صاحبه ومقتضى القاعدة في الاموال النوعية هو جواز بذله لمن انطبق عليه سواء اذن المعطى لذلك أم لا، وعلى هذا فيبقى في المقام شئ وهو أنه على هذا فلا وجه لسؤال السائل فنقول أو الوجه في ذلك هو احتمال أن يجوز للمتصدي بذلك أن يأخذ منه مع الاحتياج حيث ان صاحب المال قال اصرفه في محاويج ومساكين فاحتمل الآخذ جواز أخذه منه لانه أيضا محتاج فأجاب الامام (ع) أنه لا يجوز الا باذن صاحبه. وفيما كان المال نوعيا كالزكاة وغيرها احتمل السائل عدم جواز أخذه حيث يحتمل أن يكون اذن المعطى دخيلا في جواز التصرف فيه أيضا كأموال شخصه فأجاب الامام (ع) بأنه لا بأس بذلك مع الاحتياج، فيجوز المتصدي أن يأخذ منه لنفسه بمقدارها يبذله لغيره فافهم. الكلام في احتكار الطعام قوله: مسألة: احتكار الطعام وهو كما في الصحاح وعن المصباح جمع الطعام وحبسه يتربص به الغلاء لا خلاف في مرجوحيته. أقول: يقع الكلام في جلهات: الاولى: في حكم الاحتكار الظاهر أنه لا خلاف في مرجوحيته في الجملة اعم من الحرمة والكراهة، ولكن اختلفت كلماتهم في ذلك فذهب المشهور إلى الحرمة مع عدم وجود الباذل وذهب جمع آخر إلى الكراهة مطلقا لكون الناس مسلطين على اموالهم، فلا وجه

[ 494 ]

لحرمته الا إذا عرض عليه عنوان آخر يقتضى حرمته كما إذا حكم الحاكم في المخمصة بالبيع فانه يحرم الاحتكار ح لحكم الحاكم، والا فلا وجه لحرمته لنفس الاحتكار. والظاهر ان الاحتكار حرام مع عدم وجود باذل في البلد وأما مع وجوده فيجوز الاحتكار لكون الناس مسلطين على أموالهم وهذا القول قد اختاره المصنف. وقد استدل المصنف على ذلك بروايات منها صحيحة (1) سالم الحناط فانها ظاهرة في الحرمة مع عدم وجود الباذل حيث استفصل الامام (ع) في ذلك وقال الحناط ما ابيع أنا من الف جزء جزء يعنى أن الحنطة الموجودة عند كجزء واحد من الف جزء من الحنطة الموجود في البلد احتكاره، فانه لا يوجب ظهور الغلاء في البلد نظير أن نشترى وزنة من الارز فتحتكره فانه لا يوجب ظهور الغلاء أصلا وقال الامام (ع) فلا باس ثم قال أن المحتكر هو حكيم بن حذام حيث كان يحتكر الطعام المجلوب إلى المدينة فمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وقال يا حكيم اياك أن تحتكر، فان كلمة ايا تحذير فتفيد الحرمة. ومنها (2) صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحكرة، فقال انما الحكرة أن يشترى طعاما وليس في المصر طعام غيره فتحتكره فان كان من المصر طعاما غيره فلا باس أن يلتمس سلعتك الفضل فان مفهوم ذيل الرواية هو حرمة الاحتكار مع عدم وجود طعام في البلد،


(1) وسائل: ج 12 ص 316 باب 28 حديث 3 (2) وسائل: ج 12 ص 315 باب 28 حديث 11

[ 495 ]

غيره بحيث يظهر في البلد لاجل احتكاره غلاء واضح. ومنها (1) ما عن أمير المؤمنين عليه السلام في ما كتبه إلى مالك الاشتر على مافى نهج البلاغة وكان فيما كتبه فامنع من الاحتكار فان رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه إلى أن قال فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل وعاقب في غير اسراف فانه لو كان الاحتكار مكروها لما جاز أن يأمر الامام ع الاشتر بان يعاقب المحتكر. ومنها صحيحة (2) أخرى للحلبي حيث سأل عن صلاحية الاحتكار، فأجاب الامام عليه السلام بانه يكر والكراهة في كلمات الامام عليه السلام أعم من الحرمة والكراهة المصطلحة وليس لها ظهور في الثاني، وقد ورد في روايات الربا أن عليا عليه السلام كان يكره الربا فلا تكون هذه الرواية موجبة لصرف الروايات الاخرى الظاهر في الحرمة. ومنها ما في مجالس المفيد عن أبى مريم الانصاري (3) عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ايما رجل اشترى طعاما فحبسه أربعين صباحا يريد به الغلا للمسلمين ثم باعه وتصدق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع، وفى هذه الرواية مناقشة من حيث السند والدلالة، أما المناقشة في الدلالة فلانه لو كان احتياج إلى الطعام كان احتكاره حراما حتى في ثلاثة ايام وان لم يكن احتياج إليه لم يكن حراما حتى في ستين يوما، فلا موضوعية للاربعين.


(1) وسائل: ج 12 ص 315 حديث 13 (2) وسائل: ج 12 ص 313 حديث 2 (3) وسائل: ج 12 ص 314 حديث 6

[ 496 ]

والظاهر أن الرواية راجعة إلى بيان جهة اخلاقية تعبدا حيث أن الظاهر منها أن المحتكر انما حبس الطعام بنية السوء فهى الغلاء من غير أن يكون نظره الاسترباح وقد حكم الامام (ع) تعبدا أن من كان على هذه النية ولم يرجع إلى اربعين يوما فتصدق مجموع الطعام لا يكون ذلك كفارة لما فعل فتكون الرواية خارجة عن المقام أصلا وناظرة إلى قباحة نية السوء وأما من حيث السند فقال المصنف في كتاب الصلاة وفي هنا ان اشتمال سند الرواية ببنى فضال لا يوجب الوهن فيها، فان الظاهر انما اخذت من كتبهم، وقد قال العسكري عليه السلام عند السؤال عنها خذوا بما رووا و ذروا ما رأو ثم ازداد في المقام على ما في الصلاة ان كلام العسكري عليه السلام دليل على اعتبار جميع ما في كتب بنى فضال فيستغن بذلك من ملاحظة من قبلهم في السند فان كلامه عليه السلام أولى بعدم ملاحظة ما قبلهم في السند من كلام الكشى من ادعاء الاجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة. وفيه أما الكلام في اعتبار الاجماع المدعى تصحيح ما يصح عن جماعة فهو مخدوش في نفسه فانه نرى أنهم ينقلون في رواياتهم المسندة عن الضعفاء فنعلم بذلك أنهم ينقلون عنهم أيضا مراسليهم فلا يكون مراسليهم باجمعها حجة لكون كل مرسلة داخلة في اطراف الشبهة. على أن هذا الاجماع ليس حجة في نفسه لعدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم فغاية الامر فمفاده أن جماعة من الرواة قد ثبت نقلهم عن الثقات فلا يلاحظ ما قبلهم من السند في مرسليهم ومسنداتهم وقد عرفت اشتمال مسنداتهم على ضعف في السند وأما ما ذكره في حق كتب بنى فضال فكلام الامام (ع) ناظر إلى أن انقلاب عقيدتهم لا يوجب الوهن

[ 497 ]

في روايتهم وأن فساد عقيدتهم لا تضر باعتبار روايتهم ما نقلوا من الروايات فهو باقى على الحالة الاولية فلا يناقش فيها من جهة فساد عقيدتهم وأما أن جميع كتبهم معتبرة ولو كان بعضها مشتملا على ضعف السند من غير ناحية بنى فضال بان نقلوا عن الضعفاء فلا يظهر من الرواية، فان هذا الاحتمال لم يكن في حقهم قبل فساد عقيدتهم، بل كان قبل ذلك يلاحظ اسانيد ما نقوله من الاحاديث ان كان صحيحا أخذ به والا فلا، فهلاأتى؟ فساد عقيدتهم مقاما لهم بحيث صار جميع مافى كتبهم معتبرا حتى لا ينظر إلى ما قبلهم من السند الذى كان ينظر إليه قبل فساد عقيدتهم فما افاده المصنف هنا لا يمكن المساعدة عليه وكيف كان فلا شبهة في حرمة الاحتكار فكان الشارع اراد كون الارزاق بين الناس وليس لا حد حق منعها عنهم ودليل سلطنتهم قاصرة عن ذلك بحكم الشارع كما ذكرنا في بحث الاراضي أنه ليس لاحد منع الاراضي زائدا عن المقدار المتعارف فان الشارع يريد ان تكون الاراضي معمورة لاخربة فكذلك الحال هنا. ثم انه بعد الفراغ عن حرمة الاحتكار يقع الكلام في جهات الاولى: في موارد الحكرة في أنها في أي شئ تتحقق والذى يستفاد من المطلقات المتقدمة أن موضوع الاحتكار هو الطعام فكل ما يصدق عليه الطعام عرفا بحيث كان في عرف البلد قوام الناس وحياتهم نوعا بهذا الطعام فمنعه عن الناس احتكار وهذا يختلف باختلاف البلدان والعادات فمثل قشر اللوز طعام في بعض البلدان، ومن الحطب في بعضها الاخر ومثل الشعير ليس بطعام في بلاد الهند حتى قيل لا يوجد فيها شعير الا بمقدار الدواء ونحوه، ولكنه طعام في بلاد العراق والايران والارز طعام في نوع البلاد خصوصا الرشت ومازندران وهكذا الزبيب والتمر وليس بطعام

[ 498 ]

في بعضها الاخر، بل مثل الزبيب في العراق والتمر في بعض نقاط الايران يعد من الفواكه وعلى الاجمال أن هذا شئ يختلف بحسب اختلاف الامكنة والازمنة والعادات فكلما يصدق عليه الطعام فاحتكاره مع عدم وجود في السوق حرام والا فلا وجه للحرمة كما إذا احتكر احد الزبيب في النجف أو التمر في بعض نقاط الايران فلا يقال أنه فعل حراما، نعم قد يكون حراما لاجل طرو عنوان آخر عليه كما إذا احتاج أحد إلى ما احتكره أخر للدواء ونحوه بحيث إذا لم يبعه منه لمات فانه يحرم الاحتكار والمنع عن البيع والاعطاء هنا ولكن لا لحرمة الاحتكار بنفسه، بل لاجل طرو عنوان محرم عليه بمقتضى العنوان الثانوي. وأما الروايات الحاصرة للاحتكار بامور خاصة فهى مختلفة وفى بعضها حصرة في أربع الحنطة والشعير والزبيب والتمر، وعن الفقيه زيادة الزيت وفى رواية قرب الاسناد باضافة السمن أيضا، وفى رواية السكوني باضافة السمن والزيت ولكن كلها متفقة في نفى الاحتكار بمفهومها في غير الامور المذكورة فيها ولكن الذى يسهل الخطب أن كلها ضعيفة السند فلا يمكن رفع اليد بها عن المطلقات الثابت حجيتها والا لزم رفع اليد عن الحجة بغير الحجة الشرعية. فالمناط في حرمة الاحتكار هو صدق احتكار الطعام على ما أخذه المحتكر وحبسه فلا يبعد شمولها مثل الزيت والسمن والملح فان المراد من الطعام ما يطعم به الانسان وتقوم به حياة البشر، ومن الواضح أن هذ اليس مجرد الحنطة والشعير والارز فانها ليس بنفسها ما يطعم به في الخارج، بل انما قوام طعاميته بالمقارنات من السمن والزيت واللحم والملح و المقدمات من النار ونحوها، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون منع النفت عن

[ 499 ]

الناس واحتكاره عنهم حراما فان قوام اطعمة النوع بذلك ويدل على ذلك ذكر الصنف في بعض الروايات (1) وكذلك السمن وان كانت الرواية ضعيفة فان من الو اضح ان الزيت والسمن ليسا من الطعام بل انما هما من مقومات الطعام كمالايخفى، ويدل على ذلك أيضا قوله (ع) في صحيحة (2) الحلبي فانه يكره أن يحتكر ويترك الناس وليس لهم طعام فان ترك الناس بغير طعام ليس لمنع الحنطة والشعير فقط، بل بمنع كلما يكون دخيلا في تحقق الطعام من المقدمات والمقارنات فان العلة والمنع واقعا في حرمة الاحتكار ترك الناس بغير طعام كمالايخفى. وبالجملة فكل ما يكون دخيلا في قوام طعام البشر بحسب عادة نوع الناس بحيث يلزم من منعه ضيق النوع في الحرج والمشقة والضرر والعسرة فيكون احتكاره حراما وقد قلنا ليس لاحد السلطنة على حبس طعام الناس واحتكاره وان كان مالا لنفسه كما قلنا ليس لاحد حبس الاراضي ومنعها عن العمارة كما تقدم في محله. الجهة الثانية: أنه ذكر في رواية السكوني أن الحكرة في الرخصة أربعين يوما وفي الغلاء والشدة ثلاثة ايام والظاهر أنه لا يمكن تصديقه فانه ان كان للناس احتياج إلى ذلك بحيث كان فيهم غلاء ومخمصة فلا يجوز الحبس ساعة واحدة والا فيجوز الحبس ستة اشهر، بل سنة بل اكثر على ان الرواية ضعيفة، ونعم ما صنع الشهيد حيث حمل الرواية على فرض أن يكون الشدة والاحتياج إلى ما حبسه المحتكر في الغلاء بثلاثة ايام وفى الرخصة


(1) وسائل: 12 ص 314 حديث 7 (2) وسائل: ج 12 ص 315 باب 28 حديث 1

[ 500 ]

بأربعين يوما وان كان الحمل بعيدا ولكنه أولى من الطرح. الجهة الثالثة: هل يختص مورد الاحتكار بشراء الطعام فقط أو يتحقق بكل ما يقع في يده ولو كانت الغلة حاصلة من الزرع أو الارث أو الهبة، الظاهر هو الثاني فان المناط في حرمة الاحتكار هو جمع الغلة، وترك الناس بغير طعام ولا يفرق في ذلك بين الشراء وغيره. ثم الظاهر أن الاحتكار اما حرام أو مباح بناء على حرمته مع عدم الباذل وأما بناء على كراهته فاما مكروه أو مباح في نفسه فلا يتصف بالاحكام الخمسة كما ذكره المصنف نعم يمكن ان يتصف بالاحكام الخمسة بلحاظ العناوين الثانوية. الجهة الرابعة: أن الاحتكار حرام إذا كان يترك الناس بغير طعام مع احتياجهم إليه وأما لو كان غرضه جمع الطعام وبيعه في وقت نزول العسكر أو الزوار لئلا يقعوا في مضيقة فلا يكون الاحتكار حراما وباعتبار هذه العناوين الطارية يكون الاحتكار متصفا بالاحكام الخمسة ولكن الاحتكار في نفسه، اما حرام أو مباح، كما لا يخفى. الخامس: الظاهر أنه لااشكال في جواز اجبار المحتكر على البيع حتى بناء على كراهة الاحتكار ولكن ليس للحاكم الا الاجبار على البيع فقط، و اما التسعير فليس له ذلك، بل للمالك أن يعين ذلك لان الناس مسلطون على أموالهم وقد ورد في بعض الاحاديث (1) أنه سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الشعير فقال صلى الله عليه وآله انه في يد الله، نعم لو اجحف في القيمة بحيث كان ازدياتها نحوا من الاحتكار يمنع الحاكم عن ذلك بحيث يبيع المالك بقيمة


(1) وسائل: 12 ص 317 باب 30 حديث 1

[ 501 ]

السوق، أو أكثر منه، بمقدار لايمنع الناس عن الشراء، بأن تكون قيمة كل حقة من الحنطة مائة فلس ويبيع المحتكر بدينارين فانه أيضا احتكار، كما لا يخفى. الحمد لله أولا وآخر وظاهرا وباطنا، وقد وقع الفراغ عن كتاب البيع في يوم الاحد 24 شهر جمادى الاولى سنة 1375 ه‍، ويتلوه ان شاء الله تعالى المجلد السادس بتوفيق الملك العلام، والحمد لله وحده و صلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما. بناء على كراهة الاحتكار ولكن ليس للحاكم الا الاجبار على البيع فقط، و اما التسعير فليس له ذلك، بل للمالك أن يعين ذلك لان الناس مسلطون على أموالهم وقد ورد في بعض الاحاديث (1) أنه سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الشعير فقال صلى الله عليه وآله انه في يد الله، نعم لو اجحف في القيمة بحيث كان ازدياتها نحوا من الاحتكار يمنع الحاكم عن ذلك بحيث يبيع المالك بقيمة


(1) وسائل: 12 ص 317 باب 30 حديث 1

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية