الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مصباح الفقاهة - السيد الخوئي ج 2

مصباح الفقاهة

السيد الخوئي ج 2


[ 1 ]

محمد على التوحيدي مصباح الفقاهة في المعاملات من تقرير بحث الاستاذ الاكبر آية... العظمى السيد ابو القاسم الخوئى دامت إفاضاته الجزء الثاني

[ 2 ]

الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين وبعد فمن منن المولى جل شأنه على ان وفق رجالا علماء وافاضل يهتمون بحفظ ما القى إليهم في محاضراتي تقريرا وتحريرا حرصا منهم عليها وتحفظا على المعارف والعلوم الدينية وممن في طليعة هؤلاء جناب الفاضل المهذب الصفى والعلامة المحقق الزكي ركن الاسلام قرة عينى العزيز الميرزا محمد على التبريزي فانه دام فضله السامى قد اتعب نفسه مدة طويله وسهر الليالى في تحرير ابحاثي وتنقيحها في الفنون المتنوعة من الفقه والتفصير والاصول حتى بلغ بفضل الله وحسن توفيقه الدرجة العليا من العلم والعمل واصبح من العلماء العظام والاجلة الاعلام ولقد سرحت بصرى في ما علقه على كتاب المكاسب لشيخ مشايخنا العظام استاذ الفقهاء والمجتهدين المؤسس المجدد آية الله العظمى الشيخ مرتضى الانصاري قدس الله تعالى اسراره فاعجبني غوره في التحقيق والتدقيق وسعة اطلاعه على مصادر الروايات ومواردها وما كتبه دام فضله وتأييده واف بما نقحناه وكاف بتوضيح ما حققناه فليحمد الله وليشكره على ما انعم به عليه والله يختص برحمته من يشاء انه واسع عليم والحمد لله اولا وآخرا في شهر رجب المرجب 1373 ابو القاسم الموسوي الخوئي الطبعة الاولى مطبعة الحيدرية النجف الطبعة الثانية مطبعة سيد الشهداء - قم - المقدسة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المعاملات وحكمة البحث عن حقيقتها لا شبهة في ان الانسان مدني بالطبع لا يمكنه الاستقلال بحوائجه كلها. وإذن فيتوقف حفظ نظام النوع، وصيانة كيانه على الاجتماع وتشريع المبادلة بين الاموال، بداهة أنه لو لم يشرع ذلك لاحتاج كل واحد في حاجاته إلى التغالب، والتكالب، والمقاهرة، كما هو الحال في سائر الحيوانات، وعليه فلابد في حفظ النظام من تشريع المعاملات. وعلى هذا الضوء فلا مناص من معرفة أحكام المعاملات وتنقيح قواعدها وتبويب أبوابها. وبما أن اشتغال جميع أفراد المكلفين بذلك يوجب اختلال النظام. وجب التصدي لها عليهم كفاية. والمال وحقيقته ما هو حقيقة المال؟ وما هو الفارق بينه وبين الملك؟ المال في اللغة (1) ما ملكه الانسان من الاشياء، وفي العرف أن المالية إنما تنتزع من الشئ بملاحظة كونه في حد ذاته مما يميل إليه النوع، ويدخرونه للانتفاع به وقت الحاجة،


(1) في اقرب الموارد: المال ما ملكته من جميع الاشياء، وعند أهل البادية: النعم، يذكر ويؤنث، يقال: هو المال، وهي المال. ج أموال. والمال عند الفقهاء ما يجري فيه البذل والمنع، فيخرج الرماد، والتراب، والميتة التى ماتت حتف أنفها.

[ 4 ]

ويتنافسون فيه، ويبذلون بازائه شيئا مما يرغب فيه من النقود وغيرها، ضرورة أن منا من الحنطة ليس كالمن من التراب، فان الاول ينتزع منه عنوان المالية دون الثاني. وأما عند الشرع فمالية كل شئ باعتبار وجود المنافع المحللة فيه، فعديم المنفعة المحللة (كالخمر والخنزير) ليس بمال. ثم إن النسبة بين المال والملك هي العموم من وجه، بديهة أنه قد يوجد الملك ولا يوجد المال، كالحبة من الحنطة المملوكة، فانها ملك وليست بمال، وقد يتحقق المال، ولا يتحقق الملك. كالمباحات الاصلية قبل حيازتها، فانها أموال، وليست بمملوكة لاحد، وقد يجتمعان، وهو كثير. ثم إنه لا وجه لتخصيص المال بالاعيان، كما يظهر من الطريحي في مجمع البحرين (1) بل المال في اللغة والعرف يعم المنافع أيضا، ولعل غرضه من التخصيص هو بيان الفرد الغالب. الاضافة الحاصلة بين المال ومالكه وحقيقة هذه الاضافة واقسامها ما هو حقيقة الاضافة بين المال ومالكه؟ لا ريب في أن الاضافة الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالاضافة المالكية على أقسام، لانها في الواقع ونفس الامر إما إضافة ذاتية تكوينية، أو إضافة عرضية حاصلة بالامور الخارجية أما الاولى فكالاضافات الكائنة بين الاشخاص، وأعمالهم، وأنفسهم، وذممهم، فان اعمال كل شخص، ونفسه، وذمته مملوكة له ملكية ذاتية،


(1) قال: المال في الاصل: الملك من الذهب والفضة. ثم اطلق على كل ما يقتنى ويتملك من الاعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الابل، لانها كانت أكثر أموالهم.

[ 5 ]

وهو واجد لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية، ودون مرتبة الواجدية الحقيقية التي هي لله جل وعلا. والمراد من الذاتي هنا ما لا يحتاج تحققه إلى أمر خارجي تكويني، أو اعتباري، وليس المراد به الذاتي في باب البرهان: أي من ينتزع من مقام الذات، ولا الذاتي في باب الكليات الخمس: أعني به الجنس، والفصل. وهذا واضح لا ريب فيه. والمراد من الملكية الذاتية ليس إلا سلطنة الشخص على التصرف في نفسه، وشؤونها، بداهة أن الوجدان، والضرورة، والسيرة العقلائيه كلها حاكمة بأن كل أحد مسلط على عمله، ونفسه، وما في ذمته: بأن يؤجر نفسه لغيره، أو يبيع ما في ذمته، ومن البين الذي لاستار عليه: أن الشارع المقدس قد أمضى هذه السلطنة، ولم يمنع الناس عن التصرفات الراجعة إلى أنفسهم. وليس المراد من الملكية هنا: الملكية الاعتبارية، لكي يتوهم أن عمل الانسان، أو نفسه ليس مملوكا له بالملكية الاعتبارية. ومن هنا يتجلى لك: أنه لا شبهة في صدق المال على عمل الحر. وعليه فاستيفاؤه قهرا عليه موجب للضمان جزما. وكذلك الحال في ضمان نفسه. غاية الامر أن الشارع المقدس قد سلك في ضمان النفس المحترمة، وما يرجع إليها من الاعضاء والاطراف غير ما سلكه في ضمان الاموال، وجعل في ذلك حدا خاصا ودية مخصوصة. وأما الثانية (أعني بها الاضافة العرضية) فهي إما أن تكون إضافة أولية وإما أن تكون إضافة ثانوية والاولية إما أصلية استقلالية، أو تبعية غيرية. فالاولية الاصلية، كالاضافة المالية الحاصلة بالعمل، أو بالحيازة، أو بهما معا، فالاول كالاعمال التي يعملها الانسان فيحصل منها المال، كحيازة المباحات، بناء على عدم اعتبار قصد التملك فيها، كما هو الحق، وأما بناء على اعتبار القصد في ذلك فحصول الملكية فيها يحتاج إلى العمل القلبي.

[ 6 ]

وقد حكم العقلاء بحصول المالية بمجرد الحيازة. بل اشتهر بين الفقهاء مرسلا أن (من حاز ملك (1). وقد روى عن النبي ص من طرق العامة (2) ومن طرق الخاصة (3) أن (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به) ولكنه ضعيف السند، وغير منجبر بشئ. والمهم في المقام هو بناء العقلاء، فانه قائم على حصول الاضافة المالكية بين المحيز، المحاز. والثالث: كمن يحوز أشجارا، فيجعلها سريرا، أو يجوز ترابا، فيجعله كوزا، أو يحوز نباتا، فيجعله ثوبا أو حصيرا، أو غيرهما، فان الصورة السريرية، والكوزية، والثوبية والحصيرية توجب تحقق إضافة مالية اخرى في تلك الموارد وراء المالية المتقومة بها، فتلك المالية القائمة بها إنما حصلت من العمل والحيازة معا. ثم إن الوجه في إطلاق الاول على هذه الاضافة هو أنه لم تسبق إضافة ذلك المال إلى غيره. والوجه في إطلاق الاصلية عليها إنما هو بلحاظ عدم تبعيتها لغيرها. وأما الاضافة الاولية التبعية فهي ما تكون بين المالك، وبين نتاج أمواله،


(1) لم نجده في اصول الحديث من كتب الخاصة والعامة، ونحتمل قريبا أنه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الابواب المختلفة، والفصول المتفرقة، كاحياء الموات، والتحجير وغيرهما، كبقية القواعد الفقهية المضروبة لبيان الاحكام الجزئية. (2) عن ابن مضرس قال: أتيت النبي ص فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له قال: فخرج الناس يتعادون، يتخاطون. سنن البيهقي ج 6 ص 142. (3) قال النبي ص: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به. راجع مبسوط الشيخ الطوسي أول كتاب إحياء الموات. ومستدرك الوسائل ج 3 باب 1 من أبواب إحياء الموات ص 149.

[ 7 ]

فان هذا النتاج يضاف إلى مالك الاصول إضافة أولية تبعية. أما إطلاق التبعية فلكونها ثابتة لما تحصل منه. وأما إطلاق الاولية فلعدم سبق إضافة اخرى إليها. وأما الاضافة الثانوية فالمراد بها ما قابل الاضافة الاولية وإن طرأت على الاموال مرارا عديدة، نظير المعقولات الثانوية من جهة مقابلتها للمعقولات الاولية. وهي على قسمين لانها تارة تكون قهرية، واخرى اختيارية. أما الاولى فكالاضافة التي تحصل بسبب الارث، أو الوقف، أو الوصية بناء على كونها: (أي الوصية) من الايقاعات، وقد اخترناه في محله. ووجه كونها قهرية هو حصول الملكية للوارث، والموقوف عليه. والموصى له بالقهر، لا بالفعل الاختياري. وأما الثانية فكالاضافة الحاصلة من المعاملات. ومن ذلك ما يحصل بالبيوع التي نحن في صدد بحثها. ولا يخفى على الفطن العارف أن ما ذكرناه من أقسام الاضافات المالكية من الامور البديهية التي قياساتها معها. الثمن ووجه اختصاصه بالنقود قوله: (البيع وهو في الاصل كما في المصباح (1) مبادلة مال بمال). أقول قد كان ديدن الناس من لدن آدم ع أبي البشر إلى زمان خاص، بل إلى زماننا هذا في بعض النقاط والاصقاع (كالقرى وأشباهها) قد كان ديدنهم على تبديل المتاع


(1) البيع من الاضداد، مثل الشراء، ويطلق على كل واحد من المتعاقدين أنه بائع، لكن إذا اطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة ويطلق البيع على المبيع، فيقال: بيع جيد - إلى أن قال -: والاصل في البيع مبادلة مال بمال، لقولهم: بيع رابح، وبيع خاسر. وذلك حقيقة في وصف الاعيان، لكنه اطلق على العقد مجازا، لانه سبب التمليك والتملك.

[ 8 ]

بالمتاع عند المعاملة والمعاوضة، وكان ذلك من الامور الصعبة جدا، خصوصا في تعيين الاروش وقيم المتلفات. ولهذا بنى العقلاء على تخصيص الثمن بالنقود، وتخصيص المثمن بالامتعة. وإلا فانه لا محذور قطعا في صحة تحقق المبادلة بين المتاعين عند المعاملة والمعاوضة. وعليه فقد تقع المبادلة بين المتاعين. وقد تقع بين النقدين، وقد تقع بين عرض ونقد. ثم إنه هل يشمل مفهوم البيع لجميع هذه الاقسام المذكورة، أم هو مختص ببعض دون بعض؟ لا شبهة في أن مفهوم البيع في الجملة من المفاهيم الواضحة البديهية الارتكازية - التي يعرفها كل احد - كمفاهيم سائر العقود والايقاعات، إلا أنه لا يوجد مفهوم في العالم إلا ويعرضه الاشتباه في بعض مصاديقه. ومن هنا ذكر المصنف (ره) في أول كتاب الطهارة: أن مفهوم الماء المطلق من أوضح المفاهيم العرفية. ومع ذلك ذكر: أنه قد يقع الشك في صدقه على بعض الموارد، لعدم ضبط المفهوم تحقيقا فيرجع إلى الاصول العملية. وعلى هذا الضوء فلابد من بيان حقيقة البيع على وجه يمتاز عن جميع ما عداه لكي تترتب عليه أحكامه الخاصة من شرائط المتعاقدين، وشرائط العوضين والخيارات وغيرها. وتحقيق ذلك: ان مفهوم البيع لا يساوق مفهوم المبادلة بين شيئين، بل يطلق البيع على قسم خاص من المبادلة، وضابطه: ان امتياز البيع عن بقية اقسام المبادلة بأحد وجهين: الوجه الاول: أن يكون أحد العوضين متاعا، والعوض الآخر نقدا. فالذي يعطي المتاع يسمى بايعا، والذي يعطي النقد يسمى مشتريا. سواء أكان نظر كل من المتعاملين في مبادلتهم هذه إلى تحصيل الربح، وحفظ مالية ماله معا، أم كان نظر كل منهما إلى رفع حاجته فقط، كأن يشترى المأكولات للاكل، ويشتري المشروبات للشرب، ويشتري الملبوسات لللبس، وهكذا. أم كان نظر أحدهما إلى حفظ مالية ماله وتحصيل الربح معا، ونظر الآخر إلى دفع الضرورة والاحتياج فقط. الوجه الثاني: أن يكون كلا العوضين نقدا أو من العرض، ولكن كان نظر

[ 9 ]

أحد المتعاملين من المبادلة إلى حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، مع تحصيل الربح - كأهل التجارة - ونظر الآخر إلى رفع حاجته فقط، فالاول يسمى بائعا، والثاني يسمى مشتريا. وعلى هذا النهج يكون الملحوظ فيما يعطيه المشتري هو المالية الخالصة، لكى يكون ذلك قائما مقام النقود، ويعنون بعنوان الثمنية. ولا ريب في أن هذا المعنى هو المتبادر من مفهوم البيع عند أهل العرف. بل هو أمر ارتكازي في ذهن كل بشر من أهل أية لغة كان. ويعرف ذلك كل منهم ولو من غير العارف باللغة العربية، بديهة أن الغرض الاقصى والغاية القصوى إنما هو معرفة مفهوم البيع، لا لفظه، ومادته. لكي يختص البحث بلفظ دون لفظ. وإذا كان كلا العوضين عرضا، أو نقدا، وكان الغرض لكل من المتعاملين هو تحصيل الربح، والمنافع، مع حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، أو كان نظر كليهما إلى رفع الاحتياج، ودفع الضرورة فقط. وإذا كان كذلك فان ذلك لا يسمى بيعا جزما. بل هو معاملة خاصة ويدل على صحة ذلك عموم آية التجارة عن تراض (1). نعم يظهر من بعض كتب العامة (2) جواز إطلاق البيع على مطلق المبادلة، والمعاوضة، ولكن قد عرفت قريبا أن هذا الاطلاق على خلاف المرتكزات العرفية.


(1) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. النساء، 4: 33. (2) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 2 ص 148 عن الحنفية: أن من أقسام البيع مبادلة سلعة بسلعة. ويسمونها مقايضة. وفي ص 152 عن المالكية: أن من أقسام البيع بيع العرض بالعرض. وعن الحنابلة: أن مفهوم البيع يشمل المقايضة، وهي مبادلة سلعة بسلعة. وفي ص 154 عن الشافعية: الثامن من أقسام البيع: بيع الحيوان بالحيوان ويسميه غيرهم مقايضة، وهو صحيح.

[ 10 ]

وعلى هذا الضوء فإذا أراد أحد تبديل كتابه بكتاب شخص آخر، أو تبديل ثوبه بثوب غيره لمجرد دفع الاحتياج فانه لا يتوهم أحد أن أيا منهما باع كتابه بكتاب غيره، أو باع ثوبه بثوب غيره. كما أنه لا يتوهم أحد أيضا أن باذل النقد هو البائع، وباذل العرض هو المشتري. ومن هنا ذكر الفيومي في المصباح: أنه (إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة). وأما ما ذكره في المصباح من أن (الاصل في البيع مبادلة مال بمال) فهو وإن كان شاملا لجميع أقسام المبادلة، ولكنه ليس تعريفا حقيقيا، لقضاء الضرورة بأن البيع ليس هو مطلق المبادلة بين شيئين، بل هو تعريف لفظي، وتبديل لفظ بلفظ آخر أوضح منه، كقول أهل اللغة: السعدان نبت. وكذلك الحال فيما ذكره بعض العامة من أن البيع في اللغة مقابلة شئ بشئ. ثم إنه يمكن أن يراد من لفظة الاصل في تعريف المصباح ما كان هو المتعارف في الايام السالفة من كون البيع عبارة عن مطلق المبادلة بين الاموال، بديهة أنه لو كان غرض الفيومي من هذه الكلمة هو اللغة لوجب عليه أن يصدر كلامه بلفظة الاصل عند شرح كل مادة ترد عليه. وقد وقع التصريح بما ذكرناه في لسان العرب. ومجمع البحرين: في مادة المال وذكرا أن المال في الاصل الملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويتملك من الاعيان. المبيع واختصاصه بالاعيان هل يجوز أن يكون المبيع من المنافع أم لابد وأن يكون من الاعيان؟ الظاهر أنه لاريب في اشتراط كونه من الاعيان، بداهة اختصاص مفهوم البيع عند أهل العرف بتمليك الاعيان، فلا يعم تمليك المنافع وإذن فتختص الادلة الواردة في إمضاء البيع بنقل الاعيان. وتبعد عن تمليك المنافع رأسا.

[ 11 ]

نعم يظهر من المحكي عن المالكية والحنابلة (1) جواز إطلاق البيع على تمليك المنافع. ولكنه على خلاف المرتكزات العرفية. ومع الاغضاء عما ذكرناه ان مجرد الشك في صدق مفهوم البيع على تمليك المنافع يكفينا في المنع عن شمول أدلة إمضاء البيع له. وحينئذ فدعوى أن المتبادر من مفهوم البيع تمليك العين فقط، وأن هذا المفهوم يصح سلبه عن تمليك المنفعة دعوى صحيحة. ولا ريب في أن التبادر وصحة السلب من علائم الحقيقة. وعليه فيكون البيع حقيقة في تمليك العين ومجازا في غيره. وإذا ثبتت هذه الدعوى في العصر الحاضر ثبتت في محاورات أبناء الازمنة السالفة أيضا باصالة عدم النقل المعبر عنها بالاستصحاب القهقري وقد ذكرنا في مبحث الاستصحاب من علم الاصول، أنه لا دليل على حجية هذا الاستصحاب إلا في مورد واحد، وهو أن يكون المتبادر الفعلي من اللفظ معنى خاصا، وشك في كونه كذلك في العهود البائدة، والايام السالفة، فان الاستصحاب القهقري يقتضي بقاء اللفظ على معناه الاولي، وعدم انتقاله منه إلى معنى آخر يغائره. والدليل على حجية الاستصحاب المزبور في هذا المورد إنما هو بناء العقلاء، وسيرة العلماء، ودين الفقهاء، لانه لولا ذلك لانسد عليهم باب الاجتهاد، وطريق الاستنباط، إذ من المحتمل القريب أن تكون الروايات في عرف الائمة عليهم السلام ظاهرة في معاني مغايرة لما هي ظاهرة فيه فعلا. ومن البين الذي لا ريب فيه أنه لاسبيل إلى دفع هذا الاحتمال إلا الاستصحاب المذكور.


(1) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 2 ص 111 عن المالكيه: أنه يصح اطلاق البيع على نقل المنافع. وفي ص 152 عن الحنابلة أن معنى البيع في الشرع مبادلة مال بمال، أو مبادلة منفعة مباحة بمنفعة مباحة على التأييد.

[ 12 ]

ويؤيد ما ذكرناه من اختصاص المبيع بالاعيان أمران: الاول: ما استقرت عليه آراء الفقهاء من تخصيص المعوض - في البيع - بالاعيان، الثاني: ما ذكره بعض العامة (1) من أن البيع في اللغة إخراج ذات عن الملك بعوض. فتمليك المنفعة بالاجارة لا يسمى بيعا. قيل: إن ما ذكره الفيومي في المصباح من أن البيع في الاصل مبادلة مال بمال يشمل نقل المنافع، كشموله لنقل الاعيان، وعليه فلا وجه لتخصيص مفهوم البيع بتمليك الاعيان. والجواب عن ذلك: أنك قد عرفت قريبا أن هذا التعريف ليس بتعريف حقيقي لكي يلزم الاخذ باطلاقه، والحكم بشمول مفهوم البيع لتمليك العين والمنفعة. بل هو تعريف لفظي مبني على المسامحة والمساهلة. وبما أوضحناه ظهر لك الفارق بين البيع والاجارة: وهو أن صيغة الاجارة وإن كانت تتعلق بالعين المتسأجرة. كقولك: آجرتك المتاع الفلاني الخ إلا أن أثرها تمليك المنفعة. وهذا بخلاف البيع، فان الاثر المترتب عليه إنما هو تمليك العين كما أن صيغته أيضا تتعلق بالعين. وهذا المعنى هو السر فيما استظهره المصنف ره من اختصاص المعوض - في البيع - بالاعيان وقال: (والظاهر اختصاص المعوض بالعين، وعليه استقر اصطلاح الفقهاء في البيع). والمتحصل من جميع ذلك: أن إطلاق كلمة البيع على تمليك المنافع مبني على العناية، والمجاز وقد ورد هذا الاطلاق في كلمات الفقهاء، وفي الروايات العديدة


(1) راجع الفقه على المذاهب الاربعة ج 2 ص 147.

[ 13 ]

الواردة في مواضيع شتى: منها الاخبار (1) الدالة على بيع خدمة المدبر. ومنها الرواية الواردة في بيع سكنى الدار (2) ومنها الاخبار الواردة في بيع الاراضي الخراجية


(1) المروية عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي ع قال: باع رسول الله ص خدمة المدبر، ولم يبع رقبته. ضعيفة بالنوفلي وعن أبي مريم عن أبي عبد الله ع قال: سئل عن الرجل يعتق جاريته عن دبر أيطأها ان شاء، أو ينكحها، أو يبيع خدمتها في حياته فقال: نعم أي ذلك شاء فعل. مجهولة بأبي مريم. وعن علي بن أبي حمزة سالم البطائني قال: سألت أبا عبد الله ع عن رجل اعتق جارية له عن دبر في حياته؟ قال: ان أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، وان ولدت أولادا فهم بمنزلتها. ضعيفة بابن أبي حمزة. ومجهولة بقاسم بن محمد الجوهري. التهذيب ج 2 ص 321، 322. والوافي ج 6 ص 89. والوسائل ج 3 باب 3 من أبواب التدبير. (2) المروية عن إسحق بن عمار بن عبد صالح قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له، ولم تزل في يده، ويد آبائه من قبله، قد أعلمه من مضى من آبائه أنها ليست لهم، ولا يدرون لمن هي، فيبيعها، ويأخذ ثمنها؟ قال ما أحب أن يبيع ما ليس له. قلت: فانه ليس يعرف صاحبها، ولا يدري لمن هي، ولا أظنه يجيئ لها رب أبدا؟ قال: ما احب أن يبيع ما ليس له. قلت: فيبيع سكناها، أو مكانها في يده فيقول لصاحبه: أبيعك سكناي، وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: نعم يبيعها على هذا. موثقة بابن عمار وغيره. التهذيب ج 2، باب الغرر والمجازفة ص 153، والوافي ج 10 ص 13. والوسائل ج 2 باب 1 من أبواب عقد البيع.

[ 14 ]

وشرائها (1) وقد ورد في جملة من الاحاديث (2) إطلاق لفظ الشراء على غير نقل الاعيان. وقد ظهر لك مما أسلفناه الفارق بين البيع، والهبة المعوضة، بداهة أن البيع - على ما عرفته آنفا - عبارة عن تبديل عين بشئ آخر، بخلاف الهبة المعوضة، فان حقيقتها، وقوامها بالمجانية المحضة، وإنما اعتبر فيها العوض بالاشتراط. والشاهد على ذلك أنها لا تبطل بامتناع الموهوب له عن العوض، بل إنما يثبت له خيار تخلف الشرط، وسيأتي لك توضيح ذلك عند التعرض لتعريف البيع، ودفع النقوض عنه.


(1) المروية في الكافي ج 1 باب 140 اشتراء أرض الخراج من السلطان ص 410. وباب 131 قبالة أرض أهل الذمة، وجزية رؤوسهم، ومن يتقبل الارض من السلطان ص 406. وباب 133 الرجل يستأجر الارض ص 407. والتهذيب ج 2 باب أحكام الارضين ص 158 والوسائل ج 2، باب 71 وباب 72 من أبواب الجهاد، وباب 133 ص 47. (2) المروية عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن رجل يريد أن يتزوج المرأة ينظر إليها؟ قال: نعم إنما يشتريها بأغلى الثمن. حسنة بابراهيم بن هاشم الكافي ج 2 ص 16. والوافي ج 12 ص 58. والوسائل ج 3 باب 39 ص 11. وعن عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله ع: الرجل يريد أن يتزوج المرأة فينظر إلى شعرها؟ فقال: نعم إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن. مجهولة بهيثم بن أبي مسروق النهدي والحكم بن مسكين التهذيب ج 2 ص 235 والوافي ج 12 ص 58. والوسائل ج 3 باب 36 من أبواب مقدمات النكاح ص 11. وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ع قال: سألته عن رجل له امرأتان قالت احداهما ليلتي ويومي لك يوما، أو شهرا، أو ما كان، أيجوز ذلك؟ قال: إذا طابت نفسها، واشترى ذلك منها لا بأس. صحيحة. الوافي ج 12 ص 118، والوسائل ج 3 باب 6 من أبواب القسم.

[ 15 ]

بحث استطرارى في تعريف الاجارة ومناقشته وجوابها قد اشتهر بين الاصحاب تعريف الاجارة بأنها تمليك المنفعة بعوض. ونوقش فيه بوجهين: 1 - أن المنفعة معدومة حال الاجارة، ومن البين الذي لا ريب فيه أن المعدوم غير قابل للتمليك. والجواب عن ذلك: أن الملكية الشرعية ليست من المقولات الحقيقية التكوينية، لكي يستحيل تعلقها بالامور المعدومة، بل قوامها بالاعتبار الساذج. ومن المعلوم أن الامور الاعتبارية بما أنها خفيفة المؤنة جاز تعلقها بالامور المعدومة إذا كانت مقدورة التسليم. وبديهي أن المنفعة وإن كانت معدومة، ولكنها مقدورة بتبع العين الخارجية. وإذن فلا محذور في تعلق الملكية الاعتبارية في الاجارة بالمنفعة المعدومة الملحوظة مع العين المستأجرة. كما يصح تعلقها بالذمة ومن هنا حكم الفقهاء رضوان الله عليهم بصحة بيع الكلي في الذمة. 2 - أن منفعة الدار مثلا إنما هي سكناها، ولا ريب أن السكنى من اعراض الساكن دون الدار. وعليه فإذا صح تملك السكنى كان مالكها هو الساكن، لانه موضوعها، لا صاحب الدار. ومن البين أن ما لم يملكه المؤجر - وهو المالك - كيف يملكه للمستأجر. وقد ثبت في محله أن فاقد الشئ لا يكون معطيا له هذا ملخص ما أفاده بعض المدققين ولذا التجأ إلى تعريف الاجارة بأنها تمليك العين المستأجرة في جهة خاصة. ويقابلها البيع، فانه تمليك العين من جميع الجهات. والجواب عن ذلك بوجهين: 1 - أن لسكني الدار إضافتين: وهما إضافتها إلى نفس الدار، وإضافتها إلى ساكنها، ومن البين أن تلك الدار مملوكة لمالكها بجميع شؤونها، وجهاتها، وما يضاف إليها، وإذن فمالك الدار مسلط على تمليك الدار نفسها، وتمليك جهاتها التي منها سكناها.

[ 16 ]

وعلى الجملة إن المستأجر إنما يتملك من المؤجر الجهة المتعلقة بالعين المستأجرة. وتلك الجهة تختلف حسب اختلاف الاعيان، والاغراض. وعليه فلا محذور في تعريف الاجارة بأنها تمليك المنفعة بعوض. 2 - ما ذكره بعض مشائخنا المحققين في كتاب الاجارة من أنه لا يمكن جعل الاجارة تمليكا للعين في جهة خاصة. والوجه في ذلك: (أن معروض الملكية إن كان نفس تلك الجهة عاد محذور تعلق الملكية بالمنفعة. وإن كان هي العين المخصصة بجهة، والعين المتحيثة بحيثية مخصوصة بما هي مقيدة بها لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة. وتقييدها بالجهة تارة، وإطلاقها اخرى لا يوجب تعدد الموضوع). نظرة في بيع الكلي في الذمة ما هو المراد من العين التي نعتبرها في المثمن؟ المراد من العين ما إذا وجد في الخارج كان جسما مشتملا على الابعاد الثلاثة: العرض، والطول، والعمق. ولا شك في أن هذا المعنى للعين يقابل المنفعة، والحق، وجميع الاعراض المقولية. وإذن فلا يصدق مفهوم البيع على تبديل منفعة بمنفعة، ولا على تبديل حق بحق. وقد عرفت ذلك آنفا. وليس المراد من العين ما يتعلق البيع بشخصه، بداهة شمولها للاعيان الشخصية، وللكلي المشاع - كثلث الدار - وللكلي في المعين - كصاع من الصبرة المعينة - وللكلي في الذمة - كبيع من من الحنطة سلما، أو حالا - وللكلي الثابت في ذمة غيره، فان هذه الامور يصدق عليها عنوان العين، ويتعلق بها البيع مع انها امور قابلة للانطباق على أفراد كثيرة بل على أفراد غير متناهية، فالصاع من الصبرة يمكن إنطباقه على يمين الصبرة ويسارها ووسطها، وناحية اخرى غير تلك النواحي. وهذا بين لا ريب فيه.

[ 17 ]

وعلى هذا فشأن الملكية شأن الوجوب والحرمة. فكما انهما يتعلقان بكلي الصلاة والزناء من غير لحاظ خصوصية في متعلقهما - بحيث يكون متعلق الامر والنهي هو الكلي، ويكون الموجود الخارجي مصداقا له - كذلك الملكية، فانها قد تتعلق بالكلي وإن كانت قد تتعلق بالجزئي الحقيقي أيضا. كما عرفته قريبا. ثم إن بيع الكلي في الذمه على قسمين: لانه قد يتعلق بالكلي الثابت في الذمة قبل البيع - كبيع الدين ممن هو عليه، أو من غيره - وقد يتعلق بالكلي الثابث في الذمة بنفس البيع، من غير أن يكون فيها شئ قبله. كما هو المتعارف في بيع السلم وغيره من البيوع الكلية. وقد نوقش فيه بوجهين: 1 - أن البيع مبادلة مال بمال، ولا تتحقق هذه المبادلة إلا بعد تحقق العوض والمعوض في الوعاء المناسب لهما من الخارج، أو الذمة، وبما أنه لا وجود للكلي في أي وعاء من الاوعية قبل البيع، فلا يصح بيعه بوجه، وقد يتوهم: أن الكلي وإن لم يكن موجودا في الذمة قبل البيع، إلا أنه يوجد فيها بنفس البيع، ولكن هذا التوهم فاسد. بداهة أن نسبة البيع إلى متعلقه كنسبة الحكم إلى موضوعه، فكما يستحيل تكفل الحكم بموضوعه، وكذلك يستحيل تكفل البيع بايجاد متعلقه. والجواب عن ذلك: أن البيع ليس إلا مبادلة في التمليك وقد عرفت قريبا وستعرف أيضا: أن الملكية من الامور الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الخارج، أو في الذمة. نعم لابد وأن يكون متعلق الملكية قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء. وعليه فالكلي قبل إضافته إلى الذمة وإن كان من المفاهيم الخيالية، وغير قابل لتعلق

[ 18 ]

البيع به رأسا. إلا أنه بعد اضافته إلى الذمة يعد من الاموال ويصير موردا لرغبات العقلاء، ومحطا لتنافسهم. وإذن فلا فرق في صحة بيع ما في الذمة بين أن يكون الكلي مملوكا قبل البيع - كبيع الدين ممن هو عليه، أو من غيره - وبين أن يكون مملوكا بالملكية الاعتبارية بنفس البيع. وفى الحقيقة أنه يحصل بالبيع هنا أمران: 1 - اتصاف الكلي بالملكية. 2 - صيرورته ملكا للمشتري. وقد يجاب عن المناقشة المذكورة: بأن البائع قبل تصديق للبيع يعتبر الكلي في ذمة نفسه، ثم يبيعه من المشتري. وحينئذ فلا يكون الكلي غير قابل لتعلق البيع به. والجواب عن ذلك: أن الاعتبار المزبور لا يغير الكلي عن واقعة، ولا يزيد فيه على حقيقته. بل هو بعد باق على حالته الاولية، من دون أن يتصف بصفة الملكية، ومن هنا لا يطلق ذو أملاك على من اعتبر أمتعة كلية في ذمة نفسه، نعم يتصف ذلك بصفة الملكية بعد البيع، وقد عرفته قريبا. وهذا واضح لاخفاء فيه. 2 أن الملكية من مقولة الاعراض، ومن البديهي أن مقولة الاعراض لا توجد إلا في المحل الموجود، والكلي الذمي لا وجود له قبل البيع لكي يكون محلا للملكية، ومعروضا لها. والجواب عن هذه المناقشة بوجوه شتى: 1 ما ذكره العلامة الطباطبائي في حاشيته، وحاصل كلامه: أن الملكية وإن كانت من قيل الاعراض الخارجية. إلا أن حقيقتها متقومة باعتبار الشارع، آآ أو العقلاء، وعليه فيمكن أن يكون موضوع هذه الملكية موجودا أيضا باعتبار الشارع، أو العقلاء. كما أن الوجوب والحرمة عرضان خارجيان، مع أنهما لا يتعلقان إلا بالامور الكلية الاعتبارية. كالصلاة، والزناء قبل أن يوجدا في الخارج، وعلى هذا

[ 19 ]

النهج فللشارع، أو للعقلاء أن يعتبروا الكلي الذمي شيئا موجودا في الذمة لكي يكون موضوعا للملكية، ومعروضا لها. والجواب عنه: أنه قد يراد من العرض المذكور في كلامه العرض المقولي، وعليه فلا يسوغ له أن يجمع بين كون الملكية من الاعراض، وبين كونها من الامور الاعتباريه المتقومة بالاعتبار الساذج، ضرورة أن الاعراض المقولية من الامور الواقعية المتأصلة، وهذا بخلاف الامور الاعتبارية، إذ لا واقع لها سوى الاعتبار المحض. وسيتضح لك أن الامور الاعتبارية لا تدخل تحت أية مقولة من المقولات المتأصلة. وقد يراد من العرض المزبور في كلامه المفهوم العام الصادق على المقولات التسع العرضية، وعلى الامور الاعتبارية الخالصة، بداهة أن لفظ العرض من العروض، وهو بمعنى اللحوق. وعليه فلا تكون الملكية عنده من المقولات المتأصلة. بل تكون زائدة على الماهية. كما أن الوجود زائد عليها. وإذن فيرجع ما أفاده السيد من الجواب المتقدم إلى ما سيأتي من كون الملكية أمرا اعتباريا لا تأصليا ومن هنا ظهرت الحال في الوجوب والحرمة أيضا. 2 - ما حكي عن الفاضل النراقي في عوائده. وملخصه: أن البيع عبارة عن نقل المالك ملكه إلى غيره نقلا فعليا. سواء أكان مالكا له بالفعل، أم كان مالكا له في المستقبل كما إذا قال: بعتك منا من الحنطة بكذا مع أن الحنطة لم توجد الآن لديه، فيكون معناه أني نقلت إليك المن الذي سأملكه من الحنطة بعد مدة - وإذن فالنقل وإن كان فعليا، إلا أنه ليس بعرض لكي يحتاج إلى موضوع وما هو عرض - وهو الملك - ليس بفعلي حتى يناقش فيه بعدم وجود الموضوع له، ويتوجه عليه: أولا: أن البيع ليس عبارة عن نقل الملك. وسيأتي. ولا أن الملك من الاعراض المصطلحة. وقد تقدمت الاشارة إليه وسنتعرض له تفصيلا. وثانيا: أن نقل الملك بنفسه ليس من العناوين الاستقلالية، وإنما هو بلحاظ

[ 20 ]

الاضافة أو المكان. ومن البين الذي لاريب فيه أنه إذا استحالت إضافة الملكية إلى المعدوم فان النقل الحاصل بلحاظ تلك الملكية أولى بالاستحالة. 3 - أن الملكية أمر اعتباري صرف، فلا يحتاج إلى محل موجود. وتوضيح ذلك: أن الملكية لها أربع مراتب: 1 - الملكية الحقيقية، وهي السلطنة التامة، بحيث يكون اختيار المملوك تحت سلطنة المالك حدوثا وبقاء، وهي مخصوصة بالله تعالى، لانه سبحانه مالك لجميع الموجودات - بالاضافة الاشراقية - ملكية تامة، ومحيط بها إحاطة قيومية. وهذه المرتبة من الملكية هي عليا مراتب الملكية ولاجل ذلك لا تدخل تحت مقولة من المقولات. ونظير ذلك في الممكنات إحاطة النفس بصورها. بداهة أن النفس مالكة لصورها - بالاضافة الاشراقية - ملكية حقيقية. 2 - مالكية الانسان لنفسه وأعضائه وأفعاله وذمته، فان هذه الامور مملوكة له بالاضافة الذاتية الاولية - وقد عرفت ذلك في أول الكتاب - ومن هذا القبيل قوله تعالى حاكيا عن نبيه الاكرم موسى (ع): إني لا أملك إلا نفسي (1). ولا شبهة أن هذه المرتبة من الملكية أيضا غير داخلة تحت المقولات العرضية وإنما هي عبارة عن سلطنة الشخص على أفعاله سلطنة تكوينية. 3 - الملكية المقولية الخارجية: وهي عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم بجسم آخر - كالهيئة الحاصلة من التعمم والتقمص والتنعل ونحوها - وهذه المرتبة تسمى بمقولة الجدة، وهي من الاعراض الخارجية القائمة بالموجود الخارجي. 4 - الملكية الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء لشخص خاص لمصالح تدعوهم إلى


(1) المائدة 5: 25.

[ 21 ]

ذلك، وربما يمضي الشارع اعتبارهم هذا لاجل تلك المصلحة. بل قد يعتبر الشارع ملكية شئ لشخص وإن لم يعتبرها العقلاء. كما يتفق ذلك في بعض أقسام الارث. ومن البين الذي لا ريب فيه أن هذا النحو من الملكية ليست من الاعراض لكي تحتاج إلى وجود الموضوع في الخارج. ومثال ذلك: أن الزكاة والخمس يملكهما طبيعي الفقير والسيد، مع أنه لم يعتبر وجودهما في الخارج. وأيضا قام الاجماع على صحة تمليك الكلي الذمي في بيع السلف ونحوه، مع أن الاعراض لابد لها من موضوع خارجي وعلى الجملة إن الملكية الاعتبارية لا مانع من كون طرفها من المملوك أو المالك كليا. فيستكشف منه أنها ليست من الاعراض المقولية (1) بل تمام قوامها باعتبار من بيده الامر.


(1) ذكر بعض المحققين من المشايخ وجهين آخرين لاستحالة دخول الملكية المصطلحة تحت الاعراض المقولية: 1 - (أن المقولة ما يقال على الشئ، ويصدق عليه في الخارج. فلابد من أن يكون لها مطابق وصورة في الاعيان - كالسواد والبياض وما شابههما من الاعراض - أو يكون من حيثيات ماله مطابق، ومن شؤونه الوجودية. فيكون وجودها بوجوده. كمقولة الاضافة... ومن الواضح أنه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ماله مطابق في الخارج. ولم يتحيث ذات المالك والمملوك بحيثية وجودية. بل على حالهما قبل العقد. وصدق المقولة بلا وجود مطابق، أو تحيثه بحيثية واقعية أمر غير معقول). ويتوجه عليه: أن هذا الوجه ليس إلا مصادرة واضحة، بداهة أن ذات المالك والمملوك، يتحيثان بعد عقد البيع بحيثية واقعية: وهي حيثية المالكية، -

[ 22 ]

وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أن مورد البحث إنما هو المرتبة الرابعة من الملكية القائمة بالاعتبار الساذج بلا احتياج إلى محل موجود أصلا ورأسا. وعليه فلا وجه للمناقشة في جواز بيع الكلي الذمي بما عرفته قريبا من أن الملكية من مقولة الاعراض التي لا توجد إلا في محل موجود، والكلي في الذمة ليس بموجود لكلي يكون محلا للملكية. البيع مبادلة شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة ما هو المراد من كلمة المبادلة المأخوذة في تعريف البيع؟ قد عرفت آنفا: أن التعاريف اللغوية إنما هي تعاريف لفظية. وقد سيقت لشرح الاسم، والاشارة إلى المعرف - بالفتح - بوجه من الوجوه، لا بتمام الوجوه


- وحيثية المملوكية. وإنما الكلام في أن تلك الحيثية أهي من سنخ المقولات العرضية أم هي من الامور الاعتبارية. 2 - (أن المقولات لمكان واقعيتها لا تختلف باختلاف الانظار، ولا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فان السقف الملحوظ إلى ما دونه فوق في جميع الانظار، وبالاضافة إلى السماء تحت بجميع الاعتبارات مع أن المعاطاة مفيدة للملك عرفا، وغير مفيدة له شرعا). وفيه أن اختلاف الانظار في جملة من الاشياء أمر ضروري لا سبيل الي إنكاره، إذ من البين الذي لا ريب فيه أن الفلاسفة قد اختلفوا في عامه تعالى أنه يتعلق بجميع الاشياء تفصيلا جزئية كانت أم كلية - كما ذهب إليه جل المحققين - أو لا يتعلق إلا بالكليات - كما ذهب إليه الشيخ الرئيس في كتابيه الشفاء والاشارات - وقد يختلف الطبيبان في صحة شخص ومرضه أو أن الامر الفلاني ينفع المزاج، أو يضره إلى غير ذلك بل ربما يختلف أهل العرف في ثبوت شئ وعدمه، كالعلم، والعدالة، والشجاعة، والسخاء، وغيرها من الاوصاف.

[ 23 ]

لكي يمتاز عن جميع ما عداه. وعلى هذا فعرض الفيومي من ذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع - أنه في الاصل مبادلة مال بمال - ليس إلا الاشارة إلى أن البيع من سنخ المبادلة. إلا أن تلك المبادلة ليست مبادلة في المكان. كرفع شئ من مكانه، ووضعه في مكان آخر. ولا مبادلة في اللبس، كتبديل عباءة بعباءة اخرى. ولا مبادلة في السكنى. كتبديل دار بدار اخرى. ولا مبادلة في الركوب كتبديل فرس بفرس آخر. ولا غير ذلك من أقسام المبادلة الخارجية التكوينية. بل المراد من تلك المبادلة هي المبادلة في الاضافة المالية، بديهة أن كل من المتبايعين يبدل ماله في الاضافة المالية - عند المبايعة - بمال آخر. وللاشارة إلى هذه النكة القيمة الدقيقة قد أحذ الفيومي - في مصباحه - قيد المال في تعريف البيع. والتحقيق أن مفهوم البيع في الجملة من المفاهيم البديهية الارتكازية التي يعرفها كل أحد: وهو التبديل بين شيئين في جهة الاضافة أية اضافة كانت: أي سواء أكانت إضافة ملكية، أم كانت إضافة مالية، أم إضافة حقية، أم غيرها من أنحاء الاضافات. ولا تختص هذه الاضافة بالاضافة الملكية، ولا بالاضافة المالية: أما الوجه في عدم اختصاصها بالاضافة الملكية فلان سهم سبيل الله من الزكاة ليس ملكا لشخص خاص. ولا لجهة معينة. ولذا صدر في آية الصدقات (1) بلفظة (في) الظاهرة في بيان المصرف. ومع ذلك كله يجوز بيع السهم المزبور، وصرف ثمنه في سبيل الله. كما يجوز بيع نماء العين الموقوفة في سبيل الله وصرف ثمن ذلك في


(1) قال الله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. التوبة 9: 60.

[ 24 ]

قربات الله. مع أن تلك العين ليست بملك لاحد، ولا لجهة. وكذا نماؤها. فيستوضح من جميع ذلك أن مفهوم البيع ليس تبديل شيئين في الاضافة الملكية. ولو سلمنا مالكية الجهة في المثالين المذكورين فرضنا الكلام فيمن أوصى بصرف ماله في سبيل الله، ونص على عدم صيرورته ملكا لاحد. فانه إذا بيع المال المزبور لكي يصرف ثمنه في قربات الله لم يقع التبديل بين العوضين في الاضافة الملكية، بل في إضافة اخرى غيرها. أما الوجه في عدم اختصاص الاضافة المذكورة بالاضافة المالية فلانه لا دليل على اعتبار المالية في البيع. وإنما المناط في تحقق مفهومه هو صدق عنوان المعاوضة عليه. وأما ما ذكره صاحب المصباح من أن (الاصل في البيع مبادلة مال بمال) - فلا يكون دليلا على ذلك لعدم حجية قوله. وعلى هذا فإذا كان المبيع موردا لغرض المشتري - سواء أكان مالا عند العقلاء أم لا كالحشرات - واشتراه بأغلى الثمن صدق عليه مفهوم البيع. وهذا بين لا ريب فيه. غاية ما يلزم كون المعاملة على ما ليس بمال عرفا سفهية. ولا دليل على بطلانها بعد ما شملته أدلة صحة البيع. والفاسد شرعا إنما هو معاملة السفيه والدليل على الفساد فيها أن السفيه محجور شرعا عن المعاملات وإذن فلا وجه لاخذ قيد المال في تعريف البيع. قيل: إذا تعلق غرض المشتري باشتراء مالا يعد مالا في نظر أهل العرف كان ذلك الغرض موجبا لعروض المالية له. لما عرفته آنفا من أن مالية الاشياء متقومة بنظر العقلاء، ورغبتهم فيها. ومن البديهي أن المشتري من أفرادهم. والجواب عن ذلك: أن مالية الاشياء وإن كانت متقومة برغبة العقلاء وتنافسهم فيها إلا أن المراد من العقلاء نوعهم، دون الشخص الواحد. ولاجل ذلك أن من اعتبر المالية في البيع فقد رتب على اعتباره هذا فساد بيع الحيات والعقارب والديدان والخنافس، وأشباهها

[ 25 ]

من هوام الارض وصغار دوابها، وغير ذلك مما لا يعد مالا في نظر نوع العقلاء وإن كان ذا رغبة لدى بعضهم لغرض ما. ويضاف إلى ذلك أنا لو سلمنا وجود الدليل على اعتبار المالية في البيع. إلا أن ذلك حكم شرعي غير مربوط بمفهوم البيع حتى يؤخذ في تعريفه. ولو صح أخذ ذلك في تعريف البيع لحسن بنا أن نأخذ أحكام البيع برمتها في تعريفه. مع أنه واضح الفساد. ثم لا يخفى على الفطن العارف أن مفهوم البيع لا يتحقق إلا بدخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه: بان يفك البائع اضافته القائمة بالمتاع، ويجعلها قائمة بالثمن. ويفك المشتري اضافته القائمة بالثمن، ويجعلها قائمة بالمتاع. ومثال ذلك أنه إذا باع زيد طعامه من عمرو بدينار صار الدينار ملكا لزيد. ولو صار الدينار ملكا لبكر لما صدق عليه مفهوم البيع بوجه. ويستوضح هذا المعنى من الكتاب العزيز (1) ومن كلمات الفصحاء وأهل


(1) قال الله تعالى: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة. يوسف 12: 20. قال الله تعالى: ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. البقرة 2: 96. قال الله تعالى: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. النساء 4: 76. قال الله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. التوبة 9: 113. قال الله تعالى: اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى. البقرة 2: 16. قال الله تعالى: إن الذين اشتروا الكفر بالايمان. آل عمران 3: 171. قال الله تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا. المائدة 5: 48. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الظاهرة في أن دخول العوض مكان المعوض معتبر في مفهوم البيع، والشراء.

[ 26 ]

العرف واللغة (1). قيل: قد تعارف بين الناس إعطاء الدراهم للخباز أو للبزاز. والامر باعطاء مقابلها من الخبز والثوب للفقير، ولا شبهة في كون ذلك بيعا بالحمل الشائع. مع أن المثمن لم يدخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه. والجواب عنه: أن المثمن - في أشباه ما ذكر - قد دخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه. نهاية الامر أن المشتري قد وكل البائع في إعطاء المبيع لشخص آخر. وان أبيت عن هذا التوجيه فانا لا نبالي في المنع عن صدق مفهوم البيع على ذلك، وحمله على الصلح، أو على الهبة المعوضة. مفهوم المفاعلة وعدم صدقه على البيع ما هو مفهوم المفاعلة، وهل يصدق ذلك على البيع الذي هو تبديل شئ بشئ؟ الظاهر أن وزن (فاعل) للدلالة على المشاركة في الغالب: والمشاركة هي أن يفعل الواحد بالآخر ما يفعله الآخر به حتى يكون كل منهما فاعلا ومفعولا: نحو ضارب زيد عمروا. وعليه فذكر المبادلة في تعريف البيع يقتضي أن يكون البيع عبارة عن مجموع فعل البائع والمشتري. ولكن هذا واضح البطلان، ضرورة أن البيع ليس إلا عبارة عن فعل البائع فقط: وهو تبديل ماله بمال صاحبه، ومن البديهي أن هذا المعنى غريب عن معنى المفاعلة. ولا صلة بينهما بوجه بل لو فرضنا صدق مفهوم البيع على كل من فعل البائع والمشتري لكان الصادر


(1) في القاموس كل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، ومنه اشتروا الضلالة بالهدى.

[ 27 ]

من كل منهما بيعا بنفسه وإذن فلا وجه لذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع - كما صنعه صاحب المصباح، وتلقاه جماعة بالقبول - بل لابد من تبديل لفظ المبادلة في تعريف البيع بكلمة التبديل، فان التبديل هو الذي يتحقق بفعل البائع. نعم يشترط رضا المشتري بفعل البائع، وتحقق عنوان التبديل. ولكنه أجنبي عن قيامه بالمشتري، كقيامه بالبائع، وهذا بخلاف مفهوم المبادلة، فانه معنى قائم بشخصين، كما هو الشأن في باب المفاعلة على ما عرفته في طليعة البحث. رأى بعض مشايخنا المحققين في معنى المفاعلة والجواب عنه قد سلك بعض مشايخنا المحققين مسلكا آخر في معنى المفاعلة. وحاصله: أنه قد اشتهر بين الادباء وغيرهم أن الفارق بين الهيئات المجردة، وبين هيئة المفاعلة إنما هو تقوم المعنى في باب المفاعلة بطرفين. إلا أن المستوضح من الكتاب الكريم. ومن الاستعمالات الصحيحة خلاف ذلك. كقوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا (1) فان الغرض من الآية الشريفة تصدي المنافقين لخديعة الله وخديعة المؤمنين فقط. وغير ذلك من الآيات الكثيرة الظاهرة في خلاف ما اشتهر بين الناس من معنى المفاعلة. ويقال في الاستعمالات العرفية الصحيحة: عاجله بالعقوبة. وخالع المرأة. وبارزه بالحرب. وساعده التوفيق. وواراه في الارض. وغير ذلك، فان جميع ذلك بين مالا تصح نسبة المادة فيه إلى الاثنين، وبين ما لم يقصد فيه ذلك وان صحت النسبة المزبورة. وعليه فلابد من بيان الفارق بين هيئة الفعل المجرد، وبين هيئة المفاعلة. وتوضيح ذلك: أن الهيئات المجردة لم يلحظ فيها تجاوز المادة عن الفاعل إلى غيره بحسب وضع الواضع. بل التجاوز فيها إما ذاتي - كجملة من الافعال المتعدية: نظير ضرب،


(1) البقرة 2: 9.

[ 28 ]

وخدع، ونصر، ونحوها - أو بواسطة الاداة: كما في الافعال اللازمة - مثل جلس، وذهب، وأمثالهما - وقسم من الافعال المتعدية - كلفظ كتب ونظائره - بديهة أن تجاوز المادة في القسمين الاخيرين إلى غير الفاعل إنما هو بواسطة الاداة. فيقال: جلس إليه. وكتب إليه. نعم لا شبهة في أن كلمة (كتب) تدل على تجاوز المادة - وهي الكتابة - إلى المكتوب فقط، دون المكتوب إليه - الذي هو مورد بحثنا - وإذا أريد تجاوز تلك المادة إلى المكتوب إليه فلابد من الاستعانة بكلمة إلى وأما هيئة المفاعلة - كخادع وضارب وقامر ونحوها - فان حيثية تعدية المادة عنها إلى غيرها ملحوظة فيها مطابقة في مقام افادة النسبة. وهذا بخلاف الافعال المجردة المتعدية - كضرب ونصر وخدع ونحوها - فان التعدية فيها من ذاتيات مفادها. وعليه فإذا صدر فعل من أحد كان أثره خداع غيره صدق عليه أنه خدعه. ولا يصدق عليه أنه خادعه إلا إذا تصدى لخديعة غيره وكذلك الحال في ضرب وضارب ونصر وناصر وأشباهها من الافعال المتعدية. ومن هنا يفرق بين ضار، ومضار، فان سمرة بن جندب لما أبى عن الاستئذان من الانصاري - عند الدخول على عذقه من منزل الانصاري - قال له النبي ص: انك رجل مضار (1): أي متصد لاضرار الانصاري. والجواب عن ذلك: أن هيئة المفاعلة لا تتقوم إلا بصدور الفعل من الاثنين، لما عرفته آنفا من دلالة المفاعلة على المشاركة في الغالب: وهي أن يفعل الواحد بالآخر مثلما يفعله الآخر به لكي يكون كل منهما فاعلا ومفعولا: نحو ضارب زيد عمرا. ومن الواضح أن هذا المعنى لا يتحقق بمجرد تصدي أحدهما لايجاد المادة دون صاحبه. فلا يقال: ضارب زيد عمروا، أو صارعه، أو جادله، فيما إذا تصدى زيد


(1) راجع فروع الكافي ج 1 ص 414.

[ 29 ]

لضرب عمرو، أو حربه، أو صراعه، أو جداله، من دون أن يصدر منه أحد هذه الامور، بل لو لم يصدر الفعل منه ومن صاحبه معا لعد مثل هذا الاستعمال من الاغلاط الواضحة. نعم قد تكون هيئة المفاعلة بمعنى الفعل المجرد: نحو سافر زيد. وقاتله الله. وواراه في الارض. وبارك في أمره. وأشباه ذلك من الامثلة. وقد تكون بمعنى الكثرة والمبالغة. ولعل من القبيل الثاني قول النبي صلى الله عليه وآله لسمرة بن جندب: إنك رجل مضار، ولا ضرر، ولا ضرار على مؤمن. الاجارة وعدم استعمالها في نقل العين قوله: (كما أن لفظ الاجارة يستعمل عرفا في نقل بعض الاعيان، كالثمرة على الشجرة). أقول: إن كان مراده من الثمرة على الشجرة وجودها عليها فعلا - كما هو الظاهر من كلمة على - فلا شبهة أن الثمرة ليست موردا للاجارة. بل استعمال لفظ الاجارة في نقل الثمرة غلط فاحش. وإن كان مراده من الثمرة على الشجرة شأنية ظهورها عليها فلا ريب حينئذ في صحة تعلق الاجارة بالشجرة، وتكون الثمرة منفعتها المقصودة من إجارتها. وعلى هذا فيجوز استعمال لفظ الاجارة في نقل الثمرة إستعمالا حقيقيا. نعم قد يتوهم في بعض الروايات (1) إسناد الاجارة إلى نفس الثمرة قبل ظهورها على الشجرة. ولعله إلى هذا نظر المصنف في كلامه (2) قبل:


(1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال تقبل الثمار إذا تبين لك بعض حملها سنة. وإن شئت أكثر. وإن لم يتبين لك ثمرها فلا تستأجرها. التهذيب ج 2 ص 173. والوافي ج 10 ص 139. والوسائل ج 2 باب 19 من أبواب المزارعة. (2) لكن المراد من الاستئجار في الرواية الاشتراء، بداهة ان ظهور الثمرة -

[ 30 ]

إن ظهور الثمرة على الشجرة فعلا لا يمنع عن صحة تعلق الاجارة بالشجرة، فان الثمرة الموجودة على الشجرة هي منفعتها المقصودة منها، كما أن منفعة الدابة ركوبها، ومنفعة الدار سكناها. والجواب عن ذلك. أن الاجارة وإن كانت تمليكا للمنفعة إلا أن تلك المنفعة لابد وأن تكون معلومة بوجه. ومن البين الذي لاريب فيه أن الثمرة الموجودة على الشجرة مجهولة المقدار. وإذن فتبطل الاجارة من ناحية الجهالة. قيل: إذا اقتضت الجهالة بطلان إجارة الشجرة بعد ظهور ثمرتها اقضتت بطلان اجارتها قبل ظهور ثمرتها بالاولية القطعية، لشدة الجهالة هنا. والجواب عنه: أن جهالة الثمرة قبل ظهورها على الشجرة لا تضر باجارة الشجرة. بديهة أن المناط في ارتفاع الجهالة عن المنفعة - التي هي مورد للاجارة في العين المستأجرة - العلم باشتمال العين المستأجرة على حيثية الانتفاع بها: بأن تكون معدة لذلك. ومن المعلوم أن اشتمال الاشجار المثمرة على حيثية الاثمار أمر معلوم، وإذن فلا تبطل الاجارة من ناحية الجهالة. وهذا بخلاف الثمرة الموجودة على الشجرة فانها مجهولة المقدار. وعليه فتبطل الاجارة من ناحية الجهالة. ويضاف إلى ذلك أن إجارة الشجرة لثمرتها الموجودة خارجة عن مفهوم الاجارة جزما. إذ لا نحتمل أن يتوهم أحد صدق مفهومها على استئجار عين لاجل عين اخرى موجودة. كاستئجار الشاة للبنها المحلوب. واستئجار الاشجار لاغصانها الفعلية. واستئجار المزرعة لزرعها الموجود. وهكذا في نظائرها. نعم قد تكون منفعة العين المستأجرة ما يوجد من الاعيان ولكنها غير موجودة


- على الشجرة ليس بشرط في استئجار الشجرة. وإنما هو شرط في بيع الثمرة. وعليه فالمراد من لفظ التقبل - المذكور في صدر الرواية - الشراء دون الاستئجار.

[ 31 ]

حال الاجارة. كاستئجار المنائح والبقرات والشياه للبنها غير المحلوب. واستئجار المرضع ليرتضع الطفل من لبنها. واستئجار الشجرة لثمرتها المعدومة. والسر في ذلك ما أشرنا إليه من كون المنفعة في أمثال هذه الموارد معلومة بوجه. الثمن وجواز كونه من المنافع قوله: (وأما العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة). أقول: لا ريب في جواز كون الثمن من المنافع. سواء أقلنا باعتبار المالية في العوضين، أم لم نقل به، ضرورة أن المنافع من أظهر مصاديق الاموال، لرغبة العقلاء إليها، وتنافسهم فيها. نعم حكي عن بعض الاعيان: أن شأن العوض شأن المعوض. فكما يعتبر كون الثاني من الاعيان. وكذلك الاول. ويمكن الاستدلال على هذا الرأي بوجوه: 1 - ما اشتهر بين الفقهاء من أن البيع نقل الاعيان. ويرد عليه: أن غرض الفقهاء رضوان الله عليهم من هذه العبارة هو المبيع، لانهم ذكروها في مقابل الاجارة التي هي لنقل المنافع. مع أن الاجرة فيها تكون من الاعيان غالبا. ولعل النكتة في عبارتهم هذه هي ملاحظة ناحية الايجاب، بداهة أن العقد إنما يتم بفعل الموجب. وأما القابل فليس له إلا الارتضاء بذلك الفعل، ونسبته إلى نفسه. 2 - أن الادلة الدالة على صحة البيع ونفوذه إنما هي منصرفة إلى البيوع المتعارفة. ومن البديهي أنه لم يتعارف جعل العوض في البيع من المنافع. وعلى فرض وجوده في مورد فهو من الافراد النادرة التي تنصرف عنه الاطلاقات. والجواب عن ذلك:

[ 32 ]

أن مفهوم البيع - على ما عرفته آنفا - تبديل شئ بعوض في جهة الاضافة. ولا يفرق في تحقق هذا المفهوم بين أن يكون كلا العوضين عينا، أو كلاهما منفعة، أو أحدهما عينا والآخر منفعة. ولكنا قد ذكرنا فيما سبق: أن المتبادر من الاستعمالات العرفية عدم صدق البيع على تمليك المنفعة. بل يعتبر في تحقق مفهومه أن يكون المبيع عينا. وأما العوض فلم يدل دليل على اعتبار كونه من الاعيان. فيبقى تحت مفهوم البيع: وهو تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة. فتشمله العمومات الدالة على صحة العقود. ويضاف إلى ذلك أن غلبة الافراد الخارجية لا تمنع عن شمول أدلة الامضاء للفرد النادر. 3 - أن المنافع أمور معدومة، فلا يقع عليها البيع، ضرورة أن الملكية من مقولة الاعراض، وهي لا تتقوم إلا بالمحل الموجود. ومن المفروض أن المنافع أمور معدومة. فيستحيل أن تكون موضوعا للملكية. ويرد عليه: أن الملكية من الامور الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الحارج. بل لابد وأن يكون متعلقها قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء، وقد عرفت ذلك فيما تقدم. 4 - ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين، من أن المال في الاصل الملك من الذهب والفضة. ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويتملك من الاعيان. وعليه فلا تكون المنفعة ثمنا في البيع، لانه مبادلة مال بمال. والمفروض أن المنفعة ليست من الاموال. ويرد عليه: أن المال ما يبذل بازائه شئ حسب رغبة العقلاء وتنافسهم، ومن الواضح أن هذا المعنى أعم من العين والمنفعة. بداهة أن المنفعة من مهمات ما يرغب فيه العقلاء.

[ 33 ]

عمل الحر وجواز وقوعه ثمنا في البيع قوله: (وأما عمل الحر فان قلنا إنه قبل المعاوضة عليه من الاموال فلا إشكال وإلا ففيه إشكال). أقول: هذا الكلام استدراك عما تقدم منه (ره): وهو قوله: (وأما العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة). وتوضيح ذلك: أن عمل الحر تارة يلاحظ بعد وقوع المعاوضة عليه - كما إذا استأجره لبناية داره، أو لنجارة بابه، أو لخياطة ثوبه، أو لغير ذلك من الاغراض العقلائية - وأخرى يلاحظ قبل وقوع المعاوضة عليه. وعلى الاول فلا إشكال في جعل العمل المزبور ثمنا في البيع، بداهة كونه مالا مملوكا للمستأجر. وله أن يتصرف فيه أي تصرف، لان الناس مسلطون على أموالهم. كما أن عمل العبد والدابة مال مملوك لصاحبهما. والدليل على مالية عمل الحر في هذه الصورة أمور: 1 - أنه يصح إطلاق ذي المال على المستأجر الذي ملك عمل الحر بالاجارة أو الصلح. 2 - أنه يجب على المستأجر المزبور حج البيت: لانه قد استطاع إليه سبيلا، إذا كان عمل أجيره وافيا بزاده وراحلته. 3 - أنه يخرج المستاجر بعمل أجيره عن عنوان الفقراء، ويعامل معه معاملة الاغنياء، إذا كفى ذلك العمل مؤونة سنته. وإذن فيحرم عليه أخذ الزكاة. وسائر الوجوه الشرعية المقررة للفقراء والمساكين. 4 - أنه إذا أتلف أحد عمل أجير ضمنه لمستأجره، لقاعدة الضمان بالاتلاف. ولاجل هذه الامور كلها نستكشف صدق مفهوم المال على عمل الحر بعد وقوع المعاوضة عليه. والسر في ذلك كله: أن عمله حينئذ مورد لرغبة العقلاء وميلهم.

[ 34 ]

وعلى الثاني فان قلنا باعتبار المالية في الثمن والمثمن فلا يقع عمل الحر عوضا في البيع، لانه لا يعد مالا عرفا. وإن لم نقل بهذا الاعتبار فلا بأس بجعله ثمنا فيه. والشاهد على عدم كونه مالا في هذه الصورة: أن الحر لا يكون مستطيعا بلحاظ عمله لكي يجب عليه الاكتساب، وتحصيل الزاد والراحلة. ثم السير إلى بيت الله الحرام. وأيضا لو حبسه أحد لم يضمن عمله. مع أن تفويت منافع العبد أو الدابة أو سائر الحمولة موجب للضمان. هذا كله فيما إذا جعل عمل الحر ثمنا في البيع. وأما جعله مثمنا فيه فليس بجائز قطعا، لانه من المنافع. وقد عرفت فيما سبق أن المبيع لابد وأن يكون من الاعيان، إذ لا يصدق مفهوم البيع على تمليك المنفعة بعوض. والحق: أنه لا يفرق في صدق مفهوم المال على عمل الحر بين وقوع المعاوضة عليه وعدمه. والوجه في ذلك ما ذكرناه سابقا من أن مالية الاشياء متقومة برغبة الناس فيها رغبة عقلائية. ولا يعتبر في ذلك صدق الملك عليها، لان النسبة بينهما هي العموم من وجه. إذ قد يوجد المال ولا يتحقق الملك. كالمباحات الاصلية قبل حيازتها، فانها مال وليست بمملوكة لاحد. وقد يوجد الملك، ولا يصدق عليه مفهوم المال. كحبة من الحنطة، فانها ملك لصاحبه، وليست بمال، إذ لا يبذل بازائها شئ. وقد يجتمعان. وهو كثير. ومن المعلوم أن عمل الحر - قبل وقوع المعاوضة عليه - من مهمات الاموال العرفية وإن لم يكن مملوكا لاحد بالملكية الاعتبارية. بل هو مملوك لصاحبه بالملكية الذاتية الاولية على ما عرفته في أول الكتاب نعم ربما يناقش في ذلك بأن البيع - كما سبق - تبديل شئ من الاعيان بعوض في الاضافة الاعتبارية. ومن الواضح أن عمل الحر فاقد لهذه الاضافة. وإذن فلا يصلح لان يكون طرفا للتبديل الاعتباري في جهة الاضافة. وفيه أن عمل الحر وإن لم يكن مملوكا لصاحبه بالاضافة الاعتبارية قبل البيع.

[ 35 ]

ولكنها تعرض عليه بنفس البيع. وقد تقدم نظير ذلك في البحث عن امكان بيع الكلي في الذمة. ودعوى أن كلا من العوض والمعوض لابد وأن يكون مالا مملوكا قبل البيع دعوى جزافية، إذ لم يدل على ذلك دليل من النقل والاعتبار. وأما الوجه في عدم وجوب الحج على الحر - بلحاظ استطاعته من ناحية عمله - فلان الاستطاعة إنما تتحقق بمالكية المكلف - بالفعل - لما يحج به من الزاد والراحلة. وبمالكيته لمؤونة عياله بالفعل أو بالقوة. وقد فسرت الاستطاعة بهذا المعنى، وبأمن الطريق في بعض الاخبار (1). وعليه فعمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه وإن كان مملوكا له بالملكية الفعلية التكوينية. وكذا بالملكية الشأنية الاعتبارية. إلا أنه لا يترتب عليهما ما هو أثر للملكية الفعلية الاعتبارية. نعم إذا آجر نفسه بنقد مقبوض بعد العقد، بحيث يكفي ذلك مؤونة حجه وعياله، كان مستطيعا. والسر فيه هو ما ذكرناه من كون المدار في الاستطاعة على الملكية الفعلية الاعتبارية، دون الاقتضائية. وقد اتضح لك مما بيناه أنه لا يصح إطلاق ذى المال على الحر باعتبار عمله،


(1) المروي عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله (ع) وأنا عنده عن قول الله عزوجل: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه. مخلى سربه. له زاد وراحلة. فهو ممن يستطيع الحج الخبر. فروع الكافي ج 1 ص 240، والوافي ج 8 ص 49. والوسائل ج 2 باب 8 من أبواب الحج. في أقرب الموارد: السرب بالفتح الطريق. يقال: خل له سربه: أي طريقه. فلان مخلى السرب: أي موسع عليه غير مضيق عليه.

[ 36 ]

إذ المناط في صحة هذا الاطلاق كون الانسان مالكا لامواله بالملكية الفعلية الاعتبارية. وقد عرفت قريبا: أن عمل الحر - قبل وقوع المعاوضة عليه - غير مملوك له كذلك، لان ثبوت شئ لشئ بالاضافة الاعتبارية إنما يصح في غير موارد الثبوت الحقيقي. وإلا كان الاعتبار لغوا محضا، وتحصيلا للحاصل. ومن المفروض أن عمل الحر مملوك له بالاضافة الذاتية. كما أن الله تعالى مالك لمخلوقاته بالاضافة الذاتية الاشراقية. وأما الوجه في أن اتلاف عمل الحر لا يوجب ضمانه على المتلف فهو أن قاعدة الضمان بالاتلاف ليست برواية لكي يتمسك باطلاقها في الموارد المشكوكة. بل هي قاعدة متصيدة من الموارد الخاصة. وإذن فلابد من الاقتصار فيها على المواضع المسلمة المتيقنة. ومع الاغضاء عن ذلك، وتسليم كونها رواية أنه غريبة عن عمل الحر. إذ المستفاد منها أن اتلاف مال غيره موجب للضمان. ومن الواضح أن الظاهر من كلمة (المال) هو المال المضاف إلى مالكه بالاضافة الاعتبارية. وقد عرفت: أن عمل الحر - قبل وقوع المعاوضة عليه - ليس كذلك. وعليه فلا يكون مشمولا لقاعدة الضمان بالاتلاف. نعم إذا كان الحر كسوبا ; وله عمل خاص يشتغل به كل يوم - كالبناية والنجارة والخياطة وغيرها - فان منعه عن ذلك موجب للضمان، للسيرة القطعية العقلائية. نظرة في الحقوق قوله: (وأما الحقوق الاخر). أقول: لا وجه لتوصيف كلمة (الحقوق) بلفظ (الاخر) إذ لم تتقدم طائفة من الحقوق ليكون المذكور هنا طائفة أخرى منها. وعليه فالوصف المزبور مستدرك جزما. وقد ضرب عليه في بعض النسخ الصحيحة. ويحتمل قريبا وقوع التصحيف في عبارة المصنف بالتقديم والتأخير. وصحيحها هكذا:

[ 37 ]

وأما الحقوق فان لم تقبل المعاوضة بالمال فلا إشكال. وكذا لو لم يقبل النقل... وأما الحقوق الاخر القابلة للانتقال الخ. وقد ذكر السيد في حاشيته وجها آخر لتصحيح العبارة. واليك نصه بلفظه: (يمكن أن يكون الوصف توضيحيا، ويمكن أن يكون تقييديا بعد اعتبار كون العين والمنفعة أيضا من الحقوق بالمعنى الاعم). ويرد عليه: أن الحق المبحوث عن جواز جعله ثمنا ليس من سنخ العين، ولا من سنخ المنفعة لكي يحتاج تمييزه عنهما إلى قيد احترازي. بل هو أمر يبائن العين والمنفعة، فانه عبارة عن الاضافة الخاصة المتعلقة بالعين تارة، وبالمنفعة أخرى. ومن هنا قد ناقش المصنف في جعل حق التحجير ثمنا في البيع بدعوى أنه ليس بمال - وسيأتي ذلك قريبا - مع أن الارض المحجرة مال بالحمل الشائع قطعا. نعم لو كان مورد البحث في العين أو المنفعة هو نفس الاضافة بين المالك والمملوك، أو كان مورد البحث في الحقوق هو متعلقها، لكان الحق شبيها بالعين والمنفعة، واحتاج تخصيص البحث بالحقوق إلى قيد احترازي. ولكن قد اتضح لك خلاف ذلك مما ذكرناه. قوله: (كحق الشفعة وحق الخيار). أقول: الظاهر وقوع التحريف في هذه العبارة، ضرورة أن حق الشفعة وحق الخيار من أمثلة القسم الثاني للحق الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وكذا لو لم يقبل النقل). والوجه في ذلك أن القسم الثاني من الحق هو مالا يقبل النقل الاختياري وان كان مما يقبل الانتقال بالسبب القهري كالارث - أو كان يقبل الاسقاط مجانا، أو مع العوض ومن الظاهر أن حق الشفعة وحق الخيار يقبلان الانتقال والاسقاط مجانا أو مع العوض، فيكونان من مصاديق القسم الثاني.

[ 38 ]

أقسام الحقوق وأحكامها قد قسم المصنف (ره) الحقوق إلى ثلاثة أقسام: 1 - مالا يقبل المعاوضة بالمال، وحكم فيه بأنه لا يجوز جعله ثمنا في البيع. 2 - مالا يقبل النقل - وإن قبل الانتقال بغير اختيار مع وجود سببه كالارث - كحق الشفعة وحق الخيار. وحكم فيه أيضا بأنه لا يجوز جعله ثمنا في البيع. وأستدل على أن هذا القسم من الحق لا يقبل النقل بما ذكره بعض الاصحاب من أن البيع تمليك من الطرفين (البائع والمشتري) فما لا يقبل النقل لا يقبل التمليك لا محالة، وإن قبل السقوط والاسقاط. وناقش في هذا الرأي صاحب الجواهر، وإليك نص عبارته: (وفيه أن من البيع بيع الدين على من هو عليه. ولا ريب في اقتضائه حينئذ الاسقاط ولو باعتبار أن الانسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه الذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار والشفعة والله اعلم). وقد اجاب المصنف عن النقض المذكور بوجود الفارق بين بيع الدين ممن هو عليه، وبين ما نحن فيه بتقريب أن الملكية علاقة خاصة بين المالك والمملوك. ولا حاجة لها إلى وجود المملوك عليه. وعليه فلا مانع من تملك الانسان لما في ذمته، ويترتب عليه سقوطه. ولذلك جعل الشهيد في قواعده الابراء مرددا بين التمليك والاسقاط. مع أنه لو كان تملك الانسان لما في ذمته محالا لما جعل أمر الابراء مرددا بينهما. وهذا بخلاف حق الشفعة وحق الخيار وأشباههما من الحقوق التي تتقوم بطرفين (المسلط والمسلط عليه) فان ذلك سلطنة فعلية محتاجة إلى المسلط عليه. وعلى هذا النهج فلو نقلت هذه السلطة ممن له الحق إلى من عليه الحق لزم منه اجتماع عنوانين متقابلين: (المسلط والمسلط عليه) في شخص واحد وهو محال. 3 - ما يقبل النقل والانتقال ويقال بالمال في الصلح كحق التحجير. ومع ذلك

[ 39 ]

ناقش المصنف في وقوعه ثمنا في البيع، لانه - لغة وعرفا - مبادلة مال بمال. ومن البين أن الحق ليس بمال لكي يقع عوضا في البيع. نعم إذا قلنا بعدم اعتبار المالية في كل من الثمن والمثمن أمكن جعل الحق ثمنا في البيع. هذا تفصيل ما ذكره المصنف في المقام. أقول: أما القسم الاول (ما لا يقبل المعاوضة بالمال) فقد يراد منه ما يقبل النقل والانتقال، والسقوط والاسقاط قبولا مجانيا من دون أن يقابل بالمال - كحق القسم للضرة على ما قيل - وعليه فما ذكره قدس سره وإن كان وجيها من حيث الكبرى: وهي أن مثل هذا الحق لا يجوز جعله ثمنا في البيع. ولكن لم يدلنا دليل على وجود صغرى لهذه الكبرى في الخارج. وأما حق القسم فلا دليل على كونه من هذا القبيل. وقد يراد من ذلك مالا يقبل النقل والانتقال، ولا السقوط والاسقاط - كحق الولاية والحضانة وأشباههما - وهو أيضا متين من حيث الكبرى المزبورة، لانه لا تصح مقابلة الحقوق بالمال إلا بلحاظ الجهات المذكورة. فإذا استحال عروض تلك الجهات على الحقوق لم تجز المعاوضة عليها. ولكن مثل هذا لا يسمى حقا مصطلحا، إذ المعروف بين الفقهاء رضوان الله عليهم: أن الفرق بين الحق والحكم أن الحق نوع من السلطنة التي يكون أمرها بيد ذي الحق بخلاف الحكم، فانه لا يقبل شيئا من ذلك. وإذن فالامثلة المذكورة غريبة عن حدود الحق. وإنما هي من مصاديق الحكم المصطلح. وأما القسم الثاني (مالا يقبل النقل) فيقع البحث عنه في جهات شتى: 1 - مالكية الانسان لما في ذمته. ذكر المصنف (ره): أن جواز ملك الانسان لما في ذمته معقول عقلا، وجائز شرعا. وهذا موافق للتحقيق، لما ذكرناه في أول الكتاب من مالكية الانسان لنفسه وفعله وذمته بالاضافة التكوينية الذاتية الاولية.

[ 40 ]

نعم لا يتصف ذلك بالملكية الاعتبارية. لا من جهة استحالة اتحاد المالك والمملوك عليه. بل لان الثبوت الاعتباري إنما يصح فيما لم يكن هناك ثبوت تكويني حقيقي. وإلا لكان الاعتبار لغوا محضا، وتحصيلا للحاصل. وقد مر فيما سبق أن مالكية الانسان لذمته أمر تكويني حقيقي، فلا يحتاج إلى الثبوت الاعتباري. وهذا واضح لا ريب فيه. وقد يتوهم أن المالك والمملوك عليه من المتضائفين، وهما متقابلان. وإذن فيستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه. ولكن هذا التوهم فاسد، بديهة أن النسبة بين المالك والمملوك عليه وإن كانت هي التضائف. ولكن المتضائفين لا يستحيل اجتماعهما في محل واحد دائما فالله تبارك وتعالى عالم بذاته، وهو معلوم له وكل شاعر يحب نفسه. وإنما الاستحالة فيما كان بين المتضائفين تغائر وجودي كالعلية والمعلولية. ومن البديهي أن المالك والمملوك عليه لم يعتبر بينهما التغائر الوجودي. فلا مانع من صدقهما على شئ واحد. 2 - الفارق بين الملكية والسلطنة: ذكر المصنف: أن الملكية لا تتوقف على المملوك عليه. والسلطنة تتوقف على الملسط عليه. والتحقيق: أن هذا المعنى وإن كان صحيحا بالاضافة إلى الملكية المضافة إلى الاعيان الخارجية. إلا انها لا تصح في الملكية المضافة إلى الذمم. فان الكلي ما لم يضف إلى ذمة شخص خاص لا يبذل بازائه شئ ولا يرغب فيه العقلاء. 3 - اتحاد المسلط والمسلط عليه: ذكر المصنف: أن مثل حق الشفعة وحق الخيار سلطنة فعلية، فلا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد. والتحقيق: أن حق الشفعة لا تجوز المعاوضة عليه. لا من ناحية المحذور الذي

[ 41 ]

ذكره المصنف، فانه واضح الاندفاع، (وسيأتي قريبا) بل من جهة أن حق الشفعة إما أن يباع من المشترى، أو من غيره. وعلى الاول فيكون البيع لغوا محضا، إذ المشتري مالك للحصة المبيعة قبل انتقال حق الشفعة إليه وعليه فلا معنى لاستحقاقه تملك تلك الحصة ثانيا بحق الشفعة. وعلى الثاني فلان حق الشفعة استحقاق الشريك للحصة المبيعة في شركته لكي يضمها إلى حقه. فالشريك قد أخذ موضوعا لهذا الحق. ومن البين الذي لا ريب فيه أنه لا يعقل ثبوت الحكم لغير موضوعه، بديهة أن نسبة الحكم إلى موضوعه كنسبة المعلول إلى علته، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته كذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه. وبتعبير آخر: أنا إذا لا حظنا آثار حق الشفعة وجدنا خصوصية في مورده. وتلك الخصوصية هي العلة التامة لثبوته للشريك فقط، دون غيره. نعم تجوز المعاوضة على حق الشفعة من حيث الاسقاط بأن يجعل إسقاطه ثمنا في البيع، أو اجرة في الاجارة، أو عوضا في الصلح والهبة، أو صداقا في النكاح. ولكن هذا أجنبي عما نحن فيه، فان مورد بحثنا إنما هو جواز المعاوضة على حق الشفعة، وجعله عوضا في العقود المعاوضية، لا المعاوضة على إسقاطه، فان الاسقاط بنفسه عمل. وقد عرفت سابقا: أن عمل الحر يجعل عوضا في البيع وغيره من العقود المعاوضية. وأما حق الخيار فجواز المعاوضة عليه من حيث الاسقاط خارج عن موضوع بحثنا - وقد عرفته قريبا - وأما نقله إلى غيره بالعقود المعاوضية، وجعله عوضا فيها فقد منعه المصنف من ناحية استلزامه اتحاد المسلط والمسلط عليه. والجواب عن ذلك: أولا: أن هذا إنما يتم فيما إذا نقل حق الخيار إلى من عليه الخيار. وأما إذا نقل إلى غيره فلا يلزم منه المحذور المذكور. وإذن فالدليل أخص من المدعى. ثانيا: أن هذا إنما يلزم فيما إذا كان متعلق السلطنة في الخيار هو البائع. دون

[ 42 ]

العقد. ولكن سيأتي في مبحث الخيارات أن الخيار إنما يتعلق بالعقد لا بالمتبايعين وإلا لسقط خيار كل منهما بموت صاحبه. وعلى هذا الضوء فثبوت حق الخيار لا يحتاج إلى وجود المسلط عليه لكي يلزم من نقله إليه اتحاد المسلط والمسلط عليه. بل شأنه شأن حق التحجير المتعلق بالارض المحجرة. ثالثا: أنه لو استحال بيع حق الخيار ممن عليه الخيار - لاستحالة اتحاد المسلط والمسلط عليه - لاستحال ملك الانسان لما في ذمته بالاولوية القطعية، لاستحالة تملك الكلي بدون المملوك عليه. وحيث عرفت إمكان الثاني فكان الاول أولى بالامكان. رابعا: أن مفهوم السلطنة وإن كان من المفاهيم الاضافية. إلا أن عنوان التضايف لا يقتضي استحالة صدق المتضايفين على شئ واحد. كما عرفته قريبا. وصفوة ما ذكرناه: أنه لا مانع من نقل حق الخيار إلى شخص آخر من الناحية التي ذكرها المصنف قدس سره. نعم ان الخيار المجعول بجعل المتبايعين، أو بجعل شرعي ترجع حقيقته - على ما حققناه في مبحث الخيارات - إلى تحديد الملكية في البيع إلى زمان فسخ من له الخيار. ومن الظاهر أن هذا غير قابل للنقل إلى غير من له الخيار. نعم هو قابل للاسقاط، والانتقال إلى الوارث بأدلة الارث. وتمام الكلام موكول إلى مبحث الخيارات. ويأتي الكلام فيه إن شاء الله. وأما القسم الثالث: فهو ما يقبل النقل والانتقال - كحق التحجير ونحوه - وقد عرفت اعتراض المصنف على وقوعه ثمنا في البيع، لعدم صدق المال عليه. ويرد عليه ما ذكرناه في أول الكتاب من أن المال ما يرغب فيه العقلاء، ويبذلون بازائه شيئا. ومن البين أن حق التحجير مورد لرغبة العقلاء وتنافسهم. فيكون مالا بالحمل الشائع. وإذن فلا محذور في جواز المعاوضة عليه من هذه الناحية.

[ 43 ]

نعم يتوجه عليه أن الحق وإن كان قابلا للنقل والانتقال، أو السقوط والاسقاط، مجانا، أو بعوض. إلا أنه لا يمكن جعله ثمنا في البيع، بداهة أن الحق حكم شرعي غير قابل لان تتعلق به إضافة ملكية أو غيرها. وقد عرفت سابقا (1): أن البيع لابد فيه من التبديل: بأن يقوم أحد العوضين مقام الآخر. نعم نقل الحق أو اسقاطه فعل من أفعال المكلف. فيصح جعله ثمنا. وإذن فيملك البائع على المشتري هذا الفعل. ويلزم عليه تسليمه إلى البائع بعد البيع. كما هو الحال في بقية الافعال المجعولة ثمنا. وقد نوقش في جعل الحق ثمنا في البيع بمناقشة اخرى. وحاصلها: أن البيع - في الواقع ونفس الامر - ليس إلا إزالة الاضافة المالكية عن كل من العوضين، وإيجاد اضافة اخرى مالكية فيه. وعليه فلا يمكن جعل الحق ثمنا في البيع. والسر في ذلك أن الملكية من المفاهيم الاضافية. فأحد طرفيها قائم بالمالك، وطرفها الآخر قائم بالمملوك. ومن آثار هذه الاضافة أن يفك المالك - عند التبديل - إضافته القائمة بالمتاع، ويجعلها قائمة بالثمن، ويفك مالك الثمن إضافته القائمة بالثمن، ويجعلها قائمة بالمتاع. وهذا هو البيع بالحمل الشائع. ويقابله باب الارث، فان فيه يتبدل المالك مع بقاء المملوك على حاله. ومن الظاهر أن التبديل في باب الحقوق من القبيل الثاني. ضرورة أنه إذا جعل الحق عوضا في معاملة كان معناه زوال الحق من ذي الحق وثبوته لشخص آخر، كما أن مال المورث ينتقل منه إلى وارثه. وليس معناه وقوع التبديل بين المعوض وبين متعلق الحق كالارض المحجرة مثلا. ولا أن معناه وقوع المعاوضة بين المعوض ونفس الحق ضرورة أن الحق ليس إلا إضافة خالصة ومن البديهي أن مقابلة هذه الاضافة بشئ تحتاج إلى إضافة اخرى


(1) ص 25.

[ 44 ]

لكي يقع التبديل في تلك الاضافة. ويلزم منه التسلسل. وعلى هذا فلا يصدق مفهوم البيع على تبديل حق بحق. ولا على تبديله بغيره. كما أنه لا يصدق على قيام النائب مقام المنوب عنه في الجهات الراجعة إليه - كالامامة، والقضاوة. والوزارة، والسلطنة، وأشباهها - ولاجل هذه المناقشة يلزمنا أن نمنع عن جواز تبديل حق بحق. أو تبديله بغيره، منعا مطلقا: أي سواء أصدق عليه مفهوم المال أم لم يصدق عليه ذلك. وأنت خبير بأن المانع من تبديل الحقوق، وجعله ثمنا هو ما ذكرناه من استحالة تعلق الملكية بالحكم الشرعي. وإلا فلو أمكن تعلقها به لم يكن مانع من تبديله، وجعله ثمنا. وبذلك تنقطع السلسلة كما في مبادلة الاعيان والمنافع. الملك والحق وبيان الفارق بينهما ماهي حقيقة الملك، وحقيقة الحق، وما هو الفارق بينهما؟ أن الثابت في نظام الوجود لا يخلو عن أربعة أقسام: لانه إما واجب، أو ممكن. والثاني: إما جوهر، أو عرض، أو أمر اعتباري قائم بنفس الاعتبار. ولا ريب في أن الاحكام كلها من قبيل الامور الاعتبارية. سواء فيها الاحكام الشرعية، والعقلائية، والوضعية، والتكليفية، والالزامية والترخيصية. فمعنى الوجوب اعتبار الفعل على ذمة المكلف. ومعنى الزوجية اعتبار كل من الزوجين عدلا للآخر. ومعنى الملكية اعتبار إحاطة المالك بالمملوك. وعلى هذا النمط كلما ورد عليك حكم من الاحكام. وعليه فحقيقة الملكية إنما هي السلطنة والاحاطة: وهي مقولة بالتشكيك على مراتبها الاربع المتقدمة (1) ولا ريب في أن هذه السلطنة إنما تتعلق بالاعيان الخارجية


(1) ص 2.

[ 45 ]

تارة، وبالافعال اخرى. فيقال: له السلطنة على المملكة. وهو سلطان الرعية، والناس مسلطون على أموالهم. وزيد مسلط على الخياطة والبناية والتكلم والكتابة ونحو ذلك من الافعال. وهذا بخلاف الحق والحكم، فانهما لا يتعلقان إلا بالافعال. فيقال: يباح للانسان أكل الخبز وشرب الماء. ويستحب له أكل الرمان ويجب على المكلف الاتيان بالصلاة الواجبة، وترك المحرمات. ويحرم عليه شرب المسكر وأكل الرباء، واستماع الغناء، ويكره له أكل لحم الحمير والبغال. وأيضا يقال: إن صاحب الخيار له حق فسخ العقد. والمرتهن له حق بيع العين المرهونة، واستيفاء حقه من ثمنها إذا امتنع الراهن من أدائه. والزوجة لها حق المطالبة للمسكن والنفقة والمضاجعة من زوجها. والاولياء لهم حق القيام بامور المولى عليهم. وحق المؤمن على المؤمن أن يدفع غيبته. ويقضي حاجته. ويحضر جنازته. ويكشف كربته. وعلى الجملة: إن الفارق بين الحق والحكم، وبين الملك: أن الاولين لا يتعلقان إلا بالافعال. بخلاف الملك فانه يتعلق بالاعيان تارة وبالافعال اخرى. وإليك ملاحظة الاستعمالات الصحيحة الفصيحة. الحق والحكم وعدم وجود الفارق بينهما ما هو الفارق بين الحق والحكم؟ لا ينبغي الريب في أن الحكم والحق متحدان حقيقة، لان قوامهما بالاعتبار الصرف. وتوضيح ذلك: أن المجعولات الشرعية على ستة أقسام: 1 - التكليفي الالزامي، كالواجبات والمحرمات. 2 - التكليفي غير الالزامي. كالمستحبات والمكروهات والمباحات. 3 - الوضعي اللزومي الذي يقبل الانفساخ. كالبيع والاجارة والصلح ونحوها،

[ 46 ]

فانها وإن كانت لازمة في نفسها. ولكنها تنفسخ بالاقالة ونحوها. 4 - الوضعي اللزومي الذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج، فانه لا ينفسخ إلا في موارد خاصة. 5 - الوضعي الترخيصي الذي يقبل الاسقاط، كحق الشفعة وحق الخيار، فلصاحب الحق أن يرفع يده عن حقه ويسقطه. 6 - الوضعي الترخيصي الذي لا يقبل الاسقاط، كالجواز في الهبة، فانه حكم مجعول للشارع. ولا يرتفع بالاسقاط. وهذه الامور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار اختلافا واضحا، ولكنها تشترك في أن قوامها بالاعتبار المحض وإذن فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي أو العقلائي إلى الحق والحكم لكي نحتاج إلى بيان الفارق بينهما. بل كلها حكم شرعي، أو عقلائي قد اعتبر لمصالح خاصة. بناء على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للملاكات الواقعية. نعم تختلف هذه الاحكام في الاثر - كما أشرنا إليه قريبا - اختلافا ظاهرا. فبعضها يقبل الاسقاط. وبعضها لا يقبله والسر في هذا الاختلاف هو أن زمام تلك الامور بيد الشارع حدوثا وبقاء فقد يحكم ببقائه، كما حكم بحدوثه، وقد يحكم بارتفاعه ولو كان ذلك باختيار أحد المتعاملين أو كليهما. نعم المتبع في ذلك في مقام الاثبات - هو الادلة الشرعية. وعلى الجملة: إن الجواز واللزوم الوضعيين. كالجواز واللزوم التكليفيين، فان جميعها من الاحكام الشرعية ولا تفاوت في ماهيتها وذواتها وإن اختلفت آثارها. فاعطف نظرك هل ترى فارقا بين جواز قتل المشرك - الذي يسمي حكما شرعيا - وبين سلطنة ولي الدم على قتل القاتل الذي يسمى حقا شرعيا، لقبوله الاسقاط. ثم أرجع البصر كرتين هل ترى فارقا بين حق الحضانة والابوة، والولاية وأشباهها مما لا يقبل الاسقاط، وبين حق الشفعة وحق الخيار القابلين للاسقاط، فافهم واغتنم.

[ 47 ]

ومن الغريب أن جمعا من الفقهاء تصدوا لبيان الفارق بين الحق والحكم، حتى أن بعضهم قد ألحقه بالبديهيات، زعما منه أن الاختلاف بينهما أظهر من الشمس، وأبين من الامس. وذكر جماعة: أن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، وصاحبه مالك لشئ يرجع أمره إليه، بخلاف الحكم، فانه مجرد جعل الرخصة في فعل شئ أو تركه، أو الحكم بترتب أثر على فعل أو ترك. وذكر طائفة: أن الحق ما يقبل السقوط والاسقاط، أو النقل والانتقال، بخلاف الحكم، فانه لا يقبل شيئا من هذه الامور. إلى غير ذلك مما ذكروه في هذا المقام. ولكنك قد عرفت: أنه لا يرجع شئ من ذلك إلى محصل. نعم لا مانع من تخصيص إطلاق الحق اصطلاحا بطائفة من الاحكام وهي التي تقبل الاسقاط، إذ لا مشاحة في الاصطلاح. وأظن - وإن كان الظن لا يغني من الحق شيئا - أن هذا الاطلاق صار سببا لاختلاف العلماء في حقيقة الحق والحكم. وبيان الفارق بينهما. والله العالم. ومما يدل على اتحاد الحق والحكم أن لفظ (الحق) في اللغة بمعنى الثبوت. ولذا يصح إطلاقه على كل أمر متقرر في وعائه المناسب له، سواء أكان تقررا تكوينيا أم كان اعتباريا. وهو بهذا المعنى قد استعمل في عدة موارد من الكتاب العزيز (1)


(1) قال الله تعالى: لقد حق القول على أكثرهم (أي ثبت) يس 36: 6. قال الله تعالى: فحق علينا قول ربنا: (أي ثبت) الصافات 37: 30. قال الله تعالى: أفمن حق عليه كلمة العذاب: (أي ثبت) الزمر 39: 20. قال الله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك: (أي ثبتت) يونس 10: 96. قال الله تعالى: ويحق الله الحق بكلماته: (أي يثبته) يونس 10: 82. قال الله تعالى: ليحق الحق ويبطل الباطل: (أي يثبت) الانفال 8: 8. -

[ 48 ]

ومن هنا يصح إطلاق كلمة (الحق) على الخبر الصادق، لثبوت مضمونه في الواقع. ولهذا أيضا يطلق الحق - بقول مطلق - على الله تعالى، لبطلان غيره في جنبه سبحانه. ومن هنا قيل: إن أصدق شعر انشئ في الجاهلية هو قوله: (ألا كل شئ ما خلا الله باطل). وإذن فمفهوم الحق يعم جميع المجعولات الشرعية. بل جميع الامور الثابتة في أي صقع من الاصقاع، فلا وجه لتخصيصه بالاحكام فضلا عن تخصيصه بحصة خاصة منها. المجعول الشرعي والشك في أنه حق أو حكم إذا شك في أن المجعول الشرعي حق اصطلاحي يقبل الاسقاط، أو أنه حكم اصطلاحي لا يقبله، فان كان هنا ما يدل على تعيين أحدهما بالخصوص أخذ به. وإلا فان كان لدليل المشكوك فيه عموم أو إطلاق أخذ بذلك، ويثبت به كونه حكما. ومثال ذلك: أنه إذا شك في أن جواز أكل المارة من الشجرة التي تمر عليها، أو جواز الفسخ في الهبة حق أو حكم فانه يتمسك باطلاق مادل على جوازهما. ويثبت بذلك كونه حكما، فلا يسقط بالاسقاط. وأنه إذا شككنا في بقاء حق التحجير بعد إسقاطه رجعنا إلى إطلاق قوله صلى الله عليه وآله: (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له) (1). وأنه إذا شككنا في بقاء حق القصاص بعد إسقاطه رجعنا إلى اطلاق قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) (2). ومع عدم الاطلاق في ذلك


- قال الله تعالى: كذلك حقا علينا ننج المؤمنين: (أي ثابتا) يونس 10: 103. قال الله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين: (أي ثابتا) الروم 30: 46. إلى غير ذلك من الآيات المتظافرة. (1) قد أشرنا إلى مصادر الحديث في ص 6. (2) الاسراء 17: 35.

[ 49 ]

رجعنا إلى الآيات (1) والروايات (2) الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة. وإن لم يكن هناك عموم أو اطلاق فان قلنا بجريان الاستصعاب في الشبهات الحكمية استصحبنا الجواز المشكوك فيه بعد إسقاطه. ونحرز بذلك كونه حكما. وإلا فيرجع إلى ما يقتضيه سائر الاصول اللفظية أو العملية. فقد تكون نتيجة ذلك السقوط بالاسقاط. فيكون حقا. وعليه فإذا شك في أن حق الشفعة وحق الخيار من قبيل الحقوق، أو من قبيل الاحكام لم يجز إعمالهما بعد الاسقاط، لعدم الاطلاق فيما دل على ثبوتها لذي الخيار والشفيع. وإذن فان قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية رجعنا إليه. وإلا فان العمومات الدالة على حرمة أكل مال الناس من دون رضاه محكمة. وإذا شك في حق أنه يقبل الانتقال إلى الوارث أولا - كحق الحضانة والولاية وأمثالهما - فان كان هنا دليل على قبوله النقل فانه يحكم بقبوله الانتقال أيضا، إذ يستكشف من ذلك عدم وجود الخصوصية لمورد المشكوك فيه. وإلا فانه يحكم بعدم انتقاله. ويأتي تفصيل ذلك في مبحث أحكام الخيار. وإذا شككنا فيما يطلق عليه الحق اصطلاحا أنه يقبل النقل أولا فان الاصل عدم قبوله إياه، إذ الظاهر من الادلة المثبتة لذلك هو اختصاصه بذي الحق فقط. فثبوته لغيره يحتاج إلى دليل. ودعوى أن الاصل جواز نقله تمسكا بالعمومات الدالة على صحة العقود ونفوذها


(1) قال الله سبحانه: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. النساء 4: 94. قال الله سبحانه: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها. النساء 4: 95. قال الله سبحانه: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. الانعام 6: 152. (2) المروية في فروع الكافي ج 2 ص 315، 316. والتهذيب ج 2 ص 491. والوافي ج 9 ص 82.

[ 50 ]

دعوى جزافية، فان تلك العمومات ناظرة إلى بيان الحكم الوضعي: وهو إمضاء المعاملات العرفية: أعني بها ما يكون مورد المعاملة فيها قابلا للانتقال إلى غيره. ومع الشك في ذلك كان التمسك بتلك العمومات تمسكا بها في الشبهة المصداقية. وقد ثبت في محله عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. وإلى هنا وقف القلم في مبحث الحق والحكم. والله ولي التوفيق، وعليه التوكل، وبه الاعتصام. مفهوم الانشاء وتعريفه قوله: (فالاولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال). أقول: إن واقع الانشاء المقابل للاخبار وإن كان من الامور الواضحة التي يعرفها الصبيان والمجانين حسب مرتكزاتهم فضلا عن البالغين، إلا أنه وقع الكلام في حقيقته وفيما به يمتاز عن الاخبار. فالمعروف بين العلماء: أن الانشاء ايجاد المعنى باللفظ. ولكن هذا التعريف مزيف، لانا ذكرنا في مبحث المشتقات من مدخل علم الاصول: أن المراد من ايجاد المعنى باللفظ إما ايجاد خارجي، أو ايجاد اعتباري: أما الايجاد الخارجي فهو ضروري البطلان، بداهة أن الموجودات الخارجية برمتها مستندة إلى عللها الخاصة، وأسبابها المعينة، ومقدامتها الاعدادية، ومن الواضح الذي لا ريب فيه أن اللفظ أجنبي عنها. نعم قد يكون بعض الالفاظ من مبادئ الوجود الخارجي، كالكلام العنيف المؤثر في إصفرار وجه الوجل. إلا أن هذا غريب عن ايجاد المعنى باللفظ في نظام الوجود. كما يبعد عن ايجاد المعنى باللفظ ما هو العروف بين أهل المعقول من أن اللفظ وجود للمعنى في عالم اللفظ. ووجه البعد: أن ذلك لا يختص بالجمل الانشائية. بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضا.

[ 51 ]

وأما الايجاد الاعتباري فان كان المراد به وجوده في نفس المتكلم فهو واضح الفساد، فان الاعتبار النفساني من أفعال النفس، ومن المعلوم أن أفعال النفس توجد فيها بفاعليتها بلا احتياج إلى عالم الالفاظ أصلا ورأسا. وإن كان المراد من الايجاد الاعتباري وجود المعنى في اعتبار العقلاء فيتوجه عليه أن الانشاء وإن كان موضوعا لاعتبار العقلاء. إلا أن هذا الاعتبار مترتب على تحقق الانشاء في الخارج. وكلامنا في تصوير حقيقته، سواء أكان ذلك موردا لاعتبار العقلاء أو الشرع، أم لم يكن. وعلى الجملة: إنا لا نعقل معنى محصلا لتعريف الانشاء بايجاد المعنى باللفظ، سواء في ذلك الايجاد الاعتباري والايجاد الخارجي. والتحقيق: أن الانشاء إبراز الاعتبار النفساني بمبرز خارجي. كما أن الخبر إبراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب بالمظهر الخارجي. والسر في ذلك أنا ذكرنا في مبحث الوضع من مدخل علم الاصول: أن حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام النفسي بجعل لفظ خاص، أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه. ومن البديهي أن هذا المعنى أمر اختياري لكل من التزم بذلك وتعهد به. والارتباط الحاصل بين الدال والمدلول أمر قهري ومنتزع من الالتزام المذكور. ولا يخفى على الفطن العارف أن هذا المعنى للوضع موافق للوجدان والذوق السليم، والارتكاز العقلائي، والفهم العرفي، والمعنى اللغوي، بديهة أو الوضع في اللغة بمعنى الجعل والاقرار والاثبات وما يراد منها من ألفاظ أية لغة كانت. وعليه فالتزام المتكلم بابراز مقاصده - عند التفهيم - بالالفاظ الخاصة نوع من الوضع. ومن هنا يطلق الواضع على مقنن القوانين في المحاكم العرفية. وعلى هذا النهج فكل من تعهد بابراز مقاصده بالالفاظ المتداولة بين أهل اللسان

[ 52 ]

- لتفهيم أمر تعلق به غرضه - فهو واضع حقيقة. نهاية الامر أن إطلاق الواضع على الجاعل الاول إنما هو لسبق زمانه، وقدم عهده. ولا فارق فيما ذكرناه بين الجمل الخبرية والجمل الانشائية، وغيرهما من الالفاظ المفردة والمركبة التي هي من الامارات الجعلية. نعم تفترق الجمل الانشائية عن الجمل الخبرية بأن الجمل الانشائية إنما وضعت بهيئاتها الانشائية لابراز أمر ما من الامور النفسانية: وهذا الامر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات، كما في الامر والنهي والعقود والايقاعات. وقد يكون صفة من الصفات، كما في التمني والترجي. ولاجل ذلك أن الجمل الانشائية لا تتصف بالصدق تارة وبالكذب أخرى. إذ ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه. وهذا بخلاف الجمل الخبرية، فانها موضوعة لابراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب. وعليه فالهيئات التركيبية للجمل الخبرية أمارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، وهذه الحكاية قد تطابق الواقع فتكون الجملة صادقة، وقد تخالفه فتكون كاذبة. وقد اتضح لك مما ذكرناه أن المتصف بدء بالصدق والكذب - في الجمل الخبرية - إنما هو الحكاية عن الواقع. وأما اتصاف الجملة الخبرية بهما إنما هو من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه. والمتحصل مما بيناه أن استعمال اللفظ في المعنى ليس إلا إظهار المقاصد النفسانية بمبرز خارجي سواء في ذلك الجمل وغيرها. وإذن فالانشاء من مصاديق استعمال اللفظ في المعنى بلا ارتباط له بايجاد المعنى باللفظ. حقيقة البيع وتعريفه لا يخفى على الناقد البصير أن البيع ليس إنشاء ساذجا - وإن علم عدم تحقق الاعتبار النفساني - وإلا لصدق مفهوم البيع على بيع الهازل والساهي والنائم والسكران وأمثالهم، ولا أنه صرف الاعتبار النفساني - وإن لم يقترن به المظهر الخارجي -

[ 53 ]

وإلا لصدق مفهوم البيع على الاعتبار النفساني المحض من دون إبرازه بمبرز خارجي. وهو باطل بالضرورة. بل حقيقة البيع هي الاعتبار النفساني المظهر بمظهر خارجي، سواء أكان ذلك ممضي للشارع أو للعقلاء أم لم يكن كذلك، وعليه فإذا اعتبر أحد تبديل ماله بمال غيره في أفق نفسه، ثم أظهر ذلك بمبرز، خارجي صدق عليه مفهوم البيع جزما. وكذلك الحال في سائر الامور الانشائية من العقود والايقاعات، والاوامر والنواهي، فان معنى الامر - مثلا - ليس إنشاء خالصا، ولا اعتبارا ساذجا. بل هو الاعتبار النفساني المظهر بمبرز خارجي. وإذا اطلعت على ما ذكرناه في معنى الانشاء، ولا حظت ما بيناه في معنى المبادلة (1) جاز لك تعريف البيع بأنه إنشاء تبديل شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة. ولا يتوجه عليه لزوم أخذ الانشاء في المنشأ. كما سجله المصنف على ما ذكره المحقق الثاني من أن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة. وذلك لان هذه المناقشة واضحة الدفع نقضا وحلا، وسيأتي قريبا. قوله: (ثم الظاهر أن لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية، ولا متشرعية بل هو باق على معناه العرفي). أقول: قد عرف الفقهاء البيع بتعاريف شتى غير ما ذكرناه: 1 - ما ذكره الشيخ في المبسوط، والعلامة في التذكرة من أن البيع انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي. ورماه المصنف إلى التسامح الواضح، ولم يبين سره. ولعل الوجه فيه أن الانتقال أثر للبيع، فلا يسوغ تعريف الشئ بأثره. إلا على سبيل العناية والمجاز. وأضف إلى ذلك أن البيع أمر قائم بالبائع، كالتمليك والتبديل، والانتقال


(1) قد عرفت ذلك مفصلا في ص 22.

[ 54 ]

صفة للعوضين، فلا وجه لتعريف البيع بذلك. نعم لا بأس بتوصيفه بالانتقال مجازا، لان ذلك من قبيل توصيف الشئ بحال متعلقه (1). 2 - ما أشتهر بين الفقهاء من أن البيع هو الايجاب والقبول الدالين على الانتقال. وناقش فيه المصنف (ره) بأن البيع من مقولة المعنى دون اللفظ، فلا وجه لتفسيره به. على أن البيع ينشأ باللفظ. ولا معنى لانشاء الايجاب والقبول باللفظ. ولكن هذه المناقشة متوجهة إلى تعريف المصنف أيضا، لانه أخذ الانشاء في تعريف البيع. وسيأتي قريبا، قيل: إن اللفظ سبب والبيع مسبب، فيستحيل تعريف المسبب بسببه. ويرد عليه: أن البيع ليس من الامور التوليدية لكي يتسبب إليه بالالفاظ، ويضاف إليه أن من عرف البيع بالتعريف المذكور فقد التزم بكونه اسما للسبب دون المسبب. 3 - ما حكي عن المحقق الكركي في جامع المقاصد من أن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة. وناقش فيه المصنف، وحاصل مناقشته: أنه إن كان غرض المحقق الثاني من هذا التعريف ان البيع نقل العين المنشأ بالصيغة المخصوصة فيرد عليه: أن النقل بنفسه وإن كان أمرا يمكن إنشاؤه بالصيغة: إلا أن النقل مقيدا بكونه منشاء بالصيغة غير قابل لتعلق الانشاء به. وهو ظاهر. وإن كان غرضه من ذلك أن البيع نفس النقل الخاص المرادف للبيع، وجعله


(1) ربما يناقش في هذا التعريف بما ذكره في الجواهر من أن البيع فعل، فلا يكون انتقالا. وفيه أن البيع وإن كان من الفعل بمعناه اللغوي. إلا أنه أمر اعتباري صرف. ومن الواضح أن الامور الاعتبارية غير داخلة تحت مقولة الفعل بمعناها المصطلح المبائنة لمقولة الانفعال.

[ 55 ]

مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل الذي تكون الصيغة سببا له. لا أن يكون التقييد مأخوذا في مفهوم البيع لكي يكون مدلول بعت نقلت بالصيغة، وإن كان غرضه هذا فان أراد من الصيغة خصوص كلمة بعت فقد لزم منه الدور، إذ الغرض من التعريف معرفة مادة بعت، فلا يمكن تعريف تلك المادة بما يشمل عليها. وإن أراد من الصيغة ما هو الاعم من كلمة بعت وجب الاقتصار على مجرد النقل والتمليك. والجواب عن ذلك: أن لفظ - البيع على ما تقدم بيانه قريبا - لم يوضع للاعتبار النفساني الصرف: أعني به اعتبار التبديل بين المالين. كما أنه لم يوضع لمجرد الانشاء من دون أن يكون هناك اعتبار نفساني. بل هو موضوع للاعتبار المبرز في الخارج بمبرز ما. وهذا المعنى كما يمكن أن يتحقق بغير صيغة بعت من الالفاظ الكاشفة عن اعتبار التبديل بين العوض والمعوض. كذلك يمكن أن يتحقق بصيغة بعت وهذا نظير لفظ الاذن والاجازة وغيرهما مما وضع لابراز الرضا النفسي بمبرز ما، فانه كما يمكن إبراز الرضا بلفظ آخر ينطبق عليه مفهوم الاذن. كذلك يمكن إبرازه بلفظ الاذن أيضا. فإذا قال: أذنت لك في أن تفعل كذا فقد أبرز رضاه بهذه اللفظة، ويكون ذلك مصداقا للاذن في الخارج. وعلى الجملة: لا مانع من أن يكون البيع اسما للنقل بالصيغة المخصوصة. ومعه فكما يمكن إنشاء البيع بسائر الصيغ كذلك يمكن إنشاؤه أيضا بصيغة بعت. ولا يفرق في ذلك بين القول: بأن الانشاء ايجاد المعنى باللفظ - كما هو المشهور - وبين القول: بأنه إظهار ما في النفس من الاعتبار، كما هو المختار عندنا. ويضاف إلى ذلك: أن ما وجهه المصنف على المحقق الثاني يتوجه على تعريفه حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، لان المصنف (ره) قد عرف البيع - وسيأتي - بأنه إنشاء تمليك عين بمال ومن الواضح أن إنشاء التمليك ليس إلا إنشاء البيع بالصيغة المخصوصة. نعم يتوجه على التعريف المزبور أمران، وقد تعرض لهما المصنف:

[ 56 ]

1 - أن لفظ النقل ليس مرادفا للبيع. بل هو من الكنايات. وقد ثبت في محله أنه لا يجوز استعمال الالفاظ الكنائية في التعاريف. 2 - أن التعريف المذكور غير جامع لافراد المحدود، بداهة أن المعاطاة بيع عند المحقق الثاني، مع أنها لم تنشأ بالصيغة أصلا فضلا عن الصيغة المخصوصة. 4 ما حكي عن الحلبي من أن البيع عقد يقتضي استحقاق التصرف في المبيع والثمن. ويرد عليه وجوه: 1 - أن العقد مركب من الايجاب والقبول. وإذن فيتوجه على هذا التعريف ما يتوجه على تعريف البيع بالايجاب والقبول 2 - أن هذا التعريف لا يشمل البيع الفاسد، لانه لا يقتضي استحقاق التصرف في العوضين. مع أنه بيع جزما. وعليه فلا يكون جامعا لافراد المحدود. 3 - أن التعريف المذكور مشتمل على الدور، لمكان ذكر المبيع فيه، بداهة أن الغرض منه معرفة مادة بعت. ومن الواضح أن ذكر ما يقتطف منها في تعريفها دور واضح 5 - ما ذكره المصنف من أن البيع إنشاء تمليك عين بمال. ويتوجه عليه وجوه: 1 - أن لفظ العين يشمل الاعيان المتمولة وغيرها. مع أنه (ره) اعتبر المالية في العوضين. فلا يكون تعريفه هذا مانعا عن دخول الاغيار في المحدود. 2 - أنه لو كان البيع إنشاء تمليك عين بمال لزم منه أن يكون التبديل فيه في الاضافة الملكية فقط، وقد عرفت خلاف ذلك فيما تقدم (1) وقلنا: إن البيع تبديل شئ بشئ في جهة الاضافة. لا في الاضافة الملكية ولا في الاضافة المالية. 3 - أنه لا دليل على اعتبار المالية في الثمن. وإنما المناط في تحقق مفهوم البيع صدق عنوان المعاوضة عليه. وقد مر تفصيل ذلك فيما سبق (2) كما اتضح لك ان الصحيح هو ما ذكرناه في تعريف البيع من أنه انشاء تبديل عين بعوض في جهة الاضافة.


(1) ص 23. (2) ص 24.

[ 57 ]

أوهام حول تعريف البيع قوله: (ولا يلزم عليه شئ مما تقدم. نعم يبقى عليه أمور) أقول: بعدما عرف المصنف البيع بانشاء تمليك عين بمال تصدى لذكر جملة من النقوض المتوجهة على التعريف المزبور. والجواب عنها. ويحسن بنا التعرض لتلك النقوض وأجوبتها تأسيا له (ره). منها: 1 - أن تعريف البيع بانشاء تمليك عين بمال موقوف على جواز الايجاب بلفظ ملكت. وإلا لم يكن التمليك مرادفا للبيع. وقد أجاب عنه المصنف بصحة الايجاب بلفظ ملكت، لان التمليك بالعوض ليس معنى آخر غير البيع. وقد صرح بذلك أيضا في البحث عن ألفاظ العقود. وسيأتي. والتحقيق: أنه لا ريب في جواز إنشاء البيع بلفظ ملكت. ولكن هذا بعيد عن قضية مرادفة التمليك للبيع. ضرورة أنه ربما يتحقق مفهوم البيع ولا يكون هناك تمليك أصلا. ومثال ذلك: أنه إذا أوصى أحد بصرف ماله في سبيل الله، ونص على عدم صيروته ملكا لاحد، فانه إذا بيع المال المزبور - لكي يصرف ثمنه في قربات الله - لم يقع التبديل بين العوضين في الاضافة الملكية. بل في إضافة أخرى غيرها (1). وأضف إلى ذلك أن الانشاء بصيغة ملكت إنما يصح فيما إذا كان المشتري أصيلا. وأما إذا كان فضوليا، أو أحد الاولياء من قبل الاشخاص المحجورين فانه لا يصح خطابه بلفظ ملكتك. بل لابد حينئذ من إنشاء البيع بلفظ آخر غير لفظ ملكت. ومن النقوض. 2 أنه إذا كان البيع إنشاء تمليك عين بمال لم يشمل ذلك بيع الدين ممن هو عليه، إذ الانسان لم يملك مالا على نفسه.


(1) قد تقدم تفصيل ذلك في ص 23.

[ 58 ]

وأجاب عنه المصنف بوجهين. وحاصل الوجه الاول: أنه يمكن أن يتملك الانسان مالا على نفسه. وتكون نتيجته سقوط ذلك المال عن ذمته. ونظير ذلك: أن يكون أحد مديونا لغيره دينارا واشترى الدائن متاعا من المديون بدينار كلي في الذمة فان الدينارين يسقطان بالتهاتر. وحاصل الوجه الثاني: أنه إذا لم يعقل تملك الانسان لما في ذمته لم يعقل بيعه أيضا، إذ ليس للبيع لغة وعرفا معنى غير المبادلة والنقل والتمليك، وما يساويها من الالفاظ سواء أكانت من اللغة العربية أم كانت من غيرها ومن هذه الناحية قال فخر المحققين: (إن معنى بعت في لغة العرب ملكت غيري، فإذا لم يعقل ملكية ما في ذمة نفسه لم يعقل شئ مما يساويها فلا يعقل البيع). والتحقيق: أنه لا بأس بما ذكره في الوجه الثاني. وأما الوجه الاول فيرد عليه أنه أذا صح ملك الانسان لما في ذمته حدوثا صح ذلك بقاء أيضا، بديهة أن الموانع العقلية لا يفرق فيها بين الحدوث والبقاء. إلا إذا كان المانع عن البقاء هو الحكم الشرعي، كما في شراء العمودين فانه حينئذ لا بأس من الالتزام بالملكية الآنية حدوثا لا بقاء. ولكن هذا فيما إذا كان ملك الانسان لما في ذمته بالمكية الاعتبارية لا بالملكية الذاتية. وقد عرفت ذلك سابقا في البحث عن أقسام الحقوق وستعرفه قريبا عند الجواب عن النقض (1).


(1) قد أجاب المحقق النائني عن النقض المذكور في المتن وإليك نص مقرر بحثه: (فالصواب أن يقال: بيع الدين على من هو عليه وإن كان صحيحا، إلا أن البيع لم يقع على ما في الذمة بقيد كونه في الذمة ليكون من قبيل مالكية الشخص لما في ذمته. وذلك لانه بهذا القيد لا يمكن تحققه في الخارج. ولا شبهة أنه يعتبر في المبيع أن يكون من الاعيان الخارجية بل يقع البيع على الكلي: -

[ 59 ]

والتحقيق: أن مالكية الانسان لذمته أمر ذاتي تكويني من غير أن يحتاج إلى الثبوت الاعتباري، بديهة أن الثبوت الاعتباري إنما يصح فيما إذا لم يكن هناك ثبوت تكويني حقيقي. وإلا لكان الاعتبار لغوا محضا، وتحصيلا للحاصل. وعليه فإذا ملك شخص شيئا في ذمة غيره فقد ملكه بالملكية الاعتبارية. وإذا انتقل ذلك المملوك إلى المملوك عليه تبدلت الملكية الاعتبارية بالملكية الذاتية التكوينية، لما عرفته من لغوية الثبوت الاعتباري في موارد الثبوت الحقيقي. وإذن فلا مجال


- وهو من من الحنطة - مثلا - فيصير المشتري: أعني المديون مالكا لذلك الكلى على البائع. وحيث إن البائع كان مالكا لمن من الحنطة على ذمة المديون: وهو المشتري فينطبق ما على البائع على ما كان له على المديون المشتري. فيوجب سقوط ذمة كليهما. وهذا وإن لم يكن من التهاتر حقيقة، إلا أنه أشبه شيئ به) منية الطالب ج 1 ص 43. ويتوجه عليه: أن نتيجة ذلك البيع وإن كانت متحدة مع نتيجة بيع الدين ممن هو عليه، إلا أن كلامنهما أجنبي عن الآخر، فان المبيع في بيع الدين من غير من هو عليه هو بعينه المبيع في بيع الدين ممن هو عليه، فكما أن المبيع فيما إذا كان المشتري غير من يكون الدين عليه إنما هو الكلي في ذمة المديون. كذك المبيع فيما إذا كان المشتري هو المديون. وأما ما ذكره من أن الكلي المقيد بالذمة لا يقع عليه البيع، لانه يهذا القيد لا يوجد في الخارج فيتوجه عليه: أن الكلي ما لم يضف إلى الخارج أو إلى ذمة شخص لا يتعلق به اعتبار الملكية. وبما أن الكلي في بيع الدين ممن هو عليه أو من غيره ليس هو الكلي الخارجي فلا مناص عن إضافته إلى الذمة. ولكن هذا الكلي غير مقيد بالذمة لكى يستحيل صدقه على الخارج. بل الذمة ظرف له: بمعنى أن المطالب والملزم بدفع الكلي هو المديون. وقد تقدم في ص 17 ما يوضحك معنى بيع الكلي في الذمة.

[ 60 ]

للمناقشة في بيع الدين ممن هو عليه باستحالة ملك الانسان لما في ذمته. كما لا مجال لتوهم سقوط ذلك بعد التملك. بل يوجب البيع تبدل الاضافة الاعتبارية بالاضافة الذاتية. فالحجر الاساسي للمناقشة في بيع الدين ممن هو عليه إنما هو خلط الملكية الذاتية بالملكية الاعتبارية. وقد علمت الفارق بينهما. ومن النقوض: 3 - أن تعريف البيع بانشاء التمليك الخ يشمل التمليك بالمعاطاة. مع أن المشهور بين الاصحاب أن المعاطاة ليست بيع. بل ادعى بعضهم الاجماع على ذلك. وإذن فينتقض ذلك التعريف بالمعاطاة. ويرد عليه: أن المعاطاة بيع حقيقة لغة وعرفا. وأن غرض النافين إنما هو نفي الصحة أو اللزوم عن البيع المعاطاتى. والذي يوضح ذلك أنه لا وجه لدعوى الاجماع على عدم كونها بيعا. لان صدق مفهوم البيع عليها أمر عرفي ولا معنى لقيام الاجماع التعبدي على أمثال ذلك. وإنما مورد الاجماع التعبدى هو المسألة الشرعية ويضاف إلى ذلك أن جما غفيرا من اكابر الفقهاء ذهبو إلى ان المعاطاة بيع صحيح. بل جملة من المحققين ذهبوا إلى كونها بيعا لازما. ومع ذلك كيف يمكن دعوى الاجماع على عدم كونه بيعا ومن النقوض. 4 - انه إذا كان البيع إنشاء تمليك عين بمال انتقض منعه بالشراء، فان المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع. واجاب عنه المصنف واليك نصه (وفيه ان التمليك فيه ضمني وانما حقيقته التملك بعوض... وبه يظهر اندفاع الايراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين حيث ان الاستئجار يتضمن تمليك العين بمال: اعني المنفعة. ولكنا لم نفهم معنى محصلا للتمليك الضمني إذ يرد عليه اولا انه ان كان مراده من التمليك الضمني التمليك التبعي: (بمعنى ان البائع يملك ماله للمشتري اولا ويملك المشتري ماله للبائع ثانيا) فيرد عليه: ان لازم ذلك ان ينعكس الامر فيما إذا

[ 61 ]

تقدم القبول على الايجاب: بأن يكون التمليك من ناحية المشتري اولا، والبيع من ناحية البائع ثانيا. وان كان مراده من التمليك الضمني: ان الفاظ الايجاب والقبول انما تدل بالدلالة المطابقية على تمليك المشتري ماله للبائع، سواء في ذلك تقدم القبول على الايجاب وعدمه، ان كان مراده هذا فيرد عليه: ان هذا يرجع إلى جهة الدلالة، ومقام الاثبات. فلا يوجب فرقا بين التمليكين لبا، وفى مقام الثبوت، بداهة ان البيع تبديل شيئ بشيئ في جهة الاضافة. ومن الضروري انه يستحيل تحقق التبديل بين شيئين الا ان ينتقل كل منهما إلى محل الآخر في آن واحد، وفي مرتبة واحدة. وعليه. فلا يعقل وجود التمليك من ناحية البائع إلا في آن وجود التمليك من ناحية المشتري. وبتعبير آخر: أن البائع إنما ينشئ التبديل بين الثمن والممثن في جهة الاضافة في مرتبة واحدة. نعم يشترط رضا المشتري وقبوله لفعل البائع في تحقق عنوان التبديل، ونتيجة ذلك: أن التمليكين (تمليك البائع وتمليك المشتري) يتحققان في مرتبة واحدة. وإذن فلا أصالة ولا تبعية في المقام. وأضف إلى ذلك: أنا سلمنا كون التمليك من ناحية البائع أصليا استقلاليا، ومن ناحية المشتري ضمنيا تبعيا. الا أن اطلاق التعريف شامل لكلا التمليكين واذن فلا وجه لصرفه عن الثاني، وحصره في الاول. قيل: ان مفهوم البيع يوجد بالايجاب الساذج، ويتحقق به التمليك والتملك في عالم الاعتبار. وعليه فلا يبقى مجال لتمليك المشتري لكي ينتقض به تعريف البيع. واذن فلا شأن للمشتري الا قبول الايجاب من البائع ونسبة فعله إلى نفسه فتكون منزلة القبول في البيع منزلة الامضاء في المعاملات الفضولية. وفيه أن قبول الايجاب وان كان شرطا في البيع، لا جزء مقوما له الا أن شروط البيع على ثلاثة أقسام:

[ 62 ]

1 - أن يكون شرطا لامضاء الشارع. 2 - أن يكون شرطا لامضاء العقلاء. 3 - أن يكون شرطا لاصل الاعتبار: بأن يدور عليه مفهوم البيع وجودا وعدما. ومن الواضح أن تعقب الايجاب بالقبول من القبيل الثالث. بداهة انتفاء حقيقة البيع بانتفاء القبول. فكما ان التمليك والتملك يستندان إلى البائع كذلك يستندان إلى المشتري. ومن النقوض: 5 - أنه إذا كان البيع انشاء تمليك عين بمال انتقض طرده بالصلح على تملك عين بمال ويتوجه عليه وجوه: 1 - أن مفهوم الصلح هو التسالم، ويعبر عنه في لغة الفارس بلفظ (سازش وسازكاري) وعليه فالمدلول المطابقي لكلمة الصلح انما هو انشاء التسالم على أمر معلوم. ومن الظاهر أن هذا العنوان يغائر عناوين سائر العقود، إذ المنشأ فيها (اولا وبالذات) عنوان آخر غير عنوان التسالم، بديهة أن كل معاملة وان كانت لا تصدر الا عن تسالم بين الطرفين على تلك المعاملة. لكنه غير عقد الصلح الذي يكون المنشأ فيه نفس هذا العنوان. فكم فرق بين انشاء الصلح، وبين معاملة وقع التسالم عليها من الطرفين. نعم ان نتيجة انشاء الصلح بعقدة قد تكون تمليك عين بعوض، فتتحد مع نتيجة البيع. وقد تكون تمليك عين مجانا فتتحد مع نتيجة الهبة. وقد تكون تمليك منفعة بعوض فتتحد مع نتيجة الاجارة. وقد تكون تمليك منفعة مجانا، فتتحد مع نتيجة العارية. وقد تكون نتيجة الصلح غير ذلك من الامور: كما إذا كان الصلح على حق غير قابل للبيع، أو على إسقاط لحق الدعوى. وعلى كل حال لا يكون الصلح مصداقا للبيع، ولا لغيره من العقود. ومما يدل على مغائرة البيع والصلح مفهوما هو أن الصلح - كما عرفته قريبا -

[ 63 ]

التسالم. ومن الواضح أن مفهوم التسالم يستحيل تعلقه بالاعيان. بل لابد وأن يتعلق ذلك إما بالفعل - كالاسقاط والعفو والتمليك وأشباهها - أو بالحكم الوضعي كالملكية ونحوها، بخلاف البيع، فانه تبديل شئ من الاعيان بعوض (1). ومن هنا أن الصلح يتعدى إلى متعلقه بلفظ (عن أو على) فيقال: صالحتك عما علم بما علم. أو يقال: صالحتك على أن يكون هذا لك وذلك لي. بخلاف البيع، فانه يتعدى إلى متعلقه بنفسه، فيقال: بعتك المتاع الفلاني بكذا. فيستوضح من ذلك: أن مفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر. وعلى الجملة: إن مفهوم التسالم وإن صدق على جميع العقود حتى النكاح، إلا أن المنشأ في كل عقد بدء غير ما هو المنشأ في الصلح. وإذن فلا سبيل إلى انتقاض تعريف البيع بالصلح، لانها متغائران مفهوما (2) ومن النقوض:


(1) قد تقدم تفصيل ذلك في ص 23. (2) ذكر المصنف (ره: أنه (وقد يتعلق الصلح) بتقرير أمر بين المتصالحين كما في قول أحد الشركين لصاحبه. صالحتك على أن يكون الربح لك والخسران عليك فيفيد مجرد التقرير). اقول: يمكن أن يكون نظره في ذلك إلى حسنة الحلبي عن الصادق (ع) في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان من المال دين. (وفى التهذيب: وكان المال عينا ودينا، ولم يقل: وعليهما دين) وعليهما دين فقال أحدهما لصاحبه. أعطني رأس المال. ولك الربح، وعليك التوى (الهلاك) فقال: لا بأس إذا اشترطا فإذا كان شرط يخالف كتاب الله فهو رد إلى كتاب الله عزوجل. فروع الكافي ج 1 ص 403. والوافى ج 10 ص 121. والتهذيب ج 2 ص 168. والوسائل ج 2 باب 4 من أبواب أحكام الصلح. فان هذه الرواية لا تخلو عن الاشعار بنفوذ الصلح في امثال الموارد. ويمكن أن يكون نظره إلى إطلاق مادل على نفوذ الصلح بين المسلمين، كرواية حفص بن -

[ 64 ]

6 - أنه إذا كان البيع تمليك عين بمال انتقض طرده بالهبة المعوضة. والتحقيق: أن الهبة على ثلاثة أقسام: 1 - أن تكون مجانيا من غير أن تقابل بالعوض سواء أكان ذلك بالاشتراط أم بارادة المتهب. 2 - أن لا يشترط الواهب عوضا في هبته إلا أن المتهب يعطى العوض من تلقاء نفسه قضية لمقابلة الاحسان بالاحسان. 3 - أن يشترط الواهب عوضا في هبته بأن يهب شيئا للمتهب ويشترط عليه فعلا من الافعال. ويسمى هذا هبة معوضة. وقد توهم انتقاض تعريف البيع بذلك. ويتوجه عليه ما ذكره المصنف وتوضيحه: أن حقيقة الهبة متقومة بتمليك الواهب ماله للمتهب تمليكا مجانيا من دون أن يعتبر العوض في ماهيتها. نهاية الامر أنه قد يشترط فيها العوض، فتسمى هبة معوضة. ومن الظاهر أن اشتراط العوض فيها لا يخرجها عن حقيقتها، إذ الشرط ليس عوضا للتمليك، ولا بدلا عن المال الموهوب بل شأن العوض المشروط في الهبة شأن سائر الشروط المشروطة في بقية العقود. والشاهد على صدق مقالنا: أنه لو تخلف المتهب عن العمل بالشرط لم تبطل الهبة. بل يثبت للواهب خيار تخلف الشرط. ويتضح ما ذكرناه وضوحا جليا بملاحظة التعويض غير المشروط في ضمن الهبة الاولى الصادرة من الواهب، بداهة أن التعويض الصادر من المتهب هبة أخرى غير دخيلة في حقيقة الهبة الاولى الصادرة من الواهب. فيستكشف من ذلك أن حقيقة الهبة متقومة بالتمليك المجاني وهذا بخلاف البيع، فانه متقوم باعتبار التبديل بين العوض


- البختري الضعيف عن الصادق (ع) قال، الصلح جائز بين المسلمين. وكمرسلة الفقيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا الوافى ج 10 ص 121، والوسائل باب 3 من أبواب أحكام الصلح.

[ 65 ]

والمعوض، وإظهاره بمبرز خارجي. وعليه فيستحيل تحقق مفهوم البيع بتمليك البائع فقط. أو بتمليك المشتري فقط (1).


(1) ربما يتوهم انتقاض التعريف بقسم آخر للهبة المعوضة الذي لم يتعرض له المصنف: وهو أن يهب الواهب ماله للمتهب على أن تكون داره - مثلا - للواهب بعنوان شرط النتيجة. ولكنه أيضا أجنبي عن حد البيع، بداهة أن الدار وإن صارت ملكا للواهب بقبول المتهب الهبة. إلا أن ذلك من ناحية الشرط دون العقد. ولذا لو فرض فساد الشرط - لعدم كون الدار ملكا للمشروط عليه، أو من جهة أخرى - لم تبطل الهبة بناء على ما هو المشهور بين الاصحاب من أن فساد الشرط لا يسري إلى العقد. وهذا بخلاف البيع، فان العوض فيه يصير ملكا للبائع بنفس العقد. لا من قبل الشرط. ثم إنه لا وجه لما ذكره المصنف (ره) من حصر تمليك العين بالعوض في البيع. وتحقيق ذلك في نواحي شتى: 1 - ما أفاده المصنف من أنه لا معنى للرجوع إلى الاصل بعد انحصار التمليك بالعوض في البيع، وعدم صدقه على غيره. وفيه أن التمليك بالعوص غير منحصر في البيع، بل له صنف آخر غير البيع، كتبديل عرض بعرض، أو نقد بنقد، أو منفعة بمنفعة من دون أن يجعل أحد العوضين ثمنا والآخر مثمنا، فان ذلك خارج عن حدود البيع، وإنما هو قسم خاص من المعاملات المعاوضية. وتدل على صحته آية التجارة عن تراض. النساء 4: 33 2 - أنه إذا وجدت معاملة في الخارج وشك في أنها بيع أو غيره حملت على البيع، لغلبته على سائر أفراد التمليك بالعوض، وقد حقق في محله أن الظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب. وفيه أنه لا دليل على حجية الغلبة، وإذن فالظن الحاصل منها لا يغني من =

[ 66 ]

ثم إنه ذكر السيد في حاشيته قسمين آخرين للهبة غير ما تقدم: 1 - أن تقع الهبة في مقابل الهبة، كما إذا قال الواهب: ملكتك كذا بهبتك كذا، ويقصد بذلك وقوع الهبة بازاء الهبة: بأن تكون كلمة (الباء) متعلقة بالتمليك بلحاظ نفسه، لا بلحاظ متعلقه والفارق بين هذا القسم، وبين ما يشترط فيه العوض: أنه إذا لم يهب المتهب هنا بطلت الهبة الاولى، إذ المفروض أن كلا من التمليكين وقع في مقابل الآخر. ومن الظاهر أن مقتضى المقابلة هو انتفاء كل منهما بانتفاء الآخر. بخلافه هناك، فان مخالفة الشرط فيه يوجب الخيار فقط. وأما الفارق بينه وبين البيع فان المقابلة هنا بين الفعلين. بخلاف البيع فان المقابلة فيه بين العوضين. 2 - أن تقع المقابلة بين المال والهبة: بأن يقول الواهب ملكتك كذا بمقابل ما أعطيتني. نظير أن يقول: أكرمتك بعوض ما أعطيتني. ويقصد في هذا القسم وقوع المال بازاء الهبة: بأن تكون كلمة (الباء) متعلقة بالتمليك بلحاظ نفسه أيضا. والسر في أن هذا القسم من أقسام الهبة دون البيع: أن العوض فيه لم يقابل بالعين لكي يكون ذلك من أفراد البيع، بل في مقابل الفعل وهو التمليك. وأما المال فهو مجاني صرف ولم يقع بازائه شئ.


= الحق شيئا. ويضاف إلى ذلك أن بقية أفراد التمليك بالعوض ليست بنادرة. غاية الامر أن أفراد البيع أكثر. من غيرها. 3 - إذا أنشيئ التمليك بالعوض بصيغة البيع، واحتملنا إرادة المعنى المجازي من ذلك - كالصلح والهبة المعوضة - حمل على البيع، لاصالة الحقيقة التي ثبتت حجيتها ببناء العقلاء، وإجماع العلماء، وسيرة الرواة، وديدن حملة الحديث. وفيه أن الاصل بهذا المعنى وإن كان صحيحا، بل موردا للتسالم. ولكن الظاهر أنه ليس مراد القائل. كما هو واضح للمتأمل.

[ 67 ]

والتحقيق: أنا لا نعقل مقابلة الهبة بالهبة أو بالمال مقابلة معاوضية بصيغة وهبته، لان هذه الصيغة إنما تكفلت بانشاء تمليك متعلقها (العين الموهوبة) للمتهب ومع ذلك يستحيل أن يتكفل بانشاء تمليك نفسها له إلا بانشاء آخر بأن يقول: ملكتك هبتي لك كذا بهبتك إياي كذا. وعليه فيكون كل من المتعاملين مالكا لعمل الآخر: أعني به الهبة المذكورة في العقد. ومن النقوض: 7 - أنه إذا كان البيع إنشاء تمليك عين بمال انتقض طرده بالقرض، لانه أيضا إنشاء تمليك عين بمال. وأجاب عنه المصنف: (بأن مفهومه ليس نفس المعاوضة بل هو تمليك على وجه ضمان المثل أو القيمة، لا معاوضة للعين بهما). وناقش فيه المحقق الايروانى واليك نصه (فاءما هو مجرد تغيير للعبارة مع، كون واقعه هو المعاوضة، أو هو غير معقول، فان التمليك على وجه ضمان المثل أو القيمة إن كان بمعنى المقابلة على أن يكون تمليكا بازاء عوض في الذمة فذلك هو الاول، فانه تمليك بعوض في الذمة. وإن كان لا بمعنى المقابلة. بل كان التمليك مجانيا وقد اشترط في تمليكه أن تكون الذمة مشغولة بحكم الشارع، كما تكون مشغولة في موارد الضمانات فذلك هو الثاني). ولكن هذه المناقشة غريبة عن مقصود المصنف، فان غرضه - على ما يظهر من مبحث ضمان العين بالمثل أو القيمة وسيأتى أن الانسان إذا وضع يده على مال غيره ضمنه لمالكه بجميع خصوصياته النوعية والصنفية والشخصية - سواء أكانت تلك الخصوصيات دخيلة في المالية أم لا - بديهة أن الثابت في ذمة الضامن ابتداء إنما هو نفس العين. فيجب ردها إلى مالكها لقاعدة ضمان اليد. وإذا تلفت العين وجب مثلها

[ 68 ]

على الضامن، لانه أقرب إلى التالف وإن لم يوجد مثلها وجب عليه أداء قيمتها، لاحتوائها على جميع ما هو دخيل في مالية العين. وعلى هذا الضوء فمعنى القرض هو تمليك المقرض ماله للمقترض على وجه ضمان المثل. وحينئذ فيملك الدائن على المديون أمرا كليا منطبقا على كل فرد من الافراد الخارجية المساوية لما اخذه من القرض في الخصوصيات النوعية والصنفية الدخيلة في المالية. وأما الخصوصيات الشخصية غير الدخيلة في المالية فهي لا تدخل تحت الضمان لان الانسان إنما يستقرض شيئا لدفع حاجته به. فلزوم ابقائه على حاله نقض للغرض وعليه فليس للمقرض ان يجبر المقترض على رد العين المأخوذة قرضا تمسكا بدليل ضمان اليد، بداهة ان قاعدة ضمان اليد لا تجري في المقام، إذ المفروض ان يد المقترض لم تتعلق بمال غيره. وأما الضمان بالاقدام فلا يترتب عليه أزيد مما ثبت فيه التعهد. وقد عرفت قريبا: أن العهدة لم تثبت - في باب القرض - إلا بالنسبة إلى مالية العين المأخوذة قرضا، لا بالنسبة إلى خصوصياتها الشخصية. فيستوضح من ذلك أن القرض خارج عن حدود البيع. ويتضح ما ذكرنا جليا بقياس القرض بالغصب، إذ لا فارق بينهما إلا من ناحية أن المغصوب يضمن على الغاصب بجميع خصوصياته النوعية والصنفية والشخصية وهذا بخلاف القرض فان المال المأخوذ قرضا غير مضمون بالخصوصيات الشخصية كما عرفته قريبا. وعلى هذا فكمالا يتوهم انتقاض تعريف البيع بالغصب، كذلك لا يتوهم انتقاضه بالقرض أيضا. وهذا واضح لا ريب فيه. ثم إن المصنف قد استشهد على خروج القرض عن مفهوم البيع بامور عديدة. 1 - أنه لو كان القرض من أفراد البيع لجرى فيه رباء المعاوضة مع أنه لا يجري فيه.

[ 69 ]

وأوضحه السيد في حاشيته بما هذا نصه (لا يشترط في تحقق الرباء فيه (القرض) ما يعتبر في تحققه في سائر المعاوضات من اعتبار كون العوضين من جنس واحد، واشتراط كونهما من المكيل والموزون. بل يحرم فيه الزيادة مطلقا وإن لم يكونا من جنس واحد، كما في قرض القيميات، وكذا إن كان معدودا أيضا هذا). ثم ناقش في ذلك وإليك لفظه: (ولكن يمكن أن يمنع دلالة ذلك على عدم كونه معاوضة وإن كان أصل المطلب حقا، لوضوح أن القرض تمليك بالضمان، لا بعوض. وذلك لا مكان اختصاص بعض المعاوضات بسعة دائرة الرباء فيه لدليل خاص فتدبر). والظاهر أن المصنف (ره) يريد من قوله: (لا يجري فيه رباء المعاوضة) مطلبا آخر غير ما فهمه السيد منه. وهو: أن اقتراض نقد مسكوك من الذهب أو الفضة، ودفع نقد آخر منهما - حين الاداء - الذي يساوي القرض في المالية وإن زاد عليه في المقدار لا يستلزم الرباء ومثال ذلك: أن يقترض أحد من صاحبه ريالا عراقيا ويدفع عن بدله إلى المقرض أربعة دراهم. فان هذه الدراهم وإن كانت مساوية للرايال في المالية، ولكنها زائدة عليها في المقدار. ومع ذلك لا يكون هذا رباء. إلا إذا استلزم زيادة في المالية. وهذا بخلاف المعاملات المعاوضية فان شراء الريال الواحد بأربعة دراهم معاملة ربوية قطعا. والسر في ذلك ما ذكرناه آنفا من ان معنى الفرض تمليك العين على وجه ضمان المثل أو القيمة. ومن البين ان هذا العنوان امر كلي قابل الانطباق على افراده الخارجية المساوية للعين المأخوذة قرضا في المالية وان زادت عليها في القدر. فيستكشف من ذلك ان باب القرض غريب عن باب المعاملات المعاوضية. والا لاتحدا في الآثار. قوله: (ولا الغرر المنفي فيها). أقول: توضيح كلامه: أنه يجوز اقتراض شئ

[ 70 ]

مع الجهل بمقداره وأوصافه. ومن الظاهر انه لو كان القرض من قبيل المعاملات المعاوضية لا عتبر فيه العلم بالمقدار والاوصاف، لنهي رسول الله (ص) عن بيع الغرر (1) وعليه فلو أخذ المقرض قبضة من الدراهم المصبوبة بين يديه، وأقرضها لشخص من غير علم بمقدارها صح القرض. نعم لابد للمقترض أن يعرف مقدار ذلك لكي يتمكن من الاداء. إلا أنه أجنبي عن حقيقة القرض ومن هنا لا بأس باقتراض الطعام بصخرة مجهولة، لامكان الاداء بتلك الصخرة وإن لم يعلم مقدارها إلى الابد. نعم ظاهر جمع من الفقهاء في باب القرض وجوب العلم بمقدار القرض، وأنه لا يجوز الاقتراض بالكيل والوزن المجهولين. ولكن ناقش في ذلك بعض الاعاظم ونقل فيه القول بالجواز عن ظاهر جماعة آخرين بدعوى أن دليل نفي الغرر مختص بالبيع. غاية الامر أنه يجوز التعدي منه إلى مطلق المعاملات المعاوضية، للقطع يعدم الخصوصية للبيع، إذ المناط في النهي عن بيع الغرر إنما هو رفع النزاع، وقطع المرافعة. ومن البديهي أن هذا المناط موجود في مطلق المعاملات المعاوضية، وأما القرض فلا دليل على اعتبار نفي الغرر فيه، ولا أنه من قبيل المعاملات المعاوضية. لكي يعتبر فيه نفي الغرر من هذه الناحية. وإذن فلا وجه لاعتبار العلم بمقدار القرض. وهذه المناقشة في غاية المتانة. ولكن يحسن بنا أن نقول: إن القرض خارج عن موضوع الغرر حتى مع وجود الدليل على نفي الغرر بقول مطلق، لانا ذكرنا سابقا: أن الثابت في ذمة المقترض إنما هو مالية العين المأخوذة قرضا، سواء أكانت تلك العين معلومة المقدار والاوصاف، أم كانت مجهولة كذلك. نعم يعتبر العلم بمقدار القرض مقدمة للاداء. ومن الواضح أن ذلك يمكن بعد الاقتراض أيضا. وإذن فما ذكره المصنف من تأييد خروج القرض عن حد البيع متين. وقد اتضح لك من جميع ذلك انه لا يعتبر ذكر العوض ايضا في القرض.


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 338.

[ 71 ]

بحث في بعض معان البيع قوله: (ويظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان اخر غير ما ذكر). أقول: لعل مراده من البعض هو المحقق صاحب المقابيس. وذكر السيد في حاشيته: أن (الظاهر انه الشيخ الكبير الشيخ جعفر في شرح القواعد). ومراده من غير ما ذكر غير ما ذكره هو (ره) واختاره. وإلا فقد ذكر بعض هذه المعاني فيما تقدم. إليك هذه المعاني التي تعرض لها المصنف. 1 - الايجاب المتعقب بالقبول، وإليه نظر كل من أخذ قيد التعقب بالقبول في تعريف البيع المصطلح، ولعل هذا هو المتبادر من لفظ البيع، ولذا لا يطلق لفظ البائع على من أوجب البيع فقط من غير اقترانه بالقبول. 2 - الاثر الحاصل من الايجاب والقبول، وهو الانتقال، ويظهر هذا من المبسوط وغيره. 3 - نفس العقد المركب من الايجاب والقبول. وإليه ينظر كل من عرف البيع بالعقد. المعنى الاول: إنشاء التمليك المتعقب بالقبول. وقد ناقش فيه المصنف، وحاصل مناقشته: أن الايجاب المتعقب بالقبول من أفراد البيع. وإنما انصرف إليه اللفظ لقيام القرينة الخارجية على ان المراد من الايجاب إنما هو الايجاب المثمر. ومن الواضح ان الاثر لا يترتب إلا على الايجاب المتعقب بالقبول، دون الايجاب الساذج. ولولا هذه القرينة لكان المقصود من لفظ البيع الايجاب المحض.

[ 72 ]

وأضف إلى ذلك أنه لم يقل أحد: أن تعقب الايجاب بالقبول دخيل في معنى البيع، وإن التزموا بكونه شرطا للانتقال الخارجي. والوجه في ذلك: أن البيع وما يساويه في المعنى من قبيل الايجاب والوجوب لا من قبيل الكسر والانكسار، إذ كما ان الآمر قد يأمر بشئ، ولا يكون ذلك واجبا في الخارج، كذلك البائع، فانه قد ينشئ البيع، وهو لا يوجد في الخارج. وهذا بخلاف الكسر والانكسار، فان احدهما لا ينفك عن الآخر. ويتوجه على هذه المناقشة وجوه. 1 - ما ذكره السيد في حاشيته. وصفوته: أن كل تمليك انشائي ليس ببيع بل المراد من البيع هو الايجاب المتعقب بالقبول على سبيل الشرط المتأخر. والدليل على ذلك هو التبادر. وصحة السلب. ومن هنا لو اخبر احد عن بيع داره، مع انه لم يتحقق في الخارج إلا الايجاب الساذج من دون ان يقبله المشتري لكان كاذبا في اخباره: كما أنه إذا اخبر عن بيع داره. واخبر ايضا عن عدم قبول المشتري ذلك كان مناقضا في كلامه. وهذا بخلاف ما إذا اخبر عن البيع ثم اخبر عن فقدان شرط من شرائط صحته فانه لا يعد مناقضا في اخباره، وقد يتوهم ان ذلك من ناحية الانصراف ولكنه توهم فاسد، إذ لو صح هذا لجرى مثله عند فقدان سائر الشرائط ايضا. مع انه لو تحقق البيع بايجابه وقبوله، ولكن كان فاقدا لبعض شرائط الصحة لصدق عليه مفهوم البيع قطعا. وأضف إلى ذلك: ان البيع من قبيل العقود، ومن البين الذي لا ريب فيه انه لو كان الايجاب الصرف بيعا من دون تعقبه بالقبول للزم منه ان يكون البيع من الايقاعات، لا من العقود، وهو بديهي البطلان. وعلى الجملة: إن قوام العقود برمتها بالايجاب المتعقب بالقبول لانه لا يتحقق

[ 73 ]

أي عقد من العقود بالايجاب الساذج. سواء أكان هذا الايجاب متوجها إلى قابل شاعر، ولكنه لم يقبله، أم كان متوجها إلى جسم غير شاعر، كالجدار ونحوه. 2 - أنه لا وجه صحيح لتفرقة المصنف بين الايجاب والوجوب، وبين الكسر والانكسار، بديهة أن الفعل الصادر من الفاعل أمر وحداني لا تعدد فيه بوجه، وإنما التعدد فيه بحسب الاعتبار فقط. كالايجاد والوجود، فأنهما شئ واحد. غاية الامر أن هذا الشئ الواحد بالنسبة إلى جهة الاصدار يسمى ايجادا، وبالنسبة إلى جهة الصدور يسمى وجودا. وكذا الحال في التمليك والملك. والايجار والاجارة. والايجاب والوجوب. والكسر والانكسار. وأشباه ذلك. ودعوى أن الوجوب ينفك عن الايجاب. ولكن الكسر لا ينفك عن الانكسار دعوى جزافية، إذ الايجاب أيضا لا ينفك عن الوجوب. إلا أن عدم انفكاك أحدهما عن الآخر في نظر الآمر فقط، لا في الخارج، وفي جميع الانظار. 3 - أن البيع (1) إنشاء تبديل عين بعوض في جهة الاضافة. ومن الظاهر أن هذا المعنى لا يتحقق إلا بتعقب الانشاء بالقبول. وعليه فلا يوجد مفهوم البيع بالايجاب إلا عند تعقبه بالقبول بنحو الشرط المتأخر، أو على سبيل القضية الحينية. وإذن فينحل البيع في الحقيقة إلى قضية شرطية أو حينية. فمعنى قول البايع بعت المتاع الفلاني من زيد: أنه بعته إياه إن قبله، أو حين قبوله. وقد يتوهم أن ذلك يرجع إلى التعليق وهو مبطل للعقود بالضرورة. ولكن هذا التوهم بديهي الفساد، لان بطلان العقود بالتعليق ليس من ناحية الاستحالة العقلية لكي لا يقبل التقييد، أو التخصيص. بل إنما هو من ناحية الاجماع. ومن الظاهر أن الاجماع دليل لبي فلا يؤخذ منه إلا بالمقدار المتيقن. والقدر المتيقن هنا ما يكون التعليق فيه على الامور الخارجة عن صميم العقد ومفهومه.


(1) قد تقدم ذلك في ص 53.

[ 74 ]

ويضاف إلى ذلك أن العقود المتعارفة لا تخلو عن مثل هذا التعليق. والمفروض أنها ممضاة للشارع. فيستوضح من ذلك أن التعليق المذكور لا يضر بالعقود في نظر الشارع. وبتعبير آخر أن البيع له أربعة أقسام: 1 - الانشاء الساذج من غير أن ينضم إليه القبول. ولا شبهة في أن هذا لا يسمى بيعا حتى في نظر الموجب فلا يترتب عليه أي أثر من آثار البيع. 2 - الايجاب والقبول من غير أن يلحق بهما الامضاء من العرف أو الشرع فان ذلك يسمى بيعا في نظر كل من الموجب والقابل، ولا يسمى بيعا عند العرف والشرع. 3 - الايجاب والقبول مع كونهما موردا لامضاء أهل العرف دون الشرع. كبيع ما لا يصح بيعه شرعا، نظير الميتة والخمر والخنزير وأشباهها، فان هذا يعد بيعا في نظر المتبايعين وأهل العرف دون الشرع. 4 - الايجاب والقبول مع التحاق الامضاء من أهل العرف والشرع بهما. ولا شك في أن هذا بيع بالحمل الشايع في جميع الانظار. وقد اتضح لك مما بيناه أنه لا يوجد البيع في أي وعاء من الاوعية بالايجاب الخالص. ومن هنا لا يطلق البائع على من أوجب البيع، ولم يتعقب ذلك بالقبول. وكذلك الحال في سائر العقود برمتها. قوله: (وكذلك لفظ النقل والابدال والتمليك وشبهها. مع أنه لم يقل أحد بأن تعقب القبول له دخل في معناها). أقول: حاصل كلامه: أن شأن البيع شأن النقل والابدال والتمليك، فكما لا يعتبر في صدق مفاهيم تلك الكلمات قيد التعقب بالقبول كذلك لا يعتبر ذلك أيضا في صدق مفهوم البيع. وفيه أنك قد عرفت قريبا: أن اعتبار القبول في مفهوم البيع أمر واضح.

[ 75 ]

بل هو كالنور على المنار. وعليه فلا وجه لقياسه بما لا يعتبر في مفهومه قيد التعقب بالقبول. وأما النقل فهو موضوع لمفهوم عام: وهو كل ما صدق عليه عنوان النقل، سواء أكان ذلك نقلا خارجيا كنقل شئ من مكان إلى مكان آخر، أم كان نقلا اعتباريا ومن هنا تطلق كلمة الناقلة على آلة النقل. كالحمولة والسفن والسيارات والطيارات وغيرها. ومن الواضح جدا أنه لا يعتبر قيد التعقب بالقبول في هذا المفهوم الوسيع. ومن هنا ظهر لك أنه لاوجه لقياس البيع بكلمة الابدال أيضا، ضرورة أن المبادلة أعم من المبادلة الخارجية، ومن المبادلة الاعتبارية. كما أن المبادلة الاعتبارية أعم من البيع وغيره (1). وأما التمليك فان النسبة بينه وبين البيع هي العموم من جه، إذ قد يوجد التمليك ولا يصدق عليه مفهوم البيع، كما في الهبة، والوصية، والارث، وتمليك الله سبحانه الزكاة للفقراء والخمس لبني هاشم، وغير ذلك. وقد يوجد البيع ولا يكون هناك تمليك. كبيع المتاع بسهم سبيل الله من الزكاة فان هذا بيع وليس فيه تمليك من ناحية البائع (2) وقد يجتمعان وهو كثير. وإذن فعدم اعتبار قيد التعقب بالقبول في مفهوم كل من النقل والابدال والتمليك لا يلازم عدم اعتباره في مفهوم البيع الذي هو اخص من مفاهيم تلك الكلمات مطلقا، أو من وجه. المعنى الثاني: الاثر الحاصل من الايجاب والقبول، وهو الانتقال. والتحقيق أنه إن أريد من الانتقال اعتبار المالكية بنظر العرف والشرع فلا شبهة أن ذلك متأخر عن البيع تأخرا رتبيا - وإن أخذ البيع بمعنى المبيعة - لان نسبة


(1) تقدم ذلك في ص 9. (2) تقدم ما يرجع إلى هذا المثال في ص 23.

[ 76 ]

البيع إلى الاعتبار المزبور نسبة الموضوع إلى حكمه، ومن البديهي أن الموضوع يتقدم على حكمه تقدما رتبيا. وعلى هذا فاستعمال كلمة البيع في الانتقال من الاغلاط الواضحة، ومعه لا يمكن تعريف البيع بالانتقال وإن اريد من الانتقال اعتبار الملكية بنظر المتبايعين فانه يجوز تعريف البيع بذلك، لان الانتقال متحد مع البيع وجودا - لما عرفت قريبا من اتحاد الايجاد والوجود - وإن تغايرا اعتبارا. ولكنه ليس معنى آخر يغاير المعنى الاول. المعنى الثالث: نفس العقد المركب من الايجاب والقبول. أقول: قد حكى المصنف عن بعض من قارب عصره ما هذا نصه: (الظاهر اتفاقهم على إرادة هذا المعنى في عناوين أبواب المعاملات حتى الاجارة وشبهما التي ليست هي في الاصل اسما لاحد طرفي العقد). ويتوجه على ذلك. أنا لم نجد موردا يستعمل فيه لفظ البيع وغيره في الايجاب والقبول وإذن فلا وجه صحيح لحمل الالفاظ المذكورة في طليعة عناوين المعاملات على ذلك. بل إن ألفاظ العقود برمتها أسماء لاحد طرفي العقد. وهو الايجاب. وأما الاجارة والوكالة فلا يبعد أن تكونا أيضا من أسماء فعل الموجب: أما الاجارة فلانها بمعنى الاجر. والاجر قد يستعمل ويراد به الجزاء والاجرة. وقد يستعمل مصدرا من أجر: بمعنى أكرى. بداهة أن أجر مجردا قد يستعمل بمعنى آجر - كما في القاموس ومجمع البحرين - وعلى ذلك فالاجارة تكون مصدرا لاجر، كالكتابة التي هي مصدر لكتب. وأما الوكالة فهي أيضا فعل الموجب، كالتوكيل، لان الافعال المجردة والمزيد فيها وإن اختلفت بالاعتبار، لكنها متحدة وجودا. والسر في ذلك: أن نسبة المصادر المجردة إلى المصادر المزيد فيها نسبة الوجود إلى الايجاد. فكما أن الوجود والايجاد متحدان حقيقة، ومختلفان اعتبارا. كذلك

[ 77 ]

المصادر المجردة. والمصادر المزيد فيها وعلى هذا فاستعمال لفظ التوكيل في الفعل الصادر من الموجب إنما هو بلحاظ جهة الصدور. واستعمال لفظ الوكالة فيه إنما هو بلحاظ نفس الفعل. وقد يستدل على صحة استعمال لفظ الاجارة في الايجار بقوله (تعالى) في التحدث عن قصة تزويج موسى (ع) من بنت شعيب (ع): (قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) (1). ووجه الاستدلال: أن معنى الآية هو أن تأجرني نفسك. ولكن هذا الاستدلال فاسد، لان كلمة أن تأجرني في الآية الكريمة مستعملة في معنى الجزاء والثواب. أو أن المراد من ذلك أن تكون أجيرا لي - لى سبيل شرط النتيجة - وهذا الاخير قد ذكر في مجمع البحرين ولسان العرب. ثم إنه قد نسب المصنف إلى الشهيد الثاني - وإن لم تثبت النسبة - أن إطلاق لفظ البيع على العقد مجاز لعلاقة السببية. ثم وجه كلامه، وحاصل توجيهه: أنه ليس مراد الشهيد من المسبب النقل الحاصل من الايجاب الصرف، لانه حاصل بنفس الانشاء من دون توقفه على القبول، كما أن وجوب الضرب يتحقق في نظر الآمر بالامر فقط وإن لم يصر واجبا في نظر غيره. بل مراد الشهيد الثاني من المسبب إنما هو الاثر الحاصل من العقد في نظر الشارع: وهو النقل والانتقال ومن الواضح أن ذلك لا يحصل إلا بالعقد المركب من الايجاب والقبول. وعليه فاستعمال لفظ البيع - الذي وضع للمسبب - في نفس السبب إنما هو بعلاقة السببية والمسببية. وحينئذ فاضافة العقد إلى البيع بمعنى الاثر الحاصل من


(1) القصص 28. الآية: 27.

[ 78 ]

العقد إضافة لامية. ومن قبيل إضافة السبب إلى المسبب -: أي عقد للبيع - لا إضافة بيانية. وعلى هذا التوجيه فيتوجه على الشهيد الثاني ما وجهه المصنف على المعنى الثاني المتقدم من أن البيع بمعنى الانتقال لم يوجد في اللغة، ولا في العرف، وإنما وقع ذلك في تعريف جماعة تبعا للمبسوط. ويرد على المصنف أيضا: أن معنى البيع ليس هو الاثر الحاصل منه في نظر الشارع: أعني به الانتقال لكي يصح إطلاقه على سببه مجازا. بل ذلك الاثر حكم من أحكام البيع. ومن الظاهر أنه لا يصح إطلاق البيع على حكمه ولو إطلاقا مجازيا بل معنى البيع كما عرفت هو الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي (1). نعم لو ثبت هذا الاطلاق لا مكن تصحيحه بما اشتهر بين العلماء من أن الانشاء ايجاد المعنى باللفظ، فانه على هذا يتسبب البائع بالايجاب والقبول إلى ايجاد البيع. وحينئذ فاطلاق كلمة البيع على الاثر الحاصل من الايجاب والقبول - وهو الانتقال - من قبيل إطلاق السبب على المسبب، لعلاقة السببية وقد عرفت بطلان ذلك آنفا. وأما ما نسب إلى الشهيد الثاني (ره) من صحة إطلاق البيع على العقد المركب من الايجاب والقبول فلم نجده في لغة، ولا في عرف بل إرادة هذا المعنى من العناوين المذكورة في طليعة أبواب المعاملات غلط واضح. إذ لا معنى لان يراد من قول الفقهاء: كتاب البيع - مثلا - كتاب الايجاب والقبول. والذي يحسن بنا أن نفهمه: أنه إذا صح إطلاق كلمة البيع على الايجاب والقبول كان ذلك من ناحية اخرى. وتحقيق ذلك: أنه قد يطلق البيع، ويراد به ما ذكرناه


(1) قد تقدم ذلك في ص 53.

[ 79 ]

سابقا من أنه إنشاء تبديل شئ من الاعيان بعوض. وقد عرفت فيما تقدم: أن البيع بهذا المعنى هو الايجاب الساذج المتعقب بالقبول. كما أن الامر كذلك في سائر العقود برمتها (1). وقد يطلق البيع ويراد به المعاهدة الخاصة الحاصلة بين المتبايعين. ولعل إطلاقه على هذا المعنى أكثر من إطلاقه على الايجاب المتعقب بالقبول. وإليه ينظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوى من أنه لزم البيع، أو وجب، أو لا بيع. وهو الذي يفرض له البقاء ويتعلق به الفسخ والامضاء. وترد عليه الشروط والاحكام. وإذن فيمكن أن يقال: انه لم يوجد مورد يستعمل فيه لفظ البيع في العقد الذي هو سبب للبيع. بل كل ما يتوهم كونه من هذا القبيل - كقولهم كتاب البيع، أو عقد البيع - فهو مستعمل في المعاهدة الخاصة. وحينئذ فاضافة العقد إلى البيع من قبيل الاضافة البيانية، لا الاضافة اللامية. والمتحصل من جميع ذلك: أن إطلاق كلمة البيع على الايجاب والقبول من الاغلاط الواضحة، لا من الاستعمالات المجازية. ألفاظ المعاملات أسماء للاعم قوله: (ثم إن الشهيد الثاني نص في كتاب اليمين من لك). أقول: يقع البحث هنا في ناحيتين: 1 - أن ألفاظ المعاملات هل هي موضوعة للصحيح، أم للاعم منه ومن الفاسد؟. 2 - أنه إذا قلنا بأنها موضوعة للصحيح فما هو الفارق بين العبادات، وبين


(1) تقدم في ص 72.

[ 80 ]

المعاملات، حيث إن الفقهاء لا يتمسكون بالاطلاق في الاولى، ويتمسكون به في الثانية؟ الناحية الاولى: أنه ذكر الشهيد الثاني (ره) في كتاب الايمان من المسالك: (أن إطلاق البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح مجاز في غيره، لوجود خواص الحقيقة والمجاز فيهما. كمبادرة المعنى إلى ذهن السامع عند إطلاق قولهم: باع فلان داره. ومن ثم حمل الاقرار به عليه حتى لو ادعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا. ولو كان مشتركا بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما، كغيره من الالفاظ المشتركة وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعم من الحقيقة). وقد نوقش في ذلك بأن مفهوم البيع أمر عرفي، وهو الذي يمضيه الشارع تارة، ويرده أخرى. وعليه فلا يعقل أخذ الصحة الشرعية في مفهومه، إلا على القول بالحقيقة الشرعية في ألفاظ العقود، وهو بديهي البطلان، إذ على القول بثبوت الحقيقة الشرعية في الفاظ العبادات فلا وجه لثبوتها في ألفاظ المعاملات، وإنما هي موضوعة للمفاهيم العرفية التي أمضاها الشارع تارة، وردها اخرى. وتفصيل الكلام في محله. وأجاب المصنف عن هذه المناقشة، وحاصل كلامه: أنه يمكن أن يوضع لفظ البيع - مثلا - لما هو المؤثر في الملكية واقعا، ويكون الامضاء من الشرع، أو العرف طريقا إلى ذلك نعم قد حكم الشارع - في بعض الموارد - بعدم حصول الملكية إلا أن ذلك من ناحية تخطئة الشارع أهل العرف وإذن فلا منافاة بين أن يكون البيع مفهوما عرفيا، وبين أن يكون موضوعا لخصوص الحصة الصحيحة. وعلى الجملة: إن البيع بمعنى الاسم المصدري حقيقة فيما هو المؤثر في الملكية واقعا. ومن الظاهر أن هذا لا يتوقف على القول بثبوت الحقيقة الشرعية في المفاهيم العرفية. ويرد على المصنف: أن الملكية من الامور الاعتبارية الخالصة، لا من الامور التكوينية الواقعية. ومن الظاهر أن الامور الاعتبارية تدور من حيث الوجود والعدم مدار الاعتبار المحض. وعليه فلا نتصور التخطئة في الملكية: بأن يوجد مورد توجد

[ 81 ]

فيه الملكية، ولم يلتفت إليها أهل العرف، وإنما يكشف عنها الشارع تخطئة للعرف وعلى هذا المنهج فإذا قلنا بوضع لفظ البيع لما هو المؤثر في الملكية فان كان المراد من الاعتبار هو الاعتبار العقلائي، أو الاعم منه ومن الاعتبار الشرعي فلابد من الالتزام بوضع البيع للاعم، ولما هو المؤثر في الجملة ولو كان بعض أفراده غير مؤثر شرعا، كالبيع الربوي - مثلا - لان ألفاظ العقود - على هذا المسلك - موضوعة للطبيعة الكلية، دون خصوص المؤثر شرعا. وإن كان المراد من الاعتبار هو خصوص الاعتبار الشرعي فلابد من القول بالحقيقة الشرعية في ألفاظ العقود. وحينئذ فيعود المحذور المتقدم: أعني به أخذ الصحة الشرعية في المفهوم العرفي. نعم يمكن الالتزام بجواز التخطئة في نفس الاعتبار، إذ الاعتبار لابد وأن يكون ناشئا من المصلحة الواقعية الداعية إليه فإذا اعتبر العقلاء ملكية شئ - كالخمر والخنزير والميتة - مع عدم وجود مصلحة في ذلك، وحكم الشارع بعدم الملكية هنا كشفنا عن خطاء العقلاء في اعتبارهم. وبهذا يصح الالتزام بوضع ألفاظ العقود للصحيح بأن يوضع لفظ البيع - مثلا - لما هو المؤثر في الملكية الناشئ اعتبارها من منشأ صحيح وحينئذ فيكون عدم إمضاء الشارع لما أمضاه العرف من العقود من باب التخطئة. والمتحصل مما ذكرناه: أن ألفاظ العقود موضوعة للاعم من الصحيح والفاسد، لا للصحيح فقط. التمسك بالاطلاق في المعاملات قوله: (وأما وجه تمسك العلماء باطلاق أدلة البيع ونحوه). أقول: قبل بيان التمسك باطلاق أدلة المعاملات يحسن بنا أن نبين أمرا: وهو أن التمسك بالاطلاق

[ 82 ]

يتوقف على إحراز انطباق الطبيعة - التي أخذت في موضوع الحكم، أو متعلقه - على الفرد المشكوك فيه بحيث يتمحض الشك في شمول الحكم للفرد المشكوك فيه. وأما لو كان الشك في أصل الصدق فانه لا يجوز معه التمسك بالاطلاق. وهذا واضح لا شك فيه. وأيضا يتوقف التمسك بالاطلاق على أن يكون المتكلم في مقام البيان، ولو فرض أنه كان في مقام الاهمال والاجمال لم يجز التمسك بالاطلاق. وليعلم أنه ليس المراد من كون المتكلم في مقام البيان أن يكون في مقام بيان الاجزاء والشرائط للمأمور به. بل المراد به أن يكون في مقام بيان تعلق الحكم بموضوعه الكلي، أو متعلقه: كما إذا قال المولى لعبده إن فعلت كذا فاعتق رقبة مؤمنة، أو قال: أحل الله البيع، إذ لو كان المولى في مقام بيان الاجزاء والشرائط كما في رواية حماد الواردة في مقام بيان ماهية الصلاة (1)، فانه لا شبهة ولا كلام في جواز التمسك بالاطلاق لنفي ما تحتمل جزئيته أو شرطيته. ولكن هذا إطلاق أحوالي، لا إطلاق لفظي الذي هو مورد بحثنا. وبعد هذا التمهيد أنا إذا قلنا بوضع ألفاظ المعاملات للاعم من الصحيح والفاسد فلا ريب في جواز التمسك بالاطلاقات الورادة في إمضاء المعاملات، ونفي ما يحتمل دخله في صحتها. وإذا قلنا بوضع ألفاظها لخصوص الصحيح فانه لا يجوز التمسك بتلك الاطلاقات في الموارد المشكوكة، وذلك من جهة الشك في الانطباق، وعدم إحراز صدق عنوان البيع - مثلا - على ما يكون فاقدا لما يحتمل كونه جزءا أو شرطا. وقد انجلى لك مما بيناه ضعف ما أفاده السيد في حاشيته، وحاصله: أنه كلما صح التمسك بالاطلاق في مورد من المعاملات على الاعمي صح التمسك به في ذلك على الصحيحي إيضا، بداهة أنه ليس الموضوع له عند الصحيحي عنوان الصحيح. بل ما يكون جامعا للشرائط الشرعية حسب ما يستفاد من الادلة.


(1) الوافي ج 5 ص 127.

[ 83 ]

وعليه فكل دليل ورد في بيان أصل الحكم من الوجوب أو الحرمة أو غيرهما فانه لا يصح التمسك باطلاقه على كلا القولين. لعدم كون المتكلم في مقام البيان من غير الجهة المزبورة. وكل دليل ورد في بيان ماهية الواجب من الاجزاء والشرائط فانه يجوز التمسك باطلاقه، لكون المتكلم في مقام البيان. وهذا هو الحجر الاساسي في بيان الفارق بين التمسك بالاطلاق وعدمه. ووجه الضعف: أن ما ذكره السيد وإن كان متينا في مورده، لانه لا يصح التمسك بالاطلاق مع عدم كون المتكلم في مقام البيان مطلقا، كما أنه إذا كان في مقام بيان أجزاء الماهية وشرائطها صح التمسك بالاطلاق كذلك. إلا أنه راجع إلى الاطلاق المقامي. ومن الواضح أن ذلك خارج عن الاطلاق اللفظي الذي يصح معه التمسك بالاطلاق على الاعمي، وقد وقع الاشكال في التمسك به على الصحيحي. ثم إن المصنف (ره) قد أشار إلى إمكان التمسك بالاطلاق على الصحيحي بنحوين: 1 - الاطلاق المقامي. وتوضيحه: أن لفظ البيع - مثلا - وإن كان اسما للمسبب الحاصل من السبب الخاص الذي يراه الشارع مؤثرا في الملكية، إلا أنه لم يبين أسباب تلك المسببات التي أمضاها بالعمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود ولزومها. وعليه فيدور الامر بين القول بأن المولى قد أهمل تلك العمومات والمطلقات. وبين القول بأنها ناظرة إلى إمضاء الاسباب العرفية للمعاملات. وإذن فيكون المؤثر عند العرف مؤثرا عند الشرع أيضا. ومن الواضح الذي لا ريب فيه أن الدلالة الاقتضائية، وصيانة كلام الشارع عن اللغوية تقتضي الثاني. وهذا هو الفارق بين العبادات والمعاملات، لان العبادات ماهيات جعلية، وحقائق غير مغروسة في أذهان أهل العرف لكي نستكشف من أطلاق كلام الشارع موافقته للماهيم العرفية.

[ 84 ]

ولا يخفى على الناقد البصير أن المراد من التمسك بالاطلاق هو هذا المعنى دون الاطلاق اللفظي لكي يناقش فيه بعدم ورود الحكم على المقسم الذي هو من جملة مقدمات التمسك بالاطلاق. والجواب عن ذلك: أن التمسك بالاطلاق المقامي إنما يجوز فيما إذا لم يكن للمطلق أفراد متيقنة، وإلا فينصرف إليها الاطلاق من دون أن تلزم اللغوية من الاهمال. ومن البين أن مقامنا من هذا القبيل، لانا كشفنا من مذاق الشارع كشفا قطعيا - ولو من غير ناحية الاطلاقات الواردة في إمضاء العقود - أن بعض ما هو سبب للبيع عرفا مؤثر في الملكية جزما، وإذن فلا يبقى مجال للتمسك بالاطلاق المقامي صيانة لكلام الشارع عن اللغوية. 2 - أن تحمل المطلقات الواردة في مقام إمضاء البيع على المعنى المصدري الذي يراد من لفظ بعت، وحينئذ فيستدل بحكم الشارع على نفوذ العقود مطلقا على أن ما هو بيع بالمعنى المصدري عند العرف مؤثر عند الشارع أيضا. ويتوجه عليه أن هذا النحو من التمسك بالاطلاق وإن كان صحيحا. ولكنه عبارة أخرى عن القول بوضع الفاظ المعاملات للاعم، بداهة أن ما يصدق عليه لفظ البيع بالمعنى المصدري أعم من الصحيح والفاسد، وعليه فلا محذور لنا في التمسك باطلاقات المعاملات في الموارد المشكوكة. والتحقيق: أن لفظ البيع ليس اسما للسبب، ولا أنه اسم للمسبب، بل إنما هو اسم للاعتبار المبرز بمبرز خارجي فعلي أو قولي (1) وإذن فلا مانع عن التمسك بالاطلاقات والعمومات الدالة على صحة البيع ولزومه. وعلى هذا فلا مناص لنا عن الالتزام بوضع ألفاظ المعاملات للاعم من الصحيح والفاسد. ولا يخفى عليك أن ما ذكرناه جار في سائر العقود، بل الايقاعات أيضا.


(1) قد تقدم تفصيله في ص 53.

[ 85 ]

ومع الاغضاء عما ذكرناه. والقول بوضع ألفاظ المعاملات لخصوص الصحيح أمكن لنا إثبات الصحة واللزوم في الموارد المشكوكة بقوله تعالى: وأحل الله البيع (1) ضرورة أن البيع وإن كان حقيقة في الصحيح الشرعي. ولكن المراد من البيع الذي تعلق به الحل في الآية الكريمة إنما هو البيع الانشائي، إذ الظاهر من إحلال البيع إنما هو إمضاؤه المولوي - كما هو الظهور الابتدائي أيضا من أدلة سائر الاحكام - ومن الواضح أنه لو كان المراد من البيع هو البيع الشرعي لكان ذلك الامضاء لغوا محضا، وتحصيلا للحاصل، لانه لا معنى للقول بأن معنى الآية أحل الله البيع الممضى. الا أن يلتزم بكون الآية ارشادا إلى البيع الصصحيح ولكن ذلك مخالف لظاهرها. بل لا معنى لحملها على الارشاد، إذ المفروض أن انكشاف صحة البيع ونفوذه عند الشارع انما هو بهذه الآية. ومن البين أن حملها على الارشاد يقتضى أن يكون امضاؤه بغيرها وهو خلف ظاهر. وقد اتضح لك مما ذكرناه جواز التمسك باطلاق قوله (ع): والمسلمون عند شروطهم (2) على صحة البيع في الموارد المشكوكة مع القول بوضع ألفاظ العقود للصحيح بدعوى أن مقتضى الاسلام انما هو وفاء المسلم بشرطه. ومن البديهي أن الحديث بهذا المعنى امضاء تشريعي للشروط المتعارفة. وحكم مولوي بلزوم العمل بها وانهائها واتمامها. والمعاطاة وحقيقتها قوله: (اعلم أن المعاطاة على ما فسره جماعة: أن يعطى كل من اثنين عوضا


(1) سورة البقرة الآية 274. (2) راجع الوافي ج 10 باب 80 ص 68.

[ 86 ]

عما يأخذه من الآخر). أقول: (1) لما كان تنقيح البحث في المعاطاة وبيان مورد الاقوال فيها متوقفا على بيان ما نتصور به حقيقتها تصدى المصنف بدءا لبيان ذلك ثم عقبه بذكر الاقوال فيها وحاصل كلامه: أن المعاطاة تتصور على وجهين: 1 - أن يبيح كل من المتعاطيين للآخر التصرف فيما يعطيه اياه من دون نظر إلى تمليكه. 2 - أن يتعاطيا على وجه التمليك والتملك، لا بعنوان الاباحة المحضة، وقد ذكر بعضهم في تصوير ذلك وجهين آخرين. 1 - أن يتعاط كل من المتعاطيين بغير قصد البيع، ولا التصريح بالاباحة، بل يعطي أي منهما شيئا ليتناول شيئا آخر. 2 - أن يقصد كل منهما الملك المطلق، لا البيع فقط، ولا الاباحة الخالصة. ويتوجه على الوجه الاول: أن الفعل الصادر من المتعاطيين ليس من الافعال غير الاختيارية - كحركة المرتعش - لكي يكون ذلك خاليا عن القصد والارادة. وانما هو فعل اختياري صادر من فاعله بالارادة والاختيار، وعليه فإذا قصد كل من المتعاطيين - من اعطائه ماله لصاحبه - خصوص اباحة التصرف كان ذلك اباحة


(1) لم يرد عنوان المعاطاة في آية ولا رواية ولا في معقد إجماع، بل إنما عبر بذلك جمع من الفقهاء عما تداول بين الناس من المعاملة الخاصة الفاقدة للصيغة التي تسمى بالمعاملة المعاطاتية. ثم إن البحث هنا يقع تارة في صدق مفهوم البيع على المعاطاة، وأخرى في كونها مشمولة للادلة الدالة على صحة البيع ونفوذه. ولا يخفى على الفطن العارف أن تحرير البحث على هذا النهج أحسن وأضبط. ولكن الفقهاء رضوان الله عليهم قد أغفلوا ذلك، وسلكوا مسلكا آخر في تحرير البحث في المعاطاة.

[ 87 ]

مصطلحة، كما في الضيافة ونحوها. وإذا قصد من ذلك جواز الانتفاع من العين - مع حفظها عن التلف - انتفاعا مجانيا كان ذلك عارية. وإذا قصد من ذلك الانتفاع من العين مع العوض كان ذلك بيعا. وحينئذ فلا يوجد عنوان آخر في مورد المعاطاة غير العناوين المذكورة وبذلك يظهر بطلان الوجه الثاني، وإذن فينحصر البحث في المعاطاة بالوجهين الاولين. ثم إن مورد البحث في الوجه الاول ما تقصد منه الاباحة المحضة، كما في الضيافة وأشباهها. ومورد البحث في الوجه الثاني ما يقصد منه الملك. وعليه فلا وجه صحيح لما اختاره صاحب الجواهر (ره) من بقاء الاباحة في كلمات الاصحاب على ظاهرها والطعن على من جعل محل النزاع عندهم ما يقصد منه التمليك، وذلك لان كلماتهم عاصية عن الحمل على الاباحة الخالصة، ويتضح ذلك جليا لمن تأمل في كلماتهم. وكذلك لا نعرف وجها معقولا للالتزام بحصول الملكية من التعاطي - لازمة كانت أم جائزة - مع قصد المتعاطيين الاباحة المصلطحة. بل لا يصدر ذلك من أصاغر الطلبة فضلا عن الفقهاء العظام. وأيضا لا وجه لما ارتكبه المحقق الثاني من حمل كلمات القائلين بالاباحة على الملك المتزلزل. المعاطاة وبيان الاقوال فيها قوله: (فالاقوال في المعاطاة على ما يساعده ظواهر كلماتهم ستة). أقول: الظاهر أن الاقوال حول المعاطاة سبعة: 1 - اللزوم على وجه الاطلاق، سواء أكان الدال على التراضي لفظا، أم

[ 88 ]

كان غيره. وقد نسبه غير واحد من أصحابنا إلى المفيد (1) وإلى بعض العامة (2). 2 - اللزوم إذا كان الدال على التراضي أو على المعاملة لفظا وقد حكاه الشهيد الثاني عن بعض مشايخه، ثم استجوده. إلا أنه عقبه بانه مخالف لمقتضى الاصل (3).


(1) لكن العبارة المنقولة عنه غير ظاهرة في ذلك قال في محكي المقنعة: (والبيع ينعقد على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبائع له إذا عرفاه جميعا، وتراضيا بالبيع، وتقابضا، وافترقا بالابدان) لان مراده من هذه العبارة بيان الشرائط لصحة البيع ولزومه. وأما عدم تعرضه لاعتبار الصيغة في البيع فلا يدل على عدم اعتبارها فيه، إذ من المحتمل القريب أن يكون ذلك من جهة أن اعتبارها في لزوم البيع من المسلمات، وقد حكى عنه في نكاح المقنعة أنه لم يتعرض لاعتبار الصيغة في النكاح، والطلاق مع أن اعتبارها فيهما من البديهيات. وعن العلامة في المختلف: أن للمفيد قولا يوهم الجواز، ثم ساق العبارة المتقدمة. وعن كشف الرموز - في باب الفضولي - نسبة اعتبار اللفظ المخصوص في البيع إلى المفيد والطوسي. وعلى هذا فلا يسوغ لنا أن ننسب الرأي المذكور إلى المفيد (ره) كما أنه لم ينسب إلى غيره من قدماء الامامية. وإذن فلا نعرف وجها صحيحا لقول المصنف: إنه (يكفي في وجود القائل به قول العلامة في التذكرة: الاشهر عندنا أنه لابد من الصيغة). ولعل غرض العلامة من التعبير بالاشهر الاشارة إلى ما نسب إلى المفيد. وقد عرفت فساد النسبة والله العالم. (2) في شرح فتح القدير ج 5: أن البيع ينعقد بالتعاطي. وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 2: الصيغة في البيع أمران: القول. وما يقوم مقامه. والمعاطاة وعن الشافعية: أن البيع لا ينعقد إلا بالصيغة الكلامية لا بالمعاطاة. ونسب الخلاف في ذلك إلى الحنفيه. (3) قد حكى هذا الرأي في الحدائق عن جماعة من متأخري المتأخرين، =

[ 89 ]

والتحقيق: أنه إن كان الغرض من الاشتراط المزبور أن المعاطاة لا تكون بيعا إلا بالقرينة الخاصة - وإلا فهي أعم من البيع وغيره - فهو متين، وإن كان الغرض من ذلك بيان الفارق بين القرينة اللفظية وغيرها فهو فاسد، لعدم الدليل على الفرق بينهما (1). 3 - أن المعاطاة تفيد الملكية الجائزة وإنما تصير لازمة بذهاب إحدى العينين. وقد اخترع هذا الرأي المحقق الثاني. وشيد أركانه في محكي تعليقته على القواعد بمالا مزيد عليه. وحمل عليه كلمات القائلين بأن المعاطاة تفيد الاباحة. وهذا الرأي وإن لم يكن بعيدا في نفسه، إلا أنه غريب عن مساق كلمات القائلين بالاباحة. 4 - أن المعاطاة تفيد إباحة جميع التصرفات حتى التصرفات المتوقفة على الملك، مع بقاء كل من العينين على ملك صاحبه، إلا أنه يحصل الملك اللازم بتلف إحدى العينين، أو بما هو بمنزلة التلف. بل في المسالك: أن كل من قال بالاباحة قال باباحة جميع التصرفات.


= كالمولى المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد. والمحدث القاساني في المفاتيح، والفاضل السبزواري في الكفاية وحكاه أيضا عن جماعة من المحدثين، ثم استقر به واستدل عليه بالروايات الكثيرة، وسيأتي التعرض لبعضها عند الاستدلال على اعتبار اللفظ في لزوم البيع بالروايات. (1) قيل: إنه ثبت اعتبار مطلق اللفظ في لزوم البيع بالاجماع، ومقتضاه أنه لا تكفي المعاطاة في ذلك. والجواب عنه: أنه ليس هنا إجماع تعبدي لكي يجب الاخذ به، إذ من المحتمل القريب أن يكون اتفاق الفقهاء على هذا من ناحية الروايات المشعرة باعتبار اللفظ في لزوم البيع ويضاف إلى ذلك: أن القاثل بعدم اشتراط اللفظ في البيع كثير جدا، ومعه لا مجال لدعوى الاجماع التعبدي في المقام.

[ 90 ]

5 - أنها تفيد إباحة جميع التصرفات إلا ما يتوقف على الملك، كالوطي والعتق والبيع. وهذا هو المحكي عن حواشي الشهيد على القواعد، وينطبق عليه ما في المبسوط من المنع عن وطي الجارية المهداة بالهدية الخالية عن الايجاب والقبول اللفظين. 6 - أن المعاطاة معاملة فاسدة، وهذا الرأي نسب إلى العلامة في نهايته. ولكن حكي رجوعه عن ذلك في كتبه المتأخرة. بل لم يوجد له موافق في هذا الرأي. على أنه مسبوق بالاجماع وملحوق به. 7 - ما ذكره السيد في حاشيته وإليك نص عبارته: (أنها معاملة مستقلة مفيدة للملكية. وليست بيعا وإن كانت في مقامه حكي عن الشيخ الكبير الشيخ جعفر قده). الاقوال في المعاطاة ومداركها لا شبهة في فساد المعاملة المعاطاتية إذا لم يقم دليل على صحتها، أو على إفادتها الاباحة الشرعية. وستعرف قريبا قيام الدليل على كونها بيعا. ثم إن مقتضى الاطلاقات والعمومات الدالة على صحة البيع ولزومه هو القول بأن المعاطاة بيع لازم، لان البيع - كما تقدم - هو الاعتبار النفساني المبرز بمظهر خارجي سواء في ذلك كون المظهر فعلا وكونه قولا وعليه فالمعاطاة بيع عرفي بالحمل الشايع، فتكون مشمولة لتلك العمومات والاطلاقات. وإذن فلا وجه للمناقشة فيما نسب إلى المفيد من أن المعاطاة تفيد الملكية اللازمة. وعلى هذا الضوء فلا وجه لما وجه به شيخنا الاستاذ كلام جمع من الاصحاب القائلين بترتب الاباحة على التعاطى المقصود منه التمليك. من (أن البيع على ما عرفت هو التبديل، وحيث إن التبديل ليس تبديلا

[ 91 ]

خارجيا، بل تبديل أحد طرفي الاضافة بمثله، وهذا أمر اعتباري من سنخ المعاني. وما هو موجده وآلة ايجاده هو القول فقط). وبعد ذلك إن قلنا بقيام الاجماع التعبدي على نفي اللزوم عن البيع المعاطاتي فتارة نفرض قيامه على نفي اللزوم مطلقا. وأخرى نفرض قيامه على نفيه إجمالا. وعلى الاول فيثبت ما ذهب إليه المحقق الثاني من أن المعاطاة تفيد الملكية الجائزة وعلى الثاني فيثبت ما ذهب إليه بعض مشايخ الشهيد الثاني والاردبيلي وصاحب الحدائق وغيرهم من أنها تفيد الملكية اللازمة فيما إذا كانت القرينة القائمة على تراض المتعاطيين بالمعاملة المعاطاتية لفظا. بداهة أن الاجماع دليل لبي فلا يؤخذ منه إلا بالمقدار المتيقن وهو ما ذكرناه. ولكن الذي يسهل الخطب أن ثبوت الاجماع التعبدي - في المقام - على نفي اللزوم إجمالا أو تفصيلا ممنوع. ولا يخفى عليك أن الالتزام بهذا الرأي فيما إذا كان مدلول القرينة اللفظية هو التراضي بالمعاملة. وأما إذا كان مدلولها نفس المعاملة كان ذلك خارجا عن حدود المعاطاة، بل يصير مصداقا للبيع اللفظي. وتتوقف صحته على عدم اعتبار اللفظ الخاص في إنشاء البيع ولعل هذا هو غرض المصنف مما كتبه في الهامش، وهذا نصه: (ولكن في عد هذا من الاقوال في المعاطاة تأمل). ثم لو فرضنا خروج المعاطاة عن مورد الاطلاقات والعمومات الدالة على نفوذ البيع ولزومه. أو فرضنا قيام الاجماع على أنها لا تفيد الملكية - وإن قصدها المتعاطيان - إلا أنه قامت السيرة القطعية على جواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة. وعليه فان كان مفاد تلك السيرة هو مطلق التصرفات حتى التصرفات المتوقفة على الملك ثبت القول بالاباحة المطلقة. وإن كان مفادها هو جواز التصرف في الجملة ثبتت الاباحة الخاصة أي التصرفات غير المتوقفة على الملك، ضرورة أن ذلك هو

[ 92 ]

القدر المتيقن من السيرة المزبورة. وإذن فمدرك القول بالاباحة - سواء أكانت الاباحة مطلقة أم كانت خاصة - إنما هو الاجماع، وعليه فالمراد من الاباحة المزبورة هي الاباحة الشرعية، لا الاباحة المالكية لكي يتوقف تحققها في الخارج على كونها مقصودة للمتعاطيين. ومن هنا يندفع ما أورده المحقق الثاني على القائلين بأن المعاطاة تفيد الاباحة من أن القول بها ينافي قاعدة تبعية العقود للقصود، فأن الملك المقصود حصوله بالتعاطي غير واقع بالفرض. والواقع - وهو الاباحة الخالصة - غير مقصود ووجه الاندفاع: أن هذا الاشكال إنما يتوجه على هؤلاء القائلين بالاباحة إذا كان مرادهم من ذلك الاباحة المالكية، لا الاباحة الشرعية. وقد عرفت كونها شرعية. وموضوعها التعاطي الخارجي المقصود به الملك وقد حكم بها الشارع عند تحقق موضوعها. كما حكم باباحة أموال الناس للمضطرين عند المخمصة والمجاعة. وقد اتضح لك مما بيناه: أن ما ارتكبه صاحب الجواهر من حمل كلمات القائلين بالاباحة على فرض قصد المتعاطيين الاباحة المصطلحة إنما هو ناشئ من الغفلة عن مدرك الاقوال في المعاطاة. ثم إذا قلنا بكون المعاطاة معاملة مستقلة، كما حكاه السيد عن الشيخ الكبير كان ذلك خارجا عن حدود البيع المعاطاتي الذي هو مورد بحثنا. وتدل على صحته آية التجارة عن تراض. ما استدل به على أن المعاطاة تفيد الملكية قوله: (وذهب جماعة تبعا للمحقق الثاني إلى حصول الملك ولا يخلو عن قوة أقول: يقع البحث هنا تارة في أن المعاطاة تفيد الملكية. وأخرى في أن الملكية

[ 93 ]

الحاصلة بالمعاطاة هل هي ملكية لازمة أم هي ملكية جائزة؟. وسيأتي الكلام في الجهة الثانية. أما الجهة الاولى فيمكن الاستدلال عليها بوجوه شتى: 1 - السيرة القطعية المستمرة القائمة على معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك في التصرف فيه بالعتق والبيع والوطي والايصاء والتوريث وغير ذلك من آثار الملك. وأجاب عنه المصنف، وإليك لفظه (وأما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث فهي كسائر سيراتهم الناشئة عن المسامحة وقلة المبالات في الدين مما لا يحصى في عباداتهم ومعلاتهم وسياساتهم كما لا يخفى.) ويرد عليه: أنه لا ريب في قيام السيرة - بين المسلمين بل بين عقلاء العالم - على صحة المعاملة المعاطاتية وترتيب آثار الملكية على المأخوذ بها. وبما أن الشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة فتكون حجة شرعية. ولو شككنا في ثبوت الردع فالاصل عدمه. قيل: إن ثبوت الردع عن ذلك من الوضوح بمكان، لقيام الاجماع على أن المعاطاة لا تفيد الملكية. وإذن فتسقط السيرة عن الاعتبار. ويرد عليه: أنه لم يقم اجماع تعبدي على ذلك. غاية الامر أنه نقل الاجماع عليه. وقد نقحنا في علم الاصول عدم حجيته، إلا إذا حصل العلم باستناد المجمعين إلى رأي المعصوم (ع) ومن المحتمل القريب أن يكون استنادهم في فتواهم بعدم لزوم البيع المعاطاتي إلى الروايات المشعرة باعتبار اللفظ في البيع. وسيأتي التعرض لها. 2 - قوله (تعالى): وأحل الله البيع وحرم الرباء. البقرة. الآية 274. وتقريب الاستدلال بهذه الآية على أن المعاطاة تفيد الملكية بوجهين: الوجه الاول أنها تدل على صحة البيع المعاطاتي بالدلالة المطابقية، لان معنى الحل

[ 94 ]

في اللغة هو الاطلاق والارسال. ويعبر عنه في لغة الفارس بكلمة (باز داشتن) ويقابله التحريم، فانه بمعنى المنع والحجر. ولا ريب أن الحل بهذا المعنى يناسب الحلية الوضعية والتكليفية كلتيهما. وعليه فكما يصح استعمال لفظ الحل في خصوص الحلية الوضعية، أو التكليفية كذلك يصح استعماله في كلتيهما معا. ويختلف ذلك حسب اختلاف الموارد والقرائن. وهكذا الحال في لفظ التحريم - الذي هو مقابل الحل - فانه يعم التحريم الوضعي والتحريم التكليفي كليهما، وإرادة خصوص أحدهما دون الآخر في بعض الموارد من ناحية القرائن الحالية أو المقالية. وإذن فلا وجه للمناقشة في شمول لفظ الحل للحلية الوضعية والتكليفية معا بعدم وجود الجامع بينهما. وهذا واضح لا ريب فيه. ثم إن الحل قد يتعلق بالاعيان الخارجية. وقد يتعلق بالافعال الخارجية. وقد يتعلق بالامور الاعتبارية المبرزة بمبرز خارجي. وعلى الاول فلا يصح الكلام إلا بالتقدير، للدلالة الاقتضائية، وصيانة لكلام المتكلم عن اللغوية. ومن هذا القبيل قوله (تعالى): (احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات) (1) فان متعلق الحل في هذه الآية إنما هو المطاعم والمآكل والمناكح. ومن الواضح أنه لا معنى لحلية هذه الامور بنفسها، بل المراد من حليتها إنما هو حلية ما تعلق بها من الافعال المناسبة لها من الاكل والشرب والنكاح. وعلى الثاني فلا شبهة في صحة الكلام بلا احتياج إلى التقدير، ومنه قوله (تعالى): (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (2). وكذلك الحال في الثالث، ومثاله: أن يتعلق الحل بالمعاملات - التي هي الاعتبارات النفسانية المظهرة بمبرز


(1) المائدة: الآية: 5 (2) البقرة الآية: 187.

[ 95 ]

خارجي فانها بنفسها قابلة للحلية وضعا وتكليفا من دون احتياج إلى التقدير ومن ذلك قوله (تعالى): (وأحل الله البيع). ولا يخفى عليك أن هذه الصور الثلث - التي ذكرناها في استعمالات كلمة الحل - جارية بعينها في استعمالات كلمة التحريم أيضا طابق النعل بالنعل والقذة بالقذة. والمتحصل من جميع ما بيناه: أن معنى قوله (تعالى): (وأحل الله البيع) هو أن الله قد رخص في ايجاد البيع، وأطلقه، وأرسله، ولم يمنع عن تحققه في الخارج وإذن فتدل الآية الكريمة دلالة مطابقية على جواز البيع تكليفا، وعلى نفوذه وضعا. ومن الواضح الذي لا خفاء فيه أن المعاطاة بيع فتكون مشمولة للآية. وإذن فلا يتوجه عليه أي محذور من المحاذير والله العالم. وقد ذكر بعض مشايخنا المحققين: أنه لا شبهة في (دلالة الآية بالمطابقة على الصحة. نظرا إلى أن الحلية أمر يناسب التكليف والوضع، ولذا ورد في باب الصلاة حلت الصلاة فيه: أي جازت، ووقعت في محلها، فالحلية منسوبة إلى نفس البيع بما هو تسبب إلى الملكية. والمراد: - والله العالم - أنه تعالى أحله محله، وأقره مقره، ولم يجعله كالقمار بحكم العدم. وأما جعله من الحل في قبال الشد: - بمعنى أنه لم يصد عنه، وجعله مرخى العنان في تأثيره - فغير وجيه، لان الحل في قبال الشد يتعدى بنفسه بخلاف أحل من الحلول). ويرد عليه: أن أحل من الحلول وإن وقع في الاستعمالات العرفية الصحيحة الفصيحة، بل في الكتاب المجيد (1) إلا أن هذا المعنى لا يناسب الحل بمعنى الاطلاق والارسال الذي ورد في الآيات التي تقدمت الاشارة إليها قريبا. وورد أيضا في استعمالات أهل العرف واللغة كثيرا. وتتأكد إرادة هذا المعنى الثاني فيما إذا استعمل


(1) قوله تعالى: وأحلوا قومهم دار البوار. إبراهيم 14، الآية: 28

[ 96 ]

لفظ الحل في مقابل كلمة التحريم، كما في قوله (تعالى): (وأحل الله البيع وحرم الرباء) ووجه التأكد: أن الحل إذا أخذ بمعنى الحلول كان مقابله الازالة، لا التحريم. الوجه الثاني: ما ذكره المصنف، وحاصله: أن المراد من حلية البيع في الآية الكريمه إنما هو الحلية التكليفية، لمقابلتها مع حرمة الرباء الظاهرة في الحرمة التكليفية ومن الواضح أن الحلية التكليفية لا يصح تعلقها بالبيع، لانه إنشاء تمليك عين بمال. وحلية ذلك لا تحتاج إلى البيان. وعليه فلابد من الالتزام بتعلق الحل في الآية بالتصرفات المترتبة على البيع. وحينئذ فتدل الآية على حلية التصرفات بالمطابقة وعلى حلية البيع بالالتزام ومن هنا ظهر أنه لا يمكن أن يراد من قوله تعالى: (وأحل الله البيع) الحلية الوضعية. لكي تدل الآية على صحة البيع دلالة مطابقية. وبما أن المعاطاة من أفراد البيع عرفا فتكون مشمولة للآية وعليه فالحلية في الآية الشريفة لا تدل على حصول الملكية بل إنما تدل على إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك - كالبيع والعتق والوطي والايصاء - ومن البين الذي لا ريب فيه أن إباحة هذه التصرفات إنما تستلزم الملك في غير مورد المعاطاة من ناحية الاجماع على وجود الملازمة بينهما. وأما المعاطاة فالقائلون بعدم إفادتها الملك قد حكموا بافادتها الاباحة على وجه الاطلاق حتى صرح الشهيد الثاني في المسالك بأن من أجاز المعاطاة قد سوغ جميع التصرفات. غاية الامر أن الالتزام باباحة جميع التصرفات يقتضى الالتزام بسبق الملك آنا ما على التصرفات الموقوفة على الملك. ولا يقتضي ذلك الالتزام بسبق الملك من أول الامر لكي يتوهم أن مرجع هذه الاباحة أيضا إلى الملك. وقد اتضح لك من ذلك فساد ما قيل من أنه لا وجه للالتزام بالملكية التقديرية، إذ لو كانت المعاطاة مؤثرة في الملكية لاثرت فيها من أول الامر وإلا فلا

[ 97 ]

ووجه الفساد: أن الالتزام بالملكية التقديرية انما هو من جهة الجمع بين الادلة، والا فان المعاطاة لا تؤثر الا في الاباحة المطلقة. ولكن يرد على المصنف وجوه: 1 - أنه لا ملزم لتخصيص الحل في الآية بالحل التكليفي فقط، بل يعم ذلك الحلية التكليفية والوضعية، بمعنى واحد وقد عرفته قريبا. 2 - أنه لا وجه صحيح لصرف الحل في الآية إلى حلية التصرفات. ومنع تعلقه بنفس البيع بدعوى أن حلية انشاء البيع أمر واضح لا يحتاج إلى البيان، وذلك لانا ذكرنا فيما سبق: أن البيع هو الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي، سواء أتعلق به الامضاء من ناحية الشرع والعرف، أم لم يتعلق به ذلك، بل سواء أكان في العالم عرف وشرع أم لم يكن. وهذا المعنى هو الذي قد يكون موضوعا للحرمة وقد يكون موضوعا للحلية. كما ان الامر كذلك في سائر المعاملات. 3 - ما ذكره شيخنا الاستاذ وحاصله: ان اباحة جميع التصرفات إذا اقتضت الملك في سائر المعاملات والتجارات اقتضته في المعاطاة ايضا، إذ لا فارق بينهما الا من ناحية توهم الاجماع في سائر المقامات دون المعاطاة. ولكن هذا التوهم فاسد، بداهة أن الاجماع دليل لبي فلا يؤخذ منه إلا بالمقدار المتيقن، وهو حصول الملكية آنا ما في سائر المقامات أيضا. وإذن فلابد إما من الالتزام بحصول الملكية من أول الامر في المعاطاة وغيرها، وإما من الالتزام بعدم حصولها فيهما إلا آنا ما قبل التصرف. 4 - أنه إذا دلت الآية على جواز مطلق التصرفات حتى المتوقف منها على الملك أستفيد من ذلك حصول الملكية من الاول. وعليه فلا وجه لعدول المصنف عن ذلك، والتجائه إلى القول بالملكية التقديرية. قيل: إن جواز التصرف شرعا لا يلازم حصول الملكية، كما أن الشارع قد

[ 98 ]

حكم بجواز التصرف في أموال الناس عند الضرورة والمجاعة من غير أن يكون ذلك ملكا للمتصرف. نعم التصرفات المتوقفة على الملك تكشف عن تحقق الملك آنا ما قبل التصرف لاجل الجمع بين الادلة. والجواب عن ذلك: أن التصرفات التي حكم بحليتها في الآية المباركة هي التصرفات المترتبة على البيع، ومن الواضح أن التصرف المترتب على البيع تصرف مالكي، وجواز التصرف المالكي يكشف عن الملكية كشفا قطعيا. وعليه فدليل حلية البيع يدل على حلية التصرف بالدلالة المطابقية، وعلى حصول الملكية من أول الامر بالدلالة الالتزامية. وأما الالتزام بالملكية آنا ما قبل التصرف فلازمه الالتزام بجواز التصرفات المتوقفة على الملك بغير عنوان المالكية مع فرض تحقق البيع في الخارج. وهذا بعيد عن مدلول الآية حسب ما يفهمه أهل العرف من الكلام. قيل: إن الآية لا دلالة فيها على تأثير البيع في الملكية أصلا، إذ المفروض أن الحل قد تعلق بالتصرف ومن الواضح أنه إذا اريد من التصرف المزبور التصرف المالكي لزم منه تعرض الحكم لاثبات موضوعه وهو أمر غير معقول. والجواب عنه: أن الحل في الآية وإن تعلق بالتصرف ابتداء - على رأي المصنف - إلا أن إحلال التصرف يكشف عن حصول الملكية ولا يلزم من ذلك تعرض الحكم لايجاد موضوعه. نعم إذا قلنا بتحقق الملكية من ناحية جواز التصرف لزم منه تكفل الحكم باثبات موضوعه ولكنه بعيد عما نحن فيه. قيل: إنا لو سلمنا دلالة الآية على جواز البيع وضعا وتكليفا، أو قلنا بدلالتها على حلية التصرفات، واستكشفنا منها الملكية من أول الامر، لكنها لا تشمل المعاطاة، لعدم صدق البيع عليه، إذ البيع إما من مقولة اللفظ - كما عن بعض الاعلام - بدعوى أنه لو كان من قبيل المعنى لزم منه القول بالكلام النفسي الذي هو مدلول الكلام اللفظي، وهو باطل بالضرورة، أو أنه من مقولة المعنى بدعوى أنه لو كان من قبيل

[ 99 ]

اللفظ لم يعقل إنشاؤه باللفظ، وعلى كلا التقديرين لا يصدق مفهوم البيع على المعاطاة: أما على الاول فواضح. وأما على الثاني فلان البيع وإن كان من قبيل المعنى، ولكن صدق عنوان البيع عليه يحتاج إلى إبرازه باللفظ، إذ المفروض أن الكلام النفسي مدلول للكلام اللفظي، ومن الواضح جدا أن المعاطاة لم تبرز باللفظ فتكون خارجة عن حدود البيع جزما. والجواب عن ذلك: أن البيع ليس اسما لمجرد اللفظ، وإلا لزم تحققه بالتكلم بلفظ بعت وإن لم يتحقق به الانشاء، ولا أنه اسم للاعتبار النفساني غير المبرز بمظهر خارجي، وإلا لزم تحققه بالاعتبار الساذج وإن لم يكن مبرزا في الخارج. بل هو اسم للاعتبار النفساني المظهر بمبرز خارجي. ومن الواضح أنه لا يعتبر في المبرز أن يكون من قبيل الالفاظ. بل كما يصح إبراز الاعتبار النفساني باللفظ، كذلك يصح إبرازه بغيره. وعلى كل حال لاصلة للمقام بالكلام النفسي الذي ذكرنا بطلانه في محله: ومما استدل به على أن المعاطاة تفيد الملكية. 3 - قوله صلى الله عليه وآله: (إن الناس مسلطون على أموالهم) (1) ووجه الاستدلال: أن الحديث المزبور قد دل على أن كل أحد مسلط على التصرف في أمواله بانحاء التصرفات، سواء في ذلك التصرفات الخارجية والاعتبارية. ومن التصرفات الاعتبارية البيع المعاطاتي، وإذن فالمنع عن جواز البيع المعاطاتي مناف لعموم الحديث. ويتوجه على هذا الاستدلال أولا: أن النبوي المزبور ضعيف السند، وغير مذكور في كتب الشيعة إلا مرسلا ومن الواضح أنا لا نعتمد على المراسيل في شئ من الاحكام الشرعية، لانها غير مشمولة لادلة حجية الخبر. قيل: إن النبوي المزبور وإن كان ضعيفا من ناحية الارسال، ولكن قد عمل به


(1) البحار ج 1 ص 154.

[ 100 ]

المشهور، بل أرسله الفقهاء في كتبهم الاستدلالية إرسال المسلمات حتى جعلوا مفاده من القواعد الفقهية المسلمة، ويلتجثون إليها في موارد شتى. وإذن فيكون عملهم هذا جابرا لوهن الخبر وضعفه. والجواب عن ذلك: أن هذا التوهم فاسد كبرى وصغرى: أما الوجه في فساد الكبرى فلانه لا دليل على انجبار ضعف الرواية بعمل الشمهور، لان الشهرة إن كانت حجة في نفسها أخذ بها وإلا فان ضمها إلى غير الحجة لا يفيد الاعتبار. وقد اشتهر في الالسنة أن فاقد الشئ لا يكون معطيا له نعم إذا كان عملهم وسيلة إلى توثيق الرواية كان ذلك قرينة على حجيتها. بل قد يكون عمل شخص واحد برواية سببا لتوثيقها. إلا أنه غريب عن انجبار ضعف الخبر بعمل المشهور، فان هذا فيما لم تعلم وثاقة الروات، بل لم تعلم روات الخبر - كما في المراسيل - ومن البديهي أن عمل المشهور في أشباه ذلك لا يكشف عن وثاقة الروات. نعم يحتمل أنهم اطلعوا على قرائن لم نظفر بها. ولكن هذا الاحتمال لا يغني من الحق شيئا. مع أنه منقوض بما صرحوا به من عدم انجبار ضعف الدلالة بعمل المشهور، والملاك فيهما واحد. واحتمال الاطلاع على القرائن مشترك بينهما وأما الوجه في منع الصغرى فلان من المحتمل القريب أن المشهور قد استندوا في فتياهم بصحة البيع المعاطاتي بغير النبوي من الوجوه التي استدل بها على ذلك. ومن البين الذي لا ريب فيه انه بناء على انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور فأن الشهرة إنما تكون جابرة لوهن الرواية إذا علم استناد المشهور إليها. على أن المشهور بين القدماء هو القول بالاباحة. وإذن فلا شهرة في المقام لكي تكون جابرة لضعف النبوي وأما الشهرة بين متأخري المتأخرين فليست بجابرة اتفاقا. ثانيا: أنا لو سلمنا اعتبار النبوي من حيث السند لكن لا نسلم دلالته على المقصود، فان المحتمل في معناه وجوه ثلاثة: 1 - أن يراد من الحديث تسلط الناس على كل تصرف من أنحاء التصرفات

[ 101 ]

كما وكيفا. وعليه فإذا شككنا في جواز تصرف خارجي أو اعتباري من حيث الوضع والتكليف تمسكنا بالحديث المزبور لاثبات مشروعية ذلك. ولكن يرد عليه: أولا: أن الالتزام بهذا الوجه يقتضي أن يكون النبوي في مقام التشريع: بأن يدل على جواز كل تصرف لم تثبت مشروعيته من ناحية الشارع. وعلى هذا فإذا شككنا في جواز تصرف تكويني - كالاكل والشرب - أو اعتباري - كالبيع المعاطاتي ونحوه - تمسكنا بالنبوي لاثبات مشرعية ذلك التصرف، ومن البديهي أنه لم يقل به متفقه فضلا عن الفقيه. ثانيا: أن هذا الوجه يقتضي الالتزام بمشروعية غير واحد من المحرمات الاليهية - كأكل جملة من الاطعمة المحرمة وشرب جملة من الاشربة المحرمة ولبس جملة من الالبسة المحرمة التي هي مملوكة للمتصرف - فان النسبة بين دليل السلطنة وبين أدلة بعض المحرمات هي العموم من وجه، فيتعارضان في مورد الاجتماع ويتساقطان فيرجع إلى أصالة الاباحة، مع أن هذا ضروري البطلان. والمتحصل من ذلك أن الوجه المزبور لا يمكن الالتزام به 2 - ما ذكره المصنف وحاصله: أن عموم الحديث إنما هو باعتبار أنواع السلطنة - كالبيع والاجارة والهبة والصلح وغيرها - وإذا شككنا في مشروعية نوع منها - كالمزارعة والمضاربة والمساقات مثلا - تمسكنا بعموم الحديث ونحكم بثبوت السلطنة هنا أيضا. وأما إذا علمنا بمقدار السلطنة وكميتها بأن قطعنا بأن سلطنة خاصة نافذة في حق شخص كبيع ماله من غيره ولكن شككنا في كيفية هذه السلطنة وأن هذا البيع هل يوجد بالتعاطي أم لابد فيه من القول الدال عليه فانه حينئذ لا يجوز لنا أن نتمسك بدليل السلطنة لاثبات مشروعية المعاطات في الشريعة المقدسة. وقد اتضح لك من توضيح كلام المصنف الفارق بين هذا الوجه وبين سابقه حيث ان

[ 102 ]

العموم في الوجه الاول باعتبار الكمية والكيفية وفي الوجه الثاني باعتبار الكمية فقط ويرد عليه: أن الالتزام بهذا الوجه يقتضي أيضا أن تكون الرواية في مقام التشريع وعليه فيجوز التمسك بعموم النبوي في أي مورد شككنا في جواز نوع خاص من السلطنة - كالشك في جواز أكل لحم الارنب ونحوه وهذا خلاف الظاهر من الرواية حسب المتفاهم العرفي ولاجل ذلك لم يتمسك به أحد في أمثال ذلك. ومن هنا ذكروا: أن دليل السلطنة لم يرد في مقام التشريع بل إنما ورد لاثبات السلطنة للمالك في الجهات المشروعة. 3 - ما هو التحقيق من أن دليل السلطنة يتكفل ببيان استقلال المالك في التصرف في أمواله في الجهات المشروعة، وعدم كونه محجورا عن التصرف في تلك الجهات، وليس لغيره أن يزاحمه في ذلك، وعليه فشأن دليل السلطنة شأن الاوامر المسوقة لبيان أصل الوجوب من غير نظر فيها إلى تعيين الواجب من حيث الكم والكيف. وعلى الجملة: إن دليل السلطنة لا يدل على استقلال الملاك في التصرف في أموالهم من جميع الجهات بحيث لو منع الشارع عن التصرف فيها من ناحية خاصة كان ذلك مخصصا لعموم الحديث. وقد تجلى لك من ذلك أنه لو شك في جواز تصرف خاص - كالبيع المعاطاتي أو جواز الاعراض عن مال معين - فانه لا يجوز التمسك في مشروعية ذلك بدليل السلطنة. ومما استدل به على أن المعاطاة تفيد الملكية: 4 - (قوله تعالى): (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء الآية: 28. فان الآية الشريفة قد دلت على انحصار جواز التصرف في أموال الناس بما يكون تجارة عن تراض عرفا. والبيع المعاطاتي كذلك وبيان ذلك بوجهين: 1 - أن المراد من الاكل في الآية الكريمة ليس هو الازدراد - على ما هو معناه الحقيقي بل إنما هو كناية عن التملك - وإن لم يكن ذلك المال من

[ 103 ]

جنس المأكولات كالدار والبستان والدكان وأشباه ذلك - وقد تعارف هذا النحو من الاستعمال في القرآن الكريم وفي كلمات الفصحاء، بل في غير لغة العربية أيضا ثم ان دخول كلمة الباء السببية على كلمة الباطل، ومقابلتها في الآية مع التجارة عن تراض قرينتان على توجه الآية إلى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الفاسدة. وعليه فان كان الاستثناء متصلا - كما هو الظاهر والموافق للقواعد العربية كان مفاد الآية أنه لا يجوز تملك أموال الناس بسبب من الاسباب فانه باطل إلا أن يكون ذلك السبب تجارة عن تراض وإذن فتفيد الآية حصر الاسباب الصحيحة للمعاملة بالتجارة عن تراض وإن كان الاستثناء منقطعا كانت الآية ظاهرة ابتداء في بيان الكبرى الكلية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراض من غير أن تتعرض للحصر، وعليه فلا يمكن التمسك بها فيما لا يعد في العرف من الاسباب الباطلة، ولا من التجارة عن تراض. بل تكون الآية بالنسبة إليه مهملة. ولكن يمكن إثبات دلالة الآية على الحصر حينئذ بالقرينة المقامية بدعوى أن الله (تعالى) بصدد بيان الاسباب المشروعة للمعاملات، وتمييز وجهها الصحيح عن وجهها الباطل، ولا ريب أن الاهمال مما يخل بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من الآية بالقرينة المقامية وإذن فالآية مسوقة لبيان حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات في التجارة عن تراض سواء أكان الاستثناء متصلا أم كان منقطعا وعلى كلا التقديرين فتدل الآية بالمطابقة على صحة البيع المعاطاتي، وكونه مفيدا للملك، فان عنوان التجارة عن تراض ينطبق عليه عرفا. ومما يؤيد كون الآية راجعة إلى بيان أسباب المعاملات تطبيقها في بعض الروايات على القمار باعتبار كونه من الاسباب الباطلة (1) 2 - أن يراد من الاكل في الآية الكريمة التصرف: أي لا تتصرفوا في أموال الناس بالاسباب الباطلة، فانه حرام إلا أن يكون ذلك السبب تجارة عن


(1) راجع الوسائل ج 2 باب 63 تحريم كسب القمار من أبواب ما يكتسب به.

[ 104 ]

تراض. وعليه فتدل الآية بالمطابقة على حلية التصرفات تكليفا - التي تترتب على التجارة عن تراض - وتدل على حصول الملكية من أول الامر بالملازمة العرفية، لما عرفت عند الاستدلال بآية حل البيع على المقصود من أن السلطنة التكليفية علي جميع التصرفات في شئ كاشفة عرفا عن مالكية المتصرف لرقبة هذا الشئ وإن كانت الملكية تنفك عن السلطنة أحيانا - كما في المحجور - ولكن السلطنة المطلقة لا تنفك عن الملكية عرفا. ولا يخفى عليك: أنه يجري في هذا الوجه جميع ما تقدم من النقض والابرام حول الوجه الثاني من وجهي الاستدلال على أن المعاطاة تفيد الملكية. وقد ذكر المحقق صاحب البلغة: أنه لو كان الاستثناء في آية التجارة عن تراض متصلا لزم من ذلك إما القول بالنسخ أو القول بكثرة التخصيص المستهجن، بداهة أن أسباب حل الاكل ليس منحصرا بالتجارة عن تراض، بل يحل ذلك بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا واروش الجنايات وسائر النواقل الشرعية والاباحات. سواء أكانت الاباحة مالكية، أم كانت شرعية وإذن فلا ملازمة بين أكل المال بالباطل، وبين مالا يكون تجارة عن تراض انتهى ملخص كلامه. ويتوجه عليه أن جملة من الامور التي ذكرها المحقق المزبور ليست مقابلة للتجارة عن تراض، بل هي قسم منها، كالهبات التي منها الصدقات المستحبة والوصايا بناء على اعتبار القبول فيها، وسائر النواقل الشرعية كالاجارة والجعالة ونحوهما. وجملة منها وإن كانت خارجة عن حدود التجارة عن تراض - كالوقوف والاباحات والوصايا بناء على عدم اعتبار القبول فيها - ولكن الالتزام بخروجها عن ذلك لا يستلزم كثرة التخصيص، بداهة أن الباقي تحت العام أكثر من الخارج. ويضاف إلى ما ذكرناه: أن المستثنى منه في الآية إنما هو أكل مال غيره بعنوان التملك: بأن يتملك الانسان باختياره مال غيره بغير التجارة عن تراض. وما لا يكون كذلك - كالوقوف والزكوات والاخماس والمال الموصى به وصية تملكيه بناء على

[ 105 ]

عدم اعتبار القبول فيها واروش الجنايات - خارج عن حدود المستثنى والمستثنى منه تخصصا لا تخصيصا (1). كلام بعض الاساطين حول المعاطاة قوله: (ولذا ذكر بعض الاساطين في شرحه على القواعد في مقام الاستبعاد أن القول بالاباحة المجردة مع قصد المتعاطيين التمليك والبيع مستلزم لتأسيس قواعد


(1) قد أغفل المصنف الاستدلال على مقصوده بقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) المائدة 5 الآية: 2. مع أنه استدل به - فيما سيأتي قريبا - على أصالة اللزوم في العقود. والوجه في ذلك: أن الآية إنما تدل على لزوم العقد دلالة مطابقية، بداهة أن الامر بالوفاء بالعقد إرشاد إلى لزومه، وعدم انفساخه بالفسخ. وإذا دلت الآية على لزومه بالمطابقة دلت على صحته بالالتزام، إذ لا معنى لفساد العقد مع لزومه. ومن البين الذي لا ريب فيه أن المعاطاة عقد بالحمل الشايع، فتكون مشمولة لعموم الآية. ولكن ذكر المصنف فيما سيأتي قريبا: (أن الظاهر فيما نحن فيه قيام الاجماع على عدم لزوم المعاطاة، بل ادعاه صريحا بعض الاساطين في شرح القواعد) وعلى هذا فيكون الاجماع قرينة منفصلة على عدم شمول الآية للمعاطاة من حيث الدلالة المطابقية. وقد ثبت في محله أن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية. وعليه فإذا سقطت دلالة الآية بالمطابقة على لزوم المعاطاة سقطت دلالتها الالتزامية على صحتها. وإذن فتنصرف الآية الكريمة عن المعاطاة، وتختص بالعقود اللفظية: وهذا بخلاف آيتي حل البيع والتجارة عن تراض فانهما تدلان على صحة البيع بالمطابقة، وعلى لزومه بالالتزام، ومن البديهي أن سقوط الدلالة الالتزامية لا تضر بالدلالة المطابقية. هكذا ينبغي أن يجرر المقام. لا على الوجه الذي ارتكبه غير واحد من المحشين.

[ 106 ]

جديدة). أقول: يحسن بنا أن نبحث حول كلامه لكي يتضح لنا أن القول بالاباحة مع قصد الملك من التعاطي هل يستلزم تأسيس قواعد جديدة أم لا. وتلك القواعد ما يلي. منها: 1 - أن العقود وما قام مقامها تابعة للقصود من حيث الايجاب والسلب: أي وقوع ما يقصد، وعدم وقوع ما لم يقصد. ومن البين أن القول بالاباحة مخالف لهذه القاعدة ايجابا وسلبا: لان ما قصده المتعاطيان لم يحصل في الخارج، وما حصل في الخارج لم يقصده المتعاطيان. وقد أجاب عنه المصنف بوجهين: الاول: أن تبعية العقود للقصود فيما إذا دل الدليل على صحة العقد: بمعنى ترتب الاثر المقصود منه عليه. وعلى هذا فلا يعقل الحكم بالصحة مع عدم ترتب الاثر المزبور عليه. وهذا بخلاف ما إذا لم يدل دليل على ذلك - كالعقد المعاطاتي - ولكن حكم الشارع المقدس في مورده بالاباحة، فأنه لا يلزم منه تخلف العقد عن القصد، بداهة أن الاباحة المذكورة ليست إباحة عقدية لكي يلزم من ثبوتها المحذور المزبور بل إنما هي إباحة شرعية مترتبة على المعاطاة ترتب الحكم على موضوعه. وعليه فمنزلة ذلك منزلة حكم الشارع بجواز الاكل من أموال الناس في المخمصة والمجاعة، وبجواز أكل المارة من ثمرة الشجرة التي تمر بها وإن لم يرض المالك بذلك. انتهى ملخص كلامه في الوجه الاول (1).


(1) الاولى في الجواب أن يقال: إن كانت المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع فلا شبهة في كونها بيعا صحيحا ومؤثرة في الملكية من دون أن يلزم من ذلك تخلف العقد عن القصد. نعم لو ورد دليل الامضاء على خلاف ما قصده المتعاقدان لزم منه تخلف العقد عن القصد. إلا أنه بعيد عن المقام. ولا يفرق فيما ذكرناه بين القول بحصول الملكية من أول الامر. وبين القول بحصولها آناما قبل التصرف.

[ 107 ]

الثاني: أن تخلف العقود عن القصود لا غرابة فيه. وقد وقع في جملة من الموارد: الاول: (أنهم أطبقوا على أن عقد المعاوضة إذا كان فاسدا يؤثر في ضمان كل من العوضين القيمة، لافادة العقد الفاسد الضمان عندهم فيما يقتضيه صحيحه، مع أنهما لم يقصدا إلا ضمان كل منهما بالآخر. وتوهم أن دليلهم على ذلك قاعدة اليد مدفوع بأنه لم يذكر هذا الوجه إلا بعضهم معطوفا على الوجه الاول، وهو إقدامهما على الضمان، فلاحظ المسالك). ويرد عليه: أن سبب الضمان في العقود الفاسدة - على ما سيأتي - إنما هو اليد نهاية الامر أن الاقدام يكون منقحا لموضوع ضمان اليد. وقد ذكرنا في محله: أن الاقدام بنفسه لو كان موجبا للضمان، لتحقق الضمان بتحقق المعاملة في الخارج بالايجاب والقبول، مع عدم تحقق القبض والاقباض، إذ المفروض تحقق الاقدام على المعاملة من ناحية المتعاملين، مع أنه باطل بالضرورة. فيستكشف من ذلك أن سبب الضمان في أمثال الموارد هو اليد دون الاقدام. الثاني: أن الشرط الفاسد لا يفسد العقد المشروط به عند أكثر القدماء، مع أن ما قصد - وهو العقد المقيد بالشرط الفاسد - غير واقع. والواقع الذي هو ذات العقد لم يقصد. نعم إذا قلنا بأن الشرط الفاسد يفسد العقد لم يتوجه هذا النقض على بعض الاساطين. ولكن التحقيق خلافه. ويأتي تفصيل ذلك في مبحث. الشروط إنشاء الله.


- وإن لم تكن المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع فلا شبهة في أنها لا تؤثر في الملكية، إلا أنه قامت السيرة القطعية على إباحة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة حتى التصرف المتوقف على الملك من دون أن يلزم من ذلك تخلف العقد عن القصد، إذ المفروض أن الاباحة المترتبة على المعاطاة إباحة شرعية لا إباحة عقدية وهذا واضح لا خفاء فيه.

[ 108 ]

والتحقيق: أن الشرط قد يكون قيدا لاصل العقد بحيث يكون الانشاء معلقا على حصول الشرط: بأن قال البائع: بعتك المتاع الفلاني إن قدم الحاج. وإلا فلا أبيع، وقد يكون الشرط التزاما آخر في ضمن الالتزام العقدي من دون أن يكون الملتزم به قيدا لاصل العقد. وعلى الاول فالتعليق يوجب فساد العقد وإن لم يكن الشرط فاسدا لقيام الاجماع على بطلان التعليق في العقود. وعلى الثاني فالالتزام بصحة العقد مع فساد الشرط لا يستلزم تخلف المقصود عن القصد وتفصيل الكلام في محله. الثالث: أنه إذا باع الانسان ما يملكه مع مالا يملكه: - بأن ضم مال نفسه إلى مال غيره وباعهما من شخص واحد في صفقة واحدة - فانه لا شبهة في صحة هذا البيع عند المحققين. مع أن ما هو مقصود للمتبايعين لم يقع في الخارج، وما هو واقع فيه غير مقصود لهما. والجواب عن ذلك: أن البيع المذكور وإن كان واحدا بحسب الصورة ولكنه منحل إلى بيعين غاية الامر أن أحدهما صحيح منجزا، والآخر صحيح مشروطا باجازة المالك. والسر في ذلك أن حقيقة البيع متقومة بانشاء تبديل شئ من الاعيان بعوض في جهة الاضافة كما تقدم (1) ومن البديهي الذي لا ريب فيه أن هذا المعنى لا ربط له بقصد المالكين ومعرفتهما. وعليه فقصد البائع كون العقد لنفسه أو لغيره خارج عن حدود البيع. وإذن فلا يوجب ذلك تخلف العقد عن القصد بوجه. نعم مع عدم إجازة المالك يثبت للمشتري خيار تبعض الصفقة. ولكنه بعيد عن تخلف العقد عن القصد الذي هو محل الكلام في المقام. الرابع: بيع الغاصب المال المغصوب لنفسه. فقد ذكر جمع كثير أن البيع يقع عن المالك فضولا، وتتوقف صحته على إجازته. مع أن المقصود - وهو كونه


(1) راجع ص 53.

[ 109 ]

للبائع - لم يقع، والواقع - وهو وقوع البيع عن المالك غير مقصود. والجواب عن ذلك: ما أشرنا إليه آنفا من أن البيع إنشاء تبديل عين بعوض في جهة الاضافة. ومن الظاهر أن قصد وقوعه عن المالك، أو عن البائع خارج عن حدوده. وسيأتي التعرض لهذه المسألة في البحث عن بيع الفضولي. نعم لو كان شأن المالكين في البيع شأن الزوجين في عقد الزواج لكان ما ذكره المصنف من النقض - على بعض الاساطين - صحيحا، ولكن الامر ليس كذلك. الخامس: أن العاقد إذا ترك ذكر الاجل في نكاح المتعة كان ذلك زواجا دائميا وقد ذكر هذا في موثقة ابن بكير (1). وأفتى به جمع من الفقهاء رضوان الله عليهم. مع أن المقصود - وهو نكاح المتعة - لم يقع. والواقع - وهو نكاح الدائم - غير مقصود. والتحقيق: أنه إذا كان بناء العاقد - قبل مباشرته بايقاع العقد - على إنشاء نكاح المتعة، ولكن نسي ذكر الاجل عند الانشاء وقصد الزواج الدائم فلا شبهة في أن الواقع حينئذ يكون نكاحا دائميا وعليه فلا يلزم منه تخلف العقد عن القصد. وإذا كان بناء العاقد على إبقاء عقد المتعة حتى في مقام الانشاء، والاشتغال باجراء الصيغة، ومع ذلك نسي ذكر الاجل في مقام التلفظ، أو تركه عمدا فان الظاهر حينئذ بطلان العقد، بداهة أن الزواج الدائم لم يقصد، ولم ينشأ لان الانشاء - كما عرفته مرارا - عبارة عن إبراز الامر النفساني في الخارج. وإذا لم يقصد العاقد الزواج الدائم لم يكن ذلك مبرزا باللفظ. وأما الزواج المنقطع فلا يقع أيضا في


(1) قال: (قال أبو عبد الله (ع) ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح وما كان بعد النكاح فهو جائز. وقال: إن سمي الاجل فهو متعة. وإن لم يسم الاجل فهو نكاح بات). الكافي ج 2 ص 45. والوافي ج 12 ص 96.

[ 110 ]

الخارج، إذ يعتبر في صحته ذكر الاجل على ما نطقت به الروايات (1)، والمفروض أنه مفقود في المقام. وهذا بين لا ريب فيه. ومن القواعد الجديدة اللازمة على القول بالاباحة: 2 - أن القول بالاباحة يلزمه الالتزام بأحد أمرين على سبيل ما نعة الخلو: وهما الالتزام بأن إرادة التصرف - في المأخوذ بالمعاطاة - مملكة، والالتزام بأن التصرف بنفسه من المملكات، وكلا الامرين بعيد جدا، بداهة أن المالك لم يقصد إلا تمليك ماله من الاول، وعليه فالالتزام بحصول الملكية بتصرف غير المالك، أو بارادته التصرف من دون أن يكون ذلك مقصودا للمالك بعيد غايته. ويتوجه عليه ما أفاده المصنف، وحاصله: أنه لا مانع من الالتزام بحصول الملكية بارادة التصرف، فان الجمع بين الادلة يقتضي ذلك، ضرورة أن الاصل يقتضي بقاء المأخوذ بالمعاطاة في ملك مالكه الاول. وقد قامت السيرة القطعية على جواز التصرف لكل من المتعاطيين فيما انتقل إليه. وقد ثبت في الشريعة المقدسة أن بعض التصرفات - كالعتق والبيع والوطي - لا يسوغ لغير المالك. ومن البين الذي لا ريب فيه أن الجمع بين هذه الادلة يقتضي الالتزام بالملكية حين إردة التصرف. وعليه فيكون شأن التصرف في المقام شأن تصرف ذي الخيار والواهب فيما انتقل عنهما تصرفا بالعتق والبيع والوطي وأشباهها (2). ومن القواعد الجديدة اللازمة على القول بالاباحة:


(1) راجع الوافي ج 12 ص 95. (2) أقول: إن التصرفات الصادرة من المتعاطين على قسمين: القسم الاول: ما لا يتوقف جوازه على الملك - كالاكل والشرب واللبس ونحوها - فان جواز هذه التصرفات لا ينوط بملك الرقبة، بل تجوز لغير المالك أيضا إذا دل عليه دليل. وقد فرضنا أن السيرة قد دلت عليه في المقام غاية الامر أن يكون الاتلاف في محل الكلام موجبا للضمان بالمسمى، دون المثل أو القيمة. وعلى هذا فلا نحتاج إلى الالتزام بمملكية التصرف، أو بارادته لكي نتمسك في اثبات -

[ 111 ]

3 - أنه إذا قيل بأن المعاطاة - المقصود بها الملك - تفيد الاباحة لزمت منه مخالفة القواعد المتسالم عليها في موارد شتى: منها تعلق الخمس بما في يد أحد المتعاطيين، مع أنه ليس بمالك له. وتوضيح ذلك: أنه إذا أعطى أحد المتعاطيين دينارا لصاحبه، وأخذ منه متاعا يساوي أحد عشر دينارا فانه قد ربح في هذه المعاملة المعاطاتية عشرة دنانير وإذا بقي هذا الربح إلى أن مضى عليه حول كامل - ولم يحصل مملك في البين، كتصرف المشتري في المتاع، أو تصرف البائع في الثمن، أو تلف أحد العوضين - ثبت فيه الخمس. وعليه فيلزم تعلق الخمس بغير الاملاك، وهو فقه جديد. وقد يتوهم: أن غرض بعض الاساطين من ذلك هو استبعاد تعلق الخمس بالارباح والمنافع الحاصلة من الاتجار بالمأخوذ بالمعاطاة ولكنه توهم فاسد، فانه مخالف لصراحة كلامه بديهة أنه (ره) قد فرض مورد الاستبعاد فيما إذا كان العوضان باقيين، مع عدم تحقق التصرف من أحد المتعاطيين، ومن البين الذي لا ريب


- ذلك بالجمع بين الادلة. قيل: انه لا يتحقق الضمان بالمسمى الا مع ملك الضامن لما هو بدل عن المسمى، وعليه فلا مناص عن الالتزام بمملكية التصرف أو ارادته والجواب عن ذلك: أنا لو سلمنا توقف الضمان بالمسمى على ملك الضامن للعوض ولكن لا نسلم توقف ذلك على مملكية التصرف أو ارادته. بل يمكن الالتزام بحصول الملكية آناما قبل التصرف من ناحية الجمع بين الادلة. كما التزم به المصنف سابقا عند الاستدلال على صحة المعاطاة بآيتي حل البيع والتجارة عن تراض. القسم الثاني من التصرفات: ما يتوقف جوازه على الملك - كالعتق والوطي والبيع - وقد اتضح لك حكمه مما ذكرناه في القسم الاول. بديهة أن الجمع بين الادلة يقتضي الالتزام بحصول الملك آناما قبل التصرف. بلا احتياج في ذلك إلى مملكية التصرف أو ارادته. وهذا واضح لا ريب فيه.

[ 112 ]

فيه أن حصول الربح بالتجارة لا يخلو عن أحد أمرين على سبيل مانعة الخلو: وهما التصرف، وتلف العين ولو حكما. وحينئذ فلا يتوجه على بعض الاساطين ما ذكره شيخننا المحقق واليك نصه (أما خمس ربح التجارة بالمأخوذ بالمعاطاة فلا محالة يكون حصول الربح مسبوقا بالتكسب والتصرف في المال، فيكون مملكا له ولاصله. وليس هذا غريب آخر زيادة على غرابة مملكية التصرف). ومنها أنه يعامل مع المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك، وتترتب عليه جميع آثار الملكية من الاستطاعة وتعلق الزكاة وحق الديان به وكونه إرثا للورثة ووجوب الانفاق منه وجواز الوصية به، ولو كانت المعاطاة مفيدة للاباحة لزم من ذلك تعلق الامور المذكورة بالمباحات، مع أنها لا تتعلق بغير الاملاك. ومنها أنه إذا باع أحد الشريكين حصته من غير شريكه بالبيع المعاطاتي تعلق به حق الشفعة، مع أنه لا يتعلق إلا بالبيع المؤثر في الملكية. ومن هنا لو أباح أحد الشريكين حصته لغيره لم يتعلق به حق الشفعة. ومنها تعلق حق المقاسمة بذلك، ومثاله: أنه إذا باع أحد الشريكين حصته من شخص آخر بالبيع المعاطاتي جاز للمشتري أن يطالب المقاسمة من الشريك الآخر. وعليه فان قلنا بأن المعاطاة تفيد الملكية فلا محذور فيه. وإن قلنا بأنها لا تفيد إلا الاباحة الخالصة لزم منه ثبوت حق المقاسمة لغير الملاك. ومنها: أن الرباء يجري في البيع المعاطاتي، كما يجري في البيع اللفظي. وعليه فان قلنا بأن المعاطاة تفيد الملكية كان ذلك موافقا للقواعد الشرعية. وإن قلنا بانها تفيد الاباحة لزم من ذلك جريان الرباء في المباحات. ومن الواضح أن ذلك تأسيس فقه جديد. ومنها أنه لو كانت المعاطاة مفيدة الاباحة لزم من ذلك أن يتصف الآخذ بالمعاطاة بصفة الفقر ولو كان المأخوذ بذلك يكفي مؤونته ومؤونة عياله سنة واحدة - إذا لم يكن

[ 113 ]

عنده مال آخر يكفيه ولعياله حولا كاملا. ولزم أيضا أن لا تزول صفة الغنى عن المعطي، لكونه مالكا لما أعطاه لصاحبه بالمعاملة المعاطاتية. وإذن فيجوز للاول أخذ الحقوق الشرعية المقررة للفقراء والمساكين، ولا يجوز ذلك للثاني وإن لم يكن عنده ما يكفيه ولعياله سنة واحدة. ومن الظاهر أن هذا أمر عجيب. وقد أجاب المصنف عن جميع الامور المذكورة بما هذا لفظه: (وأما ما ذكره من تعلق الاخماس والزكوات إلى آخر ما ذكره فهو استبعاد محض، ودفعه بمخالفته للسيرة رجوع إليها) (1).


(1) لا يخفى عليك ما في عبارة المصنف من الغلق والاضطراب واشتباه المراد كما يظهر لمن يعطف النظر على كلمات المحشين. والذي نفهمه منها: أنه لا مانع من الالتزام بعدم تعلق الامور المذكورة بالمأخوذ بالمعاطاة، مع بقاء مقابله، وعدم تصرف كل من المتعاطيين فيما بيده، بداهة أنه لا محذور في الالتزام بذلك إلا الاستبعاد المحض. ومن البين الذي لا ريب فيه أن مجرد الاستبعاد لا يوجب أن تكون المعاطاة مفيدة للملكية لكي يصح الالتزام بتعلق الامور المزبورة بما في يد كل من المتعاطيين. قيل: إنه لا مناص عن الالتزام بتعلق تلك الامور بالمأخوذ بالمعاطاة لان بناء المتشرعة وسيرتهم القطعية على أن شأن ذلك شأن سائر الاملاك. والجواب عنه: أن هذا وإن كان صحيحا إلا أن الالتزام به من ناحية السيرة لا من ناحية الاستبعاد الذي هو مورد بحثنا. وإذن فتكون السيرة دليلا على الملك بلا حاجة إلى الاستبعاد المزبور. وعلى هذا التفسير فمرجع الضمير المجرور في كلمة (دفعه) هو لفظ العدم المحذوف المضاف إلى كلمة التعلق. والقرينة على الحذف هي سياق الكلام. ويمكن أن يكون غرض المصنف من تلك العبارة: أنه لا شبهة في تعلق الامور المذكورة - في كلام بعض الاساطين بالمأخوذ بالمعاطاة - وإن كان ذلك -

[ 114 ]

ويحسن بنا أن نتعرض لاجوبة تلك الامور، وإليك ما يلي: أما الاخماس فهي لا تتعلق إلا بالملك، كما هو الظاهر من الادلة الشرعية، وعليه فلا محذور في الالتزام بعدم تعلقها بالمأخوذ بالمعاطاة على القول بكونها مفيدة للاباحة وأما الزكوات فلا شبهة في تعلقها بالمأخوذ بالمعاطاة مع تمام النصاب، ومضي الحول عليه، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المأخوذ بالمعاطاة ملكا للآخذ وبين عدمه لاطلاق الادلة، مثلا إذا اشترى أحد - بالبيع المعاطاتي - خمسا من الابل، ولم يوجد مملك في البين إلى أن مضى عليها حول كامل تعلقت بها الزكاة جزما وتكون العين مشتركة بين المالك وبين المستحقين للزكاة بناء على تعلق الزكاة بالعين (1). نعم إذا كان عند الآخذ بالمعاطاة ما تعلقت به الزكاة ولكن كان أقل من النصاب إلا أنه وصل


- من المباحات - بداهة أنه لا مانع من أن يكون قسم خاص من المباح - الذي يجوز فيه مطلق التصرف حتى المتوقف منه على الملك - في حكم الملك، ولا محذور فيه إلا الاستبعاد المحض، وهو بنفسه لا يصلح للمانعية عن تعلق الامور المزبورة بالمأخوذ بالمعاطاة. وأما دعوى أن تعلق تلك الامور بذلك مخالف للسيرة، لقيامها على عدم تعلقها بغير الاملاك، فبملاحظة السيرة يستكشف ملكية المأخوذ بالمعاطاة فهي إن صحت كان القول بالملكية حينئذ مستندة إلى السيرة، لا إلى الاستبعاد، ولا إلى لزوم مخالفة القواعد الشرعية. ولكن الظاهر أن غرض المصنف هو الاحتمال الاول، بديهة أن مقصود بعض الاساطين إنما هو استبعاد عدم تعلق الامور المذكورة بالمأخوذ بالمعاطاة. وقد تصدى المصنف لدفع هذا الاستبعاد وليس غرض بعض الاساطين استبعاد تعلق الامور المذكورة بالمأخوذ بالمعاطاة لكي يكون كلام المصنف مسوقا لرفع هذا الاستبعاد وإثباتا لتعلق تلك الامور بذلك. هذا والله العالم بالضمائر. { 1 } الذي يستفاد من الادلة أن الزكان متعلقة بالعين وأن النصاب مشترك بين -

[ 115 ]

إلى حد النصاب مع ضم المأخوذ بالمعاطاة إليه فانه لا تجب فيه الزكاة، بداهة أن ما هو مملوك للآخذ لم يصل إلى حد النصاب والمأخوذ بالمعاطاة ليس ملكا له على الفرض لكي يتم به النصاب. وأما صفة الغنى المانعة عن أخذ الحقوق الشرعية فهي غير متوقفة على الملك، بل كل من تمكن من مؤونة نفسه وعياله سنة واحدة - ولو من المباحات - فهو غني. وأما الاستطاعة فهي إنما تتحقق بكون المكلف واجدا - بالفعل - لما يحج به من الزاد والراحلة، وبمالكيته لمؤونة عياله بالفعل أو بالقوة. وقد فسرت الاستطاعة بهذا المعنى وبأمن الطريق في بعض الاخبار (1). ومن البين أن هذا المعنى من الاستطاعة كما يتحقق بالملك كذلك يتحقق بالمباحات أيضا التي منها المأخوذ بالمعاطاة على القول بالاباحة، وقد انجلى مما بينا، أنه يصح تعلق حق النفقات والديون بالمأخوذ بالمعاطاة. وأما حق الشفعة فلا يصح تعلقه بالمأخوذ بالمعاطاة لانه استحقاق الشريك


- المالك وبين المستحقين للزكاة، سواء أكان الاشتراك على نحو الاشاعة أم كان ذلك على نحو الكلي في المعين، وهذا الرأي هو المشهور بين الاصحاب رضوان الله عليهم. وهنا احتمالات اخر: 1 - أن الزكاة متعلقة بالذمة من غير أن تتعلق بالعين رأسا. 2 - أن الزكان متعلقة بالعين كتعلق حق الرهن بالعين المرهونة، فتكون حالها حال بيع العين المرهونة في حال الرهانة، ثم فكها عن ذلك. 3 - أن الزكاة متعلقة بالعين كتعلق حق الجناية بالعبد الجاني، وعليه فيكون بيعها التزاما بالزكاة في الذمة كما أن المالك إذا باع عبده الجاني تعلق أرش الجناية بذمته ومن هنا اتضح لك الفارق بين الصورتين الاخيرتين. (1) قد تقدم ذلك في ص 35.

[ 116 ]

للحصة المبيعة في شركته لكي يضمها إلى حقه. والمفروض أن المعاطاة لم تؤثر في الملكية بل في الاباحة فقط. وعليه فلم يحصل النقل والانتقال بالتعاطي حتى يثبت به حق الشفعة للشريك (1). وأما حق المقاسمة والمفارزة فهو لا يختص بالمالك بل يثبت لكل من جاز له التصرف في المال المشاع وإن لم يكن مالكا لجزء منه. وأما الارث فهو أيضا لا يتوقف على الملك، بل موضوعه ما تركه الميت ومن الظاهر أن المأخوذ بالمعاطاة مما تركه الميت، فيكون لوارثه. ويضاف إلى ذلك: أن موت أحد المتعاطيين يؤثر في لزوم المعاطاة. وهذا واضح. ومن هنا اتضح لك جواز الوصية بالمأخوذ بالمعاطاة. ضرورة أنها تصير لازمة بموت الموصي. وأما ما ذكره من استلزام القول بالاباحة جريان الرباء في المباحات فهو من العجائب. بديهة أن مورد البحث في المقام إنما هو المعاطاة الواجدة لجميع شرائط البيع إلا الصيغة الخاصة. وعليه فإذا كانت المعاطاة ربوية لم تؤثر في شئ من الملكية والاباحة، لفسادها من ناحية الرباء. وإذن فلا إباحة في المقام لكي يلزم جريان


{ 1 } نعم يظهر من المحقق الخراساني أن حق الشفعة يتعلق بالمأخوذ بالمعاطاة وإن لم يصر ملكا للآخذ. والوجه في ذلك أن موضوع حق الشفعة إنما هو بيع أحد الشريكين حصته من غير شريكه، سواء أكان ذلك مفيدا للملكية أم كان مفيدا للاباحة. ويتوجه عليه. أولا: أن ذلك خلاف الظاهر من أدلة الشفعة إذ الظاهر منها اعتبار الملكية في متعلق حق الشفعة. ثانيا: أن موضوع حق الشفعة إنما هو البيع كما اعترف به المحقق المذكور ومن البين أن المعاطاة المفيدة للاباحة خارجة عن حدود البيع.

[ 117 ]

الرباء فيها. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ومن القواعد الجديدة اللازمة على القول بالاباحة: 4 - ما ذكره بعض الاساطين من (كون التصرف من جانب مملكا للجانب الآخر. مضافا إلى غرابة استناد الملك إلى التصرف). وقال المصنف: (وأما كون التصرف مملكا للجانب الآخر فقد ظهر جوابه). ووجه الظهور: أنه لما كان التصرف من جانب مملكا للمتصرف لزم كونه مملكا للجانب الآخر أيضا، الذي لم يصدر منه التصرف وإلا لزم اجتماع العوض والمعوض في ملك المتصرف. وعليه فكما أن الجمع بين الادلة يقتضي كون التصرف مملكا للمتصرف كذلك يقتضي كونه مملكا للطرف الآخر أيضا، ومما ذكره بعض الاساطين: 5 - أن القول بالاباحة يستلزم مخالفة القواعد المتسالم عليها في نواحي شتى: الناحية الاولى: كون التلف السماوي من جانب مملكا للجانب الآخر، لاتفاق الفقهاء على أن كلا من المتعاطيين يملك لما بيده من المأخوذ بالمعاطاة مع تلف بدله من الجانب الآخر وعليه فان قلنا بأن المعاطاة تفيد الملك فلا محذور فيه وإن قلنا بأنها تفيد الاباحة فيلزم أن يكون التلف من جانب مملكا للجانب الآخر، بديهة أنه لم يحدث في المقام إلا أمران، وهما التعاطي والتلف والمفروض أن الاول لا يفيد إلا الاباحة، وعليه فلابد لنا إما من القول بكون التلف مؤثرا في الملكية فهو غريب، أو القول بحصول الملكية بغير سبب فهو محال. الناحية الثانية: أنه إذا تلف أحد العوضين تلفا قهريا فان قلنا بأن من تلف المال عنده يملك التالف قبل تلفه فهو عجيب، بديهة أنه ملكية لو حصلت بغير سبب لزم تحقق المعلول بدون علته. وإن حصل ذلك بسبب التلف لزم تقدم المعلول على علته، ومن البين أن كليهما غير معقول. وإن قلنا بحصول الملكية مع التلف فهو بعيد، إذ لا موجب للالتزام بالملكية في خصوص زمان التلف دون ما قبله. على أن زمان التلف هو زمان

[ 118 ]

إنعدام الملكية، لازمان حدوثها، ومن ذلك يظهر بطلان الالتزام بالملكية بعد التلف فان من الواضح أن تملك المعدوم غير معقول. على أن ذلك لغو محض، إذ لا يترتب عليه أي أثر من آثار الملكية. وإن قلنا بعدم كون التالف ملكا للآخذ لزم أن يكون بدله ملكا للجانب الآخر مجانا فهو غريب، وإذن فلا مناص عن الالتزام بحصول الملكية - في البيع المعاطاتي من أول الامر. الناحية الثالثة: أنه إذا قلنا بأن المعاطاة تفيد الاباحة كان التلف من الجانبين معينا للمسمى من الطرفين. وعليه فلا يرجع كل من المتعاطيين إلى المثل أو القيمة لكي يكون لاحدهما حق الرجوع إل ما به التفاوت بين العوضين، مع أن القاعدة - على القول بعدم الملك - تقتضي الضمان بالمثل أو القيمة، دون المسمى، بديهة أن الضمان بالمسمى يقتضي كون التالف ملكا للمتلف، وعليه فيعود الاشكال المتقدم: أعني حصول الملكية بلا سبب، أو بسبب التلف. الناحية الرابعة: أنه إذا وضع الغاصب يده على المأخوذ بالمعاطاة أو تلف ذلك عنده. فان قلنا بأن المعاطاة تفيد الملكية فلا محذور فيه، لان الغاصب يكون ضامنا للمغصوب منه. وإن قلنا بأنها تفيد الاباحة فان قلنا بأن الغاصب ضامن للمغصوب منه: أعني المباح له دون المالك الاصلي الذي هو المبيح - لزم أن يكون الغصب أو التلف عند الغاصب مملكا. وهو غريب، وإن قلنا بعدم الملك وأنه ليس له حق المطالبة، وإنما هو ثابت للمبيح فهو بعيد، ومناف للسيرة القطعية. وقد أجاب المصنف عن تلك النواحي غير الناحية الاخيرة بما حاصله: أن دليل ضمان اليد يقتقضي كون كل من العوضين مضمونا لمالكه الاصلي بعوضه الواقعي أعني به المثل أو القيمة. لكن مقتضى الاجماع والسيرة على عدم الضمان بالعوض الواقعي يكشف عن أن التلف من مال من تلف عنده، وبضميمة أصالة عدم حصول الملكية إلا بالمقدار المتيقن تثبت الملكية قبل زمان التلف بآن، وعليه فالجمع بين

[ 119 ]

هذه الادلة يقتضي كون كل من العوضين ملكا لكل من المتعاطيين آنا ما قبل التلف، وحينئذ فيكون التلف موجبا لتعين المسمى من الجانبين. سواء في ذلك كون التلف من جانب واحد وكونه من جانبين. والسر في الالتزام بالملكية التقديرية: أنه يدور الامر بين تخصيص دليل اليد بالاجماع المزبور والقول بعدم الضمان بالمثل أو القيمة في مورد التعاطي، وبين التخصص: أي الالتزام بحصول الملكية - في ذلك - من أول الامر حفظا لعموم دليل اليد عن التخصيص. وقد حقق في محله أنه كلما دار الامر بين التخصيص والتخصص فيقدم الثاني. وعليه فمقتضى القاعدة أن نحكم بحصول الملكية - في مورد المعاطاة من أول الامر. ولكن الاصل المذكور يقتضي عدم تحقق الملكية إلا آنا ما قبل التلف وعليه فشأن المقام شأن تلف المبيع قبل قبضه في يد البايع. ثم إن غرض المصنف من تقديم التخصص على التخصيص ليس هو إثبات الضمان بالمسمى من ناحية الدليل الدال على ضمان اليد، بل غرضه من ذلك إنما هو حفظ الدليل المزبور عن التخصيص، وإبقائه على عمومه. وأما الضمان بالمسمى فانما يثبت بحصول الملكية في مورد المعاطاة. وإذن فلا يتوجه على المصنف ما ذكره السيد وهذا نصه: (أن الحكم بالضمان بعوض المسمى ليس عملا بعموم على اليد، لان مقتضاه وجوب المثل أو القيمة، لا المسمى، فمع فرض الاجماع على الملكية لابد من الالتزام بتخصيص قاعدة اليد إذا لم نحكم بالملكية من أول الامر). وأجاب المصنف عن الناحية الاخيرة بما هذا لفظه: (وأما ما ذ كره من صورة غصب المأخوذ بالمعاطاة فالظاهر - على القول بالاباحة - أن لكل منهما المطالبة مادام باقيا، وإذا تلف فظاهر إطلاقهم التملك بالتلف تلفه من مال المغصوب منه). ثم قال: (نعم لولا قام إجماع كان تلفه من مال المالك لو لم يتلف عوضه قبله). وغرضه من هذه العبارة الاخيرة: أنه لو لا الاجماع على الملكية قبل تلف

[ 120 ]

العين كان مقتضى القاعدة اختصاص الملك بالمطالبة، لان العين قد تلفت في ملكه نعم لو تلفت العين الاخرى قبل تلف المغصوب اختص المغصوب منه بالمطالبة، ووجهه ظاهر. ولكن النسخة المشهورة هكذا (نعم لو قام إجماع الخ) وعليه فغرض المصنف من هذه العبارة: أنه إذا قام الاجماع على عدم حصول الملكية - في البيع المعاطاتي - بتلف أحد العوضين - عند الغاصب، مع بقاء العوض الآخر - كان التلف في ملك المالك الاصلي، فيكون له حق المطالبة من الغاصب، ولا يثبت ذلك الحق للمغصوب منه: أعني المباح له. إلا أن هذا ليس بصحيح، بديهة أن عدم كون التلف - عند الغاصب - مملكا لا يحتاج إلى الاجماع، بل يستغنى عنه باستصحاب بقاء المأخوذ بالمعاطاة في ملك مالكه الاصلي. وهذا واضح لا شك فيه. ومما ذكره بعض الاساطين من القواعد الجديدة اللازمة على القول بالاباحة: 6 - أنه يجوز للآخذ بالمعاطاة أن يتصرف في النماء الحادث من المأخوذ بالمعاطاة قبل التصرف فيه، وعليه فجواز التصرف في النماء إما من ناحية أن حدوث النماء مملك للنماء، وإما من ناحية أن المالك الاصلي قد أذن للمباح له أن يتصرف في النماء، كاذنه في التصرف في أصله. وعلى الاول فان قلنا بأن حدوث النماء مملك للنماء فقط، لا لاصله فهو بعيد، إذ لا وجه للتفكيك - في ذلك - بين النماء وأصله خصوصا في النماء المتصل. على أنه لم يعهد من مذاق الشارع المقدس أن يكون حدوث النماء في العين من جملة الاسباب لتملك النماء. وإن قلنا بأن حدوث النماء مملك لنفسه ولاصله معا، أو قلنا بأنه مملك لاصله بالاصالة ولنفسه بالتبعية فهو غريب، فان ذلك مناف لظاهر أكثر الفقهاء القائلين بعدم حصول الملكية في المأخوذ بالمعاطاة من دون التصرف فيه المتوقف على الملك، وعلى الثاني - وهو أن يكون التصرف في النماء مستندا إلى إذن المالك - فشمول الاذن في التصرف في النماء أمر خفي لا يمكن

[ 121 ]

الالتزام به، بديهة أن المالك الاصلي لم يأذن للمباح له إلا في التصرف في نفس المأخوذ بالمعاطاة، لا في متفرعاته الحاصلة بعد التعاطي. انتهى حاصل ما أفاده بعض الاساطين وقد أجاب عنه المصنف (ره) بوجهين: الاول: أن حكم النماء - الحاصل من المأخوذ بالمعاطاة - حكم أصله، فكما أن الاصل ليس ملكا للآخذ، كذلك النماء. نعم يجوز للمباح له أن يتصرف في النماء، كما كان له أن يتصرف في أصله. الوجه الثاني: أنه يمكن أن يكون النماء حادثا في ملك المباح له بمجرد إباحة أصله: بأن يكون إباحة الاصل موضوعا لحكم الشارع بملكية النماء انتهى ملخص كلامه في الوجهين. ولكن يتوجه على الاول: أن المالك الاصلي إذا فرض أنه لم يأذن للمباح له إلا في التصرف في المأخوذ بالمعاطاة، كان تصرف المباح له في النماء تصرفا في مال غيره بدون إذنه، فهو حرام عقلا وشرعا. ويتوجه على الثاني: أنه لا دليل على حدوث النماء في ملك المباح له، إذ لم يحدث في البين مملك لذلك النماء، ولا لاصله، ولا لهما معا. ولا يقاس هذا بما تقدم سابقا من تصوير ترتب الاباحة الشرعية على التعاطي، مع قصد المتعاطيين الملكية، لما عرفته من أن ذلك من ناحية الجمع بين الادلة، ولا شبهة أن هذا لا يجري في المقام (1).


(1) قد أجاب المحقق النائني عن بعض الاساطين بما هذا نص مقرره: (فالحق أن يقال: إن مقتضى قوله صلى الله عليه وآله الخراج بالضمان أن يكون النماء ملكا له (المباح له) بناء على ما سيجيئ في معني الخبر... وحاصله: أن كل من تعهد ضمان شئ بالتضمين المعاملي فمنافعه له. وهذا من غير فرق بين أن يكون التضمين على نحو الاباحة أو التمليك، فان مقتضى إطلاقه كون منافعه للضامن: -

[ 122 ]

ويمكن الجواب عن بعض الاساطين بوجهين على سبيل الانفصال الحقيقي: 1 - أن النماء وإن لم يصر ملكا للمباح له ولكن يجوز له التصرف فيه، بداهة أن الاذن في التصرف في شئ يلازم عرفا الاذن في التصرف في توابعه ولوازمه فجواز التصرف في النماء من لوازم جواز التصرف في الاصل. 2 - أن يكون كل واحد من النماء وأصله ملكا للمباح له، ضرورة أن المعاطاة بيع عرفي، فتكون مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع ونفوذه. ولا ريب في أن مقتضى ذلك إنما هو حصول الملكية في البيع المعاطاتي من أول الامر. كما هو كذلك في موار البيع بالصيغة ولكنا قد التزمنا بعدم حصول الملكية في مورد البيع المعاطاتي من ناحية الاجماع. ومن الظاهر أن الاجماع دليل لبي فيقتصر فيه بالمقدار المتقين، وهو قبل حصول النماء في المأخوذ بالمعاطاة. وإذن فلا مانع من التمسك بتلك العمومات والحكم بصيرورة ذلك ملكا للآخذ بمجرد حصول النماء فيه. ومن القواعد الجديدة اللازمة على القول بالاباحة: 7 - أنه إذا قلنا بأن المعاطاة تفيد الاباحة لزم منه (قصر التمليك على التصرف مع الاستناد فيه إلى أن إذن المالك فيه إذن في التمليك. فيرجع إلى كون المتصرف في تمليكه نفسه موجبا قابلا. وذلك جار في القبض، بل هو أولى منه، ولاقترانه بقصد


- ومعنى كون الشخص ضامنا لما يتملكه، أو لما أبيح له هو أنه لو تلف يكون دركه عليه، ويكون عوضه المسمى ملكا للطرف الآخر الخ). والنبوي مذكور في سنن البيهقي ج 5 ص 321. ولكن يرد على المحقق المزبور أن النبوي المذكور ضعيف السند، وغير منجبر بشئ على أنه لا تشمل موارد التضمين على نحو الاباحة. لان لازم ذلك أن لا يكون للمالك الاصلي حق الرجوع إلى النماء، مع عدم كون الاصل ملكا للمباح له، وهو بعيد. وأضف إلى ذلك أن الجواب المزبور التزام بالتفكيك بين الاصل ونمائه وهو غريب.

[ 123 ]

التمليك دونه). ويتوجه عليه: أنه لا مانع من اتحاد الموجب والقابل في العقود، كما هو واضح على أنك قد عرفت فيما تقدم: أن الجمع بين الادلة يقتضي كون التصرف بنفسه مملكا للمتصرف بلا احتياج في ذلك إلى إذن المالك الاصلي لكي يلزم منه اتحاد الموجب والقابل. وأما القبض فهو لا يتوقف على الملك حتى يلزم كونه مملكا من جهة الجمع بين الادلة. وهذا بخلاف بعض أقسام التصرف، كالبيع والعتق والوطي، فان ذلك متوقف على الملك جزما. كما عرفته قريبا. الاستدلال على لزوم المعاطاة بالاصل هل الاصل في المعاطاة وسائر العقود هو اللزوم، أم هو الجواز؟ الظاهر هو الاول وقد استدل عليه المصنف بوجوه شتى منها: 1 - أصالة اللزوم في الملك، لانا إذا فرضنا حصوله بالبيع المعاطاتي ثم شككنا في زواله بفسخ أحد المتعاطيين وعدم زواله اقتضى الاستصحاب بقاءه. وتوضيح ذلك يقع في نواحي ثلث: الناحية الاولى أن المراد من الاستصحاب المذكور هو الاستصحاب الشخصي، لا الكلي. الناحية الثانية: أنا لو سلمنا كونه كليا، إلا أنه لا محذور في جريانه في المقام الناحية الثالثة: ما هو مقتضي القاعدة فيما إذا لم يتضح لنا أحدهما، بل دار الامر بين كون الاستصحاب المزبور كليا، وبين كونه شخصيا؟ ثم إن الكلام في هذه النواحي مع الاغضاء عن عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية، وإلا فلا مورد للاستصحاب في أمثال الموارد، على ما حققناه في علم الاصول. الناحية الاولى: أن المراد من استصحاب الملكية في المقام هو الاستصحاب

[ 124 ]

الشخصي، لان الملكية لها حقيقة واحدة فإذا ترتبت على البيع ونحوه من العقود المعاوضية وشككنا في بقائها وزوالها حكمنا ببقائها من ناحية الاستصحاب. وليست لهذه الملكية حقائق متعددة لكي يكون استصحابها كليا، وأما التزلزل والاستقرار فليسا من ناحية الاختلاف في حقيقة الملك وماهيته، بل هما منتزعان من حكم الشارع بجواز فسخ العقد وعدمه. ومنشأ هذا الاختلاف إنما هو اختلاف عناوين المعاملات التي هي موضوع لحكم الشارع بالملكية لا اختلاف حقيقة الملك. وبتعبير آخر: أن مورد الاستصحاب الكلي ما يكون المشكوك فيه مرددا بين الفرد الزائل والفرد الباقي بحيث يكون الشك من ناحية تردد المشكوك فيه بينهما، فانه حينئذ يستصحب الكلي الجامع بين هذين الفردين، ومثال ذلك: الحيوان المردد بين ما يعيش سنة، وما لا يعيش إلا يوما واحدا. وكالحدث المردد بين الاصغر الزائل بالوضوء، والاكبر الذي لا يرتفع إلا بالغسل، وغير ذلك من الامثلة. وأما لو كان الشك من ناحية بقاء الفرد الحادث وارتفاعه في نفسه، لا من ناحية كون الحادث مرددا بين الزائل والباقي فان المورد حينئذ إنما هو مورد الاستصحاب الشخصي، وذلك كالشك في بقاء الامور الشخصية وزوالها. ولا شبهة أن الملكية من القبيل الثاني، مثلا إذا وهب أحد ماله لشخص ثم رجع عن هبته وشككنا في أنها هبة جائزة لكي تنفسخ بالفسخ، أو هبة لازمة حتى لا تزول بالفسخ إذا شك في ذلك استصحبنا الملكية، لان الشك في بقاء شخص الملكية وزوالها من ناحية احتمال اقترانها بالرافع، لا من جهة تردد هذه الملكية بين الفرد الزائل والفرد الباقي. ومن الواضح أنه لو كان مجرد الشك في بقاء شئ وزواله لاحتمال تحقق الرافع من الاستصحابات الكلية لكان جل الاستصحابات لو لم يكن كلها من قبيل الاستصحاب الكلي وهو واضح البطلان. واذن فلا يتوجه على استصحاب الملكية في المقام

[ 125 ]

ما يتوجه على الاستصحاب الكلي من المناقشات (1).


(1) قيل: إنا نرى بالعيان، ونشاهد بالوجدان أن سبب الملك اللازم - كالبيع - يغائر سبب الملك الجائز - كالهبة - تغائرا حقيقا وعليه فلو كانت الملكية الحاصلة منهما حقيقة واحدة، وماهية فاردة لزم من ذلك تأثير ماهيات كثيرة في ماهية واحدة، وهو محال. وإذن فالملك الجائز، والملك اللازم مختلفان نوعا، لاختلاف سببهما. وعلى هذا فاستصحاب الملكية مع الشك في زوالها وبقائها من الاستصحابات الكلية، لا الشخصية. وأجاب عنه بعض المحققين من المشايخ، واليك لفظه: أن (اختلاف السبب بما هو سبب كاشف قطعي عن اختلاف المسبب، وأما اختلاف ذات السبب فلا، لا مكان تأثير السببين بجامعهما أثرا واحدا، وهو الملك، وبخصوصيتهما حكمين مختلفين وهما اللزوم والجواز). وفيه أن امكان تأثير الاسباب العديدة بجامعهما أثرا واحدا لا يكفي في اثبات اتحاد المسبب لكي نستصحبه بشخصه مع الشك في بقائة وزواله والتحقيق: أن الجواب عن المناقشة المزبورة بوجهين: 1 - أن في اطلاق السبب على عنوان المعاملة مسامحة واضحة، إذ لا تأثير له في الملكية بوجه، غير أنه موضوع للملكية الشرعية أو العقلائية. ولا شبهة أن هذه الملكية تتشخص باعتبار المعتبر، واذن فالملكية المترتبة على عنوان المعاملة ملكية شخصية. فإذا شك في بقائها وزوالها استصحبناها. وبتعبير آخر: أنه قد يراد من الملك مفهومه القابل للصدق على جميع أفراد الملك. ولا ريب في أنه كلي، ولكنه خارج عن محل البحث، بداهة أن المترتب على المعاملة ليس هو المفهوم، بل مصداقه. وقد يراد به ما اعتبره المنشي في عالم الاعتبار، وأظهره بمبرز خارجي. ولا شيهة في أن هذا جزاء من عنوان المعاملة - كالصلح والهبة والبيع - ضرورة -

[ 126 ]

ثم إن المصنف (ره) قد أيد ما أفاده - من أن اللزوم والجواز من أحكام السبب المملك، لا من خصوصيات الملكية - بما حاصله: أنه لو كان اللزوم والجواز من ناحية حقيقية الملك لكان تخصيص القدر المشترك باحدى الخصوصيتين إما يجعل المالك، أو بحكم الشارع، وعلى الاول فيلزم تأثير قصد المالك في الرجوع وعدمه، وهو واضح البطلان. وعلى الثاني فيلزم إمضاء الشارع العقد على غير ما قصده المنشي، وهو أيضا بديهي الفساد، لما عرفته فيما تقدم قريبا من أن العقود تابعة للقصود، فيستحيل أن يكون إمضاء الشارع من حيث هو إمضاء على خلاف ما قصده المنشي. نعم يمكن أن يكون إنشاء المنشي موضوعا لحكم الشارع على خلاف مقصود المنشي. ولكنه غريب عن قاعدة تبعية العقود للقصود. ولكن يرد عليه أن الملكية المنشأة في كل عقد إنما هو ملكية أبدية في غير موارد جعل الخيار. وذلك لما بيناه في محله من استحالة الاهمال في الواقعيات.


- أنها عبارة عن الاعتبار النفساني المظهر بمظهر خارجي. ولا شك في أن المعتبر النفساني ليس الا أمرا شخصيا. وقد يراد من الملك الملكية الشرعية. وبديهي أنها ليست إلا امضاء لما اعتبره المنشي، فتكون شخصية بشخصية ما اعتبره المنشي. وعليه فإذا شك في بقائه كان استصحابه من الاستصحاب الشخصي. 2 - أن اختلاف الملكية في اللزوم والجواز انما هو باختلاف المصالح التي دعت إلى اعتبار الملك لازما تارة. وجائزا تارة اخرى، ومن البديهي أن هذا أجنبي عن نفس الملكية التي هي أمر اعتباري محض. وقد تجلى لك من ذلك فساد ما قيل من أن الملكية المترتبة على المعاملات وان كانت شخصية ولكنها ذات مراتب شتى، فتكون كلية من هذه الناحية واذن فالاستصحاب الجاري فيها استصحاب كلي لا شخصي.

[ 127 ]

وعليه فالمجعول في الواقع إما مطلق أو مقيد، وبما أنه غير مقيد على الفرض لعدم جعل الخيار فيه، فلا مناص عن كونه مطلقا، وإذن فيلزم من إمضاء الشارع العقد مقيدا تخلف العقد عن القصد، سواء أقلنا بأن اللزوم والجواز من خصوصيات الملكية، أم قلنا بأنهما من أحكام السبب المملك. ولكن لا محذور في تخلف العقد عن القصد. وقد وقع نظيره في موارد شتى - كبيع الصرف والسلم وغيره - وقد أشرنا إلى ذلك في البحث عن كلام بعض الاساطين. الناحية الثانية: أنا لو سلمنا كون استصحاب الملكية من الاستصحاب الكلي ولكن لا محذور في جريانه في المقام، لانه من القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي الذي اثبتنا حجيته في مبحث الاستصحاب من علم الاصول. وقد أشار المصنف إلى جريانه هنا بقوله: (مضافا إلى إمكان دعوى كفاية تحقق القدر المشترك في الاستصحاب فتأمل). وقد ناقش فيه المحقق الخراساني بما هذا نصه: (لا مجال لدعوى الكفاية على مختاره من عدم حجية الاستصحاب مع الشك في المقتضى. كما لا شبهة في صحتها على ما هو المختار من حجيته). وذكر السيد: (أن ما ذكره المصنف (قده) لا وجه له فيما إذا كان الشك في المقتضي أصلا، إذ حينئذ لا ارتفاع حتى يقال: إن الشك فيه مسبب عن وجود الفرد القصير مثلا والاصل عدمه). ولكن التحقيق: أن ما نحن فيه ليس من موارد الشك في المقتضي لكي يتوجه على المصنف منافاة ما ذكره هنا لما بنى عليه في الاصول. وتحقيق: المقام وبيان أن الشك هنا ليس من موارد الشك في المقتضي: أن الاحكام المجعولة على ثلاثة أقسام: 1 - ما يكون معلوم الدوام في نفسه ما لم يطرأ عليه رافع، كالملكيه والزجية

[ 128 ]

والطهارة والنجاسة وغيرها من الامور الاعتبارية، فانها بنفسها مقتضى للبقاء ما لم يطرأ عليه رافع. 2 - ما يكون مغيا بغاية معينة بحيث ينعدم ذلك بنفسه بعد حصول تلك الغاية من غير أن يكون له استعداد البقاء في عمود الزمان، كالزوجية المنقطعة، فان ذلك ينصرم بنفسه بعد تحقق غايته بلا استناد إلى عروض عارض له. 3 - ما يكون مشكوك الغاية، كما إذا تحققت زوجية بين رجل وامرأة، ولم يعلم كونها دائمية أو منقطعة. أما القسم الاول فلا شبهة في أن الشك في بقائه من قبيل الشك في الرافع فيجري فيه الاستصحاب على مسلك المصنف وغيره. وأما القسم الثالث فلا شبهة في أن الشك فيه من قبيل الشك في المقتضى فلا يجري فيه الاستصحاب على مسلك المصنف، لان المتيقن إذا لم يكن بنفسه مقتضيا للبقاء وقابلا للجري العملي على طبقه، لاحتمال كونه محدودا بحد معين لم يكن عدم ترتيب الآثار عليه عند الشك في بقائه من مصاديق نقض اليقين بالشك. وهذا الذي ذكرناه هو مراد المصنف مما أفاده في فرائده حول هذا البحث، مع ما ذكره في مبحث الخيارات من مكاسبه عند البحث عن أن خيار الغبن هل هو فوري، أم لا. ولكن لم يصل إلى مقصده غير واحد من الاعلام. وأما القسم الثاني فمع العلم بتحقق الغاية لا مجال لان يجري فيه الاستصحاب. كما أنه لا شبهة في جريان الاستصحاب فيه مع الشك في بقائه قبل تحقق الغاية، لان ذلك من موارد الشك في الرافع. وإذا شك في حصول الغاية فحينئذ قد يكون الشك فيه من ناحية الشبهة الحكمية، كالشك في أن الغاية لوجوب صلاتي المغرب والعشاء هل هي نصف الليل أم هي طلوع الفجر وقد يكون الشك في ذلك من ناحية الشبهة المفهومية، كالشك

[ 129 ]

في أن الغروب الذي جعل غاية لوجوب صلاتي الظهر والعصر هل هو استتار القرص أم هو ذهاب الحمرة المشرقية. وقد يكون الشك في ذلك من ناحية الشبهة الموضوعية كالشك في طلوع الشمس الذي جعل غاية لوجوب صلاة الصبح. أما القسمان الاولان فالشك في موردهما من الشك في المقتضى فلا يجري فيهما الاستصحاب على مسلك المصنف. وأما الثالث فلا شبهة في جريان الاستصحاب فيه، لان الشك في طلوع الشمس وعدمه وإن لم يكن شكا في الرافع حقيقة، إذ الرافع إنما يكون زمانيا، لا نفس الزمان ولكنه بمنزلة الرافع في أنظار أهل العرف. وإذن فيكون ذلك مشمولا لادلة حجية الاستصحاب هذا. وتفصيل الكلام في مبحث الاستصحاب من علم الاصول. والمتحصل من جميع ما ذكرناه: أنا لو سلمنا عدم كون استصحاب الملكية من الاستصحاب الشخصي. ولكنه من قبيل القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي الذي لا شبهة في جريانه. وليس ذلك من موارد الشك في المقتضى لكي يحكم بعدم جريان الاستصحاب فيه بناء على مسلك المصنف. ثم إن المناقشات المتوجهة على القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي وإن كانت كثيرة. ولكن المهم منها أمران: 1 - أن وجود الكلي بوجود فرده، وعدم الكلي بعدم فرده. وعليه فالكلي في ضمن الحصة الزائلة مقطوع الزوال. وهو في ضمن الحصة الاخرى مشكوك فيه من أول الامر. وإذن فالكلي مردد بين مقطوع الزوال، ومشكوك الحدوث والجواب عن ذلك: أن وجود الكلي ليس إلا عين وجود فرده. غاية الامر ان الفرد ملحوظ بشرط شئ. والكلي ملحوظ لا بشرط: أي عاريا عن الخصوصيات الفردية والمشخصات الوجودية. وعليه فإذا كان وجود الكلي أمرا يقينيا، وكان التردد في

[ 130 ]

خصوصياته صح أن يقال: إنه متيقن الوجود، ويشك في بقائه. وإذن فتكون أركان الاستصحاب في نفس الكلي تامة. 2 - أن الشك في بقاء الكلي، وفي ما هو القدر المشترك بين الفردين مسبب عن الشك في حدوث الفرد الذي يبقى معه القدر المشترك على تقدير حدوثه. وإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزم منه ارتفاع القدر المشترك، بديهة أن الاصل السببي حاكم على الاصل المسببي على ما حقق في محله. والجواب عنه: أن الشك في بقاء الكلي وارتفاعه ليس مسببا عن الشك في حدوث ذلك الفرد الذي نشك في حدوثه. بل إنما هو من لوازم كون الحادث ذلك الفرد الذي لا يحتمل بقاؤه، أو الفرد الذي لا يحتمل ارتفاعه. ومن الواضح أنه ليس هنا أصل يعين أحدهما. ومثال ذلك: أنه إذا تردد الحدث الصادر من المكلف بين الاكبر والاصغر ثم توضأ فانه حينئذ يشك في ارتفاع ذلك الحدث وبقائه. وعليه فلا يترتب على أصالة عدم حدوث الاكبر ارتفاع كلي الحدث إلا بضميمة القطع بان الحادث هو الحدث الاصغر. ومن البين أن هذا لا يثبت بأصالة عدم حدوث الاكبر. وأضف إلى ذلك: أن أصالة عدم حدوث أي واحد من الفردين معارض بدء بأصالة عدم حدوث الفرد الآخر. وتسقطان بالمعارضة. فيبقى استصحاب كلي الحدث سليما عن المعارض. وفي المقام أن استصحاب عدم الفرد اللازم من الملكية يعارض استصحاب عدم الفرد الجائز منها الذي يرتفع بالفسخ. فيسقطان للمعارضة. فيرجع إلى استصحاب نفس الكلي الذي هو متيقن سابقا، ومشكوك فيه لاحقا. ولعل المصنف رحمه الله قد أشار إلى هذين الاشكالين مع جوابهما بالامر بالتأمل. الناحية الثالثة: أنه إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي، وشككنا في أن الاستصحاب فيما نحن فيه هل هو من الاستصحاب الشخصي

[ 131 ]

لكي يحكم بجريانه، أم هو من الاستصحاب الكلي لكي يحكم بعدم جريانه، إذا كان الامر كذلك فان كان المانع عن جريان الاستصحاب في الكلي هو المناقشة الاولى المتقدمة قريبا -: أعني بها تردد الكلي بين كونه في ضمن الفرد الذي لا يحتمل بقاؤه، وبين كونه في ضمن الفرد الآخر الذي هو مشكوك الحدوث من الاول فلا يجري الاستصحاب هنا، لانه إذا خرج القسم الثاني من الكلي عن أدلة الاستصحاب وشككا في أن المورد من القبيل الخارج، أو من القبيل الباقي تحت العام، كان التمسك بعموم تلك الادلة تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية. وهو لا يجوز على ما حقق في محله. وإن كان المانع عن ذلك هو المناقشة الثانية المتقدمة أيضا -: أعني بها حكومة الاصل السببي عليه - فلا مانع عن استصحاب الملكية، لانه إن كان الاستصحاب كليا فالمانع موجود: وهو الاصل الحاكم. وإن كان شخصيا فالمانع غير موجود. وحينئذ فيقع الشك في وجود المانع عن استصحاب الملكية، وعدم وجوده. ومن البين الذي لا ريب فيه أنه ما لم يحرز الاصل الحاكم لا مانع عن جريان الاصل المحكوم وإذن فلا مانع عن استصحاب الملكية في المقام. ولعل هذا هو مراد المصنف من قوله: (مع أنه يكفي في الاستصحاب الشك في أن اللزوم والجواز من خصوصيات الملك، أو من لوازم السبب المملك) بل هذا هو أمس بكلامه، فان الايراد المهم على جريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي هو الايراد الثاني. ويمكن أن يكون غرضه من هذه العبارة: أن المنع عن جريان استصحاب الملكية مبني على إحراز أن اللزوم والجواز من خصوصيات الملك ومن الظاهر أنا إذا لم نحرز ذلك لم يكن مانع عن الاستصحاب المذكور. وقد ذكر شيخنا الاستاذ بما حاصله: أن المورد وإن كان من موارد التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إلا أنه لا بأس به في المقام، بداهة أن المانع عن جريان الاستصحاب في

[ 132 ]

القسم الثاني من أقسام الكلى إنما هو العقل من ناحية أن الكلي إن كان في ضمن الفرد الزائل فهو مقطوع الزوال. وإن كان في ضمن الفرد الآخر فهو مشكوك الحدوث وعليه فإذا شككنا في مورد أنه من مصاديق الاستصحاب الشخصي ليجري فيه الاستصحاب، أو من مصاديق الاستصحاب الكلي لكي لا يجري فيه ذلك، حكمنا بجريانه فيه، ضرورة أن المخصص لعموم لا تنقض اليقين بالشك دليل لبي فيقتصر فيه بالافراد المتيقنة، ويتمسك في غيرها بعموم أدلة الاستصحاب انتهى ملخص كلامه. والجواب عن ذلك: أن هذه الكبرى التي أفادها وإن كانت مسلمة في نفسها على ما نقحناه في علم الاصول، ولكنها لا تنطبق على ما نحن فيه، بداهة أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كان هناك فرد معلوم، ودار أمره بين دخوله في أفراد المخصص، وعدم دخوله في ذلك من ناحية شبهة خارجية، كما إذا ترددت اليد الموضوعة على مال الناس بين كونها يد ضمان وكونها يد أمانة. وكالماء المردد بين كونه معتصما، وكونه غير معتصم وكالعام المردد بين دخوله تحت الخاص ودخوله تحت العام، فان أشباه هذه الامثلة من صغريات التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وأما إذا شك في صدق عنوان العام على فرد فهو ليس من موارد التمسك بالعام قطعا. والمقام من هذا القبيل. والسر في ذلك: أن قوام الاستصحاب إنما هو باتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة لكي يكون رفع اليد عن اليقين السابق من نقض اليقين بالشك. ومن الظاهر أن هذا المعنى لم يحرز في المقام، إذ بناء على المناقشة الاولى التي وجهوها على الاستصحاب الكلي كانت القضية المتيقنة غير القضية المشكوكة. فإذا احتمل كون الاستصحاب من الاستصحاب الكلي لم يمكن التمسك بأدلة الاستصحاب، لعدم إحراز انطباق العنوان المأخوذ فيها على مورد الشك. ثم إنه ذكر السيد في حاشيته: (أن التحقيق إمكان استصحاب الفرد الواقعي المردد

[ 133 ]

بين الفردين، فلا حاجة إلى استصحاب القدر المشترك حتى يستشكل عليه بما ذكرنا). ويرد عليه: أنه إن كان المراد من الفرد المردد ما هو مردد في الواقع حتى في علم الله (تعالى) فهو بديهي البطلان، إذ لا وجود للفرد المردد في أي وعاء من الاوعية. وإن كان المراد منه الموجود المعين على تردده: بمعنى أن المستصحب هو الوجود الخارجي مع قطع النظر عن الخصوصيات المفردة فهو عين الكلي، لا شئ آخر وراءه. قوله: (وكذا لو شك في أن الواقع في الخارج هو العقد اللازم، أو الجائز، كالصلح من دون عوض والهبة. نعم لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة). أقول حاصل كلامه: أنه كما تجري أصالة اللزوم في اي عقد شك في لزومه وعدمه. كذلك تجري في أي عقد وقع في الخارج، وشك في أنه من القسم الجائز أو اللازم، لانه حينئذ يشك في أن العقد الموجود في الخارج هل يرتفع بالفسخ، أم لا يرتفع بذلك فيستصحب بقاؤه. وتثبت به نتيجة اللزوم. وعليه فتأثير الفسخ في العقد يتوقف على إحراز أنه عقد جائز، وإلا فلا يؤثر فيه الفسخ. وهذا واضح لا شك فيه. ومثال ذلك: أنه إذا وقع عقد في الخارج، ودار أمره بين الصلح بلا عوض لكي يكون لازما، وبين الهبة غير المعوضة لكي يكون جائزا، إذا كان كذلك فان كان النزاع هنا في لزوم العقد وجوازه من غير نظر إلى عنواني الصلح والهبة بأن يدعي أحد المتعاقدين لزوم العقد، ويدعي صاحبه جوازه - فيجب تقديم دعوى مدعي اللزوم، لان دعواه موافقة للاصل فيكون منكرا، وان كان النزاع في أن الواقع في الخارج هل هو الصلح بلا عوض، أم هو الهبة غير المعوضة فيحكم بالتحالف إذ لا أصل لنا في المقام حتى يعين أحد الامرين. والجواب عن ذلك: أولا: أن هاتين الصورتين كلتيهما من صغريات المدعي والمنكر، لا التداعي ضرورة أن مصب الدعوى فيهما ليس إلا اللزوم والجواز، لا كل واحد من عنواني

[ 134 ]

الصلح والهبة، لان الغرض من دعوى الصلح هو إثبات لزوم العقد وعدم تأثير الفسخ فيه. كما أن الغرض من دعوى الهبة هو إثبات جواز العقد، وتأثير الفسخ فيه. وإذن فمرجع النزاع في المقام إلى اللزوم والجواز. فيكون ذلك خارجا عن مورد التداعي. وبتعبير آخر: أن النظر في باب المرافعات إنما هو إلى الغرض الاقصي، وإلى النتيجة المترتبة على الدعوى. وعليه فان كان قول كل من المترافعين موافقا للاصل من ناحية، ومخالفا له من ناحية اخرى فهو من موارد التداعي. وإن كان قول أحدهما موافقا للاصل دون الآخر فهو من مواراد المدعي والمنكر. وأما كيفية ترتيب الدعوى من دون أن تكون هذه الكيفية موردا للغرض فلا يترتب عليها أثر مهم في باب المرافعات. وإذن فلا ثمرة لاثبات أن العقد الموجود في الخارج صلح بلا عوض، أو هبة غير معوضة. ثانيا: أنا لو سلمنا تعلق الغرض بأي واحد من عنواني الصلح والهبة، ولكن لا نسلم انتهاء الامر إلى التحالف، إذ يترتب الاثر على الاصل الجاري في ناحية الهبة وهو عدم جواز الرجوع إلى العين الموهوبة، ضرورة أن جواز الرجوع إليها من آثار الهبة ومن الظاهر أن اصلة عدم كون العقد - الواقع في الخارج - هبة تنفى ذلك ابتداء وتثبت عدم جواز الرجوع بالمطابقة، بلا احتياج إلى الواسطة العقلية في ترتب الاثر. وأما الاصل الجاري في ناحية الصلح فلا يترتب عليه جواز الرجوع إلا على القول بالآصل المثبت، لان جواز الرجوع إلى العين من اللوازم العقلية لعدم الصلح. ومن البين أنه لا معارضة بين الاصلين الذين ترتب الاثر الشرعي على أحدهما دون الآخر (1).


(1) قد ذكر المصنف في خلال كلماته عند التكلم على أصالة اللزوم ما هذا لفظه: (بل ربما يزاد استصحاب بقاء علقة المالك الاول). ولم يتعرض لجوابه. نعم تعرض لهذا الاشكال، وجوابه في أوائل مبحث الخيارات.

[ 135 ]

الاستدلال على لزوم المعاطاة بدليل السلطنة ومما استدل به المصنف على لزوم المعاطاة: 2 - قوله صلى الله عليه وآله: إن الناس مسلطون على اموالهم. البحار ج 1 ص 154


- والتحقيق: أنه إن كان المراد من العلقة المالكية هو الملكية فلا شبهة في ارتفاعها بالبيع المعاطاتي. وليست هنا ملكية اخرى لكى نستصحبها، وإلا لزم اجتماع المالكين في ملك واحد. وان كان المراد منها هو جواز الرجوع إلى العين، واسترجاعها من الآخذ بالمعاطاة فلا ريب في أن ذلك لم يكن موجودا سابقا، وأنه مشكوك الحدوث فعلا، فالاصل يقتضي عدمه، دون بقائه وان كان المراد منها أن الملكية الثابتة للمالك لها مراتب شتى التي لم يعلم زوال جميعها بالبيع المعاطاتي، بل من المحتمل القريب أن الملكية إذا زالت بحدها الاقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة. كما أن الالوان تزول مرتبتها القوية وتبقى مرتبتها الضعيفة. ان كان المراد من بقاء علقة المالك هو ذلك فيرد عليه: أولا: أن الملكية من أية مقولة كانت - جدة أو اضافة - ليست قابلة للشدة والضعف حتى تعتبر بحدها الضعيف تارة. وبحدها القوي تارة اخرى، بل هي أمر بسيط، فإذا زالت زالت بأصلها. ثانيا: أنا لو سلمنا كون الملكية الحقيقية ذات مراتب لكنا لا لسلم جريان ذلك في الملكية الاعتبارية، بداهة أن اعتبار أية مرتبة منها مغائر لاعتبار مرتبتها الاخرى. وعليه فإذا زال اعتبار المرتبة القوية لم يبق بعده اعتبار آخر. وان كان المراد من بقاء علقة الملك هو بقاء سلطنته وقدرته على التصرف في العين وعدم جواز مزاحمته في تصرفاته في ذلك إذ الملكية والسلطنة أمران متغائران. ولذا ينفك أحدهما عن الآخر كما سيأتي، فيتوجه عليه أن السلطنة وان -

[ 136 ]

وبيان الاستدلال بذلك على لزوم المعاطاة: أنك قد عرفت فيما تقدم أن المعاطاة تفيد الملكية. ومن الظاهر أن الملكية لا تنفك عن السلطنة الفعلية على التصرف في المملوك بانحاء التصرفات إلا مع قيام الدليل الخارجي على الانفكاك - كما في موارد الحجر - وعليه فسلطنة كل مالك تقتضي بقاء ماله في ملكه، ولا يجوز لغيره أن يزاحمه في تصرفاته، ويخرجه عن ملكه، فان ذلك مناف لسلطنة المالك الفعلية. ومن هنا يندفع ما توهم من أن غاية ما يستفاد من الحديث أن المالك له السلطنة على ماله فعلا. وهذا لا ينافى زوالها برجوع المالك الاصلي إلى ما اعطاه لصاحبه


- انت مغائرة للملكية، ولكن التغائر بينهما من قبيل تغائر الحكم وموضوعه لان الملكية موضوع للسلطنة، واذن فتدور السلطنة مدار موضوعها. نعم قد ينفك أحدهما عن الآخر لدليل خاص ولذا أن المحجور مالك، ولكنه ممنوع عن التصرف في ماله لسفه أو جنون أو صغر أو فلس. وأيضا أن الحاكم والولي والوصي لهم السلطنة على أشخاص خاصة. ولكنهم ليسوا بمالكين، قيل: أن المتيقن في المقام انما هو سقوط الملكية، وأما السلطنة الثابتة للمالك فزوالها مشكوك فيه فنستصحبها. والجواب عن ذلك: أن قوام الاستصحاب انما هو باتحاد القضية المتيقنة، والقضية المشكوكة، ومن الواضح أنه لا اتحاد بينهما في المقام، لان القضية المتيقنة انما هي السلطنة المترتبة على الملك ترتب الحكم على موضوعه، كما عرفته قريبا. والقضية المشكوكة انما هي السلطنة العارية عن الملك، إذ المفروض زوال الملكية بالمعاملة المعاطاتية. وأضف إلى ذلك: أن استصحاب السلطنة يقتضي ثبوتها للمالك الاول: بأن يكون له التصرف في العين. ولا ريب في أن هذا لا يفيدنا شيئا، لان غرضنا اثبات العلقة للمالك الاول بحيث تسلب بها مالكية المتعاطي. ولا شك في أنه لم يكن للمالك الاول هذه السلطنة من أول الامر. واذن فلا يكون استصحاب السلطنة حاكما على أصالة اللزوم.

[ 137 ]

بالبيع المعاطاتي. نعم يمكن إثبات الملكية للمالك الثاني بعد رجوع المالك الاول إلى العين بالاستصحاب إلا أنه رجوع عن التمسك بدليل السلطنة إلى التمسك بالاصل الذي تقدم البحث عنه تفصيلا. ووجه الاندفاع أن الحكم بعدم جواز انتزاع ملك المالك الثاني إنما هو بهذه السلطنة الفعلية. ولا شبهة في أنها مانعة عن تأثير رجوع المالك الاول في إزالة ملكيته. وعلى هذا فلا نحتاج إلى الاستصحاب لكي يكون ذلك رجوعا عن التمسك بدليل السلطنة إلى التمسك بالاستصحاب. ويتوجه على هذا الاستدلال أولا: أن النبوي المذكور ضعيف السند وغير منجبر بشئ، ولا أنه مذكور في كتب الشيعة إلا مرسلا. ومن البين أنا لا نعتمد على المراسيل في شئ من الاحكام الشرعية. ثانيا: أن المقصود من النبوي المذكور بيان استقلال المالك في التصرف في امواله في الجهات المشروعة، وعدم كونه محجورا عن التصرف في تلك الجهات، وليس لغيره أن يزاحمه في ذلك. وعليه فلا دلالة في الحديث على استقلال الملاك في التصرف في أموالهم من جميع الجهات. وبأي تصرف من أنحاء التصرفات. وأيضا لا دلالة فيه على استمرار السلطنة الفعلية للمالك وبقائه حتى بعد رجوع المالك الاول في مورد المعاطاة. وقد تقدم تفصيل ذلك عند الاستدلال على إفادة المعاطاة الملكية. الاستدلال على لزوم المعاطاة بحرمة التصرف في مال غيره ومما استدل به المصنف على لزوم المعاطاة: 3 - قوله (ع) لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفسه (1). ووجه


(1) في الاحتجاج ص 267 عن ابي الحسين محمد بن جعفر الاسدي عن أبي جعفر محمد بن عثمان العمرى (ره) عن صاحب الزمان عجل الله فرجه قال: (فلا يحل -

[ 138 ]

الاستدلال به على ذلك: أن سبب حلية التصرف في أموال الناس إنما هو منحصر برضى المالك فلا يحل شئ من التصرفات المالكية فيها إلا باذنه ورضاه. قيل: إن المستفاد من الرواية إنما هو حرمة التصرف في اموال الناس بدون رضاهم. ولا ريب في أنه بعد رجوع المالك الاول إلى ما أعطاه لصاحبه بالمعاطاة لم يبق موضوع لحرمة التصرف في مال غيره. والجواب عنه: أن تعلق عدم الحل بمال غيره يشمل التملك أيضا. ومن الواضح أنه لا معنى


- لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه). وفي الوسائل ج 1 باب 3 من ابواب مكان المصلي: عن سماعة عن أبي عبد الله (ع) في حديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه، موثقة بزرعة وسماعة الواقفين. وعن تحف العقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس إنما المؤمنون إخوة. ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. مرسلة. وفي المستدرك ج 1 ص 222: عن عوالي اللئالي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المسلم أخو المسلم. لا يحل ماله إلا عن طيب نفسه مرسلة. وعنه صلى الله عليه وآله قال: لا يحلبن احدكم ماشية أخيه إلا باذنه. مرسلة وفي فروع الكافي ج 1 ص 426 عن محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي ابي الحسن الرضا (ع) يسأله الاذن في الخمس فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم... لا يحل مال إلا من وجه أحله الله. مرسله. أقول هذه هي الروايات التي تدل على حرمة التصرف في مال غيره بدون اذنه وأما ما نقله المصنف في المتن من انه (لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفسه) فلم نجده على هذه الكيفية في كتب الحديث. ويحتمل قريبا وقوع السقط فيه.

[ 139 ]

لحرمة التملك إلا فساده وعدم تأثيره في الملكية. وعليه فمفاد الرواية أنه لا يحل التصرف في مال أحد ولا تملكه بأي سبب من الاسباب إلا بطيب نفسه. ولكن يتوجه على الاستدلال المزبور: أن الحل في اللغة هو الاطلاق والارسال. ويقابله التحريم، فانه بمعنى المنع والحجر. وقد تقدم في البحث عن إفادة المعاطاة الملكية أن الحل بهذا المعنى يناسب الحلية الوضعية والتكليفية كلتيهما. وعليه فكما يصح استعمال لفظ الحل في خصوص الحلية الوضعية أو التكليفية. كذلك يصح استعماله فيهما معا. ويختلف ذلك حسب اختلاف القرائن والموارد. مثلا: إذا اسند لفظ الحل إلى الامور الاعتبارية - كالبيع ونحوه - أريد منه الحل الوضعي والتكليفي معا. وإذا اسند ذلك إلى الاعيان الخارجية أريد منه الحل التكليفي فقط: أعني به الترخيص في الفعل. كقوله (تعالى): (ويحل لهم الطيبات) (1) وهكذا الحال في لفظ التحريم. وعليه فلفظ الحل في الرواية الشريفة إنما نسب إلى المال. وهو إما من الاعيان الخارجية، أو من المنافع. وعلى كلا التقديرين فلا معنى لحلية ذلك إلا باعتبار ما يناسبه - كالتصرف - وإذن فيراد من حلية المال حلية التصرف فيه. كما أن المراد من حلية المأكولات حلية استعمالها وهكذا في كل مورد من الموارد حسب ما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع. وعلى هذا فمعنى الرواية: أن الشارع المقدس لم يرخص في التصرف في مال امرئ إلا بطيب نفسه. وإذن فهي اجنبية عما نحن فيه. الاستدلال على لزوم المعاطاة بآية التجارة عن تراض ومما استدل به المصنف (ره) على لزوم المعاطاة: 4 - قوله (تعالى): (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (2) وملخص كلامه: أن الاستدلال بهذه الآية على لزوم البيع المعاطاتي - بل على لزوم مطلق التجارة عن تراض - تارة بعقد


(1) سورة الاعراف. الآية: 157. (2) سورة النساء. الآية: 33.

[ 140 ]

المستثنى: وهو قوله (تعالى): إلا أن تكون تجارة عن تراض واخرى بعقد المستثنى منه: وهو قوله (تعالى): لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل: أما العقد الاول فمفاده: أنه لا يجوز لاحد أن يتملك أموال الناس بسبب من الاسباب الباطلة التي لم يمضها الشارع - كالقمار والغزو والبيع الربوي وبيع المنابذة والملامسة والحصاة وأشباه ذلك - إلا أن يكون هذا السبب تجارة عن تراض. وعلى هذا فالاكل في الآية الشريفة كناية عن التملك والتصرف. كما هو المتعارف في كلمات الفصحاء، بل في كل لغة. وإذن فتدل الآية على أن حلية تملك أموال الناس بالاسباب الصحيحة منحصرة في التجارة عن تراض، فأن غيرها من أسباب المعاملات التي منها التملك بالفسخ فاسدة. ولا يفرق في انفهام الحصر من الآية الشريفة بين كون الاستثناء متصلا - كما هو الظاهر والموافق للقواعد العربية - وبين كونه منقطعا. وقد تقدم تفصيل ذلك عند الاستدلال بالآية على كون المعاطاة مفيدة للملك. وأما العقد الثاني فمفاده: أن تملك أموال الناس بغير رضى منهم تملك بالباطل عرفا وشرعا. إلا أن يأذن به الشارع الذي هو المالك الحقيقي، وعليه فيكون تملك المال بالفسخ أكلا له بالباطل، إلا أن يثبت جواز الفسخ بتعبد شرعي: بأن يحكم الشارع بجواز التملك بالفسخ ونحوه من دون رضى المالك. وحينئذ فيكون التملك بالفسخ خارجا عن الاكل بالباطل. وعلى هذا فشأن التملك بالفسخ الثابت شرعا شأن أكل المارة من ثمرة الشجرة الممرور بها، والاخذ بالشفعة، وغيرهما من الموارد التي قد أذن الشارع في التصرف في أموال الناس بدون إذنهم. ومن هنا أتضح لك جليا أن التوهم المتقدم في التكلم على الروايتين - وهما دليل السلطنة. ودليل حرمة التصرف في أموال الناس غير جار في المقام لكي نحتاج إلى جوابه، لان المستفاد من الآية - كما عرفته - إنما هو حصر تملك أموال الناس - على الوجه الشرعي - في التجارة عن تراض. وأن غير ذلك يعد من الاسباب

[ 141 ]

الباطلة. وإذن فلا يبقى مجال لتوهم أن كون المأخوذ بالمعاطاة مال الآخذ بعد رجوع المالك الاول إليه أول الكلام. وهذا واضح لاخفاء فيه. وفي بعض نسخ المتن هكذا: (أن التوهم المتقدم جار هنا) ولكنه سهو من قلم النساخ بديهة أن صريح كلام المصنف على خلافه ويمكن أن يكون الغرض من هذه العبارة: أن التوهم المتقدم جار هنا مع جوابه ولكنه خلاف الظاهر منها. ويرد عليه: أن هذا الاستدلال مبني على أن يكون المراد من الباطل هو الباطل العرفي لكي يكون ذلك أمرا معلوما في نظر أهل العرف ومتميزا عن السبب الصحيح. وأما لو أريد منه الباطل الواقعي - كما هو الظاهر لان الالفاظ موضوعة للمفاهيم الواقعية - أو احتملت أرادة ذلك من كلمة الباطل في الآية فلا يمكن الاستدلال بها على المقصود، لانا نحتمل احتمالا عقلائيا أن يكون الفسخ من الاسباب الصحيحة للاكل لا من الاباطيل الواقعية. وعليه فيكون التمسك بالآية في المقام من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. وهذا ظاهر. الاستدلال على لزوم المعاطاة بدليل وجوب الوفاء بالشرط ومما استدل به المصنف رضوان الله عليه على لزوم المعاطاة: 5 - قوله صلى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم (1) وحاصل كلامه هنا: أن


(1) عن منصور بزرج عن عبد صالح (ع) قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة إلى أن قال (ع): قل له فليف للمرأة بشرطها، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المؤمنون عند شروطهم. موثقة بابن فضال. التهذيب ج 2 ص 219. الاستبصار ج 3 ص 232. الوافي ج 12 ص 80. وقد ذكر في جملة من الروايات: المسلمون عند شروطهم. وفى بعضها فان المسلمون عند شروطهم. الوافي ج 10 ص 68. وج 12 ص 80. والوسائل ج 2 باب 6 من أبواب أحكام العقود.

[ 142 ]

الشرط في اللغة عبارة عن مطلق الالتزام. فيشمل الالتزامات المعاملية. سواء أكانت مبرزة بمظهر قولي، أم كانت مبرزة بمظهر فعلي. وعليه فمعنى الرواية: هو أن المؤمن ملزم بشرطه، وأن شرطه لا يزول بالفسخ. والجواب عن هذا الاستدلال: أولا: أن الشرط في اللغة بمعنى الربط بين شيئين. وقد أشير إليه فيما حكي عن القاموس من أن الشرط هو الالتزام في بيع ونحوه. وفي أقرب الموارد: شرط عليه في البيع ونحوه شرطا: ألزمه شيئا فيه. وإذن فالشروط الابتدائية خارجة عن حدود الرواية. ثانيا: أنا لو سلمنا شمول الرواية للشروط الابتدائية. ولكن ليس المراد من الالتزام هو الالتزام الوضعي: بمعنى أن ما التزم به المؤمن لا يزول بفسخه، بل المراد من ذلك إنما هو الالتزام التكليفي: أي يجب على كل مؤمن الوفاء بشرطه، لانه من علائم الايمان. وعلى هذا فشأن الرواية شأن قولنا: إن المؤمن عند عدته. الاستدلال على لزوم المعاطاة بدليل وجوب الوفاء بالعقد ومما استدل به المصنف على لزوم المعاطاة: 6 - قوله (تعالى) أوفوا بالعقود (1). لا ريب في دلالة هذه الآية الكريمة على لزوم البيع المعاطاتي، بل على لزوم كل عقد، لان معنى الوفاء هو التمام. ومن هنا يقال: الدرهم الوافى: اي الدرهم التام. ومعنى العقد إما العهد المطلق كما صرح به بعض أهل اللغة أو العهد الوثيق كما صرح به بعض آخر من أهل اللغة ايضا. والمراد من الامر بالوفاء بالعقد هو الارشاد إلى لزومه، وعدم انفساخه بالفسخ، إذ لو كان الامر بالوفاء تكليفيا لكان فسخ العقد حراما وهو واضح البطلان. وعليه فمفاد الآية: أنه يجب الوفاء بكل ما صدق عليه عنوان العقد عرفا. ومن الواضح جدا أن المعاطاة عقد عرفي كسائر العقود، فتكون مشمولة لعموم الآية.


(1) سورة المائدة الآية: 1.

[ 143 ]

الاستدلال على لزوم المعاطاة بأدلة خبار المجلس ومما استدل به المصنف على لزوم المعاطاة: 7 - الاخبار (1) الدالة على لزوم البيع ووجوبه بعد تفرق المتبايعين. وقد عرفت أن المعاطاة بيع بالحمل الشايع، فتكون مشمولة لعموم تلك الروايات. قيل: إن هذه الروايات وإن دلت على لزوم البيع بعد تفرق المتبايعين عن مجلس العقد. إلا أن المراد من اللزوم إنما هو اللزوم من ناحية خيار المجلس فقط، لا من جميع النواحي، وعلى وجه الاطلاق. وإذن فتبعد تلك الروايات عما نحن فيه. والجواب عن ذلك: أن هذا الاحتمال وإن كان ممكنا في مقام الثبوت، ولكنه خلاف الظاهر من الروايات المزبورة في مقام الاثبات، فان إطلاقها يقتضي اللزوم - على وجه الاطلاق - بعد التفرق. فلا موجب لصرفها إلى اللزوم من ناحية خيار المجلس. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. تتمة البحث عما يرجع إلى لزوم المعاطاة ربما يتوهم: أن الظاهر - فيما نحن فيه - قيام الاجماع على عدم لزوم المعاطاة. بل ادعاه صريحا بعض الاساطين في شرحه على القواعد. وتعاضده الشهرة المحققة بين الاصحاب. بل لم يوجد قائل باللزوم إلى زمان بعض متأخري المتأخرين. نعم نسب هذا الرأى إلى المفيد (ره) إلا أن العبارة المحكية عنه لا تدل على ذلك. بل ادعى في الغنية الاجماع على عدم كون المعاطاة بيعا. ولا شبهة في أن هذه الدعوى صريحة في عدم لزوم المعاطاة.


(1) راجع الوافي ج 10 ص 68.

[ 144 ]

ولكن هذا التوهم فاسد، إذ لا يرجع شئ من الامور المذكورة إلى معنى محصل: أما الاجماع المحصل فهو غير حاصل جزما، لان مدركه إنما هو القطع بقول الامام (ع) ومن الظاهر أن منشأ هذا القطع إما العلم بوجود الامام (ع) بين المجمعين. أو قاعدة اللطف التي أسسها الشيخ الطوسي (ره)، أو الحدس القطعي. أما الاول فهو بديهي الفساد، لعدم العلم بوجود الامام (ع) بين القائلين: بأن المعاطاة تفيد الملكية الجائزة. وأما الثاني فلان قاعدة اللطف غير تامة، كما حقق ذلك في محله. وأما الثالث فلان من المحتمل القريب، بل ومن المظنون قويا أن كثيرا من القائلين بكون المعاطاة مفيدة للملكية الجائزة إنما استندوا في رأيهم هذا إلى وجوه أخر. وإذن فليس لنا في المقام اجماع محصل تعبدي. وأما الاجماع المنقول فلا دليل على حجيته وقد ذكرنا ذلك في علم الاصول. ويضاف إليه: أنه لا أساس لنقل الاجماع إلا حصوله في زمان، فإذا اضمحل الاجماع المحصل - لما ذكرناه قريبا - اضمحل الاجماع المنقول أيضا. وأما ما ذكره في الغنية من قيام الاجماع على أن المعاطاة ليست ببيع فهو واضح البطلان، لان المعاطاة بيع بالحمل الشايع. ومفهوم البيع من المفاهيم العرفية. ومن البديهي أنه لا معنى لقيام الاجماع التعبدي على المفاهيم العرفية إثباتا أو نفيا إلا أن يكون مراده من ذلك نفي الصحة أو اللزوم، وعليه فيجاب عنه بأن الاجماع المنقول لا دليل على حجيته. وأما الشهرة فقد ذكرنا في علم الاصول أنه لم يقم دليل على حجيتها لانها لا تفيد إلا الظن. والظن لا يغني من الحق شيئا. ومع الاغضاء عن ذلك: أن الشهرة قد قامت على أن المعاطاة تفيد الاباحة، ولم تقم على أنها تفيد الملكية الجائزة، ضرورة أن القول بالملكية لم يكن مغروسا بين قدماء الاصحاب. وإنما ذهب إليه المحقق الكركي، وشيد أساسه. ثم تبعه جمع من متأخري المتأخرين حتى اشتهر بينهم. وإذن فتبعد الشهرة عن

[ 145 ]

دعوى الملكية، فضلا عن كونها مؤيدة لحصولها إلا أن يكون غرض المدعي - من الشهرة هو الشهرة بين متأخري المتأخرين. ولكن هذه الشهرة معارضة مع الشهرة بين القدماء القائمة على أن المعاطاة تفيد الاباحة: وعلى الجملة: إنا لو فرضنا ثبوت الاتفاق من العلماء على عدم لزوم المعاطاة لم يكشف ذلك عن الدليل المعتبر، بديهة ان قيام الاجماع على نفى اللزوم سالبة بانتفاء الموضوع. كما نبه عليه المصنف إذ القول باللزوم فرع الملكية ومن الظاهر انه لم يقل بها الا المحقق الثاني وجمع ممن تأخر عنه. وأما قدماء الاصحاب فذهبوا إلى أن المعاطاة تفيد الاباحة. قوله: (بل يمكن دعوى السيرة على عدم الاكتفاء في البيوع الخطيرة التي يراد بها عدم الرجوع بمجرد التراضي) أقول حاصل كلامه: أن السيرة قائمة على عدم الاكتفاء بالتعاطي في الاشياء الخطيرة والامتعة المهمة. بل الناس ينشؤون فيها البيع بالالفاظ المتداولة بينهم. نعم يكتفون بالتعاطي في الاشياء الزهيدة. والامتعة المحقرة ولا يلتزمون فيها بعدم جواز الرجوع. ويرد عليه: ان السيرة المزبورة لا تصلح لتقييد الادلة المتقدمة الدالة على لزوم المعاطاة، بديهة أن عدم اكتفاء الناس بالتعاطي في المعاملات المهمة ليس من ناحية السيرة بل إنما هو من جهة تقليدهم لعلمائهم القائلين بكون المعاطاة مفيدة للاباحة. واضف إلى ذلك: ان الالتزام بهذه السيرة يقتضي الفرق بين المعاطاة في الاشياء الخطيرة. وبين المعاطاة في الاشياء الحقيرة ومن الواضح انه لم يلتزم به المشهور من الاصحاب وان ذهب إليه بعض العامة (1) ولكنه مخالف لاطلاق الادلة الدالة


(1) عن الشافعية أنه لا ينعقد البيع بالمعاطاة. نعم مال صاحب الاحياء إلى جواز البيع بها في الاشياء اليسيرة لان الايجاب والقبول يشق في مثلها عادة. الفقه على المذاهب الاربعة. ج 2 ص 155.

[ 146 ]

على لزوم المعاطاة نظرة في الاخبار المذكورة حول المعاطاة قوله: (وقد يظهر ذلك من غير واحد من الاخبار). أقول: قد ذكر السيد في شرح هذه العبارة ما هذا نصه: (يعني يظهر اشتراط اللزوم بكون انشاء المعاملة باللفظ في الجملة. ولعل نظره في ذلك إلى ما أشرنا إليه سابقا (أي عند الاستدلال على صحة المعاطاة) من الخبر الوارد في بيع المصحف والوارد في بيع أطنان القصب. ويمكن ان يكون نظره إلى ما سينقله من الاخبار التي ادعى اشعارها أو ظهورها). والتحقيق: انه ان كان نظر المصنف - من العبارة المتقدمه - إلى ما أفاده السيد فلا نعقل له وجها صحيحا، بديهة أنه لا دلالة في الخبر الوارد في بيع المصحف، ولا في الخبر الوارد في بيع أطنان القصب، ولا في الروايات الآتية - الواردة في أن المحلل والمحرم هو الكلام - لا دلالة في شئ من هذه الروايات (1) على اعتبار اللفظ في لزوم البيع، فانها غير ناظرة إلى كيفية انشاء البيع. وان كان نظره إلى غيرها من الروايات فلم نجدها في أصول الحديث ولا في كتب الاستدلالية واضف إلى ذلك: انه لو كانت هنا رواية تدل على اعتبار اللفظ في لزوم البيع لتمسك بها المصنف في المقام. ولم يحتج إلى التمسك بالسيرة. بل لم يبق مجال لقوله (بل يظهر منها ان ايجاب البيع باللفظ دون مجرد التعاطى كان متعارفا بين أهل السوق والتجار) ضرورة أنه بعد وجود الرواية المعتبرة الدالة على اعتبار اللفظ في لزوم البيع لا تصل النبوة إلى الامور الاستحسانيه. ولكن نحتمل قويا أن تكون كلمة ذلك في قوله: (وقد يظهر ذلك من غير


(1) سيأتي قريبا التعرض لجميع هذه الروايات في الحاشية.

[ 147 ]

واحد من الاخبار اشارة إلى ما ذكره قبل هذه العبارة من جعل اللفظ من جملة القرائن على قصد التمليك بالتقابض فان هذا المعنى يظهر من الروايات العديدة (1) بل يظهر من جملة منها (2) ان إنشاء البيع باللفظ كان متعارفا بين التجار واهل السوق. وعلى هذا فلا وهن في كلام المنصف (ره). قوله: (بقي الكلام في الخبر (3) الذي تمسك به في باب المعاطاة:. أقول: قد استدل بهذا الخبر تاره على ان المعاطاة لا تفيد اباحة التصرف. وتارة أخرى على انها ليست بلازمة جمعا بينه، وبين مادل على صحة مطلق البيع، كما صنعه في الرياض. ثم انه قد احتمل المصنف في قوله (ع) انما يحلل الكلام، ويحرم الكلام. وجوها أربعة: 1 - أن يراد من الكلام في المقامين اللفظ الدال علي التحريم والتحليل بأن يختص التحليل والتحريم بالنطق.


(1) هي الروايات الدالة على كون المشتري مختارا في ايجاب البيع وعدمه بعد المقاولة على المبيع الشخصي غير الموجود عند البائع. الوافي ج 10 باب 109 ص 94. (2) هي الروايات المشعرة باعتبار اللفظ في انشاء العقود وسنتعرض لها قريبا في الحاشية. (3) المروي عن خالد بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يجيئني فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا. فقال: أليس ان شاء أخذ، وان شاء ترك؟ قلت بلى قال لا باس به إنما يحلل الكلام، ويحرم الكلام. وفي نسخة الكافي المطبوعة قد ذكر ابن نجيح بدل ابن الحجاج. وعلى كلا التقديرين فالرواية مجهولة، لانهما مجهولان. فروع الكافي ج 1 ص 386، والوافي ج 10 ص 95.

[ 148 ]

2 - ان يراد به اللفظ مع مضمونه. ويكون الغرض ان المطلب الواحد من حيث الحكم الشرعي يختلف باختلاف المضامين المؤدات بالكلام. 3 - أن يراد من الكلام في الفقرتين الكلام الواحد ويكون الاختلاف في التحريم والتحليل باعتبار الوجود والعدم وقد بني المحدث القاساني على هذا المعنى في الوافي وقال: (الكلام هو ايجاب البيع وانما يحلل نفيا. وانما يحرم اثباتا.) 4 - أن يراد من الكلام المحلل خصوص المقاولة ومن الكلام المحرم ايجاب البيع لانه بيع قبل الشراء. وهو ليس بجائز. ولا يخفي عليك ان اساس الاستدلال بالخبر المذكور على عدم لزوم المعاطاة أو على عدم افادتها الملكية، أو على عدم إفادتها إباحة التصرف مبني على الوجه الاول. وبيان ذلك: انه يستفاد من ذلك الخبر ان المحلل والمحرم - في الشريعة المقدسة - انما هو منحصر في الالفاظ المبزرة للمقاصد. وانه لا يقع التحليل والتحريم بالقصد الساذج غير المبرز بمبرز، ولا بالقصد المبرز بغير الالفاظ. وعلى هذا فلا وجه لما التزم به صاحب الرياض من الاستدلال بالخبر المزبور على عدم لزوم المعاطاة جمعا بينه وبين مادل علي صحة مطلق البيع. ويرد عليه اولا: أن حصر المحلل والمحرم في الكلام يستلزم التخيصص بالاكثر لكثرة المحلل والمحرم - في الشريعة المقدسة - من غير الالفاظ ضرورة ان تنجس المأكولات والمشروبات محرم. وتطهيرها محلل والتذكية محللة، وعدمها محرم وغليان العصير العنبي محرم وذهاب ثلثيه محلل. وصيرورة العصير خمرا محرم وتخليلها محلل. والجلل محرم لما يؤكل لحمه. واستبراؤه محلل. وخلط المال الحرام بالمال الحلال محرم. وتخميسه محلل. وايضا وطي الحيوان الذي يؤكل لحمه محرم. والدخول بالمرأة محرم لتزويج بنتها والايقاب في الغلام محرم لتزويج أمه وبنته واخته.

[ 149 ]

وأيضا قد جوز الشارع المقدس التصرف في أموال الناس في موراد شتى من دون أن يكون فيها محلل كلامي. وذلك كالتصرف في الاراضي الواسعة والانهار الكبار وكأكل المارة من ثمرة الشجرة الممرور بها بل ورد في القرآن الكريم جواز الاكل من بيوت الاصدقاء والاحباء وإن لم يدل عليه إذن لفظي (1). وأيضا قد اشفق المسلمون من الشيعة واهل السنة على انثلام ذلك الحصر في في باب العقود أيضا، فانهم قد التزموا بجواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة. سواء أكانت المعاطاة مفيدة للملك، أم كانت مفيدة للاباحة. ولم ينسب إلى احد فساد ذلك إلا إلى العلامة في بعض كتبه، وقد ثبت رجوعه عن هذا الرأي في بعض كتبه الاخرى ودعوى انصراف الخبر عن الامور المذكورة لكيلا تلزم كثرة التخصيص دعوى جزافية. ثانيا: أن الرواية لا تنطبق على هذا الوجه، إذ المستفاد منها أن السائل قد سأل الامام (ع) عن الرجل يقاوله، ويقول له: اشتر هذا الثوب أربحك كذا وكذا. وأجاب الامام (ع) عن هذا السؤال: بأنه أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك قال السائل: بلى. قال الامام (ع): لا بأس به إنما يحلل الكلام، ويحرم الكلام. وعليه فهذه الرواية - سؤالا وجوابا - أجنبية عن مورد المعاطاة، وإنما هي تبين حكم البيع قبل الاشتراء. والذي نفهمه من الرواية - ولو بقرينة الروايات التي ذكر فيها قوله (ع): إنما يحرم الكلام - وسيأتي قريبا التعرض لها في الحاشية - أن المضمون الواحد إذا أنشئ بكلام كان محللا. وإذا أنشئ بكلام آخر كان محرما. أو أن الكلام الواحد يكون محللا في مورد ومحرما في مورد آخر. وذلك لان الكلام من قبيل الاعراض. وقد ثبت في محله أن الزمان والمكان مفردان للاعراض. وهذان الوجهان صرح بهما المصنف عند التكلم على المعنى الثاني والثالث.


(1) سورة النور 24. الآية: 60.

[ 150 ]

وتوضيح ذلك: أنه ثبت في الشريعة المقدسة أن ايجاب الطلاق ببعض الالفاظ الدالة على بينونة الزوج عن الزوج لا يكون محرما ولا محللا. مثلا: إذا قال الرجل لزوجه: أنت برية أو خليه أو طلقتك لم يؤثر ذلك في البينونة ولا يحل للمرأه التزويج بزوج آخر، وإذا قال الرجل لزوجه: أنت طالق. أو هي طالق، أو زوجتى طالق بانت عنه زوجته ويحل لها التزويج بزوج غيره. وإذن فالمضمون الواحد وهو بينونة الزوج عن الزوج إذا أبرز بكلام كان محرما ومحللا وإذا ابرز بكلام آخر لم يكن محرما ولا محللا. وهذه بين يدينا الاخبار الواردة في المزارعة. (1) فانها تصرح بأن جعل أجرة الزرع للبذر والبقر محرم. وعدمه محلل. ويضاف إلى ذلك ما رواه البجلي قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجيئني يطلب المتاع، فاقاوله على الربح، ثم اشتريه فأبيعه منه؟ فقال: أليس إن شاء أخذ


(1) عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يزرع أرض آخر فيشترط عليه للبذر ثلثا وللبقر ثلثا؟ قال لا ينبغي أن يسمى بذرا ولا بقرا فانما يحرم الكلام. وعن عبد الله بن سنان أنه قال في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره فيقول: ثلث للبقر وثلث للارض وثلث للبذر. قال: لا تسم شيئا من الحب والبقر، ولكن تقول: ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفا وإن شئت ثلثا. وعن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل يزرع الارض فيشترط للبذر ثلثا وللبقر ثلثا؟ قال: لا ينبغي أن يسمي شيئا فانما يحرم الكلام. وعن أبى الربيع الشامي عن أبى عبد الله (ع) مثله وزاد قبل قوله: (فانما يحرم الكلام) ولكن يقول لصاحب الارض: أزرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط. ولا يسمى بذرا ولا بقرا. الوافي ج 10 ص 136 و 137.

[ 151 ]

وإن شاء ترك؟ قلت بلى قال: لا بأس به. فقلت: إن عندنا من يفسده قال: ولم قلت: باع ما ليس عنده. قال فما تقول في السلف قد باع صاحبه ما ليس عنده؟ فقلت بلى. قال فانما صلح من قبل أنهم يسمونه سلما. إن أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه (1) فان الظاهر من هذه الرواية وما يساويها في المضمون أن ايجاب البيع محلل في محل، ومحرم في محل آخر. قيل: إن هذه الرواية غريبة عن المعنى المذكور. وانما هي ظاهرة في صحة بيع ما ليس عنده. كما يستوضح ذلك بملاحظة قول الامام (ع) (فما تقول في السلف قد باع صاحبه ما ليس عنده) واذن فلا إشعار فيها باتصاف الكلام بصفة المحرمية تارة وبصفة المحللية أخرى. بل يكون محللا فقط. والجواب عن ذلك: أن بيع ما ليس عند البايع قد يكون شخصيا. وقد يكون كليا: أما الاول فلا شبهة في بطلانه من ناحية الجهالة، وللروايات الخاصة. وأما الثاني فلا شبهة في صحته لان الكلي أمر معلوم فلا جهالة فيه لكي توجب بطلان البيع. ومن الواضح: أن السلف من القبيل الثاني. وعليه فغرض الامام (ع) من ذكر السلف - في الرواية المزبورة - إنما هو بيان أن السلف وان كان من بيع ما ليس عنده إلا أنه ليس من القسم الباطل، بل هو من القسم الصحيح. وقد أشار الامام (ع) إلى ذلك بقوله (إن أبى كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه): أي تقدر على أدائه ثم لا يخفى عليك: أن المراد من الحلية والحرمة إنما هو الوضعي دون التكليفي ضرورة أن جعل الثلث للبذر والبقر ليس من المحرمات التكليفية قطعا. وقد يتوهم: أن المراد من الكلام هو الالتزام النفسي دون اللفظ الصادر من المنشئ لصحة إطلاق الكلام والقول على الالتزام النفسي. ومنه قوله (تعالى): لقد حق القول وقوله: (تعالى) وحق عليهم القول بل كثر ذلك في الاستعمالات


(1) الوافى ج 10 ص 94.

[ 152 ]

الصحيحة الفصيحة. ومن ذلك ما يقال: أعطيته قولا. أي العهد والالتزام، وايضا يقال: إن كلام الليل يمحوه النهار: أي الالتزامات النفسانية. وعليه فكون الكلام محرما ومحللا بلحاظ أن المثمن يكون حراما على البائع وحلالا للمشتري. وأن الثمن يكون حراما على المشتري وحلالا للبائع. ولكن هذا التوهم فاسد إذ الظاهر من الرواية أن المحرمية والمحللية من أوصاف الكلام اللفظي دون الالتزام النفسي. على أن هذا المعنى لا يجتمع مع الروايات الواردة في المزارعة الظاهرة في أن الكلام المحرم غير الكلام المحلل وقد تقدمت هذه الروايات قريبا في الحاشية. وقد تجلى لك من جميع ما ذكرناه فساد الوجه الرابع الذي ذكره المصنف: بأن يراد من الكلام المحلل خصوص المقاولة. ومن الكلام المحرم خصوص إنشاء البيع. ووجه الفساد: أن الكلام المحرم غير مربوط بانشاء البيع كما في روايات المزارعة. على أن لازمه أن يراد من الكلام في الفقرتين الكلام المعهود لكي يكون كل من الكلام المحلل والكلام المحرم ممتازا عن الآخر. ومن الواضح أنه لا قرينة على هذه الدعوى لا في هذه الرواية التي هي مورد بحثنا. ولا في روايات المزارعة، ولا في غيرهما من الروايات. وأما الوجه الثالث الذي ذكره المصنف - بأن يكون الكلام الواحد باعتبار وجوده محرما وباعتبار عدمه محللا - فهو وان كان يناسب ما نحن فيه وروايات المزارعة أيضا كما هو ظاهر. ولكن يرد عليه: أولا: أن الظاهر من قوله (ع) إنما يحرم الكلام ويحلل الكلام ان المؤثر التام في الحرمة والحلية إنما هو وجود الكلام. لا أن وجوده محرم وعدمه محلل. على أن ذلك يستلزم التفكيك بين الفقرتين فهو أمر مستهجن فلا يصدر من المعصوم. وأضف إلى ذلك ما ذكره بعض مشائخنا المحققين وإلى نصه: (أن إطلاق

[ 153 ]

المحلل على عدم الكلام لا يخلو عن مسامحة إذ بقاء كل من العينين على ملك صاحبه ببقاء علته، لا بعدم علة ضده كما أن إطلاق المحرم على الايجاب المتعلق بما ليس عنده: أي الايجاب في غير محله ففيه أيضا مسامحة، إذ عدم حلية المال بعدم حصول الايجاب الصحيح، لا بحصول الايجاب الفاسد). ثم إنه قد استظهر المصنف من الرواية اعتبار الكلام في ايجاب البيع بوجه آخر. وهذا لفظه: (نعم يمكن استظهار اعتبار الكلام في ايجاب البيع بوجه آخر بعد ما عرفت من أن المراد بالكلام هو ايجاب البيع: بأن يقال: إن حصر المحلل والمحرم في الكلام لا يتأتى إلا مع انحصار ايجاب البيع في الكلام. إذ لو وقع بغير الكلام لم ينحصر المحلل والمحرم في الكلام. إلا أن يقال: إن وجه انحصار ايجاب البيع في الكلام في مورد الرواية هو عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد إذ المفروض أن المبيع عند مالكه الاول فتأمل) والجواب عن ذلك: أولا: أنه لو تم هذا كان لازمه أن لا تترتب الاباحة على المعاطاة. ومن البين أن هذا خلف الفرض، لان المفروض جواز التصرف في مورد المعاطاة. وإنما البحث في أنها تفيد الملك اللازم أولا. ثانيا: أن الحصر في الرواية غير ناظر إلى المعاطاة نفيا وإثباتا وإنما هو باعتبار مورد الرواية إذ فرض فيه صدور الكلام من المشتري، وقد ذكر الامام (ع) أنه ينقسم إلى قسمين، وبين أن قسما منه محلل، كالمقاولة على متاع ليس عند البائع وقسم منه محرم كايجاب البيع عليه. وإذن فالانشاء الفعلي خارج عن حدود الرواية موضوعا وأما ما ذكره من أن وجه انحصار ايجاب البيع في الكلام الخ فيتوجه عليه. أولا: أنا لا نسلم عدم إمكان المعاطاة في مورد الرواية. بديهة أن الظاهر منها وجود المتاع عند الدلال. ولذا أشار إليه الرجل بكلمة (هذا) وقال لصاحبه: اشتر هذا الثوب أربحك كذا، ولا اقل من الاحتمال ومعه لا يتم الاستدلال.

[ 154 ]

ثانيا: أنا لو سلمنا غياب المتاع - في مورد الرواية - عن المتعاملين. ولكنا لا نسلم اختصاص المعاطاة بالتعاطي من الطرفين. ضرورة أن المعاطاة كما تتحقق بالتعاطي من الطرفين، كذلك تتحقق بالاعطاء من جانب والاخذ من جانب آخر. وسيأتي ذلك في تنبيهات المعاطاة. ولعل المصنف قد أشار إلى هذين الاشكالين أو إلى أحدهما بالامر بالتأمل. والمتحصل من جميع ما ذكرناه: أنه لا دلالة في رواية ابن نجيح على اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه لكي تدل على فساد المعاطاة أو على عدم لزومه. على أن هذه الرواية التى بين يدينا مجهولة فلا يمكن الاستدلال بها على الحكم الشرعي (1).


(1) قد استدل على اعتبار اللفظ في صحة البيع بوجوه شتى غير رواية ابن نجيح 1 - ما عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة الحديث، سنن البيهقي ج 5 ص 341. وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة. سنن البيهقي ج 5 ص 342. ووجه الاستدلال بذلك على المقصود: أن النبي صلى الله عليه وآله إنما نهى عن إنشاء البيع باللمس والنبذ وإلقاء الحصاة لانتفاء اللفظ فيها. ومن الواضح أن المعاطاة فاقدة له فتكون مشمولة للنبويين المزبورين ولو بتنقيح المناط. والجواب عن ذلك: أولا: أنهما ضعيفا السند، وغير منجبرين بشئ. ثانيا: أن النهي عن البيوع المذكورة من ناحية الجهالة والغرر فلا ربط له بالمعاطاة إذ المفروض أنها واجدة لجميع الشرائط إلا اللفظ. ثالثا: أن بطلان إنشاء البيع باللمس والنبذ وإلقاء الحصاة لا يستلزم بطلان إنشائه بغيرها من الافعال لامكان أن يكون النهي عن انشاء البيع بها من ناحية نكتة خاصة لا نعلمها. وعليه فلا يمكن قياس المعاطاة بها. واذن فتكون المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على صحة المعاملات.

[ 155 ]

تنبيهات المعاطاة - اعتبار شروط البيع فيها قوله: (وينبغي التنبيه على أمور). أقول: لما فرغ المصنف من بيان صحة البيع المعاطاتي ولزومه نبه على أمور يحسن بنا التعرض لها: الامر الاول: أنه هل يعتبر في البيع المعاطاتي ما يعتبر في البيع بالصيغة من الشروط؟ وتحقيق هذه المسألة يقع في نواحي شتى:


= 2 - قيام الاجماع على اعتبار اللفظ في صحة البيع والمعاطاة فاقدة له، فتكون فاسدة. ويرد عليه: أن الاجماع المحصل غير حاصل، والاجماع المنقول ليس بحجة. وعليه فلا يمكن تخصيص العمومات الدالة على صحة العقود ولزومها بذلك. 3 - الاخبار الكثيرة الظاهرة في اعتبار اللفظ في صحة البيع. وبما أن المعاطاة خالية عن اللفظ فتكون فاسدة، ونقتطف من تلك الاخبار ما يلي: عن عبد الرحمن بن سليمان عن أبى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: إن المصاحف لن تشترى فإذا اشتريت فقل إنما أشتري منك الورق وما فيه من الادم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا. مجهولة بعبد الرحمن. وعن سماعة عن أبى عبد الله (ع) قال: سألته عن بيع المصاحف وشرائها؟ قال: لا تشتر كتاب الله عزوجل، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين وقل: اشتريت منك هذا بكذا وكذا. ضعيفة بعثمان بن عيسى. الوافي ج 10 ص 37. وعن العجلي عن أبى عبد الله (ع) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والانبار فيه ثلثون طن فقال البائع قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتري قد قبلت واشتريت ورضيت الخ صحيحة الوافي ج 10 ص 92. والتهذيب ج 2 ص 152. وعن سماعة قال: سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها -

[ 156 ]

الناحية الاولى: أن المعاطاة المقصود بها الاباحة هل تفيد إباحة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة عند ما فقدت شيئا من شروط البيع؟. قد ذكر المصنف: أن المتعاطيين (إذا قصدا مجرد الاباحة فلا إشكال في عدم كونها بيعا عرفا ولا شرعا. وعلى هذا فلابد عند الشك في اعتبار شرط فيها من الرجوع إلى الادلة الدالة على صحة هذه الاباحة العوضية من خصوص أو عموم، وحيث إن المناسب لهذا القول التمسك في مشروعيته بعموم الناس مسلطون على أموالهم كان


- فقال لا إلا أن يشتري معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا الخ. ضعيفة بعثمان بن عيسى. فروع الكافي ج 1 ص 378. والوافى ج 10 ص 72. وعن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) أنه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه. فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، ولي ما عندي قال: لا بأس بذلك إذا تراضيا، وطابت أنفسهما. حسنة بابراهيم بن هاشم. فروع الكافي ج 1 ص 403. والوافي ج 10 ص 121. وعن الحلبي عن أبى عبد الله (ع) أنه قال في الرجل يعطي الرجل المال فيقول له ائت ارض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها قال فان جاوزها وهلك المال فهو ضامن وإن اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه وإن ربح فهو بينهما. صحيحة فروع الكافي ج 1 ص 397. والتهذيب ج 2 ص 169 والوافى ج 10 ص 119. وعن يحيى بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل قال لي اشتر هذا الثوب أو هذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا؟ قال لا بأس بذلك ليشتريها ولا يواجبه البيع قبل أن يستوجبها أو يشتريها. صحيحة. وعن جراح المدائني قال قال أبو عبد الله (ع): إني أكره بيع ده يازده وده دوازده لكن أبيعك بكذا وكذا ضعيفة بجراح وقاسم بن سلميان.

[ 157 ]

مقتضى القاعدة هو نفي شرطية غير ما ثبت شرطيته كما أنه لو تمسك لها بالسيرة كان مقتضى القاعدة العكس). لان السيرة دليل لبي فلابد من الاقتصار فيها بالمقدار المتيقن. ويتوجه عليه: أن المقصود من دليل السلطنة إنما هو بيان استقلال المالك في التصرف في أمواله في الجهات المشروعة، وعدم كونه محجورا عن التصرف فيها في تلك الجهات، وليس لاحد أن يزاحم المالك في ذلك. وعليه فدليل السلطنة لا يتكفل باثبات السلطنة للمالك على أي تصرف، سواء ثبتت مشروعيته مع قطع النظر عن دليل السلطنة أم لا. وأضف إلى ذلك: أن دليل السلطنة ضعيف السند، وغير منجبر بشئ فلا يمكن الاعتماد عليه في إثبات الحكم الشرعي وقد تقدم ذلك عند الاستدلال به على لزوم المعاطاة.


- وعن محمد قال: قال أبو عبد الله (ع) إنى أكره بيع عشرة بأحد عشر وعشرة باثنى عشر ونحو ذلك من البيع ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة الخ ضعيفة بمعلى بن محمد. وعن العلا قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول أبيعك بده دوازده فقال: لا بأس إنما هي هذه المراوضة فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة. صحيحة. الوافي ج 10. ص 93 و 94. وعن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثم تشتري له نحو الذي طلب ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد. صحيحة فروع الكافي ج 1 ص 386. والوافى ج 10 ص 95 إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المتفرقة. ولكن غاية ما يستفاد منها أن المعاملات المزبورة في تلك الروايات إنما أنشئت باللفظ، ومن البديهي أنه لا إشعار في ذلك على اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه فضلا عن الدلالة عليه. وهذا واضح لا خفاء فيه.

[ 158 ]

أما السيرة فان كان المراد بها السيرة العقلائية فلا شبهة في قيامها على إباحة التصرف في المأخوذ بالعاطاة حتى التصرفات المتوقفة على الملك. ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه السيرة مع قطع النظر عن كونها ممضاة للشارع. وإن كان المراد بها السيرة المتشرعية فلا ريب في قيامها على إباحة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة. ولكن لا يمكن الاعتماد عليها أيضا فيما إذا شك في جواز أصل التصرف - كالتصرفات المتوقفة على الملك من البيع والعتق والوطي ونحوها - بل لابد وأن يرجع هنا إلى دليل كل تصرف يشك في جوازه وعدمه. ومثال ذلك: أنه إذا شك أحد المتعاطيين في جواز أكل المأخوذ بالمعاطاة - التي قصد بها الاباحة - رجع إلى ما دل على جواز أكله أو حرمته. وهكذا لو شك في ناحية أخرى غير جواز الاكل. ولا يرجع في شئ من تلك الموارد إلى أدلة حرمة التصرف في مال غيره إذ المفروض أن المالك قد أذن للآخذ أن يتصرف في المأخوذ بالمعاطاة ومعه لا يبقى مجال للرجوع إلى تلك الادلة وإن شئت قلت: إن جواز التصرف في نفسه إنما ثبت بما دل عليه من أمارة أو أصل ومن الظاهر أن حرمة التصرف فيه بما أنه مال غيره مرتفعة باجازة المالك واذنه على الفرض. وإذن فالمقتضي موجود والمانع مفقود. وعلى هذا فلا يعتبر في المعاطاة المقصود بها الاباحة أي شرط من شروط البيع. وحينئذ فلو أعطى أحد لغيره ألف دينار بازاء دينار واحد لم يلزم منه الرباء. الناحية الثانية: أنه إذا قصد المتعاطيان بالاخذ والاعطاء التمليك والتملك، ولم تحصل الملكية في الخارج، ولكن حكم الشارع بجواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة فهل يعتبر فيها شروط البيع؟ قد ذكر المصنف: أن المعاطاة المقصود بها الملك بيع عرفي وان ترتبت عليه الاباحة الشرعية. وحينئذ فيعتبر فيها ما يعتبر في البيع من الشروط كلها. نعم قد وقع في بعض الكلمات أن هذا ليس بيع إلا ان المراد من ذلك نفي اللزوم، لا نفي البيع

[ 159 ]

حقيقة انتهى ملخص كلامه. وتحقيق ما أفاده المصنف بوجهين: 1 - أنا ذكرنا مرارا عديدة: أن المعاطاة المقصود بها الملك بيع عرفى فتكون مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع ولزومه. وعليه فلابد من الالتزام بكونها مفيدة للملك من أول الامر. نعم قام الاجماع التعبدي على أن الشارع المقدس لم يمض البيع المعاطاتي على النحو الذي قصده المعاطيان بمجرد حصول التعاطي الخارجي، بل أمضاه بعد تحقق شئ ما من التصرف وغيره وعليه فالمعاطاة بيع حقيقة، فيعتبر فيها جميع ما يعتبر في البيع اللفظى من الشروط غير الصيغة، بديهة أن الشارع وإن لم يمض الملكية المنشأة بالمعاطاة إلى زمان خاص وحكم باباحة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة في هذا الزمان. إلا أن ذلك لا يخرج المعاطاة عن كونها بيعا عرفا وشرعا، كما أن حكمه بتوقف حصول الملكية على القبض في بيع الصرف والسلم لا يخرجهما عن حقيقة البيع. 2 - أن مقصود كل من المتعاطيين إنما هو تمليك ماله لصاحبه بازاء ما يأخذه منه وليس غرضهما من هذا التمليك بالعوض إلا ايجاد البيع، وحيث إنه فاقد للصيغة فيحكم بفساده، كسائر المعاملات الفاقدة لشروطها. ولكن قام الاجماع على جواز التصرف للآخذ فيما أخذه بالمعاطاة، ولم يقم دليل على ذلك في سائر المعاملات الفاسدة. وبما أن الاجماع دليل لبي فيقتصر فيه بالمقدار المتيقن وهو أن تكون المعاطاة واجدة لجميع شرائط البيع - حتى الشروط التي وقع الخلاف في اعتبارها فيه - إلا الصيغة. وعلى الجملة: إن ما قصده المتعاطيان لم يقع في الخارج. وقد قام الاجماع على جواز التصرف لكل منهما فيما أخذه من صاحبه. وايضا قد اقتضت الضرورة الشرعية حرمة التصرف في مال غيره بدون إذنه. فالجمع بين هذه الامور يقتضي جواز التصرف في المورد المتيقن، وهو البيع الجامع للشرائط. وقد اتضح لك مما بيناه: أنه لا يفرق فيما ذكرناه بين أن يكون اعتبار الشرط

[ 160 ]

في البيع من ناحية الدليل اللفظي، وبين أن يكون ذلك من ناحية الاجماع، فانه على كل تقدير لا يجوز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة إلا مع احتواء المعاطاة جميع شرائط البيع إلا الصيغة. الناحية الثالثة: أنا إذا قلنا بأن المعاطاة المقصود بها الملك تفيد الملكية من أول الامر فهل يعتبر فيها شروط البيع؟ الظاهر: انه لا شبهة حينئذ في كون المعاطاة بيعا عرفا وشرعا. وعليه فيعتبر فيها جميع ما يعتبر في البيع من الشروط. ويجري عليها ما يجري على البيع من الاحكام. وقد يفصل في المقام بين الشروط التي ثبت إعتبارها في البيع بدليل لفظي، وبين الشروط التي ثبت إعتبارها فيه بدليل لبي، فان ما هو من القبيل الاول فيعتبر في المعاطاة أيضا، وما هو من القبيل الثاني فيختص بالبيع اللفظي. وهذا التفصيل ليس من ناحية أن الاجماع دليل لبي فيقتصر فيه بالمقدار المتيقن، بل من ناحية ان الاجماع متصيد من فتاوي الاصحاب ومن البين ان المتبادر من فتاواهم هو العقد اللفظي اللازم من غير جهة الخيار دون المعاطاة المترتب عليها الملكية الجائزة. ولكن لا مجال لهذا التوهم بعد صدق البيع على المعاطاة، وكونها مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع، فان المناقشة في ذلك من قبيل المناقشة في الامور البديهة. قوله: (وبما ذكرنا يظهر وجه تحريم الرباء فيه أيضا) أقول. ملخص كلامه: أنه إذا حكمنا بكون المعاطاة بيعا عرفيا - وإن لم تفد الاباحة الشرعية - حرم فيها الرباء وكذلك إذا قلنا بانها ليست بيعا، لانها حينئذ معاوضة مستقلة شرعية - سواء أكانت جائزة أم كانت لازمة - كما اعترف به الشهيد في موضع من الحواشي. بل يمكن الحكم بحرمة الرباء في المعاطاة إذا قصد منها المتعاطيان الاباحة، لا الملك، فان ذلك

[ 161 ]

أيضا معاوضة عرفا فتأمل. جريان الخيار في المعاطاة قوله: (وأما حكم جريان الخيار فيها قبل اللزوم). أقول: قبل التعرض لحكم المسألة لابد وأن يعلم أنه وقع الاشتباه في موضعين من عبارة المصنف: الاول: أنه حكم بعدم جريان الخيار في المعاطاة قبل لزومها وعلل ذلك بأن المعاطاة معاملة جائزة عند الاصحاب، فلا معنى لجريان الخيار فيها. وجهة الاشتباه هي أن الخيار لا ينافي جواز المعاطاة. وإنما ينافي الاباحة. وعليه فلابد وأن تكون عبارة المصنف هكذا (لانها إباحة عندهم) والشاهد على صدق مقالنا أمران الاول: أن المشهور بين القدماء هو أن المعاطاة تفيد الاباحة، لا الملك الجائز. الثاني: ما ذكره المصنف عقيب التعليل المذكور من أنه (وإن قلنا بافادة الملك فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا). ويضاف إلى ذلك كله أنا وجدنا في بعض النسخ الصحيحة لفظ (اباحة) بدل كلمة (جائزة). الثاني: أن المصنف حكم بثبوت الخيار في المعاطاة بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم وجهة الاشتباه هي أن المعاطاة المفيدة للملك بيع من الاول. غاية الامر أنها بيع جائز. ثم إن تحقيق الكلام هنا يقع في جهات شتى: الجهة الاولى: أنه هل يثبت الخيار في المعاطاة المقصود بها الاباحة؟. الظاهر: أنه لا يثبت فيها الخيار لا في مقام الثبوت، ولا في مقام الاثبات: أما الاول فلان معنى الخيار إنا هو ملك فسخ العقد - كما يأتي في مبحث الخيارات - ومن الواضح أن المعاطاة المقصود بها الاباحة ليست من العقود لكي يثبت فيها الخيار، بل هي تفيد إباحة خالصة ويجوز لكل من المتعاطيين التصرف فيما أخذه من

[ 162 ]

صاحبه، ولا يكون هذا التصرف تصرفا محرما، إذ المفروض أن مالكه الاصلى قد أذن في ذلك. أما الثاني فلانه إذا لم يمكن ثبوت الخيار في المعاطاة لم تكن مشمولة لادلة الخيار إثباتا وهذا واضح لا ريب فيه. ثم إن المصنف قد أغفل التعرض لهذه الجهة كما أنه أغفل التعرض للمعاطاة التى ترتب عليه الملك اللازم من أول الامر. ويجري فيه الخيار المصطلح جزما. ولعل عدم تعرضه لهاتين الجهتين لاجل الوضوح. الجهة الثانية: أن المعاطاة المقصود بها الملك التي تترتب عليها الملكية الجائزة هل يثبت فيه الخيار مطلقا، أم لا يثبت فيها ذلك مطلقا، أم يفصل بين الخيارات الثابتة بدليل خاص فيحكم بعدم ثبوتها في المعاطاة - كخياري المجلس والحيوان - لان أدلتها مختصة بالمعاملة التي تكون لازمة من غير ناحية الخيار. والمفروض أن المعاطاة ليست كذلك. وبين الخيارات الثابتة بدليل عام - كخيار الغبن ونحوه - لان أدلتها غير مختصة بالمعاملات التي تكون لازمة من غير ناحية الخيار. فقد التزم المصنف بالوجه الاول في مطلع كلامه، وأنه يحكم بثبوت الخيار في المعاطاة وإن كان يظهر أثره بعد لزومها. وعليه فيصح إسقاطه والمصالحة عليه قبل اللزوم. واحتمل التفصيل المتقدم في آخر كلامه. وذهب بعضهم إلى القول الثاني، وأن الخيارات مطلقا لا تجري في المعاطاة. بديهة أن اثر الخيار إنما هو جواز العقد. ومن الواضح أن المعاطاة جائزة بالذات فلا معنى لجوازها بالعرض وإذن فجعل الخيار في المعاطاة لغو محض وتحصيل للحاصل. والتحقيق: أن الخيارات مطلقا تجري في المعاطاة، بناء على أنها تفيد الملك الجائز، ضرورة أن الجواز الثابت في المعاطاة التي تفيد الملك الجائز إما جواز حقي كان

[ 163 ]

أمره بقاء وارتفاعا بيد المتعاملين، أو جواز حكمي كان أمره بيد الشارع. دون المتعاملين، كالجواز في الهبة. وعلى كلا التقديرين فمتعلق الجواز إما هو العقد، أو العين المأخوذة بالمعاطاة. فان كان جواز المعاطاة جوازا حقيا، وقلنا بتعلقه بالعقد المعاطاتى كان ذلك مشمولا لادلة الخيارات. وعليه فيثبت الخيار في البيع المعاطاتي لكل من المتعاطيين بسببين. ومن الظاهر أنه لا محذور في ذلك، لان نظائره كثيرة في الفقه، وحينئذ فيمتاز البيع المعاطاتي عن بقية البيوع باختصاصه بخيار خاص. وان شئت فسمه بخيار المعاطاة وعلى هذا فيجوز ارتفاع أحدهما وبقاء الآخر: كما إذا تلفت احدى العينين في المجلس، فانه حينئذ يرتفع خيار المعاطاة، ويبقي خيار المجلس، وإذا تفرقا عن مجلس العقد قبل تحقق الملزم سقط خيار المجلس، وبقي خيار المعاطاة. وإذا قلنا بتعلق خيار المعاطاة بالعين كان الامر اوضح، لان متعلق خيار المعاطاة أجنبي عن متعلق الخيار المصطلح، فلا يجتمعان في مورد واحد لكي يناقش فيه بلزوم اللغوية. وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وان كان جواز المعاطاة جوازا حكميا، وقلنا بتغائر متعلقه مع متعلق الخيارات المصطلحة فلا شبهة في ذلك ايضا وان قلنا باتحاد متعلقهما فربما يتوهم ان ذلك يوجب اللغوية وتحصيل الحاصل. ولكن هذا التوهم فاسد. لانه انما تلزم اللغوية فيما إذا لم يمكن انفكاك أحد الخيارين عن الآخر مع ان الانفكاك بينهما من الوضوح بمكان، بديهة ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، إذ قد يسقط خيار المعاطاة ويبقى الخيار المصطلح، وقد يسقط الثاني ويبقى الاول، وقد يجتمعان سقوطا وبقاء واذن فلا محذور في اجتماع خيار المعاطاة مع الخيارات المصطلحة ثبوتا واثباتا وهذا واضح لا ريب فيه. أما التفضيل المتقدم الذي احتمله المصنف فهو واضح الاندفاع نقضا وحلا: أما الاول فلانه لو تم ذلك التفصيل في المعاطاة لجرى مثله في البيع بالصيغة ايضا

[ 164 ]

طابق النعل بالنعل، والقذة بالقذة، لانه إذا اجتمعت فيه عدة من أسباب الخيار - وقد فرض أن دليل كل واحد منها مخصوص بعقد كان وضعه على اللزوم من غير ناحية هذا الخيار - لزم الحكم بعدم اجتماع الخيارات فيه أيضا. مع أنه لم يلتزم بذلك أحد. أما الثاني فلان أدلة الخيارات وإن اختصت بعقد كان طبعه على اللزوم ولكن لزومه إنما هو مع قطع النظر عن ثبوت خيار آخر فيه: بمعنى أنه إذا وجد عقد في الخارج ولم يقترن بما يقتضي جوازه كان ذلك العقد لازما في نفسه. وهذا لا ينافي جوازه من الجهات الاخر العارضة. وقد أشير إلى هذه النكتة القيمة في أخبار خيار المجلس التي تدل على ان المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع (1) فان الظاهر من وجوب البيع ولزومه - في تلك الروايات - إنما هو لزومه من ناحية خيار المجلس فقط. وهو لا ينافي جواز البيع من ناحية خيار آخر. الجهة الثالثة: أنه هل يجري الخيار في المعاطاة المقصود بها الملك - التي لا تؤثر الا في الاباحة - أم لا؟ لا شبهة في صدق البيع عليها عرفا، نهاية الامر انه قام الاجماع على عدم تأثيرها في الملكية عند الشارع إلى زمان معين الا ان ذلك لا يمنع عن صدق البيع عليها بالحمل الشايع واذن فتكون المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على صحة البيع، فيحكم بكونها بيعا في نظر الشارع. كما أن حصول الملكية في بيع الصرف والسلم يتوقف على القبض الخارجي. وعليه فان كان المقصود من ثبوت الخيار في العقد هو تسلط ذي الخيار على فسخه فسخا فعليا: بان يتمكن من ارجاع ما انتقل عنه إلى نفسه فلا شبهة في أن المعاطاة - بناء على الاباحة - غير مشمولة لادلة الخيارات، بديهة ان الثابت بالفعل لكل من المتعاطيين ليس الا اباحة التصرف فيما أخذه من صاحبه، وانما تحصل الملكية في ذلك


(1) الوافى ج 10 ص 70.

[ 165 ]

بعد تحقيق احدى الملزمات ومن الظاهر أن اباحة التصرف ترتفع بعدم رضى المالك بالتصرف في المأخوذ بالمعاطاة بلا احتياج إلى فسخ المعاطاة بالخيار المصطلح. الا ان يتوهم أن الاباحة المترتبة على المعاطاة ليست اباحة مالكية لكي ترتفع بعدم رضى المالك بالتصرف، وانما هي اباحة شرعية. ومن الظاهر أن الاباحة الشرعية باقية ما لم يحكم الشارع برفعها ولكن هذا التوهم فاسد، بديهة أن الاباحة هنا إنما ثبتت بالاجماع، والمتيقن منه إنما هو بقاء الباذل في اذنه السابق، فلا يشمل صورة رجوعه عن إذنه. وعلى الجملة: إنه لو كان الغرض من جعل الخيار في العقد ترتب الاثر الفعلي عليه لم يجر ذلك في المعاطاة المقصود بها الملك - التي تفيد الاباحة - ولكنه بديهي البطلان ضرورة اجتماع الخيارات العديدة في البيع وغيره من العقود. وان كان المقصود من ثبوت الخيار في العقد تمكن ذي الخيار من إلغاء ما هو مؤثر في النقل والانتقال فلا شبهة حينئذ في جريان الخيار المصطلح في المعاطاة - المقصود بها الملك التي تفيد الاباحة - لانها قابلة للتأثير في الملكية فإذا حكمنا بثبوت الخيار للمتعاطيين كان لكل منها أن يرفع تلك القابلية برفع موضوعها لكي لا تلحق بها الملكية، وإذن فيكفي في صحة جعل الخيار في المعاطاة التمكن من إلغائها عن قابلية التأثير في الملكية. بيان مورد المعاطاة الامر الثاني: أن المتيقن من مورد المعاطاة إنما هو تحقق الاخذ والاعطاء من الطرفين - كما يقتضيه مفهوم المفاعلة ولا شبهة في صدق البيع على ذلك، وكونه مشمولا للعمومات الدالة على صحة البيع ولزومه. ولو تحقق الاعطاء من طرف والاخذ من طرف آخر فهل يصدق عليه مفهوم البيع؟ وتحقيق ذلك يقع في نواحي شتى:

[ 166 ]

الناحية الاولى: أن يكون الغرض من الاخذ والاعطاء مجرد الاباحة، ولا شبهة في أن ذلك ليس بيعا. نعم جاز للآخذ أن يتصرف في المأخوذ بالمعاطاة. الناحية الثانية: أن يكون الغرض من التعاطي هو التمليك والتملك، وتترتب عليه الملكية في الخارج، فلا شبهة في أن ذلك بيع عرفا، فيكون مشمولا للعمومات الدالة على صحة البيع، ويحكم بكونه بيعا في نظر الشارع أيضا. والوجه في ذلك: أن عنوان المعاطاة لم يرد في رواية، ولافى آية، ولا أنه معقد للاجماع التعبدي لكي يحفظ على هذا العنوان ويؤخذ منه بالمقدار المتيقن. بل محور البحث في المقام هو أن البيع يتحقق بالانشاء الفعلى كما أنه يتحقق بالانشاء القولي. وعليه فلابد من ملاحظة الفعل الذي ينشأ به البيع، فان صدق عليه مفهوم البيع حكم بكونه بيعا، وإلا فلا، ومن الواضح أن الاعطاء من أحد المتعاطيين مع قصد التمليك يعد ايجابا للبيع عرفا، ويكون الاخذ الخارجي من الطرف الآخر قبولا له. بل اكثر المعاملات المعاطاتية الواقعة في الخارج من هذا القبيل، لتحققها في الخارج بالاعطاء من جانب وبالاخذ من جانب آخر. وعليه فيكون الاعطاء المتأخر من جانب الآخذ وفاء بالعقد ضرورة أنه لو كان العطاء من قبله مطاوعة للزم الانفكاك بين الايجاب والقبول في المعاطاة الواقعة نسيئة بل لزم كون الانشاء مراعى بالاعطاء المتأخر من ناحية الآخذ نهاية الامر أنه يجوز للآخذ أن يتصرف فيما أخذه من صاحبه على سبيل التضمين ولا ريب في ان ذلك كله بديهي البطلان، وخلاف السيرة المتشرعية والعقلائية. وذكر شيخنا الاستاذ: أن البيع تبديل احد طرفي الاضاضة باضافة أخرى، ومن المعلوم ان الاعطاء من طرف واحد والاخذ من الطرف الآخر ليس مصداقا لذلك. بل نسبته إليه والى الهبة المعوضة متساوية. وهذا بخلاف ما إذا تحقق الاعطاء من الطرفين فان التبديل المكاني هنا بطبعه الاصلى انما هو تبديل لاحد طرفي الاضافة الاعتبارية باضافة اخرى كذلك فهو بيع حقيقة. وعليه فاخراجه من دائرة البيع، وإدخاله في

[ 167 ]

دائرة الهبة يحتاج إلى مؤونة زائدة. وعلى الجمله: إن التبديل الاعتباري في باب المعاطاة يدور مدار التبديل الخارجي وحيث إن التبديل الخارجي متحقق في فرض حصول التعاطى من الطرفين، فيترتب عليه التبديل الاعتباري انتهى ملخص كلامه. ويرد عليه: أن البيع وان كان تبديل مال بمال، ولكن المراد من التبديل هنا ليس هو التبديل الخارجي المكاني بل المراد به هو التبديل الاعتباري ومن الظاهر ان هذا المعنى يتحقق بالاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي فعلي أو قولي. الناحية الثالثة: أن يقصد كل من المعطي والآخذ التمليك والتملك، ولكن لم يحصل في الخارج إلا الاباحة إلى زمان حصول الملك. والظاهر أن هذا من افراد البيع الحقيقي، لان تأخير الملكية لا يخرجه عن كونه بيعا، كما أن بيع الصرف والسلم لا يخرجان عن حدود البيع بتأخر الملكية فيهما إلى زمان القبض. نعم قد يناقش في جواز التصرف قبل حصول المملك، لانه لم يثبت إلا بالاجماع، ومن الظاهر أن المتيقن منه ما يكون التعاطي من الطرفين، لا من طرف واحد إلا أن يتمسك في إثبات جواز التصرف هنا بدليل السلطنة، وقد عرفت فيما تقدم أنه غير تام. لا من حيث السند، ولا من حيث الدلالة قيل: إنكم حكمتم - في الناحية الاولى - بجواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة وإن كان التعاطي من طرف واحد - فلماذا لا تحكمون بذلك في هذه الناحية. والجواب عنه: أن الاباحة المترتبة على التعاطي في الناحية الاولى إباحة مالكية ومن الواضح أن المالك إذا رضي بجواز التصرف في ماله لم يلزم منه محذور أصلا وأما الاباحة المترتبة على التعاطي في هذه الناحية فهي اباحة شرعية. وعليه فلابد من ملاحظة دليلها. وقد عرفت أن الدليل على هذه الاباحة انما هو الاجماع. والاجماع دليل لبي فلا يؤخذ منه الا بالمقدار المتيقن. ولكن الذي يسهل الخطب: أن الاجماع - بل السيرة ايضا - قائم على جواز

[ 168 ]

التصرف في المأخوذ بالمعاطاة - وإن كان التعاطى من طرف واحد - ولذا نرى بالعيان، ونشاهد بالوجدان أن الناس على اختلاف طبقاتهم وتشتت أصنافهم يتعاملون فيما بينهم بالمعاملة المعاطاتية في الاشياء الحقيرة والخطيرة. ولم نر ولم نسمع - إلى الان - أن يتوقف أحد في جواز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة، حتى مع تحقق التعاطي من طرف واحد مع أن المغروس في أذهان القدماء، والمشهور فيما بينهم أن أغلب المعاملات المعاطاتية إنما تنعقد بالتعاطي من طرف واحد. ويكون الاعطاء من ناحية الآخذ وفاء بالتزامه، لا قبولا للايجاب المتقدم - وقد تقدم ذلك آنفا - نعم لو شك في دخوله في معقد الاجماع لا تجه الحكم بعدم دخوله فيه كما هو واضح. وقد يتوهم انعقاد البيع المعاطاتي بمجرد وصول المثمن إلى المشتري ووصول الثمن إلى البائع بأي نحو اتفق وان لم يصدق عليه الاعطاء فضلا عن التعاطي. والوجه في ذلك ما أسلفناه سابقا من أن عنوان المعاطاة لم يرد في آية، ولا في رواية، ولا في معقد اجماع لكى ندور مدار هذا العنوان ونجعله موردا للنقض والابرام ومركزا للنفي والاثبات. بل انما عبر بها عن المعاملة الخاصة المتعارفة بين الناس. واذن فيكون المدار في ذلك هو الصدق العرفي عليه فاي فعل كان قابلا لابراز ما في النفس من اعتبار الملكية صدق عليه عنوان المعاملة المعاطاتية وتشمله العمومات الدالة على صحة البيع ولزومه سواء أكان ذلك الفعل تعاطيا من الطرفين أم من طرف واحد أم لم يكن هنا تعاط أصلا، بل كان مجرد وصول الثمن إلى البائع ووصول المثمن إلى المشتري بأي نحو اتفق. وقد مثل المصنف لذلك بأمور: 1 - أن يرتوي الظامي من قربة السقاء مع غيبته وجعل عوضه في المكان المعدله مع علمه بأن السقاء راض بذلك. 2 - أن يلتقط شخص شيئا حقيرا من مخازن الخضارين أو البقالين أو العطارين

[ 169 ]

مع غيبتهم عن دكاكينهم، ويجعل عوض ما يأخذه في صندوقهم، مع العلم أو الاطمئنان العادي برضا المالك بذلك. 3 - أن يرد أحد الحمام ولا يجد فيه صاحبه، ويغتسل فيه، ويضع أجرته في المكان المعدلها مع علم الوارد بأن الحمامي راض بذلك. ولكن الظاهر: أن الامثلة المزبورة كلها غريبة عن مقصود المتوهم: أعنى به تحقق المعاطاة بمجرد أخذ المثمن ووضع الثمن مكانه - بل تلك الامثلة إما من صغريات الاقسام الماضية، أو أنها خارجة عن حدود المعاطاة بالكلية: أما المثال الاول فلان شرب الماء يختلف حسب اختلاف الاشخاص والحالات إذ قد يكون المشرف على الماء من الاشخاص الظمأ شديد الظمآن، وقد يكون عطشانا عاديا. أما الاول فلا يرتوي الا بشرب مقدار كثير من الماء. وأما الثاني فيصير ريانا بشرب المقدار اليسير منه. ومن الواضح أن هذا الاختلاف الفاحش يوجب غررية البيع وإذن فلا محيص الا عن جعل أشباه ذلك من قبيل الاباحة بالعوض. والدليل على صحة هذه الاباحة هو السيرة القطعية، لانها قائمة على ذلك في الاشياء الحقيرة والامتعة الزهيدة. بل يمكن أن يكون المثال المذكور من قبيل المعاوضة الخاصة التمليكية. فتكون مشمولة لآية التجارة عن تراض. نهاية الامر انها غررية ومن الواضح أن دليل نفي الغرر وهو النبوي (1) مختص بالبيع، فلا يجري في غيره. وأما المثال الثاني فهو من مصاديق البيع المعاطاتي المتعارف غاية الامر أن ايجابه ليس بمباشرة المالك، بل انما هو بمباشرة وكيله. وذلك لان الخضار والبقال والعطار وأمثالهم من سائر أصناف التجار انما يوكلون الاشخاص الواردين على دكاكينهم في بيع أمتعتهم بالقيمة المتعارفة ووضع أثمانها في الموضع المعد للنقود كما أنهم يوكلون غالبا


(1) عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الغرر سنن البيهقي ج 5 ص 342.

[ 170 ]

الاشخاص المعينين في ذلك وعليه فكل من يأخذ متاعا من دكاكين هؤلاء الكاسبين فهو ينشئ البيع بأخذه هذا من قبل المالك، ويقبله من نفسه بوضع ثمن ذلك المتاع في المكان المعدله. واذن فيتحقق البيع المعاطاتي هنا بالتعاطي من الطرفين - الذي هو المقدار المتيقن من مورد المعاطاة - ويكون ذلك نظير قول القائل: أعتق عبدك عني. وعلى الجملة: إنه لا بأس بالالتزام بكون هذا المثال من البيوع التوكيلية، كسائر البيوع الصادرة من أولياء الملاك ووكلائهم. وقد ناقش في ذلك شيخنا الاستاذ، واليك نص مقرره: (لا يمكن تصحيحه بكونه وكيلا من الطرفين في تبديل أحد طرفي الاضافة بمثله، لوضوح عدم توكيل المالك شخصا معينا). والجواب عن ذلك: أن تعيين الوكيل إنما يعتبر في الوكالات الشخصية دون الوكالات النوعية فلو قال أحد إني وكلت شخصا من أهل النجف المحترم في بيع متاعي أو إيجار داري لكان عقد الوكالة باطلا جزما. وإذا قال: إن علماء النجف وكلائي في بيع كتبي، أو تعمير مدرستي. أو بناية المساجد من خالص مالي كان ذلك صحيحا قطعا بديهة أن تعيين عنوان كلي في التوكيل الذي ينطبق على أشخاص معينين كتوكيل شخص معين، لا انه كتوكيل شخص غير معلوم. واما المثال الثالث فهو أيضا غريب عن البيع المعاطاتي، بل هو بعيد عن الاجارة المعاطاتية أيضا: اما بعده عن البيع المعاطاتي فلان الماء الذي يستعمله الوارد على الحمام غير معلوم المقدار. وإذن فلا يصح بيعه لكونه غرريا. وأما بعده عن الاجارة المعاطائية فلانه يشترط في الاجارة إمكان الانتفاع من العين المستأجرة مع بقاء عينها. ومن الواضح ان الماء المستعمل في الحمام لا تبقى عينه بعد الاستعمال. وعليه فلا يصح وقوع الاجارة عليه. قيل:

[ 171 ]

إن العين المستأجرة انما هي نفس الحمام والمياه المستعملة فيه تعد منفعة له. وإذن فيكون مورد المثال الثالث من موارد الاجارة المعاطاتية. والجواب عن ذلك: أن من أركان الاجارة انما هو تعيين المدة فيها فإذا انتفى ذلك بطلت الاجارة من اصلها. ومن البديهي أن المغتسلين في الحمامات يختلفون بحسب الحالات، فانه يتوقف فيها بعضهم ساعة ويلبث فيها آخر ساعتين هكذا. ومع ذلك لا يمكن الالتزام بكون ما نحن فيه من قبيل الاجارة المعاطاتية. وعلى هذا الضوء فالمثال الثالث أيضا من قبيل الاباحة بالعوض، أو من قبيل المعاوضة الخاصة التمليكية كما جعلنا المثال الاول أيضا من هذا القبيل. والمتحصل من جميع ما ذكرناه انا لم نتصور من تلك الامثلة قسما آخر للمعاطاة غير الاقسام الماضية. نعم يمكن تصوير قسم آخر لها: وهو أن يكون مال كل من الجانبين عند الجانب الآخر إما بعنوان الوديعة أو بالغصب، أو باطارة الريح أو بغير ذلك. ثم قصد كل منهما كون ما بيده عوضا عما في يد صاحبه. وحينئذ فلا يبعد صدق مفهوم البيع على ذلك، لانا ذكرنا مرارا أن البيع هو الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي. ومن الظاهر أنه لم ترد آية ولا رواية، ولا انعقد اجماع على اختصاص ذلك المبرز بشئ خاص ولا أن عنوان المعاطاة قد ورد في دليل لكي يؤخذ به ويحكم بعدم صدقه على ما نحن فيه وعليه فابقاء كل من الجانبين ماله عند الجانب الآخر مبرز خارجي لاعتبار الملكية. نعم إذا قلنا بان المعاطاة المقصود بها الملك لا تفيد إلا الاباحة الشرعية لم يجز التصرف لكل من الجانبين فيما عنده من المال، بديهة أن هذه الاباحة إنما ثبتت بالاجماع، وهو دليل لبي فلا يشمل هذا القسم من المعاطاة. ثم إن للمصنف هنا كلاما لم نحققه إلى الآن، وإليك لفظه: (ثم إنه لو قلنا بأن اللفظ الغير المعتبر في العقد كالفعل في انعقاد المعاطاة أمكن خلو المعاطاة من الاعطاء والايصال رأسا فيتقاولان على مبادلة شئ بشئ من غير ايصال، ولا يبعد صحته مع

[ 172 ]

صدق البيع عليه بناء على الملك واما بناء على القول بالاباحة فالاشكال المتقدم هنا آكد) والوجه في كون الاشكال المتقدم هنا آكد هو العلم بعدم قيام السيرة هنا على اباحة التصرف دون الصورة السابقة وهي أن يكون التعاطي من طرف واحد. أقول: إن كان غرضه من اللفظ المزبور الصيغة الخاصة الفاقدة لبعض شرائطها فلا يترتب عليه أثر بوجه، بل شأنها شأن تسمية الاجرة للبذر والبقر في عقد المزارعة. وعليه فلا وجه صحيح للمصنف أن يلتزم بحصول النقل والانتقال بذلك اللفظ - بناء على أن المعاطاة تفيد الملكية - وأن يناقش في جواز التصرف في العوضين على القول بانها تفيد الاباحة. وان كان غرضه من ذلك أن اللفظ إذا كان فاقدا لبعض شرائط الصيغة - في مقام الانشاء - كان ذلك مقاولة ومن الواضح أن المقاولة تكشف عن اعتبار الملكية، كما أن صيغة بعت تكشف عن ذلك. وإذن فتشمله العمومات الدالة على صحة البيع، إن كان مراده من اللفظ هو هذا فيتوجه عليه أن المبرز بالمقاولة إنما هو التباني على البيع. والمبرز بصيغة بعت ونحوها إنما هو نفس البيع. ومن الواضح أن احدهما يبائن الآخر. واذن فلا يعقل ان يجعل احد المتباينين مصداقا لصاحبه، ولا ان إبراز البناء على البيع يستلزم إبراز ما عليه البناء، وهو اعتبار الملكية. تمييز البائع عن المشترى في البيع المعاطاتى الامر الثالث: أنه بماذا يتميز البائع عن المشتري في البيع المعاطاتي؟ لا شبهة في أن الغرض من هذا الامر ليس هو تمييز مفهوم البائع عن مفهوم المشتري، لانهما من الامور الواضحة التي لا يحتاج إلى البيان، ضرورة أن من أنشأ البيع يسمى بائعا، ومن يقبل ذلك يسمى مشتريا. ولا أن الغرض من ذلك هو تميز أحدهما عن الآخر في

[ 173 ]

موارد الشبهات المصداقية: بأن يوجد بيع معاطاتي في الخارج ولم يميز فيه البائع عن المشتري من جهة الامور الخارجية، بديهة أن ذلك راجع إلى باب المرافعات، ولا صلة له بالمقام. بل الغرض الاقصى من عقد هذا الامر إنما هو التعرض لمفهومي البائع والمشتري سعة وضيقا لكي يستوضح مقدار صدقهما. وقد سمى المصنف أشباه ذلك في أول كتاب الطهارة بالشبهة في الصدق، ومرجعه في الحقيقة إلى الشبهة المفهومية ولذا أن الاصحاب لم يجعلوها قسما آخر وراء الشك في أصل المفهوم. وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه إذا كان أحد العوضين نقدا والعوض الآخر عرضا فالذي يعطي العرض يسمى بائعا، والذي يعطي النقد يسمى مشتريا لقيام سيرة العقلاء وديدنهم على ذلك. وإذا كان كلا العوضين نقدا، أو كان كلاهما متاعا ولكن كان نظر أحد المتعاملين من المبادلة إلى حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان مع كون غرضه في ذلك هو تحصيل الربح والمنفعة - كأهل التجارة والكسب - وكان نظر الآخر إلى رفع حاجته وكشف نوائبه وكرباته فقط فان الاول يسمى بائعا والثاني يسمى مشتريا وعلى هذا فيكون الملحوظ فيما يعطيه المشتري هو المالية الخالصة لكي يكون ذلك قائما مقام النقود، ويعنون بعنوان الثمنية ومثال ذلك: أن يعطى أحد مقدارا من الحنطة ليأخذ لحما وكان غرضه من إعطاء الحنطة أنها تساوي درهما فان هذا يسمى مشتريا، وباذل اللحم يسمى بائعا. وإذا انعكس الامر انعكس الصدق ايضا. وان كان كلا العوضين عرضا، أو نقدا - من غير سبق مقاولة تدل على كون أحدهما بائعا والآخر مشتريان وكان الغرض لكل من المتعاملين هو تصحيل الربح والمنافع مع حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، أو كان نظر كليهما إلى رفع الاحتياج ودفع الضرورة فقد - كتبديل عباءة بعباءة أو كتاب بكتاب - إن كان كذلك فذكر المصنف فيه وجوها أربعة: 1 - أن يكون ذلك بيعا وشراء بالنسبة إلى كل من المتبايعين، لان البيع

[ 174 ]

مبادلة مال بمال، كما في المصباح. والاشراء ترك شئ والتمسك بغيره كما في القاموس ولا شبهة في تحقق هذين العنوانين بفعل كل واحد من المتعاطيين. وعليه فلو حلف أي منهما على عدم الاشتراء حنث بذلك. نعم لا يترتب عليهما أحكام البائع، ولا أحكام المشتري، لانصرافهما - في أدلة تلك الاحكام - إلى من كان بائعا محضا، أو مشتريا محضا فلا تثبت تلك الاحكام لمن كان - في معاملة واحدة - مصداقا لهما باعتبارين. ولكن يتوجه عليه: ان عنوان البائع وعنوان المشتري بالمعنى المزبور العام كما يصدق على كل منهما في المقام، كذلك يصدق على كل من المتبايعين في كل بيع، حتى فيما إذا كان أحد العوضين نقدا والعوض الآخر عرضا، ولازم ذلك أن لا يختص أحد المتبايعين في البيوع المتعارفة بكونه بائعا، وثانيهما بكونه مشتريا، وهذا بديهي البطلان. 2 - أن يكون ذلك بيعا بالنسبة إلى من يعطي متاعه أولا، لصدق الموجب عليه، وشراء بالنسبة إلى الآخذ، لكونه قابلا. ويتوجه عليه: أن هذا لوجه وإن كان صحيحا في الجملة الا أنه لا يتم في جميع الموارد، بديهة أنه لا شبهة في جواز تقديم القبول على الايجاب في البيوع اللفظية. وعليه فيمكن أن يقصد المعطي أولا - في البيع المعاطاتي - قبول الايجاب المتأخر. وإذن فلا دليل على الحكم بكون الباذل أولا بائعا، وكون الباذل ثانيا مشتريا على وجه الاطلاق 3 - أن يكون ذلك صلحا معاطاتيا، لان المصالحة بمعنى التسالم، ومن الواضح أن كل واحد من المتعاطيين يتسالم على تبديل ماله بمال صاحبه ومن هنا حملوا الرواية الواردة في قول أحد الشريكين لصاحبه لك ما عندك ولي ما عندي على الصلح (1). ولكن يرد عليه: أنه إن كان المراد من الصلح ما هو مصداق لمفهوم التسالم بالحمل الشايع فهو حسن، لان مفهوم التسالم أمر وسيع يشمل جميع العقود حتى النكاح، الا


(1) قد تقدمت هذه الرواية في ص 156.

[ 175 ]

أن المنشأ في كل عقد بدء غير ما هو المنشأ في الصلح، بديهة أن كل معاملة وإن كانت لا تصدر الا عن تسالم من الطرفين على تلك المعاملة لكنه غير عقد الصلح الذي يكون المنشأ فيه نفس عنوان الصلح. فكم فرق بين إنشاء الصلح وبين إنشاء معاملة وقع التسالم عليها من الطرفين. نعم ان نتيجة إنشاء الصلح بعقده قد تتحد مع نتيجة بعض العقود الاخر. وإن كان المراد من الصلح ما هو إنشا لمفهوم المصالحة التي تتميز عن بقية العقود فهو واضح البطلان، ضرورة أن التعاطي المذكور بعيد عن مفهوم الصلح وحقيقته. وأما الرواية المزبورة فلا وجه لحملها على الصلح بل هي تناسب الهبة المعوضة. وهذا واضح لا ريب فيه. 4 - ان يكون ذلك معاوضة مستقلة من غير أن يدخل هذا تحت أحد العناوين المتعارفة. وهذا هو الصحيح عندنا. وتدل على صحته آية التجارة عن تراض (1) ولا ريب أن أمثال هذه المعاملة كثيرة في العرف. اقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين الامر الرابع: في أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين. ولا ريب في أن أصل المعاطاة - وهي إعطاء كل من المتعاطيين ماله لصاحبه - يتصور على وجوه. ويحسن بناقبل التعرض لحكم تلك الوجوه أن نقدم مالا يستغني عنه، وهو بيان الفارق بين هذا الامر، وبين الامر الثاني. وحاصله: ان جهة البحث في الامر الثاني إنما هي متمحضة في بيان مورد المعاطاة. وبيان ما هو المبرز الخارجي لما قصده المتعاطيان. ولذا ذكر المصنف في طليعة البحث عنه: (أن المتيقن من مورد المعاطاة حصول التعاطي


(1) سورة النساء 4 الآية: 33.

[ 176 ]

فعلا من الطرفين). وجهة البحث في الامر الرابع إنما هي بيان ما قصده المتعاطيان، ولذا ذكر المصنف في مطلع كلامه هنا ان اصل المعاطاة يتصور بحسب قصد المتعاطين على وجوه شتي وإذن فمرجع البحث في أحد الامرين غير ما هو مرجع البحث في الامر الآخر، فلا تنافي، بينهما وعليه فلا وجه لما اورده شيخنا الاستاذ على المصنف، واليك نص مقرر بحثه: (أن الايجاب والقبول يتحقق بدفع العين اولا من البائع وقبضها من المشتري، وخروج ما يدفعه المشتري ثانيا ويقبضه البائع عن حقيقة المعاوضة، فيلزم أن يكون المعاملة حاصلة دائما بدفع العين اولا وقبضها، ويكون دفع المشتري دائما خارجا عن حقيقة المعاوضة وعلى هذا فلا وجه لما التزم به في الامر الثاني من ان المتيقن من مورد المعاطاة هو حصول التعاطي فعلا من الطرفين... لان المفروض أن العطاء الثاني لا اثر له، ولا يتحقق به الا عنوان الوفاء بالمعاطاة). ووجه عدم المنافاة بين الامرين: انه لا تنافي بين الالتزام بأن الايجاب والقبول يحصلان بالاعطاء والقبض اولا، وان دفع العين ثانيا خارج عن حقيقة المعاطاة، بل هو وفاء بالعقد، وبين القول بأن المتيقن من مورد المعاطاة هو ما إذا حصل التعاطي من الطرفين، فان العقد وان تم بالاقباض والقبض اولا الا ان المتيقن منه قبال العقد اللفظي هو ما تعقبه الاعطاء من الطرف الثاني ايضا واذن فلا تنافي بين الامرين. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم انه قسم المصنف المعاطاة - بحسب قصد المتعاطيين - على اربعة أقسام: 1 - ان يقصد كل من المتعاطيين تمليك ماله بمال الآخر وعليه فيتم الايجاب والقبول بدفع العين الاولى وقبضها، ويكون دفع العين الثانية خارجا عن حقيقة المعاطاة بل يكون ذلك وفاء لما التزم به بازاء ما تملكه وعلى هذا فلو مات القابل بعد المطاوعة وقبل دفع العوض لم تبطل المعاطاة، لانه مات بعد تحققها في نظام الوجود. 2 - ان يقصد كل من المتعاطيين تمليك ماله للآخر بازاء تمليك الآخر ماله

[ 177 ]

إياه بحيث تكون المعاطاة متقومة بالعطاء من الطرفين مع كون التمليك بازاء التمليك وعليه فلو مات الثاني قبل أن يملك ماله للاول لم تتحق المعاطاة، إذ المفروض أن المقابلة بين التمليكين، ولا الملكين. ولا ريب أن هذا المعنى بعيد عن مفهوم البيع، لما عرفته في أول الكتاب من أنه يعتبر في مفهوم البيع ان يكون المبيع من الاعيان، ومن الواضح ان نفس التمليك من الافعال، فلا يقع مبيعا. نعم هو قريب من الهبة المعوضة من ناحية، وبعيد عنها من ناحية اخرى: أما قربه منها فمن جهة أن كلا من المالين خال عن العوض، إذ المفروض أن المقابلة قد وقعت بين التمليكين، لا بين الملكين، فتكون كالهبة المعوضة، لاجل وقوع التمليك بازاء التمليك وأما بعده عنها فمن جهة أن حقيقة الهبة - معوضة كانت أم غيرها - عبارة عن العطية بلا بدل فقوامها بالمجانية. وأما اعتبار العوض في الهبة المعوضة فانما هو على نحو الداعوية والاشتراط، لا على نحو المقابلة والمعاوضة. ومن الظاهر أن المفروض في المقام إنما هو وقوع التمليك بازاء التمليك، لا على نحو المجان، ولا بدل. والاولى أن يجعل هذا القسم من التعاطي إما من قبيل المصالحة على أمر معين، أو من قبيل المعاملة المستقلة وهذا ظاهر لا خفاء فيه. 3 - أن يقصد الباذل أولا إباحة ماله للآخذ بازاء أن يملك الآخذ ماله إياه فتقع المبادلة بين الاباحة والتمليك. 4 - أن يقصد كل من المتعاطيين إباحة ماله للآخر بازاء إباحة الآخر ماله إياه فتقع المقابلة بين الاباحتين، أو تكون الاباحة الاولى بداعي الاباحة الثانية انتهى ملخص كلام المصنف. ولا يخفى على الفطن العارف: أن الوجوه المتصورة في المقام وإن كانت كثيرة - كما أوضحها - غير واحد من المحشين - ولكن يتضح حكمها من الاقسام المذكورة. ومن هنا أغفل المصنف التعرض لجميع الاقسام المتصورة في المقام.

[ 178 ]

أما القسم الاول -: أعني به وقوع المقابلة بين المملوكين - فهو المصداق الواضح للبيع المعاطاتي، فيكون مشمولا للعمومات الدالة على صحة البيع ولزومه، وتترتب عليه أحكامه وآثاره. وقد فصلنا ذلك في الامر الاول. واما القسم الثاني: - أعني به وقوع المبادلة بين التمليكين - فلا نعقل له معنى محصلا، بديهة أن حقيقة البيع عبارة عن إعدام إضافة مالكية عن كل من العوضين، وإيجاد إضافة أخرى مالكية في كل منهما من دون أن يلزم منه تبديل سلطنة المالك بسلطنة اخرى لكي يحتاج ذلك إلى وجود سلطنة ثالثة. وهكذا حتى يلزم منه التسلسل. وهذا بخلاف مقابلة التمليك بالتمليك، فانها تحتاج إلى وقوع المقابلة بين السلطنتين، وهو يحتاج إلى سلطنة اخرى، وهكذا إلى غير النهاية. واذن فمقابلة التمليك بالتمليك بعيد عن حدود البيع. واضف إلى ذلك: ان مفهوم البيع انما هو انشاء تبديل عين بعوض - وقد تقدم ذلك عند البحث عن تعاريف البيع - ومن المعلوم ان التمليك بنفسه من قبيل الافعال، فلا يقع مبيعا. ثم ان من المستحيل نقل التمليك إلى غيره بدء باعطاء العين، أو بقبول ملكيتها بل لابد في نقل التمليك من انشاء آخر يتضمن ذلك، كقوله ملكتك تمليكي العين الفلانية، أو بأن يشترط التمليك في ضمن عقد لازم: بأن باع داره من شخص، واشترط في ضمن البيع ان يملكه ماله القلاني بحيث يكون متعلق الشرط نفس التمليك دون المملوك. وعلى الجملة إن الملكية الشرعية اعتبار شرعي غير قابل للتمليك، والتمليك العقدي فعل من افعال العاقد، وهو وإن كان قابلا للتمليك، الا انه غير قابل له بتمليك المال لفظا بمثل ملكت، أو باعطاء المال فعلا. وقد اتضح لك مما اوضحناه حكم القسم الثالث والقسم الرابع ايضا، وانه لا تتصور الاباحة بازاء الاباحة، ولا الاباحة بازاء

[ 179 ]

التمليك باعطاء العين وقبضها. ثم ان المصنف قد ناقش في القسمين الآخرين - الثالث والرابع - من ناحيتين: الاولى: ان الاباحة من حيث هي اباحة لا تسوغ التصرفات المتوقفة على الملك، الاعلى نحو التشريع. الثانية: ان الاباحة بازاء التمليك - التي ترجع إلى عقد مركب من اباحة وتمليك - خارجة عن المعاوضات المعهودة شرعا وعرفا. ولا شبهة في أن صدق التجارة على هذه المعاوضة محل تأمل، فضلا عن صدق البيع عليها: واذن فلا تكون مشمولة لآية التجارة عن تراض، ولا غيرها. ثم أطال الكلام حول ذلك نقضا وإبراما ولكن قد ظهر لك مما أسلفناه انه لا موضوع لهاتين المناقشتين اصلا وراسا. الا انه لا بأس بالتعرض لهما تأسيا للمصنف (ره) فنقول: اما المناقشة الاولى فحاصل ما ذكره فيها: ان المالك وان كان له ان يبيح التصرف في امواله لشخص آخر الا انه لا ينفد اذنه الا في التصرفات المشروعة مع قطع النظر عن اذن المالك، بديهة ان اذن المالك ليس مشرعا لكي يوجب جواز التصرف في ماله للمجاز له على وجه الاطلاق. وعليه فلا يجوز للمالك ان ياذن لغيره في بيع ماله لنفسه، لانه لا بيع الا في ملك. بل يستحيل عقلا صدق مفهوم البيع عليه لان مفهومه مبادلة مال بمال، ومن الواضح انه لا يتحقق هذا المفهوم الا برفع الاضافة المالكية عن احد العوضين ووضعها على العوض الآخر. وعليه فإذا لم يدخل الثمن في في ملك من خرج المثمن عنه كان ذلك خارجا عن مفهوم البيع قطعا. ولا يعقل صدق مفهوم البيع على ما هو خارج عنه. نعم لا باس بالاذن في التصرفات المتوقفة على الملك بوجوه شتى: 1 - ان يكون غرض المبيح من قوله: ابحت لك ان تبيع مالي لنفسك توكيل المباح له في نقل ماله - المبيح - إلى نفسه - المباح له - ثم بيع ذلك المال لنفسه - المباح له - أو ان المبيح يوكل المباح له في بيع ماله، ثم نقل ثمنه إلى نفسه - المباح له

[ 180 ]

أو يقصد المبيح تمليك ماله للمباح له بقوله: أبحت لك مالي الخ بحيث تكون الاباحة بمنزلة إنشاء الهبة، ويكون بيع المباح له بمنزلة القبول. وعليه فيكون ذلك نظير قول القائل: أعتق عبدك عني بكذا، حيث إن القول المزبور استدعاء لتمليك المولى عبده لذلك الرجل، واعتاق المولى عبده جواب للاستدعاء المزبور فيتحقق هنا بيع ضمني. وعليه فيكون العبد ملكا للمستدعى آناما، ثم ينعتق عن قبله. وفيه أن ما نحن فيه بعيد عن هذا الوجه بجميع شقوقه، إذ ليس المقصود هنا اذن المالك للمباح له في نقل المال إلى نفسه اولا، ولا في نقل الثمن إليه ثانيا، ولا أن المالك قصد التمليك بقوله: أبحت لك الخ، ولا أن المخاطب قصد التملك عند البيع، لكي يتحقق هنا تمليك ضمني مقصود للمتكلم والمخاطب بالدلالة الاقتضائية. كما كان كذلك في قضية أعتق عبدك عني. 2 - أن يدل دليل خاص على كون مال المبيح ملكا للمباح له بمجرد الاباحة فيستكشف من ذلك الدليل ان البيع الذي أوقعه المباح له قد وقع في ملكه، أو قام دليل خاص على صيرورة الثمن ملكا للمباح له، فانه يستكشف من ذلك الدليل دخول الثن في ملك المبيح آناما - لكي لا يستحيل صدق مفهوم البيع عليه - ثم انتقاله من ملك المبيح إلى ملك المباح له. وعليه فيكون ما نحن فيه بمنزلة شراء العمودين، فانهما يدخلان في ملك المشتري آناما، ثم ينعتقان عليه جمعا بين ما دل على أنه لا عتق الا في ملك، وبين ما دل على أن الانسان لا يملك عموديه. وهذا الوجه أيضا لا يجري في المقام، إذ لم يدلنا دليل خاص على صحة هذه الاباحة العامة. وأما دليل السلطنة فلا تزاحم الادلة الدالة على توقف بعض التصرفات على الملك - كالعتق والبيع والوطي ونحوها - بل هي حاكمة على دليل السلطنة. والسر في ذلك: أن دليل السلطنة قد أثبت السلطنة على الاموال، دون الاحكام، فيكون ناظرا إلى نفوذ سلطنة المالك في التصرفات التي ثبت جوازها - في

[ 181 ]

الشريعة المقدسة - مع قطع النظر عن دليل السلطنة. ومن هنا اتضح لك الفارق بين ما نحن فيه، وبين شراء العمودين. 3 - ما أشار إليه في آخر كلامه، وهو أن يكون ما نحن فيه من قبيل رجوع الواهب عن هبته لكى يقع البيع في ملك الواهب، فكما أن بيع الواهب يقتضي دخول العين الموهوبة في ملكه، كذلك أن تصرف المباح له تصرفا يتوقف على الملك يقتضي دخول المال المباح في ملكه. وهذا الوجه أيضا غريب عما نحن فيه إذ لم يثبت جواز مثل هذا التصرف لكي تكشف صحته عن الملكية آناما ملكية تحقيقية قبل تحقق ذلك التصرف، انتهى ملخص كلام المصنف. أقول: يقع الكلام في التصرفات المتوقفة على الملك في ناحيتين: الناحية الاولى: أنه هل تشرع هذه التصرفات لغير المالك. لا ريب في أنها قد تكون تكوينية، وقد تكون اعتبارية: أما التصرفات التكوينية فلا تجوز لغير المالك وان كان صدورها عنه بعنوان النيابة عن المالك. وبيان ذلك: أنه إذا دل دليل بالخصوص على جواز تلك التصرفات التكوينية لغير المالك أخذ به - كوطي الجارية المملوكة الثابت جوازه بالتحليل - وإن لم يدل دليل خاص على ذلك فلا يمكن إثباته بدليل السلطنة، لانه ناظر إلى جواز التصرفات التي هي مشروعة للمالك مع قطع النظر عن دليل السلطنة وأن هذا الدليل يثبت عدم كون المالك ممنوعا عن تلك التصرفات، وأما التصرفات التي نشك في مشروعيتها، أو نعلم بعدم مشروعيتها فلا تكون مشمولة لدليل السلطنة، لعدم كونه مشرعا، وعلى هذا فلو أذن المالك لاحد في التصرف في ماله تصرفا متوقفا على الملك لم يمكن اثبات مشروعيته بدليل السلطنة هذا كله في التصرفات التكوينية. أما التصرفات الاعتبارية فلا تتوقف صحتها على الملك، بل لا تتوقف صحتها

[ 182 ]

على اذن المالك وتوكيله، لما سيأتي من الحكم بصحة العقود الفضولية التى لحقتها اجازة المالك نعم ربما يتوهم قيام الاجماع على بطلان العتاق الصادر من غير المالك، سواء أكان ذلك باذن المالك، أم كان فضوليا، ضرورة أن إذن المالك لا يؤثر في مشروعية التصرفات المتوقفة على الملك، وانا يؤثر اذنه في رفع الحرمة التكليفية فقط وإذن فمنزلة العتاق منزلة الطلاق، فكما أن الطلاق لا يصح من غير الزوج، كذلك ان العتاق لا يصح من غير المالك، الا أن يعد فعل غير المالك فعلا للمالك، كالوكيل. ولكن هذا التوهم فاسد، بديهة أنه ليس في المقام اجماع تعبدي، بل من المحتمل القريب ان يكون مستند المجمعين مادل على عدم نفوذ العتق الا في ملك، وسيأتي عدم ارتباطه بمقصود المستدل واذن فلا محذور في صحة العتق من غير المالك، وهذا لا يقال بالطلاق، لدلالة الدليل على انه لا يصح من غير الزوج، بخلاف العتاق، فانه لم يدل دليل على عدم صحته من غير المالك. قيل: انه لا يصح العتاق من غير المالك، لا من جهة الاجماع كما توهم، بل من جهة ما دل على انه لا عتق الا في ملك (1) والجواب عن ذلك: ان سبيل ذلك سبيل ما دل على انه لا بيع الا في ملك والمراد بهما احد الامرين: الاول: اعتبار الملك الفعلي في صحة البيع والعتق، فلا يصح بيع أو عتق ما يملكه بعد ذلك الثاني: اعتبار الانتساب إلى المالك في نفوذ البيع والعتق، فلا ينفذ على المالك بيع الاجنبي، وعلى كلا التقديرين فالرواية لا تنافي صحة البيع الفضولي، ولا صحة العتق الصادر من غير المالك مستندا إلى اذن المالك والمتحصل من جميع ما بيناه هو صحة العتاق باذن المالك الناحية الثانية: أنه إذا قلنا بجواز التصرفات المتوقفة على الملك لغير المالك فهل


(1) راجع الوافي ج 6 ص 83.

[ 183 ]

ترجع نتيجتها إلى المتصرف، ام يرجع ذلك إلى المالك؟ لا ريب في ان التصرفات التكوينية خارجة عن مورد بحثنا، إذ لا يشك احد من العقلاء في ان نتيجة اي فعل يصدر من أي فاعل ترجع إلى فاعل هذا الفعل، لا إلى غيره، بديهة انه لا معنى لان يشرب أحد ماء فيرتوي غيره، أو يأكل احد طعاما فيشبع الآخر، أو ينام واحد فيستريح صاحبه، أو يشتغل احد بالعلوم فيكون غيره عالما. وهكذا سائر الافعال التكوينية. واما التصرفات الاعتبارية - كالبيع ونحوه - فترجع نتيجتها إلى المالك لا إلى غيره، لما عرفته مرارا من ان حقيقة البيع تبديل عين بعوض في جهة الاضافة، ومقتضى ذلك هو انتقال المثمن من ملك مالكه إلى ملك مالك الثمن وبالعكس: بأن يفك البائع إضافته القائمة بالمتاع ويجعلها قائمة بالثمن، ويفك المشتري إضافته القائمة بالثمن، ويجعلها قائمة بالمتاع. ومثال ذلك: أنه إذا باع زيد طعامه من بكر بدينار صار الدينار ملكا لزيد، ولو صار ذلك الدينار ملكا لخالد لما صدق عليه مفهوم البيع بوجه. واذن فيستحيل ان ترجع نتيجة البيع إلى غير المالك ومن هنا اتضح لك ان قول القائل: (بع مالي لنفسك) إن رجع إلى ما ذكره المصنف من الوجوه الثلثة المتقدمة فلا بأس به والا فلا مناص عن الحكم بكونه من الاغلاط. وقد تجلى لك مما اوضحناه حكم سائر العقود والمعاوضات التمليكية. وايضا ظهر لك مما ذكرناه حكم شراء العمودين ; كما ظهر لك من ذلك وجه الالتزام فيه بالملكية الآنية التحقيقية. ووجه الظهور: أنه قد ورد في الشريعة المقدسة أن الانسان لا يملك عموديه (1) وورد فيها ايضا انه يجوز للابن أن يشتري عموديه. وقد عرفت قريبا: انه يستحيل صدق مفهوم البيع على التبديل الساذج من غير أن يكون التبديل في


(1) راجع الوافي ج 6 ص 96.

[ 184 ]

جهة الاضافة ومن الواضح ان الجمع بين هذه الامور يقتضي الالتزام بدخول العمودين في ملك الابن آناما، ثم انعتاقهما عليه من غير ان يكون لهذه الملكية دوام، وثبات. بل حصولها مقدمة لزوالها. واذن فالالتزام بهذه الملكية يقتضي تخصيص ما دل على ان الانسان لا يملك عموديه، ولا يمكن الالتزام بتخصيص ما ذكرناه - وهو انه لا يمكن صدق مفهوم البيع على ضده - بديهة ان الاحكام العقلية غير قابلة للتخصيص. وهذا واضح لا ريب فيه. وقد ظهر لك من مطاوي ما ذكرناه ان الانسان يملك عموديه آناما ملكيته تحقيقة لا ملكية تقديرية فرضية على ما اشتهر في ألسنة المحصلين، لعدم ترتب الاثر على الملكية التقديرية بوجه. وعلى هذا فلا وجه للمصنف ان يفرق بين شراء العمودين. وبين بيع الواهب عبده الموهوب أو عتقه حيث التزم بالملكية الآنية التقديرية في الاول وبالملكية التحقيقية في الثاني مع أنهما من واد واحد. وقد اتضح لك ايضا مما بيناه ان المراد من الجمع بين الادلة - الذي يوجب الالتزام بالملكية الآنية التحقيقية - إنما هو الجمع بين الدليل العقلي -: اعني به استحالة صدق مفهوم البيع على ضده - وبين مادل على جواز شراء العمودين، وبين مادل على ان الانسان لا يملك عموديه. وليس المراد من الجمع بين الادلة الجمع بين مادل على انه لا عتق الا في ملك وبين مادل على جواز شراء العمودين، وبين مادل على ان الابن لا يملك عموديه، ضرورة انه لو كان المانع عن شراء العمودين هو نفى جواز العتق الا في ملك لامكن تخصيصه بما دل على جواز شرائهما وانعتاقهما من دون ان يترتب عليه محذور لعدم استحالة العتاق في غير الملك. وهذا بخلاف ما كان المانع هو الدليل العقلي، فانه غير قابل للتخصيص هذا كله في البيع. واما العتاق فهل يمكن ان ترجع نتيجته إلى غير المالك ام لابد وان ترجع إلى المالك فقط؟

[ 185 ]

الظاهر أنه لا ريب في صحة العتق عن غير المالك، إذ لم يرد في آية ولا في رواية ولا في معقد إجماع عدم جواز ذلك ولم يقم ذليل عقلي ايضا على استحالته. بل لو التزمنا - في الناحية الاولى باشتراط صدور العتق من المالك لما دل على نفي جواز العتق الا في ملك، فان هذا لا يكون وجها للالتزام بعدم الجواز هنا، إذ المفروض أن المتصدي للعتق إنما هو المالك، لانه بنفسه أعتق عبده عن غيره تبرعا. ونتيجة البحث: أن المالك إذا أعتق أحد مماليكه عن نفسه أو عن غيره، أو أذن لاحد أن يعتقه عن نفسه أو عن المالك أو عن ثالث كان العتاق نافذا، إذ لا نري مانعا عقليا ولا مانعا شرعيا عن ذلك. بل يدل على نفوذه ولزومه قوله (تعالى) أوفوا بالعقود، إذ ليس المراد بالعقد في الآية الكريمة هو العقد المصطلح الذي يحتاج إلى الايجاب والقبول لكي تخرج الايقاعات عن حدودها، بل المراد منه العقد المشدد أو مطلق العقد على ما أسلفناه في البحث عن لزوم المعاطاة. ومن الظاهر أن العقد بأحد هذين المعنيين يشمل الايقاعات أيضا. وقد تبين لك مما تلوناه عليك: أنا لا نحتاج في تصحيح قول الرجل لصاحبه أعتق عبدك عني إلى ما ذكره الاصوليون من دلالته على التمليك دلالة اقتضائية - التى تتوقف عليها صحة الكلام عقلا أو شرعا - ووجه عدم الاحتياج إلى ذلك ما ذكرناه قريبا من أن عتق المالك عبده عن غيره بمكان من الامكان. وعليه فقول القائل لاخيه: أعتق عبدك عني محمول على استدعاء العتق التبرعي المجاني. هذا كله ما يرجع إلى بيان الكبري الكلية في حكم التصرف في مال غيره مع إذن المالك فيه تصرفا تكوينيا أو اعتباريا. ثم إنه يحسن بنا أن نصرف الكلام إلى بيان انطباق تلك الضابطة على بعض الامثلة المعروفة في الالسنة: وهو قول القائل: أعتق عبدي عن نفسك. وقوله اعتق عبدك عني: أما المثال الاول فان رجع إلى توكيل غيره في تملك العبد ببيع ونحوه ثم عتقه

[ 186 ]

عن نفسه فانه لا يخالف القواعد الشرعية. وإن لم يرجع ذلك إلى التوكيل، بل اخذنا بظاهره، وهو العتاق المجاني، فان قلنا بأن العتق لا يصدر الا من المالك - وان كانت نتيجته راجعة إلى غيره - كان الكلام المذكور لغوا محضا في نظر الشارع. وإن قلنا بجواز صدور العتق من غير المالك، مع إذن المالك في ذلك صح الكلام المزبور بظاهره بلا احتياج إلى التأويل. أمال المثال الثاني: - أعني به أعتق عبدك عني - فان رجع إلى توكيل المالك في شراء عبده للمستدعي ثم عتقه عنه فلا محذور فيه بوجه. وإن أخذنا بظاهره وقلنا بجواز العتق عن غيره تبرعا ومجانا - سواء أسبقه الاستدعاء، أم لم يسبقه ذلك - كان المثال المزبور صحيحا بظاهره بلا احتياج إلى التأويل، والا فيكون لغوا محضا. ثم إنه بقي هنا أمران، ويهمنا التعرض لهما: الامر الاول انه إذا قلنا بجواز العتق عن غيره فهل يجزي ذلك عن العتق الواجب - كالكفارة ونحوها - ام لا؟ التحقيق: أنه لو قلنا بجواز العتق عن شخص آخر لم يجز ذلك عن العتق الواجب لانا ذكرنا في مبحث التعبدي والتوصلي: أن إطلاق الاوامر المتوجهة إلى المكلفين يقتضي مباشرتهم بامتثالها، ومن هنا لا تسقط الواجبات العبادية - كالصوم والصلاة والحج ونحوها - عن أي مكلف بامتثال غيره، ولا يقاس ذلك بالديون المالية التي يجوز أداؤها لكل أحد مجانا، إذ علم في الشريعة المقدسة ضرورة أنه يجوز لاي شخص أن يؤدي دين أخيه المؤمن تبرعا، بل هو أمر استحبابي جزما. الامر الثاني: أنه هل يحكم بضمان المعتق عنه للمالك إذا استدعى منه عتاق عبده أم لا؟ لا شبهة في عدم ضمانه بذلك إذا كان عتق المالك عبده عن غيره تبرعا ومجانا. وإن لم يكن قصد المالك العتق المجاني فان علم من حال المستدعي التماس العتاق مجانا فلا شبهة في عدم الضمان أيضا، كما هو كذلك في موارد التسؤل، والا فيحكم بالضمان.

[ 187 ]

ونظير ذلك قول القائل لاحد احمل هذا المتاع إلى محل فلاني، أو احلق رأسي، أو غير ذلك، فان الآمر في جميع هذه الموارد يضمن عمل المأمور جزما. بحث في جهات قوله: (وعرفت أيضا: أن الشهيد في الحواشي لم يجوز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس والزكاة وثمن الهدي). أقول: بقيت هنا جهات من البحث لابد من التعرض لها: الجهة الاولى: أنه قد يناقش في إخراج المأخوذ بالمعاطاة في ثمن الهدي ولكن لا وجه لهذه المناقشة، لان الهدي قد يشترى بالثمن الكلي، ثم يعطى ذلك من مال المبيح وقد يشترى بالثمن الشخصي، وهو مال المبيح: أما الاول فلا شبهة في صحته، إذ لا مانع من اداء الدين من مال شخص آخر مع اذنه في ذلك أما الثاني فلا وجه له ايضا، إذ لم يدلنا دليل على اعتبار كون الهدي ملكا لمن يجب عليه. الجهة الثانية: أنه هل يجوز إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس والزكاة؟ تارة نقول بتعلق الخمس والزكاة بالعين، كما هو الظاهر. وأخرى نقول بتعلقهما بالذمة، وعلى كلا التقديرين يقع الكلام في ناحيتين: الناحية الاولى: أنه هل يجوز لاحد أن يعطي الخمس أو الزكاة المتعلقين بذمة غيره أو ماله؟ الظاهر هو عدم الجواز: أما بناء على تعلقهما بالعين فواضح. أما بناء على تعلقهما بالذمة فلان الاوامر ظاهرة في ثبوت المكلف به في ذمة نفس المكلف، وعدم سقوطه عنه بامتثال غيره اياه الا بدليل خاص. ومن الظاهر ان الدليل وان دل على جواز أداء الدين الثابت في ذمة شخص

[ 188 ]

آخر الا ان شموله لما يعتبر فيه قصد القربة غير معلوم. وأصالة الاطلاق يندفع بها احتمال سقوطه. الناحية الثانية: أنه هل يجوز لمن تعلق الخمس أو الزكاة بماله وبذمته أن يؤديهما بمال شخص آخر؟. ان قلنا بتعلق الخمس أو الزكاة بالعين لم يجز للمالك ان يعطيهما من مال غيره. نعم يجوز له تبديلهما بغيره من ماله فقط لدليل خاص. وان قلنا بتعلقهما بالذمة إما ابتداء - كما ذهب إليه جمع من الاصحاب - أو قلنا بتعلقهما بالعين بدء، ولكنهما قد انتقلا إلى الذمة بعد اتلافهما فان الظاهر انه لا شهبة في ادائهما من مال شخص آخر مع الاذن فيه، لا من ناحية اعتبار قصد القربة في ذلك ولا من ناحية تعلقهما بالعين: اما عدم الشبهة في ذلك من الناحية الاولى فلان ما يعطي بدل الخمس والزكاة وان كان ملكا لغيره، ولكن المتصدي للاداء إنما هو نفس المكلف، فله ان يضيف ذلك إلى المولى، ويأتي به امتثالا لامره تبارك وتعالى. اما عدم الشبهة في ذلك من الناحية الثانية فلان حق السادة والفقراء إذا فرضنا تعلقه بالذمة ابتداء أو انه انتقل إلى الذمة بقاء لتلف العين كان لصاحب الذمة أن يطبقه على أي فرد يريد. الجهة الثالثة: انه قد التزم المصنف - على ما هو ظاهر كلامه - بالملكية التقديرية في دية الميت. ولعله من ناحية الجمع بين مادل على توقف الارث على الملك، وبين ما دل على ان دية الميت للوارث. والتحقيق: انه ان قلنا بعدم توقف ارث الدية على الملك فلا مجال للالتزام بالملك التقديري. وان قلنا بتوقفه على الملك - كما هو مبنى كلام المصنف - فلا مناص عن الالتزام بالملكية التحقيقية، إذ لا يترتب اثر على الملكية الفرضية.

[ 189 ]

اقسام الاباحة المعوضة قوله: (واما الكلام في صحة الاباحة بالعوض سواء صححنا إباحة التصرفات المتوقفة على الملك، أم خصصنا الاباحة بغيرها). أقول: محصل كلامه: أن البحث هنا يقع في ناحيتين: الاولى: في صحة الاباحة بالعوض، وقد نوقش في ذلك بانها خارجة عن المعاوضات المتعارفة المعهودة شرعا. على أنه يتأمل في صدق عنوان التجارة عليها فضلا عن البيع. نعم يمكن الاستدلال على صحتها بدليل السلطنة، ودليل وجوب الوفاء بالشرط ويمكن ان يكون ذلك نوعا من الصلح، لان الصلح هو التسالم، ومن البين أن ما نحن فيه مصداق للتسالم. ودعوى: أن ذلك لم ينشأ بلفظ الصلح لكى يكون مصدقا له دعوى جزافية، إذ لم يشترط في حقيقة المصالحة إنشاؤها بلفظ الصلح. ومن هنا حمل الاصحاب ما ورد في الرواية (1) قول أحد الشريكين لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي على المصالحة مع أنه لم ينشأ بمادة الصلح أو التسالم. ومن ذلك أيضا ما ورد (2) في مصالحة الزوجين الناحية الثانية: أنه إذا قلنا بكون الاباحة بالعوض معاوضة مستقلة فهل يحكم بلزومها مطلقا، أم من طرف المباح له، أم يحكم بجوازها مطلقا وجوه؟. أقواها أولها، لعموم المؤمنون عند شروطهم، ثم أوسطها، لان المباح له قد أخرج ماله عن ملكه دون المبيح، فان ماله باق على ملكه، وأنه مسلط عليه.


(1) قد تقدمت هذه الرواية في ص 156. (2) راجع الوافي ج 12 ص 147.

[ 190 ]

والتحقيق: أن الاباحة بالعوض خارجة عن حدود الصلح، بداهة أنها مغائرة لمفهوم الصلح. ومجرد انطباق مفهوم التسالم عليها لا يجعلها من مصاديق المصالحة. والا لزم إرجاع جميع العقود - حتى النكاح - إلى الصلح بل الاباحة بالعوض تتصور على وجوه شتى: 1 - أن تجعل نفس الاباحة عوضا في المعاملة: بأن يقول أحد لصاحبه: بعتك هذا الكتاب بازاء أن تبيحني كتابك الآخر وهذا لا شبهة في صحته ولزومه للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها. ودعوى: أن الاباحة من قبيل الاعمال والافعال، فهي لا تكون عوضا في العقود المعاوضية دعوى جزافية لانا ذكرنا في أول الكتاب: ان عمل الحر وإن لم يكن مبيعا في البيع. ولكن يصح جعله عوضا فيه. واذن فلا نعرف وجها صحيحا لما ذكره المصنف من التأمل في صدق التجارة عن تراض على الاباحة المعوضة. وأما الاستدلال على صحة ذلك بقوله صلى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم (1) فيرد عليه أولا: أن الشرط في اللغة بمعنى الربط بين شيئين. ومن الواضح أن الشروط الابتدائية لا يصدق عليها عنوان الشرط. فتكون خارجة عن حدود الرواية. ثانيا: أنا لو سلمنا شمول الرواية للشروط الابتدائية. ولكن ليس المراد من الالتزام هو الالتزام الوضعي: بمعني أن ما التزم به المؤمن لا يزول بفسخه، بل المراد من ذلك إنما هو الالتزام التكليفى: أي يجب على كل مؤمن الوفاء بشرطه، لانه من علائم إيمانه. 2 - أن تكون الاباحة مشروطة بالتمليك: بأن يبيح ماله لزيد على أن يملكه زيد ماله. 3 - أن تكون الاباحة معلقة بالتمليك: بأن يبيح ماله لزيد إذا ملكه زيد ماله.


(1) راجع الوافي ج 12 ص 80.

[ 191 ]

4 - أن يكون التمليك عنوانا للموضوع بأن يقول: ابحت مالي هذا لمن يملكني عشرة دنانير. 5 - أن يبيح ماله لزيد بداعي أن يملك زيد ماله إياه. أما الوجه الثاني فان كان الشرط فيه من قبيل شرط النتيجة فبقبول المباح له ينتقل ماله إلى المبيح وإن. كان ذلك من قبيل شرط الفعل فيجب عليه التمليك، لوجوب الوفاء بالشرط. أما الوجه الثالث فلا شبهة في أن الاباحة فيه بمنزلة الحكم وما علقت به الاباحة بمنزلة الموضوع. وعليه فإذا تحقق الموضوع - بأن ملك المباح له ماله للمبيح - تثبت الاباحة، كترتب وجوب الحج على وجود الاستطاعة الخارجية. ومن هنا ظهر حكم الوجه الرابع أيضا. أما الوجه الخامس فهو خارج عن حريم الاباحة المعوضة. إذ الداعي لا يعتبر عوضا، ولا يضر تخلفه في المعاوضات وغيرها. جريان المعاطاة في جميع العقود والايقاعات الامر الخامس: هل تجري المعاطاة في غير البيع من العقود والايقاعات؟. تحقيق المقام: أنه إذا قلنا بأن مقتضى القاعدة هو انحصار العقود والايقاعات بالالفاظ لم تجر المعاطاة إلا في مورد قام دليل خاص - من نص أو إجماع أو سيرة - على جريانها فيه، وذلك لان المعاطاة حينئذ على خلاف القاعدة، فيقتصر في مخالفتها على مورد الدليل. وإذا قلنا بأن القاعدة تقتضي صحة إنشاء العقود والايقاعات بكل ما هو صالح لابراز الاعتبار النفساني جرت المعاطاة في جميعها إلا إذا قام دليل خاص على عدم جريانها في فرد خاص، أو قام دليل خاص على انحصار مبرزه بشئ خاص.

[ 192 ]

ولكن الظاهر أنه لم يرد - في آية ولا في رواية ولا في معقد إجماع - انحصار المبرز في جميع العقود والايقاعات بمبرز معين. وعليه فلا بأس بالالتزام بجريان المعاطاة في جميعها إلا ما خرج بالدليل. وإذن فيكون ما هو المنشأ بالافعال من المعاملات مشمولا للعمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود والايقاعات ولزومهما. ثم إنه منع شيخنا الاستاذ عن جريان المعاطاة في النكاح والوصية والتدبير والضمان: أما الوجه في عدم جريانها في النكاح فلان الفعل فيه ملازم لضده - وهو الزناء - بل هو مصداق له حقيقة ومن البين الذي لا ريب فيه أنه لا يمكن إنشاء شئ من الامور الانشائية بضده. أما الوجه في عدم جريان المعاطاة في الوصية والتدبير والضمان فلانها أمور لا تنشأ إلا بالقول، ضرورة أنه ليس في مواردها فعل يكون مصداقا لاحد هذه العناوين المذكورة، بداهة أن انتقال الدين من ذمة إلى ذمة - الذي هو معنى الضمان - لا يمكن أن يتحقق بأي فعل من الافعال، وكذلك العتق والملكية والقيمومة بعد موت الموصي. انتهى ملخص كلامه. ويتوجه عليه: أن كون الفعل ضدا للنكاح إنما هو من ناحية أن الشارع قد اعتبر في عقد النكاح مبرزا خاصا - وهو اللفظ - ولا ريب في أن مورد البحث في المقام إنما هو مع قطع النظر عن ذلك. وعليه فالزوجية في نفسها - مع قطع النظر عن اعتبار الشارع فيها مبرزا خاصا - قابلة للانشاء بالفعل. وعليه فيكون الفعل بنفسه مصداقا للنكاح بالحمل الشايع. ويضاف إلى ذلك: أنا لو سلمنا ما أفاده شيخنا الاستاذ ولكنه مختص بالفعل الخاص، ولا يعم كل فعل من إشارة ونحوها. فغاية الامر: أنه لا تحصل الزوجية في نظر الشارع فيما إذا أنشأت بالفعل، لا أن الفعل لا يكون مصداقا للتزويج عرفا وفى نظر العقلاء.

[ 193 ]

أما الضمان فلعل وجه المناقشة في عدم حصوله بالمعاطاة أنه نقل المال من ذمة إلى ذمة، فلا يتحقق بالفعل الخارجي. ولكن يتوجه عليه: أن النقل إنما هو في عالم الاعتبار - كالتمليك في البيع وغيره - والاعتبار أمر قائم بالنفس، واللفظ أو الفعل مبرز له، ولا مانع من أن يكون الفعل مبرزا لاعتبار الانتقال وإن كان هو الاشارة ونحوها. أما التدبير والوصية فمنشأ المناقشة فيهما إنما هو حصر الانشاء المعاطاتي بالاعطاء والاخذ الخارجيين، فانه لا يعقل انشاء العناوين المذكورة بذلك، بداهة أنهما أمران استقباليان، فيستحيل إنشاؤهما بفعل يتحقق قبل الموت. وعليه فكل ما يوجد في الخارج من الافعال لا يكون مصداقا للتدبير أو الوصية. والجواب عن ذلك: أن عنوان المعاطاة لم يرد في دليل خاص لكي يقتصر على تحقق التعاطي من الطرفين حفظا لذلك العنوان، بل إنما التزمنا بمشروعية المعاملات المعاطاتية من ناحية قيام الفعل مقام القول في إبراز الامور النفسانية. وعلى هذا فلا يختص الانشاء الفعلي بالاعطاء. والاخذ الخارجيين. بل يجري ذلك في جميع ما هو قابل لابراز الاعتبار النفساني من الاشارة وغيرها، ومن هنا يصح طلاق الاخرس بالاشارة المفهمة. وعلى الجملة: إن القاعدة الاولية تقتضي جريان المعاطاة في جميع العقود والايقاعات. بداهة أنها ليست إلا الاعتبارات النفسانية المبرزة بمبرز خارجي فعلي أو قولي. فانه على كل حال يصدق على المنشأ عنوان العقد أو الايقاع. فيكون مشمولا للعمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود والايقاعات، نعم ثبت اعتبار مطلق اللفظ في انشاء عقد النكاح، واعتبار لفظ خاص في إنشاء الطلاق. وعليه فيكون ذلك تخصيصا للقاعدة المذكورة كما لا يخفى. وقد اتضح لك مما حققناه فساد القول بالتفصيل بين العقود والايقاعات.

[ 194 ]

بدعوى أن بعض الافعال يصدق عليه عنوان المعاملة كالاعطاء والاخذ الخارجيين، فانه يصدق عليهما عنوان البيع ونحوه. وبعض الافعال لا يصدق عليه ذلك، كاخراج الرجل زوجته من بيته، فانه لا يصدق عليه عنوان الطلاق. كما اتضح لك أيضا: أنه لا احتياج إلى تطويل الكلام هنا بالنقض والابرام، كما ارتكبه بعض مشايخنا المحققين. ثم إنه نوقش في جريان المعاطاة - على القول بكونها مفيدة للملك - في الهبة، لقيام الاجماع على أن الهبة لا تفيد الملكية إلا بالايجاب والقبول اللفظيين وعليه فجريان المعاطاة في الهبة متوقف على القول بافادة المعاطاة الاباحة، وهذا مخالف لمذهب المحقق الثاني فبناء على مسلكه لا تجري المعاطاة في الهبة. ولكن هذه المناقشة واضحة الاندفاع، بداهة أنه ليس هنا إجماع آخر غير الاجماع الذي توهم قيامه على اعتبار اللفظ في إنشاء مطلق العقود والايقاعات - كما نبه عليه السيد في حاشيته - ومن الواضح أن هذا الاجماع ليس بتمام. ثم إنه وقع الخلاف بين الاصحاب رضوان الله عليهم في جريان المعاطاة في طائفة من العقود والايقاعات: 1 - القرض حيث إنه وإن كان مقتضيا، إلا أن تأثيره مشروط بالقبض الخارجي. وعليه فلو انعقد القرض بمجرد الفعل: أعني به القبض والاقباض لزم منه اتحاد المقتضي والشرط، وهو محال، ضرورة أن المقتضي يغائر الشرط في الوجود، وإذا فرضنا اتحادهما لزم منه اجتماع الضدين. وهذا واضح لا ريب فيه. وأضف إلى ذلك: أن رتبة الشرط متأخرة عن رتبة المقتضي، فلو فرض اتحادهما لزم منه أن يكون شئ واحد متقدما ومتأخرا. والجواب عن ذلك: أن الحكم الشرعي إنما يتحقق يجعل الشارع، ويستحيل أن يؤثر فيه موجود خارجي بنحو الاقتضاء أو الاشتراط. والتعبير عن موضوع الحكم بالسبب أو الشرط اصطلاح من العلماء. وواقع الامر أنه لا سببية ولا شرطية، بل الحكم قد جعل على

[ 195 ]

نحو القضية الحقيقية على الموضوع المقدر وجوده بخصوصياته المعتبرة فيه. فقد اعتبر في صحة القرض تحقق الانشاء وحصول القبض، فقد يتعددان وجودا وقد يتحدان. نعم الشرط العقلي - الذي هو عبارة عما تتم به فاعلية الفاعل، أو قابلية القابل - يستحيل اتحاده مع المقتضي، لاستلزامه ما تقدم من المحذور. ويكشف عما ذكرناه أنه لو تمت المناقشة المذكورة لجرى مثلها في الهبة وبيع الصرف. والسلم، مع أن وضوح تحققها بالقبض الساذج كالشمس في كبد السماء. 2 - الرهن حيث إن المعاطاة إما تفيد الاباحة المجردة، أو الملكية الجائزة، ومن البين أن كلتيهما لا تلائم الرهان، بداهة أن العين المرهونة وثيقة للمرتهن. وبديهي أن جواز الرهن ينافي الاستيثاق. والجواب عن ذلك: أن القول بالاباحة أو الملكية الجائزة إنما هو من ناحية توهم الاجماع على أن المعاطاة لا تفيد الملكية أصلا، أو الملكية اللازمة من أول الامر، وإلا لكانت المعاطاة مشمولة للادلة الدالة على صحة العقود والايقاعات ولزومهما ومن الظاهر أن الاجماع دليل لبي، فلا يؤخذ منه الا بالمقدار المتيقن، وهو العقود التي تتصف باللزوم تلرة وبالجواز أخرى واما العقود التى هي لازمة في ذاتها - كالرهن - فهي خارجة عن معقد الاجماع، ولا أقل من الشك في ذلك. فهو كف في إثبات مقصودنا. والذي يدلنا على هذه النكتة القيمة: أن كلمات أغلب المجمعين ظاهرة، بل صريحة في أن المعاطاة مفيدة للاباحة أو الملك الجائز. وليس معقد الاجماع في كلماتهم أن ما ليس فيه لفظ من العقود والايقاعات فهو غير لازم وإذن فلا بأس بجريان المعاطاة في الرهن ويكون لازما من أول الامر إذ لا نطمئن بدخوله في معقد الاجماع المتقدم. ويضاف إليه: أن ذلك الاجماع ليس بحجة، لعدم العلم بكشفه عن رأي المعصوم عليه السلام. وما هذا شأنه لا يكون دليلا على إثبات الحكم الشرعي. 3 - الوقف حيث إنه صدقة في سبيل الله، فيكون لازما، لانه لو كان جائزا

[ 196 ]

لامكن رجوعه، وما كان الله لا يرجع، وعليه فلا تجري فيه المعاطاة التي هي جائزة قي نفسها. ولكن قد اتضح جوابه مما ذكرناه في الرهن. على أنه لم يثبت كون الوقف من الامور القربية. ويضاف إلى ذلك قيام السيرة القطعية على تحقق الوقف بالمعاطاة، إذ كثيرا ما يوقفون الامتعة بالمعاطاة، كالفراش والسراج والظرف وغيرها. وقد ظهر مما ذكرناه - من جريان المعاطاة في الوقف - جريانها في العتق أيضا. كما اتضح لك من جميع ما بيناه جريانها في كل عقد وإيقاع، وأن الانشاء الفعلى في جميع ذلك قائم مقام الانشاء القولي، إلا ما خرج بالدليل، كالطلاق والنكاح. ملزمات المعاطاة الامر السادس: في ملزمات المعاطاة على كل من القول بالملك والقول بالاباحة. قد ذكرنا - في الامر السابق وغيره - أن الانشاء الفعلي قائم مقام الانشاء القولي في جميع المعاملات، وأن هذا الانشاء الفعلي يصدق عليه عنوان المعاطاة، ويكون مشمولا للعمومات والاطلاقات الدالة على صحة العقود والايقاعات ولزومهما. وعليه فلا مجال للبحث عن ملزمات المعاطاة. وهذا بين لا ريب فيه. نعم يحسن بنا البحث عن ذلك تبعا للمصنف. وقد أسس هو (ره) أصلا أمام البحث عن ملزمات المعاطاة، وحاصله: أنه بناء على إفادة المعاطاة الملك فالاصل فيها اللزوم، لما أسلفناه من الوجوه الثمانية الدالة على لزوم جميع العقود التي منها المعاطاة. وعلى هذا فالاصل في المعاطاة هو اللزوم. أما بناء على القول بالاباحة فمقتضى الاصل فيها هو عدم اللزوم، لانه يجوز للمبيح أن يرجع عن إباحته، لان الناس مسلطون عن أموالهم

[ 197 ]

وقد يتوهم: أن الاباحة الثابتة قبل رجوع المبيح عن إباحته ثابتة بعد رجوعه ايضا، إذ الاصل بقاؤها على حالها. ولكن هذا التوهم فاسد، فان دليل السلطنة حاكم على الاصل المذكور ويضاف إلى ذلك: أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية. ثم إنك قد عرفت - في البحث عن لزوم المعاطاة - أن ما نظمه المصنف من الوجوه الثمانية التي استدل بها على لزوم المعاطاة لا يتم إلا بعضه. وقد تقدم أيضا - في الامر السابق وغيره - أن دعوي الاجماع على عدم لزوم المعاطاة - لكي يكون ذلك تخصيصا للادلة الدالة على لزوم المعاملات - دعوى جزافية، لعدم العلم بوجود الاجماع التعبدي على ذلك. وعلى هذا فلا وجه للبحث عن ملزمات المعاطاة، لانها لازمة من أصلها. نعم بناء على ثبوت الاجماع على جوازها - كما هو مبني المصنف - فلابد من التكلم في ملزماتها. ولا يخفى عليك: أن الاجماع على جواز المعاطاة - على تقدير تماميته - ليس مفاده هو الجواز في زمان دون زمان حتى يقال: إنه بعد ثبوت الجواز من أول الامر لا معنى للرجوع إلى العمومات وإنما المرجع حينئذ هو استصحاب حكم المخصص. بل معقد الاجماع هو حصة خاصة من الجواز. وهي حل العقد بتراد العينين، وهذا أمر ثابت غير محدود إلى زمان. أما الجواز من دون تراد فهو لم يثبت من أول الامر. والمراد من الملزم - هنا - مالا يتمكن معه المتعاطيان من حل المعاطاة، لانتفاع موضوع الجواز، وهو تراد العينين. وبذلك يظهر: أنه لا وجه لما أفاده السيد في حاشيته، وإليك نصه بلفظه: (لا يخفى أن هذا الاصل إنما ينفع مع قطع النظر عن الاجماع على الجواز في الجملة، واشتراط اللزوم بالصيغة، والمفروض في المقام إنما هو بعد الاجماع المذكور. إذ الكلام في الملزمات، والملزم فرع ثبوت الجواز. ومعه لا يتم من الوجوه الثمانية الا استصحاب

[ 198 ]

الملكية منها، إذ لا يجوز التمسك بالعمومات بعد كون المورد خارجا عنها من أول الامر). وعلى الجملة: إنا إذا قلنا بافادة المعاطاة الملكية فلا شبهة في أصالة اللزوم مع الشك في ارتفاع الملكية وبقائها وإذا قلنا بافادتها الاباحة فقد ذكر المصنف: ان الاصل فيه هو الجواز. ولكن الظاهر: أن الاصل فيه هو اللزوم وتفصيل ذلك: أنه إذا لم يتحقق في الخارج ما يحتمل معه اللزوم فلا بأس بما ذكره المصنف من التمسك بدليل السلطنة لاثبات جواز الرجوع لكل من المتعاطيين إلى ماله، إذ المفروض أنه لم يتحقق في الخارج ما يمنع المالك عن إعمال سلطنته فيما أعطاه لصاحبه بعنوان المعاملة المعاطائية - وان وقع في الخارج ما يحتمل معه اللزوم - فلا يجوز التمسك بدليل السلطنة لجواز رجوع المالك إلى ماله، لان القدر المتيقن من الاباحة الثابتة بالاجماع والسيرة ما لم يتحقق في الخارج ما يحتمل معه اللزوم. والا فنتمسك بالادلة الدالة على صحة المعاطاة ولزومها، فيحكم بترتب الملكية عليها ملكية لازمة. وأورد شيخنا الاستاذ على المصنف بأن (ما اختاره هنا ينافي ما ذكره في الامر الرابع في الاباحة بالعوض من أن الاقوى اللزوم، فان مدرك الاقوال الثلاثة جار في مطلق ما يفيد الاباحة، سواء كان قصد المتعاطيين الاباحة أو التمليك مع ترتب الاباحة على فعلهما، فان وجه الجواز مطلقا هو أن العقود التسليطية دائرة مدار الاذن والتسليط... ووجه اللزوم مطلقا كفاية عموم المؤمنون عند شروطهم لاثبات اللزوم... ووجه التفصيل أن المباح له أخرج ماله عن ملكه، فلا دليل على إمكان ارجاعه إليه ثانيا دون المبيح، فانه باق على سلطنته، فإذا كان مختار المصنف اللزوم فكيف يصح قوله: واما على القول بالاباحة فالاصل عدم اللزوم). ويرد عليه: أن مورد البحث في المقام انما هو المعاطاة المقصود بها الملك وعليه

[ 199 ]

فلا وجه للتمسك بقوله صلى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم (1) لان ما التزم به المتعاطيان - وهو الملك - لم يتحقق في الخارج، وما حصل في الخارج - وهو الاباحة الشرعية - لم يقصداه، ولم يلتزما به. وهذا بخلاف أما أفاده المصنف في الامر الرابع، فان كلامه هناك مسوق لبيان المعاطاة المقصود بها الاباحة المعوضة وعليه فيمكن التمسك فيها بدليل وجوب الوفاء بالشرط، ويكون ذلك حاكما على دليل السلطنة. ثم ذكر المصنف (أن تلف العوضين ملزم إجماعا على الظاهر المصرح به في بعض العبائر: أما على القول بالاباحة فواضح، لان تلفه من مال مالكه، ولم يحصل ما يوجب ضمان كل منهما مال صاحبه. وتوهم جريان قاعدة الضمان باليد هنا مندفع... بأن هذه اليد قبل تلف العين لم يكن يد ضمان، بل ولا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة، ولم يرد الرجوع. إنما الكلام في الضمان إذا أراد الرجوع، وليس هذا من مقتضى اليد قطعا). ويرد عليه: أن هذا البيان إنما يتم على القول بكون الاباحة المترتبة على المعاطاة - المقصود بها الملك - إباحة مالكية. ولكن قد ذكرنا مرارا انها إباحة شرعية عليه فيجري هنا ما أفاده المصنف - عند التكلم على كلام بعض الاساطين - من الالتزام بحصول الملكية آناما قبل التلف وانما التزم بذلك هناك من ناحية الجمع بين الادلة وإذن فاللازم عليه أن يحكم هنا بكون التلف في ملك المالك الثاني، وكونه ضامنا بالمسمى، بديهة أن الاجماع يقتضي عدم ثبوت الضمان بالمثل أو القيمة، إذ المفروض أن المعاطاة لم تفد الا الاباحة، وقاعدة ضمان اليد تقتضي كون التلف من ذي اليد. وأصالة بقاء المال في ملك مالكه الاول يقتضي عدم تحقق الملكية إلا آناما قبل التلف. وإذا حصلت الملكية فلا مناص عن الحكم بالضمان بالمسمى. وهذا واضح لا ريب فيه.


(1) قد تقدم هذا الخبر في ص 141.

[ 200 ]

قوله: (واما على القول بالملك). أقول: حاصل كلامه: أنه لا شبهة في ثبوت الفارق بين جواز المعاطاة، وبين جواز البيع الخياري، ضرورة أن متعلق الجواز في المعاطاة إنما هو العين بحيث إن لكل من المتعاطيين أن يسترد ما أعطاه لصاحبه - نظير الجواز في الهبة المتعلق برد العين الموهوبة - فان هذا هو المتيقن من جواز المعاطاة الثابت بالاجماع ولم يثبت جواز المعاطاة على نحو جواز العقد الخياري لكي نستصحبه بعد التلف. وهذا بخلاف متعلق الجواز في البيع الخياري فانه نفس العقد ومن هنا قد عرف غير واحد من العلماء الخيار بملك فسخ العقد، وعلى هذا فلا موضوع لجواز التراد في المعاطاة بعد تلف العينين، بخلاف جواز الفسخ في البيع الخياري، فانه باق بعد تلف العينين أيضا، إذ المفروض بقاء متعلقه، وهو العقد. ويرد عليه: أنه إن كان المراد من التراد هو التراد الخارجي فهو غير مفيد، بديهة أن مجرد رد العين خارجا مع بقائها في ملك الآخذ بالمعاطاة لا يترتب عليه أثر وإن كان المراد من التراد هو أن فسخ العقد لا يكون إلا بتراد العين خارجا، أو بعد تحقق التراد في الخارج فهو متين. ولكنه ليس شيئا آخر وراء تعلق الخيار بنفس العقد، لان الادلة الدالة على لزوم العقود إنما تدل على لزوم كل عقد وقد قام الاجماع على أن المعاطاة المقصود بها الملك تفيد الاباحة إلى زمان معين. ومن الواضح أن الاجماع دليل لبي، فلا يؤخذ منه إلا بالمقدار المتيقن، وهو ما إذا أمكن تراد العينين. وفي غير هذه الصورة يتمسك بعموم العام واذن فلابد للمصنف أن يعلل لزوم المعاطاة مع تلف العينين بأن المأخوذ بالمعاطاة انما تلف من ملك المالك الثاني، فلا يجوز للمالك الاول أن يرجع إليه، إذ المتيقن من جواز الرجوع انما هو صورة الفسخ بتراد العينين وهو غير ممكن مع تلفهما. قوله: (ومنه يعلم حكم ما لو تلف احدى العينين أو بعضها على القول بالملك) أقول: حاصل كلامه: أنه لا شبهة في لزوم العقد مع تلف احدى العينين على القول

[ 201 ]

بالملك، لان جواز المعاطاة إنما يبقى مع امكان تراد العينين، والمفروض أن احداهما قد تلفت، وإذن فتصير المعاطاة لازمة. أما على القول بالاباحة فربما يتوهم أن الاصل هنا عدم اللزوم، لان الاصل أن سلطنة مالك العين الموجودة باقية على حالها. ولكن هذا التوهم فاسد، إذ الاصل المذكور معارض بأصالة براءة ذمة المالك المزبور عن مثل العين التي تلفت عنده وعن قيمته وعليه فهذه المعارضة معارضة بالعرض، لا معارضة بالذات. ودعوى ثبوت الضمان هنا لقاعدة الضمان باليد دعوى جزافية، ضرورة أن اليد هنا ليست بيد ضمان، لاقبل تلف العين ولا بعده. نعم يمكن أن يقال: إن أصالة بقاء السلطنة حاكمة على أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة، لان الشك في الضمان مسبب عن الشك في السلطنة، ومن الظاهر أنه لا مجال لجريان الاصل المسببي مع جريان الاصل السببي. وأضف إلى ذلك: أن مالك العين الموجودة ضامن ببدل العين التالفة جزما. وإنما الاختلاف في أن البدل المضمون هل هو البدل الحقيقي -: أعني به المثل أو القيمة - أو البدل المسمى -: أعني به العين الموجودة - وعليه فلا تجري هنا أصالة عدم الضمان لكي يتوهم تعارضها بأصالة بقاء السلطنة، بديهة أن أصالة براءة الذمة مخالفة للعم الاجمالي بالضمان ومن البين أن العلم المذكور مانع عن جريان أصالة براءة الذمة: وإذن فتصبح أصالة بقاء السلطنة سليمة عن المعارض. ويضاف إلى ذلك كله: أن عموم دليل السلطنة كما يقتضى تسلط مالك العين الموجودة على ماله: بأن يأخذه من صاحبه. كذلك يقتضي تسلط مالك العين التالفة على ماله: بأن يأخذ بدله الحقيقي - من المثل أو القيمة - من الطرف الآخر. وعلى هذا فلا يختص دليل السلطنة بطرف واحد، بل يجري ذلك في كلا الطرفين. وحينئذ فلا مجال للتمسك بالدليل الفقاهي -: أعني به استصحاب براءة الذمة عن المثل والقيمة

[ 202 ]

- مع وجود الدليل الاجتهادي -: أعني به دليل السلطنة - انتهى ملخص كلام المصنف. وفيه مواقع للنظر والمناقشة ويتضح لك ذلك في ضمن أسئلة وأجوبتها: 1 - أن اليد الموضوعة على المأخوذ بالمعاطاة - على القول بالاباحة - هل توجب الضمان؟. الظاهر: أن اليد هنا يد ضمان، ضرورة أن المعاطاة وإن كانت مفيدة للاباحة إلا أن الاخذ والاعطاء فيها ليسا بمجانيين، وبل في مقابل العوض المسمى. وعليه فإذا تلفت احدى العينين وبقيت الاخرى كانت العين الباقية بدلا جعليا عن العين التالفة ومن هنا قد التزم المصنف - عند البحث عن كلام بعض الاساطين - بالضمان المعاوضي في المأخوذ بالمعاطاة، وانما التزم بذلك من ناحية الجمع بين الادلة وإذا لم تكن العين الباقية بدلا جعليا عن العين التالفة وجب الخروج عن عهدتها باعطاء المثل أو القيمة. نعم لا تكون اليد موجبة للضمان في موردين: الاول: أن يسلط المالك غيره على التصرف في ماله مجانا وبلا عوض، فتلف المال عند المتصرف، فان اليد هنا ليست مضمنة، لان المالك قد ألغى احترام ماله بتسليط غيره عليه بلا عوض. وهذا هو الحجر الاساسي للقاعدة المعروفة: وهي كل مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. الثاني: أن تكون اليد يد أمانة - سواء في ذلك الامانة الشرعية والامانة المالكية - فان يد الامانة لا توجب الضمان، ضرورة أنه ليس على الامين سبيل. ولاريب أن كلا الوجهين بعيد عما نحن فيه. وإذن فلا مناص - في المقام - عن القول بالضمان، لقاعدة ضمان اليد. 2 - إذا تلفت احدى العينين وبقيت الاخرى فهل تبقى سلطنة المالك في العين الباقية على القول بالاباحة؟.

[ 203 ]

لا نعقل وجها صحيحا لبقاء سلطنة المالك في العين الباقية على القول بالاباحة: أما على مسلكنا فلان الادلة قد دلت على صحة المعاطاة ولزومها من أول الامر، وقد خرجنا عن ذلك حسب الفرض - من قيام الاجماع على عدم الملكية من أول الامر - في المقدار المتيقن وهو ما إذا كانت العينان موجودتين. أما إذا تلفت احداهما فلا إجماع على عدم الملكية في الآن المتصل بالتلف فيتمسك بتلك الادلة، تثبت بها الملكية اللازمة في ذلك الآن. أما على مسلك المصنف فلان الجمع بين الادلة - على ما صرح به في جواب الشيخ كاشف الغطاء رضوان الله عليه حين ما ادعى أن القول بالاباحة يستدعي تأسيس قواعد جديدة - يقتضي الالتزام بالملكية في آن قبل تلف احدى العينين. وعلى كل حال فقد تلفت العين في ملك مالكها الثاني. وانتقل ماله إلى الطرف الآخر. ومع ذلك كيف يمكن أن يلتزم ببقاء سلطنته مع ارتفاع موضوعها. بل لو قلنا ببقاء السلطنة - في العين الموجودة - للمالك الاول لزم منه الجمع بين العوض والمعوض على مسلكنا ومسلك المصنف كليهما. بل لزم منه الجمع بين المتنافيين، ضرورة أن الحكم بالملكية مع تلف احدى العينين يقتضي انقطاع سلطنة المالك الاول عن العين الموجودة ومن الواضح أن القول بثبوتها له مناف لذلك. وقد انجلى لك مما بيناه: أنه لا وجه للقول باستصحاب سلطنة المالك الاول في العين الموجودة، بداهة أن جريان الاستصحاب مشروط باتحاد الموضوع في القضية المتيقنة والقضية المشكوكة، وإذا تلفت احدى العينين استكشفنا منه دخول كل من العوضين في ملك أي من المتعاطيين. وإذن فيتعدد موضوع الاستصحاب بتعدد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة، ومعه لا مجال للاستصحاب. نعم إذا قطعنا النظر عن الدليل الاجتهادي كان مقتضى الاصل بقاء العين الموجودة في ملك مالكها الاول. ويترتب عليه جواز انتزاعها من يد من هي بيده بقاعدة

[ 204 ]

السلطنة، كما أن مقتضى الاصل بقاء العين التالفة في ملك الآخر إلى زمان تلفها، ويترتب عليه الضمان بالمثل أو القيمة. ولكن هذا مقطوع العدم، لانا نعلم بأن ذمة من تلف عنده المال غير مشغولة بشئ ما لم يطالبه الآخر وعليه فبقاء كل من المالين في ملك مالكه الاول معلوم البطلان واذن فلا مجال لاستصحاب السلطنة، لا في العين الباقية. ولا في العين التالفة. ومما ذكرناه يظهر عدم جواز التمسك لاثبات سلطنة المالك الاول على العين الباقية بقاعدة السلطنة. وعليه فلا وجه لتمسك المصنف بها لاثبات السلطنة لكل من الطرفين، سواء فيه مالك العين الموجودة ومالك العين التالفة. بل لو أغمضنا عما ذكرناه من الجزم بثبوت الملكية للآخذ قبل التلف - ولو بآن - لم يمكن التمسك بقاعدة السلطنة في المقام، لان التمسك بها لاثبات السلطنة لاحد المتعاطيين أو لكليهما من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فان التمسك بدليل السلطنة إنما يصح فيما إذا أحرزنا موضوع السلطنة، وهو المال المضاف إلى المالك، ومن المحتمل خروج المال الذي انتقل إلى غيره - ببيع ونحوه - عن حدود ذلك الموضوع بحيث صار موضوعا لسلطنة المنقول إليه. وبديهي أنه مع الشك في ذلك لا مجال للتمسك بدليل السلطنة. وكذلك الحال في إثبات السلطنة بدليلها في العين التالفة. وعليه فان جرى استصحاب الملكية ترتب عليه جواز رجوع المالك بماله وإلا لم يمكن التمسك بقاعدة السلطنة لاثبات جواز الرجوع، لان الشبهة مصداقية. 3 - أن أصالة بقاء السلطنة على تقدير جريانها هل تكون حاكمة على أصالة البراءة عن الضمان بالمثل أو القيمة؟. ذهب المصنف (ره) إلى ذلك. ويمكن تقرير الحكومة بوجهين: الاول: أن يقال إن الشك في ثبوت الضمان بالمثل وعدمه مسبب عن الشك في بقاء سلطنة المالك الاول وعدم بقائه، والاصل الجاري في الشك السببي حاكم على الاصل الجاري في الشك المسببي.

[ 205 ]

الثاني: أن يقال إن استصحاب الجاري في طرف يتقدم على البراءة الجارية في الطرف الآخر، لحكومة دليل الاستصحاب على دليل البراءة، فإذا علمنا بعدم مطابقة أحدهما للواقع - كما هو الحال في المقام - تعين العمل بالاستصحاب، ويرتفع بذلك موضوع البراءة. وقد ذهب إلى هذا جمع من المحققين. وعليه فيجري استصحاب السلطنة، فيحكم بالضمان بالبدل الواقعي دون المسمى. أما الوجه الاول فيرد عليه: أنا ذكرنا في محله أن مجرد كون أحد الاصلين سببيا والآخر مسببيا لا يسوغ حكومة الاول للثاني، بل لابد في ذلك أن يكون ارتفاع الثاني أو ثبوت ضده أثرا شرعيا للاول، ومن البديهي أن عدم البراءة عن الضمان بالمثل أو القيمة ليس من الآثار الشرعية لاستصحاب السلطنة لكي يترتب عليه ارتفاع أصالة البراءة عن الضمان بالبدل الواقعي. وإنما الاثر الشرعي المترتب على استصحاب السلطنة هو جواز رجوع مالك العين إليها. ومن لوازمه العقلية ضمانه بالبدل الواقعي للعين التالفة، ضرورة قيام القرينة الخارجية على أن مالك العين التالفة لم يعطها لمالك العين الباقية إعطاء مجانيا، ومن البديهي أن هذه الملازمة الخارجية لا تدل على ارتفاع الاصل المسببي بالاصل السببي إلا على القول بالاصل المثبت. وهذا واضح لا ريب فيه. أما الوجه الثاني فيرد عليه أولا: أن دليل الاستصحاب إنما يكون حاكما على أصالة البراءة فيما إذا كان مجراهما واحدا، فان الواقع حينئذ يحرز بالاستصحاب فلا يبقى مجال للرجوع إلى البراءة. أما إذا تعدد المجرى فلا موجب للتقديم، فإذا علمنا إجمالا بوقوع نجاسة في الماء أو علمنا بكون المايع الآخر ولا كان استصحاب عدم وقوع النجس في الماء معارضا بقاعدة الطهارة في المايع الآخر، لا أن الاستصحاب يجري وتثبت به نجاسة ذلك المايع، والمقام من هذا القبيل إلا أن يلتزم بحجية الاصل المثبت، فانه لا مانع حينئذ من جريان الاستصحاب وحكومته على أصالة الطهارة أو أصالة البراءة.

[ 206 ]

وعليه فالعمل باستصحاب السلطنة، وتقديمه على أصالة براءة الذمة عن الضمان منوط بحجية الاصل المثبت، فيحكم بعدم براءة الذمة عن البدل الواقعي، لانه من اللوازم العقلية لبقاء السلطنة. ثانيا: أنه يمكن قلب أصالة البراءة عن الضمان بالمثل أو القيمة إلى استصحاب براءة الذمة عن المثل أو القيمة فان ذمة مالك العين الموجودة لم تكن مشغولة بالبدل الواقعي للعين التالفة قبل التلف، فالاصل عدم اشتغالها بذلك بعد التلف أيضا. وإذن فيقع التعارض بين الاستصحابين، وبعد ذلك يرجع إلى اصالة البراءة. وعلى الجملة لم نعقل وجها صحيحا لتقديم استصحاب السلطنة في العين الموجودة على أصالة البراءة عن البدل الواقعي في العين التالفة. نعم إذا تمسكنا في المقام باستصحاب الملكية في كلا المالين إلى زمان تلف أحدهما لم يبق مجال للتمسك بأصالة البراءة، فان الحكم باشتغال ذمة الطرف الآخر بالمثل أو القيمة من الآثار الشرعية لبقاء ما تلف في يده على ملك مالكه الاول. لكن قد عرفت ما في هذا الاستصحاب آنفا. وقد ظهر لك مما أوضحناه: أن أدلة صحة البيع ولزومه إنما تدل على ترتب الملكية على المعاطاة من أول الامر. غاية الامر أنه على تقدير تحقق الاجماع لزم منه الالتزام بالاباحة إلى أن تتلف احدى العينين. وأما مع التلف فيحكم بالملكية قبله آناما، لعدم الاجماع حينئذ. ولو أغضمنا عن الادلة الاجتهادية الا أن استصحاب بقاء كل من المالين على ملك مالكه الاول قاض بضمان المثل أو القيمة، ومعه لا تصل النوبة إلى أصالة البراءة عن الضمان بالمثل والقية، ولا إلى استصحاب السلطنة في العين الباقية فضلا عن جريانه في العين التالفة. قوله: (ولو كان أحد العوضين دينا في ذمة احد المتعاطيين فعلى القول بالملك

[ 207 ]

يملكه من في ذمته فيسقط عنه، والظاهر انه في حكم التلف، لان الساقط لا يعود. ويحتمل العود وهو ضعيف). اقول: قد ذكرنا سابقا - عند البحث عن النقوض المتوجهة على تعريف البيع، وعند البحث عن الحق والحكم - ان كل احد مالك لذمته وما فيها بالملكية الذاتية التكونية، لا بالملكية الاعتبارية العرضية، بداهة انه لا معنى للثبوت الاعتباري في موارد الثبوت التكويني، فان الاعتبار في أمثال الموارد لغو محض وتحصيل للحاصل. وعليه فإذا ملك الانسان شيئا في ذمة غيره فقد ملكه بالملكية الاعتبارية، فإذا انتقل ذلك المملوك إلى المملوك عليه - وهو المديون - تبدلت الاضافة الاعتبارية بالاضافة التكوينية. وعليه فلا مجال للقول باستحالة مالكية الانسان لما في ذمته ولو كانت الملكية ملكية ذاتية. كما لا مجال لدعوى ملك الانسان لما في ذمته حدوثا وسقوطه بقاء إذ لو أمكن ملكه له ملكية اعتبارية حدوثا أمكن ذلك بقاء أيضا وعلى كل حال فالظاهر لزوم المعاطاة حينئذ من أول الامر، وذلك للعمومات الدالة على لزومها. وقد خرجنا عن ذلك بالاجماع ولكنه - على تقدير تسليمه - مختص بما إذا أمكن التراد، وهو لا يمكن مع فرض كون أحد العوضيين دينا وبذلك يظهر أنه إذا كان أحد العوضين دينا - ولو كان على ذمة غير المتعاطيين - حكم بلزوم المعاطاة من أول الامر. قوله: (والظاهر أن الحكم كذلك على القول بالاباحة فافهم) أقول: ربما يتوهم من ظاهر عبارة المصنف أنه إذا كان أحد العوضين دينا في ذمة أحد المتعاطيين حكم بلزوم المعاطاة على القول بالاباحة، كما حكم بلزومها أيضا على القول بالملك. ولكن هذا التوهم فاسد، بداهة أن كون الاباحة موجبة لسقوط ما في الذمه من الدين لا يزيد على التلف الحقيقي - على القول بالاباحة - وقد عرفت قريبا أن المصنف لم يلتزم باللزوم في فرض التلف الحقيقي - على القول بالاباحة - بل التزم بجريان اصالة السلطنة في العين الباقية والرجوع إلى البدل الواقعي في العين التالفة. والمظنون قويا أن غرض المصنف من تنزيل القول بالاباحة - هنا - على القول بالملك هو أن الاباحة

[ 208 ]

توجب سقوط الدين. كما أن التمليك يوجب سقوطه. وقد ناقش فيه شيخنا الاستاذ بان (إباحة الدين على من هو عليه لا يستلزم السقوط، لان كون الدين مباحا لمن عليه الدين معناه أنه تجوز له التصرفات فيه باسقاطه عما في ذمته والمصالحة عليه وسائر انحاء التصرفات الجائزة على القول بالاباحة فيرجع مالك ما في الذمة إلى ملكه الذي أباحه لمن عليه، لعموم الناس مسلطون وسائر الادلة). ثم أجاب عن هذه المناقشة بأن (الاباحة التي هي محل البحث في باب المعاطاة ليست بالمعنى الذي حملها عليه صاحب الجواهر من أن إفادة المعاطاة الاباحة إنما هو فيما إذا كان قصد المتعاطيين الاباحة، بل المراد منها التسليط المالكي على التقريب المتقدم، فإذا أوجدا مصداق التسليط فلا فرق بينه وبين الملك، فكما انه لا يعقل ان يتملك الانسان ما في ذمته فكذلك لا يمكن ان يكون مسلطا عليه. فنتيجة التسليط ايضا السقوط والتلف، والتالف لا يعود). والصيحيح ان القول باللزوم - فيما كان احد العوضين دينا - لا يتوقف على استحالة تملك الانسان لما في ذمته، أو سلطنته عليه، وإلا فقد عرفت: ان مالكية الانسان لما في ذمته. بمرتبة من الامكان، بل هي من اعلى مراتب المالكية، غاية الامران قوام هذه المالكية بالاضافة الذاتية، لا بالاضافة الاعتبارية العرضية، وكذلك تسلط الانسان على ما في ذمته، فانه بمكان من الامكان، بل القول باللزوم مبني على ما ذكرناه من ان الادلة قد دلت على صحة المعاطاة ولزومها من اول الامر، فلو قلنا بالملكية، وسلمنا الاجماع على الجواز لم نقل به في المقام، لان المتيقن من معقد الاجماع غير ما إذا كان احد العوضين دينا، كما أنا لو قلنا بالاباحة من جهة الاجماع على عدم الملكية بالمعاطاة كان المتيقن من معقده غير ذلك ايضا. فيلتزم بالملكية وبلزومها بالمعاطاة من الاول فيما إذا كان احد العوضين دينا

[ 209 ]

في الذمة، لاستحالة تراد العينين حينئذ، فلا يشمله الاجماع القائم على الجواز أو الاباحة. قوله: (ولو نقل العينان أو احداهما بعقد لازم الخ) أقول: إذا نقلت العينان أو احداهما بعقد لازم فلا شبهة في لزوم المعاطاة، ضرورة أن انتقال المأخوذ بالمعاطاة إلى غيره كالتلف، سواء في ذلك القول بالملك والقول بالاباحة. وعلى هذا فلو عادت العين ثانيا إلى ملك الآخذ بالمعاطاة لم يثبت بذلك حق الرجوع لمالكها الاول، لسقوطه بنقل العين إلى غيره، فعوده إليه ثانيا يحتاج إلى دليل، وهو منفي. وكذلك الحال في سائر التصرفات المتوقفة على الملك. وقد اتضح لك مما ذكرناه انه لا فارق في لزوم المعاطاة بنقل العين إلى غيره. بين أن يكون ذلك بعقد لازم وبين كونه بعقد جائز (1).


(1) قد يتوهم: أن تعلق حق الرجوع بالمأخوذ بالمعاطاة يخرجه عن كونه طلقا، وإذن فتبطل المعاملة على ذلك قبل لزوم المعاطاة. ولكن هذا التوهم فاسد، لان الخيار لم يتعلق بالعين، بل إنما تعلق بالعقد. قيل: إن جواز التراد كان ثابتا قبل التصرف، ونشك في سقوطه بعد التصرف الناقل مع رجوع العين إلى المتصرف فنستصحبه. والجواب عن ذلك: أن جواز الرجوع قد سقط بنقل العين إلى غيره. فلا مجال لاستصحابه. بل إنما يستصحب عدم جواز الرجوع بعد رجوع العين إلى ناقله. نعم قد وجهه بعض المحققين وإليك لفظه: (موضوع جواز التراد ما يملكه المتعاطيان، وهذا موضوع محفوظ قبل النقل وبعد الفسخ، وإنما الشك في أن تخلل النقل رافع للحكم عن موضوعه. ولكن يتوجه عليه: أن الجواز في باب المعاطاة وإن كان متعلقا بالعقد - كبقية الخيارات - إلا أنه ثابت بالاجماع. ومن الظاهر أن المتيقن منه إنما هو عدم تحقق =

[ 210 ]

أما أتغير العين المأخوذة بالمعاطاة فهو أيضا يوجب لزوم المعاطاة بناء على ما ذكرناه من أن القاعدة تقتضي لزوم المعاطاة من حين العقد، فلو تم إجماع فالقدر المتيقن منه هو الجواز قبل وقوع ما يحتمل معه اللزوم، وأما بعده فيتمسك باطلاق مادل على اللزوم. أما على مسلك المصنف (ره) فلا تصير المعاطاة لازمة بذلك، بديهة أن التغير لا يتوقف على الملك لكي نلتزم به من ناحية الجمع بين الادلة، ونحكم بلزوم المعاطاة. قوله: (ولو باع العين ثالث فضولا). أقول: حاصل كلامه: أنه إذا باع العين ثالث فضولا، وقلنا بأن المعاطاة تفيد الملكية لم يبعد أن تكون إجازة المالك الاول رجوعا كبيعه وسائر تصرفاته المتوقفة على الملك ولكنه لا يخلو عن إشكال. وإن إجازه المالك الثاني لزمت المعاطاة بغير إشكال وإذا قلنا بأن المعاطاة تفيد الاباحة انعكس الحكم إشكالا ووضوحا: بمعنى أنه تنفذ إجازة المالك بغير شبهة، ولكن يتردد في نفوذ إجازة المباح له فإذا أجاز العقد الواقع على العين فضولا نفذت إجازته. وأن العين باقية في ملك المالك، فإذا أجاز المباح له العقد الفضولي الواقع على العين لم تنفذ إجازته،


= التصرفات المتوقفة على الملك. وإلا فيسقط ذلك، فتصير المعاطاة لازمة وعليه فلا يبقى مجال للاستصحاب، لا من ناحية التفصيل بين ما ثبت المستصحب بالدليل اللبي، وبين غيره، بل من ناحية عدم وجود المستصحب، لان موضوع جواز الفسخ هنا ليس مطلق ما يملكه المعاطيان كما زعمه المحقق المذكور. بل ما يملكه المتعاطيان قبل تحقق التصرف المتوقف على الملك. وإذن فلا يبقى مجال لاستصحاب الجواز، لانتفاع موضوعه جزما، سواء في ذلك القول بالاباحة والقول بالملكية. وعليه فأصالة اللزوم محكمة. وقد تجلى لك مما أوضحناه أنه لا فارق في سقوط الجواز وعدم عوده ثانيا بين أن يكون رجوع العين بالفسخ والاقالة، وبين رجوعها بمعاملة جديدة أو إرث أو نحوهما. وهذا بين لا ريب فيه.

[ 211 ]

لانه كغيره من الاجانب. والتحقيق: أنه إذا قلنا بأن المعاطاة تفيد الاباحة، وأجاز المالك الاول العقد الفضولي الواقع على العين كانت إجازته رجوعا عن المعاطاة، لان المفروض أن العين باقيه على ملكه، والناس مسلطون على أموالهم، فتكون إجازته للبيع الواقع على ملكه فضولا كبيعه له بنفسه، فيكون فسخا للمعاطاة. ومن هنا يظهر أن له رد العقد الفضولي أيضا، لانه هو المالك، فله الاجازة والرد. وهل يكون رده - على القول بالاباحة رجوعا - عن المعاطاة؟ قد يقال بعدمه نظرا إلى أن رد العقد الفضولي لا يترتب عليه إلا بقاء ماله على ما كان عليه مملوكا له. وهذا لا ينافي إباحته للمتعاطي فتبقى الاباحة على حالها. ولكن في هذا خلطا بين المعاطاة المقصود بها الاباحة وبين المعاطاة المقصود بها الملكية مع ترتب الاباحة عليها بالتعبد ففيما إذا أعطى المالك ماله وقصد به الاباحة لم يكن رد العقد الواقع عليه فضولا رجوعا عن الاباحة. بخلاف إجازته. وأما إذا أعطى ماله قاصدا به التمليك فهو أجنبي عن ذلك المال في اعتباره. والاباحة الشرعية مترتبة على هذا الاعبار حدوثا وبقاء فما دام هذا الاعتبار كان باقيا فهو أجنبي عن المال، فليس له رد العقد الواقع عليه فرده يكشف بالدلالة الالتزامية عن رجوعه في المعاطاة وإرجاع مملوكه إلى نفسه، فكان الرد كالاجازة في أنه يكون رجوعا عن المعاطاة. وإن أجاز المباح له ذلك العقد الفضولي عبارت المعاطاة لازمة. فان شأن الاجازة الصادرة منه شأن البيع الصادر منه. فكما أن البيع توجب لزوم المعاطاة، كذلك الاجازة. أما إشكال المصنف (ره) في تأثير إجازته فلعله مبني على أن الجمع بين الادلة - كما أفاده قدس سره - يقتضي الالتزام بالملكية آناما قبل التصرف المتوقف عليها وهذا لا يتحقق في فرض الاجازة. وإنما يتحقق في فرض بيعه بنفسه، وذلك فان

[ 212 ]

الصحيح أن الاجازة كاشفة لا ناقلة. وعليه فلابد من الالتزام بدخول المال المعطى في ملك المباح له قبل البيع الفضولي آناما، وهذا مناف للقول بالاباحة، كما هو المفروض نعم لو كانت الاجازة ناقلة صحت إجازة المباح له كبيعه بلا إشكال. ويندفع هذا الاشكال بما ذكرناه من أن القول بالاباحة لم يدل عليه دليل غير الاجماع المدعى على عدم تأثير المعاطاة في الملكية. وإلا فالاطلاقات وافية بافادتها لها - كما في العقد اللفظي - والمتيقن من الاجماع على تقدير تسليمه إنما هو ما قبل صدور العقد الفضولي المتعقب باجازته. وأما في غيره فيتمسك بالاطلاقات، وتثبت بذلك الملكية من حين صدور العقد، فيصح باجازته، وينتقل البدل إليه. نعم لا يؤثر رده في إبطال العقد الفضولي، إذ المفروض أن العين باقية في ملك مالكها. وأما المباح له فليس له إلا جواز التصرف فيها دون رد العقد الواقع عليها. وإن شئت قلت: إن غاية ما يترتب على رد المباح له أنه لا يضاف إليه العقد الفضولي. فتكون العين باقية على حالها من عدم تصرف المباح له فيها. وهذا لا ينافى جواز تصرف المالك فيها باجازته للعقد المترتب عليها. فيكون هذا رجوعا عن المعاملة المعاطاتية هذا كله على القول بالاباحة. أما على القول بالملك فان أجازه المالك الثاني كانت الاجازة نافذه بلا إشكال، لانها إجازة من المالك، ولزمت المعاطاة، لانتقال العين إلى شخص آخر. وإن رده سقط العقد الفضولي عن قابليته للاجازة منه أو من المالك الاول، إذ المفروض أن الرد قد صدر من المالك، فيلغو العقد الواقع على ماله، على هو المعروف من عدم تأثير الاجازة بعد الرد. ولكنه مع ذلك لا تخرج المعاطاة من التزلزل إلى اللزوم، بديهة أن رده هذا ليس إلا هدما للعقد الفضولي، وجعله كالعدم، وهذا لا يلازم المعاطاة بوجه. وإن أجازه المالك الاول أو رده كان ذلك فسخا للمعاطاة، لما عرفته قريبا من دلالة الاجازة أو الرد

[ 213 ]

على رجوعه عن عقد المعاطاة والا فهو أجنبي عن إجازة. العقد الواقع على ملك غيره ورده فالاجازة أو الرد كاشفة عن الرجوع بالدلالة الالتزامية. أما إشكال المصنف في تأثير إجازته فلعله مبني على أن فسخ. المالك الاول ورجوعه عن المعاطاة إنما يؤثر من حينه، فالمبيع يرجع إليه من حين الفسخ. وهذا لا يمكن الالتزام به هنا، فان الاجازة إذا صحت لابد من أن تكشف عن الملكية حال العقد، والمفروض أنه لا يمكن الالتزابه هنا، لفرض أنه لا موجب لرجوع المال إلى مالكه الاول غير فسخه، وهو متأخر عن العقد الفضولي زمانا. نعم لا بأس بالالتزام بتأثير الاجازة - على القول بالنقل - إلا أنه خلاف المبنى. ويمكن دفع الاشكال أولا: بأنه لو تم فانما يترتب عليه عدم صحة العقد الفضولي باجازة المالك الاول ولا يترتب عليه بقاء المعاطاة على حالها وعدم انفساخها بتلك الاجازة، ضرورة أن الاجازة - كما عرفته - كاشفة عن رجوع المالك الاول لا محالة، سواء في ذلك تأثيرها في صحة العقد الفضولي وعدمه. ثانيا: أن الكشف الذي التزم به المصنف (ره) هو الكشف الحكمي، دون الكشف الحقيقي، والكشف الحكمي نقل حقيقة. وإنما يفترق عن النقل بلزوم ترتيب ما هو الممكن من آثار الملكية السابقة من حين الاجازة. وبما أنه لا يمكن ترتيب آثار الملكية السابقة - حال العقد - من حين الاجازة فلا يحكم بترتبها. بل يحكم بترتب الملكية حال الاجازة. ثم انه ذكر المصنف (ره): أنه (لو رجع الاول فاجاز الثاني فان جعلنا الاجازة كاشفة لغى الرجوع. ويحتمل عدمه، لانه رجوع قبل تصرف الآخر فينفذ. ويلغوا الاجازة. وان جعلناها ناقلة لغت الاجازة قطعا) والتحقيق: أن الاجازة - على القول بالكشف ويأتي في مبحث البيع الفضولي - قد تكون منزلة المعرف المحض لصحة العقد الفضولي من الاول من دون دخل لها في

[ 214 ]

صحة العقد أصلا. وقد تكون دخيلة في تأثير الانشاء السابق: إما على سبيل الشرط المتأخر. وإما على سبيل كونه قيدا. على أن يكون المؤثر في الملكية هو الانشاء السابق المقيد بتعقب الاجازة. وعلى المعنى الاول فيمكن الالتزام بأن الاجازة الصادرة من المالك الثاني - وإن تأخرت - تؤثر في العقد الفضولي. واما رجوع المالك الاول - وإن تقدم - فلا يؤثر في ذلك، إذ الاجازة تكشف عن انتقال المال عن مالكه الاول إلى غيره من حين العقد وحينئذ فالرجوع الصادر من المالك الاول لغو محض، فانه رجوع بعد انتقال العين إلى ثالث، فلا موضوع له. والجواب عن ذلك: أولا: أنه هذا المعنى للكشف وإن كان محتملا في مقام الثبوت، ولكن لا دليل عليه في مقام الاثبات. بل الادلة الدالة على اعتبار الرضا في صحة العقد تدل على عدمه. ثانيا: أنا لو سلمنا أن الاجازة المتأخرة معرفة لصحة العقد من دون أن يكون لها دخل فيها، إلا أنها إنما تكون كذلك إذا صدرت من المالك الذي ينتسب إليه العقد بالاجازة، لا من كل أحد. ومن الواضح أن رجوع المالك الاول يرفع موضوع الاجازة من المالك الثاني، فلا تكون إجازته صادرة من المالك لكي تكون معرفه لصحة العقد من أول الامر. وبتعبير آخر: أن الاجازة المعرفة إنما هي الاجازة التي تصدر ممن يرجع إليه أمر العين - التي وقع عليه العقد - بحيث يصح له أن يبيعها. وإذا فرض أنه خرج عن دائرة اختياره بفسخ المعاطاة لم تصح الاجازة لكي تكون كاشفة. وبما ذكرناه يظهر حكم مالو رد المالك الاول، ثم أجاز المالك الثاني، حيث ذكرنا ان الرد رجوع منه في عقد المعاطاة بالدلالة الالتزامية. وعلى المعنى الثاني فالامر أوضح، بداهة أن المؤثر في تأثير الانشاء انما هو

[ 215 ]

الاجازة اللاحقة الصادرة من المالك الثاني، لا كل اجازة - وإن صدرت من غير المالك - وقد عرفت آنفا أن المالك الثاني قد انقطعت علاقته عن المال المعطى له برجوع المالك الاول. وعليه فلا تؤثر اجازته في انتساب العقد إليه لكي يكون مشمولا للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها. واذن فالاجازة المتأخرة الصادرة من المالك الثاني لا غية. ثم لو رجع المالك الاول صريحا أو بالدلالة الالتزامية - كما إذا أجاز العقد الفضولي أورده - وقارنته الاجازة من المالك الثاني فان قلنا بشمول الاجماع - القائم على جواز المعاطاة - لصورة رجوعه حال إجازة المالك الثاني فلا يقى مجال لاجازة المالك الثاني. وان لم نقل بذلك كان رجوع المالك الاول - في تلك الحالة - لاغيا. هذا كله في حكم المثمن. وقد ظهر من جميع ما تلوناه عليك حكم الثمن أيضا. قوله: (ولو امتزجت العينان أو احداهما سقط الرجوع على القول بالملك، لامتناع التراد ويحتمل الشركة وهو ضعيف. أما على القول بالاباحة فالاصل بقاء التسلط على ماله الممتزج بمال الغير، فيصير المالك شريكا مع مالك الممتزج به). أقول: التحقيق: أنه لا قصور في شمول العمومات - الدالة على لزوم المعاطاة المقصود بها الملك - لمحل الكلام نهاية الامر انه يحكم بجوازها للاجماع. ومن البين الذي لا شك فيه أن الاجماع - على تقدير تحققه - دليل لبي فلابد من الاقتصار فيه على المقدار المتيقن، وهو ما كان المأخوذ بالمعاطاة موجودا عند الآخذ بالمعاطاة ومتميزا عن غيره من جميع الجهات. وعليه فإذا امتزج ذلك بغيره لم نطمئن بوجود الاجماع على الجواز. واذن فلابد من الحكم بلزوم المعاطاة في هذه الصورة. سواء في ذلك القول بالملكية والقول بالاباحة. وعلى هذا فلا وجه لما احتمله المصنف من الالتزام بالشركة على القول بالملك. كما لا وجه لاستصحاب بقاء السلطنة على القول بالاباحة. وأضف إلى ذلك قيام السيرة القطعية على عدم جواز الرجوع مع امتزاج

[ 216 ]

المأخوذ بالمعاطاة بغيره، إذ لو أخذ أحد دهنا من بقال - بالبيع المعاطاتي - فمزجه بدهن آخر فانه لا يشك أحد في أنه ليس للآخذ ان يرده إلى البائع. واحتمال أن تكون المعاطاة حينئذ لازمة من طرف المشتري وجائزة من طرف البائع بعيد غايته هذا كله فيما إذا لم يكن المزج موجبا لصدق التلف على المال المأخوذ بالمعاطاة، والا كان الحكم باللزوم مع الامتزاج أوضح. وقد اتضح لك مما بيناه حكم التصرف المغير للعين، كطحن الحنطة وفصل الثوب بل دعوى السيرة المتقدمة هنا بمكان من الوضوح. واذن فلا مجال لاستصحاب جواز التراد على القول بالملك. كما لا وجه للقول بعدم اللزوم على القول بالاباحة. قوله: (ليس جواز الرجوع في مسألة المعاطاة نظير الفسخ في العقود اللازمة حتى يورث بالموت، ويسقط بالاسقاط ابتداء أو في ضمن المعاملة. بل هو على القول بالملك نظير الرجوع في الهبة. وعلى القول بالاباحة نظير الرجوع في اباحة الطعام الخ). أقول: لا شهبة في أن جواز الرجوع في المعاطاة جواز حكمي، كجواز الرجوع في الهبة وكجواز الرجوع في اباحة الطعام - كما ذكره المصنف - الا أن جواز الرجوع في العقود الخيارية أيضا من قبيل الحكم، لما عرفته في البحث عن الحكم والحق من أنه لا فارق بينهما بحسب الواقع، بل الفارق بينهما بحسب الاصطلاح فقط باعتبار أن أي حكم كان رفعه بيد المكلف يسمى حقا، وما لا يكون كذلك يسمى حكما والا فالحق أيضا حكم شرعي غايته أنه يقبل الارتفاع باختيار المكلف له ومن الظاهر أن الجواز في البيع الخياري من هذا القبيل، بخلاف الجواز في الهبة، والمتبع في كل مورد هو دلالة الدليل ثم ان الجواز في بيع المعاطاة انما ثبت لخصوص المتعاطيين، ولا يثبت لوارثهما والوجه في ذلك: أن العمومات الدالة على لزوم العقد تقتضي لزوم المعاطاة من أول الامر لكونها عقدا بالحمل الشايع. ولكن الاجماع - على تقدير تسليمه - قد انعقد

[ 217 ]

على جوازها. وبما أنه دليل لبي فلابد من الاخذ بالمقدار المتيقن منه. ومن المعلوم أن المقدار المتيقن من الاجماع هو ثبوت الجواز في المعاطاة ما دام المتعاطيان باقيين في الحياة ولا إجماع على الجواز فيما إذا مات أحدهما أو كلاهما وإذن فتصير المعاطاة لازمة للعمومات المزبورة وعليه فلا مجال لتوهم انتقاله إلى الوارث بأدلة الارث. ولا يفرق في ذلك بين القول بأن المعاطاة تفيد الملكية أو الاباحة: أما على الاول فواضح أما على الثاني فلان الاباحة الثابتة هنا ليست إباحة مالكية. وإنما هي إباحة شرعية قد ثبتت بالاجماع، فان الكلام إنما هو في المعاطاة المقصود بها الملك، وقد انعقد الاجماع - على تقدير تسليمه - على عدم تأثيرها في الملكية، وترتب إباحة التصرف عليها. لكن القدر المتيقن من ذلك ثبوت الاباحة لنفس المتعاطيين، وعدم ترتب الملك على المعاطاة في زمان حياتهما إلى آن قبل موت أحدهما، وحيث لا إجماع بعد ذلك فالمرجع هي الاطلاقات. وبذلك تثبت الملكية لهما فينتقل المال من الميت إلى وارثه. وإذن فمنزلة ما نحن فيه منزلة نقل العين المأخوذة بالمعاطاة إلى غيره بشئ من النواقل الاختيارية فكما أن الثاني ملزم للمعاطاة، كذلك الاول. وأضف إلى ذلك قيام السيرة القطعية على لزوم المعاطاة بموت أحد المتعاطيين، إذ لم نر ولم نسمع إلى الان رجوع الوارث إلى المأخوذ بالمعاطاة بعد موت مورثه. بل إذ آراد الرجوع إلى ذلك عده الناس خارجا عن سلك العقلاء. وكذلك الحال في رجوع الحي إلى ورثة الميت فيما أخذه منه بالمعاطاة، فالسيرة كاشفة عن انتقال المأخوذ بالمعاطاة إلى وارث الميت ولزومه بلا فرق بين القول بأن المعاطاة تفيد الملك، والقول بأنها تفيد الاباحة. وقد تبين لك مما أوضحناه أنه لوجن أحد المتعاطيين لم يجز الرجوع إلى الآخر سواء فيه القول بالملك والقول بالاباحة، فان الدليل على جواز المعاطاة إنما هو الاجماع - على تقدير تحققه - ولا نطمئن بوجوده في هذه الصورة، بل يرجع إلى أدلة اللزوم

[ 218 ]

على كلا القولين وإذن فلا وجه صحيح لما أفاده المصنف من ثبوت حق الرجوع لولي المجنون على كلا القولين. جريان الخيارات المصطلحة في المعاطاة الامر السابع في جريان الخيارات المصطلحة في المعاطاة وعدم جريانها فيها. قد تكلمنا. في ذلك اجمالا في الامر الاول، وأو كل المصنف - هناك - البحث عن ذلك إلى ما سيأتي، وهنا موعده فنقول: لا ينبغي الشك في عدم جريان الخيار ولا غيره من أحكام البيع على المعاطاة المقصود بها الاباحة، إذ لا صلة بين هذا القسم من المعاطاة وبين البيع بوجه لكي تجري عليها أحكامه بل. شأن المعاطاة المقصود بها الاباحة شأن إباحة الطعام. ونحوه في الضيافات وغيرها. وهل يسوغ لاحد أن يتوهم جريان الخيارات - مثلا - في الضيافات وأشباهها من أقسام الاباحات؟. وأيضا لا ينبغي الشك في جريان الخيار وسائر أحكام البيع على المعاطاة المقصود بها الملك إذا قلنا بافادتها الملك اللازم من أول الامر، بداهة أنها على هذا الرأي لا يقصر عن البيع اللفظي بشئ فتكون موضوعا للاحكام الجارية عليه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، إذ لا نعرف وجها صحيحا لاختصاص الاحكام المزبورة بالبيع اللفظي. وإنما الاشكال في جريان الخيار وسائر احكام البيع على المعاطاة المقصود بها الملك إذا قلنا باقادتها الملك الجائز أو الاباحة. وقبل تحقيق ذلك لابد وأن يعلم أن الخيار على ثلاثة أقسام: 1 - أن يثبت فيه بالاشتراط والجعل ولو من جهة اشتراط فعل على أحد المتبائعين أو اشتراط صفة في أحد العوضين، فان مرجع الاشتراط في هذه الموارد إلى

[ 219 ]

جعل الخيار أيضا، لانا لا نعقل وجها صحيحا لجعل الشرط في البيع إلا ثبوت الخيار فيه. للمشروط له على تقدير التخلف، بداهة أن مرجع الاشتراط إما إلى توقف أصل العقد على تحقق الشرط، أو إلى توقف لزومه عليه. وعلى الاول فيلزم التعليق في العقود، وهو مبطل للبيع إجماعا. وعلى الثاني فلزوم العقد متوقف على الوفاء بالشرط، والا فهو جائز. وهذا هو معنى كون العقد خياريا. 2 - أن يثبت الخيار في البيع بالشرط الضمنى حسب ما يقتضيه بناء العقلاء والارتكاز العرفي من غير تصريح بالشرط في ضمن العقد. ومثاله: أن يشتري أحد من غيره عرضا خاصا بدينار مع الجهل بقيمته الواقعية فبأن أنه لا يسوى الا بدرهم، فانه لا ريب في ثبوت الخيار للمشتري، للارتكاز القطعي، وبناء العقلاء على اشتراط البيع بكون العوضين متساويين في المالية وإذا تخلف ذلك ثبت للشمروط له خيار تخلف الشرط الضمنى الثابت بالارتكاز. 3 - أن يكون الخيار ثابتا في البيع بالدليل الشرعي التعبدي بحيث يكون البيع بنفسه وعنوانه موضوعا لذلك الخيار تعبدا من غير احتياج إلى الاشتراط الصريح في متن العقد، أو إلى الارتكاز العقلائي. وذلك كخياري الحيوان والمجلس، فانهما ثابتان للبيع بدليل خاص تعبدي وإذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أنه لا وجه للمناقشة في جريان الخيار في القسمين الاولين على المعاطاة بناء على إفادتها الملك الجائز، فانها بيع عرفا وشرعا. بل لو لم تكن بيعا أيضا لجرى عليها الخيار في هذين القسمين، بداهة أن دليل ثبوت الخيار في هذين القسمين غير مختص بالبيع، بل يعم كل معاوضة وإن لم يكن بيعا. وقد نوقش في جريان الخيار عليها حينئذ أن أثر الخيار إنما هو جواز العقد، ومن الواضح أن المعاطاة جائزة بالذات فلا معنى لجوازها بالعرض. وعليه فجعل الخيار في المعاطاة لغو محض، وتحصيل للحاصل. كما نوقش - أيضا - في جريان الخيار المختص

[ 220 ]

بالبيع - كخياري المجلس والحيوان - على المعاطاة بأن الظاهر من دليل جعل الخيار اختصاصه بعقد كان وضعه على اللزوم من غير ناحية هذا الخيار، فلا يشمل المعاطاة، لكونها جائزة بطبعها الاولي. أما المناقشة الاولى فقد تقدم جوابها عند التكلم على الامر الاول، ويأتي - أيضا - في مبحث الخيارات. أما المناقشة الثانية فقد تقدم جوابها - أيضا - في الامر الاول وأضف إليه أنه إن أريد - من ظهور دليل الخيار في الاختصاص بعقد كان مبناه على اللزوم - اللزوم عند المتعاقدين فلا شبهة في أن المعاطاة أيضا كذلك. وإن أريد من ذلك اللزوم عند الشارع فهو غير صحيح في البيع اللفظي أيضا، إذ قد يجتمع خيار المجلس والحيوان، وهما مع خيار آخر. وقد اتضح لك مما أوضحناه جريان الارش هنا أيضا، إذ لا قصور في شمول دليله لما نحن فيه. هذا كله على القول بافادة المعاطاة الملك. أما على القول بافادتها الاباحة فلا مانع من ثبوت الخيار لها الذي لا يختص دليله بالبيع فقط - كما في القسمين الاولين على ما عرفته آنفا - إلا أن أثر ثبوت الخيار حينئذ ليس رجوع الملك إلى مالكه الاول، إذ المفروض أن المال بعد باق على ملكه. ولم ينتقل منه إلى غيره ليرجع إليه بالفسخ، بل أثره سقوط العقد عن قابليته للتأثير بفسخ المعاملة وعدم بقاء أحد المتعاطيين على التزامه. وقد بينا ذلك في الامر الاول. نعم يشكل ذلك في مقام الاثبات وإقامة الدليل، فان دليل نفوذ الشرط يختص بالعقد الممضى شرعا. فإذا فرضنا أن الشارع لم يمض عقد المعاطاة، وكان كل من المالين باقيا على ملك مالكه - غاية الامر أنه أباح لكل من المتعاطيين التصرف في مال الآخر - فكيف يمكن القول بصحة الشرط الواقع في ضمنه بدليل وجوب الوفاء بالشرط، أو بدليل وجوب الوفاء بالعقد بماله من القيود؟. والمتحصل: أن دليل ثبوت الخيار وان لم يشمل جعل الخيار في المعاطاة - بناء

[ 221 ]

على افادتها الاباحة - إلا أنه لا إشكال في إمكان ثبوته فيها: ويترتب عليه سقوط العقد عن قابليته للتأثير بفسخه. وانما الاشكال في ثبوت الخيار الذي اختص دليله بالبيع. قد يقال: بعدم ثبوت ذلك في المعاطاة - على القول بافادتها الاباحة - لعدم كونها بيعا، بل هي معاوضة مستقلة، كما احتمله الشهيد الثاني في المسالك. ويرد عليه: أنها بيع عرفي. وإمضاء الشارع لها مشروط بتحقق الملزم. وعليه فهي كبيع الصرف الذي اشترطت صحته بالقبض في المجلس فكما أن حصول الملكية في بيع الصرف متأخر عن البيع، كذلك المعاطاة. نعم تفترق المعاطاة - عن غيرها بجواز تصرف كل من المتعاطيين قبل حصول الملكية، ولا يجوز ذلك في غيرها. والفارق بينهما إنما هو قيام الاجماع على جواز التصرف في المعاطاة. وعليه فلا مانع من ثبوت الخيار - المختص دليله بالبيع - في المعاطاة على القول بترتب الاباحة عليها دون الملك. نعم إن دليل خياري المجلس والحيوان لا يعم ما إذا لم يصح العقد شرعا. ولم يتعلق به الامضاء خارجا. وعليه فلا يبقى مجال لثبوت مثل هذا الخيار في المعاطاة على هذا القول هذا كله قبل أن يتحقق شئ من الملزمات التي تقدمت. أما بعد تحققه فعقد المعاطاة عقد صحيح يجري عليه خيار المجلس وخيار الحيوان فانه بيع نافذ، فيعمه دليل الخيار الثابت فيه. ويترتب على ذلك أن غاية خيار المجلس - حينئذ - هو الافتراق عن مجلس تحقق فيه البيع بتحقق شئ من الملزمات، كما أن مبدء الثلاثة في خيار الحيوان إنما هو حين تحققه. وبما ذكرناه يظهر جريان الخيار الثابت في القسمين الاولين - أيضا - على المعاطاة بعد تحقق شئ من الملزمات بل هذا أولى بالجريان، فانها لو سلمت أنها ليست ببيع كانت معاوضة مستقلة، وقد رتب عليها الشارع ابتداء خلاف ما قصده المتعاطيان إلى زمان تحقق الملزم. ورتب عليها ما قصده المتعاطيان بعد تحقق الملزم، ومن الظاهر

[ 222 ]

أن ذلك لا يمنع عن جريان الخيار - الذي لم يختص دليله بالبيع - عليها. العقد الفاقد لبعض شرائط الصيغة هل يرجع إلى المعاطاة أم لا الامر الثامن: أنه لا ريب في تحقق المعاطاة المصطلحة - التى هي معركة الآراء بين الخاصة والعامة - بما إذا تحقق إنشاء التمليك أو الاباحة بالفعل، وهو قبض العينين. أما إذا حصل ذلك بالقول غير الجامع للشرائط فهل يترتب عليه ما يترتب على المعاطاة؟. الاقوال في المقام ثلاثة: 1 - القول برجوع ذلك إلى المعاطاة. 2 - القول برجوعه إليها إذا تعقبه القبض والاقباض. 3 - القول بعدم رجوعه إليها، بل يكون ذلك من البيوع الفاسدة. وقد أطال المصنف الكلام - هنا - ولكن الظاهر أنه لا يترتب ثمر مهم على هذه الاطالة. والتحقيق: أن حقيقة كل أمر إنشائي من الاوامر والنواهي والعقود والايقاعات متقومة بالاعتبار النفساني المبرز بمظهر خارجي، سواء أكان هذا المبرز فعلا من الافعال الجوارحية، أم كان قولا. وعليه فلا وجه لتخصيص ذلك المبرز بالقول، أو بحصة خاصة منه، بل يعم القول والفعل كليهما. إلا أن يدل دليل خاص على اعتبار مبرز معين في صحة عقد أو ايقاع ونفوذه شرعا، كما هو الحال في اعتبار اللفظ في صحة عقد النكاح وفى اعتبار اللفظ الخاص في صحة الطلاق. وعلى هذا الضوء فيصح إنشاء عقد البيع وغيره بأي مبرز كان من غير أن يكون مشروطا بصيغة خاصة فضلا عن أن تكون هذه الصيغة مشروطة بشرط لكي يتكلم في أنه إذا وقع خلل في بعض ما يرجع إلى هذه الصيغة من الشرائط هل تشمله العمومات والمطلقات الدالة على صحة ذلك

[ 223 ]

العقد ولزومه. ومع الاغضاء عن هذا المهنج الصحيح، والالتزام باعتبار قيود معينة في صيغة البيع أو غيره فهل يحكم بفساد الصيغة مع الاخلال ببعض قيودها، أم يحكم عليها بحكم المعاطاة؟ التحقيق: أن ما يدل على اعتبار الصيغة الخاصة في البيع - مثلا - قد يكون ظاهرا في اعتبارها في لزومه، فيحكم بكون البيع بالصيغة الفاقدة لتلك الخصوصية بيعا صحيحا جائزا، إذ المفروض أن المشروط بتلك الخصوصية إنما هو لزوم العقد دون صحته. وعليه فان كان لدليل الاشتراط إطلاق أخذ به، ويحكم بأن العقد الفاقد لها جائز دائما، كسائر العقود الجائزة ومع وجود الاطلاق لا موضوع للتمسك باستصحاب الجواز، إذ لا مجال لجريان الاصل العملي مع وجود الاصل اللفظي. وعليه فيكون الاصل في هذه المعاملة - التي هي مورد بحثنا - هو الجواز. فلا يحكم بلزومها بما يوجب لزوم المعاطاة، لا من ناحية الجمع بين الادلة - كما هو مذهب المصنف - ولا من ناحية الاخذ بالمقدار المتيقن من دليل الجواز - كما هو المختار عندنا - بل المتبع هو إطلاق دليل الاشتراط إلا أن يدل دليل بالخصوص على اللزوم فيما إذا كان إطلاق. وأما إذا لم يكن إطلاق في دليل الاشتراط فيتمسك في غير المقدار المتيقن بعموم أدلة اللزوم في العقود ومعه - أيضا - لا وجه للرجوع إلى استصحاب الجواز، كما كان الامر كذلك على القول بافادة المعاطاة الملكية الجائزة. وقد يكون ما يدل على اعتبار الصيغة الخاصة ظاهرا في اعتبارها في صحة العقد، لا في لزومه، فيحكم بفساد العقد مع الاخلال بها، أو بشئ من شرائطها، وحينئذ فلا يجوز لكل من المتعاطيين أن يتصرف فيما أخذه من العوض مستندا إلى هذا العقد، سواء أحصل فيه قبض وإقباض، أم لم يحصل فيه ذلك، فان شأن المقبوض بذلك شأن المقبوض بسائر العقود الفاسدة. ولا يقاس ذلك بالمعاملة المعاطاتية على القول بعدم

[ 224 ]

إفادتها الملك، فان جواز تصرف كل من المتعاطيين فيما إنتقل إليه إنما ثبت بالاجماع، وبالسيرة القطعية، ولا إجماع في محل الكلام فتحصل أن الصيغة الفاقدة للخصوصية - المعتبرة في ترتب الملكية ونفوذ المعاملة - وجودها كالعدم، فلا يترتب عليها إباحة التصرف أيضا. نعم إذا كان القبض والاقباض، لا على سبيل الوفاء بالعقد الفاسد، بل على سبيل المعاملة المعاطاتية مع قطع النظر عن العقد السابق بحيث يكون الفعل مع قطع النظر عن ذلك العقد مبرزا للاعتبار النفساني إذا كان كذلك كان ذلك مصداقا للبيع المعاطاتى، ويترتب عليه جميع ما يترتب على المعاطاة من الاحكام والآثار، إذ ليس من شرائط صحة المعاملة المعاطاتية أن لا يسبقها عقد فاسد ومثل ذلك ما إذا رضي المالك بجواز التصرف في ماله غير مبني على العقد الفاسد، فانه يجوز التصرف فيه حينئذ. لكن الاباحة في هذا الفرض إباحة مالكية. وأما الاباحة المترتبة على المعاطاة - على القول بافادتها ذلك - إباحة شرعية وقد نقدم تفصيل ذلك في الابحاث السابقة. وهذان الموردان خارجان عن دائرة حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد خروجا تخصصيا. وعلى الجملة: إنا إذا اعتبرنا لفظا خاصا في صحة البيع كان الفاقد لذلك بيعا فاسدا، ولا يجري عليه حكم المعاطاة. وأما فرض تحقق المعاطاة بالقبض والاقباض بعد فساد هذا العقد فهو أجنبي عن محل الكلام، لان ما هو صحيح لاصلة له بالعقد اللفظي وما هو عقد لفظي قد فسد من أصله. وكذلك الحال في فرض العلم برضا المالك بالتصرف لا من جهة الوفاء بالعقد الفاسد. قوله: (ولا يكفي فيه عدم العلم بالرجوع، لانه كالاذن الحاصل من شاهد الحال). أقول: قد يناقش في المنع عن جواز التصرف مع الشك في بقاء الرضا السابق بتوهم أن استصحاب الرضا يترتب عليه جواز التصرف ما لم يعلم بارتفاعه.

[ 225 ]

ولكن تندفع هذه المناقشة بأن حرمة التصرف في مال غيره بدون إذنه ورضاه حكم انحلالي بحسب الافراد العرضية والطولية. وعليه فكل فرد من تلك الافراد محكوم بحرمة التصرف ما لم يحرز فيه إذن المالك. ومن الواضح أن إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر غير داخل في الاستصحاب. بل هو داخل في القياس. وعلى الجملة: إن الاباحة الثابتة في محل الكلام إباحة مالكية، وهي تدور مدار الرضا في كل فرد من الافراد العرضية أو الطولية للتصرف، فما احرز به رضا المالك فهو وإلا لم يجز لعموم مادل على عدم جوازه. وقد ظهر لك مما ذكرناه بطلان قياس المقام بما إذا شك في رجوع المالك في المعاملة المعاطاتية، حيث إنه لا شك في جواز التصرف - حينئذ - على القول بافاتها الاباحة دون الملك تمسكا باستصحاب عدم الرجوع ووجه الظهور: أن الاباحة الثابتة في مورد المعاملة المعاطاتية إباحة شرعية. غايتها رجوع المالك فإذا شك في تحقق الغاية استصحب عدمه. أما الاباحة في محل الكلام فهي إباحة مالكية التي تدور مدار رضا المالك في كل فرد من أفراد التصرف، فان لم يحرز في فرد لم يجز التصرف فيه ولا يمكن الحكم بجوازه مع الشك في ثبوت الجواز لفرد آخر غيره. نعم إذا كان المالك قد أذن في تصرف ما بالخصوص أو بالعموم، وشك في بقائه، لاحتمال رجوعه عن إذنه صح استصحاب إذنه في جواز ذلك التصرف في ظرف الشك لكن إين ذلك من الشك في الاذن بالنسبة إلى ذلك الرضا في كل فرد من الافراد العرضية أو الطولية للتصرف، فما احرز به رضا المالك فهو وإلا لم يجز لعموم مادل على عدم جوازه. وقد ظهر لك مما ذكرناه بطلان قياس المقام بما إذا شك في رجوع المالك في المعاملة المعاطاتية، حيث إنه لا شك في جواز التصرف - حينئذ - على القول بافاتها الاباحة دون الملك تمسكا باستصحاب عدم الرجوع ووجه الظهور: أن الاباحة الثابتة في مورد المعاملة المعاطاتية إباحة شرعية. غايتها رجوع المالك فإذا شك في تحقق الغاية استصحب عدمه. أما الاباحة في محل الكلام فهي إباحة مالكية التي تدور مدار رضا المالك في كل فرد من أفراد التصرف، فان لم يحرز في فرد لم يجز التصرف فيه ولا يمكن الحكم بجوازه مع الشك في ثبوت الجواز لفرد آخر غيره. نعم إذا كان المالك قد أذن في تصرف ما بالخصوص أو بالعموم، وشك في بقائه، لاحتمال رجوعه عن إذنه صح استصحاب إذنه في جواز ذلك التصرف في ظرف الشك لكن إين ذلك من الشك في الاذن بالنسبة إلى ذلك التصرف حدوثا الذي هو مورد الكلام والى هنا وقف القلم في مبحث المعاطاة. وبذلك قد تم الجزء الثاني من كتابنا مصباح الفقاهة في المعاملات. ويتلوه الجزء الثالث إنشاء الله. الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية