الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة - السيد الخوئي ج 3

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي ج 3


[ 1 ]

محمد علي التوحيدي مصباح الفقاهة في المعاملات من تقرير بحث الاستاذنا الاعظم آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئى دام ظله العالي الجزء الثالث

[ 2 ]

الطبعة الاولى مطبعة الآداب النجف الاشرف الطبعة الثانية مطبعة سيد الشهداء - قم - المقدسة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين وبعد فمن نعم الله تعالى ان وفقني لاعداد رجال علماء بلغوا من العلم مبلغا جعلهم حماة للدين وفي طليعتهم قرة عيني العزيز العلامة المحقق حجة الاسلام الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي دام فضله السامى فانه قد حضر ابحاثي العالية في الفقه واصول الفقه والتفسير حضور تفهم وتحقيق وقد قدم لي الجزء الثالث من كتابه (مصباح الفقاهة) فوجدته يمتاز بجودة البيان والغرر في التحقيق والوفاء بما حققناه ودعانى له كما هو المأ؟ ان يتسنم دست المرجعية في الفتيا لينتفع به المسلون والله ولي التوفيق في 26 شهر جمادي الاولى 1382 ابو القاسم الموسوي الخوئي

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. وبعد فهذا هو المجلد الثالث من كتابنا - مصباح الفقاهة في المعاملات - الذي كتبته تقريرا لبحث سيدنا الاستاذ الزعيم الدينى الاوحد، ورائد النهضة العلمية الاكبر، طود العلم الشامخ، وعلمه الراسخ، آية الله العظمى الحاج السيد أبو القاسم الخوئي متع الله المسلمين بطول بقائه. وقد كان للاقبال العظيم الذي حظى به المجلد الاول، والثانى من هذا الكتاب، والتقدير الذي نوه به رواد العلم والفضيلة باعث قوى على مواصلة العمل، وإجهاد الفكر إلى أن وفقني الله تعالى لابراز هذا المجلد الثالث وتقديمه، إلى الجامعة العلمية الكبرى، وأسأل الله سبحانه ان يوفقنا لنشر بقية مجلداته ويجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وموجبا لرضاه الموصل إلى جنات النعيم، انه سميع مجيب. النجف الاشرف محمد علي التوحيدي التبريزي

[ 5 ]

هل يعتبر اللفظ في العقود؟ قوله: (مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع). أقول: حاصل كلام المصنف رضوان الله عليه: أن اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود من الامور الواضحة - التى لا ريب فيها - وذلك للاجماع المنقول والشهرة العظيمة، مع الاشارة إليه في بعض النصوص (1). لكن المقدار المتيقن من الاجماع المزبور إنما هو تمكن المتعاقدين من اللفظ، وإذا عجز أحدهما أو كلاهما عن التلفظ، لخرس ونحوه لم يشمله الاجماع، وإن كان قادرا على توكيل غيره. وهذا التعميم ليس من ناحية أن الاصل هو عدم وجوب التوكيل - كما قيل - لان الوجوب بمعنى الاشتراط هو الاصل في المقام، بل الدليل على التعميم إنما هو فحوى الروايات (2) الدالة على عدم اعتبار اللفظ في طلاق


(1) المذكورة في الجزء الثاني ص 155. (2) عن ابي نصر البزنطي قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الرجل تكون عنده المراة، ثم يصمت فلا يتكلم، قال: يكون اخرس؟ قلت: نعم فيعلم منه بغض لامراته وكراهته لها، ايجوز ان يطلق عنه وليه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك قلت: لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟ فقال: بالذي يعرف منه من فعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها. حسنة بابراهيم بن هاشم. وعن يونس في رجل اخرس كتب في الارض بطلاق امراته؟ قال: إذا فعل ذلك في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله، ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنة. مجهولة باسماعيل بن مرار. ثم الظاهر ان يونس لم يرو هذه الرواية عن الامام (ع) بل ذكر راي نفسه في جواب السائل. وعليه فلا تكون -

[ 6 ]

الاخرس، لان حملها على صورة العجز عن التوكيل حمل للمطلق على الفرد النادر وإذا جاز للاخرس إنشاء الطلاق بغير اللفظ جاز له انشاء سائر العقود بغيره أيضا، وعليه فيحكم بلزوم العقد الصادر منه حتى المعاطاة، ضرورة أن العمومات الدالة على لزوم العقد تدل على لزوم المعاطاة أيضا، لكونها عقدا بالحمل الشايع. ولكن قام الاجماع على جوازها ما لم تتحق احدى الملزمات - التى ذكرناها في مبحث المعاطاة - ومن الواضح أن المتيقن من الاجماع المزبور هو أن يكون المتعاطيان قادرين على اللفظ. أما مع العجز عن ذلك فلا علم لنا بوجود الاجماع على جواز المعاملة المعاطاتية. ثم إن الظاهر هو كفاية الكتابة أيضا مع العجز عن الاشارة، لفحوى ما ورد من النص - الذى ذكرناه في الحاشية - على جوازها في الطلاق وإذا ثبت ذلك في الطلاق ثبت في غيره بالاولوية القطعية. أما مع القدرة على الاشارة فهل هي تتقدم على الكتابة أم يجوز العكس؟ ذهب بعضهم إلى ترجيح الاشارة على الكتابة، لصراحة الاشارة في الانشاء. ولكن في بعض الروايات - التى ذكرناها في الحاشية - ما يدل على


- الرواية حجة من هذه الناحية ايضا. وعن السكوني عن الصادق (ع) قال: طلاق الاخرس ان يأخذ مقنعتها فيضعها على راسها ويعتزلها ضعيفة بالنوفلي. وعن ابان بن عثمان قال: سالت ابا عبد الله (ع) عن طلاق الخرساء؟ قال: يلف قناعها على راسها ويجذبه. مجهولة بصالح بن السندي. قوله: (ع) يجذبه: يعني يجذب قناع المراة لكى يطردها عن نفسه. فروع الكافي ج 6 من ط 2 باب الطلاق ص 128.

[ 7 ]

العكس. انتهى ملخص كلام المصنف (ره). تحقيق المقام يقع في نواحى شتى: الناحية الاولى: أن الاصل الاولى في العقود والايقاعات هل يقتضى الصحة أم يقتضى الفساد؟ ذهب جمع إلى الاول، وذهب جمع آخر إلى الثاني وهو الحق، كما عليه المصنف (ره). والوجه في ذلك: أن نتائج العقود والايقاعات - من الملكية والزوجية والعتاق والفراق - امور حادثة، ومسبوقة بالعدم، كما أن نفس العقود والايقاعات كذلك، فإذا شككنا في تحققها في الخارج من ناحية بعض ما يعتبر فيها من الشروط كان الاصل عدمه وحينئذ فيحكم بفسادها. وقد ناقش في ذلك المحقق الايروانى بأنه لا مانع من جريان أصالة البراءة من الشروط التى يشك في اعتبارها في تأثير العقود والايقاعات. وقال (لا مانع من هذه الاصالة بناء على جريان البراءة في الاحكام الوضعية، كما يظهر من استدلال الامام (ع) بحديث الرفع على فساد طلاق المكره وعتاقه، فينفي بأصالة عدم الوجوب وجوب كل خصوصية شك فيها: بمعنى عدم دخلها في تأثير السبب. وعدم كونها من أجزاء السبب. ولا يبقى معها مجال الرجوع إلى استصحاب عدم تحقق النقل والانتقال، لان هذا في مرتبة السبب وذاك في مرتبة المسبب، والاستصحاب إنما يقدم على أصالة البراءة حيث يكونان في مرتبة واحدة). وتندفع هذه المناقشة: بأن حديث الرفع وإن كان يشمل الاحكام الوضعية - كشموله للاحكام التكليفية - إلا انه لا يعم خصوص الجزئية والشرطية والمانعية، ضرورة أن هذه الامور الثلاثة امور غير قابلة للوضع، فلا تكون قابلة للرفع أيضا إلا برفع منشأ انتزاعها. وعليه فإذا شك في شرطية

[ 8 ]

شئ أو جزئيته أو مانعيته لم يجز الرجوع فيها إلى البراءة. وبيان ذلك اجمالا: أنا ذكرنا في بحث الاستصحاب من علم الاصول أن الاحكام الوضعية على ثلاثة أقسام: 1 - أن يكون مجعولا بنفسه، كالملكية والزوجية والرقية ونحوها، فانها امور متأصلة: أي مجعولة بنفسها، وغير منتزعة من التكاليف الشرعية بديهة أن انتزاعها من الاحكام التكليفية وان كان ممكنا في مقام الثبوت ولكن لا دليل عليه في مقام الاثبات، إذ النسبة بين الملكية - مثلا - وبين جواز التصرف، أو عدم جوازه، هي العموم من وجه، لانه قد توجد الملكية ولا يترتب عليها جواز التصرف في المملوك، كالاشخاص المحجورين عن التصرف في أموالهم لسفه أو فلس أو صغر. وقد يتحقق جواز التصرف ولا توجد الملكية، كالمباحات الاصلية، فانها غير مملوكة لاحد، ويجوز التصرف فيها لكل شخص. وكأولياء السفهاء والمجانين والصغار، فانه يجوز لهم التصرف في أموال هؤلاء المحجورين، وليسوا بملاك. وقد يجتمعان، وهو كثير، واذن فلا نعقل وجها صحيحا لانتزاع الملكية من الحكم التكليفى دائما أضف إلى ذلك: أن المستفاد من الادلة أن الاحكام التكليفية تترتب على الملكية والزوجية والرقية وأمثالها ترتب الحكم على موضوعه. ومن الواضح جدأ أن مرتبة الموضوع متقدمة على مرتبة الحكم، فيستحيل انتزاع الامر المتقدم من الامر المتأخر. ومثال ذلك: أن جواز تصرف الانسان في ماله مستفاد من قوله صلى الله عليه وآله إن الناس مسلطون على أموالهم (1) وحرمة تصرفه في مال غيره بدون إذنه


(1) البحار ج 1 ص 154.

[ 9 ]

مستفادة من الروايات المستفيضة الدالة على ذلك (2) ومن الضرورى أن جواز التصرف أو حرمته مترتب على المال المملوك. فلابد من فرض وجوده قبل الحكم عليه بجواز التصرف وعدمه، بحيث يكون هذا الحكم من آثار المال المملوك، وبديهى أنه لا يمكن الالتزام بانتزاع الملكية من آثار نفسها وهذا واضح لا ريب فيه. 2 - أن يكون الحكم الوضعي راجعا إلى الحكم نفسه، كالشرطية والسببية والمانعية للوجوب - مثلا - فان الحكم الشرعي إذا لوحظ بالاضافة إلى شئ فاما أن يكون مطلقا أو مقيدا بوجوده، أو بعدمه. لا كلام لنا في فرض الاطلاق. أما على فرض التقييد فان كان الحكم الشرعي مقيدا بقيد وجودي فيكون القيد معتبرا في موضوعه. وعندئذ تنتزع منه الشرطية تارة، والسببية اخرى لان مرجعهما إلى شئ واحد، وإنما الفرق بينهما اصطلاح محض. ان كان الحكم الشرعي مقيدا بقيد عدمي - كتقيد وجوب الصلاة بعدم الحيض - فتنتزع منه المانعية، وإذن فالشرطية والسببية والمانعية كلها منتزعة من جعل الحكم ولحاظه مقيدا بقيد وجودي أو عدمي. 3 - أن يرجع الحكم الوضعي إلى متعلق التكليف كالشرطية والجزئية والمانعية للمأمور به، فانها منتزعة من كيفية الامر. وذلك لانه إذا تعلق الامر بالمركب من الاشياء العديدة انتزعت منه الجزئية. وإذا تعلق بشئ مقيدا بوجود شئ آخر - كالامر بالصلاة مقيدة باستقبال القبلة والستر - انتزعت منه الشرطية.


(1) قد ذكرنا هذه الروايات في الجزء الثاني ص 138.

[ 10 ]

وإذا تعلق بشئ مقيدا بعدم شئ آخر - كتقيد الصلاة بعدم استصحاب المصلى أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة - انتزعت منه المانعية. وإذن فالجزئية والشرطية والمانعية للمأمور به منتزعة من كيفية الامر. وإذا عرفت ما تلوناه عليك اتضح لك عدم جريان البراءة في الشرطية والسببية والمانعية والجزئية، لعدم كونها مجعولة بالذات، بل هي مجعولة بتبع منشأ انتزاعها، وعليه فهى غير قابلة للوضع بنفسها. فلا تكون قابلة للرفع أيضا. سواء أقلنا بشمول حديث الرفع للاحكام الوضعية، أم لم نقل بذلك نعم ترتفع هذه الامور باجراء البراءة في مناشئ انتزاعها، ضرورة أنها كما تثبت تبعا لثبوت مناشئها، كذلك ترتفع بارتفاع مناشئها. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. أما استدلال الامام (ع) - في بعض الروايات (1) - بحديث الرفع على فساد طلاق المكره وعتاقه، فهو بعيد عما نحن فيه بداهة أن صحة العقود والايقاعات بنفسها قابلة للوضع، فتكون قابلة للرفع أيضا بحديث الرفع، ومن هنا يحكم بفسادها إذا صدرت كرها. واذن فلا وجه لقياس الصحة والفساد بالجزئية والشرطية والمانعية. وعلى الجملة إذا كانت الجزئية أو الشرطية أو السببية من الامور الانتزاعية فهى غير قابلة للجعل إلا بجعل مناشئ انتزاعها، وعليه فإذا شك في شرطية


(1) عن البزنطي عن ابي الحسن (ع) قال: سألته عن الرجل يستكره عن اليمين، فيحلف بالطلاق والعتاق، وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: لا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا، وما اخطأوا. صحيحة. البحار ج 23 باب الطلاق ص 128. والوسائل باب 12 من ابواب الايمان.

[ 11 ]

شئ للمأمور به كان ذلك بعينه شكا في تعلق الامر بالمقيد به، فيدفع بأصالة البراءة. وأما الاقل: - أعني به الطبيعي الجامع بين المطلق والمقيد فهو مأمور به قطعا. أما إذا شك في شرطية شئ لصحة عقد أو ايقاع انعكس الامر، لان ترتب الاثر - كالملكية، أو براءة الذمة - على العقد أو الايقاع الواجد لذلك الشرط معلوم وترتبه على الفاقد مجهول. فيدفع بالاصل، وهذا هو الفارق بين الشك في شرطية شئ للمأمور به، وبين الشك في شرطيته للعقد أو الايقاع هل يجوز التمسك بالعمومات عند الشك في العقود الناحية الثانية: أنه لا شبهة في أن مقتضى العمومات والمطلقات هو صحة العقود والايقاعات. ولكن إذا شك في اعتبار قيد في تلك المعاملات - كاللفظ مثلا - فهل يصح التمسك بالعمومات المذكورة لنفى ذلك القيد أم لا الظاهر هو الاول: بديهة أن القاعدة الاولية تقتضي صحة الانشاء بكل ما هو قابل لابراز الاعتبار النفساني، سواء فيه الفعل واللفظ، ولكن المغروس في كلمات الاصحاب، والمودع في كتبهم هو قيام الاجماع على اعتبار اللفظ في العقود والايقاعات. وقد ذكرنا مرارا: أن الاجماع دلل لبى فلابد وأن يؤخذ منه بالمقدار المتيقن. ومن البديهى أن القدر المسلم من الاجماع - على تقدير تحققه هنا - إنما هو فرض تمكن المتعاقدين من الانشاء اللفظى ومع عدم التمكن من ذلك يرجع إلى القاعدة الاولية، ويحكم بعدم اعتبار اللفظ في العقود والايقاعات. الا مع قيام الدليل الخاص على الاعتبار المزبور، كقيامه على اعتبار مطلق اللفظ في عقد الزواج، وعلى اعتبار لفظ خاص في انشاء الطلاق.

[ 12 ]

على هذا الضوء فإذا شككنا في صحة عقد الاخرس المنشأ بالاشارة مع تمكنه من التوكيل، أو شككنا في صحة عقده المنشأ بالكتابة مع تمكنه من الاشارة - بناء على تقديمها على الكتابة - رجعنا إلى العمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ونفوذها. وقد ظهر لك مما ذكرناه: أن مقتضى القاعدة هو الحكم بلزوم معاطاة الاخرس - من حين العقد - حتى على القول بانها تفيد الاباحة مع التمكن من اللفظ، وأنها لا تفيد الملكية. وذلك لعدم العلم بشمول الاجماع - الذى توهم قيامه على جواز المعاطاة، أو افادتها الاباحة - لصورة عدم التمكن من اللفظ وهذا هو السر في تعرض المصنف لمسألة المعاطاة هنا في طى كلامه، مع أنه قضى أمرها قريبا. وهذا نصه في المقام: (ثم لو قلنا بأن الاصل في المعاطاة اللزوم بعد القول بافادتها للملكية فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ). واذن فلا نحتاج في اثبات صحة عقد الاخرس إلى التمسك بفحوى الروايات الواردة في طلاقه - ذكرناها قريبا في الحاشية - ولا إلى التمسك بفحوى الرواية الواردة في قراءته (1) نعم تلك الروايات مؤكدة للقاعدة الاولية. وعلى الاجماع: ان مقتضى القاعدة الاولوية، وفحوى الروايات الخاصة الواردة في طلاق الاخرس وقراءته، هو كفاية اشارته في مقام الانشاء، ما لم يدل دليل خاص على خلاف ذلك. من غير فارق بين أقسام الاشارة وكيفياتها. ولا بين ما يكون معتادا للاخرسين، أو للاشخاص


(1) عن السكوني عن ابي عبد الله (ع) قال: تلبية الاخرس وتشهده، وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته باصبعه. ضعيفة بالنوفلي. الوسائل باب 59 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 13 ]

الآخرين، وبين ما لم يكن كذلك. بل الضابطة الكلية في ذلك: أن تكون الاشارة مفهمة للمراد بالنسبة إلى نوع المخاطبين والحاضرين. ولو كان الانفهام بمؤونة القرائن كما هو الشأن في الانشاء اللفظى، بداهة أن الافعال والاقوال سيان في حجية ظواهرها من ناحية بناء العقلاء ومن هنا اتضح لك جليا: أن إنشاء الاخرس بالاشارة محكوم بالصحة، وإن لم يفد القطع بالمراد. اشارة الاخرس وحكمها قد ذكرنا في الجزء الثاني: أن البيع عبارة عن الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي وعليه فابراز الاعتبار النفساني بالاشارة المفهمة للمراد مصداق لمفهوم البيع بالحمل الشايع، فيكون مشمولا للعمومات، وعندئذ لا يلزم على الاخرس أن يستحضر الصيغة اللفظية في ذهنه، لكى تكون إشارته إليها أو لا، وإلى مدلولها ثانيا حتى يكون ابراز ما في النفس بتلك الصيغة الحاضرة في الذهن. كما لا يلزم عليه أن يحرك لسانه على النهج الذى يحركه عند التكلم بالصيغة، نعم يعتبر أحد الامرين في القراءة الصلاتية، إذ المطلوب هناك قراءة نفس الالفاظ، لا ابراز مداليلها. وأيضا قد ذكرنا في الجزء الثاني - عند البحث عن أصالة اللزوم في العقود -: أن العقد اما بمعنى العهد المطلق كما في بعض الروايات (1) أو بمعنى العهد المشدد، وعلى كل تقدير فالمعاملة المعاطاتية من مصاديق العقود وعليه


(1) عن علي بن ابراهيم في تفسيره قال: حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قوله: اوفوا بالعقود، قال: بالعهود. حسنة بابراهيم بن هاشم.

[ 14 ]

فلا وجه لما ارتكبه بعض مشائخنا المحققين من بيان مقدمة لاستيضاح كفاية الاشارة من الاخرس، واليك نصه: (أن الاخرس كغيره له عهد مؤكد وعهد غير مؤكد، فالتعاطي منه في الخارج فقط كالتعاطي من غيره عهد غير مؤكد فله حكمه، فالاشارة المفهمة الرافعة للاشتباه منه عهده المؤكد كاللفظ الرافع للاشتباه الذي يتطرق إلى الفعل نوعا عهد مؤكد من القادر). ثم إذا قلنا بجواز مباشرة الاخرس للعقود والايقاعات، ولم يدلنا دليل على اعتبار اللفظ في ذلك لكى نحكم بوجوب التوكيل عليه، فهل له أن يتصدى لذلك مخيرا في ابراز ما في نفسه - من الاعتبار - بين الاشارة، وبين الكتابة ام يجب عليه تقديم الاول على الثاني. ذكر بعضهم: أن الاشارة تتقدم على غيرها. لكونها أصرح، وذهب آخر إلى أن الكتابة تتقدم على غيرها، لكونها أضبط. ولكن أشباه هذه الوجوه أمور استحسانية فلا يمكن الاعتماد عليها في استنباط الحكم الشرعي إذ لو سلمنا أصرحية الاشارة أو اضبطيه الكتابة، الا أنه لا دليل على تقديم أحدهما على الآخر. ويضاف إلى ذلك: أنه لو كانت أضبطية الكتابة موجبة لتقديمها على الاشارة لكانت موجبة لتقديمها على اللفظ أيضا. ولم يلتزم الفقهاء بذلك. وإذن فمقتضى القاعدة هو الاكتفاء في الانشاء بكل ما يصلح لابراز ما في النفس من الاعتبار، واظهاره بمبرز خارجي - وإن كان بعض المبرزات أصرح من بعضها الآخر أو أضبط - إلا إذا ورود دليل خاص على تقديم بعضها على بعض كما يظهر ذلك من بعض الروايات (1) الواردة في طلاق الاخرس، فان الظاهر من ذلك أن الكتابة تتقدم على الاشارة.


(1) كحسنة البزنطي المتقدمة في ص 5.

[ 15 ]

بحث في مادة الصيغة وهيئتها وترتيبها الناحية الثالثة: في مادة الصيغة وهيئتها وترتيبها - التى ينشأ بها العقد - وتحقيق هذه الناحية يقع في ضمن جهات: الجهة الاولى في مادة الصيغة. وقد اختلفت فيها كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم، وتشتت فيها أقوالهم، وهى كما يلى: 1 - الاقتصار في مادة الصيغة على المقدار المتيقن، فلا يجوز انشاء العقود والايقاعات بغيره من الصيغ المشكوكة. 2 - الاقتصار فيها على الالفاظ المنقولة عن الشارع المقدس والظاهر رجوع هذا الوجه إلى الوجه الاول، فان هذا هو المقدار المتيقن مما ينشأ به العقد أو الايقاع. 3 - الاقتصار فيها على الالفاظ التى تعنونت بها عناوين العقود والايقاعات وأسماء المعاملات. وعليه فيجب إنشاء البيع بصيغة بعت، وإنشاء النكاح بصيغة أنحكت وإنشاء الاجارة بلفظة آجرت. وإنشاء المصالحة بكلمة صالحت وانشاء الطلاق بجملة هي طالق، وهكذا في سائر العقود والايقاعات، وإذن فلا ينعقد أي عقد أو ايقاع بغير ما عنون به هذا العقد. 4 - الاقتصار فيها على الالفاظ الحقيقية، وعليه فلا ينعقد شئ من العقود والايقاعات بشئ من الالفاظ الكنائية والمجازية. 5 - أن يفرق في الالفاظ المجازية بينما يكون مقرونا بالقرائن اللفظية فيحكم بجواز انشاء العقد به، وبين ما لا يكون كذلك، فيحكم بعدم جواز الانشاء به. 6 - جواز الاكتفاء بكل لفظ يكون صريحا في انشاء العقد، أو ظاهرا

[ 16 ]

فيه ولو كان ذلك بمؤونة القرائن الحالية أو المقالية. ثم انه ذكر المصنف: أن المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم هو عدم وقوع العقد بالالفاظ الكنائية. ولكنه لم يأت بشئ يطمئن به القلب وتركن إليه النفس. نعم نقل في ذلك جملة من كلمات الاصحاب. ولكن هذه الكلمات مبنية على اجتهاداتهم وآرائهم. ومن البين الذى لاريب فيه أن رأى فقيه لا يكون حجة على فقيه آخر. وعندئذ لابد من ملاحظة دليل المسألة، فان كان هناك ما يدل على اعتبار لفظ خاص في الانشاء أخذ به. وإلا فمقتضى القاعدة هو انعقاد جميع العقود والايقاعات بكل ما يصلح للانشاء، وابراز الاعتبار النفساني، سواء فيه الفعل والقول، وسواء في القول الحقيقة والمجاز، والصريح وغيره، وسواء في المجاز كون القرينة لفظية وغير لفظية. والوجه في ذلك كله: أنه لم يرد دليل على اعتبار مظهر خاص ومبرز معين في انشاء العقود والايقاعات الا الاجماع على اعتبار اللفظ في صحة العقود أو لزومها، والقدر المتيقن منه - على تقدير قبوله - انما هو مطلق اللفظ. أما اللفظ الخاص فلا اجماع على اعتباره جزما. ويضاف إلى ذلك: أن الاجماع المنقول ليس بحجة، لعدم كونه مشمولا لادلة حجية الخير. أما الاجماع المحصل فهو غير حاصل جزما، لعدم العلم بوجود الامام (ع) بين المجمعين. وقد تقدم تفصيل ذلك عند البحث عن المعاطاة. وحينئذ فلا بأس بانشاء العقود والايقاعات بأى مبرز من المبرزات لانها مشمولة للعمومات والمطلقات الدالة على صحة البيع وغيره من العقود المملكة ولو كان انشاء الملكية بلفظ مجازى. وهذا واضح لا ريب فيه. وتوضيح المقام: أن اللفظ الذي ينشأ به العقد قد يكون صريحا في

[ 17 ]

مدلوله، وموافقا لما قصده المنشئ من دون أن يتطرق إليه احتمال آخر وهذا مما لا شبهة في صحة الانشاء به. وقد يكون ظاهرا في مدلوله بحسب الاطلاق مع احتمال أن يراد منه معنى آخر. وهذا كانشاء الزوجية بلفظ يحتمل الدوام والانقطاع فانه لا فارق بينهما إلا بذكر الاجل وعدمه، فإذا أهمله العاقد - في مقام الانشاء - اقتضى اطلاقه ارادة الزوجية الدائمة. وقد يكون ذلك من الالفاظ الكنائية أو المجازية: والمراد من الكناية هو استعمال اللفظ في الملزوم للانتقال منه إلى لازمه - وحينئذ فيراد منه الملزوم بالارادة الاستعمالية، كما أنه يراد منه اللازم بالارادة الجدية. أو أن المراد من الكناية هو استعمال اللفظ في اللازم للانتقال منه إلى ملزومه، وعليه فيراد منه اللازم بالارادة الاستعمالية، كما أنه يراد منه الملزوم بالارادة الجديدة. وعلى كلا التقديرين فقد استعمل اللفظ في معناه الحقيقي: - أعني به الملزوم أو اللازم - ولكن قصد منه المتكلم تفهيم معنى آخر. وعلى هذا الضوء فمثل زيد كثير الرماد. أو طويل النجاد أو مهزول الفصيل انما استعمل في معناه الحقيقي ولكن قصد منه المتكلم سخاء زيد، أو شجاعته من غير أن يكون استعمال اللفظ فيه مجازا وهذا واضح كما حقق في محله وإذا عرفت معنى الكناية والمجاز فاعلم: أنه ان كانت الالفاظ الكنائية أو المجازية ظاهرة في إفادة المطلوب ظهورا عرفيا فلا شبهه في صحة الانشاء بهما مطلقا: أي سواء أكان اللازم والملزوم - في الكناية - متساويين أم لا وسواء أكان المجاز قريبا أم لا. وإن لم يكن لتلك الالفاظ ظهور عرفى في إفادة المقصود، وإبراز الاعتبار النفساني، ولم ينطبق عليها شى من عناوين العقود عرفا فلا يصح بها الانشاء أصلا.

[ 18 ]

ومن هنا تجلى لك: أنه لا وجه للفرق بين المجاز القريب والمجاز البعيد بأن يلتزم بصحة الانشاء بالاول، وبفساده بالثاني. كما أنه لا وجه صحيح لما أفاده المصنف من الالتزام بصحة الانشاء بالالفاظ المجازية إذا كانت محفوفة بالقرينة اللفظية. وبعدم الصحة إذا كانت محفوفة بالقرينة غير اللفظية. بل العجب منه (ره) فانه بعد ما فسر اعتبار الحقائق في العقود باعتبار الدلالة اللفظية الوضعية. وإن كان الدال على الانشاء من الالفاظ المجازية. قال: (وهذا بخلاف اللفظ الذى يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال، أو سبق مقال خارج عن العقد، فان الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين - وإن كان من المجازات القريبة جدا - رجوع عما بنى عليه من عدم العبرة بغير الاقوال في إنشاء المقاصد، ولذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة، ولو مع سبق مقال، أو اقتران حال تدل على إرادة البيع جزما). ووجه العجب: أن احتفاف اللفظ بالقرينة غير اللفظية لا يخرج دلالته على معناه عن الدلالة اللفظية، بديهة أن الدلالة اللفظية عبارة عن انفهام المعنى من اللفظ، سواء أكانت حيثية الدلالة مكتسبة من القرائن - لفظية كانت أو غيرها - أم كان اللفظ بنفسه دالا على المقصود فانه على كلا التقديرين تنسب الدلالة إلى اللفظ، فتكون الدلالة لفظية. وليس في الالتزام بصحة ذلك أية منافاة لما بنى عليه من اعتبار اللفظ في صحة العقد، أو في لزومه. وكيف يقاس ذلك بما إذا كان الانشاء بغير اللفظ، وكانت القرينة الدالة على إرادة البيع منه هي اللفظ. نعم يمكن أن يكون مراد المصنف (ره) من العبارة المزبورة: أن الفقهاء رضوان الله عليهم قد تسالموا على بطلان الانشاء بلفظ لا يكون ظاهرا في المعنى الذى قصده المنشئ، بل يعد استعماله فيه عند أهل العرف من

[ 19 ]

الاغلاط ولكن المنشئ يفهم مراده بالقرائن الحالية أو المقالية فان مثل هذا خارج عن المتفاهم العرفي، فلا يصدق على المنشأ بذلك عنوان العقد، لكى يكون مشمولا للعمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود ونفوذها. وذلك كانشاء الزوجية مثل ملكت، وآجرت، وكانشاء التمليك بمثل زوجت، وأبحت، وأشباه ذلك، وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه، إلا أنه بعيد عن سياق عبارة المصنف. ثم إن الاعجب من ذلك: أنه (ره) قد منع عن جواز الانشاء بالالفاظ المشتركة مع احتفافها بالقرائن الحالية، كانشاء البيع بالتمليك المشترك بينه وبين الهبة، مع أنه ليس بمجمل، ولا مجاز، ولا كناية، بديهة أن الظهور العرفي قد تم فيه من جميع الجهات. وعلى الاجمال: إن الميزان الكلى في صحة إنشاء العقود والايقاعات إنما هو صدق عنوان العقد أو الايقاع على المعنى المبرز بأى مبرز، وعليه فلا وجه لتخصيص ذلك المبرز بلفظ دون غيره، فضلا عن تخصيصه بلفظ خاص إذ لا دليل على اعتبار الصيغة في العقود والايقاعات على وجه الاطلاق. نعم قد ادعى الاجماع (1) على اعتبار اللفظ في النكاح وأوجب هذا الاجماع افتراق النكاح عن غيره من العقود، حيث يجوز إنشاؤها بكل من القول والفعل، أما النكاح فلا يجوز إنشاؤه إلا باللفظ. كما أن جملة من


(1) عن الحدائق: اجمع العلماء من الخاصة العامة على توقف النكاح على الايجاب والقبول اللفظيين. وقال المصنف في كتاب النكاح. اجمع علماء الاسلام - كما صرح به غير واحد - على اعتبار اصل الصيغة في عقد النكاح، وان النكاح لا يباح بالاباحة، ولا بالمعاطاة، وبذلك يمتاز النكاح عن السفاح، لان فيه التراضي ايضا غالبا.

[ 20 ]

الروايات (1) قد دلت على اعتبار لفظ خاص في الطلاق. بحث في ألفاط الايجاب وفي الانشاء ببعت قوله: (إذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ الايجاب والقبول: منها لفظ بعت في الايجاب). أقول: لا شبهة في أن لفظ بعت وإن كان من الاضداد بالنسبة إلى البيع والشراء، وأنه مشترك لفظي بينهما - كما صرح به أهل اللغة كافة - إلا أن كثرة استعماله في البيع فقط توجب انصرافه إليه عند الاطلاق، بلا احتياج في ذلك إلى القرائن الحالية أو المقالية، وعندئذ لا بأس بانشاء البيع بلفظ بعت. وذكر السيد في حاشيته ما هذا لفظه: (يمكن أن يقال: إنه مشترك معنوى بين البيع والشراء... فيكون بمعنى التمليك بالعوض أعم من التصريح كما في البيع، أو الضمنى كما في الشراء). ويتوجه عليه: ما ذكرناه آنفا من أن لفظ بعت من الاضداد، وأنه مشترك لفظي، وليس بمشترك معنوى. أضف إليه: أن التمليك الضمنى خارج عن حدود البيع، وقد عرفته في البحث عن تعريف البيع. هل يجوز انشاء البيع بشريت قوله: (ومنها لفظ شريت). أقول: لا ريب في جواز إنشاء البيع لفظ شريت، لتصريح أهل اللغة (2) بأنه موضوع للبيع تارة، وللشراء اخرى، فيكون من الاضداد. بل قيل: ان لفظ الشراء لم يستعمل في


(1) المروية في الوافي ج 12 باب 161. ص 155: (2) في القاموس وغيره: شراه ويشريه: ملكه بالبيع وباعه كاشتراه وهما ضدان.

[ 21 ]

القرآن الكريم، الا في البيع، وهو كذلك كما يظهر لمن راجع القرآن العظيم مراجعة تامة. ثم إن المصنف مع اعترافه بما ذكرناه ناقش في جواز الانشاء بلفظ شريت، وقال: (ربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفا في البيع، وكونه محتاجا إلى القرينة المعينة، وعدم نقل الايجاب به في الاخبار، وكلام القدماء ولا يخلو عن وجه). وتندفع هذه المناقشة بأنا لم نفهم معنى محصلا لهذا الكلام بعد الاعتراف بأن لفظ شريت لم يستعمل في القرآن المجيد إلا في البيع، لانا لا نسلم وقوع الاستعمالات العرفية على خلاف الاستعمالات القرآنية. ولو سلمنا ذلك ولكن لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على الاستعمالات القرآنية. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. هل يجوز انشاء البيع بملكت قوله: (ومنها لفظ ملكت بالتشديد). أقول: لا ريب في صحة وقوع البيع بكلمة ملكت مشددة، بل استظهر المصنف من نكت الارشاد الاتفاق على ذلك، بل الظاهر أن مفهوم التمليك بالعوض يتحد مع مفهوم البيع، وإنما الفرق بينهما بالبساطة والتركيب، وبالاجماع والتفصيل، حيث إن لفظ البيع ببساطته يدل على تبديل مال بمال، ولفظة التمليك بالعوض تدل مركبة على ذلك. كما أن لفظ الانسان يدل على الجنس والفصل دلالة إجمالية، ولفظي الحيوان والناطق يدلان عليهما دلالة تفصيلية.

[ 22 ]

وعلى هذا الضوء فقول المنشئ بعت هذا بهذا تصريح بمصداق العوض - الذى كان مكنونا في لفظ بعت - لا أنه قيد زائد مذكور في الصيغة. وقد يتوهم أن لفظ التمليك مشترك معنوى بين البيع والهبة، ومن الواضح أنه لا يصح الانشاء بالالفاظ المشتركة معنى. ولكن هذا التوهم فاسد، بديهة أن التمليك المطلق وإن كان جامعا بينهما، الا أن تقييده بالعوض يقطع الاشتراك، ويخصه بالبيع فقط، لان حقيقة الهبة متقومة بالتمليك المجاني، وانما يؤخذ فيها العوض بعنوان الاشتراط. ومن الضرورى أنه لم يدل دليل على بطلان انشاء البيع بالالفاظ المشتركة معنى، مع قيام القرينة على التعيين. ومن هنا قيل: إن إيجاب البيع بكلمة ملكت بالعوض أصرح من ايجابه بلكمة بعت، ضرورة أن البيع موضوع للنقل بالعوض، وحينئذ ففى مقام الانشاء بلفظ بعت لابد من تجريده من العوض لكى لا يكون ذكر العوض تكرارا، أو يتكلف بجعله تفصيلا لما اجمل في مفهوم البيع. وعلى هذا فلا وجه لما ذكره بعض مشائخنا المحققين، وحاصل كلامه: أن التمليك له حصص كثيرة: 1 - تمليك عين بعوض. ويسمى هذا بيعا. 2 - تمليك منفعة بعوض. ويسمى هذا اجارة. 4 - التمليك المجاني. ويسمى هذا هبة. ومن البين أن لفظ البيع إنما وضع لحصة من طبيعي التمليك الذى يتحصص بتعلقه بالعين بمقابلة شئ لا أنه موضوع لمجموع التمليك بالعوض بحيث يكون قيد العوض مأخوذا في مفهوم البيع. انتهى ملخص كلامه. ثم قال المصنف نصا: (قد عرفت سابقا أن تعريف البيع بذلك

[ 23 ]

تعريف بمفهومه الحقيقي، فلو أراد منه الهبة المعوضة، أو قصد المصالحة بنى صحة العقد به على صحة عقد بلفظ غيره مع النية. ويشهد لما ذكرنا قول فخر الدين - في شرح الارشاد -: ان معنى بعت في لغة العرب ملكت غيرى) وناقش فيه السيد، واليك نصه: (لا فرق بين الهبة المجانية والمعوضة في كونهما من التمليك حقيقة، وانما الفرق ذكر العوض وعدمه، فدعوى أن استعماله في خصوص الهبة المعوضة مبنى على صحة عقد بلفظ غيره، كما ترى. نعم في المصالحة يمكن أن يقال بالابتناء المذكور، لعدم دلالة لفظ ملكت على معنى المسالمة المعتبرة في حقيقة الصلح فتدبر). ولكن الظاهر: أن السيد لم يصل إلى غرض المصنف فان الظاهر أن مراده - من كلامه المتقدم -: أن مفهوم التمليك بالعوض يساوق مفهوم البيع وعليه فإذا أنشئت به الهبة - التي هي متقومة بالتمليك المجاني - توقفت صحتها على جواز إنشاء العقود بغير ألفاظ عناوينها، وكذلك الكلام في انشاء البيع بصيغة وهبت والذى يدل على أن مراد المصنف هو ما ذكرناه: ما ذكره قبل عبارته المتقدمة، وهذا نصه: (وما قيل من أن التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الاطلاق غيرها. فيه: أن الهبة انما يفهم من تجريد اللفظ عن العوض، لا من مادة التمليك، فهى مشتركة معنى بين ما يتضمن المقابلة، وبين المجرد عنها، فان اتصل بالكلام ذكر العوض أفاد المجموع المركب بمقتضى الوضع التركيبي البيع، وان تجرد عن ذكر العوض اقتضى تجريده الملكية المجانية). ثم ساق العبارة المتقدمة. وعلى هذا فشأن انشاء الهبة بصيغة ملكت بالعوض شأن انشاء العقود المعاوضية بل غيرها بصيغة سالمت، أو صالحت، وبالعكس، لان مفهوم الصلح وإن كان يتفق مع العقود المعاوضية وغيرها، الا أن صدق مفهوم الصلح عليها

[ 24 ]

من قبيل صدق الكلى على مصاديقه. ومن المعلوم أنه لا يمكن انشاء مفهوم الصلح: - أعني به التسالم على أمر - إلا بلفظ سالمت، أو صالحت، لا بلفظ البيع، ولا التمليك. ولا الشراء، ولا شبهها، بديهة أن المنشأ بهذه الالفاظ ليس عنوان المصالحة والمسالمة. نعم توجد حقيقة المسالمة ومصداقها عند تحقق أي عقد من العقود، كما أن عناوين سائر العقود لا تنشأ الا بألفاظها، لا بألفاظ أخرى، الا على القول بجواز انشاء العقود بغير ألفاظ عناوينها. هل يجوز انشاء البيع باشتريت قوله: (وأما الايجاب باشتريت). أقول: في مفتاح الكرامة (أنه قد يقال: انه يصح الايجاب باشتريت. كما هو موجود في بعض نسخ التذكرة). وقد استظهره المصنف من عبارة كل من عطف على بعت وملكت لفظ شبههما، أو لفظ ما يقوم مقامهما، بدعوى أن المعطوف يعم شريت واشتريت كليهما، بديهة أن إرادة خصوص شريت من المعطوف المزبور بعيد جدا، كما أن ارادة ما يقوم مقامهما في سائر اللغات للعاجز عن العربية أبعد. قوله: (لكن الاشكال المقتدم في شريت أولى بالجريان هنا، لان شريت استعمل في القرآن الكريم في البيع، بل لم يستعمل فيه إلا فيه، بخلاف اشتريت). أقول: قد نوقش في هذا الكلام بأن كثيرا من المفسرين قد صرحوا

[ 25 ]

باستعمال لفظ الاشتراء في البيع في قوله (تعالى): بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (1). بدعوى: أن البيع والشراء إزالة الملك إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم استعمل ذلك في كل معتاض من عمله عوضا. سواء أكان ذلك العوض خيرا. أم كان شرا. وعليه فاليهود لما أو بقوا أنفسهم وأهلكوها بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله سجل الله تعالى عليهم الذم والتوبيخ، وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم: أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم، ورضوا به عوضا عن أنفسهم، حيث ألقوها في المهلكة الابدية، والعذاب الدائم. وتندفع هذه المناقشة: بأن الازراء والتوبيخ - في الآية الكريمة - ليس على كل واحد من اليهود، مع قطع النظر عن غيره، لكى يتوهم: أنه لا معنى لنسبة الاشتراء إليهم إلا بارادة البيع، وأن كل فرد منهم قد باع نفسه بالكفر والزندقة والالحاد. بل الازراء والتوبيخ راجع إلى جميعهم بلحاظ معاملة بعضهم مع بعض حيث اشترى جمع منهم دين جمع آخر منهم بثمن بخس، فصار كل واحد منهم بائعا من جهة، ومشتريا من جهة اخرى. وحين ذاك فلا دلالة في الآية الكريمة على إرادة البيع من الاشتراء بل يمكن أن يراد من لفظ الاشتراء فيها معناه المتعارف. وتوضيح ذلك إجمالا: أن عوام اليهود قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، وأكل الحرام، وتغيير الاحكام وتحريفها عن وجهها بآرائهم المرجفة، وأهوائهم الفاسدة، وأفكارهم المضلة. وعرفوهم بالاقوال الكاذبة، والاعمال الخبيثة، والبضاعة الزهيدة


(1) سورة البقرة 2، الآية: 90.

[ 26 ]

وعرفوهم بالتعصب الشديد، والتغالب والتكالب على حطام الدنيا وزخرفها، وبالجرأة على هتك حرمات الله وعرفوهم بغير ذلك من الصفات الخبيثة، والاخلاق الرذيلة. ومع ذلك فوضوا إليهم دينهم، وأخذوا منهم أحكامهم ونبذوا الحق وراء ظهورهم. وليس عملهم هذا إلا أن هؤلاء العوام من اليهود قد باعوا أنفسهم من علمائهم بما ينالونه منهم من التحابب والتوادد، والتمشى معهم حسب ميولهم وأهوائهم، والزلفة إليهم وإلى شياطينهم. أما علماؤهم فقد تجلى لهم الحق، واتضحت لهم بنوة محمد صلى الله عليه وآله، ومع ذلك باعوا أنفسهم من عوامهم بما ينالونه منهم من التعظيم والاكرام، وحفظ كيانهم وزعامتهم، ورئاستهم، فعاندوا الحق، وجحدوه. وإذن فأصبح اليهود قد أقاموا السوق السوداء، وأنفقوا عليها من دينهم وأنفسهم وأموالهم، حتى احتشدت فيها البضائع الزائفة، ووضعت فيها الاراجيف التى شوهت وجه التاريخ، ففى هذه السوق السوداء قد اشترى عوامهم أنفس علمائهم بثمن بخس. واشترى علماؤهم أنفس عوامهم بعوض زهيد. وإذن فلفظ (اشتروا) لم يستعمل - في الآية الكريمة - إلا في معنى الابتياع فقط. وذكر شيخنا الاستاذ: أن الاشتراء من الافتعال، ومن الواضح أن باب الافتعال انما هو للقبول والمطاوعة، وعليه فلا يناسب استعماله في الايجاب، بل يختص استعماله بالقبول فقط. أما أخذه بمعنى شريت كأخذ اكتسبت بمعنى كسبت فهو على خلاف ما وضع له، أو على خلاف الظاهر من محاورات أهل العرف ومحادثاتهم. ويرد عليه: أن الاشتراء وان كان من الافتعال، وقد اخذ فيه

[ 27 ]

مفهوم المطاوعة. ولكن هذه المطاوعة ليست مطاوعة لفعل غيره بل المراد من ذلك انما هو مطاوعة الذات للمبدء. وسواء أكان المبدء صادرا من نفس الذات - كالاتجار والاكتساب والاحتطاب - أم كان صادرا من شخص آخر كالابتياع والاتهاب وأشباه ذلك. وعلى هذا فلفظ اشتريت ان ذكر في الايجاب فتتخذ الذات المبدء من نفسه، ويدل على تمليك البائع ماله لغيره بعوض معلوم. وان ذكر في القبول فتتخذ الذات المبدء من غيره، ويدل على تملك مال غيره بعوض معلوم فيصير بذلك مصداقا للقبول الحقيقي. وعليه فايجاب البيع بلفظ اشتريت مناسب لمفهومه اللغوى لاستعماله فيه لغة (1) بلا احتياج إلى ابتناء ذلك على كونه من الاضداد، كما توهم. ودعوى: أنه لا يجوز انشاء الايجاب به لعدم تعارفه بين الناس دعوى جزافية، لان مجرد عدم تعارف الانشاء به لا يمنع عن ذلك، بعد صحة استعماله في البيع لغة. ثم إنه إذا جاز الانشاء بلفظ اشتريت فما هو المائز بين استعماله في الايجاب وبين استعماله في القبول. قال المصنف: ان (دفع الاشكال في تعيين المراد منه بقرينة تقديمه الدال على كونه ايجابا إما بناء على لزوم تقديم الايجاب على القبول، وإما لغلبة ذلك غير صحيح، لان الاعتماد على القرينة الغير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه). ويتوجه عليه: ما ذكرناه سابقا من صحة الانشاء بكل ما يصح أن


(1) في القاموس: كل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه. ومنه اشتروا الضلالة بالهدى.

[ 28 ]

ان يكون مبرزا لما في النفس من الاعتبار وان كانت مبرزيته بما يقترن به من القرائن الحالية أو المقالية. نعم ادعى الاجماع على اعتبار اللفظ الصريح في صحة الانشاء ولكن المتيقن منه - على تقدير تسليمه - إنما هو اعتبار الصراحة في اللفظ لاجل دلالته على تعين عقد خاص، وتميزه عما عداه من العقود، لا من حيث تميز ايجاب كل عقد عن قبوله. ما هي ألفاظ القبول؟ قوله: (وأما القبول الخ). أقول: لاشبهة في جواز القبول بلفظ قبلت ورضيت وتملكت وملكت مخففا واشتريت وابتعت وشريت ولا يضر الاشتراك اللفظى في بعض هذه الالفاظ مع قيام القرينة المقالية أو الحالية على تعيين المراد. وهذا واضح لا خفاء فيه. وأما أمضيت وأنفذت وأجزت فذكر المصنف فيها وجهين ولم يرجح أحدهما. وذكر شيخنا المحقق: أن جواز القبول بهذه الالفاظ مبنى على جواز العقد بالكنايات بدعوى: (أن عنوان الامضاء والاجازة والانفاذ لا يتعلق إلا بما له مضى وجواز ونفوذ. وما يترقب منه ذلك هو السبب التام، وهو العقد لتقوم السبب المترقب منه التأثير في الملكية بالايجاب والقبول معا، فلا معنى للتسبب بقوله أمضيت وأجزت وأنفذت إلا في مثل العقد الفضولي، لا بالاضافة إلى الايجاب فقط إلا بنحو الكناية). ويرد عليه: أن المعاملة الفضولية والايجاب الساذج سيان في عدم تأثيرهما في المنشأ مع قطع النظر عن الامضاء والاجازة والانفاذ، ففعلية التأثير فيهما تتوقف على تحقق الاجازة والقبول فكما لا مانع من تتميم العقد

[ 29 ]

الفضولي وإضافته إلى نفسه بالالفاظ المذكورة كذلك لا مانع من قبول الايجاب بها. وعليه فيكون مضى العقد ونفوذه بنفس أمضيت وأنفذت وأجزت في كلا المقامين. غاية الامر أن دلالتها على الرضاء بالعقد الفضولي وبالايجاب كليهما بالالتزام، لان لازم إمضاء العقد أو الايجاب، وإنفاذه وإجازته هو الرضاء به وهذا لا محذور فيه مع قيام القرينة عليه. قوله: (أما بعت فلم ينقل إلا من الجامع (لابن سعيد)). أقول المحكى عن جماعة من أهل اللغة هو اشتراك لفظ بعت بين البيع والشراء، ومن هنا ذكر في المصباح: أن البيع في الاصل مبادلة مال بمال، وعليه فلا محذور في استعماله في القبول، غاية الامر: أنه يتميز بينهما بالقرائن الحالية أو المقالية، كما أن الامر كذلك في اشتريت، وشريت. ولو سلمنا اختصاصه بالايجاب - ولو بالوضع التعينى لكثرة استعماله فيه - لكان استعماله في القبول مجازا، ومن الواضح أنه لا مانع عن استعمال الالفاظ المجازية في القبول، كما لا مانع عن استعمالها في الايجاب. نعم إذا كان الاستعمال على نحو يعد في نظر أهل العرف من الاغلاط - وان كان صحيحا بحسب القواعد العربية - لم يجز استعماله في مقام الانشاء سواء فيه الايجاب والقبول. وقد تقدمت الاشارة إلى جميع ذلك فيما سبق. ومع الاغضاء عن ذلك: أنه لم يرد في آية، ولا في رواية، ولم يذكر في معقد اجماع لزوم توقف العقد على القبول، لكى يباحث في كيفية ذلك، بل المتحصل من كلمات أهل اللغة. والمتفاهم من محاورات أهل العرف ومحادثاتهم هو أنه لا يتحقق عنوان العقد ولا التجارة عن تراض إلا بين شخصين، من غير نظر إلى اعتبار خصوصية خاصة في الصيغة والمبرز. وعليه فلو أوجد المتعاملان معاملة في الخارج بصيغة بعت - بأن تكلم

[ 30 ]

كل منهما بهذه الصيغة في مقام الانشاء - كان ذلك مشمولا لما دل على صحة العقود، ونفوذها من العمومات والمطلقات، إذ يصدق على المنشأ بذلك عنوان العقد، وعنوان التجارة عن تراض بالحمل الشايع، فيحكم بصحته ولزومه وقد ذكرنا في مبحث المعاطاة أنه إذا وقعت معاملة في الخارج، ولم يتميز فيها الموجب عن القابل حكم بكونها معاوضة مستقلة صحيحة، لآية التجارة عن تراض (1) وإن لم تدخل تحت أحد العناوين المتعارفة. وهذا واضح لاستار عليه. وعلى الجملة: إن الحجر الاساسى، والركن الرصين - في تحقق عناوين العقود والايقاعات، وترتب الآثار عليها في الخارج - إنما هو اعتبارها في صقع النفس، وإظهارها بمظهر خارجي، ولا شبهة في أن هذا يصدق عليه عنوان العقد أو الايقاع بالحمل الشايع. فيكون مشمولا لما دل على صحة العقود ولزومها. وبعد هذا لا يهمنا البحث عن الصغريات. فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض. الاختلاف في تعيين الموجب والقابل ثم إن المصنف قد ذكر هنا فرعا، واليك نصه بلفظه: (لو أوقعا العقد بالالفاظ المشتركة بين الايجاب والقبول، ثم اختلفا في تعيين الموجب والقابل - إما بناء على جواز تقديم القبول، وإما من جهة اختلافهما في المتقدم فلا يبعد الحكم بالتحالف، ثم عدم ترتب الآثار المختصة بكل من البيع والشراء على واحد منهما). ويرد عليه: أنه لا وجه لاحتمال التحالف في المقام، ضرورة أن التحالف إنما يستقر فيما إذا ثبت لكل من عنوان البائع وعنوان المشتري


(1) سورة النساء 4 الآية: 33.

[ 31 ]

أثر خاص، وحكم مخصوص. ومن البديهى أنه لا يترتب أثر خاص ظاهر على خصوص عنوان البائع، بل الاثر البارز إما يترتب على كلا العنوانين - كخيار المجلس - وإما يترتب على عنوان المشترى فقط - كخيار الحيوان - فانه - على المشهور - مختص بالمشترى. وعندئذ يقع النزاع في ثبوت ذلك الاثر لاى منهما من حيث كونه مشتريا، وعليه فيتوجه الحلف على منكر الخيار فقط. نعم قد يترتب بعض الآثار النادرة على خصوص عنوان البائع، ولكن لا يصح معه القول بالتحالف وهذا ظاهر لا خفاء فيه. قيل: إنه ثبت في محله أن كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من من مال بائعه، ومن البين الذى لا ريب فيه أن هذا الحكم الاتفاقي أثر ظاهر لعنوان البائع. والجواب عن ذلك: أن الاثر المزبور كما يترتب على عنوان البائع، كذلك يترتب على عنوان المشترى أيضا. فيحكم بكون ضمان المثمن والثمن كليهما - مع التلف قبل القبض - على كل من البائع والمشترى. وهذا التعميم ليس من ناحية أن لفظ المبيع - الذى ذكر في النبوى الآتى - يصدق على كل من العوض والمعوض. ولا من ناحية إلغاء الخصوصية من اللفظ المزبور، لاجل مناسبة الحكم والموضوع. ولا من ناحية قوله (ع) - في رواية عقبة بن خالد الآتية -: (فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه). بناء على أن الضمير المجرور - في كلمة لحقه - يرجع إلى البائع. إذ لا يرجع شئ من هذه الوجوه إلى معنى محصل، ضرورة أن

[ 32 ]

الروايتين ضعيفتا السند. وعنوان المبيع لا يصدق على الثمن. والضمير المجرور لا يرجع إلى البائع. ولا أفل من الاجمال. بل النعميم إنما هو من ناحية السيرة القطعية، وتحقيق المقام على وجه الاجمال: أنه قد استدل على كون تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه بوجوه شتى: 1 - الاجماع على ذلك، كما عن السرائر وكشف الرموز وجامع المقاصد والروضة. وعن التذكرة في باب القبض أنه لا خلاف عندنا في أن الضمان على البائع قبل القبض مطلقا، فلو تلف حينئذ انفسخ العقد وسقط الثمن. ويرد عليه: أن المدرك في حجية الاجماع إنما هو القطع برأى الامام (ع) ومن الظاهر أن منشأ القطع به إما العلم بدخوله بنفسه في المجمعين. وهو غير معلوم. أو قاعدة اللطف، وهى غير ثابتة في محلها، أو الحدس القطعي، وهو مقطوع العدم في هذه المسألة، وإذن فلا إجماع تعبدي في المقام لكى يكون كاشفا عن رأى المعصوم (ع). ونحتمل قريبا أن مستند المجمعين - هنا - هو الوجوه الآتية. 2 - ما عن عوالي اللئالى عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه قال: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (1). ويتوجه عليه: أن الحديث المذكور، وإن كان يدل على المقصود دلالة واضحة، الا أنه لم يذكر في كتب الشيعة الا مرسلا. وقد ذكرنا مرارا عديدة: أن الاحاديث المرسلة ليست بحجة. ودعوى: أن ضعفه منجبر بعمل الاصحاب دعوى جزافية بداهة أن عملهم برواية ضعيفة لا يجبر ضعفها، كما أن اعراضهم عن العمل برواية


(1) المروي في المستدرك ج 2 باب 9 من أبواب الخيار ص 473.

[ 33 ]

صحيحة لا يوجب وهنها. وقد ذكرنا ذلك في علم الاصول مفصلا، وأشرنا إليه في أوائل الجزء الاول إجمالا. 3 - رواية عقبة بن مالك (1) فانها ظاهرة في أن التلف قبل القبض من مال بائعه. ولكن هذه الرواية وإن كانت ظاهرة في المقصود، إلا أنها ضعيفة السند، وغير منجبرة بعمل المشهور، لا صغرى، ولا كبرى، وهذا واضح لاريب فيه. والتحقيق أن الحكم المزبور قد ثبت بالسيرة القطعية، لان بناء العقلاء والمتشرعة قائم على أن التسليم والتسلم من متممات الملكية المترتبة على البيع بحيث إن العقلاء لا يرون حصول الملكية التامة قبل القبض والاقباض، بل يرون أن الحاصل قبلهما إنما هو الملكية الناقصة، ومن هنا يعبر عن البيع كثيرا بالاخذ والاعطاء. ولا نقول بكون القبض والاقباض من شرائط حصول الملكية في مطلق البيع، لكى لا يفرق في ذلك بين الصرف والسلم، وبين بقية البيوع بل أقول: إن الايجاب قد أثر في الملكية الناقصة المحدودة بالانفساح بالتلف، كما أنها محدودة بالفسخ - في البيع الخيارى - وإنما تصير هذه الملكية


(1) عن الصادق (ع) في رجل اشترى متاعا من رجل، واوجبه له، غير أنه ترك المتاع عنده، ولم يقبضه وقال: آتيك غدا إنشاء الله فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع - الذي هو في بيته - حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه مجهولة بمحمد بن عبد الله بن هلال. وبعقبة بن خالد. الكافي ج 5 باب الشرط والخيار في البيع من كتاب المعيشة ص 171. والوافي ج 10 ص 69.

[ 34 ]

مطلقة وتامة - من جميع الجهات في نظر العقلاء، ولا تنفسخ بالتلف السماوي - بالقبض والاقباض. ولاريب: أن هذه السيرة كما أنها جارية في ناحية المبيع. كذلك أنها جارية في ناحية الثمن أيضا حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. وإذن فالحكم بأن التلف قبل القبض من مال مالكه لا يختص بالبائع، بل يعم المشتري أيضا، فالمتحصل أنا لا نعقل وجها صحيحا لدعوى التحالف في المقام. نعم يمكن أن يقال: إن ذكر المصنف هنا احتمال التحالف مبنى على المسألة المعروفة في كتاب القضاء من أن المناط في تعيين المدعى والمنكر هل هو متعلق الدعوى ابتداءا أم المناط فيه هو الغاية المترتبة على الدعوى ومثال ذلك: أنه إذا تلف مال عمرو عند زيد، وادعى زيد أنه كان عارية - فلا ضمان فيه - وادعى عمرو أنه كان قرضا - فلابد من أداء عوضه - كان هذا من قبيل التداعي على المناط الاول، ومن القبيل المدعى والمنكر على المناط الثاني. وحيث ان وضع اليد على مال غيره موجب للضمان إلا في موارد الامانات الشرعية أو المالكية، فلابد لمدعى العارية من إثبات مدعاه. وعلى هذا الضوء فإذا كان مصب الدعوى - فيما نحن فيه - هو عنوان البائع، وعنوان المشترى كان المورد من صغريات التداعي. فيتعين التحالف وإذا كان مصب الدعوى هو الغاية المترتبة على الدعوى كان المورد من صغريات المدعى والمنكر، وعليه فيتوجه الحلف على المنكر. ولعل المصنف حيث لم يتضح في نظره ترجيح إحدى الناحيتين على الناحية الاخرى فاكتفى - في المقام - بذكر احتمال التحالف، والله العالم.

[ 35 ]

بحث في هيئة الصيغة وعدم اعتبار العربية فيها الجهة الثانية في هيئة الصيغة، قد ذكر المصنف رضوان الله عليه: أن (المحكى عن جماعة منهم السيد عميد الدين والفاضل المقداد والمحقق والشهيد الثانيان اعتبار العربية في العقد). أقول: ذهب جمع كثير من أعاظم الاصحاب رضوان الله عليهم إلى اعتبار العربية في صيغ العقود لوجوه شتى: 1 - التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله ضرورة أنه صلى الله عليه وآله كان ينشئ العقود والايقاعات بالالفاظ العربية، ومن الواضح أن فعله حجة، كما أن قوله وتقريره حجتان. والجواب عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان قادرا على إنشاء العقود والايقاعات بأى لفظ، وبأية لغة، إلا أن قومه كانوا عربي اللسان، ولم يكونوا عارفين بسائر اللغات غالبا. وحينئذ فعدم صدور الانشاءات العربية منه صلى الله عليه وآله بغير اللغة العربية إنما هو لعدم ابتلائه بذلك. كعدم ابتلائه بذلك - غالبا - في سائر محاوراته ومحادثاته، وعليه فلا يكشف فعله هذا عن عدم جواز الانشاء بغير اللغة العربية. والذى يدل على صدق مقالنا: أنه لو كانت العربية معتبرة في صحة الانشاء لظهر لنا ذلك، وبان، بل صار بديهيا كالشمس في كبد السماء، لكثرة ابتلاء الناس بذلك، بل كان من الوظائف اللازمة على كل متدين بدين الاسلام أن يتعلم الصيغ العربية للعقود والايقاعات، كما أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم ما يبتليه من الاحكام الشرعية. ومن الواضح أنه لم يذكر ذلك

[ 36 ]

في شئ من الادلة الشرعية. نعم يجب التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله في فعله الصادر منه على سبيل المولوية والشتريع إلا أنه بعيد عن مورد بحثنا. 2 - أن عدم صحة الانشاء بالعربى غير الماضي يستلزم عدم صحته بغير العربي بطريق أولى. ويرد عليه: أن دعوى الاولوية في المقام ممنوعة، إذ لا صلة بين المقامين بوجه. على أنه لا دليل على اعتبار الماضوية في العقود. وستعرفه قريبا 3 - أن مفهوم العقد لا يتحقق في الخارج إلا بالانشاء بالالفاظ العربية وعليه فالانشاء بغيرها خارج عن حدود العقد موضوعا والجواب عن ذلك أن العربية غير معتبرة في مفهوم العقد بوجه، وليس عليه دليل عقلي، ولا نقلى، ولا شاهد عليه من العرف واللغة. بل كل ذلك يساعد على صدق مفهوم العقد على المنشأ بغير الالفاظ العربية، فيكون مشمولا للعمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود ولزومها. والسر في ذلك ما ذكرناه مرارا من أن حقيقة كل أمر انشائي - من الاوامر والنواهي. والعقود والايقاعات - متقومة بالاعتبار النفساني المظهر بمظهر خارجي، سواء أكان ذلك المظهر فعلا من الافعال الجوارحية أم كان قولا وسواء أكان القول عربيا، أم كان غير عربي وإذن فلا وجه لتخصيص المظهر بالقول، فضلا عن تخصيصه بحصة خاصة منه. وعليه فيصح الانشاء بالالفاظ غير العربية. نعم لو أغمضنا عن العمومات والمطلقات لحكمنا بفساد كل عقد نشك في صحته وفساده - ولو كان ذلك من ناحية الشك في اعتبار العربية فيه - إلا أن هذا فرض محض لا واقعية له. لما ذكرناه قريبا من أن المنشأ بغير الالفاظ

[ 37 ]

العربية عقد بالحمل الشايع فتشمله العمومات والمطلقات. وحيئذ فليس لك أن ترجع إلى أصالة الفساد في العقود، لان موردها إنما هو العقد الذى يشك في صحته وفساده من غير أن يكون مشمولا لادلة الامضاء وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ثم إذا قلنا باعتبار العربية في الصيغة وجب اعتبارها في جميع ما هو دخيل في حقيقة الصيغة وماهيتها، وهذا واضح. نعم لا بأس بذكر الشروط - التى اعتبرت في العقود - بغير الالفاظ العربية، لانها غير معتبرة، في ماهية العقود وحقيقتها، كما أنه لا بأس بذكر متعلقات الصيغة - من العوض وغيره - بغير الالفاظ العربية، لان ذكر تلك المتعلقات، وحذفها - مع قيام القرينة على الحذف - سيان، ومن البديهى أنه إذا لم يضر حذفه بصحة العقد لم يضر ذكره بها أيضا. فكما لا بأس بقول القائل: بعت، أو قبلت من دون ذكر الثمن أو المثمن، كذلك لا بأس بقوله: بعت (اين كتاب را بده درهم) ولا نحتمل أن يكون ذكر اللفظ غير العربي مخلا بصحة العقد. ويؤيد ما ذكرناه ما عن العلاء من أنه قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول: أبيعك بده دوازده؟ فقال: لا بأس إنما هذه المراوضة، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة (1). وقد اتضح لك مما حققناه حكم العربي الملحون من حيث المادة أو الهيئة أو الاعراب، فانه لا يصح الانشاء بذلك بناء على أن الوجه في اعتبار العربية في العقود هو كون العربي الصحيح متيقنا من أسباب النقل والانتقال واليه أشار المصنف بقوله: (الاقوى ذلك، بناء على أن دليل اعتبار


(1) رواه في الوافي ج 10 في الباب 107 ص 94.

[ 38 ]

العربية هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل). وعليه فلا وجه لما ذكره السيد من أن (المتعين خلافه -: أي خلاف ما أفاده المصنف - ما لم يتغير المعنى على وجه يخرجه عن حقيقته). ولكن الذى يسهل الخطب هو ما بيناه مرارا من جواز الانشاء بكل ما هو قابل لابراز الاعتبار النفساني ما لم يدل دليل خاص على خلافه. ووقت ئذ لابد من التفصيل في الملحون بين ما يعد غلطا في نظر أهل العرف - كلفظ بغت بدل بعت - وبين ما لا يعد غلطا في نظرهم وإن كان غلطا بحسب القواعد العربية - كاللغات الدارجة - فانه يصح الانشاء بالثاني، لكونه صالحا لابراز الاعتبار النفساني دون الاول. إلا أن الاحتياط يقتضى إنشاء العقود بالالفاظ العربية الصحيحة. هل يعتبر علم المتكلم بمعنى الصيغة؟ قوله: (هل يعتبر كون المتكلم عالما تفصيلا بمعنى اللفظ) أقول: ظاهر كلام المصنف: أن اعتبار علم المتكلم بمعنى اللفظ تفصيلا متفرع على اعتبار العربية في الصيغة. ومن هنا قال في وجه ذلك: (لان عربية الكلام ليست باقتضاء نفس الكلام، بل يقصد المتكلم منه المعنى الذى وضع له عند العرب، فلا يقال: إنه تكلم وأدى المطلب على طبق لسان العرب إلا إذا ميز بين معنى بعت وأبيع، وأوجدت البيع وغيرها). والتحقيق: أن اعتبار الشرط المذكور - في الصيغة - لا يتفرع على اعتبار العربية فيها، بل إنما هو من ناحية اخرى التى سنتضح لك قريبا. وتفصيل الكلام في المقام: أن الجهل بمضمون الصيغة على قسمين: 1 - أن يلتفت المنشئ إجمالا إلى معنى الصيغة ولكن لا يلتفت تفصيلا

[ 39 ]

إلى وقوع أي جزء منها بازاء أي جزء من معناها، كما يتفق ذلك غالبا في غير العارف باللغة العربية، فانه يلتفت إجمالا إلى معنى جملة خاصة عربية، إلا أنه لا يلتفت إلى كيفية الدلالة فيها. ومقابلة أي جزء من تلك الجملة بأى جزء من معناها. 2 - أن يكون المنشئ جاهلا بمضمون الصيغة رأسا، ولا يكون عالما به، لا إجمالا، ولا تفصيلا. بل ربما يكون المرتكز في ذهن المنشئ من تلك الصيغة غير ما يفهمه أهل العرف منها. أما القسم الاول فالظاهر هو جواز الانشاء به، لعدم الدليل على اعتبار العلم بمضمون الصيغة على النهج المذكور، بل اعتبار العلم بذلك مقطوع العدم، لقيام السيرة القطعية على خلافه، إذ لا يطلع على خصوصيات الصيغة على النحو المزبور إلا الافاضل والعلماء، بل ربما يوجد بعض الالفاظ لا يلتفت إلى كيفية دلالته على معناه إلا الاوحدي من الناس، مثل كلمة (بى هوده) فان كثيرا من الناس يتخيل أنها كلمة واحدة فارسية، مع أن لفظة (بى) نافية، ولفظة (هوده) بمعنى الفائدة، فقد ضمت إحداهما إلى الاخرى فصارت كلمة واحدة. أما عوام الناس - حتى العارفين باللغات - فلا يلتفتون إلى خصوصياتها على الكيفية المتقدمة، ومع ذلك ينشؤن بها العقود والايقاعات، ولا ريب أن هذا متعارف بينهم قديما وحديثا، ولم يثبت عنه ردع في الشريعة المقدسة والالظهر وبان، وصار من الامور الواضحة، ضرورة ابتلاء الناس بالمعاملات أكثر من ابتلائهم بالعبادات الضرورية التى اتضح حكمها في الشريعة المقدسة كالصوم والصلاة والحج وأمثالها. أما القسم الثاني فلا يصح الانشاء به جزما، فان شأنه في نظر المنشئ

[ 40 ]

شأن استعمال كلمة أكلت وشربت وضربت مكان بعت، فكما لا يصح الانشاء بتلك الالفاظ، كذلك لا يصح الانشاء بما يكون المنشئ جاهلا بمضمونه رأسا هل تعتبر الماضوية في الايجاب والقبول؟ قوله: (المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضوية، بل في التذكرة الاجماع على عدم وقوعه بلفظ أبيعك، أو اشتر منى). أقول: اشتراط الماضوية في الايجاب والقبول محكى عن الوسيلة والشرايع والارشاد وشرحه لفخر الاسلام والدروس والتنقيح والمسالك، وعن جمع آخر. بل قال في التذكرة: الثاني -. أي من شروط الايجاب والقبول - الاتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال: أبيعك أو أشترى لم يقع اجماعا، لانصرافه إلى الوعد. ولو تقدم القبول بلفظ الطلب، بأن قال: بعنى بدل قوله: اشتريت فقال البائع: بعتك لم ينعقد... لانه ليس صريحا في الايجاب، فقد يقصد أن يعرف أن البائع هل يرغب في البيع... نعم لو قال المشترى بعد ذلك: اشتريت، أو قبلت صح اجماعا. ولو تقدم لفظ الاستفهام فيقول أتبيعني؟ فيقول: بعتك لم يصح اجماعا لانه ليس بقبول ولا استدعاء انتهى كلامه ووجهه بعضهم بأن الانشاء بغير الماضي خارج عن العقود المتعارفة فلا تشمله العمومات. وبأن الماضي صريح في الانشاء بخلاف غيره من الامر والمضارع، فان الاول استدعاء. والثانى أشبه شئ بالوعد. والتحقيق: ما عن الكامل والمهذب. من جواز الانشاء بالمضارع والامر، لانه يصدق عنوان العقد على المنشأ بهما فيكون مشمولا للعمومات

[ 41 ]

وتوهم: أن المضارع والامر ليسا بصريحين في الانشاء، توهم فاسد إذ لو أريد من ذلك عدم صراحتهما في الانشاء - ولو بالقرائن الحالية أو المقالية - فهو جار في الماضي أيضا، لانه ليس بصريح في الانشاء، ضرورة أنه يستعمل تارة في الاخبار، وأخرى في الانشاء، وعليه فلا يكون صريحا في الثاني، بل هو وغيره سيان في عدم الدلالة على الانشاء صريحا بحسب الوضع الاولى. ولو أريد من ذلك عدم صراحتهما في الانشاء حتى مع اقترانهما بالقرائن فهو ممنوع جزما. نعم لا شبهة في أن العقود والايقاعات تنشأ بالماضي غالبا، إلا أن مجرد هذا لا يوجب عدم صحة الايجاب والقبول بغير الماضي، وهذا واضح لا شبهة فيه. ودعوى الاجماع على عدم جواز الانشاء بالمضارع والامر، دعوى جزافية. لان المدرك في حجية الاجماع انما هو العلم بكشفه عن قول المعصوم، ومن البين أنه لا سبيل لنا إلى العلم بذلك هنا، إذ من المحتمل القريب أن يكون مدركه هو الوجوه الاعتبارية، التى ذكروها في المقام. على أن مورد الاجماع - في عبارة التذكرة التى ذكرناها آنفا - إنما هو خصوص المضارع. وعليه فلا وجه لما في عبارتي المصنف ومفتاح الكرامة من نسبة الاجماع إلى التذكرة في كل من المضارع والامر. ويضاف إلى ذلك كله: أنه قد ورد - في جملة من الروايات (1)


(1) عن سماعة عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله؟ قال: لا يصلح له إلا أن يشتري معه شيئا آخر، ويقول: أشترى منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه. -

[ 42 ]

- الانشاء بالمضارع. كما يدل على جواز ذلك مطلقا فحوى ما دل عليه في خصوص النكاح (1).


- موثق بزرعة وسماعة. وعن رفاعة النخاس قال: سألت ابا الحسن: يغني موسى بن جعفر (ع) قلت له: يصلح لي أن اشترى من القوم الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن، وأطلبها انا؟ قال ; لا يصلح شراؤها إلا أن تشترى معها منهم شيئا ثوبا أو متاعا فتقول لهم أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز. صحيحة التهذيب ج 2 باب 9 الغرر والمجازفة من كتاب التجارات ص 151. وعن سماعة قال: سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع؟ قال: لا، إلا أن يحلب لك سكرجة، فيقول: اشترى منك هذا اللبن الذي في السكرجة وما بقي في ضروعها بثمن مسمى فان لم يكن في الضرع شئ كان ما في السكرجة. موثق بزرعة وسماعة. الوافى ج 10 ص 91 والتهذيب ج 2 ص 151. اقول: السكرجة - بضم السين والكاف والراء المشددة - إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الادم فارسية معربة. ثم إنه وقع الانشاء بالمضارع فيما ورد في بيع المصحف، وبيع الثمر في جملة من الروايات، وقد نقلناها في الجزء الثاني في ص 155. (1) عن أبي بصير قال: لابد من أن تقول في هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا وكذا يوما بكذا وكذا درهما إلخ. ضعيف بعثمان بن عيسى. وموقوف والمراد من الخبر الموقوف: ما روي عن مصاحب المعصوم (ع) من فعل أو قول أو تقرير، مع الوقوف على ذلك المصاحب من دون وصل السند إلى المعصوم (ع) وعن أبان بن تغلب قال: قلت لابي عبد الله (ع): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: اتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله لا وارثة، ولا -

[ 43 ]

وقد اتضح لك مما بيناه بطلان ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ من أن الانشاء لا يكون إلا بالماضي، لصراحته في تحقق الامر الاعتباري، بخلاف المضارع، فانه أشبه شئ بالوعد، كما أن الامر أشبه شئ بالمقاولة. وإذن فلا يصح الانشاء بهما. انتهى ملخص كلامه. ثم إنا ذكرنا مرارا: أن الامور الانشائية متقومة بالاعتبار النفساني المبزر بمظهر خارجي بحيث يكون ذلك المظهر صالحا لابراز ما في النفس من الاعتبار - ولو بمؤونة القرائن - وعليه فلا بأس بانشاء العقود بالجمل الاسمية - كانشاء البيع بجملة (هذا لك بعوض) وإنشاء الاجارة بجملة (منفعة هذه الدار لك بكذا) وهكذا ضرورة أنها - مع اقترانها بالقرائن - صالحة لابراز الاعتبار النفساني، فيكون المشنأ بها مشمولا لما دل على صحة العقود ولزومها نعم لا يصح الانشاء بمثل قولنا أنا بائع، أو أنت مشتر، أو هذا مبيع، ونحوها فان الانشاء بأشباه هذه الجمل يعد في نظر أهل العرف من الاغلاط. وقد أسلفنا أنه لا يسمح الانشاء بما لا ينطبق عليه عنوان البيع أو غيره في نظر أهل العرف. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. أما جواز إنشاء الطلاق بجملة (هي طالق) وإنشاء العتق بجملة (أنت حر لوجه الله) فانما هو من ناحية دليل خاص.


- موروثة كذا وكذا يوما... فإذا قالت: نعم فقد رضيت، فهي امراتك، وانت اولى الناس بها. إلخ. ضعيف بابراهيم بن الفضل. وعن ثعلبة قال: تقول: اتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله نكاحا غير سفاح الخ. موقوف. وعن هشام بن سالم قال: قلت: كيف يتزوج المتعة؟ قال: تقول يا امة الله اتزوجك كذا وكذا يوما، بكذا وكذا درهما إلخ. مجهول بعبد الله بن محمد بن عيسى. الكافي ط 2 ج 5 باب شروط المتعة من كتاب النكاح ص 455.

[ 44 ]

هل يعتبر تقديم الايجاب على القبول؟ الجهة الثالثة في الترتيب بين الايجاب والقبول. قوله: (الاشهر - كما قيل لزوم تقديم الايجاب على القبول). أقول: قد اختلف الاصحاب في ذلك. فقال الشيخ في بيع المبسوط: عقد النكاح ينعقد بالايجاب والقبول، سواء تقدم الايجاب... أو تأخر... بلا خلاف ; فأما البيع فان تقدم الايجاب... صح بلا خلاف. وان تقدم القبول... صح، والاقوى عندي: أنه لا يصح. وعن الوسيلة، والسرائر: اشتراط تقديم الايجاب على القبول وعن المختلف أنه الاشهر. وعن التذكرة، والايضاح، والتنقيح: أنه الاقوى. وعن جامع المقاصد، وصيغ العقود: أنه الاصح. وعن تعليق الارشاد: أنه الاظهر. بل عن غاية المراد، والمسالك حكاية الاجماع على ذلك عن الخلاف. ولكن الموجود في بيع الخلاف: أنه إذا قال: بعنيه بألف، فقال بعتك لم يصح البيع حتى يقول المشترى بعد ذلك: اشتريت، أو قبلت... دليلا: أن ما اعتبرناه مجمع على ثبوت العقد به (1). وغير خفى على الناقد البصير أن هذه العبارة التى بين يدى القارئ غير ظاهرة في الاشتراط المزبور. وإن كانت توهمه للمستعجل.


(1) الخلاف ج 2 ص 199.

[ 45 ]

وقد خالف في ذلك جمع من الاعاظم. فقال العلامة في القواعد: وفى اشتراط تقديم الايجاب نظر. وفى الشرايع أنه أشبه. واختاره الشهيد في حواشيه. وفى اللمعة والروضة: أنه لا يشترط تقديم الايجاب وإن كان تقديمه أحسن. وعن نهاية الاحكام. والميسية، والمسالك: أنه الاقوى. وعن التحرير، والدروس، والكفاية: أنه الاقرب. وعن مجمع البرهان: أنه الاظهر. بل قال الشيخ (ره) في نكاح المبسوط: فأما إن تأخر الايجاب فسبق القبول، فان كان في النكاح... صح... بلا خلاف، لخبر الساعدي... وإن كان هذا في البيع، فقال: بعنيها، فقال: بعتكها صح عندنا، وعند قوم من المخالفين. ثم إنه قال الشهيد الثاني في الروضة: إن (محل الخلاف ما لو وقع القبول بلفظ اشتريت... أو ابتعت، أو تملكت... لا بقبلت وشبهه... لانه صريح في البناء على أمر لم يقع). وحكاه - في مفتاح الكرامة - عن جماعة من الفقهاء. وقد أطنب المصنف في البحث هنا من حيث النقض والابرام وصفوة كلامه: أن القبول قد يقع بلفظ قبلت ورضيت ونحوهما، وقد يقع بلفظ الامر: بأن يقول المشترى بعنى المتاع الفلاني بألف، ويقول البائع بعته إياك بكذا، وقد يقع بلفظ اشتريت وابتعت وملكت - مخففا -. فإذا وقع القبول بالقسم الاول لم يجز تقديمه على الايجاب، للاجماع ولان العمومات محمولة على العقود المتعارفة، ومن الواضح أنه لم يتعارف

[ 46 ]

تقديم القبول بلفظ قبلت أو رضيت على الايجاب. أضف إلى ذلك: أن القبول - الذى هو أحد ركني العقد - فرع الايجاب فلا يعقل تقدمه عليه، بديهة أن القبول ليس هو مجرد الرضاء بالايجاب لكى يلتزم بامكان تعلق الرضاء بالامر المتأخر، بل المراد من القبول إنما هو الرضاء بالايجاب المتضمن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلا فعليا. ومن الواضح أن هذا المعنى لا يتحقق الا بتأخر الرضاء عن الايجاب. إذ مع تقدمه لا يتحقق النقل في الحال. ضرورة أن الراضي بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لم ينقل ماله في الحال إلى الموجب. والسر في ذلك أن كلمة قبلت وأشباهها قد أخذ فيها مفهوم المطاوعة، ولا يتحقق ذلك في الخارج الا بتقديمها على الايجاب. وإذا وقع القبول بالقسم الثاني لم يجز تقديمه على الايجاب أيضا، لانه لا يعد قبولا للايجاب المتأخر، وانما هو استدعاء واستئجاب. بل لو قلنا بجواز التقديم بلفظ قبلت لامكن المنع هنا، بناء على اعتبار الماضوية في الايجاب والقبول. وقد نص جمع كثير بعدم جواز التقديم هنا. وإذا وقع القبول بالقسم الثالث - أعنى به ابتعت واشتريت وملكت مخففا - جاز تقديمه على الايجاب، لانه عندئذ لم يؤخذ فيه عنوان المطاوعة لكى يتسحيل تقديمه عليه، وانما استفيدت المطاوعة من القرائن المقامية: وهى أن النقل يتحقق - غالبا - من قبل البائع قبل تحققه من قبل المشترى. ومن البين أن هذه القرينة غير مانعة عن تقديم القبول على الايجاب. بديهة أن المشتري قد أنشأ بالالفاظ المذكورة مليكة المثمن لنفسه بازاء الثمن. ولا يفرق في ذلك تقدمها على الايجاب وتأخرها عنه. ثم انه (ره) تكلم في سائر العقود إلى أن قال: وأما المصالحة المشتملة

[ 47 ]

على المعاوضة فلما جاز ابتداء الالتزام بها لكل من المتصالحين - لتساوي نسبتها اليهما - كان البادى منهما موجبا، لصدق عنوان الموجب عليه لغة وعرفا. ولكن لما انعقد الاجماع على توقف العقد على القبول لزم أن يكون الالتزام الحاصل من الآخر بلفظ القبول، إذ لو كان ذلك أيضا بلفظ الصلح للزم تركب العقد من ايجابين، وحينئذ فلا يجوز تقدم القبول على الايجاب في الصلح أيضا. انتهى ملخص كلامه. ويرد عليه أولا: أنه لا وجه لحمله العمومات على العقود المتعارفة، بل هي تشمل جميعا، سواء فيها المتعارف وغير المتعارف. ثانيا: أنه لا وجه لما ذكره في آخر كلامه من قيام الاجماع على توقف العقد على القبول، لعدم الدليل على اعتبار القبول في مفهوم العقد، ولا في صحته. ولا في لزومه. بل المتحصل من كلمات أهل اللغه وأهل العرف، هو أن العقد لا يوجد إلا بين شخصين، سواء أكان الصادر منهما مركبا من الايجاب والقبول، أم كان ذلك مركبا من ايجابين فقط، فانه - على كلا التقديرين - يكون مشمولا للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها. وقد أشرنا إلى ذلك آنفا. ثالثا: أنه لا وجه لمنعه عن تقديم القبول - الذى وقع بلفظ الامر - على الايجاب، لانا ذكرنا مرارا: أن حقيقة العقد هي الاعتبار النفساني المبرز بمظهر خارجي، من غير أن تعتبر في ذلك أية خصوصية من الخصوصيات ودعوى أن إنشاء القبول بلفظ الامر مخالف لاعتبار الماضوية في العقود، دعوى فاسدة، لما عرفته قريبا من عدم الدليل على اعتبار الماضوية بوجه رابعا: أنه لا وجه لتفصيله (ره) بين قبلت، ورضيت، وأمضيت وأنفذت، وبين اشتريت، وتملكت، وملكت مخففا، حيث التزم بعدم

[ 48 ]

الجواز في القسم الاول. وبالجواز في القسم الثاني وبيان ذلك: أن العقود قد يعتبر فيها القبول، وقد لا يعتبر فيها الا الرضاء بفعل الموجب بلا حاجة إلى إنشاء آخر غير ما صدر من الموجب: أما القسم الثاني فيما أنه لا يعتبر فيه القبول، ويكفى فيه مجرد الرضاء، لم يفرق فيه بين تقدم الرضاء وتأخره. فلو استدعى زيد عمروا في بيع داره فأذن له صح لزيد بيعها، وان لم يتحقق منه انشاء لقبول الوكالة. نعم هذا القسم من الوكالة الاذنية - التى تتقوم بالاذن الساذج - لا يترتب عليه حكم الوكالة العهدية - التى تقوم بالالزام والالتزام من الطرفين - وعليه فإذا رجع عمرو عن اذنه لم يصح بيع زيد بعده، وان لم يبلغه الرجوع. ومن هذا القبيل العارية والوديعة، فانهما أيضا لا يحتاجان إلى القبول ويكفى في تحققهما مجرد رضاء المستعير والمستودع بانشاء المالك. بل وكذلك الحال في الوصية، فإذا أوصى بمال لزيد، لم يعتبر في صحتها الا رضاء زيد بالتمليك، من دون حاجة إلى القبول. وعلى الجملة: ان الحاجة إلى الرضاء في هذه العقود، كالحاجة إلى رضاء الزوجة في صحة التزويج على بنت أختها، أو بنت أخيها. ومعه لا موجب لاعتبار تأخر القبول في العقود المزبورة، لانه يكفى فيها مجرد الرضاء سواء تأخر عن الايجاب، أم تقدم عليه. أما القسم الاول - أعنى به العقود العهدية - فهو لا يوجد في الخارج الا بانشاء المعاهدة والمعاقدة من الجانبين. ولكن لا دليل على كون أحد الانشائين معنونا بعنوان الايجاب، وكون الآخر معنونا بعنوان القبول - بمعناه المطاوعى - لكى يستحيل تقدم الثاني على الاول. بل ذكرنا قريبا: أنه إذا صدق على المنشأ بهما عنوان من عناوين

[ 49 ]

المعاملات - كالعقد والبيع والتجارة عن تراض والشرط على القول بصدقه على الشروط الابتدائية وغير ذلك - حكم بصحته ولزومه، للعمومات والمطلقات وإذن فلا محذور من تركب عقد خاص من إنشائين يتضمن أحدهما تمليك أحد المالين بعوض، ويتضمن ثانيهما تملكه به، سواء أكان ذلك بلفظ التملك وما يرادفه، أم كان بلفظ القبول مع قيام قرينة على إنشاء التملك به. وعليه فلم يبق وجه لاعتبار القبول - بمعناه المطاوعى - في مفهوم العقود لكى يمنع من تقدمه على الايجاب. ولو سلمنا احتياج العقد إلى القبول، وسلمنا أيضا أخذ المطاوعة في مفهوم القبول، ولكنا لا نسلم استحالة تقدم القبول على الايجاب، ضرورة أن القبول يتعلق تارة بالمعنى المصدرى: أعنى به إنشاء البائع. ويتعلق أخرى باسم المصدر: أعنى به نفس المبادلة بين المالين مع قطع النظر عن اضافته إلى البائع. وعلى الاول فلا يعقل فيه تعلق القبول به قبل تحقق الايجاب في الخارج كما يستحيل تحقق الانكسار قبل تحقق الكسر. وعلى الثاني فلا محذور فيه من تحقق المطاوعة قبل تحقق الايجاب وذلك لان مفهوم المطاوعة هو الاخذ، ومن البين أن المشترى إذا أنشأ تملك مال غيره بازاء مال نفسه، بقوله: قبلت مالك بمالى صدق على إنشائه هذا أنه أخذ المبدء - كالبيع مثلا - لنفسه. وإذن فلا يفرق في تحقق مفهوم العقد، بين تقديم القبول على الايجاب وعدمه، وحينئذ فيكون ذلك مشمولا للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها وقد ظهر لك مما بيناه بطلان ما ذكره المصنف. من أن القبول فرع الايجاب، وتابع له، فيستحيل تقدم التابع على المتبوع.

[ 50 ]

ونتيجة ما حققناه هي جواز تقدم القبول على الايجاب، من غير فارق بين ألفاظ القبول، ولا بين أفراد العقود. نعم يحسن بنا تقديم الايجاب على القبول خصوصا في النكاح. ثم إنه تدل على جواز تقديم القبول على الايجاب الروايات المتقدمة الواردة في بيع العبد الآبق، وبيع المصحف، وبيع الثمر. (1). وأيضا يدل عليه فحوى الاخبار السابقة الواردة في نكاح المتعة (2) وفحوى ما ورد في جواز جعل المهر تعليم شئ من القرآن (3).


(1) راجع ص 41 و 42. (2) راجع ص 42 و 43. (3) عن عوالي اللئالي: روى سهل الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وآله جاءت إليه امرأة، فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقال صلى الله عليه وآله: لا إربة لي في النساء. فقالت: زوجني بمن شئت من اصحابك. فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها، فقال: هل معك شئ تصدقها؟ فقال: والله ما معي إلا ردائي هذا، فقال صلى الله عليه وآله: إن اعطيتها إياه تبقى ولا رداء لك. هل معك شئ من القرآن؟ فقال: نعم سورة كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وآله: زوجتكها على ما معك من القرآن. مرسل. المستدرك ج 2 في الباب 2 من ابواب المهر ص 605. ورواه البيهقي مسندا بأدنى تفاوت في ج 7 من سننه ص 242. وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: مالي شئ، فقال: لا، قال: فأعادت، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم اعادت ; فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، -

[ 51 ]

هل تعتبر الموالاة بين الايجاب والقبول؟ قوله: (ومن جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه وقبوله. أقول: قد حكى المصنف عن الشهيد في قواعده: (أن الموالاة معتبرة في العقد ونحوه وهى مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه. وقال بعض العامة: لا يضر قول الزوج - بعد الايجاب -: الحمدلله، والصلاة على رسول الله، قبلت نكاحها، ومنه الفورية في - استتابة المرتد، فيعتبر في الحال وقيل ; إلى ثلثة أيام. ومنه السكوت في أثناء الاذان، فان كان كثيرا أبطله. ومنه السكوت الطويل في أثناه القراءة، أو قراءة غيرها خلالها. وكذا التشهد. ومنه تحريم المأمومين في الجمعة قبل الركوع، فان تعمدوا، أو نسوا


- فقال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلمها إياه. صحيح. الكافي ج 5 من ط 2 باب النوادر في المهر ص 380. ثم لا يخفى عليك: أنه يستفاد من الخبرين المزبورين أحكام شتى: 1 - جواز تقديم القبول على الايجاب. 2 - جواز وقوع القبول بلفظ الامر. 3 - جواز الفصل بين الايجاب والقبول. 4 - جواز جعل المهر تعليم شئ من القرآن. إلا ان استفادة غير الحكم الاخير منهما مبنية على ما فهمه جمع من ان القبول فيهما هو قول ذلك الصحابي: زوجنيها، والايجاب قوله بعد فصل طويل زوجتكها على ما تحسن، أو ما معك من القرآن.

[ 52 ]

حتى ركع فلا جمعة. واعتبر بعض العامة تحريمهم معه قبل الفاتحة. ومنه الموالاة في التعريف بحيث لا ينسى أنه تكرار. والموالاة في سنة التعريف. فلو رجع في أثناء المدة استونف ليتوالى). والتحقيق: أنه لا شبهة في اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، ضرورة أن الاستثناء من النفى يفيد الاثبات، كما أن الاستثناء من الاثبات يفيد النفى وعليه فإذا اتصل أحدهما بالآخر، كان لهما ظهور واحد. ومضمون فارد، وإذا انفصل أحدهما عن الآخر، كان لكل منهما ظهور خاص، ومضمون مستقل. ومن هنا لو اعترف شخص لصاحبه بخمسين دينارا، ثم استثنى من ذلك - بعد مدة طويلة - خمسة دنانير لم يسمع منه هذا الاستثناء لانه عندئذ لا يعد المستثنى والمستثنى منه - في نظر أهل العرف - كلاما واحدا، بل يعدون المستثنى نقضا للمستثنى منه. وكذلك إذا قال أحد: لا إله، ولم يعقبه بقوله: إلا الله، إلا بعد مدة طويلة حكم بكفره، لان أهل العرف لا يرونهما كلاما واحدا. وعلى الاجمال: إن اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه أمر بديهى وربما يكون التأمل في ذلك سببا لاعتبار الاتصال في كل أمر تدريجي، الذى ثبتت له الصورة الاتصالية في نظر أهل العرف. وهذا هو المراد من قول الشهيد: (الموالاة معتبرة في العقد ونحوه، وهى مأخوذة إلخ). ثم إن الفورية في استتابة المرتد لا تترتب على اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، بديهة أن الاتصال المعتبر بينهما أمر عرفى ارتكازى ولكن وجوب الاستمرار في الاسلام وعدم قطعه بالكفر أمر ثابت بالدليل الشرعي، فلابد من الاستتابة فورا ففورا، وإذن فلا صلة بينهما بوجه.

[ 53 ]

وهكذا الكلام في لزوم تحريم المأمومين في الجمعة قبل ركوع الامام، فان ذلك لا يرتبط بالفورية العرفية، بل يحتاج إلى الدليل الشرعي، وعليه فان كان - هناك - ما يدل على الفورية اخذ به، وإلا فيرجع لى أصالة البراءة. والحاصل: أن الامر التدريجي المتصل إذا اخذ موضوعا للحكم، لم يترتب عليه ذلك الحكم في غير حال الاتصال، ضرورة أن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، ومن البين الذى لا ريب فيه أن الامر التدريجي المتصل لا يكون فعليا إلا بفعلية هيئته الاتصالية وإذا انتفت هذه الهيئة انتفى الحكم المترتب على ذلك الامر التدريجي المتصل، لانتفاء موضوعه وهذا لا شبهة فيه بحسب الكبرى ولكن البحث في أنه هل تنطبق تلك الكبرى على العقد المركب من الايجاب والقبول، أم لا؟. لا خفاء في أن الاتصال - بحسب الدقة - يساوق الوحدة، فإذا انفصل أحد الامرين عن الآخر - ولو آناما - لم يصدق عليهما عنوان الواحد. نعم قد يتحقق الاتصال العرفي في الامور التدريجية مع تخلل العدم في البين، ومن هنا يقال - للكلام الطويل -: إنه كلام واحد متصل، مع تخلل السكوت فيه قليلا. ولا يخفى عليك أن هذا الاطلاق إنما هو بحسب التشكيك، إذ الاتصال المتحقق ين المستثنى والمستثنى منه أشد من الاتصال المتحقق بين بقية أجزاء الجمل، والاتصال المتحقق بينها أشد من الاتصال المتحقق بين جملة وجملة أخرى، والاتصال المتحقق بين حروف الكلمات أشد من الاتصال المتحقق بين الامور المذكورة كلها، وجميع ذلك واضح لا شبهة فيه. إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أنه قد استدل على اعتبار الاتصال بين ايجاب العقد وقبوله بوجهين:

[ 54 ]

1 - ما ذكره المصنف (ره) واليك لفظه: (أن الامر المتدرج شيئا فشيئا إذا كان له صورة اتصالية في العرف فلابد في ترتب الحكم المعلق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية، فالعقد المركب من الايجاب والقبول - القائم بنفس المتعاقدين - بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيقدح تخلل الفصل المخل بهيئة الاتصالية، ولذا لا يصدق المعاقدة إذا كان الفصل مفرطا في الطول، كسنة أو أزيد، وانضباط ذلك إنما يكون بالعرف فهو في كل أمر بحسبه). وإذن فلا يشمله دليل وجوب الوفاء بالعقد، وهذا الذى ذكره المصنف هو ملخص ما أفاده الشهيد (ره). ويتوجه عليه أولا: أن دليل صحة المعاملات ولزومها لا ينحصر بآية وجوب الوفاء بالعقد بل تدل على ذلك أيضا آية التجارة عن تراض ومن البديهى أنا لا ندور في دلالتها على المقصود مدار تحقق العقد، بل يكفى في ذلك تحقق التجارة عن تراض. وقد أشار المصنف إلى هذا الجواب بقوله (وما ذكره حسن لو كان حكم الملك واللزوم في المعاملة منوطا بصدق العقد عرفا، كما هو مقتضى التمسك بآية الوفاء بالعقود... أما لو كان منوطا بصدق البيع، أو التجارة عن تراض، فلا يضره عدم صدق العقد). نعم لا يمكن التمسك بآية التجارة عن تراض في خصوص النكاح. ثانيا: أنا لا نرى وجها صحيحا للمنع عن كون العقد الفاقد للموالاة مشمولا لآية وجوب الوفاء بالعقد، ضرورة أن العقد ليس اسما للفظ المركب من الايجاب والقبول، بل هو عبارة عن العهد المطلق أو العهد المشدد، وهذا المعنى أمر نفساني قائم باعتبار الموجب والقابل معا، ومن الواضح أنه لا ينفصم بتخلل الفصل بين الايجاب والقبول اللفظين. نعم لابد وأن يعد ذلك مظهرا - في نظر أهل العرف - لذلك الاعتبار

[ 55 ]

النفساني، وإذن فلا يكون الوجه المزبور دليلا على اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول. وعلى الاجمال: إن العقد عبارة عن اتصال أحد الالتزامين بالالتزام الآخر، وشده به، مع وجود مظهر لكل منهما في الخارج، فإذا فرضنا أن البائع قد اعتبر المبادلة في نفسه، وأبرزه في الخارج، وبقى على اعتباره حتى انضم إليه اعتبار المشترى المبرز بقبوله، فكيف لا يصدق عليهما العقد؟ وهل الانفصال بين حدوثي الاعتبارين، أو بين اللفظين يضر بصدق العقد مع فرض بقاء البائع على اعتباره؟ نعم إذا فرض أن البائع رجع عن اعتباره قبل قبول المشترى لم يتحقق العقد في الخارج، لكنه خارج عن محل كلامنا. وعليه فالفصل بين الايجاب والقبول اللفظيين لا يمنع عن كون العقد المبرز بهما مشمولا لآية وجوب الوفاء بالعقد. وهذا ظاهر. 2 - ما أفاده شيخنا الاستاذ من (أنه لما كان فيها -: أي في العقود العهدية المعاوضية كالبيع، وما يلحق بها كالنكاح - خلع ولبس، أو ايجاد علقة، فلابد أن يكون مقارنا للخلع لبس، وهكذا مقارنا لايجاد العلقة قبول، وإلا يقع الاضافة، أو العلقة بلا محل ومضاف إليه). ويرد عليه: أن هذا الوجه يقتضى استحالة تحقق العقد مع وجود الفصل بين الايجاب والقبول، ولازم ذلك أن لا يوجد عقد في العالم، لانه لا يتحقق إلا بوجود الفصل بين إيجابه وقبوله - ولو بزمان قليل - ومن البين أنه لا يفرق - في استحالة الفصل بينهما - بين أن يكون الفاصل هو الزمان القصير، وبين أن يكون ذلك هو الزمان الطويل. وهذا بين لا ريب فيه. والحل أن الخلع واللبس - في اعتبار البائع - ليس على وجه الاطلاق

[ 56 ]

وإلا لتحقق ذلك قبل تحقق القبول، مع أنه لا يتحقق قبله حتى في اعتبار نفس البائع فضلا عن إمضاء العقلاء، أو الشارع. بل الخلع واللبس في اعتبار البائع معلق على قبول المشترى، وعلى فرض تحققه. وعليه فالخلع مقارن باللبس دائما، سواء أتحققت الموالاة بين الايجاب والقبول، أم لم تتحقق. أضف إلى ذلك قيام السيرة القطعية على عدم اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول، لانا نرى بالعيان. ونشاهد بالوجدان: أن بعض الناس يرسل هدية إلى صاحبه من البلاد النائية وأن تلك الهدية إنما تصل إلى المهدى إليه بعد مدة طويلة - كشهر أو شهرين - ولا شبهة في أن هذه هبة قد وقع الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها، ولم نسمع من أحد أن يناقش في صحتها، مع أنها من القعود. وتدل أيضا على عدم اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول قصة مارية القبطية عليها السلام الموهوبة للنبى صلى الله عليه وآله (1) حيث إنه وقع في تلك القصة فصل طويل بين ايجاب الهبة وقبولها، ومع ذلك لم يحكم النبي صلى الله عليه وآله بفسادها فيكشف من ذلك عدم اعتبار الموالاة بينهما، وإذا جاز ذلك في الهبة جاز في غيرها، لعدم القول بالفصل ظاهرا. ودعوى: أن الهبة في القصة المزبورة هبة معاطاتية، وبحثنا هنا في العقود اللفظية، دعوى جزافية، إذا لاوجه للتفكيك بينهما في ذلك. كما أن دعوى كون الايجاب من رسول المالك، والقبول من النبي صلى الله عليه وآله دعوى فاسدة لان


(1) قد روي: أن النجاشي ملك الحبشة - بعد ما تشرف بالاسلام - بعث إلى النبي صلى الله عليه وآله بهدايا، وبعث إليه مارية القبطية ام إبراهيم عليهما السلام، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس. البحار ج 6 باب 34 الهجرة إلى الحبشة ص 401

[ 57 ]

الظاهر أن الموجب هو نفس المالك لاغيره. وقال شيخنا الاستاذ: إن (جميع هذه الافعال الصادرة من الواسطة كأنها صادرة من الموجب، فهو بمنزلة من كان في المشرق، وكانت يده طويلة تصل إلى المغرب. فمد يده وأعطى شيئا لمن كان في المغرب فان فعله يتم في زمان وصول يده إلى المغرب). ولكن هذا لا يستقيم، للفرق الواضح بين ما نحن فيه، وبين المثال المزبور، بداهة أن المهدى - في مورد السيرة - ربما يغفل عن هديته في زمان وصولها إلى المهدى إليه، وعندئذ لا يمكن تنزيل فعل الرسول والواسطة منزلة فعل المرسل. وهذا بخلاف المثال المزبور، فان المهدى - في ذلك - بنفسه متصد لايجاد العقد، وإنشائه، من دون أن يفصل فاصل بين ايجابه وقبوله، لان طول اليد لا يخرج الفعل الواحد عن وحدته. وأيضا يدل على عدم اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول قيام السيرة بين التجار المتدينين على معاملة بعضهم بعضا بالكتابة والبرقية، مع تخلل الفصل الطويل بين ايجابها وقبولها. ولم يناقش أحد في صحتها. ودعوى وجود الفارق بينها وين المعاملات الشفاهية، وأن السيرة غير جارية في الثانية، دعوى جزافية. وأيضا يدل على جواز الفصل بين الايجاب والقبول فحوى ما ورد (1) في جواز جعل المهر شيئا من القرآن. بناء على أن القبول - في الرواية - هو قول الصحابي: زوجنيها، والايجاب هو قوله صلى الله عليه وآله بعد فصل طويل: زوجتكها على ما معك من القرآن. وإذا جاز ذلك في النكاح جاز في غيره بالالوية


(1) قد تقدم ذلك في ص 50.

[ 58 ]

ويضاف إلى ذلك كله: أنه لا دليل على اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول. ودعوى الاجماع عليه، دعوى باطلة، إذ لا علم لنا بوجود إجماع تعبدي - هنا - لكى يكون كاشفا عن رأى المعصوم (ع). وعليه فإذا تحقق الايجاب والقبول في الخارج مع وجود الفصل بينهما وصدق عليهما عنوان العقد كان ذلك مشمولا للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها. وهذا بديهى لا خفاء فيه. هل يعتبر التنجيز في العقود؟ قوله: (ومن جملة الشرائط التى ذكرها جماعة التنجيز في العقد). أقول: تعليق العقد على الشرط قد يكون صريحا. كاقتران العقد بما يدل على التوقف صريحا بأن يقول: البائع بعتك هذا إن جاء زيد، أو إن كان هذا اليوم يوم الجمعة. وقد يكون ضمنيا، كما إذ لم يذكر في الكلام ما يدل بصراحته على الاشتراط والتوقف ولكن يستفاد ذلك منه ضمنا: كقول البائع بعتك دارى يوم الجمعة، فان الصيغة وإن كانت خالية عن التعليق ظاهرا، ولكنه مطوى فيها ضمنا، لان تقديرها بعتك دارى إذا جاء يوم الجمعة. وعندئذ لا ينحصر مورد البحث بما يكون الكلام مشتملا على أداة الشرط ونحوها مما يدل على التعليق. بل مدار البحث - هنا - على استفادة التعليق من الصيغة بأى وجه كانت الاستفادة. ثم إن مركز البحث في المقام إنما هو تعليق المنشأ على شئ، كقول أحد الشخصين لصاحبه: أنت وكيلى في بيع دارى إن قدم زيد من سفره،

[ 59 ]

حيث إن الوكالة ليست بمطلقة بل هي معلقة على قدوم زيد من سفره أما إذا كان الانشاء والمنشأ كلاهما مطلقين، وكان التعليق في متعلق العقد فقط، فهو خارج عن محل البحث جزما. ومثال ذلك: أن يوكل أحد غيره - في أمر - مطلقا ومنجزا، ولكن كان متعلق الوكالة أمرا خاصا، يتوقف حصوله - في الخارج - على تحقق شئ آخر، كأن يقول الموكل لوكيله: أنت وكيلى في بيع دارى يوم الجمعة بأن كان يوم الجمعة قيدا للبيع، لا للوكالة. ومثله: أن يقول: أنت وكيلى على وجه الاطلاق، ولكن لا تتصرف في أموالي إلى وقت معين - كقدوم الحاج مثلا - أو إلى حصول شرط خاص. ومن هنا يجوز للزوجة أن تشترط على زوجها - في عقد الزواج - أن تكون وكيله في طلاق نفسها مطلقا ومنجزا ويكون إعمال الوكالة مشروطا بعدم الانفاق أو بالمسافرة إلى بلد كذا أو غير ذلك فان هذا كله لا يرتبط بالعقود المعلقة. ثم إن المغروس في كلمات الفقهاء، والمسطور في كتبهم: أن التعليق في الجملة مجمع على بطلانه، وإنما الكلام بينهم في تعيين معقد الاجماع. فقد صرح باعتبار التنجيز في العقود الشيخ، والعلامة، والمحقق، والشهيدين، وغيرهم. بل عن العلامة - في التذكرة -: أنه يجب كون الوكالة منجزة عند علمائنا وحكى عنه أيضا دعوى الاجماع على عدم صحة أن يقول الموكل: أنت وكيلى في يوم الجمعة أن تبيع عبدى. وعلى صحة قوله: أنت وكيلى، ولا تبع عبدى إلا في يوم الجمعة مع كون المقصود واحدا. وفرق بين هاتين الصورتين جمع من الفقهاء - بعد اعترافهم بأن الصورة الثانية أيضا في معنى التعليق -: بأن العقود المتلقاة من الشارع منوطة بضوابط

[ 60 ]

فلا تقع بدونها وإن أفادت فائدتها. وعن المحقق والشهيد الثانيين - في جامع المقاصد والمسالك في مسألة إن كان لى فقد بعته: أن التعليق ينافى الانشاء في العقود والايقاعات، حيث يكون المعلق عليه مجهول الحصول. وعن فخر الاسلام - في شرح الارشاد -: أن تعليق الوكالة على الشرط لا يصح عند الامامية، وكذا سائر العقود، جائزة كانت، أو لازمة. وعن غاية المرام: أنه لا خلاف فيه. وفى الجواهر: شرطها - أي الوكالة - أن تقع منجزة كغيرها من العقود بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه. وفى مفتاح الكرامة: والدليل على ذلك - بعد الاجماع نقلا وتحصيلا - أن الاصل عدم جواز الوكالة، خرجت المنجزة بالاجماع، وبعض الاخبار وبقى الباقي. وقد أشار الشيخ - في الخلاف - إلى الاصل الذى ذكره في مفتاح الكرامة. وقال: إذا قال: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك في البيع، فان ذلك لا يصح، دليلنا: أنه لا دليل على صحة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج إلى دليل. ولكن حكى التأمل في ذلك عن الكفاية، لانه غير مرتبط بدليل واضح ولعله تبع في تأمله هذا للمحق الاردبيلى. بل صرح المحقق القمى - في جامع الشتات - بأن التعليق في الوكالة لا يضر بصحة عقد الوكالة. وعلى الاجمال إن ظاهر جملة من العبائر: هو بطلان التعليق في العقود والايقاعات على وجه الاطلاق، وظاهر جملة اخرى منها: أنه يحكم ببطلان

[ 61 ]

التعليق فيما إذا كان المعلق عليه أمرا مجهولا، كما عرفته عن المحقق والشهيد الثانيين ولاستيضاح هذا الاختلاف، وبيان حكم التعليق، قد تصدى المصنف لذكر أقسام التعليق. وحاصل كلامه: أن المعلق عليه إما أن يكون معلوم الحصول، أو محتمل الحصول. وعلى كلا التقديرين، فاما أن يكون ظرف الحصول هو الحال، أو الاستقبال. وعلى التقادير الاربعة. فاما أن يكون الشرط - الذى يذكر في العقد تصريحا أو تلويحا - مما لا تتوقف عليه صحة العقد، كالتعليق على الصفة التى لا دخل لها في تحقق عنوان العقد، وسيأتى. وإما أن يكون الشرط مما تتوقف عليه صحة العقد: كأن يكون المبيع مما يصح تملكه شرعا: بأن لا يكون خمرا، ولا خنزيرا أو يكون مما يصح إخراجه عن الملك: بأن لا يكون وفقا، ولا ام ولد أو يكون المشترى ممن يصح تملكه: بأن لا يكون عبدا. أو يكون البائع، أو المشترى ممن يجوز معه العقد: بأن لا يكون صبيا ولا مجنونا، ولا سفيها، وهو الذى يصرف أمواله في المصارف اللاغية - وإذن فأقسام التعليق ثمانية. انتهى ملخص كلام المصنف مع التوضيح الاجمالي والصحيح: أن يقسم التعليق إلى اثنى عشر قسما: بأن يقال: إن المعلق عليه إما أن يكون معلوم التحقق، أو يكون محتمل التحقق. وعلى كلا التقديرين، فاما أن يكون المعلق عليه أمرا حاليا، أو أمرا استقباليا. وعلى التقادير الاربعة، فاما أن يكون الشرط - الذى علق عليه العقد -

[ 62 ]

دخيلا في مفهوم العقد، أو يكون دخيلا في صحته، أو لا يكون دخيلا في شئ منهما، ويعبر عنه بالتعليق بالصفة. ما هو حكم التعليق في العقود؟ أما التعليق على ما يتوقف عليه مفهوم العقد فلا شبهة في صحته: بأن يقول البائع: إن كان هذا مالى فقد بعته بكذا، ويقول المشترى: قبلت، فانه لا يتحقق مفهوم البيع إلا بكون المبيع ملكا للبائع، فهذا النحو من التعليق أمر ضروري، وغير مضر بصحة العقد، سواء أكان مذكورا فيه صريحا، أم لا. وعليه فلا شبهة في صحة التعليق في أربعة من تلك الاقسام المذكورة: 1 - أن يكون المعلق عليه أمرا حاليا ومعلوم الحصول، كقول الزوج لزوجته: إن كانت هذه زوجتى فهى طالق، ومن الواضح أن عنوان الزوجية دخيل في صدور الطلاق من الزوج. 2 - أن يكون المعلق عليه أمرا استقباليا ومعلوم الحصول في ظرفه، كما إذا قال البائع للمشترى: بعتك دارى إن قبلت مع علمه بأن المشترى يقبله. 3 - أن يكون المعلق عليه أمرا حاليا مع الجهل بتحققه، كما إذا قال رجل لامرأة: ان كانت هذه زوجتى فهى طالق مع جهله بانها زوجته. 4 - أن يكون المعلق عليه أمرا استقباليا ومجهول التحقق في ظرفه، كما إذا قال أحد المتبائعين لصاحبه: بعتك هذا المتاع بكذا ان قبلت مع احتماله أن لا يقبله صاحبه: ولا ريب في صحة التعليق في حميع هذه الصور الاربع، بديهة أن

[ 63 ]

ذكر الشرط في الصيغة بصورة التعليق وعدمه سيان، لان التعليق في الكلام لا يزيد على الواقع بشئ، ضرورة أن واقع العقد ومفهومه معلق على الامور المذكورة بحيث لولاها لم يتحقق - في الخارج - مفهوم العقد أو الايقاع أصلا ورأسا. أما التعليق على ما يكون دخيلا في صحة العقد دون مفهومه فهو أيضا على أربعة أقسام. 1 - أن يكون المعلق عليه معلوم الحصول في الحال، كقول البائع: إن كان هذا الشئ مما يملك فقد بعته بكذا درهما، مع علم البائع بكون ذلك الشئ مما يملك. 2 - أن يكون المعلق عليه معلوم التحقق في المستقبل، كالتسليم والتسلم في بيع الصرف والسلم، كقول البائع للمشترى بعتك هذه الشذرة من الذهب بكذا درهما إن أخذتها وسلمت إلى الثمن. 3 - أن يكون المعلق عليه حاليا ومجهول التحقق، كالبلوغ والعقل وعدم الفلس. 4 - أن يكون المعلق عليه استقباليا. ومجهول التحقق، ولاريب في أن هذه الاقسام الاربعة من أقسام التعليق لا توجب بطلان العقد أيضا، لان صحة العقد واقعا متوقفة على الجهات المزبورة. واذن فذكر المعلق عليه - في تلك الاقسام - وحذفه سيان. وعلى الجملة: إنه لا شبهة في صحة العقد الذى كان معلقا على ما تتوقف عليه صحته. بل هذا هو المتعارف بين الناس كثيرا. ولا سيما فيما إذا كان المعلق عليه مشكوك الحصول، لان ذلك العقد مشمول للعمومات، ولم يدل دليل على بطلان التعليق - هنا - لكى يكون ذلك الدليل مخصصا لتلك العمومات

[ 64 ]

وهذا هو الحجر الاساسى، والركن الوثيق في صحة التعليق في الموارد المزبورة لا ما ذكره الشيخ في المبسوط. من أن المنشئ لم يشترط الا ما يقتضيه اطلاق العقد، فإذا اقتضاه الاطلاق لم يضر اظهاره بصورة الشرط، كما لو شرط كل من المتبائعين على صاحبه تسليم الثمن أو المثمن، أو ما أشبه ذلك، لان ما أفاده وان كان لا بأس به في نفسه، ولكنه لا يدفع محذور التعليق - لو كان فيه محذور - ومن هنا أورد عليه المصنف، وقال نصا: (ان المعلق على ذلك الشرط في الواقع هو ترتب الاثر الشرعي على العقد، دون انشاء مدلول الكلام - الذى هو وظيفة المتكلم - فالمعلق في كلام المتكلم غير معلق في الواقع على شئ، والمعلق على شئ ليس معلقا في كلام المتكلم على شئ، بل ولا منجزا، بل هو شئ خارج عن مدلول الكلام). أما التعليق على الصفة - التى لا دخل لها في تحقق عنوان العقد، ولا في صحته - فهو أيضا على أربعة أقسام. 1 - أن يكون المعلق عليه معلوم الحصول فعلا، كأن يقول البائع للمشترى: ان كان هذا اليوم يوم الجمعة فقد بعتك دارى، مع علمه بأن هذا اليوم يوم الجمعة، وهذا لا شبهه في صحته، ولا نظن أن يتفوه أحد بفساد البيع في هذه الصورة من ناحية التعليق. فان المضر بالعقد انما هو واقع التعليق، لا التعليق الصوري. وما نحن فيه من القبيل الثاني، دون الاول. 2 - أن يكون المعلق عليه معلوم الحصول في المستقبل، وهو على قسمين، لان ايقاف البيع عليه قد يكون من قبيل الاشتراط: بمعنى أن البائع ينشئ المبادلة في ظرف تحقق ذلك الامر المتأخر: بان يقول: بعتك دارى إذا دخل شهر رمضان، ويريد من ذلك تحقق البيع من حين دخول شهر رمضان، لا من الآن.

[ 65 ]

وقد يكون من قبيل التعليق لا الاشتراط - نظير الواجب المعلق. كما إذا علق البائع بيعه من الآن على تحقق ذلك الامر المتأخر في ظرفه أما الاول فهو مشمول للاجماع القائم على بطلان التعليق في العقود والايقاعات. أما الثاني فهو لا يزيد على الواقع بشئ. للعلم بتحقق المعلق عليه في ظرفه ففى الحقيقة ليس هنا تعليق في الكلام - وإن كانت الصورة صورة التعليق - وإذن فيكون ذلك خارجا عن حدود الاجماع القائم على بطلان التعليق. 3 - أن يكون المعلق عليه محتمل التحقق في الحال: بأن يقول أحد لغيره: إن كان هذا اليوم يوم الجمعة فقد بعتك فرسى حيث إن البائع قد علق بيع فرسه على كون هذا اليوم يوم الجمعة. 4 - أن يكون المعلق عليه محتمل الحصول في المستقبل ولا يخفى عليك أن هذين القسمين أيضا باطلان لدخولهما في معقد الاجماع المزبور. والمتحصل مما بيناه: هو أن الاجماع الذى ادعاه الفقهاء على بطلان التعليق إنما هو في الاقسام الثلاثة الاخيرة. أما العقود المشتملة على غير هذه الاقسام فلا مجال لتوهم تحقق الاجماع فيها على البطلان، فهى مشمولة للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها، وإذن فلابد من البحث - هنا - في هذه الاقسام الثلاثة، وملاحظة ما استدل به على بطلان العقود مع التعليق فيها من إجماع أو غيره، فان كان في تلك الادلة ما يصلح لتخصيص العمومات المزبورة اخذ به، وإلا فهى محكمة في المقام.

[ 66 ]

ما استدل به على بطلان التعليق في العقود قد استدل الفقهاء على بطلان التعليق في العقود بوجوه شتى: الوجه الاول: دعوى الاجماع على ذلك، حيث ادعاه غير واحد من الفقهاء، وقد عرفت كلماتهم قريبا. ويتوجه عليه: أن الاجماع إنما يكون حجة مع القطع بكونه مستندا إلى رأى الامام (ع) ومن المحتمل القريب أن المجمعين قد استندوا في دعواهم الاجماع - هنا - إلى الوجوه الاعتبارية التى استدل بها الفقهاء على بطلان التعليق الوجه الثاني: أن التعليق في العقود أمر غير معقول، وعندئذ لا يوجد عقد تعليقي - في الخارج - لكى يبحث عن صحته وفساده، فلابد من إيجاده منجزا. ويتوجه عليه: أن المستحيل إنما هو التعليق في الانشاء، بديهة أن الانشاء - بأى معنى كان - قد فرض وجوده في الخارج، وعليه فلا يعقل تعليقه على شئ ما، لان ما وجد في الخارج يمتنع عدمه، فكيف يمكن أن يكون موجودا على تقدير، ومعدوما على تقدير آخر. وعلى الجملة ; إن الانشاء أمر لا يقبل التعليق، بل هو إما أن يوجد، وإما أن لا يوجد. ولكن هذا خارج عن مركز بحثنا، لان كلامنا ليس في التعليق في الانشاء. أما التعليق في المنشأ - الذى هو محل البحث في المقام - فلا شبهة في إمكانه. بل إن وقوعه في الاحكام العرفية والشرعية فوق حد الاحصاء، ضرورة أن الاحكام الشرعية والقوانين العرفية أكثرها من قبيل القضايا الحقيقية، ومن سنخ الاحكام التى هي مشروطة بوجود موضوعها. وقد وقع

[ 67 ]

ذلك في العقود والايقاعات على نحو الايجاب الجزئي، كالوصية، والتدبير، والنذر، والعهد، واليمين. والحاصل: أن إمكان تقييد المنشأ، وتعليقه بشئ، ووقوع ذلك من البديهيات. وإنما الكلام في صحة العقد أو الايقاع فيما إذا كان المنشأ فيه مقيدا الوجه الثالث: أن الظاهر من آية وجوب الوفاء بالعقد - كسائر الخطابات الوضعية والتكليفية - أن الحكم بوجوب الوفاء يترتب على تحقق موضوعه خارجا، ولا ينفك عنه زمانا وهذا يقتضى وجوب الوفاء بكل عقد فعلى لا تعليق فيه إذ لا يتصور الوفاء فعلا بالعقود التعليقية، وعليه فيكون ذلك خارجا عن حدود مدلول الآية. والمفروض أنه ليس هنا خطاب آخر يقتضى وجوب الوفاء بالعقود التعليقية، فتكون باطلة. وقد أجاب المصنف عن ذلك بوجوه عديدة: 1 - أن ما دل على صحة العقود ولزومها غير منحصر بآية وجوب الوفاء بالعقد، بل تدل على ذلك أيضا آية حلية البيع، ودليل السلطنة، انتهى حاصل كلامه. ويرد عليه أولا: أن آية حلية البيع مختصة بالبيع، فيبقى غيره - من العقود التعليقية - خاليا عن دليل الصحة. أما دليل السلطنة فهو ضعيف السند، وغير منجبر بشئ، على أنه لا يجرى في مثل النكاح. ثانيا: أن ما ادعاه المستدل - من ظهور آية وجوب الوفاء بالعقد في ترتب الاثر من حين تحقق العقد - يجرى في آية حل البيع، ودليل السلطنة أيضا، فهما يدلان على ترتب الملكية من حين تحقق البيع، أو عقد آخر، ولا يدلان على صحة البيع أو غيره من العقود المعلقة.

[ 68 ]

2 - أن المراد من العقد هو العهد المطلق أو العهد المشدد وعليه فوجوب الوفاء بالعقد تابع لكيفيته فان كان العقد منجزا وجب الوفاء به منجزا وان كان معلقا لم يجب الوفاء به إلا بعد حصول المعلق عليه كما هو الشأن في وجوب الوفاء بالنذر والعهد وغيرهما والسر في ذلك: أن أدلة وجوب الوفاء بالعقد أو النذر ناظرة إلى وجوب الوفاء بهما بأى نحو تحقق في الخارج، سواء فيه المنجز والمعلق. وعلى الجملة. إن الامضاء الشرعي للعقد تابع لجعل المتعاقدين، فإذا كان البيع - مثلا - مطلقا فاثره الشرعي الملكية المنجزة غير المشروطة بشئ. فإذا كان معلقا فأثره الشرعي الملكية المعلقة، وهذا واضح لاستار عليه. انتهى ملخص ما أفاده. وهذا الوجه متين جدا. 3 - أنه قد وقع في الشريعة المقدسة تخلف الاثر عن العقد في موارد شتى: كبيع الصرف والسلم والوصية، والمعاملات المعاطاتية بناء على إفادتها الاباحة مع قصد الملكية. فلتكن العقود المعلقة من تلكم المذكورات وعندئذ لا يفسد العقد من تأخير ترتب الاثر عليه، وإلا لزم القول بفساد المعاملات المزبورة، انتهى حاصل كلامه. ويرد عليه: أنه لا وجه لقياس ما نحن فيه بتلك العقود، لان صحتها من ناحية الدليل الخاص، فلا مورد للقض. 4 - أن الدليل المذكور أخص من المدعى، لانه إنما يلزم تخلف الاثر عن العقد فيما إذا كان التعليق على أمر خارجي غير دخيل في تحقق العقد كقولك بعتك كتابي هذ بدينار إن قدم الحاج. أما إذا كان التعليق على أمر حالى، كقولك بعتك هذا الكتاب بدرهم إن قبلت، فانه حينئذ لا يلزم تخلف الاثر عن العقد. انتهى حاصل ما أفاده. وهذا الوجه أيضا متين على تقدير أن يلتزم القائل - بابطال التعليق -

[ 69 ]

بالبطلان في مثل ذلك أيضا. ولكنك قد عرفت أن مثل هذا التعليق خارج عن محل الكلام، وعليه فلا يتوجه ما أفاده المصنف (ره). 5 - أن الدليل المذكور أيضا أخص من المدعى، من جهة أنه لا يجرى في التعليق على الشرط الذى يشك في تحققه في الحال فان تحقق العقد عندئذ يكون مراعى بالعلم بظهور الواقع. وعليه فان انكشف وجود المعلق عليه في الواقع فيحكم بصحة العقد من حين تحققه، وإلا فيحكم بفساده من غير أن يكون العقد موقوفا على الشرط، لكى يلزم منه تخلف الاثر عن العقد. انتهى الملخص من كلامه. وهذا الوجه أيضا لا بأس به. 6 - أن ذلك الدليل لا يجرى في غير البيع من العقود - التى يتأخر مقتضاها عنها بحسب طبعها - كالوصية والتدبير والسبق والرماية والجعالة، ومن البين أن مورد البحث - هنا - لا ينحصر بالبيع ولا أن دليل وجوب الوفاء بالشرط في كل عقد دليل مستقل لكى يلتزم في بعضه بجواز التعليق، وفى بعضها الآخر بعدم جوازه. انتهى الحاصل من كلامه. وهذا الوجه أيضا لا بأس به. الوجه الرابع: أن أسباب العقود والايقاعات أمور توقيفية، فلابد وأن يقتصر فيها بالمقدار المتيقن، وهو السبب الخالى عن التعليق. ويتوجه عليه: أنه لا وجه لاخذ القدر المتيقن في أمثال الموارد بديهة أن العمومات والمطلقات إنما تدل على صحة كل ما صدق عليه عنوان العقد. نعم لو كان الدليل على صحة العقود هو الاجماع أو السيرة لكان للتوهم المزبور وجه وجيه. الوجه الخامس: ما ذكره شيخنا الاستاذ من أن العمومات الدالة على صحة العقود منصرفة عن العقد المعلق إلى العقد المنجز بديهة أن التعليق ليس مما جرى عليه أهل العرف والعادة في عهودهم المتعارفة وعقودهم المرسومة بين عامة الناس - وإن

[ 70 ]

مست الحاجة إليه أحيانا في العهود الواقعة بين الدول والملوك - وعليه فلا تكون العهود المعلقة مشمولة لادلة صحة العقود، للشك في صدق عنوان العقد عليها عرفا. والجواب عن ذلك: أن هذا الوجه ممنوع كبرى وصغرى: أما الوجه في منع الكبرى فلان الانصراف لو صح - فانما يتم في المطلقات، بدعوى أن ثبوت الاطلاق فيها إنما هو بمقدمات الحكمة، فإذا لم يكن بعض أفراد المطلق متعارفا في الخارج، ومتساوى الاقدام مع بقية الافراد كان ذلك قادحا في انعقاد الاطلاق للمطلق، بديهة أن عدم تساوى الافراد شئ يصلح للقرينية على عدم إرادة الاطلاق، وإذن فلا يصح التمسك به في أمثال ذلك. الا أن هذه الدعوى لا تجرى في العمومات الدالة على صحة كل عقد، لان التسمك بها غير مشروط بوجود مقدمات الحكمة، إذ العموم فيها إنما هو بحسب الوضع - على ما حقق في محله - وعليه فلا مانع من كون العقود المعلقة مشمولة لتلك العمومات. أما الوجه في منع الصغرى فلانا لو سلمنا وجود الانصراف، ولكن لا نسلم كون العقود المعلقة من العقود غير المتعارفة، ضرورة أنها واقعة في العرف كثيرا، كتعليق البيع على إجازة الاب، أو الصديق، أو الجار أو غير ذلك. وقد تقدمت الاشارة إلى هذا قريبا. ونتيجة البحث: أنه لا دليل على بطلان العقود بالتعليق، لكى يكون ذلك الدليل مخصصا لادلة صحة العقود، وعليه فالعمدة في المقام هو الاجماع فان تم فهو، وإلا فالمرجع هو العمومات والاطلاقات. وقد عرفت عدم تمامية الاجماع في المقام، ومن هنا جزم المحقق القمى بصحة الوكالة المعلقة. وحكى التأمل في بطلانها عن المحقق الاردبيلى والكفاية على ما عرفته في

[ 71 ]

طليعة البحث. هل يعتبر التطابق بين الايجاب والقبول؟ قوله: (ومن جملة شروط العقد التطابق بين الايجاب والقبول) أقول التطابق بين الايجاب والقبول يتصور على أنحاء: 1 - أن يكون ذلك من ناحية عنوان المعاملة: بأن يقول أحد المتعاملين لصاحبه: بعتك دارى بكذا، ويقول صاحبه: قبلت البيع بكذا، فلو قال: قبلت الهبة بكذا لبطل العقد، بديهة أن العقد أمر واحدانى مركب من الايجاب والقبول، فإذا أنشاء أحد المتعاملين البيع، وقبل الآخر الهبة، لم يرتبط كلام أحدهما بالآخر، فلا تتحقق بينهما معاقدة ومعاهدة، بل يكون عهد كل منهما بعيدا عن عهد الآخر، ضرورة أن ما أنشأه الموجب لم يقبله القابل، وما قبله القابل لم ينشئه الموجب. ومن هنا قال شيخنا الاستاذ: إن اعتبار التطابق بين الايحاب والقبول من القضايا التى قياساتها معها. 2 - التطابق بين الايحاب والقبول من ناحية المبيع: بأن يقول أحد المتبائعين لصاحبه: بعتك عبدى بكذا، ويقول الآخر قبلت هكذا، ولو قال قبلت بيع الجارية بكذا لبطل العقد، لما عرفته قريبا من أنه مع الاختلاف - بين الايجاب والقبول - لا يرتبط عهد أحدهما بعهد الآخر، لكى يتحقق هنا عقد مركب من الايجاب والقبول. 3 - التطابق بين الايجاب والقبول من ناحية البائع والمشترى، فلو قال زيد لعمرو: بعتك دارى بكذا، ويقول عمرو: قبلت البيع لخالد، أو يقول

[ 72 ]

خالد: قبلت البيع لنفسي بكذا لبطل العقد، لعدم ورود الايجاب والقبول على مورد واحد، كما عرفته في القسمين السابقين. وقد يتوهم: أن اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول في الصورة الثالثة ينافى لما أسلفناه في تعريف البيع، من أنه تبديل عين بعوض في جهة الاضافة ضرورة أن مقتضى هذا التعريف هو أن لا يلاحظ البائع الخاص، ولا أن يلاحظ المشترى المعين في تحقق مفهوم البيع، بل مقتضى التعريف المزبور أن لا يلاحظ في ذلك كون البائع مالكا للمبيع، وكون المشترى مالكا للثمن ومن هنا نحكم بصحة المعاملة الفضولية. ولا يقاس البيع - في ذلك - بالنكاح، إذ لابد في النكاح من التطابق بين الايحاب والقبول بالنسبة إلى الزوجين، فان منزلتهما - في عقد الزواج - منزلة العوضين - في البيع - وقد عرفت اعتبار التطابق فيه بين الايجاب والقبول من ناحية العوضين. ولكن هذا التوهم فاسد، ضرورة أن التعريف المذكور إنما يقتضى عدم اعتبار التطابق بين الايحاب والقبول بالنسبة إلى البائع الخاص والمشترى الخاص فيما إذا كان العوضان من الاعيان الخارجية. أما إذا كان أحدهما كليا في الذمة، فانه عندئذ لابد من اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول من ناحية البائع والمشترى، ضرورة أن ذمم الاشخاص مختلفة بحسب قوة الوثاقة وضعفها، إذ رب شخص لا يعتمد عليه في الامور الحقيرة، ورب شخص تطمئن إليه النفس في الامور الخطيرة. وعليه فإذا باع زيد متاعه من عمر بخمسين دينارا في الذمة، فانه ليس لعمرو أن يقبل هذا البيع لغيره، ولا لغيره أن يقبله لنفسه، ضرورة أن ذمة عمرو غير ذمم بقية الاشخاص، فالارتضاء بالاولى لا يستلزم الارتضاء

[ 73 ]

ببقية الذمم، وإذن فالاخلال بالتطابق في الصورة الثالثة أيضا موجب للبطلان ففى الحقيقة يرجع اعتبار التطابق في هذه الصورة إلى اعتبار التطابق في الصورة الثانية. 4 - التطابق بين الايجاب والقبول من ناحية الشروط المذكورة في العقد فإذا خالف الايجاب القبول في ذلك قيل بصحة العقد حينئذ، وثبوت الخيار للمشروط له، نظرا إلى أن الشرط لا يرتبط بالعقد، وإنما هو التزام في التزام آخر. الا أن الصحيح بطلان العقد مع عدم التطابق في هذه الصورة أيضا. والوجه في ذلك: ما نذكره في مبحث الشروط من أن مرجع اعتبار الشرط في العقد إما إلى تعليق العقد على التزام المشروط عليه بشئ، أو إلى تعليق لزومه على شئ، أو تعليقهما معا أما الاول فكاشتراط شرط في عقد الزواج أما الثاني فكاشتراط الكتابة في العبد المبيع، أما الثالث فكاشتراط عمل في البيع ونحوه. ونذكر في المبحث المذكور: أن تعليق اللزوم يرجع إلى جعل الخيار، وجعل الخيار إنما يرجع إلى تحديد المنشأ، وفى جميع ذلك يكون عدم التطابق موجبا للبطلان. 5 - التطابق بين الايجاب والقبول في أجزاء المبيع والثمن، وعليه فلو قال البائع: بعتك دارى بخمسين دينارا، وقال المشترى: قبلت البيع في نصف المبيع بخمسة وعشرين دينارا فقد حكم شيخنا الاستاذ ببطلان البيع في هذه الصورة أيضا. واليك نص مقرر بحثه: (ومما ذكرنا ظهر أنه لابد من اتحاد المنشأ حتى بالنسبة إلى التوابع والشروط، فلو أنشأ أحدهما مع شرط. وقبل الآخر بلا

[ 74 ]

شرط، أو باع البائع عبدين، وقبل المشترى أحدهما وغير ذلك مما هو نظير ما ذكرناه لم يصح أيضا، لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر). أقول: إن مرجع بيع الدار بخمسين دينارا إلى بيع كل نصف منها بخمسة وعشرين دينارا، مع اشتراط كل منهما بوجود الآخر، فإذا قبل المشترى أحدهما دون الآخر رجع ذلك إلى عدم المطابقة من جهة الشرط، وقد مر حكمه هل يجوز الانشاء لاحد المتعاقدين حال كون الآخر فاقدا لشرائطه؟ قوله: (ومن جملة الشروط في العقد أن يقع كل من ايجابه وقبوله في حال يجوز لكل واحد منهما الانشاء). أقول: قد اعتبر المصنف - في صحة العقد - وقوع كل من الايجاب والقبول في حال يجوز لكل من المتبائعين الانشاء في تلك الحال، وعليه فلو كان المشترى في حال ايجاب البائع غير قابل للقبول، أو خرج البائع - حال قبول المشترى - عن قابلية الايجاب لم ينعقد العقد بينهما، لانه عندئذ لا يرتبط عهد أحدهما بعهد الآخر، فلا تتحقق المعاهدة والمعاقدة بينهما بوجه. وقال شيخنا الاستاذ: إن هذا الشرط - كسابقه - من القضايا التى قياساتها معها، بديهة أن العقد لا ينعقد إلا بفعل شخصين، فإذا انتفى شرط من شرائط العقد حين إنشاء أحدهما بطل العقد. ولا أثر لوجود الشرط قبل العقد أو بعده وعلى هذا فلو نام المشترى حين إنشاء البائع أو بالعكس لم يصح العقد ودعوى الصحة في العقود الجائزة، دعوى جزافية، لان القول بالصحة إنما هو في العقود الاذنية فقط، دون العقود العهدية. انتهى ملخص كلامه.

[ 75 ]

ويتوجه عليه: أن العقد ليس من مقولة الافعال ولا من مقولة الالفاظ الخارجية، ولا من الاعتبارات النفسية المحض، بل هو عبارة عن ارتباط التزام أحد المتعاقدين بالتزام الآخر، وإظهاره بمبرز خارجي، ولا شبهة في صدق عنوان العقد على هذا، فيكون مشمولا للعمومات والمطلقات، ولم يدل دليل من الكتاب، والسنة، والاجماع، والسيرة على كون كل من المتعاقدين واجدا لشرائط الانشاء عند إنشاء الآخر، بل الدليل إنما هو على اعتبار صدور الانشاء من الواجد لشرائط الانشاء، دون الفاقد لها. وقال الفقيه الطباطبائى - عند قول المصنف: ومن جملة الشروط في العقد أن يقع كل من ايجابه وقبوله في حال يجوز لكل منهما الانشاء -: إنه (لا دليل على هذه الكلية، وعدم صدق المعاقدة والمعاهدة انما يتم في بعض الفروض، كما لو كان المشترى في حال ايجاب البائع غير قابل للتخاطب من جهة الاغماء أو النوم أو الجنون، وأما في بقية الصور فنمنع عدم الصدق خصوصا فيما إذا نام البائع بعد الايجاب مع علمه بذلك، وأن المشترى يقبل لا محالة، وكذا فيما إذا كان المانع هو الفلس أو السرقة أو السفه). ولكن التحقيق يقتضى الالتزام بالصحة إذا فقد المشترى شرائط صحة الانشاء حال إنشاء البائع، وبالفساد في عكسه. والوجه في ذلك: أن المناط في تحقق العقد إنما هو ارتباط التزام البائع بالتزام المشترى - وقد عرفته سابقا - وعليه فإذا أنشأ البائع حال كون المشترى نائما - أو غافلا أو مغمى عليه، ثم التفت المشترى إلى هذا الانشاء فقبله قبل صدور ناسخه من البائع - صدق عليه عنوان العقد جزما، ويحكم بصحته للعمومات والمطلقات الدالة على صحة العقود. بل تدل على ذلك السيرة الواقعة بين التجار، لان المتعارف فيما بينهم

[ 76 ]

- غالبا - أن يكتب بعضهم إلى بعض بيع متاعه الخاص بقيمة معينة، ويقبله المكتوب إليه، مع أنه ربما يكون - عند كتابة البائع - نائما أو غافلا أو مجنونا، ولا شبهة في صحة هذه المعاملة. أما إذا لم يبق البائع على الشرائط حين قبول المشترى حكم بفساد العقد إذ يرتفع التزام البائع بانتفاء شرائط الانشاء عنه، ولا يتصل التزامه بالتزام المشترى. إلا في مثل النوم والغفلة، فانهما لا ينافيان بقاء التزام البائع للسيرة المزبورة. وهذا واضح لا شك فيه. بحث استطرادي في لحوق الرضاء بالبيع الاكراهي قوله: (ثم إنهم صرحوا بجواز لحوق الرضاء لبيع المكر). أقول: حاصل كلامه: أن ما ذكرناه - من اعتبار أن يكون كل من المتعاقدين واجدا للشرائط عند تحقق الانشاء من الآخر - يقتضى بطلان عقد المكره سواء ألحق به الرضاء من المكره - بالفتح - أم لا، ولكن التزم الاصحاب بصحة ذلك مع لحوق الرضاء به. ولعل هذا من جهة الاجماع القائم على خلاف الاصل والقاعدة. ويتوجه عليه: أن بيع المكره المتعقب بالرضاء - وإن خرج من للقاعدة المزبورة - إلا أن خروجه عنها ليس من جهة الاجماع، بديهة أن الاجماع لا يصحح صدق عنوان العقد على ما ليس بعقد عرفا. وإنما الوجه في صحة بيع المكره - مع لحوق الرضاء به - هو أن الاختيار له معنيان:

[ 77 ]

1 - أن يستند الفعل الصادر من الفاعل إلى إرادته، ويقابله صدور الفعل منه بلا اختيار وشعور، كحركة المرتعش. 2 - أن يراد من الاختيار تسلط الفاعل على فعله، ويقابله كونه مجبورا في فعله ومكرها عليه من ناحية شخص آخر. أما الاختيار بالمعنى الاول فلا شبهة في اعتباره في العقود، لانا ذكرنا مرارا: أن حقيقتها - بل حقيقة جميع الامور الانشائية - متقومة بالاعتبار النفساني المظهر بمبرز خارجي ومن الواضح جدا أنه إذا انتفى القصد والالتفات من المتعاقدين انتفى منهما الاعتبار النفساني، وإذن فيكون اللفظ الصادر منهما لفظا ساذجا، وغير مظهر للاعتبار النفساني. ومن البين الذى لا ريب فيه أن اللفظ الساذج بعيد عن مفهوم العقد. أما الاختيار بالمعنى الثاني فلا دليل على اعتباره في حقيقة العقد ضرورة أن الارادة والاختيار - بهذا المعنى - من الامور النفسانية التى لا تطلع عليها غير علام الغيوب، وعليه فلا يعقل أن تقع موردا للاجبار. ومن هنا ذكر المصنف - في البحث عن جواز الكذب عند الضرورة - أن المكره على إنشاء العقود إنما اكره على التلفظ بصيغة البيع، ولم يكره على إنشاء حقيقة البيع، فالاكراه على البيع للحقيقي يختص بغير القادر على التورية، كما أن الاضطرار على الكذب مختص بالعاجز عنها. وعليه فإذا كان شخص مكرها على البيع، ولم يور - مع قدرته على التورية - فقد أوجد البيع بارادته واختياره. انتهى ملخص كلامه. أما ما أجاب به المصنف عن ذلك في المبحث المذكور فهو لا يرجع إلى معنى محصل فراجع هناك. وكيف كان أن المكره على البيع - مثلا - إنما اكره على التكلم بكلمة

[ 78 ]

بعت من غير أن يجبر على قصد معناه. وحينئذ فإذا تكلم بذلك مع القصد والالتفات إلى المعنى كان هذا بيعا حقيقة، لان شأن الامور الانشائية في ذلك شأن الافعال التكوينية. فكما أن المكره على ايجاد فعل تكويني في الخارج لا يخلو عن القصد والارادة، - ولا يكون الفعل الصادر منه كالفعل الصادر من النائم والساهى والمجنون وأمثالهم - كذلك الحال في الافعال الانشائية. نعم صحة العقود والايقاعات تدور مدار صدورها من المنشئ في حال الرضاء، وطيب النفس، للادلة الدالة على ذلك، وإذا انتفى الرضاء فسدت العقود والايقاعات، ولم يترتب عليها أثر شرعى أصلا. وعلى الاجمال: إن اعتبار الرضاء في صحة العقود والايقاعات اعتبار شرعى، وليس ذلك من جهة دخله في مفهوم العقد وإلا لم يلتزم بعض العامة (1) بصحة عقد المكره، ضرورة أن ما لا يصدق عليه مفهوم العقد لا يعقل أن يكون عقدا صحيحا. وعلى هذا الضوء فصحة بيع المكره مع لحوق الرضاء به ليست من جهة الاجماع، بل من جهة موافقته للقاعدة. حيث إنه لا يستفاد من دليل اعتبار الرضاء إلا اعتباره على النحو الجامع بين المقارن واللاحق، وسيأتى توضيح ذلك في البحث عن بيع المكره وهذا بخلاف المعاملات الصادرة من المجنون والغافل والمغمى عليه وأشباهم، فانه لا يمكن تصحيحها بلحوق رضاهم بها، إذ لا يصدق عليها أي عنوان من عناوين المعاملات، ولا ينطبق عليها أي مفهوم من مفاهيمها. بل لا يصح أن يطلق عليها أي اسم من أسماء العقود والايقاعات، إلا أن يكون الاطلاق بنحو من العناية والمجاز.


(1) سنذكر ما ذهب إليه هذا البعض في البحث عن بيع المكره.

[ 79 ]

وأيضا يدلنا أمران على دخل الرضاء - بالمعنى الثاني - في صحة العقد، لا في مفهومه: 1 - أنه لو كان شخص مكرها على إجراء الصيغة لعقد خاص لحكم بصحة ذلك العقد، ومن الظاهر أنه لو كان فعل المكره كفعل المجنون وشبهه لحكم بفساده، بل حكم بعدم صدق عنوان العقد عليه. 2 - أنه قد استدل الامام (ع) - في صحيحة البزنطى (1) - بحديث الرفع على بطلان طلاق المكره وعتاقه وصدقته، ومن البين الذى لاريب فيه أنه لو لم تصدق عليها هذه العناوين لحكم الامام (ع) بالبطلان من جهة عدم تحقق العناوين المذكورة في الخارج، ولم يحكم بعدم صحتها من جهة حديث الرفع، بديهة أن التعليل بالامر الذاتي أولى من التعليل بالامر العرضى وسيأتى تفصيل هذه المسألة في البحث عن بيع المكره إنشاء الله تعالى. بحث في اختلاف المتعاقدين في شروط العقد قوله: (فرع لو اختلف المتعاقدان - اجتهادا أو تقليدا - في شروط الصيغة). أقول: إذا اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة فهل يصح اكتفاء كل منهما بما يقتضيه مذهبه أم لابد من أن يأتي كل منهما على طبق ما يقتضيه مذهب كليهما؟. أم يعتبر في ذلك أن لا يكون العقد الصادر منهما مما لا قائل بكونه سببا للنقل والانتقال؟.


(1) تقدمت هذه الصحيحة في ص 10.

[ 80 ]

مثلا: إذا فرضنا أنه لا قائل بجواز تقديم القبول على الايجاب - مع القول بجواز إنشاء العقد بالالفاظ الفارسية - حكم بفساد العقد الفارسى إذا تقدم قبوله على ايجابه، وفى غير ذلك يحكم بالصحة. ويتوجه على الوجه الاخير: أن عدم وجدان القائل بالصحة لا يوجب الجزم بالبطلان، إذ من المحتمل القريب أن يكون العقد الفارسى - الذى تقدم فيه القبول على الايجاب - موافقا للواقع، وعليه فيكون اجتهاد كل من المتعاقدين صحيحا في نفس الامر. أما الوجهان الاولان فقد ذكر المصنف (ره) أنهما مبنيان على أن الاحكام الظاهرية هل هي بمنزلة الاحكام الواقعية الاضطرارية لكى تكون نسبة الامارات القائمة عليها نسبة الاسباب إلى مسبباتها، ونسبة الموضوعات إلى أحكامها؟. أم هي أحكام عذرية: بمعنى أن العامل بها يكون معذورا في عمله لا أنها أحكام حقيقية قبال الاحكام الواقعية، غاية الامر يكون العامل بها معذورا في عمله قبل كشف الخلاف؟. وعلى الاول فالمؤثر عند أحدهما مؤثر عند صاحبه أيضا ولو كان أحدهما مخالفا للآخر. وعلى الثاني فلا يترتب عليه أثرا أصلا ورأسا، لان المنشئ وإن رأى ترتب الاثر على إنشائه، إلا أن صاحبه يراه مخطأ في اجتهاده، ولا غيا في إنشائه، وحينئذ فلا يترتب عليه الاثر في نظره. هذا كله فيما إذا كان بطلان العقد عند كل من المتعاقدين المتخالفين مستندا إلى فعل الآخر، كالعربية والصراحة والماضوية والترتيب. أما الموالاة، والتنجيز، وبقاء المتعاقدين على صفات صحة الانشاء إلى

[ 81 ]

آخر العقد، فالظاهر أن اختلافهما في ذلك يوجب فساد العقد، ضرورة أن فساد القعد من ناحية الامور المذكورة يسرى من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر. وذلك من جهة أن قبول الانشاء التعليقي تعليقي، وأن القبول المنفصل عن الايجاب بزمان - عند من لا يعتبر التوالى - يوجب الانفصال بينهما عند من يعتبر ذلك، وأن قبول الايجاب الصادر ممن ليست له أهلية الانشاء يكون معاملة مع شخص خارج عن أهلية الانشاء. وعلى الاجمال إن فساد أحد جزئي العقد وإن كان لا يسرى إلى الجزء الآخر. إلا أن مشنأ الفساد ربما يسرى من جزء إلى آخر. وهذا واضح لا خفاء فيه. انتهى ملخص كلامه. ويرد عليه أولا: أنه لا وجه لجعل الترتيب مثل الماضوية والعربية والصراحة، بل هي مثل الموالاة والتنجيز، بديهة أن التقدم والتأخر من الامور المتضائفة، فإذا تقدم القبول على الايجاب فقد تأخر الايجاب عن القبول ثانيا: أن الاحكام الظاهرية الاجتهادية ليست بمنزلة الاحكام الواقعية الاضطرارية، وإلا لزم التصويب. وهذا ظاهر. ثالثا: أن الاختلاف في طريقية الامارات، أو موضوعيتها إنما هو بالنسبة إلى من قامت عنده الامارة، فانه على القول بالطريقية لا يجوز الاجتزاء بما أتاه المكلف بعد انكشاف الخلاف وعلى القول بالموضوعية يلتزم بالاجزاء. وقد تقرر هذا في مبحث الاجزاء من علم الاصول. أما بالنسبة إلى غير من قامت عنده الامارة فالاكتفاء بمفادها يحتاج إلى دليل ليدل على أن الحكم الظاهرى في حق كل أحد حكم واقعى نافذ في حق غيره: بأن يقال: إن من كانت صلاته صحيحة ظاهرا - عند نفسه فللآخر

[ 82 ]

أن يرتب عليها آثار الصحة الواقعية، فيجوز الاتمام به. ولكن لا دليل على هذه الكبرى الكلية إلا في جملة من الموارد: منها ما إذا أسلم الزوجان، أو زوج الكتابية حكم ببقاء النكاح السابق للاخبار الكثيرة (1). ومنها ما إذا اعتقد أحد بصحة العقد الفارسى، وتزوج امرأة به لم يجز لغيره أن يتزوج بهذه المرأة ما دامت في حبال الزوج الاول، للسيرة القطعية المتصلة بزمان المعصومين (ع). ومنها غير ذلك من الموارد التى دل الدليل على أن فعل العامل بالحكم الظاهرى موضوع للحكم بالنسبة إلى غيره. ومن هنا لم يناقش أحد من الفقهاء - الملتزمين باعتبار العربية في الصيغة في نكاح الاشخاص القائلين بجواز الانشاء بغير اللغات العربية. وكذلك لم يناقش القائل باعتبار الماضوية فيها في نكاح القائل بجواز الانشاء بغير الماضي. وهكذا في سائر شرائط العقد التى هي مورد لاختلاف الفقهاء رضوان الله عليهم والمتحصل من جميع ما ذكرناه: هو أن مجرد كون مفاد الامارة حكما حقيقيا في حق الموجب، أو القابل لا يجدى شيئا في المقام. بل لابد وأن يكون ذلك حكما حقيقيا في حق غيره أيضا لانه أحد طرفي العقد. وقد ناقش في ذلك بعض مشائخنا المحققين، وملخص كلامه ; هو أن الامارة إذا قامت على حكم تكليفي فأقصى ما هناك هو تبدل الواقع بالنسبة إلى من قامت الامارة عنده على الخلاف دون غيره. وعليه فيمكن أن يكون الشئ حلالا بالاضافة إلى أحد وحراما بالاضافة إلى شخص آخر - مثلا - إذا قامت الامارة على حلية العصير التمرى بالغليان


(1) المروية في الوافى ج 12 ص 91.

[ 83 ]

عند أحد لم يوجب هذا إلا الحلية الواقعية بالاضافة إلى من قامت عنده الامارة على الحلية دون غيره ممن لم تقم الامارة عنده. وإذن فليس لغيره ترتيب أثر الحلية إذا كان من في يده العصير يرى حليته. وهذا بخلاف الاحكام الوضعية، فانها إذا تحققت في حق أحد - ولو من جهة قيام الامارة عنده - تحققت في حق الجميع. فإذا اشترى - من يرى جواز العقد بغير العربي - شيئا بالعقد الفارسى حكمنا بكونه ملكا له واقعا، بناءا على القول بالسببية والموضوعية. ومع تحقق الملكية واقعا في اعتبار الشارع - كما هو المفروض - جاز لكل أحد ترتيب الاثر على تلك الملكية. وحينئذ فيكون اجتهاد أحد نافذا في حق غيره أيضا. ومن هنا لا يكون - في هذه الموارد - كشف خلاف أصلا، بل بتبدل الرأى يتبدل الموضوع لا محالة. وقد اتضح مما بيناه الفارق بين المقام، وبين ما إذا قامت الامارة على وجوب صلاة الجمعة - مثلا - فان قيام الامارة وإن كان يوجب - على الفرض - أن تكون صلاة الجمعة واجدة للمصلحة الالزامية، إلا أنه لا يقتضى أن تكون المصلحة الموجودة فيها بدلا عن المصلحة الواقعية. وعلى هذا فإذا انشكف الخلاف علم منه أن المصلحة الواقعية باقية على حالها، فيجب تحصيلها. وليست - في باب المعاملات - مصلحة لازمة التحصيل لكى يجرى فيها هذا البيان. انتهى ملخص كلامه. أقول: هذا الذى أفاده المحقق المزبور وإن كان متينا بناءا على السببية إلا أنا ذكرنا - في مبحث الجمع بين الاحكام الظاهرية والاحكام الواقعية من علم الاصول - أن الالتزام بالموضوعية والسببية حتى السببية السلوكية - التى اخترعها المصنف في رسائله - مستلزم للتصويب، وإذن فلا يمكن الالتزام

[ 84 ]

بذلك. فلا مناص وقتئذ عن القول بالطريقية المحض في جعل الامارات، ولازم ذلك هو عدم جواز اكتفاء أحد المتعاقدين بما يراه الآخر صحيحا فيحكم بالصحة من جانب، وبالفساد من جانب آخر. وقد يقال إن العقد فعل واحد تشريكى يحصل من الايجاب والقبول، وعليه فلابد وأن يكون صحيحا في مذهب كل منهما لكى يمكن ترتب الاثر عليه فلا يجوز الاكتفاء بالعقد الفارسى لمن يرى بطلانه. وقد يقال أيضا: إن العقد مركب من الايجاب والقبول، فلا يتحقق مفهومه إلا بهما، وحينئذ فإذا صح من طرف الموجب صح من طرف القابل أيضا إذ لا يعقل وقوعه صحيحا من جانب وفاسدا من جانب آخر. ولكن التحقيق: هو ما ذكرناه - من الحكم بالصحة من جانب وبالفساد من جانب آخر - ضرورة أن العقد وإن كان متقوما بالايجاب والقبول، إلا أن ذلك لا يقتضى إلا التلازم - في الصحة أو الفساد - بحسب الحكم الواقعي، لانه لا يمكن في الواقع أن ينتقل المبيع إلى المشترى، ولا ينتقل الثمن إلى البائع أما بالنسبة إلى الحكم الظاهرى فلا مانع من الالتزام بالتفكيك: بأن يعمل كل من الموجب والقابل بما تقتضيه وظيفته الظاهرية. مثلا: إذا كان البائع مقلدا لمن يقول بصحة العقد بالفارسي وكان المشترى مقلدا لمن يقول ببطلان ذلك جاز للبائع أن يتصرف في الثمن، لانه يراه ملكا لنفسه، ولا يجوز له أن يتصرف في المبيع، لانه خارج عن ملكه في نظره. أما المشترى فلا يجوز له التصرف في المبيع، لانه لا يراه ملكا لنفسه بل يراه ملكا لمالكه الاول. ولا عجب في ذلك، لان التفكيك في الاحكام الظاهرية مما لا يحصى،

[ 85 ]

فان الماء القليل ينفعل بالنجاسة عند بعض، ولا ينفعل بها عند بعض آخر، وماء البئر ينفعل بملاقاة النجس عند قوم، ولا ينفعل بها عند قوم آخرين والغسالة محكومة بالنجاسة عند فقيه، وبالطهارة عند فقيه آخر. وإلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التى وقع فيها التفكيك في الاحكام الظاهرية. بحث في المقبوض بالعقد الفاسد قوله: (لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، وكان مضمونا عليه) أقول: قد طفحت عبارات الاصحاب بأن المقبوض بالعقد الفاسد غير مملوك للقابض، بل هو مضمون عليه: فعنى غصب المسالك: الاتفاق على أن المقبوض بالعقد الفاسد يضمن. وعن غصب الكفاية. أنه مقطوع به في كلام الاصحاب. وعن التذكرة: البيع الفاسد لا يفيد ملكية المشترى للمعقود عليه... ولو قبضه لم يملكه بالقبض، ولو تصرف فيه لم ينفذ تصرفه فيه عند علمائنا أجمع. وعن كشف الحق: أنه ذهبت الامامية أن الشراء الفاسد لا يملك بالقبض ولا ينفذ عتقه، ولا يصح شئ من تصرفه. وعن السرائر: أن البيع الفاسد عن المحصلين يجرى مجرى الغصب والضمان. وإلى غير ذلك من كلماتهم المذكورة في هذه المسألة. وذكر المصنف: أنه لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، وكان مضمونا عليه:

[ 86 ]

أما العقد السلبي -: أعنى به عدم الملك - فلان المؤثر في حصول الملكية إنما هو العقد، فإذا حكم بفساده وصيرورته كالمعدوم لم يؤثر في الملكية. أما العقد الايجابي -: أعنى به ثبوت الضمان على القابض - فهو المعروف بين الاصحاب. بل ادعى الشيخ - في باب الرهن، وفى موضع من البيع - الاجماع عليه صريحا. انتهى ملخص كلامه. ثم إنه ربما يستظهر من قول المصنف: (وليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء، بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك، فهو كالتالف، لا كالمتلف). اختصاص محل البحث بالتلف، وعدم شموله للاتلاف، بديهة أن الضمان في صورة الاتلاف أمر واضح. وغير خفى على طلبة العلم فضلا عن الفقيه المتضلع من الفقه. ووجه الاستظهار: هو أن الظاهر كون العبارة المذكورة جوابا عن سؤال مقدر. وهو أن مورد الخبر الآتى - الوارد في الامة المبتاعة - من قبيل الاتلاف، فيخرج عن مورد بحثنا - في المقام - لان البحث - هنا - مختص بالتلف السماوي. أما الاتلاف فلا شبهة في كونه موجبا للضمان، لقاعدة من أتلف وأجاب المصنف عن ذلك بقوله: وليس استيلادها الخ. ويرد عليه: أنه لا وجه للفرق بين التلف والاتلاف، ضرورة أن تسليط المالك غيره على ماله مع فرض فساد العقد إذا كان مانعا عن ثبوت الضمان باليد كان مانعا عن ثبوت الضمان بالاتلاف أيضا، وعليه فلا وجه للتفرقة بين صورتي الاتلاف والتلف بالالتزام بالضمان في الثانية، دون الاولى

[ 87 ]

ما هو مدرك الضمان في قاعدة ما يضمن؟ قد ذكر المصنف: (أن هذه المسألة -: أعنى بها مسألة المقبوض بالعقد الفاسد - من جزئيات القاعدة المعروفة: كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده... فالمهم بيان معنى القاعدة أصلا وعكسا) ثم أطال الكلام في ذلك من حيث الشرح والتفسير ومن حيث النقض والابرام. ومن حيث الاطراد والانعكاس. ولكن التحقيق: أنه لا يهمنا البحث في شئ من هذه النواحى ضرورة أن هذه القاعدة بألفاظها المذكورة لم ترد في آية، ولا في رواية، ولا أنها جعلت موردا للاجماع، لكى يبحث عنها، وعن مفردات ألفاظها، وعن سعة دلالتها. بل هذه القاعدة غير مغروسة - بالالفاظ المزبورة - في كلمات القدماء وإنما وجدت وحدثت في كلمات المتأخرين وإذن فيحسن بنا أن نصرف عنان البحث إلى ما يمكن أن يجعل مدركا لهذه القاعدة ودليلا على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد لكى يتضح من ذلك ما هو المدرك لقاعدة ضمان اليد أيضا. فنقول: إنه استدل على الضمان - في محل الكلام الذى سيتضح لك قريبا - بوجوه شتى: 1 - النبوى المعروف: أعنى به قوله صلى الله عليه وآله: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (1) ويرد عليه: أن هذا الحديث ضعيف السند لانه لم يذكر في اصولنا


(1) رواه سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وآله. راجع سنن البيهقى ج 6 كتاب العارية ص 90. وكنزل العمال ج 5 ص 257. -

[ 88 ]

المعدة لضبط الاحاديث، وإنما أخذه الاصحاب من أصول العامة، واستدلوا به على مقصودهم في كتبهم الاستدلالية، وإذن فلا يمكن الاستناد إليه في شئ من الاحكام الشرعية، فضلا عن جعله من القواعد المسلمة بين الفقهاء، وتسميته بقاعدة ضمان اليد. ودعوى أن الحديث المزبور وإن كان ضيعف السند، ولكن ضعفه منجبر بعمل المشهور به، وإرسالهم إياه إرسال المسلمات. دعوى فاسدة، لانا ذكرنا مرارا: أن عمل المشهور برواية ضعيفة لا يوجب اعتبارها. كما أن إعراضهم عن العمل بالرواية الصحيحة لا يوجب


- ثم إن سمرة هو الذى انحرف عن امير المؤمنين (ع) وكان ايام مسير الحسين (ع) إلى الكوفة على شرطة ابن زياد، وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين (ع) وقتاله. وعن ابن عدي، قال قدمت المدينة، فجلست إلى ابي هريرة، فقال: ممن انت؟ قلت: من اهل البصرة، قال: ما فعل سمرة بن جندب؟ قلت: هو حي، قال: ما احد احب إلى طول حياة منه، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي، وله، ولحذيفة بن اليماني: آخركم موتا في النار. وروى واصل انه كان له نخل في بستان رجل من الانصار، فكان يؤذيه، فشكا الانصاري ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فبعث إلى سمرة، فدعاه، فقال له: بع نخلك من هذا، وخذ ثمنه قال: لا افعل، قال خذ نخلا مكان نخلك قال لا افعل قال فاشتر منه بستانه، قال: لا افعل، قال: فاترك لي هذا النخل ولك الجنة قال: لا افعل، فقال صلى الله عليه وآله للانصاري: إذهب فاقطع نخله، فانه لا حق له فيه وإلى غير ذلك من مطاعنه. وقد ذكر ذلك كله ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 4 ص 77. المطبوع بمصر سنة 1378.

[ 89 ]

وهنها، لان الشهرة في نفسها ليست بحجة، فلا تكون موجبة لحجية الخبر، وجابرة لضعف سنده. وعليه فلابد من ملاحظة نفس الخبر، فان كان جامعا لشرائط الحجية أخذ به، وإلا فان ضم غير حجة إلى مثله لا ينتج الحجية. وتفصيل ذلك في علم الاصول. ويضاف إلى ذلك: أنه لم يتضح لنا استناد المشهور إلى الحديث المزبور في فتاويهم بالضمان في موارد ضمان اليد، إذ من المحتمل أنهم استندوا في ذلك إلى السيرة - التى سنتعرض لها قريبا - أو استندوا في ذلك إلى وجه آخر وإنما ذكروا حديث ضمان اليد تأييدا لمرامهم، فافهم. 2 - الروايات (1) الدالة على أن الامة المبتاعة إذا وجدت مسروقة


(1) عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) في رجل اشترى جارية، فأولدها، فوجدت مسروقة؟ قال: يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بقيمته. مرسلة. وعن زرارة، قال: قلت لابي جعفر (ع): الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجيئ رجل، فيقيم البينة على أنها جاريته، ولم يبع، ولم يهب؟ قال: فقال: ترد إليه جاريته، ويعوضه مما انتفع، قال: كان معناه قيمة الولد. مجهولة بأبي عبد الله الفراء. وعن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (ع) في الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجيئ مستحق الجارية؟ فقال: يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اخذت منه. موثقة بمعاوية بن حكيم. وعن زرارة، قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين، فخرج بها إلى ارضه، فولدت منه اولادا، ثم اتاها من يزعم انها له -

[ 90 ]

- بعد أن أولدها المشترى - أخذها صاحبها، وأخذ المشترى ولده بالقيمة حيث إن ضمان الولد بالقيمة - مع كونه نماءا لم يستوفه المشترى - يستلزم ضمان الاصل بالاولوية. ويتوجه عليه: أن الروايات المذكورة غريبة عن مركز بحثنا، إذ المفروض - هنا - أن يكون البائع مالكا أما المذكور في الرواية فهو كون البائع غاصبا، ومن الواضح الذى لا ريب فيه أنه لم يتوهم أحد عدم الضمان في هذه الصورة حتى فيما إذا كان القعد غير معاوضى كالهبة. وحكمنا بعدم الضمان في مورد بحثنا. 3 - الروايات (1) الدالة على عدم حلية مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه، فانها تشمل المقام أيضا. ويرد عليه: أن نسبة الحل إلى الاموال والاعيان إنما هي باعتبار التصرف، إذ لا معنى لحلية الاعيان الخارجية. كما أن نسبة الحرمة إليها بهذا اللحاظ، ضرورة أنه يراد من حرمة الخمر حرمة شربه، ومن حرمة المال حرمة التصرف فيه. ومن حرمة الامهات والبنات والاخوات حرمة نكاحهن وهكذا في سائر الموارد. وعليه فالغرض من تلك الروايات إنما هو الحرمة التكليفية دون الحرمة الوضعية. وإذن فهى بعيدة عن إثبات الضمان وحينئذ فشأنها شأن مادل على حرمة التصرف في مال غيره بدون إذنه (2) فكما أن الطائفة الثانية


- واقام على ذلك البينة؟ قال: يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية ويعوضه في قيمة ما اصاب من لبنها وخدمتها، وفي يب ج 2 ص 141. إن اباها بدل من اتاها. مجهولة بسليم الطربال، الاستبصار ج 3 من ط 2 ص 84. والوافي ج 10 ص 101. (1) قد ذكرناها في الجزء الثاني في ص 138. (2) قد ذكرناه في الجزء الثاني في ص 138.

[ 91 ]

ظاهرة في الحكم التكليفى فقط، كذلك الطائفة الاولى. فلا تعرض فيها للضمان. 4 - قوله (ع) (حرمة ماله -: أي المؤمن - كحرمة دمه (1) فان الظاهر من هذه الجملة هو أن إتلاف مال المؤمن موجب للضمان، وأنه لا يذهب هدرا، كما أن دمه لا يذهب هدرا. ويتوجه عليه: أن هذه الجملة المباركة - لو دلت على الضمان - فانما تدل عليه في فرض الاتلاف، دون التلف، إذ لا يتوهم عاقل أنه إذا تلف مال مؤمن بآفة سماوية ضمن به سائر المؤمنين، وعليه فيكون الدليل أخص من المدعى. ويضاف إلى ذلك: أن هذه الجملة الشريفة مذكورة في عداد جمل اخرى التى هي ظاهرة في الحكم التكليفى، وهى ما يلى: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، ومن الواضح أن اتحاد السياق يقتضى إرادة الحكم التكليفى من هذه الجملة أيضا. وإذن فهى بعيدة عن إثبات الحكم الوضعي: أعنى به الضمان. بل الظاهر أن المراد من كلمة الحرمة - في قوله (ع): حرمة ماله كحرمة دمه - هو مقابل الحل، فيكون راجعا إلى الحكم التكليفى، لا بمعنى الاحترام


(1) عن ابي بصير، عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، واكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه. موثق بعبد الله بن بكير. اصول الكافي باب السباب من كتاب الايمان والكفر والوافي ج 3 ص 160 والوسائل باب 152، وباب 158 من ابواب احكام العشرة وعن ابي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله: يا اباذر سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر واكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه. ضعيف بأبي المفضل محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني. ورجاء بن يحيى بن سامان العبر تأتي. ومحمد بن الحسن بن ميمون، اوشمون، وغيرهم الوافي ج 14 ص 56 والوسائل نفس المصدر

[ 92 ]

لكى يدل على الحكم الوضعي، وعليه فمنزلة هذه الجملة منزلة الروايات المتقدمة الدالة على عدم حلية مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه، وقد عرفت - قريبا - عدم دلالتها على الضمان. وإن أبيت عن ظهورها في ذلك فلا ظهور لها في إثبات الضمان أيضا، فتكون مجملة. وقد تفسر حرمة المال - في الجملة المزبورة - بأنه لا تجوز مزاحمة صاحبه بوجه حدوثا وبقاء، وهذا وإن كان لا يفيد إلا الحكم التكليفى ما دامت العين باقية، إلا أن عدم تدارك العين بعد إتلافها إبقاء للمزاحمة المحرمة فلابد من رفعها، ولا يمكن رفعها إلا بأداء مثله أو قيمته، وعليه فتدل الرواية على الحكم التكليفى بالمطابقة، وعلى الحكم الوضعي بالالتزام. ولكن يرد عليه: أن البحث - هنا - إنما هو في أصل اشتغال الذمة، وهو مشكوك فيه - في المقام - ومن الظاهر أن حرمة المزاحمة لا تثبت إلا بعد إثبات أصل الضمان. 5 - ما ورد في جملة من الروايات (1) أنه: لا يصلح ذهاب حق أحد


(1) عن الحلبي، ومحمد بن مسلم، عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته هل تجوز شهادة اهل ملة على غير اهل ملتهم؟ قال: نعم إذا لم يجد من اهل ملتهم جازت شهادة غيرهم، إنه لا يصلح ذهاب حق احد. حسن بابراهيم بن هاشم. الكافي ج 7 من ط 2 ص 4. والوافي ج 9 ص 146. وعن سماعة، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن شهادة اهل الملة؟ قال: فقال: لا تجوز إلا على اهل ملتهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية، لانه لا يصلح ذهاب حق احد. ضعيف بمحمد بن عيسى. وعن الكناسي قال: سألت ابا جعفر (ع) عن شهادة اهل ملة هل تجوز -

[ 93 ]

فانه يشمل المقام أيضا. والجواب عن ذلك: أن الاستدلال بهذه الجملة على الضمان يتوقف على أن يراد بالحق المال، وأن يكون عدم صلوح ذهابه كناية عن ضمانه، ولم يثبت شئ من الامرين. بل إن تلك الجملة واردة في مورد الوصية، وأن للمسلم أن يوصى بماله، وهذا حق له، ولا يصلح أن يذهب حقه، وعليه فان أمكن الاشهاد عليه من المسلمين فهو، وإلا تجوز شهادة غيرهم أيضا وهذا معنى أجنبي عما نحن فيه بالمرة. ويضاف إلى ذلك أنها لا تشمل صورة التلف، فيكون الدليل أخص من المدعى. 6 - الروايات (1) الدالة على نفى الحكم الضررى في الشريعة المقدسة


- على رجل من غير اهل ملتهم؟ فقال: لا، إلا ان لا يوجد في تلك الحال غيرهم فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية، لانه لا يصلح ذهاب حق امرئ مسلم ولا تبطل وصيته. صحيح. الكافي ج 7 من ط 2 ص 398 و 399. والوافى ج 9 ص 145 و 146. (1) عن زرارة، عن ابي جعفر (ع) - في قضية سمرة بن جندب - عن رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ضرر، ولا ضرار. موثق بابن بكير. عن عقبة بن خالد، عن ابي عبد الله (ع) قال: وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله بين اهل البادية: انه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء، وقال: لا ضرر، ولا ضرار. مجهول بعقبة ومحمد بن عبد الله بن هلال. وفى حديث آخر لزرارة عن ابي جعفر (ع) - في قضية سمرة - انه ذكر في ذيله قول رسول الله صلى الله عليه وآله لسمرة: إنك رجل مضار، ولا ضرر، ولا ضرار على مؤمن. مرسل. الكافي ج 5 من ط 2 ص 293 و 394. -

[ 94 ]

ومن الظاهر أن الحكم بعدم ضمان القابض لما قبضه بالعقد الفاسد ضرر على المالك، فينفي بأدلة نفى الضرر. والجواب عن ذلك أولا: أنه لا دلالة في هذه الروايات على الضمان - هنا - سواء أاريد منها نفى الحكم الضررى بداءة، كما عليه المصنف، أم اريد منها نفى الحكم الضررى بلسان نفى موضوعه، كما عليه جمع من المحققين والوجه في عدم دلالتها على ذلك: هو ما ذكرناه في محله من اختصاص أدلة نفى الضرر برفع الاحكام المجعولة في الشريعة. أما إذا كان الضرر ناشئا من عدم جعل حكم - كالضمان في المقام - فأدلة نفى الضرر لا تفى بنفيه ليثبت الجعل الشرعي: أي الضمان. ثانيا: أن محل الكلام - في المقام - هو الضمان بالبدل الواقعي، فان الضمان بالمسمى غير ثابت قطعا، وعليه فتقع المعارضة في شمول أدلة نفى الضرر لكلا الطرفين، إذ قد يزيد البدل الواقعي على المسمى بكثير. ووقتئذ الحكم بضمان القابض له مع عدم إقدامه عليه بوجه يوجب تضرره لا محالة. ثالثا: أن هذه الروايات لو دلت على الضمان فانما تدل عليه في موارد الاتلاف، أو في موارد استيفاء المنافع، أو فيما كان العمل بأمر الآمر. أما


- وعن عقبة، عن ابي عبد الله (ع) قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء في الارضين، والمساكن، وقال: لا ضرر، ولا ضرار. مجهول بعقبة ومحمد بن عبد الله بن هلال. الكافي ج 5 من ط 2 ص 280. وعن النبي صلى الله عليه وآله: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. مرسل. الفقيه ج 4 من ط 4 في باب ميراث اهل الملل ص 243. وعن دعائم الاسلام - في حديث - إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر، ولا ضرار. مرسل. مستدرك الوسائل ج 3 ص 150.

[ 95 ]

في فرض التلف السماوي - مع تحفظ القابض عليه - فلا موجب لاضراره دفعا لتضرر المالك. وعلى الجملة: انه لا دلالة في شئ من الوجوه المتقدمة على الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد. نعم الدليل على الضمان - هنا - إنما هو السيرة، فانها قائمة على ضمان اليد في أمثال ذلك، ولم يثبت ردعها من ناحية الشارع المقدس وسيأتى تفصيل ذلك في الوجه الآتى. 7 - قاعدة الاقدام التى ذكرها الشيخ في المبسوط، حيث إنه علل الضمان - في موارد كثيرة من البيع والاجارة الفاسدين - بدخول القابض على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسمى، فإذا لم يسلم، له المسمى رجع إلى المثل أو القيمة. ومن تلك الموارد ما ذكره في فصل تفريق الصفة من البيع، وقال نصا (وإنما وجب الضمان عليه، لانه أخذ الشئ بعوض، فإذا لم يسلم العوض المسمى وجب عوض المثل لما تلف في يده). وقد ناقش المصنف في هذا الوجه أولا: بان ما أقدم عليه المتعاقدان غير ممضى للشارع، وحينئذ فإذا ثبت الضمان بالمثل أو القيمة فقد ثبت بدليل خاص، لا بقاعدة الاقدام. ثانيا: بأن ما ذكره من التعليل ليس بمطرد، ولا بمنعكس، إذ قد يتحقق الاقدام ولا يترتب عليه الضمان. كما في صورة تلف المبيع قبل القبض في البيع الصحيح، فان المشترى قد أقدم على الضمان - هنا - ولكن لا ضمان عليه. وقد لا يكون إقدام في العقد الفاسد، ومع ذلك يتحقق فيه الضمان، كما إذا اشترط المشترى - في عقد البيع - أن يكون ضمان المبيع - مع تلفه في يده - على البائع.

[ 96 ]

أو قال البائع للمشترى: بعتك متاعى هذا بلا ثمن. أوقال المؤجر للمستأجر: آجرتك دارى هذه بلا اجرة. انتهى ملخص كلامه. والظاهر أن ما ذكره شيخ الطائفة موافق للتحقيق، فلا يتوجه عليه شئ مما ذكره المصنف: أما الوجه الاول - الذى ذكره المصنف - فيرد عليه: أن الاقدام في نفسه ليس علة تامة للضمان لكى يدور الضمان مدار الاقدام وجودا وعدما، وإنما هو متمم لسبب الضمان الذى هو الاستيلاء على مال الغير بلا تسليط من المالك مجانا. وقد قامت السيرة القطعية العقلائية الممضاة للشارع على أن التسلط على مال الغير تسلطا غير مجاني موجب للضمان، وحيث إن الشارع المقدس لم يمض الضمان بالمسمى فيثبت الضمان بالمثل أو القيمة. وإذن فثبوت الضمان انما هو بالاقدام المنضم إلى الاستيلاء من جهة السيرة العقلائية غير المردوعة من قبل الشارع لا بالاقدام الساذج لكى يناقش فيه بما ذكره المصنف. أما الوجه الثاني - الذى ذكره المصنف - فيرد عليه: أنه لا وجه له لنقض اطراد القاعدة وانعكاسها بالامثلة المذكورة: أما ما ذكره من عدم الضمان في بعض موارد الاقدام - كتلف المبيع قبل القبض في البيع الصحيح - فلما عرفته من أن الاقدام بنفسه لا يوجب الضمان وإنما الموجب له الاقدام المنضم إلى القبض. بل قد تقدم فيما سبق (1) ويأتى في أحكام القبض: أن التسليم والتسلم من متممات الملكية المترتبة على البيع بمعنى: أن المرتكز في أذهان العامة هو أن ضمان المشترى للمبيع، وضمان البائع للثمن انما هو مشروط بالقبض


(1) في ص 33.

[ 97 ]

فكل منهما انما أقدم على ضمان مال الآخر بشرط أن يقبضه، لا مطلقا، وعليه فالحكم بعدم الضمان قبل القبض حكم على طبق الارتكاز العقلائي. أما ما ذكره - من تحقق الضمان مع اشتراطه على البائع - فيرد عليه: أنه لا صلة له بما نحن فيه، لان المشترى قد أقدم على ضمان المسمى من جهة البيع، غاية الامر أنه شرط على البائع ضمانا من دون سبب يقتضيه، وعليه فان قلنا بفساد هذا الشرط مع إفساده، أو عدمه، أو قلنا بصحته كان ذلك خارجا عما أراد المصنف من ثبوت الضمان بلا إقدام. أما ما ذكره - من نقض القاعدة بالبيع بلا ثمن، أو بالاجارة بلا اجرة فهو غريب عما نحن فيه، لانهما وإن كانا بحسب الصررة بيعا وإجارة، إلا أنهما - في الحقيقة - من قبيل الهبة والعارية، نهاية الامر أنهما قد انشئتا بلفظي البيع والاجارة. ومن الظاهر أن أمثال هذه الانشاءات تعد في نظر أهل العرف من الاغلاط، إذ لم يتعارف بينهم استعمال كلمة (بعتك المتاع الفلاني بلا ثمن). في إنشاء الهبة، ولا استعمال كلمة (آجرتك الشئ الفلاني بلا اجرة) في إنشاء العارية. وقد عرفت في البحث عن ألفاظ العقود أن إنشاء العقد بالالفاظ المغلطة في نظر أهل العرف لا يعد إنشاء صحيحا عندهم. وإذن فيحكم بفساد الهبة والعارية المذكورتين، ولا يحكم بالضمان عندئذ، لعدم الموجب له: فتحصل من جميع ما حققناه: أن ثبوت الضمان - في المقام - إنما هو بالاقدام المنضم إلى الاستيلاء من جهة السيرة القطعية العقلائية المتصلة بزمان المعوصين (ع) وغير المردوعة من قبلهم. أما بقية الوجوه المتقدمة فقد

[ 98 ]

عرفت أن الاستدلال بها على الضمان - هنا - لا يرجع إلى معنى محصل. وعليه فيحكم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد مطلقا من ناحية السيرة المزبورة. سواء في ذلك التلف والاتلاف. واذن فمدرك الضمان في قاعدة ضمان اليد، وفى المقبوض بالعقد الفاسد انما هو هذه السيرة. هذا ما ساقنا إليه نظرنا القاصر، والله العالم بالواقع. بحث في بعض الاعمال المضمونة قوله: (ويبقى الكلام حينئذ في بعض الاعمال المضمونة) أقول: قد عرفت أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون على القابض. وهل يحكم بضمان الاعمال التى لا ترجع نفعها إلى الضامن، ولم تقع في الخارج بأمره - كالسبق مثلا في المسابقة الفاسدة - أم لا؟. قد حكم الشيخ والمحقق وغيرهما بعدم استحقاق السابق اجرة المثل. وحكم قوم آخرون بالاستحقاق. والتحقيق هو الاول، لان مناط الضمان إما الاستيلاء على أموال الناس أو استيفاء منافعها، أو الامر بعمل محترم مع صدوره من المأمور في الخارج، سواء أوصل نفع ذلك العمل إلى الآمر أم لم يصل إليه. ومن الظاهر أن هذه الجهات كلها منتفية في المسابقة الفاسدة، بديهة أن الصحيح منها انما يوجب الضمان من جهة امضاء الشارع هذه المغالبة، لاجل الاهتمام بأمر الجهاد مع الكفار، حيث ان في المسابقة والمرامات تمرينا للحرب، وتهيئا إليها، ولولا هذه الناحية لم تفترق المسابقة والمرامات من سائر أنواع القمار الذى نهى عنه وضعا وتكليفا بالآيات المتظافرة، والروايات

[ 99 ]

المتواترة من طرقنا، ومن طرق العامة. وقد تعرضنا لها ولحرمة القمار بأنواعه تفصيلا في الجزء الاول. وعلى هذا الضوء فإذا فقد شرط من شرائط عقد المسابقة وصار فاسدا كان ذلك مصداقا للقمار المحرم، فيكون أكل المال به أكلا له بالباطل، إذ المفروض أنه لم يتحقق - في مورد المسابقة الفاسدة - ما يوجب الضمان ضرورة أنه لم يوجد فيها الاسبق السابق ومن البديهى أن هذا السبق ليس بأمر المسبوق، ولا أن نفع هذا العمل قد وصل إليه، ولا أنه أتلف شيئا من أموال السابق، واذن فكيف يحكم - هنا - بالضمان. وبتعبير آخر: أن حرمة القمار من ضروريات الدين الاسلامي، وقد خرجت منها المسابقة الصحيحة فقط لمصالح خاصة، أما غيرها فهو باق على حرمته. هل يفرق في الضمان بين علم الدافع وجهله؟ قوله: (ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد، وبين علمه مع جهل القابض). أقول: الوجه في ذلك هو ما ذكرناه آنفا من قيام الدليل على الضمان على وجه الاطلاق، وهو السيرة العقلائية القائمة على ضمان اليد مع الاقدام. وقد يتوهم عدم الضمان مع علم الدافع بالفساد، ضرورة أن المالك مع علمه بالفساد - قد سلط القابض على ماله، وعليه فيصبح المال أمانة مالكية عند القابض، وحينئذ فإذا تلف عنده لم يحكم بضمانه، للرويات (1) الدالة على


(1) المروية في الوافى ج 10 ص 118، و 125.

[ 100 ]

عدم ضمان الامين مع عدم التفريط. ويرد عليه: أن المالك - عندئذ - وان سلط القابض على ماله، الا أن هذا التسليط لا يجعل المقبوض أمانة مالكية عند القابض، لكى لا يحكم بضمانه مع التلف، بل انما هو تسليط بازاء العوض، ومن الواضح أنه إذا أقدم القابض على أخذ مال غيره - على النهج المزبور - حكم بضمانه للمالك ما لم يسقط ضمانه بمسقط، والمفروض عدم سقوطه بذلك، فلا صلة له بموارد الاستيمان حتى يحكم بعدم الضمان - هنا - من ناحية ما دل على عدم الضمان هناك ودعوى: أن الاذن المتحقق في ضمن العقد مسقط للضمان. دعوى جزافية، بداهة أن الاذن المتحقق في ضمن العقد ليس اذنا مطلقا وانما هو اذن مقيد بدفع عوض المقبوض. وقد يتخيل عدم الضمان مع علم الدافع وجهل القابض، لقاعدة الغرور. ولكن هذا التخيل باطل، لان الغرر بمعنى الخديعة، ومن الظاهر أنه لا يتحقق الا بأمرين أحدهما علم الغار، وثانيهما جهل المغرور. وبديهى أن القابض وان كان - هنا - جاهلا بفساد العقد، الا أنه عالم بأن أخذه هذا ليس أخذا مجانيا، بل إنما هو أخذ بازاء العوض. نعم لا بأس بالتمسك بهذه القاعدة في الزائد عن العوض المسمى ضرورة أن الدافع غار بالنسبة إلى هذا الزائد، فيرجع إليه، لا إلى القابض المغرور وسيأتى تفصيل ذلك في البحث عن بيع الغاصب مع علم المشترى بالغصب. ثم انه لا وجه لاثبات الضمان - هنا - باطلاق النص والفتوى - كما في المتن - لما عرفته آنفا من عدم تمامية النص - أعنى به حديث على اليد - فضلا عن التمسك باطلاقه.

[ 101 ]

هل تضمن العين المستأجرة في الاجارة؟ قوله: (ثم إن مقتضى ذلك عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا، لان صحيح الاجارة غير مفيد لضمانها)، أقول المحكى عن القواعد والتحرير والتذكرة: أن صحيح الاجارة غير مفيد لضمان العين المستأجرة، ومقتضى ذلك أن فاسدها أيضا لا يفيد الضمان. وعن جامع المقاصد - في باب الغصب -: أن الذى يلوح من كلامهم هو عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا باستيفاء المنفعة. وفى الرياض: (العين مضمونة في يد المستأجر مطلقا، كما نسب إلى المفهوم من كلمات الاصحاب). وقال المصنف: الظاهر أن المحكى عنه هو المحق الاردبيلى في مجمع الفائدة. والتحقيق: أن العين المستأجرة قد تكون تحت يد مالكها ولا يتسلط عليها المستأجر، كما إذا استأجر دابة لكى يحمل المكارى متاعه معها إلى مكان خاص، ولا ريب: أن ضمان الدابة حينذاك على المالك، لا على المستأجر فان الاجارة المجردة لا توجب ضمان متعلقها. وقد تكون العين المستأجرة عند المستأجر، لا من جهة اقتضاء الاجارة ذلك، بل من جهة خارجية، كما إذا فرضنا أن المكارى قد فوض حمل المتاع في فرض المثال إلى المستأجر، فان الدابة عندئذ تكون أمانة عند المستأجر وهذا أيضا لا يوجب ضمانه، فانه أمين. وقد تكون العين المستأجرة عند المستأجر من جهة اقتضاء الاجارة ذلك كما إذا استأجر دارا ليسكنها فانهدمت الدار، وهذا هو مورد الخلاف بين

[ 102 ]

الاصحاب، حيث ذهب جمع منهم إلى الضمان - هنا - وذهب جمع آخر منهم إلى عدمه. ثم انه قد استدل على الضمان بوجهين: 1 - أن قاعدة ضمان اليد تقتضي الضمان، وقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده تقتضي عدم الضمان فتخصص الثانية بالاولى. والجواب عن ذلك: أن القاعدة الثانية واردة في مورد القاعدة الاولى وعليه فلا وجه لتوهم المعارضة، كما لا وجه لتوهم التخصيص. 2 - أن العين - في الاجارة - خارجة عن مورد العقد خروجا موضوعيا ضرورة أن الاجارة تمليك للمنفعة، دون العين، فالضمان في مورد الاجارة على طبق القاعدة، بداهة أن المراد بما يضمن في العقود، وما لا يضمن هو ما يرد عليه العقد - كالعوضين في البيع، والمنفعة، وبدلها في الاجارة - لا ما هو خارج عنه، كالعين في الاجارة، غاية الامر: أن تسليمها إلى المستأجر - في فرض صحة الاجارة - انما كان لاجل استيفاء المنفعة، فتكون أمانة عنده ويلحقها حكمها أما إذا كانت الاجارة فاسدة فان المؤجر وان دفع بنفسه العين إلى السمتأجر، الا أن دفعه هذا لاجل بنائه على استحقاق المستأجر للانتفاع من العين المستأجرة. والمفروض أنه غير مستحق لذلك، فتكون يده على العين يد عدوان موجبة للضمان، لا يد أمانة، وعليه فلا يرد النقض على عكس القاعدة بالاجارة الفاسدة. والجواب عن ذلك: أن مورد الاجارة وان كان هو المنفعة، دون العين، الا أنها داخلة في عقد الاجارة بالشرط الضمنى، وعليه فيحكم بعدم الضمان في صحيح الاجارة وفاسدها، بناءا على صحة عكس القاعدة. ومن هنا اتضح لك جليا: أنه لا نحتاج في ادخال العين المستأجرة في

[ 103 ]

عقد الاجارة إلى ما ارتكبه صاحب الكفاية من التكلف في حاشيته على المتن واليك نصه: (التحقيق أن مورده -: أي العقد - فيها -: أي في الاجارة - نفس العين، ولذا يقال: آجرت الدار، واستأجرتها، وأن الاجارة عبارة عن إضافة خاصة بين العين المؤجرة والمستأجر، ومن آثارها تملك منفعتها. والتعريف بالتمليك تعريف بالرسم. مع أنه لو سلم أنه بالحد كان مورد عقدها أيضا نفس العين، فانها تمليك المنفعة، ولا يكاد يكون مورده ومتعلقه الا العين) ويضاف إلى ذلك: أن الاجارة وان تعلقت بالعين، الا أن مدلولها تمليك المنفعة، ولذا تتعلق بما لا يقبل نحوا من التملك والتمليك، كالحر وعليه فالمنشأ هو تمليك المنفعة، والعين المستأجرة خارجة عن موردها وان كان يلزم تسليمها إلى المستأجر لاستيفاء المنفعة، وعليه فعقد الاجارة تمليك للمنفعة مع اشتراط تسليم العين إلى المستأجر أمانة، وحيث لا ضمان في صحيح الامانة - كما إذا كانت الاجارة صحيحة - لا يكون ضمان في فاسدها أيضا. قيل: ان تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة من العين المستأجرة انما يكون مقدمة لاستيفاء المنفعة، ومن باب اللابدية جريا على ما يقتضيه عقد الاجارة من تملك المستأجر المنفعة، فإذا فرض فساد الاجارة انتفى الاستيمان لانتفاء منشئه، وما كان يتوقف عليه وهو تملك المستأجر المنفعة. وعليه كانت العين مضمونة على المستأجر. قلنا: ان تسليم العين للمستأجر وان كان مبينا على صحة الاجارة، وناشئا من البناء عليها، الا أن التسليم قد تحقق في الخارج على الفرض، فلا معنى لتوقفه على صحة الاجارة. فلا محالة يكون البناء على صحتها، أو اعتقادها داعيا

[ 104 ]

إلى التسليم الخارجي. وتخلف الداعي لا يضر بتحقق التسليم أمانة، ولا يوجب ارتفاع حكم الامانة، وهو عدم الضمان مع التلف. ألا ترى أن المالك إذا قدم طعاما للضيف باعتقاد أنه عالم لم يجز له أكله إذا لم يكن عالما؟. أو أن ذلك من قبيل تخلف الداعي؟. لا ينبغى الاشكال في أن الصحيح هو الثاني، فان الاقدام على اتلاف المال مجانا قد تحقق وجدانا غاية الامر أنه نشأ من اعتقاد غير مطابق للواقع. وقد ظهر مما ذكرناه: أنه لافرق - في عدم الضمان في موارد الاجارة - بين علم المؤجر بفساد العقد، وجهله به. هل تنتقض القاعدة بالصيد الذي استعاره المحرم؟ قوله: - ثم انه يشكل اطراد القاعدة في موارد: منها الصيد الذى استعاره المحرم من المحل بناءا على فساد العارية). أقول: لا شبهة في أن المستعير إذا استعمل العين المعارة في غير الجهة التى استعارها لاجلها ضمنها مطلقا وان لم يشترط ضمانها عليه، ولا أنها كانت من الذهب والفضة. كأن استعار عباءة ليلبسها، ولكن استعملها في اطفاء الحريق. أو استعار فراشا ليفترش به الا انه استعمله في سد الساقية ولا ريب في خروج هذه الصورة عن مورد البحث.

[ 105 ]

بل مورد البحث إنما هو استعارة الشئ لجهة خاصة، واستعماله في تلك الجهة من دون أن يكون فيه تعد وتفريط. إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أنه ذهب غير واحد من الاصحاب إلى ضمان الشخص المحرم بقيمة الصيد الذى استعاره من المحل، وذلك لفساد العارية، مع أنه لا ضمان في العارية الصحيحة وإذن فيكون ذلك نقضا لاطراد القاعدة. ومن هنا ناقش الشهيد الثاني (ره) في القول بالضمان على تقديري الصحة والفساد. وأجاب عنه المصنف، وقال: (إن وجه ضمانه - بعد البناء على أنه يجب على المحرم إرساله، وأداء قيمته - أن المستقر عليه قهرا بعد العارية هي القيمة، لا العين، فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الاتلاف الذى هو مسبب لضمان ملك الغير في كل عقد، لا بسبب التلف). وحاصل كلامه: أنه يجب على المحرم المستعير أن يرسل الصيد الذى استعاره من المحل، ولا شبهة في أن الارسال لا ينفك عن الاتلاف، ومن المعلوم أنه متى ما تحقق وجوب الاتلاف تحقق معه وجوب دفع البدل، لمكان الملازمة بين التسبيب تشريعا إلى السبب، وبين التسبيب إلى مسببه، لاستحالة انفكاك السبب عن المسبب. فإذا كان التسبيب المزبور موجودا قبل تحقق التلف في الخارج كان المسبب أيضا موجودا قبله، وعليه فلا يكون ذلك نقضا لاطراد القاعدة. نعم لو كان الموجب للضمان هو التلف لتوجه النقض المزبور وقد عرفت خلافه. ويتوجه عليه: أن وجوب الارسال لا يترتب عليه إلا لزوم ايجاد

[ 106 ]

سبب الضمان، وإين هذا من ثبوت نفس الضمان مع عدم تحقق سببه. ومن هنا لو عصى المحرم المستعير، ورد الصيد إلى مالكه لم يكن ضامنا قطعا. ونظير المقام ما إذا وجب على المستعير إتلاف العارية لسبب آخر، كما إذا توقف عليه حفظ نفس محترمة أفهل يحتمل الحكم بالضمان بمجرد الايجاب ما لم يتحقق الاتلاف في الخارج، بل وإن ردها على المعير؟ لا شك في عدم احتماله، وليس ذلك إلا من جهة أنه لم يتحقق فيه ما هو موجب للضمان. وقد انجلى مما ذكرناه فساد القول بالضمان من جهة أن ايجاب الارسال يوجب امتناع أداء المال إلى مالكه، والامتناع الشرعي كالامتناع العقلي. وعليه فعدم التمكن من أداء المال إلى مالكه يقتضى دفع بدل الحيلولة. وقد ذكر شيخنا الاستاذ وجها آخر للضمان، وحاصله: أن الصيد - بأخذ المحرم له - يخرج عن ملك مالكه، فيكون أخذ المحرم له إتلافا له على المالك، فيضمنه. والجواب عن ذلك: أنه لا دليل على خروج الصيد عن ملك مالكه بأخذ المحرم له. وإنما الثابت: أن المحرم لا يملك الصيد، لا حدوثا، ولا بقاءا فلو صاد وهو محل ثم أحرم خرج الصيد عن ملكه، وبين الامرين بون بعيد. فتحصل مما حققناه: أن الصحيح هو القول بعدم الضمان بتلف الصيد عند المحرم المستعير، كما هو الحال في غير المحرم. ثم إنه يظهر من صاحب الجواهر عدم وجود المصرح بالضمان في صورة التلف السماوي الذى هو مورد البحث - في المقام - وأن حكمهم بالضمان إنما هو في صورة الارسال بعد الاستعارة، فيكون ذلك داخلا في الاتلاف. نعم يظهر من المحقق في عارية الشرايع الضمان مطلقا، وإليك لفظه: (ولا يجوز

[ 107 ]

للمحرم أن يستعير من محل صيدا، لانه ليس له إمساكه، فلو أمسكه ضمنه وإن لم يشترط عليه ذلك في العارية). وظاهر كلامه هذا: هو الحكم بالضمان في فرض التلف، فان تعميم الحكم بالضمان للاشتراط وعدمه ظاهر أن موضوع كلامه هو التلف، دون الاتلاف. ولكن السيد - بعد ما نقل كلام المحقق - قال: وهذه العبارة - كما ترى - مختصة بصورة الاتلاف بالارسال، فلا تشمل ما نحن فيه. ويرد عليه: أن هذا ناشئ من إضافة كلمة (ثم أرسله) قبل كلمة (ضمنه) إلى عبارة المحقق. إلا أنها غير مذكورة في عبارته، بل زادها صاحب الجواهر سهوا. ثم هل يثبت الضمان مع الارسال مطلقا، أم يختص ذلك بصورة جهل المعير بالحال؟. فذهب السيد إلى الثاني، بدعوى أن الدافع مع علمه بالحال يعد متلفا لما له بدفعه إلى من هو مكلف بالاتلاف، فلا وجه لاستقرار القيمة في ذمته. والجواب عن ذلك: أن المعير وإن كان عالما، إلا أن الاتلاف مستند إلى المستعير، لانه - بعد ما استعار الصيد من المحل - فقد أتلفه بارادته واختياره، وحينئذ فيثبت عليه الضمان، لا على المعير. وهذا ظاهر لاخفاء فيه. هل تنتقض القاعدة بالبيع الفاسد؟ قوله: (ويشكل اطراد القاعدة أيضا في البيع فاسدا بالنسبة إلى المنافع التى لم يستوفها، فان هذه المنافع غير مضمونة في العقد الصحيح مع أنها مضمونة

[ 108 ]

في العقد الفاسد) أقول: لم نفهم وجها صحيحا لتقييد المنافع بغير المستوفات وذلك، لان لمنافع المستوفات أيضا غير مضمونة في العقد الصحيح، مع أنها مضمونة في العقد الفاسد ولعل وجه تقييدها بغير المستوفات: أن المنافع إذا كانت من الاعيان - كاللبن والصوف - فاستيفاؤها اتلاف لها، وإذا كانت من غير الاعيان فالاستيفاء بمنزلة التلف. وعلى كل حال فالحكم بالضمان مع الاستيفاء لا يمكن أن يكون نقضا للقاعدة بناءا على أن موردها التلف، دون الاتلاف. وكيف كان فقد يورد على القاعدة بضمان المنافع غير المستوفات مع أنها لم تكن مضمونة في العقد الصحيح. وقال السيد في الجواب عن النقض: إن (المنافع وان لم تكن مقابلة بالمال، الا أنها ملحوظة في القيمة، وزيادة الثمن، وهذا المقدار يكفى في صدق كونها مضمونة. ومن هنا يعرف حال الشروط، فانه لو فرض شرط الخياطة في عقد فاسد، فعمل بالشرط يكون من له الشرط ضامنا، لان في الصحيح وان لم يكن الشرط مقابلا بالمال، الا أنه ملحوظ في زيادة الثمن ونقصانه، فكأنه مقابل بالمال، ولذا اشتهر أن للشرط قسطا من الثمن: يعنى في اللب). ويرد عليه: أن دخل المنافع في زيادة الثمن لا يستلزم ضمانها وراء ضمان العين. كما أن الشروط لها دخل في زيادة القيمة، مع أنها خارجة عن حول القاعدة. أما ثبوت الضمان فيما ذكر من مثال الخياطة فلاجل احترام العمل، واستناد تحققه في الخارج إلى أمر المشروط له، وعليه فلا صلة له بالمقام. وقال شيخنا المحقق: (ربما يتصور ضمان العين بنحو تكون متضمنا لضمان المنافع الفائتة في الصحيح والفاسد، كما إذا كانت العين لها أمد خاص،

[ 109 ]

وعمر مخصوص، فإذا مضى منه شهر مثلا نقصت قيمة العين، وهذا النقص ملحوظ في الصحيح والفاسد). ويتوجه عليه: أن مضى مدة خاصة من عمر العين وان أوجب نقصانا فيها، الا أن الضمان - هنا - بالعين، لا بالمنافع غير المستوفات، ولذا اعترف في آخر كلامه بأنه (لا فرق حينئذ بين القول بضمان العين والمنافع، أو ضمان العين تامة). وقال شيخنا الاستاذ: (إن المدار على مورد العقد، ومورده في البيع هو نفس العين، وانما المنافع في الصحيح تابع للعين بحكم الشارع، وفى الفاسد حيث ان العين لم تنقل إلى القابض فيضمن منافعها). ويرد عليه: أنه لو صح ذلك فلازمه الحكم بالضمان فيما لا يضمن بصحيحه كالهبة الفاسدة، بديهة أن المنافع في الهبة الصحيحة تابعة للعين. وحيث ان العين لم تنقل إلى المتهب في الهبة الفاسدة فتضمن منافعها. والتحقيق: أن النقض غير وارد على القاعدة. وتوهم انتقاضها بما ذكر انما نشأ من عدم تطبيق الكبرى على الصغرى. وتوضيح ذلك: أن النسبة بين تملك المنافع، وتملك العين هي العموم من وجه، إذ قد تملك المنافع دون العين - كما في الاجارة - وقد تملك العين دون المنافع - كما إذا باعها مسلوبة المنفعة - وقد تملكان معا، وعليه فملكية العين لا تلازم ملكية المنافع، وانما تملك المنافع في البيع بنفس السبب لملكية العين، ففى الحقيقة كان الثمن بازاء العين بالاصالة، وبازاء منافعها بالتبع. وعلى هذا فكل من العين والمنفعة مورد للعقد، نهاية الامر أن العين مورد للعقد بالاصالة، والمنافع مورد له بالتبعية، ومن الواضح أن عقد البيع مما يضمن بصحيحه وفاسده. سواء في ذلك نفس المبيع ومنافعه. واذن فلا

[ 110 ]

وجه لتوهم انتقاض القاعدة طردا بالبيع الفاسد. نعم إذا ارتفع العقد بالفسخ، أو بالاقالة لم تضمن المنافع الفائتة، أو المنافع المستوفات قبل الارتفاع، ضرورة أن هذه المنافع انما حصلت في ملك المشترى، فيكون المشترى مسلطا عليها. نعم إذا تعيبت العين بتصرف المشترى كانت مضمونة عليه، فان الاقالة وان كانت عقدا جديدا، الا أنها تقتضي رجوع العين بخصوصياتها التى وقع عليها العقد، والمفروض أن العقد قد وقع على العين الصحيحة، فلابد وأن ترجع كما كانت. ومع التخلف يحكم بالضمان. هل تنتقض القاعدة بحمل المبيع فاسدا؟ قوله: (ويمكن نقض القاعدة أيضا بحمل المبيع فاسدا). أقول: قد حكى عن الشيخ في المبسوط، والمحقق في الشرايع، والعلامة في التحرير انتقاض القاعدة بحمل المبيع في البيع الفاسد، حيث انه مضمون على المشترى، مع أنه غير مضمون عليه في البيع الصحيح بناءا على أنه للبائع. وعن الدروس توجيه كلام العلامة بما إذا اشترط دخول الحمل في البيع، وهذا هو المحتمل القريب، وحينئذ فلا نقض على القاعدة. وعليه فالنزاع - هنا - لفظي، فان القائل بالضمان انما أراد صورة كون الحمل جزءا من المبيع. وأن القائل بعدمه انما أراد صورة خروج الحمل عنه، فيكون شأن الحمل - هنا - شأن نفس العين في الاجارة، وكما أن العين خارجة عن مورد عقد الاجارة، كذلك الحمل - هنا - واذن فلا تنتقض القاعدة بذلك.

[ 111 ]

هل تنتقض القاعدة بالشركة الفاسدة؟ قوله: (ويمكن النقض أيضا بالشركة الفاسدة بناءا على أنه لا يجوز التصرف بها، فأخذ المال المشترك حينئذ عدوانا موجب للضمان). أقول: غير خفى على الناقد البصير، والمتأمل الخبير: أن تفريع الضمان على الحكم التكليفى -: أعنى به حرمة التصرف في مال الغير - واضح الفساد، إذ لا ملازمة بينهما أصلا ورأسا، لانه بناءا على أن عقد الشركة لا يقتضى جواز التصرف في المال المشترك - كما هو الظاهر - فانه عندئذ وان كان لا يجوز لكل من الشريكين أن يتصرف في المال المشترك فيه بدون اذن صاحبه. الا انه لو تلف المال المزبور بغير تفريط من أحدهما لم يحكم بالضمان، لان كلا منهما قد فوض زمام ماله إلى شفيعه، وجعله أمينا في ذلك، ومن الواضح أنه لا ضمان على الامين، ولا يفرق في ذلك بين الشركة الصحيحة والشركة الفاسدة. واذن فلا وجه لتوهم انتقاض القاعدة بذلك. هل ينتقض أصل القاعدة بالنكاح الفاسد؟ قد يتوهم أن أصل القاعدة ينتقض بالنكاح الفاسد، ضرورة أن النكاح الصحيح يوجب ضمان الصداق للمرأة دون فاسده إذا كانت المرأة عالمة بالفساد فانها وقتئذ زانية، فلا مهر لبغى. ولكن هذا التوهم فاسد، فان ضمان المهر في عقد النكاح انما هو بازاء الزوجية، دون البضع، فالضمان - هنا - ثابت بنفس العقد، فإذا انتفى

[ 112 ]

العقد من ناحية حكم الشارع بالفساد انتفى الضمان أيضا. ومحل الكلام - في المقام - هو ما كان سبب الضمان أمرا آخر وراء العقد، كالقبض في العقد فان التلف قبله من مال البائع. وعلى الجملة: ان البضع وسائر الاستمتاعات لا مالية لها في حكم الشارع، ومن هنا لو حبس أحد زوجة غيره، وفوت عليه جميع الاستمتاعات لم يضمن بشئ، وليس ذلك الا لاجل أن البضع وسائر الاستمتاعات لا تقابل بالمال. نعم قد ثبت مهر المثل في موارد الوطى بالشبهة تعبدا، لاحترام الاعراض وصفوة الكلام: أن مورد البحث في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده انما هو العقود الصحيحة والفاسدة التى يكون الضمان فيها مستندا إلى غير العقد وعليه فثبوت الصداق في النكاح الصحيح، وعدم ثبوته في الزناء بعيد عن محل الكلام رأسا. وبذلك تظهر الحال في العقد المنقطع - أيضا - فان الاجرة فيه - أيضا - بازاء نفس الزوجية، دون البضع. وتبعض الاجرة مع عدم التمكين في بعض المدة انما هو من جهة النص الخاص. أما في موت المرأة أثناء المدة فالتبعض على القاعدة. واذن فلا تنتقض القاعدة بالنقض المزبور. ما هو المدرك لعكس القاعدة؟ قوله: (ثم ان مبنى هذه القضية السالبه على ما تقدم من كلام الشيخ في المبسوط هي الاولوية). أقول: قد عرفت - فيما سبق - أن المدرك الصحيح لاصل القاعدة انما هو ضمان اليد الثابت بالسيرة العقلائية الممضاة من قبل

[ 113 ]

الشارع. وقد عرفت - أيضا فيما تقدم - أن مناط الضمان في ذلك هو التسليط غير المجاني. أما المدرك لعكس القاعدة - أعنى به مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده - فقد ذكر المصنف: أن مدركه - على ما تقدم من كلام الشيخ في المبسوط - هو الاولوية، لان دليل الضمان عنده انما هو الاقدام، وإذا لم يوجب الاقدام الضمان في العقد الصحيح - كالرهن الصحيح مثلا - لم يوجب ذلك في العقد الفاسد - أيضا - بالاولوية، ضرورة أن العقد الفاسد لغو محض وأنه بمنزلة المعدوم. انتهى ملخص كلامه. ويرد عليه: أن عدم الضمان في العقد الصحيح - كالهبة الصحيحة مثلا - انما هو من جهة كون المال ملكا مجانيا للقابض، ومن الواضح أنه لم تحصل له الملكية في العقد الفاسد - كالهبة الفاسدة مثلا - واذن فلا وجه لدعوى الاولوية - هنا - بوجه. وهذا واضح لا ستار عليه. ويضاف إلى ذلك: ما ذكرناه - سابقا - من أن الاقدام الساذج ليس دليلا على الضمان، بل الدليل عليه انما هو السيرة مع الاقدام. وقد يتوهم: أن قاعدة ضمان اليد وان كانت مقتضية للضمان في العقود الفاسدة - التى لا ضمان في صحيحها - الا أنها مخصصة بأدلة الاستيمان. ولكن هذا التوهم فاسد، لان قاعدة ضمان اليد لا تشمل موارد التسليط المجاني لكى نحتاج إلى تخصيصها بأدلة الاستيمان. وعليه فمورد الكلام خارج عن قاعدة ضمان اليد، وعن مورد أدلة الاستيمان - أيضا - خروجا تخصصيا وهذا ظاهر. وقد ظهر لك مما حققناه: أنه لا وجه لاثبات عدم الضمان في الهبة الفاسدة بفحوى ما دل على عدم الضمان في موارد الاستيمان، كما صنعه المصنف

[ 114 ]

في المتن. أضف إلى ذلك: أن المالك لم يسلط غيره على ماله في موارد الاستيمان ليتصرف فيه أي تصرف، بل سلطه عليه ليحفظه عن التلف. بخلافه في الهبة الفاسدة، وعليه فلا يمكن قياس أحدهما بالآخر. والتحقيق: أن الدليل على عكس القاعدة إنما هو عدم الدليل على الضمان في موارده، لا شئ آخر. هل يجوز التصرف في المقبوض بالعقد المعاوضى الفاسد؟ قوله: (الثاني: من الامور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب رده فورا إلى المالك). أقول: تحقيق البحث - هنا - يقع في ضمن جهات: الجهة الاولى: أنه هل يجوز التصرف في المقبوض بالعقد المعاوضى الفاسد تكليفا، أم لا يجوز ذلك؟. لا شبهة في حرمة التصرف في مال الغير - بحسب الكبرى - شرعا وعقلا. وإنما البحث - فيما نحن فيه - إنما هو من ناحية الصغرى: وهى أن تصرف القابض في المقبوض بالعقد المعاوضى الفاسد هل هو تصرف في مال غيره بدون إذنه لكى يكون حراما، كما عليه المصنف؟. أم أنه تصرف فيه باذن مالكه حتى يكون ذلك جائزا؟. وفصل السيد - في المقام - وقال نصا: (لا ينبغى الاشكال في عدم

[ 115 ]

جواز التصرف فيه مع جهل الدافع. وأما مع علمه فيمكن الاشكال فيه وإن كان باقيا على ملكه، وذلك للاذن فيه في ضمن التمليك). لا إشكال في عدم جواز التصرف في المقبوض مع جهل الدافع بالفساد. أما مع علمه به فقد يقال بالجواز نظرا إلى أن الدافع - عندئذ - قد أذن للقابض في التصرف في ماله. فلا يكون حراما. ولكن الظاهر هو عدم جواز التصرف فيه، لان القاعدة الاولية إنما تقتضي حرمة التصرف في أموال الناس إلا باذن ملاكها، ومن الواضح أن الدافع إنما جوز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد من حيث كونه ملكا للقابض، لا على وجه الاطلاق، ولما لم تحصل الملكية للقابض، ولا أن المالك قد أذن له في ذلك إذنا جديدا حرم على القابض التصرف فيه وضعا وتكليفا. نعم لو أذن المالك للقابض إذنا جديدا في التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد لم يحرم له التصرف فيه، لا وضعا، ولا تكليفا، ضرورة أن فساد العقد لا يمنع عن إذن المالك جديدا في التصرف في المقبوض. وعلى الجملة: إن الاذن الحاصل في ضمن التمليك بالعقد الفاسد لا يكون منشأ لجواز التصرف فيما وقع عليه العقد، إلا أن يكون - هنا - إذن آخر غير الاذن الحاصل في ضمن العقد الفاسد. ثم إن السيد قد استدل - في حاشيته - على جواز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد بأن (هذا التمليك له حيثيتان، فهو إذن من حيثية، وتمليك من اخرى، ولما كان التمليك محتاجا شرعا إلى صيغة صحيحة - والمفروض عدمها - فهو غير مؤثر من هذه الجهة، لعدم حصول شرط. وأما من الحيثية الاخرى فهو غير مشروط شرعا، فيجوز العمل به، فان الاذن مؤثر في جواز

[ 116 ]

التصرف من غير إشتراط بصيغة خاصة، فيشمله عموم ما دل على جواز التصرف مع الاذن، وطيب النفس. وإذا جاز التصرف فلا يجب الرد إلى المالك فضلا عن كونه فوريا. نعم لو رجع عن إذنه وطلبه وجب الرد إليه فورا). ويرد عليه: أن جواز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد متوقف على أحد أمرين على سبيل مانعة الخلو: إما كون ذلك ملكا للقابض. وإما إذن المالك في التصرف فيه: أما الاول فهو منفى على الفرض. أما الثاني فكذلك، إذ لم يأذن فيه المالك بوجه. والوجه في ذلك: أن الافعال تارة تتعلق بالعناوين الكلية - كبيع كلى الفرس ونحوه - واخرى تتعلق بالجزئيات الخارجية والافراد المشخصة - كالاكل، والشرب، والنوم، والضرب، والقيام، والقعود وأشباهها: فإذا كان الفعل مما يتعلق بالشخص كان اعتقاد الفاعل بانطباق كلى ما عليه داعيا إلى ايجاده، فإذا ضرب شخصا باعتقاد أنه كافر فتبين أنه كان مؤمنا كان هذا من التخلف في الداعي، فان الضرب قد وقع - في الخارج - على واقع المؤمن حقيقة. والتخلف إنما هو في اعتقاد أنه كافر الذى كان داعيا إلى ايجاده. أما إذا كان الفعل متعلقا بالكلى فلا يسرى إلى غير مصداقه - وإن كان الفاعل يعتقد أنه مصداقه - فلو رضى المالك بدخول العلماء داره، وأذن به لم يجز الدخول لغير العالم وإن اعتقد الآذن أنه عالم. ولا شبهة في أن متعلق الاذن في قوله عجل الله فرجه: (فلا يحل لاحد

[ 117 ]

أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه (1)) إنما هو العنوان الكلى: أعنى به عنوان التصرف في مال الغير. وعليه فانما يجوز التصرف في أموال الناس فيما إذا احرز أن المالك قد أذن في التصرف في ماله لكى يكون ذلك مشمولا للعنوان الكلى الذى ذكر في التوقيع المذبور، ومن البين الذى لاريب فيه أن هذا المعنى بعيد عن المقبوض بالعقد الفاسد، بديهة أن المالك لم يأذن للقابض أن يتصرف في ماله، وإنما سلمه إليه باعتباره أنه ملك له، وحيث إنه لم يصر ملكا للقابض ولا أن الدافع قد أذن له في التصرف، فلا يجوز للقابض أن يتصرف فيه. وقد اتضح لك مما بيناه: أنه لا يجوز الاستدلال على جواز التصرف في ذلك بالتوقيع الشريف المذكور، ولا بالروايات (1) الدالة على حرمة التصرف في مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه: كما اتضح لك من ذلك - أيضا -: أنه لا وجه للتفصيل بين علم الدافع بالفساد، وجهله به، لانه بعد فرض أن المالك لم يصدر منه الا التمليك، وهو لم يحصل في الخارج على الفرض فلا يبقى مجال للقول بجواز التصرف فيه حتى مع علمه بالفساد. وبما ذكرناه - من أنه لم يصدر من المالك في المقام الا التمليك، وتسليم المال بما أنه ملك للقابض - يظهر فساد ما قد يتوهم من أن العقد الفاسد وإن لم يؤثر في الملكية، ولكن إذن الدافع في التصرف في ماله باق على حاله، فيكون الاذن منفكا عن الملكية. ووجه الظهور: أن إذن المالك لم يكن مطلقا لكى يبقى بعد فساد العقد - أيضا - بل كان بعنوان أن المقبوض ملك للقابض، والمفروض أنه لم يصر ملكا له، فينتفى الاذن أيضا.


(1) قد نقلنا هذه الروايات في الجزء الثاني في ص 138.

[ 118 ]

قيل: إن المالك قد أذن للقابض في التصرف في نفس العين الخارجية وعليه فيبقى الاذن مادامت العين باقية على حالها مع بقاء المالك على إذنه السابق وعدم رجوعه عنه. ويرد عليه: أن الاذن لم يتعلق بالتصرف في مال الدافع. وإنما تعلق بالتصرف في مال القابض من جهة استلزام التمليك إياه، لا أنه إذن جديد وراء التمليك، إذ المفروض أن الدافع يرى نفسه أجنبيا عن ذلك المال، فكيف يأذن في التصرف فيه، ومن المفروض أن الملكية لم تحصل فلا معنى لبقاء الاذن في التصرف فيه. وهذا واضح لا شبهة فيه. نعم لو أذن المالك - إذنا جديدا - في التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد - بعد علمه بفساد العقد - جاز التصرف فيه جزما. ولكنه غير مربوط بما نحن فيه. ويضاف إلى ذلك: أنه ينتقض بأنه لو قدم شخص طعاما لغيره باعتقاد أنه من مال صديقه مع علم المعطى له بكون ذلك الطعام للمعطى، لا لصديقه فانه - عندئذ - لا يجوز للمعطى له أن يأخذه، ويتصرف فيه بتخيل أن الاذن قد تعلق بذات الطعام الخارجي الشخصي، فيجوز العمل على طبقه. والوجه فيه: هو أنه لا أثر للاذن الساذج ما لم يتعلق بعنوان مال نفسه بحيث ينطبق ذلك العنوان الكلى على الشخص الخارجي انطباق الكلى على أفراده. هل يجوز التصرف في المقبوض بالعقد غير المعاوضى الفاسد؟ الجهة الثانية: أن حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد هل تشمل المقبوض بالعقد غير المعاوضى الفاسد - أيضا - كالهبة والعارية، أم لا؟

[ 119 ]

لا شبهة في اختصاص الحكم بالعقود المعاوضية إذا قلنا بثبوت الملازمة بين حرمة التصرف، وبين ثبوت الضمان. وقد يقال: إن حرمة التصرف في المقبوض بعقد يضمن بصحيحه وفاسده لا يلازم حرمة التصرف في المقبوض بما لا ضمان فيه - كالهبة والعارية - فانه كما لا ضمان في صحيحهما وفاسدهما، كذلك لا يحرم التصرف في المأخوذ بهما ضرورة أن رافع الضمان فيهما هو الرافع للحرمة، لان إعطاء المالك ماله مجانا للمتهب، وبعنوان العارية للمستعير لو رفع الضمان رفع الحرمة - أيضا - وإذن فلا وجه للتفكيك بين الحرمة الوضعية، وبين الحرمة التكليفية. أما إذا لم نقل بثبوت الملازمة بين الضمان، وبين حرمة التصرف فلا وجه لاختصاص الحكم بالعقود المعاوضية، بل يعم العقود غير المعاوضية أيضا. وهذا هو الحق، بداهة أن كلا من حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد، والضمان أجنبي عن الآخر، فان التسلط المجاني - في العقود غير المعاوضية الفاسدة - لا يؤثر الا في عدم ضمان العين المأخوذة بها. أما جواز التصرف فيها فلا يترتب على التسليط المزبور. وإنما يترتب على إذن المالك. ومن المفروض أنه لا إذن في موارد التمليك - كالهبة - على ما عرفته قريبا. أما في غير تلك الموارد - كالعارية - فالاذن من المالك وان كان موجودا الا أن المفروض أن الشارع لم يمضه، فوجوده كعدمه. واذن فلا يجوز التصرف في المقبوض بالهبة والعارية الفاسدتين.

[ 120 ]

هل يجب رد المقبوض إلى مالكه فورا؟ الجهة الثالثة: أنه إذا بنينا على عدم جواز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد فله يجب رده إلى مالكه فورا، أم لا يجب ذلك؟ ذهب المصنف إلى الاول، لان الامساك آناما تصرف في مال غيره بدون اذنه، فلا يجوز. بل قال: (ان الظاهر أنه مما لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه). والتحقيق: أن القابض بالعقد الفاسد تارة يمتنع عن رد المقبوض إلى مالكه حتى مع مطالبته. واخرى لا يمتنع عن ذلك، وانما المالك لا يطالب ماله، أو يطالب اقباضه إياه، وتفويضه إليه. وعلى الاول فلا شبهة في حرمة إمساكه، لكونه من أظهر أفراد الغصب. بل إذا تلف المقبوض ضمنه القابض، ولو كان العقد مما لا يضمن بصحيحه. سواء أكان التلف بالتفريط، أم كان بغير التفريط، وعليه فلا شبهة في وجوب رده إلى مالكه فورا، ضرورة أن إمساكه حينئذ تصرف في مال غيره، ومزاحمة لسلطنته على ماله، وهو حرام عقلا وشرعا. وعلى الثاني فلا يجب رده إلى مالكه فضلا عن كون الرد فوريا، بديهة أنه لا يجب على القابض الا التخلية بين المال ومالكه، أما الزائد على ذلك فلم يقم عليه دليل. ونظير ذلك ما لو أطار الريح ثوب أحد إلى دار جاره فان بقاءه في تلك الدار لا يعد تصرفا فيه لصاحب الدار قطعا، لانه لم يضع يده عليه، ولا أنه حال بينه، وبين مالكه.

[ 121 ]

وإذن فلا يجب على القابض رد ما قبضه بالعقد الفاسد إلى مالكه فورا فضلا عن كون مؤونة الرد عليه. كما أن بقاء المقبوض في يد القابض لا يعد تصرفا في ملك غيره حتى مع عدم مطالبة المالك ذلك، أو مطالبته إقباض العين إياه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقد ظهر لك مما حققناه: أن مجرد بقاء مال شخص عند غيره لا يعد تصرفا محرما، لا من جهة أن ذلك خارج عن أدلة حرمة التصرف في مال غيره بدون اذنه خروجا تخصيصيا بالسيرة العقلائية، بل من جهة خروجه عنها موضوعا وتخصصا، لعدم صدق التصرف عليه. كما لا يصدق التصرف على مس اليد أو الثوب أو أشباههما بحائط غيره في الشوارع والازقة. ثم إن المصنف قد استدل على وجوب رد المقبوض إلى مالكه، وعلى حرمة إمساكه وإبقائه بقوله (ع): (لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره إلا باذنه (1)). ثم قال: (ولو نوقش في كون الامساك تصرفا كفى عموم قوله (ع) لا يحل مال امرئ مسلم لاخيه إلا عن طيب نفسه (2) حيث يدل على تحريم جميع الافعال المتعلقة به التى منها كونه في يده). أقول: أما الرواية الاولى فقد عرفت عدم دلالتها - على ما يرومه المصنف - مما بيناه من عدم صدق التصرف على مجرد بقاء مال أحد تحت يد


(1) لم نجده على النحو المنقول في كتب الحديث، بل المروى في الاحتجاج في ص 267 عن صاحب الزمان (ع) هكذا: فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، ويحتمل قريبا وقوع التحريف - فيما نقله المصنف - سهوا. (2) لم نجده على هذا الشكل في كتب الحديث. بل المروى فيها على شكل آخر، وقد نقلناه في الجزء الثاني ص 138.

[ 122 ]

غيره. فان ذلك نظير النظر إلى مال غيره، ومسه. أما الرواية الثانية فيتوجه على الاستدلال بها أن الحلية أو الحرمة إذا اسندت إلى الاعيان فلابد من أن يراد بها الحلية التكليفية، وأن يكون الاسناد باعتبار تقدير فعل يناسب المقام، فيراد من حلية المأكولات حلية أكلها، ومن حرمة الامهات، والعمات، والخالات حرمة نكاحهن، وهكذا في كل مورد من الموارد التى ترد عليك، فانه لا بد وأن تلاحظ فيها مناسبة الحكم والموضوع. وإذن فلا بد وأن يراد من عدم حلية المال مع عدم طيب نفس مالكه عدم جواز تملكه، أو عدم جواز الانتفاع به، وعلى هذين التقديرين لا تدل الرواية على حرمة إمساك مال شخص آخر بوجه. نعم يحتمل أن يكون المقدر مطلق التصرف. لكن قد عرفت قريبا أن مجرد الامساك لا يعد تصرفا بوجه، وعلى كل تقدير فالرواية بعيدة عن الدلالة على حرمة الامساك بمجرده. وقد استدل بعضهم على حرمة إمساك المقبوض بالعقد الفاسد، - وعلى وجوب رده إلى مالكه فورا - بالنبوي المعروف: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (1). وتقريب الاستدلال به على ذلك بوجهين: 1 - ما ذكره شيخنا الاستاذ، واليك نص مقرر بحثه: (ويدل عليه (أي على الرد الفوري) أيضا عموم على اليد ما أخذت حتى تؤدى، فانه وإن لم يكن متعرضا للحكم التكليفى بالدلالة المطابقية، إلا أنه متعرض له بالدلالة


(1) قد تقدم ما يرجع إلى هذا النبوى في ص 87.

[ 123 ]

الالتزامية، فان استقرار الضمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الرد لانه لا أثر لاستقرار الضمان على العهدة إلا وجوب رد العين ما دامت باقية، ورد المثل، أو القيمة لو كانت تالفة، فحرمة امساك مال الغير من غير إذنه، ووجوب رده إليه فورا بالفورية العرفية لا إشكال فيه). ويرد عليه: أن دعوى الملازمة بين الحكم التكليفى والوضعى وإن كانت صحيحة، ولكن الحكم التكليفى الملازم للحكم الوضعي - هنا - ليس هو وجوب رد العين إلى صاحبها لكى تترتب عليه حرمة الامساك. وإنما الواجب على القابض هو وجوب التخلية بين المال ومالكه، أما الزائد على ذلك فلم يدل عليه دليل شرعى، ولا عقلي. 2 - ما أفاده المحقق الايراونى وهذا لفظه: (فالاولى تبديل الاستدلال به (: أي بقوله (ع) لا يحل الخ) بالاستدلال بعموم على اليد، فانه إن لم يكن مقصورا ببيان التكليف فلا أقل من أن يعم الوضع والتكليف جميعا: بتقريب أن مؤداه وجوب دفع العين مع قيامها، ودفع البدل مع التلف). والجواب عن ذلك أولا: أن إرادة الحكم التكليفى من حديث على اليد يحتاج إلى تقدير فعل من الافعال، فان الحكم التكليفى لا يتعلق بالمال نفسه، وإرادة الحكم الوضعي منه لا يحتاج إلى تقدير شئ أصلا ورأسا. ومن الواضح أن المراد بكلمة الماء الموصولة هو المال، ولا يمكن الجمع بين إرادة الحكم التكليفى والوضعى، إذ لا يمكن الجمع بين التقدير وعدمه. ثانيا: أن حديث (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) بظاهره آب عن إرادة الحكم التكليفى منه، ضرورة أن الحكم المستفاد من ذلك مغيا بوجوب الرد. ومن الواضح أن الغاية لا تناسب إلا مع الحكم الوضعي فقط، لا الحكم التكليفى فحسب، ولا الحكم الوضعي والتكليفى معا.

[ 124 ]

وذلك، لانه إذا اريد من النبوى المزبور الحكم التكليفى كان معناه أنه يجب رد المال المأخوذ من مالكه بدون إذنه حتى تؤديه أي حتى ترده إلى صاحبه وحينئذ فيكون ذلك نظير ما يقال: يجب عليك الاتيان بالصلاة حتى تصلى. ولا شبهة في أن هذا الاستعمال مستهجن جدا، وغير معهود عند أهل المحاورة. وهذا بخلاف ما إذا اريد من الحديث الحكم الوضعي فقط، فانه وقتئذ يكون معناه هو ثبوت ضمان المأخوذ على الآخذ حتى يرده إلى صاحبه. ولا ريب أنه لا استهجان فيه بوجه. ويضاف إلى ذلك: أن حديث على اليد ضعيف السند، فلا يمكن الاستدلال به على شئ من المسائل الفقهية. وقد تقدم تفصيل ذلك قريبا. ما هو حكم مؤونة الرد؟ الجهة الرابعة: أنه إذا وجب رد المقبوض بالعقد الفاسد إلى مالكه فهل تكون مؤونة الرد على القابض. أم تكون على المالك؟ قد فصل المصنف بين ما تكون مؤونة الرد قليلة فحكم بكونها على القابض وبين ما تكون كثيرة فحكم بكونها على المالك، وذلك لادلة نفى الضرر. وفصل شيخنا الاستاذ بين ما إذا كانت المؤونة مما يقتضيها طبع الرد فهى على القابض، وبين غيره فهى على المالك. وتوضيح كلامه: أن الحكم الشرعي إذا اقتضى في نفسه وبحسب جعله مقدرا من الضرر - نظير وجوب الخمس، والزكاة، والصوم، والجهاد، وأمثالها

[ 125 ]

من الاحكام الشرعية - كان الحكم المذكور تخصيصا لقاعدة نفى الضرر. وإذا كان الضرر زائدا على المقدار الذى يقتضيه طبع الحكم الشرعي لم يكن ذلك تخصيصا لادلة نفى الضرر، بل أدلة نفى الضرر تكون حاكمة على دليل ذلك الحكم، وموجبا لاختصاصه بغير موارد الضرر. وعلى هذا الضوء فان كانت مؤونة الرد بمقدار ما يقتضيه طبع رد المال إلى مالكه فهى على القابض. وإن كانت زائدة على ذلك فيه على المالك، لادلة نفى الضرر. ويرد عليه: أن وجوب الرد في نفسه لا يقتضى أي ضرر، إذ قد يكون الرد غير محتاج إلى المؤونة أصلا، فالمؤونة أمر قد يحتاج إليه الرد، وقد لا يحتاج إليه ذلك، وإذن فدليل نفى الضرر يقتضى اختصاص وجوب الرد بما لا يحتاج إلى مؤونة. ومن هنا تظهر الحال في تفصيل المصنف - أيضا - فان تحمل الضرر مرفوع في الشريعة المقدسة. ولا فرق ين قليله وكثيره. نعم لا بأس بالالتزام بكون المؤونة على القابض فيما إذا كانت المؤونة من القلة بمرتبة لا تعد ضررا عرفا. ولعل هذا هو مراد المصنف من التفصيل الذى نقلناه عنه قريبا. هل يجب رد المقبوض إلى مالكه مطلقا؟ الجهة الخامسة: أنا إذا بنينا على أن الواجب على القابض هو التخلية بين المالك وماله، دون رده إليه فهل هو كذلك على وجه الاطلاق، وفى جميع الموارد، أم يجب ذلك في بعض الموارد دون بعض؟.

[ 126 ]

وتفصيل ذلك: أنه قد يكون المالك والمشترى كلاهما في بلد القبض، وقد يكونان في بلدين. وعلى الثاني فتارة ينتقل البائع إلى بلد آخر غير بلد القبض. واخرى ينقل المشترى المقبوض من بلد القبض إلى بلد آخر. وثالثة ينتقل منه البائع إلى بلد، وينتقل منه المشترى إلى غير ذلك البلد أما إذا كانا في بلد القبض فقد عرفت أنه لا يجب حينئذ رد المقبوض إلى مالكه، بل تكفى - في هذه الصورة - التخلية بينه وبين ماله، فإذا اراد المالك أن يأخذه ماله - في أي وقت - أخذه بنفسه. أما إذا كان القابض في بلد القبض، ولكن انتقل المالك إلى بلد آخر ثم طالبه بما له لم يجب عليه الرد - عندئذ - قطعا حتى إذا قلنا بوجوب الرد في الشق الاول، فانه لا دليل على جواز مطالبته بما له بأزيد من مطالبته في بدل القبض. أما إذا نقله القابض من بلد القبض إلى بلد آخر، وطالب به المالك فوجب رده إلى بلد القبض، سواء في ذلك كون المال في بلد القبض، وانتقاله إلى بلد آخر، وعليه فمؤونة الرد على القابض، ضرورة أن نقل المقبوض إلى غير بلد القبض لم يكن باذن مالكه لكى تكون مؤونة الرد عليه، بل كان ذلك باختيار القابض، وحينذاك فيجب عليه رده إلى بلد القبض، وذلك للسيرة العقلائية المحكمة في أمثال المقام، أو لدليل ضمان اليد. وقد اتضح لك مما بيناه حكم ما إذا انتقل المالك إلى بلد. ونقل القابض المال إلى بلد آخر، فان المالك إذا طالب القابض بنقل المال إلى البلد الذى هو فيه لم تجب على القابض اجابته. وإذا طالبه برده إلى بلد القبض وجب على القابض رده.

[ 127 ]

ما هو حكم المنافع المستوفات؟ قوله: (الثالث: أنه لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها قبل الرد كان عليه عوضها على المشهور). أقول المشهور بين الفقهاء: أن القابض بالعقد الفاسد يضمن المنافع التى استوفاها من المقبوض. بل الظاهر من عبارة الحلى المحكية عنه من (أن البيع الفاسد عند المحصلين يجرى مجرى الغصب والضمان). هو قيام الاجماع على ذلك. وقد نسب الخلاف في ذلك إلى ابن حمزة، حيث إنه حكم بعدم الضمان - هنا - محتجا بأن الخراج بالضمان، كما في النبوى المرسل. ويحسن بنا أولا بيان الوجوه التى استدل بها على الضمان، ثم صرف الكلام إلى بيان ما استدل به ابن حمزة على رأيه. فنقول: إنه قد استدل على الضمان بوجوه شتى. 1 - النبوى المعروف: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (1) فان عمومه يشمل المنافع المستوفاة أيضا. ويتوجه عليه أولا: أنه ضعيف السند، وغير منجبر بعمل المشهور به لا صغرى، ولا كبرى: أما الوجه في منع الصغرى فلعدم الاطمئنان باعتماد القائلين بالضمان على الحديث المزبور، بل اعتمد أكثرهم على الوجوه الاخر التى سنذكرها قريبا. أما الوجه في منع الكبرى فهو ما ذكرناه في علم الاصول، وأشرنا


(1) قد تقدم ما يرجع إلى هذا الحديث في ص 87.

[ 128 ]

إليه آنفا من أن الشهرة ليست بحجة في نفسها، فكيف تكون سببا لحجية الخبر الضعيف، وجابرة لوهن سنده وتفصيل الكلام في محله. ثانيا: أنا لو سلمنا شمول صدر الحديث للاعيان المأخوذة، والمنافع المستوفات إلا أنه لا ينفعنا - في المقام - لان الظاهر من ذيله هو اختصاصه بالاعيان فقط. بداهة أن الظاهر من الاداء هو رد المأخوذ بعينه بدءا. ومع عدم التمكن منه ينوب عنه رد المثل أو القيمة. ومن الواضح أن رد المأخوذ بعينه لا يعقل في المنافع، لانها ما لم توجد في الخارج ليست بمضمونة، وبعد وجودها فيه تنعدم وتنصرم. وحينئذ فلا يمكن أداؤها إلى المالك لكى يشملها دليل ضمان اليد. على أن للمناقشة في شمول مفهوم الاخذ للمنافع مجال، إذ قد يقال: إن مفهوم الاخذ لا يصدق على استيفاء المنافع، خصوصا إذا كانت المنفعة من قبيل الاعمال: كمن أمر غيره بخياطة ثوبه، أو بناية داره، أو نجارة بابه ولم يعط اجرته، فانه لا تطلق كلمة الاخذ على شئ من ذلك. ومن هنا ذكر المصنف فيما تقدم: (أن مورده (أي خبر اليد) مختص بالاعيان، فلا يشمل المنافع والاعمال المضمونة في الاجارة الفاسدة). ولكن الصحيح: أن مفهوم كلمة الاخذ أوسع من ذلك، لعدم اختصاصه بالاخذ الخارجي، والا لزم منه خروج كثير من الاعيان عن مورد الحديث كالدار، والارض، والبستان، والحديقة، وأشباهها مما لا يقبل الاخذ الخارجي. ومما يدل على صحة ما ذكرناه: أن مفهوم الاخذ يصح انتسابه إلى الامور المعنوية كالعهد، والميثاق، والرأى، وأمثالها، كما أنه يصح انتسابه إلى الامور الخارجية واذن فلا وجه لتخصيص مفهوم الاخذ بالاعيان الخارجية. وانما هو كناية

[ 129 ]

عن الاستيلاء على الشئ، كما أن كلمة بسط اليد كناية عن الجود، والسخاء. وكلمة قبض اليد كناية عن البخل، ولا ريب أن استعمال لفظ الاخذ في هذا المعنى - الذى ذكرناه - كثير في القرآن وغيره، ومنه قوله (تعالى): لا تأخذه سنة، ولا نوم (1) وإذن فالصحيح في وجه المنع عن شمول الحديث للمنافع هو الوجه الثاني، وهو اختصاص ذيل الحديث بالاعيان، وعدم شموله للمنافع 2 - قوله (ع): حرمة ماله -: أي المؤمن - كحرمة دمه (2) فان الظاهر من هذه الجملة أن إتلاف مال المؤمن موج للضمان، ومن الواضح أنها كما تشمل الاعيان كذلك تشمل المنافع المستوفات - أيضا - لصدق المال عليها جزما. ويتوجه على الاستدلال بها: أن الظاهر منها هو الحكم التكليفى، بمعنى: أنه لا يجوز إتلاف مال المؤمن بغير إذنه، كما لا تجوز إراقة دمه. وعلى تقدير أن تكون الحرمة بمعنى الاحترام. فغاية ما تدل عليه هذه الجملة المباركة هي لزوم حفظ مال المؤمن عن التلف، وعدم جعله في معرض الهلاكة، فان ذلك هو مقتضى الاحترام. أما الضمان فلا يستفاد من ذلك، وإلا يلزم على كل واحد من المؤمنين ضمان مال المؤمن الآخر مع التلف بآفة سماوية، ولا شبهة في أن هذا المعنى لا يمكن الالتزام به بوجه. 3 - الروايات الدالة على عدم حلية مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه، وعلى حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه. وقد عرفت صدق المال على المنافع. ولذا تقع ثمنا في البيع، وعوضا في الخلع، وصداقا في النكاح وهكذا ويتوجه على الاستدلال بها: أن المستفاد منها ليس


(1) سورة البقرة، الآية: 255. (2) قد تقدم ما يرجع إلى هذه الجملة في ص 91.

[ 130 ]

الا الحكم التكليفى: أعنى به حرمة التصرف في أموال الناس بدون اذنهم، أما الحكم الوضعي: أعنى به الضمان فلا يستفاد منها. وقد تقدم تفصيل ذلك قريبا (1). 4 - قاعدة نفى الضرر، فان استيفاء منفعة مال المالك، وجعله مسلوب النفع ضرر عليه، وهو منفى في الشريعة المقدسة. ويتوجه على هذا الاستدلال: أن أدلة نفى الضرر ليست مسوقة لاثبات الحكم الشرعي، وانما هي مسوقة لبيان نفى الحكم الضررى. أضف إلى ذلك: أن القاعدة لا تفى باثبات ضرر على أحد لنفى الضرر. عن غيره، فكما أن الحكم بعدم الضمان فيه ضرر على المالك، كذلك الحكم بالضمان فيه ضرر على القابض. بل يمكن أن يقال: إن المنافع تنصرم، وتنعدم بنفسها، سواء في ذلك استيفاء المالك وعدمه، فالحكم بعدم الضمان ليس فيه ضرر على المالك، بل إنه من قبيل عدم النفع، فلا موضوع للقاعدة أصلا، وقد تقدم الكلام فيما يرجع إلى الاستدلال بهذه القاعدة في أمثال الموارد قريبا (2). وعلى الجملة: أنه لا دلالة في شئ من الوجوه المتقدمة على ضمان المنافع المستوفات. نعم يمكن الاستدلال على الضمان - هنا - بأمرين: 1 - السيرة القطعية العقلائية، فانها قائمة على أن أموال الناس لا تذهب هدرا، وعليه فإذا استولى أحد على مال غيره - سواء أكان ذلك بعنوان الغصب، أم كان بعنوان آخر - ضمنه بجميع الخصوصيات التى هي دخيل في


(1) راجع ص 90. (2) راجع ص 93.

[ 131 ]

المالية، وحيث ان الشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة فتكون دليلا على ضمان المنافع المستوفات. 2 - قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن. وهى بهذه الكيفية والخصوصية وان لم تذكر في رواية خاصة، ولكنها قاعدة كلية متصيدة من الموارد الخاصة التى نقطع بعدم وجود الخصوصية لتلك الموارد، وعليه فتكون هذه القاعدة متبعة في كل مورد تمس بها الحاجة. والموارد التى اخذت منها هذه القاعدة هي الرهن، والعارية، والمضاربة، والاجارة، والوديعة، وغير ذلك من الموارد المناسبة لها فانه قد وردت فيها الاخبار الكثيرة (1) الدالة


(1) عن إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا إبراهيم (ع) عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم وهو يساوى ثلاثمائة درهم، فيهلك أ على الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم، لانه أخذ رهنا فيه فضل، وضعه. الحديث. وعن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (ع) قال إذا رهنت عبدا أو دابة فمات فلا شئ عليك، وإن هلكت الدابة، أو أبق الغلام فأنت ضامن. قال في رهن التهذيب بعد نقل هذا الحديث: فالمعنى فيه أيضا أن يكون سبب هلاكها، أو إباقه شيئا من جهة المرتهن. وعن أبان، عمن أخبره (وفي الفقيه أبان عن أبي عبد الله) عن أبي عبد الله (ع) أنه قال في الرهن: إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقه على الراهن فاخذه، فان استهلكه تراد الفضل بينهما. الكافي ج 5 من ط 2 باب الرهن، ص 234 و 236. وعن وهب، عن جعفر، عن أبيه (ع) إن عليا (ع) قال: من استعار عبدا مملوكا لقوم فعيب فهو ضامن. بناءا على أن العيب من ناحية المستعير. الوافى ج 10 ص 118. -

[ 132 ]

على أن اتلاف مال الغير موجب للضمان، وقد استفاد منها الفقهاء رضوان الله عليهم قاعدة كلية: أعنى بها قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، فتحصل مما ذكرناه: أن المنافع المستوفات مضمونة على القابض.


- وعن الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) قال سئل عن القصار يفسد؟ قال: كل أجير يعطى الاجر عن أن يصلح فيفسد فهو ضامن. وعن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) يضمن القصار، والصباغ والصائغ احتياطا على أمتعة الناس. الحديث. وعن ابن أبي الصباح عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الثوب أدفعه إلى القصار، فيحرقه؟ قال أغرمه، فانك إنما دفعته إليه ليصلحه، ولم تدفعه إليه ليفسده. وعن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) ان أمير المؤمنين (ع) رفع إليه رجل استأجر رجلا ليصلح بابه، فضرب المسمار فانصدع الباب، فضمنه أمير المؤمنين (ع) الكافي ج 5 من ط 2 باب ضمان الصناع ص 241. وعن أبي بصير عن أبى عبد الله (ع) قال: قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل كان له غلام فاستأجره منه صائغ أو غيره، قال: ان كان ضيع شيئا، أو أبق منه فمواليه ضامنون. الكافي ج 5 من ط 2 ص 32. وإلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المزبورة وغيرها.

[ 133 ]

ما استدل به على عدم ضمان المنافع المستوفات قد استدل ابن حمزة على عدم ضمان المنافع المستوفات بالنبوي المشهور الخراج بالضمان (1). ويرد عليه أولا: أن الحديث المزبور ضعيف السند، وغير منجبر بشئ ثانيا: أن الاستدلال المذكور منتقض بالمغصوب، - حيث إن ضمان المنافع المستوفات فيه أمر بديهى لا يعرضه الشك. خلافا للحنفية (2). ثالثا: أنه لا دلالة في ذلك الحديث على ما يرومه المستدل، وذلك لانه يحتمل وجوها. 1 - أن يكون المراد من كلمة الخراج فيه ما هو المعروف في باب الخراج والمقاسمة، ويكون المراد من كلمة الضمان فيه هو ضمان الاراضي الخراجية بسبب التقبل والاجارة. ولا يخفى عليك: أن هذا الاحتمال - وان لم نره في كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم، ولكنه أقرب المحتملات للارادة من الحديث، ووقتئذ يكون النبوى خارجا عما نحن فيه، ولا يكون مربوطا بالمقام اصلا ورأسا.


(1) في ج 5 سنن البيهقى ص 321 عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله الخراج بالضمان وفي جملة اخرى من الروايات: أنه قضى رسول الله صلى الله عليه وآله أن الخراج بالضمان وفي ص 322 عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله الغلة بالضمان. (2) في شرح فتح القدير ج 7 ص 394: ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه لانها حصلت على ملك الغاصب، الا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان.

[ 134 ]

2 - أن يراد من الخراج مطلق المنافع أعم من الخراج المصطلح وغيره. ويراد من الضمان المعنى اللغوى: أعنى به مطلق العهدة، سواء أكان ذلك أمرا اختياريا مترتبا على العقود الصحيحة، أو الفاسدة، أم كان امرا غير اختياري مترتبا على الغصب وعليه فيكون المراد من الباء في كلمة (بالضمان) هو السببيه أو المقابلة. وحينذاك فمعنى الحديث: أن المنافع الحاصلة من الاموال المأخوذة بالعقود الصحية أو الفاسدة، أو المأخوذة بالغصب مملوكة للضامن، وأن ضمان العين سبب لملكية المنافع. وعليه فتدل الرواية على عدم ضمان المنافع المستوفات كما عليه ابن حمزة. ولكن من البعيد جدا، بل من المستحيل عادة ذهاب ان حمزة - الذى هو من أعظم فقهائنا الامامية - إلى مثل هذا الرأى، بل هو يناسب مثل أبى حنيفة الذى افتى بعدم ضمان المنافع مع ضمان العين. وقد نقلنا رأيه قريبا في الحاشية. 3 - أن يراد من الخراج المنافع المستوفات، ويراد من الضمان خصوص الضمان الاختياري المترتب على العقود الصحيحة التى أمضاها الشارع المقدس - كالبيع والاجارة ونحوهما - وعليه فلا يكون النبوى المزبور مربوطا بما أفتى به ابن حمزة، ضرورة أن مورد كلامه البيع الفاسد، لا البيع الصحيح 4 - أن يراد من الخراج المنافع المستوفات، ويراد من الضمان الضمان المعاملى الاختياري، سواء أكان ذلك ممضى للشارع المقدس، أم لم يكن ممضى له، فيشمل البيع الصحيح والفاسد كليهما. وعلى هذا فيصلح النبوى أن يكون مدركا لابن حمزة. ويتوجه عليه: أنه لا قرينة في الحديث على أن يراد منه هذا الاحتمال، دون سائر الاحتمالات، بل قد عرفت قريبا أن الاحتمال الاول أظهر المحتملات

[ 135 ]

للارادة من الحديث ويضاف إلى ذلك: أن لازم الاخذ بالاحتمال الاخير هو أن كلمن استوفى شيئا من منافع العين فلابد وأن يرد ذلك إلى الضامن وان كان المستوفى هو المالك للعين، ومن الواضح أن هذا أمر لا يمكن الالتزام به بوجه. ثم انه ربما يستنبط ما ذهب إليه ابن حمزة من جملة من الروايات (1)


(1) عن اسحاق بن عمار، قال: أخبرني من سمع أبا عبد الله (ع) يقول وقد سأله رجل وأنا عنده، فقال له: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فمشي إلى أخيه. فقال له: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحب إلى من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي أني إذا جئتك بثمنها إلى سنة تردها على؟ قال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه. قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنها لو احرقت لكانت من ماله؟ مرسلة. وعن معاوية بن ميسرة، قال، سمعت أبا الجارود يسأل ابا عبد الله (ع) عن رجل باع دارا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط أنك إن أتيتني بما لي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله قال: له شرطه. قال له أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين؟ فقال: هو ماله، وقال أبو عبد الله (ع): أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشتري، مجهولة بمعاوية بن ميسرة؟ الحاصر الجدار. الوافي ج 10 ص 69. وعن اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي إبراهيم (ع) الرجل يرتهن الرهن الغلام أو الدار قيصيبه الآفة على من يكون؟ قال: على مولاه. ثم قال: أرأيت لو قتل قتيلا على من كان يكون؟ قلت: هو في عنق العبد... ثم قال أرأيت لو -

[ 136 ]

الواردة في مواضيع شتى: مثل قوله (ع) - في مقام الاستشهاد على كون منفعة الدار المبيعة في زمان الخيار للشمترى -: (ألا ترى أنها لو احرقت لكانت من ماله؟). وتفضل (ع) بنظير ذلك أيضا في رواية اخرى. وكقوله (ع) - في الرهن -: (وكذلك يكون عليه ما يكون له). ويتوجه عليه: أن الروايات المذكورة ليست مسوقة لبيان الكبرى الكلية، بل الغرض منها هو التنبيه على أن الدار ملك للمشترى، والرهن ملك للراهن، فيكون نماؤ الدار مملوكا لمالكها، ونماؤ الرهن مملوكا لمالكه، وهذا ظاهر. ما هو حكم المنافع غير المستوفات؟ قوله: (وأما المنفعة الفائتة بغير استيفاء فالمشهور فيها أيضا الضمان). أقول: المشهور بين الفقهاء هو أن المنافع الفائتة بغير استيفاء - أيضا - مضمونة على القابض، بل الظاهر من الحلى هو حكاية الاجماع على ذلك حيث حكى عن السرائر في آخر باب الاجارة الاتفاق على ضمان منافع المغصوب الفائتة، مع قوله في باب البيع: إن البيع الفاسد عند المحصلين يجرى مجرى الغصب والضمان. بل يقتضى الحكم بالضمان صدق عنوان المال على تلك المنافع فانها عندئذ تكون مشمولة لقاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن. ولكن التحقيق هو عدم الضمان - هنا - لعدم الدليل عليه، وسيتضح


- كان ثمنه مائة دينار فزاد وبلغ ماتي دينار لمن كان يكون؟ قلت: لمولاه. قال: وكذلك يكون عليه ما يكون له. موثقة بابن عمار. الوافي ج 10 ص 116. والتهذيب ج 7 من ط 2 ص 172.

[ 137 ]

لك وجهه. ثم لا يخفى عليك: أن التكلم - هنا - في الضمان وعدمه انما هو بعد الفراغ عن الحكم بالضمان في المنافع المستوفات، أما إذا لم نقل به - هناك - فعدمه - هنا - بالاولوية القطعية. وأيضا لا يخفى عليك ما في كلام المصنف من الاضطراب، فانه تارة يفتى بالضمان، واخرى يفتى بعدمه. وثالثة يتوقف في المسألة. ثم إن مورد البحث - هنا - ما إذا لم يكن فوت المنافع من ناحية وضع القابض يده على المقبوض بالعقد الفاسد، وإلا يكون ذلك من مصاديق المغصوب ويجرى عليه حكمه. ثم إن الاقوال في المسألة - ظاهرا - خمسة: 1 - الضمان مطلقا، وقد ذهب إليه المشهور. 2 - عدم الضمان كذلك، كما عن فخر المحققين في الايضاح. 3 - التفصيل بين علم البائع بالفساد، وبين جهله به، فيحكم بعدم الضمان في الاول، وبالضمان في الثاني. 4 - القول بالتوقف في الصورة الثالثة. 5 - التوقف على وجه الاطلاق. أما القول بالتفصيل فحيث إنا لم نقل به في المنافع المستوفات، فلا نقول به - هنا - أيضا، لان القائل بعدم الضمان - في صورة العلم بالفساد - انما توهم ذلك من جهة أن المالك قد سلط القابض على ماله لكى يتصرف فيه كيف يشاء ولكنا ذكرنا فيما سبق أن اذن المالك - في مورد بحثنا - انما كان مشروطا بحصول الملكية الشرعية، وهى لم تحصل، والمفروض أنه لم يحصل

[ 138 ]

- هنا - اذن آخر جديد. واذن فالمسألتان من حيث الضمان وعدمه سيان. أما القول بالتوقف فالظاهر أنه لا يعد رأيا خاصا في المسألة، بديهة أن واقع للتوقف ليس الا اظهار الجهل بالحكم، ومن البين الذى لا ريب فيه أن الجهل بالحكم لا يعد قولا برأسه. واذن فيبقى القولان الاولان: أعنى بهما القول بالضمان على وجه الاطلاق، والقول بعدمه كذلك. ويحسن بنا أولا أن نقدم مقدمة أمام البحث عن هذين القولين. وحاصلها: أن الغاصب انما يضمن العين المغصوبة للمغصوب منه بجميع خصوصياتها الشخصية والنوعية، للسيرة القطعية العقلائية، فانها قائمة على أن الانسان إذا وضع يده على مال غيره على سبيل القهر والعدوان لزم عليه رده على مالكه بجميع خصوصياته وشؤونه، ومن الواضح أن منافع المال تعد من شؤونه، سواء أكانت مستوفات، أم لم تكن كذلك، فتكون مضمونة على القابض. ويضاف إلى هذه السيرة أمران: 1 - قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، وقد عرفت قريبا: أن هذه القاعدة مأخوذة من الاخبار الكثيرة الواردة في مواضيع شتى، ومن الواضح أن الغاصب قد أتلف المنافع المترتبة على المغصوب فتكون مضمونة عليه 2 - الاخبار (1) الدالة على وجوب رد المغصوب على المغصوب منه فان الظاهر منها هو رد ذلك عليه مع جميع شؤونه وخصوصياته، ولم نجد مخالفا في ذلك من الخاصة والعامة. الا الحنفية (2).


(1) الوسائل ج 3 باب 1 من ابواب الغصب. ص 325. (2) قد اشرنا إلى رأيهم في ص 133.

[ 139 ]

نعم قد عرفت ذهاب ابن حمزة إلى عدم الضمان في منافع العين المقبوضة بالعقد الفاسد، سواء في ذلك المنافع المستوفات وغيرها ولكن ذلك غريب عن المغصوب. وعلى هذا فيجب على الغاصب رد العين المغصوبة على المغصوب منه بجميع منافعها حتى المنافع الفائتة بغير اسيتفاء، وإذا تلفت العين انتقل الضمان إلى المثل أو القيمة، ولعل هذا المعنى هو المقصود من العبارة المعروفة بين المحصلين من أن الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال. والا فلا وجه لها بوجه. نعم لا يحكم بكون المغصوب مضمونا على الغاصب بالخصوصيات الشخصية التى لا دخل لها في زيادة المالية، ضرورة أنه لا دليل على الضمان في أمثال ذلك. ثم لا يخفى عليك أن الغاصب انما يضمن المنافع الفائتة إذا استند فوتها إليه. أما لو استند ذلك إلى المالك فلا ضمان عليه لعدم الدليل على ضمان الغاصب. في أمثال ذلك. ومثاله: أنه إذا كان من طبع المالك الانتفاع من ماله في زمان دون زمان، وغصبه الغاصب، وتركه على حالته الاولية لم يضمن إلا بمنافعه المستوفات، دون منافعه الفائتة بغير استيفاء، فالمنافع التى لا تكون العين معدة لاستيفائها لا تضمن بغير استيفاء. إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أنه ذهب جمع من الاصحاب إلى ضمان المنافع مطلقا، لوجوه: 1 - حديث ضمان اليد، بدعوى أنه شامل للمنافع الفائتة بغير استيفاء لكونها مقبوضة بتبع قبض العين، ومن هنا يتحقق قبض المنفعة بقبض العين المستأجرة، فتدخل المنفعة - بذلك - في ضمان المستأجر. ويتحقق قبض

[ 140 ]

الثمن في السلم بقبض الجارية التى جعلت خدمتها ثمنا، وكذلك يتحقق قبضه بقبض الدار التى جعل سكناها ثمنا. ويرد عليه أولا: أن حديث ضمان اليد ضعيف السند، وغير منجبر بشئ، وقد عرفته فيما تقدم (1). ثانيا: أنه لا يشمل المنافع المستوفات فضلا عن شموله للمنافع غير المستوفات، وقد تقدم ذلك قريبا (2). ثالثا: أنا لو سلمنا شموله للمنافع المستوفات، إلا أنه لا يشمل المنافع الفائتة بغير استيفاء، لان لفظ الاخذ - في الحديث المزبور - وإن كان كناية عن الاستيلاء على الشئ، ولكن لا يصح تعلقه بالمنافع الفائتة بغير استيفاء، لعدم تحققها بالفعل وإن كانت موجودة بالقوة، إلا أن الوجود الاستعدادي لا يصحح صدق الاستيلاء الموجب للضمان. نعم إذا قدرت هذه المنافع المعدومة بتقدير خاص - كما في الاجارة - صح تعلق الاستيلاء بها. قيل: ان المنافع غير المستوفات كما لا تقبل الاخذ، كذلك لا تقبل القبض - أيضا - لان قبضها عبارة عن استيفائها، ومعه تخرج عن حد العدم وتصير من قبيل المنافع المستوفات، وإذن فتكون خارجة عن مركز بحثنا، لان مورد بحثنا - هنا - إنما هو المنافع الفائتة بغير اسيتفاء، لا المنافع المستوفات والجواب عن ذلك: أن القبض يختلف حسب اختلاف الموارد، لانه قد يتحقق بالتخلية بين المال ومالكه، وقد يتحقق بالاخذ، وقد يتحقق بارجاع أمر الشئ إلى شخص. ومن البين أن قبض المنافع غير المستوفات انما يتحقق


(1) ص 88. (2) ص 128.

[ 141 ]

بارجاع زمام العين ورقبتها إلى مالك منافع العين، وهذا المعنى لا يستلزم استيفاء المنافع. وقال المحقق الخراساني: إن (مورده (أي حديث ضمان اليد) وإن كان مختصا بالاعيان، إلا أن قضية كونها مضمونة ضمان منافعها. فضمان المنافع في الاجارة الفاسدة انما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة. وبالجملة: قضية ضمان اليد ضمان المنافع فيما كانت العين مضمونة بها. فاختصاص مورده بالاعيان لا يوجب اختصاص الضمان بها). ويتوجه عليه: أنه ان كان غرضه من هذه العبارة: أن مالية الاعيان باعتبار منافعها المرغوبة للعقلاء - فضمان العين يستلزم ضمان ماليتها المتقومة بالمنافع - فهو متين، لان العين بما هي هي ليست لها مالية بوجه، بل ماليتها بلحاظ منافعها، ولكن لا دلالة في ذلك على ضمان المنافع المستوفات فضلا عن ضمان المنافع غير المستوفات، وهذا واضح. وان كان غرضه من العبارة المذكورة: أن الضمان الاعيان علة لضمان منافعها فهو مصادرة واضحة. أضف إلى ذلك أن ضمان المنافع المستوفات أمر بديهى وان لم تكن العين مضمونة، كما إذا استوفى عمل حر، حيث إن الحر بنفسه غير مضمون ولكن عمله مضمون. 2 - قوله عجل الله فرجه: (فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه (1)). ويتوجه عليه أولا: أنه ضعيف السند، وغير منجبر بشئ، فلا يمكن الاستناد إليه في شئ من المسائل الفقهية. ثانيا: أن نسبة عدم الحل إلى التصرف في مال الغير ظاهرة في الحكم


(1) قد ذكرناه في الجزء الثاني في ص 138.

[ 142 ]

التكليفى، لا في الحكم الوضعي، ولا في الاعم منهما، وعليه فلا دلالة في الرواية على ضمان الاعيان فضلا عن دلالتها على ضمان المنافع. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بالروايات (1) - الدالة على عدم حلية مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه - على الضمان - هنا - ضرورة أن الظاهر من نسبة الحل إلى المال انما هو ارادة حرمة التصرف فيه، على ما ذكرناه مرارا. ومن البين أن هذا لا يناسب الا الحرمة التكليفية، لا الحرمة الوضعية كما أن المراد من حرمة الامهات والبنات والخالات حرمة نكاحهن. واذن فتبعد الروايات المزبورة عن الدلالة على الحكم الوضعي: أعنى به الضمان. 3 - قوله (ع) في جملة من الروايات (2): حرمة ماله (أي المؤمن) كحرمة دمه، بدعوى أن مالية الاعيان باعتبار تنافس العقلاء فيها. وعليه فنفس المنافع من الاموال، بل من مهماتها، وإذا ثبت كونها من الاموال شملتها الجملة الشريفة المذكورة، فيثبت بذلك احترامها وضمانها. ويتوجه على هذا الاستدلال: أن الجملة المزبورة وان وردت في موثقة ابن بكير وغيرها، ولكن لا دلالة فيها على الضمان بوجه (3). 4 - قاعدة نفى الضرر، حيث ان الحكم بعدم ضمان القابض منافع ما قبضه من الاعيان ضرر على المالك (4). ويتوجه عليه: أن الحكم بضمان القابض ضرر عليه أيضا، فتقع المعارضة في شمول القاعدة لكلا الطرفين.


(1) قد ذكرناها في الجزء الثاني في ص 138. (2) قد ذكرناها في ص 91. (3) قد عرفت تفصيل ذلك في ص 91. (4) قد تقدم ما يرجع إلى هذه القاعدة في ص 94.

[ 143 ]

ويضاف إلى ذلك: أن القاعدة المذكورة انما تنفى الاحكام الضررية، ولا دلالة فيها على اثبات حكم آخر الذى يلزم الضرر من عدم جعله. 5 - قاعدة من أتلف، وقد استدل بها السيد في حاشيته - عند قول المصنف: فالمشهور فيها أيضا الضمان - واليك نصه: (هذا هو الاقوى بمعنى: أن حالها حال العين، لقاعدة الاتلاف، فان الاستيلاء على العين، ومنع المالك عن الانتفاع بها تفويت لمنافعها، ويصدق عليه الاتلاف عرفا، ولذا نحكم بالضمان لها في الغصب). ويتوجه عليه: أنا نمنع صدق التفويت على المنافع الفائتة بغير استيفاء الا إذا استند الفوت إلى القابض بأن وضع يده على مال الغير وحبسه بحيث لا يتمكن مالكه من التصرف فيه. وحينئذ فيكون شأن المقبوض بالعقد الفاسد شأن المغصوب 6 - الاجماع، وقد استظهره المصنف من السرائر والتذكرة، واستند إليه في الحكم بالضمان هنا. ويرد عليه: أنه لا وجه لدعوى الاجماع في أمثال هذه المسائل الخلافية إذ من المحتمل القريب أن يكون مدرك القائلين بالضمان - هنا - ما ذكرناه من الوجوه الماضية، ويتضح هذا المعنى لمن أعطف النظر على كلماتهم في المقام. ومن هنا ناقش السيد في كلام المصنف، وقال: (الانصاف أنا لو فرضنا عدم تامية ما ذكرناه من الادلة على الضمان لا وجه للقول به من جهة هذين الاجماعين المنقولين بعد عدم حجية الاجماع المنقول، وعدم معلومية الشمول للمقام). والعجب من شيخنا الاستاذ حيث دفع المناقشة المزبورة بأن (اختياره (أي المصنف) الضمان أخيرا ليس لاعتماده على الاجماع المنقول، مع أنه قده منكر لحجيته في الاصول، بل اعتمد على نقل الاجماع من جهة كشف

[ 144 ]

اتفاق الاعلام على شمول قاعدة اليد والاحترام للمنافع). ووجه العجب: أن المصنف قد ناقش في كلتا القاعدتين صريحا في صدر كلامه، وحكم بعدم امكان التمسك بهما - هنا - ومعه كيف يعتمد عليهما في ذيل كلامه. والمصنف وان ناقش في حجية نقل الاجماع في فرائدة، الا أنه اعتمد عليه في محل البحث وغيره. ونتيجة البحث إلى هنا: هي أن المقبوض بالعقد الفاسد لا يضمن بمنافعه غير المستوفات، لعدم الدليل عليه. ويؤيد ما ذكرناه - من عدم الضمان هنا - ما ورد من الروايات (1) في ضمان المنافع المستوفات من الجارية المسروقة المبيعة، فان هذه الاخبار - مع ورودها في مقام البيان - غير متعرضة لضمان بمنافعها غير المستوفات. وأيضا يؤيد ذلك خبر محمد بن قيس (2) الذى ورد فيمن باع وليدة أبيه بغير اذنه، فقال الامام (ع): الحكم أن يأخذ الوليدة وابنها، وسكت (ع) عن بيان الضمان في المنافع غير المستوفات. ويضاف إلى ذلك كله: أن المنافع غير المستوفات - في المقبوض بالعقد الفاسد - مورد لقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، ضرورة أن صحيح البيع لا يوجب ضمان المنافع الفائتة بغير استيفاء لانها ملك للمشترى مجانا، كذلك البيع الفاسد. وهذا لا ينتقض بالقول بالضمان في المنافع المستوفات، وذلك لصدق


(1) قد ذكرناها في ص 89. (2) راجع التهذيب ج 2 ص 138. وسيأتى التعرض لهذا الخبر في البحث عما استدل به على صحة البيع الفضولي.

[ 145 ]

الاتلاف على استيفائها، فتكون مندرجة تحت قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن. قيل ان المقبوض بالعقد الفاسد، والمغصوب سيان في ذلك، والالتزام بالتفكيك بينهما لا يتفق والقواعد الفقهية. والجواب عن ذلك: أن الفارق بينهما كالشمس في كبد السماء، لان الغاصب إنما يأخذ المال من المغصوب منه بالقهر والعدوان، فيكون مضمونا عليه بجميع خصوصياته وهذا بخلاف المقبوض بالعقد الفاسد. فان المالك قد دفعه إلى القابض باختياره، والمفروض أنه لا يمنع المالك عن التصرف فيه بوجه. وعليه ففوت المنافع إنما استند إلى نفس الدافع، لا إلى القابض واذن فلا وجه لقياس المقبوض بالعقد الفاسد بالمغصوب، وعليه فتصبح المنافع الفائتة بغير استيفاء غير مضمونة في المقبوض بالعقد الفاسد. ما هو الدليل على ضمان المثل في المثلى، وضمان القيمة في القيمى قوله: (الرابع إذا تلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله بلا خلاف، إلا ما يحكى عن ظاهر الاسكافي). أقول: لا يخفى عليك: أن ظاهر عبارة المصنف هو ذهاب الاسكافي إلى ضمان القيمة في المثلى، وهذا مناف لما سيأتي منه قريبا (1) من نسبته ضمان المثل في القيمى إلى الاسكافي. والمظنون قويا - والله العالم - هو وقوع السقط في عبارته - هنا -


(1) قال في الامر السابع: لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا فقد حكى الاتفاق على كونه مضمونا بالقيمة، ثم قال بعد أسطر: فقد حكى الخلاف في ذلك على الاسكافي.

[ 146 ]

فكأنه قال: إذا تلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله، وإن كان قيما وجبت قيمته بلا خلاف في ذلك بين الاصحاب، إلا عن الاسكافي، فانه حكم بضمان المثل في القيمى أيضا. وكيف كان فقد استدل على ضمان المثل في المثلى وضمان القيمة في القيمى بوجوه شتى: 1 - قوله صلى الله عليه وآله على اليد ما أخذت حتى تؤديه (1). ويرد عليه أنه لا دلالة فيه على مذهب المشهور: أعنى به الحكم بضمان المثل في المثلى، وضمان القيمة في القيمى، لان الظاهر منه هو ثبوت العين بدءا في عهدة الآخذ، وإذا تعذر أداؤها بعينها انتقل الضمان إلى المثل. وإذا تعذر المثل أيضا انتقل إلى القيمة، من غير فرق في ذلك بين المثلى والقيمي. ولا ريب في أن هذا المعنى لا ينطبق على مذهب المشهور انطباقا تاما، بل مقتضاه أن ضمان القيمة في طول ضمان المثل، كما أن ضمان المثل في طول الضمان بنفس العين التى اخذت من مالكها بغير سبب شرعى. وقد ظهر لك مما ذكرناه فساد ما قيل من أن حديث ضمان اليد غير متعرض لاداء البدل، بل هو ظاهر في وجوب رد العين إلى مالكها، ولا شك في أن هذا الوجوب يسقط بتلف العين. كما أنه ظهر لك مما بيناه - أيضا - فساد ما ذكره شيخنا الاستاذ من أن وجوب رد العوض مشروط بكون التالف (مما يتمول عرفا وشرعا، فمثل الخنفاء والخمر وإن وجب ردهما حين بقائهما لجهة حق الاختصاص الثابت لمن اخذ منه إلا أنه بعد تلفهما لا يتعلق بهما ضمان). ووجه الفساد: هو أن وضع اليد على متعلق حق الغير بدون سبب


(1) قد تقدم ما يرجع إلى هذا النبوى في ص 88.

[ 147 ]

شرعى يوجب ضمانه، وإذا تلف ذلك انتقل ضمانه إلى المثل نعم إذا تعذر المثل أيضا بقى التالف في عهدة الضامن، إذ المفروض أنه ليس بمال لكى ينتقل ضمانه - مع تعذر مثله - إلى قيمته. ولكن الذى يسهل الخطب هو أن حديث ضمان اليد ضعيف السند وغير منجبر بشئ، كما سمعته مرارا، فلا يمكن الاستناد إليه في شئ من الاحكام الفرعية 2 - ما دل على احترام مال المؤمن، وأن حرمة ماله كحرمة دمه (1) ولكن قد عرفت فيما سبق عدم دلالته على الضمان بوجه، بل الظاهر منه هو الحكم التكليفى، وعليه فيدل على حرمة التصرف في مال المؤمن بدون إذنه وطيب نفسه. ويضاف إلى ذلك: أنا لو سلمنا دلالته على ثبوت الضمان ولكن لا نسلم دلالته على ضمان المثل في المثلى، وعلى ضمان القيمة في القيمى، بل مفاده انما هو ثبوت الضمان بالبدل الواقعي. 3 - الروايات (2) الدالة على أن الامة المبتاعة إذا وجدت مسروقة - بعد أن أولدها المشترى - أخذها صاحبها، وأخذ المشترى ولده بالقيمة، حيث إن حكم الامام (ع) بضمان قيمة الولد ظاهر في أن ضمان القيمى بالقيمة والجواب عن ذلك: أن هذه الروايات وإن كانت صريحة في الضمان إلا أنها غير ظاهرة في ضمان المثل في المثلى، وفى ضمان القيمة في القمى، نعم هي غير خالية عن الاشعار بذلك وقد تقدم ما يرجع إلى هذه الروايات عند البحث عن مدرك الضمان في قاعدة ما يضمن. 4 - دعوى الاجماع على ضمان المثل في المثلى، وعلى ضمان القيمة في القيمى


(1) قد عرفت ما يرجع إلى ذلك في ص 91. (2) قد تقدمت هذه الروايات في ص 89.

[ 148 ]

ويتوجه عليه: أنا ذكرنا مرارا أن الاجماع لا يكون حجة إلا مع القطع بكشفه عن رأى المعصوم (ع) ومن البين الذى لا ريب فيه أن العلم بذلك مشكل جدا، بل المظنون قويا هو استناد المجمعين - هنا - إلى الوجوه المتقدمة ولا يفرق فيما ذكرناه بين الاجماع المنقول، والاجماع المحصل. أضف إلى ذلك: أن الاجماع - هنا - قد انعقد على مفهوم مجمل، لا مفهوم مبين لكى يكون النزاع - عند الشك في أن الضمان بالمثل أو القيمة - في تطبيق المفهوم المبين على المشكوك فيه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. 5 - قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (1) وعن الشيخ أنه استدل بهذه الآية - في المبسوط والخلاف - على ضمان المثل في المثلى، وضمان القيمة في القيمى، بدعوى أن المماثلة إنما تقتضي ذلك. ولكن الظاهر أنه لا دلالة فيها عى ما يرومه المستدل، إذ الاستدلال بها على ذلك يتوقف على امور ثلاثة: الاول: أن تكون كلمة (ما) في الآية الكريمة موصولة، لا مصدرية. الثاني: أن يراد من هذه الكلمة الموصولة الشئ المعتدى به: بأن يكون المعنى فاعتدوا عليه بمثل الشئ الذى اعتدى به عليكم. الثالث: أن يراد من كلمة المثل في الآية الشريفة المثل في المثلى، والقيمة في القيمى، وأنى للمستدل إثبات هذه الامور كلها. أما الامر الاول فيرده أنه لا قرينة على أن يراد من كلمة (ما) كونها موصولة، بل يحتمل أن تكون مصدرية غير زمانية، وعليه فتكون معنى الآية: أنه اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، وإذن فتختص الآية بالاعتداء بالافعال. وتبعد عن مورد البحث، بداهة أن مماثل الاتلاف هو الاتلاف،


(1) سورة البقرة، الآية: 194.

[ 149 ]

دون الضمان، ومن الواضح أن هذا الاحتمال يمنع عن الاستدلال بالآية الكريمة على المقصود. بل المحكى عن المحقق الاردبيلى في أيات أحكامه هو تعين هذا الاحتمال فانه بعد ما ذكر جملة من الآيات - التى منها الآية المتقدمة - الظاهرة في جواز الاعتداء بالمثل قال: فيها دلالة على جواز القصاص في النفس، والطرف، والجروح. بل جواز التعويض مطلقا حتى ضرب المضروب، وشتم المشتوم بمثل فعلهما - إلى أن قال - وتدل على عدم التجاوز عما فعل به وتحريم الظلم والتعدى أما الامر الثاني فيرده أنه لا قرينة على أن المراد من الشئ هو المعتدى به: أعنى به الاعيان الخارجية من النقد والعرض، بل يحتمل أن يراد به الفعل أعنى به الاعتداء، وعليه فتكون الآية غريبة عن غرض المستدل حتى مع جعل كلمة (ما) فيها موصولة. ويحتمل أن يراد من الشئ ما هو الاعم من الفعل والمعتدى به وحينئذ فتدل الآية على جواز اعتداء المضروب بالضرب، واعتداء المشتوم بالشتم وعلى جواز إتلاف المال في مقابل الاتلاف، وعلى جواز أخذ الحنطة بدل الحنطة وأخذ الفضة بدل الفضة وهكذا. وعلى هذا الاحتمال لا يستفاد من الآية الضمان - أيضا - بل ولا جواز تملك المغصوب منه شيئا مما أخذه من الغاصب، بل غاية ما يستفاد منها حينئذ إنما هو جواز التصرف في أموال الغاصب على سبيل التقاص، بلا كونها ملكا للمتصرف، ضرورة أنه لا ملازمة بين جواز التصرف في شئ وبين كونه ملكا للمتصرف، ومن هنا يجوز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة مع عدم كونه ملكا للآخذ بناءا على أنها تفيد الاباحة فقط. ولو أغمضنا عن جميع ذلك، وسلمنا اختصاص لفظ الموصول بالشئ

[ 150 ]

المعتدى به، ولكن لا نسلم انطباق الآية على مسلك المشهور من جميع الجهات بديهة أن مفاد الآية على هذا المنهج إنما هو الاعتداء بمثل المعتدى به، وعليه فتكون الآية ظاهرة في ضمان المثل في كل من المثلى والقمى، وحينئذ فإذا تعذر المثل كان دفع القيمة بدلا عن المثل الثابت في الذمة، لابدلا عن العين التالفة ابتداءا كما يرومه المستدل. أما الامر الثالث فيرده عدم وجود القرينة على إرادة ضمان المثل من الآية في المثلى، وإرادة ضمان القيمة في القيمى، لان المماثلة لا تقتضي هذا المعنى بل هي أعم من ذلك. وتحصل من جميع ما ذكرناه: أنه لا دلالة في شئ من الوجوه الماضية على مسلك المشهور: أعنى به ضمان المثل في المثلى وضمان القيمة في القيمى. والتحقيق: أن يستدل على ذلك بالسيرة، كما أنا اعتمدنا عليه في القول بالضمان في أصل المسألة: أعنى بها مسألة المقبوض بالعقد الفاسد. وبيان ذلك: أن العقلاء متفقون على أن الانسان إذا أخذ مال غيره، ووضع يده عليه بغير سبب شرعى ضمنه بجميع خصوصياته الشخصية والمالية والنوعية، وأنه لا يخرج عن عهدته إلا برد عينه على مالكه وإذا تلفت العين وجب على الضامن رد ما هو اقرب إليها، لان تلفها لا يسقط الضمان عنه جزما، ومن الواضح أن الاقرب إلى العين التالفة إنما هو المثل في المثلى والقيمة في القيمى، وعلى هذا فلا يكتفى برد أحدهما في موضع الآخر إلا برضى المالك، وهذا واضح لاشك فيه. ويؤيد ذلك: أن المرتكز في أذهان العقلاء هو أنه لا يحصل فراغ الذمة إلا بأداء المثل في المثلى، وبأداء القيمة في القيمى.

[ 151 ]

ما هو الفارق بين المثلى والقيمي قد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك: فعن الشيخ والحلى والمحقق والعلامة وجمع آخر: أن المثلى ما تتساوى أجزاؤه من حيث القيمة. بل هذا هو المشهور بين الاصحاب. وعن التحرير: أنه ما تماثلت أجزاؤه، وتقاربت، صفاته. وعن الدروس والروضة: أنه المتساوي الاجزاء والمنفعة المتقارب الصفات وعن غاية المراد: أنه ما تتساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية. وعن بعض العامة: أنه ما قدر بالكيل والوزن. وعن آخر منهم: زيادة جواز بيعه سلما. وعن ثالث منهم: زيادة جواز بيع بعضه ببعض، وإلى غير ذلك من التعاريف. أما القيمى فعرفوه بعكس ما عرفوا به المثلى. ثم إنه قد كثر النقض والابرام حول التعاريف المذكورة تارة بعدم الاطراد واخرى بعدم الانعكاس، وثالثة من سائر الجهات. ولكن لا يهمنا التعرض لشئ من تلك التعاريف، ولا التعرض لما يتوجه عليها من المناقشات، ضرورة أن لفظي المثلى والقيمي لم يردا في آية، ولا في رواية، ولا انعقد عليهما اجماع: لا المحصل، ولا المنقول لكى نبحث عنهما تارة من حيث الشرح والتفسير، واخرى من حيث الاطراد والانعكاس، وثالثة من سائر الجهات، بل ذكرهما الفقهاء لتعيين ما وجب على الضامن حيث الاداء، ولعل هذا هو المقصود من التعاريف المذكورة من غير

[ 152 ]

أن يجعلونها تعاريف حقيقية ولعله من هذه الجهة أضيف إلى تعريف المثلى أنه يجوز بيعه سلما، أو بعضه ببعض كما عرفته قريبا، إذ لو كان الغرض من تلك التعاريف التعاريف الحقيقية لما جاز ذكرهما فيها، لانهما من الاحكام الشرعية فلا معنى لاخذها في التعريف وإذن فالتعاريف المذكورة وغيرها كلها تعاريف لفظية وانما ذكرت هنا لبيان غرض وحداني، فاللازم علينا هو بيان هذا الغرض الوحيد. وتوضيح ذلك إجمالا: أن أوصاف الاشياء على قسمين، إذ قد يكون لها دخل في المالية، وقد لا يكون لها دخل في المالية بوجه: أما القسم الثاني فهو خارج عن مركز بحثنا، لعدم دخله في مالية الموصوف فلا يكون تفويته موجبا للضمان. أما القسم الاول فان كانت للموصوف أفراد متماثلة بحسب النوع أو الصنف فهو مثلى، ضرورة أن أفراد الكلى مع فرض تماثلها متساوية الاقدام ومتقاربة الاوصاف من دون تفاوت بينها في نظر العرف، وان كان بينها فرق بالدقة العقلية، وان لم يكن الموصوف كذلك فهو قيمى. وعلى هذا فالمراد من كلمة الاجزاء التى ذكرت في التعاريف المتقدمة انما هو أفراد الطبيعة، لا أجزاء المركب، كما هو واضح، وهذا هو الحجر الاساسى والضابط الكلى في المقام وقد اتضح لك مما بيناه: أن التماثل بين أفراد الموصوف يختص - في الخارج - بالاتحاد النوعى والصنفى، أما الاتحاد الجنسى فهو بنفسه لا يصحح التماثل في جميع الموارد، وهذا ظاهر لاخفاء فيه. ثم لا يخفى عليك: أن المثلى والقيمي يختلفان بحسب الازمنة والامكنة فان الاثواب وان كانت من القيميات في الايام السالفة، ولكنها أصبحت من المثليات غالبا في العصر الحاضر، لان اكثرها منسوج بنسج واحد وأنها متماثلة الافراد في الخارج غالبا.

[ 153 ]

ومن هنا ظهر: أن النقود الرائجة من المثليات، لتساوي أفرادها على النهج المزبور. أما الجواهر فهى قيمية، لاختلاف أفرادها - غالبا - إذ قد يساوى مقدار حمصة من الياقوت - مثلا - ربع دينار، ويسوى فرد آخر منه بالمقدار المزبور مأة دينار. وهكذا الفيروزج وأشباهه. وعلى الجملة: إن التأمل فيما بيناه من الضابط الكلى للمثلى والقيمي يوضح لنا الشبهات الواردة على تعاريفهما فافهم واغتنم. ما هو الضابط فيما شك في كونة مثليا أو قيميا؟ قد وقع الخلاف بين الفقهاء في كثير من الاشياء أنها مثلية أو قيمية: منها الذهب والفضة المسكوكان، فقد حكى التصريح - عن الشيخ في المبسوط - بكونهما قيميين، وظاهر غير واحد من الفقهاء أنهما مثليان. ومنها الحديد، والنحاس، والرصاص، فان الظاهر من العبائر المحكية عن المبسوط والغنية والسرائر أنها من قبيل القيميات، ولكن حكى التصريح عن العلامة في التحرير بأن اصولها مثلية، الا أن المصوغ منها قيمى. ومنها الرطب، والعنب، والزبيب، والتمر، حيث حكى التصريح عن الشيخ في المبسوط بكون الاولين قيميين، وكون الاخيرين مثليين، وعن العلامة في المختلف أن في الفرق إشكالا، بل ذكر المصنف أنه صرح بعض من قارب عصرنا بكون الرطب والعنب مثليين. وإلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التى لم يستوضح كونها مثلية أو قيمة. وكذلك لم يستوضح أن الاصل اللفظى - في الموارد المشكوكة - هل يقتضى كونها مثلية إلا ما خرج بالدليل، أم يقتضى كونها قيمية إلا ما خرج بالدليل. ولعل الوجه في ذلك: أن الائمة (ع) قد أغفلوا هذه الجهات، ولم

[ 154 ]

يتفضلوا بما هو الضابط الكلى في ذلك، بل إنما تعرضوا لبيان أصل الضمان في موارد شتى، ولم يتعرضوا لكيفية الضمان إلا في موارد قليلة. وعليه فإذا علمنا بكون شئ مثليا أو قيميا لانطباق ما ذكرناه - من الضابط الكلى - عليه فهو، وإن شك في ذلك فلابد من الرجوع إلى الاصول العملية، وقرروا ذلك بوجوه شتى: 1 - القول بضمان المثل فقط. لا غير. 2 - القول بضمان القيمة فقط، لا غير. 3 - القول بتخيير المالك بين المثل والقيمة. 4 - القول بتخيير الضامن بينهما. أما الوجه في الحكم بضمان المثل فقط فلان الواجب على الضامن ابتداء إنما هو أداء المثل حتى في القيميات، لكونه أقرب إلى التالف من غيره. أما أداء القيمة في القيميات فانما هو من باب الارفاق للضامن، إذ لا يوجد - غالبا - مثل للقيميات في الخارج. ثم إن فراغ الذمة بأداء ما يحتمل تعينه قطعي، وبأداء غيره مشكوك فيه، فالاصل هو عدم سقوط ما في ذمة الضامن إلا بأداء المثل لانه إذا دار الامر بين التعيين والتخيير وجب الاخذ بما احتمل تعينه. ويرد عليه: أن الواجب على الضامن ابتداء إنما هو أداء القيمة في القيميات، دون أداء المثل، وقد عرفت ذلك قريبا. ويضاف إلى ذلك: أنا لو سلمنا صحة المبنى، الا أنا لا نسلم صحة البناء وذلك لان القاعدة تقتضي الالتزام بالتعيين تارة، وبالتخيير اخرى، لا الحكم بالاخذ بما احتمل تعينه. وبيان ذلك: أنه إذا كان - هنا - حكم واحد، ودار أمره بين التعيين.

[ 155 ]

لاحتمال الاهمية - وبين التخيير حكم بالتخيير، ولم يؤخذ بمحتمل الاهمية وإذا كان - هنا - حكمان، ودار أمرهما بين التعيين والتخيير - في مرحلة الامتثال والفعلية من ناحية المزاحمة - وجب الاخذ بما احتمل تعينه. والوجه في ذلك: أن المزاحمة بين الحكمين - في باب المزاحمة - انما نشأت من شمول الاطلاق - في كل من الحكمين - لحال الاتيان بمتعلق الآخر، وإذا استحال امتثالهما معا في مورد المزاحمة لم يبق كلا الاطلاقين - معا - على حالهما. وعليه فان كان أحد الحكمين بالخصوص أهم من الآخر اخذ به، وسقط الاطلاق في ناحية المهم، وإذا كان ملاك كل منهما مساويا لملالك الآخر سقط كلا الاطلاقين، لبطلان الترجيح بلا مرجح، وإذا كان أحد الحكمين محتمل الاهمية وجب الاخذ به، وسقط الاطلاق في غيره قطعا. والوجه في ذلك: أنه لا يجوز للمكلف تفويت الغرض الملزم - بعد احرازه - إلا بعجزه عن الامتثال تكوينا أو بتعجيز المولى اياه: بأن يأمره بمالا يجتمع معه في الخارج وإذا لم يوجد شئ من الامرين حكم العقل بقبح التفويت واستحقاق العقوبة عليه. وعلى هذا فإذا كان أحد الحكمين المتزاحمين معلوم الاهمية فلا شبهة في وجوب الاخذ به، لان الملاك في الطرف الآخر وان كان ملزما في نفسه، الا أن تفويته مستند إلى تعجيز المولى، ضرورة أن المولى قد أمر المكلف بصرف قدرته في الاهم، فإذا أتاه المكلف كان معذورا في ترك المهم، وتفويت ملاكه، وهذا بديهى لا ريب فيه. وإذا كان أحد الحكمين المتزاحمين محتمل الاهمية فايضا لا شبهة في لزوم الاحذ به، وذلك لما عرفته - قريبا - من أنه لا يجوز للمكلف عقلا أن يترك الملاك الملزم - بعد احرازه - الا بالعجز عن الامتثال تكوينا، أو تشريعا ومن الواضح أن المكلف قادر على الامتثال بمحتمل الاهمية، ولو بترك الآخر

[ 156 ]

واذن فلا يجوز ترك محتمل الاهمية، لحكم العقل بالاشتغال، واستحقاق العقاب على تحركه من غير عذر. ولا يخفى عليك: أن هذه الكبرى التى قد مناها في المتزاحمين لا تجرى في فرض اتحاد الحكم الذى دار أمره بين التعيين والتخيير، كالشك في أن تقليد الاعلم واجب تعيينى، أو أن المكلف مخير بينه وبين تقليد غير الاعلم حيث ان - هنا - حكما واحدا يحتمل تعلقه بالمعين، ويحتمل تعلقه بالجامع، بينه وبين غيره، وحينئذ فتعلقه بالجامع معلوم، وبالخصوص مجهول، فيدفع بالبراءة. وبعبارة اخرى: أنا نعلم - في أمثال ذلك - بتعلق التكليف في الجملة بالجامع الانتزاعي الذى يعبر عنه بعنوان أحد الشيئين، ولكنا نشك في كونه مأخوذا على نحو الاطلاق، أو متقيدا، بقيد خاص، ومن الواضح أن الشك في أمثال ذلك وان كان شكا في الامتثال، الا أن منشأ ذلك هو الشك في اطلاق الحكم وتقيده، فإذا رفعنا احتمال التقيد بأصالة البراءة ارتفع الشك في الامتثال أيضا، واذن فيحكم بالتخيير وبجواز الاكتفاء بكل واحد من الطرفين في مرحلة الامتثال. ومقامنا من هذا القبيل، لان ثبوت مالية التالف في ذمة الضامن معلوم الا أن ثبوت تعينها بخصوص المثل مشكوك فيه، فيدفع بالبراءة، واذن فاحتمال تعين المثل من ناحية لزوم الاخذ بمحتمل الاهمية عند دوران الامر بين التعيين والتخيير ضعيف جدا. ولكن التحقيق مع ذلك: هو تعين الضمان بالمثل - عند الشك في ضمان المثل أو القيمة - والوجه في ذلك: هو قيام السيرة القطعية على أن وضع اليد على مال الغير بلا سبب شرعى موجب للضمان، وعليه فان كان المال المزبور موجودا بعينه فلابد من رده على مالكه على النحو الذى أخذه

[ 157 ]

منه: أي بجميع خصوصياته النوعية والشخصية والمالية. وإذا تعذر ذلك - لتلف ونحوه - سقط عنه وجوب رد العين، وانتقل الضمان إلى المثل: أعنى به الكلى الجامع لجميع الاوصاف التى هي دخيل في مالية الشئ، وموجبة لزيادتها، لا الاوصاف التى لا دخل لها في مالية الشئ أصلا ورأسا، وانما هي دخيل في التشخص فقط. وعلى هذا الضوء فمقتضى القاعدة هو الضمان المثل، الا إذا ثبت كون التالف قيميا، أو كان التالف مثليا ولكن تعذر مثله في الخارج، فانه عندئذ يجب على الضامن أداء القيمة، وكل ذلك من ناحية السيرة العقلائية غير المردوعة من قبل الشارع، وهكذا الحال إذا قلنا بأن مدرك الضمان - في المقبوض بالعقد الفاسد - هو حديث ضمان اليد. أما الوجه في الحكم بضمان القيمة فقط - عند الشك في كون التالف مثليا أو قيميا - فهو أن المقام من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر فلابد من الاخذ بالاقل، ويدفع وجوب أداء الاكثر بالاصل. وبيان ذلك: أن المراد من القيمة هنا انما هو المالية المشتركة بين جميع الاموال. سواء أكانت تلك الاموال مثلية، أم كانت قيمية، وعليه فما نحن فيه من قبيل دوران الامر بين الاقل والاكثر لان اشتغال الذمة بالجهة المشتركة معلوم، واشتغالها بغير ذلك من الخصوصيات مشكوك فيه. وقد ذكرنا في محله أن المرجع في أمثال ذلك هو البراءة، وعلى هذا فلا يجب على الضامن إلا أداء القيمة، إلا إذا رضى بأداء المثل. فانه وقتئذ يكون مخيرا بين أداء القيمة وأداء المثل. ويرد عليه: أن الوجه المزبور مبنى على أن يكون المراد من القيمة التى نبحث عنها في المقام هو مطلق المالية السارية في الاموال كلها، فانه على هذا

[ 158 ]

جاز للضامن أن يؤدى عن التالف أي شئ أراده من الاموال إذا كانت قيمته تساوى قيمة التالف. ولكن هذا خلاف المتسالم عليه، بل خلاف ما هو المرتكز في الاذهان لان المتبادر من كلمة القيمة إنما هو المالية الخالصة، كالنقود الرائجة بين الناس، وأمثالها مما يتمحض في المالية من دون أن تلاحظ فيها أية خصوصية من الخصوصيات التى تتفاوت بها الرغبات، وعليه فيكون دوران الامر بين وجوب رد المثل ورد القيمة من قبيل دوران الامر بين المتبائنين، فلابد في ذلك من الاحتياط وليس هذا من قبيل دوران الامر بين الاقل والاكثر لكى يؤخذ بالاول، ويترك الثاني. أما الوجه في تخيير الضامن بين أداء المثل والقيمة فهو أن الضامن يعلم إجمالا باشتغال ذمته بأحد أمرين: إما المثل، أو القيمة. ومقتضى الاحتياط هو تحصيل القطع بالبراءة، لما عرفته - الآن - من أن المورد من قبيل دوران الامر بين المتبائنين، ومن الواضح أن القطع بفراغ الذمة - في أمثال هذه الموارد - لا يحصل الا بأداء كلا الامرين لكى تحصل الموافقة القطعية. ولكن مقتضى الاجماع، بل الضرورة، بل مقتضى قاعدة نفى الضرر هو أن الضامن لا يلزم بأداء كلا الامرين، واذن فيكون مخيرا بين أداء المثل وأداء القيمة. أما الوجه في تخيير المالك بين مطالبة المثل ومطالبة القيمة فهو ما ذكره بعض من أن ذمة الضامن وان كانت مشغولة اما بالمثل أو بالقيمة، الا أن ما يختاره المالك اما هو البدل الواقعي أو أنه بدل البدل، وعلى كلا التقديرين فيكون ذلك مسقطا لما في ذمة الضامن: أما على الاول فواضح، أما على الثاني فلرضاء المالك بذلك على الفرض واذن فما يختاره المالك مسقط لما في ذمة الضامن قطعا

[ 159 ]

دون غيره، لانه مشكوك فيه، فالاصل عدم سقوطه الا بما يختاره المالك. ويرد على كلا الوجهين: أن اشتغال الذمة بالمثل أو بالقيمة واقعا وقيام الاجماع والضرورة على عدم وجوب أدائهما معا لا يقتضيان تخيير الضامن بين أداء المثل والقيمة ولا تخيير المالك في استيفاء أيهما شاء، بل يمكن تعيين ما في الذمة بالصلح القهري: بأن يرجع الضامن والمالك كلاهما إلى الحاكم الشرعي ويحكم الحاكم بذلك. ويمكن أن يرجع في تعيين أحد الامرين إلى القرعة، بناءا على جريانها في كل أمر مشكل ولو كان في الشبهات الحكمية. ولكن الظاهر تسالمهم على عدم جريانها في الشبهات الحكمية، وعليه فلا مناص عن الرجوع إلى الحاكم، فيلزمهما بالصلح ان لم يكن - هنا - ما يتعين به الضمان بالمثل أو القيمة. ثم انه يحسن بنا التنبيه على أمر لاغناء عنه في مورد بحثنا، وهو أن القابض بالعقد الفاسد لا يلزم الا بأداء مثل المقبوض أو القيمة، ولا يكلف بأزيد من ذلك، لما ذكرناه آنفا من أن نفس العين باقية في عهدة القابض ما لم يؤدها إلى مالكها. دون عوضها، وإذا تعذر رد العين بنفسها - لتلف ونحوه وجب عليه رد بدلها، وهو المثل في المثلى، والقيمة في القيمى، ولا يفرق في ذلك ين كون المثل حين الاداء مساويا لقيمة العين حين الاخذ وعدمه. ويدل على ما ذكرناه أن نقص القيمة السوقية لا يضمن عند أداء نفس العين، فكيف يضمن عند اداء مثلها، وعليه فإذا أخذ شيئا بالبيع الفاسد، ثم نزلت قيمته لم يجب عليه شئ زائدا على رد نفس المبيع. فإذا تعذر رده - لتلف ونحوه - انتقل الضمان إلى مثله من دون زيادة.

[ 160 ]

ويؤيد ذلك ما ورد (1) في استقراض الدراهم - التى أسقطها السلطان وأجاز غيرها - من أنه ليس لصاحب الدراهم الا الدراهم الاولى الساقطة عن الرواج، لا الدراهم الجائزة بين الناس. نعم يعارضه خبر آخر (2) ولكنه ضعيف السند. ثم لا يخفى عليك: أنه إذا سقطت العين عن المالية بالمرة - كالجمد في الشتاء - لم يكف أداء المثل، بل يجب على الضامن أداء قيمته، لانا وان حكمنا بثبوت المثل في الذمة بعد تلف العين، الا أنه ليس على وجه الاطلاق، بل بما أنه مال، وعليه فإذا سقط المثل عن المالية انتقل الضمان إلى القيمة. وهذا المعنى هو الذى تقتضيه السيرة العقلائية غير المردوعة من قبل الشارع وحديث ضمان اليد.


(1) عن يونس قال: كتبت إلى ابي الحسن الرضا (ع) انه كان لي على رجل دراهم وان السلطان اسقط تلك الدراهم، وجاء بدراهم اعلى من تلك الدراهم الاولى، ولها اليوم وضيعة، فأي شئ لي عليه الاولى التي اسقطها السلطان، أو الدراهم التي اجازها السلطان؟ فكتب (ع): الدراهم الاولى. صحيحة. وعن صفوان، قال: ساله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم، أو تغيرت، ولا يباع بها شئ الصاحب الدراهم الدراهم الاولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ قال: فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الاولى، صحيحة، التهذيب ج 2 ص 150. (2) عن محمد بن عيسى، قال: قال لي يونس: كتبت إلى الرضا (ع): ان لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام وليس تنفق اليوم الي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ فكتب (ع) إلي: لك ان تأخذ منه ما ينفق بين الناس، كما اعطيته ما ينفق بين الناس. ضعيفة بسهل بن زياد، التهذيب ج 2 ص 150.

[ 161 ]

قيل: إن ما ورد في الدراهم الساقطة عن الرواج يدل باطلاقه على جواز ردها إلى مالكها الاول وإن سقطت عن المالية. وإذا ثبت هذا المعنى في الدراهم ثبت في غيرها، لعدم القول بالفصل. والجواب عن ذلك: أن الدرهم لا يصاغ إلا من الفضة، وعليه فلا معنى لسقوطه عن المالية بالمرة، فلا اشعار في ذلك بجواز رد الدراهم الساقطة عن المالية إلى مالكها الاول، فضلا عن الدلالة عليه. هل يجب شراء المثل مع قلته وزيادة قيمته؟ قوله: (الخامس: ذكر في القواعد أنه لو لم يوجد المثل إلا بأكثر من ثمن المثل ففى وجوب الشراء تردد). أقول: إذا تلف المقبوض بالعقد الفاسد أو ما في حكمه عند القابض، وترقت قيمة مثله - إما لعزته، وعدم وجوده إلا عند من يطلب بأكثر من قيمته، أو لكثرة الراغبين فيه - فهل يجب على القابض شراؤه ورده إلى المالك؟ أم لا يجب ذلك، بل لابد وأن يصبر المالك إلى أن يكثر المثل، أو تنزل قيمته السوقية؟ أم يفصل بين ما كانت زيادة القيمة من جهة الرواج فيحكم بوجوب الشراء، وبين ما كانت الزيادة لمطالبة من عنده بالزيادة، فيحكم بعدم وجوب الشراء؟. وهذا هو الحق، والوجه في ذلك ما ذكرناه سابقا من أن الثابت في ذمة القابض ابتداء ليس إلا نفس العين بجميع خصوصياتها النوعية والمالية والشخصية وإذا تلفت العين وجب عليه أداء مثلها، وهو الكلى الجامع لجميع الخصوصيات الدخيل في المالية، لا الخصوصيات الدخيل في التشخص الخارجي وإذن فزيادة القيمة السوقية لا تؤثر في جواز تأخير الاداء تمسكا

[ 162 ]

بأدلة نفى الضرر، ضرورة أنه لم يتوجه على الضامن ضرر آخر غير الضرر المتوجه عليه من ناحية حكم الشارع بضمان المثل، ومن الظاهر أن الحكم بالضمان لوروده مورد الضرر لا يرتفع بدليل نفى الضرر. ويضاف إلى ذلك: أن أدلة نفى الضرر مسوقة للامتنان، ولا ريب أن رفع الضمان خلاف الامتنان على الامة، بل الامتنان في ثبوته. نعم لو استلزم أداء المثل ضررا آخر ارتفع وجوبه بدليل نفى الضرر وعليه فلا يجب شراء المثل ممن لا يبيعه إلا بأكثر من قيمته السوقية ثم إن المصنف - بعد ما نفى الاشكال عن وجوب شراء المثل في الصورة المتقدمة، ونقل عليه الاجماع عن المبسوط - قال: (ووجهه عموم النص والفتوى بوحوب المثل في المثلى. ويؤيده فحوى حكمهم بأن تنزل قيمة المثل حين الدفع عن يوم التلف لا يوجب الانتقال إلى القيمة)، وغرضه من الفحوى هو أن عدم الانتقال إلى القيمة - عند نزول قيمة المثل حين الدفع - إنما هو لصدق المماثلة، ومن الواضح أنه إذا صدقت المماثلة مع نقص القيمة - مع أن المثل عندئذ لا يساوى العين في المالية - صدقت مع زيادة القيمة السوقية - أيضا - بالاولوية. ولكن لا يتم شئ مما أفاده: أما الاجماع فلعدم العلم بكونه اجماعا تعبديا لكى يستكشف به قول المعصوم (ع). أما النصوص فقد عرفت عدم تماميتها إما من حيث السند، وإما من حيث الدلالة، أما الفتوى فلا اعتبار بها. أما الفحوى فلان كلامنا ليس في صدق المماثلة عدم صدقها لكى نتمسك في ذلك بالفحوى، بل محل بحثنا إنما هو لزوم شراء المثل بالقيمة العالية وعدم لزوم شرائه بذلك، وقد عرفت لزومه من ناحية السيرة.

[ 163 ]

أما إذا كانت زيادة القيمة لقلة الوجود، وعدم وجدانه إلا عند من يبيعه بأكثر من قيمته السوقية. فقد ذكر المصنف - هنا -: أن (الاقوى مع ذلك وجوب الشراء وفاقا للتحرير، كما عن الايضاح والدروس وجامع المقاصد بل إطلاق السرائر، ونفى الخلاف المتقدم عن الخلاف لعين ما ذكر في الصورة الاولى) وير عليه: أن ما استند إليه - من الوجوه - في الصورة الاولى لا يرجع إلى معنى محصل كما عرفته - لكى نعتمد عليه في الصورة الثانية، وإنما التزمنا بوجوب شراء المثل في الصورة الاولى من جهة السيرة، ومن الواضح أنها لا تجرى في الصورة الثانية، بديهة أن زيادة القيمة - هنا - لم تنشأ من ناحية ثبوت المثل في الذمة، بل إنما نشأت من ناحية الامور الخارجية. ومن الظاهر أن إلزام الضامن بهذه الزيادة ضرر غير مربوط ببناء حكم الشارع - بأداء المثل - على الضرر، وإذن فوجوب أداء المثل يدفع بأدلة نفى الضرر. ومن هنا اتضح لك: أنه إذا بقى المقبوض بالعقد الفاسد عند الضامن، وتوقف رده إلى مالكه على تضرر الضامن لم يجب رده لادلة نفى الضرر قيل يجب شراء المثل في الصورة الثانية - أيضا - وإن كان الشراء بقيمة عالية، لان الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال. ويرد عليه: أن هذا الوجه يختص بالغصب، فلا يجرى في المقبوض بالعقد الفاسد. أضف إلى ذلك: أنه لا دليل على أخذ الغاصب بأشق الاحوال، وعليه فالحاق الصورة الثانية بصورة الاعواز - التى سنتكلم فيها - وجيه جدا. وعلى الجملة: إنه لا يجب شراء المثل مع عزة وجوده بحيث لا يوجد إلا بأكثر من القيمة السوقية، لقاعدة نفى الضرر. قيل إن الضرر هنا ليس في متعلق التكليف: أعنى به أداء المثل، وإنما

[ 164 ]

هو في مقدماته: أعنى بها شراء المثل بأزيد من القيمة السوقية، ومن الظاهر أن أدلة نفى الضرر لا تشمل مقدمات التكليف، لان وجوب المقدمة عقلي لا شرعي. والجواب عن ذلك: أن أدلة نفى الضرر مسوقة لرفع التكاليف الضررية سواء أكان التكليف أصليا أم كان مقدميا، ومن هنا لا نحكم بوجوب الصلاة قائما على من يقدر على القيام، ولكن كان النهوض ضرريا، وكذلك لا نحكم بوجوب الحج على من يقدر على الاتيان بمناسك الحج، ولكن كانت مقدماته ضررية. وهكذا، وهكذا، وليس ذلك كله إلا من ناحية أدلة نفى الضرر هذا بناءا على وجوب المقدمة شرعا. أما بناءا على عدم وجوب المقدمة إلا عقلا - كما هو الحق - فالتحقيق أن يقال: إن أدلة نفى الضرر - على ما ذكرناه في محله - إنما هي تنفى الحكم الناشئ من قبله الضرر، وإذن فكل حكم ضررى مرتفع في عالم التشريع سواء أكان الحكم بنفسه ضرريا، أم كان الضرر ناشئا من قبله، وعليه فوجوب المقدمة وإن كان عقليا، إلا أنه إذا كان ضرريا كان مشمولا لادلة نفى الضرر بداهة أن الضرر - هنا - إنما نشأ من قبل حكم الشارع بوجوب ذى المقدمة. ما هو حكم تعذر المثل؟ قوله: السادس لو تعذر المثل في المثلى فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك)، أقول: إذا لم يتمكن الضامن من تحصيل المثل وجب عليه دفع القيمة، وهذا لا شبهة فيه. وإنما البحث في أن القيمة التى يجب دفعها هل هي قيمة يوم التلف، أم

[ 165 ]

قيمة يوم الدفع، أم قيمة يوم الاخذ، أم أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان الاخذ، أم أعلى القيم من زمان الاخذ إلى زمان الدفع، أم غير ذلك من الوجوه؟. لا يهمنا التعرض لهذه الوجوه نقضا وإبراما، كما تعرض لها المصنف وغيره، وأطالوا الكلام فيها وفى أدلتها، وفى المناقشة فيها. وأيضا لا يهمنا التعرض لتأسيس الاصل في المقام لكى يكون ذلك مرجعا فيما لم يتعين أحد الوجوه المذكورة، أو غيرها، كما صنعه شيخنا المحقق لان ذلك كله فيما إذا التزمنا بانتقال الضمان إلى القيمة، فانه عندئذ يصح النزاع في تعيين زمان الانتقال. أما إذا أنكرنا ذلك، والتزمنا ببقاء المثل في عهدة الضامن بعد تلف العين، وشيدنا أساس هذا القول فلا وجه لتوهم انتقال الضمان إلى القيمة - بعد تلف العين - قبل يوم الاداء. قيل: ان الضمان لابد وأن ينتقل إلى القيمة عند اعواز المثل في الخارج والا لم ينتقل إلى المثل أيضا عند تلف العين الشخصية. والجواب عن ذلك: أن انتقال الضمان إلى المثل بعد تلف العين أمر قهرى، لانه لا معنى لبقائها في الذمة بعد التلف، وهذا بخلاف المثل، فانه أمر كلى قابل للبقاء في الذمة إلى حين الاداء، وعليه فلا يجب على الضامن الا قيمة وقت الاداء، وهذا ظاهر.

[ 166 ]

هل يجوز للضامن إجبار المالك على أخذ القيمة؟ هل يجوز للضامن أن يجبر المالك على أخذ القيمة مع تعذر المثل واعوازه أم لا؟. الظاهر أنه لا يجوز ذلك، لان متعلق الضمان ليس هو نفس القيمة، بل انما هو المثل، ومن الواضح أنه ليس للمديون اجبار ذى الحق على قبول شئ آخر بدلا عن حقه الخاص، بل هو مخير بين أخذ البدل وبين الصبر إلى أن يتمكن المديون من أداء حقه، سواء أكان ذو الحق مأيوسا من وجدان المثل أم لم يكن مأيوسا من ذلك، كما أنه ليس للضامن اجبار المالك على قبول شئ آخر بدل العين قبل تلفها، لان الناس مسلطون على أموالهم. هل يجوز للمالك إجبار الضامن على اعطاء القيمة؟ هل يجوز للمالك اجبار الضامن على اعطاء القيمة مع تعذر المثل، أم لا؟ لا شبهة في جواز ذلك لان المالك مسلط على حقه وهو مخير بين مطالبة بدله مع الاعواز وبين الصبر إلى تمكن الضامن من أداء المثل نفسه. قيل: ان اجبار الضامن على اعطاء القيمة ضرر عليه، فيرتفع بأدلة نفى الضرر. والجواب عن ذلك: أن اعطاء القيمة لا ضرر فيه على الضامن بوجه،

[ 167 ]

وانما هو رضاء من المالك بالغاء الخصوصيات التى هي دخيل في متعلق الضمان وهو المثل، ففيه ارفاق للضامن، لا أنه ضرر عليه لكى يرتفع بأدلة نفى الضرر وقد ظهر لك مما بيناه: أنه لا فارق في جواز الاجبار وعدمه في كلتا الصورتين -: أعنى بهما صورة اجبار الضامن، وصورة اجبار المالك - بين تعذر المثل ابتداء، وبين تعذره بعد مدة. كما أنه لا فارق في ذلك بين التعذر الاستمراري، وبين التعذر في وقت دون وقت. وكل ذلك واضح لاستار عليه ما هو المناط في صدق التعذر والاعواز؟ المحكى عن العلامة في التذكره أن المراد من اعواز المثل هو أن لا يوجد ذلك في البلد وما حوله. وعن المسالك: أنه زاد قوله: مما ينقل عادة منه إليه، كما ذكروا ذلك في انقطاع المسلم فيه. وعن جامع المقاصد: الرجوع فيه إلى العرف. ولكن الظاهر: أن الميزان في تعذر المثل واعوازه هو التعذر الشخصي وعدم إمكان الوصول إليه بشخصه وعليه فإذا تمكن الضامن من الوصول إلى المثل ولو كان ذلك في البلاد النائية لم يصدق عليه الاعواز، بل وجب عليه تحصيله. كما أنه إذا لم يتمكن الضامن من تحصيل المثل ولو كان موجودا في البلد، وأمكن تحصيله لغيره وجب عليه دفع القيمة. والوجه في ذلك: أن تقدير تعذر المثل بحد خاص لم يرد في دليل خاص لكى نجعله مرجعا في البحث، بل لابد من الرجوع في ذلك إلى الاعتبار العقلي، ومن الواضح أن الاعتبار العقلي لا يساعد الا على ما ذكرناه.

[ 168 ]

نعم لو كان نقل المثل من البلاد النائية إلى بلده محتاجا إلى مؤونة زائدة بحيث يتضرر بها الضامن لم يجب عليه النقل في هذه الصورة لقاعدة نفى الضرر ومن هنا اتضح لك جليا: ما هو الفارق بين ما نحن فيه وبين السلم، فان الضمان فيه اختياري ثابت بالعقد، ولا يبعد انصرافه إلى وجود المبيع الثابت في الذمة - في بلد المعاملة وما حوله. ويضاف إلى ذلك: أن ظاهر جملة من الروايات (1) هو أن العبرة في


(1) عن ابن فضال، قال: كتبت إلى ابي الحسن (ع): الرجل يسلفني في الطعام، فيجيئ الوقت، وليس عندي طعام اعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم، ضعيف بسهل بن زياد. وعن العيص بن القاسم عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل اسلف رجلا دراهم بحنطة حتى إذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا ورقيقا، ومتاعا ايحل له ان ياخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال: نعم. صحيح. وعن ابان، عن بعض اصحابنا، عن ابي عبد الله (ع) في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى اجل، فيحل الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه قال: لا بأس بذلك، مرسل. الوافي ج 10 باب السلف في الطعام ص 75. وعن الحلبي، عن ابي عبد الله (ع): انه سئل عن الرجل يسلم في الغنم ئنيان وجذعان وغير ذلك إلى اجل مسمى؟ قال: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه ان ياخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثليثها، وياخذ راس مال ما بقي من الغنم دراهم ويأخذون دون شروطهم، ولا يأخذون فوق شروطهم. قال: والاكسيه ايضا مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم. حسن بابراهيم بن هاشم الوافى ج 10 باب السلف في المتاع ص 77 وإلى غير ذلك من روايات السلم

[ 169 ]

باب السلم بوجود المبيع في بلد المعاملة وما حوله وعلى هذا فلا يمكن قياس ما نحن فيه بباب السلم. ثم إن المدار - حين الاداء مع تعذر المثل - على قيمة المثل في بلد المطالبة وإن كانت أزيد من قيمته في بلد الضمان، ولا يفرق في ذلك بين تعذره قبل وقت الاداء وعدمه، لان هذا هو مقتضى بقاء المثل في ذمة الضامن إلى حين الاداء، على ما عرفته سابقا. ثم إنه ذكر بعضهم - في صورة تعذر المثل - أنه يقدر وجوده لا على نحو العزة فيقوم. ولكن الظاهر: أنه يقدر وجوده حتى على نحو العزة، لان. المفروض أن الثابت في الذمة هو المثل، والقيمة هي قيمته بلا زيادة. نعم إذا فرضنا أن دفع الزائد كان من جهة اخرى، كما إذا طالب من عنده المثل بقيمة زائدة على القيمة السوقية لم يجب الدفع لنفى الضرر. ما هو حكم سقوط العين عن المالية؟ ثم إنك قد عرفت آنفا - ثبوت المثل في الذمة إلى وقت الاداء، وعدم انتقاله إلى القيمة إلا حينه. وهذا مما لا شبهة فيه. كما لا شبهة في وجوب أداء القيمة عند سقوط المثل عن المالية بالمرة، كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في المفازة، والثلج في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، لان خروجه عن القيمة يعد من التالف عرفا. وإنما البحث في أن المراد من هذه القيمة هل هو قيمة يوم الاخذ، أم قيمة يوم التلف، أم قيمة يوم سقوط المثل عن المالية، أم أعلى القيم من

[ 170 ]

زمان الاخذ إلى زمان التلف. أم أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان سقوط المثل عن المالية، أم غير ذلك من الوجوه؟. الظاهر هو الوجه الثالث، لما ذكرناه مرارا من أن الثابت في ذمة الضامن - بعد تلف العين - إنما هو المثل، وأنه باق فيها إلى حين الاداء وعليه فيحكم - فيما نحن فيه - ببقاء المثل في الذمة إلى زمان سقوطه عن المالية، وحينئذ فينتقل الضمان إلى القيمة لكون المثل - عندئذ - كالتالف في نظر أهل العرف كما أن تلف العين يوجب انتقال الضمان منها إلى مثلها، وهذا واضح لا خفاء فيه ما هو حكم التمكن من المثل عبد تعذره؟ قوله: (فرع لو دفع القيمة في المثل المتعذر ثم تمكن من المثل فالظاهر عدم عود المثل في ذمته) أقول: إذا طلب المالك حقه مع تعذر المثل في الخارج وجب على الضامن أداؤ قيمته - كما عرفته قريبا - فان لم يؤد حتى وجد المثل وجب عليه أداؤ المثل، لما عرفته من عدم الانتقال إلى القيمة بالمطالبة. كما لا إشكال في أن المالك إذا رضى باسقاط حقه بأخذ القيمة لم يجب أداؤ المثل حتى مع التمكن منه من أول الامر. وإنما الاشكال فيما إذا طالب المالك بالقيمة من جهة الضرورة واللابدية لاجل عدم التمكن من المثل، ودفع الضامن القيمة، ثم وجد المثل، ولم يرض بها المالك فهل يجب على الضامن اعطاء المثل ثانيا وارجاع القيمة أم لا يجب ذلك؟. قد ذكر المصنف: أنه إذا دفع الضامن القيمة بدلا عن المثل المتعذر ثم تمكن منه فان قلنا ببقاء المثل في الذمة وعدم انتقاله إلى القيمة إلا حين الاداء

[ 171 ]

فلا وجه لعوده ثانيا، لانه دين في الذمة، فقد سقط بأداء عوضه مع التراضي فلا يجوز لصاحب الدين أن يرجع إلى الساقط ثانيا، لان الساقط لا يعود. وان قلنا بأن تعذر المثل أوجب تبدل العين المضمونة من المثلى إلى القيمى بمعنى: أنها كانت مثلية، وبعد تعذر المثل انقلبت قيمية ان قلنا بذلك فعدم عود المثل إلى الذمة ثانيا أولى منه في الفرض الاول، لان المدفوع وقتئذ انما هو نفس الموجود في الذمة، لا عوضه. وان قلنا بأن تعذر المثل قد أوجب انقلاب المثل - الثابت في الذمة - إلى القيمة، فكأنه تلف بتعذره، فلزمت قيمته، ان قلنا بذلك احتمل وجوب المثل عند وجوده. لان القيمة - حينئذ - بدل الحيلولة عن المثل، وسيأتى أن حكمه انما هو عود المبدل عند انتفاء الحيلولة. انتهى حاصل كلامه. ويرد عليه: أن الالتزام بأن دفع القيمة - في هذا الفرض - انما كان من باب دفع البدل من جهة الحيلولة لا يجتمع مع الانقلاب، كما هو المفروض، فان المدفوع على فرض الانقلاب انما هو نفس ما اشتغلت به الذمة، لا أنه بدله. واذن فلا فرق بين أن تنقلب العين التالفة قيمية، وبين أن ينقلب المثل - الثابت في الذمة - قيميا. نعم لا يبعد أن يلتزم بأن دفع القيمة - على القول بعدم الانقلاب، وبقاء المثل في الذمة - انما كان من جهة دفع البدل، وعليه فيجب دفع نفس ما اشتغلت به الذمة عند التمكن منه. وعليه فلا وجه لما ذكره السيد وشيخنا المحقق من الايراد على المصنف من أن بدل الحيلولة مختص بالاعيان، ومحل البحث - هنا - في الذمم، فلا صلة بينهما بوجه. وذلك لان مدرك وجوب بدل الحيلولة انما هو قاعدة الجمع بين الحقين

[ 172 ]

ومن الواضح أنه لا اختصاص لهذه القاعدة بالاعيان، بل تعم الذمم أيضا، وعلى ما ذكرناه كان على المصنف أن يحتمل، بل يستظهر وجوب دفع المثل عند وجوده، دون ما إذا قلنا بالانقلاب. ولكن الصحيح هو عدم وجوب دفع المثل مطلقا وذلك لما سنبينه في محله من أنه لم يثبت وجوب دفع بدل الحيلولة من أصله ولم يدل عليه دليل شرعى ولا عقلي. ثم انه إذا اختلف الضامن والمضمون له في تعيين المثل - الذى تؤخذ قيمته - فالمدار على تعيين الضامن، لانه المكلف بأداء كلى المثل، فيتخير في تعيين أفراده، الا أن يكون ما اختاره الضامن من الفرد خارجا عن مصاديق ذلك الكلى في نظر أهل العرف، فانه عندئذ لا يجب على المضمون له قبول ما اختاره الضامن، وهذا ظاهر. هل يضمن القيمى التالف بالقيمة؟ قوله: (السابع: لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا فقد حكى الاتفاق على كونه مضمونا بالقيمة). أقول: المشهور بين الاصحاب، أن المقبوض بالعقد الفاسد إذا تلف وكان قيميا حكم بضمان قيمته. ولكن حكى الخلاف في ذلك عن الاسكافي، وعن الشيخ والمحقق في الخلاف الشرائع في باب القرض. إلا أن المحكى عن الاسكافي هو أنه (ان تلف المغصوب دفع قيمته، أو مثله إن رضى به صاحبه). ومن الظاهر أن هذه العبارة غير ظاهرة في الخلاف المزبور. وأيضا ان الموجود في باب الغصب من الخلاف. وفى بابى الغصب

[ 173 ]

والمقبوض بالعقد الفاسد من الشرايع هو الحكم بضمان القيمة في القيمى. ولعل الحكم بضمان المثل في القيمى مختص عند الشيخ والمحقق بالقرض فقط، والله العالم. والتحقيق: أن يحكم بضمان المثل في القيمى - أيضا - كما حكمنا بذلك في المثلى، وعليه فإذا تلف المقبوض بالعقد الفاسد، ولم يمكن رده انتقل الضمان إلى مثله: وهو الكلى المتحد مع العين التالفة من جميع الخصوصيات، الا الخصوصيات غير الدخيل في المالية، بل في التشخص الخارجي فقط، وحينئذ فلا ينتقل الضمان إلى القيمة الا مع تعذر المثل، وعلى هذا فلو وجد المثل للتالف، أو اشتغلت ذمة المالك - للضامن - بما يماثل التالف لوجب على الضامن أداء المثل في الصورة الاولى، وسقط ما في ذمتي المالك والضامن بالتهاتر في الصورة الثانية. نعم لو تعذر أداء المثل على الاطلاق تلغى الصفات النوعية أيضا، فان اعتبار اشتغال الذمة بها مع تعذر الوفاء بها من اللغو الظاهر. ومن هنا ظهر فساد ما اختاره السيد في حاشيته من المنع عن الانتقال إلى القيمة على وجه الاطلاق. أضف إلى ذلك: أن لازم ما اختاره هو جواز امتناع المضمون له عن قبول القيمة في فرض تعذر المثل على الاطلاق، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. ويؤيد ما ذكرناه - من الضمان بالمثل في فرض امكانه - ما ورد في باب القرض من الروايات (1) الدالة على جواز أداء المثل عن القيمى هذا ما


(1) عن الصباح بن سيابة، قال: قلت لابي عبد الله (ع): إن عبد الله بن ابي يعفور امرني ان اسالك قال: إنا نستقرض الخبز من الجيران فنرد اصغر -

[ 174 ]

تقتضيه القاعدة. ولكن الظاهر من الروايات الكثيرة (1) هو ضمان القيمة في القيميات


- منه أو اكبر؟ فقال (ع): نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عددا فيكون فيه الكبير والصغير، فلا بأس. مجهول بابن سيابة. وعن اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله (ع): استقرض الرغيف من الجيران، وناخذ كبيرا، ونعطي صغيرا وناخذ صغيرا ونعطي كبيرا؟ قال: لا باس. مجهول بالحكم بن مسكين. الوسائل ج 3 باب 21 من ابواب الدين ص 624. وعن فقه الرضا، عن الصادق (ع) وسئل عن الخبز بعضها اكبر من بعض؟ قال: لا بأس إذا اقترضته. ضعيف. المستدرك ج 2 ص 492. (1) عن الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق احدهم نصيبه؟ قال: إن ذلك فساد على اصحابه لا يقدرون على بيعه ولا مواجرته، قال يقوم قيمة، فيجعل على الذي اعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك عليه عقوبة لما افسده. حسن بابراهيم بن هاشم. وعن سماعة، قال: سألته عن المملوك بين شركاء، فيعتق احدهم؟ نصيبه فقال هذا فساد على اصحابه، يقوم قيمة، ويضمن الذي اعتقه، لانه افسده على اصحابه ضيعف بعثمان بن عيسى. وعن البصري، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قوم ورثوا عبدا جميعا، فاعتق بعضهم نصيبه منه كيف يصنع بالذي اعتق نصيبه منه هل يؤخذ بما بقى؟ قال: نعم يؤخذ بما بقي منه بقيمته، ثم اعتق. ضعيف بالمعلى بن محمد. وعن محمد بن قيس، عن ابى جعفر (ع) قال: من كان شريكا في عبد أو امة قليل أو كثير فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه، فيعتقه كله وإن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم اعتق منه ما اعتق ثم يسعى العبد بحساب ما -

[ 175 ]

وأيضا قد عرفت - سابقا - أن المرتكز في أذهان العقلاء، وما جرت عليه سيرتهم هو ضمان المثل في المثلى، وضمان القيمة في القيمى. وعليه فلا يجوز للمضمون له أن يجبر الضامن على اعطاء المثل في القيمى، سواء أكان ذلك


- بقي حتى يعتق. حسن بابراهيم بن هاشم. وعنه، عن ابي جعفر (ع) قال: قضى امير المؤمنين (ع) في عبد كان بين رجلين فحرر أحدهما نصيبه وهو صغير وامسك الآخر نصفه حتى كبر الذي حرر نصفه قال: يقوم قيمة يوم حرر الاول وامر المحرر ان يسعى في نصفه الذي لم يحرر حتى يقضيه. حسن بابراهيم بن هاشم. الوافي ج 6 باب عتق المشترك ص 85 والكافي ج 6 من ط 2 ص 182. وعن السكوني عن ابي عبد الله (ع) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكين؟ فقال امير المؤمنين (ع) يقوم ما فيها ويؤكل لانه يفسد وليس له بقاء فان جاء طالبها غرم له الثمن الخبر. ضعيف بالنوفلي. الوافي ج 11 ص 23. وقد عرفت الروايات الواردة في ضمان قيمة الجارية المبتاعة التي وجدت مسروقة فانها ظاهرة في تعين القيمة وقد اوردناها في ص 89. وستأتي صحيحة ابي ولاد الظاهرة في ذلك - ايضا - وإلى غير ذلك من الروايات المتفرقة الظاهرة فيما ذكرناه. ثم إن المصنف قد جعل من ادلة ضمان القيمة في القيمي ما دل على انه إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن سقط من دينه بحساب ذلك فلو لا ضمان التالف بالقيمة لم يكن وجه لسقوط الدين بمجرد ضمان التالف. ونظره من ذلك إلى ما ورد في روايات الرهن من ان الراهن والمرتهن يتردان الفضل من الرهن والدين مع تلف الرهن بالتفريط أو الاتلاف، وقد تقدمت جملة منها في ص 131.

[ 176 ]

متيسرا اتفاقا، أم كان متعذرا، كما هو الغالب، نعم يجوز للضامن اجبار المالك بقبول القيمة. على عكس ما تقدم في المثلى الذى تعذر مثله في الخارج. فبالنظر إلى هذه الروايات، وما جرت عليه السيرة العقلائية يصح ما ذهب إليه المشهور من ضمان القيمى بالقيمة، وتكون النتيجة: أن ما تعذر مثله في نوعه كان ضمانه بالقيمة - وان وجد له مثل اتفاقا - وما لم يتعذر مثله نوعا يضمن بالمثل وان تعذر ذلك اتفاقا، وفى بعض الاحيان. أما الروايات المتقدمة الدالة على الضمان بالمثل في القيمى فهى مختصة بالقرض فلا ربط لها بما نحن فيه. على أنها ضعيفة السند. ثم ان المصنف (ره) قد حمل الروايات الدالة على ضمان القيمى بالقيمة على صورة تعذر المثل، ولكنه خلاف الظاهر منها، ولا يمكن المصير إليه إلا بالقرينة، ومن الواضح أنها منتفية في المقام. وعلى الجملة: ان القاعدة الاولية وان افتضت الضمان بالمثل في القيمى ولكن قد دلت الروايات المتقدمة على ضمان خصوص القيمة في القيمى، فلا بد من الاخذ بها في المقام، واذن فيقع البحث في تعيين هذه القيمة. ما هو الملاك في تعيين القيمة في القيمى قد اختلف الاصحاب في تعيين قيمة المقبوض بالعقد الفاسد إذا كان قيميا، على أقوال شتى: 1 - أن العبرة في ذلك بقيمة يوم القبض لصحيحة أبى ولاد الآتية بالتقريب الذى سيأتي قريبا. 2 - أن العبرة في ذلك بقيمة يوم التلف، كما حكى ذلك عن الشيخين

[ 177 ]

وأتباعهما، بل عن الدروس نسبته إلى الاكثر. والوجه فيه: أن انتقال الضمان إلى البدل إنما هو في يوم التلف، إذ الواجب على الضامن كان رد نفس العين، فأذا تلفت ضمن قيمتها. 3 - أن العبرة في ذلك بقيمة يوم الاداء، وهذا هو الوجه الذى اختاره السيد في حاشيته، بدعوى (أن نفس العين باقية في الذمة والعهدة، ويجب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يمكن رد نفسها وجب دفع عوضها وبدلها، فهى بنفسها باقية في العهدة إلى حين الاداء، وإعطاء البدل إنما هو من باب الوفاء، كما فيما إذا كان له عليه من من الحنطة، ولم يمكنه أداؤه، فأن الذمة مشغولة بالحنطة حتى حين التعذر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس، ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر. والبدل الواجب أداؤه هو المثل في المثليات، والقيمة في القميات، بمعنى: أنه لو أراد أحدهما غير ذلك لم يجبر عليه). وقال في موضع آخر: (التحقيق: أنه الذمة مشغولة بنفس العين إلى حال الاداء، إذ هو المستفاد من أدلة الضمان حسبما أشرنا إليه سابقا والتعذر لا ينافى ذلك، لعدم إناطة الاحكام الوضعية بالقدرة). أو يقال: إن هذا الوجه مبنى على اشتغال الذمة بالمثل حتى في القيمى، فالانتقال إلى القيمة إنما يكون وقت الاداء. 4 - أن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، وقد قيل إن هذا القول هو الاشهر. 5 - أن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم التلف إلى زمان الاداء. 6 - أن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم الاداء.

[ 178 ]

ثم الظاهر من هذه الوجوه في نفسها هو الوجه الثاني، لما عرفته من أن زمان الانتقال إلى القيمة إنما هو زمان التلف، وإذن فلا مناص عن الالتزام به إلا مع تعبد شرعى، أما بقية الوجوه غير الوجه الاول فسيأتي البحث فيها قريبا. أما الوجه الاول فقد استدل عليه بصحيحة أبى ولاد الحناط (1) فان


(1) قال: اكتريت بغلا إلى القصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلما اتيت النيل خبرت ان صاحبي توجه إلى بغداد فأتبعته، وظفرت به، وفرغت مما بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئ خمسة عشر يوما، فأخبرت صاحب البغل بعذري واردت ان اتحلل منه مما صنعت، وارضيه، فبذلت له خمسة عشر درهما فأبى ان يقبل فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصة، واخبره الرجل، فقال لي: وما صنعت بالبغل، فقلت قد دفعته إليه سليما، قال: نعم بعد خمسة عشر يوما، فقال ما تريد من الرجل؟ قال: اريد كرى بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما فقال ما ارى لك حقا، لانه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف، وركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكرى، فلما رد البغل سليما، وقبضته لم يلزم الكرى، قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته مما افتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئا، وتحللت منه، فحججت تلك السنة فأخبرت ابا عبد الله (ع) بما افتى به أبو حنيفة، فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الارض بركتها، قال: فقلت لابي عبد الله (ع) فما ترى انت قال: ارى له عليك مثل كرى بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، ومثل كرى بغل راكبا من النيل إلى بغداد، ومثل كرى بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه -

[ 179 ]

تم فهو وإلا فمقتضى القاعدة هو الالتزام بالوجه الثاني، وإذن فلا بد من التكلم في دلالة الصحيحة على ذلك.


- قال: فقلت: جعلت فداك إني قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال: لا، لانك غاصب. فقلت: ارايت لو عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فان اصاب البغل كسر، أو دبر، أو غمز؟ (وفي التهذيب عقر. وفى الوافي غمر) فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه. قلت: فمن يعرف ذلك؟ قال: انت وهو، إما ان يحلف هو على القيمة فتلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك أو ياتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكرى كذا وكذا فيلزمك، قلت: إني كنت اعطيته دراهم، ورضي بها وحللني، فقال: إنما رضي بها، وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور، والظلم. ولكن ارجع إليه فاخبره بما افتيتك به فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شئ عليك بعد ذلك؟ قال أبو ولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما افتاني به أبو عبد الله (ع)، وقلت له: قل ما شئت حتى اعطيكه فقال قد حببت إلي جعفر بن محمد (ع) ووقع في قلبي له التفضيل، وانت في حل وإن احببت ان ارد عليك الذي اخذت منك فعلت. صحيحة. الكافي ج 5 من ط 2 ص 290. والوافي ج 10 ص 126. والتهذيب ج 2 ص 176. قال في مرآت العقول ج 3 ص 433: (وقال في المغرب: قصر ابن هبيرة على ليلتين من الكوفة، وبغداد منه على ليلتين). والظاهر ان هذا التحديد من غير طريق الماء، وإلا فان قصر ابن هبيرة من الكوفة على نحو عشرين فرسخا في الماء. كما يكشف عن ذلك صحيح آخر عن ابي ولاد الوارد في حد المسير الذي تقصر فيه الصلاة. قال: قلت لابي عبد الله (ع): إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو عشرين فرسخا في الماء. الحديث. التهذيب ج 1 باب الصلاة في -

[ 180 ]

ثم لا يخفى عليك: أن الصحيحة وإن وردت في المغصوب، ولكنه إذا تم الاستدلال بها على ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب صح الاستدلال بها بالاولوية القطعية على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بقيمة يوم القبض، ضرورة أن. العين التالفة قد تكون قيمتها يوم الاداء أكثر من قيمتها يوم القبض، فإذا التزمنا بضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب، والتزمنا بضمان المقبوض بالعقد الفاسد بقيمة يوم الاداء لزم أن يكون الثاني أسوء حالا من الاول، وهو واضح البطلان. ثم أنه لا شبهة في صحة رواية أبى ولاد سندا وعليه فيختص البحث - هنا - بدلالتها فنقول: إنه سأل أبو ولاد الامام (ع) عن ضمان البغل في فرض تلفه، وقال: أرأيت لو عطب البغل ونفق (1) أليس يلزمنى؟ فأجاب عنه


- السفينة ص 337. والنيل بالكسر نهر بمصر، وقرية بكوفة، وبلد بين بغداد وواسط. وفي لسان العرب: النيل نهر مصر. ونهر بالكوفة، وحكى الازهري قال: رايت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل يخرقها خليلج كبير يتخلج من الفرات الكبير. قال: وقد نزلت بهذه القرية. انتهى: الدبر بالتحريك كالجراحة تحدث من الرحل وغيره. وغمزت الدابة: مالت من رجلها، والغمر: العطش، والعقر: الجرح. (1) عطب الرجل عطبا: هلك، يكون في الناس وغيرهم. وعطب البعيرة انكسر. ونفق الرجل والدابة نفوقا: ماتا، وخرجت روحهما. (اقرب الموارد) ثم الظاهر: ان عطف لفظ (نفق) على كلمة (عطب) عطف تفسير وعليه فيكون المراد من كلمة (عطب) هو الموت والهلاك، لا الكسر. لان السائل سأل عنه بسؤال آخر بقوله: فان اصاب البغل كسر الخ، وإذن فالصحيح هو ان -

[ 181 ]

الامام (ع) بقوله: نعم قيمة بغل يوم خالفته. وقد استدل بهذه الجملة - على أن العبرة في تعيين القيمة بقيمة يوم الغصب - بوجهين: الوجه الاول: أن الظرف وهو لفظ (يوم) قيد لكلمة (قيمة)، وتقريب ذلك بأنحاء شتى: 1 - أن يكون الظرف متعلقا بكلمة (قيمة) بدعوى أنها وإن لم تكن معنى حديثا ولكن فيها شائبة الحدثية، لانها ليست من الجوامد المحض حتى لا يصح تعلق الظرف بها، وعليه فينون لفظ (بغل) على الجر باضافة القيمة إليه، ويؤيد هذا التقريب أن لفظ (البغل) في نسخة الوافى، وفى بعض نسخ التهذيب محلى بلام التعريف، وحينئذ فلا يصلح للاضافة إلى ما بعده، وإذن فمفاد الصحيحة هو أن الثابت على الغاصب إنما هو قيمة يوم المخالفة، فتدل على ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب. 2 - أن تضاف جملة قيمة بغل -: أي المضاف والمضاف إليه - إلى قوله يوم خالفته، وحينئذ فيكون الغرض من تلك الجملة المباركة هو أن القيمة المتخصصة باضافتها إلى البغل الثابتة يوم المخالفة لازمة على الغاصب. ولا بعد في هذه الاضافة، لوقوعها كثيرا في لغة العرب وغيرها فيقال: ماء ورد خالد وحب رمان زيد وإن لم يكن ورد لخالد، ولا رمان لزيد إلى غير ذلك من الاستعمالات المتعارفة. ولا محذور من الالتزام بهذا التقريب، إلا أنه لا يتفق ونسخة الوافى وبعض نسخ التهذيب من اقتران لفظ (بغل) بلام التعريف،


- يكون العطف بالواو (كما في الكافي المطبوع مستقلا ج 5 من ط 2 ص 291، وبهامش مرآت العقول ج 3 ص 433) لا العطف بأو، كما في التهذيب ج 3 ص 177. والوافى ج 10 ص 127. والاستبصار ج 3 من ط 2 ص 134.

[ 182 ]

فان ذلك مانع عن إضافته إلى ما بعده. 3 - ما أفاده المصنف، واليك نصه: (أن اليوم قيد للقيمة إما باضافة القيمة المضافة إلى البغل إليه ثانيا: يعنى قيمة يوم المخالفة للبغل، فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للاضافة، لا لان ذا القيمة بغل غير معين حتى توهم الرواية مذهب من جعل القيمى مضمونا بالمثل، والقيمة إنما هي قيمة المثل). وظاهر هذه العبارة أن لفظ القيمة قد اضيف مرتين: مرة إلى كلمة (بغل) ومرة اخرى إلى كلمة (يوم)، وحينئذ فيكون المراد من قوله: (فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للاضافة): أن تعريف كلمة بغل إنما هو للاشارة إلى بغل معين خارجي الذى وقعت عليه الاجارة، ومن الواضح أن هذا حاصل بالاضافة المسوقة لبيان العهد الخارجي، وإذن فيكون ذكر اللام فيها لغوا محضا، وخاليا عن الفائدة. ويرد عليه: أن المضاف إلى شئ أولا لا يضاف إلى غيره ثانيا، لان ذلك مخالف لطريقة أهل المحاورة والاستعمال. ويمكن أن يكون مراد المصنف من العبارة المذكورة هو أن كلمة القيمة قد اضيفت إلى كلمة بغل أولا، ثم اضيف المجموع -: أي القيمة بما هي مضافة إلى بغل - إلى يوم المخالفة، وهذا يستلزم سقوط حرف التعريف من كلمة بغل، فيكون ذلك نظير قولك ماء رمان زيد، فان الغرض من هذه العبارة إنما هو إفهام أن ماء الرمان لزيد وإن لم يكن له رمان، وهكذا قولنا ماء ورد بكر ونظائره، وعليه فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الثاني المزبور. ولكنك قد عرفت آنفا: أن الموجود في بعض النسخ هو اقتران لفظ بغل بلام التعريف ومن الظاهر أن هذا ظاهر في انقطاع الاضافة بين قوله (ع): نعم قيمة البغل وبين قوله (ع) يوم خالفته.

[ 183 ]

4 - ما ذكره المصنف ثانيا، وحاصله: أن لفظ يوم قيد للاختصاص المفهوم من إضافة لفظ القيمة إلى كلمة البغل فيكون الظرف منصوبا للاختصاص وعليه فالمعنى: أنه تلزم على الغاصب القيمة المختصة بالبغل يوم المخالفة. ويرد عليه: أن العامل في الظرف لا يكون إلا الفعل أو شبهه دون الحرف. ويضاف إلى ذلك: أن الاختصاص الحاصل من الاضافة معنى حرفي لا يمكن أن يكون محكوما به ولا محكوما عليه، وإذن فلا معنى لتقييده أصلا. 5 - أن تضاف كلمة القيمة إلى كلمة البغل وتضاف كلمة البغل إلى كلمة اليوم وعليه فيكون معنى الرواية: أنه تلزم على الغاصب قيمة هي قيمة بغل يوم المخالفة. ويرد عليه: أنا لا نعرف وجها صحيحا لاضافة لفظ بغل إلى لفظ يوم إذ لا يمكن أن يتخصص لفظ البغل بجملة يوم المخالفة، كما لا يصح أن يقال: دار يوم، وأرض أمس، وغرفة غد. أضف إلى ذلك: أن هذا الوجه لا يتم على نسخة الوافى وبعض نسخ التهذيب، من اقتران لفظ (بغل) بلام التعريف، ضرورة أن الاسم المحلى باللام لا يضاف إلى ما بعده، وهذا ظاهر. وقد يناقش في هذا الوجه بأنه يستلزم تتابع الاضافات وهو مذموم في كلمات الفصحاء. ويرد عليه: أن هذه المناقشة فاسدة، لان تتابع الاضافات واقع في الكلمات الفصيحة، ومن ذلك قوله تعالى: مثل دأب قوم نوح وعاد (1) الوجه الثاني - من وجهى الاستدلال بقوله (ع): نعم قيمة بغل يوم خالفته على ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب - أن يكون الظرف متعلقا


(1) سورة المؤمن الآية: 31.

[ 184 ]

بقوله (ع): نعم، لان لفظ نعم من جهة قيامه مقام الفعل: أعنى به يلزمك شبيه بالفعل. وعلى هذا فلا دلالة في الرواية على الضمان بقيمة يوم المخالفة دلالة مطابقية، لان معناها عندئذ: أنه تلزمك القيمة يوم المخالفة من غير تعرض لبيان أن هذه القيمة هل هي قيمة يوم المخالفة، أم هي قيمة يوم الدفع، أم هي قيمة يوم التلف، أم غير ذلك. نعم لا بأس بدلالتها على ذلك التزاما، فان ذكر القيمة فيها، ثم اضافتها إلى كلمة بغل، ثم ذكر يوم المخالفة بعد ذلك من القرائن الظاهرة على أن الامام (ع) انما قدر مالية المغصوب، وبين أن ضمانها بقيمة يوم المخالفة إذ لا معنى لكون الضمان يوم الغصب فعليا، ويكون المدار فيه على قيمة يوم آخر. وعلى الجملة: ان تعلق الضمان - بالقيمة يوم الغصب - بمالية المغصوب ظاهر في أن الضمان بقيمة ذلك اليوم. ويرد على هذا الوجه: أنه لا معنى لجعل الظرف متعلقا بلفظ نعم من جهة قيامه مقام الفعل. ضرورة أن ذلك يقتضى الحكم بضمان القيمة من يوم الغصب، مع أنه واضح البطلان، لان الضمان لا يتعلق بالقيمة قبل تلف العين إذ الانقلاب إلى القيمة انما يكون بعد تلفها.

[ 185 ]

ما نوقش به على الاستدلال بالصحيحة وجوابه قد نوقش في الاستدلال بالصحيحة المزبورة على المقصود بوجوه مستفادة من نفس الصحيحة: 1 - أنه لو كان المناط في الضمان هو قيمة يوم المخالفة والغصب لما تعرض الامام (ع) لقيمة يوم الاكترام بقوله: أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا)، فيعلم من هذه الجملة الشريفة أنه لا خصوصية لقيمة يوم المخالفة لكى يكون المدار في الضمان عليها. والجواب عن ذلك: أن هذه الجملة لا تنافى الجملة السابقة في الدلالة على المقصود بل تساعدها وتوافقها، وذلك لان اكتراء المراكب واستئجارها قد يكون للمسير إلى مسافات بعيدة، وأمكنة نائية: نظير مكة، والمدينة، وسائر الاعتاب المقدسة بالنسبة إلى أهل ايران. وأفغان، وهند، وأمثالها. وقد يكون ذلك للذهاب إلى مسافة قريبة، كالمشى من النجف الاشرف إلى الكوفة. وعلى الاول فقد جرت العادة على اكتراء الحمولة قبل الخروج إلى المقصد بعدة أيام، وعلى الثاني فلا يكون الاستئجار الا يوم الخروج. وحيث ان أبا ولاد - بمقتضى الظاهر - قد اكترى البغل إلى قصر ابن هبيرة يوم خروجه من الكوفة، لقلة المسافة بينهما، فلم يفصل بين زمان مخالفته - حين ما وصل إلى قرب قنطرة الكوفة - وبين اكترائه البغل الا ساعة أو ساعتان واذن فيوم المخالفة يتحد مع يوم الاكتراء، فالامام (ع) قد عبر عن يوم المخالفة بيوم الاكتراء، لاجل أن يوم الاكتراء انما هو يوم يعرفه الشهود

[ 186 ]

- غالبا - ومن الظاهر أنه لا تفاوت قيمة البغل في ساعة أو ساعتين. 2 - أنه قال أبو ولاد: قلت: (فان أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز فقال (ع): عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه) حيث ان الظاهر من هذه الجملة المباركة هو أن الضمان بقيمة يوم الرد، لان الظرف متعلق بلفظ (عليك) لتضمنه معنى يلزمك، وعليه فتكون هذه الجملة منافية لما ذكرناه من دلالة الجملة المتقدمة على الضمان بقيمة يوم المخالفة. ويرد عليه أن الالتزام بذلك يقتضى استقرار الضمان على الغاصب في زمان الرد مع أنه واضح البطلان، لان ضمان المغصوب يستقر على الغاصب من زمان الغصب. ويضاف إلى ذلك: أن الظاهر من الصحيحة على الاحتمال المذكور هو أن التفاوت فيما بين الصحة والعيب يثبت على الغاصب يوم الرد من غير تعرض فيها لبيان أن هذا التفاوت هل يلاحظ من يوم الغصب، أم هل يلاحظ من يوم التلف، أم يلاحظ من يوم الرد، وعليه فليكن تعيين أن العبرة بقيمة يوم الغصب في الفقرة السابقة قرينة على المراد في هذه الفقرة. قيل: ان الظرف - في الجملة المزبورة متعلق بلفظ قيمة، وعليه فالمعنى أنه عليك تفاوت ما بين الصحة والعيب يوم الرد، واذن فتدل الصحيحة على أن رد البغل فقط لا يكفى في رفع الضمان، بل لابد وأن يرد معه تفاوت ما بين الصحيح والمعيب أيضا، وعلى هذا فتبعد هذه الجملة عن مورد البحث. وقد ناقش فيه المصنف، وهذا نصه: (فالظرف متعلق بعليك، لا قيد للقيمة، إذ لا عبرة في ارش العيب بيوم الرد اجماعا، لان النقص الحادث تابع في تعيين يوم قيمته لاصل العين). ولكن هذه المناقشة واضحة الاندفاع، لان قيام الاجماع على تبعية

[ 187 ]

الارش لضمان العين في تعيين القيمة لا يدفع هذا الاحتمال، إذ لو كانت العبرة بيوم الرد في تعيين الارش كشف ذلك عن أن العبرة في تعيين قيمة العين أيضا بيوم الرد، ولا اجماع على خلاف ذلك بين الاصحاب. والصحيح في الجواب أن يقال: انه لا ملزم للالتزام بكون الظرف قيدا للقيمة من دون قرينة تدل عليه، بل ان ظهور الجملة السابقة - في أن العبرة بيوم الغصب - يدفع هذا الاحتمال. ومع الغض عن ذلك فالظاهر أن الظرف متعلق بلفظ العيب، لاقتران أحدهما بالآخر، وعليه فتدل الصحيحة على أن العيب الحادث انما يوجب الضمان بالارش فيما إذا استمر العيب إلى زمان رد العين، والا فلا ضمان في ذلك، واذن فلا تعرض فيها لتعيين قيمة يوم الغصب، ولا لتعيين قيمة يوم التلف، ولا لتعيين قيمة يوم الرد، ولا شبهة في أن هذا الاستظهار موافق للقواعد العربية وكلمات أهل اللسان. وناقش فيه المصنف، وقال نصا: (لكن يحتمل أن يكون العيب قد تناقص إلى يوم الرد، والعبرة حينئذ بالعيب الموجود حال حدوثه، لان المعيب لو رد إلى الصحة أو نقص لم يسقط ضمان ما حدث منه وارتفع على مقتضى الفتوى، فهذا الاحتمال من هذه الجهة ضعيف أيضا). ويرد عليه أولا: أن عدم سقوط الضمان ليس مقتضى فتوى الكل، بل المسألة خلافية، لانه قيل بسقوط الضمان مطلقا، وقيل بعدم سقوطه كذلك، وقيل بالتفصيل بين الوصف القابل للزيادة كالسمن وبين ما لم يكن كذلك، كوصف الصحة، فإذا زال السمن حكم بالضمان، بخلاف ما حدثت نقطة في عين الدابة ثم ارتفعت، فان ذلك لا يوجب الضمان. بل قال السيد في حاشيته، واليك لفظه: (أن الواجب رد العين كما

[ 188 ]

كانت، وهو متحقق مع العود إلى الصحة، والظاهر أن فتواهم أيضا على هذا لا على ما ذكره المصنف، بل لم أجد من صرح بما ذكره وإن لم أتتبع، نعم صرح في المسالك بما ذكرنا من سقوط الضمان.. بل مقتضى ما ذكره في مسألة زيادة القيمة لزيادة صفة ونقصانها بزوالها وعودها بعودها من عدم ضمانه لذلك الوصف ما ذكرنا، إذ لا فرق بين وصف الكمال والصحة). وقال في غصب المبسوط: (وإن كانت الزيادة من جنس الاول: مثل أن سمنت (أي الجارية) فبلغت ألفا، ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم سمنت فعادت إلى الالف، أو تعلمت القرآن فبلغت ألفا، ثم نسيت فعادت إلى مائة ثم تعلمت القرآن فعادت إلى الالف قيل فيه: وجهان: أحدهما: لا يضمن شيئا... الثاني: عليه الضمان... والاول أقوى، لان الاصل براءة الذمة) بل في الجواهر: (أن ملاحظتها (: أي الزيادة التالفة) مع الموجودة حال التلف غير معقولة، ضرورة كونه بمنزلة ملاحظتها مرتين إذ ليست هي الا صنعة واحدة، والمتجددة ليست غيرها على وجه تضم معها. وعلى كل حال فلا ضمان، للاصل، وصدق الاداء لما أخذ... وقاعدة نفى الضرر، وأن الظالم لا يظلم، وغير ذلك). بل الظاهر من إطلاق المحقق في غصب الشرايع هو عدم الفرق بين وصف الصحة، وبين وصف الكمال، وهذا نصه: (لو زادت القيمة لزيادة صفة، ثم زالت الصفة، ثم عادت الصفة والقيمة لم يضمن قيمة الزيادة التالفة لانها انجبرت بالثانية، ولو نقصت الثانية عن قيمة الاول ضمن التفاوت). فتحصل مما ذكرناه: أنه لا يسمح للمصنف أن ينسب عدم سقوط الضمان - هنا - إلى مقتضى الفتوى. ثانيا: أن مقتضى السيرة، ودليل ضمان اليد هو أن المغصوب مضمون

[ 189 ]

على الغاصب ما لم يرده إلى المغصوب منه صحيحا فإذا رده إليه كذلك سقط عنه الضمان، سواء أحدث فيه عيب قبل الرد وارتفع، أم لا، والمفروض - هنا - أن المغصوب صحيح حال الرد، وإذن فلا يلزم تدارك النقص الحاصل في زمان العيب. 3 - أنه سأل أبو ولاد الامام (ع) عن المقوم الذى يعرف تفاوت ما بين الصحة والعيب، وقال: (قلت فمن يعرف ذلك؟ قال (ع): أنت وهو اما أن يحلف هو على القيمة فتلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا فيلزمك). وقد ذكر المصنف: أن هذه الفقرة من الصحيحة مؤيدة لكون المدار - في تعيين قيمة القيمى - على قيمة يوم التلف. وحاصل كلامه: أنه إذا اختلف الغاصب والمالك في قيمة العين المغصوبة وكانت العبرة - في تعيين القيمة - بقيمة يوم المخالفة كان المالك مدعيا، لدعواه زيادة القيمة المخالفة للاصل وكان الغاصب منكرا، لانكاره تلك الزيادة، وعليه قمقتضى القاعدة أن يتوجه الحلف على الغاصب، لا على المالك، بل تجب على المالك اقامة البينة على دعواه والحال أن الصحيحة قد دلت على كون كل من اليمين واقامة البينة وظيفة للمالك، مع أنه ان كان مدعيا فما هو الوجه في توجه الحلف عليه وان كان منكرا فما هو الوجه في طلب البينة منه، بديهة أنهما لا يجتمعان في مورد واحد. وعلى الجملة: انا إذا حملنا الرواية على أن الملاك في تعيين القيمة انما هو يوم المخالفة كانت الصحيحة مخالفة للقواعد من ناحيتين: الاولى: أن دعوى الزيادة من المالك مخالفة للاصل، فلا تتوجه إليه

[ 190 ]

اليمين بوجه. الثانية: أن اليمين إذا توجهت إلى المالك لم تسمع منه البينة، واذن فكيف حكم الامام (ع) بقبول كلام الامرين من المالك. وعلى هذا فلا بد من حمل الصحيحة على أن الملاك - في تعيين القيمة - انما هو يوم التلف، لا يوم المخالفة فانه عندئذ يصح توجه كلا الامرين على المالك وبيان ذلك: أن الامام (ع) قد تعرض - في الفقرة المذكورة - لصورتين من صور التنازع بين المالك والغاصب. الصورة الاولى: أن يتفق المالك والغاصب على أن قيمة البغل يوم الاكتراء كذا وكذا. ولكن اختلفا في تنزله عن تلك القيمة يوم التلف وعدم تنزله عن ذلك فانه حينذاك وجب الاخذ بقول المالك، لان الغاصب يدعى نقصان القيمة والمالك ينكره فيقدم قول المالك مع يمينه، لكونه موافقا للاصل. مثلا: إذا اتفقا على أن قيمة البغل يوم الاكتراء كانت عشرين دينارا ولكن ادعى الغاصب نقصانها إلى يوم التلف، وادعى المالك بقاءها على حالها ولا شبهة في أن قول المالك حينئذ موافق للاصل، فيقدم مع يمينه، بخلاف قول الغاصب، فانه مخالف للاصل، فتلزمه اقامة البينة، الصورة الثانية: أن يتفق المالك والغاصب على أن قيمة يوم التلف متحدة - اجمالا - مع قيمة يوم المخالفة، ولكنهما اختلفا في تعيين تلك القيمة بأن ادعى المالك كونها يوم المخالفة عشرين دينارا، وادعى الغاصب كونها عشرة دنانير، ومن الواضح أن المالك - عندئذ - يدعى زيادة القيمة فتجب عليه اقامة البينة على ذلك. أما الغاصب فهو منكر لتلك الزيادة فتتوجه عليه اليمين. وعلى الاجمال: انا إذا حملنا الصحيحة على كون المناط - في تعيين القيمة - هو قيمة يوم التلف أمكن لنا تصوير التغاير بوجه قريب بين إلزام المالك

[ 191 ]

بالحلف، وبين إلزامه باقامة البينة وإذا حملنا الصحيحة على كون المناط - في ذلك - هو قيمة يوم الغصب فتصوير التغاير بين الامرين بعيد جدا، لانه على هذا لابد من حملها على صورة اتفاق المالك والغاصب على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة أو على قيمة اليوم اللاحق بيوم المخالفة، ثم ادعى الغاصب نقصان القيمة السابقة. ولكنه خلاف الظاهر من الصحيحة، فلا يمكن الالتزام به مع عدم القرينة عليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام المصنف. ويرد عليه: أن حمل الصحيحة على ارادة يوم التلف ثم حمل توجه الحلف على المالك على صورة، وتوجه البينة عليه على صورة اخرى خلاف الظاهر منها جدا ضرورة أن الظاهر منها هو تخير المالك بين الوظيفتين في إثبات مقصوده: إما إقامة البينة، أو الحلف، كما يقتضيه عطف احدى الوظيفتين على الوظيفة الاخرى بأو وإذن فلا وجه لجعل الجملة المتقدمة - التى هي - مورد بحثنا فعلا - مؤيدة لارادة يوم التلف، دون يوم المخالفة والغصب. بل الظاهر - والله العالم - هو الاخذ بظاهر الصحيحة من توجه كلا الامرين -: أي الحلف وإقامة البينة - على المالك في خصوص الدابة المغصوبة أو في مطلق القيمى المغصوب، وإذن فتكون الصحيحة مخصصة لقاعدة البينة على المدعى، واليمين على المنكر، فلا غرو في ذلك، لان تلك القاعدة ليست من القواعد العقلية حتى لا تقبل التخصيص أو التقييد، بل هي قاعدة فقهية قابلة لذلك، كما أن سائر القواعد الفقهية كذلك. وعليه فالمستفاد من الصحيحة أنه إذا اختلف المالك والغاصب في زيادة القيمة ونقصانها جاز للمالك أن يحلف على ما يدعيه من زيادة القيمة، أو يرده إلى الغاصب، أو يقيم بينة على ذلك. فكأن هذا الحكم تفضل من الشارع

[ 192 ]

المقدس للمالك على رغم من الغاصب. وقال المحقق الايروانى: (إن قضية البينة على المدعى، واليمين على من أنكر قضية ورادة في المخاصمات، وفى مورد الرواية لم تفرض مخاصمة بل الراوى سأل عن أنه من يعرف قيمة البغل وهو تالف، فقال (ع): إما أنت أو هو، فيكون الحلف من كل منهما لاجل أن يذعن الطرف المقابل الجاهل بالقيمة، لا لاجل إلزام خصمه المنكر له). ويرد عليه: أن حمل الحلف - هنا - على الحلف المتعارف الذى يرضى به المحلوف له، ويصدقه في دعواه من دون محاكمة خلاف الظاهر من الصحيحة لانها واردة في مورد المخاصمة، فلا يجوز حملها على غير موردها وهذا ظاهر. ما استدل به على الضمان باعلى القيم قد استدل على الضمان بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف بوجوه: 1 - ما عن الشهيد الثاني من الاستشهاد بالصحيحة المتقدمة على ذلك. وقال المصنف نصا: (لم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجه دلالتها على هذا المطلب). ولكن يمكن توجيه دلالتها على ذلك: بأن المغصوب مضمون على الغاصب في جميع أزمنة الغصب التى منها زمان ارتفاع القيمة، إذ يصدق على ذلك زمان المخالفة أيضا ضرورة أن المراد من يوم المخالفة - في الصحيحة - انما هو طبيعي يوم المخالفة الذى يصدق على كل يوم من أيام الغصب، لا اليوم الخاص. وعليه فان رد الغاصب نفس المغصوب فهو، والا فان رد أعلى القيم

[ 193 ]

فقد رد قيمة يوم المخالفة بقول مطلق، لدخول القيمة السفلى في القيمة العليا بديهة أنه لا يجب على الغاصب قيم متعددة حسب تعدد أيام المخالفة، كما أنه لو رد القيمة النازلة لما رد قيمة يوم المخالفة بقول مطلق، بل أدى قيمة بعض أيام المخالفة. والجواب عن هذا التوجيه: ان الظاهر من قوله (ع) في الصحيحة: (نعم قيمة بغل يوم خالفته)، هو أول يوم حدثت فيه المخالفة، لا مطلق أيام المخالفة، إذ يوجد الطبيعي في الخارج بأول وجود فرده، لان موضوع الضمان في الصحيحة انما هو صرف وجود المخالفة. ونظير ذلك: ما إذا قال المولى لعبده: إذا خالفتني في الامر الفلاني وجب عليك أن تصوم يوم مخالفتك، فان الظاهر من هذه العبارة أنه يجب على العبد صوم أول يوم من أيام مخالفته، لا جميع أيامها. أضف إلى ذلك: أن ذيل الصحيحة شاهد صدق على عدم ارادة الطبيعة السارية من يوم المخالفة، بل المراد منه هو اليوم الخاص المعهود، وذلك الذيل هو قوله (ع): (أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا). إذ لو كان المراد من يوم المخالفة هو الطبيعي لما كان وجه لتعيين ذلك اليوم بيوم الاكتراء في هذه الفقرة. ولا لتعيين قيمة المغصوب - في ذلك اليوم - بالشهود. وقد عرفت فيما سبق أن المراد من يوم الاكتراء هو يوم المخالفة. 2 - أن الغاصب إذا وضع يده على المغصوب اشتغلت ذمته به، وعليه فلو أدى المغصوب بعينه مع بقائه، أو أدى قيمته العليا مع تلفه لفرغت ذمته يقينا، ولو أدى قيمته المتوسطة أو قيمته السفلى لما حصل العلم بفراغ ذمته. ويرد عليه: أن المورد من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر

[ 194 ]

فيؤخذ بالاقل، لانه متيقن، والزائد عليه تجرى عنه البراءة. 3 - أن العين المغصوبة مضمونة على الغاصب بقاعدة ضمان اليد، فنستصحب ضمانها إلى زمان دفع أعلى القيم من زمان الغصب إلى زمان التلف للشك في ارتفاع الضمان بدفع ما هو أقل من ذلك. ويرد عليه: أن المراد من استصحاب الضمان ان كان استصحاب ضمان نفس العين فلازمه أن يدفع الغاصب قيمة يوم الرد، الا أن هذا لا يحتاج إلى الاستصحاب، لان القاعدة الاولية تقتضي ذلك على ما عرفته قريبا. وان كان المراد منه استصحاب ضمان القيمة ففيه أن اشتغال الذمة لم يثبت الا بالقيمة النازلة، أما الزائد عليها فهو مشكوك فيه فتجرى عنه البراءة فما هو المتيقن قد ارتفع يقينا، أما غيره فلم يتعلق به اليقين من الاول. وعلى الجملة: أن الاستصحاب - في محل الكلام - إما أنه غير جار أصلا أو أنه يجرى. ولكن لا يثبت الا الاشتغال بقيمة يوم الرد، دون أعلى القيم 4 - أن العين المغصوبة بنفسها مضمونة على الغاصب من ابتداء اغتصابها إلى نهاية بقائها في نظام الوجود، ومن الواضح أن اختلاف قيمتها بالصعود والنزول دخيل في اختلاف ماليتها من جهة الزيادة والنقيصة. وعليه فان حكمنا باشتغال ذمة الغاصب بأعلى القيم فهو، والا يتضرر المالك بفوت مقدار من مالية ماله، والضرر منفى بقاعدة نفى الضرر. ويرد عليه أولا: أن أدلة نفى الضرر انما تنفى الاحكام الضررية فقط ولا تثبت حكما آخر لكى يدفع به الضرر. ثاينا: أن زيادة القيمة السوقية غير مضمونة على الغاصب والا يلزم الحكم بضمانها أيضا - في صورة بقاء العين - مع نقصان قيمتها السوقية يوم الاداء عن قيمتها السابقة، ولم يلتزم به أحد فيما نعلم.

[ 195 ]

وبتعبير آخر: أنا قد ذكرنا في محله أن الضرر عبارة عن النقص في الاموال، أو الاعراض أو الاعضاء والاطراف، أو الانفس ومن البين الذى لا ريب فيه أن نزول القيمة السوقية بعيد عن تلك الجهات كلها ومن هنا يجوز لاى تاجر استيراد مال التجارة وان أوجب ذلك نقصا في قيمة أموال التجار الآخرين. ثالثا: أن أدلة نفى الضرر واردة في مقام الامتنان على الامة، ومن الظاهر أن الحكم بكون أعلى القيم مضمونا على الغاصب مناف للامتنان عليه، فلا يكون مشمولا لادلة نفى الضرر. 5 - ما أفاده المصنف، وحاصل كلامه: أن الغاصب قد أزال يد المالك عن المغصوب بماله من المالية في كل زمان من أزمنة بقاء المغصوب تحت يد الغاصب، ومن تلك الازمنة ارتفاع قيمته السوقية وعلى هذا فان رد الغاصب نفس العين المغصوبة على مالكها فقد خرج عن عهدتها بداهة أن المأخوذ بالغصب انما هو نفسها، لا ماليتها الخالصة، وإذا تلفت لم يمكن الخروج عن عهدتها إلا برد كل مالية زالت عنها يد المالك، لان حيلولة الاجانب بين الاموال وملاكها توجب الضمان بمجموع المالية الفائتة، ومن الظاهر أنه لا يحصل الفراغ عن ذلك الا برد أعلى القيم، كما أنه لو تلفت العين عند ارتفاع القيمة السوقية لوجب تداركها بأداء تلك القيمة. ويرد عليه: أنه لا صلة بين موارد بدل الحيلولة، وبين ما نحن فيه، ضرورة أن القائلين ببدل الحيلولة انما التزموا به من جهة الجمع بين الحقين، بمعنى: أن تكليف الغاصب برد العين حين التعذر تكليف بما لا يطاق، وهو غير جائز عقلا ونقلا، ومنع المالك عن حقه مع مطالبته اياه ظلم وعدوان، ومخالفة لمقتضى دليل السلطنة، ولا شبهة في حرمته عقلا ونقلا، واذن فالجمع

[ 196 ]

بين الحقين يقتضى الالتزام بوجوب أداء بدل الحيلولة إلى المالك، وسيأتى التعرض لذلك تفصيلا. وهذا بخلاف ما نحن فيه، فان كلامنا - هنا - في أصل ضمان الغاصب القيمة العليا، لا في وجوب أداء ما هو ثابت في ذمة الضامن مع مطالبة المالك اياه. أضف إلى ذلك: أن بدل الحيلولة انما ثبت في مورد لم تتلف العين تلفا حقيقيا، بل تعذر الوصول إليه من ناحية الموانع الخارجية ومن الظاهر أن هذه الكبرى لا تنطبق على مورد بحثنا، لان العين في زمان وصولها إلى القيمة العليا لم يتعذر ردها على مالكها، لان حيلولة الغاصب بين المالك وماله غير مستندة إلى التعذر النازل منزلة التلف، بل هي اختيارية للغاصب. أما في زمان تلفها حقيقة فقد انتقل ضمانها إلى القيمة، فما هو الموجب لضمانه أعلى القيم. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. 6 - ما ذكره المحقق الايروانى، واليك لفظه (فالاحسن في الاستدلال على ضمان أعلى القيم: أنه يصدق عند صعود القيمة أن الغاصب معتد يوم صعود القيمة بمالية صاعدة، ومقتضى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى جواز أخذ تلك المالية منه بعد التلف مجازاة لاعتدائه). ويتوجه عليه: أنه لا دلالة في الآية الكريمة على أصل الضمان - على ما عرفته في أوائل المسألة - فضلا عن دلالتها على الضمان بارفع القيم. 7 - أن العين مضمونة على الغاصب في جميع أوقات الغصب التى منها زمان وصولها إلى القيمة العليا. ويرد عليه: أنه ان كان الغرض من هذا الوجه هو كون العين بنفسها مضمونة على الغاصب ما دامت باقية فهو صحيح، ولكن لا دلالة في ذلك على

[ 197 ]

الضمان بأعلى القيم، بداهة أن الضمان إنما ينتقل إلى القيمة - بعد تلف العين - إما في زمان التلف، أو في زمان الاداء على الخلاف في ذلك، وعليه فلا يمكن الالتزام بضمان القيمة قبل تلف العين، وقبل انتقال الضمان منها إلى القيمة وإن كان الغرض من هذا الوجه هو إثبات الضمان بالقيمة العليا ضمانا فعليا منجزا - سواء أكانت العين باقية بعد انتهائها إلى تلك القيمة، أم كانت تالفة - فهو خلاف ما تسالموا عليه من أن ارتفاع القيمة السوقية مع عدم تلف العين - غير مضمونة على الغاصب على أن ذلك يستلزم الجمع بين العوض والمعوض أحيانا إذ المفروض أن العين باقية في ملك مالكها، ولو التزمنا - معه - بانتقال الضمان إلى بدلها للزم المحذور المذكور. وإن كان الغرض من ذلك أن الضمان بأرفع القيم فعلى، ولكن استقراره في ذمة الغاصب مراعى بالتلف فهو مصادرة واضحة، ولا يساعده النقل ولا الاعتبار، بل هو مخالف لاصالة البراءة من غير دليل شاغل. ثم إنا لو سلمنا دلالة هذه الوجوه الاعتبارية المتقدمة على الضمان بأعلى القيم، ولكن لا يمكن الاستناد إليها في ذلك، لانه اجتهاد في مقابل الصحيحة المتقدمة الدالة على الضمان بقيمة يوم المخالفة. ودعوى أن الصحيحة مجملة، فلا يتضح لنا المراد. منها دعوى غير مسموعة لما عرفته قريبا من ظهورها في الضمان بقيمة يوم الغصب. وقد ظهر لك مما حققناه: أنه لا دلالة في الصحيحة على القول بضمان قيمة يوم الدفع، ولا على القول بضمان قيمة يوم التلف، ولا على غير ذلك من الوجوه، بل هي ظاهرة في خصوص ما ذكرناه فقط. وعليه فلا يصغى إلى الاستدلال على الاول بقاعدة ضمان اليد. فانها محكومة بالصحيحة المتقدمة

[ 198 ]

نعم ربما يتوهم الاستدلال على الثاني بجملة من الاخبار (1) الواردة في باب الرهن الظاهرة في أن القيمى إذا تلف انتقل ضمانه بمجرد التلف إلى القيمة، لانها تدل على لزوم رعاية قيمة العين المرهونة حين تلفها، وملاحظة نسبتها مع الدين، فان كانت مساوية له فلا شئ على الراهن، وإن زادت عليه أخذ الزيادة، وإن نقصت عنه رد على المرتهن مقدار ما نقص. ولكن يتوجه عليه: أن مورد هذه الروايات إنما هو الاتلاف أو


(1) عن ابن بكير قال: سالت ابا عبد الله ع عن الرهن؟ فقال: إن كان اكثر من مال المرتهن فهلك ان يؤدى الفضل إلى صاحب الرهن. وإن كان اقل من ماله فهلك الرهن ادى إليه صاحبه فضل ماله، وإن كان الرهن سواء فليس عليه شئ. موثقة بابن بكير. وعن ابي حمزة، قال: سالت ابا جعفر (ع) عن قول علي (ع) في الرهن يترادان الفضل؟ فقال: كان علي (ع) يقول ذلك، قلت: كيف يترادان الفضل فقال: إن كان الرهن افضل مما رهن به ثم عطب رد المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوى رد الراهن ما نقص من حق المرتهن. قال: وكذلك كان قول علي (ع) في الحيوان، وغير ذلك، ضعيف بسهل بن زياد. الكافي ج 5 من ط 2 ص 234. والوافى ج 10 ص 116. وعن عبد الله بن الحكم، عن ابي عبد الله (ع) قال: وسالته عن رجل رهن عند رجل رهنا على الف درهم، والرهن يساوى الفين فضاع؟ قال: يرجع عليه بفضل ما رهنه، وإن كان انقص مما رهنه عليه رجع على الراهن بالفضل وإن كان الرهن بساوي ما رهنه عليه فالرهن بما فيه. ضعيف بعبد الله بن الحكم وغيره الفقيه ج 3 من ط النجف ص 196. والوافي ج 10 ص 116. ولا يخفى عليك ان في هذه الرواية تحريفا في نسخة الوافى سندا ومتنا.

[ 199 ]

التفريط، إذ لا ضمان - في تلف الرهن - على المرتهن من دون تعد وتفريط والشاهد على ذلك جملة اخرى من روايات الرهن (1) وعليه فزمان التلف والضمان واحد في صورة الاتلاف، فلا منافاة عندئذ بين روايات الرهن وبين الصحيحة الدالة على أن العبرة بقيمة يوم المخالفة. أما في صورة التفريط فيمكن أن يتغاير يوم التلف مع يوم الضمان، ولكن الذى يسهل الخطب أنه لا دلالة في روايات الرهن على الضمان بقيمة يوم التلف، ولا بقيمة يوم المخالفة، ولا بقيمة اخرى غيرهما، بل الظاهر منها هو ثبوت أصل الضمان بالقيمة في فرض التعدي والتفريط، وقد عرفت دلالة الصحيحة على الضمان بقيمة يوم المخالفة، وإذن فلا منافاة بينها وبين روايات الرهن في فرض التفريط أيضا. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بما ورد في العتق (2) على الضمان بقيمه يوم التلف، لان ذلك ورد في الاتلاف، وقد عرفت أن زمان التلف والضمان واحد في صورة الاتلاف.


(1) قد نقلناها في ص 131. (2) كقوله (ع) في رواية البصري: (نعم يؤخذ بما بقي منه بقيمته يوم اعتق). بناء على نسخة الكافي من ذكر يوم بدل ثم. وكقوله (ع) في رواية محمد بن قيس: (وإن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم اعتق منه ما اعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتى يعتق). وقد نقلنا هاتين الروايتين في ص 174.

[ 200 ]

ختام البحث في القيمى قد يتوهم: أن الالتزام بانتقال القيمى التالف إلى القيمة ينافى لما تسالم عليه الاصحاب من صحة المصالحة بين التالف وبين أي مقدار من الدراهم والدنانير والوجه في ذلك: أنه لو كان التلف موجبا لانتقال التالف إلى القيمة لما صحت المصالحة إلا على المقدار الذى يساوى قيمة التالف، فان المصالحة على الزائد عليه يستلزم الرباء. ولكن هذا التوهم فاسد، بداهة أن القيمة الثابتة في ذمة الضامن ليست هي خصوص الدراهم، ولا أنها خصوص الدنانير، بل إنما هي أمر كلى تتقوم به الاشياء، وأنه أعم من الدراهم والدنانير، وإذن فمصالحة التالف على الدراهم، أو على الدنانير لا تستلزم وقوع المصالحة بين المتجانسين الربويين لكى يلزم منها الرباء. قوله: (ثم إنه حكى عن المفيد، والقاضى، والحلبي الاعتبار بيوم البيع فيما كان فساده من جهة التفويض إلى حكم المشترى). أقول: لم يتضح لنا وجه صحيح لما ذكره هؤلاء الاعاظم، إلا أن يوجه رأيهم هذا بما وجهه به المصنف من إرادة يوم القبض من يوم البيع، لغلبة اتحادهما زمانا، كما وقع التعبير - في صحيحة أبى ولاد - عن يوم المخالفة بيوم الاكتراء. وكيف كان فلا وجه لتقييد فساد المعاملة بخصوص تفويض الثمن إلى المشترى، ضرورة أن مورد البحث إنما هو المقبوض بالعقد الفاسد، بل المغصوب أيضا، وعليه فأية خصوصية للتقييد المزبور. قوله (فافهم) أقول: لعله إشارة إلى أن إرادة يوم القبض من يوم

[ 201 ]

البيع وإن كان بعيدا في نفسه، ولكنه لابد من ذلك صونا لكلام هؤلاء الاكابر عن اللغوية، ولعلهم تبعوا في هذا التعبير للصحيحة المتقدمة، حيث عرفت - قريبا - أن الامام عليه السلام قد عبر - فيها - عن يوم المخالفة بيوم الاكتراء والله العالم بالضمائر. ثم قال المصنف: (إنه لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف على جميع الاقوال، إلا أنه تردد فيه في الشرايع، ولعله - كما قيل - من جهة احتمال كون القيمى مضمونا بمثله، ودفع القيمة إنما هو لاسقاط المثل، وقد تقدم أنه مخالف لاطلاق النصوص والفتاوى). أقول: قد عرفت فيما سبق - أن مقتضى القاعدة هو بقاء العين - بعد تلفها - في الذمة على نحو الكلى الذى يعبر عنه بالمثل، ولا تنتقل إلى القيمة إلا يوم الرد، واذن فلا مناص عن الالتزام بضمان القيمة الزائدة للعين بعد تلفها. ودعوى أن هذا مخالف للاجماع دعوى جزافية، لعدم العلم بوجود الاجماع التعبدى في المقام. ولكن الذى يسهل الخطب هو دلالة الصحيحة المتقدمة على الاعتبار بقيمة يوم المخالفة، وعليه فلا مجال للاخذ بمقتضى القاعدة: أعنى به الضمان بقيمة يوم الرد. قوله: (ثم إن ما ذكرنا من الخلاف إنما هو في ارتفاع القيمة بحسب الازمنة). أقول: لما بنى المصنف على الاعتبار بقيمة يوم التلف في ضمان التالف بنى على اعتبار محل التلف أيضا في ذلك، ضرورة أن الاشياء كما تختلف قيمتها باختلاف الازمنة، كذلك تختلف قيمتها باختلاف الامكنة، فالمالية

[ 202 ]

إذا قدرت بقيمة يوم التلف قدرت بقيمة مكان التلف - أيضا - فان العين إنما تضمن بجميع خصوصياتها حين التلف، ومن جملتها خصوصية بلد التلف. ولكنا لما بنينا على الاعتبار بقيمة يوم المخالفة، لدلالة الصحيحة المتقدمة على ذلك فلا مناص عن الاعتبار بقيمة مكان المخالفة أيضا، لان الامام عليه السلام - مع كونه في مقام البيان - لم يفكك بينهما. على أن التفكيك بينهما خلاف المرتكز العرفي. ويدل على ما ذكرناه قوله عليه السلام في نفس الصحيحة: (أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا فيلزمك). فان الظاهر من هذه الجملة المباركة هو اختيار الشهود من أهل الكوفة - التى هي مكان المخالفة - ضرورة أن الاتيان بالشهود من أهل بغداد - التى كانت نهاية لسير أبى ولاد - بعيد جدا. ومن الواضح أنه إذا كان الشهود من أهل الكوفة لم يشهدوا إلا على ما هو قيمة البغل في الكوفة، لا على قيمته في مكان آخر، لان شهادتهم على الثاني تحتاج إلى عناية زائدة وهى غير مذكورة في الصحيحة. قوله: (ثم إن جميع ما ذكرنا من الخلاف إنما هو في ارتفاع القيمة السوقية الناشئة من تفاوت رغبة الناس). أقول: الزيادات الحاصلة في العين تارة تكون منفصلة، واخرى تكون متصلة: أما الاولى فحكمها حكم نفس العين، وعليه فان كانت باقية فوجب ردها على مالكها، وإن كانت تالفة فوجب رد بدلها عليه من المثل، أو القيمة. أما الثانية فلا شبهة في كونها مضمونة على الضامن - أيضا - سواء أكانت هذه الزيادات من قبيل الكيف، كوصف الكتابة، والنجارة، والبناية، وأمثالها أم كانت من قبيل الكم، كالسمن ونحوه، أم كانت من قبيل وصف الصحة.

[ 203 ]

وبتعبير آخر كما أن العين مضمونة على الغاصب، كذلك أوصافها الدخيل في مالية العين، فانها - أيضا - مضمونة على الغاصب، سواء في ذلك أوصاف الصحة وأوصاف الكمال، وهذا ظاهر. ثم إن الخلاف المتقدم في الضمان بقيمة العين المغصوبة يجرى في الضمان بقية الزيادات الفائتة - أيضا - وقد عرفت - فيما تقدم قريبا - أن الاعتبار في ضمان العين التالفة بقيمة يوم الغصب، وهكذا في المقام طابق النعل بالنعل والقذة بالقذة. والوجه في ذلك: أن العين إنما تكون مضمونة على الغاصب مع أوصافها الدخيل في ماليتها، لا مجردة عنها، وعليه فتحديد العين بقيمة وقت خاص تحديد لاوصافها - أيضا - بقيمة ذلك الوقت، وقد عرفت دلالة الصحيحة على أن الاعتبار في الضمان إنما هو بقيمة يوم الغصب ومقتضى إطلاقها - والله العالم - هو الالتزام بضمان العين مع أوصافها من يوم المخالفة وإن كانت الاوصاف حاصلة بعد ذلك، وعليه فتقدر العين موصوفة بتلك الاوصاف حين المخالفة، فتقوم، ويضمن بتلك القيمة، وإذن فلا عبرة بالقيمة حين حدوث الاوصاف. ما استدل به على ثبوت بدل الحيلولة قوله: (ثم إن في حكم تلف العين في جميع ما ذكر من ضمان المثل أو القيمة حكم تعذر الوصول إليه وإن لم يهلك، كما لو سرق أو غرق، أو ضاع، أو أبق). أقول: تحقيق البحث عن بدل الحيلولة ونواحيه يقع في ضمن أسئلة وأجوبتها:

[ 204 ]

1 - ما هو الدليل على الالتزام ببدل الحيلولة عند تعذر الوصول إلى العين؟ قد استدل على ذلك بوجوه شتى: الوجه الاول: قاعدة نفى الضرر، بدعوى أن تكليف المالك بالصبر إلى أن يعود المال إلى يده ضرر عليه. أو يقال: إن عدم الحكم بضمان البدل ضرر على المالك. أو يقال: إن امتناع الضامن عن أداء البدل ضرر على المالك. ويرد عليه: أن الاستدلال بقاعدة نفى الضرر على اثبات بدل الحيلولة يتوقف على مقدمتين: الاولى: أن قاعدة نفى الضرر مسوقة لرفع الاحكام الضررية، لا رفع الموضوعات الضررية. وقد ذكرنا في محله أن هذه المقدمة صحيحة لا شك فيها. الثانية: أن يلتزم بأن أدلة نفى الضرر كما تشمل الاحكام الوجودية كذلك تشمل الاحكام العدمية أيضا: أي كلما توجه ضرر على المكلفين من ناحية حكم الشارع بشئ، أو عدم حكمه به فأدلة نفى الضرر تقتضي ارتفاع الحكم في الاول، وجعله في الثاني. وهذه المقدمة مخدوشة بما ذكرناه في محله، وحاصله: أن أدلة نفى الضرر ناظرة إلى نفى الضرر في عالم التشريع: أي الضرر الناشئ من تشريع الاحكام في الشرع المقدس الاسلامي، وعليه فتلك الادلة غير ظاهرة في تدارك الضرر المتوجه على المكلفين من غير ناحية تشريع الحكم الشرعي، وإلا فيلزم الحكم بوجوب تدارك الضرر المتوجه على أحد المسلمين من بيت المال، أو من أموال سائر المسلمين، وحينئذ فلا يمكن التمسك بالقاعدة المزبورة لاثبات بدل الحيلولة. وبعبارة اخرى: أنه لا استحالة في حكومة قاعدة نفى الضرر ثبوتا

[ 205 ]

وإمكانا على الاحكام الوجودية والعدمية. ولكن لا دليل عليه في مرحلة الاثبات والوقوع، بديهة أن أدلة نفى الضرر قاصرة عن إثبات هذا المعنى. ويضاف إلى ذلك: أن النسبة بين موارد بدل الحيلولة، وموارد تضرر المالك هي العموم من وجه، إذ قد لا يتضرر المالك بصبره إلى زمان التمكن من الوصول إلى ماله، لاستغنائه عنه، ومع ذلك يحكم بلزوم أداء بدل الحيلولة وقد يتضرر المالك من حيلولة الغاصب بينه وبين ماله مدة قليلة كساعة أو ساعتين مع أنه لا يكون موردا لبدل الحيلولة، لان الفقهاء رضوان الله عليهم قد اعتبروا في ثبوت بدل الحيلولة تعذر وصول المالك إلى ماله مدة طويلة. وسيأتى ذلك قريبا. واذن فلا يمكن الاستدلال على اثبات بدل الحيلولة بقاعدة نفى الضرر. ويؤيد ما ذكرناه: أنا لم نجد أحدا يستدل بقاعدة نفى الضرر على ثبوت بدل الحيلولة فيما إذا حال أحد بين المالك وماله بمنعه عن التصرف فيه. ودعوى ثبوت الفارق بين هذا وبين ما نحن فيه دعوى جزافية. ولو أغمضنا عن جميع ذلك، ولكن تضرر المالك بالصبر إلى زمان الوصول إلى ماله معارض بتضرر الضامن برد بدل الحيلولة، فيتساقطان وعليه فلا يكون مورد بدل الحيلولة مشمولا لقاعدة نفى الضرر. ودعوى أن الضامن قد أقدم - بنفسه - على الضرر فلا يعارض بضرر المالك دعوى فاسدة، ضرورة أن الضامن لم يقدم إلا على ضمان العين فقط، لا على ضمان سائر الجهات الخارجة عن العين. الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وآله: إن الناس مسلطون على أموالهم (1). وتقريب الاستدلال بهذا الحديث على المقصود هو أن السلطنة على العين وإن كانت ممنوعة بالتعذر، إلا أن السلطنة على ماليتها غير ممنوعة، وعليه


(1) البحار ج 1 ص 154.

[ 206 ]

فيجب على الضامن رد البدل على المالك حفظا لسلطنته على مالية ماله. ويرد عليه أولا: أن دليل السلطنة ضعيف من جهة الارسال، وغير منجبر بشئ ثانيا: أن مفاده إنما هو إثبات السلطنة للمالك فيما يجوز له التصرف في ماله - كالبيع واللبس والسكنى وأمثال ذلك - ومن الواضح أنه ليس لاحد أن يزاحم المالك في أشباه هذه التصرفات. وأما بقية الجهات فهى بعيدة عن دليل السلطنة. وببيان آخر: أن دليل السلطنة إنما يدل على عدم محجورية المالك عن ماله في التصرفات السائغة، فلا دلالة فيه على اثبات السلطنة له في التصرفات غير السائغة في ماله. وعلى هذا الضوء فيجوز للمالك أن يطالب ماله من الغاصب بمقتضى دليل السلطنة، ولكن لا يستفاد من ذلك جواز مطالبة بدل الحيلولة منه، إذ لا صلة بينهما بوجه. كما أنه لا يستفاد من الدليل المزبور جواز ايذاء الغاصب بالضرب والشتم والحبس ونحوها. أضف إلى ذلك: أن النسبة بين دليل السلطنة، وبين موارد بدل الحيلولة هي العموم من وجه. وحينئذ فلا يصح الاستدلال به على ثبوت بدل الحيلولة في جميع الموارد، بل إنما يصح ذلك في بعض الموارد وعلى سبيل الايجاب الجزئي. على أنا لو جوزنا ثبوت بدل الحيلولة مع تعذر وصول المال إلى مالكه للزم القول بثبوته مع تعذر وصول المالك إلى ماله من جهة الحبس ونحوه، ضرورة أنه لا يفرق في ذلك بين أن يكن التعذر بحبس المالك ومنعه عن الوصول إلى ماله وبين إلقاء المال في مكان لا يصل إليه مالكه - عادة - إلا بعد مدة طويلة، مع انه لم يلتزموا الفقهاء بثبوت البدل في الصورة الاولى، وهذا ظاهر. الوجه الثالث: قاعدة الضمان بالاتلاف، بدعوى ان الغاصب قد فوت

[ 207 ]

سلطنة المالك على ماله في موارد بدل الحيلولة، فحيث إنه غير قادر على اعادة تلك السلطنة بعينها، فلا بدله من اعادة مثلها، ومن الواضح أن هذا لا يمكن إلا بأداء بدل الحيلولة. ويرد عليه أولا: أن التمسك بهذا الوجه يقتضى الحكم بلزوم بدل الحيلولة فيما كان تعذر الوصول إلى المال من جهة حبس المالك ومنعه عن التصرف فيه، كما أن التمسك به يقتضى الالتزام ببدل الحيلولة فما كانت مدة الحيلولة قليلة، مع أن القائلين ببدل الحيلولة لم يلتزموا به في كلا الموردين. ثانيا: أنه إن كان المراد من فوت السلطنة فوت منافع العين فلا شبهة في كونها مضمونة على الغاصب، كما أن نفس العين مضمونة عليه، ولكن هذا بعيد عن بدل الحيلولة. وإن كان المراد من ذلك فوت نفس السلطنة على العين فلا دلالة في القاعدة المزبورة على كون السلطنة القائتة مضمونة على الغاصب بداهة أن مفاد القاعدة هو أن العين التالفة مضمونة على المتلف دون سائر الجهات. أضف إلى ذلك: أن هذه القاعدة ليست بمدلول آية أو رواية لكى نتمسك باطلاقها، بل هي متصيدة من أدلة الضمان الواردة في موارد خاصة، وعليه فلا بد من الاقتصار على الموارد المتيقنة: أعنى بها نفس العين التالفة. الوجه الرابع. قوله صلى الله عليه وآله: على اليد ما أخذت حتى تؤديه، فان أداء العين كما يكون بأداء البدل في صورة التلف، كذلك يكون بأداء البدل في فرض الحيلولة. ويرد عليه أولا: أن الحديث المزبور ضعيف السند، وغير منجبر بشئ وقد عرفته فيما تقدم (1).


(1) ص 88.

[ 208 ]

ثانيا: أنه لو جاز التمسك به - هنا - لما يفرق فيه بينما كانت مدة التعذر قليلة، وبينما كانت مدته طويلة مع أن الفقهاء لم يلتزموا ببدل الحيلولة في الصورة الاولى ثالثا: أنا ذكرنا في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد أن قاعدة ضمان اليد انما تدل على ثبوت العين في عهدت الغاصب بجميع خصوصياتها الفردية والصنفية والنوعية التى هي دخيل في المالية. وذكرنا - أيضا - أن فقدان أية خصوصية من تلك الخصوصيات لا يوجب اضمحلال غيرها. وعليه فإذا كانت العين موجودة لزم على الغاصب ردها مع تلك الخصوصيات بأجمعها، لاستحالة أدائها بدون تلك الخصوصيات وإذا تلفت حقيقة، كالاحتراق ونحوه، أو صارت في حكم التلف في نظر أهل العرف، كالسرقة والاباق والاغتراف والضياع وأشباهها مما يوجب اليأس عن الوصول إليها، إذا كان كذلك انتقل الضمان إلى المثل. وإذا تعذر المثل - أيضا - مع مطالبة المالك حقه وجب على الغاصب أداء القيمة: أعنى بها المالية الخالصة، ووقتئذ لا يجوز للمالك مطالبة المثل، ولا مطالبة العين بعد ارتفاع المانع عن الوصول إليها، والا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. وهذا بخلاف ما إذا لم يوجب التعذر التحاق العين بالتالف، فانه حينئذ ليس للمالك مطالبة البدل، ولا للغاصب أداء غير العين المغصوبة الا مع التراضي نعم يجوز للمالك أن يطالب بالمنافع الفائتة، فيكون المأخوذ بازاء تلك المنافع بمنزلة الاجرة للعين في مدة غيابها عن المالك، ولا شبهة في أن هذا كله غير مربوط ببدل الحيلولة، واذن فلا وجه لاثباته بحديث ضمان اليد. وقد اتضح لك مما تلوناه عليك: أنه لا يمكن الاستدلال على ثبوت

[ 209 ]

بدل الحيلولة بالروايات (1) الدالة على ضمان التالف في الامانات المضمونة، كما صنعه المصنف. لانها راجعة إلى صورة التلف، ومحل بحثنا غير هذه الصورة الوجه الخامس: دعوى الاجماع على ثبوت بدل الحيلولة مع تعذر وصول المالك إلى ماله. ويرد عليه: أنا لو سلمنا وجود الاجماع في المقام ولكن يحتمل قريبا أن يكون مستنده هي الوجوه المتقدمة واذن فلا علم لنا بوجود الاجماع التعبدى في المقام.


(1) عن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا الحسن (ع) عن رجل استودع رجلا الف درهم، فضاعت فقال الرجل كانت عندي وديعة وقال الآخر: إنما كانت عليه قرضا؟ قال: المال لازم له إلا ان يقيم البينة انها كانت وديعة. وعن ابن محبوب قال: كتب رجل إلى الفقيه (ع) رجل دفع إلى رجل وديعة وامره أن يضعها في منزله أو لم يأمر، فوضعها في منزل جاره فضاعت، فهل يجب عليه إذا خالف امره واخرجها عن ملكه؟ فوقع (ع) هو ضامن لها ان شاء الله. وعن ابان عن محمد عن ابى جعفر (ع) قال: سألته عن العارية يستعيرها الانسان فتهلك أو تسرق؟ قال فقال: إذا كان امينا فلا غرم عليه. وعن ابن سنان قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن العارية؟ فقال: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا. الوافي ج 10 ص 118. وقد تقدم ما يدل على ضمان الاجير في ص 132.

[ 210 ]

ما هو مورد بدل الحيلولة؟ 2 - هل يقيد ثبوت بدل الحيلولة بما إذا حصل اليأس من الوصول إلى العين الغائبة، أم يقيد بعدم رجاء وجدانها، أم لا يقيد بشئ منهما، بل يحكم بثبوت بدل الحيلولة بمجرد التعذر الفعلي، سواء أعلمنا بامكان الوصول إليها بعد مدة طويلة، أم علمنا بالوصول إليها بعد مدة قصيرة يتضرر المالك بعدم الوصول إلى ماله في هذه المدة؟. ذكر المصنف رحمه الله: أن ظاهر الادلة التى استدلوا بها على ثبوت بدل الحيلولة هو اختصاص الحكم باحدى الصورتين الاوليين. ولكن المستفاد من فتاوى الاصحاب رضوان الله عليهم هو الصورة الثالثة. ويظهر ذلك من اطلاق قولهم: إن اللوح المغصوب في السفينة إذا كان نزعه معرضا لتلف مال لغير الغاصب انتقل إلى القيمة حتى تصل السفينة إلى الساحل. ويؤيد هذا المعنى: أن فيه جمعا بين الحقين، انتهى ملخص كلامه. ويرد عليه: أن ما استظهره من كلمات الفقهاء في مسألة اللوح المغصوب في السفينة وإن كان استظهارا وجهيا، ولكن لادليل على حجية فتواهم للفقهاء الآخرين. أما التأييد المزبور فلا فائدة فيه، إذ لم يتضح لنا من الادلة المتقدمة جواز مطالبة المالك الغاصب ببدل الحيلولة في مدة انقطاعه عن ماله وقد عرفته قريبا. ولو أغمضنا عن ذلك، ولكن الصورة الاولى: - أعنى بها صورة يأس المالك من الوصول إلى ماله - لا حقة بالتلف الحقيقي، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك قريبا، وإذن فلا وجه لجعل هذه الصورة من موارد بدل الحيلولة.

[ 211 ]

أما الصورتين الاخريين فيختلف الحكم فيهما باختلاف مدارك بدل الحيلولة، لانه إن كان الدليل على ثبوت بدل الحيلولة هو الاجماع فالمتيقن منه إنما هو الصورة الاولى التى قد عرفت خروجها عن مورد البحث. وإن كان الدليل عليه هو قاعدة السلطنة، أو قاعدتي لا ضرر، وضمان اليد فقد عرفت أن مفادها ثبوت بدل الحيلولة بمجرد التعذر، سواء أكان زمان التعذر طويلا، أم كان قصيرا، وعليه فجميع الصور المتقدمة داخلة في محل البحث مع أنه بديهى البطلان، فان الفقهاء لم يلتزموا بثبوت بدل الحيلولة إلا فيما تعذر الوصول إلى العين في مدة طويلة، لا مطلقا. هل يعتبر التعذر العقلي في ثبوت بدل الحيلولة؟ 3 - هل يعتبر التعذر العقلي في ثبوت بدل الحيلولة، ام لا؟. لما فرغ المصنف من البحث عن الصور الثلاث السالفة نهض إلى البحث عن اعتبار التعذر العقلي وعدمه في ثبوت بدل الحيلولة. وحاصل كلامه مع التوضيح الاجمالي: أن الظاهر من دليل السلطنة، وحديث ضمان اليد وقاعدة نفى الضرر هو عدم اعتبار التعذر العقلي في ثبوت الضمان ببدل الحيلولة: بحيث لا يتمكن الضامن عقلا من الوصول إلى العين، بل يكفى في ذلك مجرد التعذر العرفي - وان تمكن الغاصب من الوصول إلى العين بالسعي في مقدمات الوصول - وعليه فيحكم بثبوت بدل الحيلولة في زمان السعي أيضا. ولعله لاجل هذا المعنى قد أفتى الفقهاء رضوان الله عليهم بالانتقال إلى القيمة في اللوح المغصوب في السفينة مع امكان الوصول إليه ولو بالسعي في مقدمات ايصال السفينة إلى الساحل. نعم قد عبر بعض الفقهاء عن عدم الوصول إلى العين بكلمة (التعذر)

[ 212 ]

ولا شبهة في ظهورها في التعذر العقلي، وهذا هو الاوفق باصالة عدم تسلط المالك على أزيد من إلزام الغاصب برد العين. ثم أمر بالتأمل. ولعله اشارة إلى أن الاصل المذكور محكوم بدليل السلطنة، وقاعدتي نفى الضرر، وضمان اليد، وانه لا يفرق في أدلة بدل الحيلولة بين الزمان اليسير والزمان القليل. وقد ظهر لك مما تلوناه عليك فساد ما ذكره السيد رحمه الله في حاشيته واليك نصه: (لا يخفى أن هذا ليس مطلبا آخر، بل هو نفس الوجه الاخير الذى أيده بأن فيه جمعا بين الحقين، كما أن تعبير البعض بالتعذر هو نفس الوجه الاول وهو اليأس من الوصول فلا وجه للتكرار). ووجه الفساد: أن اليأس من الوصول إلى العين أعم من التعذر العقلي فإذا اعتبر الثاني في سقوط التكليف برد نفس العين، فمجرد اليأس - الذى هو الصورة الاولى من الصور الثلاث المتقدمة - لا يوجب سقوطه. كما أن اعتبار التعذر العرفي في سقوط التكليف برد العين أعم من الصورة الاخيرة - وهى الحكم بثبوت بدل الحيلولة بمجرد التعذر الفعلى - واذن فلا تكرار في عبارة المصنف ما هو حكم القيمة مع تعذر الوصول إلى العين 4 - ما هو شأن القيمة مع تعذر الوصول إلى العين، وهل للضامن اجبار المالك حينئذ على أخذها؟. لا شبهة في أن العين إذا تلفت انتقل الضمان إلى بدلها من المثل أو القيمة كما لاشبهة في أن بقاء الضامن مشغول الذمة ضرر عليه، واذن فيجوز له اجبار المالك على قبول حقه.

[ 213 ]

ولكن شيئا من ذلك لا يجرى فيما نحن فيه، لانا لو سلمنا تمامية الادلة المتقدمة الدالة على ثبوت بدل الحيلولة، الا أنه لادلالة فيها على جواز اجبار الضامن المالك على قبول البدل. وليس هنا دليل آخر يدل على ذلك غير تلك الادلة. وعليه فيتخير المالك بين قبول البدل وبين الصبر إلى زمان زوال العذر. بل هذا المعنى هو الذى تقتضيه قاعدة السلطنة، ضرورة أن المالك يستحق على الضامن العين بنفسها، ومن الظاهر أن اجبار الضامن اياه على قبول بدلها خلاف سلطنته. وهذا هو الذى أراده المصنف من تمسكه بقاعدة السلطنة في المقام. وليس مراده من التمسك بها هو سلطنة المالك على امتناع قبول البدل مع كونه ملكا له لكى يتوجه عليه أنه ليس للمالك الامتناع من قبول ماله بدليل السلطنة وهذا ظاهر لا خفاء فيه. قوله: (وكما أن تعذر رد العين في حكم التلف، وكذا خروجه عن التقويم) أقول: قد تقدم حكم الخروج عن التقويم في الابحاث السابقة (1) وقلنا إن المدار في ذلك على انتهاء أمد المالية، غاية الامر انه يحكم في القيميات بضمان قيمة يوم الغصب، لصحيحة أبى ولاد المتقدمة. هل يصير البدل المبذول ملكا لمالك العين؟ 5 - ما هو حكم البدل المبذول فهل يكون ذلك ملكا لمالك العين أم لا؟ ذكر المصنف ان المال المبذول يملكه المالك بلا خلاف، كما في المبسوط والخلاف والغنية والتحرير وظاهرهم ارادة نفى الخلاف بين المسلمين.


(1) ص 168

[ 214 ]

ثم قال: (ولعل الوجه فيه أن التدارك لا يتحقق الا بذلك، ولولا ظهور الاجماع وأدلة الغرامة في الملكية لاحتملنا أن يكون مباحا له اباحة مطلقة وان لم يدخل في ملكه، نظير الاباحة المطلقة في المعاطاة على القول بها فيها، ويكون دخوله في ملكه مشروطا بتلف العين. وحكى الجزم بهذا الاحتمال عن المحقق القمى رحمه الله في أجوبة مسائله). ولكن ناقش في هذا الرأى المحقق والشهيد الثانيان. فقال الاول في محكى جامع المقاصد: (ان هنا اشكالا، فانه كيف يجب القيمة ويملكها الآخذ ويبقى العين على ملكه، وجعلها في مقابل الحيلولة لا يكاد يتضح معناه). وقال الثاني: (ان هذا لا يخلو من اشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من دون دليل واضح. ولو قيل بحصول الملك لكل منهما متزلزلا، وتوقف تملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وان جاز له التصرف كان وجها في المسألة). والتحقيق: ان حكم هذه المسألة يختلف باختلاف مدرك بدل الحيلولة: فان قلنا بأن مدركه قاعدة نفى الضرر، فانها تقتضي كون البدل مباحا للمالك، لا ملكا له، لانا لو سلمنا شمول أدلة نفى الضرر للاحكام العدمية، ولكنها لا تقتضي التشريع الا بالمقدار الذى يرتفع به ضرر المالك، ومن البديهى أن تضرره انما كان من ناحية عدم تمكنه من التصرف في ماله، وهذا يرتفع باباحة التصرف في بدل الحيلولة مثلما يتصرف في ملكه، فان دخول البدل في ملك المالك ليس بدخيل في ارتفاع ضرره. وان قلنا بأن مدرك بدل الحيلولة انما هو دليل السلطنة، أو قلنا بأن الغاصب قد فوت على المالك سلطنته على ماله فيجب عليه تدارك هذه السلطنة

[ 215 ]

للمالك ان قلنا بذلك فلا يثبت للمالك أيضا الا اباحة التصرف في البدل على النحو الذى يتصرف في ملكه، لانه لا دلالة في دليل السلطنة الا على لزوم اعادة سلطنة المالك، الزائلة ولا ريب في حصول هذا المعنى بجواز تصرفه في بدل الحيلولة وإن لم يصر البدل ملكا له. ويتضح ذلك جليا بأن الملكية أو السلطنة من الاحكام الوضعية. ومن البين أن الاحكام الشرعية لا تقابل بالمال. نعم مقتضى ذلك هو الالتزام بالملكية الآنية قبل التصرف المتوقف على الملك. وقد تقدم نظير ذلك في المعاطاة على القول بافادتها الاباحة المطلقة. وقد يتوهم أن سلطنة المالك قد زالت مع المالية القائمة بالعين. ومن الواضح أنه لا يمكن إعادة السلطنة المزبورة إلا باعادة نفس العين أو باعادة ما يقوم مقامها في المالية، وعليه فلا بد من الالتزام بملكية المالك تحقيقا للبدلية. ولكن هذا التوهم فاسد، إذ لا دليل على الملازمة بين اعادة السلطنة وبين إعادة العين أو إعادة ماليتها، بل تمكن اعادة السلطنة الزائلة في ضمن مال الغاصب ضرورة أن السلطنة عبارة عن القدرة على تصرف المالك تصرفا سائغا، ولا ريب في تحقق ذلك في شئ آخر يقوم مقام ملك المالك. وان كان المدرك لبدل الحيلولة هو الاجماع فلا شبهة في أن المتيقن منه انما هو قيام البدل مقام المبدل في خصوص التصرفات المالكية، لا في الملكية. وان كان المدرك لذلك هو قاعدة من أتلف فهى تقتضي صيرورة البدل ملكا للمالك، بديهة أن الضمان لا يرتفع الا بذلك. وان كان المدرك لذلك هو قاعدة ضمان اليد. فانها تقتضي وجوب رد العين إلى مالكها، ومع تلفها يلزم على الآخذ رد بدلها من المثل أو القيمة، ومن الواضح أن مقتضى البدلية هو كون البدل ملكا لمالك المبدل.

[ 216 ]

وبيان ذلك: أن المستفاد من قاعدة ضمان اليد انما هو ثبوت العين في عهدة الضامن بجميع شؤونها. وأنه يجب ردها إلى مالكها، مع العجز عن ذلك من جهة التلف أو لتعذر الوصول إليها وجب على الضامن رد بدلها مع مطالبة المالك، وهذا البدل وان لم يكن عين المبدل من جميع الجهات، ولكنه مثله في بعض الجهات، لما ذكرناه سابقا من أن المضمون على الضامن ابتداءا بقاعدة ضمان اليد انما هو العين الخارجية بجميع خصوصياتها، ومع انتفاء بعض الخصوصيات يبقى بعضها الآخر مضمونا عليه، لان اضمحلال أية خصوصية منها لا يوجب اضمحلال غيرها، وعليه فرد المأخوذ بالغصب وان لم يكن بتمام خصوصياته الا انه يمكن ذلك فاقدا لبعض الخصوصيات غير الدخيل في المالية، ولا محذور فيه لكونه برضى المالك وإذن فلا يتحقق عنوان البدلية بأداء بدل الحيلولة الا بقيام البدل مكان المبدل في الاضافة الملكية. وعلى الجملة: ان مقتضى قاعدة ضمان اليد هو أن البدل -: أعنى به المثل أو القيمة - أمر كلى ينطبق على المبدل والبدل كليهما انطباق الكلى على أفراده والطبيعي على مصاديقه، وعليه فلا مناص عن الالتزام بصيرورة بدل الحيلولة ملكا للمالك، وهذا واضح لا شبهة فيه. هل يكون المبدل ملكا للضامن باعطاء البدل؟ 6 - هل تنتقل العين إلى الضامن باعطاء البدل أم لا؟. قد يقال بأن المضمون له يملك بدل الحيلولة، والضامن يملك العين المتعذرة، لاستحالة بدلية شئ عن شئ الا بقيام البدل مكان المبدل في جهة من الجهات، وتلك الجهة في المقام هي الاضافة الملكية.

[ 217 ]

وقد يقال بأن المالك يملك البدل، أما الضامن فلا يملك المبدل، لان المأخوذ بعنوان البدلية ليس عوضا حقيقيا حتى تستحيل البدلية الا بدخول العين المتعذرة في ملك الضامن، بل هو غرامة خالصة نظير دية المقتول أو المجروح وكالمبذول عند تلف العين. ومن البين أن عنوان الغرامة لا يستلزم خروج البدل من ملك الضامن ولا دخول العين المتعذرة في ملكه لكى يكون ذلك معاوضة قهرية شرعية. ولكن التحقيق: أن كون العين المتعذرة ملكا للضامن متفرع على كون البدل ملكا للمالك، فانه بناءا على صيرورة البدل ملكا للمضمون له - كما تقتضيه قاعدتا من أتلف، وضمان اليد - صار المبدل ملكا للضامن بالمعاوضة القهرية الشرعية، إذ لولا ذلك لزم اجتماع العوض والمعوض في ملك مالك العين. ومن هنا ناقش المحقق والشهيد الثانيان في الالتزام بكون البدل غرامة خالصة من غير أن يكون المبدل ملكا للضامن، ولا أن يكون البدل ملكا للمالك. وقد تقدم كلامهما قريبا. ويؤيد ذلك ما ورد (1) في الدابة الموطوئة من إلزام الواطى بأخذ الدابة وإعطاء ثمنها لمالكها.


(1) عن سدير، عن ابي جعفر (ع) في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يحد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه افسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت مما يؤكل لحمه. وإن كانت مما يركب ظهره اغرم وجلد دون الحد واخرجها من المدينة التى فعل بها فيها إلى بلاد اخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كيلا يعير بها. حسنة بسدير بن حكيم. الكافي ج 7 من ط 2 ص 204. الوافى ج 9 ص 53.

[ 218 ]

بحث في فروع مهمة ثم إنه تستخرج مما ذكرناه فروع مهمة، وهى ما يلي: 1 - أنه إذا توضأ أحد غفلة بماء مغصوب، أو مقبوض بالعقد الفاسد. والتفت بعد الغسلات، وقبل المسحات بغصبية الماء، فانه بناءا على دخول الماء في ملك الضامن بعد أداء بدله يصح المسح بما بقى من رطوبة يده ويصح وضوؤه، وبناءا على عدم دخول الماء في ملك الضامن لا يصح مسحه بتلك الرطوبة، ولا يصح وضوؤه. هذا على تقدير أن الرطوبة الباقية باقية على كونها ملكا بل مالا. أما إذا فرض أن الماء المستعمل في الوضوه يعد من التالف عرفا جاز المسح بالرطوبة الباقية من غير فرق في ذلك بين إمكان إنتفاع المالك بتلك الرطوبة وعدم إمكانه. 2 - أنه إذا غصب أحد خمرا محترمة لغيره، أو غصب دابة، وماتت الدابة وانقلبت الخمر خلا، فانه على القول بوقوع المعاوضة القهرية بين البدل والمبدل كان الخل وميتة الدابة للضامن بعد أداء البدل، وإلا فهما للمضمون له. 3 - أنه إذا خاط أحد ثوبه بخيوط مغصوبة، فانه على القول بدخول الخيوط في ملك الغاصب بعد أداء البدل جازت له الصلاة في ذلك الثوب. وكذلك التصرفات الاخر، والا فلا. ويمكن التحاق تلك الخيوط بالتلف الحكمى، إذ لا يمكن ردها - غالبا - إلا بعد سقوطها عن المالية بالنزع. وقد حكى الجزم بعدم وجوب النزع عن مجمع البرهان، بل قال يمكن أن لا يجوز.

[ 219 ]

ولعله من جهة كون النزع إتلافا للمال على مالكه فهو لا يجوز. ويتضح الحكم بالتحاق ذلك بالتلف الحكمى فيما إذا كان المخيط بالخيوط المغصوبة جرح النفس المحترمة، أو ثوب غيره بحيث كان النزع موجبا للتلف أو الضرر. 4 - أنه لو غصب أحد دهنا وخلطه بطعامه فانه بناءا على دخول المبدل في ملك الغاصب - بعد رد بدله - جاز له التصرف في ذلك الطعام، وإلا فلا يجوز التصرف فيه إلا برضى مالك الدهن. وإلى غير ذلك من الفروع التى ترد عليك في مواضيع شتى. خلاصة البحث في بدل الحيلولة وصفوة الكلام من أول البحث عن بدل الحيلولة إلى هنا هي أن القاعدة الاولية تقتضي ثبوت العين المغصوبة أو ما في حكمها في عهدة الغاصب بجميع خصوصياتها الدخيل في المالية. وإذا تلفت العين أو التحق بالتالف انتقل الضامن إلى المثل أو القيمة، فيكون ذلك بدلا حقيقيا عن العين التالفة، أو النازلة منزلة التالف. وحينئذ فتخرج العين عن ملك مالكها، وتدخل في ملك الغاصب. وإذا لم تتلف العين لا حقيقة ولا حكما، ولكن تعذر الوصول إليها فان القاعدة تقتضي ثبوتها في عهدة الغاصب إلى زمان التمكن من أدائها. وإذن فليس للمالك إلا مطالبة اجرة العين في مدة الحيلولة من الغاصب، إلا إذا رضيا بالبدل فانه على هذا تتحقق المعاوضة الشرعية بين البدل والمبدل، فيكون المدفوع بدلا حقيقيا عن العين. نعم إذا دل دليل على كونه غرامة لا بدلا عن العين أخذ به، نظير دية المقتول.

[ 220 ]

ولكنك قد عرفت المناقشة في الادلة التى استدل بها على اثبات بدل الحيلولة بعنوان الغرامة. وقد تجلى لك مما ذكرناه انحلال المناقشة المعروفة التى أوردوها على مسألة تعاقب الايدى، وحاصل تلك المسألة: هو أن المغصوب منه يتخير في أخذ البدل لماله بين الرجوع إلى أي شخص من هؤلاء الغاصبين الذين تعاقبت أيديهم ولكن إذا رجع إلى الغاصب الاول رجع الاول أيضا إلى الثاني وهكذا حتى تنتهى سلسلة الغصاب: وتثبت الغرامة على الغاصب الاخير الذى تلفت العين في يده. أما إذا رجع المالك في ذلك إلى الغاصب المتوسط لم يرجع هذا المتوسط إلى الغاصبين السابقين، بل يرجع إلى الغصاب اللاحقين. وحاصل تلك المناقشة هو سؤال الفارق بين الصورتين. وملخص الجواب عنها: أن الغاصب الاول إذا أعطى البدل عن العين المغصوبة التالفة ملكها على الغاصب الثاني فيجوز له الرجوع إليه. وإذا رجع المالك إلى الغاصب المتوسط لم يرجع هذا المتوسط إلى سابقه لانه لا يملك عليه شيئا، بل يرجع إلى لا حقه. ودعوى أن التالف أمر معدوم، أو بمنزلة المعدوم فلا يقبل الملكية دعوى جزافية، لان الملكية من الامور الاعتبارية، فلا محذور في تعلقها بالامور العدمية مع ترتب الاثر عليه كتعلقها بالامور الوجودية كذلك، وقد ذكر الفقهاء أجوبة اخرى عن تلك المناقشة، ولكن لا يرجع شئ منها إلى معنى محصل يطمئن به القلب، وتركن إليه النفس، وسيأتى التعرض لتلك المسألة وأجوبتها.

[ 221 ]

ما هو حكم تمكن الغاصب من العين بعد اعطاء بدلها؟ 7 - لو تمكن الغاصب من العين المغصوبة بعد أداء بدلها لمالكها فهل يجوز له الرجوع إليها أم لا. الظاهر أن جواز الرجوع - هنا - إلى العين وعدمه متوقف على أن ملكية البدل لمالك العين ملكية لازمة أو ملكية جائزة، وعلى الاول فلا يجوز له ذلك، وعلى الثاني فلا بأس به. وقد تقدم نظيره في مبحث البيع المعاطاتى وذكرنا - هناك - أن القاعدة تقتضي أن لا يرجع كل من المتعاطيين إلى صاحبه في المأخوذ بالمعاطاة، لكونه أكلا للمال بالباطل. ومن البين ان ما ذكرناه - هناك - جار في المقام أيضا. نعم إذا لم نقل بصيرورة العين ملكا للضامن لا بالمعاوضة القهرية الشرعية ولا بمعاوضة غير قهرية جاز للمغصوب منه أن يرجع إلى العين المغصوبة بعد خروجها عن التعذر. ولكن قد عرفت فساده قريبا. وقد اتضح لك مما ذكرناه فساد ما ذكره شيخنا الاستاذ من أنه (إذا ارتفع العذر وتمكن من رد العين إلى مالكه وجب الرد فورا حتى على القول بالمعاوضة القهرية الشرعية، لان حكم الشارع بالمعاوضة مترتب على عنوان التعذر ويدور مداره. ما هو حكم ارتفاع القيمة السوقية 8 - ما هو حكم ارتفاع القيمة السوقية بعد أداء البدل؟ ذكر المصنف (أن مقتضى صدق الغرامة على المدفوع خروج الغارم عن عهدة العين وضمانها فلا يضمن ارتفاع قيمة العين بعد الدفع سواء أكان للسوق أو للزيادة المتصلة، بل المنفصلة كالثمرة، ولا يضمن منافعه فلا يطالب الغارم بالمنفعة بعد ذلك). وعن العلامة في التذكرة وعن بعض آخر هو كون المنافع مضمونة على

[ 222 ]

الضامن، وقد قواه في المبسوط بعد أن جعل الاقوى خلافه. والتحقيق: أن المأخوذ بعنوان الغرامة إن كان بدلا عن العين المتعذرة - كما يقتضيه دليل ضمان اليد - فلا شبهة في انقطاع علاقة المالك عن العين، وصيرورتها ملكا للضامن بجميع شؤونها حتى النماءات المنفصلة فضلا عن زيادة القيمة السوقية. وإن كان المأخوذ بدلا عن السلطنة الفائتة - كما تقتضيه قاعدة السلطنة - ضمن الغاصب جميع شؤون العين سواء أكانت تلك الشؤون فائتة أم لا. وحينئذ فالالتزام بكون المأخوذ بدلا عن السلطنة الفائتة دون العين يناقض الحكم بعدم ضمان المنافع الفائتة بعد دفع الغرامة وهذا ظاهر لا خفاء فيه. بحث في أسباب الضمان قوله: (سواء كان الذاهب نفس العين كما في التلف الحقيقي). أقول: ملخص كلامه أن أسباب الضمان امور أربعة: الاول: أن يكون الضامن سببا لتلف العين حقيقة فيجب عليه أن يخرج من عهدتها لادلة الضمان. الثاني: أن يكون سببا لانقطاع سلطنة المالك عن ماله - كالاغتراق والاباق والضياع وأشباه ذلك - وقد عرفت أن هذا مورد لبدل الحيلولة. الثالث: أن يكون سببا لزوال الاوصاف التى هي دخيل في مالية العين مع انحفاظ العين بنفسها في ملك مالكها وتسلطه عليها تسلط الملاك على أملاكهم وعليه فالضمان - هنا - بالمالية الخالصة فقط دون العين المغصوبة. الرابع: أن يكون سببا لسقوط العين عن المالية والملكية معا، بحيث لم يبق فيها للمالك إلا حق الاختصاص والظاهر هو وجوب رد العين مع القيمة في جميع الصور الثلاث الاخيرة. وأن صيرورة البدل ملكا للمغصوب منه

[ 223 ]

لا تقتضي خروج العين المغصوبة عن ملكه أو متعلق حقه ودخولها في ملك الضامن أو متعلق حقه في جميع موارد الضمان انتهى ملخص كلامه. أقول: أما القسم الاول فالحكم فيه ظاهر، فانه إذا تلفت العين وانعدمت من أصلها لم يبق - هنا - مورد للملكية، بل يكون اعتبارها لغوا محضا. سواء أقلنا بعدم انعدام الاشياء عن حقيقتها، بل إنما تتبدل صورها النوعية بصور نوعية أخرى كما عليه جمع من الفلاسفة أم قلنا بانعدامها رأسا، بداهة أن الاحكام الشرعية غير مبتنية على التدقيقات الفلسفية. نعم يصح اعتبار الملكية على المعدوم مع ترتب الاثر على الاعتبار المزبور كما أشرنا إليه قريبا. أما القسم الثاني فقد عرفت فيما تقدم أنه لا حق بالتلف الحقيقي، فلا وجه لجعله موردا لبدل الحيلولة، كما صنعه المصنف. أما القسم الثالث فظاهر المصنف رحمه الله: أن مالية العين المغصوبة تزول بزوال أوصافها الدخيل في المالية، ولكن العين لا تخرج بذلك عن ملك مالكها. وحينئذ فيتوجه عليه ما ذكره السيد واليك نصه: (لا يخفى أنه مع الخروج عن التقويم لا معنى لبقائها على صفة الملكية فان الرطوبة الباقية نظير القصعة المكسورة. فانه لا يقال: إن أجزائها باقية على ملك مالكها مع عدم فائدة فيها إلا نادرا). والتحقيق: أن يوجه كلام المصنف بأن العين المضمونة إما أن يفوت بعض منافعها عند الضامن، أو جميعه. وعلى الاول فيلزم على الضامن أداء قيمة المنافع الفائتة، لقاعدة ضمان اليد. نعم قد دلت الرواية المعتبرة - تقدمت هذه الرواية قريبا - على ضمان

[ 224 ]

الواطى للدابة بقيمتها، مع أنها لا تسقط بذلك عن المالية. ولكن لا يجوز التعدي عن موردها إلى غيره. وعلى الثاني فقد يزول الانتفاع من العين على وجه الاطلاق، بحيث لا يمكن الانتفاع منها بوجه. وقد يزول الانتفاع منها مستقلا: أي لا يمكن الانتفاع من العين بنفسها بلا انضمامها إلى شئ آخر. أما إذا ضممناها إلى غيرها أمكن الانتفاع منها كحبة من الحنطة المغصوبة، فانه لا يمكن الانتفاع منها بنفسها، ولكن يمكن الانتفاع منها مع ضمها إلى غيرها. ومن ذلك أيضا الورق الذى كتبت فيه قصيدة راقية، فانه إذا غصبه الغاصب ومزقه لم يمكن الانتفاع من قطعاته الممزقة، إلا أن فيها أهم الانتفاع إذا انضم بعضها إلى بعض. وعلى الاول فاعتبار الملكية في العين لغو محض كما هو واضح. وعلى الثاني فلا يكون الاعتبار المذكور لغوا، وهذا هو مراد المصنف والله العالم. وحينئذ فالعين المغصوبة ملك للضامن، لا للمالك لما عرفته قريبا من تحقق المعاوضة القهرية الشرعية بينها وبين البدل الذى أعطاه الضامن للمالك. بحث في حق الاختصاص ووجه ثبوته أما القسم الرابع -: أعنى به سقوط العين عن المالية والملكية معا - فلا شبهة في أن المتلف يضمن بدل العين من المثل أو القيمة. وهذا ظاهر. ثم انه إذا سقطت العين عن المالية والملكية معا فلا شبهة في بقاء حق الاختصاص في تلك العين للضامن كما هو المختار عندنا، أو للمالك كما هو المختار عند المصنف، وانما البحث في منشأ هذا الحق، مع ان العلاقة الثابتة بين المال ومالكه - وهى الاضافة الملكية - قد زالت على الفرض، ولم تحدث هنا علاقة اخرى لكى نسميها بحق الاختصاص. ومع الشك في حدوثها فاصالة

[ 225 ]

العدم محكمة. وتحقيق البحث هنا يقع في نواحى شتى: الناحية الاولى: فيما استدل به على منشأ حق الاختصاص. وقد استدل عليه بوجوه عديدة: الوجه الاول: أن حق الاختصاص سلطنة خاصة في الاموال في عرض الملكية وقبالها، فإذا زالت الملكية عن مستقرها بقى الحق على حاله، ضرورة أن كلا منهما ناشئ من سبب خاص، لاصلة لاحدهما بالآخر. ويتوجه عليه: أن هذه الدعوى وإن كانت ممكنة في مقام الثبوت ولكن لادليل عليها في مقام الاثبات. الوجه الثاني: أن حق الاختصاص مرتبة ضعيفة من الملكية، فإذا ارتفعت الملكية بحدها الاقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة التى نسميها بحق الاختصاص، بديهة أن المرتبة القوية وإن كانت تستلزم المرتبة الضعيفة في الثبوت، ولكنها لا تستلزمها في الزوال، ويتضح ذلك بملاحظة الالوان والكيفيات، حيث تزول عنها المرتبة الشديدة، وتبقى المرتبة الضعيفة على حالها. ويرد عليه: أن الملكية سواء أكانت حقيقية أم كانت اعتبارية ليست بقابلة للشدة والضعف، وإنما هي أمر بسيط، فإذا زالت زالت برأسها، وعليه فلا يبقى - هنا - شئ لكى يسمى بحق الاختصاص. أما ما ذكره غير واحد من الاعلام كالسيد وغيره من أن الحق مرتبة ضعيفة من الملك. فلعل مرادهم من ذلك هو أن الملك والحق كليهما من مقولة السلطنة، ولكن الملك سلطنة قوية، والحق سلطنة ضعيفة، بمعنى: أن صاحب الحق مالك لشئ يرجع أمره إليه كمالكية الملاك لاملاكهم. وبديهى أن هذا

[ 226 ]

المعنى أمر آخر وراء اختلاف حقيقة الملك بالشدة والضعف، والكمال والنقص نظير اختلاف الالوان والكيفيات بذلك، وإذن فشأن المقام شأن تسمية الرجحان الضعيف - في مبحث الاوامر - استحبابا والرجحان الشديد وجوبا، وهكذا تسمية المرجوحية الضعيفة - في باب النواهي - كراهة، والمرجوحية الشديدة حرمة، وهذا شئ آخر غير كون الاستحباب مرتبة ضعيفة من الوجوب، وكون الكراهة مرتبة ضعيفة من الحرمة وهذا ظاهر. الوجه الثالث: أنه ثبت في الشريعة المقدسة حرمة التصرف في مال غيره إلا بطيب نفسه ورضاه. وقد دلت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الاخبار (1) فإذا ارتفعت الملكية والمالية، ولكنا شككنا في ارتفاع الحكم المذكور، فان الاستصحاب يقتضى الحكم ببقائه. ولكن يتوجه عليه: أن موضوع الحكم بحرمة التصرف في مال غيره - في السيرة والروايات - إنما هو عنوان مال الغير وعنوان مال المسلم. ومن الواضح أن الشئ إذا سقط عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف أيضا. لاستحالة بقاء الحكم بعد زوال موضوعه، بل يرتفع الحكم المزبور وإن كان ذلك الشئ باقيا على ملكيته، إذ لم يدلنا دليل على حرمة التصرف في ملك غيره كدلالته على حرمة التصرف في ماله، وعليه فيسقط الحكم المذكور عن الشئ مع بقائه على صفة الملكية، وكيف إذا زالت عنه الملكية أيضا. نعم إذا كان الموضوع في الاستصحاب ذات المال المضاف إلى الغير أعنى به المادة والهيولى جرى الاستصحاب هنا، ضرورة بقاء الهيولى بعد تبدل الصورة النوعية الاولى بصورة نوعية اخرى. ولكن يتوجه عليه: أن مثل هذه الموضوعات ليست بامور عرفية


(1) قد ذكرنا هذه الروايات في الجزء الثاني ص 138.

[ 227 ]

لكى يجرى فيها الاستصحاب، بل هي امور فلسفية، ومن الظاهر أن الاحكام الشرعية لا تبتنى على التدقيقات الفلسفية. ومن هنا اتضح لك فساد ما ذكره المصنف، فانه بعد ما ناقش في الاستصحاب قال: (إلا أن يقال: إن الموضوع في الاستصحاب أمر عرفى). أضف إلى ذلك: أن الاستصحاب لا يجرى في الاحكام الكلية الالهية لمعارضتها دائما بأصالة عدم الجعل، وقد حققناه في علم الاصول الوجه الرابع: دعوى الاجماع على بقاء حق الاختصاص في الاعيان بعد زوال ملكيتها. ولكن هذه الدعوى جزافية، لان إثبات الاجماع التعبدى هنا مشكل جدا، إذ من المحتمل أن المجمعين قد استندوا في ذلك إلى الوجوه المزبورة، واذن فلا يكون الاجماع - هنا - اجماعا تعبديا مستندا إلى رأى المعصوم عليه السلام الوجه الخامس: دلالة المرسلة المعروفة بين الفقهاء (من حاز ملك) وقوله صلى الله عليه وآله (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به) على ثبوت حق الاختصاص في الاشياء التى سقطت عنها المالية. والجواب عن هذا الوجه: أن حديث الحيازة وان اشتهر بين الفقهاء ولكنا لم نجدها في اصول الحديث للخاصة والعامة والظاهر أنه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الابواب المختلفة كاحياء الموات والتحجير وغيرهما. ولو سلمنا كون ذلك رواية ولكن لا دلالة فيه الا على ثبوت مالكية المحيز للمحاز فلا صلة له بما نحن فيه. ويضاف إلى ذلك أنه مرسل فلا يمكن الاستناد إليه في اثبات الحكم الشرعي أما حديث السبق فيتوجه على الاستدلال به أولا أنه ضعيف السند

[ 228 ]

وغير منجبر بشئ. ثانيا: انه مختص بالمباحات الاصلية، وبالاموال التى أعرض عنها ملاكها - على القول بجواز اعراض المالك عن ماله - وبسائر الموارد المشتركة بين المسلمين، بأن يكون لكل واحد منهم حق الانتفاع بها - كالاوقاف العامة من المساجد والمشاهد والمدارس والرباط وغيرها - فإذا سبق إليها أحد من الموقوف عليهم، وأشغلها بالجهة التى انعقد عليها الوقف حرمت على غيره مزاحمته في ذلك. وإذا عممناه إلى موارد الحيازة فانما يدل على ثبوت الحق الجديد للمحيز في المحاز، ولا يدل على بقاء العلقة بين المالك وملكه بعد زوال الملكية. فتحصل أن الحديث المذكور أجنبي عما نحن فيه بالكلية لان شيئا من موارده لم يحرز في المقام وعلى هذا فلو حاز أحد ميتة حيوان لاحد وشك في كونها ملكا له أم لا فان الاصل عدم صيرورته ملكا له. إلا أن يقال: إن موضوع دليل السبق إنما هو الشئ الذى لا يكون موردا لحق أحد أو ملكه فانه حينئذ يمكن احراز ذلك بالاصل. ولكن دون اثباته خرط القتاد. والتحقيق: أن حق الاختصاص أمر ثبت بالسيرة الشرعية والعقلائية فانها قائمة على ثبوت ذلك للمالك في أملاكهم التى سقطت عن المالية والملكية بالجهات العارضة، كالماء على الشط والحيوان المملوك إذا مات، والاراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعا سواء، كان يأخذها من ملاكهم غصبا ويجعلها طرائق وشوارع، كما هو مرسوم البلدان في العصر الحاضر. وقد قامت السيرة الشرعية والعقلائية على المنع عن مزاحمة الاجانب عن تصرف الملاك في اشباه الامور المزبورة ما لم يعرض عنها ملاكها.

[ 229 ]

ومن هنا لو مات حيوان أحد ثم احتيى بدعاء نبى أو وصيه، فانه لا يتوهم أحد كونه من المباحات الاصلية، وان المالك وغيره متساويان فيه، بل يحكم العقلاء والمتشرعة بأن ذلك الحيوان ملك لمالكه الاصلى. وكذلك الخل إذا صار خمرا ثم عاد خلا وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان. ما هو حكم المغصوب إذا خرج عن صورتها النوعية ثم رجع إليها؟ الناحية الثانية: أنه إذا أخذ الغاصب مال غيره. ثم أخرجه عن صورته النوعية الاولى إلى الصورة النوعية الاخرى. ثم أرجعه إلى سيرته الاولى، فهل يضمن بدله من المثل أو القيمة، أم يجب عليه وقتئذ رد العين المغصوبة بنفسها؟. ومثال ذلك هو أن يغصب خل غيره فصيره خمرا، ثم انقلبت الخمر خلا. قد يقال بضمان البدل بداهة أن المغصوب غير موجود بعينه، لانعدامه بزوال صورته النوعية، والموجود ثانيا غيره، لتخلل العدم بينهما، ومن البين أن المعدوم لا يعاد. وقد يقال بضمان العين نفسها، لان الموجود ثانيا عين الاول في نظر أهل العرف. والتحقيق: أن - هنا - مسألتين: احداهما قبل أداء البدل. والثانية بعد أدائه. أما المسألة الاولى فالظاهر انه يجب على الغاصب أداء العين نفسها، لما ذكرناه مرارا من أن الثابت في الذمة ابتداء إنما هو نفس العين، فيجب عليه ردها على مالكها، وإذا تلفت العين انتقل الضمان إلى بدلها من المثل أو القيمة ومن الظاهر أنه إذا عادت العين ثانيا فثبوت الضمان فيها أولى من ثبوته في بدلها لكونها جامعة لجميع الخصوصيات التى كانت موجودة في العين المغصوبة بداءة ولا يفرق في ذلك بين كون العائد عين الاول أو غيره.

[ 230 ]

أما المسألة الثانية فالظاهر أنها من صغريات ما أسلفناه قريبا من أن العين إذا تلفت وأعطى الغاصب بدلها للمالك سقط ضمانه بنفس العين على وجه الاطلاق وان رجعت ثانيا إلى نظام الوجود. والوجه في ذلك: هو أن أدلة الضمان من السيرة وغيرها قد سقطت كلها بمجرد أداء البدل. وليس - هنا - دليل آخر يقتضى الضمان بالعين ثانيا. ما هو حكم حق الاختصاص بعد أداء البدل؟ الناحية الثالثة: أنك قد عرفت قريبا ثبوت حق الاختصاص في العين التى سقطت عن المالية، وخرجت عن الملكية، ولاريب في أن هذا الحق للمالك قبل أن يأخذ البدل من الغاصب. وانما البحث في أن الحق المزبور هل ينتقل إلى الغاصب بعد أداء البدل أم يبقى للمالك فقط؟. ظاهر المصنف هو الثاني وأيد رأيه هذا بأنه لو صار الخل المغصوب خمرا ثم انقلبت الخمر خلا لوجب رده إلى مالكه بلا خلاف في ذلك. ووجه التأييد، أن لزوم رد الخل المزبور إلى مالكه ليس إلا من جهة بقاء حقه فيه الذى يسمى بحق الاختصاص. وقد أجاب شيخنا المحقق عن هذا التأييد بأن وجوب رد الخل إلى مالكه لا يكشف عن بقاء حق الاولوية فيه، بل ليس هذا إلا من قبيل عود الملك إلى مالكه، فيكون من باب رد الملك، لا من باب رد ما يكون المالك أولى به. والسر في ذلك أن الملكية يتسبب من الاسباب العديدة - كالارث والبيع والهبة والصلح والحيازة - ومن المعلوم أن هذه الاسباب إذا اقترنت بمانع سقطت عن التأثير، وإذا ارتفع ذلك المانع أثرت أثرها وعليه فما يقتضى

[ 231 ]

حدوث الملكية - في المثال المزبور - من العقد وغيره باق على حاله، ولكنه سقط عن التأثير بقاء لاقترانه بالمانع وهو انقلاب الخل خمرا، فإذا زال المانع أثر المقتضى أثره من دون أن يثبت - هنا - حق الاولوية عند سقوط المقتضى عن التأثير. انتهى ملخص كلامه. والجواب عن ذلك: أن الملكية من الاحكام الشرعية وهى غير مسببة عن الموجودات الخارجية، وإنما هي فعل اختياري للمولى وتابع لكيفية جعله من حيث السعة والضيق، وعليه فاسراء أحكام المقتضيات الخارجية والموانع التكوينية إلى الاحكام الشرعية بلا موجب، بل المتبع في هذه الموارد دلالة الدليل، ومن الواضح أن الدليل قد دل على أن الخل يملك بالهبة والارث ونحوهما، ولكنه إذا انقلب خمرا خرج عن الملكية وحينئذ فلو عاد إلى حالته الاولى كان الحكم بملكيته للمالك الاول محتاجا إلى دليل وهو منفى في المقام. هل يعود البدل إلى الضامن بعد تمكنه من المبدل؟ 9 - هل الغرامة المدفوعة تعود إلى الغارم بمجرد طرو التمكن؟ ذكر المصنف أنه إذا تمكن الغاصب من رد العين المغصوبة إلى مالكها وجب عليه ذلك وجوبا تكليفيا فقط. ولا تكون عليه عهدة جديدة بالنسبة إلى العين وراء العهدة السابقة التى أفرغها بأداء البدل وإذا أعطاها لمالكها الاول عادت الغرامة إلى ملك الضامن ثانيا، لانها كانت بدلا عن السلطنة الفائتة، والمفروض عودها إلى مالكها برد العين، ولو تسامح الضامن في دفع العين بعد تمكنه منها لجاز للمالك مطالبتها، لعموم قوله صلى الله عليه وآله: إن الناس مسلطون على أموالهم ولا يجوز للضامن حبس العين ومطالبته بالغرامة من المالك لان

[ 232 ]

البدل انما كان بدلا عن السلطنة الفائتة لا عن القدرة على دفع العين فمتى ما لم ترجع السلطنة لا يكون للضامن حق في مطالبة الغرامة. وإذا تلفت العين قبل دفعها إلى مالكها استقر ملك مالكها على الغرامة. أقول: قد عرفت فيما سبق آنفا: أن الالتزام بصيرورة الغرامة بدلا عن نفس العين لا يتفق مع الالتزام بجواز مطالبة المالك العين من الغاصب بعد التمكن منها، فان ذلك التزام بالمتناقضين، فإذا كان دليل بدل الحيلولة ما يقتضى تحقق المعاوضة بينه وبين العين - كدليل ضمان اليد ونحوه - فلا شبهة عنئذ في انقطاع حق المالك عن العين انقطاعا دائميا، ولا يجوز له أن يطالبها من الضامن في أي وقت من الاوقات. نعم إذا كان المدرك لذلك ما يقتضى وقوع البدل بازاء السلطنة دون العين وجب على الغاصب رد العين على مالكها بمجرد تمكنه منها، وجاز للمالك أن يطالبه بنفس العين، لعدم تحقق المعاوضة بينها وبين البدل لكى يمنع ذلك عن وجوب رد العين على مالكها. ولكنه مع ذلك لا يجوز للمالك أن يتصرف في البدل في فرض جواز مطالبته بنفس العين، لانا لو سلمنا كون البدل بدلا عن السلطنة الفائتة، إلا انه بدل عنها حال التعذر من مطالبة العين، لا مطلقا، فإذا ارتفع التعذر زالت البدلية. ومن ثم إذا حصل التعذر ثم ارتفع قبل أداء البدل لم يكن للمالك مطالبة البدل بلا إشكال. وعلى ذلك فلا بد من الالتزام برجوع البدل إلى ملك الغاصب، وضمان الغاصب العين بضمان جديد بالمثل أو القيمة.

[ 233 ]

ختام البحث في بدل الحيلولة قوله: (ولذا لا يباح لغيره بمجرد بذل الغرامة). أقول: غرضه من هذه العبارة أن بدل الحيلولة إنما هو بدل عن السلطنة على الانتفاع من العين التى فاتت بتعذر العين، لا أنه بدل عن مطلق السلطنة حتى السلطنة على المطالبة لكى يسقط ذلك - أيضا - بعد تمكن الضامن من رد العين. ولذا لا يجوز لغير المالك أن يتصرف فيها بمجرد بذل الغرامة وبدل الحيلولة. وعلى هذا فلا تنافى هذه العبارة مع ما ذكره رحمه الله سابقا من أن البدل بدل عن السلطنة، فان مراده في كلا الموضعين هو ما ذكرناه. ثم إنك قد عرفت أنه على القول بثبوت بدل الحيلولة فانه لا يثبت الا في الموارد التى يتعذر الوصول إلى العين، بحيث لا يتمكن المالك من الانتفاع بها، وقد تقدم ذلك قريبا. وهذا لا يجرى في صورة امتزاج العين بعين اخرى، ضرورة امكان الانتفاع بها، غاية الامر كون العين الممتزجة مشتركة بين المالكين وعليه فيجب على الغاصب إعطاء الارش للمالك، لان الشركة عيب في العين المغصوبة. ثم إن المناط في ثبوت بدل الحيلولة - على القول به - انما هو عدم تمكن الغاصب من رد العين على مالكها سواء أكان المالك بنفسه متمكنا من ذلك أم لا، ضرورة أن وضع اليد على مال الغير سبب لثبوت ضمانه على الآخذ، لقاعدة ضمان اليد، وإذا تلف وجب عليه بدله الحقيقي من المثل أو القيمة، ومع ضياعه أو اغتراقه في البحر وجب عليه بدل الحيلولة. واذن فتمكن المالك من الوصول إلى ماله لا يرفع الضمان عن الغاصب وهذا واضح لا ريب فيه.

[ 234 ]

نقل الاقوال حول تصرفات الصبى قوله: (المشهور كما عن الدروس والكفاية بطلان عقد الصبى). أقول: المشهور بين أصحابنا رضوان الله عليهم هو بطلان عقد الصبى: فعن الشيخ في المبسوط والخلاف: أنه لا يصح بيع الصبى، ولا شراؤه أذن له الولى أم لم يأذن. وعن الغنية دعوى الاجماع على ذلك. وعن العلامة في التذكرة: أن الصبى محجور عليه بالنص والاجماع، سواء أكان مميزا أم لا، وهو محجور عن جميع تصرفاته الا ما استثنى، كعباداته واسلامه واحرامه وتدبيره ووصيته وايصال الهدية واذنه في الدخول على خلاف في ذلك. وعن الشهيد: أنه نسب إلى المشهور بطلان معاملات الصبى. نعم عن الشيخ وبعض آخر: أنه يجوز بيع الصبى إذا بلغ عشر سنين. أما جواز تصرفه عند العامة ففيه تفصيل المذاهب (1).


(1) الحنفية قالوا: إن الصبى إذا كان غير مميز لا ينعقد شئ من تصرفه. اما إذا كان مميزا فتصرفه على ثلاثة اقسام، لانه إما ان يكون ضارا بماله ضررا بينا - كالطلاق والعتاق والقرض والصدقة - وإما ان يكون نافعا بينا - كقبول الهدية والدخول في الاسلام - وإما ان يتردد بين النفع والضرر - كالبيع والشراء - اما الاول فلا شبهة في عدم نفوذه وإن اجازه الولي واما الثاني فلا شبهة في نفوذه وإن لم يجزه الولى. اما الثالث فينعقد موقوفا على إجازة الولي، وليس للولي ان يجيزه إذا كان فيه غبن - فقه المذاهب ج 2 ص 363. وعن المالكية انه إذا تصرف الصبى المميز بيع وشراء ونحوهما من كل عقد فيه معاوضة فأن تصرفه فيه يقع موقوفا. ثم إن كانت المصلحة في إجازته تعين على -

[ 235 ]

بحث في اسلام الصبى هل يقبل إسلام الصبى، وأنه يخرج بذلك عن تبعة العمودين الكافرين أم لا؟. قد ذهب إلى هذا الرأى جمع من الاصحاب. وخالف فيه صاحب الجواهر، حيث أنكر توجه الواجبات العقلية الاصولية على الطفل، كما أن الواجبات الشرعية لا تتوجه عليه، بل نسب القول بذلك إلى الاجتهاد في مقابل النص، ثم قال: وأما قبول إسلام على (ع) فهو من خواصه. انتهى ملخص كلامه. وقد عرفت - في الحاشية - عن الشافعية: أنه إذا نطق ولد الكافر بالاسلام لم ينفع إسلامه. ولكن الظاهر هو الاول. وذلك لان الكفر والاسلام أمران واقعيان يصدران من كل مميز وإن لم يكن بالغا، ومن هنا يعنون ولد الكافر


- الولي ان يجيزه، وإن كانت المصلحة في رده تعين على الولي ان يرده. فقه المذاهب ج 2 ص 364. وعن الشافعية: انه لا يصح تصرف الصبى سواء كان مميزا أو غير مميز، فلا تنعقد منه عبارة، ولا تصلح له ولاية، لانه مسلوب العبارة والولاية. فإذا نطق ولد الكافر بالاسلام لم ينفع اسلامه، ولو تولى نكاحا لا ينعقد، إلا ان الصبى المميز تصح عبادته، كما يصح إذنه للغير بدخول الدار - فقه المذاهب ج 2 ص 365. وعن الحنابلة: ان تصرف الصبى الذي لا يميز باطل مطلقا. اما الصبى المميز فانه يصح إذا اذنه الولى. فقه المذاهب ج 2 ص 366.

[ 236 ]

بعنوان أبيه، ويطلق المجوسى على ولد المجوسى. ويقال النصراني لولد النصراني. ويطلق اليهودي على ولد اليهودي. وهكذا كما أنه يطلق المسلم على ولد المسلم. ويضاف إلى ذلك: أن الاسلام يدور مدار الاقرار بالشهادتين، وبذلك يحرم ماله ودمه. والروايات الدالة على هذا متظافرة من الفريقين (1)


(1) عن سماعة عن الصادق (ع): الاسلام شهادة ان لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس. اصول الكافي ج 2 من ط 2 ص 25. وعن سفيان بن السمط عن الصادق (ع): الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، فهذا الاسلام. اصول الكافي ج 2 من ط 2 ص 24. وعن ابي هريرة انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. صحيح البخاري باب قتل من أبى قبول الفرائض ص 50. وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اقاتل حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. صحيح مسلم باب الامر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ج 1 ص 39. وعن اوس الثقفى، قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في قبة في مسجد المدينة، فأتاه رجل فساره بشئ لا ندري ما يقول، فقال صلى الله عليه وآله: اذهب قل لهم يقتلوه. ثم دعاه فقال: لعله يشهد ان لا إله إلا الله، واني رسول الله. قال: نعم فقال: إذهب فقل لهم يرسلوه، امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله، واني رسول الله، فإذا قالوها حرمت على دماؤهم واموالهم إلا بحقها، وكان حسابهم على الله. كنز العمال في حكم الاسلام، طبعة دائرة المعارف العثمانية ج 1 ص 275

[ 237 ]

فان إطلاق هذه الروايات يشمل البالغ وغيره. إذ لا ينبغى الاشكال في قبول اسلام الصبى المميز، والحكم بترتب أحكام الاسلام عليه، لان المدار في ذلك إنما هو اظهار الشهادتين، بل قد يكون بعض الاطفال أقوى ايمانا من أكثر البالغين، ومتمكنا من الاستدلال على وجود الصانع، وارساله الرسل وانزاله الكتب على نحو لا يتمكن منه إلا الخواص. نعم لا تترتب الاحكام الالزامية على صغارهم وان كانوا مميزين، وهكذا طفل المسلم إذا ارتد عن دينه، وذلك لرفع القلم عن الصبى حتى يحتلم، كما ارتفع قلم التكليف عن أولاد المسلمين ما لم يصلوا إلى حد البلوغ. وعلى الجملة: إن مقتضى الاطلاقات هو الحكم باسلام الصبى المميز إذا أظهر الاسلام، كما أن مقتضاها هو الحكم بكفر ولد المسلم إذا أظهر الكفر، وكان مميزا. نعم لا يحكم عليه بأحكام الارتداد، لرفع القلم عنه. قيل: ان الحكم باسلام ولد المسلم وكفر ولد الكافر ليس من جهة الاعتناء باسلام الاول، ولا من جهة الاعتناء بكفر الثاني، بل لاجل التبعية التى هي من المسلمات بين الفقهاء، ومن محكمات الفقه التى لا تشوبها شائبة خلاف، بل ادعى غير واحد من الاعلام الاجماع على ذلك. ويضاف إلى ذلك قيام السيرة المستمرة على ترتب آثار الكفر على أولاد الكفار من الاسر والتملك ونحوهما. على أن ذلك مقتضى جملة من الروايات (1).


(1) روى وهب بن وهب عن جعفر بن محمد، عن ابيه عليهما السلام قال: قال علي (ع): اولاد المشركين مع آبائهم في النار، واولاد المسلمين مع آبائهم في في الجنة. ضعيف بوهب بن وهب. وعن عبد الله بن سنان، قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن اولاد -

[ 238 ]

والجواب عن ذلك: أن المقدار المتيقن من الاجماع والسيرة إنما هو الطفل غير المميز، والذى لا يتمشى منه الاسلام والكفر. أما ولد الكافر المميز المظهر للاسلام فلا اجماع ولاسيرة على المعاملة معه معاملة الكفر. وكذلك ولد المسلم إذا أظهر الكفر وهو مميز، فانه لا دليل على المعاملة معه معاملة الاسلام من الحكم بطهارته، ووجوب تجهيزه إذا مات. أما الروايات المتقدمة فهى لا تتفق ومذهب الامامية، بديهة أن كل أحد إنما يؤاخذ بعمل نفسه: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالله تعالى لا يؤاخذ عبدا بمجرد علمه بأنه يعمل المعاصي، ويرتكب الخبائث، بل لا بد وأن يتركه حتى يبلغ، ويختبر، تم يؤاخذه بعمله لكى لا تكون له على الله حجة، بل تكون لله عليه الحجة البالغة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحى من حى عن بينة.


- المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث؟ قال: كفار والله اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. صحيحة. الحنث: الذنب والاثم. الفقيه ط النجف ج 3 ص 317. والوافي ج 13 ص 100 وفى حديث آخر: اما اطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم، واولاد المشركين يلحقون بآبائهم، وهو قول الله عزوجل: (بايمان ألحقنا بهم ذريتهم). مرسلة. الكافي ج 3 من ط 2 ص 248 والوافي ج 13 ص 100. وعن ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (ع) في قول الله عزوجل: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم) قال: قصرت الابناء عن عمل الآباء، فألحق الله عزوجل الابناء بالآباء لتقر بذلك اعينهم. مجهولة بالحضرمي. توحيد الصدوق، باب في الاطفال ص 404.

[ 239 ]

ومن هنا قد ورد في روايات كثيرة (1) أن الله تعالى يمتحن الاطفال


(1) عن زرارة، عن ابي جعفر (ع) قال: سألته هل سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الاطفال، فقال: قد سئل فقال: الله اعلم بما كانوا عاملين. ثم قال: يا زرارة هل تدري قوله: الله اعلم بما كانوا عاملين قلت: لا. قال: لله فيهم المشية، انه إذا كان يوم القيامة جمع الله عزوجل الاطفال، والذي مات من الناس في الفترة (اي ما بين رسولين من رسل الله) والشيخ الكبير الذي ادرك النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يعقل، والاصم، والابكم الذي لا يعقل، والمجنون، والابله الذى لا يعقل، وكل واحد منهم يحتج على الله عزوجل، فيبعث الله إليهم ملكا من الملائكة فيؤجج لهم نارا، ثم يبعث الله إليهم ملكا فيقول لهم: إن ربكم يأمركم ان تثبوا فيها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، وادخل الجنة، ومن تخلف عنها دخل النار. حسنة بابراهيم بن هاشم. فروع الكافي ج 3 من ط 2 ص 248. وعن عبد الله بن سلام مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سألت رسول الله فقلت: اخبرني ايعذب الله عزوجل خلقا بلا حجة؟ فقال: معاذ الله. قلت: فأولاد المشركين في الجنة ام في النار فقال: الله تبارك وتعالى اولى بهم، انه إذا كان يوم القيامة، وجمع الله عزوجل الخلائق لفصل القضاء، يأتي بأولاد المشركين... فيأمر الله عزوجل نارا يقال لها الفلق اشد شئ في جهنم عذابا فيخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسلاسل والاغلال... ثم يأمر الله تبارك وتعالى اطفال المشركين ان يلقوا انفسهم في تلك النار، فمن سبق له في علم الله عزوجل ان يكون سعيدا القى نفسه فيها، فكانت عليه بردا وسلاما، كما كانت على على ابراهيم (ع) ومن سبق في علم الله عزوجل ان يكون شقيا امتنع ولم يلق نفسه في النار، فيأمر الله تبارك وتعالى النار فتلقطه لتركه امر الله وامتناعه من الدخول فيها فيكون تبعا لآبائه في جهنم وذلك قوله عزوجل (فمنهم شقي وسعيد) توحيد الصدوق باب في الاطفال ص 400 -

[ 240 ]

الذين ماتوا قبل أن يبلغوا بالنار. ولا يلحقون بآبائهم بغير حجة وامتحان لانه تعالى لا يعذب خلقا بلا حجة. ولو سلمنا موافقة الاخبار المذكورة مع مذهب الامامية. ولكن لا نسلم دلالتها على كون أولاد الكفار كفارا، وأولاد المسلمين مسلمين من جهة التبعية، بل مفادها أن مداخل أولاد الكفار مداخل آبائهم في دار الآخرة، وأنهم يعاقبون معهم في الجحيم، لان الله تعالى يعلم أن أولاد الكفار كآبائهم في خبث الباطن، وسوء السريرة، وفساد النية، وارتكاب القبائح، كما أن أولاد المؤمنين مداخلهم مداخل آبائهم، لانه تعالى يعلم أنهم كآبائهم في حسن نياتهم، وصفاء باطنهم، وصدور الخير منهم. ولا شبهة في أن هذا المعنى غير مربوط بالتبعية المزبورة. وربما يتوهم: أن حديث رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم (سنذكره قريبا) كما يدل على رفع الاحكام الفرعية - كوجوب الصوم والصلاة والحج وغيرها - كذلك يدل باطلاقه على رفع الاحكام الاصلية - أيضا - وعليه فلا اعتبار بكفر الاطفال، ولا باسلامهم. والجواب عن ذلك: أن حديث رفع القلم عن الصبى إنما يدل على رفع الاحكام الالزامية عن الصبى امتنانا عليه، فلا يشمل إسلامه، إذ ليس في رفعه منة عليه، وكذلك كفره فانه لا يرتفع بحديث الرفع، فان الحكم بكفره ونجاسته - مثلا - موضوع لاحكام إلزامية بالنسبة إلى المكلفين، ولا ترتفع تلك الاحكام بحديث الرفع. نعم الاحكام الالزامية المترتبة على الكفر ترتفع عن الصبى لا محالة.


- والى غير ذلك من الروايات الكثيرة بل المتواترة الدالة على ان الاطفال الذى ماتوا قبل البلوغ يمتحنون بالنار ولا يلحقون بآبائهم بلا حجة وامتحان.

[ 241 ]

ومن هنا لا يحكم عليه بأحكام الارتداد، فلا تبين زوجته منه - مثلا - ما لم يبلغ مرتدا. ومما ذكرناه ظهر لك: أنه لو ارتد ولد المسلم ثم مات لم يجب تغسيله، ولا سائر تجهيزاته، فانها مترتبة على الاسلام، والمرتد ليس بمسلم. هل ترتفع - عن الصبى بحديث الرفع - الاحكام الفرعية التى هي كالاسباب بالنسبة إلى مسبباتها - كالنجاسة والجنابة ونحوهما - أم لا. الظاهر أنها لا ترتفع بالحديث المزبور، لان الحكم المرفوع بذلك لا بد وأن يكون مترتبا على فعل الصبى بما هو فعله، وحينئذ فلا يشمل ذلك أمثال الامور المذكورة، لانها مترتبة على عنوان خاص. كالنجاسة المترتبة على عنوان الملاقاة، والجنابة المترتبة على عنوان الوطى. وعليه فإذا لاقى بدن الانسان جسما نجسا جهلا لم يمكن الحكم بعدم تأثير النجاسة فيه من ناحية حديث الرفع، فان تنجس الملاقى لم يترتب على الملاقاة بما هو فعل الانسان، لكى يرتفع ذلك بحديث الرفع، بل هو مترتب على نفس الملاقاة. ومن هنا لا يفرق في تحقق النجاسة بين كون الملاقاة بالارادة والاختيار وبين كونها بالجهل، أو الغفلة، أو النسيان، أو بالقهر. هل تصح عبادات الصبى؟ العبادات إما واجبة ومستحبة: أما العبادات المستحبة فلا شبهة في صحتها عن الاطفال لان أدلتها تشملهم كشمولها للبالغين، وهذا ظاهر لا شبهة فيه.

[ 242 ]

وإنما البحث في أنه هل - هنا - تناف بين أدلة المستحبات، وبين ما دل على رفع القلم عن الصبى لكى يقدم الثاني على الاول بالحكومة أم لا؟ الظاهر أنه لا تنافى بينهما. ضرورة أن المراد من رفع القلم إنما هو قلم التكليف، ومن البين أنه لا تكليف في المستحبات حتى يرتفع بذلك. وقد يتوهم: أن المراد من رفع القلم هو رفع الكتابة والجعل بمعنى: أنه لم يكتب عليهم حكم من الاحكام الشرعية، فالحكومة على حالها. ولكنه توهم فاسد، لانه خلاف الظاهر من دليل رفع القلم عن الصبى لانه إنما ورد في مقام الامتنان، ومن الظاهر أنه لا امتنان في رفع المستحبات أما العبادات الواجبة فربما يتوهم: أن المرتفع منها بدليل رفع القلم عن الصبى إنما هو الالزام فقط، وأما مطلوبيتها فهى باقية على حالها، وعليه فتصح عبادات الصبى. ولكن يتوجه عليه: أن قلم الرفع إنما تعلق بما تعلق به قلم الوضع، ومن الواضح أن المجعول أمر بسيط غير قابل للتقسيط. وكذلك المرفوع. بل قد ذكرنا في محله: أن صيغة الامر وما في معناها موضوعة لابراز اعتبار المادة على ذمة المكلف فقط، وأما الوجوب فانه نشأ من ناحية العقل الحاكم بوجوب إطاعة المولى ما لم يرخص في الترك. فما هو قابل للرفع والوضع شرعا هو نفس الاعتبار، دون الوجوب المترتب عليه. والتحقيق: أن يستدل على مشروعية عبادات الصبى بالروايات (1)


(1) عن الحلبي عن ابي عبد الله (ع) عن ابيه، قال: إنا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين ونحن نأمر صبياننا بالصوم إذا كانوا بني سبع سنين بما اطاقوا من صيام اليوم إن كان إلى نصف النهار أو اكثر من ذلك أو اقل، فإذا غلبهم العطش -

[ 243 ]

الدالة على الامر بأمر الصبيان بالصلاة والصوم، وقد ذكرنا في مبحث الاوامر من علم الاصول أن الامر بالامر أمر بالفعل حقيقة، إذ الغرض منه ليس إلا تحقق ذلك الفعل في الخارج، فيكون الامر بالامر طريقا إليه، إلا أن تكون هنا قرينة حالية أو مقالية تدل على الموضوعية، ولكنها منتفية في تلك الروايات. ويضاف إلى ذلك: أنه ورد في جملة أخرى من الروايات (1) تكليف


- والغرث افطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما استطاعوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم العطش افطروا. حسنة بابراهيم بن هاشم. فروع الكافي ج 3 من ط 2 ص 409 والوسائل باب 29 من ابواب من يصح منه الصوم، وباب 3 من ابواب اعداد الفرائض. وعن الراوندي باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا ابناء ست سنين. وعن الجعفريات باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا ابناء عشر سنين. المستدرك ج 1 ص 171. (1) عن الفضل بن يسار، قال: كان علي بن الحسين (ع) يأمر الصبيان يجمعون بين المغرب والعشاء. فروع الكافي ج 3 من ط 2 ص 409. وعن محمد بن مسلم، عن احدهما في الصبي متى يصلى: قال: إذا عقل الصلاة قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟ قال: لست سنين. صحيحة. هذه الرواية محمولة على الاستحباب لما دل على عدم وجوبها عليه. وعن عبد الله بن فضالة عن الصادق أو الباقر (ع) في حديث قال: سمعته يقول: يترك الغلام حتى يتم له سبع سنين، فإذا تم له سبع سنين قيل له: اغسل وجهك وكفيك، فإذا غسلهما قيل له: صل، ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له علم الوضوء وضرب عليه، وامر بالصلاة وضرب عليها. -

[ 244 ]

الصبيان بالصلاة والصوم والحج بغير عنوان الامر بأمرهم بها، فتدل على مشروعية عباداته. نعم قامت القرينة الخارجية على عدم إرادة الوجوب من تلك الروايات وهذه القرينة هي الادلة الدالة على رفع التكليف عن الصبى حتى يحتلم. وإذن فالصبيان مأمورون بالعبادات كالبالغين، فتكون عباداته مشروعة مستحبة. بحث في تصرفات الصبى مستقلا يقع الكلام في معاملات الصبى - أعم من العقود والايقاعات - في أربع جهات: الجهة الاولى - في جواز تصرفاته في أمواله مستقلا على وجه اللاطلاق الظاهر أنه لا خلاف ولا اشكال في أنه لا يجوز للصبى الاستقلال في


- وعن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا اتى على الصبي ست سنين وجب عليه الصلاة ; وإذا اطاق الصوم وجب عليه الصيام. الوسائل باب 3 من ابواب اعداد الفرائض. هذه الرواية - ايضا محمولة على الاستحباب لما عرفته قريبا. وعن ابان بن الحكم قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يكبر. وعن زرارة عن احدهما (ع) قال: إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره ان يلبي ويفرض الحج، فان لم يحسن ان يلبي لبوا عنه، ويطاف به، ويصلى عنه. الوافي ج 8 باب 23 حج المملوك والصبي ص 52. والى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المزبورة وغيرها.

[ 245 ]

التصرفات في أمواله بدون إذن الولى، ولم يخالف في ذلك أحد فيما نعلم، إلا الحنفية فانهم ذهبوا إلى جواز استقلال الصبى في بعض التصرفات. وقد ذكرنا رأيهم في الحاشية آنفا. ويدل على رأينا هذا قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) (1). ووجه الدلالة هو أن الله تعالى سجل اعتبار الرشد في جواز تصرفات الصبى في امواله مستقلا بعد تسجيله اعتبار البلوغ فيه، ومن الواضح جدا أنه لو كان الرشد بوحدته كافيا في جوازها بدون إذن الولى لكان اعتبار البلوغ في ذلك قبل الرشد لغوا محضا، فيعلم من ذلك أن نفوذ تصرفات الصبى يتوقف على أمرين: البلوغ، والرشد. وإذن فالآية الكريمة دالة على المنع عن تصرفات الصبى قبل البلوغ وان كان رشيدا. وقد ظهر مما ذكرناه أن ما ذكره المحقق الايروانى على خلاف الظاهر من الآية واليك نصه: (لا يبعد استفادة أن المدار في صحة معاملات الصبى على الرشد من الآية (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) على أن تكون الجملة الاخيرة استدراكا عن صدر الآية وأنه مع استيناس الرشد لا يتوقف في دفع المال ولا ينتظر البلوغ وأن اعتبار البلوغ طريقي اعتبر امارة إلى الرشد بلا موضوعية له). وقد استدل بهذه الآية المباركة على نفوذ تصرفات الصبى قبل البلوغ بدعوى أن قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) يقتضى أن الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له


(1) سورة النساء: الآية: 6

[ 246 ]

تصرف صالح أم لا، وانما يحصل هذا المعنى باعطاء شئ من المال ليتصرف فيه فيرى تصرفه كيف يكون، فان أحسن فيه كان راشدا وإلا كان على سفهه. وهذا الاختبار يحصل بأى تصرف من التصرفات السائغة في نفسها بدليل صحة الاستثناء، ضرورة أنه يصح أن يقال: وابتلوا اليتامى إلا في التصرف الفلاني، وإذن فتدل الآية الشريفة على جواز تصرفات الصبى مستقلا على وجه الاطلاق. ويرد عليه: أن اختبار الصبى لا يتوقف على دفع ماله إليه ليستقل بالتصرف فيه. بل يمكن ذلك بمباشرة البيع والشراء بنظارة الولى، أو بنظارة شخص منصوب من قبله، أو بمباشرته مقدماتهما ليتصدى الولى ايقاعهما بنفسه وبتعبير آخر: أن الممنوع قبل العلم بالرشد إنما هو إعطاء اليتيم جميع ماله ليستقل بالتصرف فيه، أما اعطاؤه طائفة من ماله لكى يتصرف فيها تحت مراقبة الولى ونظارته لاجل الاختبار والابتلاء فلا منع فيه بوجه، بل هذا هو المأمور به في هذه الآية المباركة. والسر في أن الاختبار لابد وأن يكون قبل البلوغ هو أنه لو كان ذلك بعد البلوغ لزم حجرهم عن أموالهم في زمان الاختبار، وهو مناف لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم، وسبب لمنع تصرف المالك في ماله بلا موجب. وتدل على ما ذكرناه - من عدم جواز تصرف الصبى في ماله بدون إذن الولى - الروايات الآتية، فانها تدل على أن أمر الصبى لا يجوز ما لم يبلغ الحلم. ثم إن المذكور في الآية المباركة وإن كان هو اليتيم إلا أن تعليق جواز دفع ماله إليه على بلوغه ورشده يدل على أن المنع عن دفع المال إليه إنما هو لاجل عدم البلوغ، وعليه فيعم الحكم غير اليتيم - أيضا -.

[ 247 ]

على أن الآية الكريمة تشمل لمن كان له الجد ولكن مات أبوه. وكذلك يعم الحكم من كان أبوه حيا - أيضا - لعدم الفصل جزما. هل يجوز تصرف الصبى مستقلا باذن الولى؟ الجهة الثانية - في جواز تصرفات الصبى في أمواله مستقلا مع إذن الولى بذلك. قد ظهر حكم هذه الجهة من الجهة الاولى، بديهة أن الولى لا يجوز له أن يدفع مال الصبى إليه، ويأذن له في البيع والشراء وأمثالهما، فان جواز ذلك يتوقف على بلوغه ورشده وإلا فهو محجور عليه في التصرف في أمواله هل تجوز مباشرة الصبى اجراء العقود؟ الجهة الثالثة - في صحة مباشرة الصبى العقود أو الايقاعات في أمواله باذن الولى، أو يكون وكيلا من قبله في ذلك، وعدم صحتها. لا اشكال في أن الآية المباركة لا تدل على عدم جواز ذلك، فان الممنوع فيها هو دفع مال اليتيم إليه ليكون هو المتصرف فيه باستقلاله، فلا تعم ما إذا باشر انشاء عقد أو ايقاع في ماله باذن من الولى. ومع ذلك فقد يقال: بأن الصبى مسلوب العبارة، للروايات الواردة في عدم نفوذه أمره، وفى رفع القلم عنه، وفى كون عمده وخطأه واحدا. ولكن لا دلالة في شئ من هذه الروايات على الرأى المذكور. وتوضيح ذلك: أن هذه الروايات على ثلاث طوائف:

[ 248 ]

الطائفة الاولى: الروايات (1) الدالة على أن أمر الصبى لا ينفذ ولكن الظاهر أن هذه الروايات بعيدة عن مقصود المستدل، لانها صريحة في المنع


(1) عن حمران عن ابي جعفر (ع) انه قال: إن الجارية إذا تزوجت ودخل بها، ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز امرها في البيع والشراء... والغلام لا يجوز امره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشر سنة. ضعيف بعبد العزيز العبدي وغيره. فروع الكافي باب حد الغلام والجارية ج 7 من ط 2 ص 197. والوافي ابواب الحدود ج 9 ص 46 والوسائل باب 4 من ابواب مقدمات العبادات. وباب 14 من ابواب عقد البيع. وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: سأله ابي وانا حاضر عن اليتيم متى يجوز امره؟ قال: حتى يبلغ اشده، قال: قلت: وما اشده؟ قال احتلامه. قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة، أو اقل، أو اكثر، ولا يحتلم؟ قال: إذا بلغ وكتب عليه الشئ جاز امره إلا ان يكون سفيها أو ضعيفا البحار ج 23 ص 39. وعن محمد بن الحسين قال: قال أبو عبد الله (ع) إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز امرها في مالها، واقيمت الحدود التامة لها وعليها. مرسل. الوسائل باب 2 من احكام الحجر. وعن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا بلغ الغلام اشده ثلاث عشرة سنة، ودخل الاربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين... وجاز له كل شئ في ماله إلا ان يكون ضعيفا أو سفيها، حسن بالحسن بن علي المعروف بابن بنت الياس. الوسائل باب 44 من احكام الوصايا. والمستدرك ج 1 باب 4 من مقدمات العبادة ص 7. وعنه عن الصادق (ع) في حديث: انه إذا اتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات، وكتبت عليه السيئات وجاز امره إلا ان يكون سفيها أو ضعيفا. الوسائل باب 2 من احكام الحجر.

[ 249 ]

عن نفوذ أمر الصبى في البيع والشراء وغيرهما، ومن البين أن الظاهر من عدم نفوذ أمر الصبى المنع عن استقلاله في أمر المعاملة، وتسلطه عليها نحو تسلط البالغين على أموالهم وشؤونهم، إذ لا يقال لمجرى الصيغة فقط: إن أمر المعاملة تحت يده. ومن هنا لا يجرى عليه ما جرى على المتعاملين من الشرائط والاحكام وبتعبير آخر: أن لفظ الامر المذكور في هذه الطائفة وإن كان بمفهومه اللغوى شاملا لاى فعل يصدر من الصبى، ولكن اسناد لفظ (يجوز) - الذى ذكر فيها - إليه ومناسبته له يقتضى أن يراد منه سلطنة الصبى على أمواله، وتصرفه فيها كيف يشاء، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون تصرفه فيها باذن وليه، أو بدونه، ومن الظاهر أن هذا المعنى لا يتحقق بمجرد إجراء الصيغة. وإذن فالطائفة المزبورة تمنع عن كون الصبى مستقلا في معاملاته ولو كان ذلك باذن وليه، وعليه فلا ظهور فيها - بوجه - في سلب عبارات الصبى. بل المعاملة الصادرة من الصبى في أمواله إذا وقعت على نحو استقلاله فيها لم يحكم بفسادها مطلقا، لانه غير مسلوب العبارة. فإذا أجازها الولى حكم بصحتها، لان العقد المزبور وإن كان صادرا من الصبى حدوثا، ولكنه عقد للولى بقاء. ومن الظاهر أن عدم نفوذها من حيث صدورها من الصبى لا ينافى نفوذها من جهة إضافتها إلى الولى. والى ذلك أشار المصنف، واليك نصه: (لكن الانصاف أن جواز الامر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في التصرف، لان الجواز مرادف للمضي، فلا ينافى عدمه ثبوت الوقوف على الاجازة كما يقال: بيع الفضولي غير ماض، بل موقوف). والذى يدل على صدق مقالنا من نفس تلك الروايات هو وقوع

[ 250 ]

الاستثناء في جملة منها بقوله (ع:) إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا. ووجه الدلالة: هو أن السفيه ليس مسلوب العبارة، وأذن فيعلم من الاستثناء أن المراد من عدم نفوذ أمر الصبى فيها أنما هو عدم استقلاله في التصرف. الطائفة الثانية: مادل (1) على رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم. وقال المصنف: (وأما حديث رفع القلم ففيه أولا: أن الظاهر منه قلم المؤاخذة، لا قلم جعل الاحكام، ولذا بنينا - كالمشهور - على شرعية عبادات الصبى). ويرد عليه: أن العقوبة والمؤاخذة - كالمثوبة والاجرة - من الامور التى لا صلة لها بعالم الجعل بوجه، بل هي مترتبة على الجعل ترتب الاثر على ذى الاثر وعليه فلا معنى لتعلق الرفع بما لم يتعلق به الجعل. نعم ترتفع العقوبة بارتفاع منشئها: أعنى به التكاليف الالزامية. ولكنه غير رفع المؤاخذة ابتداء. أما مشروعية عبادات الصبى فغريبة عن الحديث بالكلية، وإنما هي من جهة الروايات الخاصة، وقد عرفتها قريبا. والتحقيق في الجواب أن يقال: أن حديث رفع القلم عن الصبى إنما يدل على رفع الاحكام الالزامية المتوجهة إلى الصبيان كتوجهها إلى غيرهم، فان هذا هو الموافق للامتنان، ومن الواضح أن مجرد أجراء الصيغة ليس من


(1) عن ابن ظبيان قال: اتى عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها فقال علي (ع): اما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ مجهول بمحمد بن عبد الله الحضرمي وغيره. الوسائل باب 4 من مقدمة العبادات. والبحار ج 3 ص 84.

[ 251 ]

الاحكام الالزامية، ولا موضوعا لها لكى يرتفع بحديث الرفع، وإنما الموضوع لها هو نفس المعاملة التى أوجدها المتعاملان، وإذن فما هو موضوع للاحكام الالزامية لم يصدر من الصبى لكى يشمله حديث الرفع، وما هو صادر منه ليس بموضوع لها. وهذا ظاهر. وعلى الجملة: إن ارتفاع قلم التكليف عن الصبى لا ينافى الالتزام بصحة العقود والايقاعات الصادرة منه، بل إن رفع القلم عن الصبى لا يدل على أزيد من رفع إلزامه بشخصه مادام صبيا، فهو لا يدل على رفع إلزام البالغين بفعله أو على إلزامه بفعله بعد بلوغه، كما هو الحال في جنابته، أو في إتلاف مال غيره والى هذا أشار المصنف في ثالث أجوبته، وقال: (لو سلمنا اختصاص الاحكام - حتى الوضعية - بالبالغين، لكن لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعا للاحكام المجعولة في حق البالغين، فيكون الفاعل كسائر غير البالغين خارجا عن ذلك الحكم إلى وقت البلوغ). وإذن فلا دلالة في حديث الرفع على بطلان معاملة الصبى فضلا عن دلالته على سلب عبارته. ثم ان المصنف قد ذكر في الجواب الثاني: (أن الاحكام الوضعية ليست مختصة بالبالغين، فلا مانع من أن يكون عقده سببا لوجوب الوفاء بعد البلوغ، أو على الولى إذا وقع باذنه أو إجازته، كما يكون جنابته سببا لوجوب غسله بعد البلوغ، وحرمة تمكينه من مس المصحف). ولكنه يناقض ما قد بنى عليه في اصوله من أن الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية، وإذا فرضنا انتفاء الحكم التكليفى عن الصبى فلا منشأ - هنا - لانتزاع الحكم الوضعي. الطائفة الثالثة: ما دل على أن عمد الصبى وخطأه واحد، وهذه الطائفة على ثلاثة أقسام:

[ 252 ]

1 - ما دل (1) على ذلك مطلقا من غير أن يكون مقيدا بشئ 2 - ما دل (2) على الحكم المزبور مقيدا بكون دية الجناية الصادرة من الصبى خطأ على عاقلته. 3 - ما دل على هذا الحكم مع قيد آخر، وهو رفع القلم عن الصبى، كرواية أبى البخترى، عن جعفر، عن أبيه، عن على (ع): أنه كان يقول في المجنون المعتوه الذى لا يفيق، والصبى الذى لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم (3). قيل: إن القسم الاول من هذه الطائفة يدل على عدم الاعتناء بأقوال الصبى وأفعاله، ضرورة دلالة صحيحة محمد بن مسلم على نزول ذلك منزلة الخطأ


(1) عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال: عمد الصبى وخطأه واحد. صحيحة. التهذيب ج 2 ص 511 والوافي ج 9 ص 98. (2) عن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (ع): ان عليا (ع) كان يقول: عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة. ضعيفة بغياث بن كلوب. التهذيب ج 2 ص 511. والوافي ج 9 ص 98. وعن علي (ع): ليس بين الصبيان قصاص، عمدهم خطأ يكون فيه العقل مجهولة بموسى بن اسماعيل. الجعفريات ص 124. والمستدرك باب 33 من كتاب القصاص. وعن دعائم الاسلام عن علي (ع): انه ما قتل المجنون المغلوب على عقله. والصبي فعمدها خطأ على عاقلتهما. مرسلة. وعنه عن ابي جعفر (ع): انه قال: وما جنى الصبى والمجنون على عاقلتهما. مرسلة. المستدرك باب 33 من كتاب القصاص. (3) ضعيفة بأبي البختري. قرب الاسناد ص 72. والوسائل باب 36 من كتاب القصاص.

[ 253 ]

وعليه فلا يعتنى بصيغ العقود والايقاعات الصادرة منه، كما لا يترتب الاثر عليها إذا صدرت من البالغين نسيانا، أو غفلة، أو في حالة النوم، أو خطأ. ولا تنافى بين هذا القسم، وبين القسم الثاني والقسم الثالث لكى يحمل المطلق على المقيد، بديهة أنه لا تنافى بين أن يكون عمد الصبى بمنزلة الخطأ في الجنايات، وبين كون عمده بمنزلة الخطأ في غير موارد الجنايات، وإذن فلا موجب لرفع اليد عن الاطلاق، فانه منحصر بالتنافى، كما قرر في محله. نعم لا يبعد أن يستأنس - بما اشتمل على التقييد - اختصاص الحكم بالجناية فيكون ذلك قرينة على انصراف المطلق إليها. كما أنه يمكن أن يستأنس ذلك بما ورد (1) في الاعمى من أن عمد الصبى خطأ ولكن مجرد الاستيناس لا يوجب تقييد القسم الاول الذى هو مطلق. والجواب عن ذلك: أن دلالة الرواية على تنزيل عمد الصبى منزلة خطأه من جميع الجهات إنا تتم إذا كان الظاهر منها هو نفى الحكم بلسان نفى الموضوع بأن يقول الامام (ع) عمد الصبى ليس بعمد أو كلا عمد. نظير قوله (ع): ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد


(1) عن ابي عبيدة، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن اعمى فقأ عين رجل صحيح متعمدا؟ فقال: يا ابا عبيدة: ان عمد الصبى مثل الخطأ، هذا فيه الدية من ماله، فان لم يكن له مال فان دية ذلك على الامام، ولا يبطل حق مسلم. موثق بعمار الساباطي. وعن الحلبي عن الصادق (ع): الاعمى جنايته خطأ تلزم عاقلته، يؤخذون بها في ثلاث سنين، في كل سنة نجما، فان لم يكن للاعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله. مهمل بمحمد بن عبد الله. التهذيب ج 2 ص 510 وص 511 والوافى ج 9 ص 98 و 99.

[ 254 ]

وعبده ربا (1). وكقوله (ع): ليس على الامام سهو، ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو (2). وكقوله (ع): لا ضرر ولا ضرار (3) فان الظاهر من أمثال هذه التنزيلات أن المنزل كالمنزل عليه في جميع الآثار، وعليه فيترتب على عمد الصبى ما يترتب على خطأه. والسر في ذلك: أن تنزيل شئ منزلة عدمه لا يقتضى وجود الاثر للمنزل عليه لكى يكون التنزيل باعتبار ذلك الاثر، بل التنزيل - هنا - باعتبار عدم الاثر، لاجل أن ما هو عديم النفع ينزل منزلة العدم، وهذا بخلاف تنزيل أحد الامرين الوجوديين منزلة صاحبه، فان ذلك لا يتحقق إلا بلحاظ وجود الاثر للمنزل عليه. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أنه لا يمكن أن يراد الاطلاق من تلك الروايات لوجود المانع وعدم المقتضى. أما وجود المانع فلان الاخذ باطلاقها مخالف لضرورة المذهب، وموجب لتأسيس فقه جديد، بديهة أن لازم العمل باطلاقها هو أن لا يبطل صوم الصبى مع عدم الاجتناب عن مبطلات الصوم، فان ارتكابه بها خطأ لا ينقض الصوم والمفروض أن عمد الصبى خطأ. وأيضا لزم من ذلك القول بصحة صلاة الصبى إذا ترك عمدا أجزاءها التى لا يضر تركها خطأ بصلاة البالغين، وهكذا الكلام في ناحية الزيادة العمدية فيها.


(1) الوافى باب 56 من يجوز له الرباء ج 10 ص 54. (2) الوافى باب من لا يعتد بسهوه ص 150. (3) قد تقدم ذلك في ص 93.

[ 255 ]

بل يلزم منه الالتزام بصحة صلاة الصبيان إذا اقتصروا فيها بالنية والتكبير للاحرام والركوع والسجدة الواحدة والسلام، فان ترك ما سوى ذلك خطأ لا يضر بصلاة البالغين، والمفروض أن عمد الصبى خطأ. بل يلزم من العمل باطلاق تلك الروايات أن لا تصح عبادات الصبيان أصلا، فان صحتها متوقفة على صدورها من الفاعل بالارادة والاختيار، وقد فرضنا أن عمد الصبى خطأ فلا يعقل صدور عبادة صحيحة منه، ولا أظن أحدا أن يلتزم بشئ من هذه اللوازم. ودعوى انصراف تلك الروايات عن هذه الموارد دعوى جزافية. أما عدم المقتضى للاطلاق فلان تنزيل عمد الصبى منزلة خطأه على وجه الاطلاق يقتضى أن يكون - هنا - أثر خاص لكل منهما عند صدورهما من البالغين، لكى يكون تنزيل عمد الصبى منزلة خطأه بلحاظ ذلك الاثر. كما أن الامر كذلك في تنزيل الطواف منزلة الصلاة في قوله صلى الله عليه وآله الطواف بالبيت صلاة (1). ومن الواضح أنه لا مصداق لهذه الكبرى إلا الجنايات، فانها ان صدرت من الجاني عمدا فيقتص منه، وان صدرت منه خطأ فديتها على عاقلته، وعلى هذا فيصح تنزيل جناية الصبى عمدا منزلة جنايته خطأ، فتكون ديتها مطلقا على عاقلته، أما في غير الجنايات فلا مورد لمثل هذا التنزيل أصلا. نعم قد ثبت أثر خاص لكل من العمد والخطأ في الصلاة وفى تروك الاحرام، فان من ترك جزء من صلاته عمدا فتبطل صلاته، وان تركه خطأ


(1) عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الطواف بالبيت صلاة ولكن الله احل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير. سنن البيهقي ج 5 ص 87. ومستدرك الحاكم ج 1 ص 459.

[ 256 ]

فتجب عليه سجدتا السهو. وأن المحرم إذا صاد حيوانا عمدا ثبتت عليه الكفارة زائدة على ما إذا صاده خطأ. ولكن أمثال هذه الموارد خارجة عن حدود الروايات الواردة في تنزيل عمد الصبى منزلة خطأه، ضرورة أن الآثار المذكورة انما تترتب على الخطأ - في تلك الموارد - إذا صدر من غير الصبى. أما إذا صدر من الصبى ارتفع أثره بحديث الرفع. وبتعبير أوضح أن تنزيل عمد الصبى منزلة خطأه متقوم بأمرين: (الاول) ثبوت الاثر لكل منهما. (الثاني) أن يكون أثر الخطأ ثابتا لغير الفاعل. ولا ريب أنه لا مصداق لهذه الكبرى الا باب الجنايات، وهذا المعنى هو الموافق للذوق الفقاهى. ومما يدل على اختصاص تلك الروايات بباب الجنايات قوله (ع) في بعضها: عمد الصبيان خطأ، تحمله العاقلة، إذ من المعلوم أن العاقلة لا تحمل سجدتي السهو، ولا الكفارة في الحج، وانما تحمل الدية في الجنايات، واذن فلا دلالة في شئ من تلك المطلقات - أيضا - على كون الصبى مسلوب العبارة. بحث في ذيل رواية أبي البختري بقى الكلام في ذيل رواية أبى البخترى، وهو قوله (ع): وقد رفع عنهما القلم. وقد استظهر المصنف (ره) من هذه الجملة دلالتها على كون الصبى مسلوب العبارة، وكون عقده وايقاعه مع القصد كعقد الخاطئ والغالط والهازل وايقاعاتهم. وحاصل كلامه: أن هذه القطعة من الرواية لا تتصل بسابقتها الا

[ 257 ]

بأخذها علة لثبوت الدية على العاقلة، أو معلولا لقوله عليه السلام: عمدهما خطأ: بمعنى: أن علة رفع القلم عن الصبى والمجنون هو كون قصدهما بمنزلة عدم القصد في نظر الشارع، ومن البين أن اتخاذها علة لثبوت الدية على العاقلة أو معلولا لتنزيل عمد الصبى منزلة الخطأ لا يستقيم إلا بأن يراد من رفع القلم رفع المؤاخذة عن الصبى والمجنون، سواء أكانت المؤاخذة دنيوية أم كانت اخروية، وسواء أتعلقت المؤاخذة الدنيوية بالنفس - كالقصاص - أم تعلقت بالمال - كغرامة الدية - وعليه فلا يؤخذ الصبيان والمجانين بأفعالهم وأقوالهم - الصادرة حال الصبوة والجنون - بعد البلوغ والافاقة، سواء أكان صدور الاقوال والافعال منهم - في تلك الحال - باذن الولى أم لم يكن كذلك. وعلى الجملة: إن الرواية وإن وردت في باب الجناية، ولكن مقتضى التعليل هو تنزيل قصد الصبى والمجنون منزلة عدمه. وأنه لا اعتبار بشئ مما يصدر منهما قولا وفعلا، بل هما مسلوبان - في عالم الاعتبار - من جهة الفعل والعبارة ضرورة أن ذكر العلة في مورد خاص لا يقتضى اختصاصها به. بل هو من باب تطبيق الكبرى على الصغرى. وإذن فلا محذور لنا في الاخذ بعموم العلة في سائر الموارد أيضا. ويتوجه عليه: أنه لا وجه لجعل رفع القلم علة لكون الدية على العاقلة لعدم العلية بينهما لا شرعا، ولا عرفا، ولا عقلا، بل نسبة أحدهما إلى الآخر كوضع الحجر في جنب الانسان. والعجب من المصنف، فانه قد التزم بثبوت العلية والمعلولية بين رفع القلم عن الصبى، وبين ثبوت الدية على العاقلة ولكن لم يستوضح المناسبة والسنخية بينهما. غاية الامر: أنه ثبت في الشريعة المقدسة: أن دم المسلم لا يذهب هدرا، ومن الظاهر أن هذا الحكم - مع ما دل على أن عمد الصبى خطأ - يلازم

[ 258 ]

ثبوت دية الجناية - الصادرة من الصبى - على عاقلته. والصحيح: أنه لا ملازمة بينهما - أيضا - لان الحكمين المذكورين لا يدلان على ثبوت الدية على خصوص العاقلة، إذ يمكن أن تكون الدية على جميع المسلمين أو من بيت المال، أو غير ذلك، كما أنه لا وجه لجعل رفع القلم معلولا لقوله عليه السلام عمدهما خطأ، فان رفع القلم مقوم لتنزيل العمد بمنزلة الخطأ. لا أنه معلول له. والتحقيق: أن وجه المناسبة بين قوله عليه السلام: رفع عنهما القلم، وبين قوله عليه السلام: عمدهما خطأ هو أن تنزيل عمد الصبى منزلة خطائه متقوم بأمرين: أحدهما: حكم سلبى، وهو أنه لا يترتب عليه أحكام العمد، ولا يلزم الصبى بشئ من أفعاله. ثانيهما: حكم ايجابي وهو أنه يترتب عليه أحكام الفعل الخطائى، وقد بين عليه السلام الامر الثاني بقوله عليه السلام: تحمله العاقلة، وبين الامر الاول بقوله عليه السلام رفع عنهما القلم، واذن فلا دلالة في هذه الجملة على أزيد مما دل عليه قوله عليه السلام: رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم (1). ويضاف إلى ذلك: أن الرواية ضعيفة السند بأبى البخترى، فلا يصح الاستدلال بها على شئ من المسائل الفقهية. فتحصل مما ذكرناه: أنه لا دليل على أن عبارة الصبى مسلوبة بحيث لا يترتب على ما أنشأه من العقود والايقات أثر أصلا. هل يجوز كون الصبي وكيلا عن غيره؟ الجهة الرابعة: في جواز كونه وكيلا عن غيره في عقد أو ايقاع ولو كان التوكيل على نحو التفويض سواء أكان الموكل وليا أم كان غيره. وحينئذ


(1) قد تقدم الكلام فيه مفصلا في ص 250.

[ 259 ]

فيوقع الصبى العقد أو الايقاع ولو كان على نحو الاستقلال، وبدون إذن الولى فضلا عما إذا أوقعه باذنه أو كان وكيلا في إجراء الصيغة فقط. والتحقيق: هو نفوذ تصرفات الصبى في هذه الصورة، للعمومات والاطلاقات مع عدم دليل على التخصيص أو التقييد، وذلك لان الآية المتقدمة لا إشعار فيها بعدم الجواز أصلا فضلا عن الدلالة عليه ضرورة أن قوله تعالى: (فان أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم (1)) كالصريح في أن الآية راجعة إلى تصرفات اليتامى في أموال أنفسهم، لافي أموال غيرهم. وعليه فمقتضى الاصل هو جواز تصرفات الصبى في مال غيره وكالة عنه فان المنع عن ذلك لابد وأن يكون بدليل، ومن المعلوم أن الدليل على المنع إما عدم القول بالفصل بين التصرف في مال نفسه، والتصرف في مال غيره وإما الاخبار المتقدمة الدالة على عدم نفوذ أمر الصبى قبل البلوغ: أما دعوى عدم الفصل فعهدتها على مدعيها. أما الاخبار فلا دلالة في شئ منها على عدم نفوذ تصرفات الصبى في هذه الصورة، إذ قد عرفت: أن ما دل على رفع القلم عن الصبى، أو أن عمده خطأ لا دلالة فيه على بطلان عقده أو ايقاعه. وأنه مسلوب العبارة. فإذا كان صدوره منه وكالة عن وليه، أو غير وليه ولو كان التوكيل بنحو التفويض والاستقلال - فالعقد عقد للموكل حقيقة، وحيث إن المفروض أن ما وقع عليه العقد ليس بمال الصغير فلا مانع عن شمول أدلة صحة البيع ونحوه له. أما ما دل على عدم نفوذ تصرف الصبى وأمره من الروايات المتقدمة فقد يتوهم دلالتها على عدم النفوذ في هذه الصورة - أيضا - نظرا إلى الاطلاق


(1) سورة النساء الآية 6.

[ 260 ]

ولكن الصحيح هو عدم صحة ذلك أما أولا: فلاختصاص تلك الروايات باليتيم، وأنه ما لم يذهب يتمه لا يجوز أمره، ولا يدفع إليه ماله، فهى لا تدل إلا على عدم نفوذ تصرف الصبى في ماله، دون ما إذا كان في مال غيره باذنه نعم قد علمنا أنه لا خصوصية لليتيم - في الحكم - وإنما ذكر ذلك لاجل أنه هو المورد المتوهم لدفع ماله إليه. فنتعدى منه إلى غير اليتيم - أيضا - من الصغار، أما خصوصية أن موضوع المنع هو تصرف الصغير في مال نفسه فلا مقتضى لرفع اليد عنها. أما ثانيا فلاجل أنا لو سلمنا الاطلاق فغاية ما يستفاد منها هو عدم نفوذ تصرف الصبى بما أنه عقده، وهذا لا ينافى نفوذ ذلك التصرف بما أنه مضاف إلى الموكل، سواء فيه الولى وغيره. ومن هنا أن الصبى إذا باع ماله، ثم أجازه الولى حكم بصحة البيع، لانه بيع الولى بقاءا. نعم قد عرفت أنه لا يجوز أن يأذن الولى في تصرف الصبى استقلالا، ولا يكون تصرفه ماضيا للمنع عنه في الآية المباركة. فالمتحصل مما ذكرناه: أنه لا مانع من مباشرة الصبى العقد والايقاع في مال نفسه إذا كان ذلك باذن الولى، وكان الصبى وكيلا في إجراء الصيغة فقط كما لا مانع من مباشرته لهما على نحو الاستقلال فيما إذا توكل عن أجنبي من ولى أو غيره.

[ 261 ]

هل يؤخذ الصبى باتلافه مال الغير؟ قوله: (ثم إن مقتضى عموم هذه الفقرة بناء على كونها علة للحكم عدم مؤاخذتهما بالاتلاف الحاصل منهما). أقول: إذا أتلف الصبى مال غيره وجب عليه الخروج من عهدته بعد بلوغه، لقاعدة من أتلف. وقد يتوهم عدم الضمان، لان عمد الصبى خطأ. ولان قلم التكليف قد ارتفع عنه حتى يحتلم. ولكن هذا التوهم فاسد. إذ لا شهادة في شئ من الوجهين المزبورين على عدم الضمان: أما الاول فلان الظاهر: أن تنزيل عمد الصبى منزلة خطائه انما هو في الافعال التى لا تكون موضوعا للاحكام الشرعية إلا إذا صدرت من الفاعل بالارادة والاختيار، ومع القصد والعمد، لا في الافعال التى هي بنفسها موضوع للاحكام الشرعية من غير أن يعتبر فيها القصد والعمد: كالجنابة فانها توجب الغسل وان تحققت حال النوم. وكمباشرة النجاسات، فانها توجب نجاسة البدن وإن كانت المباشرة بغير التفات إلى النجاسة. وكالاحداث الناقضة للطهارة وإن صدرت جهلا، أو غفلة، أو بغير اختيار، فان شيئا من تلك الامور لا يتوقف تأثيرها على صدورها بالارادة والاختيار، ولا ريب في أن اتلاف مال الغير من القبيل الثاني، فانه يوجب الضمان وان صدر حال الغفلة والجهل، وبدون الارادة والاختيار، ضرورة أنه لم يؤخذ في قاعدة من أتلف عنوان آخر غير صدق الاتلاف. ويضاف إلى ذلك: ما ذكرناه آنفا من اختصاص الحديث بما إذا كان

[ 262 ]

للفعل العمدي أثر، وللفعل الخطائى أثر آخر بالنسبة إلى غير الفاعل، فيحكم على فعل الصبى - عندئذ - بحكم الخطأ. ومن الظاهر أن حكم العمد والخطأ لا يختلف في الاتلاف واذن فلا يكون الاتلاف مشمولا للحديث. أما الوجه الثاني فقد عرفت آنفا: أن المراد من دليل رفع القلم عن الصبى انما هو رفع الاحكام الالزامية عنه منذ نعومة أظفاره إلى حد بلوغه. وهذا لا ينافى توجه تلك الاحكام عليه بعد زمان البلوغ. وقد تقدم أن فعل الصبى قد يكون موضوعا لتوجه الاحكام الالزامية عليه بعد بلوغه. والسر في ذلك: أن دليل رفع القلم والتكليف قد تعلق بالصبى، فيدور مدار صبوته. وعلى هذا الضوء فاتلاف الصبى مال غيره سبب للضمان جزما ولكنه لا يستبع الحكم الالزامي الا بعد بلوغه، وإذا بلغ توجه عليه التكليف ووجب عليه الخروج عن عهدته. لانه - وقتئذ - يصدق عليه أنه أتلف مال غيره كما يتوجه عليه - عندئذ - وجوب الاغتسال مع تحقق الجنابة منه قبل البلوغ. قوله: (فإذا لم يلزمه شئ بالتزاماته ولو كانت باذن الولى فليس ذلك الا لسلب قصده. وعدم العبرة بانشائه) أقول: قد عرفت فيما سبق أن أمر الصبى وان كان غير نافذ ولو باذن وليه. ولكنه غير مربوط بسلب عباراته لكى يترتب عليه بطلان انشائه، بديهة أن معنى عدم نفوذ أمره هو عدم ترتب الاثر على معاملاته. وهذا لا ينافى جواز مباشرته انشاء الصيغة، إذ لا صلة بينهما بوجه. هل ترتفع تعزيرات الصبيان بحديث الرفع؟ قوله: (ثم ان القلم المرفوع هو قلم المؤاخذة الموضوع على البالغين فلا ينافى ثبوت بعض العقوبات للصبى كالتعزير). أقول: ان كان الغرض

[ 263 ]

من حديث رفع القلم عن الصبى هو رفع التكاليف الالزامية الثابتة في حق البالغين كما هو غير بعيد فالتعزيرات الثابتة في حق الصبيان خارجة عن ذلك موضوعا فان تلك التعزيرات لم تثبت في حق البالغين وإنما هي ثابتة في حق الصبيان لحكمة خاصة، وهى تأديبهم على ارتكاب القبائح، وصيانتهم من اغواء المضلين، وسوقهم إلى تهذيب الاخلاق. فان تعود الافعال الشنيعة داء عضال. وان كان الغرض من الحديث المزبور هو رفع مطلق الاحكام الالزامية فيشمل عمومه لتعزيرات الصبيان أيضا. ولاجل ذلك توهم بعضهم أنها ترتفع عنهم بدليل رفع القلم. والتحقيق: أن التعزيرات الثابتة في الشريعة المقدسة ان اخذ في موضوعها البلوغ فهى ترتفع عن الصبيان لعدم موضوعه. وان اخذ في موضوعها الصباء فهى غير قابلة للارتفاع عن الصبيان، لان المصلحة الملزمة قد اقتضت ثبوتها في حقهم بعنوان الصبوة، فلا يعقل ارتفاعها عنهم بحديث الرفع، ولعل تلك المصلحة ارتداعهم عن ركوب القبائح، وتجنبهم عن ارتكاب المنكرات. وحينئذ فيختص حديث الرفع بما إذا كان التعزير أو غيره من الاحكام الالزامية ثابتا للطبيعي الجامع بين البالغ والصبى فهى ترتفع عن الصبى ما هو حكم فعل الصبى المعتبر فيه قصد الفاعل؟ قوله: (عدم الاعتبار بما يصدر من الصبى) أقول ملخص كلامه: أن المتحصل من الادلة المتقدمة - من الاجماع وغيره - هو عدم الاعتبار بما

[ 264 ]

يصدر من الصبى من الافعال التى يعتبر فيها قصد الفاعل إلى مقتضاها. كانشاء العقود والايقاعات أصالة ووكالة، والتصدي للقبض والاقباض، وكذلك كل ما يلتزم به من قبل نفسه من ضمان أو إقرار أو نذر أو ايجار أو غير ذلك. ثم ساق عبارة العلامة في التذكرة تأييدا لمرامه. ولكن يرد عليه ما ذكرناه قريبا من أنه لا دليل لنا على سقوط فعل الصبى وقوله عن الاعتبار، بل الدليل انما دل على عدم جواز استقلاله في التصرف في أمواله. وعليه فأى فعل من أفعاله لا يعد في العرف تصرفا في أمواله استقلالا لا مانع عن جوازه فيحكم بصحة تحجيره، وحيازته، والتقاطه وصيده، وإحيائه الموات، وما شاكل ذلك. وقد يتوهم أن الامور المذكورة غير جائزة لان عمد الصبى خطأ. ولكنه توهم فاسد لما ذكرناه من عدم دلالة الحديث على إلغاء قصد الصبى، وأنه كعدمه على ما تقدم بيانه. على أنه يتوقف على اعتبار القصد في هذه الامور وهو لم يثبت. بل إن مقتضى قوله عليه السلام - مثلا - أيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعمروها فهم أحق بها، وهى لهم (1) هو ثبوت الملكية بنفس الاحياء، سواء أقصد المحيى التملك، أم لم يقصده. هل يصح قبض الصبى؟ قد حكى عن العلامة في التذكرة: أنه كما لا يصح تصرفاته اللفظية، كذا لا يصح قبضه، ولا يفيد حصول الملك في الهبة.


(1) الوافي ج 10 باب 158 إحياء الارض الموات ص 131.

[ 265 ]

وهذا المعنى يظهر من المصنف - أيضا - حيث انه نقل كلام العلامة تأييدا لمرامه ولم يناقش فيه أصلا. ولكن الظاهر أن قبض الصبى يفيد الملكية في الهبة وغيرها، لقيام السيرة على ذلك. بل مقتضى جملة من الروايات (1) الواردة في جواز اعطاء الصدقة والكفارة للصبيان هو صيرورتهما ملكا بمجرد القبض.


(1) عن ابي بصير، قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يموت ويترك العيال ايعطون من الزكاة؟ قال: نعم. حسن بابراهيم بن هاشم. وعن ابي خديجة، عن ابي عبد الله (ع) قال: ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى ابوهم حتى يبلغوا. ضعيف بمعلى بن محمد. الكافي ج 3 من ط 2 ص 548. والوافى ج 6 ص 26. وفى قرب الاسناد عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد الله (ع) عيال المسلمين اعطيهم من الزكاة فاشترى لهم منها ثيابا وطعاما وارى ان ذلك خير لهم؟ قال: فقال: لا بأس. موثق بابن الوليد. قرب الاسناد ص 24. والوسائل باب 7 من ابواب المستحقين للزكاة. وعن البجلي، قال: قلت لابي الحسن (ع) رجل مسلم مملوك، ومولاه رجل مسلم، وله مال يزكيه، وللملوك ولد صغير حر ايجزي مولاه ان يعطي ابن عبده من الزكاة؟ فقال: لا بأس. مجهول بمحمد بن اسماعيل النيسابوري. الوافي ج 6 ص 26. والوسائل باب 45 من ابواب المستحقين للزكاة. وعن يونس بن عبد الرحمان، عن ابي الحسن (ع) قال: سألته عن رجل عليه كفارة عشرة مساكين ايعطي الصغار والكبار سواء، والرجال والنساء، أو يفضل الكبار على الصغار، والرجال على النساء؟ فقال: كلهم سواء مجهول يب ج 2 ص 331. الوافى ج 7 باب 75 كفارة اليمين ص 96.

[ 266 ]

هل تنفذ وصية الصبى؟ وقد وقع الخلاف بين الاصحاب في نفوذ أمر الصبى في مواضيع شتى: 1 - الوصية. قال العلامة في القواعد: يشترط في الموصى البلوغ والعقل والحرية، فلا تنفذ وصية الصبى وإن كان مميزا في المعروف وغيره. وهذا الرأى هو المحكى عن السرائر والايضاح وشرح الارشاد لفخر الاسلام وغيرهم. وعن ظاهر التذكرة واللمعة والنافع والدروس: التوقف. وعن المقنعة والمراسم والنهاية والمهذب والغنية وكشف الرموز والارشاد والروض والكفاية والمفاتيح وأبى الصلاح وأبى على: أنه تجوز وصية من بلغ عشرا مميزا في البر والمعروف. وهذا هو الحق، للروايات (1) الدالة على أن الصبى إذا بلغ عشرا


(1) عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله، عن ابي عبد الله (ع) إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته. موثق بابان بن عثمان. وعن ابي بصير، عن ابي عبد الله (ع): انه قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته. صحيح. وعن محمد بن مسلم، قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك جازت وصيته لذوي الارحام، ولم تجز للغرباء صحيح. الكافي ج 7 من ط 2 باب وصية الغلام من كتاب الوصايا ص 28. والفقيه ج 4 من طبعة النجف ص 145. وج 2 التهذيب ص 384. والوافى ج 13 ص 25. وعن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: إذا اتي على الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله ما اعتق أو تصدق واوصى على حد معروف وحق فهو جائز. ضعيف -

[ 267 ]

تجوز وصيته. فتكون هذه الروايات مخصصة للروايات الدالة على عدم نفوذ أمر الصبى. وهذا ظاهر. نعم في صحة وصيته للغرباء إشكال، وذلك من جهة التصريح بعدم نفوذها في صحيحة محمد بن مسلم. هل يتبع قول الصبى في الاذن بدخول الدار؟ الثاني: ما ذكره العلامة في التذكرة من أنه: (لو فتح الصبى الباب، وأذن في الدخول عن إذن أهل الدار، وأوصل الهدية إلى إنسان عن اذن المهدى فالاقرب الاعتماد لتسامح السلف فيه). ولكن لا وجه لاستثناء هذين الامرين من الادلة المانعة عن نفوذ أمر الصبى أما الاول فلان جواز الدخول في الدار مع إذن الصبى من جهة حصول الاطمئنان به نوعا، فلا صلة له باعتبار قول الصبى في ذلك. والشاهد


- بموسى بن بكر. نفس المصادر غير التهذيب. وعن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن وصية الغلام هل تجوز؟ قال: إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته. مجهول بعلي بن محمد بن الزبير. وعن محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم. مجهول بابن الزبير. ورواه في الكافي في باب طلاق الصبيان ج 6 من ط 2 ص 124 بسندين آخرين: احدهما ضعيف والآخر موثق. وعن ابي بصير وابي ايوب عن ابي عبد الله (ع) في الغلام ابن عشر سنين يوصي؟ قال: إذا اصاب موضع الوصية جازت مجهول بابن الزبير التهذيب ص 385.

[ 268 ]

على هذا انه: لو أذن البالغ في ذلك ولم يحصل منه الاطمئنان به حرم الدخول فيها أما الثاني فلان ايصال الهدية إلى المهدى إليه لا ربط له - أيضا - بما نحن فيه، فان الصبى آلة في ايصالها إليه، كايصال الهدية إلى المهدى إليه بواسطة حيوان معلم. وعلى الاجمال: إن أمثال هذه الموارد خارجة عن العمومات المانعة عن نفوذ أمر الصبى خروجا تخصصيا لا تخصيصيا. هل تنفذ معاملات الصبى في المحقرات؟ الثالث: ما عن صاحب المفاتيح، واليك نصه: (الاظهر جواز بيعه وشرائه فيما جرت العادة به منه في الشئ الدون دفعا للحرج في بعض الاحيان) (1) وقال المحقق التسترى بعد نقل هذه العبارة: ويمكن أن يستأنس لذلك - مضافا إلى السيرة المستمرة وقضاء الحاجة والضرورة في كل من المعاملة ودفع العوض وأخذه منه - بما رواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن شهادة الصبى والمملوك فقال: على قدرها يوم اشهد تجوز في الامر الدون، ولا تجوز في الامر الكثير (2).


(1) في فقه المذاهب ج 2 ص 160: اما الصبى المميز ينعقد بيعه ولكن لا ينفذ إلا باذن الولي. وعن الحنابلة: انه يصح بيع الصبي وشراؤه للشئ اليسير ولو كان دون التميز ولو لم يأذنه وليه، لما روى من ان ابا الدرداء اشترى عصفورا من صبي فارسله. وعن الشافعية: انه لا ينعقد بيع الصبى سواء كان مميزا أو غير مميز. (2) التهذيب ج 2 باب البينات ص 77. والوافى ج 9 ص 145.

[ 269 ]

والجواب عن ذلك: أن استقرار السيرة على معاملات الصبى في الامور الحقيرة وإن كان غير قابل للانكار، ولكنه لا يكشف عن نفوذ معاملاتهم في ذلك استقلالا، بل إنما هو من جهة ما ذكرناه في البيع المعاطاتى من جريان المعاطاة بين الناس في المحقرات بوضع الثمن في الموضع المعد له وأخذ المتاع بازائه ومثلنا لذلك بأمثلة فراجع. ومقامنا من القبيل المذكور، وإذن فلا وجه لجعل ذلك من المستثنيات من عدم نفوذ أمر الصبى، إذ لا صلة بينهما بوجه. وأما الرواية المذكورة فهى غريبة عما نحن فيه، وانما هي راجعة إلى باب الشهادة ومن الظاهر أنه لا ملازمة بين قبول شهادته في المحقرات وبين نفوذ معاملاته فيها. ولو سلمنا قيام السيرة على نفوذ معاملات الصبى في الامور اليسيرة، وسلمنا دلالة الرواية على ذلك فلا بد من الالتزام بتخصيص العمومات المانعة عن معاملات الصبى. ومن هنا لا ينقضى العجب من المحقق التسترى حيث قال بعد كلامه المتقدم: (وهذا القول لا يخلو عن قوة إلا أن الاصحاب تركوا العمل بالخبر، وأما السيرة والضرورة فالتمسك بها في مقابل إطلاق الآية والرواية وفتوى الامامية وغيرهم خروج عن جادة الصواب، وعدول عن طريق الاحتياط). والحاصل: أنه إن كان المراد من السيرة هو السيرة العقلائية فهى مردوعة بالروايات الدالة على عدم نفوذ أمر الصبى. وقد تقدمت هذه الروايات سابقا، وإن كان المراد بها هو السيرة الشرعية فهى قائمة على كون الصبى آلة لا على صحة معاملاته الصادرة منه استقلالا ولا أقل من الشك في ذلك. وإذن فلا وجه لنا للحكم بصحة معاملات الصبى ولو في الامور المحقرة.

[ 270 ]

وربما يستدل على نفوذ معاملات الصبى مطلقا أو في المحقرات برواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كسب الاماء، فانها إن لم تجد زنت، إلا أمة قد عرفت بصنعة يد ونهى عن كسب الغلام الصغير الذى لا يحسن صناعة بيده، فانه ان لم يجد سرق (1). ووجه الاستدلال بها على المقصود هو أن المراد من النهى في الرواية هو النهى التنزيهى، فيدل على نفوذ معاملات الصبى لا على فسادها. والشاهد على ذلك أنه لو كانت معاملات الصبى فاسدة لما حصل النقل والانتقال بينه وبين غيره. وكان التصرف فيما بيده تصرفا في مال غيره بدون إذنه، وعليه فكان تعليل الفساد بذلك أولى من تعليله بصدور السرقة من الصبى لان التعليل بالامر الذاتي أولى من التعليل بالامر العرضى. والجواب عن ذلك: أن هذه الرواية ضعيفة السند بالنوفلى، وغير منجبرة بشئ، فلا يمكن الاستناد إليها في الاحكام الشرعية. ويضاف إلى ذلك: أن المراد من كلمة (كسب) المضافة إلى كلمة (الغلام) في الرواية إما المعنى المصدرى، أو يراد منها المكسوب المعبر عنه باسم المصدر وعلى الاول فالمراد من الكسب هو الكسب المتعارف: أعنى به مباشرة الصبى التجارة عند احتياج وليه إلى ذلك، إلا أن هذه المباشرة ليست مباشرة استقلالية، بل مباشرة تبعية، وأن الصبى - وقتئذ - بمنزلة الآلة لوليه في ايجاد المعاملة بينه وبين المشترى. وقد تعارف هذا المعنى في الخارج كثيرا، الا أن الامام عليه السلام قد نهى عنه تنزيها معللا بأنه إذا لم يحصل من تجارته شئ سرق خوفا من وليه.


(1) المروية في الوسائل في باب 33 من ابواب ما يكتسب به.

[ 271 ]

والقرينة على هذه الدعوى: قوله (عليه السلام) في صدر الرواية: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كسب الاماء، فانها ان لم تجد زنت، مع انه لا شبهة في نفوذ كسب الامة باذن مولاها. ويؤيد ما ذكرناه: أن النبي صلى الله عليه وآله قد قيد النهى عن كسب الامة والغلام بعدم معرفتهما صناعة اليد، فانه مع العلم بذلك لا يقع الصبى على السرقة، ولا أن الامة تقع على الزناء، لانه - وقتئذ - ينتفى ما يوجب السرقة والزناء: أعنى به الفقر، ضرورة أنهما متمكنان من تحصيل المال. وعلى الثاني فالمراد من كسب الغلام ما يتحصله من الاموال بطريق الالتقاط، أو الاستعطاء، أو الحيازة من المباحات الاصلية، كما أن المراد من كسب الامة على هذا الاحتمال ما تتحصله باحدى الطرق المذكورة. وعليه فحكمة النهى عن كسب الغلام صيانته عن الاستراق من الناس كما أن حكمة النهى عن كسب الامة محافظتها عن الفجور. وحينئذ فلا دلالة في تلك الرواية على نفوذ معاملات الصبى. هل يصح طلاق الصبي المميز؟ الرابع: طلاق الصبى المميز. قد وقع الخلاف في ذلك بين الخاصة والعامة (1).


(1) يشترط في المطلق ان يكون بالغا، فلا يقع طلاق الصغير الذى لم يبلغ ولو مراهقا مميزا، ولا يحسب عليه طلاقه حال الصغر مطلقا ولو كبر. نعم الحنابلة قالوا: يقع طلاق المميز الذى يعرف معنى الطلاق وما يترتب عليه من تحريم زوجته ولو كان دون عشر سنين، ويصح ان يوكل غيره بأن يطلق عنه، كما يصح للغير ان يوكله في الطلاق. فقه المذاهب ج 4 ص 284.

[ 272 ]

فذهب جمع من أصحابنا القدماء والمتأخرين إلى صحته. وذهب المشهور من متأخريهم إلى فساده. ومنشأ الخلاف في ذلك انما هو اختلاف الروايات. وقد يقال: إن جملة منها تدل على نفوذ طلاقه، وجملة أخرى منها تدل على عدم نفوذه، وبعد تعارض كلتا الطائفتين وتساقطهما يرجع إلى العمومات الدالة على عدم نفوذ أمر الصبى حتى يحتلم. والتحقيق: أن الذى ظهر لى من النظر في الروايات أن الاخبار الواردة في طلاق الصبى على أربعة أنحاء: منها ما دل (1) على نفوذ طلاق الصبى. ومنها ما دل (2) على عدم نفوذه.


(1) عن سماعة قال: سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته؟ فقال: إذا طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس وهو جائز.. موثق بسماعة وغيره. الفقيه ج 3 من طبعة النجف باب طلاق الغلام ص 325. والكافي باب طلاق الصبيان ج 6 من ط 2 ص 124. والتهذيب ج 2 ص 270. (2) عن ابي الصباح الكنانى، عن ابي عبد الله (ع) قال: ليس طلاق الصبي بشئ. صحيح. وعن ابي بصير، عن ابي عبد الله (ع) قال: لا يجوز طلاق الصبي، ولا السكران موثق بابن سماعة وغيره. الكافي ج 6 من ط 2 باب طلاق الصبيان ص 124. وعن زكريا بن آدم ; قال: سألت الرضا (ع) عن طلاق السكران والصبي والمعتوه والمغلوب على عقله ومن لم يتزوج بعد؟ فقال: لا يجوز. مجهول بمحمد ابن سهل. الوافى ج 12 باب طلاق الصبي ص 167.

[ 273 ]

ومنها ما دل (1) على نفوذه إذا عقل. ومنها ما دل (2) على نفوذه إذا بلغ عشر سنين. وحيث لا يحتمل أن يكون طلاق من بلغ عشرا ولم يعقل صحيحا فلا بد من تقييد ما دل على نفوذ طلاق الصبى إذا عقل بما دل على نفوذ طلاقه إذا بلغ عشرا وبذلك يقيد ما دل على عدم النفوذ بغير من بلغ عشرا. وعليه فيرتفع التعارض. ولو سلمنا التعارض، ولكن لا بد من تقديم روايات النفوذ، لانها مخالفة لاكثر العامة.


(1) عن ابن بكير عن ابى عبد الله (ع) قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، ووصيته وصدقته وإن لم يحتلم. موثق بابن بكير. فروع الكافي ج 6 من ط 2 باب طلاق الصبيان ص 124. والوافي ج 12 باب 175 طلاق الصبى ص 166 (2) عن ابن ابي عمير عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (ع) قال: يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين. مرسل. فروع الكافي ج 6 من ط 2 ص 124. والوافي ج 12 ص 166. وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، ومحمد بن الحسين جميعا عن ابن فضال، عن ابن بكير عن ابي عبد الله (ع) قال: يجوز طلاق الصبى إذا بلغ عشر سنين. موثق بابن بكير. التهذيب ج 2 باب طلاق الصبي ص 270. والوسائل باب 31 من ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه. قال سيدنا الاستاذ: إن هذه الرواية وإن كانت غير موجودة في نسخة الكافي، إلا انه يحتمل ان يكون السقط من النساخ، وقد اخرجها الشيخ، وصاحب الوسائل من النسخة التي كانت هي موجودة فيها. ولكن الظاهر ان هذه هي رواية ابن ابي عمير المتقدمة وان هذا السند لحديث آخر المذكور قبلها، وكأن السقط من النساخ، كما يظهر من ملاحظة الكافي.

[ 274 ]

ثم انه يظهر من روايتي السراد والكناسي (1) أنه يجوز طلاق الغلام البالغ عشر سنين إذا أقر بذلك وأمضاه بعد البلوغ. ولكن لا يمكن العمل بهما: أما رواية السراد فهى رواية الفقيه عن محمد بن موسى المتوكل، وهو لم يثبت توثيقه من القدماء، نعم وثقه العلامة في رجاله، إلا انه اجتهاد منه وهذا ظاهر. أضف إلى ذلك: أنها مخالفة للاجماع القطعي، فان الفقهاء بين قائل بالصحة، وبين قائل بالفساد، واذن فلا واسطة بينهما.


(1) الحسن بن محبوب السراد، عن ابن رئاب، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: قلت لابي عبد الله (ع): الغلام له عشر سنين فيزوجه ابوه في صغره، ايجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: اما التزويج فصحيح، واما طلاقه فينبغي ان تحبس عليه امراته حتى يدرك فيعلم انه كان قد طلق فان اقر بذلك وامضاه فهى واحدة بائنة وهو خاطب من الخطاب، وإن انكر ذلك وابى ان يمضية فهى امراته. الحديث. الوافي ج 12 باب 175 طلاق الصبى ص 166. وعن يزيد الكناسي، عن ابي جعفر (ع) - في حديث تزويج الاب ابنته أو ابنه - قال: قلت له: جعلت فداك فان طلقها في تلك الحال ولم يكن ادرك ايجوز طلاقه؟ قال: إن كان مسها في الفرج فان طلاقه جائز عليها وعليه وإن لم يمسها في الفرج ولم يلذ منها ولم تلذ منه فانها تعزل عنه وتصير إلى اهلها فلا يراها ولا تقربه حتى يدرك النساء، فيسأل ويقال إنك كنت طلقت امراتك - فلانة فان هو اقر بذلك واجاز الطلاق كانت مطلقة بائنة وكان خاطبا من الخطاب التهذيب ج 2 باب اولياء الصبيان ص 222. والوافى ج 12 ص 65.

[ 275 ]

أما رواية الكناسى المفصلة بين الدخول وعدمه فهى - مع أنها أيضا لا قائل بمضمونها - ضعيفة السند، لان الكناسى لم يثبت توثيقه. هل يعتبر في صحة العقد القصد إلى مدلوله؟ قوله: (مسألة ومن جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذى يتلفظان به). أقول: قد اتفقت كلمات الاصحاب رضوان الله عليهم على هذا الشرط حتى أرسلوه في كتبهم الفقهية إرسال المسلمات، ولذا لم ينقل الخلاف - هنا - من أحد. بل في التذكرة ادعى الاجماع على ذلك. ولا يخفى عليك: أن الفقهاء وإن أصابوا في أصل اعتبار القصد في العقد، إلا انهم قد أخطأوا في أخذه من شرائط المتعاقدين أو العقد بل انما هو من مقوماته بحيث لا يتحقق مفهومه بدون القصد. وتوضيح ذلك إجمالا: أنا ذكرنا في المباحث السابقة أن البيع - مثلا - ليس عبارة عن الانشاء الساذج. سواء أكان الانشاء بمعنى الايجاد المعنى باللفظ - كما هو المعروف بين الاصوليين وغيرهم - أم كان عبارة عن إظهار أمر نفساني بمبرز - كما هو المختار عندنا -. ولا أن البيع عبارة عن مجرد الاعتبار النفساني من دون إظهاره في الخارج بمبرز، وإلا لزم تحققه بمجرد اعتبار البائع ملكية ماله لشخص آخر بازاء الثمن وإن لم يظهر اعتباره بمظهر خارجي ولا ريب أن كل ذلك بديهى البطلان.

[ 276 ]

بل حقيقة البيع عبارة عن الاعتبار النفساني المظهر بمبرز خارجي، سواءا أمضاه العرف والشرع أم لا، وسواء أكان في العالم شرع وعرف أم لا وهكذا الكلام سائر الامور الانشائية برمتها من العقود والايقاعات والاوامر والنواهي وغيرها، وإذن فلا يوجد أي عقد أو ايقاع إلا بالقصد الذى هو فعل نفساني مع اظهاره بمبزر خارجي، وإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر فان المركب ينتفى بانتفاء أحد أجزائه. أما ما أفاده صاحب المسالك من عدم تحقق القصد في العقد الصادر من المكره أو الفضولي فسيأتي فساده في أول بيع المكروه. هل يعتبر تعيين المالك في صحة البيع؟ هل يعتبر في صحة البيع تعيين المالك، وهل يلزم ذلك على المتبائعين؟ تارة يقع الكلام في المعاملة بالاعيان الشخصية، واخرى في المعاملة بالامور الكلية: بأن يكون المبيع أو الثمن كليا. أما الجهة الاولى فلا شبهة في أن تعيين المالك ليس من مقومات البيع ولا من شرائطه، بداهة أن البيع اعتبار تبديل شئ بشئ في أفق النفس واظهاره بمبرز خارجي من اللفظ وغيره. ولا ريب في أن هذا المعنى يتحقق بدخول العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض وبالعكس، بلا احتياج إلى تعيين مالك الثمن، أو تعيين مالك المثمن، ولم يقم دليل تعبدي على ذلك. ولا يفرق فيما ذكرناه بين صدور العقد من نفس المالكين وبين صدوره من غيرهما - كالوكيل والولى والفضولي - وعلى هذا الضوء فالقصد إلى العوض وتعيينه يغنى عن القصد إلى المالك وتعيينه.

[ 277 ]

نعم يعتبر في مهفوم البيع قصد المتبايعين دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه وبالعكس، والا فلا يصدق عليه البيع، ضرورة أنه ليس الا تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة، وعليه فلو اشترط على البائع دخول الثمن في ملك الأجنبي أو اشترط على المشترى دخول المبيع في ملك غيره كان ذلك موجبا لبطلان المعاملة. لكونه على خلاف مقتضى العقد. نعم لو كان ذلك من قبيل الفوائد المترتبة على العقد لما كان الاشتراط، أو القصد المزبورين من الامور اللاغية. ومثال ذلك أن يشترى أحد من الخباز خبزا ويشترط عليه أن يعطيه للفقير، أو يتصدى هو بنفسه الاعطاء له، فان الخبز يدخل في ملك المشترى بالشراء وان كان ينتقل بعد ذلك إلى الفقير بهبة ونحوها. ثم لا يخفى عليك: أن ما ذكرناه من عدم اعتبار تعيين من يقع له العقد في صحة البيع انما يجرى في كل عقد لا يكون القصد إلى المالك ركنا من أركان العقد، والا يبطل العقد بعرائه عن ذلك. كالزوجين في عقد الزواج، فانهما بمنزلة العوضين في البيع، ضرورة عدم حصول الغرض بصيرورة المرأة زوجا لرجل مبهم. وعدم صيرورة الرجل زوجا لامرأة مبهمة. وكذلك الموقوف عليه والموهوب له والموصى له والوكيل، فانهم من الاركان في الوقف والهبة والوصية والوكالة، فلا ينعقد شئ منها بدون القصد إلى هؤلاء ومن غير تعيينهم أما الجهة الثانية فالكلي بما هو كلى لا يمكن بيعه في مقام الثبوت الا باضافته إلى ذمة خاصة من الذمم، إذ البيع - كما عرفته عند البحث عن تعريف البيع - تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة. ومن البين الذى لا ريب فيه أن الكلى بما هو كلى غير مضاف إلى أحد لكى يكون تبديله بشئ من قبيل تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة.

[ 278 ]

أضف إلى ذلك أن الكلى ما لم يضف إلى ذمة شخص لا يكون مالا، ولا ملكا، واذن فلا تقع المبادلة بين المالين. ولا يقاس ذلك بطلاق زوج من الازواج. أو بعتاق مملوك من المماليك، لصحة تعلق الطلاق والعتق بالجامع وهو عنوان احدى الزوجات، أو أحد العبيد، وعليه فيستخرج الواقع بالقرعة، لانها لكل أمر مشتبه. هذا كله في مقام الثبوت. أما في مقام الاثبات فلا ريب في اضافة الكلى إلى البائع وانتساب البيع إليه بمجرد تكلمه بصيغة بعت، لانصراف الاطلاق إلى المنشئ انصرافا عقلائيا لان فعل كل فاعل ينسب إليه، ويحكم بوقوعه عنه ما لم ينصب قرينة حالية أو مقالية على خلافه. وقد اتضح لك مما تلوناه عليك وقوع الخلط بين مقامي الثبوت والاثبات في كلام شيخنا الاستاذ، واليك نص مقرر بحثه: (وأما إذا كان أحدهما كليا فان كان الشخصي ملك شخصه وجب تعيين من يقع الكلى في ذمته، واما لو انعكس فلا يجب التعيين، وذلك لانه لو كان الشخصي ملك غيره تعلق الكلى بذمة نفسه، لان ذمة الغير يحتاج إلى التعيين، والا انصرف إلى النفس حتى فيما لو كان وكيلا عن الغير). هل يعتبر في العقود تعيين من له العقد؟ هل يعتبر في العقود تعيين من له العقد إثباتا بناءا على اعتبار قصده ثبوتا بأن يكون البائع عالما بمن يقع الشراء له والمشترى عالما بالبائع؟. يقع البحث هنا في جهات شتى، وقد تعرض المصنف لبعضها وأغفل التعرض لبعضها الآخر.

[ 279 ]

الجهة الاولى: في أنه إذا كان من له العقد مقصودا للمتعاقدين، ولم يتعين في مقام العقد للآخر فالظاهر أن يحكم بصحة العقد، لان قصد المالك لبا وان كان ركنا في العقد، كما هو المفروض، ولكن تعيينه للطرف في المعاملة ليس بركن فيه، لحصول الغرض الاقصى مع ابهامه - أيضا - في مقام الاثبات وعليه فيصح أن يتوجه الموجب إلى القابل، ويخاطبه بقوله: بعتك منا من الحنطة بلا تصريح باسم من تكون الحنطة في ذمته، وانما يصرح باسمه بعد تمامية العقد. أو يقول: وهبت هذا المال لمن قصدته، ثم يبين الموهوب له. أو يقول: زوجتك المرأة المعهودة عندي، ويعينها بعد تمامية عقد الزواج. وهكذا الكلام في ناحية القبول. والوجه في ذلك هو أن حقيقة البيع عبارة عن اعتبار التبديل بين شيئين وحقيقة الهبة عبارة عن اعتبار ملكية العين الموهوبة للمتهب، وحقيقة الزواج عبارة عن اعتبار عدلية أحد الزوجين للآخر، ولا شبهة في تحقق تلك الحقائق بالصيغ المذكورة، ولا يعتبر فيها معرفة الموجب لمن هو مقصود القابل ولا معرفة القابل لمن هو مقصود الموجب، بديهة أن خصوصيات الاشخاص وان كانت دخيلا في الاغراض الشخصية، ولكنها غير دخيل في حقيقة العقود، ولا في صحتها. الجهة الثانية: أن يقصد الموجب وقوع العقد لشخص خاص، وقصد القابل وقوعه لغيره، والظاهر أنه لا ريب في بطلان ذلك، لان ما أنشأه الموجب لم يتعلق به القبول، وما تعلق به القبول لم ينشئه الموجب، سواء في ذلك أن يكون من له العقد ركنا فيه - كالنكاح وما حذا حذوه، وما لم يكن كذلك كالبيع وما تلا تلوه.

[ 280 ]

والسر في ذلك ما عرفته قريبا من أن العقود عبارة عن الاعتبار النفساني المقرون بالمظهر الخارجي من اللفظ وغيره، فبانعدام أحد الامرين تنعدم حقيقة العقد. ثم لا يخفى عليك: أن البحث في هذه الجهة من صغريات البحث عن اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول، وقد تقدم في محله أنه إذا لم يرد الايجاب والقبول على محل واحد لم يكن أحدهما مطاوعة للآخر حينئذ فلا تتحقق المعاقدة بين المتعاقدين بل يكون - هنا - أمران لا يتصل أحدهما بالآخر. الجهة الثالثة: هل يجوز توجيه الانشاء إلى المخاطب وقبوله لغيره مع عدم علم الموجب لذلك أو اسناد الايجاب إلى نفسه في ظاهر الكلام وقصد وقوعه عن غيره مع عدم علم القابل لذلك، للمسألة صور. الاولى: ان يعلم من الخارج عدم ارادة خصوص المخاطب لكل من المتعاملين كما هو الحال في غالب البيوع والاجارات ونحوها، ففى مثل ذلك لا يعتبر علم كل من الطرفين لمن يقع له العقد واقعا، فلو قال بعتك هذه الدار بكذا ثم انكشف ان المشترى كان وكيلا لم يضر ذلك بالتطابق وبصحة العقد. الثانية: ان يعلم من الخارج ارادة خصوص المخاطب، كما في النكاح والوقف والوصية ونحوها، ففى مثلها لابد من اعتبار ذلك، فلو قال زوجتك فلانة وقبل المخاطب لغيره بطل النكاح بلا إشكال، لعدم المطابقة بين الايجاب والقبول الثالثة: ان لا يعلم من الخارج لا ارادة الخصوصية، ولا إرادة عدمها، فالظاهر في هذه الصورة أنه لابد من الاعتبار، كما اختاره المصنف قدس سره وذلك لعدم احراز التطابق المعتبر في صحة العقد فيما إذا قصد المخاطب شخصا آخر مع عدم اعلام ذلك لطرف العقد، فإذا لم يعلم ان الموجب - مثلا - قصد تمليك ماله للاعم من المخاطب وغيره لم يجز للمخاطب قبول التمليك لغيره.

[ 281 ]

بحث في عقد المكره قوله: (مسألة ومن شرائط المتعاقدين الاختيار). أقول: الفارق بين هذه المسألة والمسألة السابقة هو أن الكلام - هناك - مسوق لاعتبار قصد المعنى في العقود، إذ الاخلال به يوجب الاخلال بعناوين العقود كما عرفته آنفا. بخلاف المقام، فان البحث - هنا - في لزوم كون القصد ناشئا من الاختيار وإذن فالمسألتان متغائرتان. ثم إن المراد من الاختيار الذى نبحث عن اعتباره في العقد - هنا - هو صدور الفعل من العاقد عن الرضاء وطيب النفس مقابل الكراهة وعدم الرضاء لا الاختيار مقابل الجبر والالجاء، وإلا لكان عقد المكره خارجا عن العقد موضوعا، لخلوه عن القصد المعتبر في حقيقة العقد. ثم إنه قد جرت عادة الفقهاء على البحث عن عقد المكره في كتاب الطلاق ولعله لو ورود الروايات الكثيرة على بطلان طلاق المكره. وإلا فلا اختصاص لذلك بالطلاق. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه اتفق الاصحاب على بطلان عقد المكره أما عند العامة فلا يصح بيع المكره (1).


(1) الحنابلة - قالوا: يشترط في البيع ان يكون العاقدان مختارين ظاهرا وباطنا، فإذا كانا مختارين في الظاهر فقط كأن اتفقا على بيع عين لاحدهما فرارا من ظالم يريد اغتصابها. فان هذا البيع يقع باطلا، ولا ينعقد، لانهما وإن تعاقدا باختيارهما ظاهرا، ولكنهما في الباطن لا يريدان هذا البيع، ويسمى -

[ 282 ]

ولاطلاقه (2) على تفصيل في المذاهب.


بيع التلجئة والامان. اما إذا باع شيئا فرارا من ظالم ونحوه من غير ان يتفق مع المشتري على ان ان هذا بيع تلجئة وامانة فان البيع يقع صحيحا، لانه صدر من غير اكراه في هذه الحالة. الحنفية - قالوا: إن كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد، لان القاعدة عندهم في المكره ان كل ما يكره على النطق به ينعقد. فإذا اكرهه ظالم على بيع ملكه، فان البيع ينعقد فاسدا، ويملكه المشتري ملكا فاسدا وللمكره ان يجيز البيع بعد زوال إكراهه، وله ان يسترد العين حيث وجدها. الشافعية - قالوا: بيع المكره لا ينعقد رأسا إلا إذا قصد ايقاع العقد ونواه حال الاكراه، فانه في هذه الحالة لا يكون مكرها. المالكية - قالوا: الاكراه الذي يمنع نفاذ البيع هو الاكراه بغير حق فقه المذاهب ج 2 ص 161. (2) الحنفية - قالوا: طلاق المكره يقع خلافا للائمة الثلاثة، فلو اكره شخص آخر على تطليق زوجته بالضرب أو السجن أو اخذ المال وقع طلاقه. المالكية - قالوا: لا يقع الطلاق على المكره.. حتى لو اكره ان يطلق طلقة واحدة فاوقع اكثر فانه لا يلزمه شئ، لان المكره لا يملك نفسه كالمجنون الشافعية - قالوا: طلاق المكره لا يقع بشروط: احدها ان يهدده بالايذاء شخص قادر على تنفيذ ما هدده به عاجلا. ثانيها: ان يعجز المكره عن دفعه بهرب أو استغاثة بمن يقدر على دفع الايذاء عنه. ثالثها: ان يظن المكره انه إن امتنع عن الطلاق يلحقه الايذاء الذى هددوه به -

[ 283 ]

هل المكره قاصد إلى اللفظ دون المعنى؟ قبل الاستدلال على المقصود يحسن بنا التعرض لما ذكره في المسالك من أن المكره والفضولي قاصدان إلى اللفظ، لا إلى إلى مدلوله. وقد أشرنا إليه في مطلع المسألة السابقة. ووعدنا لك - هناك - التعرض له في هذه المسألة - وهنا - موعده. وربما يستظهر رأى صاحب المسالك من كلام العلامة - أيضا - في التحرير من أنه لو اكره الزوج على الطلاق فطلق ناويا فالاقرب وقوعه، إذ لا إكراه على القصد. ولكنه لاوجه صحيح لهذا الاستظهار، فان الظاهر من العلامة هو التفصيل في المكره بالفتح بين المتمكن من التورية، وبين غير المتمكن منها بأنه إن كان


- رابعها: ان يكون الاكراه بحق، فإذا اكره على الطلاق بحق فانه يقع. خامسها: ان لا يظهر من المكره نوع اختيار، كما إذا اكره على ان يطلقها ثلاثا فطلق واحدة. سادسها: ان لا ينوي الطلاق، فان نواه في قلبه وقع، اما التورية فانها غير لازمة. الحنابلة - قالوا: طلاق المكره لا يقع بشروط: احدها ان يكون بغير حق ثانيها: ان يكون الاكراه بما يؤلم. ثالثها: ان يكون المهدد قادرا على فعل ما هدد به. رابعها: ان يغلب على ظن المكره انه ان لم يطلق يقع به الايذاء. خامسها: ان يكون عاجزا عن دفعه، وعن الهرب منه. فقه المذاهب ج 4 ص 284.

[ 284 ]

الزوج قادرا على التورية وطلق زوجته من غير أن يورئ في إنشائه فيحكم بصحة طلاقه، وإن لم يكن قادرا عليها وطلق زوجته - وقتئذ - فيحكم بفساد طلاقه. ومن البين أن هذا المعنى غير مربوط بما تضمنه كلام الشهيد الثاني في المسالك. وكيف كان فقد ذكر جمع من الاصحاب وجوها في توجيه ما في المسالك ونقتطف منها ما يلي: 1 - أن الصادر من المكره والفضولي إنما هو مجرد اللفظ بلا توجه إلى معناه. أما المكره فلانه لا يقصد وقوع النقل والانتقال خارجا. وإنما غرضه الانشاء الساذج دفعا للخوف المتوعد عليه من ناحية الجائر. أما الفضولي فلانه يعلم جزما عدم ترتب الاثر على عقده مع قطع النظر عن امضاء المالك، وعليه فيكون إنشاؤه خاليا عن قصد المعنى. أما ما ذكر في المكره فيتوجه عليه: أن عقد المكره كسائر أفعاله التكوينية الصادرة منه كرها، كالاكل والشرب والقيام والقعود ونحوها، ولا نظن أن يتفوه أحد بصدورها من المكره بغير قصد. وكذلك العقد. غاية الامر أنه لم ينشأ من الرضاء وطيب النفس. على أن المكره لا يقدر غالبا على قصد خصوص اللفظ دون المعنى، لعدم الالتفات إليه. ويضاف إلى ذلك أن انتفاء قصد المعنى يقتضى انتفاء حقيقة العقد، لما عرفته في المسألة السابقة من استحالة تحقق العقد بدون القصد، ومعه لا مجال للبحث عن اعتبار الاختيار فيه. لان موضوع البحث في عقد المكره إنما هو العقد الجامع للشرائط غير الرضاء بالعقد. ولاجل ذلك يحكم عليه بالصحة

[ 285 ]

إذا لحق به الرضاء وإذا كان خاليا عن القصد لم يكن قابلا للحكم عليه بالصحة أبدا لانك عرفت أن عنوان العقد لا يتحقق بدون القصد وإذا تحقق في الخارج ما ليس بعقد لم يكن ذلك عقدا بالرضاء المتعقب - أيضا - لان الشئ لا ينقلب عما هو عليه. مع أن المشهور حكموا بصحة عقد المكره بالرضاء المتعقب. نعم قد يتعلق قصد المكره بخصوص اللفظ كما في التورية. ولكنه خارج عن مورد البحث. أما ما ذكر في الفضولي فيتوجه عليه: أن عقد الفضولي - أيضا - مقترن بالقصد وإلا لاستحال تأثيره بالاجازة - أيضا - على ما عرفته قريبا. ومع الاغضاء عن ذلك: أن ما ذكر من التوجيه لكلام الشهيد انما يتم في غير الفضولي المعتقد لمالكية نفسه، أما فيما إذا اعتقد الفضولي أنه مالك فلا شبهة في حصول القصد إلى المعنى. وعلى الجملة فلا اشكال في تحقق القصد في المكره والفضولي كتحققه في غيرهما. 2 - ما ذكره المصنف وهذا نصه: (المراد بعدم قصد المكره عدم القصد إلى وقوع مضمون العقد في الخارج. وأن الداعي له إلى الانشاء ليس قصد وقوع مضمونة في الخارج، لا أن كلامه الانشائى مجرد عن المدلول). ويرد عليه أنه ان كان مراده من عدم القصد إلى وقوع مضمون العقد في الخارج هو عدم وجود الاعتبار النفساني فهو بديهى البطلان، لما عرفته قريبا من تحقق القصد في المكره. وأن عقده من هذه الناحية كسائر العقود الصادرة من المختارين. وان كان مراده من ذلك هو عدم القصد إلى امضاء الشارع وحكمه بصحة

[ 286 ]

العقد، لكى يترتب عليه الاثر. بل قصده إلى الحصة الفاسدة. فيتوجه عليه أولا: أن هذا أخص من المدعى، لان المكره قد لا يلتفت إلى فساد العقد شرعا. بل يتخيل صحته. وعليه فهو قاصد لترتب الاثر الشرعي أيضا. ثانيا: أن ذلك لا يضر بصحة العقد، فان قوام البيع - كما ذكرناه - انما هو باعتبار المبادلة بين المالين في أفق النفس، واظهاره في الخارج بمظهر - سواءا أمضاه الشارع، أم لم يمضه وسواء أالتفت المنشئ إلى ذلك أم لم يلتفت إليه. وعلى الجملة: ان الاحكام الشرعية المترتبة على العقود والايقاعات خارجة عن حقيقتها. ولاجل ذلك لو أنشأ عقدا فاسدا باعتقاده - كما إذا تعامل مع أبيه معاملة ربوية، ثم انكشف جواز ذلك - لم يحكم بفساده، واذن فلا أثر لقصد الامضاء الشرعي وعدمه. 3 - ما ذكره شيخنا الاستاذ من (أن المكره لم يقصد ما هو ظاهر انشاء كل منشئ من رضائه بوقوع المدلول في الخارج، كما أن الفضولي لم يقصد ما هو ظاهر المعاملة من وقوعها لنفسه). وبتعبير آخر: ان ظاهر كلام العاقد هو وقوع انشائه بالرضاء وطيب النفس، وأن ما أنشأه من العقد مستند إلى نفسه. ولكن الاول منفى في المكره والثانى منفى في الفصولى، لانهما لم يقصدا ذلك. ويرد عليه أولا: أن هذا أخص من المدعى، فان هذا لو سلم فانما يسلم مع عدم التفات الناس إلى حال المكره والفضولي والا لم يكن القصد مخالفا لظهور كلامه ثانيا: أن عدم ظهور عقد المكره في طيب نفسه، وعدم ظهور عقد الفضولي في البيع لنفسه أجنبيان عن قصد العاقد للفظ دون معناه.

[ 287 ]

وعلى الجملة إنه: لم يتحصل لنا معنى معقول من كلام الشهيد من أن المكره والفضولي قاصد ان إلى اللفظ دون مدلوله. وهو (ره) أعرف بمقاله. وقد ظهر لك مما تلوناه عليك: فساد ما ذكره النراقى في المستند من أن الوجه في بطلان البيع الاكراهي هو عدم وجود ما يدل على قصد البيع، حيث ان اجراء الصيغة مع الاكراه غير كاشف عن القصد، فلا يكون من البيع العرفي، لانه يعتبر فيه أن يكون - هناك - كاشف عن كونه مريدا لنقل الملك وكونه مكرها قرينة على عدم ارادة ظاهر اللفظ. ما استدل به على بطلان بيع المكره قد ظهر لك من مطاوى ما ذكرناه: أن مقتضى القاعدة هو صحة بيع المكره فانه عقد عرفى فيشمله ما دل على وجوب الوفاء بالعقد. ولكن استدل على فساده بوجوه وهى ما يلي: الوجه الاول: الاجماع. ويرد عليه: أن الاجماع وإن كان مسلما ولكنا لا نطمئن بكونه اجماعا تعبديا، إذ من المحتمل القريب أن يكون مدرك المجمعين الوجوه الآتية. الوجه الثاني: قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض (1) وقد ذكرنا في المباحث السالفة أن دخول الباء المفيدة للسببية في كلمة الباطل، ومقابلتها في الآية مع التجارة عن تراض قرينتان على أن الآية الشريفة في مقام تمييز الاسباب الصحيحة عن الاسباب الفاسدة. ثم إن المراد من الاكل في الآية المباركة ليس هو الازدراد - على ما هو


(1) سورة النساء الآية: 29.

[ 288 ]

معناه الحقيقي - وإنما هو كناية عن تملك مال الناس من غير استحقاق شرعى. سواء أكان المال المزبور من المأكولات أم كان من غيرها. وقد تعارف استعمال كلمة الاكل في التملك في الكتاب الكريم وفى كلمات الفصحاء. بل وفى غير العربية أيضا. ومن ذلك قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون (1). ثم إن الاستثناء في الآية المباركة سواء أكان متصلا - كما هو الظاهر - أم كان منقطعا يفيد حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض: أما على الاول فواضح. وأما على الثاني فلان الاستثناء المنفصل وان كان لا يفيد الحصر بنفسه ولكن الله تعالى حيث كان في مقام بيان الاسباب المشروعة للمعاملات - وفصل صحيحها عن فاسدها، وكان الاهمال مخلا بالمقصود - فلا محالة يستفاد الحصر من الآية بالقرينة المقامية. ونتيجة ما ذكرناه حول الآية الكريمة: أنه لا يجوز تملك أموال الناس بسبب من أسباب المعاملات إلا أن يكون السبب المملك هو التجارة عن تراض ومن الواضح الذى لا ريب فيه أن بيع المكره لا يعد من التجارة عن تراض، فيكون فاسدا. ثم لا يخفى على الفطن العارف: أن المراد من الرضاء المذكور في الآية المتقدمة هو طيب النفس، لا الرضاء بمعنى القصد والارادة، أو الملازم لهما، فان ما هو شرط لصحة التجارة هو الاول. أما الثاني فانه مقوم للعقد، فقد عرفت أن الله تعالى في مقام بيان الميز بين السبب الصحيح والسبب الباطل للمعاملات. ومع عدم تحقق العقد لا يبقى مجال لتقسيم أسباب المعاملات إلى الصحيح والفاسد.


(1) سورة البقرة الآية: 188.

[ 289 ]

أضف إلى ذلك: أن العقد من الامور القصدية المظهرة بمظهر خارجي فلا يعقل صدوره من غير القاصد. وعليه فلو كان المراد من الرضاء في الآية القصد والارادة، أو ما يلازمهما لكان ذكره فيها مستدركا. لان كلمة التجارة المذكورة فيها تغنى عن ذكر كلمة الرضاء. تعالى كلامه سبحانه عن ذلك علوا كبيرا. وعليه فالمراد من الرضاء في الآية الشريفة انما هو طيب النفس، لا القصد والارادة. ويحسن بنا توضيح ذلك اجمالا فنقول: ان الافعال الاختيارية الصادرة من الاشخاص المختارين انما تستند إلى مقدمات طولية كلها موجودة في أفق النفس: منها التصور. ومنها التصديق بالفائدة. ومنها الميل، ومنها الشوق المؤكد المعبر عنه غالبا بالارادة التى هي تأثير النفس في حركة العضلات. ولا شبهة في أن الفعل إذا عرى عن القصد والاختيار لحق بالافعال غير الاختيارية ثم ان الفائدة المترتبة على الفعل الاختياري على ثلاثة أقسام: الاول: الفائدة الخالصة المترتبة على الفعل الخارجي. وذلك كالربح المترتب على التكسب والاتجار. وكالتلذذ المترتب على أكل المطعومات. وكحرارة البدن المترتبة على لبس الالبسة، والى غير ذلك من الامثلة. الثاني: أن تكون الفائدة المترتبة على الفعل مما يدفع به الضرر الخارجي المتوجه إلى الشخص، بأن يكون اختيار هذا الفعل لاجل قضاء الضرورة من دون أن تكون هذه الضرورة من ناحية الظالم ونحوه. ومثال ذلك: أن يضطر أحد إلى بيع داره لصرف ثمنها في علاج مريضه المشرف على الهلاك أو للانفاق على عياله، أو لاداء الدين الواجب أو لدفع جريمة ثبتت عليه في المحكمة الخاصة. ومن هذا القبيل أن يطلب الجائر من شخص مالا لا يتمكن منه الا ببيع داره أو كتبه أو متاع بيته أو

[ 290 ]

أشباه ذلك، فان الاجبار انما يكون بالنسبة إلى دفع المال، لا بالنسبة إلى بيع ما ذكر. الثالث: أن تكون الفائدة المترتبة على الفعل دفعا لضرر الظالم الناشئ من ترك الفعل - لا من الجهات الخارجية. ومثال ذلك أن يحمل الجائر أحدا على فعل خاص مع الايعاد على تركه بالضرب أو القتل أو نحوهما، فان نفس الفعل - هنا - وان صدرت بمقدماته الاختيارية التى أشرنا إليها قريبا. ولكن الفاعل لم يرض به. ويتضح الفارق بين هذا القسم وبين سابقه بملاحظة ما يلي: وهو أن الظالم إذا أكره أحدا على بيع داره، وأوعده بالضرب على تركه حكم بفساد البيع لخلوه عن الرضا المعتبر في صحة البيع. وهذا بخلاف ما إذا أكرهه بداءة على اعطاء ألف دينار. وكان سبيل نجاته عن هذه الغرامة هو بيع داره فانه حينئذ يحكم بصحة البيع لوقوعه برضا المالك وطيب نفسه. غاية الامر أن الداعي إلى البيع انما هو الاضطرار. وأيضا أن الفارق بينهما كالفارق بين من فسد جزء من أجزاء بدنه بحيث انحصر علاجه بقطعه والا يهلكه. وبين من أجبره الجائر على قطع إصبعه، وإلا يقتله، فان الشخص الاول مبتهج بقطع عضوه بخلاف الثاني. وهذا واضح. وقد اتضح لك مما بيناه: أن ما نحن فيه من القبيل الثالث، لان البيع الصادر من المكره كرها كسائر أفعاله الاختيارية مسبوق بالمقدمات، من التصور والتصديق بالفائدة والميل والارادة التى هي بمعنى الاختيار. ولكن هذا البيع الصادر من المكره فاقد للرضا وطيب النفس. وعلى هذا فعنوان التجارة لا يتحقق الا بالارادة والاختيار. فبيع المكره تجارة غايته تجارة عن غير تراض.

[ 291 ]

الوجه الثالث: مما استدل به على فساد بيع المكره - الروايات (1) الدالة على حرمة التصرف في مال غيره الا بطيب نفسه، ومن الظاهر أنه لو كان بيع المكره نافذا لكان سببا لحلية ماله للمشترى بغير الرضاء وطيب النفس الوجه الرابع: الروايات (2) الدالة على بطلان طلاق المكره وعتاقه فانها وان وردت في الطلاق والعتاق، ولكنها بضميمة عدم القول بالفصل بينهما وبين غيرهما من العقود والايقاعات تدل على المقصود. الوجه الخامس: ما دل (3) على رفع الاكراه في الشريعة المقدسة.


(1) قد تقدمت هذه الروايات في الجزء الثاني في ص 138. (2) عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع)، قال: سمعته يقول: لو ان رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شئ. مرسل. وعن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه؟ فقال: ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق. حسن بابراهيم بن هاشم. وعن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن ابي عبد الله (ع) قال سمعته يقول لا يجوز الطلاق في استكراه، ولا يجوز عتق في استكراه. وانما الطلاق ما اريد به الطلاق من غير استكراه ولا اضطرار. ضعيف بيحيى. الكافي ج 6 من ط 2 باب طلاق المكره ص 127. والوافي ج 12 باب طلاق المكره ص 167 (3) عن حريز بن عبد الله، عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. مجهول باحمد بن محمد بن يحيى العطار. توحيد الصدوق باب الاستطاعة ص 364. والخصال ج 2 ابواب التسعة ص 44. والبحار ج 1 ص 156. والوسائل باب 37 من قواطع الصلاة.

[ 292 ]

ووجه الاستدلال به على بطلان عقد المكره هو ما ذكرناه في علم الاصول من أنه لا اختصاص لحديث الرفع بالاحكام التكليفية. بل يعم الاحكام الوضعية - أيضا - كما أنه لا اختصاص له بمتعلقات الاحكام، بل هو يجرى في الموضوعات أيضا، فان فعل المكلف كما يقع متعلقا للتكليف كذلك يقع موضوعا له، وعليه فإذا اكره المكلف على ايجاد الموضوع لحكم، كالافطار في شهر رمضان، أو إنشاء بيع ارتفع حكمهما. وعلى هذا فلا احتياج في الاستدلال بحديث الرفع على بطلان بيع المكره إلى التمسك باستدلال الامام عليه السلام بذلك على بطلان اليمين بالطلاق والعتاق (1)


وباب 30 من ابواب الخلل في الصلاة. وباب 56 من جهاد النفس. والفقيه ج 1 من طبعة النجف ص 36. وعن احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن اسماعيل الجعفي عن ابي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الامة ست خصال: الخطأ، والنسيان وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه. وعنه عن الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن امتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه. وعنه عن ربعي، عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عفى عن امتي ثلاث: الخطأ، والنسيان، والاستكراه، قال أبو عبد الله (ع) وهنا رابعة وهي ما لا يطيقون. وعن احمد بن ابي عبد الله في المحاسن، عن ابيه، عن صفوان بن يحيى. واحمد بن محمد بن ابي نصر جميعا عن ابي الحسن (ع) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق. وصدقة ما يملك ايلزمه ذلك؟ فقال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه. وما لم يطيقوا. وما اخطأؤا صحيح. الوسائل باب 16 من كتاب الايمان. (1) هذا المعنى مذكور في رواية البرقي المتقدمة في الحاشية السابقة

[ 293 ]

مع ضميمة عدم القول بالفصل - بينهما وبين سائر العقود والايقاعات - إلى الاستدلال المزبور. كمالا نحتاج إلى القول بان اعراض الامام عليه السلام عن الحكم ببطلان العتاق والطلاق بدءا إلى التمسك بحديث الرفع شاهد صدق على شمول ذلك الحديث لامثال الموارد. ولا احتياج إلى شئ منهما وإن كان كل منهما تاما في نفسه. وعلى الجملة: إنه لا شبهة في دلالة حديث الرفع على بطلان عقد المكره ما هو حكم المعاملة الصادرة من المضطر؟ بقى هنا أمران يحسن بنا التعرض لهما: الاول: أنه قد يتوهم أنه إذا ثبت بطلان بيع المكره من جهة حديث الرفع فلا بد وأن يحكم بفساد العقود والايقاعات الصادرة من المضطر - لاجل الاضطرار - لعين ذلك الحديث، وقد تقدم مثاله قريبا. ولكنه يندفع بأن حديث الرفع وارد في مقام الامتنان، ومن الواضح أن الحكم بفساد معاملة المضطر على خلاف الامتنان، وعليه فلا تكون المعاملة الاضطرارية مشمولة لحديث الرفع. ما هو حكم المعاملة الصادرة من المكره بحق؟ الثاني: أن حديث الرفع انما يدل على بطلان عقد المكره فيما إذا كان المكره (بالكسر) من سنخ البشر. أما إذا كان المكره (بالكسر) هو

[ 294 ]

الله تعالى بلسان سفرائه الطاهرين، فانه - وقتئذ - لا يحكم بفساد العقد الواقع كرها، ولا يكون ذلك مشمولا لحديث الرفع فان ذلك اكراه بحق فلا يمنع عن نفاذ البيع وإلا لزم أن يكون حكمه سبحانه بوقوع العقد الاكراهي لغوا محضا تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وقد تحقق هذا المعنى في موارد شتى، ونذكر منها ما يلي: 1 - أن يحكم القاضى ببيع ملك المديون لايفاء الغرماء حقوقهم، فانه اكراه بحق لا يمنع عن نفاذ البيع، بل يقع معه صحيحا نافذا. 2 - الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب رضوان الله عليهم في اجبار المحتكر على بيع ما احتكره من الطعام فيما إذا لم يوجد الباذل. بل عن المهذب البارع الاجماع عليه. وعن التنقيح عدم الخلاف في ذلك وقد وردت جملة من الروايات في ذم المحتكر، وحرمة الاحتكار. وكونه من الجرائم الموبقة ويأتى البحث عن ذلك في أواخر كتاب البيع انشاء الله. 3 - أن لا ينفق الرجل على من تجب نفقته عليه من الاب والام والاولاد والازواج وغيرهم، فانه حينئذ يجبر هذا الشخص الممسك على بيع أمواله وصرف ثمنها في نفقة هؤلاء. ولا يؤثر هذا الاكراه في بطلان بيعه، لما عرفته قريبا في المحتكر. 4 - أنه إذا امتنع الراهن من أداء دينه فانه يجبره الحاكم على بيع العين المرهونة وأداء دين المرتهن من ثمنها. فلا يؤثر الاكراه في فساد بيعه. ثم انه بقى هنا شئ آخر لا بأس بالتعرض له. وهو أن المحقق الايروانى قد استدل على فساد عقد المكره بما حاصله أن عنوان المعاملة لا يتحقق عرفا بانشاء المكره، بداهة أنه وان قصد المعنى قلبا، وتكلم باللفظ لسانا، إلا أنه لا رابطة بينهما لبا، ضرورة أنه لم يأت باللفظ لاجل المقدمية والتوصل

[ 295 ]

إلى المعنى لكى يكون ذلك وسيلة إلى تحقق عنوان المعاملة، بل انما أتى به بداع آخر. وعليه فقصد المكره للمعنى، كالقصد الساذج الخالى عن الانشاء. كما أن انشاءه كالانشاء الساذج الخالى عن القصد. وإذا لم يتحقق - هنا - عنوان المعاملة لم يترتب عليه أثر شرعى. ولكن يتوجه عليه ما عرفته مرارا من أن عنوان أي عقد أو ايقاع انما يتحقق بالاعتبار النفساني، وابرازه بمبرز خارجي من اللفظ وغيره. ولا ريب في أن هذا المعنى متحقق في عقد المكره، غاية الامر أنه فاقد لطيب النفس، إلا أنه غير دخيل في عنوان العقد، وانما هو دخيل في صحته. ويضاف إلى ذلك: أنه لو لم يكن انشاء المكره مربوطا بالقصد وكان كل منهما غريبا عن الآخر كما يرومه المستدل كان عقد المكره فاسدا من ناحية انتفاء موضوع العقد، لا من ناحية الكره. وقد عرفت آنفا أن محل بحثنا انما هو فيما يكون العقد واجدا لسائر ما يعتبر فيه غير طيب النفس والرضاء هل يعتبر في الاكراه وجود حامل على المكره عليه؟ قوله: (إن حقيقة الاكراه لغة وعرفا حمل الغير على ما يكرهه). أقول: هل يعتبر في مفهوم الاكراه وجود شخص حامل على الفعل المكره عليه بحيث لولاه لما كان - هنا - اكراه كما هو الظاهر من المصنف أم لا يعتبر ذلك في مفهومه، بل يكفى فيه مجرد الاعتقاد بوجود المكره (بالكسر) وان كان الاعتقاد المزبور مخالفا للواقع.

[ 296 ]

ويحسن بنا أولا: أن نقدم مقدمة في طليعة البحث عن ذلك وملخصها: أن النسبه بين عنوان الكراهة وعدم طيب النفس هي العموم المطلق، ضرورة أنه كلما تحقق - هنا - كره تحقق عدم طيب النفس. بخلاف العكس، فانه قد لا يوجد الكره ولكن يتحقق عدم الرضاء وعدم طيب النفس - كما إذا تخيل أحد أن الجائر أجبره على بيع داره أو طلاق زوجه أو عتاق عبده - وفعل ذلك ثم تبين أنه ليس هنا مكره (بالكسر) - فان عنوان الاكراه وان كان غير متحقق في المقام واقعا ولكن لم يوجد هنا رضاء أيضا بالمعاملة. وقد يتوهم أن النسبة بين عنوان الاكراه وبين عدم الرضاء هي العموم من وجه، إذ قد يتحقق الاكراه ولا يتحقق عدم الرضاء، كما إذا باع أحد داره برضاه ثم علم بوجود المكره في الواقع حيث لو لم يفعله لقتله. ولكنه توهم فاسد بديهة أن حقيقة الاكراه متقومة بوجود المكره (بالكسر) واقعا، وعلم المكره (بالفتح) به فإذا انتفى أحدهما انتفى عنوان الاكراه. إذا عرفت هذا فاعلم أنه إن كان الدليل على بطلان معاملة المكره هو حديث الرفع فلا مناص عن التكلم في حقيقة الاكراه، وبيان ما يعتبر فيها من القيود والشرائط، لكى يتضح ما هو المقصود من الحديث المزبور. وان كان الدليل على بطلان معاملة المكره هو عدم اقترانها بالرضاء وطيب النفس فلا نحتاج إلى البحث عن حقيقة الاكراه فان المدار في صحة معاملات المكره وفسادها - وقتئذ - انما هو وجود طيب النفس وعدمه، وعليه فيحكم بفساد العقد الصادر من شخص بتوهم ان الجائر قد أمره بذلك، وأوعده على تركه بالضرب والقتل ونحوهما - وان كان اعتقاده هذا موافقا للواقع - فان العقد المزبور فاقد لطيب النفس. نعم إذا طابق اعتقاده الواقع

[ 297 ]

اجتمعت حقيقة الاكراه مع عدم طيب النفس. وعلى الجملة: إن الميزان في بطلان بيع المكره انما هو عراؤه عن طيب النفس، سواء أاستند ذلك إلى مجرد الخوف من دون أن يكون - هناك - مخوف، ام استند إلى خوف مستند إلى الجائر. هل يعتبر في تحقق الاكراه الوعيد من الآمر؟ قوله: (ويعتبر في وقوع الفعل من ذلك الحمل اقترانه بوعيد منه) أقول: هل يعتبر في تحقق الاكراه الوعيد من الآمر، أم يكفى في ذلك توجه الضرر على المكره (بالفتح) ولو من ناحية غير الآمر. الظاهر من المصنف هو الاول. وقال السيد - عند قول المصنف: اقترانه بوعيد منه -: (فعلى هذا لا يصدق على ما أشرنا إليه سابقا من طلب الغير منه فعلا إذا خاف من تركه الضرر السماوي، أو ضررا من جانب شخص آخر إذا اطلع على ذلك مع عدم توعيده. بل وكذا إذا فعل الفعل لا بأمر الغير لكن خاف منه الضرر. وحينئذ فالاقدام على الفعل قبل إطلاع الجائر بتخيل أنه إذا اطلع على الترك أو صل إليه الضرر لا يعد من الاكراه). وتبعهما في ذلك شيخنا الاستاذ، واليك نص مقرر بحثه: (يعتبر توعيد الطالب على الترك، ثم يعتبر الظن أو الاحتمال العقلائي على ترتب ذلك الوعيد على الترك فمجرد أمر الغير مع عدم اقترانه بتوعيد منه لا يدخل في موضوع البحث وإن خاف من تركه ضررا سماويا أو الضرر من شخص آخر غير الآمر).

[ 298 ]

ولكن التحقيق: أن يحكم بفساد العقد إذا ترتب على تركه الضرر ولو من ناحيه غير الآمر، كما إذا أمره ابن السلطان ببيع ماله فباعه خوفا من الضرر المتوجه إليه من ناحية السلطان إذا علم بمخالفة أمر ولده. ولا يفرق في ذلك بين كون المدرك لبطلان عقد المكره هو حديث الرفع، وبين كونه عدم طيب النفس: أما على الثاني فواضح. أما على الاول فلما عرفته من أن حقيقة الاكراه حمل الغير على فعل مع الايعاد على تركه بالضرر سواء أكان الضرر متوجها إليه من الآمر، أم كان متوجها إليه من غيره. نعم إذا كان الوعيد بالضرر السماوي، كما إذا أمر أحد من أولياء الله شخصا خاصا ببيع داره، وإلا طلب من الله تعالى أن يمطر عليه حجارة من السماء، أو يرسل عليه ريحا عاصفة فباعها خوفا من الغضب الالهى، فان البيع المذكور يحكم بصحته، لما عرفته - قريبا - من أن المرفوع بحديث الرفع إنما هو الاكراه من ناحية العباد، لا الاكراه من ناحية الله سبحانه. وهذا ظاهر. هل يعتبر في الاكراه العلم بترتب الضرر على ترك المكره عليه؟ هل يعتبر في صدق الاكراه العلم أو الظن بترتب الضرر على ترك المكره عليه، أم يكفى في ذلك مجرد الاحتمال؟. ذكر المصنف: أنه يعتبر في ذلك كون الضرر مظنون الترتب على ترك ذلك الفعل بحيث يضر بحال الفاعل، أو بحال من يتعلق به، أو يضر بماله.

[ 299 ]

وقد اكتفى شيخنا الاستاذ في صدق الاكراه على ذلك باحتمال ترتب الضرر على ترك المكره عليه، وقد عرفت عبارة مقرر بحثه آنفا. وهذا هو الصحيح، لما عرفته - قريبا - من أن المدار - في فساد عقد المكره - على انتفاء طيب النفس، وهو حاصل بمجرد الخوف النفساني الحاصل من وعيد الآمر، ومعه لا دليل على اعتبار العلم بالترتب أو الظن به، بل يكفى في ذلك مجرد الاحتمال العقلائي. ثم ذكر السيد: (أنه لابد في صدق الاكراه من كون الضرر المتوعد به مما لم يكن مستحقا عليه، فلو قال: إفعل كذا وإلا قتلتك قصاصا... أو وإلا طالبتك بالدين الذى لى عليك ونحو ذلك لا يصدق عليه الاكراه). وقد يناقش فيه بأن المعاملة - عندئذ - فاقد لطيب النفس والرضاء. فتكون فاسدة. ولكن الظاهر: أن ما ذكره السيد هو الصحيح، وذلك من جهة أن أن الاكراه ينصرف عرفا إلى غير ذلك، وعلى فرض عدم الانصراف فالحديث لا يشمله، لانه على خلاف الامتنان. وتوهم: أن المعاملة - حينئذ - فاقدة لطيب النفس مدفوع بان دفع الضرر المستحق عليه أقوى سبب لتحقق الرضاء بالمعاملة، فان الضرر إذا كان مستحقا عليه لزمه الالتزام به بحكم الشارع، أو دفعه عن نفسه باختياره وبالتراضي بينه وبين من يستحق عليه.

[ 300 ]

هل يعتبر في الاكراه عدم امكان التفصى عن الضرر؟ قوله: (ثم إنه هل يعتبر في موضوع الاكراه أو حكمه عدم إمكان التفصى عن ذلك الضرر المتوعد بما لا يوجب ضررا آخر). أقول: هل يعتبر في موضوع الاكراه عدم امكان التفصى عن الضرر المتوعد به بتورية أو بغيرها أم لا يعتبر ذلك في موضوعه، بل يعتبر في حكمه: أعنى به الاثر المترتب على الاكراه من بطلان المعاملة وغيره. أم يفصل بين المعاملات وغيرها، ويلتزم بعدم الاعتبار في الاول دون الثاني، أم يفصل بين التورية وغيرها، ويلتزم - في تحقق مفهوم الاكراه - باعتبار العجز عن غير التورية دونها، أم لا يعتبر شئ من المذكورات؟. وقبل التعرض لتلك الوجوه يحسن بنا أن نقدم أمام البحث بيان حقيقة التورية: وهى في اللغة بمعنى الستر والاخفاء وإلقاء كلام ظاهر في معنى وإرادة خلاف ظاهره. مع إخفاء القرينة على المراد، فكأن المتكلم وارى مراده عن المخاطب باظهار غيره. وخيل إليه أنه أراد ظاهر كلامه. وقد ذكر الطريحي في مجمع البحرين وريت الخبر بالتشديد تورية إذا سترته وأظهرت غيره، حيث يكون للفظ معنيان أحدهما أشيع من الآخر وتنطق به وتريد الخفى. وفى القاموس: وراه تورية أخفاه. وفى تلخيص المفتاح: ومنه التورية وتسمى الايهام - أيضا - وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد.. الخ.

[ 301 ]

ولكن لا يخفى عليك: أن التورية كما تتحقق في الاقوال كذلك تتحقق في الافعال - أيضا - ولا وجه لتخصيصها بالاولى كما يلوح من ظاهر تفاسير القوم أما جريانها في الاقوال فكما إذا أراد أحد أن ينكر مقالته الصادرة منه فيقول: علم الله ما قلته، حيث يظهر كلمة الموصول على صورة أداة النفى. ويخيل إلى السامع أنه ينكر كلامه الصادر منه. ومن هذا القبيل ما ذكره سلطان العلماء والمحققين في حاشيته على المعالم عند البحث عن المجمل من أنه سئل أحد العلماء عن على عليه السلام وأبى بكر بانه أيهما خليفة الرسول صلى الله عليه وآله فقال: من بنته في بيته. ومنه قول عقيل عليه السلام: أمرنى معاوية أن ألعن عليا ألا فالعنوه. ومن القبيل المذكور ما سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء فقال: أربعة أربعة أربعة، وقصد من ذلك الائمة الاثنى عشر، وزعم السائل أنه أراد الخلفاء الاربع. ثم لا يخفى عليك: أن الكلام الذى يورى به قد يكون ظاهرا في بيان مراد المتكلم، ولكن المخاطب لغباوته وقصور فهمه لا يلتفت إليه، ولا ريب أن مثل ذلك خارج عن حدود التورية موضوعا. وإنما هو كسائر الخطابات الصادرة من المتكلم في محاوراته ومحادثاته. ومنه ما نقل عن بعض الاجلة أن شخصا اقترح عليه أن يعطيه شيئا من الدراهم ويعينه بذلك، وكان المسؤول يرى السائل غير مستحق لذلك فالقى السبحة من يده على الارض وقال: والله ان يدى خالية، وتخيل السائل من كلامه أنه غير متمكن من اعطاء سؤله وقضاء حاجته. أما جريان التورية في الافعال فهو من الوضوح بمكان وان لم يتعرض له من فسر التورية وبين حقيقتها.

[ 302 ]

ومثال ذلك: أن يكره الجائر أحدا على شرب الخمر، فأخذها المكره (بالفتح) وأهرقها على جيبه، وخيل إلى الجائر أنه شربها. وأن يكره أحدا على أخذ أموال الناس بالظلم والعدوان. فاخذ المكره (بالفتح) مال الظالم سرا ودفعه إليه جهرا، ويخيل إليه أنه أخذه من الناس وأعطاه اياه. وأن يأمر أحد عماله أن يضرب مظلوما في الليل المظلم، فيورى العامل في فعله بضرب سوطه على الجدار، ويأمر المظلوم بالنياحة والبكاء لكى يفهم الظالم أنه يضربه. والى غير ذلك من الامثلة. وعليه فإذا قلنا بوجوب التورية في الكلام مع التمكن منها قلنا به في الافعال - أيضا - فان سبيلهما واحد. وهذا واضح لاستار فيه. ثم انه فصل المصنف - هنا - بين المعاملات وغيرها، حيث اعتبر العجز عن التفصى في حقيقة الاكراه في الثاني دون الاول. وملخص كلامه: أن المناط في الاكراه الرافع لاثر المعاملات إنما هو عدم طيب النفس بمفاد المعاملة. ولا ريب أن هذا المعنى قد يتحقق مع امكان التفصى. ومثاله: أنه لو جلس أحد في مكان خاص فاكرهه الجائر على بيع داره فان المكره بالفتح وان كان له في غير هذا المكان خدم يكفونه عن شر المكره (بالكسر) إلا أنه يكره الخروج عن مكان جلوسه ولا يتمكن في هذه الحالة من دفع ضرر الجائر عن نفسه، وعليه فالاكراه بمعنى عدم طيب النفس متحقق هنا، وحينئذ فيحكم بعدم ترتب الاثر على هذه المعاملة الصادرة من المكره. وهذا بخلاف الاكراه على أمر محرم كالكذب وشرب الخمر والزناء

[ 303 ]

وأشباهها فان الشخص المزبور في المثال المذكور لا يعذر بمجرد كراهة الخروج عن ذلك المنزل فان المناط في الاكراه - المعتبر في تسويغ المحرمات - هو الاكراه بمعنى الجبر. والمناط في الاكراه - المعتبر في رفع الاثر عن المعاملات - هو عدم طيب النفس كما عرفته قريبا وكم فرق بينهما. ويدل على التفرقة بين المقامين خبر ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم، ولا في جبر، ولا في إكراه قال: قلت أصلحك الله فما فرق بين الاكراه والجبر؟ قال: الجبر من السلطان يكون، والاكراه من الزوجة والاب والام وليس ذلك بشئ (1) حيث ان الظاهر من هذا الخبر هو أن ما يرفع أثر المعاملات انما هو الاكراه بمعنى عدم طيب النفس وان لم يتوجه على ترك المكره عليه ضرر - كما في اكراه الاب والام والزوجة - فيكون أوسع دائرة من الاكراه المسوغ لسائر المحرمات. ولكن يتوجه عليه أولا: أن معنى الاكراه هو حمل الغير على ما يكرهه مع الايعاد على تركه. ولا ريب أن هذا المعنى ينطبق على جميع موارد الاكراه بنسق واحد من دون فارق بين المعاملات والمحرمات. وعليه فمجرد مقابلة الاكراه مع الاجبار - في الرواية - لا تدل على التفرقة بين المعاملات والمحرمات بل غاية ما يستفاد منها أن دائرة الاكراه الرافع لاثر المعاملات أوسع من دائرة الاجبار المسوغ للمحرمات، فانه يتسامح في الاول بما لا يتسامح في الثاني. ويضاف إلى ذلك: أنه لم يذكر في الرواية أن الاجبار يكون في


(1) الفقيه ج 3 من طبعة النجف باب 98 الايمان ص 235. وفروع الكافي ج 7 من ط 2 باب ما لا يلزم من الايمان ص 442. والتهذيب ج 2 كتاب الايمان ص 328. والوافي ج 7 ص 92.

[ 304 ]

المحرمات فقط، بل المذكور فيها هو ب يان الفارق بين السلطان. وبين الاب والام والزوجة وعليه فما ذكره المصنف - في المثال المزبور من بيان المائز بين المعاملات وبين المحرمات - لا يبتنى على أساس صحيح، بل كما لا يسوغ مع الاكراه - المذكور في المثال - ارتكاب المحرمات كذلك يحكم - معه - بنفوذ المعاملات بديهة أن الاكراه إنما يؤثر في فساد المعاملة إذا كانت المعاملة المكره عليها فاقدة لطيب النفس من ناحية الخوف المستتبع لترتب الضرر على الترك، ولم يقدر المكره (بالفتح) على دفعه عادة ومن البين الذى لا ريب فيه أن طيب النفس متحقق في المثال، لتمكن البائع من عدم البيع، ولو بالاستنصار من خدمه وعشيرته لكى يدفعوا عنه الضرر. ثانيا: أنه لا دلالة في الرواية المذكورة عل التفرقة بين المقامين، ضرورة توجه الضرر على ترك المكره عليه في الامثلة التى ذكرت في الرواية كيف فان ترك ما يريده الاب أو الام أو الزوجة قد يوجب اختلال العيش واضطراب الفكر، بل ربما ينجر ذلك إلى ما هو أعظم من ذلك، وإذن فتبعد الرواية عن اثبات صدق الاكراه بدون توجه الضرر على ترك المكره عليه. أضف إلى ذلك: أن الرواية ضعيفة السند، فان الراوى عن ابن سنان هو عبد الله بن القاسم، وهو اما مجهول أو ضعيف. ثم ان المصنف قد فصل - هنا - تفصيلا آخر وهو التفصيل بين العجز عن التفصى بالتورية وغيرها، حيث اعتبر الثاني في مفهوم الاكراه دون الاول وحاصل كلامه: أن الظاهر من النصوص والفتاوى هو عدم اعتبار العجز عن التورية في موضوع الاكراه أو حكمه، إذ من البعيد جزما أن يحمل عموم حديث الرفع، وخصوص النصوص - الواردة في طلاق المكره

[ 305 ]

وعتقه والشهرات المدعات في حكم المكره - على صورة العجز عن التورية، لجهل أو دهشة، بل مورد بعضها يأبى عن الحمل المذكور، كما يتضح ذلك لمن يراجعها. ويضاف إلى ذلك: أن القدرة على التورية لا يخرج الكلام عن حين الاكراه عرفا، بداهة أن الاصحاب - وفاقا للشيخ في المبسوط - جعلوا من شروط تحقق الاكراه علم المكره أو ظنه بوقوعه في الضرر المتوعد به مع الامتناع عن ايجاد المكره عليه، ومن البين أنه لا شبهة في وجود الملازمة بين امتناع المكره (بالفتح) عن الفعل المكره عليه، وبين وقوعه في الضرر - الذى هو المعتبر في صدق الاكراه - مع التمكن من التورية، كما لا شبهة في انتفاء هذه الملازمة مع التمكن من غيرها. وإذن فموضوع الاكراه متحقق في الاول فيلحقه حكمه، دون الثاني مع أن العجز عنها لو كان معتبرا لاشير إليها في قضية عمار وأبويه (1). ولكن يتوجه على ذلك: أنه لم يتضح لنا الفارق بين امكان التفصى بالتورية وغيرها، فكما لا يتحقق مفهوم الاكراه في الثاني، كذلك لا يتحقق مفهومه في الاول - أيضا -.


(1) قصة عمار على ما رواها المفسرون في شأن نزول قوله تعالى: (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان) - سورة النحل، الآية: 106 - ان قريشا اكرهوه وابويه ياسر وسمية على الارتداد فأبى ابواه فقتلوهما، وهما اول شهيدين في الاسلام، واعطاهم عمار بلسانه ما ارادوا مكرها فقيل: يا رسول الله ان عمارا كفر فقال: كلا ان عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، فاتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكى، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسح عينيه وقال: مالك إن عادوا لك فعدهم بما قلت.

[ 306 ]

ومن هنا لو اكره أحد على شرب الخمر مع تمكنه من هراقته على جيبه حرم عليه شربها جزما وقد تقدم أن التورية كما تجرى في الاقوال تجرى في الافعال - أيضا -. وكذا لو اكره الجائر أحدا على ارتكاب محرم أو ترك واجب ثم غاب عنه بحيث لا يلتفت إلى حاله. وأنه يفعل الفعل المكره عليه أو لا يفعله، فان أحدا لم يتوهم تحقق الاكراه - هنا - مع أن الملازمة المزبورة متحققة - هنا - في مورد المثالين جزما. ويضاف إلى ذلك: ما ذكرناه سابقا من أن المناط في بطلان معاملة المكره إنما هو انتفاء طيب النفس والرضاء كما بنى عليه المصنف فيما سبق، ومن الواضح أن طيب النفس متحقق فيمن تمكن من التفصى بالتورية، ومعه كيف يتحقق الاكراه. أما ما ذكره من التمسك باطلاق حديث الرفع وسائر الروايات الواردة في طلاق المكره، وعتاقه والنصوص الواردة في تجويز الحلف الكاذب بدعوى أن الظاهر منها هو عدم اعتبار العجز عن التفصى في حكم المكره عليه. فيتوجه عليه: أن التمسك بذلك إنما هو بعد احراز الموضوع: أعنى به تحقق الاكراه، وقد عرفت عدم تحققه مع التمكن من التفصى. أما ما ذكره من أن العجز عن التورية لو كان معتبرا في رفع الاثر عن الفعل المكره عليه لاشير إليه في قضية عمار وأبويه من جهة شفقة النبي صلى الله عليه وآله عليه. فيتوجه عليه أولا: أن عظمة عمار ونبوغه في العلم والتقوى مانعة عن تكلمه بكلمة الكفر مع قصده إلى معناها، بل هو لم يتكلم بكلمة الكفر إلا ظاهرا بلسانه، وكان قلبه مطمئنا بالايمان، وعليه فشأن تكلمه بكلمة الكفر

[ 307 ]

شأن تكلم الكفار بكلمة الشهادة عند الخوف والدهشة من غير إرادة جدية، وإذن فلم تكن حاجة إلى التنبيه. ثانيا: أن الرسول صلى الله عليه وآله وان لم ينبه عمارا على التورية، وأغفل تعليمه إياها ولكنه من جهة عدم مشروعيتها في أمثال المقام، فان اظهار الكفر - ولو مع التورية - محرم في نفسه، لانه هتك لله سبحانه وتجاسر لعظمته. وكذلك التكلم بكلمة الفحش وأشباهها. ومن البديهى أنه لو جازت التورية في اظهار كلمة الكفر عند التقية لجازت مطلقا ولو في غير حال التقية. ومن العجب: أن المصنف ذكر أنه لو سلم اعتبار العجز عن التفصى بالتورية في موضوع الاكراه وحقيقته كان مقتضى عموم حديث الرفع وخصوص النصوص الواردة في طلاق المكره وعتاقه ومعاقد الاجماعات والشهرات المدعات إلحاق القادر بالعاجز حكما، إذ من البعيد جدا حمل جميع ذلك على صورة العجز عن التورية لجهل أو دهشة، بل لا يمكن الالتزام بهذا الحمل في بعضها من جهة المورد، كما لا يخفى على من راجعها. ووجه العجب: أنا لم نجد رواية تدل على الحاق غير المكره بالمكره حكما. أما حديث الرفع وما ورد في طلاق المكره فلم يذكر في هذه الروايات إلا مادة الكراهة وما يقتطف منها، ولا تعرض فيها لبيان موضوع الاكراه ولا لتنزيل غير المكره منزلة المكره حكما. وأعجب من الكل دعواه الاجماع على التنزيل مع أنا لم نر من ذلك في كلمات الفقهاء عينا ولا أثرا.

[ 308 ]

بحث في الاكراه على أحد الامرين العرضيين قوله: (أما لو كانا عقدين أو ايقاعين كما لو اكره على طلاق احدى زوجتيه فقد استشكل غير واحد) أقول: تحقيق البحث - في المقام - أنه إذا كان المكره عليه أحد الامرين على سبيل التخيير دون الواحد المشخص فهل يتحقق الاكراه باختيار كل منهما، ويترتب عليه أثره أم لا؟ تحقيق ذلك يقع في ناحيتين: الاولى في الافراد العرضية. والثانية في الافراد الطولية. أما الناحية الاولى فقد ادعى بعض الاصحاب عدم تحقق الاكراه فيما إذا كان المكره عليه هو الجامع بين الامرين أو امور كثيرة، بداهة أن الفاعل مخير في اختيار أيهما، فيكون صدوره منه بطيب نفسه ورضاه، فيحكم بصحته إن كان ذلك معاملة، وبحرمة الاتيان به إن كان من المحرمات. وقد ناقش فيه المصنف بالنقض ب‍ (أنه لو لم يكن هذا مكرها عليه لم يتحقق الاكراه أصلا، إذ الموجود في الخارج دائما احدى خصوصيات المكره عليه، إذ لا يكاد يتفق الاكراه بجزئي حقيقي من جميع الجهات. نعم هذا الفرد مختار فيه من حيث الخصوصية وان كان مكرها عليه من حيث القدر المشترك بمعنى: أن وجود الخارجي ناشئ عن اكراه واختيار، ولذا لا يستحق المدح أو الذم باعتبار أصل الفعل، ويستحقه باعتبار الخصوصية). والجواب عن هذه المناقشة: أنه فرق بين وقوع الاكراه على بيع الدار

[ 309 ]

وبين وقوعه على طلاق احدى الزوجتين، أو عتاق أحد العبدين، فان المكره عليه وإن كان كليا في كلا الموردين، إذ لم يلاحظ بيع الدار من شخص خاص ولا في وقت معين، إلا أن خصوصية كل فرد من طلاق احدى الزوجتين أو عتاق أحد العبدين محط نظر المكره (بالكسر) وهذا بخلاف الخصوصيات الموجودة في بيع الدار، فانها عوارض فردية وخارجة عن مورد الاكراه، فالقياس مع الفارق. والتحقيق في المقام: أنا قد ذكرنا - في مبحث الواجب التخييري من علم الاصول: أن الواجب - هنا - هو الجامع العنواني الانتزاعي، وهو مفهوم أحدهما الصادق على كل منهما، إذ لا ريب في إمكان تعلق الطلب بأحد الفعلين أو الافعال على البدل، ضرورة أنه لا يعتبر في متعلق الوجوب أن يكون من الكليات المتأصلة، بل يجوز أن يكون من الكليات الانتزاعية، وإذا فرض ترتب الغرض الواحد على أحد الفعلين، أو الافعال على البدل، فانه لابد وأن يكون متعلق الايجاب - أيضا - كذلك. أضف إلى ذلك: أنه لا شبهة في إمكان تعلق الصفات الحقيقية ذوات الاضافة بأحد الامرين أو الامور، كما إذا علمنا بفسق أحد الرجلين مع احتمال فسق الآخر - أيضا - وكان كلاهما فاسقا في الواقع، فان متعلق العلم - هنا - هو أحد الفسقين على نحو الابهام والاجمال، لعدم تعينه في الواقع. وأذا أمكن تعلق الصفات الحقيقية ذوات الاضافة بأحد الامرين أو الامور أمكن ذلك في الامور الاعتبارية - أيضا - جزما. ومقامنا هذا نظير الواجب التخييري، فانه إذا اكره أحد على الاتيان بأحد الامرين أو اضطر إلى ذلك كان الاكراه أو الاضطرار على الجامع، لا على خصوص كل فرد من الافراد، وهذا المعنى لا ينافى وجود الطبيعة الكلية

[ 310 ]

في ضمن كل فرد من الافراد فان لازم ذلك أن كل فرد مصداق للمكره عليه لا أن يكون بنفسه مكرها عليه، للفرق الواضح بين تعلق الاكراه بشئ بداءة وبين تعلقه به بواسطة الكلى، فان اختيار أي فرد من الافراد بعد تعلق الاكراه بالكلى من باب الاضطرار. ومن هنا اتضح لك الفارق بين الاكراه على بيع الدار، وبين الاكراه على تطليق احدى الزوجتين، أو عتاق أحد العبدين، بديهة أن الاول بنفسه مورد للاكراه دون الثاني، فان مورد الاكراه فيه هو الجامع، وأما كل من الخصوصيتين فهو غير واقع تحت الاكراه. وقد ظهر لك مما بيناه فساد ما ذكره المحقق الايروانى من أن الاشخاص تعد مكرها عليها بالاكراه على القدر المشترك. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أنه إذا تعلق الاكراه بالقدر المشترك بين الفعلين، فاما أن يكون كلاهما من المحرمات التكليفية أو يكون كلاهما عقدا أو يكون أحدهما عقدا والآخر محرما، أو يكون أحدهما عقدا والآخر مباحا أو يكون أحدهما محرما والآخر مباحا. فان كان كلا الامرين حراما تكليفيا - وكانا متساويين في ملاك التحريم ولم يكن أحدهما أشد مبغوضية من الآخر في نظر الشارع - كان المكره (بالفتح) مخيرا في اختيار أي منهما، ضرورة أن نسبة المكره عليه - وهو الجامع - إلى كل منهما على حد سواء. وإن اختلفت الافراد ولم تكن متساوية الاقدام في ملاك التحريم، فانه - وقتئذ - لابد وأن يختار ماكان أقل مبغوضية. ومثال ذلك ما إذا اكره شخص على شرب أحد الانائين، وكان أحدهما نجسا والآخر نجسا ومغصوبا - معا - فان الاكراه - هنا - انما يتعلق بشرب النجس

[ 311 ]

فلا يجوز للمكره (بالفتح) أن يشرب ما هو مغصوب ونجس. وهكذا لو أكره شخص على شرب أحد المايعين، وكان أحدهما خمرا والآخر متنجسا، فانه لا يسوغ له أن يختار شرب الخمر، لعدم كونه بالخصوص موردا للاكراه، بل لا بدله من اختيار ما يكون ملاك المبغوضية فيه أقل وأخف وقد انجلى لك مما ذكرناه أنه إذا اكره شخص على أحد الفعلين وكان أحدهما مباحا والآخر حراما لم يكن المكره عليه مخيرا في الاتيان بأى منهما بل لابد له من اختيار المباح، كما إذا أكره شخص على شرب أحد الكأسين وكان أحدهما ماء والآخر خمرا لم يجز له شرب الخمر - حينئذ - بزعم تعلق الاكراه به بواسطة تعلقه بالقدر المشترك بينهما. وإن كان كلا الامرين عقدا أو ايقاعا، أو كان أحدهما عقدا والآخر ايقاعا فان كان الاثر مترتبا على أحدهما دون الآخر - بأن اكره على البيع الصحيح أو الفاسد، واختار المكره (بالفتح) إنشاء البيع الصحيح - حكم بصحته، لانه لم يصدر من المكره كرها بل إنما صدر منه باختياره وطيب نفسه، فلا وجه لبطلانه. وإن كان الاثر مترتبا على كل منهما - من غير أن يختص أحدهما بخصوصية زائدة - كان الجامع بالنسبة اليهما متساوي الاقدام، - وحينئذ - فيصير كل واحد من الامرين مصداقا للمكره عليه: أعنى به الجامع. وقد عرفت أن مجرد كون الشئ مصداقا للمكره عليه وإن لم يوجب ارتفاع الحكم، ولكن حيث كان المكره (بالفتح) مضطرا إلى اختيار أحدهما فارتفع عنه الحكم من جهة الاضطرار. وبعبارة اخرى: أن الاكراه قد تعلق بداءة بالقدر المشترك بين الامرين، والقدر المشترك لا يتحقق إلا في ضمن أحدهما، لاستحالة وجود

[ 312 ]

الطبيعي في الخارج بدون أفراده وإذن فالمكره مضطر إلى ايجاد أحد الامرين لا على التعيين، لان تركهما معا يستلزم توجه الضرر عليه، ومن الظاهر أن الاضطرار يوجب ارتفاع الحكم الوضعي والتكليفى، كما أن الاكراه يوجب ذلك. لا يقال: إن الاضطرار إلى ايقاع عقد أو معاملة لا يوجب ارتفاع أثره - كما تقدم - فكيف يحكم بالبطلان في المقام من جهة الاضطرار. فانه يقال: فرق واضح بين ما نحن فيه، وبين ما تقدم، حيث إن الاضطرار - هناك - انما نشأ من الجهات الخارجية، كالانفاق للزوجة، وعلاج المريض، وبناية الدار، وخياطة الثوب، وأشباه ذلك، وبيع الدار - مثلا - وسيلة إلى دفع الاضطرار. وهذا بخلاف المقام، فان الاضطرار فيه قد نشأ من الاكراه، وهو متفرع عليه، ومن ثم كان الحكم بالبطلان في المقام موافقا للامتنان بخلاف ما تقدم. وإذا اكره على أحد الفعلين، وكان أحدهما مباحا - كشرب الماء - والآخر معاملة - كبيع الدار - واختار المكره (بالفتح) المعاملة لم يحكم ببطلانها بداهة أنها لم تكن بخصوصها موردا للاضطرار. ولا متعلقا للاكراه، إذ كان للمكره أن يختار شرب الماء، فاختياره بيع الدار ناشئ من الرضاء وطيب النفس. ومن هنا اتضح لك حكم ما لو اكره على الجامع بين البيع الصحيح والبيع الفاسد، فان ما تعلق به الاكراه - أعنى به الجامع - لا أثر له لكى يرتفع بالاكراه وماله الاثر - وهو الصحيح - لا إكراه عليه حتى يوجب ارتفاع أثره وإن كان هو أو مقابله مما لابد من تحققه، ولكنك قد عرفت أن مجرد اللابدية لا يوجب تحقق الاكراه، وإنما يوجب تحقق الاضطرار، ومن الواضح أن الاضطرار

[ 313 ]

كما يندفع باختيار الفرد الصحيح كذلك يندفع باختيار الفرد الفاسد أيضا. وعليه فاختيار الفرد الصحيح إنما نشأ من الرضاء وطيب النفس، فيحكم بصحته. وقد اتضح لك مما ذكرناه: أنه لو اكره شخص على ايجاد أحد الامرين، إما بيع شئ من أمواله، أو أداء مال مستحق عليه فاختاره المكره (بالفتح) البيع لما حكم ببطلانه. وكذا لو اكره الراهن - عند حلول أجل الدين - على بيع العين المرهونة أو بيع غيرها مما لا يستحقه المرتهن واختار الراهن الثاني لحكم بصحته. ومن هنا علم انه لو اكره أحد إما على بيع داره أو على بيع دار صاحبه فضولا فباع دار نفسه، فانه لا يحكم بفساده، إذ لا محذور عليه - هنا - في إنشاء البيع الفضولي، لان هذا لا يعد تصرفا في مال غيره لكى يكون من قبيل الاكراه على أحد الامرين الذين يكون أحدهما مباحا والآخر محرما بل هو بمنزلة الاكراه إما على بيع الدار، أو على شرب الماء، فإذا اختار بيع الدار وترك شرب الماء حكم بصحته، لانه لم يصدر إلا من الرضاء وطيب النفس لا من الجبر والاكراه. وإذا اكره على أحد الامرين مع كون واحد منهما معاملة - كبيع الدار - والآخر حراما - كشرب الخمر أو ترك واجب كالصلاة ونحوها - فالكلام فيه يقع في جهتين: الاولى في الحكم التكليفى. والثانية في الحكم الوضعي: أما الجهة الاولى فلا شبهة في حرمة الاقدام على الحرام وترك المعاملة بداهة أن البيع بنفسه أمر مباح كسائر المباحات الشرعية ومن الواضح أنه لا يسوغ ترك المباح والاقدام على الحرام عند دوران الامر بين الارتكاب أحدهما، إذ الحرام ليس بنفسه موردا للاضطرار ولا متعلقا للاكراه،

[ 314 ]

بل يمكن التفصى عنه بفعل المباح، وقد عرفت ذلك فيما سبق. أما الجهة الثانية فالظاهر أن يحكم ببطلان البيع مع الاقدام عليه لصدوره من المكره كرها، لا من الرضاء وطيب النفس فيشمله دليل رفع الاكراه. وبعبارة اخرى أنه إذا اكره أحد إما على فعل الحرام أو على بيع داره - مثلا - وترتب الضرر على ترك المكره عليه - كان متعلق الاكراه هو البيع فقط، بداهة أن الاقدام على الحرام بنفسه ضرر مترتب على ترك البيع، واذن فيرتفع أثر ذلك البيع بحديث الرفع. والى هنا انتهى الكلام في الافراد العرضية بحث في الاكراه على أحد الامرين الطوليين أما الناحية الثانية -: أي البحث في الافراد الطولية - فهل يجرى فيها جميع ما أسلقناه في الافراد العرضية أم كان حكم الاكراه والاضطرار - هنا - منحصرا بالفرد الاخير أم يفصل بين المعاملات والمحرمات، فيحكم بحرمة المبادرة إلى فعل المحرمات وبجواز الاقدام على المعاملات؟. ذهب شيخنا الاستاذ إلى الاخير واليك نص مقرر بحثه: (والظاهر في هذه الصورة (: أي في الاكراه على الافراد الطولية) الفرق بين المحرمات والمعاملات، فلو كان مكرها، أو مضطرا إلى شرب الخمر موسعا فلا يجوز له المبادرة إليه في أول الوقت، سواء احتمل التخلص منه لو أخره أم لم يحتمل إذ لابد من ارتكاب المحرم من المسوغ له حين الارتكاب، فإذا لم يكن حين الشرب ملزما فاختياره فعلا لا مجوز له... وأما لو كان مكرها في بيع داره موسعا فلو كان مأيوسا من التخلص عنه فاقدامه على البيع في أول الوقت لا يخرجه عن الاكراه، وأما لو احتمل التخلص فلو باع أول الوقت فهو مختار والفرق واضح). وقد ذكر في مبحث التزاحم من علم الاصول: أنه إذا كانت القدرة في

[ 315 ]

كل من الواجبين شرطا عقليا وكان أحد الواجبين أهم من الآخر، فيقدم فيه الاهم على غيره. والسر فيه أن الاهم بما هو كذلك يصلح أن يكون معجزا مولويا للمكلف عن الطرف الآخر، دون العكس، فتكون نسبة الاهم إلى غيره كنسبة الواجب إلى المستحب أو المباح، فكما لا يمكن أن يكون المباح أو المستحب مزاحما للواجب كذلك لا يمكن أن يكون المهم مزاحما للاهم، ولا يفرق في ذلك بين كون المتزاحمين عرضيين، وبين كونهما طوليين، كما لا فرق بين كون خطاب كل من المتزاحمين الطوليين فعليا وبين كون أحدهما فعليا، دون الآخر مع تمامية ملاكه. أقول: أما ما أفاده من القاعدة الكلية في مزاحمة الاهم والمهم فهو متين جدا. وقد قررناه في المبحث المذكور من علم الاصول. أما ما ذكره من التفصيل بين المعاملات وغيرها فلا يرجع إلى معنى محصل بداهة أن الاتيان بالفرد المتقدم مع سعة الوقت لا ينطبق عليه عنوان المكره عليه ولا المضطر إليه لكى يرتفع حكمه، سواء أكان ذلك من قبيل المعاملات، أم كان من قبيل الامور المحرمة، فان الذى يترتب عليه الضرر انما هو ترك المجموع، لا ترك خصوص الفرد الاول، وعليه فلا ملزم له في فعله. نعم إذا تركه لزمه الاتيان بالفرد الاخير من جهة ترتب الضرر على تركه. وعلى هذا فلو اكره أحد على بيع داره إما يوم الجمعة، أو يوم السبت فبادر إلى بيعها يوم الجمعة فانه يحكم بصحة هذا البيع، لصدوره عن الرضاء وطيب النفس. وكذا إذا اكره على فعل المحرم اما يوم الجمعة، أو يوم الخميس، فانه

[ 316 ]

لا تجوز المبادرة إلى فعل ذلك يوم الخميس، إذ لا مانع عن توجه النهى إلى المكره - عندئذ - وعليه فمتعلق الاضطرار في الافراد الطولية انما هو الفرد المتأخر فقط، سواء في ذلك المعاملات وغيرها. ما هو حكم الاكراه على ترك احد الواجبين؟ لا يخفى عليك: ان ما ذكرناه في الافراد العرضية والطولية جار في الواجبات أيضا. ومثال ذلك: أنه إذا اضطر أحد إلى الافطار، أو اكره عليه إما في اليوم الاول من شهر رمضان، أو في اليوم الثاني منه، فانه لا تجوز له المبادرة إلى الافطار في اليوم الاول منه لعدم كونه موردا للاكراه لكى يكون مشمولا لحديث الرفع، إذ لا يترتب الضرر على تركه، وانما يخاف من ترتب الضرر على ترك الافطار في اليوم الثاني بعد فرض انه صام في اليوم الاول، فالصوم في اليوم الثاني هو الذى لا يقدر المكلف عليه، دون الصوم في اليوم الاول. وببيان آخر: أن كل يوم من أيام شهر الصيام له حكم خاص، ووجوب مستقل لا يمس بوجوب يوم آخر من تلك الايام، ومن الواضح أن عجز المكلف عن صوم يوم لا يرفع التكليف عن صوم يوم آخر، وعليه فلا بد في كل يوم من ملاحظة حال المكلف، فان تمكن من صومه وجب عليه ذلك، لفعلية الامر بفعلية موضوعه، والا فلا. ومن هنا إذا اكره أحد على الافطار في شهر رمضان اما في العشرة الاولى أو في العشرة الثانية لم يقل أحد بكون المكلف مخيرا في ذلك، بل

[ 317 ]

يجب عليه الصوم إلى أن يتعين عليه افطار يوم خاص. ثم ان ما ذكرناه من عدم جواز ترك الواجب فعلا - عند دوران الامر بين تركه وترك الواجب المتأخر - يختص بالواجبات الاستقلالية. أما الواجبات الضمنية فلا يجرى فيها ذلك. وبيانه: أنه متى تعذر الاتيان بأحد أجزاء الواجب أو قيوده سقط أصل الواجب، لكون وجوب الاجزاء ارتباطيا، وعدم تمكن المكلف من الاتيان بالواجب بتمامه. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجزء المتعذر. متعينا، أو مرددا بين أمرين أو امور. فإذا اكره المكلف على ترك جزء في الركعة الاولى، أو الركعة الثانية كان مقتضى القاعدة هو سقوط وجوب أصل الصلاة، لعدم التمكن من الاتيان بتمام اجزائها. ولكن حيث علمنا بأن الصلاة لا تسقط بحال (1) فقد علمنا بوجوبها في الجملة، وعليه فيدور الامر بين أن يكون الساقط هو الجزء الاول، وبين أن يكون هو الجزء الثاني. وحينئذ فان استفدنا من دليل الجزئية أو العبرة - في اعتباره في الواجب - بالقدرة عليه في ظرف اعتباره فلا بد من أن يكون الساقط هو الجزء المتأخر، وذلك كما إذا دار الامر بين ترك القيام في الركعة الاولى، وتركه في الركعة الثانية، فانه - عندئذ - يلزم القيام في الاولى لما ورد (2) من أن المصلى إذا قوى فليقم.


(1) الاصل في ذلك ما رواه زرارة - في المستحاضة - عن الصادق (ع) من انها تصلى، ولا تدع الصلاة على حال، فان النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عماد دينكم. صحيح. الوسائل باب 1 من ابواب الاستحاضة. (2) عن جميل بن دراج قال ; سألت ابى عبد الله (ع) ما حد المرض -

[ 318 ]

وإن لم يثبت ذلك وصلت النوبة إلى الاصل العملي، وهو يقتضى التخيير لانا نعلم باعتبار أحد الامرين لا محالة، ولكن نشك في اعتبار خصوص الاول فيدفع احتمال اعتباره باصالة البراءة. وهذا الذى ذكرناه جار في جميع موارد دوران الامر بين ترك جزء وترك جزء آخر، وكذلك بين ترك جزء وترك شرط، أو ترك شرط وترك شرط آخر. هذا كله فيما إذا لم يعلم من الخارج تعين الاخذ بأحدهما، وإلا لزم الاخذ به، ويسقط الآخر. وذلك كما إذا دار الامر بين الوقت وغيره، أو بين الطهور وغيره، فانه حينئذ لا إشكال في أن الساقط يكون غير الوقت والطهور. كما أنه إذا دار الامر بين الطهور والوقت كان الساقط هو الوقت وتمام الكلام في محله ما هو حكم اكراه أحد الشخصين على فعل واحد؟ قد ذكر المصنف: (أن اكراه أحد الشخصين على فعل واحد بمعنى إلزامه عليهما كفاية وايعادهما على تركه كاكراه شخص واحد على أحد الفعلين في كون كل منهما مكرها). تحقيق ذلك: أن الاكراه قد يتعلق بفعل حرم، وقد يتعلق بمعاملة أما الاول فكاكراه أحد الشخصين على فعل محرم والايعاد على تركه بالضرر، فان علم أحدهما أو اطمأن بأن الآخر لا يفعله - إما لتمكنه من دفع الضرر المتوجه عليه، أو لتوطين نفسه عليه - جاز له الاتيان بالمكره عليه لخوفه من توجه الضرر عليه بل لو احتمل احتمالا عقلائيا بأن الآخر يفعله، فخاف من الضرر على تركه جاز له الارتكاب لدفع الضرر عن نفسه. أما إذا


- الذي يصلى صاحبه قاعدا؟ فقال: إن الرجل ليوعك ويحرج، ولكنه إذا قوى فليقم. صحيح. الوسائل باب 6 من ابواب القيام في الصلاة.

[ 319 ]

علم أو اطمأن بأن الآخر يرتكب المكره عليه إما لعدم مبالاته في الدين أو لخوفه من توجه الضرر عليه حرم عليه ارتكابه. والسر في ذلك أن الاحكام الشرعية وإن كانت مجعولة على نحو الكلية ولكنها منحلة إلى الاحكام الجزئية باعتبار تعدد موضوعاتها الشخصية. وعليه فكل فرد من أفراد المكلفين له حكم مستقل غير مربوط بحكم المكلفين الآخرين، وحينئذ ففى ما نحن فيه إن خاف كل واحد من الشخصين من ترتب الضرر على تركه ارتكاب الحرام شمله حديث الرفع، ويحكم باباحة الفعل الصادر منه والا يكون مشمولا لدليل التحريم، فيحكم بحرمة ما ارتكبه من الفعل. أما الثاني فقد يكون متعلق الاكراه عقدا واحدا، وقد يكون متعلقه عقدين: أما الاول فلا شبهة في بطلانه - كما إذا اكره الجائر أحدا من الوكيل أو الموكل على بيع خاص. ووجه البطلان: أن الوكيل والموكل وإن كانا متعددين خارجا ولكن الصادر من أي منهما مملوك لشخص واحد، وهو الموكل، وعليه فمتعلق الاكراه أمر وحداني غير متعدد بتعدد الاشخاص، وإذن فشأن ذلك شأن إكراه الشخص الواحد على ارتكاب فعل فارد. ومن هنا اتضح لك الفارق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم: أعنى به إكراه شخص واحد على أحد العقدين، بداهة أن بطلان العقد - هناك - من جهة الاضطرار إلى أحد البيعين بخلافه - هنا - فان البطلان فيه من جهة الاكراه وهذا واضح. أما الثاني فيأتى فيه ما ذكرناه في اكراه أحد الشخصين على فعل محرم، وعليه فان علم كل منهما أو اطمأن بصدور العقد من الآخر حكم بصحته إذا

[ 320 ]

صدر منه، لعدم كونه مكرها في فعله وترتب عليه جميع آثاره الوضعية والتكليفية. وإن علم أو اطمأن أو احتمل احتمالا عقلائيا بأن الآخر لا يفعله حكم ببطلانه، لانه صدر منه كرها، فيكون مشمولا لحديث الرفع. وقد ظهر لك مما ذكرناه: أنه لا وجه للاخذ باطلاق كلام المصنف، والحكم بأن اكراه أحد الشخصين على فعل واحد كاكراه شخص واحد على أحد الفعلين في كون كل منهما مكرها، فلاحظ وتأمل. بحث في بيان متعلق الاكراه قوله: (واعلم ان الاكراه قد يتعلق بالمالك). أقول: قد يتعلق الاكراه بالمالك العاقد، وقد يتعلق بالمالك، دون العاقد، وقد يتعلق بالعاقد دون المالك. أما الاول فقد تقدم تفصيله - آنفا - وعرفت - أنه يحكم ببطلان العقد الاكراهي، لحديث الرفع. أما الثاني - كالاكراه على التوكيل بطلاق زوجه، ووقع الطلاق من الوكيل من غير اكراه - فلا شبهة في عدم استناد الطلاق - عندئذ - إلى الزوج لحديث الرفع، وعليه فيكون التوكيل بمنزلة العدم، لتحققه بدون رضاء الموكل. وعلى هذا فان لم تلحق الاجازة بالطلاق حكم بفساده جزما، وإن لحقت به الاجازة فان قلنا بصحة الايقاعات الفضولية حكم بصحة الطلاق، وإلا فلا.

[ 321 ]

ولا يفرق في ذلك بين لحوق الرضاء والاجازة بالتوكيل الاكراهي وعدمه أما بناءا على كون الاجازة ناقلة فواضح، بديهة أن التصرفات الصادرة من الوكيل قبل اجازة الموكل بمنزلة التصرفات الصادرة من الاجانب، غاية الامر أنه بعد التحاق الاجازة بالوكالة حكم بصحة الوكالة، ولا تحتاج إلى التوكيل ثانيا. أما بناءا على كون الاجازة كاشفة فان الطلاق وان لم يكن فضوليا بالمعنى المصطلح عليه إلا أنه فضولي حقيقة، فابه قد صدر ممن تتوقف وكالته على الاجازة، وقد فرضنا أن الايقاع لا يصح بالاجازة. وعلى الجملة: إن صدور العقد أو الايقاع من الوكيل بالرضاء وطيب النفس لا يكفى في صحة ذلك مع كون التوكيل إكراهيا. أما الثالث - وهو إكراه العاقد - فقد ذكر المصنف رحمه الله: أن (الاقوى - هنا - الصحة لان العقد - هنا - من حيث إنه عقد لا يعتبر فيه سوى القصد الموجود في لمكره إذا كان عاقدا، والرضاء المعتبر من المالك موجود بالفرض. فهذا اولى من المالك المكره على العقد إذا رضى لاحقا). والتحقيق: أن - هنا - صورا: الاولى: أن يكون الاكراه من المالك، وكان العاقد مكرها عليه في انشائه. والظاهر أنه لا اشكال في صحة العقد - حينئذ - فان المعتبر في صحة العقد أن يصدق عليه أنه تجارة عن تراض من المالكين، كما يدل عليه قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (1)) فلا أثر لرضاء الأجنبي وعدمه والعاقد غير المالك أجنبي، فلا أثر لعدم رضاه، وكونه مكرها في انشاء العقد وقد يتوهم: أن حديث الرفع يدل على عدم ترتب الاثر على هذا العقد


(1) سورة النساء الآية 29.

[ 322 ]

ولكنه توهم فاسد، ضرورة أنه ليس - هنا - أثر مترتب على فعل المكره عليه بالاضافة إليه حتى يرتفع بحديث الرفع. أما بالنسبة إلى المالك فلا اكراه على أن رفع الاثر بالاضافة إلى المكره عليه خلاف الامتنان. الثانية: أن يكون الاكراه من غير المالك لغير الوكيل من المالك، والعقد في هذه الصورة فضولي، فتتوقف صحته على الاجازه والوجه فيه ظاهر. الثالثة: أن يكون الاكراه من غير المالك، ولكن المكره يكون وكيلا مفوضا من قبل المالك، والظاهر: أن يحكم ببطلان المعاملة في هذه الصورة فيما إذا لم يعلم رضاء المالك بالعقد، وذلك لان المعتبر في صحة العقد هو استناده إلى المالك، فلو لم يكن الوكيل مكرها كان رضاه بمنزلة رضاء المالك وانتسب العقد إليه. أما إذا كان الوكيل مكرها فهو غير راض بالعقد، والمفروض أنه لا كاشف آخر عن رضاء المالك. نعم إذا علم رضاء المالك حكم بصحة العقد، لان رضاء الوكيل انما يعتبر بما أنه طريق وكاشف عن رضاء الموكل من جهة توكيله، فلو علم رضاء الموكل مع صدور العقد من الوكيل حكم بصحته. ومن هنا اتضح لك: أنه لا وجه لقياس ما نحن فيه بالمجنون، لان المجنون مسلوب العبارة، فلا تأثير في عقده، وهذا بخلاف المكره، فانه ليس بمسلوب العبارة بحث في الاكراه على بيع عبد من عبدين قوله: (فرع ولو اكرهه على بيع واحد غير معين من عبدين فباعهما أو باع نصف أحدهما ففى التذكرة اشكال). أقول: العقد الصادر من المكره (بالفتح) قد يكون متحدا مع ما تعلق به الاكراه، وقد يباينه، وقد يزيد عليه، وقد ينقص منه فهنا صور:

[ 323 ]

أما الصورة الاولى فقد تقدم الكلام فيه. أما الصورة الثانية فلا ينبغى الاشكال في صحة العقد فيها لان ما تعلق به الاكراه لم يتحقق في الخارج، وما تحقق فيه ليس بمكره عليه، وذلك كما إذا اكرهه على بيع داره فباعه كتابه. نعم إذا كان بيع الكتاب لاجل احتمال أن يقنع المكره (بالكسر) به فيرفع اليد عن اكراهه كان باطلا لا محالة، وذلك لفقدانه طيب النفس، وأنه من جهة الاضطرار. وبعبارة اخرى: أنه إذا كان بيع الكتاب لاجل أن يرفع المكره يده عن الاكراه على بيع الدار تعيينا - ورضى ببيع أحد الامرين من الدار والكتاب، وقد رضى المكره (بالكسر) - أيضا - بذلك - كان البيع - الواقع - بغير طيب النفس لا محالة، فيحكم بفساده. أما الصورة الثالثة فقد يقع العقد فيها تدريجا - كما إذا اكرهه على بيع أحد عبديه فباع أحدهما، ثم باع الآخر - وقد يقع دفعيا، كما إذا باعهما دفعة واحدة: أما إذا باعهما تدريجا فلا شبهة في بطلان البيع الواقع أولا، ضرورة أن المكره عليه انما هو عنوان أحدهما، ومن الواضح أن انطباقه على أول أمر قهرى. أما البيع الثاني فيحكم بصحته جزما، إذ الاكراه قد ارتفع بالبيع الاول فيقع الثاني برضاء المالك، وطيب نفسه. وهذا ظاهر. ولكن احتمل المصنف: أنه يرجع إلى البائع في استيضاح المكره عليه وميزه عن غيره، سواء أادعى البائع العكس أم لا. ويتوجه عليه: أنه لم يبق موضوع للاكراه بعد تحقق العقد الاول

[ 324 ]

لكى يحتمل وقوع العقد الثاني عن كره حتى يرجع إلى البائع في التعيين، بل لا يبعد صحة البيع الثاني حتى فيما إذا كان بيعه متفرعا على الاكراه، ومن تبعات البيع الاول كما إذا أكرهه الجائر على بيع أحد مصراعي الباب فباعه، ثم باع المصراع الثاني فان بيع المصراع الثاني وان كان لاجل عدم الانتفاع به وحده، ومن تبعات البيع الاول، لكنه حيث وقع عن الرضاء، وبغير الكره فيحكم بصحته. أما إذا باع المكره عليه وغيره دفعة - كما إذا باع العبدين مرة واحدة - فان لم يكن البيع من جهة الاكراه، بل كان من جهة طيب النفس - كما إذا فرضنا أنه كان راغبا إلى بيع عبديه فأكرهه الجائر على بيع أحدهما فاغتنم الفرصة فباعهما - فلا اشكال في صحة البيع. أما إذا كان البيع من جهة الاكراه، ولولاه لم يكن يقدم عليه ففى صحته أو فساده مطلقا، أو الصحة في غير المقدار المكره عليه وجوه. قد ذهب المصنف إلى صحة البيع في المجموع بدعوى أن ما تعلق به الاكراه لم يقع في الخارج، وما وقع فيه لم يتعلق به الاكراه. ولكنه يندفع بأن بيع المجموع وان لم يقع عن إكراه إلا أن بيع أحدهما وقع عن إكراه لا محالة، ولولاه لم يقدم على البيع أصلا - كما هو المفروض - فلا وجه لصحة البيع في الجميع. أما وجه الفساد مطلقا فهو أن المكره عليه لا تعين له في الواقع، وأن نسبته إلى كل من الفردين على حد سواء، والحكم بفساد أحدهما معينا دون الآخر ترجيح بلا مرجح. ولكن الصحيح أن يحكم بفساد البيع بالنسبة إلى المقدار المكره عليه ويحكم بصحته بالنسبة إلى المقدار الزائد عليه، ويتعين الفاسد بالقرعة. قيل: إن القرعة انما يرجع إليها فيما إذا كان المطلوب متعينا واقعا ومجهولا

[ 325 ]

ظاهرا، ومن الواضح أن المكره عليه مردد بين الامرين ظاهرا وواقعا من غير أن يكون له تعين في مرحلة من المرحلتين. والجواب عن ذلك: أن مورد القرعة غير منحصر فيما ذكر، بل هي تجرى في كل أمر مشكل أو مشتبه، لاطلاق أدلتها، ومن هنا أطبق الفقهاء رضوان الله عليهم على الرجوع إلى القرعة فيما إذا طلق شخص أحدى زوجاته من غير تعيين، مع أن المطلقة لا تعين لها، لا واقعا، ولا ظاهرا، ومقامنا من القبيل المذكور. ونظير ما ذكرناه من التفصيل قد وقع في المحرمات أيضا، كما إذا أكره الجائر أحدا على أن يشرب اما الخمر، أو البول فشربهما، فانه يعاقب على أحد الشربين جزما لوقوعه بالارادة والاختيار. أما الصورة الرابعة - وهى بيع ما يكون أنقص من المكره عليه - فالتحقيق فيها: أن البيع المزبور قد يكون مستندا إلى الرضاء وطيب النفس بحيث لو لم يكن في البين اكراه - أيضا - لكان راضيا ببيعه، ولا شبهة في صحة ذلك. وقد يكون بيع النصف لرجاء أن المكره (بالكسر) يكتفى بذلك، ولا يكرهه على بيع مجموع الدار، ولا شبهة في بطلان البيع - وقتئذ - لحديث الرفع، بداهة أن الاكراه شامل لبيع كل جزء من أجزاء الدار على سبيل الاستغراق، وعليه فيكون الاكراه على بيع مجموع الدار اكراها على بيع نصفها. نظير ما لو اكره أحد على بيع دارين فباع أحدهما، فانه لا شبهة في الحكم بوقوعه عن إكراه. ولا وجه للفرق بينه وبين مالو اكره على بيع دار واحدة فباع نصف تلك الدار.

[ 326 ]

وقال المصنف: (وفى سماع دعوى البائع ذلك مع عدم الامارات نظر). ولعل وجه النظر هو أن ما نحن فيه من قبيل ما لا يعلم إلا من قبل المدعى فتسمع دعواه. ومن أن الظاهر أن هذا العقد واقع باختياره فلا تسمع دعواه الاكراه ولكنك قد عرفت: أن الاكراه على المجموع إكراه على بعضه خارجا والاكراه بنفسه أمارة على عدم وقوع البيع عن الرضاء وطيب النفس. ونظير ذلك: ما إذا أكره الجائر أحدا على شرب كمية خاصة من الخمر فشرب نصفه برجاء أن يقتنع المكره، ويرفع اليد عن إكراهه. بحث فيما ذكره العلامة في التحرير قوله: (بقى الكلام فيما وعدنا ذكره من الفرع المذكور في التحرير، قال في التحرير: لو اكره على الطلاق، فطلق ناويا فالاقرب وقوع الطلاق انتهى.). أقول: قبل التعرض لشرح كلام العلامة، وبيان صحته أو بطلانه يحسن بنا التعرض لصور المسألة، واليك ما يلي: 1 - أن يكون الطلاق الصادر من المكره (بالفتح) مقترنا بالرضاء وطيب النفس من دون أن يستند وقوعه إلى الاكراه، بل يقترن الطلاق بالاكراه زمانا فقط. وذلك كما إذا بنى الزوج على طلاق زوجه وأكرهه الجائر عليه مع جهله بحاله فانه لا شبهة - حينئذ - في صحة طلاقه لوقوعه عن الرضاء 2 - أن يستند صدور الطلاق إلى الكره، وأوقعه المكره (بالفتح) خوفا من الضرر المتوعد عليه. ولكن مع ذلك ليس قصد المكره إلا ايقاع

[ 327 ]

الطلاق حقيقة. إما من ناحية الجهل ببطلان طلاق المكره، أو من جهة الاعتقاد بصحة طلاقه (1). وقد تردد المصنف في الحكم بصحته وفساده، ثم قال: إلا أن تحقق الاكراه أقرب. والظاهر أن يحكم ببطلان الطلاق - هنا أيضا - لان المناط في صحة العقود والايقاعات صدورها عن الرضاء وطيب النفس، ومن الظاهر أن الطلاق المزبور ليس كذلك. وتدل على ما ذكرناه صحيحة البزنطى عن أبى الحسن عليه السلام في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك، فقال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وضع عن امتى ما أكرهوا عليه (2). ووجه الدلالة هو أن الحلف بالطلاق والعتاق والصدقة. وإن كان باطلا عندنا مع الاختيار - أيضا - الا أن استشهاد الامام عليه السلام - على عدم وقوع الامور المذكورة - بحديث الرفع دليل على بطلان الطلاق الاكراهي. وهذا ظاهر. ثم انه لا يفرق في بطلان الطلاق عن كره بين أن يرجع الضرر المتوعد عليه إلى نفس المكره (بالفتح)، أو إلى عرضه وشرفه، أو إلى ماله، أو إلى من يهمه أمره من عشيرته وأقاربه ونحو ذلك، كأن يقول الجائر لاحد: طلق زوجك، والا قتلتك، أو قتلت ابنك، وعشيرتك أو أخذت أموالك، أو يخوفه بأشباه ذلك مما يضر المكره (بالفتح). أما إذا لم يكن الضرر راجعا إلى المكره (بالفتح) كما إذا قال له الأجنبي:


(1) كما عن الحنفية - وقد ذكرنا رأيهم في ص 282. (2) الوسائل باب 16 من ابواب كتاب الايمان.

[ 328 ]

بعنى دارك، والا قتلت نفسي، أو أرتكب معصية فلا يتحقق في مثله الاكراه جزما. ثم إن بطلان الطلاق - في هذه الصورة - يختص بما إذا لم يتمكن من التورية، وإلا فالاقرب وقوعه على ما عرفته من اعتبار العجز عن التورية في تحقق الاكراه موضوعا وحكما، ولعل هذه الصورة هي مراد العلامة رحمه الله، حيث قرب وقوع الطلاق إذا كان المكره ناويا. نعم بناء على عدم اعتبار العجز عن التورية في موضوع الاكراه أو حكمه حكم بفساد الطلاق - أيضا - 3 - أن يكون الاكراه مقتضيا لوقوع الطلاق، وجزء سبب لتحققه في الخارج، ويكون جزؤه الآخر الرضاء، وعليه فيكون صدور الطلاق من المكره (بالفتح) مستندا إلى أمرين: أحدهما الرضاء، والآخر الاكراه وبانتفاء أحدهما ينتفى الطلاق. ولكن الظاهر هو بطلان الطلاق في هذه الصورة - أيضا - لان المناط في بطلان عقود المكره وايقاعاته هو عدم وجود ما يقتضى الصحة لان الادلة الدالة على اعتبار الرضاء في العقود والايقاعات ظاهرة في كون الرضاء سببا مستقلا لصدورها، لاجزءا لذلك وعليه فإذا اقترن الرضاء بالاكراه، واجتمع معه استند الفعل اليهما، لا إلى الرضاء فقط. - وحينئذ - فالاكراه وإن لم يقتض الفساد، الا أن ما يقتض الصحة - أيضا - غير متحقق. لعدم صدور الطلاق عن الارادة والرضاء. 4 - أن يكون كل واحد من الرضاء والاكراه علة تامة وسببا مستقلا في نفسه لوقوع الطلاق بحيث لو لم يكن - هنا - اكراه لوقع الطلاق - أيضا - وهكذا العكس.

[ 329 ]

والظاهر أنه لا شبهة في صحة الطلاق - عندئذ - لوجود المقتضى: أعنى به الرضاء وطيب النفس، ولا تقاس هذه الصورة: بالصورة السابقة في الحكم ببطلانه، لما عرفته من عدم المقتضى للصحة في الصورة السابقة، بخلاف هذه الصورة، فان ما يقتضى الصحة فيها موجود كما عرفته قريبا. وقد اتضح لك مما ذكرناه فساد ما ذكره شيخنا الاستاذ من أنه: (حيث لا يمكن توارد علتين مستقلتين على معلول واحد فيصير كل واحدة إذا اجتمعتا جزء السبب والفعل يستند اليهما معا. وكل علتين مستقلتين إذا وردتا على معلول واحد وكان بينهما تدافع، فلا يؤثر كل منهما الخ). ووجه الظهور أن الاكراه لا يقتضى الفساد لكى يكون المقام من قبيل توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد. بل مع وجود الاكراه ينعدم ما يقتضى الصحة، وإذا تحقق الرضاء وجد ما يقتضى الصحة، وعليه فيكون المقام من قبيل تعارض ما يقتضى الشئ مع مالا يقتضيه، لا من قبيل تعارض المقتضيين. ويضاف إلى ذلك: أن الحكم ببطلان الطلاق - هنا - على خلاف الامتنان، لكون المطلق راضيا به وغير مهجور عن فعله، فلا يكون مشمولا لحديث الرفع. 5 - أن يكون الاكراه داعيا إلى وقوع الطلاق، لا علة تامة لذلك، ولا جزء سبب له: بأن استند الطلاق إلى الاكراه طوليا، كما إذا اكره على الطلاق، ولكن وطن نفسه عليه، ورضى به من جهة الاكراه تكوينا. ففى هذه الصورة يحتمل الصحة، لان الطلاق وقع عن إرادة ورضاء. ويحتمل البطلان، لان الشئ يستند إلى أسبق علله، فالطلاق مستند إلى الاكراه بالاخرة. ومع الاغماض عنه فلا شك في الصدق العرفي، وأن

[ 330 ]

الطلاق وقع مكرها عليه، وهذا الاحتمال هو الاقرب. ولعل هذه الصورة هي مراد العلامة، حيث حكم بصحة الطلاق ناويا. والله العالم. هل يصح عقد المكره بالرضاء المتأخر؟ قول: (ثم المشهور بين المتأخرين أنه لو رضى المكره بما فعله صح العقد) أقول: قد وقع الخلاف بين الاعلام في أن الرضاء اللاحق بالعقد الاكراهي يوجب صحته أم لا. فذهب بعضهم إلى الاول، بل عن الرياض تبعا للحدائق أن عليه اتفاق العلماء، لانه عقد حقيقي فيؤثر أثره مع اجتماع باقى شرائط البيع وهو طيب النفس. وذهب بعضهم إلى بطلان ذلك لوجوه. 1 - أن الرضاء بالعقد مأخوذ في مفهومه. فإذا فقد الرضاء لم يكن - هنا - عقد ليحكم بصحته. ويرد عليه: أنه لا شاهد لهذه الدعوى من العرف واللغة. على أن لازم ذلك أن لا يكون العقد الفضولي وعقد المكره بحق من العقود حقيقة مع أنها من العقود بالحمل الشايع. 2 - اعتبار رضاء العاقد في تأثير عقده. ويرد عليه: أن لازمه أن لا يصح عقد المكره بحق، مع أنه صحيح جزما. كما إذا أكرهه الحاكم الشرعي على بيع أمواله ليعطى الناس حقه، أو أو أكره المحتكر على بيع ما احتكره عند المجاعة، فان الاكراه في أمثال ذلك إكراه بحق لا يمنع عن نفاذ البيع. 3 - أن مقارنة الرضاء للعقد مأخوذة في صحته.

[ 331 ]

ويرد عليه: أن هذا وإن كان ممكنا في مقام الثبوت، ولكن لا شاهد عليه في مقام الاثبات، لان ما يمكن أن يستدل به على ذلك، وتقيد به المطلقات الدالة على صحة العقود إما الاجماع أو العقل، أو آية التجارة عن تراض، أو الروايات الدالة على حرمة التصرف في مال المسلم بدون اذنه ورضاه، أو حديث الرفع. ولكن لا دلالة في شئ منها على ما يرومه المستدل: أما الاجماع والعقل فلانهما من الادلة اللبية، ومن الواضح أن القدر المتيقن منهما إنما هو اعتبار مطلق الرضاء في صحة العقد أعم من المقارن واللاحق أما الآية المباركة - أو الروايات الدالة على حرمة أكل مال المسلم من دون رضاه - فلانها تدل على توقف حلية المال ونقله إلى غيره على تحقق الرضاء من المالك. ومن الظاهر أنا نلتزم بذلك حيث لا نحكم بالحلية الا بعد الرضاء وطيب النفس، غاية الامر أنا لا نخصص الرضاء بالرضاء المقارن، بل نعممه إلى الرضاء اللاحق - أيضا - بديهة أن التخصيص بخصوص المقارن تقييد للادلة الدالة على اعتبار الرضاه في حلية المال ونقله إلى غيره. وعلى الجملة: ان الظاهر من تلك الادلة هو أن الرضاء معتبر في أصل حلية المال ونقله إلى غيره، سواء فيه الرضاء المقارن واللاحق، لا أنها مختصة بخصوص الرضاء المقارن، بل التخصيص بذلك تقييد لها بلا مقيد. قيل: ان ظاهر الآية المباركة أن التجارة لا بد وأن تكون مسببة عن الرضاء، وناشئة منه، وعليه فلا بد من اقترانه بالعقد، ولا يكفى لحوقه به، لانه إذا انعقد فاسدا ابتداءا لم ينقلب بعد ذلك عما هو عليه. ومن هنا يظهر أنه لا وجه لقياس المقام بالعقد الفضولي المتعقب بالرضاء والاجازة أن المالك، فان العقد الفضولي لا ينتسب إلى المالك الا حين اجازته

[ 332 ]

فهو حين ما ينتسب إلى المالك ينشأ من طيب نفسه ورضاه. وهذا بخلاف عقد المكره، فانه حين صدوره من المالك وانتسابه إليه قد حكم عليه بالفساد، ولم يصدر منه عقد ثانيا، وانما رضى بالعقد السابق، وهو لا ينقلب عما هو عليه. ولكن الصحيح هو تأثير الاجازة اللاحقة والرضاء المتأخر في المقام أيضا بيان ذلك: أن التجارة بالمعنى المصدرى وان كان أمرا يحدث ويفنى الا أنها بمعنى اسم المصدر له بقاء، وبهذا المعنى أمرنا بانهاء العقد واتمامه، وعليه فالتجارة الصادرة من المكره إذا تعقبها الرضاء والاجازة يصدق عليها أنها تجارة عن تراض. ومما يدل على ذلك: أن الآية المباركة واضحة الدلالة على أن سبب أكل مال الغير منحصر في أمرين: الاسباب الباطلة، والتجارة عن تراض، ولا ريب في أنه لا يكون الاكل في محل الكلام أكلا بالباطل، فيكون من جهة التجارة عن تراض. ثم إن المصنف قد التزم بعدم اعتبار مقارنة الرضاء للعقد بأن دلالة آية التجارة على ذلك إما بمفهوم الحصر، أو بمفهوم الوصف: أما الاول فهو منفى في المقام، بداهة أن الدلالة على الحصر انما يكون إذا كان الاستثناء في تلك الآية متصلا. ومن الواضح أن الاستثناء فيها منقطع إذ التجارة عن تراض ليست داخلة تحت الاسباب الباطلة للتجارة لكى يكون خروجها عنها بعنوان الاستثناء المتصل. أما الثاني فلان مفهوم الوصف على القول به انما يثبت فيما إذا لم يرد الوصف مورد الغالب، والا فلا مفهوم له. ومن الواضح أن الوصف في الآية الشريفة قد ورد مورد الغالب، لا للاحتراز. انتهى ملخص كلامه.

[ 333 ]

ويرد عليه أولا: أن انكار مفهوم الحصر - هنا - مناف لما استدل هو رحمه الله بالآية المذكورة على لزوم العقود، ومن المعلوم أن استدلاله بها على ذلك لا يتم الا على فرض دلالتها على الحصر، لان الاكل بفسخ العقد لا يحرم الا بعدم كونه تجارة عن تراض، واذن فالاكل المحلل منحصر بالتجارة عن تراض. ثانيا: أنا ذكرنا مرارا أن دخول باء السببية على كلمة الباطل ومقابلتها - في الآية - مع التجارة عن تراض قرينتان على توجه الآية إلى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الباطلة لها، كما أن المراد من كلمة الاكل في الآية ليس هو الازدراد الذى هو معناه الحقيقي، وانما هي كناية عن تملك مال غيره من غير استحقاق، وعليه فان كان الاستثناء في الآية المباركة متصلا - كما هو الظاهر الموافق للقواعد العربية - يكون مفاد الآية هو المنع عن تملك أموال الناس بشئ من الاسباب الا أن يكون ذلك السبب تجارة عن تراض، فان الاكل بغيره باطل، وبغير حق، فتدل الآية على حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض. وان كان الاستثناء منقطعا فالآية - وقتئذ - وان لم تكن ظاهرة في الحصر ابتداء، الا أنه تعالى لما كان في مقام بيان الاسباب المشروعة للمعاملات وفصل صحيحها عن فاسدها، وكان الاهمال مخلا بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من الآية الكريمة بالقرينة المقامية، واذن فالآية الشريفة تدل على حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض، سواء أكان الاستثناء متصلا، أم كان منقطعا، وأما غير التجارة عن تراض من سائر أسباب المعاملات فهو باطل. ومن هنا يظهر أنه لا يتوقف الاستدلال بالآية على اعتبار مقارنة الرضاء للعقد على كون الاستثناء متصلا - كما هو الظاهر - ولا على الالتزام بمفهوم الوصف

[ 334 ]

وأن الحكم المذكور في القضية لم يثبت للجامع بين واجد الوصف وفاقده، - كما هو الصحيح - واذن فلا يبقى لمناقشة المصنف مجال، وعليه فالصحيح ما ذكرناه من أنه لا دلالة في الآية الا على عدم جواز الاكل ما دام التراضي غير موجود، فإذا وجد الرضاء من المكره انقلبت التجارة إلى التجارة عن تراض، فلا يكون الاكل بسببها أكلا بالباطل. أما حديث الرفع فلا يدل الا على عدم ترتب الاثر على بيع المكره - مثلا - ما دام الاكراه، فإذا ارتفع الاكراه، وتبدل بالرضاء لم يكن مانع من التمسك بالعمومات الدالة على صحة العقود من بيع أو غيره، فانا حققنا في محله: أنه إذا ورد عام ثم خصص بمخصص في زمان خاص لم نرفع اليد عن ذلك العام الا بمقدار دلالة المخصص. وعليه ففى ما نحن فيه أن عمومات صحة المعاملات قد خصصت بحديث الرفع، ومن الظاهر أنا نرفع اليد عن تلك العمومات بمقدار زمان الاكراه، ويبقى الباقي تحت العام. ومع الاغماض عن ذلك نقول: إن حديث الرفع حيث ورد في مقام الامتنان فلا يدل الا على رفع حكم يكون جعله مخالفا للامتنان، ويكون رفعه موافقا له. أما إذا كان رفع الحكم مخالفا للامتنان، وكان جعله موافقا له كصحة البيع عند الاضطرار فان رفع أثر البيع - وقتئذ - مخالف للامتنان، ووضعه موافق له، فهو لا يكون مشمولا لحديث الرفع. ومن هنا يظهر أنه إذا كان الحكم لا يعد في نفسه وطبعه موافقا للامتنان ولا مخالفا له، بل كانت مخالفته للامتنان وموافقته له باعتبار حصصه وأفراده فلا محالة كان المجعول ما هو موافق للامتنان، ويرفع ما هو مخالف له. ولا شبهة في أن ما نحن فيه من القبيل الثالث، بديهة أن الحكم بترتب.

[ 335 ]

الاثر على العقد المكره عليه من حين حدوثه مخالف للامتنان فيرتفع بحديث الرفع. ولكن الحكم بترتب الاثر عليه بقاء: أي بعد لحوق الرضاء به موافق للامتنان، فلا يكون مشمولا لحديث الرفع. وبعبارة اخرى: الحكم بصحة العقد غير المقترن بالرضاء، ولا الملحوق به مخالف للامتنان، فهو غير مجعول، لحديث الرفع. أما للعقد المكره عليه الملحوق بالرضاء فلا امتنان في رفع أثره، والحكم بعدم صحته من حين ما رضى المالك به، فلا يشمله حديث الرفع الوارد في مورد الامتنان. ثم أجاب المصنف - عن التمسك بحديث الرفع لاعتبار الرضاء المقارن في صحة العقد - بوجهين: الوجه الاول: أن حديث الرفع انما يرفع المؤاخذة، لانه وارد في مقام الامتنان، ورفع المؤاخذة عن المكلف منة عليه، فترتفع بحديث الرفع أما الحكم بوقوف عقد المكره على الرضاء راجع إلى أن له أن يرضى بذلك فيكون هذا حقا له، لا عليه، وحينئذ فرفع الاثر عن عقده بعد تعقبه بالرضاء على خلاف الامتنان، فلا يكون مشمولا لحديث الرفع، انتهى ملخص كلامه في الوجه الاول. ويرد عليه: أن المرفوع بحديث الرفع هو نفس المجعول الشرعي المتعلق بالمكره عليه، أو المترتب عليه من الحكم التكليفى، أو الوضعي. وعليه فدعوى: أن المرفوع هو المؤاخذة وإلزام المكره بما صدر منه، دعوى غير صحيحة. وإن شئت قلت: ان المرفوع بحديث الرفع في العقد الاكراهي هو صحة العقد، لكنه لا على الاطلاق، لانه على خلاف الامتنان، بل مادام الاكراه

[ 336 ]

باقيا، فإذا تعقب بالرضاء كان مشمولا للاطلاقات. أما توقف عقد المكره على الرضاء المتأخر فهو لم يكن مجعولا حتى يقال انه حكم له، لا عليه، فلا يشمله حديث الرفع، لان المرفوع به المؤاخذة والاحكام المتضمنة الالزام المكره بشئ. الوجه الثاني: أن أدلة صحة المعاملات تقتضي باطلاقها ترتب الاثر على العقد بمجرد تحققه في الخارج، وحكومة حديث الرفع على الادلة المذكورة تقتضي رفع السببية المستقلة عن العقد المجرد عن الرضاء، وترتيب هذه السببية على العقد الصادر لا عن اكراه، ولا ينافى ذلك كون العقد جزء السبب، ووقوف تأثيره على الرضاء المتأخر. انتهى ملخص كلامه في الوجه الثاني. ولكنه ناقش في ذلك بما حاصله: أن المطلقات الدالة على السببية المستقلة إذا قيدت بما إذا صدر العقد من غير اكراه لم يبق - هنا - ما يدل على صحة عقد المكره فيما إذا تعقبه الرضاء، وعليه فالمرجع - عندئذ - هو الاصل وهو يقتضى الفساد. ثم ذكر: أن حديث الرفع لا يمكن أن يكون حاكما على المطلقات، فلا مانع من التمسك بها لصحة عقد المكره المتعقب بالرضاء. وبيان ذلك: أن المطلقات قد قيدت بالادلة الاربعة - المقتضية لحرمة أكل المال بالباطل، ومع عدم طيب النفس - بما إذا كان العقد مرضيا به سابقا أو لاحقا، والاكان الاكل أكلا للمال بالباطل وإذا كان كذلك فتستحيل حكومة حديث الرفع عليها، وذلك لان العقد المقرون بالرضاء يستحيل عروض الاكراه عليه، والعقد الملحوق بالرضاء قد حكم عليه بالصحة بما أنه مكره عليه، ومثل ذلك غير قابل لان يشمله حديث الرفع، فانه يختص بما

[ 337 ]

إذا كان الاثر مترتبا على ذات الشئ من غير دخل للاختيار والاكراه فيه، فيرتفع أثره عند الاكراه، وذات العقد في المقام لا أثر له، الا أنه جزء السببب المؤثر. ولا يمكن رفع هذا الاثر بحديث الرفع، هذا ملخص ما أفاده قدس سره. أقول: أما ما أفاده أولا فيرد عليه: أن مقتضى الاطلاقات هو سببية العقد مطلقا، لترتب الاثر عليه، لكن حديث الرفع اقتضى عدمه فيما إذا لم يكن العاقد راضيا به لا سابقا ولا لاحقا على ما عرفته، فيبقى ما لحقه الرضاء تحت المطلقات، لا أن المرجع هو الاصل الذى يقتضى الفساد. أما ما أفاده أخيرا فهو مبنى على الالتزام بتقييد المطلقات أولا بما دل على حرمة أكل المال بالباطل، ثم ملاحظة النسبة بينها، وبين حديث الرفع. ولكن هذا غير صحيح، فان حديث الرفع في عرض سائر المقيدات ونتيجة الكل: أن العقد إذا لم يكن مرضيا به، لا سابقا، ولا لاحقا لم يؤثر أثره. أما إذا كان مكرها عليه حدوثا، ولكن رضى به المالك بعد ذلك فلا دلالة في شئ من المقيدات على بطلانه، فيحكم بصحته بمقتضى الاطلاقات بحث في أن الرضاء المتأخر كاشف أو ناقل قوله: (بقى الكلام في أن الرضاء المتأخر ناقل، أو كاشف) أقول: بعد البناء على أن الرضاء المتأخر يوجب صحة بيع المكره قد وقع الكلام بين

[ 338 ]

الاعلام في أنه كاشف عن صحة العقد من أول الامر، أو ناقل من حين تحقق الرضاء؟. مقتضى الاصل هو القول بالنقل، فانه يشك في حصول الملكية إلى زمان الرضاء، فالاصل يقتضى عدمه. أما بحسب الدليل الاجتهادي فقد ذهب المصنف إلى القول بالكشف من جهة ما ورد في تزويج الصغيرين (1) حيث حكم الامام (ع) بالتوارث


(1) عن ابي عبيدة الحذاء قال: سألت ابا جعفر (ع) عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين؟ فقال: النكاح جائز، وايهما ادرك كان له الخيار... قلت: فان كان الرجل الذي ادرك قبل الجارية ورضى بالنكاح ثم مات قبل ان تدرك الجارية اترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى اخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر... صحيح. الكافي ج 5 من ط 2 باب تزويج الصبيان ص 401 والتهذيب ج 2 ص 223. والوافي ج 12 باب 68 ولي العقد على الصغار ص 65. ورواه الشيخ في باب توارث الازواج من الصبيان من كتاب الميراث في ص 440. عن علي بن فضال، عن محمد بن علي، عن السراد، عن ابن رئاب عن ابي جعفر (ع). ولكن الظاهر: ان ابن رئاب يروى عن الحذاء، وهو يروي عن ابي جعفر (ع) - كما عرفته في المصادر المتقدمة - لان ابن رئاب من اصحاب الصادق (ع) لا الباقر (ع) فالسقط انما هو من قلم النساخ. وعن الحلبي قال: قلت لابي عبد الله (ع): الغلام له عشر سنين فيزوجه ابوه في صغره ايجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال فقال: اما التزويج فصحيح واما طلاقه. قلت فان ماتت، أو مات فقال: يوقف الميرات حتى يدرك ايهما بقى ثم يحلف بالله ما دعاه إلى اخذ الميرات إلا الرضاء بالنكاح، ويدفع إليه -

[ 339 ]

بينهما إذا مات أحدهما، ولكن بعد احلاف الحى على أن امضاءه لعقد النكاح ليس من ناحية الطمع في المال، بل من جهة رغبته في النكاح. ولكن يرد عليه: أن الرواية قد وردت في النكاح الفضولي، والتعدى منه إلى سائر المعاملات الفضولية وان كان جائزا، لعدم الفارق بينها وبين النكاح من ناحية الفضولية، الا أنه لا يمكن التعدي منه إلى بيع المكره المتعقب بالرضاء الا بدليل، وذلك للفرق الواضح بينه وبين البيع الفضولي، فان بيع المكره يستند إلى المالك من أول الامر، وقد فرضنا أنه لم يحكم بصحته إلا بعد تحقق الرضاء، وأما البيع الفضولي فهو يستند إلى المالك من حين اجازته فيمكن الحكم بصحته من أول الامر. هذا. والصحيح: هو القول بالكشف في كلا المقامين، وذلك لان الاجازة وان كانت متأخرة عن العقد، الا أنها متعلقة بالعقد، وامضاء له، ولازم ذلك هو الحكم بتأثيره من أول الامر، وسيأتى توضيح ذلك في بحث البيع الفضولي. ونزيد على ذلك في المقام بأن مقتضى العمومات والاطلاقات هو صحة العقد، وتأثيره من حين حدوثه. لكن حديث الرفع وغيره دل على اعتبار الرضاء الاعم من المقارن والمتأخر في ذلك. ومقتضى الجمع بينهما هو الحكم بالصحة وترتب الاثر عليه من أول الامر. فان قلت: إذا حكم عليه بالصحة من أول الامر فقد كان سبب الحل - وأكل المال - التجارة لا عن تراض، وقد فرضنا انحصاره بالتجارة عن تراض قلت: الحكم بالصحة إنما هو بعد الرضاء. ولكن متعلق الحكم إنما هو


- الميراث، مجهول بمحمد بن موسى المتوكل. الوافى ج 12 باب 175 ص 167. وقد تقدم صدره في ص 274.

[ 340 ]

الصحة من حين العقد، فمن اكره على بيع داره - مثلا - ثم رضى بما فعله يحكم عليه من حين رضاه بأنه مالك للثمن من حين العقد، كما أن المشترى مالك للدار. وسيجئ في البحث عن البيع الفضولي بيان ذلك إنشاء الله تعالى، وأنه غير الكشف الحكمى الذى التزم به المصنف قدس سره. ثم إن المصنف قاس ما نحن فيه بفسخ العقد، بدعوى: أن الفسخ وإن كان حلا للعقد السابق، وجعله كأن لم يكن، إلا أنه لا ترفع به الملكية السابقة على الفسخ، لان العبرة بزمان حدوث الفسخ، لا بزمان حدوث متعلقه. ويتوجه عليه: أن هذا قياس باطل، لوجود الفارق بين الفسخ وبين ما نحن فيه: بداهة أن الفسخ عبارة عن حل العقد، ويقابله إقراره وإمضاؤه وأما إجازة العقد فيقابله رده، فلا منافاة بين أن يكون أثر الفسخ من حينه - كما هو ظاهر أدلته - وأن يكون أثر الاجازة ترتيب أثر العقد من حينه ثم إنه هل للطرف غير المكره فسخ العقد قبل صدور الرضاء من المكره؟. فيه كلام سيأتي في بحث العقد الفضولي. فان الملاك مشترك فيه بين البابين. والى هنا جف القلم في بيع المكره وتوابعه. والحمد لله أولا وآخرا. بحث في معاملات العبد قوله: (مسألة: ومن شروط المتعاقدين إذن السيد لو كان العاقد عبدا فلا يجوز للمملوك أن يوقع عقدا إلا باذن سيده) أقول: لا شبهة في أن العبد ليس كالحر العاقل بحيث يكون مستقلا في التصرف، ولا أنه مثل المجانين

[ 341 ]

بحيث لا يترتب على فعله وعبارته أثر بوجه، وإنما هو برزخ بينهم وبين الحر العاقل. ثم إن الاقوال في تصرفات العبد ثلاثة: 1 - أنه محجور عن كل تصرف الا الضروريات التى بها عيشه. 2 - أن جميع تصرفاته نافذة، إلا ما يكون تصرفا في سلطنة المولى، - وحينئذ - فلا بأس في نفوذ تصرفاته بما لا ينافي حق المولى، كأن يتوكل عن غيره في معاملة أو ايقاع، أو يضمن دين شخص بشرط أن يؤديه لصاحب الدين بعد انعتاقه، أو أشباه ذلك. 3 - أنه لا يجوز تصرفه في كلما يعد شيئا معتدا به بحسب العرف والعادة من غير فرق في ذلك بين ما يتعلق بأموال سيده وما يتعلق بنفسه من عقد أو ايقاع وما يتعلق بأمواله - بناءا على كونه مالكا شرعا - وما يتعلق بسائر الناس من التصرف في أموالهم أو أنفسهم بعقد أو ايقاع فان صحة جميع ذلك يتوقف على اذن المالك واجازته وعلى الجملة يحكم بلغوية كل تصرف يستقل العبد فيه من دون أن يتقيد بقسم خاص واذن فلا تصح وكالة العبد عن غيره أيضا حتى في اجراء الصيغة فضلا عن كونه وكيلا مفوضا ما لم يكن ذلك باذن سيده. ذهب المصنف إلى الوجه الاخير، حيث حكم بأنه لا يجوز للمملوك أن يوقع عقدا إلا باذن سيده، سواء أكان لنفسه في ذمته، أو بما في يده أم كان لغيره. واستدل على رأيه هذا بقوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر

[ 342 ]

على شئ (1)). وبصحيح زرارة عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام قالا: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا باذن سيده، قلت: فان كان السيد زوجه بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيد. (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) فشئ الطلاق (2). ووجه الاستدلال بهما: أنه كلما صدق عليه أنه شئ معتد به فلا يقدر العبد على التصرف فيه شرعا من دون اذن مولاه. وعليه فلا يجوز للعبد أن يكون وكيلا عن غيره في إجراء الصيغة فضلا عن كونه وكيلا مفوضا، ولا على ايجاد الملكية أو الزوجية لنفسه، ولا على طلاق زوجه، ولا على الالتزام بشئ والتعهد بدين - وان اشترط أداءه بعد حريته - لان كل ذلك يصدق عليه عنوان الشئ، فلا يقدر عليه العبد شرعا بدون إذن سيده. وعلى الجملة: ان الظاهر من الآية والرواية هو أن العبد غير مستقل في جميع تصرفاته، سواء أكانت راجعة إلى نفسه حال عبوديته، أم تعلقت برقبته، كأن يضمن الشئ لشخص بشرط أن يعطيه اياه بعد حريته، وسواء أكانت راجعة إلى سيده، أم كانت راجعة إلى الاشخاص الآخرين - وان لم يكن - هناك - ما يزاحم حق المولى، كأن يتوكل عن غيره في عقد أو ايقاع. والسر في ذلك: هو أن عدم قدرته على شئ ليس الا عدم تمكنه من التصرف فيه، وأنه يحتاج في ذلك الا الاستعانة من غيره، ومن الواضح أن المحتاج إلى غيره في فعل لا يكون قادرا على التصرف فيه استقلالا، وعليه


(1) سورة النحل الآية: 75. (2) الفقيه ج 3 من طبعة النجف باب طلاق العبد ص 350.

[ 343 ]

فشأن العبد شأن الصبى، فكما أن الصبى لا ينفذ تصرفه في شئ الا بأذن وليه، كذلك المملوك، فانه لا ينفذ تصرفه في شى الا باذن سيده. انتهى ملخص كلامه مع التوضيح الاجمالي. وتبعه - في ذلك - شيخنا الاستاذ. والتحقيق: أنه لا دلالة في الآية، ولا في الرواية على ما ذهبا إليه. وبيان ذلك: أنه ليس المراد من عدم القدرة - في الآية - هو عدم القدرة عقلا، ولا أن المراد من الشئ هو الشئ التكويني الخارجي، بداهة أن العبد مثل الحر في قدرته على الامور الخارجية. وأيضا ليس المراد من نفى القدرة هو نفى القدرة الشرعية التكليفية، ضرورة أن ما هو مباح للاحرار - في الشريعة المقدسة الاسلامية من المأكولات والملبوسات والمشروبات - مباح للعبيد - أيضا - وليس لاذن المولى دخل في ذلك بوجه. بل المراد من قوله تعالى: لا يقدر على شئ هو عدم نفوذ تصرفات العبد في شئ، وعلى هذا فلا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من أن قوله تعالى: لا يقدر على شئ قيد توضيحي، لان العبد لا ينقسم إلى القادر والعاجز، بل المملوكية مساوقة للعجز. لا وجه لذلك من جهة أن المراد من عدم القدرة هو عدم نفوذ التصرف. ولا شبهة في أن هذا حكم وضعي، فلا معنى لاخذه قيدا للموضوع أو توضيحا له. ثم ان لفظ (مملوكا) في الآية الكريمة بمنزلة العلة لقوله تعالى: لا يقدر على شئ، فكأنه تعالى قال: ان العبد لا ينفذ تصرفه، لكونه مملوكا. وعليه فمناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يراد من عدم قدرة العبد عدم نفوذ تصرفه فيما يرجع إلى نفسه وأمواله من حيث عبوديته.

[ 344 ]

أما عدم نفوذ تصرفه في أموال سيده، أو أموال الاشخاص الآخرين فهو ليس من جهة كونه عبدا مملوكا، بل من جهة الادلة الدالة على حرمة التصرف في أموال الناس بدون اذنهم، ولا ريب في أن هذا المعنى لا تقتضيه العبودية، بل هو مشترك فيه بين العبد والحر. ولو سلمنا أن الآية ليست بظاهرة في هذا المعنى، الا أنه لا سبيل إلى انكار كونه محتملا منها، وعليه فتكون الآية مجملة، واذن فلا يمكن الاستدلال بها على عدم نفوذ تصرف العبد فيما يرجع إلى سيده أو إلى شخص آخر غير سيده وقد اتضح لك مما بيناه: أنه لا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من جعل لفظ (مملوكا) في الآية قيدا توضيحيا، بدعوى أن العبد لا ينقسم إلى مملوك وغير مملوك: وقد ظهر لك مما ذكرناه أيضا: أنه لابد من أن يفرق بين كون العبد وكيلا عن غيره في انشاء عقد أو ايقاع، وبين توكيله غيره في ذلك. أما الاول فيجوز له ذلك، لانه لا يعد تصرفا فيما يرجع إلى نفسه لكى يحكم بفساده بدون اذن مولاه، بداهة أن كون العبد مملوكا لمولاه لا يلازم سقوط ألفاظه وعباراته والعقد أو الايقاع بما أنه للغير فلا مانع من الحكم بصحته. أما الثاني فلا يجوز له ذلك، إذ ليس للعبد أن يستقل في التصرف فيما يرجع إلى نفسه أو أمواله بدون اذن سيده، فإذا لم يجز له ذلك لم يجز له توكيل غيره فيه. هذا ما يرجع إلى الآية المباركة. أما رواية زرارة فانها ظاهرة - أيضا - في عدم نفوذ تصرفات العبد فيما يرجع إلى نفسه، فلا اشعار فيها بكون مطلق تصرفاته متوقفا على اذن سيده والقرينة على هذه الدعوى من نفس الرواية هي قوله عليه السلام: المملوك لا يجوز طلاقه، ولانكاحه الا باذن سيده. قلت: فان كان السيد زوجه

[ 345 ]

بيد من الطلاق؟ قال عليه السلام: بيد سيده. ثم إنا إذا قلنا بعدم نفوذ تصرف العبد فيما يرجع إلى غير المولى - أيضا - إلا باذنه فلو تصرف العبد بدون إذن سابق، ولكن لحقته الاجازة من المولى فهل يحكم بصحته؟. فيه خلاف بين الاعلام. قد احتمل المصنف أولا عدم نفوذه، وحاصل كلامه: أن الاجازة إنما تتعلق بمضمون العقد: أعنى به انتقال المال بعوض، ولا ريب في أن هذا المعنى - فيما نحن فيه - ليس منوطا برضاء المولى، إذ المفروض أنه أجنبي عن العوضين، بل حق المولى من جهة كون إنشاء هذا المضمون قائما بعبده، ومن الواضح أن الانشاء إذا صدر منه على وجه الاستقلال لم يخرج عن استقلاله لان الشئ لا ينقلب عما هو عليه. وبتعبير آخر: أن ما ترتبط به إجازة المولى: أعنى به الانشاء لا يعقل أن تلحقه الاجازة، فيكون صادرا من قبل المولى، لاستلزامه الانقلاب المحال، ومالا يستلزم المحال من تعلق الاجازة به - وهو مضمون العقد - غير مرتبط بالمولى. وسيأتى الجواب عن هذه المناقشة قريبا. ثم إنه رحمه الله قوى صحة تصرفات العبد بالاجازة اللاحقة بوجوه: وحاصل الوجه الاول: أن العمومات والمطلقات قد دلت على صحة العقود والايقاعات، سواء أكانت صادرة من الاحرار، أم كانت صادرة من المماليك، وقد خرج منها العقد الصادر من العبد من دون استناده إلى اذن المولى أصلا، لا سابقا، ولا لاحقا، ويبقى الباقي تحت العمومات والمطلقات وببيان أوضح: أن مفاد المخصص إنما هو عدم ترتب الاثر على العقد الصادر من العبد من دون إذن سيده سابقا، أو إجازته لا حقا، وليس مفاد

[ 346 ]

المخصص اعتبار الاذن السابق فقط في تصرفات العبد. ولو أغمضنا عن ذلك، وشككنا في أن مفاد المخصص هل هو المعنى الاول، أو المعنى الثاني وجب الاخذ بالمعنى الاول، لان المخصص المنفصل إذا كان مجملا: - بان كان مرددا بين الاقل والاكثر - أخذنا بالقدر المتيقن منه، وهو في المقام العقد الصادر من العبد بلا إذن سابق، ولا إجازة لا حقة وفى غير ذلك نتمسك بالعمومات. وأورد عليه شيخنا الاستاذ بأن دليل اعتبار الاذن في تصرف العبد ظاهر في الاذن السابق، فلا يشمل الاجازة اللاحقة لان الاجازة غير الاذن وعليه فلا إجمال في المخصص لكى يتمسك بالعموم ويحكم بنفوذ تصرف العبد مع الاجازة اللاحقة أيضا. ويرد عليه: أن دليل اعتبار الاذن في تصرفات العبد لا ظهور له في إرادة الاذن السابق. أما الآية فواضح، لان المستفاد منها - كما عرفته سابقا - هو عدم نفوذ تصرف العبد، لكونه مملوكا لا يقدر على شئ، فلا بد في نفوذه من دخل إذن المولى فيه، ولكن لا يستفاد منها أن دخله فيه بأية كيفية، أهو بالاذن السابق، أم كان ذلك أعم منه ومن الاجازة اللاحقة، وعليه فيدور الامر بين الاقل والاكثر، فمقتضى القاعدة في أمثال ذلك هو الاخذ بالاقل، لكونه متيقن الارادة. أما صحيحة زرارة فلا يستفاد منها إلا بطلان نكاح العبد وطلاقه من دون اذن سيده بأن يكون مستقلا في تصرفه. أما بطلان تصرفه إذا لحقته الاجازة فاستفادته تتوقف على إثبات ظهور لفظ الاذن في الاذن السابق، وهو أول الكلام. وحاصل الوجه الثاني: أن صحيحة زرارة المتقدمة قد دلت على صحة

[ 347 ]

النكاح والطلاق بالاذن، وحيث ثبتت بالاخبار الخاصة صحة النكاح بالاجازة اللاحقة فيستكشف من ذلك أن المراد من الاذن في الصحيحة أعم من السابق واللاحق، - وحينئذ - فنلتزم بصحة سائر العقود - أيضا - بالاجازة اللاحقة، لعدم الفارق بين النكاح وبين بقية العقود، ولازم هذا التعميم وإن كان يقتضى الالتزام بصحة الطلاق - أيضا - بالاجازة اللاحقة، إلا أنه خرج ذلك بالدليل الخارجي. وتوهم أنه يلزم - وقتئذ - تأخير البيان عن وقت الحاجة توهم فاسد، لان المقصود من الصحيحة هو نفى استقلال العبد في الطلاق وأنه يبطل بدون إذن سيده، لا بيان جميع الخصوصيات المعتبرة في طلاق العبد، وعليه فكفاية الاذن اللاحق فيه وعدمها أمر خارج عن مقام البيان. ويتوجه عليه: أنه يمكن نقضه باستظهار عكسه من الصحيحة بان يقال لما كانت الصحيحة مشتملة على الطلاق - الذى لا يصح بالاجازة اللاحقة - استكشفنا بذلك أن المراد من كلمة الاذن فيها إنما هو الاذن السابق فقط، لا الاعم منه ومن الاجازة اللاحقة، وعليه فصحة النكاح بالاجازة اللاحقة إنما ثبت بالدليل الخارجي، ولا يلزم - عندئذ - تأخير البيان عن وقت الحاجة، لان الامام عليه السلام كان في مقام بيان حكم النكاح في الجملة، لا مطلقا، وعليه فلا بد من ملاحظة الصحيحة في نفسها، إذ لا تعرض فيها لبيان أن المراد من الاذن هل هو الاذن السابق، أو الاعم منه ومن الاجازة اللاحقة، فتبقى الصحيحة على إجمالها. الوجه الثالث: استفادة ذلك مما دل (1) على أن اجازة المولى توجب


(1) عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه؟ فقال: ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء اجاز نكاحهما، فان فرق بينهما فللمرأة ما اصدقها إلا ان -

[ 348 ]

صحة نكاح العبد الواقع بدون إذنه: وذلك لوجهين: الوجه الاول: أن مقتضى هذه الاخبار هو صحة ما عقده العبد لنفسه للعموم المستفاد من ترك الاستفصال، وعلى هذا فلا يمكن حملها على ما إذا عقد غيره له لكى يخرج بذلك عن عنوان عقد المملوك ويدخل تحت عنوان عقد الفضولي الذى لا ربط لصحته - بالاجازة اللاحقة - بصحة عقد العبد باجازة المولى. وإذا صح نكاح العبد صحت بقية العقود الصادرة منه بالاولوية. فالمتحصل من هذه الاخبار هو صحة معاملات العبد إذا اجازها سيده سواء أكان المباشر للصيغة هو العبد، أم كان غيره، وسواء أكانت العقود للعبد، أم كانت لغيره، وإنما باشرها العبد وكالة. وكل ذلك من ناحية ترك الاستفصال. الوجه الثاني. أن قوله عليه السلام: (إنه لم يعص الله انما عصى سيده فإذا


- يكون اعتدى فاصدقها صداقا كثيرا فان اجاز نكاحه فهما على نكاحهما الاول. فقلت لابي جعفر (ع) فانه في اصل النكاح كان عاصيا؟ فقال ابو جعفر (ع): إنما اتى شيئا حلالا وليس بعاص لله، وإنما عصى سيده. ولم يعص الله، إن ذلك ليس كاتيانه ما حرم الله تعالى عليه من نكاح في عدة واشباهه. ضعيف بموسى بن بكر. وعنه عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال ذاك إلى سيده ان شاء اجازه وان شاء فرق بينهما. قلت: اصلحك الله إن الحكم بن عتيبة وابراهيم النخعي واصحابهما يقولون: إن اصل النكاح فاسد، ولا تحل له إجازة السيد له. فقال ابو جعفر (ع): إنه لم يعص الله إنما عصى سيده فإذا اجازه فهو له جائز. حسن بابراهيم بن هاشم. الكافي ج 5 من ط 2 ص 478. الوافى ج 12 باب تزويج الاماء ص 88.

[ 349 ]

أجازه فهو له جائز) علة لصحة العقد الصادر من العبد، ومفاد هذه العلة هو أن المعيار في صحة معاملة العبد بعد عدم كونها مخالفة لله - كالمعاملة على الخمر والخنزير والميتة ونحوها - إنما هو وقوعها برضاء المولى، سواء فيه الرضاء السابق واللاحق. وعليه فإذا أوقع عقدا بدون رضاء سيده - الذى هو معنى عصيانه - ثم رضى به سيده صح العقد، لان معاملة العبد - عندئذ - ليست معصية لله حتى يحكم بفسادها، بل هي معصية لسيده. فيحتاج إلى اجازته، وقد فرضنا تحققها. واذن فالرواية في مقام بيان الضابطة الكلية وهى أن كل عقد كان فيه عصيان لله فهو فاسد، كالعقد على المحارم، وبيع الخمر والخنزير وكل عقد لم يكن فيه عصيان لله فهو صحيح غاية الامر أنه يحتاج إلى اجازة سيده هذا. وقد ناقش شيخنا الاستاذ في الوجه الاول، وحاصل مناقشته هو أن العبد إذا عقد لنفسه كان مضمون العقد: أعنى به المنشأ متوقفا على الاجازة أما الانشاء الذى - هو جهة الاصدار - فهو معنى حرفي وملحوظ تبعى وإذا عقد لغيره فضولا، أو وكالة كان مضمون العقد راجعا إلى غير المولى، فلا يرتبط باجازته، بل المربوط باجازته انما هو جهة الاصدار: أعنى به الانشاء وعليه فجهة الاصدار معنى اسمى، وملحوظ استقلالي، - وحينئذ - فإذا قام الدليل على اجازة المضمون في القسم الاول كان ذلك دليلا على إجازة جهة الاصدار فيه - أيضا - لكونها ملحوظة تبعا. ولكن لا يمكن التعدي من ذلك الدليل إلى جهة الاصدار في القسم الثاني - أيضا - لكونه معنى اسميا، ومن الظاهر أن قياس المعنى الاسمى بالمعنى الحرفى قياس مع الفارق.

[ 350 ]

ولكن لا وجه لهذه المناقشة، بديهة أن كون متعلق الاجازة ملحوظا للمجيز استقلال تاره وتبعا اخرى لا يرتبط بجهة الاستدلال. بيان ذلك: أن العقد الواقع على ملك السيد تتوقف صحته على اجازته واذنه - ولو كان صادرا من غير عبده - كما أن عقد عبده يحتاج إلى ذلك ولو تعلق بمال غيره وعليه فإذا أوقع العبد عقدا على مال المولى - كما في النكاح - كان ذلك مجمعا للعنوانين، وإذا ثبتت صحة ذلك - فيما إذا تعقبته اجازة المولى - ثبتت صحة عقده بمال غير المولى إذا تعقبته الاجازة أيضا. ثم ان التمسك بهذه الوجوه لاثبات صحة تصرفات العبد بالاجارة اللاحقة انما يفيد في مرحلة الاثبات بعد فرض الامكان في مرحلة الثبوت. وإذا حكمنا بالاستحالة ثبوتا من ناحية الانقلاب المحال لم يفد التمسك بها اثباتا. وعليه فلا يجتمع ما احتمله المصنف في مطلع كلامه - بدءا - من الاستحالة في مقام الثبوت، مع حكمه بصحة تصرفات العبد بالاجازة اللاحقة من ناحية الوجوه المتقدمة. واليك لفظه: (وكيف كان فانشاءات العبد لا يترتب عليها آثارها من دون اذن المولى: أما مع الاذن السابق فلا إشكال. وأما مع الاجازة اللاحقة فيحتمل عدم الوقوع، لان المنع فيه ليس من جهة العوضين بل المنع من جهة راجعة إلى نفس الانشاء الصادر، وما صدر على وجه لا يتغير منه بعده... فإذا وقع على وجه يستقل به العبد فلحوق الاجازة لا يخرجه عن الاستقلال الواقع عليه قطعا). (ثم انتقل إلى مقام الاثبات، وقال:) الا أن الاقوى هو لحوق اجازة المولى الخ). إلا أن يقال: ان غرض المصنف من التمسك بالوجوه المذكورة - في مقام الاثبات - هو أن الادلة الدالة على اعتبار رضاء المولى في تصرف العبد انما هو بالمعنى الاعم من الرضاء السابق واللاحق، وعليه فإذا صدر عقد من العبد

[ 351 ]

من دون رضاء سيده لم يتصف ذلك - بمجرد صدوره بدون اذن المولى - بالاستتقلال لكى يلزم من لحوق الاجازة به الانقلاب المحال. بل اتصافه بالاستقلال مراعى بعدم لحوق الرضاء، وإذا اقتضت العمومات والاطلاقات صحة عقد العبد مع الرضاء اللاحق حكمنا بها من دون استلزامه الانقلاب المحال. وكيف كان يمكن الجواب عن المناقشة المذكورة: بأن العقد الصادر من العبد له جهتان: جهة الانشاء، وجهة المنشأ، ومن الواضح ان المحتاج إلى إذن المولى إنما هو المنشأ: أعنى به الاعتبار النفساني المبرز بمظهر خارجي، دون الانشاء: أعنى به ابراز ذلك الاعتبار النفساني. ويدل على صحة ذلك قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة: (المملوك لا يجوز طلاقه، ولا نكاحه إلا باذن سيده). ووجه الدلالة: هو أن الطلاق والنكاح ليسا مجرد الانشاء. بل الطلاق عبارة عن اعتبار حل العلقة المبرز بمظهر خاص خارجي. والنكاح عبارة عن اعتبار العلقة الزوجية في صقع الذهن المبرز بمظهر خارجي. وعليه فشأن ما نحن فيه شأن ما ثبتت في محله من أن صحة نكاح بنت الاخ وبنت الاخت متوقفة على إجازة العمة والخالة، فان المتوقف على اجازتهما ليس هو صحة الانشاء فقط، بل صحة ما يصدق عليه النكاح بالحمل الشايع ولا يخفى عليك: أن ما ذكرناه - من الجواب عن المناقشة المتقدمة - مبنى على كون صحة إنشاء العبد لغيره وكالة أو فضولا متوقفة على اجازة المولى أما بناءا على ما ذكرناه - عند التعرض للاية المتقدمة من عدم كون المولى مالكا لانشاء العبد - فانه لا شبهة في صحة إنشائه لغيره وكالة أو فضولا، سواء رضى به المولى، أم لم يرض به، إذ المولى ليس مالكا لكلمات العبد وألفاظه

[ 352 ]

لتتوقف صحتها على اجازته. ثم إنه بقى - هنا - شئ لم يتعرض له المصنف، وهو أن اجازة المولى لعقد العبد هل هي كاشفة، أو ناقلة؟. مقتضى القاعدة أنها ناقلة، لاصالة عدم تحقق الاثر إلى زمان الاجازة، ولم يرد - هنا - دليل على الكاشفية لكى يخرج به عن القاعدة المزبورة، كما ورد في الفضولي. نعم إذا قلنا بأن الكشف على طبق القاعدة - سيأتي الكلام في ذلك في البحث عن البيع الفضولي - التزمنا - هنا - بالكشف أيضا، قوله: (فرع لو أمر العبد آمر أن يشترى نفسه من مولاه فباعه مولاه صح ولزم بناءا على كفاية رضاء المولى الحاصل من تعريضه للبيع من اذنه الصريح، بل يمكن جعل نفس الايجاب موجبا للاذن الضمنى). ولكن نوقش فيه بوجهين: الوجه الاول: أن عبارة العبد متحدة مع عبارة سيده، فيلزم من ذلك اتحاد الموجب والقابل. وهذا يوجب بطلان العقد. ويتوجه عليه ما ذكره المصنف، وحاصله: أن الالتزام بذلك يقتضى المنع - أيضا - عن نفوذ عقد العبد لو أذن له سيده سابقا، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ويضاف إلى ذلك: أنه لا دليل على اعتبار التغائر بين الايجاب والقبول بل يكفى التغائر بينهما اعتبارا. على أنه لا اتحاد في المقام، لان كون العبد مملوكا لمولاه لا يقتضى ذلك. الوجه الثاني: أنه تعتبر - في صحة العقد - قابلية كل من المتبائعين للانشاء عند تحقق الايجاب والقبول كليهما، وعليه فلو كان المشترى عند ايجاب

[ 353 ]

البائع غير قابل للقبول، أو خرج البائع - حال قبول المشترى - عن قابلية ايجاب البيع لم ينعقد العقد بينهما، لانه - وقتئذ - لا يرتبط عهد أحدهما بعهد الآخر، فلا تتحقق المعاهدة والمعاقدة بينهما بوجه، وحيث إن العبد - فيما نحن فيه - غير قابل للقبول في زمان الايجاب - لعدم كونه مأذونا في ذلك من قبل المولى - فيحكم - حينئذ - بفساد العقد. ويتوجه على أنه لا أساس صحيح لهذا الشرط - على ما ذكرناه في محله - لان المناط في تحقق العقد إنما هو ارتباط التزام البائع بالتزام المشترى - وعليه فإذا تحقق إنشاء البائع - حال كون المشترى نائما أو غافلا أو مغمى عليه، ثم التفت المشترى إلى هذا الانشاء فقبله قبل صدور ناسخه من البائع - صدق عليه العقد جزما، وحكم بصحته ولزومه، للادلة الدالة على نفوذ العقود ولزومها نعم إذا لم يبق البائع على شرائط الانشاء حين قبول المشترى حكم بفساد العقد لارتفاع التزام البائع بانتفاء الشرط عنه، وعدم اتصال التزامه بالتزام المشترى. هذا كله فيما إذا وكل المشترى العبد في الاشتراء من سيده. أما لو وكله في الاشتراء من وكيل المولى فان كان الوكيل وكيلا مفوضا فإذا تحقق إنشاء البائع - حال كون المشترى نائما أو غافلا أو مغمى عليه، ثم التفت المشترى إلى هذا الانشاء فقبله قبل صدور ناسخه من البائع - صدق عليه العقد جزما، وحكم بصحته ولزومه، للادلة الدالة على نفوذ العقود ولزومها نعم إذا لم يبق البائع على شرائط الانشاء حين قبول المشترى حكم بفساد العقد لارتفاع التزام البائع بانتفاء الشرط عنه، وعدم اتصال التزامه بالتزام المشترى. هذا كله فيما إذا وكل المشترى العبد في الاشتراء من سيده. أما لو وكله في الاشتراء من وكيل المولى فان كان الوكيل وكيلا مفوضا فلا شبهة في أن شأنه شأن المولى، فيعود النزاع المتقدم. وان كان الوكيل وكيلا في خصوص إجراء الصيغة فلا شبهة في احتياج الاشتراء إلى الاجازة من المولى. هذا تمام الكلام في البحث عن معاملات العبد. إلى هنا تم الجزء الثالث من كتابنا مصباح الفقاهة في المعاملات، ويليه الجزء الرابع انشاء الله، وأوله مبحث البيع الفضولي، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. قد وقع الفراغ من ذلك سنة 1374 هج‍.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية