الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة -السيد الخوئي ج 4

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي ج 4


[ 1 ]

محمد علي التوحيدي مصباح الفقاهة من تقرير بحث الاستاذ الاكبر آية الله العظمى الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دامت أفاضاته. لمؤلفه الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي الجزء الرابع

[ 2 ]

الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين وبعد فمن منن المولى جل شأنه على ان وفق رجالا علماء وافاضل يهتمون بحفظ ما القى إليهم في محاضراتي تقريرا وتحريرا حرصا منهم عليها وتحفظا على المعارف والعلوم الدينية وممن في طليعة هؤلاء جناب الفاضل المهذب الصفى والعلامة المحقق الزكي ركن الاسلام قرة عينى العزيز الميرزا محمد على التبريزي فانه دام فضله السامى قد اتعب نفسه مدة طويله وسهر الليالى في تحرير ابحاثي وتنقيحها في الفنون المتنوعة من الفقه والتفصير والاصول حتى بلغ بفضل الله وحسن توفيقه الدرجة العليا من العلم والعمل واصبح من العلماء العظام والاجلة الاعلام ولقد سرحت بصرى في ما علقه على كتاب المكاسب لشيخ مشايخنا العظام استاذ الفقهاء والمجتهدين المؤسس المجدد آية الله العظمى الشيخ مرتضى الانصاري قدس الله تعالى اسراره فاعجبني غوره في التحقيق والتدقيق وسعة اطلاعه على مصادر الروايات ومواردها وما كتبه دام فضله وتأييده واف بما نقحناه وكاف بتوضيح ما حققناه فليحمد الله وليشكره على ما انعم به عليه والله يختص برحمته من يشاء انه واسع عليم والحمد لله اولا وآخرا في شهر رجب المرجب 1373 ابو القاسم الموسوي الخوئي تأريخ الطبع: 1403

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قوله (مسألة: ومن شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع فعقد الفضولي (1) لا يصح أي لا يترتب


1 - الفضولي لغة هو الاشتغال بما لا يعنى قال في المصباح: (وفضل فضلا من باب قتل زاد وخذ الفضل أي الزيادة والجمع فضول مثل فلس وفلوس وقد أستعمل الجمع أستعمال المفرد فيما لا خير فيه ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بما لا يعنيه لانه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد وسمى بالواحد) وفى أقرب الموارد: (الفضول جمع الفضل كما مر والفضول العمل الفضولي وهو مفرد هنا يقال أن ذلك فضول منه أي أشتغال بما لا يعنيه). أقول: لولا تنزيل الجمع منزل المفرد لكان القياس أن يقال في مقام النسبة فضلى لا فضولي. أما في الاصطلاح فعن الشهيد: هو الكامل الغير المالك للتصرف ولو كان غاصبا)، وفى شرح فتح القدير الفضول: (جمع فضل غلب في الاشتغال بما لا يعنيه وما لا ولاية له فيه) وكيف كان الفضولي صفة للعاقد وما هو صفة للعقد إنما هو الفضول فجعل الفضولي صفة للعقد مجاز ومن قبيل توصيف الشئ بحال متعلقه.

[ 4 ]

عليه ما يترتب على عقد غيره من اللزوم). أقول قبل التعرض لحكم العقود الفضولية يحسن بنا أن نتعرض لامرين الاول: إذا قلنا بصحة العقود الفضولية فهل يمكن أن يحكم بصحة الايقاعات الفضولية أم لا؟ إذا قلنا بأن الالتزام بصحة العقود الفضولية إنما هو على خلاف القاعدة أعنى بها أصالة الفساد، وإن الاطلاقات والعمومات لا تشملها حكمنا بفساد العقود والايقاعات - الفضولية الا ما خرج بالدليل قيل: أن مقتضى القاعدة وإن كان هو الحكم بصحة العقود والايقاعات، ولكن قام الاجماع على عدم جريان الفضولية في الطلاق والعتاق بل في مطلق الايقاعات. وإذا قلنا بأن صحة العقود الفضولية موافقة لمقتضى القاعدة حكمنا بصحة الايقاعات الفضولية أيضا إلا ما خرج بالدليل لان العمومات و المطلقات كما تشمل العقود الفضولية كذلك تشمل الايقاعات الفضولية أيضا وعليه فما ورد بالخصوص في صحة العقود الفضولية يكون مؤيد لتلك العمومات والمطلقات. ويرد عليه: أنا لو سلمنا وجود الاجماع هنا، ولكن لا نسلم كونه إجماعا تعبديا إذ من المحتمل أن القائلين ببطلان الطلاق الفضولي قد أستندوا في ذلك إلى أن بطلان طلاق المكره يقتضى بطلان طلاق الفضولي بالاولوية أو إلى الروايات الدالة على أن الطلاق لا ينفذ إلا إذا صدر من الزوج أو ممن هو ماذون من قبله أو من قبل الشارع، وأن القائلين ببطلان العتاق الفضولي قد أستندوا في ذلك إلى الروايات الدالة على أنه لا عتق إلا في ملك وإن القائلين ببطلان مطلق الايقاعات الفضولية قد أستندوا في ذلك إلى

[ 5 ]

عدم قابلية الايقاع للتعليق واقعا، أو إلى غير ذلك عن الوجوه الاعتبارية، وإذن فيرجع البحث إلى تلك الوجوه، فلا يكون هنا إجماع تعبدي أما الوجوه المزبورة فهى أيضا ليست بتامة فلا تدل على بطلان الايقاعات الفضولية أما بطلان طلاق المكره كبطلان بيعه فإنما هو في حد ذاته مع قطع النظر عن لحوق الاجازة، ويدل على عدم تحقق الاجماع المزبور أنه ذهب غير واحد من الاصحاب إلى صحة عتق الراهن العبد المرهون توقعا للفك أو الاجازة، وذهب بعضهم إلى صحة عتق المرتهن عن الراهن مع أجازته ذلك وأما الروايات الواردة في المنع عن نفود الطلاق الصادر من غير الزوج. فالمراد منها هو أن الانسان ليس له أن يطلق زوجة غيره مستقلا و بغير أذنه وأجازته وهذا لا ينافى نفوذ الطلاق الصادر من غير الزوج مع الاجازة من الزوج بحيث يستند الطلاق إليه لا إلى مجرى الصيغة، ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال ببطلان العتاق الفضولي بالروايات المانعة عن العتق الصادر من غير المالك ويضاف إلى ذلك أن أمثال هذه الروايات واردة في البيع أيضا كقوله عليه السلام (لا بيع إلا في ملك) فلو التزمنا بظاهرها فلا بد من الالتزام - ببطلان البيع الفضولي أيضا. وأما دعوى أن التعليق في الايقاعات أمر مستحيل دعوى جزافية ضرورة أن المعاني الايقاعات كالمعاني العقدية في قبولها للتعليق وعلى الجملة أنه لا دليل على بطلان الايقاعات الفضولية وإذا قلنا بكون الوصية من الايقاعات كانت الوصية بما زاد على الثلث من الايقاعات الفضولية ولا أشكال في صحتها مع أجازة الورثة وعلى

[ 6 ]

الجملة فلا نعقل وجها صحيحا لدعوى الاجماع التعبدى على بطلان الايقاعات الفضولية مطلقا أو في الجملة. الامر الثاني: أنه هل يخرج العقد من عنوان الفضولي بمجرد رضاء المالك باطنا من دون أمارة عليه أم لا؟ ذهب المصنف إلى الاول وحكم بعدم توقفه على الاجازة اللاحقة سواء علم العاقد بالرضاء الباطني حين العقد أم لم يعلم به حين ذلك وسواء أنكشف له بعد العقد بأن المالك كان راضيا بالعقد حين وقوعه أم لم ينكشف له ذلك أصلا. وأستدل على رأيه هذا بوجوه: الاول: أن هذه المعاملة مشمولة لآيتى وجوب الوفاء بالعقد والتجارة عن تراض، ولكن لا دلالة في الايتين على ذلك أما آية وجوب الوفاء بالعقد، فلان مفادها هو أن كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقد نفسه، ومن الظاهر أن مجرد أقتران العقد برضاء المالك لا يخرج العقد الصادر من الأجنبي عن الفضولية ولا يجعله عقدا للمالك، بل العقد إنما يصير عقدا للمالك، ويستند إليه أما بمباشرة نفسه أو بنيابة الغير عنه بالاذن، أو بالاجازة اللاحقة - كما في الفضولي - وشئ من ذلك لم يتحقق في المقام، وإذن فلا يكون العقد الصادر من الفضولي مع أقترانه برضاء المالك عقدا للمالك، ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بآية التجارة عن تراض، إذ لا تتحقق التجارة عن تراض بمجرد الرضاء الباطني بالبيع الواقع على ماله فضولا ولا يقال للمالك أنه أتجر بماله. وقد ظهر لك مما بيناه، أنه لا يمكن الاستدلال على ذلك بقوله

[ 7 ]

تعالى (أحل الله البيع) فأن مفاده أحل الله بيوعكم وعليه فالممضى إنما هو البيع المنسوب إلى المالك لا مطلق البيع وإن لم ينسب إليه الوجه الثاني: ما دل على حرمة مال امرء مسلم إلا بطيبة نفسه، ومن الواضح أن المالك في الصورة المفروضة راض بالتصرف في ماله، فيكون خارجا عن الفضولية وإلا لم يجز التصرف فيه. وفيه: أن المراد من حلية البيع إن كانت هي الحلية التكليفية كحرمة الاكل والشرب، فالروايات المزبورة خارجة عن محل الكلام لان البحث، إنما هو في نفوذ البيع الفضولي مع الرضاء الباطني من المالك، وإن كان المراد هو الاعم من الحلية الوضعية والتكليفية فهو وإن كان لا بأس به، ولكن لا دلالة فيها على أن المعتبر في حلية المال إنما هو خصوص رضاء المالك وطيب نفسه بل الظاهر منها هو أن الرضاء معتبر في حلية المال، وهذا لا ينافى أعتبار شئ آخر فيها كأظهار الرضاء بمبرز خارجي من الاذن، أو الاجازة والسر في ذلك هو أن أمثال هذه الجمل والمركبات كقوله عليه السلام (لا صلاة إلا بطهور) أو (بفاتحة الكتاب) و (لا عمل إلا بنية) لا تدل على الحصر، وأن الصلاة مثلا لا تتحقق إلا بالطهور أو بفاتحة الكتاب و أن العمل لا يتحقق إلا بنية، فأنه لا يستفاد منها إلا أعتبار كون الفعل مقرونا بالنيه أو الطهور أو بفاتحة الكتاب لا أن الفعل لا يوجد إلا بالامور المذكورة، وكذلك الامر فيما نحن فيه بل المستفاد منها إنما هو أعتبار المستثنى في المستثنى منه سواء أعتبر فيه شئ آخر أم لا. الوجه الثالث: ما دل على أن علم المولى بنكاح العبد

[ 8 ]

وسكوته أقرار منه بذلك فأن الظاهر من هذه الطائفة (1) هو كفاية الرضاء الباطني في خروج العقد عن الفضولية. ويرد عليه أولا: أن سكوت السيد عن نكاح عبده مع أطلاعه عليه كاشف عرفى عن الرضاء بالعقد، ومورد بحثنا ما إذا لم يكن هنا كاشف عرفى عن ذلك. وثانيا: أن مجرد رضاء المولى باطنا بنكاح عبده يكفى في صحته، لما سيأتي من التفضيل بين كون الاجازة لتحقيق أستناد العقد إلى من يملك التصرف ليكون العقد عقدا له، وبين


1 - عن معاوية أبن وهب قال: جاء رجل إلى أبى عبد الله عليه السلام فقال أنى كنت مملوكا لقوم وأنى تزوجت امرأة حرة بغير اذن مولاى ثم أعتقوني بعد ذلك فأجدد نكاح أياها حين أعتقت فقال له أكانوا علموا أنك تزوجت أمرأة وأنت مملوك لهم فقال: نعم وسكتوا عنى ولم يغيروا على فقال سكوتهم عنك بعد علمهم أقرار منهم أثبت على نكاحك الاول ونحوه خبره الآخر عنه عليه السلام في حديث المكاتب وكذا خبر الحسن بن زياد الطائى الوافى ج 12 ص 88 و عن عروة بن أبى الجعد البارقى قال عرض للنبى صلى الله عليه وآله جلب فأعطاني دينارا وقال أي عروة أئت الجلب فأشتر لنا شاة قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فأشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو قال أقودهما، فلقينى رجل فساومني، فابيعه شاة بدينار فجئت بالدينار فقلت يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم قال كيف صنعت قال فحدثته الحديث فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه فلقد رأيتنى أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أصل إلى أهلى وكان يشترى الجوارى ويبيع مسند أحمد ج 4 ص 376 - المطبوع بمصر و بهامشه منتخب كنزل العمال وهناك خبران أخر ان سيأتي أنشاء الله.

[ 9 ]

كونها بمجرد تعلق حق الغير، حيث نلتزم بكفاية الرضاء الباطني في الثاني دون الاول، ومن الظاهر أن نكاح العبد من قبيل الثاني، حيث أن عقد النكاح مستند إلى العبد جزما وإنما الاحتياج إلى - أجازة المولى من جهة أن فعل العبد متعلق حقه فقط. الوجه الرابع: رواية عروة، فإنها ظاهرة في جواز الاكتفاء في صحة العقد بالرضاء الباطني وإن لم يقترن بالكاشف. ويتوجه عليه أولا: أن الرواية غير مذكورة في أصول الشيعة مسندا وإنما هي مذكورة في كتب العامة بسند ضعيف فلا يمكن الاستناد ليها في شئ في الاحكام الشرعية. وثانيا: أنه يمكن أن البارقى كان وكيلا مفوضا عن النبي صلى الله عليه وآله في أمر شراء الشاة وبيعها وإذن فتكون الرواية بعيدة عن محل بحثنا. وثالثا: أن أقباض عروة المبيع، وقبضه للثمن مع تقرير النبي صلى الله عليه وآله ذلك لا يدل إلا على رضاه صلى الله عليه وآله وسلم بهما فقط لا على رضاه صلى الله عليه وآله بأصل البيع أيضا ضرورة أنه لا ملازمة بين جواز القبض والاقباض وبين صحة البيع إذ قد يكون البيع صحيحا ولا يجوز القبض والاقباض كبيع الوكيل الذى هو وكيل في أصل المعاملة فقط، وقد يجوز القبض والاقباض مع فساد المعاملة كما إذا كان احد مأذونا فيهما من قبل المالك لا في أصل المعاملة وإذن فرضاء النبي صلى الله عليه وآله بالقبض والاقباض لا يدل على صحة ما انشأه عروة من البيع. ثم أن المصنف قد أستظهر خروج الفرض المتقدم عن الفضولية وعد توقفه على الاجازة اللاحقة من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم

[ 10 ]

كقولهم في مقام الاستدلال على الصحة أن الشرائط كلها حاصلة إلا رضاء المالك وقولهم أن الاجازة لا يكفى فيها السكوت لانه أعم من الرضاء والى غير ذلك من كلماتهم. ويتوجه عليه أولا: أنه لا حجية في كلماتهم فإن رأى فقيه لا يكون حجة على فقيه أخر. وثانيا: أنه لا ظهور في كلماتهم فيما يرومه المستدل لان المراد من الرضاء المذكور في كلماتهم هو الاختيار الذى هو في مقابلة الكراهة والاضطرار حيث أنهم ذكروها في بيع المكره وقالوا أن من شرائط المتعاقدين الاختيار وليس المراد منه طيب النفس وعليه فلا ربط لها بما نحن فيه ولا أقل من الاحتمال، فتكون كماتهم مجملة. ثم قال لو سلم كونه فضوليا لكن ليس كل فضولي يتوقف لزومه على الاجازة لانه لا دليل على توقفه مطلقا على الاجازة اللاحقة. ويتوجه عليه أن هذا الكلام يعد من الغرائب لانا إذا قلنا بأحتياج المعاملات الفضولية إلى الاجازة اللاحقة كان ما نحن فيه من صغرياتها، فتحتاج صحته إلى الاجازة اللاحقة ولا يكفى فيها مجرد وجود الرضاء الباطني، وإن قلنا بعدم أحتياجها إلى الاجازة اللاحقة، لكونها مشمولة للعمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها فليكن المقام كذلك وإذن فلا وجه لجعله من المعاملات الفضولية ثم الحكم بعدم أحتياجه إلى الاجازة اللاحقة. ثم قال: مع أنه يمكن الاكتفاء في الاجازة بالرضاء الحاصل بعد البيع المذكور آنا ما إذ وقوعه برضاه لا ينفك عن ذلك مع الالتفات ويرد عليه أنه إذا قلنا بكفاية الرضاء الباطني المتأخر ولو آنا ما

[ 11 ]

في صحة البيع وأخراجه عن الفضولية قلنا بذلك في الرضاء المقارن أيضا بالاولوية، فلا وجه لتخصيص الحكم المزبور بالرضاء المتأخر. ثم إنا لو أكتفينا في خروج العقد عن الفضولية بالرضاء الباطني للزم القول بكون الكراهة الباطنية موجبة لفساد البيع مع أنها لا توجب بطلانه ومن هنا لو باع الغاصب العين المغصوبة مع كراهة المغصوب منه ذلك، ثم رضى به لحكم بصحته فيعلم من ذلك أن الكراهة - الباطنية لا تؤثر في فساد المعاملة وكذلك الرضاء الباطني لا يكفى في صحتهما لان سبيلهما واحد. ثم قال: أنه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغى الاشكال في عقد العبد نكاحا أو بيعا مع العلم برضاء السيد له لعدم تحقق المعصية التى هي مناط المنع في الاخبار وعدم منافاته لعدم أستقلاله في التصرف. ويرد عليه: أنه لا وجه لتخصيص الحكم بالعبد بل يجرى ذلك في كل عقد كان فضولية من ناحية كونه متعلقا لحق الغير كبيع الراهن العين المرهونة مع رضاء المرتهن بذلك باطنا ونكاح الباكرة بدون أذن الولى والنكاح على بنت الاخ أو الاخت بدون أذن العمة والخالة فان الرضاء الباطني يكفى صحة العقد فيها وفى أمثالها و سيأتي ذلك تفصيلا. ثم أنه ذهب شيخنا الاستاذ إلى عدم خروج العقد بالرضاء الباطني عن الفضولية مطلقا سواء كانت فضوليته لتعلق حق الغير بذلك أم كانت فضوليته من ناحية صدوره من غير المالك وأليك لفظ مقرر بحثه.

[ 12 ]

(والحق عدم صحة العقد الصادر من غير من بيده زمام أمر المعقود عليه بمجرد الرضاء الباطني من المالك ومن له الحق مرتهنا كان أو مولى وذلك لانه لو كان أمر العقد موقوفا وغير ماض أما لعدم كون العاقد مالكا أو لعدم كونه مستقلا فلا يخرج عن التوقيف إلا بأستناده إلى المالك أو ذى الحق والاستناد والتنفيذ من الامور الانشائية ويكونان كسائر الايقاعات لابد من أيجادهما أما باللفظ أو بالفعل فلا الكراهة الباطنية رد ولا الرضاء الباطني أجازة بل كل منهما يحتاج إلى كاشف). والتحقيق هو التفصيل في المقام بين ما كانت الاجازة لتحقيق أستناد العقد إلى المالك بحيث يكون العقد الصادر من الفضولي عقدا له بالحمل الشايع وبينما كانت الاجازة لاجل كون المبيع متعلقا لحق الغير، فكل مورد تعتبر الاجازة في العقد لاجل أستناده إلى من له العقد فإن الرضاء الباطني السازج لا يصح ذلك وفى كل مورد أعتبرت الاجازة، لا لتلك الجهة بل لجهة أخرى لا شبهة في كفاية الرضاء الباطني في ذلك، وعلى الاول، فلا يكفى في أستناد العقد إلى المالك مجرد الرضاء الباطني وإن الاقتران برضاء المالك لا يخرج العقد عن الفضولية ما لم يكن أذن وتوكيل من المالك والوجه في ذلك أن العقد الصادر من الفضولي لا يكون مشمولا لقوله تعالى: أوفوا بالعقود، بديهة أن العقد لا يكون مشمولا لتلك الآية إلا بسأتناده إلى المالك لان مقارنة الجمع بالجمع في الآية الكريمة يقتضى أن كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقده أي أوفوا بعقودكم لا ما عقدتهم ومن الواضح أن العقد لا يكون عقدا للمالك إلا بالاستناد إليه أما بالمباشرة كما إذا

[ 13 ]

أوجده بنفسه أو بالتسبيب كما إذا أوجده وكيله أو بالاضافة إليه كما إذا رضى بالعقد الفضولي مع أظهاره ذلك بمظهر خارجي ومن الظاهر أن مجرد الرضاء الباطني بالعقد الصادر من الفضولي أجنبي عن ذلك كله وعلى الثاني فيكفى في صحة العقد مطلق الرضاء وأن كان باطنيا وغير منكشف بكاشف وذلك كالامثلة التالية. 1 - أنه إذا باع الراهن العين المرهونة فإن أعتبار أجازة - المرتهن في البيع المزبور ليس من ناحية لزوم أستناد العقد إليه بل من ناحية أن العين وثيقة عنده، فلا يجوز للراهن أن يتصرف فيها بدون أذن المرتهن، فإذا رضى به المرتهن ولو باطنا صح البيع، وبعبارة أخرى: أن المناط في صحة العقد هو كونه مشمول للا - طلاقات والعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها ومن الظاهر أن المناط المزبور موجود في بيع الراهن غاية الامران التصرف في العين المرهونة موقوف برضاء المرتهن فإذا رضى بذلك لم يكن هناك مانع عن التصرف أيضا. 2 - بيع المفلس فأنه مستند إليه ومشمول للعمومات الا أن المبيع متعلق لحق الغرماء فتعتبر أذنهم في ذلك من هذه الناحية 3 - العقد على بنت الاخ وبنت الاخت فإن صحة ذلك موقوفة على أجازة العمة والخالة لا من جهة عدم أستناد العقد إلى الزوجين إلا بأذنهما بل من جهة أخرى. 4 - عقد العبد لغير سيده وبدون أذنه نكاحا كان أو غير نكاح فأن أحتياجه إلى اجازة السيد ليس من ناحية كون العقد عقدا للسيد وهو لا يتحقق إلا بأجازته بل من جهة أنه ليس للعبد الاستقلال

[ 14 ]

في التصرف في قبال سيده. 5 - الوصية بما زاد على الثلث فأنها تحتاج إلى أجازة الورثة لكن لا من جهة عدم أستنادها إلى الموصى بل لاجل نفوذ الوصية 6 - عقد الباكرة بدون أذن وليها بناء على أعتبار أذنه في ذلك فإن أعتباره فيه من جهة النفوذ لا من جهة الاستناد. وعلى الجملة أن في كل مورد كانت الاجازة لاجل استناد العقد إلى من له العقد بحيث يكون العقد عقدا وتشمله العمومات لا يكفي فيها الرضاء الباطني، وفى كل مورد كانت الاجازه لاجل نفوذ العقد لا للجهة المزبورة يكفى فيها الرضاء الباطني لانه يكفى في النفوذ ولا دليل على أظهاره بمظهر خارجي، وهذا بخلاف الاستناد إلى المالك فأنه ما لم يظهر في الخارج لا يصدق على ما أوجده الفضولي أنه عقد للمالك، ولا أنه بيعه ولا أنه تجارته ويتضح ذلك وضوحا بمراجعة العرف واللغة، وإذن فلا يتم ما ذكره المصنف على وجه الاطلاق ولا ما ذكره شيخنا الاستاذ (وأظن أن كلام المصنف لا ينافى التفصيل المذكور لانه ذكر في آخر كلامه (ثم أنه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغى الاشكال في عقد العبد الخ) خصوصا إذا حمل ما ذكره على المثال وإن كان الحمل عليه بعيدا من ناحية التعليل في كلامه بقوله لعدم تحقق المعصية. فما ذكره شيخنا الاستاذ من: (أن الاستناد والتنفيذ من الامور الانشائية ويكونان كسائر الايقاعات لابد من أيجادهما أما باللفظ أو بالفعل)، إنما يتم في الاستناد فقط لافي التنفيذ كما عرفته قريبا وقد ظهر لك ما ذكرناه فساد ما أفاد شيخنا الاستاذ في

[ 15 ]

آخر كلامه من أنه ثبت من الادلة الخارجية عدم استقلال العبد و الراهن والباكرة وكل من كان من قبيل هذه الطوائف الثلاث في عقودهم ولا يخرجون عن الاستقلال بمجرد رضاء ذى الحق فإن به لا يسند العقد إليه. ثم أنه ربما يستدل على كفاية الاقتران بالرضاء الباطني في خروج العقد عن الفضولية بصحيحة محمد بن مسلم (1) ورواية الحميرى (2) فأنهما تدلان على حصر الشراء الصحيح برضاء المالك فيستفاد منهما


(1) عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألته عن شراء أهل الذمة فقال لا بأس بها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدى عنها كما يودون قال: وسألته عن رجل من أهل النيل عن أرض - أشتراها بفم النيل وأهل الارض يقولون هي أرضهم وأهل الاستان يقولون هي من أرضنا قال لا تشترها إلا برضا أهلها صحيحة الوافى ج 10 ص 133 قال في الوافى (الاستان بالضم أربع كور ببغداد) و في أقرب الموارد: الكورة بالضم المدينة والصقع وفى المفردات: و قيل لكل مصر كورة وهى البقعة التى يجتمع فيها قرى ومحال ج كور وقد ذكرنا سابقا ما هو المراد من النيل في - ج 3 ص 180. 2 - أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام أن بعض أصحابنا له ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصة وأكرته ربما زرعوا وتنازعوا في حدودها وتؤذنهم عمال السلطان وتتعرض في الكل من غلات ضيعته وليس لها قيمة لخرابها وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة وهو يتحرج من شرائها لانه يقال أن هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقف قديما للسلطان فإن جاز شرائها من السلطان كان ذلك صونا وصلاحا له وعمارة لضيعته وأنه يزع هذه من القرية البائرة يفضل ما ضيعته العامرة ويتحم عن طمع أولياء السلطان وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره إنشاء الله فأجابه الضيعة لا يجوز أبتياعها إلا عن مالكها أو بأمره أو رضاء منه.

[ 16 ]

أن المناط في صحة البيع إنما هو مجرد الرضاء وإن لم يبرز في الخارج ولكن يتوجه عليه أنه لا يستفاد من أمثال هذه التراكيب إلا كون المستثنى شرطا فيما يقع بعد كلمة (لا) كقوله عليه السلام لا صلاة الا بطهور لا أن حقيقة مدخول كلمة (لا) منحصرة بالمستثنى وعلى فيدل الخبران على أعتبار الرضاء لا على كفايته على وجه الاطلاق، فيكون شأنهما شأن بقية الادلة الدالة على أعتبار الرضاء في العقود و الايقاعات على أنه يمكن أن تحمل الروايتان على الرضاء بمعنى الاختيار الذى يقابل الكراهة وقد تقدم أعتباره في العقود والايقاعات قوله (ثم أعلم أن الفضولي قد يبيع للمالك). أقول يقع البحث هنا في مسائل ثلاث: الاولى: أن يبيع الفضولي للمالك. الثانية: أن يبيع له مع سبق المنع عنه. الثالثة: أن يبيع لنفسه كبيع الغاصب. أما المسألة الاولى فيقع البحث فيها من جهة أنه هل يعتبر في صحة العقود صدور أنشائها من المالك بالمباشرة أو ممن يقوم مقامه كالوكيل والماذون أم لا يعتبر في صحتها ذلك؟ بل المناط في صحة العقود هو أستنادها إلى من له العقد، ومن الظاهر أن هذا المعنى كما يتحقق بالمباشرة والتسبيب كذلك يتحقق بالاجازة اللاحقة أيضا. ولا يخفى عليك إنا إذا قلنا بصحة العقد الفضولي في هذه المسألة. فيقع الكلام في صحته وفساده في المسألتين الاتيتين و إذا قلنا بفساده هنا فلا شبهة بفساده في المسألتين الاتيتين لان

[ 17 ]

ما يبحث عنه في المسألة الاولى هو المتيقن من العقد الفضولي فإذا حكم بفساده حكم بفساد ما يبحث عنه في المسألتين الاتيتين بالاولوية القطعية. ثم أنه وقع الكلام في صحته وفساده فالمحكى عن الاكثر هو صحته - كالمقنعة والنهاية والوسيلة والشرايع والنافع وكشف الرموز والعلامة في جملة من كتبه وحواشي الشهيد ومسائله والدروس و اللعمة وجامع المقاصد والتنقيح وتعليق الارشاد وأيضاح النافع و الميسية والروضة والمسالك وغيرها - وحكى المصنف عن غاية المراد حكاية القول بالصحة عن جمع من المذكورين وغيرهم ثم قال: و أستقر عليه رأى من تأخر عدا فخر الدين وبعض متأخرى المتأخرين - كالأردبيلي والسيد الداماد وبعض متأخر المحدثين وقال في التذكرة: (مسألة يشترط أن يكون البائع مالكا أو من له ولاية كالاب والجد له والحاكم وأمينه والوكيل فلو باع الفضولي صح ووقف على أجازة المالك وبه قال مالك وأسحاق وأبو حنيفة والشافعي في القديم وأحمد في أحدى الروايتين وقال أبو ثور وأبن المنذر و الشافعي في الجديد وأحمد في الرواية الاخرى يبطل البيع وهو قول لنا) وقال - بعد أسطر -: لو شأترى فضوليا فأن كان بعين مال الغير فالخلاف في البطلان والوقف على الاجازة إلا أن أبا حنيفه. قال: يقع للمشترى بكل حال وإن كان في الذمة لغيره وأطلق اللفظ قال: علماؤنا يقف على الاجازة الخ) وعن الحدائق: أن القول بالصحة كاد يكون أجماعا وذهب جمع أخر إلى فساده فعن

[ 18 ]

المبسوط من باع مالا يملك كان البيع باطلا وفى الخلاف ج 1 ص 222: (إذا باع أنسان ملك غيره بغير أذنه كان البيع باطلا وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ينعقد البيع ويقف على أجازة صاحبه وبه قال قوم من أصحابنا دليلنا أجماع الفرقة ومن خالف منهم لا يعتد بقوله ولانه ممنوع من التصرف في ملك غيره والبيع) وعن الغنية نحوه من الصراحة وحكى القول بالبطلان أيضا عن الايضاح و أختاره في الحدائق وأطنب فيه الكلام ولكنه لم يأت بشئ تركن إليه النفس ويطمئن به القلب وذكر جملة من النصوص محتجا بالعثور عليها والاهتداء إلى الاستدلال بها وستأتى الاشارة إليها والى عدم دلالتها على ما يرومه بل دلالة بعضها على خلاف مقصوده وفى شرح فتح القدير ج 5 ص 309: (ومن باع ملك غيره بغير أذنه فالمالك بالخيار أن شاء أجاز البيع وإن شاء فسخ وهو قول مالك و أحمد وقال الشافعي: لا ينعقد لانه لم يصدر عن ولاية شرعية لانها بالمالك أو بأذن المالك وقد فقدا ولا أنعقاد إلا بالقدرة الشرعية وصار كبيع الابق والطير في الهواء في عدم القدرة على التسليم) و في الفقه على المذاهب الاربع ج 2 ص 166 - عن الشافعية -: (و من شرائط المعقود عليه أن يكون للعاقد عليه ولاية فلا يصح بيع الفضولي) وفى ص 240 - عن الحنيفة -: (أما بيع ملك الغير بوكالة منه فإنه صحيح نافذ وبيعه بدون وكالة فهو صحيح موقوف على اجازة المالك وهذا هو بيع الفضولي) وفى ص 224: (وأما الموقوف وهو بيع ما يتعلق به حق للغير فأنه من أقسام الصحيح و أنه ينعقد بدون أن يتوقف على القبض) وفى ص 168: (ومن

[ 19 ]

شروط العاقد، أن يكون مالكا أو وكيلا عن مالك فلا يلزم بيع الفضولي) وفى شرح العناية بهامش شرح فتح القدير ج 5 ص 319: (و من باع ملك غيره بغير أذنه فالمالك بالخيار إن شاء أجاز البيع و إن شاء فسخ وهو مذهب مالك وأحمد في رواية وقال الشافعي في الجديد وهو رواية عن أحمد لم ينعقد). وهنا قول ثالث وهو صحة البيع وبطلان الشراء وهو القول الاخر للشيخ في الخلاف قال في كتاب النكاح: (لو أشترى لغيره بغير أذنه لم يقف على أجازته وكان باطلا) ثم قال: وعندنا أن البيع يقف على اجازة مالكه. وفى المسألة وجهان أخر ان: أحدهما أنه أن وثق برضاء المالك فأجاز صح وإلا فلا. ثانيهما: أنه إن لم يسبق منه منع ولم يظهر كراهة صح وإلا بطل. وقد أستدل على القول بصحة البيع الفضولي مع توقفه على الاجازة بوجوه: الاول العمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها وبيان ذلك أنه لا شبهة في أن صدق عنون العقد أو - التجارة عن تراض أو البيع أو صدق أي أسم من أسما أية معاملة كانت لا يتوقف على مباشرة المالك بنفسه للعقد، بل يكفى في ذلك النيابة بإن يكون المباشر لذلك غير المالك غاية الامر لابد وأن تكون هذه المباشرة بأذن المالك لكن يكون ذلك سببا لانتساب العقد الصادر من المباشر إلى المالك، ومن المعلوم أن أنتساب العقد إلى المالك كما يتحقق بمباشرة نفس المالك أو بمباشرة غيره مع الاذن منه كذلك يتحقق بالاجازة اللاحقة من المالك وحينئذ فيصدق

[ 20 ]

على العقد الصادر من الفضولي أنه عقد للمالك أو تجارته أو بيعه و أذن فيكون ذلك مشمولا للعمومات والمطلقات المزبورة وبتعبير آخر إنا ذكرنا فيما سبق ان المراد من أوفوا بالعقود هو أوفوا بعقودكم لا ما عقدتم والمراد من أحل الله البيع هو حلية بيوعكم والمراد من التجارة عن تراض ما يصدق عليه هذا العنوان وجميع هذه العناوين لا يتحقق في الخارج إلا بالاستناد إلى المالك، ومن الظاهر أنها تستند إليه بالاجازة كاستنادها إليه بالمباشرة أو بالاذن فتشملها العمومات غاية الامر أنا نشك في أعتبار مباشرة المالك شرعا أو أقتران رضاؤه بالعقد أو وجود الاذن السابق على العقد فحيث أن كل ذلك تقييد للمطلقات أو تخصيص للعمومات بغير مخصص ومقيد فندفعه بأصالة الاطلاق أو العموم وهذا هو مراد المصنف (ره) من الاصل في المقام لا أصالة البراءة وإن أحتمله - بعيدا - المحقق الايروانى بناء على جريان البراءة في الاسباب والاوضاع. وقد يتوهم أن التمسك بالعمومات هنا يتوقف على حصول أضافة عقد الفضولي إلى المالك بالاجازة اللاحقة لكن الاضافة لا تحصل بذلك بعد وضوح أن المراد من عقودكم العقود الصادرة منكم، ولو بالتسبيب لا العقود المنتسبة اليكم بأية نسبة كانت ولو نسبة كونها مجازة لكم ومن المعلوم أن عقد الغير لا يصير عقدا صادرا من شخصي بأجازته له. ولكن هذا التوهم فاسد إذ لا فارق في أنتساب العقد من الأجنبي إلى المالك بين الاذن السابق والاجازة اللاحقة فكما أن الاذن السابق كاف في صحة العقد وأستناده إليه كذلك الاجازة

[ 21 ]

اللاحقة لانهما متساويان في حصول الرضاء الذى هو الاصل في ذلك وقد أتضح لك مما بيناه فساد ما نوقش به في التمسك بالعمومات على صحة العقد الفضولي من أن المخاطب بتلك العمومات أما العاقد الفضولي أو الملك أو غيرهما ولا سبيل إلى كل منهما أما العاقد الفضول فلعدم وجوب الوفاء عليه بعقده قطعا وهذا واضح، وأما المالك فقبل أجازته كذلك وإلا لوجبت عليه الاجازة وأما بعدها فهو مجيز لا عاقد، ووجه الوضوح هو ما ذكرنا قريبا من أن معنى أوفوا بالعقود هو أوفوا بعقودكم لا ما عقدتم وقد عرفت أن العقد الصادر من الفضولي يكون عقدا للمالك بالاجازة اللاحقة ويستند إليه أستنادا تاما، فيكون مشمولا للعمومات من حين الاجازة لا من حين العقد فزمان الاجازة هو زمان شمول العمومات للعقد الفضولي. ومن هنا ظهر لك ما في كلام المحقق الايروانى من الغرابة حيث قال: (أن التمسك بالعموم بعد الاجازة مبنى على ثبوت عموم أزماني في العمومات وليس له وجود وقد أعترف به المصنف ره في خيار الغبن)، ووجه الظهور هو أن المصنف لم يدع شمول - العمومات للعقد الفضولي من حين العقد ثم خروجه عنها إلى زمان الاجازة بالمخصص لكى يكون التمسك بها بعد الاجازة محتاجا إلى ثبوت العموم الازماني للعمومات، بل غرضه هو ما ذكرناه من أن زمان الاجازة إنما هو أول زمان صار العقد الفضولي مصداقا للعمومات الدالة على صحة العقود. ثم أنه يمكن أن يرجع إلى ما ذكرناه أستدلال جمع من الفقهاء - كما عن المختلف وغيره - على صحة البيع الفضولي بأنه عقل صدر

[ 22 ]

من أهله في محله، بداهة أن كون العاقد أهلا للعقد من حيث كونه بالغا عاقلا مع كون المبيع قابلا للبيع لا يثبتان الصحة إلا بضميمة مقدمة أخرى ثابتة بالعمومات بأن يقال أن العقد الفضولي عقد صدر من أهله في محله وكل ما صدر من أهله في محله صحيح شرعا للعمومات والمطلقات. وأن أبيت عن كون مرادهم ذلك لتوجه عليهم مما عن الشهيد في غاية المراد: من كونه مصادرة ضرورة أن تحقق الاهلية التامة عين الدعوى وجعلها دليلا على المدعى صرف مصادرة ولا يمكن دفعها إلا بما ذكرناه وأذن فلا وجه لما ذكره شيخنا المحقق من أن (أشتراط تأثير العقد بالرضاء لا ربط له بأهلية العاقد ولا بكون المبيع قابلا لوقوع العقد عليه بل أهلية العاقد بما هو عاقد منوطة بكونه عاقلا عقلا، وبكونه بالغا شرعا، وقبول المحل منوط بكونه مما يتمول ومما يملك، فلا قصور في العاقد، ولا فيما وقع عليه العقد، والمفروض حصول الاجازة الكاشفة عن الرضاء والمحققة للانتساب، فلا مصادرة وكون المبيع للغير لا يسقط العاقد بما هو عاقد عن أهلية العاقدية و لا المحل عن قبول وقوع العقد عليه، فما أفاده المصنف في توجيه المصادرة وأجاب عنها بأثباتها بالعموم خال عن الوجه)، والوجه في ذلك هو أن مجرد كون العاقد عاقلا بالغا، وكون المحل مما يتمول، وحصول الرضاء بالاجازة اللاحقة الكاشفة، لا يثبت صحة العقد لاحتمال أشتراط العقد بمقارنة الرضاء أو سبق الاذن فإنه مع هذا الاحتمال لا تتم الاهلية التامة للعاقد، فلا يمكن نفيه إلا بأصالة العموم أو الاطلاق وبذلك تثبت الاهلية التامة للعاقد.

[ 23 ]

وقد تحصل مما قدمناه أن عقد الفضولي صحيح على القاعدة بمقتضى العمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود ولزومها و عليه، فلا نحتاج إلى الاستدلال على صحته ونفوذه بالادلة الخاصة إلا لمزيد الوضوح ومن جهة التأييد وعليه فلو ناقشنا في الادلة الخاصة أما من حيث السند أو من حيث الدلالة فلا يضر هذه المناقشة بصحة عقد الفضولي ونفوذه بوجه. الوجه الثاني رواية عروة (1) ووجه الاستدلال هو أن عروة قد باع أحدى الشاتين بدينار من غير أذن النبي صلى الله عليه وآله وأقره صلى الله عليه وآله وأظهر رضائه بذلك ودعا له فلو كان البيع الفضولي باطلا لم يقرره النبي صلى الله عليه وآله بل كان عليه صلى الله عليه وآله زجر عروة والامر برد الدينار وأخذه الشاة أو تجديد المعاملة بعد تحصيل الاذن من النبي صلى الله عليه وآله مع أنه صلى الله عليه وآله لم - يفعل شيئا من ذلك، هذا ما يرجع إلى الاستدلال بالرواية من ناحية بيع عروة أحدى الشاتين بدينار وأما شراؤه الشاتين بدينار مع أنه كان مأذونا في شراء شاة بدينار الظاهرة في الشاة لواحدة فذكر المصنف


1 - (فله روايتان قد تقدمت أحداهما وأما الاخرى فهى أنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث معه بدينار يشترى له أضحية وقال مرة أو شاة فأشترى له أثنتين فباع واحدة بدينار وأتاه بالاخرى فدعا له بالبركه في بيعه فكان لو أشترى التراب لربح فيه مسند أحمد ج 4 المطبوع بمصر وبها مشه منتخب كنزل العمال في سنن الاقوال والافعال ص 375 وعن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وآله بعث معه بدينار يشترى له أضحية فأشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فأشترى أضحية - بدينار وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وآله فتصدق به النبي صلى الله عليه وآله ودعا أن يبارك له في تجارته البحار ج 23 ص 34.

[ 24 ]

(ره) أنه يمكن توجيه شرائه على وجه يخرج عن الفضولية، ولكن لم يبين الوجه في ذلك ولعل نظره في ذلك إلى أن قول النبي صلى الله عليه وآله لعروة أشتر به شاة يمكن أن يراد به كون الشراء الشاة الواحدة بدينار، ويمكن أن يراد به كون شراء جنس الشاة بدينار وعلى الثاني فلا شبهة في عدم كون الشراء فضوليا لان المأذون به يشمل الواحد والاثنين وعلى الاول فإن كان الظاهر في بادى النظر هو كون الشراء فضوليا أيضا ولكنه خارج عن ذلك جزما لان الشخص إذا كان مأذونا في شراء شاة واحدة بدينار فيكون مأذونا في شراء شاتين بدينار بالاولوية القطعية، وعليه فإذن النبي صلى الله عليه وآله لعروة في شراء الشاة الواحدة بدينار أذن له في شراء شاتين أيضا بدينار، فيكون الشراء خارجا عن الفضولية على كل حال. وقد ناقش المصنف في الاستدلال بالرواية المزبورة على صحة البيع الفضولي: بأن ذلك متوقف على دخول المعاملة المقرونة برضاء المالك في بيع الفضولي، وقد عرفت أنها خارجة عنه، وبيان ذلك أن عروة كان عالما ظاهرا برضاء النبي صلى الله عليه وآله بما فعله من البيع والا لما أقبض المبيع ولم يقبض الثمن لان ذلك تصرف في مال غيره بدون رضاه وهو حرام عقلا ونقلا، وعليه فلا بد أما من الالتزام بأن عروة فعل الحرام بقبضه الثمن وأقباضه المثمن، وهو مناف لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وتبريكه صلى الله عليه وآله، وأما من القول بجواز التصرف قبل الاجازة مع العلم بتعقبه لها. وسيأتى ضعفه وأذن، فيدور الامر بين القول بخروج المعاملة المقرونة برضاء المالك عن الفضولية، وبين القول بعلم عروة برضاء

[ 25 ]

النبي صلى الله عليه وآله بأقباضه ماله للمشترى حتى يستأذن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع علم المشترى بكون البيع فضوليا حتى يكون دفعه الثمن إلى البايع على وجه الامانة وإلا فلا يستحق الفضولي قبض المال لعدم كونه مالكا ولا وكيلا عنه ولكن الظاهر هو الوجه الاول أعنى به خروج البيع الصادر من عروة عن المعاملة الفضولية إذ من المستبعد جدا علم المشترى بكون بيع عروة فضوليا، ويتضح ذلك بملاحظة أن الظاهر هو عدم كون المعاملة فضولية في مورد الرواية، بل وقعت بعنوان المعاطاة لانها وقعت بين النبي صلى الله عليه وآله وبين مشترى الشاة ويكون عروة آلة محضا في أيصال العوضين وقد عرفت في مبحث البيع - المعاطاتى أنه يكفى في صحة المعاطاة مجرد رضا المالكين بالنقل والانتقال مع وصول العوضين إلى كل من المتعاطيين ولو كان الوصول بأطارة ريح أو بفعل صبيى أو بواسطة حيوان ومن الظاهر أنه يتسامح في المعاطاة بما لا يتسامح به في العقود اللفظية. ويرد على ما ذكره المصنف أولا: ما ذكرناه أنفا من أن أقتران العقد الصادر من الأجنبي بالرضا الباطني من المالك لا يخرجه عن الفضولية. وثانيا: أن كون الصادر من عروة فضوليا أو مندرجا تحت الكبرى المتقدمة متوقف على عدم كونه وكيلا مطلقا ومفوضا من النبي صلى الله عليه وآله في أمر شراء الشاة أو مطلقا الذى سمى في لغة فارس بكلمة (وكيل خرج) ومن المحتمل أن يكون هو كذلك وعليه، فلا يمكن الاستدلال بالرواية على صحة بيع الفضولي إذ لا قرنية في الرواية و لا من الخارج على كون البيع الصادر من عروة فضوليا.

[ 26 ]

وعلى الجملة أن ما صدر من عروة قضية شخصية واقعة في مورد خاص ولم يعلم جهتها فلا يمكن الاستدلال بها على صحة البيع الفضولي وأن أصر عليه جمع من الفقهاء ولا حملها على الكبرى المتقدمة وثالثا: أن تحقق القبض والاقباض بين عروة وبين المشترى لا يكون قرينة على عدم كون البيع الواقع بينهما فضولا بدعوى أنه لو كان فضوليا لكان التصرف في الثمن والمثمن بالقبض والاقباض حراما وذلك لما ذكرناه أنفا من عدم الملازمة بين كون البيع فضوليا وبين حرمة التصرف في الثمن أو المثمن، ضرورة أن العلم بالرضا الباطني للمالك يفيد جواز التصرف تكليفا لا جوازه وضعا. ورابعا: أنا لو سلمنا صحة المعاطاة الفضولية لكن لا نسلم كون فعل عروة ظاهرا في المعاطاة لعدم القرينة على ذلك. ودعوى أن القرينة على ذلك هو أن الغالب المعتاد في أمثال ذلك هو البناء على المعاطاة، دعوى جزافية، لانا لو سلمنا وجود الغلبة ولكنها لا تفيد إلا الظن وهو لا يغنى من الحق شيئا ومن هنا ذكر السيد في حاشيته بقول: (لم أفهم هذه الدعوى ولم أدر من أين هذا الظهور). وخامسا: إنا ذكرنا في الجزء الثاني أن الامثلة التى ذكروها لتحقق المعاطاة بمجرد أيصال العوضين إلى كل من المالكين غير ظاهرة في ذلك بل هي من أمثلة المعاطاة المتعارفة راجع ج 2 ص 169. وسادسا: ما ذكره المحقق الايروانى وأليك نصه (أن هنا خلط بين الرضا الكافي في المعاطاة والرضا الحاصل في المقام فإن

[ 27 ]

الرضا الكافي في المعاطاة عن القصد إلى أنشاء البيع بأيصال المبيع بأى وجه أتفق وبواسطة أي حامل كان والرضا الموجود في المقام هو الرضا بالبيع من أي بايع تحقق بلا قصد إلى أيجاد البيع في الخارج). ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أن الرواية ضعيفة السند وقد عرفته قريبا. الوجه الثالث: صحيحة محمد بن قيس عن أبن جعفر عليه السلام قال قضى أمير المؤمنين (1) لان قوله عليه السلام فيها في معالجة فك الولد بعد المناشدة: خذ أبنه حتى ينفذ لك البيع ظاهر في نفوذ البيع الفضولي بالاجازة اللاحقة إذ لو كانت الاجازة فاسدة وغير مؤثرة في العبد الفضولي لما أمر الامام عليه السلام بحبس الابن حتى يجيز الاب بيعه، فيعلم من ذلك أن أجازة بيع الفضولي تؤثر في صحتها. وقد نوقش في الاستدلال بها على ذلك من وجوه شتى:


1 - عن أبى جعفر عليه السلام قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في وليدة باعها أبن سيدها وأبوه غائب فأستولدها الذى أشتراها فولدت منه غلاما ثم جاء سيدها الاول فخاصم سيدها الاخر فقال وليدتي باعها أبنى بغير أذنى فقال الحكم أن يأخذ وليدته وأبنها فناشده الذى أشتراها فقال له خذ أبنه الذى باعك الوليدة حتى ينقد (في يب ينفذ) لك البيع فلما أخذه قال له أبوه أرسل أبنى قال لا والله لا أرسل اليك أبنك حتى ترسل أبنى فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع أبنه صحيحة الكافي ج 5 ص 211 والتهذيب ج 2 ص 138 و 250 والاستبصار ج 3 من طبعه النجف ص 85 والفقيه ج 3 من طبعة النجف ص 140.

[ 28 ]

المناقشة الاولى: أن القائلين بصحة عقد الفضولي قد التزموا بصحة التأهلية وبقائه على حاله موقوفا على أجازة المالك فإن أجازه لزم وإن فسخه أنفسخ وإذا أنفسخ لم تؤثر فيه الاجازة إجماعا مع أن الصحيحة ظاهرة في نفوذ الاجازة بعد الرد من نواحى شتى: 1 - قوله: الحكم أن تأخذ الوليدة وأبنها فإن هذا الحكم لا يصح إلا بعد الرد. 2 - قول السائل: ثم جاء سيدها الاول فخاصم سيدها الاخر فقال: وليدتي باعها أبنى بغير أذنى ومن الظاهر أن المخاصمة ظاهرة في الرد، إذ لولاه لما وقعت المخاصمة بين السيد الاول و السيد الثاني بل كانت الوليدة وأبنها للسيد الثاني من دون أن تكون هناك مخاصمة ومرافعة. 3 - مناشدة المشترى للامام عليه السلام والحاجة إليه في علاج فكاك ولده، ومن الواضح أنه لو لم يكن البيع مردودا من قبل السيد الاول: لم يكن وجه لهذه المناشدة والحاجة إليها. 4 - قول الامام عليه السلام - في مقام تعليم علاج فك الولد للمشترى -: (خذ أبنه الذى باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع) إذ لو لم يكن البيع مردودا لم يبق طريق للسيد الاول إلى أخذ الوليدة وأبنها فهذه القطعة من الرواية صريحة في أخذ السيد الاول أبن الوليدة وأخذ الابن ظاهر في رد البيع من حيث أن أخذ الابن لاجل كونه نماء للوليدة التى هي مملوكة له. فتحصل أن الرواية ظاهرة فيما هو مخالف للاجماع وأذن فلا بد أما من طرحها وأرجاع علمها إلى أهلها، وأما من رفع اليد عن -

[ 29 ]

ظهور كون الاجازة بعد الرد أو يراد من الاجازة البيع الجديد أو حملها على ما ذكره المحدث الكبير العلامة المجلسي (ره) في مرآت العقول ص 407 ج 3 قال: (الظاهر أن هذا من حيله التى كان يتوسل بها إلى ظهور ما هو الواقع) ولا بأس بتعليم هذه الحيلة لكشف الواقع خصوصا مع علم الحاكم بالواقع وأقتضاء المصلحة لذلك مثل أن عليا عليه السلام كان عالما - في مورد الرواية - بكون الابن وكيلا في بيع وليدة أبيه وأنكر الاب وكالة أبنه وأدعى عدم الاذن في ذلك فأحتال على عليه السلام حيلة لكى يصل بها الحق إلى صاحبه أو تحمل الصحيحة على غير ذلك من المحامل. وعلى الجملة أن ما هو مسلم عند القائلين بصحة العقد الفضولي وهو عدم كون الاجازة مسبوقا بالرد، فالرواية أجنبية عنه وما أشتملت عليه الرواية من تأثير الاجازة بعد الرد مخالف للاجماع وإن ألتزم السيد بظاهرها وقال: (فالانصاف أن الرواية لا مانع من العمل بها وتكون دليلا على صحة الاجازة حتى بعد الرد)، ولكن الظاهر أنه لا أشعار في الرواية بكون الاجازة بعد الرد فضلا عن الدلالة عليه أما قوله عليه السلام (الحكم أن يأخذ وليدته وأبنتها) فلا دلالة فيه على ما يرومه الخصم، وذلك لان الرواية خالية عن تعرض المالك لفسخ العقد أو أمضائه بل غاية ما يظهر منها هو عدم رضاه بأقباض أبنه ولذا أسترد الوليدة وأبنها ومن الظاهر أنه يجوز للمالك قبل أجازة العقد الفضولي أن يتصرف في المبيع حتى على القول بالكشف غاية الامر أنه إذا أجاز العقد الفضولي أنكشف بطلان تصرف لا أنه لا يجوز تصرفه في ماله تكليفا قبل الاجازة ولا شبهة في أن تصرفه هذا

[ 30 ]

قبل الاجازة لا يكشف عن رد البيع بل يمكن أن يكون ذلك من جهة تردده بين الفسخ والامضاء ولا يشترط في تأثير الاجازة وقوعها عقيب عرض البيع على المالك من دون أن يفصل بينهما: التردد بين الفسخ والامضاء أو التوقف في ذلك، بل العبرة في تأثير الاجازة بكونها قبل الفسخ ويدل على ما ذكرناه ما ذهب إليه الاصحاب من الحكم بصحة أجازة المكره بعد زوال أكراهه، فيعلم من ذلك أن الكراهة الباطنية لا توجب فسخ المعاملة فضلا عن التردد بين الفسخ والامضاء أما مناشدة المشترى للامام عليه السلام في فكاك ولده فلا تدل أيضا على أن المالك قد رد البيع وأخذ أبن الوليدة لكونه مملوكا له لان الولد لا يملك على تقديري الاجازة والفسخ لكونه حرا كما سيأتي بل المناشدة من حيث أن المشترى طلب من الامام عليه السلام علاجا لفك الولد وأجازة البيع فعلمه الامام عليه السلام طريقا لذلك وهو قوله عليه السلام (أخذ أبنه الذى باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع). ومن هنا أتضح لك أنه لا دلالة في قول المشترى: (حتى ترسل أبنى) على تحقق الرد قبل الاجازة نعم له ظهور في عدم الاجازة وهو أعم من الرد كما أتضح لك أنه لا دلالة في قوله عليه السلام: أخذ أبنه إلى.. أخره) على تحقق الرد قبل الاجازة بل هو طريق علمه الامام عليه السلام للمشترى لكى يتشبث به في فكاك ولده أجازة البيع وأما المخاصمة، فلا دلالة فيها أيضا على رد البيع غاية الامر أنها تدل على عدم رضا المالك بالبيع وعدم أذنه فيه وهذا ظاهر. وعلى الجملة أنه لا دلالة في شئ من الوجوه المتقدمة على تحقق الرد قبل الاجازة بل هي أعم منه ومن التردد بين الاجازة

[ 31 ]

والرد أو التوقف فيهما. المناقشة الثانية: أن الامام عليه السلام قد حكم للسيد الاول بأخذ الوليدة وأبنها مع أن الابن حر لتولده من الشبهة، وذلك لان المشترى لم يعلم بكون الوليدة لغير البائع إذ لو كان عالما بذلك لكان الوطى حراما وصار الولد رقا لتولده من الزنا فيعلم من ذلك أن المشترى لم يكن عالما بالحال وأن الولد إنما تولد من الشبهة وقد حقق في محله أن ولد الشبهة ملحق بأبيه، فيكون حرا ومعه كيف يجوز للسيد الاول أن يأخذه. وقد أجيب عن هذه المناقشة بوجهين الوجه الاول، أنه لا مانع عن كون المشترى عالما بالحال، وعليه فيكون الولد من الزناء فيصير رقا للسيد الاول لولا الاجازة. ويرد عليه أنه لو كان الامر كما ذكر لما حكم الامام عليه السلام بأخذ الابن لانفاذ البيع بل يجب على المشترى حد الزناء. الوجه الثاني: أن الولد وإن كان حرا ولكن أخذه السيد الاول لاستحصال قيمة يوم الولادة لانه وإن لم يكن مالكا للولد لكونه حرا ومتولدا من الشبهة ولكن له أن يطالب قيمته يوم الولادة لكونه نماء لمملوكه وهو الوليدة وقد حمل الرواية على هذا الشيخ (ره) في الاستبصار وأليك لفظه: (فالوجه في هذا الخبر إنما يأخذ وليدته وأبنها إذا لم يرد عليه قيمة الولد فأما إذا بذل قيمة الولد فلا يجوز أخذ ولد الحر) ج 3 ص 85 وتبعه المحقق التسترى في مقابيسه وجعل هذا وجه الجمع بين الروايات حيث قال في خلال كلامه: (وذكر في جملة من الاخبار أن للمالك قيمة الولد وفى بعضها

[ 32 ]

أنه رق والجمع بين الروايات يقتضى جواز حبس الولد للتوصل إلى أخذ قيمته وإن لم يجز تملكه) ثم أستشهد على ذلك ببعض الروايات وهذه الروايات مروية في ج 3 ص يب ص 213 والظاهر أنه لا بأس بهذا الوجه بعد مساعدة الروايات عليه فراجع المقابيس. ويرد عليه أن المطالب (بالفتح) هنا إنما هو المشترى فلو جاز حبس المديون لاستحصال الدين، فلا بد وأن يحبس المشترى دون ولده غير المقصر. والتحقيق أن يجاب عن المناقشة بأنه لا شبهة في ظهور الرواية في صحة بيع الفضولي بالاجازة المتأخرة وقد عرفته قريبا غاية الامر أنها أشتملت على حكم آخر لا نعرف سره ولا ربط له بجهة الاستدلال ومن الظاهر أن أشتمالها على جهة مجهولة لا يسقطها عن الحجية من سائر الجهات غير المجهولة. المناقشة الثالثة: أنه قد حكم الامام عليه السلام للمشترى بأخذ أبن السيد مع أن ذلك لا يجوز لان غاية الامر كونه غاصبا و الغاصب ليس حكمه ذلك. وأجيب عنه بأنه يمكن أن يكون ذلك لمطالبة المشترى الثمن الذى دفعه إليه ومن الظاهر أنه لا بأس بحبس المديون لاستحصال الدين. ويتوجه عليه أن هذا الحكم وإن كان صحيحا في نفسه لان الغرامة المتوجهة على المشترى متوجهة على البايع لانه الذى غر المشترى وتسبب لخسرانه وقد دلت النصوص والفتاوى على أن المغرور يرجع إلى الغار، ولكن هذا الوجه لا يناسب ذيل الرواية أعنى به

[ 33 ]

قول المشترى للسيد الاول: (لا والله لا أرسل اليك أبنك حتى ترسل أبنى) فلما راى ذلك أجاز البيع، فان الظاهر من هذه القطعة من الرواية هو أن حبس المشترى أبن السيد الاول لم يكن لاجل استحصال الثمن بل لاجل فكاك ولده. والتحقيق أن يجاب عن هذه المناقشة أيضا مثل ما أجبنا به عن سابقتها من أن هذا حكم آخر لا نعرف ربطه بجهة الاستدلال من الرواية على ما نحن فيه. ويؤيد ما ذكرناه أن القضايا التى صدرت من أمير المؤمنين عليه السلام لم تصل الينا بجميع خصوصياتها الخارجية الواقعة بين المترافعين وكذلك هذه القضية التى بين أيدينا فإن غرض الامام أبى جعفر عليه السلام من نقلها ليس إلا بيان أن امير المؤمنين عليه السلام قد حكم بأن البيع على مال الغير قابل للاجازة وليس غرضه بيان خصوصيات القضية بأجمعها. ثم إنا لو تنزلنا عما ذكرناه من كون الصحيحة ظاهرة في صحة بيع الفضولي بالاجازة المتأخرة وقلنا بظهورها في صحته بالاجازة المسبوقة بالرد الذى هو مخالف للاجماع فهل يستفاد منها تأثير أجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا أم لا؟ ذكر المصنف ره (أن الانصاف أن ظهور الرواية في أن الاجازة مجدية في الفضولي مع قطع النظر عن الاجازة الشخصية في مورد الرواية غير قابل للانكار، فلا بد من تأويل ذلك الظاهر لقيام القرينة وهى الاجماع على أشتراط الاجازة بعدم سبق الرد). وملخص كلامه أن الصحيحة وإن وردت في قضية شخصية التى

[ 34 ]

لا يمكن التعدي منها إلى مثلها أجماعا ولكن يمكن أن يستنبط منها تأثير اجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا في غير مورد الاجماع. ويتوجه عليه: أن هذا إنما يتم فيما إذا كان للرواية عموم أو إطلاق، فإن في مثل ذلك ترفع اليد عن خصوصية المورد ويؤخذ بالعموم أو الاطلاق وذلك لان عدم أنطباق الكبرى المستفاد من رواية على موردها لا يوجب رفع اليد عن تلك الكبرى بالكلية ونظير ذلك كثير في الروايات (1) وأما إذا لم يكن للرواية إطلاق أو عموم - كما في المقام حيث أن الصحيحة تحكى قضية شخصية في مورد خاص لا نعرف كيفية وقوعها من جميع الجهات - فلا يمكن التعدي من موردها إلى غيره. الوجه الرابع: أنه قد دلت النصوص المعتبر والاجماعات


1 - منها صحيحة أبى نصر البزنطى عن أبى الحسن عليه السلام في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما بملك أيلزمه ذلك فقال لا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع عن أمتى ما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطاؤا الوسائل ج 16 باب 16 من كتاب الايمان ج 6 فإن هذه الصحيحة وإن تنطبق على موردها إذ لا يلزم الحلف بالامور المذكورة في الرواية في غير حال الاكراه أيضا عند الامامية ولكن هذا لا يمتنع عن التمسك بأطلاق حديث الرفع في غير مورد الرواية و هذا ظاهر ومنها موثقه أبن بكير قال سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب إلى أخر الحديث والى غير ذلك من الروايات.

[ 35 ]

المحكية على صحة الزواج الفضولي (1) وإذا صح الزواج الفضولي صح سائر العقود الفضولية بالاولوية وذلك لان الماليات يتسامح فيها بما لا يتسامح به في الفروج ضرورة أن النكاح مبنى على الاحتياط و


1 - عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما والاخر غائب هل يجوز النكاح قال إذا كره الغائب لم يجز النكاح، وعن عبيد بن زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والاخر لا يعلم ثم أنه علم بعد ذلك له أن يفرق بينهما قال: للذى لم يعلم ولم يأذن ان يفرق بينهما وإن شاء تركه على نكاحه الوافى ج 12 ص 89 وعن أبن بزيع قال: سأله رجل مات وترك أخوين وأبنة والابنة صغيرة فعمد أحد الاخوين الوصي فزوج الابنة من أبنه ثم مات أبو الابن المزوج فلما أن مات قال الاخر أخى لم يزوج أبنه فزوج الجارية من أبنه فقيل للجارية أي الزوجين أحب اليك الاول أو الآخر قالت الآخر ثم أن الاخ الثاني مات وللاخ الاول أبن أكبر من الابن المزوج فقال للجارية أختارى أيهما أحب اليك الزوج الاول أو الزوج الآخر فقال الرواية فيها أنها للزوج الآخر وذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها وليس لها أن تنقضي ما عقدته بعد أدراكها (يب ج 7 ص 387 الوافى ج 12 ص 67 وفى رواية البقباق إذا زوج الرجل أبنه فذلك إلى أبيه موثقة الوافى ج 12 ص 65 يب ج 2 ص 224 ورواه الشيخ بسند أخر في ص 225 وعن محمد بن الحسن الاشعري قال كتب بعض بنى عمى إلى أبى جعفر الثاني عليه السلام ما تقول في صبية زوجها عمها فلما كبرت أبت التزويج فكتب بخطه لا تكره على ذلك والامر أمرها الوافى ج 12 ص 66 يب ج 2 ص 223 و عن الكاهلى عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام أنه - سأله رجل زوجته أمه وهو غائب قال النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل وأن شاء ترك فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر لامه الوافى ج 12 ص 68 يب ج 2 ص 224.

[ 36 ]

في غير واحد من الروايات (1) ما يدل على شدة الاهتمام بأمر النكاح والاحتياط فيه وعلل ذلك في بعضها بأنه يكون منه الولد ومن الظاهر أنه إذا جاز العقد الفضولي فيما كان الاحتياط فيه أشد جاز فيما كان الاحتياط فيه أضعف بطريق أولى وقد تمسك بهذا الوجه جماعة من الفقهاء بل قال في الرياض: (ولعمري أنها من أقوى الادلة ولولاها لاشكل المصير إلى هذا القول لحكاية الاجماعين الآ - تيين). ويتوجه على هذا الوجه أن أهتمام الشارع بأمر النكاح وشدة أحتياطه فيه لا يقتضى الاهتمام بسببه والاحتياط فيه بل يقتضى ذلك أن يكون سببه أسهل لئلا يقع الناس في الزنا بسبب التكليف والضيق مثلا إذا أعتبرت العربية في مادة الصيغة وهيئتها ولهجتها كان ذلك سببا لعدم تمكن أكثر الناس من سبب النكاح ويقعون في الحرام كثيرا، فالاهتمام بأمر النكاح يقتضى عدم الاحتياط في سببه دون - الاحتياط فيه لكن يعتبر فيه ما لا يعتبر في سائر العقود من الخصوصيات بل ربما يعتبر في سائر العقود ما لا يعتبر في عقد النكاح كالتقابض في المجلس فأنه معتبر في الصرف والسلم ولكنه غير معتبر في عقد النكاح وكثيرا ترى التوسعة في أسباب النكاح من تشريع المتعة و ملك اليمين والتحليل وجواز الاقتصار في مقام الاذن بالسكوت وغير ذلك وأذن، فعدم أحتياط الشارع في النكاح بالتوسعة في أسبابه


1 - ج 7 يب ص 67 والوسائل باب 2 من أبواب الوكالة ورواية أخرى في ج 16 وافى ص 52 ورواية شعيب الحداد وفى ج 2 يب ص 245.

[ 37 ]

لا يدل بالفحوى على التوسعة في أسباب سائر العقود وعليه فلا دلالة في الروايات الواردة في صحة عقد النكاح الفضولي مع ضميمة ما دل على شدة الاحتياط في النكاح على صحة سائر العقود الفضولية لا بالاولوية ولا بغيرها وأذن فلا يمكن التعدي من موارد تلك الاخبار إلى غيرها على أن الاولوية ظنية والظن لا يغنى من الحق شيئا. ثم أنه ناقش المصنف في الاستدلال بالفحوى على صحة البيع الفضولي، وحاصل مناقشته أن الاولوية المزبورة وإن كانت ثابتة في بادى النظر ولكنها مردودة بالنص الوارد في الرد على العامة في فرقهم بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل وبين بيعه حيث حكموا بالبطلان في الاول لان البضع ليس له عوض وبالصحة في الثاني لان المال له عوض وقد وبخهم الامام وقبحهم برمى رأيهم السقيم وزعمهم الواهي إلى الجور والفساد وأستذموا وأستلاموا على حكمهم هذا حيث قال الامام: ما أجور هذا الحكم وأفسد فإن النكاح أولى وأجدر أن يحتاج فيه لانه الفرج ومنه يكون الولد (1) وعليه، فمقتضى الاحتياط أن الحكم بصحة النكاح الواقع أولى من الحكم بصحة البيع الواقع وأذن فتدل الرواية على كبرى كلية وهى أن الحكم بصحة المعاملة المالية الواقعة في كل مقام يستلزم الحكم بصحة النكاح بالاولوية دون العكس كما زعمه أهل السنة والجماعة، وحينئذ فلا يجوز التعدي من صحة النكاح في مسألة الفضولي إلى صحة البيع لان الحكم في الفرع لا يستلزم الحكم في الاصل في باب


1 - يب ج 2 ص 67 وسائل باب 2 من أبواب الوكالة.

[ 38 ]

الاولوية وإلا لم تتحقق الاولوية وأذن فالاستدلال بصحة النكاح على صحة البيع مطابق لحكم العامة من كون النكاح أولى بالبطلان من جهة أن البضع غير قابل للتدارك بالعوض. ثم أنه ما هو الوجه في أن الامام عليه السلام قد جعل الاحتياط في أبقاء النكاح لا في أبطاله؟ مستدلا بأنه يكون منه الولد مع أن الامر في الاعراض كالاموال دائر بين المحذورين ضرورة أن أبقاء النكاح الذى أوقعه الوكيل قبل وصول عزله إليه أحد المحذورين وأبطاله هو المحذور الآخر وعليه فلا يكون أحتياط في البين. ولعله الوجه عن ذلك: هو أن المراد من الاحتياط ليس هو معناه المصطلح أي: درك الواقع على كل حال بل المراد منه هنا إنما هو الاخذ بالجانب الاهم وبيان ذلك: أن الحكم بأبطال النكاح في موارد الاشتباه التى منها مورد الرواية أعنى به مسألة عزل الوكيل مع عدم بلوغ الخبر إليه يستلزم التفريق بين الزوجين على تقدير صحة النكاح واقعا فتتزوج المرأة بزوج آخر وحينئذ فتتحقق الزنا بذات البعل وهذا بخلاف ما لو حكم بصحة النكاح وإبقائه فإنه حينئذ لو كان باطلا في الواقع فلا يلزم منه الا الزنا بغير ذات البعل ومن الظاهر إن هذا أهون من الزنا بذات البعل فالامام عليه السلام قد جعل الاخذ بأخف المحذورين أحتياطا في الموارد المشتبهة من الاعراض أنتهى ملخص كلامه. والتحقيق أن الرواية أجنبية عما أفاده المصنف وأن كلام القوم غير مبنى على الاحتياط لا في البيع ولا في النكاح لا من حيث - الفتوى ولا من حيث العمل، بل الرواية ناظرة إلى جهة أخرى

[ 39 ]

غير ما يرومه المصنف وبيان ذلك: أن حكم هؤلاء بصحة البيع مع الجهل بعزل الوكيل وإن كان موافقا للواقع ولكنه حرام لانهم لم يستندوا فيه إلى الاحتياط لكى يجيب عنه الامام عليه السلام بأن النكاح أولى وأجدر بالاحتياط، فيكون أولى بالصحة بل أستندوا في ذلك إلى الاستحسان الذى يقتضى الصحة في البيع والبطلان في النكاح ولا ريب أن الاستناد إلى الاستحسان في مقام الفتوى حرام لانه، فتوى بلا علم ولا هدى من الله ولا كتاب منير، ومن الواضح أن - الفتوى بلا علم حرام بالادلة الاربعة هذا من حيث الفتوى أما من حيث العمل، فلا شبهة في أن حكمهم بصحة البيع لا يوافق الواقع دائما حتى موافقا للاحتياط بل البيع مردد بين وقوعه وعدم وقوعه، وحينئذ فأمره دائر بين المحذورين فلا أحتياط في البين وهكذا الحال في النكاح أيضا طابق النعل بالنعل، ضرورة أن حكمهم ببطلانه غير مبنى على الاحتياط بل إنما هو مبنى على الاستحسان وعليه فحكمهم ببطلانه حرام لكونه فتوى بلا علم وأنه في نفسه أما واقع أو غير واقع فيكون في مقام العمل من صغريات دوران الامر بين المحذورين لا من موارد الاحتياط، نعم يمكن الاحتياط في النكاح بأنحاء شتى: 1 - طلاق المرأة، لانها لو كانت مزوجة في الواقع لبانت عن زوجها وإلا أصبح الطلاق لغوا. 2 - أجراء العقد عليها ثانيا. 3 - الاجازة مع عدم رد المرأة العقد الذى أوقعه الوكيل مع الجهل بالعزل.

[ 40 ]

وأما معنى الخبر فغرض الامام عليه السلام منه - والله العالم - إنما هو الرد على هؤلاء القوم الذين أفتوا بصحة البيع وبطلان النكاح الفضوليين مستندين في ذلك إلى الاستحسان وبيان ذلك أن هؤلاء قد - وضعوا أمر الدين أصولا وفروعا في غير محله ولم يرجعوه إلى أهله و لم يستندوا فيه إلى آية صريحة ولا سنة معتبرة ولا عقل سليم بل أستبدوا بآرائهم الواهية وعقولهم الناقصة وأنقطعوا بذلك عن العترة الطاهرة وأستظهروا بالمعصية على الطاعة وبالفرقة على الاجتماع و بالشتاة على الالفة وبالباطل على الحق وأستبدوا العمى من الرشد والذل من العز حتى تمزق الاجتماع وتفرق المسلمون مثل أيادى سبا وطلعلت الشمس من غير محلها فضلوا وأضلوا فذلك هو الخسران المبين مع أن النزول على حكم الادلة والبراهين والتعبد بسنة سيد المرسلين قد أخذ الاعناق إلى الاخذ بمذهب الائمة الطاهرين والانقطاع إليهم في فروع الدين وعقائده وأصول الفقه وقواعده و معارف السنة والكتاب وعلوم الاخلاق والسلوك والاداب فالامام عليه السلام قد رد على هؤلاء حيث لم يحتاطو في الماليات وأفتوا بصحة البيع الفضولي وأستندوا في رأيهم هذا إلى الاستحسان ولم يرجعوا فيه إلى أهله ولم يمتنعوا عن الحكم فيه وإن كان رأيهم موافقا للواقع ولم يحتاطوا في الاعراض أيضا حيث أفتوا ببطلان النكاح الفضولي مع أن النكاح من مهمات ما يتوقف عليه نظام الدين والدنيا وكان الاحتياط فيه أجدر وأحرى لان تركه ربما يوجب التفريق بين الزوجين والزنا بذات البعل ويكون ذلك وسيلة إلى تولد الفراعنة والجبارة فيفسدون في الارض ويسفكون الدماء وقد أشار الامام عليه السلام

[ 41 ]

إلى خطائهم وبطلان أستحسانهم بقوله عليه السلام ما أجور هذا الحكم وأفسد فإن النكاح أولى وأجدر أن يحتاط فيه. وعلى الجملة أن الامام عليه السلام وبخهم ووجه الازلاء عليهم من جهة أقدامهم على الفتوى بلا دليل شرعى وعدم سكوتهم فيما لابد من التوقف فيه مع أن الاحتياط كان مقتضيا للسكوت، فقد أتضح لك مما بيناه أن الرواية بعيدة عن المعنى الذى ذكره المصنف ثم أنه قد يقرر تقريب الفحوى بوجه آخر - كما في المقابيس و غيره - وحاصله أنه إذا صح تمليك البضع بالاجازة مع أنه لا عوض له صح التمليك المال المتضمن للعوض بالاولوية. ويرد عليه أن عدم مقابلته بالمال لا يدل على الاولوية المزبورة إذ من المحتمل أن يكون ذلك لاهمية البضع ويضاف إلى ذلك أن البضع أيضا له عوض غاية الامر أنه لا يلزم ذكره في العقد بل في الجواهر (أنه لا خلاف في أن ذكر المهر ليس شرطا في صحة العقد بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى ظاهر آية لا جناح والنصوص المستفيضة أو المتواترة). على أن هذه الاولوية ظنية لان مصالح الاحكام خفية ومن الظاهر أن الادلة الظنية لا تصلح لاثبات الاحكام الشرعية.

[ 42 ]

الوجه الخامس الروايات (1) الدالة على صحة نكاح العقد الواقع بدون أذن مولاه وقد علل هذا الحكم في بعضها بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فقد أستدل بها على صحة بيع الفضولي و تقريب ذلك بوجهين: الاول من ناحية الفحوى والاولوية المستفاد من مجموع تلك الاخبار وبيان ذلك أنه إذا صح نكاح العبد الواقع بدون أذن سيده بالاجازة اللاحقة مع كونه فضوليا لتصرفه في مملوك مولاه وكونه محجورا عليه إذ لا سلطان له في مقابل سلطنة مولاه صح العقد


1 - عن على بن جعفر عن أخيه عليه السلام: أنه أتاه رجل بعبده فقال: أن عبدى تزوج بغير أذنى فقال عليه السلام: فرق بينهما فقال السيد لعبده: يا عدوا لله طلق فقال عليه السلام كيف قلت له قال: قلت له: طلق فقال للعبد أما الان فإن شئت فأمسك حيث قلت له طلق أقررت له بالنكاح يب ج 2 ص 214 الوافى ج 12 ص 88 والبحار ج 23 ص 80 وعن معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام أنه قال في رجل كاتب على نفسه وماله وله أمة وقد شرط عليه أن لا يتزوج فأعتق الامة وتزوجها فقال لا يصلح له أن يحدث في ماله الا الاكلة من الطعام ونكاحه فاسد مردود قيل فإن سيده علم بنكاحه ولم يقل شيئا قال إذا صحت حين يعلم بذلك فقد أقر الكافي ج 5 ص 478 والوافى ج 12 ص 88 وعن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال سألته عن رجل تزوج عبده بغير أذنه فدخل بها ثم أطلع على ذلك مولاه فقال: ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما فقلت لابي جعفر عليه السلام فإنه في أصل النكاح كان عاصيا فقال عليه السلام وليس بعاص لله وإنما عصى سيده وفى رواية أخرى لزرارة عنه عليه السلام أنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز الكافي ج 5 ص 478 والوافى ج 12 ص 88 ويب ج 2 ص 213.

[ 43 ]

المتمرض في الفضولية بالاولوية. وفيه ما عرفته آنفا من أن الاولوية ليست بقطعية لكى يمكن الاخذ بها في الاحكام الشرعية بل هي ظنية فلا يجوز الاستناد إليها لان مصالح الاحكام غير معلومة لنا. الثاني: من ناحية عموم التعليل المذكور في الخبرين فقد أستدل بذلك شيخنا الاستاذ وأليك لفظ مقرر بحثه: (أن ظاهر قوله عليه السلام أنه لم يعص الله وإنما عصى سيده أن المناط في البطلان هو عدم تشريع الله سبحانه المنشأ بالعقد وأما إذا كان مشروعا من قبله سبحانه ولكنه في عقده تصرف في سلطان الغير، فهو منوط بأجازته، فإذا أجاز جاز فقوله عليه السلام (فإذا أجاز جاز) بمنزلة كبرى كلية وخصوصية كون العاقد عبدا وكون ذى حق سيدا ملغا قطعا، لانه عليه السلام في مقام بيان أن كل من تصرف في متعلق حق الغير فأمر هذا التصرف راجع إلى ذى الحق إن شاء أبطله وإن شاء أجازه وعلى هذا، فلو فرض أن نكاح العبد من قبيل بيع الراهن لا من قبيل بيع مال الغير فلا يضر بالاستدلال، لان المناط في صحة الفضولي توقف العقد على أجازة الغير سواء كان جهة الوقوف كون المال مال الغير أم كونه متعلقا لحق الغير كتعلق حق الرهانة أو حق الغرماء والديان أو حق السادات والفقراء ونحو ذلك). وملخص كلامه: أن الاستدلال بتلك الروايات على صحة بيع الفضولي لا يتوقف إلى أثبات الاولوية لكى يناقش فيها بما عرفته قريبا بل يمكن الاستدلال على ذلك بعموم العلة المنصوصة في الخبرين المستفادة من مقابلة عصيان الله بعصيان السيد بدعوى

[ 44 ]

أن العبد لم يعص الله في نكاحه لكى يكون قابلا للزوال بالاجازة اللاحقة كالعقد في العدة وأشباهه كما في أحد الخبرين لان حرام الله حرام إلى يوم القيامة وإنما عصى سيده الذى يزول عصيانه بتبديل كراهته برضائه، فيستفاد من ذلك أن النكاح المزبور مشروع في نفسه وإنما المانع عن نفوذه هو كراهة السيد فإذا رضى به صح وعليه، فيصح كل عقد مشروع في نفسه بالاجازة اللاحقة إذ لا خصوصيه لنكاح العبد لنفسه وأذن فالامام عليه السلام في مقام بيان الضابطة الكلية وهى أن كل عقد كان فيه عصيان لله تعالى، فهو فاسد كالعقد في العدة والعقد على المحارم وبيع الخمر والخنزير وكل عقد لم يكن فيه عصيان لله تعالى فهو صحيح غاية الامر أنه محتاج إلى أجازة سيده. وقال المصنف ما هذا لفظه (وربما يؤيد المطلب بالاخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد بدون أذن مولاه معللا بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، أن المانع من صحة العقد إذا كان لا يرجى زواله، فهو الموجب لوقوع العقد باطلا وهو عصيان الله تعالى وأما المانع الذى يرجى زواله كعصيان السيد فبزواله يصح العقد ورضا المالك من هذا القبيل فإنه لا يرض أولا ويرضى ثانيا بخلاف سخط الله عزوجل بفعل فإنه يستحيل رضاه. ويرد عليه أنه لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات بوجه على صحة بيع الفضولي بالاجازة اللاحقة للفرق الواضح بين مفادها وبين البيع الفضولي ضرورة إذ العقد في موردها مستند إلى من له العقد كما عرفته سابقا إذ المفروض أن العبد قد تزوج لنفسه إلا أنه فاقد لما

[ 45 ]

هو معتبر في صحته وهو رضا السيد وأذن، فلا أشعار فيها بصحة البيع الفضولي فضلا عن الدلالة عليها نعم يمكن التعدي منها إلى ما يماثل موردها كعقد بنت الاخ، فإن صحته متوقفة على رضا العمة وكعقد بنت الاخت فإن صحتها متوقفة على رضا الخالة على ما في بعض الروايات (1) وعليه فإذا تزوج الرجل ببنت الاخ بدون رضا العمة أو ببنت الاخت بدون رضا الخالة حكم بصحة ذلك بالرضا المتأخر منهما من جهة تلك الروايات لانه لم يعص الله حتى لا يزول عصيانه بل عصى المخلوق فيزول بالرضا وعليه فتدل الرواية على كبرى كلية وهى أن كل عقد صدر من أهله ووقع في محله ولكن يتوقف نفوذه على أجازة الغير فهو نافذ بالاجازة بمقتضى التعليل المذكور في تلك الاخيار، فلا دلالة فيها على صحة ما يتوقف أصل أنعقاده على أجازة الغير، نعم لو كان التعليل بإن كان كل عقد كان فيه عصيان المخلوق دون الخالق، فهو محكوم بالصحة برضا الغير لكان شاملا للبيع الفضولي أيضا ولكن الواقع في الرواية ليس كذلك. وقد أتضح لك مما ذكرناه أنه لا يصح الاستدلال على صحة بيع الفضولي بالاجماع على نفوذ بيع المفلس مع أجازة الغرماء وعلى نفوذ بيع الراهن مع أجازة المرتهن لان شيئا من ذلك لا يرتبط بما نحن فيه. ثم إذا سلمنا دلالة الاخبار المذكورة على صحة عقد الفضولي لم يصح ما نسب إلى أبن حمزة ره من أن نكاح العبد وكذا نكاح


1 - راجع الوافى ج 12 ص 37 ويب ج 2 ص 208 والكافي ج 5 ص 424 والوسائل باب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 46 ]

الحر لغيره فضولا كنكاح الولى الشرعي والعرفي إنما يصح بالاجازة لخصوصية خاصة في كل مورد فلا يمكن التعدي من هذه الموارد إلى مطلق نكاح الفضولي فضلا عن سائر العقود الفضولية وذلك لعدم الفارق بينها وبين سائر العقود الفضولية لوحدة المناط في الجميع ولكن قد عرفت عدم دلالتها على ذلك. الوجه الرابع: الروايات (1) الواردة في ئباحة المناكح و


1 - عن على بن ئبراهيم في تفسير قوله تعالى إذا جائوها و فتحت أبوابها قال أمير المؤمنين عليه السلام أن فلانا وفلانا غصبونا حقنا وأشتروا به الاماء وتزوجوا به النساء ألا وأنا قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم، وعن غوالى اللئالى سئل الصادق عليه السلام فقيل يأبن رسول الله ما حال شيعتكم فيما خصكم الله به إذا غاب غائبكم الخ مستدرك ج 2 ص 555، وعن علبا الاسدي قال دخلت على أبى جعفر عليه السلام فقلت له: أنى وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا وأشتريت متاعا وأشتريت رقيقا وأشتريت أمهات أولاد وولد لى وأنفقت وهذا خمس ذلك المال وهؤلاء أمهات اولادي ونسائي وقد أتيتك به فقال: أما أنه كله لنا وقد قبلت ما جئت به وحللتك من أمهات أولادك ونسائك رجال الكشئ. وعن الحسن بن على العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن أمير المومنين عليه السلام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: قد علمت يا رسول الله أنه سيكون بعدك ملك غضوض وجبر فيستولى على خمس من السبى والغنائم و يبيعونه فلا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام مجهول. الوسائل باب 4 من أبواب الانفال ج 20. وعن سالم بن مكرم عن أبى عبد الله عليه السلام قال رجل وأنا حاضر - >

[ 47 ]

المساكين والمتاجر للشيعة وإن كان ذلك بأجمعه للامام عليه السلام فإنها تدل على أن الائمة عليهم السلام قد أجازوا معاملات شيعتهم على أموالهم فتدل على تأثير الاجازة اللاحقة. أقول لا يخفى عليك أن هذه الروايات يمكن الاستدلال بها على صحة البيع الفضولي على تقدير ولا يمكن ذلك على تقدير آخر وبيانه أنك قد عرفت في طليعة البحث عن العقد الفضولي أن أقتران رضا المالك بالعقد الصادر من الأجنبي لا يخرجه عن عنوان الفضولي إلا إذا أظهره بمظهر خارجي وهذا لا شبهة فيه. وإنما البحث في أن الاذن الغير الواصل هل يخرج العقد عن الفضولية أم لا؟ كما إذا أذن المالك في بيع شئ من ماله فباعه المأذون قبل وصول الاذن إليه فإن قلنا بتأثير الاذن الغير الواصل في خروج العقد عن الفضولية، فالاجازة المزبورة أجنبية عن بحث الفضولي بالكلية، ضرورة أن الائمة عليهم السلام قد أذنوا لشيعتهم في المعاملة على ما فيه حق الامام عليه السلام غاية الامر أن المشترى لم يطلع على ذلك الاذن وعليه، فتكون تلك المعاملة مستندة إلى الائمة


- > حلل لى الفروج ففزع أبو عبد الله عليه السلام فقال له: رجل ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادما يشتريها أو أمرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه فقال هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحى وما يولد منهم إلى يوم القيامة الوسائل باب 4 من ابواب الانفال ج 4 ضعيف بسالم بن مكرم و، حديث الاول من باب 4 أيضا.

[ 48 ]

عليهم السلام لاجل ذلك الاذن الموجود حين العقد، وإن قلنا بأن مجرد صدور الاذن من المالك لا يخرج المعاملة الصادرة من الأجنبي عن عنوان الفضولي ما لم يصل إليه، بل الاذن المزبور إنما يؤثر في خروجها عن الفضولية حين وصوله إلى العاقد أن قلنا بذلك فالروايات المذكورة تدل على صحة العقود الفضولية وهذا هو الحق لان الائمة وإن أذنوا في المعاملة على أموالهم ولكنه لم يصل إلى المشترى ومن الظاهر أن العقد إنما يخرج عن الفضولية بأستناده إلى المالك ولا يستند العقد إليه بمجرد صدور الاذن منه وإن لم يصل إلى العاقد بل إنما يستند إليه ذلك بالاذن الواصل ويكون عندئذ مشمولا للعمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ونفوذها و أذن فتدل تلك الروايات أيضا على صحة العقود الفضولية بالاجازة اللاحقة. ودعوى أن ما أشتملت عليه تلك الروايات حكم شرعى لا يجب تطبيقه على القواعد، ولا يمكن التعدي من موردها إلى مورد آخر، دعوى فاسدة، لان الظاهر منها هو أن الامام عليه السلام إنما يمضى معاملات شيعتهم الواقعة على أمواله بعنوان أنه مالك كسائر الملاك فينتج من ذلك قاعدة كلية وهى أن كل مالك يجوز له أمضاء المعاملة الفضولية الواقعة على ماله وعلى هذا فإذا أشترى أحد شيئا ثم علم أن البايع لم يؤد خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليا ويحكم بصحته من ناحية أجازة الامام عليه السلام فلا يحتاج إلى أجازة الحاكم وعليه، فيتعلق الخمس بالثمن ولو كان ذلك جارية بل يصح النقل بلا عوض أيضا وحينئذ فيتعلق الخمس بذمة

[ 49 ]

الناقل وكل ذلك لاجل تلك الروايات وقد ذكرنا في كتاب الخمس أن أخبار التحليل كلها مطلقها ومقيدها محمولة على هذه الجهة و أن التحليل إنما هو للمنقول إليه فقط لا للناقل بل ذمته مشغولة بحق الامام عليه السلام وإنما التزمنا بذلك جمعا بين الاخبار الدالة على طيب المناكح والمساكين والمتاجر للشيعة وبين ما دل على وجوب أيصال حق الامام إليه كرواية الكليني عن على بن أبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر عليه السام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل الخ، الوسائل باب 3 من أبواب الانفال ولو أغمضنا عما ذكرناه لما جاز شراء ما فيه حق الامام عليه السلام ولما جاز التصرف ولما جاز وطى الامة التى هي للامام عليه السلام مع أنها جائزة وأيضا يلزم أن يكون المتولد من تلك الجارية ولد زنا مع أنه ليس كذلك وجميع ذلك ليس إلا من أن الامام عليه السلام قد أمضى هذه المعاملات تفضلا منه على شيعتهم وقد أتضح لك مما ذكرناه فساد ما يقال: من أن مقتضى ما دل على طيب المناكح هو أباحة وطى الجارية التى جعلت ثمنا لما فيه الخمس مع أن مقتضى أنتقال الخمس إلى الثمن هو عدم الجواز ووجه الفساد هو ما ذكرناه من مقتضى الجمع بين الاخبار هو أختصاص التحليل بالمنقول إليه فقط فلا يعم الناقل وتفصيل الكلام في محله. الوجه الخامس: الروايات (1) الواردة في عامل مال المضاربة لو خالف ما شرط عليه من تعيين سلعة مخصوصة فأشترى غيرها أو المنع عن السفر إلى أرض معلومة فسافر إليها فأنها تدل على أنه

[ 50 ]

يضمن مال المضاربة مع التلف ولكن الربح مشترك بينهما على الشرط وهذا لا يتم إلا على القول بصحة المعاملات الفضولية وتأثير الاجازة اللاحقة فيها، فإنه على هذا تكون المعاملة الصادرة من العامل فضولية وتصح بالاجازة اللاحقة وإلا فمقتضى القاعدة أن يكون مجموع الربح للمالك.


1 - يب عن جميل عن أبى عبد الله عليه السلام في رجل دفع إلى رجل ما لا يشترى به ضربا من المتاع فأشترى به غير الذى أمره قال هو ضامن والربح بينهما على ما شرط وروى الكليني والشيخ بأسناد هما عن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال في الرجل يعطى الرجل المال فيقول له أئت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها وأشتر منها قال: فإن جاوزها وهلك المال، فهو ضامن وأن أشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه وإن ربح فهو بينهما حسن بأبن هاشم. كافى عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهم السلام قال سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج قال: يضمن المال و الربح بينهما. تهذيب عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل يعط الرجل مالا مضاربة وينهناه أن يخرج به إلى أرض أخرى فعصاه فقال هو له ضامن والربح بينهما أذا شرطه وعصاه. فقيه عن الكنانى قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المضاربة يعطى الرجل المال يخرج به إلى الارض ونهى أن يخرج به إلى أرض غيرها فعصى فخرج به إلى أرض أخرى فعطب المال فقال هو ضامن فإن أسلم فربح فالربح بينهما تهذيب عن الشحام عن الصادق عليه السلام في المضاربة إذا أعطى الرجل المال ونهى أن يخرج بالمال إلى أرض أخرى فعصاه فخرج به قال هو ضامن والربح بينهما الكافي ج 5 ص 240 والتهذيب ج 2 ص 170 والوافى ج 10 ص 120 والفقيه طبعة النجف ص 143.

[ 51 ]

قال المصنف - وهذا نصه -: (فأنها أن أبقيت على ظاهرها من عدم توقف ملك الربح على الاجازة كما نسب إلى ظاهر الاصحاب وعد هذا خارجا عن بيع الفضولي بالنص كما في المسالك وغيره كان فيها أستيناس لحكم المسالة من حيث عدم أعتبار أذن المالك سابقا في نقل المالك إلى غيره وأم حملناها على صورة رضا المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح كما هو الغالب وبمقتضى الجمع بين هذه الاخبار وبين ما دل على أعتبار رضا المالك في نقل ماله والنهى عن أكل المال بالباطل (1) أندرجت المعاملة في الفضولي وصحتها في خصوص المورد وأن أحتمل كونها للنص الخاص إلا أنها لا تخلو عن تأييد للمطلب. وملخص كلامه أن الروايات الدالة على صحة المعاملة الصادرة من عامل القراض تدور على أحتمالين أحدهما: عدم لزوم الاجازة في المعاملة المزبورة، والثانى: دلالتها على صحة تلك المعاملة مع الاجازة الاحقة ضرورة أن المالك وإن لم يكن راضيا بها قيل ظهور الربح ولكنه رضى بها وعلى الاول، فيستأنس بها لصحة بيع الفضولي لاشتراكه مع مورد الروايات في عدم لزوم الاذن السابق في نقل المال، وعلى الثاني، فتدل على صحة بيع الفضولي. أقول: أما الاحتمال الاول فيرد عليه أن مجرد الاستيناس لا يدل على صحة بيع الفضولي، فإنه لا يفيد الا الظن فهو لا يغنى


1 - كاية التجارة عن تراض والروايات الدالة على حرمة التصرف في مال الغير بدون أذنه ورضائه وقد ذكرناه هذه الروايات في الجزء الثاني ص 137.

[ 52 ]

من الحق شيئا بل لا أستيناس هنا أيضا بديهة أن الحكم بصحة عقد الفضولي بلا أحتياجه إلى الاجازة اللاحقة في مورد خاص للنص غير مربوط بصحة المعاملة الفضولي مع الاجازة وذلك لان النص قد دل عدم أعتبار أذن المالك في الاول بخلاف الثاني فأنه تعتبر في صحته أجازة المالك - كما هو المفروض - وأشتراك مورد النصوص مع سائر العقود الفضولية في عدم أقتران العقد بأذن المالك لا يقتضى الاتحاد من جميع الجهات على أنه لو صح التمسك بها في المقام للزم الحكم بصحة بيع الفضولي بلا أحتياج إلى رضا المالك لا سابقا ولا لاحقا إذ لم يفرض في مورد الروايات أحتياج معاملة العامل إلى أجازة المالك، بل إنما حكم الامام عليه السلام بصحتها على وجه الاطلاق. فتحصل أن هذه الروايات أجنبية عن بيع الفضولية بالكلية في مورد فلا أستيناس بها لصحة بيع الفضولي بوجه، وأما الاحتمال الثاني فيتوجه عليه أنا لو فرضنا لحوق الاجازة من المالك بالمعاملة التى أوقعها العامل ولكنها لا يتفق ومورد الروايات، بداهة أن المذكور فيها إنما هو أشتراك الربح بين المالك والعامل ومقتضى لحوق الاجازة بها هو كون الربح بأجمعه للمالك وأن العامل لا يستحق منه شيئا. ودعوى أن المالك إنما أجاز البيع بعنوان أنه من مصاديق المضاربة ومن الظاهر أن متقضى عقد المضاربة هو أشتراك الربح بينهما، دعوى فاسدة، لانها تكلف في تكلف على أن ذلك يقتضى كون التلف على المالك لا على العامل مع أنه مخالف لصريح تلك الروايات على أن حملها على صورة لحوق الاجازة من المالك دعوى

[ 53 ]

فاسدة إذ لا شاهد عليه في شئ من تلك الاخبار ولا في غيرها فيكون الحمل تبرعيا محضا. وعلى الجملة أن الروايات المذكورة وأن كانت تنطبق على البيع الفضولي بناء على ما ذكره المصنف من الاحتمال الثاني ولكن لازم ذلك هو عدم كون الربح مشتركا بين العامل والمالك، ضرورة أن ما وقع عليه عقد المضاربة لم يوجده العامل وما أوجده العامل غير مربوط بالمضاربة بل إنما هو عقد آخر فضولي، فإن أجازة المالك أختص به لا أنه يكون من مصاديق المضاربة ومشتركا بينه وبين العامل وإن لم يجزه بطل من أصله والعجب من المصنف فإنه كيف حمل تلك الروايات على الفضولي بمقتضى الجمع بينها وبين ما دل على أعتبار الرضا في نقل الاموال فتحصل أن الحكم بصحة بيع الفضولي مع لحوق الاجازة بها من ناحية تلك الاخبار يعد من الغرائب وأنها بعيدة عن كلا الاحتمالين الذين ذكرهما المصنف. ثم أنه هل يمكن تطبيق تلك الروايات على القاعدة أو أنها محمولة على التعبد المحض؟ فربما يقال بالاول بدعوى أن غرض الامام عليه السلام من تلك الروايات إنما هو التنبية على ما تقتضيه القاعدة وبيان ذلك أن غرض المالك من أيقاع عقد المضاربة ليس إلا الاسترباح وتحصيل المنفعة بأى وجه أتفق إلا أنه نهى عن أشتراء سلعة خاصة أو عن المسافرة إلى محل معين لاجل تخيله عدم حصول الربح من ذلك أو تلف المال عندئذ، فيكون نهيه عن المعاملة الخاصة أو عن المسافرة إلى مكان مخصوص من طرق تحصيل المنفعة أيضا، والا فليس له غرض خاص من المنع المزبور ولا هناك مصلحة

[ 54 ]

خفية لا يعلمها العامل ولا أنه مستند إلى العناد واللجاج وأذن فالممنوع عنه ليس بخارج عن حدود المضاربة غاية الامر أن المالك قد أشترط على العامل شرطا خارجا عما يقتضيه عقد المضاربة لاجل ذلك الخيال، وحينئذ فلو رأى العامل ربحا في البيع الذى نهى عنه المالك وأقدم عليه لكان ذلك من مصاديق عقد المضاربة، وإن لم يلتفت إليه المالك بل منع عنه صريحا ضرورة أن منعه عن ذلك ليس إلا من قبيل الخطا في التطبيق وتخيله عدم وجود النفع في المنهى عنه مع وجوده فيه واقعا وعلى هذا، فاشتراكهما في الربح من جهة عقد المضاربة لا للاجازة اللاحقة لكى يستدل بذلك على صحة العقود الفضولية كما أن كون الخسران على العامل من جهة الاشتراط، فإنه يؤثر في كون الوضيعة عليه وبه تخرج المعاملة عن المضاربة في صورة الخسران وتدل على ذلك قصة عباس (1) عم النبي صلى الله عليه وآله حيث أنه كان يقارض عماله ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطون الوادي وإلا فالضرر عليهم، فيعلم من هذه القضية أنه لا بأس بأشتراط كون الوضيعة على عامل المضاربة في فرض المخالفة. ويرد عليه أولا: أنه لا يمكن الالتزام بالخطا في التطبيق في


1 - عن الحلبي عن أبى عبد الله عيه السلام أنه قال في المال الذى يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شئ إلا أن يخالف أمر صاحب المال فإن العباس كان كثير المال وكان يعطى الرجال يعملون به مضاربة ويشترط عليهم أن ينزلوا بطن واد و لا يشتروا ذا كبد رطبة قال عليه السلام فأن خالفت شيئا مما أمرتك به فأنت ضامن للمال يب ج 2 ص 169 والوافى ج 10 ص 120 قوله ذا كبد كناية عن الحيوان وإنما منع عنه لكونه في معرض الافات.

[ 55 ]

جميع الموارد بل إنما يمكن الالتزام به فيما علم أنه ليس غرض المالك من أيقاع عقد المضاربة إلا الاسترباح بأى وجه أتفق فإنه عندئذ يمكن القول بصحة المضاربة في صورة المخالفة عند ظهور الربح فيهما. وأما إذا لم يعلم غرضه من ذلك فلا يمكن الالتزام بالخطا في التطبيق في صورة المخالفة مثلا إذا أشترط المالك على العامل في عقد المضاربة أن يبيع إلا الاكفان فإن في مثل ذلك لا يمكن القول بأن غرض المالك من المضاربة ليس إلا تحصيل الربح. وثانيا: أنه لا دليل على أتباع غرض المالك في العقود و الايقاعات ما لم يبرز بمظهر خارجي وإلا يصح ذلك في جميع الموارد فيلزم منه تأسيس فقه جديد مثلا إذ وكل أحد غيره في بيع داره لم يجز للوكيل أن يبيع دابة الموكل أيضا بتخيل أن غرض الموكل من التوكيل في بيع داره ليس إلا الاتجار بماله بأى وجه أتفق. فذكر الدار إنما هو لاجل تخيله أن غير الدار لا تباع بالقيمة المناسبة وكذلك إذا وكلت المرأة أحدا في تزويجها بالعالم الفلاني لم يجز للوكيل أن يزويجها بعالم آخر أفضل منه بتخيل أن غرض المراة إنما التزويج بالعالم وإن تعيين شخص خاص من جهة عدم التفاتها إلى من هو أفضل منه والى غير ذلك من الامثلة. وثالثا: أن تطبيق تلك الروايات على القاعدة على الوجه المذكور لايتم في جميع الموارد لكون ذلك أخص من المدعى لانه ربما تكون المعاملة مربحة في صورة المخالفة كما هو مورد الاخبار، ولكنها لا تكون موافقة لغرض المالك كما إذا نهى عن المعاملة مربحة كان ربحها في كل عشرة أثنان ورخص في المعاملة مربحة كان

[ 56 ]

ربحها في كل عشرة ثمانية فإنه عندئذ كيف يمكن الالتزام بصحة المعاملة الادنى بقانون أن غرض المالك من المضاربة هو الاسترباح وأن النهى عن معاملة خاصة لاجل الخطا في التطبيق، وأذن فلا يمكن تطبيق الروايات على القواعد. وأما كون الخسران على العامل في مورد الروايات فليس ذلك من ناحية الاشتراط وإلا لكان تخلفه موجبا للخيار لا كون الوضيعة على العامل بل هو من قبيل أشتراط كون الوضيعة على العامل في صورة المخالفة وهذا المعنى وان كان يتفق أحيانا كما أتفق في معاملات عباس عم النبي صليه الله عليه وآله وسلم و لكن لا كلية له قطعا ومن الظاهر أن الامور الاتفاقية لا تكون ضابطة كلية لكى تؤخذ بها في جميع الموارد وهذا ظاهر لا شك فيه. فتحصل من جميع ما ذكرناه إنه لا يمكن حمل النصوص المذكورة على الفضولي مع تقييدها بالاجازة اللاحقة ولا حملها على القواعد بل هي محمولة على التعبد المحض الذى يخالف القواعد وحينئذ فلا يجوز التعدي عن موردها بل يجب الاقتصار عليه. مع إن ورودها على طبق القاعدة يقتضى ذكر ذلك في غير باب المضاربة أيضا لان الحركة على طبق غرض المالك لا يختص بباب المضاربة بل تجرى في الوكالة وغيرها أيضا مع أنه لم يتفوه به أحد بل يقتضى ذلك الاختلاف في مضمونها مع أن الفقهاء قد أفتوا على طبقها بلا خلاف في ذلك من أحد. قال العلامة في القواعد: (ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها أو بأبتياع شئ معين، فأبتاع غيره ضمن ولو ربح حينئذ فالربح على شرط) وحكى التصريح بذلك كله عن النهاية والشرايع

[ 57 ]

والنافع والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد والمسالك والكفاية و المفاتيح وقضية الاطلاق جمع أخر بل حكى الاجماع عن الغنية و السرائر، على أنه يضمن فيما إذا خالف في السفر وأبتياع المعين وعن جامع المقاصد أنه لا بحث فيه بل نسبه إلى الاصحاب بل في الرياض أنه لا خلاف فيه وعن ظاهر جامع المقاصد وموضعين من المسالك أن الربح على الشروط فيما إذا خالف في هذين الامرين و عن أيضاح النافع أن عليه الفتوى وعن موضع من مجمع البرهان كأنه لا خلاف فيه وفى آخر أن الخلاف فيه غير معلوم. وعلى الجملة أنه لا شبهة ولا خلاف في حمل الروايات المتقدمه على التعبد المحض وتفصيل الكلام في محله. ثم أن شيخنا الاستاذ بعد ما حكم بصحة المعاملة التى فيها ربح ودخولها تحت المضاربة وخروجها عنها في صورة الخسران قال (ثم أن كون الوضيعة عليه مع أن في صورة البطلان لا وضيعة محمول على ما إذا لم يمكن أسترداد المبيع فيتحقق الخسران). ويرد عليه أن كون الوضيعة على العامل من جهة بطلان العقد وعدم أمكان أسترداد المبيع، وأن كان ممكنا في الجملة إلا أن هذا لا يجرى في جميع الروايات، لانه حكم الامام في بعضها بكون الخسران على العامل بعد فرض صحة المعاملة فيه كما يظهر ذلك لمن يلاحظها. الوجه السادس: الاخبار الواردة في الاتجار بمال اليتيم قال المصنف - وهذا نصه - (ومن هذا القبيل أي من قبيل أخبار المضاربة الاخبار الواردة في أتجار غير الولى في مال اليتيم وأن

[ 58 ]

الربح لليتيم فأنها إن حملت على صورة أجازة الولى كما هو صريح جماعة تبعا للشهيد الثاني كان من أفراد المسألة وأن عمل بأطلاقها كما عن جماعة ممن تقدمهم خرجت عن مسالة الفضولي لكن يستأنس لها بالتقريب المتقدم وربما أحتمل دخولها في المسالة من حيث أن الحكم بالمضي أجازة الهية لاحقة للمعاملة فتأمل). وقال في البلغة (منها ما ورد مستفيضا وفيه الصحيح والمعتبر فيمن أتجر بمال الطفل لنفسه بغير أذن وليه أنه يضمن المال و الربح للطفل أو اليتيم والتقريب فيه ما تقدم حرفا بحرف). ويرد عليه أولا: جميع ما وجهناه على الوجه السابق طابق النعل بالنعل فلا أستيناس بشئ منها لصحة بيع الفضولي مع لحوق الاجازة فضلا عن الدلالة عليها. وثانيا: أنا لم نعثر على خبر يكون نصا أو ظاهرا في كون المتجر بمال اليتيم هو غير الولى بل الروايات الواردة في الاتجار بماله كلها على طائفتين، الطائفة الاولى صريحة في تجارة نفس الولى بذلك (1) الثالثة (2) مطلقة وغير مقيدة بالولي ولا بغيره ومن


1 - عن أسباط بن سالم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام كان لى أخ هلك فأوصى إلى أخ أكبر منى وأدخلني معه في الوصية وترك أبنا له صغيرا وله مال أفيضرب به أخى فما كان من فضل سلمه لليتيم وضمن له ماله فقال إن كان لاخيك ما يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم مجهولة بأبن سالم الوسائل باب 75 من أبواب ما يكتسب به وعن أبى الربيع قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون في - >

[ 59 ]

الظاهر أنه لا دلالة في كلتا الطائفتين على ما نحن فيه ولا استينأس بهما لذلك، أما الطائفة الاولى فلان التجار الولى بمال اليتيم تارة يكون لنفسه بأن يستقرض من اليتيم ويتجر به لنفسه بل صرح الامام عليه السلام بذلك في رواية الصيقل ومفضل بأنه إن كان عندك مال و ضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال فإن المراد من الضمان فيها هو الضمان القرض فمعنى ضمنته أي أخذته قرضا ولكن الرواية - ضعيفة وأخرى لليتيم وعلى الاول فالمعاملة مختصة بالولي فلا حظ فيها لليتيم بوجه وعليه، فيكون ربح التجارة له وخسراتها عليه وأذن فلا ربط لها بالمعاملة الفضولية بل شأنها شأن سائر تجاراته بمال نفسه.


- > يده مال لاخ له يتيم وهو وصيه أيصح له أن يعمل به قال نعم يعمل به كما يعمل بمال غيره والربح بينهما قال قلت فهل عليه ضمان قال لا إذا كان ناظرا له. مجهولة بأبى الربيع الشامي الوافى ج 10 ص 45 والوسائل باب 2 من تجب عليه الزكاة. 2 - عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام في مال اليتيم قال العامل به ضامن ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال وقال إن عطب أداه حسنة بأبن أبراهيم وعن ربعى بن عبد الله عن أبى عبد الله عليه السلام قال في رجل عنده مال اليتيم وهو ضامن وسائل - أبواب ما يكتسب به باب 75 ج 3 وغيرها من الروايات المذكورة في باب الزكاة من ئل باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ومن لا تجب عليه.

[ 60 ]

وهذا واضح لا شبهة فيه وعلى هذا تحميل الروايات (1) الدالة على جواز أخذ مال اليتيم مع الضمان والشاهد على هذا الحمل هو أن غير الولى ولو كان مليا لا يجوز له الاقتراض من مال اليتيم بدون أذن وليه مع أن المذكور في هذه الروايات هو الاقتراض بدون أذنه على أن بعضها مقيد بخصوص الولى كما يظهر ذلك لمن - يلاحظها وعلى الثاني، فلا ربط للمعاملة الفضولي أيضا لو كانت فضولية لاحتاجت إلى أذن الولى فتخرج بذلك عن الفضولية، وأما إذا كان المتصدي لها هو شخص الولى، فلا تحتاج صحتها إلى أذن أحد ضرورة أن صحة تصرفات غير الولى متوقفة على أذن الولى فلو كانت صحة تصرفات الولى أيضا متوقفة على أذن غيره فأما يدور أو يتسلسل وكلاهما باطل. نعم يعتبر في أتجار الولى بمال اليتيم أن يكون مليا أي ذا مال فإنه حينئذ يكون الربح لليتيم والخسران أيضا عليه. أقول لا دليل على كون الخسران على الطفل بعد ضعف الطائفة الاولى، وأما الطائفة الثانية، فهى ظاهرة في كون الربح لليتيم و


1 - عن منصور بن حازم عن أبى عبد الله عليه السلام في رجل ولى مال يتيم أستقرض منه فقال: أن على بن الحسين عليه السلام قد كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره فلا بأس بذلك. وعن أبن نصر قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون في يده مال لايتام فيحتاج إليه فيمد يده فيأخذه وينوى أن يرده فقال لا ينبغى له أن يأكل إلا القصد ولا يسرف وإن كان عن نيته أن لا يرد عليهم فهو بالمنزل الذى قال الله عزوجل أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما.

[ 61 ]

الوضيعة على التاجر مع عدم الفرق فيها بين الولى وغيره لمكان الاطلاق إلا أن يقال أن هذه الطائفة المطلقة مقيدة بالطائفة الثانية ولكنها ضعيفة السند كما ذكرناه في الحاشية. وأما إذا كان فقير فيكون الربح عندئذ لليتيم والخسران على الولى المتجر به كما في رواية الصيقل وغيرها، وهذا أيضا غير مربوط بالفضولى لما عرفته قريبا من أن مقتضى صحة المعاملة بالاجازة هو كون النفع لليتيم والوضيعة عليه، ومقتضى عدم أمضائها هو بطلانها من أصلها ولكن الشارع حكم بكون الربح لليتيم تعبدا ولعل الحكمة فيه هو مراعات حال اليتيم كما سيأتي قريبا الاشارة إليه على ما في الرواية كما أن الامر كذلك في أتجار غير الولى بمال اليتيم وسيأتى قريبا على أن هذه الطائفة من الروايات ضعيفة السند وأما الطائفة الثانية التى تدل على جواز الاتجار بمال اليتيم مطلقا، فهى ناظرة إلى رعاية حال اليتيم وواردة في مقام التوسعة له و - الامتنان عليه لانه تعالى قد رخص في الاتجار بماله لاى أحد مع كون ربح التجارة له ووضيعتها على التاجر ولعل النكتة في ذلك هو أن لا يقرب أحد مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن ولا شبهة في أن هذا حكم تعبدي محض وغير مربوط بالفضولى أصلا ولا تنطبق عليه القواعد، ولا أن صحة المعاملة المزبورة متوقفة على أجازة الولى لو كان التاجر غيره حتى يتوهم أنها كيف تكون صحيحة مع عدم لحوق الاجازة بها؟ إذ لو كانت هي فضولية وموقوفة على أجازة الولى لاختصت باليتيم في صورة الاجازة وكانت الوضيعة عليه والربح له وكانت باطلة من أصلها في صورة الرد وعلى كل

[ 62 ]

حال فلم يكن وجه لكون الربح لليتيم والوضيعة على التاجر فيعلم من ذلك كله أن الروايات محمولة على التعبد الصرف. وقد يقال: أن كون الاتجار بمال اليتيم فضوليا لا يستلزم التوقف على أجازة الولى بل يمكن أن يكون ذلك فضوليا ومجازا من قبل الله تعالى وقد وصلت إلينا هذه الاجازة بواسطة سفرائه الكرام. وعليه، فتحمل الروايات المتقدمة على هذه الناحية. ويرد عليه أن أدخال التجارة بمال اليتيم في الفضولية بالاجازة الالهية يوجب خروجها عن ذلك جزما، ضرورة أن تلك الاجازة موجودة حال العقد لا أنها تلحق به لكى توجب أندراج مورد - الروايات في عقد الفضولي ولعله لاجل هذا أمر المصنف بالتأمل. وهذا المطلب ظاهرا ينافى لما تقدم من أن الاذن غير الواصل لا يخرج العقد عن الفضولية وإن كان الاذن موجودا حال العقد. فتحصل من جميع ما ذكرناه أن الروايات الواردة في الاتجار بمال اليتيم أجنبية عما نحن فيه بالكلية. الوجه السابع: رواية موسى بن أشيم (1) حيث أن الامام


1 - عن أبى جعفر عليه السلام في عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم فقال أشتر منها نسمة وأعتقها عنى وحج عنى بالباقي ثم مات صاحب الالف درهم فأنطلق العبد فأشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي في الحج عن الميت فحج عنه فبلغ ذلك موالى أبيه ومواليه وورثة الميت فأجتمعوا، فأختصموا جميعا في الالف درهم فقال: موالى المعتق إنما أشتريت أباك بمالنا فقال أبو جعفر عليه السلام أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد وأما - >

[ 63 ]

عليه السلام قد أكتفى في الحكم بتملك العبد بثبوت وقوع الشراء بمال المدعى ومن الظاهر أن أجازة المالك لو لم تكن كافية في صحة الفضولي لما أكتفى الامام بذلك لان تحقق العام لا يستلزم تحقق الخاص أيضا. ولا يخفى عليك أن صريح الرواية هو أن المدعى لملكية الاب ثلاث طوائف: 1 - موالى الاب المعتق فأنهم يدعون أشترأه بمالهم. 2 - موالى العبد المأذون، فإنهم يدعون أشتراءه بمالهم. 3 - ورثة الميت فأنهم يدعون أشتراءه بمالهم. وعلى الاول، فالمعاملة باطلة من أصلها لانا ذكرنا في محله أن البيع عبارة عن أعتبار التبديل بين المالين في جهة الاضافة و لا شبهة في أن هذا المعنى لا يتحقق إلا بدخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه بأن يفك البايع أضافته القائمة بالمتاع ويجعلها قائمة بالثمن ويفك المشترى أضافته القائمة بالمثمن و يجعلها قائمة بالمتاع لان كلا من المتعاملين يبدل ماله - عند المبايعة بمال شخص أخر في جهة الاضافة وعليه، فإذا باع أحد متاعه من غيره صار الدينار ملكا للبايع ولو صار ملكا لشخص آخر لما


- > المعتق فهو رد في الرق لموالى أبيه وأى الفريقين أقام البينة أن العبد أشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا ضعيف بأبن أشيم الكافي ج 7 باب النوادر من الوصية ص 62 ويب ج 2 زيادات الاجارات ص 181 والعتق ص 318 وزيادات ص 168 الوصايا ص 401 والوافى ج 9 باب قضايا غريبة من القضاء ص 168.

[ 64 ]

صدق عليه مفهوم البيع لان الثمن لم يدخل في ملك من خرج المثمن عن ملكه كما أنه لو باع متاعه من نفسه لما صدق عليه عنوان البيع أيضا لعدم تحقق التبديل في جهة الاضافة مثلا إذا ملك أحد ماله لنفسه بأزاء ماله الاخر أو ملكه لزيد بأزاء تمليك زيد ماله لشخص آخر لم يصدق عليه عنوان البيع وإذن فلا ربط للرواية على هذا الوجه بالبيع الفضولي بوجه بل نسبته إليها كوضع الحجر في جنب الانسان. وعلى الثاني فالمعاملة وإن كانت صحيحة ولكنها بعيدة عن بيع الفضولي إذ المفروض أن العبد مأذون في التجارة من قبل مواليه، فيكون مأذونا في شراء أبيه وعليه فالرواية أيضا أجنبية عن عقد الفضولي إلا أن يقال: أن موالى المأذون وإن أذنوا له في التجارة ولكن الظاهر أن المراد منها هو التجارة التى فيها ربح و شراء العبد أباه ليس منها، فيكون فضوليا، فلا تكون الرواية أجنبية عنه فتأمل. وعلى الثالث فقد يقال بدخول المعاملة في العقد الفضولي لان الظاهر من الرواية أن الشراء إنما هو بعد موت المورث وأنتقال المال إلى الورثة وحينئذ فتكون المعاملة فضولية لعدم كون العبد مأذونا في ذلك من قبلهم، فتكون مطالبة المبيع أجازة وأذن - فتدل الرواية على صحة بيع الفضولي، ضرورة أنه لو لم تكن الاجازة المتأخرة كافية في صحته لم يكن مجرد دعوى الشراء بالمال وأقامة البينة عليه كافية في تملك المبيع ولكن كون البيع فضوليا في هذه الصورة - متوقف على أنكار الورثة وصية مورثهم بما فعله العبد المأذون

[ 65 ]

ودعواهم وكالته في ذلك من المورث فأنه عندئذ تبطل الوكالة بموت الموكل وتصح المعاملة فضولية لما عرفته من أن الظاهر من الرواية هو كون الشراء بعد موت المورث وهذا المعنى وإن كان متينا في نفسه ولكن يحتمل أن يستند شراء العبد إلى أذن الورثة إذ المفروض هو كون المشترى مأذونا في التجارة ولو كانت لغير مولاه كما هو مقتضى الاطلاق وعلى هذا، فلا تكون المعاملة فضولية حتى مع أنكار الوصية. ودعوى أن هذا مخالف لظاهر الرواية وأطلاقها لان الظاهر كون العبد مأذونا في التجارة لمولاه فقط وإلا لوقع التعرض له في الرواية، دعوى فاسدة لما ذكرناه من أن مقتضى الاطلاق هو كون العبد مأذونا في مطلق التجارة ويضاف إلى ذلك أن الرواية مسوقة لبيان حكم المخاصمة بين المدعين وليس فيها تعرض لهذه الناحية كما لا تعرض فيها لشرائط التجارة. ولا يخفى عليك إنه بناء على نقل المصنف فالرواية ظاهرة في كون الشراء قبل موت الدافع وعليه فلا تكون المعاملة فضولية لانه عندئذ فالرواية ظاهرة بل صريحة في كون المشترى مأذونا من قبل مولاه ومولا أبيه ومن قبل أب الورثة وإذن فتبعد الرواية عن عقد الفضولي، ولكن المصنف لم ينقل الرواية بعينها وإلا فلا شبهة في ظهورها في كون الشراء بعد موت المورث. ثم أن شيخنا الاستاد قد أستظهر من الرواية ثبوت الوصية بما فعله العبد المأذون وأليك لفظ مقرر بحثه. (أن الظاهر من الرواية أن الدافع دفع الالف بعنوان الوصية

[ 66 ]

فورثته يدعون الشراء بالالف ليكون ولاء العتق لهم ويؤيد ذلك قوله عليه السلام أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد فالورثة لا ينكرون الوصية حتى يكون شراء العبد المأذون أباه فضوليا ولا ينافى ذلك قوله عليه السلام أي الفريقين بعد أقاموا البينة على أنه أشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا لامكان حمله على لحاظ حال الانقضاء لا التلبس، و كيف كان فظهور الرواية في مسألة الفضولي ممنوع فضلا عن الصراحة نعم قابل للحمل عليها فتدبر). ويرد عليه أولا: أنه ليس في الرواية ما يدل على صدور الوصية من صاحب المال بل الشراء كان بمال الورثة لان المأذون كان وكيلا من الدافع وتبطل وكالته بموت موكله كما عرفته قريبا نعم ربما يتوهم أن حكم الامام عليه السلام بمضي الحج يدل على أن الميت قد أوصى به لانه لا يصح الحج عن الغير إلابعد الموت ولكنه توهم فاسد لانه تصح النيابة عن الحى في الحج المستحب كما يظهر ذلك من الروايات (1) العديدة بل في الحج الواجب أيضا إذا لم يقدر عليه المنوب عنه وتدل عليه الاخبار (2) الكثيرة ويضاف إلى ذلك أن الامام عليه السلام حكم بسماع دعوى الورثة بعد أقامة البينة ومن الظاهر أنه لو كانت هناك وصية لم يحكم به الامام عليه السلام. وثانيا: أن ورثة صاحب المال يدعون أن المأذون قد أشترى أباه بمالهم ومن البين الذين لا ريب فيه أن مقتضى هذه


1 - الوسائل باب 21 من أبواب وجوب الحج وشرائطه وباب 25 من أبواب النيابة في الحج. 2 - الوسائل باب 43 من أبواب الحج وشرائطه.

[ 67 ]

الدعوى هو أن يكون أباه رقا لا حرا وعليه فلا يكون الغرض من - دعواهم هو ثبوت ولاء العتق لهم. وثالثا: أن الحكم بمضي الحج ففى الرواية لا يتفق مع القواعد وسيأتى قريبا. ثم أنه نوقش في الرواية بأمور فعمدتها أمران. الاول: الحكم بعود العبد الذى أشتراه المأذون رقا لمولاه ومطالبة البينة من الفريقين الاخرين مع الاول يدعى فساد البيع كما عرفته قريبا، والاخران يدعيان صحة البيع وقد ثبت في محله أن مدعى الصحة في باب المعاملات مقدم على مدعى الفساد. وقد يتوهم أن تقديم قول مولى الاب على غيره ليس من قبيل تقديم مدعى الفساد على مدعى الصحة لكى يناقش فيه بما ذكر بل إنما هو من جهة الاستصحاب لان الاصل بقاء الاب في ملك مولاه. ولكنه توهم فاسد إذ لا يجرى الاستصحاب في المقام لان - الظاهر من الرواية هو أن العبد المأذون في التجارة كان عنده المال من جميع الفرق والخصماء وكان مأذونا في التجارة لمولاه و مولى أبيه وكان وكيلا أيضا من قبل صاحب المال في شراء عبد و عتقه وتجهيزه للحج حتى يحج عن الميت، وعليه، فينفذ أقرار - العبد على جميع الفرق لان من ملك الشئ ملك الاقرار به ومن الواضح أن الظاهر من عمله الخارجي هو أعترافه بأشتراء أبيه بمال الدافع فيكون عندئذ أعترافه أو عمله الخارجي حجة على مولى الاب وأذن، فمقتضى القاعدة هو كون العبد ملكا لصاحب الدراهم فعوده

[ 68 ]

رقا لمولاه من جهة الاستصحاب مخالف للقاعدة فلا يجرى الاستصحاب هنا. ويرد عليه أولا: أن مدعى الصحة وإن كان يقدم على مدعى الفساد في باب المعاملات إلا أن ذلك لا يجرى فيما نحن فيه، لانا ذكرنا في محله أن السيرة قائمة على صحة العمل فيما إذا أحرز أصل وجوده الجامع بين الصحيح والفساد وشك في صحته وفساده من النواحى الاخر وأما إذا شك في أصل وجود العمل لم تجر أصالة الصحة لكون الشك حينئذ في تحقق العمل في الخارج لا في صحته وفساده بعد أحراز وجوده، بل ذكرنا هناك أنها لا تجرى مع عدم أحراز قصد العنوان حتى فيما لم يكن العنوان من العناوين القصدية كالطهارة الخبثية مثلا إذا شاهدنا أحدا يصب الماء على ثوب تنجس ولكنها لم نحرز أنه قصد تطهيره أم لا لم تجر فيه أصالة الصحة و هكذا لكلام في قاعدة الفراغ فأنها لا تجرى مع الشك في أصل وجود العمل أو في قصد عنوانه بل إنما تجرى مع الشك في صحته وفساده من ناحية الشرائط أو الموانع بعد أحراز أصل وجوده. ولا شبهة في أن هذه الكبرى لا تنطبق على ما نحن فيه لانه بناء على دعوى مولى الاب لم يتحقق في الخارج معاملة حقيقية أصلا بل إنما تحققت معاملة صورية وعليه فيكون شأنها شأن سائر المعاملات الصورية كبيع الهازل والساهى والغالط والنائم و أشباهها وأذن، فعود العبد المبتاع رقا لمولاه لا يكون مخالفا لاصالة الصحة لكى يلزم منه تقديم مدعى الصحة على مدعى الفساد. أما المنع عن جريان الاستصحاب بقاعدة من ملك شيئا ملك

[ 69 ]

الاقرار به فلا يرجع إلى معنى محصل لان القاعدة المذكورة لم ترد في آية ولا في الرواية ولا أنعقد عليها أجماع تعبدي لكى يوخذ بها في جميع الموارد، بل هي قاعدة خاصة فقهية مختصة بما إذا كان المالك باقيا على حالة الاقرار بالشئ لو لا الاقرار به مثلا إذا أقر زيد بكون ما في يده من المال لبكر فهو باق على مالكيته للمقر به لولا الاقرار ولا شبهة أن ما نحن فيه ليس كذلك بداهة أن العبد المأذون في التجارة ليس مالكا - وقت الاقرار - بشراء أبيه بمال الورثة لانهم لم يأذنوا في ذلك وعليه فلا أعتبار بأقراره رأسا وثانيا: أن العبد الذى أشتراء المأذون وأعتقه وجهزه الحج عن المنوب عنه أما ملك لمواليه أو لمولى المأذون أو لصاحب المال، ولا شبهة في أنه لا يصح حجه عن الغير على جميع التقادير أما على الاولين فظاهر لانه عبد، فلا يصح حجه عن الميت بدون أذن مولاه، وعلى الثالث فالبيع فضولي ومن الظاهر أن العاقد فضولا لا يجوز له التصرف في الثمن ولا في المثمن بالقبض والاقباض وعليه فكيف يمكن الحكم بصحة المأذون شراء الاب وعتقه عن - الميت وأرساله إلى الحج ليحج عن ذلك الميت؟ ولا ريب في أن هذا كله مخالف للقواعد الفقهية المسلمة والظاهر أنه لا جواب عن هذه المناقشة ولكن الذى يهون الخطب أن الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بعمل الاصحاب لا صغرى لعدم فتوى الاصحاب على طبقها ولا كبرى لانا ذكرنا في علم الاصول أن عمل المشهور برواية ضعيفة غير جابر لضعف سنده كما أن أعراضهم عن العمل برواية صحيحة لا يوجب وهنها بل لابد وأن تلاحظ الرواية في نفسها

[ 70 ]

فإن كانت صحيحة أخذ بها وإلا فلا لان ضم غير الحجة إلى مثلها لا يوجب الحجية. الوجه الثامن: حسنة الحلبي (1) الواردة في رجل أشترى ثوبا بلا شرط فكرهه وأقاله البائع بوضيعة جهلا بحرمته، ثم باعه بأزيد من ثمنه فإنه يجب عليه أن يرد الزايد إلى المشترى الاول فإن الحكم برد الزيادة عليه الظاهر في الاستحقاق مبنى على صحة بيع الفضولي لنفسه مع الاجازة اللاحقة وإلا، فلا شئ للمشترى من الزيادة، لبطلان البيع إذ لم يكن البايع مأذونا في بيع الثوب لكى يصح بدون الاجازة وعلى هذا فالرواية منزلة على الغالب من لحوق الاجازة للبيع الواقع بالزيادة على الثمن المطلوب له برد الثوب ليستحق تلك الزيادة فلا بأس بدلالتها على ما نحن فيه. ويرد عليه: أن الرواية غريبة عن بيع الفضولي إذ البيع - الواقع بالزيادة ليس بفضولى لانه لو كان فضوليا لكان فضوليا من أصله من غير فرق بين وقوعه على ما يساوى الثمن المطلوب له برده وبين الزائد عليه لان معنى الاقالة إنما هو أنفساخ العقد من أصله ورجوع كل من العوضين إلى صاحبه الاول، وعليه فإن تحققت


1 - عن أبى عبد الله قال: سألته عن رجل أشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رده على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة قال: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة فإن جهل فأخذه وباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول ما زاد. حسنة بأبراهيم بن هاشم الكافي ج 5 باب بيع المتاع وشرائه ص 195 ويب ج 2 باب النقد والنسية ص 133 والوسائل باب 17 من أبواب أحكام العقود.

[ 71 ]

الاقالة في مورد الرواية أنفسخ العقد بالمرة ويرجع كل من العوضين إلى صاحبه وإلا فلا، وحيث أن المفروض في مورد الرواية هو بقاء الثوب على ملك المشترى لبطلان الاقالة بالوضيعة أو الزيادة فلا وجه حينئذ لكون الناقص ملكا للبايع في فرض الوضيعة وكون الزائد ملكا للمشترى في فرض الزيادة. وعلى هذا الضوء لو أخذ البايع المتاع بوضيعة وباعه من شخص آخر كان البيع فضوليا من أصله لا بالنسبة إلى الزائد على الثمن المطلوب للمشترى وعليه فإن أجازه المشترى حكم بصحته وإلا فيحكم بفساده. ويضاف إلى ذلك أنه يمكن أن يكون للمشترى غرض خاص من الاستقالة فإذا لم يقبلها البايع حين الاستقالة فاته ذلك الغرض وأذن فلا تؤثر أقالته بعد مدة طويلة خصوصا مع ترق القيمة السوقية. هذا كله ما يرجع إلى الاستدلال بالرواية على صحة بيع - الفضولي وأما معناها فهو أن المشترى قد أشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا، فكرهه ثم رد على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة فحكم الامام عليه السلام بعدم جواز الاقالة بالوضيعة وأما إذا كان المتبايعان جاهلين بذلك فأقالا بالوضيعة فالاقالة، وأن كانت فاسدة واقعا ولكن يستكشف منها أن المشترى قد أذن للبايع في بيع الثوب سواء أكان أقل من الثمن الاول أم كان مساويا له أم زائدا عليه غاية الامر أنه أعطائه للبايع بعنوان الاقالة مع الجهل ببطلانها مع الوضيعة فباعه البايع لنفسه متخيلا أنه ملكه، فتكون ذلك من قبيل الخطا في التطبيق.

[ 72 ]

ودعوى أن البايع لم يقصد كون البيع للمشترى فيبطل من هذه الناحية، دعوى فاسدة لما ذكرناه في الجزء الثالث أن حقيقة البيع إنما هي أعتبار تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة وأظهاره بمظهر خارجي من اللفظ وغيره ولا شبهة في تحقق هذا المعنى بدخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه وبالعكس بلا أحتياج إلى تعيين مالك الثمن أو تعيين مالك المثمن إذ لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلى وعليه فتعيين العوض والقصد إليه يغنى عن تعيين المالك والقصد إليه ولا يفرق في ذلك بين صدور العقد من نفس المالك أو من غيره. وبتعبير آخر: أن أقتران العقد بالرضا وإن لم يخرج العقد عن الفضولية كما عرفت آنفا ولكن وجود الاذن السابق على العقد يخرجه عن الفضولية ولا شبهة في وجوده في مورد الرواية للقرينة عليها منها وهى: أن الرواية قد دلت مطابقة على أن المشترى قد أذن لشخص البايع في أخذ الثوب بالوضيعة ودلت بالدلالة الالتزامية على جواز الاخذ لغير البايع أيضا إذ لا فارق بينهما في ذلك جزما بل قد يكون بيعه من غير البايع أولى وأرضى لان المشترى لما رضى رده على البائع بوضيعة رضى بيعه من غيره بأكثر من ثمنه الاول بالاولوية القطعية والمفروض في مورد الرواية أن البايع قد باع الثوب بأكثر من ثمنه، فيكون هذا البيع مرضيا للمشترى قطعا فتحصل أن الرواية غير مربوط بالبيع الفضولي بوجه. ثم أحتمل شيخنا الاستاذ ثانيا بأنه: (يحتمل أن يكون البايع قد أشتراه من المشترى ثانيا، فيكون رد الزائد أستحبابيا ويشهد

[ 73 ]

لهذا قوله عليه السلام (صاحبه الاول) فإن التعبير بصاحبه الاول لا يناسب مع كون الثوب ملكا للمشترى فعلا). والظاهر أن منشأ هذا الاحتمال إنما هو أرجاع الضمير في كلمة (صاحبه) إلى لفظ (الثوب)، فيكون معنى الرواية حينئذ أن البايع يرد الزائد إلى صاحب الثوب، وعليه فتدل الرواية على أن من أشترى شيئا بثمن ثم باعه بأزيد منه فيستحب له أن يرد الزائد على المالك الاول. ولكن يتوجه عليه أولا أن الظاهر من سياق الرواية هو رجوع الضمير إلى لفظ صاحبه الذى ذكر في السؤال مرتين وأريد منه البايع والمراد من لفظ صاحبه الذى في الجواب هو المشترى و - عليه فمعنى الرواية هو أن البايع يرد الزائد على رفيقه وقرينه الذى هو المشترى. وثانيا: أن الثوب لو كان للبايع من ناحية البيع الثاني لم يبق مجال لقوله عليه السلام (لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه يرد على صاحبه الاول ما زاد)، إذا - المفروض أن الثوب ملك للبايع وقد أشتراه من المشترى الاول ثانيا بأقل من الثمن الذى باعه منه أولا ولا شبهة في صحة هذه المعاملة لانها ليست بأقالة، لكى لا تجوز بالوضيعة مع العلم ويرد الزائد لو أخذه جهلا وباعه بأزيد من الثمن الاول. وثالثا: أن أرجاع الضمير إلى الثوب لا يرفع اللغوية بل يستلزمها إذ بناء على هذا الاحتمال فالثوب له مالكان أحدهما المشترى الاول، وثانيهما البايع، وحيث أنه لا معنى لرد البايع ماله على

[ 74 ]

نفسه، فيكون ذلك قرينة على أن المراد من قوله عليه السلام ويرد على صاحبه هو المشترى وحينئذ فلا يبقى مجال لتوصيف ذلك بلفظ - الاول وإلا فيكون لغوا وأما إذا أرجعنا الضمير إلى لفظ صاحبه المذكور في السؤال وأريد منه البايع فإنه حينئذ لا تلزم اللغوية، لان الثوب له صاحبان الصاحب الاول، وهو الذى أشترى الثوب من البايع أولا والصاحب الثاني وهو الذى أشترى الثوب منه ثانيا، فإذا قيد لفظ صاحبه بكلمة الاول أريد منه المشترى الاول وعليه فتكون هذه الجملة قرينة على ما ذكرناه لا على ما ذكره شيخنا الاستاذ. الوجه التاسع: رواية (1) عبد الرحمان بن أبى عبد الله قال سألت أبا عبد الله على السلام عن السمسارا أيشترى بألاجر فيدفع إليه الورق ويشترط عليه أنك أن تأتى بما تشترى فيما شئت أخذته وما شئت تركته فيذهب فيشترى ثم يأتي بالمتاع فيقول خذ ما رضيت ودع ما كرهت قال: لا بأس وقد جعلها المصنف مؤيدة لصحة بيع الفضولي وحاصل كلامه أن في الرواية أحتمالات شتى: الاول: أن يراد من الشراء شراء السمسار لنفسه، فيكون أخذ الورق من صاحبه حينئذ بعنوان القرض لكى يبيع منه من الامتعة ما يرضى به ويوفيه دينه ولا ينافيه قول السائل ويشترط عليه أن تأت بما تشترى فما شئت أخذته وما شئت تركته لان ذلك لا يزيد


1 - الكافي ج 5 من ط 2 ص 196 التهذيب ج 2 ص 133 والفقيه والوسائل باب 20 من أبواب أحكام العقود حديث 2.

[ 75 ]

على الوعد فلا دلالة فيه على كون البيع لصاحب الورق كما أنه لا ينافيه توصيف لفظ السمسار بلفظ بالاجر وفرضه في الرواية ممن يشترى به فإن التوصيف المزبور إنما هو بلحاظ أصل حرفته وصناعته لا بملاحظة هذه القضية الشخصية وحينئذ فيكون القيد توضيحيا لا أحترازيا. الثاني: أن يكون الشراء لصاحب الورق بأن يكون الدلال وكيلا عنه في ذلك الشراء ولكنه يجعل لنفسه الخيار على بايع الامتعة بتوسط السمسار بأن يلتزم بالبيع فيما يرضى به ويفسخه فيما يكرهه. الثالث: أن يكون الشراء أيضا لصاحب الورق ولكن لا يكون السمسار مأذونا من قبله في ذلك بل يكون البيع فضوليا ولا ينافيه دفع الورق إلى الدلال لان دفعه إليه لا يعد أذنا في الشراء ولا توكيلا فيه إذ يمكن أن يكون ذلك لمجرد تمكين الدلال من الشراء أو يكون ذلك بعنون الامانة أو حصول الاطمينان للدلال بوصول ثمن ما يشتريه منه إليه وأما فائدة الشرط عليه من أخذ ما يريده وترك ما يكرهه عدم مطالبة الاجر منه على عمله أو حذرا من أبائه وأمتناعه عن ذلك. وعلى هذا فيكون صاحب الورق مخيرا بين الرد والامضاء فإذا أحتمل مورد السؤال لهذه الوجوه كلها فترك الاستفصال مع الاجمال في السؤال يقتضى بعموم الحكم لجميع المحتملات التى منها - أحتمال كون الشراء فضوليا. ويرد عليه: أن ترك الاستفصال إنما يفيد العموم إذا كان

[ 76 ]

مورد السؤال ذا شقوق شتى فأجاب عنها الامام عليه السلام بجواب واحد بلا أستفصال بينها فذلك يكشف عن أتحاد جميع تلك الشقوق في الحكم وإلا فيلزم منه الاغراء بالجهل وأما إذا لم يكن السؤال ذا شقوق شتى بل كان الجواب محتملا لها، فلا وجه لكشف العموم عن ترك الاستفصال وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ويضاف إلى ذلك أن الرواية ظاهرة في الاحتمال الثاني و أن الشراء إنما هو بأذن صاحب الورق غاية الامر أنه جعل لنفسه الخيار على صاحب المتاع وقد عرفته آنفا وأذن فلا أشعار في الرواية بصحة بيع الفضولي فضلا عن دلالتها عليها أو تأييدها لها. وهنا أحتمال آخر ذكر المحقق صاحب البلغة وجعله أظهر الاحتملات وهو وقوع الاشتراء بالمساومة وأطلاقه عليه أطلاق شائع أو مجاز بالمشارفة ويكون دفع الورق لطمأنينة السمسار وهو كثير الوقوع سيما مع الدلال والسمسار أنتهى. وهذا الاحتمال أيضا لا بأس به على أن الرواية غير نقية - السند. الوجه العاشر: ما ورد في أسترباح الودعى الجاحد للوديعة من ردها بربحها إلى المالك المودع فعن مسمع أبى سيار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أنى كنت أستودعت رجلا مالا، فجحدنيه و حلف لى عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذى كنت أستودعته أياه، فقال هذا مالك فخذه وهذه أربعة الاف درهم ربحتها في مالك فهى لك مع مالك وأجعلني في حل فأخذت المال منه و أبيت أن آخذ الربح وأوقفت المال الذى كنت أستودعته وأتيت حتى

[ 77 ]

أستطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال: خذ الربح وأعطه النصف وأحله إن هذا رجل تائب والله يحب التوابين والرواية (1) ضعيفة بالحسن بن عمارة. ووجه الاستدلال هو أن أخذ الربح الظاهر في الاستحقاق لا يصح الا على صحة بيع الفضولي مع الاجازة اللاحقة وإلا فلا شئ للمالك من الربح فكان الرواية منزلة على الغالب من لحوق الاجازة من المالك عن ظهور الربح ليستحق الربح. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند كما مر فلا يمكن الاستناد إليها في الحكم الشرعي. وثانيا: أن الاستدلال بها على ما نحن فيه يتوقف على وقوع المعاملة على عين الوديعة أما بنحو المعاطاة أو بالعقد اللفظى ولكن لا قرينة في الرواية على ذلك. الوجه الحادى عشر: ما ورد من التصدق بمجهول المالك واللقطة من أنه إذ أرضى المالك بعد ظهوره كان له وإلا ضمنه المتصدق. وفيه: أنه لا شبهة في صحة التصدق هناك للاذن الشرعي وإن لم يرض به المالك وإنما الرضاء يؤثر في عدم الضمان تعبدا كما أن عدمه يؤثر في عدمه كذلك. وأما ما ورد من نفوذ الوصية بما زاد عن الثلث من نفوذها بأجازة الورثة، فأيضا غير مربوط بالبيع الفضولي وإنما الاجازة هناك


1 - الوسائل باب 10 من الوديعة والوافى ج 10 ص 119 و التهذيب ج 2 ص 167 والفقيه.

[ 78 ]

شرط في نفوذ تصرف الميت لنفسه فهذا ظاهر. هذه هي الوجوه التى أستدل بها على صحة بيع الفضولي وقد أتضح لك مما تلوناه عليك أنه لا يتم شئ منها وإنما العمدة هي العمومات والمطلقات وسيتضح لك قريبا بطلان ما أستدل به على فساد بيع الفضولي وأنه لا يصلح لتخصيص العمومات وتقييد المطلقات وإذن، فالحكم بصحة بيع الفضولي إنما هو من ناحية العمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها على النحو الذى عرفته سابقا. وقد أستدل على بطلان بيع الفضولي وعدم صحته بالاجازة اللاحقة بوجوه عديدة من الادلة الاربعة أما الكتاب فقوله تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض) و وجه الاستدلال بها على المقصود بوجهين. الاول أنها قد دلت على أنحصار أكل مال الناس بالتجارة عن تراض فالمعنى أنه لا يتصرف بعضكم في أموال بعضكم الآخر بوجه من الوجوه فإنه باطل إلا بوجه التجارة عن تراض فإنه جائز ولا شبهة في أنه لو لم يقصد هذا المعنى لزم الاجمال وقلة - الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه ومن الظاهر أن بيع الفضولي ليس تجارة عن تراض فيكون أكل المال به أكلا له بالباطل. ودعوى أن لحوق الاجازة به يدرجه في التجارة عن تراض، دعوى فاسدة لانه لم يكن حين العقد مصداقا لها فالتحاق الاجازة بها لا يجعله مصداقا لها. الوجه الثاني: سياق التحديد فإن كل وصف ورد في مقام

[ 79 ]

التحديد يدل على أختصاص الحكم بمورد الوصف وإن لم نقل بمفهوم الوصف فإن البحث عن ذلك إنما هو في ورود الوصف في غير مورد التحديد وإلا فلا شبهة في ثبوت مفهومه ومن الظاهر أن قيد - التراضي وصف ورد في مورد التحديد فيدل على أنحصار جواز الاكل بمورد القيد فقط. اما الوجه الاول فقد ناقش فيه المصنف بأن دلالة الآية على الحصر متوقفه على كون الاستثناء متصلا مع أنه منقطع إذ لا يصح أستثناء التجارة الصحيحة من التجارة الفاسدة، فلا يستفاد حصر أكل المال بالتجارة عن تراض لكى يستفاد منه بطلان بيع الفضولي. وفيه أولا: أن الاستثناء المنقطع من أوضح الاغلاط إذ لا يصح أن يقال ما رايت عالما إلا الجاهل وأما أتجرت تجارة فاسدة إلا تجارة صحيحة فإنهما وأشباههما من الاغلاط الواضحة التى لا تصدر من الاخسائين في الفصاحة والمدربين في البلاغة بل هي لاتصدر ممن دونهم ولا توجد في كلماتهم فضلا عن صدورها من الله العظيم ووجوده في كتابه الكريم الذين نزل بعنوان الاعجاز والتحدى حيث طلب النبي صلى الله عليه وآله من جميع البشر والامم أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك ثم تنزل عن هذه الدعوى وتحداهم إلى الاتيان بعشر سور مثله مفتريات فلم يتمكنوا منه أيضا ثم تنزل عن ذلك وطالبهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله وأمرهم أن يدعوا شهدائهم ويصرخوا ليستنصروا منهم ويستعينوا بهم ولكن لم تنفعهم صارختهم وأستغاثتهم وأستعانتهم ثم عجزهم بقوله عز من قائل ولئن أجتمعت الجن و الانس الخ فما كانوا مقرنين ومع ذلك كله كيف يرض المنصف بوجود

[ 80 ]

الغلط في مثل هذا الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه، تعالى كلامه عزوجل عن ذلك علوا كبيرا وإذن فليس الاستثناء إلا قسما واحدا وهو الاستثناء المتصل وعليه فالاستثناء في الآية - الشريفة استثناء متصل ولو كان ذلك بالعناية. وثانيا: لو سلمنا كون الاستثناء على قسمين ولكن الموجود في آية التجارة عن تراض أستثناء متصل وذلك لان الالفاظ المذكورة ليست إلا الاكل والاموال والباطل والتجارة والتراض أما اللفظ الاخر فهو المستثنى وأما البواقى فلا يصلح شئ منها لان يكون مستثنى منه وهذا ظاهر. وأذن فلا مناص إلا عن تقديره في الكلام وقد ذكرنا غير مرة أن دخول الباء السببية على كلمة الباطل ومقابلتها في الآية مع التجارة عن تراض قرينتان على كون الآية ناظرة إلى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الباطلة كما أن المراد من الاكل ليس معناه الحقيقي أعنى به الازدراد بل هو كناية عن تملك مال الناس من غير أستحقاق، وأذن فيكون المستثنى منه محذوفا في الآية المباركة وهو أسباب التجارة، وقد حذف وأقيم لفظ بالباطل مقامه ونظير ذلك كثير في القرآن وغيره ومن ذلك قوله تعالى و إن تكفروا فإن الله غنى عن العالمين، حيث حذف الجزاء وأقيمت العلة مقامه وحينئذ، فمفاد الآية المباركة أنه لا تتملكوا أموالكم بينكم بشئ من الاسباب إلا أن يكون ذلك السبب تجارة عن تراض فإن التملك بغير هذا السبب باطل وعليه فتدل الاية على حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض فيكون الاستثناء فيها متصلا

[ 81 ]

ومن هنا ظهر ما في كلام المحقق الايروانى من أن الاستثناء منقطع حتى مع قطع النظر عن قيد بالباطل لان المراد من لا تأكلوا لا تأكلوا أموال الغير وبعد التجارة عن تراض ليس الاكل أكلا لمال الغير. وثالثا: لو سلمنا كون الاستثناء في الآية منقطعا وسوق الآية بحسب ظهورها البدوى إلى بيان القاعدة الكلية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراض وتظهر ثمرة ذلك فيما لا يعد في نظر العرف من التجارة عن تراض ولا من الاسباب الباطلة فيكون مجملا ولكنه تعالى حيث كان بصدد بيان الاسباب المشروعة للمعاملات وتمييز صحيحها عن فاسدها وكان الاهمال مخلا بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من القرينة المقامية وتحصل أن الآية - المباركة موقة لبيان حصر الاسباب الصحيحة بالتجارة عن تراض سواء أكان الاستثناء متصلا أم كان منقطعا، فدلالة الآية على مفهوم الحصر مما لا ريب فيه وهو بطلان التجارة عن غير تراض ومنها البيع الفضولي أما الوجه الثاني، فقد ناقش فيه المصنف: بأن سياق التحديد الموجب لثبوت مفهوم القيد مع تسليمه إنما يثبت فيما إذا لم يرد الوصف مورد الغالب وإلا فلا مفهوم له ومن الواضح أن الوصف في الآية الشريفة قد ورد مورد الغالب كما في قوله تعالى (وربائبكم اللاتى في حجوركم) لا للاحتراز لكى يكون له مفهوم و يضاف إلى ذلك أحتمال أن يكون عن تراض خبرا، ثانيا لتكون بناء على نصب تجارة كما هو المنقول عن قراءة الكوفيين، لا قيدا للتجارة وحينئذ فيلزم وقوع الاكل والتصرف بعد التراضي سواء تقدم على

[ 82 ]

التجارة أم تأخر عنها إذا المعنى حينئذ إلا أن يكون سبب الاكل تجارة ويكون عن تراض أنتهى ملخص كلامه. ويتوجه على الوجه الاول، أنه لا شبهة في ثبوت مفهوم - الوصف وإلا لكان القيد لغوا ولكن فائدة القيد ليست أنتفاء الحكم عند أنتفائه بل فائدته إنما هي الدلالة على عدم ثبوت الحكم للطبيعة السارية مثلا إذا قال المولى لعبده أكرم العالم ليس معناه أثبات وجوب الاكرام للعالم ونفيه عن غيره، بل معناه إنما هو ثبوت وجوب الاكرام للانسان العالم لا لطبيعة الانسان وأضف إلى ذلك أنا لو سلمنا عدم دلالة الوصف على المفهوم ولكن ذلك فيما لا قرينة على أنتفاء الحكم عند أنتفاء القيد وإلا فلا شبهة في ثبوته كما إذا ذكر الوصف في مقام التحديد لان وقوعه في مقام التحديد قرينة مقامية على أختصاص الحكم بمورد الوصف ولو قلنا بعدم ثبوت المفهوم له. والوجه في ذلك هو أن الحد لا بد وأن يكون جامعا للافراد ومانعا عن الاغيار ومن الظاهر أنه لو لم يكن مفهوم للوصف لما كان كذلك ومن هذا القبيل قوله عليه السلام (كر من الماء) في جواب السائل عن الماء الذى لا ينجسه (1) شئ، فإن الامام عليه السلام ذكره في مقام تحديد الماء الذى لا ينفعل فيدل على أنتفاء الحكم عند أنتفاء القيد وذكر التراض في الآية الكريمة من القبيل المذكور لما عرفته آنفا من أنها متوجة إلى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الباطلة لها وحصر أسبابها الصحيحة بالتجارة عن تراض و


1 - الوسائل باب 9 من أبواب الماء المطلق.

[ 83 ]

أذن فلا شبهة في قيام القرينة على كون قيد التراض مسوقا إلى تحديد الاسباب الصحيحة للتجارة وحصرها بالتجارة عن تراض. ويتوجه على الوجه الثاني، أنه لا يفرق في دلالة الآية على أعتبار التراضي في التجارة وتقييدها به بين كون لفظ عن تراض قيدا للتجارة وبين كونه خبر ثانيا لتكون، فأنه على كل تقدير تدل الآية الشريفة على بطلان التجارة غير الناشئة من الرضا وطيب النفس. نعم إذا كان لفظ عن تراض خبرا بعد خبر لتكون خرج ذلك عن دائرة مفهوم الوصف إذ المفروض أن التجارة حينئذ لم تتصف بالتراضى ولكن ذلك لا يمنع عن دلالة الآية على أعتبار الرضاء في أسباب النقل والانتقال على النحو الذى ذكرناه. على أن أحتمال كون عن تراض خبرا ثانيا لتكون بعيد في نفسه ومخالف لظاهر الآية. ومن هنا ظهر الجواب عما ذكره المحقق صاحب المقابيس من أنه يمكن أن يكون التقدير على كلتا القرائتين إلا (أن تكون تجارة كاملة عن تراض أو ممضاة عن تراض فيندرج عقد الفضولي في الآية لان كماله وأمضائه بالاجازة وهذا نظير ما حكى في المجمع عن مذهب الامامية والشافعية وعن غيرهم من أن معنى التراضي - بالتجارة أمضاء البيع بالتفرق أو التخائر بعد العقد) فإن هذا أيضا بعيد عن ظاهر الآية وألتزام بالتقدير بلا ملزم. والتحقيق في الجواب عن الاستدلال بالآية على بطلان بيع الفضولي ما أشارا إليه المحقق صاحب المقابيس وتبعه المصنف من

[ 84 ]

أن الخطاب في الآية الشريفة لملاك الاموال فيشترط وقوعها أي التجارة برضاهم ومن البين الذى لا ريب فيه أن التجارة الصادرة من الفضولي لا يطلق عليها أنه تجارة المالك إلا بعد أجازته فإذا أجازها صارت تجارة عن تراض. وبتعبير آخر أنا ذكرنا مرارا أن حقيقة البيع والتجارة ليست أنشاء خالصا وإلا لصدق مفهوم البيع على بيع الهازل والساهى و أشباههما، ولا أنها عبارة عن الاعتبار النفساني المحض وإلا لصدق مفهوم البيع على الاعتبار النفساني الصرف من دون أظهاره بمظهر خارجي، بل حقيقة البيع والتجارة هي الاعتبار النفساني المظهر بمظهر خارجي وعليه فلو أعتبر أحد في أفق نفسه تبديل ماله بمال غيره وأظهره بمظهر خارجي صدق عليه مفهوم البيع والتجارة. ومن البديهى أن هذا المعنى لا يصدر إلا من المالك أو ممن هو بمنزلته الوكيل ونحوه وأما بيع الفضولي قبل أجازة المالك، فهو ليس ببيع حقيقة بل صورة بيع الفضولي فلم يصدر منه إلا الانشاء والصيغة ولا شبهة في أنه لا يطلق البيع والتجارة على الانشاء المحض كما عرفته ولا يقال أن الفضولي قد أتجر بالمال الفلاني وباعه بمجرد أجراء الصيغة، إلا بالعناية والمجاز فإذا أجازه المالك كان بيعا وتجارة حقيقة للمالك لا للفضولي، فالبيع الفضولي بما أنه بيع فضولي خارج عن الآية وعن سائر العمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها خروجا تخصصيا فلا دلالة في الآية لا على صحته ولا على فساده وبما أنه مجاز للمالك فتشمله الآية وبقية العمومات ولا تنافى بين خروج بيع الفضولي عنها قبل الاجازة وبين

[ 85 ]

أتصافه بالصحة التأهلية. ويمكن الجواب عن ذلك، بأن الآية قد دلت على كون المدار على وقوع التجارة عن رضاء المتعاقدين، فتشمل جميع أقسامها و خرج من ذلك المتعاقدان الذان لم يأذن لهما المالك ولا أجاز عقدهما وبقى الباقي. وكيف كان فلا دلالة في الآية على بطلان بيع الفضولي. وأما السنة فهى أخبار كثيرة، منها النبوى المروى مستفيضا من الخاصة والعامة وقوله صلى الله عليه وآله لا تبع ما ليس عندك (1) ووجه


1 - عن سليمان بن صالح عن الصادق صلى الله عليه وآله نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عندك ضعيف بسليمان بن صالح وعن الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه في مناهى النبي صلى الله عليه وآله قال و نهى عن بيع ما ليس عندك ضعيف بشعيب بن واقد وغيره الوسائل باب 7 من أبواب أحكام العقود وعن حكم بن حزام قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله يأتيني رجل يسألنى البيع ليس عندي ما أبيعه ثم أبيعه من السوق فقال: لاتبع ما ليس عندك وعنه في رواية أخرى قال قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله الرجل يسألنى البيع وليس عندي أفابيعه؟ قال لا تبع ما ليس عندك وعنه في رواية أخرى قال قلت يارسول الله أنى أشترى بيوعا فما يحل لى منها وما يحرم على؟ قال فإذا أشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه وعنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله لاتبع طعاما حتى تشتريه وتستوفيه سنن أحمد ج (3) المطبوع بمصر وبهامشه منتخب كنزل العمال ص 402 وعن منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام وعن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا عتق قبل ملك وعن أبن علوان عن الصادق عليع السلام عن أبيه عليه السلام قال قال لاطلاق لمن لا ينكح ولا عتاق لمن لا يملك بحار ج 23 ص 139 و 141 عن الصفار أنه كتب إلى أبى محمد الحسن العسكري عليه السلام - >

[ 86 ]

الاستدلال به على فساد بيع الفضولي هو أن النهى فيه أرشاد إلى عدم نفوذ البيع لانا ذكرنا مرارا أن النهى عن معاملة أرشاد إلى بطلانها والمراد من عدم حضور المبيع عند البايع هو عدم تسلطه على تسليمه لعدم كونه مملوكا له، فيكون ذلك من قبيل ذكر الملزوم وأرادة اللازم وعليه فيدل النبوى المزبور، على، بطلان بيع مال الغير سواء أباعه البايع لنفسه أم باعه لمالكه وعليه فشأن النبوى شأن قوله عليه السلام لاطلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك ولا بيع إلا فيما يملك بناء على قراءة لفظ (يملك) بصيغة الفاعل كما هو الظاهر من السياق حيث أن الطلاق قبل النكاح بنفسه غير معقول لانه أزالة علقة - الزوجية فقبل تحققها لا يتوجه القصد إلى أزالتها وكذلك العتق و عليه فالمراد من الرواية هو طلاق زوجة الغير وعتق مملوكه وبيع


- > في رجل له قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة والقرية بمراحل من منزله فوقع عليه السلام لا يجوز بيع ما ليس بملك وقد وجب الشراء من البايع على ما يملك الوسائل باب 2 من أبواب عقد البيع وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لاطلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك ولا بيع إلا فيما يملك الخلاف ج (1) مسألة 275 ص 222 ورواه في المستدرك ج 2 ص 460 بأدنى تفاوت كافى وعن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال كان الذين من قبلنا يقولون لا عتاق إلا بعد ما يملك الرجل وعن محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام فقال لا يطلق إلا ما يملك ولا يعتق إلا ما يملك ولا يتصدق إلا بما يملك وعن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام لا طلاق إلا بعد - نكاح ولا عتق إلا بعد ملك الوافى ج 12 باب 164 من أبواب الطلاق ص 156.

[ 87 ]

ماله فضولا، فالمعنى أنه لا بيع إلا فيما يملكه البائع قبل العقد و هذا موافق للاخبار المستفيضة الدالة على عدم وقوع الطلاق والعتاق إلا بعد الملك وقد ذكرناها في الحاشية. وأما بناء على قرائته بصيغة المفعول - كما توهم - فالرواية خارجة عن المقام بل هي ناظرة إلى المنع عن بيع ما ليس يملك كبيع السمك في الماء والطير في الهواء وكبيع الخمر والخنيز وكلب الهراش وطلاق الاجنبية وعتاق الحر. ويتوجه عليه أولا: أن النبوى المزبور غير نقى السند ولا أنه منجبر بشئ فلا يمكن الاستدلال به في المقام. وثانيا: أن المراد من الموصول من قوله صلى الله عليه وآله (لا تبع ما ليس عندك)، إنما هو بيع العين الشخصية عن نفسه ثم يشتريها البايع من مالكها ويسلمها إلى المشترى وذلك لقيام الاجماع و الضرورة على بيع الكلى في الذمة عن نفسه سلفا أو حالا والشاهد على ذلك من الرواية ما ذكره في التذكرة من أن النبي صلى الله عليه وآله ذكر هذا الكلام جوابا لحكيم بن حزام حين سأله عن أن يبيع الشئ ثم يمضى ويشتريه ويسلمه وعليه فيختص النبوى بالبيع الشخصي و لكن قد أخطأ العامة في تطبيقه على بيع الكلى في الذمة حالا. وثالثا: أنا لو سلمنا الجمود في ظاهر الموصول وأرادة المنع عن بيع ما لم يكن في يد البايع سواء أكان مملوكا له أم لا وسواء أكان كليا في الذمة أم كان جزئيا خارجيا وسواء أكان مقدور التسليم أم لا، ولكن لا بد من تخصيصه بالنصوص (1) الظاهرة في جواز بيع


- >

[ 88 ]

الكلى الذى ليس عنده المعبرة عن كون المنع عنه مذهب العامة حيث ناقضهم الامام عليه السلام ببيع السلف وأن صاحبه باع ما ليس عنده وعليه فيكون المراد من النبوى بعد تقييده ما هو المراد من الروايات (1) المانعة عن بيع العين الشخصية قبل تملكها ومن هنا


- > 1 - عن عبد الرحمان بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا قال ليس به بأس قلت أنهم يفسدونه عندنا قال وأى شئ يقولون في السلم قلت لا يرون به بأسا يقولون هذا إلى أجل فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح فقال فإذا لم يكن إلى أجل كان أجود (أحق به) ثم قال لا بأس بأن يشترى الطعام وليس هو عند صاحبه حالا والى أجل فقال لا يسمى له أجلا إلا أن يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه فلا ينبغى شراء ذلك حالا صحيح وعنه قال قلت لابي عبد الله عيه السلام الرجل يجيئنى يطلب المتاع فأقاله على ثم أشتريه فأبيعه منه فقال أليس أنشاء أخذ وإن شاء ترك قلت بلى قال فلا بأس قلت فإن من عندنا يفسده.. إن أبى كان يقول لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذى بعته فيه حسنة بأبراهيم بن هاشم وعن أبى الصباح الكنانى عن الصادق عليه السلام في رجل أشترى من رجل مأة من صفرا بكذا وكذا وليس عنده ما أشترى منه قال لا بأس به إذا وفاه الذى أشترط عليه ورواه - بسند آخر في باب 5 من أبواب السلف الوسائل باب 7 من أبواب أحكام العقود وعن هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام قال سأل عن رجل باع بيعا ليس عنده إلى أجل وضمن البيع قال لا بأس به صحيح الوسائل باب 5 من أبواب السلف. 1 - عن خالد بن الحجاج قال قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يجيئ فيقول أشتر هذا الثوب أربحك كذا وكذا قال أليس أنشاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت بلى قال لا بأس به إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام، مجهول بيحيى وعن معاوية بن عمار قال قلت لابي عبد الله عليه السلام يجيئنى - >

[ 89 ]

أتضح لك أن المنع عن بيع ما ليس عند البايع مطلقا سواء أكان المبيع كليا أم كان شخصيا إنما هو مذهب العامة (1) وأذن فلا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من أن بيع الكلى سلفا أو حالا جائز بأتفاق الفريقين فأن هذا الكلام أما سهو من لسان شيخنا الاستاذ أو من قلم مقرر بحثه وإنما العصمة لاهلها. ورابعا: أن نهى المخاطب عن بيع ما ليس عنده دليل


الرجل يطلب منى بيع الحرير وليس عندي منه شئ فيقاولن عليه ثم أذهب فأشترى له الحرير فأدعوه إليه فقال أرأيت أن وجد بيعا هو أحب إليه مما عندك أيستطيع أن ينصرف إليه وتدعه؟ قلت: نعم قال فلا بأس صحيح وعن منصور بن حازم قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلب عن رجل ثوبا بعينة قال ليس عندي هذه دراهم فخذها فأشتريها فأخذها فأشترى بها ثوبا كما يريد ثم جاء به أيشتريه منه؟ فقال أليس أن ذهب الثوب فمن مال الذى أعطاه الدراهم؟ قلت بلى قال إنشاء أشترى وإن شاء لم يشتر؟ قلت نعم قال لا بأس به الوسائل باب 8 من أبواب أحكام العقود. 1 - قال في شرح الهداية: ج 5 ص 324 أن السلم عقد مشروع بالكتاب و بالسنة وهو ما روى أنه عليه نهى عن بيع ما ليس عند الانسان و رخص في السلم والقياس وإن كان يأباه. ولكنا تركناه بما رويناه، ووجه القياس أنه بيع المعدوم إذ المبيع هو المسلم فيه أنتهى. و في شرح فتح القدير ج 5 ص 191 منع عن بيع السمك قبل أن يصطاد لانه باع مالا يملكه وفى ص 192 منع عن بيع الطير في الهواء لانه غير مملوك قبل الاخذ وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 2 ص 34 وحكم السلم الجواز فهو رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه ودليل جوازه الكتاب والسنة؟ والاجماع وفى ص (240) عن الحنفية ومن البيع الباطل بيع ما سيملكه قبل ملكه لانه إنما يبيع شيئا معدوما لا يقدر على تسليمه وهو باطل.

[ 90 ]

على عدم وقوع مؤثرا في حقه، فلا يدل على الغائه بالنسبة إلى المالك وبقائه على أهليته لتعقب الاجازة منه، وبعبارة أخرى: أن مفاد النبوى هو عدم الصحة الفعلية المقتضية للقبض والاقباض لا عدم الصحة التأهلية الاقتضائية التى هي مورد البحث في بيع الفضولي. ثم أن بيع العين الشخصية على قسمين الاول أن يكون المبيع شيئا معينا ومالا مشخصا عند شخص معلوم، فباعه البايع لنفسه ثم يمضى ليشتريه منه ويسلمه إلى المشترى. الثاني: أن يكون المبيع مشخصا عند شخص معلوم كالقسم الاول - ولكن باعه البايع لمالكه فضولا. والظاهر أن مورد النبوى المانع عن بيع ما ليس عند البايع إنما هو القسم الاول لان أرادة القسم الثاني مبنى على أن يكون المراد من البيع المنهى عنه في النبوى، هو الانشاء الساذج مع أنه مخالف لظاهره، فيحتاج أرادته إلى العناية والمجاز بل الظاهر من النبوى هو النهى عن أيجاد حقيقة البيع التى يتوقف حصولها على النقل والانتقال في الخارج وأما مجرد الانشاء الصادر من الأجنبي فلا يكون بيعا إلا بالاجازة اللاحقة. وبتعبير آخر: أن النبوى ظاهر في أشتراط الملك والسلطنة لمن له البيع لا للعاقد عنه، فلا يكون شاملا للفضولي المتوقف على أجازة المالك. ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا: بعدم ظهوره في القسم الاول و لكن لا ظهور له في القسم الثاني أيضا، فيرجع فيه إلى العمومات

[ 91 ]

الدالة على صحة العقود، وأما القسم الاول فيرجع فيه إلى الروايات الدالة على المنع عن بيع الشخصي الذى هو غير موجود عند البايع. ومع الاغماض عن ذلك، فلا دلالة في النبوى على بطلان بيع الفضولي وذلك لان الظاهر من منع البايع عن بيع ما ليس عنده إنما هو أستناد البيع إليه وكونه له كما عرفته آنفا ومن البين أن هذا لا ينافى صحة بيع الفضولي صحة تأهلية بحيث يستند إليه بالاجازة اللاحقة. ولو أغمضنا عن ذلك أيضا ولكن النبوى ليس نصا في بطلان بيع الفضولي بل دلالته عليه إنما هو بالاطلاق فنقيده بالادلة الخاصة الدالة على صحة بيع الفضولي وعمدتها صحيحة محمد بن قيس المتقدمة وأذن فيختص النبوى بالقسم الاولى فقط. ولو تنزلنا عن ذلك أيضا وقلنا بكون النبوى نصا في فساد بيع الفضولي وقعت المعارضة بينه وبين ما دل على صحة بيع الفضولي فيؤخذ بالثاني لكونه موافقا للكتاب ومع عدم المرجح في البين - فيتساقطان ويرجع إلى العمومات، وقد عرفت في أول المسألة أن بيع الفضولي مشمول لها فيحكم بصحته من هذه الناحية. وقد ظهر مما ذكرناه الجواب عن الاستدلال على بطلان بيع الفضولي بالروايات الدالة على المنع عن بيع ما لا يملك بناء على قراءة يملك يصيغة الفاعل لا المفعول فيراد من قوله عليه السلام في صحيحة الصفار المتقدمة قريبا (لا يجوز بيع ما ليس تملك) عدم أستناد البيع إلى العاقد غير المالك وهذا لا ينافى أستناده إلى المالك بالاجازة اللاحقة فلا وجه لما ذكره في الحدائق عند التعرض لصحيحة

[ 92 ]

الصفار من أن (الاصحاب قد أفتوا في هذه المسألة التى هي مضمون هذه الرواية بلزوم البيع فيما يملك ووقوفه فيما لا يملك على الاجازة من المالك بمعنى أنه صحيح، لكونه فضوليا موقوفا في لزومه على أجازة المالك والرواية كما ترى تنادى بأنه لا يجوز الدال على التحريم وليس ثمة مانع موجب للتحريم سوى عدم صلاحية المبيع للنقل بدون أذن مالكه) إذ يمكن أن يراد من الجواز المنفى عدم النفوذ الوضعي كما فهمه الاصحاب فإن أرادة النفوذ من الجواز شايع وإذا أحتمل هذا المعنى، فلا يبقى في الصحيحة ظهور فيما ذكره صاحب الحدائق فضلا عن أن ينادى لفظ لا يجوز بأعلى صوته من المكان المرتفع بالتحريم التكليفى. وقال شيخنا الاستاذ: (ثم لا يخفى أنه لو سلم دلالتها، فلا يمكن تخصيصها بالادلة الدالة على صحة الفضولي لان تعارضهما ليس بالعموم والخصوص المطلق، بتقريب أن مفاد الادلة المانعة هو أن بيع مال الغير لا يجوز سواء قصد لنفسه أم للمالك وسواء أجاز أم لم يجز ومفاد الادلة المجوزة صحة البيع للمالك إذا أجاز لانه لم يكن البيع لنفسه أو للمالك بلا أجازه محلا لتوهم الصحة حتى يرد المنع بنحو العموم، بل التعارض بينهما بالتبائن فإنه لو سلم أطلاق هذه الروايات وشمولها لما إذا قصد الفضولي البيع للمالك أو لنفسه مع المنع وعدمه فلا أشكال في شمول الروايات الدالة على الصحة لجميع الاقسام). ولكن يتوجه عليه: أن تخصيص الادلة المجوزة بصورة كون البيع لمالك مع لحوق الاجازة أن التخصيص لاجل ما ذكر إنما يصح فيما

[ 93 ]

إذا لم يتعارف في الخارج بين الانسان مال غيره عن نفسه مع أنه كان متعارفا في زمان الجاهلية بل في جميع الازمنة، وقد جرت عليه سيرة الجهال والفساق وغير المبالين في أمر الدين حيث أنهم يرون الاسباب غير المشروعة مملكة كالغرر والقمار والغصب والسرقة والخيانة وأشباهها بل ربما يستملكون أموال الناس بلا مملك شرعى ولا عرفى ويعاملون معها معاملة أموالهم. وقد يقال: إن النسبة بين ما دل على صحة بيع الفضولي وبين ما دل على فساده هي العموم من وجه - كما في حاشية المحقق الايروانى - وأليك نصه: (أن المنفى في هذه الاخبار لو كان هو البيع لنفسه كانت هذه الاخبار أخص من هذه الجهة و إن كانت أعم من حيث إجازة المالك، فتكون النسبة عموما من وجه وتقديم تلك على هذه ليس أولى من العكس بتقديم هذه والحكم ببطلان البيع لنفسه وإن أجاز المالك كما قالوه في بيع الغاصب). وفيه أن الاستدلال بالاخبار المانعة على بطلان بيع الفضولي إنما هو مبنى على كون مفادها أعم من البيع لنفسه والبيع للمالك لانها لو كانت مختصة بالبيع للمالك لكانت خارجة عما نحن فيه - بالكلية - ولم يبق مجال للتمسلك بها على ذلك. وقد عرفت قبل الشروع بذكر أدلة القولين أن هنا ثلاث مسائل: الاولى أن يبيع للمالك الثانية أن يبيع له مع سبق المنع عنه. الثالثة أن يبيع لنفسه كبيع الغاصب. وكلامنا فعلا في حول المسألة الاولى وأما البيع لنفسه الذى هو المسألة الثالثة فسيأتي البحث عنه قريبا، وكيف كان فلا وجه

[ 94 ]

لتخصيص الادلة المانعة لصورة البيع لنفسه ويضاف إلى ذلك أنه لم يذكر في الاخبار المانعة ولا في الاخبار المجوزة كون البيع - للمالك مع لحوق الاجازة أو كونه للبايع ولم يصرح فيهما بشئ من ذلك وأذن فلا وجه لتخصيص كل من الطائفتين بناحية خاصة بل الظاهر منهما هو كون الطائفة المجوزة أخص من الطائفة المانعة لان الاولى مختصة بصورة لحوق الاجازة من المالك والثانية أعم من ذلك. على أن التعارض بالعموم من وجه يقتضى التساقط والرجوع إلى العمومات لا تقديم أحد المتعارضين على الاخر. ومنها صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن رجل أشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم وكتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال ولم تقبضه فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال فليقل له ليمنعها أشد - المنع فإنها باعت ما لم تملكه (1) حيث أنها تدل على المنع عن بيع الانسان ما لا تملكه، فتشمل الفضولي أيضا. وفيه أن الصحيحة تدل على أنه لا يجوز لبايع الفضولي أن يقبض الثمن، لا على بطلان بيعه بل يمكن أن يقال: أنها مشعرة بصحة بيع الفضولي حيث أن الامام عليه السلام قد علل المنع عن تسليم المال بأنه باع ما لم تملكه ومن الظاهر أنه لو كان البيع فاسدا لعلله بذلك لان التعليل بالامر الذاتي أولى من التعليل بالامر


1 - التهذيب باب المكاسب ج 6 ص 339 والتهذيب القديم ج 2 ص 106 و 867 وللوسائل باب 1 من أبواب عقد البيع.

[ 95 ]

العرض. ومنها رواية (1) الاحتجاج فأنه قد ذكر فيها الضيعة لا يجوز أبتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضى منه فإنها تدل بمفهوم الحصر على بطلان البيع الفضولي لانه لم يصدر من المالك ولا بأمره ولا برضاء منه. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند من جهة الارسال. وثانيا: أنه يحتمل أن يراد من عدم الجواز عدم النفوذ كما فهمه الاصحاب فيمن باع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة حيث بنوا على النفوذ في الاول وتوقفه على أجازة المالك في الثاني و لا ريب أن أطلاق الجواز وعدمه على النفوذ وعدمه شايع بين الفقهاء رضوان الله عليهم، ومن ذلك قولهم أقرار العقلاء على أنفسهم جائز أو نافذ وأذن، فالرواية تدل على عدم أستناد البيع إلى العاقد غير المالك وعدم نفوذه منه وهذا لا ينافى أستناده إلى المالك بالاجازة اللاحقة بل قد عرفت آنفا أن البيع والشراء لا يطلقان على الانشاء الساذج وعليه فالمراد من قوله عليه السلام لا يجوز أبتياعها الخ هو النهى عن أبتياع مال الغير حقيقة لا مجرد أجراء العقد عليه لفظا، فلا دلالة فيها على فساد بيع الفضولي من أصله بل ربما يقال: بدلالتها على صحته، وذلك لان الامام عليه السلام قد تفضل بأن أبتياع الارض لا يصح إلا بمباشرة المالك أو بوكالة منه أو برضائه به على سبيل مانعة الخلو ومن المعلوم أن المراد من الرضاء ليس هو


1 - الوسائل باب 1 من أبواب عقد البيع وقد ذكرنا مجموع الرواية سابقا.

[ 96 ]

الرضاء السابق على العقد لكناية قوله عليه السلام وبأمر منه في ذلك، ولا أن المراد منه هو الرضاء المقارن لعدم أعتباره في صحة البيع و قد عرفته فيما سبق، فيكون المراد منه الرضاء المتأخر، وإن أبيت عن ظهور الرواية في ذلك فلا آقل من الاحتمال فتكون الرواية - مجملة. وكيف كان فلا ظهور لها في فساد بيع الفضولي. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام في حديث قال: سأله رجل من أهل النيل عن أرض أشتراها بفم النيل وأهل الارض يقولون هي أرضهم وأهل الاستان يقولون هي من أرضنا فقال لا تشترها إلا برضاء أهلها (1) حيث أن الامام عليه السلام منع عن شراء الارض إلا برضاء أهلها، فيكون الشراء من الفضولي فاسدا وقد ظهر جوابه مما تقدم فإن المنع عن الشراء من غير المالك لا ينافى أستناد البيع إلى المالك بأجازته إذ لا دلالة في هذه الرواية على أعتبار الرضاء المقارن في صحة العقد وكون الاجازة اللاحقة لا غية، فلا وجه لما ذكره في الحدائق، من صراحة الرواية في تحريم الشراء قبل تقدم الرضاء ثم قال: ودعوى قيام الاجازة - المتأخرة مقام الرضا السابق مع كونه لا دليل عليه مردود بما ينادى به الخبر من المنع والتحريم إلا مع تقدم الرضاء. ومنها الروايات (2) الدالة على عدم جواز شراء السرقة والخيانة


1 - في حديث المناهى قال من أشترى خيانة وهو يعلم فهو كالذى خانها، وفى رواية سماعة قال سألته عن شراء الخيانة و السرقة فقال إذا عرفت إنه كذلك فلا إلا أن يكون شيئا أشتريت من - >

[ 97 ]

وقد أستدل بها وبغيرها في الحدائق على بطلان بيع الفضولي وقال في جملة ما ساقه من الكلام وأليك لفظ بعضه وهذه جملة من الاخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور في عدم جواز بيع - الفضولي وعدم صحته، ولو كان ما يدعونه من صحة بيع الفضولي و تصرفه بالدفع والقبض صحيحا وإنما يتوقف على الاجازة لصرح به بعض هذه الاخبار أو أشير إليه ولاجابوا بالصحة وإن كان اللزوم موقوفا على الاجازة في بعض هذه الاخبار إن لم يكن في كلها مع أنه لا أثر فيها لذلك ولو بالاشارة فضلا عن صريح العبارة، وقال في موضع آخر - بعد نقل خبر سماعة - وهذا نصه: (وقد نهى عن الشراء والنهى دليل التحريم وليس ذلك إلا من حيث أن المبيع غير صالح للنقل لكون التصرف فيه غصبا محضا والتصرف في - المغصوب قبيح عقلا ونقلا والاصحاب في مثل هذا يحكمون بالصحة والوقوف على الاجازة وهل هو إلا رد لهذا الخبر ونحوه؟ ولكنهم معذورون من حيث عدم أطلاعهم على هذه الاخبار إلا أنه يشكل هذا الاعتذار بالمنع من الفتوى إلا بعد تتبع الادلة من مظانها و الاخبار المذكورة في كتب الاخبار المتداولة في أيديهم مسطورة) و إلى غير ذلك من الكلمات غير الخالية عن التعريض وأساءة الادب


- > العامل، وعن جراع المدانى عن الصادق عليه السلام قال لا يصلح شراء السرقة والخيانة إذا عرفت، وفى رواية أخرى من أشترى سرقة و هو يعلم فقد شرك في أثمها، وفى رواية قرب الاسناد عن رجل سرق جارية ثم باعها يحل فرجها لمن أشتراها؟ قال إذا أنبأهم أنها سرقة فلا يحل وإن لم يعلم فلا بأس الوسائل باب (1) من أبواب عقد البيع وشرائه. 1 - الوسائل باب 1 من أبواب عقد البيع وشرائه.

[ 98 ]

مع الاصحاب. ثم قال في آخر كلامه: (وبالجملة فالقول بما عليه الشيخ و أتباعه من البطلان هو المختار كما دلت عليه صحاح الاخبار على إنا لا نحتاج في الابطال إلى دليل بل المدعى للصحة عليه الدليل كما هو القاعدة المعلومة بين العلماء جيل بعد جيل وقد عرفت أن أدلتهم لا تسمن ولا تغنى من جوع كما لا يخفى). ويتوجه على الاستدلال بها على ما نحن فيه أنها ظاهرة في أرادة التملك من الابتياع المذكور بحيث تترتب عليه الاثار نحو ترتبها على الابتياع من المالك، فلا أشعار في شئ منها ببطلان بيع الفضولي فضلا عن الدلالة عليه ومن نظر إليها بعين الانصاف وجانب طريق الاعتساف يرى صدق ما ذكرناه، والعجب من صاحب الحدائق مع تبحره في الاخبار وغوره فيها قد خفى عليه ما ذكرناه مع أنه من الوضوح بمكان بل هو كالنار على المنار، وأعجب من ذلك أنه مع عدم فهمه محل النزاع كما يظهر من كلامه المتقدم حيث جعل بيع الفضولي تصرفا في المغصوب أبتهج على ما يرومه كأنه عثر على ما لم يعثر عليه غيره، بل لم يكتف على ذلك حتى حمل على الاصحاب ورماهم إلى عدم العثور على تلك الاخبار، وكونهم غير معذورين في ذلك لوجود كتب الاخبار بين أيديهم ولنصب عيونهم، ولكنه غفل عن أنهم سمعوها ودعوها إلا أنهم أطلعوا على ما هو المقصود منها ولم يقعوا على ما وقع عليه صاحب الحدائق من الاشتباه. ومن هنا قال في الجواهر وهذه عبارته: (بل أطنب فيه المحدث البحراني إلا أنه لم يأت بشئ بل مقتضى جملة من كلماته

[ 99 ]

التى أساء الادب فيها مع مشايخه أنه لم يفهم محل النزاع وتخيل أن القائل بالصحة يريد حصول أثرها من المالك والتمليك وجواز التصرف، وغير ذلك عدا اللزوم، فأبرق وأرعد ثم ترنم وغرد وساق جملة من النصوص الدالة على خلاف ذلك محتجا بالعثور عليها و الاهتداء إلى الاستدلال بها. فتحصل: أنه لا دلالة في شئ من تلك الاخبار على بطلان بيع الفضولي ولو سلمنا دلالتها على عدم جواز بيع مال الغير فنخصصها بما دل على صحة بيع الفضولي، وعلى تقدير التعارض والتساقط يرجع إلى العمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود وقد عرفت ذلك كله فيما تقدم. قوله: أما الروايتان. أقول: المراد بهما روايتا خالد ويحيى الآتيتان في بيع - الفضولي لنفسه لا التوقيعان المتقدمان أي توقيع الصفار وتوقيع الحميرى. ومنها ما رواه الشيخ في المجالس بأسناده عن زريق قال: كنت عند الصادق عليه السلام إذ دخل عليه رجلان إلى أن قال: فقال أحدهما: أنه كان على مال لرجل من بنى عمار وله بذلك ذكر حق وشهود، فأخذ المال ولما أسترجع منه ذكر الحق ولا كتبت عليه كتابا.. ووارثه حاكموني.. فيباع على قاضى الكوفه معيشة لى وقبض القوم المال.. فقال: المشترى كيف أصنع فقال: تصنع أن ترجع بمالك على الورثة وترد المعيشة إلى صاحبها الحديث الحدائق ج 5 المتاجر ص 75 قال فيها بعد نقل الحديث: أن هذا

[ 100 ]

الخبر وأن تضمن أن البايع هو الحاكم وهو صحيح بحسب الظاهر بناء على ما ورد عنهم عليهم السلام من الاخذ بأحكامهم في زمان الهدنة و التقية إلا أنه بعد ظهور الكاشف عن بطلانه وأعتراف الورثة بقبض الدين يكون من باب بيع الفضولي وهو كما سيأتي على قسمين: أحدهما: ما يكون المشترى عالما بالغصب وأنه ليس ملكا للبايع. وثانيهما: أن يكون جاهلا وأدعى البايع الاذن من المالك وما أشتمل عليه الخبر من القسم الثاني. ولكن يتوجه عليه أن الرواية أجنبية عن بطلان بيع الفضولي فأنها ليست مسوقة لبيان بطلان البيع حتى مع الاجازة اللاحقة، بل هي ناظرة إلى بيان حكم الواقعة وأنه بعد كشف الخلاف، فلابد وأن يكون يرجع المال المأخوذ بلا حق إلى صاحبه. قوله: الثالث الاجماع على البطلان. أقول: قد أدعاه الشيخ في الخلاف كما عرفت في أول المسألة ومع ذلك قد أعترف بإن الصحة مذهب جماعة من أصحابنا ولكنه أعتذر عن ذلك بعدم الاعتناء بخلافهم وهو محكى عن أبن زهرة أيضا في الغنية وعن الحلى في مضاربة السرائر عدم الخلاف في بطلان شراء الغاصب إذا أشترى بعين المغصوب. ويرد عليه أولا: أن دعوى الاجماع على البطلان في هذه المسألة موهونة جدا لعدم وجود القائل به غير مدعى الاجماع و جمع قليل من المتأخرين خصوصا مع مخالفة الشيخ في النهاية التى قيل أنها آخر كتبه ومن هذه الفتوى يمكن أستكشاف ما أدعاه من

[ 101 ]

الاجماع منقولا لا محصلا وأذن، فلا نظن وجود الاجماع في المقام بل نطمئن بعدمه. ويضاف إلى ذلك أنه ليس هنا أجماع تعبدي إذ من المحتمل القريب أن المجمعين قد أستندوا في ذلك إلى بعض الوجوه المتقدمة أو جميعها على أن الاجماع لا يكافؤ ما تقدم من أدلة الصحة. قوله: الرابع ما دل من العقل والنقل على عدم جواز، التصرف في مال الغير إلا بأذنه. أقول: قد أستدل على بطلان بيع الفضولي بالدليل العقلي وبيانه يحتاج إلى مقدمات: الاولى (والظاهر أنه لا أحتياج إلى هذه المقدمة) أن التصرف في مال الغير قبيح عقلا ونقلا وهذا ظاهر لا شبهة فيه. الثانية: أن الفضولي متصرف في مال الغير بالعقد عليه بدون أذنه لانه لم يقصد بعقده الهزل والهذيان وإلا كان أنشأه لغوا محضا وساقطا عن درجة الاعتبار وإنما قصد النقل والانتقال حقيقة ولا ريب في كون ذلك تصرفا. الثالثة: أن التصرف في مال الغير حرام للروايات الدالة على حرمة التصرف فيها بدون أذن مالكها فنتيجة هذه المقدمات هي بطلان عقد الفضولي لان النهى يقتضى الفساد كما حقق في محله. وفيه أولا: أن مجرد أنشاء البيع لا يعد تصرفا في المبيع عند العرف لا تصرفا خارجيا ولا تصرفا أعتباريا سواء أكان ذلك بأذن المالك كالوكيل في أجراء الصيغة، أم كان بدون أذنه كالفضولى وذلك

[ 102 ]

لان التصرف في المال عبارة عن أيجاد ما هو من شؤن المالك سواء أكان ذلك تصرفا خارجيا كالاكل والشرب والاستظلال تحت الخيمة أم كان تصرفا أعتباريا كالبيع والاجارة ونحوهما. وهذا بخلاف الفضولي، فإنه وأن لم يكن هازلا في أنشائه ولا غالطا ولا ساهيا ولا لاغيا ولا لاهيا ولا مستهزئا ولا سكرانا بل إنما هو قصد البيع ألا أنه يرى نفسه نائبا عن المالك وباع ماله فضولا متوقعا لاجازته بحيث لا يصدق عنوان البيع على أنشائه صدقا حقيقيا إلا بعد الاجازة التى بها يتحقق التصرف الاعتباري في المبيع ويستند البيع إلى المالك المجيز لا بالانشاء الساذج الفضولي. وثانيا أنا لو سلمنا كون الانشاء الخالص تصرفا في المبيع ولكنه لا دليل على حرمة التصرف في مال الغير على وجه الاطلاق بقيام السيرة العقلائيه على جواز الاستضلال بحائط الغير والاستضاء بضيائه والاصطلاء بناره ودق باب داره لاستعلام حاله وأشباهها ولم يردع الشارع المقدس عنها جزما وأما أدلة حرمة التصرف في أموال الناس فهى منصرفة عنها قطعا. ثالثا إنا لو سلمنا كون الانشاء تصرفا في المبيع وسلمنا حرمته أيضا، ولكن ذلك فيما لم يستكشف جوازه من الغرئن الحالية أو المقالية وإلا، فلا شبهة في جوازه بناء على أن مثل هذا الاذن لا يخرج العقد عن الفضولية كما هو كذلك لان الاذن قد تعلق - بالانشاء لا بالمنشأ والذى يخرج العقد عن الفضولية إنما هو الثاني دون الاول وعليه، فيكون الدليل أخص من المدعى إلا أن يلتزم بصحة بيع الفضولي في هذا المورد لعدم كونه مشمولا للدليل العقلي

[ 103 ]

وببطلانه في سائر الموارد، ولكن الظاهر أن القائلين بالفساد إنما يريدون السلب الكلى وحينئذ فيكفى في نقضه الايجاب الجزئي. ورابعا: أنا لو سلمنا جميع ما ذكر ولكن إنما يحرم الانشاء من الأجنبي مع العلم والعمد وأما مع الجهل بذلك أو مع الغفلة عنه، فلا وجه لحرمته ومن الظاهر أن مورد بحثنا أعم من ذلك و أذن، فيكون الدليل أيضا أخص من المدعى. وخامسا: إنا لو سلمنا ذلك أيضا ولكن النهى عن المعاملات لا يوجب الفساد وأن أصر عليه شيخنا الاستاذ وتفصيل ذلك في محله نعم لو كان النهى أرشادا إلى فساد المعاملة سواء أكان - تحريميا أم كان تنزيهيا فلا شبهة في دلالته على فسادها قد تقدم ما يمس بالمقام. ص 75. وسادسا: أن الفساد من قبل الفضولي وعدم أستناد البيع إليه لا يستلزم الفاسد من قبل المالك، ولا ينافى الصحة التأهلية وجواز أستناده إلى المالك بالاجازة اللاحقه. وقد يستدل على بطلان بيع الفضولي بأنه إنما حكم ببطلان البيع الابق من ناحية تعذر التسليم الذى هو شرط في صحة البيع ومن الواضح أن بيع مال الغير أولى بعدم الجواز، لفقد السبب والشرط معا. وفيه: إنا نعتبر الملك والقدرة على التسليم بالنسبة إلى المالك المجيز لا العاقد وإلا لم يصح عقد الوكيل في أجراء الصيغة فقط لانه ليس بمالك ولا قادر على التسليم ولا فارق بينه وبين الفضولي من هذه الناحية.

[ 104 ]

وقد يستدل على بطلانه بأن عقد للفضولي مشتمل على الغرر للجهل بحصول أثره وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر. وفيه أولا: أنه إنما يلزم ذلك إذا حكمنا بلزومه ولكنه ليس يلازم وعليه، فيرتفع الغرر بجواز الفسخ وثانيا: أن عمدة الدليل على بطلان بيع الغررى إنما هو الاجماع لان النبوى ضعيف السند وغير منجبر بشئ والمتيقن منه غير ما نحن فيه. ثم أنه ذكر السيد في حاشيته عند قول المصنف (والجواب أن العقد) لا يخفى أن الفضولي إنما يقصد النقل والانتقال جدا مطلقا لا هزلا ولا معلقا على الاجازة وإلا لم يكن صحيحا مع الاجازة أيضا وحينئذ فلا يبعد صدقه عليه عرفا كما يصدق على بيع الغاصب الخ. ويرد عليه أولا: ما ذكرناه سابقا من عدم كون ذلك تصرفا ولا يقاس ذلك ببيع الغاصب الذى يرى المال لنفسه ويبيع لنفسه لكن يستند البيع إليه وأين هذا من الفضولي. وثانيا: أن قوله ولا معلقا عليه سهو من القلم لما عرفته في مبحث التعليق أن التعليق على ما هو دخيل في صحة العقد لا يوجب بطلانه لان صحة العقد متوقفة واقعا على ذلك ثم أنه ذكر هنا أمور لبطلان بيع الفضولي ولكن قد أغمضنا عنها إذ لا يهمنا - التعرض لها. (حكم بيع الفضولي مع سبق منع المالك) قوله (المسألة الثانية أن يسبقه منع المالك. أقول: المعروف والمشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم هو صحة بيع الفضولي مطلقا وحكى عن بعض التفصيل في ذلك بين

[ 105 ]

سبق المنع وعدمه ويشير إليه ما عن المحقق الثاني في بيع الغاصب حيث أحتمل الفساد نظرا إلى القرينة الدالة على عدم الرضا وهى الغصب ويشير إليه أيضا ما حكى عن فخر الاسلام من أنه زاد بعضهم أي بعض القائلين بصحة الفضولي عدم مسبوقية الصيغة بنهي المالك ويظهر هذا فيما حكى عن العلامة في نكاح التذكرة من حمل النبوى أيما عبد تزوج بغير أذن مولاه فهو عاهر، بعد ما رماه إلى ضعف السند على أنه نكح بعد منع مولاه وكراهته له فإنه يقع باطلا وهذه العبارة وإن سردها في النكاح إلا أنه لم يفرق بين النكاح وغيره، فيلزم أن يقول بمثله في البيع أيضا. ويتوجه عليه أولا أن الظاهر من النبوى هو المنع عن مطلق الزواج الفضولي لا عن الفضولي المسبوق بالمنع فقط وعليه فلا بد من تخصيصه على تقدير صحته بما دل على صحة عقد الفضولي. وثانيا: إنا لو سلمنا تكافؤهما ولكن لا بد من تقديم أدلة الصحة لضعف النبوى سندا ومع صحة سنده فيتساقطان فيرجع إلى العمومات. وثالثا: أن الظاهر من النبوى إنما هو المنع عن تزويجه و ترتيبه آثار الزوجية بلا أستيذان ولا أستجازة من مولاه ولا شبهة في كونه زانيا وهذا لا ربط له بالفضولى المسبوق بالمنع. ثم أنه يقع البحث هنا في جهتين الاولى: في أنه هل هنا دليل يقتضى صحة عقد الفضولي مع سبق المنع عنه من المالك؟ الثاني: في أنه هل هنا ما يدل على بطلان العقد بحيث يكون مانعا عن تأثير ما يقتضى الصحة؟

[ 106 ]

اما الجهة الاولى، فإن كان الدليل على صحة بيع الفضولي هو العمومات فلا يفرق في ذلك بينما يكون مسبوقا بمنع المالك وعدمه فإنه مع لحوق الاجازة يكون مشمولا للعمومات في كلتا الصورتين و إلا فلا، وإن كان الدليل على صحته هو خبر البارقى المتقدم، فلا شبهة في أختصاصه بصورة عدم المنع عن البيع إذ المفروض فيه أن النبي صلى الله عليه وآله قد أمره بأشتراء الشاة من دون نهى عن بيعها ولذا دعاه بالخير والبركة وقال: (بارك الله في صفقة يمينك)، وإن كان الدليل على صحته صحيح محمد بن قيس فالظاهر من قول أبى البايع (أن وليدتي باعها أبنى بغير أذنى)، هو عدم سبق المنع عن البيع وإلا لكان الاحتجاج بذلك على مقصده أولى وأقرب من الاحتجاج عليه بعدم الاذن في البيع وعلى هذا، فلا يبقى مجال لاستفادة العموم من الصحيحة من ناحية ترك الاستفصال. ودعوى أن قوله: (باعها بغير أذنى) أعم من المنع وعدم الاذن، دعوى فاسدة للفرق الواضح بين أن يقول الانسان لاحد ما أذنت لك في الفعل الفلاني وبين أن يقول له نهيتك عن ذلك ولا ريب في أن الثاني أقوى للاحتجاج في مقام المخالفة وإن كان الدليل على صحة بيعه الروايات الواردة في الزواج العبد بغير أذن سيده معللا بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو جائز، فدلالته على صحة بيع الفضولي هنا بوجهين الاول من ناحية الفحوى وبيان ذلك أن السيد وأن لم يكن راضيا بزواج العبد بل كان يكرهه كراهة شديدة ولكن حيث لم يكن الزواج معصية لله بل كان عصيانا للسيد فقط، لم يخرج بذلك عن الصحة التأهلية لرجاء

[ 107 ]

زوال العصيان بالاجازة المتأخرة، وإذا صح الزواج بالاجازة اللاحقة مع كونه مسبوقا بكراهة السيد صح مع كونه مسبوقا بالمنع أيضا لان ما هو مناط العصيان أعنى به مبغوضية الزواج موجود فيهما بلا فرق بين أظهارها بمظهر خارجي وعدمه وإذا صح الزواج صح غيره بالالوية القطعية. ويتوجه عليه: أن الروايات المزبورة خالية عن كون الزواج مسبوقا بالنهي إذ لم يذكر فيها إلا كون الزواج عصيانا للسيد لا كونه منهيا عنه والمراد بالعصيان ليس هو مخالفة نهى المولى لكى يستفاد المنع الصريح من ذلك بل المراد به إنما هو عدم الاستيذان منه في النكاح بمقتضى قانون العبودية على ما هو صريح الرواية وأذن، فلا دلالة في تلك الروايات على نفوذ بيع الفضولي المتعقب بالاجازة مع المنع السابق. ودعوى أستفادة المنع منها ولو بشاهد الحال بين الموالى و العبيد، دعوى فاسدة لان حالهما تشهد على عدم رضا المولى بفعل عبده إلا بالاستجازة والاستيذان وإلا، فيكون خارجا عن زى الرقية والعبودية وهذا غير كونه ممنوعا عن الاستقلال في الفعل - بمنع صريح. ويضاف إلى ذلك ما ذكره المحقق الايروانى من أنه (مع وجود شهادة الحال على المنع خرج عن محل البحث إذ شهادة الحال بوجودها الاستمراري إلى ما بعد العقد تكون ردا فلا تجدى بعده الاجازة). على أنا لو سلمنا دلالة الروايات المزبورة على صحة زواج العبد

[ 108 ]

مع المنع السابق ولكنها بعيدة عن الفضولي المصطلح لما ذكرناه سابقا من أن عقد النكاح في مورد الروايات مستند إلى العبد وأنه بنفسه طرف للمعاقدة والمعاهدة غاية الامر أن نفوذه متوقف على أجازة السيد ولا شبهة في أن هذا غير ما هو مورده البحث في مبحث الفضولي وأذن فلا وجه لدعوى الفحوى المتقدمة. الوجه الثاني من ناحية عموم التعليل المذكور في تلك الاخبار حيث أن الامام عليه السلام قد علل فيها صحة نكاحه بأجازة المولى بأن نكاحه مشروع بذاته وأنه ليس معصية لله تعالى ومن الظاهر أنه لا يفرق في مشروعية نكاح العبد وعدم كونه معصية لله ونفوذه بأجازة المولى بين كونه مسبوقا بالنهي وعدمه، فإذا صح النكاح صح كل - معاملة مشروعة بذاته، فإن كونه معصية للسيد مما يرجى زواله وهذا بخلاف ما إذ كان ذلك معصية لله فإنها غير قابلة للزوال. ولكن ظهر جوابه مما تقدم من أن الزواج الصادر من العبد مستند إليه وعقد له وإن كان نفوذه مشروطا برضا المولى فلا ربط له بالفضولى المصطلح، فيكون ذلك نظير بيع الراهن العين المرهونة بدون أذن المرتهن وتزويج بنت الاخ وبنت الاخت بدون أذن العمة والخالة وأذن، فلا يمكن التمسك بعموم التعليل المذكور في تلك الروايات إلا فيما يسانخ مورد التعليل وأما بقية الوجوه، فقد عرفت أنها لم تدل على صحة بيع الفضولي مع عدم سبق المنع، فكيف إذا كان مسبوقا به وكذلك المؤيدات المتقدمة فلا وجه لاطالة البحث عن ذلك. أما الجهة الثانية فذكر المصنف: (أن العقد إذا وقع منهيا عنه فالمنع الموجود بعد العقد ولو آنا ما كاف في الرد فلا ينفع الاجازة

[ 109 ]

اللاحقة بناء على أنه لا يعتبر في الرد سوى عدم الرضا الباطني بالعقد على ما يقتضية حكم بعضهم بأنه إذا حلف الموكل على نفى الاذن في أشتراء الوكيل أنفسخ العقد لان الحلف عليه أمارة عدم الرضا). وفيه أولا: أن الباقي بعد العقد ليس إلا الكراهة المستمرة من زمان المنع إلى بعد العقد ولكن ذلك أجنبي عن الرد بديهة أن معنى الرد إنما هو حل العقد وأبطال ما حصل به من الربط ولا شبهة في أن هذا لا يتحقق إلا بالانشاء الذى هو مفقود في المقام على الفرض كما أن الفسخ لا يوجد إلا بالانشاء لان الكراهة الباطنية كالرضا الباطني لا يؤثران في الرد والاجازة ولا في الفسخ والامضاء وثانيا: أن الرد لم يثبت بدليل لفظي لكى يتمسك بأطلاقه ويحكم بتحققه بالكراهة الباطنية الباقية إلى بعد العقد بل إنما ثبت ذلك بالاجماع ومن الواضح أنه دليل لبى، فلا يؤخذ به إلا بالمقدار المتيقن وهو أنشاء الكراهة وعدم الرضا بمظهر خارجي من اللفظ و غيره ومن هنا ألتزم الفقيه الطباطبائى بجواز تأثير الاجازة بعد الرد وهذا نصه: (الحق أن الرد من المالك غير مانع من الاجازة بعد ذلك ولا يوجب الفسخ.. أما ظهور الاجماع فمضافا إلى المنع منه لا دليل على حجيته ما لم يصل حد القطع بل أقول: لا يصح دعوى الاجماع القطعي على بطلان العقد إذا تخلل الرد من القابل بين الايجاب والقبول، نعم لا يبعد دعواه على بطلانه إذا رد الموجب أيجابه قبل قبول القابل ص 159). أما الفرع الذى حكاه المصنف عن بعض من أنه إذا حلف الموكل

[ 110 ]

على نفى الاذن الخ، فتادة نفرضه في غير زمان الخيار وأخرى في زمانه كما فرضه كذلك شيخنا الاستاذ وأليك لفظ مقرر بحثه: (وفسخ عقد الوكيل لو كان خياريا بحلف الموكل على نفى الاذن في أشتراء الوكيل، لو سلم إنما هو لامارية الحلف على الفسخ لا لمجرد كراهة الموكل باطنا، بل لا يبعد أن يكون نفس أنكار الوكالة فسخا كما أن أنكار الطلاق رجوع). وإن كان في زمان الخيار فينفسخ العقد بأنكار الوكالة بلا أحتياج إلى الحلف على نفى الاذن في أشتراء الوكيل، وذلك لان الموكل إذا أنكر وكالة المشترى فقد أقر بكون المبتاع للغير ولا شبهة أن هذا أقرار على نفسه، فيكون نافذا وهذا نظير أنكار الطلاق في العدة الرجعية، فإنه يكفى في الرجوع إلى المطلقة بلا أحتياج إلى الحلف على عدم وقوع الطلاق ضرورة أن أنكار الطلاق أقرار على الزوجية و لوازمها من الانفاق وغيره، فيكون أقرارا على نفسه فينفذ على أن الحلف لا يكشف إلا عن الكراهة الباطنية وعدم الرضا ومن الظاهر أن مجرد عدم الرضا لا يكفى في الرد بل لا بد فيه من الانشاء وقد عرفته آنفا. ومن هنا ظهر أنه لا يتم ما ذكره المصنف (ره) هذا لفظه (وما ذكره في حلف الموكل غير مسلم ولو سلم فمن جهة الاقدام على الحلف على ما أنكره في رد البيع وعدم تسليمه له). وأن كان ذلك في غير العقد الخيارى، فهو بحسب طبعه على نحوين لانه تارة ينكر التزامه بالعقد وينكر الوكالة أيضا ويحلف على ما أنكره وأخرى ينكر الوكالة فقط ويحلف على ما أنكره من دون أن

[ 111 ]

ينكر التزامه بالعقد وعلى الاول، فيحكم ببطلان المعاملة إذ المفروض أنه ليس هنا التزام عقدى أصلا ومن هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذكرناه من التعبير بالبطلان دون الانفساخ إذ لم يتحقق هنا عقد لكى يحكم بأنفساخه وعلى الثاني فيحكم ببطلان الوكالة فقط دون العقد، إذ لا تحتاج صحته إلى صحة الوكالة وقد ظهر لك مما ذكرناه أن مجرد أنكار الوكالة لا يكفى في بطلان ما أنشأه الوكيل من العقد بل لا بد في الحكم ببطلانه من وجود القرينة الخارجية على أرادة الصورة الاولى وأن المنكر إنما ينكر الوكالة وألتزامه بالعقد الصادر من الوكيل كليهما وإلا فيحكم بصحة العقد وبطلان الوكالة فقط. (بحث في بيع الفضولي لنفسه) قوله: (المسألة الثالثة أن يبيع الفضولي لنفسه وهذا غالبا يكون في بيع الغاصب وقد يتفق من غيره بزعم ملكية المبيع كما في مورد صحيحة الحلبي المتقدمة في الاقالة بوضيعة والاقوى فيه الصحة أيضا وفاقا للمشهور). أقول: المعروف والمشهور بين الاصحاب هو صحة بيع الفضولي لنفسه وهذا هو الغالب في بيع الغاصب وقد حكى عن كثير من الاصحاب أنه يقف على الاجازة كسائر البيوع الفضولية ومنهم العلامة في بيع المختلف وغصب التحرير وبيع التذكرة والقواعد وغصبهما و الشهيد والسيورى والصيمري والكركي وحكى عن فخر الاسلام أنه أختاره بناء على صحة الفضولي وهذا مقتضى أطلاق الباقين بل هو لازم فتوى الاصحاب في ترتب العقود على أحد العوضين حيث حكموا

[ 112 ]

بأن للمالك أن يجيز منها ما شاء ومن الظاهر أنه لا تتم هذه الفتوى بأطلاقه إلا على القول بصحة بيع الفضولي لنفسه وعن فخر المحققين أنه على القول ببطلان بيع الفضولي فبيع الغاصب أولى بالبطلان و على القول بوقوف بيع الفضولي على الاجازة فالاكثر على أنه كذلك في الغاصب مع جهل المشترى الخ. ثم أنه يقع الكلام هنا أيضا في جهتين حذو المسألة السابقة. الاولى: في وجود المقتضى لصحة البيع وعدمه، والثانيه في وجود المانع عن ذلك وعدمه أما الجهة الاولى فلا شبهة في أن بيع الفضولي لنفسه مع لحوق الاجازة من المالك مشمول للعمومات و المطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها وهذا ظاهر. ويضاف إلى ذلك صحيحة محمد بن قيس المتقدمة في المسألة الاولى حيث عرفت دلالتها على صحة بيع الفضولي للمالك مع عدم كونه مسبوقا بالمنع وبضميمة ترك الاستفصال نعم هذه المسألة أيضا ضرورة أنه لو كان هناك فرق بين المسألتين لفصل بينهما الامام عليه السلام مع أنه لم يفصل بينهما وترك الاستفصال أمارة العموم وإذن فتدل الصحيحة على صحة بيع الفضولي في كلتا المسألتين وإن ناقشنا في دلالتها على صحته في المسألة الثانية لاجل خصوصية فيها. وأما الاخبار الواردة في صحة نكاح العبد لنفسه بلا أذن سيده فقد عرفت عدم دلالتها على صحة بيع الفضولي في المسألة الاولى و كذلك في المسألة الثانية، فعدم دلالتها على صحته هنا أولى إذ المفروض أن البيع في المسألتين المتقدمتين للمالك بخلافه هنا فإنه للبايع لانه باع مال غيره لنفسه فالتمسك بها هنا أردء من التمسك

[ 113 ]

بها هناك. وأما بقية الوجوه التى أستدل بها على صحة بيع الفضولي فقد عرفت عدم دلالتها على صحة بيع الفضولي في المسألتين المتقدمتين فضلا عن دلالتها عليها في هذه المسألة. أما الجهة الثانية، فقد ذكروا وجوها لبطلان بيع الفضولي لنفسه ولكن عمدتها وجهان: الاول أنه مع علم البايع بكون المبيع لغيره لا يتمكن من قصد البيع لنفسه لانها لا تتحقق إلا بدخول أحد العوضين في ملك من خرج المعوض عن ملكه وحينئذ فالصادر من الفضول ليس بيعا حقيقيا بل إنما هو صورة بيع نظير بيع الهازل والغالط والساهى. وعلى لجملة أن حقيقة المعاوضة التى هي عبارة عن دخول أحد العوضين في ملك مالك الآخر غير مقصودة للعاقد وما هو مقصود له من وقوع البيع لنفسه ليس بمعاوضة بين المالين وإنما هو معاوضة صورية وإذن، فلا سبيل لنا إلى تصحيح بيع الفضولي لنفسه. ويتوجه عليه. أولا: أن الدليل المذكور أخص من المدعى لانه مختص بالغاصب العامل بغصبية المبيع فلا يجرى في الجاهل بغصبيته ولا في الغافل عن ذلك. وثانيا: أن العلم بالغصبية إنما يمنع عن قصد التبديل بين المالين في نظر الشارع دائما وفى نظر العرف أحيانا كبيع السرقة و الخيانة على رؤس الاشهاد وبمرأى من الناس ومسمع منهم لا في نظر المتبائعين لانا ذكرنا مرارا أن حقيقة البيع عبارة عن الاعتبار -

[ 114 ]

النفساني المظهر بمبرز خارجي، ومن الظاهر أنه يمكن تحقق هذا المعنى بمحض وجود المتبائعين، وإن لم يكن في العالم شئ من الشرع وأهل العرف وأما كونه ممضى للعقلاء والشرع، فهو أمر خارج عن حقيقة البيع وإنما هو من الاحكام اللاحقة له وعلى هذا فالبايع الغاصب مثلا، وإن قصد دخول الثمن في ملكه مع أن المبيع قد خرج عن ملك غيره ولكن الاخلال بذلك لا يوجب الاخلال بحقيقة البيع لان قصد حقيقته، لما كان مستلزما لقصد دخول أحد العوضين في ملك من خرج الآخر عن ملكه تحققت المعاوضة حقيقة وإن أنضم إلى ذلك قصد وقوعه لنفسه بأعتيار تنزيل نفسه منزلة المالك، لان تعيين المالك الواقعي غير معتبر في مفهوم تحقق حقيقة البيع بل القصد إلى العوض وتعيينه يغنى عن القصد إلى المالك وتعيينه. نعم يعتبر في مفهوم البيع قصد المتبائعين دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه وبالعكس وإلا فلا يصدق عليه البيع وعليه، فلو أشترط على البايع دخول الثمن في ملك الأجنبي أو أشترط على المشترى دخول المبيع في ملك غيره كان ذلك سببا لبطلان البيع جزما ضرورة أن الاشتراط المزبور على خلاف مقتضى العقد وقد تقدم تفصيل ذلك في الجزء الثالث. والذى يكشف عن صحة ما ذكرناه أنه لو باع أحد متاعا بتخيل أنه سرقة أو خيانة فبان أنه مال نفسه حكم بصحة البيع وكذلك إذا باع شخص مالا بأعتقاد أنه لابيه فبان أنه لنفسه صح البيع بلا خلاف في ذلك وأوضح من الكل أنه لو تزوج شخص امرأة بتخيل أنها خامسة أو ذات بعل أو أخت زوجته فبانت أنها ليست بأخت زوجته ولا أنها

[ 115 ]

ذات بعل ولا أنها خامسة بل هي امرأة خلية يجوز تزويجها حكم بصحة الزواج أتفاقا مع أن العاقد لم يقصد هناك إلا الزواج الفاسد. فتحصل من جميع ما ذكرناه أن قصد البايع الغاصب كون البيع لنفسه لا يؤثر في فساده وهذا ظاهر وقد أشار المصنف إلى ما ذكرناه بقوله: (أن قصد المعاوضة الحقيقية مبنى على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا وإن كان هذا الجعل لا حقيقة له لكن المعاوضة المبنية على هذا الامر الغير الحقيقي حقيقية نظير المجاز الادعائي في الاصول نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن ولا أعتقاد له كانت المعاملة باطلة غير واقعة له ولا للمالك لعدم تحقق معنى المعاوضة). وأذن فلا يتوجه عليه ما ذكره المحقق الايروانى وهذا عبارته: (كيف تكون المعاوضة المبنية على أمر غير حقيقي حقيقية وهل يزيد الفرع على أصله ولعمري أن هذه الدعوى من المصنف (ره) في غير محلها)، لان غرض المصنف من قوله (لكن المعاوضة المبنية على هذا الامر الغير الحقيقي حقيقية)، إنما حقيقة المعاوضة مقصودة للبايع بتبع الامر الادعائي وفى الحقيقة أن المقصود إنما هو الامر الواقعي. الوجه الثاني: إن الفضولي لم يقصد إلا البيع لنفسه وعليه فإن تعلقت أجازة المالك بما قصده الفضولي كان ذلك منافيا لصحة العقد لان معناها هو صيرورة الثمن لمالك المثمن بأجازته وإن تعلقت بغير ما قصده الفضولي كانت عقدا مستأنفا لا أمضاء لنقل الفضولي فيكون النقل من المنشى غير مجاز والمجاز غير منشأ وبعبارة أخرى أن ما قصده الفضولي من المبيع لنفسه ليس قابلا للاجازة لما عرفته من أن دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه مأخوذ في مفهوم البيع و

[ 116 ]

ما هو قابل للاجازة لم ينشئه الفضولي وأذن فالمجاز غير واقع و الواقع غير مجاز. وقد ظهر جوابه مما ذكرناه في الجواب عن الاشكال الاول من أن حقيقة البيع عبارة عن أعتبار تبديل مال بمال في جهة الاضافة وأظهاره بمظهر خارجي سواء علم به المالك أم لا وسواء أقصده العاقد أم لا، فأن كل ذلك خارج عن حقيقة البيع ومن الظاهر أن الفضولي قد قصد هذا المعنى غاية الامر أنه قصد كونه لنفسه من جهة الخطاء في التطبيق وذلك لانه إنما قصد المعاوضة بين ملكى المالكين مع أعتقاده أو بنائه على أنه مالك فيلغى هذا البناء ويحكم بصحة العقد بالاجازة اللاحقة وأذن، فلا يتوجه ما قيل من أن المنشأ غير مجاز و المجاز غير منشأ بل المنشأ هو المجاز لان الاجازة قد تعلقت بالتبديل بين ملكى المالكين إذ المنشى لم ينشأ إلا أصل التبديل الذى - ينشئه نفس المالك وقصد كونه لنفسه لا يضر بذلك وهذا نظير أن يوجه البايع خطابه إلى غير المشترى أشتباها ويقول بعتك هذا المتاع ويقول المشترى قبلت هكذا فإنه لا شبهة في صحة البيع حينئذ ضرورة أن أقتران الايجاب بكاف الخطاب إنما هو من ناحية الخطأ في التطبيق فلا يضر بصحة البيع. ومن الموضحات لما ذكرناه هو أنه إذا أعطى أحد دينارا لشخص و وكله في شراء متاع وأشتبه الوكيل، فقصد الاشتراء لنفسه ثم ألتفت بذلك فإنه لا شبهة في كون البيع للموكل، وأوضح من ذلك أنه لو أبتاع زيد متاعا من عمرو لموكله، فتخيل عمرو أنه أشتراه لنفسه فوجه الانشاء إليه وقال بعتك هذا المتاع وقبله زيد، ثم أنكشف أنه قد

[ 117 ]

أشتراه لموكله فإن ما قصده البايع من كون الاشتراء لعمرو لا يضر بحقيقة البيع. وعلى الجملة أن المقصود للبايع في مرحلة الانشاء أمران أحدهما حقيقة البيع المبرزة بمبرز خارجي وثانيهما أضافته إلى نفسه وهذه الاضافة إن طابقت الواقع فهو، وإلا كانت لاغية. ثم لا يخفى عليك أن ما ذكرناه جار في ناحية المشترى أيضا حذو النعل بالنعل فإنه إذا قبل الايجاب وأضافه إلى نفسه فقال - مثلا - قبلت فإن كان هذه الاضافة مطابقة للواقع فهو وإلا كانت فاسدة ولكن فسادها لا يضر بصحة البيع بل يقع الشراء لمالك الثمن وقد حكم المصنف بصحة الشراء حينئذ بوجه أخر وهذه عبارته: (أن نسبة الملك إلى الفضولي العاقد لنفسه في قوله تملكت منك أو قول غيره له ملكتك ليس من حيث هو بل من حيث جعل نفسه مالكا للثمن أعتقادا أو عدوانا ولذا لو عقد لنفسه من دون البنأ على مالكيته للثمن التزمنا بلغويته ضرورة عدم تحقق مفهوم المبادلة فإذا قال الفضولي الغاصب المشترى لنفسه تملكت منك كذا بكذا فالمنسوب إليه التملك إنما هو المتكلم لا من حيث هو بل من حيث عد نفسه مالكا إعتقادا أو عدوانا وحيث أن الثابت للشئ من حيثية تقييدية ثابت لنفس تلك الحيثية فالمسند إليه التملك حقيقة هو المالك للثمن الخ). ويتوجه عليه أن الثابت للشئ من حيثية تقييدية وإن كان ثابتا لنفس تلك الحيثية ولكن لا على وجه الاطلاق بل لخصوص الحصة الحاصله من تلك الحيثية في ضمن ذلك الشئ سواء كانت هذه الحصة حقيقية كما إذا كان المتبايعان مالكين حقيقة أم كانت أدعائية

[ 118 ]

كما فيما نحن فيه وعليه، فأجازة المعاملة الخاصة لا تقتضي إلا وقوع المعاملة لمن أنشأت له المعاملة لا لغيره لان وقوعها لغيره يستلزم تعدد الانشاء وهو منفى هذا ما ذكرناه في وجه الصحة. وقد أجاب عنه المحقق القمى على ما حكى عنه في بعض أجوبة مسائله (بأن الاجازة في هذه الصورة مصححة للبيع لا بمعنى لحوق الاجازة لنفس العقد كما في الفضولي المعهود بل بمعنى تبديل رضى الغاصب وبيعه لنفسه برضاء المالك ووقوع البيع عن الخ وعليه فيكون ذلك عقدا جديدا كما هو أحد الاقوال في الاجازة). وفيه أنه قد يراد بذلك ما حكى عن كاشف الرموز من أن الاجازة من مالك المبيع بيع مستقل بغير لفظ البيع وهو قائم مقام أيجاب البايع وينضم إليه القبول المتقدم من المشترى وحينئذ، فيلغو الايجاب الصادر من الفضولي فيكون ذلك من موارد تقدم القبول على الايجاب المتأخر. ويرد عليه أنا لو سلمنا جواز تقدم القبول على الايجاب وسلمنا أيضا جواز الفصل الطويل بين الايجاب والقبول وأغمضنا عن مخالفة هذا الاحتمال لصريح كلام المحقق المزبور أنه لا يمكن أن تكون الاجازة اللاحقة إيجابا متأخرا للقبول المتقدم لان القبول المزبور إنما هو قبول لما أنشأه الفضولي، والاجازة المتأخرة على تقدير كونها أيجابا لا يمكن أن يكون أيجابا لذلك القبول لعدم المطابقة بينهما بل لابد وأن يكون له قبول آخر وقد ذكرنا في الجزء الثالث أن أعتبار التطابق بين الايجاب والقبول من ناحية البايع والمشترى من الامور الواضحة وأذن فلا يمكن أن تجعل الاجازة اللاحقة مع القبول المتقدم عقدا

[ 119 ]

مستأنفا ومعاملة جديدة. وقد يراد من كلامه أن للاجازة جهتان جهة إيجاب وجهة قبول فالمالك المجيز من جهة الايجاب غير أصيل ومن جهة القبول أما - وكيل المشترى أو وليه. ويرد عليه أنه لا دليل على كون المجيز وكيلا للمشترى ولا وليا له أضف إلى ذلك أن الاجازة اللاحقة ليست إلا رضا بالعقد السابق فلا وجه لجعلها ذى جهتين جهة أيجاب وجهة قبول وهذا ظاهر وما حكاه المصنف عن الشيخ الكبير في شرحه على القواعد من (أنه ربما يلتزم صحة أن يكون الاجازة لعقد الفضولي موجبة لصيرورة العوض ملكا للفضولي)، ثم قال (وتبعه غير واحد من أجلاء تلامذته وذكر بعضهم في ذلك وجهين). الاول أن قضية بيع مال الغير عن نفسه والشراء بمال الغير لنفسه جعل ذلك المال له ضمنا حتى أنه على فرض صحة ذلك البيع والشراء تملكه قبل أنتقاله إلى غيره ليكون أنتقاله إليه عن ملكه وذلك لاستحالة دخول أحد العوضين في ملك غير مالك الآخر نظير ما إذا قال أعتق عبدك عنى أو قال بع مالى عنك أو أشتر لك بمالى كذا فهو تمليك ضمنى حاصل ببيعه أو الشراء ونقول في المقام أيضا إذا أجاز المالك صح البيع والشراء وصحته يتضمن أنتقال إليه حين البيع أو الشراء فكما أن الاجازة المذكورة تصحح البيع أو الشراء كذلك يقضى بحصول الانتقال الذى يتضمن البيع الصحيح فتلك الاجازة اللاحقة قائمة مقام الاذن السابق قاضية بتمليكه المبيع ليقع البيع في ملكه ولا مانع منه.

[ 120 ]

الثاني: أنه لا دليل على أشتراط كون أحد العوضين ملكا للعاقد في أنتقال بدله إليه، بل يكفى أن يكون مأذونا في بيعه لنفسه أو الشراء به، فلو قال: بع هذا لنفسك أو أشتر لك بهذا ملك الثمن في الصورة الاولى بأنتقال المبيع عن مالكه إلى المشترى و كذا ملك المثمن في الصورة الثانية، ويتفرع عليه أنه لو أتفق بعد ذلك فسخ المعاوضة رجع الملك إلى مالكه دون العاقد. قوله (ره) الاول: أنه لا فرق على القول بصحة بيع الفضولي بين كون مال الغير عينا أو في الذمة. أقول: أن البايع تارة يبيع مال شخصه في ذمة الغير كالدين فهو خارج عن الفضولي فإنه نظير بيع عين ماله الشخصي. وأخرى يبيع مال غيره في ذمة نفسه، فالظاهر خروجه أيضا عن الفضولي فإنه لا ميز لمال الغير في ذمة نفسه. وثالثة يبيع ما في ذمة شخص لآخر أو يشترى كذلك، فهذا لا شبهة في كونه فضوليا ويتصور ذلك في كل من البيع والشراء على ثلثة أنحاء. الاول أن يصرح البايع أو المشترى (تذكرة أنه قد وقع في بعض الموارد فيما إذا تكون الاجازة باطلة وغير مفيدة أن العقد يبطل و هذا مسامحة بل المراد بطلان الاجازة وإلا فلو أنضم إليه أجازة أخرى نحكم بصحة العقد فإن الرد لا يخرج العقد عن قابلية أنضمام الاجازة إليه فكيف يبطلان الاجازة وإن شئت فقل إن عقد الغير لا يترتب عليه الاثر لعدم تحقق الاجازة فيه) الفضوليين بالذمة بإن يقول بعتك كرا من الطعام مثلا في ذمة عمرو أو أشتريته بخمسة دراهم في ذمة بكر

[ 121 ]

الثاني: أن يكون كلامه ظاهرا في كون المبيع أو الثمن في ذمة الغير كان يصنف البيع إليه، فإن ظاهر الاضافة كونه للغير و حينئذ، فيكون الثمن أو المثمن أيضا في ذمته لما مر مرارا أنه لا يعقل دخول العوض في ملك من لم يخرج العوض الآخر عن ملكه. الثالث: أن لا يكون كلامه صريحا ولا ظاهرا في كون البيع للغير بل إنما يقصده للغير، وعلى هذا، فلو أضاف الكلى إلى ذمة الغير أو قصد هذا المعنى، ثم أضاف البيع إلى نفسه ولم يظهر ما قصده بمبرز في الخارج أو قصد هذا المعنى وأضاف البيع إلى الغير ولكن أضاف الكلى إلى ذمته يقع التنافى بينهما ظاهرا مثلا لو قال أشتريت هذا لفلان بدرهم في ذمتي أو أشتريت هذا لنفسي بدرهم في ذمة فلان يقع التنافى كما أنه لو قصد الشراء لفلان و أضاف إلى ذمة نفسه أو قصد الشراء لنفسه وأضاف إلى ذمة غيره يقع التنافى بينهما ظاهرا. وهنا مسئلتان الاولى: في وقوع البيع للعاقد مطلقا على تقدير رد الغير وعدم وقوعه له مطلقا أو يفصل بين الشراء للغير بمال نفسه فيقال بالبطلان، وبين الشراء لنفسه بمال الغير فيقال بالصحة الثانية: في صحة تلك المعاملة مطلقا وعدم صحتها كذلك أو يفصل كما تقدم. أما المسألة الاولى، فالظاهر من صدر عبارة العلامة أنه لو أشترى بما في ذمة الغير وأطلق اللفظ يقف على أجازته وإذا رد يقع للمباشر، بل نسب ذلك إلى العلماء. ولكن الظاهر من ذيل كلامه أن الاشتراء إنما هو بما في ذمة

[ 122 ]

نفسه للغير حيث علل صحة الشراء بقوله لانه تصرف في ذمته لا في مال الغير. وبالجملة يظهر منه التفصيل بين المثالين وإن كان ظاهر الصدر من كلامه ينافى ظاهر ذيله ثم نسب ذلك إلى أبى حنيفة حتى في الاعيان الشخصية. وألتزم شيخنا الاستاد أيضا بذلك وكونه واقعا للعاقد مطلقا. ولكن حكم العلامة الانصاري (ره) بالبطلان وهو الحق وأن لم نساعد بذيله. والوجه في بطلانه واقعا على تقدير الرد وعدم وقوعه للعاقد إنه قد عرفت فيما تقدم أن مفهوم البيع وحقيقته متقوم بالمبادلة بين المالين بحيث يدخل كل من العوضين مكان العوض الآخر سواء علم المالك أو لم يعلم فإن معرفته غير دخيلة في حقيقة البيع و صحته هذا في بيع الاعيان الشخصية، وأما في بيع الكلى أو شرائه فحيث أن الكلى بما هو كلى ليس فيه شائبة المالية من جهة وإنما يكون متصفا بالمالية إذا أضيف إلى ذمة معينة لان الذمة الغير المعينة أيضا كلى، فأضافة الكلى إلى كلى آخر لا يوجب التعين و التشخص. إذن فكون الكلى ثمنا أو مثمنا متقوم بأضافة إلى شخص معين لا من جهة لزوم تعيين المالك بل لكون تعيينه مقدمة لاتصاف الكلى بالمالية، حتى يكون قابلا للمعاوضة عليه لان العوضين في البيع بمنزلة الزوجين في النكاح في لزوم التعيين. وعلى هذا، فلو قصد الفضولي كون المعاملة لغيره وإن لم

[ 123 ]

يظهر فلا يعقل كونها لنفسه وإن كان ظاهره كذلك، فإن تحقق المعاملة وظهورها في صفحة الوجود كان معلقا على أضافة الكلى إلى ذمة الغير ومع عدم وقوعها للغير لاجل رده، وعدم أمضائه ذلك كيف يعقل وقوعها عن العاقد؟ وإلا، فيلزم كون ما يكون مقوما للبيع والشراء غير مقوم لهما فهل هذا إلا التناقض الواضح؟ وبعبارة أخرى أتصاف الكلى بالمالية وكونها طرفا للمبادلة إنما هو بالاضافة إلى الذمة ولو في عالم القصد، فإذا أزاله صاحب الذمة عن ذمته، فتنعزل عن المالية، فهذه الازالة لا يعقل أن يوجب أتصاف الكلى أيضا بمالية أخرى ليكون قابلا للمعاوضة عليه، لان أزالة أضافة عن ذمة ليس أضافة أخرى لذمة شخص آخر فإذن كيف يمكن القول بأنه إذا رد الغير الذى كانت المعاملة له تقع ذلك للعاقد؟ فهل كان رده سببا لاضافة الكلى إلى العاقد أو أتصف الكلى بالمالية بغير أضافة؟ فكلاهما غيره معقول. ومن هنا أنقدح ما في كلام العلامة الانصاري حيث أفاد في وجه البطلان بما حاصله أن المال في باب الفضولي مردد بين مالكه الاصلى ومن وقع له العقد، فلا معنى لخروجه عن ملك مالكه و تردده بين أن يدخل في ملك الفضولي أو ملك من وقع له العقد. ووجه أنحلال: أنه بعد أنحصار البيع أو الشراء بمن وقع له العقد، فلا معنى لتردد المال بينه وبين الفضولي، بل هو دائر بين أن يبقى في ملك مالكه الاصلى وأن يدخل في ملك من له العقد على تقدير أجازته العقد. هذا كله في مقام الثبوت وأما في مقام الاثبات فظاهر الكلام

[ 124 ]

كون العقد للمباشر إلا أن يثبت ببينة ونحوها كونه للغير. ثم أن شيخنا الاستاد قد تصدى إلى تصحيح العقد في كلا المثالين أي سواء كان الشراء للغير بمال نفسه أو العكس. وحاصل كلامه: أنه إذا أشترى مالا لنفسه بمال الغير أو أشترى مالا للغير بمال نفسه، فإن أجاز الغير فيكون له وإلا فيكون للمباشر وحمل على ذلك كلام العلامة وفسره بصورة الشراء في ذمة نفسه لغيره على خلاف ما فسرناه سابقا وأن كان يساعده ذيل كلامه والوجه في ذلك: أن الفضولي إذا أشترى مالا للغير بمال نفسه في الذمة فقد أنشأ بيعين: الاول أشتراءه لنفسه من الغير، والثانى بيعه لمن له العقد بلا مرابحة ووضيعة كما هو كذلك في بيع التولية، فيكون ذلك من مصاديقه، فكون البيع للفضولي ليس خارجا عن القاعدة مع رد من له العقد فإن رده يوجب أنحلال - البيع الثاني دون الاول. وعلى ما ذكره شيخنا الاستاذ لا يرد أشكال المصنف أيضا فإنه على تقدير صحته إنما هو فيما يكون هنا بيع واحدا دائرا بين كونه للفضولي أو من له العقد وأما بناء على ما ذكره الاستاذ فهنا بيعان أحدهما للمباشر، والثانى لمن له العقد فبطلان الثاني للرد لا يوجب بطلان الاول. ولكنه ليس بتمام، لانه أولا لا يتم في البيع فإن بيع التولية مختص بالشراء من الغير، فلا يجرى في البيع. وثانيا أنه على هذا يكون الاجازة اللاحقة قبولا للايجاب الذى تحقق في ضمن الشراء من الغير، فمع الغض عن أخلال الفصل

[ 125 ]

البعيد بين الايجاب والقبول، وعن الاشكالات الاخر، أن هذا مع الاجازة يكون عقدا مركبا من الايجاب والقبول الحاصلين من الاصيلين فلا يكونان مربوطين بالعقد الفضولي الذى هو محط كلا منا مع أنه ليس الامر كذلك لانه لو مات الفضولي، ثم أجاز المالك بيعه أو شرائه فلا شبهة في صحته وأما لو مات الموجب قبل تحقق القبول فيكون باطلا بلا شبهة فيعلم من ذلك أنه ليس هنا عقدان وبيعان بل عقد واحد على أنه خلاف الظاهر من كلام الفضولي. وأوضح من ذلك في البطلان البيع للغير فأنه لا يجرى فيه ما ذكره الاستاذ من أرجاعه إلى بيعين وعقدين كما ذكرنا. وبالجملة ما ذكره شيخنا الاستاذ لا يمكن المساعدة عليه بوجه ولا ينطبق على بيع الفضولي، وعلى خلاف الظاهر بمكان. وأما تصحيح ذلك بالالتزام بالنيابة، فأيضا لا وجه له لانه على تقدير الالتزام بذلك فليس معناها الالتزام بالضمان عن الغير بحيث على تقدير رد الغير يكون الضمان عليه طولا، فإنه دعوى بلا دليل بل معناها جعل نفسه نازلا منزلة الغير في إيجاب العقد فكأنه شخصي تنزيلي للغير وحينئذ، فيكون العقد مع الرد فاسدا من أصله لكونه راجعا إليه فلا يكون واقعا عن العاقد النائب كما هو الظاهر فإن النائب ليس له موضوعية بل هو قنطرة إلى المنوب عنه فالمناط في الصحة والبطلان أمضائه ورده. وأما المسألة الثانية أعنى صحة المعاملة فيما جمع بين المتنافيين أما لفظا أو قصدا بأن يقصد الغير وأضاف إلى نفسه، فحكم شيخنا الاستاذ بكونه للعاقد أيضا وقد أفاد في وجه ذلك وجوها.

[ 126 ]

الاول: أن الامور البنائية والاغراض المنوية لا أثر لها ما لم تنشأ بما هو آلة لانشائها من الفعل أو القول. الثاني: أن الالتزامات العقدية يملكها كل من المتعاقدين على الآخر إلا أن يجعل ملك كلا الالتزامين لواحد منهما أما بجعلهما كما في غير النكاح أو بالجعل الشرعي فحينئذ يثبت له الخيار. الثالث: عدم أعتبار تعيين المالك في البيع وإنه ليس دخيلا في حقيقة البيع فينتج من تلك الامور أن العقد مع رد من له العقد يقع للعاقد، فيكون هو ملزما بذلك ومالكا على التزام الآخر كما أن الآخر يملك التزامه. ثم قال: وأما وقوعها له لو أجاز أو أقر بالوكالة فلان العقد وإن لم يؤثر في صرف الالتزامات إلى الغير إلا أنه لا ينفك عن أثره التكويني، فيجعل المعاملة كالمادة الهيولاينة القابلة لصرفها إلى الغير بأجازته أو أقراره، فيكون القصد كجعل التولية للغير ويكون الاجازة أو الاقرار بمنزلة قبول التولية فالقول بأن المعاملة تقع لنفس المباشر واقعا إذا رد من قصد له منطبق على القواعد وقياسها على ما إذا أسندها إلى الغير لفظا مع الفارق. وفيه أما ما أفاده في وجه كونه للغير نظير أن يجعل للغير تولية في العقد فقد ظهر جوابه فيما تقدم وأما ما أفاده في وقوعه للغير من المقدمات ففيه: أما عدم لزوم تعيين المالك، فإنما هو في الاعيان الشخصية وأما في بيع الكلى، فعدم تعيينه مستلزم لانعدام المالية التى بها قوام مفهوم البيع من حيث المبادلة. وأما المقدمة الثانية أن ملك كل من المتعاقدين التزام الآخر

[ 127 ]

وإن كان في محله إلا أنه فيما يكون العقد واقعا لهما، وأما فيما يكون الشخص خارجا عن حدود العقد كيف يمكن ملك كل منهما التزام الآخر؟ فالعاقد الفضولي نسبته إلى العقد ليس إلا كنسبة الاجانب إليه فلا وجه لملكه بالتزام الآخر. وبعبارة أخرى: إن كان المقصود من ذلك عدم كون العقد خياريا، فهو متين، وإن كان المقصود كون العاقد مالكا لالتزام الآخر سواء كان أصيلا أو فضوليا فهو غير مسلم. وأما المقدمة الثالثة: أن القصد بلا أظهاره بمظهر وإن كان ليس له أثر إلا أنه فيما يكون الاظهار والابراز من المقومات بحيث لا يتحقق العنوان الذى يترتب على الاثر إلا بالاظهار كعنوان البيع والهبة والصلح و الاجازة وغيرها من العناوين العقودية والايقاعية، وأما فيما لا يكون أظهاره دخيلا في التأثير، فأظهاره وعدمه سيان، فذكر العوضين كذكر المالكين ليس من مقومات العقد ومن هنا لو كان جميع ذلك من الخارج معلوما وأكتفى العاقد بمجرد بعت وأشتريت لكان كافيا على أنه قد أظهر ذلك بقوله أشتريت هذا بخمسة دراهم في ذمة فلان. وبالجملة لم يتحصل لنا شئ مما أفاده بل لا بد في صورة الجمع بين المتنافيين من الحكم بالالغأ وقيد كونه للغير والحكم بكونه للعاقد لانه من قبيل الخطأ والاشتباه نظير شراء مال الغير لنفسه بثمن هو مال شخص آخر بتخيل أنه ماله أو بتخيل رضايته بذلك كما إذا وعد شخص على آخر عشرة أمنان من الحنطة وتخيل

[ 128 ]

الموعود له ملكيته بمجرد ذلك، فباعه من شخص فإن في أمثال ذلك يقع البيع للعاقد فأفهم. (جريان الفضولي في المعاطات). وقد عرفت أن بيع الفضولي حسب دلالة الادلة عليه لا إشكال فيه، وإنما الكلام في أنه هل يجرى في المعاطات مطلقا أو لا يجرى فيها مطلقا أو فرق بين القول بالاباحة فلا يجرى والقول بالملك - فيجرى أو فرق بين كون الفضولي على خلاف القاعدة فلا يجرى مطلقا وبين كونه على وفقها فيجرى مطلقا؟ وجوه. قوله (ره) الثاني: الظاهر أنه لا فرق فيما ذكرنا من أقسام بيع الفضولي بين البيع العقدى والمعاطاتي. أقول ذكر العلامة الانصاري أنه على القول بصحة البيع الفضولي لا يفرق فيه بين البيع اللفظى والبيع المعاطاتى لاطلاق الادلة و عمومها، وعن بعضهم أختصاصه بالبيع اللفظى بدعوى أن الاقباض الذى يحصل به التمليك محرم لكونه تصرفا في مال الغير بدون أذنه فلا يترتب عليه أثر. وفيه: أولا: إن الاقباض والتصرف يمكن أن يكون مباحا كما إذا أشتبه المقبض وتخيل أن المال لنفسه وأقبضه للمشترى بالبيع المعاطاتى فإن هذا التصرف ليس بمحرم وهكذا في جميع موارد السهو والنسيان فالجامع بين الجميع هو الخطأ، والوجه في ذلك أنه قد حققنا في محله أن التكاليف الالتزامية ترتفع في موارد الخطأ حتى في الواقع ونفس الامر بمقتضى أدلة الرفع وإذن عدم رضاية المالك بالتصرف لا يدل على حرمة الاقباض.

[ 129 ]

وثانيا: يمكن أن يكون المالك أيضا راضيا بالتصرف كما إذا إذن للفضولي قبل البيع أن يتصرف في ماله ويقبضه لشخص خاص أو يعطى الفضولي مال المالك لوكيله أو وليه أو من يقوم مقامه - بعنوان البيع، فإن الاقباض شئ من ذلك ليس بمحرم وإنما يقصد الفضولي في ضمن ذلك الاعطاء المباح البيع المعاطاتى وهكذا الامر لو أعطى أحد وكلائه ماله لوكيله الاخر بعنوان البيع من غير أن يكونا وكيلين في البيع والشراء. وثالثا: يمكن أن يكون المالك أيضا راضيا بالبيع ولكن لم يظهر رضايته بمظهر أذن، فلا يكون البيع إلا واقعا برضاية المالك و قد تقدم إن الرضا المقارن لا يخرج العقد الفضولي عن الفضولية ما لم يظهره المالك في الظاهر بمظهر قولى أو فعلى. ورابعا: على تقدير كون الاقباض والاعطاء تصرفا في مال الغير وحراما ولكنه حرام تكليفي يعاقب المتصرف فيه لاجله فلا يدل ذلك على الحرمة الوضعية الذى هو محط كلامنا. وخامسا: على تقدير التسليم أن الحرمة التكليفية تدل على الفساد فلا نسلم أيضا بطلان ذلك العقد لما مر أن فساد العقد من الفضولي وعدم أنتسابه إليه بحيث يكون العقد عقده لا يستلزم فساده عن المالك وعمن له العقد بل ينتسب إلى المالك إذا أجازه. وبالجملة إن هذا الاشكال لوهنه لا يصلح لمنع جريان الفضولي في المعاطات. قوله (وربما يستدل على ذلك). أقول: الوجه الثاني الذى أسدل به على عدم جريان

[ 130 ]

الفضولية في المعاطات أن المعاطات منوطة بالتراضى وقصد الاباحة أو التمليك وهما من وظائف المالك وشئونه ولا يتصور صدورهما من غيره ولذا ذكر الشهيد الثاني أن المكره والفضولي قاصدان اللفظ دون المعنى وإن قصد المدلول لا يتحقق من غير المالك. وفيه: أن هذا الاشكال لو تم إنما يعم جميع أقسام الفضولي ولا يختص بالمعاطات وبعبارة أخرى أنه أشكال لاصل الفضولي. أما الحل إن الرضاية من المالك تحصل بأجازته المتأخرة فلا يكون البيع خاليا عن التراضي وهكذا قصد التمليك والاباحة وبعبارة أخرى أن الفضولي ليس له إلا أيجاد المعاملة وإنشائها وبقية الجهات التى لا بد من صدورها ممن نسب العقد إليه، إنما تصدر من المالك، فلا ربط لها بالفضولى، وأما كلام الشهيد فقد عرفت فيما تقدم عدم صحته وتماميته. قوله (إلا أن يقال إن مقتضى الدليل). أقول الوجه الثالث إن العقد الفضولي إنما ثبت جوازه على خلاف القاعدة فيختص بالعقد القولى وقد أجاب عند المصنف بإنه طبق القواعد للعمومات الدالة على صحته. وهذا الجواب منه وإن كان متينا إلا أن ظاهرا أنه لو لم يكن الفضولي على طبق القواعد لما كان جاريا في المعاطات ولكن الامر ليس كذلك بل مع هذا يجرى في العقد الفعلى كجريانه في العقد القولى بمقتضى إطلاق صحيحة محمد بن قيس وقضية عروة البارقى وغير ذلك بناء على تماميتها فإنها غير مختصة بالعقد القولى بل أطلاقها محكم بالنسبة إلى المعاطات أيضا.

[ 131 ]

الوجه الرابع ما ذكره شيخنا الاستاذ وأختاره. وحاصله: أن فعل الفضولي ليس قابلا للايجاب في باب المعاطات سواء قلنا بأفادتها الاباحة أو بأفادتها الملك الجائز أو اللازم. أما على القول بكونها مفيدة للاباحة، فمن جهة أن مجرد قصد أباحة التصرف بالاعطاء وإن كان بلا مئونة للفضولي إلا أن الاباحة التى تكون مؤثرة في باب المعاطات هي الاباحة الحاصلة من تسليط غيره، فيكون تسليط غيره لغوا محضا. وأما أجازة المالك، فهو وإن كان تفيد الاباحة إلا أنه بنفسها تكون مؤثرة في الاباحة من غير ربط بفعل الفضولي، وأما بناء على الملك فلان الفعل الواقع من الفضولي لا يتصرف إلا بعنوان الاعطاء والتبديل، وأما أفادة الملكية التى عبارة عن تبديل طرفي الاضافة فلا، بل هي متوقفة أما على أيجاد المادة بالهيئة وأما على فعل المالك فحينئذ يكون ذلك مصداقا للبيع. وفيه أن أنحصار أفادة الملكية في البيع أما بأيجاد المادة أو بفعل المكلف وإن كان له وجه على المذاهب المعروفة في الانشاء ولو كان مع ذلك قابلا للمناقشة، إلا إنه لا وجه له بناء على ما ذكرنا من أن الانشاء ليس إلا أعتبار النفساني وأظهاره بمبرز في الخارج، لان الفضولي أيضا يعتبر ذلك المعنى لمكان كونه سهل المئونة و خفيف الاعتبار ويبرزه في الخارج بمبرز سواء كان ذلك المبرز فعلا أو قولا، فإنه على كل حال يكون مصداقا للبيع وقد تقدم ذلك منه في المعاطات مع جوابه.

[ 132 ]

نعم بناء على إفادتها الاباحة يتوجه الاشكال من جهة أن إفادة المعاملات المقصود بها المالك للاباحة على خلاف القاعدة و من هنا ذكر الشيخ الكبير مبعدات عديدة على القول بالاباحة وإن أجاب عنها الشيخ الانصاري بأنها ليست بمبعدات إذا أقتضاه الجمع بين الادلة، وقد عرفت ذلك مفصلا وإذن فلابد من الاقتصار على صورة تعاطى المالكين في المعاطات. على أنه لا يعقل حصول الاباحة قبل الاجازة بفعل الفضوليين والذى ينبغى أن يقال: إن الكشف الحقيقي وإن كان يمكن جريانه في المعاطات الفضولية بناء على أفادته الاباحة - لامكان الالتزام بالاباحة قبل الاجازة وكون الاجازة كاشفة عنها إلا أن الكشف الحقيقي في الفضولي مع إمكانه في مقام الثبوت لا دليل عليه في مقام الاثبات ويكون الامر دائرا بين النقل والكشف الحكمى أما الثاني فهو مستحيل لان التصرف في مال الغير قبل الاجازة بعقد فضولي حرام، فإنه لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بإذنه و بعد الاجازة تحصل الاباحة من حينها ولا يمكن الحكم بأباحة التصريفات التى قبل الاجازة بالاباحة الحكمية فإن الشئ لا ينقلب عما هو عليه وعن وقوعه فالتصرف الذى كان محرما لا يعقل أن يحكم عليه بالاباحة وهذا واضح جدا. وأما على النقل فجريان الفضولي في المعاطات بناء على - أفادتها الاباحة أيضا بمكان من الامكان فإن حصول الاباحة بعد الاجازة لا نرى فيه محظورا أصلا. وإذن يتوقف حصول الملكية على التصرفات المتوقفة على الملك

[ 133 ]

فتحصل بها الملكية آنا ما قبل التصرف. هذا كله فيما إذا قصدت الملكية وحصلت الاباحة الشرعية بحكم الشارع كما تقدم تفصيل ذلك في باب المعاطات. وأما لو قصد الفضوليان الاباحة من الاول فلا شبهة في عدم جريان ذلك في المعاطات فإنه لا معنى لحصول الاباحة قبل الاجازة لتكون الاجازة كاشفة عنها بل هي تحصل بنفس الاجازة ولا يعقل أن ما وقع قبل الاجازة من التصرفات المحرمة أن تكون مباحة بالاجازة كما تقدم. (الاجازة والرد في المعاملة الفضولية) قوله (ره) أما الكلام في الاجازة. أقول: أساس القول بالكشف في العقد الفضولي هو فرض الاجازة المتأخرة متصلة بالعقد والغاء الفصل الواقع بين العقد و الاجازة كما أن أساس القول بالنقل هو فرض العقد متصلا بالاجازة بقاء وإن حصل بينهما الفصل حدوثا فكأنه وقع في زمان الاجازة. إذا عرفت ذلك، فالمشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم: أن الاجازة كاشفة عن تمامية السبب وهو العقد وإنما الكلام في طريق الكشف الحقيقي وكيفيته وهو على أنحاء. الاول: أن يقال بالكشف الحقيقي بمعنى أن الملكية إنما حصلت حين العقد وأثر العقد فيها من دون أن يكون تأثير العقد مراعى إلى زمان الاجازة وهذا يتصور على وجوه: الاول: أن يقال: أن المؤثر التام في المعاملة الفضولية

[ 134 ]

ليس إلا العقد كما هو مقتضى قوله تعالى أوفوا بالعقود وإنما الاجازة معرفة لكون ذلك العقد تمام التأثير وكاشفة عنه من غير أن تكون لها مدخلية في حصول مقتضى العقد من الملكية والزوجية ونحوهما، و إلا يلزم أن لا يكون الوفاء بالعقد خاصة بل به مع شئ أخر وهذا الوجه هو الذى أشار إليه المحقق والشهيد الثانيان - على ما حكى المصنف في المتن - وهذا المعنى بحسب مقام الثبوت والامكان و إن كان متصورا وممكنا لامكان تأثير العقد من جميع الجهات في مقتضاه من غير توقف على شئ ولو كان ذلك الشئ رضا المالك كبيع مال المحكتر في المخمصة فإنه أيضا لا يكون راضيا مع أنه صحيح، إلا أنه لا دليل عليه بحسب مقام الاثبات، كيف؟ وقد أعتبر الشارع المقدس دخالة الرضا في تأثير العقد وسمى ذلك بالتجارة عن تراض ومن الواضح جدا أن العقد الفضولي قبل الامضاء والاجازة ليس معامله وتجارة عن تراض. وبالجملة: مضافا إلى عدم الدليل في مقام الاثبات بصحة مثل هذا العقد، فالدليل على عدم صحته موجود آية التجارة وبيع مال المحتكر وإن كان صحيحا من دون رضاه وطيب نفسه، ولكنه لدليل خاص ووجوب الوفاء بالعقد إنما فيما يكون صادرا عمن له العقد أو بأذنه وإلا يلزم الوفاء بكل ما يكون في صورة العقد. والثانى مقابل القول الاول، وهو أن تكون الاجازة من جملة شرائط العقد كالايجاب والقبول بحيث يكون مؤثرا في حصول مقتضاه وهذا المعنى أي تأثير الامر المتأخر في الامر المتقدم يتصور على نحوين فإن ما يكون دخيلا في الامر المتقدم وشرطا في تحققه تارة

[ 135 ]

يكون من أجزائه وأخرى من شرائطه. أما الاول: فكالمركبات الاعتبارية كالصلوة مثلا بأن يكون الجزء المتأخر دخيلا في صحة الجزء المتقدم بحيث أن المتقدم تحقق صحيحا وتام العيار وكان المؤثر في ذلك هو الجزء المتأخر مع أنه لم يتحقق فأن كل جزء من الاجزاء اللاحقة في الصلوة دخيلة في صحتها و أما الثاني فككون الامر المتأخر من شرائط الامر المتقدم لا من أجزائه ومقوماته وهذا كدخالة أغسال المستحاضة في صحة صومها، فإن صحة صوم الجزء المتقدم من طلوع الفجر مشروط بغسلها بعد الفجر بناء على كونه بعد الفجر - كما هو الحق - وصحة الصوم قبل الظهر مشروط بغسلها بعد الظهر وصحة صوم اليوم مشروط بغسلها بعد المغرب عند بعض وإن كان نادرا بخلاف الاولين فإن في جميع ذلك قد أثر الامر المتأخر في صحة المشروط المتقدم إلا أن الكشف بهذا المعنى غير معقول في كلا القسمين، فإنه كيف يعقل تحقق المشروط على ما هو عليه من دون تطرق نقص عليه مع عدم تحقق شرطه إلا بعد مدة وليس هذا إلا التناقض الواضح فإن معنى تحقق المشروط على ما هو عليه من التمامية والصحة عدم دخالة شئ فيه من الامور المتقدمة والمتأخرة ومعنى دخالته عدم تمامية المشروط وتحققه على وجهه بتمامه وكماله وهل هذا إلا التناقض الواضح؟ و من هنا قال بعض الاكابر: إن الالتزام بدخالة الامر المتأخر في الامر المتقدم ليس إلا الالتزام بعدم أستحالة التناقض في الشرعيات وأما الامثلة المذكورة، فشئ منها لا يكون دليلا على صحة ما

[ 136 ]

توهم وسيأتى الوجه في صحتها وعدم أرتباطها لهذا الوجه. الثالث: أن يكون المؤثر في الامر المتقدم هو وصف التعقب من غير أن يكون المشروط متقدما والشرط متأخرا ويكون الامر المتأخر كاشفا عن تحقق الامر المتقدم صحيحا وتماما ولا يكون له تأثير في الامر المتقدم بل يكون معرفا محضا نظير الامثلة المتقدمة من الصلوة وأغسال المستحاضة في صحة الصوم، فأن الدخيل في صحة الصلوة وصف تعقب كل جزء السابق بالجزء اللاحق وفى صحة الصوم تعقب كل جزء متقدم من اليوم غسل المستحاضة ويكون ما نحن فيه أيضا كذلك فتكون تعقب العقد بالاجازة دخيلا في صحة العقد. وهذا المعنى وإن كان له وجه وجيه في دخالة الاجزاء - اللاحقة في الاجزاء السابقة في الصلوة كما حقق ذلك في محله، و لكنه لا دليل على جريانه في المقام، فإنه لا دليل على دخالة الرضا المتأخر في صحة العقد المتقدم بعنوان التعقب، فإن مقتضى عدم جواز التصرف في مال الغير ما لم يكن مقرونا برضا المالك محكم فالعقد الواقع فضولا ليس مقرونا بالرضا حين وقوعه فلا يمكن القول بحصول الملكية قبل الامضاء والاجازة وإلا لجاز التصرف فيه وإذن فيكون ذلك تصرفا في مال الغير بدون الرضا فيكون حراما. على أن مقتضى قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض)، عدم حصول الملكية والتجارة إلا بالتراضى والرضا، فلا شبهة أن العقد الفضولي حين وقوعه وتحققه ليس واقعا عن تراض ورضاية حتى يحصل الملكية بذلك. وبالجملة: إن هذه الوجوه بين ما تكون مستحيلة ثبوتا و

[ 137 ]

أثباتا، وبين ما يكون ممكنا ثبوتا وغير محقق أثباتا. ثم أن هنا وجها رابعا نقله شيخنا الاستاذ عن المحقق الرشتى من (أن الاجازة كاشفة عن الرضا التقديرى بمعنى أنها تكشف عن رضا المالك إن ألتفت إلى العقد والرضا المعتبر في العقد هو الاعم من الحقيقي الفعلى والتقديري). وفيه: أن هذا من عجائب الكلام، فإنه مضافا إلى ما تقدم من أن الرضا المقارن للعقد لا يكون مخرجا للعقد الفضولي عن الفضولية فكيف بالرضا التقديرى؟ ومن هنا قلنا أنه لو ألتفت الفضولي برضاية المالك على البيع أو الشراء، فلا يكون ذلك موجبا لعدم كون العقد فضوليا فإنه ربما لا يكون المالك راضيا بالعقد حين تحققه بل لو كان ملتفتا إليه لكان قاهرا على الفضولي لكونه ذا مفسدة عنده في ذلك الوقت بخلافه حين الاجازة، فيكون العقد عنده ذا مصحلة فيرضى به أذن فكيف يمكن أن تكون الاجازه كاشفة عن الرضا التقديرى؟ على أنه لا دليل على كون الاجازة كاشفة عن الرضا التقديرى بوجه بل هو تخيل محض ورجم بالغيب كما هو واضح على المتأمل. فتحصل: أن الكشف الحقيقي بحيث يكون الملكية مثلا موجودة قبل الاجازة وتكون الاجازة مؤثرة فيه أما بنحو الشرطية أو بنحو - التعقب أو لا تكون مؤثرة فيها بل معرفة محضة لا وجه له بوجه. الوجه الثاني من طرق الكشف الحقيقي أيضا ما أشار إليه المحقق والشهيد الثانيان - على ما حكى عنهما - من أن الاجازة متعلقة بالعقل فهو رضى بمضمونه وليس إلا نقل العوضين من حينه ومحصل ذلك إن الرضا من الاوصاف التعلقية والصفات النفسانية ذات الاضافة

[ 138 ]

ولها تحقق وتكون في صقع النفس ولها بحسب نفسها في ذلك العالم ماهية ووجود وتوجد بخالقية النفس ومع ذلك لا بد وأن تضاف إلى شئ ويتعلق به حتى يكون ذلك الشئ متعلقة نظير العلم ونحوه من سائر الصفات النفسية ذات أضافة وإلا فيلزم تحققها بدون متعلقها وهو خلف ومناقضه إذن فاصل الملكية التى متعلق الرضا قد تحققت ووجدت بواسطة العقد والرضا إنما تعلق حين - الاجازة والامضاء من المالك بتلك الملكية الموجودة في زمان العقد وإلا فيلزم أن لا يكون للاجازة والرضا متعلق مع إنا فرضنا كونه من الاوصاف التعلقية. وقد أورد عليه العلامة الانصاري وتبعه جملة من الاعلام و منهم شيخنا الاستاذ بوجهين: الاول: أن المنشأ عبارة عن مضمون العقد من الملكية في باب البيع والزوجية في باب النكاح وهكذا وهو غير مقيد بزمان لتكون الملكية الحاصلة بالعقد مقيدة بزمان العقد وحاصلة من حينه بل مضمونه عبارة عن طبيعي النقل، فبالاجازة تقع الملكية في زمان النقل، نعم حيث أن المنشاء والانشاء من الامور الزمانية فيكون التقيد بذلك بالعرض والقهر وما نحن فيه ليس كالايجاب في العقود فانه ليس إلا إيجاب أصل الايجاد دون الايجاد المقيد بزمانه وإلا يلزم حصول الملكية مثلا قبل القبول مع أنه باطل لعدم كونه من الايقاعات بل هي كسائر مضامين العقد تحصل بعد القبول وهذا يكشف عن عدم تقيد مضمون العقد بزمان الايجاب. وبالجملة أن مضمون العقد ليس مقيدا بزمان وإنما الزمان ظرف

[ 139 ]

له لكون ذلك المضمون من الزمانيات فيكون الملكية بعد الاجازة. وفيه: أنه لو كان الانشاء بمعنى أيجاد المعنى باللفظ لكان لذلك الاشكال وجه، بدعوى أن المنشئ إنما ينشئ مضمون العقد ويوجده على نحو اللا بشرطية من غير تقيده بقيد من الزمان وغيره وأما بناء على ما حققناه وأخترناه في معنى الانشاء من أنه عبارة عن الاعتبار النفسانية وأظهاره بمبرز من المبرزات فعليا أو قوليا فلا وجه لذلك الاشكال بوجه. وذلك لما حققناه في الاصول من أن الاهمال في الواقعيات من المستحيلات الاولية، وأن الامور الواقعية لا يعقل أن تكون عارية عن الاطلاق أو التقييد بل لا بد أما وأن تكون في موطنها أما مطلقا أو مقيدة، فالذي يوجد أمرا ويعلم بما يوجد لا يعقل أن لا يعلم بكونه مطلقا أو مقيدا، أذن، فالمعتبر لمضمون العقد في عالم نفسه أما أن يعتبره مطلقة وغير مقيدة بقيد وشرط أو مقيدة بهما، فحيث لم يكن مقيدا فقهرا يكون مطلقا من غير أن يكون مقيدا بحصوله بعد الاجازة بل من حين العقد فبالعقد تحصل الملكية المطلقة الدائمية كما هو واضح فتكون الاجازة متعلقة بتلك الملكية المستمرة فيكون أعتبار الملكية من الاول. وأما النقض بالقبول، فهو باطل من أصله، وغير مربوط بالمقام فأن مضمون العقد ما لم يتحقق القبول لا يحصل بالانشاء والايجاب المحض وإنما هو بالقبول وإلا فلا يتحقق عنوان العقد الذى قوامه بالايجاب والقبول، ومن هنا قلنا: أن الايجاب إنما يتحقق على تقدير القبول والتعليق مما لا بد منه وإن لم يصرح به وقلنا في

[ 140 ]

أحكام الصيغة إن مثل هذا التعليق لا يضر بصحة العقد لكونه راجعا إلى ما يتوقف صحة العقد عليه وهذا بخلاف ما نحن فيه فأن العقد قد تم بالايجاب والقبول الفضوليين وإنما يتوقف نفوذه ومضية على أجازة المالك، فلا يقاس ذلك بالايجاب المحض. والذى يوضح ذلك أنه لو آجر الفضولي دار أحد للغير إلى سنة فأجازة المالك بعد شهرين فلا شبهة في صحة ذلك مع أن متعلق الاجارة مقيد وهكذا العقد المنقطع، فيعلم من ذلك أن المنشأ في العقد الفضولي ليس مهملا فيكون المقام على عكس باب الوصية، فإنه تحصل الملكية بعد الموت مع أن الانشاء متقدم عليه فلو كان المنشأ مطلقا لكان لازمه الالتزام بحصولها قبل الموت، وعلى هذا فلا - محذور في المقام للالتزام بحصول الملكية قبل الاجازة فإن باب الوصية مع ما نحن فيه من هذه الجهة مشتركة. الاشكال الثاني: أنه سلمنا كون مضمون العقد هو النقل من حينه ولكن لا بمعنى أن وقوعه في الحين جزء لمدلوله حتى يقال ليس معنى بعت، أوجدت البيع في الحال بل بمعنى أن وقوع الانشاء في الحال يقتضى تحقق منشأه حالا وتحقق مضمون العقد بالفعل ولكنه مع ذلك لا يقتضى تحقق السبب التام حال العقد و حصول مضمونه حينه، وذلك لانه لم يدل دليل على أمضاء الشارع العقد على هذا الوجه بحيث تكون الملكية حاصلة قبل الاجازة لان وجوب الوفاء بالعقد تكليف متوجه إلى العاقدين كوجوب الوفاء بالعهد والنذر ومن المعلوم أن المالك لا يصير عاقد أو بمنزلته إلا بعد الاجازة فلا يجب الوفاء إلا بعدها، ومن المعلوم أن الملك الشرعي يتبع

[ 141 ]

الحكم الشرعي فما دام لا يجب الوفاء، فلا ملك كما أنه ما لم يتحقق القبول لا يتحقق مضمون العقد بالايجاب المجرد. وبعبارة أخرى لو سلمنا حصول الملكية من زمان العقد وتحقق النقل به إلا أن الملكية الشرعية لا تحصل إلا بالاجازة فيكون النقل المالكى الشرعي من زمان الاجازة أذن، فلا معنى للكشف لحصول الملكية بتمام المعنى من حين الاجازة. وفيه: أن الاجازة تكشف عن تحقق الاعتبار حين العقد وأن الشارع يمضى بالاجازة أيضا من الاول كما هو مقتضى الاطلاقات و - العمومات من (أوفوا بالعقود وأحل الله البيع) وغيرهما من غير أن يكون بعنوان الكشف الحقيقي أو الحكمى فإن النقل إنما حصل بالعقد مطلقا كما عرفت في الجواب الاول لا مهملا كما قد يكون حاصلا مقيدا أيضا كما في الاجازة والنكاح المنقطع وليس ذلك كشفا حقيقيا كما تقدم فإنه لا يعقل تحقق النقل قبل تحقق سببه ولا كشفا حكميا - كما التزم به المصنف - من الحكم بحصول النقل حكما وتنزيلا فإنه وإن كان صحيحا إلا أنه فيما لم يكن طريق صحيح للحكم بحصول الملكية والنقل الصحيح قبل الاجازة غاية الامر يكون حصولها بالاجازة وأما مع وجوده كما سنذكره فلا ملزم للاخذ بما ذهب إليه المصنف. وتوضيح ذلك أنه ذكرنا في الاصول أن الامور الاعتباريه لا وعاء لها إلا ظرف أعتبارها سواء كان المعتبر من الامور الخارجية أو لم يكن كذلك مثلا لو أعتبر أحد ملكية داره لشخص، فيكون وجوده في عالم الاعتبار فقط وهكذا لو أعتبر زيدا موجودا فيكون ذلك موجودا في عالم الاعتبار وقائما به ولو كان ذلك المعتبر من الامور الخارجية فأن الوجود

[ 142 ]

الاعتباري سنخ وجود غير مربوط بالوجودات الخارجية لان الموجود الخارجي ليس واردا بعالم الاعتبار فأن الوجود الذهنى غير الوجود الخارجي كما حقق في محله. وبالجملة فوعاء الوجودات الاعتبارية ليس إلا عالم الاعتبار فتوجد بمجرد الاعتبار لكونها خفيف المئونة من غير أحتياج إلى مبادى الوجود الخارجية. إذا عرفت ذلك: فنقول: إن الاعتبار تارة يتعلق بالامر الحالى فيعتبر المعتبر ملكية داره مثلا لشخص في الحال الحاضر كما إذا باع داره من زيد بالفعل من غير ترقب وتأخر لان الاعتبار والمعتبر كلاهما فعلى، و أخرى يتعلق بأمر أستقبالي كأعتبار الملكية لشخص بعد مدة كما في باب الوصية حيث يعتبر الموصى ملكية الموصى به للموصى له بعد موته ووفاته فالاعتبار حالى والمعتبر أستقبالي، وثالثة يتعلق بالامر الماضي بأن يعتبر ملكية ماله لزيد من الامس فلو لم تكن الارتكازات العرفية على خلافه لحكمنا بجواز ذلك البيع أيضا وكان المال ملك المشترى من الامس فإنه ليس في ذلك محذور عقلي أو شرعى بوجه. فإذا جاز تعلق الاعتبار بكل من الامور الثلثة الحالية والاستقبالية والماضية فلا محذور للالتزام بتعلق أعتبار الملكية في باب الفضولي بأمر متقدم فيكون الاجازة أعتبارا للملكية من زمان العقد التى قد أعتبرها الفضوليان فهذا من حيث الاجازة من قبل تعلق الاعتبار بالامر المتقدم ومن جهة تحقق العقد من الفضوليين فأصل أعتبار الملكية فعلى ولكن المعتبر تحقق بعد الاجازة ولا يضر التعليق على

[ 143 ]

صحته. وبعبارة أخرى فحيث جاز تعلق الاعتبار بأمر متقدم في عالم الاعتبار كبيع الدار من أمس مثلا فجاز أعتبار الملكية لاحد قبل سنين، ولكن حيث قام الارتكاز على خلافه في البيع والشراء فلا نقول بذلك فيهما وأما في الاجازة، فلا محذور فيه بوجه وفى باب الفضولي حصل الاعتبار من البايع والمشترى وتحقق البيع بالحمل الشايع في الخارج ولكن كان نفوذه متوقفا على أجازة المالك فالمبيع أو الثمن ملك لمالكهما وبالاجازة كشفنا حصول الملكية لكل من البايع والمشترى من حين الاعتبار والعقد بحيث كان كل منهما مالكا لصاحبهما إلى هذا الزمان، وفى هذا الزمان صار ملكا للآخر بالاجازة من أول الامر حقيقة فإن بالاجازة أنضم العقد السابق الذى أنوجد بالفضوليين بالمالك، فصار البيع بيعه والشراء شرائه إذن فيشمل على ذلك البيع العمومات الدالة على صحة البيع من أوفوا بالعقود وأحل الله البيع وتجارة عن تراض. وبالجملة بعد القول بتحقق الاعتبار قبل الاجازة فمقتضى - العمومات نحكم بالصحة وكونه بيعا صحيحا للمالك لانضمامه إليه بالاجازة لا أن الاجازة كشف عن أن الملكية كانت حاصلة من الاول بل الاجازة أوجبت حصول الملكية فعلا إذن فيترتب عليه أثار الملكية من الاول و على هذا فلا تكون مضطرا للميل إلى ما ذهب إليه المصنف من الالتزام بالكشف الحكمى حيث أنه فيما لم يكن لنا طريق على طبق ما تقتضيه القواعد وليس هذا مثل الواجب التعليقي فإن في الواجب التعليقي أنشاء الوجوب فعلى والواجب متأخر بخلافه هنا فإن الموجود في

[ 144 ]

المقام ليس إلا الاعتبار وأما الملكية فتحصل بعد الاجازة فيكون نظير التعليق غاية الامر أنه باطل في العقود لا من جهة الاجازة. وقد أشكل على ذلك شيخنا الاستاد بأنه لا يعقل توجه الحكمين المتضادين إلى متعلق واحد وإن كان زمان الحكم متعددا فإنه لا يعقل أن يكون المال الواحد في زمان واحد ملكا لشخصين وإن كان زمان الحكم بملكية أحدهما مغائر الزمان الحكم بملكية الآخر وليس ذلك إلا مناقضة واضحة وقد ذكر ذلك أيضا في الخروج عن الارض المغصوبة من أنه لا يعقل الحكم بوجوب الخروج مع كونه حراما قبل الدخول لكونه متناقضة ولو كان زمان الحكم متعددا نعم يجرى ذلك في حق غير العالم بالغيب ممن يجرى في حقه البداء وأما في حقه تعالى فلا يعقل ذلك بوجه. وفيه: أن هذا متين في الاحكام التكليفية لكونه لغوا محضا دون الاحكام الوضعية فأن قوامها بأعتبار المعتبر فهو خفيف المئونة فلا مانع من أعتبار ملكية المبيع مثلا لمالكه الاصلى إلى زمان الاجازة و بأعتبار ملكيته للمشترى من زمان العقد أيضا بالاجازة والرضا فإنه أيضا أعتبار الملكية من المالك للبايع أو المشترى ولا مانع من ذلك بوجه وأن كان نفس ذلك موضوعا للاحكام التكليفية أيضا فإنه لا بأس به وإنما المحذور في نفس الاحكام التكليفية من اللغوية والمناقضة لكونها ناشئة عن المصالح والمفاسد في متعلقها على المعروف أو عن المصالح في الاغراض فلا يمكن أن يكون هنا في شئ واحد مصلحة و مفسدة يستند عيان الحكم المتناقضين أو غرضين كذلك كما هو واضح لا يخفى.

[ 145 ]

وبعبارة أخرى أن الامورات الوجودية على أقسام ثلثه: الاول: ما يكون من قبيل الجواهر التى لا تحتاج في وجودها إلى موضوع. والثانى: ما يكون من قبيل الاعراض التى إذا وجدت تحتاج في ذلك إلى الموضوع فهذين القسمين وجودات تأصلية فجميع أحكام الوجود التأصلى وآثارها يترتب عليها فلا يمكن مع تحققها وتأصلها في الخارج طروا العدم عليها وبالاعتبار وإلا يلزم أجتماع النقيضين. الثالت: الوجودات الاعتبارية فقوامها وتحققها في وعائها إنما يكون بالاعتبار فلا يترتب عليه شئ من آثار الوجودات الخارجية وكما وجودها بالاعتبار وهكذا عدمها وكما يمكن فرضها وأعتبارها في وقت خاص على نحو خاص وهكذا يمكن أعتبارها في زمان آخر في ذلك الوقت الخاص الذى أعتبر فيه على نحو خاص على نحو آخر من غير أن يلزم فيه شئ من أجتماع النقيضين أو الضدين وهذا بخلاف الوجودات المتأصلة فإنه بعد تحققها وتكونها في الخارج على طبق ما عليه ماهيتها وبخواصها لا يمكن الحكم عليها بالعدم أو بأعتبارها على نحو آخر وإلا يلزم أجتماع النقيضين أو الضدين أو المثلين. والسر في ذلك أن الامورات التأصلية لا تختلف بالاعتبار وهذا بخلاف الاعتباريات فأن قوامها وجودا وعدما ليس إلا بالاعتبار غاية الامر أن يكون الاعتبار فيه مصلحة لئلا يلزم اللغوية. إذا عرفت ذلك. فنقول: أن الملكية ليست من الوجودات المتأصلة جوهرا كان أو عرضا بل هي من الامور الاعتبارية إذن فيختلف ذلك بالاعتبار

[ 146 ]

فلا يلزم شئ من المحذورات غير اللغوية إذا لم يكن الاعتبار عن مصلحة وعلى هذا ففى باب الفضولي أن الفضوليين إذا عاملا معاملة فأعتبرا مالكية كل من العوضين الذين لغيرهما لمالكه الاخر وعقدا على ذلك فيكون أعتبار ملكيته في العرف والشرع بالفعل مع مالكهما الاصلية لعدم كون ذلك العقد حين تحققه برضاية مالك العين مع كونها من شرائط البيع ليكون تجارة عن تراض ويكون تأثير ذلك العقد معلقا على أجازة المالك ولا يضرها مثل هذا التعليق لعدم شمول الاجماع القائم على بطلان التعليق في باب العقود على مثل ذلك فأنه من شرائط صحة العقد فإن لم يجز المالك ذلك العقد فيبقى الاعتبار الاول على حاله فيلغو العقد الذى أوقعه الفضوليان وإن أجاز المالك ذلك فيكون حين الاجازة والامضاء معتبرا لملكية ماله لشخص آخر من الاول وحين العقد على النحو الذى أعتبره الفضوليان بحيث لم يكن ذلك الغير إلى الان مالكا للعين بل كانت ملكا لمالكها وبالفعل صار ذلك ملكا المشترى إن كان أصيلا أو من له الشرى إن كان فضوليا مالكا من الاول فلا مانع في ذلك ان كان فيه مصلحة فكانت المصلحة تقتضي إلى الان صحة أعتبار الملكية للمالك الاصلى ومن الآن للمشترى مثلا من الاول فإن الاعتبار بعد ماكان خفيفة المئونة ولم يكن لغوا صح تعلقه على متعلق واحد على نحوين متنافين في زمانين وبعد ذلك الامضاء يتوجه أدلة صحة البيع من الاول فإن موضوع تلك الادلة كانت متحققة إلا من جهة أنتفاع الاجازة وعدم تحققها وبعد التحقق يتم الموضوع فتكون أدلة الصحة محكمة. ومن هنا يندفع ما ذكره شيخنا الاستاذ من عدم أمكان أجتماع

[ 147 ]

حكمين متنافيين في متعلق واحد وإأن كان الزمان متعددا بل - المناط في صحة الاجتماع هو تعدد المتعلق وذكر ذلك أيضا في الخروج عن الارض المغصوبة. ووجه الاندفاع أنه في باب التكاليف كما ذكر لكونها ناشئة من المصالح والمفاسد عن المتعلق أو الغرض بخلافه هنا فإن قوام الاحكام الوضعية ليس إلا بأعتبار المعتبر فلا محذور في توجه أعتبارين على متعلق واحد كما لا يخفى، وبهذا تم الكشف الذى نقول به في باب الفضولي وهذا المعنى أوضح في باب الاجازة والنكاح المنقطع فإنه أذا أجاز المالك أو الزوج ذلك العقد بعد شهر، فيكون الاجازة الواقعة على الدار مثلا سنة أو النكاح إلى سنة صحيحا من الاول فإنه بناء على صحة الفضولي لم يستشكل أحد في صحة ذلك مع أنه لم يتحقق هنا بالاجازة عقد أجارة أو عقد نكاح. وربما يشكل على ما ذكرنا بإنه إنما يتم ذلك في القضايا الخارجية سواء كانت صادرة من الموالى العرفية أو من المولى الحقيقي وأما في القضايا الحقيقية التى على نسقها الاحكام الشرعية، فأن جميع المجعولات الشرعية أو جلها على نحو القضايا الحقيقية فلا يتم هذا البيان وذلك فإن كلامنا في حصول الملكية وأعتبارها ليس إلا في الملكية الشرعية فإنه هو الذى كان محل النزاع في المقام من أنه حاصلة أم لا وإلا فالملكية في أعتبار المتعاقدين الفضوليين قد حصلت قطعا. وأذن فإن كان المراد من أعتبار الملكية الشرعية أعتباره من حين العقد فقد حصل من الاول قطعا وذلك لانه بعد فرض كون

[ 148 ]

الاعتبارات الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية، فهى حاصلة قبل وجود المتعاقدين بل قبل خلق هذه الامة أو الخلق فإن علمه عند الله فلا يتوقف ذلك إلا على تحقق الموضوع كما في سائر القضايا الحقيقية الشرعية وغيرها مثلا وجوب الحج مجعول من الاول لكل من يكون مستطيعا فالمكلف إنما يكون موضوعا لذلك الحكم بالاستطاعة لا أنه يجعل الحكم له بالفعل وكذلك جعل الحكم بنجاسة البول بالقضية الحقيقية، فإذا وجد البول فيحكم بنجاسته ولا يترتب ذلك الحكم على غيره كالعرف وإن كان فيه أجزاء البول أيضا وهكذا في المقام فإذا فرضنا كون موضوع الملكية الشرعية هو العقد فقط من أي شخص تحقق مع رضاية المالك وإن كان ذلك متأخرا فيكون مثل الواجب المشروط فتكون الملكية حاصلة حين العقد متوقفا على الاجازة المتأخرة، وإن كان المراد من حصولها أي الملكية بعد الاجازة فإن بالاجازة يتم موضوع الملكية فتكون حاصلة من حين الاجازة دون قبلها فعلى الاول يكون كشفا وعلى الثاني يكون نقلا فلا واسطة في اليين ليكون وجها آخر. وفيه أولا أنه لا دليل لنا لاثبات الملكية الشرعية حتى يشكل بمثل ما مر بل ما للشارع هو الحكم على الموضوع الخارج من التقديرية إلى الفعلية فعند المعاملة وتحققها في نظر العرف فيحكم الشارع على طبق العرف ولا شبهة أن العرف يرى البيع الفضولي معاملة صحيحة فبالامضاء والرضا من المجيز المالك يتحقق الملكية من أول الامر نعم في بعض الموارد يحكم الشارع على الملكية وإن لم يفهم العرف ذلك كما في باب الارث فإن الوارث يرث لما تركه مورثه.

[ 149 ]

وبالجملة لاحكم للشارع في باب المعاملات تأسيسيا بحيث - يعتبر الملكية عند البيع للبايع أو المشترى كأعتبار المتعاملين ذلك بل الشارع إنما يحكم على طبق ما يحكم به العرف والمتعاملان على حسب أعتبارهم بحيث يكون ما يرون العرف موجبا للملكية ومحصلا لها موضوعا لحكمه بالملكية أيضا إلا في مقام التخطأة كبيع المنابذة والملامسة والحصاة وبيع الربوي، فحيث إن العرف لا يرى بأسا في أمضاء المجيز وأعتباره الملكية من زمان العقد فيكون الشارع أيضا حاكما على طبق ذلك ويتوجه عموما صحة البيع وأطلاقاته عليه لكونها ناظرة على ما يرونه العرف معاملة، فلا شبهة في كون بيع الفضولي مع تلك الاجازة معاملة وتجارة عن تراض عند العرف. وبالجملة لا محذور في ما ذكرنا أثباتا وثبوتا. وثانيا سلمنا أن الشارع قد حكم بالملكية وله حكم في ذلك و لكنه حكم بمالكية المجيز الثمن إذا كان بايعا والمثمن إذا كان مشتريا من زمان الاجازة على النحو الذى ذكرنا فإنه بعد البناء على صحة الفضولي وأثبات عدم تمامية الكشف الحقيقي بغير الذى ذكرنا من المعرضية المحضة وتأثير الامر المتأخر في الامر المتقدم أو عنوان التعقب أما لعدم معقوليتها أو لعدم تمامية دليل الاثبات الذى هي نتيجة القول بالكشف الحكمى فلا بد لنا من الالتزام بما ذكرنا وإلا نلتزم - بالكشف الحكمى على ما ذكره المصنف حتى يمكن لنا التفصى عن العجز من توجيه ما ظهوره في الكشف صونا له من اللغوية مع أنه أيضا تمام كما سنتعرض له بخلاف ما ذكر فإنه تمام ثبوتا والدليل موجود عليه أثباتا.

[ 150 ]

بل أدلة صحة البيع الفضولي ظاهرة في الكشف كرواية قيس وغيرها ويأتى بيان ذلك في بيان ثمرة القول بالكشف أو النقل في ضمن رد كلام شيخنا الاستاذ بناء على تماميتها خصوصا الروايات الواردة في التزويج من أنه إذا مات أحد الزوجين الذى عقد عليهما فضولة سواء كانا ذلك الزوجين صغيرين أو كبيرين فمات أحدهما فيستحلف أحدهما على رضايته بالنكاح لو لم يمت الزوج الاخر ثم يرث فإن ذلك صريح في صحة النكاح الفضولي على الكشف غاية الامر أنها مطلقة بالنسبة إلى أقسام الكشف ولكن حيث عرفت أن المعرضية المحضة وعدم دخالة الاجازة في صحة العقد باطل لصراحة الآية في أشتراط صحة التجارة بالرضاية من المالك والالتزام بتأثير الاجازة المتأخرة في الملكية المتقدمة مستحيل والالتزام بالتعقب لا وجه له ولا دليل عليه فالكشف الحكمى في نفسه غير معقول كما سيأتي فيتعين ما ذكرنا فيكون هو المراد من الرواية مع أن أصالة عدم الاجازة جارية هنا فأى شئ أوجب الخروج من هذا الاصل فإن لم يكن الكشف تماما لم يكن للنقل معنى في حال الموت كما هو واضح. ثم بقى هنا شئ وهو أنه ربما يقال بظهور هذه الروايات الواردة في النكاح الفضولي في الكشف الحقيقي، فإنه لو لم يكن كذلك لم يكن معنى لعزل النصيب من الاول وأنتظار الاجازة إلى أن يستحلف بأنه لو لم يمت الزوج الاخر أيضا لكان راضيا بالعقد - فعزل النصيب قبل الاجازة ظاهر في الكشف الحقيقي الذى فرضتم ذلك غير معقول. وفيه: أن عزل النصيب لا يدل على ذلك بل هو للاحتياط

[ 151 ]

في باب الاموال فيكون ذلك مانعا عن جريان الاصل كما أشار إليه في المتن وله نظير في باب الارث من غير أن يكون مختصا بهذا المورد كما إذا مات أحد وكانت زوجته حاملة، فإنه عزل هنا نصيب الذكرين أحتياطا في الاموال مع أنه ليس هذا النصيب مملوكا إلا أحتمالا لعدم اليقين بأن الزوجة تلد ذكرين. وبالجملة الاحتياط الشديد في باب الاموال لئلا يفوت حق أحد على غير الوجه الشرعي وأهمية الشارع بذلك، أوجب عزل النصيب فيما ذكر وهذا لا يوجب أثبات الكشف الحقيقي فأفهم. والحاصل أنك قد عرفت أن الكشف الحقيقي على أقسامها غير ما ذكرنا أما مستحيل أو لادليل على صحته في مقام الاثبات. ثم إن فخر المحققين حكم بالكشف الحقيقي بدعوى أن العقد حال الاجازة معدوم، فلو قلنا بالنقل للزم تأثير أمر المعدوم أعنى العقد في الامر الموجود أعنى الملكية وقد طبق ذلك بالفلسفة كما هو دأبه في بعض الفروع الفقهية. وفيه: أولا أن ما نحن فيه ليس من قبيل العلة والمعلول التامين بل من قبيل جزء السبب، فيجوز في ذلك تأثير الامر المعدوم في الموجود في التكوينيات فإن الاسباب والمعددات للشئ توجد تدريجا وتنعدم فيترتب عليه المسبب بعد ذلك كالقتل فإن أسبابه توجد ويترتب عليه الموت بعده مدة وهكذا غيره فإذا كان في التكوينيات كذلك فكيف لك أنكاره في التشريعيات؟ نعم في العلية والمعلولية التامتين لا يمكن الانفكاك كالتحريك بالنسبة إلى تحرك المفتاح فإن الفصل لا يعقل إلا بتخلل الفاء في اللفظ فقط على أنه يرد عليه

[ 152 ]

النقض بالايجاب والقبول فإن الايجاب قد يتحقق وينعدم إلى زمان القبول وبالوصية فإنها تنعدم عند الموت مع أنه لم يستشكل أحد في تأثيرهما في الملكية بل لازم ذلك أنكار شرطية القبض لصحة بيع الصرف والسلم لانعدام العقد إلى زمان القبض فيلزم المحذور. والحل في الكل إن العقد لا ينعدم بل يبقى أعتبار المتعاقدين إلى الابد ما لم يطرئه مزيل فإنه ليس عبارة عن اللفظ المجرد - لينعدم بمجرد الحدوث بل هو الاعتبار النفساني مع المظهر فيبقى ذلك عندهما وعند العرف. وأما الكشف الحكمى الذى ذكره المصنف وقلنا إذا لم يتم ما ذكرناه من الكشف الحقيقي على النحو الذى سلكناه فلا بد من الالتزام بما ذكره المصنف من الكشف الحكمى فمعناه كما في المتن أجراء أحكام الكشف بقدر الامكان مع عدم تحقق الملك في الواقع إلا بعد الاجازة بحيث يحكم بأثبات آثار الكشف من أول الامر وحين العقد ولازم ذلك أثبات أثار الملكية من حين العقد وقد نقل المصنف هذا الوجه من أستاذه شريف العلماء. أقول: إن تنزيل شئ مقام شئ آخر يكون على أنحاء. الاول: أن ينزل الامر الواقعي التكويني مقام أمر واقعى تكويني آخر كتنزيل الفقاع منزلة الخمر وتنزيل الطواف منزلة الصلوة ونحوهما الخ فيوجب التنزيل ترتيب آثار الصلوة على الطواف وآثار الخمر على الفقاع فلا يلزم المحذور فأنه لا يلزم منه تشريع الحكم. الثاني: أن يكون التنزيل في بعض الاثار مع كون المنزل و المنزل عليه كليهما أمرا تعبديا كتنزيل من يراد زوجيته في جواز

[ 153 ]

النظر إليها، فإن كل منهما أمر تعبدي مع كون التنزيل في بعض الاثار. الثالث: أن يكون المنزل عليه أمرا تعبديا مع كون التنزيل في جميع الاثار نظير المقام حيث أن أصل الملكية بعد أجازة المالك أمر تعبدي، فقد يحكم الشارع بأجراء آثار الملكية عليه بعد العقد و كون جميع آثار الكشف مترتبا عليه فهذا لغو محض حيث إن الحكم على هذا النحو والتنزيل كذلك ليس إلا الحكم بالملكية الحقيقية و جعل الملكية فلا معنى لتسميته بأسم التنزيل وهذا نظير تنزيل - أمساك الاعتكاف منزلة الصوم في جميع الاثار مع عدم تسميته صوما وهكذا فأفهم وتأمل. (في ثمرة النقل والكشف) قوله (بقى الكلام في بيان ثمرة بين الكشف الخ. أقول: وقد ذكر المصنف في ضمن أسطر ما لم نفهم معناه و لا ندرى ماذا فهمنا منه سابقا فإنه ذكر أولا - على ما هو ظاهر كلامه -: إنه على القول بالكشف الحقيقي على نحو التعقب لو علم المشترى بأجازة مالك المبيع العقد يجوز له التصرف في المبيع لحصول شرطه في الواقع وفى علم الله وقد صرح بذلك قبل نصف صحيفة ناقلا في البعض وقال: (والتزام كون الشرط تعقب العقد بالاجازة لا نفس الاجازة فرارا عن لزوم تأخر الشرط عن المشرط والتزم بعضهم بجواز التصرف قبل الاجازة لو علم تحققها فيها بعدا). وفيه: أنه بناء على القول بالكشف الحقيقي لا معنى للفرق

[ 154 ]

بين الالتزام بالتعقب أو تأثير الاجازة المتأخرة في المتقدم أو العرفية المحضة فإنه على جميع التقادير تحصل الملكية من الاول كما هو معنى الكشف الحقيقي، وبعد حصولها فلا وجه لمنع جواز التصرف بل على القول به يجوز التصرف مطلقا كما هو واضح لا يخفى ثم ذكرو أما الثمرة بين الكشف الحقيقي والحكمى مع كون نفس الاجازة شرطا فيظهر في مثل ما إذا وطى المشترى الجارية قبل أجازة مالكها فأجاز فإن الوطى على الكشف الحقيقي حرام ظاهرا لاصالة عدم الاجازة و حلال واقعا لكشف الاجازة عن وقوعه في ملكه ولوا ولدها صارت أم ولد على الكشف الحقيقي والحكمى لان مقتضى جعل العقد الواقع ماضيا ترتب حكم وقوع الوطى في الملك أنتهى. وهذا الذى لا ندرى ماذا أراد منه المصنف فإنه مع حكمه على ما هو ظاهر كلامه بعدم جواز التصرف قبل أسطر على القول بالكشف الحقيقي إلا في صورة التعقب فكيف حكم بكون التصرف حلال واقعا فهل هذا إلا التناقض؟ ولعل والله العالم إن هذا من سهو - القلم. والتحقيق أن يقال: إنه بناء على الكشف الحقيقي على جميع أقسامها غير ما ذكرنا يجوز التصرف في المبيع والثمن إذا علم أن المجيز يجيز العقد لتحقق شرطه واقعا فلا يجرى هنا أصالة عدم - الاجازة فيحكم بالجواز ظاهرا وواقعا ومع توليد الامة فتكون أم ولد ومع عدم العلم بالاجازة فيحرم التصرف في الظاهر ويجوز في الواقع ويكون حلالا على تقدير أن يجيز المالك وإلا فيحرم في الظاهر و الواقع وأما على ما ذكرنا من الكشف الحقيقي فلا يجوز التصرف في

[ 155 ]

الظاهر والواقع حتى مع العلم بالاجازة فإن الفرض أن الملكية تحصل بالاجازة فلا معنى لجواز التصرف قبله في مال الغير بل يكون حراما ومع وطى الامة فيكون زنا فيحد ولا تكون الامة أم ولد ولو مع تحقق الاجازة فأنها لا يوجب أنقلاب وأوقع حراما من واقعه والشئ لا ينقلب عما هو عليه. وأما على الكشف الحكمى فأيضا لا يحكم بترتب آثار الملكية إلا بعد الاجازة فإن ما وقع من التصرفات قبل الاجازة فإنما هي تصرفات غير مشروعة فلا ينقلب عما هو عليه بعد الاجازة حتى بحكم بترتب آثار الملكية عليه قبل الاجازة أيضا. والحاصل أن الكلام في بيان ثمرة القول بالكشف أو النقل يقع في جهات. الاولى في بيان الاحكام الخارجية الشرعية المترتبة على تصرفات المشترى أو الأجنبي قبل الاجازة. الثانية في حكم تصرفات المال المجيز في العين التى بيعت فضولة. الثالثة في تصرفاته في نماء تلك العين. الرابعة في تصرفات ما أنتقلت العين إليه. أما الجهة الاولى: فإذا تصرف المشترى أو الأجنبي في تلك العين فهل يترتب أحكام الملكية على تصرف المشترى وأحكام العقد على تصرف الأجنبي أم لا أو يفرق بين الكشف الحقيقي فيحكم بالترتب وبين الكشف الحكمى فيحكم بعدم الترتب؟ مثلا إذا أشترى أمة فضولة فأستولدها أو زنى الأجنبي بها فهل تصير الامة على الاول

[ 156 ]

أم ولد وزنى الأجنبي زنا بذات البعل فيترتب على ذلك أحكامهما أم لا؟ فأما على النقل فلا شبهة في كون الزنا زنا بذات بعل و عدم كونها أم ولد بل كان وطى المشترى أيضا حراما تكليفا فإن - الاجازة الحاصلة بعد الوطى الواقع عن حرام لا توجب أنقلاب الحكم عن واقعه وجعل ما وقع حراما حلالا والشئ لا ينقلب عما هو عليه و الاستيلاد المترتب على الوطى الحرام لا يكون موجبا لصيرورة الامة المستولدة أم ولد كما لاشبهة في أنه على الكشف الحقيقي على أنحائه غير ما ذكرنا تكون الامة بالاستيلاد عن وطى المشترى قبل الاجازة أم ولد وإن كان الواطى جاهلا بوقوع الاجازة عن المالك المجيز فأن التصرف إنما وقع في ملكه، فيكون نظير ما وقع الوطى على الامة بزعم أنها أجنبية فبانت مملوكة فإنه لو ولدت ولدا بهذا الوطى فتصير ذات ولد بذلك وعلى هذا فيكون وطى الغير بها زنا بذات بعل فتحرم عليه مؤبدة وهكذا الكلام فيما إذا عقد على امرأة فضولة فزنى بها أحد قبل الاجازة، فإنه يكون ذلك زنا بذات بعل على القول بالكشف فيترتب عليه أحكامه وهذا بخلافه على النقل وأما على الكشف الحقيقي بالمعنى الذى ذكرنا الذى هي نتيجة الكشف الحكمى وعلى الكشف الحكمى الذى ذكره المصنف فأختار بناء على الكشف الحكمى صيرورة الامة باستيلاد المشترى قبل الاجازة أم ولد لان مقتضى جعل العقد الواقع ماضيا ترتب حكم وقوع الوطى في الملك ومع ذلك حكم بحرمة الوطى تكليفا وعلى هذا، فيكون وطى الغير لها زنا بذات بعل لا زنا المجرد فتحرم عليه مؤبدة. ثم أحتمل تحقق الاستيلاد على الحكمى لعدم تحقق حدوث

[ 157 ]

الولد في الملك وأن حكم بملكيته للمشترى بعد ذلك وأنكر ذلك شيخنا الاستاذ عليه، فحكم بتحقق الاستيلاد بذلك. والذين ينبغى أن يقال: أنه على الكشف الحقيقي بالمعنى الذى نقول عدم تحقق الاستيلاد بوطى المشترى قبل الاجازة كما أن الواطى كان محرما كما عليه المصنف أيضا، فلا يتحقق بذلك الاستيلاد أيضا وأن زنا الغير بها زنا بغير ذات بعل. وتوضيح ذلك أنه وإن كان بحسب الثبوت والواقع ممكنا و ليس من المستحيلات العقلية ولكن لا دليل على تحقق الاستيلاد بوطى المشترى أو كون زنا الغير بها زنا بذات بعل في مقام الاثبات فإن ظاهر أدلتها أن يكون المرئة حال الوطى مملوكة للواطى لتصير بذلك أم ولد وحال الوطى زنا بذات بعل يترتب عليه أحكام الزنا بذات بعل والامر هنا ليس كذلك، بل إنما هي مملوكة للغير حقيقة بالفعل كما هو المفروض، فيكون الزنا بغير ذات بعل والاستيلاد عن وطى واقع على غير مملوكة وإن كانت تصير مملوكة بعد الاجازة حقيقة من زمان العقد على ما ذكرنا أو في حكم المملوكة على الكشف الحكمى، والسر في ذلك أن الاستيلاد لم يحدث في الملك فإن الوطى كان وقوعه وحدوثه في ملك الغير وإن كانت الامة ملكا للمشتر بقاء ولعل هذا مراد المصنف من التعبير بعدم حدوث الولد في الملك فهل يتوهم أحد أنه لو زنا رجل بأمرة خلية ثم صارت ذات بعل فيكون ذلك زنا بذات بعل أو يكون الولد المتولد منها ولده أو تصير المراة أم ولد لو كانت مملوكة فزنا بها أحد ثم أشتراها فلا يختلط الحرام بالحلال.

[ 158 ]

وقد نزل الامام عليه السلام ذلك بالثمر الذى يبيعه الانسان عن جزم ثم أشترى الحديقة فإن حكم كل منهما غير مربوط بالاخر كما لا يخفى، ومقامنا نظير ما ذكرنا في كتاب الصلوة في معنى الزيادة في الفريضة وقلنا أن ظاهر الادلة الدالة على أن الزيادة في الفريضة توجب البطلان هو أن تكون الزيادة واقعة بعنوان الزيادة حين الاتيان بها ويتصف بذلك الوصف حين وقوعها وتحققها ويكون ذلك في ذلك الوقت وصفا عنوانيا زايدا لها لا ما يكون متصفا بذلك الوصف بعد وقوعها فلا تشمل عليه أدلة المبطلية مثلا إذا أراد المصلى أن يقول أياك فبداله وقال أيا فسكت ثم قال إياك فإن أيا وأن وقعت زيادة إلا إنه لم يقع كذلك حين وقوعه بهذا العنوان بل بعنوان أنه واجب ثم صار كذلك وهكذا فإن أدلة الزيادة في الفريضة منصرفة عن ذلك وكك فيما نحن فيه فإن الوطى الواقع على الامة قبل الاجازة إنما هو متصف بكونه على غير ملكه وإنما صار بعد الاجازة متصفا بكونه في ملكه أو ذات بعل فأدلة صيرورة الامة مستفادة بملك المالك أو كون الزنا بها زنى بذات بعل لا تشمل ذلك لظهورها في فعلية الاتصاف وكونهما كك حال الوطى لا بعده. وأما الجهة الثانيه فهى في حكم تصرفات مالك المجيز في نفس العين فلو باع أحد مال غيره فضولة وتصرف فيه المالك قبل الاجازة والعلم بذلك أو مع العلم فهل يكون تصرفه هذا ردا فعليا أو لم يكن ردا أو يفصل بين الكشف الحقيقي فيحكم بعدم نفوذ تصرفاته وبين الكشف الحكمى فيحكم بنفوذ تصرفاته؟ وقد قرب شيخنا الاستاذ نفوذ تصرفات المالك المجيز في العين مطلقا حتى على الكشف -

[ 159 ]

الحقيقي بأقسامه ولو كانت الاجازة بعنوان المعرضية حتى مع العلم بصدور الاجازة منه ومع ذلك لا يبقى مجال لاجازة العقد الفضولي مثلا لو باع العين التى بيعت فضولة أو أعتق العبد أو غير ذلك من التصرفات أو زوجت الامرأة نفسها للغير أصالة فإن في جميع ذلك لا يبقى موضوع للاجازة فإنها إنما ترد على المحل القابل وبعد تزويج الزوجة نفسها من الغير أصالة أو نقل المالك العين عن ملكه لا يبقى مجال لها فإن ما هو متعلق الاجازة وموضوعها قد زالت وأنعدمت فأن هذه الاجازة ليست إلا كأجازة الأجنبي فهل يتوهم أحد أن أجازة الأجنبي العقد الفضولي الذى صدر من الغير يكون أمضاء من قبل المالك؟ فكك هنا فأن المالك بعد نقل العين عن ملكه وأزالة علقة سلطنته صار كالاجانب فلا تكون أجازته مؤثرة في ذلك ولا يقاس ذلك بالفسخ لانه متعلق بالعقد وأما الاجازة فهى متعلقة بالعين فإذا ذهبت ترتفع موضوعها بخلاف الفسخ. ثم نسب ذلك إلى المصنف بناء على كون النسخة لو باع أم الولد كما أختار كونها كذلك وأما بناء على سقوط أم وكون النسخة لو باع الولد فلا يمكن نسبة ذلك إلى الشيخ فإن بيع الولد لا ينافى مع أمضاء عقد الفضولي الواقع على الام. وفيه: أن ما أفاده إنما يتم في الزوجة فإنه بعد ما زوجت المراة نفسها لغير الذى زوجها الفضولي أياه، فلا شبهة في بطلان العقد الاول وكون العقد الثاني ردا عمليا للعقد الاول والسر في ذلك أنه بعد تزويج المراة نفسها من الزوج الآخر لا يبقى موضوع لاجازة العقد الاول ولا يكون هنا مجيز حتى يجيز العقد الفضولي

[ 160 ]

لانتفاء ركن العقد وقوامه وأنعدام ما ينسب إليه العقد وينضم به بحيث يكون العقد عقده ويكون منسوبا إليه. وبعبارة أخرى: قد حققنا في الاصول في وجه تقدم الامارات على الاصول أن موضوع الاصول معلق على عدم وجود الامارات فإذا تحققت الامارات وصارت منجزة لا يبقى مع ذلك موضوع للاصول وهكذا الامر في كل أمرين يكون الحكم في أحدهما تنجزيا وفى الاخر تعليقيا، فإن موضوع التعليقي يرتفع بوجود التنجيزي وفى المقام كذلك فإن موضوع صحة العقد الاول الفضولي معلق على بقاء المجيز بحيث يكون مع قطع النظر عن الاجازة مالكا للعقد والمعاملة ويقدر على الاجازة فإذا أرتفع ذلك الموضوع بوجود المعلق عليه الذى يتوقف على عدمه صحة العقد الاول فلا يبقى مجال لصحته بالاجازة فحيث أن صحة العقد الاول متوقفة على بقاء المجيز على حالته الاولية وكونه مالكا للاجازة وقد أنعدم في المقام فيحكم ببطلان العقد الاول بلا شبهة. وبعبارة ثالثة: إن العقد الفضولي إنما يحكم بصحته مقتضى العمومات أو الادلة الخاصه إذا أنتسب ذلك العقد إلى المالك - ليحكم عليه بأنه يجب عليك الوفاء به وأما أذا أنعدم، فلا تشمل الاطلاقات والعمومات ذلك العقد، فأن معنى وجوب الوفاء بالعقد ليس أنه يجب لكل شخص أن يفى بكل عقد حتى لو باع أحد مال غيره فيجب عليه أن يفى بذلك بل هذا ونظائره خطاب لمالك العقد ولمن يكون العقد عقده فإذا أنتفى المالك فلا يبقى موضوع لوجوب الوفاء بالعقد وغيره من الادلة الخاصة أو العامة بل هذا

[ 161 ]

الذى ذكرنا هو من جملة المرتكزات الشرعية حيث أن من البديهيات في عالم الشريعة أنه لو زوج أحد أمراة فضولة ولم تكن المراة عالمة بذلك فتزوج نفسها بزوج آخر وعرض العقد الاول إليه بعد سنين بحيث صارت كثيرة الاولاد وأجاز العقد الاول، فهل يتوهم أحد أن جميع هذه الاولاد والاستمتاعات وقعت شبهة؟ وليس كذلك قطعا هذا ما يرجع إلى الزوجية. وأما في غير الزوجية فلا يتم ما ذكره شيخنا الاستاذ وذلك لان تصرف المالك في المبيع من عتق الامة أو العبد أو بيعهما للغير أو غير ذلك من التصرفات لا ينافي العقد الاول ولا يوجب أنعدام موضوع ذلك العقد لبقاء المجيز على قابلية أن يجيز العقد الاول ومالكا لذلك قبل الاجازة فأن قوام العقد الفضولي وبقائه لم يكن ببقاء العين وإن كان حين الحدوث من مقومات العقد. والسر في ذلك أن الاجازة والرد كالامضاء والفسخ في باب الخيارات يتعلقان بنفس العقد دون العين الخارجية كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ وجعله وجه الفرق بين الاجازة والفسخ. غاية الامر أن الفسخ رفع والرد دفع الاجازة تنجيز والامضاء وعدم الفسخ يثبت وإلا فجميع ذلك متعلق بالعقد وهو مركز لجميع ذلك فيظهر ثمرة ذلك فيما بعد وعلى هذا فأنتقال العين من ملك المالك المجيز إلى غيره لا يوجب أرتفاع موضوع الاجازة وأنتفاء قابلية المجيز بل هو باق على قابليته الاولية أذن، فمقتضى الجمع بين جواز تصرفاته ونفوذه في العين وبين وجوب الوفاء بالعقد بعد الاجازة و الامضاء ممن له ذلك هو الحكم بأنتقال المبيع إلى البدل.

[ 162 ]

وبعبارة أخرى: أن ما ذكره الاستاذ يرجع إلى أبداع المانع وإن المانع من تأثير العقد الفضولي هو عدم تأثير أجازة المالك لسقوطها عن التأثير بمانعية أنتقال العين من المالك إلى غيره وهذا بخلاف ما ذكرنا فإنه يرجع إلى منع المقتضى فإنه لا مقتضى لحصول الملكية قبل الاجازة حتى يتوهم ذلك النزاع والبحث لانحصار حصول الملكية على القول بالكشف بالمعاني التى ذكروها وقد ذكرنا عدم صحتها لعدم وفاء الادلة على ذلك وما يكون مقتضيا للصحة أعنى أدلة الصحة منعدم في المقام. وبعبارة أخرى نحن نقول: بصحة الفضولي على طريقة الكشف من باب عدم العلاج والفرار عن صحة أدلة الفضولي فحيث أن المتيقن منها صورة عدم التصرف لا تبقى أدلة صحة الفضولي شاملة للمقام وهذا مرادنا من منع المقتضى. ولكن الظاهر مع ذلك عدم صحة العقد الفضولي بعد تلك التصرفات وإن لم تكن موجبة لانتفاء قابلية المجيز عن مجيزيته وذلك لان صحة ما ذكرنا متوقفة على القول بالكشف الحقيقي على غير ما ذكرنا وقد قلنا إن جميعه بين ما يكون مستحيلا وبينما يكون خلاف ظواهر الادلة لان أدلة صحة العقد الفضولي لا تساعد عى كون الملكية مثلا حاصلة من الاول فتكون الاجازة المتأخرة دخيلة في ذلك بعنوان التعقب أو معرفا صرفا فإن أخذ الاجازة والرضا من شرائط صحة العقد ليس إلا ظاهرا في كونه شرطا مقارنا لحصول التجارة والملكية والزوجية ونحوها كما لا يخفى ومع ذلك لا يمكن صرف أدلة صحة الفضولي إلى مثل هذا النحو من خلاف الظاهر

[ 163 ]

هنا ما وعدناك في بيان طرق الكشف. وبعبارة أخرى أن أدلة صحة العقد الفضولي وإن قلنا أنها ظاهرة في الكشف إلا أنها تدل على صحة العقد الذى يكون متعارفا وعلى وفق مذاق العرف والشرع والذى يفهم العرف من لسان الادلة الشرعية هو ما يكون العقد مقارنا برضا المالك ومثل ذلك العقد يكون مؤثرا في النقل والملكية والزوجية وحيث أن العقد الفضولي حين وقوعه عادم لذلك الشرط فيكون تأثيره مراعى على حصوله فيكون مؤثرا عند الحصول بحيث يكون شرطا مقارنا وإن كان مؤثرا في الملكية من زمان العقد. وعلى هذا، فيكون ما هو محط البحث ومورد الثمرة بين ما ذكرنا وما ذكره شيخنا الاستاذ في الكشف الحكمى والكشف الحقيقي بالمعنى الذى ذكرنا الذى هو نتيجة الكشف الحكمى. بيان ذلك أنه على الكشف الحقيقي بما ذكرنا والكشف الحكمى فيكون الامضاء المتأخر موجبا لحصول النقل من حين العقد حقيقة على ما ذكرنا أو حكما على الكشف الحكمى وهذا بحسب القواعد فإن القاعدة تقتضي بعد تحقق الاجازة وشمول أدلة الصحة عليه لكونه عقد بالحمل الشايع بعد الانتساب إليه، حصول النقل من حين العقد فإن دليل وجوب الوفاء يدل على وجوب الوفاء بذلك العقد بعد الاجازة وهو يصير عقدا للمجيز ومنتسبا إليه وهذا بخلاف ما تقدم فأن فيه نحكم بالمقدار المتيقن من جهة أنه لم يكن لادلتها أطلاق لتشمل مثل هذه الموارد أيضا ولم يكن المقتضى تماما ولكن على ما ذكرنا فالمقتضى تمام لكون ما ذكرنا موافقا للقواعد فإن القاعدة تقتضي

[ 164 ]

أن يكون العقد صحيحا بعد الاجازة بمقتضى أوفوا بالعقود كما ذكرنا ويكون منتسبا إلى صاحب العقد بالاجازة كأنتسابه إليه في غير موارد الفضولي بدليل الوفاء وهذا بخلافه على ما ذكره شيخنا الاستاذ فإنه يبطل العقد حينئذ فلا يكون الامضاء مؤثرا في النقل بوجه كما هو واضح. (الجهة الثالثة في حكم التصرف) الجهة الثالثة في حكم تصرف المالك سواء كان مالك الثمن أو مالك المثمن في نماء المبيع، فنقول: لا أشكال في جواز تصرفه فيه على القول بالنقل وضعيا وتكليفا لانه تصرف في ملكه ولا مانع من تصرف المالك فيه وإنما ينتقل العين عنه إلى غيره بالاجازة والفرض أنه قبل الاجازة ويكون بيعه لو باعه المالك من غير وعتقه لو كان النماء عبدا أو أمة نافذا وجائزا فلا يرد عنه بعد الاجازة أيضا. وأما على القول بالكشف الحقيقي فربما يقال أن تصرفه في - النماء ليس إلا تصرفا جائزا فلازم ذلك كونه في ملكه ولازم كون النماء في الملك كون الاصل في ملكه، فيدل تصرفه في النماء بالدلالة الالتزامية على رد البيع الفضولي فيحكم ببطلانه وقد أحتمل المصنف ذلك بناء على كون النسخة (ولو نقل المالك الولد) على خلاف ما قربه شيخنا الاستاذ حيث قال (مع أحتمال كون النقل بمنزلة الرد) وأما بناء على كون النسخة لو نقل المالك أم الولد فلا ميل إليه في كلامه. وفيه: أن رد العقد الفضولي كأجازته وإن كان يصح بالفعل والقول كليهما إلا أن مجرد صدور الفعل لا يدل على الرد ما لم يكن بنفسه إنشاء الرد فإن تحققه يحتاج إلى الانشاء كما أن تحقق الاجازة

[ 165 ]

يحتاج إلى الانشاء بحيث يكون الفعل بنفسه مصداقا للرد وهذا لا يمكن إلا بالقصد إذن، فيكون الفعل بحسب نفسه أعم من الرد لكون صدوره أعم من أن يكون بقصد الرد أولا فالاعم لا يدل على الاخص بوجه الاحتمال أن يكون من غير قصد أو بقصد عدواني مع علمه بأنه يجيز كتصرف الغاصب والسارق ونحو ذلك. وعلى هذا فلا يكون تصرف من أنتقل عنه المال في نمائه قبل الاجازة ردا فلا بد له من أعطاء بدله على تقدير الاتلاف ومع البقاء وأنتقاله إلى الغير يكون المقام من صغريات تعاقب الايدى، فله أن يرجع إلى المالك ويرجع المالك إلى ما أنتقل إليه أو إلى ما أنتقل إليه أبتداء. وأما على الكشف الحكمى والكشف الحقيقي بمعنى الذى ذكرنا الذى في حكم الكشف الحكمى فلا شبهة في كون تصرف المالك في نماء العين تصرفا في ملكه لان الفرض أنه يحكم بملكية العين كما أنتقل إليه بعد الاجازة فيكون النماء أيضا ملكا لما أنتقل إليه العين بالتبع وحين تصرفه لم تصدر منه الاجازة ليكون التصرف في ملك الغير وهذا لا شبهة فيه وإنما الكلام في أنه يحكم بعد الاجازة يكون ذلك النماء ملكا لما أنتقل إليه العين بالتبع حتى في صورة كون النماء تالفا بحيث يحكم للمالك أن يخرج من عهدته أم لا بل يملك ما أنتقل إليه العين ثمنا كان أو مثمنا بالاجازة مع النماءات الموجودة حال الاجازة متصلة كانت أو منفصلة. وقد حكم شيخنا الاستاذ بالثاني من جهة أن الاجازة إنما توجب أنتقال ما يكون موجودا حال العقد من العين والنماء إلى

[ 166 ]

ما أنتقل إليه العين، وأما إذا كانت العين معدومة فقد تقدم أنه لا مجال للاجازة مع ذلك وإن كان النماء معدوما فلا شئ يكون ملكا لما أنتقل إليه والتبعية إنما يتحقق في صورة وجود النماء لا في صورة عدمه. وبعبارة أخرى: إن العين إلى زمان الاجازة ملك لمالكها لجميع شئونها فله أن يتصرف فيها كيف يشاء وفى زمان الاجازة لو أنتفت العين فلا موضوع للاجازة أصلا وإن بقيت العين ونماءاتها، فتكون بالاجازة منتقلة إلى الطرف الاخر لكون النماء تابعا للعين و إن بقيت العين وتلف النماء وأنعدم، فتكون العين وحدها منتقلة إلى الغير لعدم وجود النماء حال أنتقال الاصل إلى الغير ليحكم بضمانه، فما يكون مانعا عن تحقق الملكية بالاجازة في صورة نقل العين فيكون ذلك مانعا عن ثبوت الملكية بالنماءات أيضا فلا تؤثر الاجازة في ثبوت الملكية بالنسبة إلى النماءات المستوفات. وفيه: أن ضعفه ظاهر لان زمان الانتقال وإن كان هو زمان الاجازة ولكن تنتقل العين بالاجازة من زمان العقد فيترتب جميع أحكام الملكية من ذلك الزمان تنزيلا على الكشف الحكمى و تحقيقا على ما ذكرنا من الكشف الحقيقي وإذن، فيكون المالك ضامنا بالنماءات لو أتلفها ومع نقلها إلى الغير فيكون المقام أيضا من صغريات تعاقب الايدى كما عرفت في الكشف الحقيقي وهذا واضح جدا. ثم أن شيخنا الاستاذ قرب كون النسخة ولو نقل المالك أم الولد ولكن الظاهر أنها الولد بدون لفظ الام لانه يصرح بعد أسطر في ذيل الضابط للكشف الحكمى أنه يحكم بملكية المشترى من حين

[ 167 ]

العقد فإن ترتب شئ من آثار ملكية المالك قبل أجازته كأتلاف النماء ونقله ولم يناف الاجازة جمعا بينه وبين مقتضى الاجازه بالرجوع إلى البدل. الجهة الرابعة في ما يرجع إلى تصرفات ما أنتقل إليه المال فضولة، أما على النقل فلا شبهة في عدم جواز تصرفه قبل الاجازة وضعا وتكليفا لكونه تصرفا في مال الغير بدون أذنه فهو حرام عقلا وشرعا نعم لو باع ذلك، ثم أجاز المالك البيع فيدخل تحت الكبرى الكلية من باع شياء ثم ملك وسيأتى الكلام فيه. وأما على الكشف الحقيقي على أنحائه الثلثة فلا شبهة في جواز تصرفه فيه تكليفا ونفوذه وضعا لو كانت الاجازة متحققة واقعا غاية الامر مع عدم العلم بتحقق الاجازة يكون متجريا فقط في الظاهر وإلا ففى الواقع لا يحرم ذلك بوجه وضعا وتكليفا. وأما على الكشف الحكمى والكشف الحقيقي بما ذكرنا فلا بد من التفصيل بين الحكم التكليفى والحكم الوضعي والحكم بحرمة التصرفات قبل الاجازة واقعا وظاهرا لكونه تصرفا في مال الغير حقيقة فهو حرام لانه لا يجوز التصرف في مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه عقلا وشرعا. وأما الاحكام الوضعية فهى نافذة بعد الاجازة فأنه بعدها يكشف كونه واقعا في ملكه فلو باع قبل الاجازة فيكون صحيحا نافذا ولو أعتقه فيكون صحيحا إلى غير ذلك من الاحكام الوضعية على طبق القاعدة فإنه بعد تحقق الملكية بالاجازة من حين العقد، فمقتضى

[ 168 ]

القاعدة ترتب أحكام الملكية أيضا بأجمعها كما هو من المرتكزات العرفية أيضا غير ما تقدم من تحقق الاستيلاد وتحقق الزنا بذات البعل فإنه تقدم أن الظاهر من دليلهما أن الاستيلاد والزنا بذات البعل إنما يتحققان من المملوك والزوجة الفعليين دون ما يكون مملوكا أو زوجة بعد ذلك الوطى. وبعبارة أخرى: أنه يترتب على تصرف ما نقل إليه المال جميع الاحكام الوضعية أمكانا وأثباتا غير ما يكون دليله على خلاف ذلك كما في تحقق أم الولد والزنا بذات البعل فإن ترتب الاحكام الوضعية بأجمعها بحسب القاعدة كيف فإنه بعد الحكم بحصول الملكية من حين العقد فيترتب أحكام الملكية أيضا عليه. وأما عدم ترتب الحكم التكليفى فمن جهة أن الشئ لا ينقلب عما هو عليه فما كان حراما لا يكون حلالا فالتصرف قبل الاجازة كانت محرمة فلا ينقلب إلى الحلية. قوله (منها النماء فإنه على الكشف). أقول: وقد تقدم أن النماء على الكشف الحقيقي لما أنتقل إليه العين لكونه حاصلا في ملكه وأما على النتقل فللمالك لكونه أيضا حاصلا في ملكه وتكراره إنما هو طوتئة لبيان كلام شهيد الثاني في الروضة حيث قال: (إن النماء على القول بالكشف تابع للعين فنماء الثمن للبايع ونماء المبيع للمشترى واما على النقل فنماء كليهما للمالك المجيز. وقد وجه كلامه بعض محش الروضة حيث قال: (يمكن أن يراد من المجيز المالك كل واحد واحد من مالك الثمن ومالك المثمن

[ 169 ]

أي نماء الثمن للمشترى لكونه مالكا له ونماء المثمن للبايع لكونه مالكا له). ووجهه آخر بتوجيه آخر، بدعوى أرادة جنس المالك فيكون أعم من مالك الثمن ومالك المثمن وعلى كلا التوجيهين يرتفع الاضطراب من كلامه. ولكن كليهما خلاف الظاهر من كلامه فإن ظاهر المقابلة كون النماء على النقل للبايع فإنه قال: (وعلى النقل فيهما للمجيز). فظاهره كون كلا النمائين لشخص واحد ووجه بعض بتوجيه بارد وهو أن كون نماء العين للمالك فعلى طبق القاعدة لكونه حاصلا في ملكه وأما كون الثمن له فلان المشترى بنفسه قد أقدم على ذلك و سلط البايع على ماله الذى مالك العين على ماله فيكون نمائه أيضا له. وفيه: أنه قد يكون العقد من طرف المشترى أيضا فضوليا فكيف يصح الحكم بإنه قد أقدم على تسليط البايع على ماله؟ وقد يكون غير ملتفت على كون البايع فضوليا ولو كان المشترى بنفسه مباشرا للعقد على أن ما وجه به كلامه ليس بتمام كبرى وصغرى أما الوجه في بطلان الكبرى فلان الاقدام ليس من جملة المملكات ولم يعهد من الشرع المقدس ذلك المعنى إلا إذا كان بعنوان الهبة فإنها مملكة في الشرع المقدس وإن كان يجوز الرجوع إليها أيضا. وكيف كان لا يمكن الالتزام بهذا التوجية إذن فلا بد أما من الالتزام بكونه سهوا من قلمه الشريف لكون العصمة لصاحبها وأما أن يكون نظره ما تقدم من التوجيهين الاولين وإنما كان غرضه من أغلاق العبارة تجربة الافهام والله العالم.

[ 170 ]

قوله (ومنها أن فسخ الاصيل لانشائه قبل أجازة الآخر). أقول: إذا كان إحد طرفي العقد فضوليا والآخر أصيلا فهل يجوز أن يفسخ الاصيل قبل أجازة الاخر مطلقا أو لا يجوز كك أو يفصل بين القول بالكشف فيحكم بعدم جواز فسخه وبين القول بالنقل فيحكم بجواز فسخه؟. وقد أختار بعضهم جواز فسخ الاصيل العقد قبل أجازة الاخر. وقد أختار شيخنا الاستاذ عدم جواز فسخه مطلقا حتى على القول بالنقل وأختار المصنف القول بالتفصيل وحكم بجواز فسخه على القول بالنقل وبعدمه على القول بالكشف. أما على القول بالكشف فسيأتي الكلام فيه. وأما على القول بالنقل فمن جهة أنه لم يحصل النقل بمجرد العقد وإنما يكون ذلك مؤثرا في زمان النقل وقبل زمانه، فيكون العقد بالنسبة إلى الاصيل كنسبته الايجاب إلى الموجب، فيكون فسخه كفسخ الموجب أيجابه فكما أنه لا محذور في فسخ الايجاب قبل القبول وهكذا يجوز فسخ الاصيل العقد قبل تحقق الاجازة. وبعبارة أخر إنما يجب أتمام العقد ولايجوز حله من جهة أوفوا بالعقود وهو إنما يتوجه بعد الاجازة وقبلها ليس هناك شئ بوجه ولا يشمله دليل وجوب الوفاء فيكون الاصيل مختارا في فسخه وعدمه. وأما على القول بعدم الجواز مطلقا فقد أختار شيخنا الاستاذ عدم جواز الفسخ كما عرفت وحاصل كلامه أن مقتضى قوله تعالى أوفوا بالعقود وجوب الوفاء بالعقد الذى عبارة عن المعاقدة وجوبا تكليفيا ولا شبهة في تحقق العقد وعدمه بالنسبة إلى الاصيل وإنما الموقوف

[ 171 ]

على الاجازة ليس إلا حصول النقل الحقيقي وأما نفس العقد والمعاقدة فقد تحقق قطعا إذن فلا مانع من شمول أوفوا بالعقود عليه فيكون ذلك كبيع الصرف والسلم حيث إن حصول الملكية فيهما متوقف على القبض وقبله لم تحصل ومع ذلك لا يجوز لكل من البايع أو المشترى فسخ العقد فإنه بعد التحقق لا يجوز إلا إذا قام الدليل على جواز الفسخ كالهبة ولا يقاس المقام بالايجاب المجرد قبل مجئ القبول، فإنه لم يتم المعاقدة بدون القبول حتى يشمله أوفوا بالعقود وهذا بخلاف المقام كما عرفت. وبعبارة أخرى: أن دليل الوفاء بالعقد تارة يكون ناظرا إلى أسم المصدر أي ما يحصل من العقد أعنى الملكية أو الزوجية أو نحوها. وأخرى يتوجه إلى المعنى المصدرى أعنى نفس العقد والمعاقدة فعلى الاول فشموله موقوف على حصول النقل وحيث لم يحصل النقل قبل الاجازة، فلا يشمله دليل الوفاء بالعقد قبل الاجازة إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه لكونه خلاف الظاهر من أوفوا بالعقود. وعلى الثاني كما هو الظاهر فيكون دليل الوفاء بالعقد شاملا لهذا العقد تحققه عند المعاقدة. نعم الملكية موقوفة على الاجازة وذلك غير مربوط بالمقام. وبالجملة مقتضى دليل الوفاء بالعقد لزوم أتمامه وأنهائه بعد تحقق العقد والمعاقدة وهذا واضح جدا فأفهم. وفيه: أما على الكشف فسيأتي الكلام فيه عن قريب، وأما على النقل فكلامه هذا مبنى على كون الامر بالوفاء على العقد تكليفيا

[ 172 ]

فإنه حينئذ يتم ما ذكره شيخنا الاستاذ ولكنه غير ممكن إذ كون الامر بالوفاء تكليفيا أو حرمة نقضة كك يقتضى أن يكون متعلقه أمرا مقدورا بحيث يكون مختارا في فسخه وأمضائه فإن التكليف لا يتعلق بغير المقدور ولا أن المراد من الفسخ لفظ فسخت ليقال أنه أمر ممكن و معنى كونه مختارا في ذلك ليس إلا كون العقد جائزا فيكون ذلك خلف الفرض مع أن مقتضى كون العقد جائزا وكون الوجوب تكليفيا أنه ينفسخ بالفسخ غاية الامر أنه فعل حراما مع أنه لا ينفسخ قطعا بل عدمه بل الامر هنا أرشاد إلى الحكم الوضعي نظير (أرشاد) النهى في قوله عليه السلام نهى النبي عن بيع الغرر أرشادا إلى الفساد ومعنى الوفاء به عبارة عن أتمامه وأنهائه كما يقال الدرهم الوافى للدرهم التمام فيكون معنى الوفاء بالعقد أنه لا ينفسخ هذا العقد بالفسخ و على هذا لا يتوجه دليل الوفاء بالعقد إلا بعد أمكان تحقق الحكم الوضعي بذلك الدليل وهو إنما يكون بعد أجازة المالك لانه المفروض إذن، فما ذكره العلامة الانصاري من جواز فسخ الاصيل العقد قبل أجازة المالك هو الوجيه. وبعبارة أخرى: وجوب الوفاء بالعقد من ناحية الاصيل على القول بالنقل قبل الاجازة متوقف على أخذ العقد بمعنى المصدرى أي مجرد المعاقدة فإذا لم يكن ذلك لما ذكرنا من كونه متوقفا على أخذ الوجوب تكليفيا وهو غير جائز فلا بد من صرفه إلى الوفاء بالمعنى الاسم المصدرى وهو لا يحصل إلا بألاجازة، فيكون شمول دليل الوفاء على ذلك من زمان الاجازة دون العقد وأما نقضه بالصرف والسلم فهو أيضا ليس من المسلمات بل وجوب الوفاء بهما أيضا بقوله أوفوا

[ 173 ]

بالعقود وبعدها، لم يمكن شموله على العقد إلا بعد حصول الاسم المصدرى فلا يلزم الوفاء به أذن يجوز لكل من البايع والمشترى فسخ الصرف والسلم قبل القبض كما هو واضح. وبعبارة أخرى: أن الامر بالوفاء أرشاد إلى عدم أنفساخ العقد بالفسخ وإن الالتزام بذلك باق على حاله ولا يرتفع إلا - بالاقالة ومعنى الوفاء به أنهائه إلى الآخر وأتمامه وحيث أن الالتزام والمعاقدة على أساس القول بالنقل لم يتم لتوقف حصوله على تحقق التزام المالك فإن متعلقه إنما هو الملكية وحصول الملكية موقوف على تحقق الالتزامين من المالكين فلا يشمل عليه دليل الوفا بالعقد فيكون نظير الايجاب قبل تمامية القبول نعم في مثل النذر لا بأس من الالتزام بالوجوب التكليفى لا من جهة تعدد معنى الوفاء بل لخصوصية المورد فأن متعلق الوفاء في باب النذر نفس الالتزام وهذا بخلافه في باب العقود فإن متعلقه الملتزم به وهو لا يحصل إلا بالعقد الذى قوامه بالمعاقدة وأرتباط أحد الالتزامين بالآخر من الالتزام لا بألتزام شخص واحد كما هو واضح أذن لا غرو من الالتزام بالوجوب التكليفى في النذر ونحوه وبالوجوب الارشادي في باب العقود. وبالجملة أن الوفاء بالعقد منحل إلى الافراد العديدة حسب تعدد أفراد العقود في جميعها معناه أتمام العقد وأنهائه ولكن حيث أن متعلقه في النذر هو الالتزام بالعمل فليس معناه إلا وجوب إتمامه تكليفا لا وضعا ولذلك نقول هنا بالوجوب التكليفى. وثانيا على فرض كون الوجوب وجوبا تكليفيا فلا شبهة في أنه إنما يتم بعد تحقق العقد وهو على أساس القول بالنقل لا يتم إلا

[ 174 ]

بعد الاجازة فموضوع وجوب الوفاء بالعقد إنما يحصل بالاجازة وقبله ليس عقد ليكون موضوعا للوجوب وليس ذلك قبل الهبة لتحصل بطرف واحد أذن مع فرض القول بإن الوجوب تكليفي فلا يتوجه إلا بعد الاجازة لتحقق موضوعه في ذلك الوقت. وبعبارة أخرى: مع الغمض عن بطلان أخذ الوجوب أرشاديا والجواب على وفقه أن موضوع الوجوب التكليفى لم يتم بعد، فهل يتحقق الحكم بدون الموضوع؟ فتحصل أنه على القول بالنقل يجوز للاصيل أن يفسخ العقد قبل الاجازة، وأما على القول بالكشف، فهنا جهات للكلام: الاولى في جواز فسخ الاصيل منهما وعدمه أي تأثيره وعدم تأثير على الكشف. والذى ينبغى أن يقال: أنه لا يؤثر الفسخ في أنحلال العقد فإن أساس القول بالكشف هو أن العقد بحسب نفسه تمام السبب و الموضوع لوجوب الوفاء بالعقد كما عرفت عن الشهيد والمحقق الثانين وبعد تحققه لا معنى لفسخ الاصيل ذلك فإن أدلة وجوب الوفاء بالعقد وكونه لازما لا ينفسخ بأجمعها، شاملة للمقام فإن عمدتها على ما تقدم في المعاطات قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، فلا شبهة أن الفسخ بعد تحقق الالتزام ليس تجارة عن تراض بل يكون أكل المال بالباطل وأما مع العلم بعدم الاجازة، فأيضا لا يحتاج إلى الفسخ بتحققه بدونه فهو أما لا يؤثر وأما لا نحتاج إليه. وبالجملة على ملاك الكشف من تحقق تمام الموضوع للوفاء

[ 175 ]

بالعقد لا يؤثر فيه الفسخ بوجه ويدل عليه أدلة اللزوم. الجهة الثانية: في أنه على القول بعدم تأثير الفسخ فيه وضعا فهل يجوز للاصيل التصرفات في ماله قبل أجازة طرف الآخر أم لا؟ فهذه الجهة فيها جهتان الاولى في جوازها وعدمها ظاهرا، والثانية في جوازها وعدمها واقعا، فقد أدعى العلامة الانصاري عدم جوازه ظاهرا وواقعا على تقدير عدم الاجازة بدعوى (أن المال بواسطة المعاقدة خرجت عن موضوع جواز تصرف المالك في ملكه ودخل تحت أدلة حرمة التصرف فيه فلا يجوز له التصرف في ذلك فإن كان يجيز الآخر فيكون حراما ظاهرا وواقعا وإلا فيكون حراما في الظاهر فقط، ولا يجرى هنا أصالة عدم الاجازة لانه إنما يجرى في فرض عدم المنع عن جريانه والفرض أن دليل وجوب الوفاء قد جرى وأوجب ثبوت العقد وعدم جواز تصرف الاصيل في ماله ومعه كيف تجرى أصالة عدم الاجازة). وفيه: أن موضوع وجوب الوفاء إنما هو الالتزام بالملكية لا - حصول نفس الملكية وموضوع عدم جواز التصرف في المال تكليفا نفس الملكية وما لم تحصل لا تشملها حرمة التصرف في مال الغير إذن فلا معنى لقياس عدم جواز فسخ الاصيل العقد بحرمة تصرفه في العين فإن موضوع كل منها غير موضوع الآخر والعجب منه قده حيث بالغ وحكم بعدم الجواز حتى مع العلم بعدم أجازة الآخر ورده بل لا بد وإن يرد العقد ثم يجوز للاصيل التصرف في ماله نعم لو تحقق الامضاء، فينكشف منه أن التصرف كان حراما في الواقع وهذا من عجائب الكلام، فإنه مع عدم الاجازة فبأى دليل نحكم بحرمة تصرفه

[ 176 ]

في ماله مع كون الناس مسلطون عليه، وبعبارة أخرى إن قلنا إنه خرج من ملكه فنسئله من سببه وإن قلنا أنه لم يخرج ومع ذلك لا يجوز له أن يتصرف فيه فهذا ليس إلا مناقضة في مفهوم الناس مسلطون على أموالهم فأفهم. وبالجملة أن الثمرة ثمرة صحيحة فإنه على النقل بجوز للاصيل أن يتصرف في ماله وعلى القول بالكشف لا يجوز فسخه ويجوز تصرفه ظاهرا ثم إن تحققت الاجازة بعد ذلك، فيكشف إنه كان حراما واقعا وعلى تقدير عدم الاجازة ينكشف أنه لم يكن حراما في الظاهر و الواقع معا وأما على تقدير العلم بتحقق الاجازة فلا يجوز، والعجب من المصنف حيث حكم بعدم الجواز حتى في صورة العلم بعدم الاجازة مع أنه على هذا لم يكن منع منه بوجه لتصرفه في ماله قطعا وعدم أحتمال تصرفه في مال الغير. والحاصل أن الكلام في جواز تصرف الاصيل في ماله قبل أجازة الآخر وقلنا أنه لا شبهة في جوازه مع الجهل بتحقق الاجازة مطلقا حتى على القول بالكشف الحقيقي ولو بمعنى أخذ الاجازة معرفة لحصول النقل من زمن العقد فإنه مع ذلك أيضا يشك في أنه مما يتم به النقل أو يكون معرفا لذلك يتحقق أولا يتحقق فيتمسك بأصالة عدم تحقق الاجازة فيحكم بجواز التصرفات مطلقا فإن مقتضى جريان ذلك الاصل جواز التصرف فيه تعبدا من دون أن يلزم التصرف في مال الغير كما أنه في صورة العلم بعدم الاجازة يجوز التصرف وجدانا للعلم، وما عن المصنف من منع جواز التصرف حتى في صورة العلم بعدم الاجازة، فعجيب منه مع أنه ليس هنا مانع بوجه حتى أحتمال كونه تصرفا في مال الغير فلا ندرى ما المانع من كونه أي الاصيل

[ 177 ]

مسلطا على ماله؟ فإن قوله بعت مع العلم بعدم الاجازة ليس إلا كاللاغى والساهى. نعم على الكشف الحقيقي المعروف لو تصرف فيه معتمدا على أصالة عدم الاجازة أي القطع التعبدى أو على العلم بعدم الاجازة والقطع الوجداني فأجاز الطرف الآخر فيكون تصرف الاصيل في المبيع فضوليا، فيتوقف على أجازة الطرف الذى كان العقد فضوليا من قبله فيبطل من قبل الاصيل ولا يكون العقد عقده وإنما يكون راجعا إلى المجيز فإن شاء أجاز وإن شاء لم يجز. ثم ذكرنا أيضا أنه لا وجه في عدم جواز تصرفه أي الاصيل بآية وجوب الوفاء بالعقد - كما تمسك به شيخنا الاستاذ - على تقدير كونه وجوبا تكليفيا، فإنه يرد عليه أولا أن الامر بوجوب الوفاء بالعقد أرشاد إلى تمام الالتزام وأنهائه كما هو معنى الوفاء بالشئ لغة فليس ذلك وجوبا تكليفيا كما هو الظاهر. وثانيا أن معنى الوفاء بالعقد ليس إلا ترتيب آثار الملكية و الزوجية وغيرهما عليه وليس معناه مجرد وجوب الالتزام بالعقد وجوبا تكليفيا، فهو لا يحصل قبل الاجازة فإن معنى ترتيب الآثار هو حرمة التصرف في ذلك المال للاصيل فلا شبهة أن أدلة حرمة التصرف إنما تعلقت بالملك دون الالتزام بالملكية كما هو واضح. وثالثا مع الاغماض عن جميع والالتزام بالحرمة التكليفية، فإنما يجب الوفاء بالعقد بعد تحققه لا قبله. وبعبارة أخرى: إن الاحكام التكليفية إنما تكون فعلية بفعلية موضوعها فما لم تصر موضوعها فعلية فلا معنى لفعلية الحكم إذن فموضوع

[ 178 ]

وجوب الوفاء إنما هو العقد ففعلية ذلك الحكم يحتاج إلى تمامية العقد فحيث أن العقد عبارة عن أرتباط التزام بألتزام وأنضمامهما معا والمعاقدة بينهما فهو لم يحصل بعد قبل أجازة المالك حتى على القول بالكشف بجميع أقسامه وليس ذلك مثل الهبة يتحقق التمليك بألتزام طرف واحد فإن حقيقتها عبارة عن التمليك المجاني وذلك يحصل بتمليك طرف واحد وألتزامه بخلاف البيع فإن الالتزام بالتمليك فيه مربوط بألتزام الطرف الآخر بذلك بحيث يرتبط أحد - الالتزامين بألالتزام الآخر وينضم أحدها بالآخر حتى يترتب عليه وجوب الوفاء كما لا يخفى فإن الاصيل لا يعلم ظاهرا أن الآخر يجيز أو لا يجيز وإن حصل عقد واقعا إذن فلا معنى لوجوب الوفاء به قبل تحقق الاجازة بل يجوز التصرف لكل من البايع والمشترى في بيع الصرف والمشترى في الثمن في بيع السلم قبل القبض فيهما فإنه ما لم يحصل القبض لم يحصل الملكية ووجوب الوفاء بالعقد إنما هو بأعتبار الملتزم به أعنى الملكية نعم في صورة العلم بأن المالك يجيز العقد لا يجوز للاصيل التصرف في ماله بخروجه عن ملكه على القول بالكشف ولكن لازم ذلك هو جواز تصرفه في الثمن مثلا فإن خروج ماله عن ملكه مع دخول مقابلة في ملكه متلازمان فإن قوام البيع عبارة عن المبادلة بين المالين في طرف الاضافة وحقيقة الاضافة ليس إلا خروج أحد العوضين عن ملكه ودخول العوض الآخر مكانه وكذلك لا يجوز للاصيل مع جواز التصرف في ماله أن يتصرف في مقابله لعين تلك الملازمة وما في المتن من أن العمل بمقتضى العقد كما توجب حرمة تصرف الاصيل فيما أنتقل عنه كذلك توجب جواز تصرفه فيما أنتقل إليه والوجه

[ 179 ]

في ذلك هو ثبوت الملازمة بينهما وجودا وعدما نعم في مثل النذر ونحوه حيث أن موضوع وجوب الوفاء نفس الالتزام فيجب الوفاء به لتمام موضوعه بنفس الالتزام بخلاف البيع مثلا فإن الوفاء لا بد وإن يكون بالملتزم به أعنى الملكية دون الالتزام. ثم أنه لا يفرق فيما ذكرنا بين أقسام العقود الفضولية نكاحا كان أو غيره فإنه في باب النكاح أيضا يجوز للاصيل ترتيب آثار عدم الزوجية قبل أجازة المرئة التى كان العقد من قبلها فضولية من تزويج أمها أو أختها أو تزويج الخامسة لو كانت عنده زوجات ثلثة غير الزوجة - الفضولية إلى غير ذلك من أثار عدم الزوجية معتمدا بأصالة عدم الاجازة فإنها محكمة ما لم يكن دليل على خلافها. نعم تقدم أنه زوج الصغير فضولة فمات فيعزل نصيب الزوجة فبعد البلوغ عرض إليها العقد فإن أجاز مع الحلف على عدم طمعها بالمال فيعطى بها الارث وإلا فلا. فيعلم من ذلك عدم الاعتناء بأصالة عدم الاجازة في باب النكاح بالملازمة. وفيه أن مقتضى جريان أصالة عدم أجازة من كان عقد الزوجية من قبله فضولية الزوجية هو عدم ترتيب آثار الزوجية قبل الاجازة فيترتب عليه عدم التوارث فإنه مع جريان أصل السببي لا يبقى موضوع للمسبب وبعبارة أخرى أن قضية الارث هنا وإن كان راجعا إلى المال والى ورثه الوارث وليس مربوطا بالمعاملة الفضولية ولكن حيث كان ملزوم ذلك أعنى العقد فضوليا فيجرى فيه أصالة عدم الاجازة الذى هو أصل سببي بالنسبة إلى التوارث وعدمه فيترتب عليه نفسي المسببات

[ 180 ]

من التوراث وغيره وبذلك الملازمة فيكون التوراث هنا الذى راجع إلى المال دون العقد الفضولي مربوطا بالمعاملة الفضولية. ولكن حيث ورد النص الخاص في عزل نصيب الزوجة هنا - فبالملازمة القطعية يبقى جريان أصالة عدم الاجازة وترتيب الآثار عليها فإن نفى اللازم يستلزم نفى الملزوم إلا أن ورود النص في مورد خاص مبنيا على الاحتياط في الاموال كما تقدم لا يوجب التعدي إلى غير مورده والحكم بعدم جريان أصالة عدم الاجازة في باب النكاح مطلقا فضلا عن غير باب النكاح كما لا يخفى. وقلنا سابقا أنه ورد نظير ذلك في المرئة الحبلى حال وفات زوجها فإنه يعزل نصيب ذكرين مع أن أصالة عدم التولد أو عدم كون الولد أكثر من واحد أو عدم كونه ذكورا بناء على جريان الاصل في الاعدام الازلية كما هو الحق جارية فأن المتيفن في الصورة الاخيرة هو كون الاقل نصيبا للولد الذى لم يولد بعد فالزيادة التى تخرج على أحتمال كونه ذكرا ينفى بالاصل وبالجملة تتحصل أنه يجوز - للاصيل أن يتصرف في ماله قبل أجازة الآخر العقد مطلقا على القول بالكشف لجميع أقسامه وعلى القول بالنقل وعلى القول بالكشف الحكمى فإن أصالة عدم الاجازة محكمة وما ذهب إليه المصنف من أصالة عدم الاجازة والتمسك بأوفوا بالعقود في أثبات لزوم العقد وتبعه بعض الاخر وكك ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ من الحكم بلزوم العقد من الاصيل لا وجه له. قوله (كالنذر المعلق على شرط). أقول: تفصيل الكلام هنا أنه سواء كان النذر متعلقا بالفعل

[ 181 ]

أو بالنتيجة وسواء كان متعلقه أمرا أختياريا أو غير أختيارى على إنما تارة يقع الكلام في الحكم التكليفى وأخرى في الحكم الوضعي أما. الاول: فتارة يكون متعلق النذر مطلقا من غير أن يعلقه بشئ بأن كان قصده حين النذر لتنجز التكليف بالوفاء عليه لانه على وجه الاطلاق كما إذا نذر أن يعطى درهما للفقير مطلقا وعلى هذا فلا أشكال في عدم جواز أعدام المنذور وأخرى يكون معلقا وعليه تارة يكون ذلك مثل الواجب المعلق بأن يكون النذر فعليا ومتعلقه أمرا أستقباليا كما يكون الوجوب فعليا والواجب أستقباليا في الواجب المعلق وهذا مثل الاول لفعلية الوجوب. وأخرى يكون مثل الواجب المشروط بإن يكون قصد الناذر تحقق النذر حين تحقق متعلقه وهو على قسمين لانه تارة يعلم الناذر حصول متعلق نذره فيما بعد وأخرى لا يعلم فعلى الاول - أيضا لا يجوز التصرف في المنذور بحيث يوجب أعدامه لما حققناه في محله أن تمامية ملاك التكليف في محله والعلم بتنجزه في ظرفه موجب لحفظ القدرة لاتيانه وحفظ مقدماته وتهية وسائل أتيانه لو علم أو أحتمل عجزه عنها في ظرف الاتيان ويحرم أعدام المقدمات المفوتة لذلك الملاك ولو في ظرفه ومن هنا نقول بحفظ الماء لحفظ نفسه في ظرف عدم التمكن منه في ذلك الظرف أو لحفظه للوضوء لذلك بحيث يعلم أنه لو لم يحفظه يموت بعد ساعة عطشا أو لا يجد الماء للوضوء وتسمى مثل هذه المقدمات بالمقدمات المفوتة. وبالجملة وإن كان النذر معلقا مثل الواجب المشروط إلا أن العلم بأنعقاده وحصول متعلقه يوجب حفظ المنذور لقبح تفويت

[ 182 ]

ملاك التكليف في نظر العقلاء و الشارع ولو كان التكليف أستقباليا كما أن الامر كك في الواجب المشروط أيضا. وإن لم يعلم الناذر حصول متعلق نذره فإن كان من قصده تعلق النذر بالابقاء كتعلقه بأصله بحيث يكون هنا نذران بحسب الانحلال فلا شبهة أيضا في وجوب حفظ المنذور كما إذا نذر بصدقة شاة على تقدير برء مرض إبنه ومع ذلك تعلق نذره بأبقاء ذلك الشاة يضا. وإن لم يكن نذره متعلقا على صدقة الشاة مطلقة ولا على صدقتها على نحو الواجب المعلق ولا على نحو الواجب المشروط - بحيث يعلم بحصول متعلقه ولا أن يكون متعلقا بأبقائه أيضا فلا يجب الابقاء بل يجوز أعدام موضوع النذر بحيث لا يبقى موضوعه أصلا فضلا عن أن يجب الوفاء به بعد تحقق متعلقه. ثم أنه لا يفرق في جميع ذلك التصور بين أن يتعلق النذر بالفعل أو بالنتيجة وسواء كان أختياريا أو كان غير أختيارى. وأما الحكم الوضعي أعنى صحة التصرفات في المنذور. فنقول: أما فيما يجوز التصرف وأعدام موضوع النذر كما في الصورة الاخيرة فلا شبهة في صحة التصرف ونفوذه فلو باع فيحكم بصحته وأما فيما يحرم التصرف في المنذور كأكل الشاة المنذورة مثلا فأيضا يصح التصرف في المنذور وضعا وينفذ ذلك لانه لا ملازمة بين حرمة التصرف تكليفا وبين صحته وضعا. وما يمكن أن يكون وجها في عدم صحة ذلك أمران.

[ 183 ]

الاول أنه يشترط في المبيع أن يكون طلقا فلا يصح بيع غير الطلق وما تعلق به النذر ليس بطلق لتعلق حق الغير به. وفيه: أنه ممنوع كبرى وصغرى، أما الصغرى فواضح لانه لا يكون المال بمجرد تعلق النذر به مما يتعلق به حق الغير ومن هنا لو أجتمع المنذور إليهم وأسقطوا حقوقهم عن ذلك المال فلا يؤثر ذلك في المنذور شيئا ولا يصيره عن الحالة الاولية التى لم يتعلق به إلا الحكم التكليفى ولا يرتفع به الحكم الشرعي التكليفى أعنى عدم جواز التصرف فيه مع أن الحق أمتيازه عن الحكم ليس إلا بألاسقاط كما مر في أول البيع وإلا فكل حكم يصح أطلاق الحق عليه فيعلم من ذلك أنه لم يتعلق بالمنذور إلا الحكم التكليفى أعنى حرمة التصرف فيه وأما الحكم الوضعي فلا فلم يتم الصغرى وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على أشتراط كون المبيع طلقا بهذا العنوان بل هو أمر منتزع من الموارد الخاصة ففى كل مورد لا ينفذ فيه التصرف فلا يجوز بيعه ولا يصح وفى كل مورد يصح فيحكم بصحة البيع وإلا فلم يدل دليل خاص يكون المبيع طلقا. الامر الثاني ما أعتمد به شيخنا الاستاذ من أن المنع الشرعي كالمنع العقلي فحيث أن التصرف في المنذور محرم شرعا فيكون ممنوعا من التصرف فيه كما كان غير مقدور تكوينا فحيث أن المنذور لا يجوز التصرف فيه تكليفا فيكون ممنوعا من ذلك وضعا أيضا وبهذا أستند في أن النواهي تدل على الفساد في المعاملات وبنى على ذلك دلالة النهى على الفساد في باب المعاملات. وفيه: أن كان المراد من أن المنع الشرعي كالمنع العقلي

[ 184 ]

المشهور بين الناس من حيث التكليف فهو مسلم وإن كان المراد من ذلك من حيث الوضع فهو أول الكلام إذ لم يدل دليل على أن ما تعلق به النهى وحكم بحرمة التصرف فيه فهو مما لا ينفذ التصرف فيه فيحكم ببطلانه كما هو واضح. إذن فلا وجه لما زعمه شيخنا الاستاذ من الحكم بعدم نفوذ التصرف في المنذور مستندا على هذا الوجه الغير الوجيه فإنه لا ملازمة بين حرمة التصرف تكليفا وبين حرمته وضعا وما أعتمد عليه في دلالة النهى على الفساد في باب المعاملات قبلا وجه. قوله (ثم أن بعض المتأخرين ذكر ثمرات آخر). أقول: ذكر شيخ الكبير ثمرات آخر على القول بالكشف أو النقل فتذكرها تبعا لشيخنا الانصاري. الاول: أنه لو مات أحد طرفي العقد من البايع أو المشترى سواء كان العقد من قبل كليهما فضوليا أو من قبل أحدهما فنفرض الكلام فيما لو كان فضوليا من جانب واحد فمات الاصيل قبل الاجازة الآخر فحاصل ما قاله (ره) أنه لو مات الاصيل قبل الاجازة فيبطل العقد بناء على النقل فإنه حين تحقق الملكية غير موجود والفرض أن العقد لم ينعقد قبل الاجازة فيبطل. وبعبارة أخرى: أن المالك الاصيل حين ما كان موجودا لم ينعقد العقد الموجب للملكية وحين أنعقاد العقد وتمامية الملكية لم يكن موجودا فكيف يحكم بصحة مثل ذلك العقد وهذا بخلاف على القول بالكشف فإنه يحكم بصحته فإن الملكية قد تحققت على الفرض فلم يبقى في البين إلا أجازة المجيز فهى قد حصلت فيحكم بصحته.

[ 185 ]

وقد أورد عليه صاحب الجواهر بدعوى ظهور الادلة في أعتبار أستمرار القابلية إلى حين الاجازة على الكشف مع قطع النظر عن الاجازة فيكشف الاجازة عن حدوث الملك من حين العقد مستمرا إلى حين الاجازة ومراده أن صحة العقد الفضولي متوقفة على بقاء مالكى العقد ومن يستند العقد إليه ويكون العقد عقده باقيا على قابلية ذلك المعنى وبالموت يخرجان عن ذلك القابلية ولا يمكن أستناد العقد إليه وهذا واضح جدا. وأشكل عليه شيخنا الانصاري بالنقض والحل أما النقض بالعقود المتعددة الواقعة على مال واحد بنحو تعاقب الايدى فضولا حيث أن تلك العقود قد وقعت فضولة وقبل تحقق الاجازة أنتقل الملك إلى الآخر ولم يبق المالك مستمرا على مالكيته وعلى تلك القابلية الاولية إلى زمان الاجازة فيكشف من ذلك أن بقاء المالك على قابلية المالكية إلى زمان الاجازة غير لازمة. وفيه: أن هذا عجيب من المصنف حيث أنه فرق بين ما نحن فيه وبينما ذكره المصنف نقضا لان في فرض تعاقب الايدى المالكية مستمرة مع قطع النظر عن الاجازة وإنما الاجازة أوجبت أنقطاع مالك الثمن عن الثمن ومالك المثمن عن المثمن كما أن الرد يوجب أنهدام العقد وبقاء كل منهما في ملك صاحبه وهذا بخلاف ما نحن فيه فإنه مع قطع النظر عن الاجازة والرد ينقطع الملك بالموت كما أفاده الاستاذ إذن فلا ينبغى لمثل الشيخ أن يورد له بمثل ذلك وثانيا بالحل وحاصله أن بعض الاخبار المتقدمة من أدلة صحة المعاملة الفضولية ظاهرة في صحتها حتى مع موت أحدهما الاصيل أو من

[ 186 ]

كان العقد من قبله فضوليا كالاخبار الدالة على الاتجار بمال اليتيم وأخبار المضاربة حيث أنها أعم من أن يكون المالك حيا أو ميتا مع جريان العادة بموته في مدة مديدة يتجر العامل بالمال ولم يستفصل الامام عليه السلام في ذلك فيكون أطلاق تلك الاخبار شاهدا على المطلب. وبعضها صريحة في ذلك كالرواية التى تضمن أن شخصا أوصى بالعبد المأذون في التجارة أن يشترى عبدا فيعتقه ويحج عنه ثم ترافع كل من مولى المأذون والعبد المعتق والورثة في كونه من مالهم فإنه صريحة في المطلوب حيث أن المالك قد مات إلى زمان أجازة مالك العبد المأذون ذلك العقد فيكون صريحة في المورد. وفيه: قد تقدم أن شيئا من تلك الاخبار لا تدل على صحة البيع الفضولي بل هي خارجة عن المقصد بل الشيخ أيضا لم يستدل بها على ذلك وإنما ذكرها تائيدا لمرامه فلا يمكن الاستناد إليها في هذا المقام أيضا. والذى ينبغى أن يقال أنه لو كان النظر إلى الادلة الخاصة للمعاملة الفضولية كرواية عروة البارقى وصحيحة محمد بن قيس فلا شبهة لظهورها في كون المالك المجيز أو الطرف الاخر حيا فلا أقل من أخذ المتيقن منها فأنه ليس لها أطلاق يؤخذ به إنما سرى فلا يكون الادلة الخاصة للفضولية دليلا للمقام إذن فالحق مع صاحب الجواهر فإن مقتضى الاختصار بالقدر المتيقن منها هو الكفاية منها بحال حيات الطرفين من المالكين الفضوليين أو أحدهما فضوليا و الاخر أصيلا. وإن كان النظر إلى الادلة العامة أعنى العمومات والاطلاقات

[ 187 ]

الدالة على صحة المعاملة كقوله تعالى أوفوا بالعقود وأحل الله البيع وغيرهما فلا شبهة في صحة المعاملة مع موت الاصيل أو المجيز مطلقا على القول بالكشف وعلى القول بالنقل وذلك أما على القول بالكشف فواضح لان العقد قد تم من جيمع الجهات إلا من ناحية أجازة من كان العقد من قبله فضوليا فإذا حصلت الاجازة فلا معنى للحكم بالبطلان لصحة العقد من جيمع الجهات وعدم نقصانه من جهة. والسر في ذلك أنه قد تقدم مرارا أن قوام المعاملة بالمبادلة بين المالين ولا خصوصية للمالك بوجه بحيث يكون هذا الشخص أو ذلك الشخص فحيث أن المبادلة والملكية قد حصلت بالعقد فلم يبق في البين إلا الاجازة من المجيز فبها يتم جميع جهات المعاملة غاية الامر أنه إلى زمان موت الاصيل كان المالك للثمن أو المثمن هو وبعد موته يكون المالك وارثه ويقومون مقامه لكن فضولة وتبديل المالك لا يضر بصحة المعاملة بوجه وكك أنقلابه الفضولية لا يضر بالمطلب ولزوم كون البايع حال البيع مالكا بالمبيع غير لازم وإن تقدم الالتزام به من التسترى إلا أنه بلا مدرك لامكانه في المالك المتجدد بالارث ونحوه وأما على النقل فالعقد قد وقع من المتعاقدين ويبقى إلى زمان الاجازة معلقا في الهواء حتى يجيزه المجيز فإذا أجاز يستند إليه العقد وموت الاصيل أو غيره من أحد طرفي العقد لا يضر بالعقد - الواقع فان الشئ لا ينقلب عما هو عليه إذن فتشمله العمومات والمطلقات وبعبارة أخرى: أن العقد بعد وقوعه فضولا مستجمعا لشرائط الصحة غير جهة الاجازة ليستند إلى المجيز وتشمله العمومات فلا

[ 188 ]

يخرج عن الجهة التى وقع عليها كما هو بديهى الوضوح. نعم لو كان الميت هو الاصيل لصار العقد من قبل وراثه أيضا فضوليا فتتوقف صحته على أجازتهم أيضا كتوقفها على أجازة المجيز الآخر. وبالجملة لا نعرف وجها صحيحا لدفع العمومات أو المطلقات عن شمولها لهذه المعاملة. غاية الامر أنه على الكشف ينتقل المال بموت الاصيل إلى الورثة من حين الموت فيكون العقد فضوليا من قبله أيضا وعلى القول بالنقل فالعقد يكون مراعى فيكون طرف العقد هو الوارث فضولة و بأجازته ينتقل المال عنه وينسب العقد إليه فلا يكون هذه الثمرة ثمرة البحث فإنه على القول بالنقل والكشف مقتضى العمومات و الاطلاقات صحة العقد وإن لم تكن الادلة الخاصة للفضولي جارية هنا لعدم أطلاقها أو عمومها. الثمرة الثانية أن يعرض الكفر على أحدهما أو كلاهما سواء كان كلاهما فضوليا أو أحدهما فضوليا والاخر أصيل حيث ذكر الشيخ الكبير ظهور الثمرة هنا بين القول بالكشف أو النقل. وتحقيق ذلك أن الكلام هنا تارة يقع فيما يكون المبيع عينا شخصيا وأخرى يكون كليا في الذمة فعلى الاول فالكلام فيه بعينه هو الكلام في الفرع الاول فإنه على القول بالكشف ينتقل الثمن أو المثمن إلى الوارث بمجرد أرتداد أحدهما ينتقل العين الشخصية إلى الوارث فيكون ذلك الوارث طرفا للعقد فضولة فيتوقف صحة العقد على أجازته أيضا وعلى القول بالنقل فينتقل المال أيضا إلى

[ 189 ]

الوارث مع كون العقد مراعى إلى زمان الاجازة فإن أجاز يقع وإلا فلا على النحو الذى تقدم. وعلى الثاني فلا بد وأن يفرض الكلام في كون المبيع مسلما أو مصحفا فإنه على فرض كونه غير المسلم والمصفح لا يظهر ثمرة بين القولين إذ المرتد الفطري يملك على الاقوى وإن كان ينتقل أمواله الموجودة بالارتداد إلى الورثة وتبين عنه الزوجة ولا يسقط عنه القتل ولكن كل ذلك لا يوجب عدم قابليته للتملك بالنسبة إلى الاموال التى حصلها بعد الارتداد بالحيازة أو بالكسب بعمله أو بالمعاملة على الذمة أو ببذل شخص آخر وغير ذلك فإنه لا دليل لنا يدل على سقوط المرتد الفطري عن قابلية التملك بالكلية بواسطة أرتداده وإنما - الدليل دل على ثبوت الامور المذكورة. وتوهم أن تملكه غير معقول فإن أمواله الموجودة تنتقل إلى الورثة وبالنسبة إلى الاموال التى تحصل بعد ذلك ينعدم الموضوع بالقتل. ولكنه فاسد فإنه نفرض الكلام فيما لم يكن مقتولا أما لفراره عن الحاكم أو لعدم بسط يد الحاكم عليه أو غير ذلك كما هو واضح. إذا عرفت ذلك فنقول إذا كان المبيع في البيع الفضولي مسلما أو مصحفا ثم أرتد أحدهما أي الاصيل أو الفضولي فتظهر الثمرة حينئذ بين القول بالكشف وبين القول بالنقل فإنه على الاول فيحكم بكون الكافر مالكا لهما فإن الفرض أن الملكية قد حصلت من زمان العقد فحين الارتداد كان مالكا لهما. وأما على الثاني فلا لانه كان مراعى إلى زمان الاجازة و -

[ 190 ]

بالاجازة كانت الملكية حاصلة والفرض أن المشترى الاصيل مثلا أرتد وسقط عن قابلية تملك المسلم أو القرآن فيحكم ببطلان المعاملة كما هو واضح. وتوضيح الكلام بعبارة أخرى أن يقال أنه لا فرق بين موت أحد المالكين أو كلاهما وبين وأرتداده إلا من بعض الجهات فإن الارتداد الفطري أيضا موت شرعى وبيان ذلك أنه لو كان المبيع أو الثمن مالا شخصيا فكما أنه بموت الاصيل ينتقل إلى الورثة فتكون الورثة طرفا للمعاملة وهكذا في فرض الارتداد ولا يفرق في ذلك بين القول بالكشف أو الرد كما تقدم غاية الامر يكون العقد بالنسبة إلى الورثة أيضا فضولية وأما لو كان دينا في الذمة فعلى القول بالكشف فأيضا يحكم بالصحة بالاجازة ويلزم الورثة بأعطاء الثمن أو المثمن إذ التوريث بعد أخراج الوصية والديون ومن بعد وصية يوصى بها أو دين وعلى هذا أيضا لا يفرق بين الموت والارتداد الفطري وأما على القول بالنقل فلا يمكن الحكم بالصحة أيضا مطلقا فإن العقد كان مراعا إلى زمان الاجازة وزمان الاجازة هو زمان النقل والانتقال والفرض أن المرتد والميت في ذلك الزمان غير قابلين للتملك للارتداد والموت في الميت مطلقا وفى المرتد إذا كان المبيع مسلما أو مصحفا بناء على شمول نفى السبيل في الآية بتملك الكافر المسلم أو مطلقا إذا قلنا بعدم مالكية المرتد وكونه قابلا لذلك وهنا أيضا لا يفرق بين الموت والارتداد فإن عدم قابلية التملك مشترك بينهما وأما إذا قلنا بالكشف وكان الثمن العمل لجواز جعله ثمنا في البيع كما تقدم فيظهر الثمرة حينئذ بين المرتد والموت حيث أنه في صورة الموت قد حكمنا بأنتقال

[ 191 ]

الثمن إلى الورثة في العين الشخصي وبلزوم أدائهم في الدين و أما في صورة كونه عملا يبطل العقد في صورة الموت لعدم أمكان دفعه منه إلا على أحتمال أنتقاله إلى القيمة وأما هنا فلا يبطل فإن المرتد غير قابل للتملك لا أنه غير قابل بأعطاء ما ملكه للاخر من العمل مع أمكانه كما لا يخفى. الثمرة الثالثة ما أنسلخت قابلية المنقول بتلف ونحوه كما إذا كان المبيع خلا ثم صار خمرا. وهذا يتصور على نحوين الاول أن يكون ذلك قبل القبض بأن باع الفضولي دار زيد فضولة وقبل أقباضها الدار قد خرجت وأنهدمت وخرجت عن أستمرار القابلية للتملك فيحكم حينئذ ببطلان العقد على القول بالكشف والنقل فإن تلف أحد العوضين قبل القبض يوجب بطلان العقد وهذا معنى أن التلف قبل القبض من مال مالكه كما سيأتي أي ينفسخ العقد بذلك لا أن المالك يجبر بدفع الغرامة كما لا يخفى إذن فلا معنى للتكلم في الثمرة فإنه مع البطلان لا تصل التوبة إلى ذلك بل الامر كك حتى على تقدير كون طرفي العقد - أصيلين فإن البطلان مستند إلى حهة تلف أحد العوضين قبل القبض والبطلان من هذه الجهة غير مربوط بجهة أخرى. الثاني أن يكون التلف بعد القبض كما إذا كان المبيع قبل البيع تحت يد المشترى بالايجار ونحوه وتلف بعد البيع أو كان أمواله تحت يد الوكيل في غير جهة البيع فباعها شخص آخر من الوكيل فضولة ثم تلف المبيع قبل الاجازة فإنه حينئذ لا شبهة في ظهور الثمرة بين القولين فانه على القول بالكشف يكون التلف من الذى

[ 192 ]

أنتقل إليه المال فبالاجازة يكشف تلفه منه. وأما على القول بالنقل فيحكم بالبطلان فإنه زمان العقد لم يحصل النقل على الفرض وفى زمان الاجازة قد أنعدم المال فلا يكون المعدوم قابلا للانتقال إلى المنقول إليه بالاجازة كما لا يصح ذلك أبتداء. ومن هنا ظهر أن ما أشكل به شيخنا الاستاذ وغيره من رد هذه الثمرة على أطلاقه غير تمام إذ عرفت الفرق بين كون التلف قبل القبض أو بعده ولعل نظر هؤلاء الاعاظم إلى صورة كون التلف قبل القبض ولكنه غير مختص بالمعاملة الفضولية كما عرفت. قوله (أو عروض نجاسة له مع ميعانه). أقول: نحتمل أن هذا صدر من سهو القلم فإنه بناء على ما نعية النجاسة وتسرية مانعيتها إلى المتنجس أيضا فهى إنما تمنع عن التمليك والبيع ولا يوجب سقوط المتنجس الغير القابل للتطهر كالدهن ونحوه عن الملكية فإن كلامنا في سقوط المنقول عن قابلية الملكية عن قابلية التمليك والبيع ومن هنا لا يوجب التنجس سقوط المتنجس عن الملكية ولذا يضمنه المتلف نعم يقع ذلك لو كان خلا و صار خمرا نعم لو كان مراده من ذلك تعميم سقوط القابلية إلى الشروط بالمثال بأن كان مراده أنه تارة يكون المنقول عنه أو المنقول إليه ساقطا عن قابلية التملك كما تقدم وأخرى يكون المنقول عنه خارجا عن تلك القابلية كما إذا تلف أو كان خلا وصار خمرا. وثالثة تسقط عن قابلية أستيفاء المنقول بالشروط فإنه بناء على مانعية النجاسة عن التمليك والبيع فيكون المبيع بعروض النجاسة

[ 193 ]

الغير القابلة للتطهر خارجا عن تلك القابلية أي قابلية التمليك و التملك بالبيع والشرى وعلى هذا فلا يرد عليه شئ. ثم أن هنا كلاما لصاحب الجواهر كما عرفت حيث أنه أعتبر بقاء القابلية لكل من المنقول عنه والمنقول إليه والمنقول وحكم ببطلان العقد بخروج واحد منها عن القابلية وبعدم أستمرارها إلى زمان الاجازة لكونها على خلاف مقتضى أدلة صحة الفضولي فإن المتيقن منها صورة بقاء قابلية تلك الامور وأستمرارها إلى زمان الاجازة كما هو واضح وقد أجبنا عن ذلك بإنه إن كان نظره في أخذ المتيقن إلى الادلة الخاصة لصحة الفضولي فهو كما (كما هو كك) أفاده فإنه ليس لها أطلاق يؤخذ به ويحكم بمقتضاه إنما سرى وإن كان نظره إلى العمومات والاطلاقات الدالة على صحة الفضولي فهو ممنوع إذ لا وجه لمنع تلك الاطلاقات بوجه وقد أجاب عنه شيخنا الانصاري بوجوه الاول بالنقض بالعقود المتتابعة وفيه ما تقدم من أن الناقل فيها الاجازة وتفصيله في تقرير بحث شيخنا الاستاذ. الثاني بالروايات الظاهرة في ذلك وقد قلنا أن المراد منها روايات التجارة بمال المضاربة ومال اليتيم حيث لم يستفصل فيها بين موت المالك وحياته مع العادة جرت بموت المالك في مدة طويلة غاب عنه العامل. وفيه: أن تلك الروايات وإن كانت ظاهرة في ذلك وظهورها فيما أفاده مما لا ينكر إلا أنها لم تتم دلالتها على المقصد وليس فيها ما يستفاد منها صحة بيع الفضولي. الثالث أشكل عليه بصراحة بعض الروايات الاخرى في ذلك و

[ 194 ]

أنه لا فرق في صحة البيع الفضولي بين موت أحد طرفي المعاملة من المالكين وعدمه. وفيه: لم نجد في الروايات المتقدمة ما يكون صريحا في ذلك إلا رواية على بن أشيم المتضمنة لشراء العبد المأذون في التجارة و عتقه وأرساله الحج مع موت المالك قبل أجازة مالك العبد فعل عبده إلا أنها غير مربوط بالمقام حيث أن المشترى إنما كان هو - الوكيل من قبل المالك ولم يكن فضوليا حتى يكون دليلا على المقام ومن هنا منعنا دلالتها على صحة المعاملة الفضولية. الرابع بما يدل على صحة نكاح الصغيرين مع موت الآخر حيث يرث الحى من الميت مع الحلف كما تقدم وحيث أن الزوجين في النكاح بمنزلة المالين في البيع في الركنية فإذا صح العقد فيما يكون من أهم الامور أعنى النكاح فإنه من الاعراض والفروج وأهميتها عند الشارع معلوم فيكون غير الاهم صحيحا بطريق أولى فيكون الاستدلال بالفحوى وفيه على تقدير صحة الاستدلال بها فيما تقدم على صحة المعاملة الفضولية بالفحوى والاولوية بدعوى أنه إذا قلنا بصحة - الفضولية فيما فيه وطى مع كونه من أهم الامور وفيما ليس من الفروج نحكم بالصحة بالاولوية وأغمضنا النظر عما قلناه من منع الاستدلال بذلك. إلا أنه لا يمكن التمسك بها في المقام حيث أن الرواية تعرضت في صورة موت أحد الزوجين بقضية الارث وليس فيه وطى حتى يتوهم صحة غير النكاح بفحوى ذلك بل هو أيضا من قبيل الاموال إذن فلا يمكن التعدي منها إلى غير موردها بالفحوى كما هو واضح بل ليس

[ 195 ]

التعدي إلا قياسا ونحن لا نقول بذلك مضافا إلى منع دلالتها بصحة المعاملة الفضولية في غير مورد النكاح بالفحوى كما تقدم. الخامس أنه قد أستدل على عدم أشتراط القابلية في المنقول برواية عروة البارقى حيث أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستفصل بين موت الشاة وبقائها عند الاجازة بل أجاز البيع بقوله بارك الله في صفقة يمينك. وفيه: أن عدم الاستفصال لاجل الاطمينان ببقاء الشاة و عدم موتها. وثانيا وجود الاستصحاب هنا الحاكم على بقاء الشاة وأما ذبحها فمع العلم بها لا يضر أيضا فإن الذبح لا يخرج الشاة عن المالية وعن أستمرار تلك القابلية غاية الامر كانت المالية قبل الذبح قائمة بالشاة وبالذبح كانت قائمة باللحم كما هو واضح. وكلامنا فيما يكون المنقول خارجا عن تلك القابلية المالية. ثم أنه يقع الكلام في عكس تلك الفروض المتقدمة بأن كان العاقد أو العوضين أو المالكين غير قابلين في حال العقد للعاقدية والمالكية والعوضية فصار قابلا بعد العقد وقبل الاجازة وقد حكم الشيخ ره بالبطلان في جميع الصور مطلقا ولكن الظاهر أن نفصل في الشروط وتوضيح ذلك أن الشرط تارة يكون شرطا للعاقد كما إذا أعتبرنا كونه بالغا وحكمنا ببطلان عقد الصبى وعممنا قوله عليه السلام عمد الصبى خطا إلى ذلك أيضا فيكون عقد الصبى باطلا ولا ينعقد من الاول فإنه يشترط في تحققه وصدوره حين الصدور أن يصدر من البالغ وعلى هذا فلو صدر العقد من الصبى ثم صار بالغا لا يمكن الحكم بصحة مثل

[ 196 ]

هذا العقد فإنه كان حيث صدوره باطلا لفقدانه للشرائط ثم صار واجدا لها فوجدانها بعد تحققه باطلا لا ينقلب (يقلب) الباطل إلى الصحيح فإن الشئ لا ينقلب عما هو عليه. وأخرى يكون الشرط شرطا لنفس العقد وذاته كعدم كون العقد غرريا حيث أنه شرط لنفس العقد وذاته مشروط بأن لا يكون فيه غرر من الاول وإلا فيبطل من الاول ولا يتحقق صحيحا وعلى هذا لو تحقق العقد حين وقوعه غرريا ثم أرتفع الغرر قبل الاجازة فلا يمكن الحكم بذلك أيضا بصحة العقد المتحقق حين وقوعه غرريا لما تقدم من أن وجدان الشرائط بعد تحققه باطلا للفقدان لا يقلب الباطل إلى الصحة والشئ لا ينقلب عما هو عليه ولا يفرق في ذلك أيضا بين النقل والكشف. وثالثة يكون الشرط راجعا إلى المال وهذا على قسمين فإنه تارة يكون أنعدامه موجبا لانعدام المالية وأخرى لا يكون أما الاول كأشتراط عدم كون المبيع خمرا أو أشتراط وجود الثمرة وبدو صلاحها في بيع الا ثمار فإنه يلزم من أنتفائهما أنتفاء المالية مثلا لو باع خمرا من شخص فضولة وأنقلب الخمر إلى الخل بين زماني العقد والاجازة فانتفاء ذلك الشرط حين العقد يوجب بطلانه على النقل والكشف فإن في الزمان الذى وقع عليه العقد لم يكن مالا وقابلا للبيع أما لاعتبار المالية وأما للنص وفى الزمان الذى كان مالا وواجدا لان يكون مبيعا لم يقع عليه العقد. وبعبارة أخرى: أن العقد وقع عليه في الزمان الذى الغى الشارع ماليته وقابلية كونه مبيعا وبطلان العقد عليه حين صدوره بمقتضى

[ 197 ]

ثمن الخمر سحت وما يكون حين صدور البيع ووقوع العقد عليه غير قابل لذلك بل أوجب بطلان العقد الواقع عليه ثم صار قابلا لذلك لا يوجب صحة العقد فإنه حين زمان صدور العقد أوجب بطلانه وفى زمان لا يوجب بطلان العقد لم يقع عليه عقد. وهكذا الكلام في بيع الثمرة قبل الظهور والانعقاد فإنه أيضا لو باعه أحد من شخص فضولة حين كونه زهرة ثم صار ثمرة لا يكون ذلك البيع صحيحا أما لاعتبار المالية أو للنص فإنه حينما وقع عليه - العقد لم يكن مالا وقابلا لان يقع عليه العقد بل كان يوجب بطلانه وحين كونه قابلا وغير موجب لبطلان العقد عليه لم يقع عليه عقد كما هو واضح وهكذا الكلام في جميع الموارد التى يكون الشرط من هذا القبيل ولا يفرق في ذلك كله بين القول بالنقل والكشف بل الامر كك لو وقع العقد عليه من الاصيلين والفضولي لا يزيد على الاصيل. وأما الثاني فهو ما يرجع الشرط إلى المال مع الحفاظ المالية في صورتي الفقدان والوجدان وكونه الشرط راجعا إلى جهة الاوصاف الكمالية دون ما يقوم بها المالية وهذا كالمثال المتقدم من المايع المتنجس فإذا وقع على المايع الطاهر عقد فضولا وبين العقد والاجازة عرضت له النجاسة فإنه بناء على مانعية النجاسة عن البيع بمقتضى رواية تحف العقول أو شئ من وجوه النجس أو أشتراط الطهارة في المبيع لا يكون هذا المايع الذى وقع عليه العقد واجدا لشرائط البيع وإذا طهر قبل الاجازة فالظاهر هو صحته على القول بالنقل إذ حين وقوع العقد على هذا المال كان مالا وغير ذلك المال مما وقع عليه

[ 198 ]

الاجازة غاية الامر كان حين العقد فاقدا للشرط وحين الاجازة واجد له ولكن المالية مالية وحدانية محفوظة في ذلك المال من البدو إلى زمان الاجازة ولم يرده الشارع ولا العرف ما وقع عليه العقد مغائرا لما وقع عليه الاجازة وهذا بخلاف مثل الخمر فإن ما وقع عليه العقد مغائر لما يرد عليه الامضاء في نظر الشارع بل في نظر العرف في بعض الموارد وما وقع عليه العقد ليس بمال في نظر الشارع وما يرد عليه الاذن مال في نظره فكيف يتحدان ويحكم بالصحة وهكذا العين الموقوفة لاشخاص خاصة فإنه لا يجوز بيعها إلا في الموارد - المخصوصة فإذا باعها شخص فضولة ثم عرض لها ما يجوز بيعها كالخلف بين إربابها فإنه لا مانع من الحكم بصحة مثل هذا البيع لعدم ما يوجب بطلانه وأن ما وقع عليه العقد غير ما وقع عليه الامضاء غاية الامر كان حين وقوع العقد عليه فاقدا لشرط من شرائط البيع وحين الامضاء واجد لذلك وهكذا الكلام في بيع أم الولد ثم مات ولده. والوجه في صحة العقد في أمثال ذلك أن العقد قد تحقق وأستند إلى من له العقد بالاجازة فيشمله دليل صحة البيع عموما وأطلاقا. لا يقال أنه حين وقوع العقد على أمثال ذلك كان البيع فاقدا لذلك الشرط فيكون باطلا وما يكون موجودا عند الاجازة لا يوجب أنقلاب الفاسد إلى الصحيح كما تقدم في الشروط الراجعة إلى العاقد ونفس العقد وما يكون به المالية كما لا يخفى. فإنه يقال كلامنا على طريقة النقل أخ لا يصدق البيع على ذلك العقد إلا حين الاجازة فإنه زمان النقل والانتقال وفى ذلك الوقت

[ 199 ]

فالعقد واجد لجميع الشرائط. وأوضح من جميع ذلك ما يكون الشرط راجعا إلى المالكين كما إذا باع العبد المسلم أو المصحف من الكافر فضولة ثم أسلم الكافر بل صار بعد ذلك من الزهاد قبل أن يتحقق الاجازة فإنه لا وجه حينئذ للحكم ببطلان العقد. والسر فيه ما كررناه مرارا من أن حقيقة البيع هو التبديل بين المالين وخصوصية المالك ملغاة في ذلك بل اللازم وجود طبيعي المالك وهو أيضا لا من جهة الموضوعية بل يكون مقدمة للتبديل بين المالين وقنطرة لذلك فإن التبديل في جهة الاضافة أي الاضافة الملكية لا يكون إلا في ملك مالك بل الامر كك حتى على القول بالكشف فإنه سيأتي من المصنف أن معنى الكشف ليس كشف حصول الملكية ونحوها من زمان العقد بالاجازة المتأخرة بل معناه هو الكشف عن تحقق النقل قبل زمان الاجازة ولو كان بعد تحقق العقد وعلى ذلك فلا مانع من الالتزام بالصحة في تلك الموارد على القول بالكشف أيضا فإن بالاجازة نكشف عن تحقق الملكية في بيع الوقف والمايع المتنجس وبيع العبد المسلم من الكافر من زمان تحقق النزاع بين أرباب الوقف وعروض الطهارة للمايع وإسلام المشترى الكافر فتشمل العمومات والاطلاقات على ذلك وإن لم تشمل عليها الادلة الخاصة لعدم أطلاقها في صورتي تجدد الشروط بعد العقد ووجودها بعد العقد. وبالجملة لا مانع من التمسك بالعمومات في تلك الموارد أذن فحكم المصنف بالفساد مطلقا في صورة تجدد الشرط بعد العقد وقبل

[ 200 ]

الاجازة بلا وجه نعم الادلة الخاصة للفضولي لا تجرى في المقام فإنه ليس فيها تعرض لصورة تجدد الشروط بعد العقد وقبل الاجازة ولا أن في مورد أحد هذه الادلة ذلك المعنى موجود إذن فلا أطلاق لها نتمسك به هذا. وقوله وربما يقال بظهور الثمرة في تعلق الخيارات. أقول: أما ظهور الثمرة بين القول بالكشف أو النقل في خيار الحيوان فالظاهر أنه لا أشكال فيه فأنه على القول بالكشف فيكون الخيار للمشترى من الاول وعلى النقل من حين الاجازة فإنه يصدق من حين العقد على الكشف أن المشترى صاحب الحيوان فيشمله قوله عليه السلام (صاحب الحيوان المشترى أو المشترى بالخيار إلى ثلثة أيام). وأما خيار العيب فالظاهر أيضا أنه على الكشف يثبت من الاول وعلى النقل من حين الاجازة فإن دليل ثبوته سواء كان هو الشرط في ضمن العقد أو غير ذلك شامل عليه من الاول على الكشف تمامية المعاملة على الفرض وإن وقف على الاجازة بخلافه على النقل فإن الفرض أنه لم يحصل النقل والانتقال حتى يشترط في ضمنه الخيار ويكون للمشترى أو للبايع خيار الحيوان ونتيجة ثبوت الخيار له من الاول أنه لو فسخ بالخيار لا بالرد يكون النماءات قبل الفسخ له لان الفسخ رفع الامر الثابت وقطعه بخلاف الرد فإنه دفع ومانع عن تحققه من الاول وأما خيار المجلس فأحتمل شيخنا الاستاد عدم ثبوته على النقل والكشف ولا نعرف له وجها صحيحا والذى ينبغى أن يقال أنه إنما يثبت على النقل والكشف مطلقا أما على الكشف فمن حين

[ 201 ]

العقد لصدق البيع على طرفي العقد سواء كان كلاهما فضوليا أو أحدهما أصيلا والآخر فضوليا لفرض تمامية المعاملة من جيمع الجهات إلا من ناحية الرضا فهو يحصل بعد ذلك على الفرض فعدمه عند العقد لا يمنع عن صدق عنوان البيع وأما على النقل فمن حين الاجازة فأن الفضوليين ليسا إلا مجرد العقد فلا يصدق عليها البيع ليتوهم ثبوت الخيار لهما وأما المالكين فالفرض أن الملكية إنما تحصل لهما بعد الاجازة وقبلها لم يحصل النقل والانتقال فلا بد وإن يثبت من حين الاجازة لان زمانها زمان أنتساب العقد اليهما وصدق البيع عليهما كما هو واضح فيكون المناط أفتراقهما عن مجلس الاجازة ولو كان بعيدا غايته فينجز أن العقد بالتلفون مثلا فإن لفظ المجلس لم يرد في رواية ليؤخذ بمفهومه وأما حق الشفعة فهو ثابت لاحد الشركين من جهة دفع الضرر ما إذا باع أحد حصة أحد الشركين للاجنبي فضولة ثم باع الشريك الاخر حصته من شخص آخر أصالة فعلى القول بالكشف فحيث أن المشترى الاول ملك العين قبل المشترى الثاني فيثبت حق الشفعة له ويأخذ الحصة الاخر من المشترى الثاني بالشفعة وأما القول بالنقل فحق الشفعة للمشترى الثاني إذ الاجازة بعد البيع الثاني والفرض أن زمان تحقق البيع والمعاملة واستنادهما إلى المالك وعند حصول النقل والانتقال هو زمان ثبوت حق الشفعة فهو مسبوق بحق الشفعة للمشترى الثاني وربما يقال بظهور الثمرة في صورة تعاقب الايدى وسيأتى تعرض المصنف بذلك تفصيلا و نتعرض به نحن أيضا. وأما ظهور الثمرة في تعلق النذور والاخماس والزكوات عليه

[ 202 ]

فالظاهر أن يفصل بينها لانها إن كانت متعلقة بالملك من حيث هو ملك مع قطع النظر عن الجهات الخارجية كالنذر والحلف والخمس ونحو ذلك فلا إشكال في ثبوتها من الاول وتعلقها عليه على القول بالكشف دون النقل وإن كان مما يتعلق بالملك مع لحاظ جهة أخرى كالزكوات حيث أنها تعلقت بالملك مع لحاظ جواز التصرف في المال وإلا فلا يتعلق عليه إذن لا تجب الزكوة على القول بالكشف لا على البايع ولا على المشترى أما البايع فلانه قد خرج المال عن ملكه قبل تعلق الزكوة عليه فما ليس ملكه لا يجب فيه الزكوة وأما المشترى فلانه وإن كان المال ملكا له ولكنه لا يجوز له التصرف قبل الاجازة وشرط تعلق الزكوات جواز التصرف في المال. وأما على القول بالنقل يتعلق الزكوة على المالك ليس إلا كما هو واضح. قوله (ره) وينبغى التنبيه على أمور. أقول: الاول أن النزاع في باب الفضولي في أن الاجازة كاشفة أو ناقلة ليس من جهة أخذ ذلك في مفهوم الاجازة لغة أو عرفا أو أنصرافا بل من جهة الحكم الشرعي حيث أن القائل بالكشف إنما يدعى أستناد العقد إلى المالك المجيز من حين العقد بواسطة الاجازة فإن ما يسنده إلى نفسه ذلك العقد فيقتضى ذلك أن يقال بالكشف. والقائل بالنقل يقول أن العقد مستند إلى المالك حين الاجازة فلا بد من القول بأنتقال الملك إليه أيضا في ذلك الوقت وهذان مختلفان في مقام الثبوت.

[ 203 ]

وأما في مقام الاثبات فلا بد من أثبات أن أوفوا بالعقود هل هو متكفل بوجوب الوفاء على العقد من الاول وإن كان الاستناد في زمان الاجازة أو بوجوب الوفاء من زمان الاجازة فقط وقد تقدم تفصيل ذلك فالمقصود هنا التنبيه على أن ذلك المعنى من ناحية الشرع. ثم أن المالك المجيز لو أجاز العقد على خلاف ما بنى عليه المفتى ومجتهده بأن بنى المقلد على الكشف فأمضى المالك من زمان النقل أو من الوسط أو كان المفتى بانيا على النقل فهو أجاز العقد من زمان العقد وعلى طريقة الكشف فهل يصح العقد حينئذ أو يفسد و على تقدير صحته فهل يقع من زمان الاجازة على النقل ومن حين العقد على الكشف أو يقع من زمان تعلق أجازته به والظاهر هو التفصيل بين القول بالكشف وبين القول بالنقل فعلى الاول فيحكم بالبطلان وعلى الثاني فلا وبيان ذلك أما وجه البطلان على الاول فالذي أستندنا إليه في أثبات الكشف هو أن مقتضى العمومات أستناد ذلك العقد الذى أوقعه الفضولي إلى المالك المجيز بالاجازة و - صيرورته عقدا له من حين صدوره وتحققه ولا قصور في أثبات ذلك في العمومات كما تقدم فإنه قلنا أن الاهمال في الواقع غير معقول فلا بد من الاطلاق أو التقييد ولا شبهة أن المنشاء بالعقد الفضولي هو الاطلاق أذن فلا وجه للالتزام بكونه ممضى من زمان الاجازة بل لا بد وإن يمضى على النحو الذى أنشائه المتعاقدان. وبالجملة حيث أن الظاهر من كون المنشأ بالعقد الفضولي مطلقا لعدم التقييد وعدم الاهمال في الواقعيات فبالاجازة يستند

[ 204 ]

ذلك العقد إلى نفس المالك المجيز بمقتضى العمومات والاطلاقات فيكون عقدا له. وعلى هذا المنهج فلو أجازه المجيز من الوسط أو من زمان الاجازة فلا يمكن تصحيح مثل ذلك العقد لان المنشأ عبارة عن - الملكية المطلقة ولم تقع عليه الاجازة وما وقعت عليه الاجازة لم تنشأ فيكون باطلا. وبعبارة أخرى: أن المنشأ بالعقد الفضولي واجد لجميع للشرائط التى تعتبر فيه إلا الرضا فلا بد من القول بصحته من أنضمام ذلك الرضا بذلك العقد المنشأ على النحو الذى قد أنشأت وإلا فيحكم ببطلانه. وأساس ذلك هو ما تقدم من لزوم المطابقة بين الايجاب والقبول فإن الاجازة وإن لم تكن قبولا حقيقة لتمامية العقد بالفضولية إيجابا وقبولا وإلا لكان باطلا للفصل الطويل بين الايجاب والقبول. إلا أن ملاك لزوم المطابقة بين الايجاب والقبول موجود هنا فإنه كما لو تخلف الايجاب عن القبول لكان العقد باطلا بإن تعلق الايجاب مثلا بالزوجية الدائمية وقبل الزوج الزوجية المنقطعة أو تعلق الايجاب ببيع الدار والقبول بملكية البستان أو تعلق الايجاب ببيع الدار والقبول باستيجارها فإن في جميع ذلك يحكم ببطلان العقد لتخلف الايجاب عن القبول وإن ما أنشأه المنشئ غير ما قبله القابل فبمقتضى القاعدة يكون العقد باطلا وكك الحال في قضية الاجازة، فإن روح العقد وقوام صحته بذلك والعقد إنما هو توجد بالايجاب والقبول على النحو الذى قد أنشأ بهما فلا بد في صحة ذلك من

[ 205 ]

سريان ذلك الروح إلى تمام المنشأ بحيث أفضى ذلك العقد المنشأ بذلك الرضا فلو تعلق بغير المنشأ فلا يمكن الحكم بصحة شئ منهما أما المنشاء بالفضولى فلفقدان الرضا لعدم تعلقه به على الفرض وأما ما تعلق به الرضا فلفقدان الانشاء لعدم كونه منشاء على الفرض و بالجملة ملاك لزوم التطابق بين الايجاب والقبول بعينه موجود هنا فلا بد من صحة العقد الفضولي على القول بالكشف من مطابقة الاجازة مع المنشأ كما هو واضح لا يخفى وأما على القول بالنقل فالظاهر هو الصحة مع مخالفة الاجازة عن ما بنى عليه المفتى بأن أجاز من حين العقد أو من الوسط نظير القول بالكشف وذلك نظير بيع شئ قبل سنة بحيث يكون نمائه من تلك السنة للمشترى فإن مثل ذلك لا يضر بالمطابقة فإن التخلف بين الايجاب والقبول ولو بمقدار لا يكون فصلا طويلا مما لا بد منه مع أن الايجاب هو إنشاء المنشأ من حين الايجاب والقبول بعد دقيقة أو دقيقتين فلم يحصل المطابقة بينهما ولكن مثل ذلك لا يضر بالمطلب قطعا للسيرة القطعية على عدم أضراره بالعقد. نعم فيكون أجازته هذا مع قصد شرعية هذا العقد تشريعا محرما ولغوا ومع عدم قصد شرعيته لغوا فقط كما يكون البيع قبل سنة أيضا لغوا لكونه على خلاف الارتكازات العرفية وعلى خلاف المتعارف فلا تشمله الادلة فلا يكون حراما فكيف كان فلا يضر بصحة العقد وشمول أدلة الصحة على ذلك. قوله الثاني: أنه يشترط في الاجازة أن يكون باللفظ الدال عليه على وجه الصراحة.

[ 206 ]

أقول: المحتملات هنا أربعة. الاول: أعتبار اللفظ الصريح في الاجازة فلا يكتفي بالكناية فضلا عن غير اللفظ. الثاني: الاكتفاء بكل لفظ دل على الرضا ولو بالكناية. الثالث: عدم الحاجة إلى اللفظ أيضا وكفاية الانشاء الفعلى نظير بيع المعاطاتى. الرابع: الغاء الانشاء قولا وفعلا والاكتفاء بمجرد الرضاء الباطني في طرف الاجازة وبالكراهة الباطنية في طرف الرد وربما يقال بأعتبار اللفظ الصريح في الامضاء لان الاستقراء والتفحص يدلنا على أعتبار اللفظ في الايجاب والقبول فمقتضى ذلك عدم كفاية غير اللفظ الصريح في الاجازة أيضا. وفيه على تقدير قبول تمامية الاستقراء فإنما هو في الايجاب و القبول فقط فلا يسرى بالاجازة حيث أن العقد قد تم وكون الاجازة مثل القبول في التطابق لا يقتضى كونها مثله من جميع الجهات و قد أستدل بعضهم على أعتبار اللفظ الصريح بأن الامضاء مثل البيع في أستقرار الملك وقد نسبه المصنف إلى المصادرة وهو كك. بل ظاهر رواية العروة البارقى كفاية الكناية في الاجازة ولو كان اللفظ الصريح لازما في البيع فأن قوله صلى الله عليه وآله بارك الله في صفقة يمينك من لوازم أمضاء العقد لا أنه بنفسه مصداق للاجازة أذن فيكفى في الامضاء مثل أحسنت ونحوه. أذن فلا دليل على أعتبار اللفظ الصريح في الاجازة والرد بل لا دليل على أعتبار اللفظ أصلا ويكفى فيه مطلق ما يوجب انشاء الاجازة

[ 207 ]

ويكون ممبرزا للرضا الباطني بحيث يحكم بأستناد العقد إليه عرفا بدليل الوفاء بالعقد ولو كان فعلا كتمكين الزوجة نفسها من الزوج و أعطاء المالك العين المبيعة للمشترى وهكذا وهكذا بل هذا هو المتعين فإنه لا شبهة في صدق الانشاء والابراز، والاظهار بكل ما يوجب ذلك من الفعل أو القول ولو كان بتحريك الراس وإذا صدق عليه انشاء الرضا الباطني عرفا وصدق عندهم أستناد العقد إلى المجيز فبمجرد ذلك تشمله العمومات والاطلاقات فيحكم بصحته ولزومه ومع هذا أي شئ يمنع عن نفوذ ذلك العقد وصحته كما هو واضح. وبالجملة لا مانع من صدق العمومات على ذلك العقد الفضولي إذا أنضم إلى المالك المجيز عرفا بأى نحو كان الانضمام فأن المناط في صحة العقد الفضولي ليس إلا أستناد العقد إليه ولا يعتبر شئ آخر ورائه كما لا يخفى. ثم أن العلامة الانصاري (ره) قرب الاحتمال الرابع وكفاية مطلق الرضا الباطني في الاجازة فلو علم ذلك ولو بغير مظهر ومبرز فيكفى في صحة العقد الفضولي وأستدل عليه بوجوه وقد تعرضنا لذلك في أول البيع الفضولي عند عدم أعتبار الرضا المقارن في أخراج العقد من الفضولية إلى غير الفضولية فحيث أكتفى المصنف بكفاية رضا المقارن في ذلك فأكتفي بكفاية رضى الباطني المتأخر في الامضاء أيضا. الاول مما أستدل به على مقصده لصحيحة محمد بن أسماعيل بن بزيع في امرئة زوجت نفسها من رجل في سكرها ثم أفاقت وعرض لها النكاح فأقامت معها مقام الزوجة فقال عليه السلام إذا أقامت معه بعد ما

[ 208 ]

أفاقت فهو رضى منها وجه الاستدلال بها هو حملها على صورة توكيل الغير في حال سكرها في التزويج بحمل ذلك التوكيل على الفضولية وإلا فلا أعتبار بعقد السكران لو كانت بنفسها مباشرة للعقد كما في حاشية السيد. وفيه: أن نفس الاقدام بذلك أجازة فعلية للعقد الفضولي فليست فيها دلالة بكفاية الرضا الباطني من دون كاشف ومبرز وإلا فلا مبرز له ومن أين علم ذلك. ومنها ما في بعض أخبار الخيارات ما أحدث فيه المشترى حدثا قبل ثلثة أيام فذلك رضا منه ولا شرط له وقيل له وما الحدث قال أن لامس أو قبل الخ. فأستدل بها بأن الظاهر من قوله فذلك رضا كفاية الرضا في الاجازة والامضاء وكون المناط في ذلك هو الرضا فقط. وفيه: أن ذلك أشارة إلى الحدث الذى هو من الافعال فيكون الخبر دالا على كفاية الرضاء المظهر بالمظهر لا بكفايته مجردا عن ذلك فلو لا كون ذلك الحدث مظهر للرضا فمن أين علم ذلك. ومنها الاخبار الواردة في تزويج العبد بدون أذن سيده حيث أن المانع من ذلك عصيان المولى فيرتفع برضاه والاخبار الاخر - الواردة في تزويج العبد بغير أذن سيده مع سكوت سيده فقد علل بإن سكوت سيده أقرار له بالعقد وغير ذلك من الاخبار الواردة في خصوص تزويج العبد بغير أذن سيده الظاهرة في صحتها مع رضا المولى وأن لم يظهره بمظهر فيعلم من ذلك كفاية الرضا الباطني في الامضاء حيث أن صحة عقد العبد أيضا متوقف على أجازة المولى

[ 209 ]

وفيه: مضافا إلى كون السكوت رضى فعليا لكونه من الافعال فيكون كاشفا عن الرضا فلا تكون تلك الروايات دالة على كفاية مجرد الرضا الباطني أنه تقدم أن تلك الاخبار خارجة عن العقد الفضولي فإن في العقد الفضولي أن الاجازة من المالك الذى ينسب العقد إليه ويستند إليه ويكون العقد عقده وهذا بخلاف عقد العبد بدون أذن سيده فأن طرف العقد ومن يستند إليه العقد هو نفس العبد والمولى خارج عن ذلك غاية الامر أن إجازته دخيلة في صحة العقد كأجازة العمة والخالة في صحة عقد بنت الاخ وبنت الاخت فلو دلت هذه الروايات على كفاية الرضا الباطني من المولى على عقد العبد فلا يكون مربوطا بما نحن فيه بوجه. نعم مع قطع النظر عن هذا الاشكال أن الاخبار الدالة على صحة عقد العبد بدون أذن سيده لاجل أنه عصى سيده ولن يعص الله لا بأس من دلالتها على كفاية الرضا لما ذكره الشيخ من أن عصيان السيد يرتفع بالرضا. وأما التمسك في ذلك بالايات من أوفوا بالعقود ونحوه فبديهي البطلان لان العمومات غير شاملة لعقد غير المالك إلا بعد الانتساب كما عرفت والانتساب لا يكون إلا بانشاء الاجازة وأظهار الرضا عرفت بمظهر فعلى أو قولى كما مر. وأما كلمات الفقهاء فأيضا بوجوه. الاول: أنه ذكر بعضهم أنه يكفى في أجازة البكر السكوت

[ 210 ]

فهذا يدل على كفاية مجرد الرضا الباطني لا أن الرضا ليس بشرط فيه. وفيه: قد عرفت من السكوت من جملة الافعال فيكون مبرزا فعليا للرضا وإلا فمن أين علم أن البكر راض بذلك العقد. الثاني أنه علل جماعة عدم كفاية السكوت في الاجازة بكونه أعم من الرضا فلا يدل عليه فالعدول عن التعليل من عدم اللفظ إلى عدم الدلالة كالصريح في كفاية الرضا الباطني وإلا كان حقه أن يقال السكوت لا يكفى في الاجازة لعدم اللفظ. وفيه: أنه صريح في ما ذكرنا لا في ما ذكره المصنف والعجب منه كيف غفل عن ذلك فإن قولهم أن السكوت أعم من الرضا صريح في أن السكوت تارة يدل على الرضا وأخرى لا يدل فأن الانسان تارة يسكت برضاية وأخرى يسكت بدون الرضاية وردهم كفاية السكوت من جهة عدم دلالة الاعم على الاخص كما هو قضية منطقية بديهية وهذا صريح في أن السكوت غير الرضا وإنما يدل عليه في بعض الاحيان كما هو واضح لا يخفى. الثالث أنه ذكر بعضهم أنه إذا أنكر الموكل الاذن فيما أوقعه الوكيل من المعاملة فحلف أنفسخت لان الحلف يدل على كراهتها وفيه: أن العقد تارة يكون خياريا وأخرى غير خياري فعلى الاول فقيامه على مقام الحلف وأنكار الوكالة يكون موجبا للفسخ كما هو معنى العقد الخيارى وعلى الثاني فبأنكار الاذن والوكالة يكون فضوليا فيكون أيضا قيامه مقام الحلف ردا فإنه أيضا من الافعال له و على أي حال يكون خارجا عن ما ذكره الشيخ ره وعلى تقدير دلالة

[ 211 ]

كلمات بعض العلماء على ذلك بل تصريحهم على ذلك فأيضا لا يدل هذا على كفاية مجرد الرضا الباطني في الامضاء فإنه لا دليل على حجية قولهم لنا وإنما هم أفتوا بذلك بحسب أجتهادهم وفهمهم ذلك من بعض الروايات أو صدق العمومات بمجرد الرضا وقد عرفت جوابها ثم أن بين ما ذكرنا وما ذكره المصنف ثمر بين حيث أنه على ما ذكره المصنف يكون البيع بمجرد كشف رضا المالك ممضى بخلافه على ما ذكرنا فإنه ما لم يبرز الرضا الباطني بمبرز لا يفيد لنا عن الاجازة. قوله (الثالث من شروط الاجازة أن لا يسبقها الرد). أقول: وقد أستدل المصنف على أشتراط الاجازة بعدم سبق الرد عليها بوجوه. الاول: قام الاجماع على ذلك. وفيه: أنه مضافا إلى منع حجية الاجماع المنقول أن تحققه ممنوع لانه لا أشعار به في كلمات القدماء والمتأخرين إلا في كلام الشهيد في القواعد ومع ذلك كيف يمكن دعوى الاجماع عليه. على أن الاجماع إنما يكون حجة إذا لم يكن له مدرك معلوم بل يكون مدركه قول المعصوم فيكون حجة من باب التعبد المحض ومدركه هنا الوجهان الآخران وسنذكرهما فلا أقل من أحتمال ذلك فإن حجيته مشروطة بالعلم بعدم أبتنائه على مدرك معلوم ويكفى منع ذلك أحتمال الابتناء بمدرك آخر. الوجه الثاني: أن الرد مما يوجب أنحلال العقد وأنعدامه إذ الرد الفاصل بين العقد والاجازة بمنزلة ما يتخلل بين الايجاب والقبول ويوجب خروجهما عن عنوان صدق العقد عليهما بيان ذلك

[ 212 ]

أن قوام العقد وتحققه في وعائه إنما هو بالتعاهد والتعاقد بين الموجب والقابل وأرتباط التزام كل منهما بألتزام الآخر ليحصل العقد. وبعبارة أخرى: ان من الامور الحاصلة بفعل الطرفين الموجب والقابل والايقاع عبارة عن فعل شخص واحد وقائم به فلو لم يكن بين الايجاب والقبول ربط وعقدة لانقلب إلى الايقاع. وعلى هذا فكما لو أنفصل بين الايجاب ما يوجب خروجهما عن أرتباط أحدهما بالآخر وأتصالهما بحيث يكون الايجاب أيجابا لهذا العقد والقبول قبولا لهذا وكك الرد فإن الاجازة في البيع الفضولي بمنزلة القبول. وفيه: أن كان المراد من تخلل ما يوجب خروج الايجاب و القبول عن عنوانهما أعراض الموجب عن إيجابه وفسخه ما انشائه من الايجاب فهو متين فإن الايجاب إنما يؤثر في الملكية إذا بقى على حاله ولم يعتريه ما يوجب زواله وإذن فلو رجع على أيجابه فلا يفيده بوجه وإن كان المراد من ذلك أعراض القابل عن ذلك ورده على الموجب وعدم قبوله أيجابه ثم ندم فله أن يقبل ذلك الايجاب فإن رد القابل على الموجب لا يخرج أيجابه عن التأثير ما لم يخرج عن الايجابية بواسطة الامور الاخر الموجبة لبطلانه ولا دليل على أنهدامه برد القابل. أذن فالمطلب ليس بتمام في المقيس عليه. وأما المقيس فلو سلمنا كون رد القابل كرد الموجب موجبا لبطلان الايجاب وعدم تأثيره في الملكية فلا نسلم ذلك في الاجازة للفرق الواضح بين القبول بالنسبة إلى الايجاب وبين الاجازة بالنسبة

[ 213 ]

إلى الايجاب والقبول فان العقد كما عرفت تماميته إنما هو بالايجاب والقبول ولو خلا عن أحدهما لا يتحقق العقد لعدم تحقق التعاهد والتعاقد فحيث أن الرد من ناحية الموجب أو من ناحية القابل أوجب رد الايجاب فما نعزل عن الايجابية فيبقى القبول منفردا فهو على وحدته لا يكون عقدا. وهذا بخلاف ما نحن فيه فأن العقد قد تم بالايجاب بتمامه ولم يبق في البين إلا رضاية المالك ليكون ذلك تجارة عن تراض ومنتسبا إلى المالك وحينئذ أن رد الاصيل ذلك العقد مع كون أحد طرفيه أصيلا ثم أجاز فقد تقدم الكلام في تأثيره وعدمه. وأن رد الفضولي ثم طرئه الرضا وأجاز فهل يوجب رده هذا خروج العقد عن قابلية لحوق الاجازة به أولا. الاظهر هو الثاني لان رده هذا لا يوجب أنحلال العقد ولا يضر بصدق عنوانه على ذلك وعن قابلية أنتسابه إلى المالك بالاجازة لعدم الدليل عليه كما قلنا بعدم تماميته في المقيس عليه مع كون الايجاب من أحد أطراف العقد وكيف في المقام حيث تم العقد و لم يبق إلا أنتسابه إلى المالك فرد الفضولي لا يخرجه عن قابلية الانتساب ولا دليل على تأثير رده في أنحلال العقد ولا مانع عن التمسك بالعمومات والمطلقات بعد الاجازة لصدق عنوان العقد على هذا وصدق أن العقد عقده فيجب الوفاء عليه. وبعبارة أخرى: إن دليل الوفاء بالعقد سيق بعنوان القضية الحقيقية فإنما تحقق العقد وصدق عليه عنوان العقد عرفا فيشمله ذلك الدليل فيحكم عليه بوجوب الوفاء وفى المقام حيث يصدق على

[ 214 ]

العقد الفضولي مع تخلل الرد من الفضولي بين العقد والاجازة إنه عقد عرفا فيشمله أوفوا بالعقود فيحكم عليه بوجوب الوفاء. الثالث: أن دليل السلطنة وهو يقتضى سلطنة المالك على ماله ومقتضى ذلك تأثير الرد في العقد وكونه موجبا لقطع علاقة الطرف الآخر عما أنتقل إليه. فإنه قد حصل بواسطة البيع الفضولي شأنية كونه للطرف الاخر في ذلك المال فلو لم يكن له أزالة تلك الشأنية للزم الخلف في دليل السلطنة وعدم كونه مسلطا على ماله فبمقتضى ذلك يكون مالكا على الرد ليزول ذلك السلطنة. وفيه أولا: إن دليل السلطنة نبويته مرسلة فلا تكون حجة لعدم أنجباره بشئ. وثانيا: أنه قد تقدم سابقا أن دليل السلطنة ليس مشرعا في مفاده وناظرا إلى الاحكام الشرعية بحيث لو شككنا في ترتب بعض الاحكام على الاملاك نتمسك بدليل السلطنة كما إذا شككنا أن لبس السنجاب جائز في الصلوة أو غير جائز فنمسك بدليل السلطنة أو أن أكل شئ فلاني جائز أولا فنمسك بذلك أو أن بيع الميتة ونحوها جائز أم لا فنمسك بدليل السلطنة وهكذا بل إنما نتمسك به بعد الفراع عن الحكم الشرعي من الجواز وعدمه والشك في أن للغير حق المنع عن ذلك كما في المهجور والمجنون والصبى والسفيه أولا وبمقتضى ذلك يحكم بعدم جوازه وأنه ليس للغير ذلك. وبالجملة أن مقتضى تسلط الناس على أموالهم عدم جواز مزاحمة الغير عن تصرفاته فيما له ذلك شرعا وثبت جوازه وكان مفروغا

[ 215 ]

عنه قبل شمول دليل السلطنة وإنما دليل السلطنة ناظرة فقط إلى منع الغير وحجبه عن ذلك التصرف الجائز. وبعبارة أخرى: أن موضوعه ثبوت الجواز قبله وبعد ثبوته وهو متكفل لمنع الموانع الخارجية دائما وليس له في أثبات أصل الجواز مانع بوجه أصلا وإلا يلزم أن يكون الناس مسلطا على أحكامهم بدليل السلطنة ويكون ذلك الدليل مشرعا. وثالثا: لو سلمنا كون دليل السلطنة مشرعا وناظرا إلى الاحكام أيضا ولكن لا يشمل المقام نقضا وحلا. أما النقض فلانه لو كان دليل السلطنة متكفلا لاثبات كون الرد مزيلا لقابلية كون المال للغير بأجازة المالك ومانعا عن بقاء علاقة الطرف الآخر فيه لكان مانعا من الحدوث وعن أصل أنعقاد بيع الفضولي صحيحا حيث أن ثبوت علاقة الغير في المبيع فضولا خلاف مقتضى سلطنة المالك فلو كان ذلك مانعا عن البقاء فأولى أن يكون مانعا عن الحدوث والحال أنه غير مانع من الحدوث فيعلم من ذلك أنه غير مانع عن البقاء أيضا فلا يوءثر رده في سقوط المبيع عن قابلية أنتقاله إلى الغير بالاجازة لو كانت تلك القابلية ثابتة بالبيع وأما الحل فبأن تلك القابلية في الاموال ثابت من الاول و قبل البيع الفضولي حيث أن لكل مالك له أن يبيع ماله من الغير برضايته وطيب نفسه ويجيز ذلك البيع من دون أن يثبت للطرف الآخر هنا حق وعلاقة غاية الامر ففى صورة بيع ذلك المالك فضولة تحقق أحد جزئي ذلك الموضوع المركب أعنى جواز البيع وكونه برضاية المالك وأجازته بفعل الفضولي أعنى العقد وبقى الجزء الآخر أعنى

[ 216 ]

الاجازة وذلك من الاحكام الشرعية للمالك في أموالهم وليس مربوطا بدليل السلطنة بل قبل ذلك الدليل وبدليل السلطنة هنا يمنع عن منع الغير من أيجاد ذلك الموضوع المركب أعنى البيع مع الرضاية والاجازة الذى من الاحكام الشرعية. وبعبارة أخرى: جواز البيع وأجازته من الاحكام الشرعية الثابتة للملاك مع قطع النظر عن دليل السلطنة سواء كان هناك دليل السلطنة أم لم يكن نعم في أجراء ذلك الحكم في البيع الفضولي لا نحتاج إلى العقد لتحققه بل إلى الاجازة فقط لتحقق الموضوع لانتقال المال إلى الغير. وأوضح من ذلك أن الفضولي لم يرد شيئا في ذلك المال الذى باعه لتنافى سلطنة المالك ويكون ذلك علاقه لطرف الاخر كما توهم وبنى عليه أساس الاستدلال حتى يدفع ذلك بدليل السلطنة ويقال أن يدفع ذلك فلو لم يؤثر للزم أن لا يكون الانسان مسلطا على ماله وإنما الفضولي قد أوجد موضوع الاجازة الذى عباره عن العقد بحيث كان قبل ذلك أختيار إيجاده وعدمه تحت يد المالك بأن يوجد الموضوع المركب من العقد والاجازة وكان ذلك ثابتا من الاول. ولكن إذا أوجد الفضولي أحد جزئي ذلك الموضوع المركب كان الجزء الآخر تحت أختيار المالك له أن يوجده وله أن لا يوجده. ولو كان دليل السلطنة متكفلا لاثبات جواز الرد للمالك الفضولي بحيث أن يبقى الرد موضوعا للاجازة للزم أن يكون نفسه معدوما لنفسه فإنه عرفت أن الفضولي لم يفعل شيئا ينافى سلطنة المالك -

[ 217 ]

حتى يدفع بدليل السلطنة بل أوجد موضوعا للاجازة فليس هنا للمالك المجيز إلا الاجازة وعدمه فالاجازة تثبيت وعدمها تحليل وإلا فالرد ليس له أثر وإن كان مشوبا بسوء الخلق وضيق النفس. وبعبارة أخرى: أحد جزئي موضوع المعاملة وعلى هذا لو ثبت بدليل السلطنة ما يمنع عن نفوذ أجازة المالك المجيز للزم أعدام نفوذ الاجازة بدليل السلطنة وهذا ما قلنا من اللازم. وببيان آخر أن المال حسب أنحفاظه تحت سلطنة مالكه في عمود الزمان لو أراد أحد التصرف فيه بغير إذن أهله يتوقف على إذنه ولو منع عن تصرفات مالكه بأنحاء التصرفات فيدفع ذلك بدليل السلطنة وأما لو لم يمنع عن تصرفات المالك بوجه ولا أنه تصرف فيه بغير أذنه بل فعل فعلا فيه من دون تصرف يكون فعله هذا موضوعا لفعل البايع في أيجاد غرض من الاغراض بحيث لو كان بنفسه مباشر الايجاد ذلك الغرض كان عليه أيجاد ما فعله الغير مع ما يحتاج صدوره عليه فحينئذ لا يكون دليل السلطنة دافعا لذلك بل فعله هذا مؤيد لذلك الدليل. ولو أريد أثبات الرد بدليل السلطنة فمعناه كما ذكرنا ليس إلا منع تأثير الاجازة وسد بابها مع أنها ثابتة بدليل السلطنة فيلزم من شموله أعدام نفسه بنفسه وهذا من الوضوح بمكان. ثم أن من العجائب قياس الاستاذ الرد بالاجازة بأنه كما ليس للمالك فسخ العقد بعد أجازته وكك ليس له أمضائه بعد رده. ووجه العجب أن الاجازة تثبيت العقد وتقريره في مقره بخلاف الرد فإن كونه موجبا للفسخ أول الكلام كما عرفت فالصحيحة الظاهرة

[ 218 ]

في صحة الاجازة بعد الرد فعلى مقتضى القاعدة وتكون مؤيدة لما ذكرنا مع قطع النظر عما تقدم من عدم تحقق الرد بذلك الاخذ. نعم لها أشعار إلى ذلك من جهة أحتمال عدم أرادة ذلك التوجيه الذى ذكرناه وكك لاوجه لقياس الرد بالفسخ من أنه كما لا يجوز الامضاء بعد الفسخ وكك لا يجوز الاجازة بعد الرد وذلك أن تأثير الفسخ في العقود الخيارية إنما ثبت بدليل شرعى وهذا بخلاف الرد فإنك قد عرفت عدم تأثيره في العقد الفضولي بوجه لعدم الدليل عليه بل ليس هنا إلا الاجازة وعدم الاجازة كما عرفت. ثم بقى هنا أمران: الاول: أنه قيل إن أثبات جواز الرد بدليل السلطنة يوجب تعارضه في مفهومه فإنه يوجب أثبات جواز الاجازة أيضا فيقع التعارض في مفهومه من حيث أثبات الرد وأثبات الاجازة لان أثبات كل منهما موجب لاسقاط الاخر. وفيه: أنه مع الاغماض عما ذكرناه من عدم شمول دليل السلطنة على الرد إن هذا توهم فاسد إذ ليس شمول دليل السلطنة على الرد في عرض شموله على الاجازة ليقع بينهما التعارض بل شموله على كل منهما في طول الاخر وبأيهما شمل أولا يوجب أعدام الآخر ولا يكون تعارض بوجه لان الشمول على نحو البدلية لا بعنوان المجموع من حيث المجموع كما توهم. الثاني: أنه ذكر شيخنا الانصاري بعد دعوى ظهور الصحيحة فيما ذكرنا اللهم إلا أن يقال أن الرد الفعلى كأخذ المبيع مثلا غير كاف بل لا بد من إنشاء الفسخ ودعوى أن الفسخ هنا ليس بأولى

[ 219 ]

من الفسخ في العقود اللازمة وقد صرحوا بحصوله بالفعل يدفعها أن الفعل الذى يحصل به الفسخ هو فعل لوازم ملك المبيع كالوطى والعتق ونحوهما لا مثل أخذ المبيع. وفيه: أنه لا شبهة في كون الفسخ بالفعل ككونه باللفظ إلا أن جعله الاخذ غير كاف في الفسخ لا وجه له بل هو كسائر الافعال في تحقق الفسخ به كيف فهل يجوز الالتزام بجواز أخذ مال الغير بدون إذنه فإنه لو قلنا بعدم تحقق الفسخ به للزم القول بجواز أخذ مال الغير بل هذا من أقوى ما به يتحقق الفسخ ولكن لا يمكن الالتزام بتحقق الرد بالاخذ في باب الفضولي وما توهم من الاولوية من أنه يكفى الفسخ به في باب العقود وفى الفضولي لا بد وإن يكون كافيا بالاولوية فبلا وجه بل المطلب على عكسه وذلك من جهة أن الفسخ وإن كان رفعا والرد دفعا إلا أن مجرد ذلك لا يوجب كون مئونة الدفع أقل من الرد حتى يثبت بالاولوية على الدفع كلما يكون ثابتا على الرد ولكن العقد بعد صدوره من الاصيل يكون مؤثرا في حصول الملكية للطرف الآخر ولو كان عقدا خياريا ويكون المبيع ملكا للمشترى فلا يجوز لاحد أن يتصرف فيه أو يأخذه ومع ذلك لو أخذه البايع مع كونه ذا خيار فيكون ذلك فسخا منه للعقد كما أنه لو لم يكن ذى خيار لكان أخذه هذا حراما لكونه تصرفا في مال الغير والسر في ذلك أن المال بما أنه مال للغير فيكون الاخذ ظاهرا في الفسخ مع كون الآخذ ذو خيار. وهذا بخلاف أخذ المالك المجيز فإنه ما لم يجز العقد كان له أن يتصرف في ماله كيف شاء لكون ذلك من شئون المالكية على

[ 220 ]

شئ إذن فأخذ المالك ما له لا يدل على الفسخ بل فسخ أم لم يفسخ كان له ذلك وإنما قلنا بتحقق الفسخ به في الاول من جهة عدم جواز أخذه لغير المالك ولغير الفاسخ ولذا قلنا أن ظهور الاخذ في الفسخ وأما في المقام فله ذلك فسخ أم لا فلا وجه للالتزام بتحقق الفسخ به هناك فضلا عن تحققه به هنا بطريق أولى. ومن جهة هذه النكته قلنا في صحيحة محمد بن قيس أن أخذه الوليدة لا يدل على الرد لتكون الرواية شاهدة على جواز الاجازة بعد الرد بل الاخذ على طبق القاعدة ومن جهة أخذ المالك مال نفسه وكون ذلك من شئون مالكيته فأفهم. قوله (الرابع الاجازة أثر من آثار سلطنة المالك على ماله) أقول: حاصل كلامه هنا أن ثبوت حق الاجازة للمالك المجيز وتأثيرها في العقد الفضولي من الاحكام الشرعية الثابتة للمالك وهو موضوع لها كجواز البيع والهبة والصلح ونحو ذلك للمالك فكما أن للمالك بيع ماله أبتداء مباشرة أو توكيلا فكك له أن يجيز ما وقع عليه فضولا. وبعبارة أخرى: أن من جملة الاحكام الشرعية المترتبة على المالك هو جواز بيع ماله وإجازة بيعه لو بيع فضولا وليس ذلك - الحكم مربوطا بباب الحقوق كالخيارات ونحوها لتوارث بناء على أنتقاله إلى الغير وهذا يتضح في ضمن وجهين. الاول أنهم ذكروا في باب الارث أن الزوجة لم ترث من العقار وإنما يرث من غيرها من كل ما تركه الميت من حق أو مال ومن كلما يجوز أنتقاله إلى الوارث.

[ 221 ]

وعلى هذا فلو باع الفضولي دار أحد فضولة ومات المالك قبل أجازته البيع فيكون المال منتقلا إلى الوارث فبناء على كون الاجازة من الاحكام فلكل من أنتقل إليه المال أجازة البيع بناء على جواز مغائرة المالك حال العقد وحال الاجازة بحيث يكون المالك حين حدوث البيع شخصا وحين الاجازة شخصا آخر وهذا ليس من جهة أرث الاجازة فإن الفرض أنه من الاحكام أو إذا قلنا بعدم أنتقال الحقوق إلى الوارث بالموت على تقدير كونها من الحقوق بل من جهة أنتقال موضوعها إلى الورثة أعنى المال فإن تلك الاجازة كانت قائمة بالمالك في ذلك المثمن أو الثمن فإذا تبدل المالك لذلك المال فينتقل الحكم أيضا لكونه قائما بذلك الموضوع فإنه ذكرنا أن لكل مالك أجازة بيع ماله لو بيع فضولا وأذن فليس للزوجة حق الاجازة لذلك البيع بل هو حق من أنتقل إليه المال والفرض أن العقار لا تنتقل إلى الزوجة. وإذا قلنا بكون الاجازة من الحقوق وقلنا بجواز أنتقاله إلى الورثة بموت ونحوه فيدخل ذلك تحت قوله عليه السلام ما تركه الميت فلوارثه إلا العقار ولا شبهة أن نفس حق الاجازة للعقد الفضولي ليس من العقار بل من غيرها التى ترثها الوارث زوجة كان أو غيرها. الوجه الثاني: أنه ذكر الفقهاء رضوان الله عليهم في باب الخيارات أنه ينتقل الخيار بموت ذى الخيار إلى الورثة فيكون الورثة ذى خيار. فأختلفوا في طريق أعمال الخيار منهم إذا تعددوا فبنى شيخنا الانصاري أنه ثابت لطبيعي الورثة فأى منهم أمضوا البيع فيكون

[ 222 ]

لازما وأى منهم فسخوا فينفسخ سواء أعمل الاخرون خيارهم أم لا وقال بعض آخر أنه ثابت للمجموع من حيث المجموع بحيث إن أمضائهم أو فسخهم لا تؤثر إلا إذا أجتمعوا في الفسخ أو في الامضاء وهو الذى بنينا عليه في محله وهنا أحتمال ثالث وهو أن يقال بالتقسيط وأنه أي منهم أجاز أو فسخ ينفسخ ويلزم بالنسبة إليه فقط لان لكل من الورثة حق وحصة في ذلك الخيار المنتقل من الورثة إليهم فيثبت له حقه ولكن هذا أحتمال ضعيف لا يعتنى به بل العمدة هنا الوجهان الاولان. ولكن ذلك لا يثبت في الاجازة حتى مع القول بأنتقالها إلى الورثة بنفسها كحق الخيار. وذلك لان الاجازة كما عرفت حكم شرعى تابع لموضوعه أعنى المالك فإن كان المالك مستقلا ولم يكن له شريك آخر فيكون مستقلا في الاجازة أيضا وإن كانوا متعددين فلا بد وأن يجيز كل منهما ليكون لازما وإلا فيكون لازما بالنسبة إلى المجيز فقط ليس إلا وهذا نظير ما إذا جمع الفضولي أموال أشخاص متعددين في بيع واحد فإنه هل يتوهم أحد أن إجازة أحدهم يوجب لزوم المعاملة بالنسبة إلى الآخرين أيضا وهكذا المقام غاية الامر أن في ما نحن فيه قد تعددت الملاك بقاء وفى المثال إنما كان التعدد من الاول وهذا المقدار لا يكون فارقا. وبالجملة أنه فرق بين أنتقال الاجازة إلى الورثة وكون أمر الاجازة بيدهم وبين أنتقال حق الخيار إليهم كما عرفت. قوله (الخامس أجازة البيع ليست أجازة لقبض الثمن ولا لاقباض

[ 223 ]

المبيع. أقول: لا ريب في عدم الملازمة بين أجازة البيع وبين أجازة قبض الثمن أو المثمن ولا لاقباضهما وذلك لان كل واحد من أجازة البيع وأجازة القبض أو الاقباض أمر مستقل غير مربوط بالآخر كسائر الامور الاعتبارية أو الخارجية إلا أن يكون بينهما إحدى الدلالات من الاشارة أو الاقتضاء أو غيرهما، وعلى ذلك فأجازة البيع لا يستلزم أجازة القبض إلا مع التصريح. ثم أنه هل يكون نفس القبض قابلا لان يتعلق به الاجازة أم لا، وربما يقال أن القبض أمر تكويني لا يمكن أن يتعلق به الاجازة فإن ما وقع من الافعال الخارجية لا ينقلب عما هو عليه وسيأتى ما فيه من الرهن وقد فصل المصنف بينما يكون الثمن أو المثمن شخصيا فحكم بصحة أجازة القبض والاقباض و جريان الفضولي فيهما وبينما يكون كليا في الذمة وإنما تعينه وتشخصه ليس إلا بقبض الفضولي فقط وذلك لان مرجع أجازة القبض إلى أسقاط ضمان الثمن عن عهدة المشترى ومرجع أجازة الاقباض إلى حصول المبيع في يد المشترى برضى فيترتب عليه ح جميع الآثار المترتبة على المبيع ويتم ذلك بالاجازة الصريحة أو الاقتضائية في الثمن أو المثمن الشخصيين وأما الكلى منها فليس لنا دليل على جريان الفضولية فيهما لعدم تعين الكلى بأخذ الفضولي حتى يتعلق به أجازة المالك المجيز ويرجع إلى أسقاط الثمن عن عهدة المشترى والى حصول المبيع في يد المشترى. ولكن الظاهر أنه لا فرق بين كون الثمن أو المثمن شخصيا أو

[ 224 ]

كليا في الذمة وإن صح تعلق الاجازة بالقبض أو الاقباض بالدلالة الصريحة أو غير الصريحة فصح في كليهما وإلا فلا، والظاهر هو الاول لا من جهة ما ذكره المصنف من أن مرجع أجازة القبض إلى أسقاط الضمان عن عهدة المشترى فإنه إنما يتم إذا قلنا بأن ضمان المشترى الثمن بحسب القاعدة وإنه بمقتضى الشرط الضمنى إذن فأجازة البايع قبض الفضولي الثمن إسقاط لذلك الشرط الضمنى وأما إذا قلنا بأنه من باب التعبد الثابت بمقتضى كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه وإنما أجروا ذلك في الثمن لاجل حمل المبيع على المثال فإن من البعيد أن يختلف حكم المثمن مع الثمن في بيع واحد وح فيمكن منع شمول ذلك لقبض الفضولي فإن معنى كون تلف المبيع من مال البايع أنه ليس ضمانه عليه ولزوم خروجه عن عهدته بل معناه فساد البيع وكون تلف المبيع من مالكه وعدم حصول النقل والانتقال به ولذا نقول أن الحكم يسرى إلى الثمن أيضا ولهذا لا يمكن في حق الفضولي حتى مع تصريح المالك به لكونه مختصا بالمالك بمقتضى التعبد كما هو واضح بل جواز تعلق الاجازة بالقبض من جهة التوكيل وذلك لان الاجازة مثل الوكالة فكما يصح التوكيل في القبض وكذلك يصح أجازته. وأوضح من ذلك أن الافعال على قسمين قسم يصح تعلق النيابة والوكالة بها وقسم لا يصح فالاول كالعقود والايقاعات وأمثالهما فإنه يصح التوكيل والنيابة فيهما والثانى كالاكل والنوم والقيام و الجلوس وأمثالهما من سائر الافعال التكوينية فأنهما مما لا يصح أن يتعلق بها النيابة والوكالة.

[ 225 ]

والقبض من قبيل الاول فإنه مما يقبل النيابة والوكالة فيقبل الاجازة أيضا لان الاجازة عين الوكالة غاية الامر أن الوكالة من الاول والاجازة ليس من الاول وإنما تقع على الفعل الواقع. بل على ذلك السيرة العقلائية فإنه لم يشك أحد في أنه لو أستقرض شخص من الآخر دينا فأستوفي أخ الدائن ذلك الدين من المديون لصح ذلك لو أجازه الدائن. إذن فلا وجه لتوهم أن القبض من الامور التكوينية فلا تنقلب بالاجازة عن واقعها فإن عدم الانقلاب إنما يجرى في الاثار الماضية دون الاثار الباقية كما لا وجه للفرق بين كون الثمن أو المثمن كليا أو شخصيا. ثم أن ما ذكرنا من عدم الملازمة بين أجازة البيع وأجازة القبض فيما لم يكن القبض مأخوذا في صحة البيع كبيع الصرف والسلم و الهبة وإلا فأجازتها ملازم لاجازة القبض صونا لكلامه عن اللغوية و كذلك فيما إذا صرح بأجازة القبض عند أجازة البيع وهذا كباب الصرف والسلم والوقف والهبة فأن أجازة القبض فيها أجازة للعقد أيضا فإن من الواضح أنه لا يشترط المباشرة في القبض فيما يكون القبض شرطا لصحة المعاملة بل المناط أستناد القبض إلى المالك ولو كان بقبض وكيله ولو عامل شخص كبير بيع الصرف وأمر بخادمه القبض لصدق القبض بالنسبة إليه وهذا كله إذا كان المجيز عالما بالملازمة وأما مع الجهل فلا ملازمة أيضا لعدم تمامية دلالة الاقتضاء ح ثم أن التقابض في المجلس ليس معناه أن يكون المتبايعين في مجلس واحد عرفى بل معناه أن يكون التقابض في مكان العقد ولو كان بينهما بعد كما

[ 226 ]

تقدم ذلك في ثبوت خيار المجلس. بقى الكلام في أنه هل يجرى نزاع أنه الكشف والنقل في القبض والاقباض أولا، الظاهر أنه لا يجرى لانهما ليسا مثل البيع وسائر العقود يمكن تعلق الاجازة بوجودها المتقدم فإن الاجازة من الامور التعليقية والاوصاف الحقيقية ذات الاضافة يصح أن تتعلق بالامور الماضية كما يصح أن تتعلق بالامور الحالية والمستقبله. وهى مع أحتوائها بالحقيقية الكذائية مأخوذة في العقود جزء أو شرطا. إذن فيصح أن تتعلق بالعقود الفضولية من حين صدور العقد فيحكمه بتأثيره في النقل من ذلك الزمان ومن هنا ذكرنا أنه لابعد في بيع مال في الحال قبل يوم أو شهر أو سنة غاية الامر أنه خلاف بناء العقلاء ومنصرف عن مفاد العمومات في الاصيلين ولكن لا مانع من شمولها على العقود الفضولية وجعلها صحيحة ومستندة إلى المالك بالاجازة حين الاجازة من الاول كما عرفت وهذا بخلاف القبض فانه أمر تكويني غير تعلقي فلا يمكن أن يستند إلى المالك بالاجازة من حين تحققه بل يستند إليه من حين الاجازة لان ما تحقق بتمام حقيقية في الخارج وصار فعلى الوجود من جميع الجهات لا ينقلب عما هو عليه ولا يستند إلى غير فاعله من حين صدوره لانه لم يؤخذ شئ في حقيقته من الامور التعليقية حتى يمكن تعلقه بالامر المتقدم ويوجب أستناده من بدو صدوره إلى غير فاعله بالاجازة، إذن فلا معنى للقول بالكشف في أجازة القبض والاقباض وإنما يكونان مستندين إلى المجيز من حين الاجازة وعنده يكون قبضا للمجيز فقهرا يثبت

[ 227 ]

النقل ولا يمكن المناص عنه نعم لو دل الدليل على صحة تعلق الاجازة بالقبض المتقدم فلا مانع من ذلك فإن المانع عنه ليس في مقام الثبوت بل من جهة عدم وجود المقتضى والدليل عليه في مقام الاثبات. قوله (السادس الاجازة ليست على الفور للعمومات). أقول: أن الاجازة في العقد الفضولي ليست على الفور للعمومات وصحيحة محمد بن قيس بل فيها شهادة على جواز الاجازة بعد الكراهة وهذا مما لا شبهة فيه. وإنما الكلام في أنه إذا لم يجز العقد وتضر الاصيل بتأخيره الاجازة بناء على عدم جواز تصرفه فيما أنتقل إليه وفيما أنتقل عنه على القول بالكشف. فهل للاصيل فسخ العقد الفضولي أو أجبار المالك المجيز بالاجازة أو الرد أولا شئ عليه بل لابد وإن يتحمل بالضرر لاقدامه عليه بنفسه وقد قوى المصنف الاول ولكن الظاهر أنه على القول بالكشف و شمول العمومات عليه لا يتم في جميع الموارد فإن النكاح مما لم يثبت فيه الخيار لينجبر الضرر بالخيار إلا في الموارد المنصوصة وكذلك لا يمكن الاجبار في جميع الموارد كما إذا كان مالك العقد ممن لا يمكن أجباره أما لعلو سطوته أو لعدم وصول اليد إليه وقد نقل أن أمرئة زوجت نفسها للحجة المنتظر عليه وعلى أبائه الاف التحية والثناء وبقيت على ذلك العقد لتقليدها ممن يرى لزوم العقد الفضولي من طرف الاصيل. والظاهر أنه لا دليل على أجبار الطرف على الاجازة أو الرد و

[ 228 ]

لا ثبوت الخيار للطرف الاصيل. أما الاول فلعدم الدليل عليه مضافا إلى تسلط الناس على أموالهم عقلا وشرعا فلهم أن يفعل فيه ما يشاء فإن الاجازة كما تقدم ليس إلا مثل البيع فكما أن المالك له تمام الاختيار في بيع ماله وعدمه وليس لاحد أن يجبره على ذلك وهكذا الاجازة وتضرر الاخر من عدم أجازة المالك أو رده لا يجوز الاجبار بعد ما كان هو نفسه مقدما على الضرر. وأما ثبوت الخيار فهو أيضا لا دليل عليه بعد شمول العمومات على ذلك العقد وليس في البين إلا تضرر مالك الاصيل لينفى لزوم العقد بدليل نفى الضرر وفيه أن الضرر على تقدير تسليم كونه مدركا لثبوت الخيار إنما يكون في مورد يكون حادثا لا موجودا من الاول فأن أقدام الاصيل على المعاملة الفضولية ضرر عليه من الاول غاية الامر يختلف ذلك قلة وكثرة بحسب طول الزمان وقصره وهذا لا يوجب الفرق بينهما والحق أنه لا مناص من القول باللزوم بناءا على شمول العمومات عليه من حين العقد على القول بالكشف ولعل عدم اللزوم بين الفقهاء من جملة ما يدل على ما أخترناه من عدم اللزوم من حين العقد حتى على الكشف بل من حين الاجازة غاية الامر يكون المجاز عليه العقد من زمان الصدور من المتعاقدين فإن أوفوا بالعقود قد أسند ذلك العقد إلى المالك المجيز بالاجازة والعجب من شخينا الاستاذ كيف رضى القول باللزوم للاصيل حتى على القول بالنقل و قد تقدم ما فيه. قوله (السابع هل يعتبر في صحة الاجازة مطابقتها للعقد الواقع عموما أو خصوصا أم لا).

[ 229 ]

أقول: تارة تكون الاجازة مطابقة للعقد الواقع فضولا بحيث يكون المجاز عين ما صدر من الفضوليين وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا مع الاختلاف فيه بالكشف والنقل. وأخرى لا يكون العقد المجاز مطابقا للعقد الفضولي بل يباينه كما إذا وقع العقد الفضولي مثلا على الدار وتعلقت أجازة المالك الاجازة على البستان فهذا باطل بلا أشكال لان ما وقع عليه العقد غير ما تعلقت به الاجازة فالعقد الفضولي لم تتعلق به الاجازة وما أجيز لم يقع عليه العقد. وثالثة يكون المجاز مغائرا للعقد الفضولي لا مغائرة مبائنة بل بالاطلاق والتقييد أو بالكلية والجزئية كما إذا وقع العقد الفضولي على مالين لشخصين أو لشخص واحد فأجاز أحدهما دون الاخر أو أجاز البيع في أحد المالين دون الاخر فإن المجاز مغائر لما وقع عليه العقد بالكلية والجزئية وكما إذا وقع العقد على الدار مثلا مقارنا مع الشرط فأجاز المالك بدونه فيكون المجاز مغائرا كما وقع عليه العقد الفضولي بالاطلاق والتقييد. وهل يصح العقد الفضولي مع هذا الاختلاف بين المجاز وما وقع عليه العقد أم لا يصح وقد فصل المصنف وقال فلو أوقع العقد على صفقة فأجاز المالك بيع بعضها فالاقوى الجواز كما لو كانت الصفقة بين مالكين فأجاز أحدهما وضرر البعض يجيز بالخيار ولو أوقع العقد على شرط بأجازة المالك مجردا عن الشرط فالاقوى عدم الجواز وما أفاده هو المتعين أما صحته عند الاختلاف بالجزئية والكلية كما عليه الاستاذ فلان البيع الواحد الواقع على شيئين أو أشياء إنما ينحل إلى

[ 230 ]

بيوع عديدة فكما يجوز بيع واحد منها على أنفراده أبتداءا فكذلك يجوز أجازة البيع في واحد منها دون الآخر لانك قد عرفت أن الاجازة المتأخرة من المالك ليست إلا كالبيع الابتدائي فكماله بيع ماله على النحو الذى يرى أبتداء مباشرة أو توكيلا فكذلك له أجازة بيع الفضولي المتعلق بماله على ما يريد غاية الامر أن في البيع الابتدائي يوجد العقد مع الاذن وفى الاجازة المتأخرة حصل موضوع الاجازة أعنى العقد قبلها وأما تكميل حقيقة البيع وتمامية ماهيته عند تحقق الاجازة لكونها من مقوماتها وأجزائها. وأما تضرر المالك بتبعض الصفقة فينجبر بالخيار الثابت بشرط ضمن العقد فكأن المشترى يشترط على البايع أن لا يكون المبيع متبعضا وإلا فليس المشترى ملزما بقيامه على التزامه وبالجملة لا نعرف وجها لبطلان البيع في هذه الصورة بل جرى على هذا المنهج - كلمات الفقهاء في بيع ما يملك وما لا يملك أو ما يملك وما لا يملك حيث أن البيع يصح في ماله ويبطل في الاخر كما يصح في ما يملك ويبطل في الاخر كما إذا وقع العقد على الشاة مع الخنزير بل الامر كذلك في بيع شئ واحد كما إذا باع دارا فضولة فأجاز المالك البيع في نصفه دون النصف الاخر لكونه لشخص أخر والسر في ذلك هو ما أشرنا إليه من أنحلال العقد الواحد إلى عقود متعددة كالعموم - الاستغراقي لا كالعموم المجموعى وكون الاجازة مثل البيع. وأما إذا أختلف المجاز مع ما وقع من حيث الاطلاق والتقييد والعموم والخصوص فالذي ينبغى أن يقال أن الشرط تارة يقع في ضمن العقد وأخرى في ضمن الاجازة وعلى الاول فتارة يكون للمالك

[ 231 ]

على الاصيل وأخرى للاصيل على المالك. فلو كان المالك على الاصيل وأجاز المالك العقد بلا شرط فلا شبهة في صحة الاجازة وصحة أستناد البيع إليه وتحقق حقيقته في وعائه فأن المالك مسلط على ماله وكلما يرجع إليه أمره فله أسقاط ما يريد إذا كان موجودا في ذمة أشخاص أخرين مثلا إذا باع الفضولي ثوب أحد وأشترط في ضمن العقد أن يخيط الاصيل ثوبا للمالك فأجاز المالك بدون الشرط فيصح ذلك لكون الشرط له فله أسقاطه. وبعبارة أخرى: أن أجازة المالك التزام الفضولي بأصل المعاوضة وعدم أجازته التزامه بالشرط على نفس الاصيل تجاوز عن حقه الذى ألتزم به الاصيل على نفسه فلا وجه لتوهم البطلان إلا من جهة التعليق فهو أيضا منفى كما سيأتي وأما لو كان من الاصيل على المالك الفضولي فأجازه بلا شرط فقد حكم العلامة الانصاري (ره) بالبطلان وشخينا الاستاذ بالصحة مع ثبوت الخيار للاصيل وأفاد في وجه ذلك بأن المقام نظير تعذر الشرط الواقع بين الايجاب والقبول الذى يكون ضميمة لاحد العوضين فكما أن تعذره لا يوجب بطلان العقد بل غايته ثبوت الخيار للمشروط له فكذلك المقام فإنه وإن لم يتعذر خارجا إلا أن أمتناع المجيز وعدم قبوله الشرط بمنزلة التعذر ولا وجه لبطلان العقد إلا على القول بالتقييد والاناطة والحق عدمه ولذا نقول بأن الشرط الفاسد غير مفسد للعقد إلا إذا صار موجبا لاختلاف أحد أركانه، فنقول لا شبهة أن الشرط والمشروط إذا كانا من قبيل المعلق والمعلق عليه كالشرط والمشرط التكوينيين فلا شبهة في بطلان المشروط عن أنتقاء الشرط أما نفسه أو لعدم حصول المعلق عليه كما

[ 232 ]

أنه إذا كانا من قبيل الامرين الوجوديين المنضمين من غير أن يكون بينهما ربط فلا شبهة في صحة المشروط عند أنتفاء الشرط كما إذا التزم عند بيع الدار بخياطة ثوب المشترى من غير أن يرتبط بالالتزام البيعى فإنه ح لا معنى لبطلان المشروط مع عدم وفاء المشروط عليه بشرطه لعدم الارتباط بينهما، بل لانتفاء حقيقة الشرط هنا فإنه لا يصدق الشرط والمشروط ما لم يكن بينهما ربط والتزام كما في القاموس وجعل من ذلك الشريط لربطه أحد الشيئين بالاخر، و على هذا فما معنى الكلام المشهور من أن الالتزام الشرطي في ضمن الالتزام العقدى وإنه لا يلزم من أنتفاء الشرط أنتفاء المشروط مع أنك عرفت أنه على تقدير يلزم من أنتفاء الشرط بطلان العقد وعلى تقدير آخر فلا. والذى ينبغى أن يقال أن معنى جعل الشرط في العقود عبارة أخرى عن جعل الخيار فيها وصيرورة العقد خياريا نظير جعل الخيار فيها أبتداء وذلك فإن البايع مثلا إذا أشترط في ضمن البيع على المشترى شيئا أو أشترط المشترى عليه شيئا وليس معنى ذلك هو التعليق ليستلزم أنتفاء الشرط البطلان ولا أنهما من قبيل الامرين المنضم أحدهما بألاخر ليخرج عن معنى الشرطية بل معناه أن البايع إنما باع متاعه وألتزم به مطلقا من غير أيقافه على شئ أخر فأصل الالتزام البيعى غير معلق على شئ وغير متوقف على الشرط ليلزم البطلان من جهة التعليق لاستلزام أنتفاء المعلق عند أنتفاء المعلق عليه ولكن أشترط على المشترى مثلا كون وقوفه على هذا الالتزام و قيامه عليه متوقفا على الشرط الفلاني على المشترى بحيث لو وفى المشترى

[ 233 ]

بذلك الشرط فللبايع أيضا أن يقف على التزامه البيعى وإلا فلا فكما أن جعل الخيار فيه أي في الالتزام البيعى صحيح فكذلك جعل الشرط بهذا المعنى ومن هنا نقول أن تخلف الشرط لا يوجب بطلان العقد وإنما يوجب الخيار لا يجب للمشروط عليه الالتزام بشرطه وجوبا تكليفيا وليس للمشروط له أجباره على ذلك فإن التزامه بالشرط لا يزيد عن الوعد فكما أن الوفاء به ليس واجبا تكليفا بل هو أمر أخلاقي فكذلك الالتزام الشرطي فإنه لا يجب الوفاء به وعلى هذا فما ذكره شيخنا الاستاذ من أن المقام نظير تعذر الشرط فكما أنه لا يوجب بطلان العقد وهكذا عدم الوفاء بالشرط وكذلك في المقام إذا أجاز المالك العقد بدون الشرط الذى وقع عليه من الفضولي وليس نقص في ذلك المبنى ولكن البنا ليس بصحيح. وتوضيح ذلك أن العقد تارة يطلق ويراد منه أسم المصدر أي الملتزم به الحاصل من الالتزام والاعتبار النفساني وأخرى يطلق على نفس الالتزام العقدى أي المعنى المصدرى. أما الاول: فهو مطلق وغير مقيد بشئ ولا متوقف عليه فإنه بعد تحقق ما يؤثر فيه لا معنى لوقوفه على شئ بل أن حصل ما يؤثر فيه فيحصل وإلا فلا، فلا يعقل توقفه على شئ بعد حصوله وإلا يلزم من وجوده عدمه. وأما الثاني: فهو تارة يوجد من المتعاقدين غير مقيد بشئ كما إذا كان العقد غير خياري بشرط وغير مقيد بشئ وأخرى يكون مشروطا بشرط كما إذا كان في العقد شرط وأشتراط ففى هنا وإن قلنا أن الشرط يرجع إلى كون الوقوف على الالتزام البيعى والثبوت

[ 234 ]

عليه متوقفا على الشرط وتحققه أصل الالتزام مقيد بالشرط في مقام الانشاء فإن الاهمال فيه لا يعقل بل هو أما مطلق أو مقيد فحيث إنه ليس بمطلق لوجود الشرط فيه فيثبت التقييد فالالتزام حين تحققه تحقق مقيدا وعلى هذا فلو أجاز المالك ذلك بدون الشرط ومطلقا فيكون ذلك غير ما وقع فما وقع لم تقع عليه الاجازة وما وقعت عليه الاجازة غير ما وقع فيكون العقد فاسدا لعدم وقوع الاجازة عليه. إذا فما ذكره المصنف صحيح وإن كان ما ذكره شيخنا الاستاذ من حيث المبنى أيضا صحيحا إلا أن ما بنى عليه غير صحيح لان ما نحن فيه ليس من قبيل تعذر الشرط كما عرفت. وبعبارة أخرى: أن الاجازة من حيث نسبة العقد إلى المجيز كالقبول فكما أنه لو وقع الاختلاف بين الايجاب والقبول بالاطلاق والتقييد يبطل العقد كما إذا قال البايع بعت الدار بثمن كذا على أن تخيط لى ثوبا وقال المشترى قبلت بدون ذلك الشرط وهكذا في الاجازة فأن الاجازة وإن كانت بعد تمامية العقد إيجابا وقبولا وليست مثل القبول من جميع الجهات وإلا لكان العقد الفضولي باطلا بالفصل بين العقد والاجازة ولكن الاجازة مثل القبول من حيث أستناد العقد إلى نفسه كما أن القبول يوجب أستناد الايجاب إلى نفسه والامر كذلك حتى لو كان المتعاقدان هما الاصيلان فكيف بالفضولى. وبالجملة العقد الواقع فضولة على وجه خاص لا بد وإن تقع عليه الاجازة على ذلك الوجه وإلا لحصل التخلف بين المجاز والعقد فيحكم للبطلان.

[ 235 ]

لا يتوهم أن تقييد العقد على النحو الذى قلتم عين التعليق فيكون بالطلا أما لعدم حصول المعلق عليه أو لبطلان التعليق في نفسه. فإنه توهم فاسد إذ معنى التعليق أن أصل الالتزام العقدى متوقف على الشرط وهو على تقدير حصول الشرط وإلا فلا التزام و هذا بخلاف التقييد المذكور فإن أصل الالتزام على ما ذكرنا غير متوقف من حيث الوجود على الشرط بحيث يلزم من وجود الشرط وجود - المشروط ومن عدمه عدمه كما هو معنى التعليق بل أستمرار ذلك الالتزام والوقوف عليه مقيد بالشرط وهذا معنى ثبوت الخيار. لا يقال أنه أي فرق بين عدم الوفاء بالشرط الموجب للخيار و بين عدم الاجازة الموجب للبطلان. قلت: فرق واضح بين الامرين حيث العقد قد تحقق على الاول ولكن لم يحصل شرط لزومه والدوام والثبات عليه وهذا بخلاف الثاني فإن المجيز لم يقبل العقد فيكون باطلا نظير عدم قبول القابل بما أنشأه الموجب كما تقدم فأفهم وتأمل. وتوضيح المقام أنه هل يعتبر مطابقة الاجازة للعقد أم لا وعلى تقدير الاعتبار هل يفرق بين أن يكون من المالك الاصيل وبين العكس وبين الصور الاخرى أم لا، وتفصيل ذلك أن الاجازة تارة تكون مطابقة للعقد وهذا لا شبهة في صحته كما تقدم تفصيله من الاختلاف فيه بين القول بالكشف أو النقل. وأخرى تباينه مبائنة تامة كما إذا باع الفضولي الدار فأجاز المالك بيع البستان أو باع الفضولي دار الصغير وأجاز المالك دار

[ 236 ]

الكبير وهذا لا شبهة في بطلانه لان الاجازة لم تقع على الواقع بل الواقع لم يجز وما أجيز لم يقع فيحكم بالبطلان. وثالثة تكون الاجازة مخالفة للعقد الواقع من جهة وموافقة له من جهة أخرى كالاختلاف بالكل والجزء والعام والخاص والمطلق والمقيد، أما الاول كما إذا وقع العقد الفضولي على المركب المجموع والكله بأن باع الفضولي دارين أو فرسين لزيد أو أحدهما لزيد والآخر لعمرو فأجاز المجيز أحدهما دون الاخر، وأما الثاني كما إذا باع الفضولي دار أحد بشرط وأجاز المالك المجيز بلا شرط سواء كان من المالك الاصيل أو العكس. أما الاول: فلا شبهة في صحته غاية الامر أنه يثبت للمشترى خيار تبعض الصفقة وذلك لان البيع ح إنما يكون منحلا إلى بيوع متعددة غاية الامر يكون كل فيها مشروطا بالاخر فالمجيز بأجازته يقبل الالتزام على النحو الذى وقع ويرد التزامه على التزام البائع طابقا النعل بالنعل ولكن بدون الشرط والخيار أذن فيصح قبول أحد البيوع فيثبت للمشترى الخيار وهذا واضح. وأما الثاني: فلا بد في بيانه من تقديم مقدمة فهى أنه لم نعقل إلى الآن معنى للشروط إلا جعل الخيار وتوضيح ذلك أن الشرط له أطلاقان. الاول أن يطلق على الملتزم به أعنى ما تعلق به الالتزام كما هو المعروف كما إذا باع العبد على أن يكون كاتبا فأن الكتابة متعلق الالتزام الشرطي ويكون ملتزما به وأخرى يطلق على نفس الالتزام. أما الاول فلا شبهة في عدم كون العقد معلقا عليه ومقيدا به بأن يقول بعتك العبد على أن يكون كاتبا وإلا فلا أبيع بحيث

[ 237 ]

يكون أصل البيع متوقفا على وجود الملتزم به ومع عدمه فلا بيع أصلا فهذا لا شبهة في بطلانه أما مطلقا كما هو الظاهر لبطلانه في العقود وأما مع عدم تحقق الملتزم به على تقدير الغض من الاول بل معناه أن الالتزام الذى ورد على ذلك الملتزم به معلق عليه بحيث لم يكن كاتبا لا يجب للمشروط له الوقوف على التزامه بل له أن يفسخ و له أن يبقى عليه وليس هذا إلا كون العقد خياريا مثلا لو باع زيد داره من عمرو بشرط أن يخيط العمرو له ثوبا فقبل العمرو ذلك ولكن لم يعمل بالشرط فلا يجب لزيد أن يقف على التزامه لانه كان مقيدا بالخياطة فلم يحصل فيكون له الخيار وهكذا في جميع الموارد فيكون البيع صحيحا للعمومات. وأما الثاني فلا شبهة في كونه قيدا للعقد فإنه لو باع أحد داره بشرط كذا أو على أن يكون له الخيار فإن بيعه هذا وإن لم يكن مقيدا بالملتزم به بحيث يلزم التعليق كما تقدم ولكنه مقيد بالالتزام الشرطي فالبايع من الاول باع بيعا مقيدا وأورد التزامه على البيع الخاص فيكون الموجود من الاول حين وجوده البيع الخيارى دون - البيع الغير الخيارى وح فلو قبل القابل البيع بدون ذلك الالتزام الشرطي فلم يقبل ما أنشأه البايع ولم يرد التزامه على التزام البايع فيكون باطلا وبالجملة أن الشروط بأعتبار الملتزم به لا تكون مقيدة للبيع مثلا بل البيع بالنسبة إليها مطلق وإنما هي قيد للالتزام و الثبات على العقد، وأما بأعتبار نفس الالتزام قيد للبيع فيوجب التقييد إذا لو لم يقبل المشترى ما أوجده البايع من العقد المقيد بالتزام خاص بأى نحو كان ذلك الالتزام فيكون باطلا من الاول لان ما أوجده

[ 238 ]

البايع لم يقع عليه القبول وما وقع عليه القبول لم ينشأ فيكون باطلا. إذا عرفت ذلك فنقول أن الشرط تارة يكون من المالك الاصيل بإن باع الفضولي دار زيد فضولة من عمرو فأشترط عليه أن يخيط ثوب عمرو فأجاز العمرو بدون ذلك الشرط وهذا لا أشكال في صحته لان المالك قد تجاوز عن حقه وأسقطه من الاصيل والعفو والتجاوز عن الحق لا يوجب البطلان. وبعبارة أخرى: أن الالتزام البيعى وإن كان مطلقا وقد قبله المالك بأجازته على هذا النحو وورد الالتزام من المالك المجيز بأجازته على التزام الفضولي ولكن أسقطه بعد قبوله غاية الامر أن ذلك آنى وتقديري لا أن الاسقاط قبل القبول أو أن المالك لم يجز التزامه بل شيئا آخر وإلا يلزم المحذور. وأما إذا كان من الاصيل على المالك فأجاز العقد خاليا عن الشرط فتكون الاجازة باطلة وذلك لعدم ورود التزامه على ما ورد به التزام الفضولي مع الاصيل فأن التزامهما مقيد والتزام المجيز مطلق فما وقع لم تتعلق به الاجازة وما وقعت به الاجازة لم يقع فتكون الاجازة لغوا فلا يكون العقد مشمولا للعمومات إلا إذا أنضم إليه أجازة أخرى على طبق ما وقع بحيث يكون الالتزامين متواردين على مورد واحد. كيف فلو لم يطابق الالتزامين في الاصيلين بأن باع أحدهما متاعا مع شرط وخيار كما هو المرسوم كثيرا خصوصا في الدلالين وقبل الاخر بدون ذلك الشرط فإنه ح لا ينعقد البيع بل يحكم ببطلانه فإن ما أنشأه البايع غير ما قبله المشترى فالمنشأ لم يقبل وما قبل لم ينشأ

[ 239 ]

فإذا لم يتم ذلك في الاصيلين فكيف في الفضولي ولا شبهة أن - الاجازة مثل القبول من حيث كونه موجبا لاستناد العقد إلى المجيز كما أن القبول يوجب أستناد الايجاب إلى القابل. ومن هنا ظهر أن ما جعله شيخنا الاستاذ المقام من صغريات تعذر الشرط ليس بتمام حيث أن في صورة تعذر الشرط سواء كان التعذر خارجيا أو عقليا قد توارد الالتزامين من البايع والمشترى على مورد واحد ولكن الشرط قد تعذر فهذا غير ورود الالتزامين بمورد واحد مثلا لو باع أحد داره وأشترط على المشترى أن يحج عنه فقد تعذر ذلك الشرط عقلا لكونه مريضا لا يقدر على المشى أو هرما أو مات وهكذا فإن هذا ونظائره لا يوجب بطلان البيع فإن المشترى قد التزم على ما التزم به البايع ولكن قد أوجب التعذر العقلي عدم وفائه بالشرط فيكون البايع مخيرا في الفسخ أو الرضايه حتى يتمكن المشترى من ذلك وأما التعذر الشرعي كالشروط المخالفة للكتاب والسنة فكما إذا باع متاعا وأشترط في ضمنه أن يعطيه المشترى مقدار من الخمر فقبله المشترى وهذا أيضا ليس نظير ما نحن فيه إذا المشترى أيضا قبل التزام البايع على النحو الذى التزم وتوارد الالتزامين على مورد واحد ولكن المنع الشرعي أوجب التعذر والمنع فلا أشكال فيه أيضا من هذه الجهة وأما من جهة كون فساد الشرط موجبا لفساد العقد أو أنه مثل التعذر العقلي يوجب الخيار أولا يوجب شيئا فهو أمر آخر وسيأتى في محله. لا يقال ما الفرق بين عدم مطابقة الاجازة مع العقد في بيع المجموع المركب وبين عدم المطابقة في صورة الاشتراط فأما لا بد من

[ 240 ]

القول ببطلان الاجازة فيهما أو عدمه كذلك فلا وجه للفرق بينهما كما لا يخفى. أقول الفرق بينهما بديهى وقد ظهر مما ذكرنا وملخصه أن في صورة أختلاف الاجازة مع العقد بالجزئية والكلية أن المجيز قد أجاز البيع على النحو الذى وقع وهذا بخلاف صورة الاختلاف بالاطلاق و التقييد بيان ذلك أنه إذا باع فرسين من عمرو فضولة لمالك واحد أو لمالكين ففى الحقيقة أن هنا بيعان كليهما خياري فإن كلا من - الفرسين بيع منضما إلى الآخر وبهذا الشرط فإذا أجاز المجيز أحدهما دون الاخر فليس معناه أن المجيز أجاز البيع الغير الخيارى بل أجاز البيع الخيارى ولذا لو سئل لاجاب هكذا فح يثبت للبايع الخيار و لا يلزم ورود الاجازة بما لم يقع وكون ما وقع خاليا عن الاجازة وهذا معنى خيار تبعض الصفقة وهذا بخلاف صورة عدم المطابقة في الشرط فأن الاجازة لم تقع على العقد كما عرفت. وبعبارة أخرى: أن صورة عدم المطابقة بالجزئية والكلية نظير وقوع بيعين أو بيوع خياري فقبل المشترى أحدهما دون الاخر فهل يتوهم أحد أن ذلك موجب لبطلان البيع أو عدم ورود الايجاب والقبول بمورد واحد وكذلك ما نحن فيه وهذا أمر واضح في الاصيلين وغيرهما وبذلك يبتنى خيار تبعض الصفقة. فتحصل عدم بطلان الاجازة في صورة عدم المطابقة بالجزئية والكلية دون عدم المطابقة بالاطلاق والتقييد مع كون الشرط من الاصيل على المالك ومن هنا ظهر أنه لا وجه لادراج صورة عدم - المطابقة بالجزئية والكلية تحت العقد في تعذر الشرط وجعل

[ 241 ]

الاختلاف بالجزئية والكلية والاطلاق والتقييد وتعذر الشرط كلها من واد واحد. ثم لو كان الشرط عند الاجازة وخارجا عن العقد وهذا أيضا تارة يكون من المالك على الاصيل وأخرى من الاصيل على المالك وأما لو كان من المالك على الاصيل بأن باع الفضولي داره من الاصيل خمسين دينارا وأجازه المالك مع أشتراط سكنى سنة في تلك الدار فذكر المصنف وجوها في ذلك الاول القول بالصحة والثانى الصحة لو أجازه الاصيل والثالث البطلان بمعنى أن العقد الفضولي لا يمكن الحكم بصحته بهذه الاجازة لان ما وقع عليه العقد لم يجز وما أجيز غير الوقع فتكون تلك الاجازة باطلة ولا توجب أستناد العقد إلى المالك بل لا بد في ذلك من أجازة أخرى لتوجب الاستناد و لكن الحق هو الثاني أنه وإن قلنا بعدم لزوم الوفاء بالشرط الابتدائية أما من جهة الاجمال كما ذكره بعضهم وأما من جهة أقتضاء لفظ الشرط ذلك المعنى لكونه ربطا بين الشئ وشئ أخر فما لم يرتبط أحدهما بالاخر لا يطلق عليه الشرط ومن هنا قال في القاموس أن الشريط يطلق عليه ذلك بأعتبار ربطه أحد الشيئين بالاخر وهذا ظاهر نعم هو داخل بالوعد ومن قال بوجوب الوفاء بالوعد فله أن يحكم به هنا أيضا ولكن لا دليل عليه وإنما هو خلاف الاخلاق ولكن ما نحن فيه ليس كذلك فانه يكون ذلك الشرط بالاجازة شرطا في ضمن العقد التزاما في التزام. بيان ذلك أن الاجازة كما تقدم مثل القبول في أستناد العقد إلى المالك فلو باع أحد متاعه من زيد منجزا ومطلقا من دون أشتراط

[ 242 ]

من الطرفين على الاخر ولكن قبله القابل مع الشرط فتحليله أن الالتزام بالقبول على تقدير تحقق الشرط وحصوله وإلا فلا يلتزم - بالايجاب. وبعبارة أخرى: يلتزم بقبول الايجاب ونسبته إلى نفسه على أن يكون له على الموجب ذلك الشرط وإلا فلا يلتزم وح لو لم يرض الموجب بهذا الشرط يبطل الايجاب والقبول لعدم ورودهما على مورد واحد وعدم أرتباط أحدهما بالاخر فيكونان باطلين وأما إذا رضى الموجب على ذلك فيصح بلا شبهة لعدم القصور من شمول المؤمنون عند شروطهم عليه وإنما الخارج منه بالاجماع أو بأقتضاء لفظ الشرط هو الشروط الابتدائية وأما غيرها فلا. غاية الامر لم يكن ذلك الشرط مذكورا عند الايجاب وموجودا وقته وتأخر الموجب في ذلك عن القابل ولا دليل لنا على وجوب ذكر الشروط في الايجاب بل المناط في لزومها وعدم شمول دليل وجوب الوفاء عليه وعدمه وهذا في غاية الوضوح فأمر الاجازة أمر القبول كما تقدم وأما لو كان من الاصيل على المالك بأن أجاز المالك مع شرط للاصيل على نفسه وهذا لا شبهة في صحته بالدلالة الالتزامية الفحوائية فأن المالك قد أجاز البيع الذى كان الاصيل ملتزما به مع أضافة شرط عليه على نفسه وقد كان الاصيل ملتزما بالبيع مطلقا و بدون الشرط فبالاولوية نكشف التزامه بالبيع مع هذا الشرط الذى مرجعه إلى جعل الخيار وقد تقدم نظير ذلك في رواية البارقى و قلنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلم وإن كان قد وكله بشراء الشاة بدينارين إلا أنه بالاولوية قد وكله في شرائها بدينار أيضا فيكون شرائه الشاة بدينار

[ 243 ]

من جهة التوكيل فتكون الرواية خارجة عن الفضولية فأن من وكل الغير شراء دار بخمسين دينارا فبالاولوية راض بشرائه بعشرين هذا وأغتنم. قوله: وأما القول في الميجز فأستقصائه يتم ببيان أمور. أقول: الاول ذكر أنه يشترط في المجيز أن يكون حين الاجازة جائز التصرف فلا تجوز الاجازة ممن لا يجوز التصرف في حقه وهذه قضية قياسها معها فإنك عرفت مرارا أن الاجازة من الاحكام الشرعية الثابتة للملاك بالنسبة إلى أموالهم نظير جواز البيع غاية الامر أن جواز البيع حكم أبتدائى والاجازة أمر متأخر وقد تحقق جزء موضوعه بفعل الفضولي فكما لا يجوز البيع لمن لا يجوز له التصرف فكذلك لا تجوز له الاجازة لكونها بيعا حقيقة فإن العقد قبلها لم يكن مستند إلى المالك ولم يكن بيعه وحين الاجازة ثار بيعا له كما أنه باع من الاول مباشرة ولا يفرق في ذلك بين القول بالكشف أو النقل فإن هذا إنما بعد الفراغ من صحة الاجازة والفرض أن الاجازة غير صحيحة وهكذا الامر في كل مورد لا تصح الاجازة. وبعبارة أخرى: أن حكم الاجازة حكم البيع الابتدائي فيشترط فيها ما يشترط في البيع وعلى هذا فلو باع الفضولي ما تعلق به حق الغرماء أو المرتهن فأجازة المفلس أو الراهن بنفسها لا تؤثر فيه بوجه والامر الثاني: أنهم ذكروا وجود مجيز حال العقد وإلا فيبطل العقد الفضولي فصحته مشروطة بذلك الشرط وقد ذكروا في وجه ذلك وجهين، الاول، ما عن قواعد العلامة من أن صحة العقد بدونه يمتنع فإذا أمتنع في زمان فيمتنع في جميع الازمنة لعدم الفرق في

[ 244 ]

الامتناع بين قلة الزمان وكثرته. الثاني بلزوم الضرر على الاصيل فأنه لو كان مثل ذلك العقد صحيحا وشمله الاطلاقات فيلزم من ذلك ضرر عظيم على الاصيل مع عدم وجود مجيز عند العقد من شأنه أن يجيز العقد لانه لا يجوز له التصرف لا فيما أنتقل عنه ولا فيما أنتقل إليه فأدلة نفى الضرر ينفى لزوم ذلك العقد وهذا يتصور على وجوه. الاول: أن يكون المراد منه وجود ذات المجيز بحيث يكون عند العقد من من شأنه أن يجيز العقد مطلقا سواء كان هنا مانع عقلا أو شرعا أو لم يكن وإلا فيبطل وعلى هذا فلا موقع لذا الشرط في الاموال حتى عند العامة أيضا إذ ما من مال إلا وله من يجوز تصديقه بالتصرف بيعا أو غير بيع المالك أو الولى أما عندنا فلوجود ولى الامر صاحب العصر عجل الله فرجه فإنه الولى المطلق فأى مال لم يكن له مالك يجوز له بيعه وتصرفه فوليه هو اللامام عليه السلام ونعم ما ذكر البيضاوى أن هذا الشرط لا موقع له عند العامة لقولهم بوجود الامام عليه السلام في كل زمان وأما عند العامة فكذلك أيضا لانهم أيضا قالوا بوجود ولى الامر في كل زمان غايتهم يخطئون في تطبيقه على واقعه فذات المجيز موجود في كل مال حين وقوع البيع عليه فضولا نعم يصح في النكاح بناء على عدم ولاية أحد حتى الامام عليه السلام. الثاني أن يكون المراد منه وجود المجيز المتمكن عقلا. الثالث: أن يكون المراد منه وجوده المتمكن منه شرعا. وبعبارة أخرى من الاول: أن الكلام هنا أي في شرائط المجيز يقع في ضمن مسائل.

[ 245 ]

الاولى: أنهم ذكروا من شرائط المجيز أن يكون جائز التصرف حال الاجازة فلا يجوز لمن لا يجوز له ذلك وقد تقدم هذا. المسألة الثانية: أن يكون موجودا حال العقد وقد ذكر العلامة (ره) أن الممتنع في زمان ممتنع دائما وأضاف إليه الشيخ بكونه ضررا على الاصيل فإنه لا يجوز له التصرف فيما أنتقل إليه لاحتمال عدم الاجازة ولا فيما أنتقل عنه لاحتمال كونه ملكا للغير بالاجازة فلو بقى العقد الفضولي على النحو الذى وجد لكان ضررا على الاصيل. ثم أن هذا الشرط يتصور على وجوه. الاول أن يكون المراد من أشتراط وجود مجيز حال العقد وجود ذات المجيز ومن يكون من شأنه أجازة العقد سواء كان متمكنا عقلا أو شرعا أو لم يكن متمكنا منهما، وهذا الشرط إنما يتم على غير مذهب الامامية وأما على مذهبهم القائلين بوجود الامام في كل زمان فلا يتم كما ذكره البيضاوى إذ لم يوجد عقد في العالم إلا وله مجيز ومن شأنه ذلك لكن الامام عليه السلام عندنا ولى الامر من جيمع الجهات فيكون هذا الاشتراط لغوا محضا نعم عند غير الامامية يمكن ذلك وكذلك - عندهم إذ لم نقل بكونه وليا في جميع الامور حتى النكاح مثلا - الثاني - أن يكون المراد منه كونه متمكنا من الاجازة عقلا بأن لا يكون مانع عقلي من ذلك حال العقد كالنوم والغياب ونحو ذلك مما يوجب عدم الوصول إليه حين العقد فإنه ح يحكم بفساد العقد وهذا الوجه أيضا لاحق بالاول فلا فائدة في البحث عنهما فإنه يظهر حكمهما من الشق الثالث فبعد الغائه فيكونان لغوا بالاولوية مضافا إلى ورود

[ 246 ]

الروايات في صحة نكاح الصغيرين مع عدم التمكن من الاجازة الفعلية عند العقد وكذلك صحيحة محمد بن قيس ورواية البارقى فهذا إن الوجهان ليسا بمهم والعمدة هو الوجه الثالث. الثالث: أن يكون المراد من ذلك التمكن الشرعي بأن لا يكون مانع شرعى من الاجازة حال العقد فلو باع الفضولي مال اليتيم من غير غبطة ومصلحة فيه مع حضور الولى ثم صار ذلك البيع ذا مصلحة كما إذا باع داره بخمسين مع كون قيمتها مائة ولكن صار وقت الاجازة ذا مصلحة لكونها في شرف الخراب فلا يصح ذلك على هذا الشرط فإن ذات المجيز وإن كان موجودا حال العقد وله تمكن عقلي أيضا من الاجازة عنده إلا أن أجازته ذلك العقد لم ينفذ بل تكون باطلة ولو لم يكن يجيز حال العقد فإنه منهى عن التصرف في ماله إلا بوجه حسن وهذه الاجازة تصرف وبيع بلا وجه حسن فتكون باطلة ويكون العقد باطلا ولكن الظاهر عدم أعتبار ذلك ويظهر منه بطلان الوجهين الاولين ويظهر حكمه من عكس المسألة كما إذا فرضنا أن الفضولي باع مال اليتيم مع مصلحة فيه فإذا أراد الولى أن يجيز ذلك صار البيع غير مصلحة في حق اليتيم ووصل إليه الخبر بترقى المال على أضعاف مقابل ما باعه الفضولي فلا شبهة في عدم صحة أجازته ونفوذه وكون البيع باطلا فإن البيع وإن كان ذا مصلحة حال العقد ولكن ليس فيه مصلحة حال الاجازة والمناط وجودها عندها لان زمان الاجازة كان زمان البيع حقيقة ونقطة شمول أوفوا بالعقود عليه فحيث أنه في هذا الزمان غير مصلحة في حق اليتيم فيكون باطلا والسر في ذلك هو ما تقدم أن حكم الاجازة حكم البيع

[ 247 ]

الابتدائي فكما لا يصح بيع مال اليتيم بلا مصلحة أبتداء فكذلك لا يصح أجازة بيعه لكون العقد بالاجازة مستندا إلى الولى. وبعبارة أخرى: قد نهينا عن التقرب بمال اليتيم بغير وجه حسن وأجازة الولى بيع مال اليتيم فضولة عند عدم الصلاح فيه حال الاجازة ولو كان فيه مصلحة حال العقد تقرب بغير وجه أحسن فلا تكون نافذة إذ المناط في كون البيع ذا مصلحة حال الاجازة. ومن هنا يظهر حكم ما نحن فيه إذا البيع ولو كان خاليا عن المصلحة عند العقد ولكن حالها عند الاجازة فكما يصح البيع الابتدائي عند وجود المصلحة فيه فكذلك تصح الاجازة للبيع الفضولي فإن زمان الاجازة هو زمان تحقق البيع حقيقة وزمان شمول العمومات إذا - فأشتراط كون المجيز متمكنا من الاجازة حال العقد شرعا لا موقع له بل المناط التمكن حال الاجازة ومن هنا لو كان فاقدا للتمكن الشرعي حال العقد وصار وأجدا له حال الاجازة فتصح أجازته ومن هنا أتضح حكم القسمين الاولين بالاولوية وكذلك أتضح أنه لا يفرق هنا بين القول بالكشف والنقل كما تقدم وأما ما ذكره العلامة (ره) من أن الممتنع في زمان ممتنع دائما ففيه إن كان المراد من ذلك الامتناع الذاتي فالكبرى أمر مسلم كالاجتماع الضدين والنقيضين والدور و التسلسل التى مرجع كلها إلى أجتماع النقيضين ومن هنا يسمى مبدء المبادى فإن أمثال ذلك أن الشئ إذا أمتنع في زمان فيكون ممتنعا دائما لانه لا يتحمل أن أجتماع النقيضين يكون محالا في زمان وغير مستحيل في زمان آخر بل هو محال بذاته ولكن الصغرى ليس بمسلم إذ الامتناع في أمثال المقام ليس أمتناعا ذاتيا فإن كون الصحة

[ 248 ]

عقد الفضولي ممتنعا ليس بذاته بل هو بالغير ومن جهة عدم العلة والمصلحة وإن كان المراد من الامتناع هو الامتناع الغيرى فهو مسلم صغرى إذ عدم صحة عقد الفضولي حال العقد إنما هو لاجل عدم المصلحة فيه عنده ولكن الكبرى ليس بمسلم لان الممتنع بالغير في زمان لا يكون ممتنعا دائما فيجوز أن يكون ممتنعا في زمان لاجل عدم علته وممكنا في زمان آخر بل واجبا لوجود علته ومن هنا قال الشيخ الرئيس أن الممكن من ناحية علته اليس ومن عدم علته ليس و - بالجملة الامتناع الغيرى تابع لعدم علته فكما كانت معدومة فينعدم وإذا وجدت العلة يخرج المعلول من الامتناع فضلا عن أن يكون ممتنعا دائما وهذا واضح جدا فلا ندرى ما ذا أراد العلامة من كلامه هذا وهو بعيد بمقاله وأما ما ذكر المصنف من كون عدم الاشتراط ضررا على الاصيل لكونه ممنوعا من التصرف في ما أنتقل عنه لاحتمال الاجازة وكونه مال الغير فيكون التصرف حراما ولا فيما أنتقل إليه لاحتمال عدم الاجازة وكونه أيضا تصرفا في مال الغير فيكون حراما. وفيه أولا أن الضرر إنما ينشأ من اللزوم أي من لزوم العقد و قد أثبتنا عدم لزومه من الاول وإنما يكون لازما بالاجازة فإذا لم يتحمل الاصيل بالضرر فله الفسخ ويجوز له التصرف بدون الفسخ مستندا إلى أصالة عدم الاجازة فلم يشمل عليه من حين العقد أوفوا بالعقود حتى يمنع من التصرفات. وثانيا تقدم من المصنف أنه لا يجوز للاصيل أن يتصرف فيما أنتقل إليه ولا فيما أنتقل عنه إلى زمان الاجازة لعدم العلم بالاجازة وعدمها فإذا ننقض ما ذكره هنا بما تقدم بأنه لو تضرر الاصيل إلى

[ 249 ]

زمان الاجازة في غير المقام فبأى وجه أجبتم هناك فمثله يجيب هنا أيضا من القول بجواز الفسخ أو أنه أقدم بنفسه على ذلك فليس الفسخ أو غير ذلك وبالجملة ليس للمقام خصوصية ليوجب أنكار صحة الفضولي عند عدم وجود مجيز حال العقد ولا ينكر صحة أصل الفضولي وقد تقدم عدم تمامية الاستدلال بأدلة نفى الضرر هنا فراجع. قوله الثالث لا يشترط في المجيز كونه جائز التصرف حال العقد. أقول: وهذه المسألة الثالثة تتصور على ثلثة أنحاء الاول أن يكون عدم جواز التصرف من ناحية عدم المقتضى كما إذا باع الفضولي متاعا لزيد من عمرو فلم يكن ذلك المتاع حال العقد موجودا عند عمرو وإنما ملكه بين العقد والاجازة باع شيئا لنفسه وكان لغيره ثم ملك بنفسه الثاني أن يكون عدم جواز تصرف المجيز حال العقد من جهة فقدان شرطه كما إذا باع الفضولي مال اليتم أو السفيه أو المحجور لفلس ثم صاروا واجدين للشرائط فإن عدم كون المجيز ممن يجوز له التصرف حال العقد من جهة عدم تحقق شرط التصرف و إلا فالمقتضى لذلك موجود وهو كونه مالكا حال العقد. الثالث أن يكون ذلك من جهة وجود المانع بإن كان المقتضى والشرط كلاهما موجودين ولكن يقترنان بمانع يوجب عزل المقتضى و الشرط عن التأثير وهذا كما إذا باع الفضولي مال الراهن فضولا فإن الراهن مالك حقيقة وشرائط التصرف موجود فيه ولكن أقترن ذلك بمانع أوجب منعه عن التأثير وعن جواز التصرف. فهل يحكم في هذه الصورة ببطلان البيع الفضولي أو بالصحة فللمجتران يجيز العقد بعد تجدد المقتض وأحتوائه الشرائط وأرتفاع

[ 250 ]

الموانع أو يفصل بينها فيحكم بالصحة في بعضها وبالبطلان في بعضها الاخر وجوه. أما الصورة الاولى فالبحث فيها من جهات ثلث الاولى أن لا يكون المجيز جائز التصرف حال العقد واقعا الثاني أن لا يكون المجيز جائز التصرف ظاهرا بأن تم موضوع الحكم الظاهرى في حقه وحكم بعدم جواز التصرف فيه. الثالث أن يعتقد عدم جواز التصرف فقط تخيلا وتوهما من غير أن يكون كك واقعا أو يتم في حقه الحكم الظاهرى في مرحلة الشك فالجامع في الجميع هو عدم كون العقد صادرا عن المالك الفعلى مع العلم به فهذه الصورة بعينها هي مسألة من باع شيئا ثم ملك فهى مسألة معروفة وسيأتى الكلام فيها وأما الصورة الثانية فالظاهر أنه لا شبهة في صحة العقد وعدم أشتراطها بكون المجيز جائز التصرف حال العقد بل يكفى في صحته كونه جائز التصرف حال الاجازة و ذلك لان العقد إنما أنعقد بجميع شروطه وقيوده وتحقق حاويا لها من القصد وغيره في صحيفة الوجود خلا أستناده إلى من له العقد ولا بد وأن يستند إليه وإذا كان المجيز حين أجازته قابلا لذلك و صح أن يستند إليه ذلك العقد فما المانع من شمول العمومات عليه والحكم بصحته فذلك حين أنعقاده وأن كان غير واجد لمجيز يجوز تصرفه إلا غير شرط في صحته بل يكفينا الشك في ذلك فندفعه بالعمومات فلذلك العقد صحة تأهلية فنحكم بالصحة كما هو واضح و الذى يوضح ذلك أنه لو عقد صبى أو سفيه عقدا بناء على عدم كونهما مسلوب العبارة فأجازه الولى أو أجازا بعد أرتفاع اليتم والسفه -

[ 251 ]

وصيرورة الصبى بالغا والسفيه رشيدا فهل يتوهم أحد بطلان ذلك العقد فمقامنا هذا من هذا القبيل. نعم في المجنون إذا عقد بسفه ثم أفاق وأجاز العقد لا وجه من الحكم بالصحة بعدم تمشى القصد منه على العقد فيكون باطلا من هذه الجهة وبالجملة سواء كان المتصدي بالعقد هو السفيه و الصبى بنفسهما بأن باعا مالهما مباشرة أم كان المتصدي لذلك شخص فضولة ثم أجازا فلا شبهة في صحة ذلك البيع ولا يضر عدم كون المجيز حين الاجازة جائز التصرف بل يكفى كونهما واجدين للشرط حين الاجازة وذلك لان العقد تمام من جميع الجهات إلا من جهة الاستناد إلى من له الاستناد فقد أستند إليه عند الاجازة من غير أن يكون عنه مانع بوجه. اما الصورة الثالثة فهى أقتران بالمانع كما إذا باع الراهن أو المرتهن أو الفضولي مال الرهانة ثم أجاز الراهن بعد فك الرهن و جواز تصرفه فيه حيث أن الراهن لم يكن جائز التصرف حال العقد وإنما صار كك حين الاجازة فهل يصح هذا العقد أم لا أو يفصل الظاهر أنه لا مانع من الحكم بصحة العقد هنا أيضا لما تقدم أن للعقد تمام التأثير من سائر الجهات بأجمعها إلا من جهة الاستناد فيكون مستندا إلى من له العقد بأجازته إذا كانت حين كون الراهن جائز التصرف خصوصا إذا كان البايع هو المرتهن فإن تصديه بالبيع كاشف عن عدم كون حقه مانعا عنه فيكون كسائر البيوع الفضولية وبالجملة قد عرفت مرارا أن حكم الاجازة حكم البيع الابتدائي فكما أن المناط في تماميته صحة البيع من جميع الجهات في البيع الابتدائي هو

[ 252 ]

زمان العقد فكك في البيع الفضولي هو زمان الاجازة في الشروط التى ترجع إلى المالك دون العاقد وقد فصل بين بيع المرتهن الرهن فحكم بصحته وبين بيع الراهن ذلك فحكم بفساده وحاصل الفارق أن بيع المرتهن الرهن ليس إلا كبيع الفضولي فهو تمام من جميع الجهات فيحكم بصحته بمقتضى العمومات بأجازة الراهن وهذا بخلاف الراهن فإنه وأن كان مالكا ولكن الشارع قد منع عن جواز بيعه العين المرهونة لتعلق حق الغير بها وألغى بذلك أستناد المبيع إليه فيكون بيعه هذا غير مستند إليه وإن كان تمام من سائر الجهات فالبيع الغير المستند إلى شخص باطل لكونه مراعا ومعلقا من دون أن ينضم إلى شخص فهذا ليس مثل بيع والصغير والسفيه و البيع الفضولي فإن البيع في الجميع يستند إلى المالك بالاجازة بعد البلوغ والرشد في الاولين والاجازة في الثالث لو إلى من له العقد أعنى الولى فيتم العقد من جميع الجهات ولم يلغ الشارع اللاستناد بالكلية في أمثال تلك المذكورات وهذا بخلاف الراهن فإنه الغى أستناده إليه وهو نظير تزويج الرجل بنت الاخ أو الاخت على العمة والخالة حيث أن الشارع الغى أستناد ذلك العقد إلى الزوج من دون أذن العمة والخالة فيكون فاسدا وبالجملة كان أساس المنع أن العقد الذى وقع له ينتسب إلى المالك لالغاء الشارع أستناده إليه مع تعلق الغير بالعين والفرض أنه لم يقع هنا عقد أخر بعد أنفكاك الرهن ليستند إلى المالك فيكون باطلا ولا توجب أنفكاك الرهن صحته ولا أن أجازته توجب الصحة لو كان العقد الواقع عليه فضولة فلا يكون ذلك العقد مشمولا للعمومات وفيه الظاهر أنه لا فرق في الحكم

[ 253 ]

بالصحة والاستناد بين بيع الراهن والمرتهن وغير البيوع الفضولية و كلها قابلة الاستناد إلى المجيز ولها صحة تأهلية. وذلك فإن أجازة المرتهن والعمة والخالة وإن كانت دخيلة في صحة العقد ولكن توجب ذلك سقوط العقد عن الصحة التأهلية و عن قابلية الاستناد إلى من له العقد بعد تمامية سائر الشرائط و أجازة من لاجازته دخل في صحة العقد فإنه لا نر مانعا عن شمول أدلة صحة العقود على ذلك بوجه غاية الامر لا بد من ملاحظة ما يدل على دخالة أجازة الغير في صحة العقد فبذلك المقدار نرفع اليد عن اللزوم وإنما نحكم به بعد أجازة الغير وأما المقدار الزائد فلا وليس في الادلة الدالة على دخالة أجازة الغير ما يدل على بطلان العقد بالكلية بدون أجازة المرتهن أو العمة والخالة كما لا يخفى. فيكون ذلك تخصيصا لادلة اللزوم من الاول نظير تخصيصها بالادلة الدالة على ثبوت خيار المجلس من زمان العقد وليس ذلك تخصيصا في الافراد حتى يتوهم عدم أمكان التمسك بالعمومات في مقام الشك بل تخصيص بأعتبار الحالات فيقتصر فيه بالمقدار المتيقن. ويؤيد ذلك الاخبار الواردة في نكاح الصغيرين حيث أن - الصغيرين ليسا ممن يستند اليهما العقد عنده. وكك يدل على ذلك الادلة الواردة في صحة نكاح العبد بدون أذن المولى حيث علل بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده ففى المقام أيضا أن الراهن في بيعه هذا لم يعص الله وإنما عصى المرتهن فيكون عقده وبيعه صحيحا ويتم من جميع الجهات بأجازة

[ 254 ]

المرتهن فهذا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه كما هو واضح لا يخفى. ويؤيد ذلك بيع الصرف والسلم حيث أن العقد حين وقوعه لم ينتسب إلى من له البيع إلى زمان القبض لاشتراطه به وإنما ينتسب بعد تحقق شرطه وهو القبض ويكون مشمولا لاوفوا بالعقود ومقامنا كك فأن العقد الصادر من الراهن لم يكن مستندا إلى الراهن حين الصدور من جهة المانع وكان باطلا بمعنى عدم ترتب الاثر عليه ولكن بعد أرتفاع المانع يكون منتسبا إلى المالك ومشمولا للعمومات كما هو واضح وبعبارة أخرى: أن المقام من صغريات دوران الامر بين التخصيص والتقييد وقد تحقق في محله أن التقيد مقدم على التخصيص لكونه قدرا متيقنا مثلا إذا ورد أكرم العلما وعلمنا بخروج زيد العالم عنه في اليوم الاول يقينا ولكن نشك في خروجه إلى الابد أو في اليوم الاول فحينذ يدور الامر بين تقييد العام باليوم الاول و الالتزام به من جهة طرو حالة موجبة للتقييد وبين تخصيصه وأخراج الخاص من تحته إلى الابد فيؤخذ القدر المتيقن لانه المتيقن الخروج و تمسك بالعام في الازمنة الاخرى ومقامنا كذلك حيث ورد التقيد قطعا للعمومات ببيع الراهن حين تعلق حق الرهانة بالعين الموهونة و خرج بيعه هذا عن تحت العمومات نظير خيار المجلس ولكن نشك أن هذا الخروج بأعتبار تلك الحالة فقط أعنى حالة تعلق حق - المرتهن عليها ليكون الاخراج تقييدا أو أبدى ليكون الخروج تخصيصا فحيث أن القدر المتيقن هو الاول فالمقدار الزائد منه مشكوك فنلتزم بالتقييد فنتمسك بالعمومات في المقدار الزائد وهذا واضح جدا. وقد بقى هنا أمران الاول أنه بعد الالتزام بصحة بيع الراهن

[ 255 ]

وعدم منع تعلق حق المرتهن بالعين عن نفوذه وشمول العمومات عليه بعد أرتفاع حقه وأنفكاك الرهن فهل لاجازة المرتهن دخالة في صحة ذلك البيع الذى كان المالك غير جائز التصرف حين العقد وكان البيع واقعا فضولة أو أصالة من الراهن بعد فك الرهن بأعتبار دخالتها قبل الفك وحين صدور العقد أم لا الظاهر عدم دخالة رضاه في صحة ذلك العقد فإن عقد الراهن كان تمام الجهات وواجدا للشروط من سائر الجهات بأجمعها إلا من جهة الاستناد إلى المالك لمنع تعلق حق الغير بالعين عن ذلك الاستناد وبعد زواله فيكون العقد تماما من جهة الاستناد أيضا فيشمله العمومات وبعد ذلك تعليق صحته إلى شئ آخر خلف الفرض وتحصيل للحاصل وإذا - شككنا في دخالته في صحة العقد فندفعه بالعمومات. الامر الثاني وهو المهم أنه هل هذا كسائر البيوع الفضولية في جريان نزاع الكشف والنقل فيه أو أن له أمتياز عنها قولان و الحق أمتيازه عنها لان الظاهر أنه لا ملازمة بين القول بالكشف هناك وبين القول بالكشف هنا بل نلتزم هنا بالنقل بالمعنى الذى تعرفه مع التزامنا بالكشف هنا تبعا للمحقق الثاني ومن تبعه فإنه (ره) مع أسراره على الكشف في البيع الفضولي لم يلتزم به هنا فإذا باع الراهن العين المرهونة فلا تكون الملكية حاصلة من حين العقد و هكذا لو باع ذلك الفضولي وبيان ذلك أن أساس قولنا بالكشف في هناك هو أن العقد كان واقعا على ما هو عليه من أحتوائه جميع الشرائط إلا جهة الانتساب فإذا أنتسب إليه بالاجازة فيتم من جميع الجهات فتشمل عليه العمومات حين الاجازة وتثبت صحة العقد و

[ 256 ]

ترتب الاثر عليه من الاول لجواز تعلق الاجازة بالامر المتقدم كجواز تعلقها بالامر الحالى والامر المتأخر لكونها من الامور التعلقية كما عرفت وهذا بخلاف ما نحن فيه فإن عدم تمامية العقد على العين المرهونة حين العقد لم يكن مستندا إلى جهة عدم الانتساب إلى المالك بل كان مستندا إلى المالك لو كان الراهن هو البايع وعلى تقدير كونه الفضولي فيكون ناقصا من جهتين الاولى عدم أنتسابه إلى المالك و الثانية جهة تعلق حق الغير به وعدم كون المجيز جائز التصرف حين العقد بل كان فاقدا لشرط آخر وهو خلوه عن رضاية من رضايته شرط في صحة العقد وهو حق المرتهن ولذا لو كان البايع هو الراهن أو غير الراهن فضولة وأجاز الراهن قبل أداء الدين وفك الرهن لا يكون العقد أيضا مشمولا للعمومات لاقترانه بالمانع وهو حق المرتهن وعلى هذا فلو باع الفضولي العين المرهونة أو الراهن في يوم السبت وأنفك الرهن يوم الاحد وأجاز الراهن يوم الاثنين فلا يكون فاقدا من حين العقد لعدم أنحصار المانع بعدم الاستناد فيما إذا كان البايع هو الفضولي وعدم وجدانه تمام الشرائط لو كان هو الراهن وفقدان رضاية المالك بل يكون نافذا من حين الفك فإن ذلك الزمان زمان أنحصار المانع بفقدان الاستناد فإذا رضى المالك بالعقد فيكون نافذا من زمان الفك وأنحصار المانع بعدم رضاية المالك. وبعبارة أخرى: أن رضاية المجيز المالك تصلح العقد من جهة الموانع التى ترجع إليه ومن ناحيته دون الموانع التى من ناحية الغير فإن الناس مسلطون على أموالهم وشئونهم وحقوقهم

[ 257 ]

فليس لاحد التصرف فيما يكون مورد السلطنة الغير ويكون ذلك موجبا لازالة حقه فلا بد هنا من القول بالنقل بهذا المعنى وهو في الحقيقة متوسط بين الكشف والنقل المتقدمين وهذا نظير بيع الصرف فأنه لو باع أحد مقدارا من الذهب فضولة ثم حصل القبض بعد ساعتين وأجاز المالك ذلك البيع بعد أربعة ساعات فهل يكشف ذلك الاجازة من حصول النقل من زمان العقد مع أن شرطه وهو القبض غير حاصل بل أجازته هذه تكشف عن حصول النقل والانتقال من زمان القبض فإن المانع عن النقل والانتقال إلى زمان القبض لم يكن مستندا إلى عدم رضاية المالك فقط بل كان بعد القبض أيضا موجبا لعدم حصول النقل والانتقال ومن هنا كان الامر كك لو كان المتصدي بالبيع هما الاصيلان فهل يزيد بيع الفضولي على بيع الاصيلين فليس كك فأفهم. وبالجملة لا نعقل وجها للقول بالكشف من حين العقد في بيع الفضولي العين المرهونة كما لا يمكن أن يتفوه بذلك في بيع الصرف أيضا. هذا كله فيما إذا كان عدم جواز التصرف مستندا إلى فقدان الشرط أو وجود المانع وأما المسألة الاخرى فهى ما كان ذلك مستندا إلى عدم المقتضى فقد عرفت أن هذه المسألة منحلة إلى ثلث - مسائل. الاولى أن يبيع شخص ما لا لنفسه مع العلم بعدم ملكه له حال العقد واقعا ثم ملكه أما بالاختيار كالبيع ونحوه أو بالنواقل القهرية كالارث فهل يمكن الحكم بصحة ذلك بحسب القواعد أم لا وقد نسب

[ 258 ]

المصنف القول بالجواز إلى الشيخ الطوسى في مسألة بيع المالك العين الزكوى بعد تمام النصاب وقبل أخراج الزكوة حيث التزم الشيخ الطوسى بصحة البيع ويلزم للمالك أداء الزكوة من ماله مع أن هذه المسألة من صغريات ما نحن فيه أعنى بيع شئ ليس للبايع مالكية لها ثم ملكه فإن حق الفقراء قد تعلق بالمال وكانوا شركاء معهم بأى نحو كانت الشركة سواء كان بعنوان الشركة الحقيقية أو من باب الكلى في المعين. وفيه: أن الظاهر أن الشيخ لم يفت في هذه المسألة بالجواز من جهة القواعد بل لورود النص الصحيح عليه وقد ذكر الشيخ النص في كتاب الزكات وهى صحيحة عبد الرحمن البصري قلت للصادق عليه السلام رجل لم يزك أبله وشاته عامين فباعها على من أشتريها أن يزكها لما مضى قال نعم تؤخذ زكوتها ويتبع البايع أو يؤدى زكوتها البايع والعجب من المحقق كيف رضى القول بالاشكال على الشيخ مع ورد النص عليه وغفل عن النص كما أن العجب من المصنف حيث أحتمل أنه إلا أن يكون مراد الشيخ من الحكم بصحة البيع جعل المقام مثل بيع العين التى تعلق بها حق الديان أو حق المرتهن ولم يحتمل كون الشيخ مستندا إلى الرواية وأذن لا وجه للاستشهاد بمثل تلك الفتاوى بالمقام لكونها منصوصة بل لابد من التكلم فيها بحسب ما تقتضيه القواعد. والحاصل أن الكلام في عدم كون المجيز جائز التصرف حال العقد من جهة المقتضى يقع في ضمن مسائل. الاولى أن يبيع مال غيره لنفسه ثم ملكه فهل يصح البيع أم لا

[ 259 ]

كما إذا باع الابن مال أبيه ثم ملكه بالقهر كالارث أو بالبيع وعلى تقدير الصحة نتكلم في أنه محتاج إلى الاجازة أم لا وقد ذكرنا أنه لا ملازمة بين هذه المسألة وبين مسألة بيع العين الزكوى كما ذكرها المصنف في المتن فإن أصل مسألة بيع العين الزكوى وإن كانت من صغريات هذه المسألة بناء على تعلق الزكوة بالعين وكون الفقراء شركاء مع المالك سواء كانت الشركة على نحو الاشاعة أو على نحو الكلى في المعين ولكن المسألة منصوصة فجواز بيعها لا يرتبط بجواز بيع مال الغير لنفسه فإنه ورد النص على ما في حاشية السيد أنه لو باع المالك العين الزكوى فيكون البيع صحيحا فتكون الزكوة على البايع بأن يؤديها من ماله أو تتبع المال فيؤديها المشترى فهذا أمر آخر لا ربط له بما نحن فيه من الكبرى الكلية فأرجاع الشيخ المسألة إلى مثل تعلق حق المرتهن بالعين المرهونة فقد عرفت جوابه فلا بد من صرف عنان الكلام إلى التكلم بحسب القواعد وقبل تحقيق المقام لا بد وإن يعلم أن مقتضى العمومات والاطلاقات صحة تلك المعاملة فلا بد من الحكم بالفساد من دليل خاص ليوجب تقييدها أو تخصيصها إذا عرفت ذلك. أعلم أن المسألة ذات قولين قول بالصحة كما عليه المصنف و جمع كثير غيره وقول بعدم الصحة وعليه جماعة أخرى منهم المحقق النحرير الشيخ أسد الله التسترى وقد أستدل على البطلان بوجوه قد أشار إليها المصنف والى جوابها. الاول الاشكال المتقدم في بيع الغاصب وهو منحل إلى وجوه ثلثة وقد ذكر المصنف أنه لا يجرى بعضها في المقام.

[ 260 ]

الاول عدم تمشى القصد من الغاصب إلى حقيقة المعاوضة فيكون باطلة وقد أجاب عنه شيخنا الاستاذ بوجه لا يكون ذلك جوابا عما نحن فيه ولكن على ما أجبنا عنه به فيكون جوابا عنه هنا أيضا وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ في تصحيح بيع الغاصب الذى لا يجرى هنا فتوضيح ذلك على ما تقدم من شيخنا الاستاذ أن من باع شيئا بما أنه مالك تارة يكون مالكا حقيقيا كما إذا كان مالكا للمبيع. وأخرى يكون مالكا أدعائيا نظير الحقيقة الادعائية في المجاز على ما سلك به السكاكى طريق المجاز كما إذا غصب مال الغير فباعه لنفسه فإنه ليس بمالك حقيقة ولكن لاجل سرقته الاضافة المالية و نسبتها إلى نفسه قد رأى نفسه مالكا للعين وباع بإدعاء أنه مالك وتخيل وجود أضافة مالكية بين المال وبين نفسه كما يتخيل كون المنية سبعا ويثبت له لوازم السبعية من الاظفار وهذا الوجه لا يجرى في المقام فإن البايع لا يدعى كون المال له ليتحقق له ملكا هنا ملكية أدعائية بل هو بعد على أقراره بأن المال للغير وإنما باع هو مال الغير لنفسه فيكون ذلك الوجه غير جار في المقام ومن هنا ذكر شيخنا الاستاذ أن البايع لم يسرق الاضافة ولم يغصب المال فكيف يقصد المبادلة بين الثمن الذى يقصد تملكه والمثمن الذى هو ملك لغيره مع أنها تقتضي دخول الثمن في ملك من خرج عنه المثمن ولكن قد تقدم أن الوجه في صحة بيع الغاصب غير ما ذكره شيخنا الاستاذ. وحاصله أن حقيقة البيع كما مر مرارا ليست إلا عبارة في المبادلة بين المالين بحيث يدخل العوض المكان الذى خرج عنه المعوض وكك

[ 261 ]

العكس وخصوصية قصد المالك ليست دخيلة في صحة البيع بوجه وإنما هو أمر زائد عن حقيقة البيع إذن لو باع مال لنفسه فقصد تلك الخصوصية فهو أمر موافق للواقع وأمر زائد عن حقيقة البيع لا يضر ولا ينفع وإذا باع مال غيره لنفسه فحقيقة البيع التى عبارة عن المبادلة بين المالين قد تحققت لعدم تقدم حقيقة المبادلة والمعاملة بخصوصية المالك وإنما حقيقتها متقومة بتبديل المالين كما عرفت وهى إنما تحصل بالمبادلة في ملك المالك الواقعي ليكون التبديل في الاضافة وهذا المعنى قد تحقق هنا غاية الامر أن خصوصية كون البيع لنفس البايع مع عدم كونه مالكا أمر زائد عن حقيقة البيع فقصد الامر الزائد عن حقيقة البيع الذى لا يوافق الواقع لا يوجب بطلان البيع ولا يضر بصحته ووجه صحة بيع الغاصب على هذا التقريب يجرى هنا أيضا لكونه بيعا حقيقة ومشمولا للعمومات فإن ما أعتبر الرضاية في البيع ليس إلا آية التجارة وقوله عليه السلام لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه فلا شبهة أن الشخص إذا باع مال غيره ثم ملكه يصدق عليه أنه تجارة عن تراض وطيب نفس ولعل مراد المصنف من قوله ربما لا يجرى بعض الوجوه هنا هو هذا الوجه. وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ فشئ لا يمكن تصديقه إذ الغاصب لا يسرق الاضافة وإنما يغصب المال وأما الاضافة فأمر أعتبارى يعتبره لنفسه فمجرد أدعائه المالكية لا يوجب أنقلاب الواقع عما هو عليه بناء على دخالة تعين المالك وقصده في حقيقة البيع. الثاني أن الغاصب إنما قصد كون البيع لنفسه وعامل على ذلك القصد فلا شبهة أن البيع إنما يقع للمالك إذا أجاز دون الغاصب

[ 262 ]

فيلزم ح كون ما تعلق به الاجازة غير ما وقع فلا يكون صحيحا إذ - الواقع غير مجاز والمجاز غير واقع. وهذا الوجه من وجوه بطلان بيع الغاصب يجرى هنا أيضا إذ البايع لمال الغير لنفسه إنما باعه لنفسه وبقصد كونه له وأجازة المالك إنما هي بعنوان كونه له دون العاقد فيلزم أن يكون الواقع غير مجاز والمجاز غير واقع وليس ما أجازه المالك منشاء حتى يكون موردا للاجازة. الوجه الثالث: أن الاخبار تدل على أن بيع ما لا يملك حين العقد غير جائز وقد تقدمت الاشارة إليها والى توجيهها وسيأتى الكلام فيها تفصيلا. والحاصل أن من جملة الاشكالات التى أشكل به التسترى على صحة بيع مال الغير لنفسه ما أشكلوا به في بيع الغاصب من عدم تحقق قصد البايع إلى حقيقة المعاوضة والمبايعة فإن حقيقتها مبادلة مال بمال بحيث يدخل العوض من كيس من خرج المعوض منه لتحقق المبادلة بين المالين في جهة الاضافة. أقول: وقبل الدخول بتوضيح ذلك لا بد وإن يعلم أن مقتضى العمومات والاطلاقات صحة بيع مال الغير لنفسه ثم يملكه لصدق البيع عليه في العرف حقيقة فيكون مشمولا للعمومات والاطلاقات فإن ثبت من العقل والنقل دليل خاص يوجب تخصيصها أو تقييدها فنأخذ به ونقيد بذلك أو نخصص الاطلاق والعمومات وإلا فنحكم بصحة المعاملة وهكذا الامر في جميع الموارد إذا عرفت ذلك فنقول أنه و إن أجبنا عن ذلك الاشكال أمس بما لا يضر ببيع الغاصب ولا ببيع

[ 263 ]

البايع مال الغير لنفسه ولكن نقول في اليوم أن بيع مال الغير لنفسه ولكن نقول في اليوم أن بيع مال الغير لنفسه يتصور على قسمين. الاول أن يكون غرض البايع من ذلك بيع مال الغير فعلا ليشترى منه بعد ذلك أو يتملك بغير الشرى بحيث يعلم قطعا أنه يتملك. وبعبارة أخرى يكون الانشاء فعليا والمنشأ أستقباليا يحيث ينشأ فعلا ملكية مال الغير لزيد ليدخل الثمن في مقابله في كيسه ولكن ملكية متأخرة نظير بيع مال نفسه بعد خمسة أيام وهذا لا شبهة في صدق حقيقة المبايعة عليه وتحقق القصد من البايع إلى ذلك وكونه مشمولا للعمومات والاطلاقات بحيث ليس فيه محذور من هذه الجهة التى نحن بصددها بل لا يتوقف على الاجازة أصلا لكونه خارجا عن البيع الفضولي وإنما باع مال نفسه. نعم نتوقف فيه من جهة التعليق المجمع على بطلانه في العقود فإن الانشاء هنا وإن كان حاليا ولكن المنشأ عبارة عن ملكية مال زيد للمشترى بعد خمسة أيام نظير باب الوصية وليس هذا التعليق مثل قول البايع أن كان هذا لى فبعت عند الشك في كونه له أو لغيره أو قال بعتك هذا إن قبلته فإن أمثال هذه التعليقات التى هي راجعة إلى التعليق في أركان العقد المنكونة في العقد حقيقة سواء صرح به أم لا لا يضر بالصحة لكونها مما لا بد منه وخارجا في معقد الاجماع القطعي الذى أدعوه في المقام. اللهم إلا أن يقال أن بطلان التعليق إنما هو بالاجماع كما سمعت وهو دليل لبى فلا بد من أخذ المتيقن من ذلك فهو فيما إذا كان البايع باع مال نفسه فلو علقه على شئ فحكم ببطلانه -

[ 264 ]

للتعليق للاجماع على بطلانه وأما فيما كان التعليق في بيع مال غيره فلا يقين لنا لكونه داخلا في معقد الاجماع. الثاني من صورتي بيع مال الغير لنفسه ثم يملكه أن يكون الانشاء والمنشأ كليهما فعليين من دون أن يكون في البين تعليق بأن يكون المنشأ الملكية بعد خمسة أيام بل ينشأ ملكية مال زيد لعمرو في مقابل خمسة دنانير ليدخل الثمن في كيسه ويخرج المثمن من كيس زيد من غير أن يكون غرضه أنشاء الملكية المتأخرة ليتملك بعد ذلك ويعطيه للمشترى وإن كان غرض التسترى (ره) هذا الوجه الظاهر أنه لا مدفع له لانتفاع حقيقة المبايعة فإن حقيقتها المبادلة بين المالين وذلك لا يتحقق إلا بكون العوض داخلا على كيس من خرج المعوض من ذلك ومن هنا قلنا سابقا أن حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين المالين في جهة الاضافة وبأن يعقد العوض مكان المعوض والمعوض مكان العوض وإلا فليس المراد من التبديل التبديل المكانى وعلى هذا فيتوجه أشكال عدم تحقق القصد إلى حقيقة المبايعة والمبادلة وما قلنا أمس من عدم دخالة خصوصية المالك في حقيقة البيع لكونها أمرا زائدا عنها وإن كان صحيحا ولكن المقام ليس كك لما عرفت من عدم كون ذلك مربوطا بتلك الخصوصية بل راجعا إلى هدم حقيقة البيع فإنه إنما لا يضر عدم التوجه إلى الخصوصيات المالكية إذا كانت حقيقة البيع متحققه وإنما كان الاشتباه في خصوصية المالك أنه هو أو غيره كما إذا باع مال غيره أشتباها أو بتخيل أنه له فإن القصد في أمثال ذلك إنما تعلق بالمبادلة بين المالين بحيث يكون العوض داخلا مكان المعوض وبالعكس غاية الامر

[ 265 ]

أن الخطاء وقع في تطبيق المالك على غير المالك. نعم هذا يجرى في بيع الغاصب حيث أنه نزل نفسه إدعاء منزلة المالك وجعل نفسه من مصاديق ذلك فإن المبادلة إنما وقع بين المالين بحيث يكون العوض داخلا في ملك طبيعي المالك و بالعكس والخصوصيات الشخصية المالكية خارجة عن حقيقة المبادلة وإذا باع شخص مال غيره كما في الغاصب بدعوى أنه هو المالك نظير دعوى الحقيقة الادعائية في المجاز على ما سلكه السكاكى فقد حصلت المبادلة بين المالين حقيقة وأما إذا لم يكن كذلك ولا أن يكون البيع مستندا إلى الاشتباه ولا إلى التخيل بل مع العلم بإن المال مال الغير يبيع ذلك ليكون المعوض خارجا من كيس مالكه و يدخل العوض داخلا بكيس نفسه البايع دون المالك فقد عرفت في تعريف البيع أنه خارج عن حقيقة المبايعة والمبادلة وبالجملة أن الخصوصيات المالكية لا تضر بحقيقة المعاملة إذا لم توجب التزلزل في حقيقة المبادلة وإلا فلا بد من أعتبارها على النحو الذى عرفت. لا يقال أن من باع مال غيره لنفسه وإن لم يدعى كون نفسه مالكا تنزيليا ومن مصاديق طبيعي المالك إلا بأعتبار كونه مالكا بعد مدة أما بالقهر أو بالاختيار يكون مالكا بالفعل وحين العقد أيضا بالمجاز المشارفة. فإنه يقال أن المجاز المشارفة لا يوجب تحقق البيع حقيقة و إنما يوجب كونه مالكا مجازا وما صدر منه بيعا مجازا ولا يقاس ذلك - بالادعائى فإنه يوجب تحقق البيع حقيقة. الاشكال الثاني على بطلان بيع مال الغير لنفسه إنه لا بد و

[ 266 ]

أن يكون بيع الفضولي واجد الجميع الشرائط وحاويا لها غير جهة رضاية المالك فإذا رضى المالك فيتم من جميع الجهات ويستند البيع إليه ويكون مشمولا للعمومات ومقامنا هذا ليس كك إذ البايع مال الغير لنفسه مع عدم وجدان بيعه رضاية المالك ليس قادرا على تسليم المبيع حين العقد مع أنه لابد من أعتباره حين العقد بمقتضى الادلة وقد أجاب عنه المصنف بما حاصله أن كلامنا في المقام في البيع الفضولي وإن رضاية المتأخرة هل توجب صحة ذلك البيع أم لا فقد عرفت كفايتها فيها فأن ما يدل على أعتبار رضاية المالك ليس إلا آية التجارة والتوقيع الشريف الدال على حرمة التصرف في مال الغير إلا بطيب النفس ولا شبهة أن البيع الفضولي بعد رضاية المالك تجارة عن تراض وأكل مال الغير بطيب نفسه وليس مثل بيع مال الغير عدوانا وغصبا أو نحو ذلك لئلا يصدق عليه التجارة عن تراض. وأما كون ذلك البيع فاقد لشرط آخر بحيث يكون البطلان مستندا إلى فقدان ذلك الشرط فغير مربوط بأمر البيع الفضولي. وفى مقامنا هذا أن هذا البيع باطل من جهة عدم قدرة البايع على التسليم لانا لا نضائق من أعتباره حال العقد لاجل الدليل الدال على أعتباره إذن فيكون البيع هنا باطلا لذلك لان من هو بايع ليس بقادر على التسليم حال العقد وإن كان قادرا حين الاجازة وما هو قادر على التسليم أعنى المالك ليس ببايع فتفسد المعاملة. أقول أما التزامه بكفاية رضاية المالك عند الاجازة وكون البيع الفضولي بالاجازة تجارة عن تراض وأكلا لمال الغير بطيب النفس

[ 267 ]

فما لا شبهة فيه لعدم الدليل في صدق التجارة عن تراض أزيد من أستناد البيع إلى المالك فهو حاصل بالاجازة. وأما أعتباره القدرة على التسليم حال العقد فتارة نقول بأعتبار نفس التسليم الخارجي وأخرى بالقدرة عليه أما الاول فلا دليل على أعتباره في صحة العقد قطعا غاية الامر مع عدم التسليم الخارجي يثبت للمشترى أو البايع مع عدم تسليم الثمن خيار تخلف الشرط - الضمنى لالتزام كل من البايع والمشترى ضمنا على التسليم كما لا يخفى وأما أعتبار القدرة على التسليم فليس عليه دليل إلا أحد الوجهين على سبيل منع الخلو فشئ منهما لا يدل على مقصد المصنف أحدهما كون ذلك البيع الذى لا يقدر المالك على تسليم المبيع حال العقد خطريا وغرريا وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر فيكون باطلا لذلك. وفيه أن الخطر والخديعة الذى هو معنى الغرر إنما يتوجه عند الاجازة أستناد البيع إلى المالك الذى هو البايع حقيقة فإن وقت الاجازة وقت تحقق البيع وحصول حقيقته وترتب آثاره وأما قبل ذلك فالفضولي ليس إلا عاقدا فلم يتحقق البيع حقيقة ليترتب عليه آثاره فهل يتوهم أحد ترتب أحكام البيع وأثاره على العاقد فالفضولي من هذه الجهة ولا يفرق فذلك كونه مالكا حال العقد أيضا أم لا بل يكون مالكا بعد العقد كما باع الابن مال أبيه فمات وأنتقل إليه أو مال غيره فأشتراه بعد ذلك كالعاقد وإن كان فعله منشأ للاثر من جهات أخرى كما تقدم. إذن فلا يكون ذلك دليلا على أعتبار القدرة على التسليم حال

[ 268 ]

العقد بل على أعتباره حال الاجازة فقط فهو مسلم فلا يكون بيع مال الغير لنفسه ثم يملكه باطلا من جهة عدم القدرة على التسليم أيضا فلا يكون ذلك مانعا من شمول العمومات والاطلاقات على ذلك وبعبارة أخرى: أن الدليل إنما دل على أعتبار القدرة على التسليم للبايع بأن يكون هو قادرا على تسليم ما باعه وعنوان البايعية إنما تحقق عند الاجازة فيكون المالك بأجازته بايعا لان الفضولي المنشأ للعقد ليس ببايع حقيقة فيكون أعتبار القدرة على التسليم من حين الاجازة للمالك لا قبله فيكون المناط قدرة المالك حال الاجازة على التسليم سواء كان مالكا حين العقد أيضا أم لا. الثاني قيام الاجماع على القدرة على التسليم في البيع فلو خلا عن ذلك فيكون باطلا ففى المقام أن البايع ليس بقادر عليه حال العقد. وفيه على تقدير قبول الاجماع فهو دليل لبى فالمتيقن منه صورة كون البايع بايعا لمال نفسه فإن ح نعتبر القدرة على التسليم حال العقد. وأما في بيع مال الغير لنفسه فنشك في دخول ذلك في معقد الاجماع فيكون خارجا عنه لعدم الاطلاق للادلة البينة ليشمل الموارد المشكوكة أيضا. وأما أعتبار التسليم الخارجي فهو غير معتبر في صحة البيع قطعا لعدم الدليل عليه بوجه ومن هنا لو باع ماله من شخص ولم يسلم ذلك قهرا عليه فلا يوجب ذلك بطلان المعاملة كما تقدم نظير ذلك في بيع السلاح لاعداء الدين نعم يثبت للمشترى خيار الفسخ

[ 269 ]

من جهة المخالفة بالشرط الضمنى حيث أن البايع يستلزم ويشترط في ضمنى العقد أن يسلم المبيع إلى المشترى وإلا فله أن يفسخ المعاملة لاجل مخالفة هذا الشرط. الاشكال الثالث من أشكالات التسترى أنه على القول بالكشف وكون الاجازة كاشفة عن الملكية السابقة كما هو الحق وأغمضنا النظر عن الاشكالين الاولين من منع تحقق حقيقة البيع أو بطلانه من جهة عدم القدرة على التسليم أنه يلزم خروج المال عن ملك البايع قبل دخوله فيه فإن الفرض أنه باع مال غيره لنفسه ولم يملك بعد وقد ملك المشترى عليه على الفرض كما هو مقتضى القول بالكشف فح يلزم المحذور. وقد أجاب شيخنا الانصاري عن هذا الاشكال. بما حاصله أن دليل الكشف إنما يدل عليه في مورد يكون قابلا لذلك لا في مورد غير قابل لذلك فإذا باع شخص مال غيره لنفسه ثم ملكه أو باع مال غيره لغيره فضولا ثم ملك الغير ذلك المال فأجاز البيع فيكون حصول الملكية على الكشف من زمان التملك فإن هذا الزمان زمان قابلية تحقق الكشف ويكون مبدء الكشف من زمان أشتراء البايع أو من له البيع الفضولي إلى زمان الاجازة فيما أحتاج إليها وأما قبله فليس المورد قابلا لحصول الملكية حتى يستشكل في ذلك و في نحو حصولها. وبعبارة أخرى: أن كشف الاجازة عن الملكية إنما يترتب على وجود الملكية بحيث أن الملكية بمنزلة الموضوع للكشف والكشف عنها بمنزلة الحكم المترتب على الملكية وإذا لم يكن من له البيع

[ 270 ]

مالكا فيكون المورد غير قابل للكشف عن حصول النقل من زمان العقد بالاجازة بل من نقطة من الزمان الذى يكون قابلا للكشف وقبل تلك النقطة ليس المورد قابلا لذلك فإن من له البيع ليس له مال حتى ينتقل إلى المشترى ويتصور الكشف وعلى هذا فيكون المال خارجا من ملك البايع بعد دخوله في ملكه لا قبل دخوله فيه. وعلى هذا لا مانع من شمول العمومات لما نحن فيه فيكون المقتضى للصحة موجودا وليس عن شمولها مانع عقلي أو شرعى ليكون موجبا لرفع اليد عنها. وبالجملة من حين وجود القابلية أن يخرج المال من ملك البايع فلا نتصور مانعا بوجه عن شمول العمومات على ذلك. ثم قال لا يقاس المقام بما تقدم في الكشف والنقل أنه لو خص المالك على الكشف الاجازة بزمان متأخر عن العقد حيث قلنا بعدم صحة ذلك ووجه عدم القياس أن القابلية للكشف هنا كموجود من الاول فتكون العمومات شاملة عليه من حين العقد بخلافه هنا فإن العمومات كما عرفت شاملة عليه من زمان تكون القابلية لا قبله فيكون الاجازة في الاول بعد العقد مع كون القابلية من حين العقد قادحة في صحة العقد وغير موافقة للواقع. وقد أشكل عليه شيخنا الاستاذ بأنه بناء على جواز رد المالك عقد الفضولي وأسقاطه عن قابلية لحوق الاجازة به وبناء على كون الرد متحققا بالفعل والقول معا كما بينا على ذلك فيما تقدم فيكون بيع المالك ذلك المال الذى باعه الفضولي ردا عمليا كالفسخ العملي في باب الخيار وكالرجوع العملي في باب الطلاق إذن فلا يبق

[ 271 ]

مجال لاجازة من له العقد ذلك العقد الفضولي لسقوطه عن قابلية لحوق الاجازة عليه. وفيه بناء على قبول جواز رد المالك العقد الفضولي بمعنى أسقاطه عن قابلية لحوق الاجازة بها وأن ذلك أمر ثابت للمالك أما بالاجماع أو بدليل السلطنة لكون ذلك أيضا حقا ثابتا له في ماله و من شئون سلطنته ويرد عليه أولا أن مقتضى الناس مسلطون على أموالهم كونهم مسلطين على أموال أنفسهم لا على أموال غيرهم إذا بيع المالك ماله أوجب سقوط قابلية العقد عن لحوق الاجازة به في ملك نفسه لا في ملك غيره فإنه بعد البيع صار ملكا للغير فله أن يجيز العقد المتعلق بذلك المال نظير موت المالك وأنتقاله إلى الورثة فكما للورثة ذلك فكك للمالك الثاني ذلك والسر في جميع ذلك هو أن خصوصية المالك غير دخيلة في صحة البيع بل هو مبادلة مال مالك طبيعي مع مال مالك طبيعي آخر. وثانيا أن الدليل أخص من المدعى فأن هذا إنما يتم فيما إذا أنتقل المال من المالك إلى من له العقد بالنواقل الاختيارية كالبيع والهبة ونحوهما وأما لو كان بالنواقل القهرية كالارث ونحوه فلا عمل هنا ليكون ذلك ردا للبيع الاول كما هو واضح ومن عجائب شيخنا الاستاذ حيث التزم أن تبدل المالكين هنا كقيام الوارث مقام المورث فيكون الكشف هنا من الاول ومن زمان العقد فإنه بأى وجه يمكن الالتزام بأن الوارث قائم مقام المورث فيكون أجازته كاشفه عن الملكية من أول الامر وزمان العقد ليكون تبدل المالكين أيضا من هذا القبيل.

[ 272 ]

وأما ما أفاده شيخنا الانصاري من أن الكشف من زمان القبول وهو أول حدوث الملكية لمن له العقد وفيه أنه على هذا يلزم أن يكون الواقع غير مجاز والمجاز غير واقع حيث أن المنشأ هو الملكية من زمان العقد والذى وقع هو هذا والاجازة تعلقت على الملكية من زمان متأخر عن العقد فيكون المجاز غير الواقع الذى لم يقع عليه العقد إذا فلا مقتضى لصحة العقد لانه ليس هنا عقد لتشمله العمومات وبعبارة أخرى: أن العقد الفضولي بمنزلة الايجاب والاجازة بمنزلة القبول فيما هو واقع هنا فأيجاب ليس له قبول وما تعلق به الاجازة فقبول ليس له أيجاب فلا عقد هنا ليكون مشمولا للعمومات. الاشكال الرابع: أن العقد الاول الذى أوقعه البايع الفضولي وباع مال غيره لنفسه إنما يتوقف على صحة البيع. الثاني أعنى أشتراء البايع الاول المبيع الذى باعه من المشترى فضولة من مالكه الاصلى لانه مع عدم صحة ذلك البيع الثاني لا يصح بيعه الاول أيضا فإن البايع لم يبيع مال نفسه حتى يصح بيعه بل إنما باع مال غيره فبيعه إنما يكون صحيحا لو أشترى ذلك المال ثم يعطيه للمشترى الاول فيلزم من عدم صحة البيع الثاني عدم صحة البيع الاول أيضا وصحة العقد الثاني يتوقف على بقاء المالك على ملك مالكه الاول وإلا فلا يجوز بيعه على فرض خروجه عن ملكه وعلى هذا فعلى القول بالكشف من حين العقد يلزم أجتماع مالكين في ملك واحد فإن مقتضى صحة البيع الاول كون الملك للمشترى من زمان العقد الذى يكشف بأجازة من له العقد أو بدون الاجازة بل بالاشتراء فقط فيما كان البايع بايعا لنفسه وصحة البيع الثاني كونه

[ 273 ]

للاصيل إلى زمان البيع. فأجتماع المالمين في ملك واحد محال للتضاد على أن صحة البيع الاول متوقفة على تملك البايع المبيع فهو متوقف على ملك البايع الثاني ليبيعه منه مع أنه لو صح الاول يلزم منه عدم الثاني فإنه مع صحة الاول يكون المبيع مالا للمشترى من زمان العقد على الكشف فلا يبقى مجال للبيع الثاني وملكية الاصيل وإذا لم يبق مجال للثاني فينعدم صحة البيع الاول وملكية المشترى الاول أيضا لان الفرض أنه كان متوقفا على الثاني فيلزم من وجود البيع الثاني عدم الاول فيلزم من وجود الاول عدمه وكك الثاني فيلزم من وجوده عدمه في آن فهو محال. وقد دفعه المصنف بمثل ما أجاب به في الاشكال الثالث من أن الكشف من زمان القابلية لا من زمان العقد ولكن بناء على صحة جواب المصنف فهو إنما يوجب دفع الاشكال من جهة أختصاصه بالمقام لكن لايد دفعه في جميع موارد الفضولي على الكشف وفى المقام من زمان القابلية كما أشار إليه التسترى (بأن قلت) فإن هذا الاشكال مشترك الورود في جميع موارد الكشف حتى من المورد القابل في المقام فإن صحة البيع الفضولي على الكشف يقتضى حصول الملكية للمشترى من زمان العقد أو من زمان قابل للكشف فهو متوقف على أجازة المالك وإلا فلا يصح صحة أجازة المالك متوقفة على كونه مالكا وإلا فتكون أجازته كأجازة الاجانب فيلزم أجتماع المالكين في ملك واحد ومن وجود ملك المشترى الاصيل عدمه ومن وجود ملك المالك عدمه فإن مالكية المشترى يقتضى صحة أجازة المالك وصحة

[ 274 ]

أجازة المالك تقتضي عدم ملكية المشترى فملكية المشترى تقتضي عدمه وكك صحة الاجازة تقتضي وجوك ملكية المشترى الاول فهو يقتضى عدم صحة الاجازة فصحة الاجازة تقتضي عدم صحتها فلا بد أما من القول ببطلان البيع الفضولي بالكلية أو بطلان القول بالكشف. وقد أجاب عن ذلك الاشكال التسترى بالالتزام بالملك الصوري بدعوى أنه يكفى في الاجازة ملك المالك ظاهرا وهو الحاصل من أستصحاب ملكه السابق لانها الحقيقة رفع اليد وأسقاط للحق ولا يكفى الملك الصوري في العقد الثاني لكونه بيعا وهو يقتضى الملكية الحقيقية فلا يمكن ذلك بالاستصحاب. وأجاب المصنف عن هذا الجواب بوجوبه كلها صحيحة. الاول أن الاستصحاب إنما يثبت الملك الظاهرى للمالك الظاهرى فتنفذ أجازته ما لم ينكشف الحال وبعد أنكشاف الواقع وعلم أنه ليس بمالك فلا تكون أجازته نافذة بل لا بد في صحتها من كونها صادرة من المالك الواقعي كالبيع فأنهما من آثار المالك الواقعي دون المالك الظاهرى ومن هنا لو تبين في مقام آخر كون المجيز غير المالك لم تنفع أجازته لان المالكية من الشرائط الواقعية دون العلمية. الثاني أنه لا وجه للفرق بين صورتي الاجازة والعقد بأن يلتزم بكفاية الملك الصوري في الاول وبعدم كفايته في الثاني بل هما من واد واحد فلا يترتبان إلا على الملك الواقعي والمالك الواقعي كما عرفت ولا ينقضى تعجبي منه في وجه الفرق فأنه كيف حكم بأن الاجازة أسقاط للحق ورفع اليد عنه مع أنه لا يعقل رفع اليد عنه إلا مع ثبوت الحق فيما لم يثبت الحق كيف يمكن رفع اليد عنه ثم.

[ 275 ]

قال شيخنا الانصاري والتحقيق أن الاشكال ناشئ من القول بالكاشفية على مسلك المشهور من القول بكون الاجازة شرطا متأخرا يؤثر في سببية العقد المتقدم وأما على القول بالكشف الحكمى فينزل بالاجازة غير المالك منزلة المالك في زمان العقد وهذا لا ينافى مع كون الملك باقيا تحت ملك مالكه الاول حقيقة. وهكذا الكلام في الكشف بالمعنى الذى ذكرناه فإنه عليه ينكشف بالاجازة كون المشترى مالكا حقيقة من حين العقد ولكن من زمان الاجازة بحيث يحكم يترتب آثار الملك عليه حين الاجازة من زمان العقد فهو نتيجة الكشف الحكمى والظاهر من كلامه هذا أنه ألتزم بالاشكال على الكشف الحقيقي وكك الظاهر من شيخنا الاستاذ أنه أيضا التزم بالاشكال ولذا سلك مسلكا آخر وقال أن أجتماع المالكين في ملك واحد إنما يستحيل في الملكية العرضية لا في الملكية الطولية فقد ورد نظيره في الشريعة كمالكية العبد فأنها في طول مالكية المولى فإن المولى مالك له ولما في يده وفى طول ذلك فهو مالك لما في تحت يده وفى المقام أن مالكية المشترى في طول مالكية المالك فإذا أجاز المالك البيع فيكون مالكية المشترى في طول ذلك فلا محذور فيه. وفيه: أن الطولية في الملكية إنما تكون متصورة إذا كان الثاني من شئون الاول ومن فروعه وإلا فلا نعقل لذلك معنى صحيحا ونظير ذلك ما ورد في الشرع من المثال المتقدم من ملكية العبد فإن ملكيته من شئون ملكية المولى فعلى القول بكون العبد مالكا فيكون ذلك في طول مالكية المولى له ولما في يده ومن

[ 276 ]

شئون ذلك كونه مالكا لما في يده وكك نظيره في الملكية التكوينية نظير مالكية الخالق جميع الموجودات ومن شئون ذلك مالكية العباد أموالهم بالملكية الاعتبارية ومن هذا القبيل مالكية القائم مقام و سلطنته للبلد ومالكية المتصرف لها ولغيرها فأن الاول في طول الثاني وهكذا ما فوق المتصرف إلى أن يصل إلى الملك فإنه سلطان جميعهم وفى جميع ذلك المالكية الواقعة في طول المالكية الاولى ليس إلا من شئون الاولى لا أنها ملكيتان مستقلتان ومالكيتهما مالكية مستقلة. وهذا بخلاف المقام فإن مالكية المشترى وإن كانت في طول مالكية المجيز إلا أن ذلك طولية العلية والمعلول وأن ملكية - المشترى معلولة لملكية المجيز وإلا لم تحدث الاجازة ملكية للمشترى مثلا بل تكون كأجازة سائر الاجانب أجنبية عن العقد وليس ملكية المشترى من شئون ملكية المجيز بنحو بل كل منهما ملكية مستقلة فمقتض ذلك كون أثر كل منهما مترتبا عليها وإذا مات كل منهما ينتقل ملكيته إلى الوارث ولكل منهما التصرف في ذلك المال كيف يشاء و هكذا وهكذا فيعود الاشكال إلى حاله على النحو الذى عرفت ومن العجائب ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ من قيام الورثة مكان المورث ووجه العجب أنه وإن كان فرض ذلك ممكنا وغير محتاج إلى مئونة بحيث تكون بذلك الفرض أجازة الورثة إجازة للبيع من حين العقد ولكنه لا دليل عليه وإنما الدليل على أن ما تركه الميت فلو أرثه و الذى ينبغى أن يقال أن المجيز مالك في حال الاجازة لو لا أجازته بمعنى أن أجازة كل أحد لا تكون مؤثرة في العقد الفضولي حتى

[ 277 ]

الاجانب بل إنما تكون المؤثر فيه أجازة المالك أي الذى لو لم يجز كان مالكا فهو مالك لولائي في حال الاجازة لا أنه مالك حقيقة ليلزم المحذور فشرط المجيز ليس أن يكون عند أجازته مالكا حقيقة بل على تقدير عدم الاجازة فإلى زمان الاجازة هو مالك حقيقة فبالاجازة - نكشف عن حصول الملكية من زمان العقد حقيقة. وبعبارة أخرى: تارة نتكلم في مقام الاثبات ووجود المقتضى والدليل على ذلك فقد تقدم أنه لا دليل على الكشف بمعنى المشهور وأخرى نتكلم في إمكان ذلك وفى مقام الثبوت فتصويره على النحو الذى ذكرنا بمكان من الامكان كما هو واضح فلو ورد الدليل على ذلك لا وجه لحمله على الاستحالة والرد من هذه الجهة بل نأخذه ونبتني عليه لتماميته ثبوتا وأثباتا. الاشكال الخامس: أنه إذا كانت الاجازة المتأخرة كاشفة عن صحة العقد الاول فيكون المال ملكا للمشترى الاول فح إذا وقع عليه العقد الثاني فيكون واقعا على ملك المشترى فيكون فضوليا فيتوقف على أجازته كما لو ورد على المبيع بيوع متعددة فأجاز المالك البيع الاول فإنه صحة البيوع المتأخرة تتوقف على أجازة المشترى الاول وعلى هذا فيلزم توقف صحة أجازة المجيز على أجازة المشترى للبيع الثاني فإنه ما لم يجز المشترى البيع الثاني لا يتحقق موضوع لاجازة المجيز فإن الفرض أن المبيع ملك للمشترى وصحة أجازة المشترى متوقفة على أجازة المجيز لاصل البيع فإنه بدون ذلك لا تحصل الملكية للمشترى أصلا إذن فيلزم توقف أجازة كل من الشخصين على الاخرى.

[ 278 ]

وأيضا يلزم أن تتوقف صحة العقد الثاني وأجازة العقد الاول على أجازة المشترى الاصيل كما هو واضح وهذا من الاعاجيب فإن ذلك يستلزم عدم تملك المالك الاصيل شيئا من الثمن والمثمن و وتملك المشترى الاول المبيع بلا عوض إن أتحد الثمنان ودون تمامه إن زاد الاول ومع زيادة أنه نقص لانكشاف وقوعه فالثمن له وقد كان المبيع له أيضا بما تدله من الثمن مثلا وتوضيح ذلك أما العقد الاول فتوقفه على أجازة المشترى بالواسطة فإنه يتوقف على أجازة البايع المتوقفة على البيع الثاني المتوقف على أجازة المشترى وهكذا يلزم عدم تملك المالك الاصيل شيئا من الثمن والمثمن أما الثمن فلان المبيع ملك للمشترى فالبايع الفضولي يشترى منه حقيقة فلا بد من أن يسلمه إلى المشترى وأما المثمن فلانه بالبيع الاول تملكه المشترى وهكذا يلزم تملك المشترى المبيع بلا ثمن لو أتحد الثمنان كما لو باعه الفضولي بعشرة ثم أشتراه بهذا المقدار من الاصيل فيجب عليه رده إلى المشترى ويلزم تملكه لمقدار من المبيع مجانا لو زاد ثمن الاول كما لو أشتراه بعشرة وأشتراه البايع من الاصيل بخمسة ويلزم تملكه تمام المبيع مجانا مع الزيادة لو نقص ثمن الاول كما لو أشتراه بخمسة وأشترى البايع من الاصيل بعشرة ثم أن تلك الوجوه مذكورة في الايضاح وجامع المقاصد. الاشكال السادس: أن بيع الاصيل ما له من البايع الفضولي رد عملي لبطلان البيع الاول فيكون باطلا غير قابل للاجازة. وفيه قد تقدم أنه على تقدير كون الرد موجبا لاسقاط العقد في القابلية فهو أما بدليل السلطنة وفيه أنه يقتضى أسقاط العقد

[ 279 ]

الاول عن القابلية فكيون موجبا لاسقاطه عن القابلية في ماله ما دام ماله فإذا كان مالا لشخص آخر فهو ليس مسلطا عليه. وأما بالاجماع فالمتيقن منه أن المالك له حق الرد من ماله لا من مال شخص آخر فالمبيع وإن تعلق به ذلك العقد ورده مالكه ولكن بعد ما خرج في ملكه فلا نعلم تأثير رده عن البيع حتى إذا كان مال شخص آخر أيضا فلا ندرى كون ذلك داخلا في معقد الاجماع على تقدير تحققه. الاشكال السابع: على بطلان بيع مال الغير لنفسه الاخبار الدالة على عدم جواز بيع ما ليس عندك. فهى على ثلثة طوائف الاولى ما دل على ذلك مطلقا في الاعيان الشخصية والبيع الكلى فتكون ظاهرة في بطلان بيع ما ليس عنده مطلقا كقوله عليه السلام لا تبع مال ليس عندك وأمثال ذلك. الثانية ما يكون ظاهرا في حرمة بيع الاعيان الشخصية التى ليست عنده كروايتي أبنى الحجاج في بيع الدابة فإنها ظاهرة بل صريحة في بطلان البيع الشخصي الذى ليس عنده وهذا يظهر من رواتين آخرتيين التين تدلان على عدم جواز بيع المتاع الذى ليس عنده فأن الظاهر من قول السائل أشتر لى متاعا ليس معناه المتاع الكلى الشامل لكل شئ لانه لا يكون محط نظر بل المتاع الشخصي فيكون قوله عليه السلام بعدم الجواز إذا باع ذلك المتاع عليه قبل الشرى ظاهرا في بطلان المعاملة على العين الخارجية التى ليست عنده. الثالثة ما يكون ظاهرا في البيع الكلى مثل ما دل على عدم جواز بيع الحرير قبل الشرى فأن الظاهر من الحرير هو الكلى.

[ 280 ]

أما الطائفة الثالثة فلا بد من رفع اليد عنها أما بحملها على الكراهة أو على التقية إذ لا شبهة في جواز البيع الكلى في الذمة عندنا على ما نطقت به الروايات ومن هنا نقض الامام عليه السلام على - العامة القائلين بعدم جواز بيع الكلى للاخبار الدالة على عدم جواز بيع ما ليس عندك ببيع السلم لكونه أيضا بيعا كليا فلا بد من حمل ذلك على التقية لقولهم بذلك أو على الكراهة وأما المطلقات فلا بد أيضا من تقييدها أن قيل بكونها مطلقة أو بتخصيصها إن قلنا بكونها عامة بما يدل على جواز البيع الكلى في الذمة وعدم كونه من بيع ما ليس عنده فتخصص تلك المطلقات أو العمومات بالاعيان الشخصية إذن فيقع الكلام في بيع الاعيان الشخصية التى ليست عند المالك فنقول بناء على دلالة النهى في المعاملات على الفساد وكونها أرشادة إلى بطلانها فهل تلك المطلقات أو العمومات بعد التقييد أو التخصيص مع تلك الاخبار الخاصة أي الطائفة الثانية تدل على بطلان بيع ما ليس عنده من الاعيان الشخصية أم لا ليكون ما نحن فيه معلوما من ذلك لكونه من صغرياته. ومن هنا يعلم أن حمل تلك الاخبار بأجمعها على التقية أو الكراهة لا وجه له وقد ناقش فيها المصنف بدعوى أنها لا تنفى الصحة الفعلية للبيع ليكون فاسدا بل هي بصدد بيان عدم ترتب الاثار عليه قبل الاخذ والاعطا وأذن فلا يكون فاسدا وغير قابل للاجازة المستقبلة. وفيه أن ظهور ما يصدر من غير المالك من البيع فهو فاسد وتأويلها بأرادة نفى الاثار خلاف الظاهر خصوصا صحيحة خالد بن

[ 281 ]

الحجاج حيث دلت على عدم البأس إذا لم يكن التزام والتزام من قبل الشرى وبمفهومها على وجود البأس إذا كان الالتزام البيعى قبل الشرى. وبعبارة أخرى: أنها تدل على وجود البأس في ذلك البيع عند أستناده إلى البايع وصحته بعد ذلك يحتاج إلى دليل فتحصل أن الالزام والالتزام قبل الشرى من المتبايعين غير لازم من - المتعاملين بمعنى أنه فاسد لا يترتب عليه أثر وإلا فمعاملة الفضولين أيضا غير لازم قبل الاجازة لان العمومات تشمل عليها من زمان الاجازة فلا تشملها قبلها ومما يؤيد عدم صحة البيع لنفسه رواية الحسن بن زياد الطائر الدالة على تجديد نكاح العبد كونه معتقا على تقدير عدم أجازة المولى ذلك العقد وجهة عدم جعلها دليلا ما ذكرناه سابقا من خروج أمثال هذه الروايات على البيع الفضولي والبيع لنفسه لا يقال أنه على هذا فتلك الاخبار شاملة لبيع الفضولي أيضا لكونه أيضا من بيع ما لا يملك فيكون البيع الفضولي باطلا لذلك. فإنه يقال لا يقاس المقام ببيع الفضولي إذ عرفت أن زمان البيع من زمان الاجازة فبها يستند البيع إلى المالك فيكون مشمولا للعمومات وقبل زمان الاجازة لم يكن إلا صورة البيع وأجراء العقد من المتعاقدين القابل لا يكون بيعا بالاجازة وكانت له صحة تأهلية لا صحة فعلية بحيث قبل زمان الاجازة لم يكن هنا بيع حقيقة وبالاجازة صار بيعا حقيقة وح فهو من بيع ما يملك لا من بيع ما لا يملك وهذا بخلاف ما نحن فيه فإن بايع مال الغير لنفسه من الاول باع لنفسه وأسند البيع إلى شخصه فلو صح فهو بيع من الاول وليس كبيع الفضولي

[ 282 ]

ليكون بيعا من زمان الاجازة إذا فقياس المقام بالبيع الفضولي فاسد من أصله. وقد تحصل من مطاوى ما ذكرنا أن الاخبار المشار إليها تدل على بطلان بيع ما له الغير لنفسه لكونه إيجابا وأستيجابا من غير المالك. ثم أن صور المسألة ثلثة الاولى بيع مال الغير لنفسه منجرا الثاني بيعه معلقا بأن يكون البيع على تقدير أن يكون مالكا أما بالاختيار أو بالقهر الثالث أن يكون لزومه معلقا على التملك بإن يجعل للمشترى الخيار إذا لم يملكه فالمتيقن من مورد الروايات هي الصورة الاولى بعد ما كان كلامنا في البيع الشخصي دون الكلى كما أنه مورد تعليل العلامة من كونه غرريا وعدم قدرة البايع على التسليم فيكون باطلا عن هاتين الجهتين. ومن هنا يحكم العلامة الانصاري (ره) بصحة الصورتين الاخيرتين في موردها بدعوى أنصرافها إلى عدم وقوع ذلك البيع للبايع وليس لها تعرض إلى جهة أجازة المالك. وفيه أن المتقين من موردها وإن كان ذلك وكك هو مورد تعليل العلامة إلا أن أطلاقها يشمل الصورتين الاخيرتين فلا وجه لدعوى الانصراف عنهما فإن مقتضى التعليل في قوله عليه السلام في رواية أبن المسلم وليس به بأس إنما يشتريه منه بعد ما يملكه وكك مقتضى الاطلاق في قوله عليه السلام أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ في رواية خالد وكك قوله لا توجبها قبل أن تستوجبها وغيرها من الروايات ظاهرة في بطلان البيع لنفسه بجميع أقسامه سواء كان منجزا أو معلقا تعليقا من جهة البيع أو من جهة اللزوم وكون فرد متيقن الارادة من

[ 283 ]

الدليل لا يوجب الانصراف ولا يقاس ذلك بيع الغاصب لنفسه كما عرفت سابقا للفرق الواضح بينه وبين ما نحن فيه. المسألة الثانية أن يبيع للمالك ويشترى ذلك من المالك قبل أجازته فهل يجوز له أجازة ذلك البيع لنفسه أم لا وقد حكم العلامة الانصاري بصحة ذلك أيضا فخروجه عن مورد الاخبار فيكون مشمولا للعمومات فيحكم بصحته فيكون عكس مسألة بيع الغاصب لنفسه ثم يجيزه المالك فكما أنه صحيح وكك هذا. وفيه أولا أنه وإن لم يكن من بيع البايع لنفسه بأقسامه المتقدمة قان الفرض أنه باع للمالك ثم أنتقل إلى ملكه بناقل إلا أنه كما لا بد وأن يكون البيع في ملك فلابد في صحة الاشترى أيضا أن يشترى من المالك ليكون صحيحا فأن مقتضى التعليل إنما يشتريه منه بعد ما يملكه هو بطلان الشرى قبل الاشتراء فلابد في صحة أشتراء المشترى من أن يكون البايع مالكا أو أشترى قبل بيعه بحيث يكون أشتراء المشترى أشتراء من المالك وإلا فيبطل الشرى فإنه لم يقع من المالك حين العقد وحين الاجازة لم يكن شراء ليكون من المالك. وبعبارة أخرى: أن بعض الاخبار وإن لم يكن شاملا لما نحن فيه كالروايات والعمومات الدالة على بطلان بيع البايع ما ليس عنده فإن المفروض أن هذا الشخص لم يبع لنفسه ليكون بيعه هذا مشمولا لها ولكن في بعضها الآخر غنى وكفاية فإن مفهوم التعليل بطلان الشرى من غير المالك فهذا الشرى قبل أن ينتقل المال إلى البايع شراء من غير المالك وبعد ما أنتقل إلى البايع لم يتحقق هنا شراء ليكون شراء من المالك ويكون صحيحا بأجازة البايع وبعبارة أخرى

[ 284 ]

أن المتحصل ولو من بعض الروايات هو لزوم كون البايع الذى يستند إليه البيع وتشمله العمومات ويحكم بلزومه أن يكون مالكا حال العقد وإلا فلا يمكن أستناد البيع إليه بالاجازة لعدم ربط الواقع إلى المجيز بوجه وما هو مربوطا بالمجيز غير الواقع فكيف يحكم بصحته وثانيا أنه على تقدير عدم شمول الروايات بالمقام فيكون باطلا بحسب القواعد فإن البيع وإن كان عبارة عن مبادلة مال بمال وليست الخصوصيات المالكية دخيلة في صحته بإن يكون المالك هذا الشخص المعين أو ذاك الشخص المعين إلا أنه فيما إذا كان النظر إلى كلى المالك وكون المبادلة بين مالى كلى المالك فإنه ح لا يلزم معرفة شخصي المالك بل يكفى حصول التبديل بين المالين في ملك المالك الكلى وطبيعي المالك وأما إذا كان شخص المالك موردا للنظر بحيث يكون التبديل في مال الشخص المعين فح لا بد وأن يكون أضافة باقية إلى حين الاجازة وإلا فيكون المقصود الذى وقع على طبقه العقد غير مجاز والمجاز غير مقصود وبعبارة أخرى لابد وأن تكون الاضافة المالكية التى حصل التبادل على تلك الاضافة حين العقد محفوظة حال الاجازة وفى المقام ليس كك فإن التبادل بين المالين حين العقد حصل على الاضافة التى بين المالك والمشترى وخرج العوض من ملكية المشترى ودخل تحت أضافة المالك والمعوض خرج من المالك ودخل تحت إضافة المشترى وتلك الحالة غير باقية حال الاجازة فإن إضافة العين إلى المالك قد أنقطع وإنما تعلق بها الاضافة المالكية من البايع فهى غير الاضافة حال العقد التى كان التبادل عليها إذن فما وقع غير مجاز وما أجيز غير الواقع وبعبارة

[ 285 ]

أخرى لابد وإن يكون المجيز مالكا حال العقد وإلا يلزم أن المقصود غير مجاز والمجاز غير مقصود لان تبديل مال بمال تحقق في الاضافة المالكية الواقعة بين المال ومالكه الاولى وبين الثمن وتلك الاضافة التى كان التبديل واقعا عليها قد أنقطعت إلى حين الاجازة لتبديل المالك فينقطع التبديل الواقع عليها فإنها بالنسبة إلى التبديل كالموضوع بالنسبة إلى الحكم فمع أنتفاء الموضوع لا مجال للحكم وعلى هذا فكيف يمكن تصحيح مثل هذا البيع ولا يقاس ذلك ببيع الغاصب ومن هنا ظهر عدم تصحيح البيع في المسألة الثالثة أيضا فهى ما يكون الشراء لاجنبي بأعتقاد أنه مالك وتحقق القصد لاجل هذا - الاعتقاد بحقيقة البيع فأنه أيضا ليس بصحيح أولا لشمول بعض تلك الاخبار عليه ولو لم يكن من قبيل بيع المالك لنفسه وثانيا من جهة عدم بقاء الاضافة التى كانت موضوعا للتبديل ومحلا له وأرتفاعه بتبديل المالك كما عرفت ولا يقاس هذه المسألة ولا المسألة السابقة ببيع الغاصب مال المغصوب منه لنفسه كما قاسه عليه المصنف بدعوى أتحاد المثال بين المسئلين وإن كانا متعاكسين فأن الصحة في بيع الغاصب على حسب القواعد إذا الغاصب يبيع المغصوب للمالك تحصل المبادلة بين المالين في جهة الاضافة المالكية وتحقق حقيقة المعاوضة التى عبارة عن المبادلة بين المالين مع دخالة وجود طبيعي المالك فيها لتحقيق حقيقة التبادل في جهة الاضافة غاية الامر أنه يجعل نفسه بحسب الادعاء والعناية مالكا كالمجاز على مسلك السكاكى فحقيقة البيع محقق حقيقة ولا كذب فيها وإنما الكذب في جعل نفسه مصداقا للمالكية فهو أمر لا واقع له وعلى هذا

[ 286 ]

فإجازة المالك بيع الغاصب توجب صحته وكونه له دون أجازة البايع البيع الذى أوقعه للمالك ثم أشترى المال منه لنفسه فأن في الاول كان الواقع مجازا والمجاز واقعا كما عرفت بخلاف ما نحن فيه فإن الواقع غير المجاز والمجاز غير الواقع فأن الاضافة التى كان تبديل المالين فيها قد أرتفع فلم يبق الامر الواقع حين الاجازة والاضافة التى حدثت حين الاجازة لم يقع تبديل المالين فيها ليكون مورد اللاجازة وعلى تقدير وقوعه غير التبديل الذى كان حين العقد فأنك عرفت أنه أرتفع بأرتفاع موضوعه أعنى الاضافة المالكية بين المالك الاول والمال ولعل إلى هذا أشار المصنف بالامر بالتأمل ولا يفرق في ما ذكرنا من عدم صحة البيع إذا كان المالك المجيز غير المالك حال العقد بين أن يكون مالكية المجيز وتجدد ملكه بالقهر أو بالاختيار فأن في جميع هذة الصور لا وجه لصحة مثل هذا البيع و ما عن شيخنا الاستاذ من تصحيح ذلك في صورة الارث لقيام الوارث مقام المورث فلا وجه له فأنه بحسب الفرض ممكن ولكن لا يكفى مجرد الفرض في صحته بل لا بد من قيام الدليل على ذلك وليس لنا ما يدل على أن الوارث يقوم مقام المورث بحيث إذا أجاز العقد فيصح من حين العقد بل الدليل دل على أنتقال مال الميت إلى الورثة وأما قيامه مقامه بكونه وجودا تنزيليا للمورث فلا دليل عليه ومن جميع ما ذكرنا حكم الصورة الرابعة أيضا فهو أن يبيع المال لمالك وأنتقل منه إلى آخر بنواقل قهريه أو أختيارية. قوله ثم أنه قد ظهر مما ذكرنا في المسألة المذكورة حال المسألة الاخرى وهى ما لو لم تجز المالك بعد تملكه أقول لو قلنا بالبطلان

[ 287 ]

في المسألة المتقدمة ففى هذه المسألة نقول بالبطلان بطريق أولى فإنه إذا لم يكن وجه لصحة بيع مال الغير لنفسه مع أجازته ذلك البيع فيكون فيما لا يجيز باطلا بالاولوية وإنما الكلام فيما لو قلنا بالصحة في المسائل المتقدمة فهل يمكن الحكم بالصحة هنا بأن نقول بصحة البيع بدون الاجازة فإنه كان بايعا لنفسه فقد حصل له الملك فيكون كما باعه لنفسه من الاول أولا بل لا بد من أن نقول بالبطلان هنا ولو قلنا بالصحة في المسألة السابقة وقد أختار المصنف البطلان وأن البيع الاول باطل للاخبار المتقدمة ولدليل السلطنة فأن الحكم - بكون هذا المال لغيره بدون بيع وأجازة خلاف السلطنة وخلاف عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بطيب نفسه وهو الصحيح عندنا أيضا فإن البايع الذى باع مال غيره لنفسه والتزم به في الحين الذى أنشا العقد لم يكن مالكا ليتم التزامه وفى الحين الذى ملك لم يلتزم بالبيع فيكون الحكم بصحة البيع وكون المال للمشترى بدون أجازة منه على خلاف السلطنة فيحكم بالبطلان وليس لنا طريق إلى الحكم بصحة ذلك إلا ما ربما يتوهم من شمول عموم الوفاء بالعقد عليه حين الانشاء فالعاقد ممن شمل عليه ذلك الدليل وإنما خرج عنه زمان عدم كونه مالكا فتبقى البقية تحت الدليل وأجيب عن ذلك بأن المقام من موارد أستصحاب حكم الخاص دون مقام التمسك بالعموم فأن البايع غير مأمور بالوفاء قبل الملك فيستصحب والمقام مقام أستصحاب حكم الخاص لا مقام الرجوع إلى حكم العام والتحقيق أنه ليس المقام مقام جريان العموم فضلا عن النزاع من الرجوع إلى حكم العام أو الخاص فأن محط هذا النزاع فيما يكون المورد مشمولا للعمومات ثم

[ 288 ]

خصصت في زمان فنشك في زمان آخر في دخوله تحت العام أو يستصحب حكم الخاص كتخصيص عمومات جواز وطى المراة بما يدل على التحريم في حال الحيض ونشك في جوازه بعد الطهر وقبل الاغتسال فيقع النزاع هنا من أنه نعمل بالعام ونجرى حكمه عليه لان المتيقن من الخارج هو زمان الحيض فيبقى الباقي تحته أو نستصحب حكم الخاص وأما فيما لا تشمل عليه العمومات من الاول فلا وجه لهذا النزاع مثلا لو ورد أكرم العلماء فتكون غير العلماء خارجا عنه تخصصا ثم شككنا في أن ذلك الفرد الخارج بالتخصص هل يكون - داخلا تحته حين الشك أو نستصحب فيه حكم المخصص ومقامنا من قبيل الثاني فإن البايع حين ما باع مال الغير لنفسه لم يتم التزامه البيعى ليشمل عموم الوفاء بالعقد فلا يكون بايعا حقيقة وحينما ملك المبيع لم يلتزم بالبيع ففى الزمان الذى مالك ليس له التزام وفى الزمان الذى له التزام فليس بمالك ففى أي نقطة شمل أوفوا بالعقود نشك في بقاء حكمه أو حكم الخاص في نقطة أخرى لنرجع إلى النزاع المعروف من أن المقام من موارد أجراء حكم العام على المشكوك أو أستصحاب حكم المخصص لو كان ذلك مثل بيع المكره بأن كان الخارج عنه زمان الاكراه لكان لاجراء النزاع المعروف هنا وجها ولعل إلى ذلك أشار المصنف بالامر بالتأمل. وثانيا على تقدير التمسك بدليل الوفاء بالعقد وكونه شاملا عليه وإنما الخارج عنه زمان عدم التملك فنتمسك به في الباقي نظير شموله بالبيع المكره وإنما الخارج عنه زمان الاكراه فيكون الباقي داخلا تحت العام ولكن يكون آية التجارة مقيدة لها حيث أن الله تعالى

[ 289 ]

قد حصر فيها جواز أكل مال الغير بالتجارة عن تراض وأن غيرها - باطل ومن أكل المال بالباطل وما نحن فيه ليس تجارة عن تراض حيث أن البايع وإن كان بايعا لنفسه لكن كان بايعا مال الغير لنسفه وإنما هو ملك بعد ذلك فليس ببايع فيكون أخذ ماله هذا بالبيع السابق أكلا له بالباطل فيكون ذلك البيع الاول باطلا حتى مع شمول دليل الوفاء عليه أيضا. وثالثا لو سلمنا عدم كون آية التجارة مقيدة لدليل الوفاء ولكن تكفينا الروايات الواردة في المقام من عدم جواز بيع مال الغير وما ليس عنده فالبايع وإن باع مال غيره لنفسه ثم ملكه ولكن كان بيعه الاول باطلا لكونه بيعا بما ليس عنده وأيجابا وأستيجابا قبل التملك فهو غير جائز نعم لو باع مال الغير لنفسه بعنوان التعليق بأن أنشاء البيع في الحال وكان المنشا في المستقبل نظير الوصية وأغمضنا النظر عن بطلان التعليق بالاجماع وأغمضنا النظر عن الروايات الواردة في المقام لتوجه التمسك بدليل الوفاء بالعقد هنا كما تقدمت الاشارة إلى هذا القسم عند الدخول بهذه المسائل ومن عجائب شيخنا الاستاذ أنه التزم بصحة هذه المسألة وقال لا وجه للتفصيل في ذلك بين ما يبيع لنفسه ثم ملكه فأجاز البيع وبين ما ملكه ولم يجز ففى كلا الصورتين نحكم بالفساد وأفاد في وجه الصحة هنا بأن الاجازة إنما نحتاج إليها لامرين الاول من جهة أعتبار الرضا في البيع بمقتضى آية التجارة والثانى من جهة أستناد البيع إلى المجيز فكلا الامرين متحقق هنا فإن الفرض أنه باع لنفسه والفرض أنه راض بذلك أيضا فيكون صحيحا وفيه أن هذا يعد من عجائب شيخنا الاستاذ فإن -

[ 290 ]

بايع مال الغير لنفسه إنما هو رضى وأسند البيع لنفسه في بيع مال الغير فهو راض به وأسند ذلك البيع إلى نفسه وأما بعد تملكه ذلك المال فلم يوقع عليه البيع حتى ينازع فيه بأنه أسند إلى نفسه أم لا فما أسنده إلى نفسه ورضى به لم يتعلق بماله وما هو ماله لم يوقع عليه البيع بوجه فما ذكره بلا وجه وقد تحصل إلى هنا حكم المسئلتين. قوله المسألة الثالثة: لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرف أقول لو باع مال الغير بأعتقاد أنه غير جائز التصرف أما بتخيل أو بأستصحاب أو نحو ذلك فالجامع أعتقاد أنه غير مالك فباع ثم بان أنه جائز التصرف فهذه على أربعة صور كما أشار إليها في المتن فإن البايع هذا أما يعتقد عدم جواز تصرفه لعدم ولايته فانكشف كونه وليا للمالك وأما لعدم الملك وكونه مالكا فانكشف أنه مالك وعلى كل تقدير فأما أن يبيع عن المالك وأما أن يبيع لنفسه فالصور أربع. الصورة الاولى: ما إذا باع للمالك بأعتقاد أنه غير جائز التصرف فبان أنه جائز التصرف لكونه وليا للمالك أو ممن كان أمره في يده فهل يحكم بصحة ذلك البيع أم لا. الظاهر كونه صحيحا فإن الفرض أن البيع لا قصور فيه لكونه صادرا ممن لا بد وإن يصدر منه غاية الامر أنه كان ناسيا للاذن - السابق وكونه وكيلا عن المالك أو عن كونه وليا أو غفل عن ذلك فهذا لا يوجب البطلان فهل يكون الاذن السابق أدنى من الاجازة اللاحقه. وكذلك كونه وليا في الواقع لا يكون أدنى من الاذن السابق فهل يتوهم أحد في أنه لو باع شخص مال غيره فضولا ثم -

[ 291 ]

واصل إليه الكتاب وكان مكتوبا فيه بع المال قبل أن يبيع ماله فضولا فيكون باطلا بل لا يحتمل ذلك ومقامنا نظير ذلك فأن أعتقاد عدم كونه جائز التصرف لا موضوعية له لبطلان العقد كما لا يخفى بل العقد صدر واقعا ممن لا بد وأن يصدر منه ووقع في محله فلا وجه لتوهم البطلان بوجه. بل لو قلنا ببطلان المعاملة الفضولية لا نقول بالبطلان هنا فأنه كما أشار إليه المصنف صدر العقد هنا من أهله واقعا غاية الامر أن العاقد لم يلتفت بذلك فهل يوجب عدم التفاته إلى ذلك كونه أخصر من البيع الفضولي نعم لا بد وأن الاذن موجودا في الخارج بأن يكون مبرزا فأنه لا يكفى في صحة البيع الرضا الباطني للمالك ما لم يظهر بمظهر في الخارج وقد تقدم ذلك عند الدخول ببحث الفضولي بل لا نحتمل من أن يقول أحد بالبطلان إلا عن القاضى حيث قال أنه لو أذن السيد لعبده في التجارة فهو باع وأشترى وهو لا يعلم بإذن سيده ولا علم به أحد لم يكن مأذون في التجارة ولا يجوز شئ مما فعله فإن علم بعد ذلك وأشترى وباع جاز ما فعله بعد الاذن ولم يجز ما فعله قبل ذلك فإن أمر السيد قوما أن يعاملوا العبد والعبد لا يعلم بإذنه له كان بيعه وشرائه منهم جائزا وجرى ذلك مجرى الاذن. وقد ظهر بطلانه مما ذكرنا فأن وصول الاذن إليه وعدمه لا موضوعية فيه وإنما المناط أصل وجود الاذن واقعا بل تقدم سابقا أنه يكفى في نفوذ معاملة العبد بالتجارة للغير نفس رضى الباطني للمولى وأن لم يبرزه في الخارج فإنا وإن قلنا في أول الدخول

[ 292 ]

بالبيع الفضولي أنه لا يكفى فيه الرضا الباطني ولكنه غير مربوط - بمعاملة العبد كما تقدم سابقا فإن معاملته صحيح من جميع الجهات حتى من جهة الاستناد وإنما المانع من نفوذها عصيان السيد فقط وهو يرتفع برضا الباطني وإن لم يكن مبرزا في الخارج. قوله الثانية: أن يبيع لنفسه فانكشف كونه وليا. أقول المسألة الثانية إذا يبيع مال الغير لنفسه بأعتقاد أنه غير جائز التصرف فانكشف كونه وليا فالظاهر هنا أيضا صحة البيع وفاقا للمصنف وذلك لما عرفت أن حقيقة البيع عبارة عن مبادلة مال بمال فقد تحققت مع جميع ما فيها من الشرائط غاية الامر أنه قد أنضم إليه قيد كون البيع لنفسه فيكون لغوا والوجه في ذلك أن البايع مأذون في البيع والشرى وغيرهما من التصرفات في مال المولى عليه فإن الفرض أن الولى كك فلا يقصر ذلك الاذن عن الاذن اللاحق وعن الاذن الاخر الذى لا يلتفت إليه إلا في جهة القصد وإن يكون البيع واقعا لنفسه وقد مر مرارا أن القصد لا يوجب تغييرا في حقيقة البيع بل هو بالنسبة إليها كالحجر في جنب الانسان فبعد تحقق حقيقة البيع أعنى مبادلة المال بالمال وتحقق شرائط الآخر من الاذن من المالك أو من قبل مالك الملوم فلا يضر بها ذلك القصد لوقوعه لغوا. وربما يقال بأحتياجه أي ذلك البيع على أجازة الولى البايع لنفسه غفلة كونه للمولى عليه بعد أنكشاف الحال كما يميل إليه المصنف فأنه لم يقع بعنوان أنه للمولى عليه حتى لو قلنا بكون قصد كونه لنفسه لغوا بل لابد وإن يكون البيع مستندا إليه بالاجازة وإلا فلا يستند إليه فيكون باطلا إذ البايع ولو كان مجازا واقعا في البيع إلا أن -

[ 293 ]

البيع الذى هو مجاز فيه لم يقصده البايع فما أوجده وقصده إنما هو غير ما كان مأذنونا فيه فيتوقف صحة كونه عن المولى عليه على إجازة جديدة. وفيه أنه لا وجه لاحتياجه إلى الاجازة بوجه لان قيد كونه لنفسه إن كان قيدا للبيع فبأنكشاف الخلاف يكون باطلا لانتفاء القيد المستلزم لانتفاء حقيقة البيع وإن لم يكن قيدا فيكون لغوا فلا يضر بصحة البيع لكونه كالحجر في جنب الانسان بالنسبة إلى حقيقة البيع وعلى كل تقدير لا نتصور وجها لاحتياج البيع إلى الاجازة ولعل إلى ذلك أشار المصنف بالامر بالتأمل. قوله (ره) الثالة: أن يبيع عن المالك ثم ينكشف كونه مالكا. أقول المسألة الثالثة: أن يبيع عن المالك ثم ينكشف كونه مالكا وقد مثلوا لذلك بما لو باع مال أبيه بظن حياته فبان ميتا فأنه ح يكون المال مال نفسه ويكون البيع عن نفسه فهل يصح هذا البيع أولا يصح وعلى تقدير الصحة فهل يكون محتاجا إلى الاجازة أو يكون له الخيار في ذلك بحيث له أن يفسخ أولا يفسخ فيكون بتركه الفسخ لازما وجوه والفرق بين كونه محتاجا إلى الاجازة وبين كون المالك مخيرا بين الفسخ والامضاء هو أنه لو لم يجز المالك على تقدير الاحتياج إلى الاجازة فيكون البيع باطلا وأما على تقدير كونه مخيرا بين الفسخ والامضاء فالعقد صحيح ولكن للمالك حق الفسخ فقط. وأما أصل البيع فالمشهور صحته بل ربما يدعى الاجماع في ذلك وفى المتن لم نعثر على مخالف صريح إلا عن الشهيد في قواعده حيث أحتمل أمكان البطلان وسبقاه العلامة وأبنه لوجوه

[ 294 ]

لا يمكن المساعدة على شئ منها كما ذكر المصنف في المتن. وأما الوجه في صحة البيع فلما تقدم في البيع لنفسه أن حقيقة البيع قد تحققت بجميع شرائطه وحقيقته التى عبارة عن مبادلة مال بمال في طرف من الاضافة المالكية لمالك طبيعي وقصد كونه لنفسه كما في المسألة المتقدمة أو كونه لمالك كما في هذه المسألة أمر زائد عن حقيقة البيع وغير مربوط بها بوجه فيكون لغوا فلا يضر بصحة البيع بوجه وأما الوجوه التى أشار إليها العلامة فالاول أن الابن قصد نقل المال عن الاب لا عن نفسه فما وقع أعنى كون البيع للابن في الواقع لم يقصد فما قصد لم يقع فلم يقصد حقيقة البيع كما مر نظير ذلك الاشكال في بيع الغاصب. وفيه أنه قد تقدم مرارا أن القصد غير قادح لحقيقة البيع إذا لم يضر بها ففى المقام وإن قصد البايع كونه عن المالك وهو الاب إلا أن قصده ذلك من جهة كون الاب مالكا في أعتقاده لا لخصوصية في شخص الاب غاية الامر أنه أخطأ في قصده وطبق المالك إلى شخص آخر فلا يكون مضرا. الوجه الثاني أن هذا العقد باطلا من جهة التعليق فأنه و إن كان في الصورة منجزا ولكنه في التقدير معلق فأن التقدير إن مات مورثي فقد بعتك فيكون باطلا من جهة التعليق. وفيه الظاهر أنه أمر وقع من سهو القلم من العلامة (ره) فأن التعليق إنما يتم لو باع لنفسه معلقا ذلك على موت الاب بحيث يكون ذلك متوقفا على موته وأن التعليق في صحة العقد وتكون متوقفة على موت الاب وإن كان المنشأ كالانشاء أمرا فعليا لا أمرا

[ 295 ]

أستقباليا ليكون التعليق في المنشأ. وبعبارة أخرى: هذا الذى ذكره في الوجه الثاني مع الوجه الاول في طرفي النقيض فأن مقتض الوجه الاول أن البيع عن الاب وليس عن نفسه ومقتضى الوجه الثاني أن البيع عن نفسه فليس عن الاب فهذان لا يجتمعان لكون مدلول أحدهما متناقضا مع مدلول الآخر. اللهم إلا أن يقال أن القصد الحقيقي إلى النقل معلق على تلك الناقل وبدونه فالقصد صوري وقد تقدم نظير ذلك من المسالك في أن الفضولي والمكره قاصدان إلى اللفظ دون المعنى ومدلول اللفظ وقد تقدم عدم تمامية ذلك وأن الفضولي والمكره قاصدان للمدلول أيضا ولو بهذا القصد الصوري فهو يكفى في صحة البيع الفضولي. الوجه الثالث: أن البايع كالعابث عند مباشرة العقد لاعتقاده أن المبيع لغيره. وفيه بعد ما قلنا بكونه كالفضولى قاصدا للمدلول أيضا فيكون ما يصدر منه البيع فيكون صحيحا فلا يكون فيه بحث بوجه من الوجوه وبالجملة فأصل صحة البيع مما لا إشكال فيه ولا يعتنى بمثل تلك الوجوه في الحكم بالبطلان كما لا يخفى. وأما أحتياجه إلى الاجازة فمما لا ريب فيه لا لما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد من أنه لم يقصد إلى البيع الناقل للملك الان بل مع أجازة المالك لاندفاعه أولا بقوله إلا أن يقال أن قصده إلى أصل البيع كاف وذلك لان حصول النقل حين العقد أو بعد

[ 296 ]

أجازة المالك ليس من مدلول لفظ العقد حتى يعتبر قصده أو يضر قصد خلافه وإنما هو من الاحكام الشرعية المعارضة للعقود فلا يكون مأخوذا في صحة العقد. وثانيا أن هذا الدليل أخص من المدعى فإنه قد يتحقق القصد إلى ذلك لو كان البايع لذلك أي بايع مال نفسه للغير بأعتقاد أنه للغير وكيلا من قبله فباع ثم أنكشف أنه مال نفسه فإن القصد هنا متحقق إلى أصل البيع الناقل للملك من دون أحتياج إلى قصده مع الاجازة المتأخرة. وثالثا أن هذا ينافى مذهب الكشف فكيف يرضى القائل به أن يقول البايع لا يقصد نقل المال حين العقد بل الوجه في الاحتياج إلى الاجازة هو الذى أشار إليه المصنف من عموم تسلط الناس على أموالهم وعدم حلها لغيرهم إلا بطيب أنفسهم وحرمة أكل المال إلا بالتجارة فأن الالتزام بصحة العقد بدون الاجازة مستلزم لعدم تسلط الناس على أموالهم وكونه حلالا لهم بغير طيب نفسهم وتوضيح ذلك فإن مقتضى آية التجارة وقوله لا يحل مال أمر ومسلم إلا بطيب نفسه وإن كان كفاية رضا المالك وطيب نفسه ولو مع أعتقاده بأن المال لغيره بحيث يكون الرضا بذاته معتبرا ولكن بمناسبة الحكم و الموضوع يستفاد منها أن ذات الرضا والطيب بما هو ليس موضوعا للحكم فأن أحترام ماله وتوقف التصرف فيه على إذنه يناسب أن يكون أذنه بما أنه مالك دخيلا في جواز التصرف ومعلوم أن الطيب بأصل التبديل ليس طيبا بالتبديل المالكى نعم ما نزل شيخنا - الاستاذ ذلك بما أن العمد بأصل التكلم أو العمد بالاكل ليس

[ 297 ]

عمدا بالتكلم في الصلوة والاكل في نهار شهر رمضان والامر كك فأن الانسان يتعمد إلى أصل الفعل ولكن يغفل عن كونه في الصلوة أو الصوم ثم أنه يؤيد ذلك أنه لو أعتق عبدا للغير بما أنه له فبان أنه لنفسه أو طلق أمراة للغير فبان أنها لنفسه له ينعتق العبد و لا يطلق الزوجة وانما جعلناهما مؤيدة من جهة أنهما إزالة الملك والزوجية وكونهما عن المالك والزوجة من الجهات المقومة فعدم وقوعها من الغير من تلك الجهة فلا يقاس بالبيع وهذا المعنى هو منصرف عن أوفوا بالعقود وأحل الله البيع فأن الظاهر أنهما منصرفان إلى وجوب الوفاء لكل شخص بعقده الذى أوقعه على ما له بحيث يكون البيع مستندا إليه لا إلى شخص أخر فمعنى أوفوا بالعقود أنه يجب أن يفى كل شخص بعقد نفسه ومعنى أحل الله البيع أنه حل بيع أنفسكم وفى المقام أن البايع وإن كان مالكا واقعا إلا أنه باع الملك بعنوان أنه مال الغير ليكون البيع بيعه ولم يبع بعنوان ماله ليكون البيع بيع نفسه وعقدا له فلا يشمله أوفوا بالعقود والعمومات الاخر إلا بالاجازة ليكون مستندا إلى نفسه ويكون قابلا لشمول العمومات له ومن هنا ظهر فساد توهم أن المالك حيث أنه المباشر للعقد فلا وجه لاعتبار الاجازة فيما يرجع إلى تصرف نفسه في ماله فإنه و إن كان تصرف في ماله ولكنه بعنوان أنه مال الغير فلا يكون البيع مستندا إليه إلا بالاجازة وقد أختار صاحب الجواهر تبعا لبعض آخر صحة هذا البيع وكونه خياريا وأن للمالك فسخ ذلك وأمضائه وأستدل عليه بدليل نفى الضرر بدعوى أن لزوم مثل هذا العقد ضررى فيرتفع بكونه خياريا وقد أستدل بتلك الادلة على ثبوت ببعض

[ 298 ]

الخيارات كخيار الغبن. وأشكل عليه شيخنا الانصاري بتوضيح وضافة أجمالية منا و حاصله أن الضرر عبارة عن النقص في المال أو العرض أو النفس و شئ منها غير موجود في المقام بل إنما هو في أنتقال المال إلى المشترى بدون رضاية المالك وإذنه فمقتضى شمول أدلة الضرر على ذلك هو نفى الانتقال وبطلان العقد لا ثبوت الخيار مع صحته. وبعبارة أخرى: أنه لو فرضنا من صحة العقد وكان النزاع في لزومه وعدمه وكان الضرر متوجها من ناحية اللزوم لكان لهذا التوهم وجه ولكن الامر ليس كك وإنما الضرر في أصل صحة العقد وأنتقال المال إلى الغير لا من ناحية اللزوم بعد الفراغ عن صحته إذن فلا بد من القول ببطلان العقد لو تمسكنا بدليل نفى الضرر لا بكونه خياريا. بل لا مجال أصلا هنا للتمسك بأدلة نفى الضرر ولا موضوع لها هنا فأنه إنما تكون شاملة لمورد يكون فيه ضرر والموضوع لذلك هنا لو كان إنما هو العقد فصحته إنما بواسطة شمول العمومات عليه فهى لا تشمل المورد ما لم تلحق عليه الاجازة اللاحقة من المالك فإنه عرفت أنه مضافا إلى كون صحة العقد بدون الاجازة منه أكلا لمال الغير بدون إذنه وكونه تصرفا في مال الغير بغير طيب نفسه وكونه خلاف السلطنة أن أوفوا بالعقد وأحل الله البيع إنما ينصرف إلى بيع شخص المالك وإن كل من باع ما له لنفسه يجب الوفاء به وأما لو باع لغيره فلا إذن فلا موضوع يكون ضرريا حتى يشمله أدلة نفى الضرر وبالجملة لا وجه لاحتمال ثبوت الخيار هنا بدليل نفى الضرر.

[ 299 ]

ثم لو أنعقد الاجماع على عدم جريان الفضولية في الايقاعات وأختصاصها بالعقود فيحكم ببطلان عتق مال الغير ثم أجازته أو عتق مال نفسه عن الغير بأعتقاد أنه مال الغير ثم أجازته وإن لم يتم الاجماع وناقشنا فيه فيصح في الايقاعات أيضا كما هو واضح ثم أنه لا ملازمة بين بيع مال نفسه للغير بأعتقاد أنه له ثم أنكشف الخلاف و بين بيع الفضولي بحيث لو قلنا ببطلان البيع الفضولي لقلنا ببطلان ذلك أيضا. وذلك لان عمدة ما قيل في بطلان البيع الفضولي كما تقدم هو كونه بيعا لمال الغير فهو باطل بالروايات المستفيضة النافية عن بيع ما ليس عنده وقد أجبنا عنه فيما تقدم أن ذلك فيما يكون بايعا لنفسه دون الغير وعلى تقدير قبوله هناك فلا يجرى هنا فأن البايع لم يبع مال غيره ليكون من صغريات بيع ما ليس عنده بل إنما باع مال نفسه للغير فيكون ذلك صحيحا بالاجازة فلا يكون مشمولا لتلك الروايات اللهم إلا أن يقال أن مدرك القول ببطلان بيع الفضولي هو التصرف في مال الغير المستلزم للحرمة المستلزم لفساد البيع و فيه على تقدير قبوله في بيع الفضولي فلا يجرى هنا لان في البيع الفضولي كان تصرف في مال الغير بخلافه هنا فإنه ليس هنا إلا قبح التصرف من باب التجرى فهو قبيح في نظر العقل فلا يستلزم الحرمة الواقعية حتى يستلزم ذلك الحرمة الواقعية فساد المعاملة فيكون ما نحن فيه مثل بيع الفضولي كما هو واضح. قوله الرابعة أن يبيع لنفسه بأعتقاد أنه لغيره فانكشف أنه له. أقول إذا باع شخص مال نفسه لغيره بأعتقاد أنه له أما بأعتبار

[ 300 ]

شخصي أو عقلائي ثم أنكشف أنه مال نفسه كما إذا باع مالا أخذه من الغير بالقمار أو بغيره من الاسباب الباطلة شرعا ثم باع لنفسه مع - أعتقاده بحسب تدينه بدين الاسلام أنه مال الغير ثم أنكشف أن هذا بعينه المال الذى كان ذلك الغير أخذ منه أمس فالظاهر أنه لا شبهة في صحة هذا البيع لعدم قصور في الانشاء ولا في المنشأ بل إنما تحققت حقيقة البيع على النحو الذى لا بد وأن تتحقق فإن حقيقته المبادلة بين المالين في علقة المالكية وقد حصل ذلك في نظر العرف والعقلاء فأنهم يرون التمسك بالقمار ونحوه من الاسباب الباطلة من المملكلات فيرون بيع المقامر ما تملكه بالقمار صحيحا فيصدق على بيعه هذا بيعا بالحمل الشايع مع كونه مالكا واقعا أذن فيشمله العمومات فيحكم بصحته شرعا أيضا غاية الامر أنه لم يعلم بكونه مالكا واقعا وفى نظر الشارع فهو لا يضر بصحة البيع. وبعبارة أخرى حكم الشارع بالمالكية من الاحكام الشرعية فصحة البيع لا يتوقف على العلم به وإلا فلا بد من عدم تحقق البيع وصدقه على بيع من لا عقيدة له لشريعة من الكفار والفساق مع كونه بيعا صحيحا عند العرف والعقلاء وبالجملة أن صحة مثل ذلك مع صدوره عن مالكه الواقعي وتحقق شرائطه مما لا شبهة فيه وهل يحتاج ذلك إلى الاجازة أم لا فالظاهر أنه غير محتاج إلى الاجازة لكونه صادرا من مالك المبيع وواقعا لنفسه ومستندا إليه فالاحتياج إلى الاجازة تحصيل الحاصل فلا نحتاج إليها. وبعبارة أخرى أن العقد بعد تمامية أركانه ووقوعه عن مالكه بعد نفسه مالكا للمال بأى نحو كان وكونه مالكا أيضا واقعا غير أنه

[ 301 ]

يعتقد فقط كون المال للغير من باب الجهل فلا وجه لتوهم كونه محتاجا إلى الاجازة ثانيا فأن مجرد الجهل بالحال لا يستلزم ذلك كما هو واضح وذلك كما إذ باع مال نفسه لنفسه غفلة عن كونه له فهل يتوهم أحد بطلان البيع هنا. قوله وأما القول في المجاز. أقول تحقيق الكلام فيه يقع في أمور الاول أن العقد الفضولي لا بد وأن يكون جامعا لشروط البيع بأجمعها وإلا فلا يكون مما يترتب عليه الاثر وهذا بحسب الكبرى مما لا ريب فيه فأن العقد الفضولي يعينه العقود الاخر غير أنه فاقد للاجازة فيحتاج إلى الاجازة المتأخرة وهذا لا يزيد عن العقد الصادر بالاذن السابق أو من المالك فانه كما إذا كان شئ منهما فاقدا لشرط من الشروط مع كونه صادرا ممن له العقد أو بإذنه بحيث يكون مستندا إلى المالك من حين تحققه فكك العقد الفضولي لا بد وإن يكون جامعا لجميع الشرائط غير جهة الرضا المالكى فأنه يلحق بالاجازة المتأخرة فهل يتوهم أحد أن لا يعتبر فيه ما يكون معتبرا في غير العقد الفضولي إذن فمقتضى أدلة صحة البيع مع أدلة الشروط المعتبرة فيه قاضية في البيع الفضولي أيضا. وأما بحسب الصغرى فشرائط البيع تنحل إلى أقسام أما شرائط العقد فلا شبهة في أعتباره في العقد الفضولي لكونه عقدا كسائر العقود فلا بد من أعتبار شروطها فيه أيضا وجهة الفضولية لا توجب الغاء تلك الشروط وذلك كالماضوية والعربية وتقديم الايجاب على القبول وغير ذلك مما يرجع إلى نفس العقد فأنها كما تعتبر في عقد

[ 302 ]

الاصيل وهكذا تعتبر في العقد الفضولي وأما شرائط المتعاقدين فكك ولا بد من أعتبارها هنا كما إذا أعتبرنا صدوره من البايع العاقل فإنه يعتبر هنا أيضا فلا يصح عقد الصبى والمجنون لو كانا فضوليين أيضا فإنه بعد عدم كفايته فيما إذا كان طرف المعاملة هو الاصيل وكان مجرى العقد هو الصبى أو المجنون فلا يكفى هنا أيضا لانك عرفت أن العقد الفضولي لا يزيد على عقد الاصيل ومعاملته وبالجملة لا يكفى في صحة عقد الفضولي صدوره من الصبى والمجنون لو قلنا بعدم صحة عقدهما كما تقدم. وأما شرائط العوضين فهو أيضا مما لاريب في أعتبارها هنا فلا يصح بيع أم الولد ولا الخمر ونحوهما مما لا يصح بيعه من الاصيل أيضا فإن ما لا يجوز من الاصيل فكيف يجوز من الفضولي فهل يزيد ذلك على الاصيل وبالجملة. أن تلك الشروط الثلثة لا شبهة في أعتبارها في العقد الفضولي حين العقد فإن الاجازة ليست عقدا مستئنفا حتى تعتبرها من زمان الاجازة بل أجازة للعقد السابق الصادر عن الفضولي وإنما هي دخيلة في تأثير ذلك العقد فلا بد من أعتبارها فيه حين الصدور. وأما الشروط التى تكون معتبرة فيه مع كونها خارجة عن العقد وقد عبر عنها المصنف بالشروط المعتبرة في تأثير العقد أو الشروط الراجعة إلى المالك فلا يعتبر فيه أما الاول فكالقدرة على التسليم فأن أعتباره في العقد ليس من جهة كونها شرطا للعقد أو للعوضين أو للمتعاقدين بل أمر خارج عن العقد فإنما يكون معتبرا من جهة تمكين المشترى من المبيع أو البايع من الثمن وتسليطهما عليهما وهذا

[ 303 ]

إنما يلزم أعتباره حين التسليم فقط وإن كان البايع غير متمكن من زمان العقد حتى مع كونه أصيلا ففى الفضولي أيضا لا يعتبر القدرة على التسليم لا حين العقد ولا حين الاجازة بل إنما يلزم أعتباره - حين التسليم والتسلم فلو باع الفضولي عن المالك سلما فلا بد وإن يكون المالك متمكنا عن التسليم عند التسليم وفى الاجل المعين الذى يجب تسليمه فيه ولو باع حالا فيجب أن يكون المالك متمكنا من التسليم عند الاجازة لان زمان الاجازة زمان التسليم والتسليم وبالجملة فمثل هذا الشرط لا يرتبط بالعقد ولا بالعوضين ولا بالمتعاقدين بل هو أمر خارج عن العقد ولا يلزم من أنتفائه بطلان العقد بل يكون العقد خياريا لتخلف الشرط الضمنى ولا يفرق في ذلك بين القول بالكشف والنقل فإنه على القول بالكشف أيضا وإن حصلت الملكية ولكن لم يحصل زمان التسليم والتسلم ولذا لا يجوز التصرف قبل الاجازة حتى على الكشف فزمان التسليم زمان الاجازة فإنه ليس معنى الكشف أن الملكية قد حصلت بحيث لكل منهما أن يعامل مع ما أنتقل إليه معاملة ملكه بل إنما ذلك بعد الاجازة غاية الامر أنها تكشف أن الملكية من الاول. وأما الثاني كأعتبار كون المشترى للمصحف أو العبد المسلم مسلما ولا يكون كافرا بناء على عدم تملك الكافر العبد المسلم والمصحف فهذا أيضا لا يعتبر في العقد الفضولي كون المشترى للمصحف أو - العبد المسلم مسلما حين العقد بل لا بد من كونه مسلما حين الاجازة فلو باع الفضولي المصحف أو العبد من الكافر فأسلم إلى زمان الاجازة فيكون البيع صحيحا والسر في ذلك أن عمدة دليل أعتبار كون المشترى

[ 304 ]

مسلما بعد التسالم بين الفقهاء هو قوله تعالى لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فأن بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر إستيلاء وسبيل على المسلمين بل من أعلى مراتب الاستيلاء وهذا المعنى لا يتحقق بمجرد العقد حتى على القول بالكشف فإن الاستيلاء إنما يتم بتمامية العلقة الملكية وهى لا تتم إلا بتمامية السبب و تمامية السبب إنما بالاجازة حتى على القول بالكشف فإنه على القول بالكشف أيضا تكون الاجازة مؤثرة في الملكية السابق فنكشف بها حصولها من زمان العقد وبها يكون المشترى مسلطا على المبيع وأما قبل زمان الاجازة فليس له تسلط على المبيع غاية الامر أنه قد ملك للمبيع من زمان العقد لو أجاز المالك وإلا فلا فإنما يحصل السبيل و التسلط في زمان الاجازة وفى زمان تمامية السلطنة على المبيع لكون الاجازة مما تكون متممة للعلقة المالكية وقبله لا سلطنة للمشترى على المبيع بوجه ولذا لا يجوز له التصرف فيه. نعم بناء على الكشف بمعنى كون الاجازة معرفة محضة مع العلم بأن المالك يجيز العقد قطعا نلتزم بعدم جواز البيع الفضولي أيضا لحصول السبيل من زمان العقد للعلم بتحقق العلقه بتمامها عنده ولكن قد عرفت عن تمامية ذلك المذهب وأما توهم حصول السبيل بمجرد العقد توهم فاسد فأن مجرد تحقق ما يكون له تأهلية الصحة وكونه قابلا لان يترتب عليه تمامية العلقة المالكية للمشترى لا يوجب أثبات السبيل للكافر على المسلم. وبالجملة أن فقدان الشرائط الخارجية وشرائط المالك عند العقد في العقد الفضولي لا يضر بالصحة التأهلية التى كانت في

[ 305 ]

العقد الفضولي بل هي تحصل بذلك مع وجدانه الشرائط الاخر الداخلة في العقد من شرائط العقد وشرائط العوضين وشرائط المتعاقدين بل الصحة التأهلية باقية إلى زمان الاجازة وزمان وصول محل الشرط فإن حصل فيحكم بالصحة الجزمية وإلا فيحكم بالبطلان. ثم هل يعتبر أستمرار تلك الشروط التى لابد من أعتبارها إلى زمان العقد أم لا يعتبر أما الشروط الراجعة إلى العقد فلا معنى لبقائه لكونها آنى الحصول والزوال فليس لها قابلية البقاء كالعربية والماضوية وتقديم الايجاب على القبول ونحوها فأنها كيفيات غير قابلة للبقاء. وأما شروط المتعاقدين فالظاهر عدم أعتبار بقائها على حالها في صحة العقد كما إذا جن العاقد الفضولي أو مات فإن العقد بعد صدوره عنه صحيحا لا ينقلب عما هو عليه بأنتفاء الشروط المعتبرة في العاقد فلا نتصور وجها لكونها دخيلا في صحته بحسب البقاء أيضا و إنما الظاهر من أدلة أعتبارها في العقود دخالتها في صحتها بحسب الحدوث فقط. وأما شروط العوضين فقد بنى المصنف على أستمرارها على القول بالنقل ونفى البعد عنه على القول بالكشف وإن تقدم منه عند بيان الثمرة عدمه ردا على من زعم أعتبارها بتوهم ظهور الادلة في أعتبار أستمرار القابلية إلى زمان الاجازة على الكشف. وتفصيل الكلام هنا أن الشروط تارة تكون شروطا للانتقال و التمليك والتملك بمعنى أنه يشترط في أنتقال المال إلى الغير و

[ 306 ]

تملكه بعض الشروط كالخمر فأن التملك والتمليك وأنتقال المال من شخص إلى آخر بأى عنوان كان يشترط فيه أن لا يكون خمرا فمثل ذلك شرط التملك وغيره مربوط بالبيع أصلا ولذا لا يكون بغير البيع أيضا ولذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بإراقة الرواية من الخمر الذى أهدى إليه وهكذا كلما يكون شرطا للتملك. وأخرى يكون الشرط شرطا للبيع كعدم كون المبيع أم ولدا و من الاعيان النجسة أو المتنجسة بناء على عدم جواز بيعهما وهكذا فإن مثل ذلك من شروط البيع لا من شروط التملك وإلا فيصح تملك أم الولد والنجس ولذا يضمن لصاحبها من أتلفها وقد تقدم في بيع الكلاب القول بالضمان على من أتلف كلب الغير من غير ما يجوز بيعها ككلب الحارس والدور ولذا لو مات مالك تلك الامور تنتقل إلى وارثه وهكذا كلما كان من هذا القبيل فلا شبهة في عدم أعتبار أستمرارها أي تلك الشروط إلى زمان الاجازة حتى على القول بالنقل فإنها كانت محققة في زمان تحقق العقد والبيع لكفى ولان الاجازة ليست عقدا مستئنفا حتى يعتبر أستمرارها إلى زمانها وعلى هذا فلو باع الفضولي أمة الغير أو متاعه ثم صار ذلك أم ولد أو متنجسة أو نجسة فعلى القول بالكشف لا شبهة في صحة البيع لو أجازه المالك لحدوث التوليد والتنجيس في ملك الغير فأن بالاجازة تنكشف أنتقالها إلى المشترى من زمان العقد وكون التوليد والتنجس واقعا في ملك المشترى فإن مالا يجوز إنما هو بيع أم الولد أو النجس والفرض هنا أنهما حصلا في ملك المشترى لا أنهما حصلا قبل البيع ليمنع عنه والبيع إنما تحقق في زمان تحقق العقد وليس الاجازة إلا إجازة ذلك العقد

[ 307 ]

لا أنها عقد جديد وكك على القول بالنقل أيضا لا يبعد ذلك فإن الملكية وإن لم تحصل إلا في زمان الاجازة ولكن الاجازة هنا أيضا ليس عقدا جديدا بل هي أجازة للعقد السابق المتحقق فضولة فيكون البيع حاصلا قبل أن تصير الامة أم ولد أو يكون المبيع نجسا وإنما صارا كذلك قبل الانتقال إلى الغير فلا شبهة في جواز ذلك فلذا يتوارث الوارث وبالجملة أن الاجازة ليست عقدا جديدا وإنما هي أمضاء للعقد السابق الذى بيع أو نكاح فقد تحقق عنوانه وإنما الاستناد يكون بالاجازة ليكون بيعا للمالك أو نكاحا له وهكذا وإلا فأصل العقد على القولين قد تحقق عند العقد نعم ما هو شرط التمليك و الانتقال فلا بد من بقائه إلى زمان الاجازة. فرع لو باع شخص خلا لآخر ثم صار ذلك خمرا ثم أنقلب إلى الخلية فهل يحكم بصحة الانتقال هنا المستلزم صحة البيع أم لا ما على الكشف فلا شبهة في صحة البيع لكون القلب والانقلاب في ملك الغير وأما على النقل فالظاهر بطلان البيع لعدم صحة النقل حين الاجازة فإن ما وقع عليه القعد لم يبق على حاله وما هو موجود فإنما هو ملك جديد لم يقع عليه العقد لتبدل الصورة النوعية فإن الخمر والخل في نظر الشارع من الصور النوعية المتخلفة كما إذا فرضنا أنه باع الفضولي عبدا ثم صار ذلك كلبا حقيقة لا أنسانا في صورة الكلب ثم تبدل إلى الانسانية فإن الانسان الثاني غير الانسان الاول فلا يصح ذلك البيع بالاجازة لما ذكرناه إذا فلابد من بقاء المال على هيئته التى وقع عليها العقد الفضولي من كونه قابلا لوقوع العقد عليه وواجدا على شرائط الانتقال من حين العقد إلى

[ 308 ]

حين الاجازة وإلا فلا يصح أنتقاله إلى الغير بالعقد ففى الحقيقة مثل هذا الشرط الذى شرط التملك شرط للانتقال أولا وبالذات و يكون شرطا للبيع ثانيا وبالعرض فإنه إذا لم يصح الانتقال لم يصح البيع أيضا كما هو واضح الامر الثاني في معرفة المجيز العقد المجاز والعلم بكونه واقعا مع تعينه ويقع الكلام هنا في جهتين الاولى في أنه هل تصح - الاجازة على تقدير الوقوع أم لا كما إذا يقول لو بيع مالى فضولة أو أوجرت دارى فقد أجزته والثانية هل يمكن تعلق الاجازة بالامر المبهم أم لا أما الجهة الاولى فقد حكم شيخنا الانصاري ببطلان الاجازة لكونه تعليقا فيما هو بحكم العقد فأن الاجازة وأن لم تكن عقدا إلا أنه في حكم العقد فحيث أن التعليق في العقد باطل فيكون فيما هو بحكم العقد أيضا باطلا وأضاف إليه شيخنا الاستاذ أن الاجازة من الايقاعات فالتعليق في الايقاعات لا يعقل. أما ما أفاده شيخنا الانصاري ففيه أولا لا دليل على بطلان التعليق فيما هو في حكم العقد فأن عمدة الدليل على بطلانه هو الاجماع كما تقدم فالمتيقن هو بطلانه في نفس العقد لا ما في حكمه وثانيا أنه تقدم في السابق أن التعليق في العقد موجب للبطلان إذا كان بأمر خارج عن العقد وأما لو كان على أمر يكون مقوما له و داخلا فيه فلا دليل على بطلانه بل هو في جميع العقود موجود و إن لم يصرح به فلو كان مثل ذلك موجبا للبطلان للزم الحكم ببطلان جميعها وهذا نظير ما إذا قال أن كنت زوجتى فأنت طالق أو أن كان هذا مالى فبعته فكك الاجازة.

[ 309 ]

وأما ما أفاده شيخنا الاستاذ فلم نعقل له معنى محصلا حيث أن التعليق في الايقاع قد وقع في الشريعة المقدسة فكيف له الحكم بكونه غير معقول في الايقاعات كالتدبير فأنه من الايقاعات مع كونه معلقا على الموت وكالوصية بناء على كونها من الايقاعات كما هو الحق فأنها متوقفة على الموت بل عرفت أن الدليل على بطلانه إنما هو الاجماع فالمتيقن منه ليس إلا العقود فلا علم لنا لدخول الايقاعات معقده فلا يضر فيها التعليق. وأما الجهة الثانية أعنى إمكان تعلق الاجازة بالامر المبهم فهى متفرعة على الجهة الاولى ولذا قدمناها على عكس ما فعله المصنف فقد نزل المصنف هنا الاجازة منزله الوكالة فما لم يبلغ الامر في ذلك إلى مرتبة لا يصح معه التوكيل يصح أن تتعلق به الاجازة. والظاهر جواز تعلقها بالامر المبهم إذا لم نقل بكون التعليق فيها مضرا كما إذا لم يدر المجيز أن الواقع بيع داره أو أجارته أو بيع الفرس أو غير ذلك فيقول أجزت ذلك الامر الواقع إن كان أجارة - فأجزت الاجارة وإن كان بيعا فأجزت البيع وهكذا وهكذا ولا يلزم معرفة المجاز ولا يضر عدم المعرفة بصحة الاجازة وهذا نظير أن يعطى أحد ماله لشخص بذلا فعلم ذلك ولكن لا يدرى أنه أي شئ فيقول أجزته فهل يتوهم أحد عدم صحة ذلك بل هذا أوضح من الوكالة فإن في الوكالة وإن كان يصح تعلقها بالامر المبهم ولكن يشترط في صحة ذلك وجود جامع بين تلك الافراد التى كان المأذون فيه مبهما بينها وإلا فلا يصح التوكيل بالفرد المردد وهذا بخلافه هنا فإن الاجازة تتعلق بالواقع المردد بين الافراد الكثيرة وإن لم يكن

[ 310 ]

بينها جامع فإن التردد لا يمنع عن ورود الاجازة إلى مورده ومحله في الواقع وهذا نظير أتيان أربعة ركعات من الصلوة الرباعية بقصد أتيان الواقع إذا علم بكون ذمته مشغولة بأربعة ركعات من الصلوة مع الجهل بخصوصياتها. ومن هنا يظهر بطلان ما في كلام شيخنا الاستاذ حيث قال أنه لا يجرى في المقام ما يجرى في الوكالة فإنها تصح على نحو الاطلاق وإن لم تصح على نحو الابهام وأما الاجازة فلا معنى لتعلقها بالعقد على نحو الاطلاق لان عقد الفضولي وقع على شئ خاص وهو لو كان مجهولا عند المجيز فلا تشمله الادلة الدالة على نفوذ الاجازة بل حكمها حكم تعلق الوكالة بالامر المبهم التى لا أعتبار بها عند العقد ووجه البطلان أن ما تقع عليه الاجازة وإن كان أمرا شخصيا غير قابل للاطلاق لا كليا قابلا للاطلاق إلا أن أشتراط كون متعلقها أمرا قابلا للاطلاق بلا دليل بل إنما تكون الاجازة واقعة على موردها وإن كانت المحتملات كثيرة وبالغة إلى حد لا تصح أن تتعلق به الوكالة فإنه بناء على جواز التعليق فيها تنحل ذلك إلى قضايا عديدة فيكون التقدير أن كان هذا العقد واقعا على مالى فأجزته و إن كان ذلك فأجزته وهكذا وبالجملة أن الاجازة بعد صدورها من أهلها ترد على محلها وإن كان المحل من الابهام بمكان فإن توجهها إلى العقد الواقع على ماله وإن كان أمرا شخصيا غير قابل للاطلاق فيقول المجيز أجزت الواقع على ما هو عليه إن كان كذا فكذا إن كان كذا فكذا. الامر الثالث إن العقد المجاز أما عقد وقع على مال نفسه

[ 311 ]

أو أخر عقد وقع على ماله أو أول عقد وقع على عوض ماله أو أخر عقد وقع على عوض ماله فهذه أربعة صور ثم أنه أما العقد الوسط بين عقدين واقعين على مورد العقد الوسطى أو وسط بين العقدين الواقعين على بدله أو على الاختلاف وعلى كل من هذه الاربعة فأما أن ذلك العقد الوسط واقعا على عين مال الغير فيتشعب من أجازة الوسط ثمانية صور فيرتقى المجموع إلى أثنى عشر صور وتوضيح ذلك إنما يكون في ضمن مثال فلو باع الفضولي عبد المالك بفرس و باع مشترى ذلك الفرس بدرهم وباع الاخر العبد بكتاب ثم باع الاخر العبد بدينار وباع الاخر الدينار بجارية. فهذه البيوع الخمسة حاوية لبيع واقع على مورد أبتداء وهو بيع العبد بفرس وبيع واقع على مورد ذلك البيع الاول وسطا وهو بيع العبد بكتاب وبيع واقع على ذلك المورد لاحق وهو بيع العبد بدينار وحاو أيضا على بيع وارد على بدل العبد وهو بيع الفرس الذى بدل العبد بدرهم وعلى بيع وارد على بدل العبد أيضا ولكن لاحق وهو بيع الدينار بجارية فهل تكون أجازة العقد الوسط الذى بيع العبد بكتاب الذى وقع قبله عقد على مورده وعقد على بدله و كذلك بعده أجازة السابق واللاحق أو ليس أجازة لشئ منها أو نقول بالتفصيل فيتضح بذلك المثال حكم المقام فتارة نتكلم على الكشف وآخر على النقل أما على الكشف فلو أجاز مالك العبد بيع العبد بكتاب فيكشف ذلك أن العبد من حين العقد صار ملكا لمالك الكتاب والكتاب صار ملكا للمالك العبد ووقع بينهما التبادل وأما بيع العبد بفرس فيكون باطلا لكونه واقعا في مال الغير ولم تتعلق به

[ 312 ]

الاجازه من المالك فيقع باطلا. وأما بيع الفرس بدرهم فهو أمر آخر أجنبي عن بيع العبد فيكون فضوليا وموقوفا على أجازة مالكه. وأما العقود اللاحقة فيصح كلاهما فإنه بعد كون العبد ملكا لمالك الكتاب من حين العقد كما هو المفروض على الكشف فقد باع هو ماله بدينار فيكون الدينار ملكا له أيضا من حين العقد فإذا باعه بجارية فيصح بيع الجارية أيضا. وأما على النقل فحكم العقود السابقة على بيع العبد بكتاب حكمها على طريقة الكشف في كل من العقد الوارد على مورد العقد المتوسط والعقد الوارد على مورد بدله فيحكم ببطلان بيع العبد بفرس وبصحة بيع الفرس بدرهم مع الاجازة وأما العقود اللاحقة - فحيث أن الاجازة ناقلة من حينها فيكون العقد الواقع على العبد مع الكتاب موجبا للنقل والانتقال من حين الاجازة فيكون العبد ملكا لمالك الكتاب من زمان الاجازة وإذن فيكون بيع مالك الكتاب العبد بدينار قبل أجازة مالك العبد المبادلة الواقعة بين العبد و الكتاب بيعا لما لا يملك وما ليس عنده فيتوقف صحته وعدمه مطلقا أو مع الاجازة وعدمها على ما تقدم من بيع مال غيره لنفسه ثم ملكه فراجع. قوله الثالث المجاز أما العقد. أقول وحكم المسألة في غاية السهولة ولكن تصويرها في غاية الصعوبة وقد ذكره المصنف وأوضحه بأمثلة ونحن أيضا نوضح المسألة بالمثال الذى ذكره المصنف ولكن نحلله إلى مثالين لاجل التوضيح

[ 313 ]

وحاصل ما ذكره المصنف من تصوير تعلق الاجازة بالمجاز قبل تصويره بمثال هو أن العقد المجاز أما هو العقد الواقع على نفس مال الغير أو العقد الواقع على عوض مال الغير وعلى كلا التقديرين فإما أن يكون المجاز أول عقد وقع على مال الغير أو عوضه أو آخره أو عقدا بين سابق ولاحق واقعين على مورده أو بدله أو بالاختلاف ومحصله أن العقد المجاز تارة يكون أول عقد وقع على عين مال الغير وآخر يكون آخر عقد وقع على عين مال الغير وثالثة يكون أول عقد وقع على بدل مال الغير ورابعة آخر عقد وقع على بدل مال الغير فهذه أربعة صور وأيضا قد يكون المجاز العقد المتوسط فهو تارة يكون وسطا بين عقدين واقعا على مودده وأخرى يكون وسطا بين عقدين واقعا على بدل مورد هذا العقد الوسطى وثالثة يكون العقد السابق منه واقعا على مورده واللاحق به واردا على بدل مورده ورابعا يكون عكس ذلك فهذا العقد الوسط الذى يكون موردا للاجازة تارة يكون واقعا على عين مال الغير وأخرى على بدله فتكون هذه على ثمانية أقسام ومع أضافة الاقسام الاربعة إليها ترتقى إلى أثنى عشر قسما فنوضح ذلك بتقسيط ما ذكره المصنف من المثال إلى مثالين ويجمع جميع ذلك مثالان بتقسيط الفرض اليهما مما مثله المصنف الاول نفرضه فيما يكون العقد المجاز واقعا على المال لا العقد الواقع على بدله و تصويره أنه لو باع شخص فضولة عبد المالك بفرس ثم باع البايع - الفرس بدرهم وباع المشترى العبد بكتاب وباع صاحب الكتاب العبد بدينار وباع الدينار بجارية وقد وقع هنا عقود خمسة والوسط منها مسبوق بعقدين وقع أحدهما على مورده أعنى بيع العبد بفرس و

[ 314 ]

الاخر على غير مورده أعنى بيع الفرس بدرهم وملحوق أيضا بعقدين أحدهما واقع على مورده وهو بيع العبد بدينار والآخر واقع على غير مورده وهو بيع الدينار بجارية ومرادنا من أشتراك المورد كون المال الذى يكون ثمنا أو مثمنا متحدا مع العقد الاخر في هذه الجهة أي كما أنه ثمن أو مثمن في هذا العقد وكك هو أيضا ثمن أو مثمن في ذلك العقد. فلو أجاز العقد الوسط فبناء على الكشف فتكشف كون العبد ملكا للمشترى أعنى صاحب الكتاب من حين العقد فيكون بيعه العبد بدينار بيعا واقعا في ملكه وهكذا بيع الدينار بجارية فأن جميع ذلك متفرع على أجازة العقد الوسط وكونه موجبا لحصول الملكية من حين العقد كما هو مقتضى الكشف وأما العقدين السابقين على المجاز فالعقد الذى ورد على مورد العقد الوسط أعنى بيع العبد بفرس فيكون باطلا فأنه لم يتعلق به الاذن اللاحق وخرج عن قابلية لحوق الاجارة به بأجازة العقد الوسط لعدم بقاء الموضوع له فأن مالك العبد قد أجاز بيعه بكتاب فأجازة بيعه بكتاب لا يستلزم صحة بيعه بفرس أعنى العقد السابق. وأما العقد السابق الواقع على بدله أعنى بيع الفرس بدرهم فهو عقد آخر غير مربوط ببيع العبد بكتاب وليس بينهما ملازمة ليلزم من أجازة بيع العبد بكتاب أجازة بيع الفرس بدرهم بل هو عقد مستقلة وقع على مال الغير فضولة فإن أجاز المالك صح وإلا فلا. وأما على النقل فبالنسبة إلى العقدين السابقين الكلام هو الكلام وأما بالنسبة إلى العقدين اللاحقين فإن قلنا بصحة بيع

[ 315 ]

مال الغير لنفسه ثم ملكه سواء قلنا بصحته مع الاجازة المتأخرة أو بدون الاجازة فيكونان أيضا صحيحين وإلا فيكونان باطلين لا من جهة عدم التفرع بين العقد الوسط وبينهما بل من جهة كونها من صغريات بيع ما ليس عنده كما تقدم. ومن هنا ظهر أنه لو أجاز العقد الاول فإنه يستلزم صحة العقود المتأخرة بأجمعها ولو أجاز العقد الاخير فأنه لا يستلزم صحة العقود المتقدمة بل ما يكون واردا على مورده فيبطل وما لا يكون واردا على مورده يتوقف صحته على الاجازة. بقى هنا أمران لابد من التعرض لهما الاول أن أجازة العقد لا يستلزم صحة العقود السابقة إذا أجاز المالك ذلك العقد لنفسه كما عرفت وأما إذا أجاز للبايع فيصح بذلك العقود السابقة أيضا و ذلك لان صحة بيع العبد بكتاب وكونه للبايع يستلزم صحة بيع العبد بفرس فأن صحة بيع العبد بكتاب متفرع على صحة بيع العبد بفرس فأنه لو لم يكن بيع العبد بفرس صحيحا لا يكون العبد منتقلا إلى المشترى ولا يصح بيع المشترى ذلك العبد بكتاب صحيحا فإن موردهما واحد أي البيعان وردا على العبد وإن كان البايع في أحدهما هو الفضولي وفى الاخر هو المشترى وإذا صح بيع العبد بفرس فيستلزم ذلك صحة بيع الفرس بدرهم أيضا من غير توقف على الاجازة فإن لازم صحة بيع العقد بفرس وكون العبد للمشترى أن يكون الفرس للبايع وإلا فلا يصح بيع العبد بفرس وإذا لم يصح العبد بفرس فيستلزم ذلك عدم صحة بيع العبد بكتاب مع أنا فرضنا صحته بأجازة المالك فيعلم من ذلك كون الفرس للبايع فإذا كان له فيصح بيعه بدرهم من

[ 316 ]

غير توقف على الاجازة لكونه بيعا لما له وواقعا في ملكه. ثم أن هذا الذى ذكرناه إنما هو على الكشف وأما على النقل فيتوقف أيضا على المسألة السابقة من توقف البيع على الملك وإلا فيبطلان كما هو واضح. الامر الثاني أن مرادنا من أستلزام أجازة واحد من العقود - صحة العقود اللاحقة العقود الطولية الرتبية التفرعية أي يكون العقد اللاحق أو السابق متفرعا على العقد المجاز ولازما له أو ملزوما عليه بحيث يكون مشتريه أو بايعه بايعا أو مشتريا للاخر الذى يتفرع صحته على العقد المجاز بحيث تكون رتبته متأخرة عن رتبة العقد المجاز وإن لم يكن لاحقا له بحسب الزمان كما تقدم أن إجازة عقد الوسط يستلزم صحة العقود السابقة إذا كان ذلك للبايع. وأما إذا لم يكن بينها ملازمة وإن كان بينها طول بحسب الزمان فلا يستلزم أجازته صحة العقود اللاحقه كما إذا فرضنا أنه باع الفضولي العبد بفرس وباع شخص آخر ذلك العبد بحمار وباع ثالث ذلك العبد ببقر وباع رابع الفرس بدرهم وهكذا فأجاز المالك بيع العبد بحمار فلا يستلزم ذلك شيئا من صحة العقود السابقة أو اللاحقة لعدم الارتباط بينها بوجه بل كلها أجنبية عن العقد المجاز كما هو واضح. ومن هنا صح. دعوى الكبرى الكلية في المقام على أستلزام أجازة العقد صحة الاخر وهى أنه كلما كان بين عقدين ملازمة أما بكون الاول لازما و الاخر ملزوما أو العكس فأجازة أحدهما مستلزم لاجازة الاخر وإلا فلا

[ 317 ]

فهذه كبرى كلية مختصرة لضابطة ذلك وبعبارة أخرى أجاز عقد يوجب صحة كل عقد يرتبط به بوجه من الارتباط ويكون من شئونه وإلا فلا. المثال الثاني أن يكون المجاز هو العقد الوسط أيضا ولكن واقعا على بدل مال الغير فنوضح ذلك أيضا بما ذكره الشيخ كما إذا فرضنا أن الفضولي باع العبد بفرس وباع الدرهم برغيف أو أشترى به رغيفا ثم بيع الدرهم بحمار وبيع الرغيف بعسل فبيع الدرهم برغيف عقد وسط واقع على بدل مال الغير وهو الدرهم فإنه بدل الفرس الذى بدل العبد وقبله عقدان أحدهما وارد على مورده وهو بيع الفرس بدرهم فإن الدرهم أيضا مورد العقد الوسط والثانى بيع العبد بفرس غير وارد على مورده وكك بعده عقدان - أحدهما وارد على مورده وهو بيع الدرهم بحمار والثانى غير وارد على مورده وهو بيع الرغيف بعسل فلو أجاز العقد الوسط أعنى بيع الدرهم برغيف أو أشتراء الرغيف بدرهم فهو على الكشف يستلزم صحة العقود السابقة أيضا فإن صحة بيع الدرهم برغيف يستلزم صحة بيع الفرس بدرهم فإنه لو لم يصح ذلك لا ينتقل إليه الدرهم حتى يجيز بيعه برغيف وصحة بيع الفرس بدرهم يستلزم صحة بيع العبد بفرس وإلا فلا يكون الفرس له ليكون الدرهم له ليجيز بيع الدرهم برغيف أو - أشتراء الرغيف بدرهم. وأما على النقل فتكون البيوع السابقة واقعة في غير ملك المالك لعدم كون البايع مالكا فإن قلنا بصحتها مع الاجازة أو بدونها فبها وإلا فتبطل. وأما العقود اللاحقة فبيع الدرهم بحمار الذى وقع على مورد العقد الوسط يكون لازما لصحة الوسط بالاجازة على الكشف لكون الدرهم ملكا للمالك بعد أجازة العقد الوسط على الفرض فيكون أشتراء الحمار به

[ 318 ]

أو بيعه بحمار في ملك مالكه. وأما بيع الرغيف بعسل فيكون عقدا فضوليا موقوفا على أجازة المالك لانه غير ملازم لاجازة بيع الدرهم برغيف. وبالجملة الحكم في هذا المثال على عكس المثال الاول كما عرفت. ومن هنا ظهر بطلان ما ذكره المصنف من أن العقود المترتبة على مال المجيز لو وقعت من أشخاص متعددة كان أجازة وسط منها فسخا لما قبله وأجازة لما بعده على الكشف وإن وقعت من شخص واحد أنعكس الامر ووجه البطلان أشار أن تعدد الاشخاص وأنفراده ليس ميزانا في المقام بل المناط هي الملازمة بين المجاز والعقود الآخر وإلا فيمكن أن يصدر العقد من الاشخاص العديدة ومع ذلك يكون المجاز فقط صحيحا وإن كان وسطا كما تقدم نظيره مثل وقوع العقود المتعددة الفضولية على شئ واحد فأجاز المالك الوسط وهكذا من شخص واحد وكذلك ظهر بطلان ما ذكره الشهيد وغيره في الايضاح والدروس من أن العقود المترتبة لو وقعت على المبيع صح وما بعده وفى الثمن ينعكس فأن كل ذلك لا يكون ميزانا هنا كما يظهر وجهه بالتأمل. قوله ثم أن هنا إشكالا في شمول الحكم لجواز تتبع العقود - لصورة علم المشترى بالغصب. أقول وقد أشار العلامة إلى ذلك الاشكال وأوضحه قطب الدين والشهيد على ما في المتن فحاصله أن المشترى مع العلم بكون البايع غاصبا يكون مسلطا للبايع الغاصب على الثمن ولذا لو تلف لم يكن له الرجوع وهكذا لو علم البايع بكون الثمن غصبا وإن كان المفروض في كلامهم هو الاول ولكنه من باب المثال وعلى هذا فلا ينفذ فيه إجازة المالك المجيز أي المغصوب منه بعد تلفه أي الثمن المدفوع عوضا عن المغصوب بفعل المسلط بأن يدفعه مثمنا عن مبيع

[ 319 ]

أشتراه لعدم بقاء الموضوع للعقد الاول. نعم لا يجرى ذلك مع الجهل فأن التسليط هنا غير مجاني. وبالجملة أن ما دفع إلى الغاصب مع العلم بكونه غاصبا غير قابل لان يكون ثمنا من مال الغير لانه قد يسلط الغاصب عليه مجانا فبعد ما نقله الغاصب إلى الغير بجعله ثمنا أو مثمنا قبل أن يجيزه المغصوب منه فلا يبقى موضوع للاجازة لبقاء المغصوب بلا عوض. وهذا الاشكال مبنى على أن مال المسلط مع العلم بكون - البايع غاصبا يكون تالفا من كيسه بعد أتلافه الغاصب ببيع ونحوه لانه قد أذهب أحترام ماله بتسليط الغير إياه فيكون عند التلف تلفا من كيسه. نعم مع بقاء العين تصح إجازة المالك البيع الاول. نعم يمكن أن يقال بعدم صحة البيع الاول بإجازة المالك حتى مع بقاء عين مال المسلط بناء على أنه مسلط الغير على ماله مجانا فأذهب به أحترام ماله فيكون بذلك داخلا في ملك الغاصب من الاول فيكون مال المغصوب منه بلا عوض فيبطل البيع فلا تبقى هنا صحة تأهلية لتكون فعلية بأجازة المالك المجيز وعلى هذا لا وجه للقول بأن أجازة العقد الوسط الواقع على الثمن أجازة لما قبله أو إذا وقع العقود المترتبة من أشخاص متعددة صح أجازة العقد الوسط ومابعده وإن وقعت من شخص صح الوسط المجاز وما قبله أو ما ذكرناه من الميزان الكلى في ذلك من أن أجازة عقد من العقود المترتبة يستلزم أجازة جميع ما يتعلق بها والوجه في ذلك كله يظهر بالتأمل - ولكن هذا الاشكال ليس بصحيح لوجوه قد أشار إليه الفخر رحمة الله عليه.

[ 320 ]

الاول بفساد المبنى بأنه لا دليل على كون مال المسلط ملكا للغاصب مع علمه بكونه غاصبا وذلك فإنه قد سلطه على ماله بعنوان البيع لان يكون المعوض له عند أعتبارهم فيكون دليل اليد محكما مع بطلان البيع فيكون المال باقيا على ملك المسلط فلا يكون علمه بذلك موجبا لتخصيص قاعدة اليد وقد تقدم في مالا يضمن أن الملكية العقلائية القائمة بأعتبارهم أو الملكية عند المتبايعين غير مربوطة بالملكية الشرعية فأقدام المسلط على المعاملة مع علمه بكون البايع غاصبا لا يقدم على تلك المعاملة مجانا بل يسلطه على ماله بعنوان المعاوضة وإن لم تكن حاصلة عند الشارع فيكون ماله غير داخل على ملك الغاصب إذن فإذا أجاز المالك المجيز العقد الصادر من الغاصب على ماله فيكون صحيحا. وبالجملة بعد ملاحظة أقدام المشترى على المعاملة المعاوضة وعدم تسليطه الغاصب على ماله مجانا بل بعنوان المعاوضته ولو عند العقلاء فلا وجه لتوهم كون المقام خارجا عن قاعدة اليد تخصيصا وكون ماله ملكا للغاصب مجانا الثاني إن هذا الاشكال على تقدير صحته إنما لا يجرى على الكشف بل يختص بالنقل وذلك فان منشأ الاشكال إنما هو توهم أن المالك سلط الغاصب على ماله تسليطا مجانيا فلا تصل النوبة إلى إجازة المجيز لعدم بقاء الصحة التأهلية للعقد حتى تنضم إليه الاجازة لانه سلط الغاصب على ماله مع فرض بطلان العقد الفضولي إلا أن هذا المنشأ غير موجود هنا فإن تسليطه الغاصب على ماله تسليط بعد تحقيق البيع ولو بعدية رتبية كما في المعاطات فيكون ذلك وفاء للثمن الذى لزم عليه بالمعاوضة لا أنه تمليك مستقل

[ 321 ]

ليوجب أنعدام العقد الاول وسقوطه عن الصحة التأهلية وليس تسليطه الغاصب على ماله مع فرض بطلان العقد بل مع فرض صحته نعم بناء على النقل يمكن جريان ذلك الاشكال مع الاغماض عن الجواب الاول فإنه بناء عليه قد وقع التسليط قبل أجازة المجيز فمع كونه الغاصب مالكا على ما سلطه عليه بتسليط المالك لا يبقى - موضوع للاجازة فإنها متفرعة على كون ما أخذه الغاصب بعنوان الثمن للمغصوب عوضا لذلك فبعد ما كان مالكا لنفسه فلا يكون عوضا عنه فيبقى المغصوب في ملك مالكه فيكون الثمن أيضا للغاصب أما مطلقا أو مع التلف مع الاغماض عن الجواب الاول الثالث أنه لا يتم على النقل أيضا وذلك لان الاجازة وإن كانت بعد التسليط وإن الملكية والاستناد إنما يحصلان عند الاجازة لا قبلها كما هو المفروض على النقل ولكن التسليط من المشترى إنما وقع بعنوان أن يكون المغصوب ملكا له بالاجازة المتأخرة فيكون التسليط مقيدا بذلك لا أنه وقع مطلقا وعلى كل تقدير ليكون التسليط مجانيا فإذا كان تسليط المشترى الغاصب على ماله بعنوان المعاوضة بحيث يكون مراعا على أجازة المالك تتم المعاوضة من جميع الجهات فلا وجه لتوهم أن التسليط إنما وقع مجانا وبالجملة أن مقتضى تسلط الناس على أموالهم هو تبعية تسليط الغير على ماله على قصده و أرادته وغير خفى أن قصد المشترى أن يكون المغصوب مالا له في مقابل ما يعطيه من الثمن بحيث تكون هنا معاوضة وحيث أن - الغاصب ليس مالكا على المثمن فيكون العقد من طرفه فضوليا فقهرا يكون التسليط مراعا على أجازة المالك لكونه واقعا بقصد المعاوضة فإن أجاز المالك المجيز العقد الصادر من الغاصب فيكون صحيحا و

[ 322 ]

إلا فيكون مالا للغاصب أما مطلقا أو مع التلف مع الاغماض عن الجواب الاول والسر في ذلك أن الاجازة ليست بيعا ليكون التسليط الواقع من المالك أعنى المشترى تسليطا مجانيا لوقوعه على غير عنوان البيع وخارجا عنه بل إنما هي من الاحكام الشرعية الثابتة على الملاك كجواز البيع وجواز الاكل وجواز الشرب وغير ذلك إذن فيكون البيع حاصلا من زمان العقد على النقل أيضا وإن كانت الملكية والاستناد إلى المالك وشمول العمومات من زمان الاجازة فح لا يكون التسليط الحاصل من زمان العقد إلا بعنوان البيع وموقوفا على الاجازة فأن لم تحصل فيكون مالا للغاصب. وبعبارة أوضح أن منشأ الاشكال أن البيع الفضولي الصادر من الغاصب حيث كان باطلا لعلم المشترى بكونه غير مالك وإن ما يقع عليه العقد مال مغصوب فيكون تسليط الغاصب على ماله في ذلك الفرض وبهذا العلم تسليطا مجانيا فلا يبقى موضوع للاجازة لتصحيح البيع الصادر من الغاصب أما مطلقا لو قلنا لكونه مالكا لما أخذه من المشترى أبتداء أو بعد التلف بالنقل إلى الغير في بيع أو هبة أو نحوهما وإذا منعنا ذلك المنشأ وقلنا أن التسليط ليس على فرض بطلان البيع بل مع فرض صحته التأهلية ولو بكون التسليط على هذا الفرض مراعا على الاجازة فلا وجه حينئذ لتوهم البطلان كما لا يخفى وهنا أشكال رابع قد أشار إليه في الايضاح وحاصله أن المشترى وأن سلط الغاصب على ماله إلا أنه متعلق حق الغير من جهة أن للمالك المغصوب منه أن يجيز العقد الصادر من الغاصب فضولة فيكون مال المشترى ملكا له في مقابل ماله بأجازته لكونه أسبق من الغاصب ووولى منه فأن الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال

[ 323 ]

وأخس الاطوار. وفيه أنه لا منشأ لاخذ الغاصب بأشق الاحوال وأخسها بل هو كغيره من الضامنين لمال الغير فيكون ضامنا على ما أخذه من الغير غصبا وعدوانا وأما الزائد عن ذلك فليس عليه دليل وأما توهم أن مال المشترى متعلق حق المالك المجيز فهى الاجازة ففيه أنك قد عرفت مرارا أن الاجازة من الاحكام الشرعية مثل جواز البيع وجواز الاكل والشرب فكما أن للمالك أن يبيع وأن يأكل وأن يشرب و هكذا له أن يجيز البيع الواقع على ماله وليس ذلك من الحقوق و من هنا قلنا أن الاجازة لا تنقل إلى الوارث بالموت أي بموت المالك المجيز وعلى هذا فيمكن أن يكون مال المشترى ملكا للغاصب بالتسليط قبل الاجازة فلا يبقى موضوع أصلا لاجازة المالك ليكون ذلك ثمنا عن ماله كما هو واضح فهذا الاشكال ليس بتمام في أحكام الرد. قوله رحمه الله مسألة في أحكام الرد. أقول تحقيق المسألة في ضمن جهات الاولى أن هذا البحث إنما له ثمر إذا قلنا بأن العقد الفضولي بعد ما رده المالك لا تبقى له صحة تأهلية لانضمام الاجازة إليها وإلا فلا أثر له من هذه الجهة وقد تقدم أنه ليس للمالك الغاء العقد عن ذلك وإسقاطه عن قابليته لحوق الاجازة إذن فلا أثر لهذا البحث من هذه الجهة فإن العقد الفضولي بعد رده المالك فقابل لان تتعلق به الاجازة و يكون صحيحا أيضا بعد الرد. الجهة الثانية في أنه هل يتحقق الرد بالفعل كما يتحقق بالقول أو لا بد من تحققه من القول مثل فسخت ونحوه فقال العلامة الانصاري رحمة الله يتحقق ذلك بالقول الصريح وبالفعل مثل الهبة

[ 324 ]

والعتق والبيع ونحو ذلك من التصرفات الناقلة والمعدمة لعلامة الملكية ولكن شيخنا الاستاذ تقبل الكبرى وإمكان تحقق الرد بالفعل لكونه كالقول في ذلك إلا أنه منع الصغرى وعدم أمكان تحققه بمثل العتق والهبة والبيع ونحوها والوجه في ذلك أن هذه الامور لا دلالة فيها على رد العقد الفضولي السابق عليها سواء التفت المالك بها حين صدور تلك التصرفات منه أو لم يلتفت بها فيبقى العقد مع ذلك على قابليته الاولية وصحته التأهلية بأنضمام الاجازة إليه و لا يقاس ذلك بالفسخ بالخيار فإنه إزالة علاقة الملكية فتتحقق بكل ما يكون منافيا لكونه ملكا للغير بخلافه هنا فإن الرد إسقاط العقد عن قابليته لحوق الاجازة به فلا يتحقق إلا بما يكون صريحا في ذلك و فيه أن ما ذكره هو والمصنف من الافعال كالعتق والهبة والبيع ونحوها لا يتحقق بها الرد إلا أن الافعال غير مضرة بها بل يمكن أن يتحقق ذلك بالاشارة والكتابة بأن يسئله أحد هل رددت العقد فيشير برأسه على ذلك أو يكتبه. وبالجملة أن رد العقد كأمضائه بل كأنشائه من الامور المتوقفة على الانشاء والابراز فيتحقق بكل ما يكون قابلا لذلك. ثم بعد عدم تحقق الرد بالتصرفات الناقلة فإذا باع المالك ماله الذى وقع عليه العقد قبله فضولة أو وهب أو كان عبدا فعتقه ثم أجاز البيع السابق الفضولي فهل تصح ذلك الاجازة بحيث يكون تلك التصرفات الناقلة باطلة أو يجب عليه أداء بدله أتكون الاجازة باطلة والتصرفات صحيحة أو يفصل بين القول بالمشف فنقول ببطلان التصرفات وبين القول بالنقل فنقول ببطلان الاجازة وجوه وقد

[ 325 ]

فصل المصنف بين القول بالكشف الحقيقي وبين القول بالنقل. وقال أن صحة الاجازة توجب بطلان التصرفات فلو كانت التصرفات صحيحة لمنعت عن صحة الاجازة فإذن تكون صحة الاجازة مع صحة تلك التصرفات متناقضة فإنه لا يمكن الالتزام بصحة كلتيهما وإلا فيلزم الحكم بكون المالك المجيز مالكا لثمنين بل لابد أما من القول ببطلان التصرفات أو القول ببطلان الاجازة أو القول بكون ما فعله المالك المجيز من التصرفات محتاجا إلى أذن المشترى لكونها واقعة على غير وجهها فأشار المصنف إلى الاول بقوله أو البطلان و إلى الثاني بقوله من أمتناع الاخير والى الثالث بقوله أو أيقاعه على غير وجه فحيث أن الملكية حاصلة من حين العقد لتأثيره فيها على الفرض كما هو مبنى القول بالكشف فتكون التصرفات باطلة وتكون الاجازة صحيحة وكاشفة عن وقوع تلك التصرفات في ملك الغير وأما على النقل أو الكشف الحكمى أو الكشف الذى ذكرناه فلا تصح الاجازة بل تصح التصرفات الصادرة من المالك المجيز وذلك فأنها وقعت في ملكه و لم تبق موضوعا للاجازة فأنها إنما تصح من المالك لو لا الاجازة لا من كل أحد حتى من الجبران فلم تبق المالك إلى زمان العقد على هذه الصفة. ولكن الظاهر أن الاجازة تكون باطلة مطلقا وإنما التصرفات تكون صحيحة حتى على القول بالكشف الحقيقي بأخذ الاجازة معرفة محضة فإنك عرفت أن المؤثر في العقد الفضولي ليس هي الاجازة المطلقة وأن صدر من الاجانب بل إنما المؤثر منها هو الصادر من المالك لو لا الاجازة فإذا تصرف المالك المجيز بين العقد والاجازة

[ 326 ]

على نحو أوجب ذلك خروجه عن المالكية وصار بالنسبة إلى ذلك المال كأحد الاجانب فتكون أجازته ملغاة وتصح تصرفاته فأنها لا - تبقى مجالا لكون الاجازة صادرة من المالك لو لا الاجازة فإنه وإن قلنا بالكشف ولكن ذلك إنما هو بالاجازة المتأخرة والاجازة المتأخرة إنما تصح مع بقائه أي المالك على صفة المالكية على النحو الذى كان عليه حين العقد فحيث أنه لم يبق على تلك الصفة فتكون أجازته لغوا فإذا لغت الاجازة فلا تكشف عن الملكية من حين العقد بل يرتفع ما يكون مؤثرا فيها ويسقط عن الصحة التأهلية وهذا هو السر في عدم صحة العقد الفضولي بأجازة المالك بعد تلك التصرفات المنافية وبعبارة أخرى أنا نقول بالكشف من جهة أن أوفوا بالعقود يوجب أسناد البيع الواقع فضولة إلى المالك من حين العقد ويكون البيع بيعه وبعد ما أنتقل المال قبل تحققها إلى الغير وخرج عن كونه مالكا وأستند إليه بيع آخر قبل الاجازة في هذا المال بدليل الوفاء لا يبقى مجال لاستناد بيع آخر في هذا المال إليه بدليل الوفاء وغيره وإن قلنا أن الاجازة إنما هي يتعلق بالعقد كما هو كذلك ولكن يتعلق بالعقد في مورد قابل وفيما يكون العقد واقعا على ملكه وباقيا على هذه الحالة إلى زمان الاجازة ليكون مالكا إلى زمانها حدوثا وبقاء وهو بعد - تلك التصرفات لا يكون قابلا لاسناد البيع الفضولي إلى نفسه بحيث يكون أسناده ذلك لنفسه بالاطلاقات موجبا للاسناد السابق عليه بتلك الاطلاقات. وتوهم أن الاجازة توجب عدم صحة تلك التصرفات المتخلله بين العقد والاجازة وبقائها أي العين المبيعة في ملكه فاسد

[ 327 ]

لكون ذلك دورا واضحا حيث الاجازة تتوقف على الملك فلو توقفت الملكية على الاجازة ومحققة بالاجازة فيلزم الدور. والحاصل أن التصرفات الواقعة بين الاجازة والعقد على أقسام الاول أن تكون منافية للبيع السابق الواقع على العين فضولة كما إذا باعها أو وهبها للغير أو عتق إذا كان عبدا أو أمة وهكذا فأنها منافية لصحة البيع الفضولي بالاجازة وهذا القسم لا شبهة في كونها موجبة لبطلان أجازته المتأخرة وذلك مضافا إلى ما تقدم أنك عرفت في بعض المباحث المتقدمة أن العمومات والاطلاقات إنما هي خطاب للملاك وأن الوفاء بالعقد يكون متوجها إلى عقدهم لا إلى عقد غيرهم وأن المراد من حلية البيع وتجارة عن تراض حلية بيعهم وتجارتهم المراضاتية وعلى هذا فحين ما وقع العقد على المال فليس العقد عقدا لمالكه وبيعا له لفرض صدوره من الغير فضولة وحينما يكون العقد الصادر من الغير فضولة متعلقا على ماله ليس عقدا له وبيعا مستندا إليه وحينما يكون بيعا له ومستندا إليه بالاجازة ليس عقدا للمالك لفرض خروج المبيع عن ملكه فتكون أجازته ذلك العقد كأجازة الجانب فلا تترتب عليها أثر بوجه. وبالجملة لا نعقل وجها لشمول العمومات على ذلك بعد أجازته إذن لا نعقل وجها لصحة ذلك العقد ولا يفرق في ذلك بين الكشف بإقسامه حتى على معرفية الاجازة والنقل كما هو واضح نعم على النقل أوضح وعلى الكشف الحكمى واضح وسلمنا شمول العمومات على ذلك بالاجازة ولكن تخرج عن ذلك بدليل المخرج فإن مقتضى بعض الروايات المتقدمة هو عدم جواز بيع ما لا يكون مالكا عند البيع

[ 328 ]

كقوله عليه السلام لا توجب قبل الاستيجاب ولا تبع قبل الشراء وغير ذلك من الروايات فأن الظاهر منها أن من شرائط صحة البيع أن يكون البايع مالكا عند وقوع البيع عنه سواء كان أبتداء أو بالاجازة فحيث أن المالك المجيز بعد تلك التصرفات غير مالك فلا يكون بيعه المستند إليه بالاجازة صحيحة فتكون تلك الروايات مخصصه لتلك العمومات على تقدير شمولها لذلك كما هو واضح ومن قبيل تلك التصرفات الناقلة تزويج الامة للغير من المالك فإن هذا لا يبقى مجالا لاجازة تزويجها الواقع فضولة لان المزوجة لا تكون زوجة وأما التصرفات الغير المنافية للعقد السابق الفضولي فهى كالاستيلاد والاجازة و تزويج الامة فقال المصنف أنها وإن لم تخرج الملك عن قابلية وقوع الاجازة عليه إلا أنه مخرج له عن قابلية وقوع الاجازة من زمان العقد لان صحة الاجازة على هذا النحو توجب وقوعها باطلة وإذ فرض وقوعها صحيحة منعت عن الاجازة فهذان لا يجتمعان. أقول أما الاستيلاد فالظاهر أنه لاحق بالقسم الاول حتى على الكشف فأن زمان الاجازة هو زمان كون البيع بيعا للمجيز وإذا كان من شروط البيع أن يكون المبيع غير أم ولد كما هو كذلك على ما يظهر من الادلة فلا يكون بيعه هذه المتحقق بالاجازة صحيحا وإن كان لم يكن كذلك حين وقوع العقد عليه لم تكن أم ولد فان البيع يقع في حال الاستيلاد نعم لو كان عدم الاستيلاد قيدا في المتعلق كعدم كونه خمرا مثلا فيكون البيع صحيحا فإن المجيز إنما يجيز البيع الواقع من الفضولي من زمان وقوعه ولا ريب أن متعلقه في ذلك الزمان ليس بأم ولد وإنما حصل الاستيلاد بعده وإن كان المتعلق أم ولد

[ 329 ]

في زمان الاجازة فإنه ليس بمناط. وأما الاجازة فهى تارة تكون منافيا لما فعله الفضولي فلا يعد ذلك أجازة وأخرى لا تكون منافية فأنه تارة تكون الفضولي قد آجر داره من الغير من مبدء سنة إلى منتهى السنة ثم آجرها المالك في تلك السنة كذلك أي من المبدء إلى المنتهى ثم يجيز ذلك العقد الفضولي فإنه لا يصح لمنافات العقد الصادر من المالك مع العقد الصادر من الفضولي لان الثاني لا يبقى موضوعا لاجازة الاول لعدم بقاء المورد على تمليك المنفعة بالاجازة بعد تمليكه لها أبتداء بعقد الاجازة فتكون أجازته العقد الاول كأجازة الاجانب فلا تشمله العمومات فإنه عند العقد لم يستند إليه ولم يكن العقد عقده وحين الاجازة لم يكن مالكا للمنفعة لتفويتها بالاجارة. وبالجملة أن المالك وأن كان قد تصرف في العين بالمنفعة الغير المخرجة عن الملكية ولكن مع ذلك التصرف في المنفعة لم يبق موضوعا للعقد الاول فتكون أجازة ذلك باطلة لعدم كون المجيز مالكا لو أجازة وإن لم يكن على نحو ليكون منافيا للعقد الفضولي فلا تكون الاجازة باطلة كما إذا باع الفضولي دار المالك وقبل أن يجيزها المالك يؤجرها من الغير ثم يجيز البيع الفضولي ففى هنا لا يتم كلام المصنف لعدم منافات العقد الصادر من الفضولي مع العقد الصادر من المالك فأنه لو كان هو بنفسه يؤجرها ثم باعها من الغير لم يكن باطلة لعدم منافات البيع مع الاجازة لكونه واقعا في محله وصادرا من أهله وهكذا إذا تحقق البيع بالاجازة أيضا فأنها صادرة من أهلها وواقعة في محلها أعنى البيع فيكون صحيحا لصحة الاجازة من -

[ 330 ]

أهلها غاية الامر أن المشترى قد كان أشترى تلك الدار بشرط المنفعة وقد صارت مسلوبة المنفعة في مدة فظهر العيب في العين المبيعة فيثبت له الخيار وأما البطلان فلا وهذا نظير سكون المالك في تلك الدار بين العقد والاجازة فإنه على الكشف كانت تلك المنفعة للمشترى وقد أستوفاها المالك وفوتها عليه فلا يمكن له أن يجيز البيع حتى مع تلك المنافع لخروجها عن الملك وصيرورتها بالنسبة إليها كالاجانب فلا بد أن يخرج من عهدة تلك المنافع ومع ذلك يثبت للمشترى الخيار فتحصل أن عقد الاجازة الواقعة من المالك فليس مطلقا على نحو لا تبقى مجالا للعقد الاول الفضولي وتكون منافية لصحة التأهلية وتكون موجبة لخروجها عن قابلية الاجازة به وكونه صحيحا بالاجازة كما لا يخفى ومن هنا ظهر حكم ما لو باع الفضولي أمة المالك ثم زوجها المالك من الغير فإن ذلك لا يوجب بطلان أجازة العقد الاول غاية الامر يكون المشترى مختارا في الرضا بعقد البيع وفسخه وذلك من جهة أن التزويج لا ينافى البيع حتى إذا صدر كلا الامرين من شخصه لامكان كونها ملكا لاحد وزوجة شخص آخر وإنما المنافات فيما يكون العقد الاول تزويجا مثل العقد الثاني فإنه حينئذ لا يبقى العقد الثاني موضوعا للاول لان المزوجة لا يتزوج. بقى الكلام في الرهن فهل يمنع ذلك عن الاجازة البيع السابق المتعلق بالعين المرهونة فضولة أولا يمنع وقد أختار شيخنا الاستاذ الاول وقال أن رهن غير المديون إنما يصح إذا رهنه نفس المالك بالمباشرة أو بالاذن منه وأما إذا رهنه غيره فأما أن يبطل الرهانة وأما الاجازة والمفروض صحة الرهن فلا محل للاجازة.

[ 331 ]

ولكن كلامه هذا مبنى على النبوى المعروف الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف فأنه بناء على هذا لا تصح أجازة البيع السابق المتعلق بالعين المرهونة لكونها تصرفا فيكون الراهن ممنوعا من ذلك كما هو المشهور ومن هنا قالو أن من جملة شرائط العوضين أن لا يكونا مرهونين وأما إذا منعنا عن ذلك كما هو الحق لضعف النبوى وعدم أنجباره بعمل المشهور فلا مانع من مثل هذه التصرفات الغير المنافية للرهانة الغير الموجبة لزوالها جائزة وأما التصرفات الموجبه لزوالها فلا تجوز وحيث أن بيع الراهن العين المرهونة لا ينافى الرهانة لبقاء الوثيقة على حالها فلا مانع من أجازة البيع السابق الوارد عليها قبل الرهن فأن غاية الامر أنها تكون مالا للغير فلا مانع من رهن مال الغير بأجازته لجواز ذلك بلا شبهة إذن فلا مانع من أجازة الراهن البيع السابق الفضولي وصحته بها لكونها أي الاجازة صادرة من أهلها أعنى المالك لو لا الاجازة ويكون البيع بها واقعا في محله. وبالجملة معنى الرهانة هو كون العين المرهونة وثيقة عند المرتهن وهذا المعنى حاصل فيما يكون الراهن من أموال غير الراهن أيضا فإن المرتهن عند وفاء الراهن دينه يبيع ذلك ويستوفى دينه وعلى هذا فلا مانع بعد الرهن أجازة العقد أيضا غاية الامر يكون للمشترى الخيار فإن المبيع ليس ملكا له بل هو في معرض التلف مضافا إلى كونه ممنوعا من التصرفات فيه لاحتمال أن لا يقدر الراهن على أداء دينه ويبيعه المرتهن فيستوفى دينه. والحاصل أن الفسخ إنما يتحقق بالفعل كما يتحقق بالقول بناء

[ 332 ]

على كون الرد موجبا لسقوط العقد الفضولي عن قابلية لحوق الاجازة به وعن صحة التأهلية ثم أن الافعال على أقسام قسم منها يوجب و خروج الملك عن تحت مالكه لكون تلك الافعال تصرفات ناقلة وذلك كالعتق والهبة والبيع وتزويج الامة بعد تزويبها فضولة ويلحق بذلك الاستيلاد كما عرفت وقد عرفت السر في ذلك بأن الاجازة إنما تؤثر في العقد إذا كانت صادرة ممن يكون مالكا لو لا الاجازة فالمالك المجيز بعد تلك التصرفات غير مالك حال الاجازة لولا الاجازة ولكن لا بد وأن يعلم أن معنى تحقق الرد بها ليس أسقاط العقد عن قابلية لحوق الاجازة به وكونه ساقطا عن الصحة التأهلية كما يظهر من المصنف بل معنا سقوط المالك المجيز عن قابلية الاجازة فإنه ليس بمالك أن يجيز والاجازة لا بد وإن تصدر من المالك لولا الاجازة كما عرفت فأنها لا تدل على رد نفس العقد وسقوط نفسه عن الصحة التأهلية كما يدل الرد المتحقق باللفظ على ذلك. ويترتب على ذلك أنه إذا لم يسقط العقد عن تلك القابلية و قلنا بأنه لم يشترط أن يكون المالك المجيز حال الاجازة مالكا حال العقد في العقد الفضولي كما تقدم أختياره من المصنف وإن لم نقبله فللمنتقل إليه أي من أنتقل إليه المال من المالك أصالة أن يجيز العقد السابق ويأخذ الثمن من المشترى كما كان للوارث أجازة العقد الواقع على مال مورثه فضولا بناء على المسلك لمتقدم نعم في مثل العتق وتزويج المولا أمته من الغير بين عقد التزويج الواقع عليها فضولا وبين الاجازة لا يمكن بقاء العقد على قابلية التأهلية فأنه - بالعتق يزول موضوع البيع الفضولي ومتعلقه فلا تصح أجازة البيع

[ 333 ]

العبد المعتق لا من المالك لعدم كونه مالكا بل لا يقدر على تملكه أصلا لان الحر لا يصير عبدا ولا من غير المالك المعتق لعدم أنتقاله إليه بالعتق مثل البيع ونحوه فأن العتق فك ملك لا نقله إلى غيره وكونه مالا له ليمكن له أجازة العقد السابق فلاجل ذلك فقهرا يسقط العقد السابق أيضا عن قابلية لحوق الاجازة بها. لا يقال أن العتق كغيره من التصرفات المنافية لا يوجب خروج العقد عن قابلية لحوق الاجازة به وإنما يوجب كون المعتق غير - قابل لذلك فلا مانع من بقاء العقد على قابلية التأهلية أذن فيمكن تعلق الاجازة به حينما صار الحر عبدا فيما إذا أمكن كما إذا أرتد ثم صار أسيرا للمسلم فله أن يجيز ذلك العقد كالوارث. فإنه يقال وإن كان في الوارث أيضا ملك جديد وليس أشكال من هذه الجهة ولكن العقد فيه لم يخرج في زمان عن القابلية التأهلية للصحة وإنما أستمرت تلك القابلية في عمود الزمان لاستمرار الملكية وهذا بخلاف هنا فإنه لم تستمر الملكية هنا في زمان الحرية وخرج العقد في هذه الزمان عن القابلية وبطلت لذلك وبعد صيرورة الحر عبدا يحتاج عود تلك القابلية على دليل فلا يمكن تصحيح ذلك البيع الواقع عيله فضولا بالاجازة وتوهم شمول العمومات عليه ومن هنا ظهر أنه لا فرق في تحقق الرد بالمعنى المذكور بين صدور تلك التصرفات حال الالتفات أو في غير حال الالتفات فإن المناط في تحققه هو سقوط المالك المجيز عن قابلية الاجازة وكون القصور في ذلك من قبله ولا يفرق في ذلك بين الحالتين ولا يكون الجهل مانعا عن عدم تأثير تلك التصرفات في سقوط المالك عن قابلية

[ 334 ]

الاجازة لان حصول تلك المناط غير متوقف على العلم والقصد ليمنع عن الجهل. وأما الاجازة والرهن فقد عرفت أنهما لا يمنعان عن بقاء قابلية العقد عن لحوق الاجازة المالكية بها كما لا يمنعان عن بقاء قابلية مالك المجيز عن أجازتهما لان الرهن والاجازة في بعض أقسامهما كما عرفت لا ينافيان العقد السابق الفضولي يوجب تحققها أنعدام قابلية لحوق الاجازة به وكونه ساقطا عن الصحة التأهلية. قوله بقى الكلام في التصرفات الغير المنافية لملك المشترى من حين العقد. أقول وأما التصرفات الغير المنافية لاجازة البيع فقد فصل المصنف بينما يكون المالك حين تصرفه ملتفتا بالعقد السابق الفضولي فيكون تصرفه بمثل ذلك ردا للعقد السابق وبينما لا يكون ملتفتا بالعقد فلا يكون مثل تلك التصرفات ردا للعقد السابق. وأما الثاني فقد أفاد في وجهه بأن الرد كالاجازة يحتاج إلى القصد فبدونه لا يتحقق فحيث أن غير الملتفت ليس له قصد إلى الرد فلا يتحقق بفعله ذلك أيضا لعدم كونه هذا أنشاء للرد فلا يكون منافيا للاجازة اللاحقة وبعبارة أخرى أن اللازم في تحقق الرد تحقق عنوانه وكون الفعل بالحمل الشايع ردا لا أن مجرد صدور الفعل يكون ردا كما هو واضح وليس ذلك مثل الطلاق ليكون أنكاره رجوعا وإن لم يكن المنكر ملتفتا بذلك كما هو الظاهر من الفقهاء ومن أطلاق كلامهم فأن لازم معنى الانكار هو أدعاء أنها زوجته فيكون ذلك رجوعا وأما في صورة الالتفات فأفاد أن مثل تلك التصرفات كتعريض المبيع

[ 335 ]

للبيع أو المعاملة عليه بالبيع الفاسد أو غير ذلك مما يصد منه مع العلم بتحقق بيع السابق الفضولي لى على ذلك المبيع فيكون ردا وأستدل عليه أولا بالاخبار المتقدمة من قوله إن شاء ترك وإن شاء فعل و غيرها مما ورد في نكاح العبد والامة بدون إذن السيد إلى غير ذلك ما يدل على أن للمالك الرد للعقد الفضولي فلا شبهة في صدق الرد على مثل تلك التصرفات وأجاب عنه بما هو متين جدا وحاصله أن غاية ما يستفاد منها هو أن من له العقد أو مالك العبد والامة له أجازة العقد وله رده وأما أن الرد بأى شئ يتحقق فليست فيها تعرض إلى ذلك ودعوى صدق الرد على تلك التصرفات مصادرة وكذلك دعواه أن المجيز بعد صدور تلك التصرفات منه يصير أجنبيا عن أحد طرفي العقد فلا يؤثر أجازته في العقد السابق فإن هذا أيضا مصادرة ودعوى كون المجيز بعد تلك التصرفات مثل من صدر منه الرد القولى أيضا أول الكلام ومصادرة واضحة والعمدة ما يستدل به ثالثا من فحوى الاجماع المدعى على حصول فسخ ذى الخيار بالفعل كالوطى والبيع والعتق فأن الوجه في حصول الفسخ هي دلالتها على قصد فسخ البيع وبعبارة أخرى أن فسخ العقد في العقود الخيارية رفع ورد العقد الفضولي دفع ولا ريب أن مئونة الرفع أكثر من مئونة الدفع فإذا كان أمثال تلك التصرفات رفعا فتكون دفعا بطريق أولى وفيه أنه قد تقدمت الاشارة إلى جوابه في صحيحة محمد بن قيس وتوضيح ذلك أن في العقود الخيارية قد صار المبيع ملكا للمشترى وصار من جملة أمواله فلا يجوز لغيره التصرف فيه بوجه غاية الامر أن البايع بما أن له الخيار فيجوز له فسخ العقد ويتصرف في ذلك بعد

[ 336 ]

فسخه هذا فإذا تصرف في ذلك المبيع تصرفا لا يجوز لغير المالك أو يكون في نظر العرف مما يكون من آثار الملك فبالملازمة يدل ذلك على فسخ العقد ليكون تصرفه هذا واقعا في محله وصادرا من أهله وهذا بخلاف المقام فأن المالك ما لم يجز العقد فالمال ماله وطبع المطلب يقتضى جواز تصرفاته لكونه مالكا وتصرفه واقعا في ماله وكيف يقاس ذلك بالفسخ في العقود الخيارية فلا يدل تصرفاته هذه على وقوع الرد بها بل تقدم أن التصرفات المنافية للعقد السابق الفضولي لا تدل على الرد بل على سقوط المالك عن القابلية لاجازة العقد وكيف بالتصرفات الغير المنافية لذلك العقد. وبالجملة فمجرد كون الفسخ رفعا والرد دفعا لا يدل على تحقق الرد بمثل تلك التصرفات في باب رد العقود الفضولية بل بالتصرفات التى أقوى منها كما تقدم وأما الوطى فهو لا يدل حتى على الفسخ في العقود الخيارية أيضا لامكان كونه زنا منه فلا يدل على ذلك وحمل فعل المسلم على الصحة لا يوجب كون الوطى موجبا لتحقق الفسخ به فإن مفهوم الوطى ليس منافيا لمفهوم البيع حتى لا يمكن الجمع ويحكم بالفسخ هذا بخلاف مفهوم البيع فأنه مناف للبيع فأنه لابد وأن يكون البيع نفسه أن يكون واقعا على ملكه وبعد ما باع ماله من الغير لا يتحقق ذلك المفهوم والحكم بالصحة راجع إلى حكم الوطى وكذلك لا يدل على الرد هنا نعم يكون رجوعا في المطلقة رجعية حتى مع قصد الزنا لكونها زوجة حقيقة. بقى الكلام في أن مثل تلك التصرفات هل تنافى العقود الجائزة أم لا كما أذا أوصى شيئا من أمواله لاحد ثم عرضه إلى البيع أو وكل

[ 337 ]

أحدا في بيع داره ثم أوقع عليه بيعا فاسدا أو عرضها على البيع فهل يوجب ذلك بطلان الوصية وفسخ عقد الوكالة أم لا فقد ظهر مما ذكرنا عدم دلالة شئ من ذلك على فسخ العقد فأن طبع كون شخص مالكا على شئ يقتضى ذلك إلا أن يبقى موضوعا للوكالة والوصية كما إذا باع الموصى به أو باع ما وكل شخصا في بيعه فإنه لا يبقى حينئذ موضوع للوكالة والوصية كما هو واضح. قوله: رحمه الله. مسألة لو لم يجز المالك فإن كان المبيع في يده أقول إذا عرض العقد الفضولي للمالك فإن أجاز فيأتى فيه ما تقدم من التفصيل وأن رد فإن كان العين عند مالكها فلا كلام لنا فيه وإن كانت عند البايع أو المشترى وكانت باقية فيرجع اليهما وهكذا الامر في الايدى المتعاقبة فله الرجوع بأى منها شاء وإلا فعلى البايع قيمتها كما هو مقتضى اليد والسيرة المستمرة وقد تقدم في المقبوض بالعقد الفاسد أن المالك يرجع على القابض وكذلك المغصوب على الغاصب بقيمة يوم الدفع بحسب القواعد ولكن مقتضى صحيحة أبى ولاد أن يرجع إلى قيمة يوم الغصب وكذلك في المقام سواء كان البايع الفضولي غاصبا أو غير غاصب ثم إذا قلنا بالضمان بأعلى القسيم فيكون مبدء أخذ ذلك بالنسبة إلى كل ضامن زمان دخول العين تحت زمانه فيكون البايع الاول ضامنا من أول وضع يده عليها إلى زمان دفع القيمة حتى أعلى القيم عند دخولها تحت الايدى المتأخرة وهكذا كل شخص يضمن ذلك من زمان وضع اليد إلى زمان دفع القيمة و

[ 338 ]

الوجه في ذلك أن بمجرد وضع اليد عليها ثبت ضمانها عليه إلى أن يؤديها إلى مالكها وهذا المعنى مسمر إلى زمان الدفع ومنحل إلى ضمانات عديدة فيؤخذ الاعلى القيم من جميع تلك الضمانات وأما الاشخاص المتأخرة لا يضمنون على الاعلى القيم قبل الاخذ فلو كانت العين في يد البايع الاول يحاذي بخمسة وباعها من المشترى وصارت عنده يحاذي بعشرين ثم نزلت قيمتها إلى أربعة وباعها من الآخر كذلك وترقى قيمتها عنده إلى خمسين ثم نزلت إلى عشرة فباعها كذلك إلى الآخر فهذا الشخص الاخير لا يضمن إلا على العشرة لانه لم يأخذ زايدا عن ذلك ولم يدخل غيره تحت يده ليكون ضامنا عليه بمقتضى اليد أو بالسيرة وأما السابقين عليه كلهم يضمنونون بخمسين فإنها في عهدتهم من زمان وضع اليد إلى حين الخروج من العهدة ولو كان عند الاول بخمسين وعند الثاني بعشرين وعند الثالث بعشرة وعند الرابع بخمسة فلا يضمن بالخمسين إلا الاول و لاخير بالخمسة والثانى بالعشرين والثالث بعشرة لعين ما عرفت و إذا رجع المالك على الاول فبها وإن رجع على واحد المتأخرين فيأخذ الناقص من سابقه إلى أن يأخذ بقية القيمة من البايع الاول وعلى ما ذكرناه قد أشار المصنف بقوله ولو كان قبل ذلك في زمان آخر وفرض زيادة القيمة عنده ثم نقصت عند الاخير أختص السابق بالرجوع بالزيادة عليه وكذلك يضمن البايع والمشترى إلى أن ينتهى إلى الاخر بالمنافع أيضا كما هو مقتضى اليد والسيرة أما المستوفات فبلا شبهة وأما المنافع الغير المستوفات على أشكال فقد تقدم الكلام في ذلك تفصيلا وبالجملة حكم المنافع في الضمان حكم الضمان

[ 339 ]

بالعين على النحو الذى تقدم في الضمان بالعين. وأما الصفات التى تزول بعد وجودها كما إذا كانت العين وقت وجودها عند البايع فاقدة لصفة وحدثت بعد أنتقالها إلى الثاني أو الثالث بأن كانت مهزولة ثم صارت سمينة أو كانت عبدا غير كاتب ثم صار عبدا كاتبا وتعلم الكتابة فهل يكون السابق الذى وضع يديه بها مع عراء تلك الصفات يكون ضامنا بها أيضا كضمانه بأعلى القيم ولو في يد اللاحق وبالمنافع المستوفات وغيرها الجامع مطلق المنافع الفائتة أم لا يضمن بالصفات إلا من حدثت تحت يدها فأختار شيخنا الاستاذ الاول وإن كل سابق يضمن بالعين وبجميع شئونها من المنافع والصفات ولو كانت حاصلة في يد اللاحق أو فاتت فيها كما هو مقتضى اليد فإن العين حين أتصافها بصفة الكمال كانت في عهدة الضامن الاول فيضمنها بجميع شئونها نعم لو كانت حاصلة و فائتة في يد السابق فقط لا يضمنها اللاحق ولكن الظاهر أن السابق لا يضمن الصفات الحاصلة في اليد التالية وإنما الضامن لها ليس إلا من حدثت الصفات تحت يدها وذلك فإن مقتضى اليد أو السيرة ليس إلا ضمان البايع الاول سواء كان غاصبا أولا بالعين مع الحيثيات القائمة فيها فهذه الحيثية بالنسبة إلى المنافع موجودا في العين فإنها متصفة بالفعل بحيثية الانتفاع بها وقابلية أستيفاء المنافع منها بالفعل وهذا بخلاف الاوصاف فأن العين وإن كانت لها قابلية السمن وقابلية تعلم الاوصاف الكمالية ولكن حيثياتها الفعليه بحيث لو أراد أن ينفع الضامن من العين بهذه الصفات لامكن غير موجودة فيها بالفعل فلا يشمل دليل اليد إلا لمن تكون حدوثها عنده فقط

[ 340 ]

دون السابق عليه ودون اللاحق به كما هو واضح. وعلى هذا فلو سمنت ثم هزلت أو تعلم العبد الكتابة ثم زالت عنه ذلك فيضمنها من حدثت تلك الصفات في تحت يده وتلفت عنده ولو أنتقلت العين إلى غير من حدثت الاوصاف عنده وتلفت لديه ضمن العين مع تلك الصفات من حدثت الاوصاف تحت يده ومن تلفت عنده معا أيضا. وبالجملة نحن نتبع في الحكم بالضمان بدليله فبأى مقدار أقتضى نتبعه وإلا فلا هذا كله حكم المالك مع الغاصب والمشترى وأما حكم المشترى مع الفضولي فيقع الكلام فيه تارة في الثمن و أخرى فيما يغرمه للمالك فهناك مسئلتان كما في المتن أما الاولى إن المشترى تارة يكون جاهلا بكون البايع الفضولي فضوليا أو غاصبا و - أخرى يكون عالما به أما الاول فتارة يعترف المشترى بكونه مالكا بالعين وأخرى لا يعترف وعلى الثاني فيرجع على الفضولي لثمن سواء كان تالفا أو باقيا لغروره أياه وعلى الاول تارة يكون أعترافه عن علم وأعتقاد بأن المبيع مال البايع وعليه فلا شبهة في عدم رجوعه إلى البايع فإنه بمقتضى أعترافه قد يكذب البينة التى أقامتها المالك على كونه مالا له فيكون أعترافه على نفسه فيأخذ المالك المال بعد أقامة تلك البينة فلا يرجع المشترى إلى المالك على حسب أعترافه وأخرى يكون أعترافه مستندا إلى اليد فهذا الاعتراف لا يوجب أخذ المعترف به لزواله بزوال مدركه بأقامة المالك البينة على أن المال ماله لكونها مكذبة لليد وكاشفة في الظاهر عن كونها أي اليد يد عدوان وغصب و إنما أستملكت مال الغير عن غير حق وإن كان في الواقع محقا ولو

[ 341 ]

تردد أعترافه بين كونه مستندا إلى الاول أو إلى الثاني فهل حكمه حكم الاول فيلحق به أو الثاني ذكر المصنف ذلك ولم يرجح أحد الطرفين ولكن الظاهر أن يلحق ذلك باليد فإن الغالب بل الظاهر من المشترين يشترون ويستندون إلى اليد ولذا لو سئلو عن ذلك فيجيبوا بذلك وأنه كان مال فلان كونه في يده. والدليل على ذلك أن الحجج الشرعية لا موجب لرفع اليد عنها إلا بحجة أخرى فالبينة القائمة على أن المبيع للمدعى دون البايع من الحجج الشرعية وأنما نرفع اليد عنها هنا بواسطة أقرار المشترى على أن المال للبايع مستندا في أقراره هذا إلى العلم فإنه يؤخذ بأقرار كما عرفت فلا يثبت له الرجوع إلى البايع بمقتضى البينة القائمة على أن المال للمالك دون البايع لكون أقراره هذا حجة وأما فيما لم يثبت ذلك الاقرار ولا علم لنا في كونه مستندا إلى العلم الوجداني ليكون أقراره قابلا لاخذ مقره به بل يمكن مستندا إلى اليد فلا موجب لرفع اليد به عن البينة وإلا يلزم رفع اليد عن الحجة بغيرها ويكفينا الشك في ذلك أيضا لانه لا يمكن رفع اليد عن الحجة بأمر يحتمل كونه حجة قائمة على خلافها. قوله وإن كان عالما بالفضولية. أقول: لا أشكال في أنه مع بقاء العين لابد من ردها إلى صاحبها وهو المشترى ولا يفرق في ذلك بين كون المشترى عالما بالفضولية أو لم يكن عالما بها فإنه إنما أعطى الثمن للبايع على أن يكون المثمن له ولو مع علمه بكونه غير مالك فإذا لم يترتب على ذلك الاعطاء ذلك الغرض فيكون الثمن باقيا في ملكه وتوضيح ذلك يظهر

[ 342 ]

بذكر ما ذكره المصنف وقد أستدل على كون العين باقية في ملك المشترى على تقدير البقاء بوجوه الاول أنه لم يحصل منه ما يوجب أنتقاله عنه شرعا بيان ذلك أن النقل والانتقال لا بد له من سبب شرعى فما لم يحصل فلا مقتضى لذلك وهذا متين خصوصا بضميمة ما ذكره أخيرا من كونه أكلا للمال بالباطل لما تقدم سابقا أنها ناظرة إلى الاسباب وحصر أسباب التجارة بالتجارة عن تراض فإن المراد من الاكل هو التملك دون الازدراد وأن أسباب ذلك الملك هي التجارة عن تراض كما هو واضح وبالجملة أكل البايع الفضولي الثمن ولو مع علم المشترى بعد مالكية بلا مقتضى وسبب وأكل للمال بالباطل الوجه الثاني ما أشار إليه بقوله ومجرد تسليطه عليه لو كان موجبا لانتقاله لزم الانتقال في البيع الفاسد لتسليط كل من المتبايعين صاحبه على ماله وفيه أنه يرد عليه ما أفاده بعد أسطر من الفرق بين المقام وبين المقبوض بالعقد الفساد فإن في المقبوض بالعقد الفاسد أن الشارع قد منع عن مضى ذلك العقد وتأثيره في النقل والانتقال مع كون بناء المتعاقدين على ذلك وحصول الضمان الخاص المعاملى فإذا لم يحصل ذلك الضمان الخاص من ناحية عدم أمضاء الشارع فيكون أقدامهما على الضمان الحقيقي فيكون كل من البايع والمشترى ضامنا لما أخذه من صاحبه وهذا بخلاف المقام فإن دفع المال إلى البايع الفضولي سواء كان غاصبا أو غير غاصب ليس إلا - كدفعه إلى ثالث يعلم عدم كونه مالكا للمبيع وتسليطه على أتلافه في أن رد المالك لا يوجب الرجوع إلى هذا الثالث فالقياس باطل. الوجه الثالث ما أشار بقوله ولان الحكم بصحة البيع لو أجاز

[ 343 ]

المالك كما هو المشهور يستلزم تملك المالك للثمن فإن تملكه البايع قبله يلزم فوات محل الاجازة لان الثمن إنما ملكه الغير فيمتنع تحقق الاجازة ثم أمر بالتأمل وفيه أنه قد تقدم سابقا إنما هو متفرع على البيع وبعد تحققه يسلط المشترى البايع على ذلك فأما على الشكف فواضح إذ الملكية إنما حصلت من زمان العقد فالتسليط إنما هو تسليط المالك على ملكه ومتفرع على ذلك الملكية الحاصلة بالعقد من حين العقد. وأما على النقل فلا يبعد أن يكون التسليط مراعا بحصول الملكية بالاجازة المتأخرة من المالك فإن أجاز فيكون الثمن له في مقابل المبيع وإن لم يجز فيكون للبايع فيكون التسليط منجزا لا أن التسليط من الاول منجز وأن المشترى سلط البايع على ماله منجزا كما هو واضح. وهنا وجه رابع لشيخنا الاستاذ من أن التسليط لا يزيد على الهبة المجانية فلا فرق بين صورة العلم والجهل فحيث أن الواهب له الرجوع على الهبة مادامت باقية وكذلك كل من البايع والمشترى لو كان الثمن أو المثمن غصبا وفيه أن هذا أيضا لاكلية له فان - الواهب ليس له الرجوع على العين على الاطلاق لو كانت باقية فإنها لو كانت ثوبا فقصر أو شيئا آخر تصرف فيه الموهوب له بما يوجب تغييره ليس للواهب أن يرجعها وكذلك لو كانت لذى رحم وإن لم يقع عليه التصرف فأن في جميع ذلك ليس للواهب الرجوع إلى هبته فتنزيل المقام عليها والحكم بجواز الرجوع هنا مثلها ليس بتمام. ومن هنا ظهر حكم الجهة الثانية أيضا أعنى جواز تصرف كل

[ 344 ]

من البايع والمشترى فيما أخذه في مقابل المغصوب وأنه غير جائز وتصرف في أموال الغير بدون أذنه فإن التسليط لا يوجب الاذن في التصرف لانه إنما سلطه على ماله بعنوان المعاوضة والمعاملة بحيث يكون مالا له فيتصرف في ماله لا أنه سلطه عليه ليصرف مال الغير بإذنه فليس له أن يتصرف فيه بعد عدم حصول المعاوضة لكونه مال الغير فلا أذن له من ذلك التصرف. قوله رحمة الله أما لو كان تالفا فالمعروف عدم رجوع المشترى بل المحكى عن العلامة وولده والمحقق والشهيد الثانيين وغيرهم الاتفاق عليه. أقول قد بنى شيخنا الانصاري تبعا لهؤلاء الاعاظم على عدم الضمان في هذه الصورة أعنى بيع الغاصب لنفسه وأخذ الثمن من المشترى لنفسه وتلفه عنده وتبعه شيخنا الاستاذ وأن ناقش في بعض خصوصيات كلماته والوجه في ذلك كما صرح به بعضهم أنه سلطه على ماله بلا عوض. ومحصل كلام المصنف أن سبب الضمان إنما هو لاحد الامرين كما تقدم في قاعدة ما لا يضمن أما دليل اليد وإن من وضع يده على مال غيره فلا بد له أن يخرج من عهدته بجميع شئونه وخصوصياته كما تقدم وأما قاعدة الاقدام على الضمان كما أستدل بها شيخ الطائفة وغيره في ما لا يضمن وأما قاعدة اليد فهى وإن كانت مسلمة ومتسالما عليها بين الفقهاء ولكنها خصصت بفحوى ما دل على عدم ضمان من أستأمنه المالك ودفعه إليه المال لحفظه كما في الوديعة والاجارة والعارية فإن دفع العين في هذه الموارد ليس

[ 345 ]

إلا بعنوان الوديعة دون الضمان فلا يكون تلفها موجبا للضمان وعلى هذا فإذا كان دفع المال وتسلط الغير عليه ليتصرف فيه ويتلفه فلا يوجب الضمان بطريق أولى فلا يكون ذلك إلا كالبيع بلا ثمن و الهبة الفاسدة والاجارة بلا أجرة فلا يكون فيها ضمان وكذلك يكون مثلا أعطائه إلى ثالث فأن الجامع في جميع ذلك هو أن التسليط فيها مجاني كما لا يخفى وأما قاعدة الاقدام فهى أيضا غير جارية هنا إذ لم يقدم البايع على الضمان بالثمن لعلم المشترى بكونه غير مالك وإنما الضمان به فيما يكون ذلك من البايع المالك فيكون أعطاء الثمن حينئذ في مقابل ماله تضمينا له بالمال الذى هو الثمن و لذا يكون ضامنا مع الفساد أيضا ثم أورد على نفسه بأنه أي فرق بين المقام وبين بيع الغاصب الذى تقدم فإن تصحيحه إنما كان بأن البيع فيه حقيقة واقع عن المالك لان معرفة المالك شخصه وخصوصية غير لازم وخصوصاته غير دخيلة في صحة البيع بل يكفى فيها العلم بوجود المالك الكلى لتحقيق مفهوم المبادلة أعنى تبديل مال بمال في الاضافة المالكية بحيث لو كان هذا ممكنا لم تعتبر ذلك الكلى أيضا فليكن الامر كذلك في المقام أيضا فيكون كبيع الغاصب لكونه بانيا ولو عدوانا على كونه ملكا له ولولا ذلك البنا لم يتحقق مفهوم المعاوضة أصلا فلا يصح مع الاجازة أيضا فإن البيع قوامه بدخول العوض مكان المعوض لا ملك شخص آخر وبالجملة: إن كان بانيا على الملكية فلا شبهة في صحة معاملته فيكون كبيع - الغاصب فيكون يده وأقدامه مضمنين وإن لم يكن بانيا على المالكية فلا يصح بيعه حتى مع الاجازة فيخرج عن المفروض.

[ 346 ]

ثم: أجاب عن ذلك بأنه فرق بين المقامين فإن معنى الضمان كون الشئ في عهدة الضامن وخسارته عليه وإذ لم يكن المبيع ملكا للبايع لا حقيقة ولا أدعاء مع علمها بالواقع وكون المال لغيره حقيقة فكيف يتحقق الضمان بأقدام البايع على أخذ مال المشترى بأختياره وتسليطه له عليه لكونه كالاعطاء إلى شخص ثالث وهذا بخلاف بيع الغاصب فأنه بأدعائه مالك للمبيع مالكية بنائية فالخطاب ببعتك إنما هو متوجه للمالك غاية الامر توجه إلى الغاصب من باب الخطاء في التطبيق فالمبادلة إنما وقعت حقيقة وفى الواقع بين مالى المالكين الحقيقين فيكون الاقدام واليد هنا مضمنين وبعد أجازة المالك فيكون الضمان عليه. ثم أورد على نفسه بأنه على هذا ما الفرق بين صورتي العلم والجهل في البيع الفاسد حيث حكمتم بالضمان هناك وبين صورتيه هنا فلا تحكمون به فأجاب عنه بأن التضمين الحقيقي حاصل في البيع الفاسد لان المضمون به مال الضامن غاية الامر أن فاسد العقد من جهة عدم أمضاء الشارع مانع عن مضى هذا الضمان فإذا لم يمض الشارع الضمان الخاص العقدى فيكون أصل الضمان بالاقدام باقيا على حاله لقاعدة الاقدام أو لقاعدة اليد من دون أن يكون هنا تسليم وتسلم مجاني وهذا بخلافه هنا فإن التسليط إنما هو تسليط مجاني وليس إلا كتسليط ثالث عليه وأعطائه له فلا ضمان هنا بوجه إلا أن يكون فساد العقد بأنتفاء شرائط العوضين ككونه خمرا أو خنزيرا أو أم ولد فإنه لا ضمان هناك أيضا في هذه الصور هذا ملخص كلامه (رفع في علو مقامه).

[ 347 ]

وفيه أنه وإن أتعب نفسه وأطال كلامه ولكن أسقط من كلامه ما هو نكتة المقام أي صورة بيع الفضولي مال الغير لنفسه و هي أن المشترى إنما سلط البايع الفضولي على ماله بانيا على فساد العقد فيكون كسائر العقود الفاسدة فلا وجه لتفريد ذلك عن غيرها من العقود الفاسدة إذن فلا وجه لقياسه بالبيع بلا ثمن فأنه ليس إلا هبة مجانية ولا بالاجازة بلا أجرة وبالعارية وبأعطائه لثالث فأن في جميعها أن التسليط ليس إلا مجانيا وهذا بخلاف المقام فأن التسليط فيها ليس مجانيا ولذا لو سئل عنه أنك وهبت مالك أو أعرت فيجيب أنى عاملت مع فلاني ويدل على ذلك أنه لو كان التسليط مجانيا لم يكن وجه للحكم بكونه أي البايع غير جائز التصرف مع أن المصنف حكم بحرمة التصرف في الثمن وبالجملة لا نعرف وجها للفرق بين ما نحن فيه وبين سائر العقود الفاسدة والنكتة هي ما ذكرناه من أن التسليط والتسلط مبنى على الفساد أي على فساد العقد فيكون ذلك كالعقود الفاسدة وقد عرفت الضمان فيها كما عرفت أن قاعدة ما يضمن ليس له أساس وأن تكلف المصنف في شرح الفاظها وقد ذكرنا تطبيقها على القاعدة من أن المراد بذلك هو أن العقد الذى كان صحيحة مبنيا على الضمان ففاسده أيضا كذلك بخلاف مثل الهبة ونحوها وظهر لك أن المقام غير مربوطة بالبيع بلا ثمن ليكون هبة فاسدة حتى يتوهم أن في صحيح الهبة لا ضمان وكذا في فاسدها أيضا. فتحصل أن قاعدة اليد لم تخصص في المقام بما ذكره المصنف وأما ما ذكره من قاعدة الاقدام بالضمان فقد ذكرنا في مالا يضمن

[ 348 ]

أن الاقدام لا موضوعية له ولا أن له دليل في كونه مضمنا وإنما الموجب للضمان هو دليل اليد بل لا يظهر ممن ذكره في وجه الضمان أنه ذكره للاستقلال بل لبيان موضوع ضمان اليد حيث أن اليد إنما يوجب الضمان فيما يكون ذى اليد مقدما عليه فإنه لا ضمان لليد بدون الاقدام عليه كموارد الوديعة والعارية والعين المستأجرة ونحوها وإلا فليس الاقدام على أستقلاله من المضمنات كما هو واضح. نعم لو كان المبيع مما لا يملك في نفسه كالحر بحيث لا يكون هنا بيع حتى الفاسد منه بل صورة بيع ولفظه بعد كونه مالا ومما يملك يتحقق مفهوم البيع هنا فلا يكون تسليطه البايع على الثمن إلا تسليطا مجانيا وبلا عوض فلا يكون هنا ضمان فإن هذا نظير بيع البايع ماله بلا ثمن فأنه ليس من مفهوم البيع بشئ ليكون بيعا فاسدا و يأتي فيه ما قلناه في البيع الفاسد هذا فيما لم يكن مفهوم البيع محققا لعدم قابلية المتعلق لوقوع البيع عليه. وأما فيما يكون مفهوم البيع محققا لكون المتعلق في نظر العرف من الاموال بل من الاموال المهمة كالخمر والخنزير وإنما الشارع - ألغى ماليته وأسقطه عن المالية فيكون تسليم المشترى الثمن إلى البايع أيضا مبنيا على البيع الفاسد فيكون البايع ضامنا مطلقا على ما ذكرناه ومن هنا ظهر أيضا ما في كلام المصنف من إنه لو كان فساد العقد لعدم قبول العوض للملك كالخمر والخنزير والحر قوى أطراد ما ذكرناه فيه من عدم ضمان عوضها الملك مع علم البايع بالحال فأنه يتوجه في صورة كون المعوض حرا لا في صورة كونه خمرا أو خنزيرا. ثم بقى هنا أمور في كلام الشيخ قد ذكرها في ذيل المسألة

[ 349 ]

الامر الاول أن مقتضى ما ذكرناه في وجه عدم الرجوع بالثمن ثبوت الرجوع فيما يكون البايع غير بايع لنفسه بل إنما باع للمالك وإنما دفع المشترى الثمن إليه ليصله إلى المالك فتكون واسطة في الايصال و تلف في يده إذا لم يسلطه عليه وإلا أذن له في التصرف فيه فضلا. عن أتلافه. وفيه أن هذا من عجائب المصنف فإنه ليس هنا شيئ من - أسباب الضمان فأن البايع وأن أخذ الثمن من المشترى وتلف عنده ولكن ليست يده يد أتلاف هنا كما صرح به (وقال وتلف) مع ذكره الاتلاف بعده وإنما تلف عنده بتلف سماوي بلا تفريط من البايع فلا موجب للضمان لكون البايع أمينا في إيصاله إلى البايع فقط وكان له أن يعكس الامر ويقول بالضمان فيما باع مال المالك لنفسه مع علم المشترى به وأخذ الثمن وتلف عنده أو أتلفه بنفسه كما قلنا به ولا يقول بالضمان هنا نعم لو كان التلف مستندا إليه فيكون ضامنا فهو أمر آخر. الامر الثاني أنه لو أخذ البايع الثمن بنفسه من أن يسلطه المشترى عليه فيكون ضامنا مع التلف لعدم التسليط الموجب لعدم الضمان ولو كان الاخذ بانيا على العقد الواقع بينهما وهذا واضح كما أفاده في المتن. الامر الثالث أنه أفاد تحقق الضمان أيضا لو أشترط على البايع الرجوع بالثمن لو أخذ العين صاحبها فإنه أيضا لم يسلطه على الثمن مجانا بل مع الضمان فمع التلف يكون البايع أيضا ضامنا. الامر الرابع أنه لا فرق فيما ذكرناه من الضمان بينما يكون الثمن

[ 350 ]

كليا أو معينا فإن المشترى مع كون الثمن كليا قد طبق ذلك الكلى على الفرد وسلط البايع عليه بانيا على العقد فيكون البايع ضامنا عليه للمشترى وحيث أن المصنف قد أختار عدم الضمان في كون الثمن شخصيا فقد أختار عدمه هنا أيضا. قوله المسألة الثانية أن المشترى إذا أغترم للمالك أقول هذه هي الجهة الثالثة فهى أن المشترى لو أغترم للمالك غير الثمن من زيادة القيمته السوقية أو زيادة على أصل القيمة أو المنافع المستوفات أو الغرمات التى صرفها للعين ولم يستوفى في عوضها منفعة فهل يضمن المالك بتلك الغرامات أو لا يضمن. توضيح الكلام في ضمن جهات ثلاثا الاولى أن المالك لو أخذ زياده القيمة على أصل الثمن بأن أشترى على عشرة دنانير وكانت قيمة العين عشرين دينارا فهل للمشترى أن يرجع إلى البايع في زيادة القيمة أم لا. الثانية في أنه إذا أستوفى منفعة من العين كان أشترى الدار وآجرها من غيرها فأخذه المالك العين وأجارتها الثمن فهل للمشترى أن يرجع إلى البايع في تلك المنافع أيضا أم لا. الجهة الثالثة قيمة المنافع الغير المستوفات. الجهة الرابعة أن المشترى إذا أغترم للعين غرامة بأن صرف مقدارا من المال في إصلاح العين من دون أن يأخذ في قباله منفعة فهل يضمن البايع بها وله الرجوع إليه أم لا ومن هذا القبيل أنفاق العين المشترى. أما الجهة الرابعة فقد أستدل على الضمان هنا بقاعدة نفى

[ 351 ]

الضرر بدعوى أن عدم الرجوع المشترى إلى البايع في تلك الغرامات ضرر عليه فينفي بدليل نفى الضرر. وفيه أنه معارض بكون الرجوع ضررا للبايع فليس نفيه عن المشترى بدليله أرجح من نفيه عن البايع وقد حققناه في قاعدة لا ضرر. وقد أستدل أيضا بأن البايع هو السبب في غرامات المشترى فيكون ضامنا لان من تسبب في وقوع أمر فهو أولى بأنتساب المسبب إليه. وفيه أن التسبيب تارة يكون على نحو يكون الواسطة ملغى عن الموضوعية وخارجا عن الاستقلالية وأخرى لا يكون كذلك بل يكون السبب داعيا إلى صدور الفعل فقط أما الاول فكمن تسبب في قتل أحد بأعطاء السكين لمن لا يعقل من الصبى والمجنون والسفيه و أدخاله في جوفه أو حفتى بئرا فوقع فيه أحد فإن الفعل يستند حقيقة إلى السبب والوسائط في أمثال ذلك لا أعتبار لها ومن هنا يعامل مع السبب معاملة القاتل فيؤخذ منه الدية فإن الفعل حقيقة فعله وهو الفاعل في ذلك. أما الثاني بأن لا يكون تسبيب حقيقة بل يكون السبب داعيا إلى وقوع الفعل وصدوره فقط بأن يقول لاحد مع كونه عاقلا وكاملا أقتل فلانا أو أعطى سكينا وقال أقتل زيدا فإن البعث والتحريك على تقدير حرمته ليس سببا للفعل بحيث يوجب أن يستند الفعل على تقدير صدوره إلى الفاعل ويكون الفعل فعله ويعامل معه معاملة الفاعل لذلك الفعل كما هو واضح فحيث أن البايع ليس سببا تاما لغرامة المشترى بل هو داعى لذلك فلا يستند الغرامات

[ 352 ]

إلى فعل البايع بعنوان التسبيب ليكون ضمانها إليه كما هو واضح. وحاصلا الكلام أنه إذا أغترم المشترى في العين المبيعة فهل يرجع إلى البايع في ذلك أم لا فهنا جهات ثلاث الاولى إنه إذا أغترم زيادة القيمة مما أخذه المشترى بأن كان المشترى أشتراه بعشرة وكانت قيمته عشرين أو ترقت إلى عشرين. الجهة الثانية في المنافع المستوفات كأن آجر الدار أو الدابة أو غير ذلك من المنافع المستوفات. الجهة الثالثة في المنافع الغير المستوفات والمخارج التى صرفها للعين من كيسه ولم يستوفى من العين شيئا ومن هذا القبيل إنفاق العين أما في صورة العلم بالحال فلا يرجع بشئ من ذلك أما في صورة الجهل فهل له أن يرجع في ذلك إلى البايع أم لا. أما الجهة الثالثة فالمشهور ذهبوا إلى الضمان هنا فقد أستدل فيها بالضمان بوجوه الاول قاعدة لا ضرر بدعوى أن عدم الرجوع ضرر على المشترى وفيه أنه على تقدير شمول قاعدة لا ضرر على ذلك - فهى متعارضة فإن الرجوع أيضا ضرر على البايع فلا وجه لتقديم المشترى عليه. الثاني بقاعدة التسبيب بدعوى أن السبب في تضرر المشترى هو البايع. وفيه أنها لم ترد في آية ولا في رواية ولا أنها معقد إجماع إذن فلابد من ملاحظة أن الفعل الصادر من المسبب على نحو يستند إلى السبب أولا فإن كان مستندا إلى السبب سواء كان مع

[ 353 ]

ذلك لفاعل الفعل أختيار أم لا وسواء كان التسبيب أمرا شرعيا أم لا فيحكم بالضمان مثلا إذا أمر صبيا ليفتح بابا فإذا فتح يطير الطير الموجودة في الدار أو أمره بقتل أحد وهكذا المجنون والسكران فإن الفعل في أمثال ذلك يستند إلى السبب بل الخطابات الاولية أيضا تكون متوجهة عليه كما تقدم في بحث المكاسب المحرمة ومن هذا القبيل حفر البئر ليقع به أحد فوقع ومات أو نصب سكينا في قعر البئر فقتله السكين أو غير ذلك من الموارد التى يستند الفعل إلى السبب حقيقة وإن كان للواسطة أختيار كالصبى ومن هذا القبيل ما يكون التسبيب شرعيا كما إذا شهد بالشهادة الزور فأوجب ذلك غرامة المشهود عليه ثم رجع في شهادته فأنه تكون الغرامة على الشاهد لكونه سببا في غرامة المشهود عليه وأما في غير تلك الموارد بحيث لا يكون تسبيب في البين فلا يضمن السبب بشيئ لكونه داعيا محضا في صدور الفعل من الفاعل وإنما الفاعل فعل ذلك بقدرته وأختياره فيكون الضمان عليه. الثالث بقاعدة الغرور بأن المغرور يرجع إلى من غر وهذه القاعدة وإن كان لم يبعد أن تكون رواية نبوية ولكنها غير منجبرة بعمل المشهور حتى مع الغمض عن الكبرى الكلية بأن الشهرة لا تكون جابرة لضعف السند وذلك لخصوصية فيها التى تمنع عن الانجبار وهى أن المشهور لم يمكن أن يستند وافى عملهم وفتواهم هنا بالضمان لاجل التسبيب وقاعدة الضرر أو الروايات الخاصة وعليه فلا ينجبر ضعفها بالشهرة بل نجزم بأن المشهور لم يستندوا لها وذلك فأنهم وإن ذهبوا إلى الضمان في هذه المسألة ولكن مقتضى

[ 354 ]

العمل بالقاعدة أن يعملوا بها في جميع موارد الغرور ويفتون بطبقها أينما سرت ولم يخصوا الحكم بهذا الموارد الخاص فيعلم من ذلك أنهم لم يستندوا بها كيف فهل توهم أحد بأنه لو غر أحدا في أكل مال الغير بأنه راضى بذلك أو غره في شراء شيئ على أن يربحه كذا وكذا فانكشف أن المالك لم يرض وأن المبيع لم يربح له بشيئ بل ضرر فيه كثيرا إن الغار يضمن بضرر المغرور وهكذا سائر موارد - الغرور فإنه لم يفت المشهور في أمثال ما ذكرنا من الامثلة بالضمان بل أفتوا في خصوص ما نحن فيه إذن فتكون ساقطة سندا ودلالة إلا أن يكون هنا تسبيب بحيث يكون الفعل مستندا إلى السبب و هذا أمر آخر غير مربوطة بقاعدة الغرور وقد عرفت أنه يوجب الضمان بنفس الخطابات الاولية كما أن الاحكام التكليفية أيضا ثابتة له بتلك الخطابات. الرابع الروايات الخاصة الواردة في باب النكاح التى تدل على أن من غر أحدا فزوجه أمرئة برصا أو عوراء أو مجنونة أو أمة بعنوان أنها بنت مهيرة فيكون على ذلك الغار مهر الامرئة فبالغاء المورد تكون دالة على الضمان بغير المهر وفى غير مورد النكاح نظير المقام فالروايات في حاشية السيد وفيه أنها روايات خاصه قد وردت في باب النكاح في خصوص باب المهر وكون ضمانه على الولى فقط والتعدى عنها إلى غيرها قياس فلا يمكن التعدي من المهر إلى غير المهر في خصوص باب النكاح فضلا إلى غير النكاح فلا يستفاد منها كبرى كلية من أن المغرور يرجع إلى الغار في جميع ما أغتره ولاجل مصلحة قد حكم الشارع في موارد تلك العيوب بضمان الغار الذى

[ 355 ]

هو الولى لخصوص المهر ومن هنا لو أوجب الغرور وصرف في ذلك مصارف كثيرة كالاطعام ونحوه فلا يرجع فيها إلى الغار بل في خصوص المهر إلى المدلس كما في الروايات نعم هناك رويتان يمكن أستفاده الكبرى الكلية منهما لمكان التعليل الوارد فيهما. الاولى رواية أسماعيل بن جابر حيث أراد أحد تزويج بنت أحد فزوجوه أمة فقال عليه السلام رد الوليدة على مواليها والولد للرجل وعلى الذى زوجه قيمة الولد يعطيه موالى الوليدة كما غر الرجل وخدعه فان ظاهر الذيل عدم أختصاص الضمان بمورد الولد بل يعم غير مورد النكاح أيضا. وفيه أيضا غير الولد وفيه مضافا إلى ضعف سند الرواية فأن فيه محمد بن سنان فهو وإن ذكر عن بعض توثيقه إلا أن المشهور ضعفه بل أنه أعترف في آخر عمره أن كتابه مأخوذ من السوق فلا يمكن الاعتماد برواياته فلا أقل من تعارض المعدل للجارح فيتساقطان فيبقى بلا معدل أن دلالتها غير تامة بل الظاهر منها كون ضمان الولد فقط على المزوج كما غره وخدعه فلا يمكن التعدي من ذلك إلى غيره إذا فإذا رجع المالك إلى المشترى فيرجع المشترى أيضا إلى الغار كما رجع نعم يعم الحكم لكل مزوج والوجه والله العالم في ذكر الولد أنه لولا الذكر لحكمنا بضمان قيمة الولد فإنه من أمة الغير فالنماء فيها كالحيوانات والاشجار للمالك ومن هنا حكمو عليهم السلام في أنه لو زنا أحد بأمة الغير فولدت فهو لمالك الامة ولكن حيث كان الوطى هنا محرما لكونه عن شبهة فيكون الولد للواطى فتكون قيمته على الغار كما غر الرجل وخدعه.

[ 356 ]

الثانية رواية رفاعة في قضاء أمير المؤمنين عليه السلام في أمرأة زوجها وليها وهى برضاء أن لها المهر بما أستحل من فرجها وأن المهر على الذى زوجها وإنما صار المهر عليه لانه دلسها فمقتضى التعليل هو عموم الحكم لغير مورده أيضا وفيه مضافا إلى ضعف سندها لسهل بن زياد أنها أيضا لاتدل على الضمان في غير موردها وهو المهر فلا يمكن التعدي إلى الغرامات الواردة في باب النكاح فضلا عن غير باب النكاح فأن ظاهر التعليل كونه راجعا إلى ثبوت المهر على الغار فلا يمكن التعدي إلى غيره لاحتمال أن يكون في المهر خصوصية يستدعى الضمان وليس في غيره فتكون هذه الرواية كغيرها من الروايات الخاصة نعم يمكن التعدي بها إلى مطلق المزوج بلا أختصاص الحكم بالولي كما أختص به الحكم في الروايات الخاصة المتقدمة وبعبارة أخرى أنه مضافا إلى ضعف الروايتين فلا يتم دلالتهما على المقصود وتمامية قاعدة الغرور في جميع الموارد إذ الظاهر منها أختصاص الضمان في خصوص الولد والمهر على الغار وكون التعليل مختصا بهما وقد علل كون المهر على المزوج بأنه مدلس فمقتضى العلية إنما هو الجواز الرجوع على المهر إلى كل مزوج فلا يمكن التعدي إلى غير ما يسانخ المعلول نعم لا يختص ذلك بالولي بل يجرى في مطلق المزوج كما أن ضمان قيمة الولد لا يختص بالمزوج بل بمطلق الغار لكون ذلك على وفق القاعدة. على أنه لو تمت دلالة الروايتين فأيضا لا تنافيان بالمقصود إذ الدليل أخص من المدعى فإن الذى يستفاد منهما أن للمشترى أن يرجع إلى البايع الذى غره وخدعه ودلسه ولا شبهة أنه لا يصدق

[ 357 ]

الغرور عند جهل البايع بل قد صرح في تلك الروايات أنه يضمن الغار مع علمه وأما مع الجهل فلا يضمن إذن فلا يمكن الحكم بضمان الغار مطلقا سواء كان عالما بالحال أو جاهلا بها بتلك الروايات التى أخص من ذلك وأما ما عن العلامة الطباطبائى من أنه لا يفرق بين علم البايع وجهله لا نعرف له وجها وأما رواية الجميل التى ذكرها المصنف عن الرجل يشترى الجارية من السوق فيولدها ثم يجيئى مستحق الجارية قال يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التى - أخذت منه وقد أستدل بها على تمامية قاعدة الغرور بدعوى أن حرية ولد المشترى أما أن يعد نفعا عائدا إليه أولا وعلى التقديرين يثبت المطلوب مع أن في توصيف قيمة الولد بأنها أخذت منه نوع أشعار لعلية الحكم فيطرد في سائر ما أخذت منه. أقول أن الرواية وأن كانت مطلقة من حيث الغرور وعدم الغرور بل تدل على جواز أن يرجع المشترى إلى البايع مطلقا و لكن عرفت أن الرجوع إلى قيمة الولد على حسب ما يقتضيه القواعد فإنه من منافع الامة فتكون للمالك فالرواية وردت على طبق القاعدة فحينئذ إذا رجع المالك إلى المشترى فيرجع المشترى إلى البايع لانه غره وخدعه ولكون الوطى محرما يكون الولد حرا وعلى هذا فلا وجه لما في المتن من أن حرية الولد إن كانت من المنافع المستوفات التى لا بد له من أعطاء قيمته إلى المالك ثم الرجوع إلى البايع فتدل الرواية على الرجوع إلى الغار في غيرها بطريق أولى قد عبر عن ذلك بالفحوى وإن لم تكن حرية الولد من المنافع المستوفات

[ 358 ]

فتدل على الرجوع إلى الغار بالدلالية المنطوقية فيما هو محل الكلام الذى نتكلم فيه وبالجملة فلا تكون الرواية دالة على قاعدة الغرور وأما قوله بإن توصيف قيمة الولد بالاخذ مشعر بالعلية فيتعدى إلى غير موردها. ففيه أن التعبير بالاخذ لاحد الجهتين الاولى أن المشترى إنما يرجع إلى البايع إذا رجع المالك إلى المشترى وإلا فليس له الرجوع إلى البايع كما سيأتي ذلك في تعاقب الايدى. الثانية أن المشترى إنما له الرجوع إلى البايع في القيمة التى أخذها المالك من المشترى ولو كانت أقل من القيمة السوقية فليس له أن يرجع إلى البايع في الزائد عنها كما إذا أخذ المالك من المشترى عشرين فقيمة السوقية خمسين فيرجع إلى البايع بخمسين أيضا وبالجملة أن التمسك في التعدي إلى غير مورد الرواية بهذا التعليل شبه تعليل وجوب الزكوة للبقر السائمة بثبوتها في النص للغنم السائمة فإن البقر غير مربوط بالغنم وسنذكر الوجه في عدم جواز رجوع المشترى إلى البايع قبل أن يرجع إليه المالك ثم أنه قد أستدل صاحب الحدائق على عدم الرجوع في المنافع الغير المستوفات وفى غيرها لا يرجع بالاولية على ما هو لازم كلامه باطلاق روايتي زرارة وزريق وبسكوتهما عن رجوع المشترى إلى الغار الذى هو البايع أما الرواية الاولى أعنى رواية زرارة فأنها تدل على رد الجارية التى أشتراها المشترى من شخص إلى مالكها المدعى بعد البينه ورد قيمة الولد المتولد منها وساير منافعها المستوفات فهى ساكتة عن الرجوع إلى البايع بأن يرجع المشترى في غراماتها إلى البايع فحيث كان

[ 359 ]

الامام عليه السلام في مقام البيان فكشف من الاطلاق عدم جواز رجوع المشترى إلى البايع. الثانية رواية زريق فإنها تدل على رجوع المالك إلى المشترى ويأخذ منه ماله وجميع المنافع التى أستوفى من ذلك من أي أقسام المنافع من الغرس والزرع وأجرة البناء الذى بنا فيها وليس للمالك قلع ما غرس فيه وإلا فيعطى أرشه نعم وله أخذ أجرة الارض نعم للمشترى قطع ذلك لكونه مالا له والناس مسلطون على أموالهم و ليس للمالك أن يمنع ذلك فهذه الرواية أيضا تدل على رجوع المالك إلى المشترى وساكتة عن رجوع المشترى إلى البايع مع كونه عليه السلام في مقام البيان فبمقتضى الاطلاق ندفع رجوع المشترى إلى البايع. وفيه أن الروايتين لا تدلان على ذلك أما رواية زرارة إلى جهة رجوع المالك إلى المشترى دون رجوع المشترى إلى البايع وأما رواية زريق فإنها ناظرة إلى بيان أن المالك يرجع إلى المشترى و المشترى إلى المالك فليست ناظرة إلى أن المشترى يرجع إلى البايع على أن البايع في الرواية الثانية إنما هو القاضى فإن كان حكمه صحيحا فلا غرم عليه فإن الله جعل ذلك سببا لكون المال للمدعى وهو المفوت لذلك والقاضى معذور فيه لحكمه بالايمان و البينات وإن كان الحكم باطلا فالمشترى يعلم بفساد البيع وهو بنفسه أقدم على ذلك فلا يرجع إليه في غراماته كما في المتن و الحاصل أن المشترى إذا علم بالحال فلا يرجع إلى البايع في غراماته لاقدامه على ذلك بنفسه وأما مع الجهل فربما قيل

[ 360 ]

برجوعه إليه بقاعدة الضرر وقد عرفت أن أحد الضررين مما لا بد منه فلا وجه لدفع ذلك عن المشترى دون البايع فيتعارضان على أن الضرر لا يكون في جميع الموارد كما أذا أستوفى المشترى بمقدار منفعة ما أغترمه للمالك وأما دعوى الضمان بقاعدة التسبيب بأن البايع لتغريره المشترى فيضمن كما أغترمه المشترى في المنافع المستوفات و في غيرها بطريق أولى. وفيه أنك عرفت أنه إن كان التسبيب على نحو أستنيد الفعل إليه بقوة السبب فلا أشكال في الضمان وإلا فلا وجه له وأما قاعدة الغرور قد عرفت أنها وإن روى بأن المغرور يرجع إلى الغار إلا أنه غير معمول بها في جميع الموارد بل في خصوص المقام ففيهنا لا نعلم أستناد الفقهاء إلى ذلك بل إلى الروايات الخاصة وقد عرفت أنها ناظرة إلى موارد خاصة فلا يمكن التعدي منها إلى غير مواردها كما لا يخفى وكذلك ما ورد في ضمان الشاهد على المشهود عليه في شهادة الزور وأما توهم عدم الضمان لاجل أطلاق روايتي زرارة و زريق وقد عرفت الحال فيها ولكن يمكن لنا التفصيل في المقام بينما يكون ما يرجع المالك إلى المشترى داخلا تحت ضمان البايع فللمشترى أن يرجع في ذلك إلى الغار وبينما لا يكون ذلك داخلا تحت - ضمان البايع فلا يرجع المشترى فيما أغتر به للمالك إلى البايع وتوضيح ذلك أنه لو أغتر أحد غيره بتقديم مال الغير إليه بما أنه مال نفسه فانكشف بعد التلف أنه مال الغير أو مال الآكل الذى هو المعطى له فلا شبهة أن الغير يرجع إلى الآكل وهو يرجع إلى المقدم لكونه ضامنا أبتداء في ذلك وأنما سلط الغير عليه بعنوان أنه مال نفسه

[ 361 ]

لا بما أنه مال الغير وهكذا لو ظهر أنه مال الآكل أيضا كما لا يخفى وعلى هذا فليس للمسلط أن يرجع إلى الآكل لو رجع المالك إليه بدعوى أنه سلطه عليه لكونه مال الغير فإن قصده لا يفيد بوجه إذا عرفت ذلك فنقول أن المنافع على قسمين فقسم منها تكون داخلة تحت ضمان الغاصب كأجرة الدار والثمار للاشجار ونحوها وقسم منها لا تكون داخلة تحت ضمان الغاصب كركوب الدابة إلى الحلة أو الكربلاء مثلا ففى الاول إذا رجع المالك إلى البايع فليس للبايع ان يرجع إلى المشترى فأنه بعد أقدامه على ضمان مال الغير وأعطائه قيمته وقيمة منافعه صار مالكا للمغصوب بقاء فكما لا يرجع إلى من سلطه على أتلاف ماله أبتداء فكذلك ليس له الرجوع إلى من سلطه على أتلافه بقاء فإذا ليس له ذلك في العين أو في المنافع المستوفات على تقدير بقاء العين ففى المنافع الغير المستوفات بطريق أولى لا يرجع إلى المشترى لانه بنفسه سلطه على ذلك وأما لو رجع المالك إلى المشترى فيرجع المشترى إلى البايع كما عرفت وأما المنافع التى لا تدخل تحت ضمان الغاصب من الاول ومن هذا القبيل الاوصاف الزائدة فلو رجع المالك إليها فليس للمشترى أن يرجع إلى البايع فأن التسليط في تفويت ذلك ليس من ناحية البايع ويأتى ذلك في تعاقب الايدى مفصلا ومن هنا يظهر أنه لا وجه للتفصيل بين المنافع المستوفات وغيرها فأنها إن دخلت تحت ضمان البايع فلا يرجع في المستوفات إلى المشترى لو رجع إليه المالك ففى غير المستوفات بطريق أولى وإن لم تدخل تحت ضمانه فرجع المالك إلى المشترى ففى المستوفات بطريق أولى وهذا واضح جدا.

[ 362 ]

وبالجملة حكم الغاصب بعد رجوع المالك إليه حكم المالك الابتدائي فكما أن المالك حدوثا لا يرجع إلى من سلطه على تفويت ماله فكذلك بقاء كما هو واضح. وحاصل الكلام أنه لا بد وإن يفصل في المقام بين المنافع التى دخلت تحت ضمان البايع والمشترى كليهما فحينئذ ليس للبايع مع رجوع المالك إليه أن يرجع إلى المشترى بل يرجع المشترى إلى البايع مع رجوع المالك إليه وتلك كالعين بنفسها وكسكنى - الدار وركوب الدابة التى تكن قائمة بالعين وتسلم إلى المشترى مع تسليم العين وأما المنافع المتجددة التى لا تدخل تحت ضمان البايع كالثمار والاشجار واللبن للحيوان ونحوهما مما تجدد تحت يد المشترى فلا يكون ضامن لها إلا المشترى لعدم ثبوت ضمانها أبتداء على البايع. بيان ذلك أن أحدا لو قدم طعاما لاحد ليأكله بما أنه مال شخص المعطى فأخذه الآكل فأكله فأنه قد أخذه ذلك بعنوان أنه مجاني ولم يقدم على الضمان من الاول وكذلك أن المعطى قد سلطه على ذلك بما أنه مال نفسه ولو كان في الواقع مال غيره و يعلم أنه مال الغير فإذا علم الآخذ بعد تلفه أنه مغصوب فليس للمعطى أن يرجع إلى الآخذ ويقول أن هذا كان مال الغير فأنى أعطيته لك بعنوان مالى كتابا فإن التسليط ليس إلا تسليطا مجانيا فلم يكن أخذه إلا أخذا مجانيا بل لو رجع إليه المالك فهو يرجع إلى المعطى أيضا لانه ليس هذا إلا كتقديم مال نفسه لشخص بأعتقاد أنه مال الاخذ فانكشف أنه مال نفسه فانه ليس له أن يرجع إلى

[ 363 ]

الآخذ بدعوى أنه كان في عقيدتي أنه مالك فأن الاخذ ليس إلا أخذا مجانيا فلا ضمان فيه بل هذا وتقديم ماله الواقعي مع العلم به ليس إلا واجدا أذن فيكون تقديم مال الغير أيضا مثله فأنه مع رجوع الغير إليه فبخروجه عن عهدة الضمان يكون مالكا بقاء لما قدمه إلى الغير فليس في تسليط الغير على أتلاف ماله بين ما يكون ماله حدوثا وبين ما يكون مالا له بقاء فكما أن تسليط الغير على تسليط ماله مجانا أبتداء لا يوجب الضمان كذلك ما يكون مالا له بقاء بسبب الخروج عن عهدة الضمان فهذا الذى ذكرناه مما قامت به السيرة العقلائية وأما رجوع الآخذ إلى المعطى لو رجع إليه المالك فواضح لان السبب في تفويته هو المعطى وإنما عزه بعنوان أنه مال نفسه فهو السبب أي المعطى في التلف وإن كان المتلف بالمباشرة هو الآخذ إلا أن العرف يستندون ذلك الاتلاف إلى المسبب لقوته ولا غراء الآخذ بذلك فمثل هذا الخديعة والتغرير يوجب الضمان بلا شبهة وإن لم نقل بالضمان في جميع موارد الغرور وكيف فهل يشك أحد في أنه لو قدم أحد مالا كشخص هبة مجانية بعنوان أنه ماله ثم أدعى ذلك المال منه أن له حق الرجوع إليه مع التلف وهكذا إذا كان مال غيره فأن أهل العرف يستندون التلف إلى السبب للغرور فهذا بديهى لا شبهة فيه ومما قامت به السيرة نعم في المنافع المتجددة حيث لم يكن فيها تقديم مجاني من قبل المعطى فلا شبهة في الضمان أي ضمان الآخذ بل الامر كما ذكر لو أعطى المعطى مال نفس الآخذ له بعنوان مال شخص المعطى فأنه لا يشك أحد من أهل العرف في ضمان المعطى لذلك أيضا

[ 364 ]

إذ المال ولو كان للآخذ وأنه أتلف مال نفسه ولكن أتلفه بما أنه مال المعطى ودخل تحت تصرفه مجانا فالاتلاف مستند إلى الاخذ المجاني دون مال نفسه فليس السبب في ذلك إلا هو المعطى و هو الذى غره في ذلك فيكون ضامنا له للغرور بمقتضى السيرة العقلائية فيرجع إليه بل لا يفرق في ذلك بين جهل المعطى بالحال وعلمه فإنه مع الجهل والاشتباه فأيضا يكون ضامنا للمالك فليس له أن يرجع إلى الآخذ المجاني بوجه لما تقدم كما إذا كانت عنده وديعة فأشتبه فأعطاها للغير بعنوان أنها مال نفسه فإن هذا التسليط تسليط مجاني على أتلاف مال الغير فلا يضمن المعطى له بل يكون الضامن هو المعطى لكونه متلفا لمال الغير فكانت يده يد أتلاف لا يد وديعة إلا في المنافع المتجددة لعدم دخولها تحت ضمان المعطى من الاول وأما في غيرها فلا لان ذلك ليس إلا كتقديم مال نفسه للغير مجانا أبتداء وقد عرفت أنه لا يفرق في ذلك بين المالك حدوثا وبينه بقاء كما لا يفرق في ذلك بين المنافع والمستوفات غيرها هذا كله فيما يكون التقديم مجانيا وإذا كان التسليط بالبيع فهو على قسمين فإنه تارة يكون في مورده غرور بحيث يصدق الغرور بأنه غر البايع المشترى وأخرى لا يصدق أما الاول بأن يأخذ البايع مال غيره بالغصب أو السرقة ولو كان مال المشترى أيضا ثم يبيع ذلك من المشترى بقيمة قليل بدعوى أنه مال نفسه يقصد بذلك التقرب إلى الله ويأخذ المشترى ذلك فيأكله أو يشترط البايع في البيع صرفه في أكله أو في أحسان الغير وبعد ما يتلف المال فيخبر المشترى بالحال أو هو بنفسه يلتفت بذلك وأن المال مال نفس المشترى أو مال شخص آخر فإنه لا شبهة هنا في ضمان بالعين بجميع شئونها

[ 365 ]

من المنافع المستوفات وغيرها إلا المنافع التى لم تدخل تحت ضمان البايع من المنافع المتجددة كالبيض واللبن والثمار ونحوها وكذلك الثمن الذى هو بنفسه كان مقدما بذلك ولم يصدق الغرور بالنسبة إليه فأن رجع المالك إلى المشترى فيرجع المشترى أيضا إلى البايع فأن السيرة قائمة في مثل ذلك كون السبب في التلف هو البايع وأنه هو الذى غر وتسبب في التلف وأن التلف يستند إليه فإنه لو لم يبيع ذلك منه ولم يشترط أتلافه لم يقدم المشترى بذلك و هكذا في كل مورد يصدق عنوان الغرور وأستناد التلف إلى البايع وأما لو لم يصدق الغرور فلا يرجع المشترى إلى البايع كما إذا سرق أحد مال غيره أو غصبه فباعه من شخص ثان بقيمة قليلة وبثمن بخس وراح ثم باع الثاني من ثالث بهذه القيمة أيضا بقصد الاحسان بأن يشترط أن يعطى الفقراء ويطعم المساكين فبعد ما صرف. الثالث المال في الاحسان أو أكله بنفسه ثم علم أنه كان مال الغير فرجع المالك إلى الثالث فأخذ منه جميع ما يترتب على ما له من المنافع والعين فليس لهذا الثالث أن يرجع إلى الثاني بدعوى أنه مستبب في ذلك فإن السيرة قاطعة على أنه لا يصدق التفويت في مثل ذلك بوجه فليس التلف مستندا إلى نفس الثاني كما هو واضح لا يخفى وبالجملة أن هذا ليس إلا كسائر البيوع الفاسدة من دون فرق بينها بوجه فيكون الضمان على من تلف عنده المال فلا بد وإن يخرج من عهدة الضمان بل المشترى بنفسه أقدم على ذلك لا بمعنى أن الاقدام من المضمنات بل اليد أو السيرة والاقدام إنما هو لدفع ما يمنع عن الضمان من الوديعة ونحوه مما لا يوجب

[ 366 ]

الضمان فالاقدام بالضمان يوجب دفع ذلك المانع ثم أنه ذكر المصنف فرقا في بعض الاوصاف وقال وأما ما يغرمه بأزاء أوصافه فإن كان مما لا يقسط عليه الثمن كما عدا وصف الصحة من الاوصاف التى يتفاوت بها القيمة كما لو كان عبدا كاتبا فنسى الكتابة عند المشترى فرجع المالك عليه بالتفاوت فالظاهر رجوع المشترى على البايع لانه لم يقدم على ضمان ذلك وأشكل عليه شيخنا الاستاذ بأيراد ظاهر بأن الاوصاف مطلقا لا يقسط عليها الثمن كالشروط ولا ينافى ذلك ما يقال أن للوصف أو الشرط قسطا من الثمن لان معناه أن قيمة العين تزداد بالوصف أو الشرط لا أن مقدارا من الثمن في الانشاء العقدى يقابل الوصف أو الشرط وهذا لا ينافى ثبوت الخيار بين الرد والارش في العيب كما سجيئى في باب العيب أن الارش ثابت بالتعبد لا من باب أن الثمن يقسط على الوصف والموصوف وإلا وجب أن يكون الارش من نفس الثمن ومن هنا لم يثبت في غير موارد خيار العيب إلا الخيار بين الفسخ والامضاء أو في موارد خيار العيب ليس على البايع اعطاء الارش بدون المطالبة بل معها بحيث لو لم يلتفت به المشترى إلى الابد أو التفت ولم يطالب فليس على البايع شيئ وهذا بخلاف أجزاء المبيع فأن الثمن واقع في مقابلها بحيث لو لم يعط البايع بعضها لكان عليه الضمان وفعل فعلا محرما لكونه مال الغير وقد أخذ في مقابله الثمن كما هو واضح. قوله ثم أن ما ذكرناه كله من رجوع المشترى على البايع بما يغرمه إنما هو إذا كان البيع المذكور. أقول أن ما تقدم هنا ضمان الغار للمغرور في مورد أستناد

[ 367 ]

التفويت إليه وأنه لو رجع المالك إلى المشترى فهو يرجع إلى الغار وإن رجع إلى البايع فهو لا يرجع إلى المشترى إنما هو في مورد يكون البيع صحيحا من غير جهة كون البايع غير مالك بحيث يكون الفساد مستندا إلى كذب البايع وتغريره وأما لو كان فاسدا من غير هذه الجهة فيكون المقام كسائر البيوع الفسادة فلا يكون الضمان على البايع بل على المشترى بناء على ما ذكرناه من أن فاسد - البيع يضمن فيه كما يضمن في صحيحه كما هو واضح. قوله ثم أنه قد ظهر مما ذكرنا أن كل ما يرجع المشترى به على البايع. أقول ظهر من مطاوى ما ذكرنا أيضا أن الغرامات التى توجه إلى المشترى يرجع بها إلى البايع مع الغرور وأنه لو رجع المالك إلى البايع حينئذ فلا يرجع هو إلى المشترى ومع عدم الغرور نظير فساد البيع فيرجع البايع مع رجوع المالك إليه إلى المشترى ولو تعاقبت الايدى فيرجع كل سابق إلى لاحقه إلى أن ينتهى الامر إلى الذى تلف العين عنده أو هو أتلفها فيعزم قيمة العين والمنافع التي فاتت تحت يدها دون المنافع الفائتة تحت الايدى السابقة فإن قلت أن كلا من البايع والمشترى يتساويان في ضمان العين وحصولها تحت يدهما و هكذا الايدى لاحقة وهو سبب للضمان عن كون يدهما يد العادية فكلهم مشتركون في ذلك فلا وجه لرجوع البايع إلى المشترى وهو إلى لاحقه وهكذا إلى أن ينتهى الامر إلى من أنتهى إليه الامر إلا أن يستند الضمان إلى الاتلاف فإنه حينئذ يستقر الضمان إلى

[ 368 ]

ذمة من صار سببا للاتلاف. فقد أجاب العلامة الانصاري بما حاصله أن الشيئ الواحد إنما يكون له ضمان واحد فكيف أشتغلت الذمم المتعددة عند تعاقب الايدى بشيئ واحد ولم يكن مقتضى على اليد إلا شيئ واحد. فقال أشتغال الذمم المتعددة وكون ضمان العين إلى العهدات العديدة معناه لزوم خروج كل منهم عن العهدة عند تلفها وحيث أن المضمون ليس إلا شيئا واحدا فمعنا تسلط المالك إلى رجوع كل منهم ليس إلا تسلط رجوعه إلى واحد منهم على البدل فمن أي منهم أستوفى البدل لسقط حقه عن الغير وتسلط الرجوع إلى الآخر وهذا نظير الواجب الكفائي في الاحكام التكليفية فكما أن في الواجب الكفائي أن التكليف متوجه إلى الكل بحيث لو تركوا لعوقبوا جميعا ولو أتى الواحد سقط عن الجميع وهكذا في المقام أن الضامن للعين جميع من ثبتت يديهم بها يدهم بها بحيث لو لم يعط واحدا لطولب وعوقب الجميع ولو أدى واحد لسقط عن الباقين فللمالك أن يرجع إلى أي منهم على البدل وبعد أخذه ماله ممن رجع إليه فهو يرجع إلى اللاحق وهو إلى لاحقه و هكذا إلى أن ينتهى إلى المتأخر الذى تلف المال عنده. وهذا الوجه ينطبق على مسلك الجمهور حيث أنهم ذهبوا إلى أن الضمان من ذمة إلى ذمة أخرى لا من ضمن كما عند الامامية ليكون المال منتقلا إلى ذمة الضامن فإن الجمهور التزموا في باب الضمان على ذلك وإن من يكون ضامنا عن شخص فيضم ذمته إلى ذمة شخص المضمون عليه فيصير الضامن أثنان وهكذا بحيث مع

[ 369 ]

تعدد الضامين يتعدد الذمم للضمان ويضمن كلهم العين في - عرض واحد على البدل نظير الواجب الكفائي. وأنا وأن أنكرنا ذلك عليهم في باب الضمان ولكنه من جهة عدم الدليل فحيث أقتضى الدليل في المقام الالتزام بذلك فلا مانع من الالتزام به ومن هذا القبيل من الضمان على البدل نظير الواجب الكفائي موارد كثيرة كما ذكر الفقهاء منها أنه إذا لم يطمئن كل من البايع والمشترى على الاخر خوفا من أن يظهر المثمن أو الثمن مستحقا للغير فيطلب الضامن على العوض فعند خروجه مستحقا للغير ليكون دركه عليه فقد ضمن الضامن العين في عرض ضمان البايع أو المشترى بنفسها هنا فللمضمون عند خروج العوض مستحقا للغير أن يرجع بأى منهما شاء فليس المال منتقلا إلى ذمة الضامن ليكون عهدة المال إلى الضامن فقط فأن العين موجودة في الخارج ومنها الضمان بالاعيان الشخصية الخارجية المضمونة فأن فيها أيضا أن الضمان من ضم ذمة إلى ذمة أخرى ولم ينقل الضمان من شخص إلى آخر لوجود العين في الخارج فيكون الضمانان في عرض واحد بل عن أبى حمزة أنه يمكن أن يضمن أثنان أبتداء لشئ واحد من دون أن يكون ضمان أحدهما متقدما على ضمان الآخر كما عرفت وهكذا عن الشهيد والعلامة في درسه أنه نفى المنع من ضمان أثنين على وجه الاستقلال كالعبادات الواجبة كفاية ومنها أموال الغاصب من الغاصب وهكذا من الموارد الكثيرة هذا كله حال المالك بالنسبة إلى ذا الايدى وقد أشكل عليه شيخنا الاستاذ بما حاصله أن الضمان على نحو الواجب الكفائي إنما يتصور في -

[ 370 ]

الواجبات التكليفية فأنه لو قلنا أن الاداء بنحو الواجب التكليفى لكان لذلك وجه فيكون ذلك مثل الترتب أنه يجب الاداء بهذا الشخص إن لم يؤد الآخر فيتوجه الامر بالاداء إلى كل منهم بعنوان الواجب المقيد ولكنه ليس الامر كذلك فباب الضمان لا يقاس بالاحكام التكليفية فلا يعقل الضمان بنحو الترتب بحيث يكون كل منه في عرض الضمان الاخر بل لا بد وإن يشتركا في الضمان أو يكون على واحد فقط وإلا لو قلنا بأن ضمان كل منهم مقيد بعدم ضمان الاخر معناه أن لا يضمن جميعهم نعم يمكن القول بالترتب الطولى فهو غير مسلك العامة كما إذا أمر شخص بضمان لشخص عنه وهكذا فإن كل منهم ضامن في طول الاخر بحيث لو لم يؤدى المضمون عليه دين المديون فيرجع إلى ضامنه لانتقال المال إلى ذمته فيرجع هو إلى المضمون عليه لكون ضمانه بأمره وهكذا المتأخرون راجع إلى تقرير الميرزا و الحاصل أن كلامنا كان في تصوير الضمان في تعاقب الايدى على كل واحد من الاشخاص مع كون المال واحدا بأنه فلما ذا يرجع السابق إلى اللاحق مع عدم الغرور وأن المالك كيف يرجع على كل واحد منهم مع كون المال واحدا فلا يضمن المال الواحد إلا شخص واحد. وقد وجهه شيخنا الانصاري ذلك بتنزيله منزلة الواجب الكفائي وأنه كما أن الواجب في الواجب الكفائي شئ واحد وأن كان - المكلفين كثيرين ومتعددين بحيث لو أتى الواحد منهم سقط عن الباقين وإلا فعوقب الجميع وهكذا في المقام فأن المال مال واحد وضمانه ضمان واحد ولكن الضامن متعدد بحيث لو أدى المال

[ 371 ]

واحد منهم سقط حق المالك عن الباقين وإن كان لكل واحد منهم أن يرجع إلى الآخر وأن لم يؤدى لكان كلهم ضامنين على ذلك وأشكل عليه شيخنا الاستاذ بأن تنزيل المقام بباب الواجب الكفائي غير معقول إذ مرجع وجوب الكفائي إلى أنه يجب لكل واحد من المكلفين أتيان الواجب لو لم يأت الآخر فيكون أتيان كل منهم واجبا مشروطا بعدم أتيان الآخر فإذا أتى فيسقط عن الباقين نظير الالتزام بالتكليف الترتيبي في الضدين كما نقح في الاصول وهذا المعنى غير ممكن في المقام فأن معنى أشتراط وجوب الضمان على كل واحد بعدم وجوبه على الآخر ليس إلا نفى الضمان عنهما بالمرة فإن معنى أن هذا ضامن أن لم يجب على الآخر وذلك هنا من إن لم يؤد هذا أن كل منهما ليس بضامن فما ذهب إليه الجمهور من أن الضمان ضم ذمة إلى ذمة آخرى في الضمان الاختياري فاهنا غير معقول كما ذكرناه لرجوع ذلك إلى أنتفاء الضمان عنهم إلا أن يقال بالشركة أو بضمان كل على المالك مستقلا ليكون المال واحد عوض كثير فهما كما ترى. إلا أن يقال بالضمان الطولى والترتيبى لا بالمعنى المذكور بل بمعنى أن كل واحد من الضامنين في طول الضامن الاخر وإن اللاحق يضمن لما ضمنه السابق وهكذا كما في الضمان الاختياري ومن هنا يرجع اللاحق على السابق في الضمان الاختياري لامر السابق على ذلك فيه وبالجملة أن ما ذهب إليه المصنف لا يمكن المساعدة عليه ولو صح ذلك فلا بد وإن يلتزم القائل به بكون الضمان لهما على نحو الاشتراك لعدم أمكان تعلق مال واحد بذمة شخصين

[ 372 ]

فأن لازمه أن يكون للدرهم الواحد أبدال عديدة وفيه أن ما أفاده شيخنا الاستاذ ليس بصحيح من حيث البناء والمبنى أما من حيث المبنى فأنه قد بنى في تصوير الواجب الكفائي على أن الواجب وأن كان شيئا واحدا إلا أن الخطاب متوجه إلى جميع المكلفين فلا بد لكل واحد منهم أتيانه ولكن مع أتيان الواحد سقط عن الباقين. وتوضيح ذلك أن في الواجب التخيرى قد تعلق الغرض بأتيان أحد الامرين أو أمور عديدة بحيث يكون غرض المولى قائما بأتيان واحد منهما مع الغاء الخصوصية ويكون أتيان كل من الامرين وافيا لغرضه ومقصوده وحنيئذ يستحيل للمولى أن يأمر عبده بأتيان أحدهما بالخصوص لكونه ترجيحا بلا مرجح. وكك الكلام في الواجب الكفائي غايته أن التعدد فيه في ناحية المكلف دون الواجب بأن يكون غرض المولى متعلقا بأتيان واجب وتحققه في الخارج كصلوة الميت مثلا فأن غرض المولى أنما تعلق بصدور الفعل من شخص واحد أي شخص كان بالغاء الخصوصيات وتعيين شخص خاص مع كون الواجب واحدا فليس معنى ذلك أن وجوبه على هذا الشخص مشروط بعدم وجوبه على الآخر وهكذا و هكذا وعليه فليس مبناه هذا في المقام صحيحا وموافقا لمبناه في الاصول وأن الواجب الكفائي كما عليه في الاصول خارج عن - الواجب المشروط والترتب بالكلية كما هو واضح. ولو سلمنا مبناه فبنائه عليه ليس بصحيح وذلك فأن ما ذكره من المحذور من أنه لو كان الضمان على نحو الواجب الكفائي فلازمة عدم ضمان كل منهما فيلزم أنعدام الضمان إنما يلزم لو كان الضمان

[ 373 ]

مقيدا بعدم الضمان الآخر ووجوب الضمان على الآخر مقيدا بعدم الضمان على هذا فعليه لا يختص المحذور بباب الضمان بل يجرى في الواجب التكليفى أيضا فإنه يقال لو كان الواجب الكفائي كصلوة الميت مثلا مقيدا بعدم كونها واجبة على الآخر وبالعكس فيلزم أن لا يكون هنا واجب أصلا ولكن الامر ليس كك فأنه ره التزم في الواجب الكفائي بناء على صحة المبنى أن الواجب على هذا الشخص مقيد بعدم أتيان الآخر مع الوجوب عليه لابعدم كونها واجبة على الآخر وإلا فالمحذور موجود في المقامين وعن المقام إذا قلنا أن الضمان على هذا مفيد بعدم أتيان الآخر لا بعدم الضمان الذى هو مثل عدم الوجوب على الآخر في التكليفا فلا يلزم المحذور ولا ينافي بكون الواجب على كل مكلف وجميعهم ولكن الواجب مقيد بمعنى أن كونها واجبة على زيد مقيدة بعدم أتيان الآخر على الآخر يلزم المحذور ولكن لازمه الالتزام بمثله في التكليفيان أيضا وأن كان مقيدا بعدم أتيان الآخر فلا يلزم فيه محذور بوجه حينئذ وهكذا في باب الضمان فإنه مطلق وثابت لكل من وضع يده على المال وإنما الخروج عن العهدة مقيد أي لزوم أن يخرج هذا عن عهدة الضمان مقيد بأن لا يكون الآخر خارجا عن عهدته وإلا فيسقط حق المالك بأداء واحد عن الباقين كما لا يخفى. وبالجملة ثبوت الضمان على هذا لو كان مقيدا بعدم الضمان بل لم يقل أحد بأستحالة هذا النحو من الضمان وإن كان يظهر من بعض كلمات العلامة ذلك ولكن لعل مراده من ذلك نفى الضمان عن كل منهم أستقلالا بحيث يكون لكل واحد منهم ضمان خاص و

[ 374 ]

يكون المال ثابتا عليه ليلزم كون مال واحد ذى عوضين وبدلين بل ذى أبدال عديدة وإلا فلا أستحالة هنا بوجه وما أنكرنا على العامة في باب الضمان الاختياري لم يكن ذلك من جهة الاستحالة بل من جهة عدم الدليل عليه فلا محذور فيه لو أقتضاه الدليل بل لا بد من الالتزام به في بعض الموارد كما إذا غصب أحد مال شخص فغصب منه شخص ثالث فتلف عنده فأنه أي المالك يرجع إلى أي منهما شاء وهذا ليس إلا القول بالضمان على طريقة العامة من كونه ضم ذمة إلى ذمة أخرى فتحصل أن هنا ضمان متعددة لمال واحد فلا يلزم من ذلك التعدد كون قران واحد صاحب أبدال كثيرة بل صاحب بدل واحد ينطبق على الكل على سبيل البدلية. ثم مع الالتزام بالواجب الكفائي أي بكون الضمان هنا كالواجب الكفائي فما الفرق بين هذا المقام وسائر الواجبات الكفائية فلما ذا يجوز للسابق منهم أن يرجع إلى اللاحق مع عدم الغرور وليس كذلك في موارد أخرى من الواجبات الكفائية كما إذا كان شخص عطشانا فيموت به فيجب على كل من أطلع على حاله أن يسقيه بالماء ولو كانت قيمته الف فإذا سقاه أحد فليس له أن يرجع إلى أشخاص آخرين ممن أطلعوا على حاله فللمقام أي خصوصية أقتضت جواز رجوع من أدى ما ضمنه إلى الضامن الآخر. وقد أجيب عن هذا الاشكال بوجوه منها ما في حاشية السيد من أنه كما أن في صورة الاتلاف يكون المتلف سببا لتنجز الضمان على السابق فبقاعدة أستناد الفعل إلى السبب لكونه أقوى من المباشر ففى صورة التلف أيضا أن من عنده تلف المال فهو سبب

[ 375 ]

لتنجز الضمان للسابق أيضا فإنه أي اللاحق كان له الاختيار في رده إلى المالك فحيث أنه بسوء أختياره لم يرده إليه فيكون هو السبب لتنجز الضمان على السابق فيرجع السابق إلى اللاحق مع رجوع المالك إليه لذلك أي لقاعدة أستناد الفعل إلى السبب ثم قال أنه بعد ذلك لا أحتياج إلى التوضيح الذى ذكره المصنف. وفيه أن هذا على تقدير تماميته في الاتلاف بدعوى كون المتلف سببا لثبوت الضمان على سابقه فبمقتضى أن السبب أقوى من المباشر فيرجع السابق لو رجع إليه المالك إلى لاحقة المتلف فهذا له وجه في صورة الاتلاف مع وضوح المناقشة فيه أيضا إذ الاتلاف ليس سببا للضمان هنا بل الضمان قد تحقق قبله بمقتضى اليد فضمن المال المأخوذ السابق واللاحق كليهما حتى يوديا المال إلى مالكه فلم يتوقف ذلك بشئ أصلا وإنما الاتلاف أوجب الانتقال إلى الذمة فهو معنى آخر غير الضمان فلا يكون اللاحق سببا لضمان السابق بل سبب الضمان في كلهم إنما هو الاخذ باليد والاستيلاء على مال الغير كما هو واضح.. ومع الغمض عن ذلك فلا وجه لتسرية الحكم إلى صورة التلف أيضا فإن المال إذا تلف عند اللاحق بلا تسبيب وأتلاف بل بتلف سماوي فلما ذا يرجع السابق إليه مع كون نسبة ضمانه اليهما على حد سواء إذ كل منهما وضع يده على ذلك المال ولم يفعلوا شيئا يوجب أتلافه بل تلف ذلك ببلاء من الله فلما ذا يختص اللاحق بالضمان دون السابق فلا يمكن قياسه بالاتلاف لعدم التسبيب هنا بوجه وأن كان هناك ما يوجب تصوير التسبيب أجمالا فكون اللاحق

[ 376 ]

مختارا في رد العين إلى المالك فلم يرده فتلف عنده لا يكون سببا لثبوت الضمان اللاحق فأن اللاحق مع السابق سيان في ذلك المعنى لكون السابق أيضا مختارا في رد العين إلى مالكها كما لا يخفى. أنتهى كلامنا إلى أنه يرجع السابق إلى اللاحق في صورة تعاقب الايدى على المال المغصوب إلا في صورة الغرور ولا يرجع اللاحق إلى السابق إلا في صورة الغرور مع ضمان كلهم على المال المأخوذ وقد أجيب عن ذلك بوجوه. منها ما أجاب به السيد في حاشيته بقوله يمكن الجواب بعدم الفرق بين التلف والاتلاف في صدق السببية الخ. ومنها ما أجاب به المصنف وحاصل كلامه على ما يظهر من ظاهر عبارته أن الغاصب الاول أو من في حكم الغاصب أي بايع مال الغير مثلا بالبيع الفاسد بعد أخذه من الغير كذلك إنما هو ضامن للعين نفسها فالغاصب الثاني ومن في حكمه إنما هو ضامن للعين وبدلها أما العين فلمالكها وأما البدل فللضامن الاول و هذا بخلاف الضامن الاول فأن في زمان كون العين تحت يده لم تتلف ليضمن العين بمالها بدل بل كان ضمانه منحصرا بالعين وحدها وأما الضامن الثاني حيث أن العين قد تلفت عنده فيكون ضمانه بها بماله البدل وهذا الضمان بالبدل ضمان لما أستقر تداركه في ذمة الاول فالضامن الثاني لما ضامن لاحد الامرين أما العين أو البدل على نحو البدلية بنحو الضمان العوض والحاصل أن من تلف المال في يده ضامن لاحد الشخصين على البدل من المالك ومن سبقه في اليد فتكون ذمته مشغولة بشيئين

[ 377 ]

على سبيل البدلية أما تدارك نفى العين أو تدارك بدلها فحال الاول مع الثاني كحال الضمان مع المضمون عنه فان الضامن لشخص عن دين بأمره إنما يرجع إلى المضمون عنه مع أداء دين الدائن و إلا فلا يستحق بذلك فإذا رجع المغصوب منه إلى الاول فأخذ منه تدارك العين فيرجع هو إلى الثاني فيأخذ منه تدارك ما أستقر في ذمته لضمان الثاني على ذلك. وبالجملة أن ظهور كلام الشيخ (ره) في الغاصب الثاني إنما أنه ضامن لتدارك العين للمالك وبدلها لتدارك ما في ذمة الغاصب الاول للاول وعلى هذا فيندفع أشكال عدم صحة رجوع السابق إلى اللاحق في صورة عدم الغرور إذ السابق يطالب من اللاحق ما أستقر في ذمته فيرجع إليه في ذلك وهذا بخلاف ما إذا رجع المالك إلى الثاني فأنه لا يرجع إلى اللاحق في غير صورة الغرور لعدم أشتغال ذمته للثاني كاشتغال ذمة الثاني للاول. فما لم يرجع المالك إلى الاول ليس له أن يرجع إلى الثاني لان الاول لم يتدارك العين للمالك حتى يرجع إلى الثاني في البدل الذى حصل به التدارك وأنما له الرجوع إليه بعد ما رجع المالك إلى الاول. وفيه أولا وقبل كل شئ أن الغاصب الاول والثانى وهكذا لم يضمنوا إلا العين بمجرد وضع اليد بها فلم يضمنوا ببدلها قبل التلف فبالتلف أو الاتلاف ينتقل الضمان بالبدل لانتقال العين إلى الذمة وهذا المعنى مشترك بين جميع من تعاقبت يده على العين المغصوبة من دون فرق بين الاول والثانى فما أرتكبه المصنف لا

[ 378 ]

يمكن المساعدة به لعدم الدليل عليه وبالجملة أن قبل التلف - كلهم ضامنون بالعين وبعده كلهم ضامنون بالبدل فليس هنا ضمان على العين مما له البدل ليكون الضمان من اللاحق على تدارك نفس العين أو بدلها على البدل بحيث يكون مخيرا بين البدل و المبدل. وقد أجاب السيد في حاشيته عن ذلك بوجوه سبعة وإن كان يمكن الجواب عن بعضها والعمدة منها ثلثة الاول مما لا جواب عنه أن السابق أيضا يصدق عليه أن ضامن شيئ له بدل فأنه و أن لم يكن حين حصول العين في يده لها بدل لان ضمان اللاحق لم يتحقق في ذلك الحين لفرض حصوله بعد وضع اليد عليها إلا أن الملاك في أستقرار الضمان بالنسبة إلى الكل إنما هو بعد التلف فح يصدق أن كلا منهم ضامن لما له يدل فأن المناط ليس حال حدوث الضمان بل حال فعليته. وبالجملة حين التلف الذى هو زمان الانتقال إلى القيمة يصدق بالنسبة إلى الكل أنه ضامن لما له بدل بل أبدال. الثاني أن مقتضى ذلك كون ضمان الاول أيضا لمالك العين لا لمن عليه البدل فأن البدل الذى في ذمة السابق إنما هو لمالك العين فبدله وهو ما في ذمة اللاحق أيضا يكون للمالك و هو من له البدل ولا وجه لكونه لمن عليه البدل وهو الضامن السابق. الثالث إذا فرضنا أن العين بعد ما صارت في يد اللاحق رجعت إلى السابق فتلفت في يده فالظاهر أنه لا يجوز للسابق

[ 379 ]

حينئذ إذا رجع إليه المالك أن يرجع إلى اللاحق فلازم بيان المصنف أن يكون له الرجوع عليه لانه يصدق على اللاحق أنه ضمن شيئا له بدل بخلاف السابق ودعوى أنه بعد ما رجعت العين إلى السابق ينقلب السابق إلى اللاحق دعوى باطل بأن الضمان إنما حدث بأثبات يده الاول وفى ذلك الحين لم يكن له بدل وبعد العود إليه لا يحدث ضمان آخر مثلا إذا غصب عينا وضمن فأعطاه غيره أو أخذ منه قهرا ثم رده ذلك الغير إليه لا يحدث ضمان آخر لاجل هذه اليد الثانية بل الضمان الحادث أولا باقى وقرار الضمان على الغاصب الاول إذا تلف المال في يده بعد العود إليه ولازم بيان المصنف قده أن يكون قرار الضمان على الغاصب الثاني مع أنه لم يتلف في يده وقد ذكر الاشكالات الآخر أيضا. ثم أن شيخنا الاستاذ لم يرض بما فهمه السيد ره من كلام الشيخ ره وإنما حمل كلامه على الضمان الطولى وقال أن الضمان العرضى بحيث يكون لمال واحد ضمانان غير معقول وحاصل ما قاله مع طول كلامه أن الايرادات السبعة المذكورة في كلام السيد ره مبنية على أرادة المثل والقيمة من البدل ليكون بدلا لاصل المال من المنافع وعلو القيمة ونحوهما خ للقول بأن ثبوت مثل ذلك على السابق وجه وأما لو كان المراد من البدل في كلام المصنف البدل الطولى بمعنى أن السابق متعهد للمال قبل اللاحق واللاحق متعهد لما في ذمة الاول وعهدته فالمال الواحد في ذمم كثيرة بهذا النحو من الظرفية وهذا منشاء رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس لكون اللاحق بهذا الاعتبار ضامنا للمالك وللسابق لان ذمته

[ 380 ]

مخرج لما يؤخذ من السابق فهو يضمن على البدل أما نفس العين بما أنها في ذمة السابق وأما ما يؤخذ من السابق فلا يرد أن كلا منها ضامنان للبدل. وأنما التزمنا بالزمان الطولى لاستحالة تعهد شخصين لمال واحد عرضا بأن يكون ذمة كل منهما ظرفا لمال واحد فأنه نظير ثبوت شئ واحد في آن واحد في أمكنة المتعددة فيما يمكن هو التعهدات الطولية على النحو الذى ذكرنا نظير التعهد الطولى في الضمان الاختياري في باب الضمان فأن الضامن بضمانه دين المضمون عنه يكون المال منتقلا من ذمة المديون إلى ذمة الضامن فيكون هو المطالب بالمال دون المديون فلا يرجع الضامن إلى المضمون عنه إلا بعد الاعطاء فكذلك السابق هنا لا يرجع إلى اللاحق إلا بعد الاعطاء وبالجملة فكلام الشيخ في بيان تلك الجهة والضمان الطولى. وفيه مع بعد أرادة ذلك من كلام المصنف بظهوره فيما قلنا وفيما فهمه السيد أن هذا الذى أفاده الاستاذ وإن كان ممكنا في مقام الاثبات والوقوع. وما أفاده من أستحالة ضمان شخصين لمال واحد لا يرجع إلى محصل بل مما لا مناص عنه في بعض الموارد كما تقدم من أنه إذا غصب أحد مال شخص وغصب الآخر منه فتلف عنده فإن المالك له الرجوع بأى منهما شاء وإن كل منهما ضامن للمال فالضمانان عرفيان كما لا يخفى. وكيف كان فيبقى الاشكال بلا جواب فلم يكن جواب عنه لا بما ذكره المصنف بالضمان العرضى ولا ما ذكره السيد ره بقاعدة أستناد

[ 381 ]

الفعل إلى السبب لكونه أقوى ولا ما ذكر الاستاذ من الضمان الطولى الذى نسبه إلى الشيخ ره. ومن الاجوبة ما أجاب به صاحب الجواهر من أن التكليف المتوجه إلى الغاصب الاول تكليفي محض متعلق بأداء ما أخذه بالمثل أو القيمة والتكليف المتوجه إلى الغاصب الثاني (أي الثاني هنا كالمعقول الثاني وأن تعددوا) تكليف وضعي مضافا إلى التكليفى لكون المال تالفا عنده وبضميمة أن الغاصب الاول بإداء عوض - التالف يكون مالكا له بالمعاوضة القهرية وأن كان معدوما كملك المعدوم في المعاملة الخيارية فأن ذى الخيار بفسخه المعاملة يكون مالكا للمثمن مع التلف لو كان الخيار من الخيارات التى لا تسقط بالتلف وفى المقام أيضا يكون كذلك وعلى هذا فإن رجع المالك إلى الثاني فيسقط عن الاول ذلك الحكم التكليفى وإن رجع إلى الاول فبأعطاء البدل من المثل أو القيمة يسقط عنه الحكم التكليفى فيرجع في المال البدل إلى الثاني فأنه هو الذى أشتغل ذمته بالبدل لتوجه التكليف الدعى عليه وأورد الشيخ ره على كلتا جملتيه أما الجملة الاولى فبوجوه ثلثة. الاول أنه راجع بمقام الثبوت ومبنى على ما أسسه في باب الاستصحاب من أن الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية. وحاصل ذلك أن الحكم الوضعي هنا منتزع من الحكم التكليفى ففى أي مورد حكم تكليفي متوجه على المكلف بأداء العين أو المثل أو القيمة ففى ذلك المورد أيضا حكم وضعي وإلا فلا. وقد قلنا في محله أنه لا معنى لانتزاع الاحكام الوضعية من

[ 382 ]

الاحكام التكليفية والظاهر أنه مما لا خلاف بين الفقهاء أن من يجب عليه الانفاق على من يجب أنفاقه عليه من الاب والام والاولاد و الزوجة أنه لو خالف ولم ينفقهم أنه لا يضمن بالاولاد والاب والام و لكن يضمن بالزوجة مع أن الحكم التكليفى موجود في جميعهم فأى فرق بينهم هذا ما يرجع إلى مقام الثبوت والاخران يرجعان إلى مقام الاثبات. الثاني أنه لا دليل على عدم ضمان الاول بل الثاني فقط فأن سبب الضمان ليس إلا اليد فهى بالنسبة اليهما على حد سواء وكون التلف أو الاتلاف تحت يد الثاني لا يوجب إلا أنتقال البدل إلى الذمة دون أصل الضمان كما لا يخفى. الثالث أن لنا دليل على ضمان الاول فأن السيرة قائمة على أشتغال ذمة الغاصب الاول بما أخذه من الغير باليد العادية أو بالبيع الفاسد وإن أعطاه إلى الغير بلا غرور ومن هنا لو مات لكان ما في ذمته من جملة ديونه ويصح الصلح عليه فلو كان المتوجه إليه مجرد الحكم التكليفى لم يكن وجه لهذه الامور بل لو لم يدفع لاجبر بذلك مع أنه لا وجه لذلك مع كون الخطاب تكليفيا محضا بل يسقط بالعصيان وبالموت فلا وجه للاخذ من ماله أو أجباره على الدفع وغير ذلك من الاحكام المتعلقة على ما في الذمة. وأما ما يرجع إلى الجملة الثانية من أن الغاصب الاول يملك بأعطاء البدل ذلك البدل في ذمة الغاصب الثاني بلا وجه لوجهين الاول أن التملك لا يحصل إلا بسبب أما أختيارى أو غير أختيارى كالارث ففى المقام شئ منهما غير موجود فبأى سبب ملك الاول ما

[ 383 ]

في ذمة الثاني ليكون هذا سبب الرجوع إليه بل يسقط حق المالك بمجرد أداء واحد لعدم بقاء الموضوع له وهذا الذى أفاده راجع إلى مقام الاثبات أيضا وأنه لا دليل لتملك الاول لما في الذمة الثاني وإن كان معقولا في الواقع ومقام الثبوت. الثاني أن لازم ذلك أن لا يرجع الاول مع رجوع المالك إليه إلا إلى من تلف المال في يده فإن بأعطائه البدل يسقط الاحكام التكليفية المتوجه على الغاصبين لاداء البدل فلم يبق إلا الاخير لكون خطابه ذميا فلا يسقط بأداء الاول فلا بد من أن يرجع إليه فقط دون غيره مع أنهم ذكروا أنه يجوز أن يرجع إلى أي منهم شاء فإن رجع إلى الاخير فتم المطلب وإن رجع إلى الوسط فيرجع - الوسط إلى الاخير فهذه الايرادات غير الايراد الاول لا بأس بها لتماميتها إذن فلا وجه لهذا الجواب الذى سلكه صاحب الجواهر فبقى الاشكال على حاله من أنه كيف يرجع السابق على اللاحق مع رجوع المالك إليه في غير صورة الغرور وكذلك كيف لا يرجع الثاني إلى الاول في غير صورة الغرور مع رجوع المالك إليه وإذا رجع المالك إلى الوسط فلما ذا يرجع إلى اللاحق فلا يرجع إلى السابق في غير صورة الغرور. ولكن الذى ينبغى أن يقال أن لصاحب الجواهر أخذ الجملة الثانية وترك الجملة الاولى بأن يقال أن الغاصب الاول يملك التالف المعدوم كملك المعدوم في باب الخيارات والذى يوضح ذلك أمران فالاول منهما أوضح من الثاني. الاول أن في موارد الضمانات بالاتلاف بأن غصب أحد أو سرق

[ 384 ]

مال الغير فأتلفه أو أتلفه سهوا ونسيانا فأن النسيان لا ينافي الضمان كما قرر في حديث الرفع لا شبهة أن للمالك أن يرجع إلى المتلف إذا أراد ويأخذ منه بدل ماله وما بقى من ماله من الرضاض والكسور فهو للضامن وليس للمالك أن يدعى كون الرضاض له مثلا لو أتلف أحد سيارة أحد بالكسر أو ذبح فرس شخص أو أهلكه وغير ذلك ورجع إليه المالك وأخذ منه بدل ماله من المثل أو القيمة فليس له أن ياخذ رضاض السيارة أو جلد الفرس أو ميته فإنه ذلك كله حق للضامن وإلا فلو كان للمالك يلزم الجمع بين العوض و المعوض ولو كان للاجنبي فهو خلاف البداهة فيكون للضامن وهذا الذى قامت عليه السيرة العقلائية بل سيرة المتشرعة من الزمن الفعلى إلى زمان المعصوم عليه السلام وعلى هذا فإذا أو الغاصب الاول بدل العين فيكون التالف بالمعاوضة القهرية إلا إذا كان أعتبار الملكية هنا لغوا كما إذا كان الغاصب واحدا فتلف عنده المال فأخذ المالك منه فأعتبار ملكية التلف له لغو لما قلنا من أمكان مالكية المعدوم فحيث أنه تلف عند اللاحق فيرجع إليه وبالجملة على هذا فرجوع السابق إلى اللاحق إنما هو مقتضى السيرة العقلائية القطعية كما هو واضح. الوجه الثاني أنه لا شبهة في أن التالف في موارد التلف الذى ليس إلا للمتلف بعد رجوع المالك إليه بمقتضى السيرة العقلائية القطعية فيكون المقام مثله مثلا لو غصب أحد مال شخص من الجواهر والاحجار الثمينة أو سرقه أو بغير ذلك فألقاه في البحر بحيث يعد ذلك في العرف تلفا عرفيا فرجع إليه المالك فأخذ منه مثله إن كان مثليا أو

[ 385 ]

قيمته إن كان قيميا فإن قلنا أن ذلك الجواهر في قعر البحر للمالك أيضا بحيث لو وجد لكان له فيلزم الجمع بين العوض والمعوض فهو ضروري البطلان وإن قلنا أنه يكون ملكا للاجانب أو كالمباحات الاصلية فهو خلاف الضرورة من العقلاء والفقه فلم يبقى إلا أن يكون للضامن بعد أعطاء عوضه وفى المقام أيضا كذلك ويتضح ذلك وضوحا بملاحظه موارد التلف الحقيقي وموارد التلف العرفي إذن فلا يلزم شئ من الاشكال فيندفع المحذور من أصله بأنه كيف يرجع السابق أو الوسط إلى اللاحق مع رجوع المالك إليه دون العكس. والحاصل أن الوجه في رجوع السابق إلى اللاحق هو أن السابق بأعطاء بدل التالف إلى المالك يكون مالكا للتالف الذى في ذمة من تلف عنده بالمعاوضة القهرية فيعتبر الملكية في ذمة المتلف لكون الاعتبار حفيف المئونة فبرجوع المالك إليه يتحقق ذلك الاعتبار فيرجع إلى اللاحق لذلك والذى يوضح ذلك أمران الاول أن في موارد التلف الحقيقي لو بقيت أجزاء من العين التالفة فتكون تلك الاجزاء داخلة في ملك الغاصب بأعطاء البدل لانه لو لم يكن ملكه بالمعاوضة القهرية فلا بد أما من القول بكونها من الملاحات الاصلية فهو بديهى البطلان وأما كونها للمالك فيلزم الجمع بين العوض و المعوض فيكون ملكا للغاصب وهذا المعنى مما قامت به السيرة - العقلائية كما يظهر لمن يلاحظ موارد ذلك. الامر الثاني ملاحظة موارد التلف العرفي كما إذا سرق السارق مال غيره أو غصبه أو أخذ بغير ذلك العنوان فالقاه في البحر فطالبه المالك وأخذ منه بدله فيكون ذلك التالف عرفا للمتلف بالسيرة

[ 386 ]

العقلائية فإذا خرج من البحر أو وجد من الموضوع المفقود فيكون للغاصب وليس ذلك من المباحات الاصلية ولا أنه للمالك الاول لكون كل ذلك خلاف مقتضى السيرة القطعية وليس ذلك من قبيل البدل الحيلولة فإن موردها كما تقدم صورة تعذر الوصول إلى المال ومن هنا لو صاد أحد طيرا فجعله في قفس ففتح بابه ثان فطار الطير فأعطا بدل ذلك الطير ثم قتله ثالث بالبندقة ونحوها فيكون ضامنا للثاني فإنه بأعطاء العوض يكون مالكا لذلك الطير وهكذا وهكذا فان السيرة في أمثال جميع ذلك محكمة. وما نحن فيه من هذا القبيل حيث أن الغاصب الاول وإذا أعطى بدل التالف للمالك مع الرجوع إليه فيكون بذلك مالكا لذمة من تلف المال عنده فيستحق بذلك الرجوع إلى اللاحق لاعتبار ملكيته في ذمته لعدم كونه لغوا. نعم فيما كان لغوا لا يعتبر الملكية كما إذا كان الغاصب بنفسه ممن تلف المال عنده فأعتبار الملكية له على التالف بحيث لم يبق منه شئ من الاجزاء والرضاض لغو محض هذا كله في وجه رجوع السابق إلى اللاحق. وأما وجه عدم رجوع اللاحق إلى السابق مع كون ذمة كلهم مشغولة بالتالف. وقد أفاد السيد في وجه ذلك أن اللاحق هو السبب لضمان السابق حيث أنه بأختياره ترك الرد إلى المالك فتلف عنده فصار سبب الضمان السابق فيكون الضمان عليه وعلى السابق ولكن مع رجوع المالك إليه لا يرجع إلى السابق فلو كان وسطا يرجع إلى لاحقه

[ 387 ]

في غير صورة الغرور. وفيه أنه قد تقدم جوابه من أنه مع قبول صحة أستناد الضمان إلى السبب في أمثال المقام لكونه أقوى ولم نستشكل في أقوائية مثل تلك التسببات أن السبب للضمان ليس عدم رد الثاني إلى المالك بل إنما هو الاخذ باليد العادية فهى صارت سببا لضمان كل من السابق واللاحق فهو أي هذا السبب مشترك بين السابق واللاحق فلا وجه لتخصيص ذلك السبب باللاحق والقول بأنه صار سببا للضمان كما هو واضح لا يخفى بل الوجه في ذلك أن الاخذ باليد إنما يوجب الضمان إلى أن يرد المأخوذ إلى المالك بمقتضى قوله عليه السلام على اليد ما أخذت حتى تؤدى فما لم يرده إلى مالكه أما بالعين مع البقاء أو بالمثل أو القيمة مع التلف لا يبرء ذمته بل هذا هو مفاد السيرة العقلائية كما تقدم في ما لا يضمن. وعلى هذا فالغاصب الاول حيث أنه أعطى المال للثاني فبأعطائه تحقق الاداء فهذا الاداء وإن كان قبل وصول المال بعينه أو بعوضه إلى مالكه لا يفيد بوجه بل هو أدا غير مشروع ولكن بعد ما أداه الغاصب الثاني بعينه أو بمثله وقيمته إلى مالكه فيكون مالكا للتالف إن كان لاعتبار الملكية هنا فائدة فإذا رجع هذا الثاني إلى الاول وأدعى منه ما ملكه بالمعاوضة القهرية فيقول في جوابه أعنى أديته لك فردني ما أعطيتك فأعطى لك مالك بأداء المثل أو القيمة فيكون أدائه هذا مفيدا في المقام وبعبارة أخرى أنك عرفت أن الضمان هنا نظير الواجب الكفائي وعليه أن الواجب الكفائي وإن كان واجبا على كل مكلف إلا أن الآثار تترتب على ما يكون مأتيا في

[ 388 ]

الخارج وتشخص بوجوده الخارجي كما أن الامر كذلك في الواجب التخييري وإن كان الماتى مصداقا للجامع أعنى الجامع بين هذا أو ذاك فلا يخرج هذا الجامع عن جامعيته وبعبارة أخرى أن التشخص إنما يكون بنفس الوجود فما يكون موجودا في الخارج فهو المتشخص المحط للاثار لا الافراد الاخر الفرضية وعلى هذا ففى المقام أن الاثار إنما يترتب على كل من أدى بدل العين لمالكها فيكون مالكا لذمة من أخذ المال منه بلا غرور فهذا واضح جدا وإن كان في أصله غير مشروع كما هو واضح. ومن لاحق لللاحق أن يرجع إلى السابق. ثم أن المالك لو تبرع حقه للاول وأفرغ ذمته وأسقط الضمان عنه فهل يكون له أن يرجع إلى اللاحق لاختصاص التبرع له أو يكون التبرع للاول تبرعا للواحق أيضا فهنا مقامان الاول في أختصاص التبرع بالاول أو عمومه للتوابع أيضا والثانى أنه على تقدير كون الاسقاط عن الاول فقط فهل له أن يرجع إلى الثاني أم لا. أما المقام الاول فالظاهر أن أسقاط المالك حقه عن الاول أبراء عن الجميع فليس له لن يرجع إلى الثاني في ذلك لانه ليس هنا إلا مال واحد كالدرهم الواحد مثلا وإن كان الضمناء كثيرا فإذا أعرض المالك عن هذا المال فلا يبقى هنا شئ لتكون ذمم الضمناء الآخر مشغولة بذلك أذن فيكون أسقاطه عن الاول أسقاطا عن الثاني أيضا حتى مع التصريح بأنى أسقط من الاول فقط فإنه تصريح بلا فايدة وتناقض في الكلام فيكون غير معقول. وأما المقام الثاني فعلى تقدير أختصاص الابراء بالاول فقط

[ 389 ]

فهل له أن يطالب من اللاحقين أم لا الظاهر لا فإنه إنما يجوز له أن يطالب إذا ملك ذمة الثاني ففى هنا لم يعط شيئا للثاني ليملك مطالبته غاية الامر أسقط المالك ذمته وأنما قلنا أن له الرجوع إلى الثالى إذا أد المال للثاني. أو غصب الثاني المال منه وهنا ليس الامر كذلك ثم إذا توقف رد المغصوب إلى المئونة فلا بد له أي للغاصب من صرف ذلك حتى يمكن إيصاله إلى المالك ودفع ذلك بأنه ضرر على الغاصب معارض بكون عدم الصرف ضررا على المالك فلو لم يكن طريق إلى الوصول إلى المال إلا بواسطة المالك كما إذا كان في البحر فلم يكن يعرف السباحة إلا المالك فحاله حال الاشخاص الاخرين في مطالبة الاجرة فله أن يطالب الاجرة لاخراجه من البحر. والحاصل أن الرد إذا أحتاج إلى مئونة فلا بد للغاصب أن يصرف ذلك حتى يرد العين إلى مالكه وتوهم نفى لزوم ذلك بدليل لا ضرر بلا وجه إذ عدم الصرف كك يستلزم عدم رد المغصوب إلى المالك فهو ضرر عليه ودليل نفى الضرر إنما ورد في مورد الامتنان فلا يشمل الموارد التى يكون فيها ضرر على الغير مع كونه متعارضا. فرع آخر إذا كان المالك مقدورا على الوصول إلى ماله مع كونه محتاجا إلى المئونة فهل له مطالبتها من الغاصب أم لا ففى هنا ثلثة فروع الاول في جواز مطالبة أصل الاجرة على فعله من الغاصب الظاهر أن له ذلك فإن حاله حال الاشخاص الاخر فكما أن لهم مطالبة الاجرة على تحصيل ذلك المال ورده إلى ماله وكك نفس المالك له ذلك ولا دليل على الزامه على ذلك بلا أجرة كما

[ 390 ]

هو واضح. الثاني أنه لو لم يرض المالك إلا بأحضار ماله إلا بنفسه بحيث يكون هو بنفسه متصديا للانقاذ من البحر ونحوه مع أمكانه لغيره أيضا فهل له ذلك أم لا الظاهر أنه لا يجوز للغاصب أن يباشر بنفسه أو بغيره للاداء إلا مع رضاية المالك بذلك فإن ذلك أيضا تصرف في مال الغير فهو غير جائز إلا بإذن مالكه أذن فيباشر بنفسه فيأخذ الاجرة من الغاصب. الثالث لو طلب أجرة زائدا من أجرة المثل مع أنحصار الاداء بطريق فعل المالك فقط أما تشريعا لعدم رضايته بتصرف الغير في ماله أو تكوينا لعدم تمكن الغير من الوصول إلى المال وأدائه إلى مالكه بل الاداء منحصر بنفى المالك فهل له ذلك المطالبة بحيث يطلب من الغاصب أجرة زائدة على أجرة المثل إرغاما لانفه كما إذا كان أجرة الاداء لمثل هذا المال عشرة فهو يريد خمسين الذى أزيد من قيمه العين أيضا الظاهر أنه لا مانع من شمول دليل لا ضرر على ذلك لنفى أستحقاق المالك مطالبة الاجرة الزائدة على الرد من الاجرة ولا يكون مانع عن شموله للمقام. ثم إذا تعذر رد العين إلى مالكه إلا بعد مدة مديدة وحال الغاصب بذلك بين المالك وماله فهل له أن يطالب بدل الحيلولة من الغاصب على ذلك أم لا الظاهر لا لما تقدم من عدم تمامية أدلة بدل الحيلولة بوجه فلا نحتاج إلى الاعادة. قوله لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه. أقول إذا باع الفضولي مال نفسه مع مال غيره فهل يحكم بصحة

[ 391 ]

ذلك البيع مطلقا أو ببطلانه كذلك أو يسقط الثمن بالنسبة إلى مال نفسه ومال غيره فيحكم بالصحة في مال نفسه مطلقا أو مع الخيار للمشترى وبالبطلان في مال غيره وجوه وللكلام هنا جهات. الاولى في أصل صحة البيع والظاهر أنه لم ينسب الخلاف هنا إلا إلى الاردبيلى ره وقد خالف المسألة وذهب إلى الفساد وتحقيق الكلام أنه تارة نقول ببطلان الفضولي وأخرى بصحته وإن قلنا بالاول فالظاهر أن البيع بالنسبة إلى مال نفسه صحيح و بالنسبة إلى مال الغير فاسد ولم نسمع الخلاف هنا من أحد إلا من الاردبيلى فإنه ذهب إلى الفساد وعمدة الوجه في البطلان ما ذكر في المسألة الآتية أعنى بيع ما يملك مع ما لا يملك كالشاة مع الخنزير والعصير مع الخمر فأن المناط في صورة القول ببطلان - الفضولي في المسئلتين واحد فذلك وجهان وقد ذهب إلى الفساد أيضا بعض الشافعية بتوهم أن العقد الواحد لا يتبعض. الاول إن ما هو مقصود للبايع ومبرز حين الانشاء لم يقع فإن المبرز بيع الشاة مع الخنزير وفى المقام هو بيع ما يملك وما لا يملك وما وقع أعنى بيع الشاة فقط أو بيع ما يملك فقط لم يقصد فتخلف القصد عن الانشاء فيحكم بالبطلان في كليهما كما ذهب إليه الاردبيلى وفيه أن البيع وإن كان واحدا بحسب الصورة والظاهر و في عالم الانشاء قد أنشأ بأنشأ واحد إلا أنه في الواقع والحقيقة بيعان فيكون هذا في الانحلال مثل العام الاستغراقي وأن كان بينهما فرق من جهة غاية الامر قد أبرز وأنشأ بأبراز واحد وإنشاء فأرد غاية الامر كل منهما منضم إلى الاخر ومشروط بهذا الانضمام

[ 392 ]

في ضمن العقد فلا يلزم من ذلك فساد العقد بل يثبت الخيار للمشترى بالنسبة في بيع مال نفسه فيكون صحيحا خياريا. الثاني أنه باطل لجهالة الثمن إذ لا يعلم أنه أي مقدار من الثمن قد وقع في مقابل الشاة وفى مقابل مال نفسه في ما نحن فيه فيكون نظير أن يبيع ماله بما في الكيس من الدراهم فيحكم بالفساد وفيه أن الجهالة من حيث هي ليست موجبة للبطلان و إنما هي توجب البطلان من جهة الغرر الذى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في البيع فإذا لم تستلزم الغرر فلا توجب البطلان وفى المقام لا يلزم منها غرر إذ يعلم مقدار ما يقع في مقابل الشاة في المسألة الآتية و ما يقع في مقابل مال نفسه في هذه المسألة ولو بالاجمال الغير الموجب للغرر نظير أن يشير إلى صبرة معينة ويقول بعت كل صاع منها بدرهم فأن ثمن الصبرة وإن لم يكن معلوما بالتفصيل إلا أنه معلوم أن كل صاع منه بدرهم فيكون معلوما بالاجمال الغير الموجب للغرر. وفى المقام يعلم أن مقدارا من الثمن المعلوم واقع في مقابل ما يملك وإن كانت النسبة غير معلومة حقيقة ولكن بالتقسيط يعلم تفصيلا فاصل الثمن معلوم وليس مثل بعتك هذا بما في الكيس الذى لا يعلم أنه أي مقدار من المال كما لا يخفى. ومما يدل على عدم كون الجهالة بما هي موجبة للبطلان أنه لو باع مال نفسه مع مال غيره مع إذن المالك فإنه لم يفتوه أحد ببطلان المعاملة هنا مع أن الثمن في كل منهما مجهول تفصيلا بجهالة غير موجبة لغير فلو كانت الجهالة من حيث هي موجبة

[ 393 ]

للبطلان مع قطع النظر عن كونها مستلزمة للغرر فلازمه القول بالبطلان هنا أيضا فنكشف من ذلك عدم كونها موجبة لذلك كما لا يخفى أذن فيبقى في المقام أحتمال وجود الاجماع فقط على البطلان فهو مقطوع العدم إذ بعد معروفية عدم الخلاف في الصحة إلا عن الاردبيلى فكيف يمكن دعوى الاجماع على البطلان بل الاجماع على الصحة كما هو واضح وكيف كان فمقتضى القاعدة في المقام هو الصحة ومع الغض عن ذلك وعدم القول بالصحة بحسب القواعد فيدل عليها الخبر من الصفار من أنه إذ باع مال نفسه مع مال غيره فيبطل في مال الغير ووجب في مال نفسه فأفهم. وأما لو قلنا بصحة الفضولي فإن أجاز فلا كلام لنا فيه فأن الاذن اللاحق لا يقصر عن الاذن السابق فاحتمال الفرق بين الاذن السابق والاذن اللاحق مجازفة. وإن رد المالك فيأپى فيه كلما تقدم في صورة القول بفساد العقد الفضولي من الوجهين. قوله ثم أن صحة البيع فيما يملكه مع الرد مقيد في بعض الكلمات أقول قيد بعضهم صحة البيع في مال نفسه إذا لم يفض الرد إلى محذور آخر شرعى كلزوم الربا وعدم القدرة على التسليم ومثلوا للاول بأنه لو باع درهم نفسه مع دينار غيره بخمسين درهما فأن هذا البيع من حيث المجموع صحيح كما إذا كان كليهما لنفسه وعلل بعضهم ذلك بإن كل جنس يقع في مقابل الجنس الآخر إلا أنه علل بعد الوقوع فلا بأس به فإذا رد المالك البيع في الدينار فما يقع من الدراهم بعد التقسيط في مقابل الدرهم أكثر منه فيلزم الرباء

[ 394 ]

ومثلوا للثاني ما لو باع عبد الآبق لنفسه مع عبد الغير، الغير الآبق فرد المالك البيع في مملوك نفسه فيكون بيع نفسه أيضا باطلا لتمحض البيع بالآبق فهو باطل للجهالة ولزوم الغرر فأن بيع الآبق إنما هو مخصوص بصورة الضميمة فقط فلا يصح في غير هذه الصورة ومن هنا لا يصح أجارة الابق مع الضميمة أيضا. ولنا في ذلك كلام حاصلة أنك عرفت أن أتحاد البيع بحسب الصورة والانشاء لا يضر يتعدده واقعا وعليه أن بيع دينار غيره مع درهم نفسه لا يخرج المعاملة عن الربوبية على تقدير الامضاء أيضا كما أن ضم عبد غيره بعبد نفسه الآبق لا يخرج بيع العبد الآبق عن كونه بيع آبق بلا ضميمة لفرض تعدد البيع مع الانحلال أذن فيكون البيع ربويا من الاول وبيع آبق من الاول نعم ثبت جوازهما فيما إذا باع عبد نفسه مع عبده الآبق فإنه ثبت جوازه شرعا بنص خاص وإلا فمقتضى القاعدة كان عدم جوازه للغرر ومن هنا لا يصح أجارة الآبق مع الضميمة كما تقدم وكذلك ثبت شرعا جواز بيع مجموع الدرهم و الدينار الذين لنفسه بمجموع الدرهم والدينار الذين أكثر من ماله فإن جواز ذلك ثبت بدليل خاص وأما لو باع مال غيره كذلك فلا مخرج لذلك عن محذور الربا لكونه منحلا مثل العام الاستغراقي إلى الافراد العديدة وأن كان بينهما فرق من جهة يأتي في الجهة الثانية. وبالجملة بعد ما لم يكن مجموع الدرهم والدينار أو العبدين لنفس البايع فيكون البيع منحلا إلى بيعين فيترتب لكل منهما حكم نفسه فيكون البيع ولو مع أمضاء الطرف الاخر في مال نفسه ربويا من

[ 395 ]

الاول وكذلك في بيع العبد الآبق فيكون باطل من الاول للجهالة فراجع إلى تقرير ميرزا. الجهة الثانية في ثبوت الخيار للمشترى وعدمه لا شبهة في عدم ثبوت الخيار للمشترى في صورة العلم بالحال وبأن المبيع ليس للبايع بمجموعه وإنما بعضه للغير كما أنه لا شبهة في عدم ثبوته للبايع في فرض العلم بذلك وأما مع جهل المشترى فلا شبهة في ثبوت الخيار له والوجه في ذلك على ما يأتي في محله المسمى بخيار تبعض الصفقة مع أنا قلنا أنه منحل إلى بيعين كالعام الاستغراقي هو أن المشترى قد أقدم على أشتراء هذين المالين مشترطا على البايع في ضمن العقد ولو بمئونة القرائن العرفية والانضام العرفي أن ينضم أحدهما بالآخر فإذا خلا عن ذلك الانضمام فيثبت للمشترى الخيار وهذا هو المتفاهم بأذهان العرف والعقلاء فيكون مدرك هذا الخيار هو تخلف الشرط الضمنى كما هو واضح ومن هنا تظهر جهة الفرق بين العام الاستغراقي المنحل إلى أفراده وبين المقام وبهذا يمكن أيضا دعوى ثبوت الخيار للبايع أيضا إذا جهل بالحال وأعتقد أن المالين له فإن جهله بالحال يوجب ثبوت الخيار له إذا ظهر أحدهما مستحقا للغير ولم يمض المعاملة فأن مقتضى الفهم العرفي هو أن بيع كل واحد من المالين مشروط بالاخر وأنه يبيعه بهذا العنوان كما إذا باع الثوب العتيق مع الجديد ببيع واحد ولكن بيعه الجديد من جهة العتيق وأن العتيق لا يباع منفردا ثم ظهر أن العتيق مال الغير فيكون البايع مختارا في الفسخ والامضاء مع العلم بالحال بمقتضى ذلك الشرط الضمنى فهو أن بيعه هذا مشروط

[ 396 ]

بكون الثوب العتيق له دون غيره. وبهذا الملاك ظهر أنه يثبت الخيار للبايع إذا أعتقد أنه وكيل من الغير في بيع ماله فباع فرسه مع فرس نفسه فظهر أنه ليس بوكيل من قبله فأن بيعه هذا كان بحسب الشرط الضمنى مشروطا ببيع الآخر فرسه للرقابة وإلا فلا يبيع فإذا ظهر أنه ليس بوكيل من قبله و لم يمض أيضا بيعه هذا فيكون للبايع أيضا خيار هنا بل يثبت الخيار لكل من البايع والمشترى في كل مورد تحصل فيه المخالفة بالشرط الضمنى بحيث يساعد العرف والعقلاء على ذلك بأن يفهم العرف ذلك الاشتراط ولا يكون من قبيل الاضمار في القلب كما هو واضح. الجهة الثالثة في التقسيط وبسط الثمن إلى أجزاء المبيع مع رد المالك وربما قيل في طريق معرفته كما هو المنسوب إلى القواعد واللمعة والشرايع من أنهما يقومان جميعا من حيث المجموع ثم يقوم كل واحد منهما ثم تنسب قيمة كل واحد منهما إلى المجموع من حيث المجموع فيؤخذ بتلك النسبة فيسترد الثمن من المشترى كما إذا باع مال نفسه مع مال الغير بعشرين دينارا فلم يمض الغير ذلك البيع فيقوم كل واحد بعشرة دنانير والمجموع أيضا بعشرين فنسبة قيمة كل منهما إلى المجموع بالنصف فيسترد من أصل الثمن نصف القيمة. فأورد عليه المصنف بما حاصله أن الاوصاف وأن لم تكن مما تقابل بالثمن ولا يقسط الثمن إليها والى الاجزاء ولا يقال أن ثمن الفرش الفلاني يقسط إلى أجزائه وأوصافه بل متمحض في مقابل الاجزاء فقط وأنما الاوصاف قد توجب زيادة الثمن وأنها دخيله في

[ 397 ]

ذلك كما مر مرارا عديدة إذ من البديهى أن أجراء الفرش ليس لها إلا قيمة الصوف وأوصافها توجب زيادة تلك القيمة ولكن في مقام البيع لا يقسط الثمن إليها والى الاجزاء. وعلى هذا فهذا الضابطة الذى أفيد في المقام إنما يستقيم فيما إذا لم تكن الهيئة الاجتماعية دخيلة في زيادة الثمن كما هو الغالب ولعله لاجل هذه الغلبة التجأ كثير من الاعلام بهذا الضابط وأما لو كانت الهيئة الاجتماعية دخيلة في الزيادة فلا يمكن التقسيط بهذا الضابط كما إذا كان المبيع مصراعي باب أحدهما لنفسه والآخر لغيره أو زوج خف أحدهما لنفسه والآخر لغيره وهكذا مما تكون الهيئة الاجتماعية دخيلة في أزدياد القيمة فأنه لو قسط الثمن إلى كل منهما على الضابط المذكور يلزم فيه المحذور مثلا لو كانت قيمة كلا المصراعين معا عشرة وقيمة كل منهما درهمين وكان الثمن الذى وقع عليه البيع خمسة فإنه إذا رجع المشترى إلى البايع بجزء من الثمن نسبة ذلك الجزء إلى مجموع الثمن كنسبة الاثنين إلى العشرة فتكون النسبة بالخمس فيسترد من البايع بملاحظة هذه النسبة النسبة خمس الثمن فهو الدرهم الواحد فيبقى للبايع في مقابل المصراع الآخر أربعة دراهم فيكون ما أخذه من الثمن أزيد من حقه فأن الثمن متساوية بين المصراعين على الفرض فما الموجب لاستحقاق البايع أربعا في مقابل المصراع الواحد والمشترى واحدا في مقابل مصراع الاخر الذى مال الغير. وبعبارة أخرى أن البايع إنما يستحق من الثمن مع الرد بالمقدار الذى يستحقه مع الاجازة فلا شبهة أن ذلك بالنصف مع الاجازة

[ 398 ]

فليكن كذلك مع الرد أيضا فما الموجب للازدياد في صورة الرد. نعم في أغلب الصور التى لا تكون الهيئة الاجتماعية دخيلة في أزدياد القيمة فالضابط المذكور لا بأس به سواء كان قيمة كل منهما متساوية أو متفاتة كما هو واضح. ثم وجه المصنف هذا الوجه بأخذ النسبة للمشترى لئلا يرد عليه النقص بدخالة الهيئة الاجتماعية في زيادة الثمن وحاصله أن يقوم المجموع من حيث المجموع ثم يقوم كل واحد مستقلا وينسب إلى المجموع ويأخذ المشترى تلك النسبة وبأعتبارها يأخذ الثمن من البايع وفى المثال المتقدم يسترد الاربعة ويبقى للبايع واحد فلا توجب زيادة الثمن بالهيئة الاجتماعية نقصا في المطلب كما هو واضح. ثم أورد عليه بأن هذا وإن يسلم من أشكال الزيادة بالاجتماع ولكن ينتقض بكون الهيئة الاجتماعية موجبة لنقصان القيمة فإن هذا فرض ممكن وهذا كما لو باع جارية مع أمها بثمانية وكانت قيمة كل واحدة منها بعشرة فأنه لا شبهة في عدم ترتب النفع على صورة - الاجتماع الذى يترتب على غير صورة الاجتماع لعدم جواز الجمع بين البنت والام ومن هنا نقل قيمة صورة الاجتماع فلو أخذت النسبة للمشترى فيلزم حينئذ للمشترى أن يجمع بين الثمن والمثمن فأنه يسترد من البايع على هذا تمام العشرة فيبقى الجارية الاخرى للمشترى بلا ثمن لكون قيمة أحدهما المنفردة إلى مجموع القيمتين نسبة الشئ إلى مماثله. ثم بعد ما لم تتم هاتان الصورتان التجا المصنف إلى وجه آخر وحمل عليه كلام القواعد واللمعة والشرايع وهو ما أختاره في الارشاد

[ 399 ]

وحاصله أن يقوم كل واحد منفردا من دون أن يقوم المجموع من حيث المجموع ثانيا ثم يؤخذ لكل واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين مثلا إذا باع مجموع المالين بثلاث دنانير وقوم مال الغير بأربع دنانير ومال البايع بدينارين فيرجع المشترى بثلثيى الثمن أذن فيسلم ذلك من أشكالي الزيادة والنقيصة. وأشكل عليه السيد ره في حاشيته بأن هذا إنما يتم فيما كانت الهيئة الاجتماعية موجبة للزيادة أو النقيصة بالسوية وأما لو أوجبت ذلك بالتفاوت فلا يتم مثلا إذا كان أحدهما يزيد قيمته بالانضمام و الآخر تنقص قيمته به يلزم على طريقة المصنف قده فيما إذا قوم أحدهما منفردا بأثنين ومنضما بأربعة والآخر منفردا بأربعة ومنضما بأثنين أن يكون لمالك الاول ثلث الثمن ولمالك الثاني ثلثاه مع أن قيمة مال الاول في حال الانضام ضعف قيمة مال الثاني في تلك الحال فينبغي أن يكون للاول الثلثان وللثاني الثلث وهكذا في سائر الاختلاف. ومن هنا أختار مذهبا آخر وهو أن يقوم كل منهما منفردا لكن بملاحظة حال الانضمام لا في حال الانفراد ثم يوءخذ لكل واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين وعلى هذا فيسلم من جميع الاشكالات في جميع مراتب الاختلاف من دون لزوم محذور في ذلك لا في صورة زيادة القيمة بالاجتماع ولا في صورة نقيصته بذلك ولو كان ذلك الاختلاف بالتفاوت لا بالسوية فأن تقويم كل واحد بقيد الانضام يوجب تقسيط المجموع من حيث المجموع إلى الافراد بلا زيادة ونقيصة فلاحظ ذلك بالامثلة ثم أحتمل رجوع ما

[ 400 ]

ذكره الجماعة من تقويم كل واحد منفردا إلى ذلك بأن يكون مرادهم بالانفراد هو الانفراد بقيد الانضمام لا الانفراد بما هو أنفراد وهذا الذى أفاده السيد ره من الجودة بمكان كما هو واضح وأما المثلى فقد فصل المصنف فيه بين ما كانت الحصة مشاعة فقسط الثمن على نفس المبيع وأن كانت حصة كل منهما معينة كان الحكم كما في القيمى من ملاحظة قيمتي الحصتين وتقسيط الثمن على المجموع ثم أمر بالتفهيم وفيه أنه لا وجه لهذه الكيفية في التقسيط على وجه الاطلاق لا في المشاع ولا في المفروض لامكان أن يكون المثلى مشاعا ومع ذلك تتفاوت قيمة حصة كل منهما بتفاوت الحصتين في المقدار كأن يكون لاحدهما تسعة أمنان من الحنطة وللآخر من واحد - لبداهة تفاوت الاثمان بتفاوت العروض قلة وكثرة فأن المبيع كلما كثر رخص وكلما قل غلى وأن كان حصة كل منهما من صبرة واحدة وعلى نسق واحد في الجودة والردائة كما هو المفروض على الاشاعة ولامكان أن يكون المثلى مفروض ويكون مع ذلك كل من النصيبين من كومة واحدة وصبرة خاصة فيجب أن يقابل كل حصتي البايع و المشترى بما يخصه من الثمن فيكون كالمثلى المشاع لا كالقيمى. قوله لو باع من له نصف الدار نصف تلك الدار. أقول لو قال بعت نصف الدار فهل المراد منه نصف المشاع أو النصف المختص بعد العلم بعدم أرادة حصة الشريك وأحتياجه إلى المئونة الزايدة. تارة يعلم من القرائن الخارجية أو بتصريحه أن البايع أراد الشقص الخاص والنصف المعين من نصف نفسه أو نصف شريكه فلا

[ 401 ]

كلام لنا فيه فحكم ذلك معلوم على تقدير قصد مال نفسه أو مال غيره. وأخرى يقول أنى أريد من كلامي هذا بعت نصف الدار ما يكون لفظ النصف ظاهرا فيه فهو على قسمين لانه تارة يكون المراد به ما يكون لفظ النصف ظاهرا فيه بنفسه ويكون المقصود مفهومه من دون القرائن الخارجية فيكون المراد الجدى للمتكلم معلوما من ذلك وأخرى ما يكون ما تكلم به من الجملة المركبة ظاهرة فيه من بعت نصف الدار مع ملاحظة خصوصية النسبة والاضافة إلى نفسه والتصرف فيه وقد خص السيد ره في حاشيته مورد كلام المصنف هو بالقسم الثاني أي ما يكون النظر فيه إلى مفهوم النصف فقط بلا توجه إلى ما تقتضيه القرائن الخارجية وأورد عليه بأنه على هذا لا يبقى مجال للتمسك بظهور المقام أو غيره من كون التصرف وأضافة البيع إلى نفسه ظاهر أن في نصف نفسه في مقابل ظهور النصف في الاشاعة إذ الرجوع إلى الظهورات إنما هو لتشخيص المرادات والمفروض أن المتكلم لم يقصد خصوصية ملكه أو ملك غيره وإنما قصد مفهوم النصف الذى مقتضاه ليس إلا الاشاعة فأن المفروض أنه لم يقصد خصوصية ملكه بل يكون لفظ النصف ظاهرا فيه. وفيه أن السيد لم يتصور ظاهرا قسما آخر هنا ولذا جعل مورد كلامه ما يكون المقصود مفهوم النصف بلا لحاظ القرائن الخارجية و هو متين لو كان مراده هذا وكان حنيئذ جعله ما يقتضيه مفهوم النصف معارضا بما تقتضيه القرائن الخارجية مناقضة واضحة إذ بعد كون المقصود هو مفهوم النصف فقط فلا مجال لهذه المعارضة ودعوى القرائن على خلافه وإنما المراد معلوم بلا شك ولكن مراده ليس

[ 402 ]

هو الشق الاول بل الوجه الثاني الذى هو الوجه الثالث وقوله ففيه أحتمالان أي ما يحتمل أن يراد منه النصف المختص أو النصف المشاع منحصر بهذا القسم وإلا لو كان مراده هو الاول لم يكن موردا لوجهين بل كان تمحضا لارادة النصف المشاع فقط بظهور لفظ النصف فيه ولم يكن النصف المختص محتملا لعدم جريان القرائن الخارجية فيه بوجه أذن فلا يكون هذا القسم موردا للكلام كما في حاشية السيد وعلى هذا فلا يرد عليه ما أورده السيد نعم يرد عليه أن مورد الكلام ليس هو القسم الثالث فقط بل هنا قسم رابع الذى جعله السيد مورد لكلامه بعد رده كلام المصنف على زعمه وهو ما يكون مراد البايع من النصف شيئا معينا من نصفه المختص أو المشاع في الحصتين ولم يعلم التعين مع كونه معينا واقعا وفى علم البايع إلا أنه أجمله فيكون ظهور كلامه حجة هنا أيضا من أرادة الفرد المعين فيكون داخلا في الكلام فحينئذ يقع الكلام أيضا في أن المراد من ذلك أي شئ هل هو نصفه المختص أو المشاع ليكون من كل منهما الربع أو نصف الشريك وحيث لم يتصور السيد هنا قسما آخر مع رده القسم الثاني جعل هذا مورد لكلامه فقط ولكن عرفت أن محط كلام المصنف هو القسم الثالث لا ما زعمه السيد من القسم الثاني الذى لا يحتمل أن يكون مراده ذلك كما هو واضح من كلامه وربما يقال بعدم أمكان جعل القسم الثالث موردا لمحط النزاع بل لا بد من تخصيص محل النزاع بما ذهب إليه السيد ره إذ لو كان القسم الثالث هو محط النزاع فلازمه أن لا يعلم أن البيع في ملك من وقع هو البايع أم الشريك الآخر فالجهل بالمالك يوجب بطلان البيع.

[ 403 ]

وفيه أنك عرفت سابقا أن الجهل بالمالك لا يضر بصحة البيع بعد العلم بالمبيع وأن حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين المالين فمعرفة المالك ليست بدخيلة في صحة البيع إلا إذا كان تعيين المبيع محتاجا إلى معرفة المالك فبدونها لا تعيين للمبيع بل ولا تحقق له كما إذا كان المبيع كليا في الذمة فأنه لا تعيين لذلك إلا بأضافة إلى شخص خاص معين فلو قال بعتك منا من الحنطة في ذمة رجل لبطل البيع وأما في غير تلك الصورة فلا دليل على وجوب تعيين المالك كما لا يخفى أذن فالقسم الثالث أيضا داخل في محل النزاع لعدم أضرار الجهل بمالك المبيع كما لا يخفى فأفهم. ثم أن المصنف في مقام تعين المراد في مقام الاثبات قد أحتمل الوجهين في مثل هذا الكلام وقول البايع بعت نصف الدار من أرادة نصف المختص أو نصف المشاع ومنشأ الاحتمالين أما - تعارض ظاهر النصف أعنى الحصة المشاعة في مجموع النصفين مع ظهور أنصرافه في مثل المقام من مقامات التصرف إلى نصفه المختص وإن لم يكن له هذا الظهور في غير المقام أو تعارضه مع ظهور أنشاء البيع في البيع لنفسه لان بيع مال الغير لا بد فيه أما من نبة الغير أو أعتقاد كون المال لنفسه وأما من بنائه على تملكه للمال عدوانا كما في بيع الغاصب والكل خلاف المفروض هنا. ثم ذكر أنه مما ذكرنا يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين قول البايع بعت غانما مع كون الاسم مشتركا بين عبده وعبد غيره حيث أدعى فخر الدين الاجماع على أنصرافه إلى عبده فقاس عليه ما نحن فيه إذ ليس للفظ البيع هنا ظهور في عبد الغير فيبقى ظهور

[ 404 ]

البيع في وقوعه لنفس البايع وأنصراف لفظ المبيع في مقام التصرف إلى مال المتصرف سليمين عن المعارض فيقربها أجمال لفظ المبيع هذا ما أفاده المصنف مبنيا على حفظ الظهور للفظ النصف ولكنه فاسد. والتحقيق هو تقديم ظهور النصف الذى هو النصف المختص على القرائن الخارجية بعد العلم بعدم أرادة نصف الشريك لكونه مفروغا عنه وأرادته محتاجة إلى القرائن التى منتفية هنا. بيان ذلك أن النصف بعد كونه ظاهرا في النصف المشاع بين البايع لتصرفه والشريك الآخر فلا يمكن رفع اليد عنه بالقرائن الخارجية أعنى ظهور الانشاء أما ظهور الانشاء فبانا نمنع كونه ظاهرا في كون البيع للبايع بعد ما صح بيع مال الغير بل كما أنه ظاهر في بيع مال نفسه وكذلك ظاهر في بيع مال غيره أيضا إلا في بيع الكلى حيث أنه لا يمكن إلا بأضافة البيع إلى نفسه فيكون هذا قرينة على أرادة البيع لنفسه إذ لا معنى لبيع الكلى في ذمة الغير لعدم التعين كأن يقول بعت منا من الحنطة في ذمة رجل والمفروض أن المبيع في المقام ليس كليا بل أمر معين كما هو واضح على أنه يكون قرينة موجبة لرفع اليد عن ظهور البيع في الاشاعة إذا لم يكن للكلام ظهور في مورده فسيأتي في الوجه الثاني من القرائن أن مورد البيع هو النصف المشاع أبتداء فلا يمكن رفع اليد عن ظهوره. وأما ظهور التصرف في كون المبيع مال نفسه فيحكم بكون النصف للبايع. ففيه أن هذا الظهور وأن كان لا ينكر وأنه قرينة على أرداة

[ 405 ]

مال نفسه ورفع اليد عن ظهور النصف إلا أنه لا يمكن الاخذ به و رفع اليد عن ظهور النصف في الاشاعة. وذلك لانه أنما يكون إذا كان الكلام مجملا ولم يكن له ظهور في مورده وإلا فلا وجه لرفع اليد عنه والمصير إلى ما تقتضيه القرائن وفى المقام أن النصف له ظهور في الاشاعة الذى مقتضاه كون الربع من مال البايع والربع الآخر من مال الغير ليكون محتاجا إلى الاجازة وبعد ما كان مورد البيع هو ذلك فلا وجه لرفع اليد عنه إذ هو كرفع اليد عن ظهور البيع في مال الغير أبتداء في سائر الموارد. مثلا لو كان للشئ معنى حقيقي ومعنى مجازى وقال أحد بعت الشئ الفلاني وكان ذلك الشئ بمعناه الحقيقي شخص آخر موجودا عند البايع وبمعناه المجازى كان لنفسه فهل يمكن رفع اليد عن ظهور كون البيع للغير وأرادة المعنى المجازى بدعوى أن ظاهر التصرف كون المال لنفسه فلا وجه لذلك بعد كون مورد البيع هو مال الغير وهكذا وهكذا. وبالجملة أن النتيجة هو أن مقتضى كون النصف ظاهرا في النصف المشاع وواردا على المال المعين في الخارج هو أن المبيع هو النصف المشاع المشترك بين المالك الشريك والبايع فيكون ربع الدار مبيعا من حق البايع وربعها مبيعا من الشريك ومحتاجا إلى الاجازة لكونه فضوليا كما لا يخفى فلا يمكن رفع اليد عن ظهوره الذى هو مورد البيع بالقرائن الخارجية وإنما ذلك في صورة عدم ورود الكلام على مورد المعنى الحقيقية وإلا فلا وجه لرفع اليد عنه كما هو واضح فلا يكون الكلام ظاهرا في النصف المختص كما ذهب إليه المشهور

[ 406 ]

هذا كله مع ملاحظة ظهور لفظ النصف في الاشاعة وأما إذا أنكرنا ذلك كما هو كك فيكون المقام مثل بعت الغانم المشترك بين عبد نفسه وعبد جاره. وتوضيح ذلك أن لفظ النصف لم يوضع في اللغة للنصف - المشاع بل لمطلق النصف من الشئ ولا أنه منصرف إلى النصف المشاع عند أطلاقه وعليه فلا وجه لدعوا أختصاصه بالنصف المشاع فيكون الغرض منه في المقام هو الكلى وتوهم أن البايع لم يقصد خصوصية ملكه فلا يمكن الحمل عليه كما في حاشية السيد فاسد فأن النصف مع قطع النظر عن قصد خصوصية الملك كلى يحتمل أن يكون النصف الذى يختص بنفسه أو بشريكه أو النصف المشترك بين البايع والشريك وحينئذ فيكون ظهور كلامه في كون المراد من النصف نصف نفسه فيكون مثل بيع الغانم فيرتفع الاجمال بواسطة ظهور الكلام في بيع نصفه المختص. وذلك فأنه وأن صح بيع مال الغير فضولة ولكن مقتضى كونه مال الغير يمنع عن شمول أوفوا بالعقود للبايع وإنما يشمل المالك المجيز حين أجازته وفى المقام بعد منع كون النصف ظاهرا في النصف المشاع لا وضعا ولا أنصرافا لا دافع لشمول دليل الوفاء بالعقد على عقد البايع فأذا كان هو المخاطب بالوفاء بالعقد فيكون المبيع هو النصف المختص كما أن الامر كك في بيع غانم المشترك بين عبده وعبد الغير فكما أنه لا موجب لدفع ظهور بيع غانم عن غانم نفسه فكك في المقام لكون النصف هنا أيضا مشتركا بين نصفه المختص أو المشاع أو نصف الشريك فكان أن ظهور البيع في بيع غانم في بيع نفسه

[ 407 ]

برفع الاجمال فكك في المقام بلا زيادة ونقيصة فكما أن البايع في بيع غانم مخاطب بدليل الوفاء بالعقد وهكذا هنا أيضا فأفهم. وعلى هذا فيصح ما ذهب إليه المشهور من كون الكلام ظاهرا في النصف المختص دون المشاع أو حصة الشريك. ومن هنا ظهر الفرق بين المقام وبين مسألة الاقرار بأن نصف الدار أزيد مع كونها مشتركة بالاشاعة بين المقر وشخص آخر حيث أن الاقرار أخبار عن الواقع فيكون أقراره بنصف الدار للغير أخبارا عن واقع نصف الدار لا في نصفه المختص فهو مشترك بين المقر وشريكه الآخر فحيث أن الاقرار بالنسبة إلى الربع في حقة وبالنسبة إلى الربع الآخر في حق الغير فيكون أقراره بالنسبة إلى ربع شريكه لغوا دون ربع نفسه. وهذا بخلاف البيع فأنك عرفت أن النصف كلى يصدق على نصف نفسه ونصف غيره فظهور البيع بمقتضى أوفوا بالعقود يوجب كونه نصفه المختص دون المشاع بل أرادة النصف للمشاع بحيث يكون معنى بعت نصف الدار بعت ربعا من حصتي وربعا من حصة شريكي ليكون المراد من النصف النصف المشترك بين البايع وشريكه لا نصفه المختص من خلاف الظهور بمكان كاد أن يلحق بالاغلاط من دون قرينة عليه فضلا عن يكون هو الظاهر من اللفظ ومن هنا ظهر حكم ما لو أصدق الزوج المراة عينا معينا فوهبت نصفها المشاع من الزوج قبل الطلاق أستحق النصف بالطلاق لا نصف الباقي وقيمة النصف الموهوب وأن هذا من قبيل ما نحن فيه وأن النصف يصدق على النصف الباقي فيدخل تحت قوله تعالى فنصف ما فرضتهم فيكون

[ 408 ]

تمليك الزوجة الزوج نصف الصداق منطبقا على النصف الاخر كما هو واضح وأن أرادة الربع من النصف الموهوب والربع الآخر من النصف الباقي من خلاف الظهور بمكان. وبالجملة أن مقتضى الظهور وفهم العرف كون المراد بالنصف هو أن الباقي حق للزوج فبحصر حق الزوجة بالنصف الموهوب من باب أنحصار الكلى بالمصداق يتعين حق الزوج بالباقي وأرادة النصف المشترك بين الموهوب والباقى خلاف الظاهر فضلا عن أن يكون موضوعا له أو منصرفا إليه وأذن فلا وجه لتوهم المنافات بين هذه المسألة وما نحن فيه. وكان كلامنا في مسألة بيع نصف الدار وملك النصف فقد أدعى المصنف تعارض ظهور النصف في النصف المشاع وظهور البيع والتصرف في النصف المختص وقد قلنا أن ظهور النصف يتقدم على الظهور الاخر و لكن لا نسلم ظهور النصف في المشاع لا بالوضع ولا بالانصراف بل المتبع أنما هو ظهور البيع في الحصة المختصة فيكون ظهور البيع في بيع مال نفسه كما هو الظاهر في جميع الموارد إذا لم تكن قرينة على الخلاف فأن النصف وإن كان حقيقة في النصف المشاع أيضا ولكن ظاهرا البيع أن الشخص يبيع مال نفسه فيشمله دليل الوفاء لكون ذلك الظهور متبعا ما لم تقم قرينة على الخلاف فيكون المقام مثل بيع الغانم المشترك بين عبد نفسه وعبد غيره المعين بظهور البيع في عبد نفسه فيرفع الاجمال به ولا ينافى ذلك مسألة الاقرار بكون نصف الدار لزيد مثلا المحمول على النصف المشاع بحيث يكون النتيجة أن الربع من مال المقر وذلك إذ ظهور البيع كما عرفت أنه متعلق

[ 409 ]

على ماله وهذا بخلاف الاقرار فإنه أخبار عن الواقع فمفاده أن نصف الدار واقعا لزيد لا النصف المختص لى فظاهر ذلك هو النصف المشاع مع قطع النظر عن حصة نفسه وعن حصة الغير فيلزم له الربع لان الاقرار بمقدار ثابت عليه وأما بالنسبة إلى الربع الآخر فأقرار في حق الغير فلا ينفذ إلا أن تكون هناك قرينة على أرادته من النصف النصف المختص فهو أقرار آخر وبالجملة هذه المسألة أجنبية عن المقام بتمام الجهة. وأما مسألة الطلاق فهى عين محل الكلام وهى أنه لو زوج أحد أمراة فوهبت الزوجة نصف مهرها للغير ثم طلقها الزوج فيتعين حقه بالنصف الباقي المشاع فيكون مختصا به وخارجا عن الاشاعة بمقتضى قوله تعالى فلكم نصف ما فرضتم لهن لا أن حق الزوج هو النصف الباقي أعنى ربع الكل وقيمة نصف التالف فلا تنافى بين ما ذكرناه هنا وبين هذه المسألة. وأما مسألة الصلح فلا وجه لتوهم تنافيها لما ذكرناه أيضا لخروجها عن المقام فهى أنه لو أقر من بيده المال بكون نصفه لاحد المدعيين وكان هذا المدعى يدعى نصف بالسبب المشترك بينه وبين المدعى الآخر كالاخوة مثلا ثم صالح المقر له النصف المقر به للمقر فلا ينفذ هذه المصالحة إلا في الربع أعنى نصف المقر به فأن نتيجة ضم أحد الاقرارين بالآخر أن النصف المقر به مشترك بين المدعيين فتكون المصالحة بالنسبة إلى الربع الآخر الذى نصف المقر به وحق للمدعى الآخر فضولية فيحتاج إلى أجازة المدعى الآخر كما لا يخفى وهذا كما ترى لا أرتباط لها بمسئلتنا التى كلامنا فيها. وأما مسألة الاقرار بالشريك الآخر كما إذا كان المال بين

[ 410 ]

الشخصين بالنصف فأقر أحدهما بكون الثلث للثالث وكون التقسيم بينهم أثلاثا بالنصف وأنكر الشريك الآخر فحمل الاقرار على الثلث المشاع من العين كما في المتن فيكون ثلث العين للثالث وحينئذ فأن تعدد المقر لتعدد الشركاء وكانوا عدولا فيكون أقرارهم هذا شهادة فيتبع به وأن لم يتعدد المقر ولم يكن عدولا في صورة التعدد فيكون أقرار أحدهما بالشريك الثالث مأخوذا في حقه فقط فيكون ما بيده من النصف نصفا بين المقر والمقر له لا أنه يكون ثلث ما بيده له وثلث الباقي لان المنكر وإن كان معذورا في عقيدته في الظاهر ولو كان الواقع على خلاف عقيدته ولكنه غاصب بزعم المقر السدس وظالم لذلك بتصرفه في النصف لانه بأعتقاده أنما يستحق الثلث فالسدس الفاضل في يد المنكر نسبته إلى المقر والمقر له على حد سواء فإنه قد تآلف من العين المشتركه فوزع على الاستحقاق. ودعوى أن مقتضى الاشاعة تنزيل المقر به على ما في يد كل منهما فيكون في يد المقر سدس وفى يد المنكر سدس كما لو صرح بذلك وقال أن له في يد كل منهما سدسا وأقراره بالنسبة إلى ما في يد الغير غير مسموع فلا يجب إلا أن يدفع إليه ثلث ما في يده وهو السدس المقر به وقد تلف السدس الآخر بزعم المقر على المقر له بتكذيب المنكر مدفوعة بأن ما في يد الغير ليس عين ما له فيكون كما لو أقر شخص بنصف كل من داره ودار غيره في صورة الافراز بل هو مقدار حصته المشاعة كحصة المقر وحصة المقر له بزعم المقر إلا أنه لما لم يجبر المكذب على دفع شئ مما في يده فقد

[ 411 ]

تلف سدس مشاع يوزع على المقر والمقر له فلا معنى لحسابه على المقر له وحده وهذا واضح جدا كما في المتن وهذا بخلاف صورة الاقرار فأن كل من الشخصين وضع يده على مال معين فحق المقر له بالنسبة إلى ما في يد المنكر قد تلف بأذن الشارع في الظاهر ما لم يثبت دعواه فأقرار الشخص الآخر بثلث ما في يد نفسه وثلث ما في يد الغير لا يوجب الاثبات إلا أنه في مقام الترافع يكون من الشهداء على المنكر وأما المنكر فمعذور على عقيدته أعتمادا أصالة عدم كونه ما بيده ملكا للمقر له ولو عند الشك والمقر فقط بمقتضى أقراره ملزم على الاداء لكونه حجة عليه دون المنكر وأن لم يدع العلم بكون ما له بل يكفى ولو مع دعوى الشك وعدم العلم على الواقع لكفاية يده وأصالة عدم كونه ملكا للمقر له في كون ما بيده ملكا له. وأما مسألة الاقرار بالنسب بعد ثوبت القسمة وثبوت حق كل من الوارث في يده عين ما ذكرناه أيضا من كون ما في يده مشتركا بين المقر والمقر له وليس بينهما تنافى إلا على الاحتمال ذكره السيد في حاشيته ولنتعرض له فتكون موافقة للقاعدة وفتوى المشهور هنا بحمل ذلك على الاشاعة وعدم كون ما في يد المقر نصفا بينهما بل يعطى الزائد من حقة فقط فتكون البقية على الوارث الآخر فيكون التلف بإذن الشارع في الظاهر في تصرفهم في ذلك ما لم يثبت خلافه. وهذا إنما هو من جهة بعض الروايات الضعيفه المنجبرة بعمل المشهور وإلا فكان مقتضى القاعدة هو ما ذكرناه من كون ما هو في

[ 412 ]

يد المقر مشتركا بين المقر والمقر له بالنصف مثلا ولكن يرد عليه أنه مضافا إلى عدم جبر ضعف الرواية بالشهرة أن دلالتها أيضا غير تمام فأن الموجود فيها أنه شريك في المال ويلزم ذلك في حقه أو حصته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كله. فمن الواضح أن كون الآخر شريكا في المال أو ثبوت حقه في حق المقر ليس معناه أن للمقر له حق في حصته مشاعا بل يمكن أن يكون على النحو الذى ذكرناه على طبق القاعدة كما لا يخفى فأفهم. فتحصل مما ذكرناه أن مقتضى القاعدة في المقامين ثبوت حق المقر والمقر له في ما بيد المقر على النصف وكن الفائت بالنسبة اليهما على حد سواء وفى مسألة الاقرار بالنسب وأن أفتى المشهور على خلاف القاعدة وكون حق المقر له مشاعا بالنسبة إلى المقر والطرف الآخر ولزوم الزائد عن حق المقر على المقر ولكن ذلك لاجل الاخبار الخاصة وقد عرفت ضعفها سندا ودلالة. ثم قد أبد الفرق صاحب الجواهر بين المسئلتين والتزم بكون المقر والمقر له بالنسبة إلى ما في يد المقر والفائت على حد سواء في المسألة الاولى وبنحو المشاع في مسألة الاقرار بالنسب وقال في وجه ذلك على ما في حاشية السيد. يمكن أن يقال أن فتوى المشهور في كل من المقامين على القاعدة والفرق بينهما أن في المقام التلف للمال المشترك على حسب أقرار المقر مستند إلى يد المقر حيث أنه أثبت اليد على النصف الذى ثلثه مشترك بين المقر والمقر له فيكون محسوبا عليهما وفى

[ 413 ]

مسألة الاقرار بالنسب ليس مستندا إلى اليد بل هو من جهة مجرد أنكار المنكر لخصوص حصة المقر له وإلا فلا أثر لليد لان المفروض كون المال تركة للميت ولا يد لاحد عليها غيره وحينئذ فنقول أن المقر له معترف بأن للمقر ثلث التركة إذا كانوا ثلثة أخوة مثلا فلا بد أن يصل إليه حصته والقدر التالف إنما تلف على خصوص المقر له من جهة عدم أعتراف الاخ المنكر بكونه وارثا والى ذلك أشار في الجواهر حيث قال بعد العبارة التى نقلناها في بيان الفرق بين المقامين أو يقال أن المأخوذ في الاول قد كان بسبب شرعى يعم الشريكين وهو اليد بخلاف الثاني فأنه قد أخذ بسبب يخص الاخ المنكر وهو أقراره بأخوة من أنكر وذلك أمر يخص الاخ المنكر دون الاخ المقر الذى قد أعترف الثلثة بأخوته ولم ينقص المال بسبب شرعى يعمه بل كان ذلك بأمر يخص خصوص المتخاصمين وهو الاقرار من أحدهما بالآخر وأنكار الآخر أياه وذكر في باب الصلح أيضا ما يفيد ذلك و كذا في باب الاقرار بالنسب فراجع. ومحصل كلامه في مسألة الاولى قد أستند التلف إلى يد المقر وفى الثانية إلى خصوص المتخاصمين ولكن لا محصل لذلك ولا يكون هذا وجه الفرق بينهما بل في المقامين الامر كما ذكر إذ المقر في كلتا المسئلتين قد أقر الثلثة بأخوته وبالجملة لم يتحصل من كلامه هذا شئ في وجه الفرق بين المقامين والحق ما ذكرناه. وقال شيخنا الاستاذ أن المقر لم يقر أزيد ما يزيد من حقه المختص به من أصل المال لانه أقر بأن ثلث أصل المال للمقر له فيكون الزائد مما يستحق هو السدس والسدس الآخر باقيا في النصف

[ 414 ]

الذى تحت يد الطرف الاخر المنكر للشريك الثالث ولم يقر أن ما في يدى نصفه للثالث وإلا فهو خلاف الاشاعة. وفيه أن هذا وأن كان صحيحا وقد أشار إليه المصنف في كلامه بقوله ودعوى أن مقتضى الاشاعة الخ وأجاب عنه ولكن نكتة الكلام هو أن أصل المال على حسب أقرار المقر مشترك بين الثلثة أثلاثا فلا موجب لكون المقر مالكا لما في يده بمقدار حصته ويكون الزائد في ما يستحقه للشريك الثالث المقر له إلا القسمة فلا شبهة أنها غير مشروعة إذ ليست برضاية الشركاء أجمع فيكون باطلة أذن فليس النصف الموجود في يد المقر إلا نصف المال المشاع بين الثلثة فحيث أن من بيده النصف الآخر أعنى المنكر بحسب أعتقاده يرى نفسه مالكا لما في يده وأن كان الواقع على خلافه لن مقتضى يده بل مقتضى أصالة عدم كون الثالث مالكا هو ذلك وأن لم يدع كونه مالكا قعطا بل يدعى أننى لا أعلم غيرى مالكا لذلك النصف فيكون دعواه في الظاهر عن حجة شرعية ما لم يعم دليل على الخلاف وأما المقر الذى في يده نصف الآخر فهو مقربان الثلثة كلهم مشتركون في أصل المال فيكون ما في يده نصف المال المشاع المشترك بين الثلثة فبعد قطع يد الطرف الآخر بأخذه النصف فيكون هذا النصف مشتركا على الاشاعة بين المقر والمقر له ويكون الفائت عليهما وليس ذلك إلا نظير ما أخذ الغاصب من المال المشترك المشاع مقدارا عدوانا فبقى المقدار الباقي في يد أحد الشركاء إذ لا يوجب ذلك أختصاص ذى اليد بمقدار حقه بذلك المال بل الباقي والفائت بين الشركاء على حد سواء غاية الامر أن في المقام أن الطرف الآخر

[ 415 ]

بزعمه ليس غاصبا بل أنما يتملك النصف مستندا إلى الحجة الشرعية من أصالة عدم كون الثالث شريكا لهم وفى مسألة الاقرار بالنسب أن أصالة عدم كون الثالث ورثة وشريكا معهم كما هو واضح فلا شبهة فيه. وهذا النكتة قد سقط من كلام شيخنا الاستاذ وإلا فلم ينكر أحد أن المقر لم يقر بنصف ما في يده بل بثلث أصل المال ليكون بالنسبة إلى ما فيده السدس. هذا كله في النصف المشاع وأما النصف المفروض فقد ظهر حكمه من أول المسألة إلى هنا فلو قال بعت نصف الدار المعين وكان حق كل من البايع وشريكه الآخر مفروضا فيحمل على نصف نفس البايع لا على نصف شريكه فيكون ذلك أيضا من قبيل بيع الغانم فأن ظهور البيع في كونه لنفسه ما لم تقم قرينة على الخلاف. ثم هذا كله فيما كان أجنبيا بالنسبة إلى النصف الآخر وأما لو كان بالنسبة إلى النصف الآخر أيضا جائز التصرف كان يكون وكيلا من قبله أو وليا له فهل يحمل البيع هنا أيضا على نصف نفسه أو النصف الغير المختص وقال شيخنا الانصاري ره أنه لو كان البايع وكيلا في بيع النصف أو وليا عن مالكه فهل هو كالأجنبي وجهان مبنيان على أن المعارض لظهور النصف في المشاع هو أنصراف لفظ البيع إلى مال البايع في مقام التصرف أو ظهور التمليك في الاصالة الاقوى هو الاول. ولكن الظاهر أنه لا فرق بين المقامين فأن قلنا أن النصف له ظهور في النصف المشاع فيقدم على كل من الظهورين إذ ظهور

[ 416 ]

البيع في بيع نفسه أو ظهور التمليك في الاصالة إنما يتقدم على ظهور النصف في المشاع إذا لم يرد على مال غيره وقد فرضنا أن له ظهور في وروده على مال الغير فلا يعارض شئ من الظهورين لذلك وأن لم نقل بظهور النصف في النصف المشاع وأن كان حقيقة فيه أيضا ولكنه من باب كونه مصداقا لكلى النصف الشامل له و للنصف المختص وللنصف المختص لشريكه وأما أختصاصه بالمشاع فلا لا وضعا ولا أنصرافا. وعليه فلا وجه لرفع اليد عن ظهور البيع في بيع نفسه سواء كان جائز التصرف في النصف الآخر كما في صورة الولاية والوكالة أو لم يكن جائز التصرف وبالجملة المثال في الأجنبي وغيره واحد فلا وجه للتفريق بوجه فأفهم كان الفراغ من تسويد هذه الصحائف يوم الاحد 2 شهر شعبان سنة 1374 ويتلوه أن شاء الله تعالى المجلد الخامس.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية